######OpenITI# #META# Author: ابن عادل #META# Title: اللباب في علوم الكتاب #META# Date: ت 880 ه #META# Tafsir_type: تفاسير أهل السنة #META# Source: altafsir.com #META#Header#End# ### | [1 - سورة الفاتحة] ### || [1.2] # قوله تعالى: { الحمد لله }. # الحمد: الثناء على الجميل سواء كانت نعمة مبتدأة إلى أحد ~~أم لا. # يقال: حمدت الرجل على ما أنعم به، وحمدته على شجاعته، ~~ويكون باللسان وحده، دون عمل الجوارح، إذ لا يقال: حمدت زيدا ~~أي: عملت له بيدي عملا حسنا، بخلاف الشكر؛ فإنه لا يكون إلا على ~~نعمة مبتدأة إلى الغير. # يقال: شكرته على ما أعطاني، ولا يقال: شكرته على شجاعته، ~~ويكون بالقلب، واللسان، والجوارح؛ قال الله تعالى: # اعملوا آل داوود شكرا # [سبأ: 13] وقال الشاعر: [الطويل]. # 37- أفادتكم النعماء مني ثلاثة # يدي ولساني والضمير المحببا # فيكون بين الحمد والشكر عموم وخصوص من وجه. # وقيل: الحمد هو الشكر؛ بدليل قولهم: " الحمد لله شكرا ". # وقيل: بينهما عموم وخصوص مطلق. # والحمد أعم من الشكر. # وقيل: الحمد: الثناء عليه تعالى [بأوصافه، والشكر: الثناء عليه ~~بأفعاله] فالحامد قسمان: شاكر ومثن بالصفات الجميلة. # وقيل: الحمد مقلوب من المدح، وليس بسديد - وإن كان ~~منقولا عن ثعلب؛ لأن المقلوب أقل استعمالا من المقلوب منه، ~~وهذان مستويان في الاستعمال، فليس ادعاء قلب أحدهما من ~~الآخر أولى من العكس، فكانا مادتين مستقلتين. # وأيضا فإنه يمتنع إطلاق المدح حيث يجوز إطلاق الحمد، فإنه ~~يقال: حمدت الله - تعالى - ولا يقال: مدحته، ولو كان مقلوبا ~~لما امتنع ذلك. # ولقائل: أن يقول: منع من ذلك مانع، وهو عدم الإذن في ذلك. # وقال الراغب: " الحمد لله ": الثناء بالفضيلة، وهو أخص من ~~المدح، وأعم من الشكر، فإن المدح يقال فيما يكون من ~~الإنسان باختياره، وما يكون منه بغير اختيار، فقد يمدح الإنسان ~~بطول قامته، وصباحة وجهه، كما يمدح ببذل ماله وشجاعته وعلمه، ~~والحمد يكون في الثاني دون الأول. # قال ابن الخطيب - رحمه الله تعالى -: الفرق بين الحمد ~~والمدح من وجوه: # أحدها: أن المدح قد يحصل للحي، ولغير الحي? ألا ترى ~~أن من رأى لؤلؤة في غاية الحسن، فإنه يمدحها؟ فثبت ~~أن المدح أعم من الحمد. # الثاني: أن المدح قد يكون قبل الإحسان، وقد يكون بعده، أما ~~الحمد فإنه لا يكون ms0001 إلا بعد الإحسان. # الثالث: أنا المدح قد يكون منهيا عنه؛ قال عليه الصلاة ~~والسلام: # " احثوا التراب في وجوه المداحين " # أما الحمد فإنه مأمور به مطلقا؛ قال - عليه الصلاة والسلام -: # " من لم يحمد الناس لم يحمد الله " # الرابع: أن المدح عبارة عن القول الدال على كونه مختصا ~~بنوع من أنواع الفضائل. # وأما الحمد فهو القول الدال على كونه مختصا بفضيلة ~~معينة، وهي فضيلة الإنعام والإحسان، فثبت أن المدح أعم من ~~الحمد. # وأما الفرق بين الحمد والشكر، فهو أن الحمد يعم إذا ~~وصل ذلك الإنعام إليك أو إلى غيرك، وأما الشكر، فهو ~~مختص بالإنعام الواصل إليك. # وقال الراغب - رحمه الله -: والشكر لا يقال إلا في مقابلة ~~نعمة، فكل شكر حمد، وليس كل حمد شكرا، وكل حمد مدح، ~~وليس كل مدح حمدا. # ويقال: فلان محمود إذا حمد، ومحمد وجد محمودا، ~~ومحمد كثرت خصاله المحمودة. # واحمد أي: أنه يفوق غيره في الحمد. # والألف: واللام في " الحمد " قيل: للاستغراق. # وقيل: لتعريف الجنس، واختاره الزمخشري؛ وقال الشاعر: ~~[الطويل] # 38-.................. # إلى الماجد القرم الجواد المحمد # وقيل: للعهد، ومنع الزمخشري كونها للاستغراق، ولم يبين وجهة ~~ذلك، ويشبه أن يقال: إن المطلوب من العبد إنشاء الحمد، لا ~~الإخبار به، وحينئذ يستحيل كونها للاستغراق، إذ لا يمكن العبد ~~أن ينشىء جميع المحامد منه ومن غيره، بخلاف كونها للجنس. # والأصل في " الحمد " المصدرية؛ فلذلك لا يثنى، ولا يجمع. # وحكى ابن الأعرابي جمعه على " أفعل "؛ وأنشد: [الطويل] # 39- وأبيض محمود الثناء خصصته # بأفضل أقوالي وأفضل أحمدي # وقرأ الجمهور: " الحمد لله " برفع الدال وكسر لام ~~الجر، ورفعه على الابتداء، والخبر الجار والمجرور بعده ~~يتعلق بمحذوف وهو الخبر في الحقيقة. # ثم ذلك المحذوف إن شئت قدرته [اسما، وهو المختار، وإن ~~شئت قدرته] فعلا أي: الحمد مستقر لله، واستقر ~~لله. # والدليل على اختيار القول الأول: أن ذلك يتعين في ~~بعض الصور، فلا أقل من ترجيحه في غيرها، وذلك أنك إذا ~~قلت: " خرجت فإذا في الدار زيد " و " أما في الدار ~~فزيد " يتعين في هاتين الصورتين [أن يقدر ms0002 بالاسم]؛ لأن ~~" إذا " الفجائية وأما التفصيلية لا يليهما إلا ~~المبتدأ. وقد عورض هذا اللفظ بأنه يتعين تقدير الفعل في ~~بعض الصور، وهو ما إذا وقع الجار والمجرور صلة لموصول، ~~نحو: الذي في الدار فليكن راجحا في غيره؟ # والجواب: أن ما رجحنا به من باب المبتدإ، أو الخبر، وليس ~~أجنبيا، فكان اعتباره أولى، بخلاف وقوعه صلة، [والأول غير ~~أجنبي]. # ولا بد من ذكر قاعدة -ها هنا- لعموم فائدتها، وهي أن ~~الجار والمجرور والظرف إذا وقعا صلة أو صفة، أو حالا، أو خبرا ~~تعلقا بمحذوف، وذلك المحذوف لا يجوز ظهوره إذا كان كونا مطلقا: ~~فأما قول الشاعر: [الطويل] # 40 - لك العز إن مولاك عز، وإن يهن # فأنت لدى بحبوحة الهون كائن # وأما قوله تبارك وتعالى: # فلما رءاه مستقرا عنده # [النمل: 40] فلم يقصد جعل الظرف كائنا فلذلك ذكر المتعلق به، ثم ~~ذلك المحذوف يجوز تقديره باسم أو فعل إلا في الصلة، فإنه ~~يتعين أن يكون فعلا. واختلفوا: أي التقديرين أولى فيما ~~عدا الصور المستثناة؟ # فقوم رجحوا تقدير الفعل، [وقوم رجحوا تقدير الاسم]، وقد ~~تقدم دليل الفريقين. # وقرىء شاذا بنصب الدال من " الحمد " ، وفيه وجهان: # أظهرهما: أنه منصوب على المصدرية، ثم حذف العامل، وناب ~~المصدر منابه؛ كقولهم في الأخبار: " حمدا، وشكرا لا كفرا " ~~والتقدير: " أحمد الله حمدا " ، فهو مصدر ناب عن جملة خبرية. # وقال الطبري - رحمه الله تعالى -: " إن في ضمنه أمر عباده ~~أن يثنوا به عليه، فكأنه قال: " قولوا: الحمد لله " وعلى هذا ~~يجيء قولوا: إياك ". # فعلى هذه العبارة يكون من المصادر النائبة عن الطلب لا الخبر، ~~وهو محتمل للوجهين، ولكن كونه خبريا أولى من كونه ~~طلبيا، ولا يجوز إظهار الناصب، لئلا يجمع بين البدل والمبدل ~~منه. # والثاني: أنه منصوب على المفعول به، أي: اقرءوا الحمد، أو ~~اتلوا الحمد؛ كقولهم: " اللهم ضبعا وذئبا " ، أي: ~~اجمع ضبعا، والأول أحسن؛ للدلالة اللفظية. # وقراءة الرفع أمكن، وأبلغ من قراءة النصب، لأن الرفع ~~في باب المصادر التي أصلها النيابة عن أفعالها يدل على ~~الثبوت والاستقرار، بخلاف النصب، فإنه ms0003 يدل على التجدد ~~والحدوث، ولذلك قال العلماء - رحمهم الله -: إن جواب إبراهيم - ~~عليه الصلاة والسلام - في قوله تعالى حكاية عنه: # قال سلام # [هود: 69] أحسن من قول الملائكة: # قالوا سلاما # [هود: 69] امتثالا لقوله تعالى: # فحيوا بأحسن منهآ # [لنساء: 86]. # و " لله " على قراءة النصب يتعلق بمحذوف لا بالمصدر، لأنها ~~للبيان، تقديره: أعني لله، كقولهم: " سقيا له ورعيا لك " ~~تقديره: " أعني له ولك " ، ويدل على أن اللام تتعلق في هذا ~~النوع بمحذوف لا بنفس المصدر، أنهم لم يعملوا المصدر المتعدي في ~~المجرور باللام، فينصبوه به فيقولوا: سقيا زيدا، ولا رعيا ~~عمرا، فدل على أنه ليس معمولا للمصدر، ولذلك غلط من جعل قوله ~~تعالى: # والذين كفروا فتعسا لهم # [محمد: 8]، من باب الاشتغال؛ لأن " لهم " لا يتعلق ب " ~~تعسا " كما مر. # ويحتمل أن يقال: إن اللام في " سقيا لك " ونحوه مقوية ~~لتعدية العامل؛ لكونه فرعا فيكون عاملا فيما بعده. # وقرىء: - أيضا - بكسر الدال، ووجهه: أنها حركة ~~إتباع لكسرة لام الجر بعده، وهي لغة " تميم " ، وبعض " ~~غطفان " ، يتبعون الأول للثاني؛ للتجانس. ومنه: [الطويل] # 41-............... # اضرب الساقين أمك هابل # بضم نون التثنية لأجل ضمة الهمزة، ومثله: [البسيط] # 42- ويلمها في هواء الجو طالبة # ولا كهذا الذي في الأرض مطلوب # الأصل: ويل لأمها، فحذف اللام الأولى، واستثقل ضمة ~~الهمزة بعد الكسرة، فنقلها إلى اللام بعد سلب حركتها، ~~وحذف الهمزة، ثم أتبع اللام الميم، فصار اللفظ: " ~~ويلمها ". # ومنهم من لا يتبع، فيقول: " ويلمها " بضم اللام، ~~قال: [البسيط] # 43 - ويلمها خلة قد سيط من دمها # فجع وولع وإخلاف وتبديل # ويحتمل أن تكون هذه القراءة من رفع، وأن تكون من ~~نصب، لأن الإعراب مقدر منع من ظهوره حركة ~~الإتباع. # وقرىء أيضا: " لله " بضم لام الجر، قالو: وهي إتباع لحركة ~~الدال وفضلها الزمخشري على قراءة كسر الدال، معللا لذلك ~~بأن إتباع حركة الإعراب أحسن من العكس، وهي لغة بعض ~~" قيس " ، يتبعون الثاني نحو: " منحدر ومقبلين " بضم ~~الدال والقاف لأجل الميم، وعليه قرىء: # مردفين # [الأنفال: 9] بضم الراء، إتباعا للميم. # فهذه أربع قراءات في " الحمد لله ms0004 ". # ومعنى لام الجر - هنا - الاستحقاق أي: الحمد مستحق لله - تعالى ~~- ولها معان أخر نذكرها وهي: # الملك: المال لزيد. والاستحقاق: الجل للفرس. ~~والتمليك: نحو: وهبت لك وشبهه نحو: # جعل لكم من أنفسكم أزواجا # [الشورى: 11] لتسكنوا إليها. # والنسب: نحو: لزيد عم. # والتعليل: نحو: # لتحكم بين الناس # [النساء: 105]، والتبليغ: نحو: قلت لك. # والتبليغ: نحو قلت لك. # وللتعجب في القسم خاصة؛ كقوله: [البسيط] # 44- لله يبقى على الأيام ذو حيد # بمشمخر به الظيان والآس # والتبيين نحو قوله تعالى: # هيت لك # [يوسف: 23]. # والصيرورة: نحو قوله تعالى: # ليكون لهم عدوا وحزنا # [القصص: 8]. # والظرفية إما بمعنى " في ": كقوله تعالى: # ونضع الموزين القسط ليوم القيمة # [الأنبياء: 47]، أو بمعنى " عند ": كقولهم: " كتبته ~~لخمس " ، أي: عند خمس، أو بمعنى " بعد ": كقوله ~~تعالى: # أقم الصلوة لدلوك الشمس # [الإسراء: 78] أي: بعد دلوكها. # والانتهاء: كقوله تعالى: # كل يجري لأجل مسمى # [الرعد: 2]. # والاستعلاء: نحو قوله تعالى: # ويخرون للأذقان # [الإسراء: 109]. # وقد تزاد باطراد في معمول الفعل مقدما عليه؛ كقوله تعالى: # إن كنتم للرءيا تعبرون # [يوسف: 43]، [وإذا] كان العامل فرعا، نحو قوله تعالى: # فعال لما يريد # [هود: 107]. # وبغير اطراد؛ نحو قوله في ذلك البيت: [الوافر] # 45- فلما أن تواقفنا قليلا # أنخنا للكلاكل فارتمينا # وأما قوله تعالى: # عسى أن يكون ردف لكم # [النمل: 72]، فقيل: على التضمين، وقيل: هي زائدة. # ومن الناس من قال: تقدير الكلام: قولوا: الحمد لله. # قال ابن الخطيب: - رحمه الله تعالى -: وهذا عندي ضعيف؛ لأن ~~الإضمار إنما يصار إليه ليصح الكلام، وهذا الإضمار يوجب فساد ~~الكلام، والدليل عليه: أن قوله - تعالى - " الحمد لله " إخبار ~~عن كون الحمد حقا [لله تعالى] وملكا له، وهذا كلام تام في ~~نفسه، فلا حاجة إلى الإضمار. # وأيضا فإن قوله: " الحمد لله " يدل على كونه مستحقا للحمد ~~بحسب ذاته، وبحسب أفعاله، سواء حمدوه أو لم يحمدوه. # قال ابن الخطيب: - رحمه الله تعالى -: " الحمد لله ثمانية ~~أحرف، وأبواب الجنة ثمانية [أبواب]، فمن قال: " الحمد لله " ~~بصفاء قلبه استحق أبواب الجنة الثمانية " والله أعلم. # فصل # تمسك الجبرية والقدرية بقوله تعالى: " الحمد لله " أما ~~الجبرية ms0005 فقد تمسكوا به من وجوه: # الأول: أن كل من كان فعله أشرف وأكمل، وكانت النعمة ~~الصادرة عنه أعلى وأفضل، كان استحقاقه للحمد أكثر، ولا شك أن ~~أشرف المخلوقات هو الإيمان، فلو كان الإيمان فعلا للعبد، ~~لكان استحقاق العبد للحمد أولى وأجل من استحقاق الله له، ~~ولما لم يكن كذلك، علمنا أن الإيمان حصل بخلق الله - تعالى - لا ~~بخلق العبد. # الثاني: أجمعت الأمة على قولهم: " الحمد لله على نعمة ~~الإيمان " ، فلو كان العبد فاعلا للإيمان لكان قولهم: " الحمد ~~لله على نعمة الإيمان "؛ باطلا، فإن حمد الفاعل على ما لا يكون ~~فعلا له باطل قبيح؛ لقوله تعالى: # ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا # [آل عمران: 188]. # الثالث: أن قوله تعالى: " الحمد لله " يدل ظاهره على أن ~~كل الحمد لله، وانه ليس لغير الله - تعالى - حمد أصلا، ~~وإنما يكون كل الحمد لله تعالى إذا كان كل النعم من الله ~~تعالى، والإيمان أفضل النعم، فوجب أن يكون الإيمان من الله ~~تعالى. # الرابع: أن قوله: " الحمد لله " مدح منه لنفسه، ومدح ~~النفس قبيح فيما بين الخلق، فلما بدأ كتابه بمدح النفس، ~~دل ذلك على أن حاله بخلاف حال الخلق، وأنه يحسن منه ما ~~يقبح من الخلق، وذلك يدل على أنه - تبارك وتعالى - مقدس عن أن ~~تقاس أفعاله على أفعال العباد. # الخامس: عند المعتزلة أفعاله - تعالى - يجب أن تكون حسنة، ~~ويجب أن تكون لها صفة زائدة على الحسن، وإلا كان عبثا، وذلك ~~في حقه تعالى محال، والزائدة على الحسن إما [أن تكون] واجبة، ~~وإما أن تكون من باب التفضل. # أما الواجب فهو مثل إيصال الثواب، والعوض إلى المكلفين. # وأما الذي يكون من باب التفضل، فهو مثل أنه يزيد على قدر ~~الواجب على سبيل الإحسان. # فنقول: هذا يقدح في كونه - تعالى - مستحقا للحمد، ويبطل ~~صحة قولنا: الحمد لله. # وتقريره أن نقول: أما أداء الواجبات، فإنه لا يفيد استحقاق ~~الحمد، ألا ترى أن من كان له على غيره دين دينار، فأداه، ~~فإنه لا يستحق الحمد، فلو أوجبنا على الله ms0006 تعالى فعلا، لكان ذلك ~~الفعل مخلصا [له] عن الذم، ولا يوجب استحقاقه للحمد. # وأما فعل التفضل فعند الخصم أنه يستفيد بذلك مزيد حمد ولو ~~لم يصدر عنه ذلك الفعل، لما حصل له الحمد، فإذا كان كذلك كان ناقصا ~~لذاته مستكملا بغيره، وذلك يمنع من كونه - تعالى - مستحقا للحمد ~~والمدح. # السادس: قوله: الحمد لله يدل على أنه - تعالى - محمود، فنقول: ~~استحقاقه للحمد والمدح إما أن يكون أمرا ثابتا لذاته، فإن كان ~~الأول، امتنع ثبوته لغيره، فامتنع - أيضا - أن يكون شيء من ~~الأفعال موجبا له استحقاق الذم؛ لأن ما ثبت لذاته امتنع ارتفاعه، ~~فوجب ألا يجب للعباد عليه شيء من الأعواض والثواب، وذلك ~~يهدم أصول المعتزلة. # وأما القسم الثاني - وهو أن يكون استحقاق الحمد لله ليس ثابتا ~~لذاته - فنقول: فيلزم منه أن يكون ناقصا لذاته مستكملا بغيره، ~~وذلك على الله - تعالى - محال. # أما قول المعتزلة: إن قوله: " الحمد لله " لا يتم إلا ~~على قولنا؛ لأن المستحق للحمد على الإطلاق هو الذي لا قبيح في ~~فعله، ولا جور في قضيته، ولا ظلم في أحكامه? وعندنا ~~أن الله - تعالى - كذلك؛ فكان مستحقا لأعظم المحامد ~~والمدائح. # أما على مذهب الجبر لا قبيح إلا وهو فعله، ولا جور إلا وهو ~~حكمه، ولا عبث إلا وهو صنعه؛ لأنه يخلق الكفر في الكافر، ~~ثم يعذبه عليه، ويؤلم الحيوانات من غير أن يعوضها، فكيف ~~يعقل على هذا التقدير كونه مستحقا للحمد؟ # وأيضا ذلك الحمد الذي يستحقه الله - تعالى - بسبب الإلهية؛ إما أن ~~يستحقه على العبد، أو على نفسه، فإن كان الأول وجب كون العبد ~~قادرا على الفعل؛ وذلك يبطل القول بالجبر. # وإن كان الثاني كان معناه أن الله تعالى يجب عليه أن يحمد نفسه؛ ~~وذلك باطل، قالوا: فثبت أن القول بالحمد لا يصح إلا على ~~قولنا. # فصل هل وجوب الشكر يثبت بالعقل أو الشرع؟ # اختلفوا في أن وجوب الشكر ثابت بالعقل أو بالسمع. # من الناس من قال: إنه ثابت بالسمع، لقوله تبارك وتعالى: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ms0007 # [الإسراء: 15]، ولقوله تبارك وتعالى: # رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على ~~الله حجة بعد الرسل # [النساء: 165]. # ومنهم من قال: إنه ثابت قبل مجيء الشرع، وبعد مجيئه على ~~الإطلاق؛ والدليل عليه قوله تبارك وتعالى: " الحمد لله " وبيانه ~~من وجوه: # الأول: أن قوله تعالى: " الحمد لله " يدل على أن هذا الحمد ~~حقه، وملكه على الإطلاق، وذلك يدل على أن ثبوت هذا الاستحقاق ~~كان قبل مجيء الشرع. # الثاني: أنه تعالى قال: { الحمد لله رب العلمين } ~~[الفاتحة: 2]؛ وقد ثبت في [أصول] الفقه أن ترتيب الحكم ~~على الوصف المناسب، يدل على كون الحكم معللا بذلك ~~الوصف، فها هنا أثبت الحمد لنفسه، ووصف نفسه بكونه رب ~~العالمين رحمانا رحيما بهم، مالكا لعاقبة أمرهم في ~~القيامة، فهذا يدل على أن استحقاق الحمد ثابت - لله تعالى - في كل ~~الأوقات، سواء كان قبل مجيء النبي، أو بعده. # فصل # قال ابن الخطيب - رحمه الله تعالى -: تحميد الله - تعالى - ليس ~~عبارة عن قولنا: الحمد لله؛ لأن قولنا: " الحمد لله " إخبار ~~عن حصول الحمد، والإخبار عن الشيء مغاير للخبر عنه، فنقول: ~~حمد المنعم عبارة عن كل فعل يشعر بتعظيم المنعم بسبب ~~كونه منعما، وذلك الفعل: إما أن يكون فعل القلب، أو فعل ~~اللسان، أو فعل الجوارح. # أما فعل القلب: فهو أن يعتقد فيه كونه موصوفا بصفات ~~الكمال والإجلال. # وأما فعل اللسان فهو أن يذكر ألفاظا دالة على كونه موصوفا ~~بصفات الكمال [والإجلال]. # [وأما فعل الجوارح؛ فهو أن يأتي بأفعال دالة على كون المنعم ~~موصوفا بصفات الكمال والإجلال]. # واعلم أن أهل العلم - رحمهم الله - افترقوا في هذا المقام فرقا ~~كثيرة: # فمنهم من قال: إنه لا يجوز عقلا أن يأمر الله عبيده بأن ~~يحمدوه، واحتجوا عليه بوجوه: # الأول: أن ذلك التحميد، إما أن يكون بناء على إنعام وصل إليهم، ~~أو لا بناء عليه، فالأول باطل؛ لأن هذا يقتضي أنه - تعالى - طلب ~~منهم على إنعامه جزاء ومكافأة، وذلك يقدح في كمال الكرم، فإن ~~الكريم إذا أنعم لم يطالب بالمكافأة. # وأما الثاني: فهو إتعاب للغير ابتداء، ms0008 وذلك يوجب ~~الظلم. # الثاني: قالوا: إن الاشتغال بهذا الحمد متعب للحامد، وغير ~~نافع للمحمود، لأنه كامل لذاته، والكامل [لذاته] يستحيل أن ~~يستكمل بغيره، فثبت أن الاشتغال بهذا التحميد عبث وضرر، ~~فوجب ألا يكون مشروعا. # الثالث: أن معنى الإيجاب: أنه لو لم يفعل لاستحق ~~العذاب، فإيجاب حمد الله تعالى معناه: أنه لو لم تشتغل بهذا ~~الحمد، لعاقبتك، وهذا الحمد لا نفع له في حق الله تبارك ~~وتعالى، فكان معناه أن هذا الفعل لا فائدة فيه لأحد، ولو تركته ~~[لعاقبتك] أبد الآباد، وهذا لا يليق بالحليم الكريم. # والفريق الثاني: قالوا: الاشتغال بحمد الله - تعالى - سوء ~~أدب من وجوه: # الأول: أنه يجري مجرى مقابلة إحسان الله بذلك الشكر ~~القليل. # والثاني: أن الاشتغال بالشكر لا يتأتى إلا مع استحضار تلك ~~النعم في القلب، واشتغال القلب بالنعم يمنعه من الاستغراق في ~~معرفة المنعم. # والثالث: أن الثناء على الله - تعالى - عند وجدان النعمة ~~يدل على أنه إنما أثنى عليه؛ لأجل الفوز بتلك النعم، وهذا ~~الرجل في الحقيقة معبوده، ومطلوبه إنما هو تلك النعم، ~~وحظ النفس، وذلك مقام نازل. # وهذان مردودان بما تقدم وبأن أفعاله وأقواله وأسماءه لا ~~مدخل للعقل فيها، فقد سمى روحه ماكرا بقوله تعالى: # ومكر الله والله خير المكرين # [آل عمران: 54]، ومتكبرا وغير ذلك مما تقدم في أسمائه من قوله ~~تعالى: # الله يستهزئ بهم # [البقرة: 15] وغيره. # فإن قيل: إنما ورد ذلك من حيث المقابلة، قلنا: نسلم، ولكنه ~~قد سمى نفسه به، ونحن لا يجوز لنا تسميته به. # وأما من حيث وروده في الشرع، فقال الله تعالى: # فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون # [البقرة: 152]. # قوله تعالى: { رب العلمين }. # الرب: لغة: السيد، والمالك، والثابت والمعبود؛ ومنه ~~قوله: [الطويل] # 46- أرب يبول الثعلبان برأسه # لقد هان من بالت عليه الثعالب # والمصلح، وزاد بعضهم أنه بمعنى: الصاحب؛ وأنشد القائل: [الكامل] # 47- قد ناله رب الكلاب بكفه # بيض رهاب ريشهن مقزع # والظاهر أنه - هنا - بمعنى المالك، فليس هو معنى زائدا. # وقيل: يكون بمعنى الخالق. # واختلف فيه: هل هو في الأصل وصف ms0009 أو مصدر؟ # فمنهم من قال: [هو وصف أي صفة مشبهة بمعنى " مرب " ]، ثم اختلف ~~هؤلاء في وزنه. # [فمنهم من قال]: هو على " فعل " كقولك: " نم - ينم - فهو نم ~~" من النمام، بمعنى غماز. # وقيل: وزنه " فاعل " ، وأصله: " راب " ، ثم حذفت الألف؛ لكثرة ~~الاستعمال؛ لقولهم: رجل بار وبر. # ولقائل أن يقول: لا نسلم أن " بر " مأخوذ من " بار " بل هما ~~صفتان مستقلتان، فلا ينبغي أن يدعى أن " ربا " أصله " ~~راب ". # ومنهم من: قال إنه مصدر " ربه - يربه - ربا " أي: ~~ملكه. # قال: " لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن ~~يربني رجل من هوازن ". # فهو مصدر في معنى الفاعل نحو: " رجل عدل وصوم ". # ولا يطلق على غير الباري - تعالى - إلا بقيد إضافة، نحو قوله ~~تعالى: # ارجع إلى ربك # [يوسف: 50]، ويقولون: " هو رب الدار، ورب البعير " ، وقد ~~قالته الجاهلية للملك من الناس من غير قيد؛ قال الحارث ~~بن حلزة: [الخفيف] # 48- وهو الرب والشهيد على يو # م الحيارين والبلاء بلاء # وهذا من كفرهم. # وقرأ الجمهور: " رب " مجرورا على النعت " لله " ، أو البدل ~~منه. # وقرىء منصوبا، وفيه ثلاثة أوجه: # إما بما دل عليه الحمد، تقديره: " أحمد رب العالمين ". # أو على القطع من التبعية، أو على النداء وهذا أضعفها، لأنه ~~يؤدي إلى الفصل بين الصفة والموصوف. # وقرىء مرفوعا على القطع من التبعية، فيكون خبرا لمبتدإ ~~محذوف، أي: " هو رب " وإذ قد عرض ذكر القطع في ~~التبعية، فلنستطرد ذكره، لعموم فائدته فنقول: # اعلم أن الموصوف إذا كان معلوما بدون صفته، وكان الوصف مدحا، ~~أو ذما، أو ترحما - جاز في الوصف الإتباع والقطع. # والقطع: إما على النصب بإضمار فعل لائق، وإما على الرفع على ~~خبر لمبتدإ محذوف، ولا يجوز إظهار هذا الناصب، ولا هذا ~~المبتدإ، نحو قولهم: " الحمد لله أهل الحمد " روي بنصب " ~~أهل " ورفعه، أي: أعني أهل، أو هو أهل الحمد. # وإذا تكررت النعوت، والحالة هذه، كنت مخيرا بين ثلاثة ~~أوجه: # إما إتباع الجميع، أو قطع الجميع، أو قطع البعض، وإتباع ~~البعض. # إلا أنك إذا أتبعت البعض، ms0010 وقطعت البعض وجب أن تبدأ ~~بالإتباع، ثم تأتي بالقطع من غير عكس، نحو: " مررت بزيد ~~الفاضل الكريم "؛ لئلا يلزم الفصل بين الصفة والموصوف ~~بالجملة المقطوعة. # و " العالمين " خفض بالإضافة، علامة خفضه الياء؛ لجريانه ~~مجرى جمع المذكر السالم، وهم اسم جمع؛ لأن واحده من ~~غير لفظه، ولا يجوز أن يكون جمعا ل " عالم "؛ لأن الصحيح في " ~~عالم " أن يطلق على كل موجود سوى الباري تعالى، لاشتقاقه من ~~العلامة، بمعنى أنه دال على صانعه. # و " عالمون " بصيغة الجمع لا يطلق إلا على العقلاء دون غيرهم، ~~فاستحال أن يكون " عالمون " جمع " عالم "؛ لأن الجمع لا يكون ~~أخص من المفرد. # وهذا نظير ما فعله سيبويه - رحمه الله تعالى - في أن " أعرابا " ~~ليس جمعا ل " عرب "؛ لأن " عربا " يطلق على البدوي ~~دون القروي. # فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون " عالمون " جمعا ل " ~~عالم " مرادا به العاقل دون غيره، فيزول المحذور المذكور؟ # وأجيب عنه: بأنه لو جاز ذلك، لجاز أن يقال: " شيئون " ~~جمع " شيء " مرادا به العاقل دون غيره، فدل عدم جوازه على ~~عدم ادعاء ذلك. # وفي الجواب نظر، إذ لقائل أن يقول: " شيئون " منع منه مانع ~~آخر، وهو كونه ليس صفة ولا علما، فلا يلزم من منع ذلك ~~منع " عالمين " مرادا به العاقل. # ويؤيد هذا ما نقل الراغب عن ابن عباس - رضى الله تعالى ~~عنهما - أن " عالمين " إنما جمع هذا الجمع؛ لأن المراد به الملائكة ~~والجن والإنس. # وقال الراغب أيضا: " إن العالم في الأصل اسم لما يعلم به ~~كالطابع اسم لما يطبع " وجعل بناؤه على هذه الصيغة، لكونه ~~كالآلة، فالعالم آلة في الدلالة على صانعه. # وقال الراغب: " وأما جمعه جمع السلامة، فلكون الناس في ~~جملتهم، والإنسان إذا شارك غيره في اللفظ غلب حكمه " ، ~~فظاهر هذا أن " العالمين " يطلق على العقلاء وغيرهم، وهو ~~مخالف لما تقدم من اختصاصه بالعقلاء، كما زعم بعضهم، وكلام ~~الراغب هو الأصح الظاهر. # فصل في وجوه تربية الله لعبده # قال ابن الخطيب - رحمه الله تعالى -: " وجوه تربية الله ~~للعبد كثيرة غير ms0011 متناهية، ونحن نذكر منها أمثله: # الأول: لما وقعت النطفة من صلب الأب إلى رحم الأم، ~~فرباها حتى صارت علقة أولا، ثم مضغة ثانية، ثم تولدت ~~منه أعضاء مختلفة، مثل العظام، والغضاريف، والرباطات، ~~والأوتار، والأوردة، والشرايين، ثم اتصل البعض بالبعض، ثم ~~حصل في كل واحد منها نوع خاص من أنواع القوى، فحصلت ~~القوة الباصرة في العين? والسامعة في الأذن، والناطقة ~~في اللسان، فسبحان من بصر بشحم، وأسمع بعظم، ~~وأنطق بلحم "!. # والثاني: أن الحبة الواحدة إذا وقعت في الأرض، فإذا وصلت ~~نداوة الأرض إليها، انتفخت ولا تنشق من شيء من الجوانب إلا ~~من أعلاها وأسفلها، مع أن الانتفاخ حاصل من جميع الجوانب. # أما الشق الأعلى، فيخرج منه الجزء الصاعد، فبعد صعوده يحصل له ~~ساق، ثم ينفصل من ذلك الساق أغصان كثيرة، ثم يظهر على تلك ~~الأغصان الأنوار أولا، ثم الثمار ثانيا، ويحصل لتلك ~~الثمار أجزاء مختلفة بالكثافة، واللطافة، وهي القشور، واللبوب، ~~ثم الأدهان. # وأما الجزء الغائص من الشجرة، فإن تلك العروق تنتهي إلى أطرافها، ~~وتلك الأطراف تكون في اللطافة كأنها مياه منعقدة، ومع غاية لطفها، ~~فإنها تغوص في الأرض الصلبة اليابسة، وأودع فيها قوى جاذبة تجذب ~~اللطيفة من الطين إلى نفسها، والحكمة في كل هذه التدبيرات تحصيل ~~ما يحتاج العبد إليه من الغذاء، والإدام، والفواكه، والأشربة، ~~والأدوية؛ كما قال تعالى: # أنا صببنا المآء صبا ثم شققنا الأرض شقا # [عبس: 25 - 26]. # فصل # اختلفوا في { العالمين }. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: " هم الجن والإنس؛ لأنهم المكلفون ~~بالخطاب "؛ قال الله تعالى: # ليكون للعالمين نذيرا # [الفرقان: 1]. # وقال قتادة: والحسن، ومجاهد - رضي الله تعالى عنهم -: " جميع ~~المخلوقين "؛ قال تبارك وتعالى: # قال فرعون وما رب العلمين قال رب السموات ~~والأرض وما بينهمآ # [الشعراء: 23 - 24]. # واشتقاقه من العلم والعلامة، سموا بذلك؛ لظهور أثر ~~الصنعة فيهم. # قال أبو عبيد - رحمه الله تعالى -: هم أربع أمم: الملائكة، ~~والإنس، والجن، والشياطين، مشتق من العلم، ولا يقال ~~للبهائم؛ لأنها لا تعقل. # واختلفوا في مبلغهم. # قال سعيد بن المسيب - رضي الله عنه -: " لله ms0012 ألف عالم: ~~ستمائة في البحر، وأربعمائة في البر ". # وقال مقاتل بن حيان - رضي الله عنه -: " ثمانون ألفا، ~~أربعون ألفا في البحر، وأربعون ألفا في البر ". # وقال وهب - رضي الله عنه -: " لله ثمانية عشر ألف عالم، ~~الدنيا عالم منها، وما العمران في الخراب إلا كفسطاط في ~~صحراء ". # وقال كعب الأحبار - رضي الله عنه -: " لا يحصي عدد العالمين ~~إلا الله - عز وجل - "؛ قال تعالى: # وما يعلم جنود ربك إلا هو # [المدثر: 31]. ### || [1.3-4] # قوله تعالى: { الرحمن الرحيم } # نعت أو بدل - وقرئا منصوبين، ومرفوعين، وتوجيه ذلك ما ~~ذكر في: { رب العالمين } ، وتقدم الكلام على اشتقاقهما في " ~~البسملة " فأغنى عن إعادته. # قوله تعالى: { ملك يوم الدين } # يجوز أن يكون صفة أيضا، أو بدلا، وإن كان البدل بالمشتق ~~قليلا، وهو مشتق من " الملك " - بفتح الميم - وهو: الشد ~~والربط، قال الشاعر في ذلك: [الطويل] # 49 - ملكت بها كفي فأنهرت فتقها # يرى قائم من دونها ما وراءها # ومنه: إملاك العروس؛ لأنه عقد، وربط، للنكاح. # وقرىء: " مالك " بالألف. # قال الأخفش - رحمه الله تعالى - يقال: ملك بين الملك - بضم ~~الميم، و " مالك " من " الملك " بفتح الميم وكسرها. # وروي ضمها - أيضا - بهذا المعنى. # وروي عن العرب: " لي في هذا الوادي ملك وملك وملك " ~~مثلث الفاء، ولكن المعروف الفرق بين الألفاظ الثلاثة: # فالمفتوح: الشد والربط. # والمضموم: هو القهر والتسلط على من يتأتى منه الطاعة، ويكون ~~باستحقاق وغيره، والمقصور: هو التسلط على من يتأتى منه ~~الطاعة ومن لا يتأتى منه، ولا يكون إلا باستحقاق؛ فيكون بين ~~المقصور والمضموم عموم وخصوص من وجه. # وقال الراغب: الملك أي " بالكسر " كالجنس للملك، أي " ~~بالضم " فكل ملك " بالكسر " ملك، وليس كل ملك ملكا، فعلى ~~هذا يكون بينهما عموم وخصوص مطلق، وبهذا يعرف الفرق بين ~~ملك ومالك، فإن ملكا مأخوذة من الملك بالضم ومالكا ~~مأخوذ من الملك " بالكسر " وقيل: إن الفرق بينهما: أن ~~الملك: اسم كل من يملك السياسة، إما في نفسه، ~~بالتمكن من زمام قواه وصرفها عن هواها. # وإما في نفسه وفي غيره، سواء تولى ذلك أو ms0013 لم يتول. # وقد رجح كل فريق إحدى القراءتين على الأخرى ~~ترجيحا يكاد يسقط القراءات الأخرى، وهذا غير مرضي؛ ~~لأن كلتيهما متواترة، ويدل على ذلك ما روي عن ثعلب - ~~رحمه الله تعالى - أنه قال: إذا اختلف الإعراب في القرآن عن ~~السبعة، لم أفضل إعرابا على إعراب في القرآن، فإذا خرجت إلى ~~كلام الناس، فضلت الأقوى. نقله أبو عمرو الزاهد في " ~~اليواقيت ". # قال أبو شامة - رحمه الله: - قد أكثر المصنفون في ~~القراءات والتفاسير من الترجيح بين هاتين ~~القراءتين، حتى أن بعضهم يبالغ في ذلك إلى حد يكاد يسقط وجه ~~القراءة الأخرى، وليس هذا بمحمود بعد ثبوت القراءتين، ~~وصحة اتصاف الرب - سبحانه وتعالى - بهما حتى إني أصلي بهذه في ~~ركعة، وبهذه في ركعة، ذكر ذلك عند قوله تعالى: مالك يوم ~~الدين. # وروى الحسين بن علي الجعفي، وعبد الوارث بن سعيد، ~~عن أبي عمرو: " ملك " بجزم اللام على النعت أيضا. # وقرأ الأعمش، ومحمد بن السميفع، وأبو عبد الملك قاضي الجند: ~~" مالك " بنصب الكاف على النداء. روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال في بعض غزواته: يا مالك يوم الدين، وقرىء بنصب الكاف من غير ألف ~~النداء أيضا، وهي قراءة عطية بن قيس، وقرأ عون العقيلي ~~بالألف ورفع الكاف، على معنى: " هو مالك ". # وقرأ أبو حيوة شريح بن يزيد: برفع الكاف من غير ألف. # وقرأ يحيى بن يعمر " مالك " بالإمالة والإضجاع البليغ. وقرأ ~~أيوب السختياني: بين الإمالة والتفخيم، ورواها ~~قتيبة عن الكسائي. # وقرأ الحسن { ملك يوم الدين } على الفعل، وهو اختيار ~~أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - ورويت أيضا عن أبي ~~حيوة، ويحيى بن يعمر فمما رجحت به قراءة " مالك " أنها ~~أمدح؛ لعموم إضافته، إذ يقال: " مالك الجن، والإنس، ~~والطير " ولا يقال: " ملك الطير " ، وأنشدوا على ذلك: [الكامل] # 50 - سبحان من عنت [الوجوه] لوجهه # ملك الملوك ومالك العفو # وقالوا: فلان مالك كذا، لمن يملكه، بخلاف ملك ~~فإنه يضاف إلى غير الملوك نحو: " ملك العرب، والعجم ~~" ، ولأن الزيادة في البناء تدل على الزيادة في المعنى، ms0014 كما ~~تقدم في " الرحمن " ولأن ثواب تاليها أكثر من ثواب تالي " ~~ملك ". # ومما رجحت به قراءة " ملك " ما حكاه الفارسي، عن ابن ~~السراج، عن بعضهم: أنه وصف [نفسه] بأنه مالك كل ~~شيء، بقوله: " رب العالمين " ، فلا فائدة في قراءة من ~~قرأ " مالك "؛ لأنها تكرار. # قال أبو علي: ولا حجة فيه؛ لأن في التنزيل مثله ~~كثير، يذكر العام، ثم الخاص؛ نحو: # هو الله الخالق البارىء المصور # [الحشر: 24]. # وقال أبو حاتم: " مالك " أبلغ في مدح الخالق، و " ~~ملك " أبلغ في مدح المخلوق، والفرق بينهما: أن ~~المالك من المخلوقين قد يكون غير ملك، وإذا كان الله - ~~تعالى - ملكا كان مالكا [أيضا] واختاره ابن العربي. # ومنها: أنها أعم إذ تضاف للمملوك وغير المملوك، ~~بخلاف " مالك " فإنه لا يضاف إلا للمملوك كما تقدم، ~~ولإشعاره بالكثرة، ولأنه تمدح تعالى - بقوله تعالى - " مالك ~~الملك " ، وبقوله تعالى: # قل اللهم ملك الملك # [آل عمران: 26]، وملك مأخوذ منه [كما تقدم، ولم يتمدح ب " مالك ~~الملك " بكسر الميم الذي " مالك " مأخوذ منه]. # وقال قوم: " معناهما: واحد؛ مثل: فرهين وفارهين، ~~وحذرين وحاذرين ". # ويقال: الملك والمالك: هو القادر على اختراع الأعيان من ~~العدم إلى الوجود، ولا يقدر عليه أحد غير الله تعالى. # وجمع " مالك ": ملاك وملك، وجمع " ملك ": أملاك ~~وملوك. # وقرىء: " ملك " بسكون اللام، ومنه قول الشاعر: [الوافر] # 51 - وأيام لنا غر طوال # عصينا الملك فيها أن ندينا # كما يقال: فخذ وفخذ، وجمعه على هذا: أملك وملوك، قاله ~~مكي رحمه الله. # و " مليك " ، ومنه: الكامل # 52 - فاقنع بما قسم المليك فإنما # قسم الخلائق بيننا علامها # و " ملكي " بالإشباع، وتروى عن نافع - رحمه الله -. # إذا عرف هذا فيكون " ملك " نعتا لله - تعالى - ظاهرا، فإنه ~~معرفة بالإضافة. # وأما " مالك " فإن أريد به معنى المضي، فجعله نعتا ~~واضح أيضا؛ لأن إضافته محضة فيتعرف بها، ويؤيد كونه ~~ماضي المعنى قراءة من قرأ: { ملك يوم الدين } فجعل " ~~ملك " فعلا ماضيا، وإن أريد به الحال، أو الاستقبال ~~[فيشكل؛ لأنه: إما أن يجعل نعتا لله، ولا يجوز؛ لأن ~~إضافة اسم ms0015 الفاعل بمعنى الحال، أو الاستقبال] غير محضة، فلا ~~يعرف، وإذا لم يتعرف، فلا يكون نعتا لمعرفة؛ لما عرفت فيما تقدم من ~~اشتراط الموافقة تعريفا وتنكيرا. # وإما أن يجعل بدلا، وهو ضعيف، لأن البدل بالمشتقات نادر ~~كما تقدم. # والذي ينبغي أن يقال: إنه نعت على معنى أن تقييده ~~بالزمان غير معتبر؛ لأن الموصوف إذا عرف بوصف كان ~~تقييده بزمان غير معتبر، فكان المعنى - والله أعلم - أنه متصف ~~بمالك يوم الدين مطلقا من غير نظر إلى مضي ولا حال، ولا ~~استقبال، وهذا مال إليه الزمخشري رحمه الله تعالى. # وإضافة " مالك " و " ملك " إلى " يوم الدين " من باب ~~الاتساع؛ إذ متعلقهما غير اليوم، والتقدير: مالك الأمر ~~كله يوم الدين. # ونظير إضافة " مالك " إلى الظرف - هنا - نظير ~~إضافة " طباخ " إلى " ساعات " في قول الشاعر: [الرجز] # 53 - رب ابن عم لسليمى مشمعل # طباخ ساعات الكرى زاد الكسل # إلا أن المفعول في البيت مذكور - وهو " زاد الكسل " ، ~~وفي الآية الكريمة غير مذكور؛ للدلالة عليه. # ويجوز أن يكون الكلام [على ظاهره] من غير تقدير حذف. # ونسبة " الملك " و " الملك " إلى الزمان في حق الله - تعالى ~~- غير مشكلة، ويؤيده ظاهر قراءة من قرأ: { ملك ~~يوم الدين } فعلا ماضيا، فإن ظاهرها كون " يوم " ~~مفعولا به والإضافة على معنى " اللام " ، لأنها الأصل. # ومنهم من جعلها في هذا النحو على معنى " في " مستندا إلى ~~ظاهر قوله تبارك وتعالى: # بل مكر الليل والنهار # [سبأ: 33] قال: المعنى " مكر في الليل " إذ الليل لا يوصف ~~بالمكر، إنما يوصف به العقلاء، فالمكر واقع فيه. # والمشهور أن الإضافة: إما على معنى " اللام " وإما على معنى ~~[من]، وكونها بمعنى " في " غير صحيح. # وأما قوله تعالى: " مكر الليل " فلا دلالة فيه؛ لأن ~~هذا من باب البلاغة، وهو التجوز في أن جعل ليلهم ونهارهم ~~ماكرين مبالغة في كثرة وقوعه منهم فيهما؛ فهو نظير قولهم: ~~نهاره صائم، وليله قائم؛ وقول الشاعر في ذلك البيت: [البسيط] # 54 - أما النهار ففي قيد وسلسلة # والليل في بطن منحوت من الساج # لما كانت هذه ms0016 الأشياء يكثر وقوعها في هذه الظروف، وصفوها بها ~~مبالغة في ذلك، وهو مذهب حسن مشهور في كلامهم. # و " اليوم " لغة: القطعة من الزمان، أي زمن كان ~~من ليل ونهار؛ قال الله تبارك وتعالى: # والتفت الساق بالساق إلى ربك يومئذ # [القيامة:29 و30] وذلك كناية عن احتضار الموتى، وهو لا يختص ~~بليل ولا نهار. وأما في العرف: فهو من طلوع الفجر إلى ~~غروب الشمس. # وقال الراغب: " اليوم " يعبر به عن وقت طلوع الشمس إلى ~~[غروبها]. # وهذا إنما ذكروه في النهار لا في اليوم، وجعلوا الفرق بينهما ~~ما ذكرت، وقد يطلق اليوم على الساعة، قال تبارك وتعالى: # اليوم أكملت لكم دينكم # [المائدة: 3]، وربما عبر عن الشدة باليوم، يقال يوم ~~أيوم؛ كما يقال: ليلة ليلاء. ذكره القرطبي رحمه الله ~~تعالى. و " الدين " مضاف إليه أيضا، والمراد به - هنا - ~~الجزاء؛ ومنه قول الشاعر: [الهزج] # 55 - ولم يبق سوى العدوا # ن دناهم كما دانوا # أي: جازيناهم كما جازونا. # وقال آخر في ذلك: [الكامل] # 56 - واعلم يقينا أن ملكك زائل # واعلم بأن كما تدين تدان # ومثله: [المتقارب] # 57 - إذا ما رمونا رميناهم # ودناهم مثل ما يقرضونا # ومثله [الطويل] # 58 - حصادك يوما ما زرعت وإنما # يدان [الفتى] يوما كما هو دائن # وقال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - ومقاتل والسدي: ~~{ ملك يوم الدين }: قاضي يوم الحساب؛ قال تعالى: # ذلك الدين القيم # [التوبة: 36]. أي: الحساب المستقيم. # وقال قتادة: " الدين: الجزاء ويقع على الجزاء في الخير ~~والشر جميعا ". # وقال محمد بن كعب القرظي: " مالك يوم الدين، يوم لا ~~ينفع فيه إلا الدين ". # وقيل: الدين القهر: يقال: دنته فدان أي: قهرته فذل. # وقيل: الدين الطاعة؛ ومنه: " ومن أحسن دينا " ، أي: ~~طاعة، وله معان أخر: العادة؛ كقوله هذا البيت: [الطويل] # 59 - كدينك من أم الحويرث قبلها # وجارتها أم الرباب بمأسل # أي: كعادتك. ومثله: [الوافر] # 60 - تقول وقد درأت لها وضيني # أهذا دينه أبدا وديني # ودان: عصى وأطاع: وذل وعز، فهو من الأضداد [قاله ثعلب]. # والقضاء؛ ومنه قوله تبارك وتعالى: # ولا تأخذكم بهما ms0017 رأفة في دين الله # [النور: 2]، أي: في قضائه وحكمه. # والحال؛ سئل بعض الأعراب فقال: " لو كنت على دين غير هذه، ~~لأجبتك " ، أي: على حالة. # والداء؛ ومنه قول الشاعر في ذلك: [البسيط] # 61 - يا دين قلبك من سلمى وقد دينا # ويقال: دنته بفعله أدينه دينا أدينه دينا ودينا - ~~بفتح الدال وكسرها في المصدر - أي: جازيته. # ويستعار للملة والشريعة أيضا؛ قال الله تعالى: # أفغير دين الله يبغون # [آل عمران:83]، يعني: الاسلام؛ بدليل قوله تعالى: # ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه # [آل عمران: 85]. # ويقال: دين فلان يدان إذا حمل على مكروه، ومنه قيل ~~للعبد: مدين، وللأمة: مدينة. # وقيل: هو من دنته: إذا جازيته بطاعته، وجعل بعضهم " المدينة " ~~من هذا الباب قاله الراغب، وسيأتي تحقيق هذه اللفظة عند ذكرها ~~إن شاء الله تعالى. # وإنما خص " يوم الدين " بالذكر مع كونه مالكا للأيام كلها؛ ~~لأن الأملاك يومئذ زائلة، فلا ملك ولا أمر إلا له؛ ~~قال الله تعالى: # الملك يومئذ الحق للرحمن # [الفرقان: 26]، وقال: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]، وقال تعالى: # والأمر يومئذ لله # [الانفطار: 19]. # فصل فيمن قرأ بالإدغام هنا # قرأ أبو عمرو - رحمه الله تعالى: - " الرحيم ملك " بإدغام ~~الميم في الميم، وكذلك يدغم كل حرفين من جنس واحد، ~~أو مخرج واحد، أو [كانا] قريبي المخرج، سواء كان الحرف ~~ساكنا أو متحركا، إلا أن يكون الحرف الأول ~~مشددا، أو منونا، أو منقوصا أو مفتوحا، أو ~~تاء الخطاب قبله ساكن في غير المثلين، فإنه لا يدغمها ~~وإدغام المتحرك يكون في الإدغام الكبير، وافقه حمزة من ~~إدغام المتحرك في قوله تعالى: # بيت طآئفة # [النساء: 81] # والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا # [الصافات: 1 و 2 و 3]، # والذاريات ذروا # [الذاريات: 1]. # وأدغم التاء فيما بعدها من الحروف وافقه حمزة برواية ~~رجاء، وخلف، والكسائي [في إدغام الساكن وهو إدغام الساكن في ~~المتحرك] إلا في الراء عند اللام، والدال عند الجيم، وكذلك لا ~~يدغم حمزة الدال عند السين والصاد والزاي، ولا إدغام لسائر ~~القراء إلا في أحرف معدودة. # فصل ms0018 في كلام القدرية والجبرية # قال ابن الخطيب: قالت القدرية: إن كان خالق أفعال العباد، ~~هو الله - تعالى - امتنع القول بالثواب، والعقاب، والجزاء، لأن الثواب ~~للرجل على ما لم يعمل عبث، وعقابه على ما لم يعمل ظلم وعلى هذا ~~التقدير، فيبطل كونه مالكا ليوم الدين. # وقالت الجبرية: لو لم تكن أعمال العباد بتقدير الله وترجيحه، لم ~~يكن مالكا لها، ولما أجمع المسلمون على كونه مالكا للعباد، ~~ولأعمالهم، علمنا أنه خالق لها مقدر لها. ### || [1.5] # إياك: كلمة ضمير خصت بالإضافة إلى المضمر، ويستعمل ~~مقدما على الفعل. وإياك أسأل؛ ولا يستعمل مؤخرا إلا ~~منفصلا؛ فيقال، ما عنيت إلا إياك. # وهو مفعول مقدم على " نعبد " قدم للاختصاص، وهو واجب ~~الانفصال. # واختلفوا فيه: هل هو من قبيل الأسماء الظاهرة أو المضمرة؟ ~~فالجمهور: على أنه مضمر. # وقال الزجاج رحمه الله تعالى: هو اسم ظاهر. # والقائلون بأنه ضمير اختلفوا فيه على أربعة أقوال: # أحدهما: أنه كلمة ضمير. # والثاني: على أن " إيا " وحده ضمير، وما بعده اسم ~~مضاف إليه يبين ما يراد به [من تكلم وغيبة وخطاب]. # وثالثها: أن " إيا " وحده ضمير، وما بعده حروف تبين ما ~~يراد به [من تكلم وغيبة وخطاب]. # ورابعها: أن " إيا " عماد وما بعده هو الضمير، وشذت إضافته إلى ~~الظاهر في قولهم: " إذا بلغ الرجل الستين، فإياه وإيا ~~الشواب " بإضافة " إيا " إلى " الشواب " ، وهذا يؤيد ~~قول من جعل الكاف، والهاء، والياء في محل جر، إذا قلت: " ~~إياك إياه إياي " وقد أبعد بعض النحويين، فجعل له ~~اشتقاقا، ثم قال: هل هو مشتق من " أو "؛ كقول الشاعر في ~~ذلك: [الطويل] # 62- فأو لذكراها إذا ما ذكرتها # .................. # أو من " آية "؛ كقوله [الرجز] # 63- لم يبق هذا الدهر من آيائه # وهل وزنه: " إفعل، أو فعيل، أو فعول " ثم صيره التصريف إلى ~~صيغة " إيا "؟ وهذا الذي ذكره لا يجدي فائدة، مع أن التصريف ~~والاشتقاق لا يدخلان في المتوغل في البناء وفيه لغات: ~~أشهرها: كسر الهمزة، وتشديد الياء، ومنها، فتح الهمزة ~~وإبدالها هاء مع تشديد الياء وتخفيفها؛ قال الشاعر: [الطويل] # 64- فهياك ms0019 والأمر الذي الذي إن تراحبت # موارده ضاقت عليك مصادره # وقال بعضهم: " إياك " بالتخفيف مرغوب عنه؛ لأنه يصير: " ~~شمسك نعبد "؛ فإن إياة الشمس: ضوؤها - بكسر الهمزة، وقد ~~تفتح. وقيل: هي لها بمنزلة الهالة للقمر، فإذا حذفت التاء، ~~مددت؛ قال: [الطويل] # 65- سقته إياء الشمس إلا لثاته # أسف فلم تكدم عليه بإثمد # وقد قرىء ببعضها شاذا. # وللضمائر تقسيم متسع لا يحتمله هذا الكتاب، وإنما يأتي في ~~غضونه ما يليق به. # و " نعبد " فعل مضارع مرفوع؛ لتجرده من الناصب والجازم، وقيل: ~~لوقوعه موقع الاسم، وهذا رأي البصريين. # ومعنى المضارع المشابه، يعني: أنه أشبه الاسم في حركاته، وسكناته، ~~وعدد حروفه، ألا ترى أن " ضاربا " يشبه " يضرب " ~~فيما ذكرت، وأنه يشيع ويختص في الأزمان كما يشيع الاسم، ويختص في ~~الأشخاص، وفاعله مستتر وجوبا لما مر في الاستعاذة. # والعبادة: غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية ~~الإفضال، وهو الباري - تعالى - وهو أبلغ من العبودية؛ لأن ~~العبودية إظهار التذلل، ويقال: طريق معبد، أي: ~~مذلل بالوطء فيه. وقال طرفة في ذلك: [الطويل] # 66- تباري عتاقا ناجيات وأتبعت # وظيفا وظيفا فوق مور معبد # ومنه: العبد؛ لذلته، وبعير معبد: أي مذلل ~~بالقطران. # وقيل: العبادة التجرد، ويقال: عبدت الله - بالتخفيف فقط - ~~وعبدت الرجل - بالتشديد فقط، أي: ذللته، واتخذته عبدا. # وفي قوله تعالى: " إياك نعبد " التفات من الغيبة إلى ~~الخطاب، إذ لو جرى الكلام على أصله، لقيل: الحمد لله، ثم قيل: ~~إياه نعبد، والالتفات: نوع من البلاغة. # قال ابن الخطيب - رحمه الله -: والفائدة في هذا الالتفات وجوه: # أحدها: أن المصلي كان أجنبيا عند الشروع في الصلاة، فلا ~~جرم أثنى على الله - تعالى - بألفاظ الغيبة، إلى قوله: " يوم ~~الدين " ، ثم إنه تعالى كأنه قال له: حمدتني وأقررت بكوني ~~إلها، ربا، رحمانا، رحيما، مالكا ليوم الدين، فنعم العبد أنت، ~~فرفعنا الحجاب، وأبدلنا البعد بالقرب، فتكلم بالمخاطبة وقل: إياك ~~نعبد. # الثاني: أن أحسن السؤال ما وقع على سبيل المشافهة، [والسبب فيه ~~أن الرد من الكريم إذا سئل] على سبيل المشافهة والمخاطبة ~~بعيد. # ومن الالتفات - إلا كونه ms0020 عكس هذا - قوله تبارك وتعالى: # حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم # [يونس: 22] ولم يقل: " بكم "؛ وقد التفت امرؤ القيس ثلاث ~~التفاتات في قوله: [المتقارب]. # 67- تطاول ليلك بالأثمد # ونام الخلي ولم ترقد # وبات وباتت له ليلة # كليلة ذي العائر الأرمد # وذلك من نبأ جاءني # وخبرته عن أبي الأسود # وقد خطأ بعضهم الزمخشري - رحمه الله تعالى - في جعله هذا ~~ثلاثة التفاتات، وقال: بل هما التفاتان: # أحدهما: خروج من الخطاب المفتتح به في قوله: " ليلك " ، إلى ~~الغيبة في قوله: " وباتت له ليلة ". # والثاني: الخروج من هذه الغيبة إلى التكلم، في قوله: " من نبأ ~~جاءني وخبرته ". # والجواب: أن قوله أولا: " تطاول ليلك " فيه التفات؛ ~~لأنه كان أصل الكلام أن يقول: " تطاول ليلي "؛ لأنه هو المقصود، ~~فالتفت من مقام التكلم إلى مقام الخطاب، ومن مقام الخطاب ~~إلى الغيبة، ثم من الغيبة إلى التكلم الذي هو الأصل. # وقرىء شاذا: " إياك يعبد " على بنائه للمفعول الغائب؛ ~~ووجهها على إشكالها: أن فيها استعارة والتفاتا: # أما الاستعارة: [فإنه استعير] فيها ضمير النصب لضمير الرفع، ~~والأصل: أنت تعبد، وهو شائع؛ كقولهم: " عساك، وعساه، وعساني ~~" في أحد الأقوال؛ وقول الآخر: [الرجز] # 68- يا ابن الزبير طالما عصيكا # وطالما عنيتنا إليكا # فالكاف في " عصيكا " نائبة عن التاء، والأصل: " عصيت ". # وأما الالتفات: فكان من حق هذا القارىء أن يقرأ: " إياك ~~تعبد " بالخطاب، ولكنه التفت من الخطاب في " إياك " إلى ~~الغيبة في " يعبد " إلا أن هذا الالتفات غريب؛ لكونه في ~~جملة واحدة، بخلاف الالتفات المتقدم؛ ونظير هذا الالتفات قوله: ~~[الطويل] # 69- أأنت الهلالي الذي كنت مرة # سمعنا به والأرحبي المغلب # فقال: " به " بعد قوله: " أنت " و " كنت ". # و " إياك " واجب التقديم على عامله؛ لأن القاعدة أن ~~المفعول به إذا كان ضميرا - لو تأخر عم عامله - وجب اتصاله ووجب ~~تقديمه. # وتحرزوا بقولهم: " لو تأخر عنه وجب اتصاله " ، من نحو: " ~~الدرهم إياه أعطيتك " لأنك لو أخرت الضمير هنا فقلت: " الدرهم ~~أعطيتك إياه " لم يلزم الاتصال، لما سيأتي بل يجوز: " ~~أعطيتكه ". # فصل في معنى العبادة # قال ابن الخطيب ms0021 رحمه الله تعالى: العبادة عبارة عن الفعل الذي يؤتى ~~به لغرض تعظيم الغير، من قولهم: طريق معبد، أي: مذلل، ~~فقوله: إياك نعبد، معناه: لا أعبد أحدا سواك، ويدل على هذا ~~الحصر وجوه: # فذكر من جملتها: تسمية الله، والرب، والرحمن، والرحيم، ومالك يوم ~~الدين، وكونه قادرا بأن يمسك السماء بلا إعانة، وأرضا بلا ~~دعامة، ويسير الشمس والقمر، ويسكن القطبين، ويخرج من ~~السماء تارة النار؛ وهو البرق، وتارة الهواء؛ وهو الريح، وتارة ~~الماء؛ وهو المطر. # وأما في الأرض فتارة يخرج الماء من الحجر؛ وتارة يخرج الحجر ~~من الماء؛ وهو الجمد، ثم جعل في الأرض أجساما مقيمة لا تسافر؛ [وهي ~~الجبال]، وأجساما مسافرة لا تقيم؛ وهي الأنهار، وخسف بقارون فجعل ~~الأرض فوقه، ودفع محمدا - عليه الصلاة والسلام - إلى قاب ~~قوسين، وجعل الماء نارا لى قوم فرعون؛ لقوله: # أغرقوا فأدخلوا نارا # [نوح: 25]، وجعل النار بردا وسلاما على إبراهيم - عليه السلام ~~- ورفع موسى - عليه السلام - فوق الطور، وغرق الدنيا من التنور، ~~وجعل البحر يبسا لموسى - عليه الصلاة والسلام - فهذا من أداة الحصر. # والكلام في " إياك نستعين " كالكلام في " إياك نعبد ~~". # والواو: عاطفة، وهي من المشتركة في الإعراب والمعنى، ولا تقتضى ~~ترتيبا على قول الجمهور، خلافا لطائفة من الكوفيين ولها أحكام ~~تختص بها تأتي إن شاء الله تعالى. # وأصل " نستعين ": " نستعون "؛ مثل: " نستخرج " في ~~الصحيح؛ لأنه من العون، فاستثقلت الكسرة على الواو، فنقلت ~~إلى الساكن قبلها، فسكنت الواو بعد النقل وانكسر ما قبلها؛ ~~فقلبت ياء. # وهذه قاعدة مطردة؛ نحو: " ميزان، وميقات " ، وهما من: ~~الوزن، والوقت. # والسين فيه معناها: الطلب، أي نطلب منك العون على ~~العبادة، وهو أحد المعاني التي ل " استفعل " وله معان أخر: # الاتخاذ: نحو: " استعبده " أي: اتخذه عبدا. # والتحول؛ نحو: " استحجر الطين " أي: صار حجرا، ومنه قوله: " ~~إن البغاث بأرضنا يستنسر " أي: تتحول إلى صفة ~~النسور. # ووجود الشيء بمعنى ما صيغ منه؛ نحو: " استعظمه " أي: ~~وجده عظيما. # وعد الشيء كذلك، وإن لم يكن؛ نحو: " استحسنه ". # ومطاوعة " أفعل "؛ نحو: " أشلاه فاستشلى ". # وموافقته له أيضا؛ نحو: ms0022 " أبل المريض واستبل ". # وموافقة " تفعل "؛ نحو: " استكبر " بمعنى " تكبر ". # وموافقة " افتعل "؛ نحو: " استعصم " بمعنى " اعتصم ". # والإغناء عن المجرد؛ نحو: " استكف " و " استحيا " ، لم ~~يتلفظ لهما بمجرد استغناء بهما عنه. # والإغناء بهما عن " فعل " أي المجرد الملفوظ به نحو: " ~~استرجع " و " استعان " ، أي: رجع وحلق عانته. # وقرىء: " نستعين " بكسر حرف المضارعة؛ وهي لغة مطردة في حروف ~~المضارعة. # وذلك بشرط ألا يكن حرف المضارعة ياء؛ لثقل ذلك، على أن بعضهم ~~قال: " ييجل " ، مضارع " وجل " ، وكأنه قصد إلى تخفيف الواو إلى ~~الياء، فكسر ما قبلها لتنقلب؛ وقد قرىء: " فإنهم ييلمون " [النساء: ~~104]، وهي هادمة لهذا الاستثناء، وسيأتي تحقيق ذلك في موضعه إن شاء ~~الله تعالى. # وأن يكون المضارع من ماض مكسور العين؛ نحو: " تعلم " من " ~~علم " ، أو في أوله همزة وصل، نحو " نستعين " من " استعان ~~" ، أو تاء مطاوعة؛ نحو: " نتعلم " من " تعلم " ، فلا ~~يجوز في " يضرب " و " يقتل " كسر حرف المضارعة؛ لعدم الشروط ~~المذكورة. # والاستعانة: طلب العون: وهو المظاهرة والنصرة، وقدم العبادة ~~على الاستعانة؛ لأنها وصلة لطلب الحاجة. # وقال ابن الخطيب: كأنه يقول: شرعت في العبادة، فأستعين بك في ~~إتمامها، فلا تمنعني من إتمامها بالموت، ولا بالمرض، ولا بقلب ~~الدواعي وتغيرها. # وقال البغوي - رحمه الله تعالى - فإن قيل: لم قدم ذكر ~~العبادة على الاستعانة، والاستعانة لا تكون إلا قبل العبادة؟ # قلنا: هذا يلزم من جعل الاستعانة قبل الفعل، ونحن نجعل ~~التوفيق، والاستعانة مع الفعل، فلا فرق بيت التقديم والتأخير. # وقيل: الاستعانة نوع تعبد، فكأنه ذكر جملة العبادة أولا، ثم ~~ذكر ما هو من تفاصيلها وأطلق كلا من فعلي العبادة والاستعانة ~~فلم يذكر لهما مفعولا؛ ليتناول كل معبود به، وكل مستعان [عليه]، ~~أو يكون المراد وقوع الفعل من غير نظر إلى مفعول؛ نحو: # كلوا واشربوا # [البقرة: 60] أي أوقعوا هذين الفعلين. # فصل في نظم الآية # قال ابن الخطيب - رحمه الله تعالى -: قال تعالى: " إياك ~~نعبد " فقدم قوله: " إياك " على قوله: " نعبد " ولم يقل: " ~~نعبدك " لوجوه: # أحدها: أنه - تبارك وتعالى - قدم ذكر نفسه؛ لينبه العابد ~~على أن ms0023 المعبود هو الله - تعالى - فلا يتكاسل في التعظيم. # وثانيها: أنه إن ثقلت عليك العبادات والطاعات وصعبت، فاذكر ~~أولا قوله: " إياك "؛ لتذكرني، وتحضر في قلبك معرفتي، فإذا ذكرت ~~جلالي وعظمتي، وعلمت أني مولاك، وأنك عبدي؛ سهلت عليك تلك العبادة. # وثالثها: أن القديم الواجب لذاته متقدم في الوجود على لمحدث الممكن ~~لذاته، فوجب أن يكون ذكره متقدما على جميع الأذكار. # فصل في نون " نعبد " # قال ابن الخطيب - رحمه الله تعالى -: لقائل أن يقول: النون في ~~قوله تعالى: " نعبد " إما أن تكون نون الجمع، أو نون العظمة، والأول ~~باطل، لأن الشخص الواحد لا يكون جمعا، والثاني باطل أيضا؛ لأن ~~عند أداء العبودية، اللائق بالإنسان أن يذكر نفسه بالعجز والذلة لا ~~بالعظمة. # واعلم أنه يمكن الجواب عنه من وجوه: # أحدها: أن المراد من هذه النون نون الجمع، وهو تنبيه على أن ~~الأولى بالإنسان، أن يؤدي الصلاة بالجماعة. # الثاني: أن الرجل إن كان يصلي في جماعة، فقوله: " نعبد " ، ~~المراد منه ذلك الجمع، وإن كان يصلي وحده كان المراد أني أعبدك، ~~والملائكة معي. # الثالث: أن المؤمنين إخوة، فلو قال: " إياك أعبد " كان قد ذكر ~~عبادة نفسه، ولم يذكر عبادة غيره، أما إذا قال: " إياك نعبد " ~~كان قد ذكر عبادة نفسه، وعبادة جميع المؤمنين شرقا وغربا. ### || [1.6] # اهد: صيغة أمر، ومعناها: الدعاء، فقيل معناه: أرشدنا. # وقال علي: وأبي بن كعب - رضي الله عنهما - ثبتنا؛ كما يقال ~~للقائم: قم حتى أعود إليك، أي: دم على ما أنت عليه، وهذا الدعاء ~~من المؤمنين مع كونهم على الهداية بمعنى التثبيت، وبمعنى طلب ~~مزيد الهداية؛ لأن الألطاف والهدايات من الله - تعالى - لا تتناهى ~~على مذهب أهل السنة. # قال ابن الخطيب - رحمه الله تعالى -: المراد من قوله تعالى: { ~~اهدنا الصراط المستقيم } هو: أن يكون الإنسان معرضا ~~عما سوى الله - تعالى - مقبلا بكلية قلبه وفكره وذكره على ~~الله تعالى. # مثاله: أن يصير بحيث لو أمر بذبح ولده، لأطاع؛ كما فعل ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ولو أمر بأن ينقاد، لأن يذبحه ~~غيره، لأطاع؛ كما ms0024 فعله إسماعيل عليه الصلاة والسلام، ولو أمر ~~بان يلقي نفسه في البحر، لأطاع؛ كما فعله يونس عليه الصلاة ~~والسلام، ولو أمر بأن يتلمذ لمن هو أعلم منه بعد بلوغه في المنصب ~~إلى أعلى الغايات، لأطاع؛ كما فعله موسى - عليه الصلاة والسلام - مع ~~الخضر [عليه الصلاة والسلام]، ولو أمر بأن يصبر في الأمر ~~بالمعروف، والنهي عن المنكر على القتل، والتفريق بنصفين، لأطاع؛ كما ~~فعله يحيى بن زكريا - عليهما الصلاة والسلام - فالمراد بقوله ~~تعالى { اهدنا الصراط المستقيم } ، هو الاقتداء بأنبياء ~~الله في الصبر على الشدائد، والثبات عند نزول البلاء، ولا شك أن ~~هذا مقام شديد؛ لأن أكثر الخلق لا طاقة لهم به. # واعلم أن صيغة " افعل " ترد لمعان كثيرة ذكرها ~~الأصوليون. # وقال بعضهم: إن وردت صيغة " افعل " من الأعلى للأدنى، قيل فيها: ~~أمر، وبالعكس دعاء، ومن المساوي التماس، وفاعله مستتر وجوبا، ~~لما مر، أي: اهد أنت، و " نا " مفعول أول، وهو ضمير متصل ~~يكون للمتكلم مع غيره، أو المعظم نفسه، ويستعمل في موضع: الرفع، ~~والنصب، والجر، بلفظ واحد؛ نحو: " قمنا " ، و " ضربنا زيد " ، ~~و " مر بنا " ، ولا يشاركه في هذه الخصوصية غيره من الضمائر. # وقد زعم بعض الناس أن الياء كذلك؛ تقول: " أكرمني " ، و " مر بي " ~~، و " أنت تقومين يا هند " ، و " الياء " في المثال الأول منصوبة ~~المحل، وفي الثاني مجرورته، وفي الثالث مرفوعته، وهذا ليس بشيء؛ لأن ~~الياء في حالة الرفع، ليست تلك الياء التي في حالة النصب والجر؛ ~~لأن الأولى للمتكلم، وهذه للمخاطبة المؤنثة. # وقيل: بل يشاركه لفظ هم؛ تقول: " هم نائمون " و " ضربتهم " و " مررت ~~بهم " ، ف " هم " مرفوع المحل، ومنصوبه، ومجروره بلفظ واحد، وهو ~~للغائبين في كل حال، وهذا وإن كان أقرب من الأول، إلا أنه في ~~حالة الرفع ضمير منفصل، وفي حالة النصب والجر ضمير متصل. # فافترقا، بخلاف " نا " فإن معناها لا يختلف، وهي ضمير متصل في ~~الأحوال الثلاثة. # و " الصراط " مفعول ثان، و " المستقيم " صفته، وقد تبعه في ~~الأربعة من العشرة المذكورة. # وأصل " هدى " أن يتعدى ms0025 إلى الأول بنفسه وإلى الثاني بحرف ~~الجر، وهو إما: " إلى " أو " اللام "؛ كقوله تعالى: # وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم # [الشورى: 52]، # يهدي للتي هي أقوم # [الإسراء: 9] ثم يتسع فيه، فيحذف الجر، فيتعدى بنفسه، فأصل ~~" اهدنا الصراط ": إهدنا للصراط أو إلى الصراط، ثم حذف. # والأمر عند البصريين مبني وعند الكوفين معرب، ويدعون في ~~نحو: " اضرب " ، أن أصله: " لتضرب " بلام الأمر، ثم حذف ~~الجازم، وتبعه حرف المضارعة، وأتي بهمزة الوصل؛ لأجل الابتداء ~~بالساكن، وهذا مما لا حاجة إليه، وللرد عليهم موضع يليق به. # ووزن " اهد " " افع "؛ حذفت لامه، وهي الياء حملا [للأمر ~~على المجزوم، والمجزوم تحذف] منه لامه إذا كانت حرف علة. # ومعنى الهداية: الإرشاد أو الدلالة، أو التقدم. ومنه هواد الخيل ~~لتقدمها. قال امرؤ القيس: [الطويل] # 70 - فألحقنا بالهاديات ودونه # جواحرها في صرة لم تزيل # أي: المتقدمات الهادية لغيرها. # أو التبيين؛ نحو: # وأما ثمود فهديناهم # [فصلت: 17] أي: بينا لهم؛ ونحو: # أعطى كل شيء خلقه ثم هدى # [طه: 50]، أي: ألهمه لمصالحه. # أو الدعاء؛ كقوله تعالى # ولكل قوم هاد # [الرعد: 7]، أي داع. # وقيل: هو الميل؛ ومنه قوله تعالى: # إنا هدنآ إليك # [الأعراف: 156] والمعنى: بقلوبنا إليك، وهذا غلط؛ فإن تيك مادة ~~أخرى من " هاد - يهود ". # وقال الراغب: الهداية: دلالة بلطف، ومنه الهدية، ~~وخص ما كان دلالة ب " هديت " وما كان إعطاء ب " أهديت ". # و " الصراط ": الطريق المستسهل، وبعضهم لا يقيده بالمستسهل؛ ~~قال [الرجز] # 71 - فضل عن نهج الطريق الواضح # ومثله: [الوافر] # 72 - أمير المؤمنين على صراط # إذا اعوج الموارد مستقيم # وقال آخر: [الوافر] # 73 - شحنا أرضهم بالخيل حتى # تركناهم أذل من الصراط # أي: الطريق. # وهو مشتق من " السرط " وهو: الابتلاع؛ إما لأن سالكه ~~يسترطه، أو لأنه يسترط سالكه؛ ألا ترى إلى قولهم: قتل ~~أرضا عالمها، وقتلت أرض جاهلها؛ وبهذين الاعتبارين ~~قال أبو تمام: [الطويل] # 74 - رعته الفيافي بعد ما كان حقبة # رعاها وماء المزن ينهل ساكبه # وعلى هذا سمي الطريق لقما وملتقما؛ لأنه يلتقم سالكه، ~~أو يلتقمه سالكه. # وأصله: السين: وقد قرأ به قنبل رحمه ms0026 الله تعالى حيث ورد، وإنما ~~أبدلت صادا؛ لأجل حرف الاستعلاء وإبدالها صادا مطرد ~~عنده؛ نحو: " صقر " في " سقر " ، و " صلخ " في " سلخ " ، و " ~~أصبغ " في " أسبغ " ، و " مصيطر " في " مسيطر " لما بينهما من ~~التقارب. # وقد تشم الصاد في " الصراط " ونحوه زايا، وقرأ به خلف، ~~وحمزة حيث ورد، وخلاد: الأول فقط، وقد تقرأ زايا محضة، ~~ولم ترسم في المصحف إلا بالصاد، مع اختلاف في قراءتهم فيها كما ~~تقدم. # و " الصراط " يذكر ويونث: فالتذكير لغة تميم، ~~والتأنيث لغة " الحجاز " ، فإن استعمل مذكرا، جمع ~~على " أفعلة " في القلة، وعلى " فعل " في الكثرة، نحو: " ~~حمار " ، و " أحمرة " و " حمر " ، وإن استعمل مؤنثا، ~~فقياسه أن يجمع على " أفعل ": نحو: " ذراع " و " أذرع ". # و " المستقيم " اسم فاعل من استقام، بمعنى المجرد، ومعناه: ~~السوي من غير اعوجاج، وأصله: " مستقوم " ثم أعل ~~كإعلال " نستعين " وسيأتي الكلام [مستوفى] على مادته إن شاء ~~الله - تعالى - عند قوله تعالى # ويقيمون الصلوة # [البقرة: 3]. # و " الصراط المستقيم " قال ابن عباس، وجابر - رضي ~~الله عنهما -: هو الإسلام، وهو قول مقاتل، وقال ابن مسعود رضي ~~الله تعالى عنهما: هو القرآن الكريم، وروي عن علي - رضي الله تعالى عنه - ~~مرفوعا: الصراط المستقيم: كتاب الله تعالى. # وقال سعيد بن جبير رضي الله عنه " طريق الجنة ". # وقال سهل بن عبد الله رحمه الله تعالى: هو طريق السنة ~~والجماعة. وقال بكر بن عبد الله المزني: هو طريق رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. # وقال أبو العالية، والحسن: رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وصاحباه. # قال ابن الخطيب: الحكمة في قوله: " اهدنا " ولم يقل " ~~اهدني "؛ إما: لأن الدعاء مهما كان أعم، كان إلى الإجابة أقرب. # وإما لقول النبي عليه الصلاة والسلام # " " ادعوا الله تعالى بألسنة ما عصيتموه بها " قالوا: ~~يا رسول الله، فمن لنا بتلك الألسنة؟ قال: " يدعو ~~بعضكم لبعض؛ لأنك ما عصيت بلسانه، وهو ما عصى بلسانك ~~" ". # الثالث: كأن العبد يقول: سمعت رسولك يقول: " الجماعة ~~رحمة " ، فلما أردت حمدك، قلت: الحمد لله، ولما ذكرت ~~العبادة، ذكرت عبادة الجميع، ولما ms0027 ذكرت الاستعانة، ذكرت استعانة ~~الجميع، فلا جرم لما طلبت الهداية، طلبتها للجميع، ولما طلبت ~~الاقتداء بالصالحين، طلبت اقتداء الجميع؛ فقلت: # صراط الذين أنعمت عليهم # [الفاتحة:7]، ولما طلبت الفرار من المردودين، ففررت من الكل؛ فقلت: # غير المغضوب عليهم ولا الضآلين # [الفاتحة:7]، فلما لم أفارق الأنبياء والصالحين في الدنيا، فأرجو ~~ألا أفارقهم في الآخرة؛ كما قال تعالى: # فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم # [النساء: 69] الآية الكريمة. ### || [1.7] # قوله تعالى: { صراط الذين أنعمت عليهم }. # " صراط الذين " بدل منه، بدل كل من كل، وهو بدل ~~معرفة من معرفة. # والبدل سبعة أقسام على خلاف في بعضها: # بدل كل من كل، وبدل بعض من كل، وبدل اشتمال، وبدل ~~غلط، وبدل نسيان، وبدل بداء، وبدل كل من بعض. # أما الأقسام الثلاثة الأول، فلا خلاف فيها. # وأما بدل البداء، فأثبته بعضهم؛ مستدلا بقوله عليه الصلاة ~~والسلام: # " وإن الرجل ليصلي الصلاة، وما كتب له نصفها ثلثها ~~ربعها إلى العشر " # ولا يرد هذا في القرآن الكريم. # وأما الغلط والنسيان، فأثبتهما بعضهم؛ مستدلا بقول ذي ~~الرمة: [البسيط] # 75- لمياء في شفتيها حوة لعس # وفي اللثات وفي أنيابها شنب # قال: لأن " الحوة " السواد الخالص، و " اللعس " سواد يشوبه ~~حمرة، ولا يرد هذان البدلان في كلام فصيح. # وأما بدل الكل من البعض، فأثبته بعضهم، مستدلا بظاهر قوله: ~~[الخفيف] # 76- نضر الله أعظما دفنوها # بسجستان طلحة الطلحات # في رواية من نصب " طلحة " ، قال: لأن " الأعظم " بعض " ~~طلحة " ، و " طلحة " كل وقد أبدل منها؛ واستدل - أيضا - ~~بقول امرىء القيس [الطويل] # 77- كأني غداة البين يوم تحملوا # لدى سمرات الحي ناقف حنظل # ف " غداة " بعض " اليوم " ، وقد أبدل " اليوم " منها. # ولا حجة في البيتين، أما الأول: فإن الأصل " أعظما دفنوها ~~أعظم طلحة " ثم حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه؛ ~~ويدل على ذلك الرواية المشهورة وهي جر " طلحة " على أن ~~الأصل: " أعظم طلحة " ولم يقم المضاف إليه مقام المضاف. # وأما الثاني: فإن " اليوم " يطلق على القطعة من الزمان، كما ~~تقدم، وليس هذا موضع البحث عن دلائل المذهبين. # وقيل: " الصراط " الثاني ms0028 غير الأول، والمراد به: العلم بالله تعالى. ~~قاله جعفر بن محمد رحمه الله تعالى: وعلى هذا فتخريجته أن يكون ~~معطوفا حذف منه حرف العطف، وبالجملة فهو مشكل. # والبدل ينقسم أيضا إلى: # بدل معرفة، ونكرة من نكرة، ومعرفة من نكرة، ونكرة من معرفة. # وينقسم أيضا إلى: # بدل ظاهر من ظاهر: ومضمر من مضمر، وظاهر من مضمر، ومضمر ~~من ظاهر. # وفائدة البدل: الإيضاح بعد الإبهام؛ لأنه يفيد تأكيدا من ~~حيث المعنى، إذ هو على نية تكرار العامل. # و " الذين " في محل جر بالإضافة، وهو اسم موصول، لافتقاره إلى ~~صلة وعائد، وهو جمع " الذي " في المعنى، والمشهور فيه أن يكون ~~بالياء، رفعا، ونصبا، وجرا؛ وبعضهم يرفعه بالواو؛ جريا له ~~مجرى جمع المذكر السالم؛ ومنه: [الرجز] # 78- نحن الذون صبحوا الصباحا # يوم الفساد غارة ملحاحا # وقد تحذف نونه استطالة بصلته؛ كقوله: [الطويل] # 79- وإن الذي حانت بفلج دماؤهم # هم القوم كل القوم يا أم خالد # ولا يقع إلا على أولي العلم، [ولا يقع مجرى جمع المذكر السالم، ~~بخلاف مجرده فإنه يقع على أولي العلم] وغيرهم. # و " أنعمت ": فعل، وفاعل، صلة الموصول. # والتاء في " أنعمت " ضمير مرفوع متصل. و " عليهم " جار ومجرور ~~متعلق ب " أنعمت " ، والضمير هو العائد، وهو ضمير جمع المذكرين ~~العقلاء، ويستوي فيه لفظ متصله ومنفصله. # والهمزة في " أنعمت "؛ لجعل الشيء صاحب ما صيغ منه، فحقه ~~أن يتعدى بنفسه، ولكن ضمن معنى " تفضل " فتعدى ~~تعديته. # وقرأ عمر بن الخطاب، وابن الزبير رضي الله - تعالى - " ~~صراط من أنعمت ". # ول " أفعل " أربعة وعشرون معنى، تقدم واحد. # والتعدية؛ نحو: " أخرجته ". # والكثرة؛ نحو: " أظبى المكان " أي: " كثر ظباؤه ". # والصيرورة؛ نحو: " أغد البعير " صار ذا غدة. # والإعانة؛ نحو: " أحلبت فلانا " أي: أعنته على الحلب. # والتشكية؛ نحو: " أشكيته " أي: أزلت شكايته. # والتعريض؛ نحو: " أبعت المبتاع " ، أي: عرضته للبيع. # وإصابة الشيء بمعنى ما صيغ منه؛ نحو: " أحمدته " أي: وجدته محمودا. # وبلوغ عدد؛ نحو: " أعشرت الدراهم " ، أي: بلغت العشرة. # أو بلوغ زمان؛ نحو " أصبح " ، أو مكان؛ نحو " أشأم ". # وموافقة الثلاثي؛ نحو: " أحزت المكان ms0029 " بمعنى: حزته. # أو أغنى عن الثلاثي؛ نحو: " أرقل البعير ". # ومطاوعة " فعل "؛ نحو قشع الريح، فأقشع السحاب. # ومطاوعة " فعل "؛ نحو: " فطرته، فأفطر ". # ونفي الغريزة؛ نحو: " أسرع ". # والتسمية؛ نحو: " أخطأته " ، أي: سميته مخطئا. # والدعاء؛ نحو: " أسقيته " ، أي: قلت له: سقاك الله تعالى. # والاستحقاق؛ نحو " أحصد الزرع " ، أي: استحق الحصاد. # والوصول؛ نحوه: " أعقلته " ، أي: وصلت عقلي إليه. # والاستقبال نحو: " أففته " ، أي: استقبلته بقول: أف. # والمجيء بالشيء؛ نحو: " أكثرت " أي: جئت بالكثير. # والفرق بين أفعل وفعل، نحو: أشرقت الشمس: أضاءت، ~~وشرقت: طلعت. # والهجوم؛ نحو: أطلعت على القوم، أي: اطلعت عليهم. # و " على " حرف استعلاء حقيقة أو مجازا؛ نحو: عليه دين: ولها معان ~~أخر، منها: المجاوزة؛ كقوله: [الوافر] # 80- إذا رضيت علي بنو قشير # لعمر الله أعجبني رضاها # أي: عني. # وبمعنى " الباء " # حقيق على أن لا أقول # [الأعراف: 105]، أي: بأن، وبمعنى " في "؛ # الشيطين على ملك سليمن # [البقرة: 102] أي: في [ملك]، # المال على حبه ذوي القربى # [البقرة: 177]. # والتعليل: # ولتكبروا الله على ما هداكم # [البقرة: 185]؛ أي لأجل هدايته إياكم. # وبمعنى " من ": # حافظون إلا على أزواجهم # [المؤمنون: 5، 6]، أي: إلا من أزواجهم. # والزيادة كقوله: [الطويل] # 81- أبى الله إلا أن سرحة مالك # على كل أفنان العضاه تروق # لأن " تروق " يتعدى بنفسه، ولكل موضع من هذه المواضع مجال ~~للنظر. # وهي مترددة بين الحرفية، والاسمية؛ فتكون اسما في موضعين: # أحدهما: أن يدخل عليها حرف الجر؛ كقول الشاعر: [الطويل] # 82- غدت من عليه بعد ما تم ظمؤها # تصل وعن قيض بزيزاء مجهل # ومعناها " فوق " ، أي: من فوقه. # والثاني: أن يؤدي جعله حرفا، إلى تعدي فعل المضمر المنفصل إلى ضمير ~~المتصل في غير المواضع الجائز فيها؛ ومن ذلك قوله: [المتقارب] # 83- هون عليك فإن الأمور # بكف الإله مقاديرها # ومثلها في هذين الحكمين " عن " ، وستأتي إن شاء الله تعالى. # وزعم بعضهم أن " على " مترددة بين الاسم، والفعل، والحرف. # أما الاسم والحرف، فقد تقدما. # وأما الفعل: قال: فإنك تقول: " علا زيد " أي: ارتفع. وفي هذا ~~نظر؛ لأن " علا " إذا كان فعلا، مشتق من العلو، وإذا ~~كان اسما أو حرفا، ms0030 فلا اشتقاق له، فليس هو ذاك، إلا أن هذا ~~القائل يرد هذا النظر، [بقولهم: إن " خلا " ، " وعدا " ~~مترددان بين الفعلية والحرفية، ولم يلتفتوا إلى هذا النظر]. # والأصل في هاء الكناية الضم، فإن تقدمها ياء ساكنة، أو كسرة، ~~كسرها غير الحجازيين؛ نحو: عليهم وفيهم وبهم. # والمشهور في ميمها السكون قبل متحرك، والكسر قبل ساكن، هذا إذا ~~كسرت الهاء، أما إذا ضممت، فالكسر ممتنع إلا في ضرورة؛ كقوله: ~~" وفيهم الحكام " بكسر الميم. # وفي " عليهم " عشر لغات: # قرىء ببعضها: " عليهم " بكسر الهاء وضمها، مع سكون ~~الميم. # " عليهمي " ، بكسر الهاء، وزيادة الياء، وبكسر الميم فقط. # " عليهمو " بضم الميم، وزيادة واو، أو الضم فقط. # " عليهمو " بكسر الهاء، وضم الميم، بزيادة الواو. # " عليهمي " بضم الهاء، وزيادة ياء بعد الميم. # أو الكسر فقط " عليهم " بكسر الهاء، وضم الميم، حكى ذلك ابن ~~الأنباري. # والتفسير، قال البغوي - رحمه الله تعالى -: صراط الذين أنعمت عليهم ~~أي: مننت عليهم بالهداية والتوفيق، وقال عكرمة - رضي الله ~~تعالى عنه -: مننت عليهم بالثبات على الإيمان والاستقامة وعلى ~~الأنبياء عليهم السلام. # وقيل: على كل من ثبته الله - تعالى - من النبيين ~~والمؤمنين الذي ذكرهم الله - تعالى - في قوله: # فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهدآء والصلحين # [النساء: 69] وقال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - هم قوم ~~موسى، وعيسى - عليهما الصلاة والسلام، قبل أن غيروا دينهم. # وقال أبو العالية: هم آل الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، ~~وعمر رضي الله عنهما. # وقال شهر بن حوشب - رضي الله عنه -: هم أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وأهل بيته. # وقرأ حمزة " عليهم " ، و " إليهم " ، و " لديهم " بضم ~~الهاء. # ويضم يعقوب كل هاء قبلها ياء ساكنة تثنية وجمعا، إلا قوله ~~تعالى: # بين أيديهن وأرجلهن # [الممتحنة: 12]. # والآخرون: بكسرها. فمن ضمها ردها إلى الأصل؛ لأنها مضمومة عند ~~الانفراد. # ومن كسرها، فالأصل الياء الساكنة، والياء أخت الكسرة. # وضم ابن كثير، وأبو جعفر كل ميم جمع مشبعا في الوصل، ~~إذا لم يلقها ساكن، فإن لقيها ساكن فلا يشبع. # ونافع يخير، ms0031 ويضم ورش عند ألف القطع. # وإذا تلقته ألف الوصل، وقبل الهاء كسر، أو ياء ساكنة، ضم الهاء ~~والميم حمزة والكسائي - رحمهما الله - وكسرهما أبو عمرو، ~~وكذلك يعقوب إذا انكسر ما قبله. # والآخرون: بضم الميم، وكسر الهاء؛ لأجل الياء أو لكسر ما قبلها، وضم ~~الميم على الأصل، وقرأ عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه -: " ~~صراط من أنعمت عليهم ". # قال ابن الخطيب - رحمه الله تعالى -: اختلف في حد النعمة: # فقال بعضهم: إنها عبارة عن المنفعة المفعولة على جهة ~~الإحسان إلى الغير. # [ومنهم من يقول: المنفعة الحسنة المفعولة على جهة الإحسان إلى ~~الغير]. # قالوا: وإنما زدنا على هذا القيد، لأن النعمة يستحق لها الشكر ~~والإحسان [والحق أن هذا القيد غير معتبر؛ لأنه لا يجوز أن يستحق الشكر ~~بالإحسان]، وإن كان فعله محظورا؛ لأن جهة استحقاق الشكر غير جهة ~~استحقاق الذنب والعقاب، فأي امتناع في اجتماعهما؟ ألا ترى أن ~~الفاسق يستحق بإنعامه الشكر، والذم بمعصية الله تعالى، فلا ~~يجوز أن يكون الأمر ها هنا كذلك. # ولنرجع إلى تفسير الحد: فنقول: أما قولنا: " المنفعة "؛ فلأن ~~المضرة المحضة لا تكون نعمة. # وقولنا: المفعولة على جهة الإحسان؛ لأنه لو كان نفعا حقا وقصد ~~الفاعل به نفع نفسه، نفع المفعول به، فلا يكون نعمة، كمن ~~أحسن إلى جاريته، ليربح عليها. # وها هنا فوائد: # الفائدة الأولى: أن كل ما يصل إلى الخلق من النفع، ودفع ~~الضرر، فهو من الله تعالى على ما قال تبارك وتعالى: # وما بكم من نعمة فمن الله # [النحل: 53]، ثم إن النعمة على ثلاثة أقسام: # أحدها: نعمة تفرد الله - تعالى - بإيجادها، نحو: أن خلق ~~ورزق. # وثانيها: نعمة وصلت إلينا من جهة غير الله - تعالى - في ظاهر ~~الأمر، وفي الحقيقة فهي - أيضا - إنما وصلت من الله تبارك وتعالى؛ ~~وذلك لأنه - تعالى - هو الخالق لتلك النعمة، والخالق لذلك المنعم، ~~وخالق لداعية الإنعام بتلك النعمة في قلب ذلك المنعم، إلا أنه تبارك ~~وتعالى لما أجرى تلك النعمة على يد ذلك العبد، كان ذلك العبد ~~مشكورا، ولكن المشكور في ms0032 الحقيقة هو الله - تعالى - ولهذا قال تعالى: # أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير # [لقمان: 14] فبدأ بنفسه، تنبيها على أن إنعام الخلق لا يتم إلا ~~بإنعام الله تعالى. # وثالثها: نعم وصلت من الله إلينا بسبب طاعتنا، وهي أيضا من الله ~~تعالى؛ لأنه لولا أن الله - سبحانه وتعالى - وفقنا للطاعات، وأعاننا ~~عليها، وهدانا إليها، وأزاح الأعذار عنا، وإلا لما وصلنا ~~إلى شيء منها، فظهر بها التقرير أن جميع النعم في الحقيقة من ~~الله تعالى. # الفائدة الثانية: اختلفوا [في أنه] هل لله - تعالى - نعمة على ~~الكافر أم لا؟ فقال بعض أصحابنا: ليس لله - تعالى - على الكافر نعمة. # وقالت المعتزلة: لله - تعالى - على الكافر نعمة دينية، ونعمة دنيوية. # واحتج الأصحاب على صحة قولهم، بالقرآن [الكريم]، والمعقول. # أما القرآن؛ فقوله تبارك وتعالى: { صراط الذين أنعمت ~~عليهم }؛ وذلك لأنه لو كان لله على الكافر نعمة، لكانوا داخلين ~~تحت قوله: { أنعمت عليهم } فيكون طلبا لصراط الكفار، وذلك ~~باطل، فثبت بهذه الآية أنه ليس لله - تعالى - على الكافر نعمة. # فإن قالوا: إن قوله: { الصراط المستقيم } يدفع ذلك. # قلنا: { صراط الذين أنعمت عليهم } بدل من قوله: { ~~الصراط المستقيم }؛ فكان التقدير: " اهدنا صراط الذين ~~أنعمت عليهم " ، وحينئذ يعود المحذوف المذكور. # وقوله تبارك وتعالى: # ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير ~~لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما # [آل عمران: 178]. # وأما المعقول: فهو أن نعم الدنيا الفانية في مقابلة ~~عذاب الآخرة على الدوام، كالقطرة في البحر، ومثل هذا لا يكون ~~نعمة، بدليل أن من جعل السم في الحلوى لم يعد النفع ~~الحاصل منه نعمة؛ لأجل أن ذلك النفع حقير في مقابلة ذلك الضرر ~~الكبير، فكذا ههنا. # وأما الذين قالوا: إن لله على الكافر نعمة، فقد احتجوا بقوله ~~تعالى: # ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم ~~والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل ~~لكم الأرض فراشا والسمآء بنآء # [البقرة: 21، 22]، على أنه يجب على الكل طاعة الله - تعالى - ~~لأجل هذه النعم، وإلا لما كانت هذه النعم العظيمة معتبرة؛ وقوله ~~تعالى: # كيف تكفرون بالله وكنتم ms0033 أمواتا فأحياكم # [البقرة: 28]، ذكر ذلك في معرض الامتنان، وشرح النعم. # وقوله تعالى: # يبني إسرءيل اذكروا نعمتي التي أنعمت ~~عليكم # [البقرة: 40]. # وقوله تعالى: # وقليل من عبادي الشكور # [سبأ: 13]. # وقول إبليس: # ولا تجد أكثرهم شكرين # [الأعراف: 17]. # ولو لم تحصل النعمة، لم يلزم من عدم إقدامهم على الشكر محذور؛ ~~لأن الشكر لا يمكن إلا عند حصول النعمة. # الفائدة الثالثة: قال ابن الخطيب - رحمه الله -: قوله تعالى: { ~~اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت ~~عليهم } يدل على إمامة أبي بكر - رضي الله عنه؛ لأنا ذكرنا أن ~~تقدير الآية: " اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم " والله - تعالى - قد بين ~~في آية أخرى أن { الذين أنعمت عليهم } من هم؛ بقوله ~~تعالى: # فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين # [النساء: 69] ورئيسهم أبو بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - فكان معنى ~~الآية أن الله - تعالى - أمرنا أن نطلب الهداية [التي كان عليها أبو بكر ~~الصديق، وسائر الصديقين، ولو كان أبو بكر - رضي الله تعالى عنه - ~~غير إمام، لما جاز الاقتداء به]، فثبت [بما ذكرناه دلالة هذه الآية ~~على] إمامة أبي بكر رضي الله عنه. # الفائدة الرابعة: قوله تعالى: { أنعمت عليهم } يتناول كل من ~~كان لله - تعالى - عليه نعمة، وهذه النعمة إما أن يكون المراد منها نعمة ~~الدنيا، أو نعمة الدين، والأول باطل فثبت أن المراد منه نعمة الدين. # فنقول: كل نعمة دينية سوى الإيمان فهي مشروطة بحصول الإيمان، وأما ~~نعمة الإيمان فيمكن حصولها خاليا عن سائر النعم الدينية، وهذا يدل على ~~أن المراد من قوله تعالى: { أنعمت عليهم } هو نعمة الإيمان، ~~فرجع حاصل القول في قوله تعالى: { 1649;هدنا الصراط ~~المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم } أنه طلب لنعمة ~~الإيمان، وإذا ثبت هذا الأصل، فيتفرع عليه أحكام: # الأول: أنه لما ثبت أن المراد من هذه النعمة نعمة الإيمان، إذ لفظ ~~الآية الكريمة صريح في أن الله - تعالى - هو المنعم بالنعمة، ثبت أن ~~الخالق للإيمان، والمعطي للإيمان هو الله تعالى، وذلك يدل على فساد قول ~~المعتزلة، وكان الإيمان أعظم النعم، فلو ms0034 كان الفاعل للإيمان هو العبد ~~لكان إنعام العبد أشرف وأعلى من إنعام الله تعالى، ولو كان كذلك لما حسن ~~من الله - تعالى - أن يذكر إنعامه في معرض التعظيم. # الحكم الثاني: يجب ألا يبقى المؤمن مخلدا في النار؛ لأن قوله: { ~~أنعمت عليهم } مذكور في معرض التعظيم بهذا الإنعام، ولو لم ~~يكن له أثر في دفع العذاب المؤبد لكان قليل الفائدة، فما كان يحسن من ~~الله - تعالى - ذكره في معرض التعظيم. # الحكم الثالث: دلت الآية الكريمة على أنه لا يجب على الله - تعالى - ~~رعاية [الصلاح والأصلح] في الدين؛ لأنه لو كان الإرشاد على الله - تعالى ~~- واجبا لم يكن ذلك إنعاما، وحيث سماه الله - تعالى - إنعاما علمنا ~~أنه غير واجب. # الحكم الرابع: لا يجوز أن يكون المراد بالإنعام الإقدار على الإيمان؛ ~~لأن الله - تبارك وتعالى - قدر المكلف عليه، وأرشده إليه، وأزاح ~~أعذاره وعلله عنه، لأن كل ذلك حاصل في حق الكفار، فلما خص - ~~تعالى - بعض المكلفين بهذا الإنعام، مع أن الإقدار، وإزاجة العلل حاصل في ~~حق الكل، علمنا أن المراد ليس هو الإقدار، وإزاحة الموانع. # قوله تعالى: { غير المغضوب عليهم ولا الضآلين } # " غير " بدل من " الذين " بدل نكرة من معرفة. # وقيل: نعت ل " الذين " ، وهو مشكل؛ لأن " غير " نكرة و " الذين " ~~معرفة، وأجابوا عنه بجوابين: # أحدهما: أن " غير " إنما يكون نكرة إذا لم يقع بين ضدين، فأما إذا وقع ~~بين ضدين فقد انحصرت الغيرية، فيتعرف " غير " حينئذ بالإضافة، تقول: " ~~مررت بالحركة غير السكون " والآية من هذا القبيل، وهذا إنما يتمشى على ~~مذهب ابن السراج، وهو مرجوح. # والثاني: أن الموصول أشبه النكرات في الإبهام الذي فيه، فعومل ~~معاملة النكرات. # وقيل: إن " غير " بدل من المضمر المجرور في " عليهم " ، وهذا يشكل على ~~قول من يرى أن البدل يحل محل المبدل منه، وينوي بالأول الطرح؛ إذ يلزم ~~منه خلو الصلة من العائد، ألا ترى أن التقدير يصير: " صراط الذين أنعمت ~~على غير المغضوب عليهم ". # و " المغضوب " خفض بالإضافة، وهو اسم مفعول، والقائم مقام الفاعل الجار ~~والمجرور، ms0035 ف " عليهم " الأولى منصوبة المحل، والثانية مرفوعته، و " ~~أل " فيه موصولة، والتقدير: " غير الذين غضب عليهم ". # والصحيح في " أل " الموصولة أنها اسم لا حرف. # واعلم أن لفظ " غير " مفرد مذكر أبدا، إلا أنه إن أريد به مؤنث جاز ~~تأنيث فعله المسند إليه، نقول: " قامت غيرك " ، وأنت تعني امرأة، وهي في ~~الأصل صفة بمعنى اسم الفاعل، وهو مغاير، ولذلك لا تتعرف بالإضافة، وكذلك ~~أخواتها، أعني نحو: " مثل وشبه وشبيه وخدن وترب ". # وقد يستثنى بها حملا على " إلا " كما يوصف ب " إلا " حملا عليها، ~~وقد يراد بها النفي ك " لا " ، فيجوز تقديم معمول معمولها عليها، كما ~~يجوز في " لا " تقول: " أنا زيدا غير ضارب " أي: غير ضارب زيدا؛ ~~ومنه قول الشاعر: [البسيط] # 84- إن امرءا خصني عمدا مودته # على التنائي لعندي غير مكفور # تقديره: غير مكفور عندي، ولا يجوز ذلك فيها إذا كانت لغير النفي. # لو قلت: " جاء القوم زيدا غير ضارب " ، تزيد: غير ضارب زيدا لم يجز؛ ~~لأنها ليست بمعنى " لا " التي يجوز فيها ذلك على الصحيح من الأقوال في ~~" لا ". # وفيها قول ثان يمنع ذلك مطلقا. # وقول ثالث: يفصل بين أن تكون جواب قسم، فيمتنع فيها ذلك، وبين ألا ~~يكون فيجوز. # وهي من الألفاظ اللازمة للإضافة لفظا وتقديرا، فإدخال الألف ~~واللام عليها خطأ. # واختلفوا هل يجوز دخول " أل " على " غير وبعض وكل " والصحيح جوازه. # قال البغوي - رحمه الله تعالى -: " غير " ها هنا بمعنى " لا " و " لا " ~~بمعنى " غير " ، ولذلك جاز العطف عليها، كما يقال: " فلان غير محسن ~~ولا مجمل " ، فإذا كان " غير " بمعنى " لا " ، فلا يجوز العطف عليها ~~ب " لا "؛ لا يجوز في الكلام: " عندي سوى عبد الله ولا زيد ". # وقرىء: " غير " نصبا، فقيل: حال من " الذين " وهو ضعيف؛ لمجيئه ~~من المضاف إليه في غير المواضع الجائز فيها ذلك، كما ستعرفه إن ~~شاء الله تعالى: وقيل: من الضمير في " عليهم ". # وقيل على الاستثناء المنقطع، ومنعه الفراء؛ قال: لأن " لا " لا ~~تزاد إلا إذا تقدمها نفي، كقول الشاعر: [البسيط] # 85- ما كان يرضى ms0036 رسول الله فعلهما # والطيبان أبو بكر ولا عمر # وأجابوا بأن " لا " صلة زائدة مثلها في قوله تعالى: # ما منعك ألا تسجد # [الأعراف: 12]؛ وقول الشاعر: [الرجز] # 86- فما ألوم البيض ألا تسخرا # وقول الآخر: [الطويل] # 87- ويلحينني في اللهو ألا أحبه # وللهو داع دائب غير غافل # وقول الآخر: [الطويل] # 88- أبى جوده لا البخل واستعجلت به # نعم من فتى لا يمنع الجود نائله # ف " لا " في هذه المواضع كلها صلة. # وفي هذا الجواب نظر؛ لن الفراء لم يقل: إنها غير زائدة، وقولهم: إن " ~~لا " زائدة في الآية، وتنظيرهم بالمواضع المتقدمة لا تفيد، وإنما ~~تحرير الجواب أن يقولوا: وجدت " لا " زائدة من غير تقدم نفي، كهذه ~~المواضع المتقدمة. # ويحتمل أن تكون " لا " في قوله: " لا البخل " مفعولا به ل " أبى ~~" ، ويكون نصب " البخل " على أنه بدل من " لا " أي: أبى جوده ~~قول لا، وقول: لا هو البخل، ويؤيد هذا قوله: " واستعجلت به ~~نعم " فجعل " نعم " فاعل " استعجلت " ، فهو من الإسناد ~~اللفظي، أي: إلى جود هذا اللفظ، واستعجل به هذا اللفظ. # وقيل: إن نصب " غير " بإضمار أعني. ويحكى عن الخليل، وقدر بعضهم بعد " ~~غير " محذوفا قال: التقدير: " غير صراط المغضوب " ، وأطلق هذا ~~التقدير، فلم يقيده بجر " غير " ، ولا نصبه ولا يتأتى ذلك إلا مع ~~نصبها، وتكون صفة لقوله تعالى: { الصراط المستقيم } وهذا ~~ضعيف؛ لأنه متى اجتمع البدل والوصف قدم الوصف، فالأولى أن تكون صفة ل " ~~صراط الذين " ، ويجوز أن تكون بدلا من " الصراط المستقيم " ، أو من " ~~صراط الذين " إلا أنه يلزم منه تكرار البدل، وفي جوازه نظر، وليس في ~~المسألة نقل، إلا أنهم قد ذكروا ذلك في بدل البداء خاصة، أو ~~حالا من " الصراط " الأول أو الثاني. # واعلم أنه حيث جعلنا " غير " صفة فلا بد من القول بتعريف " غير " ، أو ~~إبهام الموصوف، وجريانه مجرى النكرة، كما تقدم تقريره ذلك في القراءة ~~بجر " غير ". # و " لا " في قوله تعالى: { ولا الضآلين } زائدة لتأكيد معنى ~~النفي المفهوم من " غير " لئلا يتوهم عطف " الضالين " على " الذين ~~أنعمت ". # وقال الكوفيون: ms0037 هي بمعنى " غير " وهذا قريب من كونها زائدة، فإنه لو ~~صرح ب " غير " كانت للتأكيد أيضا، وقد قرأ بذلك عمر بن الخطاب ~~وأبي رضي الله عنهما. # و " الضالين " مجرور عطفا على " المغضوب " ، وقرىء شاذا " ~~الضألين " ، بهمز الألف؛ وأنشدوا: [الطويل] # 89- وللأرض أما سودها فتجللت # بياضا، وأما بيضها فادهأمت # قال الزمخشري: " وفعلوا ذلك، للجد في الهرب من التقاء ~~الساكنين ". # وقد فعلوا ذلك حتى لا ساكنان؛ قال الشاعر: [الرجز] # 90- وخندف هامة هذا العألم # بهمز " العألم ". # وقال آخر: [البسيط] # 91- ولى نعام بني صفوان زوزأة # .................. # بهمز ألف " زورأة " ، والظاهر أنها لغة مطردة؛ فإنهم قالوا في ~~قراءة ابن ذكوان: " منسأته " بهمز ساكنة: إن أصلها ألف، فقلبت ~~همزة ساكنة. # فإن قيل: لم أتى بصلة " الذين " فعلا ماضيا؟ # قيل: ليدل ذلك على ثبوت إنعام الله - تبارك وتعالى - عليهم وتحقيقه ~~لهم، وأتى بصلة " أل " اسما ليشمل سائر الأزمان، وجاء مبنيا للمفعول؛ ~~تحسينا للفظ؛ لأن من طلبت منه الهداية، ونسب الإنعام إليه لا يناسبه ~~نسبة الغضب إليه، لأنه مقام تلطف، وترفق لطلب الإحسان، فلا يحسن ~~مواجهته بصفة الانتقام. # والإنعام: إيصال الإحسان إلى الغير، ولا يقال إلا إذا كان الموصل إليه ~~الإحسان من العقلاء، فلا يقال: أنعم فلان على فرسه، ولا حماره. # والغضب: ثوران دم القلب إرادة الانتقام، ومنه قوله عليه الصلاة ~~والسلام: # " اتقوا الغضب فإنه جمرة توقد في قلب ابن آدم، ألم ~~تر إلى انتفاخ أوداجه وحمرة عينيه ". # وإذا وصف به الباري - تبارك وتعالى - فالمراد به الانتقام لا غيره. # قال ابن الخطيب - رحمه الله تعالى -: هنا قاعدة كلية، وهي أن جميع ~~الأعراض النفسانية - أعني الرحمة، والفرح، والسرور، والغضب، ~~والحياء، والعتو، والتكبر، والاستهزاء -لها أوائل ولها غايات. # ومثاله: الغضب: فإن أول غليان دم القلب، وغايته: إرادة إيصال الضرر ~~إلى [المغضوب عليه، فلفظ الغضب في حق الله لا يحمل على أوله الذي هو ~~غليان دم القلب، بل على غايته الذي هو إرادة الإضرار، وأيضا الحياء] ~~له أول وهو انكسار النفس، وهذه قاعدة شريفة في هذا الباب. # ويقال: فلان غضبة: إذا كان سريع ms0038 الغضب. # ويقال: غضبت لفلان إذا كان حيا وغضبت به إذا كان ميتا. # وقيل: الغضب تغير القلب لمكروه. # وقيل: إن أريد بالغضب العقوبة كان صفة فعل، وإن أريد به إرادة العقوبة ~~كان صفة ذات. # والضلال: الخفاء والغيبوبة. # وقيل: الهلاك، فمن الأول قولهم: ضل الماء في اللبن. # [وقال القائل]: [الوافر] # 92- ألم تسأل فتخبرك الديار # عن الحي المضلل أين ساروا؟ # " والضلضلة ": حجر أملس يرده السيل في الوادي. # ومن الثاني: # أءذا ضللنا في الأرض # [السجدة: 10]، وقيل: الضلال: العدول عن الطريق المستقيم، وقد ~~يعبر به عن النسيان كقوله تعالى: # أن تضل إحداهما # [البقرة: 282] بدليل قوله: # فتذكر # [البقرة: 282]. # التفسير: قيل: " المغضوب عليهم " هم اليهود. # وقيل: " الضالون " هم النصارى؛ لأن الله - تعالى - حكم على اليهود ~~بالغضب فقال تعالى: # من لعنه الله وغضب عليه # [المائدة: 60]، وحكم على النصارى بالضلال فقال تعالى: # ولا تتبعوا أهوآء قوم قد ضلوا من قبل # [المائدة: 77]. # وقيل: هذا ضعيف؛ لأن منكري الصانع والمشركين أخبث دينا من اليهود ~~والنصارى، فكان الاحتراز من دينهم أولى. # وقيل: " المغضوب عليهم ": هم: الكفار، و " الضالون ": هم المنافقون. # وقال سهل بن عبد الله رضي الله عنهما: " غير المغضوب عليهم " ~~بالبدعة، " والضالين " عن السنة. # والأولى أن يحمل " المغضوب عليهم " على كل من أخطأ في الاعتقاد؛ ~~لأن اللفظ عام، والتقييد خلاف الأصل. # فصل في عصمة الأنبياء والملائكة # قال ابن الخطيب - رحمه الله تعالى -: " غير المغضوب عليهم " يدل على ~~أن أحدا من الملائكة، والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ما أقدم ~~على عمل مخالف قول الدين، ولا على اعتقاد مخالف اعتقاد دين الله؛ لأنه ~~لو صدر عنه ذلك لكان قد ضل عن الحق، لقوله تعالى: # فماذا بعد الحق إلا الضلال # [يونس: 32]، ولو كانوا ضالين لما جاز الاقتداء بهم، ولا بطريقهم، ~~ولكانوا خارجين عن قوله تعالى: { أنعمت عليهم } ، ولما كان ذلك ~~باطلا علمنا بهذه الآية عصمة الملائكة، والأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام. # فصل في إضافة الغضب لله # قالت المعتزلة: غضب الله - تعالى - عليهم يدل على كونهم فاعلين ~~للقبائح باختيارهم، وإلا لكان الغضب عليهم ظلما من الله - تعالى ms0039 - ~~عليهم. # وقال أصحابنا - رحمهم الله تعالى -: لما ذكر غضب الله عليهم، وأتبعه ~~بذكر كونهم ضالين دل ذلك على أن غضب الله - تعالى - عليهم علة لكونهم ~~ضالين، وحينئذ تكون صفة الله - تعالى - مؤثرة في صفة العبد. # أما لو قلنا: إن كونهم ضالين يوجب غضب الله - تعالى - عليهم لزم أن تكون ~~صفة العبد مؤثرة في صفة الله تعالى، وذلك محال. # فصل # قال ابن الخطيب - رحمه الله تعالى -: دلت هذه الآية على أن المكلفين ~~ثلاث فرق: # أهل الطاعة، وإليهم الإشارة بقوله تعالى: { أنعمت عليهم }. # وأهل البغي والعدوان، وهم المراد بقوله تعالى: { غير المغضوب ~~عليهم }. # وأهل الجهل في دين الله، وإليهم الإشارة بقوله تعالى: { ولا ~~الضآلين }. # فإن قيل: لم قدم ذكر العصاة على ذكر الكفرة؟ # قلنا: لأن كل أحد يحترز عن الكفر، أما قد لا يحترز عن الفسق، فكان أهم ~~فقدم لهذا السبب ذلك. # قال ابن الخطيب - رحمه الله تعالى -: ها هنا سؤال، وهو أن غضب الله إنما ~~تولد عن علمه بصدور القبيح والجناية عنه، فهذا العلم إما أن يقال: إنه ~~قديم، أو محدث، فإن كان قديما فلم خلقه، ولم أخرجه من العدم إلى ~~الوجود، مع علمه بأنه لا يستفيد من دخوله في الوجود إلا العذاب ~~الدائم، ولأنه من كان غضبان على الشيء كيف [يعقل] إقدامه على ~~إيجاده وتكوينه؟ فإن كان ذلك العلم حادثا لكان الباري - تعالى - ~~محلا للحوادث، إلا أنه يلزم أن يفتقر إحداث ذلك العلم إلى سبق ~~علم آخر، وتسلسل، وهو محال. # والجواب: يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد. # سؤال آخر # وهو أن من أنعم الله - تعالى - عليه امتنع أن يكون مغضوبا عليه، وأن ~~يكون من الضالين، فلما ذكر قوله: { أنعمت عليهم } ، فما ~~الفائدة في أن ذكر عقيبه: { غير المغضوب عليهم ولا ~~الضآلين }؟ # والجواب: الإيمان إنما يكمل بالرجاء والخوف، كما قال عليه الصلاة ~~والسلام: # " لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا " # ، فقوله: { صراط الذين أنعمت عليهم } يوجب الرجاء ~~الكامل، وقوله تعالى: { غير المغضوب عليهم ولا ~~الضآلين } يوجب الخوف الكامل، وحينئذ يقوى الإيمان ms0040 بركنيه وطرفيه، ~~وينتهي إلى حد الكمال. # سؤال آخر # ما الحكمة في أنه - تعالى - جعل المقبولين طائفة واحدة، وهم الذين ~~أنعم الله عليهم، والمردودين فريقين: المغضوب عليهم، والضالين؟ # فالجواب: أن الذين كملت نعم الله - تعالى - عليهم هم الذين جمعوا ~~بين معرفة الحق لذاته، والخير لأجل العمل به، فهؤلاء هم المرادون ~~بقوله: { أنعمت عليهم } ، فإن اختل قيد العمل فهم الفسقة، ~~وهم المغضوب عليهم، كما قال تعالى: # ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه جهنم خالدا ~~فيها وغضب الله عليه ولعنه # [النساء: 93]. # وإن اختل قيد العلم فهم الضالون لقوله تعالى: # فماذا بعد الحق إلا الضلال # [يونس: 32]. # فصل في حروف لم ترد في هذه السورة # قالوا: إن هذه السورة لم يحصل فيها سبعة من الحروف، وهو الثاء، والجيم، ~~والخاء، والزاي، والشين، والظاء، والفاء، والسبب فيه أن هذه الحروف ~~مشعرة بالعذاب، فالثناء أول حروف الثبور. # والجيم أول حروف جهنم. # والخاء: أول حروف الخزي. # والزاي والشين أول حروف الزفير والشهيق، والزقوم والشقاوة. # والظاء أول حرف ظل ذي ثلاث شعب، ويدل أيضا على لظى الظاء. # والفاء أول حروف الفراق قال تعالى: # يومئذ يتفرقون # [الروم: 14]. # قلنا: فائدته أنه - تعالى - وصف جهنم بأن # لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم # [الحجر: 44] فلما أسقط هذه الحروف السبعة الدالة على العذاب من هذه ~~السورة نبه بذلك على أن من قرأ هذه السورة، وآمن بها، وعرف حقائقها أمن ~~من دركات جهنم السبعة. # القول في " آمين ": ليست من القرآن إجماعا، ومعناها: اللهم اسمع ~~واستجب. # وقال ابن عباس وقتادة - رضي الله تعالى عنهما -: معناه كذلك يكون، فهي ~~اسم فعل مبني على الفتح. # وقيل: ليس باسم فعل، بل هو من أسماء الباري تعالى، والتقدير: يا آمين، ~~وضعف أبو البقاء هذا بوجهين: # أحدهما: أنه لو كان كذلك لكان ينبغي أن يبني على الضم، لأنه ~~منادى مفرد معرفة. # والثاني: أن أسماء الله - تعالى - توقيفية. # ووجه الفارسي قول من جعله اسما لله - تعالى - على معنى: أن فيه ضميرا ~~يعود على الله تعالى؛ لأنه اسم فعل، وهو توجيه حسن نقله ms0041 صاحب " المغرب ~~". # وفي " آمين " لغتان: المد، والقصر، فمن الأول قول القائل: [البسيط] # 93- آمين آمين لا أرضى بواحدة # حتى أبلغها ألفين آمينا # وقال الآخر: [البسيط] # 94- يا رب لا تسلبني حبها أبدا # ويرحم الله عبدا قال: آمينا # ومن الثاني قوله: [الطويل] # 95- تباعد عني فطحل إذ رأيته # أمين فزاد الله ما بيننا بعدا # وقيل: الممدود: اسم أعجمي، لأنه بزنة قابيل وهابيل. # وهل يجوز تشديد الميم؟ # المشهور أنه خطأ، نقله الجوهري - رحمه الله تعالى -، ولكنه قد روي ~~عن الحسن وجعفر الصادق - رضي الله تعالى عنهما - التشديد، وهو قول ~~الحسين بن الفضل، من أم: إذا قصد، أي: نحن قاصدون نحوك. # ومنه: # ولا آمين البيت الحرام # [المائدة: 2]. # وقيل: معناه: هو طابع الدعاء. # وقيل: هو خاتم الله على عباده يدفع به الآفات عنهم كخاتم الكتاب يمنعه ~~من الفساد، وظهور ما فيه. وقال النووي - رحمه الله تعالى - في " ~~التهذيب ": وقال عطية العوفي: [ " آمين " ] كلمة عبرانية، أو سريانية، ~~وليست عربية. # وقال عبد الرحمن بن زيد: " آمين " كنز من كنوز العرش لا ~~يعلم أحد تأويله إلا الله تعالى. # وروي فيها الإمالة مع المد عن حمزة والكسائي، والنون فيها ~~مفتوحة أبدا مثل: أين وكيف. # وقيل: آمين درجة في الجنة تجب لقائلها. # وقيل: معناه: اللهم آمنا بخير. # وقال بعضهم: بنيت لأنها ليست عربية، وأنها سم فعل [ك " صه " " ومه ~~" ألا ترى أن معناها: " اللهم استجب، وأعطنا ما سألناك ". # وقالوا: إن مجيء " آمين " دليل على أنها ليست عربية]؛ إذ ليس في كلام ~~العرب " فاعيل ". # فأما " آري " فليس ب " فاعيل " ، بل هو عند جماعة " فاعول ". # وعند بعضهم " فاعلي ". # وعند بعضهم [ " فاعي " ] بالنقصان. # وقال بعضهم: إن " أمين " المقصورة لم يجىء عن العرب، والبيت الذي ينشد ~~مقصورا لا يصح على هذا الوجه إنما هو: [الطويل] # 96-.......................... # فآمين زاد الله ما بيننا بعدا # روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا قال الإمام: { غير المغضوب عليهم ولا ~~الضآلين } ، فقولوا: آمين، فإن الملائكة تقول: آمين، فمن وافق ~~تأمينه تأمين الملائكة غفر له ms0042 ما تقدم من ذنبه ". # فصل في وجوب القراءة في الصلاة # قال ابن الخطيب - رحمه الله تعالى -: أجمع الأكثرون على أن القراءة ~~واجبة في الصلاة. # وعن الأصم والحسن بن صالح - رضي الله تعالى عنهما - أنهما قالا: لا ~~تجب لنا [أن كل دليل نذكره في بيان أن] قراءة الفاتحة واجبة، فهو يدل ~~على أن أصل القراءة واجب، ونزيد - ها هنا - وجوها: # الأول: فهو قوله تبارك وتعالى: # أقم الصلوة لدلوك الشمس إلى غسق الليل ~~وقرءان الفجر # [الإسراء: 78]. # والمراد بالقرآن القراءة، والتقدير: أقم قراءة الفجر، وظاهر الأمر ~~الوجوب. # الثاني: عن أبي الدرداء - رضي الله تعالى عنه - # " أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أفي الصلاة قراءة ~~فقال: " نعم " فقال السائل: وجبت، فأقر النبي صلى الله عليه وسلم ~~ذلك الرجل على قوله: " وجبت " ". # الثالث: عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - # " أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أيقرأ في الصلاة؟ فقال عليه ~~الصلاة والسلام: " أتكون صلاة بغير قراءة " # ، هذان الخبران نقلهما من تعليق الشيخ أبي أحمد الإسفرايني. # وحجة الأصم - رحمه الله تعالى - قوله عليه الصلاة والسلام: # " صلوا كما رأيتموني أصلي " # جعل الصلاة من الأشياء المرئية، والقراءة ليست مرئية، فوجب كونها خارجة ~~عن الصلاة، والجواب: أن الرؤية إذا كانت متعدية إلى مفعولين كانت بمعنى ~~العلم. # فصل # قال الشافعي - رحمه الله تعالى -: قراءة الفاتحة واجبة في الصلاة، فإن ~~ترك منها حرفا واحدا وهو يحسنها لم تصح صلاته، وبه قال الأكثرون. # وقال أبو حنيفة - رضي الله تعالى عنه -: لا تجب قراءة الفاتحة. # لنا وجوه: # الأول: أنه - عليه الصلاة والسلام - واظب طول عمره على قراءة ~~الفاتحة في الصلاة، فوجب علينا ذلك، لقوله تعالى: # واتبعوه # [الأعراف: 158]، ولقوله: # فليحذر الذين يخالفون عن أمره # [النور: 63]، ولقوله تعالى: # فاتبعوني يحببكم الله # [آل عمران: 31]. # ويا للعجب من أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - أنه تمسك في وجوب مسح ~~الناصية بخبر واحد، في أنه - عليه الصلاة والسلام - مسح على الناصية، ~~فجعل ذلك القدر من المسح شرطا لصحة الصلاة، وها هنا نقل أهل ms0043 العلم ~~نقلا متواترا أنه - عليه الصلاة والسلام - واظب على قراءة الفاتحة، ثم ~~قال: إن صحة الصلاة غير موقوفة عليها، وهذا من العجائب. # الثاني: قوله تعالى: # وأقيموا الصلوة # [البقرة: 43]، والصلاة لفظ محلى بالألف واللام، فيكون المراد منها ~~المعهود السابق، وليس عند المسلمين معهود سابق من لفظ الصلاة إلى ~~الأعمال التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي بها. # وإذا كان كذلك كان قوله تعالى: # وأقيموا الصلوة # [البقرة:43] جاريا مجرى أمره بقراءة الفاتحة، وظاهر الأمر [الوجوب]، ثم ~~إن هذه اللفظة تكررت في القرآن الكريم أكثر من مائة مرة، فكان ذلك ~~دليلا قاطعا على وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة. # الثالث: أن الخلفاء الراشدين - رضي الله تعالى عنهم - واظبوا على ~~قراءتها طول عمرهم، ويدل عليه ما روي في " الصحيحين " # " أن النبي - عليه الصلاة والسلام - وأبا بكر وعمر - رضي الله تعالى ~~عنهما - كانوا يستفتحون القراءة ب { الحمد لله رب ~~العالمين } ، وإذا ثبت هذا وجب علينا ذلك، لقوله عليه الصلاة ~~والسلام: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من ~~بعدي " ". # ولقوله عليه الصلاة والسلام: # " اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر " # رضي الله عنهما. # والعجب من أبي حنيفة - رحمه الله - أنه تمسك بطلاق الفار بأثر عثمان ~~- رضي الله عنه - مع أن عبد الرحمن، وعبد الله بن الزبير - رضي الله ~~عنهما - كانا يخالفانه - ونص القرآن أيضا يوجب عدم الإرث، فلم يتمسك ~~بعمل [كل] الصحابة - رضي الله عنهم - على سبيل الإطباق، والاتفاق على ~~وجوب قراءة الفاتحة، مع أن هذا القول على وفق القرآن، والإخبار، ~~والمعقول! # الرابع: أن الأمة [وإن] اختلفت في أنه هل تجب قراءة الفاتحة أم لا؟ ~~لكنهم اتفقوا عليه في العمل فإنك لا ترى أحدا من المسلمين في العرف ~~إلا ويقرأ الفاتحة في الصلاة، وإذا ثبت هذا فنقول: إن من صلى ~~ولم يقرأ الفاتحة كان تاركا سبيل المؤمنين، فيدخل تحت قوله تعالى: # ويتبع غير سبيل المؤمنين # [النساء: 115] فإن قالوا: إن الذين اعتقدوا أنه لا يجب قراءتها ~~قرءوها لا عن اعتقاد الوجوب، بل على اعتقاد الندبية، فلم يحصل ms0044 ~~الإجماع على وجوب قراءتها. # فنقول: أعمال الجوارح غير أعمال القلوب، ونحن قد بينا إطباق الكل ~~على الإتيان بالقراءة، فمن لم يأت بالقراءة كان تاركا طريقة المؤمنين ~~في هذا العمل فدخل تحت الوعيد، وهذا القدر يكفينا في ~~الدليل، ولا حاجة في تقرير هذا الدليل إلى ادعاء الإجماع في ~~اعتقاد الوجوب. # الخامس: قوله عز وجل: # " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال ~~العبد: { الحمد لله رب العالمين } يقول الله تعالى: ~~حمدني عبدي... " # ، إلى آخر الحديث. # وجه الاستدلال: أنه - تعالى - حكم على كل صلاة بكونها بينه وبين ~~العبد نصفين، ثم بين أن هذا التصنيف لم يحصل إلا بسبب هذه السورة، ~~ولازم اللازم لازم، فوجب كون هذه السورة من لوازم الصلاة، وهذا اللزوم لا ~~يحصل إلا إذا قلنا: قراءة الفاتحة شرط في صحة الصلاة. # السادس: قوله عليه الصلاة والسلام: # " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ". # قالوا: حرف النفي دخل على الصلاة، ودخل على غير ممكن، فلا بد من ~~صرفه إلى حكم من أحكام الصلاة، وليس صرفه إلى الصحة أولى من صرفه إلى ~~الكمال. # والجواب من وجوه: # الأول: أنه جاء في بعض الروايات: # " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " # ، وعلى هذه الرواية فالنفي ما دخل على الصلاة، وإنما دخل على حصولها ~~للرجل، وحصولها للرجل عبارة عن انتفاعه بها، وخروجه عن عهدة ~~التكليف بسببها، وعلى هذا التقدير فإنه يمكن إجراء حرف النفي على ~~ظاهره. # الثاني: من اعتقدوا أن قراءة الفاتحة جزء من أجزاء ماهية الصلاة، فعند ~~عدم القراءة لا توجد ماهية الصلاة؛ لأن الماهية تمنع حصولها حال عدم بعض ~~أجزائها، وإذا ثبت هذا فقولهم: إنه لا يمكن إدخال حرف النفي على ~~مسمى الصلاة إنما يصح لو ثبت أن الفاتحة ليست جزءا من الصلاة، ~~وهذا [هو] أول المسألة، فثبت أن قولنا: يمكن إجراء هذه اللفظة على أنه ~~متى تعذر العمل بالحقيقة، وحصل للحقيقة مجازان أحدهما: أقرب إلى ~~الحقيقة، والثاني: أبعد؛ فإنه يجب حمل اللفظ على المجاز الأقرب. # إذا ثبت هذا فنقول: المشابهة بين المعدوم، وبين الموجود ms0045 الذي يكون ~~صحيحا [أتم من المشابهة بين المعدوم وبين الموجود الذي لا يكون ~~صحيحا]، لكنه لا يكون كاملا، فكان حمل هذا اللفظ على نفي الصحة ~~أولى. # الحجة السابعة: عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، فهي خداج " # أي غير تمام، قالوا: الخداج هو النقصان، وذلك لا يدل على عدم الجواز. # قلنا: بل هذا يدل على عدم الجواز؛ لأن التكليف بالصلاة دائم، والأصل ~~في الثابت، البقاء، خالفنا هذا الأصل عند الإتيان بالصلاة على صفة ~~الكمال، فعند الإتيان بها على سبيل النقصان يوجب ألا يخرج عن ~~العهدة، والذي يقوي هذا أن عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - يصح ~~الصوم في يوم العيد إلا أنه قال: لو صام يوم العيد قضاء عن رمضان لم ~~يصح؛ لأن الواجب عليه هو الصوم الكامل، والصوم في هذا اليوم ناقص، فوجب ~~ألا يفيد هذا القضاء الخروج عن العهدة. # وإذا ثبت هذا فنقول: فلم لم يقل بمثل هذا الكلام ها هنا؟ # الحجة الثامنة: نقل الشيخ أبو حامد في " تعليقه " عن ابن المنذر ~~أنه روى بإسناده عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " لا تجزىء صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب ". # الحجة التاسعة: روى رفاعة بن مالك - رضي الله عنه - أن رجلا دخل ~~المسجد فصلى، فلما فرغ من صلاته، ذكر في الخبر أن الرجل قال: علمني ~~الصلاة يا رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام: # " إذا توجهتم إلى القبلة فكبروا، واقرءوا بفاتحة ~~الكتاب " # ، وهذا أمر، والأمر للوجوب. # الحجة العاشرة: # " روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ألا أخبركم بسورة ليس في ~~التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور مثلها " ، قالوا: نعم، ~~قال: " فما تقرءونه في صلاتكم "؟ فقالوا: الحمد لله رب العالمين، قال: ~~" هي هي " ". # وجه الدليل: # " أنه - عليه الصلاة والسلام - لما قال: " ما تقرءونه في صلاتكم ~~"؟ قالوا: الحمد لله رب العالمين " # ، وهذا يدل على أنه ms0046 كان مشهورا عند الصحابة - رضي الله عنهم - أنه لا ~~يصلي أحد إلا بهذه السورة، فكان هذا إجماعا معلوما عندهم. # الحجة الحادية عشرة: التمسك بقوله تعالى: # فاقرءوا ما تيسر من القرآن # [المزمل: 20] فهذا أمر، والأمر للوجوب، فهذا يقتضي أن قراءة ما ~~تيسر من القرآن واجبة. # فنقول: المراد بما تيسر من القرآن، إما أن يكون هو الفاتحة بعينها ~~واجبة، وهو المطلوب وإما يقتضي أن قراءة غير الفاتحة واجبة، وذلك باطل ~~بالإجماع، أو يقتضي التخيير بين قراءة الفاتحة، وبين قراءة غيرها وذلك ~~باطل بالإجماع، لأن الأمة مجمعة على أن قراءة الفاتحة أولى من قراءة ~~غيرها. # وسلم أبو حنيفة أن الصلاة بدون قراءة الفاتحة خداج ناقصة، والتخيير ~~بين النقائص والكامل لا يجوز. # واعلم أنه إنما سمى قراءة الفاتحة لما تيسر من القرآن؛ لأن هذه السورة ~~محفوظة لجميع المكلفين من المسلمين، فهي متيسرة للكل، أما سائر السور ~~فقد تكون محفوظة، وقد لا تكون، وحينئذ لا تكون متيسرة للكل. # الحجة الثانية عشرة: الأصل بقاء التكليف، فالقول بأن الصلاة ~~بدون قراءة الفاتحة يقتضي الخروج عن العهدة، إما أن يعرف بالنص أو ~~بالقياس. # أما الأول فباطل. # [لأن النص الذي تمسكوا به قوله تعالى: # فاقرءوا ما تيسر من القرآن # [المزمل:20] وقد بينا أنه دليلنا. # وأما القياس] فباطل؛ لأن التعبدات غالبة على الصلاة، وفي مثل هذه ~~الصورة يجب ترك القياس. # الحجة الثالثة عشرة: أن النبي - عليه الصلاة والسلام - واظب على ~~الصلاة بها طول عمره، فيكون قراءة غير الفاتحة ابتداعا وتركا ~~للاتباع، وذلك حرام لقوله صلى الله عليه وسلم: # " اتبعوا ولا تبتدعوا " # ، و # " أحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها ". # واحتج أبو حنيفة - رضي الله تعالى عنه - بالقرآن والخبر. # أما القرآن الكريم فقوله تبارك وتعالى: # فاقرءوا ما تيسر من القرآن # [المزمل:20]. # وأما الخبر فما روى أبو عثمان النهدي عن أبي هريرة - رضي الله تعالى ~~عنهما - قال " أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أخرج وأنادي: لا ~~صلاة إلا بقراءة، ولو بفاتحة الكتاب ". # والجواب عن الأول: أنا بينا أن هذه الآية ms0047 من أقوى الدلائل على قولنا. # وعن الثاني: أنه معارض بما نقل عن أبي هريرة، وأيضا لا يجوز أن يقال: ~~المراد من قوله: # " لا صلاة إلا بقراءة، ولو بفاتحة الكتاب " # وهو أنه لو اقتصر على الفاتحة لكفى. # فصل في بيان هل التسمية آية من الفاتحة أم لا؟ # قال الشافعي - رضي الله عنه -: التسمية آية من الفاتحة، ويجب قراءتها ~~مع الفاتحة، وقال مالك والأوزاعي، - رضي الله تعالى عنهما -: إنها ليست ~~من القرآن إلا في سورة النمل، ولا يجب قراءتها سرا ولا جهرا، إلا ~~في قيام شهر رمضان، فإنه يقرؤها. # وأما أبو حنيفة - رحمه الله - فلم ينص عليها، وإنما قال: يقول: بسم الله ~~الرحمن الرحيم ويسر بها، ولم يقل: إنها آية من أول السورة أم لا. # قال: سئل محمد بن الحسن - رحمه الله - عن " بسم الله الرحمن الرحيم " ~~فقال: ما بين الدفتين كلام الله - عز وجل - القرآن. # قلت: فلم يسر بها؟ فلم يجبني. # وقال الكرخي - رحمه الله تعالى -: لا أعرف هذه المسألة بعينها ~~لمتقدمي أصحابنا، إلا أن أمرهم بإخفائها يدل على أنها ليست من السورة. # وقال بعض الحنفية - رحمهم الله -: تورع أبو حنيفة وأصحابه - رحمهم الله ~~- عن الوقوع في هذه المسألة؛ لأن الخوض في أن التسمية من القرآن، أو ليست ~~من القرآن أمر عظيم، فالأولى السكوت عنه. # حجة من قال: إن التسمية من الفاتحة: # روى الشافعي عن مسلم عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة - رضي ~~الله عنها - أنها قالت: # " قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتحة الكتاب، فعد بسم الله ~~الرحمن الرحيم آية منها والحمد لله رب العالمين ~~آية، الرحمن الرحيم آية، مالك يوم الدين آية، إياك ~~نعبد وإياك نستعين آية، اهدنا الصراط المستقيم ~~آية، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب ~~عليهم ولا الضالين آية " # ، وهذا نص صريح. # وروى الثعلبي في تفسيره بإسناده عن أبي بريدة عن أبيه قال: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا أخبرك بآية لم تنزل على ~~أحد بعد سليمان بن داود - عليهما ms0048 السلام - غيري "؟ فقلت: بلى ~~قال: # " بأي شيء يفتتح القرآن إذا افتتحت الصلاة؟ " قلت: ببسم الله ~~الرحمن الرحيم قال: " هي هي " # وهذا يدل على أن التسمية من القرآن. # وروى الثعلبي بإسناده عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد ~~الله - رضي الله عنهما - # " أن النبي - عليه الصلاة والسلام - قال له: " كيف تقول إذا قمت ~~إلى الصلاة "؟ قال: أقول: الحمد لله رب العالمين، قال: " قل: بسم الله ~~الرحمن الرحيم " ". # وروى أيضا بإسناده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ~~في قوله تبارك وتعالى: # آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم # [الحجر: 87] قال: فاتحة الكتاب، فقيل للنابغة، أين السابعة؟ فقال: { ~~بسم الله الرحمن الرحيم }. # وبإسناده عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: # " كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، والنبي يحدث أصحابه، إذ ~~دخل رجل يصلي، فافتتح الصلاة وتعوذ، ثم قال: الحمد لله رب العالمين، ~~فسمع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: يا رجل، قطعت على نفسك الصلاة، أما علمت أن بسم الله ~~الرحمن الرحيم من الحمد؟ من تركها فقد تركها فقد ترك آية منها، ~~ومن ترك أية منها فقد قطع عليه صلاته، فإنه لا صلاة إلا بها ". # وروى بإسنادة عن طلحة بن عبيد الله - رضي الله تعالى عنهما - قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: # " من ترك بسم الله الرحمن الرحيم، فقد ترك آية من كتاب ~~الله تعالى ". # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بن كعب - رضي الله عنهما ~~-: # " " ما أعظم آية في كتاب الله تعالى "؟ فقال: بسم الله الرحمن ~~الرحيم، فصدقة النبي صلى الله عليه وسلم ". # ومعلوم أنها ليست آية تامة في النمل، فتعين أن تكون آية تامة في ~~أول الفاتحة. # وروي أن معاوية - رضي الله عنه - لما قدم " المدينة " فصلى بالناس ~~صلاة يجهر فيها، فقرأ أم القرآن، ولم يقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم ~~" ، فلما قضى صلاته ناداه المهاجرون والأنصار من ms0049 كل ناحية أنسيت؟ ~~أين بسم الله الرحمن الرحيم حين استفتحت القرآن؟ # فأعاد معاوية الصلاة؟ وقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. # وهذا يدل على إجماع الصحابة على أنها من القرآن ومن الفاتحة، وعلى ~~أن الأولى الجهر بقراءتها. # فصل في بيان عدد آيات الفاتحة # حكي عن الزمخشري: الاتفاق على كون الفاتحة سبع آيات. # وحكى ابن عطية قولين آخرين: # أحدهما: هي ست آيات، فأسقط البسملة، وأسقط " أنعمت عليهم ". # والثاني: أنها ثماني آيات فأثبتهما. # قال ابن الخطيب - رحمه الله تعالى -: رأيت في بعض الروايات الشاذة أن ~~الحسن البصري - رضي الله تعالى عنه - كان يقول: إن هذه السورة ثماني ~~آيات، فأما الرواية المشهورة التي عليها الأكثرون أنها سبع آيات، وبه ~~فسروا قوله تعالى: # ولقد آتيناك سبعا من المثاني # [الحجر: 87]. # إذا ثبت هذا، فنقول: إن الذين قالوا: إن البسملة آية من الفاتحة ~~قالوا: قوله تعالى: { صراط الذين أنعمت عليهم } ~~[الفاتحة: 7] إلى آخرها آية تامة منها. # وأما أبو حنيفة - رضي الله عنه - فإنه لما أسقط البسملة قال: قوله ~~تعالى: { صراط الذين أنعمت عليهم } آية، وقوله: { ~~غير المغضوب عليهم ولا الضآلين } آية أخرى. # ودليل الشافعي - رضي الله تعالى عنه - أن مقطع قوله تعالى: { صراط ~~الذين أنعمت عليهم } لا يشابه مقطع الآيات المتقدمة، ~~ورعاية التشابه في المقاطع لازم، لأنا وجدنا مقاطع القرآن على ~~ضربين: متقاربة، ومتشاكلة. فالمتقاربة كسورة " ق ". # والمتشاكلة في سورة " القمر " ، وقوله تعالى: { أنعمت ~~عليهم } ليس من القسمين، فامتنع جعله من المقاطع. # وأيضا إذا جعلنا قوله تعالى: { غير المغضوب عليهم } ~~ابتداء آية، فقد جعلنا أول الآية لفظ " غير " ، وهذا اللفظ إما أن يكون ~~صفة لما قبله، أو استثناء مما قبله، والصفة مع الموصوف كالشيء ~~الواحد، وكذلك المستثنى مع المستثنى منه كالشيء الواحد، وإيقاع الفصل ~~[بينهما] على خلاف الدليل، أما إذا جعلنا قوله تعالى: { صراط ~~الذين أنعمت عليهم } إلى آخر السورة آية واحدة [كنا قد ~~جعلنا الموصوف مع الصفة، وكذلك المستثنى مع المستثنى منه كلاما واحدا، ~~وآية واحدة]، وذلك أقرب إلى الدليل. # فصل هل البسملة آية من أوائل السور ms0050 أم لا؟ # وللشافعي قولان: # قال ابن الخطيب: " والمحققون من أصحابنا اتفقوا على أن بسم الله قرآن ~~من سائر السور، وجعلوا القولين في أنها هل هي آية تامة وحدها من كل ~~سورة، أو هي مع ما بعدها آية ". # وقال بعض الحنفية: إن الشافعي خالف الإجماع في هذه المسألة؛ لأن أحدا ~~ممن قبله لم يقل: إن بسم الله آية من أوائل سائر السور. # ودليلنا أن بسم الله مكتوب في أوائل السور بخط القرآن، فوجب كونه ~~قرآنا، واحتج المخالف بما روى أبو هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن ~~النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال في سورة " الملك " إنها ثلاثون ~~آية، وفي سورة " الكوثر " إنها ثلاث آيات، ثم أجمعوا على أن هذا العدد ~~حاصل بدون التسمية، فوجب ألا تكون التسمية آية من هذه السور. # والجواب أنا إذا قلنا: بسم الله الرحمن الرحيم مع ما بعدها آية واحدة، ~~فالإشكال زائل. # فإن قالوا: لما اعترفتم بأنها آية تامة من أول الفاتحة، فكيف يمكنكم أن ~~تقولوا: إنها بعض آية من سائر السور؟ # قلنا: هذا غير بعيد، ألا ترى أن قوله تعالى: { الحمد لله رب ~~العالمين } آية تامة؟ ثم صار مجموع قوله تعالى: # وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين # [يونس: 10] آية واحدة، فكذا ها هنا. # وأيضا فقوله: سورة " الكوثر " ثلاث آيات يعني ما هو خاصية هذه السورة ~~ثلاث آيات، وأما التسمية فهي كالشيء المشترك فيه بين جميع السور، فسقط ~~هذا السؤال، والله أعلم. # فصل في الجهر بالتسمية والإسرار بها # يروى عن أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - أن التسمية آية من الفاتحة ~~إلا أنه يسر بها في كل ركعة. # وأما الشافعي - رضي الله تعالى عنه - فإنه قال: ليست آية من الفاتحة ~~ويجهر بها. # وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: ليست آية من الفاتحة، ولا يجهر بها. # والاستقراء دل على أن السورة الواحدة، إما أن تكون بتمامها سرية أو ~~جهرية، وإما أن يكون بعضها سريا، وبعضها جهريا، فهذا مفقود في جميع ~~السور، وإذا ثبت هذا كان ms0051 الجهر بالتسمية شروعا في القراءة الجهرية. # وقالت الشيعة: السنة هي الجهر بالتسمية، سواء كانت الصلاة [جهرية ~~أو سرية]. # والذين قالوا: إن التسمية ليست من أوائل السور اختلفوا في سبب إثباتها ~~في المصحف في أول كل سورة، وفيه قولان: # الأول: أن التسمية ليست من القرآن، وهؤلاء فريقان: # منهم من قال: كتبت للفصل بين السور، وهذا الفصل قد صار الآن ~~معلوما، فلا حاجة إلى إثبات التسمية، فعلى هذا لو لم تكتب لجاز. # ومنهم من قال: إنه يجب إثباتها في المصحف، ولا يجوز تركها أبدا. # والقول الثاني: أنها من لقرآن، وقد أنزلها الله تعالى، ولكنها آية ~~مستقلة بنفسها، وليست بآية من السورة، وهؤلاء أيضا فريقان: # منهم من قال: إن الله - تعالى - كان ينزلها في أول كل سورة على حدة. # ومنهم من قال: لا، أنزلها مرة واحدة، وأمر بإثباتها في [أول] كل سورة. # والذي يدل على أن الله - تعالى - أنزلها، وعلى أنها من القرآن ما روي ~~عن أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعد ~~" بسم الله الرحمن الرحيم " آية فاصلة. # وعن إبراهيم بن يزيد قال: قلت لعمرو بن دينار: إن الفضل الرقاشي يزعم ~~أن " بسم الله الرحمن الرحيم " ليست من القرآن، فقال: سبحان الله ما ~~أجرأ هذا الرجل! سمعت سعيد بن جبير يقول: سمعت ابن عباس - رضي ~~الله عنهما - يقول: كان النبي - عليه الصلاة والسلام - إذا أنزل عليه " ~~بسم الله الرحمن الرحيم " على أن تلك السورة ختمت وفتح غيرها. # وعن عبد الله بن المبارك أنه قال: من ترك " بسم الله الرحمن الرحيم " ~~فقد ترك مائة وثلاث عشرة آية. # فصل # قال ابن الخطيب - رحمه الله -: نقل في بعض الكتب القديمة أن ابن مسعود - ~~رضي الله عنه - كان ينكر كون سورة الفاتحة من القرآن الكريم، وكان ~~ينكر كون المعوذتين من القرآن. # واعلم أن هذا في غاية الصعوبة؛ لأنا إن قلنا: إن النقل المتواتر كان ~~حاصلا في عصر الصحابة بكون سورة الفاتحة من القرآن، فحينئذ كان ابن ~~مسعود - رضي الله ms0052 عنه - عالما بذلك فإنكاره يوجب الكفر أو نقصان ~~العقل. # وإن قلنا: النقل المتواتر ما كان حاصلا في ذلك الزمان فهذا يقتضي أن ~~يقال: إن نقل القرآن ليس بمتواتر في الأصل، وذلك يخرج القرآن عن كونه ~~حجة يقينية. # والأغلب على الظن أن يقال: هذا المذهب عن ابن مسعود نقل كاذب باطل، ~~وبه يحصل الخلاص عن هذه العقدة، والله الهادي إلى الصواب، إليه يرجع ~~الأمر كله في الأول والمآب. ### | [2 - سورة البقرة] ### || [2.1-2] # إن قيل: إن الحروف المقطعة في أوائل السور أسماء حروف التهجي، بمعنى ~~أن الميم اسم ل " مه " والعين ل " عه " ، وإن فائدتها إعلامهم بأن ~~هذا القرآن منتظم من جنس ما تنتظمون من كلامكم، ولكن عجزتم عنه، فلا ~~محل لها حينئذ من الإعراب، وإنما جيء بها لهذه الفائدة، فألقيت كأسماء ~~الأعداد ونحو: " واحد اثنان " ، وهذا أصح الأقوال الثلاثة، أعني أن في ~~الأسماء التي لم يقصد الإخبار عنها ولا بها ثلاثة أقوال: # أحدها: ما تقدم. # والثاني: أنها معربة، بمعنى أنها صالحة للإعراب، وإنما فات شرطه وهو ~~التركيب، وإليه مال الزمخشري رحمه الله. # والثالث: أنها موقوفة أي لا معربة ولا مبنية. # أو إن قيل: إنها أسماء السور المفتتحة بها، أو إنها بعض أسماء الله - ~~تعالى - حذف بعضها، وبقي منها هذه الحروف دالة عليها وهو رأي ابن عباس ~~- رضي الله تعالى عنهما - كقوله: الميم من " عليهم " ، والصاد من " صادق ~~" ، فلها حينئذ محل من الإعراب ويحتمل الرفع والنصب والجر: # فالرفع على أحد وجهين: إما بكونها مبتدأ، وإما بكونها خبرا كما سيأتي ~~بيانه مفصلا إن شاء الله تعالى. # والنصب على أحد وجهين أيضا: إما بإضمار فعل لائق، تقديره: اقرءوا: " ~~الم " ، وإما بإسقاط حرف القسم؛ كقول الشاعر: [الوافر] # 97- إذا ما الخبز تأدمه بلحم # فذاك أمانة الله الثريد # يريد: وأمانة الله. # وكذلك هذه الحروف أقسم الله بها. # وقد رد الزمخشري هذا الوجه بما معناه: أن القرآن في: # ص والقرآن ذي الذكر # [ص: 1] والقلم في # ن والقلم وما يسطرون # [القلم: 1] محلوف بهما لظهور الجر فيهما، وحينئذ لا يخلو ms0053 أن تجعل ~~الواو الداخلة عليها للقسم، أو للعطف، والأول يلزم منه محذور، وهو الجمع ~~بين قسمين على مقسم قال: [وهم يستكرهون] ذلك. # والثاني ممنوع، لظهور الجر فيما بعدها، والفرض أنك قدرت المعطوف عليه ~~من محل نصب، وهو رد واضح، إلا أن يقال: في محل نصب إلا فيما ظهر ~~فيه الجر [فيما بعده] كالموضعين المتقدمين؛ # حم والكتاب # [الزخرف: 1-2]، و # ق والقرءان # [ق: 1] ولكن القائل بذلك لم يفرق بين موضع وموضع، فالرد لازم كله. # والجر من وجه واحد، وهو أنها مقسم بها، حذف حرف القسم، وبقي عمله ~~كقولهم: " الله لأفعلن " أجاز ذلك الزمخشري، وأبو البقاء رحمهما الله، ~~وهذا ضعيف؛ لأن ذلك من خصائص الجلالة المعظمة لا يشاركها فيه غيرها. # فتخلص مما تقدم أن في " الم " ونحوها ستة أوجه وهي: أنها لا محل لها من ~~الإعراب، أو لها محل، وهو الرفع بالابتداء، أو الخبر. # والنصب بإضمار فعل، أو حذف حرف القسم. # والجر بإضمار حرف القسم. # فصل في الحروف المقطعة # سئل الشعبي - رحمه الله تعالى - عن هذه الحروف فقال: سر الله، فلا ~~تطلبوه. # وروى أبو ظبيان عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: عجزت ~~العلماء عن إدراكها، وقال الشعبي وجماعة رحمهم الله سائر حروف ~~التهجي في أوائل السور من المتشابهة الذي استأثر الله بعلمه، وهي سر ~~القرآن؛ فنحن نؤمن بظاهرها، ونكل العلم فيها إلى الله تعالى. # قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: " في كل كتاب سر، وسر الله ~~- تعالى - في القرآن أوائل السور ". # ونقل ابن الخطيب رحمه الله أن المتكلمين أنكروا هذا القول، وقالوا: ~~لا يجوز أن يرد في كتاب الله ما لا يكون مفهوما للخلق، واحتجوا عليه ~~بآيات منها: # قوله تبارك وتعالى: # أفلا يتدبرون القرءان أم على قلوب أقفالهآ # [محمد: 24] بالتدبر في القرآن، ولو كان غير مفهوم، فكيف يأمر بالتدبر ~~فيه. # وكذا قوله: # أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير ~~الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا # [النساء: 82] فكيف يأمر بالتدبر لمعرفة نفي التناقض والاختلاف، وهو ~~غير مفهوم للخلق؟ # ومنها ms0054 قوله تعالى: # نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من ~~المنذرين بلسان عربي مبين # [الشعراء: 193- 195]، فلو لم يكن مفهوما بطل كون الرسول - عليه السلام ~~- منذرا به، وأيضا قوله: # بلسان عربي مبين # [الشعراء:195] يدل على أنه نازل بلغة العرب، وإذا كان كذلك وجب أن ~~يكون مفهوما. # ومنها قوله تعالى: # لعلمه الذين يستنبطونه منهم # [النساء: 83]، والاستنباط منه لا يمكن إلا مع الإحاطة بمعناه. # ومنها قوله تعالى: # تبيانا لكل شيء # [النحل: 89]. # وقوله تعالى: # ما فرطنا في الكتاب من شيء # [الأنعام: 38]. # وقوله تعالى: # هدى للناس # [البقرة: 185]، { هدى للمتقين } [البقرة: 2]، وغير المعلوم لا ~~يكون هدى. # وقوله تعالى: # وشفآء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين # [يونس: 57] وكل هذه الصفات لا تحصر في غير المعلوم. # وقوله تبارك وتعالى: # قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين # [المائدة: 15]. # وقوله تعالى: # أولم يكفهم أنآ أنزلنا عليك الكتاب يتلى ~~عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم ~~يؤمنون # [العنكبوت: 51] فكيف يكون الكتاب كافيا وكيف يكون ذكره مع أنه غير ~~مفهوم؟ # وقوله تعالى: # هذا بلاغ للناس ولينذروا به # [إبراهيم: 52]، فيكف يكون بلاغا؟ وكيف يقع به الإنذار، مع أنه غير ~~معلوم؟ # وقال في آخر الآية: # ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد ~~وليذكر أولوا الألباب # [إبراهيم:52]، وإنما يكون كذلك لو كان معلوما. # وقوله تعالى: # إن هذا القرءان يهدي للتي هي أقوم # [الإسراء: 9] فكيف يكون هاديا مع أنه غير معلوم، ومن الأخبار قوله عليه ~~الصلاة والسلام: # " إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي ~~أبدا كتاب الله وسنتي " # فكيف يمكن التمسك به وهو غير معلوم؟ # وعن علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه - أنه - عليه الصلاة والسلام ~~- قال: # " عليكم بكتاب الله - فيه نبأ ما قبلكم، وخبر من بعدكم، وحكم ~~ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله ~~تعالى. ومن اتبع الهدى في غيره أضله الله - تعالى - هو حبل الله ~~المتين، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به ~~الأهواء، ولا تشبع به العلماء، ولا يخلق عن كثرة ms0055 الرد ولا تنقضي ~~عجائبه، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن خاصم به فلج، ~~ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم ". # ومن المعقول أنه لو ورد شيء لا سبيل إلى العلم إلا به لكانت ~~المخاطبة به نحو مخاطبة العرب باللغة الزنجية، ولما لم يجز ذلك ~~فكذا هذا. # وأيضا المقصود من الكلام الإفهام، فلو لم يكن مفهوما لكانت المخاطبة ~~عبثا وسفها، وهو لا يليق بالحكيم. # وأيضا أن التحدي وقع بالقرآن، وما لا يكون معلوما لا يجوز وقوع ~~التحدي به. # واحتج مخالفوهم بالآية، والخبر، والمعقول. # أما الآية فهو أن المتشابه من القرآن، وأنه غير معلوم؛ لقوله ~~تعالى: # وما يعلم تأويله إلا الله # [آل عمران: 7] والوقف هاهنا، لوجوه: # أحدها: أن قوله تعالى: " والراسخون في العلم " لو كان معطوفا على ~~قوله تعالى " إلا الله " لبقي قوله: " يقولون آمنا به " منقطعا عنه، ~~وإنه غير جائز؛ لأنه لا يقال: إنه حال، لأنا نقول: فحينئذ يرجع إلى ~~كل ما تقدم، فيلزم أن يكون الله تعالى قائلا: # يقولون ءامنا به كل من عند ربنا # [آل عمران:7] وهذا كفر. # وثانيها: أن الراسخين في العلم لو كانوا عالمين بتأويله لما كان ~~لتخصيصهم بالإيمان به وجه، فإنهم لما عرفوه بالدلالة لم يكن الإيمان به ~~إلا كالإيمان بالمحكم، فلا يكون في الإيمان به مزيد مدح. # وثالثها: أن تأويلها كان مما يجب أن يعلم لما كان طلب ذلك التأويل ~~ذما، لكن قد جعله ذما حيث قال: # فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه ~~منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله # [آل عمران: 7] وأما الخبر فروي أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: # " إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله تعالى ~~فإذا نطقوا به أنكره أهل الغرة بالله ". # ولأن القول بأن هذه الفواتح غير معلومة مروي عن أكابر الصحابة رضي ~~الله عنهم فوجب أن يكون حقا، لقوله عليه الصلاة والسلام: # " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ". # وأما المعقول فهو أن الأفعال التي كلفنا الله تعالى بها قسمان: منها ~~ما يعرف وجه الحكمة فيه ms0056 على الجملة بعقولنا كالصلاة والزكاة ~~والصوم، فإن الصلاة تضرع محض، وتواضع للخالق، والزكاة سعي في ~~دفع حاجة الفقير، والصوم سعي في كسر الشهوة. # ومنها ما لا يعرف وجه الحكمة فيها على الجملة بعقولنا كأفعال الحج ~~في رمي الجمرات، والسعي بين الصفا والمروة، والرمل، ~~والاضطباع. # ثم اتفق المحققون على أنه كما يحسن من الله - تعالى - أن يأمر عباده ~~بالنوع الأول، فكذا يحسن الأمر بالنوع الثاني؛ لأن الطاعة في النوع ~~الأول، تدل على كمال الانقياد والتسليم، لاحتمال أن المأمور إنما أتى ~~به لما عرف بعقله من وجه المصلحة فيه. # أما الطاعة في النوع الثاني، فإنها تدل على كمال الانقياد والتسليم، ~~فإذا كان الأمر كذلك في الأفعال، فلم لا يجوز أيضا أن يكون [الأمر] كذلك ~~في الأقوال؟ وهو أن يأمر الله - تعالى - تارة أن نتكلم بما نقف على ~~معناه، وتارة بما لا نقف على معناه، ويكون المقصود من ذلك ظهور ~~الانقياد والتسليم. # القول الثاني: قول من زعم أن هذه الفواتح معلومة، واختلفوا فيه، ~~وذكروا وجوها: # الأول: أنها أسماء السور، وهو قول أكثر المتكلمين، واختيار الخليل ~~وسيبويه رحمهما الله تعالى. # قال القفال - رحمه الله تعالى - وقد سمت العرب هذه الحروف أشياء ~~فسموا ب " لام ": والد حارثة بن لام الطائي، وكقولهم للنخاس: " صاد ~~" ، وللنقد: " عين " ، وللسحاب: " غين ". # وقالوا: جبل " قاف " ، وسموا الحوت: " نونا ". # الثاني: أنها أسماء الله تعالى، روي عن علي - رضي الله تعالى عنه - ~~أنه كان يقول: يا حم عسق. # الثالث: أنها أبعاض أسماء الله تعالى. # قال سعيد بن جبير رحمه الله: قوله: " الر، حم، ونون " مجموعها هو اسم ~~الرحمن، ولكنا لا نقدر على كيفية تركيبها في البواقي. # الرابع: أنها أسماء القرآن، وهو قول الكلبي - رحمه الله تعالى - ~~والسدي وقتادة رضي الله تعالى عنهم. # الخامس: أن كل واحد منها دال على اسم من أسماء الله - تعالى - وصفة من ~~صفاته. # قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - في " الم ": " الألف إشارة إلى ~~أنه [أحد، أول، آخر، أزلي، " واللام " إشارة إلى أنه لطيف، " والميم " ~~إشارة إلى ms0057 أنه] ملك مجيد منان ". # وقال في " كهيعص ": إنه ثناء من الله - تعالى - على نفسه، " والكاف " ~~يدل على كونه كافيا، " والهاء " على كونه هاديا، " والعين " على ~~العالم، " والصاد " على الصادق. وذكر ابن ابن جرير عن ابن عباس - رضي ~~الله تعالى عنهما - أنه حمل " الكاف " على الكبير والكريم، " والياء " ~~على أن الله يجير، " والعين " على أن الله العزيز والعدل. # والفرق بين هذين الوجهين أنه في الأول خصص كل واحد من هذه الحروف باسم ~~معين، وفي الثاني ليس كذلك. # السادس: بعضها يدل على أسماء الذات، وبعضها على أسماء الصفات. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما - في " الم " أنا الله أعلم، وفي " المص ~~" أنا الله أفصل، وفي " الر " أنا الله أرى، وهذه رواية أبي صالح، وسعيد ~~بن جبير عنه. # قال الزجاج: وهذا أحسن، فإن العرب تذكر حرفا من كلمة تريدها ~~كقولهم: [مشطور السريع] # 98- قلنا لها: قفي لنا قالت: قاف # .................... # وأنشد سيبويه لغيلان: [الرجز] # 99- نادوهم أن الجموا، ألا تا # قالوا جميعا كلهم ألا فا # أي: لا تركبوا، قالوا: بلى فاركبوا. # وأنشد قطرب: [الرجز] # 100- جارية قد وعدتني أن تا # تدهن رأسي وتفليني وتا # السابع: كل واحد منها يدل على صفات الأفعال، ف " الألف " آلاؤه، و ~~" اللام " لطفه، و " الميم " مجده، قاله محمد بن كعب القرظي. # الثامن: بعضها يدل على أسماء الله - تعالى - وبعضها يدل على أسماء ~~غير الله تعالى. # قال الضحاك: " الألف " من الله، و " اللام " من جبريل، و " الميم " من ~~محمد عليه الصلاة والسلام [أي أنزل الله الكتاب على لسان جبريل عليه ~~الصلاة والسلام]. # التاسع: ما قاله المبرد: واختاره جمع عظيم من المحققين - أن الله - ~~تعالى - إنما ذكرها احتجاجا على الكفار، وذلك أن الرسول - عليه ~~الصلاة والسلام - لما تحداهم أن يأتوا بمثل القرآن، أو بعشر ~~سور، أو بسورة، فعجزوا عنه أنزلت هذه الأحرف تنبيها على أن القرآن ~~ليس إلا من هذه الأحرف، وأنتم قادرون عليها، وعارفون بقوانين الفصاحة، ~~فكان يجب أن تأتوا بمثل هذا القرآن، فلما عجزتم عنه دل ذلك على أنه ~~من عند الله ms0058 لا من البشر. # العاشر: قول أبي روق وقطرب: إن الكفار لما قالوا: # لا تسمعوا لهذا القرءان والغوا فيه # [فصلت: 26] وتواصوا بالإعراض عنه أراد الله - تعالى - لما أحب صلاحهم ~~ونفعهم أن يورد عليهم ما لا يعرفونه، ليكون ذلك سببا لإسكاتهم، ~~واستماعهم لما يرد عليهم من القرآن، فأنزل الله - تعالى - عليهم هذه ~~الأحرف، فكانوا إذا سمعوها قالوا كالمتعجبين: اسمعوا إلى ما يجيء به محمد ~~عليه الصلاة والسلام، فإذا أصغوا هجم عليهم القرآن فكان ذلك سببا ~~لاستماعهم، وطريقا إلى انتفاعهم، فكان كالتنبيه لما يأتي بعده من الكلام ~~كقوله الأول. # الحادي عشر: قول أبي العالية " إن كل حرف منها في مدة أعوام ~~وآجال آخرين ". # قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: سر أبو ياسر بن أخطب برسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يتلو سورة البقرة { الم ذلك ~~الكتاب } ، ثم أتى أخوه حيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف، ~~وسألوه عن " الم " وقالوا: ننشدك الله الذي لا إله إلا هو أحق أنها ~~أتتك من السماء؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " نعم كذلك نزلت " ، ~~فقال حيي: إن كنت صادقا إني لأعلم أجل هذه الأمة من السنين، ثم ~~قال: كيف ندخل في دين رجل دلت هذه الحروف بحساب الجمل على أن منتهى ~~أجل مدته إحدى وسبعون سنة، فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال حيي: فهل غير هذا؟ قال: " نعم المص " فقال حيي: هذا أكثر من ~~الأولى هذه مائة وإحدى وثلاثون سنة، فهل غير هذا؟ قال: " نعم الر " قال ~~حيي: هذه أكثر من الأولى والثانية، فنحن نشهد إن كنت صادقا ما ملكت ~~أمتك إلا مائتين وإحدى وثلاثين سنة، فهل غير هذا؟ قال: " نعم " قال: " ~~المر " قال: فنحن نشهد أنا من الذين لا يؤمنون، ولا ندري بأي أقوالك ~~نأخذ. # فقال أبو ياسر: أما أنا فأشهد على أن أنبياءنا قد أخبرونا عن ملك هذه ~~الأمة، ولم يبينوا أنها كم تكون، فإن كان محمد صادقا فيما يقول، إني ~~لأراه يستجمع له هذا كله فقام اليهود، وقالوا اشتبه علينا ms0059 أمرك، فلا ندري ~~أبالقليل نأخذ أم بالكثير؟ فذلك قوله تعالى: # هو الذي أنزل عليك الكتاب # [آل عمران: 7] الآية الكريمة. # وروي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أنها أقسام. # وقال الأخفش: أقسم الله - تعالى - لشرفها وفضلها؛ لأنها مبادىء كتبه ~~المنزلة، ومباني أسمائه الحسنى. # وقيل فيها غير ذلك. # واعلم أن الله - تعالى - أورد في هذه الفواتح نصف عدد أسامي حروف ~~المعجم، وهي أربعة عشر: الألف، واللام، والميم، والصاد، والراء، ~~والكاف، والهاء، والعين، والطاء، والسين، والحاء، والقاف، والباء، والنون ~~في تسع وعشرين سورة. # وجاءت أيضا مختلفة الأعداد، فوردت " ص ق ن " على حرف. # و " طه وطس ويس وحم " على حرفين. # و " الم والر وطسم " على ثلاثة أحرف. # و " المص والمر " على أربعة أحرف. # و " كهيعص وحم عسق " على خمسة أحرف، والسبب فيه أن أبنية كلامهم على حرف ~~وحرفين إلى خمسة أحرف، فكذا هاهنا. # قوله: { ذلك الكتاب } # يجوز في " ذلك " أن تكون مبتدأ ثانيا، و " الكتاب " خبره، والجملة خبر ~~" الم " ، وأغنى الربط باسم الإشارة، ويجوز أن يكون " الم " مبتدأ. # و " ذلك " خبره، و " الكتاب " صفة ل " ذلك " ، أو بدل منه، أو عطف ~~بيان، وأن يكون " الم " نبتدأ، و " ذلك " مبتدأ ثان، و " الكتاب ": إما ~~صفة له، أو بدل منه، أو عطف بيان له. # و " لا ريب فيه " [خبر] عن المبتدأ الثاني، وهو خبره خبر عن الأول. # ويجوز أن يكون " الم " خبر مبتدأه مضمر، تقديره: " هذا الم " ، فتكون ~~جملة مستقلة بنفسها، ويكون " ذلك " مبتدأ ثانيا، و " الكتاب " خبره. # ويجوز أن يكون صفة له، أو بدلا، أو بيانا، و " لا ريب فيه " هو الخبر ~~عن " ذلك " أو يكون " الكتاب " خبرا ل " ذلك " ، و " لا ريب فيه " خبر ~~ثان، وفيه نظر من حيث إنه تعدد الخبر، وأحدهما جملة، لكن الظاهر جوازه؛ ~~كقوله تعالى: # فإذا هي حية تسعى # [طه: 20]، إذا قيل بأن " تسعى " خبر. # وأما إن جعل صفة فلا. # و " ذلك " اسم إشارة: الاسم منه " ذا " ، و " اللام " للبعد، و " ~~الكاف " للخطاب، ولها ثلاث رتب: # دنيا: ولها ms0060 المجرد من اللام والكاف نحو: " ذا وذي " و " هذا وهذي ~~". # ووسطى: ولها المتصل بحرف الخطاب، نحو " ذاك وذيك وتيك ". # وقصوى: ولها المتصل ب " اللام " و " الكاف " نحو: " ذلك وتلك ". # ولا يجوز أن تأتي ب " اللام " إلا مع " الكاف " ، ويجوز دخول حرف ~~التنبيه على سائر أسماء الإشارة إلا مع " اللام " ، فيمتنع للطول. # وبعض النحويين لم يذكر إلا رتبتين: دنيا وغيرها. واختلف النحويون في ~~" ذا " هل هو ثلاثي الوضع أم أصله حرف واحد؟ # الأول قول البصريين، ثم اختلفوا على عينه ولامه ياء، فيكون من باب " حيي ~~" ، أو غينه واو ولامه ياء فيكون من باب " غويت " ثم حذفت لامه تخفيفا، ~~وقلبت العين ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، وهذا كله على سبيل ~~التمرين. # وأيا فهذا مبني، والمبني لا يدخله تصريف، وإنما جيء هنا بإشارة البعيد ~~تعظيما للمشار إليه ومنه: [الطويل] # 101- أقول له والرمح يأطر متنه # تأمل خفافا إنني أنا ذلكا # أو لأنه لما نزل من السماء إلى الأرض أشير بإشارة البعيد. # أو لأنه كان موجودا به بنبيه عليه الصلاة والسلام. # أو أنه أشير به إلى ما قضاه وقدره في اللوح المحفوظ. # وفي عبارة المفسرين أشير بذلك إلى الغائب يعنون البعيد، وإلا فالمشار ~~إليه لا يكون إلا حاضرا ذهنا أو حسا، فعبروا عن الحاضر ذهنا ~~بالغائب أي حسا وتحريرا لقول ما ذكرته لك. وقال الأصم وابن كيسان: ~~إن الله - تعالى - أنزل قبل سورة " البقرة " سورا كذب بها المشركون، ثم ~~أنزل سورة " البقرة " فقال: " ذلك الكتاب " يعني ما تقدم " البقرة " من ~~السور لا شك فيه. # قال ابن الخطيب رحمه الله تعالى: سلمنا أن المشار إليه حاضر، لكن ~~لا نسلم أن لفظة " ذلك " لا يشار بها إلا إلى البعيد. # بيانه: أن " ذلك " و " هذا " حرف إشارة، وأصلهما " ذا " لأنه حرف ~~الإشارة، قال تعالى: # من ذا الذي # [البقرة: 245]. # ومعنى " ها " تنبيه، فإذا قرب الشيء أشير إليه فقيل: هذا، أي: تنبه ~~أيها المخاطب لما أشرت إليه، فإنه حاضر معك بحيث تراه، وقد تدخل " ~~الكاف " على " ذا " للمخاطبة، و " اللام ms0061 " لتأكيد معنى الإشارة، فقيل: " ~~ذلك " ، فكأن المتكلم بالغ في التنبيه لتأخر المشار إليه عنه، فهذا ~~يدل على أن لفظة " ذلك " لا تفيد البعد في أصل الوضع، بل اختص في ~~العرف بالفرس، وإن كانت في أصل الوضع متناولة لكل ما يدب على الأرض. # وإذا ثبت هذا فنقول: إنا نحمله ها هنا على مقتضى الوضع اللغوي، لا على ~~مقتضى الوضع العرفي، وحينئذ لا يفيد البعد، ولأجل هذه المقارنة قام ~~كل واحد من اللفظين مقام الآخر. # قال تعالى: # واذكر عبدنآ إبراهيم وإسحق # [ص: 45]، إلى قوله: # وكل من الأخيار # [ص: 48] ثم قال: # هذا ذكر # [ص: 49] وقال: # وعندهم قاصرات الطرف أتراب هذا ما توعدون # [ص: 52- 53]. # وقال: # وجآءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه ~~تحيد # [ق: 19]. # وقال تعالى: # فأخذه الله نكال الآخرة والأولى إن في ذلك ~~لعبرة لمن يخشى # [النازعات: 24-25]. # وقال تعالى: # ولقد كتبنا في الزبور # [الأنبياء: 105] وقال تعالى: # إن في هذا لبلاغا # [الأنبياء: 106]. # وقال: # فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى # [البقرة: 73] [أي هكذا يحيي الموتى]. # وقال: # وما تلك بيمينك يموسى # [طه: 18] أي ما هذه التي بيمينك. # و " الكتاب " في الأصل مصدر؛ قال تعالى: # كتاب الله عليكم # [النساء: 24] وقد يراد به المكتوب، قال الشاعر: [الطويل] # 102- بشرت عيالي إذ رأيت صحيفة # أتتك من الحجاج يتلى كتابها # ومثله [الوافر] # 103- تؤمل رجعة مني وفيها # كتاب مثل ما لصق الغراء # وأصل هذه المادة الدلالة على الجمع، ومنه كتيبة الجيش، وكتبت ~~القربة، وكتبت القربة: خرزتها، والكتبة -بضم " الكاف " ~~الخرزة، والجمع كتب، قال: [البسيط] # 104- وفراء غرفية أثأى خوارزها # مشلشل ضيعته بينها الكتب # وكتبت الدابة [إذا جمعت بين شفري رحمها بحلقة أو ~~سير] قال الشاعر: [البسيط] # 105- لا تأمنن فزاريا حللت به # على قلوصك واكتبها بإسيار # والكتابة عرفا ضم بعض حروف الهجاء إلى بعض. # قال ابن الخطيب: واتفقوا على أن المراد من الكتاب القرآن، قال تبارك ~~وتعالى: # كتاب أنزلناه إليك مبارك # [ص: 29]. # والكتاب جاء في القرآن جاء في القرآن على وجوه: # أحدها: الفرض # كتب عليكم القصاص # [البقرة: 178] # كتب عليكم الصيام # [البقرة: ms0062 183]، # إن الصلوة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا # [النساء: 103]. # ثانيها: الحجة والبرهان: # فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين # [الصافات: 157] أي: ببرهانكم وحجتكم. # ثالثها: الأجل: # ومآ أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم # [الحجر: 4] أي: أجل. # رابعها: بمعي مكاتبة السيد عبده: # والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم # [النور: 33] وهذا المصدر " فعال " بمعنى " المفاعلة " كالجدال ~~والخصام والقتال بمعنى: المجادلة والمخاصمة والمقاتلة. # والكتاب - هنا - المراد به القرآن، وله أسماء: # أحدها: الكتاب كما تقدم. # وثانيها: القرآن: # إنا جعلناه قرآنا # [الزخرف: 3]، # شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن # [البقرة: 185]. # وثالثها: الفرقان: # تبارك الذي نزل الفرقان # [الفرقان: 1]. # ورابعها: الذكر، والتذكرة، والذكرى: # وهذا ذكر مبارك أنزلناه # [الأنبياء: 50]، # وإنه لتذكرة للمتقين # [الحاقة: 48] وقوله تعالى: # وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين # [الذاريات: 55]. # وخامسها: التنزيل: # وإنه لتنزيل رب العالمين # [الشعراء: 192]. # وسادسها: الحديث: # الله نزل أحسن الحديث # [الزمر: 23]. # وسابعها: الموعظة: # قد جآءتكم موعظة من ربكم # [يونس: 57]. # وثامنها: الحكم، والحكمة، والحكيم، والمحكم: # وكذلك أنزلناه حكما عربيا # [الرعد: 37]، # حكمة بالغة # [القمر: 5]، # يس والقرءان الحكيم # [يس: 1-2]، # كتاب أحكمت آياته # [هود: 1]. # وتاسعها: الشفاء: # وننزل من القرءان ما هو شفآء # [الإسراء: 82]. # وعاشرها: الهدى، والهادي # هدى للمتقين # [البقرة: 2]، # إن هذا القرءان يهدي للتي هي أقوم # [الإسراء: 9]، # قرءانا عجبا يهدي إلى الرشد # [الجن: 1-2]. # وذكروا له أسماء أخر منها: # " الصراط المستقيم، والعصمة، والرحمة، والروح، والقصص، ~~والبيان، والتبيان، والمبين، والبصائر، والفصل، والنجوم، ~~والمثاني، والنعمة، والبرهان، والبشير، والنذير، والقيم، ~~والمهيمن، والنور، والحق، والعزيز، والكريم، والعظيم، والمبارك ". # قوله تعالى: { لا ريب فيه }. # يجوز أن يكون خبرا كما تقدم بيانه. # قال بعضهم: هو خبر بمعنى النهي، أي: لا ترتابوا فيه كقوله تعالى: # فلا رفث ولا فسوق # [البقرة: 197] أي: لا ترفثوا ولا تفسقوا. # قرأ ابن كثير: " فيه " بالإشباع في الوصل، وكذلك كل هاء كناية ~~قبلها ساكن يشبعها وصلا ما لم يلها ساكن، ثم إن كان الساكن قبل ~~الهاء ياء يشبعها بالكسر ياء، وإن كان غيرها يشبعها بالضم واوا، ووافقه ~~حفص في قوله: # فيه مهانا # [الفرقان: 69] فأشبعه. # ويجوز أن تكون هذه الجملة في محل نصب على الحال، ms0063 والعامل فيه معنى ~~الإشارة، و " لا " نافية للجنس محمولة في العمل على نقيضها. " إن " ، ~~واسمها معرب ومبني: # فيبنى إذا كان مفردا نكرة على ما كان ينصب به، وسبب بنائه تضمنه معنى ~~الحرف، وهو " من " الاستغراقية يدل عليه ظهورها في قول الشاعر: ~~[الطويل] # 106- فقام يذود الناس عنها بسيفه # فقال ألا لا من سبيل إلى هند # وقيل: بني لتركبه معها تركيب خمسة عشر، وهو فاسد وبيانه في غير ~~هذا الكتاب. وزعم الزجاج أن حركة " لا رجل " ونحوه حركة ~~إعراب، وإنما حذف التنوين تخفيفا، ويدل على ذلك الرجوع إلى هذا الأصل في ~~الضرورة كقوله: [الوافر] # 107- ألا رجلا جزاه الله خيرا # يدل على محصلة تبيت # ولا دليل له لأن التقدير: ألا ترونني رجلا؟ # فإن لم يكن مفردا - وأعني به المضاف والشبيه به - أعرب نصبا ~~نحو: " لا خيرا من زيد " ، ولا عمل لها في المعرفة ألبتة، وأما نحو ~~قوله: [الطويل] # 108- تبكي على زيد ولا زيد مثله # بريء من الحمى سليم الجوانح # وقول الآخر: [الوافر] # 109- أرى الحاجات عند أبي خبيب # نكدن ولا أمية في البلاد # وقول الآخر: [الرجز] # 110- لا هيثم الليلة للمطي # وقوله عليه الصلاة والسلام: " لا قريش بعد اليوم، إذا هلك ~~كسرى، فلا كسرى بعده " فمؤول. # و " ريب " اسمها، وخبرها يجوز أن يكون الجار والمجرور وهو " فيه " ، ~~إلا أن بني " تميم " لا تكاد تذكر خبرها، فالأولى أن يكون محذوفا ~~تقديره: لا ريب كائن، ويكون الوقف على " ريب " حينئذ تاما، وقد يحذف ~~اسمها ويبقى خبرها، قالوا: " لا عليك " أي: لا بأس عليك. # ومذهب سيبويه رحمه الله: أنها واسمها في محل رفع بالابتداء، ولا عمل ~~لها في الخبر. # ومذهب الأخفش: أن اسمها في محل رفع، وهي عاملة في الخبر. # ولها أحكام كثيرة، وتقسيمات منتشرة مذكورة في كتب النحو. # واعلم أن " لا " لفظ مشترك بين النفي، وهي فيه على قسمين: # قسم تنفي فيه الجنس فتعمل عمل إن كما تقدم، وقسم تنفي فيه الوحدة، ~~وتعمل حينئذ عمل " ليس " ، ولها قسم آخر، وهو النهي والدعاء فتجزم ~~فعلا واحدا، وقد تجيء ms0064 زيادة كما تقدم في قوله: # ولا الضآلين # [الفاتحة: 7]. # و " الريب ": الشك مع تهمة؛ قال في ذلك: [الخفيف] # 111- ليس في الحق يا أميمة ريب # إنما الريب ما يقول الكذوب # وحقيقته على ما قال الزمخشري: " قلق النفس واضطرابها ". # ومنه الحديث: # " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ". # ومنه أنه مر بظبي خائف فقال: " لا يربه أحد بشيء ". # فليس قول من قال: " الريب الشك مطلقا " بجيد، بل هو أخص من الشك ~~كما تقدم. # وقال بعضهم: في " الريب " ثلاثة معان: # أحدها: الشك؛ قال ابن الزبعرى: [الخفيف] # 112- ليس في الحق يا أميمة ريب # ........................ # وثانيها: التهمة؛ قال جميل بثينة: [الطويل] # 113- بثينة قالت يا جميل أريتني # فقلت: كلانا يا بثين مريب # وثالثها: الحاجات؛ قال: [الوافر] # 114- قضينا من تهامة كل ريب # وخيبر ثم أجمعنا السيوفا # قال ابن الخطيب: الريب قريب من الشك، وفيه زيادة، كأنه ظن سوء، كأنه ظن ~~سوء، تقول: رابني أمر فلان إذا ظننت به سوءا. # فإن قيل: قد يستعمل الريب في قولهم: " ريب الدهر " و " ريب الزمان " أي: ~~حوادثه، قال تعالى: # نتربص به ريب المنون # [الطور: 30] ويستعمل أيضا فيما يختلج في القلب من أسباب الغيظ، كقول ~~الشاعر: [الوافر] # 115- قضينا من تهامة كل ريب # .................. # قلنا: هذان يرجعان إلى معنى الشك، لأن من يخاف من ريب المنون محتمل، فهو ~~كالمشكوك فيه، وكذلك ما اختلج بالقلب فهو غير متيقن، فقوله تعالى: { لا ~~ريب فيه } المراد منه: نفي كونه مظنة للريب بوجه من الوجوه، ~~والمقصود أنه لا شبهة في صحته، ولا في كونه من عند الله تعالى ولا في ~~كونه معجزا. ولو قلت: المراد لا ريب في كونه معجزا على الخصوص كان أقرب ~~لتأكيد هذا التأويل بقوله تعالى: # وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا # [البقرة: 23]. # فإن قيل: لم تأت، قال ها هنا: " لا ريب فيه " وفي موضع آخر: # لا فيها غول # [الصافات: 47] قلنا: لأنهم يقدمون الأهم، وهاهنا الأهم نفي الريب ~~بالكلية عن الكتاب. # ولو قلت: " لا فيه ريب " لأوهم أن هناك كتابا آخر حصل فيه الريب لا ms0065 ~~هاهنا، كما قصد في قوله تعالى # لا فيها غول # [الصافات:47] تفضيل خمر الجنة على خمر الدنيا، بأنها لا تغتال ~~العقول كما تغتالها خمر الدنيا. فإن قيل: من أين يدل قوله: { لا ريب ~~فيه } على نفي الريب بالكلية؟ قلنا القراءة المشهورة توجب ارتفاع الريب ~~بالكلية، والدليل عليه أن قوله: " لا ريب " نفي لماهية الريب؛ ونفي ~~الماهية يقتضي نفي كل فرد من أفراد الماهية؛ لأنه لو ثبت فرد من أفراد ~~الماهية لثبتت الماهية، وذلك مناقض نفي الماهية، ولهذا السر كان ~~قولنا: " لا إله إلا الله " نفيا لجميع الآلهة سوى الله تعالى. # وقرأ أبو الشعثاء: " لا ريب فيه " بالرفع، وهو نقيض لقولنا: " ريب ~~فيه " ، وهذا يفيد ثبوت فرد واحد، وذلك النفي يوجب انتفاء جميع الأفراد، ~~فيتحقق التناقض. # والوقف على " فيه " هو المشهور. # وعن نافع وعاصم أنهما وقفا على " ريب " ، ولا بد للواقف من أن ينوي ~~خبرا، ونظيره قوله: # لا ضير # [الشعراء: 50] وقول العرب: " لا بأس ". # واعلم أن الملحدة طعنوا فيه وقالوا: إن عني أنه لا شك فيه عندنا، فنحن ~~قد نشك فيه، وإن عني أنه لا شك فيه عنده فلا فائدة فيه. # الجواب: [المراد] أنه بلغ في الوضوح إلى حيث لا ينبغي لمرتاب أن يرتاب ~~فيه، والأمر كذلك؛ لأن العرب مع بلوغهم في الفصاحة إلى النهاية عجزوا ~~عن معارضة أقصر سورة من القرآن، وذلك يشهد بأنه لقيت هذه الحجة في ~~الظهور إلى حيث لا يجوز للعاقل أن يرتاب فيه. # وقيل: في الجواب وجوه أخر: # أحدها: أن النفي كونه متعلقا للريب، المعنى: أنه منعه من الدلالة، ما ~~إن تأمله المنصف المحق لم يرتب فيه، ولا اعتبار بمن وجد فيه الريب؛ ~~لأنه لم ينظر فيه حق النظر، فريبه غير معتد به. # والثاني: أنه مخصوص، والمعنى: لا ريب فيه عند المؤمنين. # والثالث: أنه خبر معناه النهي. والأول أحسن. # قوله تعالى: { هدى للمتقين }. يجوز فيه عدة أوجه: # أحدها: أن يكون مبتدأ، وخبره فيه متقدما عليه إذا قلنا: إن خبر " لا " ~~محذوف. # وإن قلنا: " فيه " خبرها، كان خبره ms0066 محذوفا مدلولا عليه بخبر " لا " ، ~~تقديره: لا ريب فيه، فيه هدى، وأن يكون خبر مبتدأ مضمر تقديره: هو هدى، ~~وأن يكون خبرا ثانيا ل " ذلك " ، على أن يكون " الكتاب " صفة أو ~~بدلا، أو بيانا، و " لا ريب " خبر أول، وأن يكون خبرا ثالثا ل " ذلك ~~" ، على أن يكون " الكتاب " خبرا أول، و " لا ريب " ، خبرا ثانيا، وأن ~~يكون منصوبا على الحال من " ذلك " ، أو من " الكتاب " ، والعامل فيه على ~~كلا التقديرين اسم الإشارة، وأن يكون حالا من الضمير في " فيه " ، ~~والعامل ما في الجار والمجرور من معنى الفعل، وجعله حالا مما تقدم: ~~إما على المبالغة، كأنه نفس الهدى، أو على حذف مضاف، أي: ذا هدى، ~~أو على وقوع المصدر موقع اسم الفاعل، وهكذا كل مصدر وقع خبرا، أو صفة، ~~أو حالا فيه الأقوال الثلاثة، أرجحها الأول. # وأجازوا أن يكون " فيه " صفة ل " ريب " ، فيتعلق بمحذوف، وأن يكون ~~متعلقا ب " ريب " ، وفيه إشكال؛ لأنه يصير مطولا، واسم " لا " إذا كان ~~مطولا أعرب إلا أن يكون مرادهم أنه معمول لما دل عليه " ريب " ~~لا لنفس " ريب ". # وقد تقدم معنى " الهدى " عند قوله تبارك وتعالى: # اهدنا الصراط المستقيم # [الفاتحة: 6]. # و " هدى " مصدر على وزن " فعل " قالوا: ولم يجىء من هذا الوزن في ~~المصادر إلا " سرى " و " بكى " و " هدى " ، وقد جاء غيرها، وهو " ~~لقيته لقى "؛ قال الشاعر: [الطويل] # 116- وقد زعموا حلما لقاك ولم أزد # بحمد الذي أعطاك حلما ولا عقلا # و " الهدى " فيه لغتان: التذكير، ولم يذكر اللحياني غيره. # وقال الفراء: بعض بني أسد يؤنثه، فيقولون: هذه هدى. # و " في " معناها الظرفية حقيقة أو مجازا، نحو: " زيد في الدار " ، # ولكم في القصاص حيوة # [البقرة: 179] ولها معان آخر: # المصاحبة: نحو: # ادخلوا في أمم # [الأعراف: 38]. # والتعليل: " إن امرأة دخلت النار في هرة " وموافقة " على ": # ولأصلبنكم في جذوع النخل # [طه: 71] [أي: على جذوع]، والباء: # يذرؤكم فيه # [الشورى: 11] أي بسببه. # والمقايسة نحو قوله تعالى: # فما متاع الحيوة الدنيا في الآخرة # [التوبة: 38]. # و " الهاء " في " فيه " أصلها الضم ms0067 كما تقدم من أن " هاء " الكناية ~~أصلها الضم، فإن تقدمها ياء ساكنة، أو كسرة كسرها غير الحجازيين، وقد قرأ ~~حمزة: " لأهله امكثوا " وحفص في: # عاهد عليه الله # [الفتح: 10]، # ومآ أنسانيه إلا # [الكهف: 63] بلغة أهل الحجاز، والمشهور فيها - إذا لم يلها ساكن وسكن ~~ما قبلها نحو: " فيه " و " منه " - الاختلاس، ويجوز الإشباع، وبه قرأ ~~ابن كثير، فإن تحرك ما قبلها أشبعت، وقد تختلس وتسكن، وقرىء ببعض ~~ذلك كما سيأتي مفصلا إن شاء الله تعالى. # و " للمتقين " جار ومجرور متعلق ب " هدى ". # وقيل: صفة ل " هدى " ، فيتعلق بمحذوف، ومحله حينئذ: إما الرفع أو ~~النصب بحسب ما تقدم في موصوفه، أي هدى كائن أو كائنا للمتقين. # والأحسن من هذه الوجوه المتقدمة كلها أن تكون كل جملة مستقلة بنفسها، ~~ف " الم " جملة إن قيل: إنها خبر مبتدأ مضمر، و " ذلك الكتاب " جملة، و ~~" لا ريب " جملة، و " فيه هدى " جملة، وإنما ترك العاطف لشدة الوصل؛ لأن ~~كل جملة متعلقة بما قبلها آخذة بعنقها تعلقا لا يجوز معه الفصل ~~بالعطف. # قال الزمخشري: وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة حيث جيء بها متناسقة ~~هكذا من غير حرف نسق. [وذلك لمجيئها متتابعة بعضها بعنق] بعض، ~~والثانية متحدة بالأولى، وهلم جرا إلى الثالثة والرابعة. # بيانه: أنه نبه أولا على أنه الكلام المتحدي به، ثم أشير إليه بأنه ~~الكتاب المنعوت بنهاية الكمال، فكان تقريرا لجهة التحدي. ثم نفى ~~عنه أن يتشبث به طرف من الريب، فكان شهادة بكماله. # ثم أخبر عنه بأنه " هدى للمتقين " ، فقرر بذلك كونه يقينا، لا يحوم ~~الشك حوله، ثم لم تخل كل واحدة من هذه الأربع بعد أن رتبت هذه ~~الترتيب الأنيق [من] نكتة ذات جزالة: ففي الأولى الحذف، والرمز إلى ~~الغرض بألطف وجه. # وفي الثانية ما في التعريف من الفخامة. # وفي الثانية ما في تقديم الريب على الظرف. # وفي الثالثة ما في تقديم " الريب " على الظرف. # وفي الرابعة الحذف، ووضع المصدر الذي هو " هدى " موضع الوصف الذي هو " ~~هاد " وإيراده منكرا. # " المتقين " جمع " متق " ، وأصله: ms0068 متقيين بياءين، الأولى: ~~لام الكلمة، والثانية علامة الجمع، فاستثقلت الكسرة على لام الكلمة، وهي ~~الياء الأولى فحذفت، فالتقى ساكنان، فحذف إحداهما وهي الأولى. # و " متق " من اتقى يتقي وهو مفتعل من الوقاية، إلا أنه يطرد ~~في الواو والياء إذا كانتا فاءين، ووقعت بعدهما " تاء " الافتعال أن ~~يبدلا " تاء " نحو: " اتعد " من الوعد، و " اتسر " من ~~اليسر. # وفعل ذلك بالهمزة شاذ، قالوا: " اتزر " و " اتكل " من ~~الإزار، والأكل. # و ل " افتعل " اثنا عشر معنى: # الاتخاذ نحو: " اتقى ". # والتسبب نحو: " اعمل ". # وفعل الفاعل بنفسه نحو: " اضطرب ". # والتخير نحو: " انتخب ". # والخطف نحو: " استلب ". # ومطاوعة " أفعل " نحو: " انتصف ". # ومطاوعة " فعل " نحو: عممته فاعتم. # وموافقة " تفاعل " و " تفعل " و " استفعل " نحو: احتور ~~واقتسم واعتصم، بمعنى تحاور وتقسم واستعصم. # وموافقة المجرد، نحو " اقتدر " بمعنى: قدر. # والإغناء عنه نحو: " استلم الحجر " ، لم يلفظ له بمجرد. # و " الوقاية ": فرط الصيانة، وشدة الاحتراس من المكروه، ومنه " فرس ~~واق ": إذا كان يقي حافره أدنى شيء يصيبه. # وقيل: هي في أصل اللغة قلة الكلام. # وفي الحديث: " التقي ملجم ". # ومن الصيانة قوله: [الكامل] # 117- سقط النصيف ولم ترد إسقاطه # فتناولته واتقتنا باليد # وقال آخر: [الطويل] # 118- فألقت قناعا دونه الشمس واتقت # بأحسن موصولين كف ومعصم # قال أبو العباس المقرىء: ورد لفظ " الهدى " في القرآن بإزاء ثلاثة عشر ~~معنى: # الأول: بمعنى " البيان " قال تعالى: # أولئك على هدى من ربهم # [البقرة: 5] أي: على بيان، ومثله، # وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم # [الشورى: 52] أي: لتبين، وقوله تبارك وتعالى: # وأما ثمود فهديناهم # [فصلت: 17] أي: بينا لهم. # الثاني: الهدى: دين الإسلام، قال تعالى: # قل إن الهدى هدى الله # [آل عمران: 73] أي: دين الحق هو دين الله. # وقوله: # إنك لعلى هدى # [الحج: 67] أي: دين الحق. # الثالث: بمعنى " المعرفة " قال تعالى: # وبالنجم هم يهتدون # [النحل: 16] أي: يعرفون، وقوله تعالى: # نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من ~~الذين لا يهتدون # [النمل: 41] أي: أتعرف. # الرابع: بمعنى " الرسول " قال تعالى: # فإما يأتينكم مني هدى # [البقرة: 38] أي: رسول. # الخامس: بمعنى " الرشاد " قال تعالى: # واهدنآ إلى ms0069 سوآء الصراط # [ص: 22] أي أرشدنا. # وقوله: # عسى ربي أن يهديني سوآء السبيل # [القصص: 22]. # وقوله تعالى: # اهدنا الصراط # [الفاتحة: 6]. # السادس: بمعنى: " القرآن " قال تعالى: # ولقد جآءهم من ربهم الهدى # [النجم: 23] أي: القرآن. # السابع: بمعنى: بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - قال تبارك وتعالى: # وإنك لتهدي # [الشورى: 52]. # الثامن: بمعنى " شرح الصدور " قال تعالى: # فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام # [الأنعام: 125]. # التاسع: التوراة، قال تبارك وتعالى: # ولقد آتينا موسى الهدى # [غافر: 53] يعني: التوراة. # العاشر: " الجنة " قال تعالى: # إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات يهديهم ~~ربهم # [يونس: 9] أي: يدخلهم الجنة. # الحادي عشر: " حج البيت " قال تعالى: # إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا ~~وهدى للعالمين # [آل عمران: 96] أي الحج. # الثاني عشر: " الصلاح " قال تعالى: # وأن الله لا يهدي كيد الخآئنين # [يوسف: 52] أي: لا يصلح. # الثالث عشر: " التوبة " قال تعالى: # إنا هدنآ إليك # [الأعراف: 156] أي: تبنا ورجعنا. # فصل في المقصود بالهدى # قال ابن الخطيب " رضي الله تعالى عنه ": الهدى عبارة عن الدلالة. # وقال صاحب " الكشاف ": الهدى هو الدلالة الموصلة للبغية. # وقال آخرون: الهدى هو الاهتداء والعلم والدليل على صحة الأول أنه لو كان ~~كون الدلالة موصلة إلى البغية معتبرا في مسمى الهدى لامتنع حصول الهدى ~~عند عدم الاهتداء؛ لأن كون الدلالة موصلة إلى الاهتداء حال عدم الاهتداء ~~محال، وقد ثبت الهدى على عدم حال الاهتداء قال الله تعالى: # وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى # [فصلت: 17] أثبت الهدى مع عدم الاهتداء. واحتج صاحب " الكشاف " بأمور ~~ثلاثة: # [أولها]: وقوع الضلالة في مقابلة الهدى، قال تعالى: # أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى # [البقرة: 16]، وقال تعالى: # وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين # [سبأ: 24]. # وثانيها: يقال: مهدي في موضع المدح كالمهتدي، فلو لم يكن من شرط الهدى ~~كون الدلالة موصلة إلى البغية لم يكن الوصف بكونه مهديا مدحا؛ ~~لاحتمال أنه هدي، فلم يهتد. # وثالثها: أن " اهتدى " مطاوع " هدى " يقال: هديته فاهتدى، كما ~~يقال: كسرته فانكسر، وقطعته فانقطع، فكما أن الانكسار والانقطاع ~~لازمان للكسر والقطع، وجب ms0070 أن يكون الاهتداء من لوازم " الهدى ". # والجواب عن الأول: أن الفرق بين الهدى والاهتداء معلوم بالضرورة، ~~فمقابل " الهدى " هو " الإضلال " ومقابل " الاهتداء " هو " الضلال " فجعل ~~" الهدى " في مقابلة " الضلال " ممتنع. وعن الثاني: المنتفع بالهدى سمي ~~مهديا؛ لأن الوسيلة إذا لم تفض إلى المقصود كانت نازلة منزلة ~~المعدوم. # وعن الثالث: أن الائتمار مطاوع الأمر يقال: أمرته فائتمر، ولم يلزم ~~منه أن يكون من شرط كونه آمرا حصول الائتمار، وكذا لا يلزم من كونه هذه ~~أن يكون مفضيا إلى الاهتداء، على أنه معارض بقوله: هديته فلم يهتد. # ومما يدل على فساد قول من قال: الهدى هو العلم خاصة أن الله - تعالى - ~~وصف القرآن بأنه هدى، ولا شك أنه في نفسه ليس بعلم، فدل على أن الهدى هو ~~الدلالة لا الاهتداء والعلم. # فصل في اشتقاق المتقي # والمتقي في اللغة: اسم فاعل من قولهم: وقاه فاتقى، والوقاية: فرط ~~الصيانة. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: التقي: من يتقي الشرك والكبائر ~~والفواحش، وهو مأخوذ من الاتقاء، وأصله: الحجز بين شيئين. # وفي الحديث: # " كان إذا احمر البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم ". # أي: إذا اشتد الحرب جعلنا بيننا وبين العدو، فكأن المتقي جعل ~~الامتثال لأمر الله، والاجتناب عما نهاه حاجزا بينه وبين العذاب، وقال ~~عمر بن الخطاب لكعب الأحبار: " حدثني عن التقوى، فقال: هل أخذت طريقا ~~ذا شوك؟ قال: نعم، قال: فما عملت فيه؟ قال: حذرت وشمرت، قال كعب: ~~ذلك التقوى ". وقال عمر بن عبد العزيز: التقوى ترك ما حرم الله، ~~وأداء ما افترض الله، فما رزق الله بعد ذلك فهو خير إلى خير. # وقال ابن عمر: التقوى ألا ترى نفسك خيرا من أحد. # إذا عرفت هذا فنقول: إن الله - تعالى - ذكر المتقي هاهنا في معرض ~~المدح، [ولن يكون ذلك] بأن يكون متقيا في أمور الدنيا بل بأن يكون ~~متقيا فيما يتصل بالدين، وذلك بأن يكون آتيا بالعبادات، محترزا عن ~~المحظورات. واختلفوا في أنه هل يدخل اجتناب الصغائر في التقوى؟ فقال ~~بعضهم: يدخل كما ms0071 تدخل الصغائر في الوعيد. # وقال آخرون: لا يدخل، ولا نزاع في وجوب التوبة عن الكل، إنما النزاع ~~في أنه إذا لم يتوق الصغائر هل يستحق هذا الاسم؟ # فروي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: # " لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به ~~حذرا مما به بأس " # وعن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أنهم الذين يحذرون من الله ~~العقوبة في ترك ما يميل الهوى إليه، ويرجون رحمته بالتصديق بما ~~جاء منه. # واعلم أن حقيقة التقوى، وإن كانت هي التي ذكرناها إلا أنها قد جاءت في ~~القرآن، والغرض الأصلي منها الإيمان تارة؛ كقوله تعالى: # وألزمهم كلمة التقوى # [الفتح: 26] أي: التوحيد # أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى # [الحجرات: 3]، # قوم فرعون ألا يتقون # [الشعراء: 11] أي: لا يؤمنون. # وتارة التوبة كقوله تبارك وتعالى: # ولو أن أهل القرى ءامنوا واتقوا # [الأعراف: 96]، # وأنا ربكم فاتقون # [المؤمنون: 52]. # وتارة ترك المعصية كقوله تعالى: # وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله # [البقرة: 189] أي: فلا تعصوه. # وتارة الإخلاص كقوله: # فإنها من تقوى القلوب # [الحج: 32] أي: من إخلاص القلوب. # وهاهنا سؤالات: # السؤال الأول: كون الشيء هدى ودليلا لا يختلف بحسب شخص دون شخص ~~فلماذا جعل القرآن هدى للمتقين فقط؟ وأيضا فالمتقي مهتدي؟ والمهتدي لا ~~يهتدي ثانيا، والقرآن لا يكون هدى للمتقين؟ # والجواب: أن القرآن كما أنه هدى للمتقين، ودلالة لهم على وجود الصانع، ~~وعلى صدق رسوله، فهو أيضا دلالة للكافرين؛ إلا أن الله تبارك وتعالى ذكر ~~المتقين مدحا ليبين أنهم هم الذين اهتدوا، وانتفعوا به كما قال: # إنمآ أنت منذر من يخشها # [النازعات: 45] وقال: # إنما تنذر من اتبع الذكر # [يس: 11]. # وقد كان عليه الصلاة والسلام منذرا لكل الناس، فذكر هؤلاء الناس لأجل ~~أن هؤلاء هم الذين انتفعوا بإنذاره. # وأما من فسر الهدى بالدلالة الموصلة إلى المقصود، فهذا السؤال زائل ~~عنه؛ لأن كون القرآن موصلا إلى المقصود ليس إلا في حق المتقين. # السؤال الثاني: كيف وصف القرآن كله بأنه هدى، وفيه مجمل ومتشابه كثير، ~~ولولا دلالة العقل لما تميز المحكم ms0072 عن المتشابه، فيكون الهدى في ~~الحقيقة هو الدلالة العقلية لا القرآن؟ # ونقل عن علي بن أبي طالب أنه قال لابن عباس حيث بعثه رسولا إلى ~~الخوارج: لا تحتج عليهم بالقرآن، فإنه خصم ذو وجهين، ولو كان هدى ~~لما قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ذلك فيه، ولأنا نرى جميع فرق ~~الإسلام يحتجون به، ونرى القرآن مملوءا من آيات بعضها صريح في الجبر، ~~وبعضها صريح في القدر؛ فلا يمكن التوفيق بينهما إلا بالتعسف الشديد، ~~فكيف يكون هدى؟ # الجواب: أن ذلك المتشابه والمجمل لما لم ينفك عما هو المراد على ~~التعيين - وهو إما دلالة العقل، أو دلالة السمع - صار كله هدى. # السؤال الثالث: كل ما يتوقف كون القرآن حجة على صحته لم يكن القرآن ~~هدى فيه، فإذا استحال كون القرآن هدى في معرفة ذات الله - تعالى - ~~وصفاته، وفي معرفة النبوة، فلا شك أن هذه المطالب أشرف المطالب، ~~فإذا لم يكن القرآن هدى فيها، فكيف جعله الله هدى على الإطلاق؟ # الجواب: ليس من شرط كونه هدى أن يكون هدى في كل شيء، بل يكفي فيه أن ~~يكون هدى في بعض الأشياء، وذلك بأن يكون هدى في تعريف الشرائع، أو ~~يكون هدى في تأكيد ما في العقول، وهذه الآية من أقوى الدلائل على أن ~~المطلق لا يقتضي العموم، فإن الله - تعالى - وصفة بكونه هدى من غير ~~تقييد في اللفظ، مع أنه يستحيل أن يكون هدى في إثبات الصانع، وصفاته، ~~وإثبات النبوة، فثبت أن المطلق لا يفيد العموم. # السؤال الرابع: الهدى هو الذي بلغ في البيان والوضوح إلى حيث بين ~~غيره، والقرآن ليس كذلك، فإن المفسرين ما ذكروا آية إلا وذكروا فيها ~~أقوالا كثيرة متعارضة، ويؤيد هذا قوله: # لتبين للناس ما نزل إليهم # [النحل: 44]. # وما يكون كذلك لا يكون مبينا في نفسه، فضلا عن أن يكون مبينا لغيره، ~~فكيف يكون هدى؟ قلنا: من تكلم في التفسير بحيث يورد الأقوال ~~المتعارضة، ولا يرجح واحدا منها على الباقي يتوجه عليه السؤال، وأما ~~من رجح واحدا ms0073 على البواقي فلا يتوجه عليه السؤال. ### || [2.3] # " الذين " يحتمل الرفع والنصب والجر، والظاهر الجر، وهو من ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنه نعت ل " المتقين ". # والثاني: بدل. # والثالث: عطف بيان. # وأما الرفع فمن وجهين: # أحدهما: أنه خبر مبتدأ محذوف على معنى القطع، وقد تقدم. # والثاني: أنه مبتدأ، وفي خبره قولان: أحدهما: " أولئك " الأولى. # والثاني: " أولئك " الثانية، والواو زائدة، وهذان القولان منكران؛ لأنه ~~قوله: " والذين يؤمنون " يمنع كونه " أولئك " الأولى خبرا، ووجود الواو ~~يمنع كون " أولئك " الثانية خبرا أيضا. # وقولهم: الواو زائدة لا يلتفت إليه. # والنصب على القطع. # و " يؤمنون " صلة وعائد. # قال الزمخشري: " فإذا كان موصولا كان الوقف على " المتقين " حسنا غير ~~تام، وإذا كان منقطعا كان وقفا تاما ". # وهو مضارع علامة رفعه " النون "؛ لأنه أحد الأمثلة الخمسة وهي عبارة ~~عن كل فعل مضارع اتصل به " ألف " اثنين، أو " واو " جمع، أو " ياء " ~~مخاطبة، نحو: " يؤمنان - تؤمنان - يؤمنون - تؤمنون - تؤمنين ". # والمضارع معرب أبدا، إلا أن يباشر نون توكيد أو إناث، على تفصيل يأتي ~~إن شاء الله - تعالى - في غضون هذا الكتاب. # وهو مضارع " أمن " بمعنى: صدق، و " آمن " مأخوذ من " أمن " الثلاثي، ~~فالهمزة في " أمن " للصيرورة نحو: " أعشب المكان " أي: صار ذا عشب. # أو لمطاوعة فعل نحو: " كبه فأكب " ، وإنما تعدى بالباء، لنه ضمن معنى ~~اعترف، وقد يتعدى باللام كقوله تعالى: # ومآ أنت بمؤمن لنا # [يوسف: 17]، # فمآ ءامن لموسى # يونس: 83] إلا أن في ضمن التعدية باللام التعدية بالباء، فهذا فرق ما ~~بين التعديتين. وأصل " يؤمنون ": " يؤأمنون " بهمزتين: # الأولى: همزة " أفعل ". # والثاني فاء الكلمة، حذفت الأولى؛ لأن همزة " أفعل " تحذف بعد حرف ~~المضارعة، واسم فاعله، ومفعوله نحو: " أكرم " و " يكرم " و " أنت ~~مكرم، ومكرم ". # وإنما حذفت؛ لأنه في بعض المواضع تجتمع همزتان، وذلك إذا كان حرف ~~المضارعة همزة نحو: " أنا أكرم " ، الأصل: أأكرم بهمزتين، الأولى: ~~للمضارعة والثانية: همزة أفعل، فحذفت الثانية؛ لأن بها حصل الثقل؛ ولأن ~~حرف المضارعة أولى بالمحافظة عليه، ثم حصل باقي الباب على ذلك طردا ~~للباب. # ولا يجوز ثبوت همزة ms0074 " أفعل " في شيء من ذلك إلا في ضرورة؛ كقوله: ~~[الرجز] # 119- فإنه أهل لأن يؤكرما # وهمزة " يؤمنون " - وكذلك كل همزة ساكنة - يجوز أن تبدل بحركة ما قبلها، ~~فتبدل حرفا مجانسا نحو: " راس " و " بير " و " يومن " ، فإن اتفق أن ~~يكون قبلها همزة أخرى وجب البدل نحو: " إيمان " و " آمن ". # فصل # قال بعضهم: { الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون ~~الصلوة ومما رزقناهم ينفقون } يحتمل أن يكون كالتفسير ~~لكونهم متقين، وذلك لأن المتقي هو الذي يكون فاعلا للحسنات وتاركا ~~للسيئات، أما الفعل فإما أن يكون فعل القلب وهو قوله: " الذين يؤمنون ". # وإما أن يكون فعل الجوارح، أساسه الصلاة والصدقة؛ لأن العبادة إما أن ~~تكون بدنية، وأصلها الصلاة، أو مالية وأصلها الزكاة، ولهذا سمى الرسول ~~عليه الصلاة والسلام: # " الصلاة عماد الدين، والزكاة قنطرة الإسلام " # أما الترك فهو داخل في الصلاة، لقوله تعالى: # إن الصلوة تنهى عن الفحشآء والمنكر # [العنكبوت: 45] واختلف الناس في مسمى الإيمان في عرف الشرع على أربع ~~فرق: # الفرقة الاولى: قالوا: الإيمان اسم لأفعال القلوب، والجوارح، والإقرار ~~باللسان، وهم المعتزلة والخوارج والزيدية، وأهل الحديث. # أما الخوارج فقد اتفقوا على أن الإيمان بالله يتناول المعرفة بالله، ~~وبكل ما وضع عليه دليلا عقليا، أو نقليا من الكتاب والسنة، ويتناول ~~طاعة الله في جميع ما أمر الله به من الأفعال والتروك صغيرا كان أو ~~كبيرا. # فقالوا: مجموع هذه الأشياء هو الإيمان، وترك كل خصلة من هذه الخصال كفر، ~~أما المعتزلة فقد اتفقوا على أن الإيمان إذا عدي بالباء، فالمراد به ~~التصديق؛ إذ الإيمان بمعنى أداء الواجبات لا يمكن فيه هذه التعدية، فلا ~~يقال: فلان آمن بكذا إذا صلى وصام، بل يقال: فلان آمن بالله كما يقال: ~~صام وصلى لله، فالإيمان المعدى بالباء يجري على طريقة أهل اللغة. # أما إذا ذكر مطلقا غير معدى، فقد اتفقوا على أنه منقول من المسمى ~~اللغوي - الذي هو التصديق - إلى معنى آخر، ثم اختلفوا فيه على وجوه: # أحدها: أن الإيمان عبارة عن فعل كل الطاعات، سواء كانت واجبة أم ~~مندوبة، أو من ms0075 باب الأقوال أو الأفعال، أو الاعتقادات، وهو قول واصل بن ~~عطاء، وأبي الهذيل، والقاضي عبد الجبار بن أحمد. # وثانيها: أنه عبارة عن فعل الواجبات فقط دون النوافل، وهو قول أبي علي ~~وأبي هاشم. # وثالثها: أن الإيمان عبارة عن [اجتناب كل ما جاء فيه الوعيد. ثم يحتمل ~~أن يكون من الكبائر ما لم يرد فيه الوعيد. # فالمؤمن عند الله كل من اجتنب] كل الكبائر، والمؤمن عندنا كل من اجتنب ~~ما ورد فيه الوعيد، وهو قول النظام، ومن أصحابه من قال: شرط كونه مؤمنا ~~عندنا وعند الله اجتناب الكبائر كلها. # وأما أهل الحديث فذكروا وجهين: # الأول: أن المعرفة إيمان كامل وهو الأصل، ثم بعد ذلك كل طاعة إيمان على ~~حدة، وهذه الطاعات لا يكون شيء منها إيمانا إلا إذا كانت مرتبة على ~~الأصل الذي هو المعرفة. # وزعموا أن الجحود وإنكار القلب كفر، ثم كل معصية بعد كفر على حدة، ~~ولم يجعلوا شيئا من الطاعات إيمانا ما لم توجد المعرفة والإقرار، ولا ~~شيئا من المعاصي كفرا ما لم يوجد الجحود والإنكار؛ لأن الفرع لا يحصل ~~بدون ما هو أصله، وهو قول عبد الله بن سعيد بن كلاب. # والثاني: زعموا أن الإيمان اسم للطاعات كلها، وهو إيمان واحد، وجعلوا ~~الفرائض والنوافل كلها من جملة الإيمان، ومن ترك شيئا من الفرائض فقد ~~انتقص إيمانه، ومن ترك النوافل لا ينتقص إيمانه. # ومنهم من قال: الإيمان اسم للفرائض دون النوافل. # الفرقة الثانية الذين قالوا: الإيمان باللسان والقلب معا، وقد ~~اختلف هؤلاء على مذاهب: # الأول: أن الإيمان إقرار باللسان، ومعرفة بالقلب، وهو قول أبي حنيفة ~~وعامة الفقهاء، ثم هؤلاء اختلفوا في موضعين: # أحدهما: اختلفوا في حقيقة هذه المعرفة، فمنهم من فسرها بالاعتقاد ~~الجازم - سواء كان اعتقادا تقليديا، أو كان علما صادرا عن الدليل - ~~وهم الأكثرون الذين يحكمون بأن المقلد مسلم. # ومنهم من فسرها بالعلم الصادر من الاستدلال. # وثانيهما: اختلفوا في أن العلم المعتبر في تحقيق الإيمان علم بماذا؟ ~~قال بعض المتكلمين: هو العلم بالله، وبصفاته على سبيل الكمال ms0076 والتمام، ~~ثم إنه لما كثر اختلاف الخلق في صفات الله تعالى لا جرم أقدم كل طائفة ~~على تكفير من عداها من الطوائف. # وقال أهل الإنصاف: المعتبر هو العلم بكل ما علم بالضرورة كونه من دين ~~محمد عليه الصلاة والسلام، فعلى هذا القول العلم بكونه تعالى عالما ~~بالعلم، أو عالما بذاته، وبكونه مرئيا أو غير مرئي، لا يكون داخلا في ~~مسمى الإيمان. # القول الثاني: أن الإيمان هو التصديق بالقلب واللسان معا، وهو قول بشر ~~بن غياث المريسي، وأبي الحسن الأشعري، والمراد من التصديق بالقلب ~~الكلام القائم بالنفس. # القول الثالث: قول جماعة من الصوفية: الإيمان إقرار باللسان، وإخلاص ~~بالقلب. # الفرقة الثالثة الذين قالوا: الإيمان عبارة عن عمل القلب فقط، وهؤلاء ~~اختلفوا على قولين: # أحدهما: أن الإيمان معرفة الله بالقلب، حتى إن من عرف الله بقلبه، ثم ~~جحد بلسانه ومات قبل أن يقر به فهو مؤمن كامل الإيمان، وهو قول جهم ~~بن صفوان. # وأما معرفة الكتب والرسل واليوم الآخر فقد زعم أنها غير داخلة في حد ~~الإيمان. # وحكى الكعبي عنه: أن الإيمان معرفة الله مع معرفة كل ما علم ~~بالضرورة كونه من دين محمد. # ثانيهما: أن الإيمان مجرد التصديق بالقلب، وهو قول الحسين بن ~~الفضل البجلي. # الفرقة الرابعة الذين قالوا: الإيمان هو الإقرار باللسان فقط، وهم ~~فريقان: # الأول: أن الإقرار باللسان هو الإيمان فقط، لكن شرط كونه إيمانا حصول ~~المعرفة في القلب، فالمعرفة شرط لكون الإقرار اللساني إيمانا، لا أنها ~~داخلة في مسمى الإيمان، وهو قول غيلان بن مسلم الدمشقي، والفضل ~~الرقاشي، وإن كان الكعبي قد أنكر كونه ل " غيلان ". # الثاني: أن الإيمان مجرد الإقرار باللسان، وهو قول الكرامية، وزعموا أن ~~المنافق مؤمن الظاهر كافر السريرة، فثبت له حكم المؤمنين في الدنيا، ~~وحكم الكافرين في الآخرة، فهذا مجموع أقوال الناس في مسمى الإيمان في عرف ~~الشرع. # و " بالغيب " متعلق ب " يؤمنون " ، ويكون مصدرا واقعا موقع اسم ~~الفاعل، أو اسم المفعول، وفي هذا الثاني نظر؛ لأنه من " غاب " وهو لازم، ~~فكيف يبنى منه اسم ms0077 مفعول من حتى يقع المصدر موقعه؟ إلا أن يقال: إنه واقع ~~موقع اسم مفعول من " فعل " مضعفا متعديا، أي: المغيب، وفيه ~~بعد. وقال الزمخشري: يجوز أن يكون مخففا من " فيعل " نحو: " هين " ~~من " هين " ، و " ميت " من " ميت ". وفيه نظر؛ لأنه لا ينبغي أن ~~يدعى ذلك فيه حتى يسمع مثقلا كنظائره، فإنها سمعت مخففة ومثقلة، ويبعد ~~أن يقال: التزم التخفيف في هذا خاصة. ويجوز أن تكون " الباء " للحال ~~فيتعلق بمحذوف أي: يؤمنون متلبسين بالغيب عن المؤمن به، و " الغيب " ~~حينئذ مصدر على بابه. # فصل في معنى " يؤمنون بالغيب " # في قوله " يؤمنون بالغيب " قولان: # الأول: قول أبي مسلم الأصفهاني أن قوله: " يؤمنون بالغيب " صفة المؤمنين ~~معناه: أنهم يؤمنون بالله حال الغيبة كما يؤمنون به حال الحضور، لا ~~كالمنافقين الذين { إذا لقوا الذين آمنوا، قالوا: ءامنا: ~~وإذا خلوا إلى شيطينهم قالوا: إنا معكم }. # نظيره قوله: # ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب # [يوسف: 52]، وذلك مدح للمؤمنين بأن ظاهرهم موافق لباطنهم ومباين لحال ~~المنافقين. # الثاني: وهو قول جمهور المفسرين أن الغيب هو الذي يكون غائبا عن ~~الحاسة، ثم هذا الغيب ينقسم إلى ما هو عليه دليل، وإلى ما ليس عليه ~~دليل. # فالمراد من هذه الآية مدح المتقين بأنهم يؤمنون بالغيب الذي دل عليه ~~بأن يتفكروا، ويستدلوا فيؤمنوا به، وعلى هذا يدخل فيه العلم بالله - ~~تعالى - وبصفاته والعلم بالآخرة، والعلم بالنبوة، والعلم بالأحكام ~~بالشرائع، فإن في تحصيل هذه العلوم بالاستدلال مشقة يصلح أن يكون سببا ~~لاستحقاق الثناء العظيم. # واحتج أبو مسلم بأمور: # الأول: أن قوله: # والذين يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من ~~قبلك وبالآخرة هم يوقنون # [البقرة: 4] إيمان بالأشياء الغائبة، فلو كان المراد من قوله: { ~~الذين يؤمنون بالغيب } هو الإيمان بالأشياء الغائبة لكان ~~المعطوف نفس المعطوف عليه، وهو غير جائز. # الثاني: لو حملناه على الإيمان بالغيب يلزم إطلاق القول بأن الإنسان ~~يعلم الغيب، وهو خلاف قوله تعالى: # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو # [الأنعام: 59] وكذا سائر الآيات الباقية تدل على كون الإنسان عالما ms0078 ~~بالغيب. أما على قولنا فلا يلزم هذا المحذور. # الثالث: لفظ " الغيب " إنما يجوز إطلاقه على من يجوز عليه الحضور، ~~فعلى هذا لا يجوز إطلاق لفظ الغيب على ذات الله - تعالى - وصفاته، فقوله: ~~{ الذين يؤمنون بالغيب } لو كان المراد منه الإيمان بالغيب ~~لما دخل فيه الإيمان بذات الله وصفاته، ولا ينبغي فيه الإيمان بالآخرة، ~~وذلك غير جائز؛ لأن الركن الأعظم هو الإيمان بذات الله وصفاته، فكيف ~~يجوز حمل اللفظ على معنى يقتضي خروج الأصل؟ # أما على قولنا فلا يلزم هذا المحذور. # والجواب عن الأول: أن قوله: " يؤمنون بالغيب " يتناول الإيمان ~~بالغائبات على الإجمال، ثم إن قوله بعد ذلك: # والذين يؤمنون بما أنزل إليك # [البقرة:4] يتناول الإيمان ببعض الغائبات، فكان هذا من باب عطف ~~التفصيل على الجملة، وهو جائز كقوله: # وملائكته ورسله وجبريل # [البقرة: 98]. # وعن الثاني: لا نزاع في أننا نؤمن بالأشياء الغائبة عنا، فكان ذلك ~~التخصيص لازما على الوجهين جميعا. # فإن قيل: أفتقولون: العبد يعلم الغيب أم لا؟ # قلنا: قد بينا أن الغيب ينقسم إلى ما عليه دليل، وإلى ما لا دليل عليه. # أما الذي لا دليل عليه، فهو سبحانه العالم به لا غيره. # وأما الذي عليه دليل فلا يمتنع أن نقول: نعلم من الغيب ما لنا عليه ~~دليل، وعلى هذا الوجه قال العلماء: الاستدلال بالشاهد على الغائب أحد ~~أقسام الأدلة. # وعن الثالث: لا نسلم أن لفظ الغيبة لا يستعمل إلا فيما يجوز عليه ~~الحضور، والدليل على ذلك أن المتكلمين يقولون هذا من باب إلحاق ~~الغائب بالشاهد، ويريدون بالغائب ذات الله تعالى وصفاته، والله أعلم. # واختلفوا في المراد ب " الغيب ". # قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: " الغيب - هاهنا - كل ما أمرت ~~بالإيمان به فيما غاب عن بصرك مثل: الملائكة والبعث والجنة والنار ~~والصراط والميزان ". # وقيل: الغيب هاهنا هو الله تعالى. # وقيل: القرآن. # وقال الحسن: الآخرة. # وقال زر بن حبيش، وابن جريج: بالوحي. # ونظيره: # أعنده علم الغيب # [النجم: 35] قال ابن كيسان: بالقدر. # وقال عبد الرحمن بن يزيد: كنا عند عبد الله ms0079 بن مسعود، فذكرنا أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما سبقوا به، فقال عبد الله: إن أمر ~~محمد كان بينا لمن رآه، والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط أفضل من إيمان ~~الكتب، ثم قرأ: " الم ذلك الكتاب لا ريب فيه " إلى قوله " ~~المفلحون ". # وقال بعض الشيعة: المراد بالغيب المهدي المنتظر. # قال ابن الخطيب: " وتخصص المطلق من غير دليل باطل ". # قرأ أبو جعفر، وأبو عمرو، وورش: " يومنون " ، بترك الهمزة. # ولذلك يترك أبو جعفر كل همزة ساكنة إلا في # أنبئهم # [البقرة: 33]، و # ينبئهم # [المائدة: 14]، و # نبئنا # [يوسف: 36]. # ويترك أبو عمرو كلها، إلا أن يكون علامة للجزم نحو: # ونبئهم # [الحجر: 51]، " وأنبئهم " ، و # تسؤهم # [آل عمران: 120]، و # إن نشأ # [الشعراء: 4] ونحوها، أو يكون خروجا من لغة إلى أخرى نحو: # مؤصدة # [البلد: 20]، و # ورءيا # [مريم: 74]. # ويترك ورش كل همزة ساكنة كانت " فاء " الفعل، إلا # وتؤوي # [الأحزاب: 51] و # تؤويه # [المعارج: 13]، ولا يترك من عين الفعل إلا # الرؤيا # [الإسراء: 60] وبابه، أو ما كان على وزن " فعل ". # و " يقيمون " عطف على " يؤمنون " فهو صلة وعائد. # وأصله: يؤقومون حذفت همزة " أفعل "؛ لوقوعها بعد حرف المضارعة كما ~~تقدم فصار: يقومون، فاستثقلت الكسرة على الواو، ففعل فيه ما فعل في " ~~مستقيم " ، وقد تقدم في الفاتحة. ومعنى " يقيمون ": يديمون، أو يظهرون، ~~قال تعالى: # على صلاتهم دآئمون # [المعارج: 23] وقال الشاعر: [الوافر] # 120- أقمنا لأهل العراقين سوق الط # طعان فخاموا وولوا جميعا # وقال آخر: [الكامل] # 121- وإذا يقال: أتيتم لم يبرحوا # حتى تقيم الخيل سوق طعان # من قامت السوق: إذا أنفقت؛ لأنها إذا حوفظ عليها كانت كالشيء النافق ~~الذي تتوجه إليه الرغبات، وإذا أضيفت كانت كالشيء الكاسد الذي لا يرغب ~~فيه. أو يكون عبارة عن تعديل أركانها، وحفظها من أن يقع خلل في فرائضها ~~وسننها، أو يكون من قام بالأمر، وقامت الحرب على ساق. # وفي ضده: قعد عن الأمر، وتقاعد عنه: إذا تقاعس وتثبط، فعلى هذا يكون ~~عبارة عن التجرد لأدائها، وألا يكون في تأديتها فتور، أو يكون ~~عبارة عن أدائها، وإنما عبر ms0080 عن الأداء بالإقامة؛ لأن القيام ببعض ~~أركانها كما عبر عنه بالقنوت. وذكر الصلاة بلفظ الواحد، وأن المراد بها ~~الخمس كقوله تعالى: # فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل ~~معهم الكتاب بالحق # [البقرة: 213] يعني: الكتب. # و " الصلاة " مفعول به، ووزنها: " فعلة " ، ولامها واو، لقولهم: ~~صلوات، وإنما تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، واشتقاقها من: ~~" الصلوين " وهما عرقان في الوركين مفترقان من " الصلا ~~" ، وهو عرق مستبطن في الظهر منه يتفرق الصلوان عند عجب ~~الذنب، وذلك أن المصلي يحرك صلويه، ومنه " المصلي " في ~~حلبة السباق لمجيئه ثانيا عند " صلوي " السابق. ذكره ~~الزمخشري. # قال ابن الخطيب: وهذا يفضي إلى طعن عظيم في كون القرآن حجة؛ وذلك ~~لأن لفظ " الصلاة " من أشد الألفاظ شهرة، وأكثرها دورانا على ألسنة ~~المسلمين، واشتقاقه من تحريك الصلوين من أبعد الأشياء اشتهارا فيما ~~بين أهل النقل، ولو جوزنا أن [يقال]: مسمى الصلاة في الأصل ما ذكره، ثم ~~إنه خفي واندرس حتى صار بحيث لا يعرفه إلا الآحاد لكان مثله في سائر ~~الألفاظ جائزا، ولو جوزنا ذلك لما قطعنا بأن مراد الله - تعالى - من هذه ~~الألفاظ ما تتبادر أفهامنا إليه من المعاني في زماننا هذا، لاحتمال ~~أنها كانت في زمن الرسول موضوعة لمعان أخر، وكان مراد الله - تعالى - ~~تلك المعاني، إلا أن تلك المعاني خفيت في زماننا، واندرست كما وقع ~~مثله في هذه اللفظة، فلما كان ذلك باطلا بإجماع المسلمين علمنا أن ~~الاشتقاق الذي ذكره مردود باطل. # وأجيب عن هذا الإشكال بأن بعثة محمد - عليه الصلاة والسلام - بالإسلام، ~~وتجديد الشريعة أمر طبق الآفاق، ولا شك أنه وضع عبارات، فاحتاج إلى وضع ~~ألفاظ، ونقل ألفاظ عما كانت عليه، والتعبير مشهور. # وأما ما ذكره من احتمال التعبير فلا دليل عليه، ولا ضرورة إلى تقديره ~~فافترقا. # و " الصلاة " لغة: الدعاء: [ومنه قول الشاعر] [البسيط] # 122- تقول بنتي وقد قربت مرتحلا # يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا # فعليك مثل الذي صليت فاغتمضي # يوما فإن لجنب المرء مضطجعا # أي: مثل الذي دعوت، ومثله: [الطويل] # 123- لها حارس لا ms0081 يبرح الدهر بيتها # وإن ذبحت صلى عليها وزمزما # وفي الشرع: هذه العبادة المعروفة. # وقيل: هي مأخوذة من اللزوم، ومنه: " صلي بالنار " أي: لزمها، ~~ومنه قوله تعالى: # تصلى نارا حامية # [الغاشية: 4] قال: [الخفيف] # 124- لم أكن من جناتها علم الل # ه وإني بحرها اليوم صال # وقيل: من صليت العود بالنار، أي: قومته بالصلاء - وهو ~~حر النار، إذا فتحت قصرت، وإن كسرت مددت، كأن المصلي ~~يقوم نفسه؛ قال: [الوافر] # 125- فلا تعجل بأمرك واستدمه # فما صلى عصاك كمستديم # ذكر ذلك الخارزنجي، وجماعة أجلة، وهو مشكل، فإن " الصلاة " من ذوات ~~الواو، وهذا من الياء. وقيل في قوله تعالى: # إن الله وملآئكته يصلون على النبي # [الأحزاب: 56] الآية: إن الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة ~~الاستغفار، ومن المؤمنين الدعاء. # { ومما رزقناهم } مما: جاء ومجرور متعلق ب " ينفقون " و " ~~ينفقون " معطوف على الصلة قبله، و " ما " المجرورة تحتمل ثلاثة أوجه: # أحدها: أن تكون اسما بمعنى " الذي " ، و " رزقناهم " صلتها، ~~والعائد محذوف. # قال أبو البقاء: " تقديره رزقناهموه، أو رزقناهم إياه ". # وعلى كل واحد من هذين التقديرين إشكال؛ لأن تقديره متصلا يلزم منه ~~اتصال الضمير مع اتحاد الرتبة، وهو واجب الانفصال، وتقديره منفصلا ~~يمنع حذفه؛ لأن العائد متى كان منفصلا امتنع حذفه، نصوا عليه، وعللوا ~~بأنه لم يفصل إلا لغرض، وإذا حذف فاتت الدلالة على ذلك الغرض. # ويمكن أن يجاب عن الأول بأنه لما اختلف الضميران جمعا وإفرادا - ~~وإن اتحدا رتبة - جاز اتصاله؛ ويكون كقوله: [الطويل] # 126- فقد جعلت نفسي تطيب لضغمة # لضغمهماها يقرع العظم نابها # وأيضا فإنه لا يلزم من منع ذلك ملفوظا به منعه مقدرا لزوال القبح ~~اللفظي. # وعن الثاني: بأنه إنما يمنع لأجل اللبس الحاصل، ولا لبس هنا. # الثاني: يجوز أن تكون نكرة موصوفة، والكلام في عائدها كالكلام في ~~عائدها موصولة تقديرا واعتراضا وجوابا. # الثالث: أن تكون مصدرية، ويكون المصدر واقعا موقع المفعول أي: ~~مرزوقا. # وقد منع أبو البقاء هذا الوجه قال: " لأن الفعل لا يتفق " ، وجوابه ~~ما تقدم من أن المصدر يراد يه المفعول. والرزق لغة: العطاء، ms0082 وهو ~~مصدر؛ قال تعالى: # ومن رزقنه منا رزقا حسنا # [النحل: 75] وقال الشاعر: [البسيط] # 127- رزقت مالا ولم ترزق منافعه # إن الشقي هو المحروم ما رزقا # وقيل: يجوز أن يكون " فعلا " بمعنى " مفعول " نحو: " ذبح " ، و " ~~رعي " بمعنى: " مذبوح " ، و " مرعي ". # وقيل: " الرزق " - بالفتح - مصدر، وبالكسر اسم، وهو في لغة أزد ~~شنوءة: الشكر، ومنه: # وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون # [الواقعة: 82]. # وقال بعضهم: ويدخل فيه كل ما ينتفع به حتى الولد والعبد. # وقيل: هو نصيب الرجل، وما هو خاص له دون غيره. # ثم قال بعضهم الرزق كل شيء يؤكل أو يستعمل، وهو باطل؛ لأن الله - تعالى ~~- أمرنا بأن ننفق مما رزقنا فقال: # وأنفقوا من ما # [المنافقون: 10]، فلو كان الرزق هو الذي يؤكل لما أمكن إنفاقه. # وقال آخرون: الرزق هو ما يملك وهو باطل أيضا؛ لأن الإنسان قد يقول: ~~اللهم ارزقني ولدا صالحا، أو زوجة صالحة، وهو لا يملك الولد ولا ~~الزوجة، ويقول: اللهم أرزقني عقلا أعيش به، والعقل ليس بمملوك، ~~وأيضا البهيمة يحصل له رزق ولا يكون لها ملك. وأما في عرف الشرع ~~فقد اختلفوا فيه، فقال أبو الحسن البصري: الرزق تمكين الحيوان ~~من الانتفاع بالشيء، والحظر على غيره أن يمنعه من الانتفاع به. # فإذا قلنا: قد رزقنا الله الأموال، فمعنى ذلك أنه مكننا بها من ~~الانتفاع بها، وإذا سألنا - تعالى - أن يرزقنا مالا فإنا لا نقصد بذلك ~~أن يجعلنا بالمال أخص. # واعلم أن المعتزلة لما فسروا الرزق بذلك لا جرم قالوا: الحرام لا ~~يكون رزقا. وقال أصحابنا: الحرام قد يكون رزقا. # قال ابن الخطيب: حجة الأصحاب من وجهين: # الأول: أن الرزق في أصل اللغة هو الحظ والنصيب على ما بيناه، فمن انتفع ~~بالحرام، فذلك الحرام صار حظا ونصيبا، فوجب أن يكون رزقا له. # الثاني: أنه تعالى قال: # وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها # [هود: 6]، وقد يعيش الرجل طول عمره لا يأكل إلا من السرقة، فوجب أن ~~يقال: إنه طول عمره لم يأكل من رزق شيئا. # أما المعتزلة: فقد احتجوا بالكتاب، ms0083 والسنة، والمعنى: # أما الكتاب فوجوه: # أحدها: قوله تعالى: { ومما رزقناهم ينفقون } [البقرة: 3] ~~مدحهم على الإنفاق مما رزقهم الله تعالى فلو كان الحرام رزقا لوجب أن ~~يستحقوا المدح إذا أنفقوا من الحرام، وذلك باطل بالاتفاق. # ثانيا: لو كان الحرام رزقا لجاز أن ينفق الغاصب منه، لقوله تعالى: # وأنفقوا من ما # [المنافقون: 10]، وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز للغاصب أن ينفق ~~[مما أخذه]، بل يجب عليه رده، فدل على أن الحرام لا يكون رزقا. # ثالثها: قوله تعالى: # قل أرأيتم مآ أنزل الله لكم من رزق فجعلتم ~~منه حراما وحلالا قل ءآلله أذن لكم # [يونس: 59] فبين أن من حرم رزق الله، فهو مفتر على الله، فثبت أن ~~الحرام لا يكون رزقا. # وأما السنة فما رواه أبو الحسين في كتاب " الفرائض " بإسناده عن صفوان ~~بن أمية قال: # " كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ جاءه عمرو بن مرة ~~فقال له: يا رسول الله إن الله كتب علي الشقوة، فلا أراني ~~أرزق من دفي بكفي، فائذن لي في الغناء من غير فاحشة. فقال ~~عليه الصلاة والسلام: " لا آذن لك ولا كراهة ولا نعمة كذبت أي ~~عدو الله لقد رزقك الله [رزقا] طيبا فاخترت ما حرم الله عليك من ~~رزقه على ما أحل الله لك من حلاله، أما وإنك لو قلت بعد ~~هذه المقدمة شيئا ضربتك ضربا وجيعا " ". # وأما المعنى فإن الله - تعالى - منع المكلف من الانتفاع به، وأمر ~~غيره بمنعه من الانتفاع به، ومن منع من أخذ الشيء والانتفاع به لا يقال: ~~إنه رزقه إياه، ألا ترى أنه لا يقال: إن السلطان قد رزق جنده مالا قد ~~منعهم من أخذه، وإنما يقال: إنه رزقهم ما مكنهم من أخذه، ولا يمنعهم ~~منه، ولا أمر بمنعهم منه. # وأجاب أصحابنا عن التمسك بالآيات بأنه كان الكل من الله، فإنه لا ~~يضاف إليه ذلك؛ لما فيه من سوء الأدب، كما يقال: يا خالق المحدثات ~~والعرش والكرسي، ولا يقال: يا خالق الكلاب والخنازير، وقال: # يشرب بها عباد الله ms0084 # [الإنسان: 6] فخص اسم العباد بالمتقين، وإن كان الكفار أيضا من ~~العباد، وكذلك هاهنا خص اسم الرزق بالحلال على سبيل التشريف، وإن كان ~~الحرام رزقا أيضا. # وأجابوا عن التمسك بالخبر بأنه حجة لنا؛ لأن قوله عليه الصلاة ~~والسلام: " فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه " صريح في أن ~~الرزق قد يكون حراما. # وأجابوا عن المعنى بأن هذه المسألة محض اللغة، وهو أن الحرام هل يسمى ~~رزقا أم لا؟ ولا مجال للدلائل العقلية في الألفاظ، والله أعلم. # و " نفق " الشيء: نفد، وكل ما جاء مما فاؤه نون، وعينه فاء، فدال على ~~معنى ونحو ذلك إذا تأملت، قاله الزمخشري، وذلك نحو: نفد نفق نفر ~~" نفذ " " نفش " " نفح " " نفخ " " نفض " " نفل ". # و " نفق " الشيء بالبيع نفاقا ونفقت الدابة: ماتت نفوقا، ~~والنفقة: اسم المنفق. # فصل في معاني " من " # و " من " هنا لابتداء الغاية. # وقيل: للتبعيض، ولها معان أخر: # بيان الجنس: # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # [الحج: 30]. # والتعليل: # يجعلون أصابعهم في ءاذانهم من الصواعق # [البقرة: 19]. # والبدل: # بالحيوة الدنيا من الآخرة # [التوبة: 38]. # والمجاوزة: # وإذ غدوت من أهلك # [آل عمران: 121]. # وانتهاء الغاية: " قربت منه ". # والاستعلاء # ونصرناه من القوم # [الأنبياء: 77]. # والفصل: # يعلم المفسد من المصلح # [البقرة: 220]. # وموافقة " الباء " # ينظرون من طرف خفي # [الشورى: 45]، # ماذا خلقوا من الأرض # [فاطر: 40]. # والزيادة باطراد، وذلك بشرطين كون المجرور نكرة والكلام غير موجب. ~~واشترط الكوفيون التنكير فقط، ولم يشترط الأخفش شيئا. و " الهمزة " في " ~~أنفق " للتعدية، وحذفت من " ينفقون " لما تقدم في " يؤمنون ". # فصل في قوله تعالى " ومما رزقناهم ينفقون " # قال ابن الخطيب: في قوله: { ومما رزقناهم ينفقون } ~~فوائد: # إحداها: أدخل " من " للتبعيض نهيا لهم عن الإسراف والتبذير المنهي ~~عنه. # وثانيها: قدم مفعول الفعل دلالة على كونه أهم، كأنه قال: يخصون بعض ~~المال بالتصدق به. # وثالثها: يدخل في الإنفاق المذكور في الآية، الإنفاق الواجب، والإنفاق ~~المندوب، والإنفاق الواجب أقسام: # أحدها: الزكاة وهي قوله تعالى: # يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها # [التوبة: 34]. # وثانيها: الإنفاق على النفس، وعلى من تجب عليه نفقته. # وثالثها: الإنفاق في الجهاد. وأما الإنفاق ms0085 المندوب فهو أيضا إنفاق ~~لقوله تعالى: # وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي ~~أحدكم # [المنافقون: 10]، وأراد به الصدقة؛ لقوله بعد: # فأصدق وأكن من الصالحين # [المنافقون: 10] فكل هذه داخلة تحت الآية، لأن كل ذلك سبب لاستحقاق ~~المدح. ### || [2.4] # " والذين " عطف على " الذين " قبلها، ثم لك اعتباران: # أحدهما: أن يكون من باب عطف بعض الصفات على بعض كقوله: [المتقارب] # 128- إلى الملك القرم وابن الهمام # وليث الكتيبة في المزدحم # وقوله: [السريع] # 129- يا ويح زيابة للحارث الص # صابح فالغانم فالآيب # يعني: أنهم جامعون بين هذه الأوصاف إن قيل: إن المراد بها واحد. # الثاني: أن يكونوا غيرهم. # وعلى كلا القولين، فيحكم على موضعه بما حكم على موضع " الذين " ~~المتقدمة من الإعراب رفعا ونصبا وجرا قطعا وإتباعا كما مر تفصيله. # ويجوز أن يكون عطفا على " المتقين " ، وأن يكون مبتدأ خبره " أولئك " ~~، وما بعدها إن قيل: إنهم غير " الذين " الأولى. و " يؤمنون " صلة وعائد. # و " بما أنزل " متعلق به و " ما " موصولة اسمية، و " أنزل " صلتها، وهو ~~فعل مبني للمفعول، لعائد هو الضمير القائم مقام الفاعل، ويضعف أن يكون ~~نكرة موصوفة وقد منع أبو البقاء ذلك قال: لأن النكرة الموصوفة لا عموم ~~فيها، ولا يكمل الإيمان إلا بجميع ما أنزل. # و " إليك " متعلق ب " أنزل " ، ومعنى " إلى " انتهاء الغاية، ولها ~~معان أخر: # المصاحبة: # ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم # [النساء: 2]. # والتبيين: # رب السجن أحب إلي # [يوسف: 33]. # وموافقة اللام و " في " و " من ": # والأمر إليك # [النمل: 33] أي: لك. # وقال النابغة: [الطويل] # 130- فلا تتركني بالوعيد كأنني # إلى الناس مطلي به القار أجرب # وقال الآخر: [الطويل] # 131-..................... # أيسقى فلا يروى إلي ابن أحمرا # أي: لا يروى مني، وقد تزاد؛ قرىء: " تهوى إليهم " [إبراهيم: 37] ~~بفتح الواو. # و " الكاف " في محل جر، وهي ضمير المخاطب، ويتصل بها ما يدل على ~~التثنية والجمع تذكيرا وتأنيثا ك " تاء " المخاطب. # ويترك أبو جعفر، وابن كثير، وقالون، وأبو عمرو، ويعقوب كل مدة تقع بين ~~كلمتين، والآخرون يمدونها. # و " النزول " الوصول والحلول من غير اشتراط علو، قال تعالى: ms0086 # فإذا نزل بساحتهم # [الصافات: 177] أي حل ووصل. # قال ابن الخطيب: والمراد من إنزال الوحي، وكون القرآن منزلا، ~~ومنزولا به - أن جبريل سمع في السماء كلام الله - تعالى - فنزل على ~~الرسول به، كما يقال: نزلت رسالة الأمير من القصر، والرسالة لا تنزل ~~ولكن المستمع يسمع الرسالة من علو، فينزل ويؤدي في سفل، وقول الأمير لا ~~يفارق ذاته، ولكن السامع يسمع فينزل، ويؤدي بلفظ نفسه، ويقال: فلان ~~ينقل الكلام إذا سمع وحدث به في موضع آخر. # فإن قيل: كيف سمع جبريل كلام الله تعالى؛ وكلامه ليس من الحروف والأصوات ~~عندكم؟ # قلنا: يحتمل أن يخلق الله - تعالى - له سمعا لكلامه، ثم أقدره على ~~عبارة يعبر بها عن ذلك الكلام القديم، ويجوز أن يكون الله - تعالى - خلق ~~في اللوح المحفوظ كتابة بهذا النظم المخصوص، فقرأه جبريل - عليه ~~السلام - فحفظه، ويجوز أن يخلق الله أصواتا مقطعة بهذا النظم المخصوص ~~في جسم مخصوص، فيتلقفه جبريل - عليه السلام - ويخلق له علما ضروريا ~~بأنه هو العبارة المؤدية لمعنى ذلك الكلام القديم. # فصل في معنى فلان آمن بكذا # قال ابن الخطيب: لا نزاع بين أصحابنا وبين المعتزلة في أن الإيمان إذا ~~عدى ب " الباء " ، فالمراد منه التصديق. # فإذا قلنا: فلان آمن بكذا، فالمراد أنه صدق به، فلا يكون المراد منه أنه ~~صام وصلى، فالمراد بالإيمان - هاهنا - التصديق، لكن لا بد معه من ~~المعرفة؛ لأن الإيمان - ها هنا - خرج مخرج المدح، والمصدق مع الشك لا ~~يأمن أن يكون كاذبا، فهو إلى الذم أقرب. # و " ما " الثانية وصلتها عطف " ما " الأولى قبلها، والكلام عليها ~~وعلى صلتها كالكلام على " ما " التي قبلها، فتأمله. # واعلم أن قوله: " الذين يؤمنون بالغيب " عام يتناول كل من ~~آمن بمحمد عليه الصلاة والسلام، سواء كان قبل ذلك مؤمنا بموسى وعيسى ~~عليهما الصلاة والسلام، أو لم يكن مؤمنا بهما، ثم ذكر بعد ذلك هذه الآية ~~وهي قوله: # والذين يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من ~~قبلك # [البقرة: 4] يعني: التوراة والإنجيل؛ لأن في هذا التخصيص مزيد تشريف ~~لهم كما ms0087 في قوله: # وملائكته ورسله وجبريل وميكل # [البقرة: 98]، ثم في تخصيص عبد الله بن سلام، وأمثاله بهذا التشريف ~~ترغيب لأمثاله في الدين، فهذا هو السبب في ذكر هذا الخاص بعد ذكر ~~العام. # و " من قبلك " متعلق ب " أنزل " ، و " من " لابتداء الغاية، و " قبل " ~~ظرف زمان يقتضي التقدم، وهو نقيض " بعد " ، وكلاهما متى نكر، أو أضيف ~~أعرب، ومتى قطع عن الإضافة لفظا، وأريدت معنى بني على الضم، فمن الإعراب ~~قوله: [الوافر] # 132- فساغ لي الشراب وكنت قبلا # أكاد أغص بالماء القراح # وقال الآخر: [الطويل] # 133- ونحن قتلنا الأسد أسد خفية # فما شربوا بعدا على لذة خمرا # ومن البناء قوله تعالى: # لله الأمر من قبل ومن بعد # [الروم: 4] وزعم بعضهم أن " قبل " في الأصل وصف ناب عن موصوفه لزوما. # فإذا قلت: " قمت قبل زيد " فالتقدير: قمت [زمانا قبل زمان قيام زيد، ~~فحذف هذا كله، وناب عنه قبل زيد]، وفيه نظر لا يخفى على متأمله. # واعلم أن حكم " فوق وتحت وعلى وأول " حكم " قبل وبعد " فيما تقدم. # وقرىء: " بما أنزل إليك " مبنيا للفاعل، وهو الله - تعالى - ~~أو جبريل، وقرىء أيضا: " بما أنزل ليك " بتشديد اللام، وتوجيهه ~~أن يكون سكن آخر الفعل كما سكنه الأخر في قوله: [الرمل] # 134- إنما شعري ملح قد خلط بجلجلان # بتسكين " خلط " ثم حذف همزة " إليك " ، فالتقى مثلان، فأدغم لامه. # و " بالأخرة " متعلق ب " يوقنون " ، و " يوقنون " خبر عن " هم " ، ~~وقدم المجرور؛ للاهتمام به كما قدم المنفق في قوله: # ومما رزقناهم ينفقون # [البقرة: 3] لذلك، وهذه جملة اسمية عطفت على الجملة الفعلية قبلها فهي ~~صلة أيضا، ولكنه جاء بالجملة هنا من مبتدأ وخبر بخلاف: # ومما رزقناهم ينفقون # [البقرة: 3]؛ لأن وصفهم بالإيقان بالآخرة أوقع من وصفهم بالإنفاق من ~~الرزق، فناسب التأكيد بمجيء الجملة الاسمية، أو لئلا يتكرر اللفظ لو ~~قيل: " ومما رزقناكم هم ينفقون ". # والمراد من الآخرة: الدار الآخرة، وسميت الآخرة آخرة، لتأخرها وكونها ~~بعد فناء الدنيا. # والآخرة تأنيث آخر مقابل ل " أول " ، وهي صفة في الأصل جرت مجرى ~~الأسماء، والتقدير: الدار الآخرة، أو ms0088 النشأة الآخرة، وقد صرح بهذين ~~الموصوفين، قال تعالى: # وللدار الآخرة خير # [الأنعام: 32] وقال: # ثم الله ينشىء النشأة الآخرة # [العنكبوت: 20]. # و " يوقنون " من أيقن بمعنى: استيقن، وقد تقدم أن " أفعل " [يأتي] ~~بمعنى: " استفعل " أي: يستيقنون أنها كائنة، من الإيقان وهو العلم. # وقيل: اليقين هو العلم بالشيء بعد أن كان صاحبه شاكا فيه، فلذلك لا ~~تقول: تيقنت وجود نفسي، وتيقنت أن السماء فوقي، ويقال ذلك في العلم ~~الحادث، سواء أكان ذلك العلم ضروريا أو استدلاليا. # وقيل: الإيقان واليقين علم من استدلال، ولذلك لا يسمى الله موقنا ولا ~~علمه يقينا، إذ ليس علمه عن استدلال. # وقرىء: " يؤقنون " بهمز الواو، وكأنهم جعلوا ضمة الياء على الواو ~~لأن حركة الحرف بين بين، والواو المضمومة يطرد قبلها همزة بشروط: # منها ألا تكون الحركة عارضة، وألا يمكن تخفيفها، وألا يكون مدغما ~~فيها، وألا تكون زائدة؛ على خلاف في هذا الأخير، وسيأتي أمثلة ذلك في ~~سورة " آل عمران " عند قوله: # ولا تلون على أحد # [آل عمران: 153]، فأجروا الواو الساكنة المضموم ما قبلها مجرى ~~المضمومة نفسها؛ لما ذكرت لك، ومثل هذه القراءة قراءة قنبل " ~~بالسؤق " [ص: 33] و " على سؤقه " [الفتح: 29] وقال الشاعر: ~~[الوافر] # 135- أحب المؤقدين إلي مؤسى # وجعدة إذ أضاءهما الوقود # بهمز " المؤقدين ". # وجاء بالأفعال الخمسة بصيغة المضارع دلالة على التجدد والحدوث، وأنهم ~~كل وقت يفعلون ذلك. # وجاء ب " أنزل " ماضيا، وإن كان إيمانهم قبل تمام نزوله تغليبا ~~للحاضر المنزول على ما لم ينزل؛ لأنه لا بد من وقوعه، فكأنه نزل من باب ~~قوله: # أتى أمر الله # [النحل: 1]، بل أقرب منه؛ لنزول بعضه. # فصل فيما استحق به المؤمنون المدح # قال ابن الخطيب: إنه - تعالى- مدحهم على كونهم متيقنين بالآخرة، ومعلوم ~~أنه لا يمدح المرء بتيقن وجود الآخرة فقط، بل لا يستحق المدح إلا إذا ~~تيقن وجود الآخرة مع ما فيها من الحساب، والسؤال، وإدخال المؤمنين ~~الجنة، والكافرين النار. # روي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: # " يا عجبا كل العجب من الشاك في الله وهو يرى خلقه، وعجبا ممن ~~يعرف النشأة ms0089 الأولى ثم ينكر النشأة الآخرة، وعجبا ممن ينكر ~~البعث والنشور، وهو [في] كل يوم وليلة يموت ويحيا - يعني النوم ~~واليقظة - وعجبا ممن يؤمن بالجنة، ما فيها من النعيم، ثم يسعى لدار ~~الغرور؛ وعجبا من المتكبر الفخور، وهو يعلم أن أوله نطفة مذرة، ~~وآخره جيفة قذرة ". ### || [2.5] # " أولئك " مبتدأ، خبره الجار والمجرور بعده أي: كائنون على هدى، وهذه ~~الجملة: إما مستأنفة، وإما خبر عن قوله: الذي يؤمنون إما الأولى وإما ~~الثانية، ويجوز أن يكون " أولئك " وحده خبرا عن " الذين يؤمنون " أيضا ~~إما الأولى أو الثانية، ويكون " على هدى " في هذا الوجه في محل نصب ~~على الحال، هذا كله إذا أعربنا " الذين يؤمنون " مبتدأ أما إذا جعلناه ~~غير مبتدأ، فلا يخفى حكمه مما تقدم. # ويجوز أن يكون " الذين يؤمنون " مبتدأ و " أولئك " بدل أو بيان، و " ~~على هدى " الخبر. # و " أولئك ": اسم إشارة يشترك فيه جماعة الذكور والإناث، وهو مبني على ~~الكسر؛ لشبهه بالحرف في الافتقار. # وقيل: " أولاء " كلمة معناها الكناية عن جماعة نحو: " هم " و " الكاف " ~~للخطاب، كما في حرف " ذلك " ، وفيه لغتان: المد والقصر: ولكن الممدود ~~للبعيد، وقد يقال: " أولالك " قال: [الطويل] # 136- أولالك قومي لم يكونوا أشابة # وهل يعظ الضليل إلا أولالكا # وعند بعضهم: المقصور للقريب والممدود للمتوسط، و " أولالك " للبعيد، ~~وفيه لغات كثيرة، وكتبوا " أولئك " بزيادة " واو " قبل " اللام ". # قيل: للفرق بينها وبين " إليك ". # و " الهدى " الرشد والبيان والبصيرة. # و " من ربهم " في محل جر صفة ل " هدى " و " من " لابتداء ~~الغاية، ونكر " هدى " ليفيد إبهامه التعظيم كقوله: [الطويل] # 137- فلا وأبي الطير المربة بالضحى # على خالد لقد وقعت على لحم # وروي " من ربهم " بغير غنة، وهو المشهور، وبغنة، ويروى على أبي ~~عمرو، و " أولئك " مبتدأ، و " هم " مبتدأ ثان، و " المفلحون " خبره، ~~والجملة خبر الأول، ويجوز أن يكون " هم " فصلا أو بدلا، و " المفلحون " ~~الخبر. # وفائدة الفصل: الفرق بين الخبر والتابع، ولهذا سمي فصلا، ويفيد - أيضا ~~- التوكيد. # قال ابن الخطيب: يفيد فائدتين: # إحداهما: الدلالة على أن " الوارد " بعده خبر ms0090 لا صفة. # والثاني: حصر الخبر في المبتدأ، فإنك لو قلت لإنسان ضاحك فهذا لا يفيد ~~أن الضاحكية لا تحصل إلا في الإنسان. # وقد تقدم أنه يجوز أن يكون " أولئك " الأولى، أو الثانية خبرا عن " ~~الذين يؤمنون " ، وتقدم تضعيف هذين القولين. وكرر " أولئك " تنبيها على ~~أنهم كما ثبت لهم الأثرة بالهدى ثبت لهم بالفلاح، فجعلت كل واحدة من ~~الأثرتين في تميزهم بها عن غيرهم بمثابة لو انفردت لكانت مميزة عن ~~حدها، وجاء هنا بالواو بين جملة قوله تعالى: # أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم ~~الغافلون # [الأعراف: 179] لأن الخبرين - هنا - متغايران، فاقتضى ذلك العطف، وأما ~~تلك الآية الكريمة، فإن الخبرين فيها شيء واحد؛ لأن التسجيل عليهم ~~بالغفلة، وتشبيههم بالأنعام معنى واحد، فكانت عن العطف بمعزل. # قال الزمخشري: وفي اسم الإشارة الذي هو " أولئك " إيذان بأن ما يراد ~~عقبه، والمذكورين قبله أهل لاكتسابه من أجل الخصال التي عددت لهم، كقول ~~حاتم: [الطويل] # 138- ولله صعلوك.... # ...................... # ثم عدد له فاضلة، ثم عقب تعديدها بقوله: [الطويل] # 139- فذلك إن يهلك فحسنى ثناؤه # وإن عاش لم يقعد ضعيفا مذمما # و " الفلاح " أصله: الشق؛ ومنه قوله: [الرجز] # 140- إن الحديد بالحديد يفلح # ومنه قول بكر بن النطاح: [الكامل] # 141- لا تبعثن إلى ربيعة غيرها # إن الحديد بغيره لا يفلح # ويعبر به عن الفوز، والظفر بالبغية وهو مقصود الآية؛ ويراد به البقاء ~~قال: [الرجز] # 142- لو أن حيا مدرك الفلاح # أدركه ملاعب الرماح # وقال: [الطويل] # 143- نحل بلادا كلها حل قبلنا # ونرجو الفلاح بعد عاد وحمير # وقال: [المنسرح] # 144- لكل هم من الهموم سعه # والمسي والصبح لا فلاح معه # والمفلج - بالجيم - مثله، ومعنى التعريف في " المفلحون " الدلالة ~~على أن المتقين هم الناس أي: أنهم الذين إذا حصلت صفة المفلحين فهم هم ~~كما تقول لصاحبك: هل عرفت الأسد، وما جبل عليه من فرط الإقدام؟ إن ~~زيدا هو هو. # فصل فيمن احتج بالآية على مذهبه # هذه الاية يتمسك بها الوعيدية والمرجئة. # أما الوعيدية فمن وجهين: # الأول: أن قوله: { وأولئك هم المفلحون } يقتضي الحصر، ~~فوجب فيمن أخل ms0091 بالصلاة والزكاة أن لا يكون مفلحا، وذلك يوجب القطع بوعيد ~~تارك الصلاة والزكاة. # الثاني: أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون ذلك الوصف علة لذلك الحكم، ~~فيلزم أن تكون علة الفلاح في فعل الإيمان والصلاة والزكاة، فمن أخل ~~بهذه الأشياء لم تحصل له علة الفلاح، فوجب إلا يحصل الفلاح. # وأما المرجئة: فقد احتجوا بأن الله حكم بالفلاح على الموصوفين ~~بالصفات المذكورة في هذه الآية، فوجب أن يكون الموصوف بهذه الأشياء ~~مفلحا، وإن زنى وشرب الخمر وسرق، وإذا ثبت تحقق العفو في هذه ~~الطائفة ثبت في غيرهم ضرورة؛ لأنه لا قائل بالفرق. # قال ابن الخطيب: والجواب أن كل واحد من الاحتجاجين معارض بالآخر، ~~فيتساقطان. # والجواب عن قول الوعيدية: أن قوله: " أولئك هم المفلحون " يدل على أنهم ~~الكاملون في الفلاح، فيلزم أن يكون صاحب الكبيرة غير كامل الفلاح، ونحن ~~نقول بموجبه، فإنه كيف يكون كاملا في الفلاح، وهو غير جازم بالخلاص من ~~العذاب، بل يجوز له أن يكون خائفا. # وعن الثاني: أن نفي السبب لا يقتضي نفي المسبب، فعندنا من أسباب الفلاح ~~عفو الله تعالى. # والجواب عن قول المرجئة: أن وصفهم بالتقوى يكفي لنيل الثواب؛ لأنه ~~يتضمن اتقاء المعاصي، واتقاء ترك الواجبات، والله أعلم. ### || [2.6] # اعلم أن الحروف لا أصل لها في العمل، لكن هذا الحرف أشبه الفعل صورة ~~ومعنى، فاقتضى كونه عاملا. # أما المشابهة في اللفظ فلأنه تركب من ثلاثة أحرف انفتح آخرها، ولزمت ~~الأسماء كالأفعال، وتدخل نون الوقاية نحو " إنني وكأنني " كما تدخل على ~~الفعل نحو: " أعطاني وأكرمني " ، وأما المعنى فلأنه يفيد معنى في الاسم، ~~فلما اشبهت الأفعال وجب أن تشبهها في العمل. # روى ابن الأنباري " أن الكندي " المتفلسف ركب إلى المبرد وقال: إني ~~أجد في كلام العرب حشوا، أجد العرب تقول: " عبد الله قائم " ، ثم ~~يقولون: " إن عبد الله قائم " ثم يقولون: " إن عبد الله لقائم ". # فقال المبرد: بل المعاني مختلفة لاختلاف الألفاظ: فقولهم: " عبد الله ~~قائم " إخبار عن قيامه، وقولهم: " إن عبد الله قائم " جواب عن سؤال سائل، ms0092 ~~وقولهم: " إن عبد الله لقائم " جواب عن إنكار منكر لقيامه. # واحتج عبد القاهر على صحة قوله بأنها إنما تذكر جوابا لسؤال سائل ~~بقوله تعالى: # ويسألونك عن ذي القرنين # [الكهف: 83] إلى أن قال: # إنا مكنا له # [الكهف: 84]، وقوله: # نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية # [الكهف: 13]، وقوله: # فإن عصوك فقل إني بريء # [الشعراء: 216]. # قال عبد القاهر: والتحقيق أنها للتأكيد، فإذا كان الخبر ليس يظن ~~المخاطب خلافه لم يحتج إلى " أن " ، وإنما يحتاج إليها إذا ظن السامع ~~الخلاف، فأما دخوله اللام معها في جواب المنكر، فلأن الحاجة إلى التأكيد ~~أشد. # فإن قيل: فلم لا دخلت " اللام " في خبرها في قوله تعالى: # ثم إنكم يوم القيامة تبعثون # [المؤمنون: 16]، وأدخل " اللام " في خبرها في قوله قبل ذلك: # ثم إنكم بعد ذلك لميتون # [المؤمنون: 15]، وهم كانوا يتيقنون الموت، فلا حاجة إلى التأكيد، فكانوا ~~ينكرون البعث فكانت الحاجة لدخول " اللام " على البعث أشد ليفيد التأكيد. # فالجواب: أن التأكيد حصل أولا بقوله: # خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه ~~نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة ~~فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما ~~فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر ~~فتبارك الله أحسن الخالقين # [المؤمنون: 12- 14]. # فكان ذكر هذه السبع مراتب في خلق الإنسان أبلغ في التأكيد من دخول " ~~اللام " على خبر " إن " ، فلذلك استغنى عن دخول " اللام " على خبر " إن " ~~، وهي تنصب الاسم، وترفع الخبر خلافا للكوفيين بأن رفعه بما كان قبل ~~دخولها. # وتقرير الأول أنها لما صارت عاملة فإما أن ترفع المبتدأ أو الخبر معا، ~~وتنصبهما معا، أو ترفع المبتدأ وتنصب الخبر أو بالعكس والأول باطل؛ ~~لأنهما كانا مرفوعين قبل دخولهما، فلم يظهر للعمل أثر ألبتة، ولأنها ~~أعطيت عمل الفعل، والفعل لا يرفع الاسمين، فلا معنى للاشتراك، والفرع لا ~~يكون أقوى من الأصل. # والثاني - أيضا - باطل، لأنه مخالف لعمل الفعل، لأن الفعل لا ينصب ~~شيئا مع خلوه عما يرفعه. # والثالث - أيضا - باطل لأنه يؤدي إلى التسوية بين الأصل والفرع؛ لأن ~~الفعل يعمل في الفاعل أولا ms0093 بالرفع؛ ثم في المفعول بالنصب، فلو جعل الحرف ~~ها هنا كذلك لحصلت التسوية بين الأصل والفرع. # ولما بطلت الأقسام الثلاثة تعين الرابع، وهي أنها تنصب الاسم، وترفع ~~الخبر، وهذا مما ينبه على أن هذه الحروف ليست أصلية في العمل؛ لأن ~~تقديم المنصوب على المرفوع في باب الفعل عدول عن الأصل. # وتخفف " إن " فتعمل وتهمل، ويجوز فيها أن تباشر الأفعال، لكن النواسخ ~~غالبا تختص بدخول " لام " الابتداء في خبرها، أو معمولة المقدم عليها، ~~أو اسمها المؤخر، ولا يتقدم خبرها إلا ظرفا أو مجرورا، وتختص - أيضا ~~- بالعطف على محل اسمها، ولها ولأخواتها أحكام كثيرة. # و " الذين " اسمها و " كفروا " صلة وعائد، و " لا يؤمنون " خبرها، وما ~~بينهما اعتراض، و " سواء " مبتدأ، و " أنذرتهم " وما بعده في قوة ~~التأويل بمفرد هو الخبر، والتقدير: سواء عليهم الإنذار وعدمه، ولم يحتج ~~هنا إلى رابط؛ لأن الجملة نفس المبتدأ، ويجوز أن يكون " سواء " خبرا ~~مقدما، و " أنذرتهم " بالتأويل المذكور مبتدأ مؤخر تقديره: الإنذار ~~وعدمه سواء. # قال ابن الخطيب: اتفقوا على أن الفعل لا يخبر عنه؛ لأن قوله: " ~~خرج ضرب " ليس بكلام منتظم، وقد قدحوا فيه بوجوه: # أحدها: أن قوله: { أأنذرتهم أم لم تنذرهم } فعل، وقد ~~أخبر عنه بقوله: # سواء عليهم } ، ونظيره { ثم بدا لهم من بعد ما ~~رأوا الآيات ليسجننه # [يوسف:35] فاعل " بدا " هو " يسجننه ". # وثانيها: أن المخبر عنه بأنه فعل لا بد وأن يكون فعلا، فالفعل قد أخبر ~~عنه بأنه فعل. # فإن قيل: المخبر عنه بأنه فعل هو تلك الكلمة، وتلك الكلمة اسم. # قلنا: فعلى هذا المخبر عنه بأنه فعل إذا لم يكن فعلا بل اسما كان هذا ~~الخبر كذبا؛ والتحقيق أن المخبر عنه بأنه فعل إما أن يكون اسما أو لا ~~يكون، فإن كان الأول كان هذا الخبر كذبا؛ لأن الاسم لا يكون فعلا، وإن ~~كان فعلا فقد صار الفعل مخبرا عنه. # وثالثها: أنا إذا قلنا: الفعل لا يخبر عنه، فقد أخبرنا عنه بأنه لا يخبر ~~عنه، والمخبر عنه بهذا الخبر لو كان اسما ms0094 لزم أنا قد أخبرنا عن الاسم ~~بأنه لا يخبر عنه، وهذا خطأ، وإن كان فعلا صار الفعل مخبرا عنه. # ثم قال هؤلاء: لما ثبت أنه لا امتناع في الإخبار عن الفعل لم يكن بنا ~~حاجة إلى ترك الظاهر. # أما جمهور النحويين فقالوا: لا يجوز الإخبار عن الفعل، فلا جرم كان ~~التقدير: سواء عليهم إنذارك وعدمه. # وهذه الجملة يجوز أن تكون معترضة بين اسم " إن " وخبرها، وهو " لا ~~يؤمنون " كما تقدم، ويجوز أن تكون هي نفسها خبرا ل " إن " ، وجملة " لا ~~يؤمنون " في محل نصب على الحال، أو مستأنفة، أو تكون دعاء عليهم بعد ~~الإيمان - وهو بعيد - أو تكون خبرا بعد خبر على رأي من يجوز ذلك. # ويجوز أن يكون " سواء " وحده خبر " إن " ، و " أأنذرتهم " وما بعده ~~بالتأويل المذكور في محل رفع بأنه فاعل له، والتقدير: استوى عندهم ~~الإنذار وعدمه. # و " لا يؤمنون " على ما تقدم من الأوجه أعني: الحال والاستئناف والدعاء ~~والخبرية. # والهمزة في " أأنذرتهم " الأصل فيها الاستفهام، وهو - هنا - غير مراد، ~~إذ المراد التسوية، و " أنذرتهم " فعل وفاعل ومفعول. # و " أم " - هنا - عاطفة وتسمى متصلة، ولكونها متصلة شرطان: # أحدهما: أن يتقدمها همزة استفهام أو تسوية لفظا أو تقديرا. # والثاني: أن يكون ما بعدها مفردا أو مؤولا بمفرد كهذه الآية، فإن ~~الجملة فيها بتأويل مفرد كما تقدم، وجوابها أحد الشيئين أو الأشياء، ~~ولا تجاب ب " نعم " ولا ب " لا " ، فإن فقد الشرط سميت منقطعة ومنفصلة، ~~وتقدر ب " بل والهمزة " ، وجوابها " نعم " أو " لا " ولها أحكام أخر. # و " لم " حرف جزم معناه نفي الماضي مطلقا خلافا لمن خصها بالماضي ~~المنقطع، ويدل على ذلك قوله تعالى: # ولم أكن بدعآئك رب شقيا # [مريم: 4] # لم يلد ولم يولد # [الإخلاص: 3]. وهذا لا يتصور فيه الانقطاع، وهي من خواص صيغ المضارع ~~إلا أنها تجعله ماضيا في المعنى كما تقدم. وهل قلبت اللفظ دون المعنى ~~أو المعنى دون اللفظ؟ # قولان: أظهرهما الثاني: وقد يحذف مجزومها كقوله: [الكامل] # 145- إحفظ وديعتك التي استودعتها # يوم الأعازب، إن وصلت، وإن ms0095 لم # و " الكفر " أصله: الستر؛ ومنه: " الليل الكافر "؛ قال: [الرجز] # 146- فوردت قبل انبلاج الفجر # وابن ذكاء كامن في كفر # وقال [الكامل] # 147- فتذكرا ثقلا رثيدا بعدما # ألقت ذكاء يمينها في كافر # والكفر - هنا - الجحود. وقال آخر: [الكامل] # 148-....................... # في ليلة كفر النجوم غمامها # قال أبو العباس المقرىء: ورد لفظ " الكفر " في القرآن على أربعة ~~أضرب: # الأول: الكفر بمعنى ستر التوحيد وتغطيته قال تعالى: { إن الذين ~~كفروا سوآء عليهم أأنذرتهم }؟ # الثاني: بمعنى الجحود قال تعالى: # فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به # [البقرة: 89]. # الثالث: بمعنى كفر النعمة، قال تعالى: # لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم # [إبراهيم: 7] أي: بالنعمة، ومثله: # واشكروا لي ولا تكفرون # [البقرة: 152] وقال تعالى: # أأشكر أم أكفر # [النمل: 40]. # الرابع: البراءة، قال تعالى: # إنا برءآؤا منكم ومما تعبدون من دون الله ~~كفرنا بكم # [الممتحنة: 4] أي: تبرأنا منكم، وقوله: # ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض # [العنكبوت: 25]. # و " سواء " اسم معنى الاستواء، فهو اسم مصدر، ويوصف على أنه بمعنى ~~مستو، فيحتمل حينئذ ضميرا، ويرفع الظاهر، ومنه قولهم: " مررت برجل سواء ~~والعدم " برفع " العدم " على أنه معطوف على الضمير المستكن في " سواء " ~~، وشذ عدم بمعنى: " مثل " ، تقول: " هما سيان " بمعنى: مثلان، قال: ~~[البسيط] # 149- من يفعل الحسنات الله يشكرها # والشر بالشر عند الله سيان # على أنه قد حكي سواءان. وقال الشاعر: [الطويل] # 150- وليل تقول الناس في ظلماته # سواء صحيحات العيون وعورها # ف " سواء " خبر عن جمع هو " صحيحات " ، وأصله: العدل؛ قال زهير: ~~[الوافر] # 151- أرونا سبة لا عيب فيها # يسوي بيننا فيها السواء # أي: يعدل بيننا العدل. وليس هو الظرف الذي يستثنى به في قولك: " قاموا ~~سواء زيد " وإن شاركه لفظا. # ونقل ابن عطية عن الفارسي فيه اللغات الأربع المشهورة في " سوى " ~~المستثنى به، وهذا عجيب فإن هذه اللغات في الظرف لا في " سواء " الذي ~~بمعنى الاستواء. # وأكثر ما تجيء بعده الجملة المصدرية بالهمزة المعادلة ب " أم " كهذه ~~الآية، وقد تحذف للدلالة كقوله تعالى: # فاصبروا أو لا تصبروا سوآء عليكم # [الطور: 16] أي: أصبرتم أم لم تصبروا، وقد يليه اسم ms0096 الاستفهام معمولا ~~لما بعده كقول علقمة: [الطويل] # 152- سواء عليه أي حين أتيته # أساعة نحس تتقى أم بأسعد # ف " أي حين " منصوب ب " أتيته " ، وقد يعرى عن الاستفهام، وهو الأصل؛ ~~نحو: [الطويل] # 153-................. # سواء صحيحات العيون وعورها # فصل في استعمالات " سواء " # وقد ورد لفظ " سواء " على وجوه: # الأول: بمعنى: الاستواء كهذه الآية. # الثاني: بمعنى: العدل، قال تعالى: # إلى كلمة سوآء بيننا وبينكم # [آل عمران: 64] أي: عدل؛ ومثله: # سوآء السبيل # [الممتحنة: 1] أي: عدل الطريق. # الثالث: بمعنى: وسط، قال تعالى: # في سوآء الجحيم # [الصافات: 55] أي: وسط الجحيم. # الرابع: بمعنى: البيان؛ قال تعالى: # وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على ~~سوآء # [الأنفال: 58] أي: على بيان. # الخامس: بمعنى: شرع، قال تعالى: # ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سوآء # [النساء: 89] يعني: شرعا. # السادس: بمعنى: قصد، قال تعالى: # عسى ربي أن يهديني سوآء السبيل # [القصص: 22] أي: قصد الطريق. و " الإنذار ": التخويف. # وقال بعضهم: هو الإبلاغ، ولا يكاد يكون إلا في تخويف يسع زمانه ~~الاحتراز، فإن لم يسع زمانه الاحتراز، فهو إشعار لا إنذار؛ قال: [الكامل] # 154- أنذرت عمرا وهو في مهل # قبل الصباح فقد عصى عمرو # ويتعدى لاثنين، قال تعالى: # إنآ أنذرناكم عذابا قريبا # [النبأ: 40]، # أنذرتكم صاعقة # [فصلت: 13] فيكون الثاني في هذه الآية محذوفا تقديره: أأنذرتهم العذاب ~~أم لم تنذرهم إياه، والأحسن ألا يقدر له مفعول، كما تقدم في نظائره. # والهمزة في " أنذر " للتعدية، وقد تقدم أن معنى الاستفهام هنا غير ~~مراد؛ لأن التسوية هنا غير مرادة. # فقال ابن عطية: لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه الخبر، وإنما جرى عليه ~~لفظ الاستفهام؛ لأن فيه التسوية التي هي الاستفهام، ألا ترى أنك إذا ~~قلت مخبرا: " سواء علي أقمت أم قعدت " ، وإذا قلت مستفهما: " أخرج ~~زيد أم قام "؟ فقد استوى الأمران عندك؟ هذان في الخبر، وهذان في ~~الاستفهام، وعدم علم أحدهما بعينه، فلما عمتهما التسوية جرى على الخبر ~~لفظ الاستفهام؛ لمشاركته إياه في الإبهام، فكل استفهام تسوية وإن لم ~~تكن كل تسوية استفهاما، إلا أن بعضهم ناقشه في قوله: " أأنذرتهم أم لم ms0097 ~~تنذرهم " لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه " الخبر " بما معناه: أن هذا الذي ~~صورته صورة استفهام ليس معناه الخبر؛ لأنه مقدر بالمفرد كما تقدم، وعلى ~~هذا فليس هو وحده في معنى الخبر؛ لأن الخبر جملة، وهذا في تأويل مفرد، ~~وهي مناقشة لفظية. # وروي الوقف على قوله: " أم لم تنذر " والابتداء بقوله: " هم ~~لا يؤمنون " على أنها جملة من مبتدأ وخبر. وهذا ينبغي ألا يلتفت ~~إليه، وإن كان قد نقله الهذلي في " الوقف والابتداء " له. # وقرىء " أأنذرتهم " بهمزتين محققتين بينهما ألف، وبهمزتين، محققتين ~~بلا ألف بينهما وهي لغة " بني تميم " ، وأن تكون الأولى قوية، والألف ~~بينهما، وتخفيف الثانية بين بين، وهي لغة " الحجاز " وبتقوية الهمزة ~~الأولى، وتخفيف الثانية، وبينهما ألف. فمن إدخال الألف بين الهمزتين ~~تخفيفا وتحقيقا قوله: [الطويل] # 155- أيا ظبية الوعساء بين جلاجل # وبين النقا آأنت أم أم سالم؟ # وقال آخر: [الطويل] # 156- تطاللت فاستشرفته فعرفته # فقلت له آأنت زيد الأرانب؟ # وروي عن ورش إبدال الثانية ألفا محضة. # ونسب الزمخشري هذه القراءة للحن، قال: لأنه يؤدي إلى الجمع بين ~~ساكنين على غير حدهما، ولأن تخفيف مثل هذه الهمزة إنما هو بين ~~بين. وهذا منه ليس بصواب، لثبوت هذه القراءة تواترا. # وقرأ ابن محيصن بهمزة واحدة على لفظ الخبر، وهمزة الاستفهام مرادة، ~~ولكن حذفها تخفيفا، وفي الكلام ما يدل عليها، وهو قوله: " أم لم "؛ لأن ~~" أم " تعادل الهمزة، وللقراء في مثل هذه الآية تفصيل كثير. # فصل في المراد بالكافرين في الآية # المراد من " الذين كفروا " يعني مشركي العرب كأبي لهب؛ وأبي جهل، ~~والوليد بن المغيرة وأضرابهم. # وقال الكلبي: " هم رؤساء اليهود والمعاندون " وهو قول ابن عباس. ~~والكفر - هنا - الجحود، وهو على أربعة أضرب: # كفر إنكار، وكفر جحود، وكفر عناد، وكفر نفاق: # ف " كفر الإنكار ": هو ألا يعرف الله أصلا، ولا يعترف به. # وكفر الجحود: هو أن يعرف الله بقلبه، ولا يقر بلسانه، ككفر إبليس؛ قال ~~تعالى: # فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به # [البقرة: 89]. # وكفر العناد: هو أن يعرف الله بقلبه، ويعترف بلسانه، ولا يدين ms0098 به؛ ككفر ~~أبي طالب؛ حيث يقول: [الكامل] # 157- ولقد علمت بأن دين محمد # من خير أديان البرية دينا # لولا الملامة أو حذار مسبة # لوجدتني سمحا بذاك مبينا # وكفر النفاق: هو أن يقر باللسان، ولا يعتقد بالقلب، وجميع هذه الأنواع ~~سواء في أن من لقي الله - تعالى - بواحد منها؛ لا يغفر له. # فصل في تحقيق حد الكفر # قال ابن الخطيب: تحقيق القول في حد الكفر أن كل ما نقل عن محمد - عليه ~~الصلاة والسلام - أنه ذهب إليه، وقال به، فإما أن يعرف صحة ذلك النقل ~~بالضرورة، أو بالاستدلال، أو بخبر الواحد الذي علم بالضرورة، فمن صدق به ~~جميعه، فهو مؤمن، ومن لم يصدق بجميعه، أو لم يصدق ببعضه، فهو كافر، فإذن ~~الكفر عدم تصديق الرسول في شيء مما علم بالضرورة أنه ليس من دين محمد ~~عليه الصلاة والسلام. # ومثاله من أنكر وجود الصانع، أو كونه عالما مختارا، أو كونه واحدا، ~~أو كونه منزها عن النقائص والآفات، أو أنكر نبوة محمد - صلى الله ~~عليه وسلم -؛ كوجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج وحرمة الربا والخمر، ~~فذلك يكون كافرا. # فأما الذي يعرف بالدليل أنه من دين محمد مثل كونه عالما بالعلم أو ~~بذاته، وأنه مرئي أو غير مرئي، وأنه خالق أعمال العباد أم لا، فلم ينقل ~~بالتواتر القاطع للعذر، فلا جرم لم يكن إنكاره والإقرار به داخلا في ~~ماهية الإيمان، فلا يكون موجبا للكفر، والدليل عليه أنه لو كان جزءا ~~من ماهية الإيمان لكان يجب على الرسول ألا يحكم بإيمان أحد إلا بعد أن ~~يعرف أنه عرف الحق في تلك المسألة بين جميع الأمة؛ ولنقل ذلك على سبيل ~~التواتر، فلما لم ينقل ذلك دل على أنه - عليه الصلاة والسلام - ما وقف ~~الإيمان عليها، ولما لم يكن كذلك وجب ألا تكون معرفتها من الإيمان، ولا ~~إنكارها موجبا للكفر، ولأجل هذه القاعدة لا يكفر أحد من الأمة من أرباب ~~التأويل، وأما الذي لا سبيل إليه إلا برواية الآحاد، فظاهر أنه لا يمكن ~~توقف الكفر والإيمان عليه، والله أعلم. ms0099 # فصل في الرد على المعتزلة # احتجت المعتزلة بكل ما أخبر الله عن شيء ماض مثل قوله: { إن ~~الذين كفروا } ، # إنا نحن نزلنا الذكر # [الحجر: 9]، # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر: 1]، # إنآ أرسلنا نوحا # [نوح: 1] على أن كلام الله محدث، سواء كان الكلام هذه الحروف، أو ~~الأصوات، أو كان شيئا آخر. # قالوا: لأن الخبر على هذا الوجه لا يكون صدقا إلا إذا كان مسبوقا ~~بالمخبر عنه، والقديم يستحيل أن يكون مسبوقا بالغير، فهذا الخبر يستحيل ~~أن يكون قديما، فيجب أن يكون محدثا. # أجاب القائلون بقدم الكلام عنه بوجهين: # الأول: أن الله - تعالى - كان في الأزل عالما بأن العالم سيوجد، فلما ~~أوجده انقلب العلم بأنه سيوجد في المستقبل علما بأنه قد حدث في الماضي، ~~ولم يلزم حدوث علم الله تعالى، فلم لا يجوز أيضا أن يقال: إن خبر ~~الله - تعالى - في الأزل كان خبرا بأنهم سيكفرون، فلما وجد كفرهم صار ~~ذلك الخبر خبرا عن أنهم قد كفروا، ولم يلزم حدوث خبر الله تعالى؟. # الثاني: أن الله - تعالى - قال: # لتدخلن المسجد الحرام # [الفتح: 27]، فلما دخلوا المسجد الحرام، ولا بد أن ينقلب ذلك الخبر إلى ~~أنهم قد دخلوا المسجد الحرام من غير أن يتغير الخبر الأول، فإذا أجاز ذلك ~~فلم لا يجوز في مسألتنا؟ فإن قلت: قوله: { إن الذين كفروا } ~~صيغة جمع مع " لام " التعريف، وهي للاستغراق بظاهره، ثم إنه لا نزاع في ~~أنه ليس المراد منها هذا الظاهر؛ لأن كثيرا من الكفار أسلموا، فعلمنا أن ~~الله - تعالى - قد تكلم بالعام وأراد الخاص، إما لأجل أن القرينة ~~الدالة على أن المراد من ذلك العام ذلك الخصوص كانت ظاهرة في زمان ~~الرسول - عليه الصلاة والسلام - فحسن ذلك لعدم اللبس، وظهور المقصود، ~~وإما لأجل أن المتكلم بالعام لإرادة الخاص جائز، وإن لم يكن البيان ~~مقرونا به عند من يجوز تأخير بيان التخصيص عن وقت الخطاب، وإذا ثبت ~~ذلك ظهر أنه لا يمكن التمسك بشيء من صيغ العموم على القطع بالاستغراق، ~~لاحتمال أن المراد منها هو الخاص، ms0100 وكانت القرينة الدالة على ذلك ظاهرة في ~~زمان الرسول عليه الصلاة والسلام، فلا جرم حسن ذلك، وعدم العلم بوجود ~~قرينة لا يدل على العدم. # وإذا ثبت ذلك ظهر أن استدلال المعتزلة بعمومات الوعيد على القطع ~~بالوعيد في نهاية الضعف، والله أعلم. # فصل في المذهب الحق في " تكليف ما لا يطاق " # قال ابن الخطيب: احتج أهل السنة بهذه الآية وما أشبهها على تكليف ما ~~لا يطاق وتقريره: أنه - تعالى - أخبر عن شخص معين أنه لا يؤمن قط، فلو ~~صدر منه الإيمان لزم انقلاب خبر الله - تعالى - الصدق كذبا، والكذب عند ~~الخصم قبيح، وفعل القبيح يستلزم إما الجهل وإما الحاجة، وهما محالان ~~على الله تعالى، والمفضي إلى المحال محال، فصدور الإيمان منه محال، ~~فالتكليف به تكليف بالمحال، وقد يذكر هذا في صورة العلم، وهو أنه - تعالى ~~- لما علم منه أنه لا يؤمن، فكان صدور الإيمان منه يستلزم انقلاب علم ~~الله جهلا، وذلك محال، ويستلزم من المحال محال، فالأمر واقع بالمحال. # ونذكر هذا على وجه ثالث: وهو أن وجود الإيمان يستحيل أن يوجد مع العلم ~~بأنه لا يؤمن؛ لأنه إنما يكون علما لو كان مطابقا للمعلوم، والعلم بعدم ~~الإيمان يلزم أن يجتمع في الإيمان كونه موجودا ومعدوما معا، وهذا ~~محال، والأمر بالإيمان مع وجود علم الله بعدم الإيمان أمر بالجمع بين ~~الضدين، بل أمر بالجمع بين العدم والوجود، وكل ذلك محال. # ونذكر هذا على وجه رابع: وهو أنه - تعالى - كلف هؤلاء الذين أخبر عنهم ~~بأنهم لا يؤمنون البتة [والإيمان يعتبر فيه تصديق الله - تعالى - في كل ~~ما أخبر عنه أنهم لا يؤمنون قط] وقد صاروا مكلفين بأن يؤمنوا بأنهم لا ~~يؤمنون قط، وهو مكلف بالجمع بين النفي والإثبات. # ونذكر هذا على وجه خامس: وهو أنه - تعالى - عاب الكفار على أنهم ~~حاولوا فعل شيء على خلاف ما أخبر عنه في قوله: # يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا ~~كذلكم قال الله من قبل # [الفتح: 15]، فثبت أن القصد إلى تكوين ما أخبر الله عن ms0101 عدم تكوينه قصد ~~لتبديل كلام الله، وذلك منهي عنه. # ثم ها هنا أخبر الله - تعالى - عنهم أنهم لا يؤمنون ألبتة، فمحاولة ~~الإيمان منهم تكون قصدا إلى تبديل كلام الله، وذلك منهي عنه وترك محاولة ~~الإيمان يكون - أيضا - مخالفة لأمر الله، فيكون الذم حاصلا على الترك ~~والفعل. فهذه هي الوجوه المذكورة في هذا الموضع وهي هادمة لأصول ~~الاعتزال، وكل ما استدل به المعتزلة من الآيات الواردة، فيأتي الجواب ~~عنها عند ذكر كل آية منها إن شاء الله تعالى. ### || [2.7] # اعلم أنه - تعالى - لما بين في الآية الأولى أنهم لا يؤمنون أخبر ~~في هذه الآية السبب الذي لأجله لم يؤمنوا وهو الختم. # واعلم أن الختم والكتم أخوان وهو: الاشتياق بالشيء بضرب الخاتم عليه ~~كتما له وتغطية؛ لئلا يتوصل إليه، ومنه: الختم على الباب. # " على قلوبهم " متعلقة ب " ختم " ، و " على سمعهم " يحتمل عطفه على " ~~قلوبهم " ، وهو الظاهر، للتصريح بذلك، أعني: نسبة الختم إلى السمع في ~~قوله تعالى: # وختم على سمعه # [الجاثية: 23] ويحتمل أن يكون خبرا مقدما، وما بعده عطف عليه. # و " غشاوة " مبتدأ، وجاز الابتداء بها لأن النكرة متى كان خبرها ~~ظرفا، أو حرف جر تاما، وقدم عليها جاز الابتداء بها، [ويكون تقديم ~~الخبر حينئذ واجبا؛ لتصحيحه الابتداء بالنكرة]، والآية من هذا القبيل، ~~وهذا بخلاف قوله تعالى: # وأجل مسمى عنده # [الأنعام: 2]؛ ويبتدأ بما بعده، وهو " وعلى أبصارهم غشاوة " ف " على ~~أبصارهم " خبر مقدم، و " غشاوة " مبتدأ مؤخر. # وعلى الاحتمال الثاني يوقف على " قلوبهم " ، وإنما كرر حرف الجر؛ ليفيد ~~التأكيد ويشعر ذلك بتغاير الختمين، وهو: أن ختم القلوب غير ختم ~~الأسماع. # وقد فرق النحويون بين " مررت بزيد وعمرو " وبين " مررت بزيد وبعمرو " ~~فقالوا في الأول هو ممرور واحد، وفي الثاني هما ممروران، وهو يؤيد ما ~~قلته، إلا أن التعليل بالتأكيد يشمل الإعرابين، أعني: جعل " وعلى ~~سمعهم " معطوفا على قوله: " على قلوبهم " ، وجعله خبرا مقدما. # وأما التعليل بتغاير الختمين فلا يجيء إلا على الاحتمال الأول، وقد ~~يقال على الاحتمال الثاني أن تكرير الحرف يشعر ms0102 بتغاير الغشاوتين، ~~وهو أن الغشاوة على السمع غير الغشاوة على البصر، كما تقدم ذلك ~~في الختمين. # وقرىء: غشاوة بالكسر والنصب، وبالفتح والنصب وبالضم والرفع، وبالكسر ~~والرفع - و " غشوة " بالفتح والرفع والنصب - و " عشاوة " بالعين المهملة، ~~والرفع من العشا. # فأما النصب ففيه ثلاثة أوجه: # الأول: على إضمار فعل لائق، أي: وجعل على أبصارهم غشاوة، وقد صرح بهذا ~~العامل في قوله تعالى: # وجعل على بصره غشوة # [الجاثية: 23]. # والثاني: الانتصاب على إسقاط حرف الجر، ويكون " على أبصارهم " ~~معطوفا على ما قبله، والتقدير: ختم الله على قلوبهم، وعلى سمعهم، وعلى ~~أبصارهم بغشاوة، ثم حذف الجر، فانتصب ما بعده؛ كقوله: [الوافر] # 159- تمرون الديار فلم تعوجوا # كلامكم علي إذن حرام # أي: تمرون بالديار، ولكنه غير مقيس. # والثالث: أن يكون " غشاوة " اسما وضع موضع المصدر الملاقي ل " ختم ~~" في المعنى؛ لأن الختم والتغشية يشتركان في معنى الستر، فكأنه قيل: ~~" وختم تغشية " على سبيل التأكيد، فهو من باب " قعدت جلوسا " ، وتكون " ~~قلوبهم وسمعهم وأبصارهم مختوما عليها مغشاة ". # وقال الفارسي: قراءة الرفع الأولى، لأن النصب إما أن تحمله على ~~ختم الظاهر، فيعرض من ذلك أنك حلت بين حرف العطف والمعطوف به، ~~وهذا عندنا إنما يجوز في الشعر، وإما أن تحمله على فعل يدل عليه " ختم " ~~، تقديره: وجعل على أبصارهم غشاوة، فهذا الكلام من باب: [الكامل] # 160- يا ليت زوجك قد غدا # متقلدا سيفا ورمحا # وقوله: [الرجز] # 161- علفتها تبنا وماء باردا # حتى شتت همالة عيناها # ولا تكاد تجد هذا الاستعمال في حال سعة، ولا اختيار. # واستشكل بعضهم هذه العبارة، وقال: لا أدري ما معنى قوله؛ لأن النصب إما ~~أن تحمله على " ختم " الظاهر، وكيف تحمل " غشاوة " المنصوب على " ختم " ~~الذي هو فعل هذا ما لا حمل فيه؟ # قال: اللهم إلا أن يكون أراد أن قوله تعالى: " ختم الله على قلوبهم " ~~دعاء عليهم لا خبر، ويكون " غشاوة " في معنى المصدرية المدعو به ~~عليهم القائم مقام الفعل، فكأنه قيل: # وغشى الله على أبصارهم، فيكون إذ ذاك معطوفا على " ختم " عطف المصدر ~~النائب مناب ms0103 فعله في الدعاء، نحو: " رحم الله زيدا وسقيا له " فتكون ~~إذ ذاك قد حلت بين " غشاوة " المعطوف وبين " ختم " المعطوف عليه ~~بالجار والمجرور. وهو تأويل حسن، إلا أن فيه مناقشة لفظية؛ لأن الفارسي ~~ما ادعى الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه إنما ادعى الفصل بين حرف العطف ~~والمعطوف به أي بالحرف، فتحرير التأويل أن يقال: فيكون قد حلت بين ~~غشاوة وبين حرف العطف بالجار والمجرور. # والقراءة المشهورة بالكسر؛ لأن الأشياء التي تدل على الاشتمال تجيء ~~أبدا على هذه الزنة كالعصابة والعمامة. # والغشاوة فعالة: الغطاء من غشاه إذا غطاه، وهذا البناء لما يشتمل ~~على الشيء، ومنه غشي عليه، والغشيان كناية عن الجماع. # و " القلب " أصله المصدر، فسمي به هذا العضو الصنوبري؛ لسرعة ~~الخواطر إليه وترددها عليه، ولهذا قال: [البسيط] # 162- ما سمي القلب إلا من تقلبه # فاحذر على القلب من قلب وتحويل # ولما سمي به هذا العضو التزموا تفخيمه فرقا بينه وبين أصله، وكثيرا ما ~~يراد به العقل ويطلق أيضا على لب كل شيء وخالصه. # و " السمع " و " السماع " مصدران ل " سمع " ، وقد يستعمل بمعنى ~~الاستماع؛ قال: [البسيط] # 163- وقد توجس ركزا مقفر ندس # بنبأة الصوت ما في سمعه كذب # أي: ما في استماعه. و " السمع " - بالكسر - الذكر بالجميل، وهو - ~~أيضا - ولد الذئب من الضبع، ووحد وإن كان المراد به الجمع كالذي قبله ~~وبعده؛ لأنه مصدر حقيقة، يقال: رجلان صوم، ورجال صوم، ولأنه على حذف ~~مضاف، أي: مواضع سمعهم، أو حواس سمعهم، أو يكون كني به عن الأذن، وإنما ~~وحده لفهم المعنى؛ كقوله [الوافر] # 164- كلوا في بعض بطنكم تعفوا # فإن زمانكم زمن خميص # أي: بطونكم. # ومثله قال سيبويه: " إنه وإن وحد لفظ السمع إلا أن ذكر ما قبله وما ~~بعده بلفظ الجمع دليل على إرادة الجمع ". # ومنه أيضا قال تعالى: # يخرجهم من الظلمات إلى النور # [البقرة: 257]، # عن اليمين وعن الشمال # [ق: 17]؛ قال الراعي. # 165- بها جيف الحسرى فأما عظامها # فبيض وأما جلدها فصليب # أي: جلودها. # وقرأ ابن أبي عبلة: " أسماعهم ". # قال الزمخشري: واللفظ يحتمل أن ms0104 تكون الأسماع داخلة في حكم الختم، وفي ~~حكم التغشية، إلا أن الأولى دخولها في حكم الختم؛ لقوله تعالى: # وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره ~~غشاوة # [الجاثية: 23] # و " الأبصار ": جمع بصر، وهو نور العين الذي يدرك به المرئيات. # قالوا: وليس بمصدر لجمعه، ولقائل أن يقول: جمعه لا يمنع كونه مصدرا في ~~الأصل، وإنما سهل جمعه كونه سمي به نور العين، فهجرت فيه ~~معنى المصدرية، كما تقدم في قلوب جمع قلب. # وقد قلتم: إنه في الأصل مصدر ثم سمي به، ويجوز أن يكنى به عن العين، ~~كما كني بالسمع عن الأذن، وإن كان السمع في الأصل مصدرا كما تقدم. # وقرأ أبو عمرو والكسائي: " أبصارهم " بالإمالة، وكذلك كل ألف ~~بعدها مجرورة في الأسماء كانت لام الفعل يميلانها. # ويميل حمزة منها ما تكرر فيه الراء " كالقرار " ونحوه، وزاد الكسائي ~~إمالة # جبارين # [المائدة: 22]، و # الجوار # [الشورى: 32]، و # بارئكم # [البقرة: 54]، و # من أنصاري # [آل عمران: 32]، و # نسارع # [المؤمنون: 56] وبابه، وكذلك يميل كل ألف هي بمنزلة لام الفعل، أو كانت ~~علما للتأنيث مثل: # الكبرى # [طه: 23]، و # الأخرى # [الزمر: 42]، ولام الفعل مثل: # يرى # [البقرة: 165]، و # افترى # [آل عمران: 94] يكسرون الراء منها. # و " الغشاوة ": الغطاء. قال: [الطويل] # 166- تبعتك إذ عيني عليها غشاوة # فلما انجلت قطعت نفسي ألومها # وقال: [البسيط] # 167- هلا سألت بني ذبيان ما حسبي # إذا الدخان تغشى الأشمط البرما # وجمعها " غشاء " ، لما حذفت الهاء قلبت الواو همزة. # وقيل: " غشاوي " مثل " أداوي ". # قال الفارسي: لم أسمع من " الغشاوة " فعلا متصرفا ب " الواو " ، وإذا ~~لم يوجد ذلك، وكان معناها معنى ما " اللام " منه " الياء " ، وهو غشي ~~بدليل قولهم: " الغشيان " ، و " الغشاوة " من غشي ك " الجباوة " ~~من جبيت في أن " الواو " كأنها بدل من " الياء " ، إذ لم يصرف منه ~~فعل كما لم يصرف منه الجباوة. # وظاهر عبارته أن " الواو " بدل من " الياء " ، و " الياء " أصل بدليل ~~تصرف الفعل منها دون مادة " الواو ". # والذي يظهر أن لهذا المعنى مادتين " غ ش و " ، و " غ ش ي " ، ثم تصرفوا ~~في إحدى المادتين، ms0105 واستغنوا بذلك عن التصرف في المادة الأخرى، وهذا أقرب ~~من ادعاء قلب " الواو " " ياء " من غير سبب، وأيضا " الياء " أخف من " ~~الواو " ، فكيف يقلبون الأخف للأثقل؟ و " لهم " خبر مقدم فيتعلق بمحذوف، ~~و " عذاب " مبتدأ مؤخر و " عظيم " صفة. والخبر - هنا - جائز التقديم؛ لأن ~~للمبتدأ مسوغا وهو وصفة ونظيره: # وأجل مسمى عنده # [الأنعام: 2] من حيث الجواز. # والعذاب في الأصل: الاستمرار، ثم سمي به كل استمرار ألم. # وقيل: أصله: المنع، وهذا هو الظاهر، ومنه قيل للماء: عذب؛ لأنه ~~يمنع العطش، والعذاب يمنع من الجريمة. # " عظيم " اسم فاعل من " عظم " ، نحو: كريم من " كرم " غير مذهوب به ~~مذهب الزمان، وأصله أن توصف به الأجرام، ثم قد توصف به المعاني. # وهل هو و " الكبير " بمعنى واحد أو هو فوق " الكبير "؛ لأن العظيم يقابل ~~الحقير، والكبير يقابل الصغير، والحقير دون الصغير؟ قولان. # و " فعيل " له معان كثيرة، يكون اسما وصفة، والاسم مفرد وجمع، والمفرد ~~اسم معنى، واسم عين، نحو: " قميص وظريف وصهيل وكليب جمع كلب ". # والصفة مفرد " فعلة " ك " غزي " يجمع على " غزاة " ومفرد " ~~فعلة " ك " سري " يجمع على " سراة ". # ويكون اسم فاعل من " فعل " نحو: عظيم من عظم كما تقدم. # ومبالغة في " فاعل " ، نحو " عليم من عالم ". # وبمعنى " أفعل " ك " شميط " بمعنى: " أشمط " و " مفعول " ك " ~~جريح " بمعنى: مجروح، و " مفعل " ك " سميع " بمعنى: " مسمع " ، ~~و " مفعل " ، ك " وليد " بمعنى: مولد، و " مفاعل " ، ك " ~~جليس " بمعنى: مجالس، و " مفعل " ، ك " بديع " بمعنى: ~~مبتدع، و " متفعل " ك: " سعير " بمعنى: " متسعر " ، و ~~" مستفعل " ك " مكين " بمعنى: " مستمكن ". # و " فعل " ك " رطيب " بمعنى: " رطب " ، و " فعل " ك " عجيب " ~~بمعنى: " عجب " و " فعال " ك " صحيح " بمعنى: صحاح، وبمعنى: " ~~الفاعل والمفعول " ك " صريخ " بمعنى: " صارخ ومصروخ ". # وبمعنى الواحد والجمع نحو: " خليط " ، وجمع فاعل ك " غريب " جمع غارب. # فصل في أيهما أفضل: السمع أو البصر؟ # من الناس من قال: السمع أفضل من البصر؛ لأن الله - تعالى - حيث ~~ذكرهما قدم السمع على البصر، والتقديم دليل على التفضيل، ولأن السمع ~~شرط ms0106 النبوة بخلاف البصر، ولذلك ما بعث الله رسولا أصم، وقد كان ~~فيهم الأعمى، ولأن بالسمع تصل نتائج عقول البعض إلى البعض، فالسمع ~~كأنه سبب لاستكمال العقل بالمعارف، والبصر لا يوقفك إلا على ~~المحسوسات، ولأن السمع متصرف في الجهات الست بخلاف البصر، ولأن ~~السمع متى بطل النطق، والبصر إذا بطل لم يبطل النطق. # ومنهم من قدم البصر؛ لأن آلة القوة الباصرة أشرف، ولأن متعلق القوة ~~الباصرة هو النور، ومتعلق القوة السامعة هو الريح. # فصل في ألفاظ وردت بمعنى الختم # الألفاظ الواردة في القرآن القريبة من معنى الختم هي " الطبع " و " ~~الكنان " و " الرين " على القلب، و " الوقر " في الأذن، و " الغشاوة " في ~~البصر. # واختلف الناس في هذا الختم: فالقائلون بأن أفعال العباد مخلوقة لله - ~~تعالى - فهذا الكلام على مذهبهم ظاهر، ثم لهم قولان: # منهم من قال: الختم هو خلق الكفر في قلوب الكفار. # ومنهم من قال هو خلق الداعية التي إذا انضمت إلى القدرة صار مجموع ~~القدرة معها سببا موجبا لوقوع الكفر. # وأما المعتزلة فأولوا هذه الآية، ولم يجروها على ظاهرها. # أما قوله تعالى: { لهم عذاب عظيم } أي: في الآخرة. # وقيل: الأسر والقتل في الدنيا، والعذاب الدائم في العقبى. # و " العذاب " مشتق من " العذب " وهو القطع، ومنه سمي الماء الفرات ~~عذبا، لأنه يقطع العطش. ### || [2.8] # " من الناس " خبر مقدم، و " من يقول " مبتدأ مؤخر، و " من " تحتمل أن ~~تكون موصولة، أو نكرة موصوفة أي: الذي يقول، أو فريق يقول، فالجملة على ~~الأول لا محل لها؛ لكونها صلة، وعلى الثاني محلها الرفع؛ لكونها صفة ~~للمبتدأ. # واستضعف أبو البقاء أن تكون موصولة، قال: لأن " الذي " يتناول قوما ~~بأعيانهم، والمعنى هنا على الإبهام. # وهذا منه غير مسلم؛ لأن المنقول أن الآية نزلت في قوم بأعيانهم كعبد ~~الله بن أبي ورهطه. # وقال الزمخشري: إن كانت أل للجنس كانت " من " نكرة موصوفة كقوله: # من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله # [الأحزاب: 23]. # وإن كانت للعهد كانت موصولة، وكأن قصد مناسبة الجنس للجنس، والعهد ~~للعهد، إلا أن هذا ms0107 الذي قاله غير لازم، بل يجوز أن تكون " أل " للجنس، ~~وتكون " من " موصولة، وللعهد، و " من " نكرة موصوفة. # وزعم الكسائي أنها لا تكون نكرة إلا في موضع تختص به النكرة؛ ~~كقوله: [الرمل] # 168- رب من أنضجت غيظا صدره # لو تمنى لي موتا لم يطع # وهذا الذي قاله هو الأكثر، إلا أنها قد جاءت في موضع لا تختص به ~~النكرة؛ قال: [الكامل] # 169- فكفى بنا فضلا على من غيرنا # .......................... # و " من " تكون موصولة، ونكرة موصوفة كما تقدم، وشرطية واستفهامية. # وهل تقع نكرة غير موصوفة، أو زائدة؟ فيه خلاف. واستدل الكسائي على ~~زيادتها بقول عنترة: [الكامل] # 170- يا شاة من قنص لمن حلت له # حرمت علي وليتها لم تحرم # ولا دليل فيه، لجواز أن تكون موصوفة ب " قنص " إما على المبالغة، أو ~~على حذف مضاف، وتصلح للتثنية والجمع والواحد. # فالواحد كقوله: # ومنهم من يستمع إليك # [الأنعام: 25] والجمع كقوله: # ومنهم من يستمعون إليك # [يونس: 42]، والسبب فيه أنه موحد اللفظ مجموع المعنى. و " من " في " ~~من الناس " للتبعيض، وقد زعم قوم أنها للبيان وهو غلط؛ لعدم ~~تقدم ما يتبين بها. و " الناس " اسم جمع لا واحد له من لفظه، ~~ويرادفه " أناسي " جمع إنسان أو إنسي، وهو حقيقة في الآدميين، ويطلق ~~على الجن مجازا. # واختلف النحويون في اشتقاقه: فمذهب سيبويه والفراء أن أصله همزة ونون ~~وسين، والأصل: أناس اشتقاقا من الأنس، قال: [الطويل] # 171- وما سمي الإنسان إلا لأنسه # ولا القلب إلا أنه يتقلب # لأنه أنس ب " حواء ". # وقيل: بل أنس بربه ثم حذفت الهمزة تخفيفا؛ يدل على ذلك قوله: [الكامل] # 172- إن المنايا يطلع # ن على الأناس الآمنينا # وقال آخر: [الطويل] # 173- وكل أناس قاربوا قيد فحلهم # ونحن خلعنا قيده فهو سارب # وقال آخر: [الطويل] # 174- وكل أناس سوف تدخل بينهم # دويهية تصفر منها الأنامل # وذهب الكسائي إلى أنه من " نون وواو وسين " والأصل: " نوس " فقلبت " ~~الواو " " ألفا " لتحركها، وانفتاح ما قبلها، والنوس: الحركة. # وذهب بعضهم إلى أنه من " نون وسين وياء " ، والأصل " نسي " ، ثم قلبت " ~~اللام " إلى موضع العين، فصار: ms0108 " نيس " ثم قلبت " الياء " " ألفا " لما ~~تقدم في " نوس " ، قال: سموا بذلك لنسيانهم؛ ومنه الإنسان لنسيانه؛ قال: ~~[البسيط] # 175- فإن نسيت عهودا منك سالفة # فاغفر فأول ناس أول الناس # ومثله: [الكامل] # 176- لا تنسين تلك العهود فإنما # سميت إنسانا لإنك ناسي # فوزنه على القول الأول: " عال " ، وعلى الثاني: " فعل " ، وعلى ~~الثالث: " فلع " " بالقلب ". و " يقول ": فعل مضارع، وفاعله ضمير ~~عائد على: " من ". # والقول حقيقة: اللفظ الموضوع لمعنى، ويطلق على اللفظ الدال على ~~النسبة الإسنادية، وعلى الكلام النفساني أيضا، قال تعالى: # ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما ~~نقول # [المجادلة: 8]. وتراكيبه الستة وهي: " القول " ، و " اللوق " و " الوقل ~~" ، و " القلو " ، و " اللقو " ، و " الولق " تدل على الخفة والسرعة، ~~وإن اختصت بعض هذه المواد بمعان أخر. # و " القول " أصل تعديته لواحد نحو: " قلت خطبة " ، وتحكي بعده الجمل، ~~وتكون في محل نصب مفعولا بها، إلا أن يضمن معنى الظن، فيعمل عمله ~~بشروط عند غير " بني سليم "؛ كقوله: [الرجز] # 177- متى تقول القلص الرواسما # يدنين أم قاسم وقاسما # وبغير شرط عندهم، كقوله: [الرجز] # 178- قالت وكنت رجلا فطينا # هذا لعمر الله إسرائينا # و " آمنا " فعل وفاعل، و " بالله " متعلق به، والجملة في محل نصب ~~بالقول، وكررت " الباء " في قوله: " وباليوم " ، للمعنى المتقدم في ~~قوله: # وعلى سمعهم وعلى أبصارهم # [البقرة: 7] # فإن قيل: الخبر لا بد وأن يفيد غير ما أفاد المبتدأ، ومعلوم أن الذي ~~يقول كذا هو من الناس لا من غيرهم؟ # فالجواب: أن هذا تفصيل معنوي، لأنه تقدم ذكر المؤمنين، ثم ذكر ~~الكافرين، ثم عقب بذكر المنافقين، فصار نظير التفصيل اللفظي، نحو ~~قوله: # ومن الناس من يعجبك # [البقرة: 204]، # ومن الناس من يشتري # [لقمان: 6]، فهو في قوة تفصيل الناس إلى مؤمن، وكافر، ومنافق. # وأحسن من هذا أن يقال: إن الخبر أفاد التبعيض المقصود؛ لأن ~~الناس كلهم لم يقولوا ذلك، وهم غير مؤمنين، فصار التقدير: وبعض الناس ~~يقول كيت وكيت. # واعلم أن " من " وأخواتها لها لفظ ومعنى، فلفظها مفرد مذكر، فإن أريد ~~بها غير ذلك، فلك أن تراعي لفظها مرة، ms0109 ومعناها أخرى، فتقول: جاء ~~من قام وقعدوا، والآية الكريمة كذلك روعي اللفظ أولا فقيل: " من يقول ~~" ، والمعنى ثانيا في " آمنا ". # وقال ابن عطية: حسن ذلك؛ لأن الواحد قبل الجمع في الرتبة، ولا يجوز أن ~~يرجع متكلم من لفظ جمع إلى توحيد. # فلو قلت: " ومن الناس من يقومون " وتتكلم لم يجز. # وفي عبارة ابن عطية نظر، وذلك لأنه منع من مراعاة اللفظ بعد ~~مراعاة المعنى، وذلك جائز، إلا أن مراعاة اللفظ أولا أولى، يرد ~~عليه قول الشاعر: [الخفيف] # 179- لست ممن يكع أو يستكينو # ن إذا كافحته خيل الأعادي # وقال تعالى: # ومن يؤمن بالله ويعمل # [الطلاق: 11] إلى أن قال: # خالدين # [الطلاق:11]، فراعى المعنى، ثم قال: # قد أحسن الله له رزقا # [الطلاق:11]، فراعى اللفظ بعد مراعاة المعنى، وكذا راعى المعنى في ~~قوله: " أو يستكينون " ، ثم راعى اللفظ في: " إذا كافحته " ، وهذا الحمل ~~جاز فيها في جميع أحوالها، أعني من كونها موصولة وشرطية، واستفهامية. # أما إذا كانت موصوفة فقال الشيخ أثير الدين أبو حيان: " ليس في محفوظي ~~من كلام العرب مراعاة المعنى يعني فتقول: مررت بمن محسنون لك ". # و " الآخر " صفة ل " اليوم " ، وهذا مقابل الأول، ومعنى اليوم الآخر: ~~أي عن الأوقات المحدودة. # ويجوز أن يراد به الوقت الذي لا حد له، وهو الأبد القائم الذي لا ~~انقطاع له، والمراد بالآخر: يوم القيامة. # " وما هم بمؤمنين " " ما ": نافية، ويحتمل أن تكون هي الحجازية، فترفع ~~الاسم وتنصب الخبر، فيكون " هم " اسمها، و " بمؤمنين " خبرها، و " الباء ~~" زائدة تأكيدا. # وأن تكون التميمية، فلا تعمل شيئا، فيكون " هم " مبتدأ، و " ~~بمؤمنين " الخبر، و " الباء " زائدة أيضا. # وزعم أبو علي الفارسي، وتبعه الزمخشري أن " الباء " لا تزاد في ~~خبرها إلا إذا كانت عاملة، وهذا مردود بقول الفرزدق، وهو تميمي: ~~[الطويل] # 180- لعمرك ما معن بتارك حقه # ولا منسىء معن ولا متيسر # إلا أن المختار في " ما " أن تكون حجازية؛ لأنه لما سقطت " الباء " ~~صرح بالنصب قال الله تعالى: # ما هن أمهاتهم # [المجادلة: 2] # ما هذا بشرا # [يوسف: 31]، وأكثر لغة " الحجاز ms0110 " زيادة الباء في خبرها، حتى زعم بعضهم ~~أنه لم يحفظ النصب في غير القرآن، إلا قول الشاعر: [الكامل] # 181- وأنا النذير بحرة مسودة # تصل الجيوش إليكم أقوادها # أبناؤها متكنفون أباهم # حنقو الصدور وما هم أولادها # وأتى الضمير في قوله: { وما هم بمؤمنين } جمعا اعتبارا للمعنى كما ~~تقدم في قوله: " آمنا ". # فإن قيل: لم أتي بخبر " ما " اسم فاعل غير مقيد بزمان، ولم يؤت بعدها ~~بجملة فعلية حتى يطابق قولهم: " آمنا ": فيقال: وما آمنوا؟ # فالجواب: أنه عدل عن ذلك ليفيد أن الإيمان منتف عنهم في جميع الأوقات، ~~فلو أتى به مطابقا لقولهم: " آمنا " فقال: وما آمنوا لكان يكون نفيا ~~للإيمان في الزمن الماضي فقط، والمراد النفي مطلقا أي: أنهم ليسوا ~~ملتبسين بشيء من الإيمان في وقت من الأوقات. # فصل في سبب نزول الآية # قال ابن عباس - رضي الله عنه - إنما نزلت في منافقي أهل الكتاب، ~~كعبد الله بن أبي ابن سلول ومعتب بن قشير، وجد بن قيس وأصحابهم، ~~كانوا إذا لقوا المؤمنين يظهرون الإيمان والتصديق، ويقولون: إنا لنجد ~~نعته وصفته في كتابنا، ولم يكونوا كذلك إذا خلا بعضهم إلى بعض. # فصل في حقيقة النفاق # قال ابن الخطيب: الكلام في حقيقة النفاق لا يتخلص إلا بتقسيم، وهو ~~أن أحوال القلب أربعة: # وهي أن تعتقد مستندا لدليل وهو العلم، أو تعتقد لا عن دليل لكن تقليد، ~~أو تعتقد لا عن دليل ولا تقليد وهو الجهل، أو يكون حال القلب عن هذه ~~الأحوال كلها. # وأما أحوال اللسان فثلاثة: الإقرار، والإنكار، والسكوت. # فأما الأول: وهو أن يحصل العرفان القلبي، فإما أن ينضم إليه الإقرار ~~باللسان، فإن كان الإقرار اختياريا، فصاحبه مؤمن حقا، بالاتفاق. # وإن كان اضطراريا فهذا يجب أن يعد منافقا؛ لأنه بقلبه منكر مكذب ~~لموجب الإقرار. # فإن كان منكرا بلسانه عارفا بقلبه، فهذا الإنكار إن كان اضطراريا ~~كان مسلما؛ لقوله تعالى: # إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان # [النحل: 106]، وإن كان اختياريا كان كافرا معاندا. # وإن كان عارفا بقلبه، وكان ساكتا، فهذا السكوت إن كان اضطراريا ms0111 كما ~~إذا خاف ذكره باللسان، فهو مسلم حقا، أو كما إذا عرف الله بالدليل، ثم ~~لما تمم بالنظر مات فهو مؤمن قطعا؛ لأنه أتى بما كلف به، ولم يجد ~~زمان الإقرار، فكان معذورا فيه، وإن كان السكوت اختياريا، فهذا محل ~~البحث، فميل الغزالي إلى أنه يكون مؤمنا لقوله عليه الصلاة والسلام: # " يخرج من النار من كان في قلبه ذرة من الإيمان " # وهذا قلبه مملوء من نور الإيمان، فكيف لا يخرج من النار؟ # النوع الثاني: أن يحصل في القلب الاعتقاد التقليدي، فإما أن يوجد معه ~~الإقرار باللسان، أو الإنكار أو السكوت. # فإن وجد مع التقليد الإقرار باللسان، فإن كان اختيارا فهي المسألة ~~المشهورة من أن المقلد هل هو مؤمن أم لا؟ # وإن كان اضطراريا فهذا يفرع على الصورة الأولى، فإن حكمنا في الصورة ~~الأولى بالكفر، فهاهنا لا كلام، وإن حكمنا هناك بالإيمان وجب أن يحكم ~~هاهنا بالنفاق؟ لأن في هذه الصورة لو كان القلب عارفا لكان هذا الشخص ~~منافقا، فمات يكون منافقا عند التقليد. # فإن حصل الاعتقاد والتقليد مع الإنكار اللساني، فهذا الإنكار إن كان ~~اختياريا فلا شك في الكفر، وإن كان اضطراريا، وحكمنا بإيمان ~~المقلد وجب أن نحكم بالإيمان في هذه الصورة. # فإن حصل الاعتقاد التقليدي مع السكوت اضطراريا كان أو اختياريا ~~فحكمه حكم القسم الثالث مع النوع الأول إذا حكمنا بإيمان ~~المقلد. # النوع الثالث: اعتقاد الجاهل، فإما أن يوجد معه الإقرار اللساني، ~~فذلك الإقرار إن كان اضطراريا فهو المنافق، وإن كان اختياريا مثل أن ~~يعتقد بناء على شبهة أن العالم قديم، ثم بالاختيار أقر باللسان أن ~~العالم محدث، وهذا غير مستبعد، فهذا أيضا من النفاق. # النوع الرابع: القلب الخالي عن جميع الاعتقادات، وهذا إما أن يوجد ~~معه الإقرار، أو الإنكار، أو السكوت. فإن وجد الإقرار، فإن كان الإقرار ~~اختياريا، فإن كان صاحبه في مهلة النظر لم يلزمه الكفر، لكنه فعل ما ~~لا يجوز حيث أخبر عما لا يدري هل هو صادق فيه أم لا؟ # وإن كان لا في مهلة ms0112 النظر، ففيه نظر. # وإن كان الإقرار اضطراريا لم يكفر صاحبه؛ لأن توقفه إذا كان في مهلة ~~النظر، وكان يخاف على نفسه من ترك الإقرار لم يكن عمله قبيحا. # فإن كان مع القلب الخالي الإنكار باللسان، فحكمه على العكس من حكم ~~القسم العاشر. # فإن حصل مع القلب الخالي السكوت، فهذا إن كان في مهلة النظر، فذلك ~~هو الواجب، وإن كان خارجا عن مهلة النظر وجب تكفيره، ولا يحكم عليه ~~بالنفاق ألبتة. # فصل في بيان أقبح الكفر # اختلفوا في أن كفر الكافر الأصلي أقبح أم كفر المنافق؟ # قال قوم: كفر الأصلي أقبح؛ لأنه جاهل بالقلب كاذب باللسان. # وقال آخرون: بل المنافق أيضا كاذب باللسان، فإنه يخبر عن كونه على ذلك ~~الاعتقاد مع أنه ليس عليه، ولذلك قال تعالى: # قالت الأعراب ءامنا قل لم تؤمنوا ولكن ~~قولوا أسلمنا # [الحجرات: 14]، وقال تعالى: # والله يشهد إن المنافقين لكاذبون # [المنافقون: 1] ثم إن المنافق اختص بمزيد أمور منكرة: # أحدها: أنه قصد التلبيس، والكافر الأصلي ما قصد ذلك. # وثانيها: أن الكافر على طبع الرجال، والمنافق على طبع الخنوثة. # وثالثها: أن الكافر ما رضي لنفسه بالكذب، ولم يرض إلا بالصدق، ~~والمنافق رضي بذلك. # ورابعها: أن المنافق ضم إلى كفره الاستهزاء، بخلاف الكافر الأصلي، ~~ولأجل غلظ كفره قال تعالى: # إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار # [النساء: 145]. # وخامسها: قال كجاهد: إنه - تعالى - ابتدأ بذكر المؤمنين في أربع آيات، ~~ثم ثنى بذكر الكفار في آيتين، ثم ثلث بذكر المنافقين في ثلاث عشرة آية، ~~وذلك يدل على أن المنافق أعظم جرما، وفي هذا نظر [لأن كثرة ~~الاقتصاص بخبرهم لا توجب كون جرمهم أعظم] لأنه قد يكون عظم جرمهم لضمهم ~~إلى الكفر وجوها من المعاصي، كالمخادعة والاستهزاء، وطلب الغوائل ~~وغير ذلك، ويمكن أن يجاب بأن كثرة الاقتصاص بخبرهم تدل على أن ~~الاهتمام بدفع شرهم أشد من الاهتمام بدفع شر الكفار، وذلك يدل ~~على أنهم أعظم جرما من الكفار، والله أعلم. # فصل في ادعائهم الإيمان بالله واليوم الآخر # ذكر ابن الخطيب هنا سؤالا وهو: ms0113 أن المنافقين كانوا مؤمنين بالله، ~~واليوم الآخر، ولكنهم كانوا منكرين نبوة محمد - عليه الصلاة والسلام - ~~فلم كذبوا في ادعائهم الإيمان بالله، واليوم الآخر؟ # وأجاب فقال: إن حملنا الآية على منافقي المشركين فلا إشكال؛ لأن ~~أكثرهم كانوا جاهلين بالله، ومنكرين البعث والنشور. # وإن حملناها على منافقي أهل الكتاب - وهم اليهود - فإنما كذبهم الله - ~~تعالى - لأن إيمان اليهود بالله ليس بإيمان؛ لأنهم يعتقدونه جسما، ~~وقالوا: عزير ابن الله، وكذلك إيمانهم باليوم الآخر ليس بإيمان، فلما ~~قالوا: آمنا بالله كان خبثهم فيه مضاعفا؛ لأنهم كانوا بقلوبهم يؤمنون ~~به على ذلك الوجه الباطل، وباللسان يوهمون المسلمين بقولهم: إنا آمنا ~~بالله مثل إيمانكم، فلهذا كذبهم الله - تعالى - فيه. ### || [2.9-10] # قوله: " يخادعون " هذه الجملة الفعلية يحتمل أن تكون مستأنفة جوابا ~~لسؤال مقدر هو: ما بالهم قالوا: آمنا وما هم بؤمنين؟ # فقيل: يخادعون الله، ويحتمل أن تكون بدلا من الجملة الواقعة صلة ل " ~~من " وهي " يقول " ، ويكون هذا من بدل الاشتمال؛ لأن قولهم كذا مشتمل ~~على الخداع، فهو نظير قوله: [الرجز] # 182- إن علي الله أن تبايعا # تؤخذ كرها أو تجيء طائعا # وقول الآخر: [الطويل] # 183- متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا # تجد حطبا جزلا ونارا تأججا # ف " تؤخذ " بدل اشتمال من " تبايع " ، وكذا " تلمم " بدل من " ~~تأتنا ". وعلى هذين القولين، فلا محل لهذه الجملة من الإعراب. # والجمل التي لا محل لها من الإعراب أربع لا تزيد على ذلك - وإن توهم ~~بعضهم ذلك - وهي: المبتدأ والصلة والمعترضة والمفسرة، وسيأتي ~~تفسيرها في مواضعها. # ويحتمل أن تكون هذه الجملة حالا من الضمير المستكن في [ " يقول " ~~تقديره: ومن الناس من يقول حال كونهم مخادعين. # وأجاز أبو البقاء أن يكون حالا من الضمير المستكن] في " بمؤمنين " ، ~~والعامل فيها اسم الفاعل. # وقد رد عليه بعضهم بما معناه: أن هذه الآية الكريمة نظير: " ما زيد ~~أقبل ضاحكا " ، قال: وللعرب في مثل هذا التركيب طريقان: # أحدهما: نفي القيد وحده، وإثبات أصل الفعل، وهذا هو الأكثر، والمعنى: أن ~~الإقبال ثابت، والضحك منتف، وهذا المعنى لا يتصور إرادته ms0114 في الآية، ~~أعني: نفي الخداع، وثبوت الإيمان. # الطريق الثاني: أن ينتفي القيد، فينتفي العامل فيه، فكأنه قيل في ~~المثال السابق: لم يقبل، ولم يضحك، وهذا المعنى - أيضا - غير مراد ~~بالآية الكريمة قطعا، أعني: نفي الإيمان والخداع معا، بل المعنى على ~~نفي الإيمان، وثبوت الخداع، ففسد جعلها حالا من الضمير في " بمؤمنين ~~". # والعجب من أبي البقاء كيف استشعر هذا الإشكال، فمنع من جعل هذه ~~الجملة في محل جر صفة ل " مؤمنين "؟ قال: لأن ذلك يوجب نفي خداعهم، ~~والمعنى على إثبات الخداع، ثم جعلها حالا من ضمير " بمؤمنين " ، ولا فرق ~~بين الحال والصفة في هذا. # و " الخداع " أصله: الإخفاء، ومنه الأخدعان: عرقان مستبطنان ~~في العنق، ومنه مخدع البيت، وخدع الضب خدعا: إذا توارى في ~~جحره، وطريق خادع وخديع: إذا كان مخالفا للمقصد، بحيث لا يفطن له؛ ~~فمعنى يخادع: أي يوهم صاحبه خلاف ما يريد به المكروه. # وقيل: هو الفساد أي يفسدون ما أظهروا من الإيمان بما أضمروا من ~~الكفر قال الشاعر: [الرمل] # 184- أبيض اللون لذيذ طعمه # طيب الريق إذا الريق خدع # أي: فسد. # ومعنى " يخادعون الله " أي: من حيث الصورة لا من حيث المعنى. # وقيل: لعدم عرفانهم بالله - تعالى - وصفاته ظنوه ممن يخادع. # وقال الزمخشري: إن اسم الله - تعالى - مقحم، والمعنى: يخادعون ~~الذين آمنوا، ويكون من باب: أعجبني زيد وكرمه. والمعنى: أعجبني كرم زيد، ~~وإنما ذكر " زيد " توطئة لذكر كرمه. # وجعل ذلك نظير قوله تعالى: # والله ورسوله أحق أن يرضوه # [التوبة: 62]، # إن الذين يؤذون الله ورسوله # [الأحزاب: 57]، وهذا منه غير مرض؛ لأنه إذا صح نسبة مخادعتهم إلى ~~الله - تعالى - بالأوجه المتقدمة، فلا ضرورة تدعو إلى ادعاء زيادة اسم ~~الله تعالى. # وأما " أعجبني زيد وكرمه " ، فإن الإعجاب أسند إلى " زيد " بجملته، ثم ~~عطف عليه بعض صفاته تمييزا لهذه الصفة من بين سائر الصفات للشرف، فصار ~~من حيث المعنى نظيرا لقوله تعالى: # وملائكته ورسله وجبريل وميكل # [البقرة: 98]. # والمصدر " الخدع " بكسر الخاء، ومثله: الخديعة. # و " فاعل " له معان خمسة: # المشاركة المعنوية نحو: ضارب زيد عمرا. ms0115 # وموافقة المجرد نحو: " جاوزت زيدا " أي: جزته. # وموافقة " أفعل " متعديا نحو: " باعدت زيدا وأبعدته ". والإغناء عن " ~~أفعل " نحو: " واريت الشيء ". # وعن المجرد نحو: سافرت وقاسيت وعاقبت، والآية " فاعل " فيها يحتمل ~~المعنيين الأولين. # أما المشاركة فالمخادعة منهم الله - تعالى - تقدم معناها، ومخادعة ~~الله إياهم من حيث إنه أجرى عليهم أحكام المسلمين في الدنيا، ~~ومخادعة المؤمنين لهم كونهم امتثلوا أمر الله - تعالى - فيهم، وأما ~~كونه بمعنى المجرد، فيبينه قراءة ابن مسعود وأبي حيوة " ~~يخدعون ". وقرأ أبو عمرو والحرميان " وما يخادعون " كالأولى، ~~والباقون " وما يخدعون " ، فيحتمل أن تكونا القراءتان بمعنى واحد، ~~أي: يكون " فاعل " بمعنى " فعل " ، ويحتمل أن تكون المفاعلة على ~~بابها، أعني صدورها من اثنين، فهم يخادعون أنفسهم، حيث يمنونها ~~الأباطيل، وأنفسهم تخادعهم تمنيهم ذلك، فكأنها محاورة بين اثنين، ~~ويكون هذا قريبا من قول الآخر: [المنسرح] # 185- لم تدر ما لا؟ ولست قائلها # عمرك ما عشت آخر الأبد # ولم تؤامر نفسيك ممتريا # فيها وفي أختها ولم تلد # وقال آخر: [الطويل] # 186- يؤامر نفسيه وفي العيش فسحة # أيستوقع الذوبان أم لا يطورها # قال الزمخشري: الاقتصار ب " خادعت " على وجهه أن يقال: عني به " فعلت ~~" ، إلا أنه على وزن " فاعلت " ، لأن الزنة في أصلها للمغالبة، ~~والفعل متى غولب فيه جاء أبلغ وأحكم منه إذا زاوله وحده من غير مغالب ~~لزيادة قوة الداعي إليه، ويعضده قراءة أبي حيوة المتقدمة. # وقرىء: " وما يخدعون " ، ويخدعون من خدع مشددا. # و " يخدعون " بفتح الياء والتشديد؛ الأصل يختدعون، فأدغم. # وقرىء: " وما يخدعون " ، " ويخادعون " على لفظ ما لم يسم ~~فاعله، وتخريجها على أن الأصل " وما يخدعون إلا عن أنفسهم " ~~فلما حذف الجر انتصب على حد: [الوافر] # 187- تمرون الديار فلم تعوجوا # ............................ # " إلا أنفسهم " " إلا " في الأصل حرف استثناء و " أنفسهم " مفعول به، ~~وهذا استثناء مفرغ، وهو: عبارة عما افتقر فيه ما قبل " إلا " لما بعدها، ~~ألا ترى أن " يخادعون " يفتقر إلى مفعول؟ ومثله: " ما قام إلا زيد " ، ف ~~" قام " يفتقر إلى فاعل، والتام بخلافه، أي: ما لم يفتقر فيه ما قيل " ~~إلا " لما بعدها، ms0116 نحو: قام القوم إلا زيدا، وضربت القوم إلا بكرا، ~~فقام قد أخذ فاعله، وضربت أخذ مفعوله، وشرط الاستثناء المفرغ أن يكون ~~بعد نفي، أو شبهة كالاستفهام والنهي. # وأن قولهم: قرأت إلا يوم كذا، فالمعنى على نفي مؤول تقديره: ما تركت ~~القراءة إلا يوما، هذا ومثله: # ويأبى الله إلا أن يتم نوره # [التوبة: 32] و # وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين # [البقرة: 45]. # وللاستثناء أحكام كثيرة تأتي مفصلة في مواضعها إن شاء الله تعالى. # والنفس: هنا ذات الشيء وحقيقته، ولا تختص بالأجسام لقوله تعالى: # تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك # [المائدة: 116]، " وما يشعرون " هذه الجملة الفعلية يحتمل إلا ~~يكون لها محل من الإعراب؛ لأنها استئناف، وأن يكون لها محل، وهو النصب ~~على الحال من فاعل " يخدعون " والمعنى: وما يرجع وبال خداعهم إلا على ~~أنفسهم غير شاعرين بذلك، ومفعول " يشعرون " محذوف للعلم به، تقديره: وما ~~يشعرون أن وبال خداعهم راجع على أنفسهم، واطلاع الله عليهم. # والأحسن ألا يقدر مفعول؛ لأن الغرض نفي الشعور عنه ألبتة من غير نظر ~~إلى متعلقه، والأول يسمى حذف الاختصار، ومعناه: حذف الشيء بدليل. # والثاني يسمى حذف الاقتصار، وهو حذف الشيء لا لدليل. # والشعور: إدراك الشيء من وجه يدق، وهو مشتق من الشعر لدقته. # وقيل: هو الإدراك بالحاسة مشتق من الشعار، وهو ثوب يلي الجسد، ~~ومنه مشاعر الإنسان أي: حواسه الخمسة التي يشعر بها. # فصل في حد الخديعة # اعلم أن الخديعة مذمومة. # قال ابن الخطيب: " وحدها هي إظهار ما يوهم السلامة والسداد، ~~وإبطال ما يقتضي الإضرار بالغير، أو التخلص منه، فهو بمنزلة النفاق ~~في الكفر والرياء في الأفعال الحسنة، وكل ذلك بخلاف ما يقتضيه الدين؛ ~~لأن الدين يوجب الاستقامة والعدول عن الغرور والإساءة، كما يوجب ~~المخالصة في العبادة ". # فصل في امتناع مخادعة الله تعالى # مخادعة الله - تعالى - ممتنعة من وجهين: # أحدهما: أنه يعلم الضمائر والسرائر، فلا يصح أن يخادع. # والثاني: أن المنافقين لم يعتقدوا أن الله بعث الرسول إليهم، فلم يكن ~~قصدهم في نفاقهم مخادعة الله، فثبت أنه ms0117 لا يمكن إجراء هذا اللفظ على ~~ظاهره، فلا بد من التأويل، وهو من وجهين: # الأول: أنه - تعالى - ذكر نفسه، وأراد به الرسول على عادته في ~~تفخيم أمره، وتعظيم شأنه. # قال: # إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله # [الفتح: 10]. # والمنافقون لما خادعوا [الله ورسوله] قيل: إنهم يخادعون الله. # الثاني: أن يقال: صورة حالهم مع الله حيث يظهرون الإيمان وهم كافرون ~~صورة من يخادع، وصورة صنع الله معهم حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين ~~عليهم وهم عنده من الكفرة صورة صنع الخادع، وكذلك صورة صنع المؤمنين ~~معهم حيث امتثلوا أمر الله فيهم، فأجروا أحكامه عليهم. # فصل في بيان الغرض من الخداع في الآية # الغرض من ذلك الخداع وجوه: # الأول: أنهم ظنوا أن النبي - عليه الصلاة والسلام - وأصحابه يجرونهم في ~~التعظيم والإكرام مجرى سائر المؤمنين إذا أظهروا لهم الإيمان. # الثاني: يجوز أن يكون مرادهم إفشاء النبي - عليه الصلاة والسلام - ~~أسراره، والاطلاع على أسرار المؤمنين، فينقلونها إلى الكفار. # الثالث: أنهم دفعوا عن أنفسهم أحكام الكفار، كالقتل وغيره. # الرابع: أنهم كانوا يطمعون في أموال الغنائم. # فإن قيل: فالله تعالى كان قادرا على أن يوحي إلى نبيه كيفية ~~مكرهم وخداعهم، فلم لم يفعل ذلك هتكا لسترهم؟ # قلنا: هو قادر على استئصال " إبليس " وذريته ولكنه - تعالى - أبقاهم ~~وقواهم، إما لأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، أو لحكمة لا يطلع عليها ~~إلا هو. # وقوله: { وما يخدعون إلا أنفسهم } فيه وجهان: # الأول: أنه - تعالى - يجازيهم على ذلك، ويعاقبهم عليه، فلا يكونون في ~~الحقيقة خادعين إلا أنفسهم. # والثاني: ما ذكره أكثر المفسرين، وهو أن وبال ذلك راجع إليهم في ~~الدنيا؛ لأن الله - تعالى - كان يدفع ضرر خداعهم عن المؤمنين ويصرفه ~~إليهم، وهو كقوله: # إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم # [النساء: 142] ونظائره. # " في قلوبهم مرض " الجار والمجرور خبر مقدم واجب التقديم لما تقدم ~~ذكره في قوله تعالى: # وعلى أبصارهم غشوة # [البقرة: 7]. والمشهور تحريك الراء من " مرض ". # وروى الأصمعي عن أبي عمرو سكونها، وهما لغتان في مصدر مرض ~~يمرض. # " والمرض ": الفتور. # وقيل: الفساد. ms0118 # وقيل: صفة توجب وقوع الخلل في الأفعال الصادرة عن الفاعل، ويطلق على ~~الظلمة؛ وأنشدوا: [البسيط] # 188- في ليلة مرضت من كل ناحية # فما يحس به نجم ولا قمر # أي: لظلمتها، ويجوز أن يكون أراد ب " مرضت " فسدت، ثم بين جهة ~~الفساد بالظلمة. # قوله: { فزادهم الله مرضا }. # هذه جملة فعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، متسببة عنها، بمعنى ~~أن سبب الزيادة حصول المرض في قلوبهم، إذ المراد بالمرض هنا الغل ~~والحسد لظهور دين الله تعالى. # و " زاد " يستعمل لازما ومتعديا لاثنين ثانيهما غير الأول ك " ~~أعطى وكسا " ، فيجوز حذف مفعوليه، وأحدهما اختصارا واقتصارا، ~~تقول: " زاد المال " فهذا لازم، و " زدت زيدا أجرا " ومنه: # وزدنهم هدى # [الكهف: 13]، { فزادهم الله مرضا } [البقرة: 10] و " زدت ~~زيدا " ولا تذكر ما زدته، و " زدت مالا " ولا تذكر من زدته. # وألف " زاد " منقلبة عن ياء؛ لقولهم: " يزيد ". # وقرأ ابن عامر وحمزة: " فزادهم " بالإمالة. # وزاد حمزة إمالة " زاد " حيث وقع، و # زاغ # [النجم: 17] # وخاب # [إبراهيم: 15]، و # طاب # [النساء: 13]، و " حاق " [الأنعام: 10]، والآخرون لا يميلونها. # فصل في أوجه ورود لفظ المرض # ورد لفظ " المرض " على أربعة أوجه: # الأول: الشك كهذه الآية. # الثاني: الزنا قال تعالى: # فيطمع الذي في قلبه مرض # [الأحزاب: 32]. # الثالث: الحرج قال تعالى: # أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم # [النساء: 102]. # الرابع: المرض بعينه. # قوله: { ولهم عذاب أليم } نظيره قوله تعالى: # ولهم عذاب عظيم # [البقرة: 7] وقد تقدم. و " أليم " هنا بمعنى: مؤلم، كقوله: [الوافر] # 189- ونرفع من صدور شمردلات # يصك وجوهها وهج أليم # ويجمع على " فعلاء " ك: " شريف وشرفاء " ، و " أفعال " مثل: " ~~شريف وأشراف " ، ويجوز أن يكون " فعيل ": هنا للمبالغة محولا من " ~~فعل " بكسر العين، وعلى هذا تكون نسبة الألم إلى العذاب مجازا، ~~لأن الألم حل بمن وقع به العذاب لا بالعذاب، فهو نظير قولهم: " شعر ~~شاعر ". # و { بما كانوا يكذبون } متعلق بالاستقرار المقدر في " لهم " ~~، أي: استقر لهم عذاب أليم بسبب تكذيبهم. # و " ما " يجوز أن تكون مصدرية، أي: بكونهم يكذبون، وهذا على القول بأن ~~ل " كان " مصدرا، وهو ms0119 الصحيح عند بعضهم للتصريح به في قول الشاعر: ~~[الطويل] # 190- ببذل وحلم ساد في قومه الفتى # وكونك إياه عليك يسير # فقد صرح بالكون، ولا جائز أن يكون مصدر " كان " التامة لنصبه الخبر ~~بعدها، وهو " إياه " على أن للنظر في هذا البيت مجالا ليس هذا موضعه. # وعلى القول بأن لها مصدرا لا يجوز التصريح به معها، لا تقول: " كان زيد ~~قائما كونا " ، قالوا: لأن الخبر كالعوض من المصدر، ولا يجمع بين العوض ~~والمعوض منه، وحينئذ فلا حاجة إلى ضمير عائد على " ما "؛ لأنها ~~حرف مصدري على الصحيح، خلافا للأخفش وابن السراج في جعل المصدرية ~~اسما. # ويجوز أن تكون " ما " بمعنى " الذي " ، وحينئذ فلا بد من تقدير عائد ~~أي: بالذي كانوا يكذبونه، وجاز حذف العائد لاستكمال الشروط، وهو ~~كونه منصوبا متصلا بفعل، وليس ثم عائد آخر. # وزعم أبو البقاء أن كون " ما " موصولة اسمية هو الأظهر، قال: لأن ~~الهاء المقدرة عائدة على " الذي " لا على المصدر. وهذا الذي قاله ~~غير لازم، إذ لقائل أن يقول: لا نسلم أنه لا بد من هاء مقدرة حتى ~~يلزم جعل " ما " اسمية، بل من قرأ { يكذبون } مخففا فهو عنده غير ~~متعد لمفعول، ومن قرأه مشددا فالمفعول محذوف لفهم المعنى أي: بما ~~كانوا يكذبون الرسول والقرآن، أو يكون المشدد بمعنى المخفف، وقرأ ~~الكوفيون: { يكذبون } بالفتح والتخفيف، والباقون بالضم ~~والتشديد. # و " يكذبون " مضارع " كذب " بالتشديد، وله معان كثيرة: الرمي ~~بكذا، ومنه الآية الكريمة والتعدية نحو: " فرحت زيدا ". # والتكثير نحو: " قطعت الأثواب ". # والجعل على صفة نحو: " قطرته " أي: جعلته مقطرا؛ ومنه: [السريع] # 191- قد علمت سلمى وجاراتها # ما قطر الفارس إلا أنا # والتسمية نحو: " فسقته " أي: سميته فاسقا # والدعاء له نحو: " سقيته " أي قلت له: " سقاك الله ". # أو الدعاء عليه نحو: " عقرته " أي قلت: عقرا لك. # والإقامة على الشي نحو: " مرضته " والإزالة نحو: " قذيت عينه " ~~أي: أزلت قذاها. # والتوجه نحو: " شرق وغرب " ، أي: توجه نحو الشرق والغرب. # واختصار الحكاية نحو: " أمن " قال: آمين. # وموافقة " تفعل " و " فعل " مخففا نحو: ولى بمعنى ms0120 تولى، ~~وقدر بمعنى قدر، والإغناء عن " تفعل " و " فعل " مخففا ~~نحو " حمر " أي تكلم بلغة " حمير " ، قالوا: " من دخل ظفار ~~حمر وعرد في القتال " هو بمعنى عرد مخففا، وإن لم يلفظ به. # و " الكذب " اختلف الناس فيه، فقائل: هو الإخبار عن الشيء بخير ما هو ~~عليه ذهنا وخارجا، وقيل: بغير ما هو عليه في الخارج، سواء وافق اعتقاد ~~المتكلم أم لا. # وقيل: الإخبار عنه اعتقاد المتكلم سواء وافق ما في الخارج أم لا، ~~والصدق نقيضه. # فصل في معنى الآية # قال المفسرون: { في قلوبهم مرض } شك ونفاق { فزادهم ~~الله مرضا }؛ لأن الآيات كانت تنزل آية بعد آية، كلما كفروا ~~بآية ازدادوا كفرا ونفاقا، وذلك معنى قوله: # فزادتهم رجسا إلى رجسهم # [التوبة: 125] والسورة لم تفعل ذلك، ولكنهم ازدادوا رجسا عند نزولها ~~حين كفروا بها قبل ذلك، وهو كقوله تعالى: # فلم يزدهم دعآئي إلا فرارا # [نوح: 6] والدعاء لم يفعل شيئا من هذا، ولكنهم ازدادوا فرارا عنده، ~~وقال: # فلما جآءهم نذير ما زادهم إلا نفورا # [فاطر: 42]. # قالت المعتزلة: لو كان المراد من المرض - هاهنا - الكفر والجهل لكان ~~قوله: { فزادهم الله مرضا } محمولا على الكفر والجهل، ~~فيلزم أن يكون الله - تعالى - فاعلا للكفر والجهل. # قالت المعتزلة: ولا يجوز أن يكون الله - تعالى - فاعلا للكفر والجهل ~~لوجوه: # أحدها: أن الكفار كانوا في غاية الحرص على الطعن في القرآن، فلو ~~كان المعنى ذلك لقالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم: إذا فعل الله الكفر ~~فينا، فكيف تأمرنا بالإيمان؟ # وثانيها: أنه - تعالى - ذكر هذه الآيات في معرض الذم لهم على ~~كفرهم، فكيف يذمهم على شيء خلقه الله فيهم. # وثالثها: قوله: { ولهم عذاب أليم } فإن كان الله خلق ذلك فيهم ~~كما خلق لونهم وطولهم، فأي ذنب لهم حتى يعذبهم؟ # ورابعها: أنه - تعالى - أضافه إليهم بقوله: { بما كانوا ~~يكذبون } وبأنهم يفسدون في الأرض، وأنهم هم السفهاء، وأنهم إذا ~~خلوا إلى شياطينهم قالوا: إنا معكم، وإذا ثبت هذا فلا بد من التأويل، ~~وهو من وجوه: # الأول: يحمل المرض على الغم، لأنه يقال: ms0121 مرض قلبي من أمر كذا، ~~والمعنى: أن المنافقين مرضت قلوبهم لما رأوا إثبات أمر النبي - عليه أفضل ~~الصلاة والسلام -، واستعلاء شأنه يوما فيوما، وذلك يؤدي إلى زوال ~~رياستهم، كما روي أنه - عليه الصلاة والسلام - مر بعبد الله بن أبي ~~على حمار، فقال له: نح حمارك يا محمد فقد آذانا ريحه، فقال ~~له بعض الأنصار، اعذره يا رسول الله، فإنه كان مؤملا أن نتوجه ~~الرياسة قبل أن تقدم علينا، فهؤلاء لما اشتد عليهم الغم وصفهم ~~الله بذلك فقال: { فزادهم الله مرضا } أي: زادهم غما على ~~غمهم. # وثانيها: المراد من زيادة المرض زيادة منع الألطاف فيكون بسبب ذلك ~~المنع خاذلا لهم. # الثالث: أن العرب تصف فتور النظر بالمرض يقولون: جارية مريضة ~~الطرف. # قال جرير: [البسيط] # 192- إن العيون التي في طرفها # مرض قتلننا ثم لم يحيين قتلانا # فكذا المرض هاهنا إنما هو الفتور في النية؛ لأن قلوبهم كانت قوية على ~~المحاربة، والمنازعة، والمخاصمة، ثم انكسرت شوكتهم، فأخذوا في ~~النفاق بسبب ذلك الخوف، والانكسار، فقال تعالى: { فزادهم الله ~~مرضا } أي: زادهم الانكسار والجبن والضعف، وحقق الله ذلك ~~بقوله: # وقذف في قلوبهم الرعب # [الأحزاب: 26] # الرابع: أن يحمل المرض على ألم القلب؛ لأن المبتلى بالحسد ~~والنفاق، ومشاهدة ما يكره ربما صار ذلك سببا لتغيير مزاجه، ~~وتألم قلبه، وحمل اللفظ على هذا الوجه حمل له على حقيقته، ~~فكان أولى. # وقوله: { ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون } صريح ~~أن كذبهم علة للعذاب الأليم، وذلك يقتضي أن يكون كل كذب حراما. # فأما ما يروى عن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - أنه كذب ثلاث كذبات، ~~فالمراد التعريض، ولكن لما كانت صورته الكذب سمي بذلك. # والمراد بكذبهم قولهم: آمنا بالله وباليوم الآخر، وهم غير مؤمنين. ### || [2.11-12] # " إذا " ظرف زمان مستقبل ويلزمها معنى الشرط غالبا، ولا تكون إلا في ~~الأمر المحقق، أو المرجح وقوعه، فلذلك لم تجزم إلا في شعر؛ لمخالفتها ~~أدوات الشرط؛ فإنها للأمر المحتمل، فمن الجزم قوله: [البسيط] # 193- ترفع لي خندف والله يرفع لي # نارا إذا خمدت نيرانهم تقد # وقال آخر: ms0122 [الكامل] # 194- واستغن ما أغناك ربك بالغنى # وإذا تصبك خصاصة فتجمل # وقال الآخر: [الطويل] # 195- إذا قصرت أسيافنا كان وصلها # خطانا إلى أعدائنا فنضارب # فقوله: " فنضارب " مجزوم لعطفه على محل قوله " كان وصلها ". # وقال الفرزدق: [الطويل] # 196- فقام أبو ليلى إليه ابن ظالم # وكان إذا ما يسلل السيف يضرب # وقد تكون للزمن الماضي ك: " إذ " كما قد تكون " إذ " للمستقبل ك " إذا ~~". # فمن مجيء " إذا " ظرفا لما مضى من الزمان واقعة موقع " إذ " قوله ~~تعالى: # ولا على الذين إذا مآ أتوك لتحملهم قلت لا ~~أجد # [التوبة: 92]، وقوله: # وإذا رأوا تجرة أو لهوا انفضوا إليها # [الجمعة: 11]، قال به ابن مالك، وبعض النحويين. # ومن مجيء " إذ " ظرفا لما يستقبل من الزمان قوله تعالى: # فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم # [غافر: 70-71]. # وتكون للمفاجأة أيضا، وهل هي حينئذ باقية على زمانيتها، أو صارت ظرف ~~مكان أو حرفا؟ # ثلاثة أقوال: أصحها الأول استصحابا للحال، وهل تتصرف أم لا؟ # الظاهر عدم تصرفها، واستدل من زعم تصرفها بقوله تعالى في قراءة من قرأ: # إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة خافضة ~~رافعة إذا رجت الأرض رجا # [الواقعة: 1-4] بنصب " خافضة رافعة " ، فجعل " إذا " الأولى مبتدأ، ~~والثانية خبرها. # والتقدير: وقت وقوع الواقعة رج الأرض، وبقوله: # حتى إذا جآءوها # [الزمر: 71]، و # حتى إذا كنتم # [يونس: 22] فجعل " حتى " حرف جر، و " إذا " مجرورة بها، وسيأتي تحقيق ~~ذلك في مواضعه. ولا تضاف إلا الجمل الفعلية خلافا للأخفش. # وقوله: " قيل " فعل ماض مبني للمفعول، وأصله: " قول " ك: " ضرب " ، ~~فاستثقلت الكسرة على " الواو " ، فنقلت إلى " القاف " بعد سلب حركتها، ~~فسكنت " الواو " بعد كسرة، فقلبت " ياء " ، وهذه أفصح اللغات، وفيه لغة ~~ثانية، وهي الإشمام، والإشمام عبارة عن جعل الضمة بين الضم والكسر. # ولغة ثالثة وهي: إخلاص الضم، نحو: " قول وبوع " ، قال الشاعر: ~~[الرجز] # 197- ليت وهل ينفع شيئا ليت # ليت شبابا بوع فاشتريت # وقال الآخر: [الرجز] # 198- حوكت على نولين إذ تحاك # تختبط الشوك ولا تشاك # وقال الأخفش: " ويجوز " قيل " بضم القاء والياء " ، يعني مع الياء؛ ~~لأن الياء تضم ms0123 أيضا. # وتجيء هذه اللغات الثلاث في " اختار " و " انقاد " ، و " رد " و " حب ~~" ونحوها، فتقول: " اختير " بالكسر، والإشمام، و " اختور " ، وكذلك: " ~~انقيد " ، و " انقود " ، و " رد " ، و " رد " ، وأنشدوا: [الطويل] # 199- وما حل من جهل حبا حلمائنا # ولا قائل المعروف فينا يعنف # بكسر حاء " حل ". # وقرىء: " ولو ردوا " [الأنعام: 28] بكسر الراء. # والقاعدة فيما لم يسم فاعله أن يضم أول الفعل مطلقا؛ فإن كان ماضيا ~~كسر ما قبل آخره لفظا نحو: " ضرب " ، أو تقديرا نحو: " قيل " ، و " ~~اختير ". # وقد يضم ثاني الماضي أيضا إذا افتتح بتاء مطاوعة نحو: " تدحرج ~~الحجر " ، وثالثه إن افتتح بهمزة وصل نحو: " انطلق بزيد " واعلم أن ~~شرط جواز اللغات الثلاث في " قيل " ، و " غيض " ، ونحوهما ألا يلتبس، فإن ~~التبس عمل بمقتضى عدم اللبس، هكذا قال بعضهم، وإن كان سيبويه قد أطلق ~~جواز ذلك، وأشم الكسائي: # قيل # [البقرة: 11]، # وغيض # [هود: 44]، # وجاىء # [الزمر: 69]، # وحيل # [سبأ:54] # وسيق الذين # [الزمر: 71] و # سيء بهم # [هود: 77]، و # سيئت وجوه # [الملك: 27]، وافقه هشام في الجميع، وابن ذكوان في " حيل " وما بعدها، ~~ونافع في " سيء " و " سيئت " ، والباقون بإخلاص الكسر في الجميع. # والإشمام له معان أربعة في اصطلاح القراء سيأتي ذلك في قوله: # لا تأمنا # [يوسف: 11] إن شاء الله تعالى. # و " لهم " جار ومجرور متعلق ب " قيل " ، و " اللام " للتبليغ، و " ~~لا " حرف نهي يجزم فعلا واحدا، و " تفسدوا " مجزوم بها، وعلامة جزمه ~~حذف النون؛ لأنه من الأمثلة الخمسة. # و " في الأرض " متعلق به، والقائم مقام الفاعل هو الجملة من قوله: ~~" لا تفسدوا " لأنه هو القول في المعنى، واختاره الزمخشري. # والتقدير: وإذا قيل لهم هذا الكلام، أو هذا اللفظ، فهو من باب الإسناد ~~اللفظي. # وقيل: القائم مقام الفاعل مضمر، تقديره: وإذا قيل لهم هو، ويفسر هذا ~~المضمر سياق الكلام كما فسره في قوله: # حتى توارت بالحجاب # [ص: 32]. # والمعنى: " وإذا قيل لهم قول سديد " فأضمر هذا القول الموصوف، وجاءت ~~الجملة بعده مفسرة، فلا موضع لها من الإعراب، فإذا أمكن الإسناد المعنوي ~~لم يعدل إلى اللفظي، وقد أمكن ms0124 ذلك بما تقدم. وهذا القول سبقه إليه ~~أبو البقاء، فإنه قال: " والمفعول القائم مقام الفاعل مصدر، وهو ~~القول، وأضمر لأن الجملة بعد تفسره، ولا يجزز أن يكون " لا تفسدوا " ~~قائما مقام الفاعل؛ لأن الجملة لا تكون فاعلا، فلا تقوم مقام الفاعل ". # وقد تقدم جواب ذلك من أن المعنى: وإذا قيل لهم هذا اللفظ، ولا يجوز أن ~~يكون " لهم " قائم مقام الفاعل إلا في رأي الكوفيين والأخفش، إذ يجوز ~~عندهم إقامة غير المفعول به مع وجوده. # وتلخص من هذا: # أن جملة قوله: " لا تفسدوا " في محل رفع على قول الزمخشري، ولا ~~محل لها على قول أبي البقاء ومن تبعه، والجملة من قوله: " قيل " وما ~~في حيزه في محل خفض بإضافة الظرف إليه. # والعامل في " إذا " جوابها، وهو " قالوا " ، والتقدير: قالوا: إنما نحن ~~مصلحون، وقت قول القائم لهم: لا تفسدوا. # وقال بعضهم: الذي نختاره أن الجملة التي بعدها وتليها ناصبة لها، ~~وأن ما بعده ليس في محل خفض بالإضافة؛ لأنها أداة شرط، فحكمها ~~حكم الظروف التي يجازى بها، فكما أنك إذا قلت: " متى تقم أقم " ~~كان " متى " منصوبا بفعل الشرط، فكذلك إذا قال هذا القائل. # والذي يفسد مذهب الجمهور جواز قولك: " إذا قمت فعمرو قائم " ووقوع " إذا ~~" الفجائية جوابا لها، وما بعد " الفاء ". # و " إذا " الفجائية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وهو اعتراض ظاهر. # وقوله: { إنما نحن مصلحون } " إن " حرف مكفوف ب " ما " ~~الزائدة عن العمل، ولذلك تليها الجملة مطلقا، وهي تفيد الحصر عند ~~بعضهم. # وأبعد من زعم أن " إنما " مركبة من " إن " التي للإثبات، و " ما " ~~التي للنفي، وأن بالتركيب حدث معنى يفيد الحصر. # واعلم أن " إن " وأخواتها إذا وليتها " ما " الزائدة بطل عملها، ~~وذهب اختصاصها بالأسماء كما مر، إلا " ليت " فإنه يجوز فيها ~~الوجهان سماعا، وأنشدوا قول النابعة: [البسيط] # 200- قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا # إلى حمامتنا ونصفه، فقد # برفع " الحمام " ونصبه، فأما إعمالها فلبقاء اختصاصها، وأما إهمالها ~~فلحملها على أخواتها، على أنه قد روي عن سيبويه في البيت ms0125 أنها معملة ~~على رواية الرفع أيضا، بأن تجعل " ما " موصولة بمعنى " الذي " ، كالتي ~~في قوله تعالى: # إنما صنعوا كيد ساحر # [طه: 69] و " هذا " خبر مبتدأ محذوف هو العائد، و " الحمام " نعت ~~لهذا، و " لنا " خبر ل " ليت " ، وحذف العائد وإن لم تطل الصلة. # والتقدير: ألا ليت الذي هو [هذا] الحمام كائن لنا، وهذا أولى من أن ~~يدعي إهمالها، لأن المقتضى للإعمال - وهو الاختصاص - باق. # وزعم بعضهم أن " ما " الزائدة إذا اتصلت ب " إن " وأخواتها جاز ~~الإعمال في الجميع. # و " نحن " مبتدأ، وهو ضمير مرفوع منفصل للمتكلم، ومن معه أو المعظم ~~نفسه، و " مصلحون " خبره، والجملة في محل نصب، لأنها محكية ب " قالوا ~~". # والجملة الشرطية وهي قوله: { وإذا قيل لهم } عطف على صلة " من " ~~، وهي " يقول " ، أي: ومن الناس من يقول، ومن الناس من إذا قيل لهم: ~~لا تفسدوا في الأرض قالوا: وقيل: يجوز أن تكون مستأنفة، وعلى هذين ~~القولين، فلا محل لها من الإعراب لما تقدم، ولكنها جزء كلام على القول ~~الأول، وكلام مستقل على القول الثاني، وأجاز الزمخشري وأبو البقاء أن ~~تكون معطوفة على " يكذبون " الواقع خبرا ل " كانوا " ، فيكون محلها ~~النصب. # ورد بعضهم عليهما بأن هذا الذي أجازاه على أحد وجهي " ما " من قوله: # بما كانوا يكذبون # [البقرة: 10] خطأ، وهو: أن تكون موصولة بمعنى " الذي " ، إذ لا عائد ~~فيها يعود على " ما " الموصولة، وكذلك إذا جعلت مصدرية، فإنها تفتقر ~~إلى العائد عند الأخفش، وابن السراج. والجواب عن هذا أنهما لا ~~يجيزان ذلك ألا وهما يعتقدان " ما " موصولة حرفية. # وأما مذهب الأخفش وابن السراج فلا يلزمهما القول به، ولكنه يشكل على ~~أبي البقاء وحده، فإنه يستضعف كون " ما " مصدرية كما تقدم. # فصل في أوجه ورود لفظ الفساد # ورد لفظ " الفساد " على ثلاثة أوجه: # الأول: بمعنى العصيان كهذه الآية. # الثاني: بمعنى الهلاك قال تعالى: # لو كان فيهمآ ءالهة إلا الله لفسدتا # [الأنبياء: 22] أي: أهلكتا. # الثالث: بمعنى السحر قال تعالى: # إن الله لا يصلح عمل المفسدين # [يونس: 81]. # فصل في بيان من ms0126 القائل # منهم من قال: إن ذلك القائل هو الله تعالى، ومنهم من قال: هو الرسول، ~~ومنهم من قال: بعض المؤمنين، وكل ذلك محتمل. # والأقرب أن ذلك القائل كان مشافها لهم بذلك الكلام، فإما أن يكون ~~الرسول - عليه الصلاة والسلام - بلغه عنهم النفاق، ولم يقطع بذلك، فنصحهم ~~فأجابوا بما يحق إيمانهم، وأنهم في الصلاح بمنزلة سائر المؤمنين، ~~وإما أن يكون بعض من يلقون إليه الفساد كان لا يقبله منهم، وكان ينقلب ~~واعظا لهم قائلا لهم: # لا تفسدوا في الأرض # [البقرة: 11] فإن قيل: إنما كانوا يخبرون الرسول بذلك؟ # قلنا: نعم، كانوا إذا عوقبوا عادوا إلى إظهار الإسلام، وكذبوا ~~الناقلين عنهم، وحلفوا بالله عليه كما قال - تعالى - عنهم: # يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة ~~الكفر # [التوبة: 74]. وقيل هذا الكلام لليهود. # و " الفساد " خروج الشيء عن كونه منتفعا به، ونقيضه الصلاح. # واختلفوا في ذلك الفساد فقال ابن عباس والحسن وقتادة والسدي: ~~الفساد في الأرض إظهار معصية الله تعالى. # قال القفال - رحمه الله -: وتقريره أن الشرائع سنن موضوعة بين ~~العباد، فإذا تمسكوا بها زال العدوان، ولزم كل أحد شأنه، وحقنت ~~الدماء، وسكنت الفتن، فكان فيه صلاح الأرض، وصلاح أهلها، وإذا تركوا ~~التمسك بالشرائع، وأقدم كل واحد على ما يهواه، وقع الهرج ~~والمرج والاضطراب، ووقع الفساد في الأرض. # وقيل: الفساد هو مداراة المنافقين للكافرين، ومخالطتهم معهم؛ لأنهم ~~إذا مالوا إلى الكفر مع أنهم في الظاهر مؤمنون أوهم ذلك ضعف ~~الرسول وضعف أنصاره، فكان ذلك يجري للكفار على إظهار عداوة الرسول، ~~ونصب الحروب له. # وقال الأصم: كانوا يدعون في السر إلى تكذيبه، وجحد الإسلام، وإلقاء ~~الشبهات، وتفريق بين الناس عن الإيمان. # فصل في مراد المنافقين بالإصلاح # قوله: { قالوا إنما نحن مصلحون } هم المنافقون، لأن ~~مرادهم بهذا الكلام نقيض ما نهوا عنه، وهو الإفساد في الأرض؛ فقولهم: ~~إنما نحن مصلحون كالمقابل له، وفي هذا احتمالان. # أحدهما: أنهم اعتقدوا أن دينهم صواب، فكان سعيهم لأجل تقوية ذلك الدين، ~~لا جرم قالوا: إنما نحن مصلحون، يعني: أن هذه المداراة ms0127 سعي في ~~الإصلاح بين المسلمين والكفار، كما حكى الله - تعالى - عنهم قولهم: # إن أردنآ إلا إحسانا وتوفيقا # [النساء:62] فقولهم: { إنما نحن مصلحون } أي: نحن نصلح أمر الفساد. # وقال ابن الخطيب: العلماء استدلوا بهذه الآية على أن من أظهر الإيمان ~~وجب إجراء حكم المؤمنين عليه، وتجويز خلافه لا يطعن فيه، وتوبة ~~الزنديق مقبولة، والله أعلم. # وقوله: { ألا إنهم هم المفسدون } " ألا " حرف تنبيه، ~~واستفتاح، وليست مركبة من همزة الاستفهام و " لا " النافية، بل هي ~~بسيطة، ولكنها لفظ مشترك بين التنبيه والاستفتاح، فتدخل على ~~الجملة اسمية كانت أو فعلية، وبين العرض والتخصيص، فتختص بالأفعال ~~لفظا أو تقديرا، وتكون النافية للجنس دخلت عليها همزة الاستفهام، ولها ~~أحكام تقدم بعضها عند قوله تعالى: # لا ريب فيه # [البقرة: 2]، وتكون للتمني، فتجري مجرى " ليت " في بعض أحكامها. # وأجاز بعضهم أن تكون جوابا بمعنى " بلى " يقول القائل: ألم يقم زيد؟ ~~فتقول: " ألا " بمعنى: " بلى قد قام " وهو غريب. # و " إنهم " إن واسمها، و " هم " تحتمل ثلاثة أوجه: # أحدها: أن تكون تأكيدا لاسم " إن "؛ لأن الضمير المنفصل المرفوع ~~يجوز أن يؤكد به جميع ضروب الضمير المتصل. # وأن تكون فصلا، وأن تكون مبتدأ. # و " المفسدون " خبره، والجملة خبر ب " إن ". # وعلى القولين الأولين يكون " المفسدون " وحده خبرا ل " إن " ، وجيء ~~في هذه الجملة بضروب من التأكيد منها: الاستفتاح والتنبيه، والتأكيد ب ~~" إن " ، والإتيان بالتأكيد، والفصل بالضمير، وبالتعريف في الخبر ~~مبالغة في الرد عليهم فيما ادعوه من قولهم: { إنما نحن ~~مصلحون }؛ لأنهم أخرجوا الجواب جملة اسمية مؤكدة ب " إنما " ~~ليدلوا بذلك على ثبوت الوصف لهم، فرد الله عليهم بأبلغ وآكد مما ~~ادعوه. # وقوله: { ولكن لا يشعرون } الواو عاطفة لهذه الجملة على ما ~~قبلها. # و " لكن " معناها الاستدراك، وهو معنى لا يفارقها، وتكون عاطفة في ~~المفردات، ولا تكون إلا بين ضدين، أو نقيضين، وفي الخلافين خلاف، نحو: ~~" ما قام زيد لكن خرج بكر " ، واستدل بعضهم على ذلك بقوله طرفة: ~~[الطويل] # 201- ولست بحلال التلاع لبيته # ولكن متى يسترفد القوم أرفد # فقوله: " متى ms0128 يسترفد القوم أرفد " ليس ضدا ولا نقيضا لما قبله، ولكنه ~~خلافه. # قال بعضهم: وهذا لا دليل فيه على المدعى، لأن قوله: " لست بحلال ~~التلاع لبيته " كناية عن نفي البخل أي: لا أحل التلاع لأجل ~~البخل. # وقوله: " متى يسترفد القوم أرفد " كناية عن الكرم، فكأنه قال: لست ~~بخيلا ولكن كريما، فهي - ها هنا - واقعة بين ضدين. # ولا تعمل مخففة خلافا ل " يونس " ، ولها أحكام كثيرة. # ومعنى الاستدراك في هذه الآية يحتاج إلى تأمل ونظر، وذلك أنهم لما ~~نهوا عن اتخاذ مثل ما كانوا يتعاطونه من الإفساد، فقابلوا ذلك بأنهم ~~مصلحون في ذلك، وأخبر - تعالى - بأنهم هم المفسدون كانوا حقيقين بأن ~~يعلموا أن ذلك كما أخبر - تعالى - وأنهم لا يدعون بأنهم مصلحون، فاستدرك ~~عليهم هذا المعنى الذي فاتهم من عدم الشعور بذلك. # ومثله قولك: " زيد جاهل، ولكن لا يعلم " ، وذلك لأنه من حيث اتصف ~~بالجهل، وصار الجهل وصفا قائما به كان ينبغي أن يعلم بهذا الوصف من ~~نفسه؛ لأن الإنسان له أن يعلم ما اشتملت عليه نفسه من الصفات، فاستدركت ~~عليه أن هذا الوصف القائم له به لا يعلمه مبالغة في جهله. # ومفعول " يشعرون " محذوف: إما حذف اختصار، أي: لا يشعرون بأنهم مفسدون، ~~وإما حذف اقتصار، وهو الأحسن، أي: ليس لهم شعور ألبتة. ### || [2.13] # الكلام عليها كالكلام على التي قبلها. # و " آمنوا " فعل وفاعل، والجملة في محل رفع لقيامها مقام الفاعل على ما ~~تقدم في # وإذا قيل لهم لا تفسدوا # [البقرة: 11] والأقوال هناك تعود هنا. # والكاف في قوله " كما آمن " في محل نصب. # وأكثر المعربين يجعلون نعتا لمصدر محذوف، والتقدير: آمنوا إيمانا ~~كإيمان الناس، وكذلك يقولون في: " سير عليه حثيثا ": أي سيرا حثيثا ~~وهذا ليس مذهب سيبويه، إنما مذهبه في هذا ونحوه أن يكون منصوبا على ~~الحال من المصدر والمضمر المفهوم من الفعل المتقدم. # وإنما أحوج سيبويه إلى ذلك أن حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه لا يجوز ~~إلا في مواضع محصورة، ليس هذا منها، فتلك المواضع: أن تكون الصفة خاصة ~~بالموصوف، نحو: ms0129 " مررت بكاتب ". # أو واقعة خبرا نحو: " زيد قائم ". # أو حالا نحو: " جاء زيد راكبا ". # أو صفة لظرف نحو: " جلست قريبا منك ". # أو مستعملة استعمال الأسماء، وهذا يحفظ ولا يقاس عليه، نحو: " ~~الأبطح والأبرق " وما عدا هذه المواضع لا يجوز فيها حذف ~~الموصوف؛ ألا ترى أن سيبويه منع لا ماء ولو باردا، وإن تقدم ما ~~يدل على الموصوف، وأجاز: " إلا ماء ولو باردا "؛ لأنه نصب على الحال. # و " ما " مصدرية في محل جر بالكاف، و " آمن الناس " صلتها. # واعلم أن " ما " المصدرية توصل بالماضي أو المضارع المتصرف، وقد ~~شذ وصلها بغير المتصرف في قوله: [الطويل] # 202-.................... # بما لستما أهل الخيانة، والغدر # وهل توصل بالجمل الاسمية؟ خلاف، واستدل على جوازه بقوله: [الكامل] # 203- واصل خليلك ما التواصل ممكن # فلأنت أو هو عن قليل ذاهب # وقال الآخر: [البسيط] # 204- أحلامكم لسقام الجهل شافية # كما دماؤكم تشفي من الكلب # وقول الآخر: [الوافر] # 205- فإن الحمر من شر المطايا # كما الحبطات شر بني تميم # إلا أن ذلك يكثر فيها إذا أفهمت الزمان؛ كقوله: [الكامل] # 206- واصل خليلك........... # .................... # البيت. # وأجاز الزمخشري وأبو البقاء أن تكون " ما " كافة ل " الكاف " عن ~~العمل. # مثلها في قولك: ربما قدم زيد، ولا ضرورة تدعو إلى هذا؛ لأن جعلها ~~مصدرية مبق ل " الكاف " على ما عهد لها من العمل، بخلاف جعلها كافة. # والألف واللام في " الناس " تحتمل أن تكون للجنس، وفيها وجهان. # أحدهما: المراد " الأوس " و " الخزرج "؛ لأن أكثرهم كانوا مسلمين، ~~وهؤلاء المنافقون كانوا منهم، وكانوا قليلين، ولفظ العموم قد يطلق على ~~الأكثر. # والثاني: المراد جميع المؤمنين؛ لأنهم هم الناس؛ لكونهم أعطوا ~~الإنسانية حقها؛ لأن فضل الإنسان على سائر الحيوان بالعقل ~~المرشد. # وتحتمل أن تكون " الألف " و " اللام " للعهد، فيكون المراد: كما آمن ~~الرسول ومن معه، وهم ناس معهودون، أو عبد الله بن سلام وغيره من مؤمني ~~أهل الكتاب. # فصل في أوجه ورود لفظ الناس # ورد لفظ " الناس " على سبعة أوجه: # الأول: المراد به عبد الله بن سلام، وأصحابه من مؤمني أهل الكتاب. # الثاني: المراد به ms0130 النبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى: # أم يحسدون الناس على مآ آتاهم الله من فضله # [النساء: 54]. # أي: يحسدون النبي - عليه الصلاة والسلام - على النساء. # الثالث: الناس: المؤمنون خاصة قال تعالى: # ولله على الناس حج البيت # [آل عمران: 97]، ومثله: # ياأيها الناس اعبدوا ربكم # [البقرة: 21]. # الرابع والخامس: كفار قريش، وزيد بن مسعود، قال تعالى: # الذين قال لهم الناس # [آل عمران: 173] يعني نعيم المكي: # إن الناس قد جمعوا لكم # [آل عمران: 173]. # السادس: آدم - عليه الصلاة والسلام - قال تعالى: # ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس # [البقرة: 199] يعني: آدم عليه الصلاة والسلام. # السابع: الرجال؛ قال تعالى: # لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس # [غافر: 57] يعني: الرجال. # فصل في إعراب الآية # الهمزة في " أنؤمن " للإنكار، والاستهزاء، ومحل " أنؤمن " النصب ب " ~~قالوا " وقوله: { كمآ ءامن السفهآء } القول في " الكاف " و " ~~ما " كالقول فيهما فيما تقدم، و " الألف " و " اللام " في " السفهاء " ~~تحتمل أن تكون للجنس أو للعهد، وأبعد من جعلها للغلبة كالعيوق؛ لأنه ~~لم يغلب هذا الوصف عليهم، بحيث إذا قيل: السفهاء فيهم منهم ناس مخصوصون، ~~كما يفهم من العيوق كوكب مخصوص. # والسفه: الخفة، يقال: ثوب سفيه أي: خفيف النسج، ويقال: سفهت ~~الريح الشيء: إذا حركته؛ قال ذو الرمة: [الطويل] # 207- جرين كما اهتزت رياح تسفهت # أعاليها مر الرياح النواسم # وقال أبو تمام: [الوافر] # 208- سفيه الرمح جاهله إذا ما # بدا فضل السفيه على الحليم # أراد سريع الطعن بالرمح خفيفه، وإنما قيل لبذيء اللسان: سفيه؛ ~~لأنه خفيف الهداية. # وقال عليه الصلاة والسلام: # " شارب الخمر سفيه " # لقلة عقله. # وقيل: السفيه: الكذاب الذي يعمل بخلاف ما يعلم، وإنما سمى المنافقون ~~المسلمين بالسفهاء، لأن المنافقين كانوا من أهل الرياسة، وأكثر ~~المسلمين كانوا فقراء، وكان عند المنافقين أن دين محمد باطل، والباطل لا ~~يقبله إلا السفيه، فلهذا نسبوهم إلى السفاهة، ثم إن الله - تعالى - ~~قلب عليهم هذا القول فقال: " ألا إنهم هم السفهاء " لوجوه: # أحدها: أن من أعرض عن الدليل، ثم نسب المتمسك به إلى السفاهة، ~~فهو السفيه. # وثانيها: أن من باع ms0131 آخرته بدنياه فهو السفيه. # وثالثها: أن من عادى محمدا صلى الله عليه وسلم فقد عادى الله، وذلك ~~هو السفيه. # والكلام على قوله: { ألا إنهم هم السفهآء ولكن لا ~~يعلمون } كالكلام على قوله: # ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون # [البقرة: 12]. # وقرأ أهل " الشام " و " الكوفة " " السفهاء ألا " بتحقيق الهمزتين، ~~وكذلك كل همزتين وقعتا في كلمتين اتفقتا أو اختلفتا، والآخرون يحققون ~~الأولى، ويلينون الثانية في المختلفتين طلبا للخفة فإن كانتا متفقتين ~~مثل: # هؤلاء إن # [البقرة: 31]، و # أوليآء أولئك # [الأحقاف: 32]، و # جآء أمر ربك # [هود: 101] قرأها أبو عمرو والبزي عن ابن كثير بهمزة واحدة. # وقرأ أبو جعفر، وورش، ويعقوب: بتحقيق الأولى وتليين الثانية. # وقرأ قالون: بتليين الأولى، وتحقيق الثانية، لأن ما يستأنف أولى ~~بالهمزة مما يسكت عليه. # فصل في نظم الآية # إنما قال هناك: " ولكن لا يشعرون " ، وقال ها هنا: " ولكن لا يعلمون " ~~لوجهين: # أحدهما: أن المثبت لهم - هناك - الإفساد، وهو مما يدرك بأدنى تأمل، ~~لأنه من المحسوسات التي لا تحتاج إلى فكر كثير، فنفى عنهم ما يدرك ~~بالمشاعر، وهي الحواس مبالغة في تجهيلهم، وهو أن الشعور الذي قد ثبت ~~للبهائم منفي عنهم، والمثبت - هنا - هو السفه والمصدر به هو الأمر ~~بالإيمان، وذلك مما يحتاج إلى إمعان فكر ونظر، فإنه مفض إلى ~~الإيمان والتصديق، ولم يقع منهم المأمور به وهو الإيمان، فناسب ذلك نفي ~~العلم عنهم. # الوجه الثاني: أن السفه خفة العقل والجهل بالأمور؛ قال: [السريع] # 209- نخاف أن تسفه أحلامنا # فنجهل الجهل مع الجاهل # والعلم نقيض الجهل فقابله بقوله: { لا يعلمون } [البقرة: 13]؛ ~~لأن عدم العلم بالشيء جهل به. # فصل في تعلق الآية بما قبلها # قال ابن الخطيب: لما نهاهم في الآية الأولى عن الفساد في الأرض، ثم ~~أمرهم في هذه الآية بالإيمان دل على أن كمال الإنسان لا يحصل إلا بمجموع ~~الأمرين، وهو تركه ما لا ينبغي، وفعل ما ينبغي. # وقوله: { آمنوا كمآ ءامن الناس } أي: إيمانا مقرونا ~~بالإخلاص بعيدا عن النفاق. # ولقائل أن يستدل بهذه الآية على أن مجرد الإقرار إيمان، ms0132 فإنه لو لم ~~يكن إيمانا لما تحقق مسمى الإيمان إلا إذا حصل بالإخلاص، فكان ~~قوله: " ءامنوا " كافيا في تحصل المطلوب، وكان ذكر قوله: { كمآ ~~ءامن الناس } لغوا. ### || [2.14-15] # " إذا " منصوب ب " قالوا " الذي هو جواب لها، وقد تقدم الخلاف في ذلك، ~~و " لقوا " فعل وفاعل، والجملة في محل خفض بإضافة الظرف إليها. # وأصل " لقوا ": لقيوا بوزن " شربوا " فاستثقلت الضمة على " الياء " التي ~~هي " لام " الكلمة، فحذفت الضمة فالتقى ساكنان: لام الكلمة وواو الجمع، ~~ولا يمكن تحريك أحدهما، فحذف الأول وهو " الياء " ، وقلبت الكسرة التي ~~على القاف ضمة؛ لتجانس واو الضمير، فوزن " لقوا ": " فعوا " ، ~~وهذه قاعدة مطردة نحو: " خشوا " ، و " حيوا ". وقد سمع في مصدر " لقي " ~~أربعة عشر وزنا: " لقيا ولقية " بكسر الفاء وسكون العين، و " ~~لقاء ولقاءة " بفتحها أيضا مع المد في الثلاثة، و " لقى " و " لقى ~~" بفتح الفاء وضمها، و " لقيا " بضم الفاء، وسكون العين و " لقيا ~~" بكسرها والتشديد و " لقيا " بضم الفاء، وكسر العين مع التشديد، ~~و " لقيانا ولقيانا " بضم الفاء وكسرها، و " لقيانة " بكسر ~~الفاء خاصة، و " تلقاء ". # وقرأ أبو حنيفة - رحمه الله -: " وإذا لاقوا ". # و " الذين ءامنوا " مفعول به، و " قالوا " جواب " إذا " ، و " ~~آمنا " في محل نصب بالقول. # قال ابن الخطيب: " والمراد بقولهم: " آمنا ": أخلصنا بالقلب؛ لأن ~~الإقرار باللسان كان معلوما منهم مما كانوا يحتاجون إلى بيانه، إنما ~~المشكوك فيه هو الإخلاص بالقلب، وأيضا فيجب أن يحمل على نقيض ما كانوا ~~يظهرونه لشياطينهم، وإنما كانوا يظهرون لهم التكذيب بالقلب ". # وقوله: { وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا } تقدم ~~نظيره، والأكثر نظيره، والأكثر في " خلا " أن يتعدى بالباء، وقد ~~يتعدى ب " إلى " ، وإنما تعدى في هذه الآية ب " إلى " لمعنى بديع، ~~وهو أنه إذا تعدى بالباء احتمل معنيين: # أحدهما: الانفراد. # والثاني: السخرية والاستهزاء، تقول: " خلوت به " أي: سخرت منه، وهو من ~~قولك: خلا فلان بعرض فلان أي: يعبث به. # وإذا تعدى ب " إلى " كان نصا في الانفراد فقط، أو تقول: ضمن " خلا " ~~معنى " صرف " فتعدى " إلى " ، والمعنى: صرفوا ms0133 خلاهم إلى شياطينهم، ~~أو تضمن معنى " ذهبوا وانصرفوا " ومنه: " القرون الخالية ". # وقيل: " إلى " - هنا - بمعنى " مع " ، كقوله: # ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم # [النساء: 2]. # وقيل: هي هنا بمعنى " الباء " ، وهذان القولان إنما يجوزان عند ~~الكوفيين، وأما البصريون فلا يجيزون التجوز في الحروف؛ لضعفها. # وقيل المعنى: وإذا خلوا رجعوا إلى شياطينهم. ف " إلى " على بابها. # والأصل في خلوا: خلووا، فقلبت " الواو " الأولى التي هي " لام " ~~الكلمة " ألفا " لتحركها، وانفتاح ما قبلها، فبقيت ساكنة وبعدها " واو " ~~الضمير ساكنة، فالتقى ساكنان، فحذف أولهما، وهو " الألف " ، وبقيت الفتحة ~~دالة عليها. # و " شياطينهم ": جمع شيطان، جمع تكسير، وقد تقدم القول في اشتقاقه، ~~فوزن شياطين: إما " فعاليل " أو " فعالين " على حسب القولين ~~المتقدمين في الاستعاذة، والفصيح في شياطين وبابه أن يعرب بالحركات؛ ~~لأنه جمع تكسير، وفي لغة رديئة، وهي إجراؤه إجراء الجمع المذكر ~~السالم، سمع منهم: " لفلان البستان حوله البستانون ". # وقرىء شاذا: { وما تنزلت به الشياطون } [الشعراء: 210]. # وشياطينهم: رؤساؤهم وكهنتهم. # قال ابن عباس: وهم خمسة نفر من اليهود: كعب بن الأشرف ب " المدينة " ~~، وأبو بردة ب " الشام " في بني أسلم، وعبد الدار في " جهينة " ، وعوف ~~بن عامر في بني أسد، وعبد الله بن السوداء ب " الشام " ولا يكون كاهن ~~إلا ومعه شيطان تابع له. # وقال مجاهد: شياطينهم: أصحابهم من المنافقين والمشركين. # قوله: { إنا معكم } " إن " واسمها و " معكم " خبرها، والأصل في ~~" إنا ": " إننا " لقوله تعالى: # إننآ سمعنا مناديا # [آل عمران: 193]، وإنما حذفت نوني " إن " لما اتصلت بنون " نا " ، ~~تخفيفا. # وقال أبو البقاء: " حذفت النون الوسطى على القول الصحيح، كما حذفت في ~~" إن " إذا خففت ". # و " مع " ظرف والضمير بعده في محل خفض بإضافته إليه وهو الخبر - كما ~~تقدم - فيتعلق بمحذوف وهو ظرف مكان، وفهم الظرفية منه قلق. # قالوا: لأنه يدل على الصحبة، ومن لازم الصحبة الظرفية، وأما كونه ظرف ~~مكان، لأنه يخبر به عن الجثث نحو: " زيد معك " ، ولو كان ظرف زمان لم ~~يجز فيه ذلك. # واعلم أن " مع " لا يجوز تسكين عينها إلا في شعر كقوله: ms0134 [الوافر] # 210- فريشي منكم وهواي معكم # وإن كانت زيارتكم لماما # وهي حينئذ على ظرفيتها خلافا لمن زعم أنها حينئذ حرف جر، وإن كان ~~النحاس ادعى الإجماع في ذلك، وهي من الأسماء اللازمة للإضافة، وقد ~~تقطع لفظا، فتنتصب حالا غالبا، تقول: جاء الزيدان معا أي: مصطحبين، ~~وقد تقع خبرا، قال الشاعر: [الطويل] # 211- حننت إلى ريا ونفسك باعدت # مزارك من ريا وشعباكما معا # ف " شعباكما " مبتدأ، و " معا " خبره، على أنه يحتمل أن يكون ~~الخبر محذوفا، و " معا " حال. # واختلفوا في " مع " حال قطعها عن الإضافة؛ هل هي من باب المقصور نحو: " ~~عصى " و " رحا " ، أو المنقوص نحو: " يد " و " دم "؟ قولان: الأول: قول ~~يونس، والأخفش. # والثاني: قول الخليل وسيبويه، وتظهر فائدة ذلك إذا سمي به # فعلى الأول تقول: " جاءني معا " و " رأءت معا " و " مررت بمعا ". # وعلى الثاني: " جاءني مع " و " رأيت معا " و " مررت بمع " ك " ~~يد " ، ولا دليل على القول الأول في قوله: " وشعباكما معا "؛ لأن ~~معا منصوب على الظرف النائب عن الخبر، نحو: " زيد عندك " وفيها كلام ~~كثير. # فصل في نظم الآية # لم كانت مخاطبتهم للمؤمنين بالجملة الفعلية ومخاطبة شياطينهم بالجملة ~~الاسمية محققة ب " إن "؟ # قال ابن الخطيب: الجواب: ليس ما خاطبوا به المؤمنين جديرا بأقوى ~~الكلامين؛ لأنهم كانوا في ادعاء حدوث الإيمان منهم، لا في ادعاء أنهم في ~~الدرجة الكاملة منه، إما لأن أنفسهم لا تساعدهم على المبالغة، لأن ~~القول الصادر عن النفاق والكراهة قلما يحصل معه المبالغة، وإما لعلمهم ~~بأن ادعاء الكمال في الإيمان لا يروج على المسلمين، وأما كلامهم مع ~~إخوانهم، فكانوا يقولونه عن الاعتقاد، ويعلمون أن المستمعين يقبلون ذلك ~~منهم، فلا جرم كان التأكيد لائقا به. واختلفوا في قائل هذا القول ~~أهم كل المنافقين، أو بعضهم؟ # فمن حمل الشياطين على كبار المنافقين، فحمل هذا القول على أنه من ~~صغارهم، فكانوا يقولون للمؤمنين: " آمنا " وإذا عادوا إلى أكابرهم قالوا: ~~" إنا معكم " ، ومن قال: المراد بالشياطين الكفار لم يمنع إضافة هذا ~~القول إلى كل المنافقين. # وقوله: { إنما ms0135 نحن مستهزءون } كقوله: # إنما نحن مصلحون # [البقرة: 11]، وهذه الجملة الظاهر أنها لا محل لها من الإعراب ~~لاستئنافها؛ إذ هي جواب لرؤسائهم، كأنهم لما قالوا لهم: " إنا معكم ~~" توجه عليهم سؤال منهم، وهو: فما بالكم مع المؤمنين تظاهرونهم على ~~دينهم، فأجابوهم بهذه الجملة. # وقيل: محلها النصب، لأنها بدل من قوله: " إنا معكم ". # وقياس تخفيف همزة " مستهزؤون " ونحوه أن تجعل بين بين، أي بين ~~الهمزة والحرف الذي منه حركتها وهو " الواو " ، وهو رأي سيبويه، ومذهب ~~الأخفش قلبها " ياء " محضة. # وقد وقف حمزة على { مستهزءون } و # فمالئون # [الصافات: 66] و # ليطفئوا # [الصف: 8] و # ليواطئوا # [التوبة: 37] و # ويستنبئونك # [يونس: 53] و # الخاطئين # [يوسف: 29] و # الخاطئون # [الحاقة: 37]، و # متكئين # [الكهف: 31] و # متكئون # [يس: 56]، و # المنشئون # [الواقعة: 72] بحذف صورة الهمزة اتباعا لرسم المصحف. # وقولهم: { إنما نحن مستهزءون } توكيد لقولهم: " إنا ~~معكم ". # وقوله: { الله يستهزىء بهم } الله: رفع بالابتداء، و " ~~يستهزىء ": جملة فعلية في محل رفع خبر، و " بهم " متعلق به، ولا محل ~~لهذه الجملة لاستئنافها. # و " يمدهم " يتركهم ويمهلهم، وهو في محل رفع أيضا لعطفه ~~على الخبر، وهو " يستهزىء ". و " يعمهون " في محل الحال من ~~المفعول في " يمدهم " ، أو من الضمير في " طغيانهم " ، وجاءت الحال ~~من المضاف إليه؛ لأن المضاف مصدر. # و " في طغيانهم " يحتمل أن يتعلق ب " يمدهم " ، أو ب " يعمهون ~~" ، وقدم عليه، إلا إذا جعل " يعمهون " حالا من الضمير في " ~~طغيانهم " ، فلا يتعلق به حينئذ، لفساد المعنى. # وقد منع أبو البقاء أن يكون " في طغيانهم " ، و " يعمهون " حالين ~~من الضمير في " يمدهم " معللا ذلك بأن العامل الواحد لا يعمل في ~~حالين، وهذا على رأي من منع ذلك. # وأما من يجيز تعدد الحال مع عدم تعدد صاحبها فيجيز ذلك، إلا أنه في ~~هذه الآية ينبغي أن يمنع من ذلك لا لما ذكره أبو البقاء، بل لأن ~~المعنى يأبى جعل هذا الجار والمجرور حالا؛ إذ المعنى منصب على أنه ~~متعلق بأحد الفعلين، أعني: " يمدهم " ، أو " يعمهون " لا بمحذوف على ~~أنه حال. # والمشهور: فتح " الياء " من " يمدهم ". # وقرىء شاذا: ms0136 " يمدهم " بضم الياء. # فقيل: الثلاثي والرباعي بمعنى واحد تقول: " مده " و " أمده " بكذا. # وقيل: " مده " إذا زاده عن جنسه، و " أمده " إذا أراده من غير ~~جنسه. # وقيل: مده في الشر لقوله تعالى: # ونمد له من العذاب مدا # [مريم: 79]، وأمده في الخير لقوله تعالى: # ويمددكم بأموال وبنين # [نوح: 12] # وأمددناهم بفاكهة ولحم # [الطور: 22]، # أن يمدكم ربكم بثلاثة ءالف من الملائكة # [آل عمران: 124] إلا أنه يعكر على هذين الفرقين أنه قرىء: # وإخوانهم يمدونهم في الغي # [الأعراف: 202] باللغتين، ويمكن أن يجاب عنه بما ذكره الفارسي في ~~توجيه ضم " الياء " أنه بمنزلة قوله تعالى: # فبشرهم بعذاب # [آل عمران: 21]، # فسنيسره للعسرى # [الليل: 10] يعني أبو علي - رحمه الله - بذلك أنه على سبيل التهكم. # وأصل المدد الزيادة. # وقال الزمخشري: فإن قلت: لم زعمت أنه من المدد دون المد في العمر ~~والإملاء والإمهال؟ # قلت: كفاك دليلا على ذلك قراءة ابن كثير، وابن محيصن: " ويمدهم " ~~وقراءة نافع: # وإخوانهم يمدونهم # [الأعراف: 202] على أن الذي بمعنى أمهل إنما هو مد له ب " ~~اللام " كأملى له. # والاستهزاء لغة: السخرية واللعب؛ يقال: هزىء به، واستهزأ، قال: ~~[الرجز] # 212- قد هزئت مني أم طيسله # قالت: أراه معدما لا مال له # وقيل: أصله الانتقام؛ وأنشد: [الطويل] # 213- قد استهزؤوا منهم بألفي مدجج # سراتهم وسط الصحاصح جثم # فعلى هذا القول الثاني نسبة الاستهزاء إليه - تعالى - على ظاهرها. # وأما على القول الأول فلا بد من تأويل وهو من وجوه: # الأول: قيل: المعنى: يجازيهم على استهزائهم فسمى العقوبة باسم الذنب ~~ليزدوج الكلام، ومنه: # وجزآء سيئة سيئة # [الشورى: 40]، # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه # [البقرة: 194]. # وقال: # يخادعون الله وهو خادعهم # [النساء: 142]، # ومكروا ومكر الله # [آل: عمران: 54]. # وقال عليه الصلاة والسلام: # " اللهم إن فلانا هجاني، وهو يعلم أني لست بشاعر، ~~اللهم فاهجه، اللهم فالعنه عدد ما هجاني " # ؛ وقال عليه الصلاة والسلام: # " تكلفوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل ~~حتى تملوا " # ؛ وقال عمرو بن كلثوم: [الوافر] # 214- ألا لا يجهلن أحد علينا # فنجهل فوق جهل الجاهلينا # وثانيها: أن ضرر استهزائهم بالمؤمنين راجع إليهم، وغير ms0137 ضار ~~بالمؤمنين، فيصير كأن الله استهزأ بهم. # وثالثها: أن من آثار الاستهزاء حصول الهوان والحقارة، فذكر ~~الاستهزاء، والمراد حصول الهوان لهم فعبر بالسبب عن المسبب. # ورابعها: أن استهزاء الله بهم أن يظهر لهم من أحكامه في ~~الدنيا ما لهم عند الله خلافها في الآخرة، كما أنهم أظهروا ~~[للنبي و] المؤمنين أمرا مع أن الحاصل منهم في السر خلافه، وهذا ~~ضعيف؛ لأنه - تعالى - لما أظهر لهم أحكام الدنيا، فقد أظهر الأدلة ~~الواضحة بما يعاملون به في الدار الآخرة، فليس في ذلك مخالفة لما أظهره ~~في الدنيا. # وخامسها: أن الله - تعالى - يعاملهم معاملة المستهزىء في ~~الدنيا والآخرة، أما في الدنيا، فلأنه أطلع الرسول على أسرارهم ~~لمبالغتهم في إخفائها، وأما في الآخرة فقال ابن عباس: هو أن ~~يفتح لهم بابا من الجنة، فإذا رأوه المنافقون خرجوا من الجحيم ~~متوجهين إلى الجنة، فإذا وصلوا إلى باب الجنة، فهناك يغلق دونهم الباب، ~~فذلك قوله تعالى: # فاليوم الذين ءامنوا من الكفار يضحكون # [المطففين: 34] وقيل: هو أن يضرب للمؤمنين نور يمشون به على ~~صراط، فإذا وصل المنافقون إليه حيل بينهم وبينه، كما قال تعالى: # فضرب بينهم بسور # [الحديد: 13] الآية. # فإن قيل: هلا قيل: إن الله يستهزىء بهم ليكون مطابقا لقوله: { إنما ~~نحن مستهزءون } [البقرة: 14]؟ # والجواب: أن " يستهزىء " يفيد حدوث الاستهزاء وتجدده وقتا بعد وقت، ~~وهكذا كانت نكايات الله فيهم # أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو ~~مرتين # [التوبة: 126]. # و " الطغيان ": الضلال مصدر طغى يطغى طغيانا وطغيانا بكسر ~~الطاء وضمها. وبكسر الطاء قرأ زيد بن علي، ولام " طغى " قيل: ياء. # وقيل: واو، يقال: طغيت وطغوت، وأصل المادة مجاوزة الحد، ~~ومنه: طغى الماء. # و " العمه ": التردد والتحير، وهو قريب من العمى، إلا أن ~~بينهما عموما وخصوصا، لأن العمى يطلق على ذهاب ضوء العين، وعلى الخطأ ~~في الرأي، والعمه لا يطلق إلا على الخطأ في الرأي، يقال: عمه ~~عمها وعمهانا فهو عمه وعامه. # فصل في الرد على المعتزلة # قالت المعتزلة: هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها لوجوه: ms0138 # أحدها: قوله تعالى: # وإخوانهم يمدونهم في الغي # [الأعراف: 202] أضاف ذلك الغي إلى إخوانهم، فكيف يكون مضافا إلى الله. # وثانيهما: أن الله - تعالى - ذمهم على هذا الطغيان، فلو كان فعلا لله ~~- تعالى - فكيف يذمهم عليه؟ # وثالثها: لو كان فعلا لله - تعالى - لبطلت النبوة، وبطل القرآن، فكان ~~الاشتغال بتفسيره عبثا. # ورابعها: أنه - تعالى - أضاف الطغيان إليهم بقوله: { في طغيانهم ~~} ، ولو كان من الله لما أضافه إليهم فظهر أنه إنما أضافه إليهم ليعلم ~~أنه - تعالى - غير خالق لذلك، ومصداقه أنه حين أسند المد إلى ~~الشياطين أطلق الغي، ولم يقيده بالإضافة في قوله: # وإخوانهم يمدونهم في الغي # [الأعراف: 202] إذا ثبت هذا، فلا بد من التأويل، وهو من وجوه: # أحدها: قال الكعبي وأبو مسلم الأصفهاني: إن الله - تعالى - لما ~~منحهم ألطافه التي منحها للمؤمنين، وخذلهم بسبب كفرهم وإصرارهم ~~عليه بقيت قلوبهم مظلمة بتزايد الرين فيها، وكتزايد النور في ~~قلوب المؤمنين، فسمى ذلك النور مددا، وأسنده إلى الله تعالى، لأنه مسبب ~~عن فعله بهم. # وثانيها: أن يحمل على منع القسر والإلجاء. # وثالثها: أن يسند فعل الشيطان إلى الله - تعالى - لأنه بتمكينه، ~~وإقداره، والتخلية بينه وبين إغواء عباده. # ورابعها: قال الجبائي: ويمدهم أي يمد عمرهم، ثم إنهم مع ذلك في ~~طغيانهم يعمهون، وهذا ضعيف من وجهين: # الأول: ما بينا أنه لا يجوز في اللغة تفسير " ويمدهم " بالمد في ~~العمر. # الثاني: هب أنه يصح ذلك، ولكنه يفيد أنه - تعالى - يمد عمرهم بغرض أن ~~يكونوا في طغيانهم يعمهون، وذلك يفيد الإشكال. # أجاب القاضي عن ذلك بأنه ليس المراد أنه - تعالى - يمد عمرهم بغرض ~~أن يكونوا في الطغيان، بل المراد أنه - تعالى - يبقيهم، ويلطف بهم ~~الطاعة، فيأبون إلا أن يعمهوا. ### || [2.16] # " أولئك ": رفع بالابتداء و " الذين " وصلته خبره. # وقوله تعالى: { فما ربحت تجارتهم } هذه الجملة عطف على ~~الجملة الواقعة صلة، وهي: " اشتروا ". # وزعم بعضهم أنها خبر المبتدأ، وأن الفاء دخلت في الخبر لما ~~تضمنه الموصول من معنى الشرط، فيصير قوله تعالى: # الذين ينفقون أموالهم # [البقرة: 274]، ثم قال: # فلهم أجرهم # [البقرة: ms0139 274]. وهذا وهم؛ لأن " الذين " ليس مبتدأ حتى يدعي دخول الفاء ~~في خبره، بل هو خبر عن " أولئك " كما تقدم. فإن قيل: يكون الموصول ~~مبتدأ ثانيا، فتكون الفاء دخلت في خبره. # قلنا: يلزم من ذلك عدم الربط بين المبتدأ والجملة الواقعة خبرا عنه، ~~وأيضا فإن الصلة ماضية معنى. # فإن قيل: يكون " الذين " بدلا من " أولئك " فالجواب يصير الموصول ~~مخصوصا لإبداله من مخصوص، والصلة أيضا ماضية. # فإن قيل: " االذين " صفة ل " أولئك " ، ويصير نظير قولك: " الرجل الذي ~~يأتيني فله درهم ". # قلنا: يرد بما رد به السؤال الثاني، وبأنه لا يجوز أن يكون وصفا له؛ ~~لأنه أعرف منه، ففسد هذا القول. # والمشهور ضم واو " اشتروا " لالتقاء الساكنين، وإنما ضمت تشبيها بتاء ~~الفاعل. # وقيل: للفرق بين واو الجمع والواو الأصلية نحو: # لو استطعنا # [التوبة: 42]. # وقيل: لأن الضمة - هنا - أخف من الكسرة؛ لأنها من جنس الواو. # وقيل: حركت بحركة الياء المحذوفة، فإن الأصل: " اشتريوا " كما سيأتي. # وقيل: هي للجمع فهي مثل: " نحن ". وقرىء بكسرها على أصل التقاء ~~الساكنين، وبفتحها؛ لأنها أخف. # وأجاز الكسائي همزها تشبيها لها ب " أدؤر " و " أثؤب " وهو ضعيف؛ ~~لأن ضمها غير لازم. # وقال أبو البقاء: " ومنهم من يختلسها، فيحذفها لالتقاء ~~الساكنين؛ وهو ضعيف جدا، لأن قبلها فتحة، والفتحة لا تدل عليها ". # وأصل اشتروا: اشتريوا: فتحركت الياء، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ثم ~~حذفت لالتقاء الساكنين، وبقيت الفتحة دالة عليها. # وقيل: بل حذفت الضمة من الياء فسكنت، فالتقى ساكنان، فحذفت ~~الياء لالتقائها ساكنة مع " الواو ". # فإن قيل: واو الجمع قد حركت، فينبغي أن يعود الساكن المحذوف؟ # فالجواب: أن هذه الحركة عارضة فهي في حكم الساكن، ولم يجىء ذلك ~~إلا في ضرورة الشعر؛ وأنشد الكسائي: # 215- يا صياح لم تنام العشيا # ....................................... # فأعاد الألف لما حركت الميم حركة عارضة. # و " الضلالة " مفعولة، وهي: الجور عن القصد، وفقد الاهتداء، ~~فاستعير للذهاب عن الصواب في الدين. # و " بالهدى " متعلق ب " اشتروا " والباء هنا للعوض، وهي تدخل على ~~المتروك أبدا. # فأما قوله تعالى: # فليقاتل في سبيل الله الذين ms0140 يشرون الحيوة ~~الدنيا بالآخرة # [النساء: 74]، فإن ظاهره أن الآخرة هي المأخوذة لا المتروكة. # فالجواب ما قاله الزمخشري: " أن المراد ب " المشترين " المبطئون ~~وعظوا بأن يغيروا ما بهم من النفاق، ويخلصوا الإيمان بالله - تعالى - ~~ورسوله، ويجاهدوا في الله حق الجهاد، فحينئذ دخلت " الباء " على ~~المتروك ". # والشراء - هاهنا - مجاز عن الاستبدال بمعنى أنهم لما تركوا الهدى، ~~وآثروا الضلالة، جعلوا بمنزلة المشترين لها بالهدى، ثم رشح هذا ~~المجاز بقوله تعالى: { فما ربحت تجارتهم } فأسند الربح ~~إلى التجارة، والمعنى: فما ربحوا في تجارتهم؛ ونظير هذا الترشيح ~~قول الآخر: [الطويل]. # 216- بكى الخز من روح وأنكر جلده # وعجت عجيجا من جذام المطارف # لما أسند البكاء إلى الخز من أجل هذا الرجل - وهو روح - وإنكاره ~~لجلده مجازا رشحه بقوله: " وعجت المطارف من جذام " أي: استغاثت ~~الثياب من هذه القبيلة. وقول الآخر: [الطويل]. # 217- ولما رأيت النسر عز ابن داية # وعشش في وكريه جاش له صدري # لما جعل " النسر " عبارة عن الشيب، و " ابن داية " وهو الغراب ~~عبارة عن الشباب، مجازا رشحه بذكر التعشش في الوكر، وقول الآخر: ~~[الوافر]. # 218- فما أم الردين وإن أدلت # بعالمة بأخلاق الكرام # إذا الشيطان قصع في قفاها # تنفقناه بالحبل التؤام # لما قال: " قصع في قفاها " أي: دخل من القاصعاء، وهي: جحر من جحرة ~~اليربوع هنا لما ذكر سبحانه الشر، أتبعه بما يشاكله، وهو الربح ~~تمثيلا لخسارتهم. # والربح: الزيادة على رأس المال. # وقوله: { وما كانوا مهتدين } هذه الجملة معطوفة على قوله: { ~~فما ربحت تجارتهم }. # والمهتدي: اسم فاعل من اهتدى، و " افتعل " هنا للمطاوعة، ولا يكون " ~~افتعل " للمطاوعة إلا من فعل متعد. # وزعم بعضهم أنه يجيء من اللازم، واستدل على ذلك بقول الشاعر: [الزجر]. # 219- حتى إذا اشتال سهيل في السحر # كشعلة القابس ترمي بالشرر # قال: ف " اشتال " افتعل لمطاوعة " شال " ، وهو لازم، وهذا وهم؛ لأن ~~" افتعل " هنا ليس للمطاوعة، بل بمعنى " فعل " المجرد. # ومعنى الآية أنهم ما كانوا مهتدين من الضلالة، وقيل: مصيبين في ~~تجارتهم؛ لأن المقصود من التجارة سلامة رأس المال، والربح، وهؤلاء ~~أضاعوا الأمرين؛ ms0141 لأن رأس مالهم هو العقل الخالي عن المانع، فلما ~~اعتقدوا هذه الضلالات صارت تلك العقائد الفاسدة مانعة من الاشتغال بطلب ~~العقائد الحقة. # فهؤلاء مع أنهم لم يربحوا فقد أفسدوا رأس المال، وهو العقل الهادي إلى ~~العقائد الحقة. # وقال قتادة: " انتقلوا من الهدى إلى الضلالة، ومن الطاعة إلى ~~المعصية، ومن الجماعة إلى الفرقة، ومن الأمن إلى الخوف، ومن السنة ~~إلى البدعة ". ### || [2.17] # اعلم أن المقصود من ضرب المثال أنه يؤثر في القلب ما لا يؤثره وصف ~~الشيء في نفسه، وذلك لأن الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجلي ~~والغائب بالشاهد، فيتأكد الوقوف على ماهيته، ويصير الحس مطابقا للعقل، ~~وذلك هو النهاية في الإيضاح في الترغيب في الإيمان لذا مثل بالظلمة، ~~فإذا أخبرت عن ضعف أمر ومثلته بنسج العنكبوت كان ذلك أبلغ في وقعه ~~في القلب بالخبر مجردا. # قوله: " مثلهم " مبتدأ و " كمثل " جار ومجرور خبره، فيتعلق بمحذوف على ~~قاعدة الباب، ولا مبالاة بخلاف من يقول: إن " كاف " التشبيه لا تتعلق ~~بشيء، والتقدير: مثلهم مستقر كمثل. وأجاز أبو البقاء وابن عطية أن ~~تكون " الكاف " اسما هي الخبر، ونظيره قول الشاعر: [البسيط]. # 220- أتنتهون؟ ولن ينهى ذوي شطط # كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل # وهذا مذهب الأخفش: يجيز أن تكون " الكاف " اسما مطلقا. # وأما مذهب سيبويه فلا يجيز ذلك إلا في شعر، وأما تنظيره بالبيت فليس ~~كما قال؛ لأن في البيت نضطر إلى جعلها اسما لكونها فاعلة، بخلاف الآية. # والذي ينبغي أن يقال: إن " كاف " التشبيه لها ثلاثة أحوال: # حال يتعين فيها أن تكون اسما، وهي ما إذا كانت فاعلة، أو مجرورة بحرف، ~~أو إضافة. مثال الفاعل: [البسيط] # 221- أتنتهون ولن ينهى.......... # ....................... # البيت. # ومثال جرها بحرف قول امرىء القيس: [الطويل] # 222- ورحنا بكابن الماء يجنب وسطنا # تصوب فيه العين طورا وترتقي # وقوله: [الوافر] # 223- وزعت بكالهراوة أعوجي # إذا ونت الركاب جرى وثابا # ومثال جرها بالإضافة قوله: [السريع أو الرجز] # 224- فصيروا مثل كعصف مأكول # وحال يتعين أن تكون فيها حرفا، وهي الواقعة صلة، نحو: جاء الذي كزيد؛ ~~لأن جعلها اسما ms0142 يستلزم حذف عائد مبتدأ من غير طول الصلة، وهذا ممتنع ~~عند البصريين. وحال يجوز فيها الأمران، وهي ما عدا ذلك نحو: " زيد كعمرو ~~". # وأبعد من جعلها زائدة في الآية الكريمة، أي: مثلهم مثل الذي، ونظره ~~بقوله: " فصيروا مثل كعصف " كأنه جعل المثل والمثل بمعنى واحد، ~~والوجه أن المثل - هنا - بمعنى القصة والتقدير: صفتهم وقصتهم كقصة ~~المستوقد، فليست زائدة على هذا التأويل، وهذا جواب عن سؤال أيضا، وهو ~~أن يقال: قوله تعالى: { مثلهم كمثل الذي استوقد } يقتضي ~~تشبيه مثلهم مثل المستوقد، فما مثل المنافقين ومثل المستوقد حتى ~~شبه أحدهما بالآخر؟ # فالجواب: أن يقال: استعير المثل للقصة وللصفة إذا كان لها شأن وفيها ~~غرابة، كأنه قيل: قصتهم العجيبة كقصة الذي استوقد نارا، وكذا قوله: # مثل الجنة التي وعد المتقون # [الرعد: 35] أي فيما قصصنا عليه من العجائب قصة الجنة العجيبة. # ولله المثل الأعلى # [النحل: 60] أي: الوصف الذي له شأن من العظمة والجلالة. # مثلهم في التوراة # [الفتح: 29] أي: وصفهم وشأنهم المتعجب منه، ولكن المثل - بالفتح - في ~~الأصل بمعنى مثل ومثيل نحو: شبه وشبه وشبيه. وقيل: بل هي في الأصل ~~الصفة. # وأما المثل في قولهم: " ضرب مثلا " فهو القول السائر الذي فيه غرابة ~~من بعض الوجوه، ولذلك حوفظ في لفظه فلم يغير. # و " الذي ": في محل خفض بالإضافة، وهو موصول للمفرد المذكر، ولكن ~~المراد به - هنا - جمع ولذلك روعي معناه في قوله: { ذهب الله ~~بنورهم وتركهم } فأعاد الضمير عليه جمعا، والأولى أن يقال: ~~إن " الذي " وقع وصفا لشيء يفهم الجمع، ثم حذف ذلك الموصوف للدلالة ~~عليه. # والتقدير: ومثلهم كمثل الفريق الذي استوقد، أو الجمع الذي استوقد؛ ~~ويكون قد روعي الوصف مرة، فعاد الضمير عليه مفردا في قوله: { ~~استوقد نارا } و " حوله " ، والموصوف أخرى فعاد الضمير عليه ~~مجموعا في قوله: " بنورهم " ، و " تركهم ". # وقيل: إن المنافقين ذاتهم لم يشبهوا بذات المستوقد، وإنما شبهت ~~قصتهم بقصة المستوقد، ومثله قوله: # مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها ~~كمثل الحمار # [الجمعة: 5]، وقوله: # ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت ms0143 # [محمد: 20]. # وقيل: المعنى: ومثل كل واحد منهم كقوله: # يخرجكم طفلا # [غافر: 67] أي: يخرج كل واحد منكم. ووهم أبو البقاء، فجعل هذه الآية من ~~باب ما حذفت منه النون تخفيفا، وأن الأصل: " الذين " ثم خففت ~~بالحذف، وكأنه مثل قوله تعالى: # وخضتم كالذي خاضوا # [التوبة: 69]، وقول الشاعر: [الطويل] # 225- وإن الذي حانت بفلج دماؤهم # هم القوم كل القوم يا أم خالد # والأصل: " كالذين خاضوا " " وإن الذين حانت ". وهذا وهم؛ لأنه لو ~~كان من باب ما حذفت النون منه لوجب مطابقة الضمير جمعا كما في قوله ~~تعالى: # كالذي خاضوا # [التوبة: 69] و " دماؤهم " ، فلما قال تعالى: { استوقد } بلفظ ~~الإفراد تبين أحد الأمرين المتقدمين: إما بصلة من باب وقوع المفرد ~~موقع الجمع؛ لأن المراد به الجنس، أو أنه من باب ما وقع فيه من صفة ~~لموصوف يفهم الجمع. # وقال الزمخشري ما معناه: إن هذه الآية مثل قوله تعالى: # كالذي خاضوا # [التوبة: 69]، واعتل لتسويغ ذلك بأمرين. # أحدهما: أن " الذي " لما كان وصلة لوصف المعارف ناسب حذف بعضه ~~لاستطالته، قال: " ولذلك نهكوه بالحذف، فحذفوا ياءه ثم كسرته، ثم اقتصروا ~~منه على اللام في أسماء الفاعلين والمفعولين ". # والأمر الثاني: أن جمعه ليس بمنزلة جمع غيره بالواو والنون، إنما ذلك ~~علامة لزيادة الدلالة، ألا ترى أن سائر الموصولات لفظ ~~الجمع والمفرد فيهن سواء؟ # وهذا القول فيه نظر من وجهين: # أحدهما: أن قوله ظاهر في جعل هذه الآية من باب حذف نون " الذين " ، ~~وفيه ما تقدم من أنه كان ينبغي أن يطابق الضمير جمعا كما في الآية ~~الأخرى التي نظر بها. # والوجه الثاني: أنه اعتقد كون الموصول بقيته " الذي " ، وليس كذلك، بل " ~~أل " الموصولة اسم موصول مستقل، أي: غير مأخوذ من شيء، على أن الراجح ~~من جهة الدليل كون " أل " الموصولة حرفا لا اسما كما سيأتي. # وليس لمرجح أن يرجح قول الزمخشري بأنهم قالوا: إن الميم في قولهم: " ~~م الله " بقية " أيمن " ، فإذا انتهكوا " أيمن " بالحذف حتى صار على حرف ~~واحد، فأولى أن يقال بذلك فيما بقي على حرفين، لأن " أل ms0144 " زائدة على ~~ماهية " الذي " ، فيكونون قد حذفوا جميع الاسم، وتركوا ذلك الزائد عليه، ~~بخلاف " ميم " " أيمن " ، وأيضا فإن القول بأن " الميم " بقية " أيمن " ~~قول ضعيف مردود يأباه قول الجمهور. # وفي " الذي " لغات، أشهرها ثبوت الياء ساكنة وقد تشدد مكسورة ~~مطلقا، أو جارية بوجوه الإعراب، كقوله: [الوافر] # 226- وليس المال فاعلمه بمال # وإن أرضاك إلا للذي # ينال به العلاء ويصطفيه # لأقرب أقربيه وللقصي # فهذا يحتمل أن يكون مبنيا، وأن يكون معربا. وقد تحذف ساكنا ما ~~قبلها؛ كقول الآخر: [الطويل] # 227- فلم أر بيتا كان أحسن بهجة # من اللذ به من آل عزة عامر # أو مكسورا؛ كقوله: [الرجز] # 228- واللذ لو شاء لكانت برا # أو جبلا أشم مشمخرا # ومثل هذه اللغات في " التي " أيضا. # قال بعضهم: " وقولهم: هذه لغات ليس بجيد؛ لأن هذه لم ترد إلا ضرورة، ~~فلا ينبغي أن تسمى لغات ". # و " استوقد ": " استفعل " بمعنى " أفعل " ، نحو: " استجاب " بمعنى " ~~أجاب " ، وهو رأي الأخفش وعليه قول الشاعر: [الطويل] # 229- وداع دعا: يا من يجيب إلى الهدى # فلم يستجبه عند ذاك مجيب # أي: فلم يجبه. # وقيل: بل السين للطلب، ورجح قول الأخفش بأن كونه للطلب يستدعي حذف ~~جملة، ألا ترى أن المعنى: استدعوا نارا فأوقدوها، فلما أضاءت؛ لأن ~~الإضاءة لا تنشأ عن الطلب إنما تنشأ عن الإيقاد. # والفاء في قوله: " فلما " للسبب. # وقرأ ابن السميفع: " كمثل الذين " بلفظ الجمع، واستوقد بالإقراد، وهي ~~مشكلة، وقد خرجوها على أوجه أضعف منها وهي التوهم، أي: كأنه نطق ب " ~~من "؛ إذ أعاد ضمير المفرد على الجمع كقولهم، " ضربني وضربت قومك " أي: ~~ضربني من، أو يعود على اسم فاعل مفهوم من " استوقد " ، والعائد على ~~الموصول محذوف، وإن لم يكمل شرط الحذف، والتقدير: استوقدها مستوقد ~~لهم. # وهذه القراءة تقوي قول من يقول: إن أصل " الذي ": " الذين " ، فحذفت ~~النون. # و " لما " حرف وجوب لوجوب هذا مذهب سيبويه. # وزعم الفارسي وتبعه أبو البقاء، أنها ظرف بمعنى " حين " ، وأن العامل ~~فيها جوابها، وقد رد عليه بأنها أجيبت ب " ما " النافية، و " إذا " ~~الفجائية، قال تعالى: # فلما ms0145 جآءهم نذير ما زادهم إلا نفورا # [فاطر: 42]. # وقال تعالى: # فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون # [العنكبوت: 65]، و " ما " النافية، و " إذا " الفجائية لا يعمل ما ~~بعدهما فيما قبلهما، فانتفى أن تكون ظرفا. # وتكون " لما " أيضا جازمة لفعل واحد، معناها نفي الماضي المتصل ~~بزمن الحال، ويجوز حذف مجزومها؛ قال الشاعر: [الوافر] # 230 - فجئت قبورهم بدءا ولما # فناديت القبور فلم يجبنه # وتكون بمعنى " إلا " قال تعالى: # وإن كل ذلك لما متاع الحيوة الدنيا # [الزخرف: 35] في قراءة من قرأ بالتشديد. # و " أضاء ": يكون لازما ومتعديا، فإن كان متعديا، ف " ما " مفعول ~~به، وهي موصولة، و " حوله " ظرف مكان مخفوض به، صلة لها، ولا يتصرف، ~~وبمعناه: حوال؛ قال الشاعر: [الرجز]. # 231- وأنا أمشي الدألى حوالكا # ويثنيان؛ قال عليه الصلاة والسلام: # " اللهم حوالينا ". # ويجمعان على " أحوال ". # ويجوز أن تكون " ما " نكرة موصوفة، و " حوله " صفتها، وإن كان لازما، ~~فالفاعل ضمير " النار " أيضا، و " ما " زائدة، و " حوله " منصوب على ~~الظرف العامل فيه " أضاء ". # وأجاز الزمخشري أن تكون " ما " فاعلة موصولة، أو نكرة موصولة، وأنث ~~الفعل على المعنى، والتقدير: فلما أضاءت الجهة التي حوله أو جهة حوله. # وأجاز أبو البقاء فيها أيضا أن تكون منصوبة على الظرف، وهي حينئذ: إما ~~بمعنى الذي، أو نكرة موصوفة، والتقدير: فلما أضاءت النار المكان الذي ~~حوله، أو مكانا حوله، فإنه قال: يقال: ضاءت النار، وأضاءت بمعنى، فعلى ~~هذا تكون " ما " ظرفا. # وفي " ما " ثلاثة أوجه: # أحدها: أن تكون بمعنى الذي. # والثاني: هي نكرة موصوفة، أي: مكانا حوله. # والثالث: هي زائدة. # وفي عبارته بعض مناقشة، فإنه بعد حكمه على " ما " بأنها ظرفية كيف ~~يجوز فيها - والحالة هذه - أن تكون زائدة، وإنما أراد في " ما " هذه ~~من حيث الجملة ثلاثة أوجه. # وقول الشاعر: [الطويل] # 232- أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم # دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه # يحتمل التعدي واللزوم كالآية الكريمة. # وقرأ ابن السميفع: " ضاءت " ثلاثيا. # قوله: " ذهب الله بنورهم " هذه الجملة الظاهر أنها جواب ل " ما ". # وقال الزمخشري: " جوابها محذوف، تقديره: فلما أضاءت ms0146 خمدت " وجعل هذا ~~أبلغ من ذكر الجواب، وجعل جملة قوله: { ذهب الله بنورهم } ~~مستأنفة أو بدلا من جملة التمثيل. # وقد رد عليه بعضهم هذا بوجهين: # أحدهما: أن هذا التقدير مع وجود ما يغني عنه، فلا حاجة إليه؛ إذ ~~التقديرات إنما تكون عند الضرورات. # والثاني: أنه لا تبدل الجملة الفعلية من الجملة الاسمية. # و " بنورهم " متعلق ب " ذهب " ، والباء فيه للتعدية وهي مرادفة ~~للهمزة في التعدية، هذا مذهب الجمهور. # وزعم أبو العباس أن بينهما فرقا، وهو أن الباء يلزم معها مصاحبة ~~الفاعل للمفعول في ذلك الفعل الذي قبله، والهزة لا يلزم فيها ذلك. # فإذا قلت: " ذهبت بزيد " فلا بد أن تكون قد صاحبته في الذهاب ~~فذهبت معه. # وإذا قلت: أذهبته جاز أن يكون قد صحبته وألا يكون. # وقد رد الجمهور على المبرد بهذه الآية؛ لأن مصاحبته - تعالى - لهم في ~~الذهاب مستحيلة. # ولكن قد أجاب [أبو الحسن] ابن عصفور عن هذا بأنه يجوز أن يكون - تعالى ~~- قد أسند إلى نفسه ذهابا يليق به، كما أسند إلى نفسه - تعالى - المجيء ~~والإتيان على معنى يليق به، وإنما يرد عليه بقول الشاعر: [الطويل]. # 233- ديار التي كانت ونحن على منى # تحل بنا لولا نجاء الركائب # أي: تجعلنا جلالا بعد أن كنا محرمين بالحج، ولم تكن هي ~~محرمة حتى تصاحبهم في الحل؛ وكذا قول امرىء القيس: [الطويل] # 234- كميت يزل اللبد عن حال متنه # كما زلت الصفواء بالمتنزل # " الصفواء " الصخرة، وهي لم تصاحب الذي تزله. # والضمير في " بنورهم " عائد على معنى الذي كما تقدم. # وقال بعضهم: هو عائد على مضاف محذوف تقديره: كمثل أصحاب الذي استوقد، ~~واحتاج هذا القائل إلى هذا التقدير، قال: حتى يتطابق المشبه والمشبه به؛ ~~لأن المشبه جمع، فلو لم يقدر هذا المضاف، وهو " أصحاب " لزم أن يشبه ~~الجمع بالمفرد وهو الذي استوقد. ولا أدري ما الذي حمل هذا القائل على ~~منع تشبيه الجمع بالمفرد في صفة جامعة بينهما، وأيضا فإن المشبه ~~والمشبه به إنما هو القصتان، فلم يقع التشبيه إلا بين قصتين إحداهما ~~مضافة ms0147 إلى جمع، والأخرى إلى مفرد. # قوله: { وتركهم في ظلمات لا يبصرون } ههذه جملة ~~معطوفة. # فإن قيل: لم قيل: ذهب بنورهم، ولم يقل: أذهب الله نورهم؟ # فالجواب: أن معنى أذهبه: أزاله، وجعله ذاهبا، ومعنى ذهب به: إذا أخذه، ~~ومضى به معه، ومنه: ذهب السلطان بماله: أخذه، قال تعالى: # فلما ذهبوا به # [يوسف: 15] فالمعنى: أخذ الله نوره، وأمسكه، فهو أبلغ من الإذهاب، وقرأ ~~اليماني: " أذهب الله نورهم ". # فإن قيل: هلا قيل: ذهب الله بضوئهم [لقوله: { فلمآ أضاءت }؟ # الجواب: ذكر النور أبلغ؛ لأن الضوء فيه دلالة على الزيادة]. # فلو قيل: ذهب الله بضوئهم لأوهم ذهاب [الكمال، وبقاء] ما يسمى نورا ~~والغرض إزالة النور عنهم بالكلية، ألا ترى كيف ذكر عقيبه: { ~~وتركهم في ظلمات لا يبصرون } والظلمة عبارة عن عدم ~~النور. # وقوله: [ { وتركهم في ظلمات لا يبصرون } ] هذه جملة ~~معطوفة على قوله: " ذهب الله " ، وأصل الترك: التخلية، ويراد به ~~التصيير، فيتعدى لاثنين على الصحيح؛ كقول الشاعر: [البسيط] # 235- أمرتك الخير فافعل ما أمرت به # فقد تركتك ذا مال وذا نشب # فإن قلنا: هو متعد لاثنين كان المفعول الأول هو الضمير، والمفعول ~~الثاني: " في ظلمات " و " لا يبصرون " حال، وهي حال مؤكدة؛ لأن من كان في ~~ظلمة فهو لا يبصر. # وصاحب الحال: إما الضمير المنصوب، أو المرفوع المستكن في الجار ~~والمجرور. # ولا يجوز أن يكون " في ظلمات " حالا و " لا يبصرون " هو المفعول ~~الثاني؛ لأن المفعول الثاني خبر في الأصل، والخبر لا يؤتى به للتأكيد، ~~فإذا جعلت " في ظلمات " حالا فهم من عدم الإبصار، فلو يفد قولك بعد ذلك: ~~" لا يبصرون " إلا التأكيد، لكن التأكيد ليس من شأن الأخبار، بل من ~~شأن الأحوال؛ لأنها فضلات. # ويؤيد ما ذكرت أن النحويين لما أعربوا قول امرىء القيس: [الطويل] # 236- إذا ما بكى من خلفها انصرفت له # بشق وشق عندنا لم يحول # أعربوا: " شق " مبتدأ و " عندنا " خبره، و " لم يحول " جملة حالية ~~مؤكدة؛ قالوا: وجاز الابتداء بالنكرة، لأنه موضع تفصيل، وأبوا أن يجعلوا ~~" لم يحول " خبرا، و " عندنا " صفة ms0148 ل " شق " مسوغا للابتداء ~~به قالوا: لأنه فهم معناه من قوله: " عندنا "؛ لأنه إذا كان عنده علم ~~منه أنه لم يحول. # وقد أعربه أبو البقاء كذلك، وهو مردود بما ذكرت. # ويجوز إذا جعلنا " لا يبصرون " هو المفعول الثاني أن يتعلق " في ~~ظلمات " به، أو ب " تركهم " ، التقدير: " وتركهم لا يبصرون في ظلمات ~~". وإن كان " ترك " متعديا لواحد كان " في ظلمات " متعلقا ب " ~~تركهم " ، و " لا يبصرون " حال مؤكدة، ويجوز أن يكون " في ظلمات " ~~حالا من الضمير المنصوب في " تركهم " ، فيتعلق بمحذوف، و " لا يبصرون ~~" حال أيضا، إما من الضمير في تركهم، فيكون له حالان، ويجري فيه الخلاف ~~المتقدم، وإما من الضمير المرفوع المستكن في الجار والمجرور قبله، ~~فتكون حالين متداخلتين. # فصل في سبب حذف المفعول # فإن قيل: لم حذف المفعول من " يبصرون "؟ # فالجواب: أنه من قبيل المتروك الذي لا يلتفت إلى إخطاره بالبال، ~~لا من قبيل المقدر المنوي كأن الفعل غير متعد أصلا. # قال ابن الخطيب: ما وجه التمثيل في أعطي نورا، ثم سلب ذلك النور، مع ~~أن المنافق ليس هو نور، وأيضا أن من استوقد نارا فأضاءت قليلا، فقد ~~انتفع بها وبنورها ثم حرم، والمنافقون لا انتفاع لهم ألبتة بالإيمان، ~~وأيضا مستوقد النار قد اكتسب لنفسه النور، والله - تعالى - ذهب بنوره، ~~وتركه في الظلمات، والمنافق لم يكتسب خيرا، وما حصل له من الحيرة، فقد ~~أتي فيه من قبل نفسه، فما وجه التشبيه؟ # والجواب: أن العلماء ذكروا في كيفية التشبيه وجوها: # أحدها: قال السدي: إن ناسا دخلوا في الإسلام عند وصوله - عليه الصلاة ~~والسلام - إلى " المدينة " ثم إنهم نافقوا، والتشبيه - هاهنا - في غاية ~~الصحة؛ لأنهم بإيمانهم أولا اكتسبوا نورا، ثم بنفاقهم ثانيا أبطلوا ~~ذلك النور، ووقعوا في حيرة من الدنيا، وأما المتحير في الدين، فإنه ~~يخسر نفسه في الآخرة أبد الآبدين. # وثانيها: إن لم يصح ما قاله السدي بل كانوا منافقين من أول الأمر، ~~فهاهنا تأويل آخر. # قال ابن عباس: وقتادة، ومقاتل، والضحاك، والسدي، والحسن: نزلت في ~~المنافقين يقول: مثلهم ms0149 في نفاقهم كمثل رجل أوقد نارا في ليلة ~~مظلمة في مغارة، فاستدفأ، ورأى ما حوله فاتقى مما يخاف، فبينا ~~هو كذلك إذ طفئت ناره، فبقي في ظلمة خائفا متحيرا، فكذلك ~~المنافقون بإظهارهم كلمة الإيمان أمنوا على أموالهم، وأولادهم، وناكحوا ~~المؤمنين، وأورثوهم، وقاسموهم الغنائم، وسائر أحكام المسلمين، فذلك ~~نورهم، فإذا ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف، ولما كان ذلك بالإضافة ~~إلى العذاب الدائم مثل الذرة، شبههم بمستوقد النار الذي انتفع ~~بضوئها قليلا، ثم سلب ذلك، فدامت حسرته وحيرته للظلمة العظيمة التي ~~جاءته عقيب النور اليسير. # وثالثها: أن نقول ليس التشبيه في أن للمنافق نورا، بل وجه ~~التشبيه بالمستوقد أنه لما زال النور عنه تحيروا تحير من كان ~~في نور ثم زال عنه أشد من تحير سالك الطريق في ظلمة مستمرة، لكنه - ~~تعالى - ذكر النور في مستوقد النار لكي يصح أن يوصف بهذه الظلمة ~~الشديدة، لا أن وجه التشبيه مجمع النور والظلمة. # ورابعها: قال مجاهد: إن الذي أظهروه يوهم أنه من باب النور الذي ~~ينتفع به، وذهاب النور هو ما يظهره لأصحابه من الكفر والنفاق، ومن قال ~~بهذا قال: إن المثل إنما عطف على قوله: # وإذا لقوا الذين ءامنوا قالوا ءامنا وإذا ~~خلوا إلى شيطينهم قالوا إنا معكم # [البقرة: 14] فالنار مثل لقولهم: " ءامنا " وذهابه مثل لقولهم للكفار ~~" إنا معكم ". # فإن قيل: كيف صار ما يظهره المنافق من كلمة الإيمان ممثلا بالنور، ~~وهو حين تكلم بها أبطن خلافها؟ # قلنا: لو ضم إلى القول اعتقادا له وعملا به لأتم النور لنفسه، لكنه ~~لما لم يفعل لم يتم نوره، وإنما سمى مجرد ذلك القول نورا؛ لأنه قول ~~حق في نفسه. # وخامسها: يجوز أن يكون استيقاد النار عبارة عن إظهار المنافق كلمة ~~الإيمان، وإنما سمى نورا؛ لأنه يتزين به ظاهرا فيهم، ويصير ممدوحا ~~بسببه فيما بينهم، ثم إن الله يذهب ذلك النور بهتك ستر المنافق ~~بتعريف نبيه والمؤمنين حقيقة أمره، فيظهر له اسم النفاق بدل ما يظهر ~~منه من اسم الإيمان، فيبقى في ظلمات لا يبصر؛ إذ ms0150 النور الذي كان له ~~قبل كشف الله أمره قد زال. # وسادسها: أنهم لما وصفوا بأنهم اشتروا الضلالة بالهدى عقب ذلك بهذا ~~التمثيل ليمثل هداهم الذي باعوه بالنار المضيئة ما حول المستوقد ~~والضلالة التي اشتروها، وطبع بها على قلوبهم بذهاب الله بنورهم، ~~وتركه إياهم في ظلمات. # وسابعها: يجوز أن يكون المستوقد - هاهنا - مستوقد نار لا يرضاها الله ~~تعالى، والغرض تشبيه الفتنة التي حاول المنافقون إثارتها بهذه النار، ~~فإن الفتنة التي كانوا يثيرونها كانت قليلة البقاء، ألا ترى إلى قوله ~~تعالى: # كلمآ أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله # [المائدة: 64]. # وثامنها: قال سعيد بن جبير: نزلت في اليهود، وانتظارهم لخروج النبي - ~~عليه الصلاة والسلام - لإيقاد النار، وكفرهم به بعد ظهوره، كزوال ذلك ~~النور؛ قاله محمد بن كعب، وعطاء. # والموقود - هنا - هو سطوع النار وارتفاع لهبها. # والنار: جوهر لطيف مضيء حام محرق، واشتقاقها من نار ينور إذا ~~نفر؛ لأن فيها حركة واضطرابا، والنور مشتق منها، وهو ضوؤها، والمنار ~~العلامة، والمنارة هي الشيء الذي يؤذن عليها ويقال أيضا للشيء الذي ~~يوضع عليه السراج منارة، ومنه النورة لأنها تطهر البدن، والإضاءة فرط ~~الإنارة، ويؤيده قوله تعالى: # هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نورا # [يونس: 5]. # وما حول الشيء فهو الذي يتصل به تقول: دار حوله وحواليه. # والحول: السنة؛ لأنها تحول، وحال عن العهد أي: تغير، ومنه حال ~~لونه. # والحوالة: انقلاب الحق من شخص إلى شخص، والمحاولة: طلب الفعل بعد أن ~~لم يكن طالبا له، والحول: انقلاب العين، والحول: الانقلاب قال ~~تعالى: # لا يبغون عنها حولا # [الكهف: 108]. # والظلمة: عدم النور عما من شأنه أن يستنير، والظلم في الأصل ~~عبارة عن النقصان قال تعالى: # ءاتت أكلها ولم تظلم منه شيئا # [الكهف: 33] أي: لم تنقص. # والظلم: الثلج، لأنه ينقص سريعا. والظلم: ماء آسن وطلاوته وبياضه ~~تشبيها له بالثلج. ### || [2.18] # الجمهور على رفعها على أنها خبر مبتدأ محذوف، هم صم بكم، ويجيء فيه ~~الخلاف المشهور في تعدد الخبر، فمن أجاز ذلك حمل الآية عليه من غير ~~تأويل، ومن منع ذلك قال: هذه ms0151 الأخبار: وإن تعددت لفظا، فهي متحدة معنى؛ ~~لأن المعنى: هم غير قائلين للحق بسبب عماهم وصممهم، فيكون من ~~باب: " هذا حلو حامض " أي: مز، وهذا أعسر أيسر أي: أضبط، وقول ~~الشاعر: [الطويل] # 237- ينام بإحدى مقلتيه ويتقي # بأخرى الأعادي، فهو يقظان هاجع # أي: متحرز. # أو يقدر لكل خبر مبتدأ تقديره: هم صم، هم بكم، هم عمي. # والمعنى: أنهم جامعون لهذه الأوصاف الثلاثة، ولولا ذلك لجاز أن تكون هذه ~~الآية من باب ما تعدد فيه الخبر لتعدد المبتدأ، كقولك: الزيدون فقهاء ~~شعراء كاتبون، فإنه يحتمل أن يكون المعنى أن بعضهم فقهاء، وبعضهم شعراء، ~~وبعضهم كاتبون، وأنهم ليسوا جامعين لهذه الأوصاف الثلاثة، بل بعضهم اختص ~~بالفقه، والبعض الآخر اختص بالشعر، والآخر بالكتابة. # وقرأ بعضهم " صما بكما عميا " بالنصب، وفيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه حال، وفيه وجهان: # أحدهما: هو حال من الضمير المنصوب في " تركهم ". # والثاني: من المرفوع في " لا يبصرون ". # الثاني: النصب على الذم كقوله: # حمالة الحطب # [المسد: 4] وقول الآخر: # 238- سقوني الخمر ثم تكنفوني # عداة الله من كذب وزور # أي: أذم عداة الله. # الثالث: أن يكون منصوبا ب " ترك " ، أي: صما بكما عميا. # والصمم: داء يمنع من السماع، وأصله من الصلابة، يقال: قناة ~~صماء: أي: صلبة. # وقيل: أصله من الانسداد، ومنه: صممت القارورة أي: سددتها. # والبكم: داء يمنع الكلام. # وقيل: هو عدم الفهم. # وقيل: الأبكم من ولد أخرس. # وقوله: { فهم لا يرجعون } جملة خبرية معطوفة على الجملة الخبرية قبلها. # وقيل: بل الأولى دعاء عليهم بالصمم، ولا حاجة إلى ذلك. # وقال أبو البقاء: وقيل: فهم لا يرجعون حال، وهو خطأ؛ لأن " الفاء " ~~ترتب، والأحوال لا ترتيب فيها. # و " رجع " يكون قاصرا ومتعديا باعتبارين، وهذيل تقول:: " أرجعه غيره " ~~، فإذا كان بمعنى " عاد " كان لازما، وإذا كان بمعنى " أعاد " كان ~~متعديا، والآية الكريمة تحتمل التقديرين، فإن جعلناه متعديا، ~~فالمفعول محذوف، تقديره لا يرجعون جوابا، مثل قوله: # إنه على رجعه لقادر # [الطارق: 8]، وزعم بعضهم أنه يضمن معنى " صار " ، فيرفع الاسم، وينصب ~~الخبر، وجعل منه قوله عليه الصلاة ms0152 والسلام: # " لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ". # ومن منع جريانه مجرى " صار " جعل المنصوب حالا. # فصل في المراد بنفي السمع والبصر عنهم. # لما كان المعلوم من حالهم أنهم كانوا يسمعون، وينطقون، ويبصرون امتنع ~~حمل ذلك على الحقيقة فلم يبق إلا تشبيه حالهم لشدة تمسكهم بالعناد، ~~وإعراضهم عن سماع القرآن، وما يظهره الرسول من الأدلة والآيات بمن هو ~~أصم في الحقيقة فلا يسمع، وإذا لم يسمع لم يتمكن من الجواب، فلذلك جعله ~~بمنزلة الأبكم، وإذا لم ينتفع بالأدلة، ولم يبصر طريق الرشد، فهو ~~بمنزلة الأعمى. # وقوله: { فهم لا يرجعون } أي: من التمسك بالنفاق فهم مستمرون ~~على نفاقهم أبدا. # وقيل: لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه، أو عن الضلالة بعد أن ~~اشتروها. # وقيل: أراد أنهم بمنزلة المتحيرين الذين بقوا خامدين في مكانهم ~~لا يبرحون، ولا يدرون أيتقدمون أم يتأخرون؟ وكيف يرجعون إلى حيث ~~ابتدءوا منه؟ ### || [2.19-20] # اعلم أن هذا مثل ثان للمنافقين، وكيفية المشابهة من وجوه: # أحدها: أنه إذا حصل السحاب والرعد والبرق، واجتمع مع ظلمة السحاب ظلمة ~~الليل، وظلمة المطر عند ورود الصواعق عليهم يجعلون أصابعهم في آذانهم ~~من الصواعق حذر الموت، وأن البرق يكاد يخطف أبصارهم، فإذا أضاء لهم ~~مشوا فيه، وإذا ذهب بقوا في ظلمة عظيمة، فوقفوا متحيرين؛ لأن من ~~أصابه البرق في هذه الظلمات الثلاث ثم ذهب عنه تشتد حيرته، وتعظم ~~الظلمة في عينيه أكثر من الذي لم يزل في الظلمة، فشبه المنافقين في ~~حيرتهم وجهلهم بالدين بهؤلاء الذين وصفهم، إذا كانوا لا يرون طريقا، ~~ولا يهتدون. # وثانيها: أن المطر وإن كان نافعا إلا أنه لما وجد في هذه الصورة ~~مع هذه الأحوال الضارة صار النفع به زائلا، فكذا إظهار الإيمان نافع ~~للمنافقين لو وافقه الباطن، فإذا فقد منه الإخلاص، وحصل معه النفاق كان ~~ضررا في الدين. # وثالثها: أن من هذا حاله، فقد بلغ النهاية في الحيرة لاجتماع أنواع ~~الظلمات، وحصول أنواع المخافة، فحصلت في المنافقين نهاية الحيرة ~~في الدين، ونهاية الخوف في الدنيا؛ لأن ms0153 المنافق يتصور في كل وقت أنه لو ~~حصل الوقوف على باطنه لقتل، فلا يزال الخوف في قلبه مع النفاق. # ورابعها: المراد من الصيب هو الإيمان والقرآن، والظلمات والرعد ~~والبرق هي الأشياء الشاقة على المنافقين من التكاليف كالصلاة والصوم ~~وترك الرياسات، والجهاد مع الآباء والأمهات، وترك الأديان القديمة، ~~والانقياد لمحمد - عليه الصلاة والسلام - مع شدة استنكافهم عن ~~الانقياد، فكأن الإنسان يبالغ في الاحتراز عن المطر الصيب الذي ~~[هو] أشد الأشياء نفعا بسبب هذه الأمور المقارنة، كذلك هؤلاء. ~~والمراد من قوله: { كلما أضآء لهم مشوا فيه } أنه متى ~~حصل لهم شيء من المنافع، وهي عصمة أموالهم ودمائهم، وحصول الغنائم، ~~فإنهم يرغبون في الدين. # قوله: { وإذآ أظلم عليهم قاموا } أي متى لم يجدوا شيئا ~~من تلك المنافع، فحينئذ يكرهون الإيمان، ولا يرغبون فيه. # فصل في " أو " # في " أو " خمسة أقوال: # أظهرها: أنها للتفصيل بمعنى: أن الناظرين في حال هؤلاء منهم من يشبههم ~~بحال المستوقد، ومنهم من يشبههم بأصحاب صيب هذه صفته. # قال ابن الخطيب: " والثاني أبلغ؛ لأنه أدل على فرط الحيرة ". # والثاني: أنها للإبهام، أي: أن الله أبهم على عباده تشبيههم بهؤلاء ~~أو بهؤلاء. # والثالث: أنها للشك، بمعنى: أن الناظر يشك في تشبيههم. # الرابع: أنها للإباحة. # الخامس: أنها للتخيير، قالوا: لأن أصلها تساوي شيئين فصاعدا في الشك، ~~ثم اتسع فيها، فاستعيرت للتساوي في غير الشك كقولك: " جالس الحسن أو ابن ~~سيرين " يريد أنهما سيان، وأن يجالس أيهما شاء، ومنه قوله تعالى: # ولا تطع منهم ءاثما أو كفورا # [الإنسان: 24]، أي: الإثم والكفر متساويان في وجوب عصيانهما، وزاد ~~الكوفيون فيها معنيين آخرين: # أحدهما: كونها بمعنى " الواو "؛ وأنشدوا: [البسط] # 239- نال الخلافة أو كانت له قدرا # كما أتى ربه موسى على قدر # وقال تعالى: # تأكلوا من بيوتكم أو بيوت ءابآئكم أو بيوت ~~أمهاتكم # [النور: 61] وقال: [الطويل] # 240- وقد زعمت ليلى بأني فاجر # لنفسي تقاها أو عليها فجورها # قال ابن الخطيب: وهذه الوجوه مطردة في قوله: # ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة ~~أو أشد قسوة # [البقرة: 74]. # المعنى ms0154 الثاني: كونها بمعنى: " بل "؛ قال تعالى: # وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون # [الصافات: 147] وأنشدوا: [الطويل] # 241- بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى # وصورتها أو أنت في العين أملح # أي: بل أنت. # و " كصيب " معطوف على " كمثل " ، فهو في محل رفع، ولا بد من حذف ~~مضافين؛ ليصح المعنى، التقدير يراد: " أو كمثل ذوي صيب " ولذلك رجع عليه ~~ضمير الجمع في قوله: { يجعلون أصابعهم في ءاذانهم } ، ~~لأن المعنى على تشبيههم بأصحاب الصيب لا بالصيب نفسه. # و " الصيب " المطر سمي بذلك لنزوله، يقال: صاب يصوب إذا نزل؛ ومنه: ~~صوب رأسه: إذا خفضه؛ قال [الطويل] # 242- فلست لإنسي ولكن لملأك # تنزل من جو السماء يصوب # وقال آخر: [الطويل] # 243- فلا تعدلي بيني وبين مغمر # سقتك روايا المزن حيث تصوب # وقيل: إنه من صاب يصوب: إذا قصد، ولا يقال: صيب إلا للمطر ~~الجواد، كان - عليه الصلاة والسلام - يقول: # " اللهم اجعله صيبا هنيئا " # أي: مطرا جوادا، ويقال أيضا للسحاب: صيب؛ قال الشماخ: [الطويل] # 244-.................................. # وأسحم دان صادق الرعد صيب # وتنكير " صيب " يدل على نوع زائد من المطر شديد هائل كما نكرت " ~~النار " في التمثيل الأول. # وقرىء " كصائب " ، والصيب أبلغ. # واختلف في وزن " صيب ". # فقد ذهب البصرون أنه " فيعل " ، والأصل: صيوب أدغم ك " ميت " و ~~" هين " ، والأصل: ميوت وهيون. # وقال بعض الكوفيين: وزنه " فعيل " والأصل: صويب بزنة طويل. # قال النحاس: وهذا خطأ؛ لأنه كان ينبغي أن يصح ولا يعل كطويل، وكذا ~~أبو البقاء. # وقيل وزنه: " فعيل " فقلب وأدغم. # واعلم أنه إذا قيل بأن الجملة من قوله: # ذهب الله بنورهم # [البقرة: 17] استئنافية، ومن قوله: # صم بكم عمي # [البقرة: 18] إنها من وصف المنافقين كانتا جملتي اعتراض بين المتعاطفين، ~~أعني قوله: " كمثل " و " كصيب " وهي مسألة خلاف منعها الفارسي ~~ورد عليه بقول الشاعر: [الوافر] # 245- لعمرك والخطوب مغيرات # وفي طول المعاشرة التقالي # لقد باليت مظعن أم أوفى # ولكن أم أوفى لا تبالي # ففصل بين القسم، وهو " لعمرك " وبين جوابه، وهو " لقد باليت " ~~بجملتين إحداهما: " والخطوب مغيرات ". # والثانية: " وفي طول المعاشرة التقالي ". # و " من السماء ms0155 " يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يتعلق ب " صيب "؛ لأنه يعمل عمل الفعل، والتقدير: كمطر ~~يصوب من السماء، و " من " لابتداء الغاية. # والثاني: أن يكون في محل جر صفة ل " صيب " ، فيتعلق بمحذوف، وتكون ~~" من " للتبغيض، ولا بد حينئذ من حذف مضاف تقديره: كصيب كائن من أمطار ~~السماء. # والسماء: هذه المطلة، وهي في الأصل كل ما علاك من سقف ونحوه، ~~مشتقة من السمو، وهو الإرتفاع، والأصل: سماو، وإنما قلبت الواو همزة ~~لوقوعها طرفا بعد ألف زائدة وهو بدل مطرد، نحو: " كساء ورداء " ، ~~بخلاف " سقاية وشقاوة " لعدم تطرف حرف العلة، ولذلك لما دخلت عليها تاء ~~التأنيث صحت؛ نحو: " سماوة ". # قال الشاعر: [الرجز] # 246- طي الليالي زلفا فزلفا # سماوة الهلال حتى احقوقفا # والسماء مؤنث قال تعالى: # إذا السمآء انفطرت # [الانفطار: 1] وقد تذكر؛ قال تعالى: # السمآء منفطر به # [المزمل: 18]؛ وأنشد: [الوافر]. # 247- ولو رفع السماء إليه قوما # لحقنا بالسماء مع السحاب # فأعاد الضمير من قوله: " إليه " على " السماء " مذكرا، ويجمع ~~على " سماوات، وأسمية، وسمي " ، والأصل " فعول " ، إلا أنه ~~أعل إعلال " عصي " بقلب الواوين ياءين، وهو قلب مطرد في الجمع، ~~ويقل في المفرد نحو: عتا - عتيا، كما شذ التصحيح في الجمع قالوا: " ~~إنكم لتنظرون في نحو كثيرة " ، وجمع أيضا على " سماء " ، ولكن مفرده ~~" سماوة " ، فيكون من باب تمرة وتمر، ويدل على ذلك قوله: ~~[الطويل] # 248-.................... # ...........فوق سبع سمائيا # ووجه الدلالة أنه ميز به " سبع " ولا تميز هي وأخواتها إلا ~~بجمع مجرور. # وفي قوله: " من السماء " رد على من قال: إن المطر إنما يحصل من ~~ارتفاع أبخرة رطبة من الأرض إلى الهواء، فتنعقد هناك من شدة برد ~~الهواء، ثم ينزل مرة أخرى، فذاك هو المطر؛ فأبطل الله هذا المذهب بأن ~~بين أن الصيب نزل من السماء، وقال: # وأنزلنا من السمآء مآء طهورا # [الفرقان: 48]. # وقال: # وينزل من السمآء من جبال فيها من برد # [النور: 43]. # قوله: { فيه ظلمات ورعد وبرق } [البقرة: 19] يحتمل أربعة ~~أوجه: # أحدها: أن يكون صفة ل " صيب ". # الثاني: أن يكون حالا منه، وإن كان نكرة لتخصصه، إما بالعمل في ms0156 الجار ~~بعده، أو بصفة بالجار بعده. # الثالث: أن يكون حالا من الضمير المستكن في " من السماء " إذا ~~قيل: إنه صفة ل " صيب " ، فيتعلق في التقادير الثلاثة بمحذوف، إلا ~~أنه على القول الأول في محل جر لكونه صفة لمجرور، وعلى القولين ~~الأخيرين في محل نصب على الحال. # و " ظلمات " على جميع هذه الأقوال فاعل به؛ لأن الجار والمجرور والظرف ~~متى اعتمدا على موصوف، أو ذي حال، أو ذي خبر، أو على نفي، أو استفهام ~~عملا عمل الفعل، والأخفش يعملهما مطلقا كالوصف، وسيأتي تحرير ذلك. # الرابع: أن يكون خبرا مقدما، و " ظلمات " مبتدأ، والجملة تحتمل وجهين: # الأول: الجر على أنها صفة ل " صيب ". # والثاني: النصب على الحال، وصاحب الحال يحتمل أن يكون " كصيب " ، وإن ~~كان نكرة لتخصيصه بما تقدمه، وأن يكون الضمير المستكن في " من ~~السماء " إذا جعل وصفا ل " صيب " ، والضمير في " فيه " ضمير " الصيب ~~" ، واعلم أن جعل الجار صفة أو حالا، ورفع " ظلمات " على الفاعلية به ~~أرجح من جعل { فيه ظلمات } جملة برأسها في محل صفة أو حال؛ ~~لأن الجار أقرب إلى المفرد من الجملة، وأصل الصفة والحال أن يكونا ~~مفردين. # و " رعد وبرق ": معطوفان على " ظلمات " بالاعتبارين المتقدمين، ~~وهما في الأصل مصدران تقول: رعدت السماء ترعد رعدا، ~~وبرقت برقا. # قال أبو البقاء: وهما على ذلك موحدتان هنا يعني على المصدرية ~~ويجوز أن يكونا بمعنى الراعد والبارق، نحو: رجل عدل. # والظاهر أنهما في الآية ليس المراد بهما المصدر، بل جعلا اسما [للهز ~~واللمعان]. # والبرق: اللمعان، وهو مقصود الآية، ولا حاجة حينئذ إلى جعلهما بمعنى ~~اسم فاعل. # وقال علي وابن عباس -رضي الله عنهما - وأكثر المفسرين: الرعد: اسم ملك ~~يسوق السحاب، والبرق: لمعان سوط] من نور يزجر به الملك السحاب. # وقيل: الرعد صوت انضغاط السحاب. # وقيل: تسبيح الملك. # وقيل: الرعد نطق الملك، والبرق ضحكه. # وقال مجاهد: الرعد اسم الملك؛ ويقال لصوته أيضا: رعد، والبرق اسم ملك ~~يسوق السحاب. # وقال شهر بن حوشب: الرعد ملك يزجي السحاب، فإذا تبددت ضمها فإذا ~~اشتد ms0157 غضبه طارت من فيه النار فهي الصواعق. # وقيل: الرعد صوت انحراق الريح بين السحاب. فإن قيل: لم جمع " الظلمات " ~~، وأفرد " الرعد والبرق "؟ # فالجواب: أن في " ظلمات " اجتمع أنواع من الظلمة، وهي ظلمة الليل، ~~وظلمة السحاب، وظلمة تكاثف المطر، وأما الرعد والبرق فكل واحد منهما ~~نوح واحد. # ونكرت؛ لأن المراد أنواع منها، كأنه قيل: فيه ظلمات داجية، ورعد قاصف، ~~وبرق خاطف. # { يجعلون أصابعهم } ، وهذه الجملة الظاهر أنها لا محل لها ~~لاستئنافها كأنه قيل: ما حالهم؟ فقيل: يجعلون. # وقيل: بل لها محل، ثم اختلف فيه فقيل: جر؛ لأنها صفة للمجرور، أي: ~~أصحاب صيب جاعلين، والضمير محذوف. # أو نابت الألف واللام منابه، تقديره: يجعلون أصابعهم في آذانهم من ~~الصواعق منه أو من صواعقه. # وقيل: محلها نصب على الحال من الضمير في " فيه ". # والكلام في العائد كما تقدم، والجعل - هنا - بمعنى الإلقاء، ويكون ~~بمعنى الخلق، فيتعدى لواحد، ويكون بمعنى " صير " أو " سمى " ، ~~فيتعدى لاثنين، ويكون للشروع، فيعمل عمل " عسى ". # و " أصابعهم " جمع إصبع، وفيها عشر لغات: بتثليث الهمزة مع ~~تثليت الباء، والعاشرة " أصبوع " بضم الهمزة. # والواو في " يجعلون " تعود للمضاف المحذوف، كما تقدم إيضاحه. # واعلم أنه إذا حذف المضاف جاز فيه اعتباران: # أحدهما: أن يلتفت إليه. # والثاني: ألا يلتفت إليه، وقد جمع الأمران في قوله تعالى: # وكم من قرية أهلكناها فجآءها بأسنا بياتا أو ~~هم قآئلون # [الأعراف: 4]، والتقدير: وكم من أهل قرية فلم يراعه في قوله: # أهلكناها فجآءها # [الأعراف: 4]، ورعاه في قوله تعالى: # أو هم قآئلون # [الأعراف: 4] وذكر الأصابع، وإن كان المجعول إنما هو رؤوس الأصابع تسمية ~~للبعض باسم الكل كما في قوله تعالى: # فاقطعوا أيديهما # [المائدة: 38]، و { في ءاذانهم من الصواعق } كلاهما ~~متعلق بالجعل، و " من " معناها التعليل. # و " الصواعق ": جمع صاعقة، وهي الضجة الشديدة من صوت الرعد تكون ~~معها القطعة من النار. # ويقال: " ساعقة " بالسين، و " صاعقة " ، و " صاقعة " بتقديم القاف؛ ~~وأنشد: [الطويل] # 249- ألم تر أن المجرمين أصابهم # صواقع لا بل هن فوق الصواقع # ومثله قول الآخر: [الرجز] # 250- يحكون بالمصقولة القواطع # تشقق ms0158 اليدين بالصواقع # وهي قراءة الحسن. # قال النحاس: وهي لغة " تميم " ، وبعض " بني ربيعة " ، فيحتمل أن ~~تكون " صاقعة " مقلوبة من " صاعقة " ويحتمل ألا تكون، وهو الأظهر ~~لثبوتها لغة مستقلة كما تقدم. # ويقال: " صقعة " أيضا، وقد قرأ بها الكسائي في " الذاريات ". # يقال: صعق زيد، وأصعقه غيره قال: [الطويل] # 251- ترى النعرات الزرق تحت لبانه # أحاد ومثنى أصعقتها صواهله # وقيل: " الصاعقة " [قصف رعد ينقض منها شعلة] من نار لطيفة قوية لا ~~تمر بشيء إلا أتت عليه إلا أنها مع قوتها سريعة الخمود. # وقيل: الصاعقة: قطعة عذاب ينزلها الله على من يشاء، # " وروي عن سالم بن عبد الله ابن عمر عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا سمع صوت الرعد والصواعق قال: اللهم لا تقتلنا بغضبك ~~ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك ". # قوله: { حذر الموت } أي: مخافة الهلاك، وفيه وجهان: # أظهرهما: أنه مفعول من أجله ناصبه " يجعلون " ، ولا يضر تعدد المفعول ~~من أجله؛ لأن الفعل يعلل يعلل. # الثاني: أنه منصوب على المصدر وعامله محذوف تقديره يحذرون حذرا مثل ~~حذر الموت. و " الحذر " و " الحذار " مصدران ل " حذر " أي: خاف ~~خوفا شديدا. # واعلم أن المفعول من أجله بالنسبة إلى نصبه وجره بالحرف على ثلاثة ~~أقسام: # قسم يكثر نصبه، وهو ما كان غير معرف ب " أل " ولا مضاف نحو: " جئت ~~إكراما لك ". # وقسم عكسه، وهو ما كان معرفا ب " أل "؛ ومن مجيئه منصوبا قول ~~الشاعر: [الرجز] # 252- لا أقعد الجبن عن الهيجاء # ولو توالت زمر الأعداء # وقسم يستوي فيه الأمران، وهو المضاف كالآية الكريمة، ويكون معرفة ~~ونكرة، وقد جمع حاتم الطائي الأمرين في قوله: [الطويل] # 253- وأغفر عوراء الكريم ادخاره # وأعرض عن شتم اللئيم تكرما # و " حذر الموت " مصدر مضاف إلى المفعول، وفاعله محذوف، وهو أحد ~~المواضع التي يجوز فيها حذف الفاعل وحده. # والثاني: فعل ما لم يسم فاعله. # والثالث: فاعل " أفعل " في التعجب على الصحيح، وما عدا هذه لا يجوز ~~فيه حذف الفاعل وحده خلافا للكوفيين. # والموت: ضد الحياة؛ يقال: مات يموت ويمات؛ قال ms0159 الشاعر: [الرجز] # 254- بنيتي سيدة البنات # عيشي ولا يؤمن أن تماتي # وعلى هذه اللغة قريء " متنا " و " مت " - بكسر الميم - ك " ~~خفنا " و " خفت " ، فوزن " مات " على اللغة الأولى " فعل " ~~بفتح العين، وعلى الثانية " فعل " بكسرها، و " الموات ": بالضم ~~الموت أيضا، وبالفتح: ما لا روح فيه، والموتان بالتحريك ضد ~~الحيوان؛ ومنه قولهم: " اشتر الموتان، ولا تشتر الحيوان " ~~، أي: اشتر الأرضين، ولا تشتر الرقيق، فإنه في معرض ~~الهلاك؛ و " الموتان " بضم " الميم ": وقوع الموت في الماشية، ~~وموت فلان بالتشديد للمبالغة؛ قال: [الوافر] # 255- فعروة مات موتا مستريحا # فها أنا ذا أموت كل يوم # و " المستميت ": الأمر المسترسل؛ قال رؤبة: [الرجز] # 256- وزبد البحر له كتيت # والليل فوق الماء مستميت # قوله: { والله محيط بالكافرين } [البقرة: 19]. # وهو مجاز أي: لا يفوتونه. فقيل: عالم بهم، كما قال: # أحاط بكل شيء علما # [الطلاق: 12]. # وقيل: جامعهم وقدرته مستولية عليهم؛ كما قال: # والله من ورآئهم محيط # [البروج: 20]. # وقال مجاهد: " يجمعهم فيعذبهم ". # وقيل: يهلكهم، قال تعالى: # إلا أن يحاط بكم # [يوسف: 66] أي: تهلكوا جميعا. # وقيل: " ثم " مضاف محذوف، أي: عقابه محيط بهم. # وقال أبو عمرو، والكسائي: " الكافرين " [بالإمالة] ولا يميلان # أول كافر به # [البقرة: 41]، وهذه الجملة مبتدأ وخبر. # وأصل " محيط ": " محوط "؛ لأنه من حاط يحوط فأعل كإعلال ~~" نستعين ". # والإحاطة: حصر الشيء من جميع جهاته، وهذه الجملة قال الزمخشري: " هي ~~اعتراض لا محل لها من الإعراب " كأنه يعني بذلك أن جملة قوله: { ~~يجعلون أصابعهم } ، وجملة قوله: { يكاد البرق } شيء ~~واحد؛ لأنهما من قصة واحدة؛ فوقع ما بينهما اعتراضا. # " يكاد " مضارع " كاد " ، وهي لمقاربة الفعل، تعمل عمل " كان ~~" إلا أن خبرها لا يكون إلا مضارعا، وشذ مجيئه اسما صريحا؛ ~~قال: [الطويل] # 257- فأبت إلى فهم وما كدت آيبا # وكم مثلها فارقتها وهي تصفر # والأكثر في خبرها تجرده من " أن " ، عكس " عسى " ، وقد شذ اقترانه ~~بها؛ قال رؤبة: [الرجز] # 258- قد كاد من طول البلى أن يمحصا # لأنها لمقاربة الفعل، و " أن " تخلص للاستقبال، فتنافيا. # واعلم أن خبرها - إذا كانت هي مثبتة - منفي في المعنى، لأنها ms0160 ~~للمقاربة. # فإذا قلت: " كاد زيد يفعل " كان معناه: قارب الفعل إلا أنه لم ~~يفعل، فإذا نفيت، انتفى خبرها بطريق الأولى؛ لأنه إذا انتفت مقاربة ~~الفعل انتفى هو من باب أولى؛ ولهذا كان قوله تعالى: # لم يكد يراها # [النور: 40] أبلغ من أن لو قيل: لم يرها، لأنه لم يقارب ~~الرؤية، فكيف له بها؟ # وزعم جماعة منهم ابن جني، وأبو البقاء، وابن عطية أن نفيها إثبات، ~~وإثباتها نفي؛ حتى ألغز بعضهم فيها؛ فقال: [الطويل] # 259- أنحوي هذا العصر ما هي لفظة # جرت في لساني جرهم وثمود # إذا نفيت - والله أعلم - أثبتت # وإن أثبتت قامت مقام جحود # وحكوا عن ذي الرمة أنه لما أنشد قوله: [الطويل] # 260- إذا غير النأي المحبين لم يكد # رسيس الهوى من حب مية يبرح # عيب عليه؛ لأنه قال: " لم يكد يبرح " ، فيكون قد برح، فغيره ~~إلى قوله: " لم يزل " أو ما هو بمعناه. # والذي غر هؤلاء قوله تعالى: # فذبحوها وما كادوا يفعلون # [البقرة: 71] قالوا: " فهي هنا منفية " وخبرها مثبت في المعنى؛ لأن ~~الذبح وقع لقوله: " فذبحوها " ، والجواب عن هذه الآية من وجهين: # أحدهما: أنه يحمل على اختلاف وقتين، أي: ذبحوها في وقت، وما كادوا ~~يفعلون في وقت آخر. # والثاني: أنه عبر بنفي مقاربة الفعل عن شدة تعنتهم، وعسرهم في ~~الفعل. # وأما ما حكوه عن ذي الرمة، فقد غلط الجمهور ذا الرمة في ~~رجوعه عن قوله الأول، وقالوا: " هو أبلغ وأحسن مما [غيره إليه] ~~". # واعلم أن خبر " كاد " وأخواتها - غير " عسى " - لا يكون فاعله إلا ~~ضميرا عائدا على اسمها؛ لأنها للمقاربة أو للشروع، بخلاف " عسى " ، ~~فإنها للترجي؛ تقول: " عسى زيد أن يقوم أبوه " ، ولا يجوز ~~ذلك في غيرها، فأما قوله: [الطويل] # 261- وقفت على ربع لمية ناقتي # فما زلت أبكي عنده وأخاطبه # وأسقيه حتى كاد مما أبثه # تكلمني أحجاره وملاعبه # فأتى بالفاعل ظاهرا، فقد حمله بعضهم على الشذوذ، ينبغي أن يقال: ~~إنما جاز ذلك؛ لأن الأحجار والملاعب هي عبارة عن الربع، فهي هو، ~~فكأنه قيل: حتى كاد يكلمني؛ ولكنه عبر [عنه] بمجموع ms0161 أجزائه. # وأما قول الآخر: [البسيط] # 262- وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني # ثوبي فأنهض نهض الشارب السكر # وكنت أمشي على رجلين معتدلا # فصرت أمشي على أخرى من الشجر # فأتى [بفاعل] [خبر] جعل ظاهرا، فقد أجيب عنه بوجهين: # أحدهما: أنه على حذف مضاف، تقديره: وقد جعل ثوبي إذا ما قمت يثقلني. # والثاني: أنه من باب إقامة السبب مقام المسبب، فإن نهوضه كذا ~~متسبب عن إثقال ثوبه إياه، والمعنى: وقد جعلت أنهض نهض الشارب ~~الثمل لإثقال ثوبي إياي. # ووزن " كاد كود " بكسر العين، وهي من ذوات الواو؛ ك " خاف " ~~يخاف، وفيها لغة أخرى: فتح عينها، فعلى هذه اللغة تضم فاؤها إذا ~~أسندت إلى تاء المتكلم وأخواتها، فتقول: " كدت، وكدنا "؛ مثل: ~~قلت، وقلنا، وقد تنقل كسر عينها إلى فائها مع الإسناد إلى ظاهر، ~~كقوله: [الطويل] # 263- وكيد ضباع القف يأكلن جثتي # وكيد خراش عند ذلك ييتم # ولا يجوز زيادتها خلافا [للأخفش]، وسيأتي إن شاء الله هذا كله في " كاد ~~" الناقصة. # أما " كاد " التامة بمعنى " مكر " فوزنها فعل بفتح العين من ~~ذوات " الياء "؛ بدليل قوله: # إنهم يكيدون كيدا وأكيد # [الطارق: 15، 16]. # و " البرق " اسمها، و " يخطف " خبرها ويقال: خطف يخطف [بكسر عين ~~الماضي، وفتح المضارع، وخطف يخطف] عكس اللغة الأولى وفيه تراكيب ~~كثيرة، والمشهور منها الأولى. # الثانية: يخطف بكسر الطاء، قرأها مجاهد. # الثالثة: عن الحسن بفتح " الياء والخاء والطاء " ، مع تشديد " الطاء " ، ~~والأصل: " يختطف " ، فأبدلت " تاء " الافتعال " طاء " للإدغام. # الرابعة: كذلك، إلا أنه بكسر الطاء على [أنه] أصل التقاء الساكنين. # الخامسة: كذلك، إلا أنه بكسر " الخاء " إتباعا لكسرة الطاء. # السادسة: كذلك إلا أنه بكسر الياء أيضا إتباعا للخاء. # السابعة: " يختطف " على الأصل. # الثامنة: يخطف بفتح الياء، وسكون الخاء، وتشديد الطاء [وهي رديئة ~~لتأديتها إلى التقاء ساكنين. # التاسعة: بضم الياء، وفتح الخاء، وتشديد الطاء] مكسورة، والتضعيف فيه ~~للتكثير لا للتعدية. # العاشرة: " يتخطف " عن أبي من قوله: # ويتخطف الناس من حولهم # [العنكبوت: 67]. # و " الخطف ": أخذ شيء بسرعة، وهذه الجملة - أعني قوله: " يكاد ~~البرق يخطف " لا محل لها، لأنه استئناف ms0162 كأنه قيل: كيف يكون حالهم مع ذلك ~~البرق؟ فقيل: يكاد يخطف، ويحتمل أن تكون في محل جر صفة ل " ذوي " ~~المحذوفة: التقدير: كذوي صيب كائد البرق يخطف. # قوله: { كلما أضآء لهم مشوا فيه }. # " كل " نصب على الظرف؛ لأنها أضيفت إلى " ما " الظرفية، والعامل فيها ~~جوابها، وهو " مشوا ". # وقيل: " ما " نكرة موصوفة ومعناها الوقت أيضا، والعائد محذوف تقديره: ~~كل وقت أضاء لهم فيه، ف " أضاء " على الأول لا محل له؛ لكونه صلة، ~~ومحله الجر على الثاني. # و " أضاء " يجوز أن يكون لازما. # وقال المبرد: " هو متعد، ومفعوله محذوف أي: أضاء لهم البرق ~~الطريق " ف " الهاء " في " فيه " تعود على البرق في قول الجمهور، ~~وعلى الطريق المحذوف في قول المبرد. # و " فيه " متعلق ب " مشوا " ، و " في " على بابها أي: إنه محيط بهم. # وقيل: بمعنى الباء، ولا بد من حذف على القولين: أي: مشوا في ضوئه: أي ~~بضوئه، ولا محل لجملة قوله: " مشوا "؛ لأنها مستأنفة، كأنه جواب لمن ~~يقول: كيف يمضون في حالتي ظهور البرق وخفائه؟ # والمقصود تمثيل شدة الأمر على المنافقين بشدته على أصحاب الصيب، وما ~~هم فيه من غاية التحير والجهل بما يأتون، وما يذرون. # واعلم أن " كل " من ألفاظ العموم، وهو اسم جامع لازم للإضافة، وقد يحذف ~~ما يضاف إليه، وهل تنوينه حينئذ تنوين عوض، أو تنوين صرف؟ قولان: # والمضاف إليه " كل " إن كان معرفة وحذف، بقيت على تعريفها، فلهذا انتصب ~~عنها الحال، ولا يدخلها الألف واللام، وإن وقع ذلك في عبارة بعضهم، وربما ~~انتصب حالا، وأصلها أن تستعمل توكيدا ك " أجمع " ، والأحسن استعمالها ~~مبتدأ، وليس كونها مفعولا بها مقصورا على السماع، ولا مختصا بالشعر، ~~خلافا لزاعم ذلك. # وإذا أضيفت إلى نكرة أو معرفة بلام الجنس حسن أن تلي العواملة اللفظية، ~~وإذا أضيفت إلى نكرة تعين اعتبار تلك النكرة فيما لها من ضمير وغيره، ~~تقول: " كل رجال أتوك، فأكرمهم " ، ولا يجوز أن تراعي لفظ " كل " ~~فتقول: " كل رجال أتاك، فأكرمه " ، و " كل رجل أتاك، فأكرمه ~~" ولا تقول " كل رجل ms0163 أتوك، فأكرمهم "؛ اعتبارا بالمعنى، فأما ~~قوله: [الكامل] # 264- جادت عليه كل عين ثرة # فتركن كل حديقة كالدرهم # فراعى المعنى، فهو شاذ لا يقاس عليه. # وإذا أضيفت إلى معرفة فوجهان، سواء كانت بالإضافة لفظا؛ نحو: # وكلهم آتيه يوم القيامة فردا # [مريم: 95] فراعى لفظ " كل ". # أو معنى نحو: # فكلا أخذنا بذنبه # [العنكبوت: 40] فراعى لفظها، وقال: # وكل أتوه داخرين # [النمل: 87] فراعى المعنى. # وقول بعضهم: " إن " كلما " تفيد التكرار " ليس ذلك من وضعها، وإنما ~~استفيد من العموم التي دلت عليه. # فإنك إذا قلت: " كلما جئتني أكرمتك " كان المعنى أكرمك في كل فرد [فرد] ~~من جيئاتك إلي. # وقرأ ابن أبي عبلة " ضاء " ثلاثيا، وهي تدل على أن الرباعي لازم. # وقرىء: " وإذا أظلم " مبنيا للمفعول، وجعله الزمخشري دالا على ~~أن " أظلم " متعد، واستأنس أيضا بقول حبيب: [الطويل] # 265- هما أظلما حالي ثمت أجليا # ظلاميهما عن وجه أمرد أشيب # ولا دليل في الآية؛ لاحتمال أن أصله، " وإذا أظلم الليل ~~عليهم " ، فلما بني للمفعول حذف الليل، وقام " عليهم " مقامه، وأما ~~بينت حبيب فمولد. # وإنما صدرت الجملة الأولى ب " كلما " والثانية ب " إذا " ، قال ~~الزمخشري: " لأنهم حراص على وجود ما همهم به، معقود من إمكان المشي ~~وتأتيه، فكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها، وليس كذلك التوقف ~~والتحبس " وهذا هو الظاهر، إلا أن من النحويين من زعم أن " إذا " ~~تفيد التكرار أيضا؛ وأنشد: [البسيط] # 266- إذا وجدت أوار الحب في كبدي # أقبلت نحو سقاء القوم أبترد # قال: " معناه معنى " كلما " ". # قوله: " قاموا " أي وقفوا أو ثبتوا في مكانهم، ومنه: " قامت السوق ". # قوله: { ولو شآء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم }. # " لو " حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، هذه عبارة سيبويه وهي أولى من ~~عبارة غيره، وهي حرف امتناع لامتناع لصحة العبارة الأولى في نحو قوله ~~تعالى: # لو كان البحر مدادا لكلمات ربي # [الكهف: 109]. # وفي قوله عليه السلام: # " نعم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه " # وعدم صحة الثانية في ذلك كما سيأتي محررا، ولفساد قولهم: " لو كان ~~إنسانا لكان حيوانا "؛ إذ لا يلزم من امتناع ms0164 الإنسان امتناع ~~الحيوان، ولا يجزم بها خلافا لقوم، فأما قوله: [الرمل] # 267- لو يشأ طار به ذو ميعة # لاحق الآطال نهد ذو خصل # وقول الآخر: [البسيط] # 268- تامت فؤادك لو يحزنك ما صنعت # إحدى نساء بني ذهل بن شيبانا # فمن تسكين المتحرك ضرورة. وأكثر ما تكون شرطا في الماضي، وقد تأتي ~~بمعنى " إن "؛ كقوله تعالى: # وليخش الذين لو تركوا # [النساء: 9] وقوله: [الطويل] # 269- ولو أن ليلى الأخيلية سلمت # علي ودوني جندل وصفائح # [لسلمت تسليم البشاشة أو زقا # إليها صدى من جانب القبر صائح] # ولا تكون مصدرية على الصحيح، وقد تشرب معنى التمني، فتنصب المضارع ~~بعد " الفاء " جوابا لها؛ نحو: # فلو أن لنا كرة فنكون # [الشعراء: 102] وسيأتي تحريره إن شاء الله تعالى. # قال ابن الخطيب: المشهور أن " لو " تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره، ~~ومنهم من أنكر ذلك، وزعم أنها لا تفيد إلا الربط، واحتج عليه بالآية ~~والخبر: # أما الآية فقوله تعالى: # ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو ~~أسمعهم لتولوا وهم معرضون # [الأنفال: 23]، فلو أفادت كلمة " لو " انتفاء الشيء لانتفاء غيره لزم ~~التناقض؛ لأن قوله: # ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم # [الأنفال: 23]، يقتضي أنه ما علم فيهم خيرا وما أسمعهم، وقوله: # ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون # [الأنفال: 23]، يفيد أنه ما أسمعهم، ولا تولوا؛ لكن عدم التولي خير، ~~فيلزم أن يكون قد علم فيهم خيرا، وما علم فيهم خيرا. وأما الخبر فقوله ~~عليه الصلاة والسلام: # " نعم الرجل صهيب لو لم يخف الله لم يعصه " # فعلى مقتضى قولهم: يلزم أنه خاف الله وعصاه، وذلك مناقض، فعلمنا أن كلمة ~~" لو " إنما تفيد الربط. # و " شاء " أصله: " شيء " على " فعل " بكسر العين، وإنما قلبت " الياء " ~~" ألفا " للقاعدة الممهدة ومفعوله محذوف تقديره: ولو شاء الله إذهابا؛ ~~وكثر حذف مفعوله ومفعول " أراد " ، حتى لا يكاد ينطق به إلا في الشيء ~~المستغرب؛ كقوله تعالى: # لو أراد الله أن يتخذ ولدا # [الزمر: 4]؛ وأنشدوا: [الطويل] # 270- ولو شئت أن أبكي دما لبكيته # عليه ولكن ساحة الصبر أوسع # واللام في " لذهب " جواب " لو ". # واعلم أن ms0165 جوابها يكثر دخول " اللام " عليه مثبتا، وقد تحذف؛ قال تعالى: # لو نشآء جعلناه أجاجا # [الواقعة: 70]. # ويقل دخولها عليه منفيا ب " ما " ، ويمتنع دخولها عليه منفيا بغير ~~" ما "؛ نحو: " لو قمت لم أقم "؛ لتوالي لامين فيثقل، وقد يحذف؛ ~~كقوله: [الكامل] # 271- لا يلفك الراجوك إلا مظهرا # خلق الكرام ولو تكون عديما # و " بسمعهم " متعلق ب " ذهب ". # وقرىء: " لأذهب " فتكون " الياء " زائدة أو تكون فعل وأفعل ~~بمعنى، ونحوه # تنبت بالدهن # [المؤمنون: 20] والمراد من السمع: الأسماع، أي: لذهب بأسماعهم وأبصارهم ~~الظاهرة كما ذهب بأسماعهم وأبصارهم الباطنة. # وقيل: لذهب بما استفادوا من العز والأمان الذي لهم بمنزلة السمع ~~والبصر. # وقرأ ابن عامر وحمزة " شاء " و " جاء " حيث كان بالإمالة. # قوله: { إن الله على كل شيء قدير }. # هذه جملة مؤكدة لمعنى ما قبلها، و " كل شيء " متعلق ب " قدير " وهو ~~" فعيل " بمعنى " فاعل " ، مشتق من القدرة، وهي القوة والاستطاعة، ~~وفعلها " قدر " بفتح العين، وله ثلاثة عشر مصدرا: " قدرة " بتثليث ~~القاف، و " مقدرة " بتثليث الدال، و " قدرا " ، و " قدرا " ، و ~~" قدرا " ، و " قدارا " ، و " قدرانا " ، و " مقدرا " و " ~~مقدرا " و " قدير " أبلغ من " قادر " ، قاله الزجاج. # وقيل: هما بمعنى واحد؛ قاله الهروي. # والشيء: ما صح أن يعلم من وجه ويخبر عنه، وهو في الأصل مصدر " شاء ~~يشاء " ، وهل يطلق على المعدوم والمستحيل؟ خلاف مشهور. # فصل في بيان هل المعدوم شيء؟ # استدل بعضهم بهذه الآية على أن المعدوم شيء، قال: " لأنه - تعالى - ~~أثبت القدرة على الشيء، والموجود لا قدرة عليه؛ لاستحالة إيجاد الموجود، ~~فالذي عليه القدرة معدوم وهو شيء، فالمعدوم شيء ". # والجواب: لو صح هذا الكلام لزم أن ما لا يقدر عليه ألا يكون شيئا، ~~فالموجود إذا لم يقدر الله عليه وجب ألا يكون شيئا. # فصل في بيان وصف الله تعالى بالشيء # قال ابن الخطيب: احتج جهم بهذه الآية على أنه - تعالى - ليس بشيء ~~لأنه - تعالى - ليس بمقدور له، فوجب إلا يكون شيئا، واحتج أيضا بقوله ~~تعالى: # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11]. # قال: " لو كان الله - تعالى - شيئا، لكان ms0166 - تعالى - مثل نفسه، فكان ~~قوله: # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11] كذب، فوجب ألا يكون شيئا؛ حتى لا تتناقض هذه الآية ". # قال ابن الخطيب: وهذا الخلاف في الاسم؛ لأنه لا واسطة بين الموجود ~~والمعدوم، قال: واحتج أصحابنا بقوله تعالى: # قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد # [الأنعام: 19]. # وبقوله: # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص: 88] والمستثنى داخل في المستثنى منه، فوجب أن يكون شيئا. # فصل في أن مقدور العبد مقدور لله تعالى # قال ابن الخطيب: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن مقدور العبد مقدور لله ~~تعالى، خلافا لأبي هاشم وأبي علي. # وجه الاستدلال: أن مقدور العبد شيء، وكل شيء مقدور لله - تعالى - ~~بهذه الآية، فيلزم أن يكون مقدور العبد مقدورا لله تعالى. # فصل في جواز تخصيص العام # تخصيص العام جائز في الجملة، وأيضا تخصيص العام بدليل العقل، فإن قيل: ~~إذا كان اللفظ موضوعا للكل، ثم تبين أن الكل غير مراد كان كذبا، وذلك ~~يوجب الطعن في كل القرآن. # والجواب: أن لفظ " الكل " كما أنه يستعمل في المجموع، فقد يستعمل ~~مجازا في الأكثر، وإذا كان ذلك مجازا مشهورا في اللغة لم يكن ~~استعمال اللفظ فيه كذبا، والله أعلم. ### || [2.21-22] # اعلم أنه - تعالى - لما بين أحكام الفرق الثلاث - أعني المؤمنين ~~والكفار والمنافقين - أقبل عليهم بالخطاب وهو من باب " الالتفات ". # " يا " حرف نداء وهي أم الباب. # وزعم بعضهم أنها اسم فعل، وقد تحذف نحو: # يوسف أعرض عن هذا # [يوسف: 29]. # وينادى بها المندوب والمستغاث. قال أبو حيان: " وعلى كثرة وقوع النداء ~~في القرآن لم يقع نداء إلا بها ". # وزعم بعضهم أن قراءة: { أمن هو قانت } [الزمر: 9] بتخفيف الميم ~~أن الهمزة فيه للنداء، وهو غريب، وقد يراد بها مجرد التنبيه فيليها الجمل ~~الاسمية والفعلية، قال تعالى: { ألا يا اسجدوا } [النمل: 25] ~~بتخفيف ألا؛ وقال الشاعر: [الطويل] # 272- ألا يا اسقياني قبل غارة سنجال # .............................. # وقال آخر: [البسيط] # 273- يا لعنة الله والأقوام كلهم # والصالحين على سمعان من جار # و " أي " اسم منادى في محل نصب، ولكنه بني على " الضم "؛ لأنه مفرد ms0167 ~~معرفة، وزعم الأخفش أنها هنا موصولة، وأن المرفوع بعدها خبر مبتدأ مضمر، ~~والجملة صلة، والتقدير: " يا الذين هم الناس " ، والصحيح الأول، ~~والمرفوع بعدها صفة لها، [والمشهور]: يلزم رفعه، ولا يجوز نصبه على ~~المحل خلافا للمازني. # و " ها " زائدة للتنبيه لازمة لها، والمشهور فتح هائها، ويجوز ضمها ~~إتباعا للياء، وقد قرأ ابن عامر بذلك في بعض المواضع نحو { أيه ~~المؤمنون } [النور: 31] والمرسوم يساعده. # ولا توصف " أي " هذه إلا بما فيه الألف واللام، أو بموصول هما فيه، أو ~~باسم إشارة نحو: # يأيها الذي نزل عليه الذكر # [الحجر: 6] وقال الشاعر: [الطويل] # 274- ألا أيهذا النابح السيد إنني # على نأيها مستبسل من ورائها # وفسر بعضهم يا زيد: أنادي زيدا، وأخاطب زيدا، وهو خطأ من وجوه: # أحدها: أن قوله: " أنادي زيدا " خبر يحتمل الصدق والكذب، وقوله: يا زيد ~~لا يحتملهما. # وثانيها: أن قولنا: " يا زيد " يقتضي أن زيدا منادى في الحال، و " ~~أنادي زيدا " لا يقتضي ذلك. # وثالثها: أن قولنا: " يا زيد " يقتضي صيرورة زيد خاطبا هذا الخطاب، و " ~~أنادي زيدا " لا يقتضي ذلك؛ لأنه لا يمكن أن يخبر إنسانا آخر بأن أنادي ~~زيدا. # ورابعها: أن قولنا: أنادي زيدا إخبار عن النداء، والإخبار عن النداء ~~غير النداء. # واعلم أن " يا " حرف وضع في أصله لنداء البعيد، وإن كان لنداء القريب، ~~[لكن بسبب أمر مهم جدا، وأما نداء القريب فله: " أي " والهمزة] ثم ~~استعمل في نداء من سها وغفل وإن قرب، تنزيلا له منزلة البعيد. # فإن قيل: فلم يقول الداعي: " يا رب " ، " يا الله " وهو أقرب إليه من ~~حبل الوريد؟ # قلنا: هو استبعاد لنفسه من مظان الزلفى، إقرارا على نفسه ~~بالتقصير. # و " أي " وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام كما أن " ذو " الذي وصلة ~~إلى الوصف بأسماء الأجناس ووصف المعارف بالجمل، وهو اسم مبهم، فافتقر إلى ~~ما يزيل إبهامه، فلا بد وأن يردفه اسم جنس، أو ما جرى مجراه، ويتصف به ~~حتى يحصل المقصود بالنداء. # و ل " أي " معان أخر كالاستفهام، والشرط، وكونها موصولة، ونكرة موصوفة ms0168 ~~لنكرة، وحالا لمعرفة. و " الناس " صفة " أي " ، أو خبر مبتدأ محذوف ~~حسب ما تقدم من الخلاف. # و " اعبدوا ربكم " جملة أمرية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. # " الذي خلقكم " فيه ثلاثة أوجه: # أظهرها: نصبه على النعت ل " ربكم ". # الثاني: نصبه على القطع. # الثالث: رفعه على القطع أيضا. وقد تقدم معناه. # فصل في تقسيم ورود النداء في القرآن الكريم # قال ابن عباس رضي الله عنه: { يا أيها الناس } خطاب لأهل " مكة ~~" و { يا أيها الذين آمنوا } لأهل " المدينة " ، ورد على قوله ~~هذه الآية بأن البقرة مدنية. # وقال غيره: كل ما كان في القرآن من قوله: " يا أيها الذين آمنوا " فهو ~~مدني. # وأما قوله: { ياأيها الناس } فمنه مكي، ومنه [مدني] وهذا خطاب ~~عام؛ لأنه لفظ جمع معرف، فيفيد العموم، لكنه مخصوص في حق ما لا يفهم، ~~كالصبي، والمجنون، والغافل، ومن لا يقدر، لقوله تعالى: # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # [البقرة: 286]. # ومنهم من قال: إنه مخصوص في حق العبيد، لأن الله - تعالى - أوجب عليهم ~~طاعة مواليهم، واشتغالهم بطاعة المولى كمنعهم عن الاشتغال بالعبادات، ~~والأمر الدال على وجوب طاعة المولى أخص من الأمر الدال على وجوب ~~العبادة، والخاص مقدم على العام، والكلام على هذا مذكور في أصول الفقه. # قال ابن الخطيب: قوله: { ياأيها الناس } يتناول جميع الناس ~~الموجودين في ذلك العصر، فهل يتناول الذين سيوجدون بعد ذلك أم لا؟ # قال: " والأقرب أنه لا يتناولهم؛ لأن قوله: { ياأيها الناس } ~~خطاب مشافهة، وخطاب المشافهة مع المعدوم لا يجوز " ، وأيضا فالذين ~~سيوجدون ما كانوا موجودين في تلك الحالة، وما لا يكون موجودا لا يكون ~~إنسانا، فلا يدخل تحت قوله: { ياأيها الناس }. # فإن قيل: فوجب أن يتناول أحدا من الذين وجدوا بعد ذلك الزمان، وإنه ~~باطل قطعا. # قلنا: لو لم يجد دليل منفصل لكان الأمر كذلك، إلا أنا عرفنا ~~بالتواتر من دين محمد صلى الله عليه وسلم أن تلك الخطابات ثابتة في ~~حق من سيوجد بعد ذلك إلى قيام الساعة؛ فلهذه الدلالة المنفصلة أوجبنا ~~العموم. # فصل في المراد ms0169 بالعبادة في القرآن # قال ابن عباس رضي الله عنه: " كل ما ورد في القرآن من العبادة ~~فمعناها التوحيد ". # وقال ابن الخطيب: قوله تعالى: { ياأيها الناس اعبدوا ~~ربكم } أمر كل واحد بالعبادة، فهل يفيد أمر الكل بكل عبادة؟ الحق ~~لا؛ لأن قوله: { اعبدوا } معناه: أدخلوا هذه الماهية في الوجود، فإذا ~~أتوا بفرد من أفراد هذه الماهية في الوجود فقد أدخلوا الماهية في ~~الوجود؛ لأن الفرد من أفراد الماهية مشتمل على الماهية، لأن هذه العبادة ~~عبارة عن العبادة مع قيد كونها هذه، ومتى وجد المركب فقد وجد فيه ~~قيده، فالآتي بفرد من أفراد العبادة أتى بالعبادة، وأتى بتمام ما اقتضاه ~~قولنا: " اعبدوا " ، وإذا كان كذلك وجب خروجه عن العهدة. # فصل في قول منكري التكليف # ذكر ابن الخطيب عن منكري التكليف أنهم لا يجوزون ورود الأمر من الله - ~~تعالى - بالتكاليف لوجوه: # منها أن الذي ورد به التكليف: إما أن يكون قد علم الله في الأزل ~~وقوعه، أو علم أنه لا يقع، أو لم يعلم لا هذا ولا ذاك، فإن كان الأول ~~كان واجب الوقوع، فلا فائدة في الأمر به، وإن علم أنه لا يقع كان ممتنع ~~الوقوع، فكان الأمر به أمرا بإيقاع الممتنع، وإن لم يعلم لا هذا ولا ذاك ~~كان ذلك قولا بالجهل على الله، وهو محال. # وأيضا فورود الأمر بالتكاليف إما أن يكون لفائدة، أو لا لفائدة، فإن ~~كان لفائدة فإما أن يعود إلى المعبود، أو إلى العابد، أما إلى المعبود ~~فمحال؛ لأنه كامل لذاته، والكامل لذاته لا يكون كاملا بغيره، ولأنا نعلم ~~بالضرورة أن الإله العالي على الدهر والزمان يستحيل أن ينتفع بركوع ~~العبد وسجوده. وإن كانت الفائدة تعود إلى العابد فمحال؛ لأن جميع الفوائد ~~محصورة في حصول اللذة ودفع الألم، وهو - سبحانه وتعالى - قادر على ~~تحصيل كل ذلك للعبد، من غير واسطة هذه المشاق، فيكون توسطها عبثا، ~~والعبث غير جائز على الحكيم. وأيضا إن العبد غير موجد لأفعاله؛ لأنه ~~غير عالم بتفاصيلها، ومن لا يعلم تفاصيل الشيء لا يكون ms0170 موجدا له، وإذا ~~لم يكن العبد موجدا لأفعال نفسه، فإن أمره بذلك الفعل حالة ما خلقه فيه ~~فقد أمره بتحصيل الحاصل، وإن أمره حالة ما لم يخلقه فيه فقد أمره ~~بالمحال، وكل ذلك باطل. # وأجاب ابن الخطيب بوجهين: # أحدهما: أن أصحاب هذه الشبه، أوجبوا بما ذكروه اعتقاد عدم ~~التكليف، فهذا التكليف ينفي التكليف، وإنه متناقض. # والثاني: أن عندنا يحسن من الله كل شيء، سواء كان ذلك تكليف ما لا يطاق ~~أو غيره؛ لأنه - تعالى - خالق مالك، والمالك لا اعتراض عليه في ~~فعله. # والخلق اختراع الشيء على غير مثال سبق، وهذه الصفة ينفرد بها ~~الباري تعالى، ويطلق أيضا على " التقدير "؛ قال زهير: ~~[الكامل] # 275- ولأنت تفري ما خلقت وبع # ض القوم يخلق ثم لا يفري # وقال الحجاج: " ما خلقت إلا فريت ولا وعدت إلا ~~وفيت " وهذه الصفة لا يختص بها الله تعالى، وقد غلط أبو عبد الله ~~البصري في أنه لا يطلق اسم " الخالق " على الله - تعالى؛ قال: " لأنه ~~محال، وذلك أن التقدير والتسوية في حق الله ممتنعان، لأنهما عبارة ~~عن التفكر والظن " ، وكأنه لم يسمع قوله تعالى: # هو الله الخالق البارىء # [الحشر: 24] # الله خالق كل شيء # [الزمر: 62]، وكأنه لا يعلم أن الخلق يكون عبارة عن الإنشاء ~~والاختراع. # قوله: { والذين من قبلكم } محله العطف على المنصوب في " ~~خلقكم " و " من قبلكم " صلة " الذين " ، فيتعلق بمحذوف على ما تقرر. و " ~~من " لابتداء الغاية، واستشكل بعضهم وقوع " من قبلكم " صلة من حيث إن كل ~~ما جاز أن يخبر به جاز أن يقع صلة، و " من قبلكم " ناقص ليس في الإخبار ~~به عن الأعيان فائدة إلا بتأويل، فكذلك الصلة. # قال: وتأويله أن ظرف الزمان إذا وصف صح الإخبار والوصل به تقول: " نحن ~~في يوم طيب " ، فيكون التقدير هنا - والله أعلم - " والذين كانوا من ~~زمان قبل زمانكم ". # وقال أبو البقاء: والتقدير: " والذين خلقهم من قبل خلقكم، فحذف ~~الخلق، وأقام الضمير مقامه ". # وقرأ زيد بن علي: " والذين من قبلكم " - بفتح الميم -. # قال الزمخشري: ووجهها على إشكالها أن ms0171 يقال: أقحم الموصول الثاني بين ~~الأول وصلته تأكيدا، كما أقحم جرير في قوله: [البسيط] # 276- يا تيم تيم عدي لا أبا لكم # ............................ # تيما الثاني بين الأول، وما أضيف إليه، وكإقحامهم لام الإضافة بين ~~المضاف والمضاف إليه في نحو: " لا أبا لك " قيل: هذا الذي قاله ~~مذهب لبعضهم؛ ومنه قوله: [الطويل] # 277- من النفر اللاء الذين إذا هم # يهاب اللئام حلقة الباب قعقعوا # ف " إذا " وجوبها صلة " اللاء " ، ولا صلة للذين؛ لأنه توكيد ~~للأول، إلا أن بعضهم يرد هذا القول، ويجعله فاسدا من جهة أنه لا يؤكد ~~الحرف إلا بإعادة ما اتصل به، فالموصول أولى بذلك، وخرج الآية والبيت ~~على أن " من قبلكم " صلة للموصول الثاني، والموصول الثاني ~~وصلته خبر لمبتدأ محذوف، والمبتدأ وخبره صلة الأول، والتقدير: " والذين ~~هم من قبلكم " ، وكذا [البيت] فجعل " إذا " وجوابها صلة ~~[للذين، والذين خبر لمبتدأ محذوف، وذلك المبتدأ وخبره صلة] ل " ~~اللاء " ، ولا يخفى ما في هذا التعسف. # قوله: { لعلكم تتقون }. # " لعل " واسمها وخبرها، وإذا ورد في كلام الله - تعالى - فللناس فيه ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أن " لعل " على بابها من الترجي والإطماع، ولكن بالنسبة إلى ~~المخاطبين، أي: لعلكم تتقون على رجائكم وطمعكم؛ وكذا قاتل سيبويه في ~~قوله تعالى: # لعله يتذكر أو يخشى # [طه: 44]: أي: اذهبا على رجائكما. # والثاني: أنها للتعليل: أي: اعبدوا ربكم؛ لكي تتقوا، ~~وبه قال قطرب، والطبري وغيرهما؛ وأنشدوا: [الطويل] # 278- وقلتم لنا: كفوا الحروب لعلنا # نكف ووثقتم لنا كل موثق # فلما كففنا الحرب كانت عهودكم # كلمع سراب في الملا متألق # أي: لنكف الحرب، ولو كانت " لعل " للترجي، لم يقل: ~~ووثقتم لنا كل موثق. # والثالث: أنها للتعرض للشيء؛ كأنه قيل: افعلوا ذلك متعرضين ~~لأن تتقوا. # وقال القفال: " لعل " مأخوذة من تكرير الشيء لقولهم: عللا بعد ~~نهل، و " اللام " فيها هي " لام " التأكيد كاللام التي تدخل في " لقد ~~" ، فأصل " لعل ": " عل "؛ لأنهم يقولون: " علك أن تفعل كذا ": أي لعلك. ~~وإن كانت حقيقة في التكرير والتأكيد، كان قول القائل: افعل كذا لعلك ~~تظفر بحاجتك. معناه: افعله؛ فإن فعلك ms0172 له يؤكد طلبك له ويقويك عليه، وهذه ~~الجملة على كل قول متعلقة من جهة المعنى ب " اعبدوا " أي: اعبدوا على ~~رجائكم التقوى، أو لتتقوا، أو متعرضين للتقوى، وإليه مال المهدوي، ~~وأبو البقاء. # وقال ابن عطية: " [يتجه] تعلقها بخلقكم، لأن كل مولود يولد على ~~الفطرة، فهو بحيث يرجى أن يكون متقيا " ، إلا أن المهدوي منع من ذلك. # قال: لأن من ذرأه الله لجهنم لم يخلقه ليتقي، ولم يذكر الزمخشري غير ~~تعلقها ب " خلقكم " ثم رتب على ذلك سؤالين: # أحدهما: أنه كما خلق المخاطبين لعلهم يتقون، كذلك خلق الذين من قبلهم ~~لذلك فلم خص المخاطبين بذلك دون من قبلهم؟ # وأجاب عن ذلك بأنه لم يقصره عليهم، بل غلب المخاطبين على الغائبين في ~~اللفظ والمعنى على إرادة الجميع. # السؤال الثاني: هلا قيل: " تعبدون " لأجل " اعبدوا " أو اتقوا لمكان " ~~تتقون " ليتجاوب طرفا النظم؟ # وأجاب بأن التقوى ليست غير العبادة حتى يؤدي ذلك إلى تنافر النظم، ~~وإنما التقوى قصارى أمر العابد، وأقصى جهده. # قال أبو حيان: وأما قوله: ليتجاوب طرفا النظم، فليس بشيء؛ لأنه لا ~~يمكن هنا تجاوب طرفي النظم، إذ يصير اللفظ: اعبدوا ربكم لعلكم تعبدون، أو ~~اتقوا ربكم لعلكم تتقون، وهذا بعيد في المعنى؛ إذ هو مثل: اضرب زيدا ~~لعلك تضربه، واقصد خالدا لعلك تقصده، ولا يخفى ما في ذلك من غثاثة ~~اللفظ، وفساد المعنى، والذي يظهر به صحته أن يكون " لعلكم تتقون " ~~متعلقا بقوله: " اعبدوا " فالذي نودوا لأجله هو الأمر بالعبادة، ~~فناسب أن يتعلق بها ذلك، وأتى بالموصول وصلته في سبيل التوضيح، أو المدح ~~الذي تعلقت به العبادة، فلم يجأ بالموصول ليحدث عنه، بل جاء في ضمن ~~المقصود بالعبادة، فلم يكن يتعلق به دون المقصود، وأجاب بعضهم عن كلام ~~الزمخشري بأنه جعل " لعل " متعلقة ب " خلقكم " لا ب " اعبدوا " ، فلا ~~يصير التقدير: اعبدوا لعلكم تعبدون، وإنما التقدير: اعبدوا الذي خلقكم ~~لعلكم تعبدون؛ أي خلقكم لأجل العبادة، يوضحه: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56]. # وفي " لعل " لغات كثيرة، وقد يجر بها؛ قال: ms0173 [الوافر] # 279- لعل الله فضلكم علينا # بشيء أن أمكم شريم # ولا تنصب الاسمين على الصحيح، وقد تدخل " أن " في خبرها؛ حملا على " ~~عسى "؛ قال: [الطويل] # 280- لعلك يوما أن تلم ملمة # ....................... # وقد تأتي للاستفهام والتعليل كما تقدم، ولكن أصلها أن تكون للترجي ~~والطمع في المحبوبات والإشفاق من المكروهات ك " عسى " ، وفيها كلام طويل ~~يأتي في غضون هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. # و " تتقون " أصله " توتقيون "؛ لأنه من " الوقاية " ، فأبدلت الواو ~~ياء قبل تاء الافتعال، وأدغمت فيها، وقد تقدم ذلك في " المتقين " ، ثم ~~استثقلت " الضمة " على " الياء " فقدرت، فسكنت الياء والواو بعدها، ~~فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، وضمت القاف لتجانسها، فوزنه الآن " ~~تفتعون " ، وهذه الجملة أعني " لعلكم تتقون " لا يجوز أن تكون حالا؛ ~~لأنها طلبية، وإن كانت عبارة بعضهم توهم ذلك، ومفعول " تتقون " محذوف ~~أي: تتقون الشرك، أو النار. # فصل في الاستدلال بالآية على الصانع # هذه الآية تدل على الصانع القادر الفاعل المختار، سأل بعض الدهرية ~~الشافعي - رضي الله تعالى عنه - ما الدليل على الصانع؟ فقال: ورقة ~~الفرصاد طعمها ولونها وريحها وطبعها واحد عندكم؟ قالوا: نعم. # قال: فتأكلها دودة القز فيخرج منها الإبريسم، ويأكلها النحل فيخرج ~~منها العسل، والشاة فيخرج منها البعر، وتأكلها الظباء فينعقد في ~~نوافجها المسك، فمن الذي جعلها لذلك مع أن الطبع واحد؟ فاستحسنوا ذلك ~~وآمنوا على يديه، وكانوا سبعة عشر. # وسئل أبو حنيفة - رضي الله عنه - عن الصانع فقال: الوالد يريد الذكر، ~~فيكون أنثى، وبالعكس فيدل على الصانع. وتمسك أحمد بن حنبل بقلعة حصينة ~~ملساء لا فرجة فيها، ظاهرها كالفضة المذابة، وباطنها كالذهب ~~الإبريز، ثم انشقت الجدران، وخرج من القلعة حيوان سميع بصير، فلا بد من ~~الفاعل؛ عنى بالقلعة البيضة، وبالحيوان الفرخ. # وقال آخر: عرفت الصانع بنحلة بأحد طرفيها عسل، وبالآخر لسع، والعسل ~~مقلوب لسع. # فإن قيل: ما الفائدة في قوله { والذين من قبلكم } ، وخلق ~~الذين من قبلهم لا يقتضي وجوب العبادة عليهم. # والجواب: أن الأمر وإن كان على ما ذكر ولكن علمهم بأن الله - تعالى - ~~خلقهم كعلمهم بأنه ms0174 خلق من قبلهم؛ لأن طريقة العلم بذلك واحدة. # وأيضا أن من قبلهم كالأصول لهم، وخلق الأصول يجري مجرى الإنعام على ~~الفروع، كأنه - تعالى - يذكرهم عظيم إنعامه عليهم، أي: لا تظن أني إنما ~~أنعمت عليك حين وجدت، بل كنت منعما عليك قبل أن وجدت بألوف سنين، بسبب ~~أني كنت خالقا لأصولك. # فإن قيل: إذا كانت العبادة تقوى فقوله: { اعبدوا ربكم الذي ~~خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون } ما ~~وجهه؟ # والجواب من وجهين: # الأول: لا نسلم أن العبادة نفس التقوى، بل العبادة فعل يحصل به التقوى؛ ~~لأن الاتقاء هو الاحتراز عن المضار، والعبادة فعل المأمور به، ونفس ~~هذا الفعل ليس هو نفس الاحتراز، بل موجب الاحتراز، فإنه - تعالى - قال: { ~~اعبدوا ربكم } لتحترزوا به عن عقابه. # وإذا قيل في نفس الفعل: " إنه اتقاء " فذلك غير ما يحصل به الاتقاء، لكن ~~لما اتصل أحد الأمرين بالآخر أجري اسمه عليه. # الثاني: أنه - تعالى - إنما خلق المكلفين لكي يتقوا ويطيعوا، على ما ~~قال: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56] فكأنه - تعالى - أمر بعبادة الرب الذي خلقهم لهذا ~~الغرض، وهذا التأويل لائق بأصول المعتزلة. # فصل في القراءات في الآية # قرأ أبو عمرو: خلقكم بالإدغام، وقرأ ابن السميفع: " وخلق ~~من قبلكم ". # قوله: { الذي جعل لكم } يحتمل النصب والرفع، فالنصب من خمسة ~~أوجه: # أحدها: أن يكون نصبه على القطع. # الثاني: أنه نعت لربكم. # الثالث: أنه بدل منه. # الرابع: أنه مفعول ل " تتقون " ، وبه قال أبو البقاء. # الخامس: أنه نعت النعت، أي: الموصول الأول، لكن المختار أن النعت لا ~~ينعت، بل إن جاء ما يوهم ذلك جعل نعتا للأول، إلا أن يمنع مانع فيكون ~~نعتا للنعت، نحو قولهم: " يا أيها الفارس ذو الجمة " فذو الجمة نعت ~~للفارس لا ل " أي "؛ لأنها لا تنعت إلا بما تقدم ذكره. # والرفع من وجهين: # أحدهما وهو الأصح: أنه خبر مبتدأ محذوف أي: هو الذي جعل. # والثاني: أنه مبتدأ، وخبره قوله بعد ذلك: فلا تجعلوا لله، وهذا فيه نظر ~~من وجهين: # أحدهما: أن صلته ms0175 ماضية فلم يشبه الشرط، فلا يزاد في خبره " الفاء ". # الثاني: عدم الرابط، إلا أن يقال بمذهب الأخفش، وهو أن يجعل الربط مكرر ~~الاسم الظاهر إذا كان بمعناه نحو: " زيد قام أبو عبد الله " إذا كان ~~أبو عبد الله كنية لزيد، وكذلك هنا أقام الجلالة مقام الضمير، كأنه ~~قال: الذي جعل لكم، فلا تجعلوا له أندادا. # و " الذي " كلمة موضوعة للإشارة إلى المفرد عند محاولة تعريفه بقضية ~~معلومة كقولك: ذهب الرجل الذي أبوه منطلق، فأبوه منطلق قضية معلومة، فإذا ~~حاولت تعريف الرجل بهذه القضية المعلومة أدخلت عليه الذي، وهو يحقق ~~قولهم: إنه مستعمل لوصف المعارف بالجمل. # وإذا ثبت هذا فقوله: { الذي جعل لكم الأرض فراشا } يقتضي ~~أنهم كانوا عالمين بوجود شيء جعل الأرض فراشا، والسماء بناء، وذلك ~~تحقيق قوله تعالى: # ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ~~ليقولن الله # [لقمان: 25]. # و " جعل " فيها وجهان: # أحدهما: أن تكون بمعنى " صير " فتتعدى لمفعولين فيكون " الأرض " ~~مفعولا أول، و " فراشا " مفعولا ثانيا. # والثاني: أن يكون بمعنى " خلق " فيتعدى لواحد وهو " الأرض " ويكون " ~~فراشا " حالا. # و " السماء بناء " عطف على " الأرض فراشا " على التقديرين المتقدمين، و ~~" لكم " متعلق بالجعل أي: لأجلكم، والفراش: قيل: البساط، وقيل: مثلها. # وقيل: ما يوطأ، ويقعد عليه. # واعلم أنه - تعالى - ذكر ها هنا أنه جعل الأرض فراشا، ونظيره قوله: # أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالهآ أنهارا # [النمل: 61] وقوله: # الذي جعل لكم الأرض مهدا # [طه: 53]. # واعلم أن كون الأرض فراشا مشروط بأمور: # قال ابن الخطيب: أحدها: كونها ساكنة؛ فإنها لو كانت متحركة لم يمكن ~~الانتفاع بها لما تقرر في المعقولات. # الثاني: ألا تكون في غاية الصلابة كالحجر؛ فإن النوم عليه والمشي مما ~~يؤلم البدن، وأيضا لو كانت الأرض من الذهب مثلا لتعذرت الزراعة ~~ولتعذر حفرها، وتركيبها لما يراد. # وألا تكون في غاية اللين كالماء الذي تغوص فيه الرجل. # الثالث: ألا يكون في غاية اللطافة والشفافية؛ فإن الشفاف لا يستقر ~~النور عليه، وما كان كذلك فإنه لا يتسخن بالشمس فكان يبرد جدا، فجعل ~~كيفية ms0176 لونه أخضر ليستقر النور عليه، فيتسخن فيصلح أن يكون فراشا ~~للحيوانات. # الرابع: أن تكون بارزة من الماء؛ لأن طبع الأرض أن يكون غائصا في ~~الماء فكان يجب أن تكون البحار محيطة بالأرض، ولو كانت كذلك لما كانت ~~فراشا لنا، فقلب الله طبيعة الأرض وأخرج بعض أجزائها [من المياه] ~~كالجزيرة البارزة حتى صلحت لأن تكون فراشا لنا. # ومن الناس من زعم أن الشرط في كون الأرض فراشا ألا تكون كرة واستدل ~~بهذه الآية، وهذا بعيد؛ لأن الكرة إذا عظمت جدا كانت القطعة منها ~~كالسطح في إمكان الاستقرار عليه، والذي يؤيده كون الجبال أوتادا للأرض ~~ويمكن الاستقرار عليها، فها هنا أولى. # فصل في منافع الأرض وصفاتها # فأولها: الأشياء المتولدة فيها من المعادن، والنبات، والحيوان، والآثار ~~العلوية والسفلية، ولا يعلم تفاصيلها إلا الله تعالى. # وثانيها: اختلاف بقاع الأرض، فمنها أرض رخوة، وصلبة، ورملة، وسبخة، ~~وحرة، قال تعالى: # وفي الأرض قطع متجاورات # [الرعد: 4]. # وقال تعالى: # والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي ~~خبث لا يخرج إلا نكدا # [الأعراف: 58]. # وثالثها: اختلاف طعمها وروائحها. # ورابعها: اختلاف ألوانها فأحمر، وأبيض، وأسود، ورمادي، وأغبر، قال ~~تعالى: # ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها ~~وغرابيب سود # [فاطر: 27]. # وخامسها: انصداعها بالنبات، قال تعالى: # والأرض ذات الصدع # [الطارق: 12]. # وسادسها: كونها خازنة للماء المنزل، قال تعالى: # وأنزلنا من السمآء مآء بقدر فأسكناه في ~~الأرض # [المؤمنون: 18]. # وسابعها: العيون والأنهار العظام. # وثامنها: ما فيها من المفاوز والفلوات # والأرض مددناها # [ق: 7]. # وتاسعها: أن لها طبع الكرم؛ لأنك تدفع إليها حبة وهي تردها عليك ~~سبعمائة # كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة ~~مائة حبة # [البقرة: 261]. # وعاشرها: حيااتها بعد موتها # وآية لهم الأرض الميتة أحييناها # [يس: 33]. # الحادي عشر: ما فيها من الدواب المختلفة الألوان والصور والخلق، # وبث فيها من كل دآبة # [البقرة: 164]. # الثانية عشرة: ما فيها من النبات المختلف ألوانه، وأنواعه، ومنافعه: # وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج # [ق: 7]. # وفي اختلاف ألوانها دلالة، واختلاف روائحها دلالة، فمنها قوت البشر، ~~ومنها قوت البهائم: # كلوا وارعوا أنعامكم # [طه: ms0177 54] ومطعوم البشر، فمنها الطعام ومنها الإدام، ومنها الرواء، ~~ومنها الفاكهة، ومنها الأنواع المختلفة في الحلاوة والحموضة، ومنها ~~كسوة البشر؛ لأن الكسوة إما نباتية وهي القطن والكتان، وإما حيوانية وهي ~~الشعر والصوف، والأبريسم، والجلود، وهي من الحيوانات التي ~~بثها الله في الأرض، فالمطعوم من الأرض، والملبوس من الأرض؛ ثم قال: # ويخلق ما لا تعلمون # [النحل: 8]. # وفيه إشارة إلى منافع كثيرة لا نعلمها نحن، والله [تعالى عالم بها]، # فصل # قال بعضهم: السماء أفضل من الأرض لوجوه: # أحدها: أن السماء متعبد الملائكة، وما فيها عصي الله فيها. # وثانيها: لما أتى آدم - عليه الصلاة والسلام - في الجنة بتلك المعصية ~~قيل: اهبط من الجنة، وقال الله: " لا يسكن في جواري من عصاني ". # وثالثها: # وجعلنا السمآء سقفا محفوظا # [الأنبياء: 32] وقوله: # تبارك الذي جعل في السمآء بروجا # [الفرقان: 61] ولم يذكر في الأرض مثل ذلك. # ورابعها: في أكثر الأمر ورد ذكر السماء مقدما على الأرض في الذكر. # وقال آخرون: بل الأرض أفضل؛ لوجوه: # أحدها: أنه - تعالى - وصف بقاعا في الأرض بالبركة # إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا # [آل عمران: 96]، # في البقعة المباركة من الشجرة # [القصص: 30] # إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله # [الإسراء: 1]. # ووصف أرض " الشام " بالبركة فقال: # مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها # [الأعراف: 137]. # ووصف جملة الأرض بالبركة فقال: # قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض # [فصلت: 9] إلى قوله: # وبارك فيها # [فصلت: 10]. # فإن قيل: فأي بركة في الفلوات الخالية، والمفاوز المهلكة؟ # قلنا: إنها مساكن الوحوش ومرعاها، ومساكن الناس إذا احتاجوا إليها، ~~فلهذه البركة قال تعالى: # وفي الأرض ءايات للموقنين # [الذاريات: 20] وهذه الآيات وإن كانت حاصلة لغير المؤمنين، لكن لما ~~لم ينتفع بها إلا الموقنون جعلها آيات للمؤمنين تشريفا لهم كما قال: # هدى للمتقين # [البقرة: 2]. # وثانيها: أنه - سبحانه - خلق الأنبياء المكرمين من الأرض على ما قال: # منها خلقناكم وفيها نعيدكم # [طه: 55] ولم يخلق من السماء شيئا، لأنه قال: # وجعلنا السمآء سقفا محفوظا # [الأنبياء: 32]. # وثالثها: أن الله - تعالى - أكرم نبيه، فجعل الأرض كلها مسجدا، وجعل ~~ترابها طهورا. # فصل في ms0178 فضل السماء # وهو من وجوه: # الأول: أن الله - تعالى - زينها بسبعة أشياء: بالمصابيح # ولقد زينا السمآء الدنيا بمصابيح # [الملك: 5]. # وبالقمر # وجعل القمر فيهن نورا # [نوح: 16] وبالشمس: # وجعل الشمس سراجا # [نوح: 16]. # وبالعرش، وبالكرسي، وباللوح المحفوظ، وبالقلم، فهذه السبعة ثلاثة منها ~~ظاهرة، وأربعة مثبتة بالدلائل السمعية. # الثاني: أنه - تعالى - سماها بأسماء تدل على عظم شأنها سماء، وسقفا ~~محفوظا، وسبعا طباقا، وسبعا شدادا، ثم ذكر عاقبة أمرها فقال: # وإذا السمآء فرجت # [المرسلات: 9]، # وإذا السمآء كشطت # [التكوير: 11]، # إذا السمآء انفطرت # [الانفطار: 1]، و # إذا السمآء انشقت # [الانشقاق:1]، # يوم نطوي السمآء كطي السجل للكتب # [الأنبياء: 104]، # تكون السمآء كالمهل # [المعارج: 8]، # يوم تمور السمآء مورا # [الطور: 9]. # فكانت وردة كالدهان # [الرحمن: 37]. # وذكر مبدأها فقال: # ثم استوى إلى السمآء وهي دخان # [فصلت: 11] وقال: # أولم ير الذين كفروا أن السموات والأرض ~~كانتا رتقا ففتقناهما # [الأنبياء: 30] فهذا الاستقصاء والتشديد في كيفية حدوثها وفنائها يدل ~~على أنه - سبحانه وتعالى - خلقها لحكمة بالغة على ما قال: # وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما باطلا # [ص: 27]. # الثالث: أنه - تعالى - جعل السماء قبلة الدعاء، فالأيدي ترفع ~~إليها، والوجوه تتوجه نحوها، وهي منزل الأنوار، ومحل الضياء والصفاء، ~~والطهارة، والعصمة من الخلل والفساد. # والبناء: مصدر " بنيت " ، وإنما قلبت " الياء " همزة لتطرفها بعد ألف ~~زائدة، وقد يراد به المفعول، و " أنزل " عطف على " جعل " و " من السماء " ~~متعلق به، وهي لابتداء الغاية، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أن تكون ~~حالا من " ما "؛ لأن صفة النكرة إذا قدمت عليها نصبت حالا، وحينئذ ~~معناها التبعيض، وثم مضاف محذوف أي: من مياه السماء ماء. # وأصل " ماء " موه بدليل قولهم: " ماهت الركية تموه " وفي ~~جمعه مياه وأمواه، وفي تصغيره: مويه، فتحركت " الياء " وانفتح ما قبلها، ~~فقلبت ألفا، فاجتمع حرفان خفيفان: " الألف " و " الهاء " ، فأبدلوا من " ~~الهاء " أختها وهي الهمزة؛ لأنها أجلد منها. # فإن قيل: كيف قال: { وأنزل من السمآء مآء } [البقرة: 22] ~~وإنما ينزل من السحاب؟ فالجواب أن يقال: ينزل من السماء إلى السحاب، ~~ومن السحاب إلى الأرض. # فصل في أوجه ورود لفظ الماء # قال ms0179 أبو العباس المقري: ورد لفظ الماء في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: بمعنى الماء المطلق كهذه الآية. # الثاني: بمعنى النطفة. قال تعالى: # خلق من مآء دافق # [الطارق: 6]. # وقوله: # من سلالة من مآء مهين # [السجدة: 8]. # الثالث: بمعنى القرآن. قال تعالى: # أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها # [الرعد: 17] بمعنى القرآن، احتمله الناس على قدر. # قوله: " فأخرج " عطف على " أنزل " مرتب عليه، و " به " متعلق به، و " ~~الباء " فيه للسببية، و " من الثمرات " متعلق به أيضا، و " من " هنا ~~للتبعيض، كأنه قصد بتنكير الماء والرزق معنى البعضية، كأنه قيل: وأنزل ~~من السماء بعض الماء، فأخرج به بعض الثمرات ليكون بعض رزقكم؛ إذ ليس جميع ~~رزقهم هو بعض الثمرات، إنما ذكر بعض رزقهم. # وأبعد من جعلها زائدة لوجهين: # أحدهما: زيادتها في الواجب، وكون المجرور بها معرفة، وهذا لا يقول به ~~بصري ولا كوفي إلا أبا الحسن الأخفش. # والثاني: أن يكون جميع الثمرات رزقا لنا. وهذا يخالف الواقع؛ إذ كثير ~~من الثمرات ليس رزقا لنا. وجعلها الزمخشري لبيان الجنس، وفيه نظر؛ إذ لم ~~يتقدم ما يبين هذا، وكأنه يعني أنه بيان ل " رزقا " من حيث المعنى. # و " رزقا " ظاهره أنه مفعول به ناصبه " أخرج " ، ويجوز أن يكون " من ~~الثمرات " في موضع المفعول به، والتقدير: فأخرج ببعض الماء بعض الثمرات، ~~وفي " رزقا " حينئذ وجهان: # أحدهما: أن يكون حالا على أن الرزق بمعنى المرزوق كالطحن والرعي. # والثاني: أن يكون مصدرا منصوبا على المفعول من أجله، وفيه شروط النصب ~~موجودة. # وأجاز أبو البقاء أن يكون " من الثمرات " حالا من " رزقا "؛ لإنه لو ~~تأخر لكان نعتا، فعلى هذا يتعلق بمحذوف. # وجعل الزمخشري " من الثمرات " واقعا موقع الثمر أو الثمار، يعني مما ~~ناب فيه جمع قلة عن جمع الكثرة نحو: # كم تركوا من جنات # [الدخان: 25] و # ثلاثة قروء # [البقرة: 228]، ولا حاجة تدعو إلى هذا؛ لأن جمع السلامة المحلى ب " ~~أل " التي للعموم يقع للكثرة، فلا فرق إذن بين الثمرات ~~والثمار، ولذلك رد المحققون قول من رد على حسان بن ms0180 ثابت رضي ~~الله عنه: [الطويل] # 281- لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى # وأسيافنا يقطرن من نجدة دما # قالوا: كان ينبغي أن يقول: " الجفان " ، و " سيوفنا "؛ لأنه أمدح، ~~وليس بصحيح؛ لما ذكرت قبل ذلك. # و " لكم " يحتمل التعلق ب " أخرج " ، ويحتمل التعلق بمحذوف، على أن ~~يكون صفة ل " رزقا ". # هذا إن أريد بالرزق المرزوق، وإن أريد به المصدر، فيتحمل أن تكون الكاف ~~في " لكم " مفعولا بالمصدر واللام مقوية له نحو: " ضربت ابني تأديبا له ~~" أي: تأديبه. # قوله: { فلا تجعلوا لله أندادا } " الفاء " للتسبب أي: ~~تسبب عن إيجاد هذه الآيات الباهرة النهي عن اتخاذكم الأنداد، و " لا " ~~ناهية، و " تجعلوا " مجزوم بها، علامة جزمه حذف النون، وهي هنا بمعنى ~~تصيروا. # وأجاز أبو البقاء أن تكون بمعنى: تسموا، وعلى القولين فيتعدى ~~لاثنين. # أولهما: " أندادا ". # وثانيهما: الجار والمجرور قبله، هو واجب التقديم، و " أندادا " جمع ~~ند. # وقال أبو البقاء: " أندادا " جمع " ند " و " نديد " ، وفي جعله " ~~نديد " نظر؛ لأن أفعالا يحفظ في فعيل بمعنى فاعل، نحو: شريف وأشراف، ~~ولا يقاس عليه. # فإن قيل: بم تعلق قوله: " فلا تجعلوا "؟ # فالجواب فيه وجوه: # أحدها: أن يتعلق بالأمر أي: اعبدوا، ولا تجعلوا لله أندادا، فإن أصل ~~العبادة التوحيد. # وثانيها: ب " لعل " على أن ينتصب ب " تجعلوا " انتصاب " فأطلع " ~~في قراءة حفص. # قال الزمخشري: والمعنى خلقكم لكي تتقوا، وتخافوا عقابه فلا تثبتوا له ~~ندا، فإنه من أعظم موجبات العقاب، فعلى هذا تكون " لا " نافية، والفعل ~~بعدها منصوب بإضمار " أن " في جواب الترجي، وهذا لا يجيزه البصريون، ~~وسيأتي تأويل " فأطلع " ، ونظائره في موضعه إن شاء الله ~~تعالى. # وثالثها: بقوله: { الذي جعل لكم الأرض فراشا } # إذا جعلت " الذي " خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الذي خلق لكم هذه الدلائل ~~الباهرة فلا تتخذوا له شريكا. # و " الند " المقاوم المضاهي، سواء كان مثلا، أو ضدا، أو ~~خلافا. # وقيل: هو الضد عن أبي عبيدة. # وقيل: الكفء والمثل؛ قال حسان: [الوافر] # 282- أتهجوه ولست له بند # فشركما لخيركما الفداء # أي: " ولست له بكفء ". # وقد روي ذلك؛ وقال ms0181 آخر: [الرمل] # 283- نحمد الله ولا ند له # عنده الخير وما شاء فعل # وقال الزمخشري: الند المثل: ولا يقال إلا للند المخالف؛ قال ~~جرير: [الوافر] # 284- أتيما تجعلون إلي ندا # وما تيم لذي حسب نديد # وناددت الرجل: خالفته ونافرته، من: ند يند ندودا، أي: ~~نفر. # ومنه الحديث: " أي بعير ند فأعياهم ". # ويقال: " نديدة " على المبالغة؛ قال لبيد: [الطويل] # 285- لكيلا يكون السندري نديدتي # وأجعل أقواما عموما عماعما # وأما " الند " بفتح النون فهل التل المرتفع، والند الطيب ~~أيضا، ليس بعربي. # وقرأ محمد بن السميفع: " فلا تجعلوا لله ندا ". # فإن قيل: إنهم لم يقولوا: إن الأصنام تنازع الله. # قلنا: لما عبدوها وسموها آلهة أشبهت حالهم حال من يعتقد أنها آلهة ~~قادرة على منازعته فقيل لهم ذلك على سبيل التهكم بهم. # قوله: { وأنتم تعلمون } جملة من مبتدأ وخبر في محل نصب على ~~الحال، ومفعول العلم متروك، لأن المعنى، وأنتم من أهل العلم، أو حذف ~~اختصارا أي: وأنتم تعلمون بطلاق ذلك، والاسم من " أنتم " قيل: " أن " و ~~" التاء " حرف خطاب يتغير بحسب المخاطب، وقيل: بل " التاء " هي الاسم، و ~~" أن " عماد قبلها. # وقيل: بل هو ضمير برمته وهو ضمير رفع منفصل وحكم ميمه بالنسبة إلى ~~السكون والحركة والإشباع والاختلاس حكم " ميم " هم، وقد تقدم جميع ذلك. ~~والمعنى: إنكم لكمال عقولكم تعلمون أن هذه الأشياء لا يصح جعلها أندادا ~~لله - تعالى - فلا تقولوا ذلك؛ فإن القول القبيح ممن علم قبحه يكون أقبح. ~~وهذا الخطاب للكافرين، والمنافقين، قاله ابن عباس رضي الله عنه. # فإن قيل: كيف وصفهم بالعلم، وقد نعتهم بالختم، والطبع، ~~والصمم، والعمى؟ # فالجواب من وجهين: # أحدهما: وأنتم تعلمون العلم الخاص أن الله خلق، وأنزل الماء، وأنبت ~~الرزق، وهو المنعم عليهم دون الأنداد. # الثاني: وأنتم تعلمون وحدانيته بالفرد والإمكان لو تدبرتم ونظرتم، وفي ~~هذا دليل على استعمال حجج المعقول، وإبطال التقليد. وقال ابن فورك: ~~يحتمل أن تتناول الآية المؤمنين، والمعنى: لا ترتدوا أيها المؤمنون، ~~وتجعلوا لله أندادا بعد علمكم بأن الله واحد. # فصل في فرق المشركين # قال ابن ms0182 الخطيب: ليس في العالم أحد يثبت له شريكا يساويه في الوجود، ~~والقدرة، والعلم، والحكم، هذا مما لم يوجد، لكن الثنوية يثبتون إليهن، ~~أحدهما: حكيم يفعل الخير، والثاني: سفيه يفعل الشر؛ وأما اتخاذ معبود سوى ~~الله، فالذاهبون إلى ذلك فرق. # فمنهم عبدة الكواكب. # ومنهم الصابئة فإنهم يقولون: إن الله - تعالى - خلق هذه الكواكب، ~~وهي مدبرات لهذا العالم قالوا: فيجب علينا أن نعبد الكواكب، والكواكب ~~تعبد الله تعالى. # الفريق الثاني: الذين يعبدون المسيح عليه الصلاة والسلام. # الثالث: عبدة الأوثان. واعلم أنه لا دين من أديان الكفر أقدم من دين ~~عباد النار؛ لأنه يروى أن النار لما أكلت قربان " هابيل " جاء " إبليس ~~" إلى " قابيل " ، وأخبره أنها إنما أكلت قربان أخيه، لأنه عبدها، فعبدت ~~النار من ذلك الوقت. # وقيل: لا دين من أديان الكفر أقدم من دين عبدة الأوثان؛ لأن أقدم ~~الأنبياء الذين نقل إلينا تاريخهم هو نوح عليه الصلاة والسلام؛ لأنه إنما ~~جاء بالرد عليهم على ما أخبر الله - تعالى - عن قومه في قوله تعالى: # ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ~~ونسرا # [نوح: 23] فعلمنا أن هذه المقالة كانت موجودة قبل نوح عليه الصلاة ~~والسلام باقية إلى الآن، والمذهب الذي هذا شأنه، فيستحيل معرفة فساده ~~بالضرورة، لكن العلم بأن هذا الحجر المنحوت في هذه الساعة ليس هو الذي ~~خلقه وخلق السماء والأرض علم ضروري، فيستحيل إطباق الجمع العظيم عليه؛ ~~فوجب أن يكون لعبدة الأوثان غرض آخر سوى ذلك، والعلماء ذكروا فيه وجوها: # أحدها: ما ذكره أبو معشر جعفر بن محمد المنجم البلخي أن كثيرا ~~من أهل " الصين " و " الهند " كانوا يقولون بالله، وملائكته، ويعتقدون ~~أنه - تعالى - جسم وصورة كأحسن ما يكون من الصور، وهكذا حال الملائكة ~~أيضا في صورهم الحسنة، وأنهم كلهم قد احتجبوا عنا بالسماء، وأن الواجب ~~عليهم أن يصوغوا تماثيل أنيقة المنظر، حسنة المرأى، على الهيئة التي ~~كانوا يعتقدونها من صور الإله والملائكة، فيعكفون على عبادتها قاصدين به ~~طلب الزلفى إلى الله - سبحانه - وملائكته. # فإن صح ما قال أبو معشر، ms0183 فالسبب في عبادة الأوثان اعتقاد الشبه. # وثانيها: ما ذكر أكثر العلماء أن الناس رأوا تغيرات أحوال هذا العالم ~~مربوطة بتغيرات أحوال الكواكب؛ فإنه بحسب قرب الشمس وبعدها عن سمت الرأس ~~يحدث الفصول المختلفة، والأحوال المتباينة، ثم إنهم رصدوا أحوال سائر ~~الكواكب، فاعتقدوا ارتباط السعودة والنحوسة في الدنيا بكيفية وقوعها في ~~طوالع الناس، فلما اعتقدوا ذلك بالغوا في تعظيمها، فمنهم من اعتقد أنها ~~أشياء واجبة الوجود لذواتها، وهي التي خلقت هذه العوالم، ومنهم من اعتقد ~~أنها مخلوقة للإله الأكبر، لكنها [خالقة لهذا] العالم، فالأولون اعتقدوا ~~أنها هي الإله في الحقيقة، والآخرون أنها هي الوسائط بين الله وبين ~~البشر، فلا جرم اشتغلوا بعبادتها والخضوع لها، ثم لما رأوا الكواكب ~~مستترة في أكثر الأوقات عن الأبصار اتخذوا لها أصناما، وأقبلوا على ~~عبادتها قاصدين بتلك العبادات الأجرام العالية، ومتقربين إلى أشباحها ~~الغائبة، ثم لما طالت المدة ألغوا ذكر الكواكب وتجردوا لعبادة تلك ~~التماثيل، فهؤلاء في الحقيقة عبدة الكواكب. # وثالثها: أن أصحاب الأحكام كانوا يعينون سنين متطاولة، نحو الألف ~~والألفين، ويزعمون أن [من اتخذ] طلسما في ذلك الوقت على وجه خاص، فإنه ~~ينفع في أحوال مخصوصة نحو السعادة والخصب، ودفع الآفات، وكانوا إذا ~~اتخذوا ذلك الطلسم عظموه لاعتقادهم أنهم ينتفعون به، فلما بالغوا في ~~ذلك التعظيم صار ذلك كالعبادة، ولما طالت مدة ذلك الفعل نسوا مبدأ ~~الأمر، وانشغلوا بعبادتها على الجهالة بأصل الأمر. # ورابعها: أنه متى مات منهم رجل كبير يعتقدون في أنه مجاب الدعوة، ومقبول ~~الشفاعة عند الله - تعالى - اتخذوا أصناما على صورته، ويعبدونه على ~~اعتقاد أن ذلك الإنسان يكون شفيعا لهم يوم القيامة عند الله - تعالى - ~~على ما أخبر الله عنهم في قولهم: # هؤلاء شفعؤنا عند الله # [يونس: 18]. # وخامسها: لعلهم اتخذوها محاريب لصلاتهم، وطاعاتهم، ويسجدون إليها لا لها ~~كما أنا نسجد إلى القبلة لا للقبلة، ولما استمرت هذه الحالة ظن الجهال ~~من القوم أنه يجب عبادتها. # وسادسها: لعلهم كانوا يعتقدون جواز حلول الرب فيها فعبدوها على هذا ~~التأويل. فهذه هي الوجوه التي يمكن ms0184 حمل هذه المقالة عليها حتى ليصير بحيث ~~يعلم بطلانه بضرورة العقل. # واعلم أن إقامة الدلالة على افتقار العالم إلى الصانع المختار يبطل ~~القول بعبادة الأوثان على كل التأويلات، والله أعلم. # فصل # اعلم أن من بيوت الأصنام المشهورة " غمدان " الذي بناه الضحاك على اسم ~~الزهرة بمدينة " صنعاء " وخربه بن عفان، ومنها " نوبهار بلخ " الذي بناه ~~" منوشهر " الملك على اسم القمر، ثم كان لقبائل العرب أوثان معروفة مثل: ~~ود ب " دومة الجندل " لكلب، و " سواع " لبني هذيل، و " يغوث " ب " ~~اليمن " لمذحج، و " يعوق " لمرادية همدان و " نسر " بأرض " حمير " لذي ~~الكلاع، و " اللات " ب " الطائف " ل " ثقيف " ، و " مناة " ب " يثرب ~~" للخزرج، و " العزى " لكنانة بنواحي " مكة " و " أساف " و " نائلة " ~~على " الصفا " و " المروة ". # وكان قصي جد رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهاهم عن عبادتها، ~~ويدعوهم إلى عبادة الله سبحانه وتعالى، وكذلك زيد بن عمرو بن ~~نفيل، وهو الذي يقول: [الوافر] # 286- أرب واحد أم ألف رب # أدين إذا تقسمت الأمور؟! # تركت اللات والعزى جميعا # كذلك يفعل الرجل البصير ### || [2.23-24] # اعلم أنه سبحانه لما أقام الدلائل القاطعة على إثبات الصانع، وأبطل ~~القول بالشريك عقبه بما يدل على النبوة، ولما كانت نبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم مبنية على كون القرآن معجزا أقام الدلالة على كونه معجزا. ~~واعلم أن كونه معجزا يمكن بيانه من طريقين: # الأول: ألا يخلو حاله من أحد وجوه ثلاثة: # إما أن يكون مساويا لكلام الفصحاء، أو زائدا على كلام الفصحاء بقدر لا ~~ينقض العادة، أو زائدا عليه بقدر ينقض العادة، والقسمان الأولان باطلان ~~فتعين الثالث. # وإنما قلنا: إنهما باطلان؛ لأنه لو كان كذلك لوجب أن يأتوا [بمثل سورة ~~منه] إما مجتمعين، أو منفردين، فإذا وقع التنازع، فالشهود والحكام ~~مزيلون الشبهة وذلك نهاية الاحتجاج؛ لأنه كان من معرفة اللغة والاطلاع ~~على قوانين الفصاحة في الغاية، وكانوا في محبة إبطال أمره في الغاية حتى ~~بذلوا النفوس والأموال، وارتكبوا المهالك والمحن، وكانوا في الحمية ~~والأنفة على حد لا يقلبون الحق، ms0185 فكيف الباطل، وكل ذلك يوجب الإتيان بما ~~يقدح في قوله، فلما لم يأتوا بمثلها علمنا عجزهم عنها، فثبت أن القرآن لا ~~يماثل قولهم، وأن التفاوت بينه وبين كلامهم ليس تفاوتا معتادا، فهو ~~إذن تفاوت ناقض للعادة، فوجب أن يكون معجزا. # واعلم أنه قد اجتمع في القرآن وجوه كثيرة، تدل على أنه أبلغ في ~~الفصاحة النهاية التي لا غاية لها: # أحدها: أن فصاحة العرب أكثرها في وصف المشاهدات مثل وصف بعير، أو فرس، ~~أو جارية، أو ملك، أو ضربة، أو طعنة أو وصف حرب، أو وصف غارة، وليس في ~~القرآن شيء من هذا، فكان يجب على هذا ألا يحصل فيه شيء من الفصاحة، التي ~~اتفقت العرب في كلامهم عليها. # وثانيها: أنه - تعالى - راعي فيه [طريقة] الصدق، وتنزه عن الكذب في ~~جميعه، وكل شاعر ترك الكذب، ولزم الصدق زكي شعره، ألا ترى لبيد بن ربيعة، ~~وحسان بن ثابت لما أسلما زكي شعرهما، [ولم يكن شعرهما] الإسلامي في ~~الوجوه كشعرهما في الجاهلية، والقرآن مع لزوم الصدق وتنزهه عن الكذب ~~بلغ الغاية في الفصاحة كما ترى. # وثالثها: أن الكلام الفصيح والشعر الفصيح في القصيدة كلها، إنما هو بيت ~~أو بيتان والباقي ليس كذلك، وأما القرآن فكله فصيح، فعجز الخلق عن بعضه ~~كما عجزوا عن جملته. # ورابعها: أن كل من وصف شيئا بشعر، فإن كرره لم يكن كلامه الثاني في ~~وصف ذلك الشيء بمنزلة كلامه الأول، وأما القرآن ففيه تكرار كثير، وهو في ~~غاية الفصاحة، ولم يظهر التفاوت أصلا. # وخامسها: أنهم قالوا: شعر امرىء القيس يحسن عند الطرب، وذكر ~~النساء، وصفة الخيل، وشعر النابغة عند الخوف، وشعر الأعشى عند ~~الطلب، ووصف الخمر، وزهير عند الرغبة والرجاء، وبالجملة فكل ~~شاعر يحسن كلامه في فن، ويضعف كلامه في غيره، والقرآن جاء فصيحا في ~~كل الفنون. # وسادسها: أن القرآن أصل للعلوم كلها، فعلم الكلام كله في القرآن، وعلم ~~الفقه مأخوذ من القرآن، وكذا علم أصول الفقه، وعلم النحو، واللغة، وعلم ~~الزهد في الدنيا، وأخبار الآخرة، واستعمال مكارم الأخلاق. ms0186 # وأما الطريق الثاني: أن يقول: القرآن لا يخلو إما أن يكون بالغا في ~~الفصاحة إلى حد الإعجاز، أو لم يكن، فإن كان الأول ثبت أنه معجز، وإن ~~كان الثاني كانت المعارضة على هذا التقدير ممكنة، فعدم إتيانهم ~~بالمعارضة، مع توفر داعيهم على الإتيان بها، أمر خارق للعادة، فكان ~~ذلك معجزا، فثبت أن القرآن معجز على جميع الوجوه. # " إن " حرف شرط يجزم فعلين: شرطا وجزاء، فلا تقول: " إن غربت الشمس ". # فإن قيل: فكيف قال هاهنا: { وإن كنتم في ريب } ، وهذا خطاب مع ~~الكفار، والله تعالى يعلم أنه في ريب، وهم يعلمون ويقرون أنهم في ريب، ~~ومع ذلك فالتعليق حسن. # فالجواب: الخصائص الإلهية لا تدخل في الأوضاع العربية، بل الأوضاع ~~العربية مبنية على خصائص الخلق، والله - تعالى - أنزل القرآن بلغة ~~العرب، وعلى منوالهم، فكل ما كان في لغة العرب حسنا نزل القرآن على ذلك ~~الوجه، وما كان نسخا في لسان العرب لم ينزل في القرآن، فثبت بهذا أن كل ~~ما جاء في العادة مشكوكا فيه بين الناس، حسن تعليقه، سواء كان من قبل ~~الله - تعالى - أو من قبل غيره، وسواء كان معلوما للسامع أو المتكلم ~~أم لا، وكذلك حسن قوله: إن كان زيد في الدار فأكرمه، مع أنك تعلم أن ~~زيدا في الدار؛ لأن حصول زيد في الدار، شأنه أن يكون في العادة مشكوكا ~~فيه، ولا يكون إلا في المحتمل وقوعه، وهي أم الباب؛ فلذلك يحذف مجزومها ~~كثيرا، وقد يحذف الشرط والجزاء معا؛ قال: [الرجز] # 287- قالت بنات العم: يا سلمى وإن # كان فقيرا معدما قالت: وإن # أي: وإن كان فقيرا تزوجته. # وتكون " إن " نافية فتعمل وتهمل، وتكون مخففة وزائدة باطراد وعدمه، ~~وأجاز بعضهم أن تكون بمعنى " إذا " ، وبعضهم أن تكون بمعنى " قد " ، ولها ~~أحكام كثيرة. # و " في ريب " خبر كان، فيتعلق بمحذوف، ومحل " كان " الجزم، وهي وإن ~~كانت ماضية لفظا فهي مستقبلة معنى. # وزعم المبرد أن ل " كان " الناقصة حكما مع " إن " ، ليس لغيرها من ~~الأفعال الناقصة، فزعم أنه لقوة " كان " أن ms0187 " إن " الشرطية لا تقلب ~~معناها إلى الاستقبال، بل تكون على معناها من المضي، وتبعه في ذلك ~~أبو البقاء، وعلل ذلك بأن كثيرا استعملوها غير دالة على حدث، وهذا ~~مردود عند الجمهور، لأن التعليق إنما يكون في المستقبل، وتأولوا ما ظاهره ~~غير ذلك نحو: # إن كان قميصه قد # [يوسف: 26] إما بإضمار " يكن " بعد " إن " ، وإما على التبيين، ~~والتقدير: " إن يكن قميصه، أو إن يتبين كونه قميصه " ولما خفي هذا المعنى ~~على بعضهم جعل " إن " هنا بمنزلة " إذ " وقوله: " في ريب " مجاز من حيث ~~إنه يجعل الريب ظرفا محيطا بهم، بمنزلة المكان لكثرة وقوعه منهم. # و " مما " يتعلق بمحذوف؛ لأنه صفة لريب، فهو في محل جر، و " من " ~~للسببية، أو لابتداء الغاية، ولا يجوز أن تكون للتبعيض، ويجوز أن ~~تتعلق ب " ريب " أي: إن ارتبتم من أجل، ف " من " هنا للسببية، و " ~~ما " موصولة أو نكرة موصوفة، والعائد على كلا القولين محذوف، أي: نزلناه، ~~والتضعيف في " نزلنا " هنا للتعدية مرادفا لهمزة التعدي، ويدل عليه ~~قراءة " أنزلنا " بالهمز، وجعل الزمخشري التضعيف هنا دالا على نزوله ~~منجما في أوقات مختلفة. # قال بعضهم: " وهذا الذي ذهب إليه في تضعيف الكلمة هنا، هو الذي يعبر ~~عنه بالتكثير أي يفعل مرة بعد مرة، فيدل على ذلك بالتضعيف ويعبر عنه ~~بالكثرة " قال: " وذهل عن قاعدة، وهي أن التضعيف الدال على ذلك من شرطه ~~أن يكون في الأفعال المتعدية قبل التضعيف غالبا نحو: " جرحت ~~زيدا، وفتحت الباب " ، ولا يقال " جلس زيد " و " نزل " ~~[لأنه] لم يكن متعديا قبل التضعيف، وإن ما جعله متعديا تضعيفه ". # وقوله: " غالبا " لأنه قد جاء التضعيف دالا على الكثرة في اللازم ~~قليلا نحو: " موت المال " ، وأيضا فالتضعيف الدال على الكثرة لا ~~يجعل القاصر متعديا، كما تقدم في " موت المال " و " نزل " كان ~~قاصرا، فصار بالتضعيف متعديا، فدل على أن تضعيفه للنقل لا للتكثير، ~~وأيضا كان يحتاج قوله تعالى: # لولا نزل عليه القرءان جملة واحدة # [الفرقان: 32] إلى تأويل، وأيضا فقد جاء التضعيف حيث لا يمكن فيه ms0188 ~~التكثير، نحو قوله تعالى: # وقالوا لولا نزل عليه ءاية # [الأنعام: 37]، # لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا # [الإسراء: 95] إلا بتأويل بعيد جدا، إذ ليس المعنى على أنهم اقترحوا ~~تكرير نزول [آية، ولا أنه علق تكرير نزول] ملك رسول على تقدير كون ~~ملائكة في الأرض. # وفي قوله: { نزلنا } التفات من الغيبة إلى التكلم؛ لأن قبله: # اعبدوا ربكم # [البقرة: 21] فلو جاء الكلام عليه لقيل: " مما نزل على عبده " ~~ولكن التفت للتفخيم. # و " على عبدنا " متعلق ب " نزلنا " وعدي ب " على " ~~لإفادتها الاستعلاء، كأن المنزل تمكن من المنزول عليه ولبسه، ولهذا جاء ~~أكثر القرآن بالتعدي بها دون " إلى " فإنها تفيد الانتهاء والوصول فقط، ~~والإضافة في " عبدنا " تفيد التشريف؛ كقوله: [السريع] # 288- يا قوم قلبي عند زهراء # يعرفه السامع والرائي # لا تدعني إلا بيا عبدها # فإنه أشرف أسمائي # وقرىء " عبادنا " فقيل: المراد النبي - عليه الصلاة والسلام - وأمته؛ ~~لأن جدوى المنزل حاصل لهم. # وقيل: المراد بهم جميع الأنبياء عليهم السلام. # والعبد: مأخوذ من التعبد، وهو التذلل؛ قال طرفة: [الطويل] # 289- إلى أن تحامتني العشيرة كلها # وأفردت إفراد البعير المعبد # أي: المذلل. # ولما كانت العبادة أشرف الخصال والتسمي بها أشرف الخطط سمى نبيه ~~عبدا. # قوله: { فأتوا بسورة } جواب الشرط، والفاء هنا واجبة؛ لن ما ~~بعدها لا يصح أن يكون شرطا بنفسه، وأصل " فأتوا " " إأتيوا " مثل: ~~اضربوا، فلهمزة الأولى همزة وصل أتي بها للابتداء بالساكن، والثانية ~~فاء الكلمة، فلما اجتمع همزتان، وجب قلب ثانيهما ياء على حد " إيمان " ~~وبابه، واستثقلت " الضمة " على " الياء " التي هي " لام " الكلمة فقدرت، ~~فسكنت " الياء " ، وبعدها " واو " الضمير ساكنة، فحذفت " الياء " لالتقاء ~~ساكنين، وضمت " التاء " للتجانس، فوزن " ايتوا ": " افعوا " ، وهذه ~~الهمزة إنما يحتاج إليها ابتداء، أما في الدرج فإنه يستغنى ~~عنها، وتعود الهمزة التي هي " فاء " الكلمة؛ لأنها إنما قلبت ~~ياء للكسر الذي كان قبلها، وقد زال نحو: " فأتوا " وبابه، وقد تحذف ~~الهمزة التي هي " فاء " الكلمة في الأمر كقوله: [الطويل] # 290- فإن نحن لم ننهض لكم فنبركم # فتونا فعادونا إذا بالجرائم # يريد: فأتونا كقوله: فأتوا. ms0189 # قال ابن كيسان: " وهو أمر معناه التعجيز؛ لأنه - تعالى - علم عجزهم عنه ~~". # و " بسورة " متعلق بأتوا، والسورة واحدة السور، وهي طائفة من ~~القرآن. # وقيل: السورة الدرجة الرفيعة، قال النابغة: [الطويل] # 291- ألم تر أن الله أعطاك سورة # ترى كل ملك دونها يتذبذب # وسميت سورة القرآن بذلك؛ لأن قارئها يشرف بها وترفعه، أو لرفعة شأنها، ~~وجلالة محلها في الدين، وإن جعلت واوها منقلبة عن " الهمزة " ، فيكون ~~اشتقاقها من " السؤر " ، وهو البقية، والفضلة؛ ومنه: " أسأروا في ~~الإناء "؛ قال الأعشى: [المتقارب] # 292- فبانت وقد أسأرت في الفؤا # د صدعا على نأيها مستطيرا # أي: أبقت، ويدل على ذلك أن " تميما " وغيرها يهمزون فيقولون: سؤرة ~~بالهمزة. # وسميت سورة القرآن بذلك؛ لأنها قطعة منه، وهي على هذا مخففة من " الهمز ~~". # وقيل: اشتقاقها من سور البناء؛ لأنها تحيط بقارئها، وتحفظه كسور ~~المدينة، ولكن جمع سورة القرآن سور بفتح الواو، وجمع سورة ~~البناء سور بسكونها، ففرقوا بينهما في الجمع. # فإن قيل: ما فائدة تقطيع القرآن سورا؟ # قلنا: وجوه: # أحدها: ما لأجله بوب المصنفون كتبهم أبوابا وفصولا. # وثانيها: أن الجنس إذا حصل تحته كان إفراد كل نوع من صاحبه أحسن. # وثالثها: أن القارىء إذا ختم سورة، أو بابا من الكتاب، ثم أخذ في آخر ~~كان أنشط له، كالمسافر إذا علم أنه قطع ميلا أو طوى فرسخا نشطه للمسير. # فصل في بيان أن ترتيب القرآن توقيفي # قال ابن الخطيب: قوله: " فأتوا بسورة " يدل على أن القرآن وما هو عليه ~~من كونه سورا هو على حد ما أنزله الله - تعال- بخلاف قول كثير من أهل ~~الحديث، أنه نظم على هذا الترتيب في أيام عثمان، فلذلك صح التحدي ~~بالقرآن على وجوه: # أحدها: قوله: # فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى # [القصص: 49]. # وثانيها: قوله: # قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرءان لا يأتون بمثله ولو كان ~~بعضهم لبعض ظهيرا # [الإسراء: 88]. # وثالثها: قوله: # فأتوا بعشر سور مثله مفتريات # [هود: 13]. # ورابعها: قوله: { فأتوا بسورة من مثله } [البقرة: 23]، ~~ونظير هذا لمن يتحدى صاحبه فيقول: ائتني ms0190 بمثله، ائتني بنصفه، ائتني ~~بربعه، ائتني بمسألة مثله، فإن هذا هو النهاية في التحدي، وإزالة ~~العذر. # قوله: { من مثله } في الهاء ثلاثة أقوال: # أحدهما: أنها تعود على " ما نزلنا " عند الجمهور كعمرو، وابن مسعود، ~~وابن عباس، والحسن، وقتادة، ومجاهد، وغيرهم، فيكون " من مثله " صفة ل " ~~سورة " ، ويتعلق بمحذوف على ما تقرر: أي بسورة كائنة من مثل المنزل في ~~فصاحته، وإخباره بالغيوب، وغير ذلك، ويكون معنى " من " التبعيض. # واختار ابن عطية والمهدوي أن تكون للبيان، وأجازا هما وأبو البقاء ~~أن تكون زائدة ولا تجيء إلا على قول الأخفش. # الثاني: أنها تعود على " عبدنا " فيتعلق " من مثله " ب " أتوا " ، ~~ويكون معنى " من " ابتداء الغاية، ويجوز على هذا الوجه أيضا أن تكون صفة ~~لسورة أي: " بسورة كائنة من رجل مثل عبدنا أمي لا يقرأ ولا يكتب ". # قال القرطبي: و " من " على هذين التأويلين للتبعيض. # الثالث: قال أبو البقاء: إنها تعود على الأنداد بلفظ المفرد كقوله: # وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في ~~بطونه # [النحل: 66] ولا حاجة تدعو إلى ذلك، والمعنى يأباه أيضا. # قال القرطبي: وقيل: يعود على التوراة والإنجيل، والمعنى: فأتوا بسورة من ~~كتاب مثله؛ فإنها تصدق ما فيه، والوقف على " مثله " ليس بتام؛ لأن " ~~وادعوا " نسق عليه. # قوله: { وادعوا شهدآءكم } هذه جملة أمر معطوفة على الأمر ~~قبلها، فهي في محل جزم أيضا، ووزن " ادعوا " افعوا؛ لأن لام الكلمة ~~محذوف دلالة على السكون في الأمر الذي هو جزم في المضارع، و " الواو " ~~ضمير الفاعلين. # و " شهداءكم " مفعول به جمع " شهيد " كظريف. # وقيل: بل جمع " شاهد " ك " شاعر " والأول أولى؛ لاطراد " فعلاء " ~~في " فعيل " دون فاعل، والشهادة الحضور، وفي المراد من الشهداء وجهان: # الأول: المراد من الشهداء الأوثان. # والثاني: المراد من الشهداء أكابرهم، أو من يوافقهم في إنكار أمر محمد ~~عليه الصلاة والسلام، والمعنى: ادعوا أكابركم، ورؤساءكم ليعينوكم على ~~المعارضة، أو ليشاهدوا ما تأتون به، فيكون [الرد على الجميع أوكد]. و " ~~من دون الله " متعلق ب " ادعوا " من دون الله شهداءكم، فلا تستشهدوا ms0191 ~~بالله، فكأنه قال: وادعوا من غير الله من يشهد لكم، ويحتمل أن يتعلق ب ~~" شهداءكم " والمعنى: ادعوا من اتخذتموه من دون الله، وزعمتم أنهم يشهدون ~~لكم بصحة عبادتكم إياهم، وأعوانكم من دون أولياء الله الذين تستعينون ~~بهم دون الله، أو يكون معنى " من دون الله " بين يدي الله؛ كقوله: ~~[الطويل] # 293- تريك القذى من دونها وهي دونه # لوجه أخيها في الإناء قطوب # أي: تريك القذى قدامها وهي قدامه؛ لرقتها وصفائها. # واختار أبو البقاء أن يكون " من دون الله " حالا من " شهدائكم " ~~والعامل فيه محذوف قال: " تقديره: شهدائكم منفردين عن الله، أو عن أنصار ~~الله ". # و " دون " من ظروف الأمكنة، ولا تتصرف على المشهور إلا بالجر ب " من ~~". # وزعم الأخفش أنها متصرفة، وجعل من ذلك قوله تعالى: # ومنا دون ذلك # [الجن: 11] فقال: " دون " مبتدأ و " منا " خبره، وإنما بني لإضافته إلى ~~مبني، وقد شذ رفعه خبرا في قول الشاعر: [الطويل] # 294- ألم تر أني قد حميت حقيقتي # وباشرت حد الموت والموت دونها # وهو من الأسماء اللازمة للإضافة لفظا ومعنى. # وأما " دون " التي بمعنى رديء فتلك صفة كسائر الصفات، تقول: " هذا ثوب ~~دون " ، و " رأيت ثوبا دونا " أي: رديئا، وليست مما نحن فيه. # و " دون " أيضا نقيض " فوق " ويقال: هذا دون ذاك، أي: أقرب منه، ويقال ~~في الأخذ بالشيء: دونكه. # قال تميم للحجاج: أقبرنا صالحا - وكان قد صلبه - فقال: دونكموه. # قوله تعالى: { إن كنتم صادقين } هذا شرط حذف جوابه للدلالة عليه ~~تقديره: إن كنتم صادقين فافعلوا، ومتعلق الصدق محذوف، والظاهر تقديره ~~هكذا: إن كنتم صادقين في كونكم في ريب من المنزل على عبدنا أنه من ~~عندنا. # وقيل: فيما تقدرون عليه من المعارضة، وقد صرح بذلك عنهم في آية ~~أخرى، حيث قال تعالى حاكيا عنهم: # لو نشآء لقلنا مثل هذا # [الأنفال: 31] والصدق ضد الكذب وقد تقدم، والصديق مشتق منه لصدقه في ~~الود والنصح، والصدق من الرماح: الصلبة. # فصل في التهكم بالكافرين # قال ابن الخطيب: " وفي أمرهم بأن يستظهروا بالجماد الذي ينطق في معارضة ~~القرآن المعجز ms0192 بالفصاحة غاية التهكم بهم ". # فصل في الاحتجاج على الجبرية # قال القاضي: هذا التحدي يبطل القول بالجبر من وجوه: # أحدها: أنه مبني على تعذر مثله ممن يصح الفعل منه، فمن ينفي كون العبد ~~فاعلا لم يمكنه إثبات التحدي أصلا، وفي هذا إبطال الاستدلال بالمعجز. # وثانيها: أن تعذره على قولهم يكون لفقد القدرة الموجودة، ويستوي في ~~ذلك ما كان معجزا، وما لا يكون، فلا يصح معنى التحدي على قولهم. # وثالثها: أن ما يضاف إلى العبد فالله - تعالى - هو الخالق له، فتحديه ~~يعود في التحقيق إلى أنه متحد لنفسه، وهو قادر على مثله من غير شك ~~فيجب ألا يثبت الإعجاز على هذا القول. # ورابعها: أن المعجز إنما يدل بما فيه من بعض العادة، فإذا كان من ~~قولهم: إن المعتاد أيضا ليس بفعل لم يثبت هذا الفرق، فلا يصح الاستدلال ~~بالمعجز. # وخامسها: أن الرسول صلى الله عليه وسلم يحتج بأنه - تعالى - إنما خصه ~~بذلك، تصديقا له فيما ادعاه، ولو لم يكن ذلك من قبله - تعالى - ~~لم يكن داخلا في الإعجاز، وعلى قولهم بالجبر لا يصح هذا الفرق؛ لأن ~~المعتاد وغير المعتاد لا يكون إلا من قبله. # والجواب: أن المطلوب من التحدي أن يأتي الخصم بالمتحدى به قصدا، وأن ~~يقع ذلك منه اتفاقا. # والثاني باطل؛ لأن الاتفاقيات لا تكون في وسعه، فثبت الأول، وإذا ~~كان كذلك ثبت أن إتيانه بالمتحدى موقوف على أن يحصل في قلبه قصد إليه، ~~فذاك القصد إن كان منه لزم التسلسل، وهو محال، وإن كان من الله - تعالى - ~~فحينئذ يعود الجبر، ويلزمه كل ما أورده علينا، فبطل كل ما قال. # قوله: { فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا } " إن " الشرطية ~~داخلة على جملة " لم تفعلوا " و " تفعلوا " مجزوم ب " لم " ، كما تدخل " ~~إن " الشرطية على فعل منفي ب " لا " نحو: # إلا تفعلوه # [الأنفال: 73]، فيكون لم تفعلوا في محل جزم بها. # وقوله: " فاتقوا " جواب الشرط، ويكون قوله: { ولن تفعلوا } ~~جملة معترضة بين الشرط وجزائه. # وقال جماعة من المفسرين: معنى الآية: وادعوا شهداءكم من دون ms0193 الله إن ~~كنتم صادقين، [ولن تفعلوا فإن لم تفعلوا فاتقوا النار، وفيه نظر لا ~~يخفى، وإنما قال تعالى: { فإن لم تفعلوا] ولن تفعلوا } ~~فعبر بالفعل عن الإتيان؛ لأن الفعل يجري مجرى الكناية، فيعبر به عن كل ~~فعل، ويغني عن طول ما تكنى به. # وقال الزمخشري: " لو لم يعدل من لفظ الإتيان إلى لفظ الفعل، لاستطيع ~~أن يقال: فإن لم تأتوا بسورة من مثله، ولن تأتوا بسورة من مثله ". # قال أبو حيان: " ولا يلزم ما قال؛ لأنه لو قال: " فإن لم تأتوا ولن ~~تأتوا " كان المعنى على ما ذكر، ويكون قد حذف ذلك اختصارا، كما حذف ~~اختصارا مفعول " لم تفعلوا، ولن تفعلوا " ألا [ترى] أن التقدير: فإن لم ~~تفعلوا الإتيان بسورة من مثله، ولن تفعلوا الإتيان بسورة من مثله؟ ". # فإن قيل: كيف دخلت " إن " على " لم " ولا يدخل عامل على عامل؟ # فالجواب: أن " إن " ها هنا غير عاملة في اللفظ، ودخلت على " لم " ~~كما تدخل على الماضي، لأنها لا تعمل في " لم " كما لم تعمل في الماضي، ~~فمعنى " إن لم تفعلوا " إن تركتم الفعل. # و " لن " حرف نصف معناه نفي المستقبل، ويختص بصيغة المضارع ك " لم ~~" ولا يقتضي نفيه التأبيد، وليس أقل مدة من نفي " لا " ، ولا ~~نونه بدلا من ألف " لا " ، ولا هو مركبا من " لا أن "؛ خلافا ~~للخليل، وزعم قوم أنها قد تجزم، منهم أبو عبيدة؛ وأنشدوا: [الخفيف] # 295- لن يخب الآن من رجائك من حر # رك من دون بابك الحلقه # وقال النابغة: [البسيط] # 296-........................ # فلن أعرض أبيت اللعن بالصفد # ويمكن تأويل ذلك بأنه مما سكن فيه للضرورة. # قوله تعالى: { فاتقوا النار } هذا جواب الشرط كما تقدم، والكثير ~~في لغة العرب: " اتقى يتقي " على افتعل يفتعل، ولغة " ~~تميم " و " أسد " تقى يتقي: مثل: رمى يرمي، فيسكنون ما بعد حرف ~~المضارعة؛ حكى هذه اللغة سيبويه، ومنهم من يحرك ما بعد حرف المضارعة؛ ~~وأنشدوا: [الوافر] # 297- تقوه أيها الفتيان إني # رأيت الله قد غلب الجدودا # وقال آخر: [الطويل] # 298-...................... # تق الله فينا والكتاب الذي تتلو ms0194 # قوله تعالى: { النار } مفعول به، و " التي " صفتها، وفيها أربع ~~اللغات المتقدمة، كقوله: [الكامل] # 299- شغفت بك اللت تيمتك فمثل ما # بك ما بها من لوعة وغرام # وقال آخر: [الوافر] # 300- فقل للت تلومك إن نفسي # أراها لا تعوذ بالتميم # و " وقودها الناس والحجارة " جملة من مبتدأ وخبر، صلة وعائد، والألف ~~واللام في " النار " للعهد. # فإن قيل: الصلة مقررة، فيجب أن تكون معلومة فكيف علم أولئك أن نار ~~الآخرة توقد بالناس والحجارة؟ # والجواب: لا يمتنع أن يتقدم لهم بهذه الصلة معهودة عند السامع بدليل ~~قوله تعالى: # فأوحى إلى عبده مآ أوحى # [النجم: 10] وقوله: # إذ يغشى السدرة ما يغشى # [النجم: 16] وقوله: # فغشاها ما غشى # [النجم: 54] وقال: # فغشيهم من اليم ما غشيهم # [طه: 78] إلا أنه خلاف المشهور أو لتقدم ذكرها في سورة التحريم - وهي ~~مدينة بالاتفاق - وقد غلط الزمخشري في ذلك. # والمشهور فتح واو الوقود، وهو اسم ما يوقد به. # وقيل: هو مصدر كالولوع والقبول والوضوء والطهور، ولم يجىء مصدر ~~على " فعول " غير هذه الألفاظ فيما حكاه سيبويه. # وزاد الكسائي: الوزوع. وقرىء شاذا في سورة " ق " { وما مسنا ~~من لغوب } [ق: 38] فتصير سبعة، وهناك ذكرت هذه القراءة، ولكن المشهور ~~أن الوقود والوضوء والطهور بالفتح اسم، وبالضم مصدر. # وقرأ عيسى بن عمر بفتحها وهو مصدر. # وقال ابن عطية: وقد حكيا جميعا في الحطب، وقد حكيا في المصدر. انتهى. # فإن أريد اسم ما يوقد به فلا حاجة إلى تأويل، وإن أريد بهما المصدر فلا ~~بد من تأويل، وهو إما المبالغة أي: جعلوا نفس التوقد مبالغة في ~~وضعهم بالعذاب، وإما حذف مضاف، إما من الأول أي أصحاب توقدها، وإما ~~من الثاني أي: يوقدها إحراق الناس، ثم حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه ~~مقامه. والهاء في " الحجارة " لتأنيث الجمع. # فصل في تثنية " التي " وجمعه # وفي تثنية " التي " ثلاث لغات: # " اللتان " ، و " اللتا " بحذف النون، و " اللتان " بتشديد ~~النون، وفي جمعها خمس لغات: " اللاتي " - وهي لغة القرآن - و " ~~اللات " - بكسر التاء بلا ياء - و " اللواتي " ، و " اللوات " ~~- بلا ياء، وأنشد ms0195 أبو عبيدة: [الرجز] # 301- من اللواتي والتي واللات # زعمن أني قد كبرت لداتي # و " اللواء " بإسقاط " التاء " حكاه الجوهري. # وزاد ابن الشجري: " اللائي " بالهمز وإثبات " الياء " ، و " ~~اللاء " بكسر " الهمزة " وحذف " الياء " و " اللا " بحذف الهمزة، فإن ~~جمعت الجمع، قلت في " اللاتي ": " اللواتي " وفي " اللائي ": " اللوائي ~~". # قال الجوهري: وتصغير " التي " " اللتيا " بالفتح والتشديد، قال ~~الراجز: [الرجز] # 302- بعد اللتيا واللتيا والتي # إذا علتها أنفس تردت # وبعض الشعراء أدخل على " التي " حرف النداء، وحروف النداء لا تدخل ~~على ما فيه الألف واللام إلا في قولنا: " يا ألله " وحده، فكأنه ~~شبهها به؛ من حيث كانت الألف واللام غير مفارقتين لها، وقال: ~~[الوافر] # 303- من اجلك يا التي تيمت قلبي # وأنت بخيلة بالود عني # ويقال: " وقع فلان في اللتيا والتي " وهما اسمان من أسماء ~~الداهية. # فصل # قال ابن الخطيب: انتفاء إتيانهم بالسورة واجب، فهلا جيء ب " إذا " ~~الذي للوجوب دون " إن " الذي للشك؟ والجواب: من وجهين: # أحدهما: أنه ساق القول معهم على حسب حسابهم، وأنهم لم يكونوا بعد جازمين ~~بالعجز عن المعارضة؛ لاتكالهم على فصاحتهم، واقتدارهم على الكلام. # والثاني: أنه تهكم بهم كما يقول الموصوف بالقوة الواثق من نفسه ~~بالغلبة لمن هو دونه: " إن غلبتك لم أبق عليك " ، وهو عالم أنه غالبه ~~تهكما به. فإن قيل: ما معنى اشتراطه في اتقاء النار انتفاء إتيانهم ~~بسورة من مثله. والجواب: إذا ظهر عجزهم عن المعارضة صح عندهم صدق ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا صح ذلك ثم لزموا العناد ~~استوجبوا العقاب بالنار، فاتقاء النار يوجب ترك العناد، فأقيم المؤثر ~~مقام الأثر، وجعل قوله: { فاتقوا النار } قائما مقام قوله: ~~فاتركوا العناد، فأناب إبقاء النار منابه. # و " الحجارة " روي عن ابن مسعود والفراء - رضي الله تعالى عنهما - أنها ~~حجارة الكبريت، وخصت بذلك؛ لأنها تزيد على جميع الأحجار بخمسة أنواع من ~~العذاب: سرعة الإيقاد، ونتن الرائحة، وكثرة الدخان، وشدة الالتصاق ~~بالأبدان، وقوة حرها إذا حميت. # وقيل: المراد بالحجارة الأصنام، لأنهم لما قرنوا أنفسهم بها في الدنيا ~~حيث نحتوها أصناما، وجعلوها ms0196 أندادا لله، وعبدوها من دونه قال تعالى: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [الأنبياء: 98] وفي معنى " الناس والحجارة " و " حصب جهنم " في معنى " ~~وقودها ". # ولما اعتقد الكفار في حجارتهم المعبودة من دون الله أنها الشفعاء، ~~والشهداء الذين يشفعون لهم، ويستدفعون بها المضار عن أنفسهم جعلهم الله ~~عذابهم، فقرنهم بها محماة في نار جهنم إبلاغا في تحسيرهم، ونحوه ما يفعل ~~بالكافرين الذين جعلوا ذهبهم وفضتهم عدة وذخيرة فشحوا بها، ومنعوها من ~~الحقوق، حيث يحمى عليها في نار جهنم، فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم. # قال ابن الخطيب: والقول بأنها حجارة الكبريت تخصيص بغير دليل، بل فيه ما ~~يدل على فساده؛ لأن الغرض هنا تفخيم صفة النار، والإيقاد بحجارة ~~الكبريت أمر معتاد، فلا يدل الإيقاد بها على قوة النار. # أما لو حملنا على سائر الحجارة، دل على عظم أمر النار؛ فإن سائر ~~الأحجار تطفأ بها النيران، فكأنه قال: تلك النار نار بلغت لقوتها أن ~~تتعلق في أول أمرها بالحجارة التي هي مطفئة لنيران الدنيا. # قال القرطبي: " وليس في قوله تعالى: { وقودها الناس ~~والحجارة } [البقرة: 24] دليل على أنه ليس فيها غير الناس ~~والحجارة، بدليل ما ذكره في غير موضع، مع كون الجن والشياطين فيها " وروي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " كل مؤذ في النار " # وفي تأويله وجهان: # أحدهما: كل من آذى الناس في الدنيا عذبه الله في الآخرة بالنار. # والثاني: أن كل ما يؤذي الناس في الدنيا من السباع والهوام وغيرها ~~في النار معد لعقوبة أهل النار. # وذهب بعض أهل التأويل إلى أن هذه النار المخصوصة بالحجارة هي للكافرين ~~خاصة. # روى مسلم # " عن العباس بن عبد المطلب - رضي الله عنه - قال: قلت: يا رسول الله، ~~إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك، فهل ينفعه ذلك؟ قال: " نعم، وجدته ~~في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح " ". # وفي رواية: # " ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار " # ويدل على هذا التأويل قوله: { أعدت للكافرين }. # وقال ابن الخطيب: وليس فيها ما يدل على ms0197 أنه ليس هناك نيران أخر غير ~~موصوفة بهذه الصفة، معدة لفساق أهل الصلاة. # قوله تعالى: { أعدت } فعل لما لم يسم فاعله، والقائم مقام ~~الفاعل ضمير " النار " ، والتاء واجبة، لأن الفعل أسند إلى ضمير ~~المؤنث، ولا يلتفت إلى قوله: [المتقارب] # 304- فلا مزنة ودقت ودقها # ولا أرض أبقل إبقالها # لأنه ضرورة؛ خلافا لابن كيسان. # و " للكافرين " متعلق به، ومعنى " أعدت ": هيئت؛ قال: ~~[مجزوء الكامل] # 305- أعددت للحدثان سا # بغة وعداء علندى # وقرىء: " أعتدت " من العتاد بمعنى العدة، وهذه الجملة الظاهر ~~أنها لا محل لها، لكونها مستأنفة جوابا لمن قال: لمن أعدت؟ # وقال أبو البقاء: محلها النصب على الحال من " النار " ، والعامل فيها ~~" اتقوا ". # قيل: وفيه نظر، فإنها معدة للكافرين اتقوا أم لم يتقوا، فتكون حالا ~~لازمة، لكن الأصل في الحال التي ليست للتوكيد أن تكون منتقلة، فالأولى أن ~~تكون استئنافا. # قال أبو البقاء: ولا يجوز أن تكون حالا من الضمير في " وقودها " لثلاثة ~~أشياء: # أحدها: أنها مضاف إليها. # الثاني: أن الحطب لا يعمل يعني أنه اسم جامد. # الثالث: الفصل بين المصدر أو ما يعمل عمله، وبين ما يعمل فيه الخبر وهو ~~" الناس " ، يعني أن الوقود بالضم، وإن كان مصدرا صالحا للعمل، فلا ~~يجوز ذلك أيضا؛ لأنه عامل في الحال، وقد فصلت بينه وبينها بأجنبي، وهو " ~~الناس " وقال السجستاني: " أعدت للكافرين " من صلة " التي " كقوله: # واتقوا النار التي أعدت للكافرين # [آل عمران: 131]. # قال ابن الأنباري: وهذا غلط؛ لأن " التي " هنا وصلت بقوله: " وقودها ~~الناس " فلا يجوز أن توصل بصلة ثانية، بخلاف التي في " آل عمران ". # قلت: ويمكن ألا يكون غلطا؛ لأنا لا نسلم أن " وقودها الناس " - والحالة ~~هذه - صلة، بل إما معترضة، لأن فيها تأكيدا وإما حالا، وهذان الوجهان ~~لا يمنعهما معنى، ولا صناعة. ### || [2.25] # اعلم: أنه - سبحانه وتعالى - لما تكلم في التوحيد والنبوة، ~~تكلم بعدهما في ذكر المعاد، وبين عقاب الكافر، وثواب المطيع، ومن ~~عادة الله - تعالى - أنه إذا ذكر الوعيد، أن يعقبه بذكر ~~الوعد. # وها هنا فصول: # الأول: هذه الآيات صريحة في ms0198 أن الجنة والنار مخلوقتان، ~~لأنه - تعالى - [قال] في صفة النار: # أعدت للكافرين # [البقرة: 24] وقال في صفة الجنة في آية أخرى: # أعدت للمتقين # [آل عمران: 133]، وقال هاهنا: { وبشر الذين ءامنوا ~~وعملوا الصالحات أن لهم جنات } وهذا إخبار عن وقوع ~~هذا الملك وحصوله، وحصول الملك في الحال يقتضي حصول ~~المملوك في الحال؛ فدل على أن الجنة والنار مخلوقتان. # الثاني: مجامع اللذات: إما المسكن، أو المطعم، أو ~~المنكح. # فوصف تعالى المسكن بقوله: { جنات تجري من تحتها ~~الأنهار } والمطعم بقوله: { كلما رزقوا منها من ~~ثمرة رزقا } والمنكح بقوله: { ولهم فيهآ أزواج ~~مطهرة }. # ثم هذه الأشياء إن حصلت، وقارنها خوف الزوال، كان النعيم ~~منغصا، فبين - تعالى - زوال هذا الخوف بقوله: { وهم فيها ~~خالدون }؛ فدلت الآية على كمال النعيم والسرور. # الثالث: قوله: { وبشر الذين ءامنوا } هذه الجملة ~~معطوفة على ما قبلها، عطف جملة ثواب المؤمنين، على جملة ~~ثواب الكافرين، وجاز ذلك؛ لأن مذهب سيبويه - وهو الصحيح -: ~~أنه لا يشترط في عطف الجمل التوافق معنى، بل تعطف ~~الطلبية على الخبرية؛ وبالعكس؛ [بدليل] قوله: [الطويل] # 306- تناغي غزالا عند باب ابن عامر # وكحل أماقيك الحسان بإثمد # وقول امرىء القيس: [الطويل] # 307- وإن شفائي عبرة مهراقة # وهل عند رسم دارس من معول # وقال ابن الخطيب: ليس الذي اعتمد بالعطف هو الأمر، حتى يطلب ~~له مشاكل من أمر ونهي يعطف عليه، إنما المعتمد بالعطف هو جملة ثواب ~~المؤمنين؛ فهي معطوفة على جملة وصف عقاب الكافرين كما تقول: زيد يعاقب ~~بالقيد والضرب وبشر عمرو بالعفو والإطلاق. # وأجاز الزمخشري وأبو البقاء أن يكون عطفا على " فاتقوا " ليعطف أمرا ~~على أمر، وهذا قد رده أبو حيان بأن " فاتقوا " جواب الشرط، فالمعطوف يكون ~~جوابا؛ لأن حكمه حكمه، ولكن لا يصح؛ لأن تبشيره للمؤمنين لا يترتب على ~~قوله: " فإن لم تفعلوا ". # وقرىء: " وبشر " [ماضيا] مبنيا للمفعول. # وقال الزمخشري: " وهو عطف على أعدت ". # قيل: وهذا لا يتأتى على إعراب " أعدت " حالا؛ لأنها لا تصلح للحالية. # وقيل: عطفها على " أعدت " فاسد؛ لأن " أعدت " صلة " التي " ، والمعطوف ~~على الصلة صلة، ms0199 ولا يصلح أن يقال: " الباء " التي بشر الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات أن لهم جنات، إلا أن يعتقد أن قوله: " أعدت " ~~مستأنف، والظاهر أنه من تمام الصلة، وأنه حال من الضمير في " ~~وقودها " ، والمأمور بالبشارة يجوز أن يكون الرسول عليه السلام، وأن ~~يكون كل سامع، كما قال عليه السلام: # " بشر المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور ~~التام يوم القيامة " # ، لم يأمر بذلك أحدا بعينه، وإنما كل أحد مأمور به. # و " البشارة ": أول خبر من خير أو شر؛ قالوا: لأن أثرها يظهر ~~في البشرة، وهي ظاهر جلد الإنسان؛ وأنشدوا: [الوافر] # 308- يبشرني الغراب ببين أهلي # فقلت له: ثكلتك من بشير # وقال آخر: [الطويل] # 309- وبشرتني يا سعد أن أحبتي # جفوني وأن الود موعده الحشر # وهذا رأى سيبويه، إلا أن الأكثر استعمالها في الخير، وإن ~~استعملت في الشر فبقيد؛ كقوله تعالى: # فبشرهم بعذاب # [آل عمران: 21]، وإن أطلقت، كان للخير. # وقال البغوي: " البشارة كل خبر صدق ". # وقال ابن الخطيب: إنها الخبر الذي يظهر السرور، ولهذا قال ~~الفقهاء: إذا قال لعبيده: أيكم يبشرني بقدوم فلان فهو حر، ~~فبشروه فرادى، عتق أولهم؛ لأنه هو الذي أفاد خبره السرور. ~~ولو قال مكان " بشرني ": أخبرني عتقوا جميعا؟ لأنهم ~~جميعا أخبروه، وظاهر كلام الزمخشري أنها تختص بالخير؛ لأنه ~~تأول " فبشرهم بعذاب " على العكس في الكلام الذي يقصد به ~~الزيادة في غيظ المستهزأ به وتألمه، كما يقول الرجل ~~لعدوه: أبشر بقتل ذريتك ونهب مالك. # والفعل منها بشر وبشر مخففا ومثقلا، فالتثقيل للتكثير ~~بالنسبة إلى البشيرة. # وقد قرىء المضارع مخففا ومشددا. # وأما الماضي فلم يقرأ به إلا مثقلا نحو # فبشرناها بإسحاق # [هود: 71] وفيه لغة أخرى: أبشر مثل أكرم. # وأنكر أبو حاتم التخفيف، وليس بصواب لمجيء مضارعه. # وبمعنى البشارة: البشور والتبشير والإبشار، وإن اختلفت ~~أفعالها، والبشارة أيضا: الجمال، والبشير: الجميل، وتباشير ~~الفجر أوائله. # وكون صلة " الذين " فعلا ماضيا دون كونه اسم فاعل، دليل على أنه ~~يستحق التبشير بفضل الله ممن وقع منه الإيمان، وتحقق به وبالأعمال ~~الصالحة. # و " الصالحات ": جمع " صالحة " ، وهي من الصفات ms0200 التي جرت مجرى ~~الأسماء في إيلائها العوامل؛ قال: [البسيط] # 310- كيف الهجاء وما تنفك صالحة # من آل لأم بظهر الغيب تأتيني # وعلامة نصبه الكسرة؛ لأنه من باب جمع المؤنث السالم نيابة عن ~~الفتحة، التي هي أصل النصب. # قال معاذ: " العمل الصالح الذي فيه أربعة أشياء: العلم ~~والنيه والصبر والإخلاص ". # وقال عثمان بن عفان: " أخلصوا الأعمال ". # فصل # قال ابن الخطيب: هذه الآية تدل على أن الأعمال غير داخلة في ~~الإيمان؛ [لأنه لما ذكر الإيمان]، ثم عطف عليه العمل الصالح، فوجب ~~التغير وإلا لزم التكرار، وهو خلاف الأصل. # قوله: { أن لهم جنات }. # " جنات ": اسم: " أن ". و " لهم " خبر مقدم. ولا يجوز ~~تقديم خبر أن وأخواتها إلا ظرفا أو حرف جر، و " أن " وما في ~~حيزها في محل جر عند الخليل والكسائي، ونصب عند سيبويه والفراء؛ ~~لأن الأصل: وبشر الذين آمنوا بأن لهم، فحذف حرف الجر مع " أن ~~" ، وهو حذف مطرد معها، ومع " أن " الناصبة للمضارع، بشرط أمن ~~اللبس، بسبب طولهما بالصلة، فلما حذف حرف الجر، جرى ~~الخلاف المذكور، فالخليل والكسائي يقولان: " كأن الحرف موجود، ~~فالجر باق ". # واستدل الأخفش لهما بقول الشاعر: [الطويل] # 311- وما زرت ليلى أن تكون حبيبة # إلي ولا دين بها أنا طالبه # فعطف " دين " بالجر على محل " أن تكون " يبين كونها ~~مجرورة. # قيل: " ويحتمل أن يكون من باب عطف التوهم، فلا دليل فيه ". # والفراء وسيبويه يقولان: وجدناهم إذا حذفوا حرف الجر، ~~نصبوا؛ كقوله: [الوافر] # 312- تمرون الديار ولم تعوجوا # كلامكم علي إذن حرام # أي: بالديار، ولا يجوز الجر إلا في نادر شعر؛ كقوله: ~~[الطويل] # 313- إذا قيل: أي الناس شر قبيلة؟ # أشارت كليب بالأكف الأصابع # أي: إلى كليب؛ وقول الآخر: [الكامل] # 314-............................ # حتى تبذخ فارتقى الأعلام # أي: إلى الأعلام. # و " الجنة ": البستان. # وقيل: الأرض ذات الشجر، سميت بذلك لسترها من فيها، ومنه " ~~الجنين " لاستتاره، و " المجن ": الترس، وكذلك " الجنة " ~~لأنه يستر صاحبه، و " الجنة " لاستتارهم عن أعين ~~الناس. # قال الفراء: " الجنة " ما فيه النخيل، و " الفردوس ": ما فيه ~~الكرم. # فإن قيل: لم نكرت " الجنات ms0201 " وعرفت " الأنهار "؟ فالجواب: أن ~~" الجنة " اسم لدار الثواب كلها، وهي مشتملة على جنات كثيرة ~~مرتبة مراتب على استحقاقات العاملين، لكل طبقة منهم جنة من تلك ~~الجنات. # وأما تعريف " الأنهار " ، فالمراد به الجنس، كما يقال: لفلان بستان ~~فيه الماء الجاري والتين والعنب، يشير إلى الأجناس التي في علم المخاطب، ~~أو يشار باللام إلى أنهار مذكورة في قوله: # فيهآ أنهار من مآء غير ءاسن وأنهار من لبن ~~لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة ~~للشربين وأنهار من عسل مصفى # [محمد: 15]. # قوله: { تجري من تحتها الأنهار } هذه الجملة في محل نصب، ~~لأنها صفة ل " جنات ". # و " تجري " مرفوع لتجرده من الناصب والجازم، وعلامة رفعه ضمة ~~مقدرة في " الياء " استثقالا، وكذلك تقدر في كل فعل معتل ~~نحو: " يدعو " ، و " يخشى " ، إلا أنها تقدر في " الألف ~~" تعذرا. # " من تحتها " أي: من تحت أشجارها ومساكنها. # وقيل: من تحتها أي: بأمرهم. # كقول فرعون: # تجري من تحتي # [الزخرف: 51] أي: بأمري. # و " الأنهار " جمع نهر بالفتح، وهي اللغة العالية، وفيه تسكين " ~~الهاء " ولكن " أفعال " لا ينقاس في " فعل " الساكن العين، بل يحفظ ~~نحو: " أفراخ " ، و " أزناد " ، و " أفراد ". # و " النهر ": دون البحر، وفوق الجدول، وهل هو مجرى الماء، أو ~~الماء الجاري نفسه؟ # والأول أظهر؛ لأنه مشتق من " نهرت " أي: وسعت. # قال قيس بن الخطيم يصف طعنة: [الطويل] # 315- ملكت بها كفي فأنهرت فتقها # ............................. # أي: وسعت. # ومنه: " النهار " لاتساع ضوئه، وإنما أطلق على الماء ~~مجازا إطلاقا للمحل على الحال. # ومنه قوله عليه السلام: # " ما أنهر الدم " # معناه: ما وسع الذبح؛ حتى يجري الدم كالنهر، وجمع ~~النهر: نهر وأنهار، ونهر نهر: كثير الماء. # قال أبو ذؤيب: [المتقارب] # 316- أقامت به وابتنت خيمة # على قصب وفرات نهر # وروي أن أنهار الجنة ليست في أخاديد، إنما تجري على سطح ~~الجنة منبسطة بالقدرة، والوقف على " الأنهار " حسن وليس بتام و ~~" من تحتها " متعلق ب " تجري " ، و " تحت " مكان لا يتصرف، وهو ~~نقيض " فوق " ، إذا أضيفا أعربا، وإذا قطعا بنيا على الضم. ~~و " من " لابتداء الغاية. # وقيل: ms0202 زائدة. # وقيل: بمعنى " في " ، وهما ضعيفان. # واعلم أنه إذا قيل بأن الجنة هي الأرض ذات الشجر، فلا ~~بد من حذف مضاف، أي: من تحت عذقها أو أشجارها. # وإن قيل: بأنها الشجر نفسه، فلا حاجة إلى ذلك. # وإذا قيل: بأن الأنهار اسم للماء الجاري فنسبة الجري إليه ~~حقيقة، [وإن قيل بأنه اسم للأخدود الذي يجري فيه، فنسبة ~~الجري إليه] مجاز، كقول مهلهل: [الكامل] # 317- نبئت أن النار بعدك أوقدت # واستب بعدك يا كليب المجلس # قال أبو حيان: وقد ناقض ابن عطية كلامه هنا، فإنه قال: " ~~والأنهار: المياه في مجاريها المتطاولة الواسعة " ثم قال: نسب ~~الجري إلى النهر، وإنما يجري الماء وحده توسعا وتجوزا، ~~كما قال: # واسأل القرية # [يوسف: 82] وكما قال: [الكامل] # 318 أ - نبئت أن النار................. # .............................. # والألف واللام في " الأنهار " للجنس. # وقيل: للعهد لذكرها في سورة القتال. # وقال الزمخشري: يجوز أن تكون عوضا من الضمير كقوله: # واشتعل الرأس شيبا # [مريم: 4] أي: " أنهارها " يعني أن الأصل: واشتعل رأسي، ~~فعوض " أل " عن ياء المتكلم، وهذا ليس مذهب البصريين، بل قال به ~~بعض الكوفيين؛ وهو مردود بأنه لو كانت " أل " عوضا من الضمير، ~~لما جمع بينهما، وقد جمع بينهما؛ قال النابغة: [الطويل] # 318 ب - رحيب قطاب الجيب منها رقيقة # بجس الندامى بضة المتجرد # فقال: الجيب منها، وأما ما ورد، وظاهره ذلك، فيأتي تأويله في موضعه. # قوله تعالى: { كلما رزقوا منها من ثمرة } # تقدم القول في " كلما " وهذا لا يخلو إما أن يكون صفة ثانية ل ~~" جنات تجري " ، أو خبر مبتدأ محذوف، أو جملة مستأنفة؛ لأنه لما ~~قيل: " أن لهم جنات " لم يخل قلب السامع أن يقع فيه ~~أن ثمار تلك الجنات تشبه ثمار الدنيا أم لا؟ # والعامل في " كلما " هاهنا " قالوا ". # و " منها " متعلق ب " رزقوا " ، و " من " لابتداء الغاية، ~~وكذلك " من ثمرة " ، لأنها بدل من قوله: " منها " بدل اشتمال ~~بإعادة العامل. # وإنما قلنا: إنه بدل اشتمال؛ لأنه لا يتعلق حرفان بمعنى واحد ~~بعامل واحد، إلا على سبيل البدلية، أو العطف. # وأجاز الزمخشري أن " من ms0203 " للبيان كقولك: " رأيت منك أسدا "؛ ~~وفيه نظر؛ لأن من شرط ذلك أن يحل محلها موصول، وأن يكون ما ~~قبلها محلى ب " أل " الجنسية، وأيضا فليس قبلها شيء يتبين ~~بها، وكونها بيانا لما بعدها بعيد جدا، وهو غير المصطلح. # " رزقا " مفعول ثان ل " رزقوا " ، وهو بمعنى " مرزوق " ، ~~وكونه مصدرا بعيد؛ لقوله: { هذا الذي رزقنا من قبل ~~وأتوا به متشابها } ، والمصدر لا يؤتى به متشابها، وإنما ~~يؤتى بالمرزوق كذلك. # قوله: { قالوا هذا الذي رزقنا من قبل }. # " قالوا ": هو العامل في " كلما " كما تقدم، و " هذا الذي ~~رزقنا " مبتدأ وخبر في محل نصب بالقول، وعائد الموصول محذوف؛ ~~لاستكماله الشروط، أي: رزقناه. # و " من قبل " متعلق به. # و " من " لابتداء الغاية، ولما قطعت " قبل " بنيت [وإنما ~~بنيت] على الضمة؛ لأنها حركة لم تكن لها حال إعرابها. # واختلف في هذه الجملة، فقيل: لا محل لها من الإعراب؟ لأنها ~~استئنافية، فإنه قيل: لما وصفت الجنات ما حالها؟ # فقيل: كلما رزقوا قالوا. # وقيل: لها محل، ثم اختلف فيه، فقيل: رفع على أنه خبر مبتدأ ~~محذوف، واختلف في ذلك المبتدأ، فقيل: ضمير " الجنات " ، أي: هي كلما ~~وقيل ضمير " الذين آمنوا " أي: هم كلما رزقوا قالوا ذلك. # وقيل: محلها نصب على الحال، وصاحبها: إما " الذين آمنوا " ، ~~وإما " جنات " ، وجاز ذلك، وإن كانت نكرة؛ لأنها تخصصت بالصفة، وعلى ~~هذين تكون حالا مقدرة؛ لأن وقت البشارة بالجنات لم يكونوا ~~مرزوقين ذلك. # وقيل: محلها نصب على أنها صفة ل " جنات " أيضا. # فصل في المشبه به في الآية # الآية تدل على أنهم شبهوا رزقهم الذي يأتيهم في الجنة ~~برزقهم قبل ذلك، فالمشبه به أهو من أرزاق الدنيا، أم من أرزاق ~~الآخرة؟ ففيه وجهان: # أحدهما: أنه من أرزاق الدنيا، وفيه وجهان: # أحدهما: هذا الذي وعدنا به في الدنيا. # والثاني: هذا الذي رزقنا في الدنيا، لأن لونه يشبه لون ثمار ~~الدنيا، فإذا أكلوا وجدوا طعمه غير ذلك. # الوجه الثاني: أن المشبه به ثمار الآخرة، واختلفوا فيما حصلت ~~المشابهة فيه على وجهين: # الأول: المراد تساوي ثوابهم ms0204 في كل الأوقات في القدر والدرجة؛ حتى ~~لا يزيد ولا ينقص. # الثاني: المراد المشابهة في المنظر، فيكون الثاني كأنه الأول على ~~ما روي عن الحسن، ثم هؤلاء اختلفوا، فمنهم من يقول: الاشتباه كما ~~يقع في المنظر يقع في الطعم. ومنهم من يقول: وإن حصل الاشتباه في ~~اللون، لكنها تكون مختلفة في الطعم. # قال الحسن: يؤتى أحدهم بالصحفة فيأكل منها، ثم يؤتى ~~بالأخرى فيقول: هذا الذي أتينا به من قبل: فيقول الملك: " كل ~~فاللون واحد، والطعم مختلف ". # فإن قيل: قوله: { كلما رزقوا منها } مع قوله: " قالوا: هذا ~~الذي رزقنا من قبل " - هذا صيغة عموم، فيشمل كل الأوقات ~~التي رزقوا فيها، فيدخل فيه أول مرة رزقوا في الجنة، فلا بد ~~وأن يقولوا: " هذا الذي رزقنا من قبل " فما الجواب على قولنا ~~بأن المشبه به ثمار الآخرة؟ والجواب أن عمل ذلك على ما وعدوا ~~به في الدنيا، أو يكون تقدير الكلام: هذا الذي رزقنا في ~~الأزل. # قوله: { وأتوا به متشابها } الظاهر أنها جملة مستأنفة. # وقال الزمخشري فيها: هو كقولك: " فلان أحسن بفلان " ونعم ~~ما فعل، ورأى من الرأي كذا، وكان صوابا. # ومنه: # وجعلوا أعزة أهلهآ أذلة وكذلك يفعلون # [النمل: 34]. # وما أشبه ذلك من الجمل التي تساق في الكلام معترضة للتقرير، ~~يعني بكونها معترضة، أي من أحوال أهل الجنة، فإن بعدها: { ~~ولهم فيهآ أزواج } ، وإذا كانت معترضة فلا محل لها. وقيل: ~~هي عطف على " قالوا ". # وقيل: محلها النصب على الحال، وصاحبها فاعل " قالوا " أي: ~~قالوا هذا الكلام في هذا الحال، ولا بد من تقدير " قد " قبل الفعل، ~~أي: " وقد أتوا " ، وأصل أتوا: أتيوا مثل: ضربوا، ~~فأعل كنظائره. # [وقرأ هارون] الأعور: " وأتوا " مبنيا للفاعل، والضمير للولدان ~~والخدم للتصريح بهم في غير موضع، والضمير في " به " يعود على المرزوق ~~الذي هو الثمرات، كما أن هذا إشارة إليه. وقال الزمخشري: " يعود إلى ~~المرزوق في الدنيا والآخرة؛ لأن قوله: { الذي رزقنا من ~~قبل } انطوى تحته ذكر ما رزقوه في الدارين. # ونظير ذلك قوله تعالى: # إن يكن غنيا أو ms0205 فقيرا، فالله أولى بهما # [النساء: 135] ". # أي: بجنسي الغني والفقير المدلول عليهما بقوله: # غنيا أو فقيرا # [النساء: 135] ويعني بقوله: " انطوى تحته ذكر ما رزقوه في ~~الدارين " أنه لما كان التقدير: مثل الذي رزقناه كان ~~قد انطوى على المرزوقين معا، كما أن قولك: " زيد مثل حاتم " ~~منطو على زيد وحاتم. # قال أبو حيان: " وما قاله غير ظاهر؛ لأن الظاهر عوده على ~~المرزوق في الآخرة فقط؛ لأنه هو المحدث عنه، والمشبه ~~بالذي رزقوه من قبل، لا سيما إذا فسرت القبلية بما في الجنة، ~~فإنه يتعين عوده على المرزوق في الجنة فقط، وكذلك إذا أعربت ~~الجملة حالا؛ إذ يصير التقدير: قالوا: هذا الذي رزقنا من قبل ~~وقد أتوا به؛ لأنه الحامل لهم على هذا القول، كأنه أتوا به ~~متشابها وعلى تقدير أن يكون معطوفا على قالوا، لا يصح عوده على ~~المرزوق في الدارين؛ لأن الإتيان إذ ذاك يستحيل أن يكون ماضيا معنى؛ ~~لأن العامل في " كلما " أو ما في حيزها يحتمل هنا أن يكون مستقبل ~~المعنى؛ لأنها لا تخلو من معنى الشرط، وعلى تقدير كونها مستأنفة لا ~~يظهر ذلك أيضا، لأن هذه محدث بها عن الجنة وأحوالها ". # قوله: { متشابها } حال من الضمير في " به " ، أي: يشبه بعضه في ~~المنظر، ويختلف في الطعم، قاله ابن عباس ومجاهد، والحسن وغيرهم رضي ~~الله - تعالى - عنهم. # وقال عكرمة: " يشبه ثمر الدنيا، ويباينه في جل الصفات ". # قال ابن عباس: " هذا على وجه التعجب، وليس في الدنيا شيء ~~مما في الجنة سوى الأسماء، فكأنهم تعجبوا لما رأوه من ~~حسن الثمرة، وعظم خالقها ". # وقال قتادة: " خيارا لا رذل فيه، كقوله تعالى: # كتبا متشابها # [الزمر: 23] وليس كثمار الدنيا التي لا تتشابه؛ لأن فيها خيارا وغير ~~خيار ". # قوله: { ولهم فيهآ أزواج مطهرة } " لهم " خبر ~~مقدم، وأزواج مبتدأ، و " فيها " متعلق بالاستقرار الذي تعلق به ~~الخبر. # قال أبو البقاء: " لا يكون فيها الخبر، لأن الفائدة تقل؛ إذ الفائدة ~~في جعل الأزواج لهم ". # وقوله: " مطهرة " صفة، وأتى بها مفردة على حد: النساء طهرت ~~ومنه بيت ms0206 الحماسة: [الكامل] # 319- وإذا العذارى بالدخان تلفعت # واستعجلت نصب القدور فملت # وقرأ زيد بن علي: " مطهرات " على حد: النساء طهرن. # وقرأ عبيد بن عمير: " مطهرة " يعني: متطهرة. # والزوج ما يكون معه آخر، ويقال زوج للرجل والمرأة، وأما " ~~زوجة " فقليل. # قال الأصمعي: لا تكاد العرب تقول: زوجة، ونقل الفراء أنها ~~لغة " تميم " ، وأنشد للفرزدق: [الطويل] # 320- وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي # كساع إلى أسد الشرى يستبيلها # وفي الحديث # " عن عمار بن ياسر في حق عائشة رضي الله تعالى عنهما: " إني ~~لاعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة " " # ذكره البخاري رضي الله عنه، واختاره الكسائي. # والزوج أيضا: الصنف، والتثنية: زوجان. # والطهارة: النظافة، والفعل منها طهر بالفتح، ويقل الضم، ~~واسم الفاعل منها " طاهر " فهو مقيس على الأول، شاذ على الثاني، ~~ك " خاثر " و " حامض " من خثر اللبن وحمض بضم العين. فإن قيل: ~~هلا قيل: طاهرة، الجواب: في المطهرة إشعار بأن مطهرا ~~طهرهن، وليس ذلك إلا الله تعالى، وذلك يفيد فخامة أمر أهل ~~الثواب، كأنه قيل: إن الله - تعالى - هو الذي زينهن. # قال مجاهد: " لا يبلن ولا يتغوطن ولا يلدن ولا ~~يحضن، ولا يمنين ولا يبغضن ". # وقال بعضهم: " مطهرة في اللغة أجمع من طاهرة وأبلغ ". # قوله: { وهم فيها خالدون } هم مبتدأ، وخالدون خبره، وفيها ~~متعلق به. # وقال القرطبي: " والظرف ملغي، وقدم ليوافق رؤوس الآي " ~~وأجازوا أن يكون " فيها " خبرا أول، و " خالدون " خبر ثان، وليس هذا ~~بسديد، وهذه الجملة والتي قبلها عطف على الجملة قبلهما حسب ما ~~تقدم. # وقال أبو البقاء: " وهاتان الجملتان مستأنفتان، ويجوز أن تكون الثانية ~~حالا من الهاء والميم في " لهم " ، والعامل فيها معنى الاستقرار ". # قال القرطبي: " ويجوز في غير القرآن نصب " خالدين " على الحال ". # و " الخلود ": المكث الطويل، وهل يطلق على ما لا نهاية له بطريق ~~الحقيقة أو المجاز؟ قولان. # قالت المعتزلة: " الخلد ": هو الثبات اللازم، والبقاء الدائم الذي ~~لا يقطع، واحتجوا بالآية، وبقوله: # وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإين مت ~~فهم الخالدون # [الأنبياء: 34] فنفى الخلد عن البشر مع أنه - تعالى - أعطى ms0207 بعضهم ~~العمر الطويل، والمنفي غير المثبت، فالخلد هو البقاء الدائم؛ وبقول ~~امرىء القيس: [الطويل] # 321- وهل ينعمن إلا سعيد مخلد # قليل الهموم ما يبيت بأوجال # قال ابن الخطيب: وقال أصحابنا: الخلد هو الثبات الطويل، سواء دام أو ~~لم يدم؛ واستدلوا بقوله تعالى: # خالدين فيهآ أبدا # [التوبة: 100] ولو كان التأبيد داخلا في مفهوم الخلد، لكان ذلك ~~تكررا، واستدلوا أيضا بالعرف؛ يقال: حبس فلان فلانا حبسا ~~مخلدا، ويكتب في الأوقاف: وقف فلان وقفا مخلدا. # وقال الآخرون: " العقل يدل على دوامه؛ لأنه لو لم يجب الدوام، ~~لجوزوا انقطاعه، فكان خوف الانقطاع ينغص عليهم تلك النعمة، لأن ~~النعمة كلما كانت أعظم كان خوف انقطاعها أعظم وقعا في ~~القلب، وهذا يقتضي ألا ينفك أهل الثواب [ألبتة] من الغم والحسرة، وقد ~~يجاب عنه بأنهم عرفوا ذلك بقرينة قوله: " أبدا ". ### || [2.26-27] # اعلم أنه - تعالى - لما بين كون القرآن معجزا، أورد ~~الكفار هنا شبهة قدحا في ذلك، وهي أنه جاء في القرآن ذكر ~~النحل، والعنكبوت، والنمل، وهذه الأشياء لا يليق ذكرها بكلام ~~الفصحاء، فاشتمال القرآن عليها يقدح في فصاحته، فضلا عن كونه ~~معجزا، وأجاب الله - تعالى - عنه بأن صغر هذه الأشياء لا يقدح ~~في فصاحة، إذا كان ذكرها مشتملا على حكم بالغة، فهذا هو الإشارة إلى ~~كيفية تعلق هذه الآية بما قبلها. # روي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - أنه لما قال: # يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له # [الحج: 73] فطعن في أصنامهم، ثم شبه عبادتها ببيت العنكبوت. # قالت اليهود: أي قدر للذباب والعنكبوت حتى يضرب الله المثل ~~بهما؟! فنزلت هذه الآية. # وقيل: إن المنافقين طعنوا في ضرب الأمثال بالنار، والظلمات، ~~والرعد، والبرق في قوله: # مثلهم كمثل الذي استوقد نارا # [البقرة: 17] وقوله: # أو كصيب من السمآء # [البقرة: 19] قالوا: الله أجل وأعلى من أن يضرب الأمثال، فأنزل ~~الله هذه الآية، وهذه رواية أبي صالح عن ابن عباس. # وروى عطاء عن ابن عباس أيضا أن هذا الطعن كان من المشركين. # فقال القفال رحمه الله: الكل محتمل هاهنا. أما اليهود، فلأنه ~~قيل ms0208 في آخر الآية: { وما يضل به إلا الفاسقين الذين ~~ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه } وهذا صفة اليهود؛ ~~لأن الخطاب بالوفاء بالعهد إنما هو لبني إسرائيل، وأما ~~الكفار والمنافقون فقد ذكروا في سورة " المدثر ": # وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذآ ~~أراد الله بهذا مثلا # [المدثر: 31]، فالذين في قلوبهم مرض هم الكافرون المنافقون، والذين ~~كفروا يحتمل المشركين، لأن السورة مكية، فقد جمع الفريقان ~~هاهنا. # إذا ثبت هذا، فنقول: احتمال الكل هاهنا قائم؛ لأن الكافرين ~~والمنافقين واليهود كانوا متوافقين في إيذاء الرسول، وقد مضى من ~~أول السورة إلى هذا الموضع ذكر المنافقين، واليهود، والمشركين، ~~وكلهم من الذين كفروا. # ثم قال القفال: " وقد يجوز أن ينزل ذلك ابتداء من غير سبب؛ ~~لأن معناه مفيد في نفسه ". # فصل في معنى الحياء واشتقاقه # الحياء: تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به ~~ويذم، واشتقاقه من الحياة، ومعناه على ما قال الزمخشري: نقصت حياته، ~~واعتلت مجازا، كما يقال: نسي وخشي، وشظي القوس: إذا اعتلت ~~هذه الأعضاء، جعل الحيي لما يعتريه من الانكسار، والتغير ~~منتكس القوة منتقص الحياة كما قالوا: فلان هلك من كذا حياء، ومات حياء، ~~وذاب حياء، يعني بقوله: " نسي وخشي وشظي " أي: أصيب نساه، وهو ~~" عرق " وحشاه، وهو ما احتوى عليه البطن، وشظاه وهو عظم في ~~الورك، واستعماله هنا في حق الله - تعالى - مجاز عن الترك. # وقيل: مجاز عن الخشية؛ لأنها أيضا من ثمراته، ورجحه ~~الطبري، وجعله الزمخشري من باب المقابلة، يعني أن الكفار ~~لما قالوا: أما يستحي رب محمد أن يضرب المثل بالمحقرات، ~~" قوبل " قولهم ذلك بقوله: { إن الله لا يستحى أن ~~يضرب مثلا }؛ [ونظيره قول] أبي تمام: [الكامل] # 322- من مبلغ أفناء يعرب كلها # أني بنيت الجار قبل المنزل # لو لم يذكر بناء الدار لم يصح بناء الجار. # وقيل: معنى لا يستحيي، لا يمتنع، وأصل الاستحياء الانقباض عن ~~الشيء، والامتناع منه؛ خوفا من مواقعة القبيح، وهذا محال على الله ~~تعالى، وفي " صحيح مسلم " عن أم سلمة قالت: " جاءت أم سليم إلى ms0209 ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن الله لا ~~يستحي من الحق " المعنى لا يأمر بالحياء فيه، ولا يمتنع من ~~ذكره. # قال ابن الخطيب: " القانون في أمثال هذه الأشياء، أن كل صفة ثبتت ~~للعبد مما يختص بالأجسام، فإذا وصف الله بذلك، فذلك محمول على نهايات ~~الأعراض، لا على بدايات الأعراض، مثاله: أن الحياء حالة تحصل ~~للإنسان، ولكن لها مبدأ ومنتهى، أما المبدأ فهو التغير الجسماني الذي ~~يلحق الإنسان من خوف أن ينسب إليه القبيح، وأما النهاية فهو أن يترك ~~الإنسان ذلك الفعل، فإذا ورد الحياء في حق الله تعالى، فليس المراد ~~منه ذلك الخوف الذي هو مبدأ الحياء ومقدمته، بل ترك الفعل الذي هو ~~منتهاه وغايته، وكذلك الغضب [له مقدمة] وهو غليان دم القلب وشهوة ~~الانتقام وله غاية، وهي إنزال العقاب بالمغضوب عليه، فإذا وصفنا الله - ~~تعالى - بالغضب، فليس المراد ذلك المبدأ، يعني شهوة الانتقام، وغليان ~~دم القلب، بل المراد تلك النهاية، وهي إنزال العقاب، فهذا هو ~~القانون الكل في هذا الباب ". # فصل في تنزيه الخالق سبحانه # قال القاضي: ما لا يجوز على الله - تعالى - من هذا الجنس إثباتا، فيجب ~~ألا يطلق على طريقة النفي عليه، وإنما يقال: إنه - تعالى - من ~~هذا الجنس إثباتا، فيجب ألا يطلق على طريقة النفي عليه، وإنما ~~يقال: إنه - تعالى - لا يوصف به، فأما أن يقال: " لا يستحي " ~~ويطلق عليه فمحال؛ لأنه يوهم نفي ما يجوز عليه، وما ذكره الله - ~~تعالى - في كتابه من قوله: # لا تأخذه سنة ولا نوم # [البقرة: 255]، # لم يلد ولم يولد # [الإخلاص: 3] فهو بصورة النفي، وليس بنفي على الحقيقة، وكذلك قوله ~~تعالى: # ما اتخذ الله من ولد # [المؤمنون: 91]، وكذلك قوله تعالى: # وهو يطعم ولا يطعم # [الأنعام: 14] وليس كل ما ورد في القرآن إطلاقه جائز أن يطلق في ~~المخاطبة، فلا يجوز أن يطلق ذلك إلا مع بيان أن ذلك محال. # ولقائل أن يقول: لا شك أن هذه الصفات منتفية عن الله تعالى، ~~فكان الإخبار عن انتفائها يدل على صحتها ms0210 عليه. # فنقول: هذه الدلالة ممنوعة، وذلك أن تخصيص هذا النفي بالذكر، لا يدل ~~على ثبوته لغيره، لو قرن اللفظ بما يدل على انتفاء الصحة كان ~~ذلك أحسن، من حيث إنه يكون مبالغة في البيان، وليس إذا كان غيره أحسن أن ~~يكون ذلك قبيحا. # فصل في إعراب الآية # قوله: " لا يستحيي " جملة في محل الرفع خبرا ل " أن " ، واستفعل ~~هنا للإغناء عن الثلاثي المجرد. # وقال الزمخشري: " إنه موافق له أي: قد ورد " حيي " ، و " استحيى ~~" بمعنى واحد، والمشهور: استحيى يستحيي فهو مستحي ومستحيى ~~منه من غير حذف ". # قال القرطبي: " ويستحيي " أصله يستحيي عينه ولامه حرفا علة أعلت " ~~اللام " منه بأن استثقلت الضمة على " الياء " فسكنت، والجمع مستحيون ~~ومستحيين، وقد جاء استحى يستحي فهو مستح مثل: استقى يستقي. # وقرأ به ابن محيصن. # ويروى عن ابن كثير، وهي لغة " تميم " و " بكر بن وائل " ، نقلت فيها ~~حركة الياء الأولى إلى " الحاء " فسكنت، ثم استثقلت الضمة على الثانية، ~~فسكنت، فحذف إحداهما للالتقاء، والجمع مستحون ومستحين، قاله الجوهري. # ونقل بعضهم أن المحذوف هنا مختلف فيه؛ فقيل: عين الكلمة، فوزنه ~~يستفل. # وقيل: لامه، فوزنه يستفع، ثم نقلت حركة اللام على القول ~~الأول، وحركة العين على القول الثاني إلى الفاء، وهي الحاء؛ ومن ~~الحذف قوله: [الطويل] # 323- ألا تستحي منا الملوك وتتقي # محارمنا لا يبؤ الدم بالدم # وقال آخر: [الطويل] # 324- إذا ما استحين الماء يعرض نفسه # كرعن بسبت في إناء من الورد # و " استحيي " يتعدى تارة بنفسه، وتارة بحرف جر تقول: استحييته ~~وعليه: # إذا ما استحين الماء.. # واستحييت منه؛ وعليه: # ألا تستحي منا الملوك.. # فيحتمل أن يكون قد تعدى في هذه الآية إلى أن يضرب بنفسه، فيكون في محل ~~نصب قولا واحدا، ويحتمل أن يكون تعدى إليه بحرف الجر المحذوف، ~~وحينئذ يجري الخلاف المتقدم في قوله: " أن لهم جنات ". # و " يضرب " معناه: يبين فيتعدى لواحد. # وقيل: معناه التصيير، فيتعدى لاثنين نحو: " ضربت الطين ~~لبنا ". # وقال بعضهم: " لا يتعدى لاثنين إلا مع المثل خاصة " ، فعلى القول ~~الأول يكون " مثلا ms0211 " مفعولا و " ما " زائدة. # وقال أبو مسلم الأصفهاني: " معاذ الله أن يكون في القرآن زيادة ". # وقال ابن الخطيب: والأصح قول أبي مسلم؛ لأن الله - تعالى - وصف ~~القرآن بكونه: هدى وبيانا، وكونه لغوا ينافي ذلك، فعلى هذا يكون " ~~ما " صفة للنكرة قبلها، لتزداد النكرة اتساعا. # ونظيره قولهم: " لأمر ما جدع قصير أنفه " وقول امرىء ~~القيس: [المديد] # 325- وحديث الركب يوم هنا # وحديث ما على قصره # وقال أبو البقاء: وقيل: " ما " نكرة موصوفة، ولم يجعل بعوضة ~~صفتها، بل جعلها بدلا منها، وفيه نظر؛ إذ يحتاج أن يقدر صفة محذوفة ~~ولا ضرورة إلى ذلك، فكان الأولى أن يجعل بعوضة صفتها بمعنى أنه وصفها ~~بالجنس المنكر لإبهامه، فهي في معنى " قليل " ، وإليه ذهب الفراء ~~والزجاج وثعلب، وتكون " ما " وصفتها حينئذ بدلا من " مثلا ~~" و " بعوضة " بدلا من " ما " ، أو عطف بيان لها، إن قيل: " ما " صفة ل ~~" مثلا " ، أو نعت ل " ما " إن قيل: إنها بدل من " مثلا " كما ~~تقدم في قول الفراء، وبدل من " مثلا " أو عطف بيان له إن قيل: إن ~~" ما " زائدة. # وقيل: " بعوضة " هو المفعول، و " مثلا " نصب على الحال قدم على ~~النكرة. # وقيل: نصب على إسقاط الخافض، التقدير: ما بين بعوضة، فلما ~~حذفت " بين " أعربت " بعوضة " بإعرابها، وتكون الفاء في قوله: " فما ~~فوقها " بمعنى إلى، أي: إلى ما فوقها، ويعزى هذا للكسائي والفراء وغيرهم ~~من الكوفيين؛ وأنشدوا: [البسيط] # 326- يا أحسن الناس ما قرنا إلى قدم # ولا حبال محب واصل تصل # أي: ما بين قرن. # وحكوا: " له عشرون ما ناقة فجملا " ، وعلى القول الثاني يكون ~~" مثلا " مفعولا أول، و " ما " تحتمل الوجهين المتقدمين، و " بعوضة ~~" مفعول ثان. # وقيل: بعوضة هي المفعول الأول، و " مثلا " هو الثاني، ~~ولكنه قدم. # وتلخص مما تقدم أن في " ما " ثلاثة أوجه: # زائدة، صفة لما قبلها، نكرة موصوفة، وأن في " مثلا " ثلاثة ~~أيضا: # مفعول أول، أو مفعول ثان، أو حال مقدمة، وأن في " بعوضة " تسعة ~~أوجه، والصواب من ذلك كله أن يكون " ضرب " متعديا لواحد بمعنى ~~بين، ms0212 و " مثلا " مفعول به، بدليل قوله: " ضرب مثل " ، و " ما ~~" صفة للنكرة، و " بعوضة " بدل لا عطف بيان، لأن عطف البيان ممنوع ~~عند جمهور البصريين في النكرات. # وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة والضحاك ورؤبة بن العجاج برفع " ~~بعوضة " واتفقوا على أنها خبر لمبتدأ، ولكنهم اختلفوا في ذلك ~~المبتدأ، فقيل: هو " ما " على أنها استفهامية أي: أي شيء بعوضة، ~~وإليه ذهب الزمخشري ورجحه. # وقيل: المبتدأ مضمر تقديره: هو بعوضة، وفي ذلك وجهان: # أحدهما: أن تجعل هذه الجملة صلة ل " ما " لكونها بمعنى الذي، ~~ولكنه حذف العائد، وإن لم تطل الصلة، وهذا لا يجوز عند البصريين ~~إلا في " أي " خاصة لطولها بالإضافة، وأما غيرها فشاذ، أو ضرورة ~~كقراءة: { تماما على الذي أحسن } [الأنعام: 154] وقوله: ~~[البسيط] # 327- من يعن يالحق لا ينطق بما سفه # ولا يحد عن سبيل الحمد والكرم # أي: الذي هو أحسن، وبما هو سفه، وتكون " ما " على هذا بدلا من " ~~مثلا " كأنه قيل: مثلا الذي هو بعوضة. # قال النحاس: " والحذف في " ما " أقبح منه في " الذي " لأن " الذي ~~" إنما له وجه واحد، والاسم معه أطول ". # والثاني: أن تجعل " ما " زائدة، أو صفة، وتكون " هو بعوضة " جملة ~~كالمفسرة لما انطوى عليه الكلام. # ويقال: إن معنى: " ضربت له مثلا " مثلت له مثلا، وهذه ~~الأبنية على ضرب واحد، وعلى مثال [واحد] ونوع واحد. # والضرب: النوع، والبعوضة: واحدة البعوض، وهو معروف، وهو في ~~الأصل وصف على فعول كالقطوع، مأخوذ من البعض، وهو القطع، ~~وكذلك البضع والعضب؛ قال: [الوافر] # 328- لنعم البيت بيت أبي دثار # إذا ما خاف بعض القوم بعضا # وقال الجوهري: البعوض: البق، الواحدة بعوضة، سميت بذلك لصغرها. # فصل في استحسان ضرب الأمثال # اعلم أن ضرب الأمثال من الأمور المستحسنة في العقول، وقد اشتهر العرب ~~في التمثيل بأحقر الأشياء، فقالوا في التمثيل بالذرة: " أجمع من ~~ذرة " ، و " أضبط من ذرة " ، " وأخفى من ذرة " ، وفي التمثيل ~~بالذباب: " أجرأ من الذباب " ، " وأخطأ من الذباب " ، " وأطيش من ~~الذباب " ، و " أشبه من الذباب بالذباب " ، " وألخ من الذباب ". # وفي التمثيل ms0213 بالقراد: " أسمع من قراد " ، وأضعف من قرادة، وأعلق من ~~قرادة، وأغم من قرادة، وأدب من قرادة. # وقالوا في الجراد: أطير من جرادة، وأحطم من جرادة، وأفسد من ~~جرادة، وأصفى من لعاب الجرادة. # وفي الفراشة: " أضعف من فراشة " ، " وأجمل من فراشة " ، و " أطيش من ~~فراشة ". # وفي البعوضة: " كلفني مخ البعوضة " ، مثل في تكليف ما لا يطاق. ~~فقولهم: ضرب الأمثال لهذه الأشياء الحقيرة لا يليق بالله تعالى. # قلنا: هذا جهل، لأنه - تعالى - هو الذي خلق الكبير والصغير، وحكمه ~~في كل ما خلق وبرأ عام؛ لأنه قد أحكم جميعه، وليس الصغير أخف عليه ~~من العظيم، ولا العظيم أصعب عليه من الصغير، وإذا كان الكل بمنزلة ~~واحدة لم يكن الكبير أولى من أن يضربه مثلا لعباده من الصغير، بل ~~المعتبر فيه ما يليق بالقضية، وإذا كان الأليق بها الذباب ~~والعنكبوت، ضرب المثل بهما، لا بالفيل والجمل، فإذا أراد أن يقبح ~~عبادتهم للأصنام، ويقبح عدولهم عن عبادة الرحمن، صلح أن يضرب ~~المثل بالذباب، ليبين أن قدر مضرتها لا تندفع بهذه الأصنام، ~~ويضرب المثل ببيت العنكبوت؛ ليبين أن عبادتها أوهى وأضعف ~~من ذلك كلما كان المضروب به المثل أضعف كان المثل أقوى وأوضح، وضرب ~~المثل بالبعوضة؛ لأنه من عجائب خلق الله تعالى؛ فإنه صغير جدا، ~~وخرطومه في غاية الصغر، ثم إنه من ذلك مجوف، ثم ذلك الخرطوم مع ~~فرط صغره، وكونه مجوفا يغوص في جلد الفيل والجاموس على ثخانته، ~~كما يضرب الرجل أصابعه في الخبيص، وذلك لما ركب الله في رأس خرطومه ~~من السم. # قوله: { فما فوقها } قد تقدم أن " الفاء " بمعنى " إلى " ، ~~وهو قول مرجوح جدا، و " ما " في " فما فوقها " إن نصبنا " ~~بعوضة " كانت معطوفة عليها موصولة بمعنى " الذي " ، وصلتها الظرف، ~~أو موصوفة وصفتها الظرف أيضا، وإن رفعنا " بعوضة " ، وجعلنا " ما ~~" الأولى موصولة أو استفهامية، فالثانية معطوفة عليها، لكن في جعلنا ~~" ما " موصولة يكون ذلك من عطف المفردات، وفي جعلنا إياها ~~استفهامية يكون من عطف الجمل، وإن جعلنا " ما " زائدة، أو صفة لنكرة، ~~و ms0214 " بعوضة " خبرا ل " هو " مضمرا كانت " ما " معطوفة على بعوضة. # فصل في معنى قوله: " فما فوقها " # قال الكسائي وأبو عبيدة، وغيرهما: معنى " فما فوقها " والله ~~اعلم: ما دونها في الصغر، والمحققون مالوا إلى هذا القول؛ لأن ~~المقصود من هذا التمثيل تحقير الأوثان، وكلما كان المشبه به أشد ~~حقارة كان المقصود أكمل حصولا في هذا الباب. # وقال قتادة، وابن جريج: " المعنى في الكبر كالذباب، والعنكبوت، ~~والكلب، والحمار؛ لأن القوم أنكروا تمثيل الله بتلك الأشياء ". # قوله: { فأما الذين آمنوا }. # " أما " حرف ضمن معنى اسم شرط وفعله، كذا قدره سيبويه قال: " ~~أما " بمنزلة مهما يك من شيء. # وقال الزمخشري: وفائدته في الكلام أن يعطيه فضل توكيد، تقول: ~~زيد ذاهب، فإذا قصدت توكيد ذلك، وأنه لا محالة ذاهب، قلت: أما ~~زيد فذاهب. # وقال بعضهم: " أما " حرف تفصيل لما أجمله المتكلم، أو ادعاه ~~المخاطب، ولا يليها إلا المبتدأ، وتلزم الفاء في جوابها، ولا ~~تحذف إلا مع قول ظاهر ومقدر كقوله: # فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد ~~إيمانكم # [آل عمران: 106] أي: فيقال لهم: أكفرتم، وقد تحذف حيث لا قول؛ ~~كقوله: [الطويل] # 329- فأما القتال لا قتال لديكم # ولكن سيرا في عراض المواكب # أي: فلا قتال. # ولا يجوز أن تليها " الفاء " مباشرة، ولا أن تتأخر عنها بجزأي ~~جملة، لو قلت: " أما زيد منطلق ففي الدار " لم يجز، ويجوز أن ~~يتقدم معمول ما بعد " الفاء " عليها متلي أما كقوله: # فأما اليتيم فلا تقهر # [الضحى: 9] # ولا يجوز الفصل بين أما والفاء بمعمول خبر " إن " خلافا ~~للمبرد، ولا بمعمول خبر " ليت " و " لعل " خلافا للفراء، وإن وقع ~~بعدها مصدر نحو: " أما علما فعالم " فإن كان نكرة جاز نصبه عند ~~التميميين برجحان، وضعف رفعه، وإن كان معرفة التزموا فيه ~~الرفع، وأجاز الحجازيون فيه الرفع والنصب نحو: " أما العلم ~~فعالم " ، ونصب المنكر عند سيبويه على الحال، والمعرف مفعول له. # وأما الأخفش فنصبهما عنده على المفعول المطلق، والنصب بفعل الشرط ~~المقدر، أو بما بعد الفاء، ما لم يمنع مانع، فيتعين فعل الشرط ~~نحو: أما ms0215 علما فلا علم له أو: فإن زيدا عالم؛ لأن " لا " و " ~~إن " لا يعمل ما بعدهما فيما قبلهما. # وأما الرفع فالظاهر أنه بفعل الشرط المقدر، أي: مهما يذكر ~~علم، أو: العلم فزيد عالم، ويجوز أن يكون مبتدأ، وعالم خبر مبتدأ ~~محذوف، والجملة خبره، والتقدير: أما علم - أو العلم - فزيد عالم ~~به، وجاز الابتداء بالنكرة، لأنه موضع تفصيل، وفيها كلام طويل. # و " الذين ءامنوا " في محل رفع بالابتداء، و " فيعلمون " ~~خبره. # قوله: { فيعلمون أنه الحق من ربهم }. # الفاء جواب " أما " لما تضمنته من معنى الشرط، و " أنه ~~الحق " ساد مسد المفعولين عند الجمهور، [وساد] مسد المفعول ~~الأول فقط، والثاني محذوف، عند الأخفش، أي: فيعلمون حقيقته ~~ثابتة. # وقال الجمهور: لا حاجة إلى ذلك؛ لأن وجود النسبة فيها بعد " أن ~~" كاف في تعلق العلم، أو الظن به، والضمير في " أنه " ~~عائد على المثل. # وقيل: على ضرب المثل المفهوم من الفعل. # وقيل: على ترك الاستحياء. # و " الحق ": هو الثابت، ومنه حق الأمر أي: ثبت، ويقابله الباطل. # و " الحق " واحد الحقوق، و " الحقة " بفتح الحاء أخص منه، يقال: هذه ~~حقتي، أي:حقي. # و " من ربهم " في محل نصب على الحال من الحق أي: كائنا وصادرا ~~من ربهم، و " من " لابتداء الغاية المجازية. # وقال أبو البقاء: والعامل فيه معنى الحق وصاحب الحال الضمير ~~المستتر فيه أي من الحق؛ لأنه مشتق، فيتحمل ضميرا. # قوله: { وأما الذين كفروا } لغة " بني تميم " ، و " بني ~~عامر " في " أما " " أيما " يبدلون من أحد الميمين ياء؛ كراهية ~~للتضعيف؛ وأنشد عمر بن أبي ربيعة: [الطويل] # 330- رأت رجلا أيما إذا الشمس عارضت # فيضحى وأيما بالعشي فيخصر # قوله: { فيقولون ماذآ أراد الله }. # اعلم أن " ما " له في كلام العرب ستة استعمالات: # أحدها: أن تكون " ما " اسم استفهام في محل رفع بالابتداء، و " ذا " اسم ~~إشارة خبره. # والثاني: أن تكون " ما " استفهامية و " ذا " بمعنى الذي، والجملة ~~بعدها صلة، وعائدها محذوف، والأجود حينئذ أن يرفع ما أجيب به أو ~~أبدل منه؛ كقوله: [الطويل] # 331- لا تسألان المرء ماذا ms0216 يحاول # أنحب فيقضى أم ضلال وباطل # ف " ذا " هنا بمعنى الذي؛ لأنه أبدل منه مرفوع، وهو " أنحب " ، ~~وكذا { ماذا ينفقون قل العفو } [البقرة: 219] في قراءة أبي ~~عمرو. # والثالث: أن يغلب حكم " ما " على " ذا " فيتركا، ويصيرا ~~بمنزلة اسم واحد، فيكون في محل نصب بالفعل بعده، والأجود ~~حينئذ أن ينصب جوابه والمبدل منه كقوله: { ماذا ينفقون قل: ~~العفو } في قراءة غير أبي عمرو، و # ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا # [النحل: 30] عند الجميع. ومنه قوله: [البسيط] # 332- يا خزر تغلب ماذا بال نسوتكم # لا يستفقن إلى الديدين تحنانا # ف " ماذا " مبتدأ، و " بال نسوتكم " خبره. # الرابع: أن يجعل " ماذا " بمنزلة الموصول تغليبا ل " ذا " على " ~~ما " عكس الصورة التي قبله، وهو قليل جدا؛ ومنه قوله: [الوافر] # 333- دعي ماذا علمت سأتقيه # ولكن بالمغيب حدثيني # ف " ماذا " بمعنى الذي؛ لأن ما قبله لا تعلق له به. # الخامس: زعم الفارسي أن " ماذا " كله تكون نكرة موصوفة، وأنشد: ~~" دعي ماذا علمت " أي: دعي شيئا معلوما، وقد تقدم تأويله. # السادس: وهو أضعفها أن تكون " ما " استفهاما، و " ذا " زائدة، ~~وجميع ما تقدم يصلح أن يكون مثالا له، ولكن زيادة الأسماء ~~ممنوعة أو قليلة جدا. # إذا عرف ذلك فقوله { ماذآ أراد الله } يجوز فيه وجهان دون ~~الأربعة الباقية: # أحدهما: أن تكون " ما " استفهامية في محل دفع بالابتداء، و " ذا " ~~بمعنى " الذي " ، و " أراد الله " صلة، والعائد محذوف لاستكمال ~~شروطه، تقديره: " أراده الله " والموصول خبر " ما " الاستفهامية. # والثاني: أن تكون " ماذا " بمنزلة اسم واحد في محل نصب ~~بالفعل بعده، تقديره: أي شيء أراد الله. قال ابن كيسان: وهو الجيد ~~ومحل هذه الجملة النصب بالقول، و " مثلا " نصب على التمييز، قيل: وجاء ~~على معنى التوكيد؛ لأنه من حيث أشير إليه بهذا علم أنه مثل، ~~فجاء التمييز بعده مؤكدا للاسم الذي أشير إليه. # وقيل: نصب على الحال، واختلف في صاحبها، فقيل: اسم الإشارة، والعامل ~~فيها معنى الإشارة. # وقيل: اسم الله - تعالى - أي: متمثلا بذلك. # وقيل: على القطع وهو رأي الكوفيين، ومعناه عندهم: ms0217 أنه كان أصله ~~أن يتبع ما قبله، والأصل: بهذا المثل، فلما قطع عن التبعية ~~انتصب؛ وعلى ذلك قول امرىء القيس: [الطويل] # 334- سوامق جبار أثيث فروعه # وعالين قنوانا من البسر أحمرا # أصله: من البسر الأحمر. # فصل في معنى الإرادة واشتقاقها # و " الإرادة " لغة طلب الشيء مع الميل إليه، وقد تتجرد للطلب، ~~وهي التي تنسب إلى الله - تعالى - وعينها واو من راد يرود، ~~طلب، فأصل " أراد " " أرود " مثل: أقام، والمصدر الإرادة مثل ~~الإقامة، وأصلها: إرواد فأعلت وعوض من محذوفها تاء ~~التأنيث. # فصل في ماهية الإرادة # و " الإرادة " ماهية يجدها العاقل من نفسه، ويدرك بالتفرقة ~~البديهية بينها وبين علمه وقدرته وألمه ولذته، وإذا كان كذلك لم يكن ~~تصور ماهيتها محتاجا إلى التعريف. # وقال المتكلمون: إنها صفة تقتضي رجحان أحد طرفي الجائز على الآخر، ~~لا في الوقوع، بل في الإيقاع، واحترزنا بهذا القيد الأخير عن القدرة. # قوله: { يضل به كثيرا } الياء فيه للسببية، وكذلك في " ~~يهدي به " ، وهاتان الجملتان لا محل لهما؛ لأنهما كالبيان للجملتين ~~المصدرتين ب " أما " ، وهما من كلام الله تعالى. وقيل: في ~~محل نصب؛ لأنهما صفتان ل " مثلا " أي: مثلا يفرق ~~الناس به إلى ضلال ومهتدين، وهما على هذا من كلام الكفار. # وأجاز أبو البقاء أن تكون حالا من اسم الله، أي: مضلا به كثيرا، ~~وهاديا به [كثيرا]. # وجوز ابن عطية أن يكون جملة قوله: { يضل به كثيرا } من ~~كلام الكفار، وجملة قوله: " ويهدي به كثيرا " من كلام ~~الباري تعالى. وهذا ليس بظاهر لأنه إلباس في التركيب. # والضمير في " به " عائد على " ضرب " المضاف تقديرا إلى المثل، أي ~~يضرب المثل، وقيل: الضمير الأول للتكذيب، والثاني للتصديق، ودل على ~~ذلك قوة الكلام. # [وقرىء: { يضل به كثير، ويهدى به كثير، وما يضل به ~~إلا الفاسقون } بالبناء للمفعول]. # وقرىء أيضا: { يضل كثير ويهدي به كثير، وما يضل به ~~إلا الفاسقون } بالبناء للفاعل. # قال بعضهم: " وهي قراءة القدرية، وقد نقل ابن عطية عن أبي عمرو ~~الداني أنها قراءة المعتزلة ". ثم قال: " وابن أبي عبلة من ms0218 ثقات ~~الشاميين " يعني قارئها، وفي الجملة فهي مخالفة لسواد المصحف. # فإن قيل: كيف وصف المهتدين هنا بالكثرة وهم قليلون؛ لقوله: # وقليل ما هم # [ص: 24]، و # وقليل من عبادي الشكور # [سبأ: 13] فالجواب أنهم، وإن كانوا قليلين في الصورة، فهم كثيرون ~~في الحقيقة؛ كقوله: [البسيط] # 335- إن الكرام كثير في البلاد وإن # قلوا كما غيرهم قل وإن كثروا # فصار ذلك باعتبارين. # فصل في استعمالات الهمزة # قال ابن الخطيب: " الهمزة تجيء تارة لتنقل الفعل من غير التعدي ~~إلى التعدي كقولك: " خرج " فإنه غير متعد، فإذا قلت " أخرج ~~" فقد جعلته متعديا، وقد تجيء لتنقل الفعل من التعدي إلى غير ~~التعدي كقوله " كببته فأكب " وقد تجيء لمجرد الوجدان ". # حكي عن عمرو بن معديكرب أنه قال لبني سليم: " قاتلناكم ~~فما أجبناكم، وهاجيناكم فما أفحمناكم، وسألناكم فما ~~أبخلناكم " ، أي: ما وجدناكم جبناء ولا مفحمين، ولا بخلاء. ويقال: أتيت ~~أرض فلان فأعمرتها، أي: وجدتها عامرة. # ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يقال: الهمزة لا تفيد إلا نقل الفعل ~~من غير التعدي إلى التعدي، وأما قوله: كببته فأكب، فلعل ~~المراد كببته فأكب نفسه على نفسه فيكون قد ذكر الفعل مع حذف المفعولين، ~~وهذا ليس بعرف؟! # وأما قوله: " قاتلناكم فما أجبناكم " فالمراد ما أثر قتالنا في ~~صيرورتكم جبناء، وكذا القول في البواقي وهذا الذي قلناه أولى دفعا ~~للاشتراك. # إذا ثبت هذا فنقول قولنا: " أضله الله " لا يمكن حمله إلا على ~~وجهين: # أحدهما: أنه صيره ضالا عن الدين. # والثاني: وجده ضالا. # فصل في معنى الإضلال # واعلم أن معنى الإضلال عن الدين في اللغة: هو الدعاء إلى ترك ~~الدين، وتقبيحه في عينه، وهذا هو الإضلال الذي أضافه الله - ~~تعالى - إلى " إبليس " فقال: # إنه عدو مضل مبين # [القصص: 15] وقال: # ولأضلنهم # [النساء: 119]. # وقوله: # ربنآ أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس ~~نجعلهما تحت أقدامنا # [فصلت: 29]، وأيضا أضاف هذا الإضلال إلى فرعون، فقال: # وأضل فرعون قومه وما هدى # [طه: 79]. # واعلم أن الأمة مجمعة على أن الإضلال بهذا المعنى لا يجوز على ~~الله تعالى؛ فإنه ما دعا ms0219 إلى الكفر، وما رغب فيه، بل نهى عنه، ~~وزجر وتوعد بالعقاب عليه، وإذا كان المعنى الأصلي في الإضلال في ~~اللغة هذا، وهذا المعنى منفي بالإجماع، ثبت انعقاد الإجماع على أنه ~~لا يجوز إجراء هذا اللفظ على ظاهره، وعند هذا افتقر أهل الجبر ~~والقدر إلى التأويل. # أما أهل الجبر فقد حملوه على أنه - تعالى - خالق الضلال والكفر ~~فيهم وصدهم عن الإيمان، وحال بينهم وبينه، وربما قالوا: هذا هو ~~حقيقة اللفظ في أصل اللغة؛ لأن الإضلال عبارة عن جعل الشيء ~~ضالا كما أن الإخراج والإدخال عبارة عن جعل الشيء خارجا ~~وداخلا. وأما المعتزلة فقالوا: التأويل من وجوه: # أحدها: قالوا: إن الرجل إذا ضل باختياره عن حضور شيء من غير ~~أن يكون لذلك الشيء أثر في ضلالة فيقال لذلك الشيء: إنه أضله ~~قال تعالى في حق الأصنام: # إنهن أضللن كثيرا # [إبراهيم: 36] أي: ضلوا بهن وقال: # ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا # [نوح: 23- 24] أي: ضل كثير من الناس بهم. # وقال: # وليزيدن كثيرا منهم مآ أنزل إليك من ربك ~~طغيانا وكفرا # [المائدة: 64]. وقوله: # فلم يزدهم دعآئي إلا فرارا # [نوح: 6] أي: لم يزدهم الدعاء إلا فرارا. # وقال: # فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري # [المؤمنون: 110] وهم لم ينسوهم في الحقيقة، وكانوا يذكرونهم الله. # وقال: # وإذا مآ أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم ~~زادته هذه إيمنا فأما الذين ءامنوا ~~فزادتهم إيمنا وهم يستبشرون وأما الذين في ~~قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم # [التوبة: 124- 125]. # فأخبر تعالى أن نزول السورة المشتملة على الشرائع يعرف ~~أحوالهم. # فمنهم من يصلح عليها؛ فيزداد بها إيمانا؛ ومنهم من يفسد عليها فيزداد ~~بها كفرا، فأضيفت الزيادة في الإيمان، والزيادة في الكفر إلى ~~السورة؛ إذ كانوا إنما صلحوا عند نزولها وفسدوا، فهكذا أضيف ~~الضلال والهدى إلى الله تعالى؛ إذ كان حدوثهما عند ضربه - تعالى - ~~الأمثال لهم. # وثانيها: أن الإضلال هو التسمية بالضلالة، فيقال: أضله إذا سماه ~~ضالا، وأكفر فلان فلانا إذا سماه كافرا، وذهب إليه قطرب، وكثير من ~~المعتزلة. # ومن أهل اللغة من أنكره، وقال: إنما ms0220 يقال: ضللته تضليلا، إذا ~~سميته ضالا، وكذلك فسقته وفجرته، أي: سميته: فاسقا ~~وفاجرا. # وأجيب عنه بأنه حتى صيره في نفسه ضالا لزمه أي يصيره ~~محكوما عليه بالضلال فهذا الحكم من لوازم ذلك التصيير وإطلاق اسم ~~الملزوم على اللازم مجاز مشهور. # وثالثها: أن يكون الإضلال هو التخلية، وترك المنع بالقهر، والجبر، ~~فيقال: أضله أي: خلاه وضلاله. # قالوا: ومجازه من قولهم: " أفسد فلان ابنه، وأهلكه " إذا لم ~~يتعهده بالتأديب؛ ومنه قوله: [الوافر]. # 336- أضاعوني وأي فتى أضاعوا # ...................................... # ويقال لمن ترك سيفه في الأرض الندية حتى فسد وصدىء: أفسدت ~~سيفك وأصدأته. # ورابعها: الضلال، والإضلال هو العذاب والتعذيب لقوله # إن المجرمين في ضلال وسعر # [القمر: 47] # يوم يسحبون في النار # [القمر: 48]، فوصفهم بأنهم يوم القيامة في ضلال، وذلك هو عذابه. # وخامسها: أن تحمل الإضلال على الإهلاك والإبطال، كقوله: # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل ~~أعمالهم # [محمد: 1] قيل: أهلكها، وأبطلها، ومجازه من قولهم: " ضل الماء في ~~اللبن " إذا صار مستهلكا فيه. # ويقال: أضل القوم ميتهم، أي: واروه في قبره فأخفوه حتى صار ~~لا يرى. # وقالوا: # أإذا ضللنا في الأرض # [السجدة: 10] فيتحمل أن يضل الله إنسانا أي: يهلكه ويعدمه. # وسادسها: أن يحمل الإضلال على الإضلال عن الجنة. # قالت المعتزلة: وهذا في الحقيقة ليس تأويلا، بل حمل للفظ على ~~ظاهره فإن الآية تدل على أنه يضلهم، وليس فيها دلالة على أنه عن ~~ماذا يضلهم؟ فنحن نحملها على أنه - تعالى - يضلهم عن طريق ~~الجنة، ثم حملوا كل ما في القرآن من هذا الجنس على هذا ~~المحمل، وهو اختيار الجبائي. # قال تعالى: # كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ~~ويهديه إلى عذاب السعير # [الحج: 4] أي: يضله عن الجنة وثوابها هذا كله إذا حملنا الهمزة ~~في الإضلال على التعدية. # وسابعها: أن تحمل الهمزة لا على التعدية، بل على الوجدان على ما تقدم، ~~فيقال: أضل فلان بعيره أي: ضل عنه، فمعنى إضلال الله - تعالى ~~- لهم أنه وجدهم ضالين. # وثامنها: أن يكون قوله: { يضل به كثيرا، ويهدي به كثيرا ~~} من تمام قول الكفار ms0221 كأنهم قالوا: ماذا أراد الله بهذا المثل ~~الذي لا يظهر وجه الفائدة فيه؟ # ثم قالوا: يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا، ذكروه على سبيل ~~التهكم، فهذا من قول الكفار، ثم قال تعالى جوابا لهم: { ~~وما يضل به إلا الفاسقين } أي ما أضل إلا ~~الفاسقين. # هذا مجموع كلام المعتزلة. # قالت الجبرية: وهذا معارض بمسألة الداعي، وهي أن القادر على العلم ~~والجهل والإهداء والضلال لم فعل أحدهما دون الآخر؟ # ومعارض أيضا بمسألة العلم على ما سبق تقريرها في قوله تعالى: # ختم الله على قلوبهم # [البقرة: 7]. # والجواب عن الآيات يأتي في مواضعه. # قوله: { وما يضل به إلا الفاسقين } " الفاسقين " مفعول ~~ل " يضل " وهو استثناء مفرغ، وقد تقدم معناه، ويجوز عند القراء أن ~~يكون منصوبا على الاستثناء والمستثنى منه محذوف تقديره: " وما يضل ~~به أحدا إلا الفاسقين "؛ كقوله: [الطويل] # 337- نجا سالم والنفس منه بشدقه # ولم ينج إلا جفن سيف ومئزرا # أي: لم ينج بشيء، ومنع أبو البقاء نصبه على الاستثناء، كأنه اعتبر ~~مذهب جمهور البصريين. # و " الفسق " لغة: الخروج، يقال: فسقت الرطبة عن ~~قشرها، أي: خرجت، والفأرة من جحرها. # و " الفاسق ": خارج عن طاعة الله، يقال: فسق يفسق ويفسق ~~بالضم والكسر في المضارح فسقا وفسوقا، عن الأخفش فهو فاسق. # وزعم ابن الأعرابي، أنه لم يسمع في كلام الجاهلية، ولا في شعرهم " ~~فاسق " ، وهذا عجيب، وهو كلام عربي حكاه عنه ابن فارس ~~والجوهري، وقد ذكر ابن الأنباري في كتاب " الزاهر " لما ~~تكلم على معنى " الفسق " قول رؤبة: [الرجز] # 338- يهوين في نجد وغورا غائرا # فواسقا عن قصدها جوائرا # و " الفسيق ": الدائم الفسق، ويقال في النداء: يا فاسق ويا خبيث، يريد ~~يا أيها الفاسق ويا أيها الخبيث. والفسق في عرف الاستعمال الشرعي ~~الخروج من طاعة الله عز وجل، فقد يقع على من خرج بعصيان. واختلف أهل ~~القبلة في أنه مؤمن أو كافر. # فعند بعضهم أنه مؤمن، وعند الخوارج: أنه كافر، وعند المعتزلة: ~~أنه لا مؤمن ولا كافر. # واحتج الخوارج بقوله تعالى: # بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان # [الحجرات: ms0222 11]. # وقال: # إن المنافقين هم الفاسقون # [التوبة: 67]. وقال: # حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره ~~إليكم الكفر والفسوق والعصيان # [الحجرات: 7] وهذه مسألة طويلة مذكورة في علم الكلام. # قوله: " الذين ينقضون " فيه أربعة وجوه: # أحدها: أن يكون نعتا ل " الفاسقين ". # والثاني: أنه منصوب على الذم. # والثالث: أنه مرفوع بالابتداء، وخبره الجملة من قوله { أولئك ~~هم الخاسرون }. # والرابع: أنه خبر لمبتدأ محذوف أي: هم الفاسقون. والعهد في كلامهم ~~على معان: # منها الوصية والضمان، والاكتفاء، والأمر. # و " من بعد " متعلق ب " ينقضون " ، و " من " لابتداء الغاية، ~~وقيل: زائدة، وليس بشيء. والضمير في ميثاقه يجوز أن يعود على العهد، وأن ~~يعود على اسم الله تعالى، فهو على الأول مصدر مضاف إلى المفعول، وعلى ~~الثاني مضاف للفاعل. # و " الميثاق " العهد المؤكد باليمين مفعال الوثاقة ~~والمعاهدة، والجمع: المواثيق على الأصل؛ لأن أصل ميثاق: موثاق، ~~صارت " الواو " ياء؛ لانكسار ما قبلها وهو مصدر ك " الميلاد " و " ~~الميعاد " بمعنى الولادة، والوعد؛ وقال ابن عطية: هو اسم في وضع ~~المصدر؛ كقوله: [الوافر] # 339- أكفرا بعد رد الموت عني # وبعد عطائك المائة الرتاعا # أي: إعطائك، ولا حاجة تدعو إلى ذلك، والمادة تدل على الشد ~~والربط، وجمعه مواثيق، ومياثق، أيضا، ومياثيق؛ وأنشد ابن ~~الأعرابي: [الطويل] # 340- حمى لا يحل الدهر إلا بإذننا # ولا نسأل الأقوام عهد المياثق # والموثق: الميثاق والمواثقة والمعاهدة؛ ومنه قوله تعالى: # وميثاقه الذي واثقكم به # [المائدة: 7]. # فصل في النقض # النقض إفساد ما أبرمته من بناء أو حبل أو عهد، والرجوع به إلى الحالة ~~الأولى. # والنقاضة: ما نقض من حبل الشعر، والمناقضة في القول: أن ~~يتكلم بما يناقض معناه، والنقيضة في الشعر ما ينقض به. # والنقض: المنقوض، واختلف الناس في هذا العهد، فقيل: هو أذلي ~~أخذه الله على بني آدم - عليه السلام - حين استخرجهم من ظهره. # قال المتكلمون: " هذا ساقط "؛ لأنه - تعالى - لا يحتج على العباد ~~بعهد وميثاق لا يشعرون به، كما لا يؤاخذهم بالسهو والنسيان وقيل: هو ~~وصية الله - تعالى - إلى خلقه، وأمره إياهم بها أمرهم به من طاعته، ~~ونهيه إياهم ms0223 عما نهاهم من معصيته في كتبه على ألسنة رسله، ونقضهم ذلك ترك ~~العمل به، وقيل: بل نصب الأدلة على وحدانيته بالسموات، والأرض، وسائر ~~الصنعة، وهو بمنزلة العهد، ونقضهم ترك النظر في ذلك. # وقيل: هو ما عهده إلى من أوتي الكتاب أن يبينوا نبوة محمد عليه ~~السلام، ولا يكتموا أمره، فالآية على هذا في أهل الكتاب. # وقال أبو إسحاق الزجاج: عهده جل وعز ما أخذه على النبيين ~~ومن تبعهم، ألا يكفروا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ودليل ~~ذلك: # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين # [آل عمران: 81] إلى قوله: # وأخذتم على ذلكم إصري # [آل عمران: 81] أي: عهدي. # قوله: { ويقطعون } عطف على { ينقضون } فهي صلة أيضا، و " ما ~~" موصولة، و { أمر الله به } صلتها وعائدها. # وأجاز أبو البقاء أن تكون نكرة موصوفة، ولا يجوز أن تكون مصدرية لعود ~~الضمير عليها إلا عند أبي الحسن وابن السراج وهي مفعولة ب " ~~يقطعون " والقطع معروف، والمصدر - في الرحم - القطيعة، يقال: قطع ~~رحمه قطيعة فهو رجل قطع وقطعة، مثل " همزة " ، وقطعت ~~الحبل قطعا، وقطعت النهر قطوعا، وقطعت الطير قطوعا، ~~وقطاعا، وقطاعا إذا خرجت من بلد إلى بلد. # وأصاب الناس قطعة: إذا قلت مياههم، ورجل به قطع أي انبهار. # قوله: { ما أمر الله به أن يوصل } " ما " في موضع نصب ب " ~~يقطعون " و " أن يوصل " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: الجر على البدل من الضمير في " به " أي ما أمر الله ~~بوصله؛ كقول امرىء القيس: [الطويل] # 341- أمن ذكر سلمى أن نأتك تنوص # فتقصر عنها خطوة أو تبوص # أي: أمن نأيها. # والنصب وفيه وجهان: # أحدهما: أنه بدل من " ما أمر الله به " بدل اشتمال. # والثاني: أنه مفعول من أجله، فقدره المهدوي: كراهية أن يوصل، وقدره ~~غيره: ألا يوصل. # والرفع على أنه خبر مبتدأ [مضمر] أي: هو أن يوصل، وهذا بعيدا جدا، وإن ~~كان أبو البقاء ذكره. # واختلف في الشيء الذي أمر بوصله فقيل: صلة الأرحام، وحقوق القرابات ~~التي أمر الله بوصلها، وهو كقوله تعالى: # فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في ms0224 الأرض ~~وتقطعوا أرحامكم # [محمد: 22] وفيه إشارة إلى أنهم قطعوا ما بينهم وبين النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - من القرابة، وعلى هذا فالآية خاصة. # وقيل: أمر أن يوصل القول بالعمل، فقطعوا بينهما بأن قالوا، ولم يعملوا. ~~وقيل: أمر أن يوصل التصديق بجميع أنبيائه، فقطعوه بتصديق بعضهم، وتكذيب ~~بعضهم. وقيل: الإشارة إلى دين الله، وعبادته في الأرض، وإقامة شرائعه، ~~وحفظ حدوده، فهي عامة في كل ما أمر الله - تعالى - به أن يوصل، هذا قول ~~الجمهور. # وقيل: إن الله - تعالى - أمرهم أن يصلوا حبلهم بحبل المؤمنين، ~~فانقطعوا عن المؤمنين، واتصلوا بالكفار. # وقيل: إنهم نهوا عن التنازع وإثارة الفتن، وهم كانوا مشتغلين بذلك. # و " يفسدون " عطف على الصلة أيضا، و " في الأرض " متعلق به. # والأظهر أن يراد به الفساد في الأرض الذي يتعدى دون ما يقف عليهم. # وقيل: يعبدون غير الله، ويجورون في الأفعال، إذ هي بحسب شهواتهم، ثم إنه ~~- تعالى - أخبر أن من فعل هذه الأفاعيل خسر فقال: " أولئك هم ~~الخاسرون " كقوله: # وأولئك هم المفلحون # [البقرة: 5]، وقد تقدم أنه يجوز أن تكون هذه الجملة خبر " الذين ~~ينقضون " إذا جعل مبتدأ. # وإن لم يجعل مبتدأ، فهي مستأنفة، فلا محل لها حينئذ، و " هم " زائدة، ~~ويجوز أن يكون " هم " مبتدأ ثان، و " الخاسرون " خبره، والثاني وخبره ~~خبر الأول. # والخاسر: الذي نقص نفسه حظها من الفلاح والفوز. # والخسران: النقصان، كان في ميزان أو غيره؛ قال جرير: [الرجز] # 342- إن سليطا في الخسار إنه # أولاد قوم خلقوا أقنه # يعني بالخسار ما ينقص من حظوظهم وشرفهم. # قال الجوهري: وخسرت الشيء بالفتح - وأخسرته نقصته. # والخسار والخسارة والخيسرى: الضلال والهلاك. فقيل للهالك: ~~خاسر؛ لأنه خسر نفسه، وأهله يوم القيامة، ومنع منزله من الجنة. # فصل # قال القرطبي: في هذه الآية دليل على أن الوفاء بالعهد والتزامه، وكل ~~عهد جائز ألزمه المرء نفسه، فلا يحل له نقضه، سواء أكان بين مسلم أم ~~غيره، لذم الله - تعالى - من نقض عهده. # وقد قال: # أوفوا بالعقود # [المائدة: 1] وقد قال لنبيه عليه الصلاة والسلام: # وإما تخافن من ms0225 قوم خيانة فانبذ إليهم على ~~سوآء # [الأنفال: 58] فنهاه عن الغدر، وذلك لا يكون إلا بنقض العهد، على ~~ما يأتي إن شاء الله تعالى. ### || [2.28] # اعلم أنه - تعالى - لما تكلم في دلائل التوحيد، والنبوة، والمعاد ~~شرع في شرح النعم التي عمت جميع المكلفين. فالمراد بهذا الاستخبار ~~التبكيت والتعنيف. # قوله: " كيف " استفهام يسأل به عن الأحوال، وبني لتضمنه معنى الهمزة، ~~وبني على أخف الحركات، وكان سبيلها أن تكون ساكنة؛ لأن فيها معنى ~~الاستفهام الذي معناه التعجب. # وشذ دخول حرف الجر عليها، قالوا: " على كيف تبيع الأحمرين ". # وكونها شرطا قليل، ولا يجزم بها خلافا للكوفيين، وإذا أبدل منها اسم، ~~أو وقع جوابا، فهو منصوب إن كان بعدها فعل متسلط عليها نحو كيف قمت. ~~أصحيحا أم سقيما؟ وكيف سرت؟ فتقول: راشدا، وإلا فمرفوعان نحو: كيد ~~زيد؟ أصحيح أم سقيم؟ وإن وقع بعدها اسم مسؤول عنه بها، فهو مبتدأ، وهي ~~خبر مقدم، نحو: كيف زيد؟ # وقد يحذف الفعل بعدها، قال تعالى: # كيف وإن يظهروا # [التوبة: 8] أي: كيف توالونهم؟. # وكيف في هذه الآية منصوبة على التشبيه بالظرف عند سيبويه، أي: في أي ~~حالة تكفرون؟ وعلى الحال عند الأخفش. أي: على أي حال تكفرون؟ والعامل ~~فيها على القولين " تكفرون " ، وصاحب الحال الضمير في " تكفرون ". # ولم يذكر أبو البقاء غير مذهب الأخفش، ثم قال: والتقدير: معاندين ~~تكفرون؟ وفي هذا التقدير نظر؛ إذ يذهب معه معنى الاستفهام المقصود به ~~التعجب، أو التوبيخ، أو الإنكار. # قال الزمخشري بعد أن جعل الاستفهام للإنكار: وتحريره أنه إذا أنكر أن ~~يكون لكفرهم حال يوجد عليها، وقد علم أن كل موجود لا بد له من حال، ~~ومحال أن يوجد بغير صفة من الصفات كان إنكارا لوجوده على الطريق ~~البرهاني. # وفي الكلام التفات من الغيبة في قوله " وأما الذين كفروا " إلى ~~آخره إلى الخطاب في قوله: " تكفرون " و " كنتم ". # وفائدته: أن الإنكار إذا توجه إلى المخاطب كان أبلغ. # وجاء " تكفرون " مضارعا لا ماضيا؛ لأن المنكر الدوام على الكفر، ~~والمضارع هو المشعر بذلك، ولئلا يكون ذلك ms0226 توبيخا لمن آمن بعد كفر. و " ~~كفر " يتعدى بحرف الجر نحو: " تكفرون بالله " # تكفرون بئآيت الله # [آل عمران: 70] # كفروا بالذكر # [فصلت: 41] وقد يتعدى بنفسه في قوله تعالى: # ألا إن ثمودا كفروا ربهم # [هود: 68] وذلك لما ضمن معنى جحدوا. # فإن قيل: كيف يجوز أن يكون هذا الخطاب لأهل الكتاب، وهم لم يكفروا ~~بالله؟ # فالجواب أنهم [لما] لم يسمعوا أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - ولم ~~يصدقوه فيما جاء به، فقد أشركوا؛ لأنهم لم يقروا بأن القرآن من عند الله، ~~ومن يزعم أن القرآن من كلام البشر، فقد أشرك بالله، وصار ناقضا ~~للعهد. # فصل في الرد على المعتزلة # قال المعتزلة: هذه الآية تدل على أن الكفر من قبل العباد من وجوه: # أحدها: أنه - تعالى - لو كان هو الخالق للكفر فيهم لما جاز أن يقول: { ~~كيف تكفرون بالله } موبخا لهم، كما لا يجوز أن يقول: كيف ~~تسودون وتبيضون وتصحون وتسقمون لما كان ذلك كله من خلقه فيهم. # وثانيها: إذا كان خلقهم أولا للشقاء والنار، وما أراد بخلقهم إلا ~~الكفر وإرادة الوقوع في النار، فكيف يصح أن يقول موبخا لهم: " كيف ~~تكفرون "؟. # وثالثها: أنه - تعالى - إذا قال للعبيد كيف تكفرون بالله، ~~فهذا الكلام إما أن يكون موجها للحجة على العبد، وطلبا للجواب منه، أو ~~ليس كذلك، فإن لم يكن لطلب هذا المعنى لم يكن في ذكره فائدة، فيكون هذا ~~الخطاب عبثا، وإن ذكره لتوجيه الحجة على العبد، فللعبد أن يقول: حصل في ~~حقي أمور كثيرة موجبة للكفر. # فالأول: أنك علمت بالكفر مني، والعلم بالكفر يوجب الكفر. # والثاني: أنك أردت الكفر مني، وهذه الإرادة موجبة له. # والرابع: أنك خلقت في قدرة موجبة للكفر. # والخامس: أنك خلقت في إرادة موجبة للكفر. # والسادس: أنك خلقت في قدرة موجبة للإرادة الموجبة للكفر. # ثم لما حصلت هذه الأسباب الستة في حصول الكفر، فالإيمان متوقف على ~~حصول هذه الأسباب الستة في طرف الإيمان، وهي بأسرها كانت مفقودة، ~~فقد حصل لعدم الإيمان اثنا عشر سببا واحد منها مستقل [بالمنع من ~~الإيمان] ms0227 ومع قيام هذه الأسباب الكثيرة كيف يعقل أن يقال: كيف تكفرون ~~بالله؟ وآيات أخر تأتي في مواضعها إن شاء الله تعالى. # والجواب عن هذا أن الله - سبحانه - علم أن لا يكون، فلو وجد [لانقلب ~~عليه] جهلا، وهو محال، ووقوعه محال، وأيضا فالقدرة على الكفر إن كانت ~~صالحة للإيمان امتنع كونها مصدرا للإيمان على التعيين إلا لمرجح، وذلك ~~المرجح إن كان من العبد عاد السؤال، وإن كان من الله، فما لم يحصل ذلك ~~المرجح من الله امتنع حصول الكفر، وإذا حصل ذلك المرجح وجب، وعلى هذا ~~يعقل قوله: { كيف تكفرون } قاله ابن الخطيب. # قوله: { وكنتم أمواتا فأحياكم } " الواو ": " واو " ~~الحال، وعلامتها أن يصلح موضعها " إذ ". [والجملة في] موضع نصب على ~~الحال، ولا بد من إضمار " قد " ليصح وقوع الماضي حالا. # وقال الزمخشري: فإن قلت: كيف صح أن يكون حالا، وهو ماض؟ # قلت: لم تدخل " الواو " على " كنتم أمواتا " وحده، ولكن على جملة ~~قوله: " كنتم أمواتا " إلى " ترجعون " كأنه قيل: كيف تكفرون ~~بالله، وقصتكم هذه، وحالكم أنكم كنتم أمواتا في أصلاب آبائكم، فجعلكم ~~أحياء، ثم يميتكم بعد هذه الحياة ثم يحييكم بعد الموت، ثم يحاسبكم؟. # ثم قال: فإن قلت: بعض القصة ماض، وبعضها مستقبل، والماضي والمستقبل ~~كلاهما لا يصح أن يقع حالا حتى يكون فعلا حاضرا وقت وجود ما هو حال ~~عنه، فما الحاضر الذي وقع حالا؟ # قلت: هو العلم بالقصة كأنه قيل: كيف تكفرون، وأنتم عالمون بهذه القصة ~~بأولها وآخرها؟. # قال أبو حيان ما معناه: هذا تكلف، يعني تأويله هذه الجملة بالجملة ~~الاسمية. قال: والذي حمله على ذاك اعتقاده أن الجمل مندرجة في حكم ~~الجملة الأولى، قال: ولا يتعين، بل يكون قوله تعالى: " ثم ~~يميتكم " وما بعده جملا مستأنفة أخبر بها - تعالى - لا داخلة تحت ~~الحال، ولذلك غاير بينها وبين ما قبلها من الجمل بحرف العطف، وصيغة الفعل ~~السابقين لها في قوله: { وكنتم أمواتا فأحياكم }. # و " الفاء " في قوله " فأحياكم " على بابها من التعقيب، و " ثم " ~~على بابها من التراخي؛ لأن ms0228 المراد بالموت الأول العدم السابق، ~~وبالحياة الأولى الخلق، وبالموت الثاني الموت المعهود، وبالحياة ~~الثانية الحياة للبعث، فجاءت الفاء، و " ثم " على بابهما من " التعقيب ~~" والتراخي على هذا التفسير، وهو أحسن الأقوال. # ويعزى لابن عباس وابن مسعود ومجاهد، والرجوع إلى الجزاء أيضا متراخ عن ~~البعث. # قال ابن عطية: وهذا القول هو المراد بالآية، وهو الذي لا محيد ~~للكفار عنه لإقرارهم بهما، وإذا أذعنت نفوس الكفار لكونهم أمواتا ~~معدومين، ثم الإحياء في الدنيا، ثم الإماتة فيها قوي عليهم لزوم ~~الإحياء الآخر، وجاء جحدهم له دعوى لا حجة عليها، والحياة التي ~~تكون في القبر على هذا التأويل في حكم الدنيا. # وقيل: لم يعتد بها كما لم يعتد بموت من أماته في الدنيا، ثم أحياه ~~في الدنيا. # وقيل: كنتم أمواتا في ظهر آدم، ثم أخرجكم من ظهره كالذر، ثم ~~يميتكم موت الدنيا، ثم يبعثكم. # وقيل: كنتم أمواتا - أي نطفا - في أصلاب الرجال، وأرحام النساء، ثم ~~نقلكم من الأرحام فأحياكم، ثم يميتكم بعد هذه الحياة، ثم يحييكم في القبر ~~للمسألة، ثم يميتكم في القبر، ثم يحييكم حياة النشر إلى الحشر وهي ~~الحياة التي ليس بعدها موت. # قال القرطبي: فعلى هذا التأويل هي ثلاث موتات، وثلاث إحياءات، ~~وكونهم موتى في ظهر ابن آدم، وإخراجهم من ظهره والشهادة عليهم غير كونهم ~~نطفا في أصلاب الرجال، وأرحام النساء، فعلى هذا تجيء أربع موتات وأربع ~~إحياءات. # وقد قيل: إن الله - تعالى - أوجدهم قبل خلق آدم - عليه الصلاة ~~والسلام - كالهباء، ثم أماتهم، فيكون هذا على خمس موتات، وخمس ~~إحياءات، وموتة سادسة للعصاة من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - إذا ~~دخلوا النار، لحديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون ~~فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم - أو قال ~~بخطاياهم - فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فحما أذن في ~~الشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر، فبثوا على أنهار الجنة ثم ~~قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون ms0229 نبات الحبة تكون في ~~حميل السيل " # الحديث. # قال: فقوله: " فأماتهم الله " حقيقة في الموت، لأنه أكده بالمصدر، وذلك ~~تكريما لهم. # وقيل: يجوز أن يكون " أماتهم " عبارة عن تغييبهم عن آلامها بالنوم، ولا ~~يكون ذلك موتا على الحقيقة، والأول أصح، وقد أجمع النحويون على أن الفعل ~~إذا أكد بالمصدر لم يكن مجازا، وإنما هو على الحقيقة، كقوله: # وكلم الله موسى تكليما # [النساء: 164]، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. # وقيل: المعنى: وكنتم أمواتا بالخمول، فأحياكم بأن ذكرتم، وشرفتم بهذا ~~الدين، والنبي الذي جاءكم، ثم يميتكم فيموت ذكركم، ثم يحييكم للبعث. # فصل في أوجه ورود لفظ الموت # قال أبو العباس المقرىء: ورد لفظ " الموت " على خمسة أوجه: # الأول: بمعنى " النطفة " كهذه الآية. # الثاني: بمعنى " الكفر " قال تعالى: # أو من كان ميتا فأحييناه # [الأنعام: 122] ومثله: # وما يستوي الأحيآء ولا الأموات # [فاطر: 22]. # الثالث: بمعنى " الأرض التي لا نبات لها " ، قال تعالى: # وءاية لهم الأرض الميتة أحييناها # [يس: 33]. # الرابع: بمعنى " الضم " قال تعالى: # والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا ~~وهم يخلقون أموات غير أحيآء # [النحل: 20، 21]. # الخامس: بمعنى " مفارقة الروح الجسد ". # فصل في أوجه ورود لفظ الحياة # الأول: بمعنى دخول الروح في الجسد كهذه الآية. # الثاني: بمعنى " الإسلام " قال تعالى: # أو من كان ميتا فأحييناه # [الأنعام: 122] أي: هديناه إلى الإسلام. # الثالث: بمعنى " صفاء القلب " قال تعالى: # اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها # [الحديد: 17] أي يصفي القلوب بعد سواداها. # الرابع: بمعنى " الإنبات " قال تعالى: # وءاية لهم الأرض الميتة أحييناها # [يس: 33] أي: أنبتناها. # الخامس: بمعنى " حياة الأنفس " قال تعالى: # يليتني قدمت لحياتي # [الفجر: 24]. # السادس: بمعنى " العيش " قال تعالى: # فلنحيينه حيوة طيبة # [النحل: 97] أي: لنرزقنه عيشا طيبا. # فصل في إثبات عذاب القبر # قال ابن الخطيب: احتج قوم بهذه الآية على بطلان عذاب القبر، قالوا: ~~لأنه - تعالى - بين أنه يحييهم مرة في الدنيا، وأخرى في الآخرة، ولم ~~يذكر حياة القبر، ويؤيده قوله: # ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم ~~القيامة تبعثون # [المؤمنون: 15، 16] ولم يذكر حياة ms0230 فيما بين هاتين الحالتين، قالوا: ولا ~~يجوز الاستدلال بقوله تعالى: # قالوا ربنآ أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين # [غافر: 11]؛ لأنه قول الكفار، ولأن كثيرا من الناس أثبتوا حياة الذر ~~في صلب آدم حين استخرجهم وقال لهم: # ألست بربكم # [الأعراف: 172] وعلى هذا التقدير حصل حياتان وموتتان من غير حاجة ~~إلى إثبات حياة في القبر، فالجواب لم يلزم من عدم الفكر في هذه ~~الآية ألا تكون حاصلة، وأيضا فلقائل أن يقول: إن الله - تعالى - ذكر ~~حياة القبر في هذا الآية؛ لأن قوله: " ثم يحييكم " ليس هو ~~الحياة الدائمة، وإلا لما صح أن يقول: { ثم إليه ترجعون }؛ ~~لأن كلمة " ثم " تقتضي التراخي، والرجوع إلى الله - تعالى - حاصل ~~عقب الحياة الدائمة من غير تراخ، فلو جعلنا الآية من هذا الوجه ~~دليلا على حياة القبر كان قريبا. # قوله: { ثم إليه ترجعون } الضمير في " إليه " لله تعالى، ~~وهذا ظاهر؛ لأنه كالضمائر قبله، وثم مضاف محذوف أي: إلى ثوابه وعقابه. # وقيل: على الجزاء على الأعمال. # وقيل: على المكان الذي يتولى الله فيه الحكم بينكم. # وقيل: على الإحياء المدلول عليه ب " أحياكم " ، يعني: أنكم ترجعون إلى ~~الحال الأولى التي كنتم عليها في ابتداء الحياة الأولى من كونكم لا ~~تملكون لأنفسكم شيئا. # والجمهور على قراءة " ترجعون " مبنيا للمفعول. # وقرأ يحيى بن يعمر: وابن أبي إسحاق، ومجاهد، وابن محيصن، وسلام، ~~ويعقوب مبنيا للفاعل حيث جاء. # ووجه القراءتين أن " رجع " يكون قاصرا ومتعديا فقراءة الجمهور من ~~المتعدي، وهو أرجح؛ لأن أصلها " ثم إليه مرجعكم " لأن الإسناد في ~~الأفعال السابقة لله تعالى، فناسب أن يكون هذا كذا، ولكنه بني ~~للمفعول لأجل الفواصل والمقاطع. # و " أموات " جمع " ميت " وقياسه على فعائل كسيد وسيائد، والأولى أن ~~يكون " أموات " جمع " ميت " مخففا ك " أقوال " في جمع " قول " ، وقد ~~تقدمت هذه المادة. ### || [2.29] # هذا هو النعمة الثانية التي عمت المكلفين بأسرهم. # " هو " مبتدأ، وهو ضمير مرفوع منفصل للغائب المذكر، والمشهور تخفيف ~~واوه وفتحها، وقد تشدد؛ كقوله: [الطويل] # 343- وإن لساني شهدة يشتفى بها # وهو على من صبه الله علقم ms0231 # وقد تسكن، وقد تحذف كقوله: [الطويل] # 344- فبيناه يشري رحله.... # ............................... # والموصول بعده خبر عنه. و " لكم " متعلق ب " خلق " ، ومعناها ~~السببية، أي: لأجلكم، وقيل: للملك والإباحة، فيكون تمليكا خاصا بما ~~ينتفع به. # وقيل: للاختصاص، و " ما " موصولة، و " في الأرض " صلتها، وهي في محل ~~نصب مفعول به، و " جميعا " حال من المفعول بمعنى " كل " ، ولا دلالة ~~لها على الاجتماع في الزمان، وهذا هو الفارق بين قولك: جاءوا ~~جميعا و " جاءوا معا " فإن " مع " تقتضى المصاحبة في الزمان، بخلاف ~~" جميع " قيل: وهي - هنا - حال مؤكدة، لأن قوله: { ما في الأرض } ~~عام. # فصل في بيان أن الأصل في المنافع الإباحة # استدل الفقهاء بهذه الآية على أن الأصل في المنافع الإباحة. # وقيل: إنها تدل على حرمة أكل الطين، لأنه خلق لنا ما في الأرض دون ~~نفس الأرض، وفيه نظر؛ لأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم ~~عما عداه، وأيضا فالمعادن داخلة في ذلك، وكذلك عروق الأرض، وما يجري ~~مجرى البعض لها. # وقد تقدم تفسير الخلق، وتقدير الآية كأنه - سبحانه وتعالى - قال: كيف ~~تكفرون بالله، وكنتم أمواتا فأحياكم؟ وكيف تكفرون بالله، وقد خلق لكم ما ~~في الأرض جميعا؟ # أو يقال: كيف تكفرون بقدرة الله على الإعادة، وقد أحياكم بعد موتكم، وقد ~~خلق لكم كل ما في الأرض، فكيف يعجز عن إعادتكم؟. # قوله: { ثم استوى إلى السمآء فسواهن سبع ~~سماوات }. # أصل " ثم " أن تقتضي تراخيا زمانيا، ولا زمان هنا، فقيل: إشارة إلى ~~التراخي بين رتبتي خلق الأرض والسماء. # وقيل: لما كان بين خلق الأرض والسماء أعمال أخر من جعل الجبال ~~والبركة، وتقدير الأقوات، كما أشار إليه في الآية الأخرى عطف ب " ثم ~~"؛ إذ بين خلق الأرض والاستواء إلى السماء تراخ. # و " استوى ": معناه لغة: استقام واعتدل، من استوى العود. # وقيل: علا وارتفع؛ قال الشاعر: [الطويل] # 345- فأوردتهم ماء بفيفاء قفرة # وقد حلق النجم اليماني فاستوى # وقال تعالى: # فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك # [المؤمنون: 28]. # ومعناه هنا: قصد وعمل. وفاعل " استوى " ضمير يعود على الله. ms0232 # وقيل: يعود على الدخان نقله ابن عطية. # وهو غلط لوجهين: # أحدهما: عدم ما يدل عليه. # والثاني: أنه يرده قوله تعالى: # ثم استوى إلى السمآء وهي دخان # [فصلت: 11]. # و " إلى " حرف انتهاء على بابها. # وقيل: هي بمعنى " على "؛ فتكون في المعنى كقول الشاعر: [الرجز] # 346- قد استوى بشر على العراق # من غير سيف ودم مهراق # ومثله قوله الآخر: [الطويل] # 347- فلما علونا واستوينا عليهم # تركناهم صرعى لنسر وكاسر # وقيل: ثم مضاف محذوف ضميره هو الفاعل، أي: استوى أمره، و " إلى ~~السماء " متعلق ب " استوى " ، والضمير في " فسواهن " يعود ~~على السماء، إما لأنها جمع " سماوة " كما تقدم، وإما لأنها اسم جنس ~~يطلق على الجمع. # وقال الزمخشري: " هن " ضمير مبهم، و " سبع سماوات " تفسيره، ~~كقولهم: " ربه رجلا " ، وقد رد عليه بأنه ليس من [المواضع التي ~~يفسر فيها الضمير بما بعده؛ لأن النحويين حصروا ذلك في سبع مواضع]: # ضمير الشأن، والمجرور ب " رب " ، والمرفوع ب " نعم وبئس " ، وما جرى ~~مجراهما، وبأول المتنازعين، والمفسر بخبره، وبالمبدل منه. # ثم قال هذا المعترض: إلا أن يتخيل فيه أن يكون " سبع سماوات " ~~بدلا، وهو الذي يقتضيه تشبيهه ب " ربه رجلا " فإنه ضمير مبهم ~~ليس عائدا على شيء قبله، لكن هذا يضعف بكون التقدير يجعله غير مرتبط ~~بما قبله ارتباطا كليا، فيكون أخبرنا بإخبارين: # أحدهما: أنه استوى إلى السماء. # والثاني: أنه سوى سبع سماوات. # وظاهر الكلام أن الذي استوى إليه هو المستوي بعينه. # ومعنى تسويتهن: تعديل خلقهن، وإخلاؤه من العوج، والفطور وإتمام ~~خلقهن. # قوله: " سبع سموات " في نصبه خمسة أوجه: # أحسنها: أنه بدل من الضمير في " فسواهن " العائد على " ~~السماء " كقولك، أخوك مررت به زيد. # الثاني: أنه بدل من الضمير أيضا، ولكن هذا الضمير يفسره ما بعده، وهذا ~~يضعف بما ضعف به قول الزمخشري المتقدم. # الثالث: أنه مفعول به، والأصل، فسوى منهن سبع سموات، وشبهوه بقوله ~~تعالى: # واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا # [الأعراف: 155] أي: من قومه قاله أبو البقاء وغيره، وهذا ضعيف لوجهين: # أحدهما: بالنسبة إلى اللفظ. # والثاني: بالنسبة إلى ms0233 المعنى. # أما الأول فلأنه ليس من الأفعال المتعدية لاثنين. # أحدهما: بإسقاط الخافض؛ لأنها محصورة في " أمر " و " اختار " وأخواتها. # الثاني: أنه يقتضي أن يكون ثم سماوات كثيرة، سوى من جملتها سبعا، ~~وليس كذلك. # الرابع: أن " سوى " بمعنى " صير " فيتعدى لاثنين، فيكون " سبع " ~~مفعولا ثانيا، وهذا لم يثبت أيضا، أعني جعل " سوى " مثل " صير ~~". # فصل في هيئة السماوات السبع # اعلم أن القرآن - هاهنا - قد دل على سبع سماوات. # وقال أصحاب الهيئة: أقربها إلينا كرة القمر، وفوقها كرة عطارد، ثم كرة ~~الزهرة، ثم كرة الشمس، ثم كرة المريخ، ثم كرة المشتري، ثم كرة زحل، ~~قالوا: لأن الكوكب الأسفل إذا مر بين أبصارنا، وبين الكوكب الأعلى، ~~فإنهما يصيران ككوكب واحد، ويتميز الساتر عن المستور بلونه الغالب ~~كحمرة المريخ، وصفرة عطارد، وبياض الزهرة، وزرقة المشتري، ~~وكدرة زحل، وكل كوكب فإنه يكسف الكوكب الذي فوقه. # فصل في الاستدلال على سبق خلق السماوات على الأرض # قال [بعض الملاحدة]: هذه الآية تدل على أن خلق الأرض قبل خلق ~~السماء، وكذا قوله: # أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين # [فصلت: 9] إلى قوله تعالى: # ثم استوى إلى السمآء # [فصلت:11] وقال في سورة " النازعات ": # أأنتم أشد خلقا أم السمآء بناها # [النازعات:27] إلى أن قال: # والأرض بعد ذلك دحها # [النازعات: 30] وهذا يقتضي أن يكون خلق الأرض بعد السماء، وذكروا في ~~الجواب وجوها: # أحدها: يجوز أن يكون خلق الأرض قبل السماء إلا أنه دحاها حتى خلق ~~السماء؛ لأن التدحية هي البسط. # ولقائل أن يقول: هذا مشكل من وجهين: # الأول: أن الأرض جسم عظيم، فامتنع انفكاك خلقها عن التدحية، وإذا ~~كانت التدحية متأخرة عن خلق السماء كان خلقها لا محالة متأخرا ~~عن خلق السماء. # الثاني: أن قوله: { خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم ~~استوى إلى السمآء } يدل على أن خلق الأرض، وخلق كل ما فيها ~~متقدم على خلق السماء، وخلق هذه الأشياء في الأرض لا يمكن إلا إذا ~~كانت مدحوة، فهذه الآية تدل على كونها مدحوة قبل خلق السماء، فيعود ~~التناقض. # والجواب ms0234 الثاني: أن قوله: # والأرض بعد ذلك دحها # [النازعات: 30] يقتضي تقديم خلق السماء على الأرض، ولا يقتضي أن تكون ~~تسوية السماء مقدمة على خلق الأرض، وعلى هذا التقدير يزول ~~التناقض. # ولقائل أن يقول: قوله: # أأنتم أشد خلقا أم السمآء بناها رفع سمكها ~~فسواها # [النازعات: 27- 28] يقتضي أن يكون خلق السماء، وتسويتها مقدما على ~~تدحية الأرض، ولكن تدحية الأرض ملازمة لخلق ذات الأرض، وحينئذ يعود ~~السؤال. # والجواب الثالث وهو الصحيح أن قوله: " ثم " ليس للترتيب هاهنا، وإنما ~~هو على جهة تعديد النعم، على مثل قول الرجل لغيره: أليس قد أعطيتك ~~النعم العظيمة، ثم وقعت الخصوم عنك، ولعل بعض ما أخره في الذكر قد ~~تقدم فكذا هاهنا، والله أعلم. # فإن قيل: هل يدل التنصيص على سبع سموات على نفي العدد الزائد؟ # قال ابن الخطيب: الحق أن تخصيص العدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد. # فصل في إثبات سبع أرضين # ورد في التنزيل أن السموات سبع، ولم يأت في التنزيل أن الأرضين سبع ~~إلا قوله # ومن الأرض مثلهن # [الطلاق: 12] وهو محتمل للتأويل، لكنه وردت في أحاديث كثيرة صحيحة تدل ~~على أن الأرضين سبع كما روي في " الصحيحين " عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: # " من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين " # إلى غير ذلك. # وروى أبو الضحى - واسمه مسلم - عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: # " الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن قال: سبع أرضين ~~في كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدم، ونوح كنوح، وإبراهيم كإبراهيم ~~وعيسى كعيسى " # قال البيهقي: إسناد هذا عن ابن عباس صحيح وهو شاذ لا أعلم لأبي ~~الضحى عليه دليلا. # و " السماء " تكون جمعا ل " سماوة " في قول الأخفش، و " سماءة " في ~~قول الزجاج، وجمع الجمع " سماوات " و " سماءات " ، فجاء " سواهن " ~~إما على أن " السماء " جمع، وإما على أنها مفرد اسم جنس، وقد تقدم ~~الكلام على " السماء " في قوله: # أو كصيب من السمآء # [البقرة: 19]. # قوله: { وهو بكل شيء عليم } هو: مبتدأ، و " عليم " خبره، ms0235 ~~والجار قبله يتعلق به. # واعلم انه يجوز تسكين هاء " هو " و " هي " بعد " الواو " و " الفاء ~~" و " لام " الابتداء و " ثم "؛ نحو: # فهي كالحجارة # [البقرة: 74] # ثم هو يوم القيمة # [القصص: 61] # لهو الغني # [الحج: 64] # لهي الحيوان # [العنكبوت: 64] وقرأ بها الكسائي وقالون عن نافع، تشبيها ل " هو " ب ~~" عضد " ول " هي " ب " كتف " ، فكما يجوز تسكين عين " عضد " و " ~~كتف " يجوز تسكين هاء " هو " ، و " هي " بعد الأحرف المذكورة؛ إجراء ~~للمنفصل مجرى المتصل، لكثرة دورها معها، وقد تسكن بعد كاف الجر؛ كقوله: ~~[الطويل] # 348- فقلت لهم: ما هن كهي فكيف لي # سلو ولا أنفك صبا متيما # وبعد همزة الاستفهام؛ كقوله: [البسيط] # 349- فقمت للطيف مرتاعا فأرقني # فقلت: أهي سرت أم عادني حلم # وبعد " لكن " في قراءة ابن حمدون: # لكن هو الله # [الكهف: 38] وكذا في قوله: # يمل هو # [البقرة: 282]. فإن قيل عليم " فعيل " من " علم " ، و " علم " متعد ~~بنفسه، فكيف تعدى ب " الباء " ، وكان من حقه إذا تقدم مفعوله أن يتعدى ~~إليه بنفسه أو ب " اللام " المقوية، وإذا تأخر أن يتعدى إليه بنفسه فقط؟ # فالجواب: أن أمثله المبالغة خالفت أفعالها، وأسماء فاعليها لمعنى وهو ~~شبهها ب " أفعل " التفضيل بجامع ما فيها من معنى المبالغة، و " أفعل ~~" التفضيل له حكم في التعدي، فأعطيت أمثلة المبالغة ذلك الحكم، وهو ~~أنها لا تخلو من أن تكون من فعل متعد بنفسه أو لا. # فإن كان الأول فإما أن يفهم علما أو جهلا أو لا. # فإن كان الأول تعدت بالباء نحو: # هو أعلم بكم # [النجم: 32] # وهو عليم بذات الصدور # [الحديد: 6] و " زيد جهول بك " و " أنت أجهل به " وإن كان الثاني ~~تعدت ب " اللام " نحو: " أنا أضرب لزيد منك " و " أنا ضراب له " ، ~~ومنه: # فعال لما يريد # [هود: 107]، وإن كانت من متعد بحرف جر تعدت هي بذلك الحرف نحو: " ~~أنا أصبر على كذا " و " أنا صبور عليه " ، و " أزهد فيه منك " ، و " زهيد ~~فيه ". # فصل في إثبات العلم لله سبحانه بخلقه # هذه الآية تدل على أنه لا يمكن أن يكون ms0236 خالقا للأرض وما فيها، ~~وللسماوات وما فيها من العجائب والغرائب إلا إذا كان عالما بها محيطا ~~بجزئياتها وكلياتها، وذلك يدل على أمور: # أحدها: أن يفسد قول الفلاسفة الذين قالوا: إنه لا يعلم الجزئيات، ~~ويدل على صحة قول المتكلمين فإنهم قالوا: إنه - تعالى - فاعل لهذه ~~الأجسام على سبيل الإحكام والإتقان، وكل فاعل على هذا الوجه، فإنه ~~لا بد وأن يكون عالما بما فعله كما ذكر في هذه الآية. # وثانيها: يدل على فساد قول المعتزلة، وذلك لأنه - سبحانه وتعالى - بين ~~أن الخالق للشيء على سبيل التقدير والتحديد، لا بد أن يكون عالما به ~~وبتفاصيله، لأن خالقه قد خصه بقدر دون قدر، والتخصيص بقدر معين لا بد ~~وأن يكون بإرادة، وإلا فقد حصل الرجحان من غير مرجح، والإرادة ~~مشروطة بالعلم، فثبت أن خالق الشيء لا بد وأن يكون عالما به على سبيل ~~التفصيل. # فلو كان العبد موجدا لأفعال نفسه لكان عالما بها، وبتفاصيلها في ~~العدد والكمية والكيفية، فلما لم يحصل هذا العلم علمنا أنه غير ~~موجد لأفعال نفسه. # وثالثها: قالت المعتزلة: إذا جمع بين هذه الآية وبين قوله: # وفوق كل ذي علم عليم # [يوسف: 76] ظهر أنه - تعالى - عالم بذاته. # والجواب: قوله تعالى: # وفوق كل ذي علم عليم # [يوسف:76] عام، وقوله: # أنزله بعلمه # [النساء: 166] خاص والخاص مقدم على العام. ### || [2.30] # هذه الآية دالة على كيفية تنظيم الله - تعالى - لآدم عليه الصلاة ~~والسلام، فيكون ذلك إنعاما عاما على جميع بني آدم، فيكون هذا هو ~~النعمة الثالثة من تلك النعم العامة التي أوردها. # " إذ " ظرف زمان ماض، يخلص المضارع للمضي، وبني لشبهه بالحرف في ~~الوضع والافتقار، وتليه الجمل مطلقا. # قال المبرد: إذا جاء " إذ " مع المستقبل كان معناه ماضيا كقوله: # وإذ يمكر بك # [الأنفال: 30] يريد: إذ مكروا، وإذا جاء مع الماضي كان معناه مستقبلا ~~كقوله: # وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت ~~للناس # [المائدة: 116] وقد يبقى على مضيه كهذه الآية. # وإذا كانت الجملة فعلية قبح تقديم الاسم، وتأخير الفعل نحو: " إذ زيد ~~قام " ، ولا يتصرف ms0237 إلا بإضافة الزمن إليه، نحو: " يومئذ " و " حينئذ " ، ~~ولا يكون مفعولا به، وإن قال به أكثر المعربين، فإنهم يقدرون " ذكر وقت ~~كذا " ، ولا ظرف مكان، ولا زائدا، ولا حرفا للتعليل، ولا للمفاجأة ~~خلافا لمن زعم ذلك. # وقد تحذف الجملة المضاف هو إليها للعلم، ويعوض منها تنوين كقوله: # وأنتم حينئذ تنظرون # [الواقعة: 84] وليس كسرته - والحالة هذه - كسرة إعراب، ولا تنوينه ~~تنوين صرف خلافا للأخفش، بل الكسر لالتقاء الساكنين، والتنوين للعوض ~~بدليل وجود الكسر، ولا إضافة؛ قال الشاعر: [الوافر] # 350- نهيتك عن طلابك أم عمرو # بعاقبة وأنت إذ صحيح # وللأخفش أن يقول: أصله: " وأنت حينئذ " فلما حذف المضاف بقي المضاف ~~إليه على حاله، ولم يقم مقامه نحو: # والله يريد الآخرة # [الأنفال: 67] بالجر، إلا أنه ضعيف. # و " قال ربك ": جملة فعلية في محل خفض بإضافة الظرف إليها، واعلم ~~أن " إذ " فيه تسعة أوجه، أحسنها أنه منصوب ب { قالوا أتجعل ~~فيها } أي: قالوا ذلك القول وقت قول الله عز وجل إني جاعل في الأرض ~~خليفة، وهذا أسهل الأوجه. # الثاني: أنه منصوب ب " اذكر " مقدرا، وقد تقدم أنه لا يتصرف، فلا يقع ~~مفعولا. # الثالث: أنه منصوب ب " خلقكم " المتقدم في قوله: # اعبدوا ربكم الذي خلقكم # [البقرة: 21] والواو زائدة. وهذا ليس بشيء لطول الفصل. # الرابع: أنه منصوب ب " قال " بعده، وهذا فاسد؛ لأن المضاف إليه لا يعمل ~~في المضاف. # الخامس: أنه زائد، ويعزى لأبي عبيدة. # السادس: أنه بمعنى " قد ". # السابع: أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: ابتداء خلقكم وقت قول ربك. # الثامن: أنه منصوب بفعل لائق تقديره: ابتدأ خلقكم وقت قوله ذلك. # وهذان ضعيفان، لأن وقت ابتداء الخلق ليس وقت القول، وأيضا فإنه لا ~~يتصرف. # التاسع: أنه منصوب ب " أحياكم " مقدرا، وهذا مردود باختلاف الوقتين ~~أيضا. # و " للملائكة " متعلق ب " قال " واللام للتبليغ. و " ملائكة " جمع " ~~ملك " ، واختلف في " ملك " على ستة أقوال، وذلك أنهم اختلفوا في ميمه، ~~هل هي أصلية أو زائدة؟ والقائلون بأصالتها اختلفوا. # فقال بعضهم: " ملك " وزنه " فعل " من الملك، وشذ جمعه على " ~~فعائلة " ، فالشذوذ ms0238 في جمعه فقط. # وقال بعضهم: بل أصله " ملأك " ، والهمزة فيه زائدة ك " شمأل " ، ~~ثم نقلت حركة الهمزة إلى " اللام " ، وحذفت الهمزة تخفيفا، والجمع جاء ~~على أصل الزيادة، فهذان قولان عند هؤلاء. # والقائلون بزيادتها اختلفوا أيضا: # فمنهم من قال: هو مشتق من " ألك " أي: أرسل، ففاؤه همزة، وعينه ~~لام؛ ويدل عليه قوله: [المنسرح] # 351- أبلغ أبا دختنوس مألكة # عن الذي قد يقال ملكذب # وقال الآخر: [الرمل] # 352- وغلام أرسلته أمه # بألوك فبذلنا ما سأل # وقال آخر: [الرمل] # 353- أبلغ النعمان عني مألكا # أنه قد طال حبسي وانتظاري # فأصل ملك: مألك، ثم قلبت العين إلى موضع " الفاء " ، و " الفاء " إلى ~~موضع " العين " على وزن " معفل " ثم نقلت حركة " الهمزة " إلى " اللام ~~" ، وحذفت " الهمزة " تخفيفا، فيكون وزن ملك: " معلا " بحذف الفاء. # ومنهم من قال: هو مشتق من " لأك " أي: أرسل أيضا، ففاؤه لام، وعينه ~~همزة، ثم نقلت حركة الهمزة، وحذفت كما تقدم، ويدل على ذلك أنه قد نطق ~~بهذا الأصل قال: [الطويل] # 354- فلست لإنسي ولكن لملأك # تنزل من جو السماء يصوب # ثم جاء الجمع على الأصل، فردت الهمزة على كلا القولين، فوزن " ملائكة " ~~على هذا القول " مفاعلة " ، وعلى القول الذي قبله " معافلة " ~~بالقلب. # وقيل: هو مشتق من: " لاكه - يلوكه " إذا " أداره - يديره "؛ لأن ~~الملك يدير الرسالة في فيه، فأصل ملك: ملوك، فنقلت حركة " الواو ~~" إلى " اللام " الساكنة قبلها، فتحرك حرف العلة، وانفتح ما قبله فقلب " ~~ألفا " ، فصار: ملاكا مثل: " مقام " ، ثم حذفت الألف تخفيفا، فوزنه: " ~~مفل " بحذف العين، وأصل " ملائكة ": " ملاوكة " ، فقلبت " الواو همزة " ، ~~ولكن شرط قلب الواو والياء همزة بعد ألف مفاعل أن تكون زائدة نحو: " ~~عجائز " و " رسائل " ، على أنه قد جاء ذلك في الأصل قليلا قالوا: " ~~مصائب " و " منائر " ، وقرىء شاذا: # معايش # [الأعراف: 10] بالهمز، فهذه خمسة أقوال. # السادس: قال النضر بن شميل: لا اشتقاق ل " الملك " عند العرب " ~~والهاء " في " ملائكة " لتأنيث الجمع، نحو: " صلادمة ". # وقيل: للمبالغة ك " علامة " و " نسابة " ، وليس بشيء، وقد تحذف ~~هذه الهاء شذوذا؛ قال الشاعر: [الطويل] # 355- أبا خالد ms0239 صلت عليك الملائك # فصل في ماهية الملائكة # اختلفوا في ماهية الملائكة، وحقيقتهم، والضابط فيه أن يقال: إن ~~الملائكة ذوات قائمة بأنفسها، وهي إما متحيزة، أو ليست بمتحيزة، فإن ~~كانت متحيزة فهاهنا أقوال: # أحدها: أنها أجسام لطيفة هوائية تقدر على التشكل بأشكال مختلفة ~~مسكنها السموات، وهذا قول أكثر المسلمين. # الثاني: قول طوائف من عبدة الأوثان: أن الملائكة هي هذه الكواكب ~~الموصوفة بالإسعاد، والإنحاس، فالمسعدات منها ملائكة ~~الرحمة، والمنحسات منها ملائكة العذاب. # الثالث: قول معظم المجوس، والثنوية: وهو أن هذا العالم مركب من ~~أصلين أزليين، وهما النور والظلمة، وهما في الحقيقة جوهران ~~شفافان مختاران قادران، متضادا النفس والصورة، مختلفا الفعل ~~والتدبير، فجوهر النور فاضل خير، نقي طيب الريح، كريم النفس يسر ولا ~~يضر، وينفع ولا يمنع، ويحيا ولا يبلى، وجوهر الظلمة على ضد ذلك. # ثم إن جوهر النور لم يزل يولد الأولياء، وهم الملائكة لا على سبيل ~~التناكح، بل على سبيل تولد الحكمة من الحكيم، والضوء من المضيء، ~~وجوهر الظلمة لم يزل يولد الأعداء، وهم الشياطين على سبيل تولد السفه ~~من السفيه لا على سبيل التناكح. # القول الثاني: وهو أنها ذوات قائمة بأنفسها، وليست بمتحيزة، ولا ~~بأجسام. فهاهنا قولان: # الأول: قول طوائف من النصارى، وهو أن الملائكة في الحقيقة هي الأنفس ~~الناطقة المفارقة لأبدانها على نعت الصفاء والخيرية، وذلك لأن هذه ~~النفوس المفارقة إن كانت صافية خالصة فهي الملائكة، وإن كانت خبيثة ~~كدرة فهي الشياطين. # والثاني: قول الفلاسفة وهي أنها جواهر قائمة بأنفسها وليست بمتحيزة ~~ألبتة، وأنها بالماهية مخالفة لأنواع النفوس الناطقة البشرية، وأنها ~~أكمل قوة منها، وأكثر علما منها، وأنها للنفوس البشرية جارية مجرى ~~الشمس بالنسبة إلى الأضواء، ثم إن هذه الجواهر على قسمين: منها ما ~~هي بالنسبة إلى أجرام الأفلاك والكواكب كنفوسنا الناطقة بالنسبة إلى ~~أبداننا، ومنها ما هي لا على شيء من تدبير الأفلاك، بل هي مستغرقة ~~في معرفة الله، ومحبته ومشتغلة بطاعته، وهذا القسم هم الملائكة ~~المقربون، ونسبتهم إلى الملائكة الذين يدبرون السماوات، كنسبة ~~أولئك المدبرين إلى نفوسنا ms0240 الناطقة، فهذان القسمان قد اتفقت ~~الفلاسفة على إثباتهما، ومنهم من أثبت أنواعا أخر من الملائكة، وهي ~~الملائكة الأرضية المدبرة لأحوال هذا العالم السفلي، ثم إن المدبرات ~~لهذا العالم إن كانت خيرة فهم الملائكة، وإن كانت شريرة فهم ~~الشياطين. # فصل في شرح كثرتهم # قال عليه الصلاة والسلام: # " أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم ~~إلا وفيه ملك ساجد، أو راكع ". # [وروي أن بني آدم عشر الجن، والجن وبنو آدم عشر حيوانات البر، وهؤلاء ~~كلهم عشر الطيور، وهؤلاء كلهم عشر حيوانات البحر، وهؤلاء كلهم عشر ~~ملائكة الأرض الموكلين بها، وكل هؤلاء عشر ملائكة سماء الدنيا، وكل ~~هؤلاء عشر ملائكة السماء الثانية وعلى هذا الترتيب إلى ملائكة ~~السماء السابعة، ثم الكل في مقابلة ملائكة الكرسي نزر قليل، ثم كل ~~هؤلاء عشر ملائكة السرادق الواحد من سرادقات العرش التي عددها ستمائة ~~ألف، طول كل سرادق وعرضه وسمكه إذا قوبلت به السماوات والأرضون وما ~~فيها وما بينها، فإنها كلها تكون شيئا يسيرا وقدرا صغيرا، وما من ~~مقدار موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد، أو راكع] وقائم، لهم زجل ~~بالتسبيح والتقديس، ثم كل هؤلاء في مقابلة الملائكة الذين ~~يحومون حول العرش كالقطرة في البحر، ولا يعلم عددهم إلا ~~الله تعالى، ثم مع هؤلاء ملائكة اللوح الذين هم أشياع إسرافيل عليه ~~السلام، والملائكة الذين هم جنود جبريل عليه السلام، ولا يحصى أجناسهم ~~ولا مدة أعمارهم ولا كيفية عبادتهم إلا الله تعالى، على ما قال: # وما يعلم جنود ربك إلا هو # [المدثر: 31]. # وروي في بعض كتب التذكير # " أنه - عليه الصلاة والسلام - حين عرج به رأى ملائكة في موضع ~~بمنزلة سوق بعضهم يمشي تجاه بعض، فسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- إلى أين يذهبون؟ فقال جبريل عليه السلام: لا أدري إلا ~~أني أراهم مذ خلقت ولا أرى واحدا منهم قد رأيته قبل ذلك، ثم سأل ~~واحدا منهم وقيل له: مذ كم خلقت؟ فقال: لا أدري غير أن الله - تعالى - ~~يخلق كوكبا في كل أربعمائة ألف ms0241 سنة، فخلق مثل ذلك الكوكب منذ ~~خلقني أربعمائة ألف مرة فسبحانه من إله ما أعظم قدرته وما أجل كماله ~~". # فصل فيمن قيل له من الملائكة: " إني جاعل " # اختلفوا في الملائكة الذين قال لهم: " إني جاعل لهم " كل ~~الملائكة، أو بعضهم؟ فروى الضحاك عن ابن عباس أنه سبحانه إنما قال ~~هذا القول للملائكة الذين [كانوا محاربين] مع " إبليس "؛ لأن الله - ~~تعالى - لما أسكن الجن الأرض، فأفسدوا فيها، وسفكوا الدماء، وقتل ~~بعضهم بعضا، بعث الله " إبليس " في جند من الملائكة، فقتلهم " إبليس ~~" بعسكره حتى أخرجوهم من الأرض؛ وألحقوهم بجزائر البحر، ~~وشعوب الجبال، وسكنوا الأرض، وخفف الله عنهم العبادة، وأعطى " ~~إبليس " ملك الأرض، وملك سماء الدنيا، وخزانة الجنة، فكان يعبد الله ~~تارة في الأرض، وتارة في السماء، وتارة في السماء، وتارة في الجنة، فأخذه ~~العجب وقال في نفسه: ما أعطاني الله هذا الملك إلا لأني أكرم الملائكة ~~عليه فقال تعالى لهم: { إني جاعل في الأرض خليفة }. # وقال أكثر الصحابة والتابعين إنه قال ذلك لجماعة الملائكة من غير تخصيص، ~~لأن لفظ الملائكة يفيد العموم. # فإن قيل: ما الفائدة في أن الله قال للملائكة: { إني جاعل في ~~الأرض خليفة } مع أنه منزه عن الحاجة إلى المشورة؟. # فالجواب من وجهين: # الأول: أنه - تعالى - علم أنهم إذا اطلعوا على ذلك السر أوردوا ~~عليه ذلك السؤال، فكانت المصلحة تقتضي إحاطتهم بذلك الجواب، ~~فعرفهم هذه الواقعة لكي يوردوا ذلك السؤال، ويسمعوا ذلك الجواب. # والثاني: أنه - تعالى - علم عباده المشورة. # قوله: { إني جاعل في الأرض خليفة } هذه الجملة معمول ~~القول، فهي في محل نصب به، وكسرت " إن " هنا، لوقوعها بعد القول ~~المجرد من معنى الظن محكية به، فإن كان بمعنى الظن جرى فيها ~~وجهان: الفتح والكسر؛ وأنشدوا: [الطويل] # 356- إذا قلت إني آيب أهل بلدة # نزعت بها عنه الولية بالهجر # وكان ينبغي أن يفتح ليس إلا؛ نظرا لمعنى الظن، لكن قد يقال جاز الكسر ~~مراعاة لصورة القول. # و " إن " على ثلاثة أقسام: # قسم يجب فيه كسرها، وقسم يجب فيه فتحها، وقسم ms0242 يجوز فيه الوجهان. # والضابط الكلي في ذلك: أن كل موضع سد مسدها المصدر، وجب فيه ~~فتحها؛ نحو: " بلغني أنك قائم " ، وكل موضع لم يسد مسدها، وجب ~~فيه كسرها؛ كوقوعها بعد القول ومبتدأة وصلة وحالا، وكل موضع جاز أن ~~يسد مسدها، جاز الوجهان؛ كوقوعها بعد فاء الجزاء، و " إذا " الفجائية. # و " جاعل " فيه قولان: # أحدهما: أنه بمعنى " خالق " فيكون " خليفة " مفعولا به و " في الأرض ~~" فيه حينئذ قولان: # أحدهما: وهو الواضح - أنه متعلق ب " جاعل " والثاني: أنه متعلق ~~بمحذوف؛ لأنه حال من النكرة بعده. # القول الثاني: أنه بمعنى " مصير " ذكره الزمخشري، فيكون " ~~خليفة " هو المفعول الأول، و " في الأرض " هو الثاني قدم عليه، ويتعلق ~~بمحذوف على ما تقرر. # والأرض قيل: إنها " مكة " ، روى ابن سابط عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: # " دحيت الأرض من مكة " # ولذلك سميت " أم القرى " ، قال: وقبر نوح، وهود، وصالح، وشعيب بين " ~~زمزم " والمقام. # والظاهر أن الأرض في الآية جميع الأرض من المشرق والمغرب. # و " خليفة " يجوز أن يكون بمعنى " فاعل " أي: يخلفكم أو يخلف من كان ~~قبله من الجن، وهذا أصح، لدخول تاء التأنيث عليه. # وقيل: بمعنى " مفعول " أي: يخلف كل جيل من تقدمه، وليس دخول " التاء " ~~حينئذ قياسا، إلا أن يقال: إن " خليفة " جرى مجرى الجوامد ك " ~~النطيحة " و " الذبيحة ". # وإنما وحد " خليفة " وإن كان المراد الجمع؛ لأنه أريد به آدم وذريته، ~~ولكن استغني بذكره كما يستغنى بذكر أبي القبيلة نحو: " مضر " و " ~~ربيعة " وقيل: المعنى على الجنس. # وقال " ابن الخطيب ": الخليفة: اسم يصلح للواحد والجمع كما يصلح للذكر ~~والأنثى. # و " الخلف " - بالتحريك - من الصالحين، وبتسكينها من الطالحين. # واختلفوا في أنه لم سماه - أي: خليفة - على وجهين: # فروي عن " ابن عباس " أنه - تعالى - لما نفى الجن من الأرض، وأسكنها ~~آدم كان آدم - عليه الصلاة والسلام - خليفة لأولئك الجن الذين ~~تقدموه، لأنه خلفهم. # والثاني: إنما سماه الله خليفة، لأنه يخلف الله في الحكم بين خلقه، ~~ويروى عن ابن مسعود، وابن عباس، والسدي وهذا الرأي متأكد ms0243 بقوله تعالى: # إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس ~~بالحق # [ص: 26]. [ # " روى أبو ذر قال: قلت: يا رسول الله أنبيا كان آدم مرسلا؟ قال: نعم.. ~~" # الحديث]. # فإن قيل: لمن كان رسولا،ولم يكن في الأرض أحد؟. # فيقال: كان رسولا إلى ولده، وكانوا أربعين ولدا في عشرين بطنا في كل ~~بطن ذكر وأنثى، وتوالدوا حتى كثروا، وأنزل عليه تحريم الميتة والدم ~~ولحم الخنزير، وعاش تسعمائة وثلاثين سنة. ذكره أهل التوراة والله ~~أعلم. [وروي عن وهب بن منبه أنه عاش ألف سنة]. # وقرىء: " خليقة " بالقاف، و " خليفة " منصوب ب " جاعل " كما تقدم؛ ~~لأنه اسم فاعل، وأسم الفاعل يعمل عمل فعله مطلقا إن كان فيه الألف ~~واللام، ويشترط الحال أو الاستقبال والاعتماد إذا لم يكونا فيه، ويجوز ~~إضافته لمعموله تخفيفا ما لم يفصل بينهما كهذه الآية. # فصل في وجوب نصب خليفة للناس # هذه الآية دليل على وجوب نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع، لتجتمع به ~~الكلمة، وتنفذ به أحكام الخليفة، ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأئمة ~~إلا ما روي عن الأصم، وأتباعه أنها غير واجبة في الدين - وأن الأمة ~~متى أقاموا حججهم وجهادهم، وتناصفوا فيما بينهم، وبذلوا الحق من أنفسهم، ~~وقسموا الغنائم والفيء والصدقات على أهلها، وأقاموا الحدود على من ~~وجبت عليه، أجزأهم ذلك، ولا يجب عليهم أن ينصبوا إماما يتولى ذلك، ~~وشروط الإمامة مذكورة في كتب الفقه. # قوله: { قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها } قد تقدم أن ~~" قالوا " عامل في { إذ قال ربك } ، وأنه المختار، والهمزة في " ~~أتجعل " للاستفهام على بابها، وقال الزمخشري: " للتعجب " ، وقيل: ~~للتقرير؛ كقوله: [الوافر] # 357- ألستم خير من ركب المطايا # وأندى العالمين بطون راح # وقال " أبو البقاء " للاسترشاد، أي: أتجعل فيها من يفسد كمن كان قبل. ~~و " فيها " الأولى متعلقة ب " تجعل " إن قيل: إنها بمعنى " الخلق " ، ~~و " من يفسد " مفعول به. # وإن قيل: إنها بمعنى " التصيير " ، فيكون " فيها " مفعولا ثانيا قدم ~~على الأول، وهو " من يفسد " ، و " من " تحتمل أن تكون كموصولة، أو نكرة ~~موصوفة، فعلى الأول ms0244 لا محل للجملة بعدها من الإعراب، وعلى الثاني ~~محلها النصب، و " فيها " الثانية متعلقة ب " يفسد ". و " يفسك " عطف ~~على " يفسد " بالاعتبارين. # والجمهور على رفعه، وقرىء منصوبا على جواب الاستفهام بعد " الواو " ~~التي تقتضي الجمع بإضمار " أن " كقوله: [الكامل] # 358- أتبيت ريان الجفون من الكرى # وأبيت منك بليلة الملسوع # وقال: " ابن عطية ": " منصوب بواو الصرف " وهذه عبارة الكوفيين، ومعنى ~~" واو الصرف " أن الفعل كان يقتضي إعرابا، فصرفته " الواو " عنه إلى ~~النصب. # والمشهور " يسفك " بكسر الفاء، وقرىء بضمها وقرىء أيضا بضم حرف ~~المضارعة من " أسفك ". # وقرىء أيضا مشددا للتكثير. و " السفك ": هو الصب، ولا يستعمل ~~إلا في الدم. # وقال ابن فارس والجوهري: " يستعمل أيضا في الدمع ". # وقال " المهدوي ": ولا يستعمل السفك إلا في الدم، وقد يستعمل في ~~نثر الكلام، يقال: سفك الكلام، أي: نثره. # و " السفاك ": السفاح، وهو القادر على الكلام. # و " الدماء " جمع " دم " ولا يكون اسم معرب على حرفين، فلا بد ~~له من ثالث محذوف هو لامه، ويجوز أن تكون " واوا " وأن تكون " ياء "؛ ~~لقولهم في التثنية " دموان " و " دميان "؛ قال الشاعر: [الوافر] # 359- فلو أنا على حجر ذبحنا # جرى الدميان بالخبر اليقين # وهل وزن دم: " فعل " بسكون العين، أو " فعل " بفتحها؟ قولان؛ وقد ~~يرد محذوفه، فيستعمل مقصورا ك " عصا "؛ وعليه قول الشاعر: # 360- كأطوم فقدت برغزها # أعقبتها الغبس منه عدما # غفلت ثم أتت ترقبه # فإذا هي بعظام ودما # " الأطوم ": الناقة، " وبرغزها ": ولدها، و " الغبس ": الضباع. # وقد تشدد ميمه؛ قال الشاعر: [البسيط] # 461- أهان دمك فرغا بعد عزته # يا عمرو بغيك إصرارا على الحسد # وأصل الدماء: " الدماو " أو " الدماي " فقلب حرف العلة همزة ~~لوقوعه طرفا بعد ألف زائدة، نحو: " كساء " و " رداء ". # فإن قيل: الملائكة لا يعملون إلا بما علموا، ولا يسبقونه بالقول، فكيف ~~قالوا: { أتجعل فيها من يفسد فيها }. # فالجواب: اختلف العلماء فيه، فمنهم من قال: إنهم ذكروا ذلك عن ظن ~~قياسا على حال الجن الذين كانوا في الأرض قبل آدم عليه الصلاة ~~والسلام، قاله ابن عباس، والكلبي وأحمد بن يحيى. # الثاني: ms0245 أنهم عرفوا خلقة آدم، وعرفوا أنه مركب من الأخلاط الأربعة ~~فلا بد وأن يتولد منه المشهور بالغضب، فيتولد الفساد من الشهوة، ~~وسفك الدماء من الغضب. # ومنهم من قال: إنهم قالوا ذلك على يقين، وهو مروي عن " ابن مسعود " ~~وناس من الصحابة، وذكروا وجوها: # أحدها: أنه - تعالى - لما قال: { إني جاعل في الأرض خليفة ~~} قالوا: ربنا وما يكون ذلك الخليفة. # قال: يكون له ذرية يفسدون في الأرض، ويتحاسدون، ويقتل بعضهم بعضا، فعند ~~ذلك قالوا: { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك ~~الدمآء }؟ # إما على طريق التعجب من استخلاف الله من يعصيه، أو من عصيان الله من ~~يستخلفه في أرضه، وينعم عليه بذلك، وإما على طريق الاستعظام والاستكبار ~~للفعلين جميعا الاستخلاف والعصيان. # وثانيها: أنه - تعالى - كان قد أعلم الملائكة أنه إذا كان في الأرض خلق ~~عظيم أفسدوا فيها، وسفكوا الدماء. # وثالثها: قال ابن زيد: لما خلق الله النار خافت الملائكة خوفا ~~شديدا، فقالوا: ربنا لمن خلقت هذه النار؟ قال: لمن عصاني من خلقي، ~~ولم يكن لله يومئذ خلق سوى الملائكة، ولم يكن في الأرض خلق ألبتة، ~~فلما قال: { إني جاعل في الأرض خليفة } عرفوا أن المعصية تظهر منهم. # ورابعها: لما كتب القلم في اللوح [المحفوظ] ما هو كائن إلى يوم القيامة، ~~فلعلهم طالعوا اللوح، فعرفوا ذلك. # وخامسها: إذا كان معنى الخليفة من يكون نائبا لله في الحكم والقضاء، ~~والاحتياج إلى الحاكم والقاضي إنما يكون عند التنازع، والتظالم، فكان ~~الإخبار عن وجود الخليفة إخبارا عن وقوع الفساد والشر بطريق ~~الالتزام. # وسادسها: قال قتادة: كان الله أعلمهم أنه إذا جعل في الأرض خليفة يفعل ~~كذا وكذا، قالوا: أتجعل فيها الذي علمناه أم غيره. # قوله: { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } الواو: للحال، ~~و " نحن نسبح ": جملة من مبتدأ وخبر في محل النصب على الحال. # و " بحمدك ": متعلق بمحذوف؛ لأنه حال أيضا، و " الباء " فيه للمصاحبة ~~أي: نسبح ملتبسين بحمدك، نحو: جاء زيد بثيابه. فهما حالان ~~متداخلان، أي حال في حال. # وقيل: " الباء " للسببية فتتعلق بالتسبيح، قل ms0246 " ابن عطية ": ويحتمل أن ~~يكون قولهم: " بحمدك " اعتراضا بين الكلامين، كأنهم قلوا: ونحن نسبح ~~ونقدس، ثم اعترضا على جهة التسليم، أي: وأنت المحمود في الهداية إلى ~~ذلك وكأنه يحاول أنه تكون " الباء " للسببية، ولكن يكون ما تعلقت به " ~~الباء " فعلا محذوفا لائقا بالمعنى تقديره: حصل لنا التسبيح والتقديس ~~بسبب حمدك. # و " الحمد " هنا: مصدر مضاف لمفعوله، وفاعله محذوف تقديره بحمدنا ~~إياك، وزعم بعضهم أن الفاعل مضمر فيه، وهو غلط؛ لأن المصدر اسم جامد ~~لا يضمر فيه على أنه قد حكي الخلاف في المصدر الواقع موقع الفعل، ~~نحو: " ضربا زيدا " هل يتحمل ضميرا أو لا وقد تقدم. # و " نقدس " عطف على " نسبح " فهو خبر أيضا عن " نحن " ، ~~ومفعوله محذوف أي: نقدس أنفسنا وأفعالنا لك. # و " لك " متعلق به، أو ب " نسبح " ومعناها العلة. # وقيل: زائدة، فإن ما قبلها متعد بنفسه، وهو ضعيف، إذ لا تزاد " ~~اللام " إلا مع تقديم المعمول، أو يكون العامل فرعا. # وقيل: هي معدية: نحو: " سجدت لله ". # وقيل: للبيان كهي في قولك: " سقيا لك " فعلى هذا تتعلق بمحذوف، ~~ويكون خبر مبتدأ مضمر أي: تقديسا لك. # وهذا التقدير أحسن من تقدير قولهم: أعني؛ لأنه أليق بالموضع. وأبعد من ~~زعم أن جملة " ونحن نسبح " داخلة في حيز استفهام مقدر تقديره: وأنحن نسبح ~~أم نتغير؟ واستحسنه ابن عطية مع القول بالاستفهام المحض في قولهم: " ~~أتجعل " وهذا يأباه الجمهور، أعني: حذف همزة الاستفهام من غير ذكر " أم " ~~المعادلة وهو رأي " الأخفش " وجعل من ذلك قوله تعالى: # وتلك نعمة تمنها علي # [الشعراء: 22] أي: وأتلك نعمة. # وقول الآخر: [الطويل] # 362- طربت وما شوقا إلى البيض أطرب # ولا لعبا مني وذو الشيب يلعب # أي: وأذو الشيب؟ # وقول الآخر: [المنسرح] # 363- أفرح أن أزرأ الكرام وأن # أورث ذودا شصائصا نبلا # أي: أأفرح؟. # فأما مع " أم " جائز لدلالتها عليه؛ كقوله: [الطويل] # 364- لعمرك ما أدري وإن كنت داريا # بسبع رمين الجمر أم بثمان # أي: أبسبع؟ # و " التسبيح ": التنزيه والبراءة، وأصله من السبح وهو البعد، ومنه ~~السابح في الماء، فمعنى " سبحان ms0247 الله " أي: تنزيها له وبراءة عما لا ~~يليق بجلاله ومنه: [السريع] # 365- أقول لما جاءني فخره # سبحان من علقمة الفاخر # أي: تنزيها، وهو مختص بالباري تعالى. # قال " الراغب " في قوله: سبحان من علقمة الفاخر إن أصله: سبحان ~~علقمة، على سبيل التهكم فزاد فيه " من ". # وقيل: تقديره: سبحان الله من أجل علقمة، فظاهر قوله أنه يجوز أن ~~يقال لغير الباري على سبيل التهكم، وفيه نظر. # و " التقديس ": التطهير، ومنه الأرض المقدسة، وبيت المقدس، ~~وروح القدس؛ وقال الشاعر: [الطويل] # 366- فأدركنه يأخذن بالساق والنسا # كما شبرق الولدان ثوب المقدس # أي: المطهر لهم. # وقال: " الزمخشري ": هو من قدس في الأرض: إذا ذهب فيها وأبعد، فمعناه ~~قريب من معنى " نسبح ". # ثم اختلفوا على وجوه: # أحدها: نطهرك أي: نصفك بما يليق بك من العلو والعزة. # وثانيها: قول مجاهد: نطهر أنفسنا من ذنوبنا ابتغاء لمرضاتك. # وثالثها: قول أبي مسلم: نطهر أفعالنا من ذنوبنا حتى تكون خالصة لك. # ورابعها: نطهر قلوبنا عن الالتفات إلى غيرك حتى تصير مستغرقة في أنوار ~~معرفتك. # قالت المعتزلة: هذه الآية تدل على مذهبنا من وجوه: # أحدها: قولهم: { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } ~~أضافوا هذه الأفعال إلى أنفسهم، فلو كانت أفعالا لله - تعالى - لما حسن ~~التمدح بذلك، ولا فضل لذلك على سفك الدماء؛ إذ كل ذلك من فعل الله ~~تعالى. # وثانيها: إذا كان لا فاحشة، ولا ظلم، ولا وجود إلا بصنعه وخلقه ~~ومشيئته، فكيف يصح التنزيه والتقديس؟ # وثالثها: أن قوله: { أعلم ما لا تعلمون } يدل على مذهب ~~العدل، لأنه لو كان خالقا للكفر لكان خلقهم لذلك الكفر، فكان ينبغي ~~أن يكون الجواب نعم خلقهم ليفسدوا وليقتلوا، فلما لم يرض بهذا الجواب ~~سقط هذا المذهب. # ورابعها: لو كان الفساد والقتل من فعل الله - تعالى - لكان ذلك ~~جاريا مجرى أجسامهم، وألوانهم، وكما لا يصح التعجب من هذه الأشياء، ~~فكذا من الفساد والقتل. # والجواب: المعارضة بمسألة الداعي والعلم، والله أعلم. # قوله: { إني أعلم ما لا تعلمون }. # أصل " إني ": فاجتمع ثلاثة أمثال، فحذفنا أحدها، وهل هو " نون " ~~الوقاية، أو ms0248 " النون " الوسطى؟ # قولان: الصحيح الثاني، وهذا شبيه بما تقدم في # إنا معكم # [البقرة: 14] وبابه، والجملة في محل نصب بالقول. # و " أعلم " يجوز فيه أن يكون فعلا مضارعا، وهو الظاهر، و " ما " مفعول ~~به، وهي: إما نكرة موصوفة أو موصولة، وعلى كل تقدير، فالعائد محذوف ~~لاستكماله الشروط: أي: تعلمونه. # وقال " المهدي، ومكي " وتبعهما " أبو البقاء ": إن " أعلم " اسم بمعنى ~~" عالم "؛ كقوله: [الطويل] # 367- لعمرك ما أدري وإني لأوجل # على أينا تعدو المنية أول # ف " ما " يجوز فيها أن تكون في محل جر بالإضافة، أو نصب ب " أعلم " ، ~~ولم ينون " أعلم " لعدم انصرافه بإجماع النحاة. # واختلفوا في أفعل إذا سمي به وكان نكرة، فسيبويه والخليل لا يصرفانه، ~~والأخفش يصرفه نحو: " هؤلاء حواج بيت الله ". # وهذا مبني على أصلين ضعيفين: # أحدهما: جعل " أفعل " بمعنى " فاعل " من غير تفضيل. # والثاني: أن " أفعل " إذا كانت بمعنى اسم الفاعل عملت عمله، والجمهور لا ~~يثبتونها. # وقيل: " أعلم " على بابها من كونها للتفضيل، والمفضل عليه محذوف، أي: ~~أعلم منكم، و " ما " منصوبة بفعل محذوف دل عليه " أفعل " أي: علمت ما لا ~~تعلمون، ولا جائز أن ينصب ب " أفعل " التفضيل؛ لأنه أضعف من الصفة ~~المشبهة التي هي أضعف من اسم الفاعل الذي هو أضعف من الفعل في العمل، ~~وهذا يكون نظير ما أولوه من قول الشاعر: [الطويل] # 368- فلم أر مثل الحي حيا مصبحا # ولا مثلنا يوم التقينا فوارسا # أكر وأحمى للحقيقة منهم # وأضرب منا بالسيوف القوانسا # ف " القوانس " منصوب بفعل مقدر أي: ب " ضرب " لا ب " أضرب " ، وفي ~~ادعاء مثل ذلك في الآية الكريمة بعد الحذف يتبين المفضل عليه، والناصب ~~ل " ما ". # فصل في بيان علام الجواب في الآية # اختلف علماء التأويل في هذا الجواب وهو قوله: { إني أعلم ما ~~لا تعلمون } فقيل: إنه جواب لتعجبهم، كأنه قال: لا تتعجبوا من أن ~~فيهم من يفسد، ويقتل، فإني أعلم مع هذا أن فيهم صالحين، ومتقين، وأنتم ~~لا تعلمون. # وقيل: إنه جواب لغمهم كأنه قال: لا تغتموا بسبب وجود المفسدين، فإني ~~أعلم ms0249 أيضا أن فيهم جمعا من المتقين، ومن لو أقسم على لأبره. وقيل: ~~إنه طلب الحكمة كأنه قال: إن مصلحتكم أن تعرفوا وجه الحكمة فيه على ~~الإجمال دون التفصيل. بل ربما كان ذلك التفصيل مفسدة لكم. # وقال " ابن عباس ": كان " إبليس " - لعنه الله - قد أعجب ودخله الكبر ~~لما جعله خازن السماء، وشرفه، فاعتقد أن ذلك لمزية له، فاستحب الكفر ~~والمعصية في جانب آدم - عليه الصلاة والسلام - وقالت الملائكة: { ونحن ~~نسبح بحمدك ونقدس لك } ، وهي لا تعلم أن في نفس إبليس خلاف ذلك، فقال ~~الله لهم: { إني أعلم ما لا تعلمون } ، وقيل: المعنى عام، أي: أعلم ~~ما لا تعلمون مما كان، وما يكون، وما هو كائن. ### || [2.31] # اعلم أن الملائكة لما سألوا عن وجه الحكمة، فأجابهم على سبيل الإجمال ~~بقوله: # إني أعلم ما لا تعلمون # [البقرة:30]. # أراد الله تعالى أن يزيدهم بيانا، وأن يفصل لهم ذاك المجمل، فبين ~~تعالى لهم من فضل آدم - عليه الصلاة والسلام - ما لم يكن معلوما لهم، ~~وذلك بأن علم آدم الأسماء كلها، ثم عرضهم عليهم ليظهر بذلك كمال ~~فضله، وقصورهم عنه في العلم، فيتأكد ذلك الجواب الإجمالي بهذا ~~الجواب التفصيلي. # فصل في إعراب الآية # قوله: { وعلم آدم الأسمآء } هذه الجملة يجوز ألا يكون لها ~~محل من الإعراب، لاستئنافها، وأن يكون محلها الجر، لعطفها على " قال ~~ربك ". # و " علم " متعدية إلى اثنين، وكانت قبل التضعيف متعدية لواحد؛ لأنها ~~عرفانية، فتعدت بالتضعيف لآخر، وفرقوا بين " علم " العرفانية ~~واليقينية في التعدية، فإذا أرادوا أن يعدوا اليقينية عدوها بالهمزة ~~ذكر ذلك " أبو علي الشلوبين ". # وفاعل " علم " يعود على الباري تعالى، و " آدم " مفعوله. # وآدم - عليه الصلاة والسلام - كنيته أبو البشر، وقيل: أبو محمد ذكره ~~السهيلي، وقيل: كنيته في الأرض أبو البشر، وكنيته في الجنة أبو محمد. # وأصله بهمزتين، لأنه " أفعل " إلا أنهم لينوا الثانية، فإذا احتجت ~~إلى تحريكها جعلتها " واوا " فقلت: " أوادم " في الجمع؛ لأنه ليس لها ~~أصل في الياء معروف، فجعلت الغالب عليها الواو، عن " الأخفش ". # وفي " آدم " ستة أقوال: ms0250 أرجحها أنه اسم أعجمي لا اشتقاق فيه، ووزنه " ~~فاعل " كنظائره نحو: " آزر " و " شالخ " ، وإنما منع من الصرف ~~للعلمية والعجمة الشخصية. # والثاني: أنه مشتق من " الأدمة " ، وهي حمرة تميل إلى ~~السواد، واختلفوا في الأدمة، فزعم " الضحاك " أنها السمرة، ~~وزعم " النضر " أنها البياض، وأن آدم - عليه الصلاة والسلام - كان ~~أبيض، مأخوذ من قولهم: ناقة أدماء، إذا كانت بيضاء، وعلى هذا الاشتقاق ~~جمعه " أدم " و " أوادم " ك " حمر " و " أحامر " ، ولا ~~ينصرف بوجه. # الثالث: أنه مشتق من أديم الأرض، وهو وجهها. ومنع من الصرف على ~~هذين القولين للوزن والعلمية. # الرابع: أنه مشتق من أديم أيضا على هذا الوزن أعني وزن فاعل، وهذا ~~خطأ، لأنه كان يبنغي أن ينصرف، لأن كونه مشتق من الأدمة، وهو أديم ~~الأرض جمعه " آدمون " فيلزم قائلو هذه المقالة صرفه. # الخامس: أنه عبري من الإدام، وهو التراب. # السادس: قال " الطبري ": إنه في الأصل فعل رباعي مثل: " أكرم " ، وسمي ~~به لغرض إظهار الشيء حتى تعرف جهته. # والحاصل أن ادعاء الاشتقاق فيه بعيد؛ لأن الأسماء الأعجمية لا ~~يدخلها اشتقاق ولا تصريف. # و " آدم " وإن كان مفعولا لفظا فهو فاعل معنى، و " الأسماء " مفعول ~~ثان، والمسألة من باب " أعطى وكسا " ، وله أحكام تأتي إن شاء الله ~~تعالى. # وقرىء: " علم " مبنيا للمفعول و " آدم " رفع لقيامه مقام الفاعل. ~~و " كلها " تأكيد للأسماء تابع أبدا، وقد يلي العوامل كما تقدم. # وقوله: { الأسماء كلها } الظاهر أنه لا يحتاج إلى ادعاء حذف؛ ~~لأن المعنى: وعلم آدم الأسماء، ولم يبين لنا أسماء مخصوصة، بل دل قوله: ~~" كلها " على الشمول، والحكمة حاصلة بتعلم الأسماء، وإن لم يعلم ~~مسمياتها، أو يكون أطلق الأسماء، وأراد المسميات، فعلى هذين الوجهين ~~لا حذف. # وقيل: لا بد من حذف، واختلفوا فيه، فقيل: تقديره: أسماء المسميات، ~~فحذف المضاف إليه للعلم. # قال الزمخشري: وعوض منه " اللام " ، كقوله تعالى: # واشتعل الرأس شيبا # [مريم: 4] ورجح هذا القول بقوله: { أنبئوني بأسمآء ~~هؤلاء } ، { فلما أنبأهم بأسمائهم } ولم يقل: " ~~أنبئوني بهؤلاء " ، " فلما أنبأهم بهم " ولكن في ~~قوله " وعوض منه اللام ms0251 " نظر؛ لأن الألف واللام لا تقوم مقام الإضافة ~~عند البصريين. وقيل: تقديره: مسميات الأسماء، فحذف المضاف، وأقيم ~~المضاف إليه مقامه، ورجح هذا القول بقوله: " ثم عرضهم " لأن ~~الأسماء لا تجمع كذلك، فدل عوده على المسميات، ونحو هذه الآية قوله ~~تعالى: # أو كظلمات في بحر لجي يغشاه # [النور: 40]. # تقديره: أو كذي ظلمات، فالهاء في " يغشاه " على " ذي " المحذوف. # فصل في المراد بالأسماء في الآية # اختلف أهل التأويل في معنى الأسماء التي علمها لآدم - عليه الصلاة ~~والسلام - فقال ابن عباس، وعكرمه، وقتادة، ومجاهد، وابن جبير: علمه أسماء ~~جميع الأشياء كلها جليلها وحقيرها. # وروى عاصم بن كليب عن سعد مولى الحسن بن علي قال: " كنت جالسا عند ~~ابن عباس، فذكروا اسم الآنية واسم السوط، قال ابن عباس: ~~وعلم آدم الأسماء كلها ". # وروي عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: " علمه أسماء كل شيء حتى ~~القصعة والقصيعة وحتى الجفنة والمحلب " وعن قتادة قال: علم آدم من ~~الأسماء أسماء خلقه ما لم تعلم الملائكة، وسمى كل شيء باسمه، وأنحى ~~منفعة كل شيء إلى جنسه. # قال النحاس: " وهذا أحسن ما روي ". # وقال الطبري " علمه أسماء الملائكة وذريته " واختار هذا، ورجحه بقوله: ~~" ثم عرضهم ". # وقال القتيبي " أسماء ما خلق في الأرض ". # وقيل: أسماء الأجناس والأنواع. # وقال الربيع بن أنس: " أسماء الملائكة ". # وقيل: أسماء ذريته. # وقيل: أسماء ما كان وما يكون إلى يوم القيامة. # وقيل: صنعة كل شيء. # وقال أصحاب التأويل: إن الله - عز وجل - علم آدم جميع اللغات، ثم ~~تكلم كل واحد من أولاده بلغة فتفرقوا في البلاد، واختص كل فرقة منهم ~~بلغة. # فصل في بيان أن اللغات توقيفية أو اصطلاحية؟ # قال " الأشعري " و " الجبائي " و " الكعبي ": اللغات كلها توفيقية، ~~بمعنى أن الله تعالى خلق علما ضروريا بتلك الألفاظ، وتلك المعاني، وبأن ~~تلك الألفاظ موضوعة لتلك المعاني: لقوله تعالى: { وعلم آدم ~~الأسمآء كلها }. # وقال " أبو هاشم ": إنه لا بد من تقدم لغة اصطلاحية، وأن الوضع لا بد ~~وأن يكون مسبوقا على الاصطلاح، واحتج بأمور: # أحدها: أنه لو حصل العلم ms0252 الضروري بأنه - تعالى - وضع ذلك اللفظ لذلك ~~المعنى لصارت صفة الله معلومة بالضرورة، مع أن ذاته معلومة ~~بالاستدلال، وذلك محال، ولا جائز أن يحصل لغير العاقل، لأنه يبعد في ~~العقول أن يحصل العلم بهذه اللغات مع ما فيها من الحكم العجيبة لغير ~~العاقل، فالقول بالتوقيف فاسد. # وثانيها: أنه - تعالى - خاطب الملائكة، وذلك يوجب تقدم لغة على ذلك ~~التكلم. # وثالثها: أن قوله: { وعلم آدم الأسمآء كلها } يقتضي ~~إضافة التعليم إلى الأسماء، وذلك يقتضي في تلك الأسماء أنها كانت أسماء ~~قبل ذلك التعليم، وإذا كان كذلك كانت اللغات حاصلة قبل ذلك التعليم. # ورابعها: أن آدم - عليه الصلاة والسلام - لما تحدى الملائكة بعلم ~~الأسماء، فلا بد وأن تعلم الملائكة كونه صادقا في تعيين تلك الأسماء ~~لتلك المسميات على ذلك التعليم. # فصل في بيان هل كان آدم نبيا قبل المعصية؟ # قالت المعتزلة: إن علم آدم الأسماء معجزة دالة على نبوته - عليه ~~الصلاة والسلام - والأقرب أنه كان مبعوثا إلى حواء، ولا يبعد أيضا أن ~~يكون إلى من توجه التحدي إليهم من الملائكة؛ لأن جميعهم وإن كانوا رسلا ~~فقد يجوز الإرسال إلى الرسول، كبعثة إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - ~~إلى لوط - عليه الصلاة والسلام - واحتجوا بأن حصول ذلك العلم له ناقص ~~للعادة، فوجب أن يكون معجزا، وإذا ثبت كونه معجزا ثبت كونه رسولا في ~~ذلك الوقت. # ولقائل أن يقول: لا نسلم أن ذلك العلم ناقص للعادة؛ لأن حصول العلم ~~باللغة لمن علمه الله، وعدم حصوله لمن لم يعلمه ليس بناقص للعادة. # وأيضا فإما أن يقال: الملائكة علموا كون تلك الأسماء موضوعة لتلك ~~المسميات، فحينئذ تحصل المعارضة، ولا تظهر المزية، وإن لم يعلموا ذلك، ~~فكيف عرفوا أن آدم أصاب فيما ذكر من كون كل واحد من تلك الألفاظ اسما ~~لكل واحد من تلك المعاني؟ واعلم أنه يمكن دفع هذا السؤال من وجهين: # الأول: ربما كان لكل صنف من أصناف الملائكة لغة من هذه اللغات، وكان ~~كل صنف جاهلا بلغة الصنف الآخر، ثم إن جميع أصناف الملائكة حضروا وإن ms0253 ~~آدم - عليه الصلاة والسلام - لما عد عليهم جميع تلك اللغات بأسرها ~~عرف كل صنف إصابته في تلك اللغة خاصة، فعرفوا بهذه الطريق صدقة إلا ~~أنهم بأسرهم عجزوا عن معرفة تلك اللغات بأسرها، فكان ذلك معجزا. # الثاني: لا يمتنع أن يقال: إنه - تعالى - عرفهم قبل ذلك أنهم إذا ~~سمعوا من آدم - عليه الصلاة والسلام - أظهر فعلا خارقا للعادة، ~~فلم لا يجوز أن يكون ذلك من باب الكرامات أو من باب الإرهاص؟ وهما ~~عندنا جائزان. # واحتج من قطع بأنه - عليه الصلاة والسلام - ما كان نبيا في ذلك ~~الوقت بوجوه: # أحدها: أنه لو كان نبيا في ذلك الزمان لكان قد صدرت منه المعصية بعد ~~النبوة، وذلك غير جائز. # وثانيها: لو كان رسولا في ذلك الوقت لكان إما أن يكون مبعوثا إلى أحد، ~~أو لا يكون مبعوثا إلى أحد، وإما أن يكون مبعوثا إلى الملائكة والإنس ~~والجن، والأول باطل، لأن الملائكة عند المعتزلة أفضل من البشر، ولا ~~يجوز جعل الأدون رسولا إلى الأشرف؛ لأن الرسول متبوع، والأمة تبع، وجعل ~~الأدون متبوع الأشرف خلاف الأصل، وأيضا فالمرء إلى قبول القول ممن هو من ~~جنسه أمكن، ولهذا قال الله تعالى: # ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا # [الأنعام: 9] ولا جائز أن يكون مبعوثا إلى البشر، لأنه ما كان هناك أحد ~~من البشر إلا حواء، وحواء ما عرفت التكليف إلا بواسطة آدم لقوله تعالى: # ولا تقربا هذه الشجرة # [البقرة: 35] شافههما بهذا التكليف، وما جعل آدم واسطة، ولا جائز أن ~~يكون مبعوثا إلى الجن؛ لأنه ما كان في السماء أحد من الجن، ولا جائز ~~أيضا أن يكون مبعوثا إلى أحد، لأن المقصود من جعله رسولا التبليغ، ~~فحيث لا مبلغ لم يكن في جعله رسولا فائدة. # وثالثها: قوله تعالى: # ثم اجتباه ربه # [طه: 122] دليل على أنه إنما اجتباه ربه بعد الزلة، فوجب أن يكون قبل ~~الزلة غير مجتبي، وإذا لم يكن ذلك الوقت مجتبي وجب ألا يكون رسولا؛ ~~لأن الاجتباء والرسالة متلازمان، لأن الاجتباء لا معنى له إلا ~~التخصيص بأنواع التشريفات، ms0254 وكل من جعله الله رسولا، فقد خصه بذلك لقوله ~~تعالى: # الله أعلم حيث يجعل رسالته # [الأنعام: 124]. # قوله: { ثم عرضهم على الملائكة }. # " ثم ": حرف للتراخي كما تقدم، والضمير في " عرضهم " ~~للمسميات المقدرة، أو لإطلاق الأسماء وإرادة المسميات، كما تقدم. # وقيل: يعود على الأسماء. ونقل عن ابن عباس، ويؤيده قراءة أبي " ~~عرضها " ، وقراءة ابن مسعود: " عرضهن " إلا أن في هذا القول ~~جعل ضمير غير العقلاء كضمير العقلاء أو نقول: إنما قال ابن عباس ذلك بناء ~~منه أنه أطلق الأسماء، وأراد المسميات كما تقدم وهو واضح. # و " على الملائكة " متعلق ب " عرضهم ". # قال ابن مسعود وغيره: عرض الأشخاص، لقوله تعالى: " عرضهم " وقوله: ~~{ أنبئوني بأسمآء هؤلاء }. # وفي الحديث: " إنه عرضهم أمثال الذر ". # وقال ابن عباس وغيره: عرض الأسماء. # فصل في بيان أول من تكلم بالعربية # اختلف في أول من تكلم بالعربية. # روى كعب الأحبار: أن أول من وضع الكتاب العربي والسرياني والكتب كلها، ~~وتكلم بالألسنة كلها آدم عليه الصلاة والسلام. فإن قيل: روى ثور بن يزيد ~~عن خالد بن معدان عن كعب قال: أول من تكلم بالعربية جبريل - عليه ~~الصلاة والسلام - وهو الذي ألقاها على لسان نوح عليه الصلاة ~~والسلام، وألقاها نوح على لسان ابنه سام. # وقد روي أيضا: أن أول من تكلم بالعربية يعرب بن قحطان، وروي غير ~~ذلك، والجواب الصحيح أن أول من تكلم بالغات كلها من البشر آدم عليه ~~الصلاة والسلام - والقرآن يشهد له. الآية. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " وعلم آدم الأسماء كلها حتى القصعة والقصيعة " # وما ذكروه يحتمل أن يكون المراد به أول من تكلم بالعربية من ولد ~~إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - إسماعيل عليه الصلاة والسلام، وكذلك ~~إن صح ما سواه فإنه يكون محمولا على أن المذكور أول من تكلم من ~~قبيلته بالعربية. # وكذلك جبريل أول من تكلم بها من الملائكة، وألقاها على لسان نوح بعد أن ~~علمها الله آدم أو جبريل، على ما تقدم. # قوله: { أنبئوني بأسمآء هؤلاء }. # " الإنباء " الإخبار، وأصل أنبأ أن يتعدى لاثنين ثانيهما بحرف الجر ms0255 ~~كهذه الآية، وقد يحذف حرف الجر، قال تعالى: # من أنبأك هذا # [التحريم: 3] أي: بهذا، وقد يتضمن معنى أعلم اليقينية، فيتعدى تعديتها ~~إلى ثلاثة مفاعيل، ومثل أنبأ: نبأ وأخبر، وخبر وحدث. # و " هؤلاء " في محل خفض بالإضافة، وهو اسم إشارة، ورتبته دنيا، ~~ويمد ويقصر؛ كقوله: [الخفيف] # 369- هؤلى ثم هؤلى كلا اعطي # ت نعالا محذوة بمثال # والمشهور بناؤه على الكسر، وقد يضم، وقد ينون مكسورا، وقد تبدل ~~همزته هاء، فيقال: هؤلاه، وقد يقال: هولاء؛ كقوله: [الوافر] # 370- تجلد لا يقل هولاء: هذا # بكى لما بكى أسفا عليكا # ولامه عند الفارسي همزة فتكون فاؤه ولامه من مادة واحدة، وعند المبرد ~~أصلها ياء، وإنما قلبت همزة لتطرفها بعد الألف الزائدة. # قوله: { إن كنتم صادقين } تقدم نظيره وجوابه محذوف أي: إن ~~كنتم صادقين، فأنبئوني. والكوفيون والمبرد يرون أن الجواب هو المتقدم، ~~وهو مردود بقولهم: " أنت ظالم إن فعلت " لأنه لو كان جوابا لوجبت الفاء ~~معه كما تجب معه متأخرا. # وقال ابن عطية: إن كون الجواب محذوفا هو رأي المبرد، وكونه متقدما ~~هو رأي سيبويه، وهو وهم؛ لأن المنقول عن المبرد أن التقدير: إن كنتم ~~صادقين أن بني آدم يفسدون في الأرض فأنبئوني. وهذه الآية دالة على فضيلة ~~العلم. ### || [2.32-33] # " سبحان ": اسم مصدر، وهو التسبيح، وقيل: بل هو مصدر؛ لأنه سمع له فعل ~~ثلاثي، وهو من الأسماء اللازمة للإضافة، وقد يفرد، وإذا أفرد، منع ~~الصرف للتعريف، وزيادة الألف والنون؛ كقوله: [السريع] # 371- أقول لما جاءني فخره # سبحان............................ # وقد جاء منونا كقوله: [البسيط] # 372- سبحانه ثم سبحانا نعوذ به # وقبلنا سبح الجودي والجمد # فقيل: صرف ضرورة. # وقيل: هو بمنزلة " قبل " و " بعد " إن نوي تعريفه بقي على حاله، وإن ~~نكر أعرب منصرفا، وهذا البيت يساعد على كونه مصدرا لا اسم مصدر، لوروده ~~منصرفا. # ولقائل القول الأول أن يجيب عنه بأن هذا نكرة لا معرفة، وهو من الأسماء ~~اللازمة النصب على المصدرية، فلا ينصرف والناصب له فعل مقدر لا يجوز ~~إظهاره، وقد روي عن الكسائي أنه جعله منادى تقديره: يا سبحانك ms0256 ~~ومنعه جمهور النحويين وإضافته - هنا - إلى المفعول؛ لأن المعنى: نسبحك ~~نحن. # وقيل: بل إضافته للفاعل، والمعنى تنزهت وتباعدت من السوء. # وسبحانك العامل فيه في محل نصب بالقول. # قوله: { لا علم لنا إلا ما علمتنا } كقوله: # لا ريب فيه # [البقرة:2] و " إلا " حرف استثناء، و " ما " موصولة، و " علمتنا " ~~صلتها، وعائدها محذوف، على أن يكون " علم " بمعنى " معلوم " ، ويجوز أن ~~تكون مصدرية، وهي في محل نصب على الاستثناء، ولا يجوز أن تكون منصوبة ~~بالعلم الذي هو اسم " لا "؛ لأنه إذا عمل كان معربا. # وقيل: في محل رفع على البدل من اسم " لا " على الموضع. # وقال ابن عطية: هو بدل من خبر التبرئة كقولهم: " لا إله إلا الله " ، ~~وفيه نظر؛ لأن الاستثناء إنما هو من المحكوم عليه بقيد الحكم لا من ~~المحكوم به. # ونقل هو عن " الزهراوي " أن " ما " منصوبة ب " علمتنا " بعدها، وهذا ~~غير معقول؛ لأنه كيف ينتصب الموصول بصلته وتعمل فيه؟ # قال أبو حيان: إلا أن يتكلف له وجه بعيد، وهو أن يكون استثناء منقطعا ~~بمعنى لكن، وتكون " ما " شرطية، و " علمتنا " ناصب لها، وهو في محل جزم ~~بها، والجواب محذوف، والتقدير: " لكن ما علمتنا علمناه ". # قوله: { إنك أنت العليم الحكيم }. # فصل # الضمير يحتمل ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون تأكيدا لاسم " إن " فيكون منصوب المحل، وأن يكون ~~مبتدأ، وخبره ما بعده، والجملة خبر " إن " ، وأن يكون فصلا، وفيه ~~الخلاف المشهور. # وهل له محل من الإعراب أم لا؟ # وإذا قيل: إن له محلا، فهل بإعراب ما قبله كما قال الفراء، فيكون في ~~محل نصب، أو بإعراب ما بعده فيكون في محل رفع كقول الكسائي؟ # قوله: " الحكيم " خبر ثان أو صفة " العليم " ، وهما " فعيل " بمعنى " ~~فاعل " وفيهما من المبالغة ما ليس فيه. # و " الحكيم " لغة: الإتقان، والمنع من الخروج عن الإرادة، ومنه حكمة ~~الدابة؛ وقال جرير ": [الكامل] # 373- أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم # إني أخاف عليكم أن أغضبا # وقدم " العليم " على " الحكيم "؛ لأنه هو المتصل به في قوله: " وعلم " ~~، وقوله: " لا علم لنا " فناسب ms0257 اتصاله به؛ ولأن الحكمة ناشئة عن ~~العلم وأثر له، وكثيرا ما تقدم صفة العلم عليها. # والحكيم صفة ذات إن فسر بذي الحكمة، وصفة فعل إن فسر بأنه المحكم ~~لصنعته فكأن الملائكة قالت: أنت العالم بكل المعلومات، فأمكنك تعليم آدم، ~~وأنت الحكيم في هذا الفعل المصيب فيه. # وعن " ابن عباس " أن مراد الملائكة من " الحكيم " أنه هو الذي حكم بجعل ~~آدم - عليه الصلاة والسلام - خليفة في الأرض. # فصل # احتج أهل الإسلام بهذه الآية على أنه لا سبيل إلى معرفة المغيبات ~~إلا بتعليم الله - تعالى - وأنه لا يمكن التوصل إليها بعلم النجوم ~~والكهانة، ونظيره قوله تعالى: # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو # [الأنعام: 59] وقوله: # عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا # [الجن: 26]. # قوله: { يا آدم أنبئهم بأسمائهم }. # آدم: مبني على الضم؛ لأنه مفرد معرفة، وكل ما كان كذلك بني على ما كان ~~يرفع به، وهو في محل نصب لوقوعه موقع المفعول به، فإن تقديره: ادعوا ~~آدم، وبني لوقوعه موقع المضمر، والأصل: يا إياك كقولهم: " يا ~~إياك قد كفيتك " ، و " يا أنت "؛ كقوله [الرجز] # 374- يا أبجر بن أبجر يا أنتا # أنت الذي طلقت عام جعتا # قد أحسن الله وقد أسأتا # و " يا إياك " أقيس من " يا أنت "؛ لأن الموضع موضع نصب، ف " إياك ~~" أليق به، وتحرزت بالمفرد عن المضاف نحو: يا عبد الله، ومن الشبيه به، ~~وهو عبارة عما كان الثاني فيه من تمام معنى الأول نحو: " يا خيرا من ~~زيد " و " يا ثلاثة وثلاثين " ، وبالمعرفة من النكرة المقصودة؛ نحو ~~قوله: [الطويل] # 375- فيا راكبا إما عرضت فبلغن # نداماي من نجران أن لا تلاقيا # فإن هذه الأنواع الثلاثة معربة نصبا. # " أنبئهم " فعل أمر، وفاعل، ومفعول، والمشهور " أنبئهم " مهموز مضموما، ~~وقرىء بكسر الهاء. ويروى عن " ابن عامر " ، كأنه أتبع الهاء لحركة " ~~الباء " ، ولم يعتد ب " الهمزة " ، لأنها ساكنة، فهي حاجز غير ~~حصين. # وقرىء بحذف الهمزة، ورويت عن " ابن كثير " ، قال " ابن جني " هذا على ~~إبدال الهمزة ياء، كما تقول: أنبيت كأعطيت، قال: وهذا ضعيف ms0258 في اللغة؛ ~~لأنه بدل لا تخفيف، والبدل عندنا لا يجوز إلا في ضرورة الشعر. # وهذا من أبي الفتح غير مرض، لأن البدل جاء في سعة الكلام، حكى " ~~الأخفش " في " الأوسط " أنهم يقولون في أخطأت: أخطيت، وفي توضأت: ~~توضيت. # قال: وربما حركوه إلى " الواو " ، وهذا قليل قالوا: " رفوت " في " ~~رفأت " ، ولم أسمع " رفيت ". # إذا تقرر ذلك، فللنحويين في صرف العلة المبدل من الهمزة نظر في أنه هل ~~يجرى مجرى العلة الأصلي أم ينظر إلى أصله؟ ورتبوا على ذلك أحكاما، ومن ~~جملتها: هل يحذف جزما كالحرف غير المبدل أم لا نظرا إلى أصله؟ واستدل ~~بعضهم على حذفه جزما بقول زهير: [الطويل] # 376- جريء متى يظلم يعاقب بظلمه # سريعا وإلا يبد بالظلم يظلم # لأن أصله: " يبدأ " بالهمزة، فكذلك هذه الآية أبدلت الهمزة ياء، ثم ~~حذفت حملا للأمر على المجزوم. # وقرىء: " أنبيهم " بإثبات " الياء " نظرا إلى " الهمزة " وهل تضم ~~" الهاء " نظرا للأصل أم تكسر نظرا للصورة؟ # وجهان منقولان عن " حمزة " عند الوقف عليه. # و " بأسمائهم ": متعلق ب " أنبئهم " ، وهو المفعول ~~الثاني كما تقدم، وقد يتعدى ب " عن " نحو: " أنبأته عن حاله " ، ~~وأما تعديته ب " من " في قوله: # قد نبأنا الله من أخباركم # [التوبة: 94] فسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. # قوله: { فلمآ أنبأهم بأسمآئهم قال ألم أقل ~~لكم إني أعلم غيب السموات والأرض }. # والمراد من هذا الغيب أنه كان عالما بأحوال آدم قبل نطقه، وهذا يدل ~~على أنه سبحانه يعلم الأشياء قبل حدوثها، وذلك يدل على بطلان مذهب " ~~هشام بن الحكم " في أنه لا يعلم الأشياء إلا عند وقوعها، فإن قيل: ~~قوله: # الذين يؤمنون بالغيب # [البقرة: 3] يدل على أن العبد قد يعلم الغيب؛ لأن الإيمان بالشيء ~~فرع العلم به، وهذا الآية مشعرة بأن علم الغيب ليس إلا لله تعالى، وأن كل ~~من سواه فهم خالون عن علم الغيب. # والجواب: ما تقدم في قوله: # الذين يؤمنون بالغيب # [البقرة: 3]. # قوله: { قال ألم أقل لكم } " قال " جواب " فلما " ، والهمزة ~~للتقرير إذا دخلت على نفي تقرير قررته، فيصير إثباتا ms0259 كقوله: # ألم نشرح لك # [الشرح: 1] أي: قد شرحنا. # و " لم " حرف جزم، و " أقل ": مجزوم بها حذفت عينه، وهي " الواو " ~~لالتقاء الساكنين، و " لكم " متعلق به، و " اللام " للتبليغ، والجملة ~~من قوله: " إني أعلم " في محل نصب بالقول. # وقد تقدم نظائر هذا التركيب. # قوله: { وأعلم ما تبدون } كقوله { أعلم ما لا ~~تعلمون } من كون " أعلم " فعلا مضارعا، و " أفعل " بمعنى " فاعل " ~~أو " أفعل " تفضيل، وكون ما في محل نصب أو جر، وقد تقدم. # والظاهر: أن جملة قوله: " وأعلم " معطوفة على قوله: { إني أعلم ~~غيب } ، فتكون في محل نصب بالقول. # وقال " أبو البقاء ": إنه مستأنف، وليس محكيا بالقول: ثم جوز فيه ~~ذلك. # و " تبدون " وزنه: " تفعون "؛ لأن أصله: تبدوون مثل: تخرجون، فأعل ~~بحذف " الواو " بعد سكونها، و " الإبداء ": الإظهار، و " الكتم " ~~الإخفاء؛ يقال: بدا يبدو بداء؛ قال: [الطويل] # 377-......................... # بدا لك في تلك القلوص بداء # وقوله: { وما كنتم تكتمون } عطف على " ما " الأولى بحسب ما ~~تكون عليه من الإعراب. # روي عن ابن عباس، وابن مسعود، وسعيد بن جبير: أن قوله: " ما تبدون " ~~أراد به قولهم: { أتجعل فيها من يفسد فيها } وبقوله: { ~~وما كنتم تكتمون } أراد به ما أسر " إبليس " في نفسه من الكبر ~~وألا يسجد. # قال " ابن عطية ": وجاء " تكتمون " للجماعة، والكاتم واحد في هذا القول ~~على تجوز العرب واتساعها، كما يقال لقوم قد جنى منهم واحد: أنتم ~~فعلتم كذا، أي: منكم فاعله، وهذا مع قصد تعنيف، ومنه قوله: # إن الذين ينادونك من ورآء الحجرات # [الحجرات: 4] وإنما ناداه منهم عيينة. # وقيل: " الأقرع ". # وقيل: # إني أعلم ما لا تعلمون # [البقرة:30] من الأمور الغائبة، والأسرار الخفية التي يظن في الظاهر أنه ~~لا مصلحة فيها، ولكن لعلمي بالأسرار المغيبة أعلم أن المصلحة في خلقها. # وقيل إنه - تعالى - لما خلق آدم رأت الملائكة خلقا عجيبا قالوا: ليكن ~~ما شاء فلن يخلق ربنا خلقا إلا كنا أكرم عليه منه، فهذا الذي كتموا، ~~ويجوز أن يكون هذا القول سرا أسروه بينهم، فأبداه بعضهم لبعض، وأسروه ~~عن غيرهم، فكان ms0260 في هذا الفعل الواحد إبداء وكتمان. # وقالت طائفة: الإبداء والكتم المراد به العموم في معرفة أسرارهم ~~وظواهرهم أجمع، وهذه الآية تدل على فضيلة العلم. ### || [2.34] # العامل في " إذ " محذوف دل عليه قوله: " فسجدوا " تقديره: أطاعوا ~~وانقادوا، فسجدوا؛ لأن السجود ناشىء عن الانقياد. # وقيل: العامل " اذكر " مقدرا. # وقيل: زائدة وقد تقدم ضعف هذين القولين. # وقال " ابن عطية ": " وإذ قلنا " معطوف على " إذ " المتقدمة، ولا يصح ~~هذا لاختلاف الوقتين. # وقيل: " إذ " بدل من " إذ " الأولى، ولا يصح لما تقدم، ولتوسط حرف ~~العطف، وجملة " قلنا " في محل خفض بالظرف، ومنه التفات من الغيبة ~~إلى التكلم للعظمة، و " اللام " للتبليغ كنظائرها. # والمشهور جر تاء " الملائكة " بالحرف، وقرأ " أبو جعفر " بالضم ~~إتباعا لضمة " الجيم " ولم يعتد بالساكن، وغلطه الزجاج وخطأه ~~الفارسي، وشبهه بعضهم بقوله تعالى: # وقالت اخرج # [يوسف: 31] بضم تاء التأنيث، وليس بصحيح، لأن تلك حركة التقاء ~~الساكنين، وهذه حركة إعراب، فلا يتلاعب بها، والمقصود هناك يحصل بأي ~~حركة كانت. # وقال الزمخشري: لا يجوز استهلاك الحركة الإعرابية إلا في لغة ضعيفة ~~كقراءة # الحمد لله # [الفاتحة: 2] يعني بكسر الدال. # قال الشيخ " شهاب الدين ": وهذا أكثر شذوذا، وأضعف من ذاك مع ما في ذاك ~~من الضعف المتقدم؛ لأن - هناك - فاصلا، وإن كان ساكنا. # وقال " أبو البقاء ": وهي قراءة ضعيفة جدا، وأحسن ما تحمل عليه أن ~~يكون الراوي لم يضبط عن [القارىء] وذلك أن [القارىء] أشار إلى الضم ~~تنبيها على أن الهمزة المحذوفة مضمومة في الابتداء، فلم يدرك الراوي ~~هذه الإشارة، وقيل: إنه نوى الوقف على " التاء " ساكنة، ثم حركها ~~بالضم إتباعا لحركة الجيم، وهذا من إجراء الوصل مجرى الوقف. # ومثله ما روي عن امرأة رأت رجلا مع نساء، فقالت: " أفي ~~السوتنتنه " - نوت الوقف على " سوءة " ، فسكنت التاء، ثم ألقت ~~عليها حركة همزة " أنتن " فعلى هذا تكون هذه حركة الساكنين، وحينئذ ~~تكون كقوله: " قالت: أخرج " وبابه، وإنما أكثر الناس توجيه هذه ~~القراءة لجلالة قارئها أبي جعفر يزيد بن القعقاع شيخ نافع شيخ أهل " ~~المدينة " وترجمتهما مشهورة. # و " اسجدوا ms0261 " في محل نصب بالقول، و " اللام " في " لآدم " الظاهر أنها ~~متعلقة ب " اسجدوا " ، ومعناها التعليل، أي: لأجله. # وقيل: بمعنى " إلى " أي: إلى [جهته له] جعله قبلة لهم، والسجود لله. # وقيل: بمعنى مع، لأنه كان إمامهم كذا نقل. # وقيل: اللام للبيان فتتعلق بمحذوف، ولا حاجة إلى ذلك. # و " فسجدوا " الفاء للتعقيب، والتقدير: فسجدوا له، فحذف الجار للعلم به، ~~والسجود لغة: التذلل والخضوع، وغايته وضع الجبهة على الأرض، وقال ~~" ابن السكيت ": " هو الميل " ، قال: " زيد الخيل ": [الطويل] # 378- بجمع تضل البلق في حجراته # ترى الأكم فيها سجدا للحوافر # يريد: أن الحوافر تطأ الأرض، فجعل بأثر الأكم للحوافر سجودا؛ وقال ~~آخر: [المتقارب] # 379-......................... # سجود النصارى لأحبارها # وفرق بعضهم بين " سجد " ، و " أسجد " ف " سجد ": وضع جبهته، وأسجد: ~~أمال رأسه وطأطأ؛ قال الشاعر: [المتقارب] # 380- فضول أزمتها أسجدت # سجود النصارى لأحبارها # وقال آخر: [الطويل] # 381 وقلن له أسجد لليلى فأسجدا # ................................ # يعني أن البعير طأطأ رأسه لأجلها. # ودراهم الأسجاد: دراهم عليها صور كانوا يسجدون لها، قال: ~~[الكامل] # 382-......................... # وافى بها كدراهم الأسجاد # فصل في تعداد النعم العامة على بني آدم # اعلم أن هذا هو النعمة الرابعة من النعم العامة على جميع البشر، وهو ~~أنه خصص آدم بالخلافة أولا، ثم خصصه بالعلم ثانيا، ثم بلوغه في العلم ~~إلى أن صارت الملائكة عاجزين عن بلوغ درجته في العلم، ثم ذكر الآن كونه ~~مسجودا للملائكة. # فإن قيل: الأمر بالسجود حصل قبل أن يسوي الله - تعالى - خلقه آدم بدليل ~~قوله: # إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت ~~فيه من روحي فقعوا له ساجدين # [ص: 71- 72]، فظاهر هذه الآية يدل على أنه - عليه الصلاة والسلام - لما ~~صار حيا صار مسجود الملائكة؛ لأن " الفاء " في قوله: { فقعوا } ~~للتعقيب، وعلى هذا التقدير يكون تعليم الأسماء، ومناظرته مع الملائكة في ~~ذلك الوقت حصل بعد أن صار مسجود الملائكة. # فالجواب: أجمع المسلمون على أن ذلك السجود ليس سجود عبادة، ~~ثم اختلفوا على ثلاثة أقوال: # الأول: أن ذلك السجود كان لله - تعالى - وآدم - عليه الصلاة والسلام - ~~كان كالقبلة، وطعنوا ms0262 في هذا القول من وجهين: # الأول: أنه لا يقال: صليت للقبلة، بل يقال: صليت إلى القبلة، فلو كان ~~- عليه الصلاة والسلام - قبلة لقيل: اسجدوا إلى آدم. # الثاني: أن " إبليس " قال: # أرأيتك هذا الذي كرمت علي # [الإسراء: 62] أي: أن كونه مسجودا يدل على أنه أعظم حالا من الساجد، ~~ولو كان قبلة لما حصلت هذه الدرجة بدليل أن محمدا - عليه الصلاة ~~والسلام - كان يصلي إلى الكعبة، ولم تكن الكعبة أفضل من محمد عليه ~~الصلاة والسلام. # والجواب عن الأول: أنه كما يجوز أن يقال: صليت إلى القبلة، جاز ~~أن يقال: صليت للقبلة؛ قال تعالى: # أقم الصلوة لدلوك الشمس # [الإسراء: 78] والصلاة لله لا للدلوك؛ وقال حسان: [البسيسط] # 383- ما كنت أعرف أن الأمر منصرف # عن هاشم ثم منها عن أبي حسن # أليس أول من صلى لقبلتكم # وأعرف الناس بالقرآن والسنن # والجواب عن الثاني: لا نسلم أن التكرم حصل بمجرد ذلك السجود، بل ~~لعله حصل بذلك مع أمور أخر. # والقول الثاني: أن السجدة كان لآدم تعظيما له وتحية له كالسلام ~~منهم عليه، وقد كانت الأمم السالفة تفعل ذلك. # قال قتادة: قوله: # وخروا له سجدا # [يوسف: 100] كانت تحية الناس يومئذ. # الثالث: أن السجود في أصل اللغة، هو الانقياد والخضوع، ومنه ~~قوله تعالى: # والنجم والشجر يسجدان # [الرحمن: 6]. # واعلم أن القول الأول ضعيف، لأن المقصود تعظيم آدم عليه الصلاة ~~والسلام، وجعله مجرد القبلة لا يفيد تعظيم حاله. # والقول الثالث: ضعيف أيضا؛ لأن السجود في عرف الشرع عبارة عن وضع ~~الجبهة على الأرض فوجب أن يكون في أصل اللغة كذلك؛ لأن الأصل عدم ~~التغيير. # فإن قيل: السجود عبادة، والعبادة لغير الله لا تجوز. # فالجواب: لا نسلم أنه عبادة؛ لأن الفعل قد يصير بالمواضعة مفيدا ~~كالقول، كقيام أحدنا للغير يفيد من الإعظام ما يفيده القول، وما ذاك ~~إلا للعادة، وإذا ثبت ذلك لم يمتنع أن يكون في بعض الأوقات سقوط الإنسان ~~على الأرض وإلصاقه الجبين بها مفيدا ضربا من التعظيم، وإن لم يكن ~~ذلك عبادة، وإذا كان كذلك لم يمتنع أن ms0263 يتعبد الله الملائكة بذلك ~~إظهارا لرفعته وكرامته. # فصل في بيان أن الأنبياء أفضل من الملائكة # قال أكثر أهل السنة: الأنبياء أفضل من الملائكة. # وقالت المعتزلة: الملائكة أفضل من الأنبياء، وهو اختيار القاضي أبي ~~بكر الباقلاني [وأبي عبد الله الحليمي]. # وحجة المعتزلة أمور: # أحدها: قوله تعالى: # ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته # [الأنبياء: 19] والمراد من هذه العندية القرب، والشرف، وهذا حاصل ~~لهم لا لغيرهم. # ولقائل أن يقول: إنه - تعالى - أثبت هذه الصفة في الآخرة لآحاد ~~المؤمنين في قوله: # في مقعد صدق عند مليك مقتدر # [القمر: 55]. # وأما في الدنيا فقال عليه الصلاة والسلام يقول الله سبحانه: # " أنا مع المنكسرة قلوبهم لأجلي ". # وهذا أكثر إشعارا بالتعظيم؛ لأن كون الله - تعالى - عند العبد أدخل في ~~التعظيم من كون العبد عند الله. # وثانيها: قالوا: عبادات الملائكة أشق من عبادات البشر، فيكونون أكثر ~~ثوابا من عبادات البشر، فإن الملائكة سكان السماوات، وهي جنات، وهم ~~آمنون من المرض والفقر، ثم إنهم مع استكمال أسباب النعم لهم خاشعون ~~وجلون كأنهم مسجونون لا يلتفتون إلى نعيم الجنات، بل يقبلون على ~~الطاعة الشاقة، ولا يقدر أحد من بني آدم أن يبقى كذلك يوما واحدا ~~فضلا عن تلك الأعصار المتطاولة، ويؤيده قصة آدم - عليه الصلاة ~~والسلام - فإنه أطلق له الأكل في جميع مواضع الجنة، ثم إنه منع من شجرة ~~واحدة فلم يملك نفسه. # وثالثها: أن انتقال المكلف من نوع عبادة إلى نوع آخر كالانتقال من ~~بستان إلى بستان، أما الإقامة على نوع واحد، فإنها تورث المشقة ~~والملالة، والملائكة كل واحد منهم مواظب على عمل واحد لا يعدل عنه ~~إلى غيره، فكانت عبادتهم أشق، فيكون أفضل لقوله عليه الصلاة والسلام: # " أفضل الأعمال أحمزها " # أي: أشقها، وقوله لعائشة: # " إنما أجرك على قدر نصبك ". # ولقائل: أن يقول: في الوجه الأول لا نسلم أن عبادة الملائكة أشق. # أما قولهم: السماوات جنات. # قلنا: نسلم، ولم قلتم بأن العبادة في المواضع الطيبة أشق من العبادة ~~في المواضع الرديئة؟ أكثر ما في الباب أنه تهيأ لهم أسباب النعم، ms0264 ~~فامتناعه عنها مع تهيئتها له أشق، ولكنه معارض بما أن أسباب البلاء ~~مجتمعة على البشر، ومع هذا يرضون بقضاء الله، ولا تغيرهم تلك المحن ~~عن المواظبة على عبوديته، وهذا أعظم في العبودية. # وأما قولهم: المواظبة على نوع واحد من العبادة أشق. # قلنا: لما اعتادوا نوعا واحدا صاروا كالمجبورين الذين لا يقدرون ~~على خلافه؛ لأن العادة طبيعة خامسة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: # " أفضل الصوم صوم داود كان يصوم يوما ويفطر يوما ". # ورابعها: قالوا: عبادات الملائكة أدوم؛ لأن أعمارهم أطول، فكانت ~~أفضل لقوله عليه الصلاة والسلام: # " أفضل العباد من طال عمره، وحسن عمله ". # ولقائل أن يقول: إن نوحا ولقمان والخضر - عليهم الصلاة والسلام - ~~كانوا أطول عمرا من محمد - عليه الصلاة والسلام - فوجب أن يكونوا أفضل ~~منه، وذلك باطل بالاتفاق. # وخامسها: أنهم أسبق في كل العبادات فيكونون أفضل لقوله تعالى: # والسابقون السابقون أولئك المقربون # [الواقعة: 10، 11] ولقوله عليه الصلاة والسلام: # " من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم ~~القيامة ". # ولقائل أن يقول: فهذا يقتضي أن يكون آدم - عليه الصلاة والسلام - أفضل ~~من محمد عليه الصلاة والسلام؛ لأنه أول من سن عبادة الله من البشر ~~وأسبق، وذلك باطل. # وسادسها: أن الملائكة رسل إلى الأنبياء، والرسول أفضل من الأمة. # فإن قيل: إن السلطان إذا أرسل واحدا إلى جمع عظيم ليكون حاكما فيهم، ~~فإنه يكون أشرف منهم، أما إذا أرسل واحدا إلى واحد، فقد لا يكون الرسول ~~أشرف، كما إذا أرسل السلطان مملوكه إلى وزيره في مهمة [فإنه لا ~~يلزم أن يكون ذلك العبد أشرف من الوزير]. قلنا: لكن جبريل - عليه السلام ~~- مبعوث إلى كافة الأنبياء والرسل من البشر، فعلى هذا يكون جبريل أفضل ~~منهم. # وأيضا أن الملك قد يكون رسولا إلى ملك آخر أو إلى أحد من الأنبياء، ~~وعلى التقديرين الملك رسول، وأمته رسل، والرسول الذي كل أمته رسل أفضل من ~~الرسول الذي ليس كذلك، ولأن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - كان رسولا ~~إلى لوط - عليه السلام - فكان أفضل منه، وموسى ms0265 كان رسولا إلى ~~الأنبياء الذين كانوا في عصره، فكان أفضل منهم. # ولقائل أن يقول: الملك إذا أرسل رسولا إلى بعض النواحي، فقد يكون ذلك ~~الرسول حاكما ومتوليا أمورهم، وقد يكون ليخبرهم عن بعض الأمور مع أنه ~~لا يجعله حاكما عليهم، فالقسم الأول هم الأنبياء المبعوثون إلى أممهم، ~~فلا جرم كانوا أفضل من أممهم. # فإن قلتم: إن بعثة الملائكة إلى الأنبياء من القسم الأول حتى يلزم ~~أن يكونوا أفضل من الأنبياء. # وسابعها: قوله: # لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا ~~الملائكة المقربون # [النساء: 172] فقوله: " ولا الملائكة " خرج مخرج التأكيد للأول، وهذا ~~التأكيد إنما يكون بذكر الأفضل يقال: هذه الخشبة لا يقدر على حملها ~~العشرة، ولا المائة، ولا يقال: لا يقدر على حملها العشرة ولا الواحد، ~~ويقال: هذا العالم لا يستنكف عن خدمته الوزير ولا الملك، ولا يقال: ~~لا يستنكف عن خدمته الوزير ولا البواب. # ولقائل أن يقول: هذه الآية إن دلت، فإنما تدل على فضل الملائكة ~~المقربين على المسيح، لكن لا يلزم منه فضل الملائكة المقربين على ~~من هو أفضل من المسيح، وهو محمد - عليه أفضل الصلاة والسلام - وموسى ~~وإبراهيم - عليهما الصلاة والسلام - بإجماع المسلمين. # ثم نقول قوله: " ولا الملائكة " ليس فيه إلا " واو " العطف، و " ~~الواو " للجمع المطلق، فيدل على أن المسيح لا يستنكف، والملائكة لا ~~يستنكفون، فأما أن يدل على أن الملائكة أفضل من المسيح فلا. # قال تعالى: # لا تحلوا شعآئر الله ولا الشهر الحرام ولا ~~الهدي ولا القلائد # [المائدة: 2] أو نقول: سلمنا أن عيسى دون مجموع الملائكة في ~~الفضل، فإن قلتم: دون كل واحد من الملائكة في الفضل؟ فإن قيل: وصف ~~الملائكة بكونهم مقربين يوجب ألا يكون المسيح كذلك. # قلنا: تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفيه عما عداه. # وثامنها: قوله: # ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن ~~تكونا ملكين # [الأعراف: 20] ولو لم يكن متقررا عند آدم وحواء - عليهما الصلاة ~~والسلام - أن الملك أفضل من البشر لم يقدر " إبليس " على غرورهما ~~بذلك. # ولقائل أن يقول: هذا ms0266 قول " إبليس " فلا يكون حجة، ولا يقال: إن آدم ~~اعتقد صحة ذلك، واعتقاد آدم حجة، لأنا نقول: لعل آدم - عليه الصلاة ~~والسلام - ما كان نبيا في ذلك الوقت، فلم يلزم من فضل الملك عليه في ~~ذلك الوقت فضل الملك عليه حال ما صار نبيا، ولأن الزلة جائزة ~~على الأنبياء. # وأيضا فهب أن الآية تدل على أن الملك أفضل من البشر في بعض الأمور ~~المرغوبة. # فلم قلتم: إنها تدل على فضل الملك على البشر في باب القدرة والقوة، ~~والحسن والجمال، والصفاء والنقاء عن الكدورات الحاصلة بسبب التركيبات؟ ~~فإن الملائكة خلقوا من الأنوار وآدم خلق من التراب، فلعل آدم وإن كان ~~أفضل منهم في كثرة الثواب إلا أنه رغب في أن يكون مساويا لهم في تلك ~~الأمور المعدودة. # وتاسعها: قوله تعالى: # قل لا أقول لكم عندي خزآئن الله ولا أعلم ~~الغيب ولا أقول لكم إني ملك # [الأنعام: 50]. # ولقائل أن يقول: يحتمل أن يكون المراد: ولا أقول لكم إني ملك في كثرة ~~العلوم، وشدة القوة، ويؤيده أن الكفار طالبوه بأمور عظيمة نحو: صعود ~~السماء، ونقل الجبال، وإحضار الأموال العظيمة، وأيضا قوله: { قل: ~~لا أقول لكم عندي خزائن الله } يدل على اعترافه بأنه لا يعلم كل ~~المعلومات، فلذلك لا أدعي قدرة مثل قدرة الملك، ولا علما ~~مثل علمه. # وعاشرها: قوله تعالى: # ما هذا بشرا إن هذآ إلا ملك كريم # [يوسف: 31]. # فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد التشبيه في الجمال؟ # قلنا: الأولى أن يكون هذا التشبيه في السيرة لا في الصورة، لأن ~~الملك إنما تكون سيرته المرضية لا بمجرد الصورة. # ولقائل: أن يقول: قول المرأة: # فذلكن الذي لمتنني فيه # [يوسف: 32] كالصريح في أن مراد النساء بقولهن: # إن هذآ إلا ملك كريم # [يوسف: 31] تعظيم لحسن يوسف وجماله لا في السيرة؛ لأن ظهور ~~عذرها في شدة عشقها، إنما حصل بسبب فرط يوسف في الجمال لا بسبب ~~فرط زهده وورعه، فإن ذلك لا يناسب شدة عشقها. # سلمنا أن المراد تشبيه يوسف - عليه الصلاة والسلام - بالملك في ms0267 حسن ~~السيرة، فلم قلتم: يجب أن يكون أقل ثوابا من الملائكة؟ # الحادي عشر: قوله تعالى: # وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا # [الإسراء: 70]، ومخلوقات الله - تعالى - إما المكلفون، أو من عداهم، ولا ~~شك أن المكلفين أفضل من غيرهم، فالمكلفون أربعة أنواع: الملائكة، ~~والإنس، والجن، والشياطين، ولا شك أن الإنس أفضل من الجن والشياطين، ~~فلو كان البشر أفضل من الملائكة لزم أن يكون البشر أفضل من كل ~~المخلوقات، وحينئذ لا يبقى لقوله: # وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا # [الإسراء:70] فائدة. # بل كان ينبغي أن يقال: " وفضلناهم على جميع من خلقنا ~~" ، ولما لم يقل ذلك علمنا أن الملك أفضل من البشر. # ولقائل أن يقول: هذا تمسك بدليل الخطاب؛ لأن التصريح بأنهم أفضل من ~~كثير من المخلوقات لا يدل على أنه ليس أفضل من الباقي ألا بواسطة ~~دليل الخطاب. # وأيضا فهب أن جنس الملائكة أفضل من [جنس بني آدم، ولكن لا يلزم من كون ~~أحد المجموعين أفضل من] المجموع الثاني [أن يكون كل واحد من أفراد ~~المجموع الأول أفضل من أفراد المجموع الثاني]، فإنا إذا قدرنا عشرة من ~~العبيد كل واحد منهم يساوي مائة دينار، وعشرة أخرى حصل فيهم عبد يساوي ~~مائتي دينار والتسعة الباقية كل واحد منهم دينارا، فالمجموع الأول أفضل ~~من المجموع الثاني، إلا أنه حصل في المجموع الثاني واحد هو أفضل من كل ~~واحد من آحاد المجموع الأول فكذا ها هنا. # الثاني عشر: قوله تعالى: # وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين # [الانفطار: 10، 11] فيدخل فيه الأنبياء وغيرهم، وهذا يقتضي كونهم أفضل ~~من البشر لوجهين: # الأول: أنه - تعالى - جعلهم حفظة، والحافظ للمكلف عن المعصية يكون ~~أبعد عن الخطأ من المحفوظ، وذلك يقتضي كونهم أبعد عن المعاصي، وأقرب إلى ~~الطاعات من البشر، وذلك يقتضي مزيد الفضل. # والثاني: أنه - سبحانه - جعل كتابتهم حجة للبشر في الطاعات، ~~وعليهم في المعاصي، وذلك يقتضي أن يكون قولهم أولى بالقبول من قول ~~البشر، ولو كان البشر أعظم حالا منهم لكان الأمر بالعكس. # ولقائل أن يقول: أما كون الحافظ أكرم من ms0268 المحفوظ، فهذا بعيد، فإن ~~الملك قد يوكل بعض عبيده على ولده. # وأما الثاني فقد يكون الشاهد أدون حالا من المشهود عليه. # الثالث عشر: قوله تعالى: # يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون ~~إلا من أذن له الرحمن # [النبأ: 38]. # والمقصود من ذكر أحوالهم المبالغة في شرح عظمة الله وجلاله، ولو ~~كان في الخلق طائفة أخرى قيامهم وتضرعهم أقوى في الإنباء عن عظمة الله ~~وجلاله وكبريائه من قيامهم لكان ذكرهم أولى. # ولقائل أن يقول: ذلك يدل على أنهم أزيد حالا من البشر في بعض ~~الأمور، فلم لا يجوز أن تكون تلك الحالة هي قوتهم وشدتهم وبطشهم؟ وهذا ~~كما يقال: إن السلطان لما جلس وقف حول سريره ملوك أطراف العالم ~~خاضعين فإن عظمة السلطان إنما تشرح بذلك، ثم إن هذا لا يدل على ~~أنهم أكرم عند السلطان من ولده، فكذا ها هنا. # الرابع عشر: قوله: # والمؤمنون كل ءامن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله # [البقرة: 285] فبين تعالى أنه لا بد في صحة الإيمان من الإيمان بهذه ~~الأشياء، فبدأ بنفسه، وثنى بالملائكة، وثلث بالكتب، وربع بالرسل، ~~وكذا في قوله: # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولوا العلم # [آل عمران: 18]، وقال: # إن الله وملائكته يصلون على النبي # [الأحزاب: 56]، والتقديم في الذكر يدل على التقديم في الدرجة؛ لأن ~~تقديم الأدون على الأشرف في الذكر قبيح عرفا، فوجب أن يكون قبيحا ~~شرعا. # ولقائل أن يقول: هذه الحجة ضعيفة؛ لأن الاعتماد إن كان على " الواو " ~~ف " الواو " لا تفيد الترتيب، وإن كان على التقديم في الذكر ~~فينتقض بتقديم سورة " تبت " على سورة # قل هو الله أحد # [الإخلاص: 1]. # الخامس عشر: قوله تعالى: # إن الله وملائكته يصلون على النبي # [الأحزاب:56]، فجعل صلوات الملائكة كالتشريف للنبي - صلى الله عليه وسلم ~~- وذلك يدل على كون الملائكة أشرف من النبي. ولقائل أن يقول: هذا ينتقض ~~بقوله: # يأيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا ~~تسليما # [الأحزاب:56] فأمر المؤمنين بالصلاة على النبي، ولم يلزم كون المؤمنين ~~أفضل من النبي، فكذا في الملائكة. # واحتج من قال بتفضيل ms0269 الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - على ~~الملائكة بأمور: # أحدها: أن الله - تعالى - أمر الملائكة بالسجود لآدم، وثبت أن آدم لم ~~يكن كالقبلة، فوجب أن يكون آدم أفضل منهم؛ لأن السجود نهاية ~~التواضع، وتكليف الأشرف بنهاية التواضع للأدون مستقبح في ~~العقول. # وثانيها: أن آدم - عليه الصلاة والسلام - خليفة له، والمراد منه خلافة ~~الولاية لقوله: # يداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين ~~الناس بالحق # [ص: 26]. # ومعلوم أن أعلى الناس منصبا عند الملك من كان قائما مقامه في ~~الولاية والتصرف، فهذا يدل على أن آدم - عليه الصلاة والسلام - كان أشرف ~~الخلائق. # فالدنيا خلقت متعة لبقائه، والآخرة مملكة لجزائه، وصارت الشياطين ~~ملعونين بسبب التكبر عليه، والجن رعيته، والملائكة في طاعته وسجوده، ~~والتواضع له، ثم صار بعضهم حافظين له ولذريته، وبعضهم منزلين لرزقه ~~وبعضهم مستغفرين لزلاته. # وثالثها: أن آدم - عليه الصلاة والسلام - كان أعلم، والأعلم أفضل، أما ~~أنه أعلم فلأنه - تعالى - لما طلب منهم علم الأسماء # قالوا سبحانك لا علم لنآ إلا ما علمتنآ # [البقرة: 32] فعند ذلك قال الله: # يآءادم أنبئهم بأسمآئهم # [البقرة: 33] وذلك يدل على أن آدم - عليه الصلاة والسلام - كان عالما ~~بما لم يكونوا عالمين به، والعالم أفضل لقوله تعالى: # قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون # [الزمر: 9]. # ورابعها: قوله تعالى: # إن الله اصطفى ءادم ونوحا وءال إبراهيم وءال ~~عمران على العالمين # [آل عمران: 33] والعالم عبارة عن كل ما سوى الله - تعالى - فمعناه أن ~~الله - تعالى - اصطفاهم على المخلوقات. # فإن قيل: يشكل بقوله تعالى: # يبني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت ~~عليكم وأني فضلتكم على العالمين # [البقرة: 47]. # قلنا: الإشكال مدفوع؛ لأن قوله: { وأني فضلتكم على ~~العالمين } خطاب مع الأنبياء الذين كانوا أسلاف اليهود، وحينما ~~كانوا موجودين لم يكن محمد - عليه الصلاة والسلام - موجودا في ذلك ~~الزمان، والمعدوم لا يكون من العالمين؛ لأن اشتقاق العالم من العلم ~~فكل ما كان علما على الله ودليلا عليه فهو عالم، وإذا كان كذلك لم ~~يلزم اصطفاء الله إياهم على العالمين في ذلك الوقت أن يكونوا أفضل من ms0270 ~~محمد - عليه الصلاة والسلام - والملائكة كانوا موجودين، فيلزم أن يكون ~~الله - تعالى - قد اصطفى هؤلاء على الملائكة، وأيضا فهب أن تلك ~~دخلها التخصيص لقيام الدليل، وها هنا فلا دليل يوجب ترك الظاهر، فوجب ~~إجراؤه على ظاهره في العموم. # وخامسها: قوله تعالى: # ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين # [الأنبياء: 107] والملائكة من جملة العالمين، فكان محمد - عليه الصلاة ~~والسلام - رحمة لهم، فوجب أن يكون أفضل منهم. # وسادسها: أن الآدمي له شهوة داعية إلى المعصية والملك ليست له ~~هذه الشهوة، والفعل مع المعارض القوي أشد منه بدون المعارض. # فإن فيل: الملائكة لهم شهوة تدعوهم إلى المعصية، وهي شهوة الرئاسة. # قلنا: هب أن الأمر كذلك، لكن البشر لهم أنواع كثيرة من الشهوات مثل ~~شهوة البطن والفرج، وشهوة الرئاسة والملك ليس إلا شهوة واحدة، وهي ~~شهوة الرئاسة، والمبتلى بأنواع كثيرة من الشهوات تكون الطاعة عليه أشق ~~من المبتلى بشهوة واحدة. وأيضا الملائكة لا يعملون إلا بالنص لقوله: # لا علم لنآ إلا ما علمتنآ # [البقرة: 32] وقوله: # لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون # [الأنبياء: 27] والبشر لهم قوة الاستنباط والقياس، والعمل ~~بالاستنباط أشق من العمل النص، وأيضا فإن الشبهات للبشر أكثر منها ~~للملائكة؛ لأن من جملة الشبهات القوية كون الأفلاك والأنجم السيارة ~~أسبابا لحوادث هذا العالم، فالبشر احتاجوا إلى دفع هذه الشبهة، ~~والملائكة لا يحتاجون إليها، لأنهم ساكنون في عالم السماوات، فيشاهدون ~~كيفية افتقارها إلى المدبر الصانع، وأيضا فإن الشيطان لا سبيل ~~له إلى وسوسة الملائكة، وهو مسلط على البشر في الوسوسة، وذلك تفاوت ~~عظيم. إذا ثبت أن طاعتهم أشق، فوجب أن يكونوا أكثر ثوابا للنص والقياس. # فأما النص قوله عليه الصلاة والسلام: # " أفضل العبادات أحمزها " # أي: أشقها، وأما القياس فإن الشيخ الذي ليس له ميل إلى النساء ~~إذا امتنع عن الزنا ليست فضيلته كفضيلة من يمتنع عنه مع الميل ~~الشديد، والشوق العظيم. # وسابعها: أن الله - تعالى - خلق للملائكة عقولا بلا شهوة، وخلق للبهائم ~~شهوة بلا عقل، وخلق الآدمي وجمع فيه الأمرين، فصار الأدمي بسبب ~~العقل فوق البهيمة بدرجة، ms0271 فوجب أن يصير بسبب الشهوة دون الملائكة، ثم ~~وجدنا الآدمي إذا غلب هواه عقله، فإنه يصير دون البهيمة على ما ~~قال: # أولئك كالأنعام بل هم أضل # [الأعراف:179] فيجب أن يقال: إذا غلب عقله هواه أن يكون فوق الملائكة ~~اعتبارا لأحد الطرفين بالآخر. # وثامنها: أن الملائكة حفظة، وبنو آدم محفوظون، والمحفوظ أشرف من ~~الحافظ، أجاب القائلون بتفضيل الملك عن الأول، فقالوا: قد سبق بيان أن ~~من الناس من قال: المراد من السجود التواضع لا وضع الجبهة على ~~الأرض، وإن سلم أنه وضع الجبهة لكنه قال: السجود لله وآدم قبله، فزال ~~الإشكال، وإن سلم أن السجود كان لآدم، فلم قلتم: إن ذلك لا يجوز من ~~الأشرف؟ وذلك لأن الحكمة قد تقتضي إظهار نهاية الانقياد، والطاعة، فإن ~~للسلطان أن يجلس عبدا من عبيده، ويأمر الأكابر بخدمته، ويكون غرضه ~~إظهار كونهم مطيعين منقادين له في كليات الأمور، وأيضا فإن الله ~~- تعالى - يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، فإن أفعاله غير معللة، ولذلك ~~قلنا: إنه لا اعتراض عليه في خلق الكفر في الإنسان، ثم يعذبه عليه أبد ~~الآباد، وإذا كان كذلك، فكيف يعترض عليه في أن أمر الأعلى بالسجود لمن هو ~~دونه. # وأما الحجة الثانية فجوابها أن كون آدم خليفة في الأرض وهذا يقتضي أن ~~يكون آدم - عليه السلام - كان أشرف من كل من في الأرض ولا يدل على ~~كونه أشرف من ملائكة السماء. # فإن قيل: فلم لم يجعل واحدا من ملائكة السماء خليفة له في الأرض؟ # قلت: لوجوه: منها أن البشر لا يطيقون رؤية الملائكة، ومنها أن الجنس ~~إلى الجنس أميل. # وأما الحجة الثالثة: فلا نسلم أن آدم كان أعلم منهم، وأكثر ما في ~~الباب أن آدم - عليه الصلاة والسلام - كان عالما بتلك اللغات، وهم ~~ما علموها، لكنهم لعلهم كانوا عالمين بسائر الأشياء، مع أن آدم - عليه ~~السلام - ما كان عالما بها ويحقق هذا أن محمدا - عليه أفضل الصلاة ~~والسلام - أفضل من آدم - عليه السلام - مع أن محمدا ما كان عالما بهذه ~~اللغات بأسرها، ms0272 وأيضا فإن " إبليس " كان عالما بأن قرب الشجرة مما ~~يوجب خروج آدم من الجنة، وأن آدم - عليه السلام - ليس كذلك، والهدهد ~~قال لسليمان صلوات الله وسلامه عليه: # أحطت بما لم تحط به # [النمل: 22] ولم يكن أفضل من سليمان، سلمنا أنه كان أعلم منهم، ~~ولكن لم لم يجز أن يقال: إن طاعاتهم أكثر إخلاصا من طاعة آدم عليه ~~الصلاة والسلام؟. # وأما الحجة الرابعة: فهي قوية. # وأما الخامسة: فلا يلزم من كون محمد - عليه الصلاة والسلام - رحمة لهم ~~أن يكون أفضل منهم كما في قوله تعالى: # فانظر إلى ءاثار رحمت الله كيف يحيي الأرض ~~بعد موتهآ # [الروم: 50] ولا يمتنع أن يكون - عليه الصلاة والسلام - رحمة لهم من ~~وجه، وهم يكونون رحمة له من وجه آخر. # وأما الحجة السادسة: وهي أن عبادة البشر أشق فهذا ينتقض بما أنا نرى ~~الواحد من الصوفية يتحمل في طريق المجاهدة من المشاق والمتاعب ما ~~يقطع بأنه - عليه الصلاة والسلام - لم يتحمل مثلها مع أنا نعلم أن ~~محمدا عليه الصلاة والسلام أفضل من الكل. # أما الحجة السابعة: فهي جمع بين الطرفين من غير جامع. # فإن قيل: فإذا لم يكن أفضل منهم، فما الحكمة بالأمر بالسجود له؟ # قيل له: إن الملائكة لما استعظموا تسبيحهم، وتقديسهم أمرهم ~~بالسجود لغيره ليريه استغناءه عنهم، وعن عبادتهم. # وقال بعضهم: عيروا آدم واستصغروه ولم يعرفوا خصائص الصنع به، فأمروا ~~بالسجود له تكريما، ويحتمل أن يكون إنما أمرهم بالسجود له معاقبة لهم ~~على قولهم: # أتجعل فيها من يفسد فيها # [البقرة: 30]. # فإن قيل: فقد استدل ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - على فضل البشر بأن ~~الله - تعالى - أقسم بحياة محمد عليه الصلاة والسلام فقال: # لعمرك # [الحجر: 72] وأمنه من العذاب لقوله: # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # [الفتح: 2]، وقال للملائكة: # ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك ~~نجزيه جهنم # [الأنبياء: 29]. # قيل له: إنما لم يقسم بحياة الملائكة كما لم يقسم بحياة نفسه سبحانه ~~فلم يقل: " لعمري " وأقسم بالسماء والأرض، ولم يدل على أنها ms0273 أرفع ~~قدرا من العرش، وأقسم ب " التين والزيتون ". # وأما قوله سبحانه: # ومن يقل منهم إني إله من دونه # [الأنبياء:29] فهو نظير قوله لنبيه عليه الصلاة والسلام: # لئن أشركت # [الزمر: 65] وهذا آخر الكلام في هذه المسألة. # قوله: " إلا إبليس " " إلا " حرف استثناء، و " إبليس " نصب على ~~الاستثناء، وهل نصبه ب " إلا " وحدها أو بالفعل وحده أو به بوساطة " ~~إلا " أو بفعل محذوف أو ب " أن " أقوال؟ # وهل هو استثناء متصل أو منقطع؟ خلاف مشهور. # والأصح أنه متصل - وأما قوله تعالى: # إلا إبليس كان من الجن # [الكهف: 50]، فلا يرد؛ لأن الملائكة قد يسمون جنا لاجتنانهم، ~~قال الشاعر في سليمان: [الطويل] # 384- وسخر من جن الملائك تسعة # قياما لديه يعملون بلا أجر # وقال تعالى: # وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا # [الصافات: 158] يعني: الملائكة. # واعلم أن المستثنى على أربعة أقسام: # قسم واجب النصب، وقسم واجب الجر، وقسم جائز فيه النصب والجر، وقسم ~~جائز فيه النصب والبدل مما قبله، والأرجح البدل. # الأول: المستثنى من الموجب والمقدم، والمكرر والمنقطع عند " ~~الحجاز " مطلقا، والواقع بعد " لا يكون " و " ليس " و " ما خلا " ~~و " ما عدا " عند غير الجرمي؛ نحو: " قام القوم إلا زيدا ~~" ، و " ما قام إلا زيدا القوم " ، و " ما قام أحد إلا ~~زيدا إلا عمرا " ، و " قاموا إلا حمارا " و " قاموا لا يكون ~~زيدا " أو " ليس زيدا " و " ما خلا زيدا " و " ما عدا زيدا ~~". # الثاني: المستثنى ب " غير " و " سوى " و " سوى " و " سواء ". # الثالث: المستثنى ب " عدا " و " حاشا " و " خلا ". # الرابع: المستثنى من غير الموجب؛ نحو: # ما فعلوه إلا قليل # [النساء: 66]. # و " إبليس " اختلف فيه، فقيل: إنه اسم أعجمي منح من الصرف للعلمية ~~والعجمة، وهذا هو الصحيح، قاله " الزجاج " وغيره؛ وقيل: أنه مشتق ~~من " الإبلاس " وهو اليأس من رحمة الله - تعالى - والبعد عنها؛ قال: ~~[السريع أو الرجز] # 385- .............................. # وفي الوجوه صفرة وإبلاس # ووزنه عند هؤلاء: " إفعيل "؛ واعترض عليهم بأنه كان ينبغي أن يكون ~~منصرفا، وأجابوا بأنه أشبه الأسماء الأعجمية لعدم نظيره في الأسماء ~~العربية؛ ورد ms0274 عليهم بأن مثله في العربية كثير؛ نحو: " إزميل " و " ~~إكليل " و " إغريض " و " إخريط ". # وقيل: لما لم يقسم به أحد من العرب، صار كأنه دخيل في لسانهم، فأشبه ~~الأعجمية، وفيه بعد. # فصل في جنس إبليس # اختلفوا في " إبليس " # فقال أكثر المتكلمين والمعتزلة: إنه لم يكن من الملائكة، وهو مروي عن ~~ابن عباس، وابن زيد، والحسن، وقتادة - رضي الله عنهم - قالوا: " إبليس ~~أبو الجن كما أن آدم أبو البشر، ولم يكن ملكا فأشبه الحرف ". # وقال شهر بن حوشب، وبعض الأصوليين: " كان من الجن الذين كانوا في ~~الأرض، وقاتلهم الملائكة فسبوه وتعبد مع الملائكة وخوطب ". # وحكاه الطبري، وابن مسعود، وابن جريح، وابن المسيب، وقتادة وغيرهم، وهو ~~اختيار الشيخ أبي الحسن، ورجحه الطبري، وهو ظاهر الآية أنه من ~~الملائكة. # قال ابن عباس: " وكان اسمه عزازيل، وكان من أشراف الملائكة، وكان من ~~أولي الأجنحة الأربعة ثم أبلس بعد ". # روى سليمان بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان إبليس من ~~الملائكة، فلما عصى الله غضب عليه فلعنه، فصار شيطانا. # وحكى الماوردي عن قتادة: أنه كان من أفضل صنف من الملائكة يقال ~~لهم الجنة. # وقال سعيد بن جبير: إن الجن سبط من الملائكة خلقوا من نار، وإبليس ~~منهم، وخلق معاشر الملائكة من نور. # حجة القول الأول، وهو أنه لم يكن من الملائكة وجوه: # أحدها: قوله تعالى: # إلا إبليس كان من الجن # [الكهف: 50] وإذا كان من الجن وجب أن ألا يكون من الملائكة لقوله ~~تعالى: # ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة ~~أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك ~~أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن # [سبأ: 40، 41]، وهذا صريح في الفرق بين الجن والملك. # فإن قيل: لا نسلم أنه كان من الجن، لأن قوله: # كان من الجن # [الكهف: 50] يجوز أن يكون المراد كان من الجنة على ما روي عن ابن مسعود ~~- رضي الله عنه - أنه كان من الجن كان خازن الجنة. # سلمنا ذلك، لكن لم لا يجوز أن يكون قوله: " من الجن " أي: صار من ~~الجن ms0275 كقوله: { وكان من الكافرين }. # سلمنا ما ذكرتم، فلم قلتم: إن كونه من الجن ينافي كونه من ~~الملائكة؛ لأن الجن مأخوذ من الاجتنان، وهو الستر، ولهذا سمي الجنين ~~جنينا لاجتنانه، ومنه الجنة لكونها ساترة، والجنة لكونها مستترة ~~بالأغصان، ومنه الجنون لاستتار العقل به، والملائكة مستترون عن ~~الأعين، فوجب جواز إطلاق لفظ الجن عليهم بحسب اللغة، يؤيد هذا ~~التأويل قوله تعالى في الآية الأخرى: # وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا # [الصافات: 158]، وذلك لأن قريشا قالت: الملائكة بنات الله، فهذه الآية ~~تدل على أن الملائكة تسمى جنا. # والجواب: لا يجوز أن يكون المراد من قوله: " كان من الجن " أنه كان ~~خازن الجنة؛ لأن قوله: # إلا إبليس كان من الجن # [الكهف: 50] يشعر بتعليل تركه السجود بكونه جنيا، ولا يمكن تعليل ترك ~~السجود بكونه خازن الجنة، فبطل ذلك. # وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا # [الصافات: 158] قلنا: يحتمل أن بعض الكفار أثبت ذلك النسب في الجن، ~~كما أثبته في الملائكة، وأيضا فقد بينا أن الملك يسمى جنا بحسب أصل ~~اللغة، لكن لفظ الجن بحسب العرف اختص بالغير، كما أن لفظ الدابة ~~يتناول كل ما دب بحسب اللغة الأصلية، كلغة بحسب العرف اختص ببعض ما ~~يدب، فيحتمل أن تكون هذه الآية على اللغة الأصلية والآية التي ذكرناها ~~على العرف الحادث. # وثانيها: أن " إبليس " له ذرية لقوله تعالى: # أفتتخذونه وذريته أوليآء # [الكهف: 50] والملائكة لا ذرية لها؛ لأن الذرية إنما تحصل من ~~الذكر والأنثى، والملائكة لا أنثى فيها لقوله: # وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إنثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهدتهم # [الزخرف: 19] أنكر على من حكم عليهم بالأنوثة. # وثالثها: أن الملائكة معصومون، و " إبليس " لم يكن كذلك فوجب ألا يكون ~~من الملائكة. # ورابعها: أن " إبليس " مخلوق من نار لقوله تعالى حكاية عن " إبليس ": # خلقتني من نار # [الأعراف: 12]. # قال: # والجآن خلقناه من قبل من نار السموم # [الحجر: 27] والملائكة مخلوقون من النور، لما روت عائشة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار ". # حجة القول ms0276 الثاني، وهو أن " إبليس " كان من الملائكة أمران: # الأول: أن الله - تعالى - استثناه من الملائكة، والاستثناء المنقطع ~~مشهور في كلام العرب، قال الله تعالى: # وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني برآء ~~مما تعبدون، إلا الذي فطرني # [الزخرف: 26، 27] وقال: # لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا ~~سلاما سلاما # [الواقعة: 25، 26] وقال: # لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما # [مريم: 62]، وقال: # لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن ~~تكون تجرة عن تراض # [النساء: 29]، وقال: # وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا # [النساء: 92] وأيضا فلأنه كان جنيا واحدا بين الألوف من الملائكة، ~~فغلبوا عليه في قوله: فسجدوا، ثم استثني هو منهم استثناء واحد منهم؛ لأنا ~~نقول: كل واحد من هذين الوجهين على خلاف الأصل، وذلك إنما يصار ~~إليه عند الضرورة، والدلائل التي ذكرتموها في نفي كونه من الملائكة ليس ~~فيها إلا الاعتماد على العمومات، فلو جعلناه من الملائكة لزم ~~تخصيص ما عولتم عليه من العمومات. # ولو قلنا: إنه ليس من الملائكة لزمنا جعل الاستثناء منقطعا، فكان قولنا ~~أولى، وأيضا فالاستثناء إنما يتحقق من الشيء والصرف، ومعنى الصرف إنما ~~يتحقق حيث لولا الصرف لدخل، والشيء لا يدخل في غير جنسه، فيمتنع ~~تحقق معنى الاستثناء منه. # وأما قوله: إنه جني واحد من الملائكة فنقول: إنما يجوز إجراؤكم الكثير ~~على القليل إذا كان ذلك القليل ساقط العبرة غير ملتفت إليه، أما إذا ~~كان معظم الحديث لا يكون إلا عن ذلك الواحد لم يجز إجراؤكم غيره عليه. # الثاني: قالوا: لو لم يكن إبليس من الملائكة لما كان قوله: { وإذ ~~قلنا للملائكة اسجدوا } متناولا، ولا استحال أن يكون تركه ~~السجود إباء واستكبارا ومعصية، ولما استحق الذم والعقاب، ولما حصلت ~~هذه الأمور، علمنا أن ذلك الخطاب يتناوله، ولن يتناوله ذلك الخطاب إلا ~~إذا كان من الملائكة. لا يقال: إنه وإن لم يكن من الملائكة إلا أنه لما ~~نشأ منهم، وطالت خلطته بهم والتصق بهم علا ولكن الله تعالى أمره ~~بالسجود بلفظ آخر ما حكاه في القرآن بدليل قوله: # ما ms0277 منعك ألا تسجد إذ أمرتك # [الأعراف: 12] لأنا نقول: أما الأول فجوابه: أن المخالطة لا توجب ما ~~ذكرتموه ولهذا قيل في أصول الفقه: خطاب الذكور لا يتناول الإناث وبالعكس ~~مع شدة المخالطة بين الصنفين، وأيضا فشدة المخالطة بين الملائكة، ~~وبين " إبليس " لما لم يمنع اقتصار اللعن على إبليس، فكيف يمنع اقتصار ~~ذلك التكليف على الملائكة، ولنا كونه أمر بأمر آخر غير محكي في ~~القرآن، فإن ترتيب الحكم على الوصف يشعر بالغلبة، فلما ذكر قوله: ~~" أبى واستكبر " عقيب قوله: { وإذ قلنا للملائكة: ~~اسجدوا لآدم } ، أشعر هذا التعقيب بأن هذا الإباء إنما حصل بسبب ~~مخالفة هذا الأمر، لا بسبب مخالطة أمر آخر، وطريق الجمع بين الدليلين ~~ما ذكرنا عن ابن عباس أن " إبليس " كان من الملائكة، فلما عصى الله غضب ~~عليه، فصار شيطانا. # وقول سعيد بن جبير إن الجن سبط من الملائكة خلقوا من نار، وإبليس منهم ~~وليس في خلقه من نار، ولا في تركيب الشهوة حيث غضب عليه ما يدفع ~~أنه من الملائكة، وحكى الثعلبي عن ابن عباس: " أن إبليس كان من ~~حي من أحياء الملائكة يقال لهم: الحن خلقوا من نار السموم، ~~وخلقت الملائكة من نور، وكان اسمه بالسريانية عزازيل، وبالعربية ~~الحارث، وكان من خزان الجنة، وكان رئيس ملائكة السماء الدنيا، وكان ~~من سلطانها، وسلطان الأرض، وكان من أشد الملائكة اجتهادا، وأكثرهم ~~علما، وكان يسوس ما بين السماء والأرض، فرأى لنفسه بذلك شرفا ~~وعظمة، فذلك الذي دعاه إلى الكفر، فعصى الله، فمسخه شيطانا رجيما ~~". # قوله تعالى: " أبى واستكبر ". # الظاهر أن هاتين الجملتين استئنافيتان لمن قال: فما فعل؟ # والوقف على قوله: " إلا إبليس " تام. # وقال أبو البقاء: " في موضع نصب على الحال من " إبليس " تقديره: ترك ~~السجود كارها له ومستكبرا عنه ". # فالوقف عنده على " واستكبر " ، وجوز في قوله: { وكان من ~~الكافرين } أن يكون مستأنفا، وأن يكون حالا أيضا، و " الإباء ": ~~الامتناع؛ قال الشاعر: [الوافر] # 386- وإما أن يقولوا قد أبينا # وشر مواطن الحسب الإباء # وهو من الأفعال المفيدة للنفي، ولذلك وقع بعده الاستثناء ms0278 المفرغ قال ~~تعالى: # ويأبى الله إلا أن يتم نوره # [التوبة: 32]. # والمشهور " أبي - يأبى " بكسرها في الماضي، وفتحها في المضارع، ~~وهذا قياس، فيحتمل أن يكون من قال: " أبى - يأبى " بالفتح فيهما ~~استغنى بمضارع من قال " أبي " بالكسر ويكون من التداخل نحو: " ركن ~~- يركن " وبابه. # واستكبر بمعنى: تكبر، وإنما قدم الإباء عليه، وإن كان متأخرا عنه ~~في الترتيب؛ لأنه من الأفعال الظاهرة؛ بخلاف الاستكبار؛ فإنه من أفعال ~~القلوب. # قوله: " وكان " بل: هي هنا بمعنى " صار "؛ كقوله: [الطويل] # 387- بتيهاء قفر والمطي كأنها # قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها # أي: قد صارت. ورد هذا ابن فورك وقال: " ترده الأصول، والأظهر أنها على ~~بابها والمعنى: كان من القوم الكافرين الذين كانوا في الأرض قبل ~~خلق آدم على ما روي، وكان في علم الله ". # فصل في بيان بطلان قول أهل الجبر # قال القاضي: هذه الاية تدل على بطلان قول أهل الجبر من وجوه: # أحدها: أنهم يزعمون أنه لما لم يسجد لم يقدر على السجود؛ لأن عندهم ~~القدرة على الفعل شرط، فإن من لا يقدر على الشيء لا يقال: إنه أباه. # وثانيها: أن من لا يقدر على الفعل لا يقال: استكبر بأن لم يفعل، ~~فإنما يوصف بالاستكبار إذا لم يفعل مع أنه لو أراد الفعل لأمكنه. # وثالثها: قال: { وكان من الكافرين } ولا يجوز أن يكون كافرا ~~بأن لم يفعل ما لا يقدر عليه. # ورابعها: أن استكباره، وامتناعه خلق من الله فيه، فهو بأن يكون معذورا ~~أولى من أن يكون مذموما قال: ومن اعتقد مذهبا يقيم العذر لإبليس فهو ~~خاسر الصفقة. # والجواب: يقال له: صدور ذلك عن " إبليس " لا يخلو، إما أن يكون عن ~~قصد وداع أو لا. # فإن وقع لا عن فاعل، فكيف يثبت الصانع، وإن وقع العبد فوقوع ذلك القصد ~~عنه إن كان عن قصد آخر فيلزم التسلسل. # وإن كان لا عن قصد فقد وقع الفعل لا عن قصد. # [أما إن قلت وقع ذلك الفعل عنه لا عن قصد] وداع، قد ترجح الممكن من ~~غير مرجح، ms0279 وهو يسد باب إثبات الصانع، وأيضا فإن كان كذلك كان وقوع ذلك ~~الفعل اتفاقيا، والاتفاقي لا يكون في وسعه واختياره، فكيف يؤمر به وينهى ~~عنه، وإن وقع عن فاعل هو الله، فحينئذ يلزمك كل ما أوردته علينا. # فإن قيل: هذا منقوض بأفعال الله - سبحانه وتعالى - فإن التقسيم وارد ~~فيها ليس اتفاقية ولا خبرا؟ # قلنا: الله - تعالى - واجب الوجود لذاته، وإذا كان كذلك كان واجب الوجود ~~أيضا في صفاته، وإذا كان كذلك فهو مستغن في فاعليته عن المؤثرات ~~والمرجحات، إذ لو افتقر لكان محتاجا. # فصل في بيان حال إبليس # قال قوم: كان " إبليس " منافقا منذ كان. # وقال آخرون: كان كافرا، واستدلوا بقوله: { وكان من الكافرين ~~}؛ لأن كلمة " من " للتبعيض، والحكم عليه بأنه بعض الكافرين يقتضي وجود ~~قوم آخرين من الكفار حتى يكون هو بعضا منهم، ويؤكده ما روي عن أبي ~~هريرة قال: إن الله خلق خلقا من الملائكة، ثم قال لهم: إني خالق ~~بشرا من طين؛ فإذا سويته، ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين. ~~فقال: لا تفعل ذلك، فبعث الله عليهم نارا، فأحرقتهم، وكان " إبليس " من ~~أولئك الذين أبوا. # وقال آخرون: إن " كان " ها هنا بمعنى " صار " فيكون معنى الآية صار من ~~الذين وقعوا في الكفر بعد ذلك، وأنه كان قبل ذلك مؤمنا، وهذا قول " ~~الأصم " ، وذكر في مثاله قوله تعالى: # المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض # [التوبة: 67] فأضاف بعضهم إلى بعض بسبب الموافقة في الدين، وأيضا فإن ~~هذه إضافة لفرد من أفراد الماهية إلى تلك الماهية، وصحة هذه الإضافة لا ~~تقتضي وجود تلك الماهية، كما أن الحيوان الذي خلقه الله تعالى ~~أولا يصح أن يقال: إنه فرد من أفراد الحيوان، لا بمعنى أنه واحد من ~~الحيوانات الموجودة خارج الذهن، بل بمعنى أنه فرد من أفراد هذه الماهية. ~~واعلم أنه يتفرع على هذا أن " إبليس " هل كان أول من كفر بالله؟ والذي ~~عليه الأكثرون أنه أول من كفر بالله. # فصل في بيان أن الأمر كان للملائكة كلهم # قال الأكثرون: إن جميع ms0280 الملائكة كانوا مأمورين بالسجود لآدم، ~~واحتجوا عليه بوجهين: # الأول: أن لفظ الملائكة صيغة جمع، وهي تفيد العموم، لا سيما وقد أكدت ~~بأكمل وجوه التوكيد في قوله: " كلهم أجمعون ". # الثاني: أن استثناء " إبليس " منهم، واستثناء الشخص الواحد منهم يدل ~~على أن من عدا ذلك الشخص يكون داخلا في ذلك الحكم، ومن الناس من أنكر ~~ذلك، وقال: المأمور بهذا السجود هم ملائكة الأرض، واستعظم أن يكون ~~أكابر الملائكة مأمورين بذلك. # وأما الحكماء فإنهم يحملون الملائكة على الجواهر الروحانية، ~~وقالوا: يستحيل أن تكون الأرواح السماوية منقادة للنفوس الناطقة، ~~إنما المراد من الملائكة المأمورين بالسجود القوى البشرية المطيعة ~~للنفس الناطقة، والكلام في هذه المسألة مذكور في العقليات. ### || [2.35] # الجملة من قوله: { وقلنا ياآدم اسكن أنت وزوجك ~~الجنة } معطوفة على جملة " إذ قلنا " لا على " قلنا " وحده ~~لاختلاف زمنيهما. # و " أنت " توكيد للضمير المستكن في " أسكن " ليصح العطف عليه " ~~وزوجك " عطف عليه، هذا هو مذهب البصريين، أعني اشتراط الفعل بين ~~المتعاطفين إذا كان المعطوف عليه ضميرا مرفوعا متصلا، ولا يشترط أن ~~يكون الفاصل توكيدا؛ بل أي فصل كان، نحو: # مآ أشركنا ولا ءاباؤنا # [الأنعام: 148]. # وأما الكوفيون فيجيزون ذلك من غير فاصل؛ وأنشدوا: [الخفيف] # 388- قلت إذ أقبلت وزهر تهادى # كنعاج الفلا تعسفن رملا # وهذا عند البصريين ضرورة لا يقاس عليه، وقد منع بعضهم أن يكون " زوجك " ~~عطفا على الضمير المستكن في " اسكن " ، وجعله من عطف الجمل، بمعنى أن ~~يكون " زوجك " مرفوعا بفعل محذوف، أي: ولتسكن زوجك، فحذف ~~لدلالة " اسكن " عليه، ونظيره قوله: # لا نخلفه نحن ولا أنت # [طه: 58] وزعم أنه مذهب سيبويه، وكان شبهته في ذلك أن من حق المعطوف ~~حلوله محل المعطوف عليه، ولا يصح هنا حلول " زوجك " محل الضمير لأن ~~فاعل فعل الأمر الواحد المذكور نحو: " قم واسكن " لا يكون إلا ضميرا ~~مستترا وكذلك فاعل يفعل، فكيف يصح وقوع الظاهر المضمر الذي قبله؟ وهذا ~~الذي يزعم ليس بشيء؛ لأن مذهب سيبويه بنصه يخالفه؛ ولأنه لا خلاف في ~~صحة " تقوم هند وزيد " ولا يصح مباشرة ms0281 " زيد " لا " تقوم " لتأنيثه. # و " السكون " و " السكنى ": الاستقرار، ومنه " المسكين " ~~لعدم حركته وتصرفه، والسكين لأنها تقطع حركة المذبوح، والسكينة ~~لأن بها يذهب القلق. # وسكان السفينة عربي لأنه يسكنها عن الاضطراب، والسكن: النار. # قال الشاعر: [مشطور السريع] # 389-............................. # قد قومت بسكن وأدهان # و " الجن ": مفعول به لا ظرف، نحو: " سكنت الدار ". # وقيل: هي ظرف على الاتساع، وكان الأصل تعديته إليها ب " في " لكونها ~~ظرف مكان مختص، وما بعد القول منصوب به. # فصل في بيان هل الأمر في الآية للإباحة أو لغير ذلك # اختلفوا في قوله: " اسكن " هل هو أمر أو إباحة؟ # فروي عن قتادة: أن الله ابتلى آدم بإسكان الجنة كما ابتلى الملائكة ~~بالسجود، وذلك لأن كلفه بأن يكون في الجنة يأكل منها حيث شاء، ونهاه ~~عن شجرة واحدة. # وقال آخرون: إن ذلك إباحة. # والصحيح أن ذلك الإسكان مشتمل على إباحة، وهي الانتفاع بجميع نعم الجنة ~~وعلى تكليف، وهو النهي عن أكل الشجرة. # قال بعضهم: قوله: " اسكن " تنبيه عن الخروج؛ لأن السكنى لا تكون ~~ملكا؛ لأن من أسكن رجلا مسكنا له فإنه لا يملكه بالسكنى، وأن له ~~أن يخرجه منه إذا انقضت مدة الإسكان، وكان " الشعبي " يقول: إذا قال ~~الرجل: داري لك سكنى حتى تموت، فهي له حياته وموته، وإذا قال: داري ~~هذه اسكنها حتى تموت، فإنها ترجع إلى صاحبها إذا مات، ونحو ~~السكنى العمرى، إلا أن الخلاف في العمرى أقوى منه في السكنى. # قال " الحربي ": سمعت " ابن الأعرابي " يقول: لم يختلف العرب في أن ~~هذه الأشياء على ملك أربابها، ومنافعها لمن جعلت له العمرى ~~والرقبى والإفقار والإخبال والمنحة والعرية والسكنى ~~والإطراق. # فصل في وقت خلق حواء # اختلفوا في الوقت الذي خلقت زوجته فيه، فذكر " السدي " عن ابن ~~مسعود، وابن عباس، وناس من الصحابة رضي الله عنهم: أن الله - تعالى - ~~لما أخرج " إبليس " من الجنة، وأسكن آدم بقي فيها وحده ما كان معه ~~من يستأنس به، فألقى الله - تعالى - عليه النوم، ثم أخذ ضلعا من ~~أضلاعه من شقه الأيسر، ووضع مكانه ms0282 لحما، وخلق حواء منه، فلما استيقظ ~~وجد عند رأسه امرأة قاعدة فسألها ما أنت؟ قالت: امرأة. قال: ولم ~~خلقت؟ قالت لتسكن إلي فقالت الملائكة: لنجرب علمه من عنده، قال: ~~امرأة، قيل: ولم سميت امرأة؟ قال: لأنها من المرأء أخذت، فقالوا له: ما ~~اسمها؟ قال: حواء، قالوا: ولم سميت حواء؟ قال: لأنها خلقت من حي. # وعن " ابن عباس " رضي الله عنهما قال: " بعث الله جندا من الملائكة، ~~فحملوا آدم وحواء - عليهما الصلاة والسلام - على سرير من ذهب ~~كما يحمل الملوك، ولباسهما النور حتى أدخلا الجنة ". # فهذا الخبر يدل على أن حواء خلقت قبل إدخالهما الجنة. # روى الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " إن المرأة خلقت من ضلع الرجل، فإذا أردت تقويمها ~~كسرتها، وإن تركتها انتفعت بها واستقامت " # ، وهذا القول منقول " عن أبي بن كعب، وابن عباس ووهب بن منبه، وسفيان بن ~~عيينة ". # واختاره ابن قتيبة في " المغازي " ، [والقاضي منذر بن سعيد البلوطي] ~~وحكاه عن " أبي حنيفة " وأصحابه، وهو نص التوراة التي بأيدي أهل الكتاب. # وفي رواية: # " وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه؛ لن تستقيم لك على ~~طريقة واحدة، فإن استمتعت بها، استمتعت وبها عوج، وإن ذهبت ~~تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها " # ؛ وقال الشاعر: [الطويل] # 390- هي الضلع العوجاء لست تقيمها # ألا إن تقويم الضلوع انكسارها # أتجمع ضعفا واقتدارا على الفتى # أليس عجيبا ضعفها واقتدارها # فصل في بيان خلافهم في الجنة المقصودة # اختلفوا في هذه الجنة هل كانت في الأرض أو في السماء؟ وبتقدير أنها كانت ~~في السماء، فهل هي دار ثواب أو جنة الخلد؟ # فقال أبو القاسم البلخي، وأبو مسلم الأصفهاني: هذه الجنة كانت في ~~الأرض وحملا الإهباط على الانتقال من بقعة إلى بقعة كما في قوله: # اهبطوا مصرا # [البقرة: 61] واحتجا عليه بوجوه: # أحدها: أن هذه الجنة لو كانت هي دار الثواب لكانت جنة الخلد، ولو كان ~~آدم في جنة الخلد لما لحقه الغرور من " إبليس " ولما صح قوله: # ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن ~~تكونا ملكين ms0283 أو تكونا من الخالدين # [الأعراف: 20]. # وثانيها: أن من دخل هذه الجنة لا يخرج منها لقوله تعالى: # وما هم منها بمخرجين # [الحجر: 48]. # وثالثها: أن إبليس لما امتنع عن السجود لعن فما كان يقدر مع غضب الله أن ~~يصل إلى جنة الخلد. # ورابعها: أن جنة الخلد لا يفنى نعيمها لقوله: # وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها # [هود: 108] إلى أن قال: # عطآء غير مجذوذ # [هود: 108] أي: غير مقطوع. # وخامسها: لا نزاع في أن الله - تعالى - خلق آدم في الأرض، ولم يذكر ~~في هذه القصة أنه نقله إلى السماء، ولو كان - تعالى - قد نقله إلى ~~السماء لكان أولى بالذكر؛ لأن نقله من الأرض إلى السماء من أعظم النعم، ~~فدل على أن ذلك لم يحصل، وذلك يوجب أن هذه الجنة غير جنة الخلد. # وقال " الجبائي ": أن تلك الجنة كانت في السماء السابعة، ~~والدليل عليه قوله: { اهبطوا منها } ثم إن الاهباط الأول كان من ~~السماء السابعة إلى السماء الأولى، والإهباط الثاني كان من السماء ~~إلى الأرض. # وقال أكثر العلماء: إنها دار الثواب؛ لأن الألف واللام في لفظ ~~الجنة لا يفيدان العموم؛ لأن سكون جميع الجنان محال، فلا بد من ~~صرفها إلى المعهود السابق، وجنة الخلد هي المعهودة بين المسلمين، ~~فوجب صرف اللفظ إليها. # وقال بعضهم: الكل ممكن، والأدلة النقلية ضعيفة ومتعارضة، فوجب ~~التوقف وترك القطع، والله أعلم. # فصل في إعراب الآية # قوله: { وكلا منها رغدا } هذه الجملة عطف على " اسكن " ، فهي ~~في محل نصب بالقول، وأصل " كل ": " اؤكل " بهمزتين: الأولى همزة وصل، ~~والثانية فاء الكلمة، فلو جاءت هذه الكلمة على الأصل لقيل: أوكل بإبدال ~~الثانية حرفا مجانسا لحركة ما قبلها، إلا أن العرب حذفت فاءه في الأمر ~~تخفيفا، فاستغنت حينئذ عن همزة الوصل، فوزنه " عل " ومثله: " خذ ~~" و " مر " ، ولا يقاس على هذه الأفعال غيرها، فلا تقول: من " أجر - ~~جر " ولا ترد العرب هذه الفاء في العطف، بل تقول: " قم وخذ وكل " ~~إلا " مر " ، فإن الكثير رد فاءه بعد الواو والفاء، قال تعالى: # وأمر أهلك ms0284 # [طه: 132]، وعدم الرد قليل. # وحكى سيبويه " اؤكل " على الأصل، وهو شاذ. # وقال " ابن عطية ": حذفت النون من " كلا " للأمر. # وهذه العبارة موهمة لمذهب الكوفيين من أن الأمر عندهم معرب على ~~التدريج، وهو عند البصريين محمول على المجزوم، فإن سكن المجزوم سكن الأمر ~~منه، وإن حذف منه حرف حذف من الأمر. # و " منها " متعلق به، و " من " للتبعيض، ولا بد من حذف مضاف أي: من ~~ثمارها ويجوز أن تكون " من " لابتداء الغاية، وهو حسن. # فإن قيل: ما الحكمة في عطفه هنا " وكلا " بالواو، وفي " الأعراف " ~~بالفاء؟ # والجواب: كل فعل عطف عليه شيء، وكان الفعل بمنزلة الشرط، وذلك ~~الشيء بمنزلة الجزاء، عطف الثاني على الأول بالفاء دون الواو، كقوله ~~تعالى: # وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها # [البقرة: 58] فعطف " كلوا " على " ادخلوا " بالفاء لما كان وجود الأكل ~~منها متعلقا بدخولها فكأنه قال: إن دخلتموها أكلتم منها، فالدخول موصل ~~إلى الأكل، والأكل متعلق وجوده بوجوده يبين ذلك قوله في سورة " ~~الأعراف ": # وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا # [الأعراف: 161] فعطف " كلوا " على قوله: " اسكنوا " بالواو دون الفاء؛ ~~لأن " اسكنوا " من السكنى، وهو المقام مع طول اللبث والأكل لا يختص ~~وجوده بوجوده؛ لأن من دخل بستانا قد يأكل منه، وإن كان مجتازا، فلما لم ~~يتعلق الثاني بالأول تعلق الجزاء بالشرط وجب العطف بالواو دون الفاء. ~~إذا ثبت هذا فقوله: " اسكن " يقال لمن أراد منه، الزم المكان الذي ~~دخلته، فلا تنفك عنه، ويقال أيضا لمن لم يدخله: اسكن هذا المكان يعني: ~~ادخله واسكن فيه، فقوله في سورة البقرة: { اسكن أنت وزوجك ~~الجنة وكلا } إنما ورد بعد أن كان آدم في الجنة، فكان المراد ~~منه اللبث والاستقرار، وقد بينا أن الأكل لا يتعلق به، فلهذا ~~ورد بلفظ الواو، وفي سورة " الأعراف " هذا الأمر إنما ورد قبل دخول ~~الجنة، فكان المراد منه دخول الجنة، وقد بينا أن الأكل متعلق به، ~~فلهذا ورد بلفظ الفاء، والله أعلم. # و " رغدا " نعت لمصدر محذوف، وقد تقدم أن مذهب سيبويه في ms0285 هذا ونحوه ~~أن ينتصب حالا. # وقيل: هو مصدر في موضع الحال أي: كلا طيبين مهنأين. # وقرأ النخعي: وابن وثاب: " رغدا " بسكون الغين، وهي لغة " ~~تميم ". # وقال بعضهم: كل فعل حلقي العين صحيح اللام يجوز فتح عينه ~~وتسكينها، نحو: " نهر وبحر " وهي لغة " تميم ". # وهذا فيه نظر، بل المنقول أن " فعلا " بسكون العين إذا كانت عينه ~~حلقية لا يجوز فتحها عند البصريين؛ إلا أن يسمع فيقتصر عليه، ويكون ~~ذلك على لغتين؛ لأن إحداهما مأخوذة من الأخرى. # وأما الكوفيون فبعض هذا عندهم ذو لغتين، وبعضه أصله السكون، ويجوز ~~فتحه قياسا، أما أن " فعلا " المفتوح العين الحلقيها يجوز فيه ~~التسكين، فيجوز في السحر: السحر، فهذا لا يجيزه أحد. # و " الرغد " الواسع الهنيء؛ قال امرؤ القيس: [الرمل] # 391- بينما المرء تراه ناعما # يأمن الأحداث في عيش رغد # ويقال: رغد عيشهم - بضم الغين وبكسرها - وأرغد القوم: صاروا في ~~رغد. # " حيث شئتما " حيث: ظرف مكان، والمشهور بناؤها على الضم لشبهها ~~بالحرف في الافتقار إلى جملة، وكانت حركتها ضمة تشبيها ب " قبل ~~وبعد ". # ونقل " الكسائي " إعرابها عن " قيس " وفيها لغات: " حيث " بتثليث ~~الثاء، و " حوث " بتثليثها أيضا، ونقل: " حاث " بالألف. # وهي لازمة الظرفية لا تتصرف، وقد تجر ب " من " كقوله تعالى: # من حيث أمركم الله # [البقرة: 222] # من حيث لا يعلمون # [الأعراف: 182] وهي لازمة للإضافة إلى جملة مطلقا، ولا تضاف إلى المفرد ~~إلا نادرا؛ قالوا: [الرجز] # 392- أما ترى حيث سهيل طالعا # وقال آخر: [الطويل] # 393- ونطعنهم تحت الحبى بعد ضربهم # ببيض المواضي حيث لي العمائم # وقد تزداد عليها " ما " فتجزم فعلين شرطا وجزاء ك " إن " ، ولا يجزم ~~بها دون " ما " خلافا لقوم، وقد تشرب معنى التعليل، وزعم الأخفش ~~أنها تكون ظرف زمان، وأنشد: [المديد] # 394- للفتى عقل يعيش به # حيث تهدي ساقه قدمه # ولا دليل فيه، لأنها على بابها. والعامل فيها هنا " كلا " أي: " كلا ~~أي مكان شئتما " توسعه عليهما. # وأجاز " أبو البقاء " أن تكون بدلا من " الجنة " قال: " لأن الجنة ~~مفعول بهما، فيكون حيث مفعولا به " وفيه نظر؛ لأنها لا ms0286 تتصرف كما تقدم ~~إلا بالجر ب " من ". # و " شئتما " الجملة في محل خفض بإضافة الظرف إليه. وهل الكسرة التي على ~~الشين أصل كقولك: جئتما وخفتما، أو محولة من فتحة لتدل على ذوات الياء ~~نحو: يعتمد؟ # قولان مبنيان على وزن شاء ما هو؟ فمذهب المبرد أنه: " فعل " بفتح ~~العين، ومذهب سيبويه " فعل " بكسرها، ولا يخفى تصريفهما. # قوله: { ولا تقربا هذه الشجرة } " لا " ناهية و " ~~تقربا " مجزوم بها حذفت نونه. # وقرىء: " تقربا " بكسر حرف المضارعة، و " الألف " فاعل، وتقول: " ~~قربت " الأمر " أقربه " - بكسر العين في الماضي وفتحها في ~~المضارع أي: التبست به. # وقال " الجوهري " " قرب " - بالضم - " يقرب " - " قربا " ~~أي دنا. و " قربته " - بالكسر - " قربانا " دنوت منه. # وقربت - أقرب - قرابة - مثل: كتبت - أكتب - كتابة ~~- إذا سرت إلى الماء وبينك وبينه ليلة. # وقيل: إذا قيل: لا تقرب - بفتح الراء كان معناه - لا تلتبس ~~بالفعل، وإذا قيل: لا تقرب - بالضم - لا تدن منه. # و " هذه " مفعول به اسم إشارة للمؤنث، وفيها لغات: هذي وهذه ~~وهذه بكسر الهاء بإشباع [ودونه] " وهذه " بسكونها و " ذه " بكسر ~~الذال فقط، والهاء بدل من الياء لقربها منها في الخفاء. # قال " ابن عطية " ونقل أيضا عن النحاس وليس في الكلام هاء تأنيث ~~مكسور ما قبلها غير " هذه " ، وفيه نظر؛ لأن تلك الهاء التي تدل على ~~التأنيث ليست هذه؛ لأن " تيك " بدل من تاء التأنيث في الوقف، وأما هذه ~~الهاء فلا دلالة لها على التأنيث، بل الدال عليه مجموع الكلمة كما لا ~~يقال: الياء في " هذي " للتأنيث، وحكمها في القرب والبعد والتوسط، ~~ودخول هاء التنبيه وكاف الخطاب حكم " ذا " وقد تقدم. # ويقال فيها أيضا: " تيك " و " تيلك " و " تالك "؛ قال: [الوافر] # 395- تعلم أن بعد الغي رشدا # وأن لتالك العمر انكسارا # قال هشام: ويقال: " تا فعلت "؛ وأنشد [الطويل] # 396- خليلي لولا ساكن الدار لم أقم # بتا الدار إلا عابر ابن سبيل # و " الشجرة " بدل من " هذه ". # وقيل: نعت لها لتأويلها بمشتق، أي: بهذه الحاضرة من الشجر. والمشهور ~~أن اسم الإشارة إذا وقع بعده مشتق ms0287 كان نعتا له، وإن كان جامدا كان ~~بدلا منه. # و " الشجرة " واحدة " الشجر ": اسم جنس، وهو ما كان على ساق، وله ~~أغصان، وقيل: لا حاجة إلى ذلك لقوله تعالى: # وأنبتنا عليه شجرة من يقطين # [الصافات:146] مع أنها كالزرع والبطيخ، فلم يخرجه ذهابه على وجه ~~الأرض من أن يكون شجرا. # قال المبرد: " وأحسب كل ما تفرعت له عيدان وأغصان، فالعرب تسميه ~~شجرا في وقت تشعبه ". # وأصل هذا أنه كلما تشجر، أي: أخذ يمنة ويسرة، يقال: رأيت فلانا قد ~~شجرته الرماح، قال تعالى: # حتى يحكموك فيما شجر بينهم # [النساء: 65] وتشاجر الرجلان في أمر كذا. # وقرىء: " الشجرة " بكسر الشين والجيم، وبإبدالها ياء مع فتح ~~الشين، وكسرها؛ لقربها منها مخرجا؛ كما أبدلت الجيم منها في قوله: ~~[الرجز] # 397- يا رب إن كنت قبلت حجتج # فلا يزال شاحج يأتيك بج # يريد: حجتي وبي. # وقال الراجز أيضا: [الرجز] # 398- خالي عويف وأبو علج # ألمطعمان اللحم بالعشج # يريد: أبو علي، وبالعشي. # وقال الشاعر في " شيرة ": [الطويل] # 399- إذا لم يكن فيكن ظل ولا جنى # فأبعدكن الله من شيرات # وقال أبو عمرو: إنما يقرأ بها برابر مكة وسودانها، وجمعت " الشجرة " ~~على " شجراء " ، ولم يأت جمع على هذه الزنة إلا قصبة وقصباء، ~~وطرفة وطرفاء، وحلفة وحلفاء. # وكان الأصمعي يقول: " حلفة - بكسر اللام " وعند سيبويه أن هذه ~~الألفاظ واحدة وجمع. # و " المشجرة ": موضع الأشجار، وأرض مشجرة، وهذه الأرض أشجر من هذه أي ~~أكثر شجرا، قاله الجوهري. # فصل في جنس الشجرة المذكورة # اختلف العلماء في هذه الشجرة المنهي عنها، فروي عن بعض العلماء أنه نهى ~~عن جنس من الشجر. # وقال آخرون: إنما نهى عن شجر بعينه، واختلفوا في تلك الشجرة. # روى السدي عن ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن جبير، وجعدة بن ~~هبيرة هي الكرم، ولذلك حرمت علينا الخمر. # وقال ابن عباس أيضا: وأبو مالك وقتادة، ورواه أبو بكر الصديق - رضي ~~الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم هي السنبلة، والحبة منها ~~كشكل البقر، أحلى من العسل، وألين من الزبد، قاله وهب بن ms0288 منبه. # ونقل ابن جريج عن بعض الصحابة أنها التين، وهو مروي أيضا عن مجاهد ~~وقتادة، ولذلك تعبر في الرؤيا بالندامة لآكلها، ذكره السهيلي. # وروي عن قتادة أيضا هي شجرة العلم، وفيها من كل شيء. # وقال علي: شجرة الكافور. # فصل في الإشعار بأن سكنى آدم لا تدوم. # قال بعض أرباب المعاني في قوله: " ولا تقربا " إشعار بالوقوع في ~~الخطيئة، والخروج من الجنة، وأن سكناه فيها لا يدوم، لأن ~~المخلد لا يخطر عليه شيء، والدليل على هذا قوله تعالى: # إني جاعل في الأرض خليفة # [البقرة: 30] فدل على خروجه منها. # فصل في المراد بالنهي عن الأكل من الشجرة # هذا النهي نهي تحريم، أو تنزيه؟ فيه خلاف. # قال قوم: هذا نهي تنزيه؛ لأن هذه الصيغة وردت في التنزيه والتحريم، ~~والأصل عدم الاشتراك فلا بد من جعل اللفظ حقيقة في القدر المشترك ~~بين القسمين، وما ذلك إلا أن يجعل حقيقة في ترجيح جانب الترك على جانب ~~الفعل، من غير أن يكون فيه دلالة على المنع من الفعل، أو الإطلاق فيه كان ~~ثابتا بحكم الأصل، فإن الأصل في المنافع الإباحة، فإذا ضممنا ~~مدلول اللفظ إلى هذا الأصل صار المجموع دليلا على التنزيه، قالوا: ~~وهذا هو الأولى بهذا المقام؛ لأن على هذا التقدير يرجع حاصل معصية آدم ~~- عليه الصلاة والسلام - إلى ترك الأولى، ومعلوم أن كل مذهب أفضى إلى ~~عصمة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - كان أولى. # وقال آخرون: بل هذا نهي تحريم، واحتجوا عليه بأمور: # أحدها: أن قوله: { ولا تقربا هذه الشجرة } كقوله: # ولا تقربوهن حتى يطهرن # [البقرة: 222] وقوله: # ولا تقربوا مال اليتيم # [الإسراء: 34] فكما أن هذا للتحريم فكذا الأول. # وثانيها: قوله: { فتكونا من الظالمين } أي: إن أكلتما منها ~~ظلمتما أنفسكما ألا ترى لما أكلا # قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا # [الأعراف: 23]. # وثالثها: لو كان للتنزيه لما استحق آدم بفعله الإخراج من الجنة، ولما ~~وجبت التوبة عليه. # قال ابن الخطيب: الجواب عن الأول: أن النهي وإن كان في الأصل ~~للتنزيه، لكنه قد يحمل على التحريم بدليل منفصل. # وعن الثاني: ms0289 أن قوله تعالى: { فتكونا من الظالمين } أي: ~~فتظلما أنفسكما بفعل ما الأولى بكما تركه؛ لأنكما إذا فعلتما ذلك أخرجتما ~~من الجنة التي لا تظمآن فيها، ولا تضحيان ولا تجوعان ولا ~~تقربان إلى موضع ليس فيه شيء من هذا. # وعن الثالث: أنا لا نسلم أن الإخراج من الجنة كان لهذا السبب. # فصل في فحوى الآية # قال قوم قوله تعالى: { ولا تقربا هذه الشجرة } يفيد ~~بفحواه النهي عن الأكل؛ وفيه نظر لأن النهي عن القربان لا يستلزم ~~النهي عن الأكل؛ إذ ربما كان الصلاح في ترك قربها مع أنه لو حمل إليه ~~لجاز له أكله، بل الظاهر [إنما] يتناول النهي عن القرب. # وأما النهي عن الأكل، فإنما عرف بدلائل أخرى وهي قوله تعالى: # فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما # [الأعراف: 22] ولأنه حدث الكلام بالأكل فقال: { وكلا منها رغدا ~~حيث شئتما } فصار ذلك كالدلالة على أنه تعالى نهاهما عن ~~أكل ثمرة الشجرة، لكن النهي بهذا القول يعم الأكل، وسائر الانتفاعات، ~~ولو كان نص على الأكل ما كان يعم ذلك، ففيه مزيد فائدة. # قوله: { فتكونا من الظالمين } فتكونا: فيه وجهان: # أحدهما: أن يكون مجزوما عطفا على " تقربا "؛ كقوله: [الطويل] # 400- فقلت له: صوب ولا تجهدنه # فيدرك من أعلى القطاة فتزلق # والثاني: أنه منصوب على جواب النهي لقوله تعالى: # ولا تطغوا فيه فيحل # [طه: 81] والنصب بإضمار " أن " عند البصريين، وبالفاء نفسها عند ~~الجرمي، وبالخلاف عند الكوفيين. وهكذا كل ما يأتي مثل هذا. # و " الظالمين " خبر " كان ". # و " الظلم ": وضع الشيء في غير موضعه، ومنه قيل للأرض التي لم ~~تستحق الحفر، فتحفر: مظلومة، قال النابغة: [البسيط] # 401- إلا الأواري لأيا ما أبينها # والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد # وقيل: سميت مظلومة؛ لأن المطر لم يأتها، قال عمرو بن ~~قميئة: [الكامل] # 402- ظلم البطاح بها انهلال حريصة # فصفا النطاف بها بعيد المقلع # وقالوا: " من أشبه أباه فما ظلم "؛ قال: [الرجز] # 403- بأبه اقتدى عدي في الكرم # ومن يشابه أبه فما ظلم # والمراد من الآية هو أنكما إن أكلتما منها فقد ظلمتما أنفسكما؛ لأن ms0290 ~~الأكل من الشجرة لا يقتضي ظلم الغير، وقد يكون ظالما بأن يظلم نفسه، ~~وبأن يظلم غيره، فظلم النفس أعم وأعظم. والظلم على وجوه: # الأول: ظلم الظالم لنفسه بالمعصية كهذه الآية أي: فتكونا من العاصين. # الثاني: الظالمون المشركون، قال تعالى: # ألا لعنة الله على الظالمين # [هود: 18] يعني: المشركين. # الثالث: الظلم: الضرر، قال تعالى: # وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # [النحل: 118]، أي: ما ضررناهم، ولكن كانوا أنفسهم يضرون. # الرابع: الظلم: الجحود، قال تعالى: # وما كانوا بآياتنا يجحدون # [الأعراف: 51] ومثله: " فظلموا بها " أي: فجحدوا بها. ### || [2.36] # المفعول في قوله: " فأزلهما الشيطان " واجب التقديم، لأنه ~~ضمير متصل، والفاعل ظاهر، وكل ما كان كذا فهذا حكمه. # وقرأ " حمزة ": " فأزالهما " والقراءتان يحتمل أن تكونا بمعنى واحد، ~~وذلك أن قراءة الجماعة " أزلهما " يجوز أن تكون من " زل عن ~~المكان ": إذا تنحى عنه، فتكون من الزوال كقراءة " حمزة " ، ويدل عليه ~~قول امرىء القيس: [الطويل] # 404- كميت يزل اللبد عن حال متنه # كما زلت الصفواء بالمتنزل # وقال أيضا: [الطويل] # 405- يزل الغلام الخف عن صهواته # ويلوي بأثواب العنيف المثقل # فرددنا قراءة الجماعة إلى قراءة " حمزة " ، أو نرد قراءة " حمزة " إلى ~~قراءة الجماعة بأن نقول: معنى أزالهما: أي صرفهما عن طاعة الله، فأوقعهما ~~في الزلة؛ لأن إغواءه وإيقاعه لهما في الزلة سبب للزوال، ويحتمل ~~أن تفيد كل قراءة معنى مستقلا، فقراءة الجماعة تؤذن بإيقاعهما في ~~الزلة، فيكون " زل " بمعنى: استزل، وقراءة " حمزة " تؤذن بتنحيتهما ~~عن مكانهما، ولا بد من المجاز في كلتا القراءتين، لأن الزلل ~~أصله من زلة القدم، فاستعمل هنا في زلة الرأي والتنحية لا يقدر عليها ~~الشيطان، وإنما يقدر على الوسوسة التي هي سبب التنحية. # و " عنها " متعلق بالفعل قبله، ومعنى " عن " هنا السببية إن أعدنا ~~الضمير على " الشجرة " أي: أوقعهما في الزلة بسبب الشجرة. # قال " الزمخشري " لفظة " عن " في هذه الآية كما في قوله: # وما فعلته عن أمري # [الكهف: 82]. # ويجوز أن تكون على بابها من المجاوزة إن عاد الضمير على " الجنة " ، ~~وهو الأظهر، لتقدم ذكرها، وتجيء عليه قراءة " حمزة ms0291 " واضحة، ولا تظهر ~~قراءته كل الظهور على كون الضمير ل " الشجرة ". # قال " ابن عطية " فأما من قرأ " أزالهما " فإنه يعود على " الجنة " ~~فقط. # وقيل: الضمير للطاعة، أو للحالة، أو للسماء، وإن لم يجر لهما ذكر ~~لدلالة السياق عليهما. وهذا بعيد جدا. # فإن قيل: إن الله - تعالى - قد أضاف الإزلال إلى " إبليس " فلم ~~عاتبهما على ذلك الفعل؟ # والجواب: أن قوله: " فأزلهما " أنهما عند وسوسته أتيا بذلك الفعل، ~~وأضيف ذلك إلى " إبليس " كما في قوله: # فلم يزدهم دعآئي إلا فرارا # [نوح: 6] قال تعالى حاكيا عن إبليس: # وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي # [إبراهيم: 22]، هذا قول المعتزلة، والتحقيق في هذه الإضافة ما ذكرناه، ~~وهو أن القادر على الفعل والترك مع التساوي يستحيل أن يكون موجدا ~~لأحد هذين الأمرين إلا عند انضمام الداعي إليه، والداعي في حق ~~العبد عبارة عن علم أو ظن، أو اعتقاد بكون الفعل مشتملا على مصلحة، ~~فإذا حصل ذلك العلم أو الظن بسبب منبه نبه عليه كان الفعل مضافا إلى ~~ذلك المنبه؛ لأنه هو الفاعل لما لأجله صار الفاعل بالقوة فاعلا ~~بالفعل، فهكذا المعنى انضاف - ها هنا - إلى الوسوسة. # فإن قيل: كيف كانت الوسوسة؟ # فالجواب: هي التي حكى الله عنها في قوله: # ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن ~~تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين # [الأعراف: 20] فلم يقبلا ذلك منه، فلما أيس عدل إلى اليمين على ما قال ~~تعالى: # وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين # [الأعراف: 21] فلم يصدقاه. # والظاهر أنه بعد ذلك عدل إلى شيء آخر، وهو أنه شغلهما باستيفاء ~~اللذات المباحة حتى صارا مستغرقين فيها، فحصل بسبب استغراقهما ~~فيها نسيان النهي، فعند ذلك حصل ما حصل، والله أعلم. # فصل في بيان كيف وسوس إبليس لآدم # اختلفوا في أنه كيف تمكن إبليس من وسوسة آدم عليه الصلاة والسلام ~~مع أن إبليس كان خارج الجنة، وآدم عليه الصلاة والسلام داخل الجنة؟ ~~وذكروا فيه وجوها: # أحدها: ما روي عن وهب بن منبه والسدي عن ابن عباس وغيره: ms0292 أن إبليس أراد ~~دخول الجنة، فمنعته الخزنة، فأتى الحية بعد ما عرض نفسه على سائر ~~الحيوانات فما قبله واحد من الحيوانات، فابتلعته الحية وأدخلته الجنة ~~خفية من الخزنة، فلما دخلت الحية الجنة خرج إبليس من فيها واشتغل ~~بالوسوسة، فلا جرم لعنت الحية، وسقطت قوائمها، وصارت تمشي على ~~بطنها، وجعل رزقها في التراب، وصارت عدوا لبني آدم، وأمرنا بقتلها في ~~الحل والحرم. # قال ابن الخطيب: وهذا وأمثاله يجب ألا يلتفت إليه؛ لأن إبليس لو قدر على ~~الدخول في فم الحية فلم لم يقدر على أن يجعل نفسه حية ثم يدخل ~~الجنة؟ ولأن الحية لو فعلت ذلك، فلم عوقبت مع أنها ليست بعاقلة ولا ~~مكلفة؟ وأيضا فلما خرج من بطنها صارت في الجنة كانت الملائكة والخزنة ~~يرونه. # وثانيها: أن " إبليس " دخل الجنة في صورة دابة، وهذا القول أقل ~~فسادا من الأول. # وثالثها: قال بعض أهل الأصول: لعل آدم وحواء - عليهما السلام - ~~كانا يخرجان إلى باب الجنة، وإبليس كان بقرب الماء يوسوس لهما. # ورابعها: قال الحسن: كان إبليس في الأرض، وأوصل الوسوسة إليهما في ~~الجنة. # قال بعضهم: هذا بعيد؛ لأن الوسوسة كلام خفي، والكلام الخفي لا يمكن ~~إيصاله من الأرض إلى السماء. # واختلفوا في أن " إبليس " باشر خطابهما، أو أوصل الوسوسة إليهما على ~~لسان بعض أتباعه. # حجة الأول: قوله تعالى: # وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين # [الأعراف: 21]وذلك يقتضي المشافهة، وكذا قوله: # فدلاهما بغرور # [الأعراف: 22]. # وحجة الثاني: أن آدم وحواء - عليهما الصلاة والسلام - كان ~~يعرفانه، ويعرفان ما عنده من العداوة والحسد، فيستحيل في العادة أن ~~يقبلا قوله، فلا بد وأن يكون المباشر للوسوسة بعض أتباع إبليس. # وقد يجاب عن هذا بأن إبليس لما خالف أمر ربه ولعن لعله انتقل من تلك ~~الصورة التي يعرف بها إلى صورة أخرى، ولعل إبليس تشكل لهما في صورة ~~لا يعرفانها، فإن له قدرة التشكل، والله أعلم. # فصل في بيان أن آدم عصى ربه ناسيا # اختلفوا في صدور ذلك الفعل عن آدم - عليه الصلاة والسلام - بعد النبوة، ~~هل فعله ms0293 ناسيا أو ذاكرا؟ # قال طائفة من المتكلمين: فعله ناسبا، واحتجوا بقوله تعالى: # فنسي ولم نجد له عزما # [طه: 115] ومثلوه بالصائم إذا أكل ناسيا، وهذا باطل من وجهين: # الأول: قوله تعالى: # ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن ~~تكونا ملكين # [الأعراف: 20]. # وقوله: # وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين # [الأعراف: 21] يدل على أنه ما نسي النهي حال الإقدام. # الثاني: أنه لو كان ناسيا لما عوتب على ذلك الفعل. # أما من حيث العقل فلأن الناسي غير قادر على الفعل فلا يكون مكلفا به ~~لقوله تعالى: # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # [البقرة: 286]. # وأما من حيث النقل فلقوله عليه الصلاة والسلام: # " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ". # وقد يجاب عن الأول بأنا لا نسلم أن آدم وحواء - عليهما الصلاة والسلام ~~- قبلا من إبليس ذلك الكلام وصدقاه؛ لأنهما لو صدقاه لكانت معصيتهما ~~في ذلك التصديق أعظم من أكل الشجرة؛ لأن إبليس لما قال لهما: # ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن ~~تكونا ملكين # [الأعراف: 20] الآية فقد ألقى إليهما سوء الظن بالله - تعالى - ~~ودعاهما إلى ترك التسليم لأمره، والرضا بحكمه، وأن يعتقدا فيه كون ~~إبليس ناصحا لهما، وأن الرب - تعالى - قد غشهما ولا شك أن هذه ~~الأشياء أعظم من أكل الشجرة، فوجب أن تكون المعاتبة في ذلك أشد، وأيضا ~~آدم - عليه الصلاة والسلام - كان عالما بتمرد " إبليس " ، وكونه مبغضا ~~له وحاسدا له، فكيف يجوز من العاقل أن يقبل قول عدوه مع هذه القرائن، ~~وليس في الآية أنهما أقدما على ذلك الفعل عند ذلك الكلام. # وأما الجواب الثاني: فهو أن العتاب إنما حصل على قلة التحفظ من أسباب ~~النسيان، وهذا الضرب من السهو موضوع عن المسلمين، وقد كان يجوز أن ~~يؤاخذوا به، وليس بموضوع عن الأنبياء لعظم خطرهم ومثلوه بقوله: # ينسآء النبي لستن كأحد من النسآء # [الأحزاب: 32]، ثم قال: # من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها ~~العذاب ضعفين # [الأحزاب: 30]. # وقال عليه الصلاة والسلام: # " أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل ~~فالأمثل " # ، ولقد كان على النبي صلى ms0294 الله عليه وسلم من التشديدات في التكليف ~~ما لم يكن على غيره. # وذكر بعض المفسرين أن حواء سقته الخمر، فسكر وفي أثناء السكر فعل ~~ذلك قالوا وهذا ليس ببعيد؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - كان مأذونا ~~له في تناول كل الأشياء سوى تلك الشجرة، فكان مأذونا له في تناول الخمر، ~~ولقائل أن يقول: إن خمر الجنة لا يسكر لقوله تعالى في صفة خمر الجنة: # لا فيها غول # [الصافات: 47]. # القول الثاني: أن آدم - عليه الصلاة والسلام - فعله عامدا؛ فها هنا ~~قولان: # أحدهما: أن ذلك النهي نهي تنزيه، لا نهي تحريم، وقد تقدم. # الثاني: أنه تعمد وأقدم على الأكل بسبب اجتهاد أخطأ فيه، وذلك لا يقتضي ~~كون الذنب كبيرة، وهذا اختيار أكثر المعتزلة. # وبيان خطأ الاجتهاد أنه لما قيل له: # ولا تقربا هذه الشجرة # [الأعراف: 19] فلفظ " هذه " يشار به إلى الشخص، وقد يشار به إلى ~~النوع، كما روي أنه - عليه الصلاة والسلام - أخذ حريرا وذهبا بيده ~~وقال: # " هذان حلال لإناث أمتي حرام على ذكورها " # وأراد به نوعهما، وتوضأ مرة وقال: # " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به " # وأراد نوعه، فلما سمع آدم - عليه الصلاة والسلام - قوله: { ولا ~~تقربا هذه الشجرة } ظن أن النهي إنما يتناول تلك الشجرة ~~المعينة، فتركها وتناول من شجرة أخرى من ذلك النوع، فكان مخطئا في ذلك ~~الاجتهاد؛ لأن مراد الله - تعالى - النهي عن النوع لا عن الشخص. # والاجتهاد في الفروع إذا كان خطأ لا يوجب استحقاق العقاب لاحتمال كونه ~~صغيرة مغفورة كما في شرعنا. # فإن قيل: الكلام على هذا القول من وجوه: # أحدها: أن كلمة " هذا " في أصل اللغة للإشارة إلى الشيء الحاضر، وهو ~~لا يكون إلا شيئا معينا، فإن أشير بها إلى النوع، فذاك على خلاف الأصل، ~~وأيضا فأنه - تعالى - لا تجوز الإشارة عليه، فوجب أن يكون أمر بعض ~~الملائكة بالإشارة إلى ذلك الشخص، فكان ما عداه خارجا عن النهي لا ~~محالة، وإذا ثبت هذا فالمجتهد مكلف يحمل اللفظ على حقيقته، فآدم - عليه ~~الصلاة والسلام - لما حمل ms0295 لفظ " هذه " على المعين كان قد فعل الواجب، ~~ولا يجوز له حمله على النوع، وهذا متأيد بأمرين: # أحدهما: أن قوله: # وكلا منها رغدا حيث شئتما # [البقرة: 35] أفاد الإذن في تناول كل ما في الجنة إلا ما خصه الدليل. # والثاني: أن العقل يقتضي حل الانتفاع بجميع المنافع إلا ما خصه ~~الدليل، والدليل المخصص لم يدل على ذلك المعين، وإذا ثبت هذا امتنع أن ~~يستحق بسبب تناول غيره وإن كان من ذلك النوع المنهي عنه عتابا، فوجب ~~على هذا أن يكون مصيبا لا مخطئا. # الاعتراض الثاني: هب أن لفظة " هذه " مترددة بين الشخص والنوع، ولكن هل ~~قرن الله بهذا اللفظ ما يدل على أن المراد منه النوع دون الشخص أو ~~لا؟ # فإن قرن به، فإما أن يقال: إن آدم - عليه الصلاة والسلام - قصر في معرفة ~~ذلك البيان، فحينئذ يكون قد أتى بالذنب وإن لم يقصر بل عرفه، فحينئذ ~~يكون إقدامه على التناول من شجرة من ذلك النوع إقداما على الذنب ~~قصدا. # الاعتراض الثالث: أن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - لا يجوز لهم ~~الاجتهاد؛ لأن الاجتهاد إقدام على العمل بالظن وذلك إنما يجوز في ~~حق من لا يتمكن من تحصيل العلم، أما الأنبياء فإنهم قادرون على ~~تحصيل اليقين، فوجب ألا يجوز لهم الاجتهاد؛ لأن الاكتفاء بالظن مع ~~القدرة على تحصيل اليقين غير جائز عقلا وشرعا، وذا ثبت ذلك ثبت أن ~~الإقدام على الاجتهاد معصية. # الاعتراض الرابع: هذه المسألة إما أن تكون من المسائل القطعية أو ~~الظنية، فإن كانت من القطعيات كان الخطأ فيها كبيرا، وحينئذ يعود ~~الإشكال، وإن كانت من الظنيات فإن قلنا: إن كل مجتهد مصيب فلا يتحقق ~~الخطأ فيها أصلا. # وإن قلنا: المصيب فيها واحد، والمخطيء فيها معذور بالاتفاق، فكيف صار ~~هذا القدر من الخطأ سببا لإخراج آدم - عليه الصلاة والسلام - من الجنة؟ # والجواب عن الأول: أن لفظة " هذا " وإن كان في الأصل إشارة إلى الشخص، ~~لكنه قد يستعمل في الإشارة إلى النوع كما تقدم بيانه. # والجواب عن الثاني: أن الله - سبحانه ms0296 وتعالى - كان قد قرن به ما دل ~~على أن المراد هو النوع، لكن لعل آدم - عليه الصلاة والسلام - قصر في ~~معرفة ذلك الدليل؛ لأنه ظن أنه لا يلزمه ذلك في الحال. # أو يقال: إنه عرف ذلك الدليل في وقت ما نهاه الله - تعالى - عن عين ~~الشجرة، فلما طالت المدة غفل عنه، لأن في الخبر أن آدم - عليه الصلاة ~~والسلام - بقي في الجنة الدهر الطويل، ثم أخرج. # والجواب عن الثالث: أنه لا حاجة هاهنا إلى إثبات أن الأنبياء تمسكوا ~~بالاجتهاد، فإنا بينا أن آدم - عليه الصلاة والسلام - قصر في ~~معرفة تلك الدلالة، وإن كان قد عرفها، لكنه قد نسيها، وهو المراد من ~~قوله تعالى: # فنسي ولم نجد له عزما # [طه: 115]. # والجواب عن الرابع: يمكن أن يقال [كانت] الدلالة قطيعة [إلا أنه] - ~~عليه الصلاة والسلام - لما نسيها صار النسيان عذرا في ألا يصير ~~الذنب كبيرا، أو يقال: كانت ظنية إلا أنه ترتب عليه من التشديدات ~~ما لم يترتب على خطأ سائر المجتهدين؛ لأن ذلك يجوز أن يختلف باختلاف ~~الأشخاص، وكما أن الرسول - عليه الصلاة والسلام - مخصوص بأمور كثيرة ~~في باب التشديدات بما لا يثبت في حق الأمة فكذا هاهنا. # واعلم أنه يمكن أن يقال في المسألة وجه آخر، وهو أنه - تعالى - لما قال: # ولا تقربا هذه الشجرة # [الأعراف: 19] فهم آدم - عليه الصلاة والسلام - من هذا النهي أنهما ~~إنما نهيا حال اجتماعهما؛ لأن قوله: " ولا تقربا " نهي لهما عن ~~الجمع، ولا يلزم من حصول النهي حال الاجتماع حصوله حال الاجتماع حال ~~الانفراد، فلعل الخطأ في الاجتهاد إنما وقع من هذا الوجه. # قوله: { فأخرجهما مما كانا فيه } # " الفاء " - هنا - فاء السببية. # وقال المهدوي: إذا جعل " فأزلهما " بمعنى زل عن المكان كان ~~قوله: { فأخرجهما مما كانا فيه } توكيدا، إذ قد يمكن أن ~~يزولا عن مكان كانا فيه إلى مكان آخر، وهذا الذي قاله المهدوي أشبه ~~شيء بالتأسيس لا التأكيد، لإفادته معنى جديدا. # قال " ابن عطية ": وهنا محذوف يدل عليه الظاهر تقديره: فأكلا من ~~الشجرة، يعني ms0297 بذلك أن المحذوف [يقدر] قبل قوله: " فأزلهما ". # و " مما كانا " متعلق ب " أخرج " ، و " ما " يجوز أن تكون موصولة ~~اسمية، وأن تكون نكرة موصوفة، أي: من المكان أو النعيم الذي كانا فيه، ~~أو من مكان، أو نعيم كانا فيه، فالجملة من " كان " واسمها وخبرها لا ~~محل لها على الأول ومحلها الجر على الثاني، و " من " لابتداء ~~الغابة. # فصل في قصة الإغواء # روي عن ابن عباس، وقتادة قال الله تعالى لآدم: ألم يك فيما أبحتك ~~الجنة مندوحة عن الشجرة، قال: بلى يا رب وعزتك، ولكن ما ظننت ~~أن أحدا يحلف بك كاذبا قال: فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض، ثم لا تنال ~~العيش إلا كدا، فأهبطا من الجنة، فكانا يأكلان فيها رغدا فعلم [صنعة] ~~الحديد، وأمر بالحرث فحرث وزرع وسقى، حتى إذا بلغ حصد، ثم داسه، ثم ~~ذراه، ثم طحنه، ثم خبزه، ثم أكله، فلم يبلغه حتى بلغ منه ما شاء الله ~~تعالى. ويروى أن " إبليس " أخذ من الشجرة التي نهى آدم - عليه الصلاة ~~والسلام - عنها فجاء بها إلى حواء فقال: انظري إلى هذه الشجرة ما ~~أطيب ريحها، وأطيب طعمها، وأحسن لونها، فلم يزل يغويها حتى أخذتها ~~فأكلتها وقالت لآدم: كل فإني قد أكلت فلم تضرني، فأكل منها فبدت لهما ~~سوآنهما، [وبقيا] عرايا، فطلبا ما يستتران به، فتباعدت الأشجار عنهما، ~~وبكتوه بالمعصية، فرحمته شجرة التين، فأخذ من ورقها، فاستتروا به ~~فبلي بالعري دون الشجر. # وقيل لحواء: كما أدميت الشجرة، فذلك يصيبك الدم كل شهر، وتحملين ~~وتضعين كرها، وتشرفين [به] على الموت، وزاد الطبري والنقاش، ~~وتكونين سفيهة وقد كنت حليمة [ولعنت] الحية وردت قوائمها في ~~جوفها، وجعلت العداوة بينها وبين بني آدم، ولذلك أمرنا بقتلها. # قوله: { اهبطوا } جملة أمرية في محل نصب بالقول قبلها، وحذفت الألف ~~من " اهبطوا " في اللفظ؛ لأنها ألف وصل، وحذفت الألف من " قلنا " في ~~اللفظ؛ لسكونها وسكون الهاء بعدها. # وقرىء: " اهبطوا " بضم الباء، وهو كثير في غير المتعدي. # وأما الماضي ف " هبط " بالفتح فقط، وجاء في مضارعه اللغتان، ~~والمصدر " الهبوط ms0298 " بالضم، وهو النزول. # وقيل: الانتقال مطلقا. # وقال المفضل: الهبوط: الخروج من البلد، وهو - أيضا - الدخول. # وفيه نظر: لأن " إبليس " حين أبى عن السجود أخرج من الجنة لقوله ~~تعالى: # فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها # [الأعراف: 13] وقوله: # فاخرج منها فإنك رجيم # [الحجر: 34] وزلة آدم وحواء إنما وقعت بعد ذلك بمدة طويلة، فكيف يكون ~~متناولا له فيها وهو من الأضداد؟ # والضمير في " اهبطوا " الظاهر أنه لجماعة، فقيل: لآدم وحواء والحية ~~وإبليس. # وقيل: لهما وللحية. وفيه بعد؛ لأن المكلفين بالإجماع هم الملائكة ~~والجن والإنس. # وقيل: لهما وللوسوسة. وفيه بعد. # وقيل: لبني آدم وبني إبليس، وهذا وإن كان نقل عن " مجاهد والحسن ~~" لا ينبغي أن يقال؛ لأنهما لم يولد لهما في الجنة بالاتفاق. وقال ~~الزمخشري: إنه يعود لآدم وحواء، والمراد هما وذريتهما؛ لأنهما ~~لما كانا أصل الإنس ومتشعبهم جعلا كأنهما الإنس كلهم، ويدل عليه: # قال اهبطا منها جميعا # [طه: 123]. وهذا ضعيف؛ لأن الذرية ما كانوا موجودين في ذلك الوقت، ~~فكيف يتناولهم الخطاب؟ أما من زعم أن أقل الجمع اثنان، فلا يرد عليه شيء ~~من هذا. # قوله: { بعضكم لبعض عدو } هذه جملة من مبتدأ وخبر، وفيها ~~قولان: # أصحهما: أنها في محل نصب على الحال، أي اهبطوا متعادين. # والثاني: أنها لا محل لها؛ لأنها استئناف إخبار بالعداوة. # وأفرد لفظ " عدو " وإن كان المراد به جمعا لأحد وجهين: # إما اعتبارا بلفظة " بعض " فإنه مفرد، وإما لأن " عدوا " أشبه ~~بالمصادر في الوزن ك " القبول " ونحوه. # وقد صرح " أبو البقاء " بأن بعضهم جعل " عدوا " مصدرا، قال: وقيل: " ~~عدو " مصدر ك " القبول والولوع " ، فلذلك لم يجمع. # وعبارة " مكي " قريبة من هذا. فإنه قال: وإنما وحد وقبله جمع؛ لأنه ~~بمعنى المصدر، تقديره: " ذوي عداوة " ونحوه: # فإنهم عدو لي # [الشعراء: 77] و # هم العدو فاحذرهم # [المنافقون: 4]. # واشتقاق العدو من " عدا " - " يعدو ": إذا ظلم. # وقيل: من " عدا " - " يعدو ": إذا جاوز الحق، وهما متقاربان. # وقيل: من عدوتي الجبل، وهما طرفاه، فاعتبروا بعد ما بينهما. # ويقال: عدوة، وقد يجمع على " أعداء ". # فأما حصول العداوة ms0299 بين آدم وإبليس فلقوله تعالى: # يآءادم إن هذا عدو لك ولزوجك # [طه: 117]، وقوله: # إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا # [فاطر: 6]. # وأما عداوة الحية فلما نقله أهل التفسير من إدخاله إبليس في فيها، ~~وقوله صلى الله عليه وسلم: # " اقتلوا الحيات صغيرها وكبيرها وأبيضها وأسودها، ~~فإن من قتلها كانت له فداء من النار ومن قتلته كان شهيدا ". # وما كان من الحيات في البيوت فلا يقتل حتى يؤذن ثلاثة أيام؛ لقوله ~~صلى الله عليه وسلم: # " إن بالمدينة جنا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ~~ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان ". # وفي رواية: # " إن لهذه البيوت عوامر فإذا رأيتم شيئا منها فحرجوا ~~عليها ثلاثا، فإن ذهب وإلا فاقتلوه فإنه كافر ". # وصفة الإنذار أن يقول: أنذرتكم بالعهد الذي أخذه عليكم نوح - عليه ~~الصلاة والسلام - وأنشدكم بالعهد الذي أخذه عليكم سليمان - عليه ~~الصلاة والسلام - أن تخرجوا. # وأما كون الجن حيات فلقوله عليه الصلاة والسلام: # " الجن على ثلاثة أثلاث فثلث لهم أجنحة يطيرون في ~~الهواء، وثلث حيات وكلاب، وثلث يحلون ويظعنون ". # واللام في " لبعض " متعلقة ب " عدو " ، فلما قدم عليه انتصب ~~حالا، فتتعلق اللام حينئذ بمحذوف، وهذه الجملة الحالية لا حاجة إلى ~~ادعاء حذف " واو " الحال منها؛ لأن الربط حصل بالضمير، وإن كان ~~الأكثر في الجمل الاسمية الواقعة حالا أن تقترن بالواو. # و " البعض " في الأصل مصدر بعض الشيء يبعضه، إذا قطعه فأطلق على ~~القطعة من الناس؛ لأنها قطعة منه، وهو مقابل " كلا " ، وحكمه حكمه في ~~لزوم الإضافة معنى، وأنه معرفة بنية الإضافة فلا تدخل عليه " أل " ~~وينتصب عنه الحال؛ تقول: " مررت ببعض جالسا " وله لفظ ومعنى، وقد تقدم ~~تقرير ذلك. # تنبيه # من قال: إن جنة آدم كانت في السماء فسر الهبوط بالنزول من العلو إلى ~~أسفل، ومن قال: إنها كانت في الأرض فسره بالتحول من مكان إلى آخر كقوله: # اهبطوا مصرا # [البقرة: 61]. # قوله: { ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين }. # هذه الجملة يجوز فيها الوجهان المتقدمان في الجملة قبلها من ms0300 الحالية، ~~والاستئناف كأنه قيل: اهبطوا مثعادين، ومستحقين الاستقرار. # و " لكم " خبر مقدم. و " في الأرض " متعلق بما تعلق به الخبر من ~~الاستقرار. # وتعلقه به على وجهين: # أحدهما: أنه حال. # والثاني: أنه غير حال، بل كسائر الظروف، ويجوز أن يكون " في الأرض " هو ~~الخبر، و " لكم " متعلق بما يتعلق به هو من الاستقرار، لكن على أنه غير ~~حال؛ لئلا يلزم تقديم الحال على عاملها المعنوي، على أن بعض النحويين ~~أجاز ذلك إذا كانت الحال نفسها ظرفا، أو حرف جر كهذه الآية، فيكون في " ~~لكم " أيضا الوجهان، قال بعضهم: ولا يجوز أن يكون " في الأرض " ~~متعلقا ب " مستقر " ، سواء جعل مكانا أو مصدرا؛ أما كونه مكانا ~~فلأن أسماء الأمكنة لا تعمل، وأما كونه مصدرا فلأن المصدر الموصول ~~لا يجوز تقديم معمول عليه. # ولقائل ان يقول: هو متعلق به على أنه مصدر، لكنه غير مؤول بحرف ~~مصدري، بل بمنزلة المصدر في قولهم: " له ذكاء ذكاء ~~الحكماء " وقد اعتذر صاحب هذا القول بهذا العذر نفسه في موضع آخر ~~مثل هذا. و " إلى حين " الظاهر أنه متعلق ب " متاع " ، وأن ~~المسألة من باب الإعمال؛ لأن كل واحد من قوله: " مستقر ومتاع " يطلب ~~قوله: " إلى حين " من جهة المعنى. وجاء الإعمال هنا على مختار ~~البصريين، وهو إعمال الثاني وإهمال الأول، فلذلك حذف منه، والتقدير: ~~ولكم في الأرض مستقر إليه، ومتاع إلى حين، ولو جاء على إعمال الأول ~~لأضمر في الثاني. # فإن قيل: من شرط الإعمال أن يصح تسلط كل من العاملين على المعمول، و " ~~مستقر " لا يصح تسلطه عليه لئلا يلزم الفصل بين المصدر ومعموله، ~~والمصدر بتقدير الموصول. # فالجواب: أن المحذور في المصدر الذي يراد به الحدث، وهذا لم يرد به ~~حدث، فلا يؤول بموصول، وأيضا فإن الظرف وشبهه فيه روائح الفعل حتى ~~الأعلام؛ كقوله: [الرجز] # 406- أنا ابن ماوية إذ جد النقر # و " مستقر " يجوز ان يكون اسم مكان، وأن يكون اسم مصدر، " مستفعل " من ~~القرار، وهو اللبث؛ ولذلك سميت الأرض قرارا؛ قال: [الكامل] # 407-............................... # فتركن كل ms0301 قرارة كالدرهم # ويقال: استقر وقر بمعنى واحد. # قال قوم: " المستقر ": حالتا الحياة والموت، وروى السدي عن ابن ~~عباس أن المستقر هو القبر، والأول أولى؛ لأنه - تعالى - قرن به ~~المتاع من الأكل والشرب وغيره، وذلك لا يليق إلا بحال الحياة؛ ~~ولأنه خاطبهم بذلك عند الإهباط، وذلك يقتضي الحياة والمتاع.: # واختار أبو البقاء أن يكون " إلى حين " في محل رفع صفة ل " ~~متاع ". # و " المتاع ": البلغة مأخوذة من متع النهار، أي: ارتفع. # وقال أبو العباس المقرىء: و " المتاع " على ثلاثة أوجه: # الأول: بمعنى " العيش " كهذه الآية. # الثاني: بمعنى: " المنفعة " قال تعالى: # أحل لكم صيد البحر وطعامه متعا لكم # [المائدة: 96] أي: منفعة لكم ولأنعامكم. # الثالث: بمعنى " قليل " قال تعالى: # وما الحيوة الدنيا في الآخرة إلا متع # [الرعد: 26] أي: قليل. # و " الحين ": القطعة من الزمان طويلة كانت أو قصيرة، وهذا هو المشهور. # وقيل: الوقت البعيد ويقال: عاملته محاينة، من الحين، ~~وأحينت بالمكان: إذا أقمت به حينا. وحان حين كذا، أي: قرب؛ ~~قالت بثينة: [الطويل] # 408- وإن سلوي عن جميل لساعة # من الدهر ما حانت ولا حان حينها # وقال بعضهم: تزاد عليه التاء فيقال: " تحين قمت " ، وسيأتي ~~تحقيقه إن شاء الله تعالى، وأنشد على زيادة التاء قوله: [الكامل] # 409- ألعاطفون تحين ما من عاطف # والمطعمون زمان أين المطعم # فصل في المراد بالحين # واختلفوا في " الحين " على أقوال فقالت فرقة: إلى الموت. # وقيل: إلى قيام الساعة، فالأول قول من يقول: المستقر هو البقاء في ~~الدنيا. # والثاني قول من يقول: المستقر هو في القبور. # وقيل: الحين: الأجل، والحين، المدة، قال تعالى: # هل أتى على الإنسان حين # [الإنسان: 1]. # والحين: الساعة، قال تعالى: # أو تقول حين ترى العذاب # [الزمر: 58] والحين ستة أشهر، قال تعالى: # تؤتي أكلها كل حين # [إبراهيم: 25] # وقيل كل سنة، والحين: الغدوة والعشية، قال تعالى: # فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون # [الروم:17]. # وقيل: الحين: اسم كالوقت يصح لجميع الأزمان كلها طالت أم قصرت. # فصل في هبوط آدم ومن معه # يروي أن آدم أهبط ب " سرنديب في الهند " بجبل يقال ms0302 له " نود " ، ومعه ~~ريح الجنة فعلق بشجرها، وأوديتها، فامتلأ ما هنالك طيبا، فمن ثم يؤتى ~~بالطيب من ريح آدم عليه الصلاة والسلام. # وكان السحاب يمسح رأسه فأصلع، فأورث ولده الصلع. # روى البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا ". # وأهبطت حواء ب " جدة " وإبليس ب " الأبلة " و " الأبلة " موضع من " ~~البصرة " على أميال، والحية ب " بيسان ". # وقيل: ب " سجستان " ، وقيل: ب " أصفهان " ، ولولا أن العربد ~~يأكلها ويغنى كثيرا منها لخلت " سجستان " من أجل الحيات. [ذكره أبو ~~الحسن المسعودي]. ### || [2.37] # الفاء في قوله: " فتلقى " عاطفة لهذه الجملة على ما قبلها، و " تلقى " " ~~تفعل " من اللقاء بمعنى المجرد. # وله معان أخر: مطاوعة " فعل " نحو: " كسرته فتكسر ". # والتجنب نحو: " تجنب " أي: جانب الجنب. # والتكلف نحو: تحلم. # والصيرورة: تألم. # والاتخاذ: نحو: تبنيت الصبي، أي: اتخذته ابنا. # ومواصلة العمل في مهلة نحو، تجرع وتفهم. # وموافقة استفعل نحو: تكبر. # والتوقع نحو: تخوف. # والطلب نحو: تنجز حاجته. # والتكثير نحو: تغطيت بالثياب. # والتلبس بالمسمى المشتق منه نحو: تقمص، أو العمل فيه نحو: ~~تسحر. # والختل: نحو: تغفلته. # وزعم بعضهم أن أصل " تلقى ": " تلقن " بالنون فأبدلت النون ~~ألفا، وهذا غلط؛ لأن ذلك إنما ورد في المضعف نحو " قصيت أظافري " ~~و " تظنيت " و " أمليت الكتاب " في " قصصت " و " تظننت " ~~، و " أمللت " فأحد الحرفين إنما يقلب ياء إذا تجانسا. # قال القفال: أصل التلقي هو التعرض للقاء، ثم وضع في موضع ~~الاستقبال للمتلقي، ثم يوضع القبول والأخذ، قال تعالى: # وإنك لتلقى القرءان من لدن حكيم عليم # [النمل:6] ويقال: خرجنا نتلقى [الحاج]، أي: نستقبلهم، وكان - عليه ~~الصلاة والسلام - يتلقى الوحي، أي: يستقبله ويأخذه. # وإذا كان هذا أصل الكلمة، وكان من تلقى رجلا فتلاقيا لقي كل واحد ~~صاحبه، فأضيف الاجتماع إليهما معا صلح أن يشتركا في الوصف بذلك، فجاز ~~أن يقال: تلقى آدم بالنصب على معنى جاءته عن الله - تعالى - كلمات، ~~و " من ربه " متعلق ب " تلقى " ، و " من " لابتداء الغاية مجازا. # وأجاز أبو البقاء أن يكون في الأصل ms0303 صفة ل " كلمات " فلما قدم انتصب ~~حالا، فيتعلق بمحذوف، و " كلمات " مفعول به. # وقرأ " ابن كثير " بنصب " آدم " ، ورفع " كلمات " ، وذلك أن من ~~تلقاك فقد تلقيته، فتصبح نسبة الفعل إلى كل واحد. # وقيل: لما كانت الكلمات سببا في توبته جعلت فاعلة، ولم يؤنث الفعل على ~~هذه القراءة وإن كان الفاعل مؤنثا؛ لأنه غير حقيقي، وللفصل أيضا، وهذا ~~سبيل كل فعل فصل بينه وبين فاعله المؤنث بشيء، أو كان الفاعل مؤنثا ~~مجازيا. # فصل في الكلمات التي دعا بها آدم ربه # اختلفوا في تلك الكلمات ما هي؟ # فروى " سعيد بن جبير " رضي الله عنه أن آدم - عليه الصلاة والسلام - ~~قال: يا رب ألم تخلقني بيدك بلا واسطة؟ قال: بلى، قال: يا رب ~~ألم تنفخ في من روحك؟ قال: بلى. # قال: ألم تسكني جنتك؟ قال: بلى. قال: يا رب ألم تسبق رحمتك غضبك؟ ~~قال: بلى. قال يا رب إن تبت وأصلحت تردني إلى الجنة؟ قال: بلى. فهو ~~قوله: { فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه }. # وزاد السدى فيه: يا رب هل كنت كتبت علي ذنبا؟ قال: نعم. # وقال النخعي: أتيت ابن عباس فقلت: ما الكلمات التي تلقى آدم من ربه؟ ~~قال: علم الله آدم وحواء أمر الحج فحجا، وهي الكلمات التي تقال في ~~الحج، فلما فرغا من الحج أوحى الله - تعالى - إليهما قبلت توبتكما. # وروي عن ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، والضحاك، ومجاهد، وقتادة في ~~قوله تعالى: # ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا ~~وترحمنا لنكونن من الخاسرين # [الأعراف: 23]، وعن مجاهد أيضا: " سبحانك اللهم لا إله إلا أنت ~~ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم ". # وقالت طائفة: رأي مكتوبا على ساق العرش: محمد رسول الله، فتشفع بذلك. # وعن ابن عباس، ووهب بن منبه أن الكلمات سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله ~~إلا أنت عملت سوءا، وظلمت نفسي [فاغفر لي إنك خير الغافرين، سبحانك ~~اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت عملت سوءا، وظلمت نفسي] فتب علي إنك أنت ~~التواب الرحيم. # قالت عائشة رضي ms0304 الله عنها: لما أراد الله أن يتوب على آدم، وطاف ~~بالبيت سبعا - والبيت حينئذ ربوة حمراء - فلما صلى ركعتين استقبل ~~البيت، وقال: # " اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي، فأقبل معذرتي، وتعلم حاجتي ~~فأعطني سؤلي، وتعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنوبي، اللهم إني أسألك ~~إيمانا يباشر قلبي، ويقينا صادقا حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما ~~كتبت لي ورضني بما قسمت لي " # فأوحى الله - تعالى - إلى آدم يا آدم قد غفرت لك ذنوبك، ولن يأتي أحد ~~من ذريتك فيدعوني بمثل الذي دعوتني إلا غفرت ذنبه، وكشفت همومه ~~وغمومه، ونزعت الفقر من عينيه، وجاءته الدنيا وهو لا يريدها. # قوله: { فتاب عليه } عطف على ما قبله، ولا بد من تقدير جملة ~~قبلها أي: فقالها. و " الكلمات " جمع " كلمة " وهي: اللفظ الدال على ~~معنى مفرد، وتطلق على الجمل المفيدة مجازا تسمية للكل باسم الجزء كقوله ~~تعالى: # إلى كلمة سوآء # [آل عمران: 64] ثم فسرها بقوله: # ألا نعبد # [آل عمران: 64] إلى آخر الآية، وقال: # كلا إنها كلمة # [المؤمنون: 100] يريد قوله: # رب ارجعون # [المؤمنون: 99] إلى آخره، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد " # وهو قوله: [الطويل] # 410- ألا كل شيء ما خلا الله باطل # وكل نعيم لا محالة زائل # فسمى هذا البيت كلمة، والتوبة: الرجوع، ومعنى وصف الله - تعالى - بذلك ~~أنه عبارة عن العطف على عباده، وإنقاذهم من العذاب. # وقيل: قبول توبته. # وقيل: خلقه الإنابة والرجوع في قلب المسمى، وآخر الطاعات على ~~جوارحه، ووصف العبد بها ظاهر؛ لأنه يرجع عن المعصية إلى الطاعة. # و " التواب الرحيم " صفتا مبالغة، ولا يختصان بالباري تعالى. # قال تعالى: # يحب التوابين # [البقرة: 222]، ولا يطلق عليه " تائب " ، وإن صرح بفعله مسند إليه ~~تعالى. وقدم " التواب " على " الرحيم " لمناسبة " فتاب عليه " ، ولأنه ~~مناسب لختم الفواصل بالرحيم. # وقوله: { إنه هو التواب الرحيم } نظير قوله تعالى: # إنك أنت العليم الحكيم # [البقرة: 32]. # وأدغم أبو عمرو هاء " إنه " في هاء " هو " ، واعترض على هذا بأن ~~بين المثلين ما يمنع من الإدغام وهو " الواو ms0305 "؛ وأجيب: بأن " الواو " ~~وصلة زائدة لا يعتد بها؛ بدليل سقوطها في قوله: [الوافر] # 411- له زجل كأنه صوت حاد # إذا طلب الوسيقة أو زمير # وقوله: [البسيط] # 412- أو معبر الظهر ينبي عن وليته # ما حج ربه في الدنيا ولا اعتمرا # والمشهور قراءة " إنه " بكسر " إن " ، وقرىء بفتحها على تقدير لام ~~العلة، وقرأ الأعمش: " آدم من ربه " مدغما. # فصل في نظم الآية # قوله: " فتاب عليه " أي: قبل توبته، أو وفقه للتوبة، وكان ذلك في يوم ~~عاشوراء في يوم الجمعة. # فإن قيل: لم قال " عليه " ولم يقل: " عليهما " ، وحواء مشاركة له في ~~الذنب. # فالجواب: أنها كانت تبعا له كما طوى حكم النساء في القرآن والسنة. # وقيل: لأنه خصه بالذكر في أول القصة بقوله: # اسكن # [البقرة: 35]، فكذلك خصه بالذكر في التلقي. # وقيل: لأن المرأة حرمة ومستورة، فأراد الله الستر بها، ولذلك لم ~~يذكرها في القصة في قوله: # وعصى ءادم ربه فغوى # [طه: 121]. ### || [2.38] # كرر قوله: " قلنا: اهبطوا "؛ لأن الهبوطين مختلفان باعتبار تعلقهما، ~~فالهبوط الأول علق به العداوة، والثاني علق به إتيان الهدى. # وقيل: لأن الهبوط الأول من الجنة إلى السماء، والثاني من السماء إلى ~~الأرض. واستبعده بعضهم لوجهين: # الأول: لقوله: # ولكم في الأرض مستقر # [البقرة: 36] وذكر هذا في الهبوط الثاني أولى. وهذا ضعيف؛ لأنه يجوز ~~أن يراد: ولكم في الأرض مستقر بعد ذلك. # وثانيهما: أنه قال في الهبوط الثاني: " اهبطوا منها جميعا ~~" ، والضمير في " منها " عائد إلى " الجنة " وذلك يقتضي كون الهبوط ~~الثاني من الجنة. # قال " ابن عطية ": وحكى " النقاش " أن الهبوط الثاني إنما هو من ~~الجنة إلى السماء، والأولى في ترتيب الآية إنما هو إلى الأرض، وهو ~~الآخر في الوقوع. # وقيل: كرر على سبيل التأكيد نحو قولك: " قم قم ". # والضمير في " منها " يعود على الجنة، أو السماء. # قال " ابن الخطيب ": وعندي فيه وجه ثالث، وهو أن آدم لما أتيا ~~بالزلة أمرا بالهبوط، فتابا بعد الأمر بالهبوط، فأعاد الله الأمر ~~بالهبوط مرة ثانية ليعلما أن الأمر بالهبوط ما كان جزاء على ارتكاب ~~الزلة حتى يزول ms0306 بزوالها، بل الأمر بالهبوط باق بعد التوبة؛ لأن الأمر ~~به كان تحقيقا للوعد المتقدم في قوله: # إني جاعل في الأرض خليفة # [البقرة: 30]. # قوله: " جميعا " حال من فاعل " اهبطوا " أي: مجتمعين: إما في زمان ~~واحد، أو في أزمنة متفرقة؛ لأن المراد الاشتراك في أصل الفعل، وهذا هو ~~الفرق بين " جاءوا جميعا " ، و " جاءوا معا " ، فإن قوك: " معا " ~~يستلزم مجيئهم جميعا في زمن واحد، لما دلت عليه " مع " من الاصطحاب ~~بخلاف " جميعا " فإنها لا تفيد إلا أنه لم يتخلف أحد منهم عن المجيء من ~~غير تعرض لاتحاد الزمان. # و " جميع " في الأصل من ألفاظ التوكيد، نحو: " كل " ، وبعضهم عدها ~~معها. # وقال: " ابن عطية ": و " جميعا " حال من الضمير في " اهبطوا " ، وليس ~~بمصدر ولا اسم فاعل، ولكنه عوض منهما دال عليهما، كأنه قال: هبوطا ~~جميعا أو هابطين جميعا، كأنه يعني أن الحال في الحقيقة محذوف، وأن " ~~جميعا " تأكيد له، إلا أن تقديره بالمصدر ينفي جعله حالا إلا بتأويل ~~لا حاجة إليه. # وقال بعضهم: التقدير: قلنا: اهبطوا مجتمعين، فهبطوا جميعا، فحذف ~~الحال من الأول لدلالة الثاني عليه، وحذف العامل من الثاني لدلالة ~~الأول عليه، وهذا تكلف لم تدع إليه الضرورة. # قوله: { فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع } الفاء ~~مرتبة معقبة. و " إما " أصلها: إن الشرطية زيدت عليها " ما " تأكيدا، و ~~" يأتينكم " في محل جزم بالشرط؛ لأنه بني لاتصاله بنون التوكيد. # وقيل: بل هو معرب مطلقا. # وقيل: مبني مطلقا. # والصحيح: التفصيل: إن باشرته كهذه الآية بني، وإلا أعرب، نحو: هل ~~يقومان؟ وبني على الفتح طلبا للخفة، وقيل: بل بني على السكون، ~~وحرك بالفتح لالتقاء الساكنين. # وذهب الزجاج والمبرد إلى أن الفعل الواقع بعد " إن " الشرطية ~~المؤكدة ب " ما " يجب تأكيده بالنون، قالا: ولذلك لم يأت التنزيل ~~إلا عليه، وذهب سيبويه إلى أنه جائز لا واجب؛ لكثرة ما جاء به منه في ~~الشعر غير مؤكد، فكثرة مجيئه غير مؤكد يدل على عدم الوجوب؛ فمن ذلك ~~قوله: [الطويل] # 413- فإما تريني كابنة الرمل ضاحيا # على رقة أخفى ولا ms0307 أتنعل # وقول الآخر: [البسيط] # 414- يا صاح إما تجدني غير دي جدة # فما التخلي عن الخلان من شيمي # وقول الآخر: [المتقارب] # 415- فإما تريني ولي لمة # فإن الحوادث أودى بها # وقول الآخر: [الكامل] # 416- زعمت تماضر أنني إما أمت # يسدد أبينوها الأصاغر خلتي # وقال المهدوي: " إما " هي " إن " التي للشرط زيدت عليها " ما " ليصح ~~دخول " النون " للتوكيد في الفعل، ولو سقطت " ما " لم تدخل النون، و " ~~ما " تؤكد أول الكلام، والنون تؤكد آخره، وتبعه ابن عطية. # وقال بعضهم: هذا الذي ذهبا إليه من أن النون لازمة لفعل الشرط إذا وصلت ~~" إن " ب " ما " هو مذهب المبرد والزجاج، وليس في كلامهما ما ~~يدل على لزوم " النون " كما ترى، غاية ما فيه أنهما اشترطا في صحة ~~تأكيده بالنون زيادة " ما " على " إن " ، أما كون التوكيد لازما، وغير ~~لازم، فلم يتعرضا له، وقد جاء تأكيد الشرط بغير " إن "؛ كقوله: [الكامل] # 417- من يثقفن منهم فليس بآئب # أبدا وقتل بني قتيبة شافي # و " مني " متعلق ب " يأتين " وهي لابتداء الغاية مجازا، ويجوز أن تكون ~~في محل حال من " هدى " لأنه في الأصل صفة نكرة قدم عليها، وهو نظير ما ~~تقدم في قوله: # من ربه كلمات # [البقرة: 37]. و " هدى " فاعل، والفاء مع ما بعدها من قوله: { فمن ~~تبع } جواب الشرط الأول، والفاء في قوله: { فلا خوف } جواب ~~الثاني. وقد وقع الشرط الثاني وجوابه جواب الأول، ونقل عن " الكسائي ~~" أن قوله: " فلا خوف " جواب الشرطين معا. قال " ابن عطية " بعد ~~نقله عن " الكسائي " ذلك: هكذا حكي، وفيه نظر، ولا يتوجه أن يخالف ~~سيبويه هنا، وإنما الخلاف في نحو قوله: # فأمآ إن كان من المقربين فروح # [الواقعة: 88، 89] فيقول سيبويه: جواب أحد الشرطين محذوف، لدلالة قوله: ~~" فروح " عليه. # ويقول الكوفيون: " فروح " جواب الشرطين، وأما في هذه الآية، فالمعنى ~~يمنع أن يكون " فلا خوف " جوابا للشرطين. # وقيل: جواب الشرط الأول محذوف تقديره: " فإما يأتينكم مني هدى ~~فاتبعوه " وقوله: " فمن تبع " جملة مستقلة [وهو بعيد أيضا]. # فصل في المراد بالهدى # اختلف في " الهدى " فقال ms0308 " السدي ": كتاب الله، وقال قوم: الهدى ~~الرسل، وهذا إنما يتم لو كان المخاطب بهذا الكلام آدم وبنيه، فالرسل ~~إلى آدم من الملائكة، وإلى بنيه من البشر. # وقيل: المراد من الهدى كل دلالة وبيان. # وقيل: التوفيق للهداية. وفي قوله: " مني هدى " إشارة إلى أن أفعال ~~العباد خلق الله تعالى. # و " من " يجوز أن تكون شرطية، وهو الظاهر، ويجوز أن تكون موصولة، ودخلت ~~الفاء في خبرها تشبيها لها بالشرط، ولا حاجة إلى هذا، فإن كانت شرطية ~~كان " تبع " في محل جزم، وكذا " فلا خوف " لكونهما شرطا وجزاء، وإن كانت ~~موصولة فلا محل ل " تبع " ، وإذا قيل بأنها شرطية فهي مبتدأ أيضا، ~~وفي خبرها خلاف مشهور. # والأصح أنه فعل الشرط، بدليل أنه يلزم عود ضمير من فعل الشرط اسم الشرط، ~~ولا يلزم ذلك في الجواب، تقول: " من يقم أكرم زيدا " ، فليس في " أكرم ~~زيدا " ضمير يعود على " من " ولو كان خبرا للزم فيه ضمير. # ولو قلت: " من يقم زيدا أكرمه " وأنت تعيد الهاء على " من " لم يجز، ~~لخلو فعل الشرط من الضمير. # وقيل: الخبر الجواب، ويلزم هؤلاء أن يأتوا فيه بعائد على اسم الشرط، فلا ~~يجوز عندهم: " من يقم أكرم زيدا " ولكنه جائز، هذا ما أورده أبو البقاء. # وسيأتي تحقيق القول في لزوم عود الضمير من الجواب إلى اسم الشرط ~~عند قوله: # قل من كان عدوا لجبريل # [البقرة: 97]. # وقيل: مجموع الشرط والجزاء هو الخبر، لأن الفائدة إنما تحصل بهما. # وقيل: ما كان فيه ضمير عائد على المبتدأ، فهو الخبر والمشهور " هداي ~~" ، وقرىء: " هدي " بقلب الألف ياء، وإدغامها في ياء المتكلم، وهي ~~لغة " هذيل " ، يقولون في عصاي: عصي، وقال شاعرهم: [الكامل] # 418- سبقوا هوي وأعنقوا لهواهم # فتخرموا ولكل جنب مصرع # كأنهم لما لم يصلوا إلى ما تستحقه ياء المتكلم من كسر ما قبلها لكونه ~~ألفا أتوا بما يجانس الكسرة، فقلبوا الألف ياء. # نقل " النحاس " هذه العلة عن الخليل وسيبويه وهذه لغة مطردة عندهم ~~إلا أن تكون الألف للتثنية، فإنهم يثبتونها: نحو: " جاء مسلماي، وغلاماي ~~". # قوله: ms0309 { فلا خوف عليهم } قد تقدم أنه يجوز أن يكون جوابا ~~للشرط، فيكون في محل جزم، وأن يكون خبرا ل " من " إذا قيل بأنها ~~موصولة، وهو أولى لمقابلته بالموصول في قوله: # والذين كفروا # [البقرة: 39]، فيكون في محل رفع، و " لا " يجوز أن تكون عاملة عمل " ليس ~~" فيكون " خوف " اسمها، و " عليهم " في محل نصب خبرها، ويجوز أن تكون ~~غير عاملة، فيكون " خوف " مبتدأ، و " عليهم " في محل رفع خبره، وهذا ~~أولى مما قبله لوجهين: # أحدهما: أن عملها عمل " ليس " قليل، ولم يثبت إلا شيء محتمل، وهو قوله: ~~[الطويل] # 419 - تعز فلا شيء على الأرض باقيا # ولا وزر مما قضى الله واقيا # والثاني: أن الجملة التي بعدها وهي { ولا هم يحزنون } تعين أن ~~تكون " لا " فيها غير عاملة؛ لأنها لا تعمل في المعارف، فجعلها غير ~~عاملة فيه مشاكلة لما بعدها، وقد وهم بعضهم، فجعلها عاملة في ~~المعرفة؛ مستدلا بقوله: [الطويل] # 420- وحلت سواد القلب لا أنا باغيا # سواها ولا في حبها متراخيا # ف " أنا " اسمها و " باغيا " خبرها. # قيل: ولا حجة فيه؛ لأن " باغيا " حال عاملها محذوف هو الخبر في ~~الحقيقة تقديره: ولا أنا أرى باغيا، أو يكون التقدير: ولا أرى ~~باغيا، فلما حذف الفعل انفصل الضمير. # وقرىء: " فلا خوف " بالرفع من غير تنوين، والأحسن فيه أن تكون ~~الإضافة مقدرة، أي: خوف شيء. # وقيل: أنه على نية الألف واللام. # وقيل: حذف التنوين تخفيفا، وقرأ الزهري، والحسن وعيسى بن عمر، وابن أبي ~~إسحاق، ويعقوب: " فلا خوف " مبنيا على الفتح؛ لأنها " لا " ~~التبرئة، وهي أبلغ في النفي، ولكن الناس رجحوا قراءة الرفع. # قال " أبو البقاء ": لوجهين: # أحدهما: أنه عطف عليه ما لا يجوز فيه إلا الرفع، وهو قوله: " ولا هم " ~~لأنه معرفة، و " لا " لا تعمل في المعارف، فالأولى أن يجعل المعطوف ~~عليه كذلك لتتشاكل الجملتان، ثم نظره بقولهم: " قام زيد وعمرا ~~كلمته " يعني في ترجيح النصب في جملة الاشتغال للتشاكل. # ثم قال: والوجه الثاني: من جهة المعنى، وذلك أن البناء يدل على نفي ~~الخوف ms0310 عنهم بالكلية، وليس المراد ذلك، بل المراد نفيه عنهم في الآخرة. # فإن قيل: لم لا يكون وجه الرفع أن هذا الكلام مذكور في جزاء من اتبع ~~الهدى، ولا يليق أن ينفى عنهم الخوف اليسير، ويتوهم بثبوت الخوف ~~الكثير. # قيل: الرفع يجوز أن يضمر معه نفي الكثير، تقديره: ولا خوف كثير عليهم، ~~فيتوهم ثبوت القليل، وهو عكس ما قدر في السؤال، فبان أن الوجه في ~~الرفع ما ذكرنا. # قوله: { ولا هم يحزنون } تقدم أنه جملة منفية، وأن الصحيح أنها غير ~~عاملة. و " يحزنون " في محل رفع خبر للمبتدأ، وعلى ذلك القول ~~الضعيف يكون في محل نصب و " الخوف ": الذعر والفزع، يقال: خاف ~~يخاف خوفا، فهو خائف، والأصل: خوف بوزن " علم " ويتعدى بالهمزة ~~والتضعيف، قال تعالى: # ونخوفهم # [الإسراء: 60] ولا يكون إلا في الأمر المستقبل. # والحزن: ضد السرور، وهو مأخوذ من " الحزن " ، وهو ما غلظ من الأرض، ~~فكأنه ما غلظ من الهم، ولا يكون إلا في الأمر الماضي، يقال: حزن ~~يحزن حزنا وحزنا، ويتعدى بالهمزة نحو: أحزنته، ~~وحزنته بمعناه، فيكون " فعل " و " أفعل " بمعنى. وقيل: أحزنه ~~حصل له حزنا. # وقيل: الفتحة معدية للفعل: نحو: شترت عينه وشترها الله، وهذا ~~على قول من يرى أن الحركة تعدي الفعل، وقد قرىء باللغتين: " حزنه ~~وأحزنه " ، وسيأتي تحقيقهما إن شاء الله تعالى. # فصل في لغات " حزن " # قال ابن الخطيب: قال اليزيدي: حزنه لغة " قريش " ، وأحزنه لغة " ~~تميم " ، وحزن الرجل - بالكسر - فهو حزن وحزين، وأحزن فهو ~~محزون، واحتزن وتحزن بمعنى. وهذه الجملة مع اختصارها تجمع ~~شيئا كثيرا من المعاني؛ لأن قوله تعالى: { فإما يأتينكم ~~مني هدى } دخل فيه الإنعام بجميع الأدلة العقلية، والشرعية ~~الواردات للبيان، وجميع ما لا يتم ذلك إلا به من العقل، ووجوه ~~التمكن، وجميع قوله: { فمن تبع هداي } تأمل الأدلة بنصها ~~والنظر فيها، واستنتاج المعارف منها، والعمل بها وجميع قوله: { فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون } جميع ما أعد الله - تعالى ~~- لأوليائه؛ لأن زوال الخوف يتضمن السلامة من جميع الآفات، وزوال ~~الحزن يقتضي الوصول إلى ms0311 كل اللذات والمرادات، وقدم عدم الخوف على ~~عدم الحزن؛ لأن زوال ما لا ينبغي مقدم على طلب ما ينبغي وهذا يدل ~~على أن المكلف الذي أطاع الله - تعالى - لا يلحقه خوف في القبر، ~~ولا عند البعث، ولا عند حضور الموقف، ولا عند تطاير الكتب، ~~ولا عند نصب الموازين، ولا عند الصراط كما قال: # لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقهم الملائكة ~~هذا يومكم الذي كنتم توعدون # [الأنبياء: 103] وقال قوم من المتكلمين: إن أهوال القيامة كما تصل إلى ~~الكفار والفساق تصل إلى المؤمنين لقوله تعالى: # يوم ترونها تذهل كل مرضعة عمآ أرضعت # [الحج: 2] فإذا انكشفت تلك الأهوال، وصاروا إلى الجنة والرضوان صار ما ~~تقدم كأن لم يكن، بل ربما كان زائدا في الالتذاذ بما يجده من النعيم، ~~وهذا ضعيف؛ لأن قوله: # لا يحزنهم الفزع الأكبر # [الأنبياء: 103] أخص من قوله: # يوم ترونها تذهل كل مرضعة عمآ أرضعت # [الحج: 2] والخاص مقدم على العام. # فإن قيل: هذا يقتضي نفي الخوف والحزن مطلقا في الدنيا والآخرة، ~~وليس الأمر كذلك؛ لأنهما حصلا في الدنيا للمؤمنين أكثر من حصولهما لغير ~~المؤمنين قال عليه الصلاة والسلام: # " خص البلاء بالأنبياء، ثم الأولياء ثم الأمثل ~~فالأمثل ". # وأيضا فالمؤمن لا يمكنه القطع بأنه أتى بالعبادات كما ينبغي، فخوف ~~التقصير حاصل وأيضا فخوف سوء العاقبة حاصل. # قلنا: قرائن الكلام تدل على أن المراد نفيهما في الآخرة لا في ~~الدنيا، ولذلك حكى الله عنهم أنهم قالوا حين دخلوا الجنة: # الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن # [فاطر: 34]. ### || [2.39] # لما وعد الله من اتبع الهدى بالأمن من العذاب والحزن عقبه بذكر من ~~أعد له العذاب مثال الذين كفروا. و " الذين " مبتدأ وما بعدها صلة ~~وعائد، و " بآياتنا " متعلق ب " كذبوا " ، ويجوز أن تكون أن تكون الآية ~~من باب الإعمال؛ لأن " كفروا " يطلبها، ويكون من إعمال الثاني للحذف من ~~الأول، والتقدير: والذين كفروا بنا وكذبوا بآياتنا. # و " أولئك " مبتدأ ثان، و " أصحاب " خبره، والجملة خبر الأول، ويجوز أن ~~يكون " أولئك " بدلا من الموصول، أو عطف بيان له، و ms0312 " أصحاب " خبر ~~المبتدأ الموصول. وقوله: { هم فيها خالدون } جملة اسمية في محل نصب على ~~الحال للتصريح بذلك في مواضع قال تعالى: { أصحاب النار ~~خالدين }. # وأجاز " أبو البقاء ": أن تكون حالا من " النار " قال: لأن فيها ضميرا ~~يعود عليها، ويكون العامل فيها معنى الإضافة، أو اللام المقدرة. # وقد عرف ما في ذلك، ويجوز أن تكون في محل رفع خبر ل " أولئك " أيضا، ~~فيكون قد أخبر عنه بخبرين: # أحدهما: مفرد وهو " أصحاب ". # والثاني: جملة، وقد عرف ما فيه من الخلاف. # و " فيها " متعلق ب " خالدون " قالوا: وقد حذف من الكلام الأول ما ~~أثبت في الثاني، ومن الثاني ما أثبت في الأول، والتقدير: فمن تبع هداي ~~فلا خوف ولا حزن يلحقه، وهو صاحب الجنة، ومن كفر وكذب لحقه الخوف ~~والحزن، وهو صاحب النار؛ لأن التقسيم يقتضي ذلك، ونظروه بقول الشاعر: ~~[الطويل] # 421- وإني لتعروني لذكراك هزة # كما انتفض العصفور بلله القطر # " والآية " لغة: العلامة؛ قال النابغة: [الطويل] # 422- توهمت آيات لها فعرفتها # لستة أعوام وذا العام سابع # وسميت آية القرآن [آية]؛ لأنه علامة لانفصال ما قبلها عما بعدها، وقيل: ~~سميت بذلك؛ لأنها تجمع حروفا من القرآن، فيكون من قولهم، " خرج ~~بنو فلان بآيتهم " أي: بجماعتهم؛ قال: [الطويل] # 423- خرجنا من النقبين لا حي مثلنا # بآياتنا نزجي اللقاح المطافلا # واختلف النحويون في وزنها: فمذهب " سيبويه والخليل " أنها " فعلة " ~~والأصل: " أيية " - بفتح العين - تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ~~ألفا، وهذا شاذ؛ لأنه إذا اجتمع حرفا علة أعل الأخير؛ لأنه محل ~~التغيير نحو: هوى وحوى، ومثلها في الشذوذ: " غاية، وطاية، وراية ~~". # ومذهب " الكسائي " أن أصلها: " آيية " على وزن " فاعلة " ، ~~فكان القياس أن يدغم فيقال: آية ك " دابة " ، إلا أنه ترك ذلك ~~تخفيفا، فحذفوا عينها، كما خففوا " كينونة " والأصل: " كينونة " ~~بتشديد الياء، وضعفوا هذا بأن " كينونة " أثقل فناسب التخفيف بخلاف ~~هذه. # ومذهب " الفراء " أنها " فعلة " بسكون العين، واختاره أبو " ~~البقاء " قال: لأنها من تأيا القوم، إذا اجتمعوا، وقالوا في الجمع: ~~آياء، فظهرت الياء الأولى، والهمزة الأخيرة بدل من ياء، ms0313 ووزنه " أفعال " ~~والألف الثانية بدل من همزة هي فاء الكلمة، ولو كانت عينها " واو " ~~لقالوا في الجمع: " آواء " ثم إنهم قلبوا " الياء " الساكنة " ألفا " ~~على غير قياس. # يعني: أن حرف العلة لا يقلب حتى يتحرك وينفتح ما قبله. # وذهب بعض الكوفيين إلى أن وزنها " آيية " بكسر العين مثل " نبقة ~~" فأعل، وهو في الشذوذ كمذهب " سيبويه والخليل ". # وقيل: وزنها " فعلة " بضم العين، وقيل: أصلها " أياة " بإعلال ~~الثاني، فقلبت: بأن قدمت الازم، وأخرت العين، وهو ضعيف. فهذه ستة مذاهب ~~لا يسلم واحد منها من شذوذ. # فصل في معنى " الصحبة " # الصحبة: الاقتران بالشيء في حالة ما، في زمان ما، فإن كانت الملازمة ~~والخلطة فهي كمال الصحبة. ### || [2.40] # [اعلم] أنه لما أقام دلائل التوحيد، والنبوة، والمعاد أولا، ثم عقبها ~~بذكر الإنعامات العامة لكل البشر عقبها بذكر الإنعامات الخاصة على ~~أسلاف اليهود استمالة لقلوبهم، وتنبيها على ما يدل على نبوة " ~~محمد عليه الصلاة والسلام " من حيث كونها إخبارا عن الغيب، موافقا ~~لما كان موجودا في التوراة والإنجيل من غير تعلم، ولا تتلمذ. # قوله: " يا بني " منادى منصوب وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر ~~سالم، وحذفت نونه للإضافة، وهو شبيه بجمع التكسير لتغير مفرده، ولذلك ~~عاملته العرب ببعض معاملة جمع التكسير، فألحقوا في فعله المسند إليه تاء ~~التأنيث، نحو: " قالت بنو فلان " ، وقال الشاعر: [البسيط] # 424-قالت بنو عامر خالوا بني أسد # يا بؤس للجهل ضرارا لأقوام # وأعربوه بالحركات أيضا إلحاقا له به، قال الشاعر: [الوافر] # 425-وكان لنا أبو حسن علي # أبا برا ونحن له بنين # [فقد روي بنين] برفع النون، وهل لامه ياء؛ لأنه مشتق من البناء؛ لأن ~~الابن من فرع الأب، ومبني عليه، أو واو؛ لقولهم: البنوة ~~كالأبوة والأخوة؛ قولان. # الصحيح الأول، وأما البنوة فلا دلالة فيها؛ لأنهم قد قالوا: ~~الفتوة ولا خلاف أنها من ذوات " الياء ". # إلا أن " الأخفش " رجح الثاني بأن حذف الواو أكثر. # واختلف في وزنه فقيل: " بني " بفتح العين، وقيل: بني - بسكونها، ~~وقد تقدم أنه أحد الأسماء العشرة التي سكنت فاؤها ms0314 وعوض من لامها همزة ~~الوصل. و " إسرائيل " خفض بالإضافة، ولا ينصرف للعلمية والعجمة، وهو ~~مركب تركيب الإضافة مثل: " عبد الله " فإن " إسرا " هو العبد بلغتهم، ~~و " إيل " هو الله تعالى. وقيل: " إسرا " هو مشتق من الأسر، وهو ~~القوة، فكان معناه الذي قواه الله. # وقيل " إسرا " هو صفوة الله، و " إيل " هو الله. # وقال القفال: قيل: إن " إسرا " بالعبرانية في معنى إنسان، فكأنه قيل: ~~رجل الله، فكأنه خطاب مع اليهود الذين كانوا بالمدينة. # وقيل: إنه أسرى بالليل مهاجرا إلى الله. # وقيل: لأنه أسر جنيا كان يطفىء سراج بيت المقدس. # قال بعضهم: فعلى هذا يكون بعض الاسم عربيا، وبعضه أعجميا، وقد تصرفت ~~فيه العرب بلغات كثيرة أفصحها لغة القرآن، وهي قراءة الجمهور. # وقرأ " أبو جعفر والأعمش ": " إسرايل " بياء بعد الألف من غير همزة، ~~وروي عن " ورش " " إسرائل " بهمزة بعد الألف دون ياء، و " إسرأل ~~" بهمزة مفتوحة، و " إسرئل " بهمزة مكسورة بين الراء واللام، و " ~~إسرال " بألف محضة بين الراء واللام؛ قال: [الخفيف] # 426- لا أرى من يعينني في حياتي # غير نفسي إلا بني إسرال # وروي قراءة غير نافع قرأ عن نافع. و " إسرائيل " هذه مهموزة مختلسة ~~حكاها شنبوذ، عن ورش، و " إسرايل " من غير همز ولا مد و " إسرائين ~~" أبدلوا من اللام نونا ك " أصيلان " في " أصيلال "؛ قال: ~~[الرجز] # 427- يقول أهل السوء لما جينا # هذا ورب البيت إسرائينا # وقال آخر: [الرجز] # 428- قالت وكنت رجلا فطينا # هذا لعمر الله إسرائينا # ويجمع على " أساريل ". وأجاز الكوفيون " أسارلة " ، و " أسارل ~~" ، كأنهم يجيزون التعويض بالياء وعدمه، نحو: " فرازنة " و " فرازين ~~". # قال الصفار: لا نعلم أحدا يجيز حذف الهمزة من أوله. # قال ابن الجوزي: ليس في الأنبياء من له اسمان غيره إلا نبينا محمد صلى ~~الله عليه وسلم فإن له أسماء كثيرة. # وقد قيل في المسيح إنه اسم علم لعيسى عليه الصلاة والسلام غير ~~مشتق، وقد سماه الله تعالى روحا وكلمة، وكانوا يسمونه " أبيل ~~الأبيلين " ، ذكره " الجوهري ". # وذكر " البيهقي " في " دلائل النبوة " عن " الخليل بن أحمد ": خمسة من ms0315 ~~الأنبياء ذوو اسمين، نبينا محمد وأحمد، وعيسى والمسيح، وإسرائيل ويعقوب، ~~ويونس وذو النون، وإلياس وذو الكفل، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. # قول: { اذكروا نعمتي }. # " اذكروا " فعل وفاعل، و " نعمتي " مفعول. # وقال " ابن الأنباري ": لا بد له من حذف مضاف تقديره: شكر نعمتي. # و " الذكر " بضم الذال وكسرها بمعنى واحد، ويكونان باللسان ~~والجنان. # وقال " الكسائي ": هو بكسر للسان، وبالضم للقلب فضد المكسور: ~~الصمت، وضد المضموم: النسيان، وبالجملة فالذكر الذي محله القلب ~~ضده النسيان، والذي محله اللسان ضده الصمت، سواء قيل: إنهما بمعنى ~~واحد أم لا. # و " الذكر " بالفتح خلاف الأنثى، و " الذكر " أيضا ~~الشرف ومنه قوله تعالى: # وإنه لذكر لك ولقومك # [الزخرف:44]. # فصل في النعمة # النعمة اسم لما ينعم به، وهي شبيهة ب " فعل " بمعنى " مفعول " نحو: ~~ذبح ورعي، والمراد الجمع؛ لأنها اسم جنس، قال الله تعالى: # وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ # [النحل:18]. # قال " أبو العباس المقرىء ": " النعمة " بالكسر هي الإسلام، قال ~~تعالى: # واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعدآء ~~فألف بين قلوبكم # [آل عمران:103]. # وقال: # فضلا من الله ونعمة # [الحجرات:8] يعني: الإسلام. # وقال: # رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت ~~علي وعلى والدي # [النمل:19]. # وقوله: # يستبشرون بنعمة من الله وفضل # [آل عمران:171] أي: الإسلام. # فصل في حد النعمة # قال ابن الخطيب: حد النعمة أنها المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى ~~الغير. # وقيل: الحسنة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير، قالوا: وإنما زدنا ~~هذا؛ لأن النعمة إن كانت حسنة يستحق بها الشكر، وإن كانت قبيحة لم يستحق ~~بها الشكر. # قال: والحق أن هذا القيد غير معتبر؛ لأنه يجوز أن يستحق الشكر ~~بالإحسان، وإن كان فعله محظورا؛ لأن جهة استحقاق الشكر غير جهة ~~استحقاق الذم والعقاب، فأي امتناع في اجتماعهما؟ ألا ترى أن الفاسق ~~يستحق الشكر بإنعامه والذم بمعصيته، فلم لا يجوز هاهنا أن يكون الأمر ~~كذلك؟ # واعلم أن نعم الله على العبد لا تتناهى، ولا تحصى كما قال تعالى: # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوهآ # [إبراهيم:34]. # فإن قيل: فإذا كانت ms0316 النعم غير متناهية، وما لا يتناهى لا يحصل به ~~العلم في حق العبد، فكيف أمر بتذكرها في قوله: { اذكروا نعمتي ~~}؟ # والجواب: أنها غير متناهية بحسب الأشخاص والأنواع، إلا أنها متناهية ~~بحسب الأجناس، وذلك يكفي في التذكر الذي يفيد العلم بوجود الصانع ~~الحكيم. # فصل في بيان هل لله نعمة على الكافر في الدنيا # اختلفوا في أنه هل لله نعمة على الكافر في الدنيا؟ # فمنهم من قال: هذه النعم القليلة في الدنيا لما كانت مؤدية إلى الضرر ~~في الآخرة لم تكن نعمة، فإن من جعل السم في الحلوى لم يعد النفع الحاصل ~~من أكل الحلوى نعمة لما كان ذلك سبيلا إلى الضرر العظيم، ولهذا قال ~~تعالى: # ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير ~~لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ~~ولهم عذاب مهين # [آل عمران:178]. # ومنهم من قال: إنه تعالى وإن لم ينعم على الكافر بنعمة الدين، ~~فلقد أنعم عليه بنعمة الدنيا [وهو قول القاضي أبي بكر الباقلاني رحمه ~~الله]. # قال ابن الخطيب: وهذا القول أصوب ويدل عليه وجوه: # أحدها: قوله تعالى: # ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم # [البقرة:21] الآيات فأمر الكل بطاعته لمكان هذه النعم، وهي نعمة الخلق ~~والرزق. # وثانيها: قوله تعالى: # كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا # [البقرة:28] وذكره في معرض الامتنان، وشرح النعم، ولو لم يصل إليهم من ~~الله تعالى شيء من النعم لما صح ذلك. # وثالثها: قوله: { يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي ~~أنعمت عليكم } وهذا نص صريح؛ لأنه خطاب لأهل الكتاب، وكانوا ~~من الكفار، وكذا قوله تعالى: # يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت ~~عليكم # [البقرة:47] إلى قوله: # وإذ نجينكم من ءال فرعون # [البقرة:49]. # ورابعها: قوله تعالى: # ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن ~~مكنهم في الأرض # إلى قوله: # وأرسلنا السمآء عليهم مدرارا # [الأنعام:6]. # وخامسها: قوله تعالى: # قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر # [الأنعام:63] إلى قوله: # ثم أنتم تشركون # [الأنعام:64]. # وسادسها: قوله تعالى: # ولقد مكنكم في الأرض وجعلنا لكم فيها ~~معايش قليلا ما تشكرون # [الأعراف:10] وقال في قصة ms0317 " إبليس ": # ولا تجد أكثرهم شاكرين # [الأعراف:17]. # وسابعها: قوله: # واذكروا إذ جعلكم خلفآء من بعد عاد ~~وبوأكم في الأرض # [الأعراف:74] وقال: # أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على ~~العالمين # [الأعراف:140]. # وثامنها: قوله: # ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها ~~على قوم # [الأنفال:53]. # وتاسعها: قوله: # هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نورا وقدره ~~منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق ~~الله ذلك إلا بالحق # [يونس:5]. # وعاشرها: قوله: # هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا ~~كنتم في الفلك # [يونس:22] إلى قوله: # يبغون في الأرض # [يونس:23]. # واعلم أن الخلاف في هذه المسألة لفظي؛ لأنه لا نزاع في أن الحياة ~~والعقل والسمع والبصر، وأنواع الرزق، والمنافع من الله تعالى إنما ~~الخلاف في أن أمثال هذه المنافع إذا حصل عقيبها تلك المضار ~~الأبدية، هل يطلق عليها في العرف اسم النعمة أم لا؟ ومعلوم أن ذلك ~~نزاع في مجرد عبارة. # فصل في النعم المخصوصة ببني إسرائيل # وهي كثيرة منها: # استنقذهم من فرعون وقومه، وخلصهم من العبودية وأولادهم من القتل ~~ونساءهم من الاستحياء، وخلصهم من البلاء، ومكنهم في الأرض، وجعلهم ~~ملوكا، وجعلهم الوارثين بعد أن كانوا عبيدا للقبط، وأهلك أعداءهم ~~وأورثهم أرضهم وديارهم، وأموالهم، وأنزل عليهم [الكتب العظيمة، وجعل فيهم ~~أنبياء، وآتاهم ما لم يؤت أحدا من العالمين، وظلل عليهم الغمام، ~~وأنزل عليهم] المن والسلوى، وأعطاهم الحجر ليسقيهم ما شاءوا من ~~الماء متى أرادوا، فإذا استغنوا عن الماء رفعوها فاحتبس الماء عنهم، ~~وأعطاهم عمودا من النور يضيء لهم بالليل، وكانت رؤوسهم لا تتشعث ~~وثيابهم لا تبلى. رواه " ابن عباس ". # فصل في سبب تذكيرهم بهذه النعم # قال ابن الخطيب: إنما ذكرهم بهذه النعم لوجوه: # أحدها: أن في جملة النعم ما يشهد بصدق محمد صلى الله عليه وسلم وهي ~~التوراة، والإنجيل، والزبور. # وثانيها: أن كثرة النعم توجب عظم المعصية، فذكرهم تلك النعم لكي يحذروا ~~مخالفة ما دعوا إليها من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن. # وثالثها: أن تذكر النعم الكثيرة يفيد الحياء عن إظهار المخالفة. # ورابعها: أن ms0318 تذكر النعم الكثيرة يفيد أن المنعم خصهم من بين سائر ~~الناس بها، ومن خص أحدا بنعم كثيرة، فالظاهر أن تذكر تلك النعم يطمع في ~~النعم الآتية، وذلك الطمع مانع من إظهار المخالفة والمخاصمة. # فإن قيل: إن هذه النعم إنما كانت على المخاطبين وأسلافهم، فكيف ~~تكون نعمة عليهم؟ # فالجواب: لولا هذه النعم على آبائهم لما بقوا، فصارت النعم على ~~الآباء نعمة على الأبناء، وأيضا فالانتساب إلى الآباء المخصوصين بنعم ~~الدين والدنيا نعمة عظيمة في حق الأولاد، وأيضا فإن الأولاد متى ~~سمعوا أن الله تعالى خص آباءهم بهذه النعم لطاعتهم وإعراضهم عن ~~الكفر رغب الولد في هذه الطريقة؛ لأن الولد مجبول على الاقتداء بالأب ~~في أفعال الخير، فيصير هذا التذكر داعيا إلى الاشتغال بالخيرات. # قوله: { التي أنعمت }. # " التي " صفة " النعمة " والعائد محذوف. # فإن قيل: من شرط [حذف] عائد الموصول إذا كان مجرورا أن يجر الموصول ~~بمثل ذلك الحرف، وأن يتحد متعلقهما، وهنا قد فقد الشرطان، فإن الأصل: ~~التي أنعمت بها. # فالجواب: إنما حذف بعد أن صار منصوبا بحذف حرف الجر اتساعا فبقي " ~~أنعمتها " وهو نظير: # كالذي خاضوا # [التوبة:69] في أحد الأوجه، وسيأتي إن شاء الله تعالى. # و " عليكم " متعلق به، وأتى ب " على " دلالة على شمول النعمة لهم. # قوله: { وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم }. # هذه جملة أمرية عطف على الأمرية قبلها. ويقال: " أوفى " ، و " وفى ~~" ، و " وفى " مشددا ومخففا ثلاث لغات بمعنى؛ قال الشاعر: ~~[البسط] # 429 أما ابن [طوق] فقد أوفى بذمته # كما وفى بقلاص النجم حاديها # فجمع بين اللغتين. # وقيل: يقال: أوفيت ووفيت بالعهد، وأوفيت الكيل لا غير، وعن بعضهم: أن ~~اللغات الثلاث واردة في القرآن. # أما " أوفى " فكهذه الآية. # وأما " وفى " بالتشديد فكقوله: # وإبراهيم الذي وفى # [النجم:37]. # وأما " وفى " بالتخفيف، فلم يصرح به، وإنما أخذ من قوله تعالى: # أوفى بعهده من الله # [التوبة:111]، وذلك أن " أفعل " التفضيل لا يبنى إلا من الثلاثي ~~كالتعجب هذا هو المشهور، وإن كان في المسألة كلام كثير، ويحكى أن ~~المستنبط لذلك أبو القاسم الشاطبي. # ويجيء " أوفى ms0319 " بمعنى: ارتفع؛ قال: [المديد] # 430 ربما أوفيت في علم # ترفعن ثوبي شمالات # و " بعهدي " متعلق ب " أوفوا " ، و " العهد " مصدر، ويحتمل إضافته ~~للفاعل أو المفعول. # والمعنى: بما عاهدتكم عليه من قبول الطاعة، ونحوه: # ألم أعهد إليكم يبني ءادم # [يس:60] أو بما عاهدتموني عليه، ونحوه: # ومن أوفى بما عاهد عليه الله # [الفتح:10]، # صدقوا ما عاهدوا الله عليه # [الأحزاب:23]. # و " أوف " مجزوم على جواب الأمر، وهل الجازم الجملة الطلبية نفسها ~~لما تضمنته من معنى الشرط، أو حرف شرط مقدر تقديره: إن توفوا بعهدي أوف؟ ~~قولان. # وهكذا كل ما جزم في جواب طلب يجري فيه هذا الخلاف. # وقرأ الزهري: " أوف " بفتح الواو وتشديد الفاء للتكثير. # و " بعهدكم " متعلق به [وهذا] محتمل للإضافة إلى الفاعل، أو ~~المفعول على ما تقدم. # فصل في المراد بالعهد المأمور بوفائه # في العهد المأمور بوفائه قولان: # أحدهما: أنه جميع ما أمر الله به من غير تخصيص، وقوله: { أوف ~~بعهدكم } أراد به الثواب والمغفرة. # وقال " الحسن ": هو قوله: # وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني ~~معكم لئن أقمتم الصلوة وآتيتم الزكوة # إلى قوله: # الأنهار # [المائدة:12]. # وحكى " الضحاك " عن ابن عباس أوفوا بما أمرتكم به من الطاعات، ونهيتكم ~~عنه من المعاصي، وهو قول جمهور المفسرين. # وقيل: هو ما أثبته في الكتب المتقدمة في صفة محمد صلى الله عليه وسلم ~~وأنه سيبعثه على ما قال في سورة المائدة: # ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرآئيل # إلى قوله: # لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار # [المائدة:12]. # وقال في سورة الأعراف: # ورحمتي وسعت كل شيء # [الأعراف:156] إلى قوله: # والإنجيل # [الأعراف:157] وأما عهد الله معهم، فهو أن يضع عنهم إصرهم والأغلال، ~~لقوله: # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ ءاتيتكم من ~~كتاب وحكمة # [آل عمران:81] الآية وقال تعالى: # وإذ قال عيسى ابن مريم يبني إسرآئيل إني ~~رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من ~~التوراة ومبشرا برسول # [الصف:6]. # وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: [إن الله تعالى] كان عهد إلى ~~بني إسرائيل في ms0320 التوراة أني باعث من بني إسماعيل نبيا أميا، فمن ~~تبعه وصدق بالنور الذي يأتي به أي القرآن [أغفر له ذنبه، وأدخله] ~~الجنة، وجعلت له أجرين؛ أجرا باتباع ما جاء به موسى وجاءت به أنبياء ~~بني إسرائيل، وأجرا [باتباع] ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم [النبي ~~الأمي] من ولد إسماعيل، وتصديق هذا القرآن في قوله تعالى: # الذين ءاتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون # [القصص:52] إلى قوله: # أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا # [القصص:54]. # وتصديقه أيضا بما روى أبو موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا: رجل من أهل الكتاب ~~آمن بعيسى، ثم آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم [فله أجران]، ورجل ~~أدب أمته فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها ~~فتزوجها، فله أجران، وعبد أطاع الله، وأطاع سيده فله ~~أجران ". # فإن قيل: إن كان الأمر هكذا، فكيف يجوز جحده من جماعتهم؟ # فالجواب من وجهين: # الأول: أن هذا العلم كان حاصلا عند العلماء في كتبهم، لكن لم يكن منهم ~~عدد كثير، فجاز منهم كتمان ذلك. # الثاني: أن ذلك النص كان خفيا لا جليا، فجاز وقوع الشك فيه. # فإن قيل: الشخص الموعود به في هذه الكتب، أما أن يكون قد ذكر في هذه ~~الكتب وقت خروجه، ومكان خروجه، وسائر التفاصيل المتعلقة بذلك، أو ~~لم يذكر شيء من ذلك. # فإن كان الأول كان [ذلك] النص نصا جليا واردا في كتب منقولة إلى ~~أهل العلم بالتواتر، فيمتنع قدرتهم على الكتمان، ويلزم أن يكون ذلك ~~معلوما بالضرورة من دين الأنبياء المتقدمين. # وإن كان الثاني لم [يدل] ذلك النص على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~لاحتمال أن يقولوا: إن ذلك المبشر به سيجيء بعد ذلك على ما هو معتقد ~~جمهور اليهود. # والجواب: قال بن الخطيب: " لم يكن منصوصا عليه نصا جليا يعرفه كل ~~أحد، بل كان منصوصا عليه نصا خفيا، فلا جرم لم يلزم أن يعلم ذلك ~~بالضرورة من دين الأنبياء المتقدمين ". # قوله: { وإياي فارهبون ms0321 }. # " إياي " ضمير منصوب منفصل، وقد عرف ما فيه في " الفاتحة " ، ونصبه بفعل ~~محذوف يفسره الظاهر بعده، والتقدير: " وإياي ارهبوا فارهبون " ، ~~وإنما قدرته متأخرا فيه؛ لأن تقديره متقدما عليه لا يحسن لانفصاله، وإن ~~كان بعضهم قدره كذلك. # والفاء في " فارهبون " فيها قولان للنحويين: # أحدهما: أنها جواب أمر مقدر تقديره: تنبهوا فارهبون، وهو نظير قولهم: ~~" زيدا فاضرب " أي: تنبه فاضرب زيدا، ثم حذف " تنبه " ، فصار: فاضرب ~~زيدا، ثم قدم المفعول إصلاحا للفظ؛ لئلا تفع الفاء صدرا، وإنما دخلت ~~الفاء لتربط هاتين الجملتين. # والقول الثاني في هذه " الفاء ": أنها زائدة. # وقال " أبو حيان " بعد أن حكى القول الأول: فتحمل الآية وجهين: # أحدهما: أن يكون التقدير: " وإياي ارهبوا تنبهوا فارهبون " ، فتكون " ~~الفاء " حصلت في جواب الأمر، وليست مؤخرة من تقديم. # والوجه الثاني: أن يكون التقدير: وتنبهوا فارهبون، ثم قدم المفعول ~~فانفصل، وأتى بالفاء حين قدم المفعول، وفعل الأمر الذي هو " تنبهوا " ~~محذوف، فالتقى بعد حذفه الواو والفاء، يعني: فصار التقدير: " وفإياي ~~ارهبوا " ، فقدم المفعول على الفاء إصلاحا للفظ، فصار: " وإياي فارهبوا ~~" ، ثم أعيد المفعول على سبيل التأكيد، ولتكمل الفاصلة، وعلى هذا في " ~~إياي " منصوب بما بعده لا بفعل محذوف، ولا يبعد تأكيد المنفصل بالمتصل، ~~كما لا يمتنع تأكيد المتصل بالمنفصل. # و " الرهب " و " الرهب " ، و " الرهبة ": الخوف، مأخوذ من ~~الرهابة، وهي عظم في الصدر يؤثر فيه الخوف، وسقطت " الياء " بعد " ~~النون "؛ لأنها رأس فاصلة. # وقرأ ابن أبي إسحاق: " فأرهبوني " بالياء، وكذا: # فاتقون # [البقرة:41] على الأصل. # ويجوز في الكلام " وأنا فارهبون " على الابتداء والخبر. # وكون " فارهبون " الخبر على تقدير الحذف كان المعنى: " وأنا ربكم ~~فارهبون ". # ذكره القرطبي. # وفي الآية دليل على أن المرء يجب عليه ألا يخاف أحدا إلا الله تعالى، ~~ولما وجب ذلك في الخوف، فكذا في الرجاء فيها دلالة على أنه يجب على ~~المكلف أن يأتي بالطاعات للخوف والرجاء، وأن ذلك لا بد منه. ### || [2.41] # قوله: " ما " يجوز أن تكون بمعنى " الذي " ، والعائد محذوف، أي: بالذي ~~أنزلته، ويجوز أن تكون مصدرية، والمصدر واقع ms0322 موقع المفعول أي: [بالمنزل]. # و " مصدقا " نصب على الحال، وصاحبها العائد المحذوف. # وقيل: صحابها " ما " ، والعامل فيها " آمنوا " ، وأجاز بعضهم أن تكون " ~~ما " مصدرية من غير جعله المصدر واقعا موقع مفعول به، وجعل " لما معكم " ~~من تمامه، أي: بإنزالي لما معكم، وجعل " مصدقا " حالا من " ما " ~~المجرورة باللام قدمت عليها، وإن كان صاحبها مجرورا؛ لأن الصحيح ~~جواز تقديم حال المجرور بحرف الجر عليه؛ كقوله [الطويل] # 431 فإن يك أذواد أصبن ونسوة # فلن تذهبوا فزغا بقتل حبال # " فرغا " حال من " بقتل " ، وأيضا فهذه " اللام " زائدة، فهي في ~~حكم المطرح، و " مصدقا " حال مؤكدة؛ لأنه لا تكون إلا كذلك. # والظاهر أن " ما " بمعنى " الذي " وأن " مصدقا " حال من عائد الموصول، ~~وأن اللام في " لما " مقوية لتعدية " مصدقا " ل " ما " الموصولة ~~بالظرف. # فصل في بيان المخاطبين في الآية # اعلم أن المخاطبين بقوله: " وآمنوا " هم بنو إسرائيل لعطفه على قوله: { ~~اذكروا نعمتي } ، ولقوله: { مصدقا لما معكم }. # وقوله: " بما أنزلت " فيه قولان: # أحدهما: أنه القرآن؛ لأنه وصفه بكونه منزلا، وبكونه مصدقا لما معهم. # والثاني: قال قتادة: بما أنزلت من كتاب ورسول تجدونه مكتوبا في ~~التوراة، والإنجيل. # ومن جعل " ما " مصدرية قدرها ب " إنزالي لما معكم " يعني: التوراة. # وقوله: { مصدقا لما معكم } فيه تفسيران: # أحدهما: أن في القرآن أن موسى وعيسى حق، والتوراة والإنجيل حق، ~~فالإيمان بالقرآن مؤكد للإيمان بالتوارة والإنجيل. # والثاني: أنه حصلت البشارة بمحمد عليه الصلاة والسلام ~~وبالقرآن في التوراة والإنجيل، فكان الإيمان بالقرآن، وبمحمد تصديقا ~~للتوراة والإنجيل، وتكذيب محمد والقرآن تكذيب للتوراة والإنجيل. # قال ابن الخطيب: وهذا التفسير يدل على نبوة محمد عليه الصلاة ~~والسلام من وجهين: # الأول: أن شهادة كتب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا تكون إلا ~~حقا. # والثاني: أنه عليه الصلاة والسلام لم يقرأ كتبهم، ولم يكن له ~~معرفة بذلك إلا من قبل الوحي. # قوله: { ولا تكونوا أول كافر به }. # " أول " خبر كان، وفيه أربعة أقوال: # أحدهما وهو مذهب سيبويه -: أنه " أفعل " ، وأن فاءه وعينه واو، ~~وتأنيثه " أولى " ، وأصلها: " وولى " ، فأبدلت ms0323 الواو همزة وجوبا، ~~وليست مثل " ووري " في عدم قلبها لسكون الواو بعدها، لأن واو " أولى ~~" تحركت في الجمع في قولهم " أول " ، فحمل المفرد على الجمع في ذلك، ولم ~~يتصرف من " أول " فعل لاستثقاله. # وقيل: هو من " وأل " إذا نجا، ففاؤه واو، وعينه همزة، وأصله: " أوأل " ~~فخففت بأن قلبت الهمزة واوا، وأدغمت الواو الأولى فيها فصار: " أول " ، ~~وهذا ليس بقياس تخفيفه، بل قياسه أن تلقى حركة الهمزة على " الواو " ~~الساكنة، وتحذف الهمزة، ولكنهم شبهوه ب " خطية وبرية " وهو ضعيف، ~~والجمع: " أوائل " و " أوالي " أيضا على القلب. # وقيل: هو من " آل يئول " إذا رجع، وأصله: " أأول " بهمزتين، ~~الأولى زائدة والثانية فاؤه، ثم قلبت فأخرت الفاء بعد العين فصار: " ~~أوأل " بوزن " أعفل " ، ثم فعل به ما فعل في الوجه الذي قبله من ~~القلب والإدغام، وهو أضعف منه. # وقيل: هو " وول " بوزن " فوعل " ، فأبدلت الواو الأولى همزة، وهذا ~~القول أضعفها؛ لأنه كان ينبغي أن ينصرف، والجمع " أوائل " ، والأصل: " ~~وواول " فقلبت الأولى همزة لما تقدم، والثالثة أيضا لوقوعها بعد ألف ~~الجمع، وإنما لم يجمع على " أواول " لاستثقالهم اجتماع واوين بينهما ألف ~~الجمع. # واعلم أن " أول " " أفعل " تفضيل، و " أفعل " التفضيل إذا أضيف إلى ~~نكرة كان مفردا مذكرا مطلقا، ثم النكرة المضاف إليها " أفعل " ، إما ~~أن تكون جامدة أو مشتقة، فإن كانت جامدة طابقت ما قبلها نحو: الزيدان ~~أفضل رجلين، الزيدون أفضل رجال، الهندات أفضل نسوة. # وأجاز المبرد إفرادها مطلقا. # وإن كانت مشتقة، فالجمهور أيضا على وجوب المطابقة، نحو: " الزيدون ~~أفضل ذاهبين وأكرم قادمين " ، وأجاز بعضهم المطابقة وعدمها؛ أنشد ~~الفراء: [الكامل] # 432 وإذا هم طعموا فألأم طاعم # وإذا هم جاعوا فشر جياع # فأفرد في الأول، وطابق في الثاني، ومنه عندهم: { ولا تكونوا ~~أول كافر به } [البقرة:41]. # إذا تقرر هذا، فكان ينبغي على قول الجمهور أن يجمع " كافر " ، فأجابوا ~~عن ذلك بأوجه: # أجودها: أن " أفعل " في الآية، وفي البيت مضاف لاسم مفرد مفهم للجمع ~~حذف، وبقيت صفته قائمة مقامه، فجاءت النكرة المضاف إليها " أفعل " مفردة ~~اعتبارا بذلك ms0324 الموصوف المحذوف، والتقدير: ولا تكونوا أول فريق أو ~~فوج كافر، وكذا " فألأم فرق طاعم " ، وقيل: لأنه في تأويل: { ~~أول كافر به }. # وقيل: لأنه في معنى: لا يكن كل واحد منكم أول كافر، كقولك: كسانا ~~حلة أي: كل واحد منا، ولا مفهوم لهذه الصفة هنا، فلا يراد: ولا ~~تكونوا أول كافر، بل آخر كافر؛ لأن ذكر الشيء ليس فيه دلالة على أن ما ~~عداه بخلافه. # وأيضا فقوله: { وءامنوا بمآ أنزلت مصدقا لما ~~معكم } دليل على أن كفرهم أولا وآخرا محظور، وأيضا فقوله: # رفع السموات بغير عمد ترونها # [الرعد:2] لا يدل على وجود عمد لا يرونها، وقوله: # وقتلهم الأنبيآء بغير حق # [آل عمران:181] لا يدل على وقوع قتل الأنبياء بحق. # وقوله بعد هذه الآية: { ولا تشتروا بآيتي ثمنا قليلا } ~~[البقرة:41] لا يدل على إباحة ذلك بالثمن الكثير، فكذا هاهنا، ولما ~~اعتقد بعضهم أن لها مفهوما احتاج إلى تأويل جعل " أول " زائدا، قال ~~تقديره: ولا تكونوا كافرين به، وهذا ليس بشيء، وقدره بعضهم بأن ~~ثم معطوفا محذوفا تقديره: ولا تكونوا أول كافر به، ولا آخر كافر، ~~ونص على الأول؛ لأنه أفحش للابتداء به؛ وهو نظير قوله: [الرمل] # 433 من أناس ليس في أخلاقهم # عاجل الفحش ولا سوء الجزع # لا يريد أن فيهم فحشا آجلا، بل يريد لا فحش عندهم لا عاجلا ولا ~~آجلا. والهاء في " به " تعود على " ما أنزلت ". # وقيل: على " ما معكم ". # وقيل: على الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن التنزيل يستدعي منزلا إليه. # وقيل: على النعمة ذهابا بها إلى معنى الإحسان. # فإن قيل: كيف جعلوا أول من كفر به، وقد سبقهم إلى الكفر به مشركو ~~العرب؟ # فالجواب: من وجوه: # أحدها: أن هذا تعريض بأنه كان يجب أن يكونوا أول من يؤمن به لمعرفتهم ~~به وبصفته؛ لأنهم كانوا هم المبشرين بزمان محمد عليه الصلاة ~~والسلام والمستفتحين على الذين كفروا به، فلما بعث كان أمرهم على ~~العكس لقوله تعالى: # فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به # [البقرة:89]. # وثانيها: المراد: ولا تكونوا مثل أو كافر ms0325 به، يعني: من أشرك من أهل " ~~مكة " ، أي أنتم تعرفونه مذكورا في التوراة والإنجيل، فلا تكونوا مثل من ~~لم يعرفه، وهو مشرك لا كتاب له. # وثالثها: ولا تكونوا أول كافر به من أهل الكتاب؛ لأن هؤلاء كانوا أول من ~~كفر بالقرآن من بني إسرائيل، وإن كانت قريش كفرت به قبل ذلك. # ورابعها: ولا تكونوا أول كافر به، يعني بكتابكم يقول ذلك لعلمائهم، أي: ~~ولا تكونوا أول أحد من أمتكم كذب كتابكم؛ لأن تكذيبكم بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم يوجب تكذيبكم بكتابكم. # وخامسها: ولا تكونوا أول كافر به عند سماعكم بذكره، بل تثبتوا فيه، ~~وراجعوا عقولكم فيه. # قوله: { ولا تشتروا بآيتي ثمنا قليلا }. # " بآياتي " متعلق بالاشتراء وضمن الاشتراء معنى الاستبدال، فلذلك دخلت ~~الباء على الآيات، وكان القياس دخولها على ما هو ثمن؛ لأن الثمن في ~~البيع حقيقته أن يشتري به، لا أن يشترى، لكن لما دخل الكلام معنى ~~الاستبدال جاز ذلك؛ لأن معنى الاستبدال أن يكون المنصوب فيه حاصلا ~~والمجرور بالباء زائلا. # وقد ظن بعضهم أن قولك: " بدلت الدرهم بالدينار " وكذا: " أبدلت " ~~أيضا أن الدينار هو الحاصل، والدرهم هو الزائل، وهو وهم؛ ومن مجيء " ~~اشترى " بمعنى " استبدل " قوله: [الجز] # 434 كما اشترى المسلم إذ تنصرا # وقول الآخر: [الطويل] # 435 فإن تزعميني كنت أجهل فيكم # فإني شريت الحلم بعدك بالجهل # وقال المهدوي: دخول " الباء " على " الآيات " كدخولها على " الثمن " ، ~~وكذلك كل ما لا عين فيه، وإذا كان في الكلام دراهم أو دنانير دخلت ~~الباء على الثمن، قاله الفراء، يعني أنه إذا لم يكن في الكلام درهم ~~ولا دينار صح أن يكون كل من العوضين ثمنا، ومثمنا، لكن يختلف ذلك ~~بالنسبة إلى المتعاقدين، فمن نسب الشراء إلى نفسه أدخل الباء على ما ~~خرج منه، وزال عنه، ونصب ما حصل له، فتقول " اشتريت هذا الثوب بهذا ~~العبد ". # وأما إذا كان ثم دراهم أو دنانير كان ثمنا ليس إلا، نحو " اشتريت ~~الثوب بالدرهم " ، ولا تقول: " اشتريت الدرهم بالثوب ". # وقدر بعضهم مضافا فقال: بتعليم آياتي؛ لأن ms0326 الآيات نفسها لا يشترى ~~بها، ولا حاجة إلى ذلك؛ لأن معناه الاستبدال كما تقدم. # و " ثمنا " مفعول به، و " قليلا " صفته. # و " إياي فاتقون " كقوله: # وإياي فارهبون # [البقرة:40]. # وقال هنا: " فاتقون " وهناك: " فارهبون " لأن ترك المأمور به ~~هناك معصية، وهي ترك ذكر النعمة والإيفاء بالعهد، وهنا ترك الإيمان ~~بالمنزل والاشتراء به ثمنا قليلا كفر، فناسب ذكر الرهب هناك؛ لأنه أخف ~~يجوز العفو عنه لكونه معصية، وذكر التقوى هنا؛ لأنه كفر لا يجوز العفو ~~عنه؛ لأن التقوى اتخاذ الوقاية لما هو كائن لا بد منه. # فصل في الباعث على كفر زعماء اليهود # قال ابن عباس: إن رؤساء اليهود مثل كعب بن الأشرف وحيي بن ~~أخطب وأمثالهما كانوا يأخذون من فقراء اليهود الهدايا، وعلموا أنهم ~~لو اتبعوا محمدا لانقطعت عنه تلك الهدايا، فأصروا على الكفر لئلا ينقطع ~~عنهم ذلك القدر المحتقر. # قال القرطبي: في تفسيره: هذه الآية وإن كانت خاصة ببني إسرائيل، فهي ~~تتناول من فعل فعلهم، فمن أخذ رشوة على تغيير حق، أو إبطاله، أو ~~امتنع من تعليم ما وجب عليه، أو أداء ما علمه، وقد تعين عليه حتى يأخذ ~~عليه أجرا، فقد دخل في مقتضى الآية. # وروى أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " من تعلم علما مما يبتغي به وجه الله لا يتعلمه إلا ~~ليصيب به غرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة ~~" # يعني: ريحها. # وقد اختلف العلماء في أخذ الأجرة على تعليم القرآن والعلم، فمنع ذلك ~~الزهري، وأصحاب الرأي وقالوا: لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن؛ ~~لأن تعليمه واجب من الواجبات التي يحتاج فيها إلى نية التقرب، فلا ~~يؤخذ عليها أجره كالصلاة والصيام. # واستدلوا بالآية [ # " وروى أبو هريرة قال: قلت: يا رسول الله ما تقول في المعلمين؟ ~~قال: " درهمهم حرام، وشربهم سحت وكلامهم رياء ". # وروى عبادة بن الصامت قال: # " علمت ناسا من أهل الصفة القرآن والكتابة، فأهدى إلي رجل منهم ~~قوسا، فقلت: ليست بمال [وأرمي] عنها ms0327 في سبيل الله، فسألت عنها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إن سرك أن تطوق بها طوقا ~~من نار فاقبلها ". # وأجاز أخذ الأجرة على تعليم القرآن مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو ~~ثور، وأكثر العلماء، لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث الرقية: # " إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله " # أخرجه البخاري، وهو نص [برفع الخلاف، فينبغي أن يعول عليه]. # وأما حجة [المخالفين] فقياسهم في مقابلة النص، وهو قادر، ويمكن ~~الفرق، وهو أن الصلاة والصوم عبادات مختصة بالفاعل، وتعليم ~~القرآن عبادة متعدية لغير المعلم، فيجوز الأجرة على محاولته النقل ~~كتعليم كتابة القرآن. # قال ابن المنذر، وأبو حنيفة: يكره تعليم القرآن بأجرة، ويجوز أن ~~يستأجر الرجل يكتب له لوحا أو شعرا أو غناء معلوما بأجر معلوم، فيجوز ~~الإجارة فيما هو معصية، ويبطلها فيما هو طاعة. # وأما الآية فهي خاصة ببني إسرائيل، وشرع من قبلنا هل هو شرع لنا؟ ~~فيه خلاف، وهو لا يقول به، ويمكن أن تكون الآية فيمن تعين عليه ~~التعليم، فأبى حتى يأخذ عليه أجرا. # فأما إذا لم يتعين فيجوز له أخذ الأجرة بدليل السنة في ذلك، وقد ~~يتعين عليه إلا أنه ليس عنده ما ينفقه على نفسه، ولا على عياله، ~~فلا يجب عليه التعليم، وله أن يقبل على صنعته وحرفته. [وأما ~~أحاديثهم فلا يصح منها شيء في الدليل]. ### || [2.42] # أمر بترك الإغواء والإضلال وإضلال الغير له طريقان: # أحدهما: أن يكون الغير قد سمع دلائل الحق، فإضلاله لا يمكن إلا ~~بتشويش دلائل الحق عليه بالشبهات. # والثاني: أن تخفي تلك الدلائل عنه، وتمنعه من الوصول إليها فقوله: { ~~ولا تلبسوا الحق بالباطل } إشارة إلى الأول، وقوله: { ~~وتكتموا الحق } إشارة إلى الثاني. # والباء في قوله: " بالباطل " للإلصاق كقولك: " خلطت الماء باللبن ~~" ، أي: لا تخلطوا الحق بالباطل، فلا يتميز. # وقال " الزمخشري ": إن كانت صلة مثلها في قولك: لبست الشيء بالشيء، ~~وخلطته به كان المعنى: ولا تكتبوا في التوراة ما ليس فيها ~~فيختلط الحق المنزل بالباطل الذي كتبتم. # وإن كانت " باء " الاستعانة كالتي في قولك: ms0328 " كتبت بالقلم " كان ~~المعنى: ولا تجعلوا الحق مشتبها بباطلكم الذي تكتبونه. # فأجاز فيها وجهين كما ترى، ولا يريد بقوله " صلة " أنها زائدة، بل ~~يريد أنها موصلة للفعل كما تقدم. # وقال " أبو حيان ": " وفي جعله إياها للاستعانة بعد، وصرف عن الظاهر ~~من غير ضرورة " ، ولا أدري ما هذا الاستبعاد مع وضوح هذا المعنى الحق؟ # وقال ابن الخطيب: [إنها " باء " الاستعانة]. والمعنى: ولا تلبسوا الحق ~~بسبب الشبهات التي توردونها على السامعين، وذلك لأن النصوص ~~الواردة في التوراة والإنجيل في أمر محمد كانت نصوصا خفية يحتاج في ~~معرفتها إلى الاستدلال، ثم إنهم كانوا يجادلون فيها، ويشوشون وجه ~~الدلالة على المتأملين فيها بإلقاء الشبهات، فهذا هو المراد بقوله: { ~~ولا تلبسوا الحق بالباطل } ، فهو المذكور في قوله: # وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق # [غافر:5]. # و " اللبس ": الخلط والمزج؛ لقوله: لبست عليه الأمر ~~ألبسه خلطت بينه بمشكله؛ ومنه قوله الخنساء: ~~[البسيط]. # 436 ترى الجليس يقول الحق تحسبه # رشدا وهيهات فانظر ما به التبسا # صدق مقالته واحذر عداوته # والبس عليه أمورا مثل ما لبسا # وقال العجاج: [الرجز] # 437 [لما لبسن الحق بالتجني # غنين واستبدلن زيدا مني] # ومنه أيضا: [البسيط] # 438 وقد لبست لهذا الأمر أعصره # حتى تجلل رأسي الشيب فاشتعلا # وفي فلان ملبس، أي مستمتع؛ قال: [الطويل] # 439 ألا إن بعد العدم للمرء قنوة # وبعد المشيب طول عمر وملبسا # وقول الفراء وغيره: [الكامل] # 440 وكتيبة لبستها بكتيبة # حتى إذا التبست نفضت لها يدي # يحتمل أن يكون منه، وأن يكون من " اللباس " ، والآية الكريمة تحتمل ~~المعنيين، أي: لا تغطوا الحق بالباطل. # ولبس الهودج والكعبة: ما عليهما من " لباس " بكسر اللام ~~ولباس الرجل زوجته، وزوجها لباسها. قال تعالى: # هن لباس لكم وأنتم لباس لهن # [البقرة:187] وقال النابغة: [المتقارب] # 441 إذا ما الضجيع ثنى جيدها # تثنت عليه فكانت لباسا # و " اللبوس ": كل ما يلبس من ثياب ودرع؛ قال تعالى: # وعلمناه صنعة لبوس لكم # [الأنبياء:80] ولابست فلانا حتى عرفت باطنه. # و " الباطل ": ضد الحق، وهو الزائل؛ كقول لبيد: [الطويل] # 442 ألا كل ms0329 شيء ما خلا الله باطل # ويقال: بطل الشيء يبطل بطولا وبطلا وبطلانا. # و " البطل ": الشجاع، سمي بذلك؛ لأنه يبطل شجاعة غيره. # وقيل: لأنه يبطل دمه فهو " فعل " بمعنى " مفعول ". # وقيل: لأنه يبطل دم غيره فهو بمعنى " فاعل ". وقد بطل بالضم ~~يبطل بطولا وبطالة، أي: صار شجاعا؛ قال النابغة: [البسيط] # 443 لهم لواء بكفي ماجد بطل # لا يقطع الخرق إلا طرفه سامي # وبطل الأجير بالفتح بطالة بالكسر: إذا تعطل، فهو ~~بطال، وذهب دمه بطلا بالضم أي: هدرا. # فصل في المراد من قوله تعالى: " الحق بالباطل " # اختلفوا في المراد من قوله: " الحق بالباطل " فروي عن " ابن عباس ~~" وغيره: لا تخلطوا ما عندكم من الحق في الكتاب بالباطل، وهو التغيير ~~والتبديل. # وقال " أبو العالية ": قالت اليهود: محمد بمعوث ولكن إلى غيرنا، ~~فإقرارهم ببعثته حق، وجحدهم أنه بعث إليهم باطل. # وقال " مجاهد ": لا تخلطوا اليهودية والنصرانية بالإسلام. # قوله: " وتكتموا الحق " فيه وجهان: # أحدهما، وهو الأظهر: أنه مجزوم بالعطف على الفعل قبله، نهاهم عن كل ~~فعل على حدته، أي: لا تفعلوا هذا ولا هذا. # والثاني: أنه منصوب بإضمار " أن " في جواب النهي بعد " الواو " التي ~~تقتضي المعية، أي: لا تجمعوا بين لبس الحق بالباطل وكتمانه، ومنه: ~~[الكامل] # 444 لا تنه عن خلق وتأتي مثله # عار عليك إذا فعلت عظيم # و " أن " مع ما في حيزها في تأويل مصدر، فلا بد من تأويل الفعل الذي ~~قبلها بمصدر أيضا ليصبح عطف [الاسم] على مثله، والتقدير: لا يكن منكم ~~لبس الحق بالباطل وكتمانه، وكذا سائر نظائره. # وقال " الكوفيون ": منصوب ب " واو " الصرف، وقد تقدم معناه، والوجه ~~الأول أحسن؛ لأنه نهي عن كل فعل على حدته، وأما الوجه الثاني فإنه ~~نهي عن الجمع، ولا يلزم من النهي عن الجمع بين الشيئين النهي عن كل ~~واحد حدته إلا بدليل خارجي. # فصل في المراد بالكتمان # قال " ابن عباس ": يعني كتمانهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم وهم ~~يعرفونه. # وقال " محمد بن سيرين ": نزل عصابة من ولد هارون ب " يثرب " لما ~~أصاب ms0330 بني إسرائيل ما أصابهم من ظهور العدو عليهم، وتلك العصابة هم ~~حملة التوراة يومئذ، فأقاموا ب " يثرب " يرجون أن يخرج محمد صلى ~~الله عليه وسلم بين ظهرانيهم، وهم مؤمنون مصدقون بنبوته، فمضى أولئك ~~الآباء، وهم مؤمنون، وخلف الأبناء وأبناء الأبناء، فأدركوا محمدا صلى ~~الله عليه وسلم فكفروا به وهم يعرفون، وهو معنى قوله تعالى: # فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به # [البقرة:89]. # قوله: { وأنتم تعلمون } جملة من مبتدأ وخبر في محل نصب على ~~الحال، وعاملها: إما " تلبسوا " أو " تكتموا " إلا أن عمل " تكتموا " ~~أولى لوجهين: # أحدهما: أنه أقرب. # والثاني: أن كتمان الحق مع العلم به أبلغ ذما، وفيه نوع مقابلة. # ولا يجوز أن تكون المسألة من باب الإعمال؛ لأنه يستدعي الإضمار، ولا ~~يجوز إضمار الحال؛ لأنه لا يكون إلا نكرة، ولذلك منعوا الإخبار عنه ب " ~~الذي ". # فإن قيل: تكون المسألة من باب الإعمال على معنى أنا حذفنا من الأول ما ~~أثبتناه في الثاني من غير إضمار، حتى لا يلزم المحظور المذكور، ~~والتقدير: ولا تلبسوا الحق بالباطل وأنتم تعلمون، ولا تكتموا الحق وأنتم ~~تعلمون. # فالجواب: أن هذا لا يقال: فيه إعمال، لأن الإعمال يستدعي أن يضمر في ~~المهمل، ثم يحذف. # وأجاز " ابن عطية " ألا تكون هذه الجملة حالا، فإنه قال: " ويحتمل أن ~~تكون شهادة عليهم بعلم حق مخصوص في أمر محمد عليه الصلاة والسلام، ولم ~~يشهد لهم بالعلم على الإطلاق، فعلى هذا لا تكون الجملة في موقع الحال ~~". وفيما قاله نظر. # وقرىء شاذا: " وتكتمون " بالرفع، وخرجوها على أنها حال، وهذا ~~غير صحيح؛ لأنه مضارع مثبت فمن حقه ألا يقترن بالواو، وما ورد من ذلك، ~~فهو مؤول بإضمار متبدأ قبله، نحو: " قمت وأصك عينه " ، وقول ~~الآخر: [المتقارب] # 445 فلما خشيت أظافيرهم # نجوت وأرهنهم مالكا # أي: " وأنا أصك " ، و " أنا أرهنهم " ، وكذا " وأنتم ~~تكتمون " ، إلا أنه يلزم منه إشكال آخر، وهو أنهم منهيون عن اللبس ~~مطلقا، والحال قيد في الجملة السابقة، فيكون قد نهوا بقيد، وليس ذلك ~~مرادا إلا أن [يقال: إنها حال لازمة، ms0331 وقد قيده " الزمخشري " ب " ~~كاتمين " ، فجعله حالا، وفيه الإشكال المتقدم، إلا أنه] يكون أراد ~~تفسير المعنى لا تفسير الإعراب، قال " ابن الخطيب ": وجواب الإشكال أنه ~~إذا لم يعلم حال الشيء لم يعلم أن ذلك اللبس والكتمان حق أو باطل، وما لا ~~يعرف كونه حقا وباطلا لا يجوز الإقدام عليه بالنفي، ولا بالإثبات، بل ~~يجب التوقف فيه. وسبب ذكر هذا القيد أن الإقدام على الفعل الضار مع ~~العلم بكونه ضارا أفحش من الإقدام عليه عند الجهل بكونه ضارا، ~~فلما كانوا عالمين [بما] في التلبيس من المفاسد كان إقدامهم عليه أقبح. # ويجوز أن تكون جملة خبرية عطفت على جملة طلبية، كأنه تعالى نعى ~~عليهم كتمهم الحق مع علمهم أنه حق. # [ومفعول] العلم غير مراد؛ لأن المعنى: وأنتم من ذوي العلم. # وقيل: حذف للعلم به، والتقدير: تعلمون الحق من الباطل. # وقدره " الزمخشري ": " وأنتم تعلمون في حال علمكم أنكم لابسون كاتمون " ~~، فجعل المفعول اللبس والكتم المفهومين من الفعلين السابقين. وهو ~~حسن. ### || [2.43] # أمرهم بالإيمان، ثم نهاهم عن لبس الحق بالباطل، وكتمان دلائل ~~النبوة، ثم ذكر بعد ذلك بيان ما لزمهم من الشرائع، وذكر من جملته ما ~~هو كالأصل فيها، وهو الصلاة التي هي أعظم العبادات البدنية، والزكاة ~~التي هي أعظم العبادات المالية. # قوله: { وأقيموا الصلوة } هذه الجملة وما بعدها عطف على ~~الجملة قبلها عطف أمر على نهي. # وأصل " أقيموا ": " أقوموا " ، ففعل به ما فعل ب # ويقيمون # [البقرة:3] وقد تقدم الكلام عليها وعلى " الصلاة " ، وأصل " آتوا " " ~~ائتيوا " بهمزتين مثل " أكرموا " ، فقلبت الثانية ألفا لسكونها ~~بعد همزة مفتوحة، واستثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان " الياء ~~والواو " ، فحذفت الياء؛ لأنها أول وحركت التاء بحركتها. # وقيل: بل ضمت تبعا للواو، كما ضم آخر " اضربوا " ونحوه، ووزنه: " افعوا ~~" بحذف اللام. # وألف " الزكاة " منقلبة عن واو، لقولهم: زكوات، وزكا يزكو، ~~وهي النحو. # وقيل: الطهارة. # وقيل: أصلها الثناء الجميل، ومنه: زكى القاضي الشهود، والزكا: ~~الزوج صار زوجا بزيادة فرد آخر عليه، والخسا: الفرد، قال: [البسيط] # 446 كانوا خسا أو زكا ms0332 من دون أربعة # لم يخلقوا وجدود الناس تعتلج # قوله: { مع الراكعين } منصوب ب " اركعوا ". # و " الركوع ": الطمأنينة والانحناء، ومنه قوله: [الطويل] # 447 أخبر أخبار القرون التي مضت # أدب كأني كلما قمت راكع # وقيل: الخضوع والذلة؛ ومنه: [المنسرح] # 448 ولا تهين الفقير علك أن # تركع يوما والدهر قد رفعه # فصل في عدم تأخير البيان عن الحاجة # قال ابن الخطيب: القائلون بأنه لا يجوز تأخير بيان المجمل عن وقت ~~الخطاب، قالوا: إنما جاء في قوله تعالى: { وأقيموا الصلوة } ~~بعد أن كان النبي عليه الصلاة والسلام وصف لهم أركان الصلاة ~~وشرائطها، فكأنه تعالى قال: وأقيموا الصلاة التي عرفتموها، والقائلون ~~بجواز التأخير قالوا: يجوز أن يراد الأمر بالصلاة، وإن كانوا لا يعرفون ~~أن الصلاة ما هي؟ ويكون المقصود أن يوطن السامع نفسه على الامتثال، ~~وإن كان لا يعلم أن المأمور به، ما هو؟ كما يقول السيد لعبده: إني آمرك ~~غدا بشيء فلا بد وأن تفعله، ويكون غرضه مه بأن يعزم العبد في الحال ~~على أدائه في الوقت الثاني. # فصل في أن الكفار مخاطبون بفروع الشرع # قوله تعالى: { وأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة } خطاب مع ~~اليهود، وذلك يدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الإسلام. # فإن قيل: قوله: { وأقيموا الصلوة } أمر بالصلاة، وقوله: { ~~واركعوا مع الراكعين } أمر بالصلاة أيضا، فيكون تكرارا. # فالجواب: أن قوله: { واركعوا مع الراكعين } أي: صلوا مع ~~المصلين، ففي الأول أمر بإقامة الصلاة، وفي الثاني أمر بفعلها في ~~الجماعة فلا تكرار. # وقيل: إن اليهود لا ركوع في صلواتهم، فخص الركوع بالذكر تحريضا لهم ~~على الإتيان بصلاة المسلمين. # وقيل: الركوع: الخضوع، فيكون نهيا عن الاستكبار المذموم. ### || [2.44] # الهمزة في " أتأمرون " للإنكار والتوبيخ، أو للتعجب من حالهم. # و " أمر " يتعدى لاثنين: أحدهما بنفسه، والآخر بحرف الجر، وقد يحذف، وقد ~~جمع الشاعر بين الأمرين في قوله: [البسيط] # 449 أمرتك الخير فافعل ما أمرت به # فقد تركتك ذا مال وذا نشب # و " الناس " مفعول أول، و " بالبر " مفعول ثان، و " البر " سعة ~~الخير من الصلة والطاعة، ومنه: " البر ms0333 " و " البرية " لسعتهما، ~~والفعل منه: " بر يبر " ، على وزن " فعل يفعل " ك " ~~علم يعلم "؛ قال: [الرجز] # 450 لاهم رب إن بكرا دونكا # يبرك الناس ويفجرونكا # أي: يطيعونك. # و " البر " أيضا: ولد الثعلب، وسوق الغنم، ومنه قولهم: " لا ~~يعرف الهر من البر " ، أي لا يعرف دعاءها من سوقها. # و " البر " أيضا: الفؤاد، قال: [الطويل] # 451 أكون مكان البر منه ودونه # وأجعل ما لي دونه وأوامره # و " البر " بالفتح الإجلال والتعظيم، ومنه: ولد بر بوالديه، ~~أي يعظمهما، والله تعالى بر لسعة خيره على خلقه، وقد يكون ~~بمعنى الصدق كما يقال: بر في يمينه أي: صدق ولم يحنث ويقال: ~~صدقت وبررت. # قوله: { وتنسون أنفسكم } داخل في حيز الإنكار، وأصل " ~~تنسون ": تنسيون " فأعل بحذف الياء بعد سكونها، وقد تقدم في # اشتروا # [البقرة:16] فوزنه " تفعون " والنسيان: ضد الذكر، وهو السهو ~~الحاصل بعد حصول العلم، وقد يطلق على الترك، ومنه: # نسوا الله فنسيهم # [التوبة:67]، وقد يدخله التعليق حملا على نقيضه، قال: [الطويل] # 452 ومن أنتم إنا نسينا من أنتم # وريحكم من أي ريح الأعاصر # ويقال: رجل " نسيان " [بفتح النون كثير النسيان ونسيت ~~الشيء نسيانا، ولا يقال: " نسيانا " ] بالتحريك - لأن ~~النسيان تثنية نسا العرق. # و " الأنفس ": جمع نفس. # فإن قيل: النسيان عبارة عن السهو الحادث بعد حصول العلم، والناسي ~~غير مكلف ومن لا يكون مكلفا لا يجوز أن يذمه الله تعالى على ما ~~صدر منه، فالمراد بقوله: { وتنسون أنفسكم } أنكم تغفلون عن ~~حق أنفسكم، وتعدلون عما لها فيه من النفع. # قوله: { وأنتم تتلون الكتاب } مبتدأ وخبر في محل نصب على ~~حال، العامل فها " تنسون ". # و " التلاوة ": التتابع، ومنه تلاوة القرآن؛ لأن القارىء يتبع كلماته ~~بعضها ببعض، ومنه: # والقمر إذا تلاها # [الشمس:2] وأصل " تتلون ": " تتلوون " بواوين فاستثقلت الضمة على الواو ~~الأولى فحذفت، فالتقى ساكنان، فحذفت الأولى فوزنه " تفعون ". # ويقال: تلوته إذا تبعته تلوا، وتلوت القرآن تلاوة. وتلوت الرجل ~~تلوا إذا خذلته. والتلية والتلاوة: البقية، يقال: تليت لي من ~~حقي تلاوة وتلية أي بقيت. # وأتليت: أبقيت. # وتتليت حقي إذا ms0334 تتبعته حتى تستوفيه. # قال " أبو زيد ": " تلي الرجل إذا كان بآخر رمق ". # قوله: { أفلا تعقلون } الهمزة للإنكار أيضا، وهي في نية ~~التأخير عن الفاء؛ لأنها حرف عطف، وكذا تتقدم أيضا على " الواو " و " ~~ثم " نحو: # أولا يعلمون # [البقرة:77] # أثم إذا ما وقع # [يونس:51] والنية بها التأخير، ما عدا ذلك من حروف العطف فلا تتقدم ~~عليه، تقول: " ما قام زيد بل أقعد؟ " هذا مذهب الجمهور. # وزعم " الزمخشري " أن الهمزة في موضعها غير منوي بها التأخير، ~~ويقدر قبل " الفاء " و " الواو " و " ثم " فعلا محذوفا، فاعطف عليه ما ~~بعده فيقدر هنا: أتغفلون فلا تعقلون، وكذا # أفلم يروا # [سبأ:9] أي: أعموا فلم يروا؟ # وقد خالف هذا الأصل ووافق الجمهور في مواضع يأتي التنبيه عليها إن شاء ~~الله تعالى. # ومفعول " تعقلون " غير مراد؛ لأن المعنى: أفلا يكون منكم عقل، وقيل ~~تقديره: أفلا تعقلون قبح ما ارتكبتم من ذلك. # والعقل: الإدراك المانع من الخطأ، وأصله المنع، منه العقال، لأنه ~~يمنع البعير عن الحركة، وعقل الدية، لأنه يمنع من قتل ~~الجاني، والعقل أيضا ثوب موشى؛ قال علقمة: [البسيط] # 453 عقلا ورقما يظل الطير يتبعه # كأنه من دم الأجواف مدموم # قال ابن فارس: " والعقل من شيات الثياب ما كان نقشه طولا، ما كان ~~نقشه مستديرا فهو الرقم ". ولا محل لهذه الجملة لاستئنافها. # فصل في المراد بالبر في الآية # اختلفوا في المراد بالبر في هذا الموضع على وجوه: # أحدها: قال " السدي " إنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله، ~~وينهونهم عن معصية الله، وهم يتركون الطاعة، ويقدمون على المعصية. # وثانيها: قال " ابن جريج ": إنهم كانوا يأمرون الناس بالصلاة ~~والزكاة، وهم يتركونهما. # وثالثها: كان إذا جاءهم أحد في الخفية لاستعلام أمر محمد صلى الله ~~عليه وسلم قالوا: هو صادق فيما يقول، أمره حق فاتبعوه، وهم كانوا لا ~~يتبعونه لطمعهم في الهدايا والصلات التي كانت تصل إليهم من أتباعهم. # ورابعها: أن جماعة من اليهود كانو قبل مبعث الرسول عليه الصلاة ~~والسلام يخبرون مشركي العرب أن رسولا سيظهر فيكم، ويدعو إلى الحق ~~وكانوا ms0335 يرغبونهم في اتباعه، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ~~حسدوه وكفروا به، فبكتهم الله تعالى بسبب أنهم كانوا يأمرون ~~باتباعه قبل ظهوره، فلما ظهر تركوه، وأعرضوا عن دينه، وهذا اختيار " أبي ~~مسلم ". # وخامسها: قال " الزجاج ": " إنهم كانوا يأمرون الناس ببذل ~~الصدقة، وكانوا يشحون بها، لأن الله تعالى وصفهم بقساوة ~~القلوب، وأكل الربا والسحت ". # فصل في سبب هذا التعجب # سبب هذا التعجب وجوه: # الأول: أن المقصود من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إرشاد الغير ~~إلى تحصيل المصلحة، وتحذيره عما يوقعه في المفسدة، والإحسان إلى ~~النفس أولى من الإحسان إلى الغير. # الثاني: أن من وعظ الناس، وأظهر علمه للخلق، ثم لم يتعظ صار ذلك ~~الوعظ سببا لرغبة الناس في المعصية؛ لأن الناس يقولون: إنه مع هذا ~~العلم لولا أنه مطلع على أنه لا أصل لهذه التخويفات، وإلا لما أقدم ~~على المعصية، وإذا كان الواعظ زاجرا عن المعصية، ويأتي بفعل يوجب ~~الجراءة على المعصية، فكأنه جمع بين المتناقضين، وذلك لا يليق ~~بالعاقل. # والثالث: أن من وعظ، فلا بد وأن يجتهد في أن يصير وعظه نافذا في ~~القلوب، والإقدام على المعصية مما ينفر القلوب عن القبول. # فصل في دفع شبه المبتدعة في اشتراطهم العدالة في الأمر بالمعروف # قال: " القرطبي ": " احتجت المبتدعة بقوله تعالى: { أتأمرون ~~الناس بالبر وتنسون أنفسكم } ، وقوله تعالى: # كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون # [الصف:3] على أنه يشترط فيمن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر أن يكون ~~عدلا. # قال: وهذا استدلال ساقط؛ لأن الذم هاهنا إنما وقع على ارتكاب ما ~~نهى عنه لا عن نهيه عن المنكر، ولا شك أن النهي عن المنكر ممن يأتيه أقبح ~~ممن لا يأتيه، وأيضا فإن العدالة محصورة في القليل من الناس، والأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر عام في جميع الناس. # وذكر عن " ابن عبد البر " أنه قال: أجمع المسلمون على أنه لا يجب على ~~كل من قدر على إزالة المنكر أن يغيره إذا لم يحصل له بتغييره إلا ~~اللوم الذي لا يصل ms0336 إلى الأذى. # فصل في ماهية العقل # قال بعض الفلاسفة: العقل جوهر لطيف في البدن ينبث شعاعه منه ~~بمنزلة السراج في البيت، يفصل بين حقائق المعلومات. # ومنهم من قال: إنه جوهر بسيط، ثم اختلفوا في محله. # فقالت طائفة منهم: محله الدماغ؛ لأن الدماغ محل الحس. # ومنهم من قال: محله القلب؛ لأن القلب معدن الحياة، ومادة الحواس. # وقالت طائفة: محله القلب وله أشعة إلى الدماغ. # وقال " أبو الحسن الأشعري وأبو إسحاق الإسفراييني " وغيرهما: العقل هو ~~العلم. # وقال " القاضي أبو بكر ": العقل علوم ضرورية بوجوب الواجبات، وجواز ~~الجائزات، واستحالة المستحيلات. # واختار " أبو المعالي " في " البرهان " أنه صفة يتأتى بها درك ~~العلوم. # وقال " الشافعي ": العقل غريزة. # وقال " أبو العباس القلانسي ": العقل قوة التمييز. # وحكي عن " المحاسبي " أنه قال: العقل أنوار وبصائر. # فصل في خلق أفعال العباد # احتجت المعتزلة بهذه الآية على أن فعل العبد غير مخلوق لله تعالى ~~فقالوا قوله تعالى: { أتأمرون الناس بالبر وتنسون ~~أنفسكم } إنما يصح، ويحسن لو كان ذلك الفعل منهم، فأما إذا كان ~~مخلوقا فيهم على سبيل الاضطرار، فإن ذلك لا يحسن إذ لا يجوز أن يقال ~~للأسود: لم لا تبيض؟ # والجواب: أن قدرته لما صلحت للضدين بأن حصل أحد الضدين دون الآخر لا ~~لمرجح كان ذلك محض الاتفاق، والأمر الاتفاقي لا يمكن التوبيخ عليه، وإن ~~حصل المرجح فإن كان ذلك المرجح منه عاد البحث فيه، وإن حصل من الله ~~تعالى فعند حصوله يصير ذلك الطرف راجحا، والآخر مرجوحا، والمرجوح ~~ممتنع الوقوع؛ لأنه حال الاستواء لما كان ممتنع الوقوع، فحال المرجوحية ~~أولى بأن يكون ممتنع الوقوع، وإذا امتنع أحد النقيضين وجب الآخر، فيعود ~~عليهم ما أوردوه، ثم الجواب الحقيقي عن الكل: # لا يسأل عما يفعل # [الأنبياء:23]. ### || [2.45] # قوله: { واستعينوا بالصبر والصلوة } جملة أمرية عطف ~~على ما قبلها من الأوامر، ولكن اعترض بينهما بهذه الجمل. # وأصل " استعنوا ": " استعونوا " ففعل فيه ما فعل في " نستعين ~~" وقد تقدم تحقيقه ومعناه. و " بالصبر " متعلق به، والياء للاستعانة أو ~~للسببية، والمستعان عليه محذوف ليعم جميع ms0337 الأحوال المستعان عليها، ~~واستعان يتعدى بنفسه نحو: # وإياك نستعين # [الفاتحة:5]، ويجوز أن تكون الباء للحال، أي: ملتبسين بالصبر. # والظاهر أنه يتعدي بنفسه وبالباء، تقول: استعنت الله واستعنت بالله، ~~وقد تقدم أن السين للطلب. # والصبر: الحبس على المكروه؛ ومنه: " قتل فلان صبرا "؛ قال: ~~[الوافر] # 454 فصبرا في مجال الموت صبرا # فما نيل الخلود بمستطاع # و " المصبورة " التي نهي عنها في الحديث هي المحبوسة على الموت، ~~وهي المجثمة. والصبر المأمور به هو الصبر على الطاعة، وعن المخالفة، ~~وإذا صبر عن المعاصي فقد صبر على الطاعة. # قال النحاسي: " ولا يقال لمن صبر على المصيبة: صابر إنما يقال: صابر على ~~كذا ". ويرده قوله تعالى: # وبشر الصابرين # [البقرة:155] ثم قال: # الذين إذآ أصابتهم مصيبة # [البقرة:156] الآية. # فصل في فضل الصلاة # خص الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات تنويها بذكرها. # وكان عليه الصلاة والسلام # " إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ". # ومنه ما روي عن عبد الله بن عباس أنه نعي إليه أخوه قثم وقيل بنت ~~له وهو في سفر فاسترجع وقال: عورة سترها الله، ومؤنة ~~كفاها الله، وأجر ساقه الله، ثم تنحى عن الطريق وصلى، ثم ~~انصرف إلى راحلته وهو يقرأ: { واستعينوا بالصبر والصلوة ~~}. # فالصلاة على هذا التأويل هي الشرعية. # وقال قوم: هي الدعاء على عرفها في اللغة، فتكون الآية على هذا التأويل ~~مشبهة لقوله تعالى: # إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله # [الأنفال:45]؛ لأن الثبات هو الصبر، والذكر هو الدعاء. # وقال مجاهد: الصبر في هذه الآية الصوم، ومنه قيل لرمضان: شهر ~~الصبر، فجاء الصوم والصلاة على هذا القول في الآية متناسبا في ~~أن الصيام يمنع من الشهوات، ويزهد في الدنيا، والصلاة تنهى عن ~~الفحشاء والمنكر، وتخشع، ويقرأ فيها القرآن الذي يذكر الآخرة. # وإنما قدم الصبر على الصلاة؛ لأن تأثير الصبر في إزالة ما لا ينبغي، ~~وتأثير الصلاة في حصول ما ينبغي. # وقد وصف الله تعالى نفسه بالصبر كما في حديث أبو موسى عن النبي ~~صلى الله عليه سلم قال: # " ليس أحد أو ليس شيء أصبر على ms0338 أذى سمعه من الله تعالى ~~إنهم ليدعون له ولدا وإنه ليعافيهم ويرزقهم " # أخرجه البخاري. # قال العلماء: وصف الله تعالى بالصبر إنما هو بمعنى الحلم، ومعنى ~~وصفه تعالى بالحلم هو تأخير العقوبة عن مستحقيها، ووصفه ~~تعالى بالصبر لم يرد في التنزيل، وإنما ودر في حديث أبي موسى ~~وتأوله أهل السنة على الحلم، قاله " ابن فورك " وغيره. # وجاء في أسمائه " الصبور " للمبالغة في الحلم عمن عصاه. # قوله: { وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين } إن واسمها ~~وخبرها، والضمير في " إنها " قيل: يعود على " الصلاة " ، وإن تقدم ~~شيئان؛ لأنها أغلب منه وأهم، وهو نظير قوله: # وإذا رأوا تجرة أو لهوا انفضوا إليها # [الجمعة:11] أعاد الضمير على التجارة؛ لأنها أهم وأغلب، كذا قيل، ~~وفيه نظر؛ لأن العطف ب " أو " فيجب الإفراد، لكن المراد أنه ذكر الأهم ~~من الشيئين، فهو نظيرها من هذه الجهة. # وقيل: يعود على الاستعانة المفهومة من الفعل نحو: # اعدلوا هو أقرب للتقوى # [المائدة:8]. # وقيل: على العبادة المدلول عليها بالصبر والصلاة، وقيل: هو عائد ~~على الصبر والصلاة، وإن كان بلفظ المفرد، وهذا ليس بشيء. # وقيل: حذف من الأول لدلالة الثاني عليه؛ وتقديره: وإنه لكبير؛ نحو ~~قوله: [الخفيف] # 455 إن شرخ الشباب والشعر الأس # ود ما لم يعاص كان جنونا # ولم يقل: " يعاصيا " رد إلى الشباب؛ لأن الشعر داخل فيه، وكذا ~~الصبر لما كان داخلا في الصلاة عاد عليها كما قال: # والله ورسوله أحق أن يرضوه # [التوبة:62]، ولم يقل: يرضوهما؛ لأن رضا الرسول داخل في رضا الله ~~عز وجل. # وقيل: رد الكتابة إلى كل واحد منهما، لكن حذف اختصارا، كقوله: # وجعلنا ابن مريم وأمه آية # [المؤمنون:50]، ولم يقل: آيتين، وقال الشاعر: [الطويل] # 456 فمن يك أمسى بالمدينة رحله # فإني وقيار بها لغريب # أراد: " لغريبان ". # وقيل: على إجابة محمد عليه الصلاة والسلام، لأن الصبر والصلاة ~~مما كان يدعو إليه، وقيل: على الكعبة؛ لأن الأمر بالصلاة إنما هو ~~إليها. # قوله: " لكبيرة ": لشاقة ثقيلة من قولك: كبر هذا علي؛ قال ~~تعالى: # كبر على المشركين ما تدعوهم إليه # [الشورى:13]. ms0339 # و { إلا على الخاشعين } استثناء مفرع، وجاز ذلك وإن كان ~~الكلام مثبتا، لأنه في قوة النفي، أي: لا تسهل ولا تخف إلا على هؤلاء. # و " على الخاشعين " متعلق ب " كبيرة " نحو: " كبر علي هذا " ~~أي: عظم وشق. # فإن قيل: إن كانت ثقيلة على هؤلاء سهلة على الخاشعين، فوجب أن يكون ~~ثوابهم أكثر، وثواب الخاشعين أقل، وهذا باطل. # فالجواب: ليس المراد أن الذي يلحقهم من التعب أكثر مما يلحق الخاشع، ~~وكيف يكون ذلك، والخاشع يستعمل عند صلاته جوارحه وقلبه وسمعه ~~وبصره، ولا يغفل عن تدبر ما يأتي من الذكر، والتذلل والخضوع، وإذا ~~تذكر الوعيد لم يخل من حسرة وغم، وإذا ذكر الوعد فكمثل ذلك، ~~وإذا كان هذا فعل الخاشع فالثقل عليه بفعل صلاته أعظم، وإنما المراد ~~بقوله هاهنا لثقيلة على من لم يخشع من حيث لا يعتقد في فعلها ~~ثوابا، ولا في تركها عقابا، فيصعب عليه فعلها؛ لأن الاشتغال بما لا ~~فائدة فيه يثقل على الطبع. # و " الخشوع ": الخضوع، وأصله: اللين والسهولة، ومنه " الخشعة " ~~للرملة، وقيل: قطعة من الأرض رخوة، وفي الحديث # " كانت خشعة على الماء ثم دحيت بعد " # أي: كانت الأرض لينة. # وقال النابغة: [الطويل] # 457 رماد ككحل العين لأيا أبينه # ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع # أي: عليه أثر الذل. # وفرق بعضهم بين الخضوع والخشوع، فقال: الخضوع في البدن خاصة، والخشوع ~~في البدن والصوت والبصر، فهو أعم منه. ### || [2.46] # " الذين " يحتمل موضعه الحركات الثلاث، فالجر على أنه تابع لما قبله ~~نعتا، وهو الظاهر، والرفع والنصب على القطع، وقد تقدم معناه. # وأصل الظن رجحان أحد الطرفين وأما هذه الآية ففيها أوجه: # أحدهما: وعليه الأكثر أن الظن هاهنا بمعنى اليقين؛ ومثله # أني ملاق حسابيه # [الحاقة:20]؛ وقال تعالى: # ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون # [المطففين:4]. # وقال دريد بن الصمة: [الطويل] # 458 فقلت لهم: ظنوا بألفي مدجج # سراتهم في الفارسي المسرد # وقال أبو دؤاد: [الخفيف] # 459 رب هم فرجته بعزيم # وغيوب كشفتها بظنون # فاستعمل الظن استعمال اليقين [مجازا، كما استعمل العلم ~~استعمال الظن؛ كقوله: # فإن ms0340 علمتموهن مؤمنات # [الممتحنة:10] ولكن العرب لا تستعمل الظن استعمال اليقين] إلا فيما ~~لم يخرج إلى الحس والمشاهدة كالآيتين والبيت، ولا تجدهم يقولون في رجل ~~حاضر: أظن هذا إنسانا. # قائلو هذا القول قالوا: إن الظن هنا بمعنى العلم، قالوا: لأن الظن ~~وهو الاعتقاد الذي يقارنه تجويز النقيض يقتضي أن يكون صاحبه غير جازم ~~بيوم القيامة، وذلك كفر والله تعالى مدح على [الظن]، والمدح على ~~الكفر غير جائز، فوجب أن يكون المراد من الظن هاهنا العلم، وسبب ~~هذا المجاز أن العلم والظن يشتركان في كون كل واحد منهما اعتقادا ~~راجحا، إلا أن العلم راجح مانعن من النقيض، والظن راجح غير مانع من ~~النقيض، فلما اشتبها من هذا الوجه صح إطلاق اسم أحدهما على الآخر، كما ~~في الآية والبيت. # والثاني: أن الظن على بابه وفيه تأويلان: # أحدهما: أن تجعل ملاقاة الرب مجازا عن الموت؛ لأن ملاقاة الرب سبب ~~عن الموت، فأطلق المسبب، وأراد السبب، وهو مجاز مشهور فإنه يقال لمن ~~مات: إنه لقي ربه، فتقدير الآية: وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ~~الذين يظنون أنهم ملاقو الموت في كل لحظة، فإن من كان متوقعا ~~للموت في كل لحظة، فإنه لا يفارق قلبه الخشوع. # وثانيها: أنهم يظنون ملاقاة ثواب ربهم؛ لأنهم ليسوا قاطعين بالثواب، ~~دون العقاب، والتقدير: يظنون أنهم ملاقو ثواب ربهم، ولكن يشكل على ~~هذا عطف { وأنهم إليه راجعون } فإنه إذا أعدناه على ~~الثواب المقدر، فيزول الإشكال أو يقال: إنه بالنسبة إلى الأول ~~بمعنى الظن على بابه، وبالنسبة إلى الثاني بمعنى اليقين، ويكون ~~قد جمع في الكلمة الواحدة بين الحقيقة والمجاز، وهي مسألة خلاف. # وثالثها: قال المهدوي والماوردي وغيرهما: أن يضمر في الكلام " ~~بذنوبهم " ، فكأنهم يتوقعون لقاءه مذنبين؛ لأن الإنسان الخاشع قد ينسى ~~ظنه بيقينه وبأعماله. # قال " ابن عطية ": " وهذا تعسف ". # فصل في أوجه ورود لفظ الظن # قال " أبو العباس المقرىء ": وقد ورد " الظن " في القرآن بإزاء خمسة ~~معان: # الأول: بمعنى " اليقين " كهذه الآية، ومثله: # إني ظننت أني ملاق حسابيه # [الحاقة:20]، ومثله: # الذين يظنون ms0341 أنهم ملاقوا الله # [البقرة:249]. # الثاني: بمعنى " الشك " قال تعالى: # إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين # [الجاثية:32]. # الثالث: بمعنى " حسب " قال تعالى: # إنه ظن أن لن يحور # [الانشقاق:14] أي: حسب ألا يرجع، ومثله: # ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما ~~تعملون # [فصلت:22]. # الرابع: بمعنى " الإنكار " قال تعالى: # وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما باطلا ~~ذلك ظن الذين كفروا # [ص:27] أي: إنكارهم. # والخامس: بمعنى " الجحد " قال تعالى: # وما ظن الذين يفترون على الله الكذب # [يونس:60] أي: وما جحدهم. # و " أن " وما في حيزها سادة مسد المفعولين عند الجمهور، ومسد ~~الأول والثاني محذوف عند " الأخفش " ، وقد تقدم تحقيقه. # و " ملاقو ربهم " من باب إضافة اسم الفاعل لمعموله إضافة تخفيف؛ ~~لأنه مستقبل، وحذفت النون للإضافة، والأصل: " ملاقون ربهم " ~~والمفاعلة هنا بمعنى الثلاثي نحو: عافاك الله. # قال " المهدوي ": قال " ابن عطية ": وهذا ضعيف؛ لأن " لقي " يتضمن ~~معنى " لاقى ". كأنه يعني أن المادة لذاتها تقتضي المشاركة بخلاف ~~غيرها من " عاقبت وطارقت وعافاك ". # وقد تقدم أن في الكلام حذفا تقديره: ملاقو ثواب ربهم وعقابه. # قال " ابن عطية ": " ويصح أن تكون الملاقاة هاهنا بالرؤية التي ~~عليها أهل السنة، وورد بها متواتر الحديث ". فعلى هذا الذي قاله لا ~~يحتاج إلى حذف مضاف. # و " أنهم إليه رجعون " عطف على " أنهم " وما في حيزها، و ~~" إليه " متعلق ب " راجعون " ، والضمير: إما للرب سبحانه، أو ~~للثواب كما تقدم، أو للقاء المفهوم من قوله: " إنهم ملاقوا ". # ويجوز: " وإنهم " بالكسر على القطع. # فصل في رؤية الله تعالى # استدل بعض العلماء بقوله: " ملاقو ربهم " على جواز رؤية الله ~~تعالى، قالت المعتزلة: لفظ اللقاء لا يفيد الرؤية، لقوله تعالى: # فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه # [التوبة:77]، وقوله: # ومن يفعل ذلك يلق أثاما # [الفرقان:68]، وقوله: # واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه # [البقرة:223] وهو يتناول المؤمن والكافر، والرؤية لا تثبت للكافر، وقوله ~~عليه الصلاة والسلام: # " من حلف على يمين ليقتطع بها مال أمرىء مسلم لقي الله ~~وهو عليه غضبان " # وليس المراد رؤية الله؛ لأن ذلك وصف ms0342 لأهل النار، فعلمنا أن اللقاء ليس ~~عبارة عن الرؤية. وفي العرف قول المسلمين: من مات لقي الله، ولا ~~يعنون أنه رأى الله، وأيضا فاللقاء يراد به القرب، فإن الأمير إذا أذن ~~للشخص في الدخول عليه يقول: لقيته، وإن كان ضريرا، وإذا منعه من ~~الدخول يقول: ما لقيته، وإن كان قد رآه، ويقال: لقي فلان جهدا، وكل ~~هذا يدل على أن اللقاء ليس عبارة عن الرؤية، وقال تعالى: # فالتقى المآء على أمر قد قدر # [القمر:12] وهذا إنما يصح في حق الجسم، ولا يصح في [حق] الله تعالى. # قال ابن الخطيب: أجاب الأصحاب بأن اللقاء في اللغة: عبارة عن وصول أحد ~~الجسمين إلى الآخر بحيث يماسه بمسطحه، يقال: لقي هذا ذاك إذا ~~ماسه، واتصل به، ولما كانت الملاقاة بين الجسمين المدركين سببا لحصول ~~الإدراك بحيث لا يمتنع إجراء اللفظ عليه، وجب حمله على الإدراك؛ لأن ~~إطلاق لفظ السبب على معنى المسبب من أقوى وجوه المجاز، فثبت أنه يجب حمل ~~لفظ اللقاء على الإدراك [أكثر ما في الباب أنه ترك هذا المعنى في بعض ~~الصور بدليل يخصه، فوجب إجراؤه على الإدراك] في البواقي. # وعلى هذا التقرير زالت السؤالات. # وأما قوله: # فأعقبهم نفاقا # [التوبة:77] الآية. # قلنا: لأجل الضرورة؛ لأن المراد: إلى يوم يلقون جزاءه وحكمه، والإضمار ~~على خلاف الدليل، فلا يصار إليه إلا عند الضرورة. # وأما قوله: { الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم } ~~فلا ضرورة في صرف اللفظ عن ظاهره، ويمكن أن يقال ملاقاة كل أحد بحسبه، ~~فالمؤمن من يلقى الله، وهو عنه راض، فيثيبه، وينعم عليه بأنواع النعم: ~~والكافر والحالف الكاذب يلقى الله، وهو عليه غضبان، فيعذبه بأنواع ~~العقاب، كما أن خاصة الأمير يلقون الأمير، وهو راض عنهم، فيعطيهم ~~وينعم عليهم، وأما اللص وقاطع الطريق إذا لقوا الأمير عاقبهم، وقطع ~~أيديهم وأرجلهم وصلبهم بما استحقوا، وشتان بين اللقاءين. ### || [2.47] # أعاد الكلام توكيدا للحجة عليهم، وتحذيرا من ترك اتباع محمد عليه ~~الصلاة والسلام. # قوله: " وأني فضلتكم " " أن " وما في حيزها في محل نصب ~~لعطفها على ms0343 المنصوب في قوله: " اذكروا نعمتي " أي: اذكروا ~~نعمتي وتفضيلي إياكم، والجار متعلق به، وهذا من باب عطف الخاص ~~على العام؛ لأن النعمة تشمل التفضيل. # والفضل: الزيادة في الخير، واستعماله في الأصل التعدي ب " على " ، وقد ~~يتعدى ب " عن " إما على التضمين، وإما على التجوز في الحذف؛ ~~كقوله: [البسيط] # 460 لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب # عني ولا أنت دياني فتخزوني # وقد يتعدى بنفسه؛ كقوله: [الوافر] # 461 وجدنا نهشلا فضلت فقيما # كفضل ابن المخاض على الفصيل # فعداه بنفسه، وب " عن " ، وفعله " فضل " بالفتح " يفضل " ~~بالضم ك: " قتل يقتل ". # وأما الذي معناه " الفضلة " من الشيء، وهي: البقية ففعله أيضا ~~كما تقدم. # ويقال فيه أيضا: " فضل " بالكسر " يفضل " بالفتح ك: " علم ~~يعلم " ، ومنهم من يكسرها في الماضي، ويضمها في المضارع، وهو من ~~التداخل بين اللغتين. # فإن قيل: قوله: { أني فضلتكم على العالمين } يلزم منه ~~أن يكونوا أفضل من محمد عليه الصلاة والسلام وذلك باطل. # والجواب من وجوه: # أحدها: قال قوم: العالم عبارة عن الجمع الكثير من الناس كقولك: رأيت ~~عالما من الناس، والمراد منه الكثرة، [وهذا] ضعيف؛ لأن لفظ العالم ~~مشتق من العلم وهو الدليل، فكل ما كان دليلا على الله تعالى فإنه ~~عالم، وهذا تحقيق قول المتكلمين: العالم كل موجود سوى الله. # وثانيها: المراد فضلتكم على عالمي زمانكم، فإن الشخص الذي لم يوجد بعد ~~ليس من جملة العالمين، ومحمد عليه الصلاة والسلام ما كان موجودا في ~~ذلك الوقت، فما كان ذلك الوقت من العالمين، فلا يلزم من كون بني ~~إسرائيل أفضل العالمين في ذلك الوقت كونهم أفضل من محمد، وهذا هو ~~الجواب ايضا عن قوله تعالى: # إذ جعل فيكم أنبيآء وجعلكم ملوكا وءاتاكم ~~ما لم يؤت أحدا من العالمين # [المائدة:20]، وقال: # ولقد اخترناهم على علم على العالمين # [الدخان:32]، أراد به عالمي ذلك الزمان. # وثالثها: قوله: { وأني فضلتكم على العالمين } عام في ~~العالمين، لكنه مطلق في الفضل، والمطلق يكفي في صدقه صورة واحدة، فالآية ~~تدل على أن بني إسرائيل فضلوا على كل ms0344 العالمين في أمر ما، وهذا لا ~~يقتضي أن يكونوا أفضل من كل العالمين في كل الأمور، بل لعلهم، وإن كانوا ~~أفضل من غيرهم في أمر واحد، فغيرهم يكون أفضل منهم فيما عدا ذلك الأمر، ~~وعند ذلك يظهر أنه لا يصح الاستدلال بقوله تعالى: # إن الله اصطفى ءادم ونوحا وءال إبراهيم وءال ~~عمران على العلمين # [آل عمران:33] على أن الأنبياء أفضل من الملائكة. # تنبيه # قال: " ابن زيد ": أراد به المؤمن منهم؛ لأن عصاتهم مسخوا قردة ~~وخنازير. وقال: # لعن الذين كفروا من بني إسرآئيل # [المائدة:78]. # فصل في بيان أن خطاب الله لبني إسرائيل هو كذلك للعرب # جميع ما خوطب به بنو إسرائيل تنبيه للعرب، وكذلك أقاصيص الأنبياء تنبيه ~~وإرشاد، قال تعالى: # لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب # [يوسف:111]، وقال تعالى: # الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه # [الزمر:18]. # وروى قتادة قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول: ~~قد مضى والله بنو إسرائيل وما يغني ما تسمعون [عن] غيركم. # فإن قيل: لما [خصهم] بالنعم العظيمة في الدنيا، فهذا يناسب أن يخصهم ~~أيضا بالنعم العظيمة في الآخرة، كما قيل: إتمام المعروف خير من ~~ابتدائه، فلم أردف ذلك التخويف الشديد في قوله: # واتقوا يوما # [البقرة:48]. # والجواب: [أن] المعصية مع عظيم النعمة تكون أقبح وأفحش، فلهذا حذرهم ~~عنها. ### || [2.48] # " يوما " مفعول به، [ولا بد من حذف] مضاف أي: عذاب يوم أو هول يوم، ~~وأجيز أن يكون منصوبا على الظرف، والمفعول محذوف تقديره: واتقوا ~~العذاب في يوم صفته كيت وكيت. # ومنع " أبو البقاء " كونه ظرفا، قال: " لأن الأمر بالتقوى لا يقع في ~~يوم القيامة ". # والجواب عما قاله: أن الأمر بالحذر من الأسباب المؤدية إلى العقاب ~~في يوم القيامة. # وأصل " اتقوا ": " اوتقوا " ، ففعل به ما تقدم في # تتقون # [البقرة:21]. قوله: { لا تجزي نفس عن نفس }. # التنكير في " نفس " و " شيئا " معناه أن نفسا من الأنفس لا تجزي عن ~~نفس مثلها شيئا من الأشياء، وكذلك في " شفاعة " و " عدل ". # قال الزمخشري: و " شيئا " مفعول به ms0345 على أن تجزي بمعنى " تقتضي " ، أي: ~~لا تقضي نفس عن غيرها شيئا من الحقوق، ويجوز أن يكون في موضع ~~مصدر، أي: قليلا من الجزاء كقوله: # ولا يظلمون شيئا # [مريم:60]، أي: شيئا من الجزاء؛ لأن الجزاء شيء، فوضع العام موضع ~~الخاص. # واجتزأت بالشيء اجتزاء: اكتفيت، قال الشاعر: [الوافر] # 462 بأن الغدر في الأقوام عار # وأن الحر يجزأ بالكراع # أي: يجتزىء به. # والجملة في محل نصب صفة ل " يوما " ، والعائد محذوف، والتقدير: لا ~~تجزي فيه، ثم حذف الجار والمجرور، لأن الظروف يتسع فيها ما لا يتسع ~~في غيرها، وهذا مذهب " سيبويه ". # وقيل: بل حذف بعد حذف حرف الجر، ووصول الفعل إليه فصار: لا تجزية؛ ~~كقوله: [الطويل] # 463 ويوم شهدناه سليما وعامرا # قليل سوى الطعن النهال نوافله # ويعزى للأخفش، إلا أن " المهدوي " نقل أن أن الوجهين المتقدمين ~~جائزان عند الأخفش وسيبويه والزجاج؛ ويدل على حذف عائد الموصوف إذا كان ~~منصوبا قوله:[الوافر] # 464 فما أدري أغيرهم قناء # وطول الدهر أم مال أصابوا؟ # أي: أصابوه، ويجوز عند الكوفيين أن يكون التقدير: يوما يوم لا تجزي ~~نفس، فيصير كقوله تعالى: # يوم لا تملك نفس # [الانفطار:19]، ويكون " اليوم " الثاني بدلا من يوما الأول، ثم حذف ~~المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، كقوله: # واسأل القرية # [يوسف:82]، وعلى هذا لا يحتاج إلى تقدير عائد؛ لأن الظرف متى أضيف إلى ~~الجملة بعده لم يؤت له فيها بضمير، إلا في ضرورة شعر؛ كقوله: [الوافر] # 465 مضت مائة لعام ولدت فيه # وسبع بعد ذاك وحجتان # و " عن نفس " متعلق ب " تجزي " ، فهو في محل نصب به. # قال " أبو البقاء ": يجوز أن يكون نصبا على الحال. # و " الجزاء ": القضاء والمكافأة؛ قال: [الرجز] # 466 يجزيه رب العرش عني إذ جزى # جنات عدن في العلالي العلا # و " الإجزاء ": الإغناء والكفاية، أجزأني كذا: كفاني، قال: [الطويل] # 467 وأجزأت أمر العالمين ولم يكن # ليجزأ إلا كامل وابن كامل # وأجزأت وجزأت متقاربان. # وقيل: إن الإجزاء والجزاء بمعنى، تقول فيه: جزيته ~~وأجزيته. # وقد قرىء: " تجزىء " بضم حرف المضارعة من " أجزأ ms0346 ". # قوله: { ولا يقبل منها شفاعة } هذه الجملة عطف على ما ~~قبلها، فهو صفة أيضا ل " يوما " والعائد " منها " عليه محذوف كما ~~تقدم، ولا يقبل منها فيه شفاعة. # و " شفاعة " مفعول لم يسم فاعله، فلذلك رفعت. # وقرىء: " يقبل " بالتذكير والتأنيث، فالتأنيث للفظ، والتذكير لأنه ~~مؤنث مجازي، وحسنه الفصل. # وقرىء: " ولا يقبل " مبنيا للفاعل وهو " الله " تعالى. و " ~~شفاعة " نصبا مفعولا به. " ولا يؤخذ منها عدل " صفة ~~أيضا، والكلام فيه واضح. # و " منها " متعلق ب " يقبل " و " يؤخذ ". # وأجاز أبو البقاء: أن يكون نصبا على الحال؛ لأنه في الأصل صف ل " ~~شفاعة " و " عدل " ، فلما قدم عليهما نصب على الحال، ويتعلق حينئذ ~~بمحذوف، وهذا غير واضح، فإن المعنى منصب على تعلقه بالفعل، والضمير ~~في " منها " يعود على " نفس " الثانية؛ لأنها أقرب مذكور، ويجوز أن يعود ~~الضمير الأول على الأولى، وهي النفس الجازية، والثاني يعود على ~~الثانية، وهي المجزي عنها، وهذا مناسب. # و " الشفاعة " مشتقة من الشفع، وهو الزوج، ومنه " الشفعة "؛ ~~لأنها ضم ملك إلى غيره، والشافع والمشفوع له؛ لأن كلا منهما يزوج ~~نفسه بالآخر، وناقة شفوع يجمع بين محلبين في حلبة واحدة، ~~وناقة شافع: إذا اجتمع لها حمل وولد يتبعها. # والعدل بالفتح الفداء، وبالكسر: المثل، يقال: عدل ~~وعديل. # وقيل: عدل بالفتح المساوي للشيء قيمة وقدرا، وإن لم يكن من ~~جنسه، وبالكسر: المساوي له في جنسه وجرمه. # وحكى الطبري: " أن من العرب من يكسر الذي بمعنى الفداء، وأما عدل ~~واحد الأعدال فهو بالكسر لا غير ". وعدل واحد الشهود [فبالفتح لا ~~غير، وأما قوله عليه السلام: # " لم يقبل الله منه صرفا وعدلا " # ] فهو بالفتح أيضا. وقيل: المراد ب " الصرف ": النافلة، وب " ~~العدل ": الفريضة. # وقيل: الصرف: التوبة، والعدل: الفدية. # قوله: { ولا هم ينصرون } جملة من مبتدأ وخبر معطوفة على ما ~~قبلها، وإنما أتى هنا بالجملة مصدرة بالمبتدأ مخبرا عنه بالمضارع ~~تنبيها على المبالغة والتأكيد في عدم النصرة. والضمير في قوله " ولا ~~هم " يعود على " النفس "؛ لأن المراد بها جنس الأنفس، وإنما عاد ~~الضمير مذكرا، وإن ms0347 كانت النفس مؤنثة؛ لأن المراد بها العباد ~~والأناسي. # قال الزمخشري: " كما تقول: ثلاثة أنفس ". يعني: إذا قصد به الذكور؛ ~~كقوله: [الوافر] # 468 ثلاثة أنفس وثلاث ذود # ......................... # ولكن النحاة نصوا على أنه ضرورة، فالأولى أن يعود على الكفار ~~الذين اختصتهم الآية؛ كما قال " ابن عطية ". # و " النصر ": العون، والأنصار: الأعوان، ومنه # من أنصاري إلى الله # [آل عمران:52] والنصر أيضا الانتقام، انتصر زيد: انتقم، والنصر: ~~الإتيان نصرت أرض بني فلان: أتيتها؛ قال الشاعر: [الطويل] # 469 إذا دخل الشهر الحرام فودعي # بلاد تميم وانصري أرض عامر # والنصر: المطر، يقال: نصرت الأرض: مطرت. # قال " القفال ": تقول العرب: أرض منصورة أي ممطورة، والغيث ينصر ~~البلاد: إذا أنبتها، فكأنه أغاث أهلها. # وقيل في قوله: # من كان يظن أن لن ينصره الله # [الحج:15] أي: لن يرزقه الله، كما يرزق الغيث البلاد. # والنصر: العطاء؛ قال: [الرجز] # 470 إني وأسطار سطرن سطرا # لقائل: يا نصر نصر نصرا # ويتعدى ب " على " قال تعالى: # فانصرنا على القوم الكافرين # [البقرة:286] وأما قوله: # ونصرناه من القوم # [الأنبياء:77] فيحتمل التعدي ب " من " ويحتمل أن يكون من التضمين. أي: ~~نصرناه بالانتقام له منهم. # فإن قيل: قوله: { لا تجزي نفس عن نفس شيئا } تفيد ما ~~أفاده { ولا هم ينصرون } فما المقصود من هذا التكرار؟ # فالجواب: أن قوله: { لا تجزي نفس عن نفس } أي: لا تتحمل ~~عنه غيره ما يلزمه من الجزاء. # وأما النصرة فهو أن يحاول تخليصه من حكم المعاقب، فإن قيل: قدم في ~~هذه الآية قبول الشفاعة على أخذ الفدية، وفي الآية التي قبل قوله # وإذ ابتلى إبراهيم # [البقرة:124] قدم قبول الفدية على ذكر الشفاعة فما [الحكم؟ قال ابن ~~الخطيب:] # فالجواب: أن من كان ميله إلى حب المال أشد من ميله إلى علو النفس ~~فإنه يقدم [التمسك] بالشافعين على إعطاء الفدية، ومن كان بالعكس ~~يقدم الفدية على الشفاعة، ففائدة تغيير الترتيب الإشارة إلى هذين ~~الصنفين. # فصل في سبب نزول الآية # ذكروا أن سبب هذه الآية أن بني إسرائيل قالوا: # نحن أبنآء الله وأحباؤه # [المائدة:18] وأبناء ms0348 أنبيائه، وسيشفع لنا آباؤنا، فأعلمهم الله تعالى ~~ عن يوم القيامة أنه لا تقبل فيه الشفاعات، ولا يؤخذ فيه فدية. # وإنما خص الشفاعة والفدية والنصر بالذكر، لأنها هي المعاني التي ~~اعتادها بنو آدم في الدنيا، فإن الواقع في الشدة لا يتخلص إلا ~~بأن يشفع له، أو يفتدى، أو ينصر. # فصل في الشفاعة # أجمعت الأمة على أن الشفاعة في الآخرة لمحمد صلى الله عليه وسلم ثم ~~[اختلفوا في] أن شفاعته عليه الصلاة والسلام [لمن] تكون أي للمؤمنين ~~المستحقين للثواب أم لأهل الكبائر المستحقين للعقاب؟ # فذهب المعتزلة إلى أنها للمستحقين للثواب، وتأثير الشفاعة زيادة ~~المنافع على ما استحقوه. # وقال أصحابنا: تأثيرها في إسقاط العقاب عن المستحقين العقاب بأن يشفع ~~لهم في عرصة القيامة حتى لا يدخلوا النار، فإن دخلوا النار، فشفع لهم حتى ~~يخرجوا منها ويدخلوا الجنة. # واتفقوا على أنها ليست للكفار. ### || [2.49] # " إذا " في موضع نصب عطفا على " نعمتي " ، وكذلك الظروف التي بعده ~~نحو: # وإذ واعدنا # [البقرة:51]، # وإذ قلتم # [البقرة:55]. وقرىء: [أنجيتكم] على التوحيد. # وهذا الخطاب للموجودين في زمن الرسول عليه الصلاة والسلام ولا بد ~~من حذف مضاف، أي: أنجينا آباءكم، نحو: # حملناكم في الجارية # [الحاقة:11]؛ لأن إنجاء الآباء سبب في وجود الأبناء، وأصل الإنجاء ~~والنجاة: الإلقاء على نجوة من الأرض، وهي المرتفع منها ليسلم من ~~الآفات، ثم أطلق الإنجاء على كل فائز وخارج من ضيق إلى سعة، ~~وإن لم يلق على نجوة. # و " من آل " متعلق به، و " من " لابتداء الغاية. # و " آل " اختلف فيه على ثلاثة أقوال: فقال " سيبويه " [وأتباعه]: إن ~~أصله " أهل " فأبدلت الهاء همزة لقربها منها [ كما قالوا: ماء، وأصله ~~ماه ]، ثم أبدلت الهمزة ألفا، لسكونها بعد همزة مفتوحة نحو: " آمن وآدم ~~" ولذلك إذا صغر رجع إلى أصله [فتقول: " أهيل ". # قال أبو البقاء: وقال بعضهم: " أويل " ، فأبدلت الألف واوا]. # ولم يرده إلى أصله، كما لم يردوا " عييدا " إلى أصله في التصغير ~~يعني فلم يقولوا: " عويدا " لأنه من " عاد يعود " ، قالوا: ~~لئلا يلتبس بعود الخشب. وفي هذا نظر؛ لأن ms0349 النحاة قالوا: من اعتقد ~~كونه من " أهل " صغره على " أهيل " ، ومن اعتقد كونه من " آل يئول ~~" أي: رجع صغره على " أويل ". # وذهب " النحاس " إلى أن أصله " أهل " أيضا، إلا أنه قلب الهاء ألفا ~~من غير أن يقلبها أولا همزة، وتصغيره عنده على " أهيل ". # وقال الكسائي: " أويل " وقد تقدم ما فيه. # ومنهم من قال أصله: " أول " مشتق من " آل يئول " ، أي: رجع؛ ~~لأن الإنسان يرجع إلى آله، فتحركت الواو، وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، ~~وتصغيره على " أويل " نحو: " مال " و " مويل " و " باب " و " ~~بويب " ويعزى هذا الكسائي. # وجمعه: " آلون " و " آلين " وهذا شاذ ك " أهلين "؛ لأنه ليس ~~بصفة ولا علم. # قال ابن كيسان: إذا جمعت " آلا " قلت: " آلون " ، فإن جمعت " ~~آلا " الذي هو [السراب] قلت: " آوال " ليس إلا؛ مثل: " مال ~~وأموال ". # واختلف فيه فقيل: " آل " الرجل قرابته كأهله. # وقيل: من كان من شيعته، وإن لم يكن قريبا منه؛ قال: [الطويل] # 471 فلا تبك ميتا بعد ميت أجنه # علي وعباس وآل أبي بكر # ولهذا قيل: آل النبي من آمن به إلى آخر الدهر، ومن لم يؤمن به فليس ~~بآله، وإن كان نسيبا له، كأبي لهب وأبي طالب، ونقل بعضهم أن " ~~الراغب " ذكر في " المفردات " أن " الآل " يطلق على الرجل نفسه. # واختلف فيه النحاة: هل يضاف إلى الضمير أم لا؟ # فذهب الكسائي، وأبو بكر الزبيدي، والنحاس إلى أن ذلك لا يجوز، فلا يجوز ~~اللهم صل على محمد وآله، بل وعلى آل محمد، وذهب جماعة، منهم ابن ~~السيد إلى جوازه؛ واستدلوا بقوله عليه الصلاة والسلام لما سئل ~~فقيل: يا رسول الله من آلك؟ فقال: " آلي كل تقي إلى يوم ~~القيامة "؛ وأنشدوا قول [عبدالمطلب]: [الكامل] # 472 لاهم إن العبد يم # نع رحله فامنع حلالك # وانصر على آل الصلي # ب وعابديه اليوم آلك # [وقول ندبة: [الطويل] # 473 أنا الفارس الحامي حقيقة والدي # وآلي كما تحمي حقيقة آلكا] # واختلفوا أيضا فيه: هل يضاف إلى غير العقلاء فيقال: آل " المدينة ~~" وآل " مكة "؟ فمنعه الجمهور، وقال " الأخفش ": قد ms0350 سمعناه في ~~البلدان، قالوا: أهل " المدينة " وآل " المدينة " ولا يضاف إلا إلى ~~من له قدر وخطر، فلا يقال: آل الإسكاف ولا آل الحجام، وهو من ~~الأسماء اللازمة للإضافة معنى ولفظا، وقد عرفت ما اختص به من الأحكام ~~دون أصله الذي هو " أهل " هذا كله في " آل " مرادا به الأهل، أما " آل ~~" الذي هو السراب فليس مما نحن فيه في شيء، وتصغيره " أويل " نحو: " ~~مال ومويل " وتقدم جمعه. # قوله: { فرعون } خفض بالإضافة، ولكنه لا ينصرف للعجمة ~~والتعريف. # واختلف فيه: هل هو علم شخص، أو علم جنس؛ فإنه يقال لكل [من] ملك ~~القبط و " مصر ": فرعون، مثل كسرى لكل من ملك الفرس، وقيصر ~~[وهرقل] لكل من ملك الروم، ويقال لكل من ملك " الهند ": نهمز، وقيل: ~~يعفور، ويقال لمن ملك الصابئة: نمروذ، ولمن ملك البربر: جالوت، ~~[ولمن ملك اليهود فيطون، والمعروف شالخ ولمن ملك فرغانة الإخشيد]، ~~ولمن ملك العرب من قبل العجم النعمان؛ ولمن ملك " الصين " يعفو، ~~وهرقل لكل من ملك الروم، والقيل لكل من ملك " حمير " ، ~~والنجاشي لكل من ملك " الحبشة " ، وبطليموس لكل من ملك " اليونان ~~" وتبع لمن ملك " اليمن " ، وخاقان لمن ملك الترك. # وقال " الزمخشري ": وفرعون علم لمن ملك العمالقة كقيصر للروم، ~~ولعتو الفراعنة اشتقوا منه تفرعن فلان، إذا عتا وتجبر؛ ~~وفي ملح بعضهم: [الكامل] # 474 قد جاءه الموسى [الكلوم] فزاد في # أقصى تفرعنه وفرط عرامه # وقال " المسعودي ": " لا يعرف لفرعون تفسير بالعربية ". # وظاهر كلام " الجوهري " أنه مشتق من معنى العتو، فإنه قال: " والعتاة: ~~الفراعنة، وقد تفرعن، وهو ذو فرعنة، أي دهاء ومكر ". # وفي الحديث: " أخذنا فرعون هذه الأمة " إلا أن [يريد] معنى ما قاله ~~الزمخشري المتقدم. # واسم فرعون موسى: قابوس في قول أهل الكتاب، نقله وهب بن منبه وقال ابن ~~إسحاق ووهب: " اسمه الوليد بن مصعب بن الريان، ويكنى أبا مرة ". ~~وحكى ابن جريج " أن " اسمه مصعب بن ريان، وهو من بني عمليق بن ولاد ~~بن إرم بن سام بن نوح عليه الصلاة والسلام. # وذكر ابن الخطيب أن [ابن] وهب ms0351 قال: إن فرعون يوسف عليه الصلاة ~~والسلام هو فرعون موسى، لقول موسى عليه الصلاة والسلام. # ولقد جآءكم يوسف من قبل بالبينات # [غافر:34] وقال: هذا غير صحيح، إذ كان بين دخول يوسف " مصر " ، وبين أن ~~دخلها موسى أكثر من أربعمائة سنة. # وذكر النووي أن فرعون موسى عمر أكثر من أربعمائة سنة، فمشى قول ابن وهب. # وقال محمد بن إسحاق: " هو غير فرعون يوسف إن فرعون يوسف كان اسمه الريان ~~بن الوليد ". # قوله: { يسومونكم سوء العذاب } هذه الجملة في محل نصب على ~~الحال من " آل " أي: حال كونهم سائمين، ويجوز أن تكون مستأنفة لمجرد ~~الإخبار بذلك، وتكون حكاية حال ماضية، قال بمعناه ابن عطية، وليس ~~بظاهر. # وقيل: هو خبر لمبتدأ محذوف، أي: هم يسومونكم، ولا حاجة إليه أيضا. # و " كم " مفعول أول، و " سوء " مفعول ثان؛ لأن " سام " يعتدى لاثنين ~~ك " أعطى " ، ومعناه أولاه كذا، وألزمه إياه؛ ومنه قول عمرو بن ~~كلثوم: [الوافر] # 475 إذا ما الملك سام الناس خسفا # أبينا أن نقر الخسف فينا # قال الزمخشري: " وأصله من سام السلعة إذا طلبها، كأنه بمعنى يبغونكم ~~سوء العذاب، ويزيدونكم عليه ". # وقيل أصل السوم: الدوام، ومنه سائمة الغنم لمداومتها الرعي. ~~والمعنى: يديمون تعذيبكم. # وسوء العذاب: أشده وأقطعه، وإن كان كله سيئا، كأنه أقبحه بالإضافة ~~إلى سائره. # والسوء: كل ما يعم الإنسان من أمر دنيوي وأخروي، وهو في الأصل مصدر، ~~ويؤنث بالألف، قال تعالى: # أساءوا السوءى # [الروم:10]. # [وأجاز بعضهم أن يكون " سوء " نعتا لمصدر محذوف تقديره: يسومونكم سوما ~~سيئا، كذا قدره. # وقال أيضا:] " ويجوز أن يكون بمعنى سوم العذاب " ، كأنه يريد بذلك أنه ~~منصوب على نوع المصدر نحو: " قعد جلوسا "؛ لأن سوء العذاب نوع من السوم. # قال أبو العباس المقرىء: ورد لفظ " السوء " على خمسة عشر وجها: # الأول: بمعنى " الشدة " كهذه الآية، أي: شدة العذاب. # الثاني: بمعنى " العقر " قال تعالى: # ولا تمسوها بسوء # [هود:64]. # الثالث: " الزنا: قال تعالى: # ما علمنا عليه من سوء # [يوسف:51]. # الرابع: " المرض " قال تعالى: # تخرج بيضآء من غير سوء # [طه:22]. ms0352 # الخامس: " اللعنة " قال تعالى: # إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين # [النحل:27]. # السادس: " العذاب " قال تعالى: # لا يمسهم السوء # [الزمر:61]. # السابع: " الشرك " قال تعالى: # ما كنا نعمل من سوء # [النحل:28]. # الثامن: " العصيان " قال تعالى: # ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة # [النحل:119]. # التاسع: " الشتم " قال تعالى: # ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء # [الممتحنة:2] أي: بالشتم، ومثله: # لا يحب الله الجهر بالسوء من القول # [النساء:148] أي: الشتم. # العاشر: " الجنون " قال تعالى: # إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء # [هود:54] أي بجنون. # الحادي عشر: " اليأس " قال تعالى: # ولهم سوء الدار # [الرعد:25] أي: يأس الدار. # الثاني عشر: " المرض " قال تعالى: # ويكشف السوء # [النمل:62] يعني المرض. # الثالث عشر: " الفقر " قال تعالى: # ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما ~~مسني السوء # [الأعراف:188] أي: الفقر. # الرابع عشر: " الهزيمة " قال تعالى: # فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم ~~سوء # [آل عمران:174] أي: هزيمة. # الخامس عشر: " السوء ": الصيد، قال تعالى: # فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون ~~عن السوء # [الأعراف:165] أي: الصيد. # فصل في السوء الذي ضرب على بني إسرائيل # قال " محمد بن إسحاق ": جعلهم خولا وخدما له، وصنفهم في [أعماله] فصنف ~~يبنون، وصنف يحرثون، وصنف يزرعون، وصنف يخدمونه، ومن لم يكن ~~في فرع من أعماله، فإنه يضع عليه جزية يؤديها. # وقال " السدي ": جعلهم في الأعمال الصعبة الشديدة مثل: كنس ~~المبرز، وعمل الطين، ونحت الجبال. # قوله: { يذبحون } هذه الجملة يحتمل أن تكون مفسرة للجملة ~~قبلها، وتفسيرها لها على وجهين: # أحدهما: أن تكون مستأنفة، فلا محل لها حينئذ من الإعراب، كأنه قيل: ~~كيف كان سومهم العذاب؟ فقيل يذبحون. # الثاني: أن تكون بدلا منها؛ كقوله: [الطويل] # 476 متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا # ....................... # ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب # [الفرقان:68-69]، ولذلك ترك العاطف، ويحتمل أن تكون حالا ثانية، لا على ~~أنها بدل من الأول. # وذلك على رأي من يجوز تعدد الحال وقد منع " أبو البقاء " هذا الوجه ~~محتجا بأن الحال تشبه المفعول به، ولا يعمل العامل في مفعولين ms0353 على هذا ~~الوصف، وهذا بناء منه على أحد القولين، ويحتمل أن تكون حالا من فاعل " ~~يسومونكم ". # وقرىء: " يذبحون " بالتخفيف، والأولى قراءة الجماعة؛ لأن الذبح ~~متكرر. # فإن قيل: لم لم يؤت هنا بواو العطف كما أتي بها في إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام؟ # فالجواب: أنه أريد هنا التفسير كما تقدم، وفي سورة إبراهيم معناه: ~~يعذبونكم بالذبح وبغير الذبح. # وقيل: يجوز أن تكون " الواو " زائدة، فتكون كآية " البقرة "؛ واستدل ~~هذا القائل على زيادة الواو بقوله: [الطويل] # 477 فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى # ................... # يريد: انتحى. وقوله: [المتقارب] # 478 إلى الملك القزم وابن الهمام # ......................... # والجواب الأول أصح. # قال ابن الخطيب: المقصود من ذكر العطف في سورة " إبراهيم " عليه الصلاة ~~والسلام أنه تعالى قال قبل هذه الآية: # ولقد أرسلنا موسى بآيتنآ أن أخرج قومك من ~~الظلمات إلى النور وذكرهم بأيم الله # [إبراهيم:5] والتذكير بأيام الله لا يحصل إلا [بتعداد] النعم، فوجب أن ~~يكون المراد من قوله: { يسومونكم سوء العذاب } نوعا من ~~العذاب، والمراد من قوله: { ويذبحون أبنآءكم } نوعا آخر، ~~فتحصل منهما نوعان من النعمة، فلهذا وجب ذكر حرف العطف، وأما هذه الآية ~~لم يرد الأمر إلا بتذكر جنس النعمة، وهي قوله: # اذكروا نعمتي # [البقرة:47]، فسواء كان المراد من سوء العذاب هو الذبح أو غيره، فإن ~~التذكير لجنس النعمة حاصل. # " والذبح " أصله الشق، منه المذابح لأخاديد السيول في الأرض. # والذبح: المذبوح " والذباح ": تشقق في [أصول] الأصابع. والمذابح ~~ أيضا: المحاريب. # وأما " أبناء " جمع " ابن " ، رجع به إلى أصله، فردت لامه، إما ~~الواو أو الياء حسبما تقدم. # والأصل: " أبناو " أو " أبناي " ، فأبدل حرف العلة همزة لتطرفه بعد ألف ~~زائدة، والمراد بهم: الأطفال عند أكثر المفسرين. # وقيل: الرجال، وعبر عنهم بالأبناء باعتبار ما كانوا؛ لأنه ذكرهم في ~~مقابلة النساء. و " النساء ": أسم للبالغات، فكذا المراد من ~~الأبناء الرجال البالغون. # قالوا: إنه كان يأمر بقتل الرجال الذين يخافون منهم الخروج عليهم ~~والتجمع لإفساد أمره. # والأول أولى لحمل لفظ الأبناء على ظاهره، ولأنه كان متعذر قتل جميع ~~الرجال على كثرتهم، وأيضا فكانوا ms0354 محتاجين إليهم في استعمالهم في ~~الأعمال الشاقة، ولو كان كذلك لم يكن لإلقاء موسى عليه الصلاة ~~والسلام في التابوت حال صغره معنى. # وأما قولهم: لأنه ذكرهم في مقابلة النساء ففيه جوابان: # الأول: أن الأبناء لما قتلوا حال الطفولة لم يصيروا رجالا، لم يجز ~~إطلاق اسم الرجال عليهم. # أما البنات لما لم يقتلن، بل وصلن إلى حد النساء جاز الإطلاق اسم ~~النساء عليهن اعتبارا بالمآل. # الثاني: قال بعضهم: المراد بقوله: { ويستحيون نسآءكم } أي ~~يفتشون حياء المرأة أي: فرجها هل بها حمل أم لا؟ # فصل في السبب الباعث على تقتيل الأبناء # ذكروا في سبب قتل الأبناء وجوها: # أحدها: قال ابن عباس: وقع إلى فرعون وطبقته ما كان الله وعد به إبراهيم ~~أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكا فخافوا ذلك، واتفقت كلمتهم على إعدد ~~رجال يطوفون في بني إسرائيل، فلا يجدون مولودا ذكرا إلا ذبحوه ~~فلما رأوا أكابرهم يموتون، وصغارهم يذبحون خافوا الفناء فلا يجدون من ~~يباشر الأعمال الشاقة، فصاروا يقتلون عاما دون عام. # وثانيها: قال السدي: إن فرعون رأى نارا أقبلت من بيت المقدس حتى ~~اشتملت على بيوت " مصر " ، فأحرقت القبط، وتركت بني إسرائيل فدعا فرعون ~~الكهنة، وسألهم عن ذلك؟ فقالوا: يخرج من بيت المقدس من يكون هلاك ~~القبط على يديه. # وثالثها: أن المنجمين أخبروا فرعون بذلك. # قال ابن الخطيب: والأقرب هو الأول؛ لأن الذي يستفاد من علم التعبير، ~~وعلم النجوم لا يكون أمرا مفصلا، وإلا قدح ذلك في كون الإخبار عن ~~الغيب معجزا، بل يكون أمرا مجملا، والظاهر من حال العاقل ألا ~~يقدم على مثل هذا الأمر العظيم بسببه. # فإن قيل: إن فرعون كان كافرا بالله فبأن يكون كافرا بالرسل أولى، ~~وإذا كان كذلك فكيف يمكن أن يقدم على هذا الأمر العظيم بسبب إخبار ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام عنه؟ # فالجواب: لعل فرعون كان عارفا بالله، وبصدق الأنبياء إلا أنه كان ~~كافرا كفر عناد أو يقال: إنه كان شاكا متحيرا في دينه، وكان ~~يجوز صدق إبراهيم عليه الصلاة والسلام فأقدم على ذلك ms0355 الفعل ~~احتياطا. # قوله: " ويستحيون " عطف على ما قبله، وأصله: " يستحييون " ، ~~فأعل بحذف الياء بعد حذف حركتها، وقد تقدم بيانه فوزنه: " يستفعون ~~". # والمراد بالنساء: الأطفال، وإنما عبر عنهم بالنساء، لمآلهن إلى ذلك. # وقيل: المراد غير الأطفال كما قيل في الأبناء. ولام " النساء " الظاهر ~~أنها من واو لظهورها في مرادفه وهوك نسوان ونسوة. # وهل " نساء " جمع " نسوة " أو جمع " امرأة " من حيث المعنى؟ قولان، ~~ويحتمل أن تكون ياء اشتقاقا من النسيان. # قوله: { وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم } الجار ~~والمجرور خبر مقدم، و " بلاء " مبتدأ. ولامه واو لظهورها في الفعل نحو: ~~بلوته # ولنبلونكم # [البقرة:155]، فأبدلت همزة. والبلاء يكون في الخير والشر، قال تعالى: # ونبلوكم بالشر والخير فتنة # [الأنبياء:35]؛ لأن الابتلاء امتحان، فيمتحن الله عباده بالخير ليشكروا، ~~وبالشر ليصبروا. # وقال ابن كيسن: " أبلاه وبلاه في الخير والشر "؛ وأنشد: ~~[الطويل] # 479 جزى الله بالخيرات ما فعلا بكم # وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو # فجمع بين اللغتين. # وقيل: الأكثر في الخير أبليته، وفي الشر بلوته، وفي الاختبار ~~ابتليته وبلوته. # قال النحاس: فاسم الإشارة من قوله: " وفي ذلكم " يجوز أن يكون إشارة إلى ~~الإنجاء وهو خير محبوب، ويجوز أن يكون إشارة إلى الذبح، وهو شر ~~مكروه. # وقال الزمخشري: والبلاء: المحنة إن أشير ب " ذلكم " إلى صنيع ~~فرعون، والنعمة إن أشير به إلى الإنجاء، وهو حسن. # وقال ابن عطية: " ذلكم " إشارة إلى جملة الأمر، إذ هو خير فهو كفر حاضر، ~~كأنه يريد أن يشير به إلى مجموع الأمرين من الإنجاء، والذبح، ولهذا ~~قال بعده: " يكون البلاء في الخير والشر " ، وهذا غير بعيد؛ ومثله: ~~[الرمل] # 480 إن للخير وللشر مدى # وكلا ذا وجه وقبل # وقيل: و " من ربكم " متعلق ب " بلاء " ، و " من " لابتداء الغاية ~~مجازا. # وقال أبو البقاء: هو في موضع رفع صفة ل " بلاء " ، فيتعلق بمحذوف. وفي ~~هذا نظر، من حيث إنه إذا اجتمع صفتان، إحداهما صريحة، والأخرى مؤولة، ~~قدمت الصريحة، حتى إن بعض الناس يجعل ما سواه ضرورة، و " عظيم " صفة ~~ل " بلاء " وقد تقدم معناه ms0356 مستوفى [في أول السورة]. ### || [2.50] # " إذ " في موضع نصب، و " الفرق " [والفلق] واحد، وهو الفصل ~~والتمييز، ومنه: # وقرءانا فرقناه # [الإسراء:106] أي: فصلناه وميزناه بالقرآن والبيان. # والقرآن فرقان لتمييزه بين الحق والباطل. # وقرأ الزهري: " فرقنا " بتشديد الراء. أي: جعلناه فرقا. # قوله: " بكم " الظاهر أن الباء على بابها من كونها داخلة على الآلة، ~~فكأنه فرق بهم كما يفرق بين الشيئين بما توسط بينهما. # وقال أبو البقاء: ويجوز أن تكون المعدية كقولك: " ذهبت بزيد " ، فيكون ~~التقدير: أفرقناكم البحر، ويكون بمعنى: # وجاوزنا ببني إسرآئيل البحر # [الأعراف:138]. وهذا أقرب من الأول. # ويجوز أن تكن الباء للسببية أي: بسببكم، ويجوز أن تكون للحال من " البحر ~~" أي: فرقناه ملتبسا بكم، ونظره الزمخشري بقوله: [الوافر] # 481................. # تدوس بنا [الجماجم] والتريبا # أي: تدوسها ونحن راكبوها. # قال أبو البقاء: أي: فرقنا البحر وأنتم به، فيكون إما حالا مقدرة أو ~~مقارنة، ولا حاجة إلى ذلك؛ لأنه لم يكن مفروقا إلا بهم حال كونهم سالكين ~~فيه. # وقال أيضا: و " بكم " في موضع نصب مفعول ثان ل " فرقنا " و " ~~البحر " مفعول أول، والباء هنا في معنى اللام. # وفيه نظر؛ لأنه على تقدير تسليم كون الباء بمعنى اللام، فتكون لام ~~العلة، والمجرور بلام العلة لا يقال: إنه مفعول ثان، لو قلت: ضربت ~~زيدا لأجلك، لا يقول النحوي: " ضرب " يتعدى لاثنين إلى أحدهما بنفسه، ~~وللآخر بحرف الجر. # و " البحر " أصله: الشق الواسع، ومنه " البحيرة " لشق أذنها، ~~وفيه الخلاف المتقدم في " النهر " في كونه حقيقة في الماء، أو في ~~الأخدود؟ # ويقال: فرس بحر أي: واسع الجري، ويقال: أبحر الماء: ملح؛ قال ~~نصيب: [الطويل] # 482 وقد عاد ماء الأرض بحرا فزادني # إلى مرضي أن أبحر المشرب العذب # والبحر يكنى إياه، وقد يطلق على العذب بحرا، وهو مختص بالماء ~~الملح، وفيه خلاف. و " البحر ": البلدة، يقال: هذه بحرتنا، أي: ~~بلدتنا. # و " البحر ": السلال يصيب الإنسان. ويقولون: لقيته صحرة بحرة، ~~أي: بارزا مكشوفا. # قوله: " فأنجيناكم " أي: أخرجناكم منه، يقال: نجوت من كذا نجاء، ~~ممدودا، ونجاة، مقصورا، والصدق منجاة، وأنجيت غيري ms0357 ~~ونجيته، وقرىء بهما: # وإذ نجيناكم # [البقرة:49] " فأنجيناكم ". # قوله: { وأغرقنآ ءال فرعون }. # " الغرق ": الرسوب في الماء، يقال: غرق في الماء غرقا، فهو ~~غرق وغارق أيضا، وأغرق غيره وغرقه، فهو مغرق ~~وغريق؛ قال أبو النجم: [الرجز] # 483 من بين مقتول وطاف غارق # ويطلق على القتل بأي نوع كان؛ قال الأعشى: [الطويل] # 484................... # ألا ليت قيسا غرقته القوابل # وذلك إن القابلة كانت تغرق المولود في دم السلى عام القحط، ~~ذكرا كان أو أنثى حتى يموت، فهذا الأصل، ثم جعل كل قتل تغريقا، ومنه ~~قول ذي الرمة: [الطويل] # 485 إذا غرقت أرباضها ثني بكرة # بتيهاء لم تصبح رءوما سلوبها # والأرباض: الحبال. والبكرة: الناقة. وثنيها: بطنها ~~الثاني، وإنما لم تعطف على ولدها لما لحقها من التعب. # قوله: { وأنتم تنظرون } جملة من مبتدأ وخبر في محل نصب على ~~الحال من " آل فرعون " أي: وأنتم تنظرون إغراقكم، والعامل " أغرقنا " ~~، ويجوز أن يكون حالا من مفعول " أنجيناكم ". # والنظر يحتمل أن يكون بالبصر؛ لأنهم كانوا يبصرون بعضهم بعضا ~~لقربهم؛ وقيل: إن آل فرعون طغوا على الماء، فنظروا إليهم. وأن يكون ~~بالبصيرة والاعتبار. # وقيل المعنى: وأنتم بحال من ينظر لو نظرتم، ولذلك لم يذكر له مفعول. # فصل في البحر الذي أغرق فيه فرعون وقومه # قال بعض المفسرين: والبحر الذي أغرق الله فيه فرعون وقومه هو " نيل ~~مصر " ، وقيل: بحر " قلزم " طرف من بحر " فارس ". # وقال قتادة: بحر من وراء " مصر " يقال له " إسافة " واختلفوا هل تفرق ~~البحر عرضا أو طولا؟ # فقيل: إنه [تفرق] عرضا وأن بني إسرائيل خرجوا إلى البر الذي كانوا ~~فيه أولا. وهذا هو الظاهر وفيه جمع بين القولين، فإنهم دخلوا فيه أولا ~~عرضا، ثم مشوا فيه طولا، وخرجوا من بر الطول، وتبعهم فرعون فالتطم ~~عليه البحر، فغرق هو وجنوده، وصار بنو إسرائيل في بر الطول، وإلا فأي ~~من يقابل بر " القلزم " خرجوا إليه حتى ذهبوا إلى " الطور ". # ومن قال: إن البحر هو النيل فلا إشكال؛ لأنهم كانوا في " مصر القديمة " ~~، وجاءوا إلى شاطىء النيل، فانفرق لهم، وخرجوا إلى ms0358 بر الشرق، وذهبوا ~~إلى " برية الطور ". # فصل في نعم الله على موسى وقومه في تلك الواقعة # اعلم أن هذه الواقعة تضمنت نعما كثيرة في الدنيا والدين في حق موسى ~~ عليه الصلاة والسلام وبني إسرائيل. # أما نعم الدنيا فهي أنهم لما وقعوا إلى ذلك المضيق، ومن ورائهم فرعون ~~وجنوده، وقدامهم البحر، فإن توقفوا أدركهم فرعون وأهلكهم، وإن ساروا ~~أغرقوا، فلا خوف أعظم من ذلك، ثم إن الله تعالى نجاهم بغرق البحر، ~~فلا نعمة أعظم من ذلك، وأيضا فإنهم شاهدوا هلاك أعدائهم، وأورثهم ~~أرضهم وديارهم، وأموالهم، وخلصهم من أيديهم، ولو أنه تعالى خلص ~~موسى وقومه من تلك الحالة، وما أهلك فرعون لكان الخوف باقيا؛ لأنه ~~ربما اجتمعوا واحتالوا على من أذاهم بحيلة، ولكن الله تعالى حسم ~~عنهم مادة الخوف. # وأما نعم الدين فهي أن قوم موسى لما شاهدوا تلك المعجزة الباهرة ~~زالت عن قلوبهم الشكوك والشبهات، فإن دلالة مثل هذا المعجز على ~~وجود الصانع الحكيم، وعلى صدق موسى تقرب من العلم الضروري، فكأنه ~~تعالى رفع عنهم تحمل النظر الدقيق، والاستدلال، وأيضا لما عاينوا ~~ذلك صار داعيا لقوم فرعون إلى ترك تكذيب موسى، والإقدام على تكذيب ~~فرعون، وايضا أنهم عرفوا أن الأمور بيد الله، وأنه لم يكن في الدنيا ~~أكمل ما كان لفرعون، ولا شدة أكثر مما كانت لبني إسرائيل، ثم إن الله ~~تعالى في لحظة واحدة جعل العزيز ذليلا، والذليل عزيزا، وذلك يوجب ~~انقطاع القلب عن علائق الدنيا، والإقبال بالكلية على خدمة الخالق، ~~والتوكل عليه في كل الأمور. # فإن قيل: إن فرعون لما شاهد فلق البحر وكان عاقلا فلا بد وأن يعلم ~~أن ذلك من فعل قادر عالم مخالف لسائر القادرين، فكيف بقي على الفكر؟ # والجواب: لعله اعتقد أن ذلك أيضا السحر، كما قال حين ألقى موسى عصاه، ~~وأخرج يده. # يروى أن فرعون كان راكبا حصانا، فلما أراد العبور في البحر خلف بني ~~إسرائيل جفل الحصان، فجاء جبريل على فرس أنثى فتقدمهم فتبعه الحصان، ~~فلما اقتحموا البحر، وميكائيل خلفهم يسوقهم حتى لم ms0359 يبق منهم أحد، ~~وخرج جبريل وهم أولهم بالخروج أمر الله البحر فالتطم عليهم. # واعلم أن هنا لطائف: # أولها: أن كل نبي لأمته نصيب مما أعطي نبيهم، فموسى عليه الصلاة ~~السلام لما نجي من الغرق حين ألقي في اليم، كذلك [نجيت] أمته ~~من الغرق. # ثانيها: أن فرعون ادعى العلو والربوبية، فأغرق ونزل إلى الدرك ~~الأسفل. # ثالثها: أنه لما ذبح أبناءهم، والذبح هو إنهار الدم، أغرقه الله في ~~النهر. # فصل في فضل يوم عاشوراء # روى مسلم عن ابن عباس # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم " المدينة " ، فوجد اليهود ~~صياما يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما هذا ~~اليوم الذي تصومونه " فقالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى ~~وقومه وأغرق فرعون وقومه فصامه موسى شكرا فنحن نصومه فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " فنحن أحق وأولى بموسى منكم " ، فصامه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه " # وأخرجه البخاري أيضا عن ابن عباس، # " وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: أنتم أحق بموسى ~~منهم فصوموا ". # فظاهر هذا أنه صلى الله عليه وسلم إنما صامه اقتداء بموسى عليه ~~السلام على ما أخبره اليهود، وليس كذلك، لما روته عائشة قالت: " ~~كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يصومه في الجاهلية، فلما قدم " المدينة " صامه وأمر بصيامه، ~~فلما فرض رمضان ترك صيام يوم عاشوراء، فمن شاء صامه، ومن شاء ~~تركه ". متفق عليه. # فإن قيل: يحتمل أن تكون قريش إنما صامته؛ لأن اليهود أخبروهم، وكانوا ~~عندهم أصحاب علم، فصامه النبي صلى الله عليه وسلم كذلك في الجاهلية، ~~أي ب " بمكة " ، فلما قدم " المدينة " ، ووجد اليهود يصومونه قال: # " نحن أحق وأولى بموسى منكم " # ، فصامه اتباعا لموسى. # فالجواب: أن هذا مبني على أنه عليه الصلاة والسلام كان متعبدا ~~بشريعة موسى عليه الصلاة والسلام، وليس كذلك. ### || [2.51-52] # قرأ أبو عمرو ويعقوب: " وعدنا " هنا، وما كان مثله ثلاثيا، وقرأ ~~الباقون: " واعدنا " بالألف، واختار أبو ms0360 عبيدة قراءة أبي عمرو، ~~ورجحها بأن المواعدة إنما تكون من البشر، وأما الله عز وجل فهو ~~المنفرد بالوعد والوعيد، على هذا وجدنا القرآن نحو: # وعد الله الذين ءامنوا # [المائدة:9]، # وعدكم وعد الحق # [إبراهيم:22]، # وإذ يعدكم الله # [الأنفال:7]. # ورجحه مكي فقال: وأيضا فإن ظاهر اللفظ فيه " وعد " من الله تعالى ~~لموسى، وليس فيه " وعد " من موسى، فوجب حمله على الواحد، بظاهر النص # ثم ذكر جماعة جلة من القراء عليها كالحسن، وأبي رجاء، وأبي جعفر، ~~وشيبة، وعيسى بن عمر، وقتادة، وابن إسحاق، ورجحه أبو حاتم أيضا بأن ~~قراءة العامة عندنا " وعدنا " بغير ألف؛ لأن المواعدة أكثر ما تكون ~~بين المخلوقين والمتكافئين. # وقد أجاب الناس عن قول أبي عبيد، وأبي حاتم، ومكي بأن " المفاعلة " ~~هنا صحيحة، بمعنى أن موسى نزل قبوله لالتزام الوفاء بمنزلة الوعد منه، ~~أو أنه وعد أن يفي بما كلفه ربه. # وقال القفال: " ولا يبعد أن يكون الآدمي يعد الله تعالى ويكون معناه ~~يعاهد الله تعالى " ، ومنه قوله تعالى: # ومنهم من عاهد الله # [التوبة:75] إلى أن قال: # بمآ أخلفوا الله ما وعدوه # [التوبة:77]. # وقال مكي: المواعدة أصلا من اثنين، وقد تأتي بمعنى " فعل " نحو: " ~~طارقت النعل " فجعل القراءتين بمعنى واحد. # وقال الكسائي: ليس قوله الله: # وعد الله الذين ءامنوا # [النور:55] من هذا الباب في شيء؛ لأن " واعدنا موسى " إنما هو من باب ~~الموافاة، وليس من الوعد في شيء، وإنما هو من قولك: " موعدك يوم كذا " ~~، و " موضع كذا ". # والفصيح في هذا أن يقال: " واعدته " ، قال تعالى حكاية عن موسى عليه ~~الصلاة والسلام أنه قال: # موعدكم يوم الزينة # [طه:59]. # وقال الزجاج: " واعدنا " بالألف جيد؛ لأن الطاعة في القبول ~~بمنزلة المواعد، فمن الله وعد، ومن موسى قبول واتباع، فجرى مجرى ~~المواعدة. # وقال مكي أيضا: " والاختيار " واعدنا " بالألف؛ لأنه بمعنى " وعدنا " ~~في أحد معنييه؛ ولأنه لا بد لموسى من وعد أو قبول يقوم مقام ~~الوعد فتصح المفاعلة ". # قال ابن الخطيب: الأقوى أن الله تعالى وعد الوحي، وهو وعد الله ~~المجيء للميقات. # قال الجوهري: ms0361 " الميعاد: المواعدة والوقت والموضع ". # ووعد يتعدى لاثنين، ف " موسى " مفعول أول، و " أربعين " مفعول ثان، ~~ولا بد من حذف مضاف، أي: تمام أربعين، ولا يجوز أن ينتصب على الظرف، ~~لفساد المعنى، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جار مجرى جمع المذكر السالم، ~~وهو في الأصل مفرد اسم جمع، سمي به هذا العقد من العدد، ولذلك أعربه ~~بعضهم بالحركات؛ ومنه في أحد القولين: [الوافر] # 486 وماذا يبتغي الشعراء مني # وقد جاوزت حد الأربعين # بكسر النون. # و " ليلة " نصب على التمييز، والعقود التي هي من عشرين إلى تسعين، ~~وأحد عشر إلى تسعة عشر كلها تميز بواحد منصوب. # و " موسى " هو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهت بن لاوي بن يعقوب بن ~~إسحاق ابن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، اسم أعجمي غير منصرف، وهو في ~~الأصل على ما يقال مركب والأصل: موشى بالشين لأن " ماء " بلغتهم ~~يقال له: " مو " والشجر يقال له: " شا " فعربته العرب فقالوا: موسى. # قالوا: إنما سمي به؛ لأن أمه جعلته في التابوت حين خافت عليه من ~~فرعون، وألقته في البحر، فدفعته أمواج البحر حتى أدخلته بين أشجار ~~عند بيت فرعون، فخرجت جواري آسية امرأة فرعون يغسلن فوجدن ~~التابوت، فأخذنه فسمي عليه الصلاة والسلام باسم المكان الذي أصيب ~~فيه وهو الماء والشجر، وليس لموسى اسم النبي عليه الصلاة والسلام ~~اشتقاق؛ لأنه أعجمي؛ لأن بني إسرائيل والقبط ما كانوا يتكلمون بلغة ~~العرب. # ومنهم من قال: إنه مشتق، واختلفوا في اشتقاقه، فقيل: هو " مفعل " من ~~أوسيت رأسه: إذا حلقته فهو موسى، ك " أعطيته فهو معطى " ، فمن ~~جعل اسمه عليه مشتقا قال: إنما سمي بذلك لصلعه. # وقيل: مشتق من " ماس يميس " أي: يتبختر في مشيته ويتحرك، ~~فهو " فعلى " وكان عليه الصلاة والسلام كذلك، فقلبت الياء واوا لانضمام ~~ما قبلها ك " موقن " من " اليقين ". # والصحيح الأول، وهذا الاشتقاق إنما هو في موسى آلة الحلق. # فصل في قصة موسى بعد نجاة قومه # ذكر المفسرون أن موسى عليه الصلاة والسلام قال لبني إسرائيل: إن ~~خرجنا من البحر سالمين ms0362 آتيكم بكتاب من عند الله يبين لكم فيه ما يجب ~~عليكم من الفعل والترك، فلما جاوز البحر، وأغرق الله فرعون قالوا: ~~يا موسى ائتنا بذلك الكتاب الموعود، فخرج إلى الطور في سبعين من ~~[أخيار] بني إسرائيل، وصعدوا الجبل، وواعدهم إلى تمام أربعين ليلة، ~~فعدوا فيما ذكر المفسرون وعشرين يوما وعشرين ليلة، وقالوا: قد [أخلفنا] ~~موعده. فاتخذوا العجل. # وقال أبو العالية: " بلغنا أنه لم يحدث حدثا في الأربعين ليلة حتى هبط ~~من الطور ". # فإن قيل: لم خص الليالي بالذكر دون الأيام؟ # قيل: لأن الليلة أسبق من اليوم فهي قبله في الرتبة وقع بها التاريخ، ~~فالليالي أول الشهور، والأيام تبع لها، وأيضا فليس المراد انقضاء ~~أي أربعين كان، بل أربعين معينا وقيل: لأن الظلمة سابقة على النور، ~~فهي الأصل يؤيده قوله تعالى: # وءاية لهم الليل نسلخ منه النهار # [يس:37]. # فصل في معنى أربعين ليلة # قوله: { أربعين ليلة } معناه: واعدنا موسى انقضاء أربعين ليلة ~~كقولهم: " اليوم أربعون يوما منذ خروج فلان " أي: تمام الأربعين، ~~والحاصل أنه حذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه كقوله: # واسأل القرية # [يوسف:82] وأيضا فليس المراد انقضاء أي أربعين كان، بل أربعين معينا، ~~وهو الثلاثون من ذي القعدة، والعشر الأول من ذي الحجة؛ لأن موسى عليه ~~السلام كان عالما بأن المراد هو هذه الأربعون، وكان ذلك بعد أن جاوز ~~البحر. # قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يكون المراد أنه وعد قبل هذه الأربعين أن ~~يجيء إلى الجبل بعد انقضاء هذه الأربعين. # قال: وهذا الاحتمال هو المؤيد بالأخبار. فإن قيل: قوله هاهنا : " ~~أربعين ليلة " يفيد أن المواعدة كانت من أول الأمر على الأربعين. # وقوله في الأعراف: # وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر ~~فتم ميقات ربه أربعين ليلة # [الأعراف:142] يفيد أن المواعدة كانت في أول الأمر على الثلاثين، فكيف ~~التوفيق بينهما؟ أجاب الحسن البصري فقال: ليس المراد أن وعده كان ~~ثلاثين ليلة، ثم بعد ذلك وعده بعشر، لكنه وعده أربعين ليلة جميعا، وهو ~~كقوله: # ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك ~~عشرة ms0363 كاملة # [البقرة:196]. # قوله: { ثم اتخذتم العجل } " اتخذ " يتعدى لاثنين، ~~والمفعول الثاني محذوف أي: اتخذتم العجل إلها، وقد يتعدى لمفعول ~~واحد إذا كان معناه " عمل " و " جعل " نحو: # وقالوا اتخذ الله ولدا # [البقرة:116]. # وقال بعضهم: " تخذ " و " اتخذ " يتعديان لاثنين ما لم يفهما ~~كسبا، فيتعديان لواحد، واختلف في " اتخذ " فقيل: هو " افتعل " من ~~الأخذ، والأصل: " ائتخذ " الأولى همزة وصل، والثانية فاء الكلمة، ~~فاجتمع همزتان ثانيتهما ساكنة بعد أخرى، فوجب قلبها ياء ك " إيمان " ~~فوقعت الياء فاء قبل تاء الافتعال، فأبدلت تاء، وأدغمت في تاء الافتعال ~~ك " اتسر " من " اليسر " ، إلا أن هذا قليل في باب الهمز؛ نحو: " ~~اتكل " من " الأكل " ، و " اتزر " من " الإزار "؛ وقال أبو ~~علي: هو " افتعل " من تخذ يتخذ؛ وأنشد: [الطويل] # 487 وقد تخذت رجلي إلى جنب غرزها # نسيفا كأفحوص القطاة المطرق # وقال تعالى: # لاتخذت عليه أجرا # [الكهف:77] وهذا أسهل القولين. # والقراء على إدغام الذال في التاء لقرب مخرجهما، وابن كثير، وعاصم ~~في رواية حفص بالإظهار، وهذا الخلاف جار في المفرد نحو: " اتخذت ~~" ، والجمع نحو: " اتخذتم " ، وأتى في هذه الجملة ب " ثم " دلالة ~~على أن الاتخاذ كان بعد المواعدة بمهلة. # وقال ابن الخطيب: لما أنعم عليهم بهذه النعمة، وأتوا عقيب ذلك ~~بأقبح أنواع الجهل والكفر، كان ذلك في محل التعجب، فهو كمن يقول: إني ~~أحسنت إليك، وفعلت كذا وكذا، ثم إنك تقصدني بالسوء والإيذاء، ومثله: # ثم الذين كفروا بربهم يعدلون # [الأنعام:1]، # ثم أنتم تمترون # [الأنعام:2]؛ # ثم قست قلوبكم من بعد ذلك # [البقرة:74]، # ثم يصر مستكبرا # [الجاثية:8]، # ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم # [البقرة:85]. # قوله: " من بعده " متعلق ب " اتخذتم " ، و " من " ~~لابتداء الغاية والضمير يعود على موسى، ولا بد من حذف مضاف، أي: من ~~بعد انطلاقه أو مضيه. # وقال ابن عطية: " يعود على موسى ". # وقيل: " على انطلاقه للمتكلم ". # وقيل: على الوعد، وفي كلامه بعض مناقشة، فإن قوله: " وقيل يعود على ~~انطلاقه " يقتضي عوده على موسى من غير تقدير مضاف، وذلك غير متصور. # قوله: " وأنتم ظالمون " جملة حالية من فاعل ms0364 " اتخذتم ". # و " العجل " ولد البقرة، والعجول مثله، والجمع عجاجيل، والأنثى ~~" عجلة " ، عن أبي الحسن، وسمي العجل عجلا لاستعجالهم عبادته، ذكره ~~القرطبي، وفيه نظر؛ لأن العجل ولد البقرة كان موجودا قبل أن يتخذ ~~بنو إسرائيل العجل. # فصل # قال أهل التفسير: لما ذهب موسى إلى الطور، وقال لأخيه هارون: اخلفني ~~في قومي، وكان قد بقي مع بني إسرائيل الثياب والحلي الذي استعاروه ~~من القبط قال لهم هارون: إن هذه الثياب والحلي لا تحل لكم، وكان ~~السامري من مسيره مع موسى عليه السلام إلى البحر ينظر إلى حافر ~~دابة جبريل حين تقدم على فرعون في دخول البحر. # قال بعض المفسرين: كان كلما نقل حافره يخضر مكانه نبتا، فلهذا سمي ~~فرس الحياة، ولا يصيب شيئا إلا حيي، فقال السامري: " إن لهذا النبت ~~نبأ، فقبض منه قبضة، وقيل: قبض من تراب حافره، فذلك قوله: # فقبضت قبضة من أثر الرسول # [طه:96]، ثم إن السامري أخذ ما كان معهم من الذهب، فصور منه ~~عجلا وألقى فيه تلك القبضة، فخرج له صوت كالخوار، فقال القوم: { ~~هذآ إلهكم وإله موسى } # قال ابن عباس: " لأنه كان منافقا يظهر الإسلام، وكان يعبد البقر، ~~وكان اسمه موسى بن ظفر ". # وقيل: متى. # وقيل: هارون، وإنهم عبدوا العجل بعد مجاوزة النهر لقوله تعالى: # وجاوزنا ببني إسرآئيل البحر فأتوا على قوم ~~يعكفون على أصنام لهم قالوا يموسى اجعل ~~لنآ إلها كما لهم آلهة # [الأعراف:138]. # فإن قيل: كل عاقل يعلم ببديهة عقله أن الصنم الذي لا يتحرك، ولا يحس، ~~ولا يعقل مستحيل أن يكون إله السموات والأرض، وهب أنه ظهر من خوار، ~~ولكن هذا القدر لا يصلح أن يكون شبهة في قلب أحد من العقلاء في ~~كونه إلها، وأيضا فإن القوم قد شاهدوا قبل ذلك من المعجزات الظاهرة ~~التي تكون قريبة من حد الإلجاء من الدلالة على الصانع وصدق موسى ~~عليه السلام فمع قوة هذه الدلالة وبلوغها إلى حد الضرورة، لا يكون ~~صدور الخوار من ذلك العجل يقتضي شبهة في كون ذلك الجسم المصوت ~~إلها. # قال ms0365 ابن الخطيب: والجواب أن هذه الواقعة لا يمكن تصحيحها إلا على وجه ~~واحد، وهو أن السامري ألقى إلى القوم أن موسى عليه السلام إنما ~~قدر على ما أتى به؛ لأنه كان يتخذ طلسمات على قوى ملكية، وكان يقدر ~~بواسطتها على هذه المعجزات فقال السامري للقوم: " وأنا أتخذ لكم ~~طلسمات مثل طلسمته، وروج عليهم ذلك بأن جعله بحيث خرج منه صوت عجيب، ~~فأطمعهم في أن يصيروا مثل موسى عليه السلام في الإتيان بالخوارق، ~~أو لعل القوم كانوا مجسمة وحلولية، فجوزوا حلول الإله في بعض ~~الأجسام، فلذلك وقعوا في تلك الشبهة. # فصل في فوائد من قصة بني إسرائيل # في هذه القصة فوائد: # أحدها: أنها تدل على أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير الأمم؛ ~~لأن أولئك اليهود مع مشاهدتهم تلك البراهين الباهرة اغتروا ~~بهذه الشبهة الركيكة، وأما أمة محمد عليه السلام فإنهم مع أنهم ~~محتاجون في ثبوت كون القرآن معجزا إلى الدلائل الدقيقة لم ~~يغتروا بالشبهات العظيمة، وذلك يدل على أنهم أكمل عقلا، ~~وأدعى خاطرا من اليهود. # وثانيها: فيه تحذير عظيم من التقليد والجهل بالدلائل، فإن هؤلاء ~~الأقوام لو عرفوا الله بالدليل معرفة تامة لما وقعوا في شبهة السامري. # وثالثها: تسلية النبي صلى الله علي وسلم - عما كان شاهد من مشركي ~~العرب، واليهود، والنصارى من الخلاف، فكأنه تعالى أمره بالصبر على ~~ذلك كما صبر موسى عليه السلام في هذه الواقعة المنكرة، فإنهم ~~بعد أن خلصهم الله تعالى من فرعون، وأراهم المعجزات العجيبة من أول ~~ظهور موسى إلى ذلك الوقت، اغتروا بتلك الشبهة الركيكة، وأن موسى ~~عليه السلام صبر على ذلك، فلأن يصبر محمد عليه السلام على ~~أذية قومه أولى. # ورابعها: أن أشد الناس مجادلة وعداوة مع الرسول هم اليهود، فكأنه ~~تعالى قال: إن هؤلاء يفتخرون بأسلافهم، ثم إن أسلافهم كانوا في ~~البلادة، والجهالة، والغباوة إلى هذا الحد بحيث إن أشد الأشياء ~~بلادة، وجهالة، وغباوة، هم البقر، فجعلوه إلها، فكيف هؤلاء الأخلاف. # فصل # في تفسير الظلم وجهان: # الأول: قال فيه أبو مسلم: ms0366 الظلم في أصل اللغة من النقص قال تعالى: # كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه ~~شيئا # [الكهف:33]. # والمعنى: أنهم تركوا عبادة الخلاق المحيي المميت، واشتغلوا بعبادة ~~العجل، فقد صاروا ناقصين في خيرين: الدين والدنيا. # والثاني: أن الظلم في العرف عبارة عن الضرر الخالي عن نفع يزيد عليه، ~~ودفع مضرة أعظم منه، والاستحقاق غير العرفي علمه أو ظنه، فإذا كان ~~بهذه الصفة كان فاعلا ظلما، ثم إن الرجل إذا فعل ما يؤديه إلى العقاب ~~والنار، قيل: " إنه ظالم لنفسه " ، وإن كان في الحال نفعا ولذة كما ~~قال: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان:13]. # وقال: # فمنهم ظالم لنفسه # [فاطر:32] ولما كانت عبادتهم لغير الله ظلما ومؤديا إلى عذاب النار ~~سمي ظلما. # فصل في رد شبهة للمعتزلة # استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن المعاصي ليست بخلق الله من وجوه: # أحدها: أنه تعالى ذمهم عليها، ولو كانت مخلوقة له لكانوا مطيعين ~~بفعلها؛ لأن الطاعة عبارة عن فعل المراد. # وثانيها: لو كان العصيان مخلوق لله تعالى لكان الذم بسببه يجري ~~مجرى الذم بسبب كونه أسود، وأبيض، وطويلا. # قال ابن الخطيب: وهذا تمسك بفعل المدح والذم، وهو معارض بمسألتي الداعي ~~والعلم، وقد تقدم. # قوله: { ثم عفونا عنكم من بعد ذلك }. # و " العفو " المحو، ومنه: " عفا الله عنكم " أي: محا ~~ذنوبكم، والعافية: لأنها تمحو السقم، وعفت الريح الأثر؛ قال: ~~[الطويل] # 488 فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها # لما نسجتها من جنوب وشمأل # وقيل: عفا كذا أي: كثر، ومنه " وأعفوا اللحى " فيكون من ~~الأضداد. # وقال ابن عطية: " العفو تغطية الأثر، وإذهاب الحال الأول من ~~الذنب أو غيره، ولا يستعمل العفو بمعنى الصفح إلا في الذنب ". ~~وهذا الذي قاله قريب من تفسير الغفران؛ لأن الغفر التغطية ~~والستر، ومنه: المغفر، ولكن قد فرق بينهما بأن العفو يجوز أن يكون ~~بعد العقوبة، فيجتمع معها، وأما الغفران فلا يكون مع عقوبة. # وقال الراغب: " العفو ": القصد لتناول الشيء، يقال: عفاه ~~واعتفاه أي: قصده متناولا ما عنده، وعفت الريح التراب ~~قصدتها متناولة آثارها، وعفت الديار كأنها ms0367 قصدت نحو البلى وعفا ~~النبت والشعر قصد تناول الزيادة، وعفوت عنك كأنه قصد ~~إزالة ذنبه صارفا عنه، وأعفيت كذا، أي: تركته يعفو ويكثر، ~~ومنه " أعفوا اللحى " فجعل القصد قدرا مشتركا في العفو، وهذا ~~ينفي كونه من الأضداد، وهو كلام حسن؛ وقال الشاعر [الطويل] # 489.................. # إذا رد عافي القدر من يستعيرها # معناه: أن العافي هنا ما يبقى في القدر من المرق ونحوه، فإذا ~~أراد أحد أن يستعير القدر يعلل صاحبها بالعافي الذي فيها، ~~فالعافي فاعل، ومن يستعيرها مفعول، وهو من الإسناد المجازي؛ لأن ~~الراد في الحقيقة صاحب القدر بسبب العافي. # فصل في تفسير المعتزلة للعفو في الآية # قالت المعتزلة: " المراد ثم عفونا عنكم بسبب إتيانكم بالتوبة، وهي ~~قتل بعضكم بعضا ". # قال ابن الخطيب: وهذا ضعيف من وجهين: # الأول: أن قبول التوبة واجب عقلا، ولو كان المراد ذلك لما جاز ~~عده في معرض الإنعام، لأن أداء الواجب لا يعد من باب الإنعام، ~~والمقصود من هذه الآيات تعديد نعم الله تعالى عليهم. # الثاني: أن العفو اسم لإسقاط العقاب المستحق؛ وأما إسقاط ما يجب ~~إسقاطه، وذلك لا يسمى عفوا، ألا ترى أن الظالم لما لم يجز له تعذيب ~~المظلوم، فإذا ترك عذابه لم يكن الترك عفوا، فكذلك هاهنا. # إذا ثبت هذا فنقول: لا شك في حصول التوبة في هذه الصورة لقوله تعالى: # فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم # [البقرة:54] وإذا كان كذلك دلت الآية على أن قبول التوبة غير واجب ~~عقلا، وإذا ثبت ذلك ثبت أيضا أنه تعالى أسقط عقوبة من يجوز ~~عقابه عقلا، وشرعا، وذلك أيضا خلاف قول المعتزلة، وإذا ثبت أنه عفا عن ~~كفار قوم موسى، فلأن يعفوا عن فساق أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~مع أنهم خير أمة أخرجت للناس كان أولى. # قوله: " لعلكم تشكرون ". # " تشكرون " في محل رفع خبر " لعل " ، وقد تقدم تفسير الشكر عند ~~ذكر الحمد. # وقال الراغب: هو تصور النعمة وإظهارها. # وقيل: هو مقلوب عن الكشر أي: الكشف، وهو ضد الكفر، فإنه تغطية ~~النعمة وقيل: أصله من " عين شكرى ms0368 " أي: ممتلئة، فهو على هذا الامتلاء ~~من ذكر المنعم عليه. # و " شكر " من الأفعال المتعدية بنفسها تارة، وبحرف الجر أخرى، ~~وليس أحدهما أصلا للآخر على الصحيح، فمن المتعدي بنفسه قوله عمرو ~~بن لحي: [الطويل] # 490 هم جمعوا بؤسى ونعمى عليكم # فهلا شكرت القوم إذ لم تقاتل # ومن المتعدي بحرف الجر قوله تعالى: # واشكروا لي # [البقرة:152]، وسيأتي هنا تحقيقه. # فصل في الرد على المعتزلة # قالت المعتزلة: إنه تعالى بين أنه عفا عنهم، ولم يؤاخذهم لكي ~~يشركوا، وذلك يدل على أنه تعالى لم يرد منهم إلا الشكر. # والجواب: لو أراد الله تعالى منهم الشكر لأراد ذلك، أنما شرط أن ~~يحصل للشاكر داعية للشكر أولا بهذا الشرط، والأول باطل؛ إذ لو أراد ~~ذلك بهذا الشرط، فإن كان هذا الشرط من العمد لزم افتقار الداعية ~~إلى داعية أخرى، وإن كان من الله بحيث خلق الله الداعي حصل الشكر لا ~~محالة، وحيث لم يخلق الداعي استحال حصول الشكر، وذلك ضد قول ~~المعتزلة، وإن أراد حصول الشكر منه من غير هذه الداعية، فقد أراد منه ~~المحال؛ لأن الفعل بدون الدواعي محال. فثبت أن الإشكال وارد ~~عليهم. ### || [2.53] # " الكتاب " و " الفرقان " مفعول ثان ل " آتينا ". # وهل المراد بالكتاب والفرقان شيء واحد، وهو التوراة؟ # كأنه قيل: الجامع بين كونه كتابا منزلا، وفرقانا يفرق بين ~~الحق والباطل، نحو: رأيت الغيث والليث، وهو من باب ~~قوله: [المتقارب] # 491 إلى الملك القرم وابن الهمام # ........................ # أو لأنهم لما اختلف اللفظ، جاز ذلك؛ كقوله: [الوافر] # 492 فقدمت الأديم لراهشيه # وألقى قولها كذبا ومينا # وقوله: [الطويل] # 493.................... # وهند أتى من دونها النأي والبعد # وقوله عنترة: [الكامل] # 494.................... # أقوى وأقفر بعد أم الهيثم # قال النحاس: " هذا إنما يجوز في الشعر، فالأحسن أن يراد بالفرقان ~~ما علمه الله موسى من الفرق بين الحق والباطل ". # وقيل: " الواو زائدة " ، و " الفرقان " نعت للكتاب أو " الكتاب " ~~التوراة، و " الفرقان " ما فرق به بين الكفر والإيمان، كالآيات من ~~نحو: العصا واليد أو ما فرق به بين الحلال والحرام من الشرائع. # و " الفرقان ms0369 " في الأصل مصدر مثل الغفران. # وقد تقدم معناه في # فرقنا بكم البحر # [البقرة:50]. # وقيل: " الفرقان " هنا اسم للقرآن، قالوا: والتقدير: ولقد آتينا موسى ~~الكتاب، ومحمدا الفرقان. # قال النحاس: هذا خطأ في الإعراب والمعنى، أما الإعراب فلأن المعطوف على ~~الشيء مثله، وهذا يخالفه، وأما المعنى فلقوله: # ولقد ءاتينا موسى وهرون الفرقان # [الأنبياء:48]. وقال قطرب وزيد: " الفرقان انفراق البحر له ~~". # فإن قلت: هذا مذكور في قوله: # وإذ فرقنا بكم البحر # [البقرة:50] وأيضا قوله بعد ذلك: " لعلكم تهتدون " لا يليق ~~إلا بالكتاب؛ لأن ذلك لا يذكر إلا عقيب الهدى، فالجواب عن الأولى أنه ~~تعالى لم يبين في قوله: { وإذ فرقنا بكم البحر } أن ذلك ~~كان لأجل موسى عليه السلام، وفي هذه الآية بين ذلك بالتنصيص. # وعن الثاني: أن فرق البحر كان من الدلائل فلعل المراد: آتينا ~~موسى الكتاب ليستدلوا بذلك على وجود الصانع، وصدق موسى عليه السلام، ~~وذلك هو الهداية، وأيضا فالهدى قد يراد به الفوز والنجاة ~~ولم يرد به الدلالة، فكأنه تعالى بين أنه أتاهم الكتاب نعمة من ~~الدين والفرقان الذي جعل به نجاتهم من الخصم نعمة عاجلة. # وقيل: الفرقان: الفرج من الكرب؛ لأنهم كانوا مستعبدين مع القبط، # إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا # [الأنفال:29] أي: فرجا ومخرجا وقيل: الحجة والبيان، قاله ابن ~~بحر. # وقيل: الفرقان الفرق بينهم وبين قوم فرعون، أنجى هؤلاء، وغرق ~~أولئك، ونظيره يوم الفرقان، فقيل يعني به يوم بدر. # فصل في الرد على المعتزلة # استدلت المعتزلة بقوله: " لعلكم تهتدون " على أن الله أراد الاهتداء من ~~الكل، وذلك يبطل قول من يقول: أراد الكفر من الكافر. وأيضا إذا كان ~~هداهم أنه تعالى لم يخلق الاهتداء ممن يهتدي، والضلال ممن يضل، فما ~~الفائدة في إنزال الكتاب والفرقان، ولقوله: " لعلكم تهتدون " ~~ومعلوم أن الاهتداء إذا كان يخلقه، فلا تأثير لإنزال الكتب فيه لو كان ~~الاهتداء [ولا كتاب لحصل] الاهتداء ولو أنزل الكتاب، ولم يخلق الاهتداء ~~فيهم لما حصل الاهتداء، فيكف يجوز أن يقول: أنزلت [الكتاب] لكي تهتدوا؟ ~~وقد تقدم مثل [هذا] ms0370 الكلام. ### || [2.54] # " يا قوم " أعلم أن في المنادى المضاف إلى ياء المتكلم ست لغات. # أفصحها: حذفها مجتزئا عنها بالكسرة، وهي لغة القرآن. # والثانية: ثبوت الياء ساكنة. # الثالثة: ثبوتها مفتوحة. # الرابعة: قلبها ألفا. # الخامسة: حذف هذه الألف، والاجتزاء عنها بالفتحة؛ كقوله: [الوافر] # 495 ولست براجع ما فات مني # بلهف ولا بليت ولا لو أني # أي يقول: يا لهفا. # السادسة: بناء المضاف إليها على الضم تشبيها بالمفرد، نحو ~~قراءة من قرأ: # قال رب احكم بالحق # [الأنبياء:112]. # قال بعضهم: لأن " يا قوم " في تقدير: يا أيها القوم والقوم: اسم جمع؛ ~~لأنه دال على أكثر من اثنين، وليس له واحد من لفظه، ولا هو على صيغة ~~مختصة بالتكسير، ومفرده " رجل " ، واشتقاقه من " قام بالأمر ~~يقوم به " ، قال تعالى: # الرجال قوامون على النسآء # [النساء:34] والأصل في إطلاقه على الرجال؛ ولذلك قوبل بالنساء في ~~قوله تعالى: # لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا ~~منهم ولا نسآء من نسآء # [الحجرات:11]. # وقول زهير: [الوافر] # 496 وما أدري وسوف إخال أدري # أقوم آل حصن أم نساء # وأما قوله تعالى: # كذبت قوم نوح # [الشعراء:105] و # كذبت قوم لوط # [الشعراء:106] والمكذبون رجال ونساء فإنما ذلك من باب التغليب، ولا ~~يجوز أن يطلق على النساء وحدهن ألبتة، وإن كانت عبادة بعضهم توهم ذلك. # فصل في نظم الآية # في قوله: " يا قوم " لطيفة، وهي أنه أضاف القوم إلى نفسه، وأضاف نفسه ~~إليهم إضافة اختلاط، وامتزاج، فكأنه منهم [وهم] منه فصارا كالجسد ~~الواحد فهو مقيد لهم ما يريد لنفسه، وإنما يضرهم ما يضره وما ينفعهم ~~ينفعه كقول القائل لغيره إذا نصحه: ما أحب لك إلا ما أحب لنفسي ~~وذلك إشارة إلى استمالة قلوبهم إلى قبول دعواه، وطاعتهم له فيما ~~أمرهم به، ونهاهم عنه. # قوله تعالى: { باتخاذكم العجل } الباء للسببية، متعلقة ب " ~~ظلمتم " ، وقد تقدم الخلاف في مثل هذه لمادة. # و " العجل " مفعول أول، والثاني محذوف أي: إلها كما تقدم، والمصدر ~~ هنا مضاف للفاعل، وهو أحسن الوجهين، فإن المصدر إذا اجتمع فاعله ~~ومفعوله ms0371 فالأولى إضافته إلى الفاعل؛ لأنه رتبته التقديم، وهذا من الصور ~~التي يجب فيها تقديم الفاعل. # وأما # قتل أولادهم شركآؤهم # [الأنعام:137] فسيأتي إن شاء الله تعالى. وتقدم الكلام في " العجل ". # قوله: { إلى بارئكم } متعلق ب " توبوا " ، والمشهور كسر ~~الهمزة؛ لأنها حركة إعراب. وروي عن أبي عمرو ثلاثة أوجه أخر: # الاختلاس: وهو الإتيان بحركة خفية، والسكون المحض، وهذه قد طعن فيها ~~جماعة من النحاة، ونسبوا راويها إلى الغلط على أبي عمرو. # وقال سيبويه: " إنما اختلس أبو عمرو فظنه الراوي سكن ولم يضبط ". # وقال المبرد: " لا يجوز التسكين مع توالي الحركات في حرف الإعراب ~~في كلام ولا شعر، وقراءة أبي عمرو لحن ". # وهذه جرأة من المبرد، وجهل بأشعار العرب، فإن السكون في حركات ~~الإعراب قد ورد في الشعر كثيرا؛ منه قول امرىء القيس: [السريع] # 497 فاليوم أشرب غير مستحقب # إثما من الله ولا واغل # فسكن " أشرب " ، وقال جرير: [البسيط] # 498...................... # ونهر تيرى فلا تعرفكم العرب # وقال آخر: [السريع] # 499 رحت وفي رجليك ما فيهما # وقد بدا هنك من المئزر # يريد: " هنك وتعرفكم " فهذه حركات إعراب، وقد سكنت، وقد أنشد ~~ابن عطية وغيره ردا عليه قوله: [الرجز] # 500 قالت سليمى: اشتر لنا سويقا # وقول آخر: [الرجز] # 501 إذا اعوججن قلت: صاحب قوم # وقول الآخر: [الرمل] # 502 إنما شعري شهد # قد خلط بجلجلان # ولا يحسن ذلك؛ لأنها حركات بناء، وإنما منع هو ذلك من حركات الإعراب، ~~وقراءة أبي عمرو صحيحة، وذلك أن الهمزة حرف ثقيل، ولذلك اجتزىء عليها ~~بجميع أنواع التخفيف، فاستثقلت عليها الحركة فقدرت، وهذه القراءة تشبه ~~قراءة حمزة رحمه الله في قوله تعالى: { ومكر السيىء ولا } ~~فإنه سكن همزة " السيىء " وصلا، والكلام عليهما واحد، والذي حسنه ~~هنا أن قبل كسرة الهمزة راء مكسورة، والراء حرف تكرير، فكأنه ~~توالى ثلاث كسرات فحسن التسكين، وليت المبرد اقتدى بسيبويه في ~~الاعتذار عن أبي عمرو. وجميع رواية أبي عمرو دائرة على التخفيف، ~~وذلك يدغم المثلين، والمتقاربين، ويسهل الهمزة، ويسكن نحو: # ينصركم # [آل عمران:160] و # يأمركم # [البقرة:67] و # بأعلم ms0372 بالشاكرين # [الأنعام:53] على تفصيل معروف عند القراء، وروي عنه إبدال هذه ~~الهمزة الساكنة ياء، كأنه لم يعتد بالحركة المقدرة، وبعضهم ينكر ذلك ~~عنه، فهذه أربع قراءات لأبي عمرو. # وروى ابن عطية عن الزهري: " باريكم " بكسر الياء من غير همزة قال: " ~~ورويت عن نافع ". # قلت: من حق هذا القارىء أن يسكن الياء؛ لأن الكسرة ثقيلة عليها، ولا ~~يجوز ظهورها إلا في ضرورة شعر؛ كقول أبي طالب: [الطويل] # 503 كذبتم وبيت الله نبزي محمدا # ولم تختضب سمر العوالي بالدم # وقرأ قتادة: " فاقتالوا " وقال: هي من الاستقالة. # قال ابن جني: اقتال: افتعل، ويحتمل أن تكون عينها واوا ك " ~~اقتادوا " أو ياء ك " اقتاس " ، والتصريف يضعف أن تكون من ~~الاستقالة. # ولكن قتادة ينبغي أن يحسن الظن به في أنه لم يورد ذلك إلا بحجة ~~عنده. # وقرىء أيضا: " فأقيلوا أنفسكم " بالياء المثناة التحتية، وهي ~~موافقة للرسم أيضا. # " والبارىء ": الخالق، برأ الله الخلق أي: خلقهم، وقد فرق بعضهم بين ~~الخالق والبارىء، بأن البارىء هو المبدع والمحدث، والخالق هو ~~المقدر الناقل من حال إلى حال، وأصل هذه المادة يدل على الانفصال ~~والتميز، ومنه: برأ المريض برءا وبرءا وبراءة، وبرئت أيضا من ~~الدين براءة، والبرية: الخلق؛ لأنهم انفصلوا من العدم إلى ~~الوجود، إلا أنه لا يهمز. # وقيل: أصله من البرى وهو التراب. وسيأتي تحقيق القولين إن شاء الله ~~تعالى. # قوله: { فاقتلوا أنفسكم }. # قال بعض المفسرين: هذه الآية وما بعدها منقطعة عما تقدم من التذكير ~~بالنعم؛ لأنها أمر بالقتل، والقتل لا يكون نعمة، وهذا ضعيف لوجوه. # أحدها: أن الله تعالى نبههم على عظم ذنبهم، ثم نبههم على ما به ~~يتخلصون عن ذلك الذنب العظيم، وذلك من أعظم النعم في الدين، وإذا عدد ~~الله عليهم النعم الدنيوية، فتعديد النعم الدينية أولى، ثم إن هذه ~~النعمة، وهي كيفية التوبة لما لم يكن وصفها إلا بمقدمة ذكر المعصية ~~كان ذكرها أيضا مع تمام النعمة، فصار كل ما تضمنته هذه الآية معدودا ~~في نعم الله تعالى، فجاز التذكير بها. # وثانيها: أنه تعالى لما ms0373 أمرهم بالقتل رفع ذلك الأمر عنهم قبل ~~فنائهم بالكلية، فكان ذلك نعمة في حق الباقين والموجودين في زمن ~~محمد صلى الله عليه وسلم لأنه رفع القتل عن آبائهم، فكان نعمة في ~~حقهم. # وثالثها: أنه تعالى لما بين أن توبة أولئك ما تمت إلا بالقتل ~~مع أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان يقول لهم: لا حاجة بكم الآن في ~~التوبة إلى القتل، بل إن رجعتم عن كفركم، وآمنتم قبل الله إيمانكم ~~فكان بيان التشديد في تلك التوبة تنبيها على أن توبة الحاضرين نعمة ~~عظيمة لكونها سهلة هينة. # ورابعها: أن فيه ترغيبا شديدا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم في ~~التوبة، فإن أمة موسى عليه الصلاة والسلام لما رغبوا في تلك ~~التوبة مع [غاية] مشقتها على النفس، فلأن نرغب نحن في التوبة التي هي ~~مجرد الندم أولى. # فصل في كيفية قتل أنفسهم # أجمعوا على أنه لم يؤمر كل واحد من عبدة العجل بأن يقتل نفسه ~~بيده، قال الزهري: لما قيل لهم: " فتوبوا إلى بارئكم " ~~قاموا صفين، وقتل بعضهم بعضا، حتى قيل لهم: كفوا، فكان ذلك شهادة ~~للمقتول وتوبة للحي. # وقيل: أرسل الله عليهم ظلاما ففعلوا ذلك. # وقيل: قام السبعون الذين كانوا مع موسى فقتلوا، إذ لم يعبدوا العجل. ~~وقيل: إن يوشع بن نون خرج عليهم وهم محتبون فقال: ملعون من حل ~~حبوته أو مد طرفه إلى قاتله، أو اتقاه بيد أو رجل. فلم ~~يحل أحد منهم حبوته حتى قتل منهم من قتل. ذكره النحاس وغيره. وإنما ~~عوقب الذين لم يعبدوا العجل بقتل أنفسهم على القول الأول لأنهم لم ~~يغيروا المنكر، وإنما اعتزلوا، وكان الواجب عليهم أن يقاتلوا من عبده. # وهذه سنة الله في عبادة، قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: # " ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز منهم وأمنع لا ~~يغيرون إلا عمهم الله بعقاب ". # فإن قيل: التوبة لا تكون إلا للباري فما الفائدة في ذكره؟ # والجواب: كأنه قال: لما أذنبتم إلى الله وجب أن تتوبوا إلى الله. # فإن قيل: ms0374 كيف استحقوا القتل، وهم تابوا من الردة، والتائب من الردة ~~لا يقتل؟ # والجواب: أن ذلك مما يختلف [بالشرائع]. # قوله: { ذلكم خير لكم }. # قال بعضهم: " ذلكم " مفرد وقاع مقوع " ذانكم " المثنى؛ لأنه قد ~~تقدم اثنان: التوبة، والقتل. # قال أبو البقاء: " وهذا ليس بشيء؛ لأن قوله: " فاقتلوا " تفسير للتوبة ~~فهو واحد ". # و " خير " " أفعل " تفضيل، وأصله: أخير، وإنما حذفت همزته تخفيفا، ~~ولا ترجع هذه الهمزة إلا في ضرورة؛ قال: [الرجز] # 504 بلال خير الناس وابن الأخير # ومثله: " شر " لا يجوز " أشر " إلا في ندور، وقد قرىء: # من الكذاب الأشر # [القمر:26] وإذا بني من هذه المادة فعل تعجب على " أفعل " ، فلا ~~تحذف همزته إلا في ندور، كقولهم: " ما خير اللبن للصحيح، وما شره ~~للمبطون " ف " خير وشر " قد خرجا عن نظائرهما في باب التفضيل ~~والتعجب. # و " خير " أيضا مخفف من " خير " على " فيعل " ولا يكون من هذا ~~الباب، ومنه: # فيهن خيرات حسان # [الرحمن:70]. # قال بعضهم: مخفف من " خيرات ". والمفضل عليه محذوف للعلم به، أي: ~~خير لكم من عدم التوبة. ول " أفعل " التفضيل أحكام كثيرة، وباقي منها ما ~~يضطر إليه. # قوله: { فتاب عليكم } في الكلام حذف، وهو: ففعلتم ما أمرتم ~~به من القتل فتاب عليكم، والفاء الأولى في قوله: " فتوبوا " للسببية؛ ~~لأن الظلم سبب التوبة. # والثانية للتعقيب؛ لأن المعنى: فاعزموا على التوبة، فاقتلوا أنفسكم. # والثالثة متعلقة بمحذوف ولا يخلو: إما أن ينتظم في قول موسى لهم ~~فيتعلق بشرط محذوف، كأنه قال: وإن فعلتم فقد تاب عليكم، وإما أن يكون ~~خطابا من الله لهم على طريقة الالتفات، فيكون التقدير: ففعلتم ما ~~أمركم به موسى، فتاب عليكم بارئكم. قاله الزمخشري. # وقوله: { فتاب عليكم } ، أي فتجاوز عن الباقين منكم. إنه هو ~~التواب الرحيم. ### || [2.55-56] # قوله: { لن نؤمن } إنما تعدى ب " اللام " دون " الباء " لأحد ~~وجهين: # إما أن يكون التقدير: لن نؤمن لأجل قولك. # وإما أن يضمن معنى الإقرار، أي: لن نقر لك بما ادعيته. # وقرأ أبو عمرو بإدغام النون في اللام، لتقاربهما. # وفرق بعضهم بين قوله: { لن ms0375 نؤمن لك } وجعل الإيمان به بما جاء ~~به، والإيمان له هو الاستسلام والانقياد. # قوله: { جهرة } فيها قولان: # أحدهما: أنها مصدر، وفيها حينئذ قولان: # أحدهما: أن ناصبها محذوف، وهو من لفظها تقديره: جهرتم جهرة، نقله " أبو ~~البقاء ". # والثاني: أنها مصدر من نوع الفعل، فتنتصب انتصاب " القرفصاء " من قولك، ~~" قعد القرفصاء " فإنها نوع من الرؤية، وبه بدأ " الزمخشري ". # والثاني: أنها مصدر واقع الحال، وفيها حينئذ أربعة أقوال: # أحدها: أنه حال من فاعل " نرى " ، أي: ذوي جهرة، قاله " الزمخشري ~~". # والثاني: أنها حال من فاعل " قلتم " ، أي: قلتم ذلك مجاهرين، قاله " ~~أبو البقاء ". وقال بعضهم: فيكون في الكلام تقديم وتأخير أي: قلتم ~~جهرة: لن نؤمن لك، ومثل هذا لا يقال فيه تقديم وتأخير، بل أتي بمقول ~~القول، ثم بالحال من فاعله، فهو نظير: " ضربت هندا قائما ". # والثالث: أنها حال من اسم الله تعالى أي: نراه ظاهرا غير مستور. # والرابع: أنها حال من فاعل " نؤمن " ، نقله " ابن عطية " ، ولا معنى له. ~~والصحيح من هذه الأقوال هو الثاني. # وقرأ " ابن عباس ": جهرة بفتح الهاء، وفيها قولان: # أحدهما: أنها لغة في " جهرة ". # قال " ابن عطية ": " وهي لغة " مسموعة " عند البصريين فيما كفيه حرف ~~الحلق ساكن قد انفتح ما قبله، والكوفيون يجيزون فيه الفتح، وإن لم ~~يسمعوه " وقد تقدم تحريره. # والثاني: أنها جمع " جاهر " نحو: " خادم وخدم " ، والمعنى: حتى ~~نرى الله كاشفين هذا الأمر، وهي تؤيد كون " جهرة " حالا من فاعل " ~~نرى ". # و " الجهر ": ضد السر، وهو الكشف والظهور، ومنه: جهر بالقراءة ~~أي: أظهرها. # قال الزمخشري: " كأن الذي يرى بالعين جاهر بالرؤية، والذي يرى ~~بالقلب مخافت بها ". # قوله: { فأخذتكم الصاعقة } قرأ عمر وعثمان وعلي رضي الله ~~عنهم " الصعقة " بغير ألف، وقرأ الباقون بالألف، وهما لغتان. # فصل في زمان هذه الواقعة # قال محمد بن إسحاق: هذه الواقعة قبل تكليفهم بالقتل لما رجع موسى ~~ عليه الصلاة والسلام من الطور، فرأى ما هم عليه من عبادة ~~العجل، وقال لأخيه والسامري ما قال، وحرق العجل، وألقاه في البحر، ~~واختار من قومه سبعين ms0376 رجلا، فلما خرجوا إلى الطور قالوا لموسى: [أرنا ~~ربك حتى] يسمعنا كلامه، فسأل موسى عليه الصلاة والسلام فأجاب الله إليه، ~~ولما دنا من الجبل وقع عليه عمود من الغمام، وتغشى الجبل كله، ودنا ~~من موسى الغمام، فدخل فيه فقال للقوم: ادخلوا وادعوا، وكان موسى عليه ~~الصلاة والسلام متى كلمه ربه أوقع على جبهته نورا ساطعا لا يستطيع ~~أحد من بني آدم النظر إليه، وسمع القوم كلام الله تعالى مع موسى يقول ~~له: افعل ولا تفعل، فلما تم الكلام انكشف عن موسى الغمام الذي ~~دخل فيه، فقال القوم بعد ذلك: { لن نؤمن لك حتى نرى ~~الله جهرة فأخذتكم الصاعقة } فماتوا جميعا، وقام ~~موسى رافعا يديه إلى السماء يدعو، ويقول: يا إلهي اخترت بني إسرائيل ~~سبعين رجلا ليكونوا شهودي بقبول توبتهم، فأرجع إليهم، وليس معي منهم ~~واحد، فما الذي يقولون لي؟ فلم يزل موسى مشتغلا بالدعاء حتى رد الله ~~عليه أرواحهم، وطلب توبة بني إسرائيل من عبادة العجل فقال: " لا، إلا ~~أن يقتلوا أنفسهم ". # وقال " السدي ": لما تاب بنو إسرائيل من عبادة العجل بأن قتلوا أنفسهم ~~أمر الله تعالى أن يأتيهم موسى في ناس من بني إسرائيل يعتذرون من ~~عبادتهم العجل، فاختار موسى سبعين رجلا، فلما أتوا الطور قالوا: لن ~~نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة، وماتوا، فقام موسى يبكي ~~ويقول: يا رب ماذا أقول لبني إسرائيل، فإني أمرتهم بالقتل، ثم اخترت ~~من أنفسهم هؤلاء، فإذا رجعت إليهم، وليس معي منهم أحد فماذا أقول لهم؟ ~~فأحياهم الله تعالى فقاموا، ونظر كل واحد منهم إلى الآخر [كيف يحييه ~~الله تعالى]. # فصل # في " الصاعقة " قولان: # الأول: قال " الحسن وقتادة ": هي الموت، لقوله تعالى: # فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شآء ~~الله # [الزمر:68] وهذا ضعيف لوجوه: # أحدها: قوله تعالى: { فأخذتكم الصاعقة وأنتم ~~تنظرون } ، ولو كانت الصاعقة هي الموت لامتنع كونه ناظرين إلى ~~الصاعقة. # وثانيها: قوله تعالى: # وخر موسى صعقا # [الأعراف:143] أثبت الصاعقة في حقه مع أنه لم يكن ميتا؛ لأنه ms0377 قال: ~~أفاق، والإفاقة لا تكون عن الموت. # وثالثها: أن الصاعقة وهي التي تصعق، وذلك إشارة إلى سبب الموت. # والقول الثاني: الصاعقة هي سبب الموت، واختلفوا فيها. # فقيل: هي نار وقعت من السماء فأحرقتهم. # وقيل: صحية جاءت من السماء. # وقيل: أرسل الله جنودا، فلما سمعوا حسها خروا صعقين ميتين يوما ~~وليلة. # قوله: { وأنتم تنظرون } جملة حالية، والمعنى: وأنتم تنظرون موت ~~بعضكم خلف بعض، أو: تنظرون إلى ما حل بكم، أو: أنتم أعيتكم صيحة ~~وتفكر. # قوله: { ثم بعثناكم } [أحييناكم من بعد موتكم]. # قال قتادة: ماتوا وذهبت أرواحهم، ثم ردوا لاستيفاء آجالهم. # قال النحاس: " وهذا احتجاج على من لم يؤمن بالبعث من قريش، واحتجاج ~~على أهل الكتاب إذ خبروا بهذا ". # قوله: { لعلكم تشكرون } ما فعل بكم من البعث بعد الموت. # وقيل: ماتوا موت همود يعتبر به الغير، ثم أرسلوا. # وأصل البعث الإرسال. # وقيل: بل أصله إثارة الشيء من محله، يقال: بعثت الناقة: أثرتها، أي ~~حركتها؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] # 505 وفتيان صدق قد بعثت بسحرة # فقاموا جميعا بين عاث ونشوان # وقال غيره: [الكامل] # 506 وصحابة شم الأنوف بعثتهم # ليلا وقد مال الكرى بطلاها # وقيل: { بعثناكم من بعد موتكم } علمناكم من بعد جهلكم. # فصل في اختلافهم في تكليف من بعث بعد موته # قال الماوردي: اختلف في بقاء تكليف من أعيد بعد موته، ومعاينة ~~الأحوال المضطرة إلى المعرفة على قولين: # أحدهما: بقاء تكليفهم لئلا يخلو عاقل من تعبد. # الثاني: سقوط تكليفهم معتبرا بالاستدلال دون الاضطرار. # والأول أصح، لقوله تعالى { لعلكم تشكرون } ، ولفظ: الشكر ~~يتناول جميع الطاعات، لقوله تعالى: # اعملوا ءال داوود شكرا # [سبأ:13]. # فإن قيل: كيف يجوز أن يكلفهم وقد أماتهم، ولو جاز ذلك جاز تكليف أهل ~~الآخرة بعد البعث؟ # فالجواب: أن الذي منع من تكليف أهل الآخرة ليس هو الإماتة ثم ~~الإحياء، وإنما المانع كونه اضطرهم يوم القيامة إلى معرفته لذات ~~الجنة، وآلام النار، وبعد العلم الضروري لا تكليف، وإذا كان كذلك، ~~فيكون موت هؤلاء بمنزلة النوم والإغماء. ### || [2.57] # هذا هو الإنعام السابع المذكور ms0378 في سورة " الأعراف " ، وظاهر هذه الآية ~~يدل على أن هذا الإضلال كان بعد البعث، لأنه تعالى قال: # ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون # [البقرة:56]، { وظللنا عليكم الغمام } أي: وجعلنا ~~الغمام يظلكم، وذلك في التيه سخر الله تعالى لهم السحاب يظلهم ~~من الشمس، ونزل عليهم المن وهو " الترنجبين " بالتاء والراء من ~~طلوع الفجر إلى طلوع الشمس لكل إنسان صاع. # وقال " مجاهد ": هو شيء كالصمغ كان يقع على الأشجار طعمه كالشهد. # وقال " وهب ": خبز الرقاق. وقال " السدي ": عسل كان يقع على الشجر من ~~الليل. # وقال " الزجاج ": " المن: ما يمن الله عز وجل به مما لا تعب ~~فيه ولا نصب ". # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين ". # " والسلوى " قال " ابن عباس " وأكثر المفسرين: هو طائر يشبه ~~السماني. # وقال أبو العالية ومقاتل: هو السماني. # وقال " عكرمة ": طير " الهند " أكبر من العصفور. # وقيل: السلوى: العسل نقله المؤرج، وأنشد قول الهذلي: [الطويل] # 507 وقاسمها بالله جهدا لأنتم # ألذ من السلوى إذا ما نشورها # وغله " ابن عطية " وادعى الإجماع على أن السلوى: طائر، وهذا غير ~~مرض، فإن " المؤرج " من أئمة اللغة والتفسير، واستدل ببيت الهذلي، ~~وذكر أنه بلغة " كنانة ". وقال " الراغب ": " السلوى مصدر، أي: لهم ~~بذلك التسلي ". # قوله: { وظللنا عليكم الغمام } تقديره: وجعلنا الغمام ~~يظللكم. # قال: " أبو البقاء ": ولا يكون كقولك: " ظللت زيدا يظل "؛ لأن ~~ذلك يقتضي أن يكون الغمام مستورا بظل آخر. # وقيل التقدير: بالغمام، وهذا تفسير معنى لا إعراب، لأن حذف الجر لا ~~ينقاس. # فصل في اشتقاق الغمام # الغمام: السحاب، لأنه يغم وجه السماء، أي: يسترها، وكل مستور ~~مغموم أي مغطى. # وقيل: الغمام: السحاب الأبيض خاصة، ومثله: الغيم والغين ~~بالميم والنون وفي الحديث: # " إنه ليغان على قلبي ". # وواحدته " غمامة " فهو اسم جنس. و " المن " تقدم تفسيره، ولا واحد ~~له من لفظه. # والمن أيضا مقدار يوزن به، وهذا يجوز إبدال نونه الأخيرة حرف ~~علة، فيقال: منا مثل: عصا، وتثنيته: منوان، وجمعه: أمناء. ~~والسلوى تقدمت أيضا، واحدتها: سلواة؛ ms0379 وأنشدوا: [الطويل] # 508 وإني لتعروني لذكراك سلوة # كما انتفض السلواة من بلل القطر # فيكون من باب " قمح وقمحة ". # وقيل: سلوى مفرد وجمعها: سلاوى ك " فتوى وفتاوى " قاله " ~~الكسائي ". # وقيل: سلوى يستعمل للواحد والجمع ك: دفلى. و " السلوانة " ~~بالضم خرزة كانوا يقولون: إذا صب عليها ماء المطر فشربه ~~العاشق سلا؛ [قال: [الطويل] # 509 شربت على سلوانة ماء مزنة # فلا وجديد العيش يا مي ما أسلو] # واسم ذلك الماء " السلون ". # وقال بعضهم: " السلوان " دواء يسقاه الحزين فيسلو، والأطباء ~~يسمونه المفرح. يقال: سليت وسلوت، لغتان. وهو في سلوة من ~~العيش، قاله " أبو زيد ". # و " السلوى " عطف على " المن " لم يظهر فيه الإعراب، لأنه مقصور، ~~وهذا في المقصور كله؛ لأنه لا يخلو من أن يكون في آخره ألف. # قال الخليل: " والألف حرف هوائي لا مستقر له، فأشبه الحركة، ~~فاستحالت حركته ". # وقال " الفراء ": " لو حركت الألف صارت همزة ". # فصل في سبب تقديم المن على السلوى # فإن قيل: المعهود تقديم الأهم [فالأهم] والمأكول مقدم على الفاكهة ~~والحلوى؛ لأن به قيام البنية، فالإنسان أول ما يأكل الغذاء، ثم بعد ~~الشبع يتحلى ويأكل الفاكهة وهاهنا قدم المن وهو الحلوى على الغذاء ~~وهو السلوى فما فائدته؟ # فالجواب: أن نزول الحلوى من السماء أمر مخالف للعادة، فقدم لاستطعامه ~~بخلاف الطيور المأكولة، فإنها ليست مخالفة للعادة، فإنها مألوفة الأكل. # " كلوا " هذا على إضمار القول، أي: وقلنا لهم: كلوا، وإضمار القول كثير، ~~ومنه قوله تعالى: # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب # [الرعد:23] أي: يقولون سلام، # والذين اتخذوا من دونه أوليآء ما نعبدهم ~~إلا # [الزمر:3] أي: يقولون: ما نعبدهم إلا. # فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم # [آل عمران:106] أي: فيقال لهم: أكفرتم، وتقدم الكلام في كل تصريفه. # قوله: " من طيبات " من: لابتداء الغاية، أو للتبعيض. # وقال: " أبو البقاء ": أو لبيان الجنس. والمفعول محذوف، أي: كلوا ~~شيئا من طيبات. وهذا ضعيف؛ لأنه كيف يبين شيء ثم يحذف. # قوله: " ما رزقناكم " يجوز في " ما " أن تكون بمعنى الذي، وما ~~بعدها حاصلة لها، والعائد محذوف، أي: رزقناكموه، ms0380 وأن تكون نكرة ~~موصوفة. # فالجملة لا محل لها على الأول، ومحلها الجر على الثاني، والكلام في ~~العائد كما تقدم، وأن تكون مصدرية، والجملة صلتها، ولم تحتج إلى ~~عائد على ما عرف قبل ذلك، ويكون هذا المصدر واقعا موقع المفعول، أي: من ~~طيبات مرزوقنا. # قوله: " أنفسهم يظلمون ". # " أنفسهم " مفعول مقدم، و " يظلمون " في محل نصب خبر " كانوا " وقدم ~~المفعول إيذانا باختصاص الظلم بهم، وأنه لا يتعداهم. # والاستدراك في " لكن " واضح، ولا بد من حذف جملة قبل قوله: " وما ~~ظلمونا " ، فقدره ابن عطية: فعصوا، ولم يقابلوا النعم بالشكر. # وقال " الزمخشري ": تقديره فظلمونا بأن كفروا هذه النعم، وما ظلمونا، ~~فاختصر الكلام بحذفه لدلالة " وما ظلمونا " عليه. # فإن قيل: قوله: " وما ظلمونا " جملة خبرية، فكيف عطفت على قوله: " ~~كلوا " ، وهي جملة أمرية؟. # فالجواب من وجهين: # الأول: أن هذه جملة مستأنفة لا تعلق لها بما قبلها. # والثاني: أنها معطوفة على الجملة القولية المحذوفة أي: وقيل لهم: ~~كلوا من طيبات ما رزقناكم، وما ظلمونا، فيكون قد عطف جملة خبرية على ~~خبرية. # و " الظلم ": وضع الشيء في غير موضعه. # وقوله: " كانوا " وكانت هذه عادتهم كقولك: " كان حاتم كريما ". ### || [2.58-59] # هذا هو الإنعام الثامن، وحذفت الألف من " قلنا " لسكونها، وسكون الدال ~~بعدها، والألف التي يبتدأ بها قبل الدال ألف وصل؛ لأنه من يدخل. # قوله: " هذه القرية ". # هذه منصوبة عند سيبويه على الظرف، وعند الأخفش على المفعول به، وذلك أن ~~كل ظرف مكان مختص لا يتعدى إليه الفعل إلا ب " في " ، تقول: صليت في ~~البيت ولا تقول: صليت البيت إلا ما استثني. # ومن جملة ما استثني " دخل " مع كل مكان مختص، " دخلت البيت والسوق " ~~، وهذا مذهب سيبويه وقال الأخفش: الواقع بعد " دخلت " مفعول به كالواقع ~~بعد " هدمت " كقولك: " هدمت البيت " فلو جاء " دخل " مع الظرف ~~تعدى ب " في " نحو: " دخلت في الأمر " ولا تقول: " دخلت الأمر " ، ~~وكذا لو جاء الظرف المختص مع غير " دخل " تعدى ب " في " إلا ما شذ؛ ~~كقوله: [الطويل] # 510 جزى الله [رب الناس خير جزائه ms0381 # رفيقين قالا خيمتي أم معبد # و " القرية " " المدينة " ، وهي نعت ل " هذه " ، أو عطف بيان كما ~~تقدم، والقرية مشتقة من قريت أي: جمعت، تقول: قريت الماء في ~~الحوض، أي: جمعته، واسم ذلك الماء قرى بكسر القاف و " ~~المقراة " للحوض، وجمعها " مقار " ، قال: [الطويل] # 511 عظام المقاري ضيفهم لا يفزع # ...................... # و " القريان ": اسم لمجتمع الماء، و " القرية " في الأصل اسم ~~للمكان الذي يجتمع فيه القوم، وقد يطلق عليهم مجازا، وقوله تعالى # واسأل القرية # [يوسف:82] يحتمل الوجهين. # وقال الراغب: " إنها اسم للموضع وللناس جميعا، ويستعمل في كل واحد ~~منهما " و " القرية " بكسر القاف في لغة " اليمن " ، واختلف في ~~تعيينها. # فقال الجمهور: هي بيت المقدس. # وقال ابن عباس: " أريحا " وهي قرية الجبارين، وكان فيها قوم من ~~بقية عاد يقال لهم: العمالقة، ورئيسهم عوج بن علق. # وقال " ابن كيسان ": " الشام ". # وقال الضحاك: " الرملة " و " الأردن " ، و " فلسطين " و " ~~تدمر ". # وقال مقاتل: " إيليا ". # وقيل: بلقاء. # وقيل: " مصر ". والصحيح الأول، لقوله من المائدة: # ادخلوا الأرض المقدسة # [المائدة:21]. # قوله: { وكلوا منها حيث شئتم رغدا } تقدم الكلام على ~~هذه المادة. # قوله: " الباب سجدا " حال من فاعل " ادخلوا " وهو جمع " ~~ساجد ". # قال أبو البقاء: " وهو أبلغ من السجود " ، يعني: أن جمعه على " فعل " ~~فيه من المبالغة ما ليس في جمعه على " فعول ". # وأصل باب: بوب، لقولهم: أبواب، وقد يجمع على " أبوبة "؛ ~~لازدواج الكلام؛ قال: [البسيط] # 512 هتاك أخبية أبوبة # يخلط بالجد منه البر واللينا # ورواه الجوهري: [البسيط] # 513.................... # يخلط بالبر منه الجد واللينا # ولو أفرده لم يجز، ومثله قوله عليه الصلاة والسلام: # " مرحبا بالقوم أو بالوفد غير خزايا ولا ندامى ". # وتبوبت بوابا اتخذته. وأبواب مبوبة، كقولهم: أصناف ~~مصنفة، وهذا شيء من بابتك، أي: يصلح لك، وتقدم معنى السجود. # قوله: " وقولوا " قال [ابن كثير] الواو هنا حالية لا عاطفة، أي: ~~ادخلوا سجدا في حال قولكم حطة. # وأما قوله: " حطة " قرىء بالرفع والنصب، فالرفع على أنه خبر مبتدأ ~~محذوف، أي: مسألتنا حطة، أو أمرك حطة. # قال: " الزمخشري ": والأصل النصب بمعنى: حط عنا ms0382 ذنوبنا حطة، وإنما ~~رفعت لتعطي معنى الثبات كقوله: [الرجز] # 514 يشكو إلي جملي طول السرى # صبر جميل فكلانا مبتلى # والأصل: صبرا علي، اصبر صبرا، فجعله من باب # سلام عليكم # [الرعد:24] وتكن الجملة في محل نصب بالقول. # وقال " ابن عطية " وقيل: أمروا أن يقولوها مرفوعة على هذا اللفظ. # يعني: على الحكاية، فعلى هذا تكون هي وحدها من غير تقدير شيء في محل ~~نصب بالقول، وإنما منع [النصب] حركة الحكاية. # وقال أيضا: وقال عكرمة: أمروا أن يقولوا: لا إله إلا الله، لتحط ~~بها ذنوبهم وحكى قولين آخرين بمعناه، ثم قال: " فعلى هذه الأقوال ~~تقتضي النصب " ، يعني أنه إذا كان المعنى على أن المأمور به لا ~~يتعين أن يكون بهذا اللفظ الخاص، بل بأي شيء يقتضي حط الخطيئة، ~~فكان ينبغي أن ينتصب ما بعد القول مفعولا به نحو: قيل لزيد خيرا، ~~المعنى: قل له ما هو من جنس الخيور. وقال النحاس: الرفع أولى، لما ~~حكي عن العرب في معنى " بدل ". # قال أحمد بن يحيى: يقال: بدلته أي غيرته، ولم أزل عينه، وأبدلته ~~أزلت عينه وشخصه؛ كقوله: [الرجز] # 515 عزل الأمير للأمير المبدل # وقال تعالى: # ائت بقرءان غير هذآ أو بدله # [يونس:15]. # وبحديث ابن مسعود قالوا: حطة تغير على الرفع يعني: أن الله ~~تعالى قال: فبدل الذي يقتضي التغيير لا زوال العين، قال: وهذا ~~المعنى يقتضي الرفع لا النصب. # وقرأ ابن أبي عبلة: حطة بالنصب وفيها وجهان: # أحدهما: أنها مصدر نائب عن الفعل، نحو: ضربا زيدا. # والثاني: أن تكون منصوبة بالقول، أي: قولوا هذا اللفظ بعينه، كما تقدم ~~في وجه الرفع، فهي على الأول منصوبة بالفعل المقدر، وذلك الفعل ~~المقدر ومنصوبه في محل نصب بالقول، ورجح الزمخشري هذا الوجه. # و " الحطة " اسم الهيئة من الحط ك " الجلسة " و " ~~القعدة ". # وقيل: هي لفظة أمروا بها، ولا ندري معناها. # وقيل: هي التوبة، وأنشد: [الخفيف] # 516 فاز بالحطة التي جعل الل # ه بها ذنب عبده مغفورا # فصل في المراد بالباب # اختلفوا في " الباب " قال ابن عباس، ومجاهد، ms0383 والضحاك، وقتادة: إنه باب ~~يدعى باب الحطة من بيت المقدس، وحكى الأصم عن بعضهم أنه عنى بالباب ~~جهة من جهات القرية، ومدخلا إليها. # واختلفوا في " السجود " ، فقال الحسن: أراد به نفس السجود، أي: ~~إلصاق الوجه بالأرض، وهذا بعيد، لأن الظاهر يقتضي وجوب الدخول حال ~~السجود، فلو حملنا السجود على ظاهره لامتنع ذلك. # وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن المراد به الركوع، لأن الباب كان ~~صغيرا يحتاج الداخل فيه إلى الانحناء. # قال ابن الخطيب: وهذا بعيد؛ لأنه لو كان ضيقا لكانوا مضطرين إلى ~~دخوله ركعا، فلا حاجة فيه إلى الأمر. # وأجيب بأنه روي عن ابن عباس: أنهم دخلوا يزحفون على أستاههم. # وقيل: المراد بالسجود: الخضوع. وهو الأقرب؛ لأنه لما تعذر حمله على ~~السجود الحقيقي وجب حمله على التواضع؛ لأن التائب عن الذنب لا بد وأن ~~يكون خاضعا. # فصل في تفسير " الحطة " # وأما تفسير " الحطة " فقال " القاضي ": إنه تعالى لما أمرهم بدخول ~~الباب خاضعين أمرهم بأن يقولوا ما يدل على التوبة؛ لأن التوبة صفة ~~القلب، فلا يطلع الغير عليها، فإذا اشتهر واحد بذنب، أو بمذهب خطأ، ثم ~~تاب عن الذنب، أو أظهر له الحق، فإنه يلزم أن يعرف إخوانه الذين عرفوا ~~منه ذلك الذنب، أو ذلك المذهب، فتزول عنه التهمة في الثبات على ~~الباطل، ويعودوا إلى موالاته، فالحاصل أنه أمر القوم أن يدخلوا الباب ~~على وجه الخضوع، وأن يذكروا بلسانهم التماس حط الذنوب حتى ~~يكونوا جامعين بين ندم القلب، وخضوع الجوارح، والاستغفار باللسان. # وقال " الأصم ": هذه اللفظة من ألفاظ أهل الكتاب التي لا يعرف ~~معناها في العربية. # وقال أبو مسلم الأصفهاني: معناه: أمرنا حطة، أي: أن نحط في هذه ~~القرية، ونستقر فيها، ورد القاضي ذلك، وقال: لو كان المراد ذلك لم يكن ~~غفران خطاياهم متعلقا به، ولكن قوله: { وقولوا حطة ~~نغفر لكم خطاياكم } يدل على أن غفران الخطايا كان لأجل ~~قولهم حطة، ويمكن أن يجاب عنه بأنهم لما حطوا في تلك القرية حتى ~~يدخلوا سجدا مع التواضع كان الغفران متعلقا ms0384 به. # وقال معناه: اللهم حط عنا ذنوبنا، فإنا إنما انحططنا لوجهك، وإرادة ~~التذلل لك، فحط عنا ذنوبنا. # فصل في بيان التلفظ بالحطة أو بمعناها # اختلفوا هل كلفوا بهذه اللفظة بعينها، أو بما يؤدي معناها؟ # روي عن ابن عباس: أنهم أمروا بهذه اللفظة بعينها، وفيه نظر؛ لأن هذه ~~اللفظة عربية، ولم يكونوا يتكلمون بالعربية، وأيضا فإنما أمروا بأن ~~يقولوا قولا دالا على التوبة والندم؛ فلو قالوا: اللهم إنا نستغفرك ~~ونتوب إليك لكان المقصود حاصلا. # قوله: " نغفر " هو مجزوم في جواب الأمر، وقد تقدم الخلاف، هل الجازم ~~نفس الجملة، أو شرط مقدر؟ أي: يقولوا نغفر. # وقرىء: " نغفر " بالنون وهو جار على ما قبله [من قوله:] " وإذ قلنا ~~" و " تغفر " بالتاء بالياء مبنيا للمفعول. # و " خطاياكم " مفعول لم يسم فاعله، فالتاء لتأنيث الخطايا، والياء؛ ~~لأن تأنيثها غير حقيقي، وللفصل أيضا ب " لكم ". # وقرىء: " يغفر " مبنيا للفاعل، وهو الله تعالى وهو في معنى القراءة ~~الأولى، إلا أن فيه التفاتا. # و " لكم " متعلق ب " نغفر ". # وأدغم " أبو عمرو " الراء في اللام، والنحاة يستضعفونها، قالوا: لأن ~~الراء حرف تكرير فهي أقوى من اللام، والقاعدة أن الأضعف يدغم في الأقوى ~~من غير عكس، وليس فيها ضعف؛ لأن انحراف اللام يقاوم تكرير الراء. وقد ~~بين " أبو البقاء " ضعفه، وتقدم جوابه. # قوله: " خطاياكم ": إما منصوب بالفعل قبله، أو مرفوع حسب ما تقدم من ~~القراءات، وفيها [أربعة] أقوال: # أحدها: قول الخليل [أن] أصلها " خطايىء " بياء بعد الألف، ثم همزة؛ ~~لأنها جمع " خطيئة " مثل: " صحيفة وصحايف " ، فلو تركت على حالها ~~لوجب قلب الياء همزة؛ لأن مدة " فعايل " يفعل بها كذا، على ما تقرر ~~في التصريف، فضر من ذلك، لئلا تجتمع همزتان، بأن قلب فقدم اللام، وأخر ~~عنها المدة فصارت: " خطائي " ، فاستثقلت الكسرة على حرف ثقيل في نفسه، ~~وبعده ياء من جنس الكسرة فقلبوا الكسرة فتحة، فتحرك حرف العلة، ~~وانفتح ما قبله فقلبت ألفا، فصارت: " خطاءا " بهمز بين ألفين، ~~فاستثقلوا ذلك، فإن الهمزة تشبه الألف، فكأنه اجتمع ثلاث ألفات، فقلبوا ~~الهمزة ياء؛ ms0385 لأنها واقعة موقعها قبل القلب، فصارت " خطايا " على ~~وزن " فعالى " ففيها أربعة أعمال: قلب، وإبدال الكسرة فتحة، وقلب ~~الياء ألفا، وإبدال الهمزة ياء، هكذا ذكر التصريفيون، وهو مذهب الخليل. # الثاني: وعزاه " أبو البقاء " إليه أيضا أنه: " خطائىء " بهمزتين: ~~الأولى منهما مكسورة وهي المنقلبة عن الياء الزائدة في " خطيئة " فهو ~~مثل " صحيفة " و " صحائف " ، فاستثقلوا الجمع بين الهمزتين، فنقلوا ~~الهمزة الأولى إلى موضع الثانية، فصار وزنه " فعلى " ، وإنما فعلوا ~~ذلك، لتصير المكسورة طرفا، فتنقلب ياء، فتصير " فعالىء " ، ثم أبدلوا من ~~كسرة الهمزة الأولى فتحة، فانقلبت الياء بعدا ألفا كما قالوا في: " يا ~~لهفى " " ويا أسفى " ، فصارت الهمزة بين ألفين، فأبدل منها ياء، ~~لأن الهمزة قريبة من الألف، فاستنكروا اجتماع ثلاث ألفات. # فعلى هذا فيها خمسة تغييرات: تقديم اللام، وإبدال الكسرة فتحة، وإبدال ~~الهمزة الأخيرة ياء، ثم إبدالها ألفا، ثم إبدال الهمزة التي هي لام ياء. ~~والقول الأول أولى، لقلة العمل، فيكون للخليل في المسألة قولان. # الثالث: قول سيبويه أن أصلها عنده: " خطايىء " كما تقدم، فأبدل الياء ~~الزائدة همزة، فاجتمع همزتان، فأبدل الثانية منهما " ياء " لزوما، ثم ~~عمل العمل المتقدم، ووزنها عند " فعائل " مثل: " صحائف " ، وفيها ~~على قوله خمسة تغييرات: إبدال الياء المزيدة همزة وإبدال الهمزة الأصلية ~~ياء، وقلب الكسرة فتحة، وقلب الياء الاصلية ألفا، وقلب الهمزة المزيدة ~~ياء. # الرابع: قول " الفراء " ، هو أن " خطايا " عنده ليس جمعا ل " ~~خطيئة " بالهمز، إنما هو جمع ل " خطية " ك " هدية وهدايا " و " ~~ركية وركايا ". # قال الفراء: ولو جمعت " خطيئة " مهمزة لقلت: " خطاءا " يعني: فلم ~~تقلب الهمزة ياء، بل تبقيها على حالها، ولم يعتد باجتماع ثلاث ألفات. # ولكنه لم يقله العرب، فدل ذلك عنده أنه ليس جمعا للمهموز. # وقال " الكسائي ": ولو جمعت مهموزة أدغمت الهمزة في الهمزة مثل: " دواب ~~". # وقرىء: { يغفر لكم خطيئاتكم } و " خطيئتكم " ~~بالجمع والتوحيد، وبالياء والتاء على ما لم يسم فاعله، و " ~~خطاياكم " بهمز الألف الأولى دون الثانية، وبالعكس. والمعنى في هذه ~~القراءات واحد؛ لأن الخطيئة إذا غفرها الله تعالى فقد غفرت، ms0386 وإذا ~~غفرت فإنما يغفرها الله. # والفعل إذا تقدم الاسم المؤنث، وحال بينه وبين الفاعل حائل جاز ~~التذكير والتأنيث كقوله تعالى: # وأخذ الذين ظلموا الصيحة # [هود:67]. و # وأخذت الذين ظلموا # [هود:94]. # وقرأ الجحدري: " خطيئتكم " بمدة وهمزة وتاء مرفوعة بعد الهمزة. # وقرأ ابن كثير: " خطايأكم " بهمزة قبل الكاف. # وقرأ الكسائي: بكسر الطاء والتاء، والباقون بإمالة الياء. # و " الغفر ": الستر، ومنه المغفر: لسترة الرأس، وغفران ~~الذنوب؛ لأنها تغطيها، وقد تقدم الفرق بينه وبين العفو. # و " الغفارة ": خرقة تستر الخمار أن يمسه دهن الرأس. # و " الخطيئة " من الخطأ، وأصله: العدول عن الجهة، وهو أنواع: # أحدها: إرادة غير ما تحسن إرادته، فيفعله، وهذا هو الأصل [التام] يقال ~~منه: " خطىء يخطأ خطأ وخطأة ". # والثاني: أن يريد ما يحسن فعله، ولكن يقع بخلافه، يقال منه: أخطأ ~~إخطاء، فهو مخطىء، وجملة الأمر أن من أراد شيئا، فاتفق منه غيره ~~يقال: " أخطأ " ، وإن وقع كما أراد، يقال: " أصاب " ، وقد يقال لمن فعل ~~فعلا لا يحسن أو أراد إرادة لا تجمل: إنه أخطأ ولهذا يقال: أصاب ~~الخطأ، وأخطأ الصواب، وأصاب الصواب، وأخطأ الخطأ. # قوله: " وسنزيد المحسنين " أي نزيدهم إحسانا على الإحسان ~~المتقدم عندهم، وهو اسم فاعل من " أحسن " ، والمحسن من صحح عقد ~~توحيده، وأحسن سياسة نفسه، وأقبل على أداء فرائضه، وكفى المسلمين شره. # وقال بعض المفسرين: معناه: من كان محسنا جازيناه بالإحسان إحسانا، أو ~~زيادة كما جعل للحسنة عشرا وأكثر. # وقيل: من كان محسنا بهذه الطاعة والتوبة، فإنا نغفر خطاياه، ونزيده ~~على غفران الذنوب إعطاء الثواب الجزيل، وفيه وجه آخر أن المعنى من كان ~~خاطئا غفرنا له ذنبه بهذا الفعل، ومن لم يكن خاطئا، بل كان محسنا زدنا ~~في إحسانه. # قوله: { فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل ~~لهم }. # لا بد في هذا الكلام من تأويل؛ إذ الذم إنما يتوجه عليهم إذا بدلوا ~~القول الذي قيل لهم، لا إذا بدلوا قولا غيره. # فقيل: تقديره: فبدل الذين ظلموا بالذي قيل لهم قولا غير الذي قيل لهم ~~ف " بدل " يتعدى لمفعول واحد ms0387 بنفسه، وإلى آخر بالباء، والمجرور بها هو ~~المتروك، والمنصوب هو الموجود، كقول أبي النجم: [الرجز] # 517 وبدلت والدهر ذو تبدل # هيفا دبورا بالصبا والشمأل # فالمتطوع عنها الصبا، والحاصل لها الهيف. # قاله أبو البقاء وقال يجوز أن يكون " بدل " محمولا على المعنى، تقديره: ~~فقال الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم؛ لأن تبديل القول كان بقول " ~~فنصب " غير عنده في هذين القولين على النعت ل " قولا ". # وقيل: تقديره: فبدل الذين قولا بغير الذي، فحذف الحرف، فانتصب " غير ". # ومعنى التبديل: التغيير كأنه قيل: فغيروا قولا بغيره، أي جاءوا ~~بقول آخر، فكان القول الذي أمروا به، كما يروا في القصة أنهم قالوا: بدل ~~حطة حنطة. # والإبدال والتبديل والاستبدال: جعل الشيء مكان آخر، وقد يقال: ~~التبديل: التغيير، وإن لم يأت ببدله. # وقد تقدم الفرق بين بدل وأبدل، وهو أن بدل بمعنى غير من غير ~~إزالة العين، وأبدل تقتضي إزالة العين، إلا أنه قرىء: # عسى ربنآ أن يبدلنا # [القلم:32] # فأردنآ أن يبدلهما ربهما # [الكهف:81] بالوجهين، وهذا يقتضي اتحادهما معنى لا اختلافهما والبديل ~~والبدل بمعنى واحد، وبدله غيره. # ويقال: بدل وبدل كشبه وشبه، ومثل ومثل، ونكل ونكل ~~[قال أبو عبيدة: لم يسمع في فعل وفعل غي رهذه الأربعة أحرف]. # فصل في بيان التبديل # قال أبو مسلم: قوله: " فبدل " يدل على أنهم لم يفعلوا ما أمروا به ~~لأجل أنهم أتوا له ببدل، ويدل عليه أن تبديل القول قد يستعمل في ~~المخالفة، قال تعالى: " سيقول المخلفون " إلى قوله: # يريدون أن يبدلوا كلام الله # [الفتح:15] ولم يكن تبديلهم الخلاف في الفعل لا في القول، فكذا هاهنا ~~لما أمروا بالتواضع، وسؤال المغفرة لم يمتثلوا أمر الله. # وقال جمهور المفسرين: إن المراد بالتبديل أنهم أتوا ببدل له؛ لأن ~~التبديل مشتق من البدل، فلا بد من حصول البدل، كما يقال: بدل ~~دينه أي: انتقل من دين إلى دين، ويؤيده قوله تعالى: { قولا ~~غير الذي قيل لهم }. # فصل في الباعث على تبديلهم # وقوله: " الذين ظلموا " تنبيه على أن الباعث لهم على التبديل هو ms0388 ~~الظلم، واختلفوا هل هو مطلق الظلم، فيكونون كلهم بدلوا، أو الظالمون ~~منهم هم الذين بدلوا، وهم الرؤساء والأشراف، وهذا هو الظاهر، لقوله في ~~سورة " الأعراف ": # فبدل الذين ظلموا منهم # [الأعراف:162] واختلفوا هل التقوا كلهم على الأشياء التي بدلوها، أو ~~بدل كل أناس منهم شيئا، أو بدلوا في كل وقت شيئا؟ # فإن قيل: إنهم قد بدلوا القول والفعل، فلم خص القول بالتبديل؟ # فالجواب: أن ذكر تبديلهم القول يدل على تبديل الفعل كقوله: # سرابيل تقيكم الحر # [النحل:81] أي: والبرد، فكأنه قال: بدلوا القول والفعل، وأيضا فقد ~~يكون المراد بالقول المبدل هو الأمر، والأمر يشتمل القول المأمور به ~~والفعل. # واختلفوا في ذلك القول: # فروي عن ابن عباس: أنهم لم يدخلوا الباب سجدا، ولم يقولوا حطة، بل ~~دخلوا زاحفين على استاههم قائلين حنطة. # وقال ابن زيد: استهزؤوا بموسى وقالوا ما شاء موسى أن يلعب بنا لا لعب ~~بنا حطة أي شيء حطة. # وقال " مجاهد ": طؤطىء لهم الباب ليخفضوا رؤوسهم، ويركعوا، فدخلوا ~~زاحفين. وقيل لهم: قولوا حطة فقالوا: حطا شمقا ما يعني حطة حمراء ~~استخفافا بأمر الله. # قوله: { فأنزلنا على الذين ظلموا } أي: أضروا بأنفسهم، ~~وأوسعوا في نقصان خيراتهم في الدين والدنيا. # و " الرجز ": هو العذاب. # فصل في لغات الرجز # وفيه لغة أخرى وهي ضم الراء، وقرىء بهما. # وقيل: المضموم اسم صنم، ومنه: # والرجز # [المدثر:5]. والرجز والرجس بالزاي والسين بمعنى ك: ~~السدغ والزدغ. # والصحيح أن الرجز: القذر، والرجز: ما يصيب الإبل، فترتعش منه، ~~ومنه: بحر الرجز في الشعر. # قوله: " من السماء " يجوز فيه وجهان: # أحدهما: أن يكون متعلقا ب " أنزلنا " ، و " من " لابتداء الغاية، ~~أي: من جهة السماء، وهذا الوجه هو الظاهر. # والثاني: أن يكون صفة ل " رجزا " فيتعلق بمحذوف، و " من " أيضا ~~للابتداء. # وقوله: { على الذين ظلموا } فأعادهم بذكرهم أولا، ولم يقل: " ~~عليهم " تنبيها على أن ظلمهم سبب في عقابهم، وهو من إيقاع الظاهر موقع ~~المضمر لهذا الغرض، وإيقاع الظاهر موقع المضمر على ضربين: ضرب يقع ~~بعد تمام الكلام كهذه الآية، وقول الخنساء: [المتقارب] ms0389 # 518 تعرقني الدهر [نهسا] وحزا # [وأوجعني] الدهر قرعا وغمزا # أي: أصابتني نوائبه جمع. # وضرب يقع في كلام واحد؛ نحو قوله: # الحآقة ما الحآقة # [الحاقة:1، 2]. # وقول الآخر: [الكامل] # 518 - ليت الغراب غداة ينعب دائبا # كان الغراب مقطع الأوداج # وقد جمع عدي بن زيد المعنيين فقال: [الخفيف] # 520 لا أرى الموت يسبق الموت شيء # نغص الموت ذا الغنى والفقيرا # قوله: " بما كانوا " متعلق ب " أنزلنا " و " الباء " ~~للسببية، و " ما " يجوز أن تكون مصدرية وهو الظاهر أي: بسبب ~~فسقهم، وأن تكون موصولة اسمية، والعائد محذوف على التدريج المذكور ~~في غير موضع، والأصل: يفسقونه، ولا يقوى جعلها نكرة موصولة. # وقرأ " ابن وثاب ": " يفسقون " بكسر السين، وتقدم أنهما لغتان. # فصل في تفسير الظلم # قال أبو مسلم: هذا الفسق هو الظلم المذكور في قوله: { على ~~الذين ظلموا } وفائدة التكرار التأكيد. # قال ابن الخطيب: والحق أنه غيره؛ لأن الظلم قد يكون من الصغائر، ولذلك ~~قال بعض الأنبياء: # ربنا ظلمنآ أنفسنا # [الأعراف:23] وقد يكون من الكبائر، قال تعالى: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان:13]، والفسق لا بد وأن يكون من الكبائر، ويمكن أن يجاب عنه: ~~بأن أبا مسلم لم يقل بأن الفسق مطلق الظلم، وإنما خصه بظلم معين، ~~وهو الذي وصفوا به في أول الآية، ويحتمل أنهم استحقوا اسم الظلم بسبب ~~ذلك التبديل، فنزل الرجز عليهم بالفسق الذي كانوا يفعلوه قيل ~~التبديل، فيزول التكرار. # احتج بعضهم بقوله: { فبدل الذين ظلموا } على أن ما ورد ~~من الأذكار لا يجوز تبديله بغيره، وعلى هذا لا يجوز تحريم الصلاة بلفظ ~~التعظيم، لا يجوز القراءة بالفارسية. # وأجاب أبو بكر الرازي: " بأنهم إنما استحقوا الذم لتبديلهم القول ~~إلى قول يضاد معناه معنى الأول، فلهذا استوجبوا الذم، فأما تغيير اللفظ ~~مع بقاء المعنى فليس كذلك ". # قال ابن الخطيب: " والظاهر أن هذا يتناول كل من بدل قولا يقول آخر ~~سواء اتفقا أو لم يتفقا ". # فإن قيل: قال هنا: " وإذ قلنا " ، وفي " الأعراف ": # وإذ قيل # [الأعراف:161]. # قيل: لأن سورة " الأعراف " مكية، و " البقرة " مدنية فأبهم القائل ms0390 في ~~الأولى وهي " الأعراف " ليكون لهم وقع في القلب، ثم بينه في ~~هذه السورة المدنية، كأنه قال: ذلك القائل هناك هو هذا. # وقال هنا: " ادخلوا " ، وفي " الأعراف ": " اسكنوا ". # قال ابن الخطيب: " لأن الدخول مقدم على السكنى ". # وهذا يرد عليه، فإن " الأعراف " قبل " البقرة "؛ لأنها مكية. # وقال [هنا] " فكلوا " بالفاء، وفي " الأعراف " " وكلوا " بالواو. # والجواب ها هنا هو الذي ذكرناه في قوله تعالى في سورة البقرة: { ~~وكلا منها رغدا } ، وفي " الأعراف " { فكلا }. [ولم ذكر ~~قوله: " رغدا " في " البقرة " ، وحذفه في " الأعراف "؟ لأنه لما أسند ~~الفعل إلى نفسه لا جرم ذكر معه الإنعام الأعظم وهو أن يأكلوا رغدا]، ~~وفي " الأعراف " لما لم يسند الفعل إلى نفسه [لا جرم] لم يذكر الإنعام ~~الأعظم. # وقال هنا: { وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة } ، وفي ~~" الأعراف " قدم المؤخر؛ لأن الواو للجمع المطلق، وأيضا يحتمل أن يكون ~~بعضهم مذنبا،وبعضهم ليس بمذنب، فالمذنب يكون اشتغاله أولا بالتوبة، ~~ثم بالعبادة فكلفوا أن يقولوا أولا " حطة " ثم يدخلوا الباب سجدا، ~~وأما الذي ليس بمذنب، فالأولى به أن يشتغل بالعبادة أولا، ثم [يذكروا] ~~التوبة ثانيا على سبيل هضم النفس، وإزالة العجب في فعل تلك العبادة ~~فكلفوا أن يدخلوا الباب سجدا أولا، ثم يقولوا " حطة " ، فذكر حكم كل ~~قسم في سورة قاله ابن الخطيب. # وفيه نظر؛ لأن هذا القول إنما كان مرة واحدة. # قال هنا: { وسنزيد المحسنين } بالواو، وفي " الأعراف " بغير ~~واو. # وقال ابن الخطيب: لأنه ذكر في " الأعراف " أمرين: قول الحطة، وهو إشارة ~~إلى التوبة، ودخول الباب سجدا، وهو إشارة العبادة، ثم ذكرجزاءين: قوله ~~تعالى: { نغفر لكم خطاياكم } ، وهو واقع في مقابلة قول ~~الحطة، وقوله: { وسنزيد المحسنين } ، وهو واقع في مقابلة ~~دخول الباب سجدا، [فترك] الواو يفيد توزيع كل واحد من الجزاءين على ~~كل من الشرطين. # وأما في " البقرة " فيفيد كون مجموع المغفرة والزيادة جزاء واحدا ~~لمجموع الفعلين. # وقال هنا: { فبدل الذين ظلموا قولا } ، وفي " الأعراف " ~~زاد كلمة " منهم ". # قال ابن الخطيب: لأنه تعالى قال: { ومن قوم موسى أمة } ~~، فذكر أن منهم ms0391 من يفعل ذلك، ثم عدد صنوف إنعامه عليهم، وأوامره لهم ~~فلما انتهت القصة قال: { فبدل الذين ظلموا منهم } ~~[فذكر لفظة " منهم " في آخر القصة كما ذكرها في أول القصة] ليكون ~~آخر الكلام مطابقا لأوله، وأما هنا فلم يذكر الآيات التي قيل قوله: { ~~فبدل الذين ظلموا } تمييزا وتخصيصا حتى يلزم في آخر القصة ~~ذكر ذلك التخصيص. # وقال هنا: { فأنزلنا } وفي [سورة] " الأعراف ": { فأرسلنا } ~~، وأتى بالمضمر دون الظاهر؛ لأنه تعالى عدد عليهم في هذه السورة ~~نعما جسيمة كثيرة، فكان توجيه الذم عليهم، وتوبيخهم بكفرانها أبلغ ~~من حيث إنه لم يعدد عليهم هناك ما عدد هنا. # فلفظ " الإنزال " للعذاب أبلغ من لفظ " الإرسال ". # وقال هنا: { يفسقون } ، وفي " الأعراف ": { يظلمون } ~~تنبيها على أنهم جامعون بين هذين الوصفين القبيحين. ### || [2.60] # كسرت الذال من " إذ " لالتقاء الساكنين، والسين للطلب على وجه الدعاء ~~أي: سأل لهم السقيا، وألف " استسقى " منقلبة عن ياء؛ لأنه من " ~~السقي " ، وتقدم معنى " استفعل " ، ويقال: " سقيته " و " ~~أسقيته " ، بمعنى؛ وأنشد: [الوافر] # 521 سقى قومي بني مجد وأسقى # نميرا والقبائل من هلال # وقيل: " سقيته ": أعطيته ما يشرب، " وأسقيته ": جعلت ذلك له يتناوله كيف ~~شاء. و " الإسقاء " أبلغ من " السقي " على هذا. # وقيل: أسقيته: دللته على الماء، وسيأتي عند قوله: # نسقيكم مما في بطونه # [النحل:66] وسقى وأسقى متعديان لمفعولين، قال تعالى: # وسقاهم ربهم شرابا طهورا # [الإنسان:21] وقال: # وأسقيناكم مآء فراتا # [المرسلات:27]. # و " لقومه " متعلق بالفعل، واللام للعلة، أي: لأجل، أو تكون ~~للبيان لما كان المراد به الدعاء كالتي في قولهم: " سقيا لك " ~~فتتعلق بمحذوف كنظيرتها. # قوله: { اضرب بعصاك الحجر } الإدغام هنا واجب؛ لأنه متى ~~اجتمع مثلان في كلمتين؛ أو كلمة أولهما ساكن وجب الإدغام نحو: اضرب ~~بكرا، وألف " عصاك " منقلبة عن واو؛ لقولهم في النسب: عصوي، وفي ~~التثنية عصوان؛ قال: [الطويل] # 522................... # على عصويها سابري مشبرق # والجمع: " عصي " " وعصي " بضم العين وكسرها إتباعا، و " أعص ~~" مثل: " زمن " " وأزمن " ، والأصل: " عصوو " و " أعصو " ، ~~فأعل. وعصوته بالعصا، وعصيته بالسيف. و " ألقى عصاه " يعبر ~~به عن بلوغ المنزل، قال: ms0392 [الطويل] # 523 فألقت عصاها واستقر بها النوى # كما قر عينا بالإياب المسافر # وانشقت العصا بين القوم، أي: وقع الخلاف؛ قال: [الطويل] # 524 إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا # فحسبك والضحاك سيف مهند # قال الفراء: " أول لحن سمع ب " العراق " هذه عصاتي " ، يعني: ~~بالتاء. # وفي [المثل]: " العصا من العصية " أي: بعض الأمر من بعض. # و " الحجر " مفعول. و " أل " فيه للعهد. # وقيل: للجنس، وهو معروف، وقياس جمعه في أدنى العدد " أحجار " وفي ~~التكثير: " حجار وحجارة ". و " الحجارة " نادر، وهو كقولنا: " ~~جمل وجمالة " ، و " ذكر وذكارة " قاله ابن فارس والجوهري. # وكيف يكون نادرا وفي القرآن: # فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة # [البقرة:27]، # قل كونوا حجارة # [الإسراء:50]، # ترميهم بحجارة # [الفيل:4]، # وأمطرنا عليها حجارة # [هود:82]. # قوله: { فانفجرت } " الفاء " عاطفة على محذوف لا بد من تقديره: ~~فضرب فانفجرت. قال ابن عصفور: إن هذه " الفاء " الموجودة هي الداخلة على ~~ذلك الفعل المحذوف، والفاء الداخلة على " انفجرت " محذوفة، وكأنه ~~يقول: حذف الفعل الأول لدلالة الثاني عليه، وحذفت " الفاء " الثانية ~~لدلالة الأولى عليها. # ولا حاجة إلى ذلك، بل يقال: حذفت الفاء، وما عطفته قبلها. # وجعلها الزمخشري جواب شرط [مقدر] قال: [أو] فإن ضربت فقد انفجرت، قال: " ~~وهي على هذا فاء فصيحة لا تقع إلا في كلام بليغ ". وكأنه يريد تفسير ~~المعنى لا الإعراب. # و " الانفجار ": الانشقاق والتفتح، ومنه: الفجر لانشقاقه ~~بالضوء. # وفي " الأعراف ": # فانبجست # [الأعراف:160] فقيل: هما بمعنى. # وقيل: " الانبجاس " أضيق؛ لأنه يكون أولا والانفجار ثانيا. # وقيل: انبجس وتبجس وتفجر وتفتق بمعنى واحد. # قوله: { اثنتا عشرة عينا } فاعل " انفجرت " ، والألف ~~علامة الرفع؛ لأنه محمول على المثنى، وليس بمثنى حقيقة، إذ لا واحد له ~~من لفظه، وكذلك مذكره " اثنان " ، ولا يضاف إلى تمييز، لاستغنائه بذكر ~~المعدود " مثنى " تقول: " رجلان وامرأتان " ولا تقول: " اثنا رجل، ولا ~~اثنتا امرأة " إلا ما جاء نادرا فلا يقاس عليه، قال: [الرجز] # 525 كأن خصييه من التدلدل # ظرف عجوز فيه ثنتا حنظل # و " ثنتان " مثل " اثنتين " ، وحكم اثنين واثنتين في العدد المركب أن ~~يعربا ms0393 بخلاف سائر أخواتهما، قالوا: لأنه حذف معهما ما يحذف في المعرب ~~عند الإضافة، وهي النون، فأشبها المعرب فأعربا كالمثنى بالألف رفعا ~~والباء نصبا وجرا. # وأما " عشرة " فمبني لتنزله منزلة تاء التأنيث، ولها أحكام كثيرة. # و " عينا " تمييز. وقرأ مجاهد وطلحة وعيسى: " عشرة " بكسر الشين، ~~وهي لغة تميم. # قال النحاس: " وهذا عجيب فإن لغة تميم " عشرة " بالكسر، وسبيلهم ~~التخفيف، ولغة " عشرة " بالسكون، وسبيلهم التثقيل ". # وقرأ الأعمش: " عشرة " بالفتح. # و " العين ": اسم مشترك بين عين الإنسان، وعين الماء، وعين ~~الركية، وعين الشمس، وعين الذهب، وعين الميزان. # والعين: سحابة تقبل من ناحية القبلة. والعين: المطر الدائم ستا أو ~~خمسا. والعين: الثقب في المزادة، وبلد قليل العين، أي: قليل الناس. ~~[وبها عين، محركة الياء]. # فإن قيل: إذا كانت العين لفظا مشتركا بين حقائق، فكيف وقعت هنا ~~تمييزا؟ # فالجواب: أن قوله: " وإذ استسقى " ، وقوله: " فانفجرت " ، ~~وقوله: " مشربهم " دليل على إرادة عين الماء، فاللفظ مع القرينة ~~مميز، والعين من الماء شبيهة بالعين من الحيوان لخروج الماء منها، ~~كخروج الدمع من عين الحيوان. # وقيل: لما كان عين الحيوان أشرف ما فيه شبهت به عين الماء؛ لأنها أشرف ~~ما في الأرض. # قوله: # قد علم كل أناس # [الأعراف:160] قد تقدم الكلام على أن " أناس " أصل " الناس ". # وقال الزمخشري في سورة " الأعراف ": " إنه اسم جمع غير تكسير " ، ثم ~~قال: " ويجوز أن يكون الأصل الكسر، والتكسير، والضمة بدل من الكسرة، كما ~~أبدلت في سكارى " من الفتحة وسيأتي البحث معه إن شاء الله تعالى. # قوله: { مشربهم } مفعول ل " علم " بمعنى " عرف " ، و " ~~المشرب " هنا موضع الشرب؛ لأنه روي أنه كان لكل سبط عين ~~من اثنتي عشرة عينا، لا يشاركه فيها سبط غيره. # وقيل: هو نفس المشروب، فيكون مصدرا واقعا موقع المفعول به، وضمير ~~الجمع في قوله: " مشربهم " يعود على معنى " كل أناس ". # فصل في بيان أن الاستسقاء كان في التيه # قال جمهور المفسرين: هذا الاستسقاء كان في التيه؛ لأن الله تعالى ~~ لما ظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى، وجعل ~~ثيابهم بحيث ms0394 لا تبلى، ولا تتسخ خافوا العطش، فأعطاهم الله الماء ~~من ذلك الحجر، وأنكر أبو مسلم ذلك وقال: بل هو كلام مفرد بذاته، ~~ومعنى الاستسقاء طلب السقيا من المطر على عادة الناس إذا ~~[أقحطوا]، ويكون ما فعله الله من تفجير الحجر بالماء فوق الإجابة ~~بالسقيا، [وإنزال الغيث]. # [وقال ابن الخطيب:] وليس في الآية ما يدل على أحد القولين، وإن كان ~~الأقرب أن ذلك وقع في التيه؛ لأن المعتاد في البلاد الاستغناء عن طلب ~~الماء إلا في النادر، وأيضا روي أنهم كانوا يحملون الحجر معهم؛ لأنه ~~صار معدا لذلك، [فكما كان] المن والسلوى ينزلا من كل غداة، فكذلك ~~الماء يتفجر لهم في كل وقت، وذلك لا يليق إلا بأيامهم في التيه. # فصل في جنس الشجرة # اختلفوا في العصا، فقال الحسن: كانت عصا أخذها من بعض الأشجار وقيل: ~~كانت من آس الجنة طولها عشرة أذرع على طول موسى، ولها شعبتان ~~تتقدان في الظلمة، واسمه عليق، وكان آدم عليه الصلاة والسلام ~~حمله معه من الجنة إلى الأرض، فتوارثه صاغرا عن كابر حتى وصل إلى ~~شعيب عليه الصلاة والسلام فأعطاه لموسى عليه الصلاة والسلام. # والذي ينبغي أن يقال: إنها كانت بمقدار يصح أن يتوكأ عليها، وأن تنقلب ~~حية عظيمة، وما زاد على ذلك لا دليل عليه. # قال ابن الخطيب: " والسكوت عن هذه المباحث واجب؛ لأنه ليس فيها نص ~~متواتر، ولا يتعلق بها عمل حتى يكتفى فيها بالظن المستفاد من أخبار ~~الآحاد ". # فصل في المراد بالحجر # إن قلنا: الألف واللام في " الحجر " للعهد، فالإشارة إلى حجر ~~معلوم، روي أنه حجر طوري مربع قدر رأس الشاة يلقى في كسر جوالق ويرحل ~~به، ينبع من كل وجه ثلاثة أعين لكل سبط عين تسيل في جدول إلى ذلك ~~السبط فإذا نزلوا وضع في وسط محلتهم. # وقيل: بل كانوا يجدونه في كل مرحلة في منزلته من المرحلة الأولى، ~~وهذا من [أعظم] الإعجاز. # وقال سعيد بن جبير: هو الحجر الذي وضع عليه موسى ثوبه حين ~~اغتسل، فضربه حتى برأه الله مما ms0395 رموه به من الأدرة، فقال له ~~جبريل: فيقول الله تعالى لك: أرفع هذا الحجر، فإن لي فيه قدرة، ~~ولك فيه معجزة، فحمله في مخلاته. قال أبو روق: كان من [الكدان]، ~~وقيل: من الرخام. # [فإن قلت]: الألف واللام للجنس، فمعناه: [اضرب] أي حجر كان. # قال الحسن: لم يأمره أن يضرب حجرا بعينه، قال: وهذا أظهر في الحجة. ~~وروي أنه كان يضربه ضربة واحدة، فيظهر فيه اثنتا عشر عينا كل عين مثل ~~ثدي المرأة فيعرق، وهو الانبجاس، ثم ينفجر بالأنهار. # قال عطاء: ثم يضربه ضربة واحدة فييبس. # وقال عبد العزيز بن يحيى الكتاني: كان يضربه اثنتا عشرة ضربة لكل عين ~~ضربة. # قال القرطبي: ما أوتي نبينا محمد عليه الصلاة والسلام من نبع ~~الماء وانفجاره من بين أصابعه أعظم في المعجزة، فإنا نشاهد الماء ~~يتفجر من الأحجار، ومعجزة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام يخرج ~~الماء من بين لحم ودم! # وروى الأئمة الثقات عن عبد الله قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~فلم نجد ماء فأتي بتور فأدخل يده فيه، فلقد رأيت الماء يتفجر من ~~بين أصابعه، ويقول: # " حي على الطهور ". # قال الأعمش: حدثني سالم بن أبي الجعد، قال: قلت لجابر: كم كنتم يومئذ؟ ~~قال: ألفا وخمسمائة. لفظ النسائي. # فصل في وجوه الإعجاز في انفجار الحجر # والحكمة في جعل الماء اثنتي عشرة عينا قطع التنازع والتشاجر ~~بينهم، وهذا الانفجار يدل على الإعجاز من وجوه. # أحدها: أن نفس ظهور الماء معجزة. # وثانيها: خروج الماء العطيم من الحجر الصغير. # وثالثها: خروج الماء بقدر حاجتهم. # ورابعها: خروج الماء عند الضرب بالعصا. # وخامسها: خروج الماء بالضرب بعصا معينة. # وسادسها: انقطاع الماء عند الاستغناء عنه، فهذه الوجوه لا يمكن تحصيلها ~~إلا بقدرة تامة في كل الممكنات، وعلم نافذ في جميع المعلومات. # قوله: { كلوا واشربوا } هاتان الجملتان في محل نصب بقول مضمر ~~تقديره: وقلنا لهم: كلوا واشربوا. وقد تقدم تصريف " كل " وما حذف منه. # قوله: { من رزق الله } هذه من باب الإعمال؛ لأن كل واحد من ~~الفعلين يصح ms0396 تسلطه عليه، وهو من باب إعمال الثاني للحذف من الأول. ~~والتقدير: كلوا منه. # و " من " يجوز أن تكون لابتداء الغاية، وأن تكون للتبعيض، ويجوز أن ~~يكون مفعول الأكل محذوفا، وكذلك مفعول الشرب؛ للدلالة [عليهما]، ~~والتقدير: كلوا المن والسلوى لتقدمهما في قوله: # وأنزلنا عليكم المن والسلوى # [البقرة:57]، واشربوا ماء العيون المتفجرة. وعلى هذا فالجار والمجرور ~~يحتمل تعلقه بالفعل قبله، ويحتمل أن يكون حالا من ذلك المفعول المحذوف، ~~فيتعلق بمحذوفة. # وقيل: المراد بالرزق الماء وحده، ونسب الأكل إليه لما كان سببا في ~~نماء ما يؤكل وحياته، فهو رزق يؤكل منه ويشرب. والمراد بالرزق ~~المرزوق، وهو يحتمل أن يكون من باب " ذبح ورعي " ، وأن يكون من باب " ~~درهم ضرب الأمير " وقد تقدم بيانه. # فإن قيل: قوله: { من رزق الله } يفهم منه أن ثم رزقا ليس ~~لله، وذلك باطل. # فالجواب: من [وجوه]: # [أحدها: أن هذا مفهوم لقب؛ فلا يدل]. # الثاني: أن هذا رزق لم تعمل فيه أيديهم بحرث ولا غيره، فهو خالص ~~أرسله الله إليهم. # الثالث: أن إضافته إلى الله تعالى إضافة تشريف لكونه أشرف ما يؤكل، ~~وما يشرب؛ لأنه تسبب عن معجز خارق للعادة. # فصل في كلام المعتزلة # واحتجت المعتزلة بهذه الآية على أن الرزق هو الحلال قالوا: لأن أقل ~~درجات قوله: كلوا واشربوا الإباحة، فهذا يقتضي كون الرزق مباحا، فلو وجد ~~رزق حرام لكان ذلك الرزق مباحا وحراما، وإنه غير جائز. # قوله: { ولا تعثوا في الأرض مفسدين }. # أصل " تعثوا ": " تعثيوا " ، فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت، ~~فالتقى ساكنان فحذف الأول منهما وهو الياء، أو لما تحركت الياء وانفتح ما ~~قبلها قلبت ألفا فالتقى ساكنان، فحذفت الألف، وبقيت الفتحة تدل عليها. ~~وهذا أولى، فوزنه " تفعون ". # و " العثي " و " العيث ": أشد الفساد وهما متقاربان. # وقال بعضهم: " إلا أن العيث أكثر ما يقال فيما يدرك حسه، والعثي ~~فيما يدرك حكما، يقال: عثي يعثى عثيا، وهي لغة القرآن، ~~وعثا يعثو عثوا، وعاث يعيث عيثا ". # وليس " عاث " مقلوبا من " عثي " ك " جبذ وجذب " لتفاوت ~~معنييهما كما تقدم. # ويحتمل ms0397 ذلك، ثم اختص كل واحد بنوع، ويقال: عثي يعثى عثيا ~~ ومعاثا، وليس " عثي " أصله " عثو " فقلبت الواو ياء لانكسار ~~ما قبلها، ك " رضي " من الرضوان، لثبوت العثي، وإن توهم ~~بعضهم ذلك. # ويقال: عث يعث مضافا أي: فسد، قال ابن الرقاع: [الكامل] # 526 لولا الحياء وأن رأسي قد عثا # فيه المشيب لزرت أم القاسم # ومنه: العثة: [سوسة] تفسد الصوف. # وأما " عتا " بالتاء المثناة من فوق فهو قريب من معناه، وسيأتي ~~الكلام عليه إن شاء الله تعالى. # و " مفسدين " حال من فاعل " تعثوا " وهي حال مؤكدة؛ لأن معناها ~~قد فهم من عاملها، و حسن ذلك اختلاف اللفظين، ومثله: # ثم وليتم مدبرين # [التوبة:25]، هكذا قالوا. ويحتمل أن تكون حالا مبينة؛ لأن الفساد أعم، ~~والمعنى أخص، ولهذا قال الزمخشري: فقيل لهم لا تتمادوا في الفساد في ~~حال فسادكم؛ لأنهم كانوا متمادين فيه. فغاير بينهما كما ترى. # و " في الأرض " يحتمل أن يتعلق ب " تعثوا " وهو الظاهر، وأن يتعلق ب ~~" مفسدين ". والمراد بالأرض: عموم الأرض [لا] أرض التيه. # والمراد بالفساد هاهنا هو قوله في سورة طه: # ولا تطغوا فيه # [طه:81]. ### || [2.61] # " لن نصبر " ناصب منصوب، والجملة في محل نصب بالقول، وتقدم الكلام ~~على " لن ". # قوله: { طعام واحد } ، وإنما كان طعامين هما: المن والسلوى؛ ~~لأن المراد بالواحد ما لا يختلف ولا يتبدل، فأريد بالوحدة نفي التبديل ~~لا الاختلاف، أو لأنهما ضرب واحد؛ لأنهما من طعام أهل التلذذ والترف، ~~ونحن أهل زراعات لا نريد إلا ما ألفناه من الأشياء المتفاوتة، أو لأنهم ~~كانوا يأكلون أحدهما بالآخر، أو لأنهما كانا يؤكلان في وقت واحد. # وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كانوا يعجنون المن والسلوى، فيصير ~~طعاما واحدا. # وقيل: لأن العرب تعبر عن الاثنين بلفظ الواحد، وبلفظ الواحد عن الواحد، ~~كقوله تعالى: # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # [الرحمن:22]، وإنما يخرجان من الملح دون العذب. # قال ابن الخطيب: ليس المراد أنه واحد في النوع، بل إنه واحد في ~~المنهج، كما يقال: إن طعام فلان على مائدته طعام واحد إذا كان ms0398 لا ~~يتغير عن نهجه. # وقيل: كنوا بذلك عن الغنى، فكأنهم قالوا: لن نرضى أن نكون كلنا مشتركين ~~في شيء واحد فلا يخدم بعضنا بعضا، وكذلك كانوا أول من اتخذ الخدم ~~والعبيد. و " الطعام ": اسم لكل ما يطعم من مأكول ومشروب، ومنه: # ومن لم يطعمه # [البقرة:249]، وقد يختص ببعض المأكولات كاختصاصه بالبر والتمر في ~~حديث الصدقة، أو صاعا من طعام أو صاعا من شعير. والطعم بفتح ~~الطاء المصدر أو ما يشتهى من الطعام أو ما يؤديه الذوق، تقول: ~~طعمه حلو وطعمه مر، وبضمها الشيء المطعوم كالأكل ~~والأكل؛ قال أبو خراش: [الطويل] # 527 أرد شجاع البطن لو تعلمينه # وأوثر غيري من عيالك بالطعم # وأغتبق الماء القراح فأنتهي # إذا الزاد أمسى للمزلج ذا طعم # أراد بالأول المطعوم، وبالثاني ما يشتهى منه، وقد يعبر به عن ~~الإعطاء؛ قال عليه السلام: # " إذا استطعمكم الإمام فأطعموه " # أي: إذا استفتح، فافتحوا عليه، وفلان ما يطعم النوم إلا قائما؛ ~~قال: [المتقارب] # 528 نعاما بوجرة صفر الخدو # دما تطعم النوم إلا صياما # قوله: " فادع " اللغة الفصيحة " ادع ". # بضم العين من " دعا يدعو ". # ولغة بني عامر " فادع " بكسر العين قال أبو البقاء: " لالتقاء ~~الساكنين؛ يجرون المعتل مجرى الصحيح، ولا يراعون ~~المحذوف " يعني أن العين ساكنة، لأجل الأمر، والدال قبلها ~~ساكنة، فكسرت العين، وفيه نظر، لأن القاعدة في هذا ونحوه أن يكسر ~~الأول من الساكنين، لا الثاني، فيجوز أن يكون من لغتهم " دعا ~~يدعي " مثل " رمى يرمي " ، والدعاء هنا السؤال، ويكون هنا ~~بمعنى التسمية؛ كقوله: [الطويل] # 529 دعتني أخاها أم عمرو... # .................. # وقد تقدم، و " لنا " متعلق به، واللام للعلة. # قوله: " يخرج " مجزوم في جواب الأمر. # وقال بعضهم: مجزوم بلام الأمر مقدرة، أي " ليخرج " ، وضعفه الزجاج ~~وسيأتي الكلام على حذف لام الأمر إن شاء الله تعالى. # والقراءة المشهورة " يخرج " بضم " الياء " وكسر " الراء " ، و " ~~تنبت " بضم " التاء " وكسر " الباء " وقرأ زيد بن علي " يخرج " ~~بفتح " الياء " وضم " الراء " و " تنبت " بفتح " التاء " وضم " الباء ~~". # قوله: { مما تنبت الأرض } مفعول " يخرج " محذوف عن ms0399 سيبويه ~~تقديره: مأكولا مما، أو شيئا مما تنبت الأرض. والجار يجوز أن يتعلق ~~بالفعل قبله، ويكون " من " لابتداء الغاية، وأن تكون صفة لذلك المفعول ~~المحذوف، فيتعلق بمضمر، أي: مأكولا كائنا مما تنبته الأرض. # و " من " للتبعيض، ومذهب الأخفش: أن " من " زائدة في المفعول، ~~والتقدير: يخرج ما تنبته الأرض؛ لأنه لا يشترط في زيادتها شيئا. # قال النحاس: وإنما دعى الحسن إلى زيادتها؛ لأنه لم يجد مفعولا ل " ~~يخرج " فأراد أن يجعل " ما " مفعولا و " ما " يجوز أن تكون موصولة اسمية ~~أو نكرة موصوفة، والعائد محذوف، أي من الذي تنبته، أو من شيء تنبته، ~~ولا يجوز جعلها مصدرية؛ لأن المفعول المحذوف لا يوصف بالإنبات؛ لأن ~~الإنبات مصدر، [والمخرج] جوهر، وكذلك على مذهب الأخفش؛ لأن المخرج جوهر ~~لا إنبات. # قوله: " من بقلها " يجوز فيه وجهان: # أحدهما: أن يكون بدلا من " ما " بإعادة العامل، و " من معناها: بيان ~~الجنس. # والثاني: أن يكون في محل نصب على الحال من الضمير المحذوف العائد على " ~~ما " أي: مما تنبته الأرض في حال كونه من بقلها، و " من " أيضا ~~للبيان. # و " البقل ": كل ما تنبته الأرض من النجم، أي: ما لا ساق له، ~~وجمعه " بقول ". # و " القثاء " معروف، الواحدة: قثاءة، فهو من باب قمح وقمحة، ~~وفيها لغتان: المشهورة كسر القاف، وهي قراءة العامة، وقرأ يحيى بن ~~وثاب، وطلحة بن مصرف، والأشهب العقيلي بضم القاف وهي لغة " تميم ~~". # و " القثاء " مفرده وجمعه ممدود، تقول: " قثاء " و " ~~قثاءة " و " دباء " و " دباءة " ، و " داء " و " دواء " ~~والهمزة أصل بنفسها في قولهم: " أقثأت الأرض " ، أي: كثر ~~قثاؤها. ووزنها " فعال " ، ويقال في جمعها: " قثائي " ، مثل: " ~~علباء " و " علابي ". # قال بعضهم: إلا أن " قثاء " من ذوات الواو، تقول " أقثأت ~~القوم " ، أي: أطمعتهم ذلك، وقثأت القدر سكنت غليانها ~~بالماء. # قال الجعدي: [الطويل] # 530 تفور علينا قدرهم فنديمها # ونقثؤها عنا إذا حميها غلا # وهذا وهم فاحش؛ لأنه لما جعلها من ذوات الواو كيف يستدل عليه بقولهم: " ~~أقثأت القوم " بالهمز، بل كان ينبغي أن يقال: " أقثيت ms0400 " والأصل " ~~أقثوت " لكن لما وقعت الواو في بناء الأربعة قلبت ياء، ك " ~~أغزيت " من الغزو، ولكان ينبغي أن يقال: " قثوت القدر " ~~بالواو، ولقال الشاعر: [نقثوها] بالواو. # و " المقثأة " و " المقثؤة " - بفتح الثاء وضمها: موضع " ~~القثاء ". # و " الفوم ": الثوم وروي عن علقمة وابن مسعود أنه قرأ: " وثومها " ، ~~وهي قراءة ابن عباس رضي الله عنهما وفي مصحف عبد الله. والفاء تبدل من ~~الثاء كما قالوا: " جدث وجدف " و " عاثور وعافور " و " مغافير ~~ومغاثير " ، ولكنه غير قياس. # وعن ابن عباس الفوم: الخبز، تقول العرب: " فوموا لنا: أي: ~~اختبزوا ". # وقال ابن عباس أيضا وعطاء أبو مالك: هو الحنطة وهي لغة قديمة، وأنشد ~~ابن عباس لمن سأله عن " الفوم ": [الكامل] # 531 قد كنت أحسبني كأغنى واحد # [نزل] المدينة عن زراعة فوم # وقال ابن دريد " " الفومة السنبلة " ، وأنشد: [الوافر] # 532 وقال ربيئهم أتانا # بكفه فومة أو فومتان # وقال القتيبي: " هو الحبوب كلها ". # قال الكلبي والنضر بن شميل والكسائي والمؤرج: الصحيح أنه الثوم، ~~لقراءة ابن عباس، ولكونه في مصحف عبد الله بن مسعود وثومها؛ ولأنه لو ~~كان المراد الحنطة لما جاز أن يقال لهم: أتستبدلون الذي هو ~~أدنى بالذي هو خير؛ لأن الحنطة أشرف الأطعمة، ولأن الثوم أوفق ~~للعدس والبصل من الحنطة وأنشد المؤرج لحسان: [المتقارب] # 533 وأنتم أناس لئام الأصول # طعامكم الفوم والحوقل # يعني: الثوم والبصل؛ وأنشد النضر لأمية بن أبي الصلت: [البسيط] # 534 كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة # فيها الفراديس والفومان والبصل # الفراديس: واحدها فرديس. وكوم مفردس، أي: معرش. # وقال بعضهم: " الفوم: الحمص لغة شامية ". # قوله: " وعدسها " العدس معروف، والعدسة: بثرة تخرج ~~بالإنسان، وربما قتلت وعدس زجر للبغال؛ قال: [الطويل] # 535 عدس ما لعباد عليك إمارة # نجوت وهذا تحملين طليق # والعدس: شدة الوطء، والكدح أيضا، يقال: عدسه. وعدس في الأرض ذهب ~~فيها، وعدست إليه المنية أي: سارت؛ قال الكميت: [الطويل] # 536 أكلفها هول الظلام ولم أزل # أخا الليل معدوسا إلي وعادسا # أي: يسار إلي بالليل. # وعدس لغة في حدس، قاله الجوهري. وعن علي بن أبي ms0401 طالب رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " عليكم بالعدس فإنه مبارك مقدس، وإنه يرقق القلب ويكثر ~~الدمعة فإنه بارك فيه سبعون نبيا آخرهم عيسى ابن مريم ". # اختلف العلماء في أكل البصل والثوم [والكراث] وما له رائحة كريهة من ~~البقول. # فذهب الجمهور إلى الإباحة، للأحاديث الثابتة في ذلك. # وذهبت طائفة من أهل الظاهر القائلين بوجوب صلاة الفرض في الجماعة ~~إلى المنع؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام سماها خبيثة. # وقال تعالى: # ويحرم عليهم الخبئث # [الأعراف:157]. # والصحيح الأول؛ # " لقوله عليه الصلاة والسلام لبعض أصحابه: كل فإني أناجي ~~من لا تناجي ". # فصل في لفظ أدنى # قوله: " أتستبدلون "؛ وفي مصحف أبي " أتبدلون الذي ~~هو أدنى " ، وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: وهو الظاهر قول الزجاج أن أصله: " أدنو " من الدنو، وهو ~~القرب، فقلبت الواو ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، ومعنى الدنو ~~في ذلك فيه وجهان: # أحدهما: أنه أقرب لقلة قيمته وخساسته. # والثاني: أنه أقرب لكم؛ لأنه في الدنيا بخلاف الذي هو خير، فإنه بالصبر ~~عليه يحصل نفعه في الآخرة. # والثاني: قول علي بن سليمان الأخفش أن أصله: " أدنأ " مهموزا ~~من دنأ يدنأ دناءة، وهي الشيء الخسيس، إلا أنه خفف ~~همزته؛ كقوله: [الكامل] # 537..................... # فارعي فزارة لا هناك المرتع # ويدل عليه قراءة زهير [القرقبي] الكسائي: " أدنأ " بالهمز. # الثالث: أن أصله: أدون من الشيء الدون، أي: الرديء، فقلب بأن ~~أخرت العين إلى موضع اللام، فصار: أدنو، فأعل كما تقدم. ووزنه " ~~أفلع " ، وقد تقدم معنى الاستبدال. # و " أدنى " خبر عن " هو " ، والجملة صلة وعائد، وكذلك: " هو خير " صلة ~~وعائد أيضا. # فصل في معنى الآية # ومعنى الآية: أتستبدلون البقل والقثاء والفوم والعدس والبصل الذي هو ~~أدنى بالمن والسلوى الذي هو خير؟ من وجوه: # الأول: أن البقول لا خطر لها بالنسبة إلى المن والسلوى، لأنهما طعام ~~من الله به عليهم، وأمرهم بأكله، فكان في استدامته شكر نعمة الله، وذلك ~~أجر وذخر في الآخرة، والذي طلبوه عار من هذه الخصال، فكان أدنى. # وأيضا لما كان المن والسلوى ألذ من ms0402 الذي سألوه، وأطيب كان أدنى، ~~وأيضا لما كان ما أعطوه لا كلفة فيه، ولا تعب، وكان الذي طلبوه لا ~~يجيء إلا بالحرث والتعب كان [أيضا] أدنى. # وأيضا لما كان ما ينزل عليهم لا مرية في حلة وخلوصه لنزوله من ~~عند الله، والحبوب والأرض يتخللها البيوع والغضوب وتدخلها الشبه، ~~كانت أدنى من هذا الوجه. # وأفرد في قوله: { الذي هو أدنى } وإن كان ما طلبوه أنواعا ~~حملا على قوله: " ما " في قوله: { مما تنبت الأرض } ، أو على ~~الطعام المفهوم من قوله: { لن نصبر على طعام واحد }. # قوله: { اهبطوا مصرا } القراءة المعروفة " اهبطوا " بكسر ~~الباء، وقرىء بضمها. و " مصرا " قرأ الجمهور منونا، وهو خط المصحف. # فقيل: إنهم أمروا بهبوط مصر من الأمصار فلذلك صرف. # وقيل: أمروا بمصر بعينه، وإنما صرف لخفته، لسكون وسطه ك " هند ~~ودعد "؛ وأنشد: [المنسرح] # 538 لم تتلفع بفضل مئزرها # دعد ولم تسق دعد في العلب # فجمع بين الأمرين. # أو صرفه ذهابا به إلى المكان. # وقرأ الحسن: " مصر " بغير تنوين، وقال: الألف زائدة من الكاتب، وكذلك ~~في بعض مصاحف عثمان، ومصحف أبي، وابن مسعود، كأنهم عنوا مكانا ~~بعينه، وهو بلد فرعون وهو مروي عن أبي العالية. # وقال الزمخشري: " إنه معرب من لسان العجم، فإن أصله مصرائيم، فعرب ~~" ، وعلى هذا إذا قيل بأنه علم لمكان بعينه، فلا ينبغي أن يصرف ألبتة ~~لانضمام العجمة إليه، فهو نظير " ماه وجور وحمص " ، ولذلك أجمع ~~الجمهور على منعه في قوله: # ادخلوا مصر # [يوسف:99]. والمصر في أصل اللغة: الحد الفاصل بين الشيئين، وحكي عن ~~أهل " هجر " أنهم إذا كتبوا بيع دار قالوا: " اشترى فلان الدار ~~بمصورها " أي: حدودها؛ وأنشد: [البسيط] # 539 وجاعل الشمس مصرا لا خفاء به # بين النهار وبين الليل قد فصلا # قوله: { ما سألتم } " ما " في محل نصب اسما ل " إن " ، والخبر ~~في " لكم " ، و " ما " بمعنى الذي، والعائد محذوف، أي: الذي سألتموه. # قال أبو البقاء: " ويضعف أن تكون نكرة موصوفة ". يعني: أن الذي ~~سألوه شيء معين، فلا يحسن أن يجابوا بشيء مبهم. # وقرىء: ms0403 " سلتم " مثل: بعتم، وهي مأخوذة من " سال " بالألف، ~~قال حسان رضي الله عنه: [البسيط] # 540 سالت هذيل رسول الله فاحشة # ضلت هذيل بما سالت ولم تصب # وهل هذه الألف منقلبة عن ياء أو واو لقولهم: يتساولان، أو عن همزة؟ ~~ثلاثة أقوال يأتي بيانها في سورة " المعارج " إن شاء الله تعالى. # فصل في بيان أنه هل عصوا بذلك السؤال # أكثر المفسرين زعموا أن ذلك السؤال كان معصية. # قال ابن الخطيب: وعندنا ليس الأمر كذلك، والدليل عليه أن قوله: " كلوا ~~واشربوا " عند إنزال المن والسلوى ليس بإيجاب، بل هو إباحة، وإذا كان ~~كذلك لم يكن قولهم: { لن نصبر على طعام واحد فادع ~~لنا ربك } معصية؛ لأن من أبيح له ضرب من الطعام فحسن منه أن يسأل ~~غير ذلك، إما بنفسه أو على لسان الرسول، فلما كان عندهم أن سؤال موسى ~~أقرب إلى الإجابة جاز لهم أن يسألوه ذلك، ولم يكن فيه معصية. # واعلم أن سؤال النوع الآخر من الطعام يحتمل أن يكون لأغراض منها: أنهم ~~لما تناولوا ذلك النوع الواحد أربعين سنة ملوه، فاشتهوا غيره. # ومنها: لعلهم ما تعودوا ذلك النوع، وإما تعودوا سائر الأنواع، ورغبة ~~الإنسان فيما اعتاده في أصل التربية وإن كان خسيسا فوق رغبته فيما لم ~~يعتده وإن كان شريفا. # ومنها: لعلهم ملوا البقاء في التيه، فسألوه هذه الأطعمة التي لا توجد ~~إلا في البلاد، وغرضهم الوصول إلى البلاد لا نفس الأطعمة. # ومنها: أن المواظبة على نوع واحد سبب لنقصان الشهوة، وضعف الهضم، ~~وقلة الرغبة والاستكثار من الأنواع بضد ذلك، فثبت أن تبديل طعام بغيره ~~يصلح أن يكون مقصود العقلاء، وليس في القرآن ما يدل على منعهم، فثبت أن ~~هذا القدر لا يجوز أن يكون معصية، ومما يؤكد ذلك أن قوله: { ~~اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم } كالإجابة لما ~~طلبوا، ولو كانوا عاصين في ذلك السؤال لكانت الإجابة إليه معصية، وهي ~~غير جائزة على الأنبياء، لا يقال: إنهم لما أبوا شيئا اختاره الله لهم ~~أعطاهم عاجل ما سألوه كما ms0404 قال: # ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها # [الشورى:20] لأن هذا خلاف الظاهر. واحتجوا على أن ذلك السؤال معصية ~~بوجوه: # الأول: قولهم: لن نصبر على طعام واحد يدل على أنهم كرهوا إنزال ~~المن والسلوى، فتلك الكراهة معصية. # الثاني: أن قول موسى عليه الصلاة والسلام: { أتستبدلون الذي ~~هو أدنى بالذي هو خير } استفهام على سبيل الإنكار، وذلك ~~يدل على كونه معصية. # الثالث: أن موسى عليه الصلاة والسلام وصف ما سألوه بأنه أدنى، ما ~~كانوا عليه بأنه خير، وذلك يدل على ما قلناه. # والجواب عن الأول: أن قولهم: { لن نصبر على طعام واحد } ~~ليس فيه دليل على أنهم كرهوه، بل اشتهوا شيئا آخر؛ لأن قولهم: لن نصبر ~~إشارة إلى المستقبل؛ لأن " لن " لنفي المستقبل، فلا يدل على أنهم سخطوا ~~الواقع. # وعن الثاني: بأن الاستفهام على سبيل الإنكار قد يكون لما فيه من تفويت ~~الأنفع في الدنيا، وقد يكون لما فيه من تفويت الأنفع في الآخرة. # وعن الثالث: بأن الشيء قد يوصف بأنه خير من حيث إن الانتفاع به حاضر ~~متيقن، ومن حيث إنه حصل بلا كد ولا تعب، فكما يقال ذلك في ~~الحاضر، فقد يقال في الغائب المشكوك فيه: إنه أدنى من حيث إنه لا يتيقن ~~من حيث لا يوصل إليه إلا بالكد، فلا يمتنع أن يكون مراده عليه الصلاة ~~والسلام هذا المعنى، أو بعضه، فثبت أن ذلك السؤال لم يكن معصية، بل ~~كان سؤالا مباحا، وإذا كان كذلك فقوله: { وضربت عليهم ~~الذلة والمسكنة وبآءوا بغضب من الله } ، لا ~~يجوز أن يكون لما تقدم؛ بل لما ذكره الله تعالى بعد ذلك وهو قوله: { ~~ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيت الله } إلى آخره. # فهذا هو الموجب للغضب والعقاب لا كونهم سألوه ذلك. # فصل في المراد ب " مصر " # قال قوم: المراد من " مصر " البلد الذي كانوا فيه مع فرعون؛ لقوله ~~تعالى: # ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ~~ترتدوا على أدباركم # [المائدة:21] فأوجب دخول تلك الأرض، وذلك يقتضي المنع من دخول غيرها، ~~وأيضا قوله: ms0405 { كتب الله لكم } يقتضي دوامهم فيه؛ وقوله: # ولا ترتدوا على أدباركم # [المائدة:21] صريح في المنع من الرجوع عن بيت المقدس، وأيضا فإنه ~~تعالى، بعد الأمر بدخول الأرض المقدسة، قال: # فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في ~~الأرض # [المائدة:26]. # فلما بين تعالى أنهم ممنوعون من دخولها هذه المدة، فعند زوال تلك ~~المدة يجب أن يلزمهم دخولها، وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون المراد من ~~مصر سواها. # فإن قيل: هذه الوجوه ضعيفة. # أما الأول: فلأن قوله: # ادخلوا الأرض المقدسة # [المائدة:21] أمر ندب فلعلهم ندبوا إلى دخول الأرض المقدسة، مع أنهم ما ~~منعوا من دخول مصر، وأما قوله: { كتب الله لكم } فذلك يدل على ~~دوام تلك الأرض المقدسة. # وأما قوله: { ولا ترتدوا على أدباركم } فلا نسلم أن ~~معناه: ولا ترجعوا إلى مصر، بل يحتمل أن يكون معناه: ولا تعصوا فيما ~~أمرتكم؛ لأن العرب تقول لمن عصى الأمر: أرتد على عقبه، فالمراد من هذا ~~العصيان كونهم أنكروا أن يكون دخول الأرض المقدسة أولى. # ويحتمل أن يكون ذلك النهي مخصوصا بوقت معين. # والجواب: أنه ثبت في الأصول أن ظاهر الأمر للوجوب، وإن سلمنا أنه ~~للندب، ولكن الإذن في تركه يكون إذنا في ترك المندوب، وهو لا يليق ~~بالأنبياء. # وأما قوله: لا نسلم أن المراد من قوله: " ولا ترتدوا ": ولا ترجعوا. # قلنا: الدليل عليه أن أمره بدخول الأرض المقدسة، ثم قوله بعده: { ولا ~~ترتدوا على أدباركم } يتبادر إلى الفهم أن النهي يرجع ~~إلى ما تعلق به ذلك الأمر. # وقوله: " تخصيص النهي بوقت معين ". # قلنا: التخصيص خلاف الظاهر. # قال أبو مسلم الأصفهاني: يجوز أن يكون المراد " مصر فرعون " لوجهين: # الأول: من قرأ " مصر " بغير تنوين كان علما للبلد المعين، وليس ~~في العالم بلدة ملقبة بهذا اللقب سواها، فحمل اللفظ عليه، ولأن اللفظ إذا ~~دار بين كونه علما، وبين كونه صفة فحمله على العلم أولى. # ومن قرأه منونا فإما أن تجعله اسم علم، وتقول: إنما نون لسكون وسطه، ~~فيكون القريب أيضا ما تقدم، وإن جعلناه اسم جنس ms0406 فقوله: { اهبطوا ~~مصرا } يقتضي التخيير، كما إذا قال: أعتق رقبة. # الوجه الثاني: أن الله تعالى ورث بن إسرائيل أرض " مصر " لقوله: # كذلك وأورثناها بني إسرآئيل # [الشعراء:59] وإذا موروثة لهم امتنع أن يحرم عليهم دخولها. # فإن قيل: قد يكون الرجل مالكا للدار وإن كان ممنوعا من دخولها كمن ~~أوجب على نفسه اعتكاف أيام في المسجد، فإنه يحرم عليه دخول داره، وإن ~~كانت مملوكة له، فلم لا يجوز أن يقال: إن الله تعالى ورثهم " مصر ~~" بمعنى الولاية، والتصرف فيها، ثم إنه تعالى حرم عليهم دخولها ~~بإيجابه عليهم سكنى الأرض المقدسة؟ # قلنا: الأصل أن الملك مطلق للتصرف والمنع من التصرف خلاف الدليل. # وأجاب الفرق الأول عن حجتي أبي مسلم. # أما قوله " إن القراءة المشهورة بالتنوين يقتضي التخيير ". # قلنا: نعم، لكنا نخصص العموم في حق هذه البلدة المعينة بما ذكرنا من ~~الدليل. # وأما الثاني: فإنا لا ننازع في أن الملك لمطلق التصرف لكن قد يترك هذه ~~الأصل لعارض كالمرهون والمستأجر، فنحن تركنا هذا الأصل لما قدمنا من ~~الدلائل. # قوله: { وضربت عليهم الذلة والمسكنة } أي: ~~جعلت الذلة محيط بهم، مشتملة عليهم؛ كمن يكون في القبة ~~المضروبة؛ قال الفرزدق لجرير: [الكامل] # 541 ضربت عليك العنكبوت بنسجها # وقضى عليك به الكتاب المنزل # أو ألصقت بهم حتى لزمتهم كما يضرب الطين على الحائط فيلزمه. # ومن قال: إنها الجزية فبعيد؛ لأن الجزية لم تكن مضروبة حينئذ. # وقال بعضهم: هذا من باب المعجزات؛ لأنه عليه الصلاة والسلام ~~أخبر عن ضرب الذلة والمسكنة عليهم، ووقع الأمر كذلك، فكان معجزة. و ~~" الذلة ": الصغار. والذل بالضم: ما كان عن قهر، وبالكسر: ما ~~كان بعد شماس من غير قهر. قاله الراغب. # و " المسكنة ": مفعلة من السكون، لأن المسكين قليل الحركة ~~والنهوض، لما به من الفقر، و " المسكين: مفعيل منه، إلا أن هذه ~~الميم قد ثبتت في اشتقاق هذه الكلمة، قالوا: تمسكن يتمسكن فهو متمسكن، ~~وذلك كما تثبت ميم " تمندل وتمدرع " من " الندل " و " ~~الدرع " وذلك لا يدل على أصالتها؛ لأن الاشتقاق قضى عليها ~~بالزيادة. ms0407 # وقال الراغب: قوله: { وضربت عليهم الذلة والمسكنة ~~}: فالميم في ذلك زائدة في أصح القولين. # وإيراد هذا الخلاف يؤذن بأن النون زائدة، وأنه من " مسك " و " ضربت " ~~مبني للمفعول و " الذلة " قائم مقام الفاعل. # قوله: { وبآءو } ألف " باء بكذا " منقلبة عن واو؛ لقولهم: " باء ~~ يبوء " مثل: " قال يقول " قال عليه الصلاة والسلام: " ~~أبوء بنعمتك علي " ، والمصدر: " البواء ". # وباء معناه: رجع؛ وأنشد بعضهم هذا: [الوافر] # 542 فآبوا بالنهاب وبالسبايا # وأبنا بالملوك مصفدينا # وهذا وهم؛ لأن هذا البيت من مادة: " آب يئوب " فمادته من همزة، ~~وواو، وباء، و " باء " مادته من باء، وواو، وهمزة، وادعاء القلب يه ~~بعيد؛ لأنه لم يعهد تقدم العين واللام معا على الفاء في مقلوب، ~~وهذا من ذاك. # والبواء: الرجوع بالقود، وهم في هذا الأمر بواء، أي: سواء؛ ~~قال: [الطويل] # 543 ألا تنتهي عنا [ملوك] وتتقي # محارمنا لا يبؤ الدم بالدم # أي: لا يرجع الدم بالدم في القود. # وباء بكذا: أقر أيضا، ومنه الحديث المتقدم أي: أقر بها، ~~وألزمها نفسي، وقال: [الكامل] # 544 أنكرت باطلها وبؤت بحقها # ....................... # وقال الراغب: " أصل البواء مساواة الأجزاء في المكان خلاف ~~النبوة الذي هو منافاة الأجزاء ". # وقوله: " وباءوا بغضب " أي: حلوا مبوأ ومعه غضب، واستعمال ~~" باء " تنبيه على أن مكانه الموافق يلزمه فيه غضب الله فكيف بغيره من ~~الأمكنة، وذلك نحو: # فبشرهم بعذاب أليم # [آل عمران:21]. # ثم قال: وقول من قال: بؤت بحقها، أي: أقررت فليس تفسيره بحسب مقتضى ~~اللفظ. # وقولهم: " حياك الله وبياك " أصله: بوأك، وإنما غير للمشاكلة، ~~قاله خلف الأحمر. # وقيل: باءوا: استحقوا، ومنه قوله تعالى: # إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك # [المائدة:29] أي: تستحق الإثم جمعيا، ومن قال: إنه الرجوع فلا يقال: ~~باء إلا بشر. # قوله: " بغضب " في موضع الحال من فاعل " باءوا " أي: رجعوا مغضوبا ~~عليهم، وليس مفعولا به ك " مررت بزيد ". # وقال الزمخشري: هو من قولك: باء فلان بفلان إذا كان حقيقا بأن يقتل به ~~لمساواته له ومكافأته، أي صاروا أحقاء بغضبه. وعلى هذا التفسير ينبغي ~~كون الباء للحال. ms0408 # قوله: { من الله } الظاهر أنه في محل جر صفة ب " غضب " ، ~~فيتعلق بمحذوف، أي: بغضب كائن من الله. # و " من " لابتداء الغاية مجازا. # وقيل: هو متعلق بالفعل نفسه أي: رجعوا من الله بغضب. وليس بقوي. # قوله: { ذلك بأنهم }. # " ذلك " مبتدأ أشير به إلى ما تقدم من ضرب الذلة والمسكنة ~~[والخلافة] بالغضب. # و " بأنهم " الخبر، والباء للسببية، أي: ذلك مستحق بسبب كفرهم. # وقال المهدوي: الباء بمعنى اللام أي: لأنهم، ولا حاجة إلى هذا، فإن باء ~~السببية تفيد التعليل بنفسها. # و " يكفرون " في محل نصب خبرا ل " كان " ، و " كان " وما في حيزها ~~في حل رفع خبرا للمبتدأ كما تقدم. # قوله: { بآيت الله } متعلق ب " يكفرون " والباء للتعدية. # قوله: { ويقتلون } في محل نصب عطفا على خبر " كان " ، وقرىء: " ~~تقتلون " بالخطاب التفاتا إلى الخطاب الأول بعد الغيبة. # و " يقتلون " بالتشديد للتكثير. # قوله: { النبيين } مفعول به جمع " نبي ". # والقراءة على ترك الهمزة في النبوة، وما تصرف منها، ونافع المدني على ~~الهمز في الجميع إلا موضعين: في سورة " الأحزاب ": # للنبي إن أراد # [الأحزاب:50]، # بيوت النبي إلا # [الأحزاب:53]، فإن قالون حكى عنه في الوصل كالجماعة وسيأتي. وما من ~~همز فإنه جعله مشتقا من " النبأ " وهو الخبر، فالنبي " فعيل " ~~بمعنى " فاعل " أي: منبىء عن الله برسالته، ويجوز أن يكون بمعنى " ~~مفعول " ، أي: أنه منبأ من الله بأوامره ونواهيه، واستدلوا على ~~ذلك بجمعه على " نبآء " ك " ظريف وظرفاء " قال العباس بن ~~مرداس: [الكامل] # 545 يا خاتم النبآء إنك مرسل # بالحق كل هدى الإله هداكا # فظهور الهمزتين يدل على كونه من " النبأ " ، واستضعف بعض النحويين ~~هذه القراءة، قال أبو علي: " قال سيبويه ": بلغنا أن قوما من أهل ~~التحقيق يحققون " نبيئا وبريئة " قال: وهو رديء، وإنما استردأه؛ لأن ~~الغالب في استعماله التخفيف. وقال أبو عبيدة الجمهور الأعظم من القراء ~~والعوام على إسقاط الهمز من النبي والأنبياء، وكذلك أكثر العرب ~~مع حديث رويناه، فذكر أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ~~يا نبيء الله " فهمز، فقال: " لست بنبيء ms0409 الله " فهمز ~~ولكني نبي الله، ولم يهمز، فأنكر عليه الهمز. # قال: وقال لي أبو عبيدة: العرب تبدل الهمزة في ثلاثة أحرف: " النبي ~~والبرية والخابية " وأصلهن الهمز. # قال أبو عبيدة: ومنها حرف رابع: " الذرية " من ذرأ يذرأ، ~~ويدل عل أن الأصل الهمز قال سيبويه: [إنهم] كلهم يقولون: تنبأ ~~مسيلمة فيهمزون. # وبهذا لا ينبغي أن ترد به قراءة هذا الإمام الكبير، أما الحديث فقد ~~ضعفوه. # قال ابن عطية: ومما يقوي ضعفه أنه لما أنشده العباس: [الكامل] # 546 يا خاتم النبآء............. # ...................... # لم ينكره، ولا فرق بين الجمع والواحد، ولكن هذا الحديث قد ذكره الحاكم ~~في " المستدرك " ، وقال: هو صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. # فإذا كان كذلك فليلتمس للحديث تخريج يكون جوابا عن قراءة نافع، على ~~أن القطعي لا يعارض بالظني، وإنما يذكر زيادة فائدة. # والجواب عن الحديث: أن أبا زيد حكى: نبأت من أرض كذا إلى أرض كذا، ~~أي: خرجت منها إليها فقوله: " يا نبيء الله " بالهمز يوهم يا طريد ~~الله الذي أخرجه من بلده إلى غيره، فنهاه عن ذلك لإيهامه ما ذكرنا، لا ~~لسبب يتعلق بالقراءة. # ونظر ذلك نهيه المؤمنين عن قولهم: # راعنا # [البقرة:104] لما وجدت اليهود بذلك طريقا إلى السب به في لغتهم، أو ~~يكون حضا منه عليه الصلاة والسلام على تحري أفصح اللغات في ~~القرآن وغيره، وأما من لم يهمز، فإنه يحتمل وجهين: # أحدهما: أنه من المهموز، ولكن [خفف]، وهذا أولى ليوافق القراءتين، ~~ولظهور الهمز في قولهم: تنبأ مسيلمة، وقوله: " يا خاتم النبآء. # ... ". # والثاني: أنه أصل آخر بنفسه مشتق من " نبا ينبو ": إذا ظهر ~~وارتفع، ولا شك أن رتبة النبي عليه الصلاة والسلام مرتفعة، ومنزلته ~~ظاهرة بخلاف غيره من الخلق، والأصل: " نبيو وأنبواء " ، فاجتمع الياء ~~والواو، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء ~~ك " ميت " في " ميوت " ، وانكسر ما قبل الواو في الجمع فقلبت ياء، فصار: ~~أنبياء. # والواو في " النبوة " بدل من الهمزة على الأول، وأصل بنفسها على ~~الثاني، فهو " فعيل " بمعنى " فاعل " ، أي: ظاهر مرتفع، ms0410 أو بمعنى مفعول ~~أي: رفعه الله على خلقه، أو يكون مأخوذا من النبي الذي هو الطريق، ~~وذلك أن النبي طريق الله إلى خلقه، به يتوصلون إلى معرفة خالقهم؛ قال ~~الشاعر: [البسيط] # 547 لما وردن نبيا واستتب بنا # مسحنفر كخطوط النسج منسحل # وقال الشاعر: [المتقارب] # 548 - لأصبح رتما دقاق الحصى # مكان النبي من الكاثب # " الرتم " بالتاء المثناة والمثلثة جميعا: الكسر. # و " الكاثب " بالمثلثة: اسم جبل، وقالوا في تحقير نبوة مسيلمة: ~~نبيئة. # وقالوا: جمعه أنبياء قياس مطرد في " فعيل " المعتل نحو: " ولي ~~وأولياء، وصفي وأصفياء ". # وأما قالون فإنما ترك الهمز في الموضعين المذكورين لمدرك آخر، هو ~~أنه من أصله في اجتماع الهمزتين من كلمتين إذا كانتا مكسورتين أن تسهل ~~الأولى، إلا أن يقع قبلها حرف مد، فتبدل وتدغم، فلزمه أن يفعل هنا ما ~~فعل في: # بالسوء إلا # [يوسف:53] من الإبدال والإدغام، إلا أنه روي عنه خلاف في: { ~~بالسوء إلا } ولم يرو عنه [هنا] خلاف كأنه التزم البدل لكثرة ~~الاستعمال في هذه اللفظة وبابها، ففي التحقيق لم يترك همزة " النبي ~~" ، بل همزه ولما همزه أداه قياس تخفيفه إلى ذلك، ويدل على هذا ~~الاعتبار أنه إنما يفعل ذلك حيث يصل، أما إذا وقف فإنه يهمزه في ~~الموضعين، لزوال السبب المذكور، فهو تارك للهمز لفظا آت به تقديرا. # فإن قيل: قوله: " يكفرون " دخل تحته قتل الأنبياء، فلم أعاد ~~ذكره؟ # فالجواب: إن المذكور هنا هو الكفر بآيات الله، وهو الجهل والجحد ~~بآياته، فلا يدخل تحته قتل الأنبياء. # قوله: { بغير الحق } في محل نصب على الحال من فاعل " يقتلون " ~~تقديره: يقتلونهم مبطلين، ويجوز أن يكون نعتا لمصدر محذوف تقديره: قتلا ~~كائنا بغير الحق، فيتعلق بمحذوف. # قال الزمخشري: قتل الأنبياء لا يكون إلا بغير الحق، فما فائدة ذكره؟ # وأجاب: بأن معناه أنهم قتلوهم بغير الحق عندهم؛ لأنهم لم يقتلوا ولا ~~أفسدوا في الأرض حتى يقتلوا، فلو سئلوا وأنصفوا من أنفسهم لم يذكروا ~~وجها يستحقون به القتل عندهم. # وقيل: إنما خرج وصفهم بذلك مخرج الصفة لقتلهم بأنه ظلم في ms0411 حقهم لاحق، ~~وهو أبلغ في الشناعة والتعظيم لذنوبهم. # وقيل: هذا التكرير للتأكيد، كقوله تعالى: # ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به # [المؤمنون:117]، ويستحيل أن يكون لمدعي الإله الثاني برهان. # وقيل: إن الله تعالى [لو ذمهم على مجرد القتل قالوا: أليس أن الله ~~يقتلهم، فكأنه تعالى قال: القتل الصادر من الله تعالى ] قتل ~~بحق، ومن غير الله قتل بغير حق. # فإن قيل: كيف جاز أن يخلي بين الكافرين [وقتل] الأنبياء؟ # قيل: ذلك كرامة لهم، وزيادة في منازلهم كمن يقتل في سبيل الله من ~~المؤمنين، وليس ذلك بخذلان لهم. # قال ابن عباس والحسن رضي الله عنهم: لم يقتل قط نبي من الأنبياء إلا ~~من لم يؤمر بقتال، وكل من أمر بقتال نصر. # فصل في أوجه ورود لفظ الحق # وقد ورد " الحق " على أحد عشر وجها: # الأول: بمعنى " الجزم " لقوله تعالى: # ويقتلون الأنبيآء بغير حق # [آل عمران:112] أي: بغير جزم كهذه الآية. # الثاني: بمعنى " الصفة " قال تعالى: # الآن جئت بالحق # [البقرة:71] أي: بالصفة التي نعرفها. # الثالث: بمعنى " الصدق " قال تعالى: # وكان حقا علينا نصر المؤمنين # [الروم:47]، ومثله: # ذلك عيسى ابن مريم قول الحق # [مريم:34] أي: قول الصدق. # الرابع: بمعنى: " وجب " قال تعالى: # ولكن حق القول مني # [السجدة:13] أي: وجب، ومثله: # وكذلك حقت كلمت ربك # [غافر:6] أي: وجبت. # الخامس: بمعنى: " الولد " قال تعالى: # بشرناك بالحق # [الحجر:55] أي: بالولد. # السادس: الحق: الحجة قال تعالى: # فلما جآءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا ~~لسحر مبين # [يونس:76] أي: جاءتهم الحجة، وهي اليد والعصاة. # السابع: بمعنى " القضاء " قال تعالى: # قال رب احكم بالحق # [الأنبياء:112] أي: اقض، ومثله: # وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين # [النور:49]. # الثامن: بمعنى: " التوحيد " قال تعالى: # بل جآء بالحق # [الصافات:37] أي بالتوحيد. # التاسع: الحق: الإسلام قال تعالى: # وقل جآء الحق وزهق الباطل # [الإسراء:81] أي: جاء الإسلام، وذهب الكفر، ومثله: # أفمن يهدي إلى الحق # [يونس:35] أي: إلى الإسلام، ومثله: # إنك على الحق المبين # [النمل:79]. # العاشر: بمعنى القرآن، قال تعالى: # بل كذبوا بالحق ms0412 لما جآءهم # [ق:5] أي: بالقرآن. # الحادي عشر: الحق: هو الله تعالى، قال تعالى: # ولو اتبع الحق أهوآءهم # [المؤمنون:71] أي: في إيجاد الولد، ومثله: # وتواصوا بالحق # [العصر:3] أي: بالله. # قوله: " ذلك بما عصوا " مثل ما تقدم. # وفي تكرير اسم الإشاره قولان: # أحدهما: أنه مشار به إلى ما أشير بالأول إليه على سبيل التأكيد. # والثاني: ما قاله الزمخشري: وهو أن يشار به إلى الكفر، وقتل ~~الأنبياء، على معنى أن ذلك بسبب عصيانهم، واعتدائهم؛ لأنهم انهمكوا فيها. # و " ما " مصدرية، و " الباء " للسببية، أي بسبب عصيانهم، فلا محل ل " ~~عصوا " لوقوعه صلة، وأصل " عصوا ": " عصيوا " تحركت الياء وانفتح ~~ما قبلها، فقلبت ألفا، فالتقى ساكنان [الياء] والواو، فحذفت الياء ~~لكونها أول الساكنين، وبقيت الفتحة تدل عليها، فوزنه " فعوا ". # وأصل " العصيان ": الشدة. واعتصمت النواة: إذا اشتدت. # قوله: { وكانوا يعتدون } المراد منه الظلم، أو تجاوز الحق ~~إلى الباطل. # وأصل " الاعتداء ": المجاوزة من " عدا " " يعدو " ، فهو " ~~افتعال " منه، ولم يذكر متعلق العصيان والاعتداء، ليعم كل ما يعصى ~~ويعتدى فيه. # وأصل " يعتدون ": " يعتديون " ، ففعل به ما فعل ب # تتقون # [البقرة:21] من الحذف والإعلال، وقد تقدم، فوزنه: " يفتعون ". # والواو من " عصوا " واجبة الإدغام في الواو بعدها، لانفتاح ما قبلها، ~~وليس فيها [مد] يمنع من الإدغام، ومثله: # فقد اهتدوا وإن تولوا # [آل عمران:20] وهذا بخلاف ما إذا انضم ما قبل الواو، فإن المد يقوم ~~مقام الحاجز بين المثلين: فيجب الإظهار، نحو: # ءامنوا وعملوا # [البقرة:25] ومثله: # الذى يوسوس # [الناس:5]. # فإن قيل: ما الفرق بين ذكره " الحق " هاهنا معرفا، وبين ذكره في " آل ~~عمران " منكرا في قوله # ويقتلون الأنبيآء بغير حق # [آل عمران:112]؟ # والجواب: أن الحق المعلوم الذي يوجب القتل فيما بين الناس هو قوله ~~عليه الصلاة والسلام: # " لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث، كفر بعد [إيمان]، ~~وزنى بعد [إحصان]، وقتل نفس بغير حق ". ### || [2.62] # قال ابن عباس: والمراد ب " الذين آمنوا " هم الذين آمنوا قبل [مبعث] ~~محمد بعيسى عليه الصلاة والسلام مع البراءة عن أباطيل اليهود مثل ~~قس بن ms0413 ساعدة، وبحيرى الراهب، وحبيب النجار، وزيد بن عمرو بن ~~نفيل، وورقة بن نوفل وسلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري، وخطر ~~بن مالك، ووفد النجاشي، فكأنه قال: إن الذين آمنوا قبل مبعث محمد، ~~والذين كانوا على الأديان الباطلة كل من آمن منهم بعد مبعث محمد صلى ~~الله عليه وسلم بالله واليوم الآخر ومحمد، فلهم أجرهم. # وقال سفيان الثوري: المراد من قوله: " الذين آمنوا " هم المنافقون؛ ~~لأنهم يؤمنون باللسان دون القلب، ثم اليهود والنصارى والصابئون، ~~فكأنه قال: هؤلاء المبطلون كل من آمن منهم بالإيمان الحقيقي، فلهم ~~أجرهم. # وقال المتكلمون: المراد أن الذين آمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام ~~في الحقيقة، وهو عائد إلى الماضي، ثم قوله: " من آمن بالله " يقتضي ~~المستقبل، فكأنه قال: إن الذين آمنوا في الماضي، وثبتوا عليه في ~~المستقبل. # و " هادوا " في ألفه قولان: # أحدهما: أنه من واو، والأصل " هاد يهود " أي: تاب؛ قال الشاعر ~~[السريع] # 549................ # إني امرؤ من حبه هائد # أي: تائب، منه سمي اليهود، لأنهم تابوا عن عبادة العجل، وقالوا: # إنا هدنآ إليك # [الأعراف:156] أي: تبنا ورجعنا. # [قاله] ابن عباس. # وقيل: هو من التهويد، وهو النطق في سكون ووقار؛ وأنشدوا: [الطويل] # 550 وخود من اللائي تسمعن بالضحى # قريض الردافى بالغناء المهود # وقيل: من " الهوادة " ، وهي الخضوع. # الثاني: أنها من ياء، والأصل: " هاد يهيد " ، أي: تحرك، ومنه ~~سمي اليهود؛ لتحركهم في دراستهم، قاله أبو عمرو بن العلاء. # وقيل: سموا يهودا نسبة ليهوذا بالذال المعجمة وهو ابن يعقوب ~~عليه الصلاة والسلام، فغيرته العرب بالدال المهملة، جريا على عادتها ~~في التلاعب بالأسماء الأعجمية، فعرب ونسب الواحد إليه، فقيل يهودي، ~~ثم حذف الياء في الجمع، فقيل يهود. # وكل جمع منسوب إلى جنس، فهو بإسقاط ياء النسب؛ كقولهم في " زنجي ": ~~زنج، وفي " رومي ": روم أيضا. وهيادا: إذا دخل في اليهودية، ~~وتهود إذا [نسبه إليهم] وهود إذا دعا إلى اليهودية. # والنصارى جمع واحده " نصران " ، و " نصرانة " ك: " ندمان ~~وندمانة وندامى " ، قاله سيبويه؛ وأنشد: [الطويل] # 551 فكلتاهما خرت وأسجد رأسها # كما أسجدت نصرانة لم تحنف # وقال ms0414 عليه الصلاة والسلام: # " فأبواه يهودانه ". # وقرأ أبو السمال ومجاهد: " هادوا " بفتح الدال، وإسكان الواو كأنهما ~~من المفاعلة، والأصل: هاديوا فأعل كنظائره. # وقيل: سموا يهودا لميلهم عن دين الإسلام، وعن دين موسى، فعلى هذا ~~إنما سموا يهودا بعد أنبيائهم. # وقال ابن الأعرابي: يقال: هاد: إذا رجع من خير إلى شر، ومن شر إلى ~~خير، وسمي اليهود بذلك لتخليطهم، وكثرة انتقالهم من مذاهبهم، نقله النووي ~~في " التهذيب " عن الواحدي. # وأنشد الطبري على " نصران " [قول الشاعر]: [الطويل] # 552 يظل إذا دار العشا متحنفا # ويضحي لديه وهو نصران شامس # قال سيبويه: إلا أنه لم يستعمل في الكلام إلا بياء النسب. # وقال الخليل: " واحد النصارى نصري، كمهري ومهارى ". # وقال الزمخشري: الياء في " نصراني " للمبالغة كالتي في " ~~أحمري " و " نصارى " نكرة، ولذلك دخلت عليه آل، ووصف بالنكرة في ~~قول الشاعر: [البسيط] # 553 صدت كما صد عما لا يحل له # ساقي نصارى قبيل الفصح صوام # وقد جاءت جموع على غير ما يستعمل واحدها، وقياسه النصارنيون. وسموا ~~بذلك نسبة إلى قرية يقال لها: " ناصرة " كان ينزلها عيسى عليه الصلاة ~~والسلام، قاله ابن عباس، وقتادة، وابن جريج. فنسب عيسى إليها، فقيل: ~~عيسى الناصري، فلما نسب أصحابه إليه قيل: النصارى. # قال الجوهري: و " نصران " قرية ب " الشام " ينسب إليها النصارى. ~~أو لأنهم كانوا يتناصرون؛ قال الشاعر: [الرجز] # 554 - لما رأيت نبطا أنصارا # شمرت عن ركبتي الإزارا # كنت لهم من النصارى جارا # وقيل: لأن عيسى عليه الصلاة والسلام قال للحواريين: # من أنصاري إلى الله # [آل عمران:52]. # و " الصابئين " الجمهور على همزة، وقرأه نافع وشيبة والزهري بياء ~~ساكنة غير مهموزة، وعن أبي جعفر بياءين خالصتين بدل الهمزة، فمن ~~همزه جعله من صبأ ناب البعير أي: خرج، وصبأت النجوم: طلعت. # وقال أبو علي: صبأت على القوم إذا طرأت عليهم. فالصابىء: ~~التارك لدينه، كالصابىء الطارىء على القوم، فإنه تارك لأرضه، ومنتقل ~~عنها. # ومن لم يهمز فإنه يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون مأخوذا من المهموز فأبدل من الهمزة حرف علة إما ~~ياء أو واوا، فصار ms0415 من باب المنقوص مثل: " قاض أو غاز " ، والأصل: صاب، ~~ثم جمع كما يجمع القاضي أو الغازي، إلا أن سيبويه لا يرى قلب هذه الهمزة ~~إلا في الشعر، والأخفش وأبو زيد يريان ذلك مطلقا. # الثاني: أنه من باب " صبا.. يصبو " إذا مال، ولذلك كانت العرب ~~يسمون النبي صلى الله عليه وسلم صابئا؛ لأنه أظهر دينا خلاف أديانهم، ~~فالصابي كالغازي أصله: " صابوا " فأعل كإعلال غاز، وأسند أبو عبيد ~~إلى ابن عباس: " ما الصابون إنا هي الصابئون، والخاطون إنما هي ~~الخاطئون ". فقد اجتمع في قراءة نافع همز " النبيين " ، وترك همز " ~~الصابئين ". [وقد علم أن العكس فيهما أفصح]. # فصل في تفسير الصابئين # [وللمفسرين في تفسير " الصابئين " أقوال]: # فقال مجاهد والحسن: هم طائفة بين اليهود والمجوس لا تؤكل ذبائحهم، ~~ولا تنكح نساؤهم. # وقال السدي: هم فرقة من أهل الكتاب [وقاله إسحاق بن راهويه. قال ابن ~~المنذر]: # وقال إسحاق: لا بأس بذبائح الصابئين؛ لأنهم طائفة من أهل الكتاب. # وقال أبو حنيفة: لا بأس بذبائحهم، ومناكحة نسائهم. # وقال الخليل: هم قوم يشبه دينهم دين النصارى، إلا أن قبلتهم نحو ~~مهب الجنوب، يزعمون أنهم على دين نوح عليه الصلاة والسلام. [نقله] ~~القرطبي. # وقال قتادة: قوم يعبدون الملائكة، ويصلون إلى الشمس كل يوم خمس ~~صلوات. # وقال أيضا: الأديان خمسة أربعة للشيطان، وواحد للرحمن، وهم: الصابئون ~~وهم يعبدون الملائكة، والمجوس يعبدون النار، والذين أشركوا يعبدون ~~الأوثان، واليهود والنصارى، وقال: قبيلة نحو " الشام " بين اليهود ~~والنصارى، والمجوس لا دين لهم، وكان مجاهد لا يراهم من أهل الكتاب، ~~وهو منقول عن أبي حنيفة. # وقال قتادة ومقاتل: هم قوم يقرون بالله عز وجل، ويعبدون الملائكة، ~~ويقرون بالزبور، ويصلون إلى الكعبة أخذوا من كل دين شيئا. # وقال [الكلبي]: " هم قوم بين اليهود والنصارى يحلقون أوساط رؤوسهم، ~~ويجبون مذاكيرهم ". وقال عبد العزيز بن يحيى: درجوا وانقرضوا. # وقيل: هم الكلدانيون الذين جاءهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام ~~رادا عليهم ومبطلا لقولهم، وكانوا يعبدون الكواكب. # قال ابن الخطيب: وهو الأقرب، ثم لهم قولان: # أحدهما: أن الله خلق هذا ms0416 العالم، وأمر بتعظيم هذه الكواكب واتخاذها ~~قبلة الصلاة، والدعاء والتعظيم. # والثاني: أن الله سبحانه وتعالى خلق الأفلاك والكواكب، وجعل الكواكب ~~مدبرة لما في هذا العالم من الخير والشر، والصحة والمرض، فيجب على البشر ~~تعظيمها؛ لأنها هي الآلهة المدبرة لهذا العالم. # قوله: { من ءامن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا ~~} آمن: صدق. و " من " في قوله: " من آمن " في موضع نصب بدل من " ~~الذين آمنوا ". والفاء في قوله: " فلهم " داخلة بسبب الإبهام ~~الذي في " من ". # وقيل: في موضع رفع بالابتداء، ومعناها الشرط، و " آمن " في موضع جزم ~~بالشرط، و " الفاء " جواب و " لهم أجرهم " خبر " من " والجملة ~~كلها خبر " إن " ، والعائد على " الذين " محذوف تقديره: من آمن منهم ~~بالله، وحمل الضمير على لفظ " من " فأفرد، وعلى المعنى في قوله: { ~~فلهم أجرهم عند ربهم } فجمع؛ كقوله: [الطويل] # 555 ألما بسلمى عنكما إن عرضتما # وقولا لها: عوجي على من تخلفوا # وقال الفرزدق: [الطويل] # 556 - تعال فإن عاهدتني لا تخونني # نكن مثل من يا ذئب يصطحبان # [فراعى المعنى] وقد تقدم تحقيق ذلك [عند] قوله: # ومن الناس من يقول ءامنا # [البقرة:8] والأجر في الأصل مصدر يقال: أجره الله يأجره أجرا، ~~وقد يعبر به عن نفس الشيء المجازى به، والآية الكريمة تحتمل المعنيين. # والمراد بهذه العندية أن أجرهم متيقن جار مجرى الحاصل عندهم. # قوله: { ولا خوف عليهم } فقيل: أراد زوال الخوف [عنهم] في ~~الدنيا. # وقيل: الآخرة وهو أصح؛ لأنه عام في النفي، وكذا قوله: " ولا هم ~~يحزنون " ، وهذه لا تحصل في الدنيا؛ لأن المكلف في الدنيا لا ينفك ~~من خوف وحزن، إما في أسباب الدنيا، أو في أمور الآخرة، فكأنه سبحانه ~~وعدهم في الآخرة بالأجر، ثم بين صفة ذلك الأجر أن يكون خاليا من ~~الخوف والحزن، وذلك يوجب أن يكون نعيمهم دائما؛ لأنهم لو جوزوا كونه ~~منقطعا لاعتراهم الخوف العظيم. # فإن قيل: فما الحكمة في قوله تعالى هاهنا: " الصابئين " منصوبة، وفي ~~" المائدة ": # والصابئون # [المائدة:69] مرفوعة. وقال في الحج: # والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا # [الحج:17] فقدم " الصابئين " على ms0417 " النصارى " في آية، وأخر " ~~الصائبين " في الأخرى، فهل في ذلك حكمة ظاهرة. # قال ابن الخطيب: إن أدركنا تلك الحكم فقد فزنا بالكمال، وإن عجزنا ~~أحلنا القصور على أفهامنا لا على كلام الحكيم. ### || [2.63-64] # هذا هو الإنعام العاشر. # والميثاق إنما يكون بفعل الأمور التي توجب الانقياد والطاعة. # واختلفوا في ذلك الميثاق. # قال الأصم: [ما وعده الله القوم] من الدلائل الدالة على صدق ~~أنبيائه ورسله، وهذا النوع من المواثيق أقوى المواثيق والعهود؛ لأنها ~~لا تحتمل الخلف والكذب والتبديل بوجه ألبتة. وقال أبو مسلم: هو ما روى ~~عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أن موسى عليه الصلا والسلام لما رجع ~~إلى قومه بالألواح، قال لهم: " إن فيها كتاب الله تعالى " فقالوا: لن ~~نأخذ بقولك حتى نرى الله جهرة فيقول: هذا كتابي فخذوه فأخذتهم ~~الصاعقة، فماتوا ثم أحياهم، ثم قال لهم بعد ذلك: خذوا كتاب ~~الله، فأبوا فرفع الطور وقيل لهم: خذوا الكتاب وإلا طرحناه عليكم، ~~[فأخذوه] فرفع الطور هو الميثاق؛ لأنه آية [باهرة] عجيبة تبهر ~~العقول، وترد المكذب إلى التصديق، والشاك إلى اليقين، وأكدوا ذلك، ~~وعرفوا أنه من قبله تعالى وأظهروا التوبة، وأعطوا العهد والميثاق ~~ألا يعودوا إلى ما كان منهم، وأن يقوموا بالتوراة، فكان هذا عهدا ~~موثقا. وروي عن عبد الله بن عباس: أن لله ميثاقين. # الأول: حين أخرجهم من صلب آدم، وأشهدهم على أنفسهم. # والثاني: أنه ألزم الناس متابعة الأنبياء، وهو المراد من هذا ~~العهد. # قال ابن الخطيب: " وهذا ضعيف ". # فإن قيل: لهم قال: " ميثاقكم " ولم يقل: " مواثيقكم "؟ # قال القفال: لوجهين: # أحدهما: أراد به الدلالة على أن كل واحد منهم قد أخذ ذلك كما قال: # يخرجكم طفلا # [غافر:67] أي: كل واحد منهم أخذ عليه ما أخذ على غيره، فلا جرم كان كله ~~ميثاقا واحدا. # والثاني: أنه لو قال: مواثيقكم لأبهم أن يكون هناك مواثيق أخذت عليهم ~~لا ميثاق واحد. # قوله: { ورفعنا فوقكم الطور } نظيره: # وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا ~~أنه واقع بهم # [الأعراف:171]. و " الواو " في قوله: { ورفعنا فوقكم ms0418 } واو ~~عطف على تفسير ابن عباس، والمعنى: أن أخذ الميثاق كان متقدما فلما نقضوه ~~بالامتناع عن قبول الكتاب رفعنا عليهم الجبل. # وعلى تفسير أبي مسلم ليست واو عطف ولكنها واو الحال، كما يقال: " فعلت ~~ذلك والزمان زمان " فكأنه قال: وإذ أخذنا ميثاقكم عند رفعنا الطور ~~فوقكم. # وفوقكم ظرف مكان ناصبه " رفعنا " ، وحكم " فوق " مثل حكم " تحت " ، وقد ~~تقدم الكلام عليه. # قال أبو البقاء: ويضعف أن يكون حالا من " الطور "؛ لأن التقدير ~~يصير: ورفعنا الطور عاليا، وقد استفيد من " رفعنا ". وفي هذا نظر؛ لأن ~~المراد به علو خاص، وهو كونه عاليا عليهم لا مطلق العلو حتى يصير: ~~رفعناه عاليا كما قدره. # قال: " لأن الجبل لم يكن فوقهم وقت الرفع، وإنما صار فوقهم بالرفع ". # ولقائل أن يقول: لم لا تكون حالا مقدرة، وقد قال هو في قوله: { ~~بقوة } إنها حال مقدرة كما سيأتي. # و " الطور " اسم [لكل] جبل، وقيل: [لما] أنبت منها خاصة دون ما لم ~~ينبت، وهل هو عربي أو سرياني قولان. # وقيل: سمي بطور بن إسماعيل عليه الصلاة والسلام؛ وقال العجاج: ~~[الرجز] # 557 دانى جناحيه من الطور فمر # تقضي البازي إذا البازي كسر # وقال الخليل: الطور اسم جبل معلوم؛ لأن التعريف تقتضي حمله على جبل ~~معهود مسمى بهذا الاسم، وهو جبل المناجاة. وقد يجوز أن ينقله الله إلى ~~حيث هم، فيجعله فوقهم وإن كان بعيدا منهم. # وقال ابن عباس: أمر الله جبلا من جبال " فلسطين " ، فانقلع من أصله حتى ~~قام فوقهم كالظلة، وبعث نارا من قبل وجوههم، وأتاهم البحر الملح من ~~خلفهم، وقيل لهم: خذوا ما آتيناكم، أي: اقبلوا ما أعطيناكم وإلا رضختكم ~~بهذا الجبل، وغرقتكم في هذا البحر، وأحرقتكم بهذه النار فلما رأوا أن لا ~~مهرب منه قبلوا ذلك، وسجدوا خوفا، وجعلوا يلاحظون الجبل، وهم سجود، ~~فصارت سنة في اليهود لا يسجدون إلا على أنصاف وجوههم. # قوله: " خذوا " في محل نصب بقول مضمر، أي: وقلنا لهم: خذوا، وهذا القول ~~مضمر يجوز أن يكون في محل نصب على الحال من ms0419 فاعل " رفعنا " والتقدير: ~~ورفعنا الطور قائلين لكم خذوا. وقد تقدم أن خذ محذوف الفاء أن الأصل: ~~اؤخذ، عند قوله: # وكلا منها رغدا # [البقرة:35]. # قوله: { مآ آتيناكم } مفعول " خذوا " ، و " ما " موصولة بمعنى الذي ~~لا نكرة موصوفة، والعائد محذوف أي: ما آتيناكموه. # قوله: " بقوة " في محل نصب على الحال، وفي صاحبها قولان: # أحدهما: إنه فاعل " خذوا " وتكون حالا مقدرة، والمعنى: خذوا الذي ~~آتيناكموه حال كونكم عازمين على الجد في العمل به. # والثاني: أنه ذلك العائد المحذوف، والتقدير: خذوا الذي آتيناكموه في حال ~~كونه مشددا فيه أي: في العمل به، والاجتهاد في معرفته. # قوله: " ما فيه " الضمير يعود على " ما آتيناكم " أي: أذكروا ما في ~~الكتاب، واحفظوه وادرسوه، ولا تغفلوا عنه، ولا يحمل على الذكر الذي هو ~~ضد النسيان؛ لأنه ليس من فعل العبد، فلا يجوز الأمر به، وفي حرف " ~~أبي " " واذكروا " بذال مشددة وكسر الكاف، وفي حرف عبد الله " ~~وتذكروا ما فيه " [ومعناه]: اتعظوا به. # قوله: { لعلكم تتقون } أي: لكي تتقوا فتنجوا من الهلاك في ~~الدنيا، والعذاب في العقبى. # قوله: { ثم توليتم } التولي تفعل من الولي، وأصله: الإعراض ~~والإدبار عن الشيء بالجسم، ثم استعمل في الإعراض عن الأوامر والمعتقدات ~~اتساعا ومجازا وذلك إشارة إلى ما تقدم من رفع الطور، وايتاء التوراة. # قال القفال رحمه الله: " إنهم بعد قبول التوراة، ورفع الطور تولوا ~~عن التوراة بأمور كثيرة، فحرفوا التوراة وتركوا العمل بها، وقتلوا ~~الأنبياء، وكفروا بها وعصوا أمرهم ولعل فيها اختص به بعضهم دون البعض، ~~ومنها ما علمه أوائلهم، ومنها ما فعله متأخروهم، ولم يزالوا في التيه ~~مع مشاهدتهم الأعاجيب ليلا ونهارا يخالفون موسى، ويعرضون عنه، ويلقونه ~~بكل أذى، ويجاهرون بالمعاصي حتى لقد خسف ببعضهم، وأحرقت النار بعضهم، ~~وعوقبوا بالطاعون، وكل هذا مذكور في تراجم التوراة، ثم فعل متأخروهم ما ~~لا خفاء به من تخريب " بيت المقدس " ، وكفروا بالمسيح وهموا بقتله. ~~والقرآن وإن لم يكن فيه بيان ما تولوا به عن التوراة، فالجملة معروفة ~~من إخبار الله تعالى عن عناد أسلافهم، فلا ms0420 عجب في إنكارهم ما ~~جاء به محمد عليه الصلاة والسلام من الكتاب والنبوة ". # قوله: { فلولا فضل الله } " لولا " هذه حرف امتناع لوجود، ~~والظاهر أنها بسيطة. وقال أبو البقاء: هي مركبة من " لو " ، و " لا ~~" ، و " لو " قبل التركيب يمتنع بها الشيء لامتناع غيره، و " لا " للنفي، ~~والامتناع نفي في المعنى، وقد دخل النفي ب " لا " على أحد امتناعي " لو ~~" والامتناع نفي في المعنى، والنفي إذا دخل على النفي صار إيجابا، ~~فمن [ثم] صار معنى " لولا " هذه يمتنع بها الشيء لوجود غيره وهذا ~~تكلف ما لا فائدة فيه، وتكون " لولا " أيضا حرف تحضيض فتختص بالأفعال، ~~وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى. # و " لولا " هذه تختص بالمبتدأ، ولا يجوز أن يليها الأفعال، فإن ورد ما ~~ظاهره ذلك أول؛ كقوله: [الوافر] # 558 ولولا يحسبون الحلم عجزا # لما عدم المسيئون احتمالي # وتأويله أن الأصل: " ولولا أن تحسبوا " فلما حذفت أن ارتفع الفعل؛ ~~كقوله: [الطويل] # 559 ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى # ..................... # أي: " أن أحضر ". # والمرفوع بعدها مبتدأ خلافا للكسائي حيث رفعه بفعل مضمر، وللفراء حيث ~~قال: " مرفوع بنفس لولا ". وخبره واجب الحذف للدلالة عليه وسد شيء مسده ~~وهو جوابها والتقدير: ولولا فضل الله كائن أو حاصل، ولا يجوز أن يثبت ~~إلا في ضرورة شعر، ولذلك لحن المعري في قوله: [الوافر] # 560 يذيب الرعب منه كل عضب # فلولا الغمد يمسكه لسالا # حيث أثبت خبرها بعدها، هكذا أطلقوا، وبعضهم فصل فقال: إن كان خبر ما ~~بعدها كونا مطلقا، فالحذف واجب، وعليه جاء التنزيل وأكثر الكلام، وإن ~~كان كونا مقيدا فلا يخلو إما أن يدل عليه دليل أو لا، فإن لم يدل ~~عليه دليل، وجب ذكره؛ نحو قوله عليه الصلاة والسلام: # " لولا قومك حديثوا عهد بكفر " # ، وقول الآخر: [الطويل] # 561 فلولا بنوها حولها لخبطتها # ................... # وإن دل عليه دليل جاز الذكر والحذف نحو: " لولا زيد لغلبنا " ~~أي: شجاع، وعليه بيت المعري المتقدم. # وقال أبو البقاء: ولزم حذف الخبر للعلم به، وطول الكلام، فإن وقعت ~~" أن " بعدها ظهر الخبر ms0421 كقوله: # فلولا أنه كان من المسبحين # [الصافات:143] فالخبر في اللفظ ل " أن " ، وهذا الذي قاله موهم، ~~ولا تعلق لخبر " أن " بالخبر المحذوف، ولا يغني عنه ألبتة فهو كغيره ~~سواء، والتقدير: فلولا كونه مسبحا حاضر أو موجود. فأي فائدة في ذكره ~~لهذا؟ [والخبر] يجب حذفه في صور أخرى تأتي مفصلة إن شاء الله تعالى ~~في مواضعها، وقد تقدم معنى الفضل عند قوله: # فضلتكم على العالمين # [البقرة:47]. # قوله: { لكنتم من الخاسرين } اللام جواب " لولا " ، واعلم ~~أن جوابها إن كان مثبتا، فالكثير دخول اللام كهذه الآية ونظائرها، ويقل ~~حذفها؛ قال: [البسيط] # 562 لولا الحياء ولولا الدين عبتكما # ببعض ما فيكما إذ عبتما عوري # وإن كان منفيا فلا يخلو: إما أن يكون حرف النفي " ما " أو غيرها، إن ~~كان غيرها فترك اللام واجب نحو: " لولا زيد لم أقم، ولن أقوم " ، لئلا ~~يتوالى لامان، وإن كان ب " ما " فالكثير الحذف، ويقل الإتيان بها، ~~وهكذا حكم جواب " لو " الامتناعية، وقد تقدم عند قوله: # ولو شآء الله لذهب بسمعهم # [البقرة:20]، ولا محل لجوابها من الإعراب. و " من الخاسرين " في محل ~~نصب خبر " كان " ، و " من " للتبعيض. # فصل في تفسير فضل الله عليهم # ذكر القفال في تفسيره وجهين: # الأول: لولا تفضل الله عليكم من إمهالكم، وتأخير العذاب عنكم لكنتم من ~~الخاسرين، أي من الهالكين [الذين باعوا أنفسهم بنار جهنم]، ومنه قوله ~~تعالى: # خسر الدنيا والأخرة # [الحج:11]. # والثاني: أن يكون الخبر قد انتهى عند قوله: { ثم توليتم من ~~بعد ذلك } ، ثم قال: { فلولا فضل الله عليكم ~~ورحمته } رجوعا بالكلام إلى أوله، أي: لولا لطف الله تعالى ~~بكم برفع الجبل فوقكم لدمتم على ردكم الكتاب ولكنه تفضل عليكم ~~ورحمكم ولولا ذلك لكنتم من الخاسرين ببقائكم على تلك الحالة حتى يتم. # فإن قيل: كلمة " لولا " تفيد انتفاء الشيء لوجود غيره، فهذا يقتضي أن ~~انتفاء الخسران من لوازم حصول فضل الله تعالى بحيث حصل ~~الخسران وجب أن يحصل هناك لطف الله تعالى. # وهذا يقتضي أن الله تعالى لم يفعل بالكافر شيئا من ms0422 الألطاف ~~الدينية، وذلك خلاف قوله المعتزلة. # أجاب الكعبي بأنه تعالى سوى بين الكل في الفضل، لكن بعضهم انتفع ~~دون بعض، فصح أن يقال ذلك كما يقول القائل لرجل وقد سوى بين أولاده في ~~العطية فانتفع بعضهم لولا أن أباك [فضلك] لكنت فقيرا، هذا ضعيف؛ لأن ~~أهل اللغة نصوا على أن " لولا " تفيد انتفاء الشيء لثبوت غيره، وإذا ثبت ~~هذا فكلام الكعبي ساقط. ### || [2.65-66] # لما عدد وجوه إنعامه عليهم شرح [إليهم] ما وجه إليهم من التشديدات. # و " اللام " في [لقد] جواب قسم محذوف تقديره: والله لقد، وكذلك ~~نظائرها. # قال بعض المتأخرين لها نحو أربعين معنى قال: وجميع أقسام " اللام " التي ~~هي حرف معنى يرجع عند التحقيق إلى قسمين: عاملة، وغير عاملة. # فالعاملة قسمان: جارة، وجازمة، وزاد الكوفيون الناصبة للفعل. # وغير العاملة خمسة أقسام: لام ابتداء، ولام فارقة، ولام الجواب، ولام ~~موطئة، ولام التعريف عند من جعل حرف التعريف أحاديا. # أما الجارة فلها ثلاثون قسما مذكورة في كتب النحو. # وأما الجازمة فلام الأمر، والدعاء والالتماس. وحركة هذه اللام ~~الكسر. # ونقل ابن مالك عن الفراء أن فتحها لغة، ويجوز إسكانها بعد الواو ~~والفاء، وهو الأكثر. # وفي حذف لام الطلب وإبقاء عملها أقوال: # وأما اللام [هنا فهي لام " كي " ] عند الكوفيين، وعند البصريين لام ~~جر. # ولام الجحود نحو: ما كان زيد ليذهب، ولام الصيرورة، وتسمى لام ~~التعاقب، ولام المآل واللام الزائدة كقوله: # يريد الله ليبين لكم # [النساء:26] واللام بمعنى الفاء كقوله: # ربنا ليضلوا عن سبيلك # [يونس:88] أي: فيضلوا. والكلام على هذه اللامات ليس هذا موضعه، وإنما ~~نبهنا عليه، فيطلب من مكانه. # و " قد " حرف تحقيق وتوقع، وتفيد في المضارع التقليل إلا في أفعال ~~الله تعالى فإنها للتحقيق، وقد تخرج المضارع إلى المضي كقوله: ~~[البسيط] # 563 قد أترك القرن مصفرا أنامله # كأن أثوابه مجت بفرصاد # وهي أداة مختصة بالفعل، وتدخل على الماضي والمضارع، وتحدث في الماضي ~~التقريب من الحال. # وفي عبارة بعضهم: " قد " حرف يصحب الأفعال، ويقرب الماضي من الحال، ~~ويحدث تقليلا في الاستقبال. # والحاصل ms0423 أنها تفيد مع الماضي أحد ثلاثة معان: التوقع، التقريب، ~~والتحقيق، ومع المضارع أحد أربعة معان: التوقع، والتقليل، والتكثير، ~~والتحقيق. قال ابن مالك: " والدالة على التقليل تصرف المضارع " ، وكذلك ~~الدالة على التكثير. وأما الدالة على التحقيق، فقد تصرفه إلى المضي، ~~ولا يلزم فيها ذلك، وهي مع الفعل كجزء منه، فلا يفصل بينهما بغير القسم؛ ~~كقوله: [الطويل] # 564 أخالد قد والله - أوطأت عشوة # وما العاشق المظلوم فينا بسارق # وإذا دخلت على الماضي، فيشترط أن يكون متصرفا، وإذا دخلت على المضارع، ~~فيشترط تجرده من جازم وناصب، وحرف تنفيس، وتكون اسما بمعنى " حسب "؛ ~~نحو: " قدني درهم " ، أي: حسبي، وتتصل بها نون الوقاية مع ياء ~~المتكلم غالبا، وقد جمع الشاعر بين الأمرين، قال: [الرجز] # 565 قدني من نصر الخبيبين قدي # والياء المتصلة ب " قدني " في موضع نصب إن كان " قدني " اسم فعل، ~~وفي موضع جر إن كانت بمعنى " حسب ". # والياء في " قدي " تحتمل أن تكون بمعنى " حسبي " ، ولم يأت بنون الوقاية ~~على أحد الوجهين، وتحتمل أن تكون اسم فعل، وحذفت النون للضرورة، وتحتمل ~~أن تكون اسم فعل، والياء للإطلاق. # وإن كانت حرفا جاز حذف الفعل بعدها، كقوله: [الكامل] # 566 أزف الترحل غير أن ركابنا # لما تزل برحالنا وكأن قد # أي: قد زالت. # وللقسم وجوابه أحكام تأتي إن شاء الله تعالى [مفصلة]. # و " علمتم " بمعنى: عرفتم، فيتعدى لواحد فقط. # والفرق بين العلم والمعرفة أن العلم يستدعي معرفة الذات، وما هي ~~عليه من الأحوال نحو: " علمت زيدا قائما أو ضاحكا " ، والمعرفة ~~تستدعي معرفة الذات. # وقيل: لأن المعرفة يسبقها جهل، والعلم قد لا يسبقه جهل، ولذلك لا يجوز ~~إطلاق المعرفة عليه سبحانه وتعالى. # و " الذين اعتدوا " الموصول وصلته في محصل نصب مفعول به، ولا ~~حاجة إلى حذف مضاف كما قدره بعضهم، أي: أحكام الذين اعتدوا؛ لأن المعنى ~~عرفتم أشخاصهم وأعيانهم. # وأصل " اعتدوا ": " اعتديوا " ، فأعل بالحذف، ووزنه " ~~افتعوا " ، وقد عرف تصريفه ومعناه. # و " منكم " في محل نصب على الحال من الضمير في " اعتدوا " ، ويجوز أن ~~يكون من " الذين ". أي ms0424 من المعتدين كائنين منكم. # و " من " للتبعيض. # و " في السبت " متعلق ب " اعتدوا " ، والمعنى: في حكم السبت. # وقال أبو البقاء: وقد قالوا: " اليوم السبت " ، فجعلوا " اليوم " ~~خبرا عن " السبت " ، كما يقال: " اليوم القتال " ، فعلى ما ذكرنا يكون ~~في الكلام حذف، تقديره: في يوم السبت، فالسبت في الأصل مصدر " سبت ~~" أي: قطع العمل. # وقال ابن عطية: والسبت: إما مأخوذ من " السبوت " الذي هو الراحة ~~والدعة، وإما من " السبت " وهو القطع؛ لأن الأشياء فيه سبتت، ~~وتمت خلقتها. # ومنه قولهم: سبت رأسه أي: حلقه. # وقال الزمخشري: " والسبت مصدر [سبتت] اليهود: إذا عظمت يوم السبت ". ~~وفيه نظر، فإن هذا اللفظ موجود، واشتقاقه مذكور في لسان العرب قبل فعل ~~اليهود ذلك، اللهم إلا [أن] يريد هذا السبت الخاص المذكور في هذه ~~الآية. # والأصل فيه المصدر كما ذكرت، ثم سمي به هذا اليوم من الأسبوع، لاتفاق ~~وقوعه فيه كما تقدم أن خلق الأشياء تم وانقطع، وقد يقال: يوم السبت ~~فيكون مصدرا. # وإذا ذكر معه " اليوم " ، أو مع ما أشبهه من أسماء الأزمنة مما يتضمن ~~عملا وحدثا جاز نصب " اليوم " ، ورفعه، نحو: " اليوم الجمعة " ، " ~~اليوم العيد " كما يقال: " اليوم الاجتماع والعود ". # فإن ذكر مع " الأحد " وأخواته وجب الرفع على المشهور، وتحقيقها مذكور في ~~[كتب] النحو. # فصل في قصة عدوانهم بالصيد # روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه قال: هؤلاء القوم كانوا في ~~زمان داود عليه الصلاة والسلام ب " أيلة " على ساحل البحر بين " ~~المدينة " و " الشام " وهو مكان يجتمع إليه الحيتان من كل أرض في شهر من ~~السنة حتى لا يرى الماء لكثرتها، وفي غير ذلك الشهر في كل سبت يجتمعون ~~هناك حتى يخرجن بخراطيمهن من الماء لأمنها، فإذا مضى السبت تفرقن، ~~ولزمن قعر البحر فذلك قوله: # إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا ~~يسبتون لا تأتيهم # [الأعراف: 163] فعمد رجال فحفروا حياضا عند البحر، وشرعوا إليها ~~الجداول، فإذا كانت عشية يوم الجمعة فتحوا تلك الجداول، فكانت ~~الحيتان تدخل إلى الحياض، فلا تطيق الخروج منها ms0425 لبعد عمقها، وقلة ~~الماء، فيأخذونها يوم الأحد. # وقيل: كانوا ينصبون الحبائل والشصوص يوم الجمعة، ويخرجونها يوم ~~الأحد، وذلك هو اعتداؤهم، ففعلوا ذلك زمانا واشتغلوا وهم خائفون من ~~العقوبة، فلما طال العهد، ولم تنزل عقوبة قست قلوبهم [وتجرءوا] على ~~الذنب فاستن الأبناء بسنة الآباء، واتخذوا الأموال، وقالوا: ما ~~نرى السبت إلا وقد أحل لنا، فمشى إليهم طوائف من أهل المدينة الذين ~~كرهوا الصيد في السبت، ونهوهم عن ذلك فلم ينتهوا، وقالوا: نحن في هذا ~~العمل منذ زمان، فما زادنا الله به إلا عزا فقيل لهم: لا تفتروا فربما ~~نزل بكم العذاب، فانقسموا ثلاثة أصناف: صنف أمسك وانتهى، وصنف ما ~~أمسك ولم ينته، وصنف انتهكوا الحرمة فلما أبوا قبول النصح قال ~~الناهون: والله لا ننساكم فقسموا القرية بجدار، ومكثوا على ذلك سنين، ~~فلعنهم داود عليه الصلاة والسلام وغضب الله عز وجل عليهم لإصرارهم ~~على المعصية، فخرج الناهون ذات يوم من بابهم، والمجرمون لم يفتحوا ~~بابهم، ولم يخرج منهم أحد فلما أبطئوا تسوروا عليهم الحائط، فإذا هم ~~جميعا قردة خاسئين. # فإن قيل: إذا كانوا قد نهوا عن الاصطياد يوم السبت، فما الحكمة في ~~أن أكثر الحيتان يوم السبت دون سائر الأيام؟ # فالجواب: أما على مذهب أهل السنة فإرادة الإضلال جائزة من الله تعالى. # وأما على مذهب المعتزلة، فالتشديد في التكاليف حسن لغرض ازدياد الثواب. # و " قردة خاسئين " يجوز فيه أربعة أوجه: # أحدها: أن يكونا خبرين، قال الزمخشري: " أي: كونوا جامعين بين ~~القردية والخسوء ". # وهذا التقدير منه بناء على أن الخبر لا يتعدد، فلذلك قدرهما بمعنى خبر ~~واحد من باب: " هذا حلو حامض " وقد تقدم القول فيه. # والثاني: أن يكون " خاسئين " نعتا ل " قردة " قاله أبو البقاء. وفيه ~~نظر من حيث إن القردة غير عقلاء، وهذا جمع العقلاء. # فإن قيل: المخاطبون عقلاء؟ فالجواب: أن ذلك لا يفيد؛ لأن التقدير عندكم ~~حينئذ: كونوا مثل قردة من صفتهم الخسوء، ولا تعلق للمخاطبين بذلك، إلا ~~أنه يمكن أن يقال: إنهم مشبهون بالعقلاء كقوله: # لي ساجدين # [يوسف:4] و ms0426 # أتينا طآئعين # [فصلت:11]. # والثالث: أن يكون حالا من اسم " كونوا " ، والعامل فيه " كونوا " ، ~~وهذا عند من يجيز ل " كان " أن تعمل في الظروف [والأحوال] وفيه خلاف ~~سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى عند قوله: # أكان للناس عجبا # [يونس:2]. # الرابع: وهو الأجود أن يكون حالا من الضمير المستكن في " قردة "؛ ~~لأنه في معنى المشتق أي: كونوا ممسوخين في هذه الحال. # وجمع " فعل " على " فعلة " قليل لا ينقاس. # ومادة " القرد " تدل على اللصوق والسكون، تقول: قرد بمكان كذا: أي: ~~لصق به وسكن، ومنه: الصوف " القرد " أي: المتداخل، ومنه أيضا: " ~~القراد " هذا الحيوان المعروف ويقال: " خسأته فخسا، فالمتعدي ~~والقاصر سواء نحو: زاد وغاض وقيل: خسأته فخسىء وانسخا، والمصدر " الخسوء ~~" و " الخسء ". # وقال الكسائي: " خسأت الرجل خسأ، وخسأ هو خسوءا " ، ففرق بين المصدرين. # والخسوء: الذلة والصغار والطرد والبعد، ومنه: خسأت الكلب قال مجاهد ~~وقتادة والربيع: وهي لغة " كنانة ". # وقال أبو روق: يعني خرسا لقوله تعالى: # اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون:108] والمراد من هذا الأمر سرعة التكوين لا نفس الأمر. روي عن ~~مجاهد رضي الله عنه أن الله تعالى مسخ قلوبهم يعني: بالطبع ~~والختم، إلا أنه مسخ صورهم لقوله # كمثل الحمار يحمل أسفارا # [الجمعة:5] وهذا مجاز ظاهر [مشهور]. # فصل في المقصود من ذكر هذه القصة # والمقصود من ذكر هذه القصة أمران: # الأول: إظهار معجزة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لأنه كالخطاب ~~لليهود الذي كانوا في زمانه، فلما أخبرهم عليه الصلاة والسلام عن ~~هذه الواقعة مع أنه كان أميا لم يقرأ ولم يكتب، ولم يخالط القوم دل ~~على أنه إنما عرفه بالوحي. # والثاني: أنه تعالى لما أخبرهم بما عاجل به أصحاب السبت، فكأنه ~~يقول لهم: لا تتمردوا ولا تغتروا بالإمهال، فينزل بكم ما نزل بهم، ونظيره ~~قوله تعالى # يأيهآ الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا ~~مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها ~~فنردها على أدبارهآ # [النساء:47] الآية. # فإن قيل: إنهم بعد أن صاروا قردة لا يبقى لهم فهم، ولا عقل، ولا ~~علم، فلا يعلمون ms0427 ما نزل بهم من العذاب، ووجود القردية غير مؤلم. # فالجواب: لم لا يجوز أن يقال: إن الذي كان إنسانا عاقلا فاهما كان ~~ثابتا لم يتغير، وإنما تغيرت الصورة فلم يقدر على النطق والأفعال ~~الإنسانية، لكنها كانت تعرف ما نالها من تغير الخلقة بسبب المعصية، ~~فكانت في نهاية الخوف والخجل، وربما كانت متألمة بسبب تغير تلك ~~الأعضاء؟. # فإن قيل: أولئك القردة بقوا أو هلكوا، فإن بقوا فالقردة الموجودون في ~~زماننا هل يجوز أن يكونوا من نسلهم أم لا؟ # فالجواب: الكل جائز، إلا أن الرواية عن ابن عباس أنهم مكثوا ثلاثة ~~أيام، ثم هلكوا ولم يأكلوا ولم يشربوا، ولم ينسلوا. # قال ابن عطية: وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # " إن الممسوخ لا ينسل، ولا يأكل، ولا يشرب، ولا يعيش أكثر ~~من ثلاثة أيام " # قاله القرطبي. وهذا هو الصحيح. # واحتج ابن العربي وغيره على أن الممسوخ يعيش، وينسل، لقوله ~~عليه الصلاة والسلام: # " إن امة من بني إسرائيل لا يدرى ما فعلت ولا أراها إلا ~~الفأر ألا ترونها إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشربه وإذا ~~وضع لها ألبان الشاة تشربها ". # ويقول جابر رضي الله عنه: # " أتي النبي صلى الله عليه وسلم بضب فأبى أن يأكل منه وقال: ~~" لا أدرى لعله من القرون التي مسحت ". # وروى البخاري عن عمر بن ميمن أنه قال: " رأيت في الجاهلية قردة قد ~~زنت فرجموها فرجمتها معهم ". # قال ابن العربي: فإن قيل: كيف تعرف البهائم الشرائع حتى ورثوها ~~خلفا عن خلف إلى زمان عمر؟ # قلنا: نعم! كان ذلك؛ لأن اليهود غيروا الرجم، فأراد الله أن يقيمه ~~في مسوخهم حتى يكون أبلغ في قيام الحجة على ما أنكروا وغيروه، حتى ~~تشهد عليهم كتبهم، وأخبارهم، ومسوخهم، حتى يعلموا أن الله يعلم ما ~~يسرون وما يعلنون. # قال القرطبي: ولا حجة في شيء من ذلك، أما حديث الفأر والضب فكان ~~هذا حدسا منه صلى الله عليه وسلم قبل أن يوحى إليه أن الممسوخ لا ~~يعيش ولا ينسل. # وأما حديث القردة ms0428 ففي بعض الروايات لم يذكروا فيها أنها زنت إنما ذكر ~~الرجم فقط، وإنما أخرجه البخاري دلالة على أن [عمر بن ميمون أدرك ~~الجاهلية، ولم يبال بظنه الذي ظنه في الجاهلية، وذكر ابن عبد البر أن] ~~عمرو بن ميمون من كبار التابعين من الكوفيين، هو الذي رأى الرجم في ~~الجاهلية من القردة. # " فجعلناها " فعل وفاعل ومفعول. # " نكالا " مفعول ثان ل " جعل " التي بمعنى " صير " ، والأول هو ~~الضمير، وفيه أقوال: أحدها: يعود على المسخة. # وقيل: على القرية، لأن الكلام يقتضيها كقوله: # فأثرن به نقعا # [العاديات:4] أي: بالمكان. # وقيل: على العقوبة. # وقيل: على الأمة. # " النكال ": المنع، ومنه: النكل، والنكل: اسم للقيد من الحديد، ~~واللجام؛ لأنه يمنع به، وسمي العقاب نكالا؛ لأنه يمنع به غير ~~المعاقب أن يفعل فعله، ويمنع المعاقب أن يعود إلى فعله الأول. # و " التنكيل ": إصابة الغير بالنكال ليردع غيره، ونكل عن كذا ~~ينكل نكولا: امتنع، وفي الحديث: # " إن الله يحب الرجل النكل " # أي: القوي على الغرس. # " والمنكل ": ما ينكل به الإنسان، قال: [الرجز] # 567 فارم على أقفائهم بمنكل # والمعنى: أنا جعلنا ما جرى على هؤلاء عقوبة رادعة لغيرهم. # والضمير في " يديها " و " خلفها " كالضمير في " جعلناها ". # قال ابن الخطيب: لما قبلها وما معها وما بعدها من الأمم والقرون، لأن ~~مسخهم ذكر في كتب الأولين، فاعتبروا بها، " ما يحضرها من [القرون] ~~والأمم. وما خلفها من بعدهم. # وقال الحسن: عقوبة لجميع ما ارتكبوه من هذا الفعل، وما بعده. # و " موعظة " عطف على " نكالا " وهي " مفعلة " ، من الوعظ ~~وهو التخويف. # وقال الخليل: " التذكير بالخير فيما يرق له القلب ". # والاسم: " العظة " ك " العدة " و " الزنة " و " للمتقين " ~~متعلق ب " موعظة " ، واللام للعلة، وخص المتقين بالذكر وإن كانت ~~موعظة لجميع العالم البر والفاجر؛ لأن المنتفع بها هم المتقون دون ~~غيرهم، ويجوز أن تكون اللام [مقوية]؛ لأن " موعظة " فرع على الفعل في ~~العمل فهو نظير # فعال لما يريد # [البروج:16] فلا تعلق لها لزيادتها، ويجوز أن تكون متعلقة بمحذوف؛ ~~لأنها صفة ل " موعظة ". # أي: موعظة كائنة للمتقين، ms0429 أي: يعظ المتقون بعضهم بعضا. ### || [2.67-73] # في مناسبة هذه القصة لما قبلها ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه تعالى لما عدد النعم المتقدمة على بني إسرائيل كإنزال ~~المن والسلوى، ورفع الطور، وغير ذلك ذكر بعده هذه النعم التي ~~بها بين البريء من غيره وذلك من أعظم النعم. # الثاني: أنه تعالى لما حكى عنهم التشديدات والتعنت كقوله: # أرنا الله جهرة # [النساء:153] وقولهم: # لن نصبر على طعام واحد # [البقرة:61]، وغير ذلك من التعنت ذكر بعده تعنتا آخر، وهو تعنتهم في ~~صفة البقرة. # الثالث: ذكرها معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر بهذه ~~القصة من غير تعلم وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب. # هذه الآية متأخرة في المعنى دون التلاوة عن قوله: # وإذ قتلتم نفسا # [البقرة:72] وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. # والجمهور على ضم الراء في " يأمركم "؛ لأنه مضارع معرب مجرد عن ~~ناصب وجازم، وروي عن أبي عمرو سكونها سكونا محضا، واختلاس الحركة، وذلك ~~لتوالي الحركات، لأن الراء حرف تكرير، فكأنها حرفان، وحركتها حركتان. # وقيل: شبهها ب " عضد " فسكن أوسطه إجراء للمنفصل مجرى المتصل، ~~وهذا كما تقدم في قراءة # بارئكم # [البقرة:54] وقد تقدم ذكر من استضعفها من النحاة، وتقدم ذكر الأجوبة ~~عنه. # ويجوز إبدال همزة " يأمركم " ألفا، وهذا مطرد. # و " يأمركم " هذه الجملة في محل رفع خبر ل " إن " ، و " إن " وما في ~~حيزها في محل نصب مفعولا بالقول، والقول وما في حيزه في محل جر ~~بإضافة الظرف إليه، والظرف معمول لفعل محذوف أي: اذكر. # قوله: { أن تذبحوا بقرة } أن وما حيزها مفعول ثان ل " ~~يأمركم " ، فموضعها يجوز أن يكون نصبا، وأن يكون جرا على ما مضى من ~~الخلاف، لأن الأصل على إسقاط حرف الجر أي بأن تذبحوا، يجوز أن يوافق ~~الخليل هنا على أن موضعها نصب؛ لأن هذا الفعل يجوز حذف الباء معه، ولو لم ~~تكن الباء في " أن " نحو: " أمرتك الخير ". # و " البقرة " واحدة البقر، تقع على الذكر والأنثى نحو: " حمامة " ، ~~والصفة تميز الذكر من الأنثى، تقول: بقرة ذكر، وبقرة ms0430 أنثى. # وقيل: بقرة اسم للأنثى خاصة من هذا الجنس مقابل الثور، نحو: ناقة ~~وجمل، وأتان وحمار. # وسمي هذا الجنس بذلك، لأنه يبقر الأرض، أي: يشقها بالحرث، ومنه: ~~بقر بطنه، والباقر أبو جعفر، لشقه العلم، والجمع " بقر وباقر ~~وبيقور وبقير ". # و " البقيرة ": ثوب يشق فتلقيه المرأة في عنقها من غير كمين. # فصل في قصة القتيل # روي عن ابن عباس وسائر المفسرين: أن رجلا من بني إسرائيل قتل قريبا له ~~ليرثه، وقيل: لينكح زوجته، وقيل: إن ابن أخيه قتله ليتزوج ابنته، وكان ~~امتنع من تزويجها له، فقتله ثم رماه في مجمع الطريق، ثم شكا ذلك إلى موسى ~~ عليه الصلاة والسلام فاجتهد موسى في أن يعرف القاتل، فلما لم يظهر ~~قالوا: قل لربك " بينه " فأوحى الله إليه أن يأمرهم بأن يذبحوا بقرة ~~[فعجبوا] من ذلك، ثم شددوا على أنفسهم بالاستفهام حالا بعد حال، ~~واستقصوا في طلب الوصف، فلما تعينت لم يجدوها بذلك النعت إلا عند ~~إنسان معين ولم يبعها إلا بأضعاف ثمنها فاشتروها وذبحوها، وأمرهم موسى ~~ عليه الصلاة والسلام أن يأخذوا عضوا منها، فيضربوا به القتيل، ~~ففعلوا فأحيا الله القتيل، وسمى لهم قاتلهم، وهو الذي ابتدأ بالشكاية ~~فقتلوه [فورا]. # قوله: " أتتخذنا هزوا " المفعول الثاني ل " أتتخذنا " هو " ~~هزوا " ، وفي وقوع " هزوا " مفعولا ثانيا ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه على حذف مضاف، أي: ذوي هزء. # الثاني: أنه مصدر واقع موقع المفعول به، أي مهزوءا بنا. # الثالث: أنهم جعلوا نفس الهزء مبالغة. وهذا أولى. # وقال الزمخشري: وبدأ ب " أتجعلنا " مكان هزء، وهو قريب من ~~هذا. وفي " هزوا " ست قراءات، المشهور منها ثلاث: " هزؤا " بضمتين ~~مع الهمز، و " هزءا " بسكون الزاي مع الهمز وصلا، وهي قراءة حمزة ~~رحمه الله، فإذا وقف أبدلها واوا، وليس قياس تخفيفها، وإنما قياسه إلقاء ~~حركتها على الساكن قبلها. # وإنما اتبع رسم المصحف، فإنها رسمت فيه " واو " ، ولذلك لم يبدلها ~~في " جزءا " واوا وقفا لأنها لم ترسم فيه واوا كما سيأتي، وقراءته ~~أصلها الضم كقراءة الجماعة إلا أنه خفف كقولهم في عنق: عنق. ms0431 # وقيل: بل هي أصل بنفسها ليست مخففة من ضم. # حكى مكي عن الأخفش عن عيسى بن عمر: " كل اسم ثلاثي أوله مضموم يجوز فيه ~~لغتان: التخفيف والتثقيل ". # و " هزوا " بضمتين مع الواو وصلا ووقفا، وهي قراءة حفص عن عاصم، ~~كأنه أبدل الهمزة واوا تخفيفا، وهو قياس مطرد في كل همزة مفتوحة مضموم ~~ما قبلها نحو: جون في جؤن، وحكم [كفوا] في قوله: # ولم يكن له كفوا أحد # [الإخلاص:4] حكم " هزوا " في جميع ما تقدم قراءة وتوجيها. # و " هزا " بإلقاء حركة الهمزة على الزاي وحذفها، وهو أيضا قياس مطرد. # و " هزوا " بسكون العين مع الواو. و " هزا " بتشديد الزاي من غير ~~همزة، ويروى عن أبي جعفر [وتقدم معنى " الهزء " في أول سورة]. # وقال الثعلبي في تفسيره: قرىء: " هزؤا " و " كفؤا " مثقلات ~~ومهموزات، وهي قراءة أبي عمرو وأهل " الشام " و " الحجاز " واختار ~~الكسائي، وأبو عبيد، وأبو حاتم " هزوا " و " كفوا " مثقلات بغير ~~همز قال: وكلها لغات صحيحة فصيحة معناها: الاستهزاء. # فصل في الباعث على تعجبهم # القوم إنما قالوا ذلك؛ لأنهم لما طلبوا من موسى عليه الصلاة والسلام ~~ تعيين القاتل، فقال موسى عليه الصلاة والسلام: اذبحوا بقرة فلم ~~يفرقوا، وبين هذا الجواب وذلك السؤال مناسبة، فظنوا أنه عليه الصلاة ~~والسلام يداعبهم؛ لأنه من المحتمل أن يكون عليه الصلاة ~~والسلام أمرهم بذبح البقرة، ولم يعلمهم أنهم إذا ذبحوا البقرة، ~~وضربوا القتيل ببعضها يصير حيا، فلا جرم وقع هذا القول منهم موقع الهزء، ~~ويحتمل أنه عليه الصلاة والسلام بين لهم كيفية الحال إلا أنهم ~~تعجبوا من [أن] القتيل كيف يصير حيا بأن يضرب ببعض أجزاء البقرة، ~~وظنوا أن ذلك يجري مجرى الاستهزاء. # نقل القرطبي عن الماوردي قال: " وإنما أمروا والله أعلم بذبح ~~بقرة دون غيرها؛ لأنها من جنس ما عبدوه من العجل ليهون عندهم ما ~~كانوا يرونه من تعظيمه، وليعلم بإجابتهم ما كان في نفوسهم من عبادته ". # وهذا المعنى علة في ذبح البقرة، وليس بعلة في جواب السائل، ولكن ~~المعنى فيه أن يحيا القتيل بقتل ms0432 حي، فيكون أظهر لقدرته في اختراع ~~الأشياء من أضدادها. # فصل في بيان هل كفر قوم موسى بسؤالهم ذلك؟ # قال بعضهم: إن أولئك الأقوام كفروا بقولهم لموسى عليه الصلاة والسلام: ~~أتتخذنا هزوا، لأنهم إن قالوا لموسى ذلك لأنهم شكوا في قدرة الله ~~تعالى على إحياء الميت فهو كفر، وإن شكوا في ذلك أن الذي أمرهم به ~~موسى عليه الصلاة والسلام هل هو بأمر الله، فقد جوزوا الخيانة على ~~موسى عليه الصلاة والسلام في الوحي، وذلك أيضا كفر، ومن الناس ~~من [قال]: إنه لا يوجب الكفر لوجهين: # الأول: أن المداعبة على الأنبياء جائزة، فلعلهم ظنوا أنه عليه ~~الصلاة والسلام يداعبهم مداعبة حقه، وذلك لا يوجب الكفر. # والثاني: أن معنى قوله: " أتتخذنا هزوا " أي: ما أعجب هذا ~~الجواب، كأنك تستهزىء بنا لا أنهم حققوا على موسى الاستهزاء. # قوله: " أعوذ بالله " تقدم إعرابه في الاستعاذة. # وهذا جواب لاستفهامهم في المعنى، كأنه قال لا أهزأ مستعيذا بالله من ~~ذلك فإن الهازىء جاهل، فلم يستعذ موسى عليه الصلاة والسلام من ~~الشيء الذي نسبوه إليه، لكنه استعاذ من السبب الموجب له، كما يقول: ~~أعوذ بالله من عدم العقل؛ وغلبة الهوى، والحاصل أنه أطلق اسم ~~السبب على المسبب مجازا. # ويحتمل أن يكون المراد " أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين " بما ~~في الاستهزاء في أمر الدين من العقاب الشديد، والوعيد العظيم، فإني متى ~~علمت ذلك امتنع إقدامي على الاستهزاء. # وقال بعضهم: إن نفس الهزو قد يسمى جهلا وجهالة، فقد روي عن بعض أهل ~~اللغة أن الجهل ضد الحلم، كما قال بعضهم: إنه ضد العلم. # قوله: " أن أكون " أي من أن أكون، فيجيء فيه الخلاف المعروف. # و " من الجاهلين " خبرها، وهو أبلغ من قولك: أن أكون جاهلا. ~~فإن المعنى أن انتظم في سلك قوم اتصفوا بالجهل. # قوله: " قالوا: ادع لنا ربك يبين " ف " يبين " مجزوم ~~على جواب الأمر كقوله: # فادع لنا ربك يخرج لنا # [البقرة:61]. # قوله: " ما هي " ، " ما " استفهامية في محل رفع بالابتداء، تقديره: ~~أي شيء هي؟ وما [الاستفهامية] ms0433 يطلب بها شرح الاسم تارة، نحو: ما ~~العنقاء؟ وماهية المسمى أخرى، نحو: ما الحركة؟. # وقال السكاكي: " يسأل ب " ما " عن الجنس، تقول: ما عندك؟ أي: أي أجناس ~~الأشياء عندك؟ وجوابه " كتاب " ونحوه، أو عن الوصف، تقول: ما زيد؟ ~~وجوابه: " كريم " ، وهذا هو المراد في الآية. # و " هي " ضمير مرفوع منفصل في محل رفع خبرا ل " ما " والجملة في محل ~~نصب ب " يبين "؛ لأنه معلق عن الجملة بعده، وجاز ذلك، لأنه شبيه ~~بأفعال القلوب. # قوله: " لا فارض ولا بكر " لا " نافية " ، و " فارض " صفة ل " ~~بقرة ". # واعترض ب " لا " بين الصفة والموصوف، نحو: " مررت برجل لا طويل ولا ~~قصير ". # وأجاز أبو البقاء: أن يكون خبر المبتدأ محذوف، أي: لا هي فارض. # وقوله: " ولا بكر " مثل ما تقدم. # وتكررت " لا " لأنها متى وقعت قبل خبر، أو نعت، أو حال وجب تكريرها ~~تقول: " زيد لا قائم ولا قاعد " ، و " مررت به لا ضحاكا ولا باكيا ". # ولا يجوز عدم التكرار إلا في ضرورة خلافا للمبرد وابن كيسان؛ فمن ~~ذلك: [الطويل] # 568 وأنت امرؤ منا خلقت لغيرنا # حياتك لا نفع وموتك فاجع # وقوله: [الطويل] # 569 قهرت العدا لا مستعينا بعصبة # ولكن بأنواع الخدائع والمكر # فلم يكررها في الخبر، ولا في الحال. # و " الفارض ": المسنة الهرمة، قال الزمخشري: كأنها سميت بذلك؛ ~~لأنها فرضت سنها، أي: قطعتها وبلغت آخرها؛ قال: [الطويل] # 570 لعمري لقد أعطيت ضيفك فارضا # تساق إليه ما تقوم على رجل # ويقال لكل ما قدم: فارض؛ قال [الرجز] # 571 شيب أصداعي فرأسي أبيض # محامل فيها رجال فرض # أي: كبار قدماء. # وقال آخر: [الرجز] # 572 يا رب ذي ضغن علي فارض # له قروء كقروء الحائض # وقال الراغب: سميت فارضا؛ لأنها تقطعه الأرض، والفرض في الأصل ~~القطع، وقيل: لأنها تحمل الأعمال الشاقة. # وقيل: لأن فريضة البقر تبيع ومسنة، قال: فعلى هذا تكون الفارض ~~اسما إسلاميا. # وقيل: " الفارض ": التي ولدت بطونا كثيرة فيتسع جوفها لذلك؛ لأن ~~معنى الفارض في اللغة الواسع، نقله القرطبي عن بعض المتأخرين. ويقال: ~~فرضت ms0434 تفرض بالفتح فروضا. # وقيل: فرضت بالضم أيضا. # وقال المفضل بن سلمة: الفارض: المسنة. و " البكر ": ما لم ~~تحمل. # وقيل: ما ولدت بطنا واحدا، وذلك الولد بكر أيضا. قال: الرجز] # 573 يا بكر بكرين ويا خلب الكبد # أصبحت مني كذراع من عضد # و " البكر " من الحيوان: من لم يطرقه فحل، و " البكر " بالفتح ~~الفتي من الإبل، والبكارة بالفتح المصدر. # وقال المفضل بن سلمة: البكر: الشابة. # قال القفال - رحمه الله تعالى : اشتقاق البكر يدل على الأول، ومنه ~~الباكورة لأول الثمرة، ومنه: بكرة النهار، ويقال: بكرت عليه البارحة، ~~إذا جاء في أول الليل. # والأظهر أنها هي التي لم تلد؛ لأن المعروف من اسم البكر من إناث بني ~~آدم: ما لم ينز عليها الفحل. # قوله: عوان صفة ل " بقرة " ، ويجوز أن يكون خبر المبتدأ محذوف أي: ~~هي عوان كما تقدم في { لا فارض } [البقرة:68] والعوان: النصف، ~~وهو التوسط بين الشيئين، وذلك أقوى ما يكون وأحسنه؛ قال: [الوافر] # 574.................. # نواعم بين أبكار وعون # وقال الشاعر يصف فرسا: [الطويل] # 575 كميت بهيم اللون ليس بفارض # ولا بعوان ذات لون مخصف # " فرس أخصف " إذا ارتفع البلق من بطنه إلى جنبه، ويقال للنخلة ~~الطويلة: عوان، وهي فيما زعموا لغة عانية، حكاه القرطبي. # وقيل: هي التي ولدت مرة بعد أخرى منه " الحرب العوان " أي التي جاءت بعد ~~حرب أخرى؛ قال زهير: [الطويل] # 576 إذا لحقت حرب عوان مضرة # ضروس تهر الناس أنيابها عصل # والعون بسكون الواو الجمع، وقد بضم ضرورة كقوله: [السريع] # 577....................... # .... في الأكف اللامعات سور # بضم الواو. ونظيره في الصحيح " قذال وقذل " و " حمار وحمر ". # قوله: " بين ذلك " صفة ل " عوان " [فهي] في محل رفع، ويتعلق بمحذوف، ~~أي: كائن بين ذلك، و " بين " إنما تضاف لشيئين فصاعدا، وجاز أن تضاف ~~هنا إلى مفرد؛ لأنه يشار به إلى المثنى والمجموع؛ كقوله: [الرمل] # 578 إن للخير وللشر مدى # وكلا ذلك وجه وقبل # كأنه قيل: بين ما ذكر من الفارض والبكر. # قال الزمخشري: # فإن قلت: كيف جاز أن يشار به إلى مؤنثين، ms0435 وإنما هو لإشارة المذكر؟ # قلت: لأنه في تأويل ما ذكر وما تقدم، وقال: وقد يجرى الضمير مجرى اسم ~~الإشارة في هذا، قال أبو عبيدة: قلت لرؤبة في قوله: [الرجز] # 579 فيها خطوط من سواد وبلق # كأنه في الجلد توليع البهق # إن أردت الخطوط فقل: كأنها، وإن أردت السواد والبلق فقل: كأنهما، ~~فقال: أردت: ذاك وذلك. والذي حسن منه أن أسماء الإشارة تثنيتها، ~~وجمعها، وتأنيثها ليست على الحقيقة، وكذلك الموصولات، ولذلك جاء " الذي " ~~بمعنى الجمع واحتج بعض العلماء بقوله: " عوان بين ذلك " على ~~جواز الاجتهاد، واستعمال غلبة النص في الأحكام، إذ لا يعلم أنها بين ~~الفارض والبكر إلا من طريق الاجتهاد. # قوله: { ما تؤمرون } " ما " موصولة بمعنى " الذي " ، والعائد محذوف ~~تقديره: تؤمرون به، فحذفت الباء، وهو حذف مطرد، فاتصل الضمير فحذفت " ~~الهاء " ، وليس هو نظير: # كالذي خاضوا # [التوبة:69] فإن الحذف هناك غير مقيس. # ويضعف أن تكون " ما " نكرة موصوفة. # قال أبو البقاء: لأن المعنى على العموم، وهو ب " الذي " أشبه، ويجوز أن ~~تكون مصدرية أي: أمركم بمعنى مأموركم، تسمية للمفعول بالمصدر ك " ضرب ~~الأمير " قاله الزمخشري. # و " تؤمرون " مبني للمفعول، و " الواو " قائم مقام الفاعل، ولا محل ~~لهذه الجملة لوقوعها صلة. # فصل في الغاية من وصف البقرة # والمقصود كون البقرة في أكمل أحوالها، وذلك لأن الصغيرة تكون ناقصة؛ ~~لأنها لم تصل إلى حالة الكمال، والمسنة صارت ناقصة؛ لتجاوزها حد ~~الكمال، والمتوسط هو الذي يكون في حال الكمال. قاله الثعلبي. # قوله: { ما لونها } كقوله: " ما هي ". # وقرأ الضحاك: " لونها " بالنصب. # وقال أبو البقاء: لو قرىء: " لونها " بالنصب لكان له وجه، وهو أن ~~تكون " ما " زائدة كهي في قوله # أيما الأجلين قضيت # [القصص:28] ويكون التقدير: يبين لنا لونها وهذا تجديد للأمر، وتأكيد ~~وتنبيه على ترك التعنت، وهذا يدل على أن الأمر يقتضي الوجوب، ويدل على ~~أن الأمر على الفور؛ لأنه تعالى ذمهم على التأخير بقوله: # فذبحوها وما كادوا يفعلون # [البقرة:71]. # واستدل بعضهم على أن الأمر على التراخي؛ لأنه تعالى لم يعنفهم على ~~التأخير ms0436 والمراجعة في الخطاب، قاله القرطبي عن ابن خويزمنداد. # قال الثعلبي: وقرأ الضحاك: " لونها " بالنصب. # وأما " ما هي " فابتداء وخبر لا غير، إذ لا يمكن جعل " ما " زائدة؛ ~~لأن " هي " لا يصح أن يكون مفعول " يبين " يعني: أنها بصيغة الرفع، وهذا ~~ليس من مواضع زيادة " ما " فلا حاجة إلى هذا. # واللون عبارة عن الحمرة والسواد ونحوهما، واللون أيضا - ~~النوع، وهو الدقل نوع من النخل. # قال الأخفش: " هو جماعة واحدها لينة " وفلان يتلون، أي: لا ~~يثبت على حال؛ قال الشاعر: [الرمل] # 580 كل يوم تتلون # غير هذا بك أجمل # و " صفراء فاقع لونها " يجوز أن يكون " فاقع " صفة، و " ~~لونها " فاعل به، وأن يكون خبرا مقدما و " لونها " مبتدأ مؤخر، والجملة ~~صفة ذكرهما أبو البقاء. # وفي الوجه الأول نظر، وذلك أن بعضهم ذكر أن هذه التوابع للألوان لا تعمل ~~عمل الأفعال. # فإن قيل: يكون العمل ل " صفراء " لا ل " فاقع " كما تقول: " مررت برجل ~~أبيض ناصع لونه " ف " لونه " مرفوع ب " أبيض " لا ب " ناصع ". # فالجواب: أن ذلك هاهنا ممنوع من جهة أخرى، وهو أن " صفراء " مؤنث ~~اللفظ، ولو كان رافعا ل " لونها " لقيل: أصفر لونها، كما تقول: مررت ~~بامرأة أصفر لونها، ولا يجوز: صفراء لونها؛ لأن الصفة كالفعل، إلا أن ~~يقال: إنه لما أضيف إلى مؤنث اكتسب منه التأنيث، فعومل معاملته كما ~~سيأتي. # ويجوز أن يكون " لونها " مبتدأ و " تسر " خبره، وإنما أنث الفعل ~~لاكتسابه بالإضافة معنى التأنيث؛ كقوله: [الطويل] # 581 مشين كما اهتزت رماح تسفهت # أعاليها مر الرياح النواسم # وقول الآخر: [الطويل] # 582 وتشرق [بالقول] الذي قد أذعته # كما شرقت صدر القناة من الدم # أنث فعل المر والصدر لما أضيفا لمؤنث، وقرىء: # يلتقطه بعض السيارة # [يوسف:10]. # وقيل: لأن المراد باللون هنا الصفرة، وهي مؤنثة، فحمل على المعنى ~~في ذلك، ويقال: أصفر فاقع، وأبيض ناصع، ويقق ولهق ولهاق، وأخضر ~~ناضر، وأحمر قانىء، وأسود حالك وحائك وحلكوك، ودجوجي ~~وغربيب، وبهيم. # وقيل: " البهيم الخالص من كل لون ". # وبهذا يظهر أن " صفراء " على بابها ms0437 من اللون المعروف لا سوداء كما ~~قاله بعضهم: فإن الفقوع من صفة الأصفر خاصة، وأيضا فإنه مجاز بعيد، ~~ولا يستعمل ذلك إلا في الإبل لقرب سوادها من الصفرة، كقوله تعالى: # كأنه جمالة صفر # [المرسلات:33] وقال [الخفيف] # 583 تلك خيلي منه وتلك ركابي # هن صفر أولادها كالزبيب # فإن قيل: هلا قيل: صفراء فاقعة؟ وأي فائدة في ذلك اللون؟ # فالجواب: فائدته التأكيد؛ لأن اللون اسم للهيئة، وهي الصفرة، فكأنه ~~قال: شديدة الصفرة صفرتها فهو من قولك: جد جده. # وعن وهب: إذا نظرت إليها خيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها، ~~فمعنى قوله: " تسر الناظرين " أي: يعجبهم حسنها وصفاء لونها، ~~لأن العين تسر بالنظر إلى الشيء الحسن. # قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: من لبس نعلا صفراء قل همه؛ لأن ~~الله تعالى يقول: { صفرآء فاقع لونها تسر الناظرين ~~}. # قال الكسائي؛ يقال: فقع لونها يفقع فقوعا، إذا خلصت صفرته، ~~والإفقاع: سوء الحال، وفواقع الدهر: بوائقه، وفقع بأصابعه: ~~إذا صوت، ومنه حديث أبن عباس: " نهى عن التفقيع في الصلاة " ، وهي ~~الفرقعة، هي غمز الأصابع حتى تنقض، قاله القرطبي. # واختلفوا هل كانت جميعها صفراء حتى قرونها وأظلافها، أو الصفرة ~~المعتادة؟ قولان. وفي قوله: " فاقع " لطيفة، وهي أنه وصفها باسم الفاعل ~~الذي هو نعت للدوام والاستمرار. يعني: في الماضي والمستقبل. # وفي قوله: " تسر " لطيفة، وهي أنه أتى بصيغة المضارع وهو يقتضي ~~التجدد والحدوث، بخلاف الماضي. # وفي قوله: " الناظرين " آية لطيفة، وهي أنه أتى بصيغة الجمع المحلى ~~بالألف واللام، ليعم كل ناظر منفردين ومجتمعين. # وقيل: المراد بالنظر نظر البصر للمرء والمرأة أو المراد به النظر بعين ~~اليقين، وهو التفكر في المخلوقات. # قوله: { تسر الناظرين } جملة في محل رفع صفة ل " بقرة " ~~أيضا، وقد تقدم أنه يجوز أن تكون خبرا عن " لونها " بالتأويلين ~~المذكورين. # و " السرور " لذة في القلب عند حصول نفع أو توقعه، ومنه [السرير] الذي ~~يجلس عليه إذا كان لأولي النعمة، وسرير الميت تشبيها به في الصورة ~~وتفاؤلا بذلك. # قوله: { ادع لنا ربك يبين ms0438 لنا ما هي } تقرير للسؤال ~~عن حالها وصفتها، واستكشاف زائد، ليزدادوا بيانا لوصفها، وفي مصحف عبد ~~الله: " سل لنا ربك يبين لنا ما هي؟ وما صفتها ". # قوله: { إن البقر تشابه علينا } البقر: اسم إن، وهو اسم ~~جنس كما تقدم. # وقرأ محمد ذو الشامة الأموي: " إن الباقر " وهو جمع البقر ك " ~~الجامل " جماعة الجمل؛ قال الشاعر: [الكامل] # 584 ما لي رأيتك بعد عهدك موحشا # خلقا كحوض الباقر المتهدم # قال قطرب: " يقال لجمع البقرة: بقر وباقر وباقور وبيقور ". # وقال الأصمعي: " الباقر " جمع باقرة، قال: ويجمع بقر على باقورة، ~~حكاه النحاس. # قال القرطبي: والباقر والبقر والبيقور والبقير لغات بمعنى واحد والعرب ~~تذكره وتؤنثه، وإلى ذلك ترجع معاني القراءات في " تشابه ". # و " تشابه " جملة فعلية في محل رفع خبر ل " إن " ، وقرىء: " ~~تشابه " مشددا ومخففا، وهو مضارع الأصل: " تتشابه " ~~بتاءين، فأدغم تارة، وحذف منه أخرى، وكلا الوجهين مقيس. # وقرىء أيضا: " يشابه " بالياء من تحت، [وأصله: يتشابه فأدغم ~~أيضا، وتذكير الفعل وتأنيثه جائزان؛ لأن فاعله اسم جنس] وفيه لغتان: ~~التذكير والتأنيث، قال تعالى: # أعجاز نخل خاوية # [الحاقة:7] فأنث، و # أعجاز نخل منقعر # [القمر:20] فذكر، وقيل: ذكر الفعل لتذكير لفظ " البقرة "؛ كقوله: { ~~أعجاز نخل منقعر }. # وقال المبرد: سئل سيبويه عن هذه الآية، فقال: " كل جمع حروفه أقل ~~من حروف واحده، فإن العرب تذكره "؛ واحتج بقول الأعشى: [البسيط] # 585 ودع هريرة إن الركب مرتحل # [وهل تطيق وداعا أيها الرجل] # ولم يقل: " مرتحلون ". # وفي " تشابه " قراءات: " تشابه " بتخفيف الشين وفتح الباء والهاء، ~~وهي قراءة العامة. و " تتشابه " بتاءين على الأصل. # و " تشبه " بتشديد الشين والباء من غير ألف، والأصل: تتشبه. # و " تشابهت " على وزن " تفاعلت " وهو في مصحف أبي كذلك أنثه ~~لتأنيث البقرة. # و " متشابهة " و " متشبهة " على اسم الفاعل من تشابه وتشبه. ~~وقرىء: " تشبه " ماضيا. # وقرأ ابن أبي إسحاق: " تشابهت " بتشديد الشين، قال أبو حاتم: هذا ~~غلط، لأن التاء في هذا الباب لا تدغم إلا في المضارع.. وهو معذور في ~~ذلك. # وقرىء: " تشابه " كذلك، إلا أنه بطرح ms0439 تاء التأنيث، ووجهها على ~~إشكالها أن يكون الأصل: إن البقرة تشابهت، فالتاء الأولى من البقرة و ~~[التاء] الثانية من الفعل، فلما اجتمع مثلان أدغم نحو: الشجرة تمايلت، ~~إلا أنه يشكل أيضا في تشابه من غير تاء؛ لأنه كان يجب ثبوت علامة ~~التأنيث. # وجوابه: أنه مثل: [المتقارب] # 586................... # ولا أرض أبقل إبقالها # مع أن ابن كيسان لا يلتزم ذلك في السعة. # وقرأ الحسن: " تشابه " بتاء مفتوحة وهاء مضمومة وتخفيف الشين أراد: ~~تتشابه. # وقرأ الأعرج: " تشابه " بفتح التاء وتشديد الشين وضم الهاء على ~~معنى: تتشابه. # وقرأ مجاهد: " تشبه " كقراءة الأعرج، إلا أنه بغير ألف. ومعنى ~~الآية: [التلبيس] والتشبه. # قيل: إنما قالوا: " إن البقر تشابه علينا " أي: اشتبه ~~أمره علينا، فلا نهتدي إليه؛ لأن وجوه البقر [تتشابه] يريد: أنها يشبه ~~بعضها بعضا، ووجوه البقر تتشابه. # قوله: { إن شآء الله } هذا شرط جوابه محذوف لدلالة " إن " ، ما ~~في حيزها عليه، والتقدير: إن شاء الله هدايتنا للبقرة، اهتدينا، ~~ولكنهم أخرجوه في جملة اسمية مؤكدة بحرفي تأكيد مبالغة في طلب الهداية، ~~واعترضوا بالشرط تيمنا بمشيئة الله تعالى. و " المهتدون " اللام: لام ~~الابتداء داخلة على خبر " إن ". # وقال أبو البقاء: جواب الشرط " إن " وما عملت فيه عند سيبويه. # وجاز ذلك لما كان الشرط متوسطا، وخبر " إن " هو جواب الشرط في ~~المعنى، وقد وقع بعده، فصار التقدير: إن شاء الله هدايتنا اهتدينا. # وهذا الذي قاله لا يجوز، فإنه متى وقع جواب الشرط ما لا يصلح أن يكون ~~شرطا وجب اقترانه بالفاء، وهذه الجملة لا تصلح أن تقع شرطا، فلو كانت ~~جوابا لزمتها الفاء، ولا تحذف إلا ضرورة، ولا جائز أن يريد أبو البقاء ~~أنه دال على الجواب، وسماه جوابا مجازا؛ لأنه جعل ذلك مذهبا للمبرد ~~مقابلا لمذهب سيبويه فقال: وقال المبرد: والجواب محذوف دلت عليه الجملة؛ ~~لأن الشرط معترض، فالنية به التأخير، فيصير كقولك: أنت ظالم إن فعلت. # وهذا الذي نقله عن المبرد هو المنقول عن سيبويه، والذي نقله عن سيبويه ~~قريب مما نقل عن الكوفيين وأبي زيد من ms0440 أنه يجوز تقديم جواب الشرط ~~عليه، وقد رد عليهم البصريون بقول العرب: " أنت ظالم إن فعلت ". # إذ لو كان جوابا لوجب اقترانه بالفاء لما ذكرت ذلك. # وأصل " مهتدون ": " مهتديون " ، فأعل بالحذف، وهو واضح. # فصل في الاستثناء بالمشيئة # قال الحسن رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " والذي نفس محمد بيده لو لم يقولوا: إن شاء ~~الله لحيل بينهم وبينها أبدا ". # واعلم أن التلفظ بهذه الكلمة مندوب إليه في كل عمل يراد تحصيله، قاله ~~تعالى: # ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن ~~يشآء الله # [الكهف:23، 24]. # وفيه استعانة بالله وتفويض الأمور إليه، والاعتراف بقدرته. # فصل في الإرادة الكونية # احتج أهل السنة بهذه الآية على أن الحوادث بأسرها مرادة لله تعالى. # وعند المعتزلة أن الله تعالى لما أمرهم بذلك، فقد أراد اهتداءهم لا ~~محالة، وحينئذ لا يبقى لقولهم: " إن شاء الله " فائدة. # قال ابن الخطيب: أما على قول أصحابنا، فإن الله تعالى قد يأمر بما ~~لا يريد، فحينئذ يبقى لقولهم: " إن شاء الله " فائدة. # فصل في مذهب المعتزلة في المشيئة # احتج المعتزلة بهذه الآية على أن مشيئة الله تعالى محدثة من وجهين: # الأول: أن دخول حرف " إن " يقتضي الحدوث. # الثاني: أنه تعالى علق حصول الاهتداء على حصول مشيئة الاهتداء، ~~فلما لم يكن حصول الاهتداء أزليا وجب ألا تكون مشيئة الاهتداء أزلية. # فصل في تقدير المشيئة # ذكر القفال في تقدير هذه المشيئة وجوها: # أحدها: وإنا بمشيئة الله نهتدي للبقرة المأمور بذبحها عند تحصيل أوصافها ~~المميزة لها عن غيرها. # وثانيها: وإنا إن شاء الله تعريفها إيانا بالزيادة لنا في البيان ~~نهتدي إليها. # وثالثها: وإنا إن شاء الله على هدى، أي: في استقصائنا في السؤال عن ~~أوصاف البقر، أي إنا لسنا على ضلالة فيما نفعل من هذا البحث. # ورابعها: إنا بمشيئة الله نهتدي للقاتل إذا وصفت لنا هذه البقرة بما ~~تمتاز به عن غيرها. # قال القرطبي: وفي هذا الاستثناء إنابة وانقياد، ودليل ندم على عدم ~~موافقة الأمر. وتقدير الكلام: وإنما ms0441 لمهتدون إن شاء الله. # فقدم على ذكر الاهتداء اهتماما به. # قوله: { إنها بقرة لا ذلول } المشهور " ذلول " بالرفع ~~على أنها صفة ل " بقرة " ، وتوسطت " لا " للنفي كما تقدم في " لا ~~فارض " ، أو على أنها خبر مبتدأ محذوف، أي: لا هي ذلول، والجملة من هذا ~~المبتدأ أو الخبر في [محل] رفع صفة ل " بقرة ". # وقرىء: " لا ذلول " بفتح اللام على أنها " لا " التي للتبرئة ~~والخبر محذوف تقديره: لا ذلول ثم أو ما أشبهه، وليس المعنى على هذه ~~القراءة، ولذلك قال الأخفس: " لا ذلول نعت، ولا يجوز نصبه ". # و " الذلول ": التي ذللت بالعمل، يقال: بقرة ذلول بينة ~~الذل بكسر الذال، ورجل ذليل: بين الذل بضمها، وقدم عند قوله: # الذلة # [البقرة:61]. # [قوله]: { تثير الأرض } في هذه الجملة أقوال كثيرة: أظهرها: أنها ~~في محل نصب على الحال من الضمير المستكن في " ذلول " تقديره: لا تذل ~~حال إثارتها. # وقال ابن عطية: وهي عند قوم جملة في موضع الصفة ل " بقرة " أي: لا ~~ذلول مثيرة. # وقال أيضا: " ولا يجوز أن تكون هذه الجملة في موضع الحال؛ لأنها نكرة ~~". # أما قوله: في موضع الصفة فإنه يلزم منه أن البقرة كانت مثيرة للأرض، ~~وهذا لم يقل به الجمهور، بل قال به بعضهم، وسيأتي إن شاء الله. # وأما قوله: لا يجوز أن تكون حالا يعني من " بقرة "؛ لأنها نكرة. # فالجواب: أنا لا نسلم أنها حال من " بقرة " ، بل من الضمير في " ذلول ~~" كما تقدم، أو تقول: بل هي حال من النكرة؛ لأن النكرة قد وصفت وتخصصت ~~بقوله: " لا ذلول " ، وإذا وصفت النكرة ساغ إتيان الحال منها اتفاقا. # وقيل: إنها مستأنفة، [واستئنافها على وجهين: # أحدهما: أنها خبر مبتدأ محذوف، أي: هي تثير. # والثاني: أنها مستأنفة] بنفسها من غير تقدير مبتدأ، بل تكون جملة فعلية ~~ابتدىء بها لمجرد الإخبار بذلك. وقد منع من القول باستئنافها جماعة ~~منهم الأخفش علي بن سليمان، وعلل ذلك بوجهين: # أحدهما: أن بعده: " ولا تسقي الحرث " فلو كان مستأنفا لما صح ~~دخول " لا " بينه وبين " الواو ". # والثاني: ms0442 إنها لو كانت تثير الأرض لكانت الإثارة قد ذللتها، والله ~~تعالى نفى عنها ذلك بقوله: " لا ذلول " وهذا المعنى هو الذي منع أن ~~يكون " تثير " صفة ب " بقرة "؛ لأن اللازم مشترك، ولذلك قال أبو ~~البقاء: ويجوز على قول من أثبت هذا الوجه [يعني: كونه تثير الأرض ولا ~~تسقي أن تكون " تثير " في موضع رفع صفة ل " بقرة ". # وقد أجاب بعضهم عن الوجه الثاني]، فإن إثارة الأرض عبارة عن مرحها ~~ونشاطها؛ كما قال امرؤ القيس: [الطويل] # 587 يهيل ويذري تربه ويثيره # إثارة نباث الهواجر مخمس # أي: تثير الأرض مرحا ونشاطا لا حرثا وعملا. # وقال أبو البقاء: وقيل: هو مستأنف، ثم قال: وهو بعيد عن الصحة لوجهين: # أحدهما: أنه عطف عليه قوله: " ولا تسقي الحرث " ، فنفى المعطوف، ~~فيجب أن يكون المعطوف عليه كذلك؛ لأنه في المعنى واحد، ألا ترى أنك لا ~~تقول: مررت برجل قائم ولا قاعد، بل تقول: لا قاعد بغير واو، كذلك يجب أن ~~يكون هذا. # وذكر الوجه الثاني لما تقدم، وأجاز أيضا أن يكون " تثير " في محل رفع ~~صفة ل " ذلول " ، وقد تقدم خلاف هل يوصف الوصف أم لا؟ # فهذه ستة أوجه تلخيصها: أنها حال من الضمير في " ذلول " ، أو من " ~~بقرة " ، أو صفة ل " بقرة " ، أو ل " ذلول " ، أو مستأنفة بإضمار ~~مبتدأ، أو دونه. # قوله: { ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها } ~~الكلام فيه هذه كالكلام فيما قبلها من كونها صفة ل " بقرة " ، أو خبر ~~لمبتدأ محذوف. # وقال الزمخشري: و " لا " الأولى للنفي يعني الداخلة على " ذلول ". # والثانية مزيدة لتأكيد الأولى؛ لأن المعنى: لا ذلول تثير [الأرض] وتسقي، ~~على أن الفعلين صفتان ل " ذلول " ، كأنه قيل: لا ذلول مثيرة وساقية. # وقرىء: " تسقى " بضم التاء من " أسقى ". # وإثارة الأرض: تحريكها وبحثها، ومنه: # وأثاروا الأرض # [الروم:9] أي: بالحرث والزراعة، وفي الحديث: # " أثيروا القرآ ن فإنه علم الأولين والآخرين ". # وفي رواية: # " من أراد العلم فليثور القرآن ". # وجملة القول أن البقرة لا يكون بها نقص، فإن الذلول بالعمل لكونها ~~تثير الأرض، وتسقي ms0443 الحرث لابد وأن يظهر بها النقص. # قال القرطبي: قال الحسن: وكانت تلك البقرة وحشية، ولهذا وصفها الله ~~تعالى بأنها لا تثير الأرض، ولا تسقي الحرث. # وقال: الوقف هاهنا حسن. # و " مسلمة " قيل: من العيوب مطلقا. # وقيل: من آثار العمل المذكور. # وقيل: مسلمة من الشبه التي هي خلاف لونها، أي: خلصت صفرتها عن اختلاط ~~سائر الألوان بها، وهذا ضعيف؛ لأن قوله: " لا شية فيها " يصير ~~تكرارا. # و " شية ": مصدر وشيت الثوب أشيه وشيا وشية، حذفت فاؤها؛ ~~لوقوعها بين ياء وكسرة في المضارع، ثم حمل باقي الباب عليه، ووزنها " ~~علة " ومثلها: # " صلة وعدة وزنة ". # وهي عبارة عن اللمعة المخالفة للون، ومنه: ثوب موشي: أي: منسوج ~~بلونين فأكثر، وثور موشي القوائم، أي: أبلقها؛ قال: ~~[البسيط] # 588 من وحش وجرة موشي أكارعه # طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد # ومنه: الواشي للنمام؛ لأنه يشي حديثه، أي يزينه ويخلطه بالكذب. # وقال بعضهم: ولا يقال له واش حتى يغير كلامه ويزينه. # ويقال: ثور أشيه، وفرس أبلق، وكبش أخرج، وتيس أبرق، ~~وغراب أبقع، كل ذلك بمعنى البلقة. # و " شية " اسم " لا " ، و " فيها " خبرها. # فصل في ضبط الحيوان بالصفة # دلت هذه الآيات على ضبط الحيوان بالصفة، وإذا ضبط بالصفة وحصر بها ~~جاز السلم فيه، وكذلك كل ما ضبط بالصفة. # وقال عليه الصلاة والسلام: # " لا تصف المرأة المرأة لزوجها كأنه ينظر ~~إليها " # فجعل عليه الصلاة والسلام الصفة تقدم مقام الرؤية. # قوله: { الآن جئت } الآن منصوب ب " جئت " ، وهي ظرف للزمان ~~يقتضي الحال، ويخلص المضارع له عند جمهور النحاة. # وقال بعضهم: هذا هو الغالب، وقد جاء حيث لا يمكن أن يكون للحال، كقوله: # فمن يستمع الآن # [الجن:9] # فالآن باشروهن # [البقرة:187] فلو كان يقتضي الحال لما جاء مع فعل الشرط والأمر اللذين ~~هما نص في الاستقبال، وعبر عنه هذا القائل بعبارة توافق مذهبه وهي: " ~~الآن " لوقت حصر جميعه أو بعضه يريد بقوله: " أو بعضه " نحو: " فمن ~~يستمع الآن يجد له " ، وهو مبني. # واختلف في علة بنائه: فقال الزجاج: لأنه تضمن معنى الإشارة؛ ms0444 لأن ~~معنى أفعل الآن، أي: هذا الوقت. # وقيل: لأنه أشبه الحرف في لزوم لفظ واحد، من حيث إنه لا يثنى ولا ~~يجمع ولا يصغر. # وقيل: لأنه تضمن معنى حرف التعريف، وهو الألف واللام ك " أمس " ، وهذه ~~الألف واللام زائدة فيه بدليل بنائه، ولم يعهد معرف ب " أل " إلا ~~معربا، ولزمت فيه الألف واللام كما لزمت في " الذي والتي " وبابهما، ~~ويعزى هذا للفارسي، وهو مردود بأن التضمين اختصار، فكيف يختصر الشيء، ثم ~~يؤتى بمثل لفظه. # وهو لازم للنظر فيه، ولا يتصرف غالبا، وقد وقع مبتدأ في قوله عليه ~~الصلاة والسلام: # " فهو يهوي في قعرها الآن حين انتهى ". # ف " الآن " مبتدأ، وبني على الفتح لما تقدم، و " حين " خبره، بني ~~لإضافته إلى غير متمكن، ومجرورا في قوله: # 589 أإلى الآن لا يبين ارعواء # ..................... # وادعى بعضهم إعرابه مستدلا بقوله: [الطويل] # 590 كأنهما ملآن لم يتغيرا # وقد مر للدارين من بعدنا عصر # يريد: " من الآن " فجره بالكسرة، وهذا يحتمل أن يكون بني على الكسر، ~~وزعم الفراء أنه منقول من فعل ماضي، وأن أصله " آن " بمعنى: " حان " ~~فدخلت عليه " أل " زائدة، واستصحب بناؤه على الفتح، وجعله مثل ~~قولهم " ما رأيته من شب إلى دب ". # وقوله عليه الصلاة والسلام: # " وأنهاكم عن قيل وقال ". # ورد عليه بأن " أل " لا تدخل على المنقول من فعل ماض، وبأنه كان ينبغي ~~أن يجوز إعرابه كنظائره. # وعنه قول آخر أن أصله " أوان " فحذفت الألف، ثم قلبت الواو ألفا، فعلى ~~هذا ألفه عن واو. # وأدخله الراغب في باب " أين " ، فتكون ألفه عن " ياء ". والصواب ~~الأول. # وقرىء: قالوا: ألآن بتحقيق الهمزة من غير نقل، وهي قراءة الجمهور. # و " قال: لأن " بنقل حركة الهمزة على اللام قبلها، وحذف الهمزة، وهو ~~قياس مطرد، وبه قرأ نافع وحمزة باختلاف عنه. # و " قالوا: لآن " بثبوت " الواو " من " قالوا "؛ لأنها إنما حذفت ~~لالتقاء الساكنين، وقد تحركت " اللام " لنقل حركة " الهمزة " إليها، ~~واعتدوا بذلك كما قالوا في الأحمر " محمر ". # وسيأتي تحقيق هذا إن شاء الله تعالى في # عادا الأولى ms0445 # [النجم:50] ويحكى وجه رابع " قالوا: آلآن " بقطع همزة الوصل، وهو ~~بعيد، و " بالحق " يجوز فيه وجهان: # أحدهما: أن تكون باء التعدية كالهمزة كأنه قيل: " أجأت الحق " ، ~~أي: ذكرته. # الثاني: أن يكون في محل نصب على الحال من فاعل " جئت " أي: جئت ملتبسا ~~بالحق، أو " ومعك الحق ". # فصل في تحقيق أنهم لم يكفروا # قال القاضي: قولهم: " الآن جئت بالحق " كفر من قبلهم لا ~~محالة؛ لأنه يدل على أنهم اعتقدوا فيما تقدم من الأوامر أنها ما كانت ~~حقة. # قال ابن الخطيب: وهذا ضعيف لاحتمال أن يكون المراد الآن ظهرت حقيقة ما ~~أمرنا به حتى تميزت من غيرها فلا يكون كفرا. # قوله: " فذبحوها وما كادوا يفعلون " أي: فذبحوا البقرة. و ~~" كادوا " كاد واسمها وخبرها، والكثير في خبرها تجرده من " أن ". # وشذ قوله: [الرجز] # 591 قد كاد من طول البلى أن يمصحا # وهي عكس " عسى " وذكروا ل " كاد " تفسيرين: # أحدهما: قالوا: نفيها إثبات وإثباتها نفي، فقوله: كاد يفعل كذا، معناه: ~~قرب من أن يفعل، لكنه ما فعله. # والثاني: قال عبد القاهر النحوي: إن " كاد " لمقاربة الفعل، فقوله: " ~~كاد يفعل " [معناه] قرب من فعله. # وقوله: " ما كاد يفعل " معناه: ما قرب منه. # وللأولين أن يحتجوا بهذه الآية؛ لأن قوله: " وما كادوا " معناه ما ~~قاربوا الفعل، ونفى المقاربة من الفعل يناقض إثبات وقوع الفعل، فلو كانت ~~" كاد " للمقاربة لزم وقوع التناقض في الآية، وقد تقدم الكلام على كاد ~~عند قوله: # يكاد البرق # [البقرة:20]. # فصل في النسخ بالأشق # روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لو ذبحوا أية بقرة أرادوا ~~لأجزأت عنهم؛ لكنه شددوا على أنفسهم، فشدد الله تعالى عليهم، فعلى ~~هذا نقول: التكاليف متغيرة فكلفوا في الأول أية بقرة كانت، فلما لم ~~يفعلوا كلفوا بأن تكون لا فارضا ولا بكرا، قيل: عوان، فلما لم يفعلوا ~~كلفوا أن تكون صفراء، فلما لم يفعلوا كلفوا أن تكون مع ذلك لا ذلول ~~تثير الأرض ولا تسقي الحرث؛ لأنه قد ثبت أنه لا يجوز تأخير البيان، فلا ~~بد ms0446 من كونه تكليفا بعد تكليف وذلك يدل على نسخ الأسهل بالأشق على جواز ~~النسخ قبل الفعل، وعلى وقوع النسخ في شرع موسى عليه الصلاة والسلام ~~وعلى أن الزيادة على النص نسخ، وعلى حسن التكليف ثانيا لمن عصى ولم يفعل ~~ما كلف أولا، وعلى أن الأمر للوجوب والفور؛ لأنه تعالى ذم التثاقل ~~فيه، والتكاسل في الاشتغال بمقتضاه، ولم يوجد في هذه الصورة إلا مجرد ~~الأمر. # قال القاضي: إنما وجب؛ لأن فيه إزالة شر وفتنة، فأمر تعالى بذبح ~~البقرة، لكي يظهر القاتل، فيزول الشر والفتنة، فلما كانت المصلحة في ~~هذا الفعل صار واجبا. # وقال بعضهم: إما أمروا بذبح بقرة معينة في نفسها، فلذلك حسن موقع ~~سؤالهم لأن المأمور به إذا كان مجملا حسن الاستفسار والاستعلام، وعلى ~~القول الأول لا بد من بيان ما الذي حملهم على [هذا] الاستفسار؟ # فقيل: إن موسى عليه الصلاة والسلام لما أمرهم بذبح بقرة وأن يضربوا ~~القتيل ببعضها فيصير حيا تعجبوا من ذلك، وظنوا أن تلك البقرة التي لها ~~هذه الخاصية لا تكون إلا بقرة معينة فلا جرم استقصوا في السؤال عنها ~~كعصا موسى المخصوصة من بين سائر العصي بتلك الخواص، إلا أن القوم ~~أخطئوا في ذلك؛ لأن هذه الآية العجيبة ما كانت خاصة للبقرة، بل كانت ~~معجزة يظهرها الله تعالى على يد موسى عليه الصلاة والسلام. # وقيل: لعل القوم أرادوا أي بقرة كانت إلا أن القاتل خاف من ~~الفضيحة، فألقى شبهة في نفوسهم وقال: المأمور به بقرة معينة لا مطلق ~~البقرة، فلما وقعت المنازعة رجعوا عند ذلك إلى موسى عليه الصلاة والسلام. # قال القشيري في تفسيره: قيل: إن أول من راجع موسى عليه الصلاة ~~والسلام في البحث عن البقرة القاتل خوف أن يفتضح، وقد وجدت تلك البقرة ~~عند الشاب. # وقيل: إن الخطاب الأول للعموم، إلا أن القوم أرادوا الاحتياط فيه، ~~فسألوا طلبا لمزيد البيان، وإزالة سائر الاحتمالات إلا أن المصلحة ~~تغيرت، واقتضت الأمر بذبح البقرة المعينة. # وقيل: كان سؤالهم تقديرا من الله عز وجل وحكمة، ومصلحة لصاحب ms0447 ~~البقرة، فإنه يروى أن رجلا صالحا من بني إسرائيل كان له ولد بار، وكان ~~له عجلة فأتى بها غيضة وقال: اللهم إن استودعتكها لابني حتى يكبر، ~~ثم مات الأب فشبت، وكانت من أحسن البقر [وأتمها] وهي البقرة التي وصفها ~~الله لهم فساوموها اليتيم وأمه حتى اشتروها بملء مسكها ذهبا، وكانت ~~البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير. # ذكر مكي: أن هذه البقرة نزلت من السماء، ولم تكن من بقر الأرض قاله ~~القرطبي. وزاد الماوردي: ثم فرق ثمنها على بني إسرائيل، فأصاب كل فقير ~~دينارين، وروي أنهم طلبوا البقرة الموصوفة أربعين سنة. # فصل في سبب تثاقلهم # اختلفوا في السبب الذي كان لأجله " ما كادوا يفعلون " ، فقيل: لأجل غلاء ~~ثمنها، وقيل: لخوف الشهوة والفضيحة، وعلى كلا القولين فالإحجام عن ~~المأمور به غير جائز. # أما الأول فلأن ذبح البقرة ما كان يتم إلا بالثمن الكثير فوجب؛ لأن ما ~~لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، إلا أن يدل دليل على خلافه. # وأما خوف الفضيحة فلا يدفع التكليف، فإن القود إذا وجب عليه لزمه ~~تسليم النفس من ولي الدم إذا طالب، وربما لزمه التعويض ليزول الشر ~~والفتنة، وإنما لزمه ذلك لتزول التهمة عن القوم الذين طرحوا القتيل ~~بالقرب منهم، لأنه الذي عرضهم إليه، فيلزمهم أزالتها، فكيف يجوز جعله ~~سببا للتثاقل في هذا الفعل. # قوله تعالى: { وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها }. # أعلم أن وقوع ذلك القتل كان متقدما على الأمر بالذبح، فأما الإخبار عن ~~وقع ذلك القتل، وعن ضرب القتيل ببعض البقرة، فلا يجب أن يكون متقدما في ~~التلاوة في الأول؛ لأن هذه القصة في نفسها يجب أن تكون متقدمة على الأولى ~~في الوجود، فأما التقدم في الذكر فغير واجب؛ لأنه تارة يتقدم ذكر السبب ~~على الحكم، وتارة على العكس، فكأنه لما وقعت لهم تلك الواقعة أمرهم الله ~~ تعالى بذبح البقرة فلما ذبحوها قال: وإذا قتلتم نفسا من قبل، ~~واختلفتم وتنازعتم، فإني أظهر لكم القاتل الذي [سترتموه] بأن يضرب القتيل ~~ببعض هذه البقرة المذبوحة. # وذلك مستقيم والواو ms0448 لا تقتضي الترتيب. # قال القرطبي: # حتى إذا جآء أمرنا وفار التنور قلنا احمل ~~فيها من كل زوجين اثنين # [هود:40] إلى قوله: " إلا قليل " فذكر أهلاك من هلك منهم، ثم عطف ~~عليه بقول: # وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرسهآ # [هود:41] فذكر الركوب متأخرا، ومعلوم أن ركوبهم كان قبل الهلاك، ومثله ~~في القرآن كثير، قال تعالى: # الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم ~~يجعل له عوجا قيما # [الكهف:1، 2] أي: أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا فإن ~~قيل [هب أنه] لا خلل في هذا النظم [ولكن النظم] الآخر كان مستحسنا، فما ~~الفائدة في ترجيح هذا النظم؟ # قلنا: إنما قدمت قصة الأمر بالذبح على ذلك القتل؛ لأنه لو عمل على عكسه ~~لكانت قصة واحدة، ولو كانت قصة واحدة لذهب الغرض من تثنية التفريع. # فصل في نسبة القتل إلى جميعهم # " فادارأتم فيها " فعل وفاعل، والفاء للسببية؛ لأن ~~التدارؤ كان مسببا عن القتل، ونسب القتل إلى الجميع، وإن لم ~~يصدر إلا من واحد أو اثنين كما قيل؛ لأنه وجد فيهم وهو مجاز شائع. # وأصل " ادارأتم ": تدارأتم تفاعلتم من الدرء هو الدفع، فاجتمعت " ~~التاء " مع " الدال " وهي مقاربتها، فأريد الإدغام فقلبت التاء دالا، ~~وسكنت لأجل الإدغام، ولا يمكن الابتداء بساكن، فاجتلبت همزة الوصل ليبتدأ ~~بها فبقي " ادارأتم " ، والأصل اددارأتم فأدغم، وهذا مطرد في كل فعل ~~على " تفاعل " أو " تفعل " فاؤه دال نحو: " تداين واداين، ~~وتدين وأدين " أو طاء، أو ظاء، أو صادا، أو ضادا نحو: " تطاير ~~واطاير " وتطير واطير [وتظاهر واظاهر، وتطهر واطهر، والمصدر ~~على التفاعل أو التفعل نحو: تدارؤ وتطهر] نظرا إلى الأصل. # وهذا أصل نافع في جميع الأبواب. # معنى " ادرأتم ": اختلفتم واختصمتم في شأنها. # وقيل: [تدافعتم] أي كل واحد ينفي القتل عن نفسه ويضيفه إلى غيره. # والكناية في قوله: " فيها " للنفس. # وقال القفال: ويحتمل إلى القتلة؛ لأن قوله: " قتلتم " يدل على المصدر. # قوله: { والله مخرج ما كنتم تكتمون } الله رفع ~~بالابتداء و " مخرج " خبره، و " ما " موصولة منصوبة المحل باسم ms0449 الفاعل. # فإن قيل: اسم الفاعل لا يعمل بمعنى الماضي إلا محلى بالألف واللام، # فالجواب: أن هذه حكاية حال ماضية، واسم الفاعل فيها غير ماض وهذا كقوله ~~تعالى: # وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد # [الكهف:18]. # والكسائي يعمله مطلقا، ويستدل بهذا ونحوه. و " ما " يجوز أن تكون ~~موصولة اسمية، فلا بد من عائد، تقديره: مخرج الذي كنتم تكتمونه، ويجوز أن ~~تكون مصدرية، والمصدر واقع موضع المفعول به، أي: مخرج مكتومكم وهذه ~~الجملة لا محل لها من الإعراب؛ لأنها معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه ~~وهما: " فادارأتم " وقوله: " فقلنا: اضربوه " قاله ~~الزمخشري. # والضمير في: فاضربوه " يعود على " النفس " لتأويلها بمعنى الشخص ~~والإنسان، أو على القتيل المدلول عليه بقوله: { والله مخرج ما ~~كنتم تكتمون } والجملة من " اضربوه " في محل نصب بالقول. # وفي الكلام محذوف والتقدير: قلنا: اضربوه ببعضها فضربوه ببعضها فحيي، ~~إلا أنه حذف ذلك لدلالة قوله: { يحيي الله الموتى } عليه، فهو ~~كقوله: # اضرب بعصاك الحجر فانفجرت # [البقرة:60] أي: فضرب فانفجرت [وقوله: # فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة # [البقرة:184] أي: فأفطر فعدة] وقوله: # فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ~~ففدية # [البقرة:196] أي: فحلق ففدية. # فصل في بيان المضروب به # اختلفوا في البعض الذي ضربوا القتيل به. # فقيل: اللسان، لأنه آلة الكلام قاله الضحاك والحسين بن الفضل. # وقال سعيد بن جبير: بعجب ذنبها قاله يمان بن رئاب وهو أولى؛ لأنه أساس ~~البدن الذي ركب عليه الخلق، وهو أول ما يخلق وآخر ما يبلى. # وقال مجاهد: بذنبها. # وقال عكرمة والكلبي: بفخذها الأيمن. # وقال السدي: بالبضعة التي بين كتفيها. # وقيل: بأذنها. # وقال ابن عباس: بالعظم الذي يلي الغضروف، وهو أصل الأذن [وهو المقتل]. # والأقرب أنهم كانوا مخيرين في أبعاض البقرة؛ لأنهم أمروا بضرب القتيل ~~ببعض البقرة وأي بعض من أبعاض البقرة ضربوا القتيل به، فإنهم كانوا ~~ممتثلين الأمر، والإتيان بالمأمور به يدل على الخروج عن العهدة. # وليس في القرآن ما يدل على تعيين ذلك البعض، فإن ورد فيه خبر صحيح ~~قبل، وإلا وجب السكوت عنه. ms0450 # فإن قيل: ما الفائدة في ضرب المقتول ببعض البقرة مع أن الله تعالى ~~قادر على أن يحييه ابتداء؟ # فالجواب: أن الفائدة فيه لتكون الحجة أوكد، وعن الحيلة أبعد، فقد يجوز ~~في العقل للملحد أن يوهمهم أن موسى عليه الصلاة والسلام إنما أحياه ~~بضرب من السحر أو من الحيلة، فلما حيي بالضرب بقطعة من البقرة المذبوحة ~~فانتفت الشبهة. # فإن قيل: هلا أمر بذبح غير البقرة؟ # فالجواب: أن الكلام في غيرها لو أمروا به كالكلام فيها. # ثم ذكروا فيها فوائد: # أحدها: التقريب بالقرابين التي كانت العادة بها جارية، ولأن هذا ~~القربان كان عندهم أعظم القرابين، ولما فيه من مزيد الثواب لتحمل ~~الكلفة في تحصيل هذه البقرة. # قيل: على غلاء ثمنها، ولما فيه من حصول المال العظيم لمالك البقرة. # قوله: { كذلك يحيي الله الموتى } " كذلك " في محل نصب؛ ~~لأنه نعت لمصدر محذوف تقديره: يحيي الله الموتى إحياء مثل ذلك الإحياء، ~~فيتعلق بمحذوف، أي: إحياء كائنا كذلك الإحياء، أو لأنه حال من المصدر ~~المعروف، أي: ويريكم الإراءة حال كونها مشبهة ذلك الإحياء، وقد تقدم ~~أنه مذهب سيبويه. # و " الموتى " جمع ميت، وفي هذه الإشارة وجهان: # أحدهما: أنها إشارة إلى نفس ذلك الميت. # والثاني: أنها احتجاج على صحة الإعادة. قال الأصم: إنه على المشركين؛ ~~لأنه إن ظهر لهم بالتواتر [أن هذا الإحياء قد كان على هذه الوجه علموا ~~صحة الإعادة، وإن لم يظهر ذلك بالتواتر]، فإنه داعية إلى التفكر. وقال ~~القفال: ظاهره يدل على أن الله تعالى قال هذا لبني إسرائيل أي: ~~إحياء الله الموتى يكون مثل هذا الذي شاهدتم؛ لأنهم وإن كانوا مؤمنين ~~بذلك إلا أنهم لم يؤمنوا به إلا من طريق الاستدلال، ولم يشاهدوا ~~شيئا منه، فإذا شاهدوه اطمأنت قلوبهم، وانتفت عنهم الشبهة، فأحيا الله ~~القتيل عيانا، ثم قال لهم: كذلك يحيي الله الموتى، أي: كما أحياها ~~في الدنيا يحييها في الآخرة من غير احتياج إلى مادة ومثال وآلة التي ~~لا يخلو منها المستدل. # قوله: " ويريكم آياته " الرؤيا هنا بصرية، فالهمزة للتعدية ~~أكسبت ms0451 الفعل مفعولا ثانيا وهو " آياته " ، والمعنى: يجعلكم مبصرين ~~آياته. # و " كم " هو المفعول الأول، وأصل " يريكم ": يأرإيكم، فحذفت همزة " ~~أفعل " في المضارعة لما تقدم في # يؤمنون # [البقرة:3] وبابه، [فبقي يرئيكم]، فنقلت حركة الهمزة على " الراء " ، ~~وحذفت " الهمزة " تخفيفا، وهو نقل لازم في مادة " رأى " وبابه دون غيره ~~مما عينه همزة نحو: " نأى ينأى " ولا يجوز عدم النقل في " رأى " وبابه ~~إلا ضرورة كقوله: [الوافر] # 592 أري عيني ما لم ترأياه # كلانا عالم بالترهات # فصل في نظم الآية # [لقائل أن يقول]: إن ذلك كان آية واحدة فلم سميت بالآيات؟ # فالجواب: أنها تدل على وجود الصانع القادر على المقدورات العالم بكل ~~المعلومات المختار في الإيجاد والإبداع، وعلى صدق موسى عليه الصلاة ~~والسلام - وعلى براءة من لم يقتل، وعلى تعيين القاتل، فهي وإن كانت آية ~~واحدة إلا أنها لما دلت على [هذه] المدلولات الكبيرة لا جرم جرت مجرى ~~الآيات. # قوله: " لعلكم تعقلون " تقدم تفسير العقل. # قال الواقدي: كل ما في القرآن من قوله: " لعلكم " فهو بمعنى " ~~لكن " إلا التي في الشعراء: # وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون # [الشعراء:129] فإنه بمعنى [لعلكم] تخلدون فلا تموتون. # فإن قيل: القوم كانوا عقلاء قبل عرض هذه الآيات عليهم، وإذا كانوا عقلاء ~~امتنع أن يقال: إني عرضت عليك الآية الفلانية لكي تصير عاقلا [فالجواب ~~أنه] لا يمكن إجراء الآية على ظاهرها، بل لا بد من التأويل، وهو أن يكون ~~المراد: لعلكم تعلمون على [قلة] عقولكم وأن من قدر على إحياء نفس واحدة ~~قدر على إحياء الأنفس كلها لعدم الاختصاص حتى لا ينكروا المبعث # فصل في توريث القاتل # ذكر كثير من المتقدمين أن من جملة أحكام هذه الآية أن القاتل هل يرث أم ~~لا؟ # قالوا: لا؛ لأنه روي عن عبيدة السلماني أن الرجل القاتل في هذه ~~[الواقعة] حرم الميراث لكونه قاتلا. # قال القاضي: " لا يجوز جعل هذه المسألة من أحكام هذه الآية؛ لأنه ليس في ~~ظاهر الآية أن القاتل هل كان وارثا لقتيله أم لا؟ وبتقدير أن يكون ~~وارثا فهل حرم ms0452 الميراث أم لا؟ وليس يجب إذ روي عن عبيدة أن القاتل حرم ~~الميراث لكونه قاتلا، أي: بعد ذلك في جملة أحكام القرآن إذا كان لا يدل ~~عليه لا مجملا ولا مفصلا، وإذا كان كذلك لم يثبت أن شرعهم كشرعنا، وأنه ~~[لا] يلزم الاقتداء لهم. # واستدل مالك بهذه الآية على صحة القول بالقسامة بقول المقتول: حقي ~~عند فلان، أو فلان قتلني. # ومنعه الشافعي وغيره؛ لأن قول القتيل: دمي عند فلان، أو فلان قتلني خبر ~~يحتمل الصدق والكذب، ودم المدعى عليه معصوم غير مباح إلا بيقين، ولا يقين ~~مع الاحتمال، وأما قتيل بني إسرائيل فكانت معجزة فأخبر تعالى أنه يحييه، ~~وذكره يتضمن الإخبار بقاتله خبر ما لا يدخله الاحتمال. # قال ابن العربي: المعجزة إنما كانت في إحيائه، فلما صار حيا صار كلامه ~~كسائر كلام الناس. ### || [2.74] # قال القفال: يجوز أن يكون هذا الخطاب لأهل الكتاب الذين كانوا في زمان ~~محمد عليه الصلاة والسلام، أي: اشتدت قلوبكم وقست وضلت من بعد ~~البينات التي جاءت أوائلكم، والعقاب الذي نزل بمن أصر على المعصية ~~منهم، والآيات التي جاءهم بها أنبياءهم، فأخبر بذلك عن طغيانهم، ~~وجفائهم على ما عندهم من العلم بآيات الله التي تلين عندها القلوب. # قال: لأنه خطاب مشافهة فحمله على الحاضرين أولى، ويحتمل أن يكون ~~المراد أولئك اليهود الذين كانوا في زمان موسى عليه الصلاة والسلام ~~خصوصا. وروي أن ذلك القتيل لما عين القاتل كذبه، وما ترك الإنكار وساعده ~~عليه جمع، فتكون الإشارة لقوله بعد ذلك إلى ما أظهره الله تعالى من ~~إحياء القتيل بضربه ببعض البقرة المذبوحة. ويحتمل أن تكون الإشارة ~~إلى جميع ما عدده الله تعالى من النعم العظيمة، والآيات الباهرة التي ~~أظهرها الله تعالى على يد موسى عليه الصلاة والسلام فإن أولئك ~~اليهود بعد أن كثرت مشاهدتها لها ما خلوا من العناد والاعتراض على موسى ~~عليه الصلاة والسلام. # فإن قيل: لم أتى ب " ثم " التي تقتضى الترتيب والمهلة، فقال: " ثم ~~قست " ، وقال: " من بعد ذلك " والبعدية لا تقتضي التعقيب، ~~وقلوبهم ms0453 لم تزل قاسية مع رؤية الآية وبعدها؟ # فالجواب: أنه أتى ب " من " التي لابتداء الغاية فقال: من بعد ذلك فجعل ~~ابتداء المقصود عقيب رؤية الآيات، فنزلت المهلة. # وقال أبو عبيدة: " معنى قست: جفت ". # وقال الواقدي: خفت من الشدة فلم تكن. # وقال المؤرج: " غلظت ". # وقيل: اسودت. # وقال الزجاج: " القسوة ذهاب اللين والرحمة والخشوع والخضوع ". # قوله: " أو أشد قسوة " " أو " هذه ك " أو " التي في قوله: # أو كصيب # [البقرة:19] فكل ما قبل ثمة يمكن القول به هنا، ولما قال أبو الأسود: ~~[الوافر] # 593 أحب محمدا حبا شديدا # وعباسا وحمزة أو عليا # اعترضوا عليه في قوله: " أو " التي تقتضي الشك، وقالوا له: أشككت؟ فقال: ~~كلا، واستدل بقوله تعالى: # وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال # [سبأ:24] فقال: أو كان شاكا من أخبر بهذا؟ وإنما قصد رحمه الله ~~الإبهام على المخاطب. # قال ابن الخطيب: كلمة " أو " للتردد، وهي لا تليق بعلام الغيوب، فلا ~~بد من التأويل وهو من وجوه: أحدهما: أنها بمعنى " الواو " كقوله: # إلى مئة ألف أو يزيدون # [الصافات:147] وقوله: # ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو ~~ءابآئهن # [النور:31] وقوله: # أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت ءابآئكم # [النور:61] ومن نظائره قوله: # لعله يتذكر أو يخشى # [طه:44]. # وثانيها: أن المراد: فهي كالحجارة ومنها ما هو أشد قسوة من الحجارة. # [وثالثها: أي: في نظركم واعتقادكم إذا طلعتم على أحوال قلوبهم قلتم: ~~إنها كالحجارة أو أشد قسوة من الحجارة]. # ورابعها: أن " أو " بمعنى " بل "؛ وقال الشاعر: [الطويل] # 594 فوالله ما أدري أسلمى تقولت # أم النوم أو كل إلي حبيب # وخامسها: أنه على حد قولك: " ما أكل إلا حلوا أو حامضا " أي: طعامه لا ~~يخرج عن هذين، وليس الغرض إيقاع التردد بل نفي غيرهما. # وسادسها: أن " أو " حرف إباحة، أي: بأي هذين شبهت قلوبهم كان صدقا ~~كقولهم: " جالس الحسن أو ابن سيرين " أي أيهما جالست كنت مصيبا ~~أيضا. و " أشد " مرفوع لعطفه على محل " كالحجارة " أي: فهي ~~مثل الحجارة أو أشد. والكاف يجوز أن تكون حرفا فتتعلق ms0454 بمحذوف، وأن ~~تكون اسما فلا تتعلق بشيء، ويجوز أن يكون خبر المبتدأ محذوفا أي: أو ~~هي أشد. # و " قسوة " منصوب على التمييز؛ لأن الإبهام حصل في نسبة التفضيل ~~إليهما، والمفضل عليه محذوف للدلالة عليه، أي: أشد قسوة من الحجارة. # وقرىء: " أشد " بالفتح ووجهها: أنه عطفها على " الحجارة " أي: ~~فهي كالحجارة أو [كأشد] منها. # قال الزمخشري موجها للرفع: و " أشد " معطوف على الكاف، إما على معنى: ~~أو مثل أشد، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وتعضده قراءة الأعمش ~~بنصب الدال عطفا على " الحجارة " ويجوز على ما قاله أن يكون مجرورا ~~بالمضاف المحذوف ترك على حاله، كقراءة: # والله يريد الآخرة # [الأنفال:67] بجر " الآخرة " أي: ثواب الآخرة، فيحصل من هذا أن فتحه ~~الدال يحتمل أن تكون للنصب، وأن تكون للجر. # وقال الزمخشري أيضا: فإن قلت: لم قيل: أشد قسوة مما يخرج منه " ~~أفعل " التفضيل وفعل التعجب؟ يعني: أنه [مستكمل] للشروط من كونه ثلاثيا ~~تاما غير لون ولا عاهة متصرفا غير ملازم للنفي. # ثم قال: قلت: لكونه أبين وأدل على فرط القسوة، ووجه آخر وهو ألا يقصد ~~معنى الأقسى، ولكنه [قصد] وصف القسوة بالشدة، كأنه قيل " اشتدت قسوة ~~الحجارة، وقلوبهم أشد قسوة ". # وهذا الكلام حسن، إلا أن كون " القسوة " جوز بناء التعجب منها فيه نظر ~~من حيث إنها من الأمور الخلقية أو من العيوب، وكلاهما ممنوع منه بناء ~~البابين. # وقرىء: " قساوة ". # فصل في أوجه شدة القسوة من الحجارة # إنما وصفها بأنها أشد قسوة من الحجارة لوجوه: # أحدها: أن الحجارة لو كانت عاقلة، ورأت هذه الآية لقبلتها كما قال: # لو أنزلنا هذا القرءان على جبل لرأيته ~~خاشعا متصدعا من خشية الله # [الحشر:21]. # وثانيها: أن الحجارة ليس فيها امتناع لما يحدث فيها من أمر الله فقال: ~~وإن كانت قاسية، بل منصرفة على مراد الله تعالى غير ممتنعة، وهؤلاء ~~مع ما وصفنا في اتصال الآيات عندهم، وتتابع نعم الله عليهم يمتنعون ~~من الطاعة، ولا تلين قلوبهم بمعرفة حق الله. # وثالثها: أن الأحجار ينتفع بها من بعض الوجوه، ms0455 أما قلوب هؤلاء فلا نفع ~~منها ألبتة. # فصل في الرد على المعتزلة # قال القاضي: إن كان الدوام على الكفر مخلوق فيهم، فكيف يحسن ذمهم؟ فلو ~~قال: إن الذي خلق الصلابة في الحجارة هو الذي خلق في قلوبنا القسوة، ~~والخالق في الأحجار الأنهار هو القادر على أن ينقلنا عما نحن عليه من ~~الكفر بخلق الإيمان فينا، فإذا لم يفعل فعذرنا ظاهر لكانت حجتهم على ~~موسى أوكد من حجته عليهم، وهذا النمط قد تكرر مرارا. # قوله: { وإن من الحجارة لما يتفجر منه ~~الأنهار }. # واعلم أنه سبحانه وتعالى فضل الحجارة على قلوبهم بأنه قد يحصل في ~~الحجارة أنواع من المنافع، ولا يوجد في قلوب هؤلاء شيء من المنافع. # فأولها: قوله: { وإن من الحجارة لما يتفجر منه ~~الأنهار } واللام في " لما " لام الابتداء دخلت على اسم " إن " ~~لتقدم الخبر، وهو " من الحجارة " ، وهي " ما " التي بمعنى " الذي " في ~~محل النصب، ولو لم يتقدم الخبر لم يجز دخول اللام على الاسم؛ لئلا ~~يتوالى حرفا تأكيد، وإن كان الأصل يقتضي ذلك، والضمير في " منه " يعود ~~على " ما " حملا على اللفظ. # قال أبو البقاء: ولو كان في غير القرآن لجاز " منها " على المعنى. # وهذا الذي قاله قد قرأ به أبي بن كعب والضحاك. # وقرأ مالك بن دينار " ينفجر " من الانفجار. # وقرأ قتادة: " وإن من الحجارة " بتخفيف " إن " من الثقيلة، ~~وأتى باللام فارقة بينها وبين " إن " النافية، وكذلك: { وإن منها ~~لما يشقق } و { وإن منها لما يهبط } ، وهذه القراءة ~~تحتمل أن تكون " ما " فيها في محل رفع وهو المشهور، وأن تكون في محل ~~نصب؛ لأن " إن " المخففة سمع فيها الإعمال والإهمال، قال تعالى: # وإن كلا لما ليوفينهم # [هود:111] في قراءة من قرأه. # وقال في موضع آخر: # وإن كل لما جميع لدينا # [يس:32] إلا أن المشهور الإهمال. # والتفجير: الفتح بالسعة والكثرة؛ يقال: انفجرت قرحة فلان أي: انشقت ~~بالمدة، ومنه: الفجر والفجور. # فصل في تولد الأنهار # قالت الحكماء: الأنهار إنما تتولد عن أبخرة تجتمع في باطن الأرض، ~~فإن كان ظاهر ms0456 الأرض رخوا انشقت تلك الأبخرة وانفصلت، وإن كان ظاهر ~~الأرض صلبا حجريا اجتمعت تلك الأبخرة، ولا يزال يتصل بعضها ببعض ~~حتى تكثر كثرة عظيمة، فيعرض حينئذ من كثرتها وتواتر مدها أن تنشق ~~الأرض، وتسيل تلك المياه أودية وأنهارا. # قوله: { وإن منها لما يشقق فيخرج منه المآء } ~~أي: وإن من الحجارة لما يتصدع، فينبع الماء منه فيكون عينا لا ~~نهرا جاريا. # و " يشقق " أصله: يتشقق، فأدغم وبالأصل قرأ الأعمش، وقرأ طلحة ~~بن مصرف: " لما بتشديد " الميم " في الموضعين قال ابن عطية: " وهي ~~قراءة غير متجهة ". # وقرأ أيضا: " ينشق " بالنون وفاعله ضمير " ما ". # وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون فاعله ضمير " الماء "؛ لأن " يشقق ~~" يجوز أن يجعل ل " الماء " على المعنى، فيكون معك فعلان، فيعمل ~~الثاني منهما في الماء، وفاعل الأول مضمر على شريطة التفسير. # وعند الكوفيين يعمل الأول، فيكون في الثاني ضمير، يعني: أنه من باب ~~التنازع، ولا بد من حذف عائد من " يشقق " على " ما " الموصولة دل عليه ~~قوله: " منه " ، والتقدير: وإن من الحجارة لما يشقق الماء منه، فيخرج ~~الماء منه. # وقال أيضا: ولو قرىء: " تتفجر " بالتاء جاز. قال أبو حاتم: يجوز " لما ~~تتفجر " بالتاء؛ لأنه أنثه بتأنيث الأنهار، وهذا لا يكون في " تشقق " ~~يعني التأنيث. # قال النحاس: يجوز ما أنكره على المعنى، لأن المعنى: وإن منها ~~الحجارة تتشقق يعني فيراعى به معنى " ما " ، فإنها واقعة على الحجارة. # قوله: { وإن منها لما يهبط من خشية الله }. # قال أبو مسلم: " الضمير في قوله: " وإن منها " راجع إلى " ~~القلوب " ، فإنه يجوز عليهما الخشية، والحجارة لا يجوز عليها ~~الخشية. وقد تقدم ذكر القلوب كما تقدم ذكر الحجارة، وأقصى ما في الباب ~~أن الحجارة أقرب المذكورين إلا أن هذا الوصف أليق بالقلوب من ~~الحجارة، فوجب رجوع الضمير إلى " القلوب " دون " الحجارة " ، وفيه بعد ~~لتنافر الضمائر. # وقال الجمهور المفسرين: الضمير عائد إلى " الحجارة ". # وقالوا: يجوز أن يكون حقيقة على معنى أن الله خلق فيها قابلية ~~لذلك، وأن المراد من ذلك جبل موسى عليه الصلاة والسلام ms0457 حين تقطع ~~وتجلى له ربه، وذلك لأن الله تعالى خلق فيه الحياة والعقل ~~والإدراك، وهذا غير مستعبد في قدرة الله تعالى. # ونظيره قوله تعالى: # وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا ~~أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء # [فصلت:21]. # فكما جعل الجلد ينطق ويسمع ويعقل، فكذلك الجبل وصفه بالخشية. # وقال أيضا: # لو أنزلنا هذا القرءان على جبل لرأيته ~~خاشعا متصدعا من خشية الله # [الحشر:21]. # وروي أنه حن الجذع لصعود رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر، ~~ولما أتى الوحي رسول الله صلى الله عليه وسلم - في أول المبعث، وانصرف ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم - إلى منزله سلمت عليه الحجارة فكلها ~~كانت تقول: السلام عليك يا رسول الله. # قال مجاهد: ما تردى حجر من رأس جبل، ولا تفجر نهر من ~~حجر، ولا خرج منه ماء إلا من خشية الله، نزل بذلك القرآن، مثله عن ~~ابن جريج وثبت عنه عليه الصلاة والسلام قال: # " إن حجرا كان يسلم علي في الجاهلية إني ~~لأعرفه الآن " # وروي أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: # " قال لي ثبير: اهبط؛ فإني أخاف أن يقتلوك على ~~ظهري فيعذبني الله فناداه حراء: " إلي يا رسول ~~الله " # وقوله تعالى: # إنا عرضنا الأمانة # [الأحزاب:72] الآية. # وأنكرت المعتزلة ذلك، ولا يلتفت إليهم؛ لأنه لا دليل لهم إلا مجرد ~~الاستبعاد. # لو قال بعض المفسرين: الضمير عائد إلى " الحجارة " و " الحجارة " لا ~~تعقل، ولا تفهم، فلا بد من التأويل، فقال بعضهم: إسناد الهبوط ~~استعارة؛ كقوله: [الكامل] # 595 لما أتى خبر الزبير تواضعت # سور المدينة والجبال الخشع # وقوله: " من خشية الله " أي: ذلك الهبوط لو وجد من العاقل لكان ~~به خاشيا لله، وهو كقوله تعالى: # جدارا يريد أن ينقض # [الكهف:77] أي جدارا قد ظهر فيه الميلان ومقاربة السقوط ما لو ظهر ~~مثله في حي مختار، لكان مريدا للانقضاض، ونحو هذا قوله: [الطويل] # 596 بخيل تضل البلق في حجراته # ترى الأكم فيه سجدا للحوافر # فجعل ما ظهر في الأكم من أثر الحوافر من عدم امتناعها من دفع ذلك عن ms0458 ~~نفسها كالسجود منها للحوافر. # الوجه الثاني: من التأويل: قوله: " من خشية الله ": أي: من ~~الحجارة ما ينزل، وما يشقق، ويتزايل بعض عن بعض عند الزلازل من أجل ما ~~يريد الله بذلك من خشية عباده له وفزعهم إليه بالدعاء والتوبة. # وتحقيقه أنه كان المقصود الأصلي من إهباط الأحجار في الزلازل الشديدة أن ~~تحصل الخشية في القلوب. # الوجه الثالث: قال الجبائي: " الحجارة " البرد الذي يهبط من ~~السحاب تخويفا من الله تعالى لعباده ليزجرهم به. # قال: وقوله: " من خشية الله " أي: خشية الله، أي: ينزل ~~بالتخويف للعباد، أو بما يوجب الخشية لله، كما تقول: نزل القرآن بتحريم ~~كذا، وتحليل كذا، أي: بإيجاب ذلك على الناس. # قال القاضي: هذا التأويل ترك للظاهر من غير ضرورة؛ لأن البرد لا ~~يوصف بالحجارة؛ لأنه ماء في الحقيقة. # قوله: " من خشية الله " منصوب المحل متعلق ب " يهبط " ، و " ~~من " للتعليل. # وقال أبو البقاء: " من " في موضع نصب ب " يهبط " ، كما تقول: يهبط ~~بخشية الله، فجعلها بمعنى " الباء " [المعدية] وهذا فيه نظر لا يخفى. # و " خشية " مصدر مضاف للمفعول تقديره: من أن يخشى الله، وإسناد الهبوط ~~إليها استعارة؛ كقوله: [الكامل] # 597 لما أتى خبر الزبير تواضعت # سور المدينة والجبال الخشع # ويجوز أن يكون حقيقة على معنى: أن الله خلق فيها قابلية لذلك. # وقيل: الضمير في " منها " يعود على " القلوب " ، وفيه بعد لتنافر ~~الضمائر. # قوله: " وما الله بغافل " قد تقدم في قوله: " وما هم ~~بمؤمنين ". # قال القرطبي: " بغافل " في موضع نصب على لغة " الحجاز " ، وعلى لغة " ~~تميم " في موضع رفع. # قوله: " عما تعملون " متعلق ب " غافل " ، و " ما " موصولة ~~اسمية، والعائد الضمير، أي: تعملونه، أو مصدرية فلا يحتاج إليه أي: عن ~~عملكم، ويجوز أن يكون واقعا موقع المفعول به، ويجوز ألا يكون. # وقرىء: " يعملون " بالياء والتاء. # فصل في المقصود بالآية # والمعنى: أن الله بالمرصاد لهؤلاء القاسية قلوبهم، وحافظ لأعمالهم ~~محص لها، فهو مجازيهم بها وهو كقوله: # وما كان ربك نسيا # [مريم:64] وهذا وعيد وتخويف كبير. # فإن قيل: هل يصح أن ms0459 يوصف الله بأنه ليس بغافل؟ # قال القاضي: لا يصح؛ لأنه يوهم جواز الغفلة عليه، وليس الأمر كذلك؛ ~~لأن نفي الصفة عن الشيء لا يستلزم ثبوت صحتها عليه، بدليل قوله # لا تأخذه سنة ولا نوم # [البقرة:255] # وهو يطعم ولا يطعم # [الأنعام:14]. ### || [2.75] # قال القرطبي: هذا استفهام فيه معنى الإنكار، كأنه أيأسهم من إيمان ~~هذه الفرقة من اليهود. # ويقال: طمع فيه طمعا وطماعية مخفف فهو طمع على وزن " ~~فعل " وأطمعه فيه غيره. # ويقال في التعجب: طمع الرجل بضم الميم أي: صار كثير الطمع. # والطمع: رزق الجند، يقال: أمر لهم الأمير بأطماعهم، أي: بأرزاقهم. # وامرأة مطماع: تطمع ولا تمكن. # فصل في قبائح اليهود # لما ذكر قبائح أفعال أسلاف اليهود شرع في قبائح أفعال اليهود ~~الذين كانوا في زمن محمد عليه الصلاة والسلام. # قال القفال رحمه الله: إن فيما ذكره الله تعالى في [سورة البقرة] ~~من أقاصيص بني إسرائيل وجوها من المقاصد. # أحدها: الدلالة بها على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه ~~أخبر عنها من غير تعلم، وذلك لا يكون إلا بالوحي، ويشترك في الانتفاع ~~بهذه الدلالة أهل الكتاب والعرب. # أما أهل الكتاب فكانوا يعلمونها، فلما سمعوها من محمد عليه الصلاة ~~والسلام من غير تفاوت، علموا لا محالة أنه ما أخذها إلا من الوحي. # وأما العرب فلما [شاهدوا] من أن أهل الكتاب يصدقون محمدا في هذه ~~الأخبار، فلم يكونوا يسمعون هذه الأخبار إلا من علماء أهل الكتاب، فيكون ~~ميلهم إلى الطاعة أقرب. # وثانيها: تعديد النعم على بني إسرائيل، وما من الله به على ~~أسلافهم من أنواع النعم، كالإنجاء من آل فرعون بعد استبعادهم، ~~وتصيير أبنائهم أنبياء وملوكا، وتمكينهم في الأرض، وفرق البحر ~~لهم، وإهلاك عدوهم، وإنزال التوراة والصفح عن الذنوب التي ارتكبوها ~~من عبادة العجل، ونقض المواثيق، ومسألة النظر إلى الله جهرة، ~~ثم ما أخرجه لهم في التيه من الماء من الحجر، وإنزال المن ~~والسلوى وتظليل الغمام من حر الشمس، فذكرهم بهذه النعم كلها. # وثالثها: إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بقديم ms0460 كفرهم وخلافهم، ~~وتعنتهم على الأنبياء، وعنادهم، وبلوغهم في ذلك ما لم يبلغه أحد من ~~الأمم قبلهم، وذلك لأنهم بعد مشاهدتهم الآيات الباهرة عبدوا العجل ~~بعد مفارقة موسى بمدة يسيرة، ولما أمروا بدخول الباب سجدا وأن يقولوا ~~حطة، ووعدهم أن يغفر لهم خطاياهم، ويزيد في ثواب محسنهم، فبدلوا القول ~~وفسقوا، وسألوا الفوم البصل بدل المن والسلوى، وامتنعوا من ~~قبول التوراة بعد إيمانهم بموسى عليه الصلاة والسلام وأخذ منهم ~~المواثيق أن يؤمنوا به حين رفع فوقهم الجبل، ثم استحلوا الصيد في ~~السبت واعتدوا، ثم أمروا بذبح البقرة، فشافهوا موسى عليه الصلاة ~~والسلام بقولهم: " أتتخذنا هزوا ". # ثم لما شاهدوا إحياء الموتى ازدادوا قسوى، فكأن الله تعالى ~~يقول: إذا كانت هذه أفعالهم مع نبيهم الذي أعزهم الله به، فغير بديع ما ~~يعامل به أخلافهم محمدا عليه الصلاة والسلام، فليهن عليكم أيها ~~النبي والمؤمنون ما ترونه من عنادهم، وإعراضهم عن الحق. # ورابعها: تحذير أهل الكتاب الموجودين في زمن النبي صلى الله عليه ~~وسلم من نزول العذاب عليهم كما نزل بأسلافهم في تلك الوقائع المعدودة. # وخامسها: الاحتجاج على من أنكر الإعادة من مشركي العرب مع إقراره ~~بالابتداء كما في قوله: # كذلك يحيي الله الموتى # [البقرة:73]. # فصل في تسلية النبي صلى الله عليه وسلم # اعلم أن المراد تسلية رسوله عليه الصلاة والسلام فيما يظهر من أهل ~~الكتاب في زمانه من قلة القبول فقال: { أفتطمعون أن يؤمنوا ~~لكم }. # قال الحسن: هو خطاب مع الرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين. # قال القاضي: وهذا الأليق بالظاهر، وإن كان الأصل في الدعاء، فقد كان من ~~الصحابة من يدعوهم إلى الإيمان، ويظهر لهم الدلائل. قال ابن عباس: إنه ~~خطاب مع النبي عليه الصلاة والسلام خاصة؛ لأنه هو الداعي، وهو ~~المقصود بالاستجابة. واللفظة وإن كانت للعموم لكن حملناها على هذا الخصوص ~~لهذه [القرينة]. # روي أنه حين دخل " المدينة " ، ودعا اليهود إلى كتاب الله، وكذبوه، ~~فأنزل الله تعالى وسبب هذه الاستعباد ما ذكرناه أي: أتطمعون أن ~~يؤمنوا مع أنهم ما آمنوا بموسى عليه الصلاة والسلام ms0461 الذي كان هو ~~السبب في خلاصهم من الذل، وفضلهم على الكل بظهور المعجزات المتوالية ~~على يده، مع ظهور أنواع العذاب على المتمردين، فأي استبعاد في عدم ~~إيمان هؤلاء. # فصل في إعراب الآية # قوله: { أن يؤمنوا لكم } ناصب ومنصوب، وعلامة النصب حذف النون ~~والأصل في " أن " وموضعها نصب أو جر على ما عرف، وعدي " يؤمنوا " باللام ~~لتضمنه معنى أن يحدثوا الإيمان لأجل دعوتكم قاله الزمخشري. # فإن قيل: ما معنى الإضافة في قوله: " يؤمنوا لكم " والإيمان إنما ~~هو لله؟ # فالجواب: أن الإيمان وإن كان الله فهم الداعون إليه كما قال تعالى: # فآمن له لوط # [العنكبوت:26] لما آمن بنبوته وتصديقه، ويجوز أن يراد أن يؤمنوا ~~لأجلكم، ولأجل تشددكم في دعائهم. قوله: { وقد كان فريق منهم ~~} " الواو ": للحال. # قال بعضهم: وعلامتها أن يصلح موضها " إذ " ، والتقدير: أفتطمعون في ~~إيمانهم، والحال أنهم كاذبون محرفون لكلام الله تعالى. # و " قد " مقربة للماضي من الحال سوغت وقوعه حالا. # و " يسمعون " خبر " كان ". # و " منهم " في محل رفع صفة ل " فريق " ، أي: فريق كائن منهم. # قال سيبويه: واعلم أن ناسا من ربيعة يقولون: " منهم " بكسر الهاء ~~إتباعا لكسرة الميم. # لم يكن المسكن حاجزا حصينا عندهم. # و " الفريق " اسم جمع لا واحد له من لفظه ك " رهط وقوم " ، وجمعه ~~في أدنى العدد " أفرقة " ، وفي الكثير " أفرقاء ". # و " يسمعون " نعت ل " فريق " ، وفيه بعد، و " كان " وما في حيزها ~~في محل نصب على ما تقدم. # وقرىء: " كلم الله " وهو اسم جنس واحدة كلمة، وفرق النحاة بين ~~الكلام والكلم، بأن الكلام شرطه الإفادة، والكلم شرطه التركيب من ثلاث ~~فصاعدا؛ لأنه جمع في المعنى، وأقل الجمع ثلاثة، فيكون بينهما عموم ~~وخصوص من وجه، وهل " الكلام " مصدر أو اسم مصدر؟ خلاف. # والمادة تدل على التأثير، ومنه الكلم وهو الجرح، والكلام يؤثر في ~~المخاطب. # قال الشاعر: [المتقارب] # 598................ # وجرح اللسان كجرح اليد # ويطلق الكلام لغة على الخط والإشارة؛ كقوله: [الطويل] # 599 إذا كلمتني بالعيون الفواتر # رددت عليها بالدموع البوادر # وعلى النفساني؛ قال الأخطل: [الكامل] # 600 ms0462 إن الكلام لفي الفؤاد وإنما # جعل اللسان على الفؤاد دليلا # وقيل: لم يوجد هذا البيت في ديون الأخطل. # وأما عند النحويين [فيطلق] على اللفظ المركب المفيد بالوضع. # و " ثم " للتراخي إما في الزمان أو الرتبة. # و " التحريف ": الإمالة والتحويل، وأصله من الانحراف عن الشيء، ويقال: ~~قلم محرف إذا كان مائلا. # قوله: { من بعد ما عقلوه } متعلق ب " يحرفونه " ، و " ما " ~~يجوز أن تكون موصولة اسمية، أي: ثم يحرفون الكلام من بعد المعنى الذي ~~فهموه وعرفوه، ويجوز أن تكون مصدرية. # والضمير في " عقلوه " يعود حينئذ على الكلام أي: من بعد تعقلهم إياه. # قوله: " وهم يعلمون " جملة حالية، وفي العامل قولان: # أحدهما: " عقلوه " ، ولكن يلزم منه أن تكون حالا مؤكدة؛ لأن معناها قد ~~فهم من قوله: " عقلوه ". # والثاني وهو الظاهر: أنه " يحرفونه " ، أي: يحرفونه حال علمهم بذلك. # فصل في تعيين الفريق # قال بعضهم: الفريق من كان في زمن موسى عليه الصلاة والسلام؛ لأنه ~~وصفهم بأنهم سمعوا كلام الله، والذين سمعوا كلام الله هم أهل ~~الميقات. # قال ابن عباس: هذه الآية نزلت في السبعين المختارين الذين ذهبوا مع ~~موسى عليه الصلاة والسلام إلى الميقات، سمعوا كلام الله، وأمره ~~ونهيه، فلما رجعوا إلى قومهم رجع الناس إلى قولهم، وأما الصادقون منهم ~~فأدوا كما سمعوا. # قالت طائفة منهم: سمعنا الله في آخر كلامه يقول: إن استطعتم أن تفعلوا ~~هذه الأشياء فافعلوا، وإن شئتم ألا تفعلوا فلا بأس. # قال القرطبي: ومن قال: إن السبعين سمعوا كما سمع موسى عليه الصلاة ~~والسلام فقد أخطأ، وأذهب بفضيلة موسى، واختصاصه بالتكليم. # وقال السدي وغيره: لم يطيقوا سماعه، واختلطت أذهانهم، ورغبوا أن ~~يكون موسى يسمع ويعيده لهم، فلما فرغوا وخرجوا بدلت طائفة منهم ما سمعت ~~من كلام الله على لسان موسى عليه الصلاة والسلام، كما قال تعالى: # وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى ~~يسمع كلام الله # [التوبة:6]. # ومنهم من قال: المراد بالفريق من كان في زمن محمد صلى الله عليه ~~وسلم كما غيروا آية الرجم، وصفة محمد صلى الله ms0463 عليه وسلم وهم ~~يعلمون أنهم كاذبون، وهو قول مجاهد وقتادة وعكرمة ووهب والسدي وهذا أقرب؛ ~~لأن الضمير في قوله: { وقد كان فريق منهم } راجع إلى ما ~~تقدم من قوله: { أفتطمعون أن يؤمنوا لكم } والذي تعلق ~~الطبع بإيمانهم هم الذين كانوا في زمن محمد عليه الصلاة والسلام. # وقولهم: الذين سمعوا كلام الله هم الذين حضروا الميقات ممنوع؛ لأن من ~~سمع التوراة والقرآن يجوز أن يقال: إنه سمع كلام الله. # فإن قيل: كيف يلزم من إقدام البعض على التحريف حصول اليأس من إيمان ~~الباقين، فإن عناد البعض لا ينافي إقرار الباقين؟ # أجاب القفال فقال: يحتمل أن يكون المعنى يؤمن هؤلاء، وهم إنما يأخذون ~~دينهم، ويتعلمونه من علمائهم وهم قوم يتعمدون التحريف عنادا، فأولئك ~~إنما يعلمونهم ما حرفوه وعرفوه. # فصل في كلام القدرية والجبرية # قوله: { أفتطمعون أن يؤمنوا لكم } استفهام على سبيل ~~الإنكار، فكان ذلك جزما بأنهم لا يؤمنون ألبتة، وإيمان من أخبر الله ~~ تعالى عنهم بأنه لا يؤمن ممتنع، فحينئذ تعود الوجوه المذكورة للقدرية ~~والجبرية. # قال القاضي: قوله: { أفتطمعون أن يؤمنوا لكم } يدل على ~~أن إيمانهم من قلبهم؛ لأنه لو كان بخلق الله تعالى فيهم لكان لا ~~يتغير حال الطمع فيهم بصفة الفريق الذي تقدم ذكرهم، ولما صح كون ذلك ~~تسلية للرسول وللمؤمنين؛ لأن الإيمان موقوف على خلقه تعالى ذلك، ~~وزواله موقف على ألا يخلقه فيهم. # وأيضا إعظامه تعالى لكذبهم في التحريف من حيث فعلوه، وهم يعلمون ~~صحته. # وإضافته تعالى التحريف إليهم على وجه الذم يدل على ذلك، واعلم أن ~~الكلام عليه قد تقدم جوابه مرارا. # فصل في ذم العالم المعاند # قال أبو بكر الرازي: الآية تدل على أن العالم المعاند أبعد من الرشد، ~~وأقرب إلى اليأس من الجاهل؛ لأن تعمده التحريف مع العلم بما فيه من ~~العذاب يكون أشد قسوة، وأعظم جناية. # فصل في بيان أنهم إنما فعلوا ذلك لأغراض # فإن قيل: إنما فعلوا ذلك لضرب من الأغراض كما قال تعالى: # واشتروا به ثمنا قليلا # [آل عمران:187] وقال: # يعرفونه كما يعرفون ms0464 أبنآءهم # [البقرة:146]. # قال ابن الخطيب: ويجب أن يكونوا قليلين؛ لأن الجمع العظيم لا يجوز ~~عليهم كتمان ما يعتقدون؛ لأنا إن جوزنا ذلك لم نعلم المحق من المبطل، ~~إن كثر العدد. # فإن قيل: قوله: { عقلوه وهم يعلمون } تكرار. # أجاب القفال رضي الله عنه بوجهين: # أحدهما: " من بعد ما عقلوا مراد الله تعالى منه " ، ~~فأولوه تأويلا فاسدا يعلمون أنه غير مراد الله تعالى. # والثاني: أنهم عقلوا مراد الله تعالى، وعلموا أن التأويل الفاسد ~~يكسبهم العذاب والعقوبة من الله تعالى. # واعلم أن المقصود من ذلك تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام وتصبيره ~~على عنادهم فكلما كان عنادهم أعظم كان ذلك في التسلية أقوى. ### || [2.76-77] # روي عن ابن عباس رضي الله عنه أن منافقي أهل الكتاب كانوا إذا لقوا ~~أصحاب محمد صلى عليه وسلم قالوا لهم: آمنا بالذي آمنتم به، نشهد أن ~~صاحبكم صادق، وأن قوله حق، ونجده بنعته وصفته في كتابنا، ثم إذا ~~خلا بعضهم إلى بعض قال الرؤساء كعب بن الأشرف، وكعب بن أسد، ووهب بن ~~يهودا وغيرهم أتحدثونهم بما فتح الله عليكم في كتابه من نعته وصفته ~~ليحاجوكم به. # قال القفال رحمه الله تعالى في قوله تعالى: { فتح الله ~~عليكم }: مأخوذ من قولهم: فتح الله على فلان في علم كذا أي [رزقه ~~الله ذلك] وسهل له طلبه. # قال الكلبي: بما قضى الله عليكم من كتابكم أن محمدا حق، وقوله صدق، ~~ومنه قيل للقاضي: الفتاح بلغة " اليمن ". # وقال الكسائي: ما بينه الله عليكم. # وقال الواقدي: بما أنزل الله عليكم نظيره # لفتحنا عليهم بركات من السمآء والأرض # [الأعراف:96] أي: أنزلنا. # وقال أبو عبيدة والأخفش: بما من الله عليكم به، وأعطاكم من نصركم على ~~عدوكم. # وقيل: بما فتح الله عليكم أي: أنزل من العذاب ليعيروكم به، ويقولون فمن ~~أكرم على الله منكم. # وقال مجاهد والقاسم بن أبي بزة: # " هذا قول يهود " قريظة " بعضهم لبعض حين سبهم النبي عليه الصلاة ~~والسلام فقال: " يا إخوان القردة والخنازير وعبد ~~الطاغوت " فقالوا: من أخبر محمدا بهذا؟ ما خرج هذا ms0465 إلا منكم " # وقيل: الإعلام والتبيين بمعنى: أنه بين لكم صفة محمد عليه الصلاة ~~والسلام. # فصل في إعراب الآية # قد تقدم الكلام على نظير قوله: " وإذ لقوا " في أول السورة وهذه ~~الجملة الشرطية تحتمل وجهين: # أحدهما: أن تكون مستأنفة كاشفة عن أحوال اليهود والمنافقين. # والثاني: أن تكون في محل نصب على الحال معطوفة على الجملة الحالية ~~قبلها وهي: " وقد كان فريق " والتقدير: كيف تطمعون في إيمانهم ~~وحالهم كيت وكيت؟ # وقرأ ابن السميفع: " لاقوا " وهو بمعنى " لقوا " فاعل بمعنى فعل ~~نحو: " سافر " وطارقت النعل: # وأصل " خلا ": " خلو " قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ~~وتقدم معنى " خلا " و " إلى " في أول السورة. # قوله: { بما فتح الله } متعلق ب " التحديث " قبله، و " ما " ~~موصولة بمعنى " الذي " والعائد محذوف، أي: فتحه. # وأجاز أبو البقاء أن تكون نكرة موصوفة أو مصدرية، أي: شيء فتحه، ~~فالعائد محذوف أيضا، أو بفتح الله عليكم. # وفي جعلها مصدرية إشكال من حيث إن الضمير في قوله بعد ذلك: " ~~ليحاجوكم به " عائد على " ما " و " ما " المصدرية حرف لا يعود ~~عليها ضمير على المشهور، خلافا للأخفش، وأبي بكر بن السراج، إلا أن ~~يتكلف فيقال: الضمير يعود على المصدر المفهوم من قوله: " ~~أتحدثونهم " أو من قوله: " فتح " ، أي: ليحاجوكم بالتحديث ~~الذي حدثتموهم، أو بالفتح الذي فتحه الله عليكم. # والجملة في قوله: " أتحدثونهم " في محل نصب بالقول، قال ~~القرطبي: ومعنى فتح: حكم. # والفتح عند العرب: القضاء والحكم، ومنه قوله تعالى: # ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت ~~خير الفاتحين # [الأعراف:89] أي: الحاكمين. والفتاح: القاضي بلغة " اليمن " ، يقال: ~~بيني وبينك الفتاح، قيل ذلك لأنه ينصر المظلوم على الظالم. # والفتح: النصر، ومنه قوله: # يستفتحون على الذين كفروا # [البقرة:89] وقوله: # إن تستفتحوا فقد جآءكم الفتح # [الأنفال:19]. # قوله: " ليحاجوكم " أي: ليخاصموكم، ويحتجوا بقولكم عليكم، وهذه ~~اللام تسمى لام " كي " بمعنى أنها للتعليل، كما أن " كي " كذلك لا بمعنى ~~أنها تنصب ما بعدها بإضمار ب " كي " كما سيأتي، وهي حرف جر، وإنما دخلت ~~على الفعل؛ لأنه منصوب ب ms0466 " أن " المصدرية مقدرة بعدها، فهو معرب بتأويل ~~المصدر أي: للمحاجة، فلم تدخل إلا على اسم، لكنه غير صريح. # والنصب ب " أن " المضمرة كما تقدم لا ب " كي " خلافا لابن كيسان ~~والسيرافي، وإن ظهرت بعدها نحو قوله تعالى: # لكيلا تأسوا # [الحديد:23] لأن " أن " هي أم الباب، فادعاء إضمارها أولى من غيرها. # وقال الكوفيون: النصب ب " اللام " نفسها، وأن ما يظهر بعدها من " كي ~~" ، ومن " أن " إنما هو على سبيل التأكيد، وللاحتجاج موضع غير هذا. # ويجوز إظهار " أن " وإضمارها بعد هذه " اللام " إلا في صورة واحدة، ~~وهي إذا وقع بعدها " لا " نحو قوله: # لئلا يعلم # [الحديد:29] # لئلا يكون للناس # [البقرة:150] وذلك لما يلزم من توالي لامين، فيثقل اللفظ. # والمشهور في لغة العرب كسر هذه اللام؛ لأنها حرف جر، وفيها لغة شاذة وهي ~~الفتح. # قال الأخفش: " لأن الفتح الأصل ". # قال خلف الأحمر: هي لغة بني العنبر. وهذه اللام متعلقة بقوله: " ~~أتحدثونهم ". # وذهب بعضهم إلى أنها متعلقة ب " فتح " وليس بظاهر؛ لأن المحاجة ~~ليست علة للفتح، وإنما هي نشأت عن التحديث، اللهم إلا أن يقال: تتعلق ~~به على أنها لام العاقبة، وهو قول قيل به، فصار المعنى أن عاقبة الفتح ~~ومآله صار إلى أن يحاجوكم. # أو تقول: إن اللام لام العلة على بابها، وإنما تعلقت ب " فتح "؛ ~~لأنه سبب للتحديث، والسبب والمسبب في هذا واحد. # والحجة: الكلام المستقيم على الإطلاق، ومن ذلك محجة الطريق، وحاججت ~~فلانا [فحججته] أي: غالبته، ومنه الحديث: # " فحج آدم موسى " # ، وذلك لأن الحجة نفي الطريق المسلوك الموصلة للمراد. # والضمير في " به " يعود على " ما " من قوله تعالى: { بما فتح ~~الله } وقد تقدم أنه يضعف القول بكونها مصدرية، وأنه يجوز أن يعود على ~~أحد المصدرين المفهومين من " أتحدثونهم " و " فتح ". # قوله: " عند ربكم " ظرف معمول لقوله: " ليحاجوكم " ~~بمعنى: ليحاجوكم يوم القيامة، فيكون ذلك زائدا في ظهور فضيحتكم على ~~رؤوس الخلائق في الموقف، فكنى عنه بقوله: " عند ربكم " قاله ~~الأصم وغيره. # وقال الحسن: " عند " بمعنى " في " أي: ليحاجوكم في ربكم أي: فيكونون ms0467 ~~أحق به منكم. # وقيل: ثم مضاف محذوف أي: عند ذكر ربكم. وقال القفال رحمه الله تعالى: ~~يقال: فلان عندي عالم أي: في اعتقادي وحكمي، وهذا عند الشافعي ~~حلال، وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى حرام أي: في حكمهما وقوله: { ~~ليحآجوكم به عند ربكم } أي: لتصيروا محجوجين [عند ربكم] ~~بتلك الدلائل في حكم الله. # ونظيره تأويل بعض العلماء قوله: # يأتوا بالشهدآء فأولئك عند الله هم ~~الكاذبون # [النور:13] اي: في حكم الله وقضائه أن القاذف إذا لم يأت بالشهود لزمه ~~حكم الكاذبين وإن كان في نفسه صادقا. # وقيل: هو معمول لقوله: { بما فتح الله } أي: بما فتح الله من ~~عند ربكم ليحاجوكم، وهو نعته عليه الصلاة والسلام وأخذ ميثاقهم ~~بتصديقه. # ورجحه بعضهم وقال: هو الصحيح؛ لأن الاحتجاج عليهم هو بما كان في ~~الدنيا. # وفي هذا نظر من جهة الصناعة، وذلك أن " ليحاجوكم " متعلق بقوله: " ~~أتحدثونهم " على الأظهر كما تقدم، فيلزم الفصل به بين العامل ~~ وهو " فتح " وبين معموله وهو عند ربك وذلك لا يجوز؛ لأنه أجنبي ~~منهما. # قوله: " أفلا تعقلون " في هذه الجملة قولان: # أحدهما: أنها مندرجة في حيز القول، أي: إذا خلا بعضهم ببعض قالوا ~~لهم: أتحدثونهم بما يرجع وباله عليكم وصرتم محجوجين به، أفلا تعقلون ~~أن ذلك لا يليق، وهذا أظهر لأنه من تمام الحكاية عنهم، فعلى هذا محلها ~~النصب. # والثاني: أنها من خطاب الله تعالى للمؤمنين، وكأنه قدح في إيمانهم، ~~لقوله: # أفتطمعون أن يؤمنوا لكم # [البقرة:75] قاله الحسن. # فعلى هذا لا محل له، ومفعول " تعقلون " يجوز أن يكون مرادا، ويجوز ~~ألا يكون. # قوله: { أولا يعلمون أن الله } تقدم أن مذهب الجمهور أن ~~النية بالواو والتقديم على الهمزة؛ لأنها عاطفة، وإنما أخرت عنها، لقوة ~~همزة الاستفهام، وأن مذهب الزمخشري تقدير فعل بعد الهمزة و " لا " للنفي. # و { أن الله يعلم } في محل نصب وفيها حينئذ تقديران: # أحدهما: أنها سادة مسد مفرد إن جعلنا " علم " بمعنى " عرف ". # والثاني: أنها سادة مسد مفعولين إن جعلناها متعدية لاثنين ك " ظننت " ~~، وقد تقدم أن ms0468 هذا مذهب سيبويه والجمهور، وأن الأخفش يدعي أنها سدت مسد ~~الأول، والثاني محذوف. و " ما " يجوز أن تكون بمعنى " الذي " ، وعائدها ~~محذوف، أي: ما يسرونه ويعلنونه، وأن تكون مصدرية، أي: يعلم سرهم ~~وعلانيتهم. [والسر] والعلانية يتقابلان. # وقرأ ابن محيصن " تسرون " و " تعلنون " بالتاء على الخطاب. # فصل في أن المراد بالسؤال هو التخويف والزجر # في الآية قولان: # الأول: وهو قول الأكثرين أن اليهود كانوا يعرفون أن الله يعلم السر ~~والعلانية، فخوفهم به. # والثاني: أنهم ما علموا بذلك، فرغبهم بهذا القول في أن يتفكروا، ~~فيعرفوا أن ربهم يعلم سرهم وعلانيتهم، وأنهم لا يأمنون حلول العقاب ~~بسبب نفاقهم، وعلى كلا القولين فهذا الكلام زجر لهم عن النفاق، ~~وعن وصية بعضهم بعضا بكتمان دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. # والأقرب أن اليهود المخاطبين بذلك كانوا عالمين بذلك؛ لأنه لا يكاد يقال ~~على طريق الزجر: أو لا يعلم كيف وكيت، إلا وهو عالم بذلك الشيء، ويكون ~~ذلك زاجرا له عن ذلك الفعل. # فصل في الاستدلال بالآية على أمور # قال القاضي: الآية تدل على أمور منها: # أنه تعالى إن كان هو الخالق لأفعال العباد، فكيف يصح أن يزجرهم عن ~~تلك الأقوال والأفعال، ومنها أنها تدل على صحة الحجاج والنظر وأن ذلك ~~قد كان على طريقة الصحابة والمؤمنين. # ومنها أنها تدل على أن الآتي بالمعصية مع العلم بكونها معصية يكون أعظم ~~جرما. ### || [2.78-79] # واعلم أنه تعالى لما وصف اليهود بالعناد، وأزال الطمع عن إيمانهم ~~بين فرقهم، فالفرقة الأولى هي الضالة المضلة، وهم الذين يحرفون الكلم ~~عن مواضعه. # والفرقة الثانية: المنافقون. # والفرقة الثالثة: الذين يجادلون المنافقين. # والفرقة الرابعة: هم المذكورون هنا، وهم العامة الأميون الذين لا ~~يعرفون القراءة، ولا الكتابة، وطريقتهم التقليد وقبول ما يقال لهم، ~~فبين الله تعالى أن الممتنعين عن الإيمان ليس سبب ذلك واحدا، ~~بل لكل قسم سبب. # وقال بعضهم: هم بعض اليهود والمنافقين. # وقال عكرمة والضحاك: " هم نصارى العرب ". # وقيل: " هم قوم من أهل الكتاب رفع كتابهم لذنوب ارتكبوها، فصاروا آمنين ~~". وعن علي ms0469 رضي الله عنه هم المجوس. # قوله: " منهم " خبر مقدم، فتعلق بمحذوف. و " أميون " مبتدأ مؤخر، ~~ويجوز على رأي الأخفش أن يكون فاعلا بالظرف قبله، وإن لم يعتمد. # وقد بنيت على ماذا يعتمد فيما تقدم. # و " أميون " جمع " أمي " وهو من لا يكتب ولا يقرأ. # واختلف في نسبته فقيل: إلى " الأم " وفيه معنيان: # أحدهما: أنه بحال أمه التي ولدته من عدم معرفة الكتابة، وليس مثل ~~أبيه؛ لأن النساء ليس من شغلهن الكتابة. # والثاني: أنه بحاله التي ولدته أمه عليها لم يتغير عنها، ولم ينتقل. # وقيل: نسب إلى " الأمة " وهي القامة والخلقة، بمعنى أنه ليس له ~~من الناس إلا ذلك. # وقيل: نسب إلى " الأمة " على سذاجتها قبل أن يعرف الأشياء، ~~كقولهم: عامي أي: على عادة العامة. # وعن ابن عباس: " قيل لهم: أميون؛ لأنهم لم يصدقوا بأم الكتاب ". # وقال أبو عبيدة: " قيل لهم: أميون، لإنزال الكتاب عليهم، كأنهم نسبوا ~~لأم الكتاب ". # وقرأ ابن أبي عبلة: " أميون " بتخفيف الياء كأنه استثقل توالي ~~تضعيفين. # وقيل: الأمي: من لا يقر بكتاب ولا رسول. # قوله: " لا يعلمون " جملة فعلية في محل رفع صفة ب " أميون " ، ~~كأنه قيل: أميون غير عالمين. # قوله: " إلا أماني " هذا استثناء منقطع؛ لأن " الأماني " ليست ~~من جنس " الكتاب " ، ولا مندرجة تحت مدلوله، وهذا هو المنقطع، ولكن ~~شرطه أن يتوهم دخوله بوجه ما، كقوله: # ما لهم به من علم إلا اتباع الظن # [النساء:157] وقوله النابغة: [الطويل] # 601 حلفت يمينا غير ذي مثنوية # ولا علم إلا حسن ظن بصاحب # لأن بذكر العلم استحضر الظن، ولهذا لا يجوز: صهلت الخيل إلا ~~حمارا. # واعلم أن المنقطع على ضربين: ضرب يصح توجه العامل عليه، نحو: جاء القوم ~~إلا حمارا. # وضرب لا يتوجه نحو ما مثل به النحاة: " ما زاد إلا ما نقص " ، و " ما ~~نفع إلا ما ضر " فالأول فيه لغتان: لغة " الحجاز " وجوب نصبه، ولغة " ~~تميم " أنه كالمتصل، فيجوز فيه بعد النفي وشبهه النصب والإتباع. # والآية الكريمة من الضرب الأول، فيحتمل في نصبها وجهان: # أحدهما: على الاستثناء ms0470 المنقطع. # والثاني: أنه بدل من " الكتاب ". # و " إلا " في المنقطع تقدر عند البصريين ب " لكن " ، وعند ~~الكونفيين ب " بل " ، وظاهر كلام أبي البقاء أن نصبه على المصدر بفعل ~~محذوف، فإنه قال: " إلا أماني " استثناء منقطع؛ لأن الأماني ليس من ~~جنس العلم، وتقدير " إلا " في مثل هذا ب " لكن " أي: لكن يتمنونه ~~أماني، فيكون عنده من باب الاستثناء المفرغ المنقطع، فيصير نظير: " ~~ماعلمت إلا ظنا ". [وفيه نظر]. # الأماني جمع " أمنية " بتشديد الياء فيها. # وقال أبو البقاء: " يجوز تخفيفها فيها ". # وقرأ أبو جعفر بتخفيفها، حذف إحدى الياءين تخفيفا. # قال الأخفش: " هذا كما يقال في جمع مفتاح: مفتاح ومفاتيح ". # قال النحاس: " الحذف في المعتل اكثر "؛ وأنشد قول النابغة: ~~[الطويل] # 602 وهل يرجع التسليم أو يكشف العمى # ثلاث الأثافي والرسوم البلاقع # وقال أبو حاتم: " كل ما جاء واحده مشددا من هذا النوع فلك في الجمع ~~الوجهان ". وأصله يرجع إلى ما قال الأخفش. # ووزن " أمنية ": " أفعولة " من تمنى يتمنى: إذا تلا وقرأ؛ ~~قال: [الطويل] # 603 تمنى كتاب الله آخر ليله # تمني داود الزبور على رسل # وقال كعب بن مالك: [الطويل] # 604 تمنى كتاب الله أول ليله # وآخره لاقى حمام المقادر # وقال تعالى: # إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته # [الحج:52] أي: قرأ وتلا. # والأصل على هذا: " أمنوية " فأعلت إعلال " ميت " و " سيد " وقد ~~تقدم. # وقيل: الأمنية: الكذب والاختلاق. # قال أعرابي لابن دأب في شيء يحدث به: أهذا الشيء رويته أم تمنيته أي: ~~اختلقته. # وقيل: ما يتمناه الإنسان ويشتهيه. # وقيل: ما يقدره ويحزره من منى: إذا كذب، أو تمنى، أو قدر؛ كقوله: ~~[البسيط] # 605 لا تأمنن وإن أمسيت في حرم # حتى تلاقي ما يمني لك الماني # أي: يقدر لك المقدر. # قال الراغب: والمني: التقدير، ومنه " المنا " الذي يوزن به، ومنه " ~~المنية " وهو الأجل المقدر للحيوان، " والتمني ": تقدير شيء في ~~النفس وتصويره فيها، وذلك قد يكون عن ظن وتخمين، وقد يكون بناء على ~~روية وأصل، لكن لما كان أكثره عن تخمين كان الكذب أملك له، فأكثر ~~التمني ms0471 تصور ما لا حقيقة له [والأمنية: الصورة الحاصلة في النفس من تمني ~~الشيء]. # ولما كان الكذب تصور ما لا حقيقة له وإيراده باللفظ الدال صار التمني ~~كالمبدأ للكذب فعبر عنه. # ومنه قوله عثمان: " ما تغنيت ولا تمنيت منذ أسلمت ". # وقال الزمخشري: والاشتقاق من منى: إذا قدر؛ لأن المتمني يقدر ~~في نفسه، ويحزر ما يتمناه، وكذلك المختلق، والقارىء يقدر أن كلمة كذا ~~بعد كذا، فجعل بين هذه المعاني قدرا مشتركا وهو واضح. # وقال أبو مسلم: حمله على تمني القلب أولى بقوله تعالى: # وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو ~~نصارى تلك أمانيهم # [البقرة:111]. # وقال الأكثرون: حمله على القراءة أليق؛ لأنا إذا حملناه على ذلك كان ~~له به تعلق، فكأنه قال: لا يعلمون الكتاب إلا بقدر ما يتلى عليهم ~~فيسمعونه، وبقدر ما يذكر لهم فيقبلونه، ثم إنهم لا يتمكنون من ~~التدبر والتأمل، وإذا حمل على أن المراد الأحاديث والأكاذيب أو الظن ~~والتقدير وحديث النفس كان الاستثناء فيه نادرا. # قوله: { وإن هم إلا يظنون } " إن " نافية بمعنى " ما " ~~وإذا كانت نافية المشهور أنها لا تعمل عمل " ما " الحجازية. # وأجاز بعضهم ذلك ونسبه لسيبويه، وأنشد: [المنسرح] # 606 إن هو مستوليا على أحد # إلا على أضعف المجانين # " هو " اسمها، و " مستوليا " خبرها. # فقوله: " هم " في محل رفع الابتداء لا اسم " إن " لأنها لم تعمل على ~~المشهور، و " إلا " للأستثناء المفرغ، ويظنون في محل الرفع خبرا لقوله ~~" هم ". # وحذف مفعولي الظن للعمل بهما واقتصارا، وهي مسألة خلاف. # فصل في بطلان التقليد في الأصول # الآية تدل على بطلان التقليد. # قال ابن الخطيب: وهو مشكل؛ لأن التقليد في الفروع جائز عندنا. # قوله: { فويل للذين يكتبون الكتاب } " ويل " مبتدأ، ~~وجاز الابتداء به وإن كان نكرة، لأنه دعاء عليهم، والدعاء من المسوغات، ~~سواء كان دعاء له نحو: " سلام عليكم " أو دعاء عليه كهذه الآية، ~~والجار بعده الخبر، فيتعلق بمحذوف. # وقال أبو البقاء: ولو نصب لكان له وجه على تقدير: ألزمهم الله ويلا، ~~واللام للتبيين؛ لأن الاسم لم يذكر ms0472 قبل المصدر يعني: أن اللام بعد ~~المنصوب للبيان، فيتعلق بمحذوف. وقوله: لأن الاسم لم يذكر قبل، يعني أنه ~~لو ذكر قبل " ويل " فقلت: " ألزم الله زيدا ويلا " لم يحتج إلى تبيين ~~بخلاف ما لو تأخر. وعبارة الجرمي توهم وجوب الرفع في المقطوع عن الإضافة؛ ~~ونص الأخفش على جواز النصب، فإنه قال: ويجوز النصب على إضمار فعل أي: ~~ألزمهم الله ويلا. # واعلم أن " ويلا " وأخواته وهي: " ويح " و " ويس " و " ويب " و ~~" ويه " و " ويك " و " عول " من المصادر المنصوبة بأفعال من غير ~~لفظها، وتلك الأفعال واجبة الإضمار، لا يجوز إظهارها ألبتة؛ لأنها ~~جعلت بدلا من اللفظ بالفعل، وإذا فصل عن الإضافة فالأحسن فيه الرفع نحو: ~~" ويل له " وإن أضيف نصب على ما تقدم، وإن كانت عبارة الجرمي توهم وجوب ~~الرفع عند قطعه عن الإضافة، فإنه قال: فإذا أدخلت اللام رفعت فقلت: " ~~ويل له " و " ويح له " كأنه يريد على الأكثر، ولم يستعمل العرب منه ~~فعلا؛ لاعتلال عينه وفائه. # وقد حكى ابن عرفة: " تويل الرجل " إذا دعا بالويل. وهذا لا يرد؛ ~~لأنه مثل قولهم: سوفت ولوليت إذا قلت له: سوف ولو. # ومعنى الويل: شدة الشر، قاله الخليل. # وقال الأصمعي: الويل: التفجع، والويح: الترحم. # وقال سيبويه: ويل لمن وقع في الهلكة، وويح زجر لمن أشرف على الهلاك. # وقيل: الويل: الحزن. # وهل " ويل وويح وويس وويب " بمعنى واحد أو بينها فرق؟ خلاف فيه، وقد ~~تقدم ما فرق به سيبويه في بعضها. # وقال قوم: " ويل " في الدعاء عليه، و " ويح " وما بعده ترحم عليه. # وزعم الفراء أن أصل " ويل ": وي، أي: حزن، كما تقول: وي لفلان أي ~~حزن له، فوصلته العرب باللام، وقدرت أنها منه فأعربوها، وهذا غريب ~~جدا. # ويقال: ويل وويلة. # وقال امرؤ القيس [الطويل] # 607 له الويل إن أمسى ولا أم عامر # لديه ولا البسباسة ابنة يشكرا # وقال أيضا: [الطويل] # 608 ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة # فقالت: لك الويلات إنك مرجلي # ف " ويلات " جمع " ويلة " لا جمع " ويل " كما زعم ابن عطية؛ ms0473 لأن ~~جمع المذكر بالألف والتاء لا ينقاس. # قال ابن عباس رضي الله عنه: " الويل العذاب الأليم " ، وعن سفيان الثورى ~~أنه قال: " صديد أهل جهنم ". وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # " الويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين ~~خريفا قبل أن يبلغ قعره " # ]. # وقال سعيد بن المسيب: " واد في جهنم لو سيرت فيه جبال الدنيا لانماعت ~~من شدة حره ". # وقال ابن يزيد: " جبل من قيح ودم ". # وقيل: صهريج في جهنم. # وحكى الزهراوي عن آخرين: أنه باب من أبواب جهنم. # وعن ابن عباس: الويل المشقة من العذاب. # وقيل: ما تقدم في اللغة. # قوله: " بأيديهم " متعلق ب " يكتبون " ، ويبعد جعله حالا من ~~" الكتاب " ، والكتاب هنا بعض المكتوب، فنصبه على المفعول به، ويبعد ~~جعله مصدرا على بابه، وهذا من باب التأكيد، فإن [الكتابة] لا [تكون] ~~بغير اليد، [ونظيره]: # ولا طآئر يطير بجناحيه # [الأنعام:38] # يقولون بأفواههم # [آل عمران:167]. # وقيل: فائدة ذكره أنهم باشروا ذلك بأنفسهم، ولم يأمروا به غيرهم، فإن ~~قولهم: فعل كذا يحتمل أنه أمر بفعله ولم يباشره، نحو: " بنى الأمير ~~المدينة " فأتى بذلك رفعا لهذا المجاز. # وقيل: فائدة [ذكره أنهم باشروا ذلك بأنفسهم، ولم يأمروا به غيرهم. ~~ففائدته] بيان جرأتهم ومجاهرتهم، فإن المباشر للفعل أشد مواقعة ممن لم ~~يباشره. # وهذان القولان قريبان من التأكيد، فإن أصل التأكيد رفع توهم المجاز. # وقال ابن السراج: ذكر الأيدي كناية عن أنهم اختلقوا ذلك من ~~تلقائهم، ومن عند أنفسهم، وهذا الذي قاله لا يلزم. # والأيدي: جمع " يد " ، والأصل: أيدي بضم الدال ك " فلس وأفلس " في ~~القلة، فاستثقلت الضمة قبل الياء، فقلبت كسرة للتجانس، نحو: " بيض " ~~جمع " أبيض " ، والأصل " بيض " بضم الباء ك " حمر " جمع " أحمر " ، ~~وهذا رأي سيبويه، أعني أنه يقر الحرف ويغير الحركة، ومذهب الأخفش عكسه، ~~وسيأتي تحقيق مذهبهما عند ذكر " معيشة " إن شاء الله تعالى. # وأصل " يد ": يدي بسكون العين. # وقيل: يدي بتحريكها فتحرك حرف العلة وانفتح ما قبله فقلب ~~ألفا، فصار: يدا ك " رحى " وعليه التثنية: يديان ms0474 وعليه أيضا ~~قوله: [الزجز] # 609 يا رب سار بات ما توسدا # إلا ذراع العنز أو كف اليدا] # والمشهور في تثنيتها عدم رد لامها، قال تعالى: # بل يداه مبسوطتان # [المائدة:64] # تبت يدآ أبي لهب وتب # [المسد:1] وقد شذ الرد في قوله: يديان؛ قال: [الكامل] # 610 يديان بيضاوان عند محلم # قد يمنعانك أن تضام وتقهرا # و " أياد " جمع الجمع، نحو: كلب وأكلب وأكالب، ولا بد في قوله: " ~~يكتبون الكتاب " من حذف يصح معه المعنى، فقدره الزمخشري: " ~~يكتبون الكتاب المحرف " ، وقدره غيره حالا من الكتاب تقديره: ويكتبون ~~الكتاب محرفا، وإنما [أحوج] إلى هذا الإضمار؛ لأن الإنكار لا يتوجه على ~~من كتب الكتاب بيده إلا إذا حرفه غيره. # قوله: " ليشتروا " اللام: لام كي، وقد تقدمت، والضمير في " به " ~~يعود على ما أشاروا إليه بقوله " هذا من عند الله ". # و " ثمنا " مفعوله. # وقد تقدم تحقيق دخول الباء على غير الثمن عند قوله: # ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا # [البقرة:41] فليلتفت إليه، واللام متعلقة ب " يقولون " أي: يقولون ذلك ~~لأجل الاشتراء. # وأبعد من جعلها متعلقة بالاستقرار الذي تضمنه قوله: { من عند ~~الله }. # قوله: { مما كتبت أيديهم } متعلق ب " ويل " أو بالاستقرار ~~في الخبر. # و " من " للتعليل و " ما " موصولة اسمية، والعائد محذوف، ويجوز أن تكون ~~نكرة موصوفة. # والأول أقوى، والعائد أيضا محذوف أي: كتبته، ويجوز أن تكون مصدرية، أي: ~~من كتبهم. # و { ويل لهم مما يكسبون } مثل ما تقدم قبله، وإنما كرر ~~الويل؛ ليفيد أن الهلكة متعلقة بكل واحد من الفعلين على حدته لا ~~بمجموع الأمرين، وإنا قدم قوله: " كتبت " على " يكسبون "؛ لأن ~~الكتابة مقدمة، فنتيجتها كسب المال، فالكتب سبب والكسب مسبب، فجاء ~~النظم على هذا. # فصل في سبب هذا الوعيد # هذا الوعيد مرتب على أمرين: على الكتابة الباطلة لقصد الإضلال، وعلى أن ~~المكتوب من عند الله، فالجمع بينهما منكر عظيم. # وقوله: { ليشتروا به ثمنا قليلا } تنبيه على أمرين: # الأول: أنه يدل على نهاية شقاوتهم؛ لأن العاقل لا يرضى بثمن قليل في ~~الدنيا يحرمه الأجر العظيم الأبدي ms0475 في الآخرة. # والثاني: إنما فعلوا ذلك طلبا للمال والجاه، وهذا يدل على أن أخذ ~~المال بالباطل وإن كان بالتراضي فهو محرم؛ لأن الذي كانوا يعطونه من ~~المال كان عن محبة ورضا. # وقوله: { فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل ~~لهم مما يكسبون } دليل على أخذهم المال عليه، فلذلك كرر ~~[ذكر] الويل. # واختلفوا في قوله: " يكسبون " هل المراد سائر معاصيهم، أو ما كانوا ~~يأخذون على الكتابة والتحريف؟ # والأقرب في نظم الكلام أنه راجع إلى الكسب المأخوذ على وجه الكتابة ~~والتحريف، وإن كان من حيث العموم أنه يشمل الكل. # فصل في الرد على المعتزلة # قال القاضي: دلت الآية على أن كتابتهم ليست خلقا لله تعالى لأنها ~~لو كانت خلقا لله تعالى لكانت إضافتها إليه تعالى بقولهم: { هو ~~من عند الله } حقيقة؛ لأنه تعالى إذا خلقها فيهم فهب أن العبد ~~يكتسب إلا أن نسبة ذلك الفعل إلى الخالق أقوى من انتسابه إلى المكتسب، ~~فكان إسناد تلك الكتابة إلى الله تعالى أولى من إسنادها إلى العبد، ~~فكان يجب أن يستحقوا الحمد على قولهم فيها: إنها من عند الله، ولما لم ~~يكن كذلك علمنا أن تلك الكتابة ليست مخلوقة لله تعالى. # والجواب: أن الداعية الموجبة لها من خلق الله كما تقدم في مسألة ~~الداعي. # فصل # يروى أن أحبار اليهود خافوا ذهاب كلمتهم ومآكلهم وزوال رياستهم ~~حين قدم رسول الله صلى لله عليه وسلم " المدينة " فاحتالوا في تعويق ~~اليهود عن الإيمان، فعمدوا إلى صفة محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة ~~فغيروها، وكان صفته فيها حسن الوجه، حسن الشعر، أكحل العينين ~~ربعة القامة فغيروها وكتبوا مكانها طويلا أزرق سبط الشعر، فإذا ~~سألهم سفلتهم عن محمد صلى الله عليه وسلم قرءوا ما كتبوه عليهم، ~~فيجدونه مخالفا لصفته فيكذبونه. # وقال أبو مالك: نزلت هذه الآية في الكاتب الذي كان يكتب لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فيغير ما يملي عليه. # روى الثعلبي بإسناده # " عن أنس أن رجلا كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم وكان قد قرأ " ~~البقرة " و ms0476 " آل عمران " وكان النبي صلى الله عليه وسلم تلا " غفورا ~~رحيما " فكتب " عليما حكيما " فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~اكتب كيف شئت " قال: فارتد ذلك الرجل عن الإسلام، ولحق ~~بالمشركين فقال: أنا أعلمكم بمحمد إني كنت أكتب ما شئت، فمات ذلك الرجل ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الأرض لا تقبله " قال: ~~فأخبرني أبو طلحة: أنه أتى الأرض التي مات فيها، فوجده منبوذا. " # قال أبو طلحة: ما شأن هذا الميت؟ قالوا دفناه مرارا فلم تقبله الأرض. ### || [2.80] # فقوله: { إلا أياما معدودة } استثناء مفرغ، و " أياما ~~" منصوب على الظرف بالفعل قبله، والتقدير: لن تمسنا النار أبدا إلا ~~أياما قلائل يحصرها العد؛ لأن العد يحصر القليل، وأصل: " أيام ~~": أيوام؛ لأنه جمع يوم، نحو: " قوم وأقوام " ، فاجتمع الياء والواو، ~~وسبقت إحداهما بالسكون، فوجب قلب الواو ياء، وإدغام الياء في الياء مثل: ~~" هين وميت ". # فصل # ذكروا في الأيام المعدودة وجهين: # الأول: أن لفظه الأيام [لا تضاف إلا إلى العشرة فما دونها، ولا تضاف إلى ~~ما فوقها، فيقال: أيام خمسة، وأيام عشرة، ولا يقال: أيام أحد عشر. إلا ~~أن هذا] يشكل بقوله تعالى: # كتب عليكم الصيام # [البقرة:183] إلى أن قال: # أياما معدودات # [البقرة:184] وهي أيام الشهر كله، وهي أزيد من العشرة. # قال القاضي: إذا ثبت أن الأيام محمولة على العشرة فما دونها، فالأشبه ~~أن يقال: إنه الأقل أو الأكثر؛ لأن من يقول ثلاثة يقول: أحمله على أقل ~~الحقيقة فله وجه، ومن يقول: عشرة يقول: أحمله على الأكثر وله وجه. # فأما حمله على أقل من العشرة وأزيد من الثلاثة فلا وجه له؛ لأنه ليس ~~عدد أولى من عدد، اللهم إلا إن جاءت في تقديرها رواية صحيحة، ~~فحينئذ يجب القول بها. # روي عن ابن عباس ومجاهد: أن اليهود كانت تقول: " الدنيا سبعة آلاف سنة، ~~فالله يعذب على كل ألف سنة يوما واحدا ". # وحكى الأصم عن بعض اليهود: أنهم عبدوا العجل سبعة أيام. # وروي عن ابن عباس رضي الله عنه : أنه قدر هذه الأيام بالأربعين، ms0477 وهو ~~عدد الأيام التي عبد آباؤهم العجل فيها، وهي مدة غيبة موسى عليه ~~الصلاة والسلام عنهم. # وقال الحسن وأبو العالية: قالت اليهود: إن ربنا عتب علينا في أمرنا، ~~فأقسم ليعذبنا أربعين يوما، فلن تمسنا النار إلا أربعين يوما تحلة ~~القسم، فكذبهم الله تعالى بقوله تعالى: { قل أتخذتم عند ~~الله عهدا }. # وقالت طائفة: إن اليهود قالت في التوراة: إن جهنم مسيرة أربعين سنة، ~~وأنهم يقطعون في كل يوم سنة حتى يكملوها، وتذهب جهنم. رواه الضحاك عن ~~ابن عباس. # وعن ابن عباس رضي الله عنه زعم اليهود أنه وجدوا في التوراة مكتوبا ~~أن ما بين طرفي جهنم أربعين سنة إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم، فتذهب ~~جهنم وتهلك. # فإن قيل: { وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما ~~معدودة } وقال في مكان آخر: # أياما معدودات # [آل عمران:24] والمصروف في المكانين واحد وهو " أيام ". # فالجواب: أن الاسم إن كان مذكرا، فالأصل في صفة جمعه التاء، يقال: كوز ~~وكيزان مكسورة، وثياب مقطوعة، وإن كان مؤنثا كان الأصل في صفة جمعه ~~الألف والتاء يقال: جرة وجرار مكسورات، وخابية وخوابي مكسورات، ~~إلا أنه قد يوجد الجمع بالألف والتاء فيما واحده مذكر في بعض الصور، ~~وعلى هذا ورد قوله: # في أيام معدودات # [البقرة:203]، و # في أيام معلومات # [الحج:28]. # فصل في مدة الحيض # ذهب الحنفية إلى أن أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة، واحتجوا ~~بقوله عليه الصلاة والسلام: # " دعي الصلاة أيام أقرائك " # فمدة الحيض تسمى أياما، وأقل عدد يسمى أياما ثلاثة، وأكثره عشرة على ~~ما بينا، وعليه الإشكال المتقدم. # قوله: " أتخذتم " الهمزة للاستفهام، ومعناها الإنكار ~~والتقريع، وبها استغني عن همزة الوصل الداخلة على " أتخذتم " كقوله: # أفترى على الله # [سبأ:8] # أصطفى # [الصافات:153] وبابه. وقد تقدم القول في تصريف " أتخذتم " وخلاف ~~أبي علي فيها. # ويحتمل أن تكون هنا لواحد. # وقال أبو البقاء: وهو بمعنى " جعلتم " المتعدية لواحد. # ولا حاجة إلى جعلها بمعنى " جعل " لتعديها لواحد، بل المعنى: هل أخذتم ~~من الله عهدا؟ ويحتمل أن يتعدى لاثنين، الأول " عهد " ، والثاني " عند ~~الله " مقدما ms0478 عليه، فعلى الأول يتعلق " عند الله " ب " اتخذتم ~~". # وعلى الثاني يتعلق بمحذوف. # ويجوز نقل حركة همزة الاستفهام إلى لام " قل " قبلها، فتفتح وتحذف ~~الهمزة. وهي لغة مطردة قرأ بها نافع في رواية ورش عنه. # قوله: { فلن يخلف الله } هذا جواب الاستفهام المتقدم في قوله: ~~" أتخذتم ". # وهل هذا بطريق تضمين الاستفهام معنى الشرط، أو بطريق إضمار الشرط بعد ~~الاستفهام وأخواته؟ # قولان [تقدم تحقيقهما] واختار الزمخشري القول الثاني، فإنه قال: " ~~فلن يخلف " متعلق بمحذوف تقديره: إن اتخذتم عند الله عهدا فلن ~~يخلف الله عهده. # وقال ابن عطية: " فلن يخلف الله عهده: اعتراض بين أثناء الكلام " كأنه ~~يعني بذلك أن قوله: " أم تقولون " معادل لقوله: " أتخذتم " فوقعت هذه ~~الجملة بين المتعادلين معترضة، والتقدير أي هذين واقع اتخاذكم العهد ~~أم قولكم بغير علم؟ فعلى هذا لا محل لها من الإعراب، وعلى الأول محلها ~~الجزم. # قوله: " أم تقولون " " أم " هذه يجوز فيها وجهان: # أحدهما: أن تكون متصلة، فتكون للمعادلة بين الشيئين، أي: أي هذين ~~واقع، وأخرجه مخرج المتردد فيه، وإن كان قد علم وقوع أحدهما، وهو ~~قولهم على الله ما لا يعلمون للتقرير، ونظيره: # وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين # [سبأ:24] علم أيهما على هدى، وأيهما في ضلال، وقد عرف شروط المتصلة أول ~~السورة. # ويجوز أن تكون منقطعة، فتكون غير عاطفة، وتقدر ب " بل " والهمزة، ~~والتقدير: بل أتقولون، ويكون الاستفهام للإنكار؛ لأنه قد وقع القول منهم ~~بذلك، هذا هو المشهور في " أم " المنقطعة، وزعم جماعة أنها تقدر ب " بل ~~" وحدها دون همزة استفهام، فيعطف ما بعدها [على ما قبلها] في الإعراب؛ ~~واستدل عليه بقولهم: " إن لنا إبلا أم شاء " بنصب " شاء " وقول ~~الآخر: [الطويل] # 611 فليت سليمى في الممات ضجيعتي # هنالك أم في جنة أم جهنم # التقدير: بل في جهنم، ولو كانت همزة الاستفهام مقدرة بعدها لوجب ~~الرفع في " شاء " ، و " جهنم " على أنها خبر لمبتدأ محذوف، وليس لقائل أن ~~يقول: هي في هذين الموضعين متصلة لما عرف أن من شرطها أن ms0479 تتقدمها ~~الهمزة لفظا أو تقديرا، ولا يصلح ذلك هنا. # قوله: " ما لا تعلمون " ما منصوبة ب " تقولون " ، وهي موصولة ~~بمعنى " الذي " أو نكرة موصوفة، والعائد على كلا القولين محذوف، أي: ما ~~لا تعلمونه، فالجملة لا محل لها على القول الأول، ومحلها النصب على ~~الثاني. # فصل في الاستدلال بالآية على أمور # الآية تدل على أمور: # أحدها: أن القول بغير دليل باطل. # الثاني: ما جاز وجوده وعدمه عقلا لم يجز المصير إلى الإثبات أو إلى ~~النفي إلا بدليل سمعي. # الثالث: تمسك منكرو القياس وخبر الواحد بهذه الآية، قالوا: لأن القياس ~~وخبر الواحد لا يفيدان العلم، فهو قول على الله بما لا يعلم. # والواجب: أنه دلت الدلائل على وجوب العمل عند حصول الظن المستفاد من ~~القياس، منه خبر الواحد، فكان وجوب العمل عنده معلوما، فكان القول به ~~قولا بالمعلوم. ### || [2.81] # " بلى " حرف جواب ك " نعم وجير وأجل وإي " ، إلا أن " بلى " جواب ~~لنفي متقدم، سواء دخله استفهام أم لا فيكون إيجابا له نحو قول القائل ~~ما قام زيد، فتقول: بلى، أي: قد قام، وتقول: أليس زيد قائما فتقول: بلى ~~أي هو قائم قال تعالى: # ألست بربكم قالوا بلى # [الأعراف:172] ويروى عن ابن عباس أنهم لو قالوا نعم لكفروا. # وقال بعضهم: إن " بلى " قد تقع جوابا لنفي متقدم وقد تقع جوابا ~~لاستفهام إثبات كما قال عليه الصلاة والسلام للذي سأله عن عطية أولاده: ~~أتحب أن تساوي بين أولادك في البر؟ قال: " بلى ~~". # وقوله عليه الصلاة والسلام لرجل: ألست أنت الذي لقيته ~~ب " مكة "؟ قال: " بلى " فأما قوله: [الوافر] # 612 أليس الليل يجمع أم عمرو # وإيانا، فذاك بنا تداني # نعم وترى الهلال كما أراه # ويعلوها النهار كما علاني # فقيل: ضرورة. # وقيل: نظر إلى المعنى؛ لأن الاستفهام إذا دخل على النفي قرره وبهذا ~~يقال: فيكف نقل عن ابن عباس أنهم لو قالوا لكفروا مع أن النفي صار ~~إيجابا. وقيل: قوله: " نعم " ليس جوابا ب " أليس " إنما هو جواب ~~لقوله: " فذاك بنا تداني " فقوله تعالى: " بلى " رد ms0480 لقولهم: { ~~لن تمسنا النار } أي: بلى تمسكم أبدا، في مقابلة قولهم: { ~~إلا أياما معدودات } وهو تقدير حسن. # والبصريون يقولون: إن " بلى " حرف بسيط، وزعم الكوفيون أن أصلها " بل ~~" التي للإضراب زيدت عليها " الباء " ليحسن الوقف عليها، وضمنت الياء ~~معنى الإيجاب قيل: تدل على رد النفي، والياء تدل على الإيجاب يعنون ~~بالياء الألف. وإنما سموها ياء؛ لأنها حرف عال وتكتب بالياء. # و " من " يجوز فيها وجهان. # أحدهما: أن تكون موصولة بمعنى " الذي " والخبر قوله: " فأولئك " ، وجاز ~~دخول الفاء في الخبر لاستكمال الشروط، ويؤيد كونها موصولة، وذكر قسيمها ~~موصولا وهو قوله: " والذين كفروا " ، ويجوز أن تكون شرطية، ~~والجواب قوله: " فأولئك " ، وعلى كلا القولين فحملها الرفع ~~بالابتداء، ولكن إذا قلنا: # إنها موصولة كان الخبر: " فأولئك " وما بعدها بلا خلاف، ولا يكون لقوله: ~~" كسب سيئة " وما عطف عليه محل من الإعراب؛ لوقوعة صلة. # وإذا قلنا: إنها شرطية جاء في خبرها الخلاف المشهور، إما الشرط أو ~~الجزاء، أو هما حسب ما تقدم، ويكون قوله: " كسب " وما عطف عليه في ~~محل جزم بالشرط. # " سيئة " مفعول به، وأصلها: " سيوئة "؛ لأنها من ساء يسوء فوزنها ~~" فيعلة " فاجتمع الياء والواو، وسبقت إحداهما بالسكون، فأعلت إعلال ~~" سيد وميت " كما تقدم. # وراعى لفظ " من " فأفرد في قوله: { كسب سيئة وأحاطت به ~~خطيئته } والمعنى مرة أخرى مجمع في قوله: { فأولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون }. # وقرأ نافع وأهل " المدينة " " خطيئاته " بجمع السلامة والجمور: " ~~خطيئة " بالإفراد، ووجه القراءتين ينبني على معرفة السيئة والخطيئة. # وفيهما أقوال: # أحدها: أنهما عبارتان عن الكفر بلفظين مختلفين. # الثاني: أنهما عبارتان عن الكفر بلفظين مختلفين. # الثالث: [عكس الثاني]. # فوجه قراءة الجماعة على الأول والثالث أن المراد بالخطيئة الكفر، وهو ~~مفرد، وعلى الوجه الثاني أن المراد به جنس الكبيرة، ووجه قراءة نافع ~~على الوجه الأول والثالث أن المراد بالخطيئات أنواع الكفر المتجددة ~~في كل وقت، وعلى الوجه الثاني أن المراد به الكبائر وهي جماعة. # وقيل: المراد بالخطيئة نفس السيئة المتقدمة، فسماها بهذين الاسمين ~~تقبيحا لها كأنه قال: وأحاطت به خطيئته ms0481 تلك أي السيئة، ويكون المراد ~~بالسيئة الكفر، أو يراد بهم العصاة، ويكون أراد بالخلود المكث ~~الطويل، ثم بعد ذلك يخرجون. # وقوله: { فأولئك أصحاب النار } إلى آخره تقدم نظيره. # وقرى " خطاياه " تكسيرا، وهذه مخالفة لسواد المصحف؛ فإنه رسم " خطيئته ~~" بلفظ التوحيد، وتقدم القول في تعريف خطايا. # فصل في لفظة " بلى " # قال صاحب " الكشاف ": بلى إثبات لما بعد حرف النفي، وهو قوله: { لن ~~تمسنا النار } أي: بلى تمسكم أبدا بدليل قوله: { وهم ~~فيها خالدون }. # أما السيئة فإنها تتناول جميع المعاصي، قال تعالى: # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى:40] # من يعمل سوءا يجز به # [النساء:123] ولما كان من الجائز أن يظن أن كل سيئة صغرت أو كبرت، ~~فحالها سواء في أن فاعلها يخلد في النار لا جرم بين تعالى أن الذي ~~يستحق به الخلود أن يكون سيئة محيطة به، ومعلوم أن لفظ الإحاطة حقيقة ~~في إحاطة جسم بجسم آخر كإحاطة السور بالبلد والكوز بالماء، وذلك هاهنا ~~ممتنع، فنحمله على ما إذا كانت السيئة كبيرة لوجهين: # أحدهما: أن المحيط يستر المحاط به، والكبيرة لكونها محيطة لثواب الطاعات ~~كالساترة لتلك الطاعات، فكانت المشابهة حاصلة من هذه الجهة. # والثاني: أن الكبير إذا أحبطت ثواب الطاعات، فكأنها استولت على ~~تلك الطاعات، وأحاطت بها كما يحيط العسكر بالإنسان بحيث لا يتمكن من ~~التخلص منه فكأنه تعالى قال: بلى من كسب كبيرة وأحاطت كبيرته ~~بطاعاته، فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. # فإن قيل: هذه الآية: وردت في حق اليهود؟ # [فالجواب]: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، هذا وجه استدلال ~~المعتزلة في إثبات الوعيد لأصحاب الكبائر. # وقد اختلف أهل القبلة [فيه] فمنهم من قطع بوعيدهم وهم فريقان؛ منهم من ~~أثبت الوعيد المؤبد، وهم جمهور المعتزلة والخوارج. # ومنهم من أثبت وعيدا منقطعا، وهو قول بشر المريسي. # ومنهم من قطع بأنه لا وعيد لهم، وهو قول شاذ ينسب إلى مقاتل بن سليمان ~~المفسر. # والقول الثالث: أنا نقطع بأنه سبحانه يعفو عن بعض العصاة ولكنا ~~نتوقف في حق كل أحد على التعيين، ونقطع بأنه ms0482 إذا عذب أحدا منهم، ~~فإنه لا يعذبه أبدا، بل يقطع عذابه، وهذا قول أكثر الأصحاب ~~والتابعين، وأهل السنة والجماعة، وأكثر الإمامية، فيشتمل هذا البحث على ~~مسألتين. # إحداهما: القطع بالوعيد. # والأخرى: إذا ثبت الوعيد، فهل يكون ذلك على صفة الدوام أم لا؟ أما ~~المعتزلة فإنهم استدلوا بالعمومات الواردة وهي على قسمين: # أحدهما: صيغة " من " في معرض الشرط. # والثاني: صيغة الجمع. فأما صيغة " من " في الشرط فإنها تفيد العموم ~~على ما ثبت في أصول الفقه، فكل آية وردت في القرآن بصيغة " من " في ~~الوعيد، فقد استدلت المعتزلة بها. # قالوا: لأنها تفيد العموم من وجوه: # أحدها: أنها لو لم تكن موضوعة للعموم لكانت إما موضوعة للخصوص، أو ~~مشتركة بينهما، والقسمان باطلان، فوجب كونها موضوعة للعموم. # أما بطلان كونها موضوعة للخصوص، فلأنه لو كان كذلك لما حسن من ~~المتكلم أن يعطي الجزاء لكل من أتى بالشرط؛ لأن على هذا التقدير لا ~~يكون ذلك الجزاء مرتبا على ذلك الشرط لكنهم أجمعوا على أنه إذا قال: من ~~دخل داري أكرمته أنه يحسن أن يكرم كل من دخل داره، فعلمنا أن هذه اللفظة ~~ليست للخصوص. # وأما بطلان كونها موضعة للاشتراك فلأمرين: # الأول: أن الاشتراك خلاف الأصل. # والثاني: أنه لو كان ذلك لما عرف كيفية ترتب الجزاء على الشرط إلا ~~بعد الاستفهام عن جميع الأقسام الممكنة مثل أنه إذا قال: من دخل داري ~~أكرمته، فيقال له: أردت الرجال أو النساء؟ فإذا قال: أردت الرجال يقال ~~له: أردت العرب أم العجم؟ فإذا قال: أردت العرب يقال له: أردت ربيعة أم ~~مضر؟ وهلم جرا إلى أن يأتي على جميع التقسيمات الممكنة، لما علمنا ~~بالضرورة من عادة أهل اللسان قبح ذلك علمنا أن القول بالاشتراك باطل. # الوجه الثاني: صحة الاستثناء منهما، فإن الاستثناء يخرج من الكلام ما ~~لولاه لدخل. # الوجه الثالث: أنه لما نزل قوله تعالى: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [الأنبياء:98] قال ابن الزبعرى: لأخصمن محمدا صلى الله عليه وسلم ~~ثم قال يا محمد أليس قد عبدت ms0483 الملائكة؟ أليس قد عبد عيسى ابن مريم، فتمسك ~~بعموم اللفظ والنبي عليه الصلاة لم ينكر عليه ذلك، فدل ذلك على أن ~~هذه الصيغة تفيد العموم. # النوع الثاني من دلائل المعتزلة: التمسك في الوعيد بصيغة الجمع المعرفة ~~بالألف واللام، قال تعالى: # وإن الفجار لفي جحيم # [الانفطار:14] فإنها تفيد العموم، ويدل عليه وجوه: # أحدها: قول أبي بكر رضي الله عنه: " الائمة من قريش " والأنصار ~~سلموا له صحة تلك الحجة. ولما هم بقتال مانعي الزكاة قال له عمر رضي ~~الله عنه: أليس قال النبي صلى الله عليه وسلم # " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا ~~الله " # فاحتج عليه بهذا اللفظ بعمومه، ولم يقل أبو بكر ولا أحد من الصحابة: إن ~~اللفظ لا يفيده، بل عدل إلى الاستثناء، فقال إنه عليه الصلاة والسلام ~~قال: # " إلا بحقها ". # الثاني: أن هذا الجمع يؤكد بما يقتضي الاستغراق، فوجب أن يفيد ~~الاستغراق لقوله تعالى: # فسجد الملائكة كلهم أجمعون # [الحجر:30] وما كان كذلك فوجب أن يؤكد المؤكد في أصله الاستغراق؛ لأن ~~هذه الألفاظ مسماة بالتأكيد أجماعا، والتأكيد هو تقوية الحكم الذي كان ~~ثابتا في الأصل. # الثالث: صحة الاستثناء منه. # الرابع: أن المعرف يقتضي الكثرة فوق المنكر؛ لأنه يصح انتزاع المنكر من ~~المعرف ولا ينعكس، ومعلوم أن المنتزع [منه أكثر من المنتزع]. # النوع الثاني: صيغ الجموع المقرونة بحرف " الذي " كقوله تعالى: # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما # [النساء:10] # الذين تتوفاهم الملآئكة # [النحل:28] # والذين كسبوا السيئات # [يونس:27] # والذين يكنزون الذهب والفضة # [التوبة:34] # وليست التوبة للذين يعملون السيئات # [النساء:18] فلو لم يكن الفاسق من أهل الوعيد لم يكن له في التوبة حاجة. # النوع الثالث: لفظة " ما " كقوله # سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة # [آل عمران:180]. # النوع الرابع: لفظة " كل " كقوله: # ولو أن لكل نفس ظلمت # [يونس:54]. # النوع الخامس: ما يدل على أنه سبحانه لا بد وأن يفعل ما توعدهم به ~~وهو قوله: # لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد ما ~~يبدل القول لدي # [ق:28، 29] صريح في أنه تعالى لا بد ms0484 وأن يفعل ما دل اللفظ عليه، ~~وكذا الكلام في الصيغ الواردة في الحديث. # والجواب من وجوه: # أحدها: لا نسلم أن صيغة " من " في [معرض] الشرط للعموم، ولا نسلم أن ~~صيغة الجمع إذا كانت معرفة بالألف واللام كانت للعموم، والذي يدل عليه ~~أمور: # الأول: أنه يصح إدخال لفظتي الكل والبعض على هاتين اللفظتين، فيقال: ~~كل من دخل داري أكرمته، وبعض من دخل داري أكرمته، ويقال أيضا: كل ~~الناس كذا، وبعض الناس كذا، ولو كانت لفظة " من " في معرض الشرط تفيد ~~العموم لكان إدخال لفظة " كل " عليها تكريرا، وإدخال لفظة " بعض " عليها ~~نقضا، وكذلك في [لفظ الجمع] المعرف. # الثاني أن هذه الصيغ جاءت في كتاب الله تارة للاستغراق، وأخرى للبعض، ~~فإن أكثر العمومات مخصوصة، والمجاز والاشتراك خلاف الأصل، فلا بد من جعله ~~حقيقة في القدر المشترك بين العموم والخصوص، وذلك هو أن يحمل على إفادة ~~الأكثر من غير بيان أن يفيد الاستغراق أو لا يفيد. # الثالث: أن هذه الصيغ لو أفادت العموم إفادة قطعية لاستحال إدخال لفظ ~~التأكيد عليها؛ لأن تحصيل الحاصل محال، فحيث حسن إدخال هذه الألفاظ ~~عليها علمنا أنها لا تفيد معنى العموم لا محالة، سلمنا أنها تفيد معنى ~~ولكن إفادة قطعية أو ظنية، والأول ممنوع وباطل قطعا؛ لأن من المعلوم ~~بالضرورة أن الناس كثيرا ما يعبرون عن الأكثر بلفظ الكل، والجمع على ~~سبيل المبالغة كقوله تعالى: # وأوتيت من كل شيء # [النمل:23] وإذا كانت هذه الألفاظ تفيد معنى العموم إفادة ظنية، وهذه ~~المسألة ليست من المسائل الظنية، سلمنا أنها تفيد معنى العموم إفادة ~~قطعية، ولكن لا بد من اشتراط ألا يوجد شيء من المخصصات، فإنه لا نزاع ~~في جواز تطرق التخصيص إلى العام، فلم قلتم: إنه لم يوجد شيء من المخصصات؟ ~~أقصى ما في الباب أن يقال: بحثنا فلم نجد شيئا من المخصصات، لكن عدم ~~الوجدان لا يدل على عدم الوجود. # وإذا كانت إفادة هذه الألفاظ الاستغراق متوقفة على نفي المخصصات، وهذا ~~الشرط غير معلوم [كانت الدلالة متوقفة على شرط ms0485 غير معلوم] فوجب ألا ~~تحصل الدلالة، ومما يؤكد هذا قوله تعالى: # إن الذين كفروا سوآء عليهم أأنذرتهم أم ~~لم تنذرهم لا يؤمنون # [البقرة:6] حكم على كل الذين كفروا أنهم لا يؤمنون، ثم إنا شاهدنا قوما ~~منهم قد آمنوا، فعلمنا أنه لا بد من أحد الأمرين: # إما لأن هذه الصيغة ليست موضوعة للشمول، أو لأنها وإن كانت موضوعة لهذا ~~المعنى، إلا أنه قد وجدت قرينة في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم ~~كانوا يعلمون من أجلها أن مراد الله تعالى من هذا العموم هو الخصوص، ~~وأما ما كان هناك فلم يجوز مثله هاهنا؟ سلمنا أنه لا بد من بيان ~~المخصص لكن آيات العفو مخصصة لها، والرجحان معنا؛ لأن آيات العفو بالنسبة ~~إلى آيات الوعيد خاصة بالنسبة إلى العام، والخاص مقدم على العام لا ~~محالة، سلمنا أنه لا يوجد المخصص، ولكن عمومات الوعيد معارضة بعمومات ~~الوعد، ولا بد من الترجيح، وهو معنى من وجوه: # أحدها: أن الوفاء بالوعد أدخل في الكرم من الوفاء بالوعيد. # الثاني: أنه قد اشتهر في الأخبار أن رحمة الله سابقة على غضبه وغالبة ~~عليه، فكان ترجيح عمومات الوعد أولى. # الثالث: أن الوعيد حق الله تعالى والوعد حق العبد، وحق العبد أولى ~~بالتحصيل من حق الله تعالى، سلمنا أنه لم يوجد المعارض، ولكن هذه ~~العمومات نزلت في حق الكفار، فلا تكون قاطعة في العمومات. # فإن قيل: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. # قلنا: هب أنه كذلك، ولكن لما رأينا كثيرا من الألفاظ العامة وردت في ~~الأسباب الخاصة، والمراد تلك الأسباب الخاصة فقط علمنا أن إفادتها ~~للعموم لا تكون قوية. والله أعلم. # فهذا أصل البحث في دلائل الفريقين، وأما دلائل الفريقين من الكتاب ~~والسنة فكثيرة، فمنها على هذه الأصل حجة من قال بالعفو في حق العبد، ~~[وبعض] الآيات الدالة على أنه تعالى غفور رحيم غافر غفار، وهذا لا ~~يحسن إلا في حق من يستحق العذاب. # [فإن قيل]: لم لا يجوز حمله على تأخير العقاب كقوله في قصة اليهود: # ثم عفونا ms0486 عنكم # [البقرة:52] والمراد تأخير العقاب إلى الآخرة، وكذا قوله: # ومآ أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ~~ويعفوا عن كثير # [الشورى:30] وكذا قوله: # أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير # [الشورى:34]. # فالجواب: العفو أصله الإزالة من عفا أمره كما قال تعالى: # فمن عفي له من أخيه شيء # [البقرة:178] وليس المراد منه التأخير إلى وقت معلوم، بل الإسقاط ~~المطلق، فإن الغريم إذا أخر المطالبة لا يقال: إنه عفى فيه، ولو أسقطه ~~يقال: إنه عفى عنه. # الثانية: قوله تعالى: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء:48] وهذا يتناول صاحب [الصغيرة وصاحب الكبيرة] قبل التوبة؛ لأن ~~الغفران للتائبين وأصحاب الصغائر واجب غير معلق على المشيئة. # فإن قيل: لا نسلم أن تلك المغفرة تدل على أنه تعالى لا يعذب ~~العصاة في الآخرة؛ لأن المغفرة إسقاط العقاب، وهو أعم من إسقاطه دائما ~~أو لا دائما واللفظ الموضوع بإزار القدر المشترك لا إشعار له بكل ~~واحد، فيجوز أن يكون المراد أن الله تعالى لا يؤخر عقاب الشرك في ~~الدنيا لمن يشاء، ويؤخر عقاب ما دون ذلك في الدنيا لمن يشاء. فحصل بذلك ~~تخويف كل الفريقين. # سلمنا أن الغفران عبارة عن الإسقاط على الدوام، فلم لا يمكن حمله على ~~مغفرة التائب، ومغفرة صاحب الصغيرة؟ # وأيضا لا نسلم أن قوله: " ما دون ذلك " يفيد العموم لصحة إدخال ~~لفظ " كل " و " بعض " على البدل، [مثل أن] يقال: ويغفر كل ما دون ذلك، ~~وهو يمنع العموم. # سلمنا أنه للعموم، ولكنا نخصصه بصاحب الصغيرة وصاحب الكبيرة بعد التوبة. # فالجواب: أما إذا حملنا المغفرة على التأخير، وجب أن يكون عقاب المشركين ~~في الدنيا أكثر [من عقاب المؤمنين]، وإلا لم يكن في التفضيل فائدة، ~~وليس كذلك لقوله تعالى: # لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا ~~من فضة ومعارج # [الزخرف:33]. # قوله: لم قلتم: إن قوله: " ما دون ذلك " يفيد العموم؟ # قلنا: لأن قوله " ما " تفيد الإشارة إلى الماهية الموصوفة بأنها دون ~~الشرك وهذه الماهية ماهية واحدة، وقد حكم قطعا ms0487 بأنه يغفرها، ففي كل ~~صغيرة متحقق فيها هذه الماهية وجب تحقق الغفران. # الثالثة: قال يحيى بن معاذ: إلهي إذا كان توحيد ساعة يهدم كفر خمسين ~~سنة فتوحيد خمسين سنة كيف لا يهدم معصية ساعة إلهي لما كان الكفر لا ينفع ~~معه شيء من الطاعات كان مقتضى العدل أن الإيمان لا يضر معه شيء من ~~المعاصي لعمومات الوعد وهي كثيرة ثم نقول: لما وقع التعارض فلا بد من ~~الترجيح وهو معنا من وجوه: # أحدها: أن عمومات الوعد أكثر، والترجيح بكثرة الأدلة أمر معتبر في ~~الشرع. # وثانيها: قوله تعالى: # إن الحسنات يذهبن السيئات # [هود:114] [يدل على أن الحسنة إنما كانت مذهبة للسيئة لكونها حسنة، ~~فوجب أن تكون كل حسنة مذهبة لكل سيئة] ترك العمل به في حسنات الكفار، ~~[فإنها لا تذهب سيئاتهم] فيبقى معمولا به في الباقي. # وثالثها: تضعف الحسنة، كما قال تعالى: # كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة ~~مئة حبة # [البقرة:261] ثم زاد فقال: { والله يضاعف لمن يشآء } وفي ~~جانب السيئة قال: # ومن جآء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها # [الأنعام:160]. # ورابعها: قال في آية الوعد: # خالدين فيهآ أبدا وعد الله حقا ومن أصدق من ~~الله قيلا # [النساء:122]. # ذكره للتأكيد ولم يقل في شيء من المواضع وعيد الله حقا. # وخامسها: أن القرآن مملوء من كونه تعالى غافرا غفورا رحيما كريما ~~عفوا رحمانا. والأخبار في هذا قد بلغت حد التواتر، وكل ذلك يوجب ~~رجحان الوعد، وليس في القرآن ما يدل على أنه تعالى بعيد عن الرحمة ~~والكرم والعفو، وكل ذلك يوجب رجحان جانب الوعد. # سادسها: أن الإنسان [هذا أتى] بأفضل الخيرات وهو الإيمان ولم يأت بأقبح ~~القبائح وهو الكفر [بل أتى بالشر الذي هو في طبقة القبائح ليس في الغاية ~~والسيد إذا أتى عبده من الطاعات، وأتى بمعصية متوسطة، فلو تولى بتلك ~~المعصية على الطاعة لعد لئيما مؤذيا]. # فصل في الاستدلال بالآية # قد شرط في هذه الآية شرطان: # أحدهما: اكتساب السيئة. # والثاني: إحاطة تلك السيئة بالعبد. وذلك يدل على أنه لا ms0488 بد من وجود ~~الشرطين ولا يكفي وجود أحدهما، وهذا يدل على أن من عقد اليمين على شرطين ~~في طلاق أو إعتاق أنه لا يحنث بوجود أحدهما. ### || [2.82] # اعلم أنه سبحانه وتعالى: ما ذكر في القرآن آية وعيد إلا وذكر في جنبها ~~آية وعد، وذلك لفوائد: # أحدها: أن يظهر سبحانه بذلك عدله؛ لأنه لما حكم بالعذاب الدائم على ~~المصرين على الكفر، وجب أن يحكم بالنعيم الدائم على المصرين على ~~الإيمان. # وثانيها: أن المؤمن لا بد وأن يعتدل خوفه ورجاؤه على ما قال عليه ~~الصلاة والسلام: # " المؤمن لو وزن خوفه ورجاؤه لاعتدلا " # وذلك الاعتدال لا يحصل إلا بهذا الطريق. # وثالثها: أن يظهر بوعده كمال رحمته وبوعيده كما حكمته، فيصير ذلك ~~سببا [للعرفان]. # فإن قيل: دلت الآية على أن العمل الصالح خارج عن الإيمان؛ لأنه لو دل ~~الإيمان على العمل الصالح لعد الإيمان تكريرا. # أجاب القاضي: بأن الإيمان وإن كان يدخل فيه جميع الأعمال الصالحة إلا ~~أن قوله: " آمن " لا يفيد إلا أنه فعل فعلا واحدا من أفعال الإيمان، ~~فلهذا حسن أن يقول: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات }. # والجواب: أن فعل الماضي يدل على حصول المصدر في زمان معين والإيمان هو ~~المصدر فلو دل ذلك على جميع الأعمال الصالحة لكان قوله: " آمن " ~~دليلا على صدور تلك الأعمال منه. # فصل في مرتكب الكبيرة # هذه الآية تدل على أن صاحب الكبيرة قد يدخل الجنة؛ لأنه أتى بالإيمان ~~والأعمال الصالحات، ثم أتى بعد ذلك بالكبيرة، ولم يتب عنها، فهذا ~~الشخص قبل إتيانه بالكبيرة كان قد صدق عليه أنه آمن، وعلم الصالحات [في ~~ذلك الوقت، ومن صدق عليه ذلك قوله: { أولئك أصحاب الجنة ~~هم فيها خالدون }. # فإن قيل قوله تعالى: " وعملوا الصالحات " لا يصدق عليه إلا إذا ~~أتى بجميع [الأعمال]، ومن جملة الصالحات التوبة، فإذا لم يأت بها لم ~~يكن آتيا بالصالحات، فلا يندرج تحت [الآية]. # قلنا: [لو سلمنا أنه قبل] الإتيان بالكبيرة [صدق] عليه أنه آمن وعمل ~~الصالحات [لأنه متى صدق المركب يجب صدق المفرد، بل إنه ms0489 إذا أتى بالكبيرة ~~لم يصدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات] في كل الأوقات، لكن قولنا: آمن وعمل ~~الصالحات أعم من قولنا: إنه كذلك في كل الأوقات، أو في بعض الأوقات، ~~والمعتبر في الآية هو القدر المشترك، فثبت أنه مندرج تحت حكم ~~الوعد. ### || [2.83] # " إذ " معطوف على الظرف قبله، وقد تقدم ما فيه من كونه متصرفا أو لا. # و " أخذنا " في محل خفض، أي: واذكر وقت أخذنا ميثاقهم، أو نحو ~~ذلك. # " لا تعبدون " قرأ ابن كثير وغيره والكسائي بالياء، والباقون ~~بالتاء. # فمن قرأ بالغيبة فلأن الأسماء الظاهرة حكمها الغيبة، ومن قرأ بالخطاب ~~هو التفات، وحكمته أنه أدعى لقبول المخاطب الأمر والنهي الواردين ~~عليه. # وجعل أبو البقاء قراءة الخطاب على إضمار القول. # قال: يقرأ بالتاء على تقدير: قلنا لهم: لا تعبدون إلا الله وكونه ~~التفاتا أحسن. # وفي هذه الجملة المنفية من الإعراب ثمانية أوجه: # أظهرها: أنها مفسرة لأخذ الميثاق، وذلك لأنه تعالى لما ذكر أنه أخذ ~~ميثاق بني إسرائيل كان في ذلك إبهام للميثاق ما هو؟ فأتى بهذه الجملة ~~مفسرة له، ولا محل لها حينئذ من الإعراب. # الثاني: أنها في محل نصب على الحال من " بني إسرائيل " وفيها ~~حينئذ وجهان: # أحدهما: أنها حال مقدرة بمعنى: أخذنا ميثاقهم مقدرين التوحيد أبدا ما ~~عاشوا. # والثاني: أنها حال مقارنة بمعنى: أخذنا ميثاقهم ملتزمين الإقامة ~~على التوحيد، قاله أبو البقاء [وسبقه إلى ذلك قطرب والمبرد]. # وفيه نظر من حيث مجيء الحال من المضاف إليه في غير المواضع الجائز فيها ~~ذلك على الصحيح، خلافا لمن أجاز مجيئها من المضاف إليه مطلقا، لا ~~يقال: المضاف إليه معمول له في المعنى ل " ميثاق "؛ لأن ميثاقا إما ~~مصدر أو في حكمه، فيكون ما بعده إما فاعلا أو مفعولا، وهو غير جائز؛ ~~لأن من شرط عمل المصدر غير الواقع موقع الفعل أن ينحل إلى حرف مصدري، ~~وفعل هذا لا ينحل لهما، لو قدرت: وإذ أخذنا أن نواثق بني إسرائيل، أو أن ~~يواثقنا بنو إسرائيل، لم يصح ألا ترى أنك لو قلت: ms0490 أخذت علم زيد لم يتقدر ~~بقول: أخذت أن يعلم زيد، ولذلك منع ابن الطراوة في ترجمة سيبويه: " هذا ~~باب علم ما الكلم من العربية " أن يقدر المصدر بحرف مصدري والفعل، ورده ~~وأنكر على من أجازه. # الثالث: أن يكون جوابا لقسم محذوف دل عليه لفظ الميثاق، أي: ~~استحلفناهم، أو قلنا لهم: بالله لا تعبدون، ونسب هذا الوجه لسيبويه، ~~ووافقه الكسائي والفراء والمبرد. # الرابع: أن يكون على تقدير حذف حرف الجر، وحذف " أن " ، والتقدير: أخذنا ~~ميثاقهم على ألا تعبدوا، فحذف حرف الجر؛ لأن حذفه مطرد مع " أن ~~وأن " كما تقدم، ثم حذفت " أن " الناصبة، فارتفع الفعل بعدها؛ كقول ~~طرفة: [الطويل] # 613 ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى # وأن أشهد اللذات، هل أنت مخلدي # وحكي عن العرب: " مره يحفرها " أي: بأن يحفرها، والتقدير: عن أن ~~يحضر، أو بأن يحفرها، وفيه نظر، فإن [إضمار] " أن " لا ينقاس، إنما يجوز ~~في مواضع عدها النحويون، وجعلوا ما سواها شاذا قليلا، وهو الصحيح ~~خلافا للكوفيين، وإذا حذفت " أن " ، فالصحيح جواز [النصب والرفع]، وروي ~~" مره يحفرها " و " أحضر الوغى " بالوجهين، وهذا رأي المبرد ~~والكوفيين خلافا لأبي الحسن، حيث التزم رفعه. # وأيد الزمخشري هذا الوجه الرابع بقراءة عبد الله: " لا تعبدوا " ~~على النهي، قال: إلا أنه جاء على لفظ الخبر لقوله تعالى: # لا تضآر والدة بولدها # [البقرة:233]، قال: والذي يؤكد كونه نهيا [قوله: " وأقيموا الصلاة " ] ~~فإنه تنصره قراءة عبد الله وأبي: " لا تعبدوا ". # الخامس: أن يكون في محل نصب بالقول المحذوف، وذلك القول حال تقديره: ~~قائلين لهم: لا تعبدون إلا الله، ويكون خبرا في معنى النهي، ويؤيده ~~قراءة أبي المتقدمة، ولهذا يصح عطف " قولوا " عليه، وبه قال ~~الفراء. # السادس: أن " أن " الناصبة مضمرة كما تقدم، ولكنها هي وما في ~~حيزها في محل نصب على أنها بدل من " ميثاق " ، وهذا قريب من القول ~~الأول من حيث إن هذه الجملة مفسرة للميثاق، وفيه النظر المتقدم أعني حذف ~~أن في غير المواضع المقيسة. # السابع: أن يكون منصوبا بقول محذوف، وذلك القول ليس حالا، ms0491 بل مجرد ~~إخبار، والتقدير: وقلنا لهم ذلك، ويكون خبرا في معنى النهي. # قال الزمخشري: كما تقول: تذهب إلى فلان تقول له: كذا تريد الأمر، وهو ~~أبلغ من صريح الأمر والنهي؛ لأنه كأنه سورع إلى الامتثال والانتهاء، ~~فهو يخبر عنه، وتنصره قراءة عبد الله وأبي: " لا تعبدوا " ولا ~~بد من إرادة القول بهذا. # الثامن: أن يكون التقدير: " لا تعبدون " وهي " أن " المفسرة؛ لأن ~~في قوله: { أخذنا ميثاق بني إسرآئيل } إيهاما كما تقدم، ~~وفيه معنى القول، ثم حذف " أن " المفسرة، ذكره الزمخشري. # وفي ادعاء حذف حرف التفسير نظر لا يخفى. # قوله: " إلا الله " استثناء مفرغ؛ لأن ما قبله مفتقر إليه وقد تقدم ~~تحقيقه أولا. # وفيه التفات من التكلم إلى الغيبة، إذ لو جرى الكلام على نسقه لقيل: ~~لا تعبدون إلا إيانا، لقوله: " أخذنا ". # وفي هذا الالتفات من الدلالة على عظم هذا الاسم والتفرد به ما ليس في ~~المضمر، وأيضا الأسماء الواقعة ظاهرة، فناسب أن يجاوز الظاهر الظاهر. # فصل في مدلول " الميثاق " # هذا الميثاق يدل على تمام ما لا بد منه في الدين، لأنه تعالى لما ~~أمر بعبادته، ونهى عن عبادة غيره، وذلك مسبوق بالعلم بذاته سبحانه، ~~وجميع ما يجب ويجوز ويستحيل عليه، وبالعلم بوحدانيته وبراءته عن الأضداد ~~والأنداد، ومسبوق أيضا بالعلم بكيفية تلك العبادة التي لا سبيل إلى ~~معرفتها إلا بالوحي والرسالة، فقوله: { لا تعبدون إلا الله } ~~يتضمن كل ما اشتمل عليه علم الكلام والفقه والأحكام. # وقال مكي: " هذا الميثاق هو الذي أخذه عليهم حين أخرجوا من ظهر آدم ~~كالذر " و " بالوالدين إحسانا " فيه خمسة أوجه: # أحدها: أن تتعلق الباء ب " إحسانا " على أنه مصدر واقع [موقع] فعل ~~الأمر، والتقدير وأحسنوا وبالوالدين، والباء ترادف " إلى " في هذا ~~المعنى، تقول: أحسنت به وإليه، بمعنى أن يكون على هذا الوجه ثم مضاف ~~محذوف، وأحسنوا بر الوالدين بمعنى: أحسنوا إليهما برهما. # قال ابن عطية: يعترض على هذا القول، أن يتقدم على المصدر معموله، ~~وهذا الاعتراض لا يتم على مذهب الجمهور، فإن مذهبهم جواز تقديم معمول ms0492 ~~المصدر النائب عن فعل الأمر عليه، تقول: " ضربا زيدا " وإن شئت: " ~~زيدا ضربا " وسواء عندهم إن جعلنا العمل للفعل المقدر، أم للمصدر ~~النائب عن فعله، فإن التقديم عندهم جائز، وإنما يمتنع تقدم معمول ~~المصدر المنحل لحرف مصدري والفعل كما تقدم وإنما يتم على مذهب أبي ~~الحسن، فإنه منع تقديم معمول المصدر النائب عن الفعل، ويخالف الجمهور في ~~ذلك. # الثاني: أنها متعلقة بمحذوف وذلك المحذوف يجوز أن يقدر فعل أمر ~~مراعاة لقوله: " لا تعبدون " فإنه في معنى النهي كما تقدم، كأنه ~~قال: لا تبعدوا إلا الله وأحسنوا بالوالدين، ويجوز أن يقدر خبرا مراعاة ~~للفظ " لا تعبدون " والتقدير: وتحسنون [وإن كان معناه الأمر، ~~وبهذين] الاحتمالين قدره الزمخشري، وينتصب " إحسانا " حينئذ على المصدر ~~المؤكد لذلك الفعل المحذوف. # وفيه نظر من حيث إن حذف عامل المؤكد منصوص على عدم جوازه، وفيه بحث ~~ليس هذا موضعه. # الثالث: أن يكون التقدير: واستوصوا بالوالدين، ف " الباء " متعلقة ~~[بهذا الفعل المقدر] أيضا، وينتصب " إحسانا " حينئذ على أنه مفعول به. # الرابع: تقديره: ووصيناهم بالوالدين، فالباء متعلقة بالمحذوف ~~أيضا، وينتصب " إحسانا " [حينئذ] على أنه مفعول لأجله، أي: لأجل ~~إحساننا إلى الموصى بهم من حيث إن الإحسان متسبب عن وصيتنا بهم، أو ~~الموصى لما يترتب الثواب منا لهم إذا أحسنوا إليهم. # الخامس: أن تكون الباء وما عملت فيه عطفا على قوله: " لا تعبدون ~~" إذا قيل بأن " أن " المصدرية مقدرة فينسبك منها ومما بعدها مصدر يعطف ~~عليه هذا المجرور، والتقدير: أخذنا ميثاقهم بإفراد الله بالعبادة ~~وبالوالدين، أي: وببر الوالدين، أو: بإحسان إلى الوالدين، فتتعلق " ~~الباء " حينئذ ب " الميثاق " لما فيه من معنى الفعل، فإن الظرف وشبهه ~~تعمل فيه روائح الأفعال، وينتصب " إحسانا " حينئذ على المصدر من ذلك ~~المضاف المحذوف، وهو " البر " لأنه بمعناه، أو الإحسان الذي قدرناه. # والظاهر من هذه الأوجه هو الثاني، لعدم الإضمار اللازم في غيره، أو ~~لأن ورود المصدر نائبا عن فعل الأمر مطرد شائع. # وإنما تقدم المعمول اهتماما به وتنبيها على أنه أولى بالإحسان إليه ~~ممن ذكر معه. ms0493 # و " الوالدان " الأب والأم، يقال لكل واحد منهما: والد؛ قال: ~~[الطويل] # 614 عجبت لمولود وليس له أب # وذي ولد لم يلده أبوان # وقيل: لا يقال في الأم: والدة بالتاء، وإنما قيل فيها وفي الأب: والدان ~~تغليبا للذكر. # و " الإحسان ": الإنعام على الغير. # وقيل: بل هو أعم من الإنعام. # وقيل: هو النافع لكل شيء. # فصل في وجوه ذكر البر بالوالدين مع عبادة الله # قال ابن الخطيب: إنما أراد عبادة الله بالإحسان إلى الوالدين ~~لوجوه: # أحدها: أن نعمة الله على العبد أعظم النعم، فلا بد من تقديم شكره على ~~شكر غيره، ثم بعد نعمة الله فنعمة الوالدين أعظم النعم؛ لأن الوالدين ~~هما الأصل في وجود الولد، ومنعمان عليه بالتربية، فإنعامهما أعظم ~~الإنعام بعد إنعام الله تعالى. # وثانيها: أن الله سبحانه وتعالى المؤثر في وجود الإنسان في الحقيقة، ~~والوالدان مؤثران في وجوده بحسب العرف الظاهر، فلأنه المؤثر الحقيقي ~~أردفه بذكر المؤثر بحسب العرف الظاهر. # وثالثها: أن الله سبحانه وتعالى لا يطلب على إنعامه على العبد عوضا ~~ألبتة، وإنعام الوالدين كذلك، فإنهما لا يطلبان على الإنعام على الولد ~~عوضا. # ورابعها: أن الله لا يمل من الإنعام على العبد، ولو أتى العبد بأعظم ~~الجرائم، فإنه لا يقطع عنه مواد نعمه، وكذلك الوالدان لا يملان الولد ~~ولا يقطعان عنه موادتهما وإن كان الولد مسيئا إلى الوالدين. # وخامسها: كما أن الوالد المشفق يتصرف في مال ولده بالاسترباح، ~~وطلب الزيادة ويصونه عن البخس والنقصان، فكذلك الحق سبحانه وتعالى ~~يتصرف في طاعة العبد، فيصونها عن الضياع ويضاعفها كما قال: # مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ~~كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة ~~مائة حبة والله يضاعف لمن يشآء # [البقرة:261]. # فلما تشابها من هذه الحيثيات كانت نعم الوالدين قليلة بالنسبة إلى ~~نعم الله تعالى، [بل النعم كلها من الله تعالى فلا] جرم ذكر ~~الإحسان إلى الوالدين عقب ذكر عبادة الله تعالى. # فصل في وجوب تعظيم الوالدين وإن كانا كافرين # اتفق أكثر العلماء على أنه يجب تعظيم الوالدين وإن ms0494 كانا كافرين لقوله في ~~هذه الآية: " وبالوالدين إحسانا " بغير تقييد بكونهما مؤمنين ~~أم لا، وقد ثبت في أصول الفقه أن الحكم المرتب على الوصف يشعر بغلبة ~~الوصف فالأمر بتعظيم الوالدين لمحض كونهما والدين، وذلك يقتضي العموم، ~~وهكذا الاستدلال بقوله تعالى: # فلا تقل لهمآ أف ولا تنهرهما # [الإسراء:23] وهذا نهاية المبالغة في المنع من إيذائهما إلى أن قال: # وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا # [الإسراء:24] فصرح ببيان السبب في وجوب هذا التعظيم، وكذلك قوله: # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا # [الإسراء:23] وقوله تعالى: # وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم ~~فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا # [لقمان:15] صريح في الدلالة. # و " ذي القربى " وما بعده عطف على المجرور بالباء، وعلامة الجر فيها ~~الياء؛ لأنها من الأسماء الستة التي ترفع بالواو، وتنصب بالألف، وتجر ~~بالياء بشروط مذكورة، وهل إعرابها بالحروف أو بغيرها؟ عشرة مذاهب ~~للنحويين فيها. # وهي من الأسماء اللازمة للإضافة لفظا ومعنى إلى أسماء الأجناس ~~الظاهرة؛ ليتوصل بذلك إلى وصف النكرة باسم الجنس؛ نحو: " مررت ~~برجل ذي مال " وإضافته إلى المضمر ممنوعة إلا في ضرورة أو نادر ~~كلام؛ كقوله: [الوافر] # 615 صبحنا الخزرجية مرهفات # أبان ذوي أرومتها ذووها # وأنشد الكسائي: [الرمل] # 616 إنما يعرف المعروف # في الناس ذووه # وعلى هذا قولهم: " اللهم صل على محمد وذويه ". # وإضافته إلى العلم قليلة جدا، وهي على ضربين: # واجبة: وذلك إذا اقترنا وضعا، نحو: " ذي يزن " و " ذي رعين ". # وجائزة وذلك إذا لم يقترنا وضعا، نحو: " ذي قطري " و " ذي عمرو " أي: ~~صاحب هذا الاسم. # وأقل من ذلك إضافتها إلى ضمير المخاطب؛ كقوله: [الطويل] # 617 وإنا لنرجو عاجلا منك مثل ما # رجوناه قدما من ذويك الأفاضل # وتجيء " ذو " موصولة بمعنى " الذي " وفروعه، والمشهور حينئذ ~~بناؤها وتذكيرها، ولها أحكام كثيرة. # و " القربى " مضاف إليه، وألفه للتأنيث، وهو مصدر ك " الرجعى ~~والعقبى " ، ويطلق على قرابة الصلب والرحم؛ قال طرفة: ~~[الطويل] # 618 وظلم ذوي القربى أشد مضاضة # على الحر من وقع الحسام ms0495 المهند # وقال أيضا: [الطويل] # 619 وقربت بالقربى وجدك إنه # متى يك أمر للنكيثة أشهد # والمادة تدل على الدنو عند البعد. # فصل # اعلم أن حق ذوي القربى كالتابع لحق الوالدين؛ لأن اتصال الأقارب ~~بواسطة اتصال الوالدين، فلذلك أخر الله تعالى ذكرهم بعد ذكر ~~الوالدين، والسبب في تأكيد رعاية هذا الحق إلى القرابة؛ لأن القرابة ~~مظنة الاتحاد والألفة والرعاية والنصرة، فلهذا وجبت رعاية حقوق ~~الأقارب. # فصل في أحكام تؤخذ من الآية # قال الشافعي رضي الله عنه: لو أوصى لأقارب زيد دخل فيه الوارث ~~المحرم، وغير المحرم، ولا يدخل الأب والابن؛ لأنهما لا يعرفان ~~بالقرابة، ويدخل الأحفاد والأجداد. # وقيل:لا يدخل الأصول والفروع. # وقيل: يدخل الكل. # قال الشافعي: يرتقي إلى أقرب جد ينسب هو إليه ويعرف به، وإن كان ~~كافرا. # وذكر أصحابه في مثاله: لو أنه أوصى لأقارب الشافعي، فإنا نصرفه إلى بني ~~شافع دون بني المطلب، وبني عبد مناف، وإن كانوا أقارب؛ لأن الشافعي ~~ينتسب في المشهور إلى بني شافع دون عبد مناف. # قال الغزالي: وهذا في زمان الشافعي، أما في زماننا فلا ينصرف إلا ~~إلى أولاد الشافعي ولا يرتقي إلى بني شافع؛ لأنه أقرب من يعرف به أقاربه ~~في زماننا، أما قرابة الأم، فإنها تدخل في وصية العجم، ولا تدخل في ~~وصية العرب الأظهر؛ لأنهم لا يعدون ذلك قرابة أما لو قال: لأرحام ~~فلان دخل فيه قرابة الأب والأم. # قوله: " واليتامى " وزنه " فعالى " ، وألفه للتأنيث، وهو جمع " ~~يتيم " ك " نديم وندامى " ولا ينقاس هذا الجمع. # وقال ابن الخطيب: جمعه " أيتام ويتامى " واليتم: الانفراد، ومنه ~~اليتيم؛ لانفراده عن أبويه أو أحدهما، ودرة يتيمة: إذا لم يكن لها نظير. # وقيل: اليتيم: الإبطاء، ومنه: صبي يتيم؛ لأنه يبطىء عنه البر وقيل: ~~هو التغافل، لأن الصبي يتغافل عما يصلحه. # قال الأصمعي: " اليتيم في الآدميين من فقد الآباء، وفي غيرهم من ~~فقد الأمهات ". # وقال الماوردي: إن اليتم أيضا في الناس من قبل فقد الأمهات. # والأول هو المعروف عند أهل اللغة، ويسمى يتيما إلى أن يبلغ، يقال: ~~يتم ms0496 ييتم يتما مثل: سمع يسمع سمعا ويتم ييتم ~~يتما مثل: عظم يعظم عظما، فهاتان لغتان مشهورتان حكاهما ~~الفراء، ويقال: أيتمه الله إيتاما، أي: فعل به ذلك. # وعلامة الجر في " القربى " و " اليتامى " كسرة مقدرة على الألف، وإن ~~كانت للتأنيث؛ لأن ما لا ينصرف إذا أضيف أو دخلته " أل " انجز ~~بالكسرة، وهل يسمى حينئذ منجرا أو منصرفا. # ثلاثة أقوال، يفصل في الثالث بين أن يكون أحد سببيه العلمية، فيسمى ~~منصرفا نحو: " يعمركم " أو لا يسمى منجرا نحو: " بالأحمر " ، و " ~~القربى واليتامى " من هذا الأخير. # فصل في رعاية اليتيم # [اليتيم كالتالي] لرعاية حقوق الأقارب؛ لأنه لصغره لا ينتفع به وليتمه ~~وخلوه عمن يقوم به يحتاج إلى من ينفعه، والإنسان قلما يرغب في صحبة مثل ~~هذا، وإن كان هذا التكليف شاقا على الأنفس لا جرم كانت درجته عظيمة ~~في الدين. # قال عليه الصلاة والسلام: # " أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة " # وأشار بالسبابة والوسطى. وقال عليه الصلاة والسلام: [ # " ما قعد يتيم مع قوم على قصعتهم فيقرب قصعتهم ~~الشيطان " # وقال عليه السلام]: # " من ضم يتيما من بين المسلمين إلى طعامه ~~وشرابه حتى يغنيه الله عز وجل غفرت له ~~ذنوبه ألبتة إلا أن يعمل عملا لا يغفر ". # قوله: " والمساكين " جمع " مسكين " ، ويسمونه جمعا لا نظير له من ~~الآحاد، وجمعا على صيغة منتهى الجموع، وهو من العلل القائمة مقام ~~علتين، وسيأتي تحقيقه قريبا إن شاء الله تعالى. # وتقدم القول في اشتقاقه عند ذكر المسكنة. # واختلف فيه: هل هو بمعنى الفقير أو أسوأ حالا منه كقوله: # أو مسكينا ذا متربة # [البلد:16] أي: لصق جلده بالتراب، وهو قول أبي حنيفة وغيره بخلاف ~~الفقير؛ فإن له شيئا ما. # قال: [البسيط] # 620 أما الفقير الذي كانت حلوبته # وفق العيال فلم يترك له سبد # أو أكمل حالا؛ لأن الله جعل لهم ملكا ما، قال: # أما السفينة فكانت لمساكين # [الكهف:79] وهو قول الشافعي وغيره. # فصل # إنما تأخرت درجتهم عن اليتامى؛ لأن المسكين قد ينتفع به في ~~الاستخدام، فكان الميل إلى مخالطته أكثر من ms0497 الميل إلى مخالطة ~~اليتامى، وأيضا المسكين يمكنه الاشتغال بتعهد نفسه، ومصالح معيشته، ~~واليتيم ليس كذلك، فلا جرم قدم الله ذكر اليتيم على المسكين. # قال: عليه الصلاة والسلام: # " الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل ~~الله وأحسبه قال وكالقائم لا يفتر من صلاة ~~وكالصائم لا يفطر ". # قال ابن المنذر: كان طاوس يرى السعي على الأخوات أفضل من الجهاد في ~~سبيل الله. # قوله: { وقولوا للناس حسنا } هذه الجملة عطف على قوله: " ~~لا تعبدون " في المعنى، كأنه قال: لا تعبدوا إلا الله، وأحسنوا ~~بالوالدين وقولوا، أو على " أحسنوا " المقدر، كما تقدم تقريره في قوله ~~تعالى: " وبالوالدين إحسانا ". # وأجاز أبو البقاء أن يكون معمولا لقول محذوف تقديره: وقلنا لهم: ~~قولوا. # وقرأ حمزة والكسائي: " حسنا " بفتحتين، و " حسنا " بضمتين، و " ~~حسنى " من غير تنوين ك " حبلى " و " إحسانا " من الرباعي. # فأما من قرأ: " حسنا " بالضم والإسكان، فيحتمل أوجها: # أحدها وهو الظاهر أنه مصدر وقع صفة لمحذوف تقديره: وقولوا للناس ~~حسنا أي: ذا حسن. # الثاني: أن يكون وصف به مبالغة كأنه جعل القول نفسه حسنا. # الثالث: أنه صفة على وزن " فعل " ، وليس أصله المصدر، بل هو كالحلو ~~والمر، فيكون بمعنى " حسن " بفتحتين، فيكون فيه لغتان: حسن وحسن ~~ك " البخل والبخل، والحزن والحزن، والعرب والعرب ". # الرابع: أنه منصوب على المصدر من المعنى، فإن المعنى: وليحسن ~~قولكم حسنا. # وأما قراءة: " حسنا " بفتحتين فصفة لمصدر محذوف تقديره: قولا حسنا، ~~كما تقدم في أحد أوجه " حسنا ". # وأما " حسنا " بضمتين، فضمة السين لإتباع الحاء، فهو بمعنى " حسنا ~~" بالسكون، وفيه الأوجه المتقدمة. # وأما " حسنى " بغير تنوين فمصدر ك " البشرى والرجعى ". # وقال النحاس في هذه القراءة: ولا يجوز هذا في العربية، لا يقال من هذا ~~شيء إلا بالألف واللام، نحو: الكبرى والفضلى. هذا قول سيبويه، ~~وتابعه ابن عطية على هذا، فإنه قال: ورده سيبويه؛ لأن " أفعل " و " فعلى ~~" لا يجيء إلا معرفة إلا أن يزال عنها معنى التفضيل، ويبقى مصدرا ك ~~" العقبى " ، فذلك جائز، وهو وجه القراءة بها. انتهى وناقشه أبو حيان ~~وقال: ms0498 في كلامه ارتباك؛ لأنه قال: لأن " أفعل " و " فعلى " لا يجيء إلا ~~معرفة، وهذا ليس بصحيح. # أما " أفعل " فله ثلاثة استعمالات. # أحدها: أن يكون معها " من " ظاهرة أو مقدرة، أو مضافا إلى نكرة، ولا ~~يتعرف في هذين بحال. # الثاني: أن تدخل عليه " أل " فيتعرف بها. # الثالث: أن يضاف إلى معرفة فيتعرف على الصحيح. # وأما " فعلى " فلها استعمالان: # أحدهما: بالألف واللام. # والثاني: الإضافة لمعرفة، وفيها الخلاف السابق. # وقوله: " إلا أن يزال عنها معنى التفضيل، وتبقى مصدرا " ظاهر هذا أن " ~~فعلى " أنثى " أفعل " إذا زال عنها معنى التفضيل تبقى مصدرا وليس ~~كذلك، بل إذا زال عن " فعلى " أنثى " أفعل " معنى التفضيل صارت بمنزلة ~~الصفة التي لا تفضيل فيها؛ ألا ترى إلى تأويلهم " كبرى " بمعنى كبيرة، ~~" وصغرى " بمعنى صغيرة، وأيضا فإن " فعلى " مصدر لا ينقاس، إنما ~~جاءت منها الألفاظ ك " العقبى والبشرى " ثم أجاب الشيخ عن هذا ~~الثاني بما معناه أن الضمير في قوله: " عنها " عائد إلى " حسنى " لا إلى ~~" فعلى " أنثى " أفعل " ، ويكون استثناء منقطعا كأنه قال: إلا أن يزال ~~عن " حسنى " التي قرأ بها أبي معنى التفضيل، ويصير المعنى: إلا أن ~~يعتقد أن " حسنى " مصدر لا أنثى " أفعل ". # وقوله: " وهو وجه القراءة بها " أي والمصدر وجه القراءة بها. وتخريج هذه ~~القراءة على وجهين: # أحدهما: المصدر ك " البشرى " وفيه الأوجه المتقدمة في " حسنا " ~~مصدرا، إلا أنه يحتاج إلى إثبات " حسنى " مصدرا من قول العرب: حسن ~~حسنى، كقولهم: رجع رجعى، إذ مجيء " فعلى " مصدرا لا ~~ينقاس. # والوجه الثاني: أن تكون صفة لموصوف محذوف، أي: وقولوا للناس كلمة ~~حسنى، أو مقالة حسنى، وفي الوصف بها حينئذ وجهان: # أحدهما: أن تكون للتفضيل، ويكون قد شذ استعمالها غير معرفة ب " أل ~~" ، ولا مضافة إلى معرفة، كما شذ قوله: [البسيط] # 621 وإن دعوت إلى جلى ومكرمة # يوما سراة كرام الناس فادعينا # وقوله: [الرجز] # 622 في سعي دنيا طالما قد مدت # والوجه الثاني: أن تكون لغير التفضيل، فيكون معنى حسنى: حسنة ك " ~~كبرى " في معنى كبيرة، أي: وقولوا ms0499 للناس مقالة حسنة، كما قال: يوسف ~~أحسن إخوته في معنى حسن إخوته انتهى. # وبهذا يعلم فساد قول النحاس. # وأما من قرأ: " إحسانا " فهو مصدر وقع صفة لمصدر محذوف، أي: قولا ~~إحسانا [وفيه تأويل مشهور]، ف " إحسانا " مصدر من أحسن الذي همزته ~~للصيرورة، أي: قولا ذا حسن، كما تقول: أعشبت الأرض، أي: صارت ذا ~~عشب. # فإن قيل: لم خوطبوا ب " قولوا " بعد الإخبار؟ # فالجواب من ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه على طريقة الالتفات، كقوله تعالى: # حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم # [يونس:22]. # الثاني: فيه حذف، أي: قلنا لهم: قولوا. # الثالث: الميثاق لا يكون إلا كلاما كأنه قيل: قلت: لا تعبدوا وقولوا. # فصل في بيان هل الكفار داخلون في المخاطبة بالحسنى # قال بعضهم: إنما يجب القول الحسن مع المؤمنين، أما مع الكفار ~~والفساق فلا، بدليل أنه يجب لعنهم وذمهم ومحاربتهم، فكيف يمكن أن ~~يكون القول معهم حسنا، وأيضا قوله تعالى: # لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ~~ظلم # [النساء:148] والقائلون بهذا القول منهم من زعم أن هذا الأمر صار ~~منسوخا بآية القتال. # ومنهم من قال: إنه دخله التخصيص. # وزعم أبو جعفر محمد بن علي الباقر أن هذا العموم باق على ظاهره، ولا ~~حاجة إلى التخصيص، ويدل عليه أن موسى وهارون مع علو منصبهما أمرا ~~بالرفق واللين مع فرعون، وكذا محمد صلى لله عليه وسلم أمر بالرفق ~~وترك الغلظة بقوله: # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ~~الحسنة # [النحل:125]. # وقال: # ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا ~~الله عدوا بغير علم # [الأنعام:108]. # وقوله: # وإذا مروا باللغو مروا كراما # [الفرقان:72]. # وقوله: # وأعرض عن الجاهلين # [الأعراف:199]. # وأما ما تمسكوا به من أنه يجب لعنهم وذمهم. # قلنا: لا نسلم أنه يجب لعنهم، وإن سلمنا لكن لا نسلم أن اللعن ليس ~~قولا حسنا. # بيانه: أن القول الحسن ليس عبارة عن القول الذي يستهوونه، بل القول ~~الحسن هو الذي يحصل انتفاعهم به، ونحن إذا لعناهم وذممناهم ~~ليرتدعوا به عن الفعل القبيح كان ذلك نافعا في حقهم، ms0500 فكان قولا حسنا، ~~كما أن تغليظ الوالد لولده في القول يكون حسنا ونافعا من حيث ~~يرتدع به عن الفعل القبيح. # سلمنا أن لعنهم ليس قولا حسنا، ولكن لا نسلم أن وجوبه ينافي وجوب ~~القول الحسن. # بيانه: أنه لا منافاة بين كون الشخص مستحقا للتعظيم بسبب إحسانه ~~إلينا، ومستحقا للتحقير بسبب كفره، وإذا كان كذلك، فلم لا يجوز أن يقال ~~بوجوب القول الحسن معهم، وأما تمسكهم بقوله تعالى: # لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ~~ظلم # [النساء:148] # فجوابه: لم يجوز أن يكون المراد منه كشف حال الظالم ليحترز الناس عنه ~~[وهو المراد بقوله عليه السلام # " اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره الناس " # ]. # فصل في أن الإحسان كان واجبا عليهم # ظاهر الآية يدل على أن الإحسان إلى ذي القربى واليتامى والمساكين كان ~~واجبا علهيم في دينهم، وكذا القول الحسن للناس كان واجبا عليهم؛ لأن ~~أخذ الميثاق يدل على الوجوب، وذلك لأن ظاهر الأمر للوجوب، والأمر في ~~شرعنا أيضا كذلك من بعض الوجوه، وروي عن ابن عباس رضي الله عنه: أن ~~الزكاة نسخت كل حق، وهذا ضعيف؛ لأنه لا خلاف أن من اشتدت به الحاجة، ~~وشاهدناه بهذه الصفة، فإنه يلزمنا التصدق عليه، وإن لم يجب علينا الزكاة ~~حتى أنه إن لم تندفع حاجتهم بالزكاة كان هذا التصدق واجبا، ولا شك ~~في وجوب مكالمة الناس بطريق لا يتضررون منه. # قال ابن عباس معنى الآية: " قولوا لهم لا إله إلا الله ". # وفسره ابن جريج: " قولوا للناس حسنا صدقا في أمر محمد صلى الله عليه ~~وسلم ولا تغيروا صفته ". # وقال سفيان الثوري: مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر. # وقال أبو العالية: " قولوا لهم الطيب من القول، وجاوزهم بأحسن ما تحبون ~~أن تجازوا به " ، وهذا كله حض على مكارم الأخلاق، فينبغي للإنسان أن ~~يكون قوله للناس لينا حسنا، كما قال تعالى لموسى وهارون: # فقولا له قولا لينا # [طه:44]. # وقال عليه الصلاة والسلام لعائشة: # " لا تكوني فحاشة فإن الفحش لو كان رجلا لكان ~~رجل سوء " # ، ويدخل في ms0501 هذه الآية المؤمن والكافر. # قوله: " وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة " تقدم نظيره. # وقال ابن عطية: زكاتهم هي التي كانوا يضعونها، وتنزل النار على ما ~~تقبل منه، ولم تنزل على ما لم يتقبل، ولم تكن كزكاتنا. # قال القرطبي: " وهذا يحتاج إلى نقل... ". # قوله: { ثم توليتم إلا قليلا منكم }. # قال الزمخشري: " وهذا على طريقة الالتفات " وهذا الذي قاله إنما يجيء ~~على قراءة: " لا يعبدون " بالغيبة، وأما على قراءة الخطاب فلا ~~التفات ألبتة، ويجوز أن يكون أراد بالالتفات الخروج من خطاب بني ~~إسرائيل القدماء إلى خطاء الحاضرين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ~~[وقد قيل ذلك] ويؤيده قوله تعالى: { إلا قليلا منكم }. # قيل: يعني بهم الذين أسلموا في زمانه عليه الصلاة والسلام كعبد الله ~~بن سلام وأضرابه، فيكون التفاتا على القراءتين. # ثم قال ابن الخطيب: الآية تحتمل ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون المراد من تقدم من بني إسرائيل، لأنه تعالى قد ~~ساق الكلام الأول في إظهار النعم بإقامة الحجج ثم بين بعد أنهم تولوا ~~إلا قليلا، فإنهم بقوا على ما دخلوا فيه، فإن أول الكلام في المتقدمين، ~~فالظاهر يقتضي أن آخره فيهم، إلا بدليل يوجب الانصراف عن الظاهر. # وثانيها: أنه خطاب للحاضرين في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: ~~أعرضتم بعد ظهور المعجزات كإعراض أسلافكم؛ لأنه خطاب مشافهة، وهو ~~بالحاضرين أليق. # وثالثها: أن يكون المراد بقوله: " ثم توليتم " من تقدم؛ لأنه ~~ تعالى لما بين أنه تعالى أنعم عليهم بتلك النعم ثم تولوا عنها ~~بعد ذلك كان ذلك دالا على نهاية قبح أفعالهم، ويكون قوله: وأنتم معرضون ~~مختصا بمن كان في زمان النبي صلى الله عليه وسلم أي: أنكم بمنزلة ~~المتقدمين الذين تولوا بعد أخذ المواثيق، فإنكم بعد اطلاعكم على صدق ~~دلائل النبي صلى الله عليه وسلم أعرضتم عنه، فكنتم بهذا الإعراض بمثابة ~~أولئك المتقدمين [الذين تولوا بعد أخذ المواثيق بذلك الشرك] في ذلك ~~التولي والله أعلم. # و " قليلا " منصوب على الاستثناء؛ لأنه من موجب. # وقال القرطبي: المستثنى عند سيبويه منصوب؛ لأنه مشبه ms0502 بالمفعول. # وقال محمد بن يزيد: هو المفعول حقيقة؛ لأن معناه: استثنيت قليلا. # وروي عن أبي عمرو وغيره: " إلا قليل " بالرفع، وفيه ستة أقوال: # أصحها: أن رفعه على الصفة بتأويل " إلا " وما بعدها بمعنى " غير " ، ~~وقد عقد سيبويه رحمه الله في كتابه لذلك بابا فقال: " هذا باب ما يكون ~~فيه " إلا " وما بعدها وصفا بمنزلة غير ومثل " وذكر من أمثلة هذا ~~الباب: " لو كان معنا رجل إلا زيد لغلبنا " و # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا # [الأنبياء:22]. # قال: الطويل # 623.................. # قليل بها الأصوات إلا بغامها # وسوى بين هذا وبين قراءة: # لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي ~~الضرر # [النساء:95] برفع " غير " وجوز في نحو: " ما قام القوم إلا زيد " ~~بالرفع البدل والصفة، وخرج على ذلك قوله: [الوافر] # 624 وكل أخ مفارقه أخوه # لعمر أبيك إلا الفرقدان # كأنه قيل: " وكل أخ غير الفرقدين مفارقه أخوه "؛ كما قال ~~الشماخ: [الطويل] # 625 وكل خليل غير هاضم نفسه # لوصل خليل صارم أو معارز # وأنشد غيره: [الرمل] # 626 لدم ضائع تغيب عنه # أقربوه إلا الصبا والجنوب # وقوله: [البسيط] # 627 وبالصريمة منهم منزل خلق # عاف تغير إلا النؤي والوتد # والفرق بين الوصف ب " إلا " والوصف بغيرها أن " إلا " توصف بها ~~المعارف والنكرات، والظاهر والمضمر. # وقال بعضهم: " لا توصف بها إلا النكرة أو المعرفة بلام الجنس، فإنه في ~~قوة النكرة ". # وقال المبرد: " شرطه صلاحية البدل في موضعه ". # الثاني: أنه عطف بيان، قاله ابن عصفور. # وقال: " إنما يعني النحويون بالوصف " إلا " عطف البيان " ، [وفيه ~~نظر]. # الثالث: أنه مرفوع بفعل محذوف، كأنه قال: امتنع قليل. # الرابع: أن يكون مبتدأ وخبره محذوف، أي إلا قليل منكم لم يتولوا، كما ~~قالوا " ما مررت بأحد إلا رجل من بني تميم خير منه ". # الخامس: أنه توكيد للضمير المرفوع، ذكر هذه الأوجه أبو البقاء. # وقال: سيبويه وأصحابه يسمونه نعتا ووصفا يعني التوكيد، وفي هذه الأوجه ~~التي ذكرها ما لا يخفى، ولكنها قد قيلت. # السادس: أنه بدل من الضمير " توليتم ". # قال ابن عطية: وجاز ذلك مع ms0503 أن الكلام لم يتقدم فيه نفي؛ لأن " توليتم ~~" معناه النفي كأنه قال: لم تفوا بالميثاق إلا قليل، وهذا الذي ذكره ~~من جواز البدل منعه النحويون، فلا يجيزون " قام القوم إلا زيد " على ~~البدل. # قالوا: لأن البدل يحل محل المبدل منه فيؤول إلى قولك: " قام إلا زيد ~~" ، وهو ممتنع. # وأما قوله: إنه في تأويل النفي، فما من موجب إلا يمكن فيه ذلك، ألا ~~ترى أن قولك: " قام القوم إلا زيد " في حكم قوله: " لم يجلسوا إلا زيد ~~" ، فكل موجب إذا أخذت نفي نقيضه أو ضده كان كذلك، ولم تعتبر العرب هذا ~~في كلامها، وإنما أجاز النحويون: " قام القوم إلا زيد " بالرفع على ~~الصيغة كما تقدم تقديره. # و " منكم " صفة ل " قليلا " فيه في محل نصب، أو رفع على حسب ~~القراءتين، والظاهر أن القليل مراد بهم الأشخاص لوصفه بقوله: " منكم ~~". # وقال ابن عطية: " ويحتمل أن تكون القلة في الإيمان، أي: لم يبق حين ~~عصو وكفروا آخرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم إلا إيمان قليل، إذ لا ~~ينفعهم، والأول أقوى " انتهى. # وهذا قول بعيد جدا أو ممتنع. # " وأنتم معرضون " جملة من مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال من ~~فاعل " توليتم " وفيها قولان: # أحدهما: أنها حال مؤكدة؛ لأن التولي والإعراض مترادفان، وقيل ~~مبينة، فإن التولي باليدين والإعراض بالقلب، قاله أبو البقاء. # وقال بعده: وقيل: " توليتم " يعني آباءهم، " وأنتم معرضون " يعني ~~أنفسهم، كما قال: # وإذ نجيناكم من ءال فرعون # [البقرة:49] أي آباءهم انتهى. # وهذا يؤدي إلى أن جملة قوله: " وأنتم معرضون " لا تكون حالا؛ ~~لأن فاعل التولي في الحقيقة ليس هو صاحب الحال والله أعلم. # وكذلك تكون " مبينة " إذا اختلف متعلق التولي والإعراض كما قال بعضهم: ~~ثم توليتم عن أخذ ميثاقكم، وأنتم معرضون عن هذا النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # وقيل: التولي والإعراض مأخوذان من سلوك الطريق، وذلك أنه إذا سلك ~~طريقا ورجع عوده على بدئه سمي ذلك توليا، وإن سلك في عرض الطريق ~~سمي إعراضا. # وجاءت الحال جملة اسمية مصدرة ب " أنتم "؛ لأنه ms0504 أكد. # وجيء بخبر المبتدأ اسما، لأنه أول على الثبوت فكأنه قيل: وأنتم عادتكم ~~التولي والإعراض عن الحق. ### || [2.84-85] # هذا الخطاب كله كالذي قبله: وقوله: { لا تسفكون دماءكم } ~~كقوله: { لا تعبدون إلا الله } في الإعراب سواء. # و " تسفكون " من " أسفك " الرباعي. # وقرأ طلحة بن مصرف، وشعيب بن أبي حمزة بضم الفاء وهي لغة، وأبو نهيك " ~~تسفكون " بضم التاء، وفتح السين، وتشديد الفاء. # و " ولا تخرجون " معطوف. # فإن قيل: الإنسان ملجأ إلى ألا يقتل نفسه فأي فائدة في النهي عنه؟ # فالجواب من أوجه: # أحدها: أن هذا الإلجاء قد يتغير كما ثبت في أهل " الهند " أنهم ~~يقدرون في قتل النفس التخلص من عالم الفساد، واللحوق بعالم النور ~~والصلاح، أو كثير ممن صعب عليه الزمان، وثقل عليه أمر من الأمور، فيقتل ~~نفسه، فإذا انتفى كون الإنسان ملجأ إلى ترك قتله نفسه صح كونه مكلفا ~~به. # وثانيها: المراد لا يقتل بعضكم بعضا، وجعل غير الرجل نفسه إذا اتصل به ~~نسبا ودينا كقوله تعالى: # فاقتلوا أنفسكم # [البقرة:54] وثالثها أنه إذا قتل غيره، فكأنما قتل نفسه؛ لأنه يقتص ~~منه بإقامة المسبب مقام السبب، وهو قريب من قولهم: " القتل أنفى ~~للقتل "؛ وقال: [الطويل] # 628 سقيناهم كأسا سقونا بمثلها # ولكنهم كانوا على الموت أصبرا # وقيل: لا تفسكوها بارتكاب أنفسكم ما يوجب سفكها كالارتداد نحوه وهو ~~قريب مما قبله. # ورابعها: لا تتعرضوا لمقاتلة من يقتلكم، فتكونوا قد قتلتم أنفسكم. # وخامسها: لا تسفكوا دماءكم من قوامكم في مصالح الدنيا، فتكونوا مهلكين ~~لأنفكسم. # قوله: { ولا تخرجون أنفسكم } فيه وجهان. # الأول: لا تفعلون ما تستحقون بسببه أن تخرجوا من دياركم. # الثاني: المراد النهي عن إخراج بعضهم بعضا من ديارهم؛ لأن ذلك مما يعظم ~~فيه المحنة. # " من دياركم " متعلق ب " تخرجون " ، و " من " لابتداء الغاية، ~~و " ديار " جمع دار الأصل: دور؛ لأنه من دار يدور ~~دورانا، فأصل ديار: دوار، وإنما قلبت الواو ياء لانكسار ما ~~قبلها، واعتلالها في الواحد. # وهذه قاعدة مطردة [في كل جمع على " فعال " صحيح اللام قد اعتلت عين ~~مفردة، أو ms0505 سكنت حرف علة نحو:] ديار وثياب، ولذلك صح " رواء " لاعتلال ~~لامه، و " طوال " لتحرك عين مفردة، وهو " طويل ". # فأما " طيال " في " طوال " فشاذ، وحكم المصدر حكم هذا نحو: قام ~~قياما، وصام صياما، ولذلك صح " لواذ " لصحة فعله في قولهم: " لاوذ ~~". # وأما ديار فهو من لفظة الدار، وأصله: ديوان، فاجتمع الياء والواو ~~فأعلا على القاعدة المعروفة فوزنه: " فيعال " لا " فعال " ، إذ لو ~~كان " فعالا " لقيل: دوار ك " صوام وقوام " والدار: ~~مجتمع القوم من الأبنية. # وقال الخليل: كل موضع حله الناس، وإن لم يكن أبنية. # [وقيل: سميت دارا لدورها على سكانها، كما سمي الحائط حائطا لإحاطته ~~على ما يحويه]. # و " النفس " مأخوذ من النفاسة، فنفس الإنسان أشرف ما فيه. # وقوله: " ثم أقررتم ". # قال أبو البقاء: فيه وجهان: # أحدهما: أن " ثم " على بابها في إفادة العطف والتراخي، والمعطوف عليه ~~محذوف تقديره: فقبلتم، ثم أقررتم. # والثاني: أن تكون " ثم " جاءت لترتيب الخبر لا لترتيب المخبر عنه، كقوله ~~تعالى: # ثم الله شهيد # [يونس:46]. # قوله: " وأنتم تشهدون " كقوله: # وأنتم معرضون # [البقرة:83] وفيها وجوه: أحدها: أقررتم بالميثاق، ثم اعترفتم على ~~أنفسكم بلزومه، وأنتم تشهدون عليها، كقولك: فلان مقر على نفسه بكذا، ~~شاهد عليها. # وثانيها: اعترفتم بقبوله، وشهد بعضكم على بعض بذلك؛ لأنه كان شائعا ~~بينكم مشهورا. # وثالثها: وأنتم تشهدون اليوم ما معشر اليهود على إقرار أسلافكم بهذا ~~الميثاق. # ورابعها: أن المراد بهذا الإقرار الذي هو الرضا بالأمر والصبر عليه، ~~كما يقال فلان لا يقر على الضيم، فيكون المعنى أنه تعالى أمركم ~~بذلك، ورضيتم به، وأقمتم عليه، وشهدتم على وجوبه وصحته. # فإن قيل: لم قال { أقررتم وأنتم تشهدون } والمعنى واحد؟ # فالجواب من ثلاثة أوجه: # أحدها: أقررتم يعني أسلافكم، وأنتم تشهدون الآن على إقرارهم. # الثاني: أقررتم في وقت الميثاق الذي مضى، وأنتم بعد ذلك تشهدون ~~[بقلوبكم]. # الثالث: أنه للتأكيد. # قوله: { ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم } فيه سبعة ~~أقوال: # أحدها: وهو الظاهر أن " أنتم " في محل رفع بالابتداء، وهؤلاء خبره و " ~~تقتلون " حال، والعامل فيها اسم الإشارة لما فيه من ms0506 معنى الفعل، وهي ~~حال منه ليتحد ذو الحال وعاملها. # وقد قالت العرب: " ها أنت ذا قائما " و " ها أنا ذا قائما " و " ها ~~هوذا قائما " فأخبروا باسم الإشارة عن الضمير في اللفظ والمعنى على ~~الإخبار بالحال، فكأنه قال: " أنت الحاضر " ، " وأنا الحاضر " ، " وهو ~~الحاضر " في هذه الحالة. # ويدل على أن الجملة من قوله: " تقتلون " حال وقوع الحال الصريحة ~~موقعها كما تقدم في: " ها أنا ذا قائما " ونحوه إلى هذا المعنى نحا ~~الزمخشري فقال: { ثم أنتم هؤلاء } استبعاد لما أسند إليهم من ~~القتل والإجلاء بعد أخذ الميثاق منهم وإقرارهم وشهادتهم، والمعنى: ثم ~~أنتم بعد ذلك هؤلاء المشاهدون: يعني أنكم قوم آخرون غير أولئك المقربين، ~~تنزيلا لتغير الصفة منزلة تغير الذات كما تقول: رجعت بغير الوجه الذي ~~خرجت به. # وقوله: " تقتلون " بيان لقوله: { ثم أنتم هؤلاء }. # واعترضه أبو حيان فقال: الظاهر أن المشار إليهم بقوله: { ثم ~~أنتم هؤلاء } هم المخاطبون أولا، فليسوا قوما آخرين، ألا ترى أن ~~التقدير الذي قدره الزمخشري من تقدير [تغير الصفة منزلة] تغير الذات ~~لا يتأتى في نحو: ها أنا ذا قائما، ولا في نحو: ها أنتم هؤلاء، بل ~~المخاطب هو المشار إليه من غير تغير. # وأجيب بأن هذا الإيراد بعيد غير واضح. # والثاني: أن " أنتم " أيضا مبتدأ، و " هؤلاء " خبره، ولكن بتأويل حذف ~~مضاف تقديره: ثم أنتم مثل هؤلاء، و " تقتلون " حال أيضا، العامل فيها ~~معنى التشبيه، إلا أنه يلزم منه الإشارة إلى غائبين؛ لأن المراد بهم ~~أسلافهم علىهذا، وقد يقال: إنه نزل الغائب منزلة الحاضر. # الثالث: ونقله " ابن عطية " عن شيخه " ابن الباذش " أن " أنتم " خبر ~~متقدم، و " هؤلاء " مبتدأ مؤخر. وهذا فاسد؛ لأن المبتدأ أو الخبر متى ~~استويا تعريضا وتنكيرا لم يجز تقدم الخبر، وإن ورد منه ما يوهم ~~فمتأول. # الرابع: أن " أنتم " مبتدأ و " هؤلاء " منادى حذف منه حرف النداء، ~~وتقتلون خبر المبتدأ، وفصل بالنداء بين المبتدأ وخبره. # وهذا لا يجيزه جمهور البصريين إنما قال به " الفراء " وجماعة؛ أنشدوا: ~~[البسيط] # 629 إن الألى وصفوا ms0507 قومي لهم فبهم # هذا اعتصم تلق من عاداك مخذولا # أي: يا هذا، وهذا لا يجوز عند البصريين، ولذلك لحن المتنبي في قوله: ~~[الكامل] # 630 هذي برزت لنا فهجت رسيسا # .................... # وفي البيت كلام طويل. # الخامس: أن " هؤلاء " موصول بمعنى " الذي " ، و " تقتلون " صلته، وهو ~~خبر عن " أنتم " أي: أنتم الذين تقتلون. وهذا لا يجيزه جمهور البصريين ~~إنما قال به " الفراء " وجماعة؛ أنشدوا: [البسيط] # 631................... # نجوت وهذا تحملين طليق # أي: والذي تحملين، ومثله: # وما تلك بيمينك # [طه:17] يعني: وما التي؟ # السادس: أن " هؤلاء " منصوب على الاختصاص، بإضمار " أعني " و " أنتم " ~~مبتدأ، و " يقتلون " خبره، اعترض بينهما بجملة الاختصاص، وإليه ذهب ابن ~~كيسان. وهذا لا يجوز، لأن النحويين قد نصوا على أن الاختصاص لا ~~يكون بالنكرات، ولا أسماء الإشارة، والمستقرأ من لسان العرب أن المنصوب ~~على الاختصاص: إما " أي " نحو: " اللهم اغفر لنا أيتها العصابة " أو ~~معرف ب " أل " نحو: نحن العرب أقرى الناس للضيف، أو بالإضافة ~~نحو: نحن معاشر الأنبياء لا نورث، وقد يجيء كقوله: [الرجز] # 632 بنا تميما يكشف الضباب # وأكثر ما يجيء بعد ضمير تكلم كما تقدم، وقد يجيء مخاطب كقولهم: " بك ~~الله نرجو الفضل ". # السابع: أن يكون " أنتم هؤلاء " على ما تقدم من كونهما مبتدأ أو ~~خبر، والجملة من " تقتلون " مستأنفة مبينة للجملة قبلها، يعني: أنتم ~~هؤلاء الأشخاص الحمقى، وبيان حماقتكم وقلة عقلوكم أنكم تقتلون ~~أنفسكم، وتخرجون فريقا منكم من ديارهم، وهذا ذكره الزمخشري في آل ~~عمران في قوله: # هأنتم هؤلاء حاججتم # [آل عمران:66] ولم يذكر هنا، وسيأتي بنصه إن شاء الله تعالى. # قوله: " تظاهرون " هذه الجملة في محل نصب على الحال من فاعل " ~~تخرجون " وفيها خمس قراءات: " تظاهرون " بتشديد الظاء، والأصل: ~~تتظاهرون فأدغم لقرب الظاء من التاء. # و " تظاهرون " مخففا، والأصل كما تقدم، إلا أنه خففه بالحذف، وهل ~~المحذوف الثانية وهو الأولى؛ لحصول الثقل بها، ولعدم دلالتها على معنى ~~المضارعة، أو الأولى كما زعم هشام؛ قال الشاعر: [البسيط] # 633 تعاطسون جميعا حول داركم # فكلكم يا بني حمدان مزكوم # أراد: ms0508 تتعاطسون فحذف. # و " تظهرون " بتشديد الظاء والهاء. # و " تظاهرون " من " تظاهر " و " تتظاهرون " على الأصل من ~~غير حذف، ولا إدغام وكلهم يرجع إلى معنى المعاونة والتناصر من ~~المظاهرة، كأن كل واحد منهم يسند ظهره للآخر ليتقوى به، فيكون له ~~كالظهر؛ قال: [الطويل] # 634 تظاهرتم أستاه بيت تجمعت # على واحد لا زلتم قرن واحد # قال ابن الخطيب: الآية تدل على أن الظلم كما هو محرم، فإعانة الظالم ~~على ظلمه محرمة. # فإن قيل: أليس أن الله تعالى لما أقدر الظالم على الظلم، وأزال ~~العوائق والموانع، وسلط عليه الشهوة الداعية إلى الظلم كان قد أعانه على ~~الظلم، فلو كانت إعانة الظالم على ظلمه قبيحة لوجب ألا يوجد ذلك من ~~الله تعالى؟ # والجواب: أنه تعالى وإن مكن الظالم من ذلك فقد زجره عن الظلم ~~بالتهديد والزجر، بخلاف المعني للظالم على ظلمه، فإنه يرغبه فيه، ~~ويحسنه له ويدعوه إليه فظهر الفرق. # و " الإثم " في الأصل: الذنب، وجمعه " آثام " ، ويطلق على الفعل الذي ~~يستحق به صاحبه الذم واللوم. # وقيل: هو ما تنفر منه النفس، ولا يطمئن إليه القلب، فالإثم في ~~الآية يحتمل أن يكون مرادا به [أحد] هذه المعاني ويحتمل أن يتجوز به ~~عما يوجب الإثم من إقامة السبب مقام السبب مقام المسبب؛ كقوله: ~~[الوافر] # 635 شربت الإثم حتى ضل عقلي # كذاك الإثم يذهب بالعقول # فعبر عن الخمر بالإثم، لما كان مسببا عنها. # فصل في معنى العدوان واشتقاقه # و " العدوان ": التجاوز في الظلم، وقد تقدم في # يعتدون # [البقرة:61] وهو مصدر ك " الكفران والغفران " والمشهور ضم فائه، ~~وفيه لغة بالكسر. # قوله: { وإن يأتوكم أسارى تفادوهم } " إن " شرطية، و " ~~يأتوكم " مجزوم بها بحذف النون والمخاطب مفعول. # و " أسارى " حال من الفاعل في " يأتوكم ". # وقرأ الجماعة غير حمزة " أسارى " وقرأ هو: " أسرى " وقرىء: " ~~أسارى " بفتح الهمزة، فقراءة الجماعة تحتمل أربعة أوجه: # أحدها: أنه جمع جمع " كسلان " لما جمعهما من عدم النشاط ~~والتصرف، فقالوا: " أسير وأسارى " بضم الهمزة ك " كسلان وكسالى " ~~و " سكران وسكارى " ، كما أنه قد شبه كسلان وسكران ms0509 به فجمعا ~~جمعه الأصلي الذي هو على " فعلى " فقالوا: كسلان وكسلى، وسكران وسكرى ~~لقولهم: أسير وأسرى. # قال سيبويه: فقالوا: في جمع كسلان كسلى شبهوه ب " أسرى ". كما ~~قالوا: أسارى شبهوه ب " كسالى " ، ووجه الشبه أن الأسر يدخل على ~~المرء كرها كما يدخل الكسل. # قال بعضهم: والدليل على اعتبار هذا المعنى أنهم جمعوا " مريضا وميتا ~~وهالكا " على " فعلى " فقالوا: " مرضى وموتى وهلكى " لما جمعها ~~المعنى الذي في " قتلى وجرحى ". # الثاني: أن " أسارى " جمع " أسير " ، وقد وجدنا " فعيلا " يجمع ~~على " فعالى " قالوا: شيخ قديم، وشيوخ قدامى. وفيه نظر، فإن هذا شاذ ~~لا يقاس عليه. # الثالث: أنه جمع " أسير " أيضا، وإنما ضموا الهمزة من " أسارى " وكان ~~أصلها الفتح ك " نديم وندامى " كما ضمت الكاف والسين من " كسالى " ~~و " سكارى " وكان الأصل فيهما الفتح نحو: " عطشان وعطاشى ". # الرابع: أنه جمع " أسرى " الذي هو جمع " أسير " فيكون جمع الجمع. # وأما قراءة حمزة فواضحة؛ لأن " فعلى " ينقاس في " فعيل " نحو: " جريح ~~وجرحى " و " قتيل وقتلى " و " مريض ومرضى ". # وأما " أسارى " بالفتح فقد تقدم أنها أصل أسارى بالضم عند بعضهم، ~~ولم يعرف أهل اللغة فرقا بين " أسارى " و " أسرى " إلا ~~ما حكاه أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء، فإنه قال: " ما كان في ~~الوثاق فهم الأسارى، وما كان في اليد، فهم الأسرى " ونقل بعضهم ~~عنه الفرق بمعنى آخر، فقال: " ما جاء مستأسرا فهم الأسرى، وما صار ~~في أيديهم، فهم الأسارى " ، وحكى النقاش عن ثعلب؛ أنه لما سمع ~~هذا الفرق قال: " هذا كلام المجانين " ، وهي جرأة منه على أبي ~~عمرو، وحكى عن المبرد أنه يقال: " أسير وأسراء " ك " شهيد ~~وشهداء " و " الأسير ": مشتق من " الإسار " وهو القيد الذي ~~يربط به من المحمل، فسمي الأسير أسيرا، وإن لم يربط، والأسر: ~~الخلق في قوله: # وشددنآ أسرهم # [الإنسان:29] وأسرة الرجل: من يتقوى بهم، والأسر: احتباس ~~البول، ورجل مأسور: أصابه ذلك؛ وقالت العرب: أسر قتبه: أي: ~~شده؛ قال الأعشى: [المتقارب] # 636 وقيدني الشعر في بيته # كما قيد الآسرات الحمارا # يريد: أنه ms0510 بلغ في الشعر النهاية؛ حتى صار له كالبيت الذي لا يبرح ~~عنه. # قوله: " تفادوهم " قرأ نافع وعاصم والكسائي: " تفادوهم " ، ~~وهو جواب الشرط، فلذلك حذفت نون الرفع، وقرأ الباقون: " تفدوهم " ، ~~وهل القراءتان بمعنى واحد، ويكون معنى " فاعل " مثل معنى " فعل " ~~المجرد مثل: " عاقبت وسافرت " أو بينهما فرق؟ خلاف مشهور، ثم اختلف ~~الناس في ذلك الفرق ما هو؟ # فقيل: معنى " فداه " أعطى فيه فداء من مال، و " فاداه ": أعطى ~~فيه أسيرا مثله؛ وأنشد: [الطويل] # 637 ولكنني فاديت أمي بعدما # علا الرأس منها كبرة ومشيب # وهذا القول يرده قوله العباس رضي الله عنه: فاديت نفسي وفاديت ~~عقيلا، ومعلوم أن لم يعط أسيره في مقابلة نفسه ولا ولده. # وقيل: تفدوهم بالصلح، وتفادوهم بالعنف. # وقيل: تفدوهم تعطوا فديتهم، وتفادوهم تطلبون من أعدائكم فدية الأسير ~~الذي في أيديكم؛ ومنه: [الوافر] # 638 قفي فادي أسيرك إن قومي # وقومك ما أرى لهم اجتماعا # والظاهر أن " تفادوهم " على أصله من أثنين، وذلك أن الأسير يعطى المال ~~والأسير يعطى الإطلاق، وتفدوهم على بابه من غير مشاركة، وذلك أن ~~الفريقين يفدي صاحبه من الآخر بمال أو غيره، فالفعل على الحقيقة من ~~واحد. # و " الفداء " ما يفتدى به، فإذا كسروا فاءه، جاز فيه وجهان: # المد والقصر، فمن المد قول النابغة: [البسيط] # 639 مهلا فداء لك الأقوام كلهم # وما أثمر من مال ومن ولد # ومن القصر قوله: [الطويل] # 640..................... # فدى لك من رب طريفي وتالدي # ومن العرب من يكسر: " فدى " مع لام الجر خاصة، نحو: " فدى لك أبي ~~وأمي " يريدون الدعاء له بذلك، وفدى يتعديان لاثنين أحدهما بنفسه، ~~والآخر بحرف جر، تقول: " فديت أو فاديت الأسير بمال " ، وهو محذوف في ~~الآية الكريمة. # قال ابن عطية: وحسن لفظ الإتيان من حيث هو في مقابلة الإخراج، ~~فيظهر التضاد المقبح لفعلهم في الإخراج. # يعني: أنه لا يناسب من أسأتم إليه بالإخراج من داره أن تحسنوا إليه ~~بالفداء. # فصل فيما أخذ الله على بني إسرائيل # قال السدي: إن الله أخذ على بني إسرائيل في التوراة ألا يقتل بعضهم ms0511 ~~بعضا، ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم، وأيما عبد أو أمة وجدتموه من ~~بني إسرائيل فاشتروه بما قام من ثمنه وأعتقوه، وكانت " قريظة " حلفاء " ~~الأوس " ، " والنضير " حلفاء " الخزرج " ، وكانوا يقتلون في حرب ~~سنين، فيقاتل " بنو قريظة " مع حلفائهم، " وبنو النضير " مع حلفائهم، ~~وإذا غلبوا خربوا ديارهم، وأخرجوهم منها، وإذا أسر رجل من الفريقين جمعوا ~~له حتى يفدوه، وإن كان الأسير من عدوهم، فتعيرهم العرب، ويقولون: كيف ~~تقاتلونهم وتفدونهم؟ قالوا: إنا أمرنا أن نفديهم، فيقولون: فلم ~~تقاتلونهم؟ قالوا: إنا نستحي أن تذل حلفاؤنا، فعيرهم الله تعالى، فقال: ~~{ ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم }. # وفي الآية تقديم وتأخير، ونظمها: وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون ~~عليهم بالإثم والعدوان، وهو محرم عليكم إخراجهم، وإن يأتوكم أسارى ~~تفادوهم فكان الله تعالى أخذ عليهم أربعة عهود: ترك القتال، وترك ~~الإخراج، وترك المظاهرة عليهم مع أعدائهم، وفداء أسرائهم، فأعرضوا عن ~~الكل إلا الفداء، فقال عز وجل: # أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض # [البقرة:85]. # وقال مجاهد: يقول: إن وجدته في يد غيرك فديته، وأنت تقتله بيدك. # قوله: " وهو محرم " فيه وجوه. # والظاهر منها: أن يكون " هو " ضمير الشأن والقصة، فيكون في محل رفع ~~بالابتداء، و " محرم " خبر مقدم، وفيه ضمير قائم مقام الفاعل، و " ~~إخراجهم " مبتدأ مؤخر، والجملة من هذه المبتدأ والخبر في محل رفع خبرا ~~لضمير الشأن، ولم تحتج هنا إلى عائد على المبتدأ؛ لأن الخبر نفس ~~المبتدأ أو عينه. # وهذه الجملة مفسرة لهذا الضمير، وهو أحد المواضع التي يفسر فيها الضمير ~~بما بعده وقد تقدمت، وليس لنا من الضمائر ما يفسر بجملة غير هذا ~~الضمير، ومن شرطه أن يؤتى به في مواضع التعظيم، وأن يكون معمولا ~~للابتداء أو نواسخه فقط، وأن يفسر بجملة مصرح بجزئيها، ولا يتبع بتابع ~~من التوابع الخمسة، ويجوز تذكيره وتأنيثه مطلقا خلافا لما فصل، ~~فتذكيره باعتبار الأمر والشأن، وتأنيثه باعتبار القصة فتقول: # " هو زيد قائم " ، ولا يثنى ولا يجمع، ولا يحذف إلا في مواضع تذكر إن ~~شاء الله تعالى، والكوفيون يسمونه ضمير المجهول، ms0512 وله أحكام كثيرة. # الوجه الثاني: أن يكون " هو " ضمير الشأن أيضا، و " محرم " خبره، و " ~~إخراجهم " مرفوع على أنه مفعول لم يسم فاعله. وهذا مذهب الكوفيين، ~~وإنما فروا من الوجه الأول؛ لأن عندهم أن الخبر المحتمل ضميرا ~~مرفوعا لا يجوز تقديمه على المبتدأ، فلا يقال: قائم زيد على أن يكون " ~~قائم " خبرا مقدما، وهذا عند البصريين ممنوع لما عرفته أن ضمير الشأن ~~لا يفسر إلا بجملة، والاسم المشتق الرافع لما بعده من قبيل المفردات ~~لا الجمل، فلا يفسر به ضمير الشأن. # الثالث: أن يكون " هو " كناية عن الإخراج، وهو مبتدأ، و " محرم " ~~خبره، و " إخراجهم " بدل منه، وهذا على أحد القولين. # وهو جواز إبدال الظاهر من المضمر قبله ليفسره، واستدل من أجاز ذلك ~~بقوله: [الطويل] # 641 على حالة لو أن في القوم حاتما # على جوده لضن بالماء حاتم # ف " حاتم " بدل عن الضمير في " جوده ". # الرابع: أن يكون " هو " ضمير الإخراج المدلول عليه بقوله: " ~~وتخرجون " و " محرم " خبره، و " إخراجهم " بدل من الضمير ~~المستتر في " محرم ". # الخامس: كذلك، إلا أن " إخراجهم " بدل من " هو ". نقل هذين الوجيهن أبو ~~البقاء، وفي هذا الأخير نظر، وذلك أنك إذا جعلت " هو " ضمير الإخراج ~~المدلول عليه بالفعل كان الضمير مفسرا به نحو: # اعدلوا هو أقرب للتقوى # [المائدة:8] فإذا أبدلت منه " إخراجهم " الملفوظ به كان مفسرا به ~~أيضا، فيلزم تفسيره بشيئين، إلا أن يقال: هذان الشيئان في الحقيقة ~~شيء واحد فيحتمل ذلك. # السادس: أجاز الكوفيون أن يكون " هو " عمادا، وهو الذي يسميه البصريون ~~ضمير الفصل قدم مع الخبر، والأصل: وإخراجهم هو محرم عليكم، و " ~~إخراجهم " مبتدأ، و " محرم " خبره، و " هو " عماد، فلما قدم الخبر قدم ~~معه. # قال الفراء: لأن الواو هنا تطلب الاسم، وكل موضع نطلب فيه الاسم ~~فالعماد جائز وهذا عند البصريين ممنوع من وجهين: # أحدهما: أن الفصل عندهم من شرطه أن يقع بين معرفتين أو بين معرفة ~~ونكرة قريبة من المعرفة في امتناع دخول أل ك " أفعل من " ومثل وأخواتها. # والثاني: أن ms0513 الفصل عندهم لا يجوز تقديمه مع ما اتصل به. # والسابع: قال ابن عطية: وقيل في " هو ": إنه ضمير الأمر، والتقدير: ~~والأمر محرم عليكم، وإخراجهم في هذا القول بدل من " هو ". # وقال أبو حيان: وهذا خطأ من وجهين: # أحدهما: تفسير ضمير الأمر بمفرده، وذلك لا يجيزه بصري ولا كوفي، أما ~~البصري فلاشتراطه جملة، وأما الكوفي فلا بد أن يكون المفرد قد انتظم منه ~~[نحو " ظننته قائما الزيدان ". # والثاني: أنه جعل " إخراجهم " ] بدلا من ضمير الأمر، وقد تقدم " ألا ~~يتبع بتابع ". # الثامن: قال ابن عطية أيضا: وقيل: هو فاصلة، وهذا مذهب الكوفيين، ~~وليست هنا بالتي هي عماد، و " محرم " على هذا ابتداء، و " إخراجهم " ~~خبر. # قال: أبو حيان والمنقول عن الكوفيين عكس هذا الإعراب، أي: يكون " ~~إخراجهم " مبتدأ مؤخرا، و " محرم " خبر مقدم قدم مع الفصل كما ~~تقدم، وهو الموافق للقواعد، ولا يلزم منه الإخبار بمعرفة عن نكرة من غير ~~ضرورة تدعو إلى ذلك. # التاسع: نقله ابن عطية أيضا عن بعضهم أن " هو " الضمير المقدر في " ~~محرم " قدم وأظهر. # قال الشيخ: وهذا ضعيف جدا؛ إذ لا ضرورة تدعو إلى انفصال هذا الضمير ~~بعد استتاره وتقديره، وأيضا فإنه يلزم خلو اسم المفعول من ضمير؛ ~~إذ على هذا القول يكون " محرم " خبرا مقدما، و " إخراجهم " متبدأ ~~مؤخرا ولا يوجد اسم فاعل، ولا مفعول خاليا من الضمير إلا إذا رفع ~~الظاهر، ثم يبقى هذا الضمير لا ندري ما إعرابه، إذ لا يجوز مبتدأ، ولا ~~فاعلا مقدما وفي قول الشيخ: " يلزم خلوه من ضمير " نظر؛ إذ هو ضمير ~~مرفوع به، فلم يخل منه غاية ما في الباب أنه انفصل للتقديم. # وقوله: " لا ندري ما إعرابه "؟ قد دري، وهو الرفع بالفاعلية. # وقوله: والفاعل لا يقدم " ممنوع " فإن الكوفي يجيز تقديم الفاعل، ~~فيحتمل أن يكون هذا القائل يرى ذلك، ولا شك أن هذا قول رديء منكر لا ~~ينبغي أن يجوز مثله في الكلام، فكيف في القرآن! فالشيخ معذور، والعجب من ~~ابن عطية كيف يورد هذه الأشياء حاكيا لها ms0514 ولم يعقبها بنكير؟ # وهذه الجملة يجوز أن تكون محذوفة من الجمل المذكورة قبلها، وذلك أنه قد ~~تقدم ذكر أربعة أشياء كلها محرمة وهي قوله: تقتلون أنفسكم وتخرجون ~~[فريقا منكم من ديارهم]، وتظاهرون، وتفادون فيكون التقدير: ~~تقتلون أنفسكم وهو محرم عليكم قتلها وكذلك مع البواقي. # ويجوز أن يكون خص الإخراج بذكر التحريم، وإن كانت كلها حراما، لما فيه ~~من معرة الجلاء والنفي الذي لا ينقطع شره إلا بالموت والقتل، وإن ~~كان أعظم منه إلا أن فيه قطعا للشر، فالإخراج من الديار أصعب ~~الأربعة بهذا الاعتبار. # و " المحرم ": الممنوع، فإن التحريم هو المنع من كذا، والحرام: ~~الشيء الممنوع منه يقال: حرام عليك وسيأتي تحقيقه في " الأنبياء " ~~إن شاء الله تعالى. # فصل في المراد بالكفر والإيمان في الآية # اختلف العلماء في قوله: { أفتؤمنون ببعض الكتاب ~~وتكفرون ببعض } قال ابن عباس وقتادة وابن جريج: " إخراجهم كفر، ~~وفداؤهم إيمان؛ لأنه ذمهم على المناقضة، إذ أتوا ببعض الواجب وتركوا ~~البعض ". # فإن قيل: هب أن ذلك الإخراج كان معصية، فلم سماها كفرا؟ مع أنه ~~ثبت أن العاصي لا يكفر. # فالجواب: لعلهم صرحوا بأن ذلك الإخراج غير واجب مع أن صريح التوراة ~~كان دالا على وجوبه. # الثاني: أن المراد تمسكهم بنبوة موسى عليه الصلاة والسلام مع ~~التكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم مع أن الحجة في أمرها سواء. # قوله: { فما جزآء من يفعل } " ما " يجوز فيها وجهان: # أحدهما: أن تكون نافية، و " جزاء " متبدأ، و " إلا خزي " خبره وهو ~~استثناء مفرغ وبطل علمها عند الحجازيين لانتقاض النفي ب " إلا " ~~، وفي ذلك خلاف وتفصيل وتلخيصه: أن خبرها الواقع بعد " إلا " جمهور ~~البصريين على وجوب رفعه مطلقا سواء كان هو الأول، أمر منزلا منزلته، ~~أو صفة أو لم يكن، ويتأولون قوله: [الطويل] # 642 وما الدهر إلا منجنونا بأهله # وما صاحب الحاجات إلا معذبا # على أن الناصب ل " منجنونا " و " معذبا " محذوف، أي: يدور دوران ~~منجنون، ويعذب معذبا تعذيبا. # وأجاز يونس النصب مطلقا، وإن كان النحاس نقل عدم الخلاف في رفع ms0515 ما ~~زيد إلا أخوك فإن كان الثاني منزلا منزلة الأول نحو: " ما أنت ~~إلا عمامتك تحسينا وإلا رداءك تزيينا ". فأجاز الكوفيون نصبه، ~~وإن كان صفة نحو: " ما زيد إلا قائم " فأجاز الفراء نصبه أيضا. # والثاني: أن تكون استفهامية في محل رفع بالابتداء، و " جزاء " خبره، و ~~" إلا خزي " بدل من " جزاء " نقله أبو البقاء. # و " الجزاء ": المقابلة خيرا كان أو شرا. # و " من " موصولة، أو نكرة موصوفة، و " يفعل " لا محل لها على الأول، ~~ومحلها الجر على الثاني. # " منكم " في محل نصب على الحال من فاعل " يفعل " ، فيتعلق بمحذوف، ~~أي: يفعل ذلك حال كونه منكم. # و " الخزي ": الهوان والذل والمقت، يقال: أخزاه الله إذا ~~مقته وأبعده، ويقال: خزي بالكسر يخزى خزيا فهو خزيان، ~~وامرأة خزيا، والجمع خزايا. وقال ابن السكيت: الخزي الوقوع في ~~بلية، وخزي الرجل في نفسه يخزى خزاية إذا استحيا. # وإذا قيل: أخزاه الله، كأنه قيل: أوقعه موقعا يستحيى منه، فأصله على ~~هذا الاستحياء. # قوله: " في الحياة " يجوز فيه وجهان: # أحدهما: أن يكون في محل رفع؛ لأنه صفة ل " خزي " فيتعلق بمحذوف، ~~أي: خزي كائن في الحياة. # الثاني: أن يكون محله النصب على أنه ظرف ل " خزي " ، فهو منصوب به ~~تقديرا. # و " الدنيا " " فعلى " تأنيث الأدنى من الدنو، وهو القرب، ~~وألفها للتأنيث، ولا تحذف منها " أل " إلا لضرورة كقوله: [الرجز] # 643 يوم ترى النفوس ما أعدت # في سعي دنيا طالما قد مدت # وياؤها عن واو، وهذه قاعدة مطردة، وهي: كل " فعلى " صفة لامها واو ~~تبدل ياء. نحو " الدنيا والعليا ". # فأما قولهم: " القصوى " عند غير " تميم " ، و " الحلوى " عند ~~الجميع فشاذ. # فلو كانت " فعلى " اسما صحت الواو؛ كقوله: [الطويل] # 644 أدارا بحزوى هجت للعين عبرة # فماء الهوى يرفض أو يترقرق # وقد استعملت استعمال الأسماء، فلم يذكر [موصوفها، قال تعالى: # تريدون عرض الدنيا # [الأنفال:67] وقال ابن السراج في " المقصور والممدود ": و " الدنيا " ] ~~مؤنثة مقصورة، تكتب بالألف، هذه لغة " نجد " و " تميم " ، إلا أن " ~~الحجاز " ، " وبني أسد " يلحقونها ونظائرها بالمصادر ذوات ms0516 الواو، ~~فيقولون: دنوى مثل شروى وكذلك يفعلون بكل " فعلى " موضع لامها ~~واو، ويفتحون أولها، ويقلبون باءها واوا، وأما أهل اللغة الأولى، فيضمون ~~الدال، ويقلبون من الواو ياء لاستثقالهم الواو مع الضمة. # فصل في المراد بالخزي في الآية # اختلفوا في هذا الخزي على جوه: # أحدها: قال الحسن: وهو الجزية والصغار، وهو ضعيف؛ لأن الجزية ~~لم تكن ثابتة، في شريعتهم، بل إن حملنا الآية على خطاب الذين كانوا في ~~زمن النبي صلى الله عليه وسلم فيصح. # الثاني: خزي " بني قريظة " بالقتل والسبي، وخزي بني النضير ~~بالجلاء والنفي عن منازلهم إلى " أذرعات " و " أريحا " من " الشام " ~~، وهذا أيضا إنما يصح إذا حملنا الآية على الحاضرين في زمان محمد صلى ~~الله عليه وسلم. # الثالث: قال ابن الخطيب وهو الأولى: إن المراد منه الذم العظيم ~~ولتحقير البالغ من غير تخصيص ذلك ببعض الوجوه دون بعض، والتنكير في قوله: ~~" خزي " يدل على أن الذم واقع في النهاية العظمى. # [وقوله] يردون [قرىء] بالغيبة على المشهور وفيه وجهان. # أحدها: أن يكون التفاتا، فيكون راجعا إلى قوله " أفتؤمنون " ~~فخرج من ضمير الخطاب إلى الغيبة. # والثاني: أنه لا التفات فيه، بل هو راجع إلى قوله: " من يفعل ". # وقرأ الحسن: " تردون " بالخطاب وفيه الوجهان المتقدمان: # فالالتفات نظرا لقوله: " من يفعل " ، وعدم الالتفات نظرا لقوله: ~~" أفتؤمنون ". # وكذلك: { وما الله بغافل عما تعملون } قرىء في المشهور ~~بالغيبة والخطاب والكلام فيهما كما تقدم. # فإن قيل: عذاب الدهري الذي ينكر الصانع يجب أن يكون أشد من عذاب ~~اليهود، فكيف يكون في حق اليهود { يردون إلى أشد العذاب ~~}؟ # فالجواب: المراد منه أشد من الخزي الحاصل في الدنيا، فلفظ الأشد وإن ~~كان مطلقا إلا أن المراد أشد من هذه الجهة. ### || [2.86] # قد تقدم إعراب نظائرها إلا أن بعضهم ذكر وجوها مردودة لا بد من ~~التنبيه عليها، فأجاز أن يكون " أولئك " مبتدأ، و " الذين اشتروا " خبره، ~~" فلا يخفف عنهم العذاب " خبرا ثانيا ل " أولئك ". # قال: ودخلت الفاء في جواب الخبر لأجل الموصول المشبه بالشرط وهذا خطأ ~~فإن قوله: ms0517 " فلا يخفف " لم يجعله خبرا للموصول حتى تدخل " الفاء " ~~في خبره، وإنما جعله خبرا عن " أولئك " وأين هذا من ذاك؟ # وأجاز أيضا أن يكون الذين مبتدأ ثانيا، و " فلا يخفف " خبره، دخلت ~~لكونه خبرا للموصول، والجملة خبرا عن " أولئك ". # قال: ولم يحتج هذا إلى عائد؛ لأن " الذين " هم " أولئك " كما تقول: " ~~هذا زيد منطلق " ، وهذا أيضا خطأ لثلاثة أوجه: # أحدها: خلو الجملة من رابط، وقوله: " لأن الذين " هم " أولئك " لا ~~يفيد، فإن الجملة المستغنية لا بد وأن تكون نفس المبتدأ. # وأما تنظيره ب " هذا زيد منطلق " فليس بصحيح، فإن " هذا " مبتدأ و " ~~زيد " خبره، و " منطلق " خبر ثان، ولا يجوز أن يكون " زيد " مبتدأ ~~ثانيا، و " منطلق " خبره، والجملة خبر عن الأول، للخلو من الرابط. # الثاني: أن الموصول هنا لقوم معينين وليس عاما، فلم يشبه ~~الشرط، فلم تدخل " الفاء " في خبره. # الثالث: أن صلته ماضية لفظا ومعنى، فلم تشبه فعل الشرط في الاستقبال، ~~فلا يجوز دخول الفاء في الخبر. # فتعين أن يكون " أولئك " مبتدأ والموصول بصلته خبره، و " فلا يخفف " ~~معطوف على الصلة، ولا يضر تخالف الفعلين في الزمان، فإن ~~الصلات من قبيل الجمل، وعطف الجمل لا يشترط فيه اتحاد الزمان، فيجوز ~~أن تقول: جاء الذي قتل زيدا أمس، وسيقتل عمرا غدا، وإنما الذي يشترط ~~فيه ذلك حيث كانت الأفعال منزلة منزلة المفردات. # وقيل: دخلت " الفاء " بمعنى جواب الأمر كقوله: أولئك الضلال انتبه فلا ~~خير فيهم. # فصل في تفسير تخفيف العذاب # حمل بعضهم عدم التخفيف على عدم الانقطاع؛ لأنه لو انقطع لكان قد خفف، ~~وحمله آخرون على الشدة لا على الدوام، أو في كل الأوقات، فإذا وصف ~~عذابهم بأنه لا يخفف عنهم اقتضى ذلك نفي جميع ما ذكرناه. # قوله: { ولا هم ينصرون } يجوز في " هو " وجهان: # أحدهما: أن يكون محل رفع بالابتداء، وما بعده خبره، ويكون قد عطف جملة ~~اسمية على جملة فعلية وهي: " فلا يخفف ". # والثاني: أن يكون مرفوعا بفعل محذوف يفسره هذا الظاهر، وتكون المسألة ~~من باب الاشتغال، ms0518 فلما حذف الفعل انفصل الضمير؛ ويكون كقوله: ~~[الطويل] # 645- فإن هو لم يحمل على النفس ضيمها # فليس إلى حسن الثناء سبيل # وله مرجح على الأول بكونه قد عطف جملة على مثلها، وهو من المواضع ~~المرجح فيها الحمل على الفعل في باب الاشتغال. وليس المرجح كونه تقدمه ~~" لا " النافية، فإنها ليست من الأدوات المختصة بالفعل ولا الأولى به، ~~خلافا لابن السيد حيث زعم أن " لا " النافية من المرجحات لإضمار ~~الفعل، وهو قول [مرغوب عنه] ولكنه قوي من حيث البحث. فقوله: " ~~ينصرون " لا محل له على هذا؛ لأنه مفسر، ومحله الرفع على الأولى ~~لوقوعه موقع الخبر. # فصل # حمله بعضهم على نفس النصرة في الآخرة، والأكثرون حملوه على نفي ~~النصرة في الدنيا. # قال ابن الخطيب: والأول أولى، لأنه تعالى جاء على صنعهم ولذلك قال: ~~{ فلا يخفف عنهم العذاب } وهذه الصفة لا تليق إلا ~~بالآخرة؛ لأن عذاب الدنيا وإن حصل، فيصير كالحدود؛ لأن الكفار قد ~~يصيرون غالبين للمؤمنين في بعض الأوقات. ### || [2.87] # روي عن ابن عباس أن التوراة لما نزلت أمر الله موسى بحملها فلم ~~يطق ذلك، فبعث لكل حرف منها ملكا فلم يطيقوا حملها، فخففها الله على ~~موسى عليه الصلاة والسلام فحملها. # [قوله]: { وقفينا من بعده بالرسل } التضعيف في " ~~قفينا " ليس للتعدية؛ إذ لو كان كذلك لتعدى إلى اثنين؛ لأنه ~~قيل: التضعيف يتعدى لواحد، نحو: " قفوت زيدا " ، ولكنه ضمن ~~معنى " جئنا " كأنه قيل: وجئنا من بعده بالرسل. # فإن قيل: يجوز أن يكون متعديا لاثنين على معنى أن الأول محذوف، ~~والثاني " بالرسل " والباء فيه زائدة تقديره: " وقفينا من بعده ~~الرسل ". # فالجواب: أن كثرة مجيئه في القرآن كذلك يبعد هذا التقدير، وسيأتي ~~لذلك مزيد بيان في " المائدة " [الآية:46] إن شاء الله تعالى. # و " قفينا " أصله: قفونا، ولكن لما وقعت " الواو " رابعة قلبت ~~" ياء " ، واشتقاقه من " قفوت " ، وقفوته إذا اتبعت قفاه، ~~ثم اتسع فيه، فأطلق على تابع، وإن بعد زمان التابع عن زمان ~~المتبوع. # قال أمية: [البسيط] # 646 قالت لأخت له قصيه عن جنب # وكيف تقفو ولا ms0519 سهل ولا جبل # و " القفا ": مؤخر العنق، ويقال له: القافية أيضا، ومنه الحديث: # " يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم ". # والقفاوة: ما يدخر من اللبن وغيره لمن تريد إكرامه، وقفوت الرجل: ~~قذفته بفجور، " وفلان قفوتي ": أي تهمتي، وقفوتي أي خيرتي. # قال ابن دريد: كأنه من الأضداد. # ومنه قافية الشعر؛ لأنها يتلو بعضها بعضا، ومعنى قفينا: أي أتبعنا، ~~كقوله: # ثم أرسلنا رسلنا تترا # [المؤمنون:44]. # و " من بعده " متعلق به، وكذلك: " بالرسل " وهو جمع رسول بمعنى ~~مرسل، وفعل غير مقيس في " فعيل " بمعنى " مفعول " وسكون العين لغة " ~~الحجاز " وبها قرأ الحسن، والضم لغة " تميم " وبها قرأ السبعة إلا ~~أبا عمر، وفيما أضيف إلى " نا " أو " كم " أو " هم " ، فإنه قرأ بالسكون ~~لتوالي الحركات. # فصل في تعيين الرسل المقفى بهم # هؤلاء الرسل: يوشع، وشمويل، وداود، وسليمان، وشعياء، وأرمياء، وعزير، ~~وحزقيل، وإلياس، ويونس، وزكريا، ويحيى، وغيرهم. # وروي أن بعد موسى إلى أيام عيسى كانت الرسل متواترة، ويظهر بعضهم في ~~أثر البعض. # والشريعة واحدة في أيام عيسى عليه الصلاة والسلام فإنه جاء بشريعة ~~مجددة، والدليل على ذلك قوله: { وقفينا من بعده بالرسل ~~}؛ لأنه يقتضي أنهم على حد واحد في الشريعة يتبع بعضهم بعضا فيها. ~~وقال القاضي: إن الرسول الثاني لا يجوز أن يكون على شرعة الأول ~~بحيث لا يؤدي إلا تلك بعينها من غير زيادة ولا نقصان، مع أن تلك ~~الشريعة محفوظة يمكن معرفتها بالتواتر عن الأول؛ لأن الرسول إذا ~~كان هذا حاله لم يمكن أن يعلم من جهة إلا ما كان قد علم من قبل، أو ~~يمكن أن يعلم من قبل، فكما لا يجوز أن يبعث الله رسولا لا شريعة معه ~~أصلا، فكذا هاهنا، فثبت أنه لا بد وأن يكونوا قد بعثوا بشريعة جديدة إن ~~كانت الأولى محفوظة، أو محيية لبعض ما اندرس من الشريعة الأولى. # والجواب: لم لا يجوز أن يكون المقصود من بعثة هؤلاء الرسل التعبد بتلك ~~الشريعة السابقة بنوع آخر من الألطاف لا يعلمه إلا الله؟ # فصل في لفظ عيسى # [قوله]: " عيسى ms0520 ": علم أعجمي فلذلك لم ينصرف، وقد تكلم النحويون في ~~وزنه، واشتقاقه على تقدير كونه عربي الوضع فقال سيبويه: وزنه " ~~فعلى " والياء فيه ملحقة ببنات الأربعة كياء " معزى " بالياء لا ~~الألف، سماها ياء لكتابتها بالياء. # وقال الفارسي: ألفه ليست للتأنيث ك " ذكرى " ، بدلالة صرفهم له في ~~النكرة. # وقال عثمان بن سعيد الصيرفي: وزنه " فعلل " فالألف عنده أصيلة بمعنى ~~أنها منقلبة عن أصل. ورد عليه ذلك ابن الباذش بأن الياء والواو لا ~~يكونان أصليين في بنات الأربعة، فمن قال: إن " عيسى " مشتق من " العيس ~~": وهو بياض تخالطه شقرة ليس بمصيب، لأن الأعجمي لا يدخله اشتقاق ولا ~~تصريف. # وقل الزمخشري: " وقيل: عيسى بالسريانية يشوع ". # قوله: " ابن مريم " عطف بيان له أو بدل، ويجوز أن يكون صفة إلا أن الأول ~~أولى؛ لأن " ابن مريم " جرى مجرى العلم له، وللوصف ب " ابن " أحكام ~~تخصه، ستأتي إن شاء الله تعالى مبينة، وقد تقدم اشتقاق " ابن " وأصله. # و " مريم " أصله بالسريانية صفة بمعنى الخادم، ثم سمي به؛ فلذلك ~~لم ينصرف، وفي لغة العرب: هي المرأة التي تكثر مخالطة الرجال ك " ~~الزير " من الرجال، وهو الذي يكثر مخالطتهن. # قال رؤبة: [الرجز] # 647 قلت لزير لم تصله مريمه # و " ياء " الزير عن واو؛ لأنه من " زار يزور " فقلبت للكسرة قبلها ك ~~" الريح " ، فصار لفظ " مريم " مشتركا بين اللسانين، ووزنه عند ~~النحويين " مفعل " لا " فعيل " ، قال الزمخشري: لأن " فعيلا " ، ~~بفتح الفاء لم يثبت في الأبنية كما ثبت نحو: " عثير وعليب " وقد أثبت ~~بعضهم " فعيلا " ، وجعل منه نحو: " ضهيد ": اسم مكان و " مدين " على ~~القول بأصالة ميمه و " ضهيأ " بالقصر وهي المرأة التي لا تحيض، أو لا ~~ثدي لها، مشتقة من " ضاهأت " أي: " شابهت "؛ لأنها شابهت الرجال ~~في ذلك، ويجوز مدها قاله الزجاج. # وقال ابن جني: وأما " ضهيد وعثير " فمصنوعان فلا دلالة فيهما على ثبوت " ~~فعيل " ، وصحة الياء في " مريم " على خلاف القياس، إذ كان من حقها ~~الإعلال بنقل حركة الياء إلى الراء، ثم قلب الياء ألفا نحو: " مباع ~~" من البيع، ms0521 ولكنه شذ كما شذ " مزيد ومدين ". # وقال أبو البقاء: ومريم على أعجمي، ولو كان مشتقا من " رام يريم " ~~لكان مريما بسكون الياء. وقد جاء في الأعلام فتح الياء نحو: [مزيد] ~~وهو على خلاف القياس. # و " البينات " قيل: هي المعجزات المذكورة في سورة " آل عمران " ~~و " المائدة ". # وقيل: الإنجيل. # وقيل: أعم من ذلك. # قوله: " وأيدناه " معطوف على قوله: " وآتينا عيسى ". # وقرأ الجمهور: " وأيدناه " على " فعلناه " ، وقرأ مجاهد ~~وابن محيصن ويروى عن أبي عمرو: " وآيدناه " على " أفعلناه " ، ~~والأصل فيه: " أأيد " بهمزتين ثانيتهما ساكنة، فوجب إبدال الثانية ~~ألفا نحو: " أأمن " وبابه، وصححت العين كما صحت في " أغيلت وأغميت " ~~وهو تصحيح شاذ إلا في فعل التعجب نحو: ما أبين وأطول. # وحكي عن أبي زيد أن تصحيح " أغيلت " مقيس. # فإن قيل: لم لا أعل " أيدناه " كما أعل نحو: أبعناه حتى لا ~~يلزم حمله على الشاذ؟. # فالجواب: أنه لو أعل بأن ألقيت حركة العين على الفاء، فيلتقي ساكنان ~~العين واللام، فتحذف العين لالتقاء الساكنين، فتجتمع همزتان مفتوحتان، ~~فيجب قلب الثانية واوا نحو: " أوادم " فتتحرك الواو بعد فتحة، فتقلب ~~ألفا فيصير اللفظ: أأدناه؛ لأدى إلى إعلال الفاء والعين، فالأجل ~~ذلك رفض بخلاف أبعناه وأقمناه، فإنه ليس فيه إلا إعلال العين ~~فقط، قال أبو البقاء: فإن قلت: فلم لم تحذف الياء التي هي عين كما حذفت ~~من نحو: " أسلناه " من " سال يسيل "؟. # قيل: لو فعلوا ذلك لتوالى إعلالان: # أحدهما: قلب الهمزة الثانية ألفا، ثم حذف الألف المبدلة من الياء ~~لسكونها، وسكون الألف قبلها، فكان يصير اللفط أدناه، فتحذف الفاء ~~والعين، وليس " أسلناه " كذلك؛ لأن هناك حذفت العين فقط. # وقال الزمخشري في " المائدة ": " أيدتك على أفعلتك ". # وقال ابن عطية: " على فاعلتك " ، ثم قال: " ويظهر أن الأصل في ~~القراءتين: أفعلتك، ثم اختلف الإعلال " والذي يظهر أن " أيد " ~~فعل لمجيء مضارعه على يؤيد بالتشديد، ولو كان أيد بالتشديد ~~بزنة " أفعل " لكان مضارعه " يؤيد " ك " يؤمن " من " آمن " ~~وأما آيد بالمد فيحتاج في نقل مضارعة إلى سماع، فإن سمع " ~~يؤايد " ك " يقاتل ms0522 " فهو " فاعل " فإن سمع " يؤيد " ك " يكرم ~~" و " آيد " فهو أفعل، ذكر جميع ذلك أبو حيان في " المائدة " ، ثم ~~قال: إنه لم يظهر كلام ابن عطية في قوله: " اختلف الإعلال " ، وهو صحيح، ~~إلا أن قوله: والذي يظهر أن " أيد " في قراءة الجمهور " فعل " لا ~~" أفعل " إلى آخره فيه نظر؛ لأنه يشعر بجواز شيء آخر متعذر. # كيف يتوهم أن " أيد " بالتشديد في قراءة الجمهور بزنة " أفعل " ~~، هذا ما لا يقع. # و " الأيد ": القوة. # قال عبد المطلب: [الرجز] # 648 ألحمد لله الأعز الأكرم # أيدنا يوم زحوف الأشرم # والصحيح أن " فعل " و " أفعل " هنا بمعنى واحد وهو " قويناه ~~" ، وقد فرق بعضهم بينهما، فقال: " أما المد فمعناه: القوة، وأما ~~القصر فمعناه: التأييد والنصر " وهذا في الحقيقة ليس بفرق، وقد أبدلت ~~بعض العرب في آيد على أفعل الياء جيما فقالت: آجده أي قواه. # قال الزمخشري: " يقال: الحمد لله الذي آجدني بعد ضعف، وأوجدني بعد ~~فقر ". وهذا كما أبدلوا من يائه جيما فقالوا: لا أفعل ذلك جد ~~الدهر أو مد الدهر، وهو إبدال لا يطرد. # ومن إبدال الياء جيما قول الراجز: [الرجز] # 649 خالي عويف وأبو علج # ألمطعمان اللحم بالعشج # يريد: " وأبو علي " و " بالعشي ". # قوله: " بروح القدس " متعلق ب " أيدناه ". # وقرأ ابن كثير: " القدس " بإسكان الدال، والباقون بضمها، وهما لغتان: ~~الضم ل " الحجاز " والإسكان ل " تميم " ، وقد تقدم ذلك، وقرأ أبو حيوة: ~~" القدوس " بواو، فيه لغة فتح القاف والدال معناه: الطهارة أو ~~البركة كما [تقدم عند قوله: # ونقدس لك # [البقرة:30]] و " الروح " في الأصل: اسم للجزء الذي تحصل به الحياة في ~~الحيوان، قاله الراغب. # فصل في المراد ب " روح القدس " # اختلفوا في " روح القدس " هنا على وجوه: # أحدها: أنه جبريل عليه السلام؛ لقول حسان: [الوافر] # 650 وجبريل رسول الله فينا # وروح القدس ليس به كفاء # قال الحسن: القدس هو الله عز وجل، وروحه: جبريل، قال تعالى: # قل نزله روح القدس # [النحل:102] وقيل: سمي جبريل روحا للطافته ولمكانته من الوحي الذي ~~هو سبب حياة القلوب. # قال ms0523 النحاس: وسمي جبريل روحا أو أضيف إلى القدس؛ لأنه كان بتكوين الله ~~عز وجل له روحا من غير ولادة والد والده [وقيل: المارد بروح القدس ~~الإنجيل كما قال في القرآن " روحا من أمرنا " لأنه الذي يوحى به]، وكذلك ~~سمي عيسى روحا لهذا. # وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: " هو الاسم الأعظم الذي كان يحيي ~~به عيسى الموتى ". # وقيل: هو الروح الذي نفخ فيه. # والقدس والقدوس هو الله، فنسب روح عيسى إلى نفسه تعظيما وتشريفا، ~~كما يقال: بيت الله، وناقة الله؛ قاله الربيع وغيره، كقوله: # فنفخنا فيه من روحنا # [التحريم:12] وعلى هذا المراد به الروح الذي يحيى به الإنسان. # [واعلم أن إطلاق الروح على " جبريل " وعلى الإنجيل والاسم الأعظم مجاز]. # قوله: { أفكلما جآءكم رسول } الهمزة هنا للتوبيخ ~~والتقريع، والفاء للعطف عطفت هذه الجملة على ما قبلها، ~~واعتني بحرف الاستفهام فقدم، وتقدم تحقيق ذلك، وأن الزمخشري يقدر ~~بين الهمزة وحرف العطف جملة ليعطف عليها، وهذه الجملة يجوز أن تكون ~~معطوفة على ما قبلها من غير حذف شيء كأنه قال: ولقد آتينا يا بني إسرائيل ~~أنبياءكم ما آتيناهم فكلما جاءكم رسول. # ويجوز أن يقدر قبلها محذوف أي: ففعلتم ما فعلتم فكلما جاءكم رسول، ~~وقد تقدم الكلام في " كلما " عند قوله " كلما أضاء " ، والناصب ~~لها هنا استكبرتم. # و " جاء " يتعدى بنفسه تارة كهذه الآية، وبحرف الجر أخرى، نحو: " جئت ~~إليه " و " رسول " " فعول " بمعنى " مفعول " أي: مرسل، وكون " ~~فعول " بمعنى " المفعول " قليل، جاء منه: " الركوب والحلوب " ، ~~ويكون مصدرا بمعنى: الرسالة قاله الزمخشري؛ وأنشد: [الطويل] # 651 لقد كذب الواشون ما فهت عندهم # بسر ولا أرسلتهم برسول # أي: برسالة، ومن عنده: # إنا رسول رب العالمين # [الشعراء:16]. # قوله: { بما لا تهوى أنفسكم } متعلق بقوله: " جاءكم " و " ~~ما " موصولة بمعنى الذي، والعائد محذوف لاستكمال الشروط والتقدير: ~~بما لا تهواه، و " تهوى " مضارع " هوي " بكسر العين ولامه من ياء؛ ~~لأن عينه واو، وباب " طويت وشويت " أكثر من باب " قوة وحوة " ولا ~~دليل في " هوي " لانكسار العين، وهو مثل " شقي ms0524 " من الشقاوة، وقولهم ~~في تثنية مصدر هوي: هويان أدل على ذلك. # ومعنى تهوى: تحب وتختار، وأصل الهوى: الميل، سمي بذلك؛ لأنه يهوي ~~بصاحبه في النار، ولذلك لا يستعمل غالبا إلا فيما لا خير فيه، وقد ~~يستعمل فيما هو خير، ففي الحديث الصحيح قول عمر في أسارى " بدر ": " فهوي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت ". # وعن عائشة رضي الله عنها: " والله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك ". ~~وجمعه " أهواء ". # قال تعالى: # بأهوائهم # [الأنعام:119] ولا يجمع على " أهوية " ، وإن كان قد جاء " ندى " و ~~" أندية "؛ قال الشاعر: [البسيط] # 652 في ليلة من جمادى ذات أندية # لا يبصر الكلب من ظلمائها الطنبا # وأما " هوى يهوي " بفتحها في الماضي وكسرها في المضارع فمعناه ~~السقوط، و " الهوي " بفتح الهاء، ذهاب في انحدار. # و " الهوي ": ذهاب في صعود وسيأتي تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى. # وأسند الفعل إلى " الأنفس " دون المخاطب فلم يقل: " بما لا تهوون " ~~تنبيها على أن النفس يسند إليها الفعل السيىء غالبا نحو: # إن النفس لأمارة بالسوء # [يوسف:53] # بل سولت لكم أنفسكم # [يوسف:18] و " استكبر " بمعنى: " تكبر ". # قوله: " ففريقا كذبتم " " الفاء " عاطفة جملة " كذبتم " على " ~~استكبرتم " ، و " فريقا " مفعول مقدم، قدم لتتفق رؤوس الآي، وكذا: " ~~فريقا تقتلون " ، ولا بد من محذوف، أي: فريقا منهم، والمعنى ~~أنه نشأ عن استكبارهم مبادرة فريق من الرسل بالتكذيب، ومبادرة ~~آخرين بالقتل. وقدم التكذيب؛ لأنه أول ما يفعلونه من الشر؛ ولأنه مشترك ~~بين المقتول وغيره، فإن المقتولين قد كذبوهم أيضا، وإنما لما يصرح ~~به؛ لأنه ذكر أقبح منه في الفعل. وجيء ب " تقتلون " مضارعا، إما لكونه ~~مستقبلا؛ لأنهم كانوا يرومون قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ولذلك سحروه، وسموا له الشاة، وقال عليه الصلاة والسلام عند موته: # " ما زالت أكلة خيبر تعاودني، فهذا أوان انقطاع ~~أبهري " # ولما فيه من مناسبة رؤوس الآي والفواصل، وإما أن يراد به الحال ~~الماضية؛ لأن الأمر فظيع، فأريد استحضاره في النفوس، وتصويره في ms0525 ~~القلوب. # وأجاز الراغب أن يكون " ففريقا كذبتم " معطوفا على قوله: " ~~وآتيناه " ، ويكون " أفكلما " مع ما بعده فصلا بينهما على سبيل ~~الإنكار. والأظهر الأول وإن كان ما قاله محتملا. # فصل في بيان الذي استحق به بنو إسرائيل نهاية الذم # هذا نهاية الذم؛ لأن اليهود من بني إسرائيل كانوا إذا أتاهم رسول ~~بخلاف ما يهوون كذبوه، وإن تهيأ لهم قتله قتلوه، لإرادتهم الرفعة في ~~الدنيا، وطلب لذاتها، والترؤس على عامتهم، وأخذ أموالهم بغير حق، ~~وكانت الرسل تبطل عليهم ذلك، فيكذبونهم ويوهمون عوامهم كونهم كاذبين، ~~ويحتجون في ذلك بالتحريف وسوء التأويل، وبعضهم كان يستكبر على الأنبياء ~~استكبار إبليس على آدم عليه الصلاة والسلام، فلما سمعت اليهود ذكر عيسى ~~ عليه الصلاة السلام قالوا: يا محمد لا مثل عيسى فعلت كما تزعم ولا ~~كما تقص علينا من الأنبياء فعلت فائتنا بما أتى به عيسى عليه الصلاة ~~والسلام إن كنت صادقا، فقال الله عز وجل: أفكلما جاءكم يا معشر ~~اليهود رسول بما لا تهوي أنفسكم استكبرتم، وتعظمتم عن الإيمان به، ~~فطائفة كذبتم مثل عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وطائفة تقتلون أي: ~~قتلتم مثل: زكريا ويحيى وشعيب، وسائر من قتلوا من الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام. ### || [2.88] # " قلوبنا غلف " متبدأ وخبر، والجملة في محل نصب بالقول قبله، ~~وقرأ الجمهور: " غلف " بسكون اللام، وفيها وجهان: # أحدهما: وهو الأظهر أن يكون جمع " أغلف " ك " أحمر وحمر " و " ~~أصفر وصفر " ، والمعنى على هذا: أنها خلقت وجعلت مغشاة لا يصل إليها ~~الحق، فلا تفهمه ونظيره: # وقالوا قلوبنا في أكنة # [فصلت:5] قال مجاهد وقتادة استعارة من الأغلف الذي لم يختتن. # والثاني: أن يكون جمع " غلاف " ، ويكون أصل اللام الضم، فتخفف نحو: " ~~حمار وحمر " ، و " كتاب وكتب " ، إلا أن تخفيف " فعل " إنما يكون في ~~المفرد غالبا نحو: " عنق " في " عنق " وأما " فعل " الجمع فقال ~~ابن عطية: " لا يجوز تخفيفه إلا في ضرورة " ، وليس كذلك، بل هو قليل، ~~وقرأ ابن عباس والأعرج ويروى عن أبي عمرو بضم اللام، وهو جمع " ~~غلاف " ، ولا يجوز أن يكون ms0526 " فعل " في هذه القراءة جمع أغلف؛ لأن ~~تثقيل " فعل " الصحيح العين، لا يجوز إلا في شعر، والمعنى على هذه ~~القراءة: أن قلوبنا أوعية فهي غير محتاجة إلى علم آخر، وهو قول ابن عباس ~~وعطاء. # وقال الكلبي: " معناه أوعية لكل علم فهي لا تسمع حديثا إلا وعته ~~إلا حديثك لا تعقله ولا تعيه، ولو كان فيه خبر لفهمته ووعته ". # وقيل: غلف كالغلاف الذي لا شيء فيه مما يدل على صحة قولك: التغليف ~~كالتعمية في المعنى. # فصل في كلام المعتزلة # قالت المعتزلة: هذه الآية تدل على أنه ليس في قلوب الكفار ما لا ~~يمكنهم معه الإيمان، لا غلاف ولا كن ولا سد على ما يقوله المجبرة، ~~لأنه لو كان كذلك لكان هؤلاء اليهود صادقين في هذا القول، فلا يكذبهم ~~الله في قوله: { بل لعنهم الله بكفرهم } وإنما يذم ~~الكاذب المبطل لا الصادق المحق، وقالوا: هذا يدل على أن معنى قوله ~~تعالى: # إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه # [الكهف:57] و # إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا # [يس:8] # وجعلنا من بين أيديهم سدا # [يس:9] ليس المراد كونهم ممنوعين عن الإيمان، بل المراد: إما منع ~~الألطاف، أو تشبيه حالهم في إصرارهم على الكفر بمنزلة المجبور على ~~الكفر. # قالوا: ونظير ذم الله تعالى اليهود على هذه المقالة ذمه الكافرين ~~على مثل هذه المقالة، وهو قوله تعالى: # وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونآ إليه ~~وفي ءاذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب # [فصلت:5] ولو كان الأمر على ما يقوله المجبرة لكان هؤلاء القوم صادقين، ~~وإذا كان الأمر كذلك لم يذموا. # قال ابن الخطيب: واعلم أنا بينا في تفسير " الغلف " ثلاثة أوجه، فلا ~~يجب الجزم بواحد منها من غير دليل. # سلمنا أن المراد منه ذلك الوجه لكن لم قلتم: إن الآية تدل على أن ذلك ~~القول مذموم؟ # فإن قيل: إنما لعنهم الله بسبب هذه المقالة. # فالجواب من وجوه: # أحدها: لا نسلم، بل لعله تعالى حكى عن حالهم، أو عنهم قولا، ثم ~~بين أن من حالهم أنهم ملعونون بسبب كفرهم. ms0527 # وثانيها: لعل المراد من قوله تعالى: " قلوبنا غلف " أنهم ذكروا ~~ذلك على سبيل الاستفهام بمعنى الإنكار، يعني: ليس قلوبنا في غلاف ولا في ~~غطاء، بل أفهامنا قوية، وخواطرنا منيرة، ثم إنا تأملنا في دلائلك فلم ~~نجد شيئا قويا فلما ذكروا هذه الوصف الكاذب لا جرم لعنهم الله على ~~كفرهم الحاصل بهذا القول. # وثالثها: أن قلوبهم لم تكن في أغطية، بل كانوا عالمين بصحة نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: # يعرفونه كما يعرفون أبناءهم # [البقرة:146] إلا أنهم أنكروا تلك المعرفة وادعوا أن قلوبهم غلف، ~~فكان كفرهم عنادا. # قوله: { بل لعنهم الله } " بل ": حرف إضراب، والإضراب راجع إلى ~~ما تضمنه قولهم من أن قلوبهم غلف، فرد الله عليهم ذلك بأن سببه ~~لعنهم بكفرهم السابق، والإضراب على قسمين: إبطال، وانتقال. # فالأول، نحو: " ما قام زيد بل عمرو " ، والانتقال كهذه الآية، ولا تعطف ~~" بل " إلا المفردات، وتكون في الإيجاب والنفي والنهي، ويزاد قبلها " لا ~~" تأكيدا. # واللعن: الطرد والبعد، ومنه: شأو لعين، أي: بعيد؛ قال ~~الشماخ: [الوافر] # 653 ذعرت به القطا ونفيت عنه # مقام الذئب كالرجل اللعين # أي: الرجل البعيد، وكان وجه الكلام أن يقول: " مقام الذئب اللعين ~~كالرجل " والباء في " بكفرهم " للسبب، وهي متعلقة ب " لعنهم ". # وقال الفارسي: النية به التقدم أي: وقالوا: قلوبنا غلف بسبب كفرهم، ~~فتكون الباء متعلقة ب " قالوا " ، وتكون " بل لعنهم " جملة معترضة، وفيه ~~بعد، ويجوز أن تكون حالا من المفعول في " لعنهم " أي: لعنهم كافرين، ~~أي: ملتبسين بالكفر كقوله # وقد دخلوا بالكفر # [المائدة:61]. # قوله: { فقليلا ما يؤمنون } في نصب " قليلا " ستة أوجه: # أحدها: أنه نعت لمصدر محذوف، أي: فإيمانا قليلا يؤمنون؛ لأنهم كانوا ~~يؤمنون بالله، ويكفرون بالرسل. # الثاني: أنه حال من ضمير ذلك [المصدر] المحذوف، أي: فيؤمنونه أي: ~~الإيمان في حال قلته، وقد تقدم أنه مذهب سيبويه، وتقدم تقريره. # الثالث: أنه صفة لزمان محذوف، أي: فزمانا قليلا يؤمنون، وهو كقوله: # ءامنوا بالذي أنزل على الذين ءامنوا وجه ~~النهار واكفروا آخره # [آل عمران:72]. # الرابع: أنه على إسقاط ms0528 الخافض، والأصل: فبقليل يؤمنون، فلما حذف حرف ~~الجر انتصب، ويعزى لأبي عبيدة. # الخامس: أن يكون حالا من فاعل " يؤمنون " أي: فجمعا قليلا يؤمنون، ~~أي: المؤمن فيهم قليل، قال معناه ابن عباس وقتادة والأصم وأبو مسلم. # قال ابن الخطيب: " وهو الأولى؛ لأن نظيره قوله: # بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا ~~قليلا # [النساء:155]، ولأن الجملة الأولى إذا كان المصرح فيها [ذكر] القوم فيجب ~~أن يتناول الاستثناء بعض هؤلاء القوم ". # وقال المهدوي: ذهب قتادة إلى أن المعنى: فقليل منهم يؤمن، وأنكره ~~النحويون، وقالوا: لو كان كذلك للزم رفع " قليل ". # وأجيب: بأنه لا يلزم الرفع مع القول بالمعنى الذي ذهب إليه قتادة ~~لما تقدم من أن نصبه على الحال واف بهذا المعنى. و " ما " على هذه ~~الأقوال كلها مزيدة للتأكيد. # السادس: أن تكون " ما " نافية، أي فما يؤمنون قليلا ولا كثيرا، ومثله: # قليلا ما تشكرون # [الأعراف:10] # قليلا ما تذكرون # [الأعراف:3]، كما يقال: قليلا ما يغفل أي: لا يعقل ألبتة. # قال الكسائي: " تقول العرب: مررنا بأرض قليلا ما تنبت " ، يريدون: لا ~~تنبت شيئا، وهذا قول الواقدي. وهو قوي من جهة المعنى، وإنما يضعف من ~~جهة تقديم ما في حيزها عليها قاله أبو البقاء [وإليه ذهب ابن ~~الأنباري]، إلا أن تقديم ما في حيزها عليها لم يجزه البصريون، وأجازه ~~الكوفيون. # قال أبو البقاء: " ولا يجوز أن تكون " ما " مصدرية؛ لأن " قليلا " يبقى ~~بلا ناصب " ، يعني: أنك إذا جعلتها مصدرية كان ما بعدها صلتها، ويكون ~~المصدر مرفوعا ب " قليلا " على أنه فاعل به فأين الناصب له؟ وهذا ~~بخلاف قوله تعالى: # كانوا قليلا من اليل ما يهجعون # [الذاريات:17] فإن " ما " هاهنا يجوز أن تكون مصدرية؛ لأن " قليلا ~~" منصوب ب " كان " وقال الزمخشري: " يجوز أن تكون القلة بمعنى العدم ". # وقال أبو حيان: وما ذهب إليه من أن " قليلا " يراد به النفي ~~فصحيح، لكن في غير هذا التركيب، أعني قوله تعالى: { فقليلا ما ~~يؤمنون } لأن " قليلا " انتصب بالفعل المثبت، فصار نظير: " قمت ~~قليلا " أي: قمت قياما قليلا، ولا ms0529 يذهب ذاهب إلى أنك إذا أتيت بفعل ~~مثبت، وجعلت " قليلا " منصوبا نعتا لمصدر ذلك الفعل يكون المعنى في ~~المثبت الواقع على صفة، أو هيئة انتفاء ذلك المثبت رأسا وعدم وقوعه ~~بالكلية، وإنما الذي نقل النحويون: أنه قد يراد بالقلة النفي المحض في ~~قولهم: " أقل رجل يقول ذلك وقلما يقوم زيد " ، وإذا تقرر هذا فحمل ~~القلة على النفي المحض هنا ليس بصحيح انتهى. # وأجيب [بأن ما] قاله الزمخشري من أن معنى التقليل هنا النفي قد ~~قال به الواقدي قبله، كما تقدم فإنه قال: " أي: لا قليلا ولا كثيرا ~~" ، كما تقول: قلما يفعل كذا، أي: ما يفعله أصلا. ### || [2.89] # اتفقوا على أن هذا الكتاب غير ما هو معهم، وما ذاك إلا القرآن. # قوله: { من عند الله } فيه وجهان: # أحدهما: أنه في محل رفع صفة ل " كتاب " ، فيتعلق بمحذوف، أي كتاب ~~كائن من عند الله. # والثاني: أن يكون في محل نصب لابتداء غاية المجيء قاله أبو البقاء. # وقد رد أبو حيان هذا الوجه فقال لا يقال: إنه يحتمل أن يكون " من عند ~~الله " متعلقا ب " جاءهم " ، فلا يكون صفة، للفصل بين الصفة ~~والموصوف بما هو معمول لغير أحدهما يعني أنه ليس معمولا للموصوف ولا ~~للصفة، فلا يفتقر الفصل به بينهما. # والجمهور على رفع " مصدق " على أنه صفة ثانية، وعلى هذا يقال: قد وجد ~~صفتان إحداهما صريحة، والأخرى مؤولة، وقد قدمت المؤولة. # وقد تقدم أن ذلك ممتنع، وإن زعم بعضهم أنه لا يجوز إلا ضرورة. # والذي حسن تقديم غير الصريحة أن الوصف بكينونته من عند الله آكد، وأن ~~وصفه بالتصديق ناشىء عن كونه من عند الله. # وقرأ ابن أبي عبلة: " مصدقا " نصبا، وكذلك هو في مصحف أبي، ونصبه ~~على الحال، وفي صاحبها قولان: # أحدهما: أنه " كتاب ". # فإن قيل: كيف جاءت الحال من النكرة؟ # فالجواب: أنها قربت من المعرفة لتخصيصها بالصفة وهو " من عند الله " ~~كما تقدم. # على أن سيبويه أجاز مجيئها منها بلا شرط، وإلى هذا الوجه أشار ~~الزمخشري. # والثاني: أنه الضمير الذي تحمله ms0530 الجار والمجرور لوقوعه صفة، والعامل ~~فيها إما الظرف، أو ما يتعلق به، ولهذا اعترض بعضهم على سيبويه في قوله: ~~[مجزوء الوافر] # 654 لمية موحشا طلل # يلوح كأنه خلل # إن " موحشا " حال من " طلل " ، وساغ ذلك لتقدمه، فقال: لا حاجة إلى ~~ذلك، إذ يمكن أن يكون حالا من الضمير المستكن في قوله: " لمية " ~~الواقع خبرا ل " طلل " ، وجوابه في موضع غير هذا. واللام في " لما ~~معهم " وقعت لتعدية " مصدق " لكونه فرعا. و " ما " موصولة، والظرف ~~صلتها، ومعنى كونه مصدقا، أي: موافقا لما معهم من التوراة في أمر ~~يتعلق بتكاليفهم بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم في النبوة، وما يدل ~~عليها من العلامات والنعوت، فإنهم عرفوا أنه ليس بموافق لما معهم في ~~سائر الشرائع، وعلمنا أنه لم ترد الموافقة في أدلة القرآن؛ لأن جميع ~~كتب الله كذلك، فلم تبق إلا الموافقة فيما ذكرناه. # قوله: " وكانوا " يجوز فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون معطوفا على " جاءهم " فيكون جواب " لما " مرتبا على ~~المجيء والكون. # والثاني: أن يكون حالا، أي: وقد كانوا، فيكون جواب " لما " مرتبا على ~~المجيء بقيد في مفعوله، وهم كونهم يستفتحون. # قال أبو حيان: وظاهر كلام الزمخشري أن " وكانوا " ليست معطوفة على الفعل ~~بعد " لما " ، ولا حالا لأنه قدر جواب " لما " محذوفا قبل تفسيره ~~يستفتحون، فدل على أن قوله: " وكانوا " جملة معطوفة على مجموع الجملة ~~من قوله: " ولما ". وهذا هو الثالث. # و " من قبل " متعلق ب " يستفتحون " ، والأصل: من قبل ذلك، فلما ~~قطع بني على الضم. # و " يستفتحون " في محل نصب على أنه خبر " كان ". # واختلف النحويون في جواب " لما " الأولى والثانية. # فذهب الأخفش والزجاج إلى أن جواب الأولى محذوف تقديره: ولما جاءهم ~~كتاب كفروا به، وقدره الزمخشري: " كذبوا به واستهانوا بمجيئه ". وهو ~~حسن، ونظيره قوله: # ولو أن قرءانا سيرت به الجبال # [الرعد:31] أي: لكان هذا القرآن. # وذهب الفراء إلى أن جوابها الفاء الداخلة على " لما " ، وهو عنده نظير ~~قوله: # فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا ~~خوف # [البقرة:38] قال: لا ms0531 يجوز أن تكون الفاء ناسقة، إذ لا يصلح موضعها " ~~الواو ". # و " كفروا " جواب " لما " الثانية على القولين. # وقال أبو البقاء: في جواب " لما " الأولى وجهان: # أحدهما: جوابها " لما " الثانية وجوابها، وهذا ضعيف؛ لأن " الفاء " مع " ~~لما " الثانية، و " لما " لا تجاب بالفاء إلا أن يعتقد زيادة " الفاء " ~~على ما يجيزه الأخفش. # قال شهاب الدين: ولو قيل برأي الأخفش في زيادة " الفاء " من حيث الجملة، ~~فإنه لا يمكن هاهنا لأن " لما " لا يجاب بمثلها، لا يقال: " لما جاء زيد ~~لما قعد أكرمتك " على أن يكون " لما قعد " جواب " لما جاء " والله أعلم. # وذهب المبرد إلى أن " كفروا " جواب " لما " الأولى، وكررت الثانية ~~لطول الكلام، ويفيد ذلك تقرير الذنب وتأكيده كقوله تعالى: # أيعدكم أنكم إذا متم # [المؤمنون:35] إلى قوله: # أنكم مخرجون # [المؤمنون:35]، وهو حسن لولا أن " الفاء " تمنع من ذلك. # وقال أبو البقاء بعد أن حكى وجها أول: والثاني: أن " كفروا " جواب ~~الأولى والثانية؛ لأن مقتضاها واحد. # وقيل: الثانية تكرير، فلم تحتج إلى جواب. # فقوله: وقيل: الثانية تكرير، هو قول المبرد، وهو في الحقيقة ليس ~~مغايرة للوجه الذي ذكره قبله من كون " كفروا " جوابا لهما بل هو هو. # فصل في الاستفتاح # اختلفوا في هذا الاستفتاح، فقال ابن عباس رضي الله عنه وقتادة والسدي: ~~نزلت في بني " قريظة " و " النضير " كانوا يستفتحون على " الأوس " و " ~~الخزرج " برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل المبعث. # وقال أبو مسلم: كانوا يقولون لمخالفيهم: غدا القتال هذا نبي قد أظل ~~زمان مولده، ويصفونه بأنه نبي، ومن صفته كذا، ويتفحصون عنه على الذين ~~كفروا، أي: على مشركي العرب. # وقيل: إن اليهود وقبل مبعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم كانوا ~~يستفتحون أي: يسألون الفتح والنصر، وكانوا يقولون: اللهم افتح علينا، ~~وانصرنا بالنبي الأمي [المبعوث] في آخر الزمان الذي نجد صفته في ~~التوراة، وكانوا يستنصرون، وكانوا يقولون لأعدائهم من المشركين: قد أظل ~~زماننا نبي يخرج بتصديق ما قلنا، فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما ~~جاءهم ما عرفوا يعني محمدا ms0532 صلى الله عليه وسلم من غير بني إسرائيل، ~~وعرفوا نعته وصدقه كفروا به بغيا. # [وقيل:] نزلت في أحبار اليهود كانوا إذا قرأوا وذكروا محمدا في ~~التوراة، وأنه مبعوث من العرب سألوا مشركي العرب عن تلك الصفات ليعلموا ~~أنه هل ولد فيهم من يوافق حاله حال هذا المبعوث وهذه الآية دلت على أنهم ~~كانوا عارفين بنبوته. # فإن قيل: التوراة نقلت نقلا متواترا، فإما أن يقال: إنه حصل فيها نعت ~~محمد صلى الله عليه وسلم على سبيل التفصيل أعني بيان أن الشخص ~~الموصوف بالصورة الفلانية، والسيرة الفلانية سيظهر في السنة الفلانية ~~في المكان الفلاني، أو لم يوجد هذا الوصف على هذا الوجه، فإن كان الأول ~~كان القوم مضطرين إلى معرفة شهادة التوراة على صدق محمد عليه ~~الصلاة والسلام فكيف يجوز على أهل التواتر إطباقهم على الكذب؟ وإن لم ~~يكن الوصف على هذه الصفة لم يلزم من الأوصاف المذكورة في التوراة [كون ~~محمد صلى الله عليه وسلم رسولا فكيف قال تعالى: { فلما جآءهم ~~ما عرفوا كفروا به } والجواب: أن الوصف المذكور في التوراة] ~~كان وصفا إجماليا، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يعرفوا نبوته ~~بمجرد تلك الأوصاف، بل كانت كالمؤكدة، فلهذا ذمهم الله تعالى على ~~الإنكار. # قال ابن الخطيب: وأما كفرهم فيحتمل أنهم كانوا يظنون أن المبعوث يكون ~~من بني إسرائيل لكثرة من جاء من الأنبياء من بني إسرائيل، وكانوا يرغبون ~~الناس في دينه، ويدعونهم إليه، فلما بعث الله محمدا من العرب من نسل ~~إسماعيل عظم ذلك عليهم، فأظهروا التكذيب، وخالفوا طريقهم الأول. وهذا ~~فيه نظر؛ لأنهم كانوا عالمين أنه من العرب. # ويحتمل أنهم لأجل اعترافهم بنبوته كان يوجب عليهم زوال رياستهم ~~وأموالهم، فأبوا وأصروا على الإنكار. # ويحتمل أنهم ظنوا أنه مبعوث إلى العرب خاصة، فلا جرم كفروا به. # قوله: { فلعنة الله على الكافرين } جملة من مبتدأ أو خبر ~~متسببة عما تقدم، والمصدر هنا مضاف للفاعل، وأتى ب " على " تنبيها ~~على أن اللعنة قد استعلت عليهم وشملتهم. وقال: " على الكافرين " ولم ~~يقل: ms0533 " عليهم " إقامة للظاهر مقام المضمر، لينبه على السبب المقتضي ~~لذلك وهو الكفر. ### || [2.90] # " بئس " فعل ماض غير متصرف، معناه الذم، فلا يعمل إلا في ~~معرف ب " أل " أو فيما أضيف إلى ما هما فيه، أو في مضمر مفسر ~~بنكرة، أو في " ما " على قول سيبويه. # وفيه لغات: بئس بكسر العين وتخفيف هذا الأصل، وبئس بكسر ~~الفاء إتباعا للعين، وتخفيف هذا الإتباع، وهو أشهر الاستعمالات ومثلها " ~~نعم " في جميع ما تقدم من الأحكام واللغات. # قال ابن الخطيب: ما كان ثانية حرف حلق وهو مكسور يجوز فيه أربع ~~لغات: # الأول: على الأصل أعني: بفتح الأول وكسر الثاني. # والثاني: إتباع الأول للثاني، وهو أن يكون بكسر النون والعين، كما يقال: ~~" فخذ " بكسر الفاء والخاء، وهم وإن كانوا يفرون من الجمع بين ~~الكسرتين إلا أنهم جوزوه ها هنا؛ لكون الحرف الحلقي مستتبعا ~~لما يجاوره. # الثالث: إسكان الحرف الحلقي المكسور، وترك ما قبله ما كان، فيقال: ~~نعم وبأس بفتح الأول وإسكان الثاني؛ كما يقال: " فخذ ". # الرابع: أن يسكن الحرف الحلقي، وتنقل كسرته إلى ما قبله فيقال: " ~~نعم " بكسر النون وإسكان العين؛ كما يقال: " فخذ " بكسر الفاء ~~وإسكان الخاء. # واعلم أن هذا التغيير الأخير، وإن كان في حد الجواز عند إطلاق هاتين ~~الكلمتين، إلا أنهم جعلوه لازما لهما؛ لخروجهما عما وضعت له الأفعال ~~الماضية من الإخبار عن وجود المصدر في الزمان والماضي، وصيرورتهما كلمتي ~~مدح وذم، ويراد بهما المبالغة في المدح والذم؛ ليدل هذا ~~التغيير اللازم في اللفظ على التغيير عن الأصل، وفي المعنى؛ فيقولون: ~~" نعم الرجل زيد " ولا يذكرونه على الأصل إلا في ضرورة ~~الشعر؛ كما أنشد المبرد: [الرمل] # 655 ففداء لبني قيس على # ما أصاب الناس من شر وضر # ما أقلت قدماي إنهم # نعم الساعون في الأمر المبر # وهما فعلان من نعم ينعم وبئس يبأس. # والدليل عليه دخول التاء التي هي علامة التأنيث فيهما، فيقال: نعمت ~~وبئست. # وزعم الكوفيون أنهما اسمان؛ مستدلين بدخول حرف الجر عليهما في قول حسان: ~~[الطويل] # 656 ألست بنعم الجار ms0534 يؤلف بيته # من الناس ذا مال كثير ومعدما # وبما روي أن أعرابيا بشر بمولودة فقيل له: نعم المولودة مولودتك! ~~فقال: " والله ما هي بنعم المولودة: نصرتها بكاء، وبرها سرقة " و " ~~نعم السير على بئس العير ". وقوله: [الرجز] # 657 صبحك الله بخير باكر # بنعم طير وشباب فاخر # وخرجه البصريون على حذف موصوف، قامت صفته مقامه، تقديره: والله ما هي ~~بمولودة مقول فيها: نعم المولودة. # فصل في نعم وبئس # اعلم أن " نعم وبئس " أصلان للصلاح والرداءة، ويكون فاعلهما اسما ~~يستغرق الجنس إما مظهرا وإما مضمرا، فالمظهر على وجهين: # الأول: كقولك: " نعم الرجل زيد " لا تريد رجلا دون رجل، وإنما تقصد ~~الرجل على الإطلاق. # والثاني: نحو قولك: " نعم غلام الرجل زيد ". # وأما قوله: [البسيط] # 658 فنعم صاحب قوم لا سلاح لهم # وصاحب الركب عثمان بن عفانا # فنادر. # وقيل: كان ذلك لأجل أن قوله: " وصاحب الركب " قد دل على ~~المقصود؛ إذ المراد واحد، فإذا أتى بالمركب بالألف واللام، فكأنه قد أتى ~~به في القوم، وأما المضمر فكقولك: " نعم رجلا زيد " الأصل: نعم الرجل ~~رجلا زيد الأصل ثم ترك ذكر الأول؛ لأن النكرة المنصوبة تدل عليه. # ف " رجلا " نصب على التمييز، مثله في قولك: عشرون رجلا والمميز لا ~~يكون إلا نكرة، ألا ترى أن أحدا لا يقول: " عشرون الدرهم " ولو أدخلوا ~~الألف واللام على هذا فقالوا: " نعم الرجل " بالنصب لكان نقضا ~~للغرض، إذ لو كانوا يريدون الإتيان بالألف واللام لرفعوا، وقالوا: " ~~نعم الرجل " وكفوا أنفسهم مؤنة الإضمار، وإنما أضمروا الفاعل قصدا ~~للاختصار، إذ كان " نعم رجلا " يدل على الجنس الذي فضل عليه. # فصل في إعراب المخصوص بالمدح في أسلوب " نعم " # إذا قلت: " نعم الرجل زيد " فهو على [وجهين]: # أحدهما: أن يكون مبتدأ مؤخرا، كأنه قيل: " زيد نعم الرجل " أخرت " ~~زيدا " والنية به التقديم كما تقول: مررت به المسكين تريد: المسكين ممرت ~~به، فأما الراجع إلى المبتدأ، فإن الرجل لما كان شائعا ينتظر فيه ~~الجنس كان " زيد " داخلا تحته، فصار بمنزلة الذكر الذي يعود إليه. # والوجه ms0535 الآخر: أن يكون " زيد " في قولك: " نعم الرجل زيد " خبر مبتدأ ~~محذوف، كأنه لما قيل: نعم الرجل قيل: من هذا الذي أثنى عليه؟ فقيل: زيد، ~~أي: هو زيد. # فصل في شرط نعم وبئس # ولا بد بعد هذين الفعلين من مخصوصين من المدح أو الذم، وقد يحذف ~~لقرينة وأما " ما " الواقعة بعد " بئس " كهذه الآية، فاختلف فيها النحاة، ~~هل لها محل من الإعراب أم لا؟ # فذهب الفراء: إلى أنها مع " بئس " شيء واحد ركب تركيب " حبذا " ، ~~نقله ابن عطية عنه ونقل عنه المهدوي أنه يجوز أن تكون " ما " مع " بئس ~~" بمنزلة " كلما " ، فظاهر هذين النقلين أنها لا محل لها. # وذهب الجمهور أن لها محلا، ثم اختلفوا في محلها هل هو رفع أو نصب؟. # فذهب الأخفش إلى أنها في محل نصب على التمييز، والجملة بعدها في محل ~~نصب صفة لها، وفاعل " بئس " مضمر تفسره " ما " ، والمخصوص بالذم هو قوله: ~~" أن يكفروا " لأنه في تأويل مصدر، والتقدير: بئس هو شيئا اشتروا ~~به أنفسهم كفرهم، وبه قال الفارسي [في أحد قوليه]، واختاره الزمخشري، ~~ويجوز على هذا أن يكون المخصوص بالذم محذوفا و " اشتروا " صفة له في ~~محل رفع تقديره: بئس شيئا شيء أو كفر اشتروا به، كقوله: [الطويل] # 659 لنعم الفتى أضحى بأكناف حائل # ................... # أي: فتى أضحى. # و " أن يكفروا " بدل من ذلك المحذوف أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هو أن ~~يكفروا. وذهب الكسائي إلى أن " ما " منصوبة المحل أيضا، [لكنه] قدر ~~بعدها " ما " موصولة أخرى بمعنى " الذي " ، وجعل الجملة من قوله: " ~~اشتروا " صلتها، و " ما " هذه الموصولة هي المخصوص بالذم، والتقدير: ~~بئس شيئا الذي اشتروا به أنفسهم، فلا محل ل " اشتروا " على هذا، أو ~~يكون " أن يكفروا " على هذا القول خبرا لمبتدأ محذوف كما تقدم. # فتلخص في الجملة الواقعة بعد " ما " على القول بنصبها ثلاثة أقوال: # الأول: أنها صفة لها، فتكون في محل نصب، أو صلة ل " ما " المحذوفة، ~~فلا محل لها، أو صفة للمخصوص بالذم فتكون في محل رفع. # وذهب سيبويه: إلى ms0536 أن موضعها رفع على أنها فاعل " بئس " ، فقال سيبويه: ~~هي معرفة تامة، التقدير: بئس الشيء، والمخصوص بالذم على هذا محذوف، أي: ~~شيء اشتروا به أنفسهم وعزي هذا القول أيضا للكسائي. # وذهب الفراء والكسائي أيضا إلى أن " ما " موصولة بمعنى " الذي " ، ~~والجملة بعدها صلتها، ونقله ابن عطية عن سيبويه وهو أحد قولي الفارسي، ~~والتقدير: بئس الذي اشتروا به أنفسهم أن يكفروا، ف " أن يكفروا " هو ~~المخصوص بالذم. # قال أبو حيان: وما نقله ابن عطية عن سيبويه وهم عليه ونقل المهدوي ~~وابن عطية عن الكسائي أيضا أن " ما " يجوز أن تكون مصدرية، والتقدير: ~~بئس اشتراؤهم، فتكون " ما " وما في حيزها في محل رفع. # قال ابن عطية: وهذا معترض؛ لأن " بئس " لا تدخل على اسم معين يتعرف ~~بالإضافة إلى الضمير. # قال أبو حيان: وهذا لا يلزم، إلا إذا نص أنه مرفوع " بئس "؛ أما ~~إذا جعله المخصوص بالذم، وجعل فاعل " بئس " مضمرا، والتمييز محذوفا ~~لفهم المعنى، والتقدير: بئس اشتراء اشتراؤهم، فلا يلزم الاعتراض. # قال شهاب الدين: وبهذا أعني: بجعل فاعل " بئس " مضمرا فيها جوز أبو ~~البقاء في " ما " أن تكون مصدرية، فإنه قال والرابع: أن تكون مصدرية، أي ~~بئس شراؤهم، وفاعل " بئس " على هذا مضمر؛ لأن المصدر هنا مخصوص ليس بجنس ~~يعني فلا يكون فاعلا، لكن يبطل هذا القول عود الضمير في " به " على " ما ~~" والمصدرية لا يعود عليها؛ لأنه حذف عند الجمهور. # فصل في المراد بالشراء في الآية # في الشراء هنا قولان: # أحدهما: أنه بمعنى البيع، بيانه أنه تعالى لما مكن المكلف من ~~الإيمان الذي يفضي به إلى الجنة، والكفر الذي يؤدي به إلى النار صار ~~اختياره لأحدهما على الآخر بمنزلة اختيار مالك السلعة ثمنها على سلعته، ~~فإذا اختار الإيمان الذي فيه فوزه ونجاته قيل: نعم ما اشترى، ولما كان ~~الغرض بالبيع والشراء هو إبدال ملك بملك صلح أن يوصف كل واحد منهما ~~بأنه بائع ومشتر لوقوع هذا المعنى من كل واحد منهما. # الوجه الثاني: أن المكلف إذا كان يخاف على نفسه من ms0537 عقاب الله تعالى ~~يأتي بأعمال يظن أنها تخلصه من العقاب، فكأنه قد اشترى نفسه بتلك ~~الأعمال، فهؤلاء اليهود لما اعتقدوا فيما أتوا به أنه يخلصهم من العقاب، ~~ويوصلهم إلى الثواب، فقد ظنوا أنهم اشتروا أنفسهم به، فذمهم الله ~~تعالى وقال: { بئسما اشتروا به أنفسهم }. # قوله: " أن يكفروا " قد تقدم فيه أنه يجوز أن يكون هو المخصوص بالذم، ~~ففيه الأوجه الثلاثة إما مبتدأ أو خبره الجملة قبله، ولا حاجة إلى ~~الرابط؛ لأن العموم قائم مقامه، إذ الألف واللام في فاعل " نعم وبئس " ~~للجنس، أو لأن الجملة نفس المبتدأ، وإما خبر لمبتدأ محذوف وإما مبتدأ أو ~~خبره محذوف، وتقدم أنه يجوز أن يكون بدلا أو خبرا لمبتدأ حسبما تقرر ~~وتحرر. # وأجاز الفراء أن يكون في محل جر بدلا من الضمير في " به " إذا جعلت " ~~ما " تامة. # قوله: { بمآ أنزل الله } متعلق ب " كفروا " ، وتقدم أن " كفر ~~" يتعدى بنفسه تارة، وبحرف الجر أخرى، و " ما " موصولة بمعنى " الذي " ، ~~والعائد محذوف تقديره: أنزله، ويضعف جعلها نكرة موصوفة، وكذلك جعلها ~~مصدرية، والمصدر قائم مقام المفعول، أي: بإنزاله يعني: بالمنزل. # قوله: " بغيا " فيه ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنه مفعول من أجله وهو مستوف لشروط النصب، وفي الناصب له ~~قولان: # أحدهما وهو الظاهر أنه يكفروا، أي علة كفرهم البغي، وهذا تنبيه ~~على أن كفرهم [بغي وحسد]، ولولا هذا القول لجوزنا أن يكون كفرهم ~~جهلا، والمراد بذلك: كفرهم بالقرآن، لأن الخطاب لليهود، وكانوا مؤمنين ~~بغيره فبين تعالى غرضهم من هذا البغي بقوله: { أن ينزل الله ~~من فضله على من يشآء من عباده } [البقرة:90] وهذا لا ~~يليق إلا باليهود؛ لأنهم ظنوا أن ذلك الفضل العظيم بالنبوة المنتظرة ~~تحصل في قومهم، فلما وجدوه في العرب حملهم ذلك على الحسد والبغي. # والقول الثاني: أن الناصب لقوله " بغيا " " اشتروا " ، وإليه ينحو ~~كلام الزمشخري، فإنه قال: " وهو علة " اشتروا. # الوجه الثاني: أنه منصوب على المصدر بفعل محذوف يدل عليه ما تقدم، أي: ~~بغوا بغيا. # والثالث: أنه في موضع حال، وفي صاحبها القولان المتقدمان: إما ms0538 ~~فاعل " اشتروا " ، وإما فاعل " يكفروا " ، تقديره: اشتروا باغين، أو ~~يكفروا باغين. # والبغي: أصله الفساد، من قولهم: بغي الجرح أي: فسد، قاله الأصمعي. # وقيل: هو شدة الطلب، ومنه قوله تعالى: # ما نبغي # [يوسف:65] ومنه البغي للزانية، لشدة طلبها له وقال القرطبي: ~~البغي معناه: الحسد، قاله قتادة والسدي، وهو مفعول من أجله، وهو في ~~الحقيقة مصدر. # [وقال الراجز: [السريع أو الرجز] # 660 أنشدوا الباغي يحب الوجدان # قلائصا مختلفات الألوان] # قوله: { أن ينزل الله } فيه وجهان: # أحدهما: أنه مفعول من أجله، والناصب له " بغيا " أي: علة البغي إنزال ~~الله فضله على محمد عليه الصلاة والسلام. # والثاني: أنه على إسقاط الخافض، والتقدير: بغيا على أن ينزل، أي: حسدا ~~على أن ينزل، فيجيء فيه الخلاف المشهور، أهو في موضع نصب أو جر؟ # والثالث: أنه في محل جر بدلا من " ما " في قوله تعالى: { بما ~~أنزل الله } [بدل اشتمال أي بإنزال الله] فيكون كقول امرىء القيس: ~~[الطويل] # 661 أمن ذكر سلمى أن نأتك تنوص # فتقصر عنها خطوة أو تبوص # وقرأ أبو عمرو وابن كثير جميع المضارع مخففا من " أنزل " إلا ما وقع ~~الإجماع # على تشديده في " الحجر " # وما ننزله إلا # [الحجر:21] وقد خالفا هذا الأصل. # أما أبو عمرو فإنه شدد # على أن ينزل ءاية # [الأنعام:37] في " الأنعام ". # وأما ابن كثير فإنه شدد في الإسراء # وننزل من القرءان # [الإسراء:82] # حتى تنزل علينا كتابا # [الإسراء:93] # والباقون بالتشديد في جميع المضارع إلا حمزة والكسائي، فإنهما خالفا ~~هذا الأصل مخففا # وينزل الغيث # آخر لقمان [لقمان:34] # وهو الذي ينزل الغيث # في الشورى [الآية:28]. # والهمزة والتضعيف للتعدية، وقد تقدم: هل بينهما فرق؟ وتحقيق كل من ~~القولين، وقد ذكر القراء مناسبات الإجماع على الشديد في تلك المواضع، ~~ومخالفة كل واحد أصله؟ لماذا بما يطول ذكره والأظهر من ذلك كله أنه جمع ~~بين اللغات. # قوله: " من فضله " من لابتداء الغاية، وفيه قولان: # أحدهما: أنه صفة لموصوف محذوف هو مفعول " ينزل " أي: ينزل الله شيئا ~~كائنا من فضله، فيكون في محل نصب. # والثاني: أن " من ms0539 " زائدة، وهو رأي الأخفش، وحينئذ فلا تعلق له، ~~والمجرور بها هو المفعول أي: أن ينزل الله فضله. # قوله: { على من يشآء } متعلق ب " ينزل " و " من " يجوز أن تكون ~~موصولة، أو نكرة موصوفة، والعائد على الموصول أو الموصوف محذوف لاستكمال ~~الشروط المجوزة للحذف، والتقدير: على الذي يشاؤه، أو على رجل ~~يشاؤه. # وقدره أبو البقاء مجرورا فإنه قال بعد تجوزه في " من " أن تكون ~~موصوفة أو موصولة " ومفعول يشاء محذوف، أي: يشاء نزوله عليه، ويجوز أن ~~يكون: يشاء يختار ويصطفي " انتهى. # وقد عرفت أن العائد المجرور لا يحذف إلا بشروط، وليست موجودة هنا، فلا ~~حاجة إلى هذا التقدير. # قوله: " من عباده " فيه قولان. # أحدهما: أنه حال من الضمير المحذوف الذي هو عائد على الموصوف أو ~~الموصول، والإضافة تقتضي التشريف. # والثاني: أن يكون صفة ل " من " بعد صفة على القول بكونها نكرة، قاله ~~أبو البقاء وهو ضعيف؛ لأن البداية بالجار والمجرور على الجملة في باب ~~النعت عند اجتماعهما أولى لكونه أقرب إلى المفرد فهو في محل نصب على ~~الأول وجر على الثاني، وفي كلا القولين متعلق بمحذوف وجوبا لما تقرر. # قوله: " فباءوا بغضب " الباء للحال، أي: رجعوا ملتبسين بغضب، أي ~~مغضوبا عليهم، وقد تقدم ذلك. # قوله: " على غضب " في محل جر؛ لأنه صفة لقوله: " بغضب " أي: ~~كائن على غضب أي بغضب مترادف. # فصل في تفسير الغضب # في تفسير الغضب وجوه: # أحدها: لا بد من إثبات سببين للغضبين: # أحدهما: تكذيبهم عيسى عليه الصلاة والسلام وما أنزل عليه، والآخر ~~تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم قاله الحسن والشعبي وعكرمة وأبو ~~العالية وقتادة. # وقال ابن عباس ومجاهد: الغضب الأول تضييعهم التوراة وتبديلهم. # والثاني: كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم. # وقال عطاء، وأبو عبيد: ليس المراد إثبات الغضبين فقط، بل المراد إثبات ~~أنواع من الغضب مترادفة لأجل أمور مترادفة صدرت عنهم نحو قولهم: # عزير ابن الله # [التوبة:30] # يد الله مغلولة # [المائدة:64] # إن الله فقير ونحن أغنيآء # [آل عمران:181] وغير ذلك من أنواع كفرهم. # وقال أبو مسلم: ms0540 المراد به تأكيد الغضب وتكثيره لأجل الكفر، وإن كان ~~واحدا إلا أنه عظيم. # وقال السدي: الغضب الأول بعبادتهم العجل والثاني بكتمانهم صفة محمد ~~وجحدهم نبوته. # قوله: " مهين " صفة ل " عذاب ". وأصله: " مهون "؛ لأنه من الهوان، ~~وهو اسم فاعل من أهان يهين إهانة مثل: أقام يقيم إقامة، فنقلت كسرة ~~" الواو " على الساكن قبلها، فسكنت " الواو " بعد كسرة، فقلبت ياء. # والإهانة: الإذلال والخزي. وقال " وللكافرين " ولم يقل: " ~~ولهم " تنبيها على العلة المقتضية للعذاب المهين، فيدخل فيها أولئك ~~الكفار وغيرهم. ### || [2.91] # { وإذا قيل لهم }: يعني اليهود. # { ءامنوا بما أنزل الله }: أي بكل ما أنزل الله، والقائلون بالعموم ~~احتجوا بهذه الآية على أن لفظه " ما " بمعنى " الذي " تفيد العموم، ~~قالوا: لأن الله تعالى أمرهم أن يؤمنوا بما أنزل الله، فلما آمنوا ~~بالبعض دون البعض ذمهم على ذلك، ولولا أن لفظة " ما " تفيد العموم لما ~~حسن هذا الذم، ثم إنه تعالى أمرهم بذلك { قالوا نؤمن بمآ ~~أنزل علينا } يعني: التوراة وكتب سائر الأنبياء الذين أتوا ~~بتقدير شرع موسى عليه السلام ثم أخبر الله تعالى عنهم أنهم ~~يكفرون بما وراءه، وهو الإنجيل والقرآن، وأورد هذه الحكاية عنهم على سبيل ~~الذم لهم، وذلك أنه لا يجوز أن يقال لهم: آمنوا بما أنزل الله إلا ~~ولهم طريق إلى أن يعرفوا كونه منزلا من عند الله، وإلا كان ذلك تكليف ~~ما لا يطاق، وإذ أول الدليل على كونه منزلا من عند الله وجب الإيمان ~~به، فإيمانهم بالبعض دون البعض تناقض، ويجاب بوجهين: # أحدهما: أن العموم إنما استفيد من عموم العلة، وهو كونه من عند الله؛ ~~لأن كل ما أنزله الله يجب الإيمان بكونه منزلا من عند الله لا لكون " ~~ما " يقتضي العموم. # الثاني: أنا لا نمنع أن " ما " استعمل للعموم؛ لأن ذلك مجال لا خلاف ~~فيه، وإنما الخلاف في كونها هل هي موضوعة للعموم أو لا؟ # فالقائل بأنها ليست موضوعة للعموم أنها إنما استعملت للعموم مجازا ~~هاهنا. # فإن قيل: الأصل في الاستعمال الحقيقة. # فالجواب: أنها لو كانت للعموم حقيقة ms0541 لما جاز إدخال لفظة " كل " عليها. # فإن قيل: إنما دخلت " كل " للتوكيد. # فالجواب: أن أصل المؤكد يأتي بعد ما يؤكده لا قبله. # قوله: { ويكفرون بما ورآءه } يجوز في هذه الجملة وجهان: # أحدهما: أن تكون [استئنافية استؤنفت] للإخبار بأنهم يكفرون بما عدا ~~التوراة، فلا محل لها من الإعراب. # والثاني: أن تكون خبرا لمبتدأ محذوف، أي: وهم يكفرون، والجملة في محل ~~نصب على الحال، والعامل فيها " قالوا " ، أي قالوا: نؤمن حال كونهم ~~كافرين بكذا، ولا يجوز أن يكون العامل فيها " نؤمن ". # قال أبو البقاء: إذا لو كان كذلك لكان لفظ الحال ونكفر، أي ونحن نكفر. ~~يعني: فكان يجب المطابقة. # ولا بد من إضمار هذا المبتدأ لما تقدم من أن المضارع المثبت لا يقترن ~~بالواو، وهو نظير قوله: [المتقارب] # 662................ # نجوت وأرهنهم مالكا # وحذف الفاعل من قوله تعالى: " بما أنزل " وأقيم المفعول مقامه ~~للعلم به، إذ لا ينزل الكتب السماوية إلا الله، أو لتقدم ذكره في ~~قوله: { بمآ أنزل الله }. # قوله: " بما وراءه " متعلق ب " يكفرون " و " ما " موصولة، ~~والظروف صلتها، فمتعلقة فعل ليس إلا و " الهاء " في " وراءه " تعود ~~على " ما " في قوله: { نؤمن بمآ أنزل }. # و " وراء " من الظروف المتوسطة التصرف، وهو ظرف مكان، والمشهور أنه ~~بمعنى " خلف " وقد يكون بمعنى " أمام " قال تعالى: # وكان ورآءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا # [الكهف:79]. # وقال: # ويذرون ورآءهم يوما ثقيلا # [الإنسان:27] فهو من الأضداد، وفسره الفراء هنا بمعنى " سوى " ~~التي بمعنى " غير ". # وفسره أبو عبيدة وقتادة بمعنى " بعد ". # وفي همزه قولان: # أحدهما: أنه أصل بنفسه [وإليه ذهب ابن جني مستدلا] بثبوتها في التصغير ~~في قولهم: " وريئة ". # الثاني: أنها مبدلة من ياء، لقولهم: تواريت. # قال أبو البقاء: ولا يجوز أن تكون الهمزة بدلا من واو؛ لأن ما فاؤه ~~واو، لا تكون لامه واوا إلا ندورا نحو: " واو " اسم حرف هجاء، وحكم " ~~وراء " حكم " قبل " و " بعد " في كونه إذا أضيف أعرب، وإذا قطع ~~بني على الضم. # وأنشد الأخفش على ذلك قول الشاعر: [الطويل] # 663 إذا أنا ms0542 لم أومن عليك ولم يكن # لقاؤك إلا من وراء وراء # وفي الحديث عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام: # " كنت خليلا من وراء وراء ". # وثبوت الهاء في تصغيرها شاذ؛ لأن ما زاد من المؤنث على ثلاثة لا تثبت ~~الهاء في مصغره إلا في لفظتين شذتا وهما: " وريئة " و " قديديمة ": تصغير ~~" وراء " و " قدام ". # وقال ابن عصفور: لأنهما لم يتصرفا فلو لم يؤنثا في التصغير ~~لتوهم تذكيرهما. # والوراء: ولد الولد أيضا. # قوله: " وهو الحق " مبتدأ أو خبر، والجملة في محل نصب على ~~الحال، والعامل فيها قوله " يكفرون " [وصاحبها فاعل يكفرون] وأجاز أبو ~~البقاء أن يكون العامل الاستقرار الذي في قوله: " بما وراءه " أي بالذي ~~استقر وراءه، وهو الحق. # وهذا إشارة إلى وجوب الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لما ثبت ~~نبوته بالمعجزات التي ظهرت عليه، ثم إنه عليه الصلاة والسلام ~~أخبر أن هذا القرآن منزل من عند الله، وأن فيه أمر المكلفين به، فكان ~~الإيمان به محقق لا محالة. # قوله: " مصدقا " حال مؤكدة، لأن قوله: " وهو الحق " قد ~~تضمن معناها، والحال المؤكدة: إما أن تؤكد عاملها، نحو: # ولا تعثوا في الأرض مفسدين # [البقرة:60] وإما أن تؤكد مضمون جملة، فإن كان الثاني التزم بإضمار ~~عاملها، وتأخيرها عن الجملة، ومثله أنشد سيبويه: [البسيط] # 664 أنا ابن دارة معروفا بها نسبي # وهل بدارة يا للناس من عار # والتقدير: وهو الحق أحقه مصدقا وابن دارة أعرف معروفا، هذا ~~تقرير كلام النحويين، وأما أبو البقاء، فإنه قال: مصدقا حال مؤكدة، ~~والعامل فيها ما في " الحق " من معنى الفعل، إذ المعنى: وهو ثابت مصدقا، ~~وصاحب الحال الضمير المستتر في " الحق " عند قوم، وعند آخرين صاحب ~~الحال ضمير دل عليه الكلام، و " الحق ": مصدر لا يتحمل الضمير على حسب ~~تحمل اسم الفاعل له عندهم. # فقوله: " وعند آخرين " هو القول الذي قدمناه وهو الصواب، و " ما " في ~~قوله: " لما معهم " في موضع خفض باللام، و " معهم " صلتها، و " ~~معهم " نصب بالاستقرار. # فصل في بيان ما تشير إليه الآية # وهذا أيضا ms0543 إشارة إلى وجوب الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم من ~~وجهين: # الأول: أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يتعلم [علما]، ولا استفاد ~~من أستاذ، فلما أخبر بالحكايات والقصص موافقا لما في التوراة من غير ~~تفاوت أصلا علمنا أنه عليه الصلاة والسلام إنما استفادها من الوحي ~~والتنزيل. # والثاني: أن القرآن يدل على نبوته عليه الصلاة والسلام فلما ~~أخبر الله تعالى عنه أنه مصدق للتوراة، وجب اشتمال التوراة على ~~الإخبار عن نبوته، وإلا لم يكن القرآن مصدقا للتوراة، بل مكذبا لها، ~~وإذا كانت التوراة مشتملة على نبوته عليه الصلاة والسلام، وهم قد ~~اعترفوا بموجوب الإيمان بالتوراة لزمهم من هذه الجهة وجوب الإيمان ~~بالقرآن. # قوله: " فلم تقتلون " الفاء جواب شرط مقدر وتقديره: إن كنتم آمنتم بما ~~أنزل عليكم فلم قتلتم الأنبياء؟ وهذا تكذيب لهم؛ [لأن الإيمان بالتوراة ~~مناف لقتل أشرف خلقه وذلك] لأن التوراة دلت على أن المعجزات تدل على ~~الصدق، وتدل على أن من كان صادقا في ادعاء النبوة كان قتله كفرا، وإذا ~~كان الأمر كذلك كان السعي في قتل يحيى وزكريا وعيسى عليهم السلام ~~كفرا فلم سعيتم في ذلك إن صدقتم في ادعائكم كونكم مؤمنين بالتوراة؟ # و " لم " جار ومجرور، واللام حرف، و " ما " استفهامية في محل جر، أي: ~~لأي شيء؟ ولكن حذفت ألفها فرقا بينها وبين " ما " الخبرية. # وقد تحمل الاستفهامية على الخبرية فتثبت ألفها؛ قال الشاعر: [الوافر] # 665 على ما قام يشتمني لئيم # كخنزير تمرغ في التراب # وهذا ينبغي أن يخص بالضرورة، كما نص عليه بعضهم، والزمخشري يجيز ~~ذلك، ويخرج عليه بعض أي القرآن، كما قد تحمل الخبرية على الاستفهامية في ~~الحذف في قولهم: اصنع بم شئت وهذا لمجرد التشبيه اللفظي. # وإذا وقف على " ما " الاستفهامية المجرورة، فإن كانت مجرورة باسم ~~وجب لحاق هاء السكت نحو مجيء " مه " ، وإن كانت مجرورة بحرف ~~فالاختيار اللحاق، والفرق أن الحرف يمتزج بما يدخل عليه فتقوى به ~~الاستفهامية، بخلاف الاسم المضاف إليها، فإنه في نية الانفصال، وهذا ~~الوقف إنما يجوز ابتداء، أو ms0544 بقطع نفس، ولا جرم أن بعضهم منع الوقف ~~على هذا النحو قال: " إنه إن وقف بغير هاء كان خطأ؛ لنقصان الحرف، وإن ~~وقف بها خالف السواد ". # لكن البزي قد وقف بالهاء، ومثل ذلك لا يعد مخالفة للسواد، ألا ترى ~~إلى إثباتهم بعض ياءات الزوائد. # والجار متعلق بقوله: " تقتلون " ، ولكنه قدم عليه وجوبا، لأن مجروره ~~له صدر الكلام، والفاء وما بعدها من " تقتلون " في محل جزم، وتقتلون ~~وإن كان بصيغة المضارع، فهو في معنى الماضي [لفهم المعنى]، وأيضا فمعه ~~قوله " من قبل " [وأيضا فإن الأنبياء عليهم السلام إنما كانوا ~~في ذلك الزمان، وأيضا فالحاضرون لم يفعلوا ذلك ولا يتأتى لهم قتل ~~الماضيين]، وجاز إسناد القتل إليهم وإن لم يتعاطوه؛ لأنهم لما كانوا ~~راضين بفعل أسلافهم جعلوا كأنهم فعلوا هم أنفسهم. # فإن قيل: كيف جاز قوله: " فلم تقتلون " من قبل، ولا يجوز أن ~~يقال: أنا أضربك أمس؟ # فالجواب من وجهين: # الأول: أن ذلك جائز فيما كان بمنزلة الصفة اللازمة كقولك لمن تعرفه بما ~~سلف من قبح فعله: ويحك لم تكذب؟ كأنك قلت: لم يكن هذا من شأنك. # قال الله تعالى: # واتبعوا ما تتلوا الشياطين # [البقرة:102] ولم يقل: ما تلت الشياطين؛ لأنه أراد من شأنها التلاوة. # والثاني: كأنه قال: لم ترضون بقتل الأنبياء من قبل إن كنتم مؤمنين ~~بالتوراة؟ # قال بعضهم: جاء " تقتلون " بلفظ الاستقبال، وهو بمعنى المضي لما ~~ارتفع الإشكال بقوله: " من قبل " وإذا لم يشكل فجائز أن يأتي الماضي ~~بمعنى المستقبل وبالعكس. # قال الحطيئة: [الكامل] # 666 شهد الحطيئة يوم يلقى ربه # أن الوليد أحق بالعذر # شهد بمعنى يشهد. # قوله: { إن كنتم مؤمنين }. # في: " إن " قولان: # أحدهما: أنها شرطية، وجوابه محذوف تقديره: إن كنتم مؤمنين فلم فعلتم ~~ذلك؟ # ويكون الشرط وجوابه قد ذكر مرتين فحذف الشرط من الجملة الأولى، ~~وبقي جوابه وهو: فلم تقتلون، وحذف الجواب من الثانية، وبقي شرطه، فقد ~~حذف من كل واحدة ما أثبت في الأخرى. # قال ابن عطية رحمه الله: جوابها متقدم، وهو قوله " فلم " وهذا إنما ~~يتأتى ms0545 على قول الكوفيين، وأبي زيد. # والثاني: أن " إن " نافية بمعنى " ما " أي: ما كنتم مؤمنين لمنافاة ~~ما صدر منكم الإيمان. ### || [2.92] # " بالبينات " يجوز فيه وجهان: # أحدهما: أن يكون حالا من " موسى " أي: جاءكم ذا بينات وحجج، أو ~~ومعه البينات. # وثانيهما: أن يكون مفعولا، أي: بسبب إقامة البينات، وهي قوله تعالى: # ولقد ءاتينا موسى تسع ءايات بينات # [الإسراء:101] وهي: العصا والسنون واليد والدم والطوفان والجراد ~~والقمل والضفادع وفلق البحر. # وقيل: البينات التوراة وما فيها من الدلالات. # واللام في " لقد " لام القسم. # { ثم اتخذتم العجل } توبيخ، وهو أبلغ من " الواو " في ~~التقريع بها والنظر في الآيات، أي بعد النظر في الآيات والإتيان بها ~~اتخذتم، [وهذا يدل على أنهم إنما فعلوا ذلك بعد مهلة من النظر في ~~الآيات، وذلك أعظم لجرمهم]. وما بعده من الجمل قد تقدم مثله، والسبب في ~~تكريرها أنه تعالى لما حكى طريقة اليهود في زمان محمد عليه ~~الصلاة والسلام، وصفهم بالعناد والتكذيب، ومثلهم بسلفهم في ~~[قتلهم] الأنبياء الذي يناسب التكذيب؛ بل يزيد عليه إعادة ذكر موسى ~~عليه السلام وما جاء به من البينات، وأنهم مع وضوح ذلك أجازوا أن ~~يتخذوا العجل إلها وهو مع ذلك صابر ثابت على الدعاء إلى ربه، والتمسك ~~بدينه، فكذلك القول في حالي معكم وإن بالغتم في التكذيب والإنكار. ### || [2.93] # قوله: " واسمعوا " أي أطيعوا وليس معناه الأمر بإدراك القول فقط، وإنما ~~المراد اعملوا بما سمعتم والتزموه، ومنه قولهم: سمع الله لمن حمده، أي ~~قبل وأجاب؛ قال [الوافر] # 667 دعوت الله حتى خفت ألا # يكون الله يسمع ما أقول # أي يقبل. # وقال الراجز: [الرجز] # 668 والسمع والطاعة والتسليم # خير وأعفى لبني تميم # فصل في التكرار # وفي هذا التكرير وجهان: # أحدهما: أنه للتأكيد، وإيجاب الحجة على الخصم. # الثاني: كرره لزيادته على دلالة وهي قولهم: " سمعنا وعصينا " ~~[فرفع الجبل لا شك أنه من أعظم المعجزات، ومع ذلك أصروا على كفرهم، ~~وصرحوا بقولهم: # سمعنا وعصينا # [النساء:46]]. # وأكثر المفسرين ذكروا أنهم قالوا هذا القول. # وقال أبو مسلم: يجوز أن يكون ms0546 المعنى سمعوه فتلقوه بالعصيان، فعبر عن ذلك ~~بالقول، وإن لم يقولوه كقوله تعالى: # أن يقول له كن فيكون # [يس:82] وكقوله: # قالتآ أتينا طآئعين # [فصلت:11] والأول أولى، لأن هذا صرف للكلام عن ظاهره بغير حاجة. # قوله: " وأشربوا " يجوز أن يكون معطوفا على قوله. " قالوا: ~~سمعنا " ، ويجوز أن يكون حالا من فاعل " قالوا " أي: قالوا ذلك، وقد ~~أشربوا. ولا بد من إضمار " قد " ليقرب الماضي إلى الحال خلافا ~~للكوفيين، حيث قالوا: لا يحتاج إليها، ويجوز أن يكون مستأنفا لمجرد ~~الإخبار بذلك. # واستضعفه أبو البقاء رحمه الله تعالى قال: لأنه قال بعد ذلك: " قل ~~بئسما يأمركم " فهو جواب قولهم: " سمعنا وعصينا " فالأولى ألا يكون ~~بينهما أجنبي. # و " الواو " في " أشربوا " وهي المفعول الأول قامت مقام الفاعل، والثاني ~~هو " العجل "؛ لأن " شرب " يتعدى بنفسه، فأكسبته الهمزة مفعولا آخر، ~~ولا بد من حذف مضافين قبل " العجل " والتقدير: وأشربوا حب عبادة ~~العجل. # وحسن حذف هذين المضافين للمبالغة في ذلك حتى كأنه تصور إشراب ذات ~~العجل، والإشراب مخالطة المائع بالجامد، ثم اتسع فيه حتى قيل في ~~الألوان نحو: أشرب بياضه حمرة، والمعنى: أنهم داخلهم حب ~~عبادته، كما داخل الصبغ الثوب. # ومنه قول الشاعر: [الوافر] # 669 إذا ما القلب أشرب حب شيء # فلا تأمل له الدهر انصرافا # وعبر بالشرب دون الأكل؛ لأن الشرب يتغلغل في باطن الشيء، بخلاف ~~الأكل فإنه مجاور؛ ومنه في المعنى: [الطويل] # 670 جرى حبها مجرى دمي في مفاصلي # ....................... # وقال بعضهم: [الوافر] # 671 تغلغل حب عثمة في فؤادي # فباديه مع الخافي يسير # تغلغل حيث لم يبلغ شراب # ولا حزن ولم يبلغ سرور # أكاد إذا ذكرت العهد منها # أطير لو أن إنسانا يطير # فهذا وجه الاستعارة. # وقيل: الشرب مادة لحياة ما تخرجه الأرض، فكذلك كانت تلك المحبة مادة ~~لجميع ما صدر عنهم من الأفعال. # وقيل: الإشراب هنا حقيقة؛ لأنه يروى أن موسى عليه الصلاة والسلام ~~برد العجل بالمبرد، ثم جعل تلك البرادة في الماء، وأمرهم بشربه، فمن ~~كان يحب العجل ظهرت البرادة على شفتيه. # روي القشيري ms0547 رحمه الله أنه ما شربه أحد إلا جن. # قال القرطبي رحمه الله: أما تذريته في الماء فقد دل عليه قوله ~~تعالى: # ثم لننسفنه في اليم نسفا # [طه:97]، وأما شرب الماء وظهور البرادة على الشفاه وهذا وإن كان قال ~~به السدي وابن جريج وغيرهما فرده قوله: " في قلوبهم ". # فصل في فاعل الإشراب # قوله: { وأشربوا في قلوبهم } يدل على أن فاعلا غيرهم بهم ~~ذلك، ومعلوم أنه لا يقدر عليه سوى الله تعالى. # أجاب المعتزلة بوجهين: # الأول: ما أراد الله تعالى أن غيرهم فعل بهم ذلك، لكنهم لفرط ~~ولوعهم وإلفهم بعبادته أشربوا قلوبهم حبه، فذكر ذلك على ما لم ~~يسم فاعله كما يقال: فلان معجب بنفسه. # والثاني: أن المراد من " أشرب " أي: زينه لهم، ودعاهم إليه كالسامري، ~~وإبليس، وشياطين الإنس والجن. # وأجابوا: بأن هذا صرف اللفظ عن ظاهره، وذلك لا يجوز المصير إليه إلا ~~بدليل منفصل، وقد أقيمت الدلائل العقلية القطعية على أن محدث الأشياء ~~هو الله تعالى فلا حاجة لنا إلى ترك هذا الظاهر. # قوله: " بكفرهم " فيه وجهان: # أظهرهما: أن " الباء " سببية متعلقة ب " أشربوا " أي: أشربوا بسبب ~~كفرهم السابق. # والثاني: أنها بمعنى " على " يعنون بذلك أنها للحال، وصاحبها في الحقيقة ~~ذلك المضاف المحذوف أي: أشربوا حب عبادة العجل مختلطا بكفرهم، ~~والمصدر مضاف للفاعل، أي: بأن يكفروا. # قوله: { قل: بئسما يأمركم } كقوله: " بئسما اشتروا ~~". # والمعنى: فبئسما يأمركم به إيمانكم الذي زعمتم في قولكم: # نؤمن بمآ أنزل # [البقرة:91]. # وقيل: إن هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأمر له بأن يوبخهم أي: ~~قل لهم يا محمد: بئس هذه الأشياء التي فعلتم، وأمركم بها [إيمانكم] أي: ~~بالتوراة لأنه ليس في التوراة عبادة العجل وإضافة الأمر إلى إيمانهم ~~كما قالوا لشعيب صلى الله عليه وسلم: # أصلوتك تأمرك # [هود:87]. # قوله: { إن كنتم مؤمنين } يجوز فيها الوجهان السابقين من كونها ~~نافية وشرطية، وجوابه محذوف تقديره: فبئسما يأمركم. # وقيل: تقديره: فلا تقتلوا أنبياء الله، ولا تكذبوا الرسل ولا ~~تكتموا الحق؛ وأسند الإيمان إليهم تهكما بهم، ولا حاجة إلى ms0548 حذف صفة، ~~أي إيمانكم الباطل، أو حذف مضاف، أي: صاحب إيمانكم. # وقرأ الحسن: " بهو إيمانكم " بضم الهاء مع الواو. # فإن قيل: الإيمان عرض، ولا يصح الأمر والنهي. # فالجواب: أن الداعي إلى الفعل قد يشبه بالأمر كقوله: # إن الصلوة تنهى عن الفحشآء والمنكر # [العنكبوت:45]. ### || [2.94-95] # وهذا نوع آخر من قبائح أفعالهم، وهو زعمهم أن الدار الآخرة خالصة لهم من ~~دون الناس، ويدل عليه أنه لا يجوز أن يقال للخصم: إن كان كذا أو كذا ~~فافعل كذا، والأول مذهبه، ليصح إلزام الثاني عليه. # ويدل على ذلك أيضا قولهم: # لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى # [البقرة:111] وقولهم: # نحن أبناء الله وأحباؤه # [المائدة:18] وقولهم: # لن تمسنا النار إلا أياما معدودة # [البقرة:80]. # وأيضا اعتقادهم في أنفسهم أنهم هم المحقون؛ لأن النسخ غير جائز في ~~شرعهم، وأن سائر الفرق مبطلون، وأيضا اعتقادهم أن أنتسابهم إلى ~~أكابر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أعني: يعقوب وإسماعيل وإسحاق ~~وإبراهيم عليهم السلام يخلصهم من [عقاب] الله تعالى ويوصلهم إلى ~~ثوابه، فكذبهم الله تعالى وألزمهم الحجة، فقال: قل لهم يا محمد: ~~إن كانت لكم الدار الآخرة يعني الجنة خالصة من دون الناس، فتمنوا ~~الموت أي: فأريدوه واسألوه؛ لأن من علم أن الجنة مأواه حن إليها؛ لأن ~~نعم الدنيا على قلتها كانت منغصة عليهم بسبب ظهور محمد عليه الصلاة ~~والسلام ومنازعته لهم بالجدال والقتال، ومن كان في النعم القليلة ~~المنغصة، وهو يتيقن بعد الموت أنه ينتقل إلى تلك النعم العظيمة، فإنه لا ~~بد وأن يرغب في الموت. # وقيل: إن الله تعالى صرفهم عن إظهار التمني، وقصرهم على الإمساك ~~ليجعل ذلك آية لنبيه صلى الله عليه وسلم. # وقيل: فتمنوا الموت: ادعوا بالموت على الفرقة الكاذبة. روى ابن ~~عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لو تمنوا الموت لشرق كل إنسان بريقه وما بقي على وجه الأرض يهودي ~~إلا مات ". # قوله: { إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله ~~خالصة } شرط جوابه " فتمنوا ". # و " الدار " اسم " كان " وهي الجنة، ms0549 والأولى أن يقدر حذف مضاف، أي: ~~نعيم الدار الآخرة؛ لأن الدار الآخرة في الحقيقة هي انقضاء الدنيا، ~~وهي للفريقين. واختلفوا في خير " كان " على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه " خالصة " ، فيكون " عند " ظرف ل " خالصة " ، أو للاستقرار ~~الذي " لكم " ويجوز أن تكون حالا من " الدار " ، والعامل فيه " كان " ، ~~أو الاستقرار. # وأما " لكم " فيتعلق ب " كان "؛ لأنها تعمل في الظرف وشبيهه. # قال أبو البقاء رحمه الله تعالى: ويجوز أن تكون للتبيين، فيكون موضعها ~~بعد " خالصة " أي: خالصة لكم فتتعلق بنفس " خالصة " ، وهذا فيه نظر؛ ~~لأنه متى كانت للبيان تعلقت بمحذوف تقديره: أعني لكم، نحو: سقيا لك، ~~تقديره: أعني بهذا الدعاء لك، وقد صرح غيره في هذا الموضع بأنها للبيان، ~~وأنها متعلقة حينئذ بمحذوف كما تقدم، ويجوز أن يكون صفة ل " خالصة " في ~~الأصل قدم عليها فصار حالا منها، فيتعلق بمحذوف. # الثاني: أن الخبر " لكم " فيتعلق بمحذوف وينصب خالصة حينئذ على الحال، ~~والعامل فيها إما " كان " ، أو الاستقرار في " لكم " ، و " عند " منصوب ~~بالاستقرار أيضا. # الثالث: أن الخبر هو الظرف، و " خالصة " حال أيضا، والعامل فيها إما ~~" كان " أو الاستقرار، وكذلك " لكم " ، وقد منع من هذا الوجه قوم ~~فقالوا: لا يجوز أن يكون الظرف خبرا؛ لأن هذا الكلام لا يستقل. # وجوز ذلك المهدوي، وابن عطية، وأبو البقاء، واستشعر أبو البقاء هذا ~~الإشكال، وأجاب عنه بأن قال: وسوغ أن يكون " عند " خبر " كان لكم " يعني ~~لفظ " لكم " سوغ وقوع " عند " خبرا إذ كان فيه تخصيص وتبيين، ~~ونظيره قوله: # ولم يكن له كفوا أحد # [الإخلاص:4]، لولا " له " لم يصح أن يكون " كفوا " خبرا. # و { من دون الناس } في محل نصب ب " خالصة "؛ لأنك تقول: خلص ~~كذا من كذا، والمراد به سوى لا معنى المكان، كما يقول القائل لمن وهب منه ~~ملكا: هذا لك دون الناس. # وقرأ الجمهور: " فتمنوا الموت " بضم الواو، ويروى عن أبي عمرو ~~فتحها تخفيفا واختلاس الضمة، وقرأ ابن أبي إسحاق بكسرها على التقاء ~~الساكنين تشبيها بواو # لو استطعنا # [التوبة:42] المراد بها عندية ms0550 المنزلة. # قال ابن الخطيب: " ولا بعد أيضا في حمله على [المكان] فلعل اليهود ~~كانوا مشبهة، فاعتقدوا العندية المكانية ". # وقوله تعالى: " فتمنوا الموت " هذا أمر متعلق على أمر مفقود، وهو كونهم ~~صادفين، فلا يكون الأمر موجودا، أو الغرض إظهار كذبهم في دعواهم، وفي ~~هذا التمني قولان: # أحدهما: قول ابن عباس: إنهم أمروا بأن يدعو الفريقان بالموت على ~~الفرقة الكاذبة. # والثاني: أن يقولوا: ليتنا نموت وهذا أولى؛ لأنه أقرب إلى موافقة اللفظ. # قال عليه الصلاة والسلام: # " لو تمنوا الموت لغص كل إنسان بريقه وما ~~بقي على وجه الأرض يهودي إلا مات " # وقال عليه الصلاة والسلام: # " لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم ~~من النار ولو خرج الذين يباهلون [رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم]، لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا ". # قوله تعالى: { إن كنتم صادقين } كقوله: # إن كنتم مؤمنين # [البقرة:91]. # فصل في سؤالات واردة # السؤال الأول: لعلهم كانوا يعلمون أن نعم الآخرة عظيمة لا سبيل إليها ~~إلا بالموت، والذي يتوقف عليه المطلوب يجب أن يكون مطلوبا لكونه ~~وسيلة إلى ذلك المطلوب، إلا أنه يكون مكروها نظرا إلى ذاته، والموت ~~مما لا يحصل إلا بالآلام العظيمة، وما كانوا يطيقونها، فلا جرم ما تمنوا ~~الموت. # السؤال الثاني: أنه كان لهم أن يقلبوا هذا السؤال على محمد صلى الله ~~عليه وسلم فيقولون إنك تدعي أن الدار الآخرة خالصة لك ولأمتك دون من ~~ينازعك في الأمر، فإن كان الأمر كذلك فارض بأن نقتلك ونقتل أمتك، ~~فإنا نراك ونرى أمتك في الضر الشديد، والبلاء العظيم بسبب الجدال ~~والقتال، وبعد الموت فإنكم تتخلصون إلى نعيم الجنة، فوجب أن ترضوا ~~بقتلكم. # السؤال الثالث: لعلهم كانوا يقولون: الدار الآخرة خالصة لمن كان على ~~دينهم، لكن بشرط الاحتراز عن الكبائر، فأما صاحب الكبيرة فإنه يبقى ~~مخلدا في النار أبدا؛ لأنهم كانوا وعدوا به، أو لأنهم جوزوا في صاحب ~~الكبيرة أن يصير معذبا، فلأجل هذا ما تمنوا الموت، وليس لأحد أن يدفع ~~هذا السؤال بأن مذهبهم أنه لا تمسهم النار إلا ms0551 أياما معدودة؛ لأن ~~كل يوم من أيام القيامة كألف سنة، فكانت هذه الأيام، وإن كانت قليلة ~~بحسب العدد، لكنها طويلة بحسب المدة، فلا جرم ما تمنوا الموت بسب ~~الخوف. # السؤال الرابع: أنه عليه الصلاة والسلام نهي عن تمني الموت فقال: # " لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به ولكن ~~ليقل: اللهم أحيني إن كانت الحياة خيرا لي ~~وتوفني إن كانت الوفاة خيرا لي " # وأيضا قال تعالى: في كتابه: # يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين ~~ءامنوا مشفقون منها # [الشورى:18] فكيف يجوز أن ينهى عن الاستعجال، ثم إنه يتحدى القوم بذلك؟ # السؤال الخامس: أن لفظ التمني بين التمني الذي هو المعنى القائم ~~بالقلب، وبين اللفظ الدال على ذلك المعنى، وهو قول القائل: ليتني مت، ~~فلليهود أن يقولوا: إنك طلبت منا التمني، والتمني لفظ مشترك، فإن ذكرناه ~~باللسان، فله أن يقول: ما أردت به هذا اللفظ، وإنما أردت به المعنى ~~الذي في القلب، وإن فعلنا ذلك المعنى القائم بالقلب، فله أن يقول: ~~كذبتم ما أتيتم بذلك في قلوبكم، ولما علم اليهود أنه أتى بلفظة مشتركة لا ~~يمكن الاعتراض عليها لا جرم لم يلتفتوا إليه. # السؤال السادس: هب أن الدار الآخرة لو كانت لهم لوجب أن يتمنوا ~~الموت، فلم قلتم: إنهم لم يتمنوا الموت؟ والاستدلال بقوله تعالى: { ~~ولن يتمنوه أبدا } ضعيف؛ لأن الاستدلال بهذا إنما يصح لو ~~ثبت كون القرآن حقا، والنزاع ليس إلا فيه. # والجواب كون الموت متضمنا للآلام يكون كالصارف عنه تمنيه. # قلنا: كما أن الألم الحاصل عند الحجامة لا يصرف عن الحجامة ~~للعلم الحاصل؛ لأن المنفعة الحاصلة عن الحجامة عظيمة وجب أن يكون الأمر ~~هاهنا كذلك. # وقوله: لو قلبوا الكلام على محمد لزمه أن يرضى بالقتل. # قلنا: الفرق بين محمد عليه الصلاة والسلام وبينهم أن محمدا كان يقول: ~~إني [مبعوث] لتبليغ الشرائع إلى أهل التواتر، وهذا المقصود لم يحصل ~~بعد فلأجل هذا لا أرضى بالقتل، وأما أنتم فلستم كذلك فظهر الفرق. # وقوله ثالثا: كانوا خائفين من العقاب. # قلنا: القوم ادعوا أن ms0552 الآخرة خالصة لهم، وذلك يؤمنهم من الامتزاج. # وقوله رابعا: نهي عن تمني الموت. # قلنا: هذا النهي طريقه الشرع، فيجوز أن يختلف الحال فيه بحسب اختلاف ~~الأوقات. # فصل في بيان متى يتمنى الموت # روي أن عليا رضي الله عنه كان يطوف بين الصفين في [غلالة]، ~~فقال له ابنه الحسن رضي الله عنه ما هذا بزي المحاربين، فقال: يا ~~بني، لا يبالي أبوك أعلى الموت سقط أم عليه[بسقط]. # وقال عمار رضي الله عنه ب " صفين ": [الرجز] # 672 الآن ألاقي الأحبه # محمدا وحزبه # وقد ظهر عن الأنبياء في كثر من الحالات تمني الموت على أن هذا النهي ~~مختص بسبب مخصوص، فإنه عليه الصلاة والسلام حرم أن يتمنى الإنسان ~~الموت عند الشدائد؛ لأن ذلك كالجزع والخروج عن الرضا بما قسم الله ~~تعالى فإين هذا مما نحن فيه؟ # وقولهم خامسا: " إنهم ما عرفوا المراد التمني باللسان أم بالقلب؟ ". # قلنا: التمني في لغة العرب لا يعرف إلا بما يظهر بالقول، كما أن الخبر ~~لا يعرف إلا بما يظهر بالقول، ومن المحال أن يقول عليه الصلاة والسلام: ~~" تمنوا الموت " ، ويريد بذلك [ما لا يمكن الوقوف عليه]، مع أن ~~الغرض بذلك لا يتم إلا بظهوره. # وقوله سادسا: ما الدليل على أنه ما وجد التمني؟ قلنا من وجوه: # أحدها: لو حصل ذلك لنقل نقلا متواترا؛ لأنه أمر عظيم، فإنه بتقدير ~~عدمه يثبت القول بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبتقدير حصول هذا ~~التمني يبطل القول بنبوته، وما كان كذلك من الوقائع العظيمة، فوجب أن ~~ينقل نقلا متواترا، ولما لم ينقل علمنا أنه لم يوجد. # وثانيها: أنه عليه الصلاة والسلام مع تقدمه في الرأي والحزم، وحسن ~~النظر في العاقبة، والوصول إلى الرياسة العظيمة التي انقاد لها ~~المخالف قهرا والموافق طوعا، لا يجوز وهو غير واثق من جهة ربه ~~بالوحي النازل عليه أن يتحداهم بأمر لا يأمن عاقبة الحال فيه، ولا يأمن ~~من خصمه أن يقهره بالدليل والحجة؛ لأن العاقل الذي لم [يعرف] الأمور لم ~~يرض بذلك، فكيف الحال في ms0553 أعقل العقلاء؟ فثبت أنه عليه الصلاة والسلام ~~ما أقدم على هذه الأدلة إلا بوحي من الله تعالى إليه بأنهم لا ~~يتمنونه. # وثالثها: ما روى ابن عباس رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام ~~قال: # " لو تمنوا الموت لشرقوا به ولماتوا " # وقد نطق القرآن بذلك في قوله: { ولن يتمنوه أبدا } أي: ولو ~~تمنوه بقلوبهم لأظهروه بألسنتهم ردا على النبي صلى الله عليه وسلم ~~وإبطالا لحجته. والحديثان المتقدمان، وبالجملة الأخبار الواردة في ~~أنهم ما تمنوا الموت بلغت مبلغ التواتر. # قوله: " ولن يتمنوه " خبر قاطع عن أن ذلك لا يقع في ~~المستقبل، وهذا إخبار عن الغيب؛ لأن من توفر الدواعي على تكذيب محمد صلى ~~الله عليه وسلم وسهولة الإتيان بهذه الكلمة أخبر أنهم لا يأتون بذلك، ~~فهذا إخبار جازم عن أمر قامت الأمارات على ضده، فلا يمكن الوصول إليه ~~إلا بالوحي. # قوله: " أبدا " منصوب ب " يتمنوه " ، وهو ظرف زمان يقع للقليل ~~والكثير، ماضيا كان أو مستقبلا. # قال القرطبي: كالحين والوقت، وهو هاهنا من أول العمر إلى الموت ~~تقول: ما فعلته أبدا. # وقال الراغب هو عبارة عن مدة الزمان الممتد الذي لا يتجزأ كما يتجزأ ~~الزمان، وذلك أنه يقال: زمان كذا، ولا يقال: أبد كذا، وكان من حقه على ~~هذا ألا يثنى ولا يجمع، وقد قالوا: آباد، فجمعوه لاختلاف أنواعه. # وقيل: آباد لغة مولدة، ومجيئه بعد " لن " يدل على أن نفيها لا يقتضي ~~التأبيد، وقد تقدم غير ذلك، ودعوى التأكيد فيه بعيدة. # فصل في بيان أن بالآية غيبين # واعلم أن هذا إخبار عن غيب آخر، لأنه أخبر أن ذلك لا يوجد في شيء من ~~الأزمنة، ولا شك أن الإخبار عن عدمه بالنسبة إلى عموم الأوقات فهما ~~غيبان، وقال هنا: { ولن يتمنوه } [البقرة:95] فنفى ب " لن ~~" ، وفي الجمعة ب " لا " [قال صاحب " المنتخب ":] وذلك لأن دعواهم هنا ~~ أعظم من دعواهم هناك؟ لأن السعادة القصوى فوق مرتبة الولاية؛ لأن ~~الثانية تراد لحصول الأولى، فإنهم ادعوا هنا أن الدار الآخرة خالصة لهم ~~من دون الناس، وادعوا في ms0554 سورة " الجمعة " أنهم أولياء لله من دون ~~الناس، والسعادة القصوى هي الحصول في دار الثواب؛ ومرتبة الولاية وإن ~~كانت شريفة إلا أنها لا تراد ليتوسل بها إلى الجنة، فلما كانت الأولى ~~أعظم لا جرم ورد النفي ب " لن "؛ لأنه أبلغ من النفي ب " لا ". # قوله: { بما قدمت أيديهم } بيان للعلة التي لها لا يتمنون؛ لأنهم ~~إذا علموا سوء طرقهم وكثرة ذنوبهم دعاهم ذلك إلى عدم تمني الموت، وهذه ~~الجملة متعلقة ب " يتمنوه " ، والباء للسببية، أي: بسبب اجتراحهم ~~العظائم، و " أيديهم " في محل رفع حذفت الضمة من الباء لثقلها مع ~~الكسرة. # و " ما " يجوز فيها ثلاثة أوجه: # أظهرها: كونها موصولة بمعنى " الذي ". # والثاني: نكرة موصوفة، والعائد على كلا القولين محذوف، أي: بما قدمته، ~~فالجملة لا محل لها على الأولى، ومحلها الجر على الثاني. # والثالث: أنها مصدرية أي: بتقدمة أيديهم. # ومفعول " قدمت " محذوف أي: بما قدمت أيديهم الشر، أو التبديل ونحوه. # قوله: { والله عليم بالظالمين } ابتداء وخبر، وهذا ~~كالزجر والتهديد؛ لأنه إذا كان عالما بالسر والنجوى لا يخفى عليه شيء ~~صار ذلك من أعظم الصوارف للمكلف عن المعاصي، وإنما ذكر الظالمين؛ لأن ~~كل كافر ظالم، وليس كل ظالم كافرا، فذكر الأعم؛ لأنه أولى بالذكر. ### || [2.96] # فأخبر تعالى أولا بأنهم لا يتمنون الموت، ثم أخبر عنهم هنا بأنهم في ~~غاية الحرص؛ لأن ثم قسما آخر، وهو أن يكون الإنسان بحيث لا يتمنى ~~الموت، ولا يتمنى الحياة. # وهذه " اللام " جواب قسم محذوف، والنون للتوكيد تقديره: والله لتجدنهم. # و " وجد " هنا متعدية لمفعولين أولهما لضمير، والثاني " أحرص " ، وإذا ~~تعدت لاثنين كانت: ك " علم " في المعنى، نحو: # وإن وجدنآ أكثرهم لفاسقين # [الأعراف:102]. # ويجوز أن تكون متعدية لواحد، ومعناها معنى " لقي وأصاب " ، وينتصب " ~~أحرص " على الحال، إما على رأي من لا يشترط التنكير في الحال، وإما على ~~رأي من يرى أن إضافة " أفعل " إلى معرفة غير محضة، و " أحرص " أفعل ~~تفضيل، ف " من " مرادة معها، وقد أضيفت لمعرفة، فجاءت على أحد ~~الجائزين، أعني عدم المطابقة، وذلك أنها ms0555 إذا أضيفت معرفة على نية من ~~أجاز فيها وجهي المطابقة لما قبلها نحو: " الزيدان أفضلا الرجال " ، و ~~" الزيدون أفاضل الرجال " ، و " هند فضلى " و " الهنود فضليات ~~النساء " ومن قوله تعالى: # أكبر مجرميها # [الأنعام:123] وعدمها، نحو: " الزيدون أفضل الرجال " ، وعليه هذه الآية، ~~وكلا الوجهين فصيح خلافا لابن السراج. وإذا أضيفت لمعرفة لزم أن تكون ~~بعضها، ولذلك منع النحويون " يوسف أحسن إخوته " على معنى التفضيل، ~~وتأولوا ما يوهم غيره نحو: " الناقص والأشج أعدلا بني ~~مروان " بمعنى العادلان فيهم؛ وأما قوله [الرجز] # 673 يا رب موسى أظلمي وأظلمه # فاصبب عليه ملكا لا يرحمه # فشاذ، وسوغ ذلك كون " أظلم " الثاني مقتحما كأنه قال: " أظلمنا ~~". # وأما إذا أضيف إلى نكرة فقد تقدم حكمها عند قوله: # أول كافر به # [البقرة:41]. # قوله تعالى: { على حيوة } متعلق ب " أحرص "؛ لأن هذا ~~الفعل يتعدى ب " على " تقول: حرصت عليه. # والتنكير في حياة تنبيه على أنه أراد حياة مخصوصة، وهي الحياة ~~المتطاولة، ولذلك كانت القراءة بها أوقع من قرأءة أبي " على الحياة " ~~بالتعريف. # وقيل:: إن ذلك على حذف مضاف تقديره: على طول الحياة، والظاهر أنه لا ~~يحتاج إلى تقدير صفة ولا مضاف، بل يكون المعنى: أنهم أحرص الناس على ~~مطلق الحياة. # وإن قلت: فكيف وإن كثرت، فيكون أبلغ من وصفهم بذلك، وأصل حياة: " ~~حيية " تحركت الياء، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا. # قوله: { ومن الذين أشركوا } يجوز أن يكون متصلا داخلا تحت " ~~أفعل " التفضيل ويجوز أن يكون منقطعا عنه، وعلى القول باتصاله به فيه ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه حمل على المعنى، فإن معنى أحرص الناس: أحرص من الناس، فكأنه ~~قيل: أحرص من الناس، ومن الذين أشركوا. # الثاني: أن يكون حذف من الثاني لدلالة الأولى عليه، والتقدير: وأحرص ~~من الذين أشركوا، وعلى ما تقرر من كون " من الذين أشركوا " ~~متصلا ب " أفعل " التفضيل، فلا بد من ذكر " من "؛ لأن " أحرص " جرى ~~على اليهود، فلو عطف بغير " من " لكان معطوفا على الناس، فيكون ~~المعنى: ولتجدنهم أحرص الذي أشركوا، فيلزم إضافة " أفعل " إلى غير ms0556 من ~~درج تحته؛ لأن اليهود ليسوا من هؤلاء المشركين الخاصين؛ لأنهم قالوا في ~~تفسيرهم: إنهم المجوس، أو عرب يعبدون الأصنام، اللهم إلا أن يقال: إنه ~~يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل، فحينئذ لو لم يؤت ب " من " ~~لكان جائزا. # الثالث: أن في الكلام حذفا وتقديما وتأخيرا، والتقدير: ولتجدنهم ~~وطائفة من الذين أشركوا أحرص الناس، فيكون من " من الذين ~~أشركوا " صفة لمحذوف، ذلك المحذوف معطوف على الضمير في " لتجدنهم " ~~وهذا وإن كان صحيحا من حيث المعنى، ولكنه ينبو عنه التركيب لا سيما ~~على قول من يخص التقديم والتأخير بالضرورة. # وعلى القول بانقطاعه من " أفعل " يكون " من الذين أشركوا " خبرا ~~مقدما، و " يود أحدهم " صفة لمبتدأ محذوف تقديره: ومن الذين أشركوا قوم ~~أو فريق يود أحدهم، وهو من الأماكن المطرد فيها حذف الموصوف بجملته ~~كقوله: # وما منآ إلا له مقام معلوم # [الصافات:164]، وقوله: " منا ظعن ومنا أقام ". # والظاهر أن الذين أشركوا غير اليهود كما تقدم وأجاز الزمخشري أن يكون ~~من اليهود؛ لأنهم قالوا: عزيز ابن الله، فيكون إخبارا بأن من هذه ~~الطائفة التي اشتد حرصها على الحياة من يود لو يعمر ألف سنة، ويكون من ~~وقوع الظاهر المشعر بالغلبة موقع المضمر، إذ التقدير: ومنهم قوم ~~يود أحدهم. # وقد ظهر مما تقدم أن الكلام من باب عطف المفردات على القول بدخول " من ~~الذين أشركوا " تحت " أفعل " ومن باب عطف الجمل على القول ~~بالانقطاع. # فصل في المراد بالذين أشركوا # قيل: المراد بالذين أشركوا المجوس، لأنهم كانوا يقولون لملكهم: عش ألف ~~نيروز وألف مهرجان، قاله أبو العالية والربيع: وسموا مشركين لأنهم ~~يقولون بالنور والظلمة، وهذه تحية المجوس فيما بينهم: عش ألف سنة، ولك ~~ألف نيروز ومهرجان. # وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه هو قول الأعاجم: زه هزارسال. # وقيل: المراد مشركو العرب. # وقيل: كل مشرك لا يؤمن بالمعاد لما تقدم؛ لأن حرص هؤلاء على الدنيا ~~ينبغي أن يكون أكثر، وليس المراد ذكر ألف سنة قول الأعاجم [عش ألف سنة] ~~بل [خرج مخرج] التكثير، ms0557 وهو معروف في كلام العرب. # قوله: " يود أحدهم " هذا مبني على ما تقدم، فإن قيل بأن " من الذين ~~أشركوا " داخل تحت " أفعل " كان في " يود " خمسة أوجه: # أحدها: أنه حال من الضمير في " لتجدنهم " أي: لتجدنهم وادا أحدهم. # الثاني: أنه حال من الذين أشركوا، فيكون العامل فيه " أحرص " المحذوف. # الثالث: أنه حال من فاعل " أشركوا ". # الرابع: أنه مستأنف استؤنف للإخبار بتبيين حال أمرهم في ازدياد حرصهم ~~على الحياة. # الخامس: وهو قول الكوفيين: أنه صلة لموصول محذوف، ذلك الموصول صفة للذين ~~أشركوا، والتقدير: ومن الذين أشركوا الذين يود أحدهم. # وإن قيل بالانقطاع، فيكون في محل رفع؛ لأنه صفة لمبتدأ محذوف كما ~~تقدم. # قال القرطبي رحمه الله تعالى: أصل " يود " " يودد " ، أدغمت ~~لئلا يجمع بين حرفين من جنس واحد متحركين ونقلت حركة الدال إلى الواو، ~~ليدل ذلك على أنه يفعل. # وحكى الكسائي: وددت، فيجوز على هذا يود بكسر الواو و " أحد " ~~هنا بمعنى واحد، وهمزته بدل من واو، وليس هو " أحد " المستعمل في النفي، ~~فإن ذاك همزته أصل بنفسها، ولا يستعمل في الإيجاب المحض. و " يود " مضارع ~~وددت بكسر العين في الماضي، فلذلك لم تحذف الواو في المضارع؛ لأنها لم ~~تقع بين ياء وكسرة، بخلاف " يعد " وبابه. # وحكى الكسائي فيه " وددت " بالفتح. # قال بعضهم: فعلى هذا يقال: " يود " بكسر الواو. # و " الوداد ": التمني. # قوله: " لو يعمر " في " لو " هذه ثلاثة أقوال: # أحدها وهو الجاري على قواعد نحاة " البصرة " أنها حرف لما كان سيقع ~~لوقوع غيره، وجوابها محذوف لدلالة " يود " عليه، وحذف مفعول " ~~يود " لدلالة " لو يعمر " عليه والتقدير: يود أحدهم طول العمر، لو ~~يعمر ألف سنة لسر بذلك، فحذف من كل واحد ما دل عليه الآخر، ولا ~~محل لها حينئذ من الإعراب. # والثاني: وبه قال الكوفيون وأبو علي الفارسي وأبو البقاء، أنها مصدرية ~~بمنزلة " أن " الناصبة، فلا يكون لها جواب، [وينسبك] منها وما بعدها مصدر ~~يكون مفعولا ل " يود " ، والتقدير: يود أحدهم تعميره ألف سنة. # واستدل أبو البقاء بأن الامتناعية معناها في ms0558 الماضي، وهذه يلزمها ~~المستقل ك " أن " وبأن " يود " يتعدى لمفعول، وليس مما يعلق، وبأن ~~" أن " قد وقعت بعد " يود " في قوله # أيود أحدكم أن تكون له جنة # [البقرة:266] وهو كثير، [وجوابه في غير هذا الكتاب]. # الثالث: وإليه نحا الزمخشري: أن يكون معناها التمني، فلا تحتاج إلى ~~جواب؛ لأنها في قوة: " يا ليتني أعمر " ، وتكون الجملة من " لو " ~~وما في حيزها في محل نصب مفعول به على طريق الحكاية ب " يود " إجراء ~~له مجرى القول. # قال الزمخشري رحمه الله تعالى: فإن قلت: كيف اتصل " لو يعمر " ب " يود ~~أحدهم "؟ # قلت: هي حكاية لودادتهم و " لو " في معنى التمني، وكان القياس: " لو ~~أعمر " إلا أنه جرى على لفط العينية لقوله: " يود أحدهم " ، كقولك: " ~~حلف بالله تعالى ليفعلن " انتهى وقد تقدم شرحه، إلا قوله وكان ~~القياس لو أعمر، يعني بذلك أنه كان من حقه أن يأتي بالفعل مسندا ~~للمتكلم وحده، وإنما أجرى " يود " مجرى القول؛ لأن " يود " فعل قلبي، ~~والقول ينشأ عن الأمور القلبية. # و " ألف سنة " منصوب على الظرف ب " يعمر " ، وهو متعد لمفعول واحد قد ~~أقيم مقام الفاعل، وفي " سنة " قولان: # أحدهما: أن أصلها: سنوة لقولهم: سنوات وسنية وسانيت. # والثاني: أنها من " سنهة " لقولهم: سنهات وسنيهة ~~وسانهت، واللغتان ثابتتان عن العرب كما ذكرت لك. # قوله تعالى: { وما هو بمزحزحه من العذاب } في هذا ~~الضمير خمسة أقوال: # أحدها: أنه عائد على " أحد " وفيه حينئذ وجهان: # أحدهما: أنه اسم " ما " الحجازية، و " بمزحزحه " خبر " ما " ، فهو محل ~~نصب والباء زائدة. # و " أن يعمر " فاعل بقوله: " بمزحزحه " والتقدير: وما أحدهم مزحزحه ~~تعميره. # الثاني: من الوجهين في " هو ": أن يكون مبتدأ، و " بمزحزحه " خبره، و " ~~أن يعمر " فاعل به كما تقدم، وهذا على كون " ما " تميمية، والوجه الأول ~~أحسن لنزول القرآن بلغة الحجاز، وظهور النصب في قوله: # ما هذا بشرا # [يوسف:31]، # ما هن أمهاتهم # [المجادلة:2]. # الثاني: من الأقوال: أن يعود على المصدر المفهوم من " يعمر " ، أيك ~~وما تعميره، ويكون قوله: " أن يعمر " بدلا منه، ويكون ms0559 ارتفاع " هو " على ~~الوجهين المتقدمين أي قوله: اسم " ما " أو متبدأ. # الثالث: أن يكون كناية عن التعمير، ولا يعود على شيء قبله، ويكون " أن ~~يعمر " بدلا منه مفسرا له، والفرق بين هذا وبين القول الثاني أن ذاك ~~تفسيره شيء متقدم مفهوم من الفعل، وهذا مفسر بالبدل بعده، وقد تقدم ~~أن في ذلك خلافا، وهذا ما عنى الزمخشري بقوله: ويجوز أن يكون " هو " ~~مبهما، و " أن يعمر " موضحه. # الرابع: أنه ضمير الأمر والشأن وإليه نحا الفارسي في " الحلبيات " ~~موافقة للكوفيين، فإنهم يفسرون ضمير الأمر بغير جملة إذا انتظم من ذلك ~~إسناد معنوي، نحو: ظننته قائما الزيدان، وما هو بقائم زيد؛ لأنه في ~~قوة: ظننته يقوم الزيدان، وما هو يقوم زيد، والبصريون يأبون تفسيره إلا ~~بجماعة مصرح بجزئيها سالمة من حرف جر، وقد تقدم تحقيق القولين. # الخامس: أنه عماد، نعني به الفصل عن البصريين، نقله ابن عطية عن ~~الطبري عن طائفة، وهذا يحتاج إلى إيضاح، وذلك أن بعض الكوفيين يجيزون ~~تقديم العماد مع الخبر المقدم، يقولون في زيد هو القائم: هو القائم ~~زيد، وكذلك هنا، فإن الأصل عند هؤلاء أن يكون " بمزحزحه " خبرا مقدما و ~~" أن يعمر " مبتدأ مؤخرا، و " هو " عماد، والتقدير: وما تعميره وهو ~~بمزحزحه، فلما قدم الخبر قدم معه العماد. # والبصريون لا يجيزون شيئا من ذلك. # و " من العذاب " متعلق بقوله: " بمزحزحه " و " من " لابتداء الغاية ~~والزحزحة: التنحية، تقول: زحزحته فزحزح، فيكون قاصرا ومتعديا فمن ~~مجيئه متعديا قوله: [البسيط] # 674 يا قابض الروح من نفسي إذا احتضرت # وغافر الذنب زحزحني عن النار # وأنشده ذو الرمة: [البسيط] # 675 يا قابض الروح من جسم عصى زمنا # .............................. # ومن مجيئه قاصرا قول الآخر: [الطويل] # 676 خليلي ما بال الدجى لا يزحزح # وما بال ضوء الصبح لا يتوضح # قوله: " أن يعمر ": إما أن يكون فاعلا أو بدلا من " هو " ، أو ~~مبتدأ حسب ما تقدم من الإعراب في " هو ". # { والله بصير بما يعملون } مبتدأ وخبر، و " بما " يتعلق ~~ببصير. # و " ما " يجوز أن تكون موصولة ms0560 اسمية أو نكرة موصوفة، والعائد على كلا ~~القولين محذوف أي: يعملونه، ويجوز أن تكون مصدرية أي: بعملهم. # والجمهور " يعملون " بالياء، نسقا على ما تقدم، والحسن وغيره " تعملون ~~" بالتاء، وللخطاب على الالتفات، وأتى بصيغة المضارع، وإن كان علمه ~~محيطا بأعمالهم السالفة مراعاة لرءوس الآي، وختم الفواصل. # قال ابن الخطيب: " والبصير قد يراد به العليم، وقد يراد به أنه على صفة ~~لو وجدت المبصرات لأبصرها، وكلا الوصفين يصحان عليه سبحانه إلا أن ~~من قال: إن في الأعمال ما لا يصح أن يرى حمل هذا البصر على العلم لا ~~محالة " [قال العلماء رحمهم الله تعالى: وصف الله تعالى نفسه بأنه ~~بصير على معنى أنه عالم بخفيات الأمور، والبصير في كلام العرب العالم ~~بالشيء الخبير به. # ومنه قولهم: فلان خبير بالطب، وبصير بالفقه، وبصير بملاقاة الرجال. # وقيل: وصف تعالى نفسه بأنه بصير على معنى أنه جاعل الأشياء المبصرة ذوات ~~أبصار أي: مدركة للمبصرات بما خلق لها من الآلة المدركة]. ### || [2.97-98] # هذا نوع آخر من قبائح اليهود، ومنكرات أقوالهم، فلا بد من أمر قد ظهر ~~من اليهود حتى أمره تعالى بمخاطبتهم بذلك؛ لأنه يجري مجرى ~~المحاجة، والمفسرون ذكروا أمورا: # أحدها: # " أنه عليه الصلاة والسلام لما قدم " المدينة " أتاه عبد الله بن ~~صوريا فقال يا محمد: كيف نومك، فقد أخبرنا عن نوم النبي الذي يجيء في آخر ~~الزمان؟ فقال عليه الصلاة والسلام: " تنام عيناي ولا ينام ~~قلبي " قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن الولد أمن الرجل يكون أم من ~~المرأة؟ فقال: " أما العظام والعصب والعروق فمن ~~الرجل، وأما اللحم والدم والظفر والشعر فمن ~~المرأة " فقال: صدقت يا محمد فما بال الولد يشبه أعمامه دون أخواله ~~أو يشبه أخواله دون أعمامه؟ فقال: " أيهما غلب ماؤه صاحبه ~~كان الشبه له " ، قال: صدقت فقال: أخبرني أي الطعام حرم ~~إسرائيل على نفسه، وفي التوراة أن النبي الأمي بخبر عنه؟ فقال عليه ~~الصلاة والسلام: " أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة ~~على موسى هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضا ~~شديدا فطال سقمه فنذر ms0561 لله نذرا لئن عافاه ~~الله من سقمه ليحرمن على نفسه أحب الطعام ~~والشراب وهو لحمان الإبل وألبانها " فقالوا: اللهم ~~نعم. # فقال له: بقيت خصلة واحدة إن قلتها آمنت بك أي ملك يأتيك بما تقول عن ~~الله عز وجل؟ قال: " جبريل عليه السلام " # . قال: إن ذلك عدونا ينزل بالقتال والشدة، ورسولنا ميكائيل يأتي بالبشر ~~والرخاء فلو كان هو الذي يأتيك آمنا بك فقال عمر رضي الله تعالى عنه: ~~وما مبدأ هذه العداوة؟ فقال ابن صوريا أول هذه العداوة أن الله تعالى ~~أنزل على نبينا أن " بيت المقدس " سيخرب في زمان رجل يقال له: بخت نصر ~~ووصفه لنا [وأخبرنا بالجن الذي يخرب فيه، فلما كان وقته بعثنا رجلا ~~من قوم بني إسرائيل في طلبه ليقتله، فانطلق حتى لقي ب " بابل " غلاما ~~مسكينا فأخذه ليقتله]. [فطلبناه فلما وجدناه بعثنا لقتله رجالا] فدفع ~~عنه جبريل وقال: إن سلطكم الله تعالى على قتله فهذا ليس هو ذاك الذي ~~أخبر الله عنه أنه سيخرب " بيت المقدس " فلا فائدة من قتله، ثم إنه كبر ~~وقوي وملك، وغزانا وخرب " بيت المقدس " ، فلذلك نتخذه عدوا [فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية قاله " # ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وفي هذا القول نظر؛ لأنهم قالوا في ~~هذه الرواية: إن رسولهم ميكائيل، وهو الذي يأتي بالبشر والرخاء، وأنهم ~~يحبونه، ثم إنه تعالى أثبت عدواتهم لميكائيل أيضا في الآية التي ~~تليها فقال: { من كان عدوا لله وملائكته ورسله ~~وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين } ~~[البقرة:98] وهذا مناقض لهذه الآية المذكورة هاهنا]. # وثانيها: قال قتادة وعكرمة والسدي: كان لعمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه أرض بأعلى " المدينة " وممرها على مدراس اليهود، وكان إذا أتى ~~على أرضه يأتيهم، وسمع منهم، فقالوا له ما في أصحاب محمد أحب إلينا منك، ~~فإنهم يمرون علينا فيؤذوننا وأنت لا تؤذينا، وإنا لنطمع فيك فقال عمر ~~رضي الله عنه: والله ما آتيكم لحيكم ولا أسألكم لأني شاك في ديني، وإني ~~أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد صلى الله عليه ms0562 وسلم وأرى أثاره ~~في كتابكم فقالوا: من صاحب محمد الذي يأتيه من الملائكة فقال: جبريل ~~فقالوا: ذلك عدونا يطلع محمدا على أسرارنا، وهو صاحب كل عذاب ~~وخسف وشدة، وإن ميكائيل يأتي بالخصب والسلامة، فقال لهم عمر رضي ~~الله عنه: تعرفون جبريل، وتنكرون محمدا عليه الصلاة السلام ~~فقالوا: نعم قال: فأخبروني عن منزلة جبريل وميكائيل من الله عز وجل ~~قالوا: جبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره وميكائيل عدو لجبريل، قال: ~~فإن كان كما تقولون فما هما بعدوين، ولأنتم أكفر [ من الحمير، وإني أشهد ~~أن من كان عدوا لجبريل فهو عدو لميكائيل، ومن كان عدوا لميكائيل فهو ~~عدو لجبريل، ومن كان عدوا لهما فإن الله تعالى عدو له، ثم رجع عمر ~~فوجد جبريل عليه السلام قد سبقه بالوحي، فقرأ النبي صلى الله ~~عليه وسلم هذه الآيات وقال: لقد وافقك ربك يا عمر، فقال عمر رضي الله ~~عنه فقد رأيتني بعد ذلك في دين الله تعالى أصلب من الحجر]. # وثالثها: قال مقاتل: زعمت اليهود أن جبريل عليه السلام عدونا، أمر ~~أن يجعل النبوة فينا، فجعلها في غيرنا فأنزل الله تعالى هذه الآيات. # قال ابن الخطيب: والأقرب أن يكون سبب عداوتهم لا أنه كان ينزل القرآن ~~على محمد صلى الله عليه وسلم لأن قوله تعالى: { من كان عدوا ~~لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله } ~~[البقرة:97] مشعر بأن هذا التنزيل [لا ينبغي أن يكون سببا للعداوة؛ لأن ~~إنما فعل ذلك بأمر الله، فلا ينبغي أن يكون سببا للعداوة، وتقرير هذا من ~~وجوه: # أولها: أن الذي نزله جبريل من] القرآن [ الذي نزل به فيه] بشارة ~~المطيعين بالثواب، وإنذار العصاة بالعقاب، والأمر بالمحاربة والمقاتلة ~~لم يكن ذلك باختياره، بل بأمر الله تعالى الذي يعترفون أنه لا محيص عن ~~أمره، ولا سبيل إلى مخالفته فعداوة من هذا سبيله توجب عداوة الله ~~تعالى وعداوة الله تعالى كفر، فيلزم أن معاداة من هذا سبيله كفر. # ثانيها: أن الله تعالى لو أمر ميكائيل بإنزال مثل هذا الكتاب، فإما أن ~~يقال: ms0563 إنه كان [يتمرد أو يأبى] عن قبول أمر الله، وذلك غير لائق ~~بالملائكة المعصومين، أو كان يقبله وينزل به على وفق أمر الله، فحينئذ ~~يتوجه على ميكائيل ما ذكروه على جبريل عليهما السلام فما الوجه في ~~تخصيص جبريل بالعداوة؟ # وثالثها: أن إنزال القرآن على محمد عليه السلام كما شق على اليهود، ~~فإنزال التوراة على موسى عليه السلام شق على قوم آخرين، فإن اقتضت ~~نفرة هؤلاء لإنزال القرآن قبحه فلتقتض نفرة أولئك المتقدمين قبح ~~إنزال التوراة على موسى عليه السلام قبحه، ومعلوم أن كل ذلك باطل، ~~فثبت بهذه الوجوه فساد ما قالوه. # فإن قيل: إنا نرى اليهود في زماننا مطبقين على إنكار ذلك مصرين على أن ~~أحدا من سلفهم لم يقل بذلك. # فالجواب: أن هذا باطل، لأن كلام الله أصدق، ولأن جهلهم كان شديدا، وهم ~~الذين قالوا: # اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة # [الأعراف:138]. # قوله تعالى: { من كان عدوا لجبريل فإنه } " من " ~~شرطية في محل رفع بالابتداء، و " كان " خبره على ما هو الصحيح كما تقدم، ~~وجوابه محذوف تقديره: من كان عدوا لجبريل فلا وجه لعداوته، أو فليمت ~~غيظا ونحوه. # ولا جائز أن يكون " فإنه نزله " جوابا للشرط لوجهين: # أحدهما: من جهة المعنى. # والثاني: من جهة الصناعة. # أما الأول: فلأن فعل التنزيل متحقق المضي؛ والجزاء لا يكون إلا ~~مستقبلا. # ولقاتل أن يقول: هذا محمول على التبيين، والمعنى: فقد تبين أنه نزله، ~~كما قالوا في قوله: # وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت # [يوسف:27] ونحوه. # وأما الثاني: فلأنه لا بد في جملة الجزاء من ضمير يعود على اسم الشرط ~~فلا يجوز: من يقم فزيد منطلق، ولا ضمير في قوله: " فإنه نزله ~~" يعود على " من " فلا يكون جوابا للشرط، وقد جاءت مواضع كثيرة من ~~ذلك، ولكنهم أولوها على حذف العائد، فمن ذلك قوله: [الوافر] # 677 فمن تكن الحضارة أعجبته # فأي رجال بادية ترانا # وقوله: [الطويل] # 678 فمن يك أمسى بالمدينة رحله # فإني وقيار بها لغريب # وينبغي أن يبنى ذلك على الخلاف في خبر ms0564 اسم الشرط. # فإن قيل: إن الخبر هو الجزاء وحده أو هو الشرط فلا بد من ~~الضمير، وإن قيل بإنه فعل الشرط، فلا حاجة إلى الضمير، وقد تقدم قول ~~أبي البقاء وغيره في ذلك عند قوله تعالى: # فمن تبع هداي # [البقرة:38]، وقد صرح الزمخشري رحمه الله بأنه جواب الشرط، وفيه ~~النظر المذكور، وجوابه ما تقدم. # و " عدوا " خبر " كان " ، ويستوي فيه الواحد وغيره، قال: # هم العدو # [المنافقون:4] والعداوة: التجاوز قال الراغب: فبالقلب يقال: ~~العداوة وبالمشي يقال: العدو، وبالإخلال في العدل يقال: العدوان وبالمكان ~~أو النسب يقال: قوم عدى أي غرباء. # و " لجبريل " يجوز أن يكون صفة ل " عدوا " فيتعلق بمحذوف، وأن ~~تكون اللام مقوية لتعدية " عدوا " إليه. # و " جبريل " اسم ملك وهو أعجمي، فلذلك لم ينصرف، وقول من قال: " إنه ~~مشتق من جبروت الله " بعيد؛ لأن الاشتقاق لا يكون في الاسماء الأعجمية، ~~وكذا قول من قال: إنه مركب تركيب الإضافة، وأن " جبر " معناه: عبد، و " ~~إيل " اسم من أسماء الله تعالى فهو بمنزلة عبد الله؛ لأنه كان ينبغي ~~أن يجرى الأول بوجوه الإعراب وأن ينصرف الثاني [وهذا القول مروي عن ~~ابن عباس، وجماعة من أهل العلم، فقال أبو علي السنوي: وهذا لا يصح ~~لوجهين: # أحدهما: أنه لا يعرف من أسماء الله " إيل ". # والثاني: أنه لو كان كذلك لكان آخر الاسم مجرورا]. وقال المهدوي: إنه ~~مركب تركيب مزج نحو: حضرموت وهذا بعيد أيضا؛ لأنه كان ينبغي أن يبنى ~~الأول على الفتح ليس إلا. # ورد عليه أبو حيان بأنه لو كان مركبا تركيب مزج لجاز فيه أن ~~يعرب إعراب المتضايفين، أو يبنى على الفتح كأحد عشر، فإن كل ما ركب ~~تركيب المزج [يجوز فيه هذه الأوجه، وكونه لم يسمع فيه البناء، ولا جريانه ~~مجرى المتضايفين دليل على عدم تركيبه تركيب المزج] وهذا الرد لا يحسن ~~ردا؛ لأنه جاء على أحد الجائزين، واتفق أنه لم يستعمل إلا كذلك. # قال القرطبي رحمه الله تعالى: والصحيح في هذه الألفاظ أنها عربية نزل ~~بها جبريل عليه الصلاة ms0565 والسلام بلسان عربي مبين. # قال النحاس: ويجمع جبريل على التكسير جباريل، وقد تصرفت فيه العرب على ~~عادتها في الأسماء الأعجمية، فجاءت فيه بثلاث عشرة لغة. # أشهرها وأفصحها: " جبريل " بزنة قنديل، وهي قراءة أبي عمرو، ونافع ~~وابن عامر وحفص عن عاصم، وهي لغة " الحجاز "؛ قال ورقة بن ~~نوفل: [الطويل] # 679 وجبريل يأتيه وميكال معهما # من الله وحي يشرح الصدر منزل # وقال حسان: [الوافر] # 680 وجبريل رسول الله فينا # وروح القدس ليس له كفاء # وقال عمران بن حطان: [البسيط] # 681 والروح جبريل منهم لا كفاء له # وكان جبريل عند الله مأمونا # الثانية: كذلك إلا أنه بفتح الجيم، وهي قراءة ابن كثير والحسن، وقال ~~الفراء: " لا أحبها؛ لأنه ليس في كلامهم فعليل " وما قاله ليس ~~بشيء؛ لأن ما أدخلته العرب في لسانها على قسمين قسم ألحقوه بأبنيتهم ك " ~~لجام " ، وقسم يلحقوه ك " إبريسم " ، على أنه قيل: إنه نظير ~~شمويل اسم طائر. # وعن ابن كثير أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ " ~~جبريل وميكائيل " ، قال: فلا أزال أقرؤهما كذلك. # الثالثة: جبرئيل كعنتريس، وهي لغة قيس وتميم، وبها قرأ حمزة ~~والكسائي؛ وقال حسان: [الطويل] # 682 شهدنا فما تلقى لنا من كتيبة # يد الدهر إلا جبرئيل أمامها # وقال جرير: [الكامل] # 683 عبدوا الصليب وكذبوا بمحمد # وبجبرئيل وكذبوا ميكالا # الرابعة: كذلك إلا أنه لا ياء بعد الهمزة، وتروى عن عاصم ويحيى بن ~~يعمر # الخامسة: كذلك إلا أن اللام مشددة، وتروى أيضا عن عاصم ويحيى بن يعمر ~~أيضا قالوا: و " إل " بالتشديد اسم الله تعالى. # وفي بعض التفاسير: # لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة # [التوبة:10] قيل: معناه: الله وروي عن أبي بكر لما سمع بسجع مسيلمة: ~~هذا كلام لم يخرج من إل. # السادسة: جبرائل بألف بعد الراء، وهمزة مكسورة بعد الألف، وبها ~~قرأ عكرمة. # السابعة: مثلها إلا أنها بياء الهمزة. # الثامنة: جبراييل بياءين بعد الألف من غير همزة، وبها قرأ الأعمش ~~ويحيى أيضا. # التاسعة: جبرال. # العاشرة: جبرايل بالياء والقصر، وهي قراءة طلحة بن مصرف. # الحادية ms0566 عشرة: جبرين بفتح الجيم والنون. # والثانية عشرة: كذلك إلا أنه بكسر الجيم. # والثالثة عشرة: جبرايين. # والجملة من قوله: " من كان " في محل نصب بالقول، والضمير في قوله " ~~فإنه " يعود على جبريل وفي قوله: " نزله " يعود على القرآن، وهذا موافق ~~لقوله: # نزل به الروح الأمين # [الشعراء:193] في قراءة من رفع " الروح " ولقوله: " مصدقا ". # وقيل: الأول يعود على الله، والثاني يعود على جبريل، وهو موافق لقراءة ~~من قرأ " نزل به الروح " بالتشديد والنصب، وأتى ب " على " التي ~~تقتضي الاستعلاء دون " إلى " التي تقتضي الانتهاء، وخص القلب بالذكر؛ ~~لأنه خزانة الحفظ، وبيت الرب عز وجل [وأكثر الأمة على أنه أنزل القرآن ~~عليه، لا على قلبه، إلا أنه خص القلب بالذكر؛ لأن الذي نزل به ثبت في ~~قلبه حفظا حتى أداه إلى أمته، فلما كان سبب تمكنه من الأداء ثبات ~~حفظه في قلبه جاز أن يقال: نزله على قلبك، وإن كان في الحقيقة نزل عليه ~~لا على قلبه، ولأنه أشرف الأعضاء. # قال عليه الصلاة السلام: # " ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد ~~كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي ~~القلب " # ] وأضافه إلى ضمير المخاطب دون ياء المتكلم، وإن كان ظاهر الكلام يقتضي ~~أن يكون " على قلبي " لأحد الأمرين: # إما مراعاة لحال الأمر بالقول فتسرد لفظة بالخطاب كما هو نحو قولك: ~~قل لقومك: لا يهينوك، ولو قلت: لا تهينوني لجاز، ومنه قول الفرزدق: ~~[الطويل] # 684 ألم تر أني يوم جو سويقة # دعوت فنادتني هنيدة: ما ليا # فأحرز المعنى ونكب عن نداء هندية " ما لك "؟، وإما لأن ثم قولا ~~آخر مضمرا بعد " قل " والتقدير، قل يا محمد: قال الله " من كان عدوا ~~لجبريل فإنه نزله على قلبك " ، [وإليه نحا الزمخشري بقوله: جاءت على ~~حكاية كلام الله، قل: ما تكلمت به من قولي: من كان عدوا لجبريل، فإنه ~~نزله على قلبك] فعلى هذا الجملة الشرطية معمولة لذلك القول المضمر، ~~والقول المضمر معمول للفظ " قل " ، والظاهر ما تقدم من كون الجملة معمولة ~~للفظ " قل " بالتأويل ms0567 المذكور أولا، ولا ينافيه قول الزمخشري، فإنه قصد ~~تفسير المعنى لا تفسير الإعراب. والضمير في " أنه " يحتمل معنيين: # الأول: فإن الله نزل جبريل على قلبك. # الثاني: فإن جبريل نزل بالقرآن على قلبك، ودلت الآية على شرف جبريل ~~عليه السلام وذم معاديه قاله القرطبي رحمه الله تعالى. # قوله تعالى: " بإذن الله " في محل نصب على الحال من فاعل: " نزله " ~~إن قيل: إنه ضمير جبريل، أو من مفعوله إن قيل: إن الضمير المرفوع في " ~~نزل " يعود على الله، والتقدير: فإنه نزل مأذونا له أو معه إذن الله، ~~والإذن في الأصل العلم بالشيء، والإيذان، كالإعلام، آذن به: علم به، ~~وآذنته بكذا: أعلمته به، ثم يطلق على التمكين، أذن في كذا: أمكنني منه، ~~وعلى الاختيار، فعلته بإذنك: أي باختيارك، وقول من قال بإذنه أي بتيسره ~~راجع إلى ذلك. # قال ابن الخطيب: تفسير الإذن هنا بالأمر أي بأمر الله، وهو أولى من ~~تفسيره بالعلم لوجوه: # أولها: أن الإذن حقيقة في الأمر، ومجاز في العلم، واللفظ واجب الحمل ~~على حقيقته ما أمكن. # وثانيها: أن إنزاله كان من الواجبات، والوجوب مستفاد من الأمر لا من ~~العلم. # وثالثها: أن ذلك الإنزال إذا كان من أمر لازم كان أوكد في الحجة. # قوله تعالى: " مصدقا " حال من الهاء في " نزله " إن كان يعود ~~الضمير على القرآن، وإن عاد على جبريل ففيه احتمالان: # أحدهما: أن يكون من المجرور المحذوف لفهم المعنى، والتقدير: فإن الله ~~نزل جبريل بالقرآن مصدقا. # الثاني: أن يكون من جبريل بمعنى مصدقا لما بين يديه من الرسل، وهي حال ~~مؤكدة، والهاء في " بين يديه " يجوز أن تعود على " القرآن " أو على " ~~جبريل ". # وأكثر المفسرين على أن المراد ما قبله من كتب الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام لا يخص كتابا دون كتاب، ومنهم من خصه بالتوراة، وزعم أنه ~~إشارة إلى أن القرآن يوافق التوراة في الدلالة على نبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم. # فإن قيل: أليس أن شرائع القرآن مخالفة لشرائع سائر الكتب فلم صار ~~مصدقا لها؟ # فالجواب: أنها كلها ms0568 متوافقة في الدلالة على التوحيد وأصول الدين. # قوله تعالى: " هدى وبشرى " حالان معطوفان على الحال قبلهما، فهما ~~مصدران موضوعان موضع اسم الفاعل، أو على المبالغة أو على حذف مضاف أي: ~~ذا هدى و " بشرى " ألفها للتأنيث، وجاء هذا الترتيب اللفظي في هذه ~~الأحوال مطابقا للترتيب الوجودي، وذلك أنه نزل مصدقا للكتب؛ لأنها من ~~ينبوع واحد، وحصلت به الهداية بعد نزوله، وهو بشرى لمن حصلت له به ~~الهداية، وخص المؤمنين، لأنهم المنتفعون به دون غيرهم، كقوله: بشرى ~~للمتقين، أو لأن البشرى لا تكن إلا للمؤمنين؛ لأن البشرى هي الخبر ~~الدال على الخير العظيم، وهذا لا يحصل إلا للمؤمنين. # قوله تعالى: { من كان عدوا }: الكلام في " من " كما تقدم، ~~إلا أن الجواب هنا يجوز أن يكون { فإن الله عدو ~~للكافرين }. # فإن قيل: وأين الرابط؟ فالجواب من وجهين: # أحدهما: أن الاسم الظاهر قام مقام المضمر، وكان الأصل: فإن الله عدو ~~لهم، فأتى بالظاهر تنبيها على العلة. # والثاني: أن يراد بالكافرين العموم، والعموم من الروابط، لاندراج ~~الأول تحته، ويجوز أن يكون محذوفا تقديره: من كان عدوا لله فقد كفر ~~ونحوه. # وقال بعضهم: الواو في قوله: { وملائكته ورسله وجبريل ~~وميكال } بمعنى " أو " ، قال: لأن من عادى واحدا من هؤلاء ~~المذكورين، فالحكم فيه كذلك. # وقال بعضهم: هي للتفصيل، ولا حاجة إلى ذلك، فإن هذا الحكم معلوم، وذكر ~~جبريل وميكال بعد اندراجهما أولا تنبيه على فضلهما على غيرهما من ~~الملائكة، وهكذا كل ما ذكر خاص بعد عام، ويحتمل أن يكون أعاد ذكرهما ~~بعد اندراجهما؛ لأن الذي جرى بين الرسول وبين اليهود هو ذكرهما، والآية ~~إنما نزلت بسببهما، فلا جرم نص على اسميهما، واعلم أن هذا يقتضي ~~كونهما أشرف من جميع الملائكة، وبعضهم يسمي هذا النوع بالتجريد، كأنه ~~يعني به أنه جرد من العموم الأول بعض أفراده اختصاصا له بمزية، وهذا ~~الحكم أعني ذكر الخاص بعد العام مختص بالواو ولا يجوز في غيرها من ~~حروف العطف. # وجعل بعضهم مثل هذه الآية أعني: في ذكر الخاص بعد العام تشريفا ms0569 له ~~قوله: # فيهما فكهة ونخل ورمان # [الرحمن:68] وهذا فيه نظر، فإن " فاكهة " من باب المطلق؛ لأنها نكرة في ~~سياق الإثبات، وليست من العموم في شيء، فإن عنى أن اسم الفاكهة يطلق ~~عليهما من باب صدق اللفظ على ما يحتمله، ثم نص عليه فصحيح، وأتى باسم ~~الله ظاهرا في قوله: { فإن الله عدو }؛ لأنه لو أضمر فقيل: " ~~فإنه " لأوهم عوده على اسم الشرط، فينعكس المعنى، أو عوده على ميكال؛ ~~لأنه أقرب مذكور. # وميكائيل اسم أعجمي، والكلام فيه كالكلام في " جبريل " من كونه مشتقا ~~من ملكوت الله عز وجل، أو أن " ميك " بمعنى عبد، و " إيل " اسم الله، وأن ~~تركيبه تركيب إضافة أو تركيب مزج، وقد عرف الصحيح من ذلك. # وفيه سبع لغات: " ميكال " بزنة " مفعال " وهي لغة " الحجاز " ، ~~وبها قرأ أبو عمر وحفص عن عاصم، وأهل " البصرة "؛ قالوا: [البسيط] # 685 ويوم بدر لقيناكم لنا عدد # فيه مع النصر ميكال وجبريل # وقال جرير: [الكامل] # 686 عبدوا الصليب وكذبوا بمحمد # وبجبرئيل وكذبوا ميكالا # الثانية: كذلك، إلا أن بعد الألف همزة، وبها قرأ نافع وأهل " المدينة ~~" بهمزة واختلاس ميكائيل. # الثالثة: كذلك، إلا أنه بزيادة ياء بعد الهمزة بوزن " ميكائيل " ، وهي ~~قراءة الباقين. # الرابعة: ميكئيل مثل ميكعيل، وبها قرأ ابن محيصن. # الخامسة: كذلك، إلا أنه لا ياء بعد الهمزة، فهو مثل: ميكعل، وقرىء ~~بها. # السادسة: ميكاييل بياءين بعد الألف، وبها قرأ الأعمش. # السابعة: ميكاءل بهمزة مفتوحة بعد الألف كما يقال: " إسراءل " ، وحكى ~~الماوردي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن " جبر " بمعنى ~~عبد بالتكبير، و " ميكا " بمعنى عبيد بالتصغير، فمعنى جبريل: عبد ~~الله، ومعنى ميكائيل: عبيد الله قال: ولا يعلم لابن عباس في هذا مخالف. # وقال القرطبي رحمه الله تعالى: وزاد بعض المفسرين: وإسرافيل عبد ~~الرحمن. # قال النحاس: ومن قال: " جبر " عبد، و " إل " الله وجب عليه أن يقول: هذا ~~جبرئل، ورأيت جبرئل، ومررت بجبرئل، وهذا لا يقال، فوجب أن ~~يكون مسمى بهذا. # وقال غيره: ولو كان كما قالوا لكان مصروفا، فترك الصرف يدل ms0570 على أنه ~~اسم واحد مفرد ليس بمضاف. # قال ابن الخطيب: يجب أن يكون جبريل عليه الصلاة والسلام أفضل من ~~ميكائيل لوجوه: # أحدها: أنه قدمه في الذكر، وتقديم المفضول على الفاضل في الذكر ~~مستقبح عرفا. # وثانيها: أن جبريل ينزل بالقرآن والوحي والعلم، وهو مادة بقاء الأرواح، ~~وميكائيل ينزل بالخصب والأمطار، وهي مادة بقاء الأبدان، ولما كان العلم ~~أشرف من الأغذية وجب أن يكون جبريل أفضل من ميكائيل. # وثالثها: قوله تعالى في صفة جبريل عليه الصلاة والسلام: # مطاع ثم أمين # [التكوير:21] ذكره بوصف المطاع على الإطلاق، وظاهره يقتضي كونه مطاعا ~~بالنسبة إلى ميكائيل عليه الصلاة والسلام فوجب أن يكون أفضل منه. # فإن قيل: حق العداوة الإضرار بالعدو، وذلك محال على الله تعالى، ~~فكيف يجوز أن يكونوا أعداء الله؟ # فالجواب: أن معنى العداوة على الحقيقة لا يصح إلا فينا؛ لأن العدو ~~للغير هو الذي يريد إنزال المضار به، وذلك محال على الله تعالى ~~ بل المراد أحد وجهين: إما أن يعادوا أولياء الله، فيكون ذلك عداوة ~~الله، كقوله: # إنما جزآء الذين يحاربون الله ورسوله # [المائدة:33]، وكقوله تعالى: # إن الذين يؤذون الله ورسوله # [الأحزاب:57]؛ لأن المراد بأولياء الله دونه لاستحالة المحاربة والأذية ~~عليه، وإما أن يراد بذلك كراهيتهم القيام بطاعته وعبادته، وبعدهم عن ~~الطريقة، فلما كان العدو لا يكاد يوافق عدوه أو ينقاد له شبه طريقتهم في ~~هذا الوجه بالعداوة. ### || [2.99] # قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن اليهود كانوا يستفتحون على الأوس ~~والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه، فلما بعث من العرب ~~كفروا به، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل: يا معشر ~~اليهود اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد، ونحن أهل ~~الشرك، وتخبروننا أنه مبعوث، وتصفون لنا صفته. # فقال ابن صوريا: يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه من الآيات، وما هو بالذي ~~كنا نذكر لكم، فأنزل الله تعالى هذه الآيات، والمرادة بالآيات ~~البينات: آيات القرآن مع سائر الدلائل من المباهلة، ومن تمني الموت ~~وسائر المعجزات ms0571 نحو: إشباع الخلق الكثير من الطعام القليل [ونبع] الماء ~~من بين أصابعه وانشقاق القمر. # وقال بعضهم: الأولى تخصيص ذلك بالقرآن، لأن الآيات إذا قرنت بالتنزيل ~~كانت أخص بالقرآن. # فإن قيل: الإنزال عبارة عن تحريك الشي من أعلى إلى أسفل، وذلك محقق ~~في الأجسام، ومحال في الكلام. # فجوابه: أن جبريل عليه الصلاة والسلام لما نزل من الأعلى إلى الأسفل ~~وأخبر به سمي ذلك إنزالا. # قوله تعالى: { وما يكفر بهآ إلا الفاسقون } هذا استثناء ~~مفرغ، وقد تقدم أن الفراء يجيز فيه النصب. # والكفر بها من وجهين: # الأول: جحودها مع العلم بصحتها. # والثاني: جحودها مع الجهل، وترك النظر فيها، والإعراض عن دلائلها، وليس ~~في الظاهر تخصيص، فيدخل الكل فيه. # قال ابن الخطيب: والفسق في اللغة: خروج الإنسان عما حد له قال الله ~~تعالى: # ففسق عن أمر ربه # [الكهف:50]. # وتقول العرب للنواة إذا خرجت من الرطبة عند سقوطها: فسقت النواة، وقد ~~يقرب من معناه الفجور؛ لأنه مأخوذ من فجور السد الذي يمنع الماء من أن ~~يسير من الموضع الذي يفسد، فشبه تعدي الإنسان ما حد له إلى الفساد ~~بالذي فجر السد حتى صار إلى حيث يفسد. # فإن قيل: أليس صاحب الصغيرة تجاوز أمر الله، ولا يوصف بالفسق والفجور؟ # قلنا: إنه إنما يسمى بهما كل أمر يعظم من الباب الذي ذكرنا؛ لأن من فتح ~~من النهر نقبا يسيرا لا يوصف بأنه فجر ذلك النهر، وكذلك الفسق إنما ~~يقال إذا عظم التعدي، إذا ثبت هذا فنقول: في قوله: " إلا ~~الفاسقون " وجهان: # أحدهما: أن كل كافر فاسق، ولا ينعكس، فكأن ذكر الفاسق يأتي على الكافر ~~وغيره، فكان أولى. # الثاني: أن يكون المراد ما يكفر بها إلا الكافر المتجاوز على كل حد ~~في كفره، والمعنى: أن هذه الآيات لما كانت بينة ظاهرة لم يكفر بها إلا ~~الكافر الذي يبلغ في الكفر إلى النهاية القصوى، والأحسن في الجواب أن ~~يقال: إنه تعالى لما قال: { وما يكفر بها } أفهم أن مراده ~~بالفاسق هو الكافر لا عموم الفاسق فزال الإشكال. ### || [2.100] ms0572 # الجمهور على تحريك واو " أوكلما " ، واختلف النحويون في ذلك على ثلاثة ~~أقوال: # فقال الأخفش: إن الهمزة للاستفهام، والواو زائدة وهذا على رأيه في جواز ~~زيادتها. # وقال الكسائي هي " أو " العاطفة التي بمعنى " بل " وإنما حركت الواو. # ويؤيده قراءة من قرأها ساكنة. # وقال البصريون: هي واو العطف قدمت عليها همزة الاستفهام على ما عرف. # قال القرطبي: كما دخلت همزة الاستفهام على " الفاء " في قوله: # أفحكم الجاهلية # [المائدة:50]، # أفأنت تسمع الصم # [يونس:42]، # أفتتخذونه وذريته # [الكهف:50]. # وعلى " ثم " كقوله: # أثم إذا ما # [يونس:51]. # وقد تقدم أن الزمخشري يقدر بين الهمزة وحرف العطف شيئا يعطف عليه ما ~~بعده، لذلك قدره هنا: أكفروا بالآيات البينات، وكلما عاهدوا. # وقرأ أبو السمال العدوي: " أو كلما " ساكنة الواو، وفيها ثلاثة ~~أقوال: فقال الزمخشري: إنها عاطفة على " الفاسقين " ، وقدره بمعنى إلا ~~الذين فسقوا أو نقضوا، يعني به: أنه عطف الفعل على الاسم؛ لأنه في تأويله ~~كقوله: # إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا # [الحديد:18] أي: الذين اصدقوا وأقرضوا. # وفي هذا كلام يأتي في سورته إن شاء الله تعالى. # وقال المهدوي: " أو " لانقطاع الكلام بمنزلة " أم " المنقطعة، يعني أنها ~~بمعنى " بل " ، وهذا رأى الكوفيين، وقد تقدم تحريره وما استدلوا به من ~~قوله: [الطويل] # 687................ # ..... أو أنت في العين أملح # في أول السورة. # وقال بعضهم: هي بمعنى " الواو " فتتفق القراءتان، وقد وردت " أو " ~~بمنزلة " الواو " كقوله: [الكامل] # 688........................ # ما بين ملجم مهره أو سافع # خطيئة أو إثما # [النساء:112] # آثما أو كفورا # [الإنسان:24] فلتكن [هنا] كذلك، وهذا أيضا رأي الكوفيين. # والناصب ل " كلما " بعده، وقد تقدم تحقيق القول فيها، وانتصاب " ~~عهدا " على أحد وجهين: إما على المصدر الجاري على غير المصدر وكان ~~الأصل: " معاهدة " أو على المفعول به على أن يضمن عاهدوا معنى " ~~أعطوا " ويكون المفعول الأول محذوفا، والتقدير: عاهدوا الله عهدا. # وقرىء: " عهدوا " فيكون " عهدا " مصدرا جاريا على صدره. # وقرىء أيضا: " عوهدوا " مبينا للمفعول. # قال ابن الخطيب: المقصود من هذا الاستفهام، الإنكار، وإعظام ما يقدمون ~~عليه، ودل قوله: " أو كلما عاهدوا " على عهد بعد عهد نقضوه، ms0573 ونبذوه، ~~ويدل على أن ذلك كالعادة فيهم، فكأنه تعالى أراد تسلية الرسول عليه ~~الصلاة والسلام عن كفرهم بما أنزل عليه من الآيات بأن ذلك ليس ببدع ~~منهم، بل هو سجيتهم وعادتهم، وعادة سلفهم على ما بينه فيما تقدم من ~~نقضهم العهود والمواثيق حالا بعد حال؛ لأن من يعتاد منه هذه الطريقة، ~~فلا يصعب على النفس مخالفته كصعوبة من لم تجر عادته بذلك. # وفي العهد وجوه: # أحدها: أن الله تعالى لما أظهر الدلائل الدالة على نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم وعلى صحة شرعه كان ذلك كالعهد منه سبحانه وتعالى ~~ وقبولهم لتلك الدلائل كالمعاهدة منهم لله سبحانه وتعالى . # وثانيها: قولهم قبل مبعثه: لئن خرج النبي لنؤمنن به، ولنخرجن المشركين ~~من ديارهم [قال ابن عباس: لما ذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~أخذ الله تعالى عليهم، وعهد إليهم في محمد أن يؤمنوا به قال مالك ~~بن الصيف: والله ما عهد إلينا من محمد عهد فنزلت هذه. # قال القرطبي: ويقال فيه: " ابن الصيف " ويقال: " ابن الضيف " ]. # وثالثها: أنهم كانوا يعاهدون الله كثيرا وينقضونه. # ورابعها: قال عطاء: إن اليهود كانوا قد عاهدوا على ألا يعينوا عليه ~~أحدا من الكافرين، فنقضوا ذلك، وأعانوا عليه قريشا يوم " الخندق " ~~[ودليله قوله تعالى: # الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم # [الأنفال:56]] إنما قال: { نبذه فريق منهم } لأن في جملة من ~~عاهد من آمن، أو يجوز أن يؤمن، فلما لم يكن ذلك صفة جميعهم خص الفريق ~~بالذكر، ثم لما كان يجوز أن يظن أن ذلك الفريق هم الأقلون بين أنهم ~~الأكثر فقال: { بل أكثرهم لا يؤمنون } وفيه قولان: # الأول: أن أكثر أولئك الفساق لا يصدقون بك أبدا لحسدهم وبغيهم. # [والثاني: لا يؤمنون] أي: لا يصدقون بكتابهم، لأنهم في قومهم ~~كالمنافقين مع الرسول عليه الصلاة والسلام يظهرون لهم الإيمان ~~بكتابهم ورسوله، ثم لا يعملون بموجبه ومقتضاه. # قوله تعالى: { بل أكثرهم لا يؤمنون } فيه قولان: # أحدهما: أنه من باب عطف الجمل، وتكون " بل " لإضراب الانتقال لا ~~الإبطال، وقد [علم] أن ms0574 " بل " لا تسمى عاطفة حقيقية إلا في المفردات. # الثاني: أنه يكون من عطف المفردات، ويكون " أكثرهم " معطوفا على " فريق ~~" ، و " لا يؤمنون " جملة في محل نصب على الحال من " أكثرهم ". # وقال ابن عطية: من الضمير في " أكثرهم " ، وهذا الذي قاله جائز، لا ~~يقال: إنها حال من المضاف إليه؛ لأن المضاف جزء من المضاف إليه، وذلك ~~جائز. # وفائدة هذا الإضراب ما تقدم ذكره آنفا. # والنبذ: الطرح ومنه النبيذ والمنبوذ، وهو حقيقة في الأجرام ~~وإسناده إلى العهد مجاز. # وقال بعضهم: النبذ والطرح الإلقاء متقاربة، إلا أن النبذ أكثر ما ~~يقال فيما يبس والطرح أكثر ما يقال في المبسوط والجاري مجراه، ~~والإلقاء فيما يعتبر فيه ملاقاة بين شيئين؛ ومن مجيء النبذ بمعنى ~~الطرح قوله: [الكامل] # 689 إن الذين أمرتهم أن يعدلوا # نبذوا كتابك واستحلوا المحرما # وقال أبو الأسود: [الطويل] # 690 وخبرني من كنت أرسلت أنما # أخذت كتابي معرضا بشمالكا # نظرت إلى عنوانه فنبذته # كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا ### || [2.101] # قال القرطبي: " مصدق لما معهم " نعت للرسول، ويجوز نصبه على الحال. # واعلم أن معنى كون الرسول مصدقا لما معهم هو أنه كان معترفا بنبوة ~~موسى عليه الصلاة والسلام وبصحة التوراة، أو مصدقا لما معهم من ~~حيث إن التوراة بشرت بمقدم محمد عليه الصلاة والسلام فإذا جاء محمد ~~كان مجرد مجيئه مصدقا للتوراة. # وقوله: { من الذين أوتوا الكتاب } فيه وجهان: # أحدهما: أن المراد ممن أوتي علم الكتاب من يدرسه ويحفظه بدليل قوله ~~تعالى: { كأنهم لا يعلمون }. # والثاني: المراد من يدعي التمسك بالكتاب، سواء علمه أم لم يعلمه، وهذا ~~كوصف المسلمين بأنهم من أهل [القرآن] لا يختص بذلك من يعرف علومه، بل ~~المراد من يؤمن به. # قوله تعالى: { الكتاب كتاب الله }: " الكتاب " مفعول ثان ل " ~~أوتوا "؛ لأنه يتعدى في الأصل إلى اثنين، فأقيم الأول مقام الفاعل، وهو " ~~الواو " ، وبقي الثاني منصوبا، [وقد تقدم أنه عند السهيلي مفعول أول] و ~~" كتاب الله " مفعول نبذ، و " وراء " منصوب على الظرف وناصبه " نبذ " ، ~~وهذا مثل لإهمالهم التوراة؛ تقول العرب: ms0575 " جعل هذا الأمر وراء ظهره، ~~ودبر أذنه " أي: أهمله؛ قال الفرزدق: [الطويل] # 691 تميم بن مر لا تكونن حاجتي # بظهر فلا يعيا علي جوابها # والمراد بكتاب الله: القرآن. # وقيل: إنه التوراة لوجهين: # الأول: أن النبذ لا يعقل إلا فيما تمسكوا به أولا، وأما إذا لم يلتفتوا ~~إليه فلا يقال: إنهم نبذوه. # والثاني: أنه قال تعالى: { نبذ فريق من الذين أوتوا ~~الكتاب } ولو كان المراد به: القرآن لم يكن لتخصيص الفريق معنى؛ ~~لأن جميعهم لا يصدقون بالقرآن. # فإن قيل: كيف يصح نبذهم التوراة، وهم متمسكون بها؟ # قلنا: إنها لما كانت تدل على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام بنعته، ~~ووجوب الإيمان به، ثم عدلوا عنه كانوا نابذين للتوراة. # قال السدي رحمه الله تعالى نبذوا التوراة، وأخذوا بكتاب " آصف " ، ~~وسحر " هاروت وماروت ". # قوله: { كأنهم لا يعلمون } جملة في محل نصب على الحال، ~~وصاحبها: فريق، وإن كان نكرة لتخصيصه بالوصف، والعامل فيها " نبذ " ، ~~والتقدير: مشبهين للجهال، ومتعلق العلم محذوف تقديره: أنه كتاب ~~الله لا يداخلهم فيه شك، والمعنى: أنهم كفروا عنادا؛ لأنهم نبذوه عن ~~علم ومعرفة؛ لأنه لا يقال ذلك إلا فيمن يعلم. # قال ابن الخطيب: ودلت الآية من هذه الجهة على أن هذا الفريق كانوا ~~عالمين بصحة نبوته إلا أنهم جحدوا ما يعلمون وقد ثبت أن الجمع العظيم لا ~~يصح الجحد عليهم، فوجب القطع بأن أولئك الجاحدين كانوا في القلة بحيث ~~تجوز المكابرة عليهم. ### || [2.102] # قوله: { واتبعوا ما تتلوا الشياطين }: هذه الجملة ~~معطوفة على مجموع الجملة السابقة من قوله: " ولما جاءهم " إلى آخرها. # وقال أبو البقاء: إنها معطوفة على " أشربوا " أو على " نبذ فريق " ، ~~وهذا ليس بظاهر؛ لأن عطفها على " نبذ " يقتضي كونها جوابا لقوله تعالى: # ولمآ جآءهم رسول # [البقرة:101]. # واتباعهم لما تتلو الشياطين ليس مترتبا على مجيء الرسول عليه ~~الصلاة والسلام بل كان اتباعهم لذلك قبله، فالأولى أن تكون معطوفة ~~على جملة " لما " كما تقدم، و " ما " موصولة، وعائدها محذوف، والتقدير: ~~تتلوه. # وقيل: " ما " نافية، وهو غلط فاحش لا يقتضيه نظم الكلام، ms0576 [ذكره] ابن ~~العربي. # و " يتلو " في معنى " تلت " فهو مضارع واقع موقع الماضي؛ كقوله: ~~[الكامل] # 692 وإذا مررت بقبره فاعقر به # كوم الهجان وكل طرف سابح # وانضح جوانب قبره بدمائها # فلقد يكون أخا دم وذبائح # أي: فلقد كان. # وقال الكوفيون: الأصل: وما كانت تتلو الشياطين، ولا يريدون بذلك أن صلة ~~" ما " محذوفة، وهي " كانت " و " تتلو " في موضع الخبر، وإنما قصدوا ~~تفسير المعنى، وهو نظير: " كان زيد يقوم " المعنى على الإخبار، وبقيامه ~~في الزمن الماضي، وقرأ الحسن والضحاك " الشياطون " إجراء له مجرى جمع ~~السلامة، قالوا: وهو غلط. وقال بعضهم: لحن فاحش. # وحكى الأصمعي " بستان فلان حوله بساتون " وهو يقوي قراءة ~~الحسن. # قوله تعالى: { على ملك سليمان } فيه قولان: # أحدهما: أنه على معنى " في " ، أي: في زمن ملكه، والملك هنا شرعه. # والثاني: أن يضمن تتلو معنى تتقول أي: تتقول على ملك سليمان، ~~وتقول يتعدى بعلى، قال تعالى: # ولو تقول علينا بعض الأقاويل # [الحاقة:44]. # وهذا الثاني أولى، فإن التجوز في الأفعال أولى من التجوز في الحروف، ~~وهو مذهب البصريين كما تقدم وإنما أحوج إلى هذين التأويلين؛ لأن ~~تلا إذا تعدى ب " على " كان المجرور ب " على " شيئا يصح أن يتلى ~~عليه نحو: تلوت على زيد القرآن، والملك ليس كذلك. # قال أبو مسلم: " تتلو " أي: تكذب على ملك سليمان يقال: تلا عليه: إذا ~~كذب وتلا عنه إذا صدق. وإذا أبهم جاز الأمران. # قال ابن الخطيب: أي يكون الذي كانوا يخبرون به عن سليمان مما يتلى ويقرأ ~~فيجتمع فيه كل الأوصاف، والتلاوة: الاتباع أو القراءة وهو قريب منه. # قال أبو العباس المقرىء: و " على " ترد على ثلاثة أوجه: # الأول: بمعنى " في " كهذه الآية. # وبمعنى " اللام " ، قال تعالى # ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن # [الأنعام:154] أي: للذي. # وبمعنى " من " ، قال تعالى: # الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون # [المطففين:2] أي: من الناس يستوفون. # و " سليمان " علم أعجمي، فلذلك لم ينصرف. # وقال أبو البقاء رحمه الله تعالى: " وفيه ثلاثة أسباب: العجمة ~~والتعريف والألف والنون " ، وهذا ms0577 إنما يثبت بعد دخول الاشتقاق فيه، ~~والتصريف حتى تعرف زيادتها، وقد تقدم أنهما لا يدخلان في الأسماء ~~الأعجمية، وكرر قوله: { وما كفر سليمان } بذكره ظاهرا؛ ~~تفخيما له، وتعظيما؛ كقوله: [الخفيف] # 693 لا أرى الموت يسبق الموت شيء # .................... # وقد تقدم تحقيق ذلك. # فصل في المراد بقوله تعالى: " واتبعوا " # المراد بقوله: " واتبعوا " هم اليهود. # فقيل: هم الذين كانوا في زمن محمد عليه الصلاة والسلام. # وقيل: هم الذين كانوا في زمن سليمان صلى الله عليه وسلم من السحرة؛ ~~لأن أكثر اليهود ينكرون نبوة سليمان عليه الصلاة والسلام ويعدونه من ~~جملة الملوك في الدنيا، وهؤلاء ربما اعتقدوا فيه أنه إنما وجد الملك ~~العظيم بسبب السحر. # وقيل: إنه يتناول الكل وهو أولى. # قال السدي: لما جاءهم محمد عليه الصلاة والسلام عارضوه بالتوراة ~~فخاصموه بها، فاتفقت التوراة والفرقان، فنبذوا التوراة، وأخذوا بكتاب " ~~آصف " وسحر " هاروت وماروت " فلم يوافق القرآن، فهذا هو قوله تعالى: { ~~ولمآ جآءهم رسول من عند الله مصدق لما ~~معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب ~~الله ورآء ظهورهم كأنهم لا يعلمون. واتبعوا ~~ما تتلوا الشيطين على ملك سليمن } أخبر عنهم ~~بأنهم اتبعوا كتب السحر. # واختلفوا في المراد من الشياطين. # فقال المتكلمون من المعتزلة: هم شياطين الإنس، وهم المتمردون في ~~الضلال؛ كقول جرير: [البسيط] # 694 أيام يدعونني الشيطان من غزلي # وكن يهوينني إذ كنت شيطانا # وقيل: هم شياطين الإنس والجن. # قال السدي: إن الشياطين كانوا يسترقون السمع، ثم يضمون إلى ما سمعوا ~~أكاذيب يلقونها إلى الكهنة، وقد دونوها في كتب يقرءونها ويعلمونها ~~الناس، وفشا ذلك في زمن سليمان عليه الصلاة والسلام وقالوا: إن الجن ~~تعلم الغيب، وكانوا يقولون: هذا علم سليمان، وما تم له ملكه إلا بهذا ~~العلم، سخر الجن والإنس [والطير] والريح التي تجري بأمره. # وأما القائلون بأنهم شياطين الإنس فقالوا: روي أن سليمان عليه الصلاة ~~والسلام كان قد دفن كثيرا من العلوم التي خصه الله تعالى بها تحت ~~سرير ملكه حرصا على أنه إن هلك الظاهر منها يبقى ذلك المدفون، فلما ms0578 ~~مضت مدة على ذلك توصل قوم من المنافقين إلى أن كتبوا في خلال ذلك أشياء ~~من السحر تناسب تلك الأشياء من بعض الوجوه، ثم بعد موته واطلاع الناس ~~على تلك الكتب أوهموا الناس أنه من عمل سليمان، وأنه ما وصل إلى ما وصل ~~إليه إلا بسبب هذه الأشياء. # فصل في الباعث على نسبتهم السحر لسليمان # إنما أضافوا السحر إلى سليمان عليه الصلاة والسلام لوجوه: # أحدها: أضافوه تفخيما لشأنه، وتعظيما لأمره، وترغيبا للقوم في قبول ~~ذلك منهم. # وثانيها: أن اليهود كانوا يقولون: إن سليمان إنما وجد ذلك الملك بسبب ~~السحر. # وثالثها: أنه تعالى لما سخر الجن لسليمان، فكان يخالطهم، ويستفيد ~~منهم أسرارا عجيبة غلب على الظنون أنه عليه الصلاة والسلام استفاد ~~السحر منهم فقوله تعالى: { وما كفر سليمان } تنزيه له عليه ~~الصلاة والسلام عن الكفر، وذلك يدل على أن القوم نسبوه إلى الكفر ~~والسحر، فروي عن بعض أحبار اليهود أنهم قالوا: ألا تعجبون من محمد ~~عليه الصلاة والسلام يزعم أن سليمان كان نبيا وما كان إلا ساحرا، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية، وروي أن السحرة من اليهود زعموا أنهم ~~أخذوا السحر عن سليمان، فبرأه الله تعالى من ذلك، وبين أن الذي برأه ~~الله منه لاصق بغيره، وهو قوله تعالى: " ولكن الشياطين ". # هذه الواو عاطفة جملة الاستدراك على ما قبلها. # وقرأ ابن عامر، والكسائي وحمزة بتخفيف " لكن " ورفع ما بعدها، والباقون ~~بالتشديد، والنصب وهو واضح. # وأما القراءة الأولى، فتكون " لكن " مخففة من الثقيلة جيء بها لمجرد ~~الاستدراك، وإذا خففت لم تعمل عند الجمهور ونقل جواز ذلك عن يونس ~~[والأخفش. وهل تكون عاطفة؟ الجمهور على أنها تكون عاطفة إذا لم يكن معها ~~" الواو " ، وكان ما بعدها مفردا وذهب يونس] إلا أنها لا تكون عاطفة ~~وهو قوي، فإنه لم يسمع في لسانهم: ما قام زيد لكن عمرو، وإن وجد ذلك في ~~كتب النحاة فمن تمثيلاتهم، ولذلك لم يمثل بها سيبويه رحمه الله إلا ~~مع الواو وهذا يدل على نفيه. # وأما إذا وقعت بعدها الجمل ms0579 فتارة تقترن بالواو، وتارة لا تقترن. # قال زهير: [البسيط] # 695 إن ابن ورقاء لا تخشى بوادره # لكن وقائعه في الحرب تنتظر # وقال الكسائي والفراء: الاختيار تشديدها إذا كان قبلها " واو " وتخفيفها ~~إذا لم يكن، وهذا جنوح منهما إلى القول بكونها حرف عطف، وأبعد من زعم ~~أنها مركبة من ثلاث كلمات: لا النافية، وكاف الخطاب، وإن التي للإثبات، ~~وإنما حذفت الهمزة تخفيفا. # قوله: { يعلمون الناس السحر } " الناس " مفعول أول، و " ~~السحر " مفعول ثان، واختلفوا في هذه الجملة على خمسة أقوال: # أحدها: أنها حال من فاعل " كفروا " أي معلمين. # الثاني: أنها حال من الشياطين، ورده أبو البقاء رحمه الله تعالى ~~بأن " لكن " لا تعمل في الحال، وليس بشيء فإن " لكن " فيها رائحة الفعل. # الثالث: أنها في محل رفع على أنها خبر ثان للشياطين. # الرابع: أنها بدل من " كفروا " أبدل الفعل من الفعل. # الخامس: أنها استئنافية، أخبر عنهم بذلك، وهذا إذا أعدنا الضمير من " ~~يعملون " على الشياطين. # أما إذا أعدناه على " الذين اتبعوا ما تتلوا الشياطين " فتكون ~~حالا من فاعل " اتبعوا " ، أو استئنافية فقط. # والسحر: كل ما لطف ودق سحره، إذا أبدى له أمرا يدق ~~عليه ويخفى. # قال: [الطويل] # 696................ # أداء عراني من حبابك أم سحر # ويقال: سحره: أي خدعه وعلله؛ قال امرؤ القيس: [الوافر] # 697 أرانا موضعين لأمر غيب # ونسحر بالطعام وبالشراب # أي: نعلل، وهو في الأصل: مصدر يقال: سحره سحرا، ولم يجىء ~~مصدر ل " فعل " يفعل على فعل إلا سحرا وفعلا. # والسحر بالنصب هو الغذاء لخفائه ولطف مجاريه، والسحر هو الرئة وما ~~تعلق بالحلقوم [ومنه قول عائشة رضي الله عنها توفي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بين سحري ونحري] وهذا أيضا يرجع إلى معنى الخفاء. # ومنه قوله تعالى: # إنمآ أنت من المسحرين # [الشعراء:153] يعني من المخلوقين الذي يطعم ويشرب بدليل قولهم: # مآ أنت إلا بشر مثلنا # [الشعراء:154]، ويحتمل أنه ذو سحر مثلنا. # وقال تعالى: # فلمآ ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم # [الأعراف:116]. # وقال تعالى: # ولا يفلح الساحر حيث أتى # [طه:69]، والسحر في ms0580 عرف الشرع مختص بكل أمر يخفى سببه، ويتخيل على غير ~~حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخداع، وهو عند الإطلاق يذم فاعله، ~~ويستعمل مقيدا فيما يمدح وينفع، فقال رسول الله صلى الله عليه # " إن من البيان لسحرا ". # فسمى النبي صلى الله عليه وسلم بعض البيان سحرا؛ لأن صاحبه يوضح الشيء ~~المشكل، ويكشف عن حقيقته بحسن بيانه، وبليغ عبارته، فعلى [هذا] يكون قوله ~~عليه الصلاة والسلام: # " إن من البيان لسحرا " # خرج مخرج المدح. # وقال جماعة من أهل العلم: خرج مخرج الذم للبلاغة والفصاحة، إذ شبهها ~~بالسحر يدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام: # " فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ~~". # وقوله عليه الصلاة والسلام: # " إن أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقون ". # [الثرثرة: كثرة الكلام وتردده، يقال: ثرثر الرجل فهو ثرثار مهذار ~~والمتفيهق نحوه] قال ابن دريد: فلان يتفيهق في كلامه إذا توسع وتنطع، ~~قال: " وأصله الفهق، وهو الامتلاء كأنه ملأ به فمه ". # قال القرطبي رحمه الله تعالى: وبهذا المعنى الذي ذكرناه فسره عامر ~~الشعبي راوي الحديث وصعصعة بن صوحان، فقالا: أما قوله صلى لله عليه وسلم: # " إن من البيان لسحرا " # ، فالرجل عليه الحق وهو ألحن بالحجج من صاحب الحق [فيسحر] القوم ~~ببيانه، فيذهب بالحق، وهو عليه، وإنما يحمد العلماء البلاغة واللسان ما ~~لم تخرج إلى حد الإسهاب والإطناب، وتصوير الباطل في صورة الحق. # فإن قيل: كيف يجوز أن يسمى ما يوضح إظهار الحق سحرا، وهو إنما قصد ~~إظهار الخفي لا إخفاء الظاهر، ولفظ السحر إنما يفيد الظاهر؟ # فالجواب: إنما سمي السحر سحرا لوجهين: # الأول: أن ذلك القدر للطفه وحسنه استمال القلوب، فأشبه السحر الذي ~~يستميل القلوب من هذا الوجه. # الثاني: أن القادر على البيان يكون قادرا على تحسين ما يكون قبيحا، ~~وتقبيح ما يكون حسنا فأشبه السحر من هذا الوجه. # فصل في ماهية السحر # قال بعض العلماء: إن السحر تخيل لا حقيقة له، لقوله تعالى: # يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى # [طه:66]. # وقيل: إنه حقيقة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سحره لبيد بن الأعصم ms0581 ~~فإن السحر أخرج من بئر، وحلت عقوده، وكلما انحلت عقدة خف عنه عليه ~~السلام إلى أن سار كما نشط من عقال. # وذهب ابن عمر إلى " خيبر " ليخرص ثمرها فسحره بعض اليهود فانكشفت يده، ~~فأجلاهم عمر رضي الله تعالى عنه وجاءت امرأة لعائشة رضي الله عنها ~~ فقالت: يا أم المؤمنين ما على المرأة إذا عقلت بعيرها، فقالت عائشة: ~~ليس عليها شيء، فقالت: إني عقلت زوجي عن النساء، فقالت عائشة: أخرجوا عني ~~هذه الساحرة. # وأجابوا عن الآية بأنها لا تمنع بأن من السحر ما هو تخيل، وغير تخيل. # فإن قيل: إن الله تعالى قال في حقه عليه السلام: # والله يعصمك من الناس # [المائدة:67] فكيف أثر فيه السحر؟ # فالجواب أن قوله تعالى: # والله يعصمك من الناس # [المائدة:67] المراد به عصمة القلب والإيمان لا عصمة الجسد عما يرد عليه ~~من الأمور الحادثة الدنيوية، فإنه عليه السلام قد سحر وكسرت رباعيته، ~~ورمي عليه الكرش والثرب، وآذاه جماعة من قريش. # قال ابن الخطيب: السحر على أقسام: # الأول: سحر الكلدانيين الذين كانوا في قديم الدهر يعبدون الكواكب، ~~ويزعمون أنها هي المدبرة لهذا العالم، ومنها يصدر الخير والشر والفرح ~~والسرور والسعادة والنحوسة، وهم الذين بعث الله تعالى إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام مبطلا لمقالتهم ورادا عليهم وهم ثلاث فرق: # الأولى: الذين زعموا أن الأفلاك والكواكب واجبة في ذواتها، وأنه لا حاجة ~~بها إلى موجد ومدبر وخالق، وهي المدبرة لعالم الكون والفساد، وهم ~~الصابئة الدهرية. # والفريق الثاني: القائلون بإلاهية الأفلاك، وقالوا: إنها هي المؤثرة ~~للحوادث باستدارتها وتحركها، فعبدوها وعظموها، واتخذوا لكل واحد منهما ~~هيكلا مخصوصا وصنما معينا، واشتغلوا بخدمتها، فهذا دين عبدة الأصنام ~~والأوثان. # والفريق الثالث: الذين أثبتوا لهذه الأفلاك والنجوم فاعلا مختارا ~~خلقها وأوجدها بعد العدم إلا أنهم قالوا: إن الله تعالى عز وجل ~~أعطاهم قوة عالية نافذة في هذا العالم، وفوض تدبير هذا العالم إليها. # النوع الثاني: سحر أصحاب الأوهام، والنفوس القوية. # النوع الثالث: الاستعانة بالأرواح الأرضية. # واعلم أن القول بالجن مما أنكره بعض المتأخرين من الفلاسفة والمعتزلة. ms0582 # أما أكابر الفلاسفة فإنهم لم ينكروا القول به إلا أنهم سموها بالأرواح ~~الأرضية، وهي في أنفسها مختلفة منها خيرة، ومنها شريرة، فالخيرة هم مؤمنو ~~الجن، والشريرة هم كفار الجن وشياطينهم. # النوع الرابع: التخيلات والأخذ بالعيون، وذلك أن أغلاط البصر ~~كثيرة، فإن راكب السفينة ينظر السفينة واقفة والشط متحركا، وذلك ~~يدل على أن الساكن متحرك والمتحرك يرى ساكنا، والقطرة النازلة ترى ~~خطا مستقيما، والذبالة التى تدار بسرعة ترى دائرة، والعنبة ترى فى ~~الماء كبيرة كالأجاصة، والشخص الصغير يرى فى الضباب عظيما. # النوع الخامس: الأعمال العجيبة التى تظهر من تركيب الآلات على النصب ~~الهندسية مثل صورة فارس على فرس في يده بوق، فإذا مضت ساعة من النهار ~~صوت بالبوق من غير أن يمسه أحد، ومثل تصاوير الروم على اختلاف أحوال ~~الصور من كونها ضاحكة وباكية، حتى يفرق فيها بين ضحك السرور، وضحك ~~الخجل، وضحك الشامت، وكان سحر سحرة فرعون من هذا الضرب، ومن هذا ~~الباب تركيب صندوق الساعات، ويندرج فى هذا الباب علم جر الأثقال وهو ~~أن يجر ثقلا عظيما بآلة خفيفة سهلة، وهذا فى الحقيقة لا ينبغي أن يعد ~~من باب السحر؛ لأن لها أسبابا معلومة يقينية من اطلع عليها قدر عليها. # النوع السادس: الاستعانة بخواص الأدوية المبلدة المزيلة للعقل والدخن ~~المسكرة. # النوع السابع: تعليق القلب وهو أن يدعي الساحر أنه يعرف الاسم الأعظم، ~~وأن الجن تطيعه، وينقادون له، فإذا كان السامع ضعيف العقل قليل التمييز ~~اعتقد أنه حق، وتعلق قلبه بذلك، وحصل فى نفسه نوع من الرعب والخوف، ~~فحينئذ يمكن الساحر من أن يفعل به حينئذ ما شاء. # فصل فى مذهب الشافعي فى السحر # حكي عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال: السحر يخيل ويمرض ويقتل وأوجب ~~القصاص على من يقتل به فهو من عمل الشيطان يتلقاه الساحر منه بتعليمه ~~إياه، فإذا تلقاه منه استعمله فى غيره. # وقيل: إنه يؤثر فى قلب الأعيان، والأصح أن ذلك تخييل. # قال: تعالى: # يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى # [طه:66]، لكنه يؤثر فى الأبدان ms0583 بالأمراض والموت والجنون، وللكلام تأثير ~~فى الطباع والنفوس، كما إذا سمع الإنسان ما يكره فيحمر [وربما يحم ~~منه } ويغضب وقد مات قوم بكلام سمعوه فهو بمنزلة العلل التي تؤثر فى ~~الأبدان. # فصل فى خرق الساحر للعادات # قال القرطبى رحمه الله تعالى: قال علماؤنا: لا ينكر أن يظهر على يد ~~الساحر خرق العادات مما ليس في مقدور البشر من مرض وتفريق، وزوال عقل ~~وتعويج عضو، إلى غير ذلك مما قام الدليل على استحالة كونه من مقدورات ~~العباد. # قالوا: ولا يبعد فى السحر أن يستدق جسم الساحر حتى [يلج } فى ~~الكوات والانتصاب على رأس قصبة، والجري على خيط مستدق، والطيران ~~فى الهواء، والمشي على الماء، وركوب كلب وغير ذلك. # ولا يكون السحر علة لذلك، ولا موجبا له، وإنما [يخلق] الله تعالى ~~هذه الأشياء، ويحدثها عند وجود السحر، كما يخلق الشبع عند الأكل، والري ~~عند شرب الماء [روى سفيان عن عمار الدهنى أن ساحرا كان عند الوليد بن ~~عقبة يمشي على الحبل، ويدخل فى است الحمار، ويخرج من فيه، فاستل جندب ~~السيف فقلته. # هذا هو جندب بن كعب الأسدي ويقال: البجلي وهو الذى قال فى حقه النبي صلى ~~الله عليه وسلم # " يكون فى أمتي رجل يقال له جندب يضرب ضربة ~~بالسيف يفرق فيها بين الحق والباطل " # فكانوا يرونه جندبا هذا قاتل الساحر. # قال علي بن المديني: وروى عنه حارثة من مضرب]. # فصل في إمكان السحر # واختلف المسلمون في إمكان السحر، فأما المعتزلة فقد أنكروه أعنى: ~~الأقسام الثلاثة الأولى ولعلهم كفروا من قال بها وبوجودها. # أما أهل السنة فقد جوزوا أن يقدر الساحر على أن يطير فى الهواء، ~~ويقلب الإنسان حمارا، والحمار إنسانا؛ إلا أنهم قالوا: إن الله ~~تعالى هو الخالق لهذه الأشياء عندما يقرأ الساحر كلمات معينة، و يدل ~~على ذلك قوله تعالى: { وما هم بضآرين به من أحد إلا ~~بإذن الله } [البقرة:102]. # وقد روي أنه عليه الصلاة والسلام سحر، وأن السحر عمل فيه حتى قال: # " إنه ليخيل إلي أني أقول الشيء وأفعله ms0584 ~~ولم أفعله ". # وأن امرأة يهودية سحرته، وجعلت ذلك السحر تحت راعونة البئر، فلما ~~استخرج ذلك زال عن النبى صلى الله عليه وسلم ذلك العارض، ونزلت ~~المعوذتان بسببه. # وروي أن امرأة أتت عائشة رضي الله عنها: فقالت لها: إني ساحرة فهل لي من ~~توبة؟ فقالت عائشة: وما سحرك؟ فقالت: صرت إلى الموضع الذي فيه هاروت ~~وماروت ب " بابل " أطلب علم السحر، فقالا لي: يا أمة الله لا تختاري ~~عذاب الآخرة بأمر الدنيا فأبيت، فقالا لي: اذهبي فبولي على ذلك ~~الرماد، فذهبت لأبول عليه ففكرت في نفسي فقلت لا أفعله وجئت إليهما فقلت ~~قد فعلت، فقالا لي ما رأيت لما فعلت؟ فقلت: ما رأيت شيئا فقالا لي: أنت ~~على رأس أمر، فاتقي الله ولا تفعلي فأبيت فقالا لي: اذهبي فافعلي فذهبت ~~ففعلت، فرأيت كأن فارسا مقنعا بالحديد قد خرج من فرجي، فصعد إلى ~~السماء فجئتهما فأخبرتهما فقالا: إيمانك قد خرج عنك، وقد أحسنت السحر. # فقلت: وما هو؟ قالا: ما تريدين شيئا فتصوريه فى وهمك إلا كان، ~~فصورت في نفسي حبا من حنطة فإذا أنا بحب فقلت: انزرع فانزرع، فخرج من ~~ساعته سنبلا فقلت: انطحن فانطحن من ساعته، فقلت: انخبز فانخبز، وأنا ~~لا أريد شيئا أصوره فى نفسي إلا حصل، فقالت عائشة: ليس لك توبة. # فصل فى أن معجزات الله ليست من قبيل السحر # قال القرطبي رحمه الله تعالى: أجمع المسلمون على أنه ليس من السحر ما ~~يفعل الله عند إنزال الجراد والقمل، والضفادع، وفلق البحر، وقلب العصا، ~~وإحياء الموتى، وإنطاق العجماء وأمثال ذلك من عظيم آيات الرسل عليهم ~~السلام، والفرق بين السحر والمعجزة أن السحر يأتي به الساحر وغيره، وقد ~~يكون جماعة يعرفونه، ويمكنهم الإتيان به في وقت واحد، والمعجزة لا يمكن ~~الله أحدا أن يأتي بمثلها. # فصل في أن العلم بالسحر ليس بمحظور # قال ابن الخطيب: اتفق المحققون على أن العلم بالسحر ليس قبيحا ولا ~~بمحظور؛ لأن العلم لذاته شريف وأيضا لقوله تعالى: # " هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون " # [الزمر:9] ms0585 ولأن الساحر لو لم يكن يعلم لما أمكن الفرق بينه وبين ~~المعجزة، والعلم بكون المعجز معجزا واجب، [وما يتوقف الواجب عليه فهو ~~واجب، فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجبا، وما يكون واجبا] ~~كيف يكون حراما وقبيحا. [ونقل بعضهم وجوب نقله عن المفتي حتى يعلم ما ~~يقتل فيه وما لا يقتل فيفتي به في وجوب القصاص]. # فصل في أمور لا تكون من السرح ألبتة # قد تقدم عن القرطبي قوله: أجمع المسلمون على أنه ليس فى السحر ما يفعل ~~الله عند إنزال الجراد والقمل والضفادع وفلق البحر وقلب العصا وإحياء ~~الموتى [وإنطاق العجماء]، وأمثال ذلك من عظيم آيات الرسل عليهم السلام ~~فهذا ونحوه مما يجب القطع بأنه لا يكون، ولا يفعله الله عند إرادة ~~الساحر. # قال القاضي أبو بكر بن الطيب: وإنما منعنا ذلك بالإجماع، ولولاه لأجزناه ~~نقله القرطبي رحمه الله تعالى فى تفسيره، وأورد عليه قوله تعالى عن ~~حبال سحرة فرعون وعصيهم: # يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى # [طه:66]، فأخبر عن إقلاب العصي والحبال بأنها حيات. # فصل فى أن الساحر كافر أم لا؟ # اختلف العلماء فى الساحر هل يكفر أو لا؟ # اعلم أنه لا نزاع في أن من اعتقد أن الكواكب هي المدبرة لهذا العالم، ~~وهي [الخالقة] لما فيه من الحوادث، فإنه يكون كافرا مطلقا، وهو النوع ~~الأول من السحر. # وأما النوع الثاني: وهو أن يعتقد [أن الإنسان تبلغ روحه] فى التصفية ~~والقوة إلى حيث يقدر بها على إيجاد الأجسام والحياة والقدرة وتغيير ~~البنية والشكل، [فالظاهر] إجماع الأمة أيضا على تكفيره. # وإما النوع الثالث: وهو أن يعتقد الساحر أنه [بلغ] فى التصفية وقراءة ~~الرقى وتدخين بعض الأدوية إلى حيث يخلق الله تعالى عقيب أفعاله على ~~سبيل خرق العادة الأجسام والحياة والعقل وتغيير البنية والشكل، فالمعتزلة ~~كفروه وغيرهم لم يكفروه. # فإن قيل: إن اليهود لما أضافوا السحر إلى سليمان عليه الصلاة ~~والسلام قال الله تعالى تنزيها له عنه: { وما كفر سليمن ~~ولكن الشيطين كفروا يعلمون الناس السحر ~~ومآ أنزل } [البقرة:102] ms0586 فظاهر الآية يقتضي أنهم كفروا لأجل أنهم ~~إنما كانوا يعلمون السحر؛ لأن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية، ~~وتعليم ما لا يكون كفرا لا يوجب الكفر، وهذا يقتضي أن السحر على ~~الإطلاق كفر، وأيضا قوله: " على الملكين " { وما يعلمان ~~من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر } ~~[البقرة:102]. # قلنا: حكاية الحال يكفي في صدقها صورة واحدة، فيحمل على سحر من يعتقد ~~إلاهية النجوم وأيضا فلا نسلم أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية، ~~بل المعنى أنهم كفروا، وهم مع ذلك يعلمون السحر. # فصل فى سؤال الساحر حل السحر عن المسحور # قال القرطبي رحمه الله تعالى: هل يسأل الساحر حل السحر عن المسحور؟ # اختلفوا: فقال سعيد بن المسيب: يجوز. ذكره " البخاري " ، وإليه مال ~~المزني، وكرهه الحسن البصري. # وقال الشعبي: لا بأس بالنشرة. # قال ابن بطال: وفى كتاب وهب بن منبه: أن يأخذ سبع ورقات من سدر ~~أخضر ويدقه بين حجرين، ثم يضربه بالماء، ويقرأ عليه آية الكرسي ثم يحسو ~~منه ثلاث حسوات ويغتسل به، فإنه يذهب عنه كل ما به إن شاء الله تعالى، ~~وهو جيد للرجل إذ حبس عن أهله. # فصل في أن الساحر هل يقتل أم لا؟ # هل يجب قتل الساحر أم لا. # أما النوعان الأولان فلا شك في [قتل] معتقدهما. # قال ابن الخطيب: يكون كالمرتد يستتاب فإن أصر قتل. # وروي عن مالك وأبي حنيفة رضي الله عنهما توبته. # لنا أنه إن أسلم فيقبل إسلامه لقوله عليه الصلاة والسلام: # " نحن نحكم بالظاهر ". # وأما النوع الثالث: فإن اعتقد أن إتيانه به مباح كفر؛ لأنه حكم على ~~المحظور بكونه مباحا، وإن اعتقد حرمته، فعند الشافعي رضي الله عنه ~~حكمه حكم الجناية، إن قال: إني سحرته وسحري يقتل غالبا، يجب عليه ~~القود. # وإن قال: سحرته وسحري قد يقتل وقد لا يقتل، فهو شبه عمد. # وإن قال: سحرت غيره فوافق اسمه فهو خطأ يجب عليه الدية مخففة في ~~ماله؛ لأنه ثبت بإقراره إلا أن تصدقه العاقلة، فحينئذ يجب عليهم. هذا ~~تفصيل مذهب ms0587 الشافعي رضي الله عنه. # وروى الحسن بن زياد عن أبى حنيفة رحمه الله أنه قال يقتل الساحر ~~إذا علم أنه ساحر، ولا يستتاب ولا يقبل قوله: إني أترك السحر وأتوب منه، ~~فإذا أقر أنه ساحر فقد حل دمه، وإن شهد شاهدان على أنه ساحر أو وصفوه ~~بصفة يعلم أنه ساحر قتل ولا يستتاب، وإن أقر بأني كنت أسحر مرة، وقد ~~تركت ذلك منذ زمان قبل منه، ولم يقتل. # وحكى محمد بن شجاع عن علي الرازي قال: سألت أبا يوسف عن قول أبي حنيفة ~~فى الساحر: يقتل ولا يستتاب لم يكن ذلك بمنزلة المرتد، فقال الساحر ~~جمع مع كفره السعي فى الأرض بالفساد، ومن كان كذلك إذا قتل قتل. واحتج ~~أصحاب الشافعي بأنه لما ثبت أن هذا النوع ليس بكفر، فهو فسق، فإن لم يكن ~~جناية على حق الغير كان فيه التفضيل المتقدم. # وأيضا فإن ساحر اليهود لا يقتل؛ لأنه عليه الصلاة والسلام سحره رجل ~~من اليهود يقال له: لبيد من أعصم، وامرأة من يهود " خيبر " يقال لها: ~~زينب فلم يقتلهما، فوجب أن يكون المؤمن كذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: # " لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين ". # واحتج أبو حنيفة بما روى نافع عن ابن عمر رضى الله عنه أن جارية ~~لحفصة سحرتها، وأخذوها فاعترفت بذلك فأمرت عبد الرحمن بن زيد، فقتلها ~~فبلغ ذلك عثمان، فأنكره فأتاه ابن عمر وأخبره أمرها فكأن عثمان إنما أنكر ~~ذلك، لأنها قتلت بغير إذن، وبما روى عمرو بن دينار أن عمر رضي الله عنه ~~ قال: " اقتلوا كل ساحر وساحرة فقتلنا ثلاث سواحر ". # والجواب: لعل السحرة الذين قتلوا كانوا من الكفرة، فإن حكاية الحال تكفي ~~في صدقها صورة واحدة، وأما بقية [أنواع] السحر من الشعوذة، والآلات ~~العجيبة المبينة، على النسب الهندسية، وأنواع التخويف، والتقريع والوهم، ~~فكل ذلك ليس بكفر، ولا يوجب القتل. # قوله: " وما أنزل " فيه أربعة أقوال: # أظهرها: أن " ما " موصولة بمعنى " الذي " محلها النصب عطفا على " ~~السحر " ، والتقدير: يعلمون الناس السحر، والمنزل على الملكين. ms0588 # الثاني: أنها موصولة أيضا، ومحلها النصب لكن عطفا على { ما تتلوا ~~الشيطين } ، والتقدير: واتبعوا ما تتلو الشياطين، وما أنزل على ~~الملكين. وعلى هذا فما بينهما اعتراض، ولا حاجة إلى القول بأن في الكلام ~~تقديما وتأخيرا. # الثالث: أن " ما " حرف نفي، والجملة معطوفة على الجملة المنفية ~~قبلها، وهي { وما كفر سليمان } والمعنى: وما أنزل على الملكين ~~إباحة السحر. # قال القرطبي: و " ما " نافية، والواو للعطف على قوله: [ { وما كفر ~~سليمن } ، وذلك أن اليهود قالوا: إن الله أنزل جبريل، وميكائيل ~~بالسحر، فنفى الله ذلك. # وفي الكلام تقديم وتأخير والتقدير: وما كفر سليمان]، وما أنزل على ~~الملكين، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت ~~وماروت، فهاروت وماروت بدل من الشياطين فى قوله: { ولكن ~~الشيطين كفروا } قال: وهذا أولى ولا يلتفت إلى سواه، فالسحر ~~استخراج الشياطين للطافة جوهرهم، وأكثر ما يتعاطاه من الإنس النساء، ~~وخاصة فى حالة طمثهن؛ قال الله تعالى: # ومن شر النفاثات في العقد # [الفلق:4]. # فإن قيل: كيف يكون اثنان بدلا من الجميع والبدل إنما يكون على حد ~~المبدل منه؟ فالجواب من وجوه ثلاثة: # الأول: أن الاثنين قد يطلق عليهما اسم الجمع؛ كما قال تعالى: # فإن كان له إخوة # [النساء:11]. # الثاني: أنهما لما كانا الرأس في التعليم نص عليهما دون أتباعهما كقوله ~~تعالى: # عليها تسعة عشر # [المدثر:30]. # الثالث: إما خصا بالذكر من بينهم لتمردهما، كتخصيصه تعالى النخل ~~[والرمان] فى قوله: # فيهما فاكهة ونخل ورمان # [الرحمن؛68] فقد ينص على بعض أشخاص العموم إما لشرفه؛ كقوله تعالى: # إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه ~~وهذا النبي # [آل عمران:68] وإما لطيبه كقوله: # فاكهة ونخل ورمان # [الرحمن:68] وإما لأكثريته؛ كقوله صلى الله عليه سلم: # " جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا " # وإما لتمردهم كهذه الآية. # الرابع: أن محلها الجر عطفا على " ملك سليمان " ، والتقدير: افتراء ~~على ملك سليمان وافتراء على ما أنزل على الملكين، وهو اختيار أبي مسلم. # وقال أبو البقاء: " تقديره " وعلى عهد الذي أنزل. # واحتج أبو مسلم: بأن السحر لو كان نازلا عليهما لكان منزله ms0589 هو الله ~~تعالى، وذلك غير جائز، كما لا يجوز في الأنبياء أن يبعثوا لتعليم ~~السحر، كذلك في الملائكة بطريق الأولى. # وأيضا فإن تعليم السحر كفر بقوله تعالى: { ولكن الشيطين ~~كفروا يعلمون الناس السحر }. # وأيضا فإنما يضاف السحر إلى الكفرة والمردة، فكيف يضاف إلى الله ~~تعالى ما ينهى عنه؟ # والمعنى: أن الشياطين نسبوا السحر إلى ملك سليمان مع أن ملك سليمان كان ~~مبرأ عنه، فكذلك نسبوا ما أنزل على الملكين إلى السحر، مع أن المنزل ~~عليهما كانا مبرأين عن السحر؛ لأن المنزل عليهما هو الشرع والدين، وكانا ~~يعلمان الناس ذلك مع قولهما: { إنما نحن فتنة فلا تكفر ~~} توكيدا لبعثهم على [قبوله] والتمسك به، فكانت طائفة تتمسك، وأخرى ~~تخالف. # قال ابن الخطيب رحمه الله تعالى: والأول أولى؛ لأن عطف " وما أنزل ~~" على ما يليه أولى من عطفه على ما بعد عنه إلا لدليل، أما قوله: " لو ~~كان منزلا عليهما لكان منزله هو الله تعالى ". # قلنا: تعريف صفة الشيء قد يكون لأجل الترغيب فى إدخاله في الوجود، وقد ~~يكون لأجل أن يقع الاحتراز عنه؛ قال: [الهزج] # 698 عرفت الشر لا للشر # ر لكن لتوقيه # وقوله: لا يجوز بعثة الأنبياء [لتعليم السحر، فكذا الملائكة]. # قلنا: الغرض من ذلك التعليم التنبيه على إبطاله. # وقوله: " تعليم السحر كفر ". # قلنا: إنه واقعة حال فيكفي في صدقها سورة واحدة. # وقوله: يضاف السحر للكفرة والمردة. # قلنا: فرق بين العمل والتعليم، فيجوز أن يكون العمل منبها عنه، ~~والتعليم لغرض التنبيه على فساده فلا يكون مأمورا به. # والجمهور على فتح لام " الملكين " على أنهما من الملائكة. # وقرأ ابن عباس وأبو الأسود والحسن والضحاك بكسرها على أنهما رجلان من ~~الناس، وسيأتي تقريره. # قوله: " ببابل " متعلق ب " أنزل " ، والباء بمعنى " في " أي: في " ~~بابل ". ويجوز أن يكون فى محل نصب على الحال من الملكين، أو من الضمير ~~في " أنزل " فيتعلق بمحذوف. ذكر هذين الوجهين أبو البقاء رحمه الله. # و " بابل " لا ينصرف للعجمة والعلمية، فإنها اسم أرض، وإن شئت للتأنيث ~~والعلمية وسميت بذلك ms0590 قيل: لتبلبل ألسنة الخلائق بها، وذلك أن الله ~~ تعالى أمر ريحا، فحشرتهم بهذه الأرض، فلم يدر أحد ما يقول الآخر، ثم ~~فرقتهم الريح في البلاد فتكلم كل واحد بلغة، والبلبلة التفرقة. # وقيل: لما أهبط نوح عليه الصلاة والسلام نزل فبنى قرية، وسماها " ~~ثمانين " ، فأصبح ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة. # وقيل: لتبلبل ألسنة الخلق عند سقوط صرح نمرود. # وهي بابل " العراق ". # وقال ابن مسعود: " بابل " أرض " الكوفة ". # وقيل: " جبل نهاوند ". # قوله: " هاروت وماروت " الجمهور على فتح تائها. # واختلف النحاة في إعرابها، وذلك مبني على القراءتين في " الملكين " ، ~~فمن فتح لام " الملكين " ، وهم الجمهور كان في هاروت وماروت أربعة أوجه: # أظهرها: أنها بدل من " الملكين " ، وجرا بالفتحة لأنهما ينصرفان ~~للعجمة والعلمية. # الثاني: أنهما عطف بيان لهما. # الثالث: أنهما بدل من " الناس " في قوله تعالى: { يعلمون الناس ~~السحر } وهو بدل بعض من كل، أو لأن أقل الجمع اثنان. # الرابع: أنهما بدل من " الشياطين " في قوله: { ولكن الشياطين كفروا } في ~~قراءة من نصب، وتوجيه البدل كما تقدم. # وقيل: هاروت وماروت اسمان لقبيلتين من الجن، فيكون بدل كل من كل، ~~والفتحة على هذين القولين للنصب. # وأما من قرأ برفع " الشياطين " ، فلا يكون " هاروت وماروت " بدلا منهم، ~~بل يكون منصوبا في هذا القول على الذم أي: أذم هاروت وماروت من بين ~~الشياطين كلها؛ كقوله: [الطويل] # 699 أقارع عوف لا أحاول غيرها # وجوه قرود تبتغي من تجادع # أي: أذم وجوه قرود، ومن كسر لامهما، فيكون بدلا منهما كالقول الأول ~~إلا إذا فسر الملكان بداود وسليمان عليهما الصلاة والسلام كما ذكره ~~بعض المفسرين، فلا يكونان بدلا منهما، بل يكونان متعلقين بالشياطين على ~~الوجهين السابقين في رفع الشياطين ونصبه، أو يكونان بدلا من " الناس ~~" كما تقدم. # وقرأ الحسن " هاروت وماروت " برفعهما، وهما خبر لمبتدأ محذوف أي: ~~هما هاروت وماروت، ويجوز أن يكون بدلا من " الشياطين " الأولى وهو قوله: ~~{ ما تتلوا الشياطين } ، أو الثاني على قراءة من رفعه. # ويجمعان على هواريت ومواريت، وهوارتة وموارتة، وليس من زعم ms0591 ~~اشتقاقهما من الهرت والمرت وهو الكسر بمصيب لعدم انصرافهما، ولو ~~كانا مشتقين كما ذكر لانصرفا. # فصل في توجيه قراءة فتح اللام # أما القراءة بفتح لام " الملكين " ، فقيل: هما ملكان من السماء اسمهما ~~هاروت وماروت. # وقيل: هما جبريل وميكائيل عليهما الصلاة والسلام. # وقيل غيرهما. # وأما من كسر اللام فقيل: إنهما اسم لقبيلتين من الجن. # وقيل: هما داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام. # وقيل: هما رجلان صالحان. # وقيل: كانا رجلين ساحرين. # وقيل: كانا علجين أقنعين ب " بابل " يعلمان الناس السحر. # قوله: { وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما ~~نحن فتنة } هذه الجملة عطف على ما قبلها، والجمهور على " ~~يعلمان " مضعفا. # واختلف فيه على قولين: # أحدهما: أنه على بابه من التعليم. # والثاني: أنه بمعنى يعلمان من " أعلم " ، فالتضعيف والهمزة متعاقبان. # قالوا: لأن الملكين لا يعلمان الناس السحر، إنما يعلمانهم به، ~~وينهيانهم عنه، وإليه ذهب طحلة بن مصرف، وكان يقرأ " يعلمان " ~~من الأعلام. # ومن حكى أن تعلم بمعنى " اعلم " ابن الأعرابي، وابن الأنباري؛ ~~وأنشدوا قول زهير: [البسيط] # 700 تعلمن ها لعمر الله ذا قسما # فاقدر بذرعك وانظر أين تنسلك؟ # وقول القطامي: [الوافر] # 701 تعلم أن بعد الغي رشدا # وأن لذلك الغي انقشاعا # وقول كعب بن مالك: [الطويل] # 702 تعلم رسول الله أنك مدركي # وأن وعيدا منك كالأخذ باليد # وقول الآخر: [الوافر] # 703 تعلم أنه لا طير إلا # على متطير وهو الثبور # والضمير في " يعلمان " فيه قولان: # أحدهما: أنه يعود على هاروت وماروت. # والثاني: أنه عائد على [الملكين، ويؤيده قراءة أبي بإظهار الفاعل: " ~~وما يعلم الملكان ". # والأول هو الأصح؛ لأن الاعتماد إنما هو على البدل] دون المبدل منه، فإنه ~~في حكم المطرح، فمراعاته أولى؛ تقول: " هند حسنها فاتن " ولا ~~تقول: " فاتنة " مراعاة لهند، إلا في قليل من الكلام؛ كقوله: ~~[الكامل] # 704 إن السيوف غدوها ورواحها # تركت هوازن مثل قرن الأعضب # وقال الآخر: [الكامل] # 705 فكأنه لهق السراة كأنه # ما حاجبيه معين بسواد # فراعى المبدل منه في قوله: " تركت " ، وفي قوله: " معين " ، ~~ولو راعى البدل، وهو الكثير، ms0592 لقال " تركا " و " معينان "؛ كقول ~~الآخر: [الطويل] # 706 فما كان قيس هلكه هلك واحد # ولكنه بنيان قوم تهدما # ولو لم يراع البدل للزم الإخبار بالمعنى عن الجثة. # وأجاب أبو حيان عن البيتين بأن " رواحها وغدوها " منصوب على الظرف، ~~وأن قوله: " معين " خبر عن " حاجبيه " ، وجاز ذلك؛ لأن كل اثنين ~~لا يغني أحدهما عن الآخر، يجوز فيهما ذلك؛ قال: [الهزج] # 707....................... # بها العينان تنهل # وقال: [الكامل] # 708 لكأن في العينين حب قرنفل # أو سنبل كحلت به فانهلت # ويجوز عكسه؛ قال: [الطويل] # 709 إذا ذكرت عيني الزمان الذي مضى # بصحراء فلج ظلتا تكفان # و " من " زائدة لتأكيد الاستغراق لا للاستغراق؛ لأن " أحدا " يفيده ~~بخلاف: " ما جاء من رجل " فإنها زائدة للاستغراق. # و " أحد " هنا الظاهر أنه الملازم للنفي، وأنه الذي همزته أصل بنفسها. # وأجاز أبو البقاء أن يكون بمعنى واحد، فتكون همزته بدلا من الواو. # فصل فيمن قال بأنهما ليسا من الملائكة # القائلون بأنهما ليسا من الملائكة احتجوا بأن الملائكة عليهم السلام ~~لا يليق بهم تعليم السحر، وقالوا: كيف يجوز إنزال الملكين مع قوله: # ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون # [الأنعام:8]. # وأيضا لو أنزل الملكين، فإما أن يجعلهما فى صورة الرجلين، أو لا ~~يجعلهما كذلك، فإن جعلهما في صورة الرجلين مع أنهما ليسا برجلين كان ذلك ~~تجهيلا وتلبيسا على الناس وهو لا يجوز، ولو جاز ذلك فلم لا يجوز أن كل ~~واحد من الناس الذين تشاهدهم أنه لا يكون في الحقيقة إنسانا، بل يكون ~~ملكا من الملائكة؟ وإن لم يجعلهما في صورة الرجلين قدح ذلك في قوله ~~تعالى: # ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا # [الأنعام:9]. # وأجاب القائلون بأنهما من الملائكة عن الأول بأنا سنبين وجه الحكمة في ~~إنزال [الملكين] لتعليم السحر وعن الثاني: بأن هذه الآية عامة، [وقراءة ~~الملكين بفتح اللام متواترة وتلك] خاصة والخاص مقدم على العام. # وعن الثالث: أن الله تعالى أنزلهما في صورة رجلين، كان الواجب على ~~الملكين في زمان الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أن يقطعوا على من ms0593 ~~صورته صورة الإنسان بكونه إنسانا، كما أنه في زمان الرسول عليه الصلاة ~~والسلام كان الواجب على من شاهد حية الكلبي ألا يقطع بكونه من ~~البشر، بل الواجب التوقف فيه. # فصل في فساد رواية الزهرة # رووا قصة الزهرة وما جرى لها مع الملكين. # ولهم في الزهرة قولان: # أحدهما: أنها الكوكب المعروف. # والثاني: أنها من بنات آدم ومسخت إلى هذا الكوكب. # وقيل: مسخت بها. # قال ابن الخطيب: وهذه الرواية فاسدة مردودة؛ لأنه ليس في كتاب الله ~~تعالى ما يدل عليها، بل فيه ما يبطلها من وجوه: # الأول: الدلائل الدالة على عصمة الملائكة عليهم السلام من كل ~~المعاصي. # الثاني: أن قولهم: إنهما خيرا بين عذاب الدنيا، وبين عذاب الآخرة ~~فاسد، بل كان الأولى أن يخيرا بين التوبة والعذاب؛ لأن الله ~~تعالى خير بينهما من أشرك به طول عمره، فكيف يبخل عليهما بذلك؟ # الثالث: أن من أعجب الأمور قولهم: إنهما يعلمان السحر في حال كونهما ~~معذبين، ويدعوان إليه، وهما يعاقبان [ولما ظهر فساد هذا القول فنقول: ~~السبب] في إنزالهما وجوه: # أحدها: أن السحرة كثرت في ذلك الزمان، واستنبطت أبوابا غريبة من السحر، ~~وكانوا يدعون النبوة، ويتحدون الناس بها، فبعث الله تعالى ~~هذين الملكين لأجل أن يعلما الناس أبواب السحر حتى يتمكنوا من ~~معارضة أولئك الذين كانوا يدعون النبوة كذبا، ولا شك أن هذا من أحسن ~~الأغراض والمقاصد. # وثانيها: أن العلم بكون المعجزة مخالفة للسحر متوقف على العلم بماهية ~~المعجزة، وبماهية السحر، والناس كانوا جاهلين بماهية السحر، فلا جرم ~~تعذرت عليهم معرفة حقيقة المعجزة، فبعث الله تعالى هذين الملكين ~~لتعريف ماهية السحر لأجل هذا الغرض. # وثالثها: لا يمتنع أن يقال: السحر الذي يوقع الفرقة بين أعداء الله، ~~والألفة بين أولياء الله كان مباحا عندهم، أو مندوبا، فالله تعالى ~~بعث ملكين لتعليم السحر لهذا الغرض، ثم إن القوم تعلموا ذلك منهما، ~~واستعملوه في الشر، وإيقاع الفرقة بين أولياء الله، والألفة بين أعداء ~~الله. # ورابعها: أن تحصيل العلم بكل شيء حسن، ولما كان السحر منهيا عنه وجب ms0594 ~~أن يكون متصورا معلوما؟ لأن الذي لا يكون متصورا يمتنع النهي عنه. # وخامسها: لعل الجن كان عندهم أنواع من السحر لم يقدر البشر على الإتيان ~~بمثلها، فبعث الله الملائكة ليعلموا البشر أمورا يقدرون بها على معارضة ~~الجن. # وسادسها: يجوز أن يكون ذلك تشديدا في التكليف من حيث إنه إذا علمه ما ~~أمكنه أن يتوصل به إلى اللذات العاجلة، ثم منعه من استعمالها كان ذلك ~~في نهاية المشقة، فيستوجب به الثواب الزائد، كما ابتلي قوم طالوت بالنهر ~~على ما قال: # فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه ~~مني # [البقرة:249] فثبت بهذه الوجوه أنه لا يبعد من الله تعالى إنزال ~~الملكين لتعليم السحر، والله أعلم. # فصل في زمن وقوع هذه القصة. # قال بعضهم: هذه الواقعة إنما وقعت في زمان إدريس عليه الصلاة والسلام. # قوله: { حتى يقولا: إنما نحن فتنة }. # " حتى ": حرف غاية ونصب، وهي هنا بمعنى " إلى " ، والفعل بعدها منصوب ~~بإضمار " أن " ولا يجوز إظهارها، وعلامة النصب حذف النون، والتقدير: إلى ~~أن يقولا، وهي متعلقة بقوله: " وما يعلمان " ، والمعنى أنه ينتفي ~~تعليمهما أو إعلامهما على ما مضى من الخلاف إلى هذه الغاية، وهي قولهم: { ~~إنما نحن فتنة فلا تكفر }. # وأجاز أبو البقاء رحمه الله أن تكون " حتى " بمعنى " إلا " قال: ~~والمعنى: وما يعلمان من أحد إلا أن يقولا وهذا الذي أجازه لا يعرف عن ~~أكثر المتقدمين، وإنما قاله ابن مالك؛ وأنشد: [الكامل] # 710 ليس العطاء من الفضول سماحة # حتى تجود وما لديك قليل # قال: تقديره: إلا أن تجود. # و " حتى " تكون حرف جر بمعنى " إلى " كهذه الآية، وكقوله: # حتى مطلع الفجر # [القدر:5]، وتكون حرف عطف، وتكون حرف ابتداء فتقع بعدها الجمل؛ كقوله: ~~[الطويل] # 711 فما زالت القتلى تمج دماءها # بدجلة حتى ماء دجلة أشكل # والغاية معنى لا يفارقها في هذه الأحوال الثلاثة، فلذلك لا يكون ما ~~بعدها إلا غاية لما قبلها: إما في القوة، أو الضعف، أو غيرهما، ولها ~~أحكام أخر ستأتي إن شاء الله تعالى. # و " إنما " مكفوفة ب ms0595 " ما " الزائدة، فلذلك وقع بعدها الجملة، وقد تقدم ~~أن بعضهم يجيز إعمالها، والجملة في محل نصب بالقول، وكذلك: " فلا ~~تكفر ". # فصل في المراد بالفتنة # المراد هاهنا بالفتنة المحنة التي بها يتيمز المطيع عن العاصي، كقولهم: ~~فتنت الذهب بالنار أذا عرض على النار ليتميز الخاص عن المشوب، وقد ~~بينا الحكمة في بعثة الملكين لتعليم السحر. # فالمراد أنهما لا يعلمان أحدا السحر ولا يصفانه لأحد، ولا يكشفان له ~~وجوه الاحتيال حتى يبذلا له النصيحة فيقولا له: { إنما نحن ~~فتنة } أي: هذا الذي نصفه لك، وإن كان الغرض منه أن يتميز به الفرق ~~بين السحر عن المعجزة، ولكنه يمكنك أن تتوصل به إلى المفاسد والمعاصي، ~~فإياك أن تستعمله فيما نهيت عنه، أو تتوصل به إلى شيء من الأعراض ~~العاجلة. # قوله تعالى: " فيتعلمون " في هذه الجملة سبعة أقوال: # أظهرها: أنها معطوفة على قوله تعالى: " وما يعلمان " والضمير في " ~~فيتعلمون " عائد على " أحد " ، وجمع حملا على المعنى، كقوله تعالى: # فما منكم من أحد عنه حاجزين # [الحاقة:47]. # فإن قيل: المعطوف عليه منفي، فيلزم أن يكون " فيتعلمون " منفيا أيضا ~~لعطفه عليه، وحينئذ ينعكس المعنى. فالجواب ما قالوه، وهو أن قوله: { ~~وما يعلمان من أحد حتى يقولا } ، وإن كان منفيا ~~لفظا فهو موجب معنى؛ لأن المعنى: يعلمان الناس السحر بعد قولهما: إنما ~~نحن فتنة، وهذا الوجه ذكره الزجاج وغيره. # الثاني: أنه معطوف على { يعلمون الناس السحر } قاله ~~الفراء. # وقد اعترض الزجاج هذا القول بسبب لفظ الجمع في " يعلمون " مع إتيانه ~~بضمير التثنية في " منهما " يعني: فكان حقه أن يقال: " منهم " لأجل " ~~يعلمون " وأجازه [أبو علي] وغيره، وقالوا: لا يمتنع عطف " فيتعلمون " على ~~" يعلمون " ، وإن كان التعليم من الملكين خاصة، والضمير في " منهما " ~~راجع إليهما، فإن قوله: " منهما " إنما جاء بعد تقدم ذكر الملكين. # وقد اعترض على قول الفراء من وجه آخر: وهو أنه يلزم منه الإضمار قبل ~~الذكر، وذلك أن الضمير في " منهما " عائد على الملكين، وقد فرضتم أن " ~~فيتعلمون منهما " عطف على " يعلمون " ، [فيكن التقدير: " يعلمون ~~الناس ms0596 السحر فيتعلمون منهما " ] فيلزم الإضمار في " ~~منهما " قبل ذكر الملكين، وهو اعتراض واه فإنهما متقدمان لفظا، ~~وتقدير تأخرهما لا يضر؛ إذ المحذور عود الضمير على غير مذكور في ~~اللفظ. # الثالث: وهو أحد قولي سيبويه أنه عطف على " كفروا " ، فعل في موضع رفع، ~~فلذلك عطف عليه فعل مرفوع. # قال سيبويه: [وارتفع] " فيتعلمون "؛ لأنه لم يخبر عن الملكين أنهما ~~قالا: لا تكفر فيتعلموا ليجعلا كفره سببا لتعلم غيره، ولكنه على: ~~كفروا فيتعلمون، وشرح ما قاله هو أنه يريد أن ليس " فيتعلمون " جوابا ~~لقوله: فلا تكفر فينتصب في جواب النهي، كما انتصب: # فيسحتكم # [طه:61]، بعد قوله: " لا تفتروا " لأن كفر من نهياه أن يكفر ليس ~~سببا لتعلم من يتعلم. واعترض على هذا بما تقدم من لزوم الإضمار قبل ~~الذكر، وتقدم جوابه. # الرابع: وهو القول الثاني ل " سيبويه " أنه خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: ~~" فهم يتعلمون " ، فعطف جملة اسمية على فعلية. # الخامس: قال الزجاج أيضا: والأجود أن يكون معطوفا على " يعلمان ~~فيتعلمون " فاستغني عن ذكر " يعلمون " على ما في الكلام من الدليل عليه ~~[واعتراض أبو علي قول الزجاج؛ فقال: " لا وجه لقوله: استغني عن ذكر " ~~يعلمان "؛ لأنه موجود في النص ". وهذا الاعتراض من أبي علي تحامل عليه ~~لسبب وقع بينهما؛ فإن الزجاج لم يرد أن " فيتعلمون " عطف على " يعلمان " ~~المنفي ب " ما " في قوله: " وما يعلمان " حتى يكون مذكورا في النص، ~~وإنما أراد أن ثم فعلا مضمرا يدل عليه قوة الكلام وهو: " يعلمان ~~فيتعلمون " ]. # السادس: أنه عطف على معنى ما دل عليه أول الكلام، والتقدير: فيأتون ~~فيتعلمون، ذكره الفراء والزجاج أيضا. # السابع: قال أبو البقاء: وقيل: هو مستأنف، وهذا يحتمل أن يريد أنه خبر ~~مبتدأ مضمر كقول سيبويه رحمه الله وأن يكون مستقلا بنفسه غير محمول على ~~شيء قبله، وهو ظاهر كلامه. # قوله: " منهما " متعلق ب " يعلمون ". # و " من " لابتداء الغاية، وفي الضمير ثلاثة أقوال: أظهرها: عوده إلى ~~الملكين، سواء قرىء بكسر اللام أو فتحها. # والثاني: يعود على السحر وعلى المنزل على الملكين. # والثالث: أنه ms0597 يعود على الفتنة، وعلى الكفر المفهوم من قوله: " فلا تكفر ~~" ، وهو قول أبي مسلم. # قوله: { ما يفرقون به } الظاهر في " ما " أنها موصولة اسمية. # وأجاز أبو البقاء أن تكون نكرة موصوفة، وليس بواضح، ولا يجوز أن تكون ~~مصدرية لعود الضمير في " به " عليها، والمصدرية حرف عند جمهور النحويين ~~كما تقدم غير مرة. # و " بين المرء " ظرف ل " يقرقون ". # والجمهور على فتح ميم " المرء " مهموزا، وهي اللغة العالية. # وقرأ ابن أبي أسحاق: " المرء " بضم الميم مهموزا. # وقرأ الأشهب العقيلي والحسن: " المرء " بكسر الميم مهموزا. # فأما الضم فلغة محكية. # وأما الكسر فيحتمل أن يكون لغة مطلقا، ويحتمل أن يكون للإتباع، وذلك أن ~~في " المرء " لغة وهي أن " فاءه " تتبع " لامه " ، فإن ضم ضمت، وإن ~~فتح فتحت، وإن كسر كسرت، تقول: " ما قام المرء " بضم الميم و " رأيت ~~المرء " بفتحها، و " مررت بالمرء " بكسرها، وقد يجمع بالواو ~~والنون، وهو شاذ. # قال الحسن في بعض مواعظه: " أحسنوا ملأكم أيها المرؤون " ~~أي: أخلاقكم. # وقرأ الحسن، والزهري " المر " بفتح الميم وكسر الراء خفيفة، ووجهها ~~أنه نقل حركة الهمزة على " الواو " وحذف الهمزة تخفيفا وهو قياس مطرد. # وقرأ الزهري أيضا: " المر " بتشديد الراء من غير همز، ووجهها أنه ~~نقل حركة الهمزة إلى الراء، ثم رأى الوقف عليها مشددا، كما روي عن ~~عاصم # مستطر # [القمر:53] بتشديد الراء ثم أجرى الوصل مجرى الوقف. # فصل في تفسير التفريق # ذكروا في تفسير التفريق هاهنا وجهين: # الأول: أن هذا التفريق إنما يكون بأن يعتقد بأن ذلك السحر مؤثر في هذا ~~التفريق، فيصير كافرا، وإذا صار كافرا بانت منه امرأته، فيحصل تفريق ~~بينهما. # الثاني: أنه يفرق بينهما بالتمويه والحيل، والتضريب وسائر الوجوه ~~المذكورة. وذكره التفريق دون سائر الصور التي يتعلمونها تنبيها على ~~الباقي، فإن ركون الإنسان إلى زوجته معروف زائد على مودة قريبة، فإذا ~~وصل بالسحر إلى هذا الأمر مع شدته فغيره أولى، يدل عليه قوله تعالى: { ~~وما هم بضارين به من أحد } فإنه أطلق الضرر، ولم يقصره ~~على التفريق، فدل على أنه ms0598 إنما ذكره؛ لأنه من أعلى مراتبه. # قوله: { وما هم بضارين به من أحد } يجوز في " ما " ~~وجهان. # أحدهما: أن تكون الحجازية، فيكون " هم " اسمها، و " بضارين " خبرها، و ~~" الباء " زائدة، فهو في محل نصب. # والثاني: أن تكون التميمية، فيكون " هم " مبتدأ، و " بضارين " ~~خبره، و " الباء " زائدة أيضا فهو في محل رفع. # والضمير فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه عائد على السحرة العائد عليهم ضمير " فيتعلمون ". # الثاني: يعود على اليهود العائد عليهم ضمير " واتبعوا ". # الثالث: يعود على الشياطين والضمير في " به " يعود على " ما " في قوله: ~~{ وما يفرقون به }. # والجمهور على " بضارين " بإثبات النون و " من أحد " مفعول به، ~~وقرأ الأعمش: " بضاري " من غير نون، وفي توجيه ذلك قولان: # أظهرهما: أنه أسقط النون تخفيفا، وإن لم يقع اسم الفاعل صلة ل " أل ~~"؛ مثل قوله: [الطويل] # 712 ولسنا إذا تأبون سلما بمذعني # لكم غير أنا إن نسالم نسالم # أي: بمذعنين ونظيره في التثنية: " قطا قطا بيضك ثنتا، ~~وبيضي مائتا " يريدون ثنتان ومائتان. # والثاني وبه قال الزمخشري، وأبن عطية أن النون حذفت للإضافة ~~إلى " أحد " ، وفصل بين المضاف والمضاف إليه بالجار والمجرور، وهو " به ~~"؛ كما فصل به في قوله الآخر: [الطويل] # 713 هما أخوا في الحرب من لا أخا له # إذا خاف يوما نبوة فدعاهما # وفي قوله: [الوافر] # 714 كما خط الكتاب بكف يوما # يهودي يقارب أو يزيل # ثم استشكل الزمخشري ذلك فقال: فإن [قلت] كيف يضاف إلى " أحد " وهو ~~مجرور؟ قلت: جعل الجار جزءا من المجرور. # قال أبو حيان: وهذا التخريج ليس يجوز؛ لأن الفصل بين المتضايفين ~~بالظرف والمجرور من ضرائر الشعر، وأقبح من ذلك ألا يكون ثم مضاف ~~إليه؛ لأنه مشغول يعامل جر، فهو المؤثر فيه لا الإضافة. # وأما جعله حرف الجر جزءا من المجرور فليس بشيء؛ لأن هذا مؤثر فيه، وجزء ~~الشيء لا يؤثر فيه. # وأجيب بأن الفصل من ضرائر الشعر فليس كما قال، لأنه قد فصل بالمفعول به ~~في قراءة ابن عامر، فباظرف وشبهه أولى، وسيأتي تحقيق ذلك في ms0599 الأنعام. ~~وأما قوله: لأن جزء الشيء لا يؤثر فيه. # فإنما ذلك في الجزء الحقيقي، وهذا إنما قال: ننزله منزلة الجزء، ويدل ~~على ذلك قول [النجاة] الفعل كالجزء من الفاعل، ولذلك أنث لتأنيثه، ومع ~~ذلك فهو مؤثر فيه. # و " من " في " من أحد " زائدة لتأكيد الاستغراق كما تقدم في: { وما ~~يعلمان من أحد }. # وينبغي أن يجيء قول أبي البقاء: إن " أحدا " يجوز أن يكون بمعنى واحد، ~~والمعهود زيادة " من " في المفعول به المعمول لفعل منفي نحو: ما ضربت من ~~أحد، إلا أنه حملت الجملة الاسمية الداخل عليها حرف النفي على الفعلية ~~المنفية في ذلك؛ لأن المعنى: وما يضرون من أحد، إلا أنه عدل إلى هذه ~~الجملة المصدرة بالمبتدأ المخبر عنه باسم الفاعل الدال على الثبوت، ~~والاستقرار المزيد فيه باء الجر للتوكيد االمراد الذي لم تفده الجملة ~~الفعلية. # قوله: { إلا بإذن الله } هذا استثناء مفرغ من الأحوال، فهو في ~~محل نصب على الحال، فيتعلق بمحذوف، وفي صاحب هذه الحال أربعة أوجه: # أحدها: أنه الفاعل المستكن في " بضارين ". # الثاني: أنه المفعول هو " أحد " وجاءت الحال من النكرة؛ لاعتمادها على ~~النفي. # والثالث: أن الهاء في " به " أي بالسحر، والتقدير: وما يضرون أحدا ~~بالسحر إلا ومعه علم الله، أو مقرونا بإذن الله ونحو ذلك. # والرابع: أنه المصدر المعروف وهو الضرر، إلا أنه حذف للدلالة عليه. # فصل في تأويل الإذن # قال ابن الخطيب: الإذن حقيقة في الأمر والله لا يأمر بالسحر، لأنه ~~تعالى أراد عيبهم وذمهم عليه، ولو كان قد أمرهم به لما جاز أن يذمهم ~~عليه، فلا بد من التأويل، وفيه وجوه: # أحدها: قال الحسن: المراد منه التخلية يعنى الساحر إذا سحر إنسانا، ~~فإن شاء الله تعالى منعه منه، وإن شاء خلى بينه وبين ضرر السحر. # وثانيها: قال الأصم: المراد: " إلا بعلم الله " ، وإنما سمي الأذان ~~أذانا، لأنه إعلام للناس بدخول وقت الصلاة، وسمي الإيذان إيذانا؛ لأن ~~بالحاسة به تدرك الإذن، وكذلك قوله تعالى: # وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج # [التوبة:3] أي: إعلام، ms0600 وقوله تعالى # فأذنوا بحرب من الله ورسوله # [البقرة:279] معناه: فاعلموا، وقوله: # ءاذنتكم على سوآء # [الأنبياء:109] يعنى: أعلمتكم. # وثالثها: أن الضرر الحاصل عند فعل السحر إنما يحصل بخلق الله، وإيجاده ~~وإبداعه، وما كان كذلك فإنه يصح أن يضاف إلى الله تعالى كما قال: # إنما قولنا لشيء إذآ أردناه أن نقول له كن ~~فيكون # [النحل:40]. # ورابعها: أن يكون المراد بالإذن الأمر، وهذا الوجه لا يليق إلا بأن ~~يفسر التفريق بين المرء وزوجه بأن يصير كافرا، والكفر يقتضي التفريق، ~~فإن هذا حكم شرعي، وذلك لا يكون إلا بأمر الله تعالى. # قوله: " ولا ينفعهم " في هذه الجملة وجهان. # أحدهما: وهو الظاهر أنها عطف على " يضرهم " فتكون صلة ل " ما " أيضا، ~~فلا محل لها من الإعراب. # والثاني، وأجازه أبو البقاء: أن تكون خبرا لمبتدأ مضمر تقديره: وهو لا ~~ينفعهم، وعلى هذا فتكون " الواو " للحال، والحملة من المبتدأ والخبر في ~~محل نصب على الحال، وهذه الحال تكون مؤكدة؛ لأن قوله: " ما يضرهم " ~~يفهم منه عدم النفع. # قال أبو البقاء: ولا يصح عطفه على " ما "؛ لأن الفعل لا يعطف على الاسم. # وهذا من المواضع المستغنى عن النص على منعها لوضوحها، وإنما ينص على ~~منع شيء يتوهم جوازه. # وأتى هنا ب " لا " لأنها ينفى بها الحال والاستقبال، وإن كان بعضهم ~~خصها بالاستقبال، والضر والنفع معروفان، يقال ضره يضره بضم ~~الضاد، وهو قياس المضاعف المتعدي، والمصدر: الضر والضر بالضم ~~والفتح، والضرر بالفك أيضا، ويقال: ضارة يضيره بمعناه ضيرا؛ ~~قال الشاعر: [الطويل] # 715 تقول أناس لا يضيرك نأيها # بلى كل ما شف النفوس يضيرها # وليس حرف العلة مبدلا من التضعيف. # ونقل بعضهم: أنه لا يبنى من نفع اسم مفعول فيقال: منفوع، والقياس لا ~~يأباه. # قوله: " ولقد علموا " تقدم أن هذه اللام جواب قسم محذوف. # و " علم " يجوز أن تكون متعدية إلى اثنين أو إلى واحد، وعلى كلا ~~التقديرين فهي معلقة عن العمل فيما بعدها لأجل اللام، فالجملة بعدها ~~في محل نصب؛ إما سادة مسد مفعولين، أو مفعول واحد على حسب ms0601 ما تقدم، ~~ويظهر أثر ذلك في العطف عليها، فإن اعتقدنا تعديها لاثنين عطفنا على ~~الجملة بعدها مفعولين، وإلا عطفنا واحدا، ونظيره في الكلام: علمت لزيد ~~قائم وعمرا ذاهبا، أو علمت لزيد قائم وذهاب عمرو. # والذي يدل على أن الجملة المعلقة بعد علم في محل نصب وعطف المنصوب ~~على محلها قول الشاعر: [الطويل] # 716 وما كنت أدري قبل عزة ما الهوى # ولا موجعات القلب حتى تولت # روي بنصب " موجعات " على أنه عطف على محل " ما الهوى " ، وفي البيت ~~كلام إذ يحتمل أن تكون " ما " زائدة، " والهوى " مفعول به، فعطف " ~~موجعات " عليه، ويحتمل أن تكون " لا " نافية للجنس و " موجعات " اسمها، ~~والخبر محذوف كأنه قال: ولا موجعات القلب عندي حتى تولت. # والضمير في " علموا " فيه خمسة أقوال: # أحدها: ضمير اليهود الذين بحضرة محمد صلى الله عليه وسلم، أو ضمير من ~~بحضرة سليمان، أو ضمير جميع اليهود، أو ضمير الشياطين أو ضمير الملكين ~~عند من يرى أن الاثنين جمع. # قوله: " لمن اشتراه " في هذه اللام قولان: # أحدهما: وهو ظاهر قول النحاة أنها لام الابتداء المعلقة ل " علم ~~" عن العمل كما تقدم، و " من " موصولة في محل رفع بالابتداء، و " ~~اشتراه " صلتها وعائدها. # و { ما له في الآخرة من خلاق } جملة من مبتدأ وخبر، و " من ~~" زائدة في المبتدأ، والتقدير: ما له خلاق في الآخرة. # وهذه الجملة في محل رفع خبر ل " من " الموصولة، فالجملة من قوله: " ~~ولقد علموا " مقسم عليها كما تقدم، و " لمن اشتراه " غير مقسم ~~عليها، هذا مذهب سيبويه رحمه الله تعالى والجمهور. # الثاني: وهو قول الفراء، وتبعه أبو البقاء: أن تكون هذه اللام هي ~~الموطئة للقسم، و " من " شرطية في محل رفع بالابتداء، و { ما له ~~في الآخرة من خلاق } جواب القسم، ف " اشتراه " على القول الأول ~~صلة، وعلى الثاني خبر لاسم الشرط، ويكون جواب الشرط محذوفا؛ لأنه إذا ~~اجتمع شرط وقسم،ولم يتقدمهما ذو خبر أجيب سابقهما غالبا، وقد يجاب الشرط ~~مطلقا كقوله: [الطويل] # 717 لئن كان ما حدثته اليوم ms0602 صادقا # أصم في نهار القيظ للشمس باديا # ولا يحذف جواب الشرط إلا وفعله ماض، وقد يكون مضارعا كقوله: [الطويل] # 718 لئن تك قد ضاقت عليكم بيوتكم # ليعلم ربي أن بيتي واسع # فعلى قول الفراء تكون الجملتان من قوله: " ولقد علموا " ، و " ~~لمن اشتراه " مقسما عليهما ونقل عن الزجاج منع قول الفراء ~~فإنه قال: هذا ليس موضع شرط ولم يوجه منع ذلك، والذي يظهر في منعه، أن ~~الفعل بعد " من " وهو " اشتراه " ماض لفظا ومعنى، فإن الاشتراء قد ~~وقع وانفصل، فجعله شرطا لا يصح؛ لأن فعل الشرط وإن كان ماضيا لفظا، ~~فلا بد أن يكون مستقبلا معنى. # فصل في أوجه استعارة لفظ الشراء # واستعير لفظ الشراء لوجوه: # أحدها: أنهم لما نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، وأقبلوا على التمسك ~~بما تتلو الشياطين، فكأنهم قد اشتروا ذلك السحر بكتاب الله تعالى. # وثانيها: أن الملكين إنما قصدا بتعليم السحر الاحتراز عنه ليصل بذلك ~~الاحتراز إلى منافع الآخرة، فلما استعمل السحر، فكأنه اشترى بمنافع ~~الآخرة منافع الدنيا. # وثالثها: أنهم تحملوا مشقة تعليمه ليستعملوه، فكأنهم أبدلوا الراحة في ~~مقابلة التعليم لأجل الاستعمال. والخلاق: النصيب. # قال الزجاج: أكثر استعماله في الخير. # فأما قول أمية بن أبي الصلت: [البسيط] # 719 يدعون بالويل فيها لا خلاق لهم # إلا سرابيل من قطر وأغلال # فيحتمل ثلاثة أوجه. # أحدها: أنه على سبيل التهكم بهم؛ كقوله: [الوافر] # 720...................... # تحية بينهم ضرب وجيع # والثاني: أنه استثناء منقطع، أي: لكن لهم السرابيل من كذا. # الثالث: أنه استعمل في الشر على قلة. # والخلاق: القدر؛ قال: [المتقارب] # 721 فما لك بيت لدى الشامخات # وما لك في غالب من خلاق # أي: من قدر ورتبة، وهو قريب من الأول. # قال القفال رحمه الله تعالى: يشبه أن يكون أصل الكلمة من الخلق، ~~ومعناه التقدير، ومنه: خلق الأديم، ومنه يقال: قدر للرجل كذا درهما ~~رزقا على عمل كذا. والضمير المنصوب في " اشتراه " فيه أربعة أقوال: # يعود على السحر، أو الكفر، أو كيلهم الذى باعوا به السحر، أو القرآن ~~لتعويضهم كتب السحر عنه. ms0603 وتقدم الكلام على قوله: " ولبئس ما " وما ~~ذكر الناس فيها، واللام في " لبئسما " جواب قسم محذوف تقديره: والله ~~لبئسما، والمخصوص بالذم محذوف أي: السحر أو الكفر. # قوله: { لو كانوا يعلمون } جواب " لو " محذوف تقديره: لو ~~كانوا يعلمون ذم ذلك لما باعوا به أنفسهم، وهذا أحسن من تقدير أبي ~~البقاء: لو كانوا ينتفعون بعلمهم لامتنعوا من شراء السحر؛ لأن المقدر ~~كلما كان متصيدا من اللفظ كان أولى. # والضمير في " به " يعود على السحر، أو الكفر، وفي " يعلمون " يعود على ~~اليهود باتفاق. # قال الزمخشري: فإن قلت كيف أثبت لهم العلم أولا في: " ولقد ~~علموا " على سبيل التوكيد القسمي، ثم نفاه عنهم في قوله: { لو ~~كانوا يعلمون }. # قلت: معناه: لو كانوا يعملون بعلمهم، جعلهم حين لم يعملوا به كأنهم ~~منسلخون عنه، وهذا بناء منه على أن الضميرين في " علموا " و " ~~يعلمون " لشيء واحد. # وأجاب غيره على هذا التقدير بأن المراد بالعلم الثاني العقل؛ لأن ~~العلم من ثمرته، فلما انتفى الأصل انتفى ثمرته، فصار وجود العلم كالعدم ~~حيث لم ينتفعوا به كما سمى الله تعالى الكفار " صما وبكما ~~وعميا " إذ لم ينتفعوا [بهذه الحواس] أو يغاير بين متعلق العلمين أي: ~~علموا ضرره في الآخرة، ولم يعلموا نفعه في الدنيا. # وأما إذا أعدت الضمير في " علموا " على الشياطين، أو على من بحضرة ~~سليمان، أو على الملكين، فلا إشكال لاختلاف المسند إليه العلم حينئذ. ### || [2.103] # قوله تعالى: { ولو أنهم ءامنوا } " لو " هنا فيها قولان: # أحدهما: أنها على بابها من كونها حرفا لما كان سيقع لوقوع غيره، وسيأتي ~~الكلام في جوابها، وأجاز الزمخشري رحمه الله تعالى أن تكون للتمني أي: ~~ليتهم آمنوا على سبيل المجاز عن إرادة الله إيمانهم، واختيارهم له، ~~فعلى هذا لا يلزم أن يكون لها جواب، لأنها قد تجاب بالفاء حينئذ، وفي ~~كلامه اعتزال. # و " أنهم آمنوا " مؤول بمصدر، وهو في محل رفع، [وفيه قولان] أحدهما ~~وهو قول سيبويه : أنه في محل رفع بالابتداء، وخبره محذوف تقديره: ولو ~~كان إيمانهم ثابت، وشذ وقوع الاسم ms0604 بعد " لو " ، وإن كانت مختصة ~~بالأفعال، كما شذ نصب " غدوة " بعد " لدن ". # وقيل: لا يحتاج هذا المبتدأ إلى خبر لجريان لفظ المسند والمسند إليه في ~~صلة " أن ". # وصحح أبو حيان هذا فى سورة " النساء " وهذا يشبه الخلاف في " أن " ~~الواقعة بعد " ظن وأخواتها " ، وتقدم تحقيقه. # والثاني: وهو قول المبرد أنه في محل رفع بالفاعلية، رافعه محذوف ~~تقديره: ولو ثبت إيمانهم؛ لأنها لا يليها إلا الفعل ظاهرا أو مضمرا، ~~وقد رد بعضهم هذا بأنه لا يضمر بعدها الفعل إلا مفسرا بفعل مثله، ~~ودليل كلا القولين مذكور في كتب النحو. والضمير في " أنهم " فيه قولان: # أحدهما: عائد على اليهود، # والثاني: على الذين يعلمون [الناس] السحر. # قال ابن الخطيب: إن الله تعالى لما قال: # نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله ~~ورآء ظهورهم # [البقرة:101] ثم وصفهم بأنهم # واتبعوا ما تتلوا الشيطين # [البقرة:102]، وأنهم تمسكوا بالسحر قال بعده: { ولو أنهم ~~ءامنوا } يعنى بما نبذوه من كتاب الله. # فإن حملت ذلك على القرآن جاز، وإن حملته على كتابهم المصدق للقرآن جاز، ~~وإن حملته على الأمرين جاز، والمراد بالتقوى الاحتراز عن فعل المنهيات، ~~وترك المأمورات. # قوله تعالى: { لمثوبة من عند الله }. # في هذه اللام قولان: # أحدهما: أنها لام الابتداء، وأن ما بعدها استئناف إخبار بذلك، وليس ~~متعلقا بإيمانهم وتقواهم، ولا مترتبا عليه، وعلى هذا فجواب " لو " ~~محذوف إذا قيل بأنها ليست للتمني، أو قيل بأنها للتمني، ويكون لها جواب ~~تقديره: لأثيبوا. # والثاني: أنها جواب " لو " ، فإن " لو " تجاب بالجملة الاسمية. # قال الزمخشري رحمه الله تعالى: أوثرت الجملة الاسمية على الفعلية في ~~جواب " لو " لما في ذلك من الدلالة على ثبوت المثوبة واستقرارها، كما ~~عدل عن النصب إلى الرفع في # سلام عليكم # [الأنعام:54] لذلك. [وفي] وقوع جواب " لو " جملة اسمية نظر يحتاج إلى ~~دليل غير محل النزاع. # قال أبو حيان رحمه الله تعالى: لم يعهد في كلام العرب وقوع الجملة ~~الابتدائية جوابا ل " لو " ، إنما جاء هذا المختلف في تخريجه، ولا ~~تثبت القواعد الكلية بالمحتمل. # والمثوبة ms0605 فيها قولان: # أحدهما: أن وزنها " فعولة " ، والأصل مثووبة، فثقلت الضمة على ~~" الواو " ، فنقلت إلى الساكن قبلها، فالتقى ساكنان فحذف أحدهما مثل: ~~مقولة ومجوزة ومصونة ومشوبة وقد جاءت مصادر على مفعول كالمعقول، فهي ~~مصدر نقل ذلك الواحدي. # والثاني: أنها " مفعلة " من الثواب بضم العين، وإنما نقلت الضمة ~~إلى الثاء، ويقال: " مثوبة " بسكون الثاء وفتح الواو، وكان من حقها ~~الإعلال فيقال: " مثابة " ك " مقامة " ، إلا أنهم صححوها كما صححوا في ~~الإعلال " مكوزة " ، وبذلك قرأ أبو السمال وقتادة كمشورة. ومعنى " ~~لمثوبة " أي: ثواب وجزاء من الله. # وقيل: لرجعة إلى الله تعالى خير. # قوله: { من عند الله } في محل رفع صفة " لمثوبة " ، فيتعلق ~~بمحذوف، أي: لمثوبة كائنة من عند الله تعالى. # والعندية هنا مجاز تقدم في نظائره. # قال أبو حيان: وهذا الوصف هو المسوغ لجواز الابتداء بالنكرة. # قلت: ولا حاجة إلى هذا؛ لأن المسوغ هنا شيء آخر، وهو الاعتماد على لام ~~الابتداء، حتى لو قيل في الكلام: { لمثوبة خير } من غير وصف لصح. # والتنكير في " لمثوبة " يفيد أن شيئا من الثواب وإن قل خير، فذلك ~~لا يقال له قليل، ونظيره: # ورضوان من الله أكبر # [التوبة:72]. # وقوله: " خير " خبر " لمثوبة " ، وليست هنا بمعنى " أفعل " ~~التفضيل، بل هي لبيان أنها فاضلة، كقوله تعالى: # أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا # [الفرقان:24] # أفمن يلقى في النار خير # [فصلت:40]. # قوله تعالى: { لو كانوا يعلمون } جوابها محذوف تقديره: لكان ~~تحصيل المثوبة خيرا، أي: تحصيل أسبابها من الإيمان والتقوى، وكذلك ~~قدره بعضهم: لآمنوا. # وفي مفعول " يعلمون " وجهان: # أحدهما: أنه محذوف اقتصارا أي: لو كانوا من ذوي العلم. # والثاني: أنه محذوف اختصارا تقديره: لو كانوا يعلمون التفضيل في ذلك، ~~أو يعلمون أن ما عند الله خير وأبقى. ### || [2.104] # اعلم أن الله تعالى لما شرح قبائح أفعالهم قبل مبعث محمد عليه ~~الصلاة والسلام أراد أن يشرح قبائح أفعالهم عند مبعث محمد صلى الله ~~عليه وسلم وجدهم واجتهادهم في القدح فيه والطعن في دينه. # واعلم أن الله تعالى خاطب المؤمنين بقوله تعالى: { يا أيها ~~الذين ms0606 ءامنوا } في ثمانية وثمانين موضعا من القرآن. # قال ابن عباس رضي الله عنه: " وكان يخاطب في التوراة بقوله: يا أيها ~~المساكين ". # فصل في لفظ راعنا # روي أن المسلمين كانوا يقولون: راعنا يا رسول الله من المراعاة، أي: ~~راعنا سمعك أي فرغ سمعك لكلامنا، يقال: رعى إلى الشيء ورعاه، أي: ~~أصغى إليه وأسمعه، وكانت هذه اللفظة شيئا قبيحا بلغة اليهود. # وقيل: معناه عندهم اسمع لا سمعت. # وقيل: هو من الرعونة، وإذا أرادوا أن يحمقوا إنسانا قالوا: راعنا ~~بمعنى يا أحمق، فلما سمع اليهود هذه اللفظة من المسلمين قالوا فيما ~~بينهم: كنا نسب محمدا سرا، فأعلنوا به الآن، فكانوا يأتونه ويقولون: ~~راعنا يا محمد، ويضحكون فيما بينهم، فسمعها سعد بن معاذ، ففطن لها، ~~وكان يعرف لغتهم، فقال لليهود: لئن سمعتها من أحد منكم يقولها لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لأضربن عنقه قالوا: أو لستم تقولونها؟ فأنزل الله ~~تعالى: { يا أيها الذين ءامنوا لا تقولوا: راعنا } لكي ~~لا يتخذ اليهود ذلك سبيلا إلى شتم رسول الله صلى الله عليه وسلم { ~~وقولوا انظرنا } ويدل على هذا قوله تعالى في سورة " النساء ": # ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع ~~وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين # [النساء:46]. # قال قطرب: هذه الكلمة وإن كانت صحيحة المعنى، إلا أن أهل " الحجاز " ~~ما كانوا يقولونها إلا عند الهزل والسخرية، فلا جرم نهى الله عنها. # وقيل: إن اليهود كانوا يقولون: راعنا أي: أنت راعي غنمنا فنهاهم الله ~~عنها. # وقيل: قوله: " راعنا " خطاب مع الاستعلاء كأنه يقول: راع كلامي فلا ~~تغفل عنه، ولا تشتغل بغيره، وليس في قوله: " انظرنا " إلا سؤال الانتظار ~~إلى مقدار ما يصل إلى فهم كلامه. # والجمهور على أن " راعنا " أمر من المراعاة، وهي النظر في مصالح ~~الإنسان، وتدبر أموره، و " راعنا " يقتضي المشاركة؛ لأن معناه: ليكن منك ~~رعاية لنا، وليكن منا رعاية لك، فنهوا عن ذلك؛ لأن فيه مساواتهم به عليه ~~الصلاة والسلام. # وبين أنه لا بد من تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم في المخاطبة كما ms0607 ~~قال تعالى: # لا تجعلوا دعآء الرسول بينكم كدعآء بعضكم ~~بعضا # [النور:63]. # وقرأ الحسن وأبو حيوة: " راعنا " بالتنوين، ووجهه أنه صفة لمصدر ~~محذوف، أي: قولا راعنا، وهو على طريق النسب ك " لابن " و " تامر " ~~، والمعنى: لا تقولوا قولا ذا رعونة. # والرعونة: الجهل والحمق والهوج، وأصل الرعونة: التفرق، ومنه: " ~~جيش أرعن " أي: متفرق في كل ناحية، ورجل أرعن: أي ليس له ~~عقل مجتمع، وامرأة رعناء. # وقيل للبصرة: الرعناء؛ قال: [البسيط] # 722 لولا ابن عتبة عمرو والرجاء له # ما كانت البصرة الرعناء لي وطنا # قيل: سميت بذلك لأنها أشبهت " رعن الجبل " وهو الناتىء منه. # وقال ابن فارس: يقال: " رعن الرجل يرعن رعنا ". # وقرأ أبي، وزر بن حبيش، والأعمش ذكرها القرطبي " راعونا " ، وفي ~~مصحف عبد الله كذلك، خاطبوه بلفظ الجمع تعظيما، وفي مصحف عبد الله أيضا ~~" ارعونا " لما تقدم. # والجملة في محل نصب بالقول، وقدم النهي على الأمر؛ لأنه من باب التروك ~~فهو أسهل. # فإن قيل: أفكان النبي صلى الله عليه وسلم يعجل عليهم حتى يقولوا هذا؟ ~~فالجواب من وجهين: # أحدهما: أن هذه اللفظة قد تقال في خلال الكلام، وإن لم تكن هناك عجلة ~~تحوج إلى ذلك كقول الرجل في خلال حديثه: اسمع أو سمعت. # الثاني: أنهم فسروا قوله تعالى: # لا تحرك به لسانك لتعجل به # [القيامة:16] أنه عليه السلام كان يعجل قول ما يلقيه إليه جبريل ~~عليه السلام حرصا على تحصيل الوحي، وأخذ القرآن، فقيل له: لا تحرك ~~به لسانك لتعجل به، فلا يبعد أن يجعل فيما يحدث به أصحابه من أمر الدين ~~حرصا على تعجيل أفهامهم، فكانوا يسألونه في هذه الحالة أن يمهلهم فيما ~~يخاطبهم به إلى أن يفهموا كل ذلك الكلام. # قوله: " انظرنا " الجملة أيضا في محل نصب بالقول، والجمهور على ~~انظرنا [بالوصل في] الهمزة، وضم الظاء أمرا من الثلاثي، وهو نظر من ~~النظرة، وهي التأخير، أي: أخرنا وتأن علينا؛ قال امرؤ القيس: ~~[الطويل] # 723 فإنكما إن تنظراني ساعة # من الدهر ينفعني لدي أم جندب # وقيل: هو من نظر أي: أبصر، ms0608 ثم اتسع فيه، فعدي بنفسه؛ لأنه في ~~الأصل يتعدى ب " إلى "؛ ومنه: [الخفيف] # 724 ظاهرات الجمال والحسن ينظر # ن كما ينظر الأراك الظباء # أي: إلى الأراك. # وقيل: من نظر أي: تفكر ثم اتسع فيه أيضا، فإن أصله أن يتعدى ب " في " ~~، ولا بد من حذف مضاف على هذا أي: انظر في أمرنا، وقرأ أبي والأعمش: " ~~أنظرنا " بفتح الهمزة وكسر الظاء أمرا من الرباعي بمعنى: ~~أمهلنا وأخرنا؛ قال: [الوافر] # 725 أبا هند فلا تعجل علينا # وأنظرنا نخبرك اليقينا # أي: أمهل علينا، وهذه القراءة تؤيد أن الأول من النظرة بمعنى ~~التأخير، لا من البصر، ولا من البصيرة، وهذه الآية نظير [آية] ~~الحديد # انظرونا نقتبس # [الحديد:13] فإنها قرئت بالوجهين. # قوله: " واسمعوا " حصول السماع عند سلامة الحاسة أمر ضروري خارج عن ~~قدرة البشر، فلا يجوز وقوع الأمر به، فإذن المراد منه أحد أمور ثلاثة: # أحدها: فرغوا أسماعكم لما يقول النبي عليه الصلاة والسلام حتى لا ~~تحتاجوا إلى الاستعادة. # [وثانيها: اسمعوا سماع قبول وطاعة، ولا يكن سماعكم كسماع اليهود حيث ~~قالوا: سمعنا وعصينا]. # وثالثها: اسمعوا ما أمرتكم به حتى لا ترجعوا إلى ما نهيتم عنه تأكيدا ~~عليهم، ثم إنه تعالى بين ما للكافرين من العذاب الأليم إذا لم يسلكوا مع ~~الرسول هذه الطريقة من الإعظام والتبجيل والإصغاء إلى ما يقول. # وتقدم الكلام على معنى " العذاب الأليم ". ### || [2.105] # لما بين حال اليهود والكفار في العداوة والمعاندة وصفهم بما يوجب ~~الحذر منهم فقال: { ما يود الذين كفروا } فنفى عن قلوبهم ~~الود والمحبة لكل ما يظهر به فضل المؤمنين. # قوله: { من أهل الكتاب }: في " من " قولان: # أحدهما: أنها للتبعيض، فتكون هي ومجرورها في محل نصب على الحال، ~~ويتعلق بمحذوف أي: ما يود الذين كفروا كائنين من أهل الكتاب. # والثاني: أنها لبيان الجنس، وبه قال الزمخشري؛ لأن " الذين كفروا " جنس ~~تحته نوعان أهل الكتاب والمشركون بدليل قوله تعالى: # لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ~~والمشركين # [البينة:1]. # قوله: " ولا المشركين " عطف على " أهل " المجرور ب " من " و " ~~لا " زائدة ms0609 للتوكيد؛ لأن المعنى: ما يود الذين كفورا من أهل الكتاب ~~والمشركين كقوله: # لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ~~والمشركين # [البينة:1] بغير زيادة " لا ". # وزعم بعضهم أنه مخفوض على الجوار، وأن الأصل ولا المشركون، عطفا على ~~الذين، وإنما خفض للمجاورة، نحو # برؤوسكم وأرجلكم # [المائدة:6] فى قراءة الجر، وليس بواضح. # وقال النحاس: ويجوز: ولا المشركون بعطفه على " الذين " وقال أبو البقاء ~~رحمه الله: وإن كان قد قرىء: " ولا المشركون " بالرفع فهو عطف على ~~الفاعل، والظاهر أنه لم يقرأ بذلك وهذان القولان يؤيدان ادعاء الخفض على ~~الجوار. # قوله: " أن ينزل " ناصب ومنصوب في تأويل مصدر مفعول ب " يود " ~~أي: ما يود إنزاله من خير، وبني الفعل للمفعول للعمل بالفاعل؛ وللتصريح ~~به في قوله: " من ربكم " ، وأتي ب " ما " في النفي دون غيرها؛ ~~لأنها لنفي الحال، وهم كانوا متلبسين بذلك. # قال القرطبي: و " أن " في موضع نصب، أي بأن ينزل. # قوله: " من خير " هذا هو القائم مقام الفاعل، و " من " زائدة، أي: ~~أن ينزل خير من ربكم. # وحسن زيادتها هنا، وإن كان " ينزل " لم يباشره حرف النفي؛ لانسحاب النفي ~~عليه من حيث المعنى؛ لأنه إذا نفيت الودادة انتفى متعلقها، وهذا له ~~نظائر في كلامهم نحو: " ما أظن أحدا يقول ذلك إلا زيد " برفع " زيد " ~~بدلا من فاعل " يقول " وإن لم يباشر النفي، لكنه في قوة: " ما يقول أحد ~~ذلك إلا زيد في ظني ". # وقوله تعالى: # أولم يروا أن الله الذي خلق السموات ~~والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر # [الأحقاف:33] زيدت " الباء "؛ لأنه في معنى: أو ليس الله بقادر، وهذا ~~على رأي سيبويه وأتباعه. # وأما الكوفيون والأخفش فلا يحتاجون إلى شيء من هذا. # وقيل " من " للتبعيض، أي: ما يودون أن ينزل من الخير قليل ولا كثير، ~~فعلى هذا يكون القائم مقام الفاعل: " عليكم " ، والمعنى: أن ينزل عليكم ~~بخير من الخيور. # والمراد بالخير هنا الوحي. # والمعنى: أنهم يرون أنفسهم أحق بأن يوحى إليهم فيحسدونكم، فبين سبحانه ~~وتعالى أن حسدهم لا يؤثر في زوال ذلك بقوله: { والله ms0610 يختص ~~برحمته من يشآء }. # قوله: " من ربكم " في " من " أيضا قولان: # أحدهما: أنها لابتداء الغاية، فتتعلق ب " ينزل ". # والثاني: أنها للتبعيض، ولا بد حينئذ من حذف مضاف تقديره: من خيور ~~ربكم، وتتعلق حينئذ بمحذوف، لأنها ومجرورها صفة لقوله: " من خير " أي: ~~من خير كائن من خيور ربكم، ويكون في محلها وجهان: # الجر على اللفظ، والرفع على الموضع، لأن " من " زائدة في " خير " ، فهو ~~مرفوع تقديرا لقيامه مقام الفاعل كما تقدم. # وتلخص مما تقدم أن في كل واحدة من لفظ " من " قولين: # الأولى: قيل: إنها للتبعيض، وقيل: أو لبيان الجنس. # وفي الثانية قولان: زائدة أو للتعبيض. # وفي الثالثة: أيضا قولان: لابتداء الغاية، أو التبعيض. # قوله: { والله يختص برحمته من يشآء } هذه جملة ~~ابتدائية تضمنت رد ودادتهم ذلك. # و " يختص " يحتمل أن يكون متعديا، وأن يكون لازما، فإن كان متعديا ~~كان فيه ضمير يعود على الله تعالى، وتكون " من " مفعولا به أي يختص الله ~~الذي يشاؤه برحمته، ويكون معنى " افتعل " هنا معنى المجرد نحو: كسب ~~مالا واكتسبه، وإن كان لازما لم يكن فيه ضمير، ويكون فاعله " من " أي: ~~والله يختص برحمته الشخص الذي يشاؤه، ويكون " افتعل " بمعنى فعل ~~الفاعل بنفسه نحو: اضطراب، والاختصاص ضد الاشتراك، وبهذا [يتبين فساد] ~~قول من زعم أنه هنا متعد ليس إلا. # و " من " يجوز أن تكون موصولة أو موصوفة، وعلى كلا التقديرين فلا بد ~~من تقدير عائد، أي: يشاء اختصاصه. # ويجوز أن يضمن " يشاء " معنى يختار، فحينئذ لا حاجة إلى حذف مضاف، بل ~~تقدره ضميرا فقط أي: يشاؤه، و " يشاء " على القول الأول لا محل له ~~لكونه صلة، وعلى الثاني محله النصب، أو الرفع على [حسب] ما ذكر في ~~موصوفه من كونه فاعلا أو مفعولا. # فصل في تفسير الرحمة في الآية # قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: " يختص برحمته " أي بنبوته، خص بها ~~محمدا صلى الله عليه وسلم. # وقيل: الرحمة القرآن. # وقيل: هنا عامة لجميع أنواعها التي قد منحها الله عباده قديما وحديثا. ### || [2.106] # اعلم ms0611 أن المشركين طعنوا في الإسلام قالوا: ألا ترون إلى محمد يأمر ~~أصحابه بأمر، ثم ينهاهم عنه، ويأمرهم بخلافه ويقول اليوم قولا، وغدا ~~يرجع عنه، كما قال تعالى # وإذا بدلنآ ءاية مكان ءاية والله أعلم بما ~~ينزل قالوا إنمآ أنت مفتر # [النحل:101] فنزلت هذه الآية. # فى " ما " قولان: # أحدهما وهو الظاهر أنها مفعول مقدم ل " ننسخ " ، وهي شرطية أيضا ~~جازمة ل " ننسخ " ولكنها واقعة موصع المصدر، و " من آية " هو المفعول ~~به، والتقدير: أي شيء ننسخ كقوله: # أيا ما تدعوا # [الإسراء:110]، أو: أي نسخ ننسخ من آية، قاله أبو البقاء وغيره، ~~وقالوا: مجيء " ما " مصدرا جائز؛ وأنشدوا: [الكامل] # 726 نعب الغراب فقلت بين عاجل # ما شئت إذ ظعنوا لبين فانعب # ورد هذا القول بشيئين: # أحدهما: أنه يلزم خلو جملة الجزاء من ضمير يعود على اسم الشرط، وهو غير ~~جائز، لما تقدم عند قوله: # من كان عدوا لجبريل # [البقرة:97]. # والثاني: أن " من " لا تزاد في الموجب، والشرط موجب، [وهذا فيه خلاف ~~لبعض] البصريين أجاز زيادتها في الشرط؛ لأنه يشبه النفي، ولكنه خلاف ~~ضعيف. # وقرأ ابن عامر: " ننسخ " بضم النون، وكسر السين من " أنسخ ". # قال أبو حاتم: " هو غلط " وهذه جرأة منه على عادته. # وقال أبو علي: " ليست لغة "؛ لأنه لا يقال: نسخ وأنسخ بمعنى، ولا هي ~~للتعدية؛ لأن المعنى يجيء: ما نكتب من آية، وما ننزل من آية، فيجيء ~~القرآن كله على هذا منسوخا، وليس الأمر كذلك، فلم يبق إلا أن يكون ~~المعنى: ما نجده منسوخا كما يقال: أحمدته وأبخلته، أي: وجدته كذلك، ~~ثم قال: " وليس نجده منسوخا إلا بأن ننسخه، فتتفق القراءتان في المعنى، ~~وإن اختلفتا في اللفظ ". # فالهمزة عنده ليست للتعدية. وجعل الزمخشري، وابن عطية الهمزة للتعدية، ~~إلا أنهما اختلفا في تقدير المفعول الأول المحذوف، وفي معنى الإنساخ، ~~فجعل الزمخشري المفعول المحذوف جبريل عليه السلام، والإنساخ هو الأمر ~~بنسخها، أي: الإعلام به. # وجعل ابن عطية المفعول ضمير النبي عليه السلام، والإنساخ إباحة النسخ ~~لنبيه، كأنه لما نسخها أباح له تركها، ms0612 فسمى تلك الإباحة إنساخا. # وخرج ابن عطية القراءة على كون الهمزة للتعدية من وجه آخر، وهو من نسخ ~~الكتاب، وهو نقله من غير إزالة له. # قال: ويكون المعنى: ما نكتب وننزل من اللوح المحفوظ، أو ما نؤخر فيه، ~~ونتركه فلا ننزله، أي ذلك فعلنا فإنا نأتي بخير من المؤخر المتروك أو ~~بمثله، فيجيء الضميران في " منها " و " بمثلها " عائدين على الضمير في " ~~ننسأها ". # قال أبو حيان: وذهل عن القاعدة، هي أنه لا بد من ضمير يعود من الجزاء ~~على اسم الشرط، و " ما " في قوله: " ما ننسخ " شرطية، وقوله: " أو ننسأها ~~" عائد على الآية، وإن كان المعنى ليس عائدا عليها من حيث اللفظ ~~والمعنى، بل إنما يعود عليها من حيث اللفظ فقط نحو: عندي درهم ونصفه، فهو ~~في الحقيقة على إضمار " ما " الشرطية، التقدير: أو ما ننسأ من آية ضرورة ~~أن المنسوخ غير المنسوء، ولكن يبقى قوله: ما ننسخ من آية مفلتا من ~~الجواب؛ إذ لا رابط يعود منه إليه، فبطل هذا المعنى الذي قاله. # والنسخ في اللغة هو الإزالة من غير بدل يعقبه، يقال: نسخت الريح ~~الأثر، والشمس الظل، وقال القفال: " إنه للنقل والتحويل " ، ~~ومنه: نسخت الكتاب: إذا نقلته، وتناسخ الأرواح، وتناسخت القرون. # وتناسخ المواريث إنما هو التحول من واحد إلى آخر بدلا من الأول. # دليل الأول أنه إذا نسخ الأثر والظل، فهو إعدامه؛ لأنه قد لا يحصل الظل ~~في مكان آخر حتى يظن أنه انتقل إليه. # وقال تعالى: # فينسخ الله ما يلقي الشيطان # [الحج:52] أي: فيزيله ويبطله، والأصل في الكلام الحقيقة. وإذا ثبت كون ~~اللفظ حقيقة في الإبطال وجب ألا يكون حقيقة في النقل دفعا للاشتراك. # فإن قيل: الريح والشمس ليسا مزيلين للأثر والظل في الحقيقة، وإنما ~~المزيل في الحقيقة هو الله تعالى وإذا كان ذلك مجازا امتنع ~~الاستدلال به على كون اللفظ حقيقة في مدلوله، ثم نعارض ما ذكرتموه، ~~[ويقال]: النسخ هو النقل والتحويل، [ومنه نسخ الكتاب إلى كتاب آخر، كأنه ~~ينقله إليه، أو ينقل حكايته] كما ms0613 قلنا في نسخ الكتاب والأرواح والقرون ~~والمواريث، فإنه تحويل من واحد إلى آخر. # وإذا كان كذلك فيكون حقيقة في النقل مجاز في الإبطال دفعا للاشتراك. # [وأجيب] عن الأول من وجهين: # أحدهما: أنه لا يمتنع أن يكون الله تعالى هو الناسخ لذلك من حيث إنه ~~فعل الشمس والريح والمؤثرتين في تلك الإزالة، ويكونان ناسخين لكونهما ~~مختصين بذلك التأثير. # والثاني: أن أهل اللغة إنما أخطئوا في إضافة النسخ إلى الشمس والريح، ~~فهب أنه كذلك، لكن تمسكنا بإطلاقهم لفظ النسخ على الإزالة لإسنادهم ~~هذا الفعل إلى الريح والشمس. # وعن الثاني: أن النقل أخص من الإبطال، لأنه حيث وجد النقل، فقد عدمت ~~صفة، وحصل عقيبها صفة أخرى، فإن مطلق العدم أهم من عدمه يحصل عقيبه شيء ~~آخر، وإذا دار اللفظ بين الخاص والعام كان جعله حقيقة في العام أولى. ~~وقال آخر: [والنسخ: الإزالة، وهو في اللغة على ضربين: # ضرب فيه إزالة شيء وإقامة غيره مقامه نحو: نسخت الشمس الظل، إذا أزالته ~~وقامت مقامه. # والثاني: أن يزيله كما تزيل الريح الأثر]. # قوله: " من آية " " من " للتبعيض، فهي متعلقة بمحذوف؛ لأنها صفة ~~لاسم الشرط، ويضعف جعلها حالا، والمعنى: أي شيء ننسخ من الآيات، ف " ~~آية: " مفرد وقع موقع الجمع، وكذلك تخريج كل ما جاء من هذا التركيب: # ما يفتح الله للناس من رحمة # [فاطر:2] # وما بكم من نعمة فمن الله # [النحل:53]، وهذا المجرور هو المخصص والمبين لاسم الشرط؛ وذلك أن فيه ~~إبهاما من جهة عمومه، ألا ترى أنك لو قلت: " من يكرم أكرم " تناول ~~النساء والرجال. فإذا قلت: " من الرجال " بينت وخصصت ما تناوله اسم ~~الشرط. # وأجاز أبو البقاء رحمه الله تعالى فيها وجهين آخرين: # أحدهما: أنها في موضع نصب على التمييز، والمميز " ما " والتقدير: ~~أي شيء ننسخ، قال: ولا يحسن أن تقدر: أي آية ننسخ، لأنك لا تجمع بين " ~~آية " ، وبين المميز بآية، لا تقول: أي آية ننسخ من آية، يعني أنك لو ~~قدرت ذلك لاستغنيت عن التمييز. # والثاني: أنها زائدة و " آية " حال، والمعنى: ms0614 أي شيء ننسخ قليلا أو ~~كثيرا، وقد جاءت " آية " حالا في قوله: # هذه ناقة الله لكم ءاية # [الأعراف:73] أي: " علامة " وهذا فاسد؛ لأن الحال لا تجر ب " من " ، ~~وقد تقدم أنه مفعول بها، و " من " زائدة على القول بجعل " ما " واقعة ~~موقع المصدر، فهذه أربعة أوجه. # قوله تعالى: " أو ننسها " " أو " [هنا للتقسيم]، و " ننسها " ~~مجزوم عطفا على فعل الشرط قبله. # وفيها ثلاث عشرة قراءة: " ننسأها " بفتح حرف المضارعةن وسكون ~~النون، وفتح السين مع الهمزة، وبها قرأ أبو عمرو وابن كثير. # الثانية: كذلك إلا أنه بغير همز، ذكرها أبو عبيد البكري عن سعد بن أبي ~~وقاص رضي الله عنه. # قال ابن عطية: " وأراه وهم ". # الثالثة: " تنسها " بفتح التاء التي للخطاب، بعدها نون ساكنة وسين ~~مفتوحة من غير همز، وهي قراءة الحسن، وتروى عن ابن أبي وقاص، فقيل لسعد ~~بن أبي وقاص: " إن سعيد بن المسيب يقرؤها بنون أولى مضمومة وسين مكسورة ~~فقال: إن القرآن لم ينزل على المسيب، ولا على ابن المسيب " وتلا: # سنقرئك فلا تنسى # [الأعلى:6] # واذكر ربك إذا نسيت # [الكهف:24] يعني سعد بذلك أن نسبة النسيان إليه عليه الصلاة والسلام ~~موجودة في كتاب الله، فهذا مثله. # الرابعة: كذلك إلا أنه بالهمز. # الخامسة: كذلك إلا أنه بضم التاء، وهي قراءة أبي حيوة. # السادسة: كذلك إلا أنه بغير همز، وهي قراءة سعيد ابن المسيب. # السابعة: " ننسها " بضم حرف المضارعة وسكون النون وكسر السين من غير ~~همز، وهي قراءة باقي السبعة. # الثامنة: كذلك إلا أنه بالهمزة. # التاسعة: ننسها بضم حرف المضارعة وفتح النون وكسر السين [مشددة، وهي ~~قراءة الضحاك، وأبي رجاء. # العاشرة: " ننسك " ، بضم حرف المضارعة، وسكون النون، وكسر السين، ~~وكاف بعدها للخطاب. # الحادية عشرة:] كذلك إلا أنه بفتح النون الثانية، وتشديد السين مكسورة، ~~وتروى عن الضحاك، وأبي رجاء أيضا. # الثانية عشرة: كذلك إلا أنه بزيادة ضمير الآية بعد الكاف " ~~ننسكها " وهي قراءة حذيفة، وكذلك هي في مصحف سالم مولاه. # الثالثة عشرة: " ما ننسك من آية أو ننسخها فجىء بمثلها " وهي ms0615 ~~قراءة الأعمش، وهكذا ثبت في مصحف عبد الله. # فأما قراءة الهمز على اختلاف وجوهها، فمعناها التأخير من قولهم: ~~ننسأ الله، وأنسأ الله في أجلك أي: أخره، وبعته نسيئة ~~أي متأخرا. # وتقول العرب: نسأت الإبل عن الحوض أنسؤها نسئا، وأنسأ الإبل: ~~إذا أخرها عن ورودها يومين فأكثر، فمعنى الآية على هذا فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: نؤخر نسخها، ونزولها، وهو قول عطاء. # الثاني: نمحها لفظا وحكما، وهو قول ابن زيد. # الثالث: نمضها فلا ننسخها، وهو قول أبي عبيد، [قال الشاعر: ~~[الطويل] # 727 أمون كألواح الإران نسأتها # على لاحب كأنه ظهر] # وهو ضعيف لقوله تعالى: { نأت بخير منها }؛ لأن ما أمضي ~~وأقر لا يقال فيه: فأت بخير منه. # وأما قراءة غير الهمز على اختلاف وجوهها أيضا ففيها احتمالان: # أظهرهما: أنها من النسيان، وحينئذ يحتمل أن يكون المراد به في بعض ~~القراءات ضد الذكر، وفي بعضها الترك. # فإن قيل: وقوع هذا النسيان [يتمنع] عقلا ونقلا. # أما العقل فلأن القرآن لا بد من انتقاله إلى أهل التواتر، والنيسان على ~~أهل التواتر بأجمعهم ممتنع. # وأما النقل فلقوله تعالى: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر:9]. # والجواب عن الأول من وجهين: # الأول: أن النسيان يصح بأن يأمر الله تعالى بطرحه من القرآن، ~~وإخراجه من جلمة ما يتلى، ويؤتى به في الصلاة ويحتج به، فإذا زال حكم ~~التعبد به قال: العهد نسي، وإن ذكر فعلى طريق ما يذكر خبر الواحد، ~~فيصير لهذا الوجه منسيا من الصدور، وأيضا روي: أنهم كانوا يقرءون ~~السورة، فيصبحون وقد نسوها. وعن الثاني أنه معارض بقوله تعالى: # سنقرئك فلا تنسى إلا ما شآء الله # [الأعلى:6 7] وبقوله: # واذكر ربك إذا نسيت # [الكهف:24]. # والثاني: أن أصله الهمز من النسيء، وهو التأخير، إلا أنه أبدل من ~~الهمزة ألف فحينئذ تتحد القراءتان. # ثم من قرأ من القراء: " ننساها " من الثلاثي فواضح. # وأما من قرأ منهم من " أفعل " ، وهم نافع وابن عامر والكوفيون، ~~فمعناه عندهم: " ننسكها " ، أي: نجعلك ناسيا لها، أو يكون المعنى ~~نأمر بتركها، يقال: أنسيته الشيء، ms0616 أي: أمرته بتركه، ونسيته: ~~تركته؛ وأنشدوا: [الرجز] # 728 إن علي عقبة أقضيها # لست بناسيها ولا منسيها # أي: لا تاركها ولا آمرا بتركها. # وقال الزجاج: " هذه القراءة لا يتوجه فيها معنى الترك، لا يقال: أنسى ~~بمعنى ترك ". # قال الفارسي وغيره: " ذلك متجه؛ لأنه بمعنى نجعلك تتركها " ، وضعف ~~الزجاج أيضا تحمل الآية على معنى النسيان ضد الذكر وقال: إن هذا لم يكن ~~له عليه السلام ولا نسي قرآنا. # [بدليل] قوله تعالى: # ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك # [الإسراء:86]، أي: لم نفعل شيئا من ذلك. # وأجاب الفارسي بأن معناه لم نذهب بالجميع. # قوله تعالى: " نأت " هو جواب الشرط، وجاء فعل الشرط والجزاء مضارعين، ~~وهذا التركيب أفصح التراكيب، أعني: مجيئهما مضارعين. # قوله: " بخير منها " متعلق ب " نأت " ، وفي " خير " هنا ~~قولان: # الظاهر منهما: أنها على بابها من كونها للتفضيل، وذلك أن الآتي به إن ~~كان أخف من المنسوخ، أو المنسوء، فخيريته بالنسبة إلى سقوط أعباء ~~التكليف، وإن كان أثقل فخيرته بالنسبة إلى زيادة الثواب. وقوله تعالى: " ~~أو مثلها " أي: في التكليف والثواب، وهذا واضح. # والثاني: أن " خيرا " هنا مصدرا، وليس من التفضيل في شيء، وإنما هو ~~خير من الخيور، كخير في قوله: # أن ينزل عليكم من خير من ربكم # [البقرة:105] و " من " لابتداء الغاية، والجار والمجرور صفة لقوله " خير ~~" أي: خير صادر من جهتها، والمعنى عند هؤلاء: ما ننسخ من آية أو نؤخرها ~~نأت بخير من الخيور من جهة المنسوخ أو المنسوء. # وهذا بعيد جدا لقوله بعد ذلك: " أو مثلها " فإنه لا يصح عطفه على ~~" بخير " على هذا المعنى، اللهم إلا أن يقصد بالخير عدم التكليف، فيكون ~~المعنى: نأت بخير من الخيور، وهو عدم التكليف، أو نأت بمثل المنسوخ أو ~~المنسوء. وأما عطف " مثلها " على الضمير في " منها " ، فلا يجوز إلا ~~عند الحكوفيين لعدم إعادة الخافض. وقوله: " ما ننسخ " فيه التفات من ~~غيبة إلى تكلم، ألا ترى أن قبلة " والله يختص " " والله ذو ~~الفضل ". # فصل في بيان معنى النسخ # قال ابن الخطيب: الناسخ عبارة ms0617 عن طريق شرعي يدل على إزالة الحكم الذي ~~كان ثابتا بطريق شرعي. # والنسخ جائز عقلا واقع سمعا، ومن اليهود من أنكره عقلا، ومنهم من ~~جوزه عقلا، ومنع منه سمعا. # ويروى عن بعض المسلمين إنكار النسخ. # واحتج الجمهور من المسلمين على جواز النسخ ووقوعه؛ لأن الدلائل دلت على ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته لا تصح إلا مع القول بنسخ شرع من ~~قبله، فوجب القطع بالنسخ. # على اليهود إلزامان. # الأول: جاء في التوراة أن الله تعالى قال لنوح عليه الصلاة ~~والسلام، عند خروجه من الفلك: " إني جعلت كل دابة مأكلا لك، ولذريتك، ~~وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب وما خلا الدم فلا تأكلوه ". # ثم إنه تعالى حرم على موسى، وعلى بني إسرائيل كثيرا من الحيوان. # الثاني: كان آدم عليه الصلاة والسلام يزوج الأخت من الأخ، وقد حرمه ~~بعد ذلك على موسى عليه الصلاة والسلام وعلى غيره. # قال منكرو النسخ: لا نسلم أن نبوة محمد عليه الصلاة والسلام لا ~~تصح إلا مع القول بالنسخ، لأن من الجائز أن يقال: إن موسى وعيسى ~~عليهما الصلاة والسلام [أمر الناس بشرعهما إلى زمان ظهور شرع محمد ~~عليه الصلاة والسلام ثم بعد ذلك أمر الناس باتباع محمد عليه الصلاة ~~السلام، فعند ظهور شرع محمد عليه الصلاة والسلام زال التكليف ~~بشرعهما، وحصل التكليف بشرع محمد عليه الصلاة السلام لكنه] لا يكون ~~ذلك نسخا، بل جاريا مجرى قوله تعالى: # ثم أتموا الصيام إلى اليل # [البقرة:187] ومن أنكر وقوع النسخ من المسلمين بنوا مذهبهم على هذا ~~الحرف، وقالوا: قد ثبت في القرآن أن موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام ~~ قد بشرا في التوراة والإنجيل بمبعث محمد عليه الصلاة والسلام ~~وأن عند ظهوره يجب الرجوع إلى شرعه، وإذا كان الأمر كذلك فمع قيام هذا ~~الاحتمال امتنع الجزم بوقوع النسخ. # فصل في حجج منكري النسخ # احتج منكرو النسخ بأن قالوا: إن الله تعالى لما بين شرع عيسى ~~عليه الصلاة والسلام، فاللفظ الدال على تلك الشريعة، إما أن يقال: إنها ~~دالة على دوامها، ms0618 أو لا يدل على دوامها، أو [لم يكن] فيها دلالة على ~~الدوام، ولا على [عدم الدوام]، فإن بين فيها ثبوتها على الدوام، ثم تبين ~~أنها ما دامت كان الخبر الأول كذبا؛ لأنه غير جائز على الشرع، وأيضا ~~فلو جوزنا ذلك لم يكن لنا طريق إلى العلم بأن شرعنا لا يصير منسوخا في ~~شرع موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام مع أنهما لم يدوما، زال الوثوق ~~عنه في كل الصور. # فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: ذكر اللفظ الدال على الدوام، ثم قرن به ~~ما يدل على أنه سينسخه أو ما قرن به إلا أنه نص على ذلك، إلا أنه لم ~~ينقل إلينا في الجملة؟ # قلت: هذا ضعيف لوجوه: # أحدها: أن التنصيص على اللفظ الدال على الدوام مع التنصيص على أنه لا ~~يدوم جمع بين كلامين متناقضين. # وثانيها: على هذا التقدير قد بين الله تعالى أن شرعهما سيصير ~~منسوخا، فإذا نقل شرعه وجب أن ينقل هذه الكيفية أيضا؛ لأنه لو جاز أن ~~ينقل أصل الشرع بدون هذه الكيفية لجاز مثله في شرعنا أيضا، وحينئذ لا ~~يكون لنا طريق إلى القطع بأن شرعنا غير منسوخ؛ لأن ذلك من الوقائع ~~العظيمة التي تتوفر فيها الدواعي على نقله، وما كان كذلك وجب اشتهاره، ~~وبلوغه إلى حد التواتر، وإلا فلعل القرآن عورض، ولم تنقل معارضته، ~~ولعل محمدا صلى الله عليه وسلم غير هذا الشرع عن هذا الوضع، ولم ينقل، ~~[وإذا كان ذلك غير جائز وجب] أن تنقل هذه الكيفية على سبيل التواتر، ~~فنقول: لو أن الله تعالى نص في زمان موسى وعيسى عليهما الصلاة ~~والسلام على أن شرعيهما سيصيران منسوخين لكان ذلك مشهورا لأهل ~~التواتر، وكان معلوما لهم بالضرورة، ولو كان كذلك لاستحال منازعة ~~الجمع العظيم فيه، فحيث رأينا اليهود والنصارى مطبقين على إنكار ذلك ~~علمنا أنه لم يوجد التنصيص على أن شرعيهما يصيران منسوخين. # وأما القسم الثاني: وهو أن يقال: [إن الله تعالى نص على شرع موسى ~~عليه الصلاة والسلام وقرن به ما يدل ms0619 به على أنه منقطع غير دائم]. # فهذا باطل لما ثبت أنه لو كان كذلك لوجب أن يكون ذلك معلوما بالضرورة ~~لأهل التواتر. # وأيضا فبتقدير صحته لا يكون ذلك نسخا، بل يكون ذلك انتهاء للغاية. # وأما القسم الثالث: وهو أنه [ تعالى نص على شرع موسى عليه الصلاة ~~السلام ولم يبين فيه كونه دائما، أو كونه غير دائم] فنقول: إنه ثبت ~~في أصول الفقة أن مجرد الأمر لا يفيد التكرار، وإنما يفيد المرة الواحدة، ~~فإذا أتى المكلف بالمرة الواحدة، فقد خرج عن عهدة الأمر، فورود أمر آخر ~~بعد ذلك لا يكون نسخا للأمر الأول، فثبت بهذا التقسيم أن القول بالنسخ ~~محال. # فصل في تحرير محل الاستدلال بالآية # قال ابن الخطيب: والاستدلال بهذه الآية على وقوع النسخ ضعيف؛ لأن " ما ~~" هاهنا تفيد الشرط والجزاء، وكما أن قولك: " من جاءك فأكرمه " لا يدل ~~على حصول المجيء، بل على أنه متى جاء وجب الإكرام،، فكذا هذه الآية لا ~~تدل على حصول النسخ، بل على أنه متى حصل النسخ وجب أن يأتي بما هو خير ~~منه، فالأقوى أن تعول في الإثبات على قوله تعالى # وإذا بدلنآ ءاية مكان ءاية # [النحل:101] وقوله: # يمحوا الله ما يشآء ويثبت وعنده أم الكتاب # [الرعد:39]. # فصل في فوائد معرفة النسخ # قال القرطبي رحمه الله تعالى: معرفة هذا الباب أكيدة عظيمة، لا يستغني ~~عن معرفته العلماء، ولا ينكره إلا الجهلة؛ لما يترتب عليه من الأحكام، ~~ومعرفة الحلال من الحرام. # روى أبو البختري قال: دخل علي رضي الله عنه المسجد، فإذا رجل يخوف ~~الناس؛ فقال: ما هذا؟ قالوا: رجل يذكر الناس؛ فقال: ليس برجل يذكر الناس! ~~لكنه يقول: أنا فلان ابن فلان فاعرفوني، فأرسل إليه فقال: أتعرف الناسخ ~~من المنسوخ؟! فقال: لا؛ قال: فأخرج من مسجدنا ولا تذكر فيه. # وفي رواية أخرى: أعلمت الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا؛ قال: قد هلكت ~~وأهلكت!. # ومثله عن ابن عباس رضى الله عنهما. # فصل في أن للناسخ حقيقة هو الله # اعلم أن الناسخ في الحقيقة هو الله تعالى، ms0620 وسمي الخطاب الشرعي ناسخا ~~تجوزا. # واحتجوا على وقوع النسخ في القرآن بوجوه: # أحدها: هذه الآية. # وأجاب عنها أبو مسلم بوجوه: # الأول: أن المراد بالآيات المنسوخة هي الشرائع التي في الكتب القديمة من ~~التوراة والإنجيل، كالسبت، والصلاة إلى المشرق والمغرب مما وضعه الله ~~ تعالى وتعبدنا بغيره، فإن اليهود والنصارى كانوا يقولون: لا تأمنوا ~~إلا لمن تبع دينكم، فأبطل الله عليهم ذلك بهذه الآية. # الوجه الثاني: المراد من النسخ نقله من اللوح المحفوظ، [وتحويله عنه] ~~إلى سائر الكتب وهو كما يقال: نسخت الكتاب. # الوجه الثالث: أنا بينا أن هذه الآية لا تدل على وقوع النسخ، بل على ~~أنه لو وقع النسخ لوقع إلى خير. # [ومن الناس من أجاب عن الاعتراض] الأول بأن الآية إذا أطلقت، فالمراد ~~بها آيات القرآن؛ لأنه هو المعهود عندنا. # وعن الثاني بأن نقل القرآن من اللوح المحفوظ لا يختص ببعض القرآن، وهذا ~~النسخ مختص ببعضه. # ولقائل أن يقول على الأول: لا نسلم أن لفظ الآية مختص بالقرآن، بل هو ~~عام في جميع الدلائل. # وعلى الثاني لا نسلم أن النسخ المذكور في الآية مختص ببعض القرآن، بل ~~التقدير والله أعلم : ما ننسخ من اللوح المحفوظ، فإنا نأتي بعده بما ~~هو خير منه. # الحجة الثانية: [للقائلين بوقوع النسخ في القرآن] أن الله تعالى أمر ~~المرأة المتوفى عنها زوجها بالاعتداد حولا كاملا، وذلك في قوله: # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية ~~لأزواجهم متاعا إلى الحول # [البقرة:240] ثم نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشر، كما قال # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ~~يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا # [البقرة:234]. # قال أبو مسلم: الاعتداد بالحول ما زال بالكلية؛ لأنها لو كانت حاملا ~~ومدة حملها حول كامل لكانت عدتها حولا كاملا، وإذا بقي هذا الحكم في ~~بعض الصور كان ذلك تخصيصا لا ناسخا. # والجواب أن مدة عدة الحمل تنقضي بوضع الحمل، سواء حصل وضع الحمل ~~بسنة أو أقل أو أكثر، فجعل السنة العدة يكون زائلا بالكلية. # الحجة الثالثة: أمر الله بتقديم الصدقة بين يدي نجوى الرسول بقوله ms0621 تعالى # يأيها الذين ءامنوا إذا ناجيتم الرسول ~~فقدموا بين يدي نجواكم صدقة # [المجادلة:12]، ثم نسخ ذلك. # قال أبو مسلم: إنما زال ذلك لزوال سببه؛ لأن سبب التعبد بها أن يتماز ~~المنافقون من حيث إنهم لا يتصدقون عن المؤمنين، فلما حصل هذا العرض سقط ~~التعبد. # والجواب: لو كان كذلك لكان من لم يتصدق منافقا وهو باطل؛ لأنه روي أنه ~~لم يتصدق غير علي رضي الله عنه ويدل عليه أيضا قوله تعالى: # فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم # [المجادلة:13]. # الحجة الرابعة: أنه تعالى أمر بثبات الواحد للعشرة بقوله تعالى: # إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين # [الأنفال:65]، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: # الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن ~~يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين # [الأنفال:66]. # الحجة الخامسة: قوله تعالى: # سيقول السفهآء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم ~~التي كانوا عليها # [البقرة:142] ثم أزالهم عنها بقوله: # فول وجهك شطر المسجد الحرام # [البقرة:144] قال أبو مسلم: " حكم تلك القبلة ما زال بالكلية جواز ~~التوجيه إليها عند الإشكال، أو مع العلم إذا كان هناك عذر ". # الجواب: أن على ما ذكرته لا فرق بين " بيت المقدس " ، وسائر الجهات، ~~فالخصوصية التي امتاز بها " بيت المقدس " عن سائر الجهات قد زالت ~~بالكلية، فكان نسخا. # الحجة السادسة: قوله تعالى: # وإذا بدلنآ ءاية مكان ءاية # [النحل:101] والتبديل يشتمل على رفع إثبات، والمرفوع: إما التلاوة، وإما ~~الحكم فكيف كان فهو رفع ونسخ. # واحتج أبو مسلم بأن الله تعالى وصف كتابه بأنه # لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه # [فصلت:42] فلو نسخ لكان قد أتاه الباطل. # والجواب: أن المراد أن هذا الكتاب لم يتقدمه من كتب الله ما يبطله، ولا ~~يأتيه من بعده أيضا ما يبطله. # فصل في أنواع النسخ # تارة ينسخ الحكم، وتارة التلاوة، وتارة هما معا، فأما نسخ الحكم دون ~~التلاوة فكهذه الآيات. # وأما نسخ التلاوة دون الحكم، فكما يروى عن عمر رضي الله عنه قال: كنا ~~نقرأ # " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة ~~نكالا ms0622 من الله والله عزيز حكيم ". # وروي: # " لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى إليهما ~~ثالثا، ولا يملا جوف ابن آدم إلا التراب، ~~ويتوب الله على من تاب ". # وأما نسخ الحكم والتلاوة معا، فكما روت عائشة رضي الله عنها قالت: # " أنزل في القرآن عشر رضعات معلومات فنسخن بخمس معلومات " # ، فالعشر مرفوع التلاوة والحكم جميعا، والخمس مرفوع التلاوة ثابت ~~الحكم. # ويروى أيضا أن سورة " الأحزاب " كانت بمنزلة السبع الطوال، أو أزيد، ثم ~~انتقص منها. # [وروى ابن شهاب، قال: حدثني أبو أمامة في مجلس سعيد بن المسيب # " أن رجلا قام من الليل ليقرأ سورة من القرآن، فلم يقدر على شيء منها، ~~وقام آخر فلم يقدر على شيء منها فغدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقال أحدهم: قمت الليل يا رسول الله لأقرأ سورة من القرآن فلم أقدر على ~~شيء، فقام الآخر، فقال: وأنا كذلك يا رسول الله، فقال الآخر: فإنا والله ~~كذلك يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنها مما ~~نسخ الله البارحة " # وسعيد بن المسيب يسمع ما يحدث به أبو أمامة، فلا ينكره. # فصل في بيان أنه ليس شرطا البدل في النسخ # قال قوم: لا يجوز نسخ الحكم إلا إلى بدل واحتجوا بهذه الآية. # وأجيبوا بأن نفي الحكم، وإسقاط التعبد به خير من ثبوته في ذلك الوقت، ~~وقد نسخ تقديم الصدقة بين يدي الرسول لا إلى بدل]. # فصل في جواز النسخ بالأثقل # قال قوم: لا يجوز نسخ الشيء إلى ما هو أثقل منه، واحتجوا بأن قوله: { ~~نأت بخير منها أو مثلها } ينافي كونه أثقل؛ لأن الأثقل ~~لا يكون خيرا منه ولا مثله. # وأجيب: بأن المراد بالخير ما يكون أكثر ثوابا في الآخرة، ثم إن الذي ~~يدل على وقوعه أن الله سبحانه نسخ في حق الزناة الحبس في البيوت ~~إلى الجلد والرجم، ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان، وكانت الصلاة ركعتين ~~عند قوم، فنخست بأربع فى الحضر. # وأما نسخه إلى الأخف، فكنسخ العدة من حول إلى أربعة ms0623 أشهر وعشرة، ~~وكنسخ صلاة الليل إلى التخيير فيها. # وأما نسخ الشيء إلى المثل فتحويل القبلة. # فصل: الكتاب لا ينسخ بالسنة المتواترة # قال الشافعي رضي الله عنه: الكتاب لا ينسخ بالسنة المتواترة، واستدل ~~بهذ الآية قال: لأنه قوله تعالى: { نأت بخير منها } يفيد أنه ~~يأتي بما هو من جنسه خير منه، كما إذا قال الإنسان: ما أخذ منك من ثواب ~~آتيك بخير منه، وجنس القرآن قرآن، وأيضا المنفرد بالإتيان بذلك الخير، ~~وهو القرآن الذي هو كلام الله تعالى. # وأيضا فإن [السنة لا تكون خيرا من القرآن]. # وروى الدارقطني عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " القرآن ينسخ حديثي وحديثي لا ينسخ القرآن ". # وأجيب عن قوله تعالى: # وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى # [النجم:3-4] وقوله: # وما نهاكم عنه فانتهوا # [الحشر:7] وإذا ثبت أن الكل من عند الله، فالناسخ في الحقيقة هو الله ~~تعالى [أقصى ما فيه أن الوحي ينقسم إلى قسمين متلو، وغير متلو] وقد ~~نسخت الوصية للأقربين، لقوله صلى الله عليه وسلم: # " لا وصية لوارث ". # ونسخ حبس الزاني في البيوت بخبر الرجم. # والجواب: استدل به الشافعي رضي الله عنه من الآية، وأما الوصية ~~فإنها نسخت بأية المواريث قاله عمر وابن عباس رضي الله عنهما وأشار ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا بقوله: # " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية ~~لوارث ". # وأما حبس الزاني، فإنما هو أمر بإمساكهن إلى غاية، وهي إلى # أو يجعل الله لهن سبيلا # [النساء:15] فبين صلى الله عليه وسلم ما هو وليس بنسخ. # وروي أيضا أن قوله: # " الشيخ والشيخة إذا زينا، فارجموهما ألبتة " # كان قرآنا، فلعل النسخ إنما وقع به. # فصل هل يدخل النسخ في الأخبار؟ # اختلفوا في الأخبار هل يدخلها النسخ؟ # فالجمهور على أن النسخ لا يدخل الخبر، لاستحالة الكذب على الله تعالى. # وقيل: إن الخبر إذا تضمن حكما شرعيا جاز نسخه، كقوله تعالى: # ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا # [النحل:67]. # فصل هل يجوز حمل الجنب للقرآن ms0624 الكريم؟ # القرآن المنسوخ التلاوة يجوز للجنب حمله، ولو صلى به لم تصح صلاته. # فصل في استدلال المعتزلة بهذه الآية على خلق القرآن # استدلت المعتزلة بهذه الآية على [خلق القرآن] من وجوه: # أحدها: أن كلام الله تعالى لو كان قديما لكان الناسخ والمنسوخ ~~قديمين وذلك محال؛ لأن الناسخ يجب أن يكون متأخرا عن المنسوخ، ~~والمتأخر يستحيل قدمه، والمنسوخ يجب زواله وارتفاعه، وما ثبت زواله ~~استحال قدمه. # وثانيها: أن الآية دلت على أن بعض الآيات خير من بعض، وما كان كذلك لا ~~يكون قديما. # وثالثها: قوله تعالى: { ألم تعلم أن الله على كل ~~شيء قدير } يدل على أنه القادر على نسخ بعضها، وإتيانه بشيء آخر ~~بدلا من الأول، وما كان داخلا تحت القدرة، وكان فعلا كان محدثا. # وأجيب عنه: بأن كونه ناسخا ومنسوخا إنما هو من عوارض الألفاظ، ولا ~~نزاع في حدوثها، فلما قلتم: إن المعنى الحقيقي الذي هو مدلول العبارات ~~والاصطلاحات محدث بها. # قالت المعتزلة: لا شك أن تعلقه الأول قد زال، وحدث له تعلق آخر، ~~فالتعلق الأول محدث؛ لأنه زال، والقديم لا يزول، والتعلق الثاني حادث، ~~لأنه حصل بعد أن لم يكن، والكلام الحقيقي لا ينفك عن هذه التعلقات، وما ~~لا ينفك [عن الحدث] محدث. # والجواب: أن قدرة الله تعالى كانت في الأزل متعلقة بإيجاد ~~العالم، فعند دخول العالم في الوجود، هل يبقى ذلك التعلق أو لم يبق؟ # فإن بقي يلزم أن يكون القادر قادرا على إيجاد الموجود وهو محال، وإن لم ~~يبق فقد زال ذلك التعلق، فألزمكم حدوث قدرة الله تعالى على ما ذكرتم، ~~وكذلك علم الله تعالى كان متعلقا بأن العالم سيوجد، فعند دخول هذا ~~العالم في الوجود إن بقي التعلق الأول كان جهلا، وإن لم يبق ~~يلزمكم كون التعلق الأول حادثا؛ لأنه لو كان قديما لما زال، وكون ~~التعلق الذي حصل بعد ذلك حدثا فإذا عالمية الله تعالى لا تنفك ~~عن التعلقات الحادثة، وما لا ينفك عن المحدث [ محدث] فعالمية الله ~~محدثة، فكل ما تجعلونه جوابا عن ms0625 العالمية والقادرية هو جوابنا عن ~~الكلام. # قوله: " ألم تعلم " هذا استفهام معناه التقرير، فلذلك لم يحتج إلى ~~معادل يعطف عليه ب " أم " ، و " أم " في قوله: # أم تريدون # [البقرة:108] منقطعة هذا هو الصحيح في الآية. قال ابن عطية: ظاهره ~~الاستفهام المحض، فالمعادل هنا على قول جماعة: " أم تريدون " ، وقال ~~قوم: " أم " منقطعة، فالمعادل محذوف تقديره: أم علمتم، هذا إذا أريد ~~بالخطاب أمته عليه السلام. # أما إذا أريد هو به، فالمعادل محذوف لا غير، وكلا القولين مروي انتهى. # وهذا فيه نظر؛ لما مر أن المراد به التقرير، فهو كقوله: # أليس الله بكاف عبده # [الزمر:36] # ألم نشرح لك صدرك # [الشرح:1]. # والاستفهام بمعنى التقرير كثير جدا لا سيما إذا دخل على نفي كما مثلته ~~لك. # وفي قوله تعالى: { ألم تعلم أن الله } التفاتان. # أحدهما: خروج من خطاب جماعة، وهو " خير من ربكم ". # والثاني: خروج من ضمير المتكلم المعظم نفسه إلى الغيبة بالاسم الظاهر، ~~فلم يقل: ألم تعلموا أننا، وذلك لما لا يخفى من التعظيم والتفخيم. و { ~~أن الله على كل شيء قدير } " أن " وما في حيزها، ~~إما سادة مسد مفعولين كما هو مذهب الجمهور، أو واحد، والثاني محذوف كما ~~هو مذهب الأخفش. ### || [2.107] # قال ابن الخطيب: لما حكم بجواز النسخ عقبه ببيان أن ملك السموات ~~والأرض له لا لغيره، وهذا هو التنبيه على أنه سبحانه وتعالى إنما حسن ~~[منه الأمر والنهي لكونه مالكا للخلق، وهذا هو مذهب أصحابنا، وأنه] إنما ~~حسن التكليف منه لمحض كونه مالكا للخلق مستوليا عليهم لا لثواب يحصل، ~~أو لعقاب يندفع. # فقال القفال رحمه الله تعالى: ويحتمل أن يكون هذا إشارة إلى أمر ~~القبلة، فإنه تعالى أخبرهم بأنه ملك السموات والأرض، وأن الأمكنة ~~والجهات كلها له، وأنه ليس بعض الجهات أكبر حرمة من البعض، إلا من حيث ~~يجعلها هو تعالى له، وإذا كان كذلك وكان الأمر باستدلال القبلة إنما ~~هو محض التخصيص بالتشريف، فلا مانع يمنع من تغييره من جهة إلى جهة. # قوله: " ألم تعلم " جزم ب " لم " ، وحروف ms0626 الاستفهام لا تغير عمل ~~العامل، وقوله: " ألم تعلم " خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~والمراد أمته، لقوله: { وما لكم من دون الله من ولي ~~ولا نصير }. # وفي قوله: " ملك " وجهان: # أحدهما: أنه مبتدأ، وخبره مقدم عليه، والجملة في محل رفع خبر ل " أن ~~". # والثاني: أنه مرفوع بالفاعلية، رفعه الجار قبله عند الأخفش، لا ~~يقال: إن الجار هنا قد اعتمد لوقوعه خبرا ل " أن " ، فيرفع الفاعل عند ~~الجميع؛ لأن الفائدة لم تتم به، فلا يجعل خبرا. # والملك بالضم الشيء المملوك، وكذلك هو بالكسر، إلا أن المضموم لا ~~يستعمل إلا فى مواضع السعة وبسط السلطان. # وتقدم الكلام في حقيقة الملك في قوله: # ملك يوم الدين # [الفاتحة:4]. # قوله: " وما لكم " يجوز في " ما " وجهان. # أحدهما: أن تكون تميمة، فلا عمل لها، فيكون " لكم " خبرا مقدما، و " ~~من ولي " مبتدأ مؤخرا زيدت فيه " من " ، فلا تعلق لها بشيء. # والثاني: أن تكون حجازية، وذلك عند من يجيز تقديم خبرها ظرفا أو حرف ~~جر، فيكون " لكم " في محل نصب خبرا مقدما، و " من ولي " اسمها ~~مؤخرا، و " من " فيه زائدة أيضا. # و { من دون الله } فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق بما تعلق به " لكم " من الاستقرار المقدر، و " من " ~~لابتداء الغاية. # والثاني: أنه في محل نصب على الحال من قوله: " من ولي أو نصير "؛ لأنه ~~في الأصل صفة للنكرة، فلما قدم عليها انتصب حالا قاله أبو البقاء رحمه ~~الله تعالى. # فعلى هذا يتعلق بمحذوف غير الذي تعلق به " لكم " ، ومعنى " من ~~دون الله " سوى الله؛ كما قال أمية بن أبي الصلت [البسيط] # 729 يا نفس ما لك دون الله من واق # [وما على حدثان الدهر من باق] # والولي: من وليت أمر فلان، أي قمت به، ومنه: ولي العهد أي: المقيم بما ~~عهد إليه من أمر المسلمين. # " ولا نصير " عطف على لفظ " ولي " ولو قرىء برفعه على الموضع لكان ~~جائزا، وأتي بصيغة " فعيل " في " ولي " و " نصير "؛ لأنها أبلغ من فاعل، ~~ولأن " وليا " أكثر استعمالا من " وال ms0627 " ولهذا لم يجىء في القرآن إلا ~~في سورة " الرعد ". # وأيضا لتواخي الفواصل وأواخر الآي. # وفي قوله: " لكم " التفات من خطاب الواحد لخطاب الجماعة، وفيه مناسبة، ~~وهو أن المنفي صار نصا في العموم بزيادة " من " فناسب كون المنفي ~~عنه كذلك فجمع لذلك. # فصل في أن الملك غير القدرة # استدل بعضهم بهذه الآية على أن الملك غير القدرة. # فقال: إنه تعالى قال أولا: # ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير # [البقرة:106] ثم قال بعده: { ألم تعلم أن الله له ملك ~~السموات والأرض }. # فلو كان الملك عبارة عن القدرة لكان هذا تكريرا من غير فائدة، ~~والكلام في حقيقة الملك. ### || [2.108] # ذكروا في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوها: # أحدها: أنه تعالى لما حكم بجواز النسخ في الشرائع، فلعلهم كانوا ~~يطالبونه بتفاصيل ذلك الحكم، فمنعهم الله تعالى عنها، وبين أنهم ~~ليس لهم أن يشتغلوا بهذه الأسئلة الفاسدة [كسؤالات قوم موسى عليه الصلاة ~~ولسلام]. # وثانيها: لما تقدم من الأوامر والنواهي قال لهم: إن لم تقبلوا ما أمرتكم ~~به وتمردتم عن الطاعة كنتم كمن سأل موسى عليه السلام ما ليس له أن ~~يسأله. عن أبي مسلم. # وثالثها: لما أمر ونهى قال: أتفعلون ما أمرتم أم تفعلون كما فعل من ~~قبلكم من قوم موسى؟ و " أم " هذه يجوز أن تكون متصلة معادلة [لقوله ~~تعال: " ألم تعلم " وهي مفرقة لما جمعته أي: كما أن " أو " مفرقة لما ~~جمعته تقول: اضرب أيهم شئت زيدا أم عمرا، فإذا قلت: اضرب أحدهم. # قلت: اضرب زيدا أو عمرا. # أو تكون منقطعة، فتقدم ب " بل " والهمز، ولا تكون إلا بعد كلام تام ~~كقوله: إنما الإبل أم شاء؛ كأنه قال: بل هي شاء، ومنه قوله تعالى: # أم يقولون افتراه # [هود:35] أي: يقولون. # قال الأخطل: [الكامل] # 730 كذبتك عينك أم رأيت بواسط # غلس الظلام من الرباب خيالا # ويكون إضرابا للالتفات من قصة إلى قصة]. # قال أبو البقاء: أم هنا منقطعة، إذ ليس في الكلام همزة تقع موقعها ومع ~~أم أيهما، والهمزة من قوله: " ألم ms0628 تعلم " ليست من " أم " في شيء، ~~والمعنى: بل أتريدون فخرج من كلام إلى كلام. # وأصل تريدون: " ترودون "؛ لأنه من راد يرود، وقد تقدم، فنقلت ~~حركة " الواو " على " الراء " ، فسكنت " الواو " بعد كسرة فقلبت ياء. # وقيل: " أم " للاستفهام، وهذه الجملة منقطعة عما قبلها. # وقيل: هي بمعنى " بل " وحدها، وهذان قولان ضعيفان. # قوله تعالى: " أن تسألوا " ناصب ومنصوب في محل نصب مفعولا به ~~بقوله: " تريدون " أي: أتريدون سؤال رسولكم. # قوله: " كما سئل " متعلق ب " تسألوا " و " الكاف " في محل نصب، ~~وفيها التقديران المشهوران: فتقدير سيبويه ورحمه الله تعالى أنها حال من ~~ضمير المصدر المحذوف. # أي: إن تسألوه أي: السؤال حال كونه مشبها بسؤال قوم موسى له، ~~وتقدير جمهور النحاة: أنه نعت لمصدر محذوف، أي: إن تسألوا رسولكم سؤالا ~~مشبها كذا. و " ما " مصدرية، أي: كسؤال موسى. [وأجاز الحوفي كونها بمعنى ~~الذي فلا بد من تقدير عائد أي كالسؤال الذي سأله موسى] و " موسى " مفعول ~~لم يسم فاعله، حذف الفاعل للعلم به، أي كما سأل قوم موسى. # والمشهور: " سئل " بضم السين وكسر الهمزة، وقرأ الحسن: " سيل " بكسر ~~السين وياء بعدها من: سال يسال نحو: خفت أخاف، وهل هذه الألف في " سال " ~~أصلها الهمز أو لا؟ تقدم خلاف فيه، وسيأتي تحقيقه في " سأل " وقرىء ~~بتسهيل الهمزة بين بين و " من قبل " متعلق ب " سئل " ، و " قبل " ~~مبينة على الضم؛ لأن المضاف إليه معرفة أي: من قبل سؤالكم، وهذا توكيد، ~~وإلا فمعلوم أن سؤال موسى كان متقدما على سؤالهم. # قوله: " بالإيمان " فيه وجهان: # أحدهما: أنها ياء العوضية، وقد تقدم تحقيق ذلك. # والثاني: أنها للسببية. # قال أبو البقاء: يجوز أن يكون مفعولا يتبدل، وتكون الباء للسبب، ~~كقولك: اشتريت الثوب بدرهم، وفي مثاله هذا نظر. # وقوله تعالى: { فقد ضل سوآء السبيل } قرىء بإدغام الدال ~~في الضاد وإظهارها. # و " سواء " قال أبو البقاء: سواء السبيل ظرف بمعنى وسط السبيل وأعدله، ~~وهذا صحيح فإن " سواء " جاء بمعنى وسط. # قال تعالى: # في سوآء الجحيم # [الصافات:55]. # وقال عيسى بن عمر: ما ms0629 زلت أكتب حتى انقطع سوائي؛ وقال حسان: ~~[الكامل] # 731 يا ويح أصحاب النبي ورهطه # بعد المغيب في سواء الملحد # ومن مجيئه بمعنى العدل قول زهير: [الوافر] # 732 أرونا خطة لا عيب فيها # يسوي بيننا فيها السواء # والغرض من هذه الآية التشبيه دون نفس الحقيقة، ووجه التشبيه في ذلك أن ~~من سلك طريقة الإيمان، فهو جار على الاستقامة المؤدية إلى الفوز ~~والظفر بالطلبة من الثواب والنعيم، فالمبدل لذلك بالكفر عادل عن ~~الاستقامة فقيل فيه: إنه ضل سواء السبيل. # والسبيل يذكر ويؤنث: # قل هذه سبيلي # [يوسف:108]. # والجملة من قوله: " فقد ضل " في محل جزم؛ لأنها جزاء الشرط، والفاء ~~واجبة هنا لعدم صلاحيته شرطا. # فصل في المخاطب بهذا # في المخاطب بهذا ثلاثة أوجه: # أحدها: [أنهم المسلمون قاله الأصم، والجبائي، وأبو مسلم، ويدل عليه ~~وجوه: # أحدها: أن قوله تعالى]: " أم تريدون " يقتضي معطوفا عليه وهو ~~قوله: { لا تقولوا راعنا } فكأنه قال: وقولوا: انظرنا واسمعوا فهل ~~تفعلون ذلك كما أمرتم أم تريدون أن تسألوا رسولكم؟ # وثانيها: أن المسلمين كان يسألون محمدا صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم ~~وبجل وعظم عن أمور لا خير لهم في البحث عنها ليعلموها كما سأل ~~اليهود موسى عليه الصلاة والسلام ما لم يكن لهم فيه خير عن البحث ~~عنه. # وثالثها: سأل قوم من المسلمين أن يجعل لهم ذات أنواط كما كان ~~للمشركين ذات أنواط، وهي شجرة كانوا يعبدونها، ويعلقون عليها المأكول ~~والمشروب، كما سألوا موسى أن يجعل لهم إلها كما لهم آلهة. # القول الثاني: أنه خطاب لأهل " مكة " ، وهو قول ابن عباس ومجاهد رضي ~~الله تعالى عنهم؛ لأنه يروى أن عبد الله بن أمية المخزومي أتى رسول الله ~~ صلى الله عليه وسلم في رهط من قريش فقال: يا محمد والله ما أومن بك ~~حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر ~~الأنهار خلالها تفجيرا أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء بأن ~~تصعد، ولن نؤمن لرقيك بعد ذلك حتى تنزل علينا ms0630 كتابا [من عند الله إلى ~~عبد الله بن أمية أن محمدا رسول الله فأتبعوه. وقال له بقية الرهط: ~~فإن لم تستطع ذلك فائتنا بكتاب من] عند الله جملة واحدة فيه الحلال ~~والحرام والحدود والفرائض، كما جاء موسى إلى قومه بالألواح من عند الله ~~فيها كل ذلك، فنؤمن لك عند ذلك. # فأنزل الله تعالى: { أم تريدون أن تسألوا رسولكم } ~~محمدا أن يأتيكم بالآيات من عند الله كما سأل السبعون فقالوا: # نرى الله جهرة # [البقرة:55]. وعن مجاهد رحمه الله تعالى أن قريشا سألت محمدا عليه ~~الصلاة والسلام أن يجعل لهم الصفا ذهبا وفضة، فقال: نعم هو لكم ~~كالمائدة لبني إسرائيل فأبوا ورجعوا. # القول الثالث: المراد بهم اليهود، [وهذا القول أصح، لأن هذه السورة من ~~أول قوله]: # يبني إسراءيل اذكروا نعمتي # [البقرة:47] حكاية ومحاجة معهم؛ ولأن الآية مدنية، ولأنه جرى ذكر ~~اليهود وما جرى ذكر غيرهم. # فصل في سؤالهم # [قال ابن الخطيب رحمه الله تعالى: ليس في الآية أنهم أتوا بالسؤال فضلا ~~عن كيفيته، وإنما المرجع فيه إلى الروايات المذكورة. # فإن قيل: إن كان ذلك السؤال طلبا للمعجزة فليس بكفر؛ لأن طلب الدليل ~~على الشيء لا يكون كفرا، وإن كان طلبا لوجه الحكمة في نسخ الأحكام فهذا ~~أيضا لا يكون كفرا؛ لأن الملائكة عليهم السلام طلبوا الحكمة في ~~خلق البشر، ولم يكن ذلك كفرا. والجواب أن يحمل على أنهم طلبوا أن ~~يجعل لهم إله كما لهم آلهة، أو طلبوا المعجزة على سبيل التعنت، أو ~~اللحاج، فهذا كفر، والسبب هذا السؤال، والله أعلم]. ### || [2.109] # سبب نزول هذه الآية أن اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان، وعمار بن ياسر ~~بعد وقعة " أحد ": ألم تروا ما أصابكم، ولو كنتم على الحق ما هزمتم، ~~فارجعوا إلى ديننا، فهو خير لكم وأفضل، ونحن أهدى منكم سبيلا. # فقال عمار: كيف نقض العهد فيكم؟ قالوا: شديد، قال: فإني قد عاهدت أني لا ~~أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم ما عشت. # فقالت اليهود: أما هذا فقد صبأ، وقال ms0631 حذيفة: وأما أنا فقد رضيت بالله ~~ربا، وبالإسلام دينا، وبالقرآن إماما، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين ~~إخوانا، ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبراه فقال: أصبتما ~~خيرا وأفلحتما فنزلت هذه الآية. # قوله تعالى: " لو يردونكم " الكلام في " لو " كالكلام فيها عند ~~قوله: # يود أحدهم لو يعمر # [البقرة:96]، فمن جعلها مصدرية هناك جعلها كذلك هنا، وقال: هي مفعول " ~~يود " أي: ود كثير ردكم. # ومن أبي جعل جوابها محذوفا تقديره: لو يردونكم كفارا لسروا أو ~~فرحوا بذلك. # وقال بعضهم: تقديره: لو يردونكم كفارا لودوا ذلك، ف " ود " ~~دالة على الجواب، وليست بجواب؛ لأن " لو " لا يتقدمها جوابها كالشرط. # وهذا التقدير الذي قدره هذا القائل فاسد، وذلك أن " لو " حرف لما كان ~~سيقع لوقوع غيره، فيلزم من تقديره ذلك أن ودادتهم ذلك لم تقع؛ لأن ~~الموجب لفظا منفي معنى، والغرض من ودادتهم ذلك واقعة باتفاق، فتقدير ~~لسروا ونحوه هو الصحيح. # و " يرد " هنا فيه قولان. # أحدهما وهو الواضح أنها المتعدية لمفعولين بمعنى " صير " ، ~~فضمير المخاطبين مفعول أول، و " كفارا " مفعول ثان؛ ومن مجيء " رد " ~~بمعنى " صير " قوله: [الوافر] # 733 رمى الحدثان نسوة آل حرب # بمقدار سمدن له سمودا # فرد شعورهن السود بيضا # ورد وجوههن البيض سودا # وجعل أبو البقاء كفارا حالا من ضمير المفعول على أنها المتعدية لواحد، ~~وهو ضعيف، لأن الحال يستغنى عنها غالبا، وهذا لابد منه. # و " من بعد " متعلق ب " يردونكم " و " من " لابتداء الغاية. # قوله تعالى: " حسدا " نصب على المفعول له، وفيه الشروط المجوزة لنصبه، ~~والعامل فيه " ود " أي: الحامل على ودادتهم ردكم كفارا حسدهم ~~لكم. # وجوزوا فيه وجهين آخرين: # أحدهما: أنه مصدر في موضع الحال، وإنما لم يجمع لكونه مصدرا، أي: ~~حاسدين، وهذا ضعيف، لأن مجيء المصدر حالا لا يطرد. # الثاني: أنه منصوب على المصدرية بفعل من لفظه أي يحسدونكم حسدا [والأول ~~أظهر الثلاثة]. # قوله تعالى: { من عند أنفسهم } في هذا الجار ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه متعلق ب " ود " أي: ودوا ذلك من قبل شهواتهم لا من قبل ms0632 ~~التدين [والميل مع الحق؛ لأنهم ودوا ذلك من بعد ما تبين لهم أنكم على ~~الحق] و " من " لابتداء الغاية. # الثاني: أنه صفة ل " حسدا " فهو في محل نصب، ويتعلق بمحذوف أي: ~~حسدا كائنا من قبلهم وشهوتهم، ومعناه قريب من الأول. # [الثالث: أنه متعلق ب " يردونكم " ، و " من " للسببية. أي: يكون ~~الرد من تلقائهم وجهتهم وبإغوائهم]. # قوله تعالى: " من بعد ما " متعلق ب " ود " ، و " من " للابتداء، ~~أي: أن ودادتهم ذلك ابتدأت من حيث وضوح الحق، وتبينه لهم، فكفرهم ~~عناد، و " ما " مصدرية أي: من بعد تبيين الحق. # والحسد: تمني زوال نعمة الإنسان. والمصدر حسد. # فإن قيل: إن النفرة القائمة بقلب الحاسد من المحسود أمر غير داخل في ~~وسعه، فكيف يعاقب عليه؟ # فالجواب: أن الذي هو في وسعه أمران: # أحدهما: كونه راضيا بتلك النفرة. # والثاني: إظهار آثار تلك النفرة من القدح فيه، والقصد إلى إزالة ~~تلك النعمة عنه وجد أسباب المحبة إليه، فهذا هو الداخل تحت التكليف. # والحمد نوعان: مذموم ومحمود، فالمذموم أن يتمنى زوال نعمة الله عن ~~المسلم، سواء تمينت مع ذلك أتعود إليك أم لا؛ لأنه فيه تسفيه الحق ~~سبحانه وتعالى وأنه أنعم على من لا يستحق. # والمحمود كقوله صلى الله عليه وسلم: # " لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله تعالى القرآن ~~فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه ~~الله مالا فهو ينفق آناء الليل وآناء النهار " # . وهذا الحديث معناه " الغبطة " كذا ترجم عليه البخاري رحمه الله ~~تعالى. # والصفح قريب من العفو، مأخوذ من الإعراض بصفحة العنق. # وقيل: معناه التجاوز، من تصفحت الكتاب أي: جاوزت ورقه، ~~والصفوح من أسماء الله، والصفوح أيضا: المرأة تستر وجهها ~~إعراضا؛ قال الشاعر: [الطويل] # 734 صفوح فما تلقاك إلا بحيلة # فمن مل منها ذلك الوصل ملت # قال القرطبي رحمه الله تعالى: العفو: ترك المؤاخذة بالذنب. # والصفح: أزالة أثره من النفس. يقال: صفحت عن فلان إذا أعرضت عن ~~ذنبه، وقد ضربت عنه صفحا إذا أعرضت عنه وتركته، ومنه قوله تعالى: # أفنضرب عنكم ms0633 الذكر صفحا # [الزخرف:5]. # فصل في المراد بهذه الآية # [المراد بهذه الآية أنهم كانوا يريدون رجوع المؤمنين عن الإيمان من بعد ~~ما تبين لهم أن الإيمان صواب وحق، والعالم بأن غيره على حق لا يجوز أن ~~يريد رده عنه إلا بشبهة يلقيها إليه، لأن المحق لا يعدل عن الحق إلا ~~بشبهة، والشبهة ضربان: # أحدهما: ما يتصل بالدنيا، وهو أن يقال لهم: قد علمتم ما نزل بكم من ~~إخراجكم من دياركم، وضيق الأمر عليكم، واستمرار المخافة بكم، فاتركوا ~~الإيمان الذي ساقكم إلى هذه الأشياء. # والثاني: في باب الدين: بطرح الشبه في المعجزات، أو تحريف ما في ~~التوراة. # فصل في المقصود بأمر الله # قوله: { فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره } ~~يحتمل أمرين: # الأول: أن المراد ترك المقابلة والإعراض عن الجواب، لأن ذلك أقرب إلى ~~تسكين الثائرة في الوقت، فكأنه تعالى أمر الرسول بالعفو والصفح ~~عن اليهود، فكذا أمره بالعفو والصفح عن مشركي العرب بقوله تعالى: # قل للذين ءامنوا يغفروا للذين لا يرجون ~~أيام الله # [الجاثية:14] وقوله: # واهجرهم هجرا جميلا # [المزمل:10] ولذلك لم يأمر بذلك على الدوام، بل علقه بغاية فقال { ~~حتى يأتي الله بأمره }. # وذكروا فيه وجوها: # أحدها: أنه المجازاة يوم القيامة عن الحسن. # وثانيها: أنه] قوة الرسول صلوات الله وسلامه عليه وكثرة أمته. # وثالثها: وهو قول أكثر الصحابة والتابعين رضي الله عنهم، أنه الأمر ~~بالقتال؛ لأن عنده يتعين أحد أمرين: # إما الإسلام، وإما الخضوع لدفع الجزية، وتحمل الذل والصغار، فلهذا ~~قال العلماء: إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر # [التوبة:29]. # وروي أنه لم يؤمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال حتى نزل جبريل ~~ عليه الصلاة والسلام بقوله: # أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا # [الحج:39] وقلده سيفا فكان أول قتال قاتل أصحاب عبد الله بن جحش ب ~~" بطن نخل " ، وبعده غزوة " بدر ". # فإن قيل: كيف يكون منسوخا وهو معلق بغاية كقوله: # ثم أتموا الصيام إلى اليل # [البقرة:187]. وإن لم يكن ورود الليل ناسخا، فكذا هاهنا. # فالجواب: ms0634 أن الغاية التي تعلق بها الأمر إذا كانت لا تعلم إلا شرعا لم ~~يخرج ذلك الوارد شرعا عن أن يكون ناسخا، ويحل محل قوله تعالى: { ~~فاعفوا واصفحوا } إلى أن أنسخه عنكم. # فإن قيل: كيف يعفون ويصفحون، والكفار كانوا أصحاب الشوكة والقوة، والصفح ~~لا يكون إلا عن قدرة؟ فالجواب: أن الرجل من المسلمين كان ينال بالأذى، ~~فيقدر في تلك الحالة قبل اجتماع الأعداء أن يدفع عداوتهم عن نفسه وأن ~~يستعين بأصحابه، فأمر الله سبحانه تعالى عند ذلك بالعفو والصفح كي لا ~~يهيجوا شرا وقتالا. # قال القرطبي رحمه الله: [قال أبو عبيدة:] كل آية فيها ترك للقتال فهي ~~مكية منسوخة بالقتال. # قال ابن عطية: [الحكم] بأن هذه الآية مكية ضعيف: لأن معاندات اليهود ~~أنما كانت ب " بالمدينة ". # قال القرطبي: " وهو الصحيح ". # [التفسير الثاني: العفو والصفح] أنه حسن الاستدعاء، واستعمال ما يلزم ~~فيهم من النصح والإشفاق والتشدد فيه، وهذا لا يجوز نسخه. # وقوله: { إن الله على كل شيء قدير } تحذير لهم ~~بالوعيد، سواء حمل على الأمر بالقتال أو غيره. ### || [2.110] # لما أمرنا بالعفو والصفح عن اليهود عقبه بقوله تعالى: { وأقيموا ~~الصلوة وآتوا الزكوة } تنبيها لهما على ما أعد لهما من ~~الواجبات وقوله بعده: # وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه # [المزمل:20]. الأظهر أن المراد به التطوعات من الصلوات والزكوات، وبين ~~تعالى أنهم يجدونه، وليس المراد أنهم يجدون عين تلك الأعمال؛ لأنها لا ~~تبقى، ولأن وجدان عين تلك الإشياء، ولا يرغب فيه، فبقي أن المراد ~~وجدان ثوابه وجزائه. # قوله تعالى: { وما تقدموا لأنفسكم من خير } كقوله: # ما ننسخ من ءاية # [البقرة:106]. # فيجوز في " ما " أن تكون مفعولا بها، وأن تكون واقعة موقع المصدر، ~~ويجوز في " من خير " الأربعة أوجه التي في " من آية ": من كونه ~~مفعولا به، أو حالا، أو تمييزا، أو متعلقا بمحذوف. # و " من " تبعيضية، وقد تقدم تحقيقها، فليراجع ثمة. # و " لأنفسكم " متعلق ب " تقدموا " ، أي: لحياة أنفسكم، وحذف، و ~~" تجدوه " جواب الشرط، وهي متعدية لواحد؛ لأنها بمعنى الإصابة، ومصدرها ~~الوجدان بكسر الواو ms0635 كما تقدم، ولا بد من حذف مضاف أي: تجدوا ثوابه، ~~وقد جعل الزمخشري رحمه الله تعالى الهاء عائدة على " ما " ، وهو يريد ~~ذلك؛ لأن الخير المتقدم سبب منقض لا يوجد، إنما يوجد ثوابه. # [فصل فيما بعد الموت # جاء في الحديث أن العبد إذا مات قال الناس: ما خلف؟ وقالت الملائكة ~~عليهم السلام: ما قدم؟ # وجاء عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه مر ببقيع " الغرقد ~~" فقال: السلام عليكم يا أهل القبور، أخبارنا عندنا أن نساءكم ~~قد تزوجن، ودروكم قد سكنت، وأموالكم قد قسمت، فأجابه ~~هاتف: يا ابن الخطاب، أخبار ما عندنا أن ما قدمناه وجدناه، ~~وما أنفقناه فقد ربحناه، وما خلفناه فقد خسرناه؛ وقد أحسن ~~القائل حيث قال: [الكامل] # 735 قدم لنفسك قبل موتك صالحا # واعمل فليس إلى الخلود سبيل # وقال آخر: [الكامل] # 736 قدم لنفسك توبة مرجوة # قبل الممات وقبل حبس الألسن # وقال آخر: [السريع] # 737 وقدم الخير فكل امرىء # على الذي قدمه يقدم] # فصل في إعراب الآية # قوله: " عند الله " يجوز فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق ب " تجدوه ". # والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من المفعول أي: تجدوا ثوابه ~~مدخرا معدا عند الله تعالى، والظرفية هنا مجاز نحو: " لك عند فلان ~~يد ". # قوله تعالى: { إن الله بما تعملون بصير } أي: لا يخفى ~~عليه القليل ولا الكثير من الأعمال فهو ترغيب وتحذير. ### || [2.111-112] # اعلم أن هذا نوع آخر من تخليط اليهود، وإلقاء الشبه في قلوب المسلمين. # قوله تعالى: { إلا من كان هودا }. # " من " فاعل بقوله: " يدخل " وهو استثناء مفرغ، فإن ما قبل " إلا " ~~مفتقر لما بعدها، والتقدير: لن يدخل الجنة أحد، وعلى مذهب الفراء يجوز ~~في " من " وجهان آخران، وهما النصب على الاستثناء والرفع على البدل ~~من " أحد " المحذوف، فإن الفراء رحمه الله تعالى يراعي المحذوف، وهو لو ~~صرح به لجاز في المستثنى الوجهان المذكوران، فكذلك جاز مع التقدير عنده، ~~وقد تقدم تحقيق المذهبين. # والجملة من قوله تعالى: { لن يدخل الجنة إلا من } في محل ~~نصب بالقول، وحمل ms0636 أولا على لفظ " من " فأفرد الضمير في قوله: " كان " ، ~~وعلى معناها ثانيا فجمع في خبرها وهو " هودا " ، وفي مثل هاتين ~~الجملتين خلاف، أعني أن يكون الخبر غير فعل، بل وصفا يفصل بين مذكره ~~ومؤنثه تاء التأنيث. # فمذهب جمهور البصريين والكوفيين جوازه، ومذهب غيرهم منعه، منهم أبو ~~العباس، وهم محجوجون بسماعه من العرب كهذه الآية، فإن هودا جمع " ~~هائد " على أظهر القولين، نحو: بازل وبزل، وعائد وعود، وحائل ~~وحول، وبائر وبور. # و " هائد " من الأوصاف، الفارق بين مذكرها ومؤنثها " تاء " التأنيث؛ ~~قال الشاعر: [المتقارب] # 738 وأيقظ من كان منكم نياما # و " نيام " جمع نائم، وهو كالأول. # وفي " هود " ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه جمع هائد كما تقدم. # والثاني: أنه مصدر على " فعل " نحو حزن وشرب يوصف به الواحد وغيره ~~نحو: عدل وصوم. # والثالث: وهو قول الفراء أن أصله " يهود " ، فحذفت الياء من أوله، وهذا ~~بعيد. # و " أو " هنا للتفصيل والتنويع؛ لأنه لما لف الضمير في قوله ~~تعالى: " وقالوا ": فصل القائلين، وذلك لفهم المعنى، وأمن الإلباس، ~~والتقدير: [وقال اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا. # وقال الأنصاري: لن يدخل إلا من كان نصارى]؛ لأن من المعلوم أن ~~اليهود لا تقول: لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا، وكذلك النصارى لا ~~تقول: [لا يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا]. # ونظيره قوله: # وقالوا كونوا هودا أو نصارى # [البقرة:135] إذ معلوم أن اليهود لا تقول: كونوا نصارى، ولا النصارى ~~تقول: كونوا هودا. # وصدرت الجملة بالنفي ب " لن "؛ لأنها تخلص المضارع للاستقبال، ودخول ~~الجنة مستقبل. وقدمت اليهود على النصارى لفظا لتقدمهم زمانا. # وقرأ أبي بن كعب { إلا من كان يهوديا أو نصرانيا }. # قوله تعالى: " تلك أمانيهم " " تلك " مبتدأ، و " ~~أمانيهم " خبره، ولا محل لهذه الجملة من الإعراب لكونها وقعت ~~اعتراضا بين قوله: " وقالوا " ، وبين قوله تعالى: { قل هاتوا ~~برهانكم } ، فهي اعتراض بين الدعوى ودليلها. # والمشار إليه ب " تلك " فيه ثلاثة احتمالات: # أحدها: أنه المقالة المفهومة من: { وقالوا لن يدخل الجنة ~~} ، أي: تلك المقالة أمانيهم. # فإن قيل: ms0637 كيف أفرد المبتدأ وجمع الخبر؟ # فالجواب: أن تلك كناية عن المقالة، والمقالة في الأصل مصدر، والمصدر ~~يقع بلفظ الإفراد للمفرد والمثنى والمجموع، فالمراد ب " تلك " الجمع ~~من حيث المعنى. # وأجاب الزمخشري رحمه الله أن " تلك " يشار بها إلى الأماني المذكورة، ~~وهي أمنيتهم [ألا ينزل على المؤمنين خير من ربهم، وأمنيتهم أن يردوهم ~~كفارا أي] ألا يدخل الجنة غيرهم. # قال أبو حيان رحمه الله تعالى: وهذا ليس بظاهر؛ لأن كل جملة ذكر فيها ~~ودهم لشيء قد كملت وانفصلت، واستقلت بالنزول، فيبعد أن يشار إليها. # وأجاب الزمخشري أيضا أن يكون على حذف مضاف أي: أمثال تلك الأمنية ~~أمانيهم، يريد أن أمانيهم جميعا في البطلان مثل أمنيتهم هذه يعني أنه ~~أشير بها إلى واحد. # قال أبو حيان: وفيه قلب الوضع، إذ الأصل أن يكون " تلك " مبتدأ، و " ~~أمانيهم " خبر، فقلب هذا الوضع، إذ قال: إن أمانيهم في البطلان ~~مثل أمنيتهم هذه، وفيه أنه متى كان الخبر مشبها به المبتدأ، فلا يتقدم ~~الخبر نحو: زيد زهير، فإن تقدم كان ذلك من عكس التشبيه كقولك: الأسد زيد ~~شجاعة [قال عليه الصلاة والسلام: # " العاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله ~~تعالى " # وقال علي رضي الله عنه: " لا تتكل على المنى، فإنها تضيع المتكل " ]. # قوله: " هاتوا برهانكم " هذه الجملة في محل نصب بالقول. # واختلف في " هات " على ثلاثة أقوال: # أصحها: أنه فعل، [وهذا هول صحيح] لاتصاله بالضمائر المرفوعة البارزة ~~نحو: هاتوا، هاتي، هاتيا، هاتين. # الثاني: أنه اسم فعل بمعنى أحضر. # الثالث: وبه قال الزمخشري: أنه اسم صوت بمعنى " ها " التي بمعنى أحضر. # وإذا قيل بأنه فعل فاختلف فيه على ثلاثة أقوال أيضا: # أصحها: أن هاءه أصل بنفسها، وأن أصله هاتى يهاتي مهاتاة مثل: رامى ~~يرامي مراماة، فوزنه " فاعل " فتقول: هات يا زيد، وهاتي يا هند، ~~وهاتوا وهاتين يا هندات، كما تقول: رام رامي راميا راموا ~~رامين. وزعم ابن عطية رحمه الله أن تصريفه مهجور لا يقال فيه ~~إلا الأمر، وليس كذلك. # الثاني: أن " الهاء " بدل من ms0638 الهمزة، وأن الأصل " آتى " وزنه: أفعل مثل ~~أكرم. # وهذا ليس بجيد لوجهين: # أحدهما: أن " آتى " يتعدى لاثنين، وهاتي يتعدى لواحد فقط. # [وثانيهما]: أنه كان ينبغي أن تعود الألف المبدلة من الهمزة إلى أصلها ~~[الزوال] موجب قلبها، وهو الهمزة الأولى، ولم يسمع ذلك. # الثالث: أن هذه " ها " التي للتنبيه دخلت على " أتى " ولزمتها، وحذفت ~~همزة أتى لزوما، وهذا مردود، فإن معنى " هات " أحضر كذا، ومعني ائت: ~~احضر أنت، فاختلاف المعنى يدل على اختلاف المادة. # فتحصل في " هاتوا " سعبة أقوال: # فعل، أو اسم فعل، أو اسم صوت، والفعل هل ينصرف أو لا ينصرف؟ وهل هاؤه ~~أصلية، أو بدل من همزة، أو هي هاء التنبيه زيدت وحذفت همزته؟ # وأصل " هاتوا ": " هاتيوا " ، فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ~~ساكنان فحذف أولهما، وضم ما قبله لمجانسة " الواو " فصار " هاتوا ". # قوله تعالى: " برهانكم " مفعول به. # قال القرطبي رحمه الله تعالى: " البرهان " الدليل الذي يوقع اليقين، ~~وجمعه براهين، مثل قربان وقرابين، وسلطان وسلاطين ". # واختلفوا فيه على قولين: # أحدهما: أنه مشتق من " البره " وهو القطع، وذلك أنه دليل يفيد العلم ~~القطعي، ومنه: برهة الزمان أي: القطعه منه، فوزنه " فعلان ". # والثاني: أن نونه أصلية لثبوتها في برهن يبرهن برهنة، ~~والبرهنة البيان، فبرهن فعلل لا فعلن، لأن فعلن غير ~~موجود في أبنيتهم، فوزنه " فعلال "؛ [وعلى هذين القولين يترتب الخلاف ~~في صرف " برهان " وعدمه، إذا سمي به. # ودلت الآية على أن الدليل على المدعي، سواء ادعى نفيا، أو ~~إثباتا، ودلت على بطلان القول بالتقليد؛ قال الشاعر: [السريع] # 739 من ادعى شيئا بلا شاهده # لا بد أن تبطل دعواه] # وقوله تعالى: { إن كنتم صادقين } يعنى: في إيمانكم أي في قولكم: ~~إنكم تدخلون الجنة، أي: بينوا ما قلتم ببرهان. # قوله تعالى: " بلى " فيه وجوه: # الأول: أنه إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة. # الثاني: أنه تعالى لما نفى أن يكون لهم برهان أثبت أن لمن أسلم وجهه لله ~~برهانا. # الثالث: كأنه قيل لهم: أنتم على ما أنتم عليه لا تفوزون بالجنة، بل إن ms0639 ~~غيرتم طريقتكم، وأسلمتم وجهكم لله، وأحسنتم فلكم الجنة، فيكون ذلك ~~ترغيبا لهم في الإسلام، وبيانا لمفارقة حالهم لحال من يدخل الجنة ~~لكي يقلعوا عما هم عليه، ويعدلوا إلى هذه الطريقة. # قوله تعالى: { من أسلم وجهه لله } هو إسلام النفس لطاعة ~~الله تعالى، وإنما خص الوجه بالذكر لوجوه: # أحدها: لأنه أشرف الأعضاء من حيث إنه معدن الحواس والفكر والتخيل ~~[ولذلك يقال: وجه الأمر، أي معظمه؛ قال الأعشى: [السريع] # 740 أؤول الحكم على وجهه # ليس قضائي بالهوى الجائر] # فإذا تواضع الأشارف كان غيره أولى. # وثانيها: أن الوجه قد يكنى به عن النفس، قال الله تعالى: # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص:88]، # إلا ابتغآء وجه ربه الأعلى # [الليل:20]. # وثالثها: أن أعظم العبادات السجدة، وهي إنما تحصل بالوجه، فلا جرم خص ~~الوجه بالذكر. [ومعنى " أسلم ": خضع قال زيد بن عمرو بن نفيل: ~~[المتقارب] # 741أ وأسلمت وجهي لمن أسلمت # له الأرض تحمل صخرا ثقالا # 741ب وأسلمت وجهي لمن أسلمت # له المزن تحمل عذبا زلالا # فيكون المراد هنا نفسه، والأمر بإذلالها، وأراد به نفس الشيء، وذلك لا ~~يكون إلا بانقياد الخضوع، وبإذلال النفس في طاعة الله عز وجل ~~وتجنبها عن معاصيه]. # ومعنى " لله " أي: خالصا لله لا يشوبه شرك. # قوله تعالى: " وهو محسن " جملة في محل نصب على حال [والعامل ~~فيها " أسلم " وهذه الحال حال مؤكدة لأن من " أسلم وجهه لله فهو محسن " ~~]. # وقال الزمخشري رحمه الله تعالى وهو محسن له في عمله فتكون على رأيه ~~مبينة؛ لأن من أسلم وجهه قسمان: محسن في عمله وغير محسن أنتهى. # قوله تعالى: " فله أجره " الفاء جواب الشرط إن قيل بأن " من " شرطية، ~~أو زائدة في الخبر إن قيل بأنها موصولة، وقد تقدم تحقيق القولين عند قوله ~~سبحانه وتعالى: # بلى من كسب سيئة # [البقرة:81] وهذه نظير تلك فليلتفت إليها. # وهنا وجه آخر زائد ذكره الزمخشري، وهو أن تكون " من " فعله بفعل محذوف ~~أي: بلى يدخلها من أسلم، و " فله أجره " كلام معطوف على يدخلها ~~هذا نصه. # و " له أجره ms0640 " مبتدأ وخبره، إما في محل جزم، أو رفع على حسب ما ~~تقدم من الخلاف في " من ". وحمل على لفظ " من " فأفرد الضمير في ~~قوله تعالى: { فله أجره عند ربه } وعلى معناها، فجمع في ~~قوله: { عليهم ولا هم يحزنون } ، وهذا أحسن التركيبين، ~~أعني البداءة بالحمل على اللفظ ثم الحمل على المعنى والحامل في " عند " ~~ما تعلق به " له " من الاستقرار، ولما أحال أجره عليه أضاف الظرف إلى ~~لفظة " الرب " لما فيها من الإشعار بالإصلاح والتدبير، ولم يضفه إلى ~~الضمير، ولا إلى الجلالة، فيقول: فله أجره عنده أو عند الله، لما ذكرت ~~لك، وقد تقدم الكلام في قوله تعالى: # فلا خوف # [البقرة:38] بما فيه من القراءات. ### || [2.113] # اليهود ملة معروفة، والياء فيه أصلية لثبوتها في التصريف، وليست من ~~مادة " هود " من قوله تعالى: # هودا أو نصارى # [البقرة:111] وقد تقدم أن الفراء رحمه الله يدعي أن " هودا " أصله: ~~يهود، فحذفت ياؤه، وتقدم أيضا عند قوله تعالى: # والذين هادوا # [البقرة:62] أن اليهود نسبة ل " يهوذا بن يعقوب ". # وقال الشلوبين: يهود فيها وجهان: # أحدهما: أن تكون جمع يهودي، فتكون نكرة مصروفة. # والثاني: أن تكون علما لهذه القبيلة، فتكون ممنوعة من الصرف. انتهى، ~~وعلى الأول دخلت الألف واللام، وعلى الثاني قوله: [الطويل] # 742 أولئك أولى من يهود بمدحة # إذا أنت يوما قلتها لم تؤنب # وقال آخر: [الكامل] # 743 فرت يهود وأسلمت جيرانها # ......................... # ولو قيل بأن " يهود " منقول من الفعل المضارع نحو: يزيد ويشكر لكان ~~قولا حسنا. ويؤيده قولهم: سموا يهودا لاشتقاقهم من هاد يهود ~~إذا تحرك. # قوله تعالى: " ليست النصارى " " ليس " فعل ناقص أبدا من أخوات " ~~كان " ولا يتصرف، ووزنه على " فعل " بكسر العين، كان من حق فائه أن ~~تكسر إذا أسند إلى تاء المتكلم ونحوها على الياء مثل: شئت، إلا أنه لما ~~لم ينصرف بقيت " الفاء " على حالها. # وقال بعضهم: " ليست " بضم الفاء، ووزنه على هذه اللغة: فعل بضم العين، ~~ومجيء فعل بضم العين فيما عينه ياء نادر، لم يجىء منه إلا " هيؤ ~~الرجل " ، إذا ms0641 حسنت هيئته. # وكون " ليس " فعلا هو الصحيح خلافا للفارسي في أحد قوليه، ومن تابعه ~~في جعلها حرفا ك " ما " كما قيل ويدل على فعليتها اتصال ضمائر ~~الرفع البارزة بها، ولها أحكام كثيرة، و " النصارى " اسمها، و " ~~على شيء " خبرها، وهذا يحتمل أن يكون مما حذفت فيه الصفة، أي على ~~شيء معتد به كقوله سبحانه وتعالى: # إنه ليس من أهلك # [هود:46] أي: أهلك الناجين، وقوله: [الطويل] # 744........................ # ............... لقد وقعت على لحم # أي: لحم عظيم، وأن يكون نفيا على سبيل المبالغة، فإذا نفى إطلاق ~~الشيء على ما هم عليه، مع أن الشيء يطلق على المعدوم عند بعضهم كان ذلك ~~مبالغة في عدم الاعتداد به، وصار كقوله: " أقل من لا شيء ". # فصل في سبب نزول هذه الآية # روي أن وفد نجران لما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم ~~أحبار اليهود، فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم، فقالت اليهود: ما أنتم على ~~شيء من الدين، وكفروا بعيسى عليه السلام والإنجيل. # وقالت النصارى لهم نحوه، وكفروا بموسى عليه السلام والتوراة، فأنزل ~~الله هذه الآية. # واختلفوا فيمن هم الذين عناهم الله تعالى أهم الذين كانوا زمن ~~بعثة عيسى عليه السلام أو في زمن محمد عليه السلام؟ # [فإن قيل: كيف قالوا ذلك مع أن الفريقين كانوا يثبتون الصانع وصفاته ~~سبحانه، وذلك قول فيه فائدة؟ # والجواب عندهم من وجهين: # الأول: أنهم لما ضموا إلى ذلك القول الحسن قولا باطلا يحبط ثواب ~~الأول، فكأنهم لم يأتوا بذلك الحق. # الثاني: أن يخص هذا العام بالأمور التي اختلفوا فيها، وهي ما يتصل ~~بإثبات الثواب]. # قوله تعالى: " وهم يتلون " جملة حالية، وأصل يتلون: يتلوون ~~فأعل بحذف " اللام " ، وهو ظاهر. # و " الكتاب " اسم جنس، أي قالوا ذلك حال كونهم من أهل العلوم ~~والتلاوة من كتب، وحق من حمل التوراة، أو الإنجيل، أو غيرهما من كتب ~~الله، وآمن به ألا يكفر بالباقي؛ لأن كل واحد من الكتابين مصدق للثاني ~~شاهد لصحته. # قوله: { كذلك قال الذين لا يعلمون } في هذه الكاف ~~قولان: # أحدهما: أنها في ms0642 محل نصب، وفيها حينئذ تقديران: # أحدهما: أنها نعت لمصدر محذوف قدم على عامله، تقديره: قولا مثل ذلك ~~القول [الذي قال أي قال القول] الذين لا يعلمون. # [الثاني: أنها في محل نصب على الحال من المصدر المعرفة المضمر الدال ~~عليه. قال: تقديره: مثل ذلك القول قاله أي: قال القول الذين لا يعلمون] ~~حال كونه مثل ذلك القول، وهذا رأي سيبويه رحمه الله، والأول رأي ~~النحاة، كما تقدم غير مرة، وعلى هذين القولين ففي نصب " مثل ~~قولهم " وجهان: # أحدهما: أنه منصوب على البدل من موضع الكاف. # الثاني من الوجهين: أنه مفعول به العامل فيه " يعلمون " ، أي: ~~الذين لا يعلمون مثل مقالة اليهود، والنصارى قالوا مثل مقالتهم، أي: ~~أنهم قالوا ذلك على سبيل الاتفاق، وإن كانوا جاهلين بمقالة اليهود ~~والنصارى. # الثاني من القولين: أنها في محل رفع بالابتداء، والجملة بعدها خبر، ~~والعائد محذوف تقديره: [مثل ذلك قاله الذين لا يعلمون. # وانتصاب " مثل قولهم " حينئذ إما على أنه نعت لمصدر محذوف، أو ~~مفعول ب " يعلمون " تقديره] مثل قول اليهود والنصارى قال الذين لا ~~يعلمون اعتقاد اليهود والنصارى، ولا يجوز أن ينتصب نصب المفعول يقال لأنه ~~أخذ مفعوله، وهو العائد على المبتدأ، ذكر ذلك أبو البقاء، وفيه نظر من ~~وجهين: # أحدهما: أن الجمهور يأبى جعل الكاف اسما. # والثاني: حذف العائد المنصوب، [والنحاة] ينصون على منعه، ويجعلون ~~قوله: [السريع] # 745 وخالد يحمد ساداتنا # بالحق لا يحمد بالباطل # ضرورة. # [وللكوفيين في هذا تفصيل]. # فصل في المراد بالذين لا يعلمون # قوله تعالى: { قال الذين لا يعلمون } يقتضي أن من تقدم ذكره ~~يجب أن يكون عالما لكي يصح هذا الفرق. # واختلفوا في { الذين لا يعلمون } فقال مقاتل رحمه الله: إنهم ~~مشركو العرب قالوا في نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه: إنهم ليسوا ~~على شيء من الدين، فبين تعالى أنه إذا كان قول اليهود والنصارى، وهم ~~يقرؤون الكتاب لا يلتفت إليه فقول كفار العرب أولى ألا يلتفت إليه. # وقال مجاهد: عوام النصارى فصلا بين خواصهم وعوامهم. # وقال عطاء: أسماء ms0643 كانت قبل اليهود والنصارى مثل قوم نوح، وقوم هود ~~وصالح، ولوط وشعيب، قالوا لنبيهم: إنه ليس على شيء. # وقيل: إن حملنا قوله: { وقالت اليهود ليست النصارى ~~على شيء } على الحاضرين في زمن صلى الله عليه وسلم حملنا قوله: { ~~قال الذين لا يعلمون } على المعاندين المتقدمين ويحتمل ~~العكس. # قوله: { فالله يحكم بينهم } فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: قال الحسن: يكذبهم جميعا، ويدخلهم النار. # وثانيها: ينصف المظلوم المكذب من الظالم المكذب. # وثالثها: يريهم من يدخل الجنة عيانا، ومن يدخل النار عيانا، وهو قول " ~~الزجاج ". # قوله: { بينهم يوم القيامة } منصوبان ب " يحكم " ، و " ~~فيه " متعلق ب " يختلفون ". ### || [2.114] # " من " استفهام في محل رفع بالابتداء، " أظلم " أفعل تفضيل خبره، ~~ومعنى الاستفهام هنا النفي، أي: لا أحد أظلم منه، ولما كان المعنى على ~~ذلك أورد بعض الناس سؤالا، وهو أن هذه الصيغة قد تكررت في القرآن # ومن أظلم ممن افترى # [الأنعام:21] # ومن أظلم ممن ذكر بآيت ربه # [السجدة:22] # فمن أظلم ممن كذب على الله # [الزمر:32] كل واحدة منها تقتضي أن المذكور لا يكون أحد أظلم منه، فكيف ~~يوصف غيره بذلك؟ والجواب من وجوه: # أحدها: وهو أن يخص كل واحد بمعنى صلته كأنه قال: لا أحد من المانعين ~~أظلم ممن منع من مساجد الله، ولا أحد من المفترين أظلم ممن افترى على ~~الله، ولا أحد من الكذابين أظلم ممن كذب على الله، وكذلك ما جاء منه. # الثاني: أن التخصيص يكون بالنسبة إلى السبق، لما لم يسبق أحد ~~إلى مثله حكم عليهم بأنهم أظلم ممن جاء بعدهم سالكا طريقهم في ذلك، وهذا ~~يؤول معناه إلى السبق في المانعية والافترائية ونحوها. # الثالث: أن هذا نفي للأظلمية، ولما كان نفي الأظلمية لا يستدعي نفي ~~الظالمية لم يكن مناقضا؛ لأن فيها إثبات التسوية في الأظلمية، وإذا ~~ثبتت التسوية في الأظلمية لم يكن أحد ما وصف بذلك يزيد على الآخر؛ لأنهم ~~متساوون في ذلك، وصار المعنى: ولا أحد أظلم ممن منع، وممن افترى وممن ~~ذكر، ولا إشكال فى تساوي هؤلاء في الأظلمية، ms0644 ولا يدل ذلك على أن أحد ~~هؤلاء يزيد على الآخر في الظلم، كما أنك إذ قلت: " لا أحد أفقه من زيد ~~وبكر وخالد " لا يدل على أن أحدهم أفقه من الآخر، بل نفيت أن يكون ~~أحد أفقه منهم، لا يقال: إن من منع مساجد الله، وسعى في خرابها، ولم ~~يفتر على الله كذبا أقل ظلما ممن جمع بين هذه الأشياء، فلا يكونون ~~متساوين في الأظلمية إذ هذه الآيات كلها في الكفار، وهم متساوون في ~~الأظلمية إذ كانت طرق الأظلمية مختلفة. # و " من " يجوز أن تكون موصولة، فلا محل للجملة بعدها، وأن تكون ~~موصوفة فتكون الجملة محل جار صفة لها. # و " مساجد " مفعول أول ب " منع " ، وهي جمع مسجد، وهو اسم مكان ~~السجود، وكان من حقه أن يأتي على " مفعل " بالفتح لانضمام عين مضارعة، ~~ولكن شذ كسره، [كما شذت ألفاظ تأتي]. # وقد سمع " مسجد " بالفتح على الأصل. # قال القرطبي رحمه الله: قال الفراء: كل ما كان على " فعل يفعل ~~" ، مثل دخل يدخل، فالمفعل منه بالفتح اسما كان أو مصدرا، ولا ~~يقع فيه الفرق، مثل: دخل يدخل مدخلا، وهذا مدخله، إلا أحرفا ~~من الأسماء ألزموها كسر العين، من ذلك: المسجد، والمطلع، ~~والمغرب، والمشرق، والمسقط، والمفرق، والمجزر، والمسكن، ~~والمرفق، من: رفق يرفق، والمنبت، والمنسك من: نسك ~~ينسك، فجعلوا الكسر علامة للاسم. # والمسجد بالفتح جبهة الرجل حيث يصيبه مكان السجود. # قال الجوهري رحمه الله تعالى: " الأعضاء السبعة مساجد، وقد تبدل ~~جيمه ياء، ومنه: المسجد لغة ". # قوله تعالى: " أن يذكر " ناصب ومنصوب، وفيه أربع أوجه: # أحدها: أنه ثاني ل " منع " ، تقول: منعته كذا. # والثاني: أنه مفعول من أجله أي: كراهة أن يذكر. # وقال أبو حيان: فتعين حذف مضاف أي دخول مساجد الله، وما أشبهه. # والثالث: أنه بدل اشتمال من " مساجد " أي: منع ذكر اسمه فيها. # والرابع: إنه على إسقاط حرف الجر، والأصل من أن يذكر، وحينئذ يجيء فيها ~~مذهبان مشهوران من كونها في محل نصب أو جر، و " في خرابها " متعلق ب " ~~سعى ". # واختلف في ms0645 " خراب " فقال أبو البقاء: " هو اسم مصدر بمعنى التخريب ~~كالسلام بمعنى التسليم، وأضيف اسم المصدر لمفعوله؛ لأنه يعمل عمل الفعل ~~". # وهذا على أحد القولين في أسم المصدر، هل يعمل أو لا؟ وأنشدوا على ~~إعماله: [الوافر] # 746 أكفرا بعد رد الموت عني # وبعد عطائك المائة الرتاعا # وقال غيره: هو مصدر: خرب المكان يخرب خرابا، فالمعنى: سعى في أن ~~تخرب هي بنفسها بعدم تعاهدها بالعمارة، ويقال: منزل خراب وخرب؛ ~~كقوله: [البسيط] # 747 ما ربع مية معمورا يطيف به # غيلان أبهى ربا من ربعها الخرب # فهو على الأول مضاف للمفعول وعلى الثاني مضاف للفاعل. # فصل في تعلق الآية بما قبلها # في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه: # فأما من حملها على النصارى، وخراب " بيت المقدس " قال: تتصل بما قبلها ~~من حيث النصارى ادعوا أنهم من أهل الجنة فقط. فقيل لهم: كيف تكونون كذلك ~~مع أن معاملتكم في تخريب المساجد، والسعي في خرابها هكذا؟ وأما من حمله ~~على المسجد الحرام، وسائر المساجد، قال: جرى ذكر مشركي العرب في قوله ~~تعالى: # كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم # [البقرة:113]. # وقيل: [ذم جميع الكفار]، فمرة وجه الذنب إلى اليهود والنصارى، ومرة ~~إلى المشركين. # فصل فيمن خرب " بيت المقدس " # قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: [إن ملك النصارى غزا " بيت المقدس " ~~فخربه، وألقى فيه الجيف، وحاصر أهله، وقتلهم، وسبى البقية، وأحرق ~~التوراة]، ولم يزل " ببيت المقدس " خرابا حتى بناه أهل الإسلام في زمن ~~عمر. # وقال الحسن وقتادة والسدي: نزلت في بخت نصر وأصحابه غزو اليهود وخربوا ~~بيت المقدس، وأعانه على ذلك [الرومي وأصحابه النصارى من أهل " الروم ". # قال السدي: من أجل أنهم قتلوا يحيى بن زكريا عليهما السلام. # قال قتادة: حملهم بغض اليهود على معاونة بخت نصر البابلي المجوسي]. # قال أبو بكر الرازي رحمه الله تعالى في " أحكام القرآن ": هذان الوجهان ~~غلطان؛ لأنه لا خلاف بين أهل العلم بالسير أن عهد " بختنصر " كان قبل ~~مولد المسيح عليه السلام بدهر طويل، والنصارى كانوا بعد المسيح، فكيف ms0646 ~~يكونون مع بختنصر في تخريب " بيت المقدس "؟ # وأيضا فإن النصارى يعتقدون في تعظيم " بيت المقدس " مثل اعتقاد اليهود ~~وأكثر، فكيف أعانوا على تخريبه. # وقيل: نزلت في مشركي العرب الذين منعوا الرسول عليه الصلاة والسلام ~~ عن الدعاء إلى الله ب " مكة " وألجئوه إلى الهجرة، فصاروا مانعين له ~~ولأصحابه أن يذكروا الله في المسجد الحرام، وقد كان الصديق رضي الله ~~عنه بنى مسجدا عند داره، فمنع وكان ممن يؤذيه ولدان قريش ونساؤهم. # وقيل: إن قوله تعالى: # ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها # [الإسراء:110] نزلت في ذلك، فمنع من الجهر لئلا يؤذى، وطرح أبو جهل ~~العذرة على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم فقيل: ومن أظلم من هؤلاء ~~المشركين الذين يمنعون المسلمين الذين يوحدون الله ولا يشركون به شيئا، ~~ويصلون له تذللا، وخشوعا، ويشغلون قلوبهم بالفكر فيه، وألسنتهم بالذكر ~~له، وجميع جسدهم بالتذلل لعظمته وسلطانه. # وقال أبو مسلم: المراد منه الذين صدوه عن المسجد الحرام حين ذهب إليه ~~من " المدينة " عام " الحديبية " ، واستشهد بقوله تعالى: # هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام # [الفتح:25] وحمل قوله تعالى: { إلا خآئفين } بما يعلي الله تعالى ~~من يده، ويظهر من كلمته، كما قال في المنافقين: # ثم لا يجاورونك فيهآ إلا قليلا ملعونين ~~أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا # [الأحزاب:6061]. # [فإن قيل: كيف يجوز حمل لفظ المساجد على مسجد واحد؟ # والجواب: أن هذا كمن يقول: من أظلم ممن آذى صالحا واحدا، ومن أظلم ~~ممن آذى الصالحين. # أو يقال: إن المسجد موضع السجود، والمسجد الحرام لا يكون في الحقيقة ~~مسجدا واحدا]. # قال ابن الخطيب: وعندي فيه وجه خامس، وهو أقرب إلى رعاية النظم، وهو أن ~~يقال: إنه لما حولت القبلة إلى الكعبة شق ذلك على اليهود، فكانوا ~~يمنعون الناس عن الصلاة عند توجههم إلى الكعبة، ولعلهم أيضا سعوا ~~في تخريب الكعبة بأن حملوا بعض الكفار على تخريبها، وسعوا أيضا في تخريب ~~مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم لئلا يصلوا فيه متوجهين إلى ~~القبلة، فعابهم الله بذلك، وبين سوء طريقتهم فيه. ms0647 # قال: وهذا التأويل أولى مما قبله، وذلك لأن الله تعالى لم يذكر في ~~الآيات السابقة على هذه الآية إلا قبائح أفعال اليهود والنصارى، وذكر ~~أيضا بعدها قبائح أفعالهم، فكيف يليق بهذه الآية الواحدة أن يكون ~~المراد منها قبائح أفعال المشركين في صدهم الرسول عن المسجد الحرام. # وأما حمل الآية على سعي النصارى في تخريب " بيت المقدس " فضعيف ~~أيضا على ما شرحه أبو بكر الرازي رحمه الله تعالى، فلم يبق إلا ما ~~قلناه. # فإن قيل: ظاهر الآية يقتضي أن هذا الفعل أعظم أنواع الظلم، وفيه إشكال؛ ~~لأن الشرك ظلم على ما قال تعالى: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان:113] مع أن الشرك أعظم من هذا الفعل، كذا الزنا، وقتل النفس ~~أعظم من هذا الفعل. # فالجواب عنه: [مضى ما في الباب] أنه عام دخله التخصيص، فلا يقدح فيه. ~~والله أعلم. # فصل فيما يستدل بالآية عليه # قال القرطبي رحمه الله: لا يجوز منع المرأة من الحج إذا كانت ضرورة، ~~سواء كان لها محرم أم لم يكن، ولا تمنع أيضا من الصلاة في المساجد، ~~ما لم يخف عليها الفتنة لقوله عليه الصلاة والسلام: # " لا تمنعوا إماء الله مساجد الله " # وكذلك لا يجوز نقض المسجد، ولا بيعه، ولا تعطيله، وإن خربت المحلة، ولا ~~يمنع بناء المساجد إلا أن يقصدوا الشقاق والخلاف، بأن يبنوا ~~مسجدا إلى جنب مسجد أو قرية، يريدون بذلك تفريق أهل المسجد الأول ~~وخرابه، واختلاف الكلمة، فإن المسجد الثاني ينقض، ويمنع من بنيانه، ~~وسيأتي بقية الكلام [في سورة " براءة " إن شاء الله تعالى]. # قوله تعالى: { أولئك ما كان لهم أن يدخلوهآ }. # " أولئك " مبتدأ، " لهم " خبر " كان " مقدم على اسمها، واسمها " أن ~~يدخلوها " لأنه في تأويل المصدر، أي: ما كان لهم الدخول، والجملة ~~المنفية محل رفع خبر عن " أولئك ". # قوله: " إلا خائفين " حال من فاعل " يدخلوها " وهذا استثناء ~~مفرغ من الأحوال؛ لأن التقدير: ما كان لهم الدخول في جميع الأحوال، ~~إلا في حالة الخوف. # وقرأ أبي " خيفا " وهو جمع خائف، ك " ضارب " و " ضرب " ، ~~والأصل: ms0648 خوف ك " صوم " ، إلا أنه أبدل الواوين ياءين وهو جائز، ~~قالوا: صوم وصيم، وحمل أولا على لفظ " من " ، فأفرد في قوله: " منع، ~~وسعى " وعلى معناه ثانيا، فجمع في قوله: " أولئك " وما بعده. # فصل في ظاهر الآية # ظاهر الآية يقتضي أن الذين منعوا وسعوا في تخريب المسجد هم الذين ~~يحرم عليهم دخوله إلا خائفين. # وأما من جعله عاما في الكل، فذكروا في تفسير هذا الخوف وجوها: # أحدها: ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا خائفين على حال ~~الهيبة؛ وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلا أن يستولوا ~~عليها، ويمنعوا المؤمنين منها، والمعنى فما كان الحق والواجب إلا ذلك ~~الولاء ظلم الكفرة وعتوهم. # وثانيها: أن هذا بشارة من الله للمسلمين بأنه سيظهرهم على المسجد ~~الحرام، وعلى سائر المساجد، وأنه يذل المشركين لهم حتى لا يدخل المسجد ~~الحرام واحد منهم إلا خائفا يخاف أن يؤخذ فيعاقب، أو يقتل إن لم يسلم، ~~وقد أنجز الله تعالى صدق هذا الوعد، فمنعهم من دخول المسجد الحرام، ~~ونادى فيه عام حج أبو بكر رضي الله عنه: " ألا لا يحجن بعد العام مشرك " ~~، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإخراج اليهود من جزيرة العرب، فحج ~~من العام الثاني ظاهرا على المساجد لا يجترىء أحد من المشركين أن يحج ~~ويدخل المسجد الحرام، وهذا هو تفسير أبي مسلم. # ثالثها: أن يحمل هذا الخوف على ما يلحقهم من الصغار والذل ~~بالجزية والإذلال. # ورابعها: أنه يحرم عليهم دخول المسجد الحرام، إلا في أمر يتضمن الخوف ~~نحو أن يدخلوا للمخاصمة والمحاكمة والمحاجة؛ كل ذلك يتضمن ~~الخوف، والدليل عليه قوله تعالى: # ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين ~~على أنفسهم بالكفر # [التوبة:17]. # وخامسها: قال قتادة والسدي: بمعنى أن النصارى لا يدخلون " بيت المقدس ~~" إلا خائفين، ولا يوجد فيه نصراني إلا أوجع ضربا، وهذا مردود؛ لأن " ~~بيت المقدس " بقي أكثر من مائة سنة في أيدي النصارى بحيث لم يتمكن ~~أحد من المسلمين من الدخول فيه إلا خائفا، إلى أن استخلصه الملك ms0649 صلاح ~~الدين رحمه الله في زماننا. # وسادسها: أنه كان لفظه لفظ الخبر، لكن المراد منه النهي عن تمكينهم من ~~الدخول، والتخلية بينهم وبينه كقوله تعالى: # وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله # [الأحزاب:53]. # [وسابعها: أنه خبر بمعنى الإنشاء أي أنهضوهم بالجهاد حتى لا يدخلها أحد ~~منهم إلا خائفا من القتل والسبي]. # قوله: { لهم في الدنيا خزي } هذه الجملة وما بعدها لا محل ~~لها لاستئنافها عما قبلها، ولا يجوز أن تكون حالا، لأن خزيهم ثابت على ~~كل حال لا يتقيد بحال دخول المساجد خاصة. # اختلفوا في الخزي، فقال بعضهم: ما يلحقهم من الذل بمنعهم من ~~المساجد، وقال قتادة القتل للخزي، والجزية للذمي. # وقال السدي: الخزي لهم في الدنيا قيام المهدي، وفتح " عمورية " و " ~~رومية " و " قسطنطينية " ، وغير ذلك من مدنهم، والعذاب ~~العظيم [فقد وصفه الله تعالى بما] يجري مجري النهاية في المبالغة؛ ~~لأن الذين قدم ذكرهم وصفهم بأعظم الظلم، فبين أنهم يستحقون العقاب ~~العظيم. # فصل في دخول الكافر المسجد # اختلفوا في دخول الكافر المسجد، فجوزه أبو حنيفة مطلقا، وأباه مالك ~~مطلقا. # وقال الشافعي رضي الله عنه: يمنع من دخول الحرم، والمسجد الحرام، واحتج ~~بوجوه منها قوله تعالى: # إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد ~~الحرام بعد عامهم هذا # [التوبة:28]، قال: قد يكون المراد المسجد الحرام الحرم لقوله تعالى: # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام # [الإسراء:1] وإنما أسرى به من بيت خديجة فالآية دالة، إما على المسجد ~~فقط، أو على الحرم كله، وعلى التقديرين، فالمقصود حاصل؛ لأن الخلاف حاصل ~~فيهما جميعا. # فإن قيل: المراد به الحج لقوله: # بعد عامهم هذا # [التوبة:28] لأن الحج إنما يفعل في السنة مرة واحدة. # فالجواب من وجوه: # أحدها: أنه ترك للظاهر من غير موجب. # الثاني: ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون ذلك ~~الوصف علة لذلك الحكم، وهذا يقتضي أن المانع من قربهم من المسجد الحرام ~~نجاستهم، [وذلك يقتضي أنهم ما داموا مشركين كانوا ممنوعين عن المسجد ~~الحرام]. # الثالث: أنه تعالى لو ms0650 أراد الحج لذكر البقاع ما يقع فيه معظم أركان ~~الحج وهو " عرفة ". # الرابع: الدليل على أن المراد دخول الحرم لا الحج فقط قوله تعالى: # وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله # [التوبة:28] فأراد به الدخول للتجارة. # ومنها قوله تعالى: { أولئك ما كان لهم أن يدخلوهآ ~~إلا خآئفين } وهذا يقتضي أن يمنعوا من دخول المساجد، وأنهم متى ~~دخلوا كانوا خائفين من الإخراج إلا ما قام عليه الدليل. # فإن قيل: هذه الآية مخصوصة بمن خرب " بيت المقدس " ، أو بمن منع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من العبادة في الكعبة. # وأيضا يحتمل أن يكون خوف الجزية والإخراج. # فالجواب عن الأول: أن الآية ظاهرة في العموم فتخصيصه ببعض الصور خلاف ~~الظاهر، وعن الثاني أن الآية تدل على أن الخوف إنما يحصل من الدخول، وعلى ~~ما يقولونه لا يكون الخوف متولدا من الدخول، بل من شيء آخر. # ومنها [أن الحرم واجب التعظيم والتكريم والتشريف والتفخيم، وأن صونه ~~عما يوجب تحقيره واجب، وتمكين الكفار من الدخول فيه تفويض له ~~بالتحقير؛ لأنهم لفسادهم ربما استخفوا به، وأقدموا على تلويثه وتنجيسه. # ومنها أنه تعالى] أمر بتطهير البيت في قوله: # طهرا بيتي للطآئفين # [البقرة:125] والمشرك نجس لقوله تعالى: # إنما المشركون نجس # [التوبة:28]. # والتطهير على النجس واجب، فيكون تبعيد الكافر عنه واجبا، وبأنا أجمعنا ~~على أن الجنب يمنع منه، فالكافر بأن يمنع منه أولى. # واحتج أبو حنيفة رحمه الله بأنه عليه الصلاة والسلام لما قدم ~~عليه وفد " يثرب " فأنزلهم المسجد بقوله عليه الصلاة والسلام: # " من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن دخل ~~الكعبة فهو آمن ". # وهذا يقتضي إباحة الدخول. # وأيضا فالكافر جاز له دخول سائر المساجد، فكذلك المسجد الحرام كالمسلم. # والجواب عن الحديثين: أنهما كانا في أول الإسلام، ثم نسخ ذلك بالآية، ~~وعن القياس أن المسجد الحرام [أعظم] قدرا من سائر المساجد، فظهر الفرق، ~~والله أعلم. ### || [2.115] # قوله: عز وجل: { ولله المشرق والمغرب }: جملة مرتبطة ~~بقوله: { منع مساجد الله، وسعى في خرابها }. # يعنى: أنه إن سعى في ms0651 المنع من ذكره تعالى وفي خراب بيوته، فليس في ~~ذلك مانعا من أداء العبادة في غيرها؛ لأن المشرق والمغرب، وما بينهما له ~~تعالى، والتنصيص على ذكر المشرق والمغرب دون غيرها لوجهين: # أحدهما: لشرفهما حيث جعلا لله تعالى. # والثاني: أن يكون من حذف المعلوم للعلم، أي: لله المشرق والمغرب وما ~~بينهما، كقوله: # تقيكم الحر # [النحل:81] أي والبرد؛ وكقول الشاعر: [البسيط] # 748 تنفي يداها الحصى في كل هاجرة # نفي الدراهيم تنقاد الصياريف # أي: يداها ورجلاها؛ ومثله: [الطويل] # 749 كأن الحصى من خلفها وأمامها # إذا نجلته رجلها خذف أعسرا # أي: رجلها ويداها. # وفي المشرق والمغرب قولان: # أحدهما: أنهما اسما مكان الشروق والغروب. # والثاني: أنهما اسما مصدر، أي: الإشراق والإغراب، والمعنى: لله تعالى ~~تولي إشراق الشمس من مشرقها، وإغرابها من مغربها، وهذا يبعده قوله ~~تعالى: " فأينما تولوا " ، وأفرد المشرق والمغرب إذ المراد ~~ناحيتاهما، أو لأنهما مصدران، وجاء المشارق والمغارب باعتبار وقوعهما ~~في كل يوم، والمشرقين والمغربين باعتبار مشرق الشتاء والصيف ومغربيهما، ~~وكان من حقهما فتح العين لما تقدم من أنه إذا لم تنكسر عين المضارع، فحق ~~اسم المصدر والزمان والمكان فتح العين، ويجوز ذلك قياسا لا تلاوة. # قوله تعالى: " فأينما تولوا " " أين " هنا اسم شرط بمعنى " ~~إن " و " ما " مزيدة عليها، و " تولوا " مجزوم بها. # وزيادة " ما " ليست لازمة لها؛ بدليل قوله: [الخفيف] # 750 أين تضرب بنا العداة تجدنا # .................. # وهي ظرف مكان، والناصب لها ما بعدها، وتكون اسم استفهام أيضا، فهي لفظ ~~مشترك بين الشرط والاستفهام ك " من " و " ما ". # وزعم بعضهم أن أصلها السؤال عن الأمكنة، وهي مبنية على الفتح لتضمنها ~~معنى حرف شرط أو الاستفهام. # وأصل تولوا: توليوا فأعل بالحذف، وقرأ الجمهور: " تولوا " بضم ~~التاء واللام بمعنى تستقبلوا، فإن " ولى " وإن كان غالب استعمالها أدبر، ~~فإنها تقتضي الإقبال إلى ناحية ما. # تقول: وليت عن كذا إلى كذا، وقرأ الحسن: " تولوا " بفتحهما. # وفيها وجهان: # أحدهما: أن يكون مضارعا، والأصل: تتولوا من التولية، فحذف إحدى التاءين ~~تخفيفا، نحو: # تنزل الملائكة # [القدر: 4]. # والثاني: أن يكون ms0652 ماضيا، والضمير للغائبين ردا على قوله: " لهم في ~~الدنيا ولهم في الآخرة " فتتناسق الضمائر. # وقال أبو البقاء: والثاني: أنه ماض والضمير للغائبين، والتقدير: إينما ~~يتولوا، يعنى: أنه وإن كان ماضيا لفظا فهو مستقبل معنى ثم قال: وقد ~~يجوز أن يكون ماضيا قد وقع، ولا يكون " أين " شرطا في اللفظ، بل في ~~المعنى، كما تقول: " ما صنعت صنعت " إذا أردت الماضي، وهذا ضعيف؛ لأن " ~~أين " إما شرط، أو استفهام، وليس لها معنى ثالث. # انتهى وهو غير واضح. # قوله: { فثم وجه الله } الفاء وما بعدها جواب الشرط، ~~فالجملة في محل جزم، و " ثم " خبر مقدم، و " وجه الله " رفع ~~بالابتداء، و " ثم " اسم إشارة للمكان البعيد خاصة مثل: هنا وهنا ~~بتشديد النون، وهو مبني على الفتح لتضمنه معنى حرف الإشارة أو حرف ~~الخطاب. قال أبو البقاء: لأنك تقول في الحاضر هنا وفي الغائب هناك، ~~وثم ناب عن هناك [وهذا ليس بشيء]. # وقيل: بني لشبهه بالحرف في الافتقار، فإنه يفتقر إلى مشار إليه، ولا ~~ينصرف بأكثر من جره ب " من ". # ولذلك غلط بعضهم في جعله مفعولا في قوله: # وإذا رأيت ثم رأيت # [الإنسان:20]، بل مفعول " رأيت " محذوف. # فصل في نفي التجسيم # وهذه الآية من أقوى الدلائل على نفي التجسيم وإثبات التنزيه؛ لأنه لو ~~كان الله تعالى جسما، وله وجه جسماني لكان مختصا بجانب معين وجهة ~~معينة، ولو كان كذلك لكان قوله: { فأينما تولوا فثم وجه ~~الله } كذبا، ولأن الوجه لو كان محاذيا للمشرق لاستحال في ذلك ~~الزمان أن يكون محاذيا للمغرب أيضا، وإذا ثبت هذا، فلا بد فيه من ~~التأويل، ومعنى " وجه الله " جهته التي ارتضاها قبلة وأمر ~~بالتوجه نحوها، أو ذاته نحو: # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص:88]، أو المراد به الجاه، أي: فثم جلال الله وعظمته من ~~قولهم: هو وجه القول، أو يكون صلة زائدا، وليس بشيء. # وقيل: المراد به العمل قاله الفراء؛ وعليه قوله: [البسيط] # 751 أستغفر الله ذنبا لست محصيه # رب العباد إليه الوجه والعمل # [قوله تعالى: " واسع عليم ms0653 " أي: يوسع على عباده في دينهم، ولا يكلفهم ~~ما ليس في وسعهم. # وقيل: واسع المغفرة. # فصل في سبب نزول الآية # في سبب نزول الآية قولان: # أحدهما: أنه أمر يتعلق بالصلاة. والثاني: في أمر لا يتعلق بالصلاة. # فأما القول الأول فاختلفوا فيه على وجوه: # أحدها: أنه تعالى أراد به تحويل المؤمنين عن استقبال " بيت المقدس " ~~إلى الكعبة، فبين تعالى أن المشرق والمغرب، وجميع الجهات كلها مملوكة ~~له سبحانه وتعالى، فإينما أمركم الله عز وجل باستقباله فهو القبلة؛ ~~لأن القبلة ليست قبلة لذاتها؛ بل لأن الله تعالى جعلها قبلة، فهو ~~يدبر عباده كيف يريد] وكيف يشاء فكأنه تعالى ذكر ذلك بيانا لجواز نسخ ~~القبلة من جانب إلى جانب آخر. # وثانيها: قال ابن عباس رضي الله عنهما لما تحولت القبلة عن " بيت ~~المقدس " أنكرت اليهود ذلك، فنزلت الآية ونظيره قوله تعالى: # قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشآء إلى ~~صراط مستقيم # [البقرة:142]. # وثالثها: قال أبو مسلم: إن اليهود والنصارى كل واحد منهم قال: إن ~~الجنة له لا لغيره، فرد الله عليهم بهذه الآية؛ لأن اليهود إنما ~~استقبلوا " بيت المقدس "؛ لأنهم اعتقدوا أن الله تعالى صعد السماء من ~~الصخرة والنصارى استقبلوا المشرق؛ لأن مريم انتبذت من أهلها مكانا ~~شرقيا، فولدت عيسى عليهما الصلاة والسلام هناك، فرد الله عليهم ~~أقوالهم. # ورابعها: قال قتادة وابن زيد: إن الله تعالى نسخ " بيت المقدس " ~~بالتخيير إلى أي جهة شاء بهذه الآية، فكان للمسلمين أن يتوجهوا إلى حيث ~~شاءوا في الصلاة، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يختار التوجه ~~إلى " بيت المقدس " ، مع أنه كان له أن يتوجه حيث شاء، ثم إنه تعالى ~~نسخ ذلك بتعيين الكعبة. # وخامسها: أن المراد بالآية من هو مشاهد للكعبة، فإن له أن يستقبلها من ~~أي جهة شاء وأراد. # [وسادسها: ما روى عبد الله بن عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال: كنا ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة سوداء مظلمة فلم نعرف القبلة، ~~فجعل كل واحد منا مسجده ms0654 حجارة موضوعة بين يديه، ثم صلينا فلما أصبحنا، ~~فإذا نحن على غير القبلة، فذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ فأنزل الله تعالى هذه الآية، وهذا الحديث يدل على أنهم نقلوا ~~حينئذ إلى الكعبة؛ لأن القتال فرض بعد الهجرة بعد نسخ " بيت المقدس " ]. # وسابعها: أن الآية نزلت في المسافر يصلى النوافل حيث تتوجه به راحتله. # وعن سعيد بن جبر عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: " إنما نزلت هذه ~~الآية في الرجل يصلي إلى حيث توجهت به راحلته في السفر ". # قال ابن الخطيب: فإن قيل: فأي هذه الأقاويل أقرب إلى الصواب؟ # قلنا: إن قوله تبارك وتعالى: { فأينما تولوا فثم وجه ~~الله } مشعر بالتخيير، والتخيير لا يثبت إلا في صورتين: # إحداهما: في التطوع على الراحلة. # وثانيتهما: في السفر عند تعذر الاجتهاد لظلمة أو لغيرها؛ لأن في هذين ~~الوجهين المصلي مخير. # فأما على غير هذين الوجهين فلا تخيير، والذين حملوا الآية على الوجه ~~الأول، فلهم أن يقولوا: إن القبلة لما حولت تكلم اليهود في صلاة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وصلاة المؤمنين إلى بيت المقدس، فبين تعالى ~~بهذه الآية أن تلك القبلة كان التوجه إليها صوابا في ذلك الوقت، والتوجه ~~إلى الكعبة صواب في هذا الوقت، وبين أنهم أينما يولوا من هاتين ~~القبلتين في المأذون فيه، فثم وجه الله، قالوا: وحمل الكلام على ~~هذا الوجه أولى؛ لأنه يعم كل مصل، وإذا حمل على الأول لا يعم؛ لأنه ~~يصير محمولا على التطوع دون الفرد، وعلى السفر في حالة مخصوصة دون ~~الحضر، وإذا أمكن إجراء اللفظ العام على عمومه، فهو أولى من التخصيص، ~~وأقصى ما في الباب أن يقال: إن على هذا التأويل لا بد أيضا من ضرب ~~تقييد وهو أن يقال: " فأينما تولوا " من الجهات المأمور بها { ~~فثم وجه الله } إلا أن هذا الإضمار لا بد منه على كل حال؛ ~~لأنه من المحال أن يقول تعالى: " فأينما تولوا " بحسب ميل ~~أنفسكم { فثم وجه الله } ، بل لا بد من الإضمار الذي ذكرناه، ms0655 ~~وإذا كان كذلك، فقد زالت طريقة التخيير. # القول الثاني: أن هذه الآية نزلت في آمر سوى الصلاة وفيه وجوه: # أولها: أن المعنى أن هؤلاء الذين ظلموا بمنع مساجدي أن يذكر فيها اسمي، ~~وسعوا في خرابها أولئك لهم كذا وكذا، ثم إنهم أينما ولوا هاربين عني ~~وعن سلطاني، فإن سلطاني يلحقهم، [وتدبيري] يسبقهم، فعلى هذا يكون المراد ~~منه [سعة القدرة والسلطان] وهو نظير قوله: # وهو معكم أينما كنتم # [الحديد:4]، وقوله: # ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما # [غافر:7]، وقوله: # وسع كل شيء علما # [طه:98]. # وثانيها: قال قتادة: إن النبي عليه السلام قال: # " إن أخاكم النجاشي قد مات فصلوا عليه، قالوا: ~~نصلي على رجل ليس بمسلم فنزل قوله تعالى: { وإن من أهل ~~الكتاب لمن يؤمن بالله ومآ أنزل إليكم ومآ ~~أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون } [آل عمران:199] ~~فقالوا: إنه كان لا يصلي [إلى القبلة، فأنزل الله تعالى: { ولله ~~المشرق والمغرب، فأينما تولوا فثم وجه ~~الله } " # ومعناه أن الجهات التي يصلي إليها أهل الملل من شرق وغرب، وما بينهما ~~كلها لي، فمتى وجه وجهه نحو شيء منها بأمر يريدني، ويبتغي طاعتي وجدني ~~هناك أي وجد ثوابي فكان هذا عذرا للنجاشي وأصحابه الذين ماتوا على ~~استقبالهم المشرق، وهو نحو قوله تعالى: # وما كان الله ليضيع إيمانكم # [البقرة:143]. # وثالثها: قال الحسن، ومجاهد والضحاك رضي الله عنهم: لما نزل قوله ~~سبحانه وتعالى: # ادعوني أستجب لكم # [غافر:60] قالوا: أين ندعوه؟ فنزلت هذه الآية. # ورابعها: قال علي بن عيسى رحمه الله: إنه خطاب للمؤمنين ألا يمنعكم ~~تخريب من خرب مساجد الله تعالى عن ذكره حيث كنتم من أرضهم، فلله ~~المشرق والمغرب، والجهات كلها. # وخامسها: زعم بعضهم أنها نزلت في المجتهدين الوافدين بشرائط الاجتهاد ~~فهو مصيب]. ### || [2.116-117] # فصل # قرأ الجمهور: " وقالوا " بالواو عطفا لهذه الجملة الخبرية على ما ~~قبلها، وهو أحسن في الربط. # وقيل: هي معطوفة على قوله: " وسعى " فيكون قد عطف على الصلة مع ~~الفعل بهذه الجمل الكثيرة، وهذا ينبغي أن ينزه القرآن عن مثله. # وقرأ ابن عامر ms0656 وكذلك هي في مصاحف " الشام ": " قالوا " من غير " واو ~~" ، وكذلك يحتمل وجهين: # أحدهما: الاستئناف. # والثاني: حذف حرف العطف وهو مراد، استغناء عنه بربط الضمير بما قبل ~~هذه الجملة، و " اتخذ " يجوز أن يكون بمعنى عمل وصنع، فيتعدى لمفعول ~~واحد، وأن يكون بمعنى صير، فيتعدى لاثنين، ويكون الأول هنا محذوفا ~~تقديره: وقالوا: اتخذ الله بعض الموجودات ولدا، إلا أنه مع كثرة دور هذا ~~التركيب لم يذكر معها إلا مفعول واحد: # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا # [الأنبياء:26]، # ما اتخذ الله من ولد # [المؤمنون:91]، # وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا # [مريم:92]. والولد فعل بمعنى مفعول كالقبض والنقص وهو غير مقيس ~~والمصدر: الولادة والوليدية وهذا الثاني غريب. # وقوله: " سبحانه ". # قال القرطبي رحمه الله تعالى: " سبحان " منصوب على المصدر، ومعناه ~~التبرئة والتنزيه عما قالوا. # قوله تعالى: { بل له ما في السموات والأرض }. # " بل " إضراب وانتقال، و " له " خبر مقدم، و " ما " مبتدأ مؤخر، وأتى ~~هنا ب " ما "؛ لأنه إذا اختلط العاقل بغيره كان المتكلم مخيرا في " ~~ما " و " من " ، ولذلك لما اعتبر العقلاء غلبهم في قوله " قانتون ~~" ، فجاء بصيغة السلامة المختصة بالعقلاء. # قال الزمخشري فإن قلت: كيف جاء ب " ما " التي لغير أولي العلم مع ~~قوله: " قانتون ". # قلت: هو كقوله: " سبحان ما سخركن لنا " وكأنه جاء ب " ما " دون " من " ~~تحقيرا لهم وتصغيرا لشأنهم، وهذا جنوح منه إلى أن " ما " قد تقع على ~~أولي العلم، ولكن المشهور خلافه. # وأما قوله: " سبحان ما سخركن لنا " فسبحان غير مضاف، بل هو ~~كقوله: # 752............... # سبحان من علقمة.......... # و " ما " مصدرية ظرفية. # قوله تعالى: { كل له قانتون } مبتدأ وخبر، و " كل " مضافة ~~إلى محذوف تقديرا، أي: كل من في السموات والأرض. # وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون كل من جعلوه لله ولدا كذا قال أبو حيان ~~رحمه الله تعالى. وهذا بعيد جدا، لأن المجعول ولدا لم يجر له ذكر، ~~ولأن الخبر يشترك فيه المجعول ولدا وغيره. # قوله: " لم يجر له ذكر " بل قد جرى ذكره فلا بعد فيه. # وجمع " قانتون " حملا على ms0657 المعنى لما تقدم من أن " كلا " إذا ~~قطعت عن الإضافة جاز فيها مراعاة اللفظ، [ومراعاة المعنى، وهو الأكثر ~~نحوه: # كل في فلك يسبحون # [الأنبياء:33] # وكل أتوه داخرين # [النمل:87] ومن مراعاة] اللفظ: # قل كل يعمل على شاكلته # [الإسراء:84] # فكلا أخذنا بذنبه # [العنكبوت:40]، وحسن الجمع هنا لتواخي رؤوس الآي. # والقنوت: أصله الدوام، ويستعمل على أربعة أوجه: الطاعة والانقياد، ~~كقوله تعالى: # يمريم اقنتي لربك # [آل عمران:43] وطول القيام، كقوله عليه السلام # " لما سئل: أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت " # وبمعنى السكوت [كقول زيد بن أرقم رضي الله عنه: كنا نتكلم في الصلاة ~~حتى نزل قوله تعالى: # وقوموا لله قانتين # [البقرة:238] فأمسكنا عن الكلام والدعاء، ومنه القنوت. # قال ابن عباس ومجاهد رضي الله عنهما: " قانتون " أي: أن كل من في ~~السموات والأرض مطيعون. # وأورد على هذا أن الكفار ليسوا مطيعين. # وقال السدي رحمه الله تعالى: يطيعون يوم القيامة، وأوردوا على هذا ~~أيضا بأن هذا صفة المتكلين]. # وقوله تعالى: { له ما في السموات } يتناول من لا يكون ~~مكلفا، فعند هذا فسروا القنوت بوجوه أخر: # الأول: بكونها شاهدة على وجود الخالق سبحانه بما فيها من آثار ~~الصنعة، وأمارات الحدوث والدلائل على الربوبية. # الثاني: كون جميعها في ملكه وقهره يتصرف فيها كيف يشاء، وهو قول أبي ~~مسلم رحمه الله تعالى، وعلى هذين الوجهين الآية عامة. # الثالث: أراد بما في السموات الملائكة وما في الأرض عيسى والعزير؛ أي ~~كل من هؤلاء الذين حكموا عليه بالولدية أنهم قانتون له. # فصل فيمن قال اتخذ الله ولدا # قال ابن الخطيب: اعلم أن الظاهر من قوله: { وقالوا: اتخذ ~~الله ولدا } أن يكون راجعا إلى قوله: # ومن أظلم ممن منع مساجد الله # [البقرة:114] وقد ذكرنا أن منهم من تأوله على النصارى. # ومنهم من تأوله على مشركي العرب. # ونحن قد تأولناه على اليهود، وكل هؤلاء أثبوا الولد لله تعالى؛ لأن ~~اليهود قالوا: عزير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، ~~ومشركو العرب قالوا: الملائكة بنات الله، فلا جرم صحت هذه الحكاية على ~~جميع التقديرات. ms0658 # قال ابن عباس رضي الله عنهما: إنها نزلت في كعب بن الأشرف، وكعب بن ~~الأسد، ووهب بن يهوذا؛ فإنهم جعلوا عزيرا ابن الله [سبحانه لم يتخذ ~~صاحبة ولا ولدا. # وروى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما] عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: قال الله تعالى: # " كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم ~~يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فزعم أني لا ~~أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي ~~فقوله: لي ولد فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدا ~~". # فصل في تنزيه الله تعالى # قال ابن الخطيب رحمه الله: احتج على التنزيه بقوله تعالى: { بل له ~~ما في السموات والأرض } ووجه الاستدلال من وجوه: # الأول: أن كل ما سوى الموجود الواجب ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته محدث، ~~وكل محدث فهو مخلوق لواجب الوجود، والمخلوق لا يكون ولدا [لأن المخلوق ~~محدث مسبوق بالعدم، ووجوده إنما حصل بخلق الله تعالى وإيجاده ~~وإبداعه، فثبت أن ما سواه فهو عبده، وملكه، فيستحيل أن يكون كل شيء مما ~~سواه ولدا له، كل هذا مستفاد من قوله: { بل له ما في السموات والأرض } ~~أي: له كل مما سواه على سبيل الملك والخلق والإيجاد والإبداع]. # والثاني: أن هذا الذي أضيف إليه بأنه ولده، إما أن يكون قديما أزليا ~~أو محدثا، فإن كان أزليا لم يكن حكمنا بجعل أحدهما ولدا والآخر ~~والدا أولى من العكس، فيكون ذلك الحكم حكما مجردا من غير دليل، وإن ~~كان الولد حادثا كان مخلوقا لذلك القديم وعبدا له فلا يكون ولدا له. # والثالث: أن الولد لا بد وأن يكون من جنس الوالد، فلو فرضنا له ولدا ~~لكان مشاركا له من بعض الوجوه، وممتازا عنه من وجه آخر، وذلك يقتضي كون ~~كل واحد منهما مركبا ومحدثا وذلك محال، فإذن المجانسة ممتنعة، ~~فالولدية ممتنعة. # الرابع: أن الولد إنما يتخذ للحاجة إليه في الكبر، ورجاء الانتفاع ~~بمعونته حال عجز الأب عن أمور نفسه، فعلى هذا إيجاد الولد إنما يصح ~~على من يصح عليه الفقر ms0659 والعجز والحاجة، فإذا كان كل ذلك محال، كان ~~إيجاد الولد عليه سبحانه وتعالى محالا. [يحكى أن علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه قال لبعض النصارى: لولا تمرد عيسى عن عبادة الله عز وجل لصرت ~~على دينه فقال النصراني: كيف يجوز أن ينسب ذلك إلى عيسى عليه الصلاة ~~والسلام مع جده في طاعة الله تعالى؟ فقال علي رضي الله عنه: فإن كان ~~عيسى إلها فكيف يعبد غيره، إنما العبد هو الذي تليق به العبادة، فانقطع ~~النصراني]. # قوله تعالى: " بديع السموات " المشهور رفعه على أنه خبر مبتدأ ~~محذوف، أي: هو بديع. # وقرىء بالجر على أنه بدل من الضمير في " له " [وفيه الخلاف المشهور] ~~وقرىء بالنصب على المدح. # و " بديع السموات " من باب الصفة المشبهة أضيفت إلى منصوبها الذي كان ~~فاعلا في الأصل، والأصل بديع سماواته، أي بدعت لمجيئها على شكل فائق ~~حسن غريب، ثم شبهت هذه الصفة باسم الفاعل، فنصبت ما كان فاعلا، ثم أضيفت ~~إليه تخفيفا، وهكذا كل ما جاء نظائره، فالإضافة لا بد وأن تكون من نصب؛ ~~لئلا يلزم إضافة الصفة إلى فاعلها، وهو لا يجوز في اسم الفاعل الذي هو ~~الأصل. # وقال الزمخشري رحمه الله تعالى: و " بديع السموات " من باب إضافة ~~الصفة المشبهة إلى فاعلها. # ورده أبو حيان بما تقدم، ثم أجاب عنه بأنه يحتمل أن يريد إلى فاعلها في ~~الأصل قبل أن يشبه. # وأجاز الزمخشري فيه وجها ثانيا: وهو أن يكون " بديع " بمعنى مبدع؛ ~~كما أن سميعا في قول عمرو بمعنى مسمع؛ نحو: [الوافر] # 753 أمن ريحانة الداعي السميع # يؤرقني وأصحابي هجوع؟ # إلا أنه قال: " وفيه نظر " ، وهذا الوجه لم يذكر ابن عطية غيره، وكأن ~~النظر الذى ذكره الزمخشري والله أعلم هو أن " فعيلا " بمعنى " ~~مفعل " غير مقيس، وبيت عمرو رضي الله عنه متأول، وعلى هذا القول يكون ~~بديع السموات من باب إضافة اسم الفاعل لمنصوبه تقديرا. # والمبدع: المخترع المنشىء، والبديع: الشيء الغريب الفائق غيره حسنا. # قوله تعالى: { وإذا قضى أمرا } العامل في " إذا " محذوف يدل ms0660 ~~عليه الجواب من قوله: " فإنما يقول " ، والتقدير: إذا قضى أمرا ~~يكون، فيكون هو الناصب له. # و " قضى " له معان كثيرة. # قال الأزهري رحمه الله تعالى: " قضى " على وجوه مرجعها إلى انقطاع ~~الشيء وتمامه؛ قال أبو ذؤيب: [الكامل] # 754 وعليهما مسرودتان قضاهما # داود أو صنع السوابغ تبع # وقال الشماخ: [الطويل] # 755 قضيت أمورا ثم غادرت بعدها # بوائق في أكمامها لم تفتق # فيكون بمعنى " خلق " نحو: # فقضاهن سبع سموات # [فصلت:12] وبمعنى أعلم: # وقضينآ إلى بني إسرائيل # [الإسراء:4]. # وبمعنى أمر: # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه # [الإسراء:23]. # وبمعنى وفى: # فلما قضى موسى الأجل # [القصص:29]. # وبمعنى ألزم: قضى القاضي بكذا. # وبمعنى أراد: { وإذا قضى أمرا }. # وبمعنى أنهى، ويجيء بمعنى قدر وأمضى، تقول: قضى يقضي ~~قضاء؛ قال: [الطويل] # 756 سأغسل عني العار بالسيف جالبا # علي قضاء الله ما كان جالبا # ومعناه الذي يدل تركيبه عليه هو معنى القطع، من قولهم: قضى القاضي لفلان ~~على فلان بكذا إذا حكم؛ لأنه فصل للدعوى. # ولهذا قيل: حاكم فيصل إذا كان قاطعا للخصومات. # وحكى ابن الأنباري عن أهل اللغة أنهم قالوا: القاضي معناه القاطع ~~الأمور المحكم لها. # ومنه: انقضى الشيء: إذا تم وانقطع. # وقولهم: قضى حاجته أي: قطعها عن المحتاج ودفعها عنه. # وقضى دينه: إذا أداه إليه كأنه قطع التقاضي والاقتضاء عن نفسه، أو ~~انتفع كل منهما من صاحبه. # وقولهم: قضى الأمر، إذا أتمه وأحكمه. # وأما قولهم: قضى المريض وقضى نحبه: إذا مات، وقضى عليه: قتله فمجاز. # [واختلفوا في الأمر هل هو حقيقة في القول المخصوص أو حقيقة في الفعل وفي ~~القدر المشترك وهو كذا في أصول الفقه والله أعلم]. # قال القرطبي رحمه الله تعالى: والأمر في القرآن يتصرف على أربعة عشر ~~وجها: # الأول: الدين؛ قال الله تعالى: # حتى جآء الحق وظهر أمر الله # [التوبة:48] يعني: دينه. # الثاني: القول؛ قال تعالى: # فإذا جآء أمرنا # [المؤمنون:27] يعني قولنا. وقوله: # فتنازعوا أمرهم بينهم # [طه:62] يعنى قولهم. # الثالث: العذاب؛ قال تعالى: # لما قضي الأمر # [إبراهيم:22] يعني لما وجب العذاب بأهل النار. # الرابع: ms0661 عيسى عليه الصلاة والسلام، قال الله تعالى: # إذا قضى أمرا # [مريم:35] يعنى: عيسى عليه الصلاة والسلام. # الخامس: القتل ب " بدر " ، قال الله تعالى: # فإذا جآء أمر الله # [غافر:78] يعنى: القتل ب " بدر " وقوله: # ليقضي الله أمرا كان مفعولا # [الأنفال:42] يعنى قتل كفار " مكة ". # السادس: فتح " مكة "؛ قال الله تعالى: # فتربصوا حتى يأتي الله بأمره # [التوبة:42] يعنى فتح " مكة ". # السابع: قتل " قريظة " وجلاء " بني النضير "؛ قال الله تعالى: # فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره # [البقرة:109]. # الثامن: القيامة، قال الله تعالى: # أتى أمر الله # [النحل:1]. # التاسع: القضاء؛ قال الله تعالى: # يدبر الأمر # [الرعد:2] يعنى القضاء. # العاشر: الوحي؛ قال الله تعالى: # يدبر الأمر من السمآء إلى الأرض # [السجدة:5] يعني الوحي. # الحادي عشر: أمر الخلق؛ قال الله تعالى: # ألا إلى الله تصير الأمور # [الشورى:53]. # الثاني عشر: النصر، قال الله تعالى: # يقولون هل لنا من الأمر من شيء # [آل عمران:154] يعنون: النصر، # قل إن الأمر كله لله # [آل عمران:154] يعني النصر. # الثالث عشر: الذنب؛ قال الله تعالى: # فذاقت وبال أمرها # [الطلاق:9] يعنى جزاء ذنبها. # الرابع عشر: الشأن والفعل، قال الله تعالى: # ومآ أمر فرعون برشيد # [هود:97] لعله: وشأنه. # قوله تعالى: " فيكون " الجمهور على رفعه، وفيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون مستأنفا أي خبرا لمبتدأ محذوف أي: فهو يكون، ويعزى ~~لسيبوبه، وبه قال الزجاج في أحد قوليه. # والثاني: أن يكون معطوفا على " يقول " ، وهو قول الزجاج والطبري، ورد ~~ابن عطية هذا القول، وقال: إنه خطأ من جهة المعنى؛ لأنه يقتضي أن القول ~~مع التكوين والوجود. انتهى. يعني أن الأمر قديم والتكوين حادث فكيف ~~يعطف عليه بما يقتضي تعقيبه له؟ # وهذا الرد إنما يلزم إذا قيل بأن الأمر حقيقة. # أما إذا قيل بأنه على سبيل التمثيل، وهو [الأصح] فلا. # ومثله قوله أبي النجم: [الرجز] # 757 إذ قالت الأنساع للبطن الحقي # الثالث: أن يكون معطوفا على " كن " من حيث المعنى، وهو قول الفارسي، ~~وضعف أن يكون عطفا على " يقول "؛ لأن من المواضع ما ليس فيه " يقول ~~" كالموضع الثاني ms0662 في " آل عمران " ، وهو # ثم قال له كن فيكون # [آل عمران:59] ولم ير عطفه على " قال " من حيث إنه مضارع، فلا يعطف على ~~ماضي، فأورد على نفسه: [الكامل] # 758 ولقد أمر على اللئيم يسبني # فمضيت ثمت قلت: لا يعنيني # فقال: " أمر بمعنى مررت ". # قال بعضهم: ويكون في هذه الآية يعني في آية " آل عمران " ، بمعنى " ~~كان " فليجز عطفه على " قال ". # وقرأ ابن عامر: " فيكون " نصبا هنا، وفي الأولى من " آل عمران " ، وهي ~~{ كن فيكون } ، تحرزا من قوله تعالى: # كن فيكون الحق من ربك # [آل عمران:59 60]. # وفي مريم: # كن فيكون وإن الله ربي وربكم # [مريم:35 36]. # وفي غافر: # كن فيكون ألم تر إلى الذين يجادلون # [غافر:68 69]. # ووافقه الكسائي على ما في " النحل " و " يس ". # وهي: # أن يقول له كن فيكون # [يس:82]. # أما آيتا " النحل " و " يس " فظاهرتان: لأن ما قبل الفعل منصوبا يصح ~~عطفه عليه، وسيأتي. # وأما ما انفرد به ابن عامر في هذه المواضع الأربعة، فقد اضطرب كلام ~~الناس فيها، وهي لعمري تحتاج إلى فضل نظر وتأمل، ولذلك تجرأ بعض ~~الناس على هذا الإمام الكبير، فقال ابن مجاهد: قرأ ابن عامر: " فيكون ~~" نصبا، وهذا غير جائز في العربية؛ لأنه لا يكون الجواب هنا للأمر ~~بالفاء إلا في " يس " و " النحل " ، فإنه نسق لا جواب. # وقال في " آل عمران ": قرأ ابن عامر وحده: " كن فيكون " بالنصب ~~وهو وهم. قال: وقال هشام: كان أيوب بن تميم يقرأ: " فيكون " ~~نصبا، ثم رجع فقرأ: " يكون " رفعا. # وقال الزجاج: " كن فيكون " رفع لا غير. # وأكثر ما أجابوا بأن هذا مما روعي فيه ظاهر اللفظ من غير نظر للمعنى، ~~يريدون أنه قد وجد في اللفظ صورة أمر فنصبتا في جوابه بالفاء. # وأما إذا نظرنا إلى جانب المعنى، فإن ذلك لا يصح لوجهين: # أحدهما: أن هذا وإن كان بلفظ الأمر، فمعناه الخبر نحو: # فليمدد له الرحمن # [مريم:75]. أي فيمد، وإذا كان معناه الخبر، لم ينتصب في جوابه بالفاء ~~إلا ضرورة؛ كقوله: [الوافر] # 759 سأترك منزلي لبني تميم # وألحق ms0663 بالحجاز فأستريحا # وقول الآخر: [الطويل] # 760 لنا هضبة لا ينزل الذل وسطها # ويأوي إليها المستجير فيعصما # والثاني: أن من شرط النصب بالفاء في جواب الأمر أن ينعقد منهما شرط ~~وجزاء نحو: " ائتني فأكرمك " تقديره: " إن أتيتني أكرمتك ". # وها هنا لا يصح ذلك إذ يصير التقدير: إن تكن تكن، فيتحد فعلا الشرط ~~والجزاء معنى وفاعلا، وقد علمت أنه لا بد من تغايرهما، وإلا يلزم أن ~~يكون الشيء شرطا لنفسه وهو محال، قالوا: والمعاملة اللفظية، واردة ~~في كلامهم نحو: # قل لعبادي الذين ءامنوا يقيموا # [إبراهيم:31] # قل للذين ءامنوا يغفروا # [الجاثية:14]. # وقال عمر بن أبي ربيعة: [الطويل] # 761 فقلت لجناد خذ السيف واشتمل # عليه برفق وارقب الشمس تغرب # وأسرج لي الدهماء واذهب بممطري # ولا يعلمن خلق من الناس مذهبي # فجعل " تغرب " جوابا ل " ارقب " وهو غير مترتب عليه، وكذلك لا ~~يلزم من قوله أن يفعلوا، وإنما ذلك مراعاة لجانب اللفظ. # أما ما ذكره في بيت عمر فصحيح. # وأما الآيات فلا نسلم أنه غير مترتب عليه؛ لأنه أراد بالعباد ~~الخلص، وبذلك أضافهم إليه. # أو تقول: إن الجزم على حذف لام الأمر، وسيأتي تحقيقه في موضعه إن ~~شاء الله تعالى. # وقال ابن مالك: " إن " " أن " الناصبة قد تضمر بعد الحصر ب " ~~إنما " اختيارا، وحكاه عن بعض الكوفيين. # قال: وحكوا عن العرب: إنما هي ضربة من الأسد فتحطم ظهره بنصب " تحطم " ~~، فعلى هذا يكون النصب في قراءة ابن عامر محمولا على ذلك إلا أن ~~هذا الذي نصبوه دليلا لا دليل فيه لاحتمال أن يكون من باب العطف على ~~الاسم تقديره: إنما هي ضربة فحطم؛ كقوله: [الوافر] # 762 للبس عباءة وتقر عيني # أحب إلي من لبس الشفوف # فصل في تحرير كلمة كن # قال ابن الخطيب: اعلم أنه ليس المراد من قوله تعالى: { فإنما ~~يقول له: كن فيكون } هو أنه تعالى يقول له: " كن " ، ~~فحينئذ يتكون ذلك الشيء، فإن ذلك فاسد، والذي يدل عليه وجوه: # الأول: أن قوله تعالى: " كن " إما أن يكون قديما أو محدثا، والقسمان ~~فاسدان، ms0664 فبطل القول بتوقف حدوث الأشياء على " كن " إنما قلنا إنه لا ~~يجوز أن يكون قديما لوجوه: # الأول: أن كلمة " كن " لفظة مركبة من الكاف والنون بشرط تقدم الكاف ~~على النون فالنون لكونه مسبوقا بالكاف لا بد وأن يكون محدثا، والكاف ~~لكونه متقدما على المحدث بزمان واحد، يجب أن يكون محدثا. # الثاني: أن كلمة " إذا " لا تدخل إلا على الاستقبال، فذلك القضاء لا بد ~~وأن يكون محدثا؛ لأنه دخل عليه حرف إذا وقوله: " كن " مرتب على القضاء ~~ب " فاء " التعقيب؛ لأنه قال: { فإنما يقول له كن } والمتأخر ~~عن المحدث محدث، فاستحال أن يكون " كن " قديما. # الثالث: أنه تعالى رتب تكوين المخلوق على قوله: " كن " ب " فاء " ~~التعقيب، فيكون قوله: " كن " مقدما على تكوين المخلوق بزمان واحد، ~~والمتقدم على المحدث بزمان واحد لا بد وأن يكون محدثا، فقوله: " كن " ~~لا يجوز أن يكون قديما، ولا جائز أيضا أن يكون قوله: " كن " محدثا؛ ~~لأنه لو افتقر كل محدث إلى قوله: " كن " ،وقوله " كن " أيضا محدث، ~~فيلزم افتقار " كن " إلى " كن " آخر، ويلزم التسلسل والدور، وهما ~~محالان، فثبت بهذا الدليل أنه لا يجوز توقف إحداث الحوادث على قوله: " ~~كن " وأن قوله: " كن " إن [كان] خطابا له حال وجوده، فتحصيل للحاصل، ~~قاله أبو الحسن الماوردي. # قال القرطبي رحمه الله: والجواب من ثلاثة أوجه: # الأول: أنه خبر من الله تعالى عن نفوذ أوامره في خلقه، كما في بني ~~إسرائيل أن يكونوا قردة خاسئين، ولا يكون هذا في إيجاد المعدومات. # الثاني: أن الله تعالى عالم بما هو كائن قبل كونه، فكانت الأشياء ~~التي لم تكن كائنة لعلمه بها قبل كونها مشابهة للتي هي موجودة، فجاز أن ~~يقول لها: كوني، ويأمرها بالخروج من حال العدم إلى حال الوجود؛ لتصير ~~جميعها له، ولعلمه بها في حال العدم. # الثالث: أن ذلك خبر من الله تعالى عام عن جميع ما يحدث ويكونه، ~~إذا أراد خلقه وإنشاءه كان ووجد من غير أن يكون هناك قول يقوله، وإنما هو ~~قضاء يريده، فعبر عنه ms0665 بالقول وإن لم يكن قولا، كقول أبي النجم: ~~[الرجز] # 763 إذ قالت الأنساع للبطن الحقي # ولا قول هناك، وإنما أراد أن الظهر قد لحق بالبطن. # وكقول عمرو بن هممة الدوسي: [الطويل] # 764 فأصبحت مثل النسر طارت فراخه # إذا رام تطيارا يقال له: قع # وقال الآخر: [الرجز] # 765 قالت جناحاه لساقيه الحقا # ونجيا لحميكما أن يمزقا # الحجة الثانية: أنه تعالى إما أن يخاطب المخلوق ب " كن " قبل دخوله في ~~الوجود، أو حال دخوله في الوجود، والأول باطل؛ لأن خطاب المعدوم حال عدمه ~~سفه. # والثاني أيضا باطل؛ لأنه يرجع حاصله إلى أنه تعالى أمر الموجود بأن ~~يصير موجودا، وذلك أيضا لا فائدة فيه. # الحجة الثالثة: أن المخلوق قد يكون جمادا، وتكليف الجماد عبث، ولا يليق ~~بالحكيم. # الحجة الرابعة: أن القادر هو الذي يصح منه الفعل وتركه بحسب الإرادات، ~~فإذا فرضنا القادر المريد منفكا عن قوله: " كن " فإما أن يتمكن من ~~الإيجاد والإحداث، أو لا يتمكن، فإن تمكن لم يكن الإيحاد موقوفا على ~~قوله " كن " ، وإن لم يتمكن فحينئذ يلزم ألا يكون القادر قادرا على ~~الفعل إلا عند تكلمه ب " كن " فيرجع حاصل الأمر إلى أنكم سميتم القدرة ~~ب " كن " وذلك نزاع لفظي. # الحجة الخامسة: أن " كن " كلمة لو كان لها أثر في التكوين لكنا إذا ~~تكلمنا بهذه الكلمة وجب أن يكون لها ذلك التأثير ولما علمنا بالضرورة ~~فساد ذلك علمنا أنه لا تأثير لهذه الكلمة. # الحجة السادسة: أن لفظة " كن " ككلمة مركبة من الكاف والنون، بشرط كون ~~الكاف متقدما على النون، فالمؤثر إما أن يكون هو أحد هذين الحرفين أو ~~مجموعهما؛ فإن كان الأول لم يكن لكلمة " كن " أثر ألبتة بل التأثير لأحد ~~هذه الحرفين، وإن كان الثاني فهو محال؛ لأنه لا وجود لهذا المجموع ~~ألبتة؛ لأنه حين حصل الحرف الأول لم يكن الثاني حاصلا، وحين جاء ~~الثاني فقد فات الأول، وإن لم يكن للمجموع وجود ألبتة استحال أن يكون ~~للمجموع أثر ألبتة. # الحجة السابعة: قوله تعالى: # إن مثل عيسى عند الله ms0666 كمثل ءادم خلقه من ~~تراب ثم قال له كن فيكون # [آل عمران:59] بين أن قوله " كن " متأخر عن خلقه، إذ المتأخر عن ~~الشيء لا يكون مؤثرا في المتقدم عليه، فعلمنا أنه لا تأثير لقوله: " ~~كن " في وجود الشيء، فظهر بهذه الوجوه فساد هذا المذهب، فإذا ثبت هذا ~~فنقول: لا بد من التأويل وهو من وجوه: # الأول: أن المراد من هذه الكلمة سرعة نفاذ قدرة الله في تكوين الأشياء، ~~وأنه تعالى يخلق الأشياء لا بفكرة ومعاناة وتجربة. # الثاني: قال أبو الهذيل: إنه علامة يفعلها الله تعالى للملائكة ~~إذا سمعوها علموا أنه أحدث أمرا. # الثالث: قال الأصم: إنه خاص بالموجودين الذين قال لهم: # كونوا قردة خاسئين # [البقرة:65]، ومن جرى مجراهم. # الرابع: أنه أمر للأحياء بالموت، وللموتى بالحياة. والكل ضعيف، والقوي ~~هو الأول. # وقال الطبري رحمه الله: التكوين مع الأمر لا يتقدم الموجود، ولا يتأخر ~~عنه، فلا يكون الشيء مأمورا بالوجود إلا وهو موجود بالأمر، ولا موجود ~~إلا وهو مأمور بالوجود، ونظيره قيام الناس من قبورهم لا يتقدم دعاء الله ~~تعالى ولا يتأخر عنه كما قال تعالى: # ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذآ أنتم ~~تخرجون # [الروم:25]. # قال القرطبي رحمه الله تعالى: وتلخيص المعتقد في هذه الآية: أن الله ~~عز وجل لم يزل آمرا للمعدومات بشرط وجودها، قادرا مع تأخر ~~المقدورات، عالما مع تأخر المعلومات، فكل ما في الآية يقتضي الاستقبال، ~~فهو بحسب المأمورات؛ إذ المحدثات تجيء بعد أن لم تكن. كل ما يسند إلى ~~الله تعالى من قدرة وعلم، فهو قديم لم يزل والمعنى الذي تقتضيه عبارة ~~" كن "؛ هو قديم قائم بالذات. ### || [2.118] # " لو " و " لولا " يكونان حرفي ابتداء، وقد تقدم عند قوله: # فلولا فضل الله # [البقرة:64] ويكونان حرفي تحضيض بمنزلة: " هلا " فيختصان بالأفعال ~~ظاهرة أو مضمرة، كقوله: [الطويل] # 766 تعدون عقر النيب أفضل مجدكم # بني ضوطرى لولا الكمي المقنعا # أي: لولا تعدون الكمي، فإن ورد ما يوهم وقوع الاسم بعد حرف التخصيص ~~يؤول؛ كقوله: [الطويل] # 767 ونبئت ليلى أرسلت بشفاعة # إلي ms0667 فهلا نفس ليلى شفيعها # ف " نفس ليلى " مرفوع بفعل محذوف يفسره " شفيعها " أي: فهلا شفعت نفس ~~ليلى. # وقال أبو البقاء: إذا وقع بعدها المستقبل كانت للتحضيض، وإن وقع بعدها ~~الماضي كانت للتوبيخ وهذا شيء يقوله علماء البيان، وهذه الجملة التحضيضية ~~في محل نصب بالقول. # قوله: { كذلك قال الذين } قد تقدم الكلام على نظيره فليطلب ~~هناك. # وقرأ أبو حيوة، وابن أبي إسحاق: " تشابهت " بتشديد الشين. # قال الداني: " وذلك غير جائز؛ لأنه فعل ماض " ، يعني: أن التاءين ~~المزيدتين إنما تجيئان في المضارع فتدغم أما الماضي فلا. # فصل في قبائح اليهود والنصارى والمشركين # هذا نوع آخر من قبائح اليهود والنصارى والمشركين، فإنهم قدحوا في ~~التوحيد باتخاذ الولد، وقدحوا الآن في النبوة. # قال ابن عباس: " هم اليهود ". # وقال مجاهد: " هم النصارى " لأنهم المذكورون أولا، ويدل على أن المراد ~~أهل الكتاب قوله تعالى: # يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من ~~السمآء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك # [النساء:153]. # فإن قيل: المراد مشركو العرب، لأنه تعالى وصفهم بأنهم لا يعلمون، ~~وأهل الكتاب أهل العلم. # [قلنا]: المراد أنهم لا يعلمون التوحيد والنبوة كما ينبغي، وأهل الكتاب ~~كانوا كذلك. # وقال قتادة وأكثر المفسرين: هم مشركو العرب لقوله: # فليأتنا بآية كمآ أرسل الأولون # [الأنبياء:5]، وقالوا: # لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا # [الفرقان:21]. # وتقرير هذه الشبهة أنك تقول: إن الله تعالى يكلم الملائكة وكلم ~~موسى، ويقول: يا محمد إن الله تعالى كلمك فلم لا يكلمنا مشافهة، ~~ولا ينص على نبوتك حتى يتأكد الاعتقاد، وتزول الشبهة، فأجابهم أنا قد ~~أيدنا قول محمد صلى الله عليه وسلم بالمعجزات، وبالآيات وهي القرآن، ~~وسائر المعجزات، فكان طلب هذه الزوائد من باب التعنت، فلم يجب إجابتها ~~لوجوه: # أحدها: أنه إذا حصلت الدلالة الواحدة، فقد تمكن المكلف من الوصول إلى ~~المطلوب، فلو كان غرضه طلب الحق لاكتفى بتلك الدلالة، فحيث لم يكتف بها، ~~وطلب الزائد عليها علمنا أن ذلك من باب العناد، ويدل له قوله تعالى: # أولم يكفهم أنآ أنزلنا عليك الكتاب يتلى ~~عليهم ms0668 # [العنكبوت:51]. # وثانيها: لو كان في [علم الله تبارك وتعالى] أنهم يؤمنون عند إنزال هذه ~~الآية لفعلها، ولكنه علم أنه لو أعطاهم ما سألوه لما ازدادوا إلا ~~لجاجا فلا جرم لم يفعل ذلك، ولذلك قال تعالى: # ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو ~~أسمعهم لتولوا وهم معرضون # [الأنفال:23]. # وثالثها: إنه ربما كان كثرتها وتعاقبها يقدح في كونها معجزة؛ لأن ~~الخوارق متى توالت صار انخراق العادة عادة، فحينئذ يخرج عن كونه معجزا. # وأما قوله تعالى: " تشابهت قلوبهم " [فالمراد أن المكذبين ~~للرسل تتشابه أقوالهم وأفعالهم]، فكما أن قوم موسى، [كانوا أبدا في ~~التعنت واقتراح] الأباطيل، كقولهم: # لن نصبر على طعام واحد # [البقرة:61] وقولهم: # اجعل لنآ إلها كما لهم ءالهة # [الأعراف:138] وقولهم: # أتتخذنا هزوا # [البقرة:67] وقولهم: # أرنا الله جهرة # [النساء:152]، فكذلك هؤلاء المشركون يكونون أبدا في العناد ~~واللجاج، وطلب الباطل. # قوله: { قد بينا الآيات لقوم يوقنون } يعنى القرآن ~~وغيره من المعجزات كمجيء الشجرة، وكلام الذئب، وإشباع الخلق الكثير من ~~الطعام القليل، آيات قاهرة، ومعجزات باهرة لمن كان طالبا لليقين. ### || [2.119] # اعلم أن القوم لما أصروا على العناد واللجاج الباطل، واقترحوا ~~المعجزات على سبيل التعنت بين الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم ~~أنه لا مزيد على ما فعله في مصالح دينهم من إظهار الأدلة. # قوله: " بالحق " يجوز فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون مفعولا به، أي: بسبب إقامة الحق. # الثاني: أن يكون حالا من المفعول في " أرسلناك " أي: أرسلناك ~~ملتبسا بالحق. # الثالث: أن يكون حالا من الفاعل، أي: ملتبسين في الحق. # وفيه وجوه: # أحدها: أنه الصدق كقوله تعالى: # ويستنبئونك أحق هو # [يونس:53] أي: صدق وقال ابن عباس رضي الله عنهما: " بالقرآن " ، لقوله ~~تعالى: # بل كذبوا بالحق لما جآءهم # [ق:5]. # وقال ابن كيسان: " بالإسلام وشرائعه " ، لقوله تعالى: # وقل جآء الحق # [الإسراء:81]، وقال مقاتل: " لم نرسلك عبثا وإنما أرسلناك بالحق " ~~لقوله عز وجل: # ما خلقنا السموات والأرض وما بينهمآ إلا ~~بالحق # [الأحقاف:3] وعلى هذه الأقوال في تعلق هذا الجار وجوه: # أحدها: أنه متعلق بالإرسال. # وثانيها: أنه ms0669 متعلق بالبشير والنذير أي: أنت مبشر بالحق ومنذر به. # وثالثها: أن يكون المراد من الحق الدين والقرآن، أي أرسلناك بالقرآن حال ~~كونك بشيرا لمن أطاع الله بالثواب، ونذيرا لمن كفر بالعقاب، والأولى أن ~~يكون البشير والنذير حالا من الرسول، أي: أرسلناك بالحق لتكون بشيرا ~~ونذيرا لمن اتبعك [ونذيرا لمن كفر بك] ويجوز أن يكون بشيرا ونذيرا ~~حالا من " الحق "؛ لأنه يوصف أيضا بالبشارة والنذارة، وبشير ونذير ~~على صيغة " فعيل ". # أما بشير فتقول: هو من بشر مخففا؛ لأنه مسموع فيه، و " فعيل " مطرد ~~من الثلاثي. # وأما: " نذير " فمن الرباعي، ولا ينقاس عدل مفعل إلى فعيل، إلا ~~أن له هنا محسنا. # قوله تعالى: " ولا تسأل " قرأ الجمهور: " تسأل " مبنيا ~~للمفعول مع رفع الفعل على النفي، وفي معنى هذه القراءة وجوه: # أحدها: أن مصيرهم إلى الجحيم، فمعصيتهم لا تضرك، ولست مسؤولا عن ذلك، ~~وهو كقوله: # فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب # [الرعد:40] وقوله: # عليه ما حمل وعليكم ما حملتم # [النور:54]. # الثاني: أنك هاد وليس لك من الأمر شيء، ولا تغتم لكفرهم ومصيرهم ~~إلى العذاب، ونظيره قوله تعالى: # فلا تذهب نفسك عليهم حسرات # [فاطر:8]. # الثالث: أنك لا تسأل عن ذنب غيرك ويعضد هذه القراءة قراءة أبي: " ~~وما تسأل " ، وقراءة عبد الله " ولن تسأل ". # وقال مقاتل رحمه الله تعالى: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لو أن الله تعالى أنزل بأسه باليهود لآمنوا " # ؛ فأنزل الله تعالى: { ولا تسأل عن أصحاب الجحيم } وقرىء " تسأل " ~~مبينا للفاعل مرفوعا أيضا، وفي هذه الجملة وجهان: # أحدهما: أنه حال، فيكون معطوفا على الحال قبلها، كأنه قيل: بشيرا أو ~~نذيرا، وغير مسؤول. # والثاني: أن تكون مستأنفة. # وقرأ نافع ويعقوب: " تسأل " على النهي، وهذا مستأنف فقط، ولا يجوز ~~أن تكون حالا؛ لأن الطلب لا يقع حالا. # وفي المعنى على هذه القراءة وجهان: # الأول: روي أنه قال: ليت شعري ما فعل أبواي؟ فنهي عن السؤال عن أحوال ~~الكفرة. # قال ابن الخطيب رحمه الله: وهذه الرواية بعيدة؛ لأنه عليه الصلاة ~~والسلام كان عالما بكفرهم، ms0670 وكان عالما بأن الكافر معذب، فمع هذا ~~العلم لا يجوز أن يسأل. # والثاني: معنى هذا النهي تعظيم ما وقع فيه الكفار من العذاب، كما إذا ~~سألت عن إنسان واقع في بلية، فيقال لك: لا تسأل عنه. # وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه: " ولن تسأل ". # وقرأ أبي: " وما تسأل "؛ ومعناهما موافق لقراءة الجمهور، نفي أن يكون ~~مسؤولا عنهم. # والجحيم: شدة توقد النار، ومنه قيل لعين الأسد: " جحمة " لشدة ~~توقدها، يقال: جحمت النار تجحم؛ ويقال لشدة الحر: " جاحم ~~"؛ قال: [مجزوء الكامل] # 768 والحرب لا يبقى لجا # حمها التخيل والمراح ### || [2.120] # والرضا: ضد الغضب، وهو من ذوات " الواو " لقولهم: الرضوان، والمصدر: ~~رضا ورضاء بالقصر والمد، ورضوانا بكسر " الفاء " وضمها. # قال القرطبي رحمه الله: رضي يرضى رضا ورضاء ورضوانا ~~ورضوانا ومرضاة، وهو من ذوات " الواو " ويقال في التثنية: رضوان، ~~وحكى الكسائي رحمه الله: رضيان، وحكى رضاء ممدود، وكأنه مصدر راضى ~~يراضي مراضاة ورضاء. # وقد يتضمن معنى " عطف " فيتعدى ب " على "؛ قال: [الوافر] # 769 إذا رضيت علي بنو قشير # ..................... # والملة في الأصل: الطريقة، يقال: طريق ممل، أي: أثر فيه [المشي]، ~~ويعبر بها عن الشريعة تشبيها بالطريقة. # وقيل: بل اشتقت من " أمللت "؛ لأن الشريعة فيها من يملي ~~ويملى عليه. # فصل في سبب نزول هذه الآية # اعلم أنه تعالى لما بين أن العلة قد انزاحت من قبله لا من قبلهم، ~~وأنه لا عذر لهم في الثبات على التكذيب به عقب ذلك بأن القوم بلغ حالهم ~~في [تشددهم في باطلهم، وثباتهم على كفرهم] أنهم يريدون منك أن تتبع ~~ملتهم، ولا يرضون منك بالكفر، بل الموافقة لهم في دينهم وطريقتهم. # قال ابن عباس رحمه الله: هذا في القبلة، وذلك أن يهود " المدينة " ~~ونصارى " نجران " كانوا يرجون النبي صلى الله عليه وسلم حين كان يصلي ~~إلى قبلتهم، فلما صرف الله القبلة إلى الكعبة أيسوا منه الموافقة على ~~دينهم فنزلت هذه الآية. # وقيل: كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم الهدنة، ويطمعونه أنه إن ~~أمهلهم اتبعوه، فأنزل الله هذه الآية. # معناه: ms0671 إنك إن هادنتهم، فلا يرضون بها، ولا يطلبون ذلك تعللا ولا يرضون ~~منك إلا باتباع ملتهم. # قوله: " تتبع " منصوب ب " أن " مضمرة بعد " حتى " قاله الخليل، ~~وذلك أن " حتى " خافضة بالاسم لقوله عز وجل: # حتى مطلع الفجر # [القدر:5] وما يعمل في الاسم لا يعمل في الفعل ألبتة وما يخفض اسما لا ~~ينصب شيئا. # وقال النحاس: " تتبع " منصوب ب " حتى " ، و " حتى " بدل من " أن ~~". # فصل في أن الكفر ملة واحدة # دلت هذه الآية على أن الكفر ملة واحدة لقوله تعالى: " ملتهم " ~~فوحد الملة، وبقوله تعالى: # لكم دينكم ولي دين # [الكافرون:6]، وأما قوله صلوات الله وسلامه عليه: # " لا يتوارث أهل ملتين شيء " # المراد به الإسلام والكفر بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: # " لا يورث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم " # ثم قال تعالى: { قل إن هدى الله هو الهدى } ~~[البقرة:120] يعني الإسلام هو الهدى الحق الذي يصح أن يسمى هدى، وهو ~~الهدى كله ليس وراءه هدى. # قوله تعالى: " هو " يجوز في " هو " أن يكون فصلا أو مبتدأ، وما بعده ~~خبره، ولا يجوز أن يكون بدلا من " هدى الله " لمجيئه بصيغة الرفع. # وأجاز أبو البقاء رحمه الله تعالى فيه أن يكون توكيدا لاسم " إن " ، ~~وهذا لا يجوز فإن المضمر لا يؤكد المظهر. # قوله: " ولئن اتبعت " هذه تسمى " اللام " الموطئة للقسم، ~~وعلامتها أن تقع قبل أدوات الشرط، وأكثر مجيئها مع " إن " وقد تأتي مع ~~غيرها نحو: # لمآ ءاتيتكم من كتاب # [آل عمران:81]، # لمن تبعك منهم # [الأعراف:18]، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، ولكونها مؤذنة بالقسم ~~اعتبر سبقها، فأجيب القسم دون الشرط بقوله: { ما لك من الله ~~من ولي } وحذف جواب الشرط، ولو أجيب الشرط لوجبت " الفاء " وقد ~~تحذف هذه " اللام " ويعمل بمقتضاها، فيجاب القسم نحو قوله تعالى: # وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن # [المائدة:73]. # والأهواء جمع هوى، كما تقول: " جمل وأجمال " ، ولما كانت مختلفة جمعت، ~~ولو حمل على أفراد الملة لقال: هواهم. قوله: " من العلم " في محل ~~نصب على الحال من فاعل " جاءك " و " من ms0672 " للتبعيض، أي جاءك حال كونه ~~بعض العلم. # فصل في المراد بهذا الخطاب # قيل: المراد بهذا الخطاب الأمة كقوله تعالى: # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر:65]، فالخطاب مع الرسول صلى الله عليه وسلم والمراد الأمة. { ~~بعد الذي جآءك من العلم } البيان بأن دين الله هو ~~الإسلام، والقبلة قبلة إبراهيم عليه الصلاة والسلام وهي الكعبة. # { ما لك من الله من ولي ولا نصير } أي معين يعصمك ~~ويذب عنك. # فصل فيما تدل عليه الآية # قالوا: الآية تدل على أمور: منها أن الذي علم الله منه أنه لا يفعل ~~الشيء يجوز منه أن يتوعده على فعله. # وثانيها: أنه لا يجوز الوعيد إلا بعد نصب الأدلة، ويبطل القول ~~بالتقليد. # وثالثها: أن اتباع الهوى لا يكون إلا باطلا فمن هذا الوجه يدل على ~~بطلان التقليد. # ورابعها: سئل الإمام أحمد رحمه الله عمن يقول: القرآن مخلوق، فقال: ~~كافر. # فقيل: بم كفرته؟ فقال: بآية من كتاب الله تعالى، # ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جآءك من ~~العلم # [البقرة:145] فالقرآن من علم الله تعالى، فمن زعم أنه مخلوق فقد كفر. ### || [2.121-123] # قوله تعالى: { الذين آتيناهم الكتاب } رفع بالابتداء، وفي ~~خبره وجهان: # أحدهما: " يتلونه " ، وتكون الجملة من قوله: " أولئك يؤمنون ~~": إما مستأنفة وهو الصحيح. # وإما حالا على قول ضعيف تقدم مثله أول السورة. # والثاني: أن الخبر هو الجملة من قوله: " أولئك يؤمنون ". # ويكون " يتلونه " في محل نصب على الحال إما من المفعول في " ~~ءاتناهم " وإما من الكتاب، وعلى كلا القولين فهي حال مقدرة؛ لأن وقت ~~الإيتاء لم يكونوا تالين، ولا كان الكتاب متلوا. # وجوز الحوفي أن يكون " يتلونه " خبرا، و " أولئك يؤمنون " ~~خبرا بعد خبر، قال: مثل قولهم: " هذا حلو حامض " كأنه يريد جعل الخبرين ~~في معنى خبر واحد، هذا إن أريد ب " الذين " قوم مخصوصون. # وإن أريد بهم العموم، كان " أولئك يؤمنون " الخبر. # قال جماعة منهم ابن عطية رحمه الله وغيره و " يتلونه " حالا ~~لا يستغنى عنها، وفيها الفائدة. # وقال أيضا أبو البقاء: ولا يجوز أن يكون " يتلونه " خبرا؛ لئلا ms0673 ~~يلزم منه أن كل مؤمن يتلو الكتاب حق تلاوته بأي تفسير فسرت التلاوة ~~قال أبو حيان: ونقول: ما لزم من الامتناع من جعلها خبرا يلزم في ~~جعلها حالا؛ لأنه ليس كل مؤمن على حال التلاوة بأي تفسير فسرت التلاوة. # قوله تعالى: " حق تلاوته " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه نصب على المصدر وأصله: " تلاوة حقا " ثم قدم الوصف، وأضيف ~~إلى المصدر، وصار نظير " ضربت شديد الضرب " أي: ضربا شديدا. فلما قدم ~~وصف المصدر نصب نصبه. # الثاني: أنه حال من فاعل " يتلونه " أي: يتلونه محقين. # الثالث: أنه نعت مصدر محذوف. # وقال ابن عطية: و " حق " مصدر، والعامل فيه فعل مضمر، وهو بمعنى " ~~أفعل " ، ولا تجوز إضافته إلى واحد معرف، إنما جازت هنا؛ لأن تعرف ~~التلاوة بإضافتها إلى الضمير ليس بتعرف محض، وإنما هو بمنزلة قولهم: رجل ~~واحد أمه ونسيج وحده يعني: أنه في قوة " أفعل " التفضيل بمعنى ~~أحق التلاوة، وكأنه يرى أن إضافة " أفعل " غير محضة، ولا حاجة إلى تقدير ~~عامل فيه؛ لأن ما قبله يطلبه. والضمير في " به " فيه أربعة أقوال: # أحدها وهو الظاهر : عوده على الكتاب. # الثاني: عوده على الرسول، قالوا: " ولم يجر له ذكر لكنه معلوم " ، ~~ولا حاجة إلى هذا الاعتذار، فإنه مذكور في قوله: # أرسلناك # [البقرة:119]، إلا أن فيه التفاتا من خطاب إلى غيبة. # الثالث: أنه يعود على الله تعالى، وفيه التفات أيضا من ضيمر المتكلم ~~المعظم في قوله: " أرسلناك " إلى الغيبة. # الرابع: قال ابن عطية: إنه يعود على " الهدى " وقرره بكلام حسن. # فصل فيمن نزلت فيهم هذه الآية # قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في أهل السفينة الذين كانوا مع جعفر بن ~~أبي طالب، وكانوا أربعين رجلا اثنان وثلاثون من " الحبشة " وثمانية من ~~رهبان " الشام " منهم بحيرى. # وقال الضحاك: هو من آمن من اليهود: عبد الله بن سلام، وشعبة بن عمرو، ~~وتمام ابن يهوذا، وأسيد وأسد ابنا كعب وابن تامين، وعبد الله بن صوريا. ~~دليل هذين التأويلين تقدم ذكر الكتاب. # وقال قتادة وعكرمة: هم المؤمنون عامة لقوله: ms0674 { يتلونه حق ~~تلاوته } وهذا حث وترغيب في تلاوة هذا الكتاب، وهذا شأن القرآن؛ ~~لأن التوراة والإنجيل لا يجوز قراءتهما، وأيضا قوله: { يؤمنون به ~~ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون } وهذا الوصف لا ~~يليق إلا بالقرآن. # والتلاوة لها معنيان: # أحدهما: الاتباع فعلا؛ لأن من اتبع غيره يقال: تلاه فعلا، قال تعالى: # والقمر إذا تلاها # [الشمس:2]. # والثاني: القراءة. # وفي حق التلاوة وجوه: # أحدها: أنهم يدبروه، فعملوا بموجبه [حتى تمسكوا بأحكامه من حلال وحرام ~~وغيرهما]. # وثانيها: أنهم خضعوا عند تلاوته. # وثالثها: أنهم عملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وتوقفوا فيما أشكل عليهم ~~منه، وفوضوه إلى الله تعالى. # ورابعها: يقرءونه كما أنزله الله، ولا يحرفونه، ولا يتأولونه على غير ~~حق. # وخامسها: روي عن عمر رضي الله تعالى عنه هم الذين إذا مروا بآية ~~رحمة سألوا، وإذا مروا بآية عذاب استعاذوا. # وسادسها: المراد أن تحمل الآية على كل هذه الوجوه؛ لأنها مشتركة في ~~مفهوم واحد، وهو تعظيمها، والانقياد لها. ### || [2.124] # العامل في " إذ " " قال ". # وقيل: العامل فيه " اذكر " مقدرا، وهو مفعول، وقد تقدم أنه لا يتصرف ~~فالأولى ما ذكرته أولا. # وقدره الزمخشري رحمه الله تعالى كان كيت وكيت، فجعله ظرفا، ولكن عامله ~~مقدر. # و " ابتلى " وما بعده في محل خفض بإضافة الظرف إليه. # وأصل ابتلى: ابتلو، فألفه عن " واو "؛ لأنه " من بلا يبلو " أي؛ ~~اختبر. # و " إبراهيم " مفعول مقدم، وهو واجب التقديم عند جمهور النحاة؛ لأنه ~~متى اتصل بالفاعل ضمير يعود على المفعول وجب تقديمه، لئلا يعود الضمير ~~على متأخر لفظا ورتبة، هذا هو المشهور، وما جاء على خلافه عدوه ~~ضرورة. # وخالف أبو الفتح في ذلك وقال: " إن الفعل كما يطلب الفاعل يطلب المفعول، ~~فصار للفظ به شعور وطلب ". # وقد أنشد ابن مالك أبياتا كثيرة تأخر فيها المفعول المتصل ضميره ~~بالفاعل، منها: [السريع] # 770 لما عصى أصحابه مصعبا # أدى إليه الكيل صاعا بصاع # ومنها: [البسيط] # 771 جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر # وحسن فعل كما يجزى سنمار # وقال ابن عطية: وقدم المفعول للاهتمام بمن وقع الابتلاء به، ms0675 إذ معلوم أن ~~الله هو المبتلي، واتصال ضمير المفعول بالفاعل موجب للتقديم، يعنى أن ~~الموجب للتقديم سببان: سبب معنوي وسبب صناعي. # و " إبراهيم " علم أعجمي. # قيل: معناه قبل النقل أب رحيم. # فصل في تفسير لفظ إبراهيم # قال الماوردى: هذا التفسير بالسريانية وبالعربية فيما حكى ابن عطية أب ~~رحيم. # قال السهيلي: كثيرا ما يقع الاتفاق بين السرياني والعربي، أو يقاربه في ~~اللفظ، ألا ترى أن إبراهيم تفسيره أب رحيم، راحم بالأطفال، ولذلك جعل هو ~~وسارة زوجته كافلين لأطفال المؤمنين الذي يموتون صغارا إلى يوم القيامة ~~[على ما روى البخاري في حديث الرؤيا الطويل أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم رأى في الروضة إبراهيم عليه السلام وحوله أولاد الناس]. # وفيه لغات سبع، أشهرها: إبراهيم بألف وياء، وإبراهام بألفين، وبها قرأ ~~هشام وابن ذكوان في أحد وجهيه في " البقرة " ، وانفرد هشام بها في ثلاثة ~~مواضع في آخر " النساء " وموضعين في آخر " براءة " وموضع في آخر " ~~الأنعام " وآخر " العنكبوت " ، وفي " النجم " و " الشورى " و " الذاريات ~~" و " الحديد " والأول في " الممتحنة " ، وفي " إبراهيم " وفي " النحل " ~~موضعين، وفي " مريم " ثلاثة، فهذه ثلاثة وثلاثون موضعا منها خمسة عشر في ~~" البقرة " وثلاثة عشر في السور المذكورة. # وروي عن ابن عامر قراءة جميع ما في القرآن كذلك. # ويروى أنه قيل لمالك بن أنس: إن أهل " الشام " يقرءون ستة وثلاثين ~~موضعا إبراهام بالألف، فقال: أهل " دمشق " بأكل البطيخ أبصر منهم ~~بالقراءة. # فقيل: إنهم يدعون أنها قراءة عثمان. # فقال: هذا مصحف عثمان، فأخرجه فوجده كما نقل له. # الثالثة: إبراهم بألف بعد الراء، وكسر الهاء دون ياء، وبها قرأ أبو ~~بكر؛ وقال زيد بن عمرو بن نفيل: [الرجز] # 772 عذت بما عاذ به إبراهم # إذ قال وجهي لك عان راغم # الرابعة: كذلك، إلا أنه بفتح الهاء. # الخامسة: كذلك إلا أنه بضمها. # السادسة: إبرهم بفتح الهاء من غير ألف وياء. # قال عبد المطلب: [الرمل] # 773 نحن آل الله في كعبته # لم نزل ذاك على عهد ابرهم # السابعة: إبراهوم بالواو. # قال أبو البقاء: ويجمع ms0676 على " أباره " عند قوم، وعند آخرين " براهم ~~". # وقيل: أبارهة وبراهمة ويجوز أبارهة [وقال المبرد رحمه الله ~~تعالى: لا يقال براهم فإن الهمزة لا يجوز حذفها]. # وحكى ثعلب فيه: " براه " كما يقال في تصغيره: " بريه " بحذف ~~الزوائد. # والجمهور على نصب " إبراهيم " ورفع " ربه " كما تقدم. # وقرأ ابن عباس وأبو الشعثاء وأبو حنيفة بالعكس. قالوا: وتأويلها دعا ~~ربه، فسمى دعاءه ابتلاء مجازا؛ لأن في الدعاء طلب استكشاف لما تجري به ~~المقادير. # والضمير المرفوع في " فأتمهن " فيه قولان: # أحدهما: أنه عائد على " ربه " أي: فأكملهن. # والثاني: أنه عائد على " إبراهيم " أي: عمل بهن، ووفى بهن. # وهو إبراهيم بن تارح بن ناحور مولده ب " الشوس " من أرض " الأهواز ". # وقيل: " بابل " ، وقيل: " كولى " وقيل " كسكر " وقيل: " حيران ". # ونقله أبوه إلى " بابل " أرض نمرود بن كنعان، وكان له أربع بنين: ~~إسماعيل وإسحاق ومدين ومدائن، ذكره السهيلي. # فصل فيما دلت عليه السورة # اعلم أنه سبحانه وتعالى لما شرح وجوه نعمه على بني إسرائيل شرح ~~قبائحهم في أديانهم وأعمالهم، وختم هذا الفصل بشرح النعم بقوله: # يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت ~~عليكم # [البقرة:122] بين نوعا آخر من البيان، وهو أن ذكر قصة إبراهيم عليه ~~السلام والحكمة فيه أن إبراهيم عليه السلام معترف بفضله جميع ~~الطوائف، والمشركون أيضا معترفون بفضله متشرفون بأنهم من أولاده، ومن ~~ساكني حرمه، وخادمي بيته، فذكر فضيلته لهم؛ لأنها تدل على قبول محمد ~~صلى الله عليه وسلم من وجوه: # أحدها: أنه تعالى لما أمره ببعض التكاليف، فلما وفى بها وخرج لا جرم ~~نال النبوة والإمامة. # وثانيها: أنه لما طلب الإمامة لذريته فقال تعالى: { لا ينال عهدي ~~الظالمين } فدل ذلك على أن من أراد هذا المنصب وجب عليه ترك ~~اللجاج والتعصب للباطل. # وثالثها: أن الحج من خصائص دين محمد صلى الله عليه وسلم فحكى الله ~~تعالى ذلك عن إبراهيم ليكون ذلك كالحجة على اليهود والنصارى في وجوب ~~الانقياد لذلك. # ورابعها: أن القبلة لما حولت إلى الكعبة شق ذلك على اليهود والنصارى، ~~فبين الله تعالى أن هذا ms0677 البيت قبلة إبراهيم الذي يعترفون بتعظيمه، ~~ووجوب الاقتداء به، فكان ذلك مما يوجب زوال الغضب على قلوبهم. # فصل في معنى الابتلاء # والابتلاء هنا الاختبار والامتحان، وابتلاء الله ليس ليعلم أقوالهم ~~بالابتلاء؛ لأنه تعالى عالم بجميع المعلومات على سبيل التفاصيل من ~~الأزل إلى الأبد، ولكن ليعلم الناس أحوالهم حتى يعرف بعضهم بعضا، أو ~~عاملهم معاملة المختبر. # واختلف في " الكلمات " فقال مجاهد: هي المذكورة بعدها في قوله ~~تعالى: { إني جاعلك للناس إماما } إلى آخرها من الآيات، ~~ورفع البيت، وتطهير البيت، ورفع القواعد، والدعاء ببعث محمد صلى الله ~~عليه وسلم فإن هذه أمور شاقة؛ لأن الإمامة هاهنا هي النبوة وتتضمن ~~مشاقا عظيمة. وأما بناء البيت وتطهيره، ورفع قواعده، فمن وقف على ما روي ~~في كيفية بنائه عرف شدة البلوى فيه، ثم إنه يتضمن إقامة المناسك، وقد ~~امتحن الله تعالى الخليل عليه الصلاة والسلام بالشيطان في ~~الموقف لرمي الجمار وغيرها. # وأما اشتغاله بالدعاء ببعث محمد صلى الله عليه وسلم فهو مما يحتاج ~~إلى إخلاص العمل لله تعالى، وإزالة الحسد عن القلب، فكل هذه تكاليف ~~شاقة، ويدل على إرادة ذلك أنه عقبه بذكره من غير فصل بحرف عطف، فلم ~~يقبل وقال: { إني جاعلك للناس إماما }. # واعترض القاضي على هذا، فقال: إنما يجوز هذا لو قال تعالى: وإذ ابتلى ~~إبراهيم ربه بكلمات فأتمها إبراهيم، ثم قال بعد ذلك: إني جاعلك للناس ~~إماما فأتمهن. # وأجيب عنه: بأنه ليس المراد من الكلمات الإمامة فقط، بل الإمامة وبناء ~~البيت وتطهيره والدعاء ببعث محمد صلى الله عليه وسلم فكأنه تعالى ~~ابتلاه بمجموع هذه الأشياء، فأخبر كأنه ابتلاه بأمور على الإجمال، ثم ~~أخبر عنه أنه أتمها، ثم عقب ذلك بالشرح والتفصيل، وهذا ليس ببعيد. # وقال طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما: عشر خصال كانت فرضا في شرعه، ~~وهي سنة في شرعنا: خمس في الرأس، وخمس في الجسد، أما التي في الرأس: ~~فالمضمضة، والاستنشاق، وفرق الرأس، وقص الشارب، والسواك، وأما التي ~~في البدن: فالختان، وحلق العانة، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، ~~[والاستنجاء ms0678 بالماء. # وفي الخبر أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام أول من قص الشارب، وأول ~~من اختتن وأول من قلم الأظفار]. # وقال أبو الفرج بن الجوزي حديثا عن كعب الأحبار رضي الله عنه قال: خلق ~~من الأنبياء ثلاثة عشر مختونين: آدم وشيث ونوح وإدريس وسام ولوط ويوسف ~~وموسى وشعيب وسليمان ويحيى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم. # وقال محمد بن حبيب الهاشمي أربعة عشر: آدم وشيث ونوح وهود وصالح ولوط ~~وشعيب ويوسف وموسى وسليمان وزكريا وعيسى وحنظلة بن صفوان من أصحاب ~~الرس، ومحمد صلى الله عليه وسلم. وروي أن عبد المطلب ختن النبي صلى ~~الله عليه وسلم يوم سابعه وجعل مأدبة، وسماه محمدا عليه أفضل ~~الصلاة والسلام. # قال يحيى بن أيوب رضي الله تعالى عنه طلبت هذا الحديث فلم أجده عند ~~أحد من أهل الحديث ممن لقيته إلا عند ابن أبي السري. # وقال عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما لم يبتل أحد بهذا الدين ~~فأقامه كله إلا إبراهيم عليه الصلاة والسلام ابتلاه بثلاثين ~~خصلة من خصال الإسلام: عشر منها في سورة " براءة ": # التائبون العابدون # [التوبة:112] إلى آخر الآية. # وعشر منها في سورة " الأحزاب ": # إن المسلمين والمسلمات # [الأحزاب:35] إلى آخر الآية وعشر منها في " المؤمنين ": # قد أفلح المؤمنون # إلى قوله # أولئك هم الوارثون # [المؤمنون 110]. # وروي عن ابن عباس: أربعون فزاد: وعشر في # سأل سآئل # إلى قوله تعالى # يحافظون # [المعارج:1-34]. # وقال ابن عباس، وقتادة، والربيع: هي مناسك الحج. # [وقال الحسن]: ابتلاه بسبعة أشياء: بالشمس والقمر، والكواكب، والختان ~~على الكبر، والنار، وذبح الولد، والهجرة، فوفى بالكل. # وقال يمان بن رباب: هي محاجته قومه، والصلاة، والزكاة، والصوم، ~~والضيافة، والصبر عليها. # وقال بعضهم: هي قوله: # إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب ~~العالمين # [البقرة:131]. # وقال سعيد بن جبير: هو قول إبراهيم وإسماعيل إذ يرفعان البيت: # ربنا تقبل منآ # [البقرة:127] الآية. # وقيل: هي قوله: # الذي خلقني فهو يهدين # [الشعراء:78] الآيات. # قال القفال: وجملة القول أن الابتلاء يتناول إلزام كل ما في فعله ~~كلفة شدة ومشقة، فاللفظ ms0679 يتناول مجموع هذه الأشياء، ويتناول كل واحد ~~منها، فلو ثبتت الرواية في الكل وجب القول بالكل، ولو ثبتت الرواية في ~~البعض دون البعض، [فحينئذ يقع بين هذه الروايات]، فوجب التوقف. # فصل في وقت هذا الابتلاء # قال القاضي: هذا الابتلاء إنما كان قبل النبوة؛ لأن الله تعالى ~~جعل قيامه عليه الصلاة والسلام بهن كالسبب لأن يجعله الله إماما، ~~والسبب مقدم على المسبب، وإذا كان كذلك فالله تعالى ابتلاه ~~بالتكاليف الشاقة، فلما وفى بها لا جرم أعطاه خلعة النبوة ~~والرسالة. # وقال غيره: إنه بعد النبوة، لأنه عليه الصلاة والسلام لا يعلم كونه ~~مكلفا بتلك التكاليف إلا من الوحي، فلا بد من تقدم الوحي على معرفته. # وأجاب القاضي: بأنه يحتمل أنه تعالى أوحى إليه على لسان جبريل ~~عليه الصلاة والسلام بهذه التكاليف، فلما تمم ذلك جعله نبيا مبعوثا ~~إلى الخلق. # إذا عرفت هذا فنقول: قال القاضي: يجوز أن يكون المراد بالكلمات ما ذكر ~~الحسن من أمر الكواكب والشمس والقمر، فإنه عليه الصلاة والسلام ~~ابتلي بذلك قبل النبوة. # وأما ذبح الولد والهجرة والنار، وكذا الختان، فكل ذلك بعد النبوة. # يروى أنه عليه الصلاة والسلام ختن نفسه، وكان سنه مائة وعشرين سنة. # ثم قال: فإن قامت الدلالة السمعية القاهرة على أن المراد من الكلمات هذه ~~الأشياء كان المراد من قوله: " أتمهن " أنه سبحانه علم من ~~حاله أنه يتمهن، ويقوم بهن بعد النبوة، فلا جرم أعطاه خلعة الإمامة ~~والنبوة. # فصل # قال القرطبي رحمه الله روى في الموطأ عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن ~~المسيب، يقول: إبراهيم عليه السلام أول من اختتن، وأول من أضاف ~~الضيف، وأول من استحد، وأول من قلم الأظافر، وأول من قص الشارب، ~~وأول من شاب، فلما رأى الشيب قال: ما هذا؟ قال: وقار، قال: يا رب زدني ~~وقارا. # وذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن سعيد بن إبراهيم عن أبيه قال: أول من خطب ~~على المنابر إبراهيم خليل الله. # قال غيره: وأول من ثرد الثريد، وأول من ضرب بالسيف، وأول ms0680 من ~~استاك، وأول من استنجى بالماء، وأول من لبس السراويل. # قوله: " قال إني " هذه الجملة القولية يجوز أن تكون معطوفة على ما ~~قبلها، إذا قلنا بأنها عاملة في " إذ "؛ [لأن التقدير: وقال إني ~~جاعلك إذ ابتلى، ويجوز أن تكون استئنافا إذا قلنا: إن العامل في " إذ " ~~مضمر]، كأنه قيل: فماذا قال له ربه حين أتم الكلمات؟ فقيل: قال: إني ~~جاعلك. # ويجوز فيها أيضا على هذا القول أن تكون بيانا لقوله: " ابتلى " ~~وتفسيرا له، فيراد بالكلمات ما ذكره من الإمامة، وتطهير البيت، ورفع ~~القواعد، وما بعدها، نقل ذلك الزمخشري. # قوله: " جاعلك " هو اسم فاعل من " جعل " بمعنى " صير " ~~فيتعدى لاثنين: # أحدهما: " الكاف " ، وفيها الخلاف المشهور هل هي في محل نصب أو جر؟ # وذلك أن الضمير المتصل باسم الفاعل فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه في محل جر بالإضافة. # والثاني: أنه في محل نصب، وإنما حذف التنوين لشدة اتصال الضمير، قالوا: ~~ويدل على ذلك وجوده في الضرورة؛ كقولهم: [الوافر] # 774 فما أدري وظني كل ظن # أمسلمني إلى قومي شراحي # وقال آخر: [الطويل] # 775 هم الفاعلون الخير والآمرونه # .......................... # وهذا يدل على تسليم كون " نون " مسلمني تنوينا، وإلا فالصحيح أنها نون ~~وقاية. # الثالث وهو مذهب سيبوبه أن حكم الضمير حكم مظهره، فما جاز في ~~المظهر يجوز في مضمره. # والمفعول الثاني " إماما ". # قوله: " للناس " يجوز فيه وجهان. # أحدهما: أنه متعلق بجاعل أي لأجل الناس. # والثاني: أنه حال من " إماما " ، فإنه صفة نكرة قدم عليها، فيكون ~~حالا منها؛ إذ الأصل: إماما للناس، فعلى هذا يتعلق بمحذوف. # و " الإمام ": اسم ما يؤتم به أي يقصد ويتبع كالإزار اسم ما يؤتزر ~~به. # ومنه قيل لحائط البناء: " إمام " ويكون في غير هذا جمعا ل " آم " ~~اسم فاعل من آم يؤم نحو: قائم وقيام، ونائم ونيام وجائع وجياع. # والمراد من الإمام هاهنا النبي، ويدل عليه وجوه: # منها أن قوله: " للناس إماما " يدل على أنه تعالى جعله ~~إماما لكل الناس، والذي يكون كذلك لا بد وأن يكون رسولا من عند الله ~~مستقلا ms0681 بالشرع؛ لأنه لو كان تبعا لرسول آخر لكان مأموما [لذلك الرسول ~~لا إماما له، فحينئذ] يبطل العموم. # وأيضا إن اللفظ يدل على أنه إمام في كل شيء [والذي يكون كذلك لا بد ~~وأن يكون نبيا. # وأيضا إن الأنبياء عليهم السلام أئمة من حيث يجب على الخلق ~~اتباعهم] قال الله تعالى: # وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا # [الأنبياء:73]. # والخلفاء أيضا أئمة؛ لأنهم رتبوا في محل يجب على الناس اتباعهم، وقبول ~~قولهم، وأحكامهم. والقضاة، والفقهاء أيضا أئمة لهذا المعنى، والذي يصلي ~~بالناس يسمى أيضا إماما به. # قال عليه الصلاة والسلام: # " إنما جعل الإمام إماما ليؤتم به فإذا ركع ~~فاركعوا " # وقد يسمى من يؤتم به في الباطل، قال الله تعالى: # وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار # [القصص:41] إلا أنه لا يستعمل إلا مقيدا. # فصل في إمامة سيدنا إبراهيم # اعلموا أن الله تعالى لما وعده بأن يجعله إماما للناس حقق الله ~~تعالى ذلك الوعد فيه إلى قيام الساعة، فإن أهل الأديان على شدة ~~اختلافها ونهاية تنافيها يعظمون إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ويتشرفون ~~بالانتساب إليه إما في النسب، وإما في الدين والشريعة حتى إن عبدة ~~الأوثان كانوا معظمين لإبراهيم عليه الصلاة والسلام. # وقال الله تعالى: # ثم أوحينآ إليك أن اتبع ملة إبراهيم ~~حنيفا # [النحل:123] وقال تعالى: # ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه # [البقرة:130]. # وقال عز وجل: # ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من ~~قبل # [الحج:78]. # وجميع أمة محمد عليه الصلاة والسلام يقولون في صلاتهم: وارحم ~~محمدا وآل محمد كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم. # قوله: " ومن ذريتي " فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن " ومن ذريتي " صفة لموصوف محذوف هو مفعول أول، والمفعول ~~الثاني والعامل فيهما محذوف تقديره: قال: واجعل فريقا من ذريتي إماما ~~قاله أبو البقاء. # الثاني: أن " ومن ذريتي " عطف على " الكاف " ، كأنه قال: " ~~وجاعل بعض ذريتي " كما يقال لك: سأكرمك، فتقول: وزيدا. # قال أبو حيان: لا يصح العطف على الكاف؛ لأنها مجرورة، فالعطف عليها لا ~~يكون إلا بإعادة الجار، ولم يعد؛ ms0682 ولأن " من " لا يمكن تقدير إضافة ~~الجار إليها لكونها حرفا، وتقديرها مرادفة لبعض حتى تصح الإضافة إليها ~~لا يصح، ولا يصح أن يقدر العطف من باب العطف على موضع الكاف؛ لأنه نصب، ~~فتجعل " من " في موضع نصب؛ لأنه ليس مما يعطف فيه على الموضع [في مذهب ~~سيبويه رحمه الله تعالى] لفوات المحرز، وليس نظير ما ذكر؛ لأن " الكاف " ~~في " سأكرمك " في موضع نصب. # الثالث: قال أبو حيان: والذي يقتضيه المعنى أن يكون " من ذريتي ~~" متعلقا بمحذوف، التقدير: واجعل من ذريتي إماما، لأن " إبراهيم " فهم ~~من قوله: إني جاعلك للناس إماما الاختصاص فسأل أن يجعل من ذريته ~~إماما. # قال شهاب الدين: إن أراد الشيخ التعلق الصناعي، فيتعدى " جاعل " ~~لواحد، فهذا ليس بظاهر. # وإن أراد التعلق المعنوي، فيجوز أن يريد ما يريده أبو البقاء، ويجوز أن ~~يكون " من ذريتي " مفعولا ثانيا قدم على الأول، فيتعلق ~~بمحذوف، وجاز ذلك لأنه ينعقد من هذين الجزءين مبتدأ وخبر لو قلت: " من ~~ذريتي إمام " لصح. # وقال ابن عطية: وقيل هذا منه على جهة الاستفهام عنهم أي: ومن ذريتي يا ~~رب ماذا يكون؟ فيتعلق على هذا بمحذوف، ولو قدره قبل " من ذريتي ~~" لكان أولى؛ لأن ما في حيز الاستفهام لا يتقدم عليه. # وفي " ذرية " ثلاث لغات ضم الذال وكسرها وفتحها، وبالضم قرأ الجمهور، ~~وبالفتح قرأ أبو جعفر الداني وبالكسر قرأ زيد بن ثابت. وفي تصريفها كلام ~~طويل يحتاج الناظر فيه إلى تأمل. # فصل في اشتقاق ذرية # فأما اشتقاقها ففيه أربعة مذاهب: # أحدها: أنها مشتقة من " ذروت ". # الثاني: من " ذريت ". # الثالث: من ذرأ الله الخلق. # الرابع: من الذر. # وأما تصريفها فذرية بالضم إن كانت من ذروت، فيجوز فيها أن ~~يكون وزنها " فعولة " ، والأصل: " ذرووة " ، فاجتمع واوان: ~~الأولى زائدة للمد، والثانية لام الكلمة فقلبت لام الكلمة ياء تخفيفا، ~~فصار اللفظ " ذروية " ، فاجتمع ياء وواو، وسبقت إحداهما ~~بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء التي هي منقلبة من لام ~~الكلمة، وكسر ما قبل الياء، وهي الراء للتجانس. # ويجوز أن يكون ms0683 وزنها " فعيلة " ، والأصل: " ذريوة " ، فاجتمع ~~ياء المد والواو التي هي لام الكلمة، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ~~ياء، وأدغمت فيها ياء المد. وإن كانت من ذريت لغة في ذروت فيجوز ~~فيها أيضا أن يكون وزنها " فعولة " أو فعيلة كما تقدم، وإن كانت ~~" فعولة " فالأصل " ذروية " ففعل به ما تقدم من القلب والإدغام. # وإن كانت " فعيلة " فالأصل " ذريية " ، فأدغمت الياء الزائدة ~~في الياء التي هي لام. وإن كانت من ذرأ مهموزا، فوزنها، " فعيلة " ، ~~والأصل: " ذريئة " فخففت الهمزة بأن أبدلت ياء كهمزة " خطيئة " و " ~~النسيء " ، ثم أدغمت الياء الزائدة في الياء المبدلة من الهمزة. # وإن كانت من " الذر " فيجوز في وزنها أربعة أوجه: # أحدها: " فعلية " وتحتمل هذه الياء أن تكون للنسب، وغيروا ~~الذال من الفتح إلى الضم كما قالوا في النسب إلى الدهر: دهري، وإلى ~~السهل سهلي بضم الدال والسين، وأن تكون الغير النسب فتكون ك " قمرية ~~". # الثاني: أن تكون " فعيلة " ك " مريقة " والأصل " ذريرة " ، ~~فقلبت الراء الآخيرة ياء لتوالي الأمثال، كما قالوا: تسريت وتظنيت في ~~تسررت وتظننت. # الثالث: أن تكون " فعولة " ك " قدوس " و " سبوح " ، والأصل: " ~~ذرورة " فقلبت الراء ياء لما تقدم، فصار ذروية فاجتمع واو ~~وياء، فجاء القلب والإدغام كما تقدم. # الرابع: أن تكون فعلولة، والأصل: ذرورة، ففعل بها ما تقدم في الوجه ~~الذي قبله. # وأما ذرية بكسر الذال فإن كانت من ذروت فوزنها فعيلة، والأصل: ~~ذريوة، فأبدلت الواو ياء وأدغمت في الياء بعدها، فإن كانت من ذريت ~~فوزنها فعلية أيضا، وإن كانت من ذرأ فوزنها فعيلة أيضا كبطيخة، ~~والأصل ذريئة، ففعل فيها ما تقدم في المضمومة الذال. وإن كانت من ~~الذر فتحتمل ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون وزنها فعلية نسبة إلى الذر على غير قياس في ~~المضمومة. # الثاني: أن تكون " فعيلة ". # الثالث: أن تكون " فعليلة " ك " حلتيت " والأصل فيها: ذريرة ففعل ~~فيهما من إبدال الراء الآخيرة ياء والإدغام فيها. # وأما " ذرية " بفتح الذال: فإن كانت من ذروت أو ذريت فوزنها: ~~فعيلة ك " سكينة " والأصل ذريوة أو ذريية أو فعولة ms0684 والأصل ~~ذرورة أو ذروية، ففعل به ما تقدم في نظيره. # وإن كانت من ذرأ فوزنها: إما فعيلة ك " سكينة " ، والأصل ذريئة ~~وإما فعولة ك " خروية " والأصل: ذروءة ففعل به ما تقدم في نظيره. # وإن كانت من الذر ففي وزنها أيضا أربعة أوجه: # أحدها: فعلية، والياء أيضا تحتمل أن تكون للنسب، ولم يشذوا ~~فيه بتغيير كما شذوا في الضم والكسر وألا يكون نحو: برنية. # الثاني: فعولة ك " خروبة " والأصل ذرورة. # الثالث: فعيلة ك " سكينة " والأصل: ذريرة. # الرابع: فعلولة ك " بكولة " ، والأصل ذرورة أيضا، ففعل به ما ~~تقدم في نظيره من إبدال الراء الأخيرة، وإدغام ما قبلها فيها وكسرت الذال ~~إتباعا، وبهذا الضبط الذي فعلته اتضح القول في هذه اللفظة. # فصل في معنى الذرية # النسل يقع على الذكور والإناث، والجمع الذراري. # وزعم بعضهم أنها تقع على الآباء كوقوعها على الأبناء مستدلا بقوله عز ~~وجل: # وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك ~~المشحون # [يس:41] يعني: نوحا عليه الصلاة والسلام ومن معه، وسيأتي في موضعه ~~إن شاء الله تعالى. # فصل # هل كان إبراهيم عليه السلام مأذونا له في قوله تعالى: " ومن ~~ذريتي " أو لم يكن مأذونا فيه؟ فإن أذن الله تعالى في هذا الدعاء ~~فلم رد دعاءه؟ وإن لم يأذن له فيه كان ذنبا. # قلنا: قوله: " ومن ذريتي " يدل على أنه عليه الصلاة والسلام طلب ~~أن يكون بعض ذريته أئمة، وقد حقق الله تعالى إجابة دعاءه في ~~المؤمنين من ذريته ك " إسماعيل " ، و " يعقوب " ، و " يوسف " ، و " موسى ~~" ، و " هارون " و " داود " ، و " سليمان " ، و " أيوب " و " يونس " ، و ~~" زكريا " ، و " يحيى " و " عيسى " ، عليهم السلام وجعل آخرهم نبينا ~~صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين من ذريته الذي هو أفضل الخلق عليه ~~وعليهم أفضل الصلاة والسلام. # قوله تعالى: { قال: لا ينال عهدي الظالمين }. # الجمهور على نصب " الظالمين " مفعولا، و " عهدي " فاعل، أي: ~~لا يصل عهدي إلى الظالمين فيدركهم. # وقرأ قتادة، والأعمش، وأبو رجاء: " الظالمون " بالفاعلية، و " ~~عهدي " مفعول به، والقراءتان ظاهرتان؛ إذ الفعل يصح نسبته ms0685 إلى كل ~~منهما، فإن من نالك فقد نلته. # والنيل: الإدراك، وهو العطاء أيضا، نال ينال نيلا فهو نائل، وقرأ ~~حمزة وحفص بإسكان الياء من: " عهدي " ، والباقون بفتحها. # فصل في تحرير معنى العهد # اختلفوا في العهد، فقيل: الإمامة. # وقال السدي: النبوة، وهو قول ابن عباس. # وقال عطاء: رحمتي. # وقيل: عهده أمره، ويطلق على الأمر، قال سبحانه وتعالى: # إن الله عهد إلينا # [آل عمران:183] أي: أمرنا، وقال تعالى: # ألم أعهد إليكم يبني آدم # [يس:60] يعني ألم أقدم إليكم الأمر به، فيكون معنى قوله تعالى: { لا ~~ينال عهدي الظالمين } أي: لا يجوز أن يكونوا بمحل من يقبل ~~أوامر الله. # [قال قتادة رحمه الله تعالى: هو الإيمان. # وقال مجاهد والضحاك رحمهما الله هو طاعتي، أي: ليس لظالم أن يطاع في ~~ظلمه # ومعنى الآية: لا ينال ما عهدت إليك من النبوة والإمامة من كان ظالما من ~~ولدك. # وقال أبو عبيدة رحمه الله تعالى: العهد الأمان من النار؛ لقوله عز وجل: # الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ~~أولئك لهم الأمن # [الأنعام:82]. # قال ابن الخطيب: والأول أولى؛ لأنه جواب لسؤال الإمامة. # فإن قيل: أفما كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام عالما بأن ~~النبوة لا تليق بالظالمين؟ # فالجواب: بلى، ولكن لم يعلم حال ذريته، فبين الله تعالى أن فيهم ~~من هذا حاله، وأن النبوة إنما تحصل لمن ليس بظالم. # فصل في عصمة الأنبياء # الآية تدل على عصمة الأنبياء من وجهين. # الأول: أنه قد ثبت أن المراد من هذا العهد: الإمامة، ولا شك أن كل نبي ~~إمام، فإن الإمام هو الذي يؤتم به، والنبي أولى الناس، وإذا دلت الآية ~~على أن الإمام لا يكون فاسقا، فبأن تدل على أن الرسول لا يجوز أن يكون ~~فاسقا فاعلا للذنب والمعصية أولى. # الثاني: أن العهد إن كان هو النبوة، وجب أن تكون لا ينالها أحد من ~~الظالمين، وإن كان هو الإمامة، فكذلك لأن كل نبي لا بد وأن يكون إماما ~~يؤتم به، وكل فاسق ظالم لنفسه، فوجب ألا تحصل النبوة لأحد من الفاسقين. ms0686 # فصل في أنه هل يجوز عقد الإمام للفاسق؟ # قال الجمهور من الفقهاء والمتكلمين: الفاسق حال فسقه لا يجوز عقد ~~الإمامة له، واختلفوا في أن الفسق الطارىء هل يبطل الإمامة أم لا؟ # واحتج الجمهور على أن الفاسق لا يصلح أن تعقد له الإمامة بهذه الآية، ~~ووجه الاستدلال بها من وجهين: # [الأول: ما بينا أن قوله: { لا ينال عهدي الظالمين } جواب ~~لقوله: " ومن ذريتي " وقوله: " ومن ذريتي " طلب ~~الإمامة التي ذكرها الله تعالى، فوجب أن يكون المراد بهذا العهد هو ~~الإمامة، ليكون الجواب مطابقا للسؤال، فتصير الآية كأنه تعالى ~~قال: لا ينال الإمامة الظالمين، وكل عاص فإنه ظالم لنفسه، فكانت الآية ~~دالة على ما قلناه]. # فإن قيل: ظاهر الآية يقتضي انتفاء كونهم ظالمين ظاهرا وباطنا ولا يصح ~~ذلك في الأئمة والقضاة. # [قلنا]: أما الشيعة [فيستدلون] بهذه الآية على صحة قولهم في وجوب ~~العصمة ظاهرا وباطنا. # وأما نحن فنقول: مقتضى الآية ذلك إلا أنا تركنا عبارة الباطن، فتبقى ~~العدالة الظاهرة معتبرة. # فإن قيل: أليس أن يونس عليه الصلاة والسلام قال: # سبحانك إني كنت من الظالمين # [الأنبياء:87] وقال آدم: # ربنا ظلمنآ أنفسنا # [الأعراف:23]؟ # قلنا: المذكور في الآية هو الظلم المطلق، وهذا غير موجود في آدم ويونس ~~عليهما السلام. # الوجه الثاني: أن العهد قد يستعمل في كتاب الله بمعنى الأمر، قال الله ~~تعالى: # ألم أعهد إليكم يبني ءادم أن لا تعبدوا ~~الشيطان # [يس:60] يعني: ألم آمركم بهذا؟ # وقال الله تعالى: # قالوا إن الله عهد إلينآ # [آل عمران:183] يعني أمرنا، ومنه عهود الخلفاء إلى أمرائهم وقضاتهم. إذا ~~ثبت أن عهد الله هو أمره فنقول: لا يخلو قوله: { لا ينال عهدي ~~الظالمين } من أن يريد أن أن الظالمين غير مأمورين وأن الظالمين لا ~~يجوز أن يكونوا بمحل من يقبل منهم أوامر الله تعالى، ولما بطل الوجه ~~الأول لاتفاق المسلمين على أن أوامر الله تعالى لازمة للظالمين، ~~كلزومها لغيرهم ثبت الوجه الآخر، وهو أنهم غير مؤتمنين على أوامر الله ~~تعالى وغير مقتدى بهم فيها، فلا يكونون أئمة في ms0687 الدين، فثبت بدلالة ~~الآية بطلان إمامة الفاسق، قال عليه السلام: # " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " # ودل أيضا على أن الفاسق لا يكون حاكما، وأن أحكامه لا تنفذ إذ ولي ~~الحكم، وكذلك لا تقبل شهادته، ولا خبره [عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا ~~فتياه إذا أفتى، ولا يقدم للصلاة، وإن كان هو بحيث لو اقتدى به، ~~فإنه لا تفسد صلاته]. # وقال أبو بكر الرازي: " ومن الناس من يظن أن مذهب أبي حنيفة أن يجوز ~~كون الفاسق إماما وخليفة، ولا يجوز كون الفاسق قاضيا " ، قال: وهذا ~~خطأ، ولم يفرق أبو حنيفة بين الإمام والحاكم في أن شرط كل واحد منهما ~~العدالة، وكيف يكون خليفة، وروايته غير مقبولة، وأحكامه غير نافذة. # قال: وإنما غلط من غلط في هذه الرواية أن قول أبي حنفية: أن القاضي إذا ~~كان عدلا في نفسه، وتولى القضاء من إمام جائر فإن أحكامه نافذة، ~~والصلاة خلفه جائزة؛ لأن القاضي إذا كان عدلا في نفسه، ويمكنه تنفيذ ~~الأحكام كانت أحكامه نافذة، فلا اعتبار في ذلك بمن ولاه؛ لأن الذي ~~ولاه بمنزلة سائر أعوانه، وليس شرط أعوان القاضي أن يكونوا عدولا، ألا ~~ترى أن أهل بلد لا سلطان عليهم لو اجتمعوا على الرضا بتولية رجل عدل ~~منهم القضاء حتى يكونوا أعوانا له على من امتنع من قبول أحكامه لكان ~~قضاؤه نافذا، وإن لم يكن له ولاية من جهة إمام ولا سلطان. والله أعلم. # فصل في أخذ الأرزاق من الأئمة الظلمة # ونقل القرطبي رحمه الله تعالى عن أبن خويزمنداد أنه قال: وأما أخذ ~~الأرزاق من الأئمة الظلمة فله ثلاثة أحوال: إن كان جميع ما في أيديهم ~~مأخوذا على موجب الشريعة، فجائز أخذه؛ وقد أخذت الصحابة والتابعون من يد ~~الحجاج وغيره. # وإن كان مختلطا حلالا وظلما، كما في أيدي الأمراء اليوم، فالورع ~~تركه، ويجوز للمحتاج أخذه، وهو كلص في يده مال مسروق، ومال حلال، ~~[وقد وكله فيه رجل، فجاء اللص يتصدق به على إنسان]، فيجوز أن تؤخذ منه ~~الصدقة، وكذلك لو ms0688 باع أو اشترى كان العقد صحيحا لازما، وإن كان ~~الورع التنزه عنه، وذلك أن الأموال لا تحرم بأعيانها، [وإنما تحرم ~~لجهاتها، وإن كان في أيديهم ظلما صراحا، فلا يجوز أن يؤخذ من أيديهم]، ~~ولو كان ما في أيديهم من المال مغصوبا غير أنه لا يعرف له صاحب، ولا ~~مطالب، فهو كما لو وجد في أيدي اللصوص وقطاع الطريق [ويجعل في بيت ~~المال]. ### || [2.125] # " إذ " عطف على " إذ " قبلها، وقد تقدم الكلام فيها، و " جعلنا " ~~يحتمل أن يكون بمعنى " خلق " و " وضع " فيتعدى لواحد، وهو " البيت " ~~، ويكون " مثابة " نصبا على الحال وأن يكون بمعنى " صير " فيتعدى ~~لاثنين، فيكون " مثابة " هو المفعول الثاني. والأصل في " مثابة " " ~~مثوبة " فأعل بالنقل والقلب، وهل هو مصدر أو اسم مكان قولان؟ # وهل الهاء فيه للمبالغة ك " علامة " و " نسابة " لكثرة من يثوب ~~إليه، أي يرجع، أو لتأنيث المصدر ك " مقامة " أو لتأنيث البقعة؟ ثلاثة ~~أقوال، وقد جاء حذف هذه الهاء؛ قال ورقة بن نوفل: [الطويل] # 776 مثاب لأفناء القبائل كلها # تخب إليها اليعملات الذوامل # وقال: [الرمل] # 777 جعل البيت مثابا لهم # ليس منه الدهر يقضون الوطر # وهل معناه من ثاب يثوب أي: رجع أو من الثواب الذي هو الجزاء؟ # قولان: # أظهرهما: أولهما قال الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير رضي الله عنهم: إنهم ~~يثوبون إليه في كل عام. # وعن ابن عباس ومجاهد رضي الله عنهما: [أنه لا ينصرف عنه أحد إلا وهو ~~يتمنى العود إليه]، وقرأ الأعمش وطلحة " مثابات " جمعا، ووجهه أنه ~~مثابة لكل واحد من الناس. # قوله تعالى: " للناس " فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق بمحذوف؛ لأنه صفة لمثابة ومحله النصب. # والثاني: أنه متعلق بجعل أي: لأجل الناس يعنى مناسكهم. # قوله تعالى: " وأمنا " فيه وجهان: # أحدهما: أنه عطف على " مثابة " وفيه التأويلات المشهورة: إما المبالغة ~~في جعله نفس المصدر، وإما على حذف مضاف، أي: ذا أمن، وإما على وقوع ~~المصدر موقع اسم الفاعل، أي: آمنا، على سبيل المجاز كقوله: # حرما ءامنا # [العنكبوت:67]. # والثاني: أنه معمول لفعل محذوف ms0689 تقديره: وإذ جعلنا البيت مثابة، فاجعلوه ~~آمنا لا يعتدي فيه أحد على أحد. # والمعنى: أن الله جعل البيت محترما بحكمه، وربما يؤيد هذا بقراءة: " ~~اتخذوا " على الأمر، فعلى هذا يكون " وأمنا " وما عمل فيه من باب ~~عطف الجمل عطفت جملة أمرية على خبرية، وعلى الأول يكون من عطف ~~المفردات. # فصل في تحرير المقصود من البيت # اعلم أنه لما ذكر أمر تكليف إبراهيم عليه الصلاة والسلام ~~بالإمامة ذكر بعده التكليف الثاني، وهو تطهير البيت، فنقول: المراد ببيت ~~الله الحرام؛ لأن الألف واللام فيه: إما للعهد أو للجنس، وقد علم ~~المخاطبون أنه لم يرد الجنس، فانصرف إلى المعهود عندهم وهو الكعبة. # قال ابن الخطيب: وليس المراد نفس الكعبة؛ لأنه تعالى وصفه بكونه " ~~أمنا " وهذا صفة لجميع الحرم لا الكعبة فقط بدليل جواز إطلاق البيت، ~~والمراد منه كل حرم. # قال تعالى: # هديا بالغ الكعبة # [المائدة:95] والمراد الحرم كله لا الكعبة نفسها؛ لأنه لا يذبح في ~~الكعبة، ولا في المسجد الحرام، وقال تعالى: # فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا # [التوبة:28]. # والمراد والله أعلم منعهم من الحج وحضور مواضع النسك، وقال الله ~~تعالى مخبرا عن إبراهيم # رب اجعل هذا البلد ءامنا # [إبراهيم:35]، فدل هذا على أنه وصف البيت بالأمن، فاقتضى جميع الحرم. ~~والسبب في أنه تعالى أطلق لفظ البيت، وعنى به الحرم كله أن حرمة ~~الحرم لما كانت معلقة بالبيت جاز أن يعبر عنه باسم البيت. # فصل في تحرير معنى الأمن # قوله: " وأمنا " أي: موضع أمن يؤمنون فيه من إيذاء المشركين، ولا شك ~~أن قوله تعالى: { جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا } ~~خبر فتارة يتركه على ظاهره، ويقول: هو خبر وتارة يصرفه عن ظاهره، ويقول: ~~هو أمر. # أما على الأول فالمراد أنه جعل أهل الحرم آمنين من القحط والجدب على ~~ما قال # أولم يروا أنا جعلنا حرما ءامنا # [العنكبوت:67] وقوله: # أولم نمكن لهم حرما ءامنا يجبى إليه ~~ثمرات كل شيء # [القصص:57] ولا يمكن أن يكون المراد منه الإخبار عن عدم وقوع القتل ~~في الحرم؛ لأنا ms0690 نشاهد أن القتل الحرام قد يقع فيه. # وأيضا فالقتل المباح قد يوجد فيه، قال الله تعالى: # ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى ~~يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم # [البقرة:191] فأخبر عن وقوع القتل فيه. # وإن حملنا الكلام على الأمر فالمعنى: أن الله تعالى أمر الناس بأن ~~يجعلوا ذلك الموضوع آمنا من الغارة والقتل، فكان البيت محترما بحكم ~~الله تعالى، وكانت الجاهلية يحرمونه ولا يتعرضون لأهل " مكة " ، وكانوا ~~يسمون قريشا: أهل الله تعظيما له، ثم اعتبر فيه أمر الصيد حتى أن الكلب ~~ليهم بالظبي خارج الحرم فيفر الظبي منه فيتبعه الكلب، فإذا دخل ~~الظبي الحرم لم يتبعه الكلب قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح " ~~مكة ": # " " إن هذا البلد حرمه الله تعالى يوم خلق ~~السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله تعالى ~~إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر ~~صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا ~~يختلى خلاها " فقال العباس رحمه الله: يا رسول الله إلا ~~الإذخر. فقال: " إلا الإذخر " ". # فصل في أنه هل يجوز القتال في الحرم؟ # قال الشافعي رحمه الله تعالى ورضي عنه: إذا دخل البيت من وجب عليه ~~حد فلا تستوف منه، لكن الإمام يأمر بالتضييق عليه حتى يخرج من الحرم، ~~فإذا خرج أقيم عليه الحد في الحل، فإن لم يخرج حتى قتل في الحرم جاز، ~~وكذلك من قاتل في الحرم جاز قتله فيه. # وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: لا يجوز. # واحتج الشافعي رضي الله عنه بأنه عليه الصلاة والسلام أمر عندما ~~قتل عاصم بن ثابت بن الأفلح وخبيب بقتل أبي سفيان في داره ب " مكة " ~~غيلة إن قدر عليه، وهذا في الوقت الذي كانت " مكة " فيه محرمة، وذلك يدل ~~أنها لا تمنع أحدا من شيء وجب عليه، وأنها إنما تمنع من أن ينصب الحرب ~~عليها كما ينصب على غيرها. # واحتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية. # والجواب عنه أن قوله: " وأمنا " ليس فيه بيان أنه جعله آمنا في ماذا؟ ~~فيمكن أن يكون آمنا من القحط، ms0691 وأن يكون آمنا من نصب الحروب، وأن ~~يكون آمنا من إقامة الحدود، وليس اللفظ من باب العموم حتى يحمل على ~~الكل، بل حمله على الأمن من القحط والآفات أولى؛ لأنا على هذا ~~التفسير لا نحتاج إلى حمل لفظ الخبر على معنى الأمر، وفي سائر الوجوه ~~نحتاج إلى ذلك، فكان قول الشافعي رحمه الله أولى. # قوله تعالى: " واتخذوا " قرأ نافع وابن عامر: " واتخذوا " فعلا ~~ماضيا على لفظ الخبر، والباقون على لفظ الأمر. # فأما قراءة الخبر ففيها ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه معطوف على " جعلنا " المخفوض ب " إذ " تقديرا، فيكون ~~الكلام جملة واحدة. # الثاني: أنه معطوف على مجموع قوله: " وإذ جعلنا " فيحتاج إلى تقدير ~~" إذ " أي: وإذ اتخذوا، ويكون الكلام جملتين. # الثالث: ذكره أبو البقاء أن يكون معطوفا على محذوف تقديره: فثابوا ~~واتخذوا. # وأما قراءة الأمر ففيها أربعة أوجه: # أحدها: أنها عطف على " اذكروا " إذا قيل بأن الخطاب هنا لبني ~~إسرائيل، أي: اذكروا نعمتي واتخذوا. # والثاني: أنها عطف على الأمر الذي تضمنه قوله: " مثابة " ، كأنه قال: ~~ثوبوا واتخذوا، ذكر هذين الوجهين المهدوي. # الثالث: أنه مفعول لقول محذوف، أي: وقلنا: اتخذوا، إن قيل بأن الخطاب ~~لإبراهيم وذريته، أو لمحمد عليه الصلاة والسلام وأمته. # الرابع: أن يكون مستأنفا ذكره أبو البقاء. # قوله تعالى: " من مقام " في " من " ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها تبعيضية، وهذا هو الظاهر. # الثاني: أنها بمعنى " في ". # الثالث: أنها زائدة على قول الأخفش، وليس بشيء. # والمقام هنا مكان القيام، وهو يصلح للزمان والمصدر أيضا. وأصله: " ~~مقوم " فأعل بنقل حركة " الواو " إلى الساكن قبلها، وقلبها ألفا، ~~ويعبر به عن الجماعة مجازا؛ كما يعبر عنهم بالمجلس؛ قال زهير: [الطويل] # 778 وفيهم مقامات حسان وجوههم # وأندية ينتابها القول والفعل # قوله: " مصلى " مفعول " اتخذوا " ، وهو هنا اسم مكان أيضا، ~~وجاء في التفسير بمعنى قبله. # وقيل: هو مصدر، فلا بد من حذف مضاف أي: مكان صلاة، وألفه منقلبة عن واو، ~~والأصل: " مصلو "؛ لأن الصلاة من ذوات " الواو " كما تقدم أول ~~الكتاب. # فصل في المقصود بالمقام # اختلفوا في " المقام ms0692 " فقال الحسن والربيع بن أنس وقتادة: هو موضع الحجر ~~الذي وضعته زوجة إسماعيل تحت قدم إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين ~~غسلت رأسه، فوضع إبراهيم عليه السلام رجله عليه، وهو راكب فغسلت أحد ~~شقي رأسه، ثم رفعته من تحته، وقد غاصت رجله في الحجر، فوضعته تحت الرجل ~~الآخرى، فغاصت رجله أيضا فيه، فجعله الله تعالى من معجزاته يروى أنه ~~كان موضع أصابع رجليه بينا فاندرس من كثرة المسح بالأيدي، وروى سعيد ~~بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهم أن إبراهيم عليه السلام كان يبني ~~البيت وإسماعيل يناوله الحجارة ويقولان: # ربنا تقبل منآ إنك أنت السميع العليم # [البقرة:127] فلما ارتفع البنيان وضعف إبراهيم عليه الصلاة والسلام عن ~~وضع الحجارة قام على حجر وهو مقام إبراهيم عليه السلام، وقال مجاهد رحمه ~~الله وإبراهيم النخعي رضي الله عنه: " مقام إبراهيم الحرم كله " وقال ~~يمان: المسجد كله مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام. # [وقال عطاء: إنه عرفة والمزدلفة والجمار، وقال ابن عباس: " الحج كله ~~مقام إبراهيم " ]. # واتفق المحققون على أن القول الأول أولى لما روى جابر رحمة الله عليه ~~ أنه عليه الصلاة والسلام لما فرغ من الطواف أتى المقام، وتلا قوله ~~تعالى: { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى }. # وروي أنه عليه الصلاة والسلام مر بالمقام، ومعه عمر رضي الله عنه ~~ فقال: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فلم تغب الشمس من ~~فوقهم حتى نزلت الآية، وقال تعالى: { واتخذوا من مقام ~~إبراهيم مصلى }. # وليس للصلاة تعلق بالحرم، ولا بسائر المواضع إلا بهذا الموضع، فيكون ~~مقام إبراهيم هو هذا، ولو سأل سائل أهل " مكة " عن مقام إبراهيم لم يجبه ~~أحد، ولم يفهم منه إلا هذا الموضع لما روي أن الحجر صار تحت قدميه في ~~رطوبة الطين حتى غاصت فيه رجلا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وذلك ~~من أظهر الدلائل على وحدانية الله تعالى ومعجزة إبراهيم عليه ~~السلام، فكان اختصاصه بإبراهيم أولى من اختصاص غيره، وثبت في الأخبار أنه ~~قام على هذا الحجر عند المغتسل، ولم يثبت ms0693 قيامه على غيره، فحمل هذا ~~اللفظ، أعني: مقام إبراهيم عليه السلام على الحجر يكون أولى. # قال القفال: ومن فسر " مقام إبراهيم " بالحجر خرج قوله تعالى: { ~~واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } على مجاز قول الرجل: ~~اتخذت من فلان صديقا، وقد أعطاني الله من فلان أخا صالحا، وإنما تدخل ~~" من " لبيان المتخذ الموصوف، ويميزه في ذلك المعنى من غيره. # فصل في تحرير معنى المصلى # اختلفوا في " المصلى ". # فقال مجاهد رحمه الله تعالى: " هو الدعاء " ، قال تعالى: # يأيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا ~~تسليما # [الأحزاب:56] وإنما ذهب إلى هذا التأويل ليتم له قوله: إن الحرم كله ~~مقام إبراهيم. # وقال الحسن رضي الله عنه: أراد به قبلة إبراهيم. # وقال قتادة والسدي: أمروا أن يصلوا عنده، وهذا القول أولى؛ لأن لفظ " ~~الصلاة " إذا أطلق يعقل منه الصلاة الشرعية وقال عليه الصلاة ~~والسلام لأسامة بن زيد المصلى أمامك يعني به موضع الصلاة. وصلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم عنده بعد تلاوة ~~الآية. وهاهنا بحثان وهو أن ركعتي الطواف هل هي فرض أو سنة فإن كان ~~الطواف فرضا فعن الشافعي رحمه الله قولان: # أحدهما: أنهما فرض؛ لهذه الآية، فإن الأمر للوجوب. # والثاني: أنهما سنة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي حين سأله ~~هل علي غيرها؟ قال لا إلا أن تطوع، وإن كان الطواف سنة فهما سنة. # فصل في الكلام على البيت المعمور # روي عن علي رضي الله تعالى عنه قال: البيت المعمور بيت في السماء ~~يقال له الضراح، وهو بجبال الكعبة من فوقها، حرمته في السماء كحرمة ~~البيت في الأرض، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفا من الملائكة لا يعودون فيه ~~أبدا. # وذكر علي رضي الله تعالى عنه أنه مر عليه الدهر بعد بناء إبراهيم، ~~فانهدم فبنته العمالقة، ومر عليه الدهر فانهدم، فبنته جرهم، ومر عليه ~~الدهر فانهدم، بنته قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ شاب، فلما ~~أرادوا أن يرفعوا الحجر الأسود اختصموا فيه، فقالوا: يحكم بيننا ms0694 أول رجل ~~يخرج من هذه السكة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من خرج ~~عليهم، فقضى بينهم أن يجعلوا الحجر في مرط، ثم ترفعه جميع القبائل، ~~فرفعوه كلهم فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضعه. # وعن الزهري قال: بلغني أنهم وجدوا في مقام إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام ثلاثة صفوح في كل صفح كتاب. # في الصفح الأول: أنا الله ذو بكة صنعتها يوم صنعت الشمس والقمر، ~~وحففتها بسبعة أملاك حفا، وباركت لأهلها في اللحم واللبن. # وفي الصفح الثاني: أنا الله ذو بكة خلقت الرحم، وشققت لها اسما من ~~اسمي من وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته. # وفي الثالث: أنا الله ذو بكة خلقت الخير والشر، فطوبى لمن كان الخير ~~على يديه، وويل لمن كان الشر على يديه. وقال صلوات الله وسلامه عليه: # " الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة ~~طمس الله تعالى نورهما، ولولا ذلك لأضاء لهما ~~ما بين المشرق والمغرب، وما مسهما ذو عاهة ولا ~~سقيم إلا شفي ". # وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " هذا الحجر له عينان يبصر بهما يوم القيامة ~~وإنه كان أشد بياضا من الثلج حتى سودته ~~خطايا أهل الشرك ". # وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي صل الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " هذا الحجر يأتي يوم القيامة له عينان يبصر ~~بهما، ولسان ينطق به، يشهد على من استلمه ~~بحق ". # وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قبل الحجر الأسود وقال: ~~" إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، وأن الله ربي، ولولا أني رأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك ". # قوله تعالى: { وعهدنآ إلى إبراهيم } تقدم معنى العهد. # قيل: معناه هاهنا أمرنا وقيل: أوحينا. # قوله: " وإسماعيل " إسماعيل علم أعجمي، وفيه لغتان: باللام ~~والنون؛ وعليه قول الشاعر: [الرجز] # 779 قال جواري الحي لما جينا # هذا ورب البيت إسماعينا # ويجمع على: " سماعلة " و " سماعيل " و " أساميع ". # ومن أغرب ما نقل في التسمية أن إبراهيم ms0695 عليه السلام لما دعا لله أن ~~يرزقه ولدا كان يقول: اسمع إيل اسمع إيل، وإيل هو الله تعالى فسمى ~~ولده بذلك. # قوله: " أن طهرا " يحوز في " أن " وجهان: # أحدهما: أنها تفسيرية لجملة قوله: " عهدنا " ، فإنه يتضمن معنى ~~القول؛ لأنه بمعنى أمرنا أو وصينا، فهي بمنزلة " أي " التي للتفسير، وشرط ~~" أن " التفسيرية أن تقع بعدما هو بمعنى القول لا حروفه. # وقال أبو البقاء: والمفسرة تقع بعد القول، وما كان في معناه. # فقد غلط في ذلك، وعلى هذا فلا محل لها من الإعراب. # والثاني: أن تكون مصدرية، وخرجت على نظائرها في جواز وصلها بالجملة ~~الأمرية، قالوا: " كتبت إليه بأن قم " وفيها بحث ليس هذا موضعه، والأصل: ~~بأن طهرا، ثم حذفت الباء، فيجيء فيها الخلاف المشهور من كونها في محل ~~نصب، أو خفض. # و " بيتي " مفعول به أضيف إليه تعالى تشريفا وقرأ أهل " ~~المدينة " وحفص " بيتي " بفتح الياء هاهنا، وفي سورة " الحج " ، وزاد ~~حفص في سورة " نوح " عليه الصلاة والسلام. # و " الطائف " اسم فاعل من: " طاف يطوف " ، ويقال: أطاف رباعيا، قال: ~~[الطويل] # 780 أطافت به جيلان عند قطاعه # ...................... # وهذا من باب " فعل وأفعل " بمعنى. # فصل في معنى تطهير البيت # يجب أن يراد به تطهير البيت من كل أمر لا يليق به، لأنه موضع الصلاة ~~فيجب تطهيره من الشرك، ومن كل ما لا يليق به، وذكر المفسرون وجوها: # أحدها: أن معنى " طهرا بيتي " ابنياه وطهراه من الشرك، ~~وأسساه على التقوى. # وثانيهما: عرفا الناس أن بيتي طهرة لهم متى حجوه، وزاروه وأقاموا به. # ومجازه: اجعلاه طاهرا عندهم، كما يقال: فلان يطهر هذا، وفلان ينجسه. # وثالثها: ابنياه، ولا تدعا أحدا من أهل الريب أو الشرك يزاحم ~~الطائفين فيه، بل أقراه على طهارته من أهل الكفر والريب كما يقال: ~~طهر الله الأرض من فلان، وهذه التأويلات مبنية على أنه لم يكن هناك ما ~~يوجب إيقاع تطهيره من الأوثان والشرك، وهو كقوله تعالى: # ولهم فيهآ أزواج مطهرة # [البقرة:25] فمعلوم أنهن لم يطهرن عن نجس، بل خلقن طاهرات، وكذا ms0696 البيت ~~المأمور بتطهيره خلق طاهرا. # ورابعها: معناه: أن نظفا بيتي من الأوثان والشرك والمعاصي، ليقتدي ~~الناس بكما في ذلك. # وخامسها: قال بعضهم: إن موضع البيت قبل البناء كان يلقى فيه الجيف ~~والأقذار، فأمر الله تعالى إبراهيم عليه الصلاة والسلام ~~بإزالة تلك القاذورات وبناء البيت هناك، وهذا ضعيف؛ لأن قبل البناء ما ~~كان البيت موجودا، فتطهير تلك العرصة لا يكون تطهيرا للبيت، ويمكن ~~أن يجاب عنه بأنه سماه بيتا، لأنه علم أن مآله إلى أن يصير بيتا لكنه ~~مجاز. # قوله تعالى: { للطائفين والعاكفين والركع السجود ~~}. # الطائفين: الدائرين حوله والعاكفين المقيمين الملازمين. # و " الركع " ، جمع " راكع ". # والعكوف لغة: اللزوم واللبث؛ قال: [الوافر] # 781..................... # عليه الطير ترقبه عكوفا # وقال: [الرجز] # 782 عكف النبيط يلعبون الفنزجا # ويقال: عكف يعكف ويعكف، بالفتح في الماضي، والضم والكسر في ~~المضارع، وقد قرىء بهما. # و " السجود " يجوز فيه وجهان: # أحدهما: أنه جمع ساجد نحو: قاعد وقعود، وراقد ورقود، وهو مناسب لما ~~قبله. # والثاني: أنه مصدر نحو: الدخول والقعود، فعلى هذا لا بد من حذف مضاف أي: ~~ذوي السجود ذكره أبو البقاء. # وعطف أحد الوصفين على الآخر في قوله: " الطائفين والعاكفين " ~~لتباين ما بينهما، ولم يعطف إحدى الصفتين على الأخرى في قوله: " ~~الركع السجود " ، لأن المراد بهما شيء واحد وهو الصلاة إذ لو ~~عطف لتوهم أن كل واحد منهما عبادة على حيالها، وجمع صفتين جمع سلامة، ~~وأخريين جمع تكسير لأجل المقابلة، وهو نوع من الفصاحة، وأخر صيغة " ~~فعول " على " فعل "؛ لأنها فاصلة. # فصل في الكلام على الأوصاف الثلاثة المتقدمة # في هذه الأوصاف الثلاثة قولان: # أحدهما: أن يحمل ذلك على فرق ثلاثة؛ لأن من حق المعطوف أن يكون غير ~~المعطوف عليه، فيجب أن يكون الطائفون غير العاكفين والعاكفون غير الركع ~~السجود لتصح فائدة العطف. # فالمراد بالطائفين: من يقصد البيت حاجا أو معتمرا، فيطوف به، ~~والمراد بالعاكفين: من يقين هناك ويجاور، والمراد بالركع السجود: من يصلي ~~هناك. # والثاني: قال عطاء: إنه إذا كان طائفا فهو من الطائفين، وإذا كان ~~جالسا فهو من ms0697 العاكفين، وإذا كان مصليا فهو من الركع السجود. وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما العاكفون هم الذين يصلون عند الكعبة. # خص الركوع والسجود بالذكر؛ لأنها أقرب أحوال المصلي إلى الله تعالى. # فصل فيما تدل عليه الآية # هذه الآية تدل على أمور منها: # أنا إذا فسرنا الطائفين بالغرباء، فحينئذ تدل الآية على أن الطواف ~~للغرباء أفضل من الصلاة؛ لأنه تعالى كما خصهم بالطواف دل على أن ~~لهم به مزيد اختصاص. # وروي عن ابن عباس ومجاهد وعطاء: أن الطواف لأهل الأنصار أفضل، والصلاة ~~لأهل " مكة " أفضل. # ومنها جواز الاعتكاف في البيت. # ومنها جواز الصلاة في البيت فرضا أو نفلا إذ لم تفرق الآية بين ~~شيئين منها، خلافا لمن منع جواز الصلاة المفروضة في البيت. # فإن قيل: لا تسلم دلالة الآية على ذلك؛ لأنه تعالى لم يقل: والركع ~~السجود في البيت، وكما لا تدل الآية على جواز فعل الطواف في جوف ~~البيت، وإنما دلت على فعله خارج البيت كذلك دلالته مقصورة على جواز فعل ~~الصلاة إلى البيت متوجهة إليه، فالجواب ظاهر لأنه يتناول الرجع السجود ~~إلى البيت، سواء كان ذلك في البيت، أو خارجا عنها، وإنما أوجبنا وقوع ~~الطواف خارج البيت هو أن يطوف بالبيت، ولا يسمى طائفا بالبيت من طاف ~~في جوفه، والله تعالى إنما أمر بالطواف به لا بالطواف فيه، لقوله ~~تعالى: # وليطوفوا بالبيت العتيق # [الحج:29]. # وأيضا المراد لو كان التوجه إليه للصلاة، لما كان الأمر بتطهير البيت ~~للركع السجود وجه، إذ كان حاضرو البيت والغائبون عنه سواء في الأمر ~~بالتوجه إليه. # فإن قيل: احتج المخالف بقوله تعالى: # فول وجهك شطر المسجد الحرام # [البقرة:144] ومن كان داخل المسجد الحرام لم يكن متوجها إلى المسجد، ~~بل إلى جزء من أجزائه. # والجواب: أن المتوجه الواحد يستحيل أن يكون متوجها إلى كل المسجد، بل ~~لا بد وأن يكون متوجها إلى جزء من أجزائه، ومن كان داخل البيت فهو كذلك، ~~فوجب أن يكون داخلا تحت الآية. # فصل في تطهير جميع بيوت الله # ويدخل في هذا ms0698 المعنى جميع بيوت الله تعالى، فيكون حكمها حكمه في التطهير ~~والنظافة، وإنما خص الكعبة بالذكر، لأنه لم يكن هناك غيرها. ### || [2.126] # قال القاضي رحمه الله تعالى: في هذه الآيات تقديم وتأخير، لأن قوله: { ~~رب اجعل هذا بلدا آمنا } لا يمكن إلا بعد دخول البلد في ~~الوجود، والذي ذكره من بعد وهو قوله: # وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت # [البقرة:127] وإن كان متأخرا في التلاوة، فهو متقدم في المعنى. # قوله تعالى: { اجعل هذا بلدا ءامنا } والجعل هنا يعني ~~التصيير، فيتعدى لاثنين ف " هذا " مفعول أول و " بلدا " مفعول ثان، ~~والمعنى: اجعل هذا البلد، أو هذا المكان، و " آمنا " صفة أي ذا أمن نحو: # عيشة راضية # [الحاقة:21] أو آمنا من فيه نحو: ليله نائم. والبلد معروف، وفي ~~تسميته قولان: # أحدهما: أنه مأخوذ من البلد. # والبلد في الأصل: الصدر يقال: وضعت الناقة بلدتها إذا بركت، أي: ~~صدرها، والبلد صدر القرى، فسمي بذلك. # والثاني: أن البلد في الأصل الأثر، ومنه: رجل بليد لتأثير الجهل فيه. # وقيل لبركة البعير: " بلدة " لتأثيرها في الأرض إذا برك، قال ~~الشاعر[الطويل] # 783 أنيخت فألقت بلدة فوق بلدة # قليل بها الأصوات إلا بغامها # إنما قال في هذه السورة " بلدا آمنا " على التنكير. # وقال في سورة إبراهيم: # هذا البلد ءامنا # [إبراهيم:35] على التعريف لوجهين: # الأول: أن الدعوة الأولى وقعت، ولم يكن المكان قد جعل بلدا، كأنه قال: ~~اجعل هذا الوادي بلدا آمنا؛ لأنه تعالى حكى عنه أنه قال: # ربنآ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع # [إبراهيم:37]. # فقال هاهنا اجعل هذا الوادي بلدا آمنا، والدعوة الثانية وقعت وقد جعل ~~بلدا، فكأنه قال: اجعل هذا المكان الذي صيرته بلدا ذا أمن وسلامة، ~~كقولك: جعلت هذا الرجل آمنا. # الثاني: أن يكون الدعوتان وقعتا بعدما صار المكان بلدا، فقوله: { ~~اجعل هذا بلدا ءامنا } تقديره: اجعل هذا البلد بلدا آمنا، ~~كقولك: كان اليوم يوما حارا، وهذا إنما تذكره للمبالغة في وصفه ~~بالحرارة؛ لأن التنكير يدل على المبالغة، فقوله: { رب اجعل ~~هذا بلدا آمنا } معناه: ms0699 اجعله من البلدان الكاملة في الأمن، ~~وأما قوله: { رب اجعل هذا بلدا آمنا } فليس فيه إلا طلب ~~الأمن لا طلب المبالغة، والله أعلم. # فصل في المراد بدعاء سيدنا إبراهيم # قيل: المراد من الآية دعاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام للمؤمنين من ~~سكان " مكة " بالأمن والتوسعة بما يجلب إلى " مكة " فلم يصل إليه ~~جبار إلا قصمه الله عز وجل كما فعل بأصحاب الفيل. # فصل في الرد على بعض الشبهات # فإن قيل: أليس أن الحجاج حارب ابن الزبير، وخرب الكعبة، وقصد أهلها ~~بكل سوء وتم له ذلك؟ # فالجواب: لم يكن مقصوده تخريب الكعبة لذاتها، بل كان مقصوده شيئا آخر. # فإن قيل: ما الفائدة في قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام: # رب اجعل هذا البلد ءامنا # [إبراهيم:35]، وقد أخبر الله تعالى قبل ذلك بقوله تعالى: # وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا # [البقرة:125]؟ # فالجواب: من وجوه: # أحدها: أن الله تعالى لما أخبره بأنه جعل البيت مثابة للناس وأمنا، ~~ووقع في خاطره أنه إنما جعل البيت وحده آمنا، فطلب إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام أن يكون الأمن بجميع البلد. # وثانيها: أن يكون قوله تعالى: # وإذ جعلنا البيت # [البقرة:125] بعد قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام # رب اجعل هذا البلد ءامنا # [إبراهيم:35] فيكون إجابة لدعائه، وعلى هذا فيكون مقدما في التلاوة ~~مؤخرا في الحكم. # وثالثها: أن يكون المراد من الأمن المذكور في قوله تعالى: # وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا # [البقرة:125] هو الأمن من الأعداء والخيف والخسف والمسخ، والمراد من ~~الأمن في دعاء إبراهيم هو الأمن من القحط، ولهذا قال: { وارزق ~~أهله من الثمرات }. # فإن قيل: الأمن والخصب مما يتعلق بمنافع الدنيا، فكيف يليق بالرسول ~~المعظم طلبها؟ # فجوابه من وجوه: # أحدها: أن الدنيا إذا طلبت ليتقوى بها على الدين كان ذلك من أعظم أركان ~~الدين، وإذا كان البلد آمنا مخصبا تفرغ أهلها لطاعة الله تعالى ~~وإذا كان ضد ذلك كانوا على ضد ذلك. # وثانيها: أنه تعالى جعله مثابة للناس، والناس إنما يمكنهم الذهاب ~~إليه إذا كانت الطرق آمنة، والأقوات هناك ms0700 رخيصة. # وثالثها: أن الأمن والخصب مما يدعو الإنسان إلى الذهاب إلى تلك ~~البلدة، فحينئذ يشاهد المشاعر العظيمة، والمواقف الكريمة، فيكون الأمن ~~تتمة في تلك الطاعة. # فصل في المراد بالأمن # اختلفوا في الأمن المسؤول هنا فقيل: الأمن من القحط؛ لأنه أسكن ذريته ~~بواد غير ذي زرع ولا ضرع. # وقيل: الأمن من الخسف والمسخ. # وقيل: الأمن من القتل هو قول أبي بكر الرازي، واحتج عليه بأنه عليه ~~الصلاة والسلام سأله الأمن أولا، ثم سأله الرزق ثانيا. # ولو كان المطلوب هو الأمن من القحط لكان سؤال الرزق بعده تكرار، ~~وقد يجاب بأنه: لعل الأمن المسؤول هو الأمن من الخسف والمسخ، أو لعله ~~الأمن من القحط، ثم الأمن من القحط قد يكون بحصول ما يحتاج إليه من ~~الأغذية، وقد يكون بالتوسعة فيها، فهو بالسؤال الأول طلب إزالة ~~القحط، وبالسؤال الثاني طلب التوسعة. # قال القرطبي رحمه الله تعالى: دعا إبراهيم لذريته وغيرهم بالأمن، ~~ورغد العيش. # فروي أنه لما دعا بهذا أمر الله تعالى جبريل، فاقتلع " الطائف " من ~~" الشام " فطاف بها حول البيت أسبوعا، فسميت " الطائف " لذلك، ثم أنزلها ~~" تهامة " ، وكانت " مكة " وما يليها حين ذلك قفرا لا ماء فيها ولا ~~نبات، فبارك الله فيما حولها كالطائف وغيرها، وأنبت فيها أنواع ~~الثمرات. # فصل في أنه متى صارت مكة آمنة؟ # اختلفوا هل كانت مكة آمنة محرمة قبل دعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ~~أو إنما صارت كذلك بدعوته؟ # فقالوا: إنها كانت كذلك أبدا لقوله عليه الصلاة والسلام: # " إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض ". # قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام: # ربنآ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ~~عند بيتك المحرم # [إبراهيم:37] وهذا يقتضي أنها كان محرمة قبل ذلك، ثم إن إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام أكده بهذا الدعاء. # وقيل: إنها إنما صارت حرما آمنا بدعاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام ~~ وقبله كانت كسائر البلد، والدليل عليه قوله عليه السلام: # " اللهم إني حرمت المدينة كما حرم ~~إبراهيم مكة ". # وقيل: كانت حراما قبل الدعوة بوجه غير الوجه الذي صارت به ms0701 حراما بعد ~~الدعوة. # قوله: " من آمن " بدل بعض من كل، [وهو " أهله " ] ولذلك عاد ~~فيه ضميره على المبدل منه، و " من " في " من الثمرات " للتبعيض. # وقيل: للبيان، وليس بشيء، إذ لم يتقدم مبهم يبين بها. # فصل في تخصيص المؤمنين بهذا الدعاء # إنما خص المؤمنين بهذا الدعاء لوجهين: # الأول: أنه لما سأل الله تعالى أن يجعل الإمامة في ذريته، قال الله ~~تعالى: # لا ينال عهدي الظالمين # [البقرة:124] فصار ذلك [تأديبا] في المسألة، فلما ميز الله تعالى ~~المؤمنين عن الكافرين في باب الإمامة، لا جرم خصص المؤمنين بهذا ~~الدعاء دون الكافرين. # الثاني: يحتمل أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام قوي في ظنه أنه إن دعا ~~للكل كثر في البلد الكفار، فيكون في كثرتهم مفسدة ومضرة في ذهاب الناس ~~إلى الحج، فخص المؤمنين بالدعاء لهذا السبب. # قوله: { ومن كفر فأمتعه } يجوز في " من " ثلاثة أوجه. # أحدها: أن تكون موصولة، وفي محلها وجهان: # أحدهما: أنها في محل نصب بفعل محذوف تقديره، قال الله: وأرزق من كفر، ~~ويكون " فأمتعه " معطوفا على هذا الفعل المقدر. # والثاني: [من الوجهين]: أن يكون في محل رفع بالابتداء، و " فأمتعه " ~~الخبر، دخلت الفاء في الخبر تشبيها له بالشرط. # وسيأتي أن أبا البقاء يمنع هذا، والرد عليه. # الثاني من الثلاثة الأوجه: أن تكون نكرة موصوفة ذكره أبو البقاء، ~~والحكم فيها ما تقدم من كونها في محل نصب أو رفع. # الثالث: أن تكون شرطية، ومحلها الرفع على الابتداء فقط، و " ~~فأمتعه " جواب الشرط. # ولا يجوز في " من " في جميع وجوهها أن تكون منصوبة على الاشتغال. # أما إذا كانت شرطا فظاهر لأن الشرطية إنما يفسر عاملها فعل الشرط لا ~~الجزاء، وفعل الشرط هنا غير ناصب لضميرها بل رافعة. # وأما إذا كانت موصولة فلأن الخبر الذي هو " فأمتعه " شبيه بالجزاء، ~~ولذلك دخلته الفاء، فكما أن الجزاء لا يفسر عاملا فما أشبهه أولى بذلك، ~~وكذا إذا كانت موصوفة فإن الصفة لا تفسر. # وقال أبو البقاء: لا يجوز أن تكون " من " مبتدأ، و " فأمتعه " الخبر؛ ~~لأن " الذي ms0702 " لا تدخل " الفاء " في خبرها إلا إذا كان الخبر مستحقا ~~بالصلة نحو: الذي يأتيني فله درهم، والكفر لا يستحق به التمتع. # فإن جعلت الفاء زائدة على قول الأخفش جاز، أو جعلت الخبر محذوفا، و " ~~فأمتعه " دليلا عليه جاز تقديره: ومن كفر أرزقه فأمتعه. # ويجوز أن تكون " من " شرطية، والفاء جوابها. # وقيل: الجواب محذوف تقديره: ومن كفر أرزق، و " من " على هذا رفع ~~بالابتداء، ولا يجوز أن تكون منصوبة؛ لأن أدوات الشرط لا يعمل فيها ~~جوابها، بل فعل الشرط انتهى. # أما قوله: " لأن الكفر لا يستحق به التمتع " فليس بمسلم، بل التمتع ~~القليل والمصير إلى النار مستحقان بالكفر. # وأيضا فإن التمتع وإن سلمنا أنه ليس مستحقا بالكفر؛ ولكن قد عطف ~~عليه ما هو مستحق به، وهو المصير إلى النار، فناسب ذلك أن يقعا جميعا ~~خبرا. # وأيضا فقد ناقض كلامه؛ لأنه جوز فيها أن تكون شرطية، وهل الجزاء إلا ~~مستحق بالشرط، ومترتب عليه؟ فكذلك الخبر المشبه به. # وأما تجويزه زيادة الفاء، وحذف الخبر، أو جواب الشرط فأوجه بعيدة لا ~~حاجة إليها. # وقرىء " أمتعه " مخففا من أمتع يمتع، وهي قراءة ابن عامر رضي ~~الله عنه، و " فأمتعه " بسكون العين، وفيها وجهان: # أحدهما: أنه تخفيف كقوله: [السريع] # 784 فاليوم أشرب غير مستحقب # ......................... # والثاني: أن " الفاء " زائدة وهو جواب الشرط؛ فلذلك جزم بالسكون، وقرأ ~~ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد { فأمتعه ثم اضطره } على صيغة ~~الأمر فيهما، ووجهها أن يكون الضمير في " قال " لإبراهيم يعني سأل ربه ~~ذلك و " من " على هذه القراءة يجوز أن تكون مبتدأ، وأن تكون منصوبة على ~~الاشتغال بإضمار فعل سواء جعلتها موصولة أو شرطية، إلا أنك إذا جعلتها ~~شرطية قدرت الناصب لها متأخرا عنها؛ لأن أداة الشرط لها صدر الكلام. # وقال الزمخشري: " ومن كفر " عطف على " من آمن " كما عطف " ومن ~~ذريتي " على الكاف في " جاعلك " قال أبو حيان: أما عطف " من كفر " على " ~~من آمن " فلا يصح؛ لأنه يتنافى تركيب الكلام؛ لأنه يصير المعنى: قال ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام ms0703 وارزق من كفر؛ لأنه لا يكون معطوفا ~~عليه حتى يشركه في العامل. # " من آمن " العامل فيه فعل الأمر، وهو العامل في " ومن كفر " ، وإذا ~~قدرته أمرا تنافى مع قوله: " فأمتعه "؛ لأن ظاهر هذا إخبار من الله ~~تعالى بنسبة التمتع، وإلجائهم إليه تعالى وأن كلا من الفعلين ~~تضمن ضميرا، وذلك لا يجوز إلا على بعد بأن يكون بعد الفاء قول محذوف ~~فيه ضمير لله تعالى، أي: قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام : وازرق من ~~كفر، فقال الله: أمتعه قليلا ثم أضطره، ثم ناقض الزمخشري قوله هذا أنه ~~عطف على " من " كما عطف " ومن ذريتي " على الكاف في " جاعلك ". # فقال: فإن قلت لم خص إبراهيم بذلك المؤمنين حتى رد عليه؟ # فالجواب: قاس الرزق على الإمامة، فعرف الفرق بينهما بأن الإمامة لا تكون ~~للظالم، وأما الرزق فربما يكون استدراجا. # والمعنى: قال: " وارزق من كفر فأمتعه " فظاهر قوله " والمعنى قال " أن ~~الضمير في " قال " لله تعالى، وأن " من كفر " منصوب بالفعل المضارع ~~المسند إلى ضمير المتكلم. # و " قليلا " نعت لمصدر محذوف أو زمان، وقد تقدم له نظائر واختيار ~~سيبويه فيه. # وقرأ الجمهور: " أضطره " خبرا. # وقرأ يحيى بن وثاب بكسر الهمزة، ووجهها كسر حرف المضارعة كقولهم في ~~أخال: إخال. # وقرأ ابن محيصن " أطره " بإدغام الضاد في الطاء، [نحو]: اطجع في ~~اضطجع وهي مرذولة؛ لأن الضاد من الحروف الخمسة التي يدغم فيها، ولا ~~تدغم هي في غيرها وهي حروف: ضغم شقر، نحو: اطجع في اضطجع، قاله الزمخشري، ~~وفيه نظر؛ فإن هذه الحروف أدغمت في غيرها، أدغم أبو عمرو الداني اللام ~~في # يغفر لكم # [نوح:4] والضاد في الشين: # لبعض شأنهم # [النور:62] والشين في السين: # العرش سبيلا # [الإسراء:42]. # وأدغم الكسائي الفاء في الباء: # نخسف بهم # [سبأ:9]. # وحكى سيبويه رحمه الله تعالى أن " مضجعا " أكثر، فدل على أن " ~~مطجعا " كثير. # وقرأ يزيد بن أبي حبيب: " أضطره " بضم الطاء كأنه للإتباع. # وقرأ أبي: " فنمتعه ثم نضطره " بالنون. # واضطر افتعل من الضر، وأصله: اضتر، فأبدلت التاء طاء؛ لأن تاء ~~الافتعال تبدل طاء ms0704 بعد حروف الإطباق وهو متعد، وعليه جاء التنزيل؛ ~~وقال: [البسيط] # 785 إضطرك الحرز من سلمى إلى أجإ # ..................... # والاضطرار: الإلجاء والإلزاز إلى الأمر المكروه. # قوله: " أمتعه " قيل: بالرزق. # وقيل: بالبقاء في الدنيا. # وقيل: بهما إلى خروج محمد صلى الله عليه وسلم فيقتله أو يخرجه من ~~هذه الديار إن قام على الكفر، [وقيد المتاع بالقلة]؛ لأن متاع الدنيا ~~قليل بالنسبة إلى متاع الآخرة المؤبد. # وفي الاضطرار قولان: # أحدهما: أن يفعل به ما يتعذر عليه الخلاص منه، كما قال الله تعالى: # يوم يدعون إلى نار جهنم دعا # [الطور:13] و # يوم يسحبون في النار على وجوههم # [القمر:48] يقال اضطررته إلى الأمر أي: ألجأته [وحملته عليه] وقالوا: إن ~~أصله من الضر؛ وهو إدناء الشيء، ومنه ضرة المرأة لدنوها. # الثاني: أن يصير الفاعل بالتخويف والتهديد إلى أن يفعل ذلك اختيارا، ~~كقوله تعالى: # فمن اضطر غير باغ ولا عاد # [البقرة:173] فوصفه بأنه مضطر إلى تناول الميتة، إن كان ذلك الأكل ~~فعله، فيكون المعنى: أن الله تعالى يلجئه إلى أن يختار النار، ثم ~~بين تعالى أن ذلك بئس المصير؛ لأن نعم المصير ما ينال فيه النعيم ~~والسرور، وبئس المصير ضده. # قوله: " وبئس المصير " المصير فاعل، والمخصوص بالذم محذوف، أي: ~~النار ومصير: مفعل من صار يصير، وهو صالح للزمان والمكان. # وأما المصدر فقياسه الفتح؛ لأن ما كسر عين مضارعه، فقياس ظرفيه الكسر ~~ومصدره الفتح، ولكن النحويين اختلفوا فيما كانت عينه ياء على ثلاثة ~~مذاهب. # أحدها: كالصحيح [وقد تقدم]. # والثاني: أنه مخير فيه. # والثالث: أن يتبع المسموع فما سمع بالكسر أو الفتح لا يتعدى، فإن كان " ~~المصير " في الآية اسم مكان فهو قياسي اتفاقا، والتقدير: وبئس المصير ~~النار كما تقدم، وإن كان مصدرا على رأي من أجازه فالتقدير: وبئس ~~الصيرورة صيرورتهم إلى النار. ### || [2.127-128] # " إذ " عطف على " إذ " قبلها، فالكلام فيهما واحد. # و " يرفع " في معنى ماضيا؛ لأنها من الأدوات المخلصة المضارع للمضي. # وقال الزمخشري: " هي حكاية حال ماضية " قال أبو حيان: وفيه نظر. # و " القواعد " جمع قاعدة، وهي الأساس ms0705 والأصل لما فوق، وهي صفة غالبة، ~~ومعناها الثابتة، ومنه " قعدك الله " أي: أسأل الله تثبيتك، ومعنى ~~رفعها البناء عليها؛ لأنه إذا بني عليها نقلت من هيئة الانخفاض إلى ~~الارتفاع. # وأما القواعد من النساء فمفردها " قاعد " من غير تاء؛ لأن المذكر لا ~~حظ له فيها إذ هي من: قعدت عن الزوج. # ولم يقل " قواعد البيت " ، بالإضافة لما في البيان بعد الإبهام من تفخيم ~~شأن المبين. # [فصل في مشاركة إسماعيل في رفع القواعد # الأكثرون على أن البيت كان موجودا قبل إبراهيم عليه الصلاة والسلام ~~واختلفوا هل كان إسماعيل شريكا له في رفع القواعد؟ # فالأكثرون على أنه كان شريكا له؛ للعطف عليه. # وروي عن علي رضي الله عنه أنه لما بنى البيت خرج وخلف إسماعيل ~~وهاجر. # فقالا: إلى من تكلنا؟ # قال: إلى الله تعالى، فعطش إسماعيل ولم ير الماء، فناداه جبريل أن اضرب ~~الأرض بأصبعك، فضربها بأصبعه، فنبع زمزم. وهذا ضعيف؛ وذلك لقوله تعالى: { ~~ربنا تقبل منآ } وهذا يوجب صرفه إلى المذكور السابق: وهو رفع ~~القواعد]. # فصل في الكلام على رفع القواعد # يروى أن الله تبارك وتعالى خلق موضع البيت قبل الأرض بألفي عام، ~~وكانت زبدة بيضاء على الماء، وأنزل الله البيت المعمور من ياقوتة من ~~يواقيت الجنة له بابان من زمرد أخضر، وأنزل الله الحجر، كان أبيض ~~فاسود من لمس الحيض في الجاهلية، وأمر الله تعالى آدم عليه الصلاة ~~والسلام أن يحج إليه، ويطوف به. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: حج آدم صلوات الله وسلامه عليه أربعين ~~حجة من " الهند " إلى " مكة " ماشيا، وكان ذلك إلى أيام الطوفان، فرفعه ~~الله تعالى إلى السماء الرابعة، وبعث جبريل عليه الصلاة والسلام ~~حتى خبأ الحجر الأسود في جبل أبي قبيس، وكان موضع البيت خاليا إلى زمن ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام ثم أمر الله تعالى ابراهيم عليه ~~الصلاة والسلام بعد ما ولد إسماعيل عليه الصلاة والسلام ببناء ~~البيت، فسأل الله تعالى أن يبين له موضعه، فبعث الله السكينة ليدله ~~على موضع البيت، فتبعها حتى أتيا ms0706 " مكة " ، هذا قول علي رضي الله تعالى ~~عنه. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: بعث الله سحابة على قدر الكعبة، وذهب ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام في ظلها إلى أن وافت " مكة " فوقعت على ~~موضع البيت، فنودي منها يا إبراهيم ابن على ظلها ولا تزد ولا تنقص. # [وقيل: أرسل الله جبريل عليه الصلاة والسلام ليدله على موضع البيت ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما : بني البيت من خمسة أجبل: طور سيناء، ~~وطور زيتا، ولبنان جبال بالشام، والجودي: جبل بالجزيرة وقواعده من حراء ~~جبل بمكة المشرفة، فلما انتهى لموضع الحجر قال لإسماعيل عليه الصلاة ~~والسلام يطلبه فصاح أو قبيس: يا إبراهيم إن لك عندي وديعة فخذها، ~~فأخذ الحجر الأسود، فوضعه مكانه. # وقيل: إن الله تبارك وتعالى بنى البيت المعمور في السماء، وسمي " صراح " ~~، وأمر الملائكة أن يبنوا الكعبة في الأرض بحياله على قدره وبقية الكلام ~~على البيت يأتي في سورة " الحج " إن شاء الله تعالى والله أعلم]. # قوله: " من البيت " فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق ب " يرفع " ومعناها ابتداء الغاية. # والثاني: أنها في محل نصب على الحال من " القواعد " ، فيتعلق بمحذوف ~~تقديره: كائنة في البيت، ويكون معنى " من " التبعيض [روى ابن كثير رحمه ~~الله عن ابن عباس رضي الله عنهما، " أن القواعد حجارة كأسنمة البخت ~~بعضها من بعض، وحكى عن رجل من قريش ممن كان يهدمها أدخل عتلة بين حجرين ~~منها؛ ليخرج بها أحدهما، فتحركا تحرك الرجل، فانتفضت مكة بأسرها، فانتهوا ~~عن ذلك الأساس ". # وقيل: أبصر القوم برقة، كادت تخطف بصر الرجل فبرأ الرجل من يده، فوقع في ~~موضعه، فتركوه ورجعوا إلى بنيانهم]. # قوله: " وإسماعيل " فيه قولان: # أحدهما: وهو الظاهر أنه عطف على " إبراهيم " ، فيكون فاعلا مشاركا ~~له في الرفع، ويكون قوله: { ربنا تقبل منآ } في محل نصب ~~بإضمار القول، ذلك القول في محل نصب على الحال منهما، أي: يرفعان يقولان: ~~ربنا تقبل، ويؤيد هذا قراءة عبد الله بإظهار فعل القول، قرأ: " ~~يقولان: ربنا تقبل " أي: قائلين ذلك، ويجوز ألا يكون هذا ms0707 ~~القول حالا، بل هو جملة معطوفة على ما قبلها، ويكون هو العامل في " إذ " ~~قبله، والتقدير: يقولان: ربنا تقبل إذ يرفعان، أي: وقت رفعهما. # والثاني: الواو [واو الحال]، و " إسماعيل " مبتدأ وخبره قول محذوف هو ~~العامل في قوله: " ربنا تقبل " فيكون إبراهيم هو الرافع، ~~وإسماعيل هو الداعي فقط، قالوا: لأن إسماعيل كان حينئذ طفلا صغيرا، ~~ورووه عن علي رضي الله عنه والتقدير إذ يرفع إبراهيم حال كون ~~إسماعيل يقول: ربنا تقبل منا. # وفي المجيء بلفظ " الرب " جل وعز تنبيه بذكر هذه الصفة على التربية ~~والإصلاح. # و " تقبل " بمعنى " اقبل " ، ف " تفعل " هنا بمعنى المجرد. # وتقدم الكلام على نحو " إنك أنت السميع " من كون " أنت " يجوز فيه ~~التأكيد والابتداء والفصل. وتقدمت صفة السمع، وإن كان سؤال التقبل ~~متأخرا عن العمل للمجاورة، كقوله تعالى # يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين ~~اسودت # [آل عمران:106] وتأخرت صفة العلم، لأنها فاصلة، ولأنها تشمل المسموعات ~~وغيرها. # [فإن قيل: قوله: { إنك أنت السميع العليم } يفيد الحصر، ~~وليس الأمر كذلك، فإن غيره قد يكون سميعا. # فالجواب أنه تعالى لكماله في هذه الصفة كأنه هو المختص بها دون غيره]. # قوله: " مسلمين " مفعول ثاني للجعل؛ لأنه بمعنى [التصيير، والمفعول ~~الأول هو] " نا ". # وقرأ ابن عباس " مسلمين " بصيغة الجمع وفي ذلك تأويلان: # أحدهما: أنهما أجريا التثنية مجرى الجمع، وبه استدل من يجعل التثنية ~~جمعا. # والثاني: أنهما أرادا أنفسهما وأهلهما ك " هاجر ". # قوله: " لك " فيه وجهان: # أحدهما: أن يتعلق ب " مسلمين " لأنه بمعنى نخلص لك أوجهنا نحو: # أسلمت وجهي لله # [آل عمران:20] فيكون المفعول محذوفا لفهم المعنى. # والثاني: أنه نعت لمسلمين أي: مسلمين مستقرين لك أي مستسلمين. والأول ~~أقوى معنى. # فصل فيمن استدل بهذه الآية على القول بخلق الأعمال # استدلوا بهذه الآية على خلق الأعمال بقوله: { ربنا واجعلنا ~~مسلمين لك } ، فإن الإسلام إما أن يكون المراد منه الدين ~~والاعتقاد، أو الاستسلام والانقياد، وكيف كان فقد رغبا في أن يجعلهما ~~بهذه الصفة لا معنى له إلا خلق ذلك فيهما، فإن [الجعل] عبارة ms0708 عن ~~الخلق. # قال الله تعالى: # وجعل الظلمات والنور # [الأنعام:1] فدل هذا على أن الإسلام مخلوق لله تعالى. # فإن قيل: هذه الآية الكريمة متروكة الظاهر؛ لأنها تقتضي أنهما وقت ~~السؤال [كانا] غير مسلمين إذ لو كانا مسلمين لكان طلب أن يجعلهما ~~مسلمين طلبا لتحصيل الحاصل، وإنه باطل، لكن المسلمين أجمعوا على أنهما ~~كانا في ذلك الوقت مسلمين؛ ولأن صدور هذا الدعاء منهما لا يصلح إلا ~~بعد أن كانا مسلمين، وإذا ثبت أن الآية متروكة الظاهر لم يجز التمسك ~~بها، سلمنا أنها ليست متروكة الظاهر، لكن لا نسلم أن الجعل عبارة عن ~~الخلق والإيجاد بل له معان أخر سوى الخلق: # أحدها: " جعل " بمعنى " صير " ، قال [الله] تعالى: # وهو الذي جعل لكم اليل لباسا والنوم سباتا ~~وجعل النهار نشورا # [الفرقان:47]. # وثانيها: " جعل " بمعنى " وهب " ، تقول: جعلت لك هذه الضيعة وهذا العبد ~~وهذا الغرس. # وثالثها: [جعل] بمعنى الوصف للشيء والحكم به كقوله تعالى: # وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا # [الزخرف:19]. # وقال: # وجعلوا لله شركآء الجن # [الأنعام:10]. # ورابعها: " جعل " كذلك بمعنى الأمر كقوله تعالى: # وجعلنا منهم أئمة # [السجدة:24] يعنى أمرناهم بالاقتداء بهم، وقال: # إني جاعلك للناس إماما # [البقرة:124] فهو الأمر. # وخامسها: أن يجعله بمعنى التعليم كقوله: جعلته كاتبا [وشاعرا] إذا ~~علمته ذلك. # وسادسها: البيان والدلالة تقول: جعلت كلام فلان باطلا إذا أوردت [من ~~الحجة] ما بين بطلان ذلك. إذ ثبت ذلك فنقول: لم لا يجوز أن يكن المراد ~~وصفهما بالإسلام، والحكم لهما بذلك كما يقال: جعلني فلان لصا، وجعلني ~~فاضلا أديبا إذا وصفه بذلك سلمنا أن المراد من الجعل الخلق، لكن ~~لم لا يجوز أن يكون المراد منه خلق الألطاف الداعية لهما إلى الإسلام، ~~وتوفيقهما لذلك؟ فمن وفقه الله لهذه الأمور حتى يفعلها، فقد جعله الله ~~مسلما له، ومثاله من يؤدب ابنه حتى يصير أديبا، فيجوز أن يقال: صيرتك ~~أديبا، وجعلتك أديبا، وفي خلاف ذلك يقال: جعل ابنه لصا محتالا. # سلمنا أن ظاهر الآية الكريمة يقتضي كونه تعالى خالقا للإسلام، لكنه ~~على خلاف الدلائل ms0709 العقلية، فوجب ترك القول به. # وإنما قلنا [إنه] على خلاف الدلائل العقلية؛ لأنه لو كان فعل العبد ~~خلقا لله تعالى لما استحق العبد به مدحا ولا ذما، ولا ثوابا ولا ~~عقابا، ولوجب أن يكون الله تعالى هو المسلم المطيع لا العبد. # والجواب: قوله: الآية متروكة الظاهر. # [قلنا]: لا نسلم وبيانه من وجوه: # الأول: أن الإسلام عرض قائم بالقلب، وأنه لا يبقى زمانين فقوله: " ~~واجعلنا مسلمين لك " أي: اخلق هذا العرض، فينافي الزمان المستقبل دائما، ~~وطلب تحصيله في الزمان المستقبل لا ينافي حصوله في الحال. # الثاني: أن يكون المراد منه الزيادة في الإسلام كقوله: # ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم # [الفتح:4] # والذين اهتدوا زادهم هدى # [محمد:17] ويؤيد هذا قوله تعالى # ولكن ليطمئن قلبي # [البقرة:260] فكأنهما دعواه بزيادة اليقين والتصديق، وطلب الزيادة لا ~~ينافي حصول الأصل في الحال. # الثالث: أن " الإسلام " إذا أطلق يفيد الإيمان والاعتقاد أما إذا أضيف ~~بحرف " اللام " كقوله: " مسلمين لك " ، فالمراد الاستسلام له ~~والانقياد والرضا بكل ما مقدر [وترك المنازعة في أحكام الله تعالى ~~وأقضيته، فلقد كانا عارفين مسلمين لكن لعله بقي في قلوبهما نوع من ~~المنازعة الحاصلة بسبب البشرية، فأراد أن يزيل الله ذلك عنهما بالكلية ~~ليحصل لهما مقام الرضا بالقضاء على سبيل الكمال] فثبت بهذه الوجوه أن ~~الآية ليست متروكة الظاهر. # قوله: يحمل الجعل على الحكم بذلك فلا نسلم أن الموصوف إذا حصلت الصفة له ~~فلا فائدة في الصفة، وإذا لم يكن المطلوب بالدعاء هو مجرد الوصف، وجب ~~حمله على تحصيل الصفة، ولا يقال: وصفه تعالى بذلك ثناء ومدح، وهو مرغوب ~~له فيه. # قلنا: نعم! لكن الرغبة في تحصيل نفس الشيء أكثر من تحصيل الرغبة في ~~تحصيل الوصف به والحكم به، فكان حمله على الأول أولى. # وأيضا أنه متى حصل الإسلام فيهما فقد استحقا التسمية بذلك والله ~~تعالى لا يجوز عليه الكذب، فكان ذلك الوصف حاصلا، وأي فائدة في طلبه ~~بالدعاء. # وأيضا أنه لو كان المراد به التسمية لوجب أن كل من سمى إبراهيم مسلما ~~جاز أن يقال: ms0710 جعله مسلما. # أما قوله: يحمل ذلك على فعل الألطاف. # فالجواب: هذا مدفوع من وجوه: # أحدها: أن لفظ الجعل مضاف إلى " الإسلام " ، فصرفه عنه إلى غيره ترك ~~للظاهر. # وثانيها: أن تلك الألطاف قد فعلها الله تعالى وأوجدها، وأخرجها ~~إلى الوجود على مذهب المعتزلة، فطلبها يكون طلبا لتحصيل الحاصل، وإنه ~~غير جائز. # وثالثها: أن تلك الألطاف إما أن يكون لها أثر في ترجيح جانب الفعل على ~~الترك أو لا. # فإن لم يكن لها أثر في هذا الترجيح لم يكن ذلك لطفا. # وإن كان لها أثر في الترجيح، فنقول: متى حصل الرجحان فقد حصل الوجوب، ~~وذلك أن مع حصول ذلك القدر من الترجيح، إما أن يجب الفعل، أو يمتنع، أو ~~لا يجب أصلا ولا يمتنع. # فإن وجب فهو المطلوب. # وإن امتنع فهو مانع لا مرجح، وإن لم يجب ولا يمتنع فحينئذ يمكن وقوع ~~الفعل معه تارة ولا وقوعه أخرى فاختصاص وقت الوقوع بالوقوع: إما أن يكون ~~لانظمام أمر إليه لأجله تميز ذلك الوقت بالوقوع أو ليس كذلك فإن كان ~~الأول كان المرجح مجموع اللطف مع هذه الضميمة الزائدة فلم يكن لهذا اللطف ~~أثر في الترجيح أصلا، وقد فرضناه كذلك هذا خلف. # وإن كان الثاني لزم رجحان أحد طرفي الممكن المساوي على الآخر من غير ~~مرجح وهو محال، فثبت أن القول بهذا اللطف غير معقول. # قوله: الدلائل العقلية دلت على امتناع وقوع فعل العبد بخلق الله تعالى ~~ وهو فصل المدح والذم. # قلنا: إنه معارض بسؤال العلم وسؤال الداعي على ما تقدم. # قال القرطبي: سألاه التثبت والدوام و " الإسلام " في هذا الموضع: ~~الإيمان والأعمال جميعا، منه قوله تعالى: # إن الدين عند الله الإسلام # [آل عمران:19]، وكفى هذا دليلا لمن قال إن الإيمان والإسلام هما شيء ~~واحد، ويؤيده قوله تعالى: # فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا ~~فيها غير بيت من المسلمين # [الذاريات:35، 36] والله أعلم. # قوله: { ومن ذريتنآ أمة مسلمة } فيه قولان: # أحدهما وهو الظاهر أن " من ذريتنا " صفة لموصوف محذوف وهو مفعول ~~أول، و ms0711 " أمة مسلمة " مفعول ثاني تقديره: واجعل فريقا من ذريتنا أمة ~~مسلمة. # وفي " من " حينئذ ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها للتبعيض. # والثاني: أجازه الزمخشري أن تكون للتبيين، قال تبارك وتعالى: # الذين آمنوا منكم # [النور:55]. # الثالث: أن تكون لابتداء غاية الجعل، قاله أبو البقاء. # والثاني: من القولين: أن يكون " أمة " هو المفعول الأول، و " من ذريتنا ~~" حال منها؛ لأنه في الأصل صفة نكرة، فلما قدم عليها انتصب حالا، و " ~~مسملة " هو المفعول الثاني، والأصل: واجعل الأمة من ذريتنا مسلمة، ف " ~~الواو " داخلة في الأصل على " أمة " ، وإنما فصل بينهما بقوله: " من ~~ذريتنا " وهو جائز؛ لأنه من جملة الكلام المعطوف، وفي إجازته ذلك ~~نظر، فإن النحويين كأبي علي وغيره منعوا الفصل بالظرف [بين حرف ~~العطف] إذا كان على حرف واحد وبين المعطوف وجعلوا منه قوله: [المنسرح] # 786 يوما تراها كشبه أردية ال # عصب ويوما أديمها نغلا # ضرورة، فالفصل في الحال أبعد، وصار ما أجازه نظير قولك: " ضرب الرجل ~~ومتجردة المرأة زيد " وهذا غير فصيح، ولا يجوز أن يكون أجعل المقدرة ~~بمعنى أخلق وأوجد، فيتعدى لواحد، ويتعلق " من ذريتنا " به، ويكون " ~~أمة " مفعولا به، لأنه إن كان من عطف المفردات لزم التشريك في العامل ~~الأول، والعامل الأول ليس معناه " اخلق " إنما معناه " صير ". # وإن كان من عطف الجمل، فلا يحذف إلا ما دل عليه المنطوق، والمنطوق ليس ~~بمعنى الخلق، فكذلك المحذوف ألا تراهم منعوا في قوله: # هو الذي يصلي عليكم وملائكته # [الأحزاب:43] أن يكون التقدير: وملائكته يصلون لاختلاف مدلول ~~الصلاتين، وتأولوا ذلك على قدر مشترك بينهما، وقوله: " لك " فيه ~~الوجهان المتقدمان بعد " مسلمين ". # فصل # إنما خص بعضهم؛ لأنه تعالى أعلمهما [أن] في ذريتهما الظالم بقوله # لا ينال عهدي الظالمين # [البقرة:124]. # وقيل: أراد به العرب؛ لأنهم من ذريتهما. # وقيل: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: # وابعث فيهم رسولا منهم # [البقرة:129]. # فإن قيل: قوله: # لا ينال عهدي الظالمين # [البقرة:124] كما يدل على أن في ذريته من يكون ظالما فكذلك [يوجب ~~فيهم من لا يكون ms0712 ظالما]، فإذن كون بعض ذريته أمة مسلمة صار معلوما بتلك ~~الآية، فما الفائدة في طلبه بالدعاء مرة أخرى؟ # فالجواب: تلك الدلالة ما كانت قاطعة، والشفيق بسوء الظن مولع. # فإن قيل: لم خص ذريتهما بالدعاء أليس أن هذا يجرى مجرى البخل في ~~الدعاء؟ # فالجواب: الذرية أحق بالشفقة والمصلحة قال الله تعالى: # قوا أنفسكم وأهليكم نارا # [التحريم:6] ولأن أولاد الأنبياء إذا صلحوا صلح بهم غيرهم. # والأمة هنا: الجماعة، وتكون واحدا إذا كان يقتدى به في الخير، ومنه ~~قوله تعالى: # إن إبراهيم كان أمة قانتا لله # [النحل:120]. وقد يطلق لفظ الأمة على غير هذا المعنى [كقوله تعالى: { ~~إنا وجدنا آباءنا على أمة } أي دين وملة]. ومنه قوله تعالى: # إن هذه أمتكم أمة واحدة # [الأنبياء:92]. # وقد تكون بمعنى الحين والزمان، ومنه قوله تعالى: # وادكر بعد أمة # [يوسف:45] أي: بعد حين وزمان. # ويقال هذا أمة زيد، أي أم زيد، والأمة أيضا: القامة، يقال: فلان ~~حسن الأمة، أي: حسن القامة؛ قال: [المتقارب] # 787 وإن معاوية الأكرمي # ن حسان الوجوه طوال الأمم # وقيل: الأمة الشجة التي تبلغ أم الدماغ، يقال: رجل مأموم وأميم نقله ~~القرطبي. # قوله: " وأرنا مناسكنا " الظاهر أن الرؤية هنا بصرية، فرأى في ~~الأصل يتعدى لواحد، فلما دخلت همزة النقل أكسبتها مفعولا ثانيا، ف " ~~نا " مفعول أول، و " مناسكنا " مفعول ثان. # وأجاز الزمخشري أن تكون منقولة من " رأى " بمعنى عرف، فتتعدى أيضا ~~لاثنين كما تقدم، وأجاز قوم فيما حكاه ابن عطية أنها هنا قلبية، والقلبية ~~تقبل [النقل] لاثنين كقول القائل: [الطويل] # 788 وإنا لقوم ما نرى القتل سبة # إذا ما رأته عامر وسلول # وقال الكميت: [الطويل] # 789 بأي كتاب أم بأية سنة # ترى حبهم عارا علي وتحسب # وقال ابن عطية: ويلزم قائله يتعدى الفعل منه إلى ثلاثة، وينفصل عنه ~~بأنه يوجد معدى بالهمزة من رؤية القلب كغير المعدى؛ وأنشد قول حطائط ~~بن يعفر: [الطويل] # 790 أريني جوادا مات هزلا لأنني # أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا # يعني: أنه قد تعدت " علم " القلبية إلى اثنين، سواء ms0713 كانت مجردة من ~~الهمزة أم لا، وحينئذ يشبه أن يكون ما جاء فيه " فعل وأفعل " بمعنى ~~وهو غريب، ولكن جعله بيت حطائط من رؤية القلب ممنوع، بل معناه من ~~رؤية البصر، ألا ترى أن قوله: " جوادا مات " من متعلقات البصر، ~~فيحتاج في إثبات تعدي " أعلم " القلبية إلى اثنين إلى دليل. # وقال بعضهم: هي هنا بصرية قلبية معا؛ لأن الحج لا يتم إلا بأمور منها ~~ما هو معلوم ومنها ما هو مبصر. # ويلزمه على هذا الجمع بين الحقيقة والمجاز، أو استعمال المشترك في ~~معنييه معا. # وقرأ الجمهور: { أرنا } بإشباع كسر " الراء " هنا، وفي [النساء:153] ~~وفي [الأعراف:143] { أرني أنظر } ، وفي [فصلت:29] { أرنا ~~الذين }. # وقرأ ابن كثير بالإسكان في الجميع، ووافقه في " فصلت " ابن عامر، وأبو ~~بكر عن عاصم، واختلف عن أبي عمرو، فروي عن السوسي موافقة ابن كثير ~~بالإسكان في الجميع، وروى عنه الدوري اختلاس الكسر فيها. # أما الكسر فهو الأصل. # وأما الاختلاس فحسن مشهور. # وأما الإسكان فللتخفيف، شبهوا المتصل بالمنفصل فسكنوا كسره، كما قالوا ~~في فخذ: فخذ، وكتف: كتف. # وقد غلط قوم راوي هذه القراءة. # وقالوا: صار كسر الراء دليلا على الهمزة المحذوفة، فإن أصله: " أرئنا " ~~ثم نقل. # قال الزمخشري تابعا لغيره: قال الفارسي: التغليط ليس بشيء لأنها قراءة ~~متواترة، وأما كسرة الراء فصارت كالأصل؛ لأن الهمزة مرفوضة الاستعمال. # وقال أيضا: ألا تراهم أدغموا في # لكنا هو الله ربي # [الكهف:38]، والأصل " لكن أنا " نقلوا الحركة، وحذفوا، ثم أدغموا، فذهاب ~~الحركة في " أرنا " ليس بدون ذهابها في الإدغام، وأيضا فقد سمع الإسكان ~~في هذا الحرف نصا عن العرب؛ قال القائل: [البسيط] # 791 أرنا إداوة عبد الله نملؤها # من ماء زمزم إن القوم قد ظمئوا # وأصل أرنا: أرئنا، فنقلت حركة " الهمزة " إلى " الراء " وحذفت هي، وقد ~~تقدم الكلام بأشبع من هذا عند قوله: # حتى نرى الله جهرة # [البقرة:55]. # و " المناسك " واحدها: " منسك " بفتح العين وكسرها، وقد قرىء بهما ~~والمفتوح هو المقيس لانضمام عين مضارعه. # ويقال: المنسك بفتح السين بمعنى الفعل وبكسر السين بمعنى ms0714 الموضع، ~~كالمسجد والمشرق والمغرب. # قال الله تعالى: # لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه # [الحج:67] قرىء بالفتح والكسر، وظاهر الكلام يدل على الفعل، وكذلك قوله ~~عليه السلام # " خذوا عني مناسككم " # أمرهم بأن يتعلموا أفعاله في الحج، لا أنه أراد: خذوا عني مواضع ~~نسككم، وبعض المفسرين حمل المناسك على الذبيحة فقط. # قال ابن الخطيب: وهو خطأ، لأن الذبيحة إنما تسمى نسكا لدخولها تحت ~~التعبد، [لا لكونها مذبوحة] ولذلك لا يسمون ما يذبح للأكل بذلك. # قال القرطبي: [قوله تعالى: " مناسكنا " يقال]: إن أصل النسك في ~~اللغة الغسل، يقال منه نسك ثوبه إذا غسله. # وهو في الشرع اسم للعبادة، يقال: رجل ناسك إذا كان عابدا. # فصل في تسمية عرفات # وقال الحسن: إن جبريل عليه السلام أرى إبراهيم المناسك كلها حتى ~~بلغ " عرفات " ، فقال: يا إبراهيم أعرفت ما رأيتك من المناسك؟ قال: نعم ~~[فسميت " عرفات " ] فلما كان يوم النحر أراد أن يزور البيت فعرض له إبليس ~~فسد عليه الطريق، فأمره جبريل عليه السلام بأن يرميه بسبع حصيات، ~~ففعل فذهب الشيطان، ثم عرض له في اليوم الثاني والثالث والرابع كل ذلك ~~يأمره جبريل عليه السلام برمي سبع حصيات. # فبعضهم حمل المناسك هنا على [شعائر] الحج، وأعماله كالطواف والسعي ~~والوقوف. # وبعضهم حمله على المواقف والمواضع التي يقام فيها شرائع الحج، مثل " منى ~~" و " عرفات " و " المزدلفة " ونحوها. # وبعضهم حمله على المجموع. # فصل في استلام الأركان # قال ابن إسحاق: وبلغني أن آدم عليه السلام كان يستلم الأركان ~~كلها قبل إبراهيم عليه السلام. # وقال: حج إسحاق وسارة من " الشام " ، وكان إبراهيم عليه السلام ~~يحجه كل سنة على البراق، وحجه بعد ذلك الأنبياء والأمم. # وروى محمد بن سابط عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " كان النبي من الأنبياء إذا هلكت أمته لحق ~~مكة فتعبد بها هو ومن آمن معه حتى يموتوا، ~~فمات بها نوح وهود وصالح وقبورهم بين زمزم ~~والحجر ". # وذكر ابن وهب أن شعيبا مات ب " مكة " هو ومن معه من المؤمنين، فقبورهم ~~في غربي " مكة " بين ms0715 دار الندوة وبين بني سهم. # وقال ابن عباس: في المسجد الحرام قبران ليس فيه غيرهما، قبر إسماعيل ~~وقبر شعيب عليهما السلام، فقبر إسماعيل في الحجر، وقبر شعيب مقابل الحجر ~~الأسود. # وقال عبد الله بن ضمرة السلولي: ما بين الركن والمقام إلى زمزم قبور ~~تسعة وتسعين نبيا جاءوا حجاجا فقبروا هنالك، صلوات الله عليهم أجمعين. # قوله: " وتب علينا " احتج به من جوز الذنب على الأنبياء قال: لأن التوبة ~~مشروطة بتقدم الذنب، فلولا تقدم الذنب، وإلا لكان طلب التوبة طلبا ~~للمحال. # قالت المعتزلة: الصغيرة تجوز على الأنبياء. # ولقائل أن يقول: إن الصغائر قد صارت مكفرة بثواب فاعلها، وإذا صارت ~~مكفرة فالتوبة عنها محال؛ لأن تأثير التوبة في إزالتها وإزالة الزائل ~~محال. # قال ابن الخطيب: وهاهنا أجوبة تصلح لمن جوز الصغيرة، ولمن لم يجوزها، ~~وهي من وجوه: # أولها: يجوز أن يأتي بصورة التوبة تشددا في الانصراف عن المعصية؛ لأن ~~من تصور نفسه بصورة النادم العازم على التحرز الشديد، كان أقرب إلى ترك ~~المعاصي. # وثانيها: أن العبد وإن اجتهد في طاعة ربه، فإنه لا ينفك عن التقصير ~~من بعض الوجوه: إما على سبيل السهو أو على سبيل ترك الأولى، فكان هذا ~~الدعاء لأجل ذلك. # وثالثها: أنه تعالى لما أعلم إبراهيم عليه السلام أن في ذريته ~~من يكون ظالما عاصيا، لا جرم سأل هاهنا أن يجعل بعض ذريته أمة مسلمة، ~~ثم طلب منه أن يوفق أولئك العصاة للتوبة فقال: " وتب علينا " أي ~~على المذنبين من ذريتنا، والأب المشفق على ولده إذا أذنب ولده، فاعتذر ~~الوالد عنه، فقد يقول: أجرمت وعصيت فاقبل عذري، ويكون مراده: أن ولدي ~~أذنب فاقبل عذره؛ لأن ولد الإنسان يجري مجرى نفسه، والذي يقوي هذا ~~التأويل وجوه: # الأول: ما حكى الله تعالى في سورة " إبراهيم " أنه قال: # واجنبني وبني أن نعبد الأصنام رب إنهن ~~أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ~~ومن عصاني فإنك غفور رحيم # [إبراهيم:3536]. # فيحتمل أن يكون المعنى: ومن عصاني فإنك قادر على أن تتوب عليه إن تاب، ms0716 ~~وتغفر له ما سلف من ذنوبه. # الثاني: ذكر أن في قراءة عبد الله: { وأرهم مناسكهم وتب ~~عليهم }. # الثالث: أنه قال عطفا على هذا: # ربنا وابعث فيهم رسولا منهم # [البقرة:129]. # الرابع: تأولوا قوله تعالى: # ولقد خلقناكم ثم صورناكم # [الأعراف:11] بجعل خلقه إياه خلقه لهم إذ كانوا فيه، فكذلك لا يبعد أن ~~يكون قوله: " أرنا مناسكنا " أي " ذريتنا ". # قال القرطبي رحمه الله تعالى: أجاب بعضهم عن هذا الإشكال فقال: إنهما ~~لما قالا " وتب علينا " وهم أنبياء معصومون إنما طلبا التثبيت ~~والدوام؛ لأنهما كان لهما ذنب. # قال القرطبي: وهذا حسن، وأحسن منه أن يقال: إنهما لما عرفا المناسك ~~وبنيا البيت أراد أن يبينا للناس، ويعرفاهم أن ذلك الموقف وتلك المواضع ~~مكان التنصل من الذنوب وطلب التوبة. # فصل فيمن استدل بالآية على خلق الأفعال لله تعالى # دلت الآية الكريمة على أن فعل العبد خلق الله تعالى لأنه عليه ~~الصلاة والسلام طلب من الله تعالى أن يتوب عليه، فلو كانت التوبة ~~مخلوقة للعبد، لكان طلبها من الله تعالى [محالا وجهلا. # قالت المعتزلة: هذا معارض بما أن الله تعالى ] طلب التوبة منا. ~~[فقال] # يأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة ~~نصوحا # [التحريم:8] { يا أيها.. توبة نصوحا } ولو كانت فعلا لله تعالى، لكان ~~طلبها من العبد محالا وجهلا، وإذا ثبت ذلك حمل قوله: " وتب ~~علينا " على التوفيق، وفعل الألطاف، أو على قبول التوبة من العبد. # والجواب: [قال ابن الخطيب] متى لم يخلق الله تعالى داعية موجبة ~~للتوبة استحال حصول التوبة، فكانت التوبة من الله تعالى لا من ~~العبد، وتقرير دليل الداعي قد تقدم غير مرة. # فصل في معنى التوبة # اعلم أن التوبة هي الرجوع، فمعنى توبة الله تعالى أن يرجع برضاه ~~وتوحيده عليهم، ومعنى توبة العبد أن يرجع عما ارتكبه من المعاصي، ~~فمتعلق التوبة مختلف، وإذا اختلفت التعلقات ضعفت دلالة الآية الكريمة ~~على مذهب أهل السنة. # فصل في الدعاء # قال بعضهم: إذا أراد الله من العبد أن يجيب دعاءه، فليدع بأسماء الله ~~المناسبة لذلك الدعاء، فإن كان ms0717 الدعاء للرحمة والمغفرة، فليدع باسم ~~الغفار والتواب والرحيم وما أشبهه، وإن كان دعاؤه لشر، فليدع بالعزيز ~~والمنتقم، وبما يناسبه. وتقدم الكلام على قوله: { إنك أنت ~~التواب الرحيم }. ### || [2.129] # في ضمير " فيهم " قولان: # أحدهما: أنه عائد على معنى الأمة؛ إذ لو عاد على لفظها لقال: " فيها " ~~قاله أبو البقاء. # والثاني: أنه يعود على الذرية بالتأويل المتقدم وقيل: يعود على أهل " ~~مكة " ، ويؤيده: # هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم # [الجمعة:2]، وفي قراءة أبي: " وابعث فيهم في آخرهم رسولا ~~منهم ". # قوله: " منهم " في محل نصب، لأنه صفة ل " رسولا " ، فيتعلق ~~بمحذوف، أي: رسولا كائنا منهم. # قال ابن الأنباري: يشبه أن يكون أصله من قولهم: ناقة مرسال ورسلة، إذا ~~كانت سهلة السير ماضية أمام النوق. # ويقال للجماعة المهملة المرسلة: رسل، وجمعه أرسال. ويقال: جاء القوم ~~أرسالا، أي بعضهم في أثر بعض، ومنه يقال للبن: رسل، لأنه يرسل من ~~الضرع. نقله القرطبي رحمه الله تعالى. # قوله: " يتلوا " في محل هذه الجملة ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها في محل نصب صفة ثانية ل " رسولا " ، وجاء هذا على ~~الترتيب الأحسن، إذا تقدم ما هو شبيه بالمفرد، وهو المجرور على الجملة. # والثاني: أنها في محل نصب على الحال من " رسولا "؛ لأنه لما وصف تخصص. # الثالث: أنها حال من الضمير في " منهم " ، والعامل فيها الاستقرار الذي ~~تعلق به " منهم " لوقوعه صفة. # وتقدم قوله: " العزيز "؛ لأنها صفة ذات، وتأخر " الحكيم "؛ لأنها صفة ~~فعل. # ويقال: عز يعز، ويعز، ويعز، ولكن باختلاف معنى، ~~فالمضموم بمعنى " غلب " ، ومنه: # وعزني في الخطاب # [ص:23]. # والمفتوح بمعنى [الشدة، ومنه: عز لحم الناقة، أي: اشتد، وعز علي هذا ~~الأمر، والمكسور بمعنى] النفاسة وقلة النظير. # فصل في الكلام على دعاء سيدنا إبراهيم # اعلم أن هذا الدعاء يفيد كمال حال ذريته من وجهين: # أحدهما: أن يكون فيهم رسول يكمل لهم الدين والشرع. # والثاني: أن يكون المبعوث منهم لا من غيرهم، لأن الرسول والمرسل إليه ~~إذا كانا معا من ذريته، كان أشرف لطلبته إذا أجيب إليها، وإذا كان منهم، ~~فإنهم ms0718 يعرفون مولده ومنشأه، فيقرب الأمر عليهم في معرفة صدقه، وأمانته، ~~وكان أحرص الناس على خيرهم، وأشفق عليهم من الأجنبي لو أرسل إليهم. # أجمع المفسرون على أن الرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم روي أنه ~~عليه الصلاة والسلام قال: # " أنا دعوة إبراهيم وبشارة عيسى ". # وأراد بالدعوة هذه الآية، وبشارة عيسى عليه الصلاة والسلام ما ذكره في ~~سورة " الصف " من قوله: # ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد # [الصف:6]. # وثالثها: أن إبراهيم عليه السلام إنما دعا بهذا الدعاء ب " مكة " ~~لذريته الذين يكونون بها، وبما حولها، ولم يبعث الله تعالى إلى من ب " ~~مكة " وما حولها إلا محمدا صلى الله عليه وسلم. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: كل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~من بني إسرائيل إلا عشرة: هود ونوح وصالح وشعيب ولوط وإبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. # قوله: { يتلوا عليهم آياتك } فيه وجهان: # الأول: أنها الفرقان الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم لأن ~~الذي كان يتلوه عليهم ليس إلا ذلك، فوجب حمله عليه. # الثاني: يجوز أن تكون الآيات هي الأعلام الدالة على وجود الصانع ~~وصفاته سبحانه وتعالى، ومعنى تلاوته إياها عليهم: أنه كان يذكرهم بها، ~~ويدعوهم إليها، ويحملهم على الإيمان بها. # قوله: " ويعلمهم الكتاب " أي: القرآن يعلمهم ما فيه من ~~الدلائل والأحكام. # وأما الحكمة فهي: الإصابة في القول والعمل. # وقيل: أصلها من أحكمت الشيء أي رددته، فكأن الحكمة هي التي ترد عن الجهل ~~والخطأ، وهو راجع إلى ما ذكرنا من الإصابة في القول والعمل. # اختلف المفسرون [في المراد بالحكمة] هاهنا. # قال ابن وهب قلت لمالك: ما الحكمة؟ قال: معرفة الدين، والفقه فيه، ~~والاتباع له. # وقال الشافعي رضي الله عنه: الحكمة سنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو قول قتادة. # قال أصحاب الشافعي رضي الله عنه: والدليل عليه أنه تعالى ذكر تلاوة ~~الكتاب أولا، وتعليمه ثانيا، ثم عطف عليه الحكمة، فوجب أن يكون المراد ~~من الحكمة شيئا خارجا عن الكتاب، وليس ذلك إلا ms0719 سنة الرسول عليه ~~السلام. # فإن قيل: لم لا يجوز حمله على تعليم الدلائل العقلية على التوحيد ~~والعدل والنبوة؟ # فالجواب: لأن العقول مستقبلة كذلك فحمل هذا اللفظ على ما لا يستفاد من ~~الشرع أولى. # وقيل: الحكمة هي الفصل بين الحق والباطل. # وقال مقاتل: هي مواعظ القرآن الكريم، وما فيه من الأحكام. # وقال ابن قتيبة: هي العلم والعمل به. # وقيل: حكمة تلك الشرائع، وما فيها من وجوه المصالح والمنافع. # وقيل: أراد بالكتاب الآيات المحكمة، وأراد بالحكمة المتشابهات. [وقال ~~ابن دريد: كل كلمة وعظتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قبيح فهي حكمة]. # وأما قوله: " ويزكيهم ". # قال الحسن: يطهرهم من شركهم. # وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: التزكية هي الطاعة والإخلاص. # وقال ابن كيسان: يشهد لهم يوم القيامة بالعدالة إذا شهدوا هم للأنبياء ~~بالبلاغ لتزكية المزكي للشهود. # وقيل: يأخذ زكاة أموالهم. ولما ذكر هذه الدعوات، فتممها بالثناء على ~~الله تعالى فقال: { إنك أنت العزيز الحكيم }. # و " العزيز ": هو القادر الذي لا يغلب، و " الحكيم ": هو العليم الذي لا ~~يجهل شيئا. # [واعلم أن " العزيز " و " الحكيم " بهذين التفسيرين صفة للذات، وإذا ~~أريد بالعزيز أفعال العزة وهو الامتناع من استيلاء الغير عليه، وأراد ~~بالحكمة: أفعال الحكمة، لم يكن " العزيز " و " الحكيم " من صفات الذات، ~~بل من صفات الفعل، والفرق بين هذين النوعين: أن صفات الذات أزلية، وصفات ~~الفعل ليست كذلك، وصفات الفعل أمور سببية يعتبر في تحققها صدور الآثار عن ~~الفعل، وصفات الذات ليست كذلك. # فصل] # [و] قال الكلبي: العزيز المنتقم لقوله تعالى: # والله عزيز ذو انتقام # [آل عمران:4]. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: العزيز الذي لا يوجد مثله. # وقيل: المنيع الذي لا تناله الأيدي، ولا يصل إليه شيء. # وقيل: القوي. # والعزة القوة، لقوله تعالى: # فعززنا بثالث # [يس:14] أي قوينا. # وقيل: الغالب، لقوله: # وعزني في الخطاب # [ص:23] أي غلبني، ويقال: من عزيز أي من غلب. # واعلم أن مناسبة قوله: { أنت العزيز الحكيم } لهذا الدعاء هو أن ~~العزيز هو القادر، والحكيم هو العالم ms0720 بوضع الأشياء في مواضعها، ومن كان ~~عالما قادرا فهو قادر على أن يبعث فيهم رسولا يعلمهم الكتاب والحكمة ~~ويزكيهم. ### || [2.130] # " من " اسم استفهام بمعنى الإنكار، فهو نفي في المعنى، لذلك جاءت بعده " ~~إلا " التي للإيجاب، ومحله رفع بالابتداء. # و " يرغب " خبره، وفيه ضمير يعود عليه. # والرغبة أصلها الطلب، فإن تعدت ب " في " كانت بمعنى الإيثار له، ~~والاختيار نحو: رغبت في كذا، وإن تعدت ب " عن " كانت بمعنى الزهادة ~~نحو: رغبت عنك. # قوله: { إلا من سفه } في " من " وجهان. # أحدهما: أنها في محل رفع البدل من الضمير في " يرغب " ، وهو المختار؛ ~~لأن الكلام غير موجب، والكوفيون يجعلون هذا من باب العطف. # فإذا قلت: ما قام القوم إلا زيد، ف " إلا " عندهم حرف عطف، وزيد ~~معطوف على القوم، وتحقيق هذا مذكور في كتب النحو. # الثاني: أنها في محل نصب على الاستثناء، و " من " يحتمل أن تكون ~~موصولة، وأن تكون نكرة موصوفة، فالجملة بعدها لا محل لها على الأول، ~~ومحلها الرفع، أو النصب على الثاني. # قوله: " نفسه " في نصبه سبعة أوجه: # أحدها: وهو المختار أن يكون مفعولا به؛ لأنه حكي أن " سفه " بكسر ~~الفاء يتعدى بنفسه كما يتعدى " سفه " بفتح الفاء والتشديد، وحكى عن ~~أبي الخطاب أنها لغة، وهو اختيار الزمخشري [فإنه قال]: " سفه نفسه: ~~امتهنها، واستخف بها " ، ثم ذكر أوجها أخرى. # ثم قال والوجه الأول، وكفى شاهدا له بما جاء في الحديث: # " الكبر أن تسفه الحق وتغمض الناس ". # الثاني: أنه مفعول به ولكن على تضمين " سفه " معنى فعل يتعدى، فقدره ~~الزجاج وابن جني بمعنى " جهل " ، وقدره أبو عبيدة بمعنى " أهلك ". # قال القرطبي: وأما سفه بالضم فلا يتعدى قاله ثعلب والمبرد]. # الثالث: أنه منصوب على إسقاط حرف الجر تقديره: سفه في نفسه. # الرابع: توكيد لمؤكد محذوف تقديره: سفه في نفسه، فحذف المؤكد قياسا على ~~النعت والمنعوت، حكاه مكي. # الخامس: أنه تمييز، وهو قول الكوفيين. # قال الزمخشري: ويجوز أن يكون في شذوذ تعريف المميز؛ نحو قوله: ~~[الوافر] # 792................... # ولا بفزارة الشعر الرقابا # [الوافر] # 793.................. # أجب الظهر ms0721 ليس له سنام # فجعل " الرقاب " و " الظهر " تمييزين، وليس كذلك، بل هما ~~مشبهان بالمفعول به؛ لأنهما معمولا صفة مشهبة، وهي " الشعر " جمع ~~أشعر، و " أجب " وهو اسم. # السادس: أنه مشبه بالمفعول وهو قول بعض الكوفيين. # السابع: أنه توكيد لمن سفه؛ لأنه في محل نصب على الاستثناء في أحد ~~القولين، وهو تخريج غريب نقله صاحب " العجائب والغرائب ". # والمختار الأول؛ لأن التضمين لا ينقاس، وكذلك حرف الجر. # وأما حذف المؤكد وإبقاء التوكيد، فالصحيح لا يجوز. # وأما التمييز فلا يقع معرفة، ما ورد نادر أو متأول. # وأما النصب على التشبيه بالمفعول، فلا يكون في الأفعال إنما يكون في ~~الصفات المشبهة خاصة. # فصل في مناسبة الآية لما قبلها من الآيات # لما ذكر أمر إبراهيم عليه الصلاة والسلام وشرائعه التي ابتلاه ~~الله بها، وبناء بيته، والحرص على مصالح عباده، ودعائه [بالخير لهم]، ~~وغير ذلك عجب الناس فقال: { ومن يرغب عن ملة إبراهيم }. # قال النحاس: وهو تقريع وتوبيخ وقع فيه معنى النفي، أي وما يرغب والمعنى: ~~يزهد فيها، وينأى بنفسه عنها، أي: الملة وهي الدين والشرع؛ إلا من ~~سفه نفسه. # قال قتادة: وكل ذلك توبيخ اليهود، والنصارى، ومشركي العرب؛ لأن اليهود ~~إنما يفتخرون بالوصلة إلى إسرائيل وقريش، فإنهم إنما نالوا كل خير ~~بالبيت الذي بناه، [فصاروا لذلك يدعون إلى كتاب الله]، وسائر العرب، [وهم ~~العدنانيون] مرجعهم إلى إسماعيل، وهم يفتخرون على [القحطانيين] بما ~~أعطاه الله تعالى من النبوة، فرجع عند التحقيق افتخار الكل بإبراهيم ~~عليه السلام، ولما ثبت أن إبراهيم عليه السلام هو الذي طلب من الله ~~ تعالى بعثة هذا الرسول في آخر الزمان ثبت أنه هو الذي تضرع إلى الله ~~ تعالى في تحصيل هذا المقصود، والعجب ممن [أعظم مفاخره وفضائله ~~الانتساب إلى إبراهيم عليه السلام] ثم إنه لا يؤمن بالرسول الذي هو دعوة ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام ومطلوبه بالتضرع لا شك أن مما يستحق أن ~~يتعجب منه. # [فإن قيل: لعل الرسول عليه الصلاة والسلام الذي طلب إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام بعثه غير هذا الشخص. # فالجواب ms0722 أن التوراة والإنجيل شاهدة بصحة هذه الرواية، والمعتمد في إثبات ~~نبوته صلى الله عليه وسلم وظهور المعجزة على يده، وهو القرآن الكريم ~~وإخباره عن الغيوب منسوخ، ولفظ " الملة " يتناول الفروع والأصول؛ فيكون ~~محمدا عليه الصلاة والسلام . # والجواب لما أنه طلب من الله بعثة هذا الرسول وتأييده ونشر شريعته، عبر ~~عن هذا المعنى بأنه ملة إبراهيم]. # فصل # روي أن عبد الله بن سلام دعا ابني أخيه سلمة ومهاجرا إلى الإسلام فقال ~~لهما: إن الله تعالى قال في التوراة: إني باعث من ولد إسماعيل نبيا ~~اسمه أحمد، فمن آمن به فقد اهتدى، ومن لم يؤمن به فهو ملعون، وأسلم ~~سلمة، ومهاجر أبى أن يسلم، فنزلت هذه الآية الكريمة. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: { إلا من سفه نفسه } خسر ~~نفسه. # وقال الكلبي: " ضل من قتل نفسه ". # وقال أبو البقاء، وأبو عبيدة: " أهلك نفسه ". # وقال ابن كيسان والزجاج: " جهل نفسه "؛ لأنه لم يعرف الله تعالى ~~خالقها، وقد جاء " من عرف نفسه عرف ربه ". # وقال ابن بحر: معناه جهل نفسه، وما فيها من الدلالات والآيات الدالة على ~~أن لها صانعا ليس كمثله شيء، فيعلم به توحيد الله وقدرته. # وهذا معنى قول الزجاج رحمه الله تعالى: لا يفكر في نفسه من بيدين يبطش ~~بهما، ورجلين يمشي عليهما، وعينين يبصر بهما، وأذنين يسمع بهما، ولسان ~~ينطق به، وأضراس نبتت له عند غناه عن الرضاع، وحاجته إلى الغذاء ليطحن ~~بها الطعام، ومعدة أعدت لطبخ الغذاء، وكبد يصعد إليها صفوه، وعروق ~~ينفذ بها إلى الأطراف، وأمعاء يرتكز إليها نقل الغذاء، فيبرز من أسفل ~~البدن، فيستدل بها على أن له خالقا قادرا عليما حكيما وهذا معنى قوله ~~تعالى: # وفي أنفسكم أفلا تبصرون # { الذاريات:21]. # قوله: { ولقد اصطفيناه في الدنيا } اخترناه من سائر ~~الخلق في الدنيا، وإنه في الآخرة عظيم المنزلة. # [قال الحسين بن فضيل: فيه تقديم وتأخير تقديره ولقد اصطفيناه في الدنيا ~~وإنه في الآخرة لمن الصالحين، وإذا صح الكلام من غير تقديم وتأخير كان ~~أولى. وقال الحسن: من الذين ms0723 يستحقون الكرامة وحسن الثواب]. # قوله: " في الآخرة " فيه خمسة أوجه: # أحدها: أنه متعلق بالصالحين على أن الألف واللام للتعريف، وليست ~~موصولة. # الثاني: أنه متعلقة بمحذوف تقديره أعني في الآخرة كقولك: بعد سقياه. # الثالث: يتعلق بمحذوف أيضا، لكن من جنس الملفوظ به أي: وإنه لصالح في ~~الآخرة لمن الصالحين. # الرابع: أن يتعلق بقوله الصالحين، وإن كانت " أل " موصولة؛ لأنه يغتفر ~~في الظروف وشبهها ما لا يغتفر في غيرها اتساعا، ونظيره قول الشاعر: ~~[الرجز] # 794 ربيته حتى إذا تمعددا # كان جزائي بالعصا أن أجلدا # الخامس: أن يتعلق ب " اصطفيناه ". # قال الحسين بن الفضل: في الكلام تقديم وتأخير مجازه: ولقد اصطفيناه في ~~الدنيا وفي الآخرة. # وهذا ينبغي ألا يجوز مثله في القرآن لنبو السمع عنه. # والاصطفاه: الاختيار، " افتعال " من صفوة الشيء، وهي خياره، وأصله: ~~اصتفى، وإنما قلبت تاء الافتعال " طاء " مناسبة للصاد لكونها حرف ~~إطباق، وتقدم ذلك عند قوله: # أضطره # [البقرة:126]. # وأكد جملة الاصطفاء باللام، والثانية ب " أن " و " اللام "؛ لأن ~~الثانية محتاجة لمزيد تأكيد، وذلك أن كونه في الآخرة من الصالحين أمر ~~مغيب، فاحتاج الإخبار به إلى فضل توكيد. # وأما اصطفاء الله فقد شاهدوه منه، ونقله جيل بعد جيل. ### || [2.131] # في " إذ " خمسة أوجه: # أصحها: أنه منصوب ب " قال أسلمت " ، أي: قال: أسلمت وقت قول الله له ~~أسلم. # الثاني: أنه بدل من قوله: " في الدنيا ". # الثالث: أنه منصوب ب " اصطفيناه ". # الرابع: أنه منصوب ب " اذكر " مقدرا، ذكر أبو اليقاء، والزمخشري، وعلى ~~تقدير كونه معمولا ل " اصطفيناه " أو ل " اذكر " مقدرا يبقى قوله: " ~~قال: أسلمت " غير منتظم مع ما قبله، إلا أن يقدر حذف حرف عطف أي: ~~فقال، أو يجعل جوابا بسؤال مقدر، أي ما كان جوابه؟ # فقيل: قال أسلمت. # الخامس: أبعد بعضهم، فجعله مع ما بعده في محل نصب على الحال، والعامل ~~في " اصطفيناه ". # وفي قوله: { إذ قال له ربه } التفات، إذ لو جاء على نسقه ~~لقيل: إذ قلنا؛ لأنه بعد " ولقد اصطفيناه " ، وعكسه في الخروج من الغيبة ~~إلى الخطاب قوله: [البسيط] ms0724 # 795 باتت تشكى إلي النفس مجهشة # وقد حملتك سبعا بعد سبعينا # وقوله: " لرب العالمين " فيه من الفخامة ما ليس في قوله " لك " ~~أو " لربي " ، لأنه إذا اعترف بأنه رب جميع العالمين اعترف بأنه ربه ~~وزيادة، بخلاف الأول، فلذلك عدل عن العبارتين. # وفي قوله: " أسلم " حذف مفعول تقديره: أسلم لربك. # فصل في تحرير وقت قول الله تعالى لإبراهيم: أسلم # الأكثرون على أن الله تعالى إنما قال ذلك قبل النبوة وقبل البلوغ، وذلك ~~عند استدلاله بالكوكب والقمر والشمس، واطلاعه على أمارات الحدوث فيها، ~~فلما عرف ربه قال له تعالى: { أسلم قال: أسلمت لرب ~~العالمين }؛ لأنه لا يجوز أن يقول له ذلك قبل أن يعرف ربه، ويحتمل ~~أيضا أن يكون قوله: " أسلم " كان قبل الاستدلال، فيكون المراد من هذا ~~القول دلالة الدليل عليه [لا نفس القول] على حسب مذاهب العرب في هذا، ~~كقول الشاعر: [الرجز] # 796 إمتلأ الحوض وقال: قطني # مهلا رويدا قد ملأت بطني # ويدل على ذلك قوله تعالى: # أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما ~~كانوا به يشركون # [الروم:35] فجعل دلالة البرهان كلاما. # وذهب بعضهم إلى أن هذا الأمر بعد النبوة، واختلفوا في المراد منه. # فقال الكلبي والأصم: أخلص دينك، وعبادتك لله تعالى. # وقال عطاء: أسلم نفسك إلى الله، وفوض أمورك إليه. # قال: أسلمت، أي: فوضت. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: وقد تحقق ذلك حيث لم يأخذ من الملائكة من ~~ألقي في النار. # قال القرطبي: والإسلام هنا على أتم وجوهه، فالإسلام في كلام العرب ~~الخضوع والانقياد للمستسلم والله أعلم. ### || [2.132] # قرىء: " وصى " ، وفيه معنى التكثير باعتبار المفعول الموصى، وأوصى ~~رباعيا، وهي قراءة نافع، وابن عامر، وكذلك هي في مصاحف " المدينة " و " ~~الشام ". # وقيل: أوصى ووصى بمعنى. # والضمير في " بها " فيه ستة أقوال: # أحدها: أنه يعود على الملة في قوله: # ومن يرغب عن ملة إبراهيم # [البقرة:130]. # قال أبو حيان: " وبه ابتدأ الزمخشري، ولم يذكر المهدوي غيره ". # والزمخشري رحمه الله لم يذكر هذا، وإنما ذكر عوده على قوله " أسلمت ~~" لتأويله بالكلمة. # قال ms0725 الزمخشري: والضمير في " بها " لقوله: { أسلمت لرب العالمين } على ~~تأويل الكلمة والجملة، ونحوه رجوع الضمير في قوله: # وجعلها كلمة باقية # [الزخرف:28] إلى قوله: # إنني برآء مما تعبدون إلا الذي فطرني # [الزخرف:26 27] وقوله: " كلمة باقية " دليل على أن التأنيث على ~~معنى الكلمة. انتهى. # الثاني: أنه يعود على الكلمة المفهومة من قوله: " أسلمت " كما تقدم ~~تقريره عن الزمخشري. # قال ابن عطية: " وهو أصوب لأنه أقرب مذكور ". # الثالث: أنه يعود على متأخر، وهو الكلمة المفهومة من قوله: { فلا ~~تموتن إلا وأنتم مسلمون }. # الرابع: أنه يعود على كلمة الإخلاص، وإن لم يبد لها ذكر قاله الكلبي ~~ومقاتل. # الخامس: أنه يعود على الطاعة للعلم بها أيضا. # السادس: أنه يعود على الوصية المدلول عليها بقوله: " ووصى " ، و " بها ~~" يتعلق ب " وصى " و " بينه " مفعول به. # روي أنهم ثمانية: إسماعيل، واسم أمه هاجر القبطية، وإسحاق، وأسم أمه ~~سارة وستة، واسم أمهم قنطورا بنت قطن الكنعانية تزوجها إبراهيم بعد وفاة ~~سارة، فولدت له مدين ومداين ونهشان وزمران وتشيق وشيوخ، ثم توفي عليه ~~الصلاة والسلام. # وكان بين وفاته وبين مولد النبي صلى الله عليه وسلم نحو من ألفي ~~سنة وستمائة سنة، واليهود ينقصون ذلك نحوا من أربعمائة سنة. # قوله: " ويعقوب " والجمهور على رفعة وفيه قولان: # أظهرهما: أنه عطف على " إبراهيم " ، ويكون مفعوله محذوفا، أي: ووصى ~~يعقوب بنيه أيضا. # والثاني: أن يكون مرفوعا بالابتداء، وخبره محذوف تقديره: ويعقوب قال: ~~يا بني إن الله اصطفى. # وقرأ أسماعيل بن عبد الله، وعمرو بن فائد بنصبه عطفا على " بنيه " ، ~~أي: ووصى إبراهيم يعقوب أيضا. # [ولم ينقل أن يعقوب جده إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وإنما ولد بعد ~~موته قاله الزمخشري، وعاش يعقوب مائة وسبعة وأربعين سنة، ومات بمصر، ~~وأوصى أن يحمل إلى الأرض المقدسة ويدفن عند ابنه إسحاق، فحمله يوسف، ~~ودفنه عنده]. # قوله: " يا بني " فيه وجهان: # أحدهما: أنه مقول إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وذلك على القول بعطف ~~يعقوب على إبراهيم، أو على قراءته منصوبا. # والثاني: أنه من مقول يعقوب إن قلنا رفعه بالابتداء، ms0726 ويكون قد حذف ~~مقول إبراهيم عليه الصلاة والسلام للدلالة عليه تقديره: " ووصى إبراهيم ~~بنيه يا بني ". # وعلى كل تقدير فالجملة من قوله: " يا بني " وما بعدها منصوبة بقول محذوف ~~على رأي البصريين، أي: فقال يا بني، وبفعل الوصية؛ لأنها في معنى القول ~~على رأي الكوفيين، [قال النحاس: يا بني نداء مضاف، وهذه ياء النفس لا ~~يجوز هنا إلا فتحها؛ لأنها لو سكنت لالتقى ساكنان، وبمعناه # بمصرخي # [إبراهيم:22] ونحوه]. وقال الراجز: [الرجز] # 797 رجلان من ضبة أخبرانا # إنا رأينا رجلا عريانا # بكسر الهمزة على إضمار القول، أو لإجراء الخبر مجرى القول، ويؤيد ~~تعلقها بالوصية قراءة ابن مسعود: " أن يا بني " ب " أن " المفسرة ولا ~~يجوز أن تكون هنا مصدرية لعدم ما ينسبك منه مصدر. # قال الفراء: ألغيت " أن " لأن التوصية كالقول، وكل كلام رجع إلى القول ~~جاز فيه دخول " أن " وجاز إلغائها، وقال النحويون: إنما أراد " أن " ~~وألغيت ليس بشيء. ومن أبى جعلها مفسرة وهم الكوفيون يجعلونها ~~زائدة. # و " يعقوب " علم أعجمي ولذلك لا ينصرف، ومن زعم أنه سمي يعقوب؛ لأنه ~~ولد عقب العيص أخيه، وكانا توأمين، أو لأنه كثر عقبه ونسله فقد ~~وهم؛ لأنه كان ينبغي أن ينصرف، لأنه عربي مشتق. # ويعقوب أيضا ذكر الحجل، إذا سمي به المذكر انصرف؛ والجمع ~~يعاقبة ويعاقيب، و " اصطفى " ألفه عن ياء تلك الياء منقلبة عن ~~" واو "؛ لأنها من الصفوة، ولما صارت الكلمة أربعة فصاعدا، قلبت ياء، ~~ثم انقلبت ألفا. # اصطفى: اختار. # قال الراجز: [الرجز] # 798 يا ابن ملوك ورثوا الأملاكا # خلآفة الله التي أعطاكا # لك اصطفاها ولها اصطفاكا # والدين: الإسلام. # و " لكم " أي لأجلكم، والألف واللام في " الدين " للعهد؛ لأنهم كانوا ~~عرفوه. # قوله: { فلا تموتن إلا } هذا في الصورة عن الموت، وهو في ~~الحقيقة عن كونهم على خلاف حال الإسلام إذا ماتوا كقولك: " لا تصل إلا ~~وأنت خاشع " ، فنهيك له ليس عن الصلاة، إنما هو عن ترك الخشوع في حال ~~صلاته، والنكتة في إدخال حرف النهي على الصلاة، وهي غير منهي عنها ~~هي ms0727 إظهار أن الصلاة التي لا خشوع فيها كلا صلاة، كأنه قال: أنهاك ~~عنها إذا لم تصلها على هذه الحالة، وكذلك المعنى في الآية الكريمة ~~إظهار أن موتهم لا على حال الثبات على الإسلام موت لا خير فيه، وأن حق ~~هذا الموت ألا يجعل فيهم. # [وعن الفضيل بن عياض أنه قال: " إلا وأنتم مسلمون " ، أي: مسلمون الظن، ~~أي محسنون الظن بربكم، وروي عن جابر قال: # " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاثة أيام يقول: لا ~~يموتن أحد إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى " # ]. وأصل تموتن: تموتونن: النون الأولى علامة الرفع، والثانية ~~المشددة للتوكيد، فاجتمع ثلاثة أمثال فحذفت نون الرفع؛ لأن نون التوكيد ~~أولى بالبقاء لدلالتها على معنى مستقل، فالتقى ساكنان: الواو والنون ~~الأولى المدغمة، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، وبقيت الضمة تدل عليها، ~~وهكذا كل ما جاء في نظائره. # قوله: { إلا وأنتم مسلمون } هذا استثناء مفرغ من الأحوال ~~العامة، و " أنتم مسلمون " مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال، كأنه قال ~~تعالى: " لا تموتن على كل حال إلا على هذه الحال " ، والعامل فيها ما ~~قبل إلا. ### || [2.133] # " أم " في أم هذه ثلاثة أقوال: # أحدها وهو المشهور: أنها منقطعة والمنقطعة تقدر ب " بل " ، وهمزة ~~الاستفهام. # وبعضهم يقدرها ب " بل " وحدها، ومعنى الإضراب انتقال من شيء إلى شيء لا ~~إبطال. # ومعنى الاستفهام الإنكار والتوبيخ فيؤول معناه إلى النفي، أي: بل أكنتم ~~شهداء يعني لم تكونوا. # الثاني: أنها بمعنى همزة الاستفهام، وهو قول ابن عطية والطبري، إلا ~~أنهما اختلفا في محلها. # فإن ابن عطية قال: و " أم " تكون بمعنى ألف الاستفهام في صدر الكلام، ~~لغة يمانية. # وقال الطبري: إن أم يستفهم بها وسط كلام قد تقدم صدره. # قال أبو حيان في قول ابن عطية: " ولم أقف لأحد من النحويين على ما قال ~~". # وقال في قول الطبري: وهذا أيضا قول غريب. # الثالث: أنها متصلة، وهو قول الزمخشري. # قال الزمخشري بعد أن جعلها منقطعة، وجعل الخطاب للمؤمنين قال بعد ذلك: ~~وقيل: الخطاب لليهود؛ لأنهم ms0728 كانوا يقولون: ما مات نبي إلا على ~~اليهودية، إلا أنهم لو شهدوه، وسمعوا ما قاله لبنيه، وما قاله لظهر لهم ~~حرصه على ملة الإسلام، ولما ادعوا عليه اليهودية، فالآية الكريمة ~~منافية لقولهم، فكيف يقال لهم: أم كنتم شهداء؟ # ولكن الوجه أن تكون " أم " متصلة على أن يقدر قبلها محذوف كأنه قيل: ~~أتدعون على الأنبياء اليهودية أم كنتم شهداء، يعني أن أوائلكم من ~~بني إسرائيل كانوا مشاهدين له إذ أراد بنيه على التوحيد وملة الإسلام، ~~فما لكم تدعون على الأنبياء ما هم منه براء؟ # قال أبو حيان: ولا أعلم أحدا أجاز حذف هذه الجملة، لا يحفظ ذلك في شعر ~~ولا غيره، لو قلت " أم زيد " تريد: " أقام عمرو أم زيد " لم يجز، وإنما ~~يجوز حذف المعطوف عليه مع الواو والفاء إذا دل عليه دليل كقولك: " بلى ~~وعمرا " لمن قال: لم يضرب زيدا، وقوله تعالى: # فانفجرت # [البقرة:60] أي فضرب فانفجرت، وندر حذفه مع " أو "؛ كقوله: [الطويل] # 799 فهل لك أو من والد لك قبلنا # ..................... # أي: من أخ أو والد، ومع حتى كقوله: [الطويل] # 800 فواعجبا حتى كليب تسبني # كأن أباها نهشل أو مجاشع # أي: يسبني الناس حتى كليب، على نظر فيه، وإنما الجائز حذف " أم " مع ~~ما عطفت كقوله: [الطويل] # 801 دعاني إليها القلب إني لأمره # سميع فما أدري أرشد طلابها # أي: أم غي، وإنما جاز ذلك؛ لإن المستفهم على الإثبات يتضمن نقيضه، ~~ويجوز حذف الثواني المقابلات إذا دل عليها المعنى، ألا ترى إلى قوله: # تقيكم الحر # [النحل:81] كيف حذف و " البرد " انتهى. # و " شهداء " خبر كان، وهو جمع شاهد أو شهيد، وقد تقدم أول السورة. # قوله: " إذ حضر " إذ منصوب بشهداء على أنه ظرف لا مفعول به أي: شهداء ~~وقت حضور الموت إياه، وحضور الموت كناية عن حضور أسبابه ومقدماته؛ قال ~~الشاعر: [البسيط] # 802 وقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا # قولا يبرئكم إني أنا الموت # أي: أنا سببه، والمشهور نصب " يعقوب " ، ورفع " الموت " ، قدم المفعول ~~اهتماما وقرأ بعضهم بالعكس. # وقرىء: " حضر " بكسر ms0729 الضاد، قالوا: والمضارع يحضر بالضم شاذ، وكأنه ~~من التداخل وقد تقدم. # قوله: " إذ قال " ، " إذ " هذه فيها قولان: # أحدهما: بدل من الأولى، والعامل فيها، إما العامل في " إذ " الأولى إن ~~قلنا: إن البدل لا على نية تكرار العامل، أو عامل مضمر إن قلنا بذلك. # الثاني: أنها ظرف ل " حضر ". # قوله: " ما تعبدون " ، ما اسم استفهام في محل نصب؛ لأنه مفعول ~~مقدم بتعبدون، وهو واجب التقديم؛ لأن له صدر الكلام، وأتى ب " ما " دون ~~" من " لأحد أربعة معان. # أحدها: أن " ما " للمبهم أمره، فإذا علم فرق ب " ما " و " من ". # [قال الزمخشري: وكفاك دليلا قول العلماء: " من " لما يعقل. # الثاني: أنها سؤال عن صفة المعبود]. # قال الزمخشري: كما تقول: ما زيد؟ تريد: أفقيه أم طبيب، أم غير ذلك من ~~الصفات؟ # الثالث: أن المعبودات في ذلك الوقت كانت غير عقلاء، كالأوثان والأصنام ~~والشمس والقمر، فاستفهم ب " ما " التي لغير العاقل، فعرف بنوه ما ~~أراد، فأجابوه عنه بالحق. # الرابع: أنه اختبرهم وامتحنهم فسألهم ب " ما " دون " من " ، لئلا ~~يطرق لهم الاهتداء، فيكون كالتلقين لهم، ومقصوده الاختبار. # وأجاب ابن الخطيب بوجهين: # الأول: أن " ما " عام في كل شيء، والمعنى: أي شيء تعبدون. # والثاني: قوله: " ما تعبدون " كقولك عند طلب الحد والرسم ما ~~الإنسان؟ # وقوله: " من بعدي " أي: بعد موتي. # قوله: { قالوا: نعبد إلهك وإله ءابائك }. # تمسك المقلدة بهذه الآية الكريمة قالوا: إن أبناء يعقوب اكتفوا ~~بالتقليد، ولم ينكره عليهم. # والجواب: أن هذا ليس تقليدا، وإنما هو إشارة إلى ذكر الدليل على وجود ~~الصانع كقوله: # ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم ~~والذين من قبلكم # [البقرة:21] فهاهنا المراد من قوله: { نعبد إلهك وإله ~~ءابائك } أي: نعبد الإله الذي دل عليه وجودك، ووجود آبائك. # فصل في نزول هذه الآية # قال القفال: وفي بعض التفاسير أن يعقوب عليه السلام لما دخل " مصر ~~" رأى أهلها يعبدون النيران والأوثان، فخاف على بنيه بعد وفاته، فقال لهم ~~هذا القول تحريضا لهم على التمسك بعبادة الله تعالى. # وحكى القاضي عن ابن عباس: ms0730 أن يعقوب عليه السلام جمعهم إليه عند ~~الوفاة، وهم كانوا يعبدون الأوثان والنيران، فقال: يا بني ما تبعدون من ~~بعدي؟ قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك. # ثم قال القاضي: هذا بعيد لوجهين: # الأول: أنهم بادروا إلى الاعتراف بالتوحيد مبادرة من تقدم منه العلم ~~واليقين. # الثاني: أنه تعالى ذكر في الكتاب حال الأسباط من أولاد يعقوب، ~~وأنهم كانوا قوما صالحين، وذلك لا يليق بحالهم. # [وقال عطاء: إن الله لم يقبض نبيا حتى يخيره بين الموت والحياة، فلما ~~خير يعقوب قال: أنظرني حتى أسأل ولدي وأوصيهم؛ ففعل ذلك به، فجمع ولده ~~وولد ولده، وقال لهم: قد حضر أجلي فما تعبدون من بعدي؟ قالوا: نعبد إلهك ~~وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون، والعرب ~~تسمي العم أبا كما تسمي الخالة أما، وسيأتي الكلام على ذلك قريبا إن ~~شاء الله تعالى]. # وقال القفال: وقيل: إنما قدم ذكر إسماعيل على إسحاق؛ لأن إسماعيل ~~[كان أسن من إسحاق]. # قوله: " وإله آبائك " أعاد ذكر الإله، لئلا يعطف على الضمير ~~المجرور دون إعادة الجار، والجمهور على " آبائك ". # وقرأ الحسن ويحيى وأبو رجاء: " أبيك ". # وقرأ أبي: " وإله إبراهيم " فأسقط " آبائك ". # فأما قراءة الجمهور فواضحة. # وفي " إبراهيم " وما بعده حينئذ ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه بدل. # والثاني: أنه عطف بيان، ومعنى البدلية فيه التفصيل. # الثالث: أنه منصوب بإضمار " أعني " فالفتحة على هذا علامة للنصب، وعلى ~~القولين قبله علامة للجر لعدم الصرف، وفيه دليل على تسمية الجد ~~والعم أبا، فإن إبراهيم جده وإسماعيل عمه، كما يطلق على الخالة أم، ~~ومنه: # ورفع أبويه # [يوسف:100] في أحد القولين. # قال بعضهم: وهذا من باب التغليب، يعني: أنه غلب الأب على غيره، وفيه ~~نظر، فإنه قد جاء هذا الإطلاق حيث لا تثنية ولا جمع، فيغلب فيهما. # وأما قراءة " أبيك " فتحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون مفردا غير جمع، وحينئذ فإما أن يكون واقعا موقع ~~الجمع أو لا، فإن كان واقعا موقع الجمع، فالكلام في " إبراهيم " وما ~~بعده كالكلام فيه على القراءة المشهورة. وإن لم يكن ms0731 واقعا موقعه، بل ~~أريد به الإفراد لفظا ومعنى، فيكون " إبراهيم " وحده على الأوجه الثلاثة ~~المتقدمة، ويكون إسماعيل وما بعده عطفا على " أبيك " ، أي: وإله ~~إسماعيل. # الثاني: يكون جمع سلامة بالياء والنون، وإنما حذفت النون للإضافة، وقد ~~جاء جمع آب على " أبون " رفعا، و " أبين " جرا ونصبا، حكاها سيبويه؛ ~~قال الشاعر: [المتقارب] # 803 فلما تبين أصواتنا # بكين وفديننا بالأبينا # ومثله: [الوافر] # 804 فقلنا أسلموا إنا أخوكم # ..................... # والكلام في إبراهيم وما بعده كالكلام فيه بعد جمع التكسير، وإسحاق: علم ~~أعجمي، ويكون مصدر أسحق، فلو سمي به مذكر لانصرف، والجمع: أساحقة ~~وأساحيق. # قال القرطبي: ولم ينصرف إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق؛ لأنها أعجمية. # قال الكسائي: وإن شئت صرفت " إسحاق " ، وجعلته من السحق، وصرفت " ~~يعقوب " وجعلته من الطير. # وسمى الله تعالى كل واحد من العم والجد أبا، وبدأ بذكر الجد، ثم ~~إسماعيل العم؛ لأنه أكبر من إسحاق. # فصل في تحرير اختلاف الفقهاء في كون الجد أبا # ذهب أبو حنيفة رضي الله عنه إلى أن الجد أب، وأسقط به الإخوة، ~~والأخوات، وهو قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه وابن عباس وعائشة، ~~وجماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ومن التابعين، والحسن، وطاوس ~~وعطاء. # وذهب الشافعي إلى أن الجد لا يسقط الإخوة والأخوات للأب، وهو قول عمر، ~~وعثمان، وعلي رضي الله عنهم وهو قول مالك، وأبي يوسف ومحمد. # واحتج أبو حنيفة رضي الله عنه بأدلة منها هذه الآية الكريمة، وأنه ~~أطلق لفظ الأب على الجد. # فإن قيل: قد أطلقه على العم، وهو إسماعيل مع أنه ليس بأب اتفاقا. # فالجواب: الأصل في الاستعمال الحقيقة وترك العمل به في العم لدليل ~~قام به، فيبقى في الثاني حجة. # والثاني: منها قوله تبارك وتعالى مخبرا عن يوسف: # واتبعت ملة ءابآئي إبراهيم وإسحق # [يوسف:38]. # ومنها: ما روى عطاء عن ابن عباس أنه قال: من شاء لاعنته عند ~~الحجر الأسود أن الجد أب. # وقال أيضا: ألا لا يتقي الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنا، ولا ~~يجعل أب الأب أبا. # واحتج الإمام ms0732 الشافعي رضي الله عنه وأرضاه بأدلة. # منها: # ووصى بهآ إبراهيم بنيه ويعقوب # [البقرة:132] فلم يدخل يعقوب في بنيه، بل ميزه عنهم، فلو كان الصاعد ~~في الأبوة أبا لكان النازل في البنوة ابنا في الحقيقة، فلما لم يكن ~~كذلك ثبت أن الجد ليس بأب [ومنها أن الأب لا يصح نفي اسم الأبوة عنه ~~بخلاف الجد، فعلمنا أنه حقيقة من الأب مجاز الجد]. ولو كان الجد أبا على ~~الحقيقة لما صح لمن مات أبوه وجده حي أن ينفي أن له أبا، كما ~~لا يصح في الأب القريب، ولما صح ذلك علمنا أنه ليس بأب في الحقيقة. # فإن قيل: اسم الأبوة وإن حصل في الكل إلا أن رتبة الأدنى أقرب ~~من رتبة الأبعد، فلذلك صح فيه النفي. # فالجواب: لو كان الاسم حقيقة فيهما جميعا لم يكن الترتيب في الوجود ~~سببا لنفي اسم الأب عنه. # ومنها: لو كان الجد أبا على الحقيقة لصح القول بأنه مات، وخلف ~~أما وآباء كثيرين، وذلك مما لم يطلقه أحد من الفقهاء، وأرباب اللغة، ~~والتفسير. # ومنها: [لو كان الجد أبا ولا شك] أن الصحابة عارفون باللغة ~~لما كانوا يختلفون في ميراث الجد، ولو كان الجد أبا لكانت الجدة أما، ~~ولو كان كذلك لما وقعت الشبهة في ميراث الجدة حتى يحتاج أبو بكر رضي ~~الله عنه إلى السؤال عنه، [فهذه الدلائل دلت على أن الجد ليس بأب]. # ومنها: قوله تعالى: # يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ ~~الأنثيين # [النساء:11] فلو كان الجد أبا لكان ابن الابن ابنا لا محالة، فكان ~~يلزم بمقتضى هذه الآية حصول الميراث لابن الابن مع قيام الابن، ولما لم ~~يكن كذلك علمنا أن الجد ليس بأب. # وأما الجواب عن الآية الكريمة فمن وجهين: # الأول: أنه قرأ أبي: " وإله إبراهيم " بطرح " آبائك " إلا أن ~~هذا لا يقدح في الغرض؛ لأن القراءة الشاذة لا تدفع القراءة المتواترة. # بل الجواب أن يقال: إنه أطلق لفظ الأب على الجد وعلى العم. # " وقال عليه الصلاة والسلام في العباس: هذا بقية آبائي ms0733 ". # وقال: # " ردوا علي أبي، فإني أخشى أن تفعل به قريش ما ~~فعلت ثقيف بعروة بن مسعود " # ، فدلنا ذلك على أنه ذكره على سبيل المجاز، ولو كان حقيقة لما كان ~~كذلك. # وأما قول ابن عباس فإنما أطلق الاسم عليه نظرا إلى الحكم الشرعي، لا ~~إلى الاسم اللغوي؛ لأن اللغات لا يقع الخلاف فيها بين أهل اللسان. # قوله: " إلها واحدا " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه بدل من " إلهك " بدل نكرة موصوفة من معرفة كقوله: # بالناصية ناصية كاذبة # [العلق:1516]. # والبصريون لا يشترطون الوصف مستدلين بقوله: [الوافر] # 805 فلا وأبيك خير منك إني # ليؤذيني التحمحم والصهيل # ف " خير " بدل من " أبيك " ، وهو نكرة غير موصوفة. # والثاني: أنه حال من " إلهك " والعامل فيه " نعبد " ، وفائدة البدل ~~والحال التنصيص على أن معبودهم فرد إذ إضافة الشيء إلى كثير توهم ~~تعداد المضاف، فنص بها على نفي ذلك الإبهام. وهذه الحال تسمى " ~~حالا موطئة " ، وهي أن تذكرها ذاتا موصوفة، نحو: جاء زيد رجلا ~~صالحا. # الثالث: وإليه نحا الزمخسري: أن يكون منصوبا على الاختصاص، ~~أي: نريد بإلهك إلها واحدا. # قالوا: أبو حيان رحمه الله: وقد نص النحويون على أن المنصوب على ~~الاختصاص لا يكون نكرة ولا مبهما. # قوله: { ونحن له مسلمون } في هذه الجملة ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها معطوفة على قوله: " نعبد " يعني: أنها تتمة جوابهم له، ~~فأجابوه بزيادة. # والثاني: أنها حال من فاعل " نعبد " ، والعامل " نعبد ". # والثالث: وإليه نحا الزمخشري: ألا يكون لها محل، بل هي جملة ~~اعتراضية مؤكدة، أي: ومن حالنا أنا له مخلصون. # قال أبو حيان: ونص النحويون على أن جملة الاعتراض هي التي تفيد ~~تقوية في الحكم، إما بين جزئي صلة وموصول؛ كقوله: [البسيط] # 806 ماذا ولا عتب في المقدور رمت أما # يكفيك بالنجح أم خسر وتظليل # وقوله: [الكامل] # 807 ذاك الذي وأبيك يعرف مالكا # والحق يدفع ترهات الباطل # أو من مسند ومسند إليه كقوله: [الطويل] # 808 وقد أدركتني والحوادث جمة # أسنة قوم ضعاف ولا عزل # أو بين شرط وجزاء، أو قسم وجوابه، مما بينهما ms0734 تلازم. # وهذه الجملة قبلها كلام مستقل عما بعدها، لا يقال: إن بين المشار ~~إليه وبين الإخبار عنه تلازما؛ لأن ما قبلها من مقول بني يعقوب، ~~وما بعدها من كلام الله تعالى، أخبر بها عنهم، والجملة الاعتراضية إنما ~~تكون من الناطق بالمتلازمين لتوكيد كلامه. انتهى ملخصا. # وقال ابن عطية: { ونحن له مسلمون } ابتداء وخبر، أي: كذلك ~~كنا، ونحن نكون. # قال أبو حيان: يظهر منه أنه جعل هذه الجملة عطفا على جملة محذوفة، ~~ولا حاجة إليه. ### || [2.134] # " تلك " مبتدأ، و " أمة " خبره، ويجوز أن تكون " أمة " ~~بدلا من " تلك " ، و " قد خلت " خبر للمبتدأ. # وأصل " تلك ": " تي " ، فلما جاء باللام للبعد حذفت الياء ~~لالتقاء الساكنين، فإن قيل: لم لم تكسر اللام حتى لا تحذف الياء؟ # فالجواب: أنه يثقل اللفظ بوقوع الياء بين كسرتين. # وزعم الكوفيون أن التاء وحدها هي الاسم، وليس ثم شيء محذوف. # وقوله: " قد خلت " جملة فعلية في محل رفع صفة ل " أمة " إن قيل ~~إنها خبر " تلك " أو خبر " تلك " إن قيل: إن " أمة " بدل من " تلك " كما ~~تقدم، و " خلت " أي صارت إلى الخلاء، وهي الأرض التي لا أنيس بها، ~~والمراد به ماتت، والمشار إليه هو إبراهيم ويعقوب وأبناؤهم. # والأمة: الجماعة، وقيل: الصنف. # قوله: { لها ما كسبت } في هذه الجملة ثلاثة أوجه: # أحدها: أن تكون صفة ل " أمة " أيضا، فيكون محلها رفعا. # والثاني: أن تكون حالا من الضمير في " خلت " فمحلها نصب، أي: خلت ~~ثابتا لها كسبها. # والثالث: أن تكون استئنافا فلا محل لها. # وفي " ما " من قوله: " ما كسبت " ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنها بمعنى الذي. # والثاني: أنها نكرة موصوفة، والعائد على كلا القولين محذوف أي: كسبته، ~~إلا أن الجملة لا محل لها على الأول. # والثالث: أن تكون مصدرية، فلا تحتاج إلى عائد على المشهور، ويكون المصدر ~~واقعا موقع المفعول أي: لها مكسوبها أو يكون ثم مضاف، أي: لها جزاء ~~كسبها. # قوله: { ولكم ما كسبتم } إن قيل: إن قوله: { لها ما ~~كسبت } مستأنف كانت هذه الجملة عطفا عليه. ms0735 # وإن قيل: إنه صفة أو حال فلا. # أما الصفة فلعدم الرابط فيها. # وأما الحال فلاختلاف زمان استقرار كسبها لها، وزمان استقرار كسب ~~المخاطبين، وعطف الحال على الحال يوجب اتحاد الزمان، و " ما " من قوله: " ~~ما كسبتم " ك " ما " المتقدمة. # فصل فيمن استدل بالآية على إضافة بعض الأكساب إلى العبد # دلت هذه الآية على أن العبد يضاف إليه أعمال وأكساب، وإن كان الله ~~تعالى أقدره على ذلك، إن كان خيرا فبفضله وإن كان شرا فبعدله، ~~فالعبد مكتسب لأفعاله، على معنى أنه خلقت له قدرة مقارنة للفعل يدرك ~~بها الفرق بين حركة الاختيار وحركة الرعشة مثلا، وذلك التمكن هو ~~مناط التكليف، وهذا مذهب أهل السنة. # وقالت الجبرية بنفي اكتساب العبد، وأنه كالنبات الذي تصرفه الرياح. # وقالت القدرية والمعتزلة خلاف هذين القولين، وأن العبد يخلق أفعاله، ~~نقله القرطبي. # قوله: " ولا تسألون " هذه الجملة استئناف ليس إلا، ومعناها ~~التوكيد لما قبلها؛ لأنه لما تقدم أن أحدا لا ينفعه كسب أحد، بل هو مختص ~~به إن خيرا وإن شرا، فلذلك لا يسأل أحد عن غيره، وذلك أن اليهود ~~افتخروا بأسلافهم، فأخبروا بذلك. # و " ما " يجوز فيها الأوجه الثلاثة من كونها موصولة اسمية، أو حرفية، أو ~~نكرة، وفي الكلام حذف، أي: ولا يسألون عما كنتم تعملون. # قال أبو البقاء: ودل عليه: لها ما كسبت، ولكم ما كسبتم انتهى. # ولو جعل الدال قوله: { ولا تسألون عما كانوا يعملون } كان أولى؛ ~~لأنه مقابلة. ### || [2.135] # والكلام في " أو " [كالكلام فيها عند] قوله: # وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو ~~نصارى # [البقرة:111]. # و " تهتدوا " جزم على جواب الأمر، وقد عرف ما فيه من الخلاف: أعني هل ~~جزمه بالجملة قبله، أو ب " إن " مقدرة. # قوله: " ملة إبراهيم " قرأ الجمهور: " ملة " نصبا، وفيها ~~أربعة أوجه: # أحدها: أنه مفعول فعل مضمر، أي بل نتبع ملة؛ [فحذف المضاف وأقيم المضاف ~~إليه مقامه] لأن معنى كونوا هودا: اتبعوا اليهودية أو النصرانية. # الثاني: أنه منصوب على خبر " كان " ، أي: بل نكون ملة أي: أهل ms0736 ملة ~~كقول عدي ابن حاتم: " إني من دين " أي من أهل دين، وهو قول الزجاج، ~~وتبعه الزمخشري. # الثالث: أنه منصوب على الإغراء، أي: الزموا ملة، وهو قول أبي عبيدة، ~~وهو كالوجه الأول في أنه مفعول به، وإن اختلف العامل. # الرابع: أنه منصوب على إسقاط حرف الجر، والأصل: نقتدي بملة إبراهيم، ~~فلما حذف الحرف انتصب. # وهذا يحتمل أن يكون من كلام المؤمنين، فيكون تقدير الفعل: بل نكون، أو ~~نتبع، أو نقتدي كما تقدم، وإن يكون خطابا للكفار، فيكون التقدير: كونوا ~~أو اتبعوا أو اقتدوا. # وقرأ ابن هرمز، وابن أبي عبلة " ملة " رفعا وفيها وجهان: # أحدهما: أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: بل ملتنا ملة إبراهيم، أو نحن ملة، ~~أي: أهل ملة. # الثاني: أنها مبتدأ حذف خبره، تقديره: ملة إبراهيم ملتنا. # قوله: " حنيفا " في نصبه أربعة أقوال: # أحدها: أنه حال من " إبراهيم "؛ لأن الحال تجيء من المضاف إليه قياسا ~~في ثلاثة مواضع على ما ذكر بعضهم. # أحدها: أن يكون المضاف عاملا عمل الفعل. # الثاني: أن يكون جزءا نحو: # ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا # [الحجر:47]. # الثالث: أن يكون الجزء كهذة الآية؛ لأن إبراهيم لما لازمها تنزلت منه ~~منزلة الجزء. # والنحويون يستضعفون مجيئها من المضاف إليه، ولو كان المضاف جزءا، ~~قالوا: لأن الحال لا بد لها من عامل، والعامل في الحال هو العامل في ~~صاحبها، والعامل في صاحبها لا يعمل عمل الفعل، ومن جوز ذلك قدر العامل ~~فيها معنى اللام، أو معنى الإضافة، وهما عاملان في صاحبها عند هذا ~~القائل. # ولم يذكر الزمخشري غير هذا الوجه وشبهه بقولك: " رأيت وجه هند قائمة " ، ~~وهو قول الزجاج. # الثاني: نصبه بإضمار فعل، أي: نتبع حنيفا وقدره أبو البقاء، ب " أعني ~~" ، وهو قول الأخفش الصغير، وجعل الحال خطأ. # الثالث: أنه منصوب على القطع، وهو رأي الكوفيين، وكان الأصل عندهم: ~~إبراهيم الحنيف، فلما نكره لم يمكن إتباعه، وقد تقدم تحرير ذلك. # الرابع: وهو المختار: أن يكون حالا من " ملة " فالعامل فيه ما ~~قدرناه عاملا فيها، وتكون حالا لازمة؛ ms0737 لأن الملة لا تتغير عن هذا ~~الوصف، وكذلك على القول بجعلها حالا من " إبراهيم "؛ لأنه لم ينتقل ~~عنها. # فإن قيل: صاحب الحال مؤنث، فكان ينبغي أن يطابقه التأنيث، فيقال: حنيفة. # فالجواب من وجهين: # أحدهما: أن " فعيلا " يستوي فيه المذكر والمؤنث. # والثاني: أن الملة بمعنى الدين، ولذلك أبدلت منه في قوله # دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا # [الأنعام:161] ذكر ذلك ابن الشجري في " أماليه ". # و " الحنف ": الميل، ومنه سمي الأحنف؛ لميل إحدى قدميه بالأصابع ~~إلى الأخرى؛ قالت أمه: [الرجز] # 809 والله لولا حنف برجله # ما كان في فتيانكم من مثله # ويقال: رجل أحنف، وامرأة حنفاء. # وقيل: هو الاستقامة، وسمي المائل الرجل بذلك تفاؤلا؛ كقولهم ~~للديغ " سليم " وللمهلكة: " مفازة " قاله ابن قتيبة [وهو ~~مروي عن محمد بن كعب القرظي]. # وقيل: الحنيف لقب لمن تدين بالإسلام؛ قال عمرو: [الوافر] # 810 حمدت الله حين هدى فؤادي # إلى الإسلام والدين الحنيف # [قاله القفال. وقيل: الحنيف: المائل عما عليه العامة إلى ما لزمه]. # قاله الزجاج؛ وأنشد: [الوافر] # 811 ولكنا خلقنا إذ خلقنا # حنيفا ديننا عن كل دين # وأما عبارات المفسرين، فقال ابن عباس والحسن ومجاهد رضي الله تعالى عنهم ~~أجمعين: الحنيفية حج البيت. # وعن مجاهد أيضا: اتباع الحق. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما: الحنيف المائل عن الأديان كلها إلى دين ~~الإسلام. # وقيل: اتباع شرائع الإسلام. # وقيل: إخلاص الدين قاله الأصم. # وقال سعيد بن جبير: هي الحج الحسن، وقال قتادة: الحنيفية الختان، ~~وتحريم الأمهات والبنات والأخوات والعمات، وإقامة المناسك. # قوله: { وما كان من المشركين } تنبيه على أن اليهود ~~والنصارى أشركوا؛ لأن بعض اليهود قالوا: عزيز ابن الله، والنصارى قالوا: ~~المسيح ابن الله وذلك شرك. # وأيضا إن الحنيف اسم لمن دان بدين إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ~~ومعلوم أنه عليه السلام أتى بشرائع مخصوصة، من حج البيت والختان ~~وغيرهما، فمن دان بذلك فهو حنيف، وكانت العرب تدين بهذه الأشياء، ثم ~~كانت تشرك، فقيل من أجل هذا " حنيفا، وما كان من المشركين " ونظيره ~~قوله: # وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم ms0738 مشركون # [يوسف:106]. # فصل في الكلام على هذه الآية # اعلم أن الله تعالى ذكر هذه الآية على طريق الإلزام لهم وهو قوله: " ~~ملة إبراهيم حنيفا " وتقديره: إن كان طريق الدين التقليد فالأولى في ~~ذلك اتباع ملة إبراهيم حنيفا؛ لأن هؤلاء المختلفين قد " اتفقوا " على ~~صحة دين إبراهيم، والأخذ بالمتفق عليه أولى من الأخذ بالمختلف فيه، ~~فكأنه سبحانه وتعالى قال: إن كان المقول في الدين على الاستدلال والنظر، ~~فقد قدمنا الدلائل، وإن كان المقول على التقليد، فالرجوع إلى دين إبراهيم ~~ عليه الصلاة والسلام وترك اليهودية والنصرانية أولى. # فإن قيل: اليهود والنصارى إن كانوا معترفين بفضل إبراهيم مقرين أن ~~إبراهيم ما كان من القائلين بالتشبيه والتثليث امتنع أن يقولوا بذلك، بل ~~لا بد وأن يكونوا قائلين بالتنزيه والتوحيد، ومتى كانوا قائلين بذلك لمن ~~يكن في دعوتهم إليه فائدة، وإن كانوا منكرين فضل إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام أو كانوا مقرين به، لكنهم أنكروا كونه منكرا للتجسيم والتثليث ~~لم يكن ذلك متفقا عليه، فحينئذ لا يصح إلزام القول بأن هذا متفق عليه، ~~فكان الأخذ به أولى. # فالجواب: أنه كان معلوما بالتواتر أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ~~ما أثبت الولد لله تعالى فلما صح عن اليهود والنصارى أنهم قالوا بذلك ~~ثبت أن طريقتهم مخالفة لطريقة إبراهيم عليه الصلاة والسلام. # فإن قيل: أليس أن كل واحد من اليهود والنصارى يدعي أنه على دين إبراهيم ~~عليه الصلاة والسلام؟ # فالجواب أن إبراهيم كان قائلا بالتوحيد، وثبت أن النصارى يقولون ~~بالتثليث، واليهود يقولون بالتشبيه، فثبت أنهم ليسوا على دين إبراهيم ~~عليه الصلاة والسلام وأن محمدا عليه الصلاة والسلام لما ادعى التوحيد ~~كان على دين إبراهيم. # فصل # [اعلم أن قوله تعالى: { وقالوا كونوا هودا أو نصارى ~~تهتدوا } ليس المراد منه التخيير، إذ من المعلوم من حال اليهود أنها ~~لا تجوز اختيار النصرانية على اليهودية، بل تزعم أنه كفر، وكذلك ~~أيضا حال النصارى، وإنما المراد أن اليهود تدعو إلى اليهودية، والنصارى ~~إلى النصرانية، فكل فريق يدعو إلى دينه، ويزعم أنه على الهدى]. ms0739 ### || [2.136] # " قولوا ": في هذا الضمير قولان: # أحدهما: أنه للمؤمنين، والمراد بالمنزل إليهم القرآن على هذا. # والثاني: أنه يعود على القائلين كانوا هودا أو نصارى. # والمراد بالمنزل إليهم: إما القرآن، وإما التوراة والإنجيل # [قال الحسن رحمه الله تعالى: لما حكى الله تعالى عنهم أنهم قالوا: ~~كونوا هودا أو نصارى ذكر في مقابلته للرسول عليه الصلاة والسلام قل: ~~بل " ملة " إبراهيم، قال: { قولوا آمنا بالله } ]. # وجلمة " آمنا " في محل نصب ب " قولوا " ، وكرر الموصول في قوله: { ~~ومآ أنزل إلى إبراهيم } لاختلاف المنزل إلينا، والمنزل ~~إليه، فلو لم يكرر لأوهم أن المنزل إلينا هو المنزل إليهم، ولم يكرر في " ~~عيسى "؛ لأنه لم يخالف شريعة موسى إلا في نزر يسير، فالذي أوتيه عيسى هو ~~عين ما أوتيه موسى إلا يسيرا، وقدم المنزل إلينا في الذكر، وإن كان ~~متأخرا في الإنزال تشريفا له. # والأسباط جمع " سبط " وهم في ولد يعقوب كالقبائل في ولد إسماعيل ~~والشعوب في العجم. # وقيل: هم بنو يعقوب لصلبه. # وقال الزمخشري: " السبط هو الحافد ". # واشتقاقهم من السبط وهو التتابع، سموا بذلك؛ لأنهم أمة متتابعون. # وقيل: من " السبط " بالتحريك جمع " سبطة " وهو الشجر الملتف. # وقيل ل " الحسنين ": سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم لانتشار ~~ذريتهم. # ثم قيل لكل ابن بنت: " سبط ". # قال القرطبي رحمه الله تعالى: جمع إبراهيم براهم، وإسماعيل سماعيل، قاله ~~الخليل وسيبويه والكوفيون، وحكوا: براهمة وسماعلة، وحكوا براهم ~~وسماعل. # قال محمد بن يزيد: هذا غلط؛ لأنه الهمزة ليس هذا موضع زيادتها، ولكن ~~أقول: أباره وأسامع، ويجوز أباريه وأساميع. # وأجاز أحمد بن يحيى " براه " ، كما يقال في التصغير " بريه ". # قوله: { ومآ أوتي موسى } يجوز في " ما " وجهان: # أحدهما: أن تكون في محل جر عطفا على المؤمن به، وهو الظاهر. # والثاني: أنها في محل رفع بالابتداء، ويكون { وما أوتي ~~النبيون } عطفا عليها. وفي الخبر وجهان: # أحدهما: أن يكون " من ربهم ". # والثاني: أن يكون " لا نفرق " هكذا ذكر أبو حيان، إلا أن في جعله " ~~لا نفرق " خبرا عن " ما " نظر لا يخفى من ms0740 حيث عدم عود الضمير ~~عليها. # ويجوز أن تكون " ما " الأولى عطفا على المجرور، و " ما " الثانية ~~مبتدأه، وفي خبرها الوجهان، وللشيخ أن يجيب عن عدم عود الضمير بأنه محذوف ~~تقديره: لا نفرق فيه، وحذف العائد المجرور ب " في " مطرد كما ذكر ~~بعضهم، وأنشد: [المتقارب] # 812 فيوم علينا ويوم لنا # ويوم نساء ويوم نسر # أي: نساء فيه ونسر فيه. # قوله: " من ربهم " فيه ثلاثة أوجه: # أحدهما وهو الظاهر أنه في محل نصب، و " من " لابتداء الغاية، ~~ويتعلق ب " أوتي " الثانية إن أعدنا الضمير على النبيين فقط دون ~~موسى وعيسى، أو ب " أوتي " الأولى، وتكون الثانية تكرارا لسقوطها في " ~~آل عمران " إن أعدنا الضمير على موسى وعيسى عليهما السلام والنبيين. # الثاني: أن يكون في محل نصب على الحال من العائد على الموصول فيتعلق ~~بمحذوف تقديره: وما أوتيه كائنا من ربهم. # الثالث: أنه في محل رفع لوقوعه خبرا إذا جعلنا " ما " مبتدأ. # قوله: " بين أحد " متعلق ب " لا نفرق " ، وفي " أحد " قولان: # أظهرهما: أنه الملازم للنفي الذي همزته أصلية، فهو للعموم وتحته أفراد، ~~فلذلك صح دخول " بين " عليه من غير تقدير معطوف نحو: " المال بين الناس ~~". # والثاني: أنه الذي همزته بدل من " واو " بمعنى واحد، وعلى هذا فلا بد ~~من تقدير معطوف ليصح دخول " بين " على متعدد، ولكنه حذف لفهم المعنى، ~~والتقدير: بين أحد منهم؛ ونظيره ومثله قول النابغة: [الطويل] # 813 فما كان بين الخير لو جاء سالما # أبو حجر إلا ليال قلائل # أي: بين الخير وبيني. # و " له " متعلق ب " مسلمون " ، قدم للاهتمام به لعود الضمير على ~~الله تعالى أو لتناسب الفواصل. # فصل في الكلام على الآية # قدم الإيمان بالله؛ لأن من لا يعرف الله يستحيل أن يعرف نبيا أو ~~كتابا، فإذا عرف الله، وآمن به عرف أنبياءه، وما أنزل عليهم. # وقوله: { لا نفرق بين أحد منهم } فيه وجهان: # الأول: لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى، بل نؤمن ~~بالكل، روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان أهل ms0741 الكتاب يقرءون ~~التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام؛ فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا: ~~آمنا بالله وما أنزل... " # الآية. # الثاني: لا نقول: إنهم متفرقون في أصول الديانات، بل هم يجتمعون على ~~الأصول التي هي الإسلام كما قال تعالى: # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر ~~على المشركين # [الشورى:13]. # [فإن قيل: كيف يجوز الإيمان بإبراهيم وموسى وعيسى مع القول بأن شرائعهم ~~منسوخة؟ # قلنا: نحن نؤمن بأن كل واحد من تلك الشرائع كان حقا في زمانه، فلا ~~تلزمنا المناقضة، وإنما تلزم المناقضة لليهود والنصارى؛ لاعترافهم بنبوة ~~من ظهر المعجز على يده، ولم يؤمنوا]. # وقوله: { ونحن له مسلمون } يعني أن إسلامنا لأجل طاعة الله ~~لا لأجل الهوى. ### || [2.137] # " الباء " في قوله " بمثل " فيه أقوال: # أحدها: أنها زائدة كهي في قوله: # ولا تلقوا بأيديكم # [البقرة:195] وقوله: # وهزى إليك بجذع # [مريم:25]؛ وقوله: [البسيط] # 814................ # سود المحاجر لا يقرأن بالسور # والثاني: أنها بمعنى " على " ، أي: فإن آمنوا على مثل إيمانكم بالله. # والثالث: أنها للاستعانة كهي في " نجرت بالقدوم " ، و " كتبت بالقلم " ~~، والمعنى: # فإن دخلوا في الإيمان بشهادة مثل شهادتكم. وعلى هذه الأوجه، فيكون ~~المؤمن به محذوفا، و " ما " مصدرية، والضمير في " به " عائدا على ~~الله تعالى والتقدير: فإن آمنوا بالله إيمانا مثل إيمانكم به، و " ~~مثل " هنا فيها قولان: # أحدهما: أنها زائدة، والتقدير: بما آمنتم به، وهي قراءة عبد الله بن ~~مسعود، وابن عباس [وذكر البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما لا ~~تقولوا بمثل ما آمنتم به، فإن الله تعالى ليس له مثل، ولكن قولوا ~~بالذي آمنتم به، وهذا يروى قراءة أبي] ونظيرها في الزيادة قول الشاعر: ~~[السريع أو الرجز] # 815 فصيروا مثل كعصف مأكول # وقال بعضهم: هذا من مجاز الكلام تقوم: هذا أمر لا يفعله مثلك، أي: لا ~~تفعله أنت. # والمعنى: فإن آمنوا بالذي آمنتم به، نقله ابن عطية، وهو ms0742 يؤول إلى إلغاء ~~" مثل " وزيادتها. # والثاني: أنها ليست بزائدة، والمثلية متعلقة بالاعتقاد، أي: فإن ~~اعتقدوا بمثل اعتقادكم، أو متعلقة بالكتاب، أي: فإن آمنوا بكتاب مثل ~~الكتاب الذي آمنتم به، والمعنى: فإن آمنوا بالقرآن الذي هو مصدق لما في ~~التوراة والإنجيل، وهذا التأويل ينفي زيادة " الباء ". # قال ابن الخطيب رحمه الله تعالى: وفيها وجوه، وذكر في بعضها أن المقصود ~~منه التثبيت، والمعنى: إن حصلوا دينا آخر مثل دينكم، ومساويا له في ~~الصحة والسداد، فقد اهتدوا، ولما استحال أن يوجد دين آخر يساوي هذا ~~الدين في الصواب والسداد استحال الاهتداء بغيره ونظيره قولك للرجل ~~الذي تشير عليه: ها هو الرأي الصواب، فإن كان عندك رأي أصوب منه فاعمل ~~به، وقد علمت أن لا أصوب من رأيك، [ولكنك تريد تثبيت صاحبك، وتوقيفه ~~على أن ما رأيت لا رأي وراءه]. # وقيل: إنكم آمنتم بالفرقان من غير تصحيف وتحريف، فإن آمنوا بمثل ذلك، ~~وهو التوراة من غير تصحيف وتحريف، فقد اهتدوا؛ لأنهم يتوصلون به إلى ~~معرفة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. # وقيل: فإن صاروا مؤمنين بمثل ما به صرتم مؤمنين، فقد اهتدوا. # و " ما " في قوله: { بمثل مآ ءامنتم } فيها وجهان: # أحدهما: أنها بمعنى الذي، والمراد بها حينئذ: إما الله تعالى ~~بالتأويل المتقدم عند من يجيز وقوع " ما " على أولي العلم نحو: # والسمآء وما بناها # [الشمس:5]. # وإما الكتاب المنزل. # [والثاني: أنها مصدرية، وقد تقدم ذلك. # والضمير في " به " فيه أيضا وجهان: # أحدهما: أنه يعود على الله تعالى كما تقدم] # والثاني: أن يعود على " ما " إذا قيل: إنها بمعنى الذي. # قوله: " فقد اهتدوا " جواب الشرط في قوله: " فإن ءامنوا " ، ~~وليس الجواب محذوفا، كهو في قوله: # وإن يكذبوك فقد كذبت رسل # [فاطر:4]، لأن تكذيب الرسل ماض محقق هناك، فاحتجنا إلى تقدير جواب. # وأما هنا فالهداية منهم لم تقع بعد، فهي مستقبلة معنى، وإن أبرزت في لفظ ~~المعنى. # [قال ابن الخطيب: والآية تدل على أن الهداية كانت موجودة قبل هذا ~~الاهتداء، وتلك الهداية لا يمكن حملها إلا ms0743 على الدلائل التي نصبها الله ~~تعالى وكشف عنها، وبين وجوه دلالتها، ثم بين وجه الزجر وما يلحقهم إن ~~تولوا، فقال: { وإن تولوا فإنهم في شقاق } ]. # قوله: " في شقاق " خبر لقوله: " هم " ، وجعل الشقاق ظرفا لهم، وهم ~~مظروفون له مبالغة في الإخبار باستعلائه عليهم، وهو أبلغ من قولك: هم ~~مشاقون، وفيه: # إنا لنراك في سفاهة # [الأعراف:66] ونحوه. # والشقاق: مصدر من شاقه يشاقه نحو: ضاربه ضرابا، ومعناه ~~المخالفة والمعاداة. # وفي اشتقاقه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه من الشق وهو الجانب. وذلك أن أحد المشاقين يصير في شق ~~صاحبه، أي: جانبه؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] # 816 إذا ما بكى من خلفها انصرفت له # بشق وشق عندنا لم يحول # أي: بجانب. # الثاني: أنه من المشقة، فإن كلا منهما يحرص على ما يشق على صاحبه. # الثالث: أنه من قولهم: " شققت العصا بيني وبينك " ، وكانوا يفعلون ~~ذلك عند تعاديهم. # فصل في الكلام على الآية # قال ابن الخطيب: معناه إن تركوا مثل هذا الإيمان فقد التزموا المناقضة، ~~والعاقل لا يلتزم المناقضة ألبتة، فحيث التزموها علمنا أنه ليس غرضهم ~~طلب الدين، والانقياد للحق، وإنما غرضهم المنازعة، وإظهار العداوة. # قال ابن عباس وعطاء رضي الله عنهما " فإنما هم في شقاق " أي: في خلاف ~~منذ فارقوا الحق، وتمسكوا بالباطل، فصاروا مخالفين لله. # وقال أبو عبيدة ومقاتل: " في شقاق " ، أي: في ضلال. # وقال ابن زيد: في منازعة ومحاربة. # وقال الحسن: في عداوة. # قال القاضي: ولا يكاد يقال في المعاداة على وجه الحق، أو المخالفة ~~التي لا تكون معصية: إنه شقاق، وإنما يقال ذلك في مخالفة عظيمة توقع ~~صاحبها في عداوة الله وغضبه ولعنته وفي استحقاق النار، فصار هذا القول ~~وعيدا منه تعالى لهم، وصار وصفهم بذلك دليلا على أنهم معادون ~~للرسول، مضمرون له السوء مترصدون لإيقاعه في المحن، فعند هذا آمنه ~~الله تعالى من كيدهم، وآمن المؤمنين من شرهم ومكرهم، [فقال: " ~~سيكفيكهم الله " تقوية لقلبه وقلوب المؤمنين]. # و " الفاء " في قوله: " فسيكفيكهم " تشعر بتعقيب الكفاية عقب ~~شقاقهم، وجيء ب " السين " دون " سوف ms0744 "؛ لأنها أقرب منها زمانا بوضعها، ~~ولا بد من حذف مضاف أي: فسيكفيك شقاقهم؛ لأن الذوات لا تكفى إنما تكفى ~~أفعالها، والمكفي به محذوف، أي: بمن يهديه الله، أو بتفريق كلمتهم. # [ولقد كفى بإجلاء بني النضير، وقتل بني قريظة، وبني قينقاع، وضرب الجزية ~~على اليهود والنصارى]. # قوله: { وهو السميع العليم } أي: السميع لأقوالهم، العليم لأحوالهم. # وقيل: السميع لدعائك العليم بنيتك، فهو يستجيب لك ويوصلك لمرادك. [وروي ~~أن عثمان رضي الله تعالى عنه كان يقرأ في المصحف، فقتل فقطرت نقطة من ~~دمه على قوله تعالى " فسيكفيكهم الله ". # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم، قد أخبره ~~بذلك]. # والكاف والهاء والميم في موضع نصب مفعولان؛ ويجوز في غير القرآن الكريم: ~~" فسيكفيك ". # فصل في الكلام على سمع الله وعلمه # واحتجوا بقوله تعال: { وهو السميع العليم } على أن سمعه تعالى زائد على ~~علمه بالمسموعات، وإلا يلزم التكرار، وهو غير جائز، فوجب أن يكون صفة ~~كونه تعالى سميعا أمرا زائدا على وصفه بكونه عليما. ### || [2.138] # قرأ الجمهور " صبغة " بالنصب. # وقال الطبري رحمه الله: من قرأ: " ملة إبراهيم " بالرفع قرأ " صبغة " ~~بالرفع وقد تقدم أنها قراءة ابن هرمز، وابن أبي عبلة. # فأما قراءة الجمهور ففيها أربعة أوجه: # أحدها: أن انتصابها انتصاب المصدر المؤكد، وهذا اختاره الزمخشري، وقال: ~~" هو الذي ذكره سيبويه، والقول ما قالت حذام " انتهى قوله. # واختلف حينئذ عن ماذا انتصب هذا المصدر؟ # فقيل: عن قوله: " قولوا: آمنا ". # وقيل عن قوله: { ونحن له مسلمون }. # وقيل: عن قوله: " فقد اهتدوا ". # الثاني: أن انتصابها على الإغراء أي: الزموا صبغة الله. # وقال أبو حيان وهذا ينافره آخر الآية، وهو قوله: { ونحن له ~~عابدون } [فإنه خبر والأمر ينافي الخبر] إلا أن يقدر هنا قول، وهو ~~تقدير لا حاجة إليه، ولا دليل من الكلام عليه. # الثالث: أنها بدل من " ملة " وهذا ضعيف؛ إذ قد وقع الفصل بينهما بجمل ~~كثيرة. # الرابع: انتصابها بإضمار فعل أي: اتبعوا صبغة الله، ذكر ذلك أبو ~~البقاء مع وجه الإغراء، وهو في الحقيقة ms0745 ليس زائدا فإن الإغراء أيضا ~~هو نصب بإضمار فعل. # قال الزمخشري رحمه الله: هي أي الصبغة من " صبغ " كالجلسة من ~~" جلس " ، وهي الحالة التي يقع عليها الصبغ، والمعنى: تطهير الله؛ ~~لأن الإيمان يطهر النفوس. # فصل في الكلام على الصبغ # الصبغ ما يلون به الثياب ويقال: صبغ الثوب يصبغه بفتح الباء وكسرها ~~وضمها ثلاث لغات صبغا بفتح الصاد وكسرها. # و " الصبغة " فعلة من صبغ كالجلسة من جلس، وهي الحالة التي يقع ~~عليها الصبغ. # ثم اختلفوا في المراد بصبغة الله على أقوال: # الأول: أنه دين الله، وذكروا في تسمية دين الله بالصبغة وجوها. # أحدها: أن بعض النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه ~~المعمودية، ويقولون: هو تطهير لهم. وإذا فعل الواحد بولده ذلك قال: الآن ~~صار نصرانيا فأمر المسملون أن يقولوا: آمنا وصبغنا الله صبغة لا مثل ~~صبغتكم، وإنما جيء بلفظ الصبغة على طريق المشاكلة كما تقول لمن ~~يغرس الأشجار: [اغرس كما يغرس فلان، تريد رجلا يصطنع الكرم. # والسبب في إطلاق لفظ الصبغة على الدين طريقة المشاكلة كما تقول لمن ~~يغرس الأشجار وأنت تريد أن تأمره بالكرم]: اغرس كما يغرس فلان، تريد ~~رجلا مواظبا على الكرم. # ونظيره قوله تعالى: # إنما نحن مستهزءون الله يستهزىء بهم # [البقرة:1415]، # يخادعون الله وهو خادعهم # [النساء:142]، # ومكروا ومكر الله # [آل عمران:54]، # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى:40]، # إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم # [هود:38]. # وثانيها: اليهود تصبغ أولادها يهودا، والنصارى تصبغ أولادها نصارى ~~بمعنى يلقونهم، فيصبغونهم بذلك لما يشربون في قلوبهم. # عن قتادة قال ابن الأنباري رحمه الله يقال: فلان يصبغ فلانا في الشيء، ~~أي: يدخله فيه، ويلزمه إياه كما يجعل الصبغ لازما للثوب. وأنشد ثعلب: ~~[الطويل] # 817 دع الشر وانزل بالنجاة تحرزا # إذا أنت لم يصبغك بالشرع صابغ # وثالثها: سمي الدين صبغة؛ لأن هيئته تظهر بالمشاهدة من أثر الطهارة ~~والصلاة قال الله تعالى: # سيماهم في وجوههم من أثر السجود # [الفتح:29]. # [وقال مجاهد والحسن وأبو العالية وقتادة رضي الله تعالى عنهم: أصل ذلك ~~أن النصارى كانوا يصبغون ms0746 أولادهم فيما يسمونه المعمودية، وصبغوه بذلك ~~ليطهروه به، وكأنه الختان، لأن الختان تطهير، فلما فعلوا ذلك قالوا: ~~الآن قد صار نصرانيا حقا، فرد الله تعالى عليهم بقوله: { صبغة الله ~~ومن أحسن من الله صبغة } وهي الإسلام فسمى الإسلام صبغة استعارة ومجازا ~~من حيث تظهر أعماله وسمته على المتدين كما يظهر أثر الصبغ في الثوب. # قال بعض شعراء ملوك " همدان ": [المتقارب] # 818 وكل أناس لهم صبغة # وصبغة همدان خير الصبغ # صبغنا على ذاك أبناءنا # فأكرم بصبغتنا في الصبغ] # ورابعها: قال القاضي: قوله: " صبغة الله " متعلق بقوله: # قولوا ءامنا بالله # [البقرة:136] إلى قوله: # ونحن له مسلمون # [البقرة:136] فوصف هذا الإيمان منهم بأنه صبغة الله تعالى؛ ليبين أن ~~المباينة بين هذا الدين الذي اختاره الله، بين الدين الذي اختاره ~~المبطل ظاهرة جلية، كما تظهر المباينة بين الألوان والأصباغ لذي الحس ~~السليم. # القول الثاني: أن صبغة الله فطرته، وهو كقوله: # فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل ~~لخلق الله # [الروم:30]. # ومعنى هذا الوجه أن الإنسان موسوم في تركيبه وبنيته بالعجز ~~والفاقة، والآثار الشاهدة عليه بالحدوث والافتقار إلى الخالق، فهذه ~~الآثار كالصبغة له وكالسمة اللازمة. # [قال القاضي رحمه الله تعالى: من حمل قوله تعالى: " صبغة الله " على ~~الفطرة فهو مقارب في المعنى لقول من يقول: هو دين الله؛ لأن الفطرة التي ~~أمروا بها هو الدين الذي تقتضيه الأدلة من عقل وشرع، وهو الدين أيضا ~~الذي ألزمكم الله تعالى التمسك به، فالنفع به سيظهر دنيا ودين، ~~كاظهور حسن الصبغة، وإذا حمل الكلام على ما ذكرنا، لم يكن لقول من يقول ~~إنما قال ذلك لعادة جارية لليهود والنصارى، وفي صبغ يستعملونه في أولادهم ~~معنى؛ لأن الكلام إذا استقام على أحسن الوجوه بدونه، فلا فائدة فيه]. # القول الثالث: أن صبغة الله هي الختان، الذي هو تطهير، أي كما أن ~~المخصوص الذي للنصارى تطهير لهم، فكذلك الختان تظهير للمسلمين قاله أبو ~~العالية. # القول الرابع: قال الأصم رحمه الله تعالى: إنه حجة الله. # القول الخامس: قال أبو عبيدة رحمه ms0747 الله تعالى: إنه سنة الله, # وأما قراءة الرفع فتحتمل وجهين: # أحدهما: أنها خبر مبتدأ محذوف أي: ذلك الإيمان صبغة الله. # والثاني: أن تكون بدلا من " ملة "؛ لأن من رفع " صبغة " رفع " ملة " ~~كما تقدم فتكون بدلا منها كما قيل بذلك في قراءة النصب. # قال القرطبي رحمه الله تعالى: وقيل: الصبغة الاغتسال لمن أراد الدخول ~~في الإسلام، بدلا من معمودية النصارى، ذكر ذلك الماوردي رحمه الله ~~تعالى. وعلى هذا التأويل يكون غسل الكافر واجبا، وبهذا المعنى جاءت ~~السنة الثابتة في قيس بن عاصم وثمامة بن أثال حين أسلما. # وقيل: إن القربة إلى الله تعالى يقال لها: صبغه؛ حكاه ابن فارس في " ~~المجمل ". # قوله: " ومن أحسن " مبتدأ وخبر، وهذا استفهام معناه النفي أي: لا ~~أحد، و " أحسن " هنا فيها احتمالان: # أحدهما: أنها ليست للتفضيل؛ إذ صبغة غير الله منتف عنها الحسن. # والثاني: أن يراد التفضيل باعتبار من يظن أن في " صبغة " غير الله ~~حسنا لا أن ذلك بالنسبة إلى حقيقة الشيء. # و " من الله " متعلق بأحسن، فهو في محل نصب. # و " صبغة " نصب على التمييز من أحسن، وهو من التمييز المنقول من المبتدأ ~~والتقدير: ومن صبغته أحسن من صبغة الله، فالتفضيل إنما يجري بين ~~الصبغتين لا بين الصابغين. [وهذا غريب معنى، وغني عن القول كون ~~التمييز منقولا عن المبتدأ]. # قوله تعالى: { ونحن له عابدون } جملة من مبتدأ خبر معطوف على ~~قوله: { قولوا آمنا بالله } فهي في محل نصب بالقول. # قال الزمخشري: وهذا العطف يرد قول من زعم أن " صبغة الله " بدل من " ~~ملة " ، أو نصب على الإغراء بمعنى عليكم صبغة الله لما فيه من فك ~~النظم، وإخراج الكلام عن التئامه واتساقه. # قال أبو حيان: وتقديره في الإغراء: عليكم صبغة ليس بجيد؛ لأن الإغراء ~~إذا كان بالظروف والمجرورات لا يجوز حذف ذلك الظرف ولا المجرور، ولذلك ~~حين ذكرنا وجه الإغراء قدرناه: ب " الزموا صبغة الله " انتهى. كأنه ~~لضعف العمل بالظروف والمجرورات ضعف حذفها وإبقاء عملها. ### || [2.139] # الاستفهام في قوله: " أتحاجوننا " للإنكار والتوبيخ. # والجمهور: ms0748 " أتحاجوننا " بنونين الأولى للرفع، والثانية نون " نا ". # وقرأ زيد والحسن والأعمش رحمهم الله بالإدغام. # وأجاز بعضهم حذف النون الأولى. # فأما قراءة الجمهور فواضحة. # وأما قراءة الإدغام فلاجتماع مثلين، وسوغ الإدغام وجود حرف المد واللين ~~قبله القائم مقام الحركة. # وأما من حذف فبالحمل على نون الوقاية كقراءة: # فبم تبشرون # [الحجر:54]؛ وقوله [الوافر] # 819 تراه كالثغام يعل مسكا # يسوء الفاليات إذا فليني # يريد " فلينني " ، وهذه الآية مثل قوله: # أفغير الله تأمروني أعبد # [الزمر:64]، فإنه قرئت بالأوجه الثلاثة: الفك والإدغام والحذف، ولكن ~~في المتواتر. # وهنا لم يقرأ في المشهور كما تقدم إلا بالفك. # ومحل هذه الجملة النصب بالقول قبلها. # والضمير في " قل " يحتمل أن يكون للنبي عليه السلام أو لكل ~~من يصلح للخطاب، والضمير المرفوع في: " أتحاجوننا " لليهود والنصارى، ~~أو لمشركي العرب أو للكل. # و " المحاجة " مفاعلة من حجه يحجه. # فصل في تحرير معنى المحاجة # اختلفوا في تلك المحاجة: فقيل: هي قولهم: إنهم أولى بالحق والنبوة لتقدم ~~النبوة فيهم، والمعنى: أتجادلوننا في أن الله اصطفى رسوله من العرب ~~لأمتكم، وتقولون: لو أنزل الله على أحد لأنزل عليكم، وترونكم أحق بالنبوة ~~منا. # وقيل: هي قولهم: # نحن أبناء الله وأحباؤه # [المائدة:18] وقولهم: # لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى # [البقرة:111]، وقولهم: # كونوا هودا أو نصارى تهتدوا # [البقرة:135] قاله الحسن رضي الله عنه. # وقيل: { أتحآجوننا في الله } أي: أتجادلوننا في دين الله. # وقوله: " في الله " لا بد من حذف مضاف أي: في شأن الله، أو دين الله. # قوله: " وهو ربنا " مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال، وكذا ما ~~عطف عليه من قوله: " ولنا أعمالنا " ولا بد من حذف مضاف أي: جزاء ~~أعمالنا، ولكم جزاء أعمالكم. # فصل # قوله: { وهو ربنا وربكم } فيه وجهان: # الأول: أنه أعلم بتدبير خلقه، وبمن يصلح للرسالة، وبمن لا يصلح لها، فلا ~~تعترضوا على ربكم، فإن العبد ليس له أن يعترض على ربه، بل يجب عليه ~~تفويض الأمر إليه. # الثاني: أنه لا نسبة لكم إلى الله تعالى إلا بالعبودية وهذه ms0749 النسبة ~~مشتركة بيننا وبينكم، فلم ترجحون أنفسكم علينا، بل الترجيح من جانبنا؛ ~~لأنا مخلصون في العبودية، ولستم كذلك، وهذا التأويل أقرب. # قوله تعالى: { ولنآ أعمالنا ولكم أعمالكم } المراد ~~منه النصيحة في الدين، كأنه تعالى قال لنبيه: قل لهم هذا القول على وجه ~~الشفقة والنصيحة، أي: لا يرجع إلي من أفعالكم القبيحة ضرر حتى يكون ~~المقصود من هذا القول دفع ذلك الضرر، وإنما المراد [نصحكم] وإرشادكم إلى ~~الأصلح. ### || [2.140] # قال القرطبي رحمه الله: وجمع إسحاق: أساحيق. # وحكى الكوفيون: أساحقة، وأساحق؛ وكذا يعقوب ويعاقيب ويعاقبة ويعاقب. # قال النحاس رحمه الله: فأما إسرائيل فلا نعلم أحدا يجيز حذف الهمزة من ~~أوله، وإنما يقال: " أساريل ". # وحكى الكوفيون " أسارلة " ، و " أسارل ". والباب في هذا كله أن يجمع ~~مسلما فيقال: " إبراهيمون " ، و " إسحاقون " ، و " يعقوبون " ، ~~والمسلم لا عمل فيه. # قال القرطي رحمه الله تعالى وقوله تعالى: " أم تقولون ": قرأ ~~حمزة، والكسائي، وحفص، وابن عامر بتاء الخطاب، والباقون بالياء. # فأما قراءة الخطاب، فتحتمل " أم " فيها وجهين: # أحدهما: أن تكون المتصلة، والتعادل بين هذه الجملة وبين قوله: " ~~أتحاجوننا " فالاستفهام عن وقوع أحد هذين الأمرين: المحاجة في ~~الله، أو ادعاء على إبراهيم، ومن ذكر معه اليهودية والنصرانية، وهو ~~استفهام إنكار وتوبيخ كما تقدم، فإن كلا الأمرين باطل. # قال ابن الخطيب: إن كانت متصلة تقديره: بأي الحجتين تتعلقون في ~~أمرنا؟ # أبالتوحيد فنحن موحدون، أم باتباع دين الأنبياء فنحن متبعون؟ # والثاني: أن تكون المنقطعة، فتتقدر ب " بل " والهمزة على ما تقدر في ~~المنقطعة على أصح المذاهب. # والتقدير: بل أتقولون؟ # والاستفهام للإنكار والتوبيخ أيضا فيكون قد انتقل عن قوله: أتحاجوننا ~~وأخذ في الاستفهام عن قضية أخرى، والمعنى على إنكار نسبة اليهودية ~~والنصرانية إلى إبراهيم ومن ذكرمعه، [كأنه قيل: أتقولون: إن الأنبياء ~~عليهم السلام كانوا قبل نزول التوراة والإنجيل هودا أو نصارى]. # وأما قراءة الغيبة فالظاهر أن " أم " فيها منقطعة على المعنى المتقدم، ~~وحكى الطبري عن بعض النحويين أنها متصلة؛ لأنك إذا قلت: أتقوم أم يقوم ~~عمرو؛ أيكون هذا أم هذا، أورد ابن ms0750 عطية هذا الوجه فقال: هذا المثال غير ~~جيد؛ لأن القائل غير واحد، والمخاطب واحد، والقول في الآية من اثنين، ~~والمخاطب اثنان غيران، وإنما تتجه معادلة " أم " للألف على الحكم ~~المعنوى، كأن معنى قل: أتحاجوننا: " أيحاجون يا محمد أم تقولون ". # وقال الزمخشري: وفيمن قرأ بالياء لا تكون إلا منقطعة. # قال أبو حيان رحمه الله تعالى: ويمكن الاتصال مع قراءة الياء، ويكون ذلك ~~من الالتفات إذا صار فيه خروج من خطاب إلى غيبة، والضمير لناس مخصوصين. # وقال أبو البقاء: أم تقولون يقرأ بالياء ردا على قوله: " ~~فسيكفيكهم الله " ، فجعل هذه الجملة متعلقة بقوله: " ~~فسيكفيكهم " ، وحينئذ لا تكون إلا منقطعة لما عرفت أن من شرط ~~المتصلة تقدم همزة استفهام أو تسوية مع أن المعنى ليس على أن الانتقال من ~~قوله: " فسيكفيكهم " إلى قوله: " أم يقولون " حتى يجعله ردا عليه، وهو ~~بعيد عنه لفظا ومعنى. # وقال أبو حيان: الأحسن في القراءتين أن تكون " أم " منقطعة، وكأنه أنكر ~~عليهم محاجتهم في الله، ونسبة أنبيائه لليهودية والنصرانية، وقد وقع منهم ~~ما أنكر عليهم ألا ترى إلى قوله: # يأهل الكتاب لم تحآجون في إبراهيم # [آل عمران:65] الآيات. # وإذا جعلناها متصلة كان ذلك غير متضمن وقوع الجملتين، بل إحداهما، وصار ~~السؤال عن تعيين إحداهما، وليس الأمر كذلك إذ وقعا معا. # وهذا الذي قاله الشيخ حسن جدا. # و " أو " في قوله: " هودا أو نصارى " كهي في قوله: # لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى # [البقرة:111] وقد تقدم تحقيقه. # قوله تعالى: { قل: أأنتم أعلم أم الله }. # معناه: أن الله أعلم، وخبره أصدق، وقد أخبر في التوراة والإنجيل، وفي ~~القرآن على لسان محمد صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا مسلمين مبرئين عن ~~اليهودية والنصرانية. # فإن قيل: إنما يقال هذا فيمن لا يعلم، وهم علموه وكتموه، فكيف يصح ~~الكلام؟ # فالجواب: من قال: إنهم كانوا على ظن وتوهم، فالكلام ظاهر، ومن قال: ~~علموا وجحدوا، فمعناه: أن منزلتكم منزلة المعترضين على ما يعلم أن الله ~~أخبر به، فلا ينفعه ذلك مع إقراره ms0751 بأن الله تعالى أعلم. # [و " أم " في قوله تعالى: " أم الله " متصلة، والجلالة، عطف على " أنتم ~~" ، ولكنه فصل بين المتعاطفين بالمسؤول عنه، وهو أحسن الاستعمالات ~~الثلاثة؛ وذلك أنه يجوز في مثل هذا التركيب ثلاثة أوجه: تقدم المسؤول عنه ~~نحو قوله: " أأعلم أم الله " ، وتوسطه نحو " أأنتم أعلم أم الله " ، ~~وتأخيره نحو: أأنتم أم الله أعلم. # وقال أبو البقاء رحمه الله تعالى: " أم الله " مبتدأ، والخبر محذوف أي: ~~أم الله أعلم، و " أم " هنا متصلة، أي: ربكم أعلم، وفيه نظر؛ لأنه إذا ~~قدر له خبرا صناعيا صار جملة، و " أم " المتصلة لا تعطف الجمل، بل ~~المفرد وما في معناه. وليس قول أبي البقاء بتفسير معنى، فيغتفر له ذلك، ~~بل تفسير إعراب، والتفصيل في قوله: " أعلم " على سبيل الاستهزاء، وعلى ~~تقدير أن يظن بهم علم، فيكون من الجهلة، وإلا فلا مشاركة، ونظيره قول ~~حسان: [الوافر] # 820- أتهجوه ولست له بكفء # فشركما لخيركما الفداء # وقد علم أن الرسول عليه الصلاة والسلام خير الكل]. # قوله تعالى: { ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من ~~الله }. # في " من " من قوله: " من الله " أربعة أوجه: # أحدها: أنها متعلقة ب " كتم " ، وذلك على حذف مضاف أي: كتم من عباد ~~الله شهادة عنده. # الثاني: أن تتعلق بمحذوف على أنها صفة لشهادة بعد صفة؛ لأن " عنده " صفة ~~لشهادة، وهو ظاهر قول الزمخشري رحمه الله، فإنه قال: و " من " في قوله: " ~~شهادة من الله " مثلها في قولك: " هذه شهادة مني لفلان " إذا شهدت ~~له، ومثله: # برآءة من الله ورسوله # [التوبة:1]. # الثالث: أنها في محل نصب على الحال من المضمر في " عنده " يعني: من ~~الضمير المرفوع بالظرف لوقوعه صفة، ذكره أبو البقاء رحمه الله تعالى. # الرابع: أن يتعلق بذلك المحذوف الذي تعلق به الظرف، وهو " عنده " ~~لوقوعه صفة، والفرق بينه وبين الوجه الثاني أن ذلك له عامل مستقل غير ~~العامل في الظرف. # قال أبو البقاء: ولا يجوز أن تعلق " من " بشهادة لئلا يفصل بين الصلة ~~والموصول بالصفة يعني: أن " شهادة " مصدر مؤول بحرف ms0752 مصدري وفعل، فلو ~~علقت " من " بها لكنت قد فصلت بين ما هو في معنى الموصول، وبين أبعاض ~~الصلة بأجنبي، وهو الظرف الواقع صفة لشهادة. # وفيه نظر من وجهين: # أحدهما: لا نسلم أن " شهادة " ينحل إلى الموصول وصلته فإن كل مصدر لا ~~ينحل لهما. # والثاني: سلمنا ذلك، ولكن لا نسلم والحالة هذه أن الظرف صفة، بل هو ~~معمول لها، فيكون بعض الصلة أجنبيا حتى يلزم الفصل به بين الموصول ~~وصلته، وإنما كان طريق منع هذا بغير ما ذكر، وهو أن المعنى يأبى ذلك. # و " كتم " يتعدى لاثنين، فأولهما في الآية الكريمة محذوف تقديره: كتم ~~الناس شهادة، والأحسن من هذه الوجوه أن تكون " من الله " صفة لشهادة ~~أو متعلقة بعامل الظرف لا متعلقة ب " كتم " ، وذلك أن كتمان الشهادة مع ~~كونها مستودعة من الله عنده أبلغ في الأظلمية من كتمان شهادة مطلقة من ~~عبادة الله. # وقال في " ري الظمآن ": في الآية تقديم وتأخير، والتقدير: ومن أظلم من ~~الله ممن كتم شهادة حصلت له كقولك: " ومن أظلم من زيد من جملة الكلمتين ~~للشهادة " ، والمعنى: لو كان إبراهيم وبنوه يهودا أو نصارى، ثم إن الله ~~كتم هذه الشهادة لم يكن أحد ممن يكتم الشهادة أظلم منه، لكن لما استحال ~~ذلك مع عدله وتنزيهه عن الكذب علمنا أن الأمر ليس كذلك. # قال أبو حيان: وهذا متكلف جدا من حيث التركيب، ومن حيث المدلول. أما ~~التركيب فإن التقديم والتأخير من الضرائر عند الجمهور. # وأيضا فيبقى قوله: " ممن كتم " متعلقا: إما ب " أظلم " ، ~~فيكون ذلك على طريق البدلية، ويكون إذ ذاك بدل عام من خاص، وليس بثابت، ~~وإن كان بعضهم زعم وروده، لكن الجمهور تأولوه بوضع العام موضع الخاص، أو ~~تكون " من " متعلقة بمحذوف، فتكون في موضع الحال، أي: كائنا من ~~الكاتمين. # وإما من حيث المدلول، فإن ثبوت الأظلمية لمن جر ب " من " يكون على ~~تقدير، أي: إن كتمها فلا أحد أظلم منه، وهذا كله معنى لا يليق به تعالى ~~ وينزه كتابه عنه. # قوله تعالى: { وما الله ms0753 بغافل عما تعملون } وعيد ~~وإعلام بأنه لم يترك أمرهم سدى، وأنه يجازيهم على أعمالهم. # والغافل الذي لا يفطن إلى الأمور إهمالا منه؛ مأخوذ من الأرض الغفل، ~~وهي التي لا علم لها ولا أثر عمارة. # وناقة غفل: لا سمة بها. # ورجل غفل: لم يجرب الأمور. وقال الكسائي: " أرض غفل لم تمطر " ، غفلت ~~عن الشيء غفلة وغفولة، وأغفلت الشيء: تركته على ما ذكر منك. # فإن قيل: ما الحكمة في عدوله عن قوله: " والله عليم " إلى { وما ~~الله بغافل }. # فالجواب: أن نفي النقائص وسلبها عن صفات الله تعالى أكمل من ذكر ~~الصفات مجردة عن ذكر نفي نقيضها، فإن النقيض يستلزم إثبات النقيض وزيادة، ~~والإثبات لا يستلزم نفي النقيض؛ لأن العليم قد يفضل عن النقيض، فلما قال ~~الله تعالى: { وما الله بغافل } دل ذلك على أنه عالم، وعلى أنه ~~غير غافل، وذلك أبلغ في الزجر المقصود من الآية. # فإن قيل: قد قال تعالى في موضع آخر: # والله عليم بما يعملون # [يوسف:19]. # فالجواب: أن ذلك سيق لمجرد الإعلام بالقصة لا للزجر، بخلاف هذه الآية، ~~فإن المقصود بها الزجر والتهديد. ### || [2.141] # اعلم أنه تعالى لما حاج اليهود في هؤلاء الأنبياء عقبه بهذه الآية ~~ليكون وعظا لهم، وزجرا حتى لا يتكلوا على فضل الآباء، فكل واحد يؤخذ ~~بعمله. # وأيضا أنه تعالى لما ذكر حسن طريقة الأنبياء الذين ذكرهم في هذه الآيات ~~بين أن الدليل لا يتم بذلك، بل كل إنسان مسؤول عن عمله، ولا عذر له في ~~ترك الحق بأن يتوهم أنه متمسك بطريقة من تقدم؛ لأنهم أصابوا أو أخطئوا ~~لا ينفع هؤلاء ولا يضرهم لئلا يتوهم أن طريقة الدين التقليد. # فإن قيل: لم كررت هذه الآية؟ # فالجواب من وجهين: # الأول: قال الجبائي: إنه عنى بالآية الأولى إبراهيم، ومن ذكر معه، ~~والثانية أسلاف اليهود. # قال القاضي: هذا بعيد؛ لأن أسلاف اليهود والنصارى لم يجر لهم ذكر ~~مصرح، وموضع الشبهة في هذا القول أن القوم لما قالوا في إبراهيم وبينه: ~~إنهم كانوا هودا، فكأنهم قالوا: إنهم كانوا على ms0754 مثل طريقة أسلافنا من ~~اليهود، فصار سلفهم في حكم المذكورين فجاز أن يقول: { تلك أمة ~~قد خلت } ويعنيهم ولكن ذلك كالتعسف، بل المذكور السابق هو إبراهيم ~~وبنوه، فقوله: " تلك أمة " يجب أن يكون عائدا إليهم. # الوجه الثاني: أنه متى اختلفت الأوقات والأحوال والمواطن لم يكن ~~التكرار عبثا، فكأنه تعالى قال: ما هذا إلا بشر، فوصف هؤلاء ~~الأنبياء فيما أنتم عليه من الدين لا يسوغ التقليد في هذا [الجنس]، ~~فعليكم بترك الكلام في تلك الأمة، فلها ما كسبت، وانظروا فيما دعاكم إليه ~~محمد صلى الله عليه وسلم فإن ذلك أنفع لكم، وأعود عليكم، ولا تسألون إلا ~~عن عملكم. # قال القرطبي رحمه الله تعالى: كررها، لأنها تضمنت معنى التهديد ~~والتخويف، أي: إذا كان أولئك الأنبياء على إمامتهم وفضلهم يجازون بكسبهم، ~~فأنتم أحرى، فوجب التأكيد فلذلك كررها. ### || [2.142] # قوله: { سيقول السفهاء } فيه قولان: # أحدهما: وهو اختيار القفال أن هذا اللفظ وإن كان للمستقبل ظاهرا، لكنه ~~قد يستعمل في الماضي أيضا كالرجل يعمل عملا، فيطعن فيه بعض أعدائه، ~~فيقول: أنا أعلم أنهم [سيطعنون علي فيما فعلت، ومجاز هذا أن يكون القول ~~فيما يكرر ويعاد]، فإذا ذكروه مرة، فسيذكرونه بعد ذلك مرات، فصح على ~~هذا التأويل أن يقال: سيقول السفهاء من الناس ذلك، وقد وردت الأخبار ~~أنهم لما قالوا ذلك [نزلت الآية]. # [قال القرطبي: " سيقول " بمعنى: قال؛ جعل المستقبل موضع الماضي، دلالة ~~على استدامة ذلك] وأنهم يستمرون على ذلك القول. # و " السفهاء " جمع، واحده سفيه، وهو الخفيف العقل، من قولهم: ثوب سفيه ~~إذا كان خفيف النسج وقد تقدم. # والنساء سفائه. وقال المؤرج: السفيه: البهات الكاذب المتعمد خلاف ما ~~يعلم. # وقال قطرب: الظلوم الجهول. # القول الثاني: أن الله تعالى أخبر عنهم قبل أن ذكروا هذا الكلام أنهم ~~سيذكرونه وفيه فوائد. # أحدها: أنه - عليه الصلاة والسلام - إذا أخبر عن ذلك قبل وقوعه، كان هذا ~~إخبارا عن الغيب فيكون معجزا. # وثانيها: أنه - تعالى - إذا أخبر عن ذلك أولا، ثم سمعه منهم، فإنه يكون ~~تأذيه من هذا الكلام أقل ms0755 مما إذا سمعه فيهم أولا. # وثالثها: أن الله - تعالى - إذا أسمعه ذلك أولا، ثم ذكر جوابه معه، ~~فحين يسمعه النبي - عليه الصلاة والسلام - منهم يكون الجواب حاضرا، كان ~~ذلك أولى مما إذا سمعه ولا يكون الجواب حاضرا. # فصل في الكلام على السفيه # تقدم الكلام على السفه في قوله: { كما ءامن السفهاء } ~~وبالجملة فإن السفيه من لا يميز ما له وما عليه، فيعدل عن طريق ما ينفعه ~~إلى ما يضره، يوصف بالخفة والسفه، ولا شك أن الخطأ في باب الدين أعظم ~~معرة منه في باب الدنيا، [فإذا كان العادل عن الرأي واضحا في أمر دنياه ~~يعد سفيها، فمن يكون كذلك في أمر دينه كان أولى بهذا الاسم فلا كافر ~~إلا وهو سفيه، فهذا اللفظ] يمكن حمله على اليهود، وعلى المشركين، وعلى ~~المنافقين وعلى جملتهم، وذهب إلى كل واحد من هذه الوجوه قوم من ~~المفسرين. # قال ابن عباس ومجاهد: هم اليهود، وذلك لأنهم كانوا يأتسون بموافقة ~~الرسول لهم في القبلة، وكانوا يظنون أن موافقته لهم في القبلة ربما ~~تدعوه إلى أن يصير موافقا لهم بالكلية، فلما تحول عن ترك القبلة ~~اغتموا وقالوا: قد عاد إلى طريقة آبائه ولو ثبت على قبلتنا لعلمنا ~~أنه الرسول المنتظر المبشر به في التوراة، فنزلت هذه الآية. # قال ابن عباس والبراء بن عازب والحسن والأصم رضي الله عنهم: إنهم مشركو ~~العرب، [وذلك لأنه - عليه الصلاة والسلام - كان متوجها إلى " بيت المقدس ~~" حين كان ب " بمكة " والمشركون] كانوا يتأذون منه بسبب ذلك، فلما جاء ~~إلى " المدينة " وتحول إلى الكعبة قالوا: رجع إلى موافقتنا، ولو ثبت عليه ~~لكان أولى به. # وقال السدي: هم المنافقون إنما ذكروا ذلك استهزاء من حيث لا يتميز بعض ~~الجهات عن بعض بخاصية معقولة تقتضي تحويل القبلة إليها، فكان هذا التحويل ~~مجرد العبث، والعمل بالرأي والشهوة، وإنما حملنا لفظ السفهاء على ~~المنافقين، لأن هذا الاسم مختص بهم، قال الله تعالى: # ألا إنهم هم السفهآء ولكن لا يعلمون # [البقرة: 13]. # وقيل: يدخل فيه الكل؛ لأن لفظ السفهاء ms0756 لفظ عموم، ودخل فيه الألف واللام، ~~وقد بينا صلاحيته لكل الكفار بحسب الدليل العقلي، والنص أيضا يدل ~~عليه، وهو قوله: # ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه # [البقرة: 130]. # [فإن قيل: المقصود من الآية بيان وقوع هذا الكلام منهم في الجملة، وإن ~~كان كذلك لم يكن ادعاء العموم فيه بعيدا. # قلنا: هذا القدر لا ينافي العموم، ولا يقتضي تخصيصه؛ بل الأقرب أن يكون ~~الكل قد قالوا ذلك؛ لأن الأعداء مجبولون على القدح والطعن، فإذا وجدوا ~~مجالا لم يتركوا مقالا]. # قوله تعالى: { من الناس } في محل نصب على الحال من " السفهاء " ~~والعامل فيها " سيقول " ، وهي حال مبينة، فإن السفه كما يوصف به الناس ~~يوصف به غيرهم من الجماد والحيوان، وكما ينسب القول إليهم حقيقة ينسب ~~لغيرهم مجازا، فرفع المجاز بقوله: " من الناس " ذكره ابن عطية ~~وغيره. # قوله: { ما ولاهم } " ما " مبتدأ، وهي استفهامية على وجه الاستهزاء ~~والتعجب، والجملة بعدها خبر عنها و { عن قبلتهم } متعلق ب " ولاهم " ، ~~ولا بد من حذف مضاف في قوله: " عليها " أي: على توجهها، أو اعتقادها، ~~وجملة الاستفهام في محل نصب بالقول والاستعلاء في قوله: " عليها " مجاز، ~~نزل مواظبتهم على المحافظة عليها منزلة من استعلى على الشيء، ~~والله أعلم. # فصل في الكلام على التولي # ولاه عنه: صرفه عنه، وولى إليه بخلاف ولى عنه، ومنه قوله تعالى: # ومن يولهم يومئذ دبره # [الأنفال: 16] وفي هذا التولي قولان: # المشهور عند المفسرين: أنه لما حولت القبلة إلى الكعبة عاب الكفار ~~المسلمين، فقالوا: { ما ولاهم عن قبلتهم } فالضمير في ~~قوله: { ما ولاهم } للرسول - عليه الصلاة والسلام - والمؤمنين ~~والقبلة التي كانوا عليها هي " بيت المقدس ". # واختلفوا في تاريخ تحويل القبلة بعد ذهابه إلى " المدينة " فقال أنس ~~بن مالك - رضي الله عنه - بعد تسعة أشهر أو عشرة أشهر وقال معاذ: بعد ~~ثلاثة عشر شهرا، وقال قتادة: بعد ستة عشر شهرا. # وعن ابن عباس والبراء بن عازب بعد سبعة عشر شهرا، [وهذا القول أثبت ~~عندنا من سائر الأقوال. # وعن بعضهم ثمانية عشر شهرا] من ms0757 مقدمه. # وقال الواقدي: صرفت القبلة يوم الاثنين النصف من رجب على رأس سبعة ~~عشر شهرا. # وقال آخرون: بل سنتان. # القول الثاني: قول أبي مسلم وهو أنه لما صح الخبر بأن الله - تعالى - ~~حولها إلى الكعبة وجب القول به، ولولا ذلك لاحتمل لفظ الآية أن يراد ~~بقوله: { كانوا عليها } ، أي: السفهاء كانوا عليها فإنهم كانوا لا ~~يعرفون إلا قبلة اليهود والنصارى، فقبلة اليهود إلى العرب؛ لأن النداء ~~لموسى عليه الصلاة والسلام جاء فيه وهو قوله تعالى: # وما كنت بجانب الغربي # [القصص: 44]، ولأنه مكان غروب الشمس والكواكب، وذلك شبه الخروج من ~~الدنيا والعبور إلى الآخرة، وهو وقت همود الناس الذي هو الموت الأصغر، ~~واستقبلوا المغرب لشبهه بوقت القدوم على الله تعالى، والنصارى إلى ~~المشرق؛ لأن جبريل - عليه الصلاة والسلام - إنما ذهب إلى مريم في جانب ~~المشرق، لقوله تعالى: # إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا # [مريم: 16]؛ لأن المشرق مكان إشراق الأنوار، ومنه تشرق الكواكب ~~بأنوارها، فهو مشتبه بحياة العالم فاستقبلوه؛ لأن منه مبتدأ حياة العالم، ~~والعرب ما جرت عادتهم بالصلاة حتى يتوجهوا إلى شيء من الجهات، فلما رأوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم متوجها إلى الكعبة استنكروا ذلك، فقالوا: ~~كيف يتوجه أحد إلى غير هاتين الجهتين المعروفتين، فقال تبارك وتعالى ردا ~~عليهم: { قل: لله المشرق والمغرب }. # قال ابن الخطيب: " ولولا الروايات الظاهرة لكان هذا القول محتملا والله ~~أعلم ". # فصل في تحرير معنى القبلة # القبلة هي الجهة التي يستقبلها الإنسان، وهي من المقابلة، وإنما سميت ~~القبلة قبلة؛ لأن المصلي يقابلها وتقابله. # وقال قطرب: يقولون في كلامهم: ليس لفلان قبلة أي: ليس له جهة يأوي ~~إليها، وهو أيضا مأخوذ من الاستقبال. # وقال غيره: إذ تقابل الرجلان، فكل واحد منهما قبلة للآخر. [قال ~~القرطبي: وجمع القبلة في التكسير قبل، وفي التسليم قبلات، ويجوز أن يبدل ~~من الكسرة فتحة، وتقول: قبلات، ويجوز أن تحذف الكسرة، وتسكن الباء]. # فصل في بعض شبه اليهود والنصارى # قال ابن الخطيب: هذه شبهة من شبه اليهود والنصارى التي طعنوا بها في ms0758 ~~الإسلام، فقالوا: النسخ يقتضي: إما الجهل أو التجهيل، وكلاهما لا يليق ~~بالحكيم، وذلك لأن الأمر إما أن يكون خاليا عن القيد، وإما أن يكون ~~مقيدا بلا دوام [وإما أن يكون مقيدا بقيد الدوام، فإن كان خاليا عن ~~القيد لم يقتض الفعل إلا مرة واحدة، فلا يكون ورود الأمر بعد ذلك على ~~خلافه ناسخا وإن كان مقيدا بقيد اللادوام، فهاهنا ظاهر أن الوارد بعده ~~على خلافه لا يكون ناسخا له، وإن كان مقيدا بقيد الدوام، فإن كان الأمر ~~يعتقد فيه أن يبقى دائما مع أنه ذكر لفظا يدل على] أنه يبقى دائما، ~~ثم إنه رفعه بعد ذلك، فها هنا كان جاهلا، ثم بدا له ذلك، [وإن كان ~~عالما بأنه لا يبقى دائما مع أنه ذكر لفظا يدل على أن يبقى دائما ~~كان ذلك تجهيلا] فثبت أن النسخ يقتضي: إما الجهل أو التجهيل، وهما ~~محالان على الله تعالى، فكان النسخ منه محالا، [فالآتي بالنسخ في ~~أحكام الله - تعالى - يجب أن يكون مبطلا]، فبهذا الطريق توصلوا بالقدح ~~في نسخ القبلة إلى الطعن في الإسلام، ثم إنهم خصصوا هذه الصورة بمزيد ~~شبهة، فقالوا: إنا إذا جوزنا النسخ إنما نجوزه عند اختلاف المصالح، وهنا ~~الجهات متساوية في أنها لله - تعالى - ومخلوقة له وتغيير القبلة من [جانب ~~إلى] جانب فعل خال عن المصلحة فيكون عبثا، والعبث لا يليق بالحكيم، ~~فدل هذا على أن هذا التغيير ليس من الله تعالى، وقد أجاب الله - تعالى - ~~على هذه الشبهة بقوله تعالى: { قل لله المشرق والمغرب }. # وتقديره: أن الجهات كلها لله - عز وجل - ملكا وملكا، فلا يستحق ~~منها شيء لذاته أن يكون قبلة، بل إنما تصير قبلة؛ لأن الله عز وجل جعلها ~~قبلة، وإذا كان كذلك فلا اعتراض عليه بالتحويل من جهة إلى جهة؛ لأنه لا ~~يجب تعليل أحكام الله تعالى وأفعاله على قول أهل السنة. # وأما على قول المعتزلة فلهم طريقان: # الأول: لا يمتنع اختلاف المصالح لحسب اختلاف الجهات، وبيانه من وجوه: # أحدها: أنه إذا رسخ في أوهام بعض ms0759 الناس أن هذه الجهة أشرف من غيرها بسبب ~~أن هذا البيت بناه الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام وعظمه، كان هذا ~~الإنسان عند استقباله أشد تعظيما وخشوعا، وذلك مصلحة مطلوبة. # وثانيها: أن الكعبة منشأ محمد صلى الله عليه وسلم، فتعظيم الكعبة يقتضي ~~تعظيم محمد - عليه الصلاة والسلام - وذلك أمر مطلوب [لأنه متى رسخ في ~~قلوبهم تعظيمه كان قبولهم لأوامره ونواهيه أسهل وأسرع، والمفضي إلى ~~المطلوب مطلوب]. # وثالثها: أن الله - تعالى - بين ذلك في قوله: # وما جعلنا القبلة التي كنت عليهآ إلا لنعلم ~~من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه # [البقرة: 143] فأمرهم الله - تعالى - حين كانوا ب " مكة " أن يتجهوا ~~إلى " بيت المقدس " ليتميزوا عن المشركين، فلما هاجروا إلى " المدينة " ~~وبها اليهود أمروا بالتوجه إلى الكعبة ليتميزوا عن اليهود. # [ورابعها: أن في أفعاله حكما، ثم إنها تارة تكون ظاهرة لنا، وتارة تكون ~~مستورة خفية عنا، وتحويل القبلة يمكن أن يكون لمصالح خفية، وإذا كان كذلك ~~استحال الطعن بهذا التحويل في الإسلام]. # فصل في استقبال الرسول صلى الله عليه وسلم بيت المقدس هل كان عن رأي ~~واجتهاد أم لا؟ # اختلفوا هل كان استقباله بيت المقدس عن رأي واجتهاد أم لا؟ # فقال الحسن: كان عن رأي واجتهاد، وهو قول عكرمة وأبي العالية. # وقال القرطبي: كان مخيرا بينه وبين الكعبة، فاختار بيت المقدس طمعا في ~~إيمان اليهود واستمالتهم. # وقال الزجاج: امتحانا للمشركين، لأنهم ألغوا الكعبة. # وقال ابن عباس: وجب عليه استقباله بأمر الله - تعالى - ووحيه لا ~~محالة، ثم نسخ الله ذلك، وهو قول جمهور العلماء نقله القرطبي. # فصل # اختلفوا أيضا حين فرضت عليه الصلاة أولا ب " مكة " ، هل كانت إلى ~~بيت المقدس أو إلى مكة؟ على قولين: # فقالت طائفة: إلى بيت المقدس وب " المدينة " سبعة عشر شهرا، ثم صرفه ~~الله - تعالى - إلى الكعبة، قاله ابن عباس. # وقال آخرون: أول ما افترضت الصلاة إلى الكعبة، ولم يزل يصلي إليها طول ~~مقامه ب " مكة " على ما كان عليه صلاة إبراهيم وإسماعيل، فلما قدم " ~~المدينة " صلى إلى " بيت ms0760 المقدس " ستة عشر شهرا، أو سبعة عشر شهرا على ~~الخلاف، ثم صرفه الله إلى " الكعبة ". # قال ابن عمر: وهذا أصح القولين عندي. # قوله تعالى: { يهدي من يشآء إلى صراط مستقيم } تقدم ~~الكلام على الهداية، قالت المعتزلة: إنما هي الدلالة الموصلة، والمعنى: ~~أنه - تعالى - يدل على ما هو للعبادة أصلح، والصراط المستقيم هو الذي ~~يؤديهم - إذ تمسكوا به - إلى الجنة. # قال أصحابنا: هذه الهداية: إما أن يكون المراد منها الدعوة، أو الدلالة، ~~أو تحصيل العلم فيه، والأولان باطلان؛ لأنهما عامان لجميع المكلفين، ~~فوجب حمله على الوجه الثالث، وذلك يقتضي بأن الهداية والإضلال من الله ~~تعالى. ### || [2.143] # الكاف في قوله تعالى: " وكذلك " فيها الوجهان المشهوران كما ~~تقدم ذلك غير مرة: إما النصب على النعت، أو على الحال من المصدر ~~المحذوف. # والتقدير: وكذلك جعلناكم أمة وسطا جعلا مثل ذلك، ولكن المشار إليه ب ~~" ذلك " غير مذكور فيما تقدم، وإنما تقدم ما يدل عليه. واختلفوا في " ~~ذلك " على خمسة أوجه: # أحدها: أن المشار إليه هو الهدى المدلول عليه بقوله: { يهدي من ~~يشآء }. # والتقدير: جعلناكم أمة وسطا مثل ما هديناكم. # الثاني: أنه الجعل، والتقدير: جعلناكم أمة وسطا مثل ذلك الجعل القريب ~~الذي فيه اختصاصكم بالهداية. # الثالث: قيل: المعنى كما جعلنا قبلتكم متوسطة جعلناكم أمة وسطا. # الرابع: قيل: المعنى كما جعلنا القبلة وسط الأرض جعلناكم أمة وسطا. # الخامس - وهو أبعدها - أن المشار إليه قوله: # ولقد اصطفيناه في الدنيا # [البقرة: 130] أي: مثل ذلك الاصطفاء جعلناكم أمة وسطا. # [قال ابن الخطيب: ويحتمل عندي أن يكون التقدير: ولله المشرق والمغرب، ~~فهذه الجهات بعد استوائها لكونها ملكا لله تعالى، خص بعضها بمزيد ~~الشرف والتكريم، بأن جعله قبلة فضلا منه، وإحسانا؛ فكذا العباد كلهم ~~يشتركون في العبودية إلا أنه خص هذه الأمة بمزيد الفضل والعبادة، فضلا ~~منه وإحسانا لا وجوبا. # وفيه وجه آخر: وهو أنه قد يذكر ضمير الشيء، وإن لم يكن المضمر مذكورا ~~إذا كان المضمر مشهورا معروفا، كقوله تعالى: # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر: 1] لأن المعروف عند كل ms0761 أحد أنه - سبحانه وتعالى - هو القادر على ~~إعزاز من يشاء من خلقه، وإذلال من يشاء، فقوله تعالى: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا # أي: ومثل ذلك الجعل العجيب الذي لا يقدر عليه أحد سواه جعلناكم أمة ~~وسطا]. # و " جعل " بمعنى صير، فيتعدى لاثنين، فالضمير مفعول أول، و " أمة " ~~مفعول ثاني ووسطا نعته. # والوسط بالتحريك: اسم لما بين الطرفين، ويطلق على خيار الشيء؛ لأن ~~الأوساط محمية بالأطراف؛ قال حبيب: [البسيط]. # 821 - كانت هي الوسط المحمي فاكتنفت # بها الحوادث حتى أصبحت طرفا # ووسط الوادي خير موضع فيه؛ قال زهير: [الطويل] # 822 - هم وسط ترضى الأنام بحكمهم # إذا نزلت إحدى البلايا بمفضل # [وقال آخر: [الراجز]. # 823 - كن من الناس جميعا وسطا] # وقال تعالى: # قال أوسطهم # [القلم: 28] أي أعدلهم. # [وروى القفال عن الثورى عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وشرف وبجل وعظم وكرم " أمة وسطا "؛ قال: " ~~عدلا ". # وقال عليه صلوات الله وسلام: # " خير الأمور أوسطها " # ؛ أي: أعدلها. وقيل: كان النبي - صلوات الله وسلامه عليه - أوسط قريش ~~نسبا. # وقال عليه أفضل الصلاة والسلام: # " عليكم بالنمط الأوسط " # قال الجوهري في الصحاح: " أمة وسطا " أي: عدلا، وهو الذي قاله الأخفش، ~~والخليل، وقطرب، فالقرآن والحديث والشعر يدلون على أن الوسط: خيار ~~الشيء]. # وأما المعنى فمن وجوه. # أحدها: أن الوسط حقيقة في البعد عن الطرفين، ولا شك أن طرفي الإفراط ~~والتفريط رذيلتان، فالمتوسط في الأخلاق يكون بعيدا عن الطرفين، فكان ~~معتدلا فاضلا. # وثانيها: إنما سمي العدل وسطا؛ لأنه لا يميل إلى أحد الخصمين، [والعدل ~~هو المعتدل الذي لا يميل إلى أحد الطرفين]. # وثالثها: أن المراد بقوله: { جعلناكم أمة وسطا } طريقة ~~المدح لهم؛ لأنه لا يجوز أن يذكر الله - تعالى - وصفا، ويجعله كالعلة في ~~أن جعلهم شهودا له ثم عطف على ذلك شهادة الرسول، وذلك مدح، فثبت أن ~~المراد بقوله: " وسطا " ما يتعلق بالمدح في باب الدين، ولا يجوز أن ~~يمدح الله الشهود حال حكمه عليهم بكونهم شهودا لا بكونهم عدولا؛ فوجب ~~أن يكون المراد ms0762 من الوسط العدالة. # ورابعها: أن الأوساط محمية بالأطراف، وحكمها مع الأطراف على حد سواء، ~~والأطراف يتسارع إليها الخلل والفساد، والوسط عبارة عن المعتدل الذي لا ~~يميل إلى جهة دون جهة. # وقال بعضهم: تفسير الوسط بأنه خيار الشيء [أولى من تفسيره بالعدالة؛ ~~لأن العدالة لا تطلق على الجمادات، فكان أولى، والمراد من الآية: أنهم ~~لم يغلوا؛ كما غلت النصارى، فجعلوه ابنا وإلها، ولا قصروا؛ كتقصير ~~اليهود في قتل الأنبياء، وتبديل الكتب وغير ذلك].وفرق بعضهم بين " ~~وسط " بالفتح و " وسط " بالتسكين. # فقال: كل موضع صلح فيه لفظ " بين " يقال بالسكون، وإلا ~~فبالتحريك. # فتقول: جلست وسط القوم، بالسكون. # وقال الراغب: وسط الشيء ما له طرفان متساويان القدر، ويقال ذلك في ~~الكمية المتصلة كالجسم الواحد، فتقول: وسطه صلب، ووسط بالسكون يقال في ~~الكمية المنفصلة؛ كشيء يفصل بين جسمين نحو: " وسط القوم " كذا. # وتحرير القول فيه هو أن المفتوح في الأصل مصدر، ولذلك استوى في ~~الوصف به الواحد وغيره، والمؤنث والمذكر، والساكن ظرف، والغالب ~~فيه عدم التصرف، وقد جاء متمكنا في قول الفرزدق: [الطويل]. # 824 - أتته بمجلوم كأن جبينه # صلاءة ورس وسطها قد تفلقا # روي برفع الطاء، والضمير ل " صلاءة " ، وبفتحها والضمير للجائية. # فصل في الاستدلال بالآية على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى # احتج الأصحاب بهذه الآية على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى؛ لأن هذه ~~الآية دالة على أن عدالة هذه الأمة وخيرتيهم بجعل الله وخلقه، وهذا صريح ~~في المذهب. # وقالت المعتزلة: المراد من هذا الجعل فعل الألطاف. # أجيب عنه بوجوده: # الأول: أن هذا ترك للظاهر، وذلك محال لا يصار إليه إلا عند عدم إمكان ~~حمل الآية على ظاهرها، أقصى ما للمعتزلة في هذا الباب التمسك بفصل ~~المدح والذم والثواب والعقاب، وقد بينا أن هذه الطريقة منتقضة على ~~أصولهم بمسألة العلم ومسألة الداعي. # والثاني: أنه تعالى - قال قبل هذه الآية # يهدي من يشآء إلى صراط مستقيم # [البقرة: 142]. # وقد بينا دلالة هذه الآية على قولنا في أنه - تعالى - يخص البعض ~~بالهداية دون البعض، فهذه ms0763 الآية يجب أن تكون محمولة على ذلك لتكون كل ~~واحدة منها مؤكدة لمضمون الأخرى. # والثالث: أن كل ما في مقدور الله - تعالى - من الألطاف في حق الكل فقد ~~فعله، وإذا كان كذلك لم يكن لتخصيص المؤمنين بهذا المعنى فائدة. # والرابع: أن الله - تعالى - ذكر ذلك في معرض الامتنان. # فصل في الاستدلال بالآية على أن الإجماع حجة # احتج الجمهور بهذه الآية على أن الإجماع حجة فقالوا: أخبر الله - تعالى ~~- عن عدالة هذه الأمة، وعن خيريتهم، فلو أقدموا على شيء من المحظورات ~~لما اتصفوا بالخيرية وإذا ثبت أنهم لا يقدمون على شيء من المحظورات ~~وجب أن يكون قولهم حجة، فإن قيل: الآية متروكة الظاهر؛ لأن وصف الأمة ~~بالعدالة يقتضي اتصاف كل واحد منهم بها، وخلاف ذلك معلوم بالضرورة، ~~فلا بد من حملها على البعض، فنحن نحملها على الأئمة المعصومين. # فالجواب: أنها ليست متروكة الظاهر، لكن لا نسلم أن الوسط من كل شيء ~~خياره، والوجوه التي ذكرتموها معارضة بوجهين: # الأول: أن عدالة الرجل عبارة عن أداء الواجبات، واجتناب المحرمات، وهذا ~~من فعل العبد، وقد أخبر الله - تعالى - أنه جعلهم وسطا، وذلك يقتضي أن ~~يكون كونهم وسطا غير كونهم عدولا، وإلا لزم وقوع مقدور واحد بقادرين ~~وهو محال. # الثاني: أن الوسط اسم لما يكون متوسطا بين شيئين، فجعله حقيقة في ~~العدالة والخيرية يقتضي الاشتراك، وهو خلاف الأصل. # سلمنا اتصافهم بالخيرية، وذلك لا يكفي في حصول هذا الوصف الاجتناب عن ~~الكبائر فقط، وإذا كان كذلك احتمل أن الذي اجتمعوا عليه وإن كان خطأ، ~~لكنه من الصغائر، فلا يقدح ذلك في خيريتهم، ومما يؤكد ذلك الاحتمال ~~أنه - تعالى - حكم بكونهم عدولا ليكونوا شهداء على الناس، وفعل الصغائر ~~لا يمنع الشهادة. # سلمنا اجتنابهم عن الصغائر والكبائر، ولكن الله - تعالى - بين وصفهم ~~بذلك لكونهم شهداء على الناس، ومعلوم أن هذه الشهادة إنما تتحقق في ~~الآخرة، فيلزم وجوب تحقق عدالتهم هناك، لأن عدالة الشهود إنما تعتبر حالة ~~الأداء لا حالة التحمل، وذلك لا نزاع فيه؛ لأن الأمة تصير معصومة ms0764 في ~~الآخرة. # فلم قلت: إنهم في الدنيا كذلك؟ # سلمنا وجوب كونهم عدولا في الدنيا، لكن المخاطبين بهذا الخطاب [هم ~~الذين كانوا موجودين عند نزول هذه الآية، لأن الخطاب] مع من لم يوجد ~~محال، وإذا كان كذلك، فهذه الآية تقتضي عدالة أولئك الذين كانوا ~~موجودين في ذلك الوقت لا عدالة غيرهم، فدلت الآية على أن إجماع [أولئك] ~~حق، فيجب ألا نتمسك بالإجماع إلا إذا علمنا حصول قول كل أولئك فيه. # لكن ذلك لا يمكن [إلا إذا علمنا كل واحد من أولئك الأقوام بأعيانهم، ~~وعلمنا بقاء كل واحد] منهم إلى ما بعد وفاة محمد صلى الله عليه وسلم ~~وعلمنا حصول أقوالهم بأسرهم في ذلك الإجماع، ولما كان ذلك كالمتعذر ~~امتنع التمسك بالإجماع. # والجواب عن قولهم: الآية متروكة الظاهر. # قلنا: لا نسلم فإن قوله: { وكذلك جعلناكم أمة وسطا ~~} يقتضي أنه - تعالى - جعل كل واحد منهم عند اجتماعه مع غيره بهذه ~~الصفة. # وعندنا أنهم في كل أمر اجتمعوا عليه، فإن كل واحد منهم يكون عدلا في ~~ذلك الأمر، بل إذا اختلفوا، فعند ذلك قد يفعلون القبيح، وإنما قلنا: إن ~~هذا الخطاب معهم حال الاجتماع، لأن قوله: " جعلناكم " خطاب ~~لمجموعهم لا لكل واحد منهم وحده، على أنا وإن سلمنا أن هذا يقتضي كون كل ~~واحد فيهم عدلا، لكنا نقول ترك العمل به في حق البعض لدليل قام عليه، ~~فوجب أن يبقى معمولا به في حق الباقي، وهذا معنى ما قاله العلماء: ليس ~~المراد من الآية أن كلهم كذلك، بل المراد أنه لا بد وأن يوجد فيما بينهم ~~من يكون بهذه الصفة، فإذا كنا لا نعلمهم بأعيانهم افتقرنا إلى إجماع ~~جماعتهم على القول والفعل لكي يدخل المعتبرون في جملتهم. # مثاله: أن الرسول - عليه الصلاة والسلام - إذا قال: إن واحدا من أولاد ~~فلان لا بد وأن يكون مصيبا في الرأي، فإذا لم نعلمه بعينه، ووجدنا ~~أولاده مجتمعين على رأي علمناه حقا؛ لأنه لا بد وأن يوجد فيهم ذلك ~~المحق. # فأما إذا اجتمعوا سوى الواحد على رأي لم ms0765 نحكم بكونه حقا، لتجويز أن ~~يكون الصواب مع ذلك الواحد المخالف. # ولهذا قال العلماء: إنا لو ميزنا في الأمة من كان مصيبا عمن كان مخطئا ~~كانت الحجة قائمة في قول المصيب ولم نعتبر ألبتة [بقول المخطئ. # قوله: لو كان المراد من كونهم وسطا هو عدالتهم لزم أن يكون فعل العبد ~~خلقا لله تعالى. # قلنا: هذا مذهبنا. فإن قيل] قولهم: لم قلتم: إن إخبار الله - تعالى - عن ~~عدالتهم وخيريتهم اجتنابهم عن الصغائر؟ # قلنا: خبر الله - تعالى - صدق، والخبر الصدق يقتضي حصول المخبر عنه، ~~وفعل الصغيرة ليس بخبر، فالجمع بينهما متناقض. # ولقائل أن يقول: الإخبار عن الشخص بأنه خير أهم من [الإخبار عنه بأنه ~~خير في جميع الأمور، أو في بعض الأمور، ولذلك فإنه يصح تقسيمه إلى] هذين ~~القسمين، فيقال: الخير إما أن يكون خيرا في بعض الأمور دون البعض، أو في ~~كل الأمور، ومورد التقسيم مشترك بين القسمين، فمن كان خيرا من بعض ~~الوجود دون البعض يصدق عليه أنه خير، فإذن إخبار الله - تعالى - عن خيرية ~~الأمة لا يقتضي إخباره - تعالى - عن خيريتهم في كل الأمور، فثبت أن هذا ~~لا ينافي إقدامهم على الكبائر فضلا عن الصغائر، [وكنا قد نصرنا هذه ~~الدلالة في أصول الفقه إلا أن هذا السؤال وارد عليهم، أما السؤال الآخر ~~فقد أجيب عنه بأن قوله: { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } ~~خطاب لجميع الأمة أولها وآخرها، من كان منهم موجودا وقت نزول هذه الآية، ~~ومن جاء بعدهم إلى [قيام الساعة]، كما أن قوله # كتب عليكم القصاص # [البقرة: 178]، # كتب عليكم الصيام # [البقرة: 183] يتناول الكل، ولا يختص بالموجودين في ذلك الوقت، [وكذلك ~~سائر تكاليف الله - تعالى - وأوامره وزواجره خطاب لجميع الأمة] فإن قيل: ~~لو كان الأمر كذلك لكان هذا خطابا لجميع من يوجد إلى قيام الساعة، فإنما ~~حكم لجماعتهم بالعدالة، فمن أين حكمت لأهل كل عصر بالعدالة حتى جعلتهم ~~حجة على من بعدهم؟ # قلنا: لأنه - تعالى - لما جعلهم شهداء على الناس، فلو اعتبرنا أول الأمة ~~وآخرها بمجموعها في كونها حجة على ms0766 غيرها لزالت الفائدة، إذ لم يبق بعد ~~انقضائها من تكون الأمة حجة عليه. # فعلمنا أن المراد به أهل كل عصر، ويجوز تسمية أهل العصر الواحد بالأمة، ~~فإن الأمة الجماعة التي تؤم جهة واحدة، ولا شك أن أهل كل عصر كذلك، ~~ولأنه - تعالى - قال: " أمة وسطا " فعبر عنهم بلفظ النكرة، ولا شك ~~أن هذا يتناول أهل كل عصر. # [قال النووي - رحمه الله تعالى - في " التهذيب ": الأمة تطلق على ~~معان: # منها من صدق النبي صلى الله عليه وسلم وآمن بما جاءه، واتبعه فيه، وهذا ~~هو الذي جاء مدحه في الكتاب والسنة كقوله تعالى: { كذلك ~~جعلناكم أمة وسطا } و # كنتم خير أمة أخرجت للناس # [آل عمران: 110]. # وقوله صلوات الله وسلام عليه: # " شفاعتي لأمتي " # و # " تأتي أمتي يوم القيامة غرا محجلين " # وغير ذلك. # ومنها من بعث إليهم النبي - صلوات الله وسلامه عليه - من مسلم وكافر. # ومنه قوله عليه أفضل الصلاة والسلام: # " والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي من هذه ~~الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن ~~بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار " # رواه مسلم. # ويأتي باقي الكلام عن الأمة في آخر " النحل " إن شاء الله - تعالى - عند ~~قوله تعالى: # إن إبراهيم كان أمة # [النحل: 120] إلى قوله: # كان الناس أمة واحدة # [البقرة: 213]. # فصل في الكلام على قوله: لتكونوا # قوله تعالى: " لتكونوا " يجوز في هذه اللام وجهان: # أحدهما: أن تكون لام " كي " فتفيد العلة. # والثاني: أن تكون لام الصيرورة، وعلى كلا التقديرين فهي حرف جر، وبعدها ~~" أن " مضمرة، وهي وما بعدها في محل جر، وأتى ب " شهداء " جمع " شهيد " ~~الذي يدل على المبالغة دون شاهدين وشهود جمعي " شاهد ". # وفي " على " قولان: # أحدها: أنها على بابها، وهو الظاهر. # والثاني: أنها بمعنى " اللام " ، بمعنى: أنكم تنقلون إليهم ما علمتموه ~~من الوحي والدين، كما نقله الرسول - عليه السلام - وكذلك القولان في " ~~على " الأخيرة، بمعنى أن الشهادة لمعنى التزكية منه - عليه السلام - لهم. # وإنما قدم متعلق الشهادة آخرا، وقدم أولا لوجهين: أحدهما: وهو ما ~~ذكره الزمخشري ms0767 أن الغرض في الأول إثبات شهادتهم على الأمم، وفي الآخر ~~اختصاصهم بكون الرسول شهيدا عليهم. # والثاني: أن " شهيدا " أشبه بالفواصل والمقاطع من " عليكم " ، فكان ~~قوله " شهيدا " تمام الجملة، ومقطعها دون " عليكم " ، وهذا الوجه قاله ~~الشيخ مختارا له رادا على الزمخشري مذهبه من أن تقديم المعفول يشعر ~~بالاختصاص، وقد تقدم ذلك. # فصل في الكلام على الشهادة. # اختلفوا في هذه الشهادة هل هي في الدنيا أو في الآخرة؟ فالقائل بأنها في ~~الآخرة وهم الأكثرون لهم وجهان: # الأول: أن هذه الأمة تشهد للأنبياء على أممهم الذين يكذبونهم. # روي أن الأمم يجحدون تبليغ الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - فيطالب ~~الله - تعالى - الأنبياء بالبينة على أنهم قد بلغوا وهو أعلم، فيؤتى ~~بأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - فيشهدون فتقول الأمم: من أين عرفتم ~~فيقولون: علمنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه الناطق على لسان نبيه ~~الصادق، فيؤتى بمحمد - عليه الصلاة والسلام - فيسأل عن حال أمته، ~~فيزكيهم ويشهد بعدالتهم، وذلك قوله: # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا # [النساء: 41] وقد طعن القاضي رحمه الله تعالى في هذ الرواية من وجوه: # أحدها: أن مدار هذه الرواية على أن الأمم يكذبون أنبياءهم، وهذا بناء ~~على أن أهل القيامة يكذبون. # وهذا باطل عند القاضي، وسيأتي الكلام على هذه المسألة في سورة " الأنعام ~~" عند قوله تعالى: # ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ~~ما كنا مشركين انظر كيف كذبوا على أنفسهم # [الأنعام: 23 - 24]. # وثانيها: أن شهادة الأمة، وشهادة الرسول - عليه الصلاة والسلام - ~~مستندة في الآخرة إلى شهادة الله - تعالى - على صدق الأنبياء، وإذا كان ~~كذلك، فلم لم يشهد الله - تعالى - لهم بذلك ابتداء؟ # والجواب: الحكمة في ذلك تمييز أمة محمد - عليه الصلاة والسلام - في ~~الفضل عن سائر الأمم بالمبادرة إلى تصديق الله - تعالى - وتصديق جميع ~~الأنبياء، والإيمان بهم جميعا، فهم بالنسبة إلى سائر الأمم كالعدل ~~بالنسبة إلى الفاسق. # وثالثها: أن مثل هذه الأخبار لا تسمى شهادة، وهذا ضعيف لقوله عليه ~~الصلاة والسلام: # " إذا علمت ms0768 مثل الشمس فاشهد " # والشيء الذي أخبر الله تعالى عنه فهو معلوم مثل الشمس، فوجب جواز ~~الشهادة عليه. # والثاني: قالوا معنى الآية: لتشهدوا على الناس بأعمالهم التي خالفوا ~~الحق فيها، قال ابن زيد رحمه الله تعالى: الأشهاد الأربعة: الملائكة ~~الموكلون بإثبات أعمال العباد، قال تعالى: # وجآءت كل نفس معها سآئق وشهيد # [ق: 21]. # وقال: # ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد # [ق: 18] وقال: # وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما ~~تفعلون # [الانفطار: 10 - 12]. # وثانيها: شهادة الأنبياء، وهو المراد بقوله حاكيا عن عيسى عليه الصلاة ~~والسلام: # وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما ~~توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل ~~شيء شهيد # [المائدة: 117]. # وقال تعالى في حق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأمته في هذه الآية: { ~~لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول عليكم ~~شهيدا }. # وقال في حق - محمد صلى الله عليه وسلم: # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا # [النساء: 41]. # وثالثها: شهادة أمة محمد - عليه الصلاة والسلام - قال تعالى: # وجيء بالنبيين والشهدآء # [الزمر: 69]. # وقال تعالى: # ويوم يقوم الأشهاد # [غافر: 51]. # ورابعها: شهادة الجوارح، وهي بمنزلة الإقرار، بل أعجب منه. # قال تعالى: # يوم تشهد عليهم ألسنتهم # [النور: 24]. الآية، وقال: # اليوم نختم على أفواههم # [يس: 65] الآية. # القول الثاني: أن أداء هذه الشهادة إنما يكون في الدنيا، وتقديره أن ~~الشهاة والمشاهدة والشهود هو الرؤية يقال: شاهدت كذا إذا رأيته وأبصرته. # ولما كان بين الإبصار بالعين وبين المعرفة بالقلب مناسبة شديدة، لا ~~جرم قد تسمى المعرفة التي في القلب: مشاهدة وشهودا، والعارف بالشيء: ~~شاهدا ومشاهدا، ثم سميت الدلائل على الشيء: شاهدا على الشيء، لأنها هي ~~التي بها صار الشاهد شاهدا، ولما كان المخبر عن الشيء والمبين لحاله ~~جاريا مجرى الدليل على ذلك سمي ذلك المخبر أيضا شاهدا، ثم اختص هذا ~~اللفظ في عرف الشرع بمن يخبر عن حقوق الناس بألفاظ مخصوصة على جهات ~~مخصوصة. إذا ثبت هذا فنقول: إن كل من عرف حال شيء وكشف عنه كان شاهدا ~~عليه، والله ms0769 سحبانه وتعالى وصف هذه الأمة بالشهادة، فهذه الشهادة: إما أن ~~تكون في الآخرة، أو في الدنيا، ولا جائز أن تكون في الآخرة؛ لأن الله - ~~تعالى - جعلهم عدولا في الدنيا لأجل أن يكونوا شهداء، وذلك يقتضي أن ~~يكونوا شهداء في الدنيا. # وإنما قلنا: إنه - تعالى - جعلهم عدولا في الدنيا؛ لأنه - تعالى - ~~[قال: " وكذلك جعلناكم أمة وسطا " وهذا إخبار عن ~~الماضي، فلا أقل من حصوله في الحال، وإنما قلنا إن ذلك يقتضي صيرورتهم ~~شهودا في الدنيا؛ لأنه تعالى] قال: " وكذلك جعلناكم أمة ~~وسطا لتكونوا شهداء على الناس " رتب كونهم شهداء على ~~صيرورتهم وسطا ترتيب الجزاء على الشرط، فإذا حصل وصف كونهم وسطا في ~~الدنيا [وجب أن يحصل وصف كونهم شهداء في الدنيا]. # فإن قيل: تحمل الشهادة لا يحصل إلا في الدنيا، ومتحمل الشهادة قد ~~يسمى شاهدا، وإن كان الأداء لا يحصل إلا في القيامة. # قلنا: الشهادة المعتبرة في الآية لا التحمل، بدليل أنه - تعالى - اعتبر ~~العدالة في هذه الشهادة، والشهادة التي يعتبر فيها العدالة، هي الأداء لا ~~التحمل، فثبت أن الآية تقتضي كون الأمة مؤدين للشهادة في الدنيا، وذلك ~~يقتضي أن يكون مجموع الأمة إذا أخبروا عن شيء أن يكون قولهم حجة، ولا ~~معنى لقولنا: الإجماع حجة إلا هذا، فثبت أن الآية تدل على أن الإجماع ~~حجة [من هذا الوجه أيضا]. # واعلم أن هذا الدليل لا ينافي كونهم شهودا في القيامة أيضا على الوجه ~~الذي وردت الأخبار به، ويؤيد ذلك قوله تعالى: { ويكون الرسول ~~عليكم شهيدا } يعني مؤديا ومبينا، ثم لا يمتنع أن تحصل مع ذلك ~~لهم الشهادة في الآخرة، فيجري الواقع منهم في الدنيا مجرى التحمل، ~~لأنهم إذا أثبتوا الحق عرفوا عنده من [القابل ومن الراد]، ثم يشهدون ~~بذلك يوم القيامة [على أن الشاهد على العقود يعرف الذي تم، والذي لم ~~يتم، ثم يشهدون بذلك عند الحاكم. # قال القرطبي رحمه الله: معنى قوله تعالى: { ويكون الرسول ~~عليكم شهيدا } أي: بأعمالكم يوم القيامة. # وقيل: " عليكم " بمعنى لكم أي: يشهد لكم بالإيمان. # وقيل: ms0770 يشهد عليكم بالتبليغ لكم]. # وقوله تعالى: { وما جعلنا القبلة التي كنت عليهآ ~~إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على ~~عقبيه... } في هذه الآية خمسة أوجه: # أحدها: أن " القبلة " مفعول أول، و " التي كنت عليها " مفعول ثان، فإن ~~الجعل بمعنى التصيير، وهذا ما جزم به الزمخشري فإنه قال: { التي ~~كنت عليهآ } ليس بصفة للقبلة، إنما هي ثاني مفعولي جعل، يريد: وما ~~جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها، وهي الكعبة؛ لأنه صلى الله ~~عليه وسلم كان يصلي ب " مكة " إلى الكعبة، ثم أمر بالصلاة إلى صخرة بيت ~~المقدس، ثم حول إلى الكعبة. # الثاني: أن " القبلة " هي المفعول الثاني، وإنما قدم، و " التي كنت ~~عليها " هو الأول، وهذا ما اختاره الشيخ محتجا له بأن التصيير هو ~~الانتقال من حال إلى حال، فالمتلبس بالحالة الأولى هو المفعول الأول، ~~والمتلبس بالحالة الثانية هو المفعول الثاني، ألا ترى أنك تقول: جعلت ~~الطين خزفا، وجعلت الجاهل عالما، والمعنى هنا على هذا التقدير: وما ~~جعلنا القبلة الكعبة التي كانت قبلة لك أولا، ثم صرفت عنها إلى " بيت ~~المقدس " قبلتك الآن إلا لنعلم. # ونسب الزمخشري في جعله " القبلة " مفعولا أول إلى الوهم. # الثالث: أن " القبلة " مفعول أول، و " التي كنت " صفتها، والمفعول ~~الثاني محذوف تقديره: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها منسوخة. # ولما ذكر أبو البقاء هذا الوجه قدره: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها ~~قبلة، ولا طائل تحته. # الرابع: أن " القبلة " مفعول أول، و " إلا لنعلم " هو المفعول ~~الثاني، وذلك على حذف مضاف تقديره: وما جعلنا صرف القبلة التي كنت ~~عليها إلا لنعلم، نحو قولك: ضرب زيد للتأديب، أي: كائن، أو ثابت للتأديب. # الخامس: أن " القبلة " مفعول أول، والثاني محذوف، و { التي كنت ~~عليهآ } صفة لذلك المحذوف، والتقدير: وما جعلنا القبلة القبلة ~~التي، ذكره أبو البقاء، وهو ضعيف. # وفي قوله: " كنت " وجهان: # أحدهما: أنها زائدة، ويروى عن ابن عباس أي: أنت عليها، وهذا منه تفسير ~~معنى لا إعراب، وهو كقوله تعالى: # كنتم خير أمة أخرجت للناس # [آل ms0771 عمران: 110] والقبلة في الأصل اسم للحالة التي عليها المقابل نحو: ~~الجلسة، وفي التعاريف صار اسما للمكان المقابل المتوجه إليه للصلاة. # وقال قطرب رحمه الله تعالى: يقولون: ليس له قبلة أي جهة يتوجه إليها. # وقال غيره: إذا تقابل رجلان فكل واحد قبلة للآخر. # فصل في الكلام على الآية. # في هذا الكلام وجهان: # الأول: أن يكون هذا الكلام بيانا للحكمة في جعل الكعبة قبلة، وذلك ~~لأنه - عليه الصلاة والسلام - كان يصلي إلى الكعبة، ثم أمر بالصلاة إلى ~~" بيت المقدس " بعد الهجرة تأليفا لليهود، ثم حول إلى الكعبة فقال: { ~~وما جعلنا القبلة } الجهة { التي كنت عليهآ } أولا ~~يعني: وما رددناك إليها إلا امتحانا للناس. # الثاني: يجوز أن يكون قوله: { التي كنت عليهآ } لسانا للحكمة ~~في جعل بيت المقدس قبلة يعني أصل أمرك أن تستقبل الكعبة، وأن استقبالك " ~~بيت المقدس " كان أمرا عارضا لغرض، وإنما جعلنا القبلة الجهة التي كنت ~~عليها قبل وقتك هذا، وهي " بيت المقدس " لنمتحن الناس، وننظر من يتبع ~~الرسول، ومن لا يتبعه وينفر عنه. # وذكر أبو مسلم وجها ثالثا فقال: لولا الروايات لم تدل الآية على قبلة ~~من قبل الرسول - عليه الصلاة والسلام - لأنه قد يقال: كنت بمعنى: صرت، ~~كقوله تعالى: { كنتم خير أمة } وقد يقال: كان في معنى لم يزل ~~كقوله تعالى: # وكان الله عزيزا حكيما # [النساء: 158] فلا يمتنع أن يراد بقوله: { وما جعلنا القبلة ~~التي كنت عليهآ } أي: التي لم تزل عليها، وهي الكعبة إلا كذا ~~وكذا. # قوله: " إلا لنعلم " قد تقدم أنه في أحد الأوجه يكون مفعولا ~~ثانيا. # وأما على غيره فهو استثناء مفرغ من المفعول العام، أي: ما سبب تحويل ~~القبلة لشيء من الأشياء إلا لكذا. وقوله: " لنعلم " ليس على ~~ظاهره، فإن علمه قديم، ونظره في الإشكال قوله: # ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم ~~والصابرين # [محمد: 31]. # وقوله: # الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا # [الأنفال: 66]، وقوله: # لعله يتذكر أو يخشى # [طه: 42]، وقوله: # فليعلمن الله الذين صدقوا # [العنكبوت: 3]. # وقوله: # وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم ms0772 من ~~يؤمن بالآخرة # [سبأ: 21]، فلا بد من التأويل وهو من أوجه: # أحدها: لتمييز التابع من الناكص إطلاقا للسبب، وإرادة للمسبب. # وقيل: على حذف مضاف أي: لنعلم رسولنا فحذف، كما يقول الملك: فتحنا ~~البلدة الفلانية بمعنى: فتحها أولياؤنا. # ومنه يقال: فتح عمر السواد. # ومنه قوله عليه الصلاة والسلام فيما يحكيه عن ربه: # " استقرضت عبدي فلم يقرضني، وشتمني ولم يكن ~~ينبغي له أن يشتمني يقول: وادهراه وأنا الدهر " # وفي الحديث: # " من أهان لي وليا فقد أهانني " # وقيل: معناه: إلا لنرى. # فصل # قال القرطبي رحمه الله: وهذا قول ابن أبي طالب وقول العرب، تضع العلم ~~مكان الرؤية، والرؤية مكان العلم، كقوله تعالى: # ألم تر كيف فعل ربك # [الفيل: 1] بمعنى ألم تعلم، وعلمت، وشهدت، ورأيت، ألفاظ تتعاقب. # وقيل: حدوث العلم في هذه الآية راجع إلى المخاطبين، معناه: لتعلموا. # والغرض من هذا الكلام الاستمالة والرفق في الخطاب كقوله: # وإنآ أو إياكم لعلى هدى # [سبأ: 24] فأضاف الكلام الموهم للشك إلى نفسه ترقيقا للخطاب، ورفقا ~~بالمخاطب. # وقيل: يعاملكم معاملة المختبر الذي كأنه لا يعلم. # وقيل: العلم صلة زائدة معناه إلا ليحصل اتباع المتبعين، وانقلاب ~~المنقلبين. # ونظيره قولك في الشيء الذي تنفيه عن نفسك: ما علم الله هذا مني أي ما ~~كان هذا مني، والمعنى: أنه لو كان لعلمه الله. # قوله: { من يتبع } في " من " وجهان: # أحدهما: أنها موصولة، و " يتبع " صلتها، والموصول وصلته في محل المفعول ~~ل " نعلم "؛ لأنه يتعدى إلى واحد. # والثاني: أنها استفهامية في محل رفع بالابتداء، و " يتبع " خبره، ~~والجملة في محل نصب؛ لأنها معلقة للعلم، والعلم على بابه، وإليه نحا ~~الزمخشري في أحد قوليه. # وقد رد أبو البقاء هذا الوجه، فقال: لأن ذلك يوجب تعلق " نعلم " عن ~~العمل، وإذا علقت عنه لم يبق ل " من " ما تتعلق به، لأن ما بعد ~~الاستفهام لا يتعلق بما قبله، ولا يصح تعلها ب " يتبع "؛ لأنها في ~~المعنى متعلقة بلا علامة، وليس المعنى: أي فريق يتبع ممن ينقلب انتهى. # وهو رد واضح إذ ليس المعنى على ذلك، ms0773 إنما المعنى على أن يتعلق " ممن ~~ينقلب " ب " نعلم " نحو: علمت من أحسن إليك ممن أساء، وهذا يقوي ~~التجوز بالعلم عن التمييز، فإن العلم لا يتعدى ب " من " إلا إذا أريد به ~~التمييز. # وقرأ الزهري: " إلا ليعلم " على البناء للمفعول، وهي قراءة واضحة ~~لا تحتاج إلى تأويل، فإنا لا نقدر ذلك الفاعل غير الله تعالى. # قوله: " على عقبيه " في محل نصب على الحال، أي ينقلب مرتدا ~~راجعا على عقبيه، وهذا مجاز، [ووجه الاستعارة أن: المنقلب على عقبيه قد ~~ترك ما بين يديه وأدبر عنه، فلما تركوا الإيمان والدلائل بمنزلة المدبر ~~عما بين يديه، فوصفوا بذلك لما قال تعالى: # ثم أدبر واستكبر # [المدثر: 23] وقوله تعالى: # كذب وتولى # [طه: 48]. # وقرئ " على عقبيه " بسكون القاف، وهي لغة " تميم ". # فصل # اختلفوا في هذه المحنة، هل حصلت بسبب تعيين القبلة، أو بسبب تحويلها؟ ~~فقال بعضهم: إنما حصلت بسبب تعيين القبلة؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - ~~كان يصلي إلى الكعبة، فلما جاء " المدينة " صلى إلى " بيت المقدس " ، ~~فشق ذلك على العرب لترك قبلتهم. # قال القرطبي رحمه الله: والآية جواب لقريش في قولهم: # ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها # [البقرة: 142] وكانت قريش تألف الكعبة، فأراد الله - عز وجل - أن ~~يمتحنهم بغير ما ألفوه. # وقال الأكثرون: حصلت بسبب التحويل قالوا: إن محمدا صلى الله عليه وسلم ~~لو كان على يقين من أمره لما تغير رأيه. # روى القفال عن ابن جريج أنه قال: بلغني أنه رجع ناس ممن أسلموا، ~~فقالوا: مرة ههنا ومرة ههنا. # وقال السدي رحمه الله تعالى: لما توجه النبي - عليه الصلاة والسلام - ~~نحو المسجد الحرام واختلف الناس، فقال المنافقون: ما بالهم كانوا على ~~قبلة ثم تركوها؟ # وقال المسلمون: ليتنا نعلم حال إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون نحو بيت ~~المقدس. # وقال آخرون: اشتاق إلى بلد أبيه ومولده. # وقال المشركون: تحير في دينه. # قال ابن الخطيب: وهذا القول أولى؛ لأن الشبهة في أمر النسخ أعظم من ~~الشبهة الحاصلة بسبب تعيين القبلة [وقد وصفها الله - تعالى - بالكبر فقال ~~عز ms0774 وجل: { وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى ~~الله } فكان حمله عليه أولى]. # قوله: " وإن كانت لكبيرة " " إن " هي المخففة من الثقيلة ~~دخلت على ناسخ المبتدأ والخبر، وهو أغلب أحوالها، و " اللام " للفرق ~~بينها وبين " إن " النافية، وهل هي لام الابتداء، أو لام أخرى أتى بها ~~للفرق؟ خلاف مشهور. # وزعم الكوفيون أنها بمعنى " ما " النافية، وأن " اللام " بمعنى " إلا " ~~، والمعنى: ما كانت إلا كبيرة، نقل ذلك عنهم أبو البقاء رحمه الله [وفيه ~~نظر. واعلم أن " إن " المكسورة الخفيفة تكون على أربعة أوجه: # جزاء، وهي تفيد ربط إحدى الجملتين بالأخرى، فالمستلزم هو الشرط، واللازم ~~هو الجزاء، كقولك: إن جئتني أكرمتك. # ومخففة من الثقيلة، وهي تفيد توكيد المعنى في الجملة بمنزلة المشددة، ~~كقولك: إن زيدا لقائم، قال تعالى: # إن كل نفس لما عليها حافظ # [الطارق: 4]، # إن كان وعد ربنا لمفعولا # [الإسراء: 108]. # وللجحد، لقوله تعالى: # إن الحكم إلا لله # [الأنعام: 57] # إن يتبعون إلا الظن # [الأنعام: 148] # ولئن زالتآ إن أمسكهما # [فاطر: 41]. أي: ما يمسكهما. وزائدة كقوله: ما إن رأيت زيدا]، والقراءة ~~المشهورة نصب " كبيرة " على خبر " كان " ، واسم كان مضمر فيها يعود على ~~التولية، أو الصلاة، أو القبلة المدلول عليها بسياق الكلام. # وقرأ اليزيدي عن أبي عمرو: برفعها. # وفيه تأويلان: # أحدهما - وذكره الزمخشري -: أن " كان " زائدة، وفي زيادتها عاملة نظر ~~لا يخفى؛ وقد استدل الزمخشري على ذلك بقوله: [الوافر]. # 825 - فكيف إذا مررت بدار قوم # وجيران لنا كانوا كرام # فإن قوله: " كرام " صفة ل " جيران " ، وزاد بينهما " كانوا " ، وهي ~~رافعة للضمير، ومن منع ذلك تأول " لنا " خبرا مقدما، وجملة الكون صفة ~~ل " جيران ". # والثاني: أن " كان " غير زائدة، بل يكون " كبيرة " خبرا لمبتدأ محذوف، ~~والتقدير: وإن كانت لهي كبيرة، وتكون هذه الجملة في محل نصب خبرا ~~لكانت، ودخلت لام الفرق على الجملة الواقعة خبرا، وهو توجيه ضعيف، ولكن ~~لا توجه هذه القراءة الشاذة بأكثر من ذلك. # [والضمير في " كانت " فيه وجهان: # الأول: أنه يعود على القبلة؛ لأن المذكور السابق هو القبلة. # والثاني: يعود إلى ms0775 ما دل عليه الكلام السابق، وهو مفارقة القبلة، ~~والتأنيث للتولية أي: وإن كانت التولية؛ لأن قوله تعالى: " ما ولاهم " ~~يدل على القولية، ويحتمل أن يكون المعنى: وإن كانت هذه الفعلة نظيره " ~~فبها ونعمت ". # ومعنى " كبيرة " ثقيلة شاقة مستنكرة. # وقوله تعال: # كبرت كلمة تخرج من أفواههم # [الكهف: 5]]. # قوله: " إلا على الذين " متعلق ب " كبيرة " ، وهو استثناء ~~مفرغ. # فإن قيل: لم يتقدم هنا نفي ولا شبهة، وشرط الاستثناء المفرغ تقدم شيء من ~~ذلك. # فالجواب: أن الكلام وإن كان موجبا لفظا فإنه في معنى النفي؛ إذ المعنى ~~أنها لا تخف ولا تسهل إلا على الذين، وهذا التأويل بعينه قد ذكروه في ~~قوله: # وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين # [البقرة: 45]. # وقال أبو حيان: [هو استثناء من مستثنى محذوف تقديره: وإن كانت لكبيرة ~~على الناس إلا على الذين] وليس استثناء مفرغا؛ لأنه لم يتقدمه نفي ولا ~~شبهة، وقد تقدم جواب ذلك [واستدل الأصحاب رحمهم الله - تعالى - بهذه ~~الآية على خلق العمال]. # قوله: { وما كان الله ليضيع } في هذا التركيب وما أشبهه [مما ~~ورد في القرآن وغيره] نحو: # وما كان الله ليطلعكم على الغيب # [آل عمران: 179]، # ما كان الله ليذر # [آل عمران: 179] قولان: # أحدهما: قول البصريين؛ وهو أن خبر " كان " محذوف، وهذه اللام تسمى لام ~~الجحود ينتصب الفعل بعدها بإضمار " أن " وجوبا، فينسبك منها ومن الفعل ~~مصدر منجر بهذه " اللام " ، وتتعلق هذه اللام بذلك الخبر المحذوف. # والتقدير: وما كان الله مريدا لإضاعة أعمالكم، وشرط لام الجحود عندهم ~~أن يتقدمها كون منفي. # [واشترط بعضهم مع ذلك أن يكون كونا ماضيا، ويفرق بينها وبين " لام " ~~ما ذكرنا من اشتراط تقدم كون منفي]، ويدل على مذهب البصريين التصريح ~~بالخبر المحذوف في قوله: [الوافر]. # 826 - سموت ولم تكن أهلا لتسمو...................... # والقول الثاني للكوفيين: وهو أن " اللام " وما بعدها في محل الجر، ولا ~~يقدرون شيئا محذوفا، ويزعمون أن النصب في الفعل بعدها بنفسها لا بإضمار ~~" أن " ، وأن " اللام " للتأكيد، وقد رد عليهم أبو البقاء فقال: وهو ~~بعيد، لأن " اللام " لام الجر، و ms0776 " أن " بعدها مرادة، فيصير التقدير على ~~قولهم: وما كان لله إضاعة إيمانكم، وهذا الرد غير لازم لهم، فإنهم لم ~~يقولوا بإضمار " أن " بعد اللام كما قدمت نقله عنهم، بل يزعمون النصب ~~بها، وأنها زائدة للتأكيد ولكن للرد عليهم موضع غير هذا. # واعلم أن قولك: " ما كان زيد ليقوم " ب " لام " الجحود أبلغ من: " ما ~~كان زيد يقوم ". # أما على مذهب البصريين فواضح، وذلك أن مع " لام " الجحود نفي الإرادة ~~للقيام والتهيئة، ودونها نفي للقيام فقط، ونفي التهيئة والإرادة ~~للفعل أبلغ من نفي الفعل؛ إذ لا يلزم من نفي الفعل نفي إرادته. # وأما على مذهب الكوفيين فلأن " اللام " عندهم للتوكيد، والكلام مع ~~التوكيد أبلغ منه بلا توكيد. # وقرأ الضحاك: " ليضيع " بالتشديد، وذلك أن: أضاع وضيع ~~بالهمزة، والتضعيف للنقل من " ضاع " القاصر، يقال: ضاع الشيء يضيع، ~~وأضعته أي: أهملته، فلم أحفظه. # وأما ضاع المسك يضوع أي: فاح، فمادة أخرى. # فصل في مناسبة اتصال هذه الآية بما قبلها # وجه اتصال هذه الآية الكريمة بما قبلها أن رجالا من المسلمين كأبي ~~أمامة، وسعد ابن زرارة، والبراء بن عازب، والبراء بن معرور، وغيرهم ~~ماتوا على القبلة. # قال عشائرهم: يا رسول الله توفي إخواننا على القبلة الأولى، فكيف حالهم؟ # فأنزل الله - تعالى - هذه الآية. # [واعلم أنه لا بد من هذا السبب، وإلا لم يتصل بعض الكلام ببعض، ووجه ~~تقرير الإشكال أن الذين لم يجوزوا النسخ إلا مع البداء يقولون: إنه ~~لما تغير الحكم وجب أن يكون الحكم مفسدة] فبين أن النسخ نقل من مصلحة ~~إلى مصلحة، ومن تكليف إلى تكليف، والأول كالثاني في أن القائم به متمسك ~~بالدين، وأن من هذا حاله، فإنه لا يضيع أجره. # ونظيره: ما سألوا بعد تحريم الخمر عمن مات، وكان يشربها، فأنزل الله ~~تعالى: # ليس على الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جناح # [المائدة: 93] فعرفهم الله - تعالى - أنه لا جناح عليهم فيما مضى لما ~~كان ذلك بإباحة الله تعالى # فإن قيل: إذا كان الشك إنما تولد من تجويز البداء على الله - تعالى - ~~فكيف ms0777 يليق ذلك بالصحابة؟ # فالجواب من وجوه: # أحدها: أن ذلك الشك وقع لمنافق، فذكر الله - تعالى - ذلك ليذكره ~~المسلمون جوابا لسؤال ذلك المنافق. # وثانيها: لعلهم اعتقدوا أن الصلاة إلى الكعبة أفضل فقالوا: ليت ~~إخواننا ممن مات أدرك، فذكر الله - تعالى - هذا الكلام جوابا عن ذلك. # وثالثها: لعله - تعالى - ذكر هذا الكلام ليكون دفعا لذلك السؤال لو ~~خطر ببالهم. # ورابعها: لعلهم توهموا أن ذلك لما نسخ وبطل، وكان ما يؤتى به بعد ~~النسخ من الصلاة إلى الكعبة كفارة لما سلف، واستغنوا عن السؤال عن أمر ~~أنفسهم لهذا الضرب من التأويل، فسألوا عن إخوانهم الذين ماتوا، ولم يأتوا ~~بما يكفر ما سلف؛ قال: { وما كان الله ليضيع إيمانكم } ، ~~والمراد: أهل ملتكم، كقوله لليهود الحاضرين في زمان محمد صلى الله عيله ~~وسلم: # وإذ قتلتم نفسا # [البقرة: 72]، # وإذ فرقنا بكم البحر # [البقرة: 50]، ويجوز أن يكون السؤال واقعا عن الأحياء والأموات معا، ~~فإنهم أشفقوا على ما كان من صلاتهم أن يبطل ثوابهم، وكان الإشفاق واقعا ~~في الفريقين، فقيل: إيمانكم للأحياء والأموات، إذ من شأن العرب إذا ~~أخبروا عن حاضر وغائب أن يغلبوا الخطاب، فيقولوا: كنت أنت وفلان الغائب ~~فعلتما والله أعلم. # وقال أبو مسلم: يحتمل أن يكون ذلك خطابا لأهل الكتاب، والمراد بالإيمان ~~صلاتهم، وطاعتهم قبل البعثة ثم نسخ. # وإنما اختار ابو مسلم هذا القول، لئلا يلزمه وقوع النسخ في شرعنا. # قال القرطبي: " وسمى الصلاة إيمانا لاشتمالها على نية وقول وعمل ". # استدلت المعتزلة بقوله: { وما كان الله ليضيع إيمانكم } ~~على أن الإيمان اسم لفعل الطاعات، فإنه - تعالى - أراد بالإيمان ها هنا ~~الصلاة. # والجواب: لا نسلم أن المراد من الإيمان هنا الصلاة، بل المراد منه ~~التصديق، والإقرار، فكأنه - تعالى - قال: إنه لا يضيع تصديقكم بوجوب ~~تلك الصلاة. # سلمنا أن المراد من الإيمان هاهنا الصلاة، ولكن الصلاة أعظم الإيمان، ~~وأشرف نتائجه وفوائده، فجاز إطلاق اسم الإيمان على الصلاة على سبيل ~~الاستعارة من هذه الجهة. # فصل في الكلام على الآية. # قوله: { وما كان الله ليضيع إيمانكم } أي: لا يضيع ms0778 ثواب ~~إيمانكم؛ لأن الإيمان قد انقضى وفني، وما كان كذلك استحال حفظه وإضاعته، ~~إلا أن استحقاق الثواب قائم بعد انقضائه، فصح حفظه وإضاعته، وهو كقوله ~~تعالى: # أني لا أضيع عمل عامل منكم # [آل عمران: 195]. # قوله: { لرءوف رحيم }. # قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر: " لرؤف " على وزن: " ~~ندس " و " رعف " مهموزا غير مشبع، وهي لغة فاشية، كقوله: ~~[الوافر]. # 827 - وشر الظالمين فلا تكنه # يقاتل عمه الرؤف الرحيما # وقال آخر: [الوافر]. # 828 - يرى للمسلمين عليه حقا # كحق الوالد الرؤف الرحيم # وقرأ الباقون: " لرؤوف " مثقلا مهموزا مشبعا على زنة " شكور ". # وقرأ أبو جعفر " لروف " من غير همز، وهذا دأبه في كل همزة ساكنة أو ~~متحركة. # و " الرأفة ": أشد الرحمة، فهي أخص منها، [وقيل بينهما عموم وخصوص، فلا ~~ترى فيه اكمل من الرحمة بالكيفية، والرحمة اتصال النعمة برقة يكون معها ~~إيلام كقطع العضو المتآكل وشرب الدواء]. # وفي " رءوف " لغتان أخريان لم تصل إلينا بهما قراءة وهما: " رئف " على ~~وزن " فخذ " ، و " رأف " على وزن " ضعف ". # وإنما قدم على " رحيم " لأجل الفواصل، والله أعلم. # فصل فيمن استدل بالآية على أن الله تعالى لا يخلق الكفر # استدلت المعتزلة بهذه الآية على أنه تعالى لا يخلق الكفر ولا الفساد ~~قالوا: لأنه - تعالى - بين أنه بالناس لرءوف رحيم، فوجب أن يكون رءوفا ~~رحيما بهم، وإنما يكون كذلك لو لم يخلق فيهم الكفر الذي يجرهم إلى ~~العقاب الدائم، والعذاب السرمدي، ولو لم يكلفهم ما لا يطيقون، ~~فإنه - تعالى - لو كان مع مثل هذا الإضرار رءوفا رحيما، فعلى أي ~~طريق يتصور ألا يكون رءوفا رحيما. # واعلم أن الكلام عليه قد تقدم مرارا، والله أعلم. ### || [2.144] # قال العلماء: هذه الآية متقدمة في النزول على قوله تعالى: # سيقول السفهآء من الناس # [البقرة: 143]. # ومعنى " تقلب وجهك ": تحرك وجهك إلى السماء. # اعلم أن " قد " هذه قال فيها بعضهم: إنها تصرف المضارع إلى ~~معنى المضي، وجعل من ذلك هذه الآية وأمثالها، وقول ~~الشاعر: [الطويل] # 829 - لقوم لعمري قد نرى أمس فيهم # مرابط للأمهار والعكر ms0779 الدثر # وقال الزمخشري: " قد نرى ": ربما نرى، ومعناه كثرة ~~الرؤية؛ كقوله: [البسيط] # 830 - قد أترك القرن مضفرا أنامله # كأن أثوابه مجت بفرصاد # قال أبو حيان: وشرحه هذا على التحقيق متضاد؛ لأنه شرح " قد ~~نرى " ب " ربما نرى " ، و " رب " على مذهب المحققين إنما ~~تكون لتقليل الشيء في نفسه، أو لتقليل نظيره. # ثم قال: " ومعناه كثرة الرؤية " فهو مضاد لمدلول " رب " ~~على مذهب الجمهور. # ثم هذا الذي ادعاه من كثرة الرؤية لا يدل عليه اللفظ، لأنه لم توضع ~~للكثرة " قد " مع المضارع، سواء أريد به المضي أم لا، وإنما فهمت ~~الكثرة من متعلق الرؤية، وهو التقلب. # قوله: " في السماء " في متعلق الجار ثلاثة أقوال: # أحدهما: أنه المصدر، وهو " تقلب " ، وفي " في " حينئذ وجهان: # أحدهما: أنها على بابها من الظرفية، وهو الواضح. # والثاني: أنها بمعنى " إلى " أي: إلى السماء ولا حاجة لذلك، ~~فإن هذا المصدر قد ثبت تعديه ب " في " ، قال تعالى: # لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد # [آل عمران: 196]. # والثاني من الأقوال: أنه " نرى " ، وحينئذ تكون " في " بمعنى " ~~من " أي: قد نرى من السماء، وذكر السماء وإن كان تعالى لا ~~يتحيز في جهة على سبيل التشريف. # والثالث: أنه محل نصب على الحال من " وجهك " ذكره أبو ~~البقاء، فيتعلق حينئذ بمحذوف، والمصدر هنا مضاف إلى فاعله، ولا ~~يجوز أن يكون مضافا إلى منصوبه؛ لأنه مصدر ذلك التقليب، ولا ~~حاجة إلى حذف، ومن قوله: " وجهك " وهو بصر وجهك، لأن ~~ذلك لا يكاد يستعمل، بل ذكر الوجه؛ لأنه أشرف الأعضاء، وهو الذي يقلبه ~~السائل في حاجته، وقيل: كنى بالوجه عن البصر؛ لأنه محله. # قوله: { فلنولينك قبلة } " الفاء " هنا للتسبب وهو ~~واضح، وهذا جواب قسم محذوف، أي: فوالله لنولينك، و " ~~نولي " يتعدى لاثنين: الأول الكاف، والثاني " قبلة " و " ~~ترضاها " الجملة في محل نصب صفة ل " قبلة ". # قال أبو حيان: وهذا؛ يعني: " فلنولينك " يدل على أن الجملة ~~السابقة محذوفة تقديره: قد نرى تقلب وجهك في السماء ~~طالبا قبلة غير التي أنت مستقبلها. # فصل في الكلام ms0780 على الآية # في الآية قولان: # القول الأول: وهو المشهور الذي عليه أكثر المفسرين أن ذلك كان ~~لانتظار تحويله من " بيت المقدس " إلى الكعبة، وذكروا في ذلك ~~وجوها: # أحدها: أنه كان يكره التوجه إلى بيت المقدس، ويحب التوجه إلى ~~الكعبة، إلا أنه ما كان يتكلم بذلك، فكان يقلب وجهه في السماء ~~لهذا المعنى. # روي عن عباس أنه [صلى الله عليه وسلم] قال: # " يا جبريل وددت أن الله - تعالى - صرفني عن ~~قبلة اليهود، إلى عينها فقد كرهتها " # فقال جبريل عليه الصلاة والسلام " أنا عبد مثلك فاسأل ~~ربك ذلك ". # فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يديم النظر إلى السماء؛ ~~رجاء مجيء جبريل بما سأل، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وهؤلاء ~~ذكروا في سبب هذه المحنة أمورا: # الأول: أن اليهود كانوا يقولون: إنه يخالفنا، ثم إنه ~~يتبع قبلتنا، ولولا نحن لم يدر أين يستقبل. فعند ذلك كره أن ~~يتوجه إلى قبلتهم. # الثاني: أن الكعبة كانت قبلة إبراهيم عليه الصلاة والسلام. # [الثالث: أنه - صلوات الله وسلامه عليه - كان يقدر أن يصير ذلك ~~سببا لاستمالة العرب، ولدخولهم في الإسلام. # الرابع: أنه - عليه الصلاة والسلام - أحب] أن يحصل هذا الشرف ~~للمسجد الذي في بلدته ومنشئه لا في مسجد آخر. # واعترض القاضي على هذا الوجه، وقال: إنه لا يليق به - عليه ~~الصلاة والسلام - أن يكره قبلة أمر أن يصلي إليها، ويحب أن ~~يحوله ربه عنها إلى قبلة يهواها بطبعه، ويميل إليها بحسب ~~شهوته؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - علم أن الصلاح في خلاف ~~الطبع والميل. # قال ابن الخطيب: وهذا قليل التحصيل؛ لأن المستنكر من الرسول ~~- عليه الصلاة والسلام - أن يعرض عما أمره الله - تعالى - به، ويشتغل بما ~~يدعوه طبعه إليه. # فأما أن يميل قلبه إلى شيء، فيتمنى في قلبه أن يأذن الله له فيه، فذلك ~~مما لا إنكار عليه، لا سيما إذا لم ينطق به، [أي بعد في أن يميل طبع ~~الرسول إلى شيء، فيتمنى في قلبه أن يأذن الله له فيه، وهذا مما لا ~~استبعاد فيه بوجه ms0781 من الوجوه]. # الوجه الثاني: أنه - عليه الصلاة والسلام - قد استأذن جبريل - عليه ~~السلام - في أن يدعو الله - تعالى - بذلك، فأخبره جبريل - عليه الصلاة ~~والسلام - بأن الله قد أذن له في هذا الدعاء، وذلك لأن الأنبياء لا ~~يسألون الله تعالى شيئا إلا بإذن منه، لئلا يسألون ما لا صلاح فيه، ~~فلا يجابوا إليه، فيفضي ذلك إلى تحقير شأنهم، فلما أذن الله - تعالى - له ~~في الإجابة، علم أنه يستجاب إليه، فكان يقلب وجهه في السماء ينتظر ~~مجيء جبريل - عليه السلام - بالوحي في الإجابة. # الوجه الثالث: قال الحسن: إن جبريل - عليه السلام - أتى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يخبره أن الله - تعالى سيحول القبلة عن بيت المقدس إلى ~~قبلة أخرى، ولم يبين له إلى أي موضع يحولها، ولم تكن قبلة أحب إلى ~~الرسول - عليه الصلاة والسلام - من الكعبة، فكان رسول الله يقلب وجهه ~~في السماء ينتظر الوحي؛ لأنه - عليه السلام - على أن الله تعالى لا ~~يتركه بغير صلاة، فأتاه جبريل عليه السلام، فأمره أن يصلي نحو الكعبة. # والقائلون بهذا الوجه اختلفوا، فمنهم من قال: إنه - عليه السلام - منع ~~من استقبال " بيت المقدس " ولم يعين له القبلة، فكان يخاف أن يرد وقت ~~الصلاة، ولم تظهر القبلة، فتتأخر صلاته، فلذلك كان يقلب وجهه. عن الأصم. # وقال آخرون: بل وعد بذلك، وقبلة بيت المقدس باقية، بحيث تجوز الصلاة ~~إليها، لكن لأجل الوعد كان يتوقع ذلك، ولأنه كان يرجو عند التحويل عن " ~~بيت المقدس " إلى " الكعبة " وجوها كثيرة من المصالح الدينية: # نحو: رغبة العرب في الإسلام، والمباينة عن اليهود، وتمييز الموافق ~~من المنافق، لهذا كان يقلب وجهه، وهذا الوجه أولى، وإلا لما كانت ~~القبلة الثانية ناسخة للأولى، [بل كانت مبتدأه. # والمفسرون أجمعوا على أنها ناسخة للأولى]، ولأنه لا يجوز أن يؤمر ~~بالصلاة إلا مع بيان موضع التوجه. # الرابع: أن تقلب وجهه في السماء هو الدعاء. # القول الثاني: وهو قول أبي مسلم الأصفهاني، قال: لولا الأخبار التي ~~دلت على هذا القول، وإلا فلفظ الآية يحتمل وجها آخر، ms0782 وهو أنه يحتمل أنه ~~- عليه الصلاة والسلام - إنما كان يقلب وجهه في أول مقدمه " المدينة ". # فقد روي أنه - عليه السلام - كان إذا صلى ب " مكة " جعل الكعبة بينه ~~وبين " بيت المقدس " ، وهذه صلاة إلى الكعبة، فلما هاجر لم يعلم أين ~~يتوجه، فانتظر أمر الله - تعالى - حتى نزل قوله: { فول وجهك ~~شطر المسجد الحرام }. # فصل # اختلفوا في صلاته إلى بيت المقدس، فقال قوم: كان ب " مكة " يصلي إلى ~~الكعبة فلما صار إلى المدينة أمر بالتوجه [إلى بيت المقدس سبعة عشر ~~شهرا. # وقال قوم: بل كان ب " مكة " يصلي إلى بيت المقدس، إلا أنه يجعل الكعبة ~~بينه وبينها. # وقال قوم: بل كان يصلي إلى بيت المقدس فقط وب " المدينة " أولا سبعة ~~عشر شهرا، ثم أمره الله تعالى بالتوجه إلى الكعبة لما فيه من الصلاح. # واختلفوا في توجه النبي صلى الله عليه وسلم] إلى بيت المقدس هل كان ~~فرضا لا يجوز غيره، أو كان مخيرا في التوجه إليه وإلى غيره، فقال ~~الربيع بن أنس: قد كان مخيرا في ذلك. وقال ابن عباس: كان التوجه إليه ~~فرضا. # وعلى كلا الوجهين صار منسوخا، واحتج الأولون بالقرآن والخبر. # أما القرآن فقوله تعالى: # ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم ~~وجه الله # [البقرة: 115]. # وذلك يقتضي كونه مخيرا في التوجه إلى أي جهة شاء. # وأما الخبر فما روى أبو بكر الرازي في كتاب " أحكام القرآن ": أن ~~نفرا قصدوا الرسول - عليه الصلاة والسلام - من " المدينة " إلى " مكة ~~" للبيعة قبل الهجرة، وكان فيهم البراء بن معرور، فتوجه بصلاته إلى ~~الكعبة في طريقه، وأبى الآخرون، وقالوا: إنه - عليه الصلاة والسلام - ~~يتوجه إلى بيت المقدس، فلما قدموا " مكة " سألوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقال له: قد كنت على قبلة يعني بيت المقدس لو ثبت عليها أجزأك، ~~ولم يأمره باستئناف الصلاة، فدل على أنهم قد كانوا مخيرين. # واحتج الذاهبون إلى القول الثاني بأنه - تعالى - قال: { ~~فلنولينك قبلة ترضاها } فدل على أنه - عليه السلام - ~~ما كان يرتضي القبلة الأولى، فلو كان مخيرا بينها وبين ms0783 الكعبة ما كان ~~يتوجه إليها، فحيث توجه إليها مع أنه كان ما يرتضيها علمنا أنه ما كان ~~مخيرا بينها وبين الكعبة. # فصل في نسخ التوجه إلى بيت المقدس # المشهور أن التوجه إلى " بيت المقدس " إنما صار منسوخا [بالأمر ~~بالتوجه إلى الكعبة. # ومن الناس من قال: التوجه إلى بيت المقدس صار منسوخا بقوله تعالى: # ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم ~~وجه الله # [البقرة: 115] ثم إن ذلك صار منسوخا بقوله: { فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام }. # واحتجوا عليه بالقرآن والأثر. # أما القرآن فهو أنه تعالى ذكر أولا قوله: { ولله المشرق ~~والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله } ]ثم ذكر ~~بعده: # سيقول السفهآء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم ~~التي كانوا عليها # [البقرة: 142] ثم ذكر بعده: { فول وجهك شطر المسجد ~~الحرام }. # وهذا الترتيب يقتضي صحة المذهب الذي قلناه بأن التوجه إلى بيت المقدس ~~صار منسوخا بقوله: { فول وجهك شطر المسجد الحرام }. # فلزم أن يكون قوله تعالى: { سيقول السفهآء من الناس } ~~[متأخرا في النزول والدرجة عن قوله تعالى: { فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام } فحينئذ يكون تقديمه عليه في الترتيب على خلاف ~~الأصل، فثبت ما قلناه. # وأما الأثر فما] روي عن ابن عباس أن أمر القبلة أول ما نسخ من القرآن، ~~والأمر بالتوجه إلى بيت المقدس غير مذكور في القرآن، إنما المذكور في ~~القرآن { ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا ~~فثم وجه الله } فوجب أن يكون قوله: { فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام } ناسخا لذلك، لا للأمر بالتوجه إلى " بيت ~~المقدس ". # قوله: " فلنولينك ": فلنعطينك ولنمكننك من استقبالها من ~~قولك: وليته كذا، إذا جعلته واليا له، أو فلنجعلنك تلي سمتها دون ~~سمت بيت المقدس. # قوله: " ترضاها " فيه وجوه: # أحدها: ترضاها: تحبها وتميل إليها؛ لأن الكعبة كانت أحب إليه من غيرها ~~بحسب ميل الطبع، وتقدم كلام القاضي عليه وجوابه. # وثانيها: " قبلة ترضاها " أي: تحبها بسبب اشتمالها على ~~المصالح الدينية. # وثالثها: قال الأصم: أي: كل جهة وجهك الله إليها، فهي لك رضا لا يجوز ~~أن تسخط كما فعل من انقلب على عقبيه ms0784 من العرب الذين كانوا قد أسلموا، ~~فلما تحولت القبلة ارتدوا. # ورابعها: " ترضاها " أي: ترضى عاقبتها؛ لأنك تعرف بها من يتبعك ~~للإسلام، ممن يتبعك لغير ذلك من دنيا يصيبها، أو مال يكتسبه. # قوله: { فول وجهك شطر المسجد الحرام } " ولى " ~~يتعدى لاثنين: # أحدهما: " وجهك ". # والثاني: " شطر ". # ويجوز أن ينتصب " شطر " على الظرف المكاني، فيتعدى الفعل لواحد، وهو ~~قول النحاس، ولم يذكر الزمخشري غيره. # والأول: أوضح، وقد يتعدى إلى ثانيهما ب " إلى ". [والمراد من الوجه ها ~~هنا جملة بدن الإنسان؛ لان الواجب على الإنسان أن يستقبل القبلة بجملته ~~لا بوجهه فقط، والوجه قد يراد به العضو، وقد يعبر عن كل الذات بالوجه. # قال أهل اللغة: " الشطر " اسم مشترك يقع على معنيين: # أحدهما: النصف من الشيء والجزء منه، يقال: شطرت الشيء، أي: جعلته نصفين، ~~ويقال في المثل: اجلب جلبا لك شطره، أي: نصفه. # ومنه الحديث: # " الطهور شطر الإيمان " # وتكون من الأضداد. # ويقال: شطر إلى كذا إذا أقبل نحوه، وشطر من كذا إذا ابتعد عنه وأعرض، ~~ويكون بمعنى الجهة والنحو، واستشهد الشافعي - رضي الله عنه - في كتاب " ~~الرسالة " في هذا بأربعة أبيات] قال: [الوافر] # 831 - ألا من مبلغ عني رسولا # وما تغني الرسالة شطر عمرو # وقال: [الوافر] # 832 - أقول لأم زنباع أقيمي # صدور العيس شطر بني تميم # وقال: [البسيط] # 833 - وقد أظلكم من شطر ثغركم # هول له ظلم يغشاكم قطعا # وقال ابن أحمر: [البسيط] # 834 - تعدو بنا شطر نجد وهي عاقدة # قد قارب العقد من إيفادها الحقبا # وقال: [المتقارب] # 835 - وأطعن بالرمح شطر الملو # ك.................... # وقال: [البسيط] # 836 - إن العسير بها داء يخامرها # وشطرها نظر العينين محسور # كل ذلك بمعنى: " نحو " و " تلقاء " [فعلى هذا المراد الجهة، وهو قول ~~جمهور المفسرين من الصحابة والتابعين والمتأخرين، واختار الشافعي - رضي ~~الله عنه - أن المراد جهة المسجد الحرام وتلقاءه. # وقرأ أبي بن كعب تلقاء المسجد الحرام. # قال القرطبي: وهو في حرف ابن مسعود: " تلقاء المسجد الحرام " ، وقال ~~الجبائي: المراد من التشطير هاهنا وسط المسجد، ومنتصفه؛ لأن الشطر هو ms0785 ~~النصف، والكعبة لما كانت واقعة في نصف المسجد حسن أن يقول: { فول ~~وجهك شطر المسجد الحرام } يعني: النصف من كل جهة، كأنه ~~عبارة عن بقعة الكعبة، وهذا اختيار القاضي، ويدل عليه وجهان: # الأول: أن المصلي خارج المسجد لو وقف بحيث يكون متوجها إلى المسجد ولكن ~~لا يكون متوجها إلى منتصف المسجد الذي هو موضع الكعبة لم تنفع صلاته. # الثاني: لو فسرنا الشطر بالجانب لم يبق لذكر الشطر مزيد فائدة؛ لأنك ~~لو قلت: { فول وجهك شطر المسجد الحرام } لحصلت ~~الفائدة المطلوبة. # وإذا فسرنا الشطر بما ذكرناه كان لذكره فائدة زائدة]. # ويقال: شطر: بعد، ومنه: الشاطر، وهو الشاب البعيد من الجيران الغائب ~~عن منزله، ويقال: شطر شطورا. # والشطير: البعيد، ومنه: منزل شطير، وشطر إليه أي: أقبل. # وقال الراغب: وصار يعبر بالشاطر عن البعيد، وجمعه: شطر، والشاطر ~~أيضا لمن يتباعد من الحق، وجمعه شطار. # [فصل في الكلام على المسجد الحرام # قال الأزرقي: ذرع المسجد الحرام مقصرا مائة ألف وعشرون ألف ذراع، ~~وعدد أساطينه من شقه الشرقي: مائة وثلاث أسطوانات. ومن شقه ~~الغربي: مائة وخمس أسطوانات، ومن شقه الشامي: مائة وخمس وثلاثون ~~أسطوانة، ومن شقه اليمني: مائة وإحدى وأربعون أسطوانة. # وذرع ما بين كل أسطوانتين ستة أذرع وثلاثة عشر إصبعا. # وللمسجد الحرام ثلاثة وعشرون بابا، وعدد شرفاته مائتا شرفه واثنان ~~وسبعون شرفة ونصف شرفة، ويطلق المسجد الحرام، ويراد به الكعبة. # قال تعالى: { فول وجهك شطر المسجد الحرام }. # ويطلق ويراد به المسجد معها. # وقال عليه الصلاة والسلام: # " لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد: المسجد ~~الحرام " # إلى آخره، ويطلق ويراد به " مكة " كلها، قال سبحانه وتعالى: # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام # [الإسراء: 1] قال المفسرون: كان الإسراء من بيت أم هانئ بنت أبي ~~طالب. # ويطلق ويراد به " مكة " كلها، قال سبحانه وتعالى: # ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام # [البقرة: 196]. # قال البعض: حاضرو المسجد الحرام من كان منه دون مسافة نفر. # وقال تعالى: # إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد ~~الحرام بعد عامهم هذا ms0786 # [التوبة: 28]، وهل تعتبر هذه المسافة من نفس " مكة " أو من طرف الحرم؟ ~~والأصح أنها من طرف الحرم]. # فصل في المراد بالمسجد الحرام # اختلفوا في المراد من المسجد الحرام. # روي عن ابن عباس، أنه قال: البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة ~~لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل المشرق والمغرب، وهذا قول مالك رضي الله ~~عنه. # وقال آخرون: القبلة هي الكعبة، والدليل عليه ما أخرج في " الصحيحين " ~~عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، قال: أخبرني أسامة بن زيد، قال: إنه ~~لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت دعا في نواحيه كلها، ولم ~~يصل حتى خرج منه، فلما خرج صلى ركعتين في قبل الكعبة، وقال: هذه ~~القبلة. # قال القفال: وقد وردت الأخبار الكثيرة في صرف القبلة إلى الكعبة. # وفي خبر البراء بن عازب: ثم صرف إلى الكعبة، وكان يحب أن يتوجه إلى ~~الكعبة. # وفي خبر ابن عمر في صلاة أهل قباء: فأتاهم أت فقال: إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حول إلى الكعبة. # وفي رواية ثمامة بن عبد الله بن أنس: جاء منادي رسول الله، فنادى أن ~~القبلة حولت إلى الكعبة. هكذا عامة الروايات. # وقال آخرون: بل المراد المسجد الحرام الحرم كله، قالوا: لأن الكلام ~~يجب إجراؤه على ظاهر لفظه، إلا إذا منع منه مانع. # وقال آخرون: المراد من المسجد الحرام الحرم كله، والدليل عليه قوله ~~تعالى # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام # [الإسراء: 1] وهو - عليه الصلاة والسلام - إنما أسري به خارج المسجد، ~~فدل هذا على أن الحرم كله مسمى بالمسجد الحرام. # وقوله تعالى: { وحيثما كنتم } في " حيثما " هنا وجهان: # أظهرهما: أنها شرطية، وشرط كونها كذلك زيادة " ما " بعدها خلافا ~~للفراء، ف " كنتم " في محل جزم بها، و " فولوا " جوابها، وتكون هي ~~منصوبة على الظرف ب " كنتم " فتكون هي عاملة فيه الجزم، وهو عامل فيها ~~النصب نحو: # أيا ما تدعوا فله الأسمآء الحسنى # [الإسراء: 110]. # واعلم أن " حيث " من الأسماء اللازمة للإضافة فالجملة التي بعدها كان ~~القياس يقتضي أن ms0787 تكون في محل خفض بها، ولكن منع من ذلك مانع، وهو كونها ~~صارت من عوامل الأفعال. # قال أبو حيان: وحيث هي ظرف مكان مضافة إلى الجملة، فهي مقتضية للخفض ~~بعدها، وما اقتضى الخفض لا يقتضي الجزم؛ لأن عوامل الأسماء لا تعمل في ~~الأفعال والإضافة موضحة لما أضيف، كما أن الصلة موضحة، فينافي اسم الشرط؛ ~~لأن اسم الشرط مبهم، فإذا وصلت ب " ما " زال منها معنى الإضافة، وضمنت ~~معنى الشرط وجوزي بها، وصارت من عوامل الأفعال. # والثاني: أنها ظرف غير مضمن معنى الشرط، والناصب له قوله: " فولوا " ~~قاله أبو البقاء، وليس بشيء، لأنه متى زيدت عليها " ما " وجب تضمنها ~~معنى الشرط. وأصل " ولوا ": وليوا، فاستثقلت الضمة على الياء، فحذفت، ~~فالتقى ساكنان فحذف أولهما، وهو الياء وضم ما قبله ليجانس الضمير، فوزنه ~~" فعوا ". # وقوله: " شطره " فيه القولان، وهما: إما المفعول به، وإما الظرفية ~~كما تقدم. # فصل في الصلاة في المسجد الحرام # قال صاحب التهذيب: الجماعة إذا صلوا في المسجد الحرام يستحب أن يقف ~~الإمام خلف المقام، والقوم يقفون مستدبرين البيت، فإن كان بعضهم أقرب إلى ~~البيت من الإمام جاز، فلو امتد الصف في المسجد، فإنه لا تصح صلاة من ~~خرج عن محاذاة الكعبة. # وعند أبي حنيفة تصح؛ لأن عنده الجهة كافية. وحجة الشافعي رضي الله ~~عنه: # القرآن والخبر والقياس. # أما القرآن فهو ظاهر هذه الآية، وذلك لأنا دللنا على أن المراد من شطر ~~المسجد الحرام جانبه، وجانب الشيء هو الذي يكون محاذيا له، وواقعا في ~~سمته، والدليل عليه أنه لو كان كل واحد منهما إلى جانب المشرق، إلا أنه ~~لا يكون وجه أحدهما محاذيا لوجه الآخر، لا يقال: إنه ولى وجهه إلى جانب ~~عمرو، فثبت دلالة الآية على أن استقبال عين الكعبة واجب. # وأما الخبر فما روينا أنه - عليه الصلاة والسلام - لما خرج من الكعبة ~~ركع ركعتين في قبلة الكعبة، وقال: # " هذه القبلة " # وهذه الكلمة تفيد الحصر، فثبت أنه لا قبلة إلا عين الكعبة، وكذلك سائر ~~الأخبار التي رويناها في أن القبلة ms0788 هي الكعبة. # وأما القياس فهو أن مبالغة الرسول صلى الله عليه وسلم في تعظيم الكعبة ~~أمر بلغ التواتر، والصلاة من أعظم شعائر الدين، وتوقيف صحتها على استقبال ~~عين الكعبة مما يوجب حصول مزيد شرف الكعبة، فوجب أن يكون مشروعا، ولأن ~~كون الكعبة قبلة أمر معلوم، وكون غيرها قبلة أمر مشكوك، والأولى ~~رعاية الاحتياط في الصلاة، فوجب توقيف صحة الصلاة على استقبال الكعبة. # واحتج ابو حنيفة بظاهر الآية؛ لأنه - تعالى - أوجب على المكلف أن يولي ~~وجهه إلى جانبه، فمن ولى وجهه إلى الجانب الذي حصلت الكعبة فيه، فقد أتى ~~بما أمر به. # سواء كان مستقبلا الكعبة أم لا، فوجب أن يخرج على العهدة. # وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: # " ما بين المشرق والمغرب قبلة " # قال أصحاب الشافعي رحمه الله تعالى: ليس المراد من هذا الحديث أن كل ما ~~يصدق عليه أنه بين مشرق ومغرب فهو قبلة؛ لأن جانب القطب الشمالي يصدق ~~عليه ذلك، وهو بالاتفاق ليس بقبلة، بل المراد أن الشيء الذي هو بين مشرق ~~معين، ومغرب معين قبلة، ونحن نحمل ذلك على الذي يكون بين المشرق الشتوي، ~~وبين المغرب الصيفي، فإن ذلك قبلة، وذلك لأن المشرق الشتوي جنوبي متباعد ~~عن خط الاستواء بمقدار الميل، والمغرب الصيفي شمالي متباعد عن خط ~~الاستواء بمقدار الميل، والذي بينهما هو سمت " مكة ". # قالوا: فهذا الحديث بأن يدل على مذهبنا أولى منه بالدلالة على مذهبكم، ~~أما فعل الصحابة فمن وجهين: # الأول: ان أهل مسجد " قباء " كانوا في صلاة الصبح ب " المدينة " ~~مستقبلين لبيت المقدس، مستدبرين للكعبة؛ لأن " المدينة " بينهما. # فقيل لهم: ألا إن القبلة قد حولت إلى الكعبة، فاستداروا في أثناء ~~الصلاة من غير طلب دلالة، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم عليهم، ~~وسمى مسجدهم ب " ذي القبلتين " ومقابلة العين من المدينة إلى " مكة " لا ~~تعرف إلا بأدلة هندسية يطول النظر فيها، فكيف أدركوها على البديهة في ~~أثناء الصلاة وفي ظلمة الليل؟ # الثاني: أن الناس من عهد رسول الله ms0789 صلى الله عليه وسلم بنوا المساجد في ~~جميع بلاد الإسلام، ولم يحضروا قط مهندسا عند تسوية المحراب، ومقابلة ~~العين لا تدرك إلا بدقيق نظر الهندسة. # وأما القياس فمن وجوه: # الأول: لو كان استقبال عين الكعبة واجبا، إما علما أو ظنا، وجب ألا ~~تصح صلاة أحد قط؛ لأنه إذا كان محاذاة الكعبة مقدار نيف وعشرين ذراعا، ~~فمن المعلوم أن أهل المشرق والمغرب يستحيل أن يقفوا في محاذات هذا ~~المقدار، بل المعلوم أن الذي يقع منهم في محاذاة هذا القدر القليل قليل ~~بالنسبة إلى كثير. # ومعلوم أن العبرة في أحكام الشرع بالغالب، والنادر ملحق به، فوجب ألا ~~تصح صلاة أحد منهم لا سيما وذلك الذي وقع في محاذاة الكعبة لا يمكنه أن ~~يعرف أنه وقع في محاذاتها، وحيث اجتمعت الأمة على صحة صلاة الكل علمنا ~~أن المحاذاة معتبرة. # فإن قيل: الدائرة وإن كانت عظيمة إلا أن جميع النقط المفروضة عليها تكون ~~محاذية لمركز الدائرة، فالصفوف الواقعة في العالم بأسرها كأنها دائرة ~~بالكعبة، والكعبة كأنها نقطة لتلك الدائرة إلا أن الدائرة إذا صغرت صغر ~~التقوس والانحناء في جميعها، وإن اتسعت وعظمت لم يظهر التقوس ~~والانحناء في كل واحد من قسمها، بل نرى كل قطعة منها شبيها بالخط ~~المستقيم، فلا جرم صحت الجماعة بصف طويل في المشرق والمغرب يزيد طولها ~~على أضعاف البيت، والكل يسمون متوجهين إلى عين الكعبة. # قلنا: هب أن الأمر على ما ذكرتموه، ولكن القطعة من الدائرة العظيمة، ~~وإن كانت شبيهة بالخط المستقيم في الحس، إلا أنها لا بد وأن تكون منحنية ~~في نفسها؛ لأنها لو كانت في نفسها مستقيمة، وكذا القول في جميع قطع تلك ~~الدائرة، فحينئذ تكون الدائرة مركبة من خطوط مستقيمة يتصل بعضها ببعض، ~~فيلزم أن تكون الدائرة إما مضلعة أو خطا مستقيما، وكل ذلك محال، ~~فعلمنا أن كل قطعة من الدائرة الكبيرة فهي في نفسها منحنية، فالصفوف ~~المتصلة في أطراف العالم إنما يكون كل واحد منها مستقبلا لعين الكعبة لو ~~لم تكن تلك الصفوف واقعة على خط ms0790 مستقيم، بل إذ حصل فيها ذلك الانحناء ~~القليل إلا أن ذلك الانحناء القليل الذي لا يفي بإدراكه الحس ألبتة، لا ~~يمكن أن يكون في محل التكليف، وإذا كان كذلك كان كل واحد من هؤلاء ~~الصفوف جاهلا بأنه هل هو مستقبل لعين الكعبة أو لا؟ # فلو كان استقبال عين الكعبة شرطا لكان حصول هذا الشرط مجهولا للكل ~~والشك في حصول الشرط يقتضي الشك في حصول المشروط، فوجب أن يبقى كل ~~واحد من أهل هذه الصفوف شاكا في صحة صلاته، وذلك يقتضي أن لا يخرج عن ~~العهدة ألبتة. # وحيث اجتمعت الأمة على أنه ليس كذلك علمنا أن استقبال العين ليس بشرط لا ~~علما ولا ظنا، وهذا كلام بين. # الثاني: أنه لو كان استقبال عين الكعبة واجبا لا سبيل إليه إلا ~~بالدلالة الهندسية، وما لا يتأدى الواجب إلا به فهو واجب، فكان يلزم أن ~~يكون تعلم الدلالة الهندسية واجبا على كل واحد، ولما لم يكن كذلك علمنا ~~أن استقبال عين الكعبة غير واجب. # فإن قيل: عندنا استقبال عين الجهة واجب ظنا لا يقينا، والمفتقر إلى ~~الدلائل الهندسية هو الاستقبال يقينا لا ظنا. # قلنا: لو كان استقبال عين الكعبة واجبا لكان القادر على تحصيل اليقين، ~~لا يجوز له الاكتفاء بالظن، والقادر على تحصيل ذلك بواسطة تعلم الدلائل ~~الهندسية، فكان يجب عليه تعلم تلك الدلائل، ولما لم يجب ذلك علمنا أن ~~استقبال عين الكعبة غير واجب. # الثالث: لو كان استقبال العين واجبا إما علما أو ظنا، ومعلوم أنه لا ~~سبيل إلى ذلك الظن إلا بنوع من أنواع الأمارات، وما لا يتأدى الواجب ~~إلا به فهو واجب، فكان يلزم أن يكون تعلم تلك الأمارات فرض عين على ~~كل واحد من المكلفين، ولما لم يكن كذلك علمنا أان استقبال العين غير ~~واجب. # فصل في وجوب الاستقبال في عموم الأمكنة # دل قوله تعالى: { وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم ~~شطره } على وجوب الاستقبال في عموم الأمكنة في الصلاة وغيرها، ويؤيده ~~قوله عليه الصلاة والسلام: # " خير المجالس ما استقبل به ms0791 القبلة " # خرج منه الصلاة حال المسايفة، والخوف، والمطلوب والخائف والهارب من ~~العدود، ويبقى فيما عداه على مقتضى الدليل. # فإن قيل: قوله تعالى: { وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم ~~شطره } تكرار لقوله: { فول وجهك شطر المسجد ~~الحرام }. # فالجواب: أن هذا ليس بتكرار، وبيانه من وجهين: # أحدهما: أن قوله تعالى: { فول وجهك شطر المسجد ~~الحرام } خطاب مع الرسول - عليه السلام - لا مع الأمة. # وقوله: { وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره } خطاب ~~مع الكل. # وثانيهما: أن المراد بالأولى مخاطبتهم، وهم ب " المدينة " خاصة، وقد ~~كان من الجائز لو وقع الاقتصار عليه أن يظن أن هذه القبلة قبلة لأهل " ~~المدينة " خاصة، فبين الله تعالى أنهم أينما حصلوا من بقاع الأرض يجب أن ~~يستقبلوا نحو هذه القبلة. # [قوله تعالى: { وإن الذين أوتوا الكتاب }. # قال السدي: هم اليهود خاصة، والكتاب: التوراة. # وقال غيره: أحبار اليهود، وعلماء النصارى؛ لعموم اللفظ، والكتاب التوراة ~~والإنجيل. # فلا بد أن يكون عددا قليلا؛ لأن الكثير لا يجوز عليهم التواطؤ على ~~الكتمان]. # قوله تعالى: " أنه الحق " يحتمل أن تكون " أن " واسمها وخبرها ~~سادة مسد المفعولين ل " يعلمون " عند الجمهور، ومسد أحدهما عند ~~الأخفش، والثاني محذوف على أنها تتعدى لاثنين، وأن تكون سادة مسد مفعول ~~واحد على أنها بمعنى العرفان، وفي الضمير ثلاثة أقوال: # أحدها: يعود على التولي المدلول عليه بقوله: " فولوا ". # والثاني: على الشطر. # والثالث: على النبي صلى الله عليه وسلم، [أي: يعلمون أن الرسول مع شرعه ~~ونبوته حق] ويكون على هذا التفاتا من خطابه بقوله: " فلنولينك " ~~إلى الغيبة. # [قوله تعالى: " من ربهم " متعلق بمحذوف على أنه حال من الحق، أي كائنا ~~من ربهم]. # فصل في كيفية معرفة أهل الكتاب # اختلفوا في كيفية معرفتهم فذكروا فيه وجوها: # أحدها: أن قوما من علماء اليهود كانوا عرفوا في كتب أنبيائهم خبر ~~الرسول، وخبر القبلة، وأنه يصلي إلى القبلتين. # وثانيها: أنهم كانوا يعلمون أن الكعبة هي البيت العتيق الذي جعله الله - ~~تعالى - قبلة لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. # وثالثها: أنهم كانوا يعلمون نبوة محمد صلى الله عليه ms0792 وسلم لما ظهر عليه ~~من المعجزات، ومتى علموا نبوته، فقد علموا لا محالة أن كل ما أتى به فهو ~~حق، فكان هذا التحويل حقا. # قوله تعالى: { وما الله بغافل عما يعملون } تقدم ~~معناه. # وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي " تعملون " بالتاء على الخطاب للمسلمين ~~وهو الظاهر أو ل " للذين " على الالتفات تحريكا لهم وتنشيطا، والباقون ~~بالغيبة ردا على الذين أوتوا الكتاب، أو ردا على المؤمنين، ويكون ~~التفاتا من خطابهم بقوله: " وجوهكم - كنتم " فإن جعلناه خطابا ~~للمسلمين، فهو وعد لهم، وبشارة أي: لا يخفى علي جدكم واجتهادكم في ~~قبول الدين، فلا أخل بثوابكم. # وإن جعلناه كلاما مع اليهود، فهو وعيد وتهديد لهم، ويحتمل أيضا أنه ~~ليس بغافل عن مكافأتهم ومجازاتهم، وإن لم يعجلها لهم، كقوله تعالى: # ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون ~~إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار # [إبراهيم: 42]. ### || [2.145] # قوله تعالى: { ولئن أتيت } فيه قولان: # أحدهما: قول سيبويه وهو أن " اللام " هي الموطئة للقسم المحذوف، و " إن ~~" شرطية، فقد اجتمع شرط وقسم، وسبق القسمن فالجواب له إذ لم يتقدمهما ذو ~~خبر، فلذلك جاء الجواب للقسم ب " ما " النافية وما بعدها، وحذف جواب ~~الشرط لسد جواب القسم مسده، ولذلك جاء فعل الشرط ماضيا؛ لأنه متى حذف ~~الجواب وجب مضي فعل الشرط إلا في ضرورة، و " تبعوا " وإن كان ماضيا ~~لفظا فهو مستقبل معنى أي: ما يتبعون لأن الشرط قيد في الجملة والشرط ~~مستقبل، فوجب أن يكون مضمون الجملة مستقبلا ضرورة أن المستقبل لا يكون ~~شرطا في الماضي. # الثاني: وهو قول الفراء، وينقل أيضا عن الأخفش والزجاج أن " إن " بمعنى ~~" لو " ، ولذلك كانت " ما " في الجواب، وجعل " ما تبعوا " جوابا ل " ~~إن " لأنها بمعنى " لو ". # أما إذا لم تكن بمعناها، فلا تجاب ب " ما " وحدها، بل لا بد من الفاء، ~~تقول: إن تزرني فما أزورك. # ولا يجيز الفراء: " ما أزورك " بغير فاء # وقال ابن عطية: وجاء جواب " لئن " كجواب " لو " ، وهي ضدها في أن " لو ~~" تطلب المضي والوقوع، و " إن " تطلب الاستقبال؛ ms0793 لأنهما جميعا يترتب ~~قبلهما القسم، فالجواب إنما هو للقسم؛ لأن أحد الحرفين يقع موضع الآخر ~~هذا قول سيبويه. # قال أبو حيان: هذا فيه تثبيج، وعدم نص على المراد؛ لأن أوله يقتضي أن ~~الجواب ل " إن " ، وقوله بعد: الجواب للقسم يدل على أنه ليس ل " إن " ، ~~وتعليله بقوله: لأن أحد الحرفين يقع موقع الآخر لا يصلح علة لكون " ما ~~تبعوا " جوابا للقسم، بل لكونه جوابا ل " إن ". # وقوله: " قول سيبويه " ليس في كتاب سيبويه ذلك، إنما فيه أن " ما تبعوا ~~" جواب القسم، ووقع فيه الماضي موقع المستقبل. # قال سيبويه وقالوا: لئن فعلت ما فعل، يريد معنى ما هو فاعل وما يفعل. # وتلخص مما تقدم أن قوله: " ما تبعوا " فيه قولان: # أحدهما: أنه جواب للقسم ساد مسد جواب الشرط، ولذلك لم يقترن بالفاء. # والثاني: أنه جواب ل " إن " إجراء لها مجرى " لو ". # وقال أبو البقاء: " ما تبعوا " أي: لا يتبعوا فهو ماض في معنى ~~المستقبل، ودخلت " ما " حملا على لفظ الماضي، وحذفت الفاء في الجواب؛ ~~لأن فعل الشرط ماض. # وقال الفراء: " إن " هنا بمعنى " لو ". # وهذا من أبي البقاء يؤذن أن الجواب للشرط وإنما حذفت الفاء لكون فعل ~~الشرط ماضيا، وهذا منه غير مرض؛ لأنه خالف البصريين والكوفيين بهذه ~~المقالة. # فصل في المراد بالآية. # قال الأصم: المراد من الآية علماؤهم الذين أخبر عنهم في الآية الكريمة ~~المتقدمة بقوله تعالى: # وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق ~~من ربهم # [البقرة: 144]؛ لأن الآية الكريمة لا تتناول العوام، ولو كان المراد ~~الكل لامتنع الكتمان؛ لأن الجمع العظيم لا يجوز عليهم الكتمان، ~~ولأنا لو حملناه على العموم لصارت الآية كذبا؛ لان كثيرا من أهل الكتاب ~~آمن بمحمد - عليه الصلاة والسلام - وتبع قبلته. # وقال آخرون: بل المراد جميع أهل الكتاب من اليهود والنصارى؛ لأن الذين ~~أوتوا الكتاب صيغة عموم، فيتناول الكل. # فصل في لفظ " آية " # " الآية ": وزنها " فعلة " أصلها: أيية " ، فاستثقلوا التشديد في ~~الآية فأبدلوا من الياء الأولى ألفا لانفتاح ما قبلها. # والآية: الحجة والعلامة، وآية الرجل: ms0794 شخصه، وخرج القول بآيتهم أي: ~~جماعتهم. # وسميت آية القرآن بذلك؛ لأنها جماعة حروف. وقيل: لأنها علامة لانقطاع ~~الكلام الذي بعدها. # وقيل: لانها دالة على انقطاعها عن المخلوقين، وأنها ليست إلا من كلام ~~الله تعالى. # فصل في سبب نزول هذه الآية # روي أن يهود " المدينة " ، ونصارى " نجران " قالوا للرسول صلى الله عليه ~~وسلم وشرف وكرم ومجد وبجل وعظم: ائتنا بآية كما أتى الأنبياء قبلك فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية. # قال ابن الخطيب: " والأقرب أن هذه الآية ما نزلت في واقعة مبتدأة، بل هي ~~من بقية أحكام تحويل القبلة ". # قوله: { وما أنت بتابع قبلتهم }. # " ما " تحتمل الوجهين أعني: كونها حجازية، أو تميمية: فعلى الأول يكون " ~~أنت " مرفوعا بها، و " بتابع " في محل نصب. # وعلى الثاني يكون مرفوعا بالابتداء، و " بتابع " في محل رفع، وهذه ~~الجملة معطوفة على جملة الشرط، وجوابه لا على الجواب وحده، إذ لا يحل ~~محله؛ لأن نفس تبعيتهم لقبلته مقيد بشرط لا يصح أن يكون قيدا في نفي ~~تبعيته قبلتهم، وهذه الجملة أبلغ في النفي من قوله: { ما تبعوا ~~قبلتك } من وجوه: # أحدها: كونها اسمية متكررة فيها الاسم، مؤكد نفيها بالباء. # ووحد القبلة وإن كانت مثناة: لأن لليهود قبلة، وللنصارى قبلة أخرى لأحد ~~وجهين: # إما لاشتراكهما في البطلان صارا قبلة واحدة، وإما لأجل المقابلة في ~~اللفظ؛ لأن قبله: { ما تبعوا قبلتك }. # وقرئ: { بتابع قبلتهم } بالإضافة تخفيفا؛ لأن اسم الفاعل ~~المستكمل لشروط العمل يجوز فيه الوجهان. # واختلف في هذه الجملة: هل المراد بها النهي أي: لا تتبع قبلتهم، ومعناه: ~~الدوام على ما أنت عليه؛ لأنه معصوم من اتباع قبلتهم، أو الإخبار المحض ~~بنفي الأتباع، والمعنى أن هذه القبلة لا تصير منسوخة، أو قطع رجاء أهل ~~الكتاب أن يعود إلى قبلتهم؟ قولان مشهوران. # قوله: { وما بعضهم بتابع قبلة بعض }. # قال القفال: هذا يمكن حمله على الحال وعلى الاستقبال. # أما على الحال فمن وجوه: # الأول: أنهم ليسوا مجتمعين على قبلة واحدة حتى يمكن إرضاؤهم ~~باتباعها. # الثاني: أن اليهود والنصارى مع اتفاقهم على ms0795 تكذيبك متباينون في القبلة، ~~فكيف يدعونك إلى ترك قبلتك، مع أنهم فيما بينهما مختلفون. # الثالث: أن هذا إبطال لقولهم: إنه لا يجوز مخالفة أهل الكتاب؛ لأنه إذا ~~جاز أن تختلف قبلتاهما للمصلحة جاز أن تكون المصلحة في ثالث. # وأما حمل الآية على الاستقبال ففيه إشكال وهو أن قوله: { وما ~~بعضهم بتابع قبلة بعض } ينفي أن يكون أحد منهم قد اتبع ~~قبلة الآخر، لكن ذلك قد وقع فيفضي إلى الخلف، وجوابه أنا إن حملنا أهل ~~الكتاب على علمائهم الذين كانوا في ذلك الزمان، فلم يثبت عندنا أن أحدا ~~منهم تبع قبلة الآخر، فالخلف غير لازم. # وإن حملناه على الكل قلنا: إنه عام دخله التخصيص. # قوله تعالى: # ولئن اتبعت أهوآءهم # [البقرة: 120] كقوله: { ولئن أتيت }. # وقوله: " إنك " جواب القسم، وجواب الشرط محذوف كما تقدم في نظيره. # قال أبو حيان: لا يقال: إنه يكون جوابا لهما لامتناع ذلك لفظا ومعنى. # أما المعنى فلأن الاقتضاء مختلف، فاقتضاء القسم على أنه لا عمل له فيه؛ ~~لأن القسم إنما جيء به توكيدا للجملة المقسم عليها، وما جاء على سبيل ~~التوكيد لا يناسب أن يكون عاملا، واقتضاء الشرط على أنه عامل فيه، فتكون ~~الجملة في موضع جزم، وعمل الشرط لقوة طلبه له. # وأما اللفظ فإن هذه الجملة إذا كانت جواب قسم لم تحتج إلى مزيد رابط، ~~فإذا كانت جواب شرط احتاجت إلى مزيد رابط وهو الفاء، ولا يجوز أن تكون ~~خالية من الفاء موجودة فيها، فلذلك امتنع أن تكون جوابا لهما معا. # فصل في الهوى # الهوى المقصور: هو ما يميل إليه الطبع [وقيل: هو شهوة نتجت عن شبهة، ~~والممدود هو الجو].؟ # اختلفوا في المخاطب بهذا الخطاب. # قال بعضهم: الرسول. # وقال بعضهم: الرسول وغيره. # وقال آخرون: بل غيره؛ لأنه - تعالى - عرف أن الرسول - عليه الصلاة ~~والسلام - لا يفعل ذلك، فلا يجوز أن يخصه بهذا الخطاب، وهذا خطأ من ~~وجوه: # أحدها: أنه لو كان كل ما علم الله أنه لا يفعله وجب ألا ينهاه عنه، لكان ~~ما علم أن يفعله ms0796 وجب ألا يأمره به، وذلك يقتضي ألا يكون النبي مأمورا ~~بشيء، ولا منهيا عن شيء، وإنه بالاتفاق باطل. # وثانيها: لولا تقدم النهي والتحذير لما احترز النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - عنه فلما كان ذلك الاحتراز مشروطا بذلك النهي والتحذير، فكيف ~~يجعل ذلك الاحتراز منافيا للنهي والتحذير. # وثالثها: أن يكون الغرض من النهي والوعيد أن يتأكد قبح ذاك في العقل، ~~فيكون الغرض منه التأكيد، ولما حسن من الله التنبيه على أنواع الدلائل ~~الدالة على التوحيد بعدما قررها في العقول والغرض منه تأكيد العقل ~~بالنقل، فأي بعد في مثل هذا الغرض هاهنا. # ورابعها: قوله تعالى في حق الملائكة: # ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك ~~نجزيه جهنم # [الأنبياء: 29] مع أنه - تعالى - أخبر عن عصمتهم في قوله: # يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون # [النحل: 50] وقال في حق محمد صلى الله عليه وسلم: # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر: 65]. # والإجماع على أنه عليه الصلاة والسلام ما أشرك، وما مال إليه، وقال # يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين ~~والمنافقين # [الأحزاب: 1] وقال: # بلغ مآ أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما ~~بلغت رسالته # [المائدة: 67]، وقوله: # ولا تكونن من المشركين # [الأنعام: 14]. # فثبت بما قلنا أنه - عليه الصلاة والسلام - منهي عن ذلك وأن غيره ~~أيضا منهي عنه؛ لأن النهي عن هذه الأشياء ليس من خواص الرسول عليه ~~الصلاة والسلام. # بقي أن يقال: فلم خصه بالنهي دون غيره؟ # فنقول فيه وجوه: # أحدها: أن كل من كان نعم الله عليه أكثر، كان صدور الذنب منه أقبح، فكان ~~أولى بالتخصيص. # وثانيها: أن مزيد الحب يقتضي التخصيص بمزيد التحذير. # وثالها: أن الرجل الحازم إذا أقبل على أكبر أولاده وأصلحهم، فزجره عن ~~أمر بحضرة جماعه أولاده، فإنه يكون منبها بذلك على عظم ذلك الفعل إن ~~ارتكبوه، فهذه قاعدة مقررة في أمثال هذه الآية. # القول الثاني: أن قوله: # ولئن اتبعت أهوآءهم # [البقرة: 120] ليس المراد منه إن اتبع أهواءهم في كل الأمور، فلعله - ~~عليه الصلاة والسلام - كان في بعض الأمور يتبع ms0797 أهواءهم، مثل ترك ~~المخاشنة في القول والغلظة في الكلام، طمعا منه - عليه الصلاة ~~والسلام - في استمالتهم، فنهاه الله - تعالى - عن ذلك القدر أيضا، ~~وآيسه منهم بالكلية على ما قال: # ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا ~~قليلا # [الإسراء: 74]. # القول الثالث: أن ظاهر الخطاب وإن كان مع الرسول إلا ان المراد منه ~~غيره، وهذا كما أنك إذا عاتبت [إنسانا أساء عبده إلى عبدك فتقول له: لو ~~فعلت مرة أخرى مثل] هذا الفعل لعاقبتك عليه عقابا شديدا، فكان الغرض ~~منه زجر العبد. # قوله تعالى: { من بعد ما جآءك من العلم }. # إنه - تعالى - لم يرد بذلك أنه نفس العلم، بل المراد الدلائل والآيات ~~والمعجزات؛ لأن ذلك من طرق العلم، فيكون ذلك من باب إطلاق اسم الأثر على ~~المؤثر، والغرض من هذا الاستعارة هو المبالغة [والتعظيم في] أمر النبوات ~~والمعجزات بأنه سماها باسم العلم، وذلك ينبهك على أن العلم أعظم ~~المخلوقات شرفا ومرتبة، ودلت الآية على أن توجه الوعيد على العلماء أشد ~~من توجهه على غيرهم. # [قوله تعالى: { إنك إذا لمن الظالمين } أي إنك لو ~~فعلت ذلك لكنت بمنزلة القوم في كفرهم، وظلمهم أنفسهم]. # و " إذا " حرف جواب وجزاء بنص سيبويه، وتنصب المضارع بثلاثة شروط: # أن تكون صدرا، وألا يفصل بينها وبين الفعل بغير الظرف والقسم، وألا ~~يكون الفعل حالا، ودخلت هنا بين اسم " إن " وخبرها لتقرير النسبة بينهما ~~وكان حدها أن تتقدم أو تتأخر، فلم تتقدم، لأنه سبق قسم وشرط والجواب هو ~~للقسم، فلو تقدمت لتوهم أنها لتقرير النسبة التي بين الشرط والجواب ~~المحذوف، ولم تتأخر لئلا تفوت مناسبة الفواصل رؤوس الآي. # قال أبو حيان: وتحرير معنى " إذا " صعب اضطرب الناس في معناها، وفي فهم ~~كلام سيبويه فيها، وهو أن معناها الجواب والجزاء. # قال: والذي تحصل فيها أنها لا تقع ابتداء كلام، بل لا بد أن يسبقها كلام ~~لفظا أو تقديرا، وما بعدها في اللفظ أو التقدير، وإن كان متسببا عما ~~قبلها فهي في ذلك على وجهين: # أحدهما: أن تدل على إنشاء ms0798 الارتباط والشرط، بحيث لا يفهم الارتباط من ~~غيرها، مثال ذلك: أزورك فتقول: إذا أزورك، فإنما تريد الآن أن تجعل فعله ~~شرطا لفعلك، وإنشاء السببية في ثاني حال من ضرورته أن يكون في الجواب، ~~وبالفعلية في زمان مستقبل، وفي هذا الوجه تكون عاملة، ولعملها شروط ~~مذكورة في النحو. # الوجه الثاني: أن تكون مؤكدة لجواب ارتبط بمقدم، أو منبهة على مسبب ~~حصل في الحال، وهي في الحالين غير عاملة؛ لأن المؤكدات لا يعتمد عليها ~~والعامل يعتمد عليه، وذلك، نحو: " إن تأتني إذا آتك " ، و " والله ~~إذا لأفعلن " فلو أسقطت " إذا " لفهم الارتباط، ولما كانت في هذا ~~الوجه غير معتمد عليها جاز دخولها على الجملة الاسمية الصريحة نحو: " ~~أزورك " فتقول: " إذا أنا أكرمك " ، وجاز توسطها نحو: " أنا إذا ~~أكرمك " وتأخرها، وإذا تقرر هذا فجاءت " إذا " في الآية مؤكدة للجواب ~~المرتبط بما تقدم، وإنما قررت معناها هنا؛ لأنها كثيرة الدور في القرآن، ~~فتحمل في كل موضع على ما يناسب من هذا الذي قررناه انتهى كلامه. # واعلم أنها إذا تقدمها عاطف جاز إعمالها وإهمالها، وهو الأكثر، وهي ~~مركبة من " همزة وذال ونون " ، وقد شبهت العرب نونها بتنوين المنصوب ~~قلبوها في الوقف ألفا، وكتبوها في الكتاب على ذلك، وهذا نهاية القول ~~فيها. # وجاء في هذا المكان " من بعد ما جاءك " وقال قبل هذا: # بعد الذي جآءك # [البقرة: 120] وفي " الرعد ": # بعد ما جآءك # [الرعد: 37] فلم يأت ب " من " الجارة إلا هنا، واختص موضعا ب " الذي ~~" ، وموضعين ب " ما " ، فما الحكمة في ذلك؟ # والجواب: ما ذكره بعضهم وهو أن " الذي " أخص و " ما " أشد إبهاما، فحيث ~~أتي ب " الذي " أشير به إلى العلم بصحة الدين الذي هو الإسلام المانع ~~من ملتي اليهود والنصارى، فكان اللفظ الأخص الأشهر أولى فيه؛ لأنه علم ~~بكل أصول الدين، وحيث أتي بلفظ " ما " أشير به إلى العلم [بركنين] من ~~أركان الدين، أحدهما: القبلة، والأخر: بعض الكتاب؛ لأنه أشار إلى قوله: # ومن الأحزاب من ينكر بعضه # [الرعد: 36]. # قال: وأما دخول ":من " ففائدته ظاهرة، وهي ms0799 بيان أول الوقت الذي وجب عليه ~~- عليه السلام - أن يخالف أهل الكتاب في قبلتهم، والذي يقال في هذا: إنه ~~من باب التنوع من البلاغة. ### || [2.146-147] # في " الذين آتيناهم ": ستة أوجه: # أظهرها: أنه مرفوع بالابتداء، والخبر قوله: " يعرفونه ". # الثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف أي: هم الذين آتيناهم. # الثالث: النصب بإضمار " أعني ". # الرابع: الجر على البدل من " الظالمين ". # الخامس: على الصفة للظالمين. # السادس: النصب على البدل من { الذين أوتوا الكتاب } في الآية قبلها. # قوله تعالى: " يعرفونه " فيه وجهان: # أحدهما: أنه خبر ل " الذين آتيناهم " كما تقدم في أحد الأوجه المذكورة ~~في " الذين آتيناهم ". # الثاني: أنه نصب على الحال على بقية الأقوال المذكورة. # وفي صاحب الحال وجهان: # أحدهما: المفعول الأول ل " آتيناهم ". # والثاني: المفعول الثاني وهو الكتاب؛ لأن في " يعرفونه " ضميرين يعودان ~~عليهما، والضمير في " يعرفونه " فيه أقوال: # أحدها: أنه يعود على " الحق " الذي هو التحول، وهو قول ابن عباس - رضي ~~الله عنهما - وقتادة والربيع وابن زيد. # الثاني: على النبي صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم؛ أي: ~~يعرفونه معرفة جلية كما يعرفون أبناءهم لا تشتبه أبناؤهم وأبناء غيرهم. # روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه سأل عبد الله بن سلام - رضي الله تعالى ~~عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أنا أعلم به مني بابني، ~~قال: ولم؟ قال: لأني لست أشك في محمد أنه نبي، وأما ولدي فلعل والدته ~~خانت. فقبل عمر رأسه. # وجاز الإضمار وإن لم يسبق له ذكر؛ لأن الكلام يدل عليه، ولا يلتبس على ~~السامع، ومثل هذا الإضمار فيه تفخيم وإشعار بأنه لشهرته معلوم بغير ~~إعلام. # قالوا: وهذا القول أولى من وجوه: # أحدها: أن الضمير إنما يرجع إلى مذكور سابق، وأقرب المذكورات العلم في ~~قوله: # من بعد ما جآءك من العلم # [البقرة: 145]. # والمراد من ذلك العلم: النبوة، فكأنه تعالى قال: إنهم يعرفون ذلك العلم ~~كما يعرفون أبناءهم، وأما أمر القبلة فما تقدم ذكره البتة. # وثانيها: أن الله - تعالى - ما أخبر في القرآن أن أمر تحويل القبلة ms0800 ~~مذكور في التوراة والإنجيل، واخبر فيه ان نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~وشرف وكرم ومجد وبجل وعظم مذكورة في التوراة والإنجيل، فكان صرف هذه ~~المعرفة إلى أمر النبوة أولى. # وثالثها: أن المعجزات لا تدل أول دلالتها إلا على صدق محمد صلى الله ~~عليه وسلم وشرف وكرم ومجد وبجل وعظم، فكان صرف هذه المعرفة إلى أمر ~~النبوة أولى. # وعلى هذا القول أسئلة. # السؤال الأول: أنه لا تعلق لهذا الكلام بما قبله من امر القبلة. # والجواب: أنه تعالى في الآية المتقدمة لما حذر أمة محمد - عليه الصلاة ~~والسلام - عن اتباع اليهود والنصارى بقوله تعالى: # ولئن اتبعت أهوآءهم من بعد ما جآءك من ~~العلم إنك إذا لمن الظالمين # [البقرة: 145] أخبر المؤمنين بحاله - صلوات الله وسلامه عليه - في هذه ~~الآية فقال: اعلموا يا معشر المؤمنين أن علماء أهل الكتاب يعرفون محمدا، ~~وما جاء به وصدقه ودعوته وقبلته لا يشكون فيه كما لا يشكون في ~~أبنائهم. # السؤال الثاني: هذه الآية نظيرها قوله تعالى: # يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل # [الأعراف: 157] وقال: # ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد # [الصف: 6] إلا أنا نقول: من المستحيل أن يعرفوه كما يعرفون أبناءهم، ~~وذلك لأنه وصفه في التوراة والإنجيل: إما أن يكون قد أتى مشتملا على ~~التفصيل التام، وذلك إنما يكون بتعيين الزمان والمكان والصفة والخلقة ~~والنسب والقبيلة، أو هذا الوصف ما أتى من هذا النوع من التفصيل، فإن ~~كان الأول وجب أن يكون بمقدمه في الوقت المعين، من البلد المعين، من ~~القبيلة المعينة على الصفة المعينة معلوما لأهل المشرق والمغرب؛ لأن ~~التوراة والإنجيل كانا مشهورين فيما بين أهل المشرق والمغرب، ولو كان ~~الأمر كذلك لما تمكن أحد من النصارى واليهود من إنكار ذلك. # وأما القسم الثاني: فإنه لا يفيد القطع بصدق نبوة محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - لأنا نقول: هب أن التوراة اشتملت على أن رجلا من العرب سيكون ~~نبيا إلا أن ذلك الوصف لما لم يكن منتهيا في التفصيل إلى حد اليقين، ~~لم يلزم من الاعتراف ms0801 به الاعتراف بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم. # والجواب: أن هذا الإشكال إنما يتوجه لو قلنا بأن العلم بنبوته إنما حصل ~~من اشتمال التوراة والإنجيل على وصفه، ونحن لا نقول به، بل نقول: إنه ~~ادعى النبوة، وظهرت المعجزة على يده وكل من كان كذلك كان نبيا صادقا، ~~فهذا برهان، والبرهان يفيد اليقين، فلا جرم كان العلم بنبوة محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - أقوى وأظهر من العلم ببنوة الأبناء، وأبوة الآباء. # السؤال الثالث: فعلى هذا الوجه الذي قررتموه كان العلم بنبوة محمد - ~~صلوات الله وسلامه عليه - علما برهانيا، غير محتمل للغلط. # أما العلم بأن هذا ابني فذلك ليس علما يقينيا، بل ظن ومحتمل للغلط، ~~فلم شبه اليقين بالظن؟ # والجواب: ليس المراد أن العلم بنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - يشبه ~~العلم ببنوة الأبناء، بل المراد به تشبيه العلم بأشخاص الأبناء وذواتهم، ~~فكما أن الأب يعرف شخص ابنه معرفة لا يشتبه هو عنده بغيره فكذا هاهنا، ~~وعند هذا يستقيم التشبيه، لأن هذا العلم ضروري وذلك نظري، وتشبيه النظري ~~بالضروري يفيد المبالغة وحسن الاستعارة. # السؤال الرابع: لم خص الأبناء بالذكر دون البنات. # الجواب: لأن الذكور أعرف وأشهر، وهم بصحبة الآباء ألزم، وبقلوبهم ألصق. # والضمير في " يعرفونه " يعود على القرآن الكريم. # وقيل: على العلم. # وقيل: على البيت الحرام. # [ويعود الضمير إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم ومجد ~~وبجل وعظم. وهو رأي الزمخشري، واختاره الزجاج وغيره، وقال أبو حيان: ~~هذا من باب الالتفات من الخطاب في قوله: " فول وجهك " إلى ~~الغيبة]. # قوله: " كما يعرفون " " الكاف " في محل نصب إما على كونها ~~نعتا لمصدر محذوف أي: معرفة كائنة مثل معرفتهم أبناءهم، أو في موضع ~~نصب على الحال من ضمير ذلك المصدر المعرفة المحذوف، التقدير: يعرفونه ~~معرفة مماثلة لعرفانهم، وهذا مذهب سيبويه وتقدم تحقيق هذا. و " ما " ~~مصدرية لأنه ينسبك منها ومما بعدها مصدر كما تقدم تحقيقه. # قوله تعالى: { وإن فريقا منهم ليكتمون الحق ~~وهم يعلمون } [البقرة: 146]. # اعلم أن الذين أوتوا الكتاب وعرفوا ms0802 الرسول، فمنهم من آمن به مثل عبد ~~الله بن سلام وأتباعه، ومنهم من بقي على كفره، ومن آمن لا يوصف بكتمان ~~الحق، وإنما يوصف بذلك من بقي على كفره، لا جرم قال الله تعالى: { ~~وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون } ~~فوصف البعض بذلك، ودل بقوله]: " ليكتمون الحق " على سبيل ~~الذم، على أن كتمان الحق في الدين محظور إذا أمكن إظهاره، واختلفوا ~~في المكتوم، فقيل: أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - وقيل: أمر القبلة ~~كما تقدم. # قوله تعالى: " وهم يعلمون " جملة اسمية في محل نصب على الحال ~~من فاعل " يكتمون " ، والأقرب فيها أن تكون حالا مؤكدة؛ لأن لفظ " ~~يكتمون الحق " يدل على علمه، إذ الكتم إخفاء ما يعلم وقيل: متعلق ~~العلم هو ما على الكاتم من العقاب، أي: وهم يعلمون العقاب المرتب على ~~كاتم الحق، فتكون إذ ذاك حالا مبينة، وهذا ظاهر في أن كفرهم كان ~~عنادا، ومثله: # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا # [النمل: 14]. # قوله تعالى: " الحق من ربك " فيه ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنه مبتدأ وخبره الجار والمجرور بعده، وفي الألف واللام حينئذ ~~وجهان: # أحدهما: أن تكون للعهد، والإشارة إلى الحق الذي عليه الرسول - عليه ~~السلام - أو إلى الحق الذي في قوله: " يكتمون الحق " أي: هذا ~~الذي يكتمونه هو الحق من ربك، وأن تكون للجنس على معنى الحق من الله لا ~~من غيره. # الثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الحق من ربك، والضمير يعود على ~~الحق المكتوم أي: ما كتموه هو الحق. # الثالث: أنه مبتدأ والخبر محذوف تقديره: الحق من ربك يعرفونه، والجار ~~والمجرور على هذين القولين في محل نصب على الحال من " الحق " ، ~~ويجوز أن يكون خبرا بعد خبر في الوجه الثاني. # وقرأ علي بن أبي طالب: " الحق من ربك " نصبا، وفيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه منصوب على البدل من الحق المكتوم، قاله الزمخشري. # الثاني: أن يكون منصوبا بإضمار " الذم " ، ويدل عليه الخطاب بعده في ~~قوله: " فلا تكونن ". # الثالث: أنه يكون منصوبا ب " يعلمون " قبله، وذكر هذين ms0803 الوجهين ابن ~~عطية، وعلى هذا الوجه الأخير يكون مما وقع فيه الظاهر موضع المضمر، أي: ~~وهم يعلمونه كائنا من ربك، وذلك سائغ حسن في أماكن التفخيم والتهويل ~~نحو: [الخفيف] # 837 - لا أرى الموت يسبق الموت شيء # ............................... # والنهي عن الكون على صفة أبلغ من النهي عن نفس الصفة، فلذلك جاء التنزيل ~~عليه: نحو { فلا تكونن من الممترين } # فلا تكونن من الجاهلين # [الأنعام: 35] دون: لا تمتر ولا تجهل ونحوه وتقرير ذلك أن قوله: " لا ~~تكن ظالما " نهي عن الكون بهذه الصفة، والنهي عن الكون على صفة أبلغ من ~~النهي عن تلك الصفة؛ إذ النهي عن الكون على صفة يدل على عموم الأكوان ~~المستقبلة عن تلك الصفة، والمعنى لا تظلم في كل أكوانك، أي: في كل فرد ~~فرد من أكوانك فلا يمر بك وقت يوجد منك فيه ظلم، فيصير كأن فيه نصا على ~~سائر الأكوان، بخلاف: لا تظلم، فإنه يستلزم الأكوان، وفرق بين ما يدل ~~دلالة بالنص وبين ما يدل دلالة بالاستلزام و " الامتراء ": افتعال من ~~المرية وهي الشك، ومنه المراء. قال: [الطويل] # 838 - فإياك إياك المراء فإنه # إلى الشر دعاء وللشر جالب # و " ماريته ": جادلته وشاكلته فيما يدعيه، و " افتعل " فيه بمعنى " ~~تفاعل " ، يقال: تماروا في كذا، وامتروا فيه نحو: تجاوروا، واجتوروا. # وقال الراغب: المرية: التردد في الأمر، وهي أخص من الشك، ~~والامتراء والمماراة المحاجة فيما فيه مرية، وأصله من مريت ~~الناقة إذا مسحت ضرعها للحلب. # ففرق بين المرية والشك كما ترى، وهذا كما تقدم له الفرق بين الريب ~~والشك، وأنشد الطبري قول الأعشى: [الطويل] # 839 - تدر على أسؤق الممتري # ن ركضا إذا ما السراب ارجحن # شاهدا على أن الممترين الشاكون. # قال: ووهم في ذلك؛ لأن أبا عبيدة وغيره قالوا: الممترون في البيت هم ~~الذين يمرون الخيل بأرجلهم همزا لتجري كأنهم يتحلبون الجري منها. # [فصل فيمن نزلت فيه الآية # قوله: { فلا تكونن من الممترين } قال الحسن: من الذين ~~علموا صحة نبوتك وإن بعضهم عاندوكم. # وقيل: بل يرجع إلى أمر القبلة. # وقيل: بل ms0804 يرجع إلى صحة نبوته وشرعه، وهو أقرب؛ لأن أقرب مذكور إليه ~~قوله: " من ربك "؛ وظاهره يقتضي النبوة، فوجب أن يرجع إليه، ونهيه عن ~~الامتراء لا يدل على أنه كان شاكا فيه كما تقدم القول في هذه المسألة]. ### || [2.148] # جمهور القراء على تنوين " كل " ، وتنوينه للعوض من المضاف إليه، ~~والجار خبر مقدم، و " وجهة " مبتدأ مؤخر. # واختلف في المضاف إليه " كل " المحذوف. # فقيل: تقديره: ولكل طائفة من أهل الأديان [يعني: أن الله يفعل ما يعلمه ~~صلاحا، فالجهات من الله تعالى وهو الذي ولى وجوه عباده إليها فانقادوا ~~لأمر الله تعالى، فإن انقيادكم خيرات لكم، ولا تلتفتوا إلى طعن هؤلاء، ~~وقولهم: " ما ولاهم عن قبلتهم أي التي كانوا عليها " فإن الله يجمعهم ~~وإياكم في القيامة]. # وقيل: ولكل أهل موضع من المسلمين وجهته إلى جهة الكعبة يمينا ~~وشمالا ووراء وقدام [فهي كجهة واحدة، ولا يخفى على الله نياتهم؛ فهو ~~يحشرهم جميعا ويثيبهم على أعمالهم]. وفي " وجهة " قولان: # أحدهما: ويعزى للمبرد، والفارسي، والمازني في أحد قوليه: أنها اسم ~~المكان المتوجه إليه، وعلى هذا يكون إثبات " الواو " قياسا إذ هي غير ~~مصدر. # قال سيبويه ولو بنيت " فعلة " من الوعد لقلت: وعدة، ولو بنيت مصدرا ~~لقلت: عدة. # والثاني: أنه مصدر، ويعزى للمازني، وهو ظاهر كلام سيبويه، فإنه قال بعد ~~ذكر حذف " الواو " من المصادر: " وقد أثبتوا فقالوا: وجهة في الجهة " ~~وعلى هذا يكون إثبات " الواو " شاذا منبهة على ذلك الأصل المتروك ~~في " عدة " ونحوها، والظاهر أن الذي سوغ إثبات " الواو " وإن كانت مصدرا ~~أنها مصدر جاءت على حذف الزوائد؛ إذ الفعل المسموع من هذه المادة ~~توجه واتجه، ومصدرهما التوجه والاتجاه، ولم يسمع في فعله: " ~~وجه يجه " ك " وعد يعد " ، وكان الموجب لحذف " الواو " من عدة ~~وزنة الحمل على المضارع لوقوع الواو بين ياء وكسرة، وهنا لم يسمع فيه ~~مضارع يحمل مصدره عليه، فلذلك قلت: إن " وجهة " مصدر على حذف الزوائد ~~ل " توجه " أو " اتجه " ، وقد ألم أبو البقاء بشيء من هذا. # قال القرطبي: الوجهة وزنها فعلة ms0805 من المواجهة. # والوجهة والجهة والوجه بمعنى واحد، والمراد القبلة، أي: أنهم لا ~~يتبعون قبلتك، وأنت لا تتبع قبلتهم، ولكل وجهة: إما بحق، وإما بهوى. # فصل في لفظ الوجه # قال أبو العباس المقرئ: ورد لفظ الوجه في القرآن الكريم على أربعة أضرب: ~~الأول: بمعنى الملة، قال تبارك وتعالى: { ولكل وجهة هو ~~موليها } أي: ملة. # الثاني: بمعنى الإخلاص في العمل، قال تعالى: # إني وجهت وجهي # [الأنعام: 79] أي: أخلصت عملي، ومثله: # ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن # [النساء: 122] أي: أخلص عمله لله. # الثالث: بمعنى الرضا، قال تعالى: # ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه # [الأنعام: 52] أي: رضاه، ومثله: # واصبر نفسك # [الكهف: 28] الآية الكريمة، ومثله: # ومآ ءاتيتم من ربا ليربو في أموال الناس ~~فلا يربو عند الله ومآ آتيتم من زكوة تريدون ~~وجه الله # [الروم: 39] أي: رضاه. # الرابع: الوجه هو الله تعالى كقوله تعالى: # فأينما تولوا فثم وجه الله # [البقرة: 115]، ومثله: # إنما نطعمكم لوجه الله # [الإنسان: 9]، وقوله: # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص: 88] أي: إلا إياه. # قوله تعالى: " هو موليها " جملة مبتدأ وخبر في محل رفع؛ لأنها ~~صفة { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من ~~شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم ~~فتكون من الظالمين } ل " وجهة " [وهي قراءة الجمهور] واختلف ~~في " هو " على قولين: # أحدهما: أنه يعود على لفظ " كل " لا على معناها، ولذلك أفرد [قال ~~القرطبي: ولو كان على المعنى لقال: هم مولوها وجوههم فالهاء والألف مفعول ~~أول]. والمفعول الثاني محذوف لفهم المعنى تقديره: هو موليها وجهه أو ~~نفسه، ويؤيد هذا قراءة ابن عامر: " مولاها " على ما لم يسم فاعله. # والثاني: أنه يعود على الله - تعالى - أي: الله مولي القبلة إياه، أي ~~ذلك الفريق. # وقرأ الجمهور: " موليها " على اسم فاعل، وقد تقدم أنه حذف أحد ~~مفعوليه، وقرأ ابن عامر - ويعزى لابن عباس - " مولاها " على اسم ~~المفعول، وفيه ضمير مرفوع قائم مقام الفاعل والثاني: هو الضمير المتصل به ~~وهو " ها ms0806 " العائد على الوجهة. # وقيل: على التولية ذكره أبو البقاء، وعلى هذه القراءة يتعين عود " هو " ~~إلى الفريق؛ إذ يستحيل في المعنى عوده على الله تعالى. [ولقراءة ابن عامر ~~معنيان: # أحدهما: ما وليته فقد ولاك؛ لأن معنى وليته أي: جعلته بحيث يليه، وإذا ~~صار بحيث يلي ذاك، فذاك أيضا يلي هذا، فإذا قد يفيد كل واحد منهما ~~الآخر. # فهو كقوله تعالى: # فتلقى آدم من ربه كلمات # [البقرة: 37] فهذا قول الفراء. # الثاني: " هو موليها " أي: قد زينت لك تلك الجهة أي صارت بحيث ~~تتبعها وترضاها]. # وقرأ بعضهم: " ولكل وجهة " بالإضافة، ويعزى لابن عامر، واختلفوا ~~فيها على ثلاثة أقوال: # أحدها، وهو قول الطبري: أنها خطأ، وهذا ليس بشيء؛ إذ الإقدام على تخطئة ~~ما ثبت عن الأئمة لا يسهل. # [قال ابن عطية: وخطأها الطبري وهي متجهة أي: فاستبقوا الخيرات لكل وجهة ~~ولاكموها، ولا تعترضوا فيما أمركم من هذه وهذه أي: إنما عليكم الطاعة في ~~الجميع وقدم قوله: " ولكل وجهة " على الأمر في قوله: " فاستبقوا ~~الخيرات " للاهتمام بالوجهة كما يقدم المفعول. # وذكر أبو عمرو الداني هذه القراءة عن ابن عباس]. # والثاني: وهو قول الزمخشري وأبي البقاء أن " اللام " زائدة في الأصل. # قال الزمخشري: المعنى وكل وجهة الله موليها، فزيدت " اللام " لتقدم ~~المفعول، كقولك: لزيد ضربت، ولزيد أبوه ضاربه. # قال أبو حيان: وهذا فاسد؛ لأن العامل إذا تعدى لضمير الاسم لم يتعد ~~إلى ظاهره المجرور ب " اللام " لا تقول: لزيد ضربته، ولا: لزيد أنا ~~ضاربه، لئلا يلزم أحد محذورين، وهما: إما لأنه يكون العامل قويا ضعيفا. ~~[وذلك أنه من حيث تعدى للضمير بنفسه يكون قويا ومن حيث تعدى للظاهر ~~ب " اللام " يكون ضعيفا]، وإما لأنه يصير المتعدي لواحد متعديا ~~لاثنين، ولذلك تأول النحويون ما يوهم ذلك وهو قوله: [البسيط]. # 840 - هذا سراقة للقرآن يدرسه # والمرء عند الرشا إن يلقها ذيب # على أن الضمير في " يدرسه " للمصدر أي: يدرس الدرس لا للقرآن؛ لأن الفعل ~~قد تعدى إليه. # وأما تمثيله بقوله: " لزيد ضربت " ، فليس نظير الآية؛ لأنه لم ms0807 يتعد في ~~هذا المثال إلى ضميره، ولا يجوز أن تكون المسألة من باب الاشتغال، فتقدر ~~عاملا في: " لكل وجهة " يفسره " موليها "؛ لأن الاسم المشتغل عنه إذا ~~كان ضميره مجرورا بحرف ينتصب ذلك الاسم بفعل يوافق العامل الظاهر في ~~المعنى، ولا يجوز جر المشتغل عنه إذا كان ضميره مجرورا بحرف تقول: زيدا ~~مررت به، أي: لابست زيدا مررت به، ولا يجوز: لزيد مررت به. # قال تعالى: # والظالمين أعد لهم # [الإنسان: 31]، وقال: [الوافر] # 841 - أثعلبة الفوارس أم رياحا # عدلت بهم طهية والخشابا # فأتى بالمشتغل عنه منصوبا، وأما تمثيله بقوله: لزيد أبوه ضاربه، فتركيب ~~غير عربي. # الثالث: أن " لكل وجهة " متعلق بقوله: { فاستبقوا الخيرات } ~~أي: فاستبقوا الخيرات لكل وجهة، وإنما قدم على العامل للاهتمام به، كما ~~تقدم المفعول، كا ذكره ابن عطية. # ولا يجوز أن توجه هذه القراءة على أن " لكل وجهة " في موضع المفعول ~~الثاني ل " موليها " ، والمفعول الأول هو المضاف إليه اسم الفاعل الذي ~~هو " مول " ، وهو " ها " ، وتكون عائدة على الطوائف، ويكون التقدير: ~~وكل وجهة الله مولي الطوائف أصحاب القبلات، وزيدت " اللام " في ~~المفعول لتقدمه، ويكون العامل فرعا؛ لأن النحويين نصوا على أنه لا ~~يجوز زيادة " اللام " للتقوية إلا في المتعدي لواحد فقط، و " مول " مما ~~يتعدى لاثنين، فامتنع ذلك فيه، وهذا المانع هو الذي منع من الجواب عن ~~الزمخشري فيما اعترض به أبو حيان عليه من كون الفعل إذا تعدى للظاهر، فلا ~~يتعدى لضميره، وهو أنه كان يمكن أن يجاب عنه بأن الضمير المتصل ب " مول ~~" ليس بضمير المفعول، بل ضمير المصدر وهو التولية، يكون المفعول الأول ~~محذوفا والتقدير: الله مولي التولية كل وجهة أصحابها، فلما قدم ~~المفعول على العامل قوي ب " اللام " لولا أنهم نصوا على المنع من ~~زيادتها في المتعدي لاثنين وثلاثة. # قوله تعالى: " فاستبقوا الخيرات " " الخيرات " منصوبة على ~~إسقاط حرف الجر، التقدير: إلى الخيرات، كقول الراعي: [الطويل] # 842 - ثنائي عليكم آل حرب ومن يمل # سواكم فإني مهتد غير مائل # أي: إلى سواكم، وذلك لأن " استبق ": إما ms0808 بمعنى سبق المجرد، أو بمعنى: ~~تسابق [لا جائز أن يكون بمعنى: سبق؛ لأن المعنى ليس على اسبقوا الخيرات، ~~فبقي أن يكون بمعنى: تسابق] ولا يتعدى بنفسه. # و " الخيرات " جمع: خيرة، وفيها احتمالان. # أحدهما: أن تكون مخففة من " خيرة " بالتشديد بوزن " فيعلة " نحو: ~~ميت في ميت. # والثاني: أن تكون غير مخففة، بل تثبت على " فعلة " بوزن " جفنة " ~~، يقال: رجل خير وامرأة خير، وعلى كلا التقديرين فليسا للتفضيل. # والسبق: الوصول إلى الشيء أولا، وأصله التقدم في السير، ثم تجوز به في ~~كل ما تقدم. # فصل في المسابقة إلى الصلاة # من قال: إن الصلاة في أول الوقت أفضل استدل بقوله: " فاستبقوا ~~الخيرات "؛ قال: لأن الصلاة خير لقوله عليه الصلاة والسلام # " خير أعمالكم الصلاة " # وظاهر الأمر بالسبق للوجوب، فإذا لم يتحقق فلا أقل من الندب. # وأيضا قوله تعالى: # سابقوا إلى مغفرة من ربكم # [الحديد: 21] ومعناه: إلى ما يوجب المغفرة، والصلاة مما يوجب المغفرة، ~~فوجب أن تكون المسابقة إليها مندوبة. # وأيضا قوله تعالى: # والسابقون السابقون أولئك المقربون # [الواقعة: 10 - 11]. # والمراد منه: السابقون في الطاعات، والصلاة من الطاعات، وأيضا أنه مدح ~~الأنبياء المقدمين بقوله تعالى: # إنهم كانوا يسارعون في الخيرات # [الأنبياء: 90]، والصلاة من الخيرات، كما بينا. # وأيضا أنه تعالى ذم إبليس في ترك المسارعة فقال: # ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك # [الأعراف: 12]. # وأيضا قوله تعالى: # حافظوا على الصلوات # [البقرة: 238] والمحافظة لا تحصل إلا بالتعجيل، ليأمن الفوت ~~بالنسيان. # وأيضا قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام: # وعجلت إليك رب لترضى # [طه: 84] فثبت أن الاستعجال أولى. # وأيضا قوله تعالى: # لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ~~أولئك أعظم درجة # [الحديد: 10] فبين أن المسابقة سبب لمزيد الفضيلة، وأيضا ما روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الصلاة في أول الوقت رضوان الله وفي آخره ~~عفو الله ". # قال الصديق رضي الله عنه: رضوان الله أحب إلينا من عفوه. # قال الشافعي رضي الله عنه: رضوان الله إنما يكون للمحسنين، والعفو يوشك ~~أن يكون عن المقصرين. # فإن قيل: ms0809 هذا احتجاج يقتضي أن يأثم بالتأخير، وأجمعنا على أنه لا يأثم، ~~فلم يبق إلا أن يكون معناه: أن الفعل في آخر الوقت يوجب العفو عن السيئات ~~السابقة، وما كان كذلك فلا شك أنه يوجب رضوان الله، فكان التأخير موجبا ~~للعفو والرضوان، فكان التأخير أولى. # فالجواب: أنه لو كان كذلك لوجب أن يكون تأخير المغرب أفضل، وذلك لم يقله ~~أحد، وأيضا عدم المسارعة إلى الامتثال يشبه عدم الالتفات، وذلك يقتضي ~~العقاب، إلا أنه لما أتى بالفعل بعد ذلك سقط ذلك الاقتضاء، وأيضا أن ~~تفسير أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - يبطل هذا التأويل، [وروي عن ابن ~~مسعود - رضي الله عنه - أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم وشرف ~~وكرم ومجد وبجل وعظم - أي الأعمال أفضل؟ قال: # " الصلاة لميقاتها الأول " # وأيضا قال عليه الصلاة والسلام: # " إن الرجل ليصلي الصلاة وقد فاته من أول ~~الوقت ما هو خير له من أهله وماله " # وأيضا إنا توافقنا على أن أحد أسباب الفضيلة فيما بين الصحابه ~~المسابقة إلى الإسلام حتى وقع الخلاف الشديد بين أهل السنة وغيرهم أن ~~أبا بكر أسبق إسلاما أم عليا رضي الله عنهما، وما ذاك إلا لاتفاقهم ~~على ان المسابقة في الطاعة توجب مزيد الفضل. # [وقال عليه الصلاة والسلام في خطبة له: # " بادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشتغلوا " # والصلاة من الأعمال الصالحة]. # وأيضا تعجيل حقوق الآدميين أفضل من تأخيرها، فوجب أن يكون [الحال في ~~أداء] حقوق الله - تعالى - كذلك لرعاية التعظيم. # وأيضا المبادرة والمسارعة إلى الصلاة إظهار للحرص على الطاعة، والولوع ~~بها، والرغبة فيها وفي التأخير كسل عنها، فيكون الأول أولى. # [وأيضا فإن المبادرة احتياط، لأنه إذا أداها في أول الوقت تفرغت ~~ذمته، وإذا أخرها ربما حصل له شغل، فمنعه من أدائها، فالوجه الذي يحصل ~~به الاحتياط أولى. # فإن قيل: تنتقض هذه الدلائل بالظهر في شدة الحر، وبما إذا حصل له ~~إدراك الجماعة، أو وجود الماء. # قلنا: التأخير في هذه المواضع لأمور عارضة، والكلام إنما هو في مقتضى ~~الأصل]. # فصل في ms0810 التغليس في صلاة الفجر # قال الشافعي - رضي الله تعالى عنه - التغليس في صلاة الفجر أفضل، وهو ~~مذهب أبي بكر وعمر، وقول مالك وأحمد رضي الله عنهم. # وقال أبو محمد: يستحب أن يدخل فيها بالتغليس. # واحتج الأولون بما تقدم من الآية، وبما روت عائشة رضي الله عنها قالت: ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم ومجد وبجل وعظم يصلي الصبح، ~~فينصرف والنساء متلفعات بمروطهن ما يعرفهن أحد من الغلس. # فإن قيل: كان هذا في ابتداء الإسلام حين كان النساء يحضرون الجماعات، ~~فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالغلس كيلا يعرفن. # وهكذا كان عمر رضي الله عنه يصلي بالغلس، ثم لما نهين عن الحضور في ~~الجماعات ترك ذلك. # قلنا: الأصل عدم النسخ، وإن سلم النسخ فالمنسوخ إنما هو حضور النساء لا ~~الصلاة. # وروى أنس عن زيد بن ثابت قال: تسحرنا مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وآله وسلم وشرف وكرم ومجد وبجل وعظم - ثم قمنا إلى الصلاة، قال أنس: قلت ~~لزيد كم كان قدر ذلك؟ قال: قدر خمسين آية، وهذا يدل أيضا على ~~التغليس، وروي عن أبي مسعود الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~غلس بالصبح، ثم أسفر مرة، ثم لم يعد إلى الإسفار حتى قبضه الله ~~تعالى. # وأيضا فإن النوم في ذلك الوقت أطيب، فيكون تركه أشق، فوجب أن يكون ~~ثوابه أكثر، لقوله عليه السلام: # " أفضل العبادات أحمزها " # أي: أشقها. # واحتج أبو حنيفة بوجوه: # أحدها: قوله عليه السلام: # " أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر " # وروى عبد الله بن مسعود أنه صلى الفجر ب " المزدلفة " فغلس، ثم قال ابن ~~مسعود: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة إلا لميقاتها إلا صلاة ~~الفجر. # ويروى عن أبي بكر - رضي الله عنه - أنه صلى الفجر، فقرأ " آل عمران " ، ~~فقالوا: كادت الشمس أن تطلع، فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين. # وعن عمر أنه قرأ البقرة فاستشرقوا الشمس، فقال: لو طلعت لم تجدنا ~~غافلين. # وأيضا فإن تأخير الصلاة يشتمل على فضيلة ms0811 الانتظار. # وقال عليه السلام: # " المنتظر للصلاة كمن هو في الصلاة " # ، فمن [أخر الصلاة عن أول وقتها فقد انتظر الصلاة أولا، ثم بها ~~ثانيا]، ومن صلاها في أول الوقت فقد فاته فضل الانتظار. # وأيضا: فإن التنوير يفضي إلى كثرة الجماعة فيكون أولى. # والجواب عن الأول أن الفجر اسم للنور الذي [يتفجر به ظلام] المشرق، ~~فالفجر إنما يكون فجرا لوكانت الظلمة باقية في الهواء. # فأما إذا زالت الظلمة بالكلية واستنار الهواء لم يكن ذلك فجرا. # وأما الإسفار فهو عبارة عن الظهور، يقال: أسفرت المرأة عن وجهها إذا ~~[كشفت عنه]، إذا ثبت هذا فنقول: ظهور الفجر إنما يكون عند بقاء الظلام ~~في الهواء، فإن الظلام كلما كان أشد كان النور الذي يظهر فيما بين ذلك ~~الظلام أشد. # فقوله: # " أسفروا بالفجر " # يجب أن يكون محمولا على التغليس، أي: كلما وقعت صلاتكم حين كان ~~الفجر [أظهر كان] أكثر ثوابا. # وقد بينا أن ذلك لا يكون إلا في أول الفجر، وهذا معنى قول الشافعي رضي ~~الله عنه: إن الإسفار المذكور في الحديث محمول على تيقن طلوع الفجر، ~~وزوال الشك عنه، والذي يدل على ما قلنا: أن الصلاة في ذلك الوقت أشق، ~~فوجب أن يكون أكثر ثوابا. # وأما تأخير الصلاة إلى وقت التنوير، فهو عادة أهل الكسل، وهذا جواب عن ~~قول ابن مسعود أيضا وأما باقي الوجوه فمعارض لبعض ما قدمناه. # قوله: " أينما تكونوا " " أين " اسم شرط تجزم فعلين ك " إن " ، ~~و " ما " مزيدة عليها على سبيل الجواز، وهي ظرف مكان، وهي هنا في محل ~~نصب خبرا ل " كان " ، وتقديمها واجب لتضمنها معنى ما له صدر الكلام. # و " تكونوا " أيضا مجزوم بها على الشرط، وهو الناصب لها، و " يأت " ~~جوابها، وتكون أيضا استفهاما فلا تعمل شيئا، وهي مبنية على الفتح ~~لتضمن معنى حرف الشرط أو الاستفهام. # [ودلت الآية على أنه قادر على جميع الممكنات، فوجب أن يكون قادرا على ~~الإعادة؛ لأنها ممكنة، وهذا وعد لأهل الطاعة، ووعيد] لأهل المعصية. ### || [2.149-150] # " من حيث " متعلق بقوله: " فول وجهك " و ms0812 " خرجت " في محل جر ~~بإضافة " حيث " إليها، وقرأ عبد الله بالفتح، وقد تقدم أنها إحدى اللغات، ~~ولا تكون هنا شرطية، لعدم زيادة " ما " ، والهاء في قوله: { وإنه ~~للحق } الكلام فيها كالكلام عليها فيما تقدم. # وقرئ " تعلمون " بالياء والتاء، وهما واضحتان كما تقدم. فصل في الكلام ~~على الآية # أعلم أنه - تبارك وتعالى - قال أولا: # قد نرى تقلب وجهك في السمآء فلنولينك ~~قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام ~~وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره # [البقرة: 144] وذكر هاهنا ثانيا قوله تعالى: { ومن حيث خرجت ~~فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ~~ربك وما الله بغافل عما تعملون }. # ثم ذكر ثالثا قوله: { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم ~~شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة } فما فائدة هذا ~~التكرار؟ فيه أقوال: # أحدها: أن الأحوال ثلاثة: # أولها أن يكون الإنسان في المسجد الحرام. # وثانيها: أن يخرج عن المسجد الحرام ويكون في البلد. # وثالثها: أن يخرج عن البلد إلى أقطار الأرض. # فالآية الأولى محمولة على الحالة الأولى، والثانية على الثانية، ~~والثالثة على الثالثة؛ لأنه قد يتوهم أن للقرب حرمة لا تثبت فيها للبعد، ~~فلأجل إزالة هذا الوهم كرر الله - تعالى - هذه الآيات. # والجواب: أنه علق بها كل مرة فائدة زائدة، ففي الأولى بين أن أهل الكتاب ~~يعلمون أن أمر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأمر هذه القبلة حق؛ لأنهم ~~شاهدوا ذلك في التوراة والإنجيل. # وفي الثانية بين أنه - تعالى - يشهد أن ذلك حق، وشهادة الله بكونه ~~حقا مغايرة لعلم أهل الكتاب [حقا]. # وفي الثالثة بين [فعل ذلك لئلا يكون للناس عليكم حجة]، فلما اختلفت هذه ~~الفوائد حسنت إعادتها لأجل أن يترتب في كل واحدة في المرات واحدة من هذه ~~الفوائد، ونظيره قوله تعالى: # فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم ~~يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا ~~قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل ~~لهم مما يكسبون # [البقرة: 79]. # وثالثها: لما قال في الأولى: # فلنولينك قبلة ترضاها فول ms0813 وجهك شطر ~~المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم ~~شطره # [البقرة: 144] فربما توهم متوهم أن هذا التحويل لمجرد رضاه فأزال هذا ~~الوهم الفاسد بقوله عز وجل ثانيا: { ومن حيث خرجت فول ~~وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم ~~فولوا وجوهكم شطره } { وإنه للحق من ربك } ~~أي: إن التحويل ليس لمجرد رضاك، بل لأجل أنه الحق الذي لا محيد عنه، ~~فاستقبالها ليس لمجرد الهوى والميل كقبلة اليهود المنسوخة التي يقيمون ~~عليها بمجرد الهوى والميل. # ثم قال تعالى ثالثا: { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم ~~شطره } [البقرة: 144] والمراد منه الدوام على هذه القبلة في جميع ~~الأزمنة والأوقات، وإشعار بأن هذا لا يصير منسوخا. # ورابعها: أنه قرن كل آية بمعنى، فقرن الأولى وهي القبلة التي يرضاها ~~ويحبها بالقبلة التي كانوا يحبونها، وهي قبلة إبراهيم - عليه الصلاة ~~والسلام - وقرن الآية الثانية بقوله: # ولكل وجهة هو موليها # [البقرة: 148] أي: لكل صاحب ملة قبلة يتوجه إليها، فتوجهوا أنتم إلى ~~أشرف الجهات التي يعلم الله انها حق، وقرن الثالثة بقطع الله - تعالى - ~~حجة من خاض من اليهود في أمر القبلة، فكانت هذه عللا ثلاثا قرن ~~بكل واحدة منها أمرا بالتزام القبلة. # نظيره أن يقال: الزم هذه القبلة كأنها القبلة التي كنت تهواها، ثم يقال: ~~الزم هذه القبلة، فإنها قبلة الحق لا قبلة الهوى، وهو قوله: { وإنه ~~للحق من ربك } ثم يقال: الزم هذه القبلة، فإن في لزومك إياها ~~انقطاع حجج اليهود عنك، وهذا التكرار في هذا الموضع كالتكرار في قوله ~~تعالى: # فبأي ءالاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 16] وكذلك ما كرر في قوله تعالى: # إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين # [الشعراء: 8]. # وخامسها: أن هذه الواقعة أول الوقائع التي ظهر النسخ فيها في شرعنا، ~~فدعت الحاجة إلى التكرار لأجل التأكيد والتقرير، وإزالة الشبهة، وإيضاح ~~البينات. # أما قوله سبحانه وتعالى: { وما الله بغافل عما تعملون ~~} يعني: ما يعمله هؤلاء المعاندون الذين يكتمون الحق، وهم يعرفونه، ~~ويدخلون الشبهة على العامة بقولهم: # ما ولاهم عن ms0814 قبلتهم التي كانوا عليها # [البقرة: 142] وبأنه قد اشتاق إلى مولده، ودين آبائه، فإن الله عالم ~~بهذا فأنزل ما أبطله. [وقد تقدم الكلام على نفي الغفلة وعدم ذكر ~~العلم]. # قوله تعالى: { لئلا يكون للناس } هذه لام " كي " بعدها " أن ~~" المصدرية الناصبة للمضارع، و " لا " نافية واقعة بين الناصب ومنصوبه، ~~كما تقع بين الجازم ومجزومه نحو: # إلا تفعلوه تكن # [الأنفال: 73] و " أن " هنا واجبة الإظهار، إذ لو أضمرت لثقل اللفظ ~~بتوالي لامين، ولام الجر متعلقة بقوله سبحانه وتعالى: { فولوا ~~وجوهكم }. # وقال أبو البقاء: متعلقة بمحذوف تقديره: فعلنا ذلك لئلا، ولا حاجة إلى ~~ذلك، و " للناس " خبر ل " يكون " مقدم على اسمها، وهو " حجة " ، و " ~~عليكم " في محل نصب على الحال؛ لأنه في الأصل صفة النكرة، فلما تقدم ~~عليها انتصب حالا، ولا يتعلق ب " حجة " لئلا يلزم تقديم معمول المصدر ~~عليه، وهو ممتنع؛ لأنه في تأويل صلة وموصول، وقد قال بعضهم: يتعلق ب " ~~حجة " وهو ضعيف، ويجوز أن يكون " عليكم " خبرا ل " يكون " ويتعلق " ~~للناس " ب " يكون " على رأي من يرى أن " كان " الناقصة تعمل في الظرف ~~وشبهه، وذكر الفعل في قوله " يكون "؛ لأن تأنيث الحجة غير حقيقي، وحسن ~~ذلك الفصل أيضا. # [وقال أبو روق: المراد ب " الناس ": أهل الكتاب. # ونقل عن قتادة والربيع: أنهم وجدوا في كتابهم أنه - عليه الصلاة والسلام ~~- تحول إلى القبلة، فلما حولت بطلت حجتهم. # " إلا الذين ظلموا "؛ بسبب أنهم كتموا ما عرفوا. # وقيل: لام أوردوا تلك الشبهة معتقدين أنها حجة سماها تعالى حجة، بناء ~~على معتقدهم، أو لعله - تعالى - سماها حجة تهكما بهم. # وقيل: أراد بالحجة المحاجة، فقال: { لئلا يكون للناس ~~عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم } فإنهم ~~يحاجونكم بالباطل]. # قوله تعالى: " إلا الذين " قرأ الجمهور " إلا " بكسر " الهمزة " ~~وتشديد " اللام ". # وقرأ ابن عباس، وزيد بن علي، وابن زيد بفتحها، وتخفيف " اللام " على ~~أنها للاستفتاح. # فأما قراءة الجمهور فاختلف النحويون في تأويلها على أربعة أقوال: # أظهرها: وهو اختيار الطبري، وبدأ به ابن عطية، ولم يذكر الزمخشري غيره ~~أنه ms0815 استثناء متصل. # قال الزمخشري: معناه لئلا يكون حجة لأحد من اليهود إلا للمعاندين منهم ~~القائلين: ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا ميلا لدين قومه، وحبا لهم، ~~وأطلق على قولهم: " حجة "؛ لأنهم ساقوه مساق الحجة. # والحجة كما أنها تكون صحيحة، فقد تكون أيضا باطلة، قال الله تعالى: # حجتهم داحضة عند ربهم # [الشوى: 16]. # وقال تعالى: # فمن حآجك فيه من بعد ما جآءك من العلم # [آل عمران: 61] والمحاجة هي أن يورد كل واحد من المحق والمبطل على ~~صاحبه حجة، وهذا يقتضي أن الذي يورده المبطل يسمى بالحجة، ولأن الحجة ~~اشتقاقها من حجه إذا علا عليه، فكل كلام يقصد به غلبة الغير فهو حجة. # وقال بعضهم: إنها مأخوذة من محجة الطريق، فكل كلام يتخذه الإنسان ~~مسلكا لنفسه في إثبات أو إبطال فهو حجة. # وقال ابن عطية: المعنى أنه لا حجة لأحد عليكم إلا الحجة الداحضة للذين ~~ظلموا من اليهود وغيرهم الذين تكلموا في النازلة، وسماها حجة وحكم ~~بفسادها حين كانت من ظالم. # الثاني: أنه استثناء منقطع، فيقدر ب " لكن " عند البصريين، وب " بل " ~~عند الكوفيين؛ لأنه استثناء من غير الأول، والتقدير: لكن الذين ظلموا، ~~فإنهم يتعلقون عليكم بالشبهة يضعونها موضع الحجة [نظيره قوله: # إني لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم # النمل: 10 - 11]. # وقال: # لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم # [هود: 43]. # ويقال: ما له علي من حق إلا التعدي، أي: لكنه يتعدى]. # ومثار الخلاف هو: هل الحجة هي الدليل الصحيح، أو الاحتجاج صحيحا كان ~~أو فاسدا؟ # فعلى الأولى يكون منقطعا، وعلى الثاني يكون متصلا. # الثالث: وهو قول أبي عبيدة أن " إلا " بمعنى " الواو " العاطفة وجعل من ~~ذلك قوله: [الوافر] # 843 - وكل أخ مفارقه أخوه # لعمر أبيك إلا الفرقدان # يعني: والفرقدان. # وقول الآخر: [البسيط] # 844 - ما بالمدينة دار غير واحدة # دار الخليفة إلا دار مروانا # تقدير ذلك عنده: " ولا الذين ظلموا، والفرقدان، ودار مروان " وقد خطأه ~~النحاة في ذلك كالزجاج وغيره. # الرابع: أن " إلا بمعنى بعد، أي: بعد الذين ظلموا، وجعل منه ms0816 قول الله ~~تعالى: # لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى # [الدخان: 56]. # وقوله تعالى: # إلا ما قد سلف # [النساء: 22] تقديره: بعد الموتة، وبعد ما قد سلف، هذا من أفسد ~~الأقوال، وأنكرها، وإنما ذكرته لغرض التنبيه على ضعفه. # و " الذين " في محل نصب على الاستثناء على القولين اتصالا وانقطاعا، ~~وأجاز قطرب أن يكون في موضع جر بدلا من ضمير الخطاب في " عليكم " ، ~~والتقدير: لئلا تثبت حجة للناس على غير الظالمين منهم، وهم أنتم أيها ~~المخاطبون بتولية وجوهكم إلى القبلة. # ونقل عنه أنه كان يقرأ: " إلا على الذين " كأنه يكرر العامل في البدل ~~على حد قوله: # للذين استضعفوا لمن آمن منهم # [الأعراف: 75]. # وهذا عند جمهور البصريين ممتنع؛ لأنه يؤدي إلى بدل ظاهر من ضمير حاضر ~~بدل كل من كل، ولم يجزه من البصريين إلا الأخفش، وتأول غيره ما ورد من ~~ذلك. # وأما قراءة ابن عباس ب " ألا " للاستفتاح، ففي محل " الذين " حينئذ ~~ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنه مبتدأ، وخبره قوله: " فلا تخشوهم " ، وإنما دخلت " ~~الفاء " في الخبر؛ لأن الموصول تضمن معنى الشرط، والماضي الواقع صلة ~~مستقبل معنى كأنه قيل: من يظلم الناس فلا تخشوهمن ولولا دخول الفاء ~~لترجح النصب على الاشتغال، أي: لا تخشوا الذين ظلموا لا تخشوهم. # الثاني: أن يكون منصوبا بإضمار فعل على الاشتغال، وذلك على قول الأخفش، ~~فإنه يجيز زيادة الفاء. # الثالث: نقله ابن عطية أن يكون منصوبا على الإغراء. # ونقل عن ابن مجاهد أنه قرأ: " إلى الذين ظلموا " وجعل " إلى " ~~حرف جر متأولا لذلك بأنها بمعنى " مع " ، والتقدير: لئلا يكون للناس ~~عليكم حجة مع الذين، والظاهر أن هذا الراوي وقع في سمعه " إلا الذين " ~~بتخفيف " إلا " فاعتقد ذلك فيها، وله نظائر مذكورة عندهم. # و " فهم " في محل نصب على الحال فيتعلق بمحذوف، ويحتمل أن تكون " من " ~~للتبعيض، وأن تكون للبيان. # فصل في الكلام على هذه الحجة # اعلم ان هذا الكلام يوهم حجاجا وكلاما تقدم من قبل في باب ~~القبلة عن القوم فأراد الله تعالى أن يبين أن تلك الحجة تزول ms0817 الآن ~~باستقبال الكعبة. # وفي كيفية تلك الحجة روايات: # إحداها: أن اليهود قالوا: تخالفنا في ديننا وتتبع قبلتنا. # وثانيها: قالوا: ألم يدر محمد أين يتوجه في صلاته حتى هديناه؟ # وثالثها: أن العرب قالوا: إنه كان يقول: أنا على دين إبراهيم، والآن ترك ~~التوجه إلى الكعبة، ومن ترك التوجه إلى الكعبة، فقد ترك دين إبراهيم - ~~عليه الصلاة والسلام - فصارت هذه الوجوه وسائل لهم إلى الطعن في شرعه ~~عليه الصلاة والسلام، إلا أن الله - تعالى - لما علم أن الصلاح في ذلك ~~أوجب عليهم التوجه إلى بيت المقدس لما فيه من المصلحة في الدين؛ لأن ~~قولهم لا يؤثر في المصالح، وقد بينا من قبل تلك المصلحة، وهي تمييز من ~~اتبعه ب " مكة " ممن أقام على تكذيبه فإن ذلك الامتياز ما كان يظهر إلا ~~بهذا الجنس ولما انتقل عليه الصلاة والسلام إلى المدينة تغيرت المصلحة، ~~فاقتضت الحكمة تحويل القبلة إلى الكعبة، فلهذا قال الله تعالى: " لئلا ~~يكون للناس عليكم حجة يعني أن تلك الشبهة التي ذكروها تزول بسبب هذا ~~التحويل، ولما كان فيهم من المعلوم من حاله أن يتعلق عند هذا التحويل ~~بشبهة أخرى، وهو قول بعض العرب: إن محمدا عليه الصلاة والسلام - عاد إلى ~~ديننا في الكعبة وسيعود إلى ديننا بالكلية، وكان التمسك بهذه الشبهة، ~~والاستمرار عليها سببا للبقاء على الجهل والكفر، وذلك ظلم [للنفس] على ~~ما قال تعالى: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13] فلا جرم، قال الله تعالى { إلا الذين ظلموا ~~منهم [فلا تخشوهم واخشون }. # أي: لا تخشوا من يتعنت ويجادل، ولا تخافوا طعنهم في قبلتكم، فإنهم ~~يضرونكم، واخشوني، واحذروا عقابي إن عدلتم عما ألزمتكم، وفرضت عليكم. # و " الخشية ": أصلها: طمأنينة في القلب تبعث على التوقي والخوف، و " ~~الخوف ": فزع في القلب تخف له الأعضاء، ولخفة الأعضاء به يسمى خوفا، ~~ومعنى التحقير لك من سوى الله تعالى، والأمر باطراح أمرهم ومراعاة أمر ~~الله تعالى. # قال بعضهم: الخوف أول المراتب، وهو الفزع، ثم بعده الوجل، ثم ~~الخشية، ثم الرهبة]. # قوله: " ولأتم " فيه أربعة أوجه: ms0818 # أظهرها: أنه معطوف على قوله: " لئلا يكون " كأن المعنى: عرفناكم ~~وجه الصواب في قبلتكم، والحجة لكم لانتفاء حجج الناس عليكم، ولإتمام ~~النعمة، فيكون التعريف معللا بهاتين العلتين: # [إحداهما: لانقطاع حجتهم عنه. # والثانية: لإتمام النعمة. وقد بين مسلم الأصفهاني ما في ذلك من ~~النعمة، وهو القوم كانوا يفتخرون باتباع إبراهيم في جميع ما يفعلون، فلما ~~حول - عليه الصلاة والسلام - إلى " بيت المقدس " لحقهم ضعف قلب، ولذلك ~~كان عليه الصلاة والسلام يحب التحول إلى الكعبة، لما فيها من شرف ~~البقعة، فهذا موضع النعمة]، والفصل بالاستثناء وما بعده كلا فصل ~~إذ هو من متعلق العلة الأولى. # الثاني: أنه معطوف على علة محذوفة، وكلاهما [معلولها] الخشية السابقة، ~~فكأنه قيل: واخشوني [لأوفقكم] ولأتم نعمتي عليكم. # الثالث: أنه متعلق بفعل محذوف مقدر بعده تقديره: ولأتم نعمتي ~~عليكم عرفتكم أمر قبلتكم ". # الرابع: وهو أضعفها أن تكون متعلقة بالفعل قبلها، و " الواو " زائدة، ~~تقديره: واخشوني لأتم نعمتي. # وهذه لام " كي " و " أن " مضمرة بعدها ناصبة للمضارع، فينسبك منهما مصدر ~~مجرور باللام وتقدم تحقيقه، و " عليكم " فيه وجهان: # أحدهما: أن يتعلق ب " أتم ". # الثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من " نعمتي " ، أي: كائنة عليكم. # فإن قيل: إنه - تعالى - أنزل عند قرب وفاة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي # [المائدة: 3] فبين أن تمام النعمة إنما حصل ذلك اليوم، فكيف قال قبل ذلك ~~اليوم بسنين كثيرة في هذه الآية { ولأتم نعمتي عليكم }؟! # فالجواب: أنا قلنا تمام النعمة اللائقة في كل وقت هو الذي خصه به. # وعن علي رضي الله عنه: تمام النعمة الموت على الإسلام. # وقوله: " لعلكم تهتدون " فيه سؤال، وهو أن لفظه ~~الترجي، وهو في حق الله - تعالى - محال؛ لأنه يعلم الأشياء على ما ~~هي عليه. # وأجيب عن ذلك بوجهين: # الأول: أن الترجي في الآية الكريمة بالنسبة إلى المخاطبين أي: بإتمام ~~النعمة ترجون الثواب والاهتداء إلى دلائل التوحيد. # الثاني: قال بعض المفسرين: كل لفظ " لعل " في القرآن الكريم المراد به ~~التحقيق كقول ms0819 الملك لمن طلب منه حاجة وأراد ذلك قضاها، فنقول لطالب ~~الحاجة: لعل حاجتك تقضى. # والاهتداء يطلق، ويراد به بيان الأدلة كقوله تعالى: # وبالنجم هم يهتدون # [النحل: 16] الآية، ويطلق ويراد به الاهتداء إلى الحق. ### || [2.151] # قوله تعالى: " كمآ أرسلنا ": الكاف من قوله: " كما " فيها قولان: # أظهرهما: أنها للتشبيه. # والثاني: أنها للتعليل، فعلى القول الأول تكون نعت مصدر محذوف. # واختلفوا في متعلقها حينئذ على خمسة أوجه: # أحدها: أنها متعلقة بقوله: " ولأتم " تقديره: ولأتم نعمتي عليكم إتماما ~~مثل إتمام الرسول فيكم، ومتعلق الإتمامين مختلف، فالأول بالثواب في ~~الآخرة، والثاني بإرسال الرسول في الدنيا، أو الأول بإيجاب الدعوة الأولى ~~لإبراهيم عليه الصلاة والسلام في قوله: # ومن ذريتنآ أمة مسلمة لك # [البقرة: 138] # والثاني بإجابة الدعوى الثانية في قوله: # ربنا وابعث فيهم رسولا منهم # [البقرة: 129] [قاله ابن جرير]، ورجحه مكي؛ لأن سياق اللفظ يدل على أن ~~المعنى: ولأتم نعمتي عليكم ببيان ملة أبيكم إبراهيم، كما أجبنا دعوته ~~فيكم، فأرسلنا إليكم رسولا منكم. # والثاني: أنها متعلقة ب " تهتدون " ، تقديره: يهتدون اهتداء مثل ~~إرسالنا فيكم رسولا، ويكون تشبيه الهداية بالإرسال في التحقيق والثبوت ~~أي: اهتداء متحققا كتحقيق إرسالنا. # الثالث: وهو قول أبي مسلم: أنها متعلقة بقوله: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا # [البقرة: 143]، أي: جعلا مثل إرسالنا. # وهذا بعيد جدا؛ لطول الفصل المؤذن بالانقطاع. # الرابع: أنها متعلقة بما بعدها وهو " اذكروني " [قال مجاهد وعطاء ~~والكلبي: وروي عن علي رضي الله عنه، واختاره الزجاج: كما أرسلنا فيكم ~~رسولا تعرفونه بالصدق فاكروني بالتوحيد والتصديق به، وعلى هذا فالوقف ~~على " تهتدون " جائز]. # قال الزمخشري: كما ذكرتكم بإرسال الرسل، فاذكروني بالطاعة أذكركم ~~بالثواب، فيكون على تقدير مصدر محذوف، وعلى تقدير مضاف أي: اذكروني ذكرا ~~من ذكرنا لكم بالإرسال، ثم صار: مثل ذكر إرسالنا، ثم حذف المضاف، وأقيم ~~المضاف إليه مقامه، وهذا كما تقول: كما أتاك فلان فإنه يكرمك، و " الفاء ~~" غير مانعة من ذلك. # قال أبو البقاء: " كما " لم تمنع في باب الشرط يعني أن ما بعد فاء ~~الجزاء يعمل فيما قبلها. # وقد رد ms0820 مكي هذا بأن الأمر إذا كان له جواب لم يتعلق به ما قبله ~~لاشتغاله بجوابه و " اذكروني " قد أجيب بقوله: " أذكركم " فلا يتعلق به ~~ما قبله. # قال: ولا يجوز ذلك إلا في التشبيه بالشرط الذي يجاب بجوابين، نحو: إذا ~~أتاك فلان فأكرمه ترضه، فيكون " كما " ، و " فأذكركم " جوابين للأمر، ~~والاول أفصح وأشهر، وتقول: " كما أحسنت إليك فأكرمني " فيصح أن تجعل ~~الكاف متعلقة ب " أكرمني " إذ لا جواب له. # وهذا الشرط منعه مكي قال أبو حيان: " لا نعلم خلافا في جوازه ". # وأما قوله: إلا أن يشبه بالشرط، وجعله " كما " جوابا للأمر، فليس ~~بتشبيه صحيح، ولا يتعقل، وللاحتجاج عليه موضع غير هذا الكتاب. # قال أبو حيان: وإنما يخدش هذا عندي وجود الفاء، فإنها لا يعمل ما بعدها ~~فيما قبلها وتبعد زيادتها. انتهى. # وقد تقدم [قول] أبي البقاء في أنها غير مانعة من ذلك. # الخامس: أنها متعلقة بمحذوف على أنها حال من " نعمتي " والتقدير: ولأتم ~~نعمتي مشبهة إرسالنا فيكم رسولا، أي: مشبهة نعمة الإرسال، فيكون ~~على حذف مضاف. [وقال مكي: في " إعراب المشكل ": فإن شئت جعلت " الكاف " ~~في موضع نصب على الحال من الكاف والميم في " عليكم " ]. # وأما على القول بأنها للتعليل، فتتعلق بما بعدها وهو قوله: " فاذكروني ~~" أي: اذكروني لأجل إرسالنا فيكم رسولا، وكون " الكاف " للتعليل واضح، ~~وجعل بعضهم منه: # واذكروه كما هداكم # [البقرة: 198]، وقول الآخر: [الرجز] # 845 - لا تشتم الناس كما لا تشتم # أي: لا تشتم لامتناع الناس من شتمك. # وفي " ما " المتصلة بهذه " الكاف " ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنها مصدرية، وقد تقدم تحريره. # والثاني: أنها بمعنى الذي، والعائد محذوف، و " رسولا " بدل منه، ~~والتقدير: كالذي أرسلناه رسولا، وهذا بعيد جدا. # وأيضا فإن فيه قوع " ما " على آحاد العقلاء، وهو قول مرجوح. # الثالث: أنها كافة " للكاف " كهي في قوله: [الوافر] # 846 - لعمرك إنني وأبا حميد # كما النشوان والرجل الحليم # ولا حاجة إلى هذا، فإنه لا يصار إلى ذلك إلا حيث تعذر أن ينسبك منها ~~ومما بعدها مصدر، كما إذا اتصلت بجملة اسمية ms0821 كالبيت المتقدم. # و " منكم " في محل نصب؛ لأنه صفة ل " رسولا " ، وكذلك ما بعده من ~~الجمل، ويحتمل أن تكون الجمل بعده حالا لتخصيص النكرة بوصفها بقوله: " ~~منكم " ، وأتي بهذه الصفات بصيغة المضارع؛ لأنه يدل على التجدد والحدوث، ~~وهو مقصود هاهنا، بخلاف كون " منهم " ، فإنه وصف ثابت له، [وقوله: " فيكم ~~" و " منكم " ، أي: من العرب، وفي إرساله فيهم رسولا، ومنهم نعم ~~عليهم عظيمة؛ لما لهم فيه من الشرف، وأن المشهور من حال العرب ~~الأنفة الشديدة من الانقياد إلى الغير، فبعثه الله - تعالى - من ~~واسطتهم ليقرب قبولهم. # وقوله: " يتلو عليكم " فيه نعم عليكم عظيمة؛ لأنه معجزة ~~باقية تتأدى به العبادات ومستفاد منه مجامع الأخلاق الحميدة. # واعلم أنه إن كان المراد بالآيات القرآن، فالتلاوة فيه ظاهرة. # وإن كان المراد بالآيات المعجزات، فمعنى التلاوة لها تتابعها؛ لأن ~~الأصل في التلاوة التتابع، يقال: جاء القوم يتلو بعضهم بعضا أي بعضهم ~~إثر بعض]، وهنا قدم التزكية على التعليم، وفي دعاء إبراهيم بالعكس. # والفرق أن المراد بالتزكية هنا التطهير من الكفر، وكذلك فسروه. # وهناك المراد بها الشهادة بأنهم خيار أزكياء، وذلك متأخر عن تعلم ~~الشرائع والعمل بها. [وقال الحسن: " يزكيكم " يعلمكم ما إذا تمسكتم به ~~صرتم أزكياء. # وقال أبو مسلم: " التزكية " عبارة عن التنمية، كأنه قال: يكثركم؛ ~~كقوله تعالى # إذ كنتم قليلا فكثركم # [الأعراف: 86]، وذلك بأن يجمعهم على الحق فيتواصلوا ويكثروا]. # وقوله: { يعلمكم ما لم تكونوا تعلمون } بعد قوله: { ~~ويعلمكم الكتاب والحكمة } من باب ذكر العام بعد الخاص، ~~وهو قليل بخلاف عكسه. [وقوله عز وجل: { ويعلمكم الكتاب } بعد ~~قوله: { يتلوا عليكم آياتنا } ليس بتكرار؛ لأن تلاوة القرآن ~~عليهم غير تعليمه إياهم. # وأما الحكمة فهي العلم بسائر الشرائع التي لم يشتمل القرآن على تفصيلها. # وقال الشافعي رضي الله عنه: الحكمة هي سنة الرسول صلوات الله وسلامه ~~عليه. # وفي قوله تعالى: { ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون } ~~تنبيه على انه - تعالى - أرسله على حين فترة من الرسل، وجهالة ~~الأمم]. ### || [2.152] # اعلم أن الله - تعالى - كلفنا في هذه الآي بأمرين: الذكر، ms0822 والشكر. # أما الذكر فقد يكون باللسان، وقد يكون بالقلب، وقد يكون بالجوارح. # فذكر اللسان الحمد، والتسبيح، والتمجيد، وقراءة كتابه. # وذكر القلب التفكر في الدلائل الدالة على ذاته وصفاته، والتفكر في ~~الجواب على الشبهة العارضة في تلك الدلائل، والتفكر في الدلائل الدالة ~~على كيفية تكاليفه من أوامره ونواهيه ووعده ووعيده، فإذا عرفوا كيفية ~~التكليف وعرفوا ما في الفعل من الوعد وفي الترك من الوعيد سهل فعله ~~عليهم، والتفكر في أسرار مخلوقاته. # وأما الذكر بالجوارح، فهو عبارة عن كون الجوارح مستغرقة في الأعمال التي ~~أمروا بها، وخالية عن الأعمال التي نهوا عنها، وعلى هذا سمى الله الصلاة ~~ذكرا، بقوله تعالى: # فاسعوا إلى ذكر الله # [الجمعة: 9] فقوله: " اذكروني " يتضمن الطاعات، ولهذا روي عن سيعد بن ~~جبير أنه قال: اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي فأجمله حتى يدخل الكل فيه. # فصل في ورود الذكر في القرآن # الذكر ورد على ثمانية أوجه: # الأول: بمعنى الطاعة كهذه الآية أي: أطيعوني أغفر لكم. # الثاني: العمل، قال تعالى: # خذوا مآ ءاتيناكم بقوة واذكروا ما فيه # [البقرة: 63] أي: اعملوا بما فيه. # الثالث: العظة، قال تعالى: # وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين # [الذاريات: 55] أي العظة، ومثله # فلما نسوا ما ذكروا به # [الأنعام: 44] أي: ما وعظوا به. # الرابع: الشرف قال تعالى: # وإنه لذكر لك ولقومك # [الزخرف: 44] ومثله: # بل أتيناهم بذكرهم # [المؤمنون: 71] أي: بشرفهم، وقوله: # هذا ذكر من معي وذكر من قبلي # [الأنبياء: 24] أي: شرف. # الخامس: القرآن قال تعالى: # أأنزل عليه الذكر من بيننا # [ص: 8] أي: القرءان، ومثله: # وهذا ذكر مبارك أنزلناه # [الأنبياء: 50]. # السادس: التوراة قال تعالى: # فاسألوا أهل الذكر # [النحل: 43] أي: التوراة. # السابع: البيان، قال تعالى: # أو عجبتم أن جآءكم ذكر من ربكم # [الأعراف: 63]. # الثامن: الصلاة، قال تعالى: # فاسعوا إلى ذكر الله # [الجمعة: 9]. # قوله: " أذكركم " هذا خطاب لأهل " مكة " والعرب. # قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: اذكروني بطاعتي أذكركم بمعرفتي. # وقيل: اذكروني في النعمة والرخاء أذكركم في الشدة والبلاء. # بيانه قوله سبحانه وتعالى: # فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه ~~إلى يوم ms0823 يبعثون # [الصافات: 143 - 144]. # وقيل: اذكروني بالدعاء أذكركم بالإجابة. # قال تبارك وتعالى: # ادعوني أستجب لكم # [غافر: 60] قاله أبو مسلم. # وقيل: اذكروني في الدنيا أذكركم في الآخرة، وقيل: اذكروني بمحامدي ~~أذكركم بهدايتي. # روى الحسن عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: إني سمعت هذا الحديث ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله - تعالى - يقول: يا ابن آدم إن ذكرتني في ~~نفسك ذكرتك في نفسي، وإن ذكرتني في ملأ ~~ذكرتك في ملأ خير منهم، وإن دنوت مني شبرا ~~دنوت منك ذراعا، وإن دنوت مني ذراعا دنوت ~~منك باعا، وإن مشيت إلي هرولت إليك، وإن ~~هرولت إلي سعيت إليك، وإن سألتني أعطيتك، ~~وإن لم تسألني غضبت عليك " # وقال أبو عثمان النهدي: إني لأعلم الساعة التي يذكرون منها. # قيل: ومن أين تعلمها؟ قال: اتقوا الله عز وجل: { فاذكروني ~~أذكركم }. # قوله: { واشكروا لي }. # تقدم أن " شكر " يتعدى تارة بنفسه، وتارة بحرف جر على حد سواء على ~~الصحيح. # وقال بعضهم: إذا قلت: شكرت لزيد، فمعناه شكرت لزيد صنيعه، فجعلوه ~~متعديا لاثنين. # أحدهما: بنفسه، والآخر بحرف الجر، ولذلك فسر الزمخشري هذا الموضع بقوله: ~~" واشكروا لي ما أنعمت به عليكم ". # وقال ابن عطية: " واشكروا لي، واشكروني بمعنى واحد ". # و " لي " أفصح وأشهر مع الشكر، ومعناه: نعمتي وأيادي، وكذلك إذا ~~قلت شكرتك، فالمعنى شكرت لك صنيعك وذكرته، فحذف المضاف؛ إذ معنى الشكر ~~ذكر اليد، وذكر مسديها معا، فما حذف من ذلك، فهو اختصار لدلالة ما ~~بقي على ما حذف. # وأصل الشكر في اللغة: الظهور، فشكر العبد لله - تعالى - ثناؤه عليه بذكر ~~إحسانه، وشكر الله سبحانه للعبد ثناؤه عليه بطاعته له، إلا أن شكر العبد ~~نطق باللسان، وإقرار بالقلب بإنعام الرب. # وقوله تعالى: { ولا تكفرون } نهي ولذلك حذفت منه نون الجماعة، ~~وهذه نون المتكلم، وحذفت الياء؛ لأنها رأس آية وإثباتها أحسن في غير ~~القرآن، أي: لا تكفروا نعمتي، فالكفر هنا ستر النعمة لا التكذيب. ### || [2.153] # أعلم أنه - تعالى - لما أوجب بقوله " فاذكروني " جميع العبادات، وبقوله: # واشكروا ms0824 لي # ما يتصل بالشكر أردفه ببيان ما يعين عليهما، فقال: { استعينوا ~~بالصبر والصلوة } وإنما خصهما بذلك لما فيهما من المعونة على ~~العبادات. # أما الصبر فهو قهر النفس على احتمال المكاره في ذات الله - تعالى - ~~وتوطينها على تحمل المشاق، ومن كان كذلك سهل عليه فعل الطاعات، وتحمل ~~مشاق العبادات، وتجنب المحظورات. # وأما الصلاة فلقوله تعالى: # إن الصلوة تنهى عن الفحشآء والمنكر # [النعكبوت: 45]. # ومن الناس من حمل الصبر على الصوم. # ومنهم من حمله على الجهاد، لقوله تعالى بعده: # ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل ~~أحياء # [البقرة: 154] ولأنه - تعالى - أمره بالتثبت في الجهاد، فقال تعالى: # إذا لقيتم فئة فاثبتوا # [الأنفال: 45] وبالتثبت في الصلاة وفي الدعاء، فقال تعالى: # وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ~~ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا ~~وانصرنا على القوم الكافرين # [آل عمران: 147]. # فصل في أقسام الصبر وذكر الاستعانة # والقول الأول أولى لعموم اللفظ وعدم تقيده الاستعانة، ذكر الاستعانة ~~بالصلاة ولم يذكر فيماذا يستعان. # فظاهره يدل على أن الاستعانة في كل الأمور، وذكر الصبر، وهو ينقسم إلى ~~قسمين: # أحدهما: الصبر على الطاعات. # والثاني: الصبر على الشدائد فهو يشملها وتقدم الكلام على المراد ~~بالصلاة. # قوله تعالى: { إن الله مع الصابرين }. # فالمعية على قسمين: # أحدهما: معية عامة، وهي المعية بالعلم والقدرة، وهذه عامة في حق كل ~~أحد. # والثاني: معية خاصة وهي المعية بالعون والنصر، وهذه خاصة بالمتقين ~~والمحسنين والصابرين، ولهذا قال الله تعالى: # إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون # [النحل: 128] وقال هاهنا: { إن الله مع الصابرين } أي: ~~بالعون والصبر. ### || [2.154] # قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت الآية في قتلى " بدر " ، وقتل من ~~المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلا: ستة من المهاجرين، وثمانية من الأنصار. # فمن المهاجرين: عبيدة بن الحرث بن عبد المطلب، وعمر بن أبي وقاص، وذو ~~الشمالين، وعمرو بن نفيلة، وعامر بن بكر، ومهجع بن عبد الله، ومن ~~الأنصار: سعيد بن خيثمة، وقيس بن عبد المنذر، وزيد بن الحرث، وتميم بن ~~الهمام، ورافع بن ms0825 المعلى، وحارثة بن سراقة، ومعوذ بن عفراء، وعوف بن ~~عفراء رضوان الله تعالى عليهم وكانوا يقولون: مات فلان ومات فلان، فنهى ~~الله - تعالى - أن يقال فيهم: إنهم ماتوا. وقال بعضهم: إن الكفار ~~والمنافقين قالوا: إن الناس يقتلون أنفسهم طلبا لمرضاة محمد من غير ~~فائدة فنزلت هذه الآية. # فصل في المراد بحياة الشهداء # اختلفوا في هذه الحياة. # فقال أكثر المفسرين: إنهم في القبر أحياء كأن الله تعالى أحياهم لإيصال ~~الثواب إليهم، وهذا دليل على أن المطيعين يصل ثوابهم إليهم وهم في ~~القبور. # فإن قيل: نحن نشاهد أجسادهم ميتة في القبور، فكيف يصح ما ذهبتم إليه؟ # فالجواب: قال ابن الخطيب: أما عندنا فالبنية ليست شرطا في الحياة، ولا ~~امتناع في أن يعيد الله الحياة إلى كل واحد من تلك الذرات والأجزاء ~~الصغيرة من غير حاجة إلى التركيب والتأليف. # وأما عند المعتزلة فلا يبعد أن يعيد الله الحياة إلى الأجزاء التي لا ~~بد منها في ماهية الحي، ولا يعتبر بالأطراف. # ويحتمل أيضا أن يحييهم إذا لم يشاهدوا. # وقال الأصم: يعني لا تسموهم بالموتى، وقولوا لهم: الشهداء الأحياء، ~~ويحتمل أن المشركين قالوا: هم أموات في الدين كما قال تعالى: # أو من كان ميتا فأحييناه # [الأنعام: 122] فقال: ولا تقولوا للشهداء ما قاله المشركون، ولكن قولوا: ~~هم أحياء في الدين، ولكن لا يشعرون [يعني المشركين لا يعلمون من قتل على ~~دين محمد صلوات الله وسلامه عليه حي في الدين] وقال الكعبي وأبو مسلم ~~الأصفهاني: إن المشركين كانوا يقولون: إن أصحاب محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - يقتلون أنفسهم، ويخسرون حياتهم، فيخرجون من الدنيا بلا فائدة، ~~ويضيعون أعمارهم إلى غير شيء. وهؤلاء الذين قالوا ذلك، يحتمل أنهم كانوا ~~دهرية ينكرون المعاد، ويحتمل أنهم كانوا مؤمنين بالمعاد إلا أنهم منكرين ~~لنبوة محمد - عليه الصلاة والسلام - فلذلك قالوا هذا الكلام، فقال الله ~~تعالى ولا تقولوا كما قال المشركون: إنهم أموات لا ينشرون ولا ينتفعون ~~بما تحملوا من الشدائد في الدنيا، ولكن اعلموا أنهم أحياء، أي: سيحيون ~~فيثابون وينعمون في الجنة، ms0826 وتفسير قوله: " أحياء " بأنهم سيحيون غير ~~بعيد، قال الله تعالى: # إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم # [الانفطار: 13 - 14]، وقال: # أحاط بهم سرادقها # [الكهف: 29]. # وقال: # إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار # [النساء: 145] وقال # افالذين ءامنوا وعملوا الصالحات في جنات ~~النعيم # [الحج: 56]. # والقول الأول هو المشهور ويدل عليه وجوه: # أحدها: الآيات الدالة على عذاب القبر كقوله تعالى: # قالوا ربنآ أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين # [غافر: 11]، [والموتتان لا تحصلان إلا عند حصول الحياة في القبر] وقال ~~الله تعالى: # أغرقوا فأدخلوا نارا # [نوح: 25] و " الفاء " للتعقيب. # وقال: # النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم ~~الساعة أدخلوا ءال فرعون أشد العذاب # [غافر: 46] وإذا ثبت عذاب القبر وجب القول بثواب القبر أيضا؛ لأن ~~العذاب حق الله - تعالى - على العبد، والثواب حق للعبد على الله تعالى. # وثانيها: أن المعنى لو كان على ما قيل في القول الثاني والثالث لم يكن ~~لقوله: ولكن لا تشعرون " معنى؛ لأن الخطاب للمؤمنين، وقد ~~[كانوا يعلمون أنهم ماتوا على هدى وكون أنهم] كانوا لا يعلمون؛ أي أنهم ~~سيحيون يوم القيامة. # وثالثها: أن قوله تعالى: # ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم # [آل عمران: 170] دليل على حصول الحياة في البرزخ قبل البعث. # ورابعها: قوله عليه الصلاة والسلام # " أعوذ بك من عذاب القبر " # وقوله: # " القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر ~~النيران " # وخامسها: أنه لو كان المراد من قوله: " إنهم أحياء " أنهم سيحيون، ~~فحينئذ لا يبقى لتخصيصهم بهذا فائدة. # قال القرطبي: والشهداء أحياء كما قال الله تعالى: وليس معناه أنهم ~~سيحيون، إذ لو كان كذلك لم يكن بين الشهداء وبين غيرهم فرق إذ كل أحد ~~سيحيا. # ويدل على هذا قوله تبارك وتعالى: { ولكن لا تشعرون } ~~والمؤمنون يشعرون أنهم سيحيون. # وأجاب عنه أبو مسلم بأنه - تعالى - إنما خصهم بالذكر؛ لأن درجتهم في ~~الجنة أرفع، ومنزلتهم أعلى وأشرف لقوله تعالى: # ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين ~~أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهدآء والصالحين # [النساء: 69] فأرادهم بالذكر تعظيما. # قال ابن الخطيب: هذا الجواب ms0827 ضعيف؛ لأن منزلة النبيين والصديقين أعظم مع ~~أن الله - تعالى - ما خصهم بالذكر. # وفي هذا الجواب نظر؛ لأن الآية الكريمة ليست في النبيين والصديقين، إنما ~~هي في الشهداء. # واحتج أبو مسلم بأنه - تعالى - ذكر هذه الآية في " آل عمران " فقال: # بل أحياء عند ربهم يرزقون # [آل عمران: 169] وهذه العندية ليست بالمكان، بل بالكون في الجنة، ومعلوم ~~أن أهل الثواب لا يدخلون الجنة إلا بعد القيامة. # وقال ابن الخطيب: لا نسلم أن هذه العندية ليست إلا بالكون في الجنة، بل ~~بإعلاء الدرجات، وإيصال البشارات إليه، وهو في القبر، أو في موضع آخر. # وقال بعضهم: ثواب القبر وعذابه للروح لا للقالب، والكلام في هذه المسألة ~~مذكور في غير هذا المكان. # [قال الحسن: إن الشهداء هم أحياء عند الله - تعالى - تعرض أرزاقهم على ~~أرواحهم، فيصل إليهم الروح والفرج، كما تعرض النار على أرواح آل فرعون ~~غدوة وعشية، فيصل إليهم الوجع]. # قوله تعالى: { أموات بل أحياء } خبر مبتدأ محذوف أي: لا ~~تقولوا: هم أموات، وكذلك " أحياء " خبر مبتدأ محذوف أي: بل هم أحياء. # [وقد راعى لفظ " من " مرة فأفرد في قوله: " يقتل " ، ومعناها أخرى، فجمع ~~في قوله: " أموات بل أحياء " ] و " اللام " هنا للعلة، ولا تكون للتبليغ؛ ~~لأنهم لم يبلغوا الشهداء قوله هذا. # والجملة من قوله: " هم أموات " في محل نصب بالقول؛ لأنها محكية به. # وأما " بل هم أحياء " فيحتمل وجهين: # أحدهما: ألا يكون له محل من الإعراب، بل هو إخبار من الله - تعالى - ~~بأنهم أحياء، ويرجحه قوله: { ولكن لا تشعرون }؛ إذ المعنى لا ~~شعور لكم بحياتهم. # والثاني: أن يكون محله النصب بقول محذوف تقديره، بل قولوا: هم أحياء، ~~ولا يجوز أن ينتصب بالقول الأول لفساد المعنى، وحذف مفعول " يشعرون " ~~لفهم المعنى: أي بحياتهم، والله أعلم. ### || [2.155] # قال القفال [رحمه الله:] هذا متعلق بقوله تعالى: # واستعينوا بالصبر والصلوة # [البقرة: 45] فإنما نبلوكم بالخوف وبكذا، وفيه مسائل. # فإن قيل: إنه تعالى قال: # واشكروا لي ولا تكفرون # [البقرة: 152] والشكر يوجب المزيد، لقوله: # لئن شكرتم لأزيدنكم # [إبراهيم: 7] فكيف ms0828 أردفه بقوله: { ولنبلونكم بشيء ~~من الخوف }؟. # [قال ابن الخطيب]: والجواب من وجهين: # الأول: أنه - تعالى - أخبر أن إكمال الشرائع إتمام النعمة، ~~فكأنه كذلك موجبا للشكر، ثم أخبر أن القيام بتلك الشرائع لا ~~يمكن إلا بتحمل المحن، فلا جرم أمر فيها بالصبر. # الثاني: أنه - تبارك وتعالى - أنعم أولا فأمر بالشكر، ثم ~~ابتلى وأمر بالصبر، لينال [الرجل] درجة الشاكرين والصابرين ~~معا، فيكمل إيمانه على ما قال عليه الصلاة والسلام: # " الإيمان نصفان نصف صبر، ونصف شكر " # قال بعضهم: الخطاب لجميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم. # وقال عطاء والربيع بن أنس: المراد بهذه المخاطبة أصحاب النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - بعد الهجرة وهذا الابتلاء لإظهار المطيع ~~من العاصي لا ليعلم شيئا، ولم يكن عالما به، وقد يطلق الابتلاء ~~على الأمانة؛ كهذه الآية الكريمة، والمعنى: وليصيبنكم الله بشيء ~~من الخوف، وقد تقدم الكلام فيه، في قوله تعالى: # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات # [البقرة: 124]. # وفي حكمة هذا الابتلاء وجوه: # أحدهما: ليوطنوا أنفسهم على الصبر عليها إذا وردت، فيكون ذلك ~~أبعد لهم من الجزع، وأسهل عليهم بعد الورود. # وثانيها: أنهم إذا علموا أنه ستصل إليهم تلك المحن، اشتد ~~خوفهم فيصير ذلك الخوف تعجيلا للابتلاء،فيستحقون به مزيد ~~الثواب. # وثالثها: أن الكفار إذا شاهدوا محمدا وأصحابه مقيمين على ~~دينهم مستقرين عليه، مع ما كانوا عليه من نهاية الضر والمحنة ~~والجوع، يعلمون أن القوم إنما اختاروا هذا الدين لقطعهم ~~بصحته، فيدعوهم ذلك إلى مزيد التأمل في دلائله. # ومن المعلوم الظاهر أن التبع إذا عرفوا أن المتبوع في ~~أعظم المحن بسبب المذهب الذي ينصره، ثم رأوه مع ذلك مصرا على ~~ذلك المذهب كان ذلك أدعى لهم إلى اتباعه مما إذا رأوه مرفه ~~الحال، لا كلفة عليه في ذلك المذهب. # ورابعها: أنه تعالى أخبر بوقوع ذلك الابتلاء قبل وقوعه، فوجد ~~مخبر ذلك الخبر على ما أخبر عنه، فكان ذلك إخبارا عن الغيب، فكان ~~معجزا. # وخامسها: أن من المنافقين من أظهر متابعة الرسول صلوات ~~الله وسلامه عليه طمعا منه في المال، وسعة ms0829 الرزق، فإذا اختبره تعالى ~~بنزول هذه المحن فعند ذلك يتميز المنافق من الموافق؛ لأن المنافق ~~إذا سمع ذلك، نفر منه، وترك دينه، فكان في هذا الاختبار ~~هذه الفائدة. # وسادسها: أن إخلاص الإنسان حالة [البلاء، ورجوعه إلى باب الله تعالى] ~~أكثر من إخلاصه حال إقبال الدنيا عليه. # قوله تعالى: " ولنبلونكم " هذا جواب قسم محذوف، ومتى كان ~~جوابه مضارعا مثبتا مستقبلا، وجب تلقيه باللام وإحدى النونين خلافا ~~للكوفيين حيث يعاقبون بينهما، ولا يجيز البصريون ذلك إلا في الضرورة، ~~وفتح الفعل المضارع لاتصاله بالنون، وقد تقدم تحقيق ذلك وما فيه من ~~الخلاف. # [قال القرطبي: وهذه " الواو " مفتوحة عند سيبويه؛ ~~لالتقاء الساكنين. وقال غيره: لما ضمتا إلى النون ~~الثقيلة بني الفعل مضارعا بمنزلة خمسة عشر، ~~والبلاء يكون حسنا ويكون سيئا، وأصله: المحنة، ~~وقدم تقدم]. # قوله تعالى: " بشيء " متعلق بقوله: " ولنبلونكم " و " الباء ~~" معناها الإلصاق، وقراءة الجمهور على إفراد " شيء " ، ومعناها الدلالة ~~على التقليل؛ إذ لو جمعه لاحتمل أن يكون ضربا من كل واحد. # وقرأ الضحاك بن مزاحم: " بأشياء " على الجمع. # وقراءة الجمهور لا بد فيها من حذف تقديره: وبشيء من الجوع؛ وبشيء من ~~النقص. # وأما قراءة الضحاك فلا تحتاج إلى هذا. # وقوله: " من الخوف " في محل جر صفة لشيء، فيتعلق بمحذوف. # فصل في أقسام ما يلاقيه الإنسان من المكاره # أعلم أن كل ما يلاقي الإنسان من مكروه ومحبوب، فينقسم إلى موجود ~~في الحال، وإلى ما كان موجودا في الماضي، وإلى ما سيوجد في ~~المستقبل. # فإذا خطر بالبال [وجود شيء] فيما مضى سمي ذكرا وتذكرا، وإن كان ~~موجودا في الحال يسمى ذوقا ووجدا، وإنما سمي وجدا؛ لأنها ~~حالة تجدها من نفسك. # وإن خطر بالبال وجود شيء في الاستقبال وغلب ذلك على القلب ~~سمي انتظارا وتوقعا. # فإن كان المنتظر مكروها يحصل منه ألم في القلب يسمى خوفا وإشفاقا، ~~وإن كان محبوبا سمي ذلك ارتياحا في القلب. # فصل في الفرق بين الخوف والجوع والنقص # قال ابن عباس رضي الله عنهما: الخوف خوف العدو والجوع ~~القحط، والنقص من ms0830 الأموال بالخسران والهلاك والأنفس ~~بمعنى القتل. # وقيل: بالمرض والسبي. # وقال القفال رحمه الله: أما الخوف الشديد فقد حصل لهم عند مكاشفتهم ~~العرب بسبب الدين، فكانوا لا يؤمنون قصدهم إياهم واجتماعهم عليهم، وقد ~~كان من الخوف وقعة " الأحزاب " ما كان، قال الله تعالى: # هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا # [الأحزاب: 11]. # وأما الجوع فقد أصابهم في أول مهاجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ~~" المدينة " لقلة أموالهم، حتى أنه عليه الصلاة والسلام [كان يشد الحجر ~~على بطنه. # وروى أبو الهيثم من التيهان أنه - عليه السلام] - لما خرج التقى بأبي ~~بكر قال ما أخرجك؟ قال: الجوع، قال: أخرجني ما أخرجك ~~[وأما نقص الأموال والأنفس، فقد يحصل ذلك عند محاربة ~~العدو، بأن ينفق ماله في الاستعداد والجهاد، وقد ~~يقتل؛ فهناك يحصل النقص في المال والنفس] وقال الله ~~تعالى: # وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم # [التوبة: 41] وقد يحصل الجوع في سفر الجهاد عند فناء الزاد؛ ~~قال الله تعالى: # ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا ~~مخمصة في سبيل الله # [التوبة: 120]. # وأما نقص الثمرات فقد يكون بالجدب، وقد يكون بترك عمارة الضياع ~~للاشتغال بجهاد الأعداء، وقد يكون ذلك بالإنفاق على من كان يرد على ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الوفود. # قال الشافعي رضي الله عنه: الخوف: خوف الله عز وجل، والجوع: صيام شهر ~~رمضان، والنقص من الأموال: بالزكوات والصدقات، ومن الأنفس بالأمراض، ~~ومن الثمرات، موت الأولاد. # قوله تعالى: " ونقص " فيه وجهان: # أحدهما: أن يكون معطوفا على " شيء " ، والمعنى: بشيء من ~~الخوف وبنقص. # والثاني: أن يكون معطوفا على الخوف، أي: شيء من نقص ~~الأموال. # والأول أولى؛ لاشتراكهما في التنكير. # قوله: " من الأموال " فيه خمسة أوجه: # أحدها: أن يكون متعلقا ب " نقص "؛ لأنه مصدر " نقص " ، وهو ~~يتعدى إلى واحد، وقد حذف، أي: ونقص شيء من كذا. # الثاني، أن يكون في محل جر صفة لذلك المحذوف، فيتعلق ~~بمحذوف، أي ونقص شيء كائن من كذا. # الثالث: أن يكون في محل نصب صفة لمفعول محذوف نصب ~~بهذا المصدر المنون، والتقدير: ونقص ms0831 شيء كائن من كذا، ذكره أبو ~~البقاء. # ويكون معنى " من " على هذين الوجهين التبعيض. # الرابع: أن يكون في محل جر صفة ل " نقص " ، فيتعلق بمحذوف ~~أيضا، أي: نقص كائن من كذا، وتكون " من " لابتداء الغاية. # الخامس: أن تكون " من " زائدة عن الأخفش، وحينئذ لا تعلق لها ~~بشيء. # قوله تعالى: " وبشر الصابرين " الخطاب لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ولمن أتى بعده من أمته، أي: الصابرين على البلاء ~~والرزايا، أي بشرهم بالثواب على الصبر، والصبر أصله الحبس وثوابه غير ~~مقدر، ولكن لا يكون ذلك إلا بالصبر عند الصدمة الأولى [لقوله ~~عليه الصلاة والسلام: # " إنما الصبر عند الصدمة الأولى " # ] أي الشاقة على النفس الذي يعظم الثواب عليه، إنما هو عند هجوم ~~المصيبة ومرارتها. # والصبر صبران؛ صبر عن معصية الله تعالى فهذا مجاهد، ~~والصبر على طاعة الله فهذا عابد. ### || [2.158] # في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه. # أحدها: أنه سبحانه وتعالى بين أنه إنما حول ~~القبلة إلى الكعبة؛ ليتم إنعامه على محمد [صلوات البر ~~الرحيم وسلامه عليه] وأمته بإحياء شريعة إبراهيم - ~~عليه الصلاة والسلام - لقوله تعالى: # ولأتم نعمتي عليكم # [البقرة: 150]، وكان السعي بين الصفا والمروة من شريعة ~~إبراهيم [عليه الصلاة والسلام] فذكر هذا الحكم عقب ~~تلك الآية. # وقيل: إنه تبارك وتعالى [لما] أمر بالذكر مطلقا في ~~قوله تعالى: " فاذكروني " بين الأحوال التي يذكر فيها وإحداها ~~الذكر مطلقا. # والثانية: الذكر في حال النعمة، وهو المراد بقوله تعالى: # واشكروا لي # [البقرة: 152]. # الثالثة: الذكر في حال الضراء، فقال تعالى: # ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع # [البقرة: 155] إلى قوله تعالى: # وبشر الصابرين # [البقرة: 155] ثم بين في هذه الآية المواضع التي يذكر ~~فيها، ومن جملتها عند الصفا والمروة، وبقية المشاعر. # وثانيها: أنه لما قال سبحانه: { ولنبلونكم بشيء ~~من الخوف والجوع } [الآية] إلى قوله سبحانه: { وبشر ~~الصابرين } ، ثم قال [عز وجل]: { إن الصفا ~~والمروة من شعائر الله } ، وإنما جعلها كذلك، لأنها ~~من أثار " هاجر، وإسماعيل " ، وما جرى [عليهما] من البلوى ~~ويستدل بذلك على أن من صبر على البلوى، لا بد ms0832 ~~وأن يصل إلى أعظم الدرجات. # وثالثها: أن [أقسام] التكليف ثلاثة: # أحدها: ما يحكم العاقل [بحسنه] في أول الأمر، ~~فذكره أولا، وهو قوله تعالى: # فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون # [البقرة: 152]؛ فإن كل عاقل يعلم أن ذكر المنعم ~~بالمدح، والشكر، أمر مستحسن في العقل. # وثانيها: ما يحكم العقل [بقبحه] في أول الأمر، إلا ~~أنه لما ورد الشرع به، وبين الحكمة فيه، [وهي] ~~الابتلاء، والامتحان؛ على ما قال تعالى: # ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من ~~الأموال والأنفس والثمرات # [البقرة: 155]، فحينئذ يعتقد المسلم حسنه، وكونه ~~حكمة وصوابا. # [وثالثها]: ما لا يهتدي العقل إلى حسنه، ولا إلى ~~[قبحه]، بل [يراها] كالعبث الخالي عن المنفعة والمضرة، ~~وهو مثل أفعال الحج من السعي بين الصفا ~~والمروة، فذكر الله تعالى هذا القسم عقيب القسمين ~~الأولين؛ ليكون قد نبه على جميع أقسام التكاليف. # قوله [تعالى]: " إن الصفا والمروة ": [الصفا:] اسم " إن ~~" ، و " من شعائر الله " خبرها. # قال أبوا البقاء - رحمه الله تعالى -: وفي الكلام حذف مضاف، ~~تقديره " طواف الصفا، أو سعي الصفا ". وألف " الصفا " ~~[منقلبة] عن واو؛ بدليل قلبها في التثنية واوا؛ قالوا: ~~صفوان؛ والاشتقاق يدل عليه أيضا؛ لأنه من الصفو، ~~وهو الخلوص، [والصفا: الحجر الأملس]. # وقال القرطبي: " والصفا مقصور " جمع صفاة، وهي الحجارة ~~الملس. # وقيل: الصفا اسم مفرد؛ وجمعه " صفي " - بضم الصاد - ~~[وأصفاء]؛ على [وزن] أرجاء. # قال [الراجز]: [الرجز] # 850 - كأن متنيه من النفي # مواقع الطير على الصفي # وقيل: من شروط الصفا: البياض والصلابة، واشتقاقه من: ~~" صفا يصفو " ، أي: [أخلص من] التراب والطين، ~~والصفا: الحجر الأملس. # وفي كتاب الخليل: الصفا: الحجر الضخم الصلب الأملس، ~~وإذا [نعتوا] الصخرة، قالوا: صفاة صفواء، وإذا ذكروا، ~~قالوا: " صفا صفوان " ، فجعلوا الصفا [والصفاة] كأنهما في ~~معنى واحد. # قال المبرد: " الصفا ": كل حجر أملس لا يخالطه ~~غيره؛ من طين أو تراب، ويتصل به، ويفرق بين ~~واحده وجمعه تاء التأنيث؛ نحو: صفا كثير، وصفاة ~~واحدة، وقد يجمع الصفا على: فعول، وأفعال؛ قالوا: ~~صفي، بكسر الصاد، وضمها؛ كعصي، [وأصفاء]، والأصل ~~صفوو، وأضفاو، وقلبت الواو ms0833 في " صفوو " ياءين، والواو في ~~" أصفاو " همزة؛ ك " كساء " وبابه]. # والمروة: الحجارة الصغار، فقيل: اللينة. # وقال الخليل: البيض الصلبة، الشديدة [الصلابة]. # وقيل: المرهفة الأطراف. وقيل: البيض. # وقيل: السود. وهما في الآية علمان لجبلين ~~معروفين، والألف واللام فيهما للغلبة؛ كهما في البيت، ~~والنجم، وجمعها مرو؛ كقوله [في ذلك]: [الرمل] # 851 - وترى المرو إذا ما هجرت # عن يديها كالفراش المشفتر # وقال بعضهم: جمعه في القليل: مروات، وفي الكثير: مرو. قال أبو ~~ذؤيب: [الكامل] # 852 - حتى كأني للحوادث مروة # [بصفا المشقر كل يوم تقرع] # فصل في حد الصفا والمروة # قال الأزرقي: [ذرع] ما بين الصفا والمروة: [سبعمائة ~~ذراع وستة وستون ذراعا] ونصف ذراع. # قال القرطبي: وذكر الصفا؛ لأن آدم [المصطفى - ~~[صلوات الله، وسلامه عليه] - وقف عليه، فسمي به؛ ووقفت ~~حواء على المروة، فسميت باسم المرأة، فأنثت لذلك، ~~والله أعلم]. # قال الشعبي: كان على الصفا صنم يدعى " إسافا " ، ~~وعلى المروة صنم يدعى نائلة، فاطرد ذلك في [التذكير ~~والتأنيث]، وقدم المذكر، وما كان كراهة من كره الطواف ~~بينهما إلا من أجل هذا، حتى رفع الله الحرج من ذلك، وزعم ~~أهل الكتاب: أنهما كانا آدميين زنيا في الكعبة، فمسخهما ~~الله حجرين، فوضعهما على الصفا، والمروة؛ ليعتبر بهما؛ ~~فلما طالت المدة، عبدا من دون الله، والله - تعالى - أعلم. # فصل في معنى " الشعائر " # و " الشعائر ": جمه شعيرة، وهي العلامة، فكل شيء ~~جعل علما من أعلام طاعة الله، فهو من شعائر الله تعالى. قال ~~تبارك وتعالى: # والبدن جعلناها لكم من شعائر الله # [الحج: 36]، أي: علامة [للقربة]، ومنه: إشعار السنام [وهو ~~أن تعلم بالمدية] ومنه: الشعار في الحرب، [وهي العلامة ~~التي يتبين بها إحدى الفئتين من الأخرى] ومنه قولهم: شعرت ~~بكذا، أي: علمت به، وقيل: الشعائر جمع [شعيرة]، والمراد ~~بها في الآية الكريمة مناسك الحج، ونقل الجوهري أن ~~الشعائر هي العبادات، والمشاعر أماكن العبادات، ففرق ~~بين الشعائر والمشاعر. # وقال الهروي: الأجود: لا فرق بينهما، والأجود شعائر ~~بالهمز؛ لزيادة حرف المد، وهو عكس " معايش " و " مصايب ". # فصل في الشعائر هل تحمل ms0834 على العبادات أو على موضع العبادات # الشعائر: إما أن نحملها على العبادات، أو النسك، أو ~~نحملها على موضع العبادات والنسك؟! # [فإن قلنا بالأول، حصل في الكلام حذف؛ لأن نفس ~~الجبلين لا يصح وصفهما بأنهما دين ونسك؛ فالمراد ~~به أن الطواف بينهما أو السعي من دين الله ~~تعالى. # وإن قلنا بالثاني: استقام ظاهر الكلام؛ لأن هذين ~~الجبلين يمكن أن يكونا موضعين للعبادة ~~والنسك]. # وكيف كان؛ فالسعي بينهما من شعائر الله، ومن أعلام دينه، وقد ~~شرعه الله [تعالى] لأمة محمد - عليه الصلاة والسلام - ~~[ولإبراهيم عليه الصلاة والسلام]، قبل ذلك، وهو من المناسك ~~التي علمها الله [تعالى] لإبراهيم - عليه الصلاة والسلام - ~~إجابة لدعوته في [قوله تعالى]: # وأرنا مناسكنا # [البقرة: 128]. واعلم أن [السعي ليس] عبادة تامة في ~~نفسه، بل إنما يصير عبادة إذا صار بعضها من أبعاض الحج ~~والعمرة، فلهذا بين الله تبارك وتعالى الموضع الذي ~~يصير فيه السعي عبادة، فقال [سبحانه]: { فمن حج البيت ~~أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما }. # والحكمة في شرع هذا السعي: ما حكي أن هاجر حين ضاق بها ~~الأمر في عطشها، وعطش ابنها إسماعيل، سعت في هذا المكان ~~إلى أن صعدت الجبل، ودعت، فأنبع الله لها زمزم، ~~وأجاب دعاءها، وجعل فعلها طاعة لجميع المكلفين إلى يوم ~~القيامة. # قوله [تعالى]: " فمن حج البيت ". # " من ": شرطية في محل رفع بالابتداء و " حج ": في موضع ~~جزم بالشرط و " البيت " نصب على المفعول به، لا على الظرف، والجواب ~~قوله: { فلا جناح عليه }. # و " الحج ": قال القفال - رحمه الله - فيه أقوال: # أحدها: أن الحج في اللغة كثرة الاختلاف إلى الشيء ~~والتردد إليه، فإن الحاج يأتيه أولا؛ ليزوره، ثم يعود ~~إليه للطواف، ثم ينصرف إلى منى، ثم يعود إليه؛ لطواف ~~الزيارة، [ثم يعود لطواف الصدر]. # وثانيها: قال قطرب [الحج] الحلق، يقال: احجج شجتك، ~~وذلك أن يقطع الشعر من نواحي الشجة؛ ليدخل القدح في الشجة. # وقال الشاعر: [الطويل] # 853 - وأشهد من عوف حلولا كثيرة # يحجون سب الزبرقان المعصفرا # " السب ": لفظ مشترك، قال أبو عبيدة: ms0835 السب، بالكسر: ~~السباب، وسبك أيضا: الذي يسابك؛ قال الشاعر: [الخفيف] # 854 - لا تسبنني فلست بسبي # [إن سبي] من الرجال الكريم # والسب أيضا: الخمار والعمامة. # قال المخبل السعدي: [الطويل] # 855 -.................... # يحجون سب الزبرقان المعصفرا # والسب أيضا: الحبل في لغة هذيل؛ قال أبو ذؤيب: [الطويل] # 856 - تدلى عليها بين سب وخيطة # بجرداء مثل الوكف يكبوا غرابها # والسبوب: الحبال، والسب: شقة كتان رقيقة والسبيبة مثله، ~~والجمع: السبوب والسبائب، قاله الجوهري؛ فيكون المعنى: ~~حج فلان، أي: حلق. # قال القفال - رحمه الله تعالى -: وهذا محتمل؛ كقوله تعالى: # لتدخلن المسجد الحرام إن شآء الله ءامنين ~~محلقين رءوسكم ومقصرين # [الفتح: 27]، أي: حجاجا وعمارا؛ فعبر عن ذلك بالحلق، ~~فلا يبعد أن يكون الحج مسمى بهذا الاسم لمعنى الحلق. # وثالثها: الحج: القصد. # ورابعها: الحج في اللغة: القصد مرة بعد أخرى. # قال الشاعر: [البسيط] # 857 - يحج مأمومة في قعرها لجف # ......................... # اللجف: الخسف أسفل البئر، نقله القرطبي. # يقال: رجل محجوج، أي: مقصود، بمعنى: أنه يختلف ~~إليه مرة بعد أخرى. # قال الراغب: [الرجز] # 858 - لراهب يحج بيت المقدس # في منقل وبرجد وبرنس # وكذلك محجة الطريق: وهي التي كثر فيها السير، وهذا ~~شبيه بالقول الأول. # قال القفال: " والأول أشبه بالصواب ". # والاعتمار: الزيارة. # وقيل: مطلق القصد، ثم صارا علمين بالغلبة في المعاني؛ ~~كالبيت [والنجم] في الأعيان. # وقال قطرب: العمرة في لغة [عبد] القيس: المسجد ~~والبيعة والكنيسة. # قال القفال: والأشبه بالعمرة إذا أضيفت إلى البيت أن ~~تكون بمعنى الزيارة؛ لأن المعتمر يطوف بالبيت، وبالصفا، ~~والمروة، ثم ينصرف كالزائر. # قوله تعالى: { فلا جناح عليه } الظاهر: أن " عليه " ~~خبر " لا " ، و " أن يطوف ": أصله [ " في أن يطوف " ~~]، فحذف حرف الجر، فيجيء في محلها القولان النصب، أو الجر، ~~والوقف في هذا الوجه على قوله " بهما " ، وأجازوا بعد ذلك أوجها ~~ضعيفة. # منها: ان يكون الكلام قد تم عند قوله: " فلا جناح "؛ على ~~أن يكون خبر " لا " محذوفا، وقدره أبو البقاء " فلا جناح في ~~الحج " ، ويبتدأ بقوله " عليه أن يطوف " فيكون " عليه ~~" خبرا مقدما وأن يطوف في تأويل مصدر مرفوع ms0836 بالابتداء؛ فإن ~~الطواف واجب. # قال أبو البقاء - رحمه الله -: والجيد أن يكون " عليه " ~~في هذا الوجه خبرا، و " أن يطوف " مبتدأ. # ومنها: " أن يكون " عليه أن يطوف " من باب ~~الإغراء؛ فيكون " أن يطوف " في محل النصب؛ كقولك: " ~~عليك زيدا " أي: " الزمه " ، إلا أن إغرار الغائب ~~ضعيف، حكى سيبويه: " عليه رجلا ليسني " قال: وهو ~~شاذ. # ومنها: أن " أن يطوف " في محل رفع خبرا ثانيا ل " لا " ~~، [والتقدير: فلا جناح عليه في الطواف بهما. # ومنها: " أن يطوف ": في محل نصب على الحال من الهاء في " ~~عليه " ، والعامل في الحال العامل في الخبر]. # والتقدير: { فلا جناح عليه في حال طوافه بهما } وهذان ~~القولان ساقطان ذكرتهما تنبيها على غلطهما. # وقراءة الجمهور: " أن يطوف " بغير " لا " وقرأ أنس، وابن عباس ~~- رضي الله عنهما - وابن سيرين، وشهر بن حوشب: " أن لا يطوف " ، ~~قالوا: وكذلك في مصحفي أبي، وعبد الله، وفي هذه القراءة ~~احتمالان: # أحدهما: أنها زائدة؛ كهي في قوله: # ألا تسجد # [الأعراف: 12]، وقوله [الرجز] # 859 - وما ألوم البيض ألا تسخرا # لما رأين الشمط القفندرا # وحينئذ يتحد معنى القراءتين. # والثاني: أنها غير زائدة: بمعنى: أن رفع الجناح في فعل الشيء، ~~هو رفع في تركه؛ إذ هو تمييز بين الفعل والترك؛ نحو: " فلا ~~جناح عليهما أن يتراجعا " فتكون قراءة الجمهور فيها ~~رفع الجناح في فعل الطواف نصا، وفي هذه رفع الجناح ~~في الترك نصا، والجناح: أصله من الميل؛ من قولهم: جنح إلى ~~كذا، أي: مال إليه؛ قال سبحانه وتعالى: # وإن جنحوا للسلم فاجنح لها # [الأنفال: 61] وجنحت السفينة: إذا لزمت الماء، فلم تمض. # وقيل للأضلاع، " جوانح "؛ لاعوجاجها، وجناح الطائر من ~~هذا؛ لأنه يميل في أحد شقيه، ولا يطير على مستوى خلقته. # قال بعضهم: وكذلك أيضا عرف القرآن الكريم، فمعناه: لا جناح ~~عليه: أي: لا ميل لأحد عليه بمطالبة شيء من الأشياء. # ومنهم من قال: بل هو مختص بالميل إلى الباطل، وإلى ما يؤلم ~~به. # و " أن يطوف " أي: " يتطوف " ، فأدغمت التاء في ~~الطاء؛ كقوله: # يأيها المزمل # [المزمل: 1]، # يأيها المدثر ms0837 # [المدثر: 1] ويقال: طاف، وأطاف: بمعنى واحد. # وقرأ الجمهور " يطوف " بتشديد الطاء، والواو، والأصل " ~~يتطوف " ، وماضيه كان أصله " تطوف " ، فلما أرد الإدغام ~~تخفيفا، قلبت التاء طاء، وأدغمت في الطاء، فاحتيج إلى همزة ~~وصل؛ لسكون أوله؛ لأجل الإدغام، فأتى بها فجاء مضارعه عليه " ~~يطوف " ، فانحذفت همزة الوصل؛ لتحصن الحرف المدغم بحرف ~~المضارعة ومصدره على " التطوف "؛ رجوعا إلى أصل " تطوف ". ~~وقرأ أبو السمال: " يطوف " مخففا من: طاف يطوف، وهي سهلة، ~~وقرأ ابن عباس: " يطاف " بتشديد الطاء، [مع الألف، وأصله " يطتوف ~~" على وزن " يفتعل " ، وماضيه على " اطتوف " افتعل، ~~تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ووقعت تاء الافتعال بعد ~~الطاء؛ فوجب قلبها طاء، وإدغام الطاء] فيها؛ كما قالوا: اطلب ~~يطلب، والأصل: " اطتلب، يطتلب " ، فصار " اطاف " ، وجاء ~~مضارعه عليه: " يطاف " هذا هو تصريف هذه اللفظة من كون تاء ~~الافتعال تقلب طاء، وتدغم فيها الطاء الأولى. # وقال ابن عطية: فجاء " يطتاف " أدغمت [التاء بعد الإسكان ~~في الطاء على مذهب من أجاز إدغام الثاني] في الأول، كما جاء ~~في " مدكر " ومن لم يجز ذلك، قال: قلبت التاء طاء، ثم ~~أدغمت الطاء في الظاء، وفي هذا نظر، لأن الأصلي أدغم في ~~الزائد، وذلك ضعيف. وقول ابن عطية فيه خطأ من وجهين: # أحدهما: كونه يدعي إدغام الثاني في الأول، وذلك لا نظير ~~له، إنما يدغم الأول في الثاني. # والثاني: قوله: كما جاء في " مدكر "؛ لأنه كان ينبغي على ~~قوله: أن يقال: " مذكر " بالذال المعجمة، لا الدال المهملة ~~[وهذه لغة رديئة، إنما اللغة الجيدة بالمهملة؛ لأنا ~~قلبنا تاء الافتعال بعد الذال المعجمة دالا مهملة]، ~~فاجتمع متقاربان، فقلبنا أولهما لجنس الثاني، وأدغمنا، ~~وسيأتي تحقيق ذلك. # ومصدر " اطاف " على " الأطياف " بوزن " الافتعال " ، والأصل ~~" اطواف " فكسر ما قبل الواو، فقلبت ياء، وإنما عادت ~~الواو إلى أصلها؛ لزوال موجب قلبها ألفا؛ ويوضح ذلك قولهم: ~~اعتاد اعتيادا والأصل: " اعتواد " ففعل به ما ذكرت [لك]: # قوله تعالى: " ومن تطوع خيرا " قرأ حمزة والكسائي " ~~يطوع " هنا وفي الآية التي بعدها بالياء وجزم العين فعلا ~~مضارعا. # قال ابن ms0838 الخطيب - رحمه الله -: وهذا أحسن أيضا؛ لأن المعنى على ~~الاستقبال والشرط، والجزاء، والأحسن فيهما الاستقبال، وإن كان ~~يجوز أن يقال: " من أتاني أكرمته ". # وقرأها الباقون بالتاء فعلا ماضيا، فأما قراءة حمزة، فتكون " ~~من " شرطية، فتعمل الجزم، وافق يعقوب في الأولى، وأصل " ~~يطوع " " يتطوع " فأدغم على ما تقدم في " تطوف " ، و ~~" من " في محل رفع بالابتداء، والخبر فعل الشرط؛ على ما هو ~~الصحيح كما تقدم تحقيقه. # وقوله: " فإن الله " جملة في محل جزم، لأنها جواب الشرط، ~~ولا بد من عائد مقدر، أي: فإن الله شاكر له. # فصل # قال أبو البقاء: وإذا جعلت " من " شرطا، لم يكن في ~~الكلام حذف ضمير؛ لأن ضمير " من " في " تطوع " وهذا يخالف ~~ما تقدم عن النحاة؛ من أنه إذا كان أداة الشرط اسما، ~~لزم أن يكون في الجواب ضمير يعود عليه، وتقدم تحقيقه. # وأما قراءة الجمهور، فتحمل وجهين: # أحدهما: أن تكون شرطية، والكلام فيها كما تقدم. # والثاني: أن تكون موصولة، و " تطوع " صلتها، فلا محل لها من ~~الإعراب حينئذ، وتكون في محل رفع بالابتداء أيضا، و " فإن الله ~~" خبره، ودخلت الفاء؛ لما تضمن " من " معنى الشرط، ~~والعائد محذوف كما تقدم، أي: شاكر له. # وانتصاب " خيرا " على أحد أوجه: # أحدها: إما على إسقاط حرف الجر، أي: تطوع بخير، ~~فلما حذف الحرف، انتصب؛ نحو قوله: [الوافر] # 860 - تمرون الديار ولم تعوجوا # ........................ # وهو غير مقيس. # والثاني: أن يكونه نعت مصدر محذوف، أي: " تطوعا خيرا ". # والثالث: أن يكون حالا من ذلك المصدر المقدر معرفة. # وهذا مذهب سيبويه، وقد تقدم [غير مرة]، أو على تضمين " ~~تطوع " فعلا يتعدى، أي: من فعل خيرا متطوعا به. # وقد تلخص مما تقدم أن في قوله: { فإن الله شاكر ~~عليم } وجهين: # أحدهما: الجزم على القول بكون " من " شرطية. # والثاني: الرفع؛ على القول بكونها موصولة. # فصل في ظاهر قوله: " لا جناح عليه " # ظاهر قوله - تبارك وتعالى -: " لا جناح عليه ": أنه لا إثم ~~عليه، [وأن الذي يصدق عليه: أنه لا إثم عليه] في فعله يدخل ~~تحته الواجب والمندوب، ms0839 والمباح، فلا يتميز أحدهما، إلا ~~بقيد زائد، فإذن: ظاهر الآية لا يدل على أن السعي بين ~~الصفا والمروة واجب، أو مسنون؛ لأن اللفظ الدال على ~~القدر المشترك بين الأقسام لا دلالة فيه ألبتة على خصوصية كل ~~واحد من تلك الأقسام، فإذن، لا بد من دليل خارجي، يدل على ~~وجوب السعي، أو مسنونيته، فذهب بعضهم إلى أنه ركن، ولا يقوم ~~الدم مقامه. # وعند أبي حنيفة - رضي الله عنه -: أنه ليس بركن، ويجبر بالدم، وعن ~~ابن الزبير، ومجاهد، وعطاء: أن من تركه، فلا شيء عليه. # احتج الأولون بقوله عليه [أفضل] الصلاة والسلام - # " إن الله كتب عليكم السعي، فاسعوا " # فإن قيل: هذا متروك الظاهر، لأنه يقتضي وجوب السعي، وهو ~~العدو، وذلك غير واجب. # قلنا: لا نسلم أن السعي عبارة عن العدو؛ [بدليل قوله تعالى: # فاسعوا إلى ذكر الله # [الجمعة: 9] والعدو فيه غير واجب] وقال - تبارك وتعالى -: # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى # [النجم: 39] وليس المراد منه العدو، بل الجد، والاجتهاد، سلمنا ~~أنه العدو، ولكن العدو مشتمل على صفة ترك العمل به في هذه ~~الصفات، فيبقى أصل المشي واجبا: # واحتجوا أيضا: بأنه - عليه الصلاة والسلام - لما دنا من ~~الصفا، قال: # " إن الصفا والمروة من شعائر الله، ابدءوا بما ~~بدأ الله به " فبدأ بالصفا فرقي عليه، ثم سعى، وقال صلى الله ~~عليه وسلم: " خذوا عني مناسككم " # ، وقال تعالى: # واتبعوه # [الأعراف: 158] وقال تعالى: # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة # [الأحزاب: 21] وقالوا: إنه أشواط شرعت في بقعة من بقاع الحرم ~~ويؤتى به في إحرام كامل، فكان جنسها ركنا؛ كطواف ~~الزيارة، ولا يلزم طواف الصدر، لأن الكلام للجنس؛ لوجوبه ~~مرة. # واحتج أبو حنيفة - رضي الله عنه - بوجوه: # منها: قوله تعالى: { لا جناح عليه أن يطوف بهما } ~~وهذا لا يقال في الواجبات، وأكد ذلك بقوله: " ومن تطوع " ~~فبين أنه تطوع وليس بواجب. # ومنها: [قوله]: # " الحج عرفة فمن أدرك عرفة، فقد تم حجه " # ، وهذا يقتضي التمام من [جميع] الوجوه؛ ترك العمل به في بعض الأشياء؛ ~~فيبقى معمولا به ms0840 في السعي. # والجواب عن الأول من وجوه: # الأول: ما بينا [أن قوله]: " لا جناح عليه " [ليس فيه ~~إلا أنه لا إثم على فاعله] وهذا القدر مشترك بين الواجب، وغيره؛ فلا ~~يكون فيه دلالة على نفي الوجوب، وتحقيق ذلك قوله تعالى: # فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلوة إن ~~خفتم # [النساء: 101] والقصر عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - واجب، مع أنه ~~قال فيه: " فلا جناح عليكم " كذا ههنا. # الثاني: انه رفع الجناح عن الطواف [بهما لا عن الطواف بينهما]. # والأول عندنا غير واجب، والثاني هو الواجب. # الثالث: قال ابن عباس - رضي الله عنهما - كان على الصفا صنم، [وعلى ~~المروة صنم، وكان الذي على الصفا] اسمه: " إساف " ، والذي على ~~المروة صنم اسمه " نائلة " وكان أهل الجاهلية يطوفون بهما، ~~فلما جاء الإسلام، كره المسلمون الطواف بهما؛ لأجل الصنمين، فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية الكريمة. إذا عرفت هذا، فنقول: انصرفت الإباحة إلى ~~وجود الصنمين حال الطواف، لا إلى نفس الطواف؛ كما لو كان في الثوب ~~نجاسة يسيرة عندكم، أو دم البراغيث عندنا، فقيل: لا جناح عليكم أن ~~تصلوا فيه، فإن رفع الجناح ينصرف إلى مكان النجاسة، لا إلى نفس ~~الصلاة. # الرابع: كما ان قوله: " لا جناح عليكم " لا يطلق على الواجب، ~~فكذلك لا يطلق على المندوب؛ ولا شك في أن السعي مندوب، فقد صارت ~~الآية متروكة الظاهر، والعمل بظاهرها، وأما التمسك بقوله: # فمن تطوع خيرا فهو خير له # [البقرة: 184] فضعيف، وإنه لا يمكن أن يكون المراد من هذا التطوع هو ~~الطواف المذكور، بل يجوز أن يكون المراد منه شيئا آخر؛ كقوله: # وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين # [البقرة: 184] ثم قال: " فمن تطوع خيرا " فأوجب عليه الطعام، ~~ثم ندبهم إلى التطوع بالخير، فكان المعنى: فمن تطوع؛ فزاد على ~~طعام مسكين، كان خيرا له، فكذا ههنا يحتمل أن يكون هذا التطوع ~~مصروفا إلى شيء آخر؛ وهو من وجهين. # أحدهما: أنه يزيد في الطواف، فيطوف أكثر من الطواف الواجب، ~~مثل أن يطوف ثمانية أو أكثر. # والثاني: أن ms0841 يتطوع بعد فرض الحج وعمرته بالحج والعمرة مرة أخرى؛ ~~حتى طاف بالصفا والمروة تطوعا. # وقال الحسن وغيره: أراد سائر الأعمال، يعني: فعل غير الفرض؛ من ~~صلاة، وزكاة، وطواف، وغيرها من أنواع الطاعات. # وأصل الطاعة الانقياد. # وأما الحديث: فنقول فيه إنه عام، وحديثنا خاص، والخاص مقدم على ~~العام. # قوله تعالى: { فإن الله شاكر عليم }. # قال ابن الخطيب: اعلم أن الشاكر في اللغة هو المظهر للإنعام ~~عليه، وذلك في حق الله محال، فالشاكر في حقه - تبارك وتعالى - ~~مجاز، ومعناه المجازي على الطاعة، وإنما سمى المجازاة على الطاعة، ~~شكرا؛ لوجوه: # الأول: أن اللفظ خرج مخرج التلطف للعبادة، ومبالغة في الإحسان إليهم؛ ~~كما قال تعالى # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا # [البقرة: 245] وهو سبحانه وتعالى لا يستقرض من عوض، ولكنه تلطف في ~~الاستدعاء؛ كأنه قيل: من ذا الذي يعمل عمل المقرض؛ بأن يقدم فيأخذ أضعاف ~~ما قدم. # الثاني: أن الشكر لما كان مقابلا [للإنعام أو الجزاء] عليه، ~~سمي كل ما كان جزاء شكرا؛ على سبيل التشبيه. # الثالث: أن الشكر اسم لما يجازى به، والله تعالى هو المجازي، فسمي ~~شاكرا، لعلاقة المجازاة. # [وقال غيره:] بل هو حقيقة؛ لأن الشكر في اللغة: هو الإظهار؛ لأن ~~هذه المادة، وهي الشين، والكاف، والراء تدل على الظهور، ومنه: ~~كشر البعير عن نابه، إذا أظهره؛ فإن الله تعالى يظهر ما خفي ~~من أعمال العبد من الطاعة، ويجازي عليه. # وقيل: الشكر: الثناء، والله تعالى يثني على العبد، حين يفعل ~~الطاعة. # وقوله: " عليم " بذات المعنى أنه يعلم قدر الجزاء، فلا يبخس ~~المستحق حقه، لأنه عالم بقدره، ويحتمل أنه يريد أنه عليم بما ~~يأتي العبد، فيقوم بحقه من العبادة والإخلاص. ### || [2.159] # في " الكاتمين " قولان: # أحدهما: أنه كلام مستأنف يتناول كل من كتم شيئا من الدين. # الثاني: عن ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة والربيع، ~~والسدي، والأصم: أنها نزلت في أهل الكتاب من اليهود والنصارى. # الثالث: نزلت في اليهود والذين كتموا ما في التوراة من صفة محمد - ~~صلوات الله وسلامه عليه -. # قال ابن الخطيب: ms0842 والأول أقرب إلى الصواب؛ لوجوه: # الأول: أن اللفظ عام، وثبت في " أصول الفقه " أن العبرة بعموم ~~اللفظ لا بخصوص السبب. # الثاني: ثبت أيضا في " أصول الفقه " أن العبرة بعموم اللفظ، وأن ~~ترتيب الحكم على الوصف المناسب [مشعر بالعلية]، وكتمان الدين ~~يناسب استحقاق اللعن؛ فوجب عموم الحكم عند عموم الوصف. # الثالث: أن جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - حملوا هذا اللفظ على ~~العموم؛ كما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: " من زعم ~~أن محمدا صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من الوحي، فقد ~~أعظم الفرية على الله تعالى " ، والله تعالى يقول: { ~~إن الذين يكتمون مآ أنزلنا من البينات ~~والهدى } [البقرة: 159] " فحملت الآية على العموم. # وعن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال [لولا آية] من كتاب الله، ~~ما حدثت حديثا بعد أن قال الناس: أكثر أبو هريرة، وتلا: ~~{ إن الذين يكتمون مآ أنزلنا من البينات }. # احتج من خص الآية بأهل الكتاب: أن الكتمان لا يصح إلا منهم في ~~شرع نبوة محمد - صلوات الله، وسلامه عليه - وأما القرآن، فإنه ~~متواتر، فلا يصح كتمانه. # والجواب: أن القرآن الكريم قبل صيرورته متواترا يصح ~~كتمانه، والكلام إنما هو فيما يحتاج المكلف إليه. # فصل في تفسير " الكتمان " # قال القاضي: الكتمان ترك إظهار الشيء مع الحاجة إليه وحصول الداعي ~~إلى إظهار؛ لأنه متى لم يكن كذلك، لا يعد من الكتمان، فدلت الآية ~~على أن ما يتصل بالدين، ويحتاج المكلف إليه، لا يجوز كتمانه. # ونظير هذه الآية قوله تعالى: # إن الذين يكتمون مآ أنزل الله من الكتاب ~~ويشترون به ثمنا قليلا # [البقرة: 174] وقوله سبحانه وتعالى: # وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ~~لتبيننه للناس ولا تكتمونه # [آل عمران: 187] فهذه كلها زواجر عن الكتمان. # ونظيرها في بيان العلم، وإن لم يكن فيه ذكر الوعيد لكاتمه، قوله سبحانه: # فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ~~ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا ~~رجعوا إليهم لعلهم يحذرون # [التوبة: 122]. # وروى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال: # " من كتم ms0843 علما يعلمه جيء يوم القيامة بلجام ~~من نار " # واعلم أن العالم، إذا قصد كتمان العلم، عصى، وإن لم يقصده، لم يلزمه ~~التبليغ إذا عرف أنه مع غيره، وأما من سئل، فقد وجب عليه التبليغ؛ لهذه ~~الآية، وللحديث. # واعلم أنه لا يجوز تعليم الكافر القرآن، ولا العلم؛ حتى يسلم، ولا يجوز ~~تعليم المبتدع الجدال، والحجاج، ليجادل به أهل الحق، ولا يعلم الخصم على ~~خصمه حجة، ليقتطع بها ماله، ولا السلطان تأويلا يتطرق به على ~~مكاره الرعية، ولا ينشر الرخص من السفهاء، فيجعلوا ذلك طريقا ~~إلى ارتكاب المحظورات، وترك الواجبات، ونحو ذلك. [وقال - صلوات الله ~~وسلامه عليه -: # " لا تمنعوا الحكمة أهلها؛ فتظلموهم، ولا ~~تضغوها في غير أهلها، فتظلموها " # وقال - عليه الصلاة والسلام -: # " لا تعلقوا الدر في أعناق الخنازير " # يريد تعليم الفقه من ليس من أهله. # قوله تعالى: " ما أنزلنا " مفعول ب " يكتمون " ، و " ~~أنزلنا " صلته، وعائده محذوف، أي: أنزلناه، و " من البينات " ~~[يجوز فيه ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنها حال من " ما " الموصولة، فيتعلق بمحذوف، أي: كائنا من ~~البينات. # الثاني: أن يتعلق ب " أنزلنا " فيكون مفعولا به، قاله أبو ~~البقاء، وفيه نظر من حيث إنه إذا كان مفعولا به، لم يتعد الفعل ~~إلى ضمير، وإذا لم يتعد] إلى ضمير الموصول، بقي الموصول بلا عائد. # الثالث: أن يكون حالا من الضمير العائد على الموصول، والعامل في " ~~أنزلنا "؛ لأنه عامل في صاحبها. # فصل في المراد من " البينات " # والمراد من " البينات " ما أنزلنا على الأنبياء من الكتاب والوحي، ~~دون أدلة العقل. # وقوله " والهدى " يدخل فيه الدلالة العقلية، والنقلية؛ لما ~~تقدم في دليل قوله # هدى للمتقين # [البقرة: 3] أن الهدى عبارة عن الدلائل، فيعم الكل. فإن قيل: فقد ~~قال: { والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب } ~~فعاد إلى الوجه الأول. # قلنا: الأول: هو التنزيل، والثاني: ما يقتضيه التنزيل من الفوائد. # وهذه الآية الكريمة تدل على أن من أمكنه بيان أصول الدين بالدلائل ~~العقلية لمن كان محتاجا إليها، ثم تركها، أو كتم شيئا من أحكام الشرع ~~مع الحاجة ms0844 إليه، فقد لحقه هذا الوعيد. # قوله تعالى: { من بعد ما بيناه للناس } متعلق ب " ~~يكتمون " ، ولا يتعلق ب " أنزلنا " لفساد المعنى؛ لأن ~~الإنزال لم يكن بعد التبيين، وأما الكتمان فبعد التبيين، والضمير ~~في [ " بيناه " يعود على " ما " الموصولة. # وقرأ الجمهور " بيناه " ، وقرأ طلحة بن مصرف " بينه " ~~على ضمير الغائب، وهو التفات من التكلم إلى الغيبة، و " للناس " ~~متعلق بالفعل قبله. # وقوله: " في الكتاب " يحتمل وجهين: # أحدهما: أنه متعلق بقوله: " بيناه ". # والثاني: أنه يتعلق بمحذوف؛ لأنه حال من الضمير المنصوب في] " ~~بيناه " أي: بيناه حال كونه مستقرا كائنا في الكتاب، ~~والمراد بالكتاب جميع الكتب المنزلة. # فصل في حكم هذا " البيان " # قال بعضهم: هذا الإظهار فرض على الكفاية، لأنه إذا أظهره البعض، صار ~~بحيث يتمكن كل أحد من الوصول إليه، فلم يبق مكتوما، وإذا خرج عن حد ~~الكتمان، لم يجب على الباقين إظهاره مرة أخرى، والله أعلم. # فصل في الاحتجاج بقبول خبر الواحد # من الناس من يحتج بهذه الآيات على قبول خبر الواحد، لأن أظهار هذه ~~الأحكام واجب، [ولو لم يجب العمل]، لم يكن إظهارها واجبا، وتمام ~~التقرير فيه قوله تعالى في آخر الآية: # إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا # [البقرة: 160] فحكم بوقوع البيان بخبرهم. # فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون كل واحد كان منهيا عن الكتمان، ومأمورا ~~بالبيان؛ [ليكثر المخبرون]؛ فيتواتر الخبر. # فالجواب: هذا غلط؛ لأنهم ما نهوا عن الكتمان، إلا وهم ممن يجوز ~~عليهم الكتمان، ومن جاز منهم التواطؤ على الكتمان، جاز منهم التواطؤ ~~على الوضع والافتراء، فلا يكون خبرهم موجبا للعلم، والمراد من [الكتاب] ~~قيل: التوراة والإنجيل، وقيل: القرآن، وقيل: أراد بالمنزل الأول ~~ما فيه كتب المتقدمين، والثاني ما في القرآن. # قوله تعالى: " أولئك يلعنهم الله " يجوز في " أولئك " ~~وجهان: # أحدهما: أن يكون مبتدأ، و " يلعنهم " خبره، والجملة خبر " إن ~~الذين ". # والثاني: أن يكون بدلا من " الذين " و " يلعنهم " الخبر؛ لأن ~~قوله تعالى: { ويلعنهم اللاعنون } يحتمل أن يكون معطوفا على ~~ما قبله، وهو { يلعنهم الله } وأن يكون مستأنفا، وأتى ms0845 بصلة " ~~الذين " فعلا مضارعا، وكذلك بفعل اللعنة؛ دلالة على التجدد ~~والحدوث، وأن هذا يتجدد وقتا فوقتا، وكررت اللعنة؛ تأكيدا في ~~ذمهم. وفي قوله " يلعنهم الله " التفات؛ إذ لو جرى على سنن ~~الكلام، لقال: " نلعنهم "؛ لقوله: " أنزلنا " ، ولكن في إظهار ~~هذا الاسم الشريف ما ليس في الضمير. # فصل في معنى اللعنة، والمراد باللاعنين # اللعنة في أصل اللغة: هي الإبعاد، وفي عرف الشرع، ~~الإبعاد من الثواب، واختلفوا في اللاعنين، من هم؟ فقيل: ~~دواب الأرض وهوامها؛ فإنها تقول: منعنا القطر بمعاصي ~~بني آدم، نقله مجاهد، عن عكرمة. # وقال: " اللاعنون " ، ولم يقل " اللاعنات "؛ لأنه تعالى ~~وصفها بصفة من يعقل، فجمعها جمع من يعقل؛ كقوله تعالى: # والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين # [يوسف: 4] و # يأيها النمل ادخلوا مساكنكم # [النمل: 18] # وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا # [فصلت: 21]. # و # وكل في فلك يسبحون # [يس: 40] وقيل: " كل شيء إلا الإنس والجن " قاله ابن ~~عباس. # فإن قيل: كيف يصح اللعن من البهائم، والجمادات؟ # فالجواب من وجهين: # الأول: على سبيل المبالغة، وهي أنها لو كانت [عاقلة]، لكانت ~~تلعنهم. # الثاني: أنها في الآخرة، إذا أعيدت، وجعلت من العقلاء ~~فإنها تلعن من فعل ذلك في الدنيا، ومات عليه. # وقيل: إن أهل النار يلعنونهم وقيل يلعنهم الإنس ~~والجن. # وقال ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه -: ما تلاعن اثنان من ~~المسلمين إلا رجعت تلك اللعنة على اليهود ~~والنصارى الذين كتموا أمر محمد - صلوات الله وسلامه ~~عليه - وصفته. وعن ابن عباس: أن لهم لعنتين لعنة الله، ~~ولعنة الخلائق، قال: وذلك إذا وضع الرجل في قبره، ~~فيسأل ما دينك؟ وما نبيك؟ وما ربك؟ فيقول: لا أدري ~~فيضرب ضربة يسمعها كل شيء إلا الثقلين، فلا يسمع ~~شيء صوته إلا لعنه، ويقول الملك: لا دريت ولا ~~تليت، كذلك كنت في الدنيا. # وقال أبوا مسلم: " اللاعنون هم الذين آمنوا به، ومعنى ~~اللعنة، مباعدة الملعون، ومشاقته، ومخالفته مع السخط ~~عليه. # وقيل: الملائكة، والأنبياء، والصالحون؛ ويؤكده قوله تعالى: # إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم ~~لعنة الله والملائكة والناس أجمعين # [البقرة: 161]. # وقال ms0846 قتادة: " الملائكة ". # قال الزجاج: والصواب قول من قال: " اللاعنون الملائكة ~~والمؤمنون " ، فأما أن يكون ذلك لدواب الأرض فلا يوقف على ~~حقيقته إلا بنص أو خبر لازم، ولم يوجد شيء من ذلك. # قال القرطبي: قد جاء بذلك خبر رواه البراء بن عازب، قال: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله، وسلم، وشرف، ~~وكرم، ومجد، وبجل، وعظم - في قوله تعالى: " يلعنهم ~~اللاعنون " قال: # " دواب الأرض " # أخرجه ابن ماجة. # وقال الحسن: " جميع عباد الله ". # قال القاضي: " دلت الآية على أن هذا الكتمان من الكبائر ~~لأنه تعالى أوجب فيه اللعن. ### || [2.160] # في الاستثناء وجهان: # أحدهما: أن يكون متصلا، والمستثنى منه هو الضمير في " ~~يلعنهم ". # والثاني: أن يكون منقطعا؛ لأن الذين كتموا، لعنوا قبل ~~أن يتوبوا. وإنما جاء الاستثناء؛ لبيان قبول التوبة؛ ~~لأن قوما من الكاتمين لم يلعنوا، نقل ذلك أبو البقاء. # قال بعضهم: " وليس بشيء ". # فصل # اعلم أنه تعالى لما بين عظيم الوعيد، فكان يجوز أن ~~يتوهم أن الوعيد يلحقهم على كل حال، فبين تعالى ~~أنهم إذا تابوا، تغير حكمهم، ودخلوا في أهل الوعد. ~~والتوبة عبارة عن الندم على فعل القبيح لقبحه، لا ~~لغرض سواه؛ لأن من لم يرد الوديعة، ثم ندم للوم الناس ~~وذمهم، أو لإن الحاكم رد شهادته لم يكن تائبا، وكذلك، ~~لو عزم على رد الودائع والقيام بالواجبات؛ لكي تقبل ~~شهادته أو يمدح بالثناء عليه، لم يكن تائبا وهذا معنى ~~الإخلاص في التوبة ثم بين تعالى أنه لا بد له بعد التوبة ~~من إصلاح ما أفسده مثلا، لو أفسد على رجل دينه بإيراد ~~شبهة عليه، يلزمه إزالة تلك الشبهة، ثم بين بأنه ~~يجب عليه بعد ذلك أن يفعل ضد الكتمان، وهو البيان ~~بقوله " وبينوا " فدلت الآية على أن التوبة لا تحصل ~~إلا بترك كل ما ينبغي. # وقيل: بينوا توبتهم وصلاحهم. قال ابن الخطيب: ~~قالت المعتزلة: الآية تدل على أن التوبة عن بعض ~~المعاصي مع الإصرار على البعض لا تصح؛ لأن قوله " ~~وأصلحوا " عام في الكل. # والجواب: أن اللفظ المطلق يكفي ms0847 في صدقه حصول فرد ~~واحد من أفراده. # وقوله: " أتوب عليهم " أتجاور عنهم، وأقبل ~~توبتهم. " وأنا التواب " الرجاع بقلوب عبادي ~~المنصرفة عني إلي، القابل لتوبة كل ذي توبة، الرحيم ~~بهم بعد إقبالهم علي. ### || [2.161-162] # اعلم أن ظاهر الآية يعم كل كافر مات على كفره. # وقال أبو مسلم: يجب حمله على الذين تقدم ذكرهم، ~~وهم الذين يكتمون الآيات، واحتج بأنه تعالى لما ذكر ~~حال الذين يكتمون، ثم ذكر حال التائبين منهم، ذكر ~~أيضا حال من يموت منهم من غير توبة، وأيضا: فإنه تعالى ~~لما ذكر أن أولئك الكاتمين ملعونون حال الحياة، بين ~~أنهم ملعونون بعد الموت. وجوابه: إنما يصح هذا، لو كان ~~الذين يموتون منهم من غير توبة دخلوا تحت الآية، وإلا ~~لاستغنى عن ذكرهم فوجب حمل الكلام على أمر مستأنف. # فإن قيل: كيف يلعنه الناس أجمعون، وأهل [دينه لا ~~يلعنونه]. # فجوابه من وجوه: # أحدها: أن أهل دينه يلعنونه في الآخرة؛ لقوله تعالى: # ثم يوم القيمة يكفر بعضكم ببعض ويلعن ~~بعضكم بعضا # [العنكبوت: 25] قال أبو العالية: " يوقف الكافر يوم ~~القيامة، فيلعنه الله، ثم تلعنه الملائكة، ثم تلعنه ~~الناس ". # وثانيها: قال قتادة، والربيع: أراد بالناس أجمعين ~~المؤمنين؛ كأنه لم يعتد بغيرهم، وحكم بأن المؤمنين هم ~~الناس لا غير. # وثالثها: أن كل أحد يلعن الجاهل، والظالم؛ لأن قبح ~~ذلك مقرر في العقول فإذا كان في نفسه [هو جاهلا، أو ظالما، ~~وإن كان لا يعلم هو من نفسه كونه كذلك] كانت لعنته ~~على الجاهل والظالم تتناول نفسه. # ورابعها: أن يحمل وقوع اللعنة على استحقاق اللعن، ~~وحينئذ يعم ذلك. # فصل في بيان جواز لعن من مات كافرا # قال أبو بكر الرازي - رضي الله عنه -: الآية الكريمة ~~تدل على أن للمسلمين لعن من مات كافرا، وأن زوال ~~التكليف عنه بالموت لا يسقط عنه اللعنة؟ لأن قوله ~~تعالى: " والناس أجمعين " أمر لنا بلعنه بعد موته؛ ~~وهذا يدل على أن الكافر، لو جن، لم يكن زوال ~~التكليف عنه مسقطا اللعنة والبراءة منه، وكذلك ~~السبيل فيما يوجب المدح والموالاة من ms0848 الإيمان والصلاح، ~~فموت من كان كذلك أو [جنونه لا يغير] حكمه عما كان ~~عليه قبل حدوث الحال به. # قوله تعالى: " وماتوا " الواو هذه واو الحال، والجملة في محل ~~نصب على الحال، وإثبات الواو هنا أفصح؛ خلافا للفراء، ~~والزمخشري، حيث قالا: إن حذفها شاذ. وقوله { أولئك ~~عليهم لعنة الله }: " أولئك ": مبتدأ، [و { عليهم ~~لعنة الله }: مبتدأ وخبره، خبر عن " أولئك " ] و " ~~أولئك " وخبره: خبر عن " إن " ، ويجوز في " لعنة " ~~الرفع بالفاعلية بالجار قبلها؛ لاعتمادها؛ فإنه وقع ~~خبرا عن " أولئك " وتقدم تحريره في # عليهم صلوات من ربهم # [البقرة: 157]. # فصل في هل يجوز لعن الكافر المعين # قال ابن العربي: قال لي كثير من أشياخي: إن الكافر ~~المعين لا يجوز لعنه؛ لأن حاله عند الموافاة لا ~~تعلم، وقد شرط الله تعالى في هذه الآية الكريمة في إطلاق ~~اللعنة: الموافاة على الكفر. # وأما ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم وعلى آله ~~وسلم، وشرف وكرم، ومجد، وبجل وعظم - أنه لعن ~~أقواما بأعيانهم من الكفار، فإنما كان ذلك؛ لعلمه ~~بمآلهم. # قال ابن العربي: والصحيح عندي: جواز لعنه؛ لظاهر ~~حاله، ولجواز قتله وقتاله. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم، ~~وشرف وكرم، ومجد، وبجل وعظم - أنه قال: # " اللهم، إن عمرو بن العاص هجاني، وقد علم ~~أني لست بشاعر، فالعنه، وأهجه عدد ما هجاني " # [فلعنه، وإن كان الإيمان والدين والإسلام مآله، وانتصف ~~بقوله " عدد ما هجاني " ] ولم يزد؛ لتعليم العدل والإنصاف، ~~وأضاف الهجو إلى الله تعالى في باب الجزاء، دون الابتداء ~~بالوصف بذلك؛ كما يضاف إليه المكر والاستهزاء والخديعة، تعالى ~~عن ذلك. # قال القرطبي: أما لعن الكفار جملة من غير تعيين، ~~فلا خلاف فيه؛ لما روى مالك، عن داود بن الحصين، أنه ~~سمع الأعرج يقول: " ما أدركت الناس إلا وهم ~~يلعنون الكفرة في رمضان، وسواء كانت لهم ذمة ~~أو لم تكن، وليس ذلك بواجب، ولكنه مباح ". # قوله تعالى: " والملائكة " الجمهور على جر الملائكة؛ [نسقا ~~على اسم الله تعالى]، وقرأ الحسن بالرفع، { والملآئكه ~~والناس ms0849 أجمعون } وخرجها النحاة على العطف على موضع ~~اسم الله تعالى، فإنه وإن كان مجرورا بإضافة المصدر، ~~فموضعه رفع بالفاعلية؛ لأن هذا المصدر ينحل لحرف ~~مصدري، وفعل، والتقدير: " أن لعنهم " ، أو " أن ~~يلعنهم الله " ، فعطف الملائكة على هذا التقدير. # قال أبو حيان: وهذا ليس بجائز على ما تقرر من العطف على ~~الموضع، فإن من شرطه: أن يكون ثم محرز للموضع، ~~وطالب، والطالب للرفع وجود التنوين في المصدر، هذا إذا ~~سلمنا أن " لعنة " تنحل لحرف مصدري، وفعل؛ لأن ~~الانحلال لذلك شرطه أن يقصد به العلاج؛ ألا ترى أن قوله: # ألا لعنة الله على الظالمين # [هود: 18] ليس المعنى على تقدير: أن يلعن الله على ~~الظالمين، بل المراد اللعنة المستقرة، وأضيفت لله على سبيل ~~التخصيص، لا على سبيل الحدوث. ونقل عن سيبويه: أن قولك: ~~هذا ضارب زيد غدا وعمرا، بنصب " عمرا ": أن نصبه ~~بفعل محذوف، وأبى أن ينصبه بالعطف على الموضع، ثم بعد ~~تسليمه ذلك كله، قال: المصدر المنون لم يسمع بعده فاعل ~~مرفوع، ومفعول منصوب، إنما قاله البصريون قياسا على " أن ~~والفعل " ومنعه الفراء، وهو الصحيح ثم إنه خرج هذه ~~القراءة الشاذة على أحد ثلاثة أوجه: # الأول: أن تكون الملائكة مرفوعة بفعل محذوف، أي: " وتلعنهم ~~الملائكة "؛ كما نصب سيبويه " عمرا " في قولك " ضارب ~~زيدا وعمرا " بفعل محذوف. # الثاني: أن تكون الملائكة عطفا على " لعنة " بتقدير حذف ~~مضاف، أي: " ولعنة الملائكة " فلما حذف المضاف، ~~أقيم المضاف إليه مقامه. # الثالث: أن يكون مبتدأ قد حذف خبره تقديره { والملائكة ~~والناس أجمعون تلعنهم } وهذه أوجه متكلفة، ~~وإعمال المصدر المنون ثابت؛ غاية ما في الباب: أنه قد ~~يحذف فاعله؛ كقوله # أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما # [البلد: 14 - 15]. وأيضا: فقد أتبعت العرب المجرور بالمصدر ~~على موضعيه رفعا؛ قال: [البسيط]. # 861 -................ # مشي الهلوك عليها الخيعل الفضل # برفع " الفضل " وهي صفة ل " الهلوك " على الموضع؛ وإذا ~~ثبت ذلك في النعت، ثبت في العطف؛ لأنهما تابعان من ~~التوابع الخمسة، و " أجمعين ": من ألفاظ التأكيد # المعنوي بمنزلة كل. # قال ابن الخطيب: ms0850 والآية تدل على جواز التخصيص مع ~~التوكيد؛ لأنه تعالى قال: " والناس أجمعين " مع أنه ~~مخصوص على مذهب من قال: المراد بالناس بعضهم. # قوله تعالى: " خالدين " حال من الضمير في " عليهم " ~~والعامل فيها الظرف من قوله " عليهم "؛ لأن فيه معنى ~~الاستقرار للعنة، والخلود: اللزوم الطويل، ومنه قوله ~~تعالى: " أخلده " أي: لزمه، وركن إليه. # قال بعضهم: " خالدين في اللعنة ". # وقيل: في النار، أضمرت؛ تفخيما وتهويلا؛ كقوله # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر: 1]. # والأول أولى؛ لوجوه: # الأول: أن رد الضمير [إلى المذكور السابق أولى من ~~ردة، إذا لم يذكر. # الثاني: أن حمل هذا الضمير على اللعنة] أكثر فائدة؟ ~~لأن اللعن هو الإبعاد من الثواب بفعل العقاب في ~~الآخرة، وإيجاده في الدنيا، فيدخل في اللعن النار وزيادة [فكان ~~حمل اللفظ عليه أولى]. # [الثالث: أن حمل الضمير على اللعن يكون حاصلا في الحال وبعده، وحمله ~~على النار لا يكون حالا حاصلا في الحال، بل لا بد من تأويل]. # قوله تعالى: " يخفف " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون مستأنفا. # الثاني: أن يكون حالا من الضمير في " خالدين " فيكون حالان ~~متداخلان. # الثالث: أن يكون حالا ثانية من الضمير في " عليهم " ، وكذلك عند ~~من يجيز تعدد الحال. وقد منع أبو البقاء هذا الوجه، بناء منه على ~~مذهبه في ذلك. # وقوله: " ولا هم ينظرون ". # قال مكي رحمه الله: هو ابتداء وخبر في موضع الحال من الضمير في ~~" خالدين " أو من الضمير في " عنهم ". # فصل في وصف العذاب # اعلم أنه تعالى وصف هذا العذاب بثلاثة أمور: # أحدها: الخلود، وهو المكث الطويل عندنا، أو المكث الدائم عند ~~المعتزلة. # وثانيها: عدم التخفيف، ومعناه أن العذاب في الأوقات كلها ~~متشابه؛ لا يكون بعضه أقل من بعض. # فإن قيل: هذا التشبيه ممتنع؛ لوجوه: # أحدها: أنه إذا تصور حال غيره من شدة العذاب، كان ذلك كالتخفيف ~~عنه. # وثانيها: أنه تعالى يزيد عليهم في أقوات، ثم تنقطع تلك ~~الزيادة فيكون ذلك تخفيفا. # وثالثها: أنه حين يخاطبهم بقوله تعالى: # اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون: 108] لا نشك أنه ms0851 يزاد عنهم في ذلك الوقت. # فالجواب أن التفاوت في هذه الأمور قليل، فالمستغرق في ~~العذاب الشديد لا ينتبه لهذا القدر القليل من التفاوت، وهذه ~~الآية تدل على دوام العذاب، وأبديته، فإن الواقع في [محنة] ~~عظيمة [وشدة] في الدنيا، إذا بشر بالخلاص، وقيل له: إنك ~~تخلص من هذه الشدة بعد أيام، فإنه يفرح ويسهل عليه ~~موقع هذه المحنة. # الصفة الثانية: قوله " ولا هم ينظرون " والإنظار: هو ~~التأجيل والتأخير؛ قال سبحانه # فنظرة إلى ميسرة # [البقرة: 280] والمعنى: أن عذابهم لا يؤجل، بل يكون حاضرا ~~متصلا بعذاب مثله؛ ووجه اتصال هذه الآية بها قبلها: أنه تعالى ~~لما حذر من كتمان الحق بين أن أول ما يجب إظهاره ولا يجوز ~~كتمانه أمر التوحيد، ووصل ذلك بذكر البرهان، وعلم طريق ~~النظر، وهو الفكر في عجائب الصنع؛ ليعلم أنه لا بد من ~~فاعل لا يشبهه شيء: # ويحتمل أن يكون من النظر؛ كقوله: # لا ينظر إليهم يوم القيمة # [آل عمران: 77]. ### || [2.163] # قوله: " إله واحد " خبر المبتدأ، و " واحد " صفة، وهو الخبر في ~~الحقيقة؛ لأنه محط الفائدة، ألا ترى أنه لو اقتصر [على ما ~~قبله، لم يفد، وهذا يشبه الحال الموطئة؛ نحو: " مررت ~~بزيد رجلا صالحا " ف " رجلا " حال] وليست مقصودة، ~~إنما المقصود وصفها. # قال أبو علي: قولهم واحد: اسم جرى على وجهين في كلامهم. # أحدهما: أن يكون اسما. # والآخر: أن يكون وصفا، فالاسم قولهم في العدد: واحد، ~~اثنان، ثلاثة، فهذا اسم ليس بوصف، كما أن سائر أسماء العدد ~~كذلك، وأما كونه صفة؛ فقولك: مررت برجل واحد، وهذا ~~شيء واحد، فإذا جرى هذا الاسم على الحق سبحانه وتعالى، جاز أن ~~يكون الذي هو الوصف كالعالم والقادر، وجاز أن يكون الذي هو ~~الاسم كقولك شيء ويقوي الأول قوله تعالى: { وإلهكم إله ~~واحد }. # فصل في وجوه وصفه تعالى بأنه واحد # قال الجبائي: وصف الله بأنه واحد من وجوه أربعة: ~~لأنه ليس بذي أبعاض، ولا بذي أجزاء؛ ولأنه منفرد [بالقدم؛ ~~ولأنه منفرد] بالإلهية؛ ولأنه منفرد بصفات ذاته؛ نحو ~~كونه [عالما بنفسه، قادرا ms0852 بنفسه. # قوله تعالى: " إلا هو ": رفع " هو " على أنه] بدل من اسم " لا " ~~على المحل؛ إذ محله الرفع على الابتداء، أو هو بدل من " لا " ~~وما عملت فيه، لأنها وما بعدها في محل رفع بالابتداء، وقد ~~تقدم تقرير ذلك، ولا يجوز أن يكون " هو " خبر " لا " ~~التبرئة، لما تقرر من أنها لا تعمل في المعارف، بل الخبر ~~محذوف، أي: " لا إله لنا " هذا إذا فرعنا على أن " لا " ~~المبني معها اسمها عاملة في الخبر، أما إذا جعلنا الخبر ~~مرفوعا بما كان عليه قبل دخول " لا " وليس لها فيه عمل ~~وهو مذهب سيبويه فكان ينبغي أن يكون " هو " خبرا إلا أنه ~~منع منه كون المبتدأ نكرة، والخبر معرفة، وهو ممنوع إلا في ~~ضرائر الشعر في بعض الأبواب. # واستشكل الشيخ أبو حيان كونه بدلا من " إله ". # [قال: لأنه لم يمكن تكرير العامل؛ لا نقول: " لا رجل ~~إلا زيد " والذي يظهر أنه ليس بدلا من " إله " ] ولا من " ~~رجل " في قولك: " لا رجل إلا زيد " ، إنما هو بدل من ~~الضمير المستكن في الخبر [المحذوف، فإذا قلنا: لا رجل إلا زيد، ~~فالتقدير: " لا رجل كائن، أو موجود إلا زيد " ، ف " ~~زيد " بدل من الضمير المستكن في الخبر] لا من " رجل " ، فليس ~~بدلا على موضع اسم " لا " ، وإنما هو بدل مرفوع من ضمير ~~مرفوع، وذلك الضمير هو عائد على اسم " لا " ، ولولا تصريح ~~النحويين: أنه بدل على الموضع من اسم " لا " ، لتأولنا ~~كلامهم على ما تقدم تأويله. # قال شهاب الدين: والذي قالوه غير مشكل؛ لأنهم لم يقولوا: هو ~~بدل من اسم " لا " على اللفظ؛ حتى يلزمهم تكرير العامل، ~~وإنما كان يشكل لو أجازوا إبداله من اسم " لا " على ~~اللفظ، وهم لم يجيزوا ذلك لعدم تكير العامل، ولذلك منعوا وجه ~~البدل في قولهم " لا إله إلا الله " وجعلوه انتصابا على ~~الاستثناء، وأجازوه في قولك: " لا رجل في الدار إلا ~~صاحبا لك " لأنه يمكن فيه تكرير العامل. # قوله تعالى: " الرحمن الرحيم " فيه أربعة أوجه: # أحدها: أن يكون ms0853 بدلا من " هو " بدل ظاهر من مضمر، إلا ~~أن هذا يؤدي إلى البدل بالمشتقات وهو قليل؛ ويمكن أن ~~يجاب بأن هاتين الصفتين جرتا مجرى الجوامد ولا سيما ~~عند من يجعل [الرحمن] علما، وقد تقدم تحقيقه في " ~~البسملة ". # الثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الرحمن، وحسن حذفه ~~توالي اللفظ ب " هو " مرتين. # الثالث: أن يكوم خبرا ثالثا لقوله: " وإلهكم " أخبر عنه بقوله: ~~" إله واحد " وبقوله: " لا إله إلا هو " وبقوله: " ~~الرحمن الرحيم " ، وذلك عند من يرى تعدد الخبر ~~مطلقا. # الرابع: أن يكون صفة لقوله " هو " ، و[ذلك] عند الكسائي؛ ~~فإنه يجيز وصف الضمير الغائب بصفة المدح، فاشترط في وصف الضمير ~~هذين الشرطين: أن يكون غائبا، وأن تكون الصفة صفة مدح؛ وإن ~~كان ابن مالك أطلق عنه جواز وصف ضمير الغائب، ولا يجوز أن ~~يكون خبرا ل " هو " هذه المذكورة؛ لأن المستثنى ليس بجملة. # فصل في سبب النزول # قال ابن عباس: سبب نزول هذه الآية أن كفار قريش قالوا: ~~يا محمد، صف وانسب لنا ربك فأنزل الله تعالى ~~سورة الإخلاص، وهذه الآية. # قال أبو الضحى: لما نزلت هذه الآية، قال المشركون: إن ~~محمدا يقول: إلهكم إله واحد، فليأتنا بآية، إن ~~كان من الصادقين، فأنزل الله - عز وجل -: { إن ~~في خلق السموات والأرض } [والمراد بالخلق هنا ~~المخلوق. # قال أبو مسلم: وأصل الخلق التقدير؛ قال تعالى: # وخلق كل شيء فقدره تقديرا # [الفرقان: 2]. ### || [2.164] # ذكر ابن جرير في سبب نزول هذه الآية عن عطاء أيضا ما ذكرناه ~~آنفا. # وعن سعيد بن مسروق، قال: سألت قريش اليهود، فقالوا: حدثونا ~~عما جاءكم به موسى - عليه السلام - من الآيات. فحدثوهم ~~بالعصا وباليد البيضاء، وسألوا النصارى عما جاءهم به ~~عيسى، فحدثوهم بإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى؛ ~~فقالت قريش عند ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -: ادع الله ~~لنا أن يجعل الصفا ذهبا، فنزداد يقينا، ونتقوى على ~~عدونا [فسأل ربه ذلك] فأوحى الله تعالى إليه أن يعطيهم، ~~ولكن إن كذبوا بعده، عذبتهم عذابا شديدا لا أعذبه ~~أحدا من العالمين ms0854 فقال - عليه الصلاة والسلام: - # " ذرني وقومي، أدعوهم يوما فيوما " # ، فأنزل الله تعالى هذه الآية مبينا لهم أنهم إن كانوا ~~يريدون أن أجعل لهم الصفا ذهبا؛ ليزدادوا يقينا؛ فخلق ~~السموات والأرض وسائر ما ذكر أعظم وأكبر. # وقيل: لما نزل قوله: " وإلهكم إله واحد " ، قالوا: هل من ~~دليل على ذلك فأنزل الله تعالى: { إن في خلق السموات ~~والأرض }؛ فبين لهم الدليل وقد تقدم في قوله تعالى: # الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء # [البقرة: 22]. # قال البغوي: ذكر " السموات " بلفظ الجمع، لأن كل سماء من جنس ~~آخر، وأفرد الأرض؛ لأن الأرضين كلها من جنس واحد، وهو ~~التراب، والآية في السموات سمكها وارتفاعها من غير عمد، ولا ~~علاقة، وما يرى فيها من الشمس، والقمر، والنجوم، واختلاف ~~أحوالها من الطلوع، والغروب، وغير ذلك، والآية من الأرض: ~~مدها، وبسطها وسعتها، وما يرى فيها من الأشجار، والاثمار، ~~والنهار، والجبال، والبحار، والجواهر، والنبات، وقد تقدم طرف ~~من هذا. # قوله تعالى: واختلاف الليل والنهار " ذكروا للاختلاف ~~تفسيرين: # أحدهما: أنه افتعال من قولهم: " خلفه يخلفه " إذا ~~ذهب الأول، وجاء الثاني، فاختلاف الليل والنهار تعاقبهما ~~في الذهاب والمجيء؛ يقال: فلان يختلف إلى فلان، إذا كان يذهب ~~إليه ويجيء من عنده، فذهابه يخلف مجيئه، ومجيئه يخلف ~~ذهابه، وكل شيء يجيء بعد شيء آخر، فهو خلفة، وبهذا فسروا ~~قوله تعالى: # وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة # [الفرقان: 62]؛ ومنه قول زهير: [الطويل] # 862 - بها العين والأرآم يمشين خلفة # أطلاؤها ينهضن من كل مجثم # وقال آخر: [المديد] # 863 - ولها بالماطرون إذا # أكل النمل الذي صنعا # خلفة حتى إذا ارتبعت # سكنت من جلق بيعا # الثاني: اختلاف الليل والنهار، في الطول والقصر، والنور والظلمة، ~~والزيادة والنقصان. # قال الكسائي: " يقال لكل شيئين اختلفا: هما خلفان ". # قال ابن الخطيب: وعندي فيه وجه ثالث، [وهو] أن الليل والنهار ~~كما يختلفان بالطول والقصر في الأزمنة، فهما يختلفان في ~~الأمكنة فإن من يقول: إن الأرض كرة، فكل ساعة عنيتها، ~~فتلك الساعة في موضع من الأرض صبح، وفي موضع آخر ظهر، ~~وفي آخر عصر ms0855 وفي آخر مغرب، وفي آخر عشاء، وهلم جرا، ~~هذا إذا [اعتبرنا البلاد المختلفة في الطول، أما البلاد ~~المختلفة] في العرض، فكل بلد يكون عرضه الشمالي ~~أكثر، كانت أيامه الصيفية أطول ولياليه الصيفية ~~أقصر، وأيامه الشتوية بالضد من ذلك، فهذه الأحوال ~~المختلفة في الأيام والليالي بحسب اختلاف أطوال البلاد ~~وعروضها أمر عجيب مختلف. # وأيضا: فإن إقبال الخلق في أول الليل على النوم يشبه موت ~~الخلائق عند النفخة الأولى في الصور، ويقظتهم آخر الليل يشبه ~~عودة الحياة إليهم عند النفخة الثانية، هذا أيضا من الآيات ~~العظيمة. # وأيضا: انشقاق ظلمة الليل بظهور الصبح المستطيل كأنه ~~جدول ماء صاف يسيل في بحر كدر بحيث لا يتكدر الصافي ~~بالكدر، ولا الكدر الصافي، وهو المراد بقوله: # فالق الإصباح وجعل الليل سكنا # [الأنعام: 96]. # قال علماء الهيئة: إن الموضع الذي يكون القطب فيه على سمت ~~الرأس تكون السنة فيه [ستة أشهر نهارا] وستة أشهر ~~ليلا، وهناك لا يتم النضج، ولا يصلح لمسكن الحيوان ولا ~~يتهيأ فيه سبب من أسباب المعيشة. # فصل في أصل الليل # اختلفوا؛ قيل: الليل: اسم جنس، فيفرق بين واحد وجمعه بتاء التأنيث؛ ~~فيقال: ليلة وليل؛ كتمرة وتمر، والليالي جمع ~~الجمع، والصحيح: أنه مفرد، ولا يحفظ له جمع؛ وكذلك خطأ ~~الناس من زعم أن " الليالي " جمع " ليل " ، بل الليالي جمع ~~" ليلة " وهو جمع غريب، ولذلك قالوا: هو جمع " ليلاة " ~~تقديرا، وقد صرح بهذا المفرد في قول الشاعر: [السريع أو الرجز] # 864 - في كل يوم ما وكل ليلاه # حتى يقول كل راء إذ رآه # يا ويحه من جمل ما أشقاه # ويدل على ذلك تصغيرهم لها على " لييلة " ونظير " ليلة " و ~~" وليال ": " كيكة وكياك "؛ كأنهم توهموا أنها " ~~كيكات " في الأصل، والكيكة: البيضة. # وأما النهار: فقال الراغب: " هو في الشرع: اسم لما بين طلوع ~~الفجر إلى غروب الشمس ". # قال ابن فارس: " والنهار ": ضياء ما بين طلوع الفجر إلى ~~غروب الشمس قال القرطبي: وهو الصحيح؛ ويدل عليه ما ثبت في " صحيح ~~مسلم ": عن عدي بن حاتم، قال: لما نزلت: # حتى ms0856 يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط ~~الأسود من الفجر # [البقرة: 187] # " قال له عدي: يا رسول الله، إني جعلت تحت وسادتي ~~عقالين؛ عقالا أبيض، وعقالا أسود، أعرف بهما ~~الليل من النهار، فقال رسول الله - صلوات الله ~~البر الرحيم وسلامه عليه -: إن وسادك لعريض " # يعني إنما هو سواد الليل وبياض النهار، وبهذا يقضي الفقه في ~~الأيمان، وبه ترتبط الأحكام. # وظاهر اللغة أنه من وقت الإسفار. # وقال ثعلب والنضر بن شميل: " هو من طلوع الشمس " زاد ~~النضر: ولا يعد ما قبل ذلك من النهار. # وقال الزجاج: " أول النهار ذرور الشمس ". # ويجمع على نهر وأنهرة؛ نحو: قذال، وقذل، وأقذلة. # وقيل: لا يجمع؛ لأنه بمنزلة المصدر، [والصحيح: جمعه على ما ~~تقدم]. # قال: [الرجز] # 865 - لولا الثريدان لمتنا بالضمر # ثريد ليل، وثريد بالنهر # وقد تقدم اشتقاق هذه المادة، وأنها تدل على الاتساع، ومنه ~~" النهار " لاتساع ضوئه # عند قوله: # من تحتها الأنهر # [البقرة: 25] قاله ابن عباس - رضي الله عنهما-. قال ابن فارس: ويقال: ~~" إن [النهار] فرخ الحبارى " وقدم الليل على النهار ~~لأنه سابقه؛ # وقال تعالى: # وءاية لهم الليل نسلخ منه النهار # [يس: 37] وهذا أصح القولين. # وقيل: النور سابق الظلمة، وينبني على هذا الخلاف فائدة، وهي ~~أن الليلة، هل هي تابعة لليوم [قبلها، أو لليوم بعدها. # فعلى الصحيح: يكون الليل لليوم بعدها، فيكون اليوم تابعا ~~لها، وعلى الثاني: تكون لليوم قبلها، فتكون الليلة تابعة له] # فيوم عرفة؛ على الأول: مستثنى من الأصل؛ فإنه تابع ~~لليلة التي بعده، وعلى الثاني: جاء على الأصل. # قال القرطبي: وقسم ابن الأنباري الزمن ثلاثة أقسام: # قسما جعله ليلا محضا؛ وهو من غروب الشمس إلى طلوع ~~الفجر، وقسما جعله نهارا محضا، وهو من طلوع الشمس إلى ~~غروبها، وقسما جعله مشتركا بين النهار والليل؛ وهو ~~من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس؛ لبقايا ظلمة الليل، ~~[ومبادئ ضوء النهار]. # قوله تعالى: " والفلك " عطف على " خلق " المجرور ب " في " ~~لا على " السموات " المجرور بالإضافة، و " الفلك " يكون واحدا؛ ~~كقوله: # في الفلك المشحون # [يس: 41]، وجمعا كقوله: # في الفلك وجرين ms0857 بهم # [يونس: 22] فإذا أريد به الجمع، ففيه أقوال: # أصحها - وهو قول سيبويه -: أنه جمع تكسير، وإن قيل: جمع ~~التكسير لا بد فيه من تغير ما، فالجواب: أن تغييره ~~مقدر، فالضمة في حال كونه جمعا، كالضمة في " حمر " و " ندب ~~" وفي حال كون مفردا، كالضمة في " قفل " ، وإنما حمل سيبويه ~~على هذا، ولم يجعله مشتركا بين الواحد والجمع؛ نحو: " جنب " و " ~~شلل " [فلما ثنوه، وقالوا: فلكان، علمنا] أنهم لم ~~يقصدوا الاشتراك الذي قصدوه في " جنب " و " شلل " ونظيره ~~ناقة هجان ونوق هجان، ودرع دلاص، ودروع دلاص، ~~فالكسرة في المفرد كالكسرة في " كتاب " وفي الجمع كالكسرة في " ~~رجال "؛ لأنهم قالوا في التثنية: هجانان ودلاصان. # الثاني: مذهب الأخفش: أنه اسم جمع، كصحب، وركب. # الثالث: أنه جمع " فلك " بفتحتين، كأسد وأسد، واختار أبو حيان ~~أنه مشترك بين الواحد والجمع، وهو محجوج بما تقدم من التثنية، ولم ~~يذكر لاختياره وجها، وإذا أفرد " فلك " ، فهو مذكر؛ قال تعالى: # في الفلك المشحون # [يس: 41]. وقال جماعة، منهم أبو البقاء: يجوز تأنيثه؛ مستدلين ~~بقوله: { والفلك التي تجري في البحر } فوصفه بصفة ~~التأنيث، ولا دليل في ذلك؛ لاحتمال أن يراد به الجمع؛ وحينئذ فيوصف بما ~~يوصف به المؤنثة الواحد. # قال الواحدي: وأصله من الدوران، فكل مستدير فلك، ومنه " فلك ~~السماء "؛ لدوران النجوم فيه، و " فلكة المغزل " [وفلكت ~~الجارية: استدار نهدها]، وسميت السفينة فلكا لأنها تدور ~~بالماء أسهل دور. # وجاء بصلة " التي " فعلا مضارعا؛ ليدل على التجدد والحدوث، ~~وإسناد الجري إليها مجاز، وقوله: " في البحر " توكيد؛ إذ المعلوم ~~أنها تجري في غيره؛ كقوله # يطير بجناحيه # [الأنعام: 38]. # فصل في عدد البحور # قال ابن الخطيب - رحمه الله - قيل: إن البحور المعروفة ~~[خمسة]: بحر الهند: وهو بحر الصين، وبحر المغرب، وبحر الشام، ~~وبحر الروم [ومصر] وبحر نيطش وبحر جرجان. # فالأول يمتد طوله [من المغرب إلى المشرق]، من أقصى أرض الحبشة ~~إلى أقصى أرض الهند، ويخرج منه خليج عند أرض الحبشة يمتد إلى ناحية ~~البربر، يسمى البربري، وخليج بحر أيلة، وهو بحر القلزم، ينتهي إلى ms0858 ~~البحر الأخضر على شرقي أرض اليمن وعلى غربي أرض الحبشة، وخليج بحر فارس ~~يسمى الفارسي وهو بحر البصرة على شرقي تيز ومكران، وعلى غربيه غمان وبين ~~هذين الخليجين خليج أيلة، وخليج فارس الحجاز واليمن، وبلاد المغرب وخليج ~~رابع إلى أقصى الهند يسمى الأخضر، وفي بحر الهند ألف وثلثمائة وسبعون ~~جزيرة منها سرنديب عند بلاد الصين يحيط بها ثلاثة الآف ميل فيها جبال ~~وأنهار، ومنها يخرج الياقوت الأحمر. # وأما بحر المغرب، فهو المحيط ويسميه اليونانيون: أوقيانوس، ويتصل ~~به بحر الهند، وطرفه في ناحية المغرب والشمال محاذيا لأرض الروم ~~والصقالبة ويأخذ في الجنوب محاذيا لأرض السودان مارا على [حدود ~~السوس، وطنحة وتاهرت]، ثم الأندلس والجلالقة والصقالبة، ثم يمتد من ~~هناك وراء الجبال غير المسلوكة والأراضي غير المسكونة نحو بحر المشرق، ~~وهذا البحر لا تجري فيه السفن إلا بقرب ساحله، وفيه ست جزائر تسمى ~~الخالدات، تقابل أرض الحبشة، ويخرج منه خليج عظيم يمتد إلى أرض بلغار. # وأما بحر الروم وإفريقية [ومصر والشام:] فيخرج منه إلى أرض البربر، ~~وفي هذا البحر مائة واثنتان وستون جزيرة. # وأما بحر نيطش: فيمتد من اللاذقية إلى خلف قسطنطينية، وأرض ~~الروم والصقالبة. # وأما بحر جرجان، ويعرف ب " بحر السكون " فيمتد إلى طبرستان ~~والديلم، وباب الأبواب، وليس يتصل ببحر آخر، فهذه هي [البحور] ~~العظام، وأما غيرها: فهي بطائح؛ كبحيرة خوارزم، وبحيرة طبرية. # فصل في سبب تسمية البحر بالبحر # قال الليث: سمي البحر بحرا؛ لاستبحاره، وهو سعته وانبساطه، ويقال: ~~استبحر فلان [في العلم]، إذا اتسع فيه؛ وتبحر الراعي في ~~الرعي كثر، وتبحر فلان في المال. # وقال غيره: سمي البحر بحرا؛ لأنه شق في الأرض، والبحر الشق، ~~ومنه البحيرة. # قوله تعالى: " بما ينفع الناس ". [في " ما " قولان: # أحدها: أنها موصولة اسمية؛ وعلى هذا: الباء للحال، أي: تجري مصحوبة ~~بالأعيان التي تنفع الناس. # الثاني: أنها] حرفية، وعلى هذا تكون الباء للسبب، أي: تجري ~~بسبب نفع الناس في التجارة وغيرها. # فصل في الاستدلال بجريان الفلك في البحر على وجود الصانع. # فأما كيفية الاستدلال بجريان ms0859 الفلك في البحر على وجود الصانع تعالى ~~وتقدس: # فهو أن السفن، وإن كانت من تركيب الناس إلا أنه تعالى [هو ~~الذي] خلق الآلات التي يمكن بها تركيب هذه السفن، وتبحر بها ~~الرياح، وقوى قلوب من ركبها، وخص كل طرف من أطراف العالم ~~بشيء معين، وأحوج الكل إلى الكل؛ حتى صار ذلك داعيا يدعوهم ~~إلى اقتحام هذه الأخطار في هذه الأسفار، ويخر البحر لحمل الفلك، مع ~~قوة سلطان البحر إذا هاج، وعظم هوله، واضطربت أمواجه، مع ما فيه من ~~الحيوانات العظيمة ثم إنه تبارك وتعالى يخلص السفن عنها ويوصلها ~~إلى ساحل السلامة، وهذا أمر لا بد له من مدبر يدبره، ومقتدر ~~يحفظه، وهذه الآية الكريمة تدل على إباحة ركوب البحر وعلى إباحة ~~الاكتساب، والتجارة؛ لقوله: " بما ينفع الناس ". # فصل في بيان الحالة المستثناة في ركوب البحر # البحر إذا أرتج، لم يجز ركوبه لأحد بوجه من الوجوه في حين ارتجاجه، ولا ~~في الزمن الذي الأغلب فيه عدم السلامة؛ وإنما يجوز عندهم ركوبه في ~~زمن يكون الغالب فيه السلامة - [نقله القرطبي]. # قوله تعالى: { ومآ أنزل الله من السمآء من مآء } ~~[البقرة: 164] [ " من " ] الأولى معناها ابتداء الغاية، أي: أنزل من جهة ~~السماء، واما الثانية فتحتمل ثلاثة أوجه: # أحدها: أن تكون لبيان الجنس فإن المنزل من السماء ماء وغيره. # والثاني: أن تكون للتبعيض؛ فإن المنزل منه بعض لا كل. # والثالث: أن تكون هي وما بعدها بدلا من قوله: " من السماء " بدل ~~اشتمال بتكرير العامل، وكلاهما أعني " من " الأولى، و " من " الثانية ~~متعلقان ب " أنزل ". # فالجواب: أن الممنوع من ذلك أن يتحدا معنى من غير عطف، ولا بدل، ~~لا تقول: أخذت من الدراهم من الدنانير، وأما الآية ~~الكريمة: فإن المحذور فيه منتف، وذلك أنك إن جعلت " من " ~~الثانية للبيان، أو للتبعيض، فظاهر؛ لاختلاف معناهما؛ فإن الأولى ~~للابتداء، وإن جعلناها لابتداء الغاية، فهي وما بعدها بدل، والبدل يجوز ~~ذلك فيه، كما تقدم، ويجوز أن تتعلق " من " الأولى بمحذوف على ~~أنها حال؛ إما من الموصول نفسه، وهو " ما ms0860 " ، أو من ضميره المنصوب ~~ب " أنزل " ، أي: وما أنزل الله حال كونه كائنا من ~~السماء. # فصل في أن إنزال الماء من السماء آية دالة على وجود الصانع # قيل: أراد بالسماء السحاب؛ فإن كل ما علاك يسمى سماء، ~~ومنه قيل: سقف البيت سماؤه، وقيل: أراد السماء المعروفة، وأنه ~~ينزل من السماء إلى السحاب، ومن السحاب إلى الأرض، وفي دلالة إنزال ~~الماء من السماء على وجود الصانع: أن جسم الماء، وما قام به من ~~صفات الرقة، والرطوبة، واللطافة والعذوبة، وجعله سببا لحياة ~~الإنسان، ولأكثر [منافعه]، وسببا لرزقه، وكونه من السحاب معلقا في ~~جو السماء، وينزل عند التضرع، واحتياج الخلق إليه - مقدار ~~المنفعة، وسوقه إلى بلد ميت، فيحيي به - من الآيات العظيمة الدالة ~~على وجود الصانع المدبر القدير. # قوله تعالى: " فأحيا به " عطف " أحيا " على " أنزل " الذي ~~هو صلة بفاء التعقيب، دلالة على سرعة النبات، و " به " متعلق ب " ~~أحيا " والباء يجوز أن تكون للسبب، وأن تكون باء الإله، وكل هذا ~~مجاز؛ فإنه متعال عن ذلك، والضمير في " به " يعود على الموصول. # فصل في دلالة إحياء الأرض بعد موتها على وجود الصانع # اعلم أن " أحيا الأرض بعد موتها " يدل على وجود الصانع ~~من وجوه: # [فإن نفس الزرع وخروجه على هذا الحد ليس في مقدور أحد. # واختلاف ألوانه على وجه] [لا يحد، ولا يحصى]، واختلاف الطعوم ~~والروائح، مع كونه يسقى بماء واحد. # واستمرار العادة بذلك في أوقات مخصوصة، فإن ظهور النبات من الكلأ، ~~والعشب، وغيرهما، لولاه ما عاش دواب الأرض، ولما حصلت أقوات العباد ~~[وملابسهم]. # وهذا لا بد له من [مدبر]، حكيم، قادر. # ووصف الأرض بالحياة بعد الموت مجاز؛ لأن الحياة لا تصح إلا على ~~من يدرك، ويصح أن يعلم، وكذلك الموت؛ إلا أن الجسم، إذا صار حيا، ~~حصل فيه أنواع من الحسن، والنضرة، [والبهاء]، والنماء، فكذلك ~~الأرض، لما حصل لها سبب النبات، حسن، ونضرة، ونور، ورونق، وذلك لشبهه ~~[بالحياة]، وموتها [يبسها، وجدبها]، وهذا مجاز أيضا؛ لشبهة بالموت. # قوله تعالى: " وبث فيها " يجوز في ms0861 " بث " وجهان: # أظهرهما: أنهما عطف على " أنزل " داخل تحت حكم الصلة؛ لأن ~~قوله " فأحيا " عطف على " أنزل " فاتصل به، وصارا جميعا ~~كالشيء الواحد، وكأنه قيل: " وما أنزل في الأرض من ماء، ~~وبث فيها من كل دابة؛ لأنهم ينمون بالخصب، ويعيشون ~~بالحيا ": قاله الزمخشري. # والثاني: أنه عطف على " أحيا ". # واستشكل أبو حيان عطفه [عليها؛ لأنها صلة للموصول، فلا بد من ~~ضمير يرجع من هذه الجملة إليه، وليس ثم ضمير في اللفظ]؛ لأن " فيها ~~" يعود على الأرض، فبقي أن يكون محذوفا، تقديره: وبث به فيها، ولكن ~~لا يجوز حذف الضمير المجرور بحرف إلا بشروط: # أن يكون الموصول مجرورا بمثل ذلك الحرف. # وأن يتحد متعلقهما. # وألا يحصر الضمير. # وأن يتعين للربط. # وألا يكون الجار قائما مقام مرفوع. # والموصول هنا غير مجرور ألبتة، ولما استشكل هذا بما ذكر، خرج ~~الآية على حذف موصول اسمي؛ قال: وهو جائز شائع في كلامهم، وإن كان ~~البصريون لا يجيزونه؛ وأنشد شاهدا عليه: [الخفيف] # 866 - ما الذي دأبه احتياط وحزم # وهواه أطاع يستويان # أي: والذي أطاع؛ وقوله: [الوافر] # 867 - أمن يهجو رسول الله منكم # ويمدحه وينصره سواء # أي: ومن [يمدحه] وينصره. # وقوله: [الطويل] # 868 - فوالله، ما نلتم وما نيل منكم # بمعتدل وفق ولا متقارب # أي: " ما الذي نلتم " ، وقوله تعالى: # وقولوا ءامنا بالذي أنزل إلينا وأنزل ~~إليكم # [العنكبوت: 46]؛ [أي: وبالذي أنزل إليكم]؛ ليطابق قوله: # والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي ~~أنزل من قبل # [النساء: 136]، ثم قال: وقد يتمشى التقدير الأول - يعني: جواز الحذف ~~- وإن لم يوجد شرطه. قال: وقد جاء ذلك في أشعارهم؛ وأنشد: [الطويل] # 869 - وإن لساني شهدة يشتفى بها # وهو على من صبه الله علقم # أي: علقم عليه، وقوله: [الطويل] # 870 - لعل الذي أصعدتني أن يردني # إلى الأرض إن لم يقدر الخير قادره # أي: أصعدتني به. # [قوله تعالى: " من كل دابة " يجوز في " كل " ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون في موضع المفعول به]، وتكون " من " تبعيضية. # الثاني: [أن تكون " من " زائدة على مذهب الأخفش، و " كل ms0862 دابة ~~" مفعول به ل " بث " أيضا. # والثالث]: أن يكون في محل نصب على الحال من مفعول " بث " المحذوف، ~~إذا قلنا: إن ثم موصولا محذوفا، تقديره: وما بث حال كونه ~~كائنا من كل دابة؛ وفي " من " حينئذ وجهان: # أحدهما: { أن تكون للبيان. # والثاني]: أن تكون للتبعيض. # وقال أبو البقاء رحمه الله: ومفعول " بث " محذوف، تقديره: { ~~وبث فيها دواب من كل دآبة } وظاهر هذا أن " من ~~كل دابة ": صفة لذلك المحذوف، { وهو تقدير لا طائل تحته]. # والبث: نشر وتفريق. # قال: [الطويل] # 871 -..................... # وفي الأرض مبثوثا شجاع وعقرب # ومضارعه: يبث، بضم العين، وهو قياس المضاعف [المتعدي]، ~~وقد جاء الكسر في أليفاظ؛ قالوا: " نم الحديث ينمه " ~~بالوجهين. # والدابة: اسم لكل حيوان، وزعم بعضهم إخراج الطير منه، ~~ورد [عليه] بقول علقمة: [الطويل] # 872 - كأنهم صابت عليهم سحابة # صواعقها لطيرهن دبيب # وبقول الأعشى: [الطويل] # 873 -...................... # دبيب قطا البطحاء في كل منهل # وبقوله سبحانه: # والله خلق كل دآبة # [النور: 45] ثم فصل: بمن يمشي على رجلين، وهو الإنسان والطير. # فصل في أن حدوث الدواب دليل على وجود الصانع # اعلم أن حدوث الحيوانات قد يكون بالتوليد، وقد يكون بالتوالد: # وعلى التقديرين: فلا بد فيهما من [الافتقار إلى] الصانع الحكيم؛ ~~يروى أن رجلا قال عند عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: ~~إني لأتعجب من أمر الشطرنج، فإن رقعته ذراع ~~في ذراع، وإنه لو لعب الإنسان ألف ألف مرة، ~~فإنه لا يتفق مرتان على وجه واحد، فقال عمر بن الخطاب - ~~رضي الله تعالى عنه وعن الصحابة أجمعين -: ههنا ما هو أعجب منه، وهو ~~أن مقدار الوجه شبر [في شبر]، ثم إن موضع الأعضاء التي فيه؛ ~~كالحاجبين، والعينين، والأنف، [والفم]، لا يتغير ألبتة، ثم إنك لا ~~ترى شخصين في الشرق والغرب يشتبهان في الصورة، وكذا اللون، ~~والألسنة، والطباع، والأمزجة، والصوت، والكثافة، واللطافة، ~~والرقة، والغلظ، والطول، والقصر، وبقية الأعضاء، والبلادة، ~~والفطنة، فما أعظم تلك المقدرة والحكمة التي أظهرت في هذه الرقعة ~~الصغيرة هذه الاختلافات التي لا حد لها! # وروي عن علي بن أبي ms0863 طالب - رضي الله تعالى عنه - [أنه قال]: " ~~سبحان من أبصر بشحم، وأسمع بعظم، وأنطق بلحم ~~". # واعلم أن أهل الطبائع؛ قالوا: أعلى العناصر يجب أن يكون هو ~~النار؛ لأنها حارة يابسة، ودونها في اللطافة: الهواء، وهو حار ~~رطب، ودونها: الماء؛ لأنه بارد رطب، والأرض لا بد أن تكون تحت ~~الكل؛ لثقلها، وكثافتها، [ويبسها]، ثم إنهم قلبوا هذه القضية ~~في [تركيب] بدن الإنسان؛ لأن أعلى الأعضاء منه عظم القحف، والعظم وهو ~~بارد يابس، فطبيعته على طبيعة الأرض، وتحته الدماغ، وهو بارد رطب ~~على طبع الماء، وتحته النفس، وهو حار رطب على طبع الهواء، وتحت ~~الكل: القلب، وهو حار يابس على طبع النار، فسبحان من [بيده قلب] ~~الطبائع، وترتيبها كيف يشاء، وتركيبها كيف أراد. # ومن هذا الباب: أن كل صانع يأتي بنقش لطيف، فإنه يصونه عن ~~التراب؛ لئلا يكدره، وعن النار؛ لئلا تحرقه، وعن الهواء؛ لئلا ~~يغيره، وعن الماء؛ لئلا تذهب به، ثم إنه سبحانه وتعالى وضع نقش خلقته ~~على هذه الأشياء؛ فقال تعالى: # إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من ~~تراب # [آل عمران: 59]، وقال في النار # وخلق الجآن من مارج من نار # [الرحمن: 15] وقال تعالى # فنفخنا فيها من روحنا # [الأنبياء: 91] وقال تعالى في الماء: # وجعلنا من المآء كل شيء حي # [الأنبياء: 30]؛ وهذا يدل على أن صنعه بخلاف صنع كل أحد؛ وأيضا: ~~انظر إلى الطفل بعد انفصاله من أمه، لو وضعت على فمه وأنفه ثوبا ~~[فانقطع نفسه]، لمات في الحال، ثم إنه بقي في الرحم ~~المنطبق مدة [مديدة]، مع تعذر النفس هناك، ولم يمت، [ثم ~~إنه] بعد الانفصال يكون من أضعف الأشياء، وأبعدها عن الفهم؛ بحيث لا ~~يميز بين الماء والنار، وبين الأم وغيرها، وبعد استكماله يصير أكمل ~~الحيوانات في الفهم والعقل والإدراك، ليعلم أن ذلك من عظمة القادر ~~الحكيم، هذا بعض ما في الإنسان. # وأما الكلام على بقية الحيوان، فبحر لا ساحل له. # قوله تعالى: " وتصريف الرياح ": " تصريف ": مصدر " ~~صرف " ، وهو الرد والتقليب، ويجوز أن يكون مضافا للفاعل، ~~والمفعول محذوف، ms0864 تقديره: [وتصريف الرياح السحاب فإنها تسوق ~~السحاب، وأن يكون مضافا للمفعول، والفاعل محذوف، أي:] وتصريف الله ~~الرياح، والرياح: جمع " ريح " ، جمع تكسير، وياء الريح، ~~والرياح عن واو، والأصل " روح "؛ لأنه من: راح يروح، وإنما ~~قلبت في " ريح "؛ لسكونها، وانكسار ما قبلها، وفي " رياح "؛ ~~لأنها عين [في جمع] بعد كسرة، وبعدها ألف، وهي ساكنة في المفرد، ~~وهي إبدال مطرد؛ ولذلك لما زال موجب [قلبها، رجعت إلى أصلها]؛ ~~فقالوا: أرواح؛ قال: [الطويل] # 874 - أربت بها الأرواح كل عشية # فلم يبق إلا آل خيم منضد # ومثله: [الوافر] # 875 - لبيت تخفق الأرواح فيه # أحب إلي من قصر منيف # فصل في لحن من قال: الأرياح # وقد لحن عمارة بن بلال، فقال " الأرياح " في شعره، فقال ~~له أبو حاتم: " إن الأرياح لا تجوز " فقال له عمارة: ألا ~~تسمع قولهم: رياح؟ فقال أبو حاتم: هذا خلاف ذلك، فقال: صدقت، ~~ورجع. # قال أبو حيان: وفي محفوطي قديما؛ أن " الأرياح " جاء في شعر ~~بعض فصحاء العرب المستشهد بكلامهم، كأنهم بنوه على المفرد، ~~وإن كانت علة القلب مفقودة في الجمع، كما قالوا: " عيد وأعياد " ~~والأصل " أعواد "؛ لأنه من: " عاد يعود " ، لكنه لما ترك ~~البدل، جعل كالحرف الأصلي. # قال شهاب الدين: ويؤيد ما قاله الشيخ أن التزامهم " الياء ~~" في " الأرياح "؛ لأجل اللبس [بينه، وبين " أرواح " جمع " روح ~~" ، كما قالوا: التزمت الياء في " أعياد "؛ فرقا] بينه وبين " ~~أعواد " جمع عود الحطب؛ كما قالوا في التصغير: " عييد " دون " ~~عويد "؛ وعللوه باللبس المذكور. # وقال أبو علي: [يجمع] في القليل " أرواح " وفي الكثير " رياح ". # قال ابن الخطيب وابن عطية: " وجاءت في القرآن مجموعة مع الرحمة، ~~مفردة مع العذاب، إلا في قوله تعالى: # وجرين بهم بريح طيبة # [يونس: 22] وهذا أغلب وقوعها في الكلام، وفي الحديث: # " اللهم اجعلها رياحا، ولا تجعلها ريحا " # ؛ لأن ريح العذاب شديدة ملتئمة الأجزاء، كأنها جسم ~~واحد، وريح الرحمة لينة متقطعة، وإنما أفردت مع ~~الفلك - يعني في يونس - لأنها لإجراء السفن، وهي واحدة ~~متصلة؛ ثم وصفت بالطيبة، فزال الاشتراك بينها، وبين ريح ~~العذاب ms0865 ". انتهى. # ورد بعضهم هذا؛ باختلاف القراء في اثني عشر موضعا في القرآن، ~~وهذا لا يرده لأن من جمع في الرحمة، فقد أتى بالأصل المشار ~~إليه، ومن أفرد في الرحمة، فقد أراد الجنس، [وأما الجمع في العذاب، فلم ~~يأت أصلا]، وإما الإفراد فإن وصف، كما في يونس من قوله: " بريح ~~طيبة " فإنه مزيل للبس، وإن أطلق، كان للعذاب، كما في ~~الحديث، وقد تختص اللفظة في القرآن بشيء، فيكون أمارة له، فمن ذلك: ~~ان عامة ما في القرآن من قوله: # يدريك # [الشورى: 17] مبهم غير مبين، قال تعالى: # وما يدريك لعل الساعة قريب # [الشورى: 17] وما كان من لفظ " أدراك " فإنه مفسر؛ كقوله تعالى: # ومآ أدراك ما هيه نار حامية # [القارعة: 10 - 11]. # وقرأ حمزة، والكسائي هنا " الريح " بالإفراد، والباقون بالجمع، ~~فالجمع لاختلاف أنواعها: جنوبا ودبورا وصبا وغير ذلك، وإفرادها ~~على إرادة الجنس، وكل ريح في القرآن ليس فيها ألف ولام، اتفق ~~القراء على توحيدها، وما فيها ألف ولام، اختلفوا في جمعها، وتوحيدها، ~~إلا الريح العقيم في سورة الذاريات[41]، اتفقوا على توحيدها، ~~والحرف الأول من سورة الروم # الرياح مبشرات # [الروم: 46] اتفقوا على جمعها، والرياح: تذكر، تؤنث. # فصل في بيان تصريف الرياح # وأما تصريفها: فإنها تصرف إلى الشمال والجنوب والقبول ~~والدبور، وما بين كل واحد من هذه المهاب، فهي نكباء، وقيل في ~~تصريفها: إنها تارة تكون لينة، وتارة تكون عاصفة، [وتارة حارة]، ~~وتارة باردة. # قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -: أعظم جنود الله تعالى ~~الريح، والماء، وسميت الريح ريحا؛ لأنها تريح النفوس. # قال القاضي شريح: ما هبت ريح إلا لشفاء سقيم، ولسقم صحيح. ~~والبشارة في ثلاث من الرياح، في الصبا، والشمال، والجنوب، وأما ~~الدبور، فهي: الريح العقيم، لا بشارة فيها. # وقيل: الرياح ثمانية: أربعة للرحمة: المبشرات، والناشرات، ~~والذاريات، والمرسلات، وأربعة للعذاب: العقيم، والصرصر في البر، ~~والعاصف والقاصف في البحر. # روى أبو هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم [وشرف، وكرم، ومجد، وبجل، وعظم:] # " الريح من روح الله عز وجل ms0866 ". # قال أبو سلمة - رضي الله تعالى عنه-: فروح الله سبحانه وتعالى] تأتي ~~بالرحمة، وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها فلا تسبوها واسألوا الله من ~~خيرها، واستعيذوا بالله من شرها. # قال ابن الأعرابي: النسيم أول هبوب الريح. # فصل في بيان دلالة الآية على الوحدانية # فأما وجه الاستدلال بها على وحدانية الله تعالى الصانع، فإنه ~~صرفها على وجوه النفع العظيم في الحيوان، فإنها مادة النفس ~~الذي لو انقطع ساعة في الحيوان، لمات. # قيل: إن كل ما كانت الحاجة إليه أشد، كان وجدانه أسهل، ولما كان ~~احتياج الإنسان إلى الهواء أعظم الحاجات؛ حتى لو انقطع عنه لحظة، لمات؛ ~~لا جرم كان وجدانه أسهل من وجدان كل شيء. # وبعد الهواء الماء؛ لأن الحاجة إلى الماء أيضا شديدة؛ فلا جرم أيضا ~~سهل وجدان الماء، ولكن وجدان الهواء أسهل؛ لأن الماء لا بد من ~~تكلف الاغتراف، بخلاف الهواء؛ فإن الآلات المهيئة لجذبه حاضرة ~~أبدا. # ثم بعد الماء: الحاجة إلى الطعام شديدة، ولكن دون الحاجة إلى الماء؛ ~~فلا جرم كان تحصيل الطعام أصعب من تحصيل الماء؛ لأنه يحتاج إلى ~~تكلف أكثر، والمعاجين والأدوية تقل الحاجة إليها؛ فلا جرم عسرت ~~وقلت، ولما عظمت الحاجة إلى رحمة الله تعالى، نرجو أن يكون وجدانها ~~أسهل من وجدان كل شيء، ولولا تحرك الرياح، لما جرت الفلك، وذلك ~~مما لا يقدر عليه أحد إلا الله تعالى، فلو أراد كل من في العالم ~~ان يقلب الرياح من الشمال إلى الجنوب، او إذا كان الهواء ساكنا، أن ~~يحركه، لم يقدر على ذلك. # قوله تعالى: " والسحاب " اسم جنس، واحدته " سحابة " [سمي ~~بذلك]؛ لانسحابه في الهواء؛ كما قيل له " حبا " لأنه يحبو، ذكره أبو ~~علي. # قال القرطبي: ويقال: سحبت ذيلي سحبا، وتسحب فلان ~~على فلان؛ والسحب شدة الأكل والشرب؛ وباعتبار كونه اسم جنس، ~~وصفه بوصف الواحد المنكر في قوله: " المسخر " كقوله: # أعجاز نخل منقعر # [القمر: 20] ولما اعتبر معناه تارة أخرى، وصفه بما يوصف به الجمع في ~~قوله: " سحابا ثقالا " ويجوز أن يوصف بما توصف به المؤنثة ~~الواحدة؛ كقوله: ms0867 # أعجاز نخل خاوية # [الحاقة: 7] وهكذا: كل اسم جنس فيه لغتان: التذكير باعتبار اللفظ، ~~والتأنيث باعتبار المعنى. # والتسخير: التذليل، وجعل الشيء داخلا تحت الطوع، وقال الراغب: ~~هو القهر على الفعل، وهو أبلغ من الإكراه. # قوله تعالى: { بين السماء والأرض } في " بين " قولان: # أحدهما: أنه منصوب بقوله: " المسخر " فيكون ظرفا للتسخير. # والثاني: أن يكون حالا من الضمير المستتر [في اسم المفعول]؛ فيتعلق ~~بمحذوف، أي: كائنا بين السماء والأرض، و " لآيات " اسم " إن " ، ~~والجار خبر مقدم، ودخلت اللام على الاسم؛ لتأخره عن الخبر، ولو ~~كان موضعه، لما جاز ذلك فيه. # وقوله: " لقوم ": في محل نصب، لأنه صفة ل " آيات " ، ~~فيتعلق بمحذوف، وقوله: " يعقلون ": الجملة في محل جر؛ لأنها ~~صفة ل " قوم " ، والله أعلم. # فصل في تفسير " السحاب " روى ابن عباس عن كعب الأحبار - رضي الله ~~عنه - قال: " السحاب غربال المطر، لولا السحاب حين ~~ينزل الماء من السماء، لأفسد ما يقع عليه من ~~الأرض ". # وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: سمعت كعبا، يقول: إن ~~الأرض تنبت العام نباتا، وتنبت نباتا عاما قابلا ~~غيره، وسمعته يقول: إن البذر ينزل من السماء ~~مع المطر، فيخرج في الأرض. # فصل في الاستدلال بتسخير السحاب على وحدانية الله # في الاستدلال بتسخير السحاب على وحدانية الصانع: أن طبع الماء ~~ثقيل يقتضي النزول فكان بقاؤه في جو الهواء على خلاف الطبع، فلا ~~بد من قادر قاهر، يقهر على ذلك، فلذلك سماه بالمسخر، وأيضا: ~~فإنه لو دام، لعظم ضرره من حيث إنه يستر ضوء الشمس، ويكثر ~~[الأمطار، والابتلال]، ولو انقطع، لعظم ضرره؛ لأنه يفضي إلى القحط وعدم ~~العشب، والزراعة؛ فكان تقديره بالمقدار المعلوم الذي يأتي في وقت الحاجة، ~~ويزول عند زوال الحاجة بتقدير مقدر قاهر أيضا؛ فإنه لا يقف في ~~موضع معين، بل الله تعالى يسيره بواسطة تحريك الرياح إلى حيث شاء ~~وأراد، وذلك هو التسخير. # روى مسلم عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " بينما رجل بفلاة من الأرض، فسمع صوتا من ~~سحابة: ms0868 اسق حديقة فلان، فتنحى ذلك السحاب، فأفرغ ~~ماءه في جرة، فإذا بشرجة من تلك الشراج، وقد استوعبت ذلك الماء ~~كله، فتتبع الماء، فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته، ~~فقال له: يا عبد الله، ما اسمك؟ قال: فلان؛ للاسم الذي سمع من السحاب، ~~فقال له: يا عبد الله، لم تسألني عن اسمي؟ فقال: إني سمعت صوتا من ~~السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان لاسمك، فماذا تصنع؟ قال: ~~أما إذا قلت هذا، فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه، وآكل ~~أنا وعيالي ثلثا وأرد فيها ثلثه. " # وفي رواية: # " وأجعل ثلثه للمساكين، والسائلين، وابن السبيل " # قوله: " يعقلون " ، أي: يعلمون لهذه الأشياء خالقا وصانعا. # قال القاضي: دلت الآية على أنه لو كان الحق يدرك بالتقليد، واتباع ~~الآباء، والجري على الإلف والعادة، لما صح قوله: { لآيات لقوم ~~يعقلون } ، وأيضا: لو كانت المعارف ضرورية، وحاصلة بالإلهام، ~~لما صح وصف هذه الأمور بأنها آيات؛ لأن المعلوم بالضرورة لا ~~يحتاج في معرفته إلى الآيات. # قال وهب بن منبه: ثلاثة لا يدرى من أين يجيء: الرعد، ~~والبرق، والسحاب. ### || [2.165] # اعلم: أنه، سبحانه وتعالى، لما قرر التوحيد بالدلائل العقلية ~~القاطعة، أردفه بتقبيح ما يضاده؛ لأن تقبيح ضد الشيء مما يوكد حسن ~~الشيء. # قال الشاعر: [الكامل] # 876 -..................... # وبضدها تتبين الأشياء # وقالوا أيضا: النعمة مجهولة، فإذا فقدت عرفت، والناس لا يعرفون ~~قدر الصحة، فإذا مرضوا، ثم عادت الصحة إليهم، عرفوا قدرها، وكذا ~~القول في جميع النعم، فلهذا السبب أردف الله تبارك وتعالى هذه الآية ~~الدالة على التوحيد بهذه الآية الكريمة. # قوله تعالى: " من يتخذ " " من ": في محل رفع بالابتداء، ~~وخبره الجار قبله، ويجوز فيها وجهان: # أحدهما: أن تكون موصولة. # والثاني: أن تكون موصوفة. # فعلى الأول: لا محل للجملة بعدها. وعلى الثاني: محلها الرفع، ~~أي: فريق، أو شخص متخذ، وأفرد الضمير في " يتخذ "؛ حملا على ~~لفظ " من " و " يتخذ ": يفتعل، من " الأخذ " ، وهي متعدية إلى ~~واحد، وهو " أندادا ". # قوله تعالى: " من دون الله ": متعلق ب " يتخد " ، ~~والمراد ب ms0869 " دون " [هنا " غير " ]، وأصلها إذا قلت: " اتخذت ~~من دونك صديقا " ، أصله: اتخذت من جهة ومكان دون جهتك، ومكانك ~~صديقا، فهو ظرف مجازي، وأذا كان المكان المتخذ منه الصديق مكانك ~~وجهتك منحطة عنه، ودونه؛ لزم أن يكون غيرا؛ [لأنه ليس إياه، ثم ~~حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، مع كونه غيرا]، فصارت دلالته ~~على الغيرية بهذا الطريق، لا بطريق الوضع لغة، وتقدم تقرير شيء من ~~هذا أول السورة. # فصل في اختلافهم في المراد بالأنداد # اختلفوا في " الأنداد " ، فقال أكثر المفسرين: هي الأوثان التي ~~اتخذوها آلهة، ورجوا من عندها النفع والضر، وقصدوها بالمسائل، ~~وقربوا لها القرابين؛ فعلى هذا: الأصنام بعضها لبعض أنداد أي أمثال، ~~والمعنى: أنها أنداد لله تعالى؛ بحسب ظنونهم الفاسدة. # وقال السدي: إنها السادة الذين كانوا يطيعونهم، فيحلون ~~لمكان طاعتهم في أنهم يحلون ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله؛ ~~ويدل على هذا القول وجوه: # الأول: ضمير العقلاء في " يحبونهم ". # والثاني: يبعد أنهم كانوا يحبون الأصنام كحب الله تعالى، مع علمهم ~~بأنها لا تضر، ولا تنفع. # الثالث: قوله بعد هذه الآية: # إذ تبرأ الذين اتبعوا # [البقرة: 166]؛ وذلك لا يليق إلا بالعقلاء. # وقال الصوفية: كل شيء شغلت قلبك به سوى الله تعالى، فقد جعلته في ~~قلبك ندا لله تعالى؛ ويدل عليه قوله تبارك وتعالى: # أفرأيت من اتخذ إلهه هواه # [الجاثية: 23]. # قوله تعالى: " يحبونهم " في هذ الجلمة ثلاثة أوجه: # أحدها: أن تكون في محل رفع؛ صفة ل " من " في أحد وجهيها، والضمير ~~المرفوع يعود عليها؛ باعتبار المعنى، بعد باعتبار اللفظ في " يتخذ ~~". # والثاني: أن تكون في محل نصب؛ صفة ل " أندادا " ، والضمير ~~المنصوب يعود عليهم، والمراد بهم الأصنام؛ وإنما جمعوا جمع العقلاء؛ ~~[لمعاملتهم له معاملة العقلاء، أو يكون المراد بهم: من عبد من دون الله ~~من العقلاء] وغيرهم، ثم غلب العقلاء على غيرهم. # قال ابن كيسان، والزجاج: معناه: كحب الله، أي: يسوون ~~بين الأصنام وبين الله تبارك وتعالى في المحبة. # قال أبو إسحاق: وهذا القول الصحيح؛ ويدل عليه قوله: { والذين ~~ءامنوا أشد ms0870 حبا لله } نقله القرطبي. # الثالث: أن تكون في محل نصب على الحال من الضمير في " يتخذ " ، ~~والضمير المرفوع عائد على ما عاد عليه الضمير في " يتخذ " ، ~~وجمع حملا على المعنى؛ كما تقدم. # قال ابن الخطيب رحمه الله تعالى: في الآية حذف، أي: يحبون ~~عبادتهم، والانقياد إليهم. # قوله تعالى: " كحب الله " الكاف في محل نصب: إما نعتا لمصدر ~~محذوف، أي: يحبونهم حبا كحب الله، وأما على الحال من ~~المصدر المعرف؛ كما تقرر غير مرة، والحب: إرادة ما تاه ~~وتظنه خيرا، وأصله من: حببت فلانا: أصبت حبة قلبه؛ ~~نحو: كبدته، وأحببته: جعلت قلبي معرضا بأن يحبه، ~~لكن أكثر الاستعمال أن يقال: أحببته، فهو محبوب، ومحب ~~قليل؛ كقول القائل: [الكامل] # 877 - ولقد نزلت فلا تظني غيره # مني بمنزلة المحب المكرم # والحب في الأصل: مصدر " حبه " وكان قياسه فتح الحاء، ومضارعه ~~يحب بالضم، وهو قياس فعل المضعف، وشذ كسره، و " محبوب " أكثر ~~من " محب " ، و " محب " أكثر من " حاب " وقد جمع الحب؛ ~~لاختلاف أنواعه؛ قال: [الطويل] # 878 - ثلاثة أحباب فحب علاقة # وحب تملاق وحب هو القتل # والحب مصدر مضاف لمنصوبه، والفاعل محذوف، تقديره، كحبهم ~~الله أو كحب المؤمنين الله؛ بمعنى: أنهم سووا بين ~~الحبين: حب الأنداد، وحب الله. # وقال ابن عطية: " حب ": مصدر مضاف للمفعول في اللفظ، وهو في ~~التقدير مضاف للفاعل المضمر، يريد به: أن ذلك تقديره: كحبكم ~~الله أو كحبهم الله، حسبما قدر كل وجه منهما فرقة ~~انتهى. # وقوله: " للفاعل المضمر " يريد به أن ذلك الفاعل من جنس الضمائر، ~~وهو " كم " أو " هم " أو يسمى الحذف إضمارا وهو اصطلاح شائع ~~ولا يريد أن الفاعل مضمر في المصدر كما يضمر في الأفعال؛ لأن ~~هذا قول ضعيف لبعضهم؛ مردود بأن المصدر اسم جنس واسم الجنس لا ~~يضمر فيه لجموده. # وقال الزمخشري: " كحب الله " كتعظيم الله، والخضوع، أي: كما ~~يحب الله؛ عليه أنه مصدر مبني من المفعول، وإنما استغني عن ~~ذكر من يحبه؛ لأنه غير ملتبس انتهى. # أما جعله المصدر من المبني للمفعول، فهو أحد ms0871 ألأقوال الثلاثة؛ ~~أعني: الجواز مطلقا. # والثاني: المنع مطلقا: وهو الصحيح. # والثالث: [التفصيل بين الأفعال التي لم تستعمل إلا مبنية ~~للمفعول، فيجوز؛ نحو: عجبت من جنون] زيد بالعلم، ومنه الآية ~~الكريمة؛ فإن الغالب من " حب " أن يبنى للمفعول وبين غيرها، فلا ~~يجوز، واستدل من أجازه مطلقا بقول عائشة - رضي الله تعالى عنها ~~- نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرف، وكرم، ومجد، ~~وبجل وعظم - عن قتل الأبتر، وذوا الطفيتين برفع " ذو "؛ ~~عطفا على محل " الأبتر "؛ لأنه مفعول لم يسم فاعله تقديرا، أي ~~أن يقتل الأبتر، ولتقرير هذه الأقوال موضع غير هذا. # وقد رد الزجاج تقدير من قدر فاعل المصدر " المؤمنين " أو ~~ضميرهم. # وقال " ليس بشيء " والدليل على نقضه قوله بعد: { والذين ~~ءامنوا أشد حبا لله } ورجح أن يكون فاعل المصدر ضمير ~~المتخذين، أي: يحبون الأصنام، كما يحبون الله؛ لأنهم اشركوها مع ~~الله، فسووا بين الله تعالى، وبين أوثانهم في المحبة، وهذا الذي ~~قاله الزجاج واضح؛ لأن التسوية بين محبة الكفار لأوثانهم، ~~وبين محبة المؤمنين لله ينافي قوله { والذين ءامنوا ~~أشد حبا لله } فإن فيه نفي المساواة. وقرأ أبو رجاء: " ~~يحبونهم " بفتح الياء من " حب " ثلاثيا، و " أحب " أكثر، ~~وفي المثل: " من حب طب ". # فصل في المراد من قوله كحب الله # في قوله: كحب الله قولان: # الأول: كحبهم لله. # والثاني: كحب المؤمنين لله، وقد تقدم رد هذا القول. # فإن قيل: العاقل يستحيل أن يكون حبه للأوثان كحبه لله؛ وذلك لأنه ~~بضرورة العقل يعلم أن هذه الأوثان ينار لا تسمع، ولا تعقل، ~~وكانوا مقرين بأن لهذا العالم صانعا مدبرا حليما؛ كما قال ~~تعالى: # ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ~~ليقولن الله # [لقمان: 25] فمع هذا الاعتقاد، كيف يعقل أن يكون حبهم لتلك ~~الأوثان كحبهم لله تعالى، وقال تعالى؛ حكاية عنهم أنهم قالوا # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى # [الزمر: 3] فكيف يعقل الاستواء في الحب؟ # والجواب: كحب الله تعالى في الطاعة لها، والتعظيم، فالاستواء ~~في هذه المحبة لا ينافي ما ذكرتموه. # قوله تعالى: " أشد ms0872 حبا لله ": المفضل عليه محذوف وهم ~~المتخذون [الأنداد، أي: أشد حبا لله من المتخذين] ~~الأنداد لأوثانهم؛ وقال أبو البقاء: ما يتعلق به " أشد " محذوف، ~~تقديره: أشد حبا لله من حب هؤلاء للأنداد، والمعنى: أن ~~المؤمنين يحبون الله تعالى أكثر من محبة هؤلاء [أوثانهم، ويحتمل ~~أن يكون المعنى: أن المؤمنين يحبون الله تعالى أكثر مما يحبه ~~هؤلاء] المتخذون الأنداد؛ لأنهم لم يشركوا معه غيره، وأتى ب " ~~أشد " موصلا بها إلى أفعل التفضيل من مادة " الحب "؛ لأن ~~" حب " مبني للمفعول، والمبني للمفعول لا يتعجب منه، ولا يبنى ~~منه " أفعل " للتفضيل؛ فلذلك أتى بما يجوز فيه ذلك. # [فأما قوله: " ما أحبه إلي " فشاذ على خلاف في ذلك، و " ~~حبا " تمييز منقول من المبتدأ، تقديره: حبهم لله أشد]. # فصل في معنى قوله أشد حبا لله # معنى " أشد حبا لله " ، أي: أثبت وأدوم على حبه؛ ~~لأنهم لا يختارون على الله ما سواه، والمشركون إذا اتخذوا صنما، ~~ثم رأوا أحسن منه، طرحوا الأول، واختاروا الثاني قاله ابن عباس - ~~رضي الله عنهما-. # وقال قتادة: إن الكافر يعرض عن معبوده في وقت البلاء، ويقبل ~~على الله تعالى [كما أخبر الله تعالى عنهم، فقال: # فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له ~~الدين # [العنبكوت: 65] والمؤمن لا يعرض عن الله] في السراء ~~والضراء، والشدة والرخاء؛ وقال سعيد بن جبير: إن الله - ~~عز وجل - يأمر يوم القيامة من أحرق نفسه في الدنيا على رؤية ~~الأصنام: أن يدخلوا جهنم مع أصنامهم، فلا يدخلون؛ لعلمهم ~~أن عذاب جهنم على الدوام، ثم يقول للمؤمنين، وهم بين أيدي ~~الكفار: إن كنتم أحبائي فادخلوا جهنم فيقتحمون فيها، ~~فينادي مناد من تحت العرش { والذين ءامنوا أشد حبا ~~لله }. # وقيل: وإنما قال: { والذين ءامنوا أشد حبا لله }؛ ~~لأن الله تبارك تعالى أحبهم أولا، ثم أحبوه، ومن شهد له ~~المعبود بالمحبة، كانت محبته أتم؛ قال الله تعالى: " يحبهم ~~ويحبونه ". # فإن قيل: كيف يمكن أن تكون محبة المؤمن لله أشد مع أنا نرى ~~اليهود يأتون بطاعات شاقة، لا يأتي بمثلها ms0873 أحد من المؤمنين، ولا ~~يأتون بها إلا الله تعالى، ثم يقتلون أنفسهم حبا لله؟ والجواب من ~~وجوه: # أحدها: ما تقدم من قول ابن عباس، وقتادة، وسعيد بن جبير. # وثانيها: أن من أحب غيره رضي بقضائه، فلا يتصرف في ملكه، فأولئك ~~الجهال [قتلوا أنفسهم بغير إذنه، إنما المؤمنون الذي ~~يقتلون أنفسهم بإذنه، وذلك في الجهاد]. # وثالثها: أن الإنسان، إذا ابتلي بالعذاب الشديد لا يمكنه ~~الاشتغال بمعرفة الرب، فالذي فعلوه باطل. # ورابعها: أن المؤمنين يوحدون ربهم، فمحبتهم مجتمعة لواحد، ~~والكفار يعبدون مع الصنم أصناما، فتنقص محبة الواحد منهم، أما ~~الإله الواحد فتنضم محبة الجمع إليه. # قوله تعالى: { ولو يرى الذين ظلموا } جواب " لو " ~~محذوف، واختلف في تقديره، ولا يظهر ذلك إلا بعد ذكر القراءات الواردة ~~في ألفاظ هذه الآية الكريمة. قرأ عامر ونافع: " ولو ترى " بتاء ~~الخطاب، " أن القوة " و " أن الله " بفتحهما. # وقرأ ابن عامر: " إذ يرون " بضم الياء، والباقون بفتحها. # وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو والكوفيون: " ولو يرى " بياء الغيبة، ~~" أن القوة " ، " أن الله " بفتحهما. وقرأ الحسن، وقتادة ~~وشيبة، ويعقوب، وأبو جعفر: " ولو ترى " بتاء الخطاب، " أن ~~القوة " ، و " إن الله " بكسرهما. وقرا طائفة: " ولو يرى ~~" بياء الغيبة " إن القوة " و " إن الله " بكسرهما. إذا ~~تقرر ذلك، فقد اختلفوا في تقدير جواب " لو ". # فمنهم من قدره قبل قوله: " أن القوة " ومنهم من قدره ~~بعد قوله: { وأن الله شديد العذاب } هو قول أبي الحسن ~~الأخفش. [والمبرد. # أما من قدره قبل: " أن القوة " فيكون " أن القوة " ~~معمولا لذلك الجواب] وتقديره على قراءة " ترى " بالخطاب وفتح " أن ~~" و " أن ": " لعلمت، أيها السامع، أن القوة لله ~~جميعا " والمراد بهذا الخطاب: إما النبي - عليه الصلاة والسلام ~~- وإما: كل سامع، فيكون معناه: ولو ترى يا محمد، أو يا أيها ~~السامع، الذين ظلموا، يعني: أشركوا، في شدة العذاب لرأيت أمرا ~~عظيما [وقيل: معناه: قل، يا محمد، أيها الظالم، لو ترى الذين ~~ظلموا من شدة العذاب، لرأيت أمرا فظيعا]. # وعلى قراءة الكسر في " إن " يكون التقدير: لقلت إن ms0874 ~~القوة لله جميعا، والخلاف في المراد من الخطاب كما تقدم، ~~أو يكون التقدير: " لاستعظمت حالهم " ، وإنما كسرت " ~~إن "؛ لأن فيها معنى التعليل؛ نحو قولك: " لو قدمت على زيد، ~~لأحسن إليك؛ إنه مكرم للضيفان " فقولك: " إنه ~~مكرم للضيفان " علة لقولك: " أحسن إليك " وقال ابن ~~عطية: تقديره: " ولو ترى الذين في حال رؤيتهم العذاب ~~وفزعهم منه، واستعظامهم له، لأقروا أن القوة لله ~~جميعا ". # وناقشه أبو حيان، فقال: كان ينبغي أن يقول: " في وقت رؤيتهم ~~العذاب " فيأتي بمرادف " إذ " وهو الوقت لا الحال وأيضا: ~~فتقديره لجواب " لو " غير مرتب على ما يلي " لو "؛ لأن رؤية ~~السامع أو النبي - عليه الصلاة والسلام - الظالمين في وقت ~~رؤيتهم [لا يترتب عليها إقرارهم بأن القوة لله جميعا؛ وهو ~~نظير قولك: يا زيد، لو ترى عمرا في وقت] ضربه، ~~لأقر أن الله - تعالى - قادر عليه. فإقراره بقدرة اله ~~تعالى ليس مترتبا على رؤية زيد. انتهى. # وتقديره على قراءة " يرى " بالغيبة: " لعلموا أن القوة ~~لله " [إن كان فاعل " يرى ": الذين ظلموا، وإن كان ضميرا ~~يعود على السامع، فيقدر: " لعلم أن القوة " ] وأما ~~من قدره بعد قوله " شديد العذاب " ، فتقديره على قراءة " ترى ~~" بالخطاب: " لاستعظمت ما حل بهم " ويكون فتح أن على ~~أنه مفعول من أجله، أي: " لأن القوة لله جميعا " ~~وكسرها على معنى التعليل؛ نحو: " أكرم زيدا؛ إنه عالم، ~~وأهن عمرا؛ إنه جاهل " أو تكون جملة معترضة بين " لو " ~~وجوابها المحذوف، وتقديره؛ على قراءة " ولو يرى " بالغيبة، إن كان ~~فاعل " يرى " ضمير السامع: " لاستعظم ذلك " وإن كان ~~فاعله الذين، كان التقدير " لاستعظموا ما حل بهم " ~~ويكون فتح " أن " على أنها معمولة ل " يرى " على أن يكون ~~الفاعل " الذين ظلموا " والرؤية هنا تحتمل أن تكون من رؤية ~~القلب، فتسد " أن " مسد مفعوليها، وأن تكون من رؤية ~~البصر، فتكون في موضع مفعول واحد. # واما قراءة " يرى " [الذين] بالغيبة، وكسر " إن " و " ~~إن " فيكون الجواب قولا محذوفا، وكسرتا لوقوعهما بعد القول، ~~فتقديره على كون الفاعل ضمير الرأي، لقال: " إن القوة " ~~وعلى كونه ms0875 " الذين ": " لقالوا " ويكون مفعول " يرى " محذوفا، ~~أي: " لو يرى حالهم " ويحتمل أن يكون الجواب: " لاستعظم، ~~أو لاستعظموا " على حسب القولين: وقدر بعضهم: { من يتخذ من ~~دون الله أندادا } وإنما كسرتا؛ استئنافا، وحذف جواب " ~~لو " شائع مستفيض كثير في التنزيل، قال تبارك وتعالى: # ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت # [الأنعام: 93] # ولو أن قرءانا سيرت به الجبال # [الرعد: 31] ويقولون: " لو رأيت فلانا، والسياط تأخذ ~~منه " قالوا: وهذا الحذف أفخم وأشد في التخويف مما إذا عين له ~~ذلك الوعيد، ففائدة الحذف استعظامه وذهاب النفس كل مذهب فيه؛ ~~بخلاف ما لو ذكر فإن السامع يقصر همه عليه، وقد ورد في ~~أشعارهم ونثرهم حذفه كثيرا؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] # 879 - وجدك لو شيء أتانا رسوله # سواك ولكن لم نجد لك مدفعا # وقال النابغة: [الطويل] # 880 - فما كان بين الخير لو جاء سالما # أبوا حجر إلا ليال قلائل # ودخلت " إذ " ، وهي ظرف زمان ماض في أثناء هذه المستقبلات تقريبا ~~للأمر، وتصحيحا لوقوعه؛ كما وقعت صيغة المضي موضع المستقبل لذلك؛ ~~كقوله: # ونادى أصحاب الجنة # [الأعراف: 44]. وكما قال الأشتر: [الكامل] # 881 - بقيت وفري وانحرفت عن العلا # ولقيت أضيافي بوجه عبوس # إن لم أشن على ابن حرب غارة # لم تخل يوما من نهاب نفوس # فأوقع " بقيت " و " انحرفت " - وهما بصيغة المضي - موقع ~~المستقبل، لتعليقهما على مستقبل، وهو قوله: إن لم أشن ". # وجاء في التنزيل كثير من هذا الباب قال تبارك وتعالى: # ولو ترى إذ وقفوا على النار # [الأنعام: 27] # ولو ترى إذ فزعوا # [سبأ: 51] ولما كان وقوع الساعة قريبا، أجراه مجرى ما حصل ~~ووقع، من ذلك قول المؤذن: قد قامت الصلاة، يقوله قبل ~~إيقاع التحريم بالصلاة؛ لقرب ذلك. # وقيل: أوقع " إذ " موقع " إذا "؛ [وقيل: زمن الآخر متصل بزمن ~~الدنيا، فقام أحدهما مقام الآخر؛ لأن المجاور للشيء يقوم مقامه، ~~وهكذا كل موضع وقع مثل هذا، وهو في القرآن كثير]. # وقرأ ابن عامر " يرون العذاب " مبنيا للمفعول من " أريت " ~~المنقولة من " رأيت " بمعنى " أبصرت " فتعدت لاثنين: # أولهما: قام مقام الفاعل، وهو ms0876 الواو. # والثاني: هو العذاب. # وقراءة الباقين واضحة. # وقال الراغب: قوله: أن القوة " بدل من " الذين " قال: " وهو ~~ضعيف ". # قال أبو حيان رحمه الله - ويصير المعنى: " ولو ترى قوة ~~الله وقدرته على الذين ظلموا " وقال في المنتخب: قراءة ~~الياء عند بعضهم أولى من قراءة التاء؛ قال: " لأن النبي - عليه ~~الصلاة والسلام - والمؤمنين قد علموا قدر ما يشاهده ~~الكفار، وأما الكفار، فلم يعلموه؛ فوجب إسناد الفعل ~~إليهم " وهذا أمر مردود؛ فإن القراءتين متواترتان. # قوله تعالى: " جميعا " حال من الضمير المستكن في الجار ~~والمجرور، والواقع خبرا، لأن تقديره: " أن القوة كائنة لله ~~جميعا " ، ولا جائز أن يكون حالا من القوة؛ فإن العامل في ~~الحال، هو العامل في صاحبها، وأن لا تعمل في الحال، وهذا مشكل؛ ~~فإنهم أجازوا في " ليت " أن تعمل في الحال، وكذا " كأن "؛ لما فيها ~~من معنى الفعل - وهو التمني والتشبيه - فكان ينبغي أن يجوز ذلك في ~~" أن " لما فيها معنى التأكيد. # و " جميع " في الأصل: " فعيل " من الجمع، وكأنه اسم جمع؛ فلذلك ~~يتبع تارة بالمفرد؛ قال تعالى: # نحن جميع منتصر # [القمر: 44] وتارة بالجمع؛ قال تعالى: # وإن كل لما جميع لدينا محضرون # [يس: 32] وينتصب حالا، ويؤكد به؛ بمعنى: " كل " ويدل على الشمول؛ ~~كدلالة " كل " ، ولا دلالة له على الاجتماع في الزمان، تقول: " جاء ~~القوم جميعهم " لا يلزم أن يكون مجيئهم في زمن واحد، وقد ~~تقدم ذلك في الفرق بينها وبين " جاءوا معا ". ### || [2.166-167] # اعلم أنه لما بين حال من يتخذ من دون الله أندادا ~~بقوله: ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب على ~~طريق التهديد زاد في هذا الوعيد بهذه الآية الكريمة، وبين ~~أن الذين أفنوا عمرهم في عبادتهم، واعتقدوا أنهم سبب ~~نجاتهم، فإنهم يتبرءون منهم؛ ونظيره قوله تعالى: # يوم القيمة يكفر بعضكم ببعض # [العنكبوت: 25] وقوله - عز وجل سبحانه-: # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين # [الزخرف: 67] وقوله تعالى: # كلما دخلت أمة لعنت أختها # [الأعراف: 38] وقول إبليس لعنه الله # إني كفرت بمآ أشركتمون من قبل # [إبراهيم: 22]. # وهل هذا التبرؤ يقع منهم ms0877 بالقول، أو بظهور الندم على ما فرط ~~منهم من الكفر والإعراض؟ قولان: أظهرها الأول. # واختلفوا في هؤلاء المتبوعين، فقال قتادة، والربيع وعطاء: ~~السادة والرؤساء من مشركي الإنس إلا أنهم الذين يصح منهم ~~الأمر؛ والنهي؛ حتى يمكن أن يتبعوا # وقال السدي: هم شياطين الجن. # وقيل: شياطين الإنس والجن. # وقيل: الأوثان التي كانوا يسمونها بالآلهة؛ ويؤيد الأول ~~قوله تعالى: # إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا السبيلا # [الأحزاب: 67]. # قوله تعالى: " إذ تبرأ " في " إذ " ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها بدل من " إذ يرون ". # الثاني: أنها منصوبة بقوله: " شديد العذاب ". # الثالث - وهو أضعفها - أنها معمولة ل " اذكر " مقدرا، و " ~~تبرأ " في محل خفض بإضافة الظرف إليه، والتبرؤ: ~~الخلوص والانفصال، ومنه: " برئت من الدين " وتقدم تحقيق ~~ذلك عند قوله: # إلى بارئكم # [البقرة: 54] والجمهور على تقديم: " اتبعوا " مبنيا للمفعول على " ~~اتبعوا " مبنيا للفاعل. # وقرأ مجاهد بالعكس، وهما واضحتان، إلا أن قراءة الجمهور ~~واردة في القرآن أكثر. # قوله تعالى: " ورأوا العذاب " في هذه الجملة وجهان: # أظهرهما: أنها عطف على ما قبلها؛ فتكون داخلة في خبر ~~الظرف، تقديره: " إذ تبرأ الذين اتبعوا " ، و " إذ ~~رأوا ". # والثاني: أن الواو للحال، والجملة بعدها حالية، و " قد " معها ~~مضمرة، والعامل في هذه الحال، " تبرأ " أي: " تبرءوا " ~~في حال رؤيتهم العذاب. # قوله تعالى: " وتقطعت " يجوز أن تكون الواو للعطف، وأن تكون ~~للحال، وإذا كانت للعطف، فهل عطفت " تقطعت " على " تبرأ " ~~ويكون قوله: " ورأوا " حالا، وهو اختيار الزمخشري أو عطفت على " ~~رأوا "؟ وإذا كانت للحال، فهل هي حال ثانية ل " الذين " أو ~~حال للضمير في " رأوا " وتكون حالا متداخلة، إذا جعلنا " ~~ورأوا " حالا. # والباء في " بهم " فيها أربعة أوجه: # أحدها: أنها للحال، أي: تقطعت موصولة بهم الأسباب؛ نحو: " ~~خرج بثيابه ". # الثاني: أن تكون للتعدية، اي: قطعتهم الأسباب؛ كما ~~تقول: تفرقت بهم الطرق، أي: فرقتهم. # الثالث: أن تكون للسببية، أي: تقطعت [بسبب كفرهم الأسباب ~~التي كانوا يرجون بها النجاة]. # الرابع: أن تكون بمعنى " عن " [أي: تقطعت عنهم، كقوله # فاسأل به خبيرا # [الفرقان: 59]، أي: عنه] وكقول علقمة ms0878 في ذلك: [الطويل] # 882 - فإن تسألوني بالنساء فإنني # بصير بأدواء النساء طبيب # أي: عن النساء. # فصل في المراد ب " الأسباب " # والأسباب: الوصلات التي كانت بينهم، قاله مجاهد، وقتادة، ~~والربيع. # وقال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - وابن جريج: الأرحام ~~التي يتعاطفون بها؛ كقوله تعالى: # فلا أنساب بينهم يومئذ # [المؤمنون: 101]. # وقال ابن زيد، والسدي: الأعمال التي كانوا يلزمونها. # وقال ابن عباس: العهود والحلف التي كانت بينهم، ~~يتوادون عليها. # وقال الضحاك، والربيع بن أنس: المنازل التي كانت لهم في ~~الدنيا. # وقال السدي: الأعمال التي كانوا يلزمونها في الدنيا؛ كقوله ~~تبارك وتعالى: # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # [الفرقان: 23]. # وقيل: أسباب النجاة تقطعت عنهم. # قال ابن الخطيب - رضي الله عنه - والأظهر دخول الكل فيه ولأن ~~ذلك كالنفي، فيعم الكل؛ فكأنه قال: وزال كل سبب يمكن أن ~~يتعلق به، وأنهم لا ينتفعون بالأسباب على اختلافها من منزلة، ~~وسبب ونسب، وعهد، وعقد وذلك نهاية اليأس. # وهذه الأسباب مجاز فإن السبب في الأصل: الحبل؛ قالوا: ولا ~~يدعى الحبل سببا؛ حتى ينزل فيه ويصعد به، ومنه قوله تبارك ~~وتعالى: # فليمدد بسبب إلى السمآء # [الحج: 15] ثم أطلق على كل ما يتوصل به إلى شيء، عينا كان ~~أو معنى، وقيل للطريق: سبب؛ لأنك بسلوكه تصل إلى الموضع ~~الذي تريده؛ قال تعالى: # فأتبع سببا # [الكهف: 85] أي: طريقا، وأسباب السموات: أبوابها؛ قال تعالى ~~مخبرا عن فرعون: # لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات # [غافر: 36 - 37] وقد تطلق الأسباب على الحوادث؛ قال زهير: ~~[الطويل] # 883 - ومن هاب أسباب المنايا ينلنه # ولو نال أسباب السماء بسلم # وقد يطلق السبب على العلم؛ قال سبحانه وتعالى: # من كل شيء سببا # [الكهف: 84]، أي؛ علما، وقد وجد هنا نوع من أنواع البديع، وهو ~~الترصيع، وهو عبارة عن تسجيع الكلام، وهو هنا في موضعين. # أحدهما: { اتبعوا من الذين اتبعوا }؛ ولذلك حذف عائد ~~الموصول الأول، فلم يقل { من الذين اتبعوهم }؛ لفوات ~~ذلك. # والثاني: { ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب } ~~، وكقوله # ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه # [البقرة: 276]. # قوله تعالى: ms0879 { وقال الذين اتبعوا } ، يعني: الأتباع: { ~~لو أن لنا كرة } أي: رجعة إلى الدنيا، والكرة: العودة، ~~وفعلها كر يكر كرا؛ قال القائل في ذلك: [الوافر] # 884 - أكر على الكتيبة لا أبالي # أفيها كان حتفي أم سواها # قوله تعالى: " فتبرأ منهم " منصوب بعد الفاء ب " أن " ~~مضمرة في جواب التمني الذي أشربته " لو " ولذلك أجيبت بجواب ~~" ليت " الذي في قوله: # يليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما # [النساء: 73] وإذا أشربت معنى التمني، فهل هي الامتناعية ~~المفتقرة إلى جواب، أم لا تحتاج إلى جواب. # الصحيح: أنها تحتاج إلى جواب، وهو مقدر في الآية الكريمة تقديره ~~تبرأنا ونحو ذلك، وأما من قال بأن " لو " التي للتمني ~~لا جواب لها؛ فاستدل بقول الشاعر: [الوافر] # 885 - ولو نبش المقابر عن كليب # فيخبر بالذنائب أي زير # وهذا لا يدل فإن جوابها في البيت بعده، وهو قوله [الوافر] # 886 - بيوم الشعثمين، لقر عينا # وكيف لقاء من تحت القبور # واستدل أيضا بأن " أن " تفتح بعد " لو "؛ كما تفتح بعد ~~ليت في قوله [الرجز] # 887 - يا ليت أنا ضمنا سفينه # حتى يعود البحر كينونه # وها هنا فائدة ينبغي أن ينتبه لها، وهي: أن النحاة قالوا: ~~كل موضع نصب فيه المضارع بإضمار " أن " بعد الفاء [إذا سقطت ~~الفاء، جزم إلا في النفس، ينبغي أن يزاد هذا الموضع أيضا؛ فيقال: ~~و " إلا " في جواب التمني ب " لو "؛ فإنه ينصب المضارع فيه ~~بإضمار " أن " بعد الفاء الواقعة جوابا له، ومع ذلك، لو سقطت هذه ~~الفاء] لم يجزم. # قال أبو حيان والسبب في ذلك: أنها محمولة على حرف ~~التمني، وهو " ليت " والجزم في جواب " ليت " إنما هو لتضمنها ~~معنى الشرط، أو لدلالتها على كونه محذوفا على اختلاف القولين؛ ~~فصارت " لو " فرع الفرع، فضعف ذلك فيها. # وقيل: " لو " في هذه الآية الكريمة ونظائرها لما كان سيقع ~~لوقوع غيره، وليس فيها معنى التمني، والفعل منصوب ب " أن " ~~مضمرة؛ على تأويل عطف اسم على اسم، وهو " كرة " والتقدير: " ~~لو أن لنا كرة، فنتبرأ " فهو من باب قوله: [الوافر] ms0880 # 888 - للبس عباءة وتقر عيني # ........................... # ويكون جواب " لو " محذوفا أيضا؛ كما تقدم. # وقال أبو البقاء رحمه الله تعالى: " فنتبرأ " منصوب بإضمار " ~~أن " ، تقديره: { لو أن لنا أن نرجع فنتبرأ } فحل ~~" كرة " إلى قوله: " أن نرجع "؛ لأنه بمعناه، وهو قريب، إلا ~~أن النحاة يأولون الفعل المنصوب بمصدر؛ ليعطفوه على الاسم قبله، ~~ويتركون الاسم على حاله؛ وذلك لأنه قد يكون اسما صريحا غير ~~مصدر؛ نحو " لولا زيد ويخرج، لأكرمتك " فلا يتأتى ~~تأويله بحرف مصدري وفعل. # قوله تعالى: " كما " الكاف في موضعها نصب: إما على كونها نعت ~~مصدر محذوف، أي: " تبرؤا " وإما على الحال من ضمير المصدر ~~المعرف المحذوف أي " نتبرأه، أي: التبرؤ، مشابها ~~لتبرئهم "؛ كما تقرر غير مرة. # وقال ابن عطية: الكاف في قوله: " كما " في موضع نصب على النعت: ~~إما لمصدر: أو لحال، تقديره: متبرئين، كما قال أبو حيان. ~~أما قوله " لحال " تقديره: " متبرئين كما " فغير واضح، ~~لأن " ما " مصدرية، فصارت الكاف الداخلة عليها من صفات الأفعال و " ~~متبرئين ": من صفات الأعيان، فكيف يوصف بصفات الأفعال. # قال: وأيضا لا حاجة لتقدير هذه الحال، لأنها إذ ذاك تكون حالا ~~مؤكدة، وهي خلاف الأصل، وأيضا: فالمؤكد ينافيه الحذف؛ لأن ~~التوكيد يقويه، فالحذف يناقضه. # فصل في معنى التبرؤ # قال ابن الخطيب - رحمه الله - قولهم: { لو أن لنا كرة ~~فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا } ذلك تمن منهم ~~للرجعة إلى الدنيا، وإلى حال التكليف، ويكون الاختيار لهم؛ حتى ~~يتبرءوا منهم في الدنيا، كما تبرءوا يوم القيامة منهم ومفهوم ~~الكلام: أنهم تمنوا لهم في الدنيا ما يقارب العذاب، ~~فيتبرءون منهم، ولا يخلصونهم، كما فعلوا بهم يوم القيامة، وتقديره: ~~فلو أن لنا كرة فنتبرأ منهم، وقد دهمهم مثل هذا الخطب، ~~كما تبرءوا منا، والحال هذه؛ لأنهم إن تمنوا التبرؤ منهم، ~~مع سلامة، فأي فائدة؟. # قال القرطبي: التبرؤ: الانفصال. # قوله تعالى: { كذلك يريهم الله } في هذه " الكاف " قولان: # أحدهما: أن موضعها نصب: إما نعت مصدر محذوف، أو حالا من ~~المصدر المعرف، أي: يريهم رؤية كذلك، أو يحشرهم حشرا ~~كذلك، ms0881 أو يجزيهم جزاء كذلك، أو يريهم الإراءة مشبهة كذلك ~~ونحو هذا. # الثاني: أن يكون في موضع رفع، على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر كذلك، ~~أو حشرهم كذلك، قاله أبو البقاء. # قال أبو حيان: وهو ضعيف؛ لأنه يقتضي زيادة الكاف، وحذف مبتدأ، ~~وكلاهما على خلاف الأصل والإشارة بذلك إلى رأيهم تلك الأهوال والتقدير: ~~مثل إراءتهم الأهوال، يريهم الله أعمالهم حسرات. # وقيل: الإشارة إلى تبرؤ بعضهم من بعض والتقدير: كتبرؤ بعضهم من ~~بعض، يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم؛ وذلك لانقطاع الرجاء من ~~كل أحد. # والرؤية تحتمل وجهين: # أحدهما: أن تكون بصرية، فتتعدى لاثنين بنقل الهمزة أولهما ~~الضمير، والثاني " أعمالهم " و " حسرات " على هذا حال من " ~~أعمالهم ". # والثاني: أن تكون قلبية؛ فتتعدى لثلاثة؛ ثالثها " حسرات " ~~و " عليهم " يجوز فيه وجهان: # أن يتعلق ب " حسرات "؛ لأن " يحسر " يعدى ب " على " ~~ويكون ثم مضاف محذوف. أي: على تفريطهم. # والثاني: أن يتعلق بمحذوف؛ لأنها صفة ل " حسرات " ، فهي في ~~محل نصب؛ لكونها صفة لمنصوب. # فصل في المراد ب " الأعمال " في الآية # اختلفوا في المراد بالأعمال. # فقال السدي: الطاعات، لم ضيعوها؟ وقال الربيع وابن ~~زيد، المعاصي والأعمال الخبيثة يتحسرون لم عملوها؟ # وقال الأصم: ثواب طاعاتهم التي أتوا بها، فأحبطوها ~~بالكفر، قال السدي: ترفع لهم الجنة، فينظرون إليها وإلى ~~بيوتهم فيها، لو أطاعوا الله، فيقال لهم: تلك مساكنكم، لو أطعتم ~~الله تعالى، ثم تقسم بين المؤمنين، فذلك حين يتحسرون. # وقيل: أعمالهم التي تقربوا بها إلى رؤسائهم والانقياد لأمرهم، ~~قال ابن كيسان: إنهم أشركوا بالله الأوثان، رجاء أن تقربهم ~~إلى الله تعالى، فلما عذبوا على ما كانوا يرجون ثوابه، تحسروا ~~وندموا. # قال ابن الخطيب: والظاهر أن الأعمال التي اتبعوا فيها ~~السادة، وهو كفرهم. ومعاصيهم، وإنما تكون حسرة بأن رأوها في ~~صحيفتهم، وأيقنوا بالجزاء عليها، وكان يمكنهم تركها، والعدول ~~إلى الطاعات، وفي هذا الوجه الإضافة وفي الثاني: مجاز بمعنى لزومهم، ~~فلم يقوموا بها. و " الحسرة " واحدة الحسرات؛ كتمرة ~~وتمرات، وجفنة وجفنات وشهوة وشهوات. # هذا إذا كان اسما. [فإن] نعته ms0882 سكنت؛ كقوله ضخمة وضخمات ~~وعبلة وعبلات نقله القرطبي رحمه الله تعالى قال الزجاج: هي ~~شدة الندامة، وهو تألم القلب بانحساره عما تؤلمه واشتقاقها ~~إما من قولهم: بعير حسير أي منقطع القوة والحسور الإعياء، ~~وقال تبارك وتعالى: # لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون # [الأنبياء: 19] أو من الحسر وهو الكشف يقال: حسر عن ذراعيه، والحسرة: ~~انشكاف عن حالة الندامة؛ [والمحسرة] المنكسة؛ لأنها تكشف عن الأرض؛ ~~والطير تنحسر لأنها تنكشف بذهاب الريش. # قوله تعالى: { وما هم بخارجين من النار }. # احتج به على أن أصحاب الكبائر من أهل القبلة يخرجون من النار، ~~فقالوا: # لأن قوله: " وما هم " تخصيص لهم بعدم الخروج على سبيل الحصر؛ ~~فوجب أن يكون عدم الخروج مخصوصا بهم، وهذه الآية الكريمة تكشف عن ~~المراد بقوله: # وإن الفجار لفي جحيم يصلونها يوم الدين وما ~~هم عنها بغآئبين # [الأنفطار: 14 - 16] فبين أن المراد بالفجار ها هنا الكفار؛ ~~لدلالة هذه الآية الكريمة عليه والله أعلم. ### || [2.168-169] # لما بين التوحيد ودلائله وما للموحدين من الثواب وأتبعه بذكر ~~الشرك، أتبع ذلك بذكر إنعامه على الفريقين وأن معصية من عصاه، ~~وكفر من كفر به، لم تؤثر في قطع نعمه وإحسانه إليهم. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: هذه الآية نزلت في قوم من ثقيف، وبني ~~عامر بن صعصعة، وخزاعة، وبني مدلج، حرموا على أنفسهم من ~~الحرث، والبحائر، والسوائب، والوصائل والحام. # قوله تعالى " { مما في الأرض حلالا طيبا } حلالا فيه ~~خمسة أوجه: # أحدها: أن يكون مفعولا ب " كلوا " و " من " على هذا فيها وجهان: # أحدهما: أن تتعلق ب " كلوا " ويكون معناها ابتداء الغاية. # الثاني: أن تتعلق بمحذوف على أنها حال من " حلالا " [وكانت في ~~الأصل صفة له، فلما قدمت عليه، انتصبت حالا] ويكون معنى " ~~من " التبعيض. # الثاني: أن يكون انتصاب " حلالا " على أنه نعت لمفعول محذوف، ~~تقديره: شيئا أو رزقا حلالا، ذكره مكي واستعبده ابن ~~عطية ولم يبين وجه بعده، والذي يظهر في بعده أن " حلالا " ~~ليس صفة خاصة بالمأكول بل يوصف به المأكول وغيره وإذا لم تكن ms0883 ~~الصفة خاصة، لا يجوز حذف الموصول. # الثالث: أن ينتصب " حلالا " على أنه حال من " ما " بمعنى: " الذي ~~" ، أي: كلوا من الذي في الأرض حال كونه حلالا. # الرابع: أن ينتصب على أنه نعت لمصدر محذوف، [أي: أكلا حلالا، ويكون ~~مفعول " كلوا " محذوفا، و " ما في الأرض " صفة لذلك المفعول ~~المحذوف]، ذكره أبو البقاء وفيه من الرد ما تقدم على مكي، ~~ويجوز على هذا الوجه الرابع ألا يكون المفعول محذوفا، بل تكون " من " ~~مزيدة على مذهب الأخفش، تقديره، " كلوا ما في الأرض أكلا ~~حلالا ". # الخامس: أن يكون حالا من الضمير العائد على " ما " قاله ابن عطية، ~~يعني ب " الضمير " الضمير المستكن في الجار والمجرور، الواقع ~~صلة. # و " طيبا " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن تكون صفة ل " حلالا " أما على القول بأن " من " ~~للابتداء، متعلقة ب " كلوا " فهو واضح؛ وأما على القول بأن " ~~مما في الأرض " حال من " حلالا " ، فقال أبو البقاء - رحمه ~~الله تعالى-: ولكن موضعها بعد الجار والمجرور، لئلا يفصل الصفة بين ~~الحال وذي الحال. وهذا القول ضعيف، فإن الفصل بالصفة بين الحال ~~وصاحبها ليس بممنوع؛ تقول " جاءني زيد الطويل [راكبا " ، بل ~~لو قدمت الحال على الصفة، فقلت: " جاءني زيد راكبا الطويل ~~" ] - كان في جوازه نظر. # الثاني: أن يكون صفة لمصدر محذوف، أو حالا من المصدر المعرفة ~~المحذوف: أي أكلا طيبا. # الثالث: أن يكون حالا من الضمير في " كلوا " تقديره: مستطيبين - ~~قال ابن عطية. # قال أبو حيان: وهذا فاسد في اللفظ أما اللفظ؛ فلأن " ~~الطيب " اسم فاعل فكان ينبغي أن تجمع؛ لتطابق صاحبها؛ فيقال: ~~طيبين، وليس " طيب " مصدرا؛ فيقال: إنما لم يجمع لذلك، وأما ~~المعنى؛ فلأن " طيبا " مغاير لمعنى مستطيبين، لأن " الطيب " ~~من صفات المأكول، و " المستطيب " من صفات الآكلين، تقول: " طاب ~~لزيد الطعام " ولا تقول: " طاب زيد الطعام " بمعنى ~~استطابه. # و " الحلال ": المأذون فيه ضد الحرام الممنوع منه، حل يحل، ~~بكسر العين في المضارع، وهو القياس، لأنه مضاعف غير متعد، يقال: ~~حلال، وحل؛ كحرام وحرم وهو في الأصل مصدر، ويقال: ms0884 " حل ~~بل " على سبيل الإتباع؛ ك " حسن بسن " ، وحل بمكان كذا ~~يحل - بضم العين وكسرها - وقرئ: # فيحل عليكم غضبي # [طه: 81] بالوجهين، وأصله من " الحل " الذي هو: نقيض العقد، ومنه: ~~حل بالمكان، اذا نزل به؛ لأنه حل شد الرحال للنزول، وحل ~~الدين إذا نزل به، لانحلال العقدة بانقضاء المدة، وحل من إحرامه، ~~لأنه حل عقد الإحرام، وحلت عليه العقوبة، أي: وجبت لانحلال العقدة ~~[المانعة من العذاب] ومن هذا: " تحلة اليمين ": لأن عقدة اليمين ~~تنحل به. # والطيب [في اللغة: يكون بمعنى الطاهر، والحلال يوصف بأنه ~~طيب؛ قال تعالى: # قل لا يستوي الخبيث والطيب # [المائدة: 100] والطيب في] الأصل: هو ما يستلذ به ويستطاب، ووصف ~~به الطاهر، والحلال؛ على جهة التشبيه؛ لأن النجس تكرهه النفس؛ ~~فلا تستلذه، والحرام غير مستلذ، لأن الشرع يزجر عنه. # وفي المراد بالطيب في الآية وجهان: # الأول: أنه المستلذ؛ لأنا لو حملناه على الحلال، لزم التكرار؛ فعلى ~~هذا يكون إنما يكون طيبا، إذا كان من جنس ما يشتهى؛ لأنه إن تناول ما ~~لا شهوة له فيه، عاد حراما، وإن كان يبعد وقوع ذلك من العاقل إلا عند ~~شبهة. # والثاني: أن يكون المراد ما يكون جنسه حلالا، وقوله: " طيبا " ~~المراد منه: ألا يكون متعلقا به حق الغير؛ فإن أكل الحرام، وإن ~~استطابه الآكل، فمن حيث يؤدي إلى العقاب: يصير مضرة، ولا يكون ~~مستطابا؛ كما قال تعالى: # إن الذين يأكلون أموال اليتمى ظلما إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا # [النساء: 10]. # قوله: { ولا تتبعوا خطوات الشيطان }: قرأ ابن عامر، ~~والكسائي، وقنبل، وحفص عن عاصم، ويعقوب: " خطوات " ~~بضم الخاء، والطاء، وباقي السبعة بسكون الطاء. # أما من ضم العين؛ فلأن الواحدة " خطوة " فإذا جمعت، حركت ~~العين؛ للجمع، كما فعلت في الأسماء التي على هذا الوزن؛ نحو: غرفة ~~وغرفات، وتحريك العين على هذا الجمع؛ للفصل بين الاسم والصفة؛ لأن ~~كل ما كان اسما، جمعته بتحريك العين؛ نحو: " تمرة وتمرات، ~~وغرفة وغرفات، وشهوة وشهوات " وما كان نعتا، جمع بسكون ~~العين؛ نحو: " ضخمة وضخمات، وعبلة وعبلات " ، ~~والخطوة: ms0885 من الأسماء، لا من الصفات، فتجمع بتحريك العين. # وقرأ أبو السمال " خطوات " بفتحها، ونقل ابن عطية، وغيره عنه: ~~أنه قرأ: " خطوات " ، بفتح الخاء، والطاء، وقرأ علي وقتادة، والأعمش ~~بضمها، والهمز # فأما قراءة الجمهور، والاولى من قراءتي أبي السمال، فلأن " فعلة ~~" الساكنة العين، السالمتها، إذا كان اسما، جاز في جمعها بالألف ~~والتاء ثلاثة أوجه، وهي لغات مسموعة عن العرب: السكون، وهو الأصل، ~~والإتباع، والفتح في العين، تخفيفا. # وأما قراءة أبي السمال التي نقلها ابن عطية، فهي جمع " خطوة " ~~بفتح الخاء، والفرق بين الخطوة بالضم، والفتح: أن المفتوح: مصدر ~~دال على المرة، من: خطا يخطوا، إذا مشى، والمضموم: اسم لما بين ~~القدمين؛ كأنه اسم للمسافة؛ كالغرفة اسم للشيء المغترف. # وقيل: إنهما لغتان بمعنى واحد ذكره أبو البقاء. # وأما قراءة علي، ففيها تأويلان: # أحدهما - وبه قال الأخفش -: أن الهمزة أصل، وأنه من " الخطأ ~~" ، و " خطؤات " جمع " خطأة " إن سمع، وإلا فتقديرا، وتفسير ~~مجاهد إياه ب " الخطايا " يؤيد هذا، ولكن يحتمل أن يكون مجاهد ~~فسره بالمرادف. # والثاني: أنه قلب الهمزة عن الواو؛ لأنها جاورت الضمة قبلها؛ فكأنها ~~عليها؛ لأن حركة الحرف بين يديه على الصحيح، لا عليه. # فصل # قال ابن السكيت - فيما رواه عن اللحياني - الخطوة ~~والخطوة بمعنى واحد، وحكى عن الفراء الخطوة ما بين القدمين؛ كما ~~يقال: حثوت حثوة، والحثوة: اسم لما تحثيت، وكذلك ~~غرفت غرفة، والغرفة: هو الشيء المغترف بالكف، فيكون ~~المعنى: لا تتبعوا سبيله، ولا تسلكوا طريقه؛ لأن الخطوة اسم مكان. # قال الزجاج وابن قتيبة: خطوات الشيطان طرقه، وإن ~~جعلت الخطوة مصدرا، فالتقدير: لا تأتموا به، ولا تتبعوا ~~أثره، والمعنى: أن الله تعالى، زجر المكلف عن تخطي الحلال إلى ~~الشبه؛ كما زجره عن تخطيه إلى الحرام، وبين العلة في هذا ~~التحذير، وهو كونه عدوا مبينا، أي: متظاهرا بالعداوة؛ وذلك لأن ~~الشيطان التزم أمورا سبعة في العداوة: # أربعة منها في قوله تعالى: # ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم ~~فليبتكن ءاذان الأنعام ولأمرنهم ~~فليغيرن خلق الله # [النساء: 119]. # وثلاثة منها في قوله: # لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم ms0886 لآتينهم من ~~بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن ~~شمآئلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين # [الأعراف: 16 - 17] فلما التزم هذه الأمور، كان عدوا متظاهرا ~~بالعداوة، وقد أظهر عداوته بإبائه السجود لآدم، وغروره إياه؛ حتى ~~أخرجه من الجنة. # قوله: " إنه لكم " قال أبو البقاء: إنما كسر الهمزة؛ ~~لأنه أراد الإعلام بحاله، وهو أبلغ من الفتح؛ لأنه إذا فتح الهمزة، صار ~~التقدير: لا تتبعوه؛ لأنه عدو لكم، واتباعه ممنوع، وإن لم يكن ~~عدوا لنا، مثله: [منهوك الرجز] # 889أ - لبيك، إن الحمد لك # كسر الهمزة أجود؛ لدلالة الكسر على استحقاقه الحمد في كل حال، وكذلك ~~التلبية. انتهى # يعني أن الكسر استئناف محض فهو إخبار بذلك، وهذا الذي قاله في وجه ~~الكسر لا يتعين؛ لأنه يجوز أن يراد التعليل مع كسرة الهمزة؛ فإنهم ~~نصوا على أن " إن " المكسورة تفيد العلة أيضا، وقد ذكر ذلك في ~~هذه الآية بعينها؛ كما تقدم آنفا، فينبغي أن يقال: قراءة الكسر أولى؛ ~~لأنها محتملة للإخبار المحض بحاله، وللعلية؛ ومما يدل على أن ~~المكسورة تفيد العلية قوله - عليه السلام - في الروثة # " إنها رجس " # وقوله في الهرة: # " إنها ليست بنجس؛ إنها من الطوافين عليكم " # وقوله: # " لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها؛ ~~إنكم إذا فعلتم ذلك، قطعتم أرحامكم " # وأما المفتوحة: فهي نص في العلية، لأن الكلام على تقدير لام ~~العلة. # قوله: { إنما يأمركم بالسوء والفحشآء وأن ~~تقولوا على الله ما لا تعلمون } فهذه كالتفصيل لجملة ~~عداوته، وهو مشتمل على أمور ثلاثة: # أولها: السوء، وهو: متناول جميع المعاصي، سواء كانت تلك المعاصي من ~~أفعال الجوارح، أو من أفعال القلوب. # وسمي السوء سوءا؛ لأنه يسوء صاحبه بسوء عواقبه، وهو مصدر: " ~~ساءه يسوءه سوءا ومساءة " إذا أحزنه، و " سؤته، فسيء ~~" إذا أحزنته، فحزن؛ قال تعالى: # سيئت وجوه الذين كفروا # [الملك: 27]؛ قال الشاعر: [السريع] # 889ب - وإن يك هذا الدهر قد ساءني # فطالما قد سرني الدهر # ألأمر عندي فيهما واحد # لذاك شكر ولذا صبر # وثانيها: الفحشاء: وهو مصدر من الفحش؛ كالبأساء من البأس، والفحش: قبح ~~المنظر. ms0887 # قال امرؤ القيس: [الطويل] # 890 - وجيد كجيد الرئم ليس بفاحش # إذا هي نصته ولا بمعطل # وتوسع فيه، حتى صار يعبر به عن كل مستقبح معنى كان أو عينا. # والفحشاء: نوع من السوء، كأنها أقبح أنواعه، وهي: ما يستعظم، ~~ويستفحش من المعاصي. # وثالثها: { أن تقولوا على الله ما لا تعلمون } فكأنه ~~أقبح الأشياء؛ لأن وصف الله تعالى بما لا ينبغي من أعظم أنواع الكبائر، ~~فهذه الجملة كالتفسير لقوله تعالى: { ولا تتبعوا خطوات ~~الشيطان }. # فدلت الآية الكريمة على أن الشيطان يدعو إلى الصغائر والكبائر، ~~والكفر، والجهل بالله. # وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: " الفحشاء " من ~~المعاصي: ما فيه حد، والسوء من الذنوب ما لا حد فيه. # وقال السدي: هي الزنا. # وقيل: هي البخل، { وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ~~} من تحريم الحرث والأنعام. # وقال مقاتل: كل ما في القرآن من ذكر الفحشاء، فإنه الزنا، ~~إلا قوله: # الشيطن يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشآء # [البقرة: 268] فإنه منع الزكاة. # وقوله: " وأن تقولوا " عطف على قوله: " بالسوء " ، تقديره: " ~~وبأن تقولوا " فيحتمل موضعها الجر والنصب؛ بحسب قول الخليل، ~~وسيبويه. # قال الطبري: يريد ما حرموا من البحيرة والسائبة ونحوهما، مما ~~جعلوه شرعا. # فصل في بيان أن الشيطان لا يأمر إلا بالقبائح. # دلت الآية على أن الشطان لا يأمر إلا بالقبائح؛ لأن الله تعالى ~~ذكره بكلمة " إنما " وهي للحصر. # وقد قال بعضهم: إن الشيطان قد يدعو إلى الخير؛ لكن لغرض أن يجره منه إلى ~~الشر؛ وذلك على أنواع: إما أن يجره من الأفضل إلى الفاضل، ~~ليتمكن من أن يجره من الفاضل الشر، وإما أن يجره من الفاضل ~~الأسهل إلى الأفضل الأشق؛ ليصير ازدياد المشقة سببا لحصول النفرة ~~عن الطاعات بالكلية. # وتناولت الآية الكريمة جميع المذاهب الفاسدة، بل تناولت مقلد الحق؛ ~~لأنه قال مالا يعلمه؛ فصار مستحقا للذم؛ لاندراجه تحت هذا ~~الذم. # وتمسك بهذه الآية نفاة القياس، [وجوابهم: أنه متى قامت الدلالة ~~على أن العمل بالقياس واجب، كان العمل بالقياس] قولا على الله بما ~~يعلم لا بما ms0888 لا يعلم. ### || [2.170] # الضمير في " لهم " فيه أربعة أقوال: # أحدها: أنه يعود على " من في قوله # من يتخذ # [البقرة: 165]. # الثاني: قال بعض المفسرين: نزلت في مشركي العرب، فعلى هذا: الآية ~~متصلة بما قبلها، ويعود الضمير عليهم؛ لأن هذا حالهم. # الثالث: أنه يعود على اليهود؛ لأنهم أشد الناس اتباعا لأسلافهم. # روي عن ابن عباس قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود إلى ~~الإسلام، فقال رافع بن خارجة، ومالك بن عوف: " بل نتبع مآ ~~ألفينا عليه آبآءنآ فهم كانوا خيرا منا، وأعلم منا ~~" فأنزل الله هذه الآية الكريمة. # وقال بعضهم: هذه قصة مستأنفة، والهاء والميم في " لهم " كناية عن ~~غير مذكور. # الرابع: أنه يعود على " الناس " في قوله " يأيها الناس " قاله ~~الطبري، وهو ظاهر إلا أن ذلك من باب الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، ~~وحكمته: أنهم أبرزوا في صورة الغائب الذي يتعجب من فعله، حيث دعي إلى ~~شريعة الله تعالى والنور والهدى، فأجاب باتباع شريعة أبيه. # قوله: " بل نتبع " " بل " ههنا: عاطفة هذه الجملة على جملة ~~محذوفة قبلها، تقديره: # " لا نتبع ما أنزل الله، بل نتبع كذا " ولا يجوز أن تكون ~~معطوفة على قوله: " اتبعوا " لفساده، وقال أبو البقاء: " بل " هنا ~~للإضراب [عن الأول، أي: " لا نتبع ما أنزل الله " ، وليس ~~بخروج من قصة إلى قصة، يعني بذلك: أنه إضراب إبطال]، لا إضراب ~~انتقال؛ وعلى هذا، فيقال: كل إضراب في القرآن الكريم، فالمراد به ~~الانتقال من قصة إلى قصة إلا في هذه الآية، وإلا في قوله: # أم يقولون افتراه بل هو الحق # [السجدة: 3]، فإنه محتمل للأمرين؛ فإن اعتبرت قوله: " أم يقولون ~~افتراه " ، كان إضراب انتقال، وإذا اعتبرت " افتراه " وحده، كان ~~إضراب إبطال. # والكسائي يدغم لام " هل " و " بل " في ثمانية أحرف: # التاء؛ كقوله: # بل تؤثرون # [الأعلى: 16] والنون: " بل نتبع " والثاء " # هل ثوب # [المطففين: 36] والسين: # بل سولت # [يوسف: 18]، والزاي: # بل زين # [الرعد: 33]، والضاد: # بل ضلوا # [الأحقاف: 28] والظاء: # بل ظننتم # [الفتح: 12] والطاء: # بل طبع الله # [النساء: 155]، وأكثر القراء على الإظهار، ووافقه حمزة ms0889 في التاء ~~والسين، والإظهار هوالأصل. # قوله: " ألفينا " في " ألفى " هنا قولان: # أحدهما: أنها متعدية إلى مفعول واحد، لأنها بمعنى " وجد " التي ~~بمعنى " أصاب "؛ بدليل قوله في آية أخرى: # بل نتبع ما وجدنا عليه ءابآءنا # [لقمان: 21] وقوله: # وألفيا سيدها لدى الباب # [يوسف: 35] وقولهم: # إنهم ألفوا ءابآءهم ضآلين # [الصافات: 69]، فعلى هذا: يكون " عليه " متعلقا بقوله: " ~~ألفينا ". # والثاني: أنها متعدية إلى اثنين. # أولهما: " آباءنا " ، والثاني: " عليه " ، فقدم على الأول. # وقال أبو البقاء - رحمه الله -:[ " هي محتملة للأمرين - أعني كونها ~~متعدية لواحد أو لاثنين " -؛ قال أبو البقاء:] و " لام " ألفينا ~~" واو؛ لأن الأصل فيما جهل من اللامات أن تكون واوا، يعني: فإنه ~~أوسع وأكثر؛ فالرد إليه أولى. # ومعنى الآية: أن الله - تبارك وتعالى - أمرهم بأن يتبعوا ما أنزل ~~الله في تحليل ما حرموا على أنفسهم من الحرث، والأنعام، والبحيرة، ~~والسائبة. أو ما أنزل الله من الدلائل الباهرة، قالوا: لا نتبع ~~ذلك، وإنما نتبع آباءنا، وأسلافنا، فعارضوه بالتقليد، فأجابهم الله ~~تعالى بقوله: { أولو كان ءاباؤهم } ، فالهمزة في " أولو " ~~للإنكار، وأما الواو، [ففيها قولان: # أحدهما - قاله الزمخشري -: أنها واو الحال. # والثاني - قال به أبو البقاء، وابن عطية -: أنها للعطف، وقد تقدم ~~الخلاف في هذه الهمزة الواقعة قبل " الواو " و " الفاء " و " ثم " ، ~~هل] بعدها جملة مقدرة، وهو رأي الزمخشري؛ ولذلك قدر ههنا: " ~~أيتبعونهم، ولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ~~من الدين، ولا يهتدون للصواب؟ " أو النية بها التأخير ~~عن حرف العطف؟ # وقد جمع أبو حيان بين قول الزمخشري، وقول ابن عطية، فقال: ~~والجمع بينهما: أن هذه الجملة المصحوبة ب " لو " في مثل هذا ~~السياق جملة شرطية، فإذا قال: " اضرب زيدا، ولو أحسن ~~إليك " ، فالمعنى: " وإن أحسن إليك " وكذلك: " أعطوا ~~السائل، ولو جاء على فرس " " ردوا السائل، ولو ~~بشق تمرة " ، المعنى فيهما " وإن " وتجيء " لو " هنا؛ ~~[تنبيها] على أن ما بعدها لم يكن يناسب ما قبلها، لكنها جازت ~~لاستقصاء الأحوال التي يقع فيها الفعل، ولتدل على أن المراد بذلك وجود ~~الفعل في كل حال؛ حتى في هذه ms0890 الحال التي لا تناسب الفعل؛ ولذلك لا ~~يجوز: " اضرب زيدا، ولو أساء إليك " ، ولا " أعطوا ~~السائل، ولو كان محتاجا " فإذا تقرر هذا، فالواو في " ~~ولو " في الأمثلة التي ذكرناها عاطفة على حال مقدرة، والمعطوف على ~~الحال حال؛ فصح أن يقال: إنها للحال من حيث عطفها جملة حالية ~~على حال مقدرة، وصح أن يقال: إنها للعطف من حيث ذلك العطف، ~~فالمعنى - والله أعلم -: أنها إنكار اتباع آبائهم في كل حال؛ حتى ~~في الحالة التي لا تناسب أن يتبعوهم فيها، وهي تلبسهم بعدم العقل ~~والهداية؛ ولذلك لا يجوز حذف هذه الواو الداخلة على " لو " إذا كانت ~~تنبيها على أن ما بعدها لم يكن مناسبا ما قبلها، وإن كانت الجملة ~~الحالية فيها ضمير عائد على ذي الحال؛ لأن مجيئها عارية من هذه ~~الواو مؤذن بتقييد الجملة السابقة بهذه الحال، فهو ينافي استغراق ~~الأحوال؛ حتى هذه الحال، فهما معنيان مختلفان؛ ولذلك ظهر الفرق بين: " ~~أكرم زيدا، لو جفاك " ، وبين: " أكرم زيدا، ولو ~~جفاك ". # انتهى. وهو كلام حسن. # وجواب " لو " محذوف، تقديره: " لاتبعوهم " وقدره أبو البقاء: ~~" أفكانوا يتبعونهم؟ " وهي تفسير معنى لأن " لو " لا تجاب ~~بهمزة الاستفهام، قال بعضهم: ويقال لهذه الواو أيضا واو التعجب ~~دخلت عليها ألف الاستفهام للتوبيخ. # فصل في بيان " معنى التقليد " # قال القرطبي: التقليد عند العلماء: " حقيقة قبول قول بلا ~~حجة "؛ وعلى هذا فمن قبل قول النبي صلى الله عليه وسلم من غير نظر ~~في معجزته، يكون مقلدا، وأما من نظر فيها، فلا يكون مقلدا. # وقيل: " هو اعتقاد صحة فتيا من لا يعلم صحة قوله " ، وهو ~~في اللغة مأخوذ من قلادة البعير، تقول العرب: قلدت البعير؛ إذا جعلت ~~في عنقه حبلا يقاد به؛ فكأن المقلد يجعل أمره كله لمن يقوده حيث ~~شاء؛ ولذلك قال شاعرهم: [البسط] # 891 - وقلدوا أمركم لله دركم # ثبت الجنان بأمر الحرب مضطلعا # فصل في المراد بالآية # والمعنى: " أيتبعون آباءهم، وإن كانوا جهالا لا ~~يعقلون شيئا " ، لفظه عام، ومعناه الخصوص؛ لأنهم كانوا لا يعقلون ~~كثيرا من أمور الدنيا؛ ms0891 فدل هذا على أنهم لا يعقلون شيئا من الدين، ~~ولا يهتدون إلى كيفية اكتسابه. # وقوله " شيئا " فيه وجهان: # أحدهما: أنه مفعول به؛ فيعم جميع المعقولات؛ لأنها نكرة في سياق ~~النفي، ولا يجوز أن يكون المراد نفي الوحدة، فيكون المعنى: لا يعقلون ~~شيئا " بل أشياء من العقل " وقدم نفي العقل على نفي الهداية؛ ~~لأنه يصدرعنه جميع التصرفات. # الثاني: أن ينتصب على المصدرية، أي: " لا يعقلون شيئا ". # فصل في تقرير هذا الجواب # في تقرير هذا الجواب وجوه: # الأول: أنه يقال للمقلد: هل تعترف بأن شرط جواز تقليد الإنسان: أن ~~يعلم كونه محقا، أم لا؟ فإن اعترفت بذلك، لم تعلم جواز تقليده، إلا ~~بعد أن تعلم كونه محقا، أم لا؟ فإن اعترفت بذلك، لم تعلم جواز تقليده، ~~إلا بعد أن تعلم كونه محقا، فكيف عرفت أنه محق؛ فإن عرفته بتقليد ~~آخر، لزم التسلسل، وإن عرفته بالعقل، فذاك كاف، ولا حاجة إلى التقليد، ~~وإن قلت: ليس من شرط جواز تقليده: أن يعلم كونه محقا، فإذن: قد جوزت ~~تقليده، وإن كان مبطلا، فإذن: انت على تقليدك لا تعلم أنك محق، أم ~~مبطل. # وثانيها: هب أن ذلك المتقدم كان عالما بهذا إلا أنا لو قدرنا ~~أن ذلك المتقدم ما كان عالما بذلك الشيء قط، ولا اختار فيه ألبتة ~~مذهبا، فأنت ماذا كنت تعمل؟ فعلى تقدير أنك لا تعلم ذلك المتقدم، [ولا ~~مذهبه، كان لا بد من العدول إلى النظر فكذا ههنا. # وثالثها: أنك إذا قلدت من قبلك، فذلك المتقدم]: إن كان عرفه ~~بالتقليد، لزم إما الدور، وإما التسلسل، وإن عرفه بالدليل، وجب أن ~~تطلب العلم بالدليل، لا بالتقليد، لأنك لو طلبته بالتقليد، لا ~~بالدليل، مع أن ذلك المتقدم طلبه بالدليل لا بالتقليد، كنت مخالفا ~~له، فثبت أن القول بالقليد يفضي ثبوته إلى نفيه، فيكون باطلا، وإنما ~~ذكرت هذه الآية الكريمة عقيب الزجر عن اتباع خطوات الشيطان؛ تنبيها ~~على أنه لا فرق بين متابعة وساوس الشيطان، وبين متابعة التقليد، وفيه ~~أقوى دليل على جوب النظر، والاستدلال، وترك ms0892 التعويل على ما يقع في ~~الخاطر من غير دليل، أو على ما يقوله الغير من غير دليل. # فصل في بيان ما يستثنى من التقليد # قال القرطبي: ذم الله تعالى الكفار؛ باتباعهم لآبائهم في [الباطل] ~~واقتدائهم بهم في الكفر، والمعصية، وهذا الذم في الباطل صحيح، وأما ~~التقليد في الحق، فأصل من " أصول الدين " ، وعصمة من عصم المسلمين، ~~يلجأ إليها الجاهل المقصر عن درك النظر، واختلف العلماء - رضي الله ~~عنهم - في جوازه في مسائل الأصول، وأما جوازه في مسائل الفروع، فصحيح. # فصل في وجوب التقليد على العامي # قال القرطبي - رضي الله عنه -: فرض العامي الذي لا يستقل ~~باستنباط الأحكام من أصولها، لعدم أهليته فيما لا يعلمه من أمر دينه، ~~ويحتاج إليه - أن يقصد أعلم من في زمانه ببلده؛ فيسأله عن نازلته، ~~فيتمثل فيها فتواه؛ لقوله تعالى: # فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون # [النحل: 43] وعليه الاجتهاد في أعلم أهل زمانه بالبحث عنه؛ حتى يتفق ~~أكثر الناس عليه، وعلى العالم أيضا أن يقلد عالما مثله في نازلة خفي ~~عليه وجه الدليل فيها. ### || [2.171] # لما حكى عن الكفار أنهم عند الدعاء إلى اتباع ما أنزل الله ~~تعالى، تركوا النظر، وأخلدوا إلى التقليد، وقالوا: # بل نتبع مآ ألفينا عليه ءابآءنآ # [البقرة: 170] - ضرب لهم هذا المثل؛ تنبيها للسامعين لهم: أنهم ~~إنما وقعوا فيه؛ بسبب ترك الإصغاء، وقلة الاهتمام بالدين، فصيرهم من ~~هذا الوجه بمنزلة الأنعام، وضرب مثل هذا المثل يزيد السامع اجتهادا في ~~معرفة أحوال نفسه، ويحقر إلى الكافر نفسه، إذا سمع ذلك، فيكون كسرا ~~لقلبه، وتضييقا لصدره؛ حيث صيره كالبهيمة، فكان ذلك في نهاية الردع ~~والزجر لمن يسمعه عن أن يسلك مثل طريقة التقليد. # وقد اختلف الناس في هذه الآية اختلافا كثيرا، ولا سبيل إلى معرفة ~~الإعراب إلا بعد معرفة المعنى المذكور في الآية الكريمة، وقد اختلفوا ~~في ذلك: # فمنهم من قال: معناها: أن المثل مضروب بتشبيه الكافر بالناعق، ~~ومنهم من قال: هو مضروب بتشبيه الكافر بالمنعوق به، ومنهم من قال: ~~هو مضروب بتشبيه داعي ms0893 الكفر بالناعق، ومنهم من قال: هو مضروب ~~بتشبيه الداعي والكافر بالناعق، والمنعوق به، فهذه أربعة أقوال. # فعلى القول الأول: يكون التقدير: " ومثل الذين كفروا في ~~قلة فهمهم، كمثل الرعاة يكلمون البهم والبهم ~~لا تعقل شيئا ". # وقيل: يكون التقدير: " ومثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم ~~التي لا تفقه دعاءهم، كمثل الناعق بغنمه؛ لا ينتفع ~~من نعيقه بشيء غير أنه في عناء "؛ وكذلك الكافر ليس له من ~~دعائه آلهته إلا العناء؛ كما قال تعالى: # إن تدعوهم لا يسمعوا دعآءكم ولو سمعوا ما ~~استجابوا لكم # [فاطر: 14]. # قال الزمخشري لما ذكر هذا القول: " إلا أن قوله: " إلا ~~دعاء ونداء " ، لا يساعد عليه؛ لأن الأصنام لا تسمع شيئا ". # قال أبو حيان - رحمه الله-: " ولحظ الزمخشري في هذا القول تمام ~~التشبيه من كل جهة، فكما أن المنعوق به لا يسمع إلا دعاء ~~ونداء، فكذلك مدعو الكافر من الصنم، والصنم لا يسمع، ~~فضعف عنده هذا القول " قال: " ونحن نقول: التشبيه وقع في ~~مطلق الدعاء في خصوصيات المدعو، فتشبيه الكافر في ~~دعائه الصنم بالناعق بالبهيمة، لا في خصوصيات المنعوق به " ~~، وقال ابن زيد في هذا القول - أعني: قول من قال: التقدير: ~~ومثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم -: إن الناعق هنا ليس ~~المراد به الناعق بالبهائم، وإنما المراد به الصائح في جوف الجبل، ~~فيجيبه الصدى، فالمعنى: بما لا يسمع منه الناعق إلا دعاء نفسه، ~~ونداءها، فعلى هذا القول: يكون فاعل " يسمع " ضميرا عائدا على " ~~الذي ينعق " ويكون العائد على " ما " الرابط للصلة بالموصول ~~محذوفا؛ لفهم المعنى، تقديره: " بما لا يسمع منه " وليس فيه ~~شرط جواز الحذف؛ فإنه جر بحرف غير ما جر به الموصول، وأيضا: ~~فقد اختلف متعلقاهما إلا أنه قد ورد ذلك في كلامهم، وأما على ~~القولين الأولين، فيكون فاعل " يسمع " ضميرا يعود على " ما " ~~الموصولة، وهو المنعوق به. # وقيل: المراد ب " الذين كفروا " المتبوعون، لا التابعون، ~~المعنى: " مثل الذين كفروا في دعائهم اتباعهم، وكون ~~أتباعهم لا يحصل لهم منهم إلا الخيبة، كمثل الناعق ~~بالغنم، فعلى هذه الأقوال ms0894 كلها: يكون " مثل " مبتدأ و " كمثل ~~" خبره، وليس في الكلام حذف إلا جهة التشبيه. # وعلى القول الثاني من الأقوال الأربعة المتقدمة: فقيل: معناه: " ~~ومثل الذين كفروا في دعائهم إلى الله تعالى، وعدم ~~سماعهم إياه، كمثل بهائم الذي ينعق " فهو على حذف ~~قيد في الأول، وحذف مضاف في الثاني. # وقيل: التقدير: " ومثل الذين كفروا في عدم فهمهم عن ~~الله ورسوله، كمثل المنعوق به من البهائم التي لا ~~تفقه من الأمر والنهي غير الصوت " فيراد بالذي ينعق: ~~الذي ينعق به، ويكون هذا من القلب، وقال قائل: " هذا كما ~~تقولون: " دخل الخاتم في يدي، والخف في رجلي " وتقولون: " ~~فلان يخافك؛ كخوف الأسد " ، أي: كخوفه الأسد، وقال ~~تعالى: # مآ إن مفاتحه لتنوء بالعصبة # [القصص: 76] وإنما العصبة تنوء بالمفاتح ". وإلى هذا ذهب الفراء، ~~وأبو عبيدة، وجماعة إلا أن القلب لا يقع على الصحيح إلا في ~~ضرورة أو ندور. # وأما على القول الثالث، وهو قول الأخفش، والزجاج، وابن ~~قتيبة، فتقديره: " ومثل داعي الذين كفروا كمثل الناعق ~~بغنمه؛ في كون الكافر لا يفهم مما يخاطب به داعيه ~~إلا دوي الصوت، دون إلقاء فكر وذهن؛ كما أن البيهمة كذلك، ~~فالكلام على حذف مضاف من الأول. # فصل في المراد ب " ما لا يسمع " # قال الزمخشري: ويجوز أن يراد ب " ما لا يسمع " الأصم ~~الأصلج الذي لا يسمع من كلام الرافع صوته بكلامه ~~إلا النداء والصوت، لا غير؛ من غير فهم للحرف، وهذا جنوح إلى ~~جواز إطلاق " ما " على العقلاء، أو لما تنزل هذا منزلة من لا يسمع من ~~البهائم، أوقع عليه " ما ". # وأما على القول الرابع - وهو اختيار سيبويه في هذه الآية -: فتقديره ~~عنده: " مثلك يا محمد، ومثل الذين كفروا، كمثل ~~الناعق والمنعوق به " ، واختلف الناس في فهم كلام سيبويه، فقائل: ~~هو تفسير معنى، وقيل: تفسير إعراب، فيكون في الكلام حذفان: حذف من ~~الأول، وهو حذف " داعيهم " ، وقد أثبت نظيره في الثاني، وحذف من ~~الثاني، وهو حذف المنعوق، وقد أثبت نظيره في الأول؛ فشبه داعي ~~الكفار براعي الغنم في ms0895 مخاطبته من لا يفهم عنه، وشبه الكفار ~~بالغنم في كونهم لا يسمعون مما دعوا إليه، إلا أصواتا لا يعرفون ما ~~وراءها، وفي هذا الوجه حذف كثير؛ إذ فيه حذف معطوفين؛ إذ التقدير ~~الصناعي: " ومثل الذين كفروا وداعيهم كمثل الذي ~~ينعق بالمنعوق به ". # وقد ذهب إليه جماعة، منهم: أبو بكر بن طاهر، وابن خروف، والشلوبين؛ ~~قالوا: العرب تستحسن هذا، وهو من بديع كلامها؛ ومثله قوله: [ # وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضآء من غير سوء # [النمل: 12]] تقديره: " وأدخل يدك في جيبك، تدخل، ~~وأخرجها تخرج "؛ فحذف " تدخل "؛لدلالة " تخرج " وحذف " ~~وأخرجها "؛ لدلالة " وأدخل " ، قالوا: ومثله قوله: # 895 - وإني لتعروني لذكراك فترة # كما انتفض العصفور بلله القطر # لم يرد أن يشبه فترته بانتفاض العصفور حين بلله القطر؛ لأنمها ~~ضدان؛ إذ هما حركة وسكون، ولكن تقديره: أني إذا ذكرتك، عراني ~~انتفاض، ثم أفتر؛ كما أن العصفور إذا بلله القطر، عراه فترة، ثم ~~ينتفض، غير أن وجيب قلبه واضطرابه قبل الفترة، وفترة العصفور قبل ~~انتفاضه. # وهذه الأقوال كلها، إنما هي على القول بتشبيه مفرد بمفرد، ومقابلة ~~جزء من الكلام السابق بجزء من الكلام المشبه به. # أما إذا كان التشبيه من باب تشبيه جملة بجملة، فلا ينظر في ذلك إلى ~~مقابلة الألفاظ المفردة، بل ينظر إلى المعنى، وإلى هذا نحا أبو القاسم ~~الراغب؛ قال الراغب: " فلما شبه قصة الكافرين في إعراضهم عن ~~الداعي لهم إلى الحق، بقصة الناعق قدم ذكر الناعق؛ لينبني ~~عليه ما يكون منه، ومن المنعوق به ". # والكاف ليست بزائدة؛ خلافا لبعضهم؛ فإن الصفة ليست عين الصفة ~~الأخرى، فلا بد من الكاف؛ حتى أنه لو جاء الكلام دون الكاف، اعتقدنا ~~وجودها تقديرا تصحيحا للمعنى. # وقد تلخص مما تقدم: أن " مثل الذين " مبتدأ، و " ~~كمثل الذي " خبره: إما من غير اعتقاد حذف، أو على حذف مضاف من ~~الأول، أي: " مثل: " داعي الذين " ، أو من الثاني، أي: " كمثل ~~بهائم الذي " ، أو على حذفين: حذف من الأول ما أثبت نظيره في ~~الثاني، ومن الثاني ما أثبت نظيره في ms0896 الأول؛ كما تقدم تحريره. # والنعيق دعاء الراعي، وتصويته بالغنم؛ قال الأخطل في ذلك: [الكامل] # 896 - فانعق بضأنك يا جرير فإنما # منتك نفسك في الخلاء ضلالا # قال القتيبي: لم يكن جرير راعي ضأن، وإنما أراد أن بني كليب ~~يعيرون برعي الضأن، وجرير منهم؛ فهو من جهلتهم، والعرب تضرب ~~المثل في الجهل براعي الضأن، ويقولون: أجهل من راعي ضأن. # يقال: نعق، بفتح العين، ينعق، بكسرها، والمصدر النعيق ~~والنعاق، والنعق، وأما " نغق الغراب " ، فبالمعجمة، وقيل: ~~بالمهملة أيضا في الغراب، وهو غريب. # قال بعضهم: إن الياء والنون من قوله: " ينعق " من نصف هذه ~~السورة الأول، والعين والقاف من النصف الثاني. # " إلا دعاء ": هذا استثناء مفرغ؛ لأن قبله " يسمع " ولم يأخذ ~~مفعوله وزعم بعضهم أن " إلا " زائدة، فليس من الاستثناء في شيء، وهذا ~~قول مردود، وإن كان الأصمعي قد قال بزيادة " إلا " في قوله: ~~[الطويل] # 897 - حراجيج لا تنفك إلا مناخة # على الخسف أو نرمي بها بلدا قفرا # فقد رد الناس عليه، ولم يقبلوا قوله، وفي البيت كلام تقدم. # وأورد بعضهم هنا سؤالا معنويا، وهو أن قوله # لا يسمع إلا دعآء وندآء # [البقرة: 171] ليس المسموع إلا الدعاء والنداء، فكيف ذمهم بأنهم لا ~~يسمعون إلا الدعاء؛ وكأنه قيل: لا يسمعون إلا المسموع، وهذا لا يجوز؟ # فالجواب: أن في الكلام إيجازا، وإنما المعنى: لا تفهم معاني ما يقال ~~لهم؛ كما لا تميز البهائم بين معاني الألفاظ التي يصوت بها، وإنما ~~تفهم شيئا يسيرا، قد أدركته بطول الممارسة، وكثرة المعاودة؛ فكأنه قيل ~~لهم: إلا سماع النداء دون إدراك المعاني، والأغراض. # قال شهاب الدين: وهذا السؤال من أصله ليس بشيء، ولولا أن ~~الشيخ ذكره، لم أذكره. # وهنا سؤال ذكره علي بن عيسى، وهو هل هذا من باب التكرار لما ~~اختلف اللفظ، فإن الدعاء والنداء واحد؟ والجواب: أنه ليس كذلك؛ ~~فإن الدعاء طلب الفعل، والنداء إجابة الصوت. # وقال القرطبي - رحمه الله -: النداء للبعيد، والدعاء للقريب، وكذلك ~~قيل للأذان بالصلاة نداء؛ لأنه للأباعد، وفي هذا نظر؛ لأن النبي - ~~عليه السلام - قال: ms0897 # " الخلافة في قريش، والحكم في الأنصار، والدعوة في ~~الحبشة " # قال ابن الأثير في " النهاية ": أراد بالدعوة الأذان، وجعله في ~~الحبشة؛ تفضيلا لمؤذنه بلال، وقال شاعر الجاهلية: [الوافر] # 898 - فلست بصائم رمضان عمري # ولست بآكل لحم الأضاحي # ولست بقائم كالعير يدعو # قبيل الصبح حي على الفلاح # أراد أذان الصبح، وقد تضم النون في النداء، والأصل الكسر. # قوله: # صم بكم عمي # [البقرة: 171] لما شبههم بالبهائم، زاد في تبكيتهم، فقال: { صم ~~بكم عمي }؛ لأنهم صاروا بمنزلة الأصم؛ في أن الذي ~~سمعوه، كأنهم لم يسمعوه، وبمنزلة البكم؛ في ألا يستجيبوا لما ~~دعوا إليه، ومن حيث العمي؛ من حيث إعراضهم عن الدلائل؛ فصاروا كأنهم ~~لم يشاهدوها، قال النحاة: " صم " ، أي: هم صم، وهو رفع على ~~الذم. # وقوله: " فهم لا يعقلون " فالمراد: العقل المكتسب هو ~~الاستعانة بهذه القوى الثلاثة، فلما أعرضوا عنها، فقد فقدوا العقل ~~الكسبي، ولهذا قيل: من فقد حسا، فقد فقد علما، والله تعالى ~~أعلم. ### || [2.172] # قال بعض المفسرين: إن الله تبارك وتعالى ذكر من أول السورة إلى ~~هنا دلائل للتوحيد والنبوة، واستقصى في الرد على اليهود ~~والنصارى، ومن هنا: شرع في بيان الأحكام، فقال: " كلوا " واعلم: أن ~~الأكل قد يكون واجبا، وذلك عند دفع الضرر عن النفس، وقد يكون مندوبا، ~~وذلك عند امتناع الضيف من الأكل، غذا انفرد، وللبساطة في الأكل، إذا ~~سوعد، فهذا الأكل مندوب، وقد يكون مباحا، إذا خلا عن هذه العوارض، فلا ~~جرم كان مسمى الأكل مباحا، وإذا كان كذلك، كان قوله في هذا الموضع " ~~كلوا " لا يفيد الإيجاب، والندب، [بل الإباحة، ومفعول " كلوا " ~~محذوف، أي: " كلوا رزقكم حال كونه بعض طيبات ما ~~رزقناكم " ويجوز في رأي الأخفش: أن تكون " من " زائدة في ~~المفعول به، أي: " كلوا طيبات ما رزقناكم ". # فصل في بيان حقيقة الرزق # استدلوا على أن الرزق قيد يكون حراما؛ بقوله تعالى: " من ~~طيبات ما رزقناكم "؛ فإن الطيب هو الحلال، فلو كان ~~كل رزق حلالا؛ لكان قوله: " كلوا من] طيبات ما ~~رزقناكم " معناه: من محللات ما أحللنا لكم، ms0898 فيكون تكرارا، وهو ~~خلاف الأصل، وأجابوا عنه؛ بأن الطيب في أصل اللغة: عبارة عن ~~المستلذ المستطاب، فلعل أقواما ظنوا أن التوسع في المطاعم، ~~والاستكثار من طيباتها ممنوع منه، فأباح الله تبارك وتعالى ذلك؛ لقوله ~~تعالى: " كلوا " من لذائذ ما أحللناه لكم، فكان تخصيصه بالذكر لهذا ~~المعنى. # فصل في الوجوه التي وردت عليها كلمة " الطيب " في القرآن قالوا: " ~~والطيب " ورد في القرآن الكريم على أربعة أوجه: # أحدها: الطيبات بمعنى الحلال؛ قال الله تعالى: # ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب # [النساء: 2]، أي: لا تتبدلوا الحرام بالحلال. # الثاني: الطيب بمعنى الطاهر؛ قال تبارك وتعالى: # فتيمموا صعيدا طيبا # [النساء: 43]، وقال تعالى: # إليه يصعد الكلم الطيب # [فاطر: 10]. # الثالث: الطيب: معناه الحسن، أي: الكلام الحسن للمؤمنين. # وقوله: { واشكروا لله } أمر، وليس بإباحة، بمعنى أنه يجب ~~اعتقاد كونه مستحقا إلى التعظيم، وإظهار الشكر باللسان، أو ~~بالأفعال، إن وجدت هنا له تهمة. # [الرابع: ذكر الله وتلاوة القرآن والأمر بالمعروف، قال تعالى: # إليه يصعد الكلم الطيب # [فاطر: 10]. # قوله: " إن كنتم " شرط، وجوابه محذوف، أي: فاشكروا له، وقول من ~~قال من الكوفيين: إنها بمعنى " إذ " ضعيف، و " إياه ": مفعول ~~مقدم؛ ليفيد الاختصاص، أو لكون عامله رأس آية، وانفصاله واجب، ولأنه ~~متى تأخر، وجب اتصاله إلا في ضرورة؛ كقوله: [الرجز] # 899 - إليك حتى بلغت إياك # وفي قوله: { واشكروا لله } التفات من ضمير المتكلم إلى ~~الغيبة إذ لو جرى على الأسلوب الأول، لقال: " واشكرونا ". # فصل في المراد من الآية # في معنى الآية وجوه: # أحدها: " واشكروا الله، إن كنتم عارفين بالله ونعمه " ~~فعبر عن معرفة الله تعالى بعبادته إطلاقا لاسم الأثر على المؤثر. # وثانيها: معناه: " إن كنتم تريدون أن تعبدوا الله، فاشكروه ~~فإن الشكر رأس العبادات ". # وثالثها: " واشكروا الله الذي رزقكم هذه النعمة، إن ~~كنتم إياه تعبدون " ، أي: إن صح أنكم تخصونه بالعبادة، ~~وتقرون أنه هو إلهكم لا غيره، قال - عليه الصلاة والسلام عن الله ~~-: # " إني والجن والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، ~~وأرزق ويشكر غيري؟! " # فصل في أن الشيء المعلق ب " إن " لا ms0899 يكون عدما عند عدم ذلك الشيء # احتج من قال بأن المعلق بلفظ " إن " لا يكون عدما عند عدم ذلك ~~الشيء؛ بهذه الآية، فإنه تعالى علق الأمر بالشكر بكلمة " إن " ~~على فعل العبادة، مع أن من لا يفعل هذه العبادات يجب عليه الشكر أيضا. ### || [2.173] # لما أمر في الآية المتقدمة بأكل الحال، فصل في هذه الآية [أنواع] ~~الحرام. # قوله: " إنما حرم ": الجمهور قرءوا " حرم " مشددا مبنيا ~~للفاعل " الميتة " نصبا على أن " ما " كافة مهيئة ل " إن ~~" في الدخول على هذه الجملة الفعلية، وفاعل " حرم " ضمير الله ~~تعالى، و " الميتة ": مفعول به، وابن أبي عبلة برفع " الميتة ~~" ، وما بعدها، وتخريج هذه القراءة سهل وهو أن تكون " ما " موصولة، و " ~~حرم " صلتها، والفاعل ضمير الله تعالى والعائد محذوف؛ لاستكمال ~~الشروط، تقديره: " حرمه " ، والموصول وصلته في محل نصب اسم " ~~إن " ، و " الميتة ": خبرها. # وقرأ ابو جعفر، وحمزة مبنيا للمفعول، فتحتمل " ما " في هذه القراءة ~~وجهين: # أحدهما: أن تكون " ما " مهيئة، و " الميتة " مفعول ما لم يسم ~~فاعل. # والثاني: أن تكون موصولة، فمفعول " حرم " القائم مقام الفاعل ضمير ~~مستكن يعود على " ما " الموصولة، و " لميتة " خبر " إن ". # وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، " حرم " ، بضم الراء مخففة، و ~~" الميتة " رفعا و " ما تحتمل الوجهين أيضا، فتكون مهيئة، و " ~~الميتة "؛ فاعل ب " حرم " ، أو موصولة، والفاعل ضمير يعود على ~~" ما " وهي اسم " إن " ، و " الميتة ": خبرها، والجمهور على تخفيف ~~" الميتة " في جميع القرآن، وأبو جعفر بالتشديد، وهو الأصل، وهذا ~~كما تقدم في أن " الميت " مخفف من " الميت " ، وأن أصله " ~~ميوت " ، وهما لغتان، وسيأتي تحقيقه في سورة آل عمران عند قوله: # وتخرج الحي من الميت # [آل عمران: 27]. # ونقل عن قدماء النحاة، أن " الميت " بالتخفيف: من فارقت روحه ~~جسده، وبالتشديد: من عاين أسباب الموت، ولم يمت، [وحكى ابن عطية - رحمه ~~الله - عن أبي حاتم: أن ما قد مات فيقالان فيه، وما لم يمت] بعد، لا ~~يقال فيه بالتخفيف، ثم قال: ولم يقرأ أحد بتخفيف ما لم يمت إلا ما ms0900 روى ~~البزي عن ابن كثير: # وما هو بميت # [إبراهيم: 17]، وأما قوله: [الوافر] # 900 - إذا ما مات ميت من تميم # فسرك أن يعيش فجىء بزاد # فقد حمل على من شارف الموت، وحمله على الميت حقيقة أبلغ في الهجاء. # وأصل " ميتة " ميوتة، فأعلت بقلب الواو ياء، وإدغام الياء ~~فيها، وقال الكوفيون: أصله " مويت " ، ووزنه " فعيل ". # قال الواحدي: " الميتة ": ما فارقته الروح من غير ذكاة مما ~~يذبح. # فصل في بيان أن الآية عامة مخصصة بالسنة # هذه الآية الكريمة عامة دخلها التخصيص؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام ~~-: # " أحلت لنا ميتتان: السمك والجراد، ودمان: ~~الكبد والطحال " # وكذلك حديث جابر في العنبر، وقوله - عليه الصلاة والسلام - # " هو الطهور ماؤه، الحل ميتته " # وهذا يدل على تخصيص الكتاب بالسنة. # وقال عبد الله بن أبي أوفى: " غزونا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم سبع غزوات، نأكل الجراد " وظاهره أكل الجراد كيف ~~ما مات [بعلاج، أو حتف أنفه]، والله أعلم. # فصل في بيان حكم وقوع الطائر ونحوه في القدر # إذا وقع طائر ونحوه في قدر، فمات، فقال مالك: لا يؤكل كل ما في ~~القدر. # وقال ابن القاسم: يغسل اللحم ويؤكل، ويراق المرق، وهو مروي عن ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما. # فصل في بيان حكم الدم # وأما الدم: فكانت العرب تجعل الدم في النار، وتشويها، ثم تأكلها، ~~فحرم الله تعالى الدم، واتفق العلماء على أن الدم حرام نجس، لا ~~يؤكل، ولا ينتفع به. # قال بعضهم: يحرم، إذا لم تعم به البلوى، ويعفى عنه، إذا عمت به ~~البلوى، كالذي في اللحم والعروق، واليسير في الثوب والبدن يصلى ~~فيه، وأطلق الدم هنا، وقيده بالمسفوح في " الأنعام " ، فيحمل المطلق ~~على المقيد، وأما لحم الخنزير، فاللحم معروف، وأراد الخنزير بجميع ~~أجزائه، لكنه خص اللحم؛ لأنه المقصود لذاته بالأكل، واللحم جمعه لحوم ~~ولحمان، يقال: لحم الرجل، بالضم، لحامة، فهو لحيم، أي: غلظ، ولحم، ~~بالكسر يلحم، بالفتح، فهو لحم: اشتاق إلى اللحم، ولحم الناس، فهو ~~لاحم، أي: أطعمهم اللحم، وألحم: كثر عنده اللحم [والخنزير: حيوان ~~معروف، ms0901 وفي نونه قولان: # أصحهما: أنها أصلية، ووزنه: " فعليل "؛ كغربيب. # والثاني: أنها زائدة، اشتقوه من خزر العين، أي: ضيقها؛ لأنه كذلك ~~ينظر، وقيل: الخزر: النظر بمؤخر العين؛ يقال: هو أخزر، بين ~~الخزر]. # فصل في بيان تحريم الخنزير # أجمعت الأمة على تحريم لحم الخنزير، قال مالك: إن حلف لا يأكل ~~الشحم، فأكل لحما لم يحنث بأكل اللحم، ولا يدخل اللحم في اسم الشحم؛ ~~لأن اللحم مع الشحم يسمى لحما، فقد دخل الشحم في اسم اللحم، ~~واختلفوا في إباحة خنزير الماء؛ قال القرطبي: لا خلاف في أن جملة ~~الخنزير محرمة، إلا الشعر، فإنه يجوز الخرازة به. # قوله: " وما أهل به ": " ما " موصولة بمعنى " الذي " ، ~~ومحلها: إما النصب، وإما الرفع؛ عطفا على " الميتة " والرفع: ~~إما خبر " إن " ، وإما على الفاعلية؛ على حسب ما تقدم من القراءات؛ و " ~~أهل " مبني للمفعول، والقائم مقام الفاعل هو الجار والمجرور في " ~~به " والضمير يعود على " ما " والباء بمعنى " في " ولا بد من حذف ~~مضاف، أي: " في ذبحه "؛ لأن المعنى: " وما صيح في ذبحه لغير الله ~~" ، والإهلال: مصدر " أهل " ، أي: صرخ. # قال الأصمعي: أصله رفع الصوت، وكل رافع صوته، فهو مهل. ومنه ~~الهلال؛ لأنه يصرخ عند رؤيته، واستهل الصبي قال ابن أحمر: ~~[السريع] # 901 - يهل بالغرقد غواصها # كما يهل الراكب المعتمر # وقال النابغة: [الكامل] # 902 - أو درة صدفية غواصها # بهج متى يرها يهل ويسجد # وقال القائل: [المديد] # 903 - تضحك الضبع لقتلى هذيل # وترى الذئب لها يستهل # وقيل للمحرم: مهل؛ لرفع الصوت بالتلبية، و " الذابح " مهل؛ ~~لأن العرب كانوا يسمون الأوثان عند الذبح، ويرفعون أصواتهم بذكرها، ~~فمعنى قوله: { ومآ أهل به لغير الله } ، يعني: ما ذبح ~~للأصنام، والطواغيت، قاله مجاهد، والضحاك وقتادة، وقال الربيع ~~ابن أنس، وابن زيد: يعني: ما ذكر عليه غير اسم الله. # قال ابن الخطيب - رحمه الله -: وهذاالقول أولى؛ لأنه أشد مطابقة ~~للفظ. # قال العلماء: لو ذبح مسلم ذبيحة، وقصد بذبحها التقرب إلى [غير] الله ~~تعالى، صار مرتدا، وذبيحته ذبيحة مرتد، وهذا الحكم في ذبائح غير أهل ms0902 ~~الكتاب. # أما ذبائح أهل الكتاب، فتحل لنا، لقوله تبارك وتعالى: # وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم # [المائدة: 5]. # فصل في اختلافهم في اقتضاء تحريم الأعيان الإجمال # اختلفوا في التحريم المضاف إلى الأعيان، [هل يقتضي الإجمال؟ # فقال الكرخي: إنه يقتضي الإجمال، لأن الأعيان] لا يمكن وصفها ~~بالحل والحرمة، فلا بد من صرفها إلى فعل من الأفعال فيها، وهو غير ~~محرم، فلا بد من صرف هذا التحريم إلى فعل خاص، وليس بعض الأفعال ~~أولى من بعض؛ فوجب صيرورة الآية الكريمة مجملة. # وأما أكثر العلماء، فقالوا: إنها ليست بمجملة، بل هذه اللفظة تفيد ~~في العرف حرمة التصرف؛ قياسا على هذه الأجسام؛ كما أن الذوات لا ~~تملك، وإنما تملك التصرفات فيها، فإذا قيل: " فلان يملك ~~جارية " ، فهم كل أحد أنه يملك التصرف فيها؛ فكذا هاهنا. # فإن قيل: لم لا يجوز تخصيص هذا التحريم بالأكل؛ لأنه المتعارف من ~~تحريم الميتة، ولأنه ورد عقيب قوله: # كلوا من طيبات ما رزقناكم # [البقرة: 172]، ولقوله - عليه الصلاة والسلام - في خبر شاة ميمونة: # " إنما حرم من الميتة أكلها " # فالجواب عن الأول: لا نسلم أن المتعارف من تحريم الميتة تحريم ~~الأكل. # وعن الثاني: بأن هذه الآية الكريمة مسألة بنفسها؛ فلا يجب قصرها ~~على ما تقدم، بل يجب إجراؤها على ظاهرها. # وعن الثالث: أن ظاهر القرآن مقدم على خبر الواحد، هذا إذا لم ~~نجوز تخصيص القرآن بخبر الواحد، فإن جوزناه، يمكن أن يجاب عنه؛ ~~بأن المسلمين، إنما يرجعون في معرفة وجوه الحرمة إلى هذه الآية؛ فدل ~~انعقاد إجماعهم على أنها غير مختصة ببيان حرمة الأكل، وللسائل أن ~~يمنع هذا الإجماع، والله تعالى أعلم. # فإن قيل: كلمة " إنما " تفيد الحصر، فيقتصر على تحريم باقي الآية ~~الكريمة، وقد ذكر في سورة المائدة هذه المحرمات، وزاد فيها: المنخنقة، ~~والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع، فما معنى هذا ~~الحصر؟ # فالجواب: أن هذه الآية متروكة العمل بظاهرها، وإن قلنا: إن كلمة " ~~إنما لا تفيد الحصر، فالإشكال زائل. # فصل في بيان مذاهب الفقهاء في الدباغ # للفقهاء سبعة مذاهب في ms0903 أمر الدباغ: # فأولها: قول الزهري: يجوز استعمال جلود الميتة بأسرها قبل الدباغ، ~~ويليه داود، قال: تطهر كلها بالدباغ، ويليه مالك؛ فإنه قال يطهر ~~ظاهرها كلها دون باطنها، ويليه أبو حنيفة - رضي الله عنه - قال: يطهر ~~كلها بالدباغ إلا جلد الخنزير، ويليه قول الإمام الشافعي - رضي الله ~~عنه - قال: تطهر كلها بالدباغ إلا جلد الكلب والخنزير، ويليه ~~الأوزاعي، وأبو ثور، قالا: يطهر جلد ما يؤكل لحمه فقط، ويليه أحمد بن ~~حنبل، قال: لا يطهر منها شيء بالدباغ؛ واحتج بالآية الكريمة، والخبر؛ ~~أما الآية: فقوله تبارك وتعالى: # حرمت عليكم الميتة # [المائدة: 3] فأطلق التحريم، ولم يقيده بحال دون حال، وأما الخبر: ~~فقوله - عليه الصلاة والسلام - في حديث عبد الله بن عكيم، لأنه قال: " ~~أتانا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته ~~بشهر، أو شهرين: أني كنت رخصت لكم في جلود ~~الميتة، فإذا أتاكم كتابي هذا، فلا تنتفعوا من ~~الميتة بإهاب، ولا عصب ". # واختلفوا في أنه، هل يجوز الانتفاع بالميتة بإطعام البازي، ~~والبهيمة؟ فمنهم: من منع منه؛ وقال: لأنه انتفاع بالميتة، والآية ~~الكريمة دالة على تحريم الانتفاع بالميتة، فأما إذا أقدم البازي ~~من عند نفسه على أكل الميتة، فهل يجب عليه منعه، أم لا؟ فيه احتمال: # فصل اختلافهم في حرمة الدماء غير المسفوحة # حرم جمهور العلماء الدم، سواء كان مسفوحا، أو غير مسفوح، وقال ~~أبو حنيفة - رضي الله عنه -:[دم السمك ليس بمحرم. # حجة الجمهور: ظاهر هذه الآية الكريمة، وتمسك أبو حنيفة - رضي الله ~~عنه -] بقوله تعالى: # قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا # [الأنعام: 145] فصرح بأنه لم يجد من المحرمات شيئا، إلا ما ذكر، ~~فالدم الذي لا يكون مسفوحا، وجب ألا يكون محرما؛ لأن هذه الآية ~~الكريمة خاصة، وتلك عامة، والخاص مقدم على العام. # وأجيب بأن قوله " لا أجد " ليس فيه دلالة على تحليل غير هذه ~~الأشياء المذكورة في هذه الآية، بل على أنه تعالى ما بين له إلا ~~تحريم ms0904 هذه الأشياء، وهذا لا ينافي أن يبين له بعد ذلك تحريم شيء آخر، ~~فلعل قوله: # حرمت عليكم الميتة # [المائدة: 3] نزلت بعد ذلك، فكان ذلك بيانا لتحريم الدم مسفوحا، أو ~~غير مسفوح. # وإذا ثبت هذا، وجب الحكم بحرمة جميع الدماء، ونجاستها، فيجب إزالة ~~الدم عن اللحم ما أمكن، وكذا في السمك، وأي دم وقع في الماء، أو ~~الثوب، فإنه ينجس ذلك المورود. # واختلفوا في قوله - عليه الصلاة والسلام-: # " أحلت لنا ميتتان ودمان " # ، هل تسمية الكبد والطحال دما حقيقة، أم تشبيه. # فصل في شراء الخنزير، وأكل خنزير الماء # أجمعت الأمة على أن الخنزير بجميع أجزائه محرم، وإنما ذكر الله ~~تبارك وتعالى لحمه؛ لأن معظم الانتفاع متعلق به، واختلفوا في أنه هل ~~يجوز أن يشترى؟ # فقال أبو حنيفة، ومحمد: يجوز، وقال الشافعي: لا يجوز، وكره أبو يوسف - ~~رحمه الله تعالى - الخزز به، وروي عنه الإباحة. # واختلفوا في خنزير الماء، فقال ابن أبي ليلى، ومالك، والشافعي، ~~والأوزاعي: لا بأس بأكل شيء يكون في البحر. وقال أبو حنيفة وأصحابه: ~~لا يؤكل. # حجة الشافعي قوله تعالى: # أحل لكم صيد البحر وطعامه # [المائدة: 96] وحجة أبي حنيفة: أن هذا خنزير، فيدخل في آية ~~التحريم. # قال الشافعي - رضي الله عنه -: إذا أطلق الخنزير، لم يتبادر إلى ~~الفهم لحم السمك، بل غير السمك بالاتفاق، ولأن خنزير الماء لا ~~يسمى خنزيرا على الإطلاق، بل يسمى خنزير الماء. # فصل # من الناس: من زعم أن المراد ب { ومآ أهل به لغير الله ~~} ذبائح عبدة الأوثان على النصب، قال ابن عطية - رضي الله عنه -: ~~رأيت في أخبار الحسن بن أبي الحسن: أنه سئل عن امرأة مترفهة صنعت للعبها ~~عرسا، فذبحت جزورا، فقال الحسن - رضي الله عنه -: لا يحل أكلها، ~~فإنها نحرت لصنم، وأجازوا ذبيحة النصارى، إذا سموا عليها باسم ~~المسيح، وهو مذهب عطاء، ومكحول، والحسن، والشعبي، وسعيد بن المسيب. ~~وقال مالك، الشافعي وأحمد وأبو حنيفة لا يحل كل ذلك، لأنهم إذا ذبحوا ~~على اسم المسيح فوجب أن يحرم. # قال علي بن أبي طالب - كرم ms0905 الله وجهه -: إذا سمعتم اليهود والنصارى ~~يلهون لغير الله، فلا تأكلوا، وإذا لم تسمعوهم، فكلوا، فإن الله ~~تبارك وتعالى، قد أحل ذبائحهم، وهو يعلم ما يقولون؛ واحتج المخالف ~~بقوله تبارك وتعالى: # وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم # [المائدة: 5] وهذا عام، وبقوله: # وما ذبح على النصب # [المائدة: 3] فدلت هذه الآية الكريمة على أن المراد بقوله: { ومآ ~~أهل به لغير الله } هو المراد ب { وما ذبح على ~~النصب } ، ولأن النصارى، إذا سموا الله تعالى، فإنما يريدون به ~~المسيح، فإذا كانت إرادتهم لذلك، لم تمنع حل ذبيحتهم، مع أنه يهل ~~به لغير الله تعالى، فكذلك ينبغي أن يكون حكمه، إذ ظهر ما يضمره عند ذكر ~~الله تعالى في إرادته المسيح. # والجواب عن الأول: أن قوله تعالى: # وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم # [المائدة: 5] عام، وقوله: { ومآ أهل به لغير الله } ~~خاص، والخاص مقدم على العام. # وعن الثاني أن قوله تعالى: { وما ذبح على النصب } لا يقتضي ~~تخصيص قوله: { ومآ أهل به لغير الله }؛ لأنهما آيتان ~~متباينتان. # وعن الثالث: إنما كلفنا بالظاهر، لا بالباطن، فإذا ذبحه على اسم ~~الله تعالى، وجب أن يحل، ولا سبيل لنا إلى الباطن. # قوله: " فمن اضطر " في " من " وجهان: # أحدهما: أن تكون شرطية. # والثاني: أن تكون موصولة بمعنى " الذي ". # فعلى الأول: يكون " اضطر " في محل جزم بها، وقوله: { فلا ~~إثم عليه } جواب الشرط، والفاء فيه لازمة. # وعلى الثاني: لا محل لقوله " اضطر " من الإعراب، لوقوعه صلة، ~~ودخلت الفاء في الخبر؛ تشبيها للموصول بالشرط، ومحل { فلا إثم ~~عليه } الجزم على الأول، والرفع على الثاني. والجمهور على " ~~اضطر " بضم الطاء، وهي أصلها، وقرأ أبو جعفر بكسرها؛ لأن الأصل " ~~اضطرر " بكسر الراء الأولى، فلما أدغمت الراء في الراء، نقلت ~~حركتها إلى الطاء بعد سلبها حركتها، وقرأ ابن محيصن: " اطر " ~~بإدغام الضاد في الطاء، وقد تقدم الكلام في المسألة هذه عند قوله: # ثم أضطره إلى عذاب النار # [البقرة: 126]. # وقرأ أبو عمرو، وعاصم، وحمزة بكسر نون " من " على أصل التقاء ~~الساكنين، وضمها الباقون؛ إتباعا ms0906 لضم الثالث. # وليس هذا الخلاف مقصور على هذه الكلمة، بل إذا التقى ساكنان من كلمتين؛ ~~وضم الثالث ضما لازما نحو: # ولقد استهزئ # [الأنعام: 10] # قل ادعوا # [الإسراء: 110]، # وقالت اخرج # [يوسف: 31]، جرى الخلاف المذكور، إلا أن أبا عمرو خرج عن أصله في # أو # [المزمل: 3] و # قل ادعوا # [الإسراء: 110] فضمهما، وابن ذكوان خرج عن أصله، فكسر التنوين خاصة؛ ~~نحو # محظورا انظر # [الإسراء: 20 - 21] واختلف عنه في # برحمة ادخلوا # [الأعراف: 49] # خبيثة اجتثت # [إبراهيم: 26] فمن كسر، فعلى أصل التقاء الساكنين، ومن ضم، فللإتباع، ~~وسيأتي بيان الحكمة في ذلك. عند ذكره، إن شاء الله - تعالى - والله أعلم. # قوله: " غير باغ ": " غير ": نصب على الحال، واختلف في صاحبها: # فالظاهر: أنه الضمير المستتر [في " اضطر " ]، وجعله القاضي، وأبو ~~بكر الرازي من فاعل فعل محذوف بعد قوله " اضطر "؛ قالا: تقديره: " ~~فمن اضطر فأكل غير باغ "؛ كأنهما قصدا بذلك أن يجعلاه ~~قيدا في الأكل لا في الاضطرار. # قال أبو حيان: ولا يتعين ما قالاه؛ إذ يحتمل أن يكون هذا المقدر ~~بعد قوله { غير باغ ولا عاد } بل هو الظاهر والأولى؛ لأن في ~~تقديره قبل " غير باغ " فصلا بين ما ظاهره الاتصال فيما بعده، وليس ~~ذلك في تقديره بعد قوله: " غير باغ ". # و " عاد ": اسم فاعل من: عدا يعدو، إذا تجاوز حده، والأصل: " ~~عادو " فقلب الواو ياء؛ لانكسار ما قبلها؛ كغاز من الغزو، وهذا هو ~~الصحيح؛ وقيل: إنه مقلوب من، عاد يعود، فهو عائد، فقدمت اللام على ~~العين، فصار اللفظ " عادو " فأعل بما تقدم، ووزنه " فالع "؛ ~~كقولهم: " شاك " في " شائك " من الشوكة، و " هار " ، والأصل " ~~هائر " ، لأنه من: هار يهور. # قال أبو البقاء - رحمه الله تعالى -: " ولو جاء في غير القرآن ~~الكريم منصوبا، عطفا على موضع " غير " جاز " ، يعني: فكان يقال: " ~~ولا عاديا ". # قوله: " اضطر " أحوج وألجىء، فهو: " افتعل " من ~~الضرورة، وأصله: من الضرر، وهو الضيق، وهذه الضرورة لها سببان: # أحدهما: الجوع الشديد، وألا يجد مأكولا حلالا يسد به الرمق، ~~فيكون عند ذلك مضطرا. # والثاني: إذا أكره على تناوله. # واعلم أن ms0907 الاضطرار ليس من فعل المكلف؛ حتى يقال: إنه لا إثم عليه، ~~فلا بد من إضمار، والتقدير: " فمن اضطر، فأكل، فلا إثم ~~عليه " ونظيره: # فعدة من أيام أخر # [البقرة: 184]، فحذف " فأفطر " ، وقوله تعالى # فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ~~ففدية من صيام # [البقرة: 196] وإنما جاز الحذف؛ لعلم المخاطب به، ودلالة الخطاب عليه. # والبغي: أصله في اللغة الفساد. # قال الأصمعي: يقال: بغى الجرح بغيا: إذا بدأ في الفساد، وبغت السماء، ~~إذا كثر مطرها، والبغي: الظلم، والخروج عن الإنصاف؛ ومنه قوله تبارك ~~وتعالى # والذين إذآ أصابهم البغي هم ينتصرون # [الشورى: 39] وأصل العدوان: الظلم، ومجاوزة الحد. # فصل # اختلفوا في معنى قوله { غير باغ ولا عاد } فقال بعضهم: " ~~غير باغ " أي غير خارج على السلطان، و " لا عاد " أي: متعد ~~بسفره، أعني: عاص بأن خرج لقطع الطريق، والفساد في الأرض، وهو قول ابن ~~عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير. # وقالوا: لا يجوز للعاصي بسفره أن يأكل الميتة، إذا اضطر إليها، ولا أن ~~يترخص في السفر بشيء من الرخص؛ حتى يتوب، وذهب جماعة إلى أن البغي ~~والعدوان راجعان إلى الأكل، واختلفوا في معناه. # فقال الحسن، وقتادة، والربيع، ومجاهد، وابن زيد: أي: يأكل من غير ~~ضرورة أي: بغي في أكله " ولا عاد " ، أي: ولا يعدو لشبعه. # وقيل: " غير باغ " أي: غير طالبها، وهو يجد غيرها، " ولا عاد " ~~، أي: غير متعد ما حد له، فيأكل حتى يشبع، ولكن يأكل ما يسد رمقه. # وقال مقاتل: " غير باغ " أي: مستحل لها، " ولا عاد " أي: ~~يتزود منها، وقيل: " غير باغ " ، أي: مجاوز للحد الذي أحل ~~له، " ولا عاد " أي: لا يقصر فيما أبيح له فيدعه. # قال مسروق: من اضطر إلى الميتة، والدم، ولحم الخنزيرن فلم يأكل، ولم ~~يقرب، حتى مات، دخل النار. # وقال سهل بن عبد الله: " غير باغ ": مفارق للجماعة، " ولا عاد ~~" ، أي: ولا مبتدع مخالف السنة، ولم يرخص للمبتدع تناول المحرم عند ~~الضرورة. # فإن قيل: الأكل في تلك الحالة واجب، وقوله: { فلا إثم عليه } ~~أيضا يفيد الإباحة، ms0908 وأيضا: فإن المضطر كالملجأ إلى الفعل، ~~والملجأ لا يوصف بأنه لا إثم عليه. # فالجواب: أنا قد بينا عند قوله # فلا جناح عليه أن يطوف بهما # [البقرة: 158]: أن نفي الإثم قدر مشترك بين الواجب، والمندوب، ~~والمباح، وأيضا: قوله تبارك وتعالى: { فلا إثم عليه }: معناه: ~~رفع الحرج والضيق. # واعلم: أن هذا الجائع، إن حصلت فيه شهوة الميتة، ولم يحصل له فيه ~~النفرة الشديدة، فإنه يصير ملجأ إلى تناول ما يسد به الرمق، وكما ~~يصير ملجأ إلى الهرب من السبع، إذا أمكنه ذلك، أما إذا حصلت ~~ألنفرة، فإنه بسبب تلك النفرة، يخرج عن أن يكون ملجأ، ولزمه تناول ~~الميتة على ما هو عليه من النفار. # فإن قيل: قوله تبارك وتعالى: { فلا إثم عليه } يناسب أن يقال ~~بعده: { إن الله غفور رحيم } فإن الغفران، إنما يذكر ~~عند حصول الإثم. # فالجواب من وجوه: # أحدها: أن المقتضي للحرمة قائم في الميتة والدم إلا أنه زالت ~~الحرمة؛ لقيام المعارض، فلما كان تناوله تناولا لما حصل فيه المقتضي ~~للحرمة، عبر عنه بالمغفرة، ثم ذكر بعده أنه رحيم، يعني: لأجل الرحمة ~~عليكم، أبحت لكم ذلك. # وثانيها: لعل المضطر يزيد على تناول قدر الحاجة. # وثالثها: ان الله تعالى، لما بين هذه الأحكام، عقبها بقوله تعالى: ~~" غفور " للعصاة، إذا تابوا، " رحيم " بالمطيعين المستمرين على ~~منهج الحكمة # فصل في معنى المضطر # قال الشافعي - رضي الله عنه -: قوله تعالى { فمن اضطر غير ~~باغ ولا عاد } معناه: أن كل من كان مضطرا لا يكون موصوفا بصفة ~~البغي، ولا بصفة العدوان ألبتة، فأكل؛ فلا إثم عليه. # وقال أبو حنيفة: معناه: " فمن اضطر فأكل غير باغ، ولا عاد ~~في الأكل، فلا إثم عليه " فخصص صفة البغي والعدوان بالأكل، ~~ويتفرع على هذا الخلاف، هل يترخص العاصي بسفره، أم لا؟ # فقال الشافعي: لا يترخص؛ لأنه يوصف بالعدوان: فلا يندرج تحت الآية ~~الكريمة. # وقال أبو حنيفة: يترخص؛ لأنه مضطر، وغير باغ، ولا عاد في الأكل، ~~فيندرج تحت الآية. # احتج الشافعي - رضي الله عنه - بأن الله تعالى حرم هذه الأشياء ms0909 على ~~الكل، ثم أباحها للمضطر الموصوف بأنه غير باغ، ولا عاد، والعاصي ~~بسفره غير موصوف بهذه الصفة؛ لأن قولنا: " فلان ليس بمتعد " نقيض ~~لقولنا: " فلان متعد " ، وقولنا: " فلان متعد " يكفي في صدقه ~~كونه متعديا لأمر من الأمور، سواء كان في سفر، أو أكل، أو غيرهما، ~~وإذا صدق عليه اسم التعدي بكونه متعديا في شيء من الأشياء فإن قولنا ~~" غير باغ، ولا عاد " لا يصدق إلا إذا انتفى عنه صفة التعدي ~~من جميع الوجوه، والعاصي بسفره متعد بسفره، فلا يصدق عليه كونه " ~~غير باغ ولا عاد " ، فيجب بقاؤه تحت التحريم. # فإن قيل: يشكل بالعاصي في سفره؛ فإنه يترخص مع أنه موصوف ~~بالعدوان. # والجواب: أنه عام دخله التخصيص في هذه الصورة، ثم الفرق بينهما: ~~أن الرخصة إعانة على السفر، فإذا كان السفر معصية، كانت الرخصة ~~إعانة على المعصية، وإذا لم يكن السفر معصية في نفسه، لم تكن الإعانة ~~عليه إعانة على المعصية، فافترقا. # فإن قيل: قوله تعالى " غير باغ ولا عاد " شرط، والشرط بمنزلة ~~الاستثناء؛ في أنه لا يستقل بنفسه، فلا بد من تعلقه بمذكور، ولا ~~مذكور إلا الأكل؛ لأنا بينا أن قوله تعالى: " غير باغ ~~ولا عاد " لا يصدق عليه إلا إذا انتفى عنه البغي والعدوان في كل ~~الأمور، فيدخل فيه نفي العدوان بالسفر ضمنا، ولا نقول: اللفظ يدل ~~على التعيين. # وأما تخصيصه بالأكل: فهو تخصيص من غير ضرورة، ثم الذي يدل على ~~أنه لا يجوز صرفه إلى الأكل وجوه: # أحدها: أن قوله " غير باغ ولا عاد " حال من الاضطرار؛ فلا ~~بد وأن يكون وصف الاضطرار باقيا، مع بقاء كون: " غير باغ ولا ~~عاد " حالا من الاضطرار، فلو كان المراد بقوله: " غير باغ، ~~ولا عاد " كونه كذلك في الأكل - لاستحال أن يبقى وصف الاضطرار معه؛ ~~لأنه حال الأكل، لا يبقى معه حال الاضطرار. # ثانيها: ان الإنسان ينفر بطبعه عن تناول الميتة والدم، وإذا كان كذلك لم ~~يكن هناك حاجة إلى النهي، فصرف هذا الشرط إلى التعدي في الأكل يخرج ~~الكلام عن ms0910 الفائدة. # وثالثها: أن كونه غير باغ ولا عاد يفيد نفي ماهية البغي ونفي ماهية ~~العدوان، وهذه الماهية إنما تنتفي عند انتفاء جميع أفرادها، والعدوان في ~~الأكل أحد أفراد هذه الماهية. # وكذلك العدوان بالسفر فرد آخر من أفرادها فإذن نفي العدوان يقتضي نفي ~~العدوان من جميع هذه الجهات، فتخصيصه بالأكل غير جائز. # وثالثها: قوله تبارك وتعالى: # فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن ~~الله غفور رحيم # [المائدة: 3] فبين في هذه أن المضطر إنما يترخص، إذا لم يكن ~~متجانفا لإثم، وهذا يؤيد ما قلناه من أن الآية الكريمة تقتضي ألا ~~يكون موصوفا بالبغي والعدوان في أمر من الأمور. # احتج أبو حنيفة - رضي الله عنه -، بوجوه: # أحدها: قوله تعالى: # وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما ~~اضطررتم إليه # [الأنعام: 119]. # وهذا مضطر؛ فوجب أن يترخص. # وثانيها: قوله تبارك وتعالى: # ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما # [النساء: 29] # ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة # [البقرة: 195]، والامتناع من الأكل سبب في قتل النفس، وإلقاء بها إلى ~~التهلكة؛ فوجب أن يحرم. # وثالثها: أنه - عليه الصلاة والسلام - رخص للمقيم يوما وليلة، ~~وللمسافر ثلاث أيام ولياليهن، ولم يفرق بين العاصي وغيره. # رابعها: أن العاصي بسفره، إذا كان نائما، فأشرف على غرق، أو حرق، ~~يجب على الحاضر الذي يكون في الصلاة أن يقطع صلاته لإنجائه، فلأن يجب ~~عليه في هذه الصورة: أن يسعى في إنقاذ مهجته أولى. # وخامسها: أن العاصي بسفره له أن يدفع عن نفسه أسباب الهلاك؛ من ~~الحيوانات الصائلة عليه، والحية، والعقرب، بل يجب عليه، فكذا ههنا. # سادسها: أن العاصي بسفره، إذا اضطر، فلو أباح له رجل شيئا ~~من ماله، فله أخذه، بل يجب دفع الضرر عن النفس. # [سابعها: أن التوبة أعظم في الوجوب وما ذاك إلا لدفع ضرر ~~النار عن النفس]، وهي أعظم من كل ما يدفع المؤمن من المضار عن ~~نفسه؛ فلذلك دفع ضرر الهلاك عن نفسه لهذا الأكل، وإن كان عاصيا. # وثامنها: أن الضرورة تبيح تناول طعام الغير من دون رضاه، بل ~~على ms0911 سبيل القهر، وهذا التناول يحرم لولا الاضطرار، فكذا ههنا. # وأجيب عن التمسك بالعمومات؛ بأن دليلنا النافي للترخص أخص ~~دلائلهم المرخصة والخاص متقدم على العام، وعن الوجوه ~~القياسية بأنه يمكنه الوصول إلى استباحة هذه الرخص بالتوبة، فإذا ~~لم يتب، فهو الجاني على نفسه، ثم تعارض هذه الوجوه: بأن ~~الرخصة إعانة على السفر، فإذا كان السفر معصية، كانت الرخصة ~~إعانة على المعصية، والمعصية ممنوع منها، والإعانة سعي في ~~تحصيلها؛ فالجمع بينهما متناقض. # فصل في اختلافهم في اختيار المضطرين المحرمات # اختلفوا في المضطر، إذا وجد كل ما يضطر من المحرمات. # فالأكثرون على أنه مخير بين الكل، ومنهم من قال: يتناول ~~الميتة، دون لحم الخنزير ويعد لحم الخنزير أعظم في التحريم. ### || [2.174] # قال ابن عباس: نزلت في رؤوس اليهود: كعب بن الأشرف وكعب بن ~~أسد، ومالك بن الصيف، وحيي بن أخطب، وأبي ياسر بن أخطب؛ كانوا ~~يأخذون من أتباعهم الهدايا، وكانوا يرجون أن يكون النبي ~~المبعوث منهم، فلما بعث محمد عليه الصلاة والسلام من غيرهم ~~خافوا انقطاع تلك المنافع؛ فكتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم ~~بأن غيروا صفته، ثم أخرجوها إليهم، فإذا ظهرت السفلة على ~~النعت المغير، وجدوه مخالفا لصفته صلى الله عليه وسلم، لا ~~يتبعونه، فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية. # قال القرطبي: ومعنى " أنزل ": أظهر؛ كما قال تعالى: # ومن قال سأنزل مثل مآ أنزل الله # [الأنعام: 93] أي: سأظهر وقيل: هو على بابه من النزول، أي: ما ~~أنزل به ملائكته على رسله. # قوله: " من الكتاب ": في محل نصب، على الحال، وفي صاحبها ~~وجهان: # أحدهما: أنه العائد على الموصول، تقديره: " أنزله الله " ~~حال كونه " من الكتاب " فالعامل فيه " أنزل ". # والثاني: أنه الموصول نفسه، فالعامل في الحال " يكتمون ". # قوله: " ويشترون به ": الضمير في " به " يحتمل أن يعود على ~~" ما " الموصولة، وأن يعود على الكتم المفهوم من قوله: " يكتمون ~~" ، وأن يعود على الكتاب، والأول أظهر، ويكون ذلك على حذف ~~مضاف، أي: " يشترون بكتم ما أنزل ". # قال ابن عباس - رضي الله عنه - وقتادة والسدي، والأصم ~~وأبو ms0912 مسلم - رضي الله عنهم - كانوا يكتمون صفة محمد - عيله ~~الصلاة والسلام - ونعته. # وقال الحسن: كتموا الأحكام، وهو قوله تبارك وتعالى: # إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون ~~أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله # [التوبة: 34]. # فصل في حقيقة الكتمان # اختلفوا في كيفية الكتمان. # فروي عن ابن عباس أنهم كانوا يحرفون ظاهر التوراة، ~~والإنجيل. # قال المتكلمون: وهذا ممتنع؛ لأن التوراة والإنجيل كتابان، وقد ~~بلغا من الشهرة إلى حد التواتر؛ بحيث يتعذر ذلك فيهما، وإنما كانوا ~~يكتمون التأويل، لأنه قد كان منهم من يعرف الآيات الدالة ~~على نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وكانوا يذكرون لها تأويلات ~~باطلة، ويحرفونها عن محاملها الصحيحة، والدالة على نبوة ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - فهذا هو المراد من الكتمان، فيصير ~~المعنى: الذين يكتمون معاني ما أنزل الله من الكتاب. # { ويشترون به ثمنا قليلا } كقوله تعالى: # ولا تشتروا بآيتي ثمنا قليلا # [البقرة: 41] لأنه في نفسه قليل ولأنه بالإضافة إلى ما فيه من ~~القدر قليل، ولما ذكر عنهم هذه الحكاية، ذكر الوعيد عليهم؛ فقال: { ~~أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار }. # قال بعضهم: ذكر البطن هنا زيادة بيان؛ كقوله: # يطير بجناحيه # [الأنعام: 38] وقال بعضهم: بل فيه فائدة؛ وقوله " في بطونهم " ، ~~يقال: أكل فلان في بطنه وأكل في بعض بطنه. # فصل في أكلهم النار في الدنيا أم في الآخرة # قال الحسن، والربيع، وجماعة من أهل العلم إن أكلهم في الدنيا ~~وإن كان طيبا في الحال، فعاقبته النار؛ لأنه أكل ما يوجب النار؛ ~~فكأنه أكل النار؛ كما روي في حديث الشارب من آنية الذهب ~~والفضة: # " إنما يجرجر في بطنه نار جهنم " # وقوله تبارك وتعالى: # إني أراني أعصر خمرا # [يوسف: 36] أي: عنبا؛ فهذا كله من تسمية الشيء بما يؤول إليه. ~~وقال الأصم إنهم في الآخرة يأكلون النار؛ لأكلهم في الدنيا ~~الحرام. # قوله: { إلا النار } استثناء مفرغ؛ لأن قبله عاملا يطلبه، ~~وهذا من مجاز الكلام، جعل ما هو سبب للنار نارا؛ كقولهم: " ~~أكل فلان الدم " ، يريدون الدية التي بسببها الدم؛ قال ~~القائل في ms0913 ذلك: [الطويل] # 904 - فلو أن حبا يقبل المال فدية # لسقنا إليه المال كالسيل مفعما # ولكن أبى قوم أصيب أخوهم # رضا العار واختاروا على اللبن الدما # وقال القائل: [الطويل] # 905 - أكلت دما إن لم أرعك بضرة # بعيدة مهوى القرط طيبة النشر # وقال: [الرجز] # 906 - يأكلن كل ليلة إكافا # يريد: ثمن إكاف. # وقوله: " في بطونهم " يجوز فيه ثلاثة أوجه: # أظهرها: أن يتعلق بقوله " يأكلون " فهو ظرف له، قال أبو ~~البقاء: وفيه حذف مضاف، أي " طريق بطونهم " ولا حاجة إلى ما ~~قاله من التقدير. # والثاني: أن يتعلق بمحذوف، على أنه حال من النار. # قال أبو البقاء: والأجود: أن تكون الحال هنا مقدرة؛ لأنها وقت ~~الأكل ليست في بطونهم. وإنما تؤول إلى ذلك، والتقدير: ~~ثابتة وكائنة في بطونهم. # قال: ويلزم من هذا تقديم الحال على حرف الاستثناء. # وهو ضعيف، إلا أن يجعل المفعول محذوفا و " في بطونهم " ~~حالا منه، أو صفة له، أي: في بطونهم شيئا، يعني فيكون: " إلا ~~النار " منصوبا على الاستثناء التام؛ لأنه مستثنى من ذلك ~~المحذوف إلا أنه قال بعد ذلك: وهذا الكلام من المعنى على المجاز ~~وللإعراب حكم اللفظ. # والثالث: أن يكون صفة أو حالا من مفعول " كلوا " محذوفا؛ كما ~~تقدم تقديره. # قوله: في ذكر البطون تنبيه على أنهم باعوا آخرتهم ~~بدنياهم، وهو حظهم من المطعم الذي لا خطر له ومعنى " إلا ~~النار " ، أي: أنه حرام يعذبهم الله عليه، فسمى ما أكلوه ~~من الرشا نارا؛ لأنه يؤديهم إلى النار، قاله أكثر المفسرين. # وقيل: إنه يعاقبهم على كتمانهم بأكل النار في جهنم حقيقة ~~فأخبر عن المآل بالحال؛ كما قال تعالى # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا # [النساء: 10]، أي عاقبتهم تئول إلى ذلك، ومنه قول القائل: ~~[الوافر] # 907 - لدوا للموت وابنوا للخراب # .............................. # وقال القائل [المتقارب] # 908 -......................... # فللموت ما تلد الوالده # وقال آخر: [البسيط] # 909 -........................ # ودورنا لخراب الدهر نبنيها # وهذه الآية تدل على تحريم الرشوة على الباطل. # قوله: { ولا يكلمهم الله } ظاهره: أنه لا يكلمهم ~~أصلا، لكنه لما ms0914 أورده مورد الوعيد، فهم منه ما يجري مجرى ~~العقوبة وذكروا فيه ثلاثة أوجه: # الأول: قد دل الدليل على أنه سبحانه وتعالى يكلمهم؛ وذلك ~~قوله # فوربك لنسألنهم أجمعين # [الحجر: 92]. # وقوله # فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن ~~المرسلين # [الأعراف: 6] فعرفنا أنه يسأل كل واحد من المكلفين، والسؤال لا ~~يكون إلا بكلام، فقالوا: وجب أن يكون المراد من الآية الكريمة ~~أنه تعالى لا يكلمهم بتحية وسلام وخير، وإنما يكلمهم بما يعظم ~~عندهم من الحسرة والغم؛ من المناقشة والمساءلة كقوله تعالى # اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون: 108]. # الثاني: أنه تبارك وتعالى لا يكلمهم أصلا، وأما قوله تعالى: ~~فوربك لنسألنهم أجمعين } إنما يكون السؤال من ~~الملائكة بأمره تعالى، وإنما كان عدم تكليمهم في معرض ~~التهديد؛ لأن [يوم القيامة هو اليوم الذي يكلم الله تعالى ~~فيه كل الخلائق بلا واسطة، فيظهر] عند كلامه السرور في أوليائه، ~~وضده في أعدائه ويتميز أهل الجنة بذلك، من أهل النار. فلا جرم ~~كان ذلك من أعظم الوعيد. # الثالث: أن قوله: " ولا يكلمهم " استعارة عن الغضب؛ لأن ~~عادة الملوك أنهم عند الغضب يعرضون عن المغضوب عليه، ولا ~~يكلموه؛ كما أنهم عند الرضا يقبلون عليه بالوجه والحديث. # وقوله " ولا يزكيهم " فيه وجوه: # الأول: لا ينسبهم إلى التزكية، ولا يثني عليهم. # الثاني: لا يقبل أعمالهم؛ كما يقبل أعمال الأولياء. # الثالث: لا ينزلهم منازل الأولياء. # وقيل: لا يصلح عمالهم الخبيثة، فيطهرهم. # قوله { ولهم عذاب أليم } ، اعلم: أن الفعيل قد يكون ~~بمعنى المفعول؛ كالجريح والقتيل، بمعنى المجروح والمقتول، وقد يكون ~~بمعنى " المفعل "؛ كالبصير بمعنى المبصر والأليم بمعنى المؤلم. # واعلم أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، فالآية ~~الكريمة وإن نزلت في اليهود، لكنها عامة في حق كل من كتم ~~شيئا من باب الدين. ### || [2.175-176] # اعلم أن أحسن الأشياء في الدنيا الاهتداء والعلم وأقبح الأشياء ~~الضلال والجهل فلما تركوا الهدى في الدنيا، ورضوا ~~بالضلال والجهل، فلا شك أنهم في نهاية الخسارة في الدنيا، ~~وأما في الآخرة، فأحسن الأشياء المغفرة، وأخسرها العذاب، ~~فلما صرفوا المغفرة، ورضوا بالعذاب، فلا جرم: ms0915 أنهم في نهاية ~~الخسارة، ومن كانت هذه صفته، فهو أعظم الناس خسارة في ~~الدنيا والآخرة. # قوله { فمآ أصبرهم على النار } في " ما " هذه خمسة ~~أقوال: # أحدها: وهو قول سيبويه، والجمهور: أنها نكرة تامة غير موصولة، ~~ولا موصوفة، وأن معناها التعجب، فإذا قلت: " ما أحسن ~~زيدا " ، فمعناه: شيء صير زيدا حسنا. # الثاني: قول الفراء - رحمه الله تعالى - أنها استفهامية ~~صحبها معنى التعجب؛ نحو " كيف تكفرون بالله ". # قال عطاء، والسدي: هو " ما " الاستفهام، معناه: ما الذي ~~صبرهم على النار؟ وأي شيء صبرهم على النار؛ حتى تركوا ~~الحق، واتبعوا الباطل. # قال الحسن، وقتادة: " والله ما لهم عليها من صبر، ولكن ما ~~أجرأهم على العمل الذي يقربهم إلى النار " وهي لغة يمنية معروفة. # قال الفراء: أخبرني الكسائي قال: أخبرني قاضي " اليمن " أن ~~خصمين اختصما إليه فوجبت اليمين على أحدهما، فحلف، ~~فقال له صاحبه: ما أصبرك على الله؟ أي: ما أجرأك عليه. # وحكى الزجاج: ما أبقاهم على النار، من قولهم: " ما ~~أصبر فلانا على الحبس " ، أي: ما أبقاه فيه. # والثالث: ويعزى للأخفش [أنها موصولة. # الرابع: ويعزى له أيضا: أنها نكرة موصوفة وهي على الأقوال الأربعة ~~في محل رفع بالابتداء، وخبرها على القولين الأولين: الجملة ~~الفعلية بعدها، وعلى قولي الأخفش]: يكون الخبر محذوفا فإن ~~الجملة بعدها إما أن تكون صلة، أو صفة وكذلك اختلفوا في أفعل الواقع ~~بعدها، أهو اسم؟ وهو قول الكوفين، أم فعل؟ وهو الصحيح، ويترتب على ~~هذا الخلاف خلاف في نصب الاسم بعده، هل هو مفعول به، أو مشبه ~~بالمعفول به، ولكل من المذهبين دلائل، واعتراضات وأجوبة ليس هذا ~~موضعها. # والمراد بالتعجب هنا، وفي سائر القرآن: الإعلام بحالهم؛ إنها ~~ينبغي أن يتعجب منها، وإلا فالتعجب مستحيل في حقه تعالى، ومعنى ~~على النار، أي: على عمل أهل النار، قاله الكسائي، وهذا من مجاز ~~الكلام. # الخامس: أنها نافية، أي: { فمآ أصبرهم على النار }. ~~نقله أبوا البقاء # قوله تعالى: { ذلك بأن الله }: اختلفوا في محل: " ذلك ~~" من الإعراب فقيل: رفع، وقيل: نصب والقائلون بأنه رفع، ~~اختلفوا ms0916 على ثلاثة أقوال. # أحدها: أنه فاعل بفعل محذوف، أي: وجب لهم ذلك. # الثاني: أن " ذلك " مبتدأ، و " بأن الله " خبره، أي: ذلك ~~العذاب مستحق بما أنزل الله في القرآن من استحقاق عذاب الكافر. # والثالث: أنه خبر، والمبتدأ محذوف، أي: الأمر ذلك، والإشارة ~~إلى العذاب، ومن قال بأنه نصب، قدره: " فعلنا ذلك " [والباء ~~متعلقة بذلك المحذوف، ومعناها السببية. # فصل في اختلافهم في الإشارة ب " ذلك " # اختلفوا في الإشارة بقوله " ذلك " ] إلى ماذا؟ على قولين: # الأول: أنه إشارة إلى ما تقدم من الوعيد على الكتمان، أي: ~~إنما كان لأن الله أنزل الكتاب بالحق في صفة محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - وإن هؤلاء اليهود والنصارى لأجل مشاقة الرسول ~~عليه الصلاة والسلام يخفونه، ويوقعون التهمة فيه، فلا جرم، ~~استحقو ذلك الوعيد الشديد، ثم تقدم في الوعيد أمور: # أقربها: أنهم اشتروا العذاب بالمغفرة. # ثانيها: اشتروا الضلالة بالهدى. # ثالثها: أن لهم عذابا أليما. # رابعها: أن الله لا يزكيهم. # خامسها: أن الله لا يكلمهم. # فقوله: " ذلك " يصلح أن يكون إشارة إلى [كل واحد منها، وأن ~~يكون إشارة إلى المجموع. # والقول الثاني: أن ذلك إشارة إلى] ما يفعلونه من جراءتهم على الله ~~في مخالفتهم أمر الله، وكتمانهم ما أنزل الله فبين تبارك ~~وتعالى أن ذلك إنما هو من أجل الكتاب بالحق وقد نزل فيه ~~أن هؤلاء الكفار لا يؤمنون، ولا ينقادون، ولا يكون منهم ~~إلا الإصرار على الكفر؛ كقوله: # إن الذين كفروا سوآء عليهم أأنذرتهم أم ~~لم تنذرهم لا يؤمنون ختم الله على قلوبهم # [البقرة:6 - 7] وقوله: " بالحق " ، أي: بالصدق، وقيل: ببيان ~~الحق، والمراد من " الكتاب ": يحتمل أن يكون التوراة، والإنجيل، ~~ويحتمل أن يكون القرآن، فإن كان الأول، كان المعنى وإن الذين ~~اختلفوا في تأويله، وتحريفه، لفي شقاق بعيد وإن كان الثاني، ~~كان المعنى: وإن الذين اختلفوا في كونه حقا منزلا من عند الله ~~تعالى لفي شقاق بعيد. # فصل في المراد باختلافهم # والمراد باختلافهم: # إن قلنا المراد ب " الكتاب " هو القرآن، كان اختلافهم فيه: ~~أن بعضهم قال: هو كهانة، ms0917 وقال آخرون هو سحر، وآخرون قالوا: ~~هو رجز، ورابع قال أساطير الأولين وخامس قال: إنه كلام ~~مختلق. وإن قلنا: المراد ب " الكتاب " هو التوراة والإنجيل، ~~فالمراد باختلافهم يحتمل وجوها. # أحدها: اختلافهم في دلالة التوراة على نبوة المسيح، فاليهود ~~قالوا: إنها دالة على القدح في عيسى؛ والنصارى قالوا: إنها ~~دالة على نبوته. # وثانيها: اختلافهم في الآيات الدالة على نبوة محمد - عليه ~~السلام - فذكر كل واحد منهم له تأويلا فاسدا. # وثالثها: قال أبو مسلم: قوله: " اختلفوا " من باب " افتعل " ~~الذي كون مكان " فعل " ، كما يقال كسب واكتسب، وعمل ~~واعتمل، وكتب واكتتب، وفعل وافتعل، ويكون معنى قوله: { ~~إن الذين اختلفوا } أي: توارثوه وصاروا خلفاء فيه؛ ~~كقوله تبارك وتعالى # فخلف من بعدهم خلف # [الأعراف: 169] وقوله # إن في اختلاف الليل والنهار # [يونس: 6] أي: كل واحد منهما يأتي خلف الآخر، [وقوله # وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة # [الفرقان: 62]. أي كل واحد منهما يخلف الآخر]، وفي الآية الكريمة ~~تأويلات ثلاث أخر. # أحدها: أن يكون المراد ب " الكتاب " جنس ما أنزل الله، والمراد ~~ب { الذين اختلفوا في الكتاب } الذين اختلف قولهم في ~~الكتاب، فقلبوا بعض كتب الله، وهي التوراة والإنجيل؛ لأجل عداوتك، ~~وهم فيما بينهم في شقاق بعيد، ومنازعة شديدة، فلا ينبغي أن تلتفت إلى ~~اتفاقهم على العداوة؛ فإنه ليس بينهم مؤالفة وموافقة. # وثانيها: كأنه تعالى يقول: هؤلاء، وإن اختلفوا فيما بينهم، فإنهم ~~كالمتفقين على عداوتك، وغاية المشاقة لك، فلهذا خصهم الله بذلك ~~الوعيد. # وثالثها: أن هؤلاء الذين اتفقوا على أصل التحريف، فإن كل ~~واحد منهم يكذب صاحبه، ويشاقه، وينازعه، وإذا كان كذلك، فقد عرفت ~~كذبهم، بقولهم، فلا يكون قدحهم فيك قدحا ألبتة. ### || [2.177] # قرأ الجمهور برفع " البر " وحمزة، وحفص عن عاصم بنصبه، فقراءة ~~الجمهور على أنه اسم " ليس " و " أن تولوا " خبرها في ~~تأويل مصدر، أي: ليس البر توليتكم، ورجحت هذه القراءة من ~~حيث إنه ولي الفعل مرفوعة قبل منصوبه، وأما قراءة حمزة وحفص ف ~~" البر " خبر مقدم، و " أن تولوا " اسمها في تأويل مصدر، ~~ورجحت هذه ms0918 القراءة بأن المصدر المؤول أعرف من المحلى بالألف ~~واللام؛ لأنه يشبه الضمير، من حيث إنه لا يوصف؛ ولا يوصف به، ~~والأعرف ينبغي أن يجعل الاسم وغير الأعرف الخبر؛ وتقديم ~~خبر " ليس " على اسمها قليل؛ حتى زعم منعه جماعة [منهم ابن ~~درستويه، قال: لأنها تشبه " ما " المجازية ولأنها حرف ~~على قول جماعة، لكنه] محجوج بهذه القراءة المتواترة، وبقول الشاعر ~~[الطويل] # 910 - سلي إن جهلت الناس عنا وعنهم # فليس سواء عالم وجهول # وقال آخر: [الطويل] # 911 - أليس عظيما أن تلم ملمة # وليس علينا في الخطوب معول # وفي مصحف أبي، وعبد الله " بأن تولوا " بزيادة الباء، وهي ~~واضحة؛ فإن الباء تزاد في خبر " ليس " كثيرا. # فصل في الاختلاف في أصل ليس # الجمهور على أن " ليس " فعل وقال بعضهم إنه حرف حجة القائلين ~~بأنها فعل: # اتصال الضمائر بها التي لا تتصل إلا بالأفعال؛ كقولك، " ~~لست، ولسنا، ولستم " ، و " القوم ليسوا قائمين " ، ~~وهذا منقوض بقوله: " إنني، وليتني، ولعلني ". # وحجة من قال بأنها حرف أمور: # الأول: أنها لو كانت فعلا، لكانت فعلا ماضيا ولا يجوز أن تكون ~~فعلا ماضيا؛ لاتفاق الجمهور على أنه لنفي الحال، والقائلون ~~بأنه فعل قالوا: إنه فعل ماض. # وثانيها: أنه يدخل على الفعل، فنقول: " ليس يخرج زيد " ~~، والفعل لا يدخل على الفعل عقلا ونقلا. # وقول من قال: " إن ليس " داخل على ضمير القصة، والشأن، وكون ~~هذه الجملة تفسيرا لذلك الضمير ضعيف؛ فإنه لو جاز ذلك، جاز مثله ~~في " ما ". # وثالثها: أن الحرف " ما " يظهر في معناه في هذه الكلمة، فإنك ~~لو قلت: " ليس زيد " لم يتم الكلام، لا بد أن تقول: " ~~ليس زيد قائما ". # ورابعها: أن " ليس " لو كان فعلا، لكان " ما " فعلا، وهذا باطل، ~~فذاك باطل، بيان الملازمة: ان " ليس " لو كان فعلا لكان ذلك ~~لدلالته على حصول معنى السلب مقترنا بزمان مخصوص، وهو ~~الحال، وهذا المعنى قائم في " ما " فيجب أن تكون " ما " فعلا، ~~فلما لم يكن هذا فعلا، فكذلك القول في ذلك أو تكون في عبارة ~~أخرى: " ليس " كلمة ms0919 جامدة، وضعت لنفي الحال، فأشبهت " ما " ~~في نفي الفعلية بذلك. # وخامسها: أنك تصل " ما " بالأفعال الماضية، فتقول: " ما ~~أحسن زيدا " ، ولا يجوز أن تصل " ما " ب " ليس " فلا ~~تقول: " ما ليس زيد يذكرك ". # وسادسها: أنه على غير أوزان الفعل. # وأجاب القاضي، والقائلون بالفعلية عن الأول بأن " ليس " ~~قد يجيء لنفي الماضي بمعناه؛ كقولهم: " جاءني القوم ليس ~~زيدا ". # وعن الثاني أنه منقوض بقولم: " أخذ يفعل كذا ". # وعن الثالث: أنه منقوض بسائر الأفعال الناقصة. # وعن الرابع: أن المماثلة من بعض الوجوه لا تقتضي المماثلة من ~~كل الوجوه. # وعن الخامس: أن ذلك إنما امتنع من قبل أن: " ما " ~~للحال و " ليس " للماضي، فلا يمكن الجمع بينهما. # وعن السادس: أن تغير البناء وإن كان على خلاف الأصل، لكنه يجب ~~المصير إليه؛ لدلالة العمل بما ذكر، وذكروا وجوها أخر ~~مخالفة للنحو. # قوله: " قبل " منصوب على الظرف المكاني بقوله: " تولوا " ، ~~وحقيقة قولك: " زيد قبلك " أي في المكان الذي يقابلك فيه ~~وقد يتسع فيه، فيكون بمعنى " عند "؛ نحو قولك: " قبل زيد ~~دين " ، أي " عنده دين ". # فصل في اختلافهم في عموم هذا الخطاب وخصوصه. # اختلفوا: هل هذا الخطاب عام، أو خاص؟ فقال قتادة، ومقاتل بن ~~حيان: لما شددوا أهل الكتاب بالثبات على التوجه نحو بيت ~~المقدس، قال تعالى: { ليس البر أن تولوا وجوهكم } ~~هذه الطريقة، { ولكن البر من ءامن بالله }. # وقال مجاهد وعطاء والضحاك - رضي الله عنهم-: المراد مخاطبة ~~المؤمنين، لما ظنوا هذا الكلام. # وقال بعضهم: هو خطاب للكل؛ لأنه لما حولت القبلة، حصل ~~للمؤمنين الاغتباط بهذه القبلة، وحصل منهم التشديد في هذه ~~القبلة؛ حتى ظنوا أنه الغرض الأكبر في الدين، فبعثهم الله ~~تعالى بهذا الخطاب استيفاء جميع الطاعات والعبادات، وليس البر ~~بأن تولوا وجوهكم شرقا وغربا، وإنما البر كيت، ~~وكيت، وكيت، فكأنه تبارك وتعالى قال: ليس البر المطلوب هو ~~أمر القبلة، بل البر المطلوب هذه الخصال التي عددتها. # فصل في المشار إليه بالضمير # قال القفال: والذي عندنا أنه إشارة إلى السفهاء الذين طعنوا ~~في المسلمين، وقالوا: ما ms0920 ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ ~~مع أن اليهود كانوا يستقبلون المغرب، والنصارى كانوا ~~يستقبلون المشرق، فقال الله تعالى: إن صفة البر لا تحصل ~~باستقبال المشرق والمغرب، بل البر يحصل بأمور. # منها: الإيمان بالله تعالى، وأهل الكتاب أخلوا بذلك، فأما ~~اليهود، فلقولهم بالتجسيم، ولقولهم بأن عزيرا ابن ~~الله، وأما النصارى؛ فلقولهم: المسيح ابن الله، واليهود ~~وصفوا الله تعالى بالبخل. # وثانيها: الإيمان باليوم الآخر، واليهود أخلوا بذلك، وقالوا: # لن تمسنا النار إلا أياما معدودة # [البقرة: 80] والنصارى أنكروا المعاد الجسماني، وكل ذلك ~~تكذيب باليوم الآخر. # وثالثها: الإيمان بالملائكة، واليهود أخلوا بذلك؛ حيث أظهروا ~~عداوة جبريل. # ورابعها: الإيمان بكتب الله تعالى، واليهود أخلوا بذلك، لأن مع ~~قيام الدلائل على أن القرآن كتاب الله تعالى ردوه ولم يقبلوه؛ ~~قال تعالى: # أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض # [البقرة: 85]. # وخامسها: الإيمان بالنبيين، واليهود أخلوا بذلك؛ حيث قتلوا ~~الأنبياء؛ على ما قال تعالى: # ويقتلون النبيين بغير الحق # [البقرة: 61] وطعنوا في نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -. # وسادسها: بذل الأموال على وفق أمر الله تعالى، واليهود ~~أخلوا بذلك؛ لأنهم يلقون الشبهات؛ لطلب المال القليل؛ ~~قال تبارك وتعالى: { ولا تشتروا بآيتي ثمنا قليلا }. # وسابعها: إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، واليهود كانوا يمنعون ~~الناس منها. # وثامنها: الوفاء بالعهد، واليهود نقضوا العهد؛ قال تبارك ~~وتعالى: # وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم # [البقرة: 40]. # وتاسعها: قوله: { في البأسآء والضراء وحين البأس } ~~والمراد بذلك المحافظة على الجهاد، واليهود أخلوا بذلك؛ حيث ~~كانوا في غاية الخوف، والجبن؛ قال تعالى: # لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من ~~ورآء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا ~~وقلوبهم شتى # [الحشر: 14]. # فإن قيل: نفى تبارك وتعالى أن يكون التوجه إلى القبلة برا، ثم ~~حكم بأن البر بمجموع أمور: أحدها: الصلوات، ولا بد فيها ~~من الاستقبال، فيلزم التناقض. # فالجواب: أن المفسرين اختلفوا على أقوال: # منها: أن قوله تعالى: " ليس البر " نفي لكمال البر ~~وليس نفيا لأصله؛ كأنه قال: " ليس البر كله هو هذا "؛ ~~فإن البر اسم من أسماء الخصال الحميدة، واستقبال القبلة واحد ms0921 ~~منها، فلا يكون ذلك تمام البر. # الثاني: أن يكون هذا نفيا لأصل كونه برا؛ لأن استقبالهم ~~للمشرق والمغرب كان خطأ في وقت النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وحينما نسخ الله تبارك وتعالى ذلك؛ بل كان ذلك مما لا يجوز؛ ~~لأنه عمل بمنسوخ قد نهى الله عنه، وما كان كذلك، فهو لا ~~يعد من البر. # الثالث: أن استقبال القبلة لا يكون برا، إذ البر يتقدمه ~~معرفة الله تعالى، وإنما يكون برا، إذا أتى بها مع الإيمان ~~بالله ورسوله، فالإتيان بها دون هذا الشرط، لا يكون من ~~أفعال البر، إلا إذا أتي بها مع شرطه، كما أن السجدة ~~لا تكون من أفعال البر، إلا إذا أتى بها مع الإيمان بالله ~~ورسوله. # وروي أنه لما حولت القبلة، كثر الخوض في نسخها، ~~كأنه لا يراعى بطاعة الله تعالى إلا الاستقبال؛ فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية؛ كأنه تبارك وتعالى قال: " ما هذا الخوض الشديد ~~في أمر القبلة مع الإعراض عن كل أركان الدين ". # قوله { ولكن البر من ءامن بالله } في هذه الآية ~~خمسة أوجه: # أحدها: أن " البر " اسم فاعل من: بر يبر، فهو " بر " ~~والأصل: " برر " بكسر الراء الأولى بزنة " فطن " فلما أريد ~~الإدغام، نقلت كسرة الراء إلى الباء بعد سكبها حركتها؛ فعلى هذه ~~القراءة: لا يحتاج الكلام إلى حذف وتأويل؛ لأن البر من صفات ~~الأعيان؛ كأنه قيل: " ولكن الشخص البر من آمن ". # الثاني: ان في الكلام حذف مضاف من الأول، تقديره: " ولكن ذا ~~البر من آمن "؛ كقوله تعالى: # والعاقبة للتقوى # [طه: 132] أي: لذي التقوى؛ وقوله # هم درجات عند الله # [آل عمران: 163] أي: ذوو درجات، قاله الزجاج. # الثالث: أن يكون الحذف من الثاني: أي: " ولكن البر بر من ~~آمن " وهذا تخريج سيبويه، واختياره، وإنما اختاره؛ لأن السابق، ~~إنما هو نفي كون البر هو تولية الوجه قبل المشرق والمغرب، فالذي ~~يستدرك، إنما هو من جنس ما ينفى؛ ونظير ذلك: " ليس الكرم أن ~~تبذل درهما، ولكن الكرم بذل الآلاف " ولا يناسب: " ~~ولكن الكريم من يبذل الآلاف " وحذف ms0922 المضاف كثير في ~~الكلام، كقوله: # وأشربوا في قلوبهم العجل # [البقرة: 93]، أي: حب العجل، ويقولون: الجود حاتم، والشعير زهير، ~~والشجاعة عنترة، [وقال الشاعر: [الطويل] # 912 -........................... # فإنما هي إقبال وإدبار # أي: ذات إقبال، وذات إدبار. # وقال النابغة: [المتقارب] # 913 - وكيف نواصل من أصبحت # خلالته كأبي مرحب # أي: كخلالة أبي مرحب]، وهذا اختيار الفراء، والزجاج، وقطرب. # وقال أبو علي: ومثل هذه الآية الكريمة قوله: # أجعلتم سقاية الحاج # [التوبة: 19]، ثم قال: # كمن ءامن بالله # [التوبة: 19]؛ ليقع التمثيل بين مصدرين، أو بين فاعلين؛ إذ لا يقع ~~التمثيل بين مصدر، وفاعل. # الرابع: أن يطلق المصدر على الشخص مبالغة؛ نحو: رجل عدل. # ويحكى عن المبرد: " لو كنت ممن يقرأ القرآن، لقرأت " ولكن ~~البر " بفتح الباء " وإنما قال ذلك؛ لأن " البر " اسم فاعل، نقول ~~بر يبر، فهو بار، وبر، فتارة تأتي به على فاعل، وتارة على ~~فعل. # الخامس: أن المصدر وقع موقع اسم الفاعل، نحو: رجل عدل، أي: عادل، كما ~~قد يقع اسم الفاعل موقعه، نحو: أقائما، وقد قعد الناس؛ في قول، هذا رأي ~~الكوفيين، والأولى فيه ادعاء أنه محذوف من فاعل، وأن أصله: بار، ~~فجعل " برا " ، وأصله ك " سر " ، و " رب " أصله " راب " ، وقد ~~تقدم. # وجعل الفراء " من آمن " واقعا موقع الإيمان، فأوقع اسم الشخص على ~~المعنى كعكسه؛ كأنه قال: " ولكن البر الإيمان بالله " قال: ~~والعرب تجعل الاسم خبرا للفعل، وأنشد في ذلك: [الطويل] # 914 - لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللحى # ولكنما الفتيان كل فتى ندي # جعل نبات اللحية خبرا للفتيان، والمعنى: لعمرك ما الفتوة أن تنبت ~~اللحى. # وقرأ نافع، وابن عامر: " ولكن البر " هنا وفيما بعد بتخفيف " ~~لكن " وبرفع " البر " ، والباقون بالتشديد، والنصب، وهما ~~واضحتان مما تقدم في قوله: # ولكن الشيطين كفروا # [البقرة: 102]. # وقرئ: " ولكن البار " بالألف، وهي تقوي أن " البر " ~~بالكسر المراد به اسم الفاعل، لا المصدر. # قال أبو عبيدة: " البر " هاهنا بمعنى البار، كقوله: # والعاقبة للتقوى # [طه: 132] أي: للمتقين، ومنه قوله تعالى: # إن أصبح مآؤكم غورا # [الملك: 30] أي: غائرا، وقالت الخنساء: [البسيط] # 915 - وإنما ms0923 هي إقبال وإدبار # أي: مقبلة ومدبرة والعمل لكل خير هو بر، وقيل: البر: كل عمل خير يفضي ~~بصاحبه إلى الجنة، قال تعالى: # إن الأبرار لفي نعيم # [الإنسان: 13]. # ووحد الكتاب لفظا، والمراد به الجمع؛ وحسن ذلك كونه مصدرا في ~~الأصل، أو أراد به الجنس، أو أراد به القرآن، فإن من آمن به، فقد آمن ~~بكل الكتب، فإنه شاهد لها بالصحة. # فصل فيما اعتبر الله تعالى في تحقيق البر # اعلم أن الله تعالى اعتبر في تحقيق البر أمورا: # أحدها: الإيمان بخمسة أشياء: # أولها: الإيمان بالله، ولا يحصل ذلك إلا بالعلم بذاته المخصوصة، وبما ~~يجب، ويجوز، ويستحيل عليه، ولا يحصل العلم بهذه الأمور إلا بالعلم ~~بالدلائل الدالة عليها، فيدخل فيه العلم بحدوث العالم، والعلم بالأصول ~~التي يتفرع عليها حدوث العالم، ويدخل فيه العلم بوجوده، وقدرته، ~~وبقائه، وكونه عالما بكل المعلومات قادرا على كل الممكنات. # وثانيها: الإيمان باليوم الآخر، وهذا متفرع على الأول؛ لأنا إن لم ~~نعلم قدرته على جميع الممكنات، لا يمكننا أن نعلم صحة الحشر والنشر. # وثالثها: الإيمان بالملائكة. # ورابعها: الإيمان بالكتب. # وخامسها: الإيمان بالرسل. # فإن قيل: لا طريق لنا إلى العلم بوجود الملائكة، ولا إلى العلم بصدق ~~الكتب، إلا بواسطة صدق الرسل، فإذا كان قول الرسل كالأصل في معرفة ~~الملائكة والكتب، فلم قدم الملائكة والكتب في الذكر على الرسل؟ # فالجواب: أن الأمر، إن كان كذلك في عقولنا، إلا ان الترتيب على ~~العكس؛ لأن الملك يوجد أولا، ثم يحصل بواسطة تبليغه نزول الكتب إلى ~~الرسل، فالمراعى في هذه الآية ترتيب الوجود الخارجي، لا الترتيب ~~الذهني؛ فدخل تحت الإيمان بالله معرفته، ودخل تحت الإيمان باليوم الآخر ~~معرفة ما يلزم من أحكام العقاب، والثواب، والمعاد، ودخل تحت الإيمان ~~بالملائكة ما يتصل بإتيانهم الرسالة إلى الأنبياء؛ ليؤدوها إلينا إلى ~~غير ذلك مما يجب أن يعلم من أحوال الملائكة، ودخل تحت الإيمان بالكتاب ~~القرآن، وجميع ما أنزل الله على أنبيائه، ودخل تحت الإيمان بالنبيين ~~الإيمان بنبوتهم، وصحة شريعتهم، فلم يبق شيء مما يجب الإيمان به، ~~إلا ms0924 دخل تحت هذه الآية. # وتقرير آخر: وهو أن للمكلف مبتدأ ووسطا، ونهاية، ومعرفة المبدأ ~~والنهاية؛ هو المراد من الإيمان بالله تعالى، واليوم الآخر. # وأما معرفة الوسط، فلا يتم إلا بالرسالة، وهي لا تتم إلا ~~بثلاثة أمور: # الملك الآتي بالوحي، ونفس الوحي، وهو الكتاب، والموحى إليه، وهو الرسول ~~- عليه الصلاة والسلام -. # وفي تقديمه الإيمان على أفعال الجوارح؛ من إيتاء المال، والصلاة، ~~والزكاة - تنبيه على أن أعمال القلوب أشرف من أعمال الجوارح. # الأمر الثاني من الأمور المعتبرة في تحقيق البر قوله: { وءاتى ~~المال على حبه } [البقرة: 177]، فالجار والمجرور في محل نصب ~~على الحال العامل في " آتى " أي: آتى المال حال محبته له، واختياره ~~إياه، والحب: مصدر " حببت " ، لغة في " أحببت "؛ كما ~~تقدم، ويجوز أن يكون مصدر الرباعي على حذف الزوائد، ويجوز أن يكون ~~اسم مصدر، وهو الإحباب؛ كقوله: # والله أنبتكم من الأرض نباتا # [نوح: 17] والضمير المضاف إليه هذا المصدر فيه أربعة أقوال: # أظهرها: أنه يعود على المال؛ لأنه أبلغ من غيره. # قال ابن عباس، وابن مسعود: " هو أن تؤتيه، وأنت صحيح شحيح، ~~تأمل الغنى، وتخشى الفقر، ولا تهمل حتى إذا بلغت ~~الحلقوم، قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا " وهذا بعيد من ~~حيث اللفظ ومن حيث المعنى. # أما من حيث اللفظ: رواية أبي هريرة، قال: # " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ~~أي الصدقة أعظم أجرا؟ قال: أن تصدق وأنت صحيح ~~شحيح " # وذكره. # الثاني: أنه يعود على الإيتاء المفهوم من قوله تعالى: " آتى " ، أي: على ~~حب الإيتاء؛ كأنه قيل: يعطي، ويحب الإعطاء؛ رغبة في ثواب الله. # قال شهاب الدين: وهذا بعيد من حيث اللفظ، ومن حيث المعنى. # أما من حيث اللفظ: فإن عود الضمير على غير مذكور، بل مدلول عليه بشيء ~~- خلاف الأصل. # وأما من حيث المعنى: فإن المدح لا يحسن على فعل شيء يحبه الإنسان، ~~لأن هواه يساعده على ذلك. # قال زهير: [الطويل] # 916 - تراه إذا ما جئته متهللا # كأنك تعطيه الذي أنت سائله # الثالث: أن يعود على ms0925 الله تعالى، يعني: " يعطون المال على حب ~~الله "؛ وعلى هذه الأقوال الثلاثة يكون المصدر مضافا للمفعول، وعلى ~~هذا، فالظاهر أن فاعل هذا المصدر هو ضمير المؤتي، وقيل: هو ضمير ~~المؤتون، أي: " حبهم له " ، واحتياجهم إليه، وليس بذلك، و " ذوي ~~القربى " على هذه الأقوال الثلاثة: منصوب ب " أتى " فقط، لا ~~بالمصدر؛ لأنه قد استوفى مفعوله. # الرابع: أن يعود على " من آمن " ، وهو المؤتي للمال، فيكون المصدر ~~على هذا مضافا للفاعل، وعلى هذا: فمفعول هذا المصدر يحتمل أن يكون ~~محذوفا، أي: " حبه المال " ، وأن يكون ذوي القربى، إلا أنه لا ~~يكون فيه تلك المبالغة التي فيما قبله. # قال ابن عطية: ويجيء قوله " على حبه " اعتراضا بليغا في ~~أثناء القول. # قال أبو حيان - رحمه الله -: فإن أراد بالاعتراض المصطلح عليه، فليس ~~بجيد، فإن ذلك من خصوصيات الجملة التي لا محل لها، وهذا مفرد، ~~وله محل، وإن أراد به الفصل بالحال بين المفعولين، وهما " المال " ، و ~~" ذوي " ، فيصح، إلا انه فيه إلباس. # فصل في معنى الإيتاء # اختلفوا في المراد من هذا الإيتاء، فقال قوم: إنها الزكاة، وهذا ~~ضعيف؛ لأنه عطف الزكاة عليه، بقوله: { وأقام الصلوة وءاتى ~~الزكوة } [البقرة: 177] ومن حق المعطوف، والمعطوف عليه المغايرة، ثم ~~لا يخلو: إما أن يكون تطوعا: أو واجبا، ولا جائز أن يكون تطوعا؛ ~~لأنه قال في آخر الآية الكريمة: { أولئك الذين صدقوا ~~وأولئك هم المتقون } [البقرة: 177]، وقف التقوى عليه، ولو ~~كان تطوعا، لما وقف التقوى عليه، وإذا ثبت أنه واجب، وأنه غير ~~الزكاة، ففيه أقوال: # أحدها: أنه عبارة عن دفع الحاجات الضرورية؛ مثل: إطعام المضطر؛ ~~ويدل عليه قوله - عليه الصلاة والسلام -: # " لا يؤمن بالله واليوم الآخر من بات شبعانا، ~~وجاره طاو إلى جنبه " # وروي عن فاطمة بنت قيس: " إن في المال حقا سوى الزكاة " ثم تلت ~~" وآتى المال على حبه ". # وحكي عن الشعبي أنه سئل عمن له مال، فأدى زكاته، فهل عليه ~~سواه؟ فقال: نعم، يصل القرابة، ويعطي السائل، ثم تلا هذه الآية الكريمة. # وأيضا: فلا خلاف أنه إذا ms0926 انتهت الحاجة إلى الضرورة، وجب على الناس ~~أن يعطوه مقدار دفع الضرورة. # فإن قيل: الزكاة نسخت الحقوق المالية. # فالجواب: أنه - عليه السلام - قال: # " في المال حقوق سوى الزكاة " # ؛ وقول الرسول أولى، وأجمعت الأمة على أنه يجب أن يدفع إلى المضطر ~~ما يدفع به الضرورة، وإن سلمنا أن الزكاة نسخت كل حق، فالمراد ~~أنها نسخت الحقوق المقدرة، أما الذي لا يكون مقدرا، فغير منسوخ؛ ~~بدليل أنه يلزم النفقة على الأقارب، والمماليك. # فإن قيل: إذا صح هذا التأويل، فما الحكمة في هذا الترتيب؟! # فالجواب من وجوه: # أحدها: أنه تبارك وتعالى قدم الأولى فالأولى؛ لأن الفقير القريب ~~أولى بالصدقة من غيره، لأن يجمع فيه بين الصلة، والصدقة، ولأن ~~القرابة من أوكد الوجوه في صرف المال إليه، ولذلك يستحق بها الإرث، ~~ويحجر على ذي المال بسببه في الوصية، حتى لا يتمكن من الوصية، إلا في ~~الثلث، ولذلك كانت الوصية للأقارب من الواجبات؛ لقوله تعالى: # كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك ~~خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف # [البقرة: 180]. # وإن كانت نسخت عند بعضهم؛ فلهذه الوجوه، قدم ذوي القربى، ثم أتبعه ~~باليتامى؛ لأن الصغير الفقير الذي لا والد له، ولا كاسب، فهو منقطع ~~الحيلة من كل الوجوه، ثم أتبعهم بالمساكين؛ لأن الحاجة قد تشتد بهم، ~~ثم ذكر السائلين، وفي الرقاب؛ لأن حاجتهما دون حاجة من تقدم. # وثانيها: أن علم المرء بشدة حاجة قريبه أقوى، ثم بحاجة الأيتام، ثم ~~بحاجة المساكين ثم على هذا النسق. # وثالثها: أن ذا القربى مسكين، وله صفة زائدة تخصه؛ لأن شدة حاجته ~~تغم صاحب المال، وتؤذي قلبه، ودفع الضرر عن النفس مقدم على دفع ~~الضرر عن الغير؛ فلذلك بدأ الله بذي القربى، ثم باليتامى؛ لأن الغم ~~الحاصل بسبب عجز الصغار عن الطعام والشراب أشد من الغم الحاصل ~~بسبب عجز الكبار عن تحصيلهما، ثم المساكين؛ لأن الغم الحاصل بسببهم ~~أخف من الغم الحاصل بسبب الصغار. # وأما ابن السبيل، فقد يكون غنيا، وقد تشتد حاجته في الوقت، ~~والسائل قد يكون غنيا، ويظهر شدة ms0927 الحاجة، وأخر المكاتب؛ لأن ~~إزالة الرق ليست في محل الحاجة الشديدة. # القول الثاني: أن المراد بإيتاء المال: ما # " روي أنه - عليه الصلاة والسلام - عند ذكره الإبل، قال: إن فيها ~~حقا؛ وهو إطراق فحلها، وإعارة دلوها " # ، وهذا بعيد؛ لأن الحاجة إلى إطراق الفحل أمر لا يختص به ابن ~~السبيل، والسائل والمكاتب. # القول الثالث: أن إيتاء المال إلى هؤلاء كان واجبا، ثم نسخ بالزكاة، ~~وهذا أيضا ضعيف، لأنه تبارك وتعالى جمع في هذه الآية الكريمة بين هذا ~~الإيتاء، وبين الزكاة. # وقال بعضهم: المراد صدقة التطوع. # فصل في الوجوه الإعرابية لقوله " ذوي " # قوله " ذوي " فيه وجهان: # أحدهما - وهو الظاهر - أنه مفعول ب " آتى " وهل هو الأول، و " المال ~~" هو الثاني؛ كما هو قول الجمهور، وقدم للاهتمام، أو هو الثاني: فلا ~~تقديم، ولا تأخير؛ كما هو قول السهيلي؟ # والثاني: أنه منصوب ب " حبه "؛ على أن الضمير يعود على " من ~~آمن "؛ كما تقدم. # فصل في المراد ب " ذوي القربى " # من الناس من حمل ذوي القربى على المذكور في آية النفل والغنيمة، ~~وأكثر المفسرين على ذوي القربى للمعطين، وهو الصحيح؛ لأنهم به ~~أخص، وهم الذين يقربون منه بولادة الأبوين، أو بولادة الجدين، أو أبي ~~الجدين، ولا يقتصر على ذوي الرحم المحرم كما حكي عن قوم؛ لأن ~~المحرمية حكم شرعي، والقرابة لفظة لغوية موضوعة للقرابة في ~~النسب، وأن تفاوتوا في القرب والبعد. # قوله " واليتامى ": ظاهره أنه منصوب، عطفا على ذوي. # وقال بعضهم: هو عطف على " القربى " أي: " آتى ذوي اليتامى " ، أي: ~~أولياءهم؛ لأن الإيتاء إلى اليتامى لا يصح؛ فإن دفع المال إلى اليتيم ~~الذي لا يميز، ولا يعرف وجوه المنفعة يكون مخطئا، ولا حاجة إلى هذا، ~~فإن الإيتاء يصدق، وإن لم يباشر من يؤتيه بالإيتاء، يقال: " آتيت ~~السلطان الخراج " ، وإنما أعطيت أعوانه. # وأيضا: إذا كان اليتيم مراهقا عارفا بمواقع حظه، وتكون الصدقة من ~~باب ما يؤكل، ويلبس، ولا يخفى على اليتيم وجه الانتفاع به، جاز دفعها ~~إليه، هذا على قول من قال: إن اليتيم هو الذي لا ms0928 أب له مع الصغر. # وقال بعضهم: أن هذا الاسم قد يقع على الصغير، وعلى البالغ؛ لقوله ~~تعالى: # وءاتوا اليتامى أموالهم # [النساء: 2] وهم لا يؤتون إلا إذا بلغوا، وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يسمى يتيم أبي طالب بعد بلوغه؛ فعلى هذا: إن كان اليتيم ~~بالغا، دفع إليه، وإلا دفع إلى وليه، والمساكين أهل الحاجة، وهم ~~ضربان: من يكف عن السؤال، وهو المراد هاهنا، ومنهم من يسأل وينبسط، وهم ~~السائلون، وإنما فرق بينهما؛ من حيث يظهر على المساكين المسكنة مما ~~يظهر من حاله، وليس كذلك السائل لأنه يظهر حاله. # وابن السبيل اسم جنس أو واحد أريد به الجمع، وسمي " ابن السبيل " ، ~~أي: الطريق، لملازمته إياها في السفر، أو لأن الطريق تبرزه، فكأنها ~~ولدته. # وقيل: هو الضعيف. # فصل. # من جعل الآية الكريمة في غير الزكاة، أدخل في هذه الآية المسلم ~~والكافر، روى الحسن بن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - أنه - عليه ~~الصلاة والسلام - قال: # " للسائل حق، ولو جاء على فرس " # ، وقال تعالى: # وفي أموالهم حق للسآئل والمحروم # [الذاريات: 19]. # الأمر الثالث في تحقيق مسمى البر، قوله: { وأقام الصلوة ~~وءاتى الزكوة } وقد تقدم. قوله { وفي الرقاب } متعلق ~~ب " ءاتى " وفيه وجهان: # أحدهما: أن يكون ضمن " ءاتى " معنى فعل يتعدى لواحد؛ كأنه قال: وضع ~~المال في الرقاب. # والثاني: أن يكون مفعول " ءاتى " الثاني محذوفا، أي: آتى المال أصحاب ~~الرقاب في فكها، أو تخليصها؛ فإن المراد بهم المكاتبون، أو ~~الأسارى، أو الأرقاء يشترون، فيعتقون، وكل قد قيل به. # والرقاب: جمع " رقبة " ، وهي من مؤخر أصل العنق، واشتقاقها من ~~" المراقبة "؛ وذلك أن مكانها من البدن مكان الرقيب المشرف على القوم؛ ~~وبهذا المعنى: يقال: " أعتق الله رقبته " ، ولا يقال: " ~~أعتق الله عنقه "؛ لأنها لما سميت رقبة؛ كأنها تراقب ~~العذاب، ومن هذا يقال للتي لا يعيش ولدها " رقوب "؛ لأجل مراقبة موت ~~ولدها. # قوله: { وأقام الصلوة } عطف على صلة " من " ، وهي: " ءامن، ~~وءاتى " وإنما قدم الإيمان، لأنه رأس الأعمال الدينية، وثنى بإيتاء ~~المال؛ لأنه أجل شيء عند ms0929 العرب، وبه يمتدحون، ويفتخرون بفك العاني: ~~وقرى الضيفان، ينطق بذلك نظمهم ونثرهم. # قوله { والموفون بعهدهم... } في رفعة ثلاثة أوجه: # أحدها: ذكره الزمخشري: أنه عطف على " من آمن " أي: ولكن البر ~~المؤمنون والموفون. # والثاني: أن يرتفع على خبر مبتدأ محذوف، أي: هم الموفون، وعلى هذين ~~الوجهين: فنصب الصابرين على المدح؛ بإضمار فعل، وهو في المعنى عطف على " ~~من آمن " ، ولكن لما تكررت الصفات، خولف بين وجوه الإعراب. # قال الفارسي: وهو أبلغ؛ لأن الكلام يصير مشتملا على جمل متعددة، ~~بخلاف اتفاق الإعراب؛ فإنه يكون جملة واحدة، وليس فيها من المبالغة ما ~~في الجمل المتعددة. # وقال أبو عبيدة: ومن شأن العرب، إذا طال الكلام: أن يغيروا الإعراب ~~والنسق؛ كقوله تعالى في سورة النساء: # والمقيمين الصلوة # [النساء: 162] وفي المائدة: # والصابئون # [المائدة: 69] وقال الفراء: إنما رفع " الموفون " ، ونصب " ~~الصابرين "؛ لطول الكلام بالمدح، والعرب تنصب الكلام على المدح ~~والذم، إذا طال الكلام في الشيء الواحد، وقالوا فيمن قرأ # حمالة الحطب # [المسد: 3] بنصب " حمالة ": إنه نصب على الذم. # فإن قيل: لم لا يجوز على هذين الوجهين: أن يكون معطوفا على ذوي القربى، ~~أي: وآتى المال الصابرين: قيل: لئلا يلزم من ذلك محذور، وهو الفصل بين ~~المعطوف والمعطوف عليه الذي هو في حكم الصلة بأجنبي، وهو " ~~الموفون " فإن قيل: أليس جاز الفصل بين المبتدأ والخبر بالجملة؛ ~~كقوله: # وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن ~~عملا # [الكهف: 30] ثم قال " أولئك " ففصل بين المبتدأ والخبر. # قلنا: لا يلزم من جواز الفصل بين المبتدأ والخبر جوازه بين الموصول ~~والصلة. # الثالث: أن يكون " الموفون " عطفا على الضمير المستتر في " آمن " ~~ولم يحتج إلى التأكيد بالضمير المرفوع المنفصل، لأن طول الكلام أغنى عن ~~ذلك؛ وعلى هذا الوجه: يجوز في " الصابرين " وجهان: # أحدهما: النصيب؛ بإضمار فعل؛ لما تقدم، قال الخليل: المدح والذم ~~ينصبان على معنى " أعني الظريف " وأنكر الفراء ذلك لوجهين. # أحدهما: أن " أعني " إنما يقع تفسيرا للمجهول، والمدح يأتي بعد ~~المعروف. # الثاني: أنه لو صح ما قاله الخليل، لصح أن يقال: " قام ms0930 زيد ~~أخاك " على معنى " أعني أخاك " ، وهذا مما لم تقله العرب أصلا. # والثاني: العطف على ذوي القربى، ولا يمنع من ذلك ما تقدم من ~~الفصل بالأجنبي، لأن " الموفون " على هذا الوجه داخل في الصلة، ~~فهو بعضها لا أجنبي منها. # قوله " إذا عاهدوا " إذا منصوب ب " الموفون " ، أي: الموفون ~~وقت العهد، من غير تأخير الوفاء عن وقته، وقرأ الجحدري: " ~~بعهودهم ". # فصل في معنى قوله " بعهدهم " # في هذا العهد قولان: # أحدهما: هو ما أخذه الله على عباده على ألسنة رسله من الإيمان، والقيام ~~بحدوده، والعمل بطاعته؛ لما أخبر الله تبارك وتعالى عن أهل الكتاب: ~~أنهم نقضوا العهود والمواثيق، فجحدوا أنبياءه، وقتلوهم، وكذبوا ~~بكتابه. واعترض القاضي على هذا القول، وقال: إن قوله تبارك وتعالى: " ~~الموفون بعهدهم " صريح في إضافة العهد إليهم، ثم إنه تعالى ~~أكد ذلك بقوله: " إذا عاهدوا " ، فلا وجه لحمله على ما سيكون لزومه ~~ابتداء من قبله تعالى. # وأجيب: بأنه تعالى، وإن ألزمهم هذه الأشياء، لكنهم من عند أنفسهم قبلوا ~~ذلك الإلزام، والتزموه، فصح إضافة العهد إليهم من هذا الوجه. # القول الثاني: أن يحمل ذلك على الأمور التي يلتزمها المكلف ابتداء من ~~عند نفسه. # واعلم أن هذا العهد إما أن يكون بين العبد وبين الله تعالى؛ كاليمين ~~والنذر، وما أشبهه، أو بينه وبين رسول الله؛ كالبيعة؛ من القيام ~~بالنصرة والمجاهدة، والمظاهرة، وموالاة من والاه، ومعاداة من عاداه، او ~~بينه وبين الناس، وقد يكون ذلك واجبا، مثل: ما يلتزمه في عقود ~~المعاوضات من التسليم والتسلم، والشرائط التي يلتزمها في السلم، ~~والرهن وغيره، وقد يكون مندوبا؛ مثل: الوفاء بالعهد في بذل المال، ~~والإخلاص في المناصرة. # فقوله { والموفون بعهدهم إذا عاهدوا } يتناول كل هذه ~~الأقسام؛ فلا تقتصر الآية على بعضها، وهذا هو الذي عبر عنه المفسرون، ~~فقالوا: هم الذين إذا وعدوا، أنجزوا، وإذا حلفوا ونذروا، وفوا، وإذا ~~قالوا، صدقوا، وإذا ائتمنوا، أدوا. # فصل في بلاغة قوله " والموفون " دون " وأوفى " # قال الراغب: وإنما لم يقل " وأوفى "؛ كما قال " وأقام "؛ ~~لأمرين: # أحدهما: اللفظ، وهو أن الصلة، ms0931 متى طالت، كان الأحسن أن يعطف على ~~الموصول، دون الصلة؛ لئلا يطول ويقبح. # والثاني: أنه ذكر في الأول ما هو داخل في حيز الشريعة، وغير مستفاد ~~إلا منها والحكمة العقلية تقتضي العدالة دون الجور، ولما ذكر وفاء ~~العهد، وهو مما تقضي به العقول المجردة، صارعطفه على الأول أحسن، ~~ولما كان الصبر من وجه مبدأ الفضائل، ومن وجه: جامعا للفضائل؛ إذ لا ~~فضيلة إلا وللصبر فيها أثر بليغ - غير إعرابه تنبيها على هذا ~~المقصد؛ وهذا كلام حسن. # وحكى الزمخشري قراءة " والموفين " ، " والصابرين " وقرأ ~~الحسن، والأعمش، ويعقوب: " والموفون " ، " والصابرون ". # فصل في الأحكام المستافدة من الآية # قال القرطبي: تضمنت هذه الآية الكريمة ست عشرة قاعدة من أمهات ~~الأحكام: # الإيمان بالله وبأسمائه، وصفاته، والحشر، والنشر، والصراط، والحوض، ~~والشفاعة، والجنة، والنار، والملائكة، والرسل، والكتب المنزلة، ~~وأنها حق من عند الله؛ كما تقدم، والنبيين، وإنفاق المال فيما ~~يعن له من الواجب، والمندوب، وإيصال القرابة، وترك قطعهم، وتفقد ~~اليتيم، وعدم إهماله المساكين كذلك، ومراعاة ابن السبيل، وهو: المسافر ~~المنقطع به، وقيل: الضعيف، والسؤال، وفك الرقاب، والمحافظة على ~~الصلوات، وإيتاء الزكاة، والوفاء بالعهود، والصبر في الشدائد، ~~وكل قاعدة من هذه القواعد تحتاج إلى كتاب. # وقوله { في البأسآء والضراء }: قال ابن عباس: يريد الفقر ~~بقوله: " البأساء " ، والمرض بقوله: " والضراء " ، وفيهما ~~قولان: # أحدهما: وهو المشهور أنهما اسمان مشتقان من البؤس والضر وألفهما ~~للتأنيث، فهما اسمان على " فعلاء " ولا " أفعل " لهما؛ لأنهما ~~ليسا بنعتين. # والثاني: أنهما وصفان قائمان مقام موصوف، والبؤس، والبأساء: الفقر؛ ~~يقال بئس يبأس، إذا افتقر؛ قال الشاعر: [الطويل] # 917 - ولم يك في بؤس إذا بات ليلة # يناغي غزالا ساجي الطرف أكحلا # قوله: " وحين البأس " منصوب بالصابرين، [أي]: الذين صبروا ~~وقت الشدة، والبأس: شدة القتال خاصة، بؤس الرجل، أي: شجع. ~~قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: يريد القتال في سبيل الله، وأصل البأس ~~في اللغة: الشدة؛ يقال: لا بأس عليك في هذا، أي: لا شدة و # بعذاب بئيس # [الأعراف: 165] أي: شديد، ثم يسمى الحرب بأسا، لما فيه من الشدة، ms0932 ~~والعذاب يسمى بأسا؛ لشدته، قال تبارك وتعالى: # فلما رأوا بأسنا # [غافر: 84] # فلمآ أحسوا بأسنآ # [الأنبياء: 12] # فمن ينصرنا من بأس الله إن جآءنا # [غافر: 29]. # قوله: { أولئك الذين صدقوآ } مبتدأ وخبر، وأتى بخبر " ~~أولئك " الأولى موصولا بصلة، وهي فعل ماض؛ لتحقق اتصافهم به، ~~وأن ذلك قد وقع منهم، واستقر، وأتى بخبر الثانية بموصول صلته اسم ~~فاعل، ليدل على الثبوت، وأنه ليس متجددا، بل صار كالسجية لهم، ~~وأيضا: فلو أتى به فعلا ماضيا، لما حسن وقوعه فاصلة. # قال الواحدي - رحمه الله -: إن الواوات في الأوصاف في هذه الآية ~~للجمع، فمن شرائط البر، وتمام شرط البار: أن تجتمع فيه هذه ~~الأوصاف، ومن قام بواحد منها، لم يستحق الوصف بالبر فلا ينبغي أن ~~يظن الإنسان أن الموفي بعهده أن يكون من جملة من قام بالبر، وكذا ~~الصابر في البأساء، بل لا يكون قائما بالبر إلا عند استجماع هذه ~~الخصال، ولذلك قال بعضهم: هذه الصفة خاصة للأنبياء؛ لأن غيرهم لا تجتمع ~~فيه هذه الأوصاف كلها. # وقال آخرون: هي عامة في جميع المؤمنين، والله أعلم. ### || [2.178] # قوله " في القتلى " ، أي: بسبب القتلى و " في " تكون للسببية؛ ~~كقوله - عليه السلام - # " إن امرأة دخلت النار في هرة " # ، أي: بسببها، و " فعلى " يطرد أن يكون جمعا لفعيل، بمعنى مفعول، ~~وقد تقدم شيء من هذا عند قوله # وإن يأتوكم أسارى # [البقرة: 85]. # فصل في بيان سبب النزول # في سبب النزول وجوه: # أحدها: إزالة الأحكام التي كانت ثابتة قبل البعثة، وذلك أن اليهود كانوا ~~يوجبون القتل فقط، والنصارى كانوا يوجبون العفو فقط، والعرب تارة كانوا ~~يوجبون القتل، وتارة يوجبون الدية، لكنهم كانوا يظهرون التعدي، ~~فأما القتل؛ فكانوا إذا وقع القتل بين قبيلتين: أحدهما أشرف من الأخرى، ~~فكان الأشراف يقولون: " لنقتلن بالعبد منا الحر منهم، ~~وبالمرأة منا الرجل منهم، وبالرجل منا ~~الرجلين منهم " وربما زادوا على ذلك، وينكحون نساءهم بغير ~~مهور؛ قاله سعيد بن جبير. # يروى أن واحدا من الأشراف قتل له ولد، فاجتمع أقارب القاتل عند والد ~~المقتول، فقالوا له: ما تريد؟ فقال: ms0933 إحدى ثلاث، فقالوا: ما هي؟ قال: ~~إما تحيون لي ولدي، أو تملئون داري من نجوم ~~السماء، أو تدفعون إلي جملة قومكم؛ حتى ~~أقتلهم، ثم لا أرى أني أخذت عوضا. # وأما أمر الدية، فربما جعلوا دية الشريف أضعاف دية الخسيس، فلما ~~بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم أوجب رعاية العدل، وسوى ~~بين عباده في حكم القصاص، وأنزل الله هذه الآية. # الوجه الثاني: قال السدي: إن قريظة والنضير كانوا مع تدينهم ~~بالكتاب، سلكوا طريقة العرب، فنزلت الآية. # الوجه الثالث: نزلت في واقعة قتل حمزة - رضي الله عنه -. # الوجه الرابع: روى محمد بن جرير الطبري، عن علي بن أبي طالب - رضي ~~الله عنه -، وعن الحسن البصري: أن المقصود من هذه الآية الكريمة ~~التسوية بين الحرين والعبدين والأنثيين في القصاص، فأما إذا كان ~~القاتل للعبد حرا، أو للحر عبدا، فإنه يجب مع القصاص التراجع، وأما ~~حر قتل عبدا، فهو قوده، فإن شاء أولياء العبد أن يقتلوا الحر، قتلوه ~~بشرط أن يسقطوا ثمن العبد من دية الحر ويردوا إلى أولياء الحر بقية ~~ديته، وإن قتل عبد حرا، فهو به قود، فإن شاء أولياء الحر، قتلوا ~~العبد، وأسقطوا قيمة العبد من دية الحر، وأدوا بعد ذلك إلى أولياء ~~الحر بقية ديته، وإن شاءوا أخذوا كل الدية، وتركوا كل العبد، وإن ~~قتل رجل امرأة، فهو بها قود، فإن شاء أولياء المرأة، قتلوه، وأدوا ~~نصف الدية، وإن شاءوا، أعطوا كل الدية، وتركوها، فالآية الكريمة نزلت ~~لبيان أن الاكتفاء بالقصاص مشروع بين الحرين، [والعبدين والأنثيين، ~~والذكرين، فأما عند اختلاف الجنس، فالاكتفاء غير مشروع فيه]. # فصل في اشتقاق كلمة " القصاص " # و " القصاص ": مصدر قاصه يقاصه قصاصا، ومقاصة؛ نحو: ~~قاتلته قتالا، ومقاتلة، وأصله من: قصصت الشيء، اتبعت أثره؛ ~~لأنه اتباع دم المقتول. # قال تعالى: # فارتدا على ءاثارهما قصصا # [الكهف: 64]، # وقالت لأخته قصيه # [القصص: 11]، أي: اتبعي أثره، وسميت القصة قصة؛ لتتبع الخبر ~~المحكي، والقصص تتبع أخبار الناس، وسمي المقص مقصا، لتعادل ~~جانبيه، هذا أصل المادة. # فمعنى القصاص: تتبع الدم بالقود، ms0934 ومنه التقصيص، لما يتبع من الكلأ بعد ~~رعيه، والقص أيضا: الجص، ومنه " نهيه - عليه السلام - عن تقصيص ~~القبور " أي: تجصيصها. # فصل # روى البخاري، والنسائي، والدار قطني، عن ابن عباس، قال: كان ~~في بني إسرائيل القصاص، ولم يكن فيهم الدية، فقال الله لهذه الأمة: # كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر ~~والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له ~~من أخيه شيء فاتباع بالمعروف # [البقرة: 178]. # والعفو: أن يقبل الدية في العبد: " فاتباع بالمعروف وأداء ~~إليه بإحسان " تتبع بالمعروف، وتؤدي بإحسان، " ذلك ~~تخفيف من ربكم ورحمة " مما كتب على من كان قبلكم، { ~~فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم } فمن قتل بعد ~~قبول الدية، هذا لفظ البخاري. # وقال الشعبي في قوله تعالى: { الحر بالحر والعبد ~~بالعبد والأنثى بالأنثى } قال: نزلت في قبيلتين من قبائل ~~العرب اقتتلا قتال عمية، فقالوا: نقتل بعبدنا فلان، ابن ~~فلان، وبأمتنا فلانة بنت فلان، ونحوه عن قتادة. # فصل في المراد بقوله " كتب عليكم " # قوله: " كتب عليكم ": معناه: " فرض عليكم " ، فهذه ~~اللفظة تقتضي الوجوب من وجهين: # أحدهما: أن قوله كتب في عرف الشرع يفيد الوجوب. قال تعالى: # كتب عليكم الصيام # [البقرة: 183] وقال: # كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك ~~خيرا الوصية # [البقرة: 180] وقد كانت الوصية واجبة، ومنه الصلوات المكتوبات أي: ~~المفروضات قال عليه السلام: # " ثلاث كتبت علي ولم تكتب عليكم " # والثاني: لفظة " عليكم " مشعرة بالوجوب؛ لقوله # ولله على الناس حج البيت # [آل عمران: 97]. # والقصاص: أن يفعل بالإنسان مثل ما فعل، فهو عبارة عن التسوية، ~~والمماثلة في الجراحات، والديات. # وقيل " كتب " هنا إخبار عما كتب في اللوح المحفوظ، وقوله { في ~~القتلى } ، أي: بسبب القتلى، كما تقدم؛ فدل ظاهر الآية على وجوب ~~القصاص على جميع المؤمنين بسبب قتل جميع القتلى، إلا أنهم أجمعوا على ~~أن غير القاتل خارج عن هذا الفارق، أما القاتل، فقد دخله التخصيص ~~أيضا في صور كثيرة؛ وهي ما إذا قتل الوالد ولده، والسيد عبده، ~~وفيما إذا قتل مسلم مسلما خطأ، إلا أن العام إذا دخله التخصيص، ~~يبقى ms0935 حجة فيما عداه. # فإن قيل: قولكم: هذا الآية تقتضي وجوب القصاص، فيه إشكالان: # الإشكال الأول: لو وجب القصاص، لوجب إما على القاتل، أو على ولي ~~الدم، أو على ثالث، والأقسام الثلاثة باطلة؛ لأن القاتل لا يجب ~~عليه أن يقتل نفسه، بل يحرم عليه ذلك، وأما ولي الدم، فلا يجب عليه؛ ~~لأن ولي الدم يخير في الفعل، والترك، بل هو مندوب إلى الترك؛ ~~كقوله # وأن تعفوا أقرب للتقوى # [البقرة: 237] وأما الثالث: فإنه أجنبي عن القتيل والأجنبي عن الشيء ~~لا تعلق له به. # الثاني: أنا بينا أن القصاص عبارة عن التسوية، وكان مفهوم الآية ~~إيجاب التسوية؛ وعلى هذا التقدير: لا تكون الآية دالة على إيجاب ~~القتل ألبتة، بل تدل على وجوب رعاية التسوية في القتل الذي يكون ~~مشروعا بسبب القتل. # والجواب عن الأول من وجهين: # أحدهما: أن المراد إيجاب إقامة القصاص على الإمام، ومن يجري مجراه؛ ~~لأن متى حصلت شرائط وجوب القود، فإنه لا يحل للإمام أن يترك القود ~~من المؤمنين، والتقدير: يا أيها الأئمة، كتب عليكم استيفاء القصاص، إن ~~أراد ولي الدم استيفاءه. # والثاني: أنه خطاب مع القاتل، التقدير: يا أيها القاتلون، كتب عليكم ~~تسليم النفس عند مطالبة الولي بالقصاص؛ وذلك لأن القاتل ليس له أن ~~يمتنع؛ خلاف الزاني والسارق، فإن لهما الهرب من الحدود، ولهما أيضا ~~أن يستترا بستر الله، فلا يعرفان، والفرق بينهما: أن ذلك حق لآدمي. # والجواب عن الثاني: أن ظاهر الآية يقتضي التسوية في القتل، والتسوية ~~في القتل صفة القتل، وإيجاب الصفة يقتضي إيحاب الذات، فكانت الآية تفيد ~~إيجاب القتل من هذا الوجه. # قوله " الحر بالحر " مبتدأ وخبر، والتقدير: الحر مأخوذ ~~بالحر، أو مقتول بالحر، فتقدر كونا خاصا، حذف؛ لدلالة ~~الكلام عليه؛ فإن الباء فيه للسبب، ولا يجوز ان تقدر كونا مطلقا؛ ~~إذ لا فائدة فيه، لو قلت: " الحر كائن بالحر " إلا أن تقدر ~~مضافا، أي: قتل الحر كائن بالحر، وأجاز أبو حيان: أن يكون الحر ~~مرفوعا بفعل محذوف، تقديره: " يقتل الحر بالحر "؛ يدل عليه ~~قوله تعالى: ms0936 { القصاص في القتلى }؛ فإن القصاص يشعر بهذا الفعل ~~المقدر، وفيه بعد، والحر وصف، و " فعل " الوصف، جمعه على " ~~أفعال " لا يقاس، قالوا: حر وأحرار، ومر وأمرار، والمؤنثة ~~حرة، وجمعها على " حرائر " محفوظ أيضا، يقال: " حر الغلام ~~يحر حرية ". # فصل في اختلافهم في اقتضاء الآية الحصر # قوله { الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى } فيه ~~قولان: # الأولى: أنها تقتضي ألا يكون القصاص مشروعا إلا بين الحرين، ~~وبين العبدين، وبين الأنثيين. # واحتج عليه بوجوه: # الأول: ان الألف واللام في " الحر " تفيد العموم؛ فقوله: { الحر ~~بالحر } يفيد أن يقتل كل حر بالحر، فلو كان قتل حر بعبد ~~مشروعا، لكان ذلك الحر مقتولا بغير حر، وذلك ينافي إيجاب أن يكون ~~كل حر مقتولا بالحر. # الثاني: أن " الباء " من حروف الجر، فتتعلق بفعل، فيكون التقدير: ~~يقتل بالحر، والمبتدأ لا يكون أعم من الخبر، بل إما مساويا له، أو ~~أخص منه، وعلى هذا التقدير فهذا يقتضي أن يكون كل حر مقتولا ~~بالحر، وذلك ينافي كل حر مقتولا بالعبد. # الثالث: أنه تبارك وتعالى أوجب في أول الآية الكريمة رعاية المماثلة، ~~وهو قوله { كتب عليكم القصاص في القتلى.. } ، فلما ذكر ~~عقيبة قوله: { الحر بالحر والعبد بالعبد } دل على ~~أن رعاية التسوية في الحرية والعبودية معتبرة؛ لأن قوله: { ~~الحر بالحر والعبد بالعبد } خرج مخرج التفسير لقوله ~~{ كتب عليكم القصاص في القتلى.. } ، فإيجاب القصاص على ~~الحر بقتل العبد إهمال لرعاية التسوية؛ فوجب ألا يكون مشروعا؛ ~~ويؤيد ما ذكرنا قوله صلى الله عليه وسلم # " لا يقتل حر بعبد، ولا مؤمن بكافر " # ، فإن أخذ الخصم بقوله تعالى: # وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس # [المائدة: 45]، فالجواب من وجهين: # أحدهما: هذه الآية شرع من قبلنا وليس شرعا لنا، والآية التي ~~نحن فيها شرعنا، فهذا أقوى في الدلالة. # والثاني: أن هذه الآية الكريمة مشتملة على أحكام النفوس على ~~التفصيل والتخصيص، وتلك عامة، والخاص متقدم على العام، ثم ~~قال أصحاب هذا القول إن ظاهر الآية يقتضي ألا يقتل العبد ~~بالحر ولا تقتل الأنثى بالذكر، إلا إذا خالفنا هذا ms0937 الظاهر؛ ~~للإجماع وللمعنى المستنبط من نسق هذه الآية الكريمة، وذلك المعنى ~~غير موجود في الحر بالعبد؛ فوجب أن يبقى هاهنا على ظاهر ~~اللفظ، أما الإجماع فظاهر، وأما المعنى المستنبط، فهو ~~أنه لما قتل العبد بالعبد، فلأن يقتل بالحر الذي هو فوقه ~~أولى، بخلاف الحر، فإنه لما قتل بالحر، لا يلزم: أن يقتل ~~بالعبد الذي هو دونه، وكذا القول في قتل الأنثى بالذكر، ~~وأما قتل الذكر بالأنثى، فليس فيه إلا الإجماع. # القول الثاني: أن قوله تعالى: { الحر بالحر } لا يفيد ~~الحصر، بل يفيد شرع القصاص بين الذكور من غير أن يكون فيه ~~دلالة على سائر الأقسام؛ واحتجوا عليه بوجهين: # الأول: أن قوله: { والأنثى بالأنثى } يقتضي قصاص المرأة ~~الحرة بالمرأة الرقيقة، فلو كان قوله { الحر بالحر ~~والعبد بالعبد.. } مانعا من ذلك، لوقع التناقض. # الثاني: أن قوله تعالى: { كتب عليكم القصاص في ~~القتلى.. } جملة تامة مستقلة بنفسها. # وقوله: { الحر بالحر } تخصيص لبعض الجزئيات بالذكر، ~~وتخصيص بعض الجزئيات بالذكر لا يمنع من ثبوت الحكم؛ كسائر ~~الجزئيات، وذلك التخصيص يمكن أن يكون لفائدة سوى نفي الحكم عن ~~سائر الصور، ثم اختلفوا في تلك الفائدة، فذكروا فيها وجهين: # الأول: وعليه الأكثرون: أن فائدته إبطال ما كان عليه ~~الجاهلية من أنهم كانوا يقتلون بالعبد منهم الحر من قبيل ~~القاتل، ففائدة التخصيص زجرهم عن ذلك، وللقائلين بالقول ~~الأول: أن يقولوا: قوله تعالى: { كتب عليكم القصاص في ~~القتلى } يمنع من جواز قتل الحر بالعبد، لأن القصاص ~~عبارة عن المساواة، وقتل الحر بالعبد لم يحصل فيه رعاية ~~المساواة، لأنه زائدة عليه في الشرف، وفي أهلية القضاء، ~~والإمامة، والشهادة؛ فوجب ألا يشرع، أقصى ما في الباب أنه ترك ~~العمل بهذا النص في قتل العالم بالجاهل، والشريف بالخسيس ~~بالإجماع إلا أنه يبقى في غير محل الإجماع على الأصل، ثم ~~إن سلمنا أن قوله { كتب عليكم القصاص في القتلى. # . } يوجب قتل الحر بالعبد، إلا أنا بينا أن قوله: { ~~الحر بالحر والعبد بالعبد } يمنع من جواز قتل ~~الحر بالعبد؛ لأن هذا خاص، وما قبله ms0938 عام، والخاص مقدم على ~~العام، ولا سيما إذا كان الخاص متصلا بالعام في اللفظ، ~~فإنه يكون بمنزلة الاستثناء، ولا شك في وجوب تقديمة على العام. # الوجه الثاني: من بيان فائدة التخصيص: نقله محمد بن جرير، ~~عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - والحسن البصري: أن هذه ~~الصور هي التي يكتفي فيها بالقصاص، وفي باقي الصور، أعني: ~~القصاص بين الحر والعبد، وبين الذكر والأنثى، لا يكتفي فيها ~~بالقصاص، بل لا بد من التراجع، إلا أن أكثر المحققين زعم ~~أن هذا النقل لم يصح عن علي - رضي الله عنه - وهو أيضا ضعيف ~~عند النظر لأنه قد ثبت أن الجماعة تقتل بالواحد، ولا ~~تراجع، فكذلك يقتل الذكر بالأنثى، ولا تراجع. # قوله " فمن عفي " يجوز في " من " وجهان: # أحدهما: أن تكون شرطية. # والثاني: أن تكون موصولة، وعلى كلا التقديرين، فموضعها رفع بالابتداء؛ ~~وعلى الأول: يكون " عفي " في محل جزم بالشرط؛ وعلى الثاني: ~~لا محل له، وتكون الفاء واجبة في قوله: " فاتباع " على الأول، ~~ومحلها وما بعدها الجزم وجائزة في الثاني، ومحلها وما بعدها ~~الرفع على الخبر، والظاهر أن " من " هو القاتل، والضمير في " له ~~وأخيه " عائد على " من " و " شيء " هو القائم مقام الفاعل، والمراد ~~به المصدر، وبني " عفي " للمفعول، وإن كان قاصرا؛ لأن القاصر ~~يتعدى للمصدر؛ كقوله تعالى: # فإذا نفخ في الصور نفخة # [الحاقة: 13]، والأخ هو المقتول، أو ولي الدم، وسماه أخا للقاتل؛ ~~استعطافا عليه، وهذا المصدر القائم مقام الفاعل المراد به الدم ~~المعفو عنه، و " عفي " يتعدى إلى الجاني، وإلى الجناية ب " عن ~~"؛ تقول: " عفوت عن زيد، وعفوت عن ذنب زيد " فإذا ~~عدي إليهما معا، تعدى إلى الجاني ب " اللام " ، وإلى الجناية ب " ~~عن "؛ تقول " عفوت لزيد عن ذنبه " ، والآية من هذا ~~الباب، أي: " فمن عفي له عن جنايته " وقيل: " من " هو ولي ~~أي من جعل له من دم أخيه بدل الدم، وهو القصاص، أو الدية، ~~والمراد ب " شيء " حينئذ: ذلك المستحق، والمراد ب " الأخ " ~~المقتول، ويحتمل أن يراد على هذا ms0939 القول أيضا: القاتل، ويراد ~~بالشيء الدية، و " عفي " بمعنى: [ " يسر " على هذين القولين، ~~وقيل: بمعنى " ترك ". # وشنع الزمخشري على من فسر " عفي " ] بمعنى " ترك ~~" قال: فإن قلت: هلا فسرت " عفي " بمعنى " ترك "؛ حتى ~~يكون شيء في معنى المفعول به. # قلت: لأن: " عفا الشيء " بمعنى تركه، ليس يثبت، ولكن " ~~أعفاه " ، ومنه: " وأعفوا اللحى " ، فإن قلت: قد ثبت ~~قولهم: " عفا أثره " إذا محاه وأزاله، فهلا جعلت ~~معناه: " فمن محي له من أخيه شيء " قلت: عبارة قلقة ~~في مكانها، والعفو في باب الجنايات عبارة متداولة مشهورة في ~~الكتاب والسنة، واستعمال الناس، فلا يعدل عنها إلى أخرى قلقة ~~نابية عن مكانها، وترى كثيرا ممن يتعاطى هذا العلم يجترىء ~~إذا أعضل عليه تخريج وجه للمشكل من كلام الله تعالى على ~~اختراع لغة، وإدعاء على العرب ما لم تعرفه، وهذا جزأة يستعاذ ~~بالله منها. # قال أبو حيان: إذا ثبت أن " عفا " بمعنى " محا " فلا ~~يبعد حمل الآية عليه، ويكون إسناد " عفا " لمرفوعه [إسنادا ~~حقيقيا؛ لأنه إذ ذاك مفعول به صريح، وإذا كان لا يتعدى كان ~~إسناده لمرفوعه] مجازا؛ لأنه مصدر مشبه بالمفعول به، فقد ~~يتعادل الوجهان؛ أعني: كون " عفا " اللازم لشهرته في ~~الجنايات، و " عفا " المتعدي بمعنى " محا " لتعلقه بمرفوعه ~~تعلقا حقيقيا. # فإن قيل: تضمن " عفا " معنى ترك. # فالجواب: أن التضمين لا ينقاس، وقد أجاز ابن عطية - رحمه ~~الله - أن يكون " عفا " بمعنى " ترك ". # وقيل إن " عفي " بمعنى فضل، والمعنى: فمن فضل له من ~~الطائفتين على الأخرى شيء من تلك الديات؛ من قولهم: ~~عفاء الشيء إذا كثر، وأظهر هذه الأقوال أولها. # فصل # اعلم أن الذين قالوا: يوجب العهد أحد أمرين: إما القصاص، ~~وإما الدية: تمسكوا بهذه الآية، فقالوا: الآية تدل على أن ~~فيها عافيا ومعفوا عنه، وليس هاهنا إلا ولي الدم، ~~والقاتل، فيكون العافي أحدهما، ولا يجوز أن يكون القاتل لأن ~~ظاهر العفو هو إسقاط الحق، وذلك إنما يتأتى من الولي الذي له ~~الحق على القاتل، فصار تقدير الآية: فإذا عفى ولي الدم عن ~~شيء يتعلق ms0940 بالقاتل، فليتبع القاتل ذلك العفو بمعروف. # وقوله " شيء " مبهم، فلا بد من حمله على المذكور السابق، وهو وجوب ~~القصاص؛ إزالة للإبهام، فصار تقدير الآية: إذا حصل العفو ~~للقاتل عن شيء فليتبع القاتل العافي بالمعروف، والأداء ~~إليه بالإحسان. وبالإجماع لا يجب أداء غير الدية؛ فوجب أن ~~يكون ذلك الواجب، هو الدية؛ وهذا يدل على أن موجب العمد هو ~~القود، أو المال؛ إذ لو لم يكن كذلك، لما كان واجبا عند العفو عن ~~القود، والله تعالى أعلم. # ومما يؤكد هذا قوله تعالى: { ذلك تخفيف من ربكم ~~ورحمة } ، أي أثبت الخيار لكم في أخذ الدية، والقصاص؛ ~~رحمة عليكم، لأن الحكم في اليهود حتم القصاص، والحكم ~~في النصارى حتم العفو؛ فخفف عن هذه الأمة، وشرع لهم التخيير ~~بين القصاص، والعفو، وذلك تخفيف من الله ورحمة في حق هذه ~~الأمة؛ لأن ولي الدم قد تكون الدية عنده آثر من القود، إذا ~~كان محتاجا، وقد يكون القود عنده آثر، إذا كان راغبا في التشفي، ~~ودفع شر القاتل عن نفسه، فجعل الخيرة فيما أحبه؛ رحمة من ~~الله في حقه. # فإن قيل: لا نسلم أن العافي هو ولي الدم، والعفو إسقاط ~~الحق، بل المراد من قوله: { فمن عفي له من أخيه شيء } ~~أي فمن سهل له من أخيه شيء، يقال: أتاني هذا المال عفوا ~~صفوا، أي: سهلا، ويقال: خذ ما عفي، أي: ما سهل؛ قال تبارك ~~وتعالى: # خذ العفو # [الأعراف: 199]، فتقدير الآية: فمن كان من أولياء الدم، وسهل ~~له من أخيه الذي هو القاتل شيء من المال، أو سهل له من جهة ~~أخيه المقتول، أي: بسب أخيه المقتول، فإما أن يكون أخاه ~~حقيقة، وإما أن تكون قرابته غير الأخوة، فسماه أخا مجازا؛ ~~كما سمى المقتول أخا للقاتل، والمراد: فمن كان من أولياء الدم ~~وسهل، فليتبع ولي الدم ذلك القاتل في مطالبة ذلك المال، ~~وليؤد القاتل إلى ولي الدم ذلك المال بالإحسان؛ من غير ~~مطل، ولا مدافعة، فيكون معنى الآية؛ على هذا التقدير: " إن الله ~~تعالى حث الأولياء، إذا ms0941 دعوا إلى الصلح من الدم على ~~ديته كلها، أو بعضها: أن يرضوا به؛ ويعفوا عن القود. # سلمنا أن العافي هو ولي الدم، لكن لا يجوز أن يقال: المراد هو ~~أن يكون القصاص مشتركا بين شريكين؛ فيعفو أحدهما فحينئذ ينقلب ~~نصيب الآخر إلى الدية، والله تعالى أمر الشريك الساكت ~~باتباع القاتل بالمعروف، وأمر القاتل بالأداء إليه بإحسان. # سلمنا أن العافي هو ولي الدم، سواء كان له شريك، أو لم يكن ~~لم لا يجوز أن يقال إن هذا مشروط برضا القاتل إلا أنه ~~تبارك وتعالى لم يذكر رضا القاتل؛ لأنه ثابت معروف لا محالة، لأن ~~الظاهر من كل عاقل أنه يبذل كل الدنيا لغرض دفع القتل ~~عن نفسه؛ لأنه إذا قتل لا يبقى له نفس ولا مال، وبذل المال ~~فيه إحياء النفس، فلما كان هذا الرضا حاصلا في الأعم ~~الأغلب، لا جرم ترك ذكره، وإن كان معتبرا في نفس الأمر. # فالجواب أن حمل لفظ " العفو " هنا على إسقاط القصاص أولى من ~~حمله على دفع القاتل المال إلى ولي الدم؛ من وجهين: # الأول: أن حقيقة العفو إسقاط الحق؛ فوجب ألا يكون حقيقة في ~~غيره؛ دفعا للاشتراك، وحمل اللفظ هنا على إسقاط الحق أولى من ~~حمله على ما ذكرتم؛ لأنه لما قال: { كتب عليكم ~~القصاص في القتلى } ، كان حمل قوله: { فمن عفي له ~~من أخيه } على إسقاط حق القصاص أولى؛ لأن قوله " شيء " ~~لفظ مبهم، وحمل هذا المبهم على ذلك المعين المذكور السابق ~~أولى. # الثاني: لو كان المراد ب " العفو " ما ذكرتم، لكان قوله { ~~فاتباع بالمعروف وأدآء إليه بإحسان } عبثا؛ ~~لأن بعد وصول المال إليه في السهولة واللين، لا حاجة به ~~إليه، ولا حاجة بذلك المعطى أن يؤمر بأداء ذلك المال ~~بالإحسان. # والجواب عن الثاني من وجهين: # الأول: أن ذلك الكلام: إنما يتمشى بفرض صورة مخصوصة، وهي ~~ما إذا كان حق القصاص مشتركا بين اثنين، فعفا أحدهما وسكت الآخر، ~~والآية دالة على شرعية هذا الحكم على الإطلاق، فحمل ~~اللفظ المطلق على صورة خاصة مقيدة ms0942 خلاف الظاهر. # الثاني: أن الهاء في قوله { وأدآء إليه بإحسان } ضمير ~~عائد إلى مذكور سابق، وهو العافي، فوجب أداء هذا المال إلى ~~العافي، وعلى قولكم: يكون أداؤه إلى غير العافي فيكون باطلا. # والجواب عن الثالث: أن توقيف ثبوت أخذ الدية وقبول ذلك ~~لولي الدم، على اعتبار رضا القاتل يخالف الظاهر، وهو غير ~~جائز. # فصل # قد تقدم أن تقدير الآية الكريمة يقتضي شيئا من العفو، ~~وهذا يشكل إذا كان الحق ليس إلا القود فقط، فإنه يقال: ~~القود لا يتبعض، فأما إذا كان مجموع حقه، إما القود ~~وإما المال؛ كان مجموع حقه متبعضا؛ لأن له أن يعفو عن ~~القود دون المال وله أن يعفو عن الكل.؟ # وتنكير الشيء يفيد فائدة عظيمة؛ لأنه كان يجوز أن يتوهم أن ~~العفو لا يؤثر في سقوط القود، وعفو بعض الأولياء عن حقه؛ ~~كعفو جميعهم عن حقهم، فلو عرف الحق، كان لا يفهم منه ذلك، ~~فلما نكره، صار هذا المعنى مفهوما منه. # فصل في دلالة الآية على كون الفاسق مؤمنا # نقل أن ابن عباس تمسك بهذه الآية في كون الفاسق مؤمنا من ~~ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه تعالى سماه مؤمنا، حال ما وجب القصاص عليه: ~~وإنما وجب القصاص عليه إذا صدر القتل العمد العدوان، وهو ~~بالإجماع من الكبائر؛ فدل على أن صاحب الكبيرة مؤمن. # وثانيها: أنه أثبت الأخوة بين القاتل، وبين ولي الدم، ولا ~~شك أن هذه الأخوة تكون بسبب الدين، قال تعالى: # إنما المؤمنون إخوة # [الحجرات: 10] فلولا أن الإيمان باق مع الفسق، وإلا لما بقيت ~~الأخوة الحاصلة بسبب الدين. # وثالثها: أنه تبارك وتعالى ندب إلى العفو عن القاتل، والندب إلى ~~العفو، إنما يليق بالمؤمن. # أجابت المعتزلة عن الأول: فقالوا: إن قلنا: المخاطب بقوله: { ~~كتب عليكم القصاص في القتلى } هم الأئمة، ~~فالسؤال زائل: وإن قلنا: هم القاتلون، فجوابه من وجهين: # أحدهما: أن القاتل قبل إقدامه على القتل، كان مؤمنا فسماه الله ~~تعالى مؤمنا بهذا التأويل. # الثاني: أن القاتل قد يتوب، وعند ذلك يكون مؤمنا، ثم إنه ~~تعالى أدخل ms0943 فيه غير التائب تغليبا. # وأجابوا عن الثاني بوجوه: # الأول: أن الآية نزلت قبل أن يقتل أحد أحدا، ولا شك أن ~~المؤمنين إخوة قبل الإقدام على القتل. # والثاني: الظاهر أن الفاسق يتوب، أو نقول: المراد الأخوة بين ~~ولي المقتول والقتيل؛ كما تقدم. # الثالث: يجوز أن يكون جعله أخا له في الكتاب؛ كقوله: # وإلى عاد أخاهم هودا # [الأعراف: 65]. # الرابع: أنه حصل بين ولي الدم، وبين القاتل نوع تعلق ~~واختصاص، وهذا القدر يكفي في إطلاق اسم الأخوة، كما نقول ~~للرجل: قل لصاحبك كذا، إذا كان بينهما أدنى تعلق. # الخامس: ذكر لفظ الأخوة؛ ليعطف أحدهما على صاحبه بذكره ما هو ~~ثابت بينهما من الجنسية. # وعن الثالث: أنه ندبه لما بينهما من أصل الإقرار والاعتقاد. # والجواب: أن هذه الوجوه كلها تقتضي تقييد الأخوة بزمان دون ~~زمان، وبصفة دون صفة، والله تعالى أثبت الأخوة على الإطلاق، ~~وهذا الجواب لا يرد ما ذكروه في الوجه الثاني من قولهم: المراد ~~بالأخوة التي بين ولي الدم والمقتول؛ كأنه قيل: " فمن عفي ~~له بسبب أخيه المقتول شيء والمراد: الدية: فليتبع ولي ~~الدم القاتل بالمعروف، ولأيؤد القاتل الدية إلى ولي ~~الدم بإحسان؛ وحينئذ يحتاج هذا إلى جواب. # قوله: { فاتباع بالمعروف } في رفع " اتباع " ثلاثة ~~أوجه: # أحدها: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، فقدره ابن عطية - رحمه الله تعالى - ~~والواجب الاتباع وقدره الزمخشري: " فالأمر اتباع ".؟ # قال ابن عطية: وهذا سبيل الواجبات، وأما المندوبات، فتجيء ~~منصوبة؛ كقوله # فضرب الرقاب # [محمد: 4] قال أبو حيان: ولا أدري ما الفرق بين النصب والرفع، ~~إلا ما ذكروه من أن الجملة الاسمية أثبت وآكد؛ فيمكن أن يكون ~~مستند ابن عطية هذا، كما قالوا في قوله: # قالوا سلاما قال سلام # [هود: 69]. # الثاني: أن يرتفع بإضمار فعل، وقدره الزمخشري: " فليكن اتباع " قال أبو ~~حيان: هو ضعيف؛ إذ " كان " لا تضمر غالبا إلا بعد " إن " ~~الشرطية و " لو "؛ لدليل يدل عليه. # الثالث: أن يكون مبتدأ محذوف الخبر، فمنهم: من قدره ~~متقدما عليه، أي: " فعليه اتباع " ومنهم: من قدره متأخرا ~~عنه، أي: " فاتباع ms0944 بالمعروف عليه ". # قوله " بالمعروف " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يتعلق ب " اتباع " فيكون منصوب المحل. # الثاني: أن يكون وصفا لقوله " اتباع " فيتعلق بمحذوف ويكون ~~محله الرفع. # الثالث: أن يكون في محل نصب على الحال من الهاء المحذوفة، ~~تقديره: " فعليه اتباعه عادلا " والعامل في الحال معنى ~~الاستقرار. # قوله " وأداء إليه بإحسان " في رفعه أربعة أوجه، الثلاثة ~~المقولة في قوله: فاتباع؛ لأنه معطوف عليه. # [والرابع: أن يكون مبتدأ خبره الجار والمجرور بعده، وهو " ~~بإحسان " ، وهو بعيد، و " إليه " في محل نصب؛ لتعلقه ب ~~" أداء " ، ويجوز أن يكون في محل رفع؛ صفة ل " أداء " فيتعلق ~~بمحذوف، أي: و " أداء كائن إليه ". # و " بإحسان " فيه أربعة أوجه: الثلاثة المقولة في " ~~بالمعروف " ]. # والرابع: أن يكون خبر الأداء، كما تقدم في الوجه الرابع من رفع " ~~أداء ". والهاء في " إليه " ، تعود إلى العافي، وإن لم يجر له ~~ذكر، لأن " عفا " يستلزم عافيا، فهو من باب تفسير الضمير ~~بمصاحب بوجه ما، ومنه # حتى توارت بالحجاب # [ص: 32] أي: الشمس؛ لأن في ذكر " العشي " دلالة عليها؛ ومثله: ~~[الطويل] # 918 - فإنك والتأبين عروة بعدما # دعاك وأيدينا إليه شوارع # لكالرجل الحادي وقد تلع الضحى # وطير المنايا فوقهن أواقع # فالضمير في " فوقهن " للإبل؛ لدلالة لفظ " الحادي " ~~عليها؛ لإنها تصاحبه بوجه ما. # فصل # قال ابن عباس، والحسن وقتادة، ومجاهد: على العافي الاتباع ~~بالمعروف، وعلى المعفو الأداء إليه بإحسان. # وقيل هما على المعفو عنه، فإنه يتبع عفو العافي بمعروف، فهو ~~أداء المعروف إليه بإحسان، والاتباع بالمعروف: ألا يشتد في ~~المطالبة، بل يجري فيها على العادة المألوفة فإن كان معسرا، ~~أنظره، وإن كان واجدا لغير المال، فلا يطالبه بزيادة على قدر ~~الحق، وإن كان واجدا لغير المال الواجب، فيمهله إلى أن يبيع، وأن ~~يستبدل وألا يمنعه تقديم الأهم من الواجبات، فأما الداء إليه ~~بإحسان فالمراد به: ألا يدعي الإعدام في حال الإمكان، ولا ~~يؤخره مع الوجود، ولا يقدم ما ليس بواجب عليه، وأن يؤدي المال ~~ببشر، وطلاقة، وقول جميل. # ومذهب أكثر العلماء، والصحابة، والتابعين: أن ولي ms0945 الدم، ~~إذا عفا عن القصاص على الدية، فله أخذ الدية، وإن لم يرض ~~القاتل. # وقال الحسن، والنخعي، وأصحاب الرأي: لا دية له، إلا برضى ~~القاتل. # حجة القول الأول: قوله - صلى الله عليه وسلم-: # " من قتل له قتيل، فهو بخير النظرين، إما أن ~~يقتل وإما أن يفدي ". # قوله: " ذلك تخفيف " الإشارة بذلك إلى ما شرعه من العفو، ~~والدية؛ لأن العفو، وأخذ الدية محرمان على أهل ~~التوراة، وفي شرع النصارى العفو فقط، ولم يكن لهم القصاص، ~~فخير الله تعالى هذه الأمة بين القصاص، وبين العفو على الدية ~~تخفيفا منه ورحمة. # وقيل إن قوله: " ذلك " راجع إلى قوله { فاتباع ~~بالمعروف وأدآء إليه بإحسان } و " من ربكم " في ~~محل رفع؛ لأنه صفة لما قبله، فيتعلق بمحذوف. # ورحمة صفتها محذوفة أيضا، أي: " رحمة من ربكم ". # قوله " فمن اعتدى " يجوز في " من " الوجهان الجائزان في قوله ~~" فمن عفي له " من كونها شرطية وموصولة، وجميع ما ذكر ~~ثمة يعود هنا. # فصل # قال ابن عباس: " اعتدى " ، أي: جاوز الحد إلى ما هو أكثر ~~منه، قال ابن عباس، وقتادة، والحسن: هو أن يقتل بعد العفو، ~~وأخذ الدية، وذلك أن الجاهلية كانوا إذا عفوا، وأخذوا الدية، ~~ثم ظفروا بالقاتل، قتلوه، فنهى الله عن ذلك في قوله { فله ~~عذاب أليم } ، وفيه قولان: # أشهرهما: أنه نوع من العذاب شديد الألم في الآخرة. # والثاني: روي عن قتادة، والحسن، وسعيد بن جبير: هو أن يقتل لا ~~محالة، ولا يعفو عنه، ولا يقبل منه الدية؛ لقوله - عليه الصلاة ~~والسلام - # " لا أعافي أحدا قتل بعد أخذ الدية " # قال القرطبي من قتل بعد أخذ الدية؛ كمن قتل ابتداء، ~~إن شاء الولي قتله وإن شاء، عفا عنه، وعذابه في الآخر، وهذا ~~قول مالك، والشافعي وجماعة. # وقال قتادة وعكرمة، والسدي، وغيره: عذابه أن يقتل البتة، ~~ولا يمكن الحاكم الولي من العفو. # قال ابن الخطيب وهذا القول ضعيف؛ لأن المفهوم من العذاب الأليم ~~عند الإطلاق هو عذاب الآخرة، وأيضا: فإن القود تارة يكون ~~عذابا؛ كما هو في حق غير التائب، ms0946 وتارة يكون امتحانا؛ كما في حق ~~التائب، فلا يصح إطلاق العذاب عليه إلا في وجه دون وجه. ### || [2.179] # اعلم أن كيفية النظم أنه تعالى لما أوجب القصاص في الآية ~~المتقدمة توجه أن يقال: كيف يليق برحمته إيلام العبد ~~الضعيف، فذكر عقيبه حكمة شرع القصاص؛ دفعا لهذا السؤال. # قوله " لكم ": يجوز أن يكون الخبر، و " في القصاص " متعلق ~~بالاستقرار الذي تضمنه " لكم " ويجوز أن يتعلق بمحذوف على ~~أنه حال من حياة، لأنه كان في الأصل صفة لها، فلما قدم عليها ~~نصب حالا، ويجوز أن يكون " في القصاص " هو الخبر، و " لكم " ~~متعلق بالاستقرار المتضمن له، وقد تقدم تحقيق ذلك في قوله # ولكم في الأرض مستقر # [البقرة: 36] وهناك أشياء لا تجيء هنا. # فصل في معنى كون القصاص حياة # في معنى كون القصاص حياة وجوه: # أحدها: أنه ليس المراد أن نفس القصاص حياة؛ لأن القصاص ~~إزالة للحياة، وإزالة الشيء يمتنع أن تكون نفس ذلك الشيء، ~~بل المراد أن شرع القصاص يفضي إلى الحياة. # أما في حق من يريد القتل فإنه إذا علم أنه إذا ~~قتل قتل ترك القتل؛ فلا يقتل، فيبقى حيا، وأما في ~~حق المقتول: فإن من أراد قتله، إذا خاف من القصاص؛ ترك ~~قتله فيبقى غير مقتول، وأما في حق غيرهما: فلأن في شرع ~~القصاص بقاء من هم بالقتل ومن يهم به، وفي بقائهما بقاء من ~~يتعصب لهما؛ لأن الفتنة تعظم بسبب القتل فتؤدي إلى ~~المحاربة التي تنتهي إلى قتل عالم من الناس، وفي شرع القصاص ~~زوال لكل ذلك، فيصير حياة للكل. # وثانيها: أن نفس القصاص سبب الحياة؛ لأن سافك الدم، إذا ~~أقيد منه، ارتدع من كان يهم بالقتل، فلم يقتل، فكان القصاص ~~نفسه سببا للحياة من هذا الوجه. # وثالثها: معنى الحياة سلامته من قصاص الآخرة، فإنه إذا ~~اقتص منه في الدنيا، حيي في الآخرة، وإذا لم يقتص منه في الدنيا ~~اقتص منه في الآخرة وهذا الحكم غير مختص بالقصاص في ~~النفس، بل يدخل فيه القصاص في الجراح والشجاج. # ورابعها: قال ms0947 السدي: المراد من القصاص إيجاب التوبة. # وقرأ أبو الجوزاء في القصص والمراد به القرآن. # قال ابن عطية ويحتمل أن يكون مصدرا كالقصاص، أي أنه إذا ~~قص أثر القاتل قصصا، قتل. # ويحتمل أن يكون قوله: { في القصاص حيوة } أي فيما أقص ~~عليكم من حكم القتل والقصاص. # فصل في الرد على احتجاج المعتزلة بالآية # قالت المعتزلة: دلت هذه الآية على أن القصاص سبب للحياة؛ ~~لقوله تعالى: { ولكم في القصاص حيوة يأولي الألباب } ~~، فدل ذلك على أنه لو لم يشرع القصاص، لكان ذلك سببا للموت ~~قبل حلول وقته، وكذلك كل ما نتج من الحيوان، فإن هلاكه قبل ~~أجله؛ بدليل أنه يجب على القاتل الضمان والدية. # وأجيب بقوله تعالى: # وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا ~~مؤجلا # [آل عمران: 145] وقوله: # فإذا جآء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون # [الأعراف: 34] # إن أجل الله إذا جآء لا يؤخر # [نوح: 4] # لكل أجل كتاب # [الرعد: 38] فمتى قتل العبد علمنا أن ذلك أجله، ولا يصح أن يقال: ~~إنه لو لم يقتل، لعاش؛ لما ذكرنا من الآيات. # أما وجوب الضمان والدية، فللإقدام على القتل وللزجر عن الفعل. # فصل في كون الآية في أعلى درجات البلاغة # اتفق علماء البيان على أن هذه الآية في الإيجاز مع جميع المعاني ~~باللغة بالغة أعلى الدرجات؛ فإنه قول العرب في هذا المعنى " ~~القتل أوقى للقتل " ، ويروى " أنفى للقتل " ، ويروى " ~~أكف للقتل " ، ويروى " قتل البعض أحيا الجميع " ، ~~ويروى: " أكثروا القتل ليقل القتل " فهذا وإن كان بليغا فقد ~~أبدت العلماء بينه وبين الآية الكريمة وجوها عديدة في ~~البلاغة، وجدت في الآية الكريمة دونه: # منها: أن في قولهم تكرار الاسم في جملة واحدة. # ومنها: أنه لا بد من تقدير حذف؛ لأن " أنفى " و " ~~أوقى " و " أكف " أفعل تفضيل فلا بد من تقدير المفضل عليه، أي: ~~أنفى للقتل من ترك القتل. # ومنها: أن القصاص أعم؛ إذ يوجد في النفس وفي الطرف، ~~والقتل لا يكون إلا في النفس. # ومنها: أن ظاهر قولهم كون وجود الشيء سببا في انتفاء ms0948 نفسه. # ومنها: أن في الآية نوعا من البديع يسمى الطباق، وهو مقابلة ~~الشيء بضده، فهو يشبه قوله تعالى: # أضحك وأبكى # { النجم: 43]. # قوله: { يأولي الألباب } منادى مضاف وعلامة نصبه الياء، واعلم ~~أن " أولي " اسم جمع؛ لأن واحده، وهو " ذو " من غير لفظه، ~~ويجري مجرى جمع المذكر السالم في رفعه بالواو ونصبه وجره بالياء ~~المكسور ما قبلها، وحكمه في لزوم الإضافة إلى اسم جنس حكم مفرده، ~~وقد تقدم في قوله تعالى: # ذوي القربى # [البقرة: 177] ويقابله في المؤنث " أولات " وكتبا في المصحف بواو ~~بعد الهمزة؛ قالوا: ليفرقوا بين " أولي كذا " في النصب ~~والجر، وبين " إلى " التي هي حرف جر، ثم حمل باقي الباب ~~عليه، وهذا كما تقدم في الفرق بين " أولئك " اسم إشارة، و " ~~إليك " جارا ومجرورا وقد تقدم، وإذا سميت ب " أولى " ، من ~~" أولي كذا " قلت: " جاء ألون، ورأيت ألين " برد ~~النون؛ لأنها كالمقدرة حالة الإضافة، فهو نظير " ضاربوا ~~زيد وضاربي زيد ". # والألباب: جمع لب، وهو العقل الخالي من الهوى؛ سمي بذلك ~~لأحد وجهين: # إما لبنائه من لب بالمكان: أقام به وإما من اللباب، ~~وهو الخالص؛ يقال: لببت بالمكان، ولببت بضم العين، وكسرها، ~~ومجيء المضاعف على " فعل " بضم العين شاذ، استغنوا عنه ب " ~~فعل " مفتوح العين؛ وذلك في ألفاظ محصورة؛ نحو عززت، وسررت، ~~ولببب، ودممت، ومللت فهذه بالضم وبالفتح، إلا " ~~لببت " فبالضم والكسر؛ كما تقدم. # قوله { لعلكم تتقون }: قال الحسن والأصم: لعلكم ~~تتقون نفس القتل؛ بخوف القصاص. # وقيل: المراد هوالتقوى من كل الوجوه. # قال الجبائي: هذا يدل على أنه تعالى أراد التقوى من ~~الكل، سواء كان في المعلوم أنهم يتقون أو لا يتقون ~~بخلاف قول المجبرة، وقد سبق جوابه. # فإن قيل " لعل " للترجي، وهو في حق الله تعالى محال، ~~فجوابه ما سبق في قوله تعالى: # والذين من قبلكم لعلكم تتقون # [البقرة: 21]. ### || [2.180] # قال القرطبي في الكلام تقدير واو العطف، أي: { وكتب عليكم } ~~، فلما طال الكلام، سقطت الواو، ومثله في بعض الأقوال: # لا يصلاهآ إلا الأشقى الذي كذب وتولى # [الليل: 15، 16]، أي: والذي تولى ms0949 فحذف. # وقوله: " كتب " مبني للمفعول، وحذف الفاعل للعلم به، وهو الله ~~تعالى وللاختصار. # وفي القائم مقام الفاعل ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون الوصية، أي: " كتب عليكم الوصية " وجاز ~~تذكير الفعل لوجهين: # أحدها: كون القائم مقام الفاعل مؤنثا مجازيا. # والثاني: الفصل بينه وبين مرفوعه. # والثاني: أنه الإيصاء المدلول عليه بقوله: { الوصية ~~للوالدين } أي: كتب هو أي: الإيصاء، وكذلك ذكر الضمير في ~~قوله: # فمن بدله بعدما سمعه # [البقرة: 181] وأيضا: أنه ذكر الفعلل، وفصل بين الفعل والوصية؛ ~~لأن الكلام، لما طال، كان الفاصل بين المؤنث والفعل، ~~كالمعوض من تاء التأنيث، والعرب تقول: حضر القاضي ~~امرأة فيذكرون؛ لأن القاضي فصل بين الفعل وبين المرأة. # والثالث: أنه الجار والمجرور، وهذا يتجه على رأي الأخفش، ~~والكوفيين، و " عليكم " في محل رفع على هذا القول، وفي محل نصب ~~على القولين الأولين. # قوله تعالى: " إذا حضر " العامل في " إذا " كتب " على أنها ~~ظرف محض وليس متضمنا للشرط، كأنه قيل: " كتب عليكم ~~الوصية وقت حضور الموت " ولا يجوز أن يكون العامل فيه ~~لفظ " الوصية "؛ لأنها مصدر، ومعمول المصدر لا يتقدم عليه ~~لانحلاله لموصول وصلة، إلا على مذهب من يرى التوسع في ~~الظرف وعديله، وهو أبو الحسن؛ فإنه لا يمنع ذلك، فيكون ~~التقدير: " كتب عليكم أن توصوا وقت حضور الموت ". # وقال ابن عطية ويتجه في إعراب هذه الآية الكريمة: أن يكون " ~~كتب " هو العامل في " إذا " ، والمعنى: " توجه عليكم إيجاب ~~الله، ومقتضى كتابه، إذا حضر " فعبر عن توجه الإيجاب ب " ~~كتب " لينتظم إلى هذا المعنى: أنه مكتوب في الأزل، و " ~~الوصية " مفعول لم يسم فاعله ب " كتب " وجواب الشرطين " ~~إن " و " إذا " مقدر يدل عليه ما تقدم من قوله " كتب ". # قال أبو حيان وفي هذا تناقص؛ لأنه جعل العامل في " إذا " كتب ~~" ، وذلك يستلزم أن يكون إذا ظرفا محضا غير متضمن للشرط، وهذا ~~يناقض قوله: " وجواب " إذا و " إن " محذوف؛ لأن إذا الشرطية لا ~~يعمل فيها إلا جوابها، أو فعلها الشرطي، و " كتب ": ليس ~~أحدهما، فإن قيل: قوم يجيزون تقديم ms0950 جواب الشرط، فيكون " ~~كتب " هو الجواب، ولكنه تقدم، وهو عامل في " إذا " ، فيكون ~~ابن عطية يقول بهذا القول. # فالجواب: أن ذلك لا يجوز؛ لأنه صرح بأن جوابها محذوف مدلول ~~عليه ب " كتب " ، ولم يجعل " كتب " هو الجواب، ويجوز أن يكون ~~العامل في " إذا " الإيصاء المفهوم من لفظ " الوصية " ، وهو ~~القائم مقام الفاعل في " كتب "؛ كما تقدم. # قال ابن عطية في هذا الوجه: ويكون هذا الإيصاء المقدر الذي ~~يدل عليه ذكر الوصية بعد هو العامل في " إذا " ، وترتفع " ~~الوصية " بالابتداء، وفيه جواب الشرطين؛ على نحو ما أنشده ~~سيبويه: [البسيط] # 919 - من يفعل الصالحات الله يحفظه # .......................... # ويكون رفعها بالابتداء، أي: فعليه الوصية؛ بتقدير الفاء فقط؛ ~~كأنه قال: " فالوصية للوالدين " ، وناقشه أبو حيان من ~~وجوه: # أحدها: أنه متناقض من حيث إنه إذا جعل " إذا " معمولة ~~للإيصاء المقدر، تمحضت للظرفية، فكيف يقدر لها جواب؛ كما ~~تقدم تحريره. # والثاني: أن هذا الإيصاء إما أن تقدر لفظه محذوفا، أو تضمره، وعلى ~~كلا التقديرين، فلا يعمل؛ لأن المصدر شرط إعماله ألا يحذف، ولا ~~يضمر عند البصريين، وأيضا: فهو قائم مقام الفاعل؛ فلا يحذف. # الثالث: قوله " جواب الشرطين " والشيء الواحد لا يكون جوابا ~~لاثنين، بل جواب كل واحد مستقل بقدره. # الرابع: جعله حذف الفاء جائزا في القرآن، وهذا نص سيبويه على ~~أنه لا يجوز إلا ضرورة، وأنشد: [البسيط] # 920 - من يفعل الحسنات الله يشكرها # والشر بالشر عند الله سيان # وإنشاده: " من يفعل الصالحات الله يحفظه " يجوز أن يكون رواية إلا ~~أن سيبويه لم ينشده كذا، بل كما تقدم، والمبرد روى عنه: ~~أنه لا يجيز حذف الفاء مطلقا، لا في ضرورة، ولا غيرها، ويرويه: " ~~من يفعل الخير، فالرحمن يشكره " ورد الناس عليه ~~بأن هذه ليست حجة على رواية سيبويه. # ويجوز أن تكون " إذا " شرطية؛ فيكون جوابها وجواب " إن " ~~محذوفين، وتحقيقه أن جواب " إن " مقدر، تقديره: " كتب ~~الوصية على أحدكم إذا حضره الموت، إن ترك خيرا، فليوص " ، ~~فقوله: " فليوص " جواب ل " إن "؛ حذف لدلالة الكلام عليه، ~~ويكون هذا الجواب المقدر ms0951 دالا على جواب " إذا " فيكون المحذوف ~~دالا على محذوف مثله. # وهذا أولى من قول من يقول: إن الشرط الثاني جواب ~~الأول، وحذف جواب الثاني، وأولى أيضا من تقدير من يقدره ~~في معنى " كتب " ماضي المعنى، إلا أن يؤوله بمعنى: " يتوجه ~~عليكم الكتب، إن ترك خيرا ". # قوله " الوصية " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون مبتدأ، وخبره " للوالدين ". # والثاني: أنه مفعول " كتب " ، وقد تقدم. # والثالث: أنه مبتدأ، خبره محذوف، أي: " فعليه الوصية " ، وهذا ~~عند من يجيز حذف فاء الجواب، وهو الأخفش؛ وهو محجوج بنقل ~~سيبويه. # فصل في المراد من حضور الموت. # قوله { إذا حضر أحدكم الموت.. } ليس المراد منه ~~معاينة الموت؛ لأن ذلك الوقت يكون عاجزا عن الإيصاء، ثم ذكر في ~~ذلك وجهين: # أحدهما: وهو المشهور أن المراد حضور أمارة الموت؛ كالمرض ~~المخوف؛ كما يقال فيمن يخاف عليه الموت حضره الموت ويقال ~~لمن قارب البلد: " وصل "؛ قال عنترة: [الوافر] # 921 - وإن الموت طوع يدي إذا ما # وصلت بنانها بالهندواني # وقال جرير، يهجو الفرزدق [الوافر] # 922 - أنا الموت الذي حدثت عنه # فليس لهارب مني نجاء # والثاني: قال الأصم: إن المراد: فرضنا عليكم الوصية ~~في حال الصحة بأن تقولوا: " إذا حضرنا الموت، فافعلوا ~~كذا ". # فصل في المراد بالخير في الآية # المراد بالخير هنا المال؛ كقوله: # وما تنفقوا من خير # [البقرة: 272] # وإنه لحب الخير لشديد # [العاديات: 8] # من خير فقير # [القصص: 24] قال أبو العباس المقرىء: وقد ورد لفظ " الخير " في ~~القرآن بإزاء ثمانية معان: # الأول: الخير: المال؛ كهذه الآية. # الثاني: الإيمان، قال تعالى: # ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم # [الأنفال: 23] أي: إيمانا، وقوله { إن يعلم الله في ~~قلوبكم خيرا } [الأنفال: 70]، يعني: إيمانا. # الثالث: الخير الفضل؛ ومنه قوله: " خير الرازقين " " خير ~~الراحمين " " خير الحاكمين ". # الرابع: الخير: العافية؛ قال تعالى: # وإن يردك بخير # [يونس: 107]، أي: بعافية. # الخامس: الثواب قال تعالى: # والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها ~~خير # [الحج: 36]، أي: ثواب وأجر. # السادس: الخير: الطعام؛ قال: # إني لمآ أنزلت إلي من خير فقير # [القصص: 24]. # السابع: الخير: الظفر ms0952 والغنيمة؛ قال تعالى: # ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا ~~خيرا # [الأحزاب: 25]. # الثامن: الخير: الخيل؛ قال تعالى: # أحببت حب الخير عن ذكر ربي # [ص: 32]، يعني: الخيل. # ثم اختلفوا هنا على قولين: # فقال الزهري: لا فرق بين القليل، والكثير، فالوصية واجبة في الكل، ~~لأن المال القليل خير؛ لقوله تعالى: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # [الزلزلة: 7 - 8] # إني لمآ أنزلت إلي من خير فقير # [القصص: 24] والخير: ما ينتفع به، والمال القليل كذلك، وأيضا: قوله ~~تعالى في المواريث: # للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ~~وللنسآء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ~~مما قل منه أو كثر # [النساء: 7] فتكون الوصية كذلك. # الثاني: أن الخير هو المال الكثير؛ لأن من ترك درهما لا يقال ترك ~~خيرا، ولا يقال: فلان ذو مال، إلا أن يكون ماله مجاوزا حد ~~الحاجة، ولو كان الوصية واجبة في كل ما يترك، سواء كان قليلا أو ~~كثيرا، لما كان التقييد بقوله: { إن ترك خيرا } كلاما مفيدا؛ ~~لأن كل أحد لا بد وأن يترك شيئا، وأما من يموت عريانا، ولا ~~يبقى منه كسرة خبز فذلك في غاية الندرة، وإذا ثبت أن المراد بالخير ~~هنا المال الكثير، فهل هو مقدر، أم لا؟ فيه قولان: # الأول: أنه مقدر، واختلفوا في مقداره؛ فروي عن علي - رضي الله عنه ~~-: أنه دخل على مولى لهم في الموت، وله سبعمائة درهم، فقال أولا أوصي؟ ~~فقال: لا؛ إنما قال الله: { إن ترك خيرا } والخير: هو المال ~~الكثير، وليس لك مال. # وعن عائشة: أن رجلا قال لها: إني أريد أن أوصي، قالت: كم مالك؟ ~~قال: ثلاثة آلاف، قالت: كم عيالك؟ قال أربع، قالت: قال الله تعالى: { ~~إن ترك خيرا } وإن هذا يسير، فاتركه لعائلتك، فهو أفضل. # وعن ابن عباس: " إذا ترك سبعمائة درهم، فلا يوصي، فإن بلغ ثمانمائة ~~درهم، أوصى " وعن قتادة: ألف ردهم، وعن النخعي: من ألف وخمسمائة ~~درهم. # وقال قوم: إنه غير مقدر بمقدار معين بل يختلف باختلاف حال الرجال. # فصل في ms0953 تحرير معنى " الوصية ". # قال القرطبي: و " الوصية " عبارة عن كل شيء يؤمر بفعله، ~~ويعهد به في الحياة، وبعد الموت، وخصصها العرف بما يعهد بفعله، وتنفيذه ~~بعد الموت، والجمع وصايا، كالقضايا جمع قضية، والوصي يكون الموصي، ~~والموصى إليه؛ وأصله من وصى مخففا وتواصى النبت تواصيا، إذا اتصل، ~~وأرض واصية: متصلة النبات، وأوصيت له بشيء، وأوصيت إليه، إذا جعلته ~~وصيك، والاسم الوصاية والوصاية بالكسر والفتح، وأوصيته، ووصيته ~~أيضا توصية بمعنى؛ والاسم الوصاة، وتواصى القوم أوصى بعضهم بعضا، ~~وفي الحديث # " استوصوا بالنساء خيرا؛ فإنهن عوان عندكم " # ووصيت الشيء بكذا، إذا وصلته به. # فصل في سبب كون الوصية للوالدين والأقربين # اعلم: أن الله تعالى بين أن الوصية الواجبة للوالدين والأقربين. قال ~~الأصم: وذلك أنهم كانوا يوصون للأبعدين طلبا للفخر والشرف، ~~ويتركون الأقارب في الفقر، والمسكنة؛ فأوجب الله تعالى في أول الإسلام ~~الوصية لهؤلاء. # وقال ابن عباس، وطاوس، وقتادة، والحسن: إن هذه الوصية كانت ~~واجبة قبل آية المواريث للوالدين والأقربين من يرث منهم، ومن لا يرث، ~~فلما نزلت آية المواريث، نسخت وجوبها في حق الوارث، وبقي وجوبها في ~~حق من لم يرث، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية ~~لوارث " # وقال طاوس: من أوصى لقوم، وترك ذوي قرابة محتاجين، انتزعت منهم، وردت ~~في ذوي قرابته. # وذهب الأكثرون إلى أن الوجوب صار منسوخا في حق الكافة، وهي ~~مستحبة في حق الذين لا يرثون. # روى مالك، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ما حق امرىء مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه، يبيت ~~ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده " # وقال بعضهم: إن الوصية لم تكن واجبة، وإنما كانت مندوبة، وهي على ~~حالها لم تنسخ، وسيأتي الكلام عليه قريبا - إن شاء الله تعالى -. # قوله: " بالمعروف ": يجوز فيه وجهان: # أحدهما: أن يتعلق بنفس الوصية. # والثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من الوصية، أي: حال كونها ~~ملتبسة بالمعروف، لا بالجور. # فصل # يحتمل أن ms0954 يكون المراد منه قدر ما يوصى به، فيسوى بينهم في العطية، ~~ويحتمل ان يكون المراد من المعروف ألا يعطي البعض، ويحرم البعض؛ كما ~~إذا حرم الفقير، وأوصى للغني، لم يكن ذلك معروفا، ولو سوى بين ~~الوالدين مع عظم حقهما، وبين بني العم، لم يكن معروفا، فالله تعالى ~~كلفه الوصية؛ على طريقة جميلة خالية عن شوائب الإيحاش، ونقل عن ابن ~~مسعود: أنه جعل هذه الوصية للأفقر فالأفقر من الأقرباء. # وقال الحسن البصري: هم والأغنياء سواء. # وروي عن الحسن أيضا، وجابر بن زيد، وعبد الملك بن يعلى: أنهم قالوا ~~فيمن يوصي لغير قرابته، وله قرابة لا ترثه، قالوا: نجعل ثلثي الثلث ~~لذوي قرابته، وثلث الثلث للموصى له، وتقدم النقل عند طاوس أن ~~الوصية تنزع من الأجنبي، وتعطى لذوي القرابة. # وقال بعضهم: قوله: " بالمعروف ": هو ألا يزيد على الثلث، روي ~~عن سعد بن مالك، قال: # " جاءني النبي صلى الله عليه وسلم يعودني، فقلت: يا رسول الله، قد بلغ ~~بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنتي، فأوصي بثلثي ~~مالي؟ وفي رواية: " أوصي بمالي كله " قال:لا، قلت: ~~بالشطر؛ قال: لا، قلت فالثلث، قال: الثلث، والثلث كثير؛ ~~إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس " # وقال [علي: لأن أوصي بالخمس أحب إلي من أن أوصي بالربع، ولأن أوصي ~~بالربع أحب إلي من أن أوصي بالثلث، فلم أوصي بالثلث، فلم يترك " ~~]. # وقال الحسن: نوصي بالسدس، أو الخمس، أو الربع. # وقال الفارسي: إنما كانوا يوصون بالخمس والربع. # وذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجوز أن يوصي بأكثر من الثلث، إلا ~~أصحاب الرأي، فإنهم قالوا: إن لم يترك الوصي ورثة، جاز له أن يوصي ~~بماله كله. # وقالوا: إنما جاز الاقتصارعلى الثلث في الوصية؛ لأجل أن يدع ورثته ~~أغنياء. # قوله " حقا " في نصبه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون نعتا لمصدر محذوف، ذلك المصدر المحذوف: إما مصدر " ~~كتب " ، أو مصدر " أوصى " ، أي: " كتبا حقا " أو " إيصاء ~~حقا ". # الثاني: أنه حال من المصدر ms0955 المعرف المحذوف، إما مصدر " كتب " ، أو ~~" أوصى "؛ كما تقدم. # الثالث: ان ينتصب على أنه مؤكد لمضمون الجملة؛ فيكون عاملة ~~محذوفا، أي: حق ذلك حقا، قاله الزمخشري، وابن عطية، وأبو ~~البقاء. # قال أبو حيان: وهذا تأباه القواعد النحوية؛ لأن ظاهر ~~قوله " على المتقين " أن يتعلق ب " حقا، أو يكون في موضع ~~الصفة له، وكلا التقديرين لا يجوز. # أما الأول؛ فلأن المصدر المؤكد لا يعمل، وأما الثاني؛ فلأن الوصف ~~يخرجه عن التأكيد. # قال شهاب الدين: وهذا لا يلزمهم؛ فإنهم، والحالة هذه، لا يقولون: إن ~~" على المتقين " متعلق به، وقد نص على ذلك أبو البقاء - ~~رحمه الله -؛ فإنه قال: وقيل: هو متعلق بنفس المصدر، وهو ضعيف؛ لأن ~~المصدر المؤكد لا يعمل، وإنما يعمل المصدر المنتصب بالفعل المحذوف، ~~إذا ناب عنه؛ كقولك " ضربا زيدا " ، أي: " اضرب " إلا أنه جعله ~~صفة ل " حق " فهذا يرد عليه، وقال بعض المعربين: إنه مؤكد لما تضمنه ~~معنى المتقين: كأنه قيل " على المتقين حقا؛ كقوله: # أولئك هم المؤمنون حقا # [الأنفال: 74] وهذا ضعيف؛ لتقدمه على عامله الموصول، ولأنه لا يتبادر ~~إلى الذهن. # قال أبو حيان: والأولى عندي: أن يكون مصدرا من معنى " كتب "؛ لأن ~~معنى " كتب الوصية " ، أي: حقت ووجبت، فهو مصدر على غير الصدر، ~~نحو: " قعدت جلوسا ". # فإن قيل: ظاهر هذا التكليف يقتضي تخصيص هذا التكليف بالمتقين، دون ~~غيرهم؟ # فالجواب أن المراد بقوله تعالى: { حقا على المتقين } أنه ~~لازم لمن آثر التقوى، وتحراه، وجعله طريقة له ومذهبا، فيدخل الكل ~~فيه. # وأيضا: فإن الآية الكريمة وإن دلت على وجوب هذا المعنى على المتقين، ~~فالإجماع دل على أن الواجبات والتكاليف عامة في حق المتقين ~~وغيرهم، فبهذا الطريق يدخل الكل تحت هذا التكليف. # فصل في اختلافهم في تغيير المدبر وصيته # قال القرطبي: أجمعوا على أن للإنسان أن يغير وصيته، ويرجع فيما ~~شاء منها إلا أنهم اختلفوا في المدبر. # فقال مالك: الأمر المجمع عليه عندنا: أن الموصي، إذا أوصى في صحته، أو ~~مرضه بوصية، فيها عتق رقيق، فإنه يغير من ذلك ما بدا ms0956 له، ويصنع من ~~ذلك ما يشاء حتى يموت، وإن أحب أن يطرح تلك الوصية، ويسقطها فعل، ~~إلا أن يدبر، فإن دبر مملوكا، فلا سبيل له إلى تغيير ما دبر. # قال أبو الفرج المالكي: المدبر في القياس كالمعتق إلى شهر؛ لأنه ~~أجل آت لا محالة، وأجمعوا على أنه لا يرجع في اليمين بالعتق، والعتق ~~إلى أجل؛ فكذلك المدبر، وبه قال أبو حنيفة، وقال الإمام الشافعي ~~وإسحاق وأحمد: هو وصية. # فصل # اختلفوا في الرجل، يقول لعبده: " أنت حر بعد موتي " ، وأراد ~~الوصية، فله الرجوع عند مالك، وإن قال: " فلان مدبر بعد ~~موتي " لم يكن له الرجوع فيه، فإن أراد التدبير لقوله الأول، لم ~~يرجع أيضا عند أكثر أصحاب مالك، وأما الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ~~ثور، فهذا كله عندهم وصية؛ لأنه في الثلث، وكل ما كان في ~~الثلث، فهو وصية، إلا أن الشافعي قال: لا يكون له الرجوع في ~~المدبر إلا بأن يخرجه عن ملكه ببيع أو هبة، وليس قوله: " فقد ~~رجعت " رجوعا. # فصل # اختلفوا في رجوع المجيزين للوصية للوارث في حياة الموصي، وبعد وفاته. # فقالت طائفة: ذلك جائز عليهم، وليس لهم الرجوع، وهو قول عطاء بن أبي ~~رباح، وطاوس، والحسن، وابن سيرين، وابن أبي ليلى، والزهري، وربيعة، ~~والأوزاعي، وقيل: لهم الرجوع، إن أحبوا، وهو قول ابن مسعود، وشريح، ~~والحكم، والثوري، والحسن بن صالح، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد وأبي ~~ثور وابن المنذر. # وقال مالك: إن أذنوا في صحته، فلهم الرجوع، وإن أذنوا في مرضه، فذلك ~~جائز عليهم، وهو قول إسحاق. # فصل في الحجر على المريض في ماله # وذهب الجمهور إلى أنه يحجر على المريض في ماله. # وقال أهل الظاهر: لا يحجر عليه، وهو كالصحيح. # فصل في توقف الوصية على إجازة الورثة # إذا أوصى لبعض ورثته بمال، وقال في وصيته: إن أجازها الورثة، فهي لك، ~~وإن لم يجيزوها، فهو في سبيل الله، فلم يجزها الورثة، فقال مالك: مرجع ~~ذلك إليهم. # وقال أبو حنيفة، ومعمر، والشافعي في أحد قوليه: يمضي في سبيل الله، ~~والله أعلم. ms0957 # فصل # من الناس من قال: إن الوصية كانت واجبة؛ واستدل بقوله كتب وبقوله ~~" عليكم " وأكد الإيجاب بقوله: { على المتقين } ، وهؤلاء ~~اختلفوا: فمنهم من قال صارت هذه الآية منسوخة. # وقال أبو مسلم: إنها لم تنسخ من وجوه. # أحدها: أن هذه الآية الكريمة ليست مخالفة لآية المواريث، ومعناه: " ~~كتب عليكم ما وصى به الله؛ من توريث الوالدين ~~والأقربين، ومن قوله: # يوصيكم الله في أولادكم # [النساء: 11] أو كتب على المحتضر أن يوصي للوالدين والأقربين؛ بتوفير ما ~~وصى به الله عليهم، وألا ينقص من أنصبائهم ". # وثانيها: أنه لا منافاة بين ثبوت الميراث بحكم الآيتين. # وثالثها: لو قدرنا حصول المنافاة، لكان يمكن جعل آية المواريث لإخراج ~~القريب الواريث، ويبقى القريب الذي لا يكون وارثا داخلا تحت هذه الآية؛ ~~وذلك لأن من الوالدين من يرث، ومنهم من لا يرث بسبب اختلاف الدين أو ~~الرق، أو القتل، ومن الأقارب الذين لا يسقطون في فريضة: من لا يرث ~~بهذه الأسباب الخارجية ومنهم: من يسقط في حال، ويثبت في حال، ومنهم: من ~~يسقط في كل حال. # فمن كان من هؤلاء وارثا، لم تجز الوصية له، ومن كان منهم غير وارث، ~~صحت الوصية له، وقد أكد الله تعالى ذلك بقوله: # واتقوا الله الذي تسآءلون به والأرحام # [النساء: 1]، وبقوله: # إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتآء ذي ~~القربى # [النحل: 90]، والقائلون بالنسخ: اختلفوا بأي دليل صارت منسوخة، فقال ~~بعضهم: بإعطاء الله أهل المواريث كل ذي حق حقه. # قال ابن الخطيب وهذا بعيد؛ لأنه لا يمتنع مع قدر من الحق بالميراث وجوب ~~قدر آخر بالوصية، وأكثر ما يوجبه ذلك التخصيص، والنسخ. # فإن قيل: لا بد وأن تكون منسوخة في حق من لم يخلف إلا الوالدين من ~~حيث يصير كل المال حقا لهم؛ بسبب الإرث، فلا يبقى للوصية شيء؟! # فالجواب: أن هذا تخصيص، لا نسخ. # وقال بعضهم أيضا: إنها نسخت بقوله - عليه السلام -، # " لا وصية لوارث " # ، وفيه إشكال؛ من حيث إنه خبر واحد، فلا يجوز نسخ القرآن به، فإن ~~قيل: بأنه، وإن كان خبر واحد، ms0958 إلا أن الأمة تلقته بالقبول، فالتحق ~~بالمتواتر. # فالجواب: سلمنا أن الأمة تلقته بالقبول، لكن على وجه الظن، أو ~~على وجه القطع؟ فإن كان على وجه الظن، فمسلم إلا أن ذلك يكون ~~إجماعا منهم على انه خبر واحد، فلا يجوز نسخ القرآن به، وإن كان على وجه ~~القطع فممنوع؛ لأنهم لو قطعوا بصحته، مع أنه من باب الآحاد، لكانوا قد ~~أجمعوا على الخطأ، وإنه غير جائز. # وقال آخرون: إنها نسخت بالإجماع، والإجماع يجوز أن ينسخ به القرآن؛ لأن ~~الإجماع يدل على أن الدليل الناسخ كان موجودا إلا أنهم اكتفوا ~~بالإجماع عن ذكر ذلك الدليل، ولقائل أن يقول: لما ثبت أن في الأمة من ~~أنكر وقوع هذا النسخ؛ فحينئذ: لم يثبت الإجماع. # وقال قوم: نسخت بدليل قياسي، وهو أن نقول: هذه الوصية، لو كانت ~~واجبة، لكانت، إذا لم توجد هذه الوصية، يجب ألا يسقط حق هؤلاء ~~الأقربين، وقد رأيناهم سقطوا لقوله تعالى في آية المواريث # من بعد وصية يوصين بهآ أو دين # [النساء: 12] فظاهره يقتضي أنه إذا لم يكن وصية أو دين، فالمال أجمع ~~للوارث. # ولقائل أن يقول: نسخ القرآن بالقياس غير جائز. # قال القرطبي: قوله تعالى " حقا " أي: ثابتا ثبوت نظر، وتحصين، لا ~~ثبوت فرض ووجوب؛ بدليل قوله: " على المتقين " وهذا يدل على كونه ~~مندوبا؛ لأنه لوكان فرضا، لكان على جميع المسلمين، فلما خص الله ~~تعالى المتقي، وهو من يخاف التقصير، دل على أنه غير لازم لغيره. # فصل " في حق من نسخت الآية " # قال أكثر المفسرين إنها نسخت في حق من يرث ومن لا يرث. # وقال بعض المفسرين من الفقهاء: إنها نسخت في حق من يرث، وثابتة في ~~حق من لا يرث، وهو مذهب ابن عباس والحسن، ومسروق، وطاوس، ~~والضحاك، ومسلم بن يسار، والعلاء بن زياد. # قال طاوس: إن من أوصى للأجانب، وترك الأقارب، نزع منهم، ورد إلى ~~الأقارب؛ لوجوب الوصية عند هؤلاء، والباقي للقريب الذي ليس بوارث. # واستدلوا بأن هذه الآية دالة على وجوب الوصية للقريب، سواء كان ~~وارثا، أو ms0959 غير وارث، ترك العمل به في حق القريب الوارث، إما بآية ~~المواريث، أو بقوله - عليه الصلاة والسلام -: # " لا وصية لوارث " # ، وهاهنا الإجماع غير موجود، لأن الخلاف فيه قديم وحديث؛ فوجب أن تبقى ~~الآية دالة على وجوب الوصية للقريب الذي ليس بوارث. # واستدلوا أيضا بقوله - عليه السلام -: # " ما حق امرىء مسلم له ملك يبيت ليلتين، إلا ~~ووصيته مكتوبة عنده " # وقد أجمعنا على أن الوصية غير واجبة لغير الأقارب؛ فوجب أن تكون هذه ~~الوصية واجبة للأقارب، فأما الجمهور، فأجود ما استدلوا به على ~~أنها منسوخة في حق الكل قوله: # من بعد وصية يوصين بهآ أو دين # [النساء: 12] وقد ذكرنا تقريره. ### || [2.181] # يجوز في " من " أن تكون شرطية وموصولة، والفاء: إما واجبة، إن ~~كانت شرطا، وإما جائزة، إن كانت موصولة، والهاء في " بدله " ~~يجوز أن تعود على الوصية، وإن كان بلفظ المؤنث؛ لأنها في معنى ~~المذكر، وهو الإيصاء؛ كقوله تعالى: # فمن جآءه موعظة # [البقرة: 275] أي وعظ، أو تعود على نفس الإيصاء المدلول عليه ~~بالوصية، إلا أن اعتبار المذكر في المؤنث قليل، وإن كان ~~مجازيا؛ ألا ترى أنه لا فرق بين قولك: " هند خرجت، والشمس ~~طلعت " ، ولا يجوز: " الشمس طلع " كما لا يجوز: " هند ~~خرج " إلا في ضرورة. # وقيل: تعود على الأمر، والفرض الذي أمر الله به وفرضه. # وقيل: تعود إلى معنى الوصية، وهو قول، أو فعل، وكذلك الضمير في " ~~سمعه " والضمير في " إثمه " يعود على الإيصاء المبدل، أو ~~التبديل المفهوم من قوله: " بدله " ، وقد راعى المعنى في قوله: { ~~على الذين يبدلونه }؛ إذ لو جرى على نسق اللفظ الأول، لقال ~~{ فإنما إثمه عليه، أو على الذي يبدله } ، وقيل: الضمير ~~في " بدله " يعود على الكتب، أو الحق، أو المعروف، فهذه ستة ~~أقوال، و " ما " في قوله: " بعدما سمعه " يجوز أن تكون ~~مصدرية، أي: بعد سماعه، وأن تكون موصولة بمعنى " الذي " ، فالهاء في ~~" سمعه " على الأول تعود على ما عاد عليه الهاء في " بدله "؛ ~~وعلى الثاني: تعود على الموصول، أي " بعد الذي سمعه من ~~أوامر الله ms0960 ". # فصل في بيان المبدل # في المبدل قولان: # أحدهما: انه الوصي، أو الشاهد، أو سائر الناس # أما الوصي: فبأن يغير الموصى به: إما في الكتابة، أو في قسمة ~~الحقوق، وأما الشاهد: فبأن يغير شهادته، أو يكتمها، وأما غير الوصي ~~والشاهد؛ فبأن يمنعوا من وصول ذلك المال إلى مستحقه، فهؤلاء كلهم ~~داخلون تحت قوله: " فمن بدله ". # الثاني: أن المبدل هو الموصي، نهي عن تغيير الوصية عن موضعها التي ~~بين الله تعالى الوصية إليها؛ وذلك أنا بينا أنهم كانوا في ~~الجاهلية يوصون للأجانب، ويتركون الأقارب في الجوع والضر، فأمرهم ~~الله تعالى بالوصية إلى الأقربين، ثم زجر بقوله: { فمن بدله ~~بعدما سمعه } أي: من أعرض عن هذا التكليف، وقوله: { إن ~~الله سميع عليم } ، أي سميع لما أوصى به الموصي، عليم ~~بنيته، لا تخفى عليه خافية من التغيير الواقع فيها. # فصل في تبديل الوصية بما لا يجوز # قال القرطبي: لا خلاف أنه إذا أوصى بما لا يجوز؛ مثل: أن يوصي بخمر، ~~أو خنزير، أو شيء من المعاصي، فإنه لا يجوز إمضاؤه، ويجوز تبديله. ### || [2.182] # يجوز في " من " الوجهان الجائزان في " من " قبلها، والفاء في " ~~فلا إثم " هي جواب شرط، أو الداخلة في الخبر. # و " من موص " يجوز فيها ثلاثة أوجه: # أحدها: أن تكون متعلقة ب " خاف " على أنها لابتداء الغاية. # الثاني: أن تتعلق بمحذوف على أنها حال من " جنفا " ، قدمت عليه؛ ~~لأنها كانت في الأصل صفة له، فلما تقدمت، نصبت حالا، ونظيره: " ~~أخذت من زيد مالا " ، إن شئت، علقت " من زيد " ب " ~~أخذت " ، وإن شئت، جعلته حالا من " مالا "؛ لأنه صفته في الأصل. # الثالث: أن تكون لبيان جنس الجانفين، وتتعلق أيضا ب " خاف " فعلى ~~القولين الأولين: لا يكون الجانف من الموصين، بل غيرهم، وعلى الثالث: ~~يكون من الموصين، وقرأ أبو بكر، وحمزة والكسائي، ويعقوب " موص " ~~بتشديد الصاد؛ كقوله: # ما وصى به نوحا # [الشورى: 13] و # ووصينا الإنسان # [لقمان: 14] والباقون يتخفيفها، وهما لغتان؛ من " أوصى " ، و " ~~وصى "؛ كما قدمنا، إلا أن حمزة، والكسائي، وأبا بكر من جملة ms0961 من ~~قرأ # ووصى بهآ إبراهيم # [البقرة: 132] ونافعا، وابن عامر يقرءان " أوصى " بالهمزة، فلو لم ~~تكن القراءة سنة متبعة لا تجوز بالرأي، لكان قياس قراءة ابن كثير، ~~وأبي عمرو، وحفص هناك: " ووصى " بالتضعيف - أن يقرءوا هنا " موص ~~" بالتضعيف أيضا، وأما نافع، وابن عامر، فإنهما قرءا هنا: " موص " ~~مخففا؛ على قياس قراءتهما هناك، و " أوصى " على " أفعل " ~~وكذلك حمزة، والكسائي، وأبو بكر قرءوا: " ووصى " - هناك بالتضعيف؛ ~~على القياس. # و " الخوف " هنا بمعنى الخشية، وهو الأصل. # فإن قيل: الخوف إنما يصح في أمر سيصير، والوصية وقعت، فكيف يمكن ~~تعليقها بالخوف؟! # والجواب من وجوه: # أحدها: أن المراد منه أن المصلح، إذا شاهد الموصي، يوصي، وظهر منه أمارة ~~الحيف، عن طريق الحق مع ضرب من الجهالة، أو مع التأويل، أو شاهد من ~~التعمد في الميل، فعند ظهور الأمارة تحقيق الوصية، يأخذ في ~~الإصلاح؛ لأن إصلاح الأمر عند ظهور أمارات فساده، وقبل تقرير فساده ~~يكون أسهل؛ فلذلك علقه - تعالى - بالخوف دون العلم. # الثاني: الموصي له الرجوع عن الوصية، وفسخها، وتغييرها بالزيادة ~~والنقصان، ما لم يمت، وإذا كان كذلك، لم يصر الجنف والإثم معلومين؛ ~~فلذلك علقه بالخوف. # الثالث: يجوز أن يصلح الورثة والموصى له بعد الموت على ترك الميل ~~والجنف، وإذا كان ذلك منتظرا، لم يكن الجنف، والإثم مستقرا؛ فصح ~~تعليقه بالخوف. # وقيل: [الخوف] بمعنى العلم، وهو مجاز، والعلاقة بينهما هو أن ~~الإنسان لا يخاف شيئا؛ حتى يعلم أنه مما يخاف منه، فهو من باب ~~التعبير عن السبب بالمسبب؛ ومن مجيء الخوف بمعنى العلم قوله تعالى: # إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود الله # [البقرة: 229]، وقول أبي محجن الثقفي: [الطويل] # 923 - إذا مت فادفني إلى جنب كرمة # تروي عظامي في الممات عروقها # ولا تدفنني في الفلاة فإنني # أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها # فعلى هذا يكون معنى الآية الكريمة أن الميت إذا أخطأ في وصيته، أو ~~جنف فيها متعمدا، فلا حرج على من علم ذلك أن يغيره، بعد موته، قاله ~~ابن عباس، وقتادة، والربيع، وأصل " خاف " " خوف ms0962 " تحركت الواو ~~وانفتح ما قبلها؛ فقلبت ألفا، وأهل الكوفة يميلون هذه الألف. # و " الجنف " فيه قولان: # أحدهما: الميل؛ قال الأعشى: [الطويل] # 924 - تجانف عن حجر اليمامة ناقتي # وما قصدت من أهلها لسوائكا # وقال آخر: [الوافر] # 925 - هم المولى وإن جنفوا علينا # وإنا من لقائهم لزور # قال أبو عبيدة: المولى هاهنا في موضع الموالي، أي: ابن العم؛ لقوله ~~تعالى: # ثم يخرجكم طفلا # [غافر: 67]، وقيل: هو الجسور. # قال القائل: [الكامل] # 926 - إني امرؤ منعت أرومة عامر # ضيمي وقد جنفت علي خصوم # يقال: جنف بكسر النون، يجنف، بفتحها، فهو جنف، وجانف، ~~وأجنف: جاء بالجنف، ك " ألأم " أي: أتى بما يلام عليه. # والفرق بين الجنف والإثم: أن الجنف هو الميل مع الخطأ، والاثم: هو ~~العمد. # فصل في سوء الخاتمة بالمضارة في الوصية # " روي عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن ~~الرجل، أو المرأة، ليعمل بطاعة الله سبعين ~~سنة، ثم يحضرهما الموت، فيضاران في الوصية؛ ~~فتجب لهما النار، ثم قرأ أبو هريرة: { من بعد وصية } ~~إلى قوله: { غير مضآر وصية } " # [النساء: 12]. # فصل # والضمير في " بينهم " عائد على الموصي، والورثة، أو على الموصى ~~لهم، أو على الورثة والموصى لهم، والظاهر عوده على الموصى لهم، إذ يدل ~~على ذلك لفظ " الموصي " ، وهو نظير " وأداء إليه " في أن ~~الضمير يعود للعافي؛ لاستلزام " عفي " له؛ ومثله ما أنشد ~~الفراء:[الوافر] # 927 - وما أدري إذا يممت أرضا # أريد الخير أيهما يليني # فالضمير في " أيهما " يعود على الخير والشر، وإن لم يجر ذلك ~~الشر، لدلالة ضده عليه، والضمير في " عليه " وفي " خاف " وفي " ~~أصلح " يعود على " من ". # فصل في بيان المراد من المصلح # هذا المصلح [من هو؟] الظاهر أنه الوصي، وقد يدخل تحته الشاهد، وقد يكون ~~المراد منه من يتولى ذلك بعد موته؛ من وال، أو ولي أو وصي، أو من ~~يأمر بمعروف، فلا وجه للتخصيص، بل الوصي أو الشاهد أولى بالدخول؛ لأن ~~تعلقهم أشد، وكيفية الإصلاح أن يزيل ما وقع فيه الجنف، ويرد كل ~~حق ms0963 إلى مستحقه. # قال القرطبي: الخطاب في قوله: { فمن خاف من موص } لجميع ~~المسلمين، أي: إن خفتم من موص جنفا، أي: ميلا في الوصية، وعدولا عن ~~الحق، ووقوعا في إثم، ولم يخرجها بالمعروف بأن يوصي بالمال إلى زوج ~~ابنته، أو لولد ابنته؛ لينصرف المال إلى ابنته [أو إلى ابن ابنه، والغرض ~~أن ينصرف المال إلى ابنه، أو أوصى لبعيد]، وترك القريب؛ فبادروا إلى ~~السعي في الإصلاح بينهم، فإذا وقع الصلح، سقط الإثم عن المصلح، ~~والإصلاح فرض على الكفاية، إذا قام أحدهم به، سقط عن الباقين، وإن لم ~~يفعلوا، أثم الكل. # فإن قيل: هذا الإصلاح طاعة عظيمة، ويستحق الثواب عليه، فكيف عبر ~~عنه بقوله: { فلا إثم عليه }؟ # فالجواب: من وجوه: # أحدها: أنه تعالى، لما ذكر إثم المبدل في أول الآية وهذا أيضا من ~~التبديل، بين مخالفته للأول، وأنه لا إثم عليه؛ لأنه رد ~~الوصية إلى العدل. # وثانيها: أنه إذا أنقص الوصايا، فذلك يصعب على الموصى لهم، ويوهم أن فيه ~~إثما، فأزال ذلك الوهم، فقال: { فلا إثم عليه }. # وثالثها: أن مخالفة الموصي في وصيته، وصرفها عمن أحب إلى من كره؛ ~~فإن ذلك يوهم القبح فبين تعالى أن ذلك حسن؛ بقوله: { فلا إثم ~~عليه }. # ورابعها: أن الإصلاح بين جماعة يحتاج إلى إكثار من القول، ويخاف أن ~~يتخلله بعض ما لا ينبغي من القول والفعل؛ فبين تعالى أنه لا ثم ~~عليه في هذا الجنس، إذا كان قصده في الإصلاح جميلا. # فإن قيل: قوله تعالى: { إن الله غفور رحيم } إنما يليق بمن ~~فعل فعلا لا يجوز، وهذا الإصلاح من جملة الطاعات، فكيف يليق به هذا ~~الكلام؟ # فالجواب من وجوه: # أحدها: ان هذا من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، فكأنه قال: انا ~~الذي أغفر للذنوب، ثم أرحم المذنب؛ فبأن اوصل رحمتي وثوابي إليك، مع ~~أنك تحملت المحن الكثيرة في إصلاح هذا المهم كان أولى. # وثانيها: يحتمل أن يكون المراد: أن ذلك الموصي الذي أقدم على الجنف ~~والإثم، متى أصلحت وصيته؛ فإن الله غفور رحيم يغفر له، ويرحمه ms0964 بفضله. # وثالثها: أن المصلح، ربما احتاج في الإصلاح إلى أفعال وأقوال، كان ~~الأولى تركها، فإذا علم الله تعالى منه أنه ليس غرضه إلا الإصلاح، فإنه ~~لا يؤاخذه بها؛لأنه غفور رحيم. # فصل في أفضلية الصدقة حال الصحة # قال القرطبي رحمه الله تعالى: والصدقة في حال الصحة أفضل منها ~~عند الموت؛ # " لقوله - عليه الصلاة والسلام - وقد سئل: أي الصدقة أفضل؟ فقال: أن ~~تصدق، وأنت صحيح شحيح " # ، وقال - عليه الصلاة والسلام -: # " لأن يتصدق المرء في حياته بدرهم خير له من ~~أن يتصدق عند موته بمائة " # وقال - عليه السلام -: # " مثل الذي ينفق، ويتصدق عند موته مثل ~~الذي يهدي بعد ما يشبع " # وقال - عليه الصلاة والسلام-: # " من حضرته الوفاة، فأوصى، فكانت وصيته على ~~كتاب الله؛ كانت كفارة لما ترك من زكاته " # وقال - عليه الصلاة والسلام-: # " الإضرار في الوصية من الكبائر " # وقال - عليه الصلاة والسلام -: # " إن الرجل ليعمل أو المرأة بطاعة الله ستين ~~سنة، ثم يحضرهما الموت، فيضاران في الوصية، ~~فتجب لهما النار " # وروى عمران بن حصين، أن رجلا أعتق ستة مملوكين عند موته، لم يكن له مال ~~غيرهم، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فغضب من ذلك، وقال: لقد هممت ~~ألا أصلي عليه [ثم دعى مملوكيه]، فجزأهم ثلاثا، وأقرع بينهم، وأعتق ~~اثنين، وأرق أربعة. ### || [2.183] # " الصيام ": مفعول لم يسم فاعله، وقدم عليه هذه الفضلة، وإن كان ~~الأصل تأخيرها عنه؛ لأن البداءة بذكر المكتوب عليه آكد من ذكر المكتوب ~~لتعلق الكتب بمن يؤدي، والصيام مصدر صام يصوم صوما، والأصل: " ~~صواما " ، فأبدلت الواو ياء، والصوم مصدر أيضا، وهذان البناءان - ~~أعني: فعل وفعال - كثيران في كل فعل واوي العين صحيح اللام، وقد جاء ~~منه شيء قليل على فعول؛ قالوا: " غار غوورا " ، وإنما استكرهوه؛ ~~لاجتماع الواوين، ولذلك همزه بعضهم، فقال: " الغئور ". # قال أبو العباس المقرئ: وقد ورد في القرآن " كتب " بإزاء أربعة ~~معان: # الأول: بمعنى فرض؛ قال تعالى: كتب عليكم الصيام } ، أي: ~~فرض. # الثاني: بمعنى قضى؛ قال تعالى: # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي # [المجادلة: 21]، ومثله: # قل لن يصيبنآ ms0965 إلا ما كتب الله لنا # [التوبة: 51]. # الثالث: بمعنى جعل؛ قال تعالى: # ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم # [المائدة: 21]، أي: جعل لكم، ومثله: # كتب في قلوبهم الإيمان # [المجادلة: 22] أي: جعل. # الرابع: بمعنى أمر؛ قال تعالى: # وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس # [المائدة: 45]، أي: أمرناهم. # والصيام لغة: الإمساك عن الشيء مطلقا، ومنه صامت الريح: أمسكت عن ~~الهبوب، والفرس: أمسكت عن العدو؛ قال: [البسيط] # 928 - وخيل صيام وخيل غير صائمة # تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما # وقال تعالى: # إني نذرت للرحمن صوما # [مريم: 26]، أي: سكوتا؛ لقوله: # فلن أكلم اليوم إنسيا # [مريم: 26] وصام النهار، اشتد حره؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] # 929 - فدعها وسل الهم عنها بجسرة # ذمول إذا صام النهار وهجرا # وقال: [الرجز] # 930 - حتى إذا صام النهار واعتدل # ومال للشمس لعاب فنزل # كأنهم توهموا ذلك الوقت إمساك الشمس عن المسير، ومصام النجوم: ~~إمساكها عن السير؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] # 931 - كأن الثريا علقت في مصامها # بأمراس كتان إلى صم جندل # ويقال: بكرة صائمة، إذا قامت فلم تدر. # قال الراجز: [الرجز] # 932 - والبكرات شرهن الصائمه # وفي الشريعة: هو الإمساك من طلوع الفجر إلى غروب الشمس عن المفطرات؛ ~~حال العلم بكونه صائما، [مع اقترانه بالنية]. # قوله: " كما كتب " فيه خمسة أوجه: # أحدها: أن محلها النصب على نعت مصدر محذوف، أي: كتب كتبا؛ مثل ما كتب. # الثاني: أنه في محل نصب حال من المصدر المعرفة، أي: كتب عليكم الصيام ~~الكتب مشبها ما كتب، و " ما " على هذين الوجهين مصدرية. # الثالث: أن يكون نعتا لمصدر من لفظ الصيام، أي: صوما مثل ما كتب، ف " ~~ما " على هذا الوجه بمعنى " الذي " ، أي: صوما مماثلا للصوم المكتوب ~~على من قبلكم، و " صوما " هنا مصدر مؤكد في المعنى؛ لأن الصيام ~~بمعنى: " أن تصوموا صوما " قاله أبو البقاء - رحمه الله -، وفيه أن ~~المصدر المؤكد يوصف، وقد تقدم منعه عند قوله تعالى: # بالمعروف حقا على المتقين # [البقرة: 180] قال أبو حيان - بعد أن حكى هذا عن ابن عطية -: وهذا فيه ~~بعد؛ لأن تشبيه ms0966 الصوم بالكتابة لا يصح، [هذا إن كانت " ما " ~~مصدرية، وأما إن كانت موصولة، ففيه أيضا بعد؛ لأن تشبيه ~~الصوم بالصوم لا يصح]، إلا على تأويل بعيد. # الرابع: أن يكون في محل نصب على الحال من " الصيام " وتكون " ما " ~~موصولة، أي: مشبها الذي كتب، والعامل فيها " كتب "؛ لأنه عامل في ~~صاحبها. # الخامس: أن يكون في محل رفع؛ لأنه صفة للصيام، وهذا مردود بأن ~~الجار والمجرور من قبيل النكرات، والصيام معرفة؛ فكيف توصف ~~المعرفة بالنكرة؟ وأجاب أبو البقاء عن ذلك؛ بأن الصيام غير معين؛ ~~كأنه يعني أن " أل " فيه للجنس، والمعرف بأل الجنسية عندهم قريب ~~من النكرة؛ ولذلك جاز أن يعتبر لفظه مرة، ومعناه أخرى؛ قالوا " ~~أهلك الناس الدينار الحمر والدرهم البيض " ، ومنه: # 933 - ولقد أمر على اللئيم يسبني # فمضيت ثمت قلت: لا يعنيني # وءاية لهم الليل نسلخ منه النهار # [يس: 37] وقد تقدم الكلام على مثل قوله: # والذين من قبلكم # [البقرة: 21] كيف وصل الموصول بهذا؛ والجواب عنه في قوله: # خلقكم والذين من قبلكم # [البقرة: 21] # فصل في المراد بالتشبيه في الآية # في هذا التشبيه قولان: # أحدهما: أنه عائد إلى أصل إيجاب الصوم، يعني: هذه العبادة كانت مكتوبة ~~على الأنبياء والأمم من ولد آدم - عليه الصلاة والسلام - إلى عهدكم لم ~~تخل أمة من وجوبها عليهم. # وفائدة هذا الكلام: أن الشيء الشاق إذا عم، سهل عمله. # القول الثاني: أنه عائد إلى وقت الصوم، وإلى قدره، وذكروا فيه وجوها: # أحدها: قال سعيد بن جبير " كان صوم من قبلنا من العتمة ~~إلى الليلة القابلة؛ كما كان في ابتداء الإسلام ". # ثانيها: أن صوم رمضان كان واجبا على اليهود والنصارى، أما اليهود فإنها ~~تركته وصامت يوما في السنة، زعموا أنه يوم أن غرق فيه فرعون، وكذبوا ~~في ذلك أيضا؛ لأن ذلك اليوم يوم عاشوراء على لسان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم؛ وأما النصارى، فإنهم صاموا رمضان زمانا طويلا، فصادفوا فيه ~~الحر الشديد، فكان يشق عليهم في أسفارهم ومعايشهم، فاجتمع رأي ~~علمائهم على أن يجعلوا صيامهم في فصل من ms0967 السنة بين الشتاء والصيف، ~~فجعلوه في الربيع، وحولوه إلى وقت لا يتغير، ثم قالوا عند ~~التحويل: زيدوا فيه عشرة أيام كفارة لما صنعوا؛ فصار أربعين ~~يوما، ثم إن ملكا منهم اشتكى، فجعل لله عليه، إن برىء من وجعه: أن ~~يزيد في صومهم أسبوعا، فبرىء، فزادوه، ثم جاء بعد ذلك ملك آخر؛ فقال: ~~ما هذه الثلاثة، فأتمه خمسين يوما، وهذا معنى قوله: # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله # [التوبة: 31]. قاله الحسن. # وثالثها: قال مجاهد: أصابهم موتان، فقالوا: زيدوا في صيامكم، فزاداو ~~عشرا قبل وعشرا بعد. # ورابعها: قال الشعبي: إنهم أخذوا بالوثيقة، وصاموا قبل الثلاثين يوما، ~~وبعدها يوما، ثم لم يزل الأخير يستسن بالقرن الذي قبله، حتى صاروا إلى ~~خمسين يوما، ولهذا كره صوم يوم الشك. # قال الشعبي: لو صمت السنة كلها، لأفطرت اليوم الذي يشك فيه، فيقال: ~~من شعبان، ويقال: من رمضان. # وخامسها: أن وجه التشبيه أن يحرم الطعام والشراب والجماع بعد ~~اليوم؛ كما كان قبل ذلك حراما على سائر الأمم؛ لقوله تعالى: # أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسآئكم # [البقرة: 187]. فإن هذا يفيد نسخ هذا الحكم، ولا دليل يدل عليه إلا ~~هذا التشبيه، وهو قوله: { كما كتب على الذين من قبلكم ~~}؛ فوجب أن يكون هذا التشبيه دالا على ثبوت هذا المعنى. # قال أصحاب القول الأول: إن تشبيه شيء بشيء لا يدل على مشابهتهما من ~~كل الوجوه، فلم يلزم من تشبيه صومنا بصومهم أن يكون صومهم مختصا ~~برمضان، وأن يكون صومهم مقدرا بثلاثين يوما، ثم إن مثل هذه ~~الرواية مما ينفر من قبول الإسلام، إذا علم اليهود والنصارى كونه ~~كذلك. # وقوله: { لعلكم تتقون } يعني: بالصوم؛ لأن الصوم وصلة ~~إلى التقوى؛ لما فيه من قهر النفس، وكسر الشهوات، وقيل: لعلكم ~~تحذرون عن الشهوات من الأكل، والشرب، والجماع، وقيل: " لعلكم ~~تتقون " إهمالها، وترك المحافظة عليها، بسبب عظم درجتها، وقيل: لعلكم ~~تكونون بسبب هذه العبادة في زمرة المتقين، لأن الصوم شعارهم. ### || [2.184] # في نصب أياما أربعة أوجه: # أظهرها: أنه منصوب بعامل مقدر يدل ms0968 عليه سياق الكلام، ~~تقديره صوموا أياما ويحتمل النصب وجهين: إما الظرفية، وإما ~~المفعول به، اتساعا. # الثاني: أنه منصوب بالصيام، ولم يذكر الزمخشري غيره؛ ونظره ~~بقولك " نويت الخروج يوم الجمعة " ، وهذا ليس بشيء؛ ~~لأنه يلزم الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي، وهو قوله " ~~كما كتب "؛ لأنه ليس معمولا للمصدر على أي تقديره قدرته. # فإن قيل: يجعل " كما كتب " صفة للصيام، وذلك على رأي من يجيز ~~وصف المعرف " بأل " الجنسية بما يجرى مجرى النكرة، فلا يكون ~~أجنبيا. # قيل: يلزم من ذلك وصف المصدر قبل ذكر معموله، وهو ممتنع. # الثالث: أنه منصوب بالصيام على أن تقدر الكاف نعتا لمصدر من ~~الصيام؛ كما قد قال به بعضهم، وإن كان ضعيفا؛ فيكون التقدير: " ~~الصيام صوما؛ كما كتب "؛ فجاز أن يعمل في " أياما " " ~~الصيام "؛ لأنه إذ ذاك عامل في " صوما " الذي هو موصوف ب " كما ~~كتب " ، فلا يقع الفصل بينهما بأجنبي، بل بمعمول المصدر. # الرابع: أن ينتصب ب " كتب " إما على الظرف، وإما على ~~المفعول به توسعا، وإليه نحا الفراء، وتبعه على ذلك أبو ~~البقاء. # قال أبو حيان: وكلا القولين خطأ: أما النصب على الظرفية، ~~فإنه محل للفعل، والكتابة ليست واقعة في الأيام، لكن ~~متعلقها هو الواقع في الأيام، وأما [النصب على المفعول اتساعا، ~~فإن ذلك مبني على كونه ظرفا ل " كتب " ، وقد تقدم أنه ~~خطأ، وقيل: نصب على] التفسير. # و " معددات " صفة، وجمع صفة ما لا يعقل بالألف والتاء ~~مطرد؛ نحو هذا، وقوله: " جبال راسيات " ، و " أيام معلومات ~~". # فصل في اختلافهم في المراد بالأيام # اختلفوا في هذه الأيام على قولين: # أحدهما: أنها غير رمضان، قاله معاذ، وقتادة، وعطاء، ورواه عن ابن ~~عباس، ثم اختلف هؤلاء: فقيل ثلاثة أيام من كل شهر، وصوم يوم ~~عاشوراء، قاله قتادة، ثم اختلفوا أيضا: هل كان تطوعا أو مرضا، ~~واتفقوا على أنه منسوخ برمضان. # واحتج القائلون بأن المراد بهذه الأيام غير رمضان بوجوه: # أحدها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: # " إن صوم رمضان نسخ كل صوم " # فدل هذا على أن قبل رمضان ms0969 كان صوما آخر واجبا. # وثانيها: أنه تعالى ذكر حكم المريض والمسافر في هذه الآية، ثم ذكر ~~حكمها أيضا في الآية التي بعدها الدالة على صوم رمضان، فلو كان هذا ~~الصوم هو صوم رمضان، لكان ذلك تكريرا محضا من غير فائدة، وهو لا ~~يجوز. # وثالثها: قوله تعالى هنا { وعلى الذين يطيقونه فدية } ~~[البقرة: 184] تدل على أن هذا واجب على التخيير، إن شاء صام، وإن ~~شاء أعطى الفدية، وأما صوم رمضان، فواجب على العيين؛ فوجب أن يكون ~~صوم هذه الأيام غير صوم رمضان. # القول الثاني وهو اختيار المحققين، وبه قال ابن عباس، والحسن، ~~وأبو مسلم أن المراد بهذه الأيام المعدوات هو صوم رمضان، لأنه ~~قال في أول الآية الكريمة: { كتب عليكم الصيام } وهذا ~~محتمل ليوم ويومين، وأيام، ثم بينه بقوله: " أياما معدودات " ~~فزال بعض الاحتمال، ثم بينه بقوله: # شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن # [البقرة: 185] فعلى هذا الترتيب يمكن أن نجعل الأيام المعدودات ~~بعينها صوم رمضان، وإذا أمكن ذلك، فلا وجه لحمله على غيره وإثبات ~~النسخ فيه؛ لأن كل ذلك زيادة لا يدل عليها اللفظ، وأما ~~تمسكهم بقوله - عليه الصلاة والسلام - # " صوم رمضان نسخ كل صوم " # ، فليس فيه أنه نسخ عنه، وعن أمته كل صوم، بل يجوز أنه ~~نسخ كل صوم وجب في الشرائع المتقدمة؛ فكما يصح أن يكون بعض ~~شرعه ناسخا للبعض، فيجوز أن يكون شرعه ناسخا لشرع غيره. # سلمنا أن صوم رمضان نسخ صوما ثبت في شرعه، فلم لا يجوز أن ~~يكون نسخ صوما وجب غير هذه الأيام. # وأما تمسكهم بحكم المريض والمسافر وتكرره فجوابه: أن ~~صوم رمضان كان في ابتداء الإسلام غير واجب، وكان التخيير فيه ثابتا ~~بين الصيام والفدية، فلما رخص للمسافر الفطر، كان من الجائز أن ~~يصير الواجب عليه الفدية، ويجوز أن لا فدية عليه، ولا قضاء؛ ~~للمشقة. وإذا ان ذلك جائزا، بين تعالى أن إفطار المسافر ~~والمريض في الحكم خلاف [التخيير في المقيم؛ فإنه يجب عليهما ~~القضاء من عدة أيام أخر، فلما نسخ الله تعالى ذلك ms0970 ~~التخيير عن] المقيم الصحيح، وألزمه الصوم حتما، كان من ~~الجائز أن يظن أن حكم الصوم، كما انتقل عن التخيير إلى ~~التضييق في حق المقيم الصحيح أن يتغير حكم المريض والمسافر عن ~~حكم الصحيح، كما كان قبل النسخ، فبين تعالى في الآية الثانية: ~~أن حال المريض والمسافر كحالها الأولى لم يتغير بالنسخ في حق ~~المقيم الصحيح، فهذه هي الفائدة في الإعادة، وإنما تمسكهم بأن ~~صوم هذه الأيام على التخير وصوم رمضان واجب على التعيين، ~~فتقدم جوابه من أن رمضان كان واجبا مخيرا، ثم صار ~~معينا، وعلى كلا القولين، فلا بد من تطرق النسخ إلى ~~الأيام أما على القول الأول فظاهر، وأما على الثاني: فلأن هذه ~~الآية تقتضي أن يكون صوم رمضان واجبا مخيرا، والآية الكريمة التي ~~بعدها تدل على التضييق؛ فكانت ناسخة للأولى. # فإن قيل: كيف يصح أن يكون قوله: # فمن شهد منكم الشهر فليصمه # [البقرة: 185] ناسخا للتخيير مع اتصاله بالمنسوخ وذلك لا يصح. # والجواب: أن الاتصال في التلاوة لا يوجب الاتصال في النزول؛ ~~وهذا كما قيل في عدة المتوفى عنها زوجها؛ أن المقدم في التلاوة ~~هو الناسخ والمنسوخ متأخر، وهذا عكس ما يجب أن يكون عليه ~~حال الناسخ والمنسوخ، فقالوا: إن ذلك في التلاوة، أما في ~~الإنزال، فكان الاعتداد بالحول هو المتقدم، والآية الدالة ~~على أربعة أشهر وعشر هي المتأخرة، وكذلك في القرآن آيات كثيرة ~~مكية متأخرة في التلاوة عن الآيات المدنية، والله أعلم. # فصل في أول ما نسخ بعد الهجرة # قال ابن عباس - رضي الله عنهما - أول ما نسخ بعد الهجرة أمر ~~القبلة والصوم، ويقال نزل صوم شهر رمضان قبل بدر بشهر ~~وأيام، وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان يوم عاشوراء تصومه ~~قريش في الجاهلية، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يصومه في الجاهلية فلما قدم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - المدينة، صامه، وأمر بصيامه، فلما فرض ~~رمضان كان هو الفريضة، وترك يوم عاشوراء، فمن شاء ~~صامه، ومن شاء تركه. # فصل في المراد بقوله " معدودات " # في ms0971 قوله تعالى: " معدودات " وجهان: # أحدهما: أنها مقدرات بعدد معلوم. # والثاني: قلائل؛ كقوله تعالى: # دراهم معدودة # [يوسف: 20]. # وقوله: { فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة ~~من أيام أخر }. # فالمراد أن فرض الصوم في الأيام المعدودات، إنما ~~يلزم الأصحاء المقيمين، فأما من كان] مسافرا، أو ~~مريضا، فله تأخير الصوم عن هذه الأيام إلى أيام أخر. # قال القفال رحمه الله: انظروا إلى عجيب ما نبه الله تعالى ~~من سعة فضله ورحمته في هذا التكليف، وأنه تعالى بين ~~في أول الآية أن لهذه الأمة في هذا التكليف أسوة بالأمم ~~المتقدمة، والغرض منه ما ذكرناه من أن الأمر الشاق، إذا ~~عم خف، ثم بين ثانيا وجه الحكمة في إيجاب الصوم، وهو أنه ~~سبب لحصول التقوى، ثم بين ثالثا: أنه مختص بأيام ~~معدودات، فلو جعله أبدا، أو في أكثر الأوقات، لحصلت المشقة ~~العظيمة، ثم بين رابعا: أنه خصه من الأوقات بالشهر الذي ~~أنزل فيه القرآن؛ لكونه أشرف الشهور؛ بسبب هذه الفضيلة؛ ثم بين ~~خامسا: إزالة المشقة في إلزامه، فأباح تأخيره لمن به مرض، ~~أو سفر إلى أن يصير إلى الرفاهية والسكون، فراعى سبحانه وتعالى ~~في إيجاب هذا الصوم هذه الوجوه من الرحمة، فله الحمد على نعمه. # قوله: { فمن كان منكم مريضا }: فيه معنى الشرط والجزاء، ~~أي: من يكن مريضا، أو مسافرا، فأفطر، فليقض، إذا ~~قدرت فيه الشرط، كان المراد بقوله: كان الاستقبال لا ~~الماضي؛ كما تقول: من أتاني، أتيته. # قوله: { أو على سفر } في محل نصب؛ عطفا على خبر كان، و " ~~أو " هنا للتنويع، وعدل عن اسم الفاعل، فلم يقل: أو ~~مسافرا، إشعار بالاستعلاء على السفر، لما فيه من الاختيار ~~للسفر؛ بخلاف المرض، فإنه قهري، # فصل في المرض المبيح للفطر # اختلفوا في المرض المبيح للفطر؛ فقال الحسن، وابن سيرين: أي ~~مرض كان، وأي سفر كان؛ تنزيلا للفظ المطلق على أقل ~~الأحوال، وروي أنهم دخلوا على ابن سيرين في رمضان، وهو يأكل ~~فاعتل بوجع أصبعه، وقال الأصم - رحمه الله-: هذه الرخصة ~~مختصة بالمرض الذي لو صام ms0972 فيه، لوقع في مشقة، ونزل اللفظ ~~المطلق على أكمل أحواله. # وقال أكثر الفقهاء: المرض المبيح للفطر الذي يؤدي إلى ضرر في ~~النفس، أو زيادة في العلة. # قالوا: وكيف يمكن أن يقال: كل مرض مرخص، مع علمنا أن في ~~الأمراض ما ينقصه الصوم. # فصل في أصل السفر واشتقاقه # أصل السفر من الكشف، وذلك أنه يكشف عن أحوال الرجال وأخلاقهم، ~~والمسفرة: المكنسة؛ لأنها تكشف التراب عن الأرض، والسفير: ~~الداخل بين اثنين للصلح؛ لأنه يكشف الذي اتصل بهما، ~~والمسفر المضيء؛ لأنه قد انكشف وظهر، ومنه: أسفر الصبح، ~~والسفر: الكتاب؛ لأنه يكشف عن المعاني ببيانه. وسفرت المرأة ~~عن وجهها، إذا كشفت النقاب. # قال الأزهري: وسمي المسافر مسافرا؛ لكشف قناع الكن عن وجهه، ~~وبروزه إلى الأرض الفضاء، وسمي السفر سفرا أيضا؛ لأنه ~~يسفر عن وجوه المسافرين، وأخلاقهم، ويظهر ما كان خافيا منهم، ~~والله أعلم. # فصل في السفر المبيح للقصر والفطر # اختلفوا في السفر المبيح للقصر والفطر بعد إجماعهم على سفر ~~الطاعة؛ كالحج والجهاد، ويتصل بهذين سفر صلة الرحم، وطلب ~~المعاش الضروري، وأما سفر التجارات والمباحات، فمختلف فيه، ~~والأرجح الجواز، وأما سفر المعاصي؛ فمختلف فيه، والمنع فيه أرجح. # فصل # قال القرطبي: اتفق العلماء على أن المسافر في رمضان لا يجوز ~~له أن يبيت الفطر؛ لأن المسافر لا يكون مسافرا ~~بالنية؛ بخلاف المقيم، وإنما يكون مسافرا بالعمل، والنهوض، ~~والمقيم لا يفتقر إلى عمل؛ لأنه إذا نوى الإقامة، كان مقيما في ~~الحين؛ لأن الإقامة لا تفتقر إلى عمل، فافترقا. # فصل في قدر السفر المبيح للرخص # اختلفوا في قدر السفر المبيح للرخص، فقال داود: كل سفر، ولو ~~كان فرسخا، وتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد غير جائز. # وقال الأوزاعي: السفر المبيح للفطر هو مسافة القصر، ومذهب ~~الشافعي ومالك، وأحمد، وإسحاق؛ أنه مقدر بستة عشر فرسخا، وهي ~~أربعة برد كل فرسخ ثلاثة أميال بأميال هاشم جد الرسول ~~- عليه الصلاة والسلام - وهو الذي قدر أميال البادية كل ميل ~~اثنا عشر ألف قدم، وهي أربعة آلاف خطوة، كل خطوة ثلاثة ~~أقدام. # وقال أبو ms0973 حنيفة - رضي الله عنه - والثوري: مسافة القصر ~~ثلاثة أيام. # قوله { فعدة من أيام أخر } # الجمهور على رفع " عدة " ، وفيه وجوه: # أحدها: أنه مبتدأ وخبره محذوف، إما قبله، تقديره: " فعليه ~~عدة " أو بعده، أي فعدة أمثل به. # الثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف، اي: فالواجب عدة. # الثالث: ان يرتفع بفعل محذوف، أي: " تجزئه عدة ". # وقرىء " فعدة "؛ نصبا بفعل محذوف، تقديره: " فليصم عدة ~~" ، وكأن أبا البقاء - رحمه الله - لم يطلع على هذه القراءة؛ ~~فإنه قال: لو قرىء بالنصب، لكان مستقيما، ولا بد من حذف ~~مضاف، تقديره: " فصوم عدة " ومن حذف جملة بعد الفعلية؛ ليصح ~~الكلام، تقديره: " فأفطر، فعدة "؛ ونظيره # اضرب بعصاك الحجر فانفجرت # [البقرة: 60] وقوله # اضرب بعصاك البحر فانفلق # [الشعراء: 63]، أي: " فضرب فانفلق ". # و " عدة " " فعلة " من العدد، بمعنى: معدودة، كالطحن ~~والذبح، ومنه يقال للجماعة المعدودة من الناس عدة، وعدة ~~المرأة من هذا، ونكر " عدة " ، ولم يقل: " فعدتها "؛ اتكالا ~~على المعنى؛ فإنا بينا أن العدة بمعنى المعدود، فأمر بأن ~~يصوم أياما معدودة والظاهر: أنه لا يأتي إلا بمثل ذلك ~~العدد، فأغنى ذلك عن التعريف بالإضافة. # و " من أيام ": في محل رفع، أو نصب على حسب القراءتين صفة ل ~~" عدة ". # قوله " أخر " صفة ل " أيام "؛ فيكون في محل خفض، و " أخر " ~~على ضربين. # أحدهما: جمع " أخرى " تأنيث " أخر " الذي هو أفعل تفضيل. # والثاني: جمع " أخرى " بمعنى " آخرة " تأنيث " آخر " المقابل ~~لأول؛ ومنه قوله تبارك وتعالى: # وقالت أولاهم لأخراهم # [الأعراف: 39] فالضرب الأول لا ينصرف للوصف والعدل، واختلفوا ~~في كيفية العدل: فقال الجمهور: إنه عدل عن الألف واللام؛ وذلك ~~أن " أخر " جمع " أخرى " ، و " أخرى " تأنيث " آخر " و " ~~آخر " أفعل تفضيل لا يخلو عن أحد ثلاثة استعمالات. # إما مع " أل " وإما مع " من " ، وإما مع " الإضافة " ، لكن من ~~ممتنعة؛ لأن معها يلزم الإفراد والتذكير والإضافة في اللفظ؛ فقدرنا ~~عدله عن الألف واللام، وهذا كما قالوا في " سحر " إنه عدل ~~عن الألف واللام، إلا أن هذا مع العلمية، ومذهب سيبويه: أنه ~~عدل من صيغة إلى صيغة؛ لأنه ms0974 كان حق الكلام في قولك: " مررت ~~بنسوة أخر " على وزن " فعل " أن يكون " بنسوة آخر " ~~على وزن " أفعل "؛ لأن المعنى على تقدير " من " فعدل عن المفرد ~~إلى الجمع. # وأما الضرب الثاني: فهو منصرف؛ لفقدان العلة المذكورة، ~~والفرق بين " أخرى " التي للتفضيل، و " أخرى " التي بمعنى ~~متأخرة - أن معنى التي للتفضيل معنى " غير " ، ومعنى تيك معنى ~~" متأخرة "؛ ولكون الأولى بمعنى " غير " لا يجوز أن يكون ما ~~اتصل بها إلا [من جنس ما قبلها؛ نحو: " مررت بك، وبرجل آخر " ~~ولا يجوز " اشتريت هذا الجمل وفرسا آخر "؛ لأنه من] غير ~~الجنس، فأما قوله في ذلك البيت: [البسيط] # 934 - صلى على عزة الرحمن وابنتها # ليلى وصلى على جاراتها الأخر # فإنه جعل ابنتها جارة لها، ولولا ذلك، لم يجز، ومعنى التفضيل في ~~" آخر " و " أول " ، وما تصرف منها قلق مذكور في كتب النحو، ~~وإنما وصفت الأيام ب " أخر " من حيث إنها جمع ما لا يعقل، ~~وجمع ما لا يعقل يجوز أن يعامل معاملة الواحدة المؤنثة، ~~ومعاملة جمع الإناث، فمن الأول # ولي فيها مآرب أخرى # [طه: 18] وفي الثاني هذه الآية اكريمة، ونظائرها، فإنما أوثر هنا ~~معاملته معاملة الجمع؛ لأنه لو جيء به مفردا، فقيل: { عدة ~~من أيام أخرى } لأوهم أنه وصف فيفوت المقصود. # فصل # ذهب بعض العلماء - رضي الله عنهم - إلى أنه يجب على المريض ~~والمسافر: أن يفطرا أو يصوما عدة أيام أخر وهو قول ابن ~~عباس - رضي الله عنهما - وابن عمر، ونقل الخطابي في " أعلام ~~التنزيل " عن ابن عمر، أنه قال: " إن صام في السفر، قضى في ~~الحضر " وهذا اختيار داود بن علي الأصفهاني، وأكثر الفقهاء على ~~أن هذا الإفطار رخصة، فإن شاء أفطر، وإن شاء صام. # حجة الأولين ما تقدم من القراءتين أنا إن قرأنا " عدة " ، ~~فالتقدير: " فليصم عدة من أيام أخر " والأمر للوجوب، ~~وأنا إن قرأنا بالرفع، فالتقدير: " فعليه عدة " وكلمة " ~~على " للوجوب، وإذا كان ظاهر القرآن الكريم يقتضي إيجاب صوم أيام ~~أخر، فوجب أن يكون فطر هذه الأيام واجبا؛ ضرورة أن لا ms0975 قائل ~~بالجمع. # وقوله عليه الصلاة والسلام # " ليس من البر الصيام في السفر " # ولا يقال: هذا الخبر ورد على سبب خاص، وهو أنه - عليه ~~الصلاة والسلام - # " مر على رجل، جلس تحت مظلة، فسأل عنه، فقالوا: ~~هذا صائم أجهده العطش، فقال: ليس من البر الصيام ~~في السفر " # ، فإنا نقول: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وقال - ~~عليه الصلاة والسلام -: # " الصائم في السفر كالمفطر في الحضر " # وحجة الجمهور: أن في هذه الآية إضمارا؛ لأن التقدير: " ~~فأفطر فعدة من أيام أخر " والإضمار في كلام الله تعالى ~~جائز؛ كما في قول الله تعالى: # اضرب بعصاك الحجر فانفجرت # [البقرة: 60]، أي: " فضرب، فانفجرت " ، وقوله # اضرب بعصاك البحر فانفلق # [الشعراء: 63]، أي: " فضرب فانفلقت " ، وقوله: # ولا تحلقوا رؤوسكم # [البقرة: 196] إلى قوله: # أذى من رأسه ففدية # [البقرة: 196]، أي: " فحلق ". # قال القفال - رحمه الله -: قوله تعالى: # فمن شهد منكم الشهر فليصمه # [البقرة: 185] يدل على وجوب الصوم. # قال ابن الخطيب: ولقائل أن يقول: هذا ضعيف من وجهين: # الأول: أنا إن أجرينا ظاهر قوله تعالى: # فمن شهد منكم الشهر فليصمه # [البقرة: 185] على العموم، لزمنا الإضمار في قوله: { فعدة من ~~أيام أخر } ، وإن أجرينا هذه الآية على ظاهرها، لزمنا تخصيص ~~عموم قوله: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } ، وقد ثبت ~~في أصول الفقه أنه متى وقع التعارض بين التخصيص، وبين الإضمار، ~~كان الحمل على التخصيص أولى. # الثاني: أن ظاهر قوله تعالى: " فليصمه " يقتضي الوجوب ~~عينا، وهذا الوجوب منتف في حق المريض والمسافر، فالآية ~~مخصوصة في حقهما على كل تقدير، سواء أجرينا قوله تعالى: { ~~فعدة من أيام أخر } على ظاهره أو لا، وإذا كان كذلك، ~~وجب إجراء هذه الآية على ظاهرها من غير إضمار. # الوجه الثاني: ذكره الواحدي في " البسيط " قال: وقال القاضي: إنما ~~يجب القضاء بالإفطار، لا بالمرض والسفر، فلما أوجب الله ~~القضاء، والقضاء مسبوق بالفطر، دل على أنه لا بد من ~~إضمار الإفطار. # قال إبن الخطيب وهذا ساقط؛ لأنه لم يقل: فعليه قضاء ما مضى، بل ~~قال: " فعليه عدة من أيام أخر " ، وإيجاب الصوم ms0976 ~~عليه في أيام أخر لا يستدعي أن يكون مسبوقا بالإفطار. # الوجه الثالث: روى أبو داود عن هشام بن عروة، عن أبيه، # " عن عائشة: أن حمزة الأسلمي سأل النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- فقال: يا رسول الله، هل أصوم في السفر؟ قال إن شئت ~~صم، وإن شئت فأفطر " # ولقائل أن يقول: هذا يقتضي نسخ القرآن بخبر الواحد؛ لأن ظاهر ~~القرآن يقتضي وجوب الصوم، فرفع هذا الحكم بهذا الخبر غير جائز، ~~وإذا ضعفت هذه الوجوه، فالاعتماد على قوله تعالى: { وأن ~~تصوموا خير لكم }؛ وسيأتي إن شاء الله تعالى. # فصل في هل صوم المسافر أفضل أم فطره # اختلفوا هل الصوم للمسافر أفضل أم الفطر؟ # فقال أنس بن مالك، وعثمان بن أبي أوفى: الصوم أفضل، وبه قال ~~الشافعي، وأبو حنيفة، ومالك، والثوري، وأبو يوسف، ومحمد. # وقال سعيد بن المسيب، والشعبي، والاوزاعي، وأحمد، وإسحاق، ~~الفطر أفضل. # وقالت طائفة: أفضل الأمرين أيسرهما على المرء. حجة الأولين: قوله ~~تعالى: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } وقوله { وأن ~~تصوموا خير لكم }. # حجة الفرقة الثانية: قوله - صلى الله عليه وسلم - # " إن الله يحب أن تؤتى رخصه؛ كما تؤتى عزائمه " # وقوله - عليه الصلاة والسلام - # " ليس من البر الصيام في السفر " # ، وأيضا: فالقصر أفضل؛ فيجب أن يكون الفطر أفضل. # وفرق بعضهم بين القصر والفطر من وجهين: # الأول: أن الصلاة المقصورة تبرأ الذمة بها، والفطر تبقى ~~الذمة فيه مشغولة. # الثاني: أن فضيلة الوقت تفوت بالفطر، ولا تفوت بالقصر. # حجة الفرقة الثالثة: قوله تعالى: # يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر # [البقرة: 185]. # فصل في حكم ما إذا أفطر كيف يقضي؟ # مذهب علي، وابن عمر، والشعبي: أنه يقضيه متتابعا؛ لوجهين: # الأول: قراءة أبي " فعدة من أيام أخر متتابعات " فكذا ~~القضاء. # وقال بعضهم: التتابع مستحب، وإن فرق، جاز؛ فيكون أمرا بصوم أيام ~~على عدد تلك الأيام مطلقا، فالتقدير بالتتابع مخالف لهذا ~~التعميم، ويروى عن أبي عبيدة بن الجراح أنه قال: " إن الله لم ~~يرخص لكم في فطره، وهو يريد أن يشق عليكم في قضائه؛ ~~إن ms0977 شئت فواتر، وإن شئت ففرق " ، # " وروي أن رجلا قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: علي ~~أيام من رمضان، أفيجزيني أن أقضيها متفرقا فقال له: ~~لو كان عليك دين، فقضيته الدرهم والدرهمين، ~~أما كان يجزيك؟ فقال: نعم، قال " فالله أحق أن ~~يعفو ويصفح " # قوله " يطيقونه " الجمهور على " يطيقونه " من أطاق يطيق، ~~مثل أقام يقيم، وقرأ حميد " يطوقونه " من " أطوق " ~~كقولهم أطول في أطال، وأغول في أغال، وهذا تصحيح شاذ، ومثله في ~~الشذوذ من ذوات الواو أجود بمعنى أجاد، ومن ذوات الياء أغيمت ~~السماء، وأجبلت، وأغيلت المرأة وأطيبت، وقد جاء ~~الإعلال في الكل، وهو القياس، ولم يقل بقياس نحو أغيمت ~~وأطول إلا أبو زيد. وقرأ ابن عباس وابن مسعود، وسعيد بن ~~جبير، ومجاهد، وعكرمة، وأيوب السختياني، وعطاء " يطوقونه " ~~مبنيا للمعفول من " طوق " مضعفا، على وزن " قطع " ، وقرأت ~~عائشة، وابن دينار: " يطوقونه " بتشديد الطاء والواو من " ~~أطوق " ، وأصله " تطوق " ، فلما أريد إدغام التاء في ~~الطاء، قلبت طاء واجتلبت همزة الوصل؛ ليمكن الابتداء بالساكن، وقد ~~تقدم تقرير ذلك في قوله تعالى: # أن يطوف بهما # [البقرة: 158] وقرأ عكرمة وطائفة " يطيقونه " بفتح الياء، وتشديد ~~الطاء، والياء، وتروى عن مجاهد أيضا، وقرىء أيضا هكذا لكن ببناء ~~الفعل للمفعول. # وقد رد بعضهم هذه القراءة، وقال ابن عطية تشديد الياء في هذه ~~اللفظة ضعيف وإنما قالوا ببطلان هذه؛ لأنها عندهم من ذوات ~~الواو، وهو الطوق، فمن أين تجيء الياء، وهذه القراءة ليست ~~باطلة، ولا ضعيفة، ولها تخريج حسن، وهو أن هذه القراءة ليست من " ~~تفعل "؛ حتى يلزم ما قالوه من الإشكال، وإنما هي من " تفيعل " ، ~~والأصل " تطيوق " من " الطوق " ك " تدير " و " ~~تحير " من " الدوران " و " الحور " ، والأصل " تديور " ~~، و " تحيور " فاجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، ~~فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، فكان الأصل " ~~يتطيوقونه " ، ثم أدغم بعد القلب، فمن قرأ " تطيقونه " ~~بفتح الياء بناه للفاعل، ومن ضمها بناه للمفعول، ويحتمل قراءة التشديد ~~في الواو، أو الياء أن تكون للتكلف، أي:يتكلفون إطاقته وذلك ~~مجاز من الطوق الذي ms0978 هو القلادة في أعناقهم، وأبعد من زعم أن " ~~لا " محذوفة قبل " ويطيقونه " ، وأن التقدير، لا يطيقونه، ~~ونظره بقوله: [الطويل] # 935 - فخالف فلا والله تهبط تلعة # من الأرض إلا أنت للذل عارف # وقوله: [الكامل] # 936 - آليت أمدح مغرما أبدا # يبقى المديح ويذهب الرفد # وقوله: [الطويل] # 937 - فقلت: يمين الله أبرح قاعدا # ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي # المعنى: لا تهبط، ولا أمدح، ولا أبرح، وهذا ليس بشيء؛ ~~لأن حذفها ملتبس، وأما الأبيات المذكورة؛ فلدلالة القسم على ~~النفي. # والهاء في " يطيقونه " للصوم، وقيل: للفداء؛ قاله الفراء. # و " فدية " مبتدأ خبره في الجار والمجرور قبله، والجمهور ~~على تنوين " فدية " ورفع " طعام " وتوحيد " مسكين " وهشام كذلك ~~إلا أنه قرأ " مساكين " جمعا، ونافع وابن ذكوان بإضافة " فدية ~~" إلى " مساكين " جمعا، فالقراءة الأولى يكون " طعاما " بدلا ~~من " فدية " بين بهذا البدل المراد بالفدية، وأجاز أبو البقاء ~~- رحمه الله تعالى - أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: " هي طعام " ، وأما ~~إضافة الفدية للطعام، فمن باب إضافة الشيء إلى جنسه، والمقصود به ~~البيان؛ كقولك: " خاتم حديد، وثوب خز، وباب ساج " لأن ~~الفدية تكون طعاما وغيره، وقال بعضهم: يجوز أن تكون هذه الإضافة من ~~باب إضافة الموصوف إلى الصفة، قال: لأن الفدية لها ذات وصفتها ~~أنها طعام، وهذا فاسد؛ لأنه إما أن يريد ب " طعام " المصدر ~~بمعنى الإطعام؛ كالعطاء بمعنى الإعطاء، أو يريد به المفعول؛ وعلى كلا ~~التقديرين، فلا يوصف به؛ لأن المصدر لا يوصف عند المبالغة إلا ~~به وليست مرادة هنا، والذي بمعنى المفعول ليس جاريا على فعل، ولا ~~ينقاس، لا تقول: ضراب بمعنى مضروب، ولا قتال بمعنى مقتول، ~~ولكونها غير جارية على فعل، لم تعمل عمله، لا تقول: " ~~مررت برجل طعام خبزه " وإذا كان غير صفة، فكيف يقال: ~~أضيف الموصوف لصفته؟ # وإنما أفردت " فدية "؛ لوجهين: # أحدهما: أنها مصدر، والمصدر يفرد، والتاء فيها ليست للمرة، ~~بل لمجرد التأنيث. # والثاني: انه لما أضافها إلى مضاف إلى الجمع، أفهمت الجمع، ~~وهذا في قراءة " مساكين " بالجمع، ومن جمع " مساكين " ، ~~فلمقابلة الجمع بالجمع، ومن ms0979 أفرد، فعلى مراعاة إفراد العموم، ~~أي: وعلى كل واحد ممن يطيق الصوم؛ لكل يوم يفطره ~~إطعام مسكين؛ ونظيره: # والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهدآء فاجلدوهم ثمانين جلدة # [النور: 4]. # وتبين من إفراد " المسكين " أن الحكم لكل يوم يفطر ~~فيه مسكين، ولا يفهم ذلك من الجمع، والطعام: المراد به ~~الإطعام، فهو مصدر، ويضعف أن يراد به المفعول، قال أبو ~~البقاء: " لأنه أضافه إلى المسكين، وليس الطعام للمسكين قبل ~~تمليكه إياه، فلو حمل على ذلك، لكان مجازا؛ لأنه يصير تقديره: ~~فعليه إخراج طعام يصير للمساكين، فهو من باب تسمية الشيء بما ~~يؤول إليه، وهو وإن كان جائزا، إلا أنه مجاز، والحقيقة أولى منه ~~". # قوله: { فمن تطوع خيرا } قد تقدم نظيره عند قوله تعالى: # ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم # [البقرة: 158] فليلتفت إليه، والضمير في قوله: " فهو " ضمير ~~المصدر المدلول عليه بقوله: " فمن تطوع " ، فالتطوع خير ~~له، و " له " في محل رفع؛ لأنه صفة ل " خير "؛ فيتعلق ~~بمحذوف، أي: خير كائن له. # فصل في نسخ الآية. # ذهب أكثر العلماء إلى أن الآية منسوخة، وهو قول ابن عمر، ~~وسلمة بن الأكوع، وغيرهما؛ وذلك أنهم كانوا في ابتداء الإسلام ~~مخيرين بين أن يصوموا، وبين أن يفطروا، ويفتدوا، خيرهم الله ~~تعالى؛ لئلا يشق عليهم؛ لأنهم كانوا لم يتعودوا الصوم، ثم ~~نسخ التخيير، ونزلت العزيمة بقوله تعالى: { فمن شهد منكم ~~الشهر فليصمه } وقال قتادة هي خاصة بالشيخ الكبير الذي ~~يطيق الصوم، ولكن يشق عليه، رخص له أن يفطر ويفدي [ثم نسخ. # وقال الحسن: هذا في المريض الذي به ما يقع عليه اسم المرض، وهو ~~يستطيع، خير بين أن يصوم وبين أن يفطر ويفدي] ثم نسخ بقوله: ~~{ فمن شهد منكم الشهر فليصمه } وتثبت الرخصة للذين ~~لا يطيقونه، وذهب جماعة إلى أن الآية الكريمة محكمة غير منسوخة، ~~معناه: وعلى الذين كانوا يطيقونه في حال الشباب، فعجزوا عنه ~~بعد الكبر، فعليهم الفدية بدل الصوم، وقراءة ابن عباس " ~~يطوقونه " بضم الياء، وفتح الطاء مخففة، وتشديد الواو، أي: ~~يكلفون الصوم، ms0980 فتأوله على الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة لا ~~يستطيعان الصوم، والمريض الذي لا يرجى برؤه، فهم يكلفون الصوم، ~~ولا يطيقونه، فلهم أن يفطروا، ويطعموا مكان كل يوم مسكينا، وهو ~~قول سعيد بن جبير، وجعل الآية محكمة. # فصل في المراد بالفدية ومقدارها # " الفدية " في معنى الجزاء، وهو عبارة عن البدل القائم عن الشيء ~~وهي عند أبي حنيفة نصف صاع من بر، أو صاعا من غيره وهو مدان، ~~وعن الشافعي " مد " بمد النبي - # صلى الله عليه وسلم - وهو رطل وثلث من غالب أقوات البلد، وهو ~~قول فقهاء الحجاز. # وقال بعض فقهاء العراق: نصف صاع لكل يوم يفطر. # وقال بعض الفقهاء: ما كان المفطر يتقوته يومه الذي أفطره. # وقال ابن عباس: يعطي كل مسكين عشاءه وسحوره. # فصل في احتجاج الجبائي بالآية # احتج الجبائي بقوله تعالى: { وعلى الذين يطيقونه ~~فدية طعام مسكين } على أن الاستطاعة قبل الفعل؛ فقال: الضمير ~~في قوله: { وعلى الذين يطيقونه } عائد إلى الصوم، فأثبت ~~القدرة على الصوم حال عدم الصوم؛ لأنه أوجب عليه الفدية، ~~وإنما تجب عليه الفدية إذا لم يصم؛ فدل هذا على أن القدرة على ~~الصوم حاصلة قبل حصول الصوم. # فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون الضمير عائدا إلى الفدية؟ # قلنا: لا يصح لوجهين: # أحدهما: أن الفدية متأخرة، فلا يعود الضمير إليها. # والثاني: أن الضمير مذكر، والفدية مؤنثة. # فإن قيل: هذه الآية مسنوخة، فكيف يجوز الاستدلال بها؟! # قلنا: إنما كانت قبل أن صارت منسوخة دالة على أن القدرة ~~حاصلة قبل الفعل، والحقائق لا تتغير. # قوله: { فمن تطوع خيرا فهو خير له } فيه ثلاثة ~~أوجه: # أحدها: قال مجاهد وعطاء، وطاوس: أي: زاد على مسكين واحد؛ فأطعم مكان كل ~~يوم مسكينين، فأكثر. # الثاني: أن يطعم المسكين الواحد أكثر من القدر الواجب. # الثالث: قاله الزهري: من صام مع الفدية، فهو خير له. # قوله: " وأن تصوموا " في تأويل مصدر مرفوع بالابتداء، تقديره: " ~~صومكم " ، و " خير " خبره، ونظيره: # وأن تعفوا أقرب للتقوى # [البقرة: 237]. # وقوله: " إن كنتم تعلمون " شرط حذف جوابه، تقديره: فالصوم ~~خير ms0981 لكم، وحذف مفعول العلم؛ إما اقتصارا، أي: إن كنتم من ذوي العلم ~~والتمييز، أو اختصارا، أي: تعلمون ما شرعيته وتبيينه، أو فضل ما علمتم. # من ذهب إلى النسخ، قال: معناه: الصوم خير له من الفدية، وقيل: هذا ~~في الشيخ الكبير، لو تكلف الصوم، وإن شق عليه، فهو خير له من أن ~~يفطر ويفدي. # وقيل: هذا خطاب مع كل من تقدم ذكره، أعني: المريض، والمسافر، والذين ~~يطيقونه. # قال ابن الخطيب: وهذا أولى؛ لأن اللفظ عام، ولا يلزم من اتصاله ~~بقوله { وعلى الذين يطيقونه } أن يكون حكمه مختصا بهم، ~~لأن اللفظ عام، ولا منافاة في رجوعه إلى الكل، فوجب الحكم بذلك، ~~واعلم أنه لا رخصة لمؤمن مكلف في إفطار شهر رمضان، إلا لثلاثة: # أحدهم - يجب عليه القضاء والكفارة: هو الحامل والمرضع، إذا خافتا على ~~ولديهما يفطران، ويقضيان، وعليهما مع القضاء الفدية، وهو قول ابن عمر، ~~وابن عباس، وبه قال مجاهد، وإليه ذهب الشافعي وأحمد. # وقال قوم: لا فدية عليهما، وبه قال الحسن، وعطاء، والنخعي، ~~والزهري، وإليه ذهب الأوزاعي والثوري وأصحاب الرأي. # الثاني - عليه القضاء دون الكفارة: وهو المريض والمسافر. # الثالث - عليه الكفارة دون القضاء: الشيخ الكبير، والمريض الذي لا ~~يرجى زوال مرضه. ### || [2.185] # قوله تعالى: { شهر رمضان }: فيه قراءتان: # المشهور الرفع، وفيه أوجه: # أحدها: أنه مبتدأ، وفي خبره حينئذ قولان: # الأول: أنه قوله { الذي أنزل فيه القرآن } ويكون قد ~~ذكر هذه الجملة منبهة على فضله ومنزلته، يعني أن هذا الشهر الذي ~~أنزل فيه القرآن هو الذي فرض عليكم صومه. # قال أبو علي: والأشبه أن يكون " الذي " وصفا؛ ليكون لفظ القرآن ~~نصا في الأمر بصوم شهر رمضان؛ لأنك إن جعلته خبرا، لم يكن شهر رمضان ~~منصوصا على صومه بهذا اللفظ، وإنما يكون مخبرا عنه بإنزال القرآن ~~الكريم فيه، وإذا جعلنا " الذي " وصفا، كان حق النظم أن يكني عن ~~الشهر لا أن يظهر؛ كقولك: " شهر رمضان المبارك من ~~شهده فليصمه ". # والقول الثاني: أنه قوله { فمن شهد منكم الشهر فليصمه ~~} وتكون الفاء زائدة على رأي ms0982 الأخفش، وليست هذه الفاء التي تزاد في الخبر ~~لشبه المبتدأ بالشرط، وإن كان بعضهم زعم أنها مثل قوله: # قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم # [الجمعة: 8] وليس كذلك؛ لأن قوله: { الموت الذي تفرون ~~منه } يتوهم فيه عموم؛ بخلاف شهر رمضان، فإن قيل: أين الرابط ~~بين هذه الجملة وبين المبتدأ؟ قيل: تكرار المبتدأ بلفظه؛ كقوله: [الخفيف] # 938 - لا أرى الموت يسبق الموت شيء # ......................... # وهذا الإعراب - أعني كون " شهر رمضان " مبتدأ - على قولنا: إن ~~الأيام المعدودات هي غير شهر رمضان، أما إذا قلنا: إنها نفس رمضان، ~~ففيه وجهان: # أحدهما: أن يكون خبر مبتدأ محذوف. # فقدره الفراء: ذلكم شهر رمضان، وقدره الأخفش: المكتوب ~~شهر رمضان. # والثاني: أن يكون بدلا من قوله " الصيام " ، أي: كتب عليكم ~~شهر رمضان، وهذا الوجه، وإن كان ذهب إليه الكسائي بعيد جدا؛ ~~لوجهين: # أحدهما: كثرة الفصل بين البدل والمبدل منه. # والثاني: أنه لا يكون إذا ذاك إلا من بدل الإشمال، وهو عكس بدل ~~الاشتمال، لأن بدل الاشتمال غالبا بالمصادر؛ كقوله: # يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه # [البقرة: 217]، وقول الأعشى: [الطويل] # 939 - لقد كان في حول ثواء ثويته # تقضي لبانات ويسأم سائم # وهذا قد أبدل فيه الظرف من المصدر، ويمكن أن يوجه قوله ~~بأن الكلام على حذف مضاف، تقديره: صيام شهر رمضان؛ وحينئذ: ~~يكون من باب بدل الشيء من الشيء، وهما لعين واحدة، ويجوز أن ~~يكون الرفع على البدل من قوله " أياما معدودات " في قراءة من ~~رفع " أياما " ، وهي قراءة عبد الله، وفيه بعد. # والقراءة الثانية: النصب، وفيه أوجه: # أجودها: النصب بإضمار فعل، أي: صوموا شهر رمضان. # الثاني - وذكره الأخفش والرماني -: أن يكون بدلا من قوله " ~~أياما معدودات " ، وهذا يقوي كون الأيام المعدودات هي ~~رمضان، إلا أن فيه بعدا من حيث كثرة الفصل. # الثالث: نصبه على الإغراء؛ ذكره أبو عبيدة والحوفي. # الرابع: أن ينتصب بقوله: " وأن تصوموا "؛ حكاه ابن عطية، وجوزه ~~الزمخشري، واعترض عليه؛ بأن قال: فعلى هذا التقدير يصير النظم: " ~~وأن تصوموا رمضان الذي أنزل فيه القرآن خير ms0983 ~~لكم " # فهذا يقتضي وقوع الفصل بين المبتدأ والخبر بهذا الكلام الكثير، ~~وهو غير جائز؛ لأن المبتدأ والخبر جاريان مجرى شيء واحد، ~~وإيقاع الفصل بين الشيء الواحد غير جائز. وغلطهما أبو حيان: ~~بأنه يلزم منه الفصل بين الموصول وصلته بأجنبي، لأن الخبر، ~~وهو " خير " أجنبي من الموصول، وقد تقدم أنه لا يخبر عن ~~الموصول، إلا بعد تمام صلته، و " شهر رمضان " على رأيهم من ~~تمام صلة " أن " ، فامتنع ما قالوه، وليس لقائل أن يقول: يتخرج ذلك ~~على الخلاف في الظرف، وحرف الجر، فإنه يغتفر فيه ذلك عند ~~بعضهم؛ لأن الظاهر من نصبه هنا أنه مفعول به لا ظرف ". # الخامس: أنه منصوب ب " تعلمون "؛ على حذف مضاف، تقديره: تعلمون ~~شرف شهر رمضان، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه في ~~الإعراب. # وأدغم ابو عمرو راء " شهر " في راء " رمضان " ، ولا يلتفت ~~إلى من استضعفها؛ من حيث إنه جمع بين ساكنين على غير حديهما، وقول ~~ابن عطية: " وذلك لا تقتضيه الأصول " غير مقبول منه؛ فإنه إذا صح ~~النقل، لا يعارض بالقياس. # والشهر لأهل اللغة فيه قولان: # أشهرهما: أنه اسم لمدة الزمان التي يكون مبدأها الهلال خافيا ~~إلى أن يستسر؛ سمي بذلك لشهرته في حاجة الناس إليه من ~~المعاملات، والصوم، والحج، وقضاء الديون، وغيرها. # والشهر مأخذوذ من الشهرة، يقال: شهر الشيء يشهره ~~شهرا: إذا أظهره، ويسمى الشهر: شهرا، لشهرة أمره، ~~والشهرة: ظهور الشيء، وسمي الهلال شهرا؛ لشهرته. # والثاني - قاله الزجاج -: أنه اسم للهلال نفسه؛ قال: [الكامل] # 940 -................... # والشهر مثل قلامة الظفر # سمي بذلك؛ لبيانه؛ قال ذو الرمة: [الطويل] # 941 -.................. # يرى الشهر قبل الناس وهو نحيل # يقولون: رأيت الشهر، أي هلاله، ثم أطلق على الزمان؛ لطلوعه ~~فيه، ويقال: أشهرنا، أي: أتى علينا شهر، قال الفراء: " لم ~~أسمع فعلا إلا هذا ". # فصل # قال الثعلبي: " يقال: شهر الهلال، إذا طلع " ، ويجمع ~~في القلة على أشهر، وفي الكثرة على شهور، وهما مقيسان. # ورمضان: علم لهذا الشهر المخصوص، وهو علم جنس، وفي تسميته ~~برمضان أقوال: # أحدها: أنه وافق مجيئه في ms0984 الرمضاء - وهي شدة الحر - ~~فسمي هذا الشهر بهذا الاسم: إما لارتماضهم فيه من حر الجوع، ~~أو مقاساة شدته؛ كما سموه تابعا؛ لأنه يتبعهم فيه إلى الصوم، أي: ~~يزعجهم لشدته عليهم، وقال - عليه الصلاة والسلام -: # " صلاة الأوابين، إذا رمضت الفصال " # أخرجه مسلم، ورمض الفصال، إذا حرق الرمضاء أحقافها، ~~فتبرك من شدة الحر. # يقال: إنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة، سموها ~~بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر، ~~[فسمي به؛ كربيع؛ لموافقته الربيع، وجمادى؛ لموافقته جمود ~~الماء، وقيل: لأنه يرمض الذنوب، أي: يحرقها، بمعنى يمحوها]. # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إنما سمي رمضان، لأنه يرمض ذنوب عباد الله ~~" # وقيل: لأن القلوب تحترق فيه من الموعظة، وقيل: من رمضت ~~النصل أرمضه رمضان إذا دققته بين حجرين، ليرق يقال: نصل ~~رميض ومرموض. # وسمي هذا الشهر رمضان؛ لأنهم كانوا يرمضون فيه ~~أسلحتهم؛ ليقضوا منها أوطارهم؛ قاله الأزهري. # قال الجوهري: ورمضان: يجمع على " رمضانات " و " أرمضاء ~~" وكان اسمه في الجاهلية ناتقا، أنشد المفضل: [الطويل] # 942أ - وفي ناتق أجلت لدى حومة الوغى # وولت على الأدبار فرسان خثعما # وقال الزمخشري: " الرمضان مصدر رمض، إذا احترق من ~~الرمضاء " قال أبو حيان: " ويحتاج في تحقيق أنه مصدر إلى ~~صحة نقل، فإن فعلانا ليس مصدر فعل اللازم، بل إن جاء منه ~~شيء كان شاذا " ، وقيل: هو مشتق من الرمض - بكسر الميم - وهو ~~مطر يأتي قبل الخريف يطهر الأرض من الغبار، فكذلك هذا الشهر ~~يطهر القلوب من الذنوب ويغسلها. # وقال مجاهد: إنه اسم الله تعالى، ومعنى قول لقائل: " شهر رمضان ~~" ، أي: شهر الله، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا تقولوا: جاء رمضان، وذهب رمضان، ولكن قولوا: ~~جاء شهر رمضان؛ وذهب شهر رمضان، فإن رمضان ~~اسم من أسماء الله تعالى " # قال القرطبي: " قال أهل التاريخ: إن أول من صام ~~رمضان نوح - عليه السلام - لما خرج من السفينة " ، وقد ~~تقدم قوم مجاهد: " كتب الله رمضان على كل أمة " ~~ومعلوم أنه كان ms0985 قبل نوح - عليه السلام - أمم؛ فالله أعلم. # والقرآن في الأصل مصدر " قرأت " ، ثم صار علما لما بين ~~الدفتين؛ ويدل على كونه مصدرا في الأصل قول حسان في عثمان ~~- رضي الله عنهما -: [البسيط] # 942ب - ضحوا بأشمط عنوان السجود به # يقطع الليل تسبيحا وقرآنا # وقيل: القرآن من المصادر، مثل: الرجحان، والنقصان، والخسران، ~~والغفران، وهو من قرأ بالهمزة، أي: جمع؛ لأنه يجمع السور، والآيات، ~~والحكم، والمواعظ، والجمهور على همزه، وقرأ ابن كثير من غير همز، ~~واختلف في تخريج قراءته على وجهين: # أظهرهما: أنه من باب النقل؛ كما ينقل ورش حركة الهمزة إلى ~~الساكن قبلها، ثم يحذفها في نحو: # قد أفلح # [المؤمنون: 1]، وهو وإن لم يكن أصله النقل، إلا أنه نقل هنا ~~لكثرة الدور، وجمعا بين اللغتين. # والثاني: أنه مشتق عنده من قرنت بين الشيئين، فيكون وزنه على هذا ~~" فعالا " # وعلى الأول " فعلانا " وذلك أنه قد قرن فيه بين السور، ~~والآيات، والحكم، والمواعظ. # وقال الفراء: أظن أن القرآن سمي من القرائن، وذلك أن ~~الآيات يصدق بعضها بعضا على ما قال تعالى: # ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا # [النساء: 82]. # وأما قول من قال: إنه مشتق من قريت الماء في الحوض، أي: جمعته، ~~فغلط؛ لأنهما مادتان متغايرتان. # وروى الواحد في " البسيط " عن محمد بن عبد الله بن الحكم، أن ~~الشافعي - رضي الله عنه - كان يقول القرآن اسم، وليس بمهموز، ~~ولم يؤخذ من " قرأت " ، وإنما هو اسم لكتاب الله؛ مثل التوراة ~~والإنجيل، قال: ويهمز قراءة، ولا يهمز القرآن، كما يقول: # وإذا قرأت القرءان # [الإسرء: 45] قال الواحدي - رحمه الله -: وقول الشافعي - رضى الله ~~عنه - أنه اسم لكتاب الله تعالى، يشبه أنه ذهب إلى أنه غير مشتق، ~~والذي قال بأنه مشتق من القرء، وهو الجمع، أي: جمعته، هو الزجاج ~~وأبو عبيدة، قالا: إنه مأخوذ من القرء وهو الجمع. # قال عمرو بن كلثوم: # 943أ -...................... # هجان اللون لم تقرأ جنينا # أي: لم تجمع في رحمها ولدا، ومن هذا الأصل: قرء المرأة، وهو أيام ~~اجتماع الدم في رحمها، ms0986 فسمي القرآن قرآنا، لأنه يجمع السور ~~وينظمها. # وقال قطرب: سمي قرآنا؛ لأن القارئ يكتبه، وعند القراءة كأنه ~~يلقيه من فيه أخذا من قول العرب: ما قرأت الناقة سلى قط، أي: ما ~~رمت بولد، وما أسقطت ولدا قط، وما طرحت، وسمي ~~الحيض قراءا بهذا التأويل، فالقرآن [يلفظه القارئ] من فيه، ويلقيه، ~~فسمي قرآنا. # و " القرآن " مفعول لم يسم فاعله؛ ثم إن المقروء يسمى ~~قرآنا؛ لأن المفعول يسمى بالمصدر؛ كما قالوا للمشروب شراب، ~~وللمكتوب كتاب. واشتهر هذا الاسم في العرف؛ حتى جعلوه اسما ~~لكتاب الله تعالى على ما قاله الشافعي - رضي الله عنه. # ومعنى { أنزل فيه القرآن } ، أي: ظرف لإنزاله. # قيل: " نزلت صحف إبراهيم في أول يوم من رمضان، وأنزلت ~~التوراة لست مضين، والإنجيل لثلاث عشرة، والقرآن لأربع وعشرين. # فإن قيل: إن القرآن نزل على محمد صلى الله عليه وسلم في مدة ~~ثلاث وعشرين سنة منجما مبعضا، فما معنى تخصيص إنزاله ~~برمضان؟ # فالجواب من وجهين: # الأول: أن القرآن أنزل في ليلة القدر جملة إلى سماء الدنيا، ثم ~~نزل إلى الأرض نجوما. # روى مقسم عن ابن عباس أنه سئل عن قوله عز وجل: { شهر ~~رمضان الذي أنزل فيه القرآن } وقوله # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر: 1]، وقوله # إنآ أنزلناه في ليلة مباركة # [الدخان: 3] وقد نزل في سائر الشهور، وقال عز وجل: # وقرآنا فرقناه # [الإسراء: 106] فقال: أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ في ~~ليلة القدر من شهر رمضان إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم نزل به ~~جبريل - عليه السلام - على رسول الله صلى الله عليه وسلم نجوما في ~~ثلاث وعشرين سنة، فذلك قوله: # فلا أقسم بمواقع النجوم # [الواقعة: 75] وقال داود بن أبي هند: قلت للشعبي: { شهر ~~رمضان الذي أنزل فيه القرءان } أما كان ينزل في سائر ~~السنة؟ قال: بلى، ولكن جبريل كان يعارض محمدا صلى الله عليه وسلم في ~~رمضان ما أنزل الله إليه فيحكم الله ما يشاء، ويثبت ما يشاء، وينسيه ما ~~يشاء. # وروي عن أبي ذر، عن النبي صلى الله ms0987 عليه وسلم قال: # " أنزلت صحف إبراهيم في ثلاث ليال مضين من ~~شهر رمضان " # ويروى: # " في أول ليلة من رمضان " # وأنزلت توراة موسى في ست ليال مضين من شهر ~~رمضان، وأنزل إنجيل عيسى في ثلاث عشرة ليلة من ~~رمضان، وأنزل زبور داود في ثمان عشرة ليلة ~~مضت من رمضان، وأنزل الفرقان على محمد صلى الله ~~عليه وسلم لأربع وعشرين خلت من رمضان، ولست بقين ~~بعدها، وسنذكر الحكمة في إنزاله منجما مفرقا في سورة " ~~الفرقان " عند قوله: # لولا نزل عليه القرءان جملة واحدة # [الفرقان: 32]. # والجواب الثاني: أن المراد منه: أن ابتداء نزوله ليلة القدر من شهر ~~رمضان، وهو قول محمد بن إسحاق؛ وذلك لأن مبادئ الملل والدول هي ~~التي يؤرخ بها؛ لكونها أشرف الأوقات، ولأنها أيضا أوقات مضبوطة. # واعلم أن الجواب الأول حمل للكلام على الحقيقة، وفي الثاني: لا بد من ~~حمله على المجاز؛ لأنه حمل للقرآن على بعض أجزائه. # روي أن [عبد الله بن] عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - استدل بهذه ~~الآية الكريمة، وبقوله # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر: 1] على أن ليلة القدر لا تكون إلا في رمضان، وذلك لأن ليلة ~~القدر، إذا كانت في رمضان، وكان إنزاله في ليلة القدر إنزالا في رمضان، ~~وهذا كمن يقول: " لقيت فلانا في هذا الشهر " ، فيقال له: في ~~أي يوم منه؟ فيقول: في يوم كذا، فيكون ذلك تفسيرا لكلامه الأول وقال ~~سفيان بن عيينة: " أنزل فيه القرآن " ، معناه: أنزل، في ~~فضله القرآن، وهذا اختيار الحسين بن الفضل؛ قال: وهذا كما يقال: " ~~أنزل في الصديق كذا آية " يريدون في فضله. # قال ابن الأنباري: أنزل في إيجاب صومه على الخلق القرآن الكريم؛ كما ~~يقال أنزل الله في الزكاة آية كذا؛ يريدون في إيجابها وأنزل في ~~الخمر، يريدون في تحريمها. # فصل # قد تقدم في قوله تعالى: # وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا # [البقرة: 23] أن التنزيل مختص بالنزول على سبيل التدريج، ~~والإنزال مختص بما يكون النزول فيه دفعة واحدة ولهذا قال تبارك وتعالى: # نزل ms0988 عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين ~~يديه وأنزل التوراة والإنجيل # [آل عمران: 3] إذا ثبت هذا، فنقول: لما كان المراد ها هنا من قوله " ~~شهر رمضان الذي أنزل فيه القرءان " إنزاله من اللوح ~~المحفوظ إلى سماء الدنيا - لا جرم ذكره بلفظ " الإنزال " دون " ~~التنزيل " ، وهذا يدل على أن هذا القول راجح على سائر الأقوال. # قوله " هدى " في محل نصب على الحال من القرآن، والعامل فيه " ~~أنزل " وهدى مصدر، فإما أن يكون على حذف مضاف، أي: ذا هدى، أو ~~على وقوعه موقع اسم الفاعل، أي: هاديا، أو على جعله نفس الهدى ~~مبالغة. # قوله: " للناس " يحوز فيه وجهان: # أحدهما: أن يتعلق ب " هدى " على قولنا بأنه وقع موقع " هاد " ، أي: ~~هاديا للناس. # والثاني: أن يتعلق بمحذوف؛ لأنه صفة للنكرة قبله، ويكون محله ~~النصب على الصفة، ولا يجوز أن يكون " هدى " خبر مبتدأ محذوف، ~~تقديره: " هو هدى "؛ لأنه عطف عليه منصوب صريح، وهو: " بينات ~~"؛ و " بينات " عطف على الحال، فهي حال أيضا وكلا الحالين ~~لازمة؛ فإن القرآن لا يكون إلا هدى وبينات، وهذا من باب عطف ~~الخاص على العام، لأن الهدى يكون بالاشياء الخفية والجلية، ~~والبينات من الأشياء الجلية. # فإن قيل: ما معنى قوله { وبينات من الهدى والفرقان } ~~بعد قوله: " هدى ". # فالجواب من وجوه: # الأول: أنه تبارك وتعالى ذكر أولا أنه هدى، ثم الهدى على قسمين: # تارة: يكون هدى للناس بينا جليا. # وتارة: لا يكون كذلك. # والقسم الأول: لا شك أنه أفضل؛ فكأنه قيل: هو هدى؛ لأنه هو البين ~~من الهدى، والفارق بين الحق والباطل، فهذا من باب ما يذكر الجنس، ~~ويعطف نوعه عليه؛ لكونه أشرف أنواعه، والتقدير: كأنه قيل: هذا هدى، ~~وهذا بين من الهدى، وهذا بينات من الهدى، وهذا غاية المبالغة. # الثاني: أن يقال: القرآن هدى في نفسه، ومع كونه كذلك، فهو أيضا ~~بينات من الهدى والفرقان، والمراد: ب " الهدى والفرقان " ~~التوراة والإنجيل؛ قال تعالى: # نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين ~~يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى ~~للناس وأنزل الفرقان ms0989 # [آل عمران 3 - 4] وقال # ولقد ءاتينا موسى وهارون الفرقان وضيآء ~~وذكرا للمتقين # [الأنبياء: 48] فبين تعالى أن القرآن مع كونه هدى في نفسه، ففيه ~~أيضا هدى من الكتب المتقدمة التي هي هدى وفرقان. # الثالث: أن يحمل الأول على أصول الدين، والهدى الثاني على فروع ~~الدين؛ حتى يزول التكرار. # قوله: { من الهدى والفرقان } هذا الجار والمجرور صفة ~~لقوله: " هدى وبينات " فمحله النصب، ويتعلق بمحذوف، أي: إن ~~كون القرآن هدى وبينات هو من جملة هدى الله وبيناته؛ وعبر ~~عن البينات بالفرقان، ولم يأت " من الهدى والبينات " ~~فيطابق العجز الصدر؛ لأن فيه مزيد معنى لازم للبيان، وهو كونه ~~يفرق بين الحق والباطل، ومتى كان الشيء جليا واضحا، حصل به ~~الفرق، ولأن في لفظ الفرقان تواخي الفواصل قبله؛ فلذلك عبر عن ~~البينات بالفرقان، وقال بعضهم: " المراد بالهدى الأول ما ذكرنا من ~~أن المراد به أصول الديانات وبالثاني فروعها ". وقال ابن عطية: " ~~اللام في الهدى للعهد، والمراد الأول، يعني أنه تقدم نكرة، ثم ~~أعيد لفظها معرفا ب " أل " ، وما كان كذلك كان الثاني فيه هو ~~الأول؛ نحو قوله: # إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول # [المزمل: 15 - 16]، ومن هنا قال ابن عباس: " لن يغلب عسر ~~يسرين " وضابط هذا أن يحل محل الثاني ضمير النكرة الأولى؛ ~~ألا ترى أنه لو قيل: فعصاه، لكان كلاما صحيحا "؟ # قال أبو حيان: " وما قاله ابن عطية لا يتأتى هنا؛ لأنه ذكر هو ~~والمعربون أن " هدى " منصوب على الحال، والحال وصف في ذي الحال، وعطف ~~عليه " وبينات " ، فلا يخلو قول " من الهدى " - المراد به الهدى ~~الأول - من أن يكون صفة لقوله " هدى " أو لقوله " وبينات " أو ~~لهما، أو متعلقا بلفظ " بينات " ، لا جائز أن يكون صفة ل " ~~هدى "؛ لأنه من حيث هو وصف، لزم أن يكون بعضا، ومن حيث هو الأول، لزم ~~أن يكون إياه، والشيء الواحد لا يكون بعضا كلا بالنسبة لماهيته، ~~ولا جائز أن يكون صفة لبينات فقط؛ لأن " وبينات " معطوف على " ~~هدى " و " هدى " حال، والمعطوف على الحال حال، والحالان ms0990 وصف في ذي ~~الحال، فمن حيث كونهما حالين تخصص بهما ذو الحال؛ إذ هما وصفان، ومن ~~حيث وصفت " بينات " بقوله: " من الهدى " خصصناها به، فتوقف ~~تخصيص القرآن على قوله: " هدى وبينات " معا، ومن حيث جعلت " من ~~الهدى " صفة ل " بينات " ، وتوقف تخصيص " بينات " على ~~هدى، فلزم من ذلك تخصيص الشيء بنفسه، وهو محال، ولا جائز أن يكون ~~صفة لهما؛ لأنه يفسد من الوجهين المذكورين من كونه وصف الهدى فقط، أو ~~بينات فقط. # ولا جائز أن يتعلق بلفظ " بينات "؛ لأن المتعلق قيد في ~~المتعلق به؛ فهو كالوصف؛ فيمتنع من حيث يمتنع الوصف، وأيضا: فلو جعلت ~~هنا مكان الهدى ضميرا، فقلت: منه - أي: من ذلك الهدى - لم يصح؛ ~~فلذلك اخترنا أن يكون الهدى والفرقان عامين، حتى يكون هدى وبينات ~~بعضا منهما ". # قوله تعالى: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } إلى قوله: ~~{ تشكرون } نقل الواحدي في " البسيط " عن الأخفش والمازني أنما ~~قالا: الفاء في قوله { فمن شهد منكم } زائدة؛ قالا: وذلك لأن ~~الفاء قد تدخل للعطف، أو للجزاء، أو تكون زائدة، وليس لكونها للعطف، ولا ~~للجزاء هاهنا وجه؛ ومن زيادة الفاء قوله تعالى: # قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم # [الجمعة: 8]. # قال: وأقول: يمكن أن تكون " الفاء " هاهنا للجزاء؛ فإنه تعالى لما بين ~~رمضان مختصا بالفضيلة العظيمة التي لا يشاركه سائر الشهور فيها، ~~فبين أن اختصاصه بتلك الفضيلة يناسب اختصاصه بهذه العبادة، ولولا ~~ذلك، لما كان لتقديم بيان تلك الفضيلة هاهنا وجه، كأنه قيل: لما علم ~~اختصاص هذا الشهر بهذه الفضيلة، فأنتم أيضا خصصتموه بهذه الفضيلة أي ~~العبادة، وأما قوله تعالى: # فإنه ملاقيكم # [الجمعة: 8] الفاء فيه غير زائدة أيضا، بل هذا من باب مقابلة الضد ~~بالضد؛ كأنه قيل: لما فروا من الموت، فجزاؤهم أن يقرب الموت منهم؛ ~~ليعلموا أنه لا يغني الحذر عن القدر. و " من " فيها الوجهان: أعني ~~كونها موصولة، أو شرطية، وهو الأظهر، و " منكم " في محل نصب على ~~الحال من الضمير المستكن في " شهد " فيتعلق بمحذوف، أي: كائنا ~~منكم، وقال ms0991 أبو البقاء: " منكم " حال من الفاعل، وهي متعلقة ب " ~~شهد " ، قال أبو حيان: " فناقض؛ لأن جعلها حالا يوجب أن ~~يكون عاملها محذوفا، وجعلها متعلقة ب " شهد " يوجب ألا تكون ~~حالا " ويمكن أن يجاب عن اعتراض أبي حيان عليه بأن مراده التعلق ~~المعنوي، فإن " كائنا " الذي هو عامل في قوله " منكم " هو ~~متعلق ب " شهد " وهو الحال حقيقة. # وفي نصب " الشهر " قولان: # أحدهما: أنه منصوب على الظرف، والمراد بشهد: حضر، ويكون مفعول " ~~شهد " محذوفا، تقديره: فمن شهد منكم المصر أو البلد في ~~الشهر. # والثاني: أنه منصوب على المفعول به، وهو على حذف مضاف، ثم اختلفوا في ~~تقدير ذلك المضاف: فالصحيح أن تقديره: " دخول الشهر " ، وقال ~~بعضهم: " هلال الشهر " قال شهاب الدين: وهذا ضعيف؛ لوجهين: # أحدهما: أنك لا تقول: شهدت الهلال، إنما تقول: شاهدت ~~الهلال. # ويمكن أن يجاب بأن المراد من الشهود: الحضور. # والثاني: أنه كان يلزم الصوم كل من شهد الهلال، وليس كذلك، قال: ~~ويجاب بأن يقال: نعم، الآية تدل على وجوب الصوم على عموم المكلفين، ~~فإن خرج بعضهم بدليل، فيبقى الباقي على العموم. # قال الزمخشري: " الشهر " منصوب على الظرف، وكذلك الهاء في " ~~فليصمه " ولا يكون مفعولا به؛ كقولك: شهدت الجمعة؛ لأن ~~المقيم والمسافر كلاهما شاهدان للشهر " وفي قوله: " الهاء منصوبة ~~على الظرف " نظر لا يخفى؛ لأن الفعل لا يتعدى لضمير الظرف إلا ب " ~~في " ، اللهم إلا أن يتوسع فيه، فينصب نصب المفعول به، وهو قد نص ~~على أن نصب الهاء أيضا على الظرف. # والفاء في قوله: " فليصمه ": إما جواب الشرط، وإما زائدة ~~في الخبر على حسب ما تقدم في " من ". # واللام لام الأمر، وقرأ الجمهور بسكونها، وإن كان أصلها الكسر، وإنما ~~سكنوها؛ تشبيها لها مع الواو والفاء ب " كتف "؛ إجراء للمنفصل ~~مجرى المتصل. وقرأ السلمي وأبو حيوة وغيرهما بالأصل، أعني كسر لام ~~الأمر في جميع القرآن. وفتح هذه اللام لغة سليم فيما حكاه الفراء، ~~وقيد بعضهم هذا عن الفراء، فقال: " من العرب من يفتح اللام؛ ~~لفتحة الياء بعدها " ، قال: " فلا ms0992 يكون على هذا الفتح إن انكسر ما ~~بعدها أو ضم: نحو: لينذر، ولتكرم أنت خالدا ". # والألف واللام في قوله: { فمن شهد منكم الشهر } للعهد، إذ ~~لو أتى بدله بضمير، فقال: " فمن شهده منكم " لصح إلا أنه ~~أبرزه ظاهرا؛ تنويها به. # فصل بي بناء القولين على مخالفة الظاهر # قال ابن الخطيب واعلم أن كلا القولين أعني: كون مفعول " شهد " ~~محذوفا أو هو الشهر لا يتم إلا بمخالفة الظاهر. # أما الأول: فإنما يتم بإضمار زائد، وأما الثاني: فيوجب دخول ~~التخصيص في الآية الكريمة وذلك لأن شهود الشهر حاصل في حق ~~الصبي والمجنون والمسافر، مع أن لم يجب على واحد منهم الصوم إلا ~~أنا بينا في " أصول الفقه " أنه متى وقع التعارض بين التخصيص ~~والإضمار، فالتخصيص أولى، وأيضا، فلأنا على القول الأول، لما التزمنا ~~الإضمار لا بد أيضا من التزام التخصيص؛ لأن الصبي والمجنون ~~والمريض كل واحد منهم شهد الشهر مع أنه لا يجب عليهم الصوم. # فالقول الأول: لا يتمشى إلا مع التزام الإضمار والتخصيص. # والقول الثاني: يتمشى بمجرد التخصيص؛ فكان القول الثاني أولى، هذا ما ~~عندي فيه، مع أن أكثر المحققين كالواحدي وصاحب الكشاف ذهبوا إلى ~~الأول. # فصل # قال ابن الخطيب قوله تعالى { فمن شهد منكم الشهر ~~فليصمه } جملة مركبة من شرط وجزاء، فالشرط هو { من ~~شهد منكم الشهر } ، والجزاء هو الأمر بالصوم وما لم يوجد ~~الشرط بتمامه، لم يترتب عليه الجزاء، والشهر اسم للزمان المخصوص من ~~أوله إلى آخره، وشهود الشهر إنما يحصل عند الجزء الأخير من ~~الشهر، فظاهر الآية الكريمة يقتضي أن عند شهود الجزء الأخير من ~~الشهر يجب عليه صوم كل الشهر، وهذا محال، لأنه يقتضي إيقاع الفعل في ~~آخر الزمان المنقضي؛ وهو ممتنع، وبهذا الدليل علمنا أنه لا يمكن إجراء ~~هذه الآية على ظاهرها، وأنه لا بد من صرفها إلى التأويل، وطريقه: أن ~~يحمل لفظ الشهر على جزء من أجزاء الشهر؛ فيصير تقديره: من شهد جزءا ~~من أجزاء الشهر، فليصم كل الشهر، فعلى هذا: من شهد هلال ~~رمضان، ms0993 فقد شهد جزءا من أجزاء الشهر، وعلى هذا التقدير، يستقيم ~~معنى الآية، وليس فيه إلا حمل لفظ الكل على الجزء، وهو مجاز مشهور. # ولقائل أن يقول: إن الزجاج قال: إن الشهر اسم للهلال نفسه؛ ~~كما تقدم عنه، وإذا كان كذلك، فقد زال كل ما ذكره من ارتكاب المجاز ~~وغيره. # قال القرطبي: وأعيد ذكر الشهر؛ تعظيما له؛ كقوله # الحاقة ما الحآقة # [الحاقة: 1 - 2]؛ وأنشد على أنه اسم للهلال قول الشاعر: [الكامل] # 943ب - أخوان من نجد على ثقة # والشهر مثل قلامة الظفر # حتى تكامل في استدارته # في أربع زادت على عشر # فصل # روي عن علي - رضي الله عنه - أن من دخل عليه الشهر، وهو مقيم ثم ~~سافر فالواجب عليه الصوم، ولا يجوز له الفطر؛ لأنه شهد الشهر. # وأما سائر الفقهاء من الصحابة وغيرهم، فقد ذهبوا إلى أنه إذا أنشأ ~~السفر في رمضان، جاز له الفطر، ويقولون: قوله { فمن شهد ~~منكم الشهر فليصمه } ، وإن كان عاما يدخل فيه الحاضر ~~والمسافر، إلا أن قوله بعد ذلك: { فمن كان مريضا، أو على ~~سفر، فعدة من أيام أخر } خاص، والخاص مقدم على ~~العام. # ذهب أبو حنيفة - رضي الله عنه - إلى أن المجنون، إذا أفاق في أثناء ~~الشهر يلزمه قضاء ما مضى. # قال: لأنا دللنا على أن الآية دلت على أن من أدرك جزءا من ~~رمضان، لزمه صوم رمضان؛ فيكون صوم ما تقدم منه واجبا؛ فيجب قضاؤه # فصل في كيفية شهود الشهر # شهود الشهر: إما بالرؤية أو بالسماع. # أما الرؤية: فنقول: إذا رأى إنسان هلال رمضان وحده، فإما أن يرد الإمام ~~شهادته أولا؛ فإن ردت شهادته، وجب عليه الصوم؛ لأنه شهد الشهر، ~~وإن قبل شهادته أو لم ينفرد بالرؤية، فلا شك في وجوب الصوم. # وأما السماع: فنقول: إذا شهد عدلان على رؤية الهلال، حكم به في الصوم ~~والفطر جميعا، وإذا شهد عدل واحد على رؤية هلال شوال، لا يحكم به، ~~وإذا شهد على رؤية هلال رمضان يحكم به؛ احتياطا لأمر الصوم، والفرق ~~بينه وبين هلال شوال: أن ms0994 هلال رمضان للدخول في العبادة، وهلال ~~شوال للخروج من العبادة، وقول الواحد في إثبات العبادة يقبل، أما في ~~الخروج من العبادة لا يقبل إلا اثنان. # قال ابن الخطيب وعندي: أنه لا فرق بينهما في الحقيقة، لأنا إنما قبلنا ~~قول الواحد في هلال رمضان؛ لكي يصوموا، ولا يفطروا؛ احتياطا؛ فكذلك يقبل ~~قول الواحد في هلال شوال؛ لكي يفطروا ولا يصوموا احتياطا. # فصل في حد الصوم # الصوم: هو الإمساك عن المفطرات مع العلم بكونه صائما من أول الفجر ~~الصادق إلى غروب الشمس مع النية. # فقولنا: " إمساك " هو الاحتراز عن شيئين: # أحدهما: لو طارت ذبابة إلى حلقه، أو وصل غبار الطريق إلى باطنه، لا ~~يبطل صومه؛ لأن الاحتراز عنه شاق، وقد قال الله تعالى: { يريد ~~الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر }. # والثاني: لو صب الطعام أو الشراب في حلقه كرها، أو حال النوم - لا ~~يبطل صومه، والإكراه لا ينافي الإمساك. # وقولنا " عن المفطرات " وهي ثلاثة: دخول داخل، أو خروج خارج، ~~والجماع. # وحد الدخول: كل عين وصل من الظاهر إلى الباطن من منفذ مفتوح ~~إلى الباطن، إما إلى الدماغ، وإما إلى البطن وما فيها من الأمعاء ~~والمثانة، أما الدماغ فيحصل الفطر بالسعوط، وأما البطن، فيحصل الفطر ~~بالحقنة؛ وأما الخروج، فالقيء [بالاختيار]، والاستمناء [يبطلان ~~الصوم]، وأما الجماع فمبطل للصوم بالإجماع. # وقولنا " مع العلم بكونه صائما " فلو أكل أو شرب ناسيا، ~~لم يبطل صومه عند أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وعند مالك يبطل. # وقولنا: " من أول طلوع الفجر الصادق "؛ لقوله تعالى: # وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط ~~الأبيض من الخيط الأسود من الفجر # [البقرة: 187] وكلمة " حتى "؛ لانتهاء الغاية. # وكان الأعمش يقول: أول وقته إذا طلعت الشمس، وكان يبيح الأكل والشرب ~~بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس؛ ويحتج بأن انتهاء الصوم [من وقت] ~~غروب الشمس، فكذا ابتداؤه يجب أن يكون بطلوعها، وهذا باطل بالنص الذي ~~ذكرناه. # وحكي أن أبا حنيفة دخل على الأعمش يعوده، فقال له الأعمش: إنك لثقيل ~~على قلبي، وأنت في بيتك، فكيف إذا زرتني، ms0995 فسكت عنه أبو حنيفة، فلما خرج ~~من عنده، قيل له: لم سكت عنه؟ قال: فماذا أقول في رجل ما صام ولا ~~صلى عمره، وذلك لأنه كان يأكل بعد الفجر الثاني قبل طلوع الشمس، فلا ~~صوم له، وكان لا يغتسل من الإنزال، فلا صلاة له. # وقولنا: " إلى غروب الشمس "؛ لقوله عليه السلام: # " إذا أقبل الليل من ها هنا وأدبر النهار من ها ~~هنا فقد أفطر الصائم " # ومن الناس من يقول: وقت الإفطار عند غروب ضوء الشمس، قاس الطرف ~~الثاني على الطرف الأول من النهار؛ فإن طلوع الفجر الثاني هو طلوع ~~ضوء الشمس، كذلك غروبه يكون بغروب ضوئها، وهو مغيب الشمس. # وقولنا " مع النية "؛ لأن الصوم عمل؛ لقوله عليه السلام: # " الصوم أفضل الأعمال، والعلم لا بد فيه من النية " # ، لقوله - عليه السلام -: # " إنما الأعمال بالنيات " # ، ومن الناس من قال: لا حاجة لصوم رمضان إلى النية؛ لأن الله تعالى ~~امر بالصوم بقوله: " فليصمه " والصوم هو الإمساك، وقد وجد، ~~فيخرج عن العهدة، وهذا مردود بقوله - عليه السلام - # " إنما الأعمال بالنيات " # والصوم عمل. # وقوله { ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من ~~أيام أخر } قد تقدم الكلام عليها، وبيان السبب في تكريرها. # قوله: { يريد الله بكم اليسر } تقدم معنى الإرادة ~~واشتقاقها عند قوله تعالى: # ماذآ أراد الله بهذا # [البقرة: 26]. و " أراد " يتعدى في الغالب إلى الأجرام بالباء وإلى ~~المصادر بنفسه، وقد ينعكس الأمر؛ قال الشاعر: [الطويل] # 944 - أرادت عرارا بالهوان ومن يرد # عرارا لعمري بالهوان فقد ظلم # والباء في " بكم " قال أبو البقاء: للإلصاق، أي: يلصق بكم ~~اليسر، وهو من مجاز الكلام، أي: يريد الله بفطركم في حال العذر ~~اليسر، وفي قوله: { ولا يريد بكم العسر } تأكيد؛ لأن ~~قبله " يريد بكم اليسر " وهو كاف عنه. وقرأ أبو جعفر ويحيى بن ~~وثاب وابن هرمز: " اليسر، والعسر " بضم السين، والضم ~~للإتباع؟ والأظهر الأول؛ لأنه المعهود في كلامهم. # و " اليسر " في اللغة السهولة، ومنه يقال للغنى والسعة: اليسار؛ ~~لأنه يتسهل به الأمور واليد اليسرى، قيل: تلي الفعال باليسر، ms0996 وقيل إنه ~~يتسهل الأمر بمعاونتها اليمنى. # فصل في دحض شبهة للمعتزلة # استدلوا بهذا الآية على أن تكليف ما لا يطاق غير واقع؛ لأنه تعالى ~~لما بين أنه يريد بهم اليسر، ولا يريد بهم العسر، فكيف يكلفهم ما ~~لا يقدرون عليه. # وأجيبوا: بأن اللفظ المفرد، إذا دخل عليه الألف واللام لا يفيد ~~العموم، ولو سلمنا ذلك لكنه قد ينصرف إلى المعهود السابق في هذا ~~الموضع. # فصل في دحض شبهة أخرى للمعتزلة # قالت المعتزلة: هذه الآية تدل على أنه قد يقع من العبد ما لا يريده ~~الله تعالى؛ وذلك لأن المريض لو تحمل الصوم حتى أجهده، لكان يجب أن ~~يكون قد فعل مالا يريده الله تعالى منه، إذ كان لا يريد غيره. # وأجيبوا بحمل اللفظ على أنه تعالى لا يريد أن يأمر بما فيه عسر، ~~وإن كان قد يريد منه العسر؛ وذلك لأن الأمر قد يثبت بدون الإرادة. # قالت المعتزلة: هذه الآية دالة على أنه تعالى لا يريد بهم الكفر ~~فيصيرون إلى النار، فلو خلق فيهم ذلك الكفر، لم يكن لائقا به أن ~~يقول { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ~~} وجوابه: أنه معارض بمسألة العلم. # قوله: { ولتكملوا العدة } في هذه اللام ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها زائدة في المفعول به؛ كالتي في قولك: ضربت لزيد، و ~~" أن " مقدرة بعدها، تقديره: { ويريد أن تكملوا ~~العدة } ، أي: تكميل، فهو معطوف على اليسر؛ ونحوه قول أبي ~~صخر: [الطويل] # 945 - أريد لأنسى ذكرها فكأنما # تخيل لي ليلى بكل طريق # وهذا قول ابن عطية والزمخشري وأبي البقاء وإنما حسنت زيادة هذه ~~اللام في المفعول - وإن كان ذلك إنما يكون إذا كان العامل ~~فرعا، أو تقدم المعمول - من حيث إنه لما طال الفصل بين الفعل ~~وبين ما عطف على مفعوله، ضعف بذلك تعديه إليه، فعدي ~~بزيادة اللام؛ قياسا لضعفه بطول الفصل ضعفه بالتقديم. # الثاني: إنها لام التعليل، وليست بزائدة، واختلف القائلون بذلك على ~~ستة أوجه: # أحدها: أن يكون بعد الواو فعل محذوف وهو المعلل، تقدير: " ~~ولتكملوا العدة ms0997 فعل هذا " ، وهو قول الفراء. الثاني - ~~وقاله الزجاج - أن تكون معطوفة على علة محذوفة حذف معلولها ~~أيضا تقديره: فعل الله ذلك؛ ليسهل عليكم، ولتكملوا. # الثالث: أن يكون الفعل المعلل مقدرا بعد هذه العلة تقديره: ~~" ولتكملوا العدة رخص لكم في ذلك " ونسبه ابن عطية ~~لبعض الكوفيين. # الرابع: أن الواو زائدة، تقديره: يريد الله بكم كذا ~~لتكملوا، وهذا ضعيف جدا. # الخامس: أن يكون الفعل المعلل مقدرا بعد قوله: " ~~ولعلكم تشكرون " ، تقديره: شرع ذلك، قاله الزمخشري، وهذا ~~نص كلامه قال: " شرع ذلك، يعني جملة ما ذلك من أمر الشاهد بصوم ~~الشهر، وأمر المرخص له بمراعاة عدة ما أفطر فيه، ومن الترخيص في ~~إباحة الفطر، فقوله: " ولتكملوا " علة الأمر بمراعاة العدة، ~~و " لتكبروا " علة ما علم من كيفية القضاء والخروج عن عهدة ~~الفطر و " لعلكم تشكرون " علة الترخيص والتيسير، وهذا نوع ~~من اللف لطيف المسلك، لا يهتدي إلى تبينه إلا النقاب من ~~علماء البيان ". # السادس: أن تكون الواو عاطفة على علة محذوفة، التقدير: لتعملوا ~~ما تعملون، ولتكملوا، قاله الزمخشري؛ وعلى هذا، فالمعلل هو ~~إرادة التيسير # واختصار هذه الأوجه: أن تكون هذه اللام علة لمحذوف: إما قبلها، ~~وإما بعدها، أو تكون علة للفعل المذكور قبلها، وهو " يريد ". ~~القول الثالث: أنها لام الأمر وتكون الواو قد عطفت جملة أمرية على ~~جملة خبرية؛ فعلى هذا يكون من باب عطف الجمل؛ وعلى ما قبله: ~~يكون من عطف المفردات؛ كما تقدم تقريره، وهذا قول ابن عطية، ~~وضعفه أبو حيان بوجهين: # أحدهما: أن أمر المخاطب بالمضارع مع لامه لغة قليلة، نحو: ~~لتقم يا زيد، وقد قرئ شاذا: # فبذلك فلتفرحوا # [يونس: 58] بتاء الخطاب. # والثاني: أن القراء أجمعوا على كسر هذه اللام، ولو كانت للأمر، لجاز ~~فيها الوجهان: الكسر والإسكان كأخواتها. # وقرأ الجمهور " ولتكملوا " مخففا من " أكمل " ، والهمزة ~~فيه للتعدية، وقرأ أبو بكر بتشديد الميم، والتضعيف للتعدية أيضا؛ ~~لأن الهمزة والتضعيف يتعاقبان في التعدية غالبا، والألف واللام في ~~" العدة " تحتمل وجهين: # أحدهما أنها للعهد، فيكون ذلك راجعا إلى قوله تعالى: # فعدة من ms0998 أيام أخر # وهذا هو الظاهر. # والثاني: أن تكون للجنس، ويكون ذلك راجعا إلى شهر رمضان المأمور ~~بصومه، والمعنى: أنكم تأتون ببدل رمضان كاملا في عدته، سواء كان ~~ثلاثين أم تسعة وعشرين. # قال ابن الخطيب: إنما قال: " ولتكملوا العدة " ولم يقل: " ~~ولتكملوا الشهر "؛ لأنه لما قال: " ولتكملوا العدة " ~~دخل تحته عدة أيام الشهر، وأيام القضاء، لتقدم ذكرهما جميعا؛ ولذلك ~~يجب أن يكون عدد القضاء مثلا لعدد المضي، ولو قال: " ولتكملوا ~~الشهر " لدل على حكم الأداء فقط، ولم يدخل حكم القضاء. # واللام في " ولتكبروا " كهي في " ولتكملوا " فالكلام ~~فيها كالكلام فيها، إلا أن القول الرابع لا يتأتى هنا. # قوله: " على ما هداكم " هذا الجار متعلق ب " تكبروا " ~~وفي " على " قولان: # أحدهما: أنها على بابها من الاستعلاء، وإنما تعدى فعل التكبير ~~بها؛ لتضمنه معنى الحمد. قال الزمخشري: " كأنه قيل: ~~ولتكبروا الله حامدين على ما هداكم " قال أبو حيان - ~~رحمه الله -: " وهذا منه تفسير معنى، لا إعراب؛ إذ لو كان كذلك، لكان ~~تعلق " على: " ب " حامدين " التي قدرها، لا ب " ~~تكبروا " ، وتقدير الإعراب في هذا هو: " ولتحمدوا الله ~~بالتكبير على ما هداكم "؛ كما قدره الناس في قوله: [الرجز] # 946 - قد قتل الله زيادا عني # أي: صرفه بالقتل عني، وفي قوله: [الطويل] # 947 - ويركب يوم الروع منا فوارس # بصيرون في طعن الكلى والأباهر # أي: متحكمون بالبصيرة في طعن الكلى ". # والثاني: أنهى بمعنى لام العلة والأول أولى لأن المجاز في الحرف ~~ضعيف. # و " ما " في قوله: " على ما هداكم " فيها وجهان: # أظهرهما: أنها مصدرية، أي: على هدايته إياكم. # والثاني: أنها بمعنى " الذي " قال أبو حيان " وفيه بعد من ~~وجهين: # أحدهما: حذف العائد، تقديره، هداكموه، وقدره منصوبا، لا ~~مجرورا باللام، ولا ب " إلى " لأن حذف المنصوب أسهل. # والثاني: حذف مضاف يصح به معنى الكلام على إتباع الذي هداكم ~~أو ما أشبهه ". # وختمت هذه الآية الكريمة بترجي الشكر، لأن قبلها تيسيرا ~~وترخيصا، فناسب ختمها بذلك، وختمت الآيتان قبلها بترجي التقوى، وهو ~~قوله تعالى: # ولكم في القصاص حيوة # [البقرة: ms0999 179] وقوله: # كتب عليكم الصيام # [البقرة: 178] لأن القصاص والصوم من أشق التكاليف، فناسب ختمها ~~بذلك، وهذا أسلوب مطرد، حيث ورد ترخيص عقب بترجي الشكر ~~غالبا، وحيث جاء عدم ترخيص عقب بترجي التقوى وشبهها، وهذا من ~~محاسن علم البيان والله أعلم. # فصل في المراد بالتكبير في الآية # في المراد بهذا التكبير قولان: # أحدهما: المراد منه التكبير ليلة الفطر. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما - حق على المسلمين، إذا رأوا هلال ~~شوال أن يكبروا. # قال مالك والشافعي - رحمه الله - وأحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمد: ~~سن التكبير في ليلتي العيدين. # وقال أبو حنيفة: يكره في غداة الفطر. # واحتج الأولون بقوله تعالى: { ولتكملوا العدة ~~ولتكبروا الله على ما هداكم } [قالوا: معناه] ~~ولتكملوا عدة صوم رمضان، ولتكبروا الله على ما هداكم إلى أجر ~~الطاعة. # واختلفوا في أي العيدين أوكد في التكبير؟ فقال الشافعي في " ~~القديم ": ليلة النحر أوكد؛ لإجماع السلف عليها، وقال في " الجديد " ~~ليلة الفطر أوكد؛ لورود النص فيها، وقال مالك: لا يكبر في ليلة ~~الفطر، ولكنه يكبر في يومه، وهو مروي عن أحمد. # وقال إسحاق: إذا غدا إلى المصلى. # واستدل الشافعي بقوله تعالى: { ولتكبروا الله على ~~ما هداكم } تدل على أن الأمر بهذا التكبير وقع معللا بحصول ~~الهداية، وهي إنما حصلت بعد غروب الشمس؛ فلزم التكبير من ذلك ~~الوقت، واختلفوا في انقضاء وقته، فقيل: يمتد إلى تحريم الإحرام ~~بالصلاة. # وقيل: إلى خروج الإمام. # وقيل: إلى انصراف الإمام، وقال أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - إذا أتى ~~المصلى ترك التكبير. # القول الثاني في المراد بهذا التكبير: هو التعظيم لله تعالى؛ شكرا ~~على توفيقه لهذا الطاعة. # قال القرطبي: " على ما هداكم " قيل: لما ضل فيه النصارى من ~~تبديل صيامهم. # وقيل: بدلا عما كانت الجاهلية تفعله بالتفاخر بالآباء، ~~والتظاهر بالأحساب، وتعديد المناقب. # وقيل: لتعظموه على ما أرشدكم إليه من الشرائع. ### || [2.186] # في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه: # أحدها: أنه لما قال بعد إيجاب شهر رمضان وتبيين أحكامه: # ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم ~~تشكرون # [البقرة: 185] فأمر العبد ms1000 بالتكبير الذي هو الذكر وبالشكر، أعلم ~~العبد أنه سبحانه بلطفه ورحمته قريب من العبد مطلع على ذكره وشكره، ~~فيسمع نداءه ويجيب دعاءه. # الثاني: أنه أمره بالتكبير أولا، ثم رغبه في الدعاء ثانيا تنبيها ~~على أن الدعاء لا بد وأن يكون مسبوقا بالثناء الجميل؛ ألا ترى أن ~~الخليل - عليه السلام - لما أراد الدعاء قدم أولا الثناء؛ فقال: # الذي خلقني فهو يهدين # [الشعراء: 78] إلى قوله: # والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين # [الشعراء: 82] فلما فرغ من هذا الثناء، شرع في الدعاء، فقال: # رب هب لي حكما # [الشعراء: 83] فكذا هاهنا. # الثالث: أنه لما فرض عليهم الصيام، كما فرض على الذين من قبلهم؛ ~~وكانوا إذا ناموا، حرم عليهم ما حرم على الصائم، فشق ذلك على بعضهم؛ ~~حتى عصوا في ذلك التكليف، ثم ندموا وسألوا النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - عن توبتهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية الكريمة مخبرا لهم بقبول ~~توبتهم، وبنسخ ذلك التشديد؛ بسب دعائهم وتضرعهم. # فصل في بيان سبب النزول # ذكر في سبب نزول هذه الآية الكريمة وجوه: # أحدها: ما قدمناه. # الثاني: قال ابن عباس: إن يهود المدينة قالوا: يا محمد، كيف يسمع ~~ربك دعاءنا، وأنت تزعم أن بيننا وبين السماء مسيرة خمسمائة عام، ~~وأن غلظ كل سماء مثل ذلك؟ فنزلت الآية الكريمة # الثالث: قال الضحاك: إن أعرابيا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- فقال: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله تعالى ~~الآية. # الرابع: أنه - عليه الصلاة والسلام - كان في غزاة خيبر، وقد رفع ~~أصحابه أصواتهم بالتكبير والتهليل والدعاء، فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، ~~إنما تدعون سمعيا قريبا وهو معكم. # الخامس: قال قتادة وغيره: إن الصحابة قالوا: كيف ندعو ربنا، يا ~~رسول الله، فنزلت الآية. # السادس: قال عطاء وغيره: إن الصحابة سألوا في أي ساعة ندعو ربنا فأنزل ~~الله الآية. # السابع: قال الحسن: سأل أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: ~~أين ربنا؟ فأنزل الله الآية. # فصل # واعلم ms1001 أن المراد من الآية الكريمة ليس هو القرب بالجهة؛ لأنه تبارك ~~وتعالى، لو كان في مكان، لما كان قريبا من الكل، بل كان يكون قريبا ~~من حملة العرش، وبعيدا من غيرهم، ولكان إذا كان قريبا من زيد الذي ~~بالشرق، كان بعيدا من عمرو الذي بالمغرب، فلما دلت الآية الكريمة ~~على كونه تعالى قريبا من الكل، علمنا أن القرب المذكور في الآية ~~الكريمة ليس قربا بجهة، فثبت أن المراد منه أنه قريب بمعنى أنه يسمع ~~دعاءهم. # والمراد من هذا القرب العلم والحفظ؛ على ما قال: # وهو معكم أين ما كنتم # [الحديد: 4] وقال # ونحن أقرب إليه من حبل الوريد # [ق: 16] وقال تعالى: # ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم # [المجادلة: 7] ونظيره: وهو بينكم وبين أعناق رواحلكم. # قال ابن الخطيب: وإذا عرف هذا فنقول: لا يبعد أن يقال: إنه كان في بعض ~~أولئك الحاضرين من كان قائلا بالتشبيه، فقد كان من مشركي العرب، وفي ~~اليهود وغيرهم من هذه طريقته، فإذا سألوه - عليه الصلاة والسلام - أين ~~ربنا؟ صح أن يكون الجواب: فإني قريب، فإن القريب من ~~المتكلم يسمع كلامه، وإن سألوه كيف يدعون؛ برفع الصوت أو ~~بإخفائه؟ صح أن يجيب بقوله: " فإني قريب " ، وإن سألوه أنه هل ~~يعطينا مطلوبنا بالدعاء؟ صح هذا الجواب، وإن سألوه: إنا إذا أذنبنا ~~ثم تبنا، فهل يقبل الله توبتنا؟ صح أن يجيب بقوله " فإني ~~قريب " أي: فأنا القريب بالنظر إليهم، والتجاوز عنهم، وقبول ~~التوبة منهم؛ فثبت أن هذا الجواب مطابق للسؤال على كل تقدير. # قوله تعالى: " أجيب " فيها وجهان: # أحدهما: أنها جملة في محل رفع صفة ل " قريب ". # والثاني: أنها خبر ثان ل " إني "؛ لأن " قريب " خبر أول. # ولا بد من إضمار قول بعد فاء الجزاء، تقديره: فقل لهم إني ~~قريب، وإنما احتجنا إلى هذا التقدير؛ لأن المرتب على الشرط ~~الإخبار بالقرب، وجاء قوله " أجيب "؛ مراعاة للضمير السابق على ~~الخبر، ولم يراع الخبر، فيقال: " يجيب " بالغيبة؛ مراعاة ~~لقوله: " قريب "؛ لأن الأشهر من طريقتي العرب هو الأول؛ كقوله ~~تعالى: ms1002 # بل أنتم قوم تجهلون # [النمل: 55] وفي أخرى # بل أنتم قوم تفتنون # [النمل: 47]، وقول الشاعر: [الطويل] # 948 - وإنا لقوم ما نرى القتل سبة # إذا ما رأته عامر وسلول # ولو راعى الخبر، لقال: " ما يرون القتل ". # وفي قوله: " عني " و " إني " التفات من غيبة إلى تكلم؛ لأن ~~قبله: " ولتكبروا الله " والاسم الظاهر في ذلك كالضمير ~~الغائب، والكاف في " سألك " للنبي - صلى الله عليه وسلم - وإن ~~لم يجر له ذكر، إلا أن قوله: # أنزل فيه القرآن # [البقرة: 185] يدل عليه؛ لأن تقديره: " أنزل فيه القرآن ~~على الرسول - صلى الله عليه وسلم - " وفي قوله: فإني قريب " ~~مجاز عن سرعة أجابته لدعوة داعيه، وإلا فهو متعال عن القرب ~~الحسي، لتعاليه عن المكان. # قال أبو حيان: والعامل في " إذا " قوله: " أجيب " يعني " إذا ~~" الثانية، فيكون التقدير: أجيب دعوته وقت دعائه، فيحتمل أن ~~تكون لمجرد الظرفية، وأن تكون شرطية، وحذف جوابها؛ لدلالة " ~~أجيب " عليه؛ وحينئذ لا يكون " أجيب " هذا الملفوظ به هو العامل ~~فيها، بل ذلك المحذوف، أو يكون هو الجواب عند من يجيز تقديمه ~~على الشرط، وأما " إذا " الأولى، فإن العامل فيها ذلك القول ~~المقدر، والهاء في " دعوة " ليست الدالة على المرة، نحو: ~~ضربة وقتلة، بل التي بني عليها المصدر، نحو: رحمة ونجدة؛ ~~فلذلك لم تدل على الوحدة. # والياءان من قوله: " الداع - دعان " من الزوائد عند القراء، ~~ومعنى ذلك أن الصحابة لم تثبت لها صورة في المصحف، فمن ~~القراء من أسقطها تبعا للرسم وقفا ووصلا. ومنهم من ~~يثبتها في الحالين، ومنهم من يثبتها وصلا ويحذفها ~~وقفا، وجملة هذه الزوائد اثنتان وستون ياء، فأثبت أبو عمرو ~~وقالون هاتين الياءين وصلا وحذفاها وقفا. # فصل في بيان حقيقة الدعاء # قال أبو سليمان الخطابي: والدعاء مصدر من قولك: دعوت الشيء ~~أدعوه دعاء، ثم أقاموا المصدر مقام الاسم؛ تقول: سمعت الدعاء؛ كما ~~تقول: سمعت الصوت، وقد يوضع المصدر موضع الاسم؛ كقولك: رجل ~~عدل، وحقيقة الدعاء: استدعاء العبد ربه جل جلاله العناية، ~~واستمداده إياه المعونة. # والإجابة في اللغة: الطاعة وإعطاء ما سئل، فالإجابة ms1003 من الله ~~العطاء، ومن العبد الطاعة. # وقال ابن الأنباري " أجيب " ههنا بمعنى " أسمع؛ لأن بين ~~السماع والإجابة نوع ملازمة. # فصل في الجواب على من ادعى أن لا فائدة في الدعاء # قال بعضهم: الدعاء لا فائدة فيه لوجوه: # أحدها: أن المطلوب بالدعاء، إن كان معلوم الوقوع عند الله تعالى، ~~كان وقوعه واجبا؛ فلا حاجة إلى الدعاء، وإن كان معلوم الانتفاء ~~واجب العدم، فلا حاجة إلى الدعاء. # وثانيها: أن وقوع الحوادث في هذا العالم إن كان لا بد لها من ~~مؤثر قديم اقتضى وجودها اقتضاء قديما، كانت واجبة الوقوع، ~~وكل ما لم يقتض المؤثر القديم وجوده اقتضاء أزليا، كان ~~ممتنع الوقوع، وإذا كانت هذه المقدمة ثابتة في الأزل، لم يكن ~~للدعاء ألبتة أثر، وربما عبروا عن هذا الكلام بأن قالوا: ~~الأقدار سابقة، والأقضية متقدمة، فالإلحاح في الدعاء لا يزيد ~~فيها وتركه لا ينقص منها شيئا، فأي فائدة في الدعاء، وقال عليه ~~الصلاة والسلام: # " أربع قد فرغ منها: الخلق والخلق والرزق ~~والأجل " # وثالثها: أنه سبحانه وتعالى قال: # يعلم خآئنة الأعين وما تخفي الصدور # [غافر: 19] وإذا كان يعلم ما في الضمير، فأي حاجة إلى الدعاء. # ورابعها: أن المطلوب بالدعاء، إن كان من مصالح العبد، فالجواد ~~المطلق لا يهمله، وإن لم يكن من مصالحه، لم يجز طلبه. # وخامسها: أنه ثبت أن أجل مقامات الصديقين وأعلاها الرضا ~~بقضاء الله تعالى والدعاء ينافي ذلك؛ لأنه اشتغال بالالتماس، وترجيح ~~لمراد النفس على مراد الله. # وسادسها: أن الدعاء يشبه الأمر والنهي، وذلك من العبد في حق ~~المولى الكريم سوء أدب. # وسابعها: قال - عليه الصلاة والسلام - عن الله تعالى: # " من شغله ذكري عن مسألتي " # وقال الجمهور: الدعاء أفضل مقامات العبودية، واحتجوا بأدلة: # الأول: هذه الآية الكريمة. # الثاني: قوله تعالى: # وقال ربكم ادعوني أستجب لكم # [غافر: 60] الثالث: قوله # فلولا إذ جآءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست ~~قلوبهم وزين لهم الشيطن ما كانوا يعملون # [الأنعام: 43] بين أنه تعالى، إذا لم يسأل يغضب، وقال - عليه ~~السلام - # " لا ينبغي لأحدكم أن يقول: اللهم، اغفر لي ms1004 إن ~~شئت، ولكن يجزم فيقول: اللهم اغفر لي " # وقال - عليه الصلاة والسلام -: # " الدعاء هو العبادة " وقرأ " وقال ربكم ادعوني ~~أستجب لكم " # ، فقوله # " الدعاء هو العبادة " # معناه أنه معظم العبادة، وأفضل العبادة؛ كقوله عليه الصلاة ~~والسلام: # " الحج عرفة " # ، أي: الوقوف بعرفة هو الركن الأعظم. # الرابع: قوله: # ادعوا ربكم تضرعا وخفية # [الأعراف: 55] وقال: # قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعآؤكم # [الفرقان: 77] والآيات في هذا الباب كثيرة، فمن أبطل الدعاء، فقد ~~أنكر القرآن، وأما الأحاديث فكثيرة. # والجواب عن شبهتهم الأولى بالمناقضة؛ فنقول: إقدام الإنسان على ~~الدعاء، إن كان معلوم الوقوع، فلا فائدة باشتغالكم بإبطال الدعاء، وإن ~~كان معلوم العدم، لم يكن إلى إنكاركم حاجة. # والجواب عن الثانية: علم الله تعالى وكيفية قضائه وقدره غائبة عن ~~العقول والحكمة الإلهية تقتضي أن يكون العبد معلقا بين الرجاء ~~والخوف اللذين بهما يتم العبودية، ولهذا صححنا القول بالتكاليف ~~مع الاعتراف بإحاطة علم الله تعالى بالكل وجريان قضائه وقدره في ~~الكل، ولهذا الإشكال # " سألت الصحابة - رضي الله عنهم - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقالوا: أرأيت أعمالنا هذه أشيء فرغ منه، أم أمر يستأنفه؟ فقال: ~~بل أمر فرغ منه " فقالوا: ففيم العمل إذن؟ قال: " ~~اعملوا فكل ميسر لما خلق له " # فانظر إلى لطائف هذا الحديث، فإنه - عليه الصلاة والسلام - علقهم بين ~~أمرين، فرهبهم سابق القدر المفروغ منه، ثم ألزمهم العمل الذي هو ~~مدرجة التعبد، فلم يبطل ظاهر العمل بما يفيد من القضاء والقدر، ولم ~~يترك أحد الأمرين للآخر، وأخبر أن فائدة العمل هو المقدر المفروغ، ~~فقال: # " كل ميسر لما خلق له " # يريد أنه ميسر في أيام حياته للعمل الذي سبق له القدر ~~قبل وجوده وكذا القول في باب الكسب والرزق فإنه مفروغ منه في الأصل ~~لا يزيده الطلب، ولا ينقصه الترك. # والجواب عن الثالثة: أنه ليس المقصود من الدعاء الإعلام بالمطلوب، بل ~~إظهار العبودية والذلة والانكسار والرجوع إلى الله تعالى ~~بالكلية. # والجواب عن الرابعة: أنه يجوز أن يصير ما ليس بمصلحة بحسب سبق ~~الدعاء. # والجواب عن الخامس: إذا ms1005 كان مقصوده من الدعاء إظهار الذلة ~~والمسكنة، ثم بعده الرضا بما قدره الله تعالى وقضاه، فذلك من أعظم ~~المقامات، وهذا الجواب أيضا بقية الشبه. # فإن قيل: إنه تعالى قال { ادعوني أستجب لكم } ، وقال هنا ~~{ أجيب دعوة الداع إذا دعان } ، وقال # أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ~~ويجعلكم # [النمل: 62] ثم إنا نرى الداعي يبالغ في الدعوات والتضرع، فلا ~~يجاب. # فالجواب من وجوه: # أحدها: أن هذه الآيات، وإن كانت مطلقة إلا أنه وردت في آية أخرى ~~مقيدة، وهو قوله تعالى: # بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شآء # [الأنعام: 41] والمطلق يحمل على المقيد. # وثانيها: قوله - عليه الصلاة والسلام-: # " دعوة المسلم لا ترد إلا لإحدى ثلاث: ما لم يدع ~~بإثم، أو قطيعة رحم، أو يستعجل " ، قالوا: وما ~~الاستعجال، يا رسول الله؟ قال: يقول: قد دعوتك يا ~~رب، قد دعوتك يا رب، قد دعوتك يا رب، فلا ~~أراك تستجيب لي، فيستحسر عند ذلك فيدع الدعاء " # وثالثها: أن قوله { أستجب لكم } يقتضي أن الداعي عارف ~~بربه، ومن صفات الرب سبحانه وتعالى أنه لا يفعل إلا ما ~~وافق قضاءه وقدره، وعلمه وحكمته، فإذا علم العبد أن صفة ربه هكذا، ~~استحال منه أن يقول بقلبه أو بعقله يا رب، أفعل الشيء الفلاني، ~~بل لا بد وأن يقول: أفعل هذا الفعل، إن كان موافقا لقضائك وقدرك؛ وعند ~~هذا يصير الدعاء المجاب مشروطا بهذه الشرائط، فزال السؤال. # ورابعها: أن لفظ الدعاء والإجابة يحتمل وجوها كثيرة: # فقيل: الدعاء عبارة عن: التوحيد والثناء على الله تعالى؛ لقول العبد ~~يا الله الذي لا إله إلا أنت، فدعوته، ثم وحدته وأثنيت عليه فهذا ~~يسمى دعاء بهذا التأويل، فسمي قبوله إجابة للتجانس، ولهذا قال ابن ~~الأنباري: " أجيب " ههنا بمعنى " أسمع "؛ لأن بيه السماع ~~والإجابة نوع ملازمة، فلهذا السبب يقام كل واحد منهما مقام الآخر، ~~فقولنا: " سمع الله لمن حمده " ، أي: أجاب الله، فكذا هاهنا ~~قوله: { أجيب دعوة الداع } ، أي: أسمع تلك الدعوة، فإذا ~~حملنا قوله تعالى # ادعوني أستجب لكم # على هذا الوجه، ms1006 زال الإشكال. # وقيل: المراد من الدعاء التوبة من الذنوب؛ وذلك لأن التائب ~~يدعو الله تعالى بتوبته، فيقبل توبته، فإجابته قبول توبته إجابة ~~الدعاء، فعلى هذا الوجه أيضا يزول الإشكال. # وقيل: المراد من الدعاء العبادة، قال عليه الصلاة والسلام: ~~الدعاء هو العبادة ويدل عليه قوله تعالى: # إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون ~~جهنم داخرين # [غافر: 60] فالدعاء هاهنا هو العبادة. # وإذا ثبت ذلك، فإجابة الله للدعاء عبارة عن الوفاء بالثواب ~~للمطيع؛ كما قال # ويستجيب الذين ءامنوا وعملوا الصالحات ~~ويزيدهم من فضله # [الشورى: 26] روى شهر بن حوشب عن عبادة بن الصامت، قال: سمعت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: # " أعطيت أمتي ثلاثا، لم تعط إلا للأنبياء: كان الله إذا ~~بعث النبي، قال: " ادعني أستجب لك " ، وقال لهذه ~~الأمة: " ادعوني أستجب لكم " وكان الله إذا بعث النبي، ~~قال له: " ما جعل عليك في الدين من حرج وقال لهذه ~~الأمة: { وما جعل عليكم في الدين من حرج } [الحج: ~~78] وكان الله تبارك وتعالى إذا بعث النبي جعله شهيدا على قومه، ~~وجعل هذه الأمة شهداء على الناس " # وخامسها: { أجيب دعوة الداع } إن وافق القضاء وأجيب إن ~~كانت الإجابة خيرا له، أو أجيبه إن لم يسأل محالا. # وسادسها: روى عبادة بن الصامت؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: # " ما على الأرض من رجل مسلم يدعوا الله عز وجل ~~بدعوة إلا آتاه الله إياها أو كف عنه من ~~السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم " # وسابعها: إن الله يجيب دعاء المؤمن في الوقت، ويؤخر إعطاء من ~~يجيب مراده، ليدعوه فيسمع صوته، ويعجل إعطاء من لا يحبه؛ لأنه يبغض ~~صوته. # فصل # قال سفيان بن عيينة: لا يمنعن أحدا من الدعاء ما يعلمه من نفسه، ~~فإن الله تبارك وتعالى قد أجاب دعاء شر الخلق إبليس، لعنة ~~الله؛ قال: # قال أنظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من ~~المنظرين # [الأعراف: 14 - 15]. # وللدعاء أوقات وأحوال يكون الغالب فيها الإجابة، كالسحر، ووقت ~~الفطر، وما بين الأذان والإقامة، وما بين الظهر والعصر ms1007 في يوم ~~الأربعاء، وأوقات الإضطرار وحالة السفر والمرض، وعند نزول المطر، ~~والصف في سبيل الله تعالى كل هذا جاءت به الآثار. # وروى شهر بن حوشب؛ أن أم الدرداء قالت له: يا شهر، ألا تجد ~~القشعريرة؟ قلت: نعم قالت فادع الله فإن الدعاء يستجاب عند ذلك. # قوله: { فليستجيبوا لي } في الاستفعال هنا قولان: # أحدهما: أنه للطلب على بابه، والمعنى: فليطلبوا إجابتي، ~~قاله ثعلب. # والثاني: قال مجاهد معناه: فليستجيبوا لي فيما دعوتهم ~~إليه من الإيمان، أي: الطاعة والعمل، كما قال تعالى: # يأيها الذين ءامنوا استجيبوا لله وللرسول ~~إذا دعاكم لما يحييكم # [الأنفال: 24]. # والثاني: أنه بمعنى الإفعال، فيكون استفعل وأفعل بمعنى، وقد جاءت منه ~~ألفاظ؛ نحو: أقر واستقر؛ وأبل المريض واستبل وأحصد الزرع ~~واستحصد، واستثار الشيء وأثاره، واستعجله ~~وأعجله، ومنه استجابه وأجابه، وإذا كان استفعل بمعنى ~~أفعل، فقد جاء متعديا بنفسه، وبحرف الجر، إلا أنه لم يرد في ~~القرآن إلا معدى بحرف الجر نحو: # فاستجبنا له # [الأنبياء: 84] # فاستجاب لهم # [آل عمران: 195] ومن تعديه بنفسه قول كعب الغنوي: [الطويل] # 949 - وداع دعا يا من يجيب إلى الندى # فلم يستجبه عند ذاك مجيب # ولقائل أن يقول: يحتمل هذا البيت: أن يكون مما حذف منه حرف ~~الجر. # واللام لام الأمر، وفر الرماني بين أجاب واستجاب: بأن " ~~استجاب " لا يكون إلا فيما فيه قبول لما دعي إليه؛ نحو: { ~~فاستجبنا له } { فاستجاب لهم ربهم } ، وأما " ~~أجاب " فأعم، لأنه قد يجيب بالمخالفة، فجعل بينهما عموما ~~وخصوصا. # والجمهور على " يرشدون " بفتح الياء وضم الشين، وماضيه: رشد ~~بالفتح، وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة بخلاف عنهما بكسر الشين، وقرئ ~~بفتحها، وماضيه رشد بالكسر، وقرئ: " يرشدون " مبنيا للمفعول، ~~وقرئ: " يرشدون " بضم الياء وكسر الشين من " أرشد " ، والمفعول ~~على هذا محذوف، تقديره: يرشدون غيرهم " والرشد " هو الاهتداء ~~لمصالح الدين والدنيا؛ قال تبارك وتعالى: # فإن ءانستم منهم رشدا # [النساء: 6] وقال # أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة # [الحجرات: 7 - 8]. # قال القرطبي: و " الرشد " خلاف الغي، وقد رشد يرشد رشدا ~~ورشد - بالكسر - يرشد رشدا لغة ms1008 فيه وأرشده الله ~~والمراشد: مقاصد الطرق والطريق الأرشد نحو الأقصد وأم راشد ~~كنية للفأرة، وبنو رشدان بطن من العرب عن الجوهري. # وقال الهروي: الرشد والرشد والرشاد: الهدى والاستقامة؛ ومنه ~~قوله تعالى: " يرشدون ". # فإن قيل: إجابة العبد لله تعالى إن كانت إجابة بالقلب ~~واللسان، فذاك هو الإيمان، وعلى هذا، فيكون قوله: { ~~فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي } تكرارا محضا، وإن كانت ~~إجابة العبد لله تعالى عبارة عن الطاعات كان الإيمان مقدما على ~~الطاعات، وكان حق النظم أن يقول: " فليؤمنوا بي ~~وليستجيبوا لي " فلم جاء على العكس. # فالجواب: أن الإيمان عبارة عن صفة القلب، وهذا يدل على أن العبد لا ~~يصل إلى نور الإيمان، إلا بتقديم الطاعات والعبادات. ### || [2.187] # قوله تعالى: { ليلة الصيام } منصوب على الظرف، وفي الناصب له ~~ثلاثة أقوال: # أحدها - وهو المشهور عند المعربين -: " أحل " ، وليس بشيء؛ ~~لأن الإحلال ثابت قبل ذلك الوقت. # الثاني: أنه مقدر مدلول عليه بلفظ " الرفث " ، تقديره: أحل ~~لكم أن ترفثوا ليلة الصيام؛ كما خرجوا قول الشاعر: [الهزج] # 950 - وبعض الحلم عند الجه # ل لللذلة إذعان # أي: إذعان للذلة إذعان، وإنما لم يجز أن ينتصب ~~بالرفث؛ لأنه مصدر مقدر بموصول، ومعمول الصلة لا يتقدم على ~~الموصول، فلذلك احتجنا إلى إضمار عامل من لفظ المذكور. # الثالث: أنه متعلق بالرفث، وذلك على رأي من يرى الاتساع في الظروف ~~والمجرورات، وقد تقدم تحقيقه. # وأضيفت الليلة للصيام؛ اتساعا، لأن شرط صحته، وهو النية، ~~موجودة فيها، والإضافة تحدث بأدنى ملابسة، وإلا فمن حق الظرف ~~المضاف إلى حدث أن يوجد ذلك الحدث في جزء من ذلك الظرف، والصوم ~~في الليل غير معتبر، ولكن المسوغ لذلك ما ذكرت لك أو تقول: ~~الليلة: عبارة عما بين غروب الشمس إلى طلوعها، ولما كان الصيام ~~من طلوع الفجر، فكان بعضه واقعا في الليل فساغ ذلك. # والجمهور على " أحل " مبنيا للمفعول للعلم به، وهو الله ~~تعالى، وقرئ مبنيا للفاعل، وفيه حينئذ احتمالان: # أحدهما: أن يكون من باب الإضمار؛ لفهم المعنى، أي أحل الله؛ ~~لأن من المعلوم أنه هو المحلل ms1009 والمحرم. # والثاني: أن يكون الضمير عائدا على ما عاد عليه من قوله: # فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي # وهو المتكلم، ويكون ذلك التفاتا، وكذلك في قوله: " لكم " التفات ~~من ضمير الغيبة في: " فليستجيبوا، وليؤمنوا " ، وعدي " ~~الرفث " ب " إلى " ، وإنما يتعدى بالباء؛ لما ضمن من معنى ~~الإفضاء من قوله # وقد أفضى بعضكم إلى بعض # [النساء: 21] كأنه قيل: أحل لكم الإفضاء إلى نسائكم ~~بالرفث. قال الواحدي: أراد بليلة الصيام ليالي الصيام، فأوقع ~~الواحد موقع الجماعة؛ ومنه قول العباس بن مرداس: [الوافر] # 951 - فقلنا أسلموا إنا أخوكم # فقد برئت من الإحن الصدور # قال ابن الخطيب: وأقول: فيه وجه آخر، وهو أنه ليس المراد من " ~~ليلة الصيام " ليلة واحدة، بل المراد الإشارة إلى الليلة ~~المضافة إلى هذه الحقيقة. # وقرأ عبد الله " الرفوث " قال الليث وأصل الرفث قول الفحش، ~~والرفث لغة مصدر: رفث يرفث بكسر الفاء وضمها، إذا تكلم ~~بالفحش، وأرفث أتى بالرفث؛ قال العجاج: [الرجز] # 952 - ورب أسراب حجيج كظم # عن اللغا ورفث التكلم # وقال الزجاج: - ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما - " إن ~~الرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة " ، وقيل: ~~الرفث: الجماع نفسه، وأنشد: [الكامل] # 953 - ويرين من أنس الحديث زوانيا # ولهن عن رفث الرجال نفار # وقول الآخر: [المتقارب] # 954 - فظلنا هنالك في نعمة # وكل اللذاذة غير الرفث # ولا دليل؛ لاحتمال إرادة مقدمات الجماع؛ كالمداعبة والقبلة، ~~وأنشد ابن عباس، وهو محرم: [الرجز] # 955 - وهن يمشين بناهميسا # إن يصدق الطير ننك لميسا # فقيل له: رفثتن فقال: إنما الرفث عند النساء. # فثبت أن الأصل في الرفث هو قول الفحش، ثم جعل ذلك اسما لما ~~يتكلم به عند النساء من معاني الإفضاء، ثم جعل كناية عن الجماع، ~~وعن توابعه. # فإن قيل: لم كنى هاهنا عن الجماع بلفظ " الرفث " الدال على ~~معنى القبح بخلاف قوله # وقد أفضى بعضكم إلى بعض # [النساء: 21] وقوله تعالى: # فلما تغشاها # [الأعراف: 189]، وقوله عز وجل: # أو لامستم النسآء # [النساء: 43] وقوله عز وجل: # فإن لم تكونوا دخلتم بهن # [النساء: 23]، وقوله عز وجل: # فأتوا ms1010 حرثكم # [البقرة: 223] وقوله # من قبل أن تمسوهن # [البقرة: 237] وقوله تعالى: # فما استمتعتم به منهن # [النساء: 24] # ولا تقربوهن # [البقرة: 222]. # فالجواب: أن السبب فيه استهجان ما وجد منهم قبل الإجابة؛ كما سماه ~~اختيانا لأنفسهم؛ قال ابن عباس - رضي الله عنهما - إن الله سبحانه ~~وتعالى حيي كريم يكني، كل ما ذكر في القرآن من المباشرة ~~والملامسة والإفضاء والدخول والرفث، فإنما عنى به الجماع. # فصل في بيان سبب النزول # ذكروا في سبب نزول هذه الآية: أنه كان في أول الشريعة يحل الأكل ~~والشرب والجماع ليلة الصيام، ما لم يرقد الرجل ويصلي العشاء ~~الأخيرة، فإن فعل أحدهما: حرم عليه هذه الأشياء إلى الليلة الآتية، ~~فجاء رجل من الأنصار عشية، وقد أجهده الصوم، واختلفوا في اسمه؛ ~~فقال معاذ: اسمه أبو صرمة بن قيس بن صرمة، وقال عكرمة: أبو قيس بن صرمة، ~~وقيل صرمة بن أنس. # فسأله النبي صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم عن سبب ~~ضعفه، فقال: يا رسول الله، عملت في النخل نهاري أجمع: حتى ~~أمسيت، فأتيت أهلي لتطعمني شيئا، فأبطأت، فنمت ~~فأيقظوني، وقد حرم الأكل؛ فقام عمر - رضي الله عنه ~~- فقال: يا رسول الله إني أعتذر إلى الله وإليك من نفسي هذه الخاطية؛ ~~إني رجعت إلى أهلي بعد ما صليت العشاء، فوجدت رائحة طيبة فسولت ~~لي نفسي، فجامعت أهلي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم وشرف، وكرم ~~ومجد وبجل، وعظم: ما كنت جديرا بذلك يا عمر، فقام رجال، فاعترفوا ~~بمثله، فنزل قوله تعالى: { أحل لكم ليلة الصيام الرفث ~~إلى نسآئكم }. # فصل # ذهب جمهور المفسرين أنه كان في أول شرعنا، إذا أفطر الصائم، ~~حل له الأكل والشرب والجماع، ما لم ينم أو يصل العشاء الآخرة، ~~فإذا فعل أحدهما، حرم عليه هذه الأشياء، ثم إن الله تعالى، نسخ ذلك ~~بهذه الآية الكريمة. # وقال أبو مسلم: هذه الحرمة ما كانت ثابتة في شرعنا ألبتة، بل كانت ~~ثابتة في شرع النصارى، فنسخ الله تعالى بهذه الآية ما كان ثابتا في ~~شرعهم. # واحتج الجمهور بوجوه: # أحدها: قوله ms1011 تعالى: # كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من ~~قبلكم # [البقرة: 183] يقتضي تشبيه صومنا بصومهم، وقد كانت هذه الحرمة ثابتة في ~~صومهم؛ فوجب أن يكون التشبيه ثابتا في صومنا، لقصد أن يكون منسوخا بهذه ~~الآية الكريمة. # الثاني: قوله تعالى: { أحل لكم ليلة الصيام الرفث ~~إلى نسآئكم } ولو كان هذا الحل ثابتا لهذه الأمة من أول ~~الأمر، لم يكن لقوله: " أحل لكم " فائدة. # الثالث: قوله سبحانه: { علم الله أنكم كنتم تختانون ~~أنفسكم } ولو كان ذلك حلالا لهم، لما احتاجوا إلى أن يختانوا ~~أنفسهم. # الرابع: قوله تعالى: { فتاب عليكم وعفا عنكم } ~~[ولولا أن ذلك كان محرما عليهم، وأنهم ~~أقدموا على المعصية؛ بسبب الإقدام على ذلك الفعل، لما صح ~~قوله: { فتاب عليكم } ]. # الخامس: قوله تعالى: " فالآن باشروهن " ولو كان الحل ثابتا ~~قبل ذلك كما هو الآن لم يكن لقوله تعالى: " فالآن باشروهن " ~~فائدة. # السادس: ما رويناه في سبب النزول. # وأجاب أبو مسلم عن الأول: بأن التشبيه يكفي في صدقه المشابهة في ~~أصل الوجوب. # وعن الثاني: بأنا لا نسلم أن هذه الحرمة كانت ثابتة في شرع من ~~قبلنا، فقوله: " أحل لكم " معناه: أحل لكم ما كان ~~محرما على غيركم. # وعن الثالث: بأن تلك الحرمة كانت ثابتة في شرع عيسى - عليه السلام - ~~ثم إن الله تعالى أوجب الصيام علينا، ولم ينقل زوال تلك الحرمة، فكان ~~يخطر ببالهم أن تلك الحرمة باقية علينا، لأنه لم يوجد في شرعنا ما ~~دل على زوالها، ومما يزيد هذا الوهم قوله سبحانه: { كتب ~~عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم } ~~وكان مما كتب على الذين من قبلنا هذه الحرمة؛ فلهذا كانوا يعتقدون بقاء ~~تلك الحرمة في شرعنا، فشددوا وأمسكوا عن هذه الأمور، فقال تبارك ~~وتعالى: { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم } ~~فيكون المراد من الآية الكريمة أنه لو لم أبين لكم إحلال الأكل ~~والشرب والمباشرة طوال الليل، لكنتم تنقصون أنفسكم شهواتها وتمنعونها ~~لذاتها ومصلحتها؛ بالإمساك عن ذلك بعد النوم؛ كسنة النصارى، وأصل ~~الخيانة: النقص. # وعن الرابع: أن التوبة من ms1012 العبد: الرجوع إلى الله تعالى بالعبادة، ~~ومن الله سبحانه: الرجوع إلى العبد بالرحمة والإحسان، وأما العفو فهو ~~التجاوز، فبين الله تعالى إنعامه علينا بتخفيف ما كان ثقيلا على من ~~قبلنا، والعفو قد يستعمل في التوسعة والتخفيف؛ قال - عليه الصلاة ~~والسلام -: # " عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق " # وقال عليه الصلاة والسلام: # " في أول الوقت رضوان الله، وفي آخره عفو ~~الله " # والمراد منه التخفيف بتأخير الصلاة إلى آخر الوقت؛ ويقال أتاني هذا ~~المال عفوا، أي: سهلا. # وعن الخامس: بأنهم كانوا بسبب تلك الشبهة ممتنعين عن المباشرة، ~~فبين الله تعالى ذلك، وأزال الشبهة بقوله: ":فالآن باشروهن ~~". # وعن السادس: بأن في الآية الكريمة ما يدل على ضعف هذه الرواية؛ ~~لأن الرواية أن القوم اعترفوا بما فعلوا عند الرسول - عليه الصلاة ~~والسلام - وذلك خلاف قوله تعالى: { علم الله أنكم كنتم ~~تختانون أنفسكم }؛ لأن ظاهره المباشرة، لأنه افتعال من ~~الخيانة. # قوله: " كنتم تختانون " في محل رفع خبر ل " أن ". و " ~~تختانون " في محل نصب خبر ل " كان ". # قال أبو البقاء: و " كنتم " هنا لفظها لفظ الماضي، ومعناها أيضا، ~~والمعنى: أن الاختيان كان يقع منهم، فتاب عليهم منه، وقيل: إنه ~~أراد الاختيان في الاستقبال، وذكر " كان " ليحكي بها الحال؛ كما تقول: ~~إن فعلت، كنت ظالما " وفي هذا نظر لا يخفى. # و " تختانون " تفتعلون من الخيانة، وعين الخيانة واو؛ ~~لقولهم: خان يخون، وفي الجمع: خونة، يقال: خان يخون ~~خونا، وخيانة، وهي ضد الأمانة، وتخونت الشيء ~~تنقصته؛ قال زهير في ذلك البيت: [الوافر] # 956 - بآرزة الفقارة لم يخنها # قطاف في الركاب ولا خلاء # وخان السيف إذا نبا عن الضربة، وخانه الدهر، إذا ~~تغير حاله إلى الشر، وخان الرجل الرجل، إذا لم يؤد ~~الأمانة، وناقض العهد خائن، إذا لم يف، ومنه قوله تعالى: # وإما تخافن من قوم خيانة # [الأنفال: 58] والمدين خائن؛ لأنه لم يف بما يليق بدينه؛ ومنه قوله ~~تعالى: # لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أمنتكم # [الأنفال: 27] وقال تعالى: # وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل # [الأنفال: 71] فسميت المعصية ms1013 بالخيانة. # وقال الزمخشري: " والاختيان: من الخيانة؛ كالاكتساب من ~~الكسب، فيه زيادة وشدة "؛ يعني من حيث إن الزيادة في اللفظ ~~تنبىء عن زيادة في المعنى، كما قدمه في قوله تعالى: { ~~الرحمن الرحيم } وقيل هنا: تختانون أنفسكم، أي: ~~تتعهدونها بإتيان النساء، وهذا يكون بمعنى التخويل، يقال: ~~تخونه وتخوله بالنون واللام، بمعنى تعهده، إلا أن ~~النون بدل من اللام؛ لأنه باللام أشهر. # و " علم " إن كانت المتعدية لواحد، تكون بمعنى عرف، فتكون " ~~أن " وما في حيزها سادة مسد مفعول واحد، وإن كانت المتعدية ~~لاثنين، كانت سادة مسد المفعولين على رأي سيبويه - رحمه الله - ~~ومسد أحدهما، والآخر محذوف على مذهب الأخفش. # وقوله: { هن لباس لكم } لا محل له من الإعراب؛ لأنه بيان ~~للإحلال، فهو استئناف وتفسير. # يعني إذا حصلت بينكم وبينهن مثل هذه المخالطة والملابسة، قل صبركم ~~عنهن، وضعف عليكم اجتنابهن؛ فلذلك رخص لكم في مباشرتهن. # وقدم قوله: { هن لباس لكم } على { وأنتم لباس ~~لهن }؛ تنبيها على ظهور احتياج الرجل للمرأة وعدم صبره عنها؛ ~~ولأنه هو البادىء بطلب ذلك، وكنى باللباس عن شدة المخالطة؛ كقوله ~~- هو النابغة الجعدي -:[المتقارب] # 957 - إذا ما الضجيع ثنى جيدها # تثنت عليه فكانت لباسا # وفيها أيضا: [المتقارب] # 958 - لبست أناسا فأفنيتهم # وأفنيت بعد أناس أناسا # قال القرطبي: وشددت النون من " هن " لأنها بمنزلة الميم ~~والواو في المذكر. # وورد لفظ " اللباس " على أربعة أوجه: # الأول: بمعنى السكن؛ كهذه الآية. # الثاني: الخلط؛ قال تبارك وتعالى: # الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ~~أولئك لهم الأمن وهم مهتدون # [الأنعام: 82]، أي: لم يخلطوا. # الثالثك: العمل الصالح؛ قال تعالى: # وريشا ولباس التقوى # [الأعراف: 26]، أي: عمل التقوى. # الرابع: اللباس بعينه؛ قال تعالى: # يابني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري ~~سوءاتكم وريشا # [الأعراف: 26]. # فصل في وجوه تشبيه الزوجين باللباس # في تشبه الزوجين باللباس وجوه: # أحدها: أنه لما انضم جسد كل واحد منهما إلى الآخر؛ كالثوب الذي ~~لبس، سمي كل واحد منهما لباسا. # قال الربيع: هن فراش لكم، وأنتم لحاف لهن. # وقال ابن زيد: إن كل واحد منهما ms1014 يستر صاحبه عند الجماع ~~عن أبصار الناس. # وقال أبو عبيدة وغيره: يقال للمرأة: هي لباسك وفراشك ~~وإزارك، وقيل: اللباس اسم لما يواري الشيء، فيجوز أن ~~يكون كل واحد منهما سترا لصاحبه عما لا يحل؛ كما ورد في ~~الحديث: # " من تزوج فقد ستر ثلثي دينه ". # الثاني: أن كل واحد منهما يخص نفسه بالآخر؛ كما يخص لباسه ~~بنصيبه. # قال الواحدي - رحمه الله -: إنما وحد " اللباس " بعد قوله ~~تعالى: " هن "؛ لأنه يجري مجرى المصدر، و " فعال " من مصادر " ~~فاعل " ، وتأويله: وهن ملابسات لكم. # فصل في معنى " تختانون أنفسكم " # قال القرطبي: معنى { علم الله أنكم كنتم تختانون ~~أنفسكم } أي: يستأمر بعضكم بعضا في مواقعة المحظور من الجماع ~~والأكل بعد النوم في ليالي الصوم؛ كقوله تعالى: # تقتلون أنفسكم # [البقرة: 85] أي: يقتل بعضكم بعضا، ويحتمل أن يريد به كل واحد منهم ~~في نفسه؛ بأنه يخونها وسماه خائنا لنفسه من حيث كان ضرره عائدا عليه؛ ~~كما تقدم. # فصل # قال ابن الخطيب: إنه تعالى ذكر هاهنا أنهم كانوا يختانون أنفسهم، ~~ولم يبين تلك الخيانة فيماذا، فلا بد من حملها على شيء له تعلق ~~بما تقدم وما تأخر، والذي تقدم هو ذكر الجماع، والذي تأخر هو ~~قوله تعالى: " فالآن باشروهن " فيجب أن يكون المراد بهذه الخيانة ~~الجماع وهاهنا قولان: # الأول: علم الله أنكم كنتم تستترون بالمعصية بالجماع ~~بعد العتمة، والأكل بعد النوم، وترتكبون المحرم من ذلك وكل من ~~عصى الله، فقد خان نفسه؛ وعلى هذا القول: يجب أن يقطع بأن ذلك وقع من ~~بعضهم؛ فدل على تحريم سابق، لأنه لا يمكن حمله على وقوعه من جميعهم ~~للعادة والإخبار، وإذا صح وقوعه من بعضهم، دل على تحريم سابق، ولأبي ~~مسلم أن يقول: قد بينا أن الخيانة عبارة عن عدم الوفاء بما يجب ~~عليهم، فأنتم حملتموه على عدم الوفاء بما هو أحق بطاعة الله، ونحن ~~حملناه على عدم الوفاء بما هو حق للنفس، وهذا أولى؛ لأن الله تعالى ~~لم يقل: علمك [الله] أنكم كنتم تختانونه [أنفسكم]، وإنما قال: ~~تختانون أنفسكم، وكان ms1015 حمل اللفظ على ما ذكرنا، إن لم يكن أولى، ~~فلا أقل من التساوي، وبهذا التقدير: لا يثبت النسخ. # القول الثاني: أن المراد { علم الله أنكم كنتم ~~تختانون أنفسكم } لو دامت تلك الحرمة، فمعناه: أن الله يعلم ~~أنه لو دام ذلك التكليف الشاق، لوقعوا في الخيانة، وعلى هذا ~~التقدير: ما وقعت الخيانة، فيمكن أن يقال: التفسير الأول أولى؛ لأن ~~لا حاجة فيه إلى إضمار الشرط، وأن يقال: بل الثاني أولى؛ لأنه على ~~الأول يصير إقدامهم على المعصية سببا لنسخ التكليف، وعلى الثاني: علم ~~الله أنه لو دام ذلك التكليف، لحصلت الخيانة، فنسخ التكليف رحمة من الله ~~على عباده، حتى لا يقعوا في الخيانة. # وأما قوله تعالى " فتاب عليكم " فمعناه على قول أبي مسلم: ~~فرجع عليكم بالإذن في هذا الفعل والتوسعة عليكم، وعلى قول مثبتي ~~النسخ لا بد فيه من إضمار، تقديره: تبتم، فتاب عليكم، وقوله " ~~وعفا عنكم " على قول أبي مسلم: أوسع عليكم بإباحة الأكل ~~والشرب والمباشرة في طول الليل، ولفظ " العفو " يستعمل في التوسعة ~~والتخفيف؛ كما قدمناه، وعلى قول مثبتي النسخ، لا بد وأن يكون تقديره: ~~عفا عن ذنوبكم، وهذا مما يقوي قول أبي مسلم؛ لأن تفسيره لا ~~يحتاج إلى إضمار، وتفسير مثبتي النسخ يحتاج إلى إضمار وتفسير. # قوله: " فالآن باشروهن " قد تقدم الكلام على " الآن " وفي ~~وقوعه ظرفا للأمر تأويل، وذلك أنه للزمن الحاضر، والأمر مستقبل أبدا، ~~وتأويله ما قاله أبو البقاء؛ قال: " والآن: حقيقته الوقت الذي أنت فيه، ~~وقد يقع على الماضي القريب منك، وعلى المستقبل القريب، تنزيلا للقريب ~~منزلة الحاضر، وهو المراد هنا، لأن قوله: " فالآن باشروهن " ، ~~أي: فالوقت الذي كان يحرم عليكم فيه الجماع من الليل " ، ~~وقيل: هذا كلام محمول على معناه، والتقدير: فالآن قد أبحنا لكم ~~مباشرتهن، ودل على هذا المحذوف لفظ الأمر، فالآن على ~~حقيقته. وسمي الوقاع مباشرة، لتلاصق البشرتين فيه: # قال ابن العربي: وهذا يدل على أن سبب الآية جماع عمر، لا جوع ~~قيس، لأنه لو كان السبب جوع قيس، لقال: " فالآن كلوا ms1016 " ابتداء به؛ ~~لأنه المهم الذي نزلت الآية لأجله. # وقرأ ابن عباس - رضي الله عنهما-: " واتبعوا " من " الاتباع " ~~وتروى عن معاوية بن قرة والحسن البصري، وفسروا { ما كتب الله ~~} بليلة القدر، أي اتبعوا ثوابها، قال الزمخشري: " وهو قريب من ~~بدع التفاسير ". # وقرأ الأعمش " وابغوا ". # فصل # دلت الآية على أن الأمر بعد الحظر يقتضي الإباحة، ومن قال بأن ~~مطلق الأمر للوجوب، قالوا: إنما تركنا الظاهر هنا للإجماع، وفي ~~المباشرة قولان: # أحدهما - وهو قول الجمهور: أنها الجماع، سمي بهذا الاسم؛ لتلاصق ~~البشرتين. # والثاني - قول الأصم: أنه محمول على المباشرات، ولم يقصره على ~~الجماع، وهذا هو الأقرب إلى لفظ المباشرة، لأنها مشتقة من تلاصق ~~البشرتين، إلا أنهم اتفقوا على أن المراد بالمباشرة في هذه ~~الآية الكريمة الجماع؛ لأن السبب في هذه الرخصة كان وقوع الجماع من ~~القوم، وأما اختلافهم في قوله تعالى: { ولا تباشروهن ~~وأنتم عاكفون في المساجد } فحمله بعضهم على كل ~~المباشرات؛ لأن المعتكف، لما منع من الجماع، فلا بد وأن يمنع ~~مما دونه. # فصل # في قوله تعالى: { وابتغوا ما كتب الله لكم } وجوه: # أحدها: الولد، أي: لا تباشروا لقضاء الشهوة وحدها؛ ولكن لابتغاء ما ~~وضع له النكاح من التناسل. # قال - عليه الصلاة والسلام-: # " تناكحوا تناسلوا؛ تكثروا " # والثاني: أنه نهي عن العزل. # الثالث: ابتغوا المحل الذي كتبه الله لكم وحلله؛ ونظيره # فأتوهن من حيث أمركم الله # [البقرة: 222]. # الرابع: أنه للتأكيد، تقديره: فالآن باشروهن وابتغوا هذه المباشرة ~~التي كتبها الله لكم بعد أن كانت محرمة عليكم. # الخامس: قال أبو مسلم: فالآن باشروهن، وابتغوا هذه المباشرة ~~التي كان الله كتبها لكم، وإن كنتم تظنونها محرمة عليكم. # السادس: أن مباشرة الزوجة قد تحرم في بعض الأوقات؛ بسبب الحيض والنفاس ~~والعدة والردة؛ فقوله: { وابتغوا ما كتب الله لكم ~~} يعني: لا تباشروهن إلا في الأوقات المأذون لكم فيها. # السابع: " فالآن باشروهن " إذن في المباشرة، وقوله: { ~~وابتغوا ما كتب الله لكم } [يعني: لا تبتغوا هذه المباشرة ~~إلا من الزوجة والمملوكة] بقوله: # إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم # [المؤمنون: ms1017 6]. # الثامن: قال معاذ بن جبل، وابن عباس في رواية أبي الجوزاء: يعني ~~اطلبوا ليلة القدر، وما كتب الله لكم من الثواب فيها إن وجدتموها. # وقال ابن عباس: ما كتب الله لنا هو القرآن. # قال الزجاج: أي: ابتغوا القرآن بما أبيح لكم فيه، وأمرتم به. وقيل: ~~ابتغوا الرخصة والتوسعة. # قال قتادة: وقيل: ابتغوا ما كتب الله لكم من الإماء والزوجات. # فصل في معاني " كتب " # في " كتب " وجوه: # أحدها: أنها هنا بمعنى جعل؛ كقوله # كتب في قلوبهم الإيمان # [المجادلة: 22] أي: جعل، وقوله تعالى: # فاكتبنا مع الشاهدين # [آل عمران: 53]، وقوله سبحانه # فسأكتبها للذين يتقون # [الأعراف: 156]. # الثاني: معناه قضى الله لكم؛ كقوله عز وجل: # قل لن يصيبنآ إلا ما كتب الله لنا # [التوبة: 51]، أي: قضاه. # الثالث: ما كتب الله في اللوح المحفوظ مما هو كائن. # الرابع: ما كتب الله في القرآن من إباحة هذه الأفعال. # قوله: { وكلوا واشربوا } الفائدة في ذكرهما: أنه لو اقتصر ~~على قوله: " فالآن باشروهن " لم يعلم بذلك زوال تحريم الأكل ~~والشرب، فذكرهما لتتم الدلالة على إباحتهما وهذا جواب نازلة ~~قيس، والأول جواب نازلة عمر، وبدأ بجواب نازلة عمر لأنه المهم. # قوله: " حتى يتبين " " حتى " هنا غاية لقوله: { وكلوا ~~واشربوا } بمعنى " إلى " ، ويقال: تبين الشيء، وأبان، ~~واستبان، وبان كله بمعنى، وكلها تكون متعدية ولازمة، ~~إلا " بان " فلازم ليس إلا، و " من الخيط " لابتداء الغاية، ~~وهي ومجرورها في محل نصب ب " يتبين "؛ لأن المعنى: حتى ~~يباين الخيط الأبيض الأسود. # و { من الفجر } يجوز فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن تكون تبعيضية؛ فتتعلق أيضا ب " يتبين "؛ لأن ~~الخيط الأبيض هو بعض الفجر وأوله، ولا يضر تعلق حرفين بلفظ ~~واحد؛ لاختلاف معناهما. # والثاني: أن تتعلق بمحذوف؛ على أنها حال من الضمير في الأبيض، أي: ~~الخيط الذي هو أبيض كائنا من الفجر، وعلى هذا يجوز أن تكون " من " ~~لبيان الجنس؛ كأنه قيل الخيط الأبيض الذي هو الفجر. # والثالث: أن يكون تمييزا، وهو ليس بشيء، وإنما بين قوله { الخيط ~~الأبيض } بقوله: { من الفجر } ولم يبين الخيط الأسود؛ ms1018 ~~فيقول: من الليل؛ اكتفاء بذلك، وإنما ذكر هذا دون ذاك؛ ~~لأنه هو المنوط به الأحكام المذكورة في المباشرة والأكل ~~والشرب. # وهذا من أحسن التشبيهات، حيث شبه بياض النهار بخيط أبيض، ~~وسواد الليل بخيط أسود، حتى إنه # " لما ذكر عدي بن حاتم لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فهم من ~~الآية الكريمة حقيقة الخيط، تعجب منه، وقال: إن وسادك لعريض ~~" # ويروى: # " إنك لعريض القفا " # وقد روي أن بعض الصحابة فعل كفعل عدي، ويروى أن بين ~~قوله { الخيط الأبيض من الخيط الأسود } وبين قوله: { ~~من الفجر } عاما كاملا في النزول. # روي عن سهل بن سعد، قال: أنزلت { وكلوا واشربوا ~~حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط ~~الأسود } ولم ينزل قوله: { من الفجر } وكان رجال إذا أرادوا ~~الصوم، ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض، والخيط الأسود، ولا ~~يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله تعالى { من الفجر } ~~، فعلموا أنه إنما عني الليل والنهار، وسمي الفجر خيطا؛ لأن ~~ما يبدو من البياض يرى ممتدا؛ كالخيط. # قال الشاعر: [البسيط] # 959 - ألخيط الأبيض ضوء الصبح منفلق # والخيط الأسود جنح الليل مكتوم # والخيط في كلامهم عبارة عن اللون، قاله القرطبي، وأنشد لأبي دؤاد ~~الإيادي في ذلك فقال: [المتقارب] # 960 - فلما أضاءت له سدفة # ولاح من الصبح خيط أنارا # وقد تسميه العرب أيضا الصديع، ومنه قولهم: انصدع الفجر؛ قال ~~بشر بن أبي خازم، أو عمرو بن معديكرب: [الوافر] # 961 - ترى السرحان مفترشا # يديه كأن بياض لبته صديع # وهذا النوع من باب التشبيه لا من الاستعارة؛ لأن الاستعارة هي أن ~~يطوى فيها ذكر المشبه، وهنا قد ذكر وهو قوله: { من الفجر } ، ~~ونظيره قولك: " رأيت أسدا من زيد " ، لو لم تذكر: " من ~~زيد " لكان استعارة، ولكن التشبيه هنا أبلغ؛ لأن الاستعارة لا ~~بد فيها من دلالة حالية، وهنا ليس ثم دلالة، ولذلك مكث بعض ~~الصحابة يحمل ذلك على الحقيقة مدة، حتى نزل " من الفجر " ~~فتركت الاستعارة، وإن كانت أبلغ لما ذكرنا. # فإن قيل: إن بياض الصبح المشبه بالخيط ms1019 الأسود هو بياض الصبح ~~الكاذب؛ لأن مستطيل كشبه الخيط، وأما الصبح الصادق، فهو بياض ~~مستدير مستطيل في الأفق، فلزم على مقتضى الآية أن يكون أول النهار من ~~طلوع الصبح الكاذب، وليس كذلك بالإجماع. # فالجواب: أن قوله { من الفجر } بين أن المراد به الصبح ~~الصادق، لا يكون منتشرا، بل يكون صغيرا دقيقا، فالصادق أيضا يبدو ~~دقيقا، ويرفع مستطيلا. والفجر مصدر قولك فجرت الماء أفجره ~~فجرا وفجرته تفجيرا، قال الأزهري: الفجر أصله الشق، ~~فعلى هذا هو انشقاق ظلمة الليل بنور الصبح. # فصل # زعم أبو مسلم الأصفهاني: أنه لا شيء من المفطرات إلا أحد هذه ~~الثلاث، وما ذكره الفقهاء من تكلف القيء والحقنة والسعوط، فلا ~~يفطر شيء منها. # قال: لأن كل هذه الأشياء كانت مباحة ثم دلت هذه الآية الكريمة ~~على حرمة هذه الثلاثة على الصائم بعد الفجر، وبقي ما سواها على الإباحة ~~الأصلية، والفقهاء قالوا: خصوا هؤلاء بالذكر؛ لأن النفس تميل ~~إليهما. # فصل في صوم الجنب # مذهب أبي هريرة والحسن بن صالح؛ أن الجنب إذا أصبح قبل الاغتسال، لم ~~يكن له صوم، وهذه الآية تبطل قولهم؛ لأن المباشرة، إذا أبيحت إلى ~~انفجار الصبح، لم يمكنه الاغتسال إلا بعد الصبح. # ويؤيده ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم، أنه كان يدركه الفجر، وهو جنب ~~من أهله، ثم يغتسل ويصوم، والله أعلم. # فصل # زعم الأعمش أنه يحل الأكل والشرب والجماع بعد الفجر، وقبل طلوع الشمس؛ ~~قياسا لأول النهار على آخره؛ فكما أن آخره بغروب الشمس، وجب أن يكون ~~أوله بطلوع الشمس، قال: إن المراد بالخيط الأبيض، والخيط الأسود في ~~الآية الكريمة هو الليل والنهار، قال: ووجه التشبيه ليس إلا في ~~البياض والسواد؛ لأن ظلمة الأفق حال طلوع الصبح لا يمكن تشبيهها ~~بالخيط الأسود في الشكل ألبتة؛ فثبت أن المراد بالخيط الأسود في ~~الآية هو الليل والنهار. # ثم لو بحثنا عن حقيقة الليل في قوله: { ثم أتموا الصيام ~~إلى الليل } لوجدناها عبارة عن زمن غيبة الشمس؛ بدليل أن الله ~~تعالى سماها بعد المغرب ليلا مع ms1020 بقاء الضوء فيه؛ فثبت أنه يكون ~~الأمر في الطرف الأول من النهار كذلك؛ فيكون قبل طلوع الشمس أيضا ~~ليلا، وألا يوجد النهار إلا عند طلوع الشمس، وإلا يلزم أن يكون ~~آخر النهار على زعمهم غياب الشفق الأحمر؛ لأنه آخر آثر الشمس؛ كما ~~أن طلوع الفجر هو أول طلوع آثار الشمس، وإذا بطل هذا، بطل ذاك، ومن ~~الناس من قال: آخر النهار غياب الشفق، ولا يجوز الإفطار إلا عند ~~طلوع الكواكب، وكلها مذاهب باطلة. # قوله " إلى الليل " في هذا الجار وجهان: # أحدهما: أنه متعلق بالإتمام، فهو غاية له. # والثاني: أنه في محل نصب على الحال من الصيام، فيتعلق بمحذوف، أي: ~~كائنا إلى الليل، و " إلى " إذا كان ما بعدها من غير جنس ما قبلها، ~~لم يدخل فيه، والآية من هذا القبيل. # فصل في اختلافهم في ماهية الليل # اختلفوا في الليل ما هو؟ فمنهم: من قاس آخر النهار على أوله، فاعتبروا ~~في حصول الليل زوال آثار الشمس؛ كما حصل اعتبار زوال الليل عند ظهور ~~النهار بظهور آثار الشمس. # ثم هؤلاء منهم من اكتفى بزوال الحمرة، ومنهم من اعتبر ظهور الظلام ~~التام وظهور الكواكب والحديث يبطل كل ذلك، وهو قوله - عليه أفضل ~~الصلاة والسلام -: # " إذا أقبل الليل من ها هنا، وأدبر النهار من ~~ها هنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم " # وهذا الحديث مع الآية يدل على المنع من الوصال. # فصل # الحنفية تمسكوا بهذه الآية الكريمة في أن صوم النفل يجب إتمامه ~~بقوله تعالى { أتموا الصيام إلى الليل } والأمر للوجوب ~~فيتناول كل صيام. # وأجيبوا بأن هذا إنما ورد في بيان أحكام صوم الفرض؛ بدليل أنه - ~~عليه الصلاة والسلام - قال: # " الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر " # " وعن أم هانىء: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها ~~فدعا بشراب فشرب، ثم ناولها، فشربت، فقالت: يا ~~رسول الله، أما إني كنت صائمة، ولكن كرهت أن ~~أرد سؤرك، فقال: إن كان قضاء من رمضان، فاقضي ~~مكانه، وإن كان تطوعا، فإن شئت فاقضي، ms1021 وإن شئت ~~فلا تقضي " # قوله: { وأنتم عاكفون في المساجد } جملة حالية من فاعل ~~" تباشروهن " ، والمعنى: " لا تباشروهن " ، وقد نويتم ~~الاعتكاف في المسجد، وليس المراد النهي عن مباشرتهن في المسجد بقيد ~~الاعتكاف؛ لأن ذلك ممنوع منه في غير الاعتكاف أيضا. # والعكوف: الإقامة والملازمة له وهو في الشرع: لزوم المسجد ~~لطاعة الله تعالى فيه، يقال: عكف بالفتح يعكف بالضم والكسر، ~~وقد قرئ: # يعكفون على أصنام # [الأعراف: 138] بالوجهين، وقال الفرزدق: [الطويل] # 962 - ترى حولهن المعتفين كأنهم # على صنم في الجاهلية عكف # وقال الطرماح: [الطويل] # 963 - فباتت بنات الليل حولي عكفا # عكوف البواكي بينهن صريع # ويقال: الافتعال منه في الخير، والانفعال في الشر، وأما الاعتكاف ~~في الشرع. فهو إقامة مخصوصة بشرائط، والكلام فيه بالنسبة إلى الحقيقة ~~الشرعية كالكلام في الصلاة، وقرأ قتادة: " عكفون " كأنه يقال: ~~عاكف وعكف؛ نحو: " بار وبر وراب ورب " ، وقرأ ~~الأعمش: " في المسجد " بالإفراد؛ كأنه يريد الجنس. # فصل # لما بين حكم تحريم المباشرة في الصيام، كان يجوز أن يظن بأن الاعتكاف ~~حاله كحال الصوم في أن الجماع يحرم فيه نهارا أو ليلا. # فصل # لو لمس المعتكف المرأة بغير شهوة، جاز؛ لحديث عائشة، وإن لمسها بشهوة، ~~أو قبلها أو باشرها فيما دون الفرج، فهو حرام، وهل يبطل به اعتكافه؟ ~~فيه خلاف. # فصل # اتفقوا على أن شرط الاعتكاف الجلوس في المسجد، ثم اختلفوا، فنقل عن ~~علي - رضي الله عنه - أنه قال: لا يجوز إلا في المسجد الحرام ومسجد ~~المدينة. # قال حذيفة: يجوز في هذين المسجدين، وفي مسجد بيت المقدس؛ لقوله - ~~عليه الصلاة والسلام -: # " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد " # وقال الزهري: لا يصح إلا في الجامع. # وقال أبو حنيفة: لا يصح إلا في مسجد له إمام راتب، ومؤذن راتب. # وقال الشافعي وأحمد: يصح في جميع المساجد إلا أن المسجد الجامع ~~أفضل؛ حتى لا يحتاج إلى الخروج إلى الجمعة، فإن اعتكف في مسجد غير ~~الجامع، لاحتاج إلى الخروج إلى الجمعة، فيشهدها ويرجع مكانه، ويصح ~~اعتكافه؛ لأنه خرج إلى فرض، وهو من الشرائع القديمة. ms1022 # فصل في الاعتكاف بدون الصوم # يجوز الاعتكاف بغير صوم، وبالصوم أفضل؛ وقال أبو حنيفة - رضي الله ~~عنه - لا يجوز إلا بالصوم. # واحتج الأولون: بأن الاعتكاف لو أوجب الصوم، لما صح في رمضان؛ ~~لأن الصوم الذي أوجبه الاعتكاف، إما صوم آخر غير صوم رمضان، وهو ~~باطل؛ لأن رمضان لا يصح فيه غيره، وأيضا ما روي # " عن عمر - رضي الله عنه - قال: يا رسول الله، إني نذرت في ~~الجاهلية أن أعتكف ليلة، فقال - عليه الصلاة ~~والسلام-: أوف بنذرك " # والصوم لا يجوز في الليل. # فصل # روى مسلم عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه. # وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة - رضي الله عنهم - إذا نذر اعتكاف شهر ~~دخل المسجد قبل غروب الشمس من ليلة ذلك اليوم. # فصل في أقل مدة الاعتكاف # لا تقدير لزمان الاعتكاف فلو نذر اعتكاف ساعة، انعقد، ولو نذر الاعتكاف ~~مطلقا، لخرج من نذره باعتكاف ساعة؛ كما لو نذر أن يتصدق مطلقا، فإنه ~~يتصدق بما شاء من قليل أو كثير، والأفضل أن يعتكف يوما للخروج من ~~الخلاف، فإن أبا حنيفة لا يجوز اعتكاف أقل من يوم، بشرط أن يدخل ~~قبل طلوع الفجر، ويخرج بعد غروب الشمس. # فصل # قال القرطبي - رحمه الله تعالى -: إذا أتى المعتكف كبيرة، بطل ~~اعتكافه؛ لأن الكبيرة ضد العبادة، كما أن الحدث ضد الطهارة ~~والصلاة. # قوله: { تلك حدود الله } مبتدأ وخبر، واسم الإشارة أخبر عنه ~~بجمع، فلا جائز أن يشار به إلى ما نهي عنه في الاعتكاف، لأنه شيء ~~واحد، بل هو إشارة إلى ما تضمنته آية الصيام من أولها إلى هنا، ~~وآية الصيام قد تضمنت عدة أوامر، والأمر بالشيء نهي عن ضده، ~~فبهذا الاعتبار كانت عدة مناه، ثم جاء آخرها صريح النهي، وهو: " ولا ~~تباشروهن " فأطلق على الكل " حدودا "؛ تغليبا للمنطوق به، ~~واعتبارا بتلك المناهي التي تضمنتها الأوامر، فقيل فيها حدود، ~~وإنما اضطررنا إلى هذا التأويل؛ لأن المأمور به لا يقال فيه ms1023 " فلا ~~تقربوها ". # وقال أبو مسلم الأصفهاني: " لا تقربوها " أي: لا تتعرضوا ~~لها بالتغيير؛ لقوله تعالى: # ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن # [الإسراء: 34]. # قال أبو البقاء: دخول الفاء هنا عاطفة على شيء محذوف، تقديره: " ~~تنبهوا فلا تقربوها " ، ولا يجوز في هذه الفاء أن تكون ~~زائدة كالتي في قوله تعالى: # وإياي فارهبون # [البقرة: 40] على أحد القولين؛ لأنه كان ينبغي أن ينتصب " حدود ~~الله " على الاشتغال؛ لأنه الفصيح فيما وقع قبل أمر أو نهي، نحو: " ~~زيدا فاضربه، وعمرا فلا تهنه " فلما أجمعت القراء ~~هنا على الرفع، علمنا أن هذه الجملة التي هي " فلا تقربوها " ~~منقطعة عما قبلها، وإلا يلزم وجود غير الفصيح في القرآن. # والحدود: جمع حد، وهو المنع، ومنه قيل للبواب: حداد، لأنه ~~يمنع من العبور قال الليث - رحمه الله تعالى -: وحد الشيء ~~منتهاه ومنقطعه، ولهذا يقال: الحد مانع جامع، أي: يمنع غير ~~المحدود الدخول في المحدود. # وقال الأزهري ومنه يقال للمحروم، محدود؛ لأنه ممنوع عن الرزق، ~~وحدود الله ما يمنع مخالفتها، وسمي الحديد حديدا؛ لما فيه من المنع، ~~وكذلك: إحداد المرأة؛ لأنها تمتنع من الزينة. # والنهي عن القربان أبلغ من النهي عن الالتباس بالشيء؛ ~~فلذلك جاءت الآية الكريمة. # وقال هنا: " فلا تقربوها " وفي مواضع أخر: # فلا تعتدوها # [البقرة: 229] ومثله # ومن يتعد حدود الله # [البقرة: 229] # ويتعد حدوده # [النساء: 14] لأنه غلب هنا جهة النهي؛ إذ هو المعقب بقوله: { تلك ~~حدود الله } وما كان منهيا عن فعله، كان النهي عن قربانه ~~أبلغ، وأما الآيات الأخر، فجاء " فلا تعتدوها " عقيب ~~بيان أحكام ذكرت قبل؛ كالطلاق، والعدة، والإيلاء، والحيض، ~~والمواريث؛ فناسب أن ينهى عن التعدي فيها، وهو مجاوزة الحد الذي ~~حده الله تعالى فيها. # قال السدي: المراد بحدود الله شروط الله وقال شهر بن حوشب: ~~فرائض الله. # قوله: { كذلك يبين الله } الكاف في محل نصب: إما نعتا ~~لمصدر محذوف: أي: بيانا مثل هذا البيان. # فإنه لما بين أحكام الصوم على الاستقصاء في هذه الآية بالألفاظ ~~القليلة بيانا شافيا وافيا - قال بعده: { كذلك يبين الله ms1024 ~~ءاياته للناس } أي مثل هذا البيان الوافي الواضح. # أو حالا من المصدر المحذوف؛ كما هو مذهب سيبويه. # قال أبو مسلم: أراد بالآيات الفرائض التي بينها؛ كما قال سبحانه # سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيهآ ءايات ~~بينات # [النور: 1] ثم فسر الآيات بقوله: # الزانية والزاني # [النور: 2] إلى سائر ما بينه من أحكام الزنا، فكأنه تعالى قال: كذلك ~~يبين الله ءاياته للناس ما شرعه لهم؛ ليتقوه، ~~فينجوا من عذاب الله. ### || [2.188] # قوله: { بينكم }: في هذا الظرف وجهان: # أحدهما: أن يتعلق ب " تأكلوا " بمعنى: لا تتناقلوها فيما ~~بينكم بالأكل. # والثاني: أنه متعلق بمحذوف؛ لأنه حال من " أموالكم " أي: لا ~~تأكلوها كائنة بينكم، وقدره أبو البقاء أيضا بكائنة بينكم، أو ~~دائرة بينكم؛ وهو في المعنى كقوله: # إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم # [البقرة: 282]، وفي تقدير " دائرة " - وهو كون مقيد - نظر، ~~إلا أن يقال: دلت الحال عليه. # قوله: " بالباطل " فيه وجهان: # أحدهما: تعلقه بالفعل، أي: لا تأخذوها بالسبب الباطل. # الثاني: أن يكون حالا؛ فيتعلق بمحذوف، ولكن في صاحبها احتمالان: # أحدهما: أنه المال؛ كأن المعنى: لا تأكلوها ملتبسة بالباطل. # والثاني: أن يكون الضمير في " تأكلوا " كأن المعنى: لا ~~تأكلوها مبطلين، أي: ملتبسين بالباطل. # فصل في سبب نزول الآية # قيل: نزلت هذه الآية في # " امرئ القيس بن عابس الكندي، ادعى عليه ربيعة بن عبدان الحضرمي ~~عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضا، فقال: إنه غلبني عليها، فقال ~~النبي - صلوات الله وسلامه عليه دائما أبدا - للحضرمي: ألك ~~بينة؟ قال: لا؛ قال: فلك يمينه فانطلق ليحلف، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أما إن يحلف على ماله، ليأكله ~~ظلما، ليلقين الله، وهو عنه معرض فأنزل الله { ~~ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } " # أي: لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل، أي: من غير الوجه الذي أباحه الله، ~~و " الباطل " في اللغة الذاهب الزائل، يقال: بطل الشيء ~~بطولا وبطلانا، فهو باطل، وجمع الباطل: بواطل، وأباطيل ~~جمع أبطولة، يقال: بطل الأجير يبطل بطالة، إذا تعطل، ~~وتبطل: اتبع اللهو، وأبطل فلان، إذا جاء ms1025 بالباطل، وقوله ~~تعالى: # لا يأتيه الباطل # [فصلت: 42] قال قتادة: هو إبليس؛ لا يزيد في القرآن، ولا ينقص، وقوله ~~عز وجل # ويمح الله الباطل # [الشورى: 24] يعني: الشرك، والبطلة: السحرة. # قوله: " لا تأكلوا " ليس المراد منه الأكل خاصة؛ لأن غير الأكل ~~من التصرفات؛ كالأكل في هذا الباب، لكنه لما كان المقصود الأعظم من ~~المال، إنما هو الأكل، وصار العرف فيمن أنفق ماله، أن يقال: أكله؛ ~~فلهذا عبر عنه بالأكل. # فصل فيما يحل ويحرم من الأموال # قال الغزالي - رحمه الله تعالى - في كتاب " الإحياء ": المال إنما ~~يحرم إما لمعنى في عينه، أو لخلل في جهة اكتسابه. # فالقسم الأول: الحرام لمعنى في عينه. # اعلم أن الأموال: إما أن تكون من المعادن، أو من النبات، أو من ~~الحيوانات. # أما المعادن وهي أجزاء الأرض فلا يحرم شيء منها، إلا من حيث يضر ~~بالأكل وبعضها ما يجري مجرى السم. # وأما النبات: فلا يحرم منه إلا ما يزيل الحياة، أو الصحة، أو ~~العقل. # فمزيل الحياة: كالسموم، ومزيل الصحة: الأدوية في غير وقتها، ومزيل ~~العقل: الخمر، والبنج، وسائر المسكرات. # وأما الحيوانات: فتقسم إلى ما يؤكل، وإلى ما لا يؤكل. # وما يؤكل: إنما يحل، إذا ذكي ذكاته الشرعية، ثم إذا ذكيت، ~~فلا تحل جميع أجزائها، بل يحرم منها الدم، والفرث. # القسم الثاني: ما يحرم لخلل في جهة إثبات اليد عليه، فنقول: # أخذ المال: إما أن يكون باختيار المالك أو بغير اختياره؛ كالإرث، والذي ~~باخيتاره: إما أن يكون مأخوذا بأمر مالكه، وإما أن يكون قهرا، أو ~~بالتراضي. # والمأخوذ قهرا: إما أن يكون لسقوط عصمة المالك؛ كالغنائم، أو باستحقاق ~~الأخذ؛ كزكاة الممتنعين، والنفقات الواجبة عليهم. # والمأخوذ تراضيا: إما أن يؤخذ بعوض، كالبيع، والصداق، والأجرة، ~~وإما أن يؤخذ بغير عوض؛ كالهبة، والوصية. # فحصل من هذا التقسيم أقسام ستة: # الأول: ما يؤخذ من غير ملك؛ كنيل المعادن، وإحياء الموات، والاصطياد، ~~والاحتطاب، والاستقاء من الأنهار، والاحتشاش؛ فهذا حلال، لا يكون ~~المأخوذ مختصا بذي حرمة من الآدميين. # الثاني: المأخوذ قهرا ممن لا حرمة له، وهو الفيء ms1026 والغنيمة وسائر ~~أموال الكفار والمحاربين، فذلك حلال للمسلمين، إذا أخرجوا منه الخمس، ~~وقسموه بين المستحقين بالعدل، ولم يأخذوه ممن كان له حرمة بأمان، ~~أو عهد. # الثالث: ما يؤخذ قهرا باستحقاق عند امتناع من هو عليه فيؤخذ دون عطائه؛ ~~وذلك حلال؛ إذا تم سبب الاستحقاق، وتم وصف المستحق، واقتصر على ~~قدر المستحق. # الرابع: ما يؤخذ تراضيا بمعاوضة، فهو حلال، إذا روعي شرط العوضين، ~~وشرط العاقدين، وشرط اللفظين، أعني: الإيجاب والقبول عند من يشترطهما، ~~مع ما قيد الشرع به من اجتناب الشروط المفسدة. # الخامس: ما يؤخذ بالرضا من غير عوض؛ كما في الهبة، والوصية، ~~والصدقة، إذا روعي شرط المعقود عليه، وشرط العاقدين، ولم يؤد إلى ~~ضرر. # السادس: ما يحصل بغير اختياره؛ كالميراث، وهو حلال، إذا كان المورث ~~قد اكتسب المال من بعض الجهات الخمس على وجه الحلال، ثم كان ذلك بعد قضاء ~~الدين، وتنفيذ الوصايا، وتعديل القسمة من الورثة، وإخراج الزكاة، ~~والحج والكفارة الواجبة، فهذه مجامع مداخل الحلال، وكل ما كان ~~بخلاف ذلك كان حراما. # إذا عرفت ذلك، فنقول: المال: إما أن يكون له، أو لغيره. # فإن كان لغيره: كان حرمته لأجل الوجوه الستة المذكورة، وإن كان له، ~~فأكله بالحرام: إما بأن يصرفه في شرب الخمر، أو الزنا، أو اللواط، أو ~~القمار، أو الشرب المحرم؛ وكل هذه الأقسام داخلة تحت قوله { ولا ~~تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها ~~}. # قوله: وتدلوا بها " في " تدلوا " ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه مجزوم عطفا على ما قبله؛ ويؤيده قراءة أبي: " ولا ~~تدلوا " بإعادة لا الناهية. # والثاني: أنه منصوب على الصرف، وقد تقدم معنى ذلك، وأنه مذهب ~~الكوفيين، وأنه لم يثبت بدليل. # والثالث: أنه منصوب بإضمار " أن " في جواب النهي، وهذا مذهب الأخفش، ~~وجوزه ابن عطية والزمخشري، ومكي، وأبو البقاء، قال أبو ~~حيان: " وأما إعراب الأخفش، وتجويز الزمخشري ذلك هنا، فتلك ~~مسألة: " لا تأكل السمك، وتشرب اللبن " قال النحويون: ~~إذا نصب، كان الكلام نهيا عن الجمع بينهما، وهذا المعنى: لا يصح في ~~الآية لوجهين: # أحدهما: أن النهي عن ms1027 الجمع لا يستلزم النهي عن كل واحد منهما على ~~انفراده، والنهي عن كل واحد منهما يستلزم النهي عن الجمع بينهما؛ ~~لأن الجمع بينهما حصول كل واحد منهما، وكل واحد منهما منهي عنه ~~ضرورة؛ إلا ترى أن أكل المال بالباطل حرام سواء أفرد أم جمع مغ غيره ~~من المحرمات؟ # والثاني - وهو أقوى-: أن قوله " لتأكلوا " علة لما قبلها، فلو ~~كان النهي عن الجمع، لم تصح العلة له؛ لأنه مركب من شيئين، لا ~~تصح العلة أن تترتب على وجودهما، بل إنما تترتب على وجود أحدهما: ~~وهو الإدلاء بالأموال إلى الحكام ". # والإدلاء مأخوذ من إدلاء الدلو، وهو إرساله إلى البئر؛ للاستقاء؛ ~~يقال: " أدلى دلوه " إذا أرسلها، ودلاها: إذا أخرجها، ثم ~~جعل كل إلقاء قول أو فعل إدلاء؛ ومنه يقال للمحتج أدلى ~~بحجته، كأنه يرسلها، ليصل إلى مراده؛ كإدلاء المستقي الدلو؛ ليصل ~~إلى مطلوبه من الماء، وفلان يدلي إلى الميت بقرابة، أو رحم؛ إذا كان ~~منتسبا، فيطلب الميراث بتلك النسبة. # و " بها " متعلق ب " تدلوا " وفي الباء قولان: # أحدهما: أنها للتعدية، أي لترسلوا بها إلى الحكام. # والثاني: أنها للسبب؛ بمعنى أن المراد بالإدلاء الإسراع بالخصومة في ~~الأموال؛ إما لعدم بينة عليها، أو بكونها أمانة؛ كمال الأيتام، ~~والضمير في " بها ": الظاهر أنه للأموال: وقيل: إنه لشهادة الزور؛ ~~لدلالة السياق عليها، وليس بشيء. # و " من أموال " في محل نصب صفة ل " فريقا " أي: فريقا ~~كائنا من أموال الناس. # قوله: " بالإثم " تحتمل هذه الباء: أن تكون للسبب، فتتعلق بقوله: ~~" لتأكلوا " وأن تكون للمصاحبة، فتكون حالا من الفاعل في " ~~لتأكلوا وتتعلق بمحذوف أي: لتأكلوا ملتبسين بالإثم. # فصل في سبب تسمية الرشوة بالإدلاء # في تسمية الرشوة بالإدلاء وجهان: # أحدهما: أن الرشوة تقرب البعيد من الحاجة؛ كما أن الدلو المملوء ~~يصل من البعيد إلى القريب بواسطة الرشاء، فالمقصود البعيد يصير قريبا، ~~بسبب الرشوة. # والثاني: أن الحاكم بسبب أخذ الرشوة يمضي في ذلك الحكم من غير تثبت؛ ~~كمضي الدلو في الرشاء، ثم المفسرون ذكروا وجوها؟ # أحدها: قال ابن عباس، والحسن - رضي ms1028 الله عنهما - وقتادة: المراد منه ~~الودائع، وما لا يقوم عليه البينة. # وثانيها: أن المراد هو مال اليتيم في يد الأوصياء يدفعون بعضه إلى ~~الحاكم، ليبقى لهم بعضه. # وثالثها: قال الكلبي: المراد بالإدلاء إلى الحكام: هو شهادة الزور # ورابعها: قال الحسن: هو أن يحلف؛ ليذهب حقه؛ كما تقدم في سبب ~~النزول. # وخامسها: وهو أن يدفع إلى الحاكم رشوة، وهذا أقرب إلى الظاهر، ولا يبعد ~~حمل اللفظ على الكل؛ لأنها بأسرها أكل للمال بالباطل. # وقوله " فريقا " أي: طائفة من أموال الناس، والمراد " بالإثم " ~~الظلم، وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - " الإثم " هنا هو اليمين ~~الكاذبة # فصل في الفسق بأخذ ما يطلق عليه اسم مال # قال القرطبي: اتفق أهل السنة على أن من أخذ ما وقع عليه اسم ~~مال، قل أو كثر، فإنه يفسق بذلك، وأنه يحرم عليه أخذه؛ خلافا ~~لبشر من المعتمر، ومن تابعه من المعتزلة؛ حيث قالوا: إن المكلف لا ~~يفسق إلا بأخذ مائتي درهم، ولا يفسق بدون ذلك. وقال ابن ~~الجبائي: لا يفسق إلا بأخذ عشرة دراهم، ولا يفسق بما دونها. # وقال أبو الهذيل: يفسق بأخذ خمسة دراهم، فما فوقه، ولا يفسق بما ~~دونها، وهذا كله مردود بالقرآن، والسنة، وباتفاق علماء الأمة ~~بقوله - عليه الصلاة والسلام -: # " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ~~" # وقوله تعالى: " وأنتم تعلمون " جملة في محل نصب على الحال ~~من فاعل " لتأكلوا " وذلك على رأي من يجيز تعدد الحال، وأما من ~~لا يجيز ذلك، فيجعل " بالإثم " غير حال. # والمعنى: وأنتم تعلمون أنكم مبطلون، ولا شك أن ~~الإقدام على القبيح، مع العلم بقبحه أقبح، وصاحبه بالتوبيخ أحق، ~~وروي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: # " اختصم رجلان إلى النبي صلى الله عليه وسلم، عالم ~~بالخصومة، وجاهل بها، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم للعالم، فقال ~~من قضي عليه: يا رسول الله، والذي لا إله إلا هو، ~~إني محق بحق فقال: إن شئت أعاوده، فعاوده، فقضى ~~للعالم، فقال المقضي عليه مثل ما قال أولا، ثم ~~عاوده ثالثا، ms1029 فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " من ~~اقتطع حق امرئ مسلم بخصومته، فإنما اقتطع قطعة من النار ~~" فقال العالم المقضي له: يا رسول الله، إن الحق حقه، فقال ~~- عليه الصلاة والسلام -: " من اقتطع بخصومته وجدله ~~حق غيره، فليتبوأ مقعده من النار " # وعن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وشرف، وكرم، ~~وبجل، ومجد، وعظم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إنما أنا بشر مثلكم، وإنكم تختصمون إلي، ~~ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، ~~فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له ~~بشيء من حق أخيه، فلا يأخذنه؛ فإنما أقطع ~~له قطعة من النار " ### || [2.189] # نقل عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: ما كان قوم أقل ~~سؤالا من أمة محمد - صلوات الله وسلامه عليه - دائما وأبدا ~~- سألوه عن أربعة عشر حرفا، فأجيبوا. # قال ابن الخطيب: ثمانية منها في سورة البقرة أولها: # وإذا سألك عبادي عني فإني قريب # [البقرة: 186]. وثانيها: هذه الآية، ثم الباقية بعد في سورة البقرة. ~~فالمجموع ثمانية في هذه السورة، والتاسع: في المائدة، قوله تبارك ~~وتعالى: # يسألونك ماذآ أحل لهم # [المائدة: 4] والعاشر: # يسألونك عن الأنفال # [الأنفال: 1] والحادي عشر: في بني إسرائيل # ويسألونك عن الروح # [الإسراء: 85] والثاني عشر في الكهف # ويسألونك عن ذي القرنين # [الكهف: 83] والثالث عشر في طه # ويسألونك عن الجبال # [طه: 105] والرابع عشر في النازعات # يسألونك عن الساعة # [النازعات: 42]. # ولهذه الأسئلة ترتيب عجيب: آيتان: # الأول: منها في شرح المبدأ، وهو قول تعالى: { وإذا سألك عبادي ~~عني فإني قريب } وهذا سؤال عن الذات. # والثاني: { يسألونك عن الأهلة } وهذا سؤال عن حقيقة ~~الخلاقية، والحكمة في جعل الهلال على هذا الوجه. # والآيتان الأخيرتان في شرح المعاد، وهو قوله # ويسألونك عن الجبال # [طه: 105] و # يسألونك عن الساعة # [النازعات: 42]. # ونظير هذا أنه ورد في القرآن الكريم سورتان: أولهما " يا أيها ~~الناس " فالأولى: هي السورة الرابعة من النصف الأول؛ فإن ~~الأولى هي " الفاتحة " ثم " البقرة " ثم " آل عمران " ثم " ~~النساء " وهي مشتملة على شرح المبدأ # أيها ms1030 الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من ~~نفس واحدة # [النساء: 1] والسورة الثانية: هي الرابعة أيضا من النصف الثاني: ~~فإن أوله " مريم " ثم " طه " ثم " الأنبياء " ثم " الحج " وهذه ~~مشتملة على شرح الميعاد # يأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة ~~شيء عظيم # [الحج: 1] فسبحان من له في هذا القرآن أسرار خفية، وحكم مطوية ~~[لا يعرفها إلا الخواص من عبيده]. # فصل في اختلافهم في السائل عن الأهلة # روي عن معاذ بن جبل، وثعلبة بن غنم الأنصاريين قالا: يا رسول الله، ما ~~بال الهلال يبدو دقيقا مثل الخيط، ثم يزيد؛ حتى يمتلىء ~~ويستوي، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ، لا ~~يكون على حالة واحدة؛ كالشمس، فنزلت هذه الآية. # وروي أن معاذ بن جبل قال: إن اليهود سألوه عن الأهلة. # واعلم أن قوله تعالى { يسألونك عن الأهلة } ليس فيه ~~بيان أنهم عن أي شيء سألوا، إلا أن الجواب كالدال على ~~موضع السؤال؛ لأنه قوله: { قل هي مواقيت للناس ~~والحج } يدل على أن سؤالهم كان على وجه الفائدة والحكمة في ~~تغير حال الأهلة في الزيادة والنقصان. # قوله تعالى: { عن الأهلة }: متعلق بالسؤال قبله، يقال: " ~~سأل به وعنه " بمعنى، والضمير في " يسألونك " ضمير ~~جماعة. # فإن كانت القصة كما روي عن معاذ: أن اليهود سألوه، فلا كلام، ~~وإن كانت القصة أن السائل اثنان؛ كما روي أن معاذ بن جبل، وثعلبة بن ~~غنم، سألوا، فيحتمل ذلك وجهين: # أحدهما: أن يقال: إن أقل الجمع اثنان. # والثاني: من نسبة الشيء إلى جمع، وإن لم يصدر إلا من واحد منهم أو ~~اثنين، وهو كثير في كلامهم. # فصل # قال الزجاج - رحمه الله-: " هلال " يجمع في أقل العدد على " ~~أفعلة " نحو: مثال وأمثلة، وحمار وأحمرة، وفي أكثر ~~العدد يجمع على " فعل " نحو حمر، لأنهم كرهوا في التضعيف " فعل ~~" ، نحو هلل وخلل، فاقتصروا على جمع أدنى العدد. # والجمهور على إظهار نون " عن " قبل لام " الأهلة " وورش على أصله ~~من نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها، وقرئ شاذا: " عل هلة "؛ ~~وتوجيهها: أنه نقل حركة ms1031 همزة " أهلة " إلى لام التعريف، وأدغم نون ~~" عن " في لام التعريف؛ لسقوط همزة الوصل في الدرج، وفي ذلك اعتداد ~~بحركة الهمزة المنقولة، وهي لغة من يقول: " لحمر " من غير همزة وصل. # وإنما جمع الهلال، وإن كان مفردا؛ اعتبارا باختلاف أزمانه؛ قالوا ~~من حيث كونه هلالا في شهر غير كونه هلالا في آخر، والهلال: هذا الكوكب ~~المعروف. # واختلف اللغويون: إلى متى يسمى هلالا؟ # فقال الجمهور: يقال له " هلال " لليلتين، وقيل: لثلاث، ~~ثم يكون " قمرا " وقال أبو الهيثم: يقال له: " هلال " ~~لليلتين من أول الشهر، وليلتين من آخره، وما بينهما " ~~قمر ". وقال الأصمعي: يقال له " هلال " إلى أن يحجر، ~~وتحجيره: أن يستدير له؛ كالخيط الرقيق " ، ويقال له: " بدر " من ~~الثانية عشرة إلى الرابعة عشرة، وقيل: يسمى " هلالا " إلى أن ~~يبهر ضوءه سواد الليل، وذلك إنما يكون في سبع ليال ~~". # واعلم أن الشهر ينقسم عشرة أقسام، كل قسم: ثلاث ليال، ولكل ~~ثلاث ليال اسم، فالثلاثة الأولى: تسمى غرر، والثانية نقل، والثالثة ~~تسع، والرابعة عشر، والخامسة بيض والسادسة درع، والسابعة ظلم، والثامنة ~~مسادس والتاسعة فرادى والعاشرة محاق. # والهلال: يكون اسما لهذا الكوكب، ويكون مصدرا؛ يقال: هل الشهر ~~هلالا، ويقال: أهل الهلال، واستهل مبنيا للمفعول ~~وأهللناه واستهللناه، وقيل: يقال: أهل واستهل ~~الهلال للفاعل؛ وأنشد: [الوافر] # 964 - وشهر مستهل بعد شهر # وحول بعده حول جديد # وسمي هذا الكوكب هلالا؛ لارتفاع الأصوات عن رؤيته، وقيل: لأنه من ~~البيان، والظهور، أي: لظهوره وقت رؤيته بعد خفائه، ولذلك يقال: تهلل ~~وجهه: ظهر فيه بشر وسرور، وأن لم يكن رفع صوته، ومنه قول ~~تأبط شرا: [الكامل] # 965 - وإذا نظرت إلى أسرة وجهه # برقت كبرق العارض المتهلل # وقد تقدم أن الإهلال: الصراخ عند قوله # ومآ أهل به لغير الله # [البقرة: 172]. " وفعال " المضعف يطرد في تكسيره " أفعلة " ~~كأهلة، وشذ فيه فعل؛ كقوله: عنن، وحجج، في عنان، ~~وحجاج. # وقدر بعضهم مضافا قبل " الأهلة " أي: عن حكم اختلاف الأهلة، ~~لأن السؤال عن ذاتها غير مفيد؛ ولذلك أجيبوا بقوله: { قل هي ~~مواقيت للناس والحج } وقيل: ms1032 إنهم لما سألوا عن شيء قليل ~~الجدوى، أجيبوا بما فيه فائدة، وعدل عن سؤالهم، إذ لا فائدة فيه، وعلى ~~هذا، فلا يحتاج إلى تقدير مضاف. # و " للناس " متعلق بمحذوف؛ لأنه صفة ل " مواقيت " أي: ~~مواقيت كائنة للناس. ولا يجوز تعلقه بنفس المواقيت؛ لما فيها ~~من معنى النقل؛ إذ لا معنى لذلك. والمواقيت: جمع ميقات؛ رجعت ~~الواو إلى أصلها؛ إذ الأصل: موقات من الوقت، وإنما قلبت ياء؛ ~~لكسر ما قبلها، فلما زال موجبه في الجمع، ردت واوا، ولا ينصرف؛ ~~لأنه بزنة منتهى الجموع. # فإن قيل: لم صرفت قوارير؟ قيل لأنها فاصلة وقعت في رأس الآية الكريمة ~~فنون، ليجري على طريقة الآيات كما تنون القوافي في مثل قوله: ~~[الوافر] # 966 - أقلي اللوم، عاذل، والعتابن # ............................ # و " الميقات ": منتهى الوقت؛ قال تبارك وتعالى: # فتم ميقات ربه # [الأعراف: 142] والهلال: ميقات الشهر؛ أي: منتهاه، ومواضع الإحرام: ~~مواقيت الحج؛ لأنها مواضع ينتهى إليها، وقيل: الميقات: الوقت؛ ~~كالميعاد بمعنى الوعد. # فصل في تخصيص المواقيت بالهلال دون الشمس # فإن قيل: لم خص المواقيت بالأهلة وأشهرها دون الشمس وأشهرها؟ # فالجواب: أن الأهلة وأشهرها، إنما جعلت مواقيت للناس، دون الشمس ~~وأشهرها؛ لأن الأشهر الهلالية يعرفها كل أحد من الخاص والعام ~~برؤية الهلال ومحاقه؛ ولذلك علقت الأحكام الشرعية بالشهور ~~العربية، كصوم رمضان، وأشهر الحج، وهي شوال، وذو القعدة وذو ~~الحجة. والأشهر المنذورة، والكفارات، وحول الزكاة وأشهر الإجارات ~~والمداينات والسلم، وأشهر الإيلاء، وأشهر العدد، ومدة الرضاع وما ~~تتحمله العاقلة في ثلاث سنين، وغير ذلك؛ بخلاف الشمس، وأشهرها؛ فإن ~~الشمس لا يتغير شكلها بزيادة، ولا نقص، ولا يعرف أوله وآخره، ~~ولا تختلف رؤيتها، وكذلك أشهرها لا يعرف أولها وآخرها، إلا ~~الخواص من الحساب، وليس لها مواقيت غير الفصول الأربعة؛ وهي ~~الصيف، والشتاء، والربيع، والخريف؛ ولذلك لا يتعلق به حكم ~~شرعي؛ فلذلك جعلت الأهلة وأشهرها مواقيت للناس، دون الشمس. # فصل # اعلم أن الله سبحانه ذكر وجه الحكمة في خلق الأهلة؛ فقال تعالى: { ~~قل هي مواقيت للناس والحج } وذكر هذا المعنى في آية ~~أخرى، وهي قوله ms1033 تعالى: # وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب # [يونس: 5] واعلم أن تقدير الزمان بالشهور فيه منافع دينية، ~~ودنيوية. # فالدينية: كالصوم، والحج، وعدة المتوفى عنها زوجها، والنذور ~~المتعلقة بالأوقات، وقضاء الصوم في أيام لا تعلم إلا ~~بالأهلة. # والدنيوية: كالمداينات، والإجارات، والمواعيد، ولمدة الحمل ~~والرضاع. # قوله: " والحج " عطف على " الناس " قالوا: تقديره: ومواقيت ~~الحج، فحذف الثاني؛ اكتفاء بالأول. # وقيل: فيه إضمار، تقديره: وللحج كقوله # وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم # [البقرة: 233] أي: لأولادكم. # ولما كان الحج من أعظم ما تطلب مواقيته وأشهره بالأهلة، ~~أفرد بالذكر. # قال تعالى: # الحج أشهر معلومات # [البقرة: 197]. # فإن قيل: الصوم أيضا يطلب هلاله؛ قال عليه الصلاة والسلام -: # " صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته " # قلنا: نعم، ولكن الصوم قد يسقط فعله عن الحائض، والنفساء، ~~والمسافر، ويوقعون قضاءه في غيره من الأشهر؛ بخلاف الحجح فإنه إذا ~~لم يصح فعله في وقته، لا يقضى في غيره من الأشهر. # واحتج مالك - رحمه الله تعالى - وأبو حنيفة بهذا الآية على أن ~~الإحرام بالحج في غير أشهر يصح، فإن الله تعالى جعل الأهلة كلها ~~ظرفا لذلك. # قال القفال: إفراد الحج بالذكر إنما كان لبيان أن الحج ~~مقصور على الأشهر التي عينها الله تعالى لفرضه؛ وأنه لا يجوز نقل ~~الحج من تلك الأشهر إلى شهر آخر؛ كما كانت العرب تفعل ذلك في النسيء؛ ~~فأفرد بالذكر، وكأنه تخصيص بعد تعميم؛ إذ قوله تعالى: مواقيت ~~للناس " ليس المعنى لذوات الناس، بل لا بد من مضاف، أي: مواقيت ~~لمقاصد الناس المحتاج فيها للتأقيت، ففي الحقيقة ليس معطوفا على ~~الناس، بل على المضاف المحذوف الذي ناب " الناس " منابه في الإعراب. # وقرأ الجمهور " الحج " بالفتح في جميع القرآن الكريم إلا حمزة ~~والكسائي وحفصا عن عاصم، فقرءوا # حج البيت # [آل عمران:97] بالكسر، وقرأ الحسن، وابن أبي إسحاق بالكسر في جميع ~~القرآن، وهل هما بمعنى واحد، أو مختلفان؟ قال سيبويه: " هما ~~مصدران "؛ فالمفتوح كالرد والشد، والمكسور كالذكر، وقيل: ~~بالفتح: مصدر، وبالكسر: اسم. # فصل في الرد على أهل الظاهر # قال القرطبي: هذه الآية الكريمة ترد على أهل ms1034 الظاهر، ومن وافقهم ~~في أن المساقاة تجوز إلى الأجل المجهول سنين غير معلومة؛ واحتجوا ~~بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرف، وكرم، ومجد، وبجل، ~~وعظم، عامل أهل خيبر على شطر الزرع والنخل بما ~~بدا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم، وشرف، وكرم، ومجد، ~~وبجل، وعظم - من غير توقيت، وقال: وهذا لا دليل فيه؛ لأنه - عليه ~~الصلاة والسلام - # " قال لليهود: أقركم ما أقركم الله " # وهذا يدل على أن ذلك مخصوص به، وأنه كان في ذلك ينتظر القضاء من ~~ربه، وليس كذلك غيره. # قوله: { وليس البر بأن تأتوا } كقوله: # ليس البر أن تولوا # [البقرة:177] وقد تقدم؛ إلا أنه لم يختلف هنا في رفع " البر "؛ لأن ~~زيادة الباء في الثاني عينت كونه خبرا، وقد تقدم لان أنها قد تزاد ~~في الاسم. # وقرأ أبو عمرو، وحفص، وورش " البيوت " و " بيوت " و " الغيوب " ~~و " شيوخا " بضم أولها؛ وهو الأصل، وقرأ الباقون بالكسر؛ لأجل ~~الياء، وكذلك في تصغيره، ولا يبالى بالخروج من كسر إلى ضم؛ لأن الضمة ~~في الياء، والياء بمنزلة كسرتين؛ فكانت الكسرة التي في الباء كأنها وليت ~~كسرة، قاله أبو البقاء - رحمه الله -. # و " من " قوله: " من ظهورها " و " من أبوابها " متعلقة ~~بالإتيان، ومعناها ابتداء الغاية، والضمير في " ظهورها " و " ~~أبوابها " للبيوت، وجيء به كضمير المؤنثة الواحدة؛ لأنه يجوز فيه ~~ذلك. # وقوله: { ولكن البر من اتقى } كقوله - تبارك وتعالى -: # ولكن البر من ءامن # [البقرة:177] يعني: تقديره: بر من آمن كما مضى؛ ولما ~~تقدم جملتان خبريتان، وهما: " وليس البر " " ولكن البر ~~من اتقى " عطف عليهما جملتان أمريتان، الأولى للأولى، والثانية ~~للثانية، وهما: " وأتوا البيوت من أبوابها " " واتقوا ~~الله " وفي التصريح بالمفعول في قوله: " واتقوا الله " دلالة ~~على أنه محذوف من اتقى، أي اتقى الله. # فصل في سبب نزول الآية # قال الحسن، والأصم: كان الرجل في الجاهلية، إذا هم بشيء، ~~فتعسر عليه مطلوبه، لم يدخل بيته من بابه، بل يأتيه من خلفه، ويبقى على ~~هذه الحالة حولا كاملا فنهاهم الله؛ لأنهم كانوا يفعلونه تطيرا، ~~وعلى ms1035 هذا: تأويل الآية الكريمة { وليس البر بأن تأتوا ~~البيوت من ظهورها } على وجه التطير ولكن البر من ~~يتقي الله، ولم يتق غيره، ولم يخف شيئا مما كان ~~يتطير به، بل توكل على الله تعالى، واتقاه " ثم قال: { ~~واتقوا الله لعلكم تفلحون } أي: لتفوزوا بالخير ~~في الدين والدنيا؛ لقوله تعالى: # ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب # [الطلاق: 2 - 3] # ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا # [الطلاق: 4] وتحقيقه: أن من رجع خائبا يقال: ما أفلح، فيجوز أن يكون ~~الفلاح المذكور في الآية هو أن الواجب عليكم أن تتقوا الله؛ حتى ~~تصيروا مفلحين، وقد وردت الأخبار بالنهي عن التطير، قال: # " لا عدوى ولا طيرة " # وقال: # " من رده عن سفر تطير، فقد أشرك " # و # " كان يكره الطيرة، ويحب الفأل الحسن " # وقد عاب الله قوما تطيروا بموسى ومن معه، فقالوا: # قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند ~~الله # [النمل: 47]. # وقال المفسرون: سبب نزول الآية الكريمة: كان الناس في أول ~~الإسلام، إذا أحرم الرجل منهم، فإن كان من أهل المدن، نقب نقبا في ~~ظهر بيته يدخل منه، ويخرج، أو يتخذ سلما يصعد منه إلى سطح داره، ~~ثم ينحدر، وإن كان من أهل الوبر، خرج من خلف الخيمة والفسطاط، ولا يخرج ~~ولا يدخل من الباب؛ حتى يحل من إحرامه، ويرون ذلك برا إلا أن يكون من ~~الحمس، وهم قريش، وكنانة، وخزاعة، وخيثم، وبنوا عامر بن صعصعة، ~~وبنو نصر بن معاوية، وهؤلاء سموا حمسا؛ لتشديدهم في دينهم، ~~والحماسة الشدة. # قال العجاج: [الرجز] # 967 - وكم قطعنا من قفاف حمس # وهؤلاء متى أحرموا، لم يدخلوا بيوتهم ألبتة، ولا يستظلون الوبر، ولا ~~يأكلون السمن، والأقط، ثم # " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرف، وكرم، ومجد، وبجل، ~~وعظم، دخل، وهو محرم، بيتا لبعض الأنصار، فاتبعه رجل محرم ~~من الأنصار، يقال له رفاعة ابن تابوت، فدخل على أثره من الباب، ~~فقال - عليه الصلاة والسلام دائما وابدا -: تنح عني فقال: ولم، ~~يا رسول الله؟ قال: دخلت ms1036 الباب، وأنت محرم، فقال: رأيتك ~~دخلت، فدخلت على أثرك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~شرف، وكرم، ومجد، وبجل، وعظم: إني أحمس فقال الرجل: " ~~إن كنت أحمسيا، فإني أحمسي، رضيت بهديك، وسمتك، ودينك " # " ، فأنزل الله تعالى هذه الآية الكريمة. # قال الزهري: كان ناس من الأنصار، إذا أهلوا بالعمرة، لم يحل ~~بينهم وبين السماء شيء، وكان الرجل يخرج مهلا بالعمرة، ~~فتبدوا له الحاجة بعد ما يخرج من بيته؛ فيرجع، ولا يدخل من باب الحجرة من ~~أجل سقف البيت أن يحول بينه وبين السماء، فيفتح الجدار من ورائه، ثم ~~يقوم في حجرته فيأمر بحاجته؛ حتى # " بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشرف، وكرم، ومجد، ~~وبجل، وعظم، أهل زمن الحديبية بالعمرة، فدخل حجرة، فدخل رجل على ~~أثره من الأنصار من بني سلمة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم وشرف، ~~وكرم، ومجد، وبجل، وعظم: لم فعلت ذلك؟ " قال: " لأني ~~رأيتك دخلت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشرف، ~~وكرم، ومجد، وبجل، وعظم: " إني أحمسي " فقال الأنصاري: وأنا ~~أحمسي، وأنا على دينك " # ، فأنزل الله تعالى الآية الكريمة. # فصل في اختلافهم في تفسير الآية # ذكروا في تفسير الآية ثلاثة أوجه: # أحدها:- وهو قول أكثر المفسرين - وهو حمل الآية الكريمة على ما قدمناه ~~في سبب النزول، ويصعب نظم الآية الكريمة عليه؛ فإن القوم سألوا عن ~~الحكمة في تغيير لون القمر، فذكر الله تعالى الحكمة في ذلك، وهي قوله: { ~~مواقيت للناس والحج } فأي تعلق بين بيان الحكمة في ~~اختلاف نور القمر، وبين هذه القصة، فذكروا وجوها: # أحدها: أن الله - تبارك وتعالى - لما ذكر أن الحكمة في اختلاف ~~أحوال الأهلة جعلها مواقيت للناس والحج، وكان هذا الأمر من ~~الأشياء التي اعتبرها في الحج، لا جرم ذكرها الله تعالى. # وثانيها: أنه تعالى إنما وصل قوله: { وليس البر بأن ~~تأتوا البيوت من ظهورها } بقوله: { يسألونك عن ~~الأهلة }؛ لأنه إنما اتفق وقوع القصتين في وقت واحد، فنزلت ~~الآية الكريمة فيهما معا في وقت واحد، ووصل أحد الأمرين بالآخر. # وثالثها: ms1037 كأنهم لما سألوا عن الحكمة في اختلاف حال الأهلة، فقيل ~~لهم: اتركوا السؤال عن هذا الأمر الذي لا يعنيكم، وارجعوا إلى البحث، ~~عما هو أهم لكم، فإنكم تظنون أن إتيان البيوت من ظهورها ~~بر؛ وليس الأمر كذلك. # الوجه الثاني من تفسير الآية: أن قوله تعالى: { وليس البر ~~بأن تأتوا البيوت من ظهورها } مثل ضربه الله تعالى، ~~وليس المراد ظاهره وتفسير أن الطريق المستقيم هو الطريق المعلوم، ~~وهو أن يستدل بالمعلوم على المظنون، ولا ينعكس. # وإذا عرف هذا، فنقول: ثبت بالدلائل أن للعالم صانعا، مختارا، حكيما، ~~وثبت أن الحكيم لا يفعل إلا الصواب البريء عن العبث والسفه. # وإذا عرفنا ذلك، وعرفنا أن اختلاف أحوال القمر في النور من فعله ~~علمنا أن فيه حكمة ومصلحة، لأنا علمنا أن الحكيم لا يفعل إلا ~~الحكمة، واستدللنا بالمعلوم على المجهول، فأما أن يستدل بعدم ~~علمنا بالحكمة فيه على أن فاعله ليس بحكيم، فهو استدلال باطل؛ ~~لأنه استدلال بالمجهول على القدح في المعلوم، وإذا عرف هذا، ~~فالمراد من قوله تعالى: { ليس البر بأن تأتوا البيوت ~~من ظهورها } يعني: أنكم لما لم تعلموا الحكمة في اختلاف ~~نور القمر، صرتم شاكين في حكمة الخالق، وقدأتيتم الشيء ~~من غير طريقه " إنما البر بأن تأتوا البيوت من أبوابها ~~" وتستدلوا بالمعلوم المتيقن، وهو حكمة خالقها على هذا المجهول، ~~وتقطعوا بأن فيه حكمة بالغة، وإن كنتم لا تعلمونها. فجعل ~~إتيان البيوت من ظهورها كناية عن العدول عن الطريق الصحيح؛ ~~وإتيانها من أبوابها كناية عن التمسك بالطريق المستقيم، وهذا ~~طريق مشهور في الكناية؛ فإن من أرشد غيره إلى الصواب، يقول له: ~~ينبغي أن تأتي الأمر من بابه، وفي ضده قالوا: ذهب إلى الشيء من ~~غير بابه، قال تعالى: # فنبذوه ورآء ظهورهم # [آل عمراان: 187] وقال عز من قائل: # واتخذتموه ورآءكم ظهريا # [هود: 92] وهذا تأويل المتكلمين. # قال ابن الخطيب: ولا يصح تفسير هذه الآية؛ لأن الوجه الأول ~~يغير نسق الترتيب، وكلام الله تعالى منزه عن ذلك. # الوجه الثالث: قال أبو مسلم: إن المراد من هذه ms1038 الآية ما كانوا ~~يعملونه من النسيء؛ فإنهم كانوا يخرجون الحج عن وقته الذي عينه الله ~~تعالى لهم، فيحرمون الحلال، ويحلون الحرام، فذكر إتيان البيوت ~~من ظهورها مثلا لمخالفة الواجب في الحج وشهوره. ### || [2.190-193] # قوله تعالى: { في سبيل الله } متعلق ب " قاتلوا " على أحد ~~معنيين: إما أن تقدر مضافا، أي: في نصرة سبيل الله تعالى، ~~والمراد بالسبيل: دين الله، لأن السبيل في الأصل هو الطريق، ~~فتجوز به عن الدين، لما كان طريقا إلى الله تعالى روى أبو ~~موسى: أن النبي - صلى الله عليه وسلم وشرف، ومجد، وكرم، ~~وبجل، وعظم - سئل عمن يقاتل في سبيل الله تعالى، فقال: # " من قاتل؛ لتكون كلمة الله هي العليا، ولا يقاتل رياء ولا سمعة؛ ~~وهو في سبيل الله " # وإما أن تضمن " قاتلوا " معنى بالغوا في القتال في نصرة ~~دين الله تعالى، " والذين يقاتلونكم " مفعول " قاتلوا ". # فصل في سياق الآيات # اعلم، أنه لما أمر بالتقوى في الآية المتقدمة أمر في هذه الآية ~~الكريمة بأشد أقسام التقوى، وأشقها على النفس، وهو قتل أعداء الله ~~تعالى. # قال الربيع بن أنس: هذه أول آية نزلت في القتال، وكان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وشرف، وكرم، ومجد، وبجل، وعظم - ~~يقاتل من قاتله، ويكف عن قتال من لم يقاتله إلى أن نزل قوله ~~تعالى: # فاقتلوا المشركين # [التوبة: 5] قاتلوا، أو لم يقاتلوا فصارت الآية منسوخة بها. # وقيل: نسخ بقوله: { اقتلوا المشركين } قريب من سبعين آية، ~~وعلى هذا، فقوله: " ولا تعتدوا " أي: لا تبدءوهم بالقتال، وروي ~~عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أن أول آية نزلت في القتال ~~قوله تعالى: # أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا # الحج: 39] والأول أكثر. # وقال ابن عباس وعمر بن عبد العزيز، ومجاهد - رضي الله عنهم - هذه ~~الآية محكمة غير منسوخة؛ أمر النبي - صلى الله عليه وسلم وشرف، ~~وكرم، وبجل،ومجد، وعظم - بقتال المقاتلين. # ومعنى قوله: " ولا تعتدوا " أي: لا تقتلوا النساء ~~والصبيان، والشيخ الكبير والرهبان، ولا من ألقى إليكم السلم؛ ~~قاله ابن عباس ومجاهد وقال الكلبي عن أبي صالح ms1039 عن ابن عباس: نزلت هذه ~~الآية في صلح الحديبية؛ وذلك أنه - عليه الصلاة والسلام - خرج مع ~~أصحابه - رضي الله عنهم - إلى العمرة وكانوا ألفا وأربعمائة، فنزلوا ~~الحديبية، وهو موضع كثير الشجر، والماء، فصدهم المشركون عن دخول ~~البيت الحرام، فأقام شهرا، لا يقدرعلى ذلك، ثم صالحوه على أن يرجع ~~ذلك العام، ويرجع إليهم في العام الثاني، ويتركون له مكة ثلاث ~~أيام، حتى يطوف، وينحر الهدي، ويفعل ما يشاء، فرضي ~~الرسول - صلوات الله وسلامه عليه دائما أبدا - بذلك، فلما كان ~~العام المقبل، تجهز رسول الله - صلى الله عليه وسلم وشرف، ~~وكرم، وبجل، ومجد، وعظم - وأصحابه لعمرة القضاء، وخافوا ~~ألا تفي قريش بما قالوا، وأن يصدوهم عن البيت، وكره أصحاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قتالهم في الشهر الحرام، وفي الحرم، ~~فأنزل الله تعالى: { وقاتلوا في سبيل الله } يعنى محرمين { ~~الذين يقاتلونكم } يعني قريشا " ولا تعتدوا " ~~فتبدءوا بالقتال في الحرم محرمين. # فصل في اختلافهم في المراد من قوله { الذين يقاتلونكم } # اختلفوا في المراد بقوله: { الذين يقاتلونكم }: إما على ~~وجه الدفع عن الحج، أو على وجه المقاتلة ابتداء. # وقيل: قاتلوا كل من فيه أهلية للقتال سوى جنح للسلم؛ قال ~~تعالى: # وإن جنحوا للسلم فاجنح لها # [الأنفال: 61]. # فإن قيل: هب أنه لا نسخ في الآية؛ فما السبب في أن الله تبارك ~~وتعالى أمر أولا بقتال من يقاتل، ثم في آخر الأمر، أذن في قتالهم، ~~سواء قاتلوا، أو لم يقاتلوا؟ # فالجواب: أن في أول الأمر كان المسلمون قليلين، وكانت المصحلة تقتضي ~~استعمال الرفق، والمجاملة، فلما قوي الإسلام، وكثر الجمع، وأقام ~~من أقام منهم على الشرك بعد ظهور المعجزات، وتكررها عليهم، وحصل ~~اليأس من إسلامهم، فلا جرم أمر الله تعالى بقتالهم على الإطلاق. # قوله تعالى: # حيث ثقفتموهم # [البقرة: 191] " حيث " منصوب بقوله: " اقتلوهم " و " ~~ثقفتموهم " في محل خفض بالظرف، و " ثقفتموهم " أي: ~~ظفرتم بهم، ومنه: " رجل ثقيف ": أي سريع الأخذ لأقرانه، قال ~~[الوافر] # 968 - فإما تثقفوني فاقتلوني # فمن أثقف فليس إلى خلود # وثقف الشيء ثقافة، إذا حذقه، ms1040 ومنه الثقافة بالسيف، ~~وثقفت الشيء قومته، ومنه الرماح المثقفة؛ قال القائل: ~~[الطويل] # 969 - ذكرتك والخطي يخطر بيننا # وقد نهلت منا المثقفة السمر # ويقال: ثقف يثقف ثقفا وثقفا ورجل ثقف لقف، إذا كان ~~محكما لما يتناوله من الأمور. # قال القرطبي: وفي هذا دليل على قتل الأسير. # قوله: " من حيث " متعلق بما قبله، وقد تصرف في " حيث " ~~بجرها ب " من " كما جرت ب " الياء " و " في " وبإضافة " ~~لدى " إليها، و " أخرجوكم " في محل جر بإضافتها إليه، ولم ~~يذكر " للفتنة " ولا " للقتل " - وهما مصدران - فاعلا ولا ~~مفعولا؛ إذ المراد إذا وجد هذان، من أي شخص كان بأي شخص كان، ~~وقد تقدم أنه يجوز حذف الفاعل مع المصدر. # فصل فيما قيل في النسخ بهذه الآية # هذا الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم وشرف، وكرم، ومجد، ~~وبجل، وعظم - وأصحابه يعني اقتلوهم، حيث أبصرتم مقاتلتهم ~~وتمكنتم من قتلهم، حيث كانوا في الحل، أو الحرم، وفي الشهر ~~الحرام { وأخرجوهم من حيث أخرجوكم } وذلك أنهم ~~أخرجوا المسلمين من مكة؛ فقال: أخرجوهم من ديارهم كما أخرجوكم من ~~دياركم، ويحتمل أنه أراد كما أخرجوكم من منازلكم، ففي الآية ~~الأولى: أمر بقتالهم؛ بشرط إقدامهم على المقاتلة، وفي هذه الآية: زاد في ~~التكليف، وأمر بقتالهم، سواء قاتلوا، أو لم يقاتلوا، واستثنى ~~[عنه] المقاتلة عند المسجد الحرام، ونقل عن مقاتل أنه قال: إن ~~قوله { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم } ~~منسوخ بقوله { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } [البقرة: ~~193] قال ابن الخطيب وهذا ضعيف، فإن الآية الأولى دالة على الأمر ~~بقتال من يقاتلنا، وهذا الحكم لم ينسخ، وأما أنها دالة على ~~المنع من قتال من لم يقاتل، فهذا غير مسلم، مع ما نقل عن الربيع ~~بن أنس. # وأما قوله: إن هذه الآية، هي قوله تبارك وتعالى { ولا ~~تقاتلوهم عند المسجد الحرام } منسوخة بقوله تعالى { ~~وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } فهو خطأ أيضا؛ لأنه لا ~~يجوز الابتداء بالقتال في الحرم، وهذا الحكم غير منسوخ. # قوله { والفتنة أشد من القتل } فيه وجوه: # أحدها: نقل ابن عباس ms1041 - رضي الله عنهما - أن الفتنة هي الكفر. # وروي أن بعض الصحابة قتل رجلا من الكفار في الشهر الحرام، ~~فعابه المؤمنون على ذلك، فنزلت هذه الآية الكريمة، والمعنى: أن كفرهم ~~أشد من قتلهم في الحرم والإحرام. # وثانيها: أن الفتنة أصلها عرض الذهب على النار؛ لاستخلاصه من ~~الغش، ثم صار اسما لكل ما كان سببا للامتحان؛ تشبيها بهذا ~~الأصل، والمعنى: أن إقدام الكفار على الكفر، وعلى تخويف ~~المؤمنين، وإلجائهم إلى ترك الأهل، والوطن؛ هربا من إضلال الكفار، ~~فإن هذه الفتنة التي جعلت للمؤمنين أشد من القتل الذي يقتضي ~~التخليص من غموم الدنيا وآفاتها. # وثالثها: أن الفتنة هي العذاب الدائم الذي يلزمهم بسبب كفرهم، فكأنه ~~قيل: اقتلوهم حيث ثقفتموهم، واعلموا أن وراء ذلك من ~~العذاب ما هو أشد منه وإطلاق اسم الفتنة على العذاب جائز؛ وذلك من ~~باب إطلاق اسم السبب على المسبب، قال تبارك وتعالى: # يوم هم على النار يفتنون # [الذاريات: 13] ثم قال عقيبه # ذوقوا فتنتكم # [الذاريات: 14] أي عذابكم # إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات # [البروج: 10] أي عذبوهم وقال # فإذآ أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب ~~الله # [العنكبوت: 10] أي: عذابهم كعذابه. # ورابعها: أن المراد: " فتنتهم إياكم بصدكم عن المسجد الحرام ~~أشد من قتلكم إياهم في الحرم ". # وخامسها: أن الردة أشد من أن يقتلوا بحق، والمعنى: أخروجهم من ~~حيث أخرجوكم، ولو قتلتم، فإنكم إن قتلتم، وأنتم على ~~الحق، كان ذلك أسهل عليكم من أن ترتدوا عن دينكم، أو تتكاسلوا ~~عن طاعة ربكم. # قوله: " ولا تقاتلوهم " قرأ الجمهور الأفعال الثلاثة: " ولا ~~تقاتلوهم حتى يقاتلوكم، فإن قاتلوكم " بالألف من ~~القتال، وقرأها حمزة، والكسائي من غير ألف من القتل وهو المصحف بغير ~~ألف، وإنما كتبت كذلك؛ للإيجاز؛ كما كتبوا الرحمن بغير ألف، وما ~~أشبه ذلك من حروف المد واللين. # فأما قراءة الجمهور فواضحة؛ لأنها نهي عن مقدمات القتل؛ ~~فدلالتها على النهي عن القتل بطريق الأولى، وأما قراءة الأخوين، ~~ففيها تأويلان: # أحدهما: أن يكون المجاز في الفعل، أي: ولا تقتلوا بعضهم؛ ~~حتى يقتلوا بعضكم؛ ومنه # قاتل معه ms1042 ربيون # [آل عمران: 146] ثم قال " فما وهنوا " أي ما وهن من بقي ~~منهم، وقال الشاعر: [المتقارب] # 970 - فإن تقتلونا نقتلكم # وإن تقصدوا لدم نقصد # أي: فإن تقتلوا بعضنا. يروى أن الأعمش قال لحمزة، أرأيت قراءتك، ~~إذا صار الرجل مقتولا، فبعد ذلك كيف يصير قاتلا لغيره؟! # قال حمزة: إن العرب، إذا قتل منهم رجل قالوا: قتلنا، وإذا ~~ضرب منهم رجل، قالوا ضربنا وأجمعوا على " فاقتلوهم " أنه ~~من القتل، وفيه بشارة بأنهم، إذا فعلوا ذلك، فإنهم متمكنون ~~منهم بحيث إنكم أمرتم بقتلهم، لا بقتالهم؛ لنصرتكم عليهم، ~~وخذلانهم؛ وهي تؤيد قراءة الأخوين، ويؤيد قراءة الجمهور: { ~~وقاتلوا في سبيل الله }. # و " عند " منصوب بالفعل قبله، و " حتى " متعلقة به أيضا غاية ~~له، بمعنى " إلى " والفعل بعدها منصوب بإضمار " أن " والضمير في " ~~فيه " يعود على " عند " إذ ضمير الظرف لا يتعدى إليه الفعل ~~إلا ب " في "؛ لأن الضمير يرد الأشياء إلى أصولها، وأصل ~~الظرف على إضمار " في " اللهم إلا أن يتوسع في الظرف، ~~فيتعدى الفعل إلى ضميره من غير " في " ولا يقال: " الظرف غير ~~المتصرف لا يتوسع فيه " ، فيتعدى إليه الفعل، فضميره بطريق ~~الأولى؛ لأن ضمير الظرف ليس حكمه حكم ظاهره؛ ألا ترى أن ضميره ~~يجر ب " في " وإن كان ظاهره لا يجوز ذلك فيه، ولا بد من حذف ~~في قوله: { فإن قاتلوكم فاقتلوهم } أي: فإن قاتلوكم فيه، ~~فاقتلوهم فيه، فحذف لدلالة السياق عليه. # فصل # وهذا بيان بشرط كيفية قتالهم في هذه البقعة خاصة، وكان من قبل ~~شرطا في كل قتال وفي الأشهر الحرم؛ وقد تمسك به الحنفية في قتل ~~الملتجئ إلى الحرم، وقالوا: لما لم يجز القتل عند المسجد الحرام؛ بسبب ~~جناية الكفر فبأن لا يجوز القتل في المسجد الحرام بسبب الذنب الذي هو ~~دون الكفر أولى. # قوله: " كذلك جزاء " فيه وجهان: # أحدهما: أن الكافر في محل رفع بالابتداء، و " جزاء ~~الكافرين " خبره، أي: مثل ذلك الجزاء جزاؤهم، وهذا ~~عند من يرى أن الكاف اسم مطلقا، وهو مذهب الأخفش. # والثاني: أن يكون " كذلك " خبرا ms1043 مقدما، و " جزاء " مبتدأ ~~مؤخرا، والمعنى: جزاء الكافرين مثل ذلك الجزاء، وهو القتل، و " ~~جزاء " مصدر مضاف لمفعوله، أي: جزاء الله الكافرين، وأجاز أبو ~~البقاء أان يكون " الكافرين " مرفوع المحل على أن المصدر مقدر ~~من فعل مبني للمفعول، تقديره: كذلك يجزى الكافرون، وقد تقدم ~~لنا الخلاف في ذلك. # قوله تعالى: { فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم } ~~أي: لهم. ومتعلق الانتهاء محذوف أي: عن القتال، و " انتهى " " ~~افتعل " من النهي، وأصل " انتهوا " " انتهيوا " ~~فاستثقلت الضمة على الياء؛ فحذفت فالتقى ساكنان؛ فحذفت ~~الياء؛ لالتقاء الساكنين، أو تقول: تحركت الياء، وانفتح ما ~~قبلها؛ فقلبت ألفا؛ فالتقى ساكنان؛ فحذفت الألف، وبقيت ~~الفتحة تدل عليها. # فصل في اختلافهم في متعلق الانتهاء # هذا البيان لبقاء هذا الشرط في قتالهم قال ابن عباس - رضي الله ~~عنهما - فإن انتهوا عن القتال؛ لأن المقصود من الإذن في القتال منع ~~الكفار عن المقاتلة. # وقال الحسن: فإن انتهوا عن الشرك؛ لأن الكافر لا ينال ~~المغفرة والرحمة بترك القتال، بل بترك الكفر. # فصل في دلالة الآية على قبول التوبة من كل ذنب # دلت الآية على أن التوبة من كل ذنب مقبولة ومن قال: إن ~~التوبة عن قتل العمد غير مقبولة، فقد أخطأ؛ لأن الشرك أشد من ~~القتل، فإذا قبل الله توبة الكافر، فقبول توبة القاتل أولى، ~~وأيضا فقد يكون الكافر قاتلا، فقد انضم إلى كفره قتل العمد ~~والآية دلت على قبول توبة كل كافر، فدل على أن توبته، إذا ~~كان قاتلا مقبولة؛ قال تعالى: # قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد ~~سلف # [الأنفال: 38]. # قوله تعالى: { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } يجوز في ~~" حتى " أن تكون بمعنى " كي " وهو الظاهر، وأن تكون بمعنى " ~~إلى " و " أن " مضمرة بعدها في الحالين، و " تكون " هنا تامة، ~~و " فتنة " فاعل بها، وأما { ويكون الدين لله } فيجوز ~~أن تكون تامة أيضا، وهو الظاهر، ويتعلق " الله " بها، وأن ~~تكون ناقصة و " لله " الخبر؛ فيتعلق بمحذوف أي: كائنا لله ~~تعالى # فصل في المراد بالفتنة # قيل: المراد بالفتنة ms1044 الشرك والكفر؛ قالوا: كانت فتنتهم أنهم ~~كانوا يرهبون أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم وشرف، وكرم، ~~ومجد، وبجل، وعظم - بمكة، حتى ذهبوا إلى الحبشة، ثم واظبوا على ~~ذلك الإيذاء؛ حتى ذهبوا إلى المدينة، وكان غرضهم من إثارة تلك الفتنة ~~أن يتركوا دينهم، ويرجعوا كفارا، فإنزل الله - تبارك وتعالى - هذه ~~الآية، والمعنى: # قاتلوهم حتى تظهروا عليهم؛ فلا يفتنوكم عن دينكم، ولا ~~تقعوا في الشرك { ويكون الدين لله } أي: الطاعة، ~~والعبادة لله وحده؛ لا يعبد شيء دونه ونظيره قوله تعالى: # تقاتلونهم أو يسلمون # [الفتح: 16] قال نافع: جاء رجل إلى ابن عمر في فتنة ابن الزبير ~~فقال ما يمنعك أن تخرج؟ فقال: يمنعني أن الله حرم دم أخي؛ ~~ألا تسمع ما ذكر الله تعالى: # وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا # [الحجرات: 9] قال: يا ابن أخي ولأن أعتبر بهذه الآية، ولا أقاتل أحب ~~لي من أن أعتبر بالآية الأخرى التي يقول الله - عز وجل - فيها # ومن يقتل مؤمنا متعمدا # [النساء: 93] قال ألم يقل الله تعالى: { وقاتلوهم حتى لا ~~تكون فتنة }؟ قال: قد فعلنا على عهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم وشرف، وكرم، وبجل، ومجد، وعظم - إذ كان الإسلام ~~قليلا، وكان الرجل يفتن عن دينه، إما يقتلونه، أو ~~يعذبونه، حتى كثر الإسلام، فلن تكن فتنة وكان الدين لله، ~~وأنتم تريدون أن تقاتلوهم، حتى تكون فتنة، ويكون ~~الدين لغير الله. # وعن سعيد بن جبير، قال: قال رجل لابن عمر كيف ترى في قتال الفتنة؟ ~~فقال: هل تدري ما الفتنة؟! كان محمد صلوات الله وسلامه عليه ~~يقاتل المشركين، وكان الدخول عليهم فتنة، وليس قتالكم ~~كقتالهم على الملك. # فصل في معاني الفتنة في القرآن # قال أبو العباس المقري: ورد لفظ الفتنة في القرآن بإزاء سبعة ~~معان: # الأول: الفتنة: الكفر؛ قال تعالى: # فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة # [آل عمران: 7] يعني:طلب الكفر. # الثاني: الفتنة الصرف قال تعالى: # واحذرهم أن يفتنوك # [المائدة: 49]. # الثالث: الفتنة: البلاء؛ قال تعالى # ولقد فتنا الذين من قبلهم # [العنكبوت: 3]. # الرابع: الفتنة: الإحراق؛ قال تعالى # إن الذين ms1045 فتنوا المؤمنين # [البروج: 10]، أي: حرقوهم؛ ومثله # يوم هم على النار يفتنون # [الذاريات: 13]. # الخامس: الفتنة الاعتذار قال تعالى: # ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا # [الأنعام: 23]. # السادس: الفتنة: القتل، قال تعالى: # إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا # [النساء: 101]، أي: يقتلوكم. # السابع: الفتنة: العذاب؛ قال تعالى: # جعل فتنة الناس كعذاب الله # [العنكبوت: 10]. # قوله " فإن انتهوا " ، أي: عن الكفر وأسلموا، " فلا عدوان " ~~أي: فلا سبيل { إلا على الظالمين } قاله ابن عباس، ويدل ~~عليه قوله تعالى: # قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا ~~عدوان علي والله على ما نقول وكيل # [القصص: 28]، أي: فلا سبيل علي، وقال أهل المعاني العدوان: الظلم، ~~أي: فإن أسلموا، فلا نهب، ولا أسر، ولا قتل إلا على الظالمين ~~الذين بقوا على الشرك؛ قال تعالى: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13] وسمى قتل الكفار عدوانا، وهو في نفسه حق، لأنه ~~جزاء عن العدوان؛ على طريق المجاز، والمقابلة؛ لقوله # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه # [البقرة: 194]، و # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40] # ومكروا ومكر الله # [آل عمران: 54] # فيسخرون منهم سخر الله منهم # [التوبة: 79]. # وقيل: معنى الآية الكريمة إن تعرضتم لهم بعد انتهائهم عن الشرك ~~والقتال، كنتم أنتم ظالمين، فنسلط عليكم من يعتدي عليكم. # قوله: { إلا على الظالمين } في محل رفع خبر " لا " التبرئة، ~~ويجوز أن يكون خبرها محذوفا، تقديره: لا عدوان على أحد؛ فيكون { ~~إلا على الظالمين } بدلا على إعادة العامل، وهذا الجملة، ~~وإن كانت بصورة النفي، فهي في معنى النهي؛ لئلا يلزم الخلف في ~~خبره تعالى والعرب إذا بالغت في النهي عن الشيء، أبرزته في ~~صورة النفي المحض؛ كأنه ينبغي ألا يوجد البتة؛ فدلوا على هذا ~~المعنى بما ذكرت لك، وعكسه في الإثبات، إذا بالغوا في الأمر ~~بالشيء، أبرزوه في صورة الخبر؛ نحو: # والوالدات يرضعن أولادهن # [البقرة: 233] على ما سيأتي - إن شاء الله تعالى -. ### || [2.194] # قوله تعالى: { الشهر الحرام بالشهر الحرام } مبتدأ، ~~خبره الجار بعده، ولا بد من حذف مضاف، تقديره: انتهاك حرمة ~~الشهر الحرام بانتهاك حرمة الشهر، والألف واللام في الشهر ms1046 ~~الأول والثاني للعهد؛ لأنهما معلومان عند المخاطبين؛ فإن ~~الأول ذو القعدة من سنة سبع، والثاني من سنة ست. # وقرئ. " والحرمات " بسكون الراء، ويعزى للحسن وقد تقدم عند قوله # في ظلمات # [البقرة: 17] أن جمع " فعلة " بشروطها يجوز فيه ثلاثة أوجه: ~~هذان الاثنان، وفتح العين. # فصل في بيان سبب النزول # في سبب نزول الآية ثلاثة أوجه: # أحدها: قال ابن عباس ومجاهد، والضحاك - رضي الله عنهم - أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم، وشرف، وكرم، ومجد، وبجل، ~~وعظم - خرج عام الحديبية للعمرة، وذلك في ذي القعدة سنة ست من ~~الهجرة، فصده أهل مكة عن ذلك ثم صالحوه أن ينصرف، ويعود في ~~العام القابل؛ ويتركوا له " مكة " ثلاثة أيام؛ حتى يقضي ~~عمرته فانصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم وشرف، وكرم، ~~ومجد، وبجل، وعظم - عامه ذلك، ورجع في العام القابل في ذي ~~القعدة سنة سبع، ودخل مكة، واعتمر؛ فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية الكريمة يعني إنك دخلت مكة في الشهر الحرام، والقوم كانوا ~~صدوك في السنة الماضية في هذا الشهر؛ فهذا الشهر الحرام؛ بذلك ~~الشهر الحرام. # وثانيها: قال الحسن: إن الكفار سمعوا أن الله تعالى نهى ~~الرسول - عليه الصلاة والسلام - عن المقاتلة في الأشهر الحرم؛ ~~وهو قوله تعالى: # يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال ~~فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد ~~الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله # [البقرة: 217] فأرادوا مقاتلته، وظنوا أنه لا يقاتلهم في الأشهر ~~الحرم؛ فأنزل الله تعالى في هذه الآية؛ لبيان الحكم في هذه الواقعة ~~فقال: { الشهر الحرام بالشهر الحرام } أي من استحل ~~قتالكم من المشركين من الشهر الحرام، فاستحلوه أنتم فيه. # وثالثها: قال بعض المتكلمين: هو أن الشهر الحرام لما لم يمنعكم عن ~~الكفر بالله، فكيف يمنعنا عن قتالكم؟ فالشهر الحرام من جانبنا مقابل ~~الشهر الحرام جانبكم؛ والحاصل في هذه الوجوه: أن حرمة الشهر الحرام ~~لما لم تمنعهم عن الكفر، والأفعال القبيحة، فكيف جعلوه سببا في منع ~~القتال على الكفر والفساد؟! # قوله: " والحرمات قصاص " الحرمات: ms1047 جمع حرمة؛ كظلمات جمع ظلمة، وحجرات ~~جمع حجرة، الحرمة ما منع من انتهاكه، وجمعها؛ لأنه أراد حرمة الشهر ~~الحرام والبلد الحرام، وحرمة الإحرام. و " القصاص ": المساواة ~~والمماثلة. # والمعنى على الوجه الأول في النزول لما أضاعوا هذه الحرمات في ~~سنة ست، فقد قضيتموها على زعمكم في سنة سبع. # وأما على الثاني: فالمراد إن أقدموا على مقاتلتكم في الشهر الحرام، ~~فقاتلوهم أنتم أيضا فيه. # قال الزجاج: وعلم الله بهذه الآية: أنه ليس على المسلمين: أن ~~ينتهكوا هذه الحرمات على سبيل الابتداء، بل على سبيل القصاص والمماثلة، ~~وهذا القول أشبه بما قبل هذه الآية الكريمة، وهو قوله تعالى: # ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى ~~يقاتلوكم فيه # [البقرة: 191] وبما بعدها؛ وهو قوله تعالى: { فمن اعتدى ~~عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم }. # وأما على القول الثالث: فقوله " والحرمات قصاص " يعني: حرمة ~~كل واحد من الشهرين كحرمة الآخر، وهما مثلان، والقصاص هو المثل، ~~ولما لم يمنعكم حرمة الشهر من الكفر، والفتنة، والقتال، فكيف ~~يمنعنا عن القتال؛ فعلى هذا، فقوله: " والحرمات قصاص " متصل ~~بما قبله. # وقيل: هو مقطوع منه، وهو ابتداء أمر كان في أول الإسلام: أن من ~~انتهك حرمتك، نلت منه بمثل ما اعتدى عليك، ثم نسخ ذلك بالقتال. # وقالت طائفة: ما تناولت الآية الكريمة من التعدي بين أمة محمد - ~~عليه الصلاة والسلام - والجنايات ونحوها - لم ينسخ، وجاز لمن ~~تعدي عليه من مال، أو جرح أن يتعدى بمثل ما تعدي به عليه. # وقوله { فمن اعتدى عليكم } يجوز في " من " وجهان: # أحدهما: أن تكون شرطية، وهو الظاهر؛ فتكون الفاء جوابا. # والثاني: أن تكون موصولة؛ فتكون الفاء زائدة في الخبر، وقد تقدم ~~نظيره. # قوله: { بمثل ما اعتدى } في الباء قولان: # أحدهما: أن تكون غير زائدة، بل تكون معلقة ب " اعتدوا " ~~والمعنى: بعقوبة مثل جناية اعتدائه. # والثاني: أنها زائدة، أي: مثل ما اعدى به؛ فتكون: إما نعتا ~~لمصدر محذوف، أي: اعتداء مماثلا لاعتدائه، وإما حالا من المصدر ~~المحذوف، كما هو مذهب سيبويه - رحمه الله تعالى - أي: فاعتدوا الاعتداء ms1048 ~~مشبها اعتداءه، و " ما " يجوز أن تكون مصدرية، فلا تفتقر إلى ~~عائد، وأن تكون موصولة؛ فيكون العائد محذوفا، أي: بمثل ما اعتدى ~~عليكم به، وجاز حذفه؛ لأن المضاف إلى الموصول قد جر بحرف قد ~~جر به العائد، واتحد المتعلقان وقد تقدم معنى تسمية المجازاة ~~بالاعتداء. # فصل في اختلافهم في تسمية المكافأة عدوانا # قال القرطبي: اختلف الناس في المكافأة، هل تسمى عدوانا، أم لا؟ ~~فمن قال: ليس في القرآن مجاز، قال: المقابلة عدوان، وهو عدوان مباح، ~~كما أن المجاز في كلام العرب كذب مباح؛ لأن قوله: [الطويل] # 971 - فقالت له العينان سمعا وطاعة # ................................. # وقوله: [الرجز] # 972 - إمتلأ الحوض وقال قطني # وقوله: [الرجز] # 973 - شكا إلي جملي طول السرى # ومعلوم أن هذه الأشياء لا تنطق، وحد الكذب الإخبار عن الشيء ~~بخلاف ما هو به. # ومن قال: في القرآن مجاز: سمى هذا عدوانا مجازا على طريق ~~المقابلة كقول عمرو بن كلثوم: [الوافر] # 974 - ألا لا يجهلن أحد علينا # فنجهل فوق جهل الجاهلينا # وقول الآخر: [الطويل] # 975 - ولي فرس للحلم بالحلم ملجم # ولي فرس للجهل بالجهل مسرج # ومن رام تقويمي فإني مقوم ومن رام تعويجي ~~فإني معوج # يريد أكافىء الجاهل والمعوج لا أنه امتدح بالجهل والاعوجاج. # قوله " واتقوا " قد تقدم معنى " التقوى ". # وقوله: { واعلموا أن الله مع المتقين } ، أي: ~~بالمعونة، والنصرة، والحفظ، وهذا من أقوى الدلائل على أنه ليس ~~بجسم، ولا في مكان، إذ لو كان جسما، لكان في مكان معين؛ فكان إما ~~أن يكون مع أحد منهم، ولم يكن مع الآخر، أو يكون مع كل واحد من ~~المتقين جزء من أجزائه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ### || [2.195] # اعلم أن تعلق هذه الآية الكريمة بما قبلها من وجهين: # الأول: أنه تعالى، لما أمره بالقتال وهو لا يتيسر إلا بآلات ~~وأدوات يحتاج فيها إلى المال، وربما كان ذو المال عاجزا عن القتال، ~~وكان الشجاع القادر على القتال عديم المال فقيرا، فلهذا أمر الله ~~تعالى الأغنياء بأن ينفقوا على الفقراء الذين يقدرون على القتال. # والثاني: ms1049 يروى أنه لما نزل قوله تعالى: # الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص # [البقرة: 194] قال رجل من الحاضرين: والله، يا رسول الله ما لنا ~~زاد، وليس أحد يطعمنا؛ فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~وشرف، وكرم، وبجل، وعظم - أن ينفقوا في سبيل الله، وأن ~~يتصدقوا وألا يكفوا أيديهم عن الصدقة، ولو بشق تمرة تحمل في ~~سبيل الله فيهلكوا، فنزلت الآية الكريمة على وفق رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم وشرف، وكرم، وبجل، وعظم -. # والعلم: أن الإنفاق هو صرف المال إلى وجوه المصالح؛ فلذلك لا ~~يقال في المضيع: إنه منفق، وإذا قيد الإنفاق بذكر " ~~سبيل الله " ، فالمراد به في طريق الدين؛ لأن السبيل هو ~~الطريق، وسبيل الله هو دينه، فكل ما أمر الله تعالى به من الإنفاق ~~في دينه، فهو داخل في الآية الكريمة، سواء كان في حج، أو ~~عمرة، أو كان جهادا بالنفس أو تجهيزا للغير أو كان إنفاقا في صلة ~~الرحم، أو في الصدقات، أو على القتال، أو في الزكاة، أو ~~الكفارة، أو في عمارة السبيل، وغير ذلك، إلا أن الأقرب في هذه ~~الآية الكريمة ذكر الجهاد، فالمراد هاهنا الإنفاق في الجهاد؛ لأن ~~هذه الآية الكريمة، إنما نزلت وقت ذهاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم وشرف، وكرم، وبجل، وعظم - لعمرة القضاء، وكانت تلك ~~العمرة لا بد من أن تفضي إلى القتال، إن منعهم المشركون، ~~فكانت عمرة وجهادا، فاجتمع فيها المعنيان؛ فلا جرم، قال تعالى { ~~وأنفقوا في سبيل الله }. # قوله تعالى: { ولا تلقوا بأيديكم }. # في هذه الباء ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها زائدة في المفعول به؛ لأن " ألقى " يتعدى بنفسه؛ قال ~~تبارك وتعالى # فألقى موسى عصاه # [الشعراء: 45]، وقال القائل: [الكامل] # 976 - حتى إذا ألقت يدا في كافر # وأجن عورات الثغور ظلامها # فزيدت الباء في المفعول، كما زيدت في قوله: [الطويل] # 977 - وألقى بكفيه الفتى استكانة # من الجوع وهنا ما يمر وما يحلو # وهذا قول أبي عبيدة، وإليه ميل الزمخشري، قال: " والمعنى: ولا ~~تقبضوا التهلكة أيديكم، أي لا تجعلوها آخذة بأيديكم ms1050 ~~مالكة لكم " ، إلا أنه مردود بأن زيادة الباء في المفعول به لا ~~تنقاس، إنما جاءت في الضرورة؛ كقوله: [البسيط] # 978 -................. # سود المحاجر لا يقرأن بالسور # الثاني: أنها متعلقة بالفعل غير زائدة، والمفعول محذوف، تقديره: ~~ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم، ويكون معناها السبب؛ كقولك: لا ~~تفسد حالك برأيك. # الثالث: أن يضمن " ألقى " معنى ما يتعدى بالباء؛ فيعدى ~~تعديته، فيكون المفعول به في الحقيقة هو المجرور بالباء، تقديره: ولا ~~تفضوا بأيديكم إلى التهلكة؛ كقولك: أفضيت بجنبي إلى ~~الأرض، أي: طرحته على الأرض، ويكون قد عبر بالأيدي عن الأنفس ~~كقوله: # بما قدمت يداك # [الحج: 10] # فبما كسبت أيديكم # [الشورى: 30] لأن بها البطش والحركة، وظاهر كلام أبي البقاء فيما ~~حكاه عن المبرد: أن " ألقى " يتعدى بالباء أصلا ك " مررت ~~بزيد " ، والأولى حمله على ما ذكرناه. # والهمزة في " ألقى " للجعل على صفة، نحو: أطردته، أي: ~~جعلته طريدا، الهمزة فيه: ليست للتعدية؛ لأن الفعل متعد قبلها، ~~فمعنى " ألقيت الشيء ": جعلته لقى، فهو " فعل " بمعنى " ~~مفعول "؛ كما أن الطريد " فعيل " بمعنى " مفعول "؛ كأنه قيل: لا ~~تجعلوا أنفسكم لقى إلى التهلكة. والتهلكة: مصدر بمعنى ~~" الهلاك، يقال: هلك يهلك هلكا، وهلاكا، وهلكاء، على ~~وزن فعلاء، ومهلكا ومهلكة، مثلث العين، وتهلكة، وقال ~~الزمخشري: " ويجوز أن يقال: أصلها التهلكة؛ بكسر اللام، ~~كالتجربة؛ على أنه مصدر من هلك - يعني بتشديد اللام - فأبدلت ~~الكسرة ضمة؛ كالجوار والجوار " ، ورد أبو حيان بأن فيه ~~حملا على شاذ ودعوى إبدال، لا دليل عليها؛ وذلك أنه أنه جعله ~~تفعلة بالكسر، مصدر " فعل " بالتشديد، ومصدره، إذا كان صحيحا ~~غير مهموز على " تفعيل " و " تفعلة " فيه شاذ، وأما تنظيره ~~له بالجوار والجوار، فليس بشيء، لأن الضم فيه شاذ، فالأولى أن ~~يقال: إن الضم أصل غير مبدل من كسر، وقد حكى سيبويه مما جاء ~~من المصادر على ذلك التضرة والتسرة. # قال ابن عطية: " وقرأ الخليل التهلكة، بكسر اللام، وهي ~~تفعلة، من هلك بتشديد اللام " وهذا يقوي قول الزمشخري. # وزعم ثعلب والجارزنجي أن " تهلكة " لا نظير لها، وليس كذلك. قال ~~أبو علي: حكى ms1051 سيبويه التضرة والتسرة قال: " ولا نعلمه جاء ~~صفة ". # قال ابن الخطيب - رحمه الله تعالى - إني لأتعجب كثيرا من ~~تكلفات هؤلاء النحاة في أمثال هذه المواضع، وذلك أنهم وجدوا ~~نقلا عن أعرابي مجهول يكون حجتهم فيه، ففرحوا به، واتخذوه ~~حجة قوية، ودليلا قاطعا، وقالوا: قد نقل هذا عن العرب؛ ~~فكيف، وقد ورد هذا في كلام الله تعالى المشهور له من كل ~~واحد من الموافق والمخالف بالفصاحة، وأعجز البلغاء والفصحاء، ~~وتحداهم " بأن يأتوا بمثله " و " بعشر سور " و " ~~بسورة من مثله " [فقال تعالى: # قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان ~~بعضهم لبعض ظهيرا # [الإسراء: 88] وقال: # قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات # [هود: 13] وقال في موضع آخر: # فأتوا بسورة من مثله # [البقرة: 23] كيف لا يدل ذلك على صحة هذه اللفظة، وفصاحتها، ~~واستقامتها. # والمشهور: أنه لا فرق بين التهلكة، والهلاك، وقال قوم: ~~التهلكة: ما أمكن التحرز منه، والهلاك: ما لا يمكن التحرز ~~منه، وقيل: هي نفس الشيء المهلك، وقيل: هي ما تضر عاقبته. # فصل في اختلافهم في تفسير الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة # اختلفوا في تفسير الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة. # فقال قوم: إنه راجع إلى نفس النفقة. # وقال آخرون: إنه راجع إلى غيرها، فالأولون ذكروا وجوها: # أحدها: قال ابن عباس، وحذيفة، وعطاء، وعكرمة، ومجاهد، والجمهور، ~~وإليه ذهب البخاري - رضي الله عنهم - ولم يذكروا غيره: ألا ~~ينفقوا في مهمات الجهاد أموالهم؛ فيستولي العدو عليهم، ويهلكهم؛ ~~فكأنه قيل: إن كنت من رجال الدين فأنفق مالك في سبيل الله، وفي طلب ~~مرضاته، وإن كانت من رجال الدنيا، فأنفق مالك في دفع الهلاك، ~~والضرر عن نفسك. # وثانيها: أنه تبارك وتعالى لما أمر بالإنفاق نهى عن نفقة جمع المال؛ ~~لأن إنفاق الجميع يفضي إلى التهلكة عند الحاجة الشديدة إلى المأكول، ~~والمشروب، والملبوس، فيكون المراد منه ما ذكره في قوله سبحانه: # والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ~~وكان بين ذلك قواما # [الفرقان: 67]، وقوله تعالى: # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا ms1052 تبسطها ~~كل البسط # [الإسراء: 29]. # وقيل: الإلقاء في التهلكة: هو السفر إلى الجهاد بغير زاد، ~~نقله القرطبي عن زيد ابن أسلم، وقد فعل ذلك قوم، فانقطعوا ~~في الطريق. # وأما القائلون: بأن المراد منه غير النفقة، فذكروا وجوها: # أحدها: أن يخلوا بالجهاد، فيتعرضوا للهلاك الذي هو عذاب النار. # ثانيها: لا تقتحموا في الحرب بحيث لا ترجون إلا قتل ~~أنفسكم، فإن قتل الإنسان نفسه لا يحل، وإنما يجب ~~الاقتحام إذا طمع في النكاية وإن خاف القتل، فأما إذا كان آيسا من ~~النكاية، وكان الأغلب أنه مقتول، فليس له الإقدام عليه، وهذا منقول ~~عن البراء ابن عازب، ونقل عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال في ~~هذا: هو رجل يتنقل بين الصفين. وطعن بعضهم في هذا التأويل؛ وقال: ~~هذا القتل غير محرم، واحتج بأحاديث. # الأول: روي أن رجلا من المهاجرين حمل على صف العدو؛ فصاح به ~~الناس؛ فألقى بيده إلى التهلكة؛ فقال أبو أيوب الأنصاري: نحن أعلم ~~بهذه الآية الكريمة، وإنما نزلت فينا: صحبنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فنصرناه وشهدنا المشاهد، فلما قوي الإسلام؛ وكثر أهله؛ رجعنا إلى ~~إهالينا، وأموالنا، ومصالحنا؛ فنزلت الآية، فكانت التهلكة الإقامة في ~~الأهل، والمال، وترك الجهاد. # فما زال أبو أيوب مجاهدا في سبيل الله؛ حتى كان آخر غزاة غزاها ~~بقسطنطينية في زمن معاوية، فتوفي هناك، ودفن في أصل سور القسطنطينية، ~~وهم يستسقون به. # " وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الجنة؛ فقال له رجل ~~من الأنصار: أرأيت يا رسول الله، إن قتلت صابرا محتسبا؟ فقال - عليه ~~الصلاة والسلام - لك الجنة؛ فانغمس في العدو؛ فقتلوه بين يدي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ". # وأن رجلا من الأنصار ألقى درعا كان عليه، حين ذكر رسول الله - صلوات ~~الله وسلامه عليه دائما أبدا - الجنة. # وروي أن رجلا من الأنصار تخلف عن بني معاوية، فرأى الطير عكوفا ~~على من قتل من أصحابه؛ فقال لبعض من معه: سأتقدم إلى العدوح فيقتلونني، ~~ولا أتخلف عن مشهد قتل فيه أصحابي، ففعل ms1053 ذلك؛ فذكروا ذلك للنبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال فيه قولا حسنا. # وروي أن قوما حاصروا حصنا؛ فقاتل رجل حتى قتل؛ فقيل: ألقى بيده إلى ~~التهلكة، فبلغ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ذلك؛ فقال: كذبوا قال ~~الله تعالى: # من يشري نفسه ابتغآء مرضات الله # [البقرة: 207]. # ولقائل أن يجيب عن هذه الآية؛ فيقول: إنما حرمنا إلقاء النفس في صف ~~العدو، إذا لم يتوقع إيقاع النكاية فيهم، فأما إذا توقع، فنحن نجوز ~~ذلك، فلم قلتم إنه يوجد هذا المعنى في هذه الوقائع؟ # الوجه الثالث من تأويل الآية: أن يكون هذا متصلا بقوله سبحانه: # الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص # [البقرة: 194] أي: فلا تحملنكم حرمة الشهر على أن تستسلموا لمن ~~قاتلكم، فتهلكوا بترككم القتال، فإنكم بذلك تكونون ملقين بأيديكم إلى ~~التهلكة. # الوجه الرابع: أن المعنى: أنفقوا في سبيل الله، ولا تقولوا: إنا ~~نخاف الفقر، فنهلك إن أنفقنا، ولا يبقى معنا شيء، فنهوا أن يجعلوا ~~أنفسهم هالكين بالإنفاق، والمراد من هذا الفعل والإلقاء الحكم بذلك؛ كما ~~يقال جعل فلان فلانا هلاكا، وألقاه في الهلاك؛ إذا حكم عليه بذلك. # الوجه الخامس: قال محمد بن سيرين، وعبيدة السلماني: هو أن الرجل ~~يصيب الذنب الذي يرى أنه لا ينفعه معه عمل؛ فيستهلك في المعاصي، فذلك هو ~~إلقاء النفس إلى التهلكة؛ فحاصله أن معناه النهي عن القنوط من رحمة ~~الله تعالى؛ لأن ذلك يحمل الإنسان على ترك العبودية، والإصرار على الذنب. # الوجه السادس: يحتمل أن يكون المراد { وأنفقوا في سبيل ~~الله } ولا تلقوا ذلك الإنفاق في التهلكة، والإحباط؛ وذلك بأن تفعلوا ~~بعد ذلك الإنفاق فعلا يحبط ثوابه، إما بذكر المنة، أو بذكر وجوه ~~الرياء، والسمعة؛ ونظيره قوله تعالى: # ولا تبطلوا أعمالكم # [محمد: 33]. # وروي عن عكرمة: الإلقاء في التهلكة، قال تبارك وتعالى: # ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون # [البقرة: 267]. # وقال الطبري: هو عام في جميع ما ذكر، لأن اللفظ يحتمله. # قوله " وأحسنوا " اختلفوا في اشتقاق " المحسن " ، فقيل: مشتق ~~من فعل الحسن، وإنما كثر استعماله في من نفع غيره بنفع ms1054 حسن، من حيث إن ~~الإحسان حسن في نفسه، وعلى هذا [التقدير] فالضرب، والقتل إذا ~~حسنا، كان فاعلهما محسنا. # وقيل: مشتق من الإحسان؛ ففاعل الحسن لا يوصف بكونه محسنا؛ إلا إذا ~~كان فعله حسنا، وإحسانا معا؛ فهذا الاشتقاق إنما يحصل من مجموع ~~الأمرين. # قال الأصم: أحسنوا في فرائض الله. # وقيل: أحسنوا في الإنفاق على من يلزمكم نفقته، والمقصود منه أن يكون، ~~ذلك الإنفاق وسطا من غير إسراف، ولا تقتير، وهذا أقرب لاتصاله بما قبله، ~~ويمكن حمل الآية على الجميع. ### || [2.196] # الحج: في اللغة عبارة عن القصد، وإنما يقال حج فلان الشيء، إذا ~~قصده مرة بعد أخرى، وأدام الاختلاف إليه، و " الحجة " بكسر الحاء: ~~السنة، وإنما قيل لها حجة؛ لأن الناس يحجون في كل سنة، وفي ~~الشرع: هو اسم لأفعال مخصوصة يشتمل على أركان، وواجبات، وسنن. # فالركن: ما لا يحصل التحلل إلا بالإتيان به، والواجب هو الذي إذا ~~تركه يجبر بالدم، والسنن: ما لا يجب بتركها شيء، وكذلك أفعال العمرة. # وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن كثير، وأبو بكر، عن عاصم رحمة الله ~~تعالى عليهم: " الحج " بفتح الحاء في كل القرآن الكريم، وهي لغة ~~أهل الحجاز، وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص، عن عاصم: بالكسر في كل ~~القرآن. # قال الكسائي: وهما لغتان بمعنى واحد؛ كرطل ورطل، وكسر البيت، ~~وكسره، وقيل: بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم. # وقرأ علقمة، وإبراهيم النخعي: " وأقيموا الحج والعمرة ~~لله " وفي مصحف ابن مسعود: " وأتموا الحج والعمرة إلى ~~البيت " وروي عنه: وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت، وفائدة التخصيص ~~بقوله: " لله " - هنا - أن العرب كانت تقصد الحج للاجتماع، ~~والتظاهر، وحضور الأسواق؛ وكل ذلك ليس لله فيه طاعة، ولا قربة؛ ~~فأمر الله تعالى بالقصد إليه لأداء فرضه، وقضاء حقه. # والجمهور على نصب " العمرة " على العطف على ما قبلها، و " لله " ~~متعلق بأتموا، واللام لام المفعول من أجله. ويجوز أن تتعلق بمحذوف ~~على أنها حال من الحج والعمرة، تقديره: أتموها كائنين لله. وقرأ ~~علي وابن مسعود، وزيد بن ثابت، والشعبي: " والعمرة " بالرفع عل ~~الابتداء. و " لله ms1055 " الخبر، على أنها جملة مستأنفة. # قال ابن عباس، وعلقمة، وإبراهيم، والنخعي: إتمام الحج والعمرة: أن ~~يتمهما بمناسكهما وحدودهما وسننهما. # وقال سعيد بن جبير، وطاوس: تمام الحج والعمرة: أن تحرم بهما مفردين ~~مستأنفين من دويرية أهلك. # ويروى عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا. # وقال علي بن أبي طالب، وابن مسعود - رضي الله عنهما -: تمام الحج ~~والعمرة: أن تحرم بهما من دويرية أهلك. # وقال قتادة: تمام العمرة أن تعمر في غير أشهر الحج، فإن فعلها في ~~أشهر الحج، ثم أقام حتى حج؛ فهي متعة، وعليه فيها الهدي إن وجده، أو ~~الصيام إن لم يجد الهدي، وتمام الحج أن يأتي بمناسكه كلها بحيث لا ~~يلزمه دم، بسبب قران، ولا متعة. # وقال الضحاك: إتمامها: أن تكون النفقة حلالا، وينتهي عما نهى الله عنه. # وقال سفيان الثوري: إتمامها: أن تخرج من أهلك لهما؛ لا لتجارة، ولا ~~لحاجة أخرى. # قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الوفد كثير، والحاج قليل. # فصل في اختلافهم في وجوب العمرة # اتفقت الأمة على وجوب الحج، على من استطاع إليه سبيلا، واختلفوا ~~في وجوب العمرة؛ فذهب أكثر العلماء إلى وجوبها؛ وهو قول عمر، وعلي، وابن ~~عمر، ورواه عكرمة عن ابن عباس، قال: والله إن العمرة لقرينة الحج في ~~كتاب الله تعالى: { وأتموا الحج والعمرة لله } وبه ~~قال عطاء، وطاوس، ومجاهد، والحسن، وقتادة وسعيد بن جبير، وإليه ذهب ~~الثوري، وأحمد، والشافعي، في أصح قوليه. # وذهب قوم إلى أنها سنة، وهو قول جابر، وبه قال الشعبي، وإليه ~~ذهب مالك، وأبو حنيفة، رضي الله عنهم أجمعين. # حجة القول الأول أدلة منها: قوله تعالى: { وأتموا الحج ~~والعمرة لله } والإتمام قد يراد به فعل الشيء كامل تاما؛ ~~بدليل قوله سبحانه وتعالى: # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن # [البقرة: 124] أي: فعلهن على التمام، والكمال، وقوله: # ثم أتموا الصيام إلى الليل # [البقرة: 187]، أي: فافعلوا الصيام تاما إلى الليل. # فإن قيل يحتمل أن يكون المراد أنكم إذا شرعتم فيهما، فأتموهما؛ لأنها ~~تدل على أصل الوجوب؛ لأنا إنما استفدنا ms1056 الوجوب من قوله تعالى: # ولله على الناس حج البيت # [آل عمران: 97]، لا من هذه الآية، وكذا قوله: # ثم أتموا الصيام إلى الليل # [البقرة: 187] إنما استفدنا وجوب الصوم من قوله تعالى: # كتب عليكم الصيام # [البقرة: 183] لا من قوله: " ثم أتموا الصيام إلى الليل " ~~والحج والعمرة يجب إتمامهما بالشروع فيهما، سواء أكانا فرضا، أو ~~تطوعا، وتقول: الصوم خرج بدليل، أو تقول: وجب إتمامه بالشروع، فيكون ~~الأمر بالإتمام، مشروطا بالشروع فيهما. # فالجواب: أن ما ذكرناه أولى؛ لأن على تقديركم يحتاج إلى إضمار، وعلى ~~ما قلناه لا يحتاج إلى إضمار؛ فكان الاحتمال الذي ذكرناه أولى، ويدل ~~عليه: أن أهل التفسير ذكروا أن هذه الآية أول آية نزلت في الحج، ~~فحملها على إيجاب الحج، أولى من حملها على وجوب الإتمام بشرط الشروع. # وأيضا يؤيده ما ذكرناه من قراءة من قرأ " وأقيموا الحج ~~والعمرة لله " وإن كانت شاذة، لكنها تجري مجرى خبر الواحد. # فإن قيل: قراءة علي، وابن مسعود، والشعبي: " والعمرة لله " ~~بالرفع يدل على أنهم قصدوا إفراد العمرة عن حكم الحج، في الوجوب؛ ~~فالجواب من وجوه: # أحدها: أنها شاذة؛ فلا تعارض المتواترة. # فإن قيل: قد استدللتم أنتم بالشاذة أيضا؟ # قلنا: استدللنا بها حيث هي موافقة؛ فتكون تقوية للاستدلال، لا أنها ~~نفس الدليل، واستدلالكم بالشاذة؛ نفس الدليل، وهو معارض بها؛ ~~فتساقط الاستدلالان، وسلمت المتواترة عن المعارض. # وثانيها: أن قوله: " والعمرة لله " معناها: أن العمرة عبادة ~~الله، وذلك لا ينافي وجوبها. # وثالثها: أن في هذه القراءة ضعفا في العربية؛ لأنها تقتضي عطف ~~الجملة الاسمية على الجملة الفعلية. # الدليل الثاني: قوله تعالى: # يوم الحج الأكبر # [التوبة: 3]، يدل على وجود حج أصغر، وهو العمرة بالاتفاق. # وإذا ثبت أن العمرة حج، فتكون واجبة؛ لقوله تعالى: # ولله على الناس حج البيت # [آل عمران: 97]. # الدليل الثالث: ما ورد في الصحيح: أن جبريل - عليه الصلاة ~~والسلام - سأل النبي - عليه الصلاة والسلام - عن الإسلام، فقال: # " أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول ~~الله، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم ~~رمضان، وتحج ms1057 وتعتمر " # " وقوله - صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم ومجد وبجل وعظم - ~~لأبي رزين، لما سأله، فقال: إن أبي شيخ كبير أدرك الإسلام، ولا ~~يستطيع الحج والعمرة، ولا الظعنة، فقال عليه الصلاة والسلام: " ~~حج عن أبيك واعتمر " # وقال - عليه الصلاة والسلام - # " إن الحج والعمرة فريضتان، لا يضرك بأيهما بدأت " # وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: # " قلت يا رسول الله، هل على النساء جهاد؟ فقال - ~~عليه الصلاة والسلام - عليهن جهاد لا قتال فيه: ~~الحج والعمرة " # وقال ابن عمر - رضي الله عنه -: ليس أحد من خلق الله إلا وعليه حجة ~~وعمرة واجبتان إن استطاع إلى ذلك سبيلا. # وقال الشافعي - رضي الله عنه -: اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~وشرف وكرم ومجد وبجل وعظم قبل الحج، ولو لم تكن العمرة ~~واجبة، لكان الأشبه أن يبادر إلى الحج الواجب. # القول الثالث: في قصة الأعرابي حين # " سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أركان الإسلام، فعلمه الصلاة، ~~والزكاة، والصوم، والحج، فقال الأعرابي: هل علي غيرها؟ قال: لا ~~إلا أن تطوع " ، فقال: والله لا أزيد على هذا، ولا أنقص، فقال عليه ~~الصلاة والسلام: " أفلح إن صدق " # وقال عليه الصلاة والسلام: # " بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا ~~الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، ~~وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت " # وقال - عليه الصلاة والسلام -: # " صلوا خمسكم، وزكوا أموالكم، وحجوا بيتكم ~~تدخلوا جنة ربكم " # وعن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم # " أنه سئل عن العمرة: واجبة هي أم لا؟ فقال: لا، وأن تعتمر ~~خير لك " # وعن معاوية الضرير، عن أبي صالح الحنفي عن أبي هريرة رضي الله عنه، ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم ومجد وبجل وعظم - ~~قال: # " الحج جهاد، والعمرة تطوع " # والجواب من وجوه: # أحدها: أن هذه أخبار آحاد؛ فلا تعارض القرآن. # وثانيها: أن هذه الآية الكريمة نزلت في السنة السابعة من الهجرة، ~~فيحتمل أن هذه الأحاديث حيث وردت، لم تكن العمرة واجبة، ثم ms1058 نزل بعدها: ~~{ وأتموا الحج والعمرة لله } ، وهذا هو الأقرب لما ~~ذكرناه. # وثالثها: أن قصة الأعرابي، والحديثين اللذين بعده، ذكر فيهم الحج، ~~وليس فيها بيان تفصيل الحج، وقد بينا أن العمرة حج، فلا تنافي وجوب ~~العمرة، وأما حديث ابن المنكدر، فرواه الحجاج بن أرطاة؛ وهو ضعيف. # فصل # واتفقت الأمة على أنه يجوز أداء الحج والعمرة على ثلاثة أوجه: ~~الإفراد، والتمتع، والقران. # فالإفراد: أن يحرم بالحج منفردا، ثم بعد الفراغ منه، يعتمر من أدنى ~~الحل. # والتمتع: أن يعتمر في أشهر الحج، فإذا فرغ من العمرة، يحرم بالحج من ~~مكة المشرفة في عامه. # والقران: أن يحرم بالحج والعمرة معا، أو يحرم بالعمرة، ثم يدخل عليها ~~الحج قبل أن يفتتح الطواف؛ فيصير قارنا، ولو أحرم بالحج، ثم أدخل عليه ~~العمرة، لم ينعقد إحرامه بالعمرة. # واختلفوا في أي هذه الثلاثة أفضل؟ وتفاصيل هذه الأقوال مذكورة في ~~كتب الفقه. # قوله: { فإن أحصرتم } [البقرة: 196] قال أحمد بن يحيى: أصل ~~الحصر، والإحصار: المنع والحبس. # ومنه قيل للملك: الحصير؛ لأنه ممنوع من الناس. # قال لبيد: [الكامل] # 979 -..................... # جن لدى باب الحصير قيام # وهل حصر وأحصر بمعنى، أو بينهما فرق؟ خلاف. فقال الفراء، ~~والزجاج، والشيباني؛ إنهما بمعنى، يقالان في المرض، والعدو جميعا؛ ~~وأنشدوا على ذلك [الطويل] # 980 - وما هجر ليلى أن تكون تباعدت # عليك ولا أن أحصرتك شغول # وهو قول أبي عبيدة، وابن السكيت، وابن قتيبة. وفرق بعضهم، ~~فقال الزمخشري، وثعلب: في فصيح الكلام: يقال: أحصر فلان: إذا منعه ~~أمر من خوف، أو مرض، أو عجز؛ قال تعالى: # الذين أحصروا في سبيل الله # [البقرة: 273]، وحصر: إذا حبسه عدو، أو سجن، هذا هو الأكثر في ~~كلامهم، وهما بمعنى في كل شيء، مثل: صده وأصده، وكذلك الفراء ~~والشيباني، ووافقه ابن عطية أيضا؛ فإنه قال: والمشهور من اللغة: ~~أحصر بالمرض، وحصر بالعدو. وعكس أبن فارس في " مجمله " ، ~~فقال: " حصر بالمرض، وأحصر بالعدو " وقال ثعلب: " حصر في ~~الحبس، أقوى من أحصر " ، ويقال: حصر صدره، أي: ضاق؛ ~~ورجل حصر: لا يبوح بسره، قال جرير في ms1059 ذلك المعنى [الطويل] # 981 - ولقد تكنفني الوشاة فصادفوا # حصرا بسرك يا أميم حصورا # والحصير: معروف؛ لامتناع بعضه ببعض، وانضمام بعضه إلى بعض، ~~تشبيها باحتباس الشيء مع غيره، والحصر: احتباس البول، والغائط. # وقيل: إن الحصر مختص بالمنع الحاصل من جهة العدو؛ وهو مروي ~~عن ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، قالوا: لا حصر إلا حصر ~~العدو، وهو قول سعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، وإليه ذهب إسحاق، ~~وأحمد، والشافعي - رحمهم الله تعالى؛ وأكثر أهل اللغة يردون هذا ~~القول. # وفائدة هذا الخلاف في أنه: هل يثبت للمحصر بالمرض وغيره من الموانع ~~حكم المحصر بالعدو؟ # فقال الشافعي: لا يثبت، وقال غيره: يثبت، والقائلون بأنه يثبت، قال ~~بعضهم: إنه ثابت بالنص، وقال آخرون: بالقياس الجلي. # حجة القائلين بالثبوت: مذهب أهل اللغة؛ لأن أهل اللغة قائلان: # أحدهما: القائلون بأن الإحصار مختص بالحبس الحاصل بسبب المرض، فتكون ~~الآية الكريمة نصا صريحا فيه. # والثاني: القائلون بأن الإحصار المطلق الحبس، سواء كان مرض أو عدو؛ ~~فقال صلى الله عليه وسلم: # " من كسر أو عرج، فقد حل، وعليه الحج من قابل " # قال عكرمة: فسألت ابن عباس، وأبا هريرة - رضي الله عنهما - عن ذلك؛ ~~فقالا: صدق. فدل ظاهر الآية، والحديث عليه أيضا. # وعلى القول الثالث: فهو أن الإحصار اسم لمنع العدو، فنقول: هذا ~~باطل باتفاق أهل اللغة، وبتقدير ثبوته، يقيس المرض على العدو بجامع ~~دفع الحرج، وهو قياس جلي ظاهر. # وأما بتقدير مذهب ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، فلا شك أن ~~قولهم أقوى؛ لتقدمهم على هؤلاء الأدباء، في معرفة اللغة، ومعرفة تفسير ~~القرآن. والحديث ضعيف، ويمكن تأويله بأنه إنما يحل بالكسر، والعرج، ~~إذا كان مشروطا في عقد الإحرام. # كما روي: أن ضباعة بنت الزبير كانت وجعة؛ فقال لها النبي صلى الله ~~عليه وسلم وشرف، وكرم، وبجل، وعظم: # " حجي واشترطي، وقولي اللهم محلي حيث حبستني " # ويؤكد هذا القول وجوه: # أحدها: أن الإحصار: إفعال من الحصر، والإفعال تارة يجيء بمعنى ~~التعدية، نحو: ذهب زيد، وأذهبته انا، ويجيء بمعنى: صار ذا كذا؛ ms1060 ~~نحو: أغد البعير، أي: صار ذا غدة، وأجرب الرجل، إذا صار ذا إبل ~~جربى، ويجيء بمعنى: وجدته بصفة كذا؛ نحو: أحمدت الرجل، أي وجدته ~~محمودا. # والإحصار لا يمكن أن يكون للتعدية؛ فوجب إما حمله على الصيرورة، أو ~~على الوجدان، والمعنى أنهم صاروا محصورين ووجدوا محصورين. # واتفق أهل اللغة على أن المحصور هو الممنوع بالعدو، لا بالمرض، فوجب ~~أن يكون معنى الإحصار: هو أنهم صاروا ممنوعين بالعدو، وذلك يؤكد ما ~~قاله الشافعي. # وثانيها: أن الحصر عبارة عن المنع، وإنما يقال للإنسان: أنه ممنوع ~~من فعله، ومحبوس عن مراده؛ إذا كان الغي هو فاعل ذلك المنع والحبس. # فالحصر: عبارة عن الكيفية الحاصلة عند اعتدال المزاج، وسلامة الأعضاء، ~~وذلك مفقود في حق المريض؛ لأنه غير قادر على الفعل ألبتة؛ فلا يحكم ~~عليه بأنه ممنوع، لأن إحالة الحكم على المانع تستدعي حصول المقتضي. # أما إذا كان ممنوعا بالعدو، - فها هنا - القدرة حاصلة إلا أنه ~~تعذر الفعل؛ لأجل مدافعة العدو، فصح ها هنا أن يقال: إنه ممنوع من ~~الفعل؛ فوجب أن يكون الإحصار حقيقة في العدو، لا في المرض. # وثالثها: أن قوله: " أحصرتم " أي: حبستم ومنعتم، والحبس لا بد ~~له من حابس، والمنع لا بد له من مانع؛ لأن الحبس، والمنع فعل، ~~وإضافة الفعل إلى المرض محال عقلا، لأن المرض عرض لا يبقى زمانين، ~~فكيف يكون فاعلا، وحابسا، ومانعا. # وأما وصف العدو بأنه حابس، ومانع؛ فهو وصف حقيقي، وحمل الكلام ~~على الحقيقة، أولى من حمله على المجاز. # ورابعها: أن الإحصار مشتق من الحصر، ولفظ الحصر لا إشعار فيه بالمرض؛ ~~فوجب أن يكون خاليا عن المرض قياسا على جميع الألفاظ المشتقة. # وخامسها: أنه تعالى قال بعده: { فمن كان منكم مريضا أو ~~به أذى من رأسه }. فعطف عليه المرض، فلو كان المحصر، هو ~~المرض، أو من يكون المرض داخلا فيه، لكان عطفا للشيء على نفسه. # فإن قيل: إنما خص المريض بالذكر؛ لأن له حكما خاصا، وهو حلق ~~الرأس، فصار تقدير الآية الكريمة: إن منعتم بمرض، تحللتم بدم، ms1061 وإن ~~تأذى رأسكم بمرض، حلقتم، وكفرتم. # قلنا: هذا وإن كان حسنا لهذا الغرض، إلا أنه مع ذلك يلزم منه عطف ~~الشيء على نفسه، وحمل المحصر على غير المريض يوجب خلو الكلام عن هذا ~~الاستدلال، فكان أولى. # وسادسها: قوله تعالى: { فإذآ أمنتم فمن تمتع ~~بالعمرة إلى الحج } ولفظ الأمن إنما يستعمل في الخوف من ~~العدو، لا في المرض، فإنه يقال في المرض: شفي، وعفي ولا يقال ~~أمن. # فإن قيل: لا نسلم أن لفظ الأمن لا يستعمل إلا في الخوف، فإنه ~~يقال: أمن المرض من الهلاك، وأيضا خصوص آخر الآية لا يقدح في عموم ~~أولها. # قلنا: لفظ الأمن إذا كان مطلقا غير مقيد، فإنه لا يفيد إلا الأمن ~~من العدو. # وقوله: خصوص آخر الآية الكريمة لا يقدح في عموم أولها. # قلنا: بل يوجب؛ لأن قوله: { فإذآ أمنتم } ليس فيه بيان أنه حصل ~~الأمن عن ماذا، فلا بد وأن يكون المراد حصول الأمن عن شيء تقدم ~~ذكره، وليس إلا الإحصار، فكان التقدير: فإذا أمنتم من ذلك الإحصار. # وإذا ثبت أن لفظ الأمن لا يطلق إلا في العدو، وجب أن يكون المراد ~~من هذا الإحصار، منع العدو. # وسابعها: إجماع المفسرين على أن سبب نزول هذه الآية الكريمة، أن ~~الكفار أحصروا النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية، واختلف العلماء في ~~الآية النازلة في سببه؛ هل تتناول غير ذلك السبب؟ إلا أنهم اتفقوا على ~~أنه لا يجوز أن يكون ذلك السبب خارجا عنه، فكان الإحصار في هذه الآية ~~الكريمة عبارة عن العدو، وأما قياس منع المرض عليه، فلا يمكن لوجهين: # الاول: أن كلمة " إن " شرط، وحكم الشرط انتفاء المشروط عند انتفائه ~~ظاهرا، فيقتضي ألا يثبت الحكم إلا في الإحصار الذي دلت الآية ~~عليه، فلو أثبتنا هذا الحكم في غيره قياسا، كان ذلك نسخا للنص ~~بالقياس، وهو غير جائز. # الثاني: أن الإحرام شرع لازم، لا يحتمل النسخ قصدا؛ ألا ترى أنه ~~لو جامع، فسد حجه ولم يخرج من الإحرام؛ وكذا لو فاته الحج حتى لزمه ~~القضاء، والمريض ms1062 ليس كالعدو؛ لأن المريض لا يستفيد بتحلله ورجوعه أمنا ~~من مرضه، وأما المحصر بالعدو، فإنه خائف من القتل إذا أقام، فإذا ~~رجع، فقد أمن، وتخلص من خوف القتل، والله أعلم. # فصل # قال القرطبي: " الحاصر لا يخلوا من أن يكون كافرا أو ~~مسلما، فإن كان كافرا، لم يجز قتاله، ولو وثق بالظهور عليه، ~~ويتحلل بموضعه؛ قوله تعالى: # ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام # [البقرة: 191] ولو سأل الكافر جعلا، لم يجز؛ لأن ذلك وهن في الإسلام، ~~وإن كان مسلما لم يجز قتاله بحال، ووجب التحلل، فإن طلب جعلا ويتخلى ~~عن الطريق، جاز دفعه، ولم يجز القتال؛ لما فيه من إتلاف المهج، وذلك لا ~~يلزم في أداء العبادات، فإن الدين أسمح، وأما بذل الجعل، فلما فيه من ~~دفع أعظم الضررين بالأسهل منهما: ولأن الحج مما ينفق فيه المال، ~~فيعد هذا من النفقة ". # فصل # العدو الحاصر: لا يخلو إما أن يتيقن بقاؤه، واستيطانه، لقوته ~~وكثرته، أو لا، فإن كان الأول، حل المحصر مكانه من ساعته، وإن كان ~~الثاني، فهو مما يرجى زواله، فهذا لا يكون محصورا؛ حتى يبقى بينه وبين ~~الحج مقدار ما يعلم أنه إن زال العدو، لا يدرك الحج؛ فيحل حينئذ. # وقال أشهب: من حصر عن الحج بعدو، فلا يقطع التلبية، حتى يروح الناس ~~إلى عرفة. # فصل في الإحصار # الإحصار: إنما يكون عن البيت، أو عن عرفة. فأما عن الواجبات التي تجبر ~~بالدم كالرمي، والمبيت بمزدلفة، ونحوها، فلا إحصار فيها؛ لأن المحرم ~~يتمكن من إتمام حجه بجبرها بالدم، وإذا احصر عن طريق، وله طريق ~~غيرها، يتمكن في الوصل إلى مكة، ويدرك الحج من غير زيادة في ~~النفقة، أو ميرة لا تجحف به، فليس بمحصر، إذا كانت تلك الطرق أمنا، ~~[فإن لم تكن أمنا]، أو كانت زيادة النفقة تجحف بماله. فهو محصر # فصل في قضاء المحصر # إذا أحصر، فلا قضاء عليه بالإحصار؛ لأنه إن كان محرما بحج الفرض، أو ~~النذر، وكان ذلك في العام الذي وجب عليه الحج فيه، لم يجب القضاء؛ ~~لأن شروط ms1063 وجوب الحج لم تكمل؛ لوجود الإحصار، وإن كان ذلك في العام ~~الثاني: وجب عليه الحج للوجوب السابق، لا للإحصار، وإن كان الحج ~~تطوعا، فلا قضاء؛ لأنه لم يجب عليه ابتداء. # قوله: { فما استيسر } ، " ما " موصولة، بمعنى: الذي، ويضعف ~~جعلها نكرة موصوفة، وفيها ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها في محل نصب، أي: فليهد، أو فلينحر، وهذا مذهب ثعلب. # والثاني: ويعزى للأخفش: أنه مبتدأ والخبر محذوف تقديره: فعليه ما ~~استيسر. # والثالث: أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: فالواجب ما استيسر، واستيسر هنا ~~بمعنى يسر المجرد كصعب، واستصعب، وغني واستغنى، ويجوز أن يكون بمعنى: ~~تفعل نحو: تكبر واستكبر، وتعظم واستعظم، وقد تقدم ~~ذلك. # قوله: " من الهدي " فيه وجهان: # أحدهما: أن تكون " من " تبعيضية، ويكون محلها النصب على الحال من ~~الضمير المستتر في " استيسر " العائد على " ما " ، أي: حال كونه ~~بعض الهدي. # والثاني: أن تكون " من " لبيان الجنس، فتتعلق بمحذوف أيضا. # وفي الهدي قولان: # أحدهما: أنه. جمع هدية كجدي جمع جدية السرج. # والثاني: أن يكون مصدرا واقعا موقع المفعول، أي: المهدى، ولذلك ~~يقع للأفراد والجمع. قال أبو عمرو بن العلاء: لا أعرف لهذه ~~اللفظة نظيرا. # وقرأ مجاهد والزهري: " الهدي " بتشديد الياء، وفيها وجهان: # أحدهما: أن يكون جمع هدية كمطية ومطايا وركية وركايا. # قال أحمد بن يحيى: أهل الحجاز يخففون " الهدي " ، وتميم ~~يثقلونه؛ قال الشاعر: [الوافر] # 982 - حلفت برب مكة والمصلى # وأعناق الهدي مقلدات # ويقال في جمع الهدي: " أهداء ". # والثاني: أن يكون فعيلا بمعنى مفعول، نحو: قتيل بمعنى: مقتول. # فصل # قال القفال: في الآية الكريمة إضمار، والتقدير: فتحللتم ~~فما استيسر، وهو كقوله # فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة # [البقرة: 184] أي: فأفطر فعدة، وفيها إضمار آخر، هو ما ~~تقدم، أي: فليهد أو فلينحر ما استيسر، فالواجب ما ~~استيسر، ومعنى الهدي: ما يهدى إلى بيت الله، عز وجل، تقربا إليه ~~بمنزلة الهدية. # قال علي وابن عباس - رضي الله عنهما - والحسن وقتادة: أعلاه بدنه، ~~وأوسطه بقرة، وأخسه شاة، فعليه ما تيسر من هذه الأجناس. # فصل # إذا عدم المحصر ms1064 الهدي، هل ينتقل إلى البدل؟ فيه خلاف قال أبو ~~حنيفة: لا بدل له، ويكون الهدي في ذمته أبدا؛ لأنه تعالى ~~أوجب على المحصر الهدي على التعيين، ولم يثبت له بدلا. # وقال أحمد: له بدل؛ فعلى الأول: هل له أن يتحلل في الحال، أو ~~يقيم على إحرامه؟ # فقال أبو حنيفة: يقيم على إحرامه؛ حتى يجده للآية. # وقال غيره: له أن يتحلل في الحال للمشقة، وهؤلاء قالوا يقوم ~~الهدي بالدراهم، ويشتري بها طعاما، ويؤدي؛ لأنه أقرب إلى ~~الهدي، وفيه اختلافات كثيرة، ثم المحصر إن كان إحرامه بفرض، ~~قد استقر عليه، فذلك الفرض في ذمته، وإن كان حج تطوع، هل ~~عليه القضاء؟! فيه خلاف: فذهب جماعة إلى أنه لا قضاء عليه، وهو ~~قول مالك، والشافعي، وقال مجاهد والشعبي والنخعي، وأصحاب ~~الرأي: عليه القضاء. # قال القرطبي: قال مالك وأصحابه: لا يمنع المحرم الاشتراط في ~~الحج، إذا خاف الحصر بمرض، أو عدو، وهو قول الثوري، وأبي ~~حنيفة، وأصحابه - رحمهم الله - والاشتراط أن يقول في إحرامه، إن ~~حبسني حابس فمحلي حيث حبسني. # وقال أحمد وإسحاق وأبو ثور لا بأس أن يشترط، وله شرطه، وهو ~~قول جماعة من الصحابة والتابعين، واحتجوا بقوله عليه السلام ~~لضباعة حين سألته عن كيفية الإحرام فقال: # " قولي: محلي حيث حبستني " # فصل # اختلفوا في العمرة، فأكثر الفقهاء قالوا: حكمها في الإحصار ~~كحكم الحج، وعن ابن سيرين أنه لا إحصار فيها؛ لأنها غير ~~مؤقتة، ويرده قوله تعالى: { فإن أحصرتم } عقيب ذكر الحج ~~والعمرة، فيكون عائدا إليهما. # فصل # إذا أراد المحصر التحلل وذبح، وجب أن ينوي التحلل عند الذبح، ~~ولا يتحلل ألبتة قبل الذبح. # قوله: { ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي ~~محله } في الآية حذف؛ لأن الرجل لا يتحلل ببلوغ ~~الهدي محله، حتى ينحر؛ فتقدير الآية الكريمة: حتى يبلغ ~~الهدي محله، فينحر فإذا نحر فاحلقوا و " محله " يجوز أن ~~يكون ظرف مكان، أو زمان، ولم يقرأ إلا بكسر الحاء فيما ~~علمنا إلا أنه يجوز لغة فتح حائه، إذا كان مكانا. وفرق ~~الكسائي بينهما، فقال: " المكسور ms1065 هو الإحلال من الإحرام، ~~والمفتوح هو مكان الحلول من الإحصار ". # فصل # قال أبو حنيفة: لا يجوز إراقه دم الإحصار إلا في الحرم وقال ~~أحمد والشافعي - رحمهما الله - حيث حبس والخلاف مبني على ~~البحث في المحل؛ فقال أبو حنيفة: هو اسم للمكان. وقال غيره: هو ~~اسم للزمان الذي حصل فيه الحل. وحجتهم وجوه. # منها: أنه - عليه السلام - أحصر بالحديبية ونحر فيها، وليست من ~~الحرم. # قال أصحاب أبى حنيفة: إنما أحصر فى طرف الحديبية، الذى أسفل ~~مكة، وهو من الحرم. # قال الواقدي: الحديبية على طرف مكة على تسعة أميال من ~~مكة. # قال القفال - رحمه الله -: الدليل على [أن نحر ذلك الهدي ما وقع ~~فى الحرم قوله تعالى: # هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام ~~والهدي معكوفا أن يبلغ محله # [الفتح: 25]. # ومنها: أن المحصر سواء كان فى المحل، أو الحرم، فهو مأمور بنحر ~~الهدي بقوله: { فما استيسر من الهدي } ، فأوجب على ~~المحصر، سواء كان فى الحل أو الحرم، وإذا ثبت ذلك؛ وجب أن ~~يجوز له الذبح، حيث كان قادرا على إراقة الدم. # ومنها: أنه تعالى إنما مكن المحصر من التحلل بالذبح؛ ليتمكن من ~~تخليص نفسه فى الحال عند خوف العدو، فلم يجز النحر إلا فى ~~الحرم وما لم يحصل النحر لا يحصل له التحلل فى الحال، وذلك ~~يناقض المقصود من مشروعية هذا الحكم؛ لأن الموصل للنحر إلى ~~الحرم، إن كان هو فالخوف، باق، وكيف يؤمر بهذا الفعل مع قيام ~~الخوف، وإن كان غيره، فقد لا يجد ذلك الغير، فماذا يفعل؟ ~~حجة أبي حنيفة وجوه: # الأول: أن المحل - بكسر الحاء - عبارة عن المكان كالمسجد ~~والمجلس، فقوله { حتى يبلغ الهدي محله } يدل على ~~أنه غير بالغ فى الحال إلى مكان الحل، وهو عندكم بالغ ~~محله فى الحال. # وجوابه: أن المحل عبارة عن الزمان كمحل الدين. # الثاني: أن لفظ " المحل " يحتمل الزمان والمكان إلا أن ~~الله - تعالى - أزال هذا الاحتمال بقوله: # ثم محلهآ إلى البيت العتيق # [الحج: 33]. # وجوابه بأن كل ما وجب على المحرم فى ماله ms1066 من بدنة، وجزاء ~~هدي، فلا يجزي إلا فى الحرم لمساكين أهله إلا فى ~~موضعين: # أحدهما: من ساق هديا، فعطب فى طريقه ذبحه، وخلى بين ~~المساكين وبينه. # والثاني: دم المحصر بالعدو فينحر حيث حبس، فالأدلة ~~المذكورة فى باقي الدماء فلم قلتم إنها تتناول هذه ~~الصورة؟ # الثالث: قالوا إنما سمي هديا؛ لأنه جار مجرى ~~الهدية التى يبعثها العبد إلى ربه والهدية لا تكون ~~هدية إلا إذا بعثها المهدي إلى دار المهدى إليه، وهذا ~~المعنى لا يتصور إلا بجعل موضع الهدي هو الحرم. # وجوابه: هذا تمسك بالاسم، ثم هو محمول على الأصل عند ~~القدرة. # الرابع: أن سائر دماء الحج سواء كانت قربة، أو كفارة، لا ~~تصح إلا فى الحرم، فكذا هذا. # وجوابه أن هذا الدم إنما وجب لإزالة الخوف، وزوال الخوف ~~إنما يحصل إذا قدر عليه حيث أحصر، فلو وجب إرساله إلى ~~الحرم، لم يحصل هذا المقصود، وهذا المعنى غير موجود في سائر ~~الدماء، فظهر الفرق. # والقائلون بأن محله الحرم قالوا: إن كان المحصر حاجا، ~~فمحله يوم النحر، وإن كان معتمرا، فمحله يوم يبلغ هديه الحرم. # قوله { فمن كان منكم مريضا } [البقرة: 196]. # فى " منكم " وجهان: # أحدهما: أن يكون فى محل نصب على الحال من " مريضا "؛ لأنه ~~فى الأصل صفة له، فلما قدم عليه انتصب حالا. وتكون " من " ~~تبعيضية، أي: فمن كان مريضا منكم. # والثاني: أجازه أبو البقاء أن يكون متعلقا بمريضا. # قال أبو حيان: " وهو لا يكاد يعقل ". و " من " يجوز أن ~~تكون شرطية، وأن تكون موصولة. # قوله: { أو به أذى } يجوز أن يكون هذا من باب عطف ~~المفردات، وأن يكون من باب عطف الجمل. أما الأول، فيكون ~~الجار والمجرور في قوله: " به " معطوفا على " مريضا " الذي هو ~~خبر كان، فيكون فى محل نصب. ويكون " أذى " مرفوعا به على ~~سبيل الفاعلية؛ لأن الجار إذا اعتمد رفع الفاعل عند ~~الكل فيصير التقدير: فمن كان كائنا به أذى من رأسه. وأما ~~الثاني فيكون " به " خبرا مقدما، ومحله على هذا رفع، وفي ~~الوجه الأول كان نصبا، ms1067 و " أذى " مبتدأ مؤخر، وتكون هذه فى ~~محل نصب؛ لأنها عطف على " مريضا " الواقع خبرا لكان، فهي ~~وإن كانت جملة لفظا، فهي فى محل مفرد؛ إذ المعطوف ~~على المفرد مفرد، لا يقال: إنه عاد إلى عطف المفردات، ~~فيتحد الوجهان لوضوح الفرق. # وأجازوا أن يكون " أذى " معطوفا على إضمار " كان " لدلالة ~~" كان " الأولى عليها، وفى اسم " كان " المحذوفة حينئذ ~~احتمالان. # أحدهما: أن يكون ضمير " من " المتقدمة، فيكون " به " خبرا ~~مقدما، و " أذى " مبتدأ مؤخرا، والجملة فى محل نصب خبرا ~~لكان المضمرة. # والثاني: أن يكون " أذى " اسمها و " به " خبرها، قدم على ~~اسمها. # وأجاز أبوا البقاء أن يكون " أو به أذى " معطوفا على " ~~كان " ، وأعرب " به " خبرا مقدما متعلقا بالاستقرار، و " ~~أذى " مبتدأ موخرا، والهاء فى " به " عائدة على " من ". ~~وخطأه أبو حيان فيه، قال: لأنه كان قد قدم أن " من " ~~شرطية، وعلى هذا التقدير يكون خطأ، لأن المعطوف على ~~جملة الشرط شرط، والجملة الشرطية لا تكون إلا ~~فعلية، وهذه كما ترى جملة اسمية على ما قرره. فكيف ~~تكون معطوفة على جملة الشرط التي يجب أن تكون فعلية؟ فإن ~~قيل: فإذا جعلنا " من " موصولة، فهل يصح ما قاله من كون " ~~به أذى " معطوفا على " كان "؟ فالجواب أنه لا يصح أيضا؛ ~~لأن " من " الموصولة إذا ضمنت معنى اسم الشرط لزم أن ~~تكون صلتها جملة فعلية، أو ما هي فى قوتها، والباء فى " ~~به " يجوز فيها وجهان. # أحدهما: أن تكون للإلصاق. # والثاني: ان تكون ظرفية. # والأذى مصدر بمعنى الإيذاء، وهو الألم يقال آذاه يؤذيه ~~إيذاء وأذى، فكان الأذى مصدر على حذف الزوائد، أو اسم مصدر ~~كالعطاء اسم للإعطاء، والنبات للإنبات. قال ابن عباس - ~~رضي الله عنهما " فمن كان منكم مريضا أو به أذى ~~من رأسه " أي برأسه قروح، { أو به أذى } ، أي: قمل ". # قوله: " من رأسه " فى وجهان. # أحدهما: أنه فى محل رفع؛ لأنه صفة لأذى، أي: أذى كائن ~~من رأسه. # والثاني: أن يتعلق بما يتعلق " به " من الاستقرار، ~~وعلى كلا التقديرين تكون " من ms1068 " لابتداء الغاية. # قوله: " ففدية " فى رفعها ثلاثة أوجه: # أحدها: أن تكون مبتدأ والخبر محذوف، أي: فعليه فدية. # والثاني: أن تكون خبر مبتدأ محذوف، أي: فالواجب عليه ~~فدية. # والثالث: أن تكون فاعل فعل مقدر، أي فتجب عليه فدية. وقرئ ~~شاذا: " ففدية " نصبا، وهي على إضمار فعل، أي: فليفد ~~فدية. # و " من صيام " فى محل رفع، أو نصب على حسب القراءتين ~~صفة ل " فدية " ، فيتعلق بمحذوف، و " أو " للتخيير، ولا بد ~~من حذف فعل قبل الفاء تقديره: فحلق ففدية. # وقرأ الحسن والزهري " نسك " بسكون السين، وهو تخفيف ~~المضموم. وفى النسك قولان. # أحدهما: أنه مصدر يقال: نسك ينسك نسكا ونسكا ~~بالضم والإسكان، كما قرأه الحسن. # والثاني: أنه جمع نسيكة، قال ابن الأعرابي: " النسيكة ~~فى الأصل سبيكة الفضة، وتسمى العبادة بها؛ لأن العبادة ~~مشبهة سبيكة الفضة فى صفائها وخلوصها من الآثام ويقال ~~للمتعبد " ناسك " ، لأنه يخلص نفسه من الآثام وصغارها ~~كالسبيكة المخلصة من الخبث وقيل للذبيحة " نسيكة " لذلك لأنها ~~أشرف العبادات التى يتقرب بها إلى الله تعالى. # فصل في سبب نزول الآية # قال ابن عباس: نزلت هذه الآية الكريمة فى كعب بن عجرة، # " قال كعب: مر بي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زمن ~~الحديبية، وكان شعر رأسي كثير القمل والصئبان، وهو يتناثر ~~وأنا أطيح، فرآني فقال - عليه السلام -: " أتؤذيك هوام ~~رأسك " قلت: نعم يا رسول الله، قال: " احلق رأسك " # ، فأنزل الله تعالى هذه الآية الكريمة. # والمقصود منها أن المحرم إذا تأذى بالمرض، أو بهوام رأسه؛ ~~أبيح له المداوة في الحلق بشرط الفدية، وهو على ~~التخيير بين أن يذبح، أو يصوم، أو يتصدق، فأقل النسك ~~شاة، وأوسطه بقرة، وأعلاه بدنة. وأما الصيام، فليس ~~فى الآية كميته، وفيه قولان: # أحدهما: أنه ثلاثة أيام؛ لما روى أبو داود أنه - عليه ~~السلام - # " لما مر بكعب بن عجرة، ورأى كثرة هوام رأسه، فقال ~~له: احلق، ثم اذبح شاة نسكا، أو صم ثلاثة أيام ~~أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين " # والثاني: قال ابن عباس - رضي الله ms1069 عنهما - والحسن: الصيام ~~كصيام المتمع عشرة أيام، والإطعام مثل ذلك فى العدد؛ لأن ~~الصيام والإطعام لما كان مجملين فى هذا الموضع؛ وجب ~~حمله على المبين فيما جاء بعد ذلك، وهو الذي يلزم المتمتع ~~إذا لم يجد الهدي. # فصل # اختلفوا: هل يقدم الفدية ثم يترخص، أو يؤخر الفدية عن ~~الترخص، والذي يقتضيه ظاهر الآية الكريمة؛ أنه يؤخر الفدية عن ~~الترخص، لأن الإقدام على الترخص كالعلة فى وجوب الفدية، ~~فكان مقدما عليه، وأيضا فقد بينا أن تقدير الآية الكريمة: ~~فحلق فعليه فدية. # فصل # قال بعضهم هذه الآية الكريمة مختصة بالحصر؛ وذلك إن قيل أي ~~بلوغ الهدي محله، ربما لحقه مرض، وأذى فى رأسه، فأذن الله تعالى ~~له فى إزالة ذلك المؤذي بشرط أن يفدي. # وقال آخرون: بل الكلام مستأنف فى كل محرم لحقه مرض، أو أذى فى ~~رأسه، فاحتاج إلى العلاج والحلق، فبين الله تعالى أن له ~~ذلك، وبين ما يجب عليه من الفدية، وقد يكون المرض محوجا إلى ~~اللباس، من شدة البرد أو غيره، وقد يحتاج فى الأمراض إلى ~~استعمال الطيب كثيرا، وبالجملة فهذا الحكم عام فى جميع ~~محظورات الإحرام. # فصل # فأما من حلق رأسه عامدا من غير عذر، فقال أبو حنيفة ~~والشافعي يجب عليه الدم. # وقال مالك: حكمه حكم من فعل ذلك بعذر؛ لأن وجوبه على المعذور ~~تنبيه على وجوبه على غير المعذور. # وقال ابن الخطيب: هذا ضعيف؛ لأن قوله: { فمن كان منكم ~~مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام } يدل ~~على اشتراط هذا الحكم بهذه الأعذار، والمشروط بالشيء عدم عند ~~عدم الشرط. # قوله: " فإذا أمنتم " الفاء عاطفة على ما تقدم، و " إذا " ~~منصوبة بالاستقرار المحذوف؛ لأن التقدير: فعليه ما ~~استيسر، أي: فاستقر عليه ما استيسر ". # وقوله: " فمن تمتع " الفاء جواب الشرط بإذا، والفاء فى ~~قوله: { فما استيسر } جواب الشرط الثاني. ولا نعلم خلافا ~~أنه يقع الشرط وجوابه جوابا لشرط آخر مع الفاء. وقد ~~تقدم الكلام على { فما استيسر }. # فصل # تقدير الكلام، فإذا أمنتم الإحصار بالخوف أو المرض، ms1070 { فمن ~~تمتع بالعمرة إلى الحج } واختلفوا فى هذه المتعة: ~~فقال عبد الله بن الزبير: معناه فمن أحصر حتى فاته ~~الحج، ولم يتحلل، فقدم مكة، فخرج من إحرامه بعمل ~~عمرة، أو استمتع بإحلاله ذلك بتلك العمرة إلى السنة ~~المقبلة، ثم حج فيكون متمتعا بذلك الإحلال إلى إحرامه ~~الثاني فى العام القابل، وقيل معناه: فإذا أمنتم، وقد حللتم ~~من إحرامكم بعد الإحصار، ولم تقضوا عمرتكم، وأخرتم العمرة إلى ~~السنة القابلة، فاعتمرتم فى ما استيسر من الهدي، وهو ~~قول علقمة، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير. # ومعنى التمتع: التلذذ، يقال تمتع بالشيء، أي: ~~تلذذ به، والمتاع: كل شيء يتمتع به، وأصله من قولهم: " ~~حبل ماتع " أي: طويل، وكل ما طالت صحبته بالشيء، فهو متمتع ~~به، والتمتع بالعمرة إلى الحج هو أن يقدم مكة معتمرا فى أشهر ~~الحج وينزع منها، ثم يقيم بمكة حلالا، حتى ينشىء منها الحج ~~من عامه ذلك، وإنما سمي متمتعا لأنه يكون مستمتعا ~~بمحظورات الحج فيما بين تحلله من العمرة إلى إحرامه بالحج، وهذا ~~التمتع الذي ليس بمكروه، بل هو الأفضل عند أحمد، وإتمام التمتع ~~المكروه، وهو الذي خطب به عمر - رضي الله عنه - وقال: " متعتان ~~كانتا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا أنهى عنهما، ~~وأعاقب عليهما، متعة النساء، ومتعة الحج " ، والمراد بهذه ~~المتعة أن يجمع بين الإحرامين، ثم يفسخ الحج إلى العمرة، ويتمتع ~~بها إلى الحج، روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أذن ~~لأصحابه فى ذلك ثم نسخ. # روي عن أبي ذر أنه قال: ما كانت متعة الحج إلا لي خاصة، وكان ~~السبب فيه أنهم كانوا لا يرون العمرة فى أشهر الحج، ~~ويعدونها من أفجر الفجور، فلما أراد - عليه السلام - إبطال ~~ذلك الاعتقاد عليهم بالغ فيه، بأن نقلهم فى أشهر الحج من الحج ~~إلى العمرة، وهذا سبب لا يشاركهم فيه غيرهم، فلهذا المعنى كان فسخ ~~الحج خاصا بهم. # قال القرطبي: وزعم من صحح نهي عمر عن التمتع: أنما ~~نهى لينتجع إلى البيت مرتين أو أكثر ms1071 فى العام حتى يكثر عمارته ~~بكثرة الزيارة فى غير الموسم، وأراد إدخال الرفق على أهل الحرم ~~بدخول الناس، تحقيقا لدعوة إبراهيم - عليه السلام - # فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم # [إبراهيم: 37]. # وقيل: إنما نهى عنها؛ لأنه رأى الناس مالوا إلى التمتع ~~ليسارته، وخفته؛ فخشي أن يضيع الإفراد والقران، وهما مسنونان. # فصل # التمتع لا يحصل إلا بمحظورات الإحرام لكنه لما كان بسبب ~~إتيانه بالعمرة سماه تمتعا بالعمرة إلى الحج. # فصل في شروط وجوب دم التمتع # يشترط لوجوب دم التمتع خمسة شروط: # أحدها: أن يقدم العمرة على الحج. # والثاني: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، فلو أحرم لها قبل أشهر ~~الحج، وأتى بشيء من الطواف، ولو شوطا واحدا، ثم أكمل باقيه في ~~أشهر الحج فى هذه السنة، لم يلزمه الدم؛ لأنه لم يجمع بين ~~النسكين فى أشهر الحج. # وقال أبو حنيفة: إذا أتى بأكثر الطواف فى أشهر الحج، فهو ~~متمتع، وإذا أتى بالأكثر قبل أشهر الحج فلا. # الثالث: أن يحج فى هذه السنة، فإن حج فى سنة أخرى لم ~~يلزمه دم؛ لأنه لم يوجد مزاحمة الحج والعمرة فى عام ~~واحد، ولم يحصل الترفه بترك أحد السفرين، إلا على قول ابن الزبير ~~فيما قدمناه. # الرابع: ألا يكون من حاضري المسجد الحرام لقوله تعالى: { ذلك لمن ~~لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام } ، وهو من كان ~~أهله على أقل من مسافة القصر، وهل تعتبر هذه المسافة من ~~مكة، أو من الحرم فيه وجهان. # الخامس: أن يحرم بالحج من مكة بعد الفراغ من العمرة، فلو ~~رجع إلى الميقات، وأحرم بالحج منه، لا يلزمه دم التمتع. # فصل # قال القرطبي: التمتع بالعمرة إلى الحج على أربعة أوجه: # أحدها مجمع عليه، والثلاثة مختلف فيها فالمجمع عليه هو المراد ~~بقوله تبارك وتعالى: { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ~~فما استيسر من الهدي } ، وذلك أن يحرم بالعمرة في ~~أشهر الحج، ويكون آفاقيا، ويفرغ منها، ويقيم حلالا بمكة إلى أن ~~يحرم بالحج من عامه قبل رجوعه إلى بلده. # ولها ثمانية شروط: # الأول: أن يجمع ms1072 بين الحج والعمرة. # الثاني: فى عام واحد. # الثالث: فى سفر واحد. # الرابع: فى أشهر الحج. # الخامس: مقدما الحج. # السادس: غير مخلط لها بالحج. # السابع: وأن تكون العمرة والحج عن شخص واحد. # الثامن: ويكون آفاقيا. # الوجه الثاني من وجوه التمتع بالعمرة: هو القران، وهو أن ~~يجمع بينهما فى إحرام واحد، فيهل بهما جميعا فى أشهر الحج، ~~يتمتع القارن بترك السفر إلى العمرة، مرة، وإلى الحج أخرى، ولا ~~يحرم لكل واحد من ميقاته، فيدخل تحت قوله تعالى: { فمن تمتع ~~بالعمرة إلى الحج }. # الوجه الثالث الذي نهى عنه عمر - رضي الله عنه -: وهو أن يحرم ~~بالحج فإذا دخل مكة فسخ حجه إلى عمرة، ثم يحل إلى أن يهل ~~بالحج يوم التروية، فاختلف فى ذلك، فالجمهور على ترك العمل ~~بها. # قال أبو ذر كانت المتعة لنا فى الحج خاصة. # الوجه الرابع من التمتع: متعة المحصر، ومن صد عن البيت. # فصل # دم التمتع دم جبران، فلا يجوز له الأكل منه. # وقال أبو حنيفة دم نسك، ويأكل منه. # حجة الأول وجوه: # أحدها: أن التمتع حصل فيه خلل فيكون دم جبران. # وبيان الخلل أن عمر كان ينهى عن المتعة، فقال له عثمان - رضي ~~الله عنهما - عمدت إلى رخصة بسبب الحاجة؛ فدل على حصول ~~نقص فيها. # وأيضا سماها تمتعا، والتمتع التلذذ، ومبنى العبادة على ~~المشقة. # وأيضا ففي التمتع صار السفر للعمرة، وكان من حقه أن يكون ~~للحج؛ لأنه الحج الأكبر، وأيضا حصل الترفه بالإحلال بينهما، ~~وأيضا كان من حقه جعل الميقات للحج، فإنه الأكبر، وكل هذه ~~أنواع خلل، فوجب أن يكون الدم دم جبران. # وثانيها: أن الدم ليس بنسك أصلي من مناسك الحج، أو العمرة، كما لو ~~أفردها وكما في حق المكي، والجمع بين العبادتين لا يوجب الدم، ~~بدليل أن من جمع الصلاة، والصوم، والاعتكاف لا يلزمه دم، وإذا ~~ثبت ذلك فليس الدم دم نسك، بل دم جبران. # وثالثهما: أن هدي التمتع ليس مؤقتا، والمناسك كلها مؤقتة، ~~فيكون دم جبران. # ورابعها: أنه يبدل بالصوم، ودم النسك لا النسك ms1073 لا ~~يبدل بالصوم. # فصل # والمجزي فيها جذعة من الضأن، أو ثنية من المعز، أو شرك ستة فى ~~بدنة، أو بقرة، ووقت وجوبه بعد الإحرام بالحج؛ لأن قوله: { فما ~~استيسر من الهدي } يدل على أنه عقيب التمتع، ويستحب ~~ذبحه يوم النحر فلو ذبح بعد الإحرام بالحج جاز؛ لأن التمتع قد ~~تحقق. وعن أبى حنيفة لا يجوز إلا يوم النحر؛ لأنه نسك عنده. # قوله: { فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام }؛ يعنى: أن ~~المتمتع إذا لم يجد الهدي، فعليه أن يصوم، وهل الهدي أفضل أم ~~الصيام؟ قال ابن الخطيب: الظاهر أن المبدل أفضل من البدل؛ ~~لكنه تعالى بين في هذا البدل أنه في الكمال والثواب كالهدي ~~وهو كقوله " تلك عشرة كاملة ". # قوله: " فصيام " فى رفعه الأوجه الثلاثة المذكورة فى ~~قوله: " ففدية " وقرئ نصبا، على تقدير فليصم، وأضيف ~~المصدر إلى ظرفه معنى، وهو فى اللفظ مفعول به على ~~السعة. و " في الحج " متعلق بصيام وقدر بعضهم ~~مضافا، أي: في وقت الحج، ومنهم من قدر مضافين، أي: وقت ~~أفعال الحج، ومنهم من قدره ظرف مكان، أي: صومه، بعد ~~إحرام العمرة، وقبل إحرام الحج. # وقال أبو حنيفة: يصح. # حجة الأول وجوه: # أحدها: أنه صيام قبل وقته؛ فلا يجوز كمن صام رمضان قبله، ~~وكما لو صام السبعة قبل الرجوع، وذلك لأن الله تعالى قال: { ~~فصيام ثلاثة أيام في الحج } ، والمراد إحرام الحج، لأن ~~سائر أفعال الحج لا تصلح ظرفا للصوم، والإحرام يصلح، فوجب ~~حمله عليه. # وثانيها: أن ما قبل الإحرام بالحج ليس بوقت للهدي الذي هو أصل، ~~ولا يكون وقتا لبدله، كسائر الأصول فى الأبدال. # وإذا ثبت ذلك، فنقول: اتفقوا على أنه يجوز بعد الشروع ~~فى الحج إلى يوم النحر، وثبت أنه لا يجوز يوم النحر ولا أيام ~~التشريق لقوله عليه السلام: # " لا تصوموا فى هذه الأيام " # ، والمستحب أن يصوم فى أيام الحج حيث يكون يوم عرفة مفطرا. # وقال بعضهم: يصوم ثلاثة أيام آخرها يوم عرفة والثامن، ~~والتاسع، ولو صام ثلاثة أيام آخرها يوم التروية، ويكون ~~قد ms1074 أحرم بالحج قبله جاز، ولا يجوز يوم النحر، ولا أيام التشريق. ~~وهو قول مالك والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق. # فصل # اختلفوا فيمن اعتمر فى أشهر الحج، ثم رجع إلى بلده، ثم ~~رجع في عامه فقال الجمهور: ليس بمتمتع، ولا هدي عليه، ولا صيام. ~~وقال الحسن: هو متمتع. # وأجمعوا على أن الآفاقي إذا قدم معتمرا فى أشهر الحج عازما على ~~الإقامة، ثم أنشأ الحج من عامه فحج، أنه متمتع عليه ما على ~~المتمتع. # قوله: " وسبعة " الجمهور على جر " سبعة " عطفا على ثلاثة. ~~وقرأ زيد بن علي، وابن أبي عبلة: " وسبعة " بالنصب. وفيها ~~تخريجان: # أحدهما: قاله الزمخشري، وهو: أن يكون عطفا على محل " ~~ثلاثة " كأنه قيل: فصيام ثلاثة، كقوله: # أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما # [البلد: 14، 15]، يعني: أن المضاف إليه المصدر منصوب معنى بدليل ~~ظهور النصب فى " يتيما ". # والثاني: أن ينتصب بفعل محذوف تقديره: " فليصوموا " ، قال ~~أبو حيان " وهذا متعين؛ لأن العطف على الموضع يشترط فيه ~~وجود المحرز " يعني: على مذهب سيبويه. # قوله: " إذا رجعتم ": منصوب بصيام أيضا، وهي هنا لمحض ~~الظرف، وليس فيها معنى الشرط. # لا يقال: يلزم أن يعمل عامل واحد فى ظرفي زمان، لأن ~~ذلك جائز مع العطف والبدل، وهنا يكون عطف شيئين على شيئين، ~~فعطف " سبعة " على " ثلاثة " ، وعطف " إذ رجعتم " على " ~~في الحج ". # وفي قوله: " رجعتم " شيئان: # أحدهما التفات، والآخر الحمل على المعنى، أما الالتفات: فإن ~~قبله { فمن تمتع فمن لم يجد } ، فجاء بضمير الغيبة ~~عائدا على " من " ، فلو سيق هذا على نظم الأول لقيل: " إذا ~~رجع " بضمير الغيبة. وأما الحمل فلأنه أتى بضمير جمع؛ ~~اعتبارا بمعنى " من " ، ولو راعى اللفظ لأفرد، فقال: " رجع ". # فصل # اختلفوا فى المراد من الرجوع، فقيل: هو الرجوع إلى الأهل والوطن ~~وقال أبو حنيفة المراد من الرجوع: هو الفراغ من أعمال الحج، والأخذ ~~فى الرجوع، ويتفرع عليه أنه لو صام السبعة بعد الفراغ من ~~الحج، وقبل الوصول إلى بيته، لا تجزيه على الأول. وعن أبى حنيفة: ~~تجزيه. # حجة الأول: أنه تعالى جعل الرجوع ms1075 إلى الوطن شرطا، ~~وما لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط، ويؤكد ذلك أنه لو ~~مات قبل وصوله إلى الوطن، لم يلزمه شيء. وروى ابن عباس - ~~رضي الله عنهما - قال: # " لما قدمنا مكة المشرفة قال النبي - عليه السلام - ~~اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي. ~~فطفنا بالبيت، وبالصفا، والمروة، وأتينا النساء، ولبسنا ~~الثياب، ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج فإذا فرغنا ~~قال - عليه الصلاة والسلام - عليكم الهدي، فإن لم ~~تجدوا؛ فصيام ثلاثة أيام فى الحج، وسبعة إذا ~~رجعتم إلى أمصاركم " # ، وأيضا فإن الله - تعالى - أسقط صوم رمضان عن المسافر، ~~فصوم التمتع أخف شأنا منه. # وقوله: " تلك عشرة " مبتدأ وخبر، والمشار إليه هي السبعة ~~والثلاثة، ومميز السبعة والعشرة محذوف للعلم به. وقد أثبت تاء ~~التأنيث فى العدد مع حذف التمييز، وهو أحسن الاستعمالين، ويجوز إسقاط ~~التاء حينئذ، وفي الحديث: # " وأتبعه بست من شوال " # ، وحكى الكسائي: " صمنا من الشهر خمسا ". # وفي قوله: " تلك عشرة " - مع أن المعلوم أن الثلاثة ~~والسبعة عشرة - أقوال كثيرة لأهل المعاني، منها قول ابن عرفة: " إن ~~العرب إذا ذكرت عددين، فمذهبهم أن يجملوهما " ، وحسن هذا ~~القول الزمخشري بأن قال: " فائدة الفذلكة فى كل حساب: أن ~~يعلم العدد جملة كما يعلم تفصيلا، ليحتاط به من ~~جهتين، فيتأكد العلم " ، وفي أمثالهم " علمان خير من ~~علم ". قال ابن عرفة: " وإنما تفعل العرب ذلك؛ لأنها قليلة ~~المعرفة بالحساب " ، وقد جاء: " لا نحسب، ولا نكتب " ، ~~وورد ذلك في أشعارهم، قال النابغة:[الطويل] # 983 - توهمت آيات لها فعرفتها # لستة أيام وذا العام سابع # وقال الفرزدق: [الوافر] # 984 - ثلاث واثنتان فهن خمس # وسادسة تميل إلى شمام # وقال الأعشى: [الوافر] # 985 - ثلاث بالغداة فهن حسبي # وست حين يدركني العشاء # فذلك تسعة في اليوم ريي # وشرب المرء فوق الري داء # وقال آخرك [الوافر] # 986 - فسرت إليهم عشرين شهرا # وأربعة فذلك حجتان # وقال عليه السلام: " الشهر هكذا وهكذا وهكذا " ، ثم ~~أشار بيديه ثلاثا، وأمسك إبهامه فى الثالثة، منبها بالإشارة ~~الأولى على الثلاثين، وبالأخرى على تسعة وعشرين. # ومنها قال ms1076 المبرد: " فتلك عشرة: ثلاثة فى الحج وسبعة إذا ~~رجعتم فقدم وأخر " ، ومنها قال ابن الباذش: جيء بعشرة توطئة ~~للخبر بعدها، لا أنها هي الخبر المستقل بفائدة الإسناد كما ~~تقول: زيد رجل صالح " يعني أن المقصود الإخبار بالصلاح، وجيء ~~برجل توطئة، إذ معلوم أنه رجل. ومنها قال الزجاج: " جمع ~~العددين لجواز أن يظن أن عليه ثلاثة أو سبعة "؛ لأن ~~الواو قد تقوم مقام أو، ومنه: # مثنى وثلاث ورباع # [النساء: 3] فأزال احتمال التخيير، وهذا إنما يتمشى عند ~~الكوفيين؛ فإنهم يقيمون الواو مقام أو. وقال الزمخشري: " الواو قد ~~تجيء للإباحة فى قولك: " جالس الحسن وابن سيرين " ألا ترى ~~أنه لو جالسهما معا، أو أحدهما كان ممتثلا فجمع نفيا لتوهم ~~الإباحة " قال أبو حيان: " وفيه نظر، لأنه لا تتوهم ~~الإباحة؛ فإن السياق سياق إيجاب، فهو ينافي الإباحة، ~~ولا ينافي التخيير، فإن التخيير يكون فى الواجبات، ~~وقد ذكر النحويون الفرق بين التخيير، والإباحة ". # وقد ذكر ابن الخطيب قول الزمخشري هذا المتقدم، وذكر وجوها أخر: # منها: أن المعتاد أن يكون البدل أضعف حالا من المبدل، فبين الله ~~تعالى أن هذا البدل ليس كذلك، بل هو كامل فى كونه قائما مقام المبدل، ~~فيكون الصائم ساكن النفس إلى حصول الأجر الكامل من عند الله، وذكر ~~العشرة ليتوصل به إلى قوله " كاملة "؛ لأنه لو قال: " تلك ~~كاملة "؛ لجاز أن يراد به الثلاثة المفردة عن السبعة والسبعة ~~المفردة عن الثلاثة، فلا بد من ذكر العشرة. # وقوله: " كاملة " يحتمل بيان الكمال من ثلاثة أوجه: إما أن تكون ~~كاملة فى البدل عن الهدي قائمة مقامه لا تنقص عنه، أو أن ثوابها مثل ~~ثواب القادر على الهدي، أو أن حج المتمتع الصائم كاملا كحج من لم ~~يتمتع. # ومنها أن الله تبارك وتعالى لو قال أوجب عليكم صيام عشرة أيام، لم ~~يبعد أن يكون دليل يقتضي خروج بعض هذه الأيام، فإن تخصيص العام كثير في ~~الشرع، فلما قال " تلك عشرة " كان ذلك تنصيصا على أن المخصص لم ~~يوجد البتة، فيكون أقوى دلالة، وأبعد من ms1077 احتمال التخصيص والنسخ. # ومنها أن التوكيد طريقة مشهورة فى كلام العرب كقوله # ولكن تعمى القلوب التي في الصدور # [الحج: 46]، وقوله: # ولا طائر يطير بجناحيه # [الأنعام: 38] وفائدة التوكيد أن الكلام المعبر عنه بالعبارات ~~الكثيرة الشريفة وبالصفات الكثيرة، أبعد عن السهو والنسيان من ~~الكلام المعبر عنه بعبارة واحدة، وكونه معبرا عنه بعبارات كثيرة يدل ~~على كونه مشتملا على مصالح عظيمة، لا يجوز الإخلال بها، فإذا كان ~~التوكيد مشتملا على هذه الحكمة كان ذكره هنا دالا على رعاية هذا ~~العدد في هذا الصوم، فإنه من المهمات التي لا يجوز إهمالها ألبتة. # ومنها أن هذا الكلام يزيل الإبهام الذي في تصحيف الخط، فإن سبعة، ~~وتسعة متشابهان فى الخط، فلما قال بعده: " تلك عشرة كاملة ~~"؛ أزال هذا الاشتباه. # ومنها: أن قوله { فصيام ثلاثة أيام في الحج ~~وسبعة إذا رجعتم } يحتمل أن يكون المراد، أن يكون الواجب بعد ~~الرجوع أن يكمل صيام سبعة أيام، على أنه يحسب الثلاثة المتقدمة ~~منها، ويكمل عليها أربعة، فلما قال " تلك عشرة كاملة "؛ أزال ~~هذا الاشتباه. # ومنها أن قوله { فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة ~~إذا رجعتم } يحتمل أن يكون المراد: أن يكون الواجب بعد الرجوع ~~أن يكمل صيام سبعة أيام، على أنه يحسب الثلاثة المتقدمة منها، ~~ويكمل عليها أربعة، فلما قال " تلك عشرة "؛ أزال هذا الاحتمال. # ومنها: أن هذا خبر، ومعناه الأمر، أي: تلك عشرة فأكملوها ولا تنقصوها. # ومنها: أنه تعالى لما أمر بصيام ثلاثة أيام فى الحج وسبعة بعد ~~الرجوع، فليس فيه بيان أنه طاعة عظيمة كاملة، فلما قال بعده: { ~~تلك عشرة كاملة } دل ذلك على أن هذه الطاعة فى غاية ~~الكمال؛ وذلك لأن الصوم مضاف إلى الله تعالى بلام الاختصاص كما قال: ~~" الصوم لي " ، والحج أيضا مضاف إلى الله تعالى بلام الاختصاص كما ~~قال { وأتموا الحج والعمرة لله } ، فكما دل ~~النص على مزيد اختصاص هاتين العبادتين بالله - سبحانه وتعالى -، ~~فالفعل دل أيضا على ذلك. # أما فى الصوم فلأنه عبادة لا يطلع العقل على وجه الحكمة فيها ~~ألبتة، وهو ms1078 مع ذلك شاق على النفس جدا، فلا جرم لا يؤتى به إلا ~~لمحض مرضاة الله - تعالى - ثم إن صوم هذه تعني الانقياد له. # وكذا الحج عبادة لا يطلع العقل على وجه الحكمة فيها ألبتة، وهو مع ~~ذلك شاق جدا؛ لأنه يوجب مفارقة الأهل، والولد والتباعد عن أكثر ~~اللذات، فلا جرم لا يؤتى به إلا لمحض مرضاة الله تعالى، ثم إن ~~صوم هذه الأيام العشرة بعضه واقع في زمن الحج، فيكون جمعا بين شيئين ~~شاقين جدا، وبعضه واقع بعد الفراغ من الحج، وهو انتقال من شاق ~~إلى شاق، ومعلوم أن ذلك سبب لكثرة الثواب، وعلو الدرجة، فلا ~~جرم لما أوجب الله - تعالى - صيام هذه الأيام العشرة، شهد سبحانه على ~~أنها عبادة كاملة فى غاية الكمال والعلو، فقال تعالى: { تلك ~~عشرة كاملة } ، أي: وإنها كاملة. # قوله: " ذلك لمن " " ذلك " مبتدأ، والجار بعده الخبر. وفي ~~اللام قولان: # أحدهما: أنها على بابها، أي: ذلك لازم لمن. # والثاني: أنها بمعنى على، كقوله: # أولئك لهم اللعنة # [الرعد: 25]، وقال عليه السلام: # " اشترطي لهم الولاء " # ، أي: عليهم، وقوله تعالى: # وإن أسأتم فلها # [الإسراء: 7] أي: فعليها، وذلك إشارة إلى التمتع، والقران للغريب ~~[ولا حاجة إلى هذا. و " من " يجوز أن تكون موصولة، وموصوفة. و " ~~حاضري " خبر " يكن " ، وحذفت نونه للإضافة]. # فصل # قوله: " ذلك " إشارة إلى أمر تقدم، وأقرب الأمور المذكورة، ذكر ما ~~يلزم المتمتع من الهدي وبدله. # وقال بعض العلماء: لزوم الهدي وبدله للمتمتع مشروط بألا يكون من ~~حاضري المسجد الحرام، فإن كان من أهل الحرم، فلا يلزمه هدي المتمتع، ~~وإنما لزم الآفاقي، لأنه كان يجب عيله أن يحرم بالحج من الميقات، ~~فلما أحرم بالعمرة من الميقات، ثم أحرم بالحج من غير الميقات، فقد حصل ~~هناك خلل، فجبر بالدم، بدليل أنه لو رجع، فأحرم بالحج أيضا من ~~الميقات؛ لما يلزمه دم، والمكي ميقاته موضعه، فلا يقع فى حجه خلل ~~من جهة الإحرام، فلا هدي عليه. # وقال أبو حنيفة - رضي الله عنه -: قوله " ذلك " إشارة إلى الأبعد ~~وهو ذكر التمتع، ms1079 وعنده لا متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام، ومن تمتع ~~أو قرن، كان عليه دم جناية لا يأكل منه. # حجة القول الأول وجوه: # أحدها: قوله تعالى { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج } ~~عام يدخل فيه الحرمي، وغيره. # وثانيهما: أن الإشارة يجب عودها إلى أقرب مذكور، وهو وجوب الهدي، فإذا ~~خص وجوب الهدي بالمتمتع الآفاقي؛ لزم القطع بأن غير الآفاقي قد يكون ~~أيضا متمتعا. # وثالثها: أن الله تعالى شرع القران والمتعة تبيينا لنسخ ما كان عليه ~~أهل الجاهلية في تحريمهم العمرة في أشهر الحج، والنسخ ثبت فى حق ~~الناس كافة. # حجة أبي حنيفة: أن قوله: " ذلك " كناية؛ فوجب عودها إلى كل ما ~~تقدم، لأنه ليس البعض أولى من البعض. # والجواب أن عوده إلى الأقرب أولى، لأن القرب سبب للرجحان، ~~ومذهبكم أن الاستثناء المذكور عقيب الجمل مختص بالجملة الأخيرة، ~~وإنما تميزت تلك الجملة عن سائر الجمل بسبب القرب، فكذا ها هنا. # فصل # اختلفوا فى حاضري المسجد الحرام، فذهب قوم إلى أنهم أهل مكة، وهو ~~قول مالك - رحمه الله -. # وقال ابن جريج: أهل عرفة والرجيع وضجنان. # وقال الشافعي - رحمه الله -: كل من كان وطنه من مكة على أقل من ~~مسافة القصر، فهو من حاضري المسجد الحرام. # وقال عكرمة: من كان دون الميقات. # وقيل هم أهل الميقات فما دونه، وهو قول أصحاب الرأي. # وقال طاوس: الحرم كله، وهو قول الشافعي، وأحمد لقوله تعالى: # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصى # [الإسراء: 1] وإنما أسرى به من الحرم من بيت أم هانئ لا من المسجد، ~~وقال # ثم محلهآ إلى البيت العتيق # [الحج: 33]، والمراد الحرم؛ لأن الدماء لا تراق في البيت، والمسجد ~~الحرام إنما وصف بهذا؛ لأن أصل الحرام المنع، والمحرم: ممنوع من ~~المكاسب، والمسجد الحرام ممنوع أن يفعل فيه ما منع من فعله. # قال الفراء: يقال حرام، وحرم مثل: زمان وزمن، وذكر حضور الأهل، ~~والمراد حضور المحرم، لا حضور الأهل، لأن الغالب على الرجل أنه يسكن ~~حيث أهله ساكنون فلو خرج المكي إلى ms1080 الآفاق، وأهله بمكة، ثم عاد ~~متمتعا؛ لزمه هدي التمتع، ولا أثر لحضور أهله في المسجد الحرام. # وقيل المراد بقوله: { لمن لم يكن أهله } ، أي يكون أهلا ~~لهذه العبادة. # فصل # ودم القران كدم التمتع، فالمكي إذا قرن، أو تمتع، فلا هدي عليه. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما - قوله: يريد فيما فرضه عليكم، { ~~واعلموا أن الله شديد العقاب } لمن تهاون بحدوده. # وقال أبو مسلم: العقاب والمعاقبة سيان، وهو مجازاة المسيء على ~~إساءته، وهو مشتق من العاقبة، كأنه يراد عاقبة فعل المسيء، كقول ~~القائل: لتذوقن ما ذوقت، و " شديد العقاب " من باب إضافة الصفة ~~المشبهة إلى مرفوعها، وقد تقدم أن الإضافة لا تكون إلا من نصب، ~~والنصب والإضافة أبلغ من الرفع؛ لأن فيها إسناد الصفة للموصوف، ~~ثم ذكر من هي له حقيقة، والرفع إنما فيه إسنادها، دون إسناد إلى ~~موصوف لمن هي له حقيقة. ### || [2.197] # " الحج " مبتدأ، و " أشهر " خبره، والمبتدأ والخبر لا بد أن ~~يصدقا على ذات واحد، و " الحج " فعل من الإفعال، و " أشهر " ~~زمان، فيهما غيران، فلا بد من تأويل، وفيه ثلاثة احتمالات: # أحدها: أنه على حذف مضاف من الأول، تقديره: أشهر الحج أشهر ~~معلومات. أي: لا حج إلا في هذه الأشهر ولا يجوز في غيرها، كما كان ~~يفعله أهل الجاهيلة في غيرها، كقوله البرد شهران، أي: وقت البرد شهران. # الثاني: الحذف من الثاني تقديره: الحج حج أشهر، فيكون حذف من كل ~~واحد ما أثبت نظيره. # الثالث: أن تجعل الحدث نفس الزمان مبالغة، ووجه المجاز كونه حالا ~~فيه، فلما اتسع في الظرف جعل نفس الحدث، ونظيره: # وحمله وفصاله ثلاثون شهرا # [الأحقاف: 15] وإذا كان ظرف الزمان نكرة مخبرا به عن حدث، جاز فيه ~~الرفع والنصب مطلقا، أي: سواء كان الحدث مستوعبا للظرف، أم لا، ~~هذا مذهب البصريين. # وأما الكوفيون فقالوا: إن كان الحدث مستوعبا، فالرفع فقط نحو: " ~~الصوم يوم " ، وإن لم يكن مستوعبا، فهشام يلتزم رفعه أيضا نحو: " ~~ميعادك يوم " والفراء يجيز نصبه مثل البصريين، وقد نقل عنه ~~أنه منع ms1081 نصب " أشهر " ، يعني: في الآية الكريمة، لأنها نكرة، فيكون ~~له في المسألة قولان، وهذه مسألة طويلة. # قال ابن عطية: " ومن قدر الكلام: الحج في أشهر، فيلزمه مع ~~سقوط حرف الجر نصب الأشهر، ولم يقرأ به أحد " قال ~~أبو حيان رحمه الله: ولا يلزم ذلك؛ لأن الرفع على جهة ~~الاتساع، وإن كان أصله الجر ب " في ". # فصل # أجمع المفسرون على أن شوالا، وذا القعدة، من أشهر الحج، واختلفوا ~~فى ذي الحجة فقال عروة بن الزبير: إنها بكليتها من أشهر الحج وهو قول ~~مالك، وداود. # وقال أبو حنيفة: العشر الأول من ذي الحجة من أشهر الحج؛ وهو قول ابن ~~عباس، وابن عمر، والنخعي، والشعبي، ومجاهد، والحسن. # وقال الشافعي - رحمه الله - التسعة الأول، مع ليلة النحر من أشهر ~~الحج. # حجة الأول: أن الأشهر جمع، وأقله ثلاثة، وأيضا فإن أيام ~~النحر يفعل فيها بعض ما يتصل بالحج: من رمي الجمار، والذبح، ~~والحلق، وطواف الزيارة، والبيتوتة يعني ليالي منى، وإذا حاضت المرأة، ~~فقد تؤخر الطواف الذي لا بد منه إلى انقضاء أيام بعد العشرة. ~~ومذهب عروة تأخير طواف الزيارة إلى آخر الشهر. # والجواب أن لفظ الجمع يشترك فيه ما وراء الواحد؛ بدليل قوله: # فقد صغت قلوبكما # [التحريم: 4]. وقال - عليه السلام: # " الاثنان فما فوقهما جماعة " # وأيضا فإنه نزل بعض الشهر منزلة كله، فإن العرب تسمي الوقت ~~تاما بقليله، وكثيره، يقال زرتك سنة كذا، وأتيتك يوم الخميس، وإنما ~~زاره، وأتاه في بعضه، وأيضا فإن الجمع ضم شيء إلى شيء، فإذا جاز ~~أن يسمى الاثنان جماعة، جاز أن يسمى الاثنان، وبعض الثالث جماعة، ~~وأما رمي الجمار، فإنما يفعله الإنسان، وقد حل بالحلق والطواف، ~~والنحر، فكأنه ليس من أعمال الحج، والحائض إذا طافت بعده، فكأنه في ~~حكم القضاء، لا في حكم الأداء. # حجة الثاني: أن المفسرين قالوا: أن يوم الحج الأكبر، هو يوم ~~النحر، لأن معظم أفعال الحج يفعل فيه: من طواف الزيارة؛ الذي هو ركن ~~في الحج، والرمي، والذبح، والحلق، فدخوله في أيام الحج أولى. # حجة الشافعي - رحمه ms1082 الله تعالى -:أن الحج يفوت بطلوع الفجر يوم ~~النحر، والعبادة لا تفوت مع بقاء وقتها. # فصل # قال بعض العلماء: لا يجوز أن يهل بالحج قيل أشهر الحج، وهو قول ابن ~~عباس، وجابر، وبه قال عطاء، وطاوس، ومجاهد، وإليه ذهب الأوزاعي، ~~والشافعي، وأحمد فى رواية، وإسحاق. # وقال مالك، والثوري وأبو حنيفة - رضي الله عنه - يجوز. # حجة الأول: قوله: { الحج أشهر معلومات }. # جمع الأشهر جمع تقليل، على سبيل التنكير؛ لا يتناول الكل، وأكثر ~~الجمع إلى عشرة، وأدناه إلى ثلاثة، وعند التنكير ينصرف إلى الأدنى، ~~واتفق المفسرون على أن تلك الثلاثة، شوال وذو القعدة، وبعض ذي ~~الحجة. # وإذا تقرر هذا، وجب ألا يجوز الإحرام بالحج قبل الوقت؛ لأن ~~الإحرام بالعبادة قبل وقت أدائها لا يصح؛ كالصلاة، وخطبة الجمعة قبل ~~الوقت. # حجة الثاني: قوله تعالى: # يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس ~~والحج # [البقرة: 189]، فجعل الأهلة كلها مواقيت الحج، وليس مواقيتا ~~للأداء، فثبت أنها مواقيت لصحة الإحرام، ويجوز أن يسمى الإحرام ~~حجا؛ مجازا، كما سمي الوقت حجا في قوله: " الحج أشهر " بل ~~هنا أولى؛ لأن الإحرام أقرب إلى الحج من الوقت. وقد اشتهر بين أكابر ~~الصحابة أنهم قالوا: إتمام الحج والعمرة أن يحرم بهما من دويرة ~~أهله، ومن يكن منزله بعيدا يجب أن يكون في المشرق أو في المغرب، فلا ~~بد وأن يحرم بالحج قبل أشهر، وأيضا فإن الإحرام التزام بالحج، ~~فجاز تقديمه على الوقت؛ كالنذر. # وأجاب الأولون عن قوله: { يسألونك عن الأهلة } بأن ~~قوله " الحج أشهر " أخص منها، وفرقوا بين النذر، والإحرام: ~~بأن الوقت معتبر للأداء، ولا اتصال للنذر بالأداء، بدليل أن الأداء ~~لا يتصور إلا بعقد مبتدأ، والإحرام مع كونه التزاما، فهو شروع في ~~الأداء، وعقد عليه؛ فلا جرم افتقر إلى الوقت. # فصل # قوله: " معلومات " أي: معلومات عندهم، مقررة لبيان الشرع، بخلاف ~~مرادهم بها. أو معلومات ببيان الرسول عليه الصلاة والسلام وأنها ~~مؤقتة في أوقات معينة، لا يجوز تقديمها ولا تأخيرها، كما فعلوه في ~~النسيء. # قوله: { فمن فرض فيهن الحج }. # يجوز في ms1083 " من " أن تكون شرطية، وأن تكون موصولة، كما تقدم في ~~نظائرها، و " فيهن " متعلق ب " فرض ". والضمير في " فيهن ~~" يعود على " أشهر " وجيء به كضمير الإناث، لما تقدم من أن جمع غير ~~العاقل في القلة يعامل معاملة جمع الإناث على الأفصح؛ فلذلك جاء " ~~فيهن " دون " فيها " ، وهذا بخلاف قوله: # منهآ أربعة حرم # [التوبة: 36] لأنه هناك جمع كثرة. # وفرض في اللغة: ألزم وأوجب، يقال فرضت عليك كذا، أي: أوجبته، وأصل ~~الفرض في اللغة: التأثير والحز والقطع. # قال ابن الأعرابي - رحمه الله تعالى -: الفرض الحز في القدح، [وفي ~~الوتد، وفي غيره]، وفرضة القوس: الحز الذي فيه الوتر، وفرضه الوتد ~~الحز الذي فيه، ومنه فرض الصلاة؛ لأنها لازمة للعبد كلزوم الحز ~~للقدح، ففرض ها هنا - بمعنى: أوجب، وقد جاء في القرآن " فرض " بمعنى ~~أبان؛ قال تعالى: # سورة أنزلناها وفرضناها # [النور: 1] بالتخفيف، وقوله: # قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم # [التحريم: 2]. راجع إلى معنى القطع؛ لأن من قطع شيئا، فقد أبانه من ~~غيره، والله تعالى إذا فرض شيئا، أبانه عن غيره، ففرض بمعنى: أوجب: ~~وفرض: بمعنى أبان؛ كلاهما راجع إلى أصل واحد؛ ومن ها هنا فرق بعضهم ~~بين الفرض والواجب، فقالوا: # الفرض ما ثبت بدليل قطعي؛ لأن أصله القطع، وسماه بالركن. # والواجب ما ثبت بدليل ظني، وجعل الفرض لا يسامح به، عمدا ولا سهوا، ~~وليس له جابر، والواجب ما يجبر ويسامح فيه العباد لسهوة، قال أبو العباس ~~المقرىء: ورد لفظ " فرض " في القرآن بإزاء خمسة معان: الأول: فرض ~~بمعنى أوجب، كهذه الآية الكريمة، ومثله: # فنصف ما فرضتم # [البقرة: 237] أي أوجبتم. # الثاني: فرض بمعنى بين، قال تعالى: # قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم # [التحريم: 2] ومثله # سورة أنزلناها وفرضناها # [النور: 1]. # الثالث: فرض: بمعنى أحل؛ قال تعالى: # ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له # [الأحزاب: 38] أي أحل. # الرابع: فرض: بمعنى أنزل؛ قال تعالى: # إن الذي فرض عليك # [القصص: 85] أي: أنزل. # الخامس: الفرض: الفريضة في قسمة المواريث؛ كما قال تبارك وتعالى: # فريضة من الله # [النساء: 11]. # فصل ms1084 # قوله: { فمن فرض فيهن الحج } يدل على أنه لا بد ~~للمحرم من فعل يفعله؛ يصير به محرما وحاجا، واختلفوا في ذلك الفعل. # فقال الشافعي، وأحمد: ينعقد الإحرام بمجرد النية، من غير حاجة ~~إلى التلبية. # وقال أبو حنيفة: لا يصح الشروع في الإحرام بمجرد النية؛ حتى يضم ~~إليه التلبية أو سوق الهدي. # وقال القفال في تفسيره: ويروى عن جماعة من العلماء؛ أن من أشعر هديه ~~أو قلده، فقد أحرم، وروى نافع عن ابن عمر أنه قال: إذا قلد أو أشعر، ~~فقد أحرم، وعن ابن عباس: إذا قلد الهدي وصاحبه يريد العمرة أو الحج، ~~فقد أحرم. # قوله: { فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج } إما ~~جواب الشرط، وإما زائدة في الخبر على حسب القولين المتقدمين. وقرأ ~~أبو عمر وابن كثير: بتنوين " رفث " و " فسوق " ، ورفعهما، وفتح " ~~جدال ". # والباقون: بفتح الثلاثة. # وأبو جعفر - ويروى عن عاصم - برفع الثلاثة والتنوين. # فأما قراءة الرفع ففيها وجهان: # أظهرهما: أن " لا " ملغاة، وما بعدها رفع بالابتداء، وسوغ الابتداء ~~بالنكرة؛ تقدم النفي عليها، و " في الحج " خبر المبتدأ الثالث، وحذف ~~خبر الأول، والثاني؛ لدلالة خبر الثالث عليهما، أو يكون " في الحج " خبر ~~الأول، وحذف خبر الثاني، والثالث؛ لدلالة خبر الأول عليهما، ~~ويجوز أن يكون " في الحج " خبر الثلاثة، ولا يجوز أن يكون " في ~~الحج " خبر الثاني، وحذف خبر الأول، والثالث؛ لقبح مثل هذا ~~التركيب، ولتأديته إلى الفصل. # والثاني: أن تكون " لا " عاملة عمل ليس، ولعملها عمل ليس شروط: تنكير ~~الاسم، وألا يتقدم الخبر، ولا ينتقض النفي؛ فيكون " رفث " ~~اسمها، وما بعده عطف عليه، و " في الحج " الخبر على حسب ما تقدم ~~من التقادير فيما قبله. # وخرجه ابن عطية بهذا الوجه، وهو ضعيف؛ لأن إعمال " لا " عمل ليس لم ~~يقم عليه دليل صريح، وإنما أنشدوا أشياء محتملة، أنشد سيبويه: [مجزوء ~~الكامل] # 987 - من صد عن نيرانها # فأنا ابن قيس لا براح # وأنشد غيره: [الطويل] # 988 - تعز فلا شيء على الأرض باقيا # ولا وزر مما قضى الله واقيا # وقول ms1085 الآخر: [البسيط] # 989 - أنكرتها بعد أعوام مضين لها # لا الدار دارا ولا الجيران جيرانا # وأنشد ابن الشجري: [الطويل] # 990 - وحلت سواد القلب لا أنا باغيا # سواها ولا في حبها متراخيا # وللكلام على الأبيات موضع غير هذا. # وأما من نصب الثلاثة منونة فتخريجها على أن تكون منصوبة على المصدر ~~بأفعال مقدرة من لفظها، تقديره: فلا يرفث رفثا، ولا يفسق ~~فسوقا ولا يجادل جدالا، وحينئذ فلا عمل ل " لا " فيما بعدها، ~~وإنما هي نافية للجمل المقدرة، و " في الحج " متعلق بأي ~~المصادر الثلاثة شئت، على أن المسألة من التنازع، ويكون هذا دليلا ~~على تنازع أكثر من عاملين، وقد يمكن أن يقال: إن " لا " هذه هي التي ~~للتبرئة على مذهب من يرى أن اسمها معرب منصوب، وإنما حذف تنوينه؛ ~~تخفيفا، فرجع الأصل في هذه القراءة الشاذة كما رجع في قوله: [الوافر] # 991 - ألا رجلا جزاه الله خيرا # .............................. # وقد تقدم تحريره. # وأما قراءة الفتح فى الثلاثة فهي " لا " التي للتبرئة. وهل فتحة ~~الاسم فتحة إعراب أم بناء؟ فيه قولان، الجمهور على أنها فتحة بناء، ~~وإذا بني معها، فهل المجموع منها، ومن اسمها في موضع رفع بالابتداء، وإن ~~كانت عاملة فى الاسم النصب على الموضع وما بعدها، ولا خبر لها؟ أو ليس ~~المجموع فى موضع مبتدأ، بل " لا " عاملة في الاسم النصب على الموضع، ~~وما بعدها خبر ل " لا "؛ لأنها اجريت مجرى " أن " فى نصب الاسم، ~~ورفع الخبر؟ قولان: # الأول: قول سيبويه. # والثاني: قول الأخفش. وعلى هذين المذهبين، يترتب الخلاف فى قوله: " ~~في الحج " ، فعلى مذهب سيبويه: يكون فى موضع خبر المبتدأ، وعلى رأي ~~الأخفش: يكون فى موضع خبر " لا " ، وقد تقدم شيء من هذا أول الكتاب. # وأما من رفع الأولين، وفتح الثالث: فالرفع على ما تقدم، وكذلك ~~الفتح، إلا أنه ينبغي أن ينبه على شيء: وهو أنا قلنا بمذهب سيبويه ~~من كون " لا " وما بني معها في موضع المبتدأ، يكون " في الحج " خبرا عن ~~الجميع؛ إذ ليس فيه إلا عطف مبتدأ على مبتدأ، وأما ms1086 على مذهب الأخفش، ~~فلا يجوز أن يكون " في الحج " إلا خبرا للمبتدأين، أو خبرا ل " لا ~~". لا يجوز أن يكون خبرا للكل؛ لاختلاف الطالب؛ لأن المبتدأ يطلبه ~~خبرا له، ولا يطلبه خبرا لها. # وإنما قرئ كذلك، قال الزمخشري: " لأنهما حملا الأولين على ~~معنى النهي، كأنه قيل: فلا يكونن رفث ولا فسوق، والثالث على ~~معنى الإخبار بانتفاء الجدال، كأنه قيل: ولا شك ولا خلاف في ~~الحج " ، واستدل على أن المنهي عنه هو الرفث والفسوق دون الجدال، ~~بقوله عليه السلام: # " من حج فلم يرفث ولم يفسق... " # وأنه لم يذكر الجدال. وهذا الذي ذكره الزمخشري سبقه إليه صاحب هذه ~~القراءة؛ إلا أنه أفصح عن مراده، قال أبو عمرو بن العلاء - أحد قارئيها ~~-: الرفع بمعنى فلا يكون رفث ولا فسوق؛ أي شيء يخرج من ~~الحج، ثم ابتدأ النفي فقال: " ولا جدال " ، فأبوا عمرو لم يجعل النفيين ~~الأولين نهيا، بل تركهما على النفي الحقيقي. # فمن ثم، كان في قوله هذا نظير؛ فإن جملة النفي بلا التبرئة، قد يراد ~~بها النهي أيضا، وقيل ذلك فى قوله تعالى: # لا ريب فيه # [البقرة: 2]. والذي يظهر فى الجواب عن ذلك، ما نقله أبو عبد الله الفاسي ~~عن بعضهم فقال: " وقيل: الحجة لمن رفعهما أن النفي فيهما ~~ليس بعام؛ إذ قد يقع الرفث، والفسوق فى الحج من بعض الناس، ~~بخلاف نفي الجدال في أمر الحج؛ فإنه عام؛ لاستقرار ~~قواعده ". # قال شهاب الدين. وهذا يتمشى على عرف النحويين، فإنهم يقولون: " ~~لا " العاملة عمل " ليس " لنفي الوحدة، والعاملة عمل " إن " لنفي ~~الجنس، قالوا: ولذلك يقال: لا رجل فيها، بل رجلان، أو رجال؛ إذا رفعت، ~~ولا يحسن ذلك إذا بنيت اسمها أو نصبت بها. # وتوسط بعضهم فقال: التي للتبرئة نص في العموم، وتلك ليس نصا. # والظاهر أن النكرة في سياق النفي مطلقا للعموم، وقد تقدم معنى ~~الرفث فى قوله: # أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسآئكم # [البقرة: 187] قال ابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر: هو الجماع، وهو قول ~~الحسن، ومجاهد، وعمرو بن دينار، ms1087 وقتادة، وعكرمة، والنخعي، والربيع. # وروي عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: الرفث: ~~غشيان النساء، والتقبيل، والغمز، وأن يعرض لها بالفحش من الكلام. # وقال طاوس: هو التعريض للنساء بالجماع، وذكره بين أيديهن. # وقال عطاء: الرفث: هو قول الرجل للمرأة فى حال الإحرام: إذا حللت، ~~أصبتك. # وقيل الرفث: الفحش، والفسق وقد تقدم في قوله: # وما يضل به إلا الفاسقين # [البقرة: 26]. وقرأ عبد الله " الرفوث " وهو مصدر بمعنى الرفث. # وقوله: " فلا رفث " وما في حيزه فى محل جزم، إن كانت " من " ~~شرطية، ورفع، إن كانت موصولة، وعلى كلا التقديرين، فلا بد من رابط ~~يرجع إلى " من "؛ لأنها إن كانت شرطية، فقد تقدم أنه لا بد من ~~ضمير يعود على اسم الشرط، وإن كانت موصولة، فهي مبتدأ والجملة خبرها، ولا ~~رابط فى اللفظ، فلا بد من تقديره، وفيه احتمالان: # أحدهما: أن تقديره: ولا جدال منه، ويكون " منه " صفة ل " جدال " ، ~~فيتعلق بمحذوف، فيصير نظيره قولهم: " السمن منوان بدرهم " ~~تقديره: منوان منه. # والثاني: أن يقدر بعد " الحج " تقديره: ولا جدال في الحج منه، أو: ~~له. ويكون هذا الجار في محل نصب على الحال من " الحج ". # وللكوفيين في هذا تأويل آخر: وهو أن الألف واللام نابت مناب الضمير، ~~والأصل: في حجه، كقوله: # وأما من خاف مقام ربه # [النازعات: 40] ثم قال: # فإن الجنة هي المأوى # [النازعات:41] أي: مأواه. # وكرر الحج؛ وضعا للظاهر موضع المضمر تفخيما، كقوله: [الخفيف] # 992 - لا أرى الموت يسبق الموت شيء # .......................... # وكأن نظم الكلام يقتضي: " فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ~~فيه " ، وحسن ذلك في الآية الكريمة الفصل بخلاف البيت. # والجدال مصدر " جادل ". والجدال: أشد الخصام، مشتق من الجدالة، ~~وهي الأرض؛ كأن كل واحد من المتجادلين يرمي صاحبه بالجدالة. # قال القائل: [الرجز] # 993 - قد أركب الآلة بعد الآله # واترك العاجز بالجداله # ومنه " الأجدل " للصقر؛ لشدته. # وقال القائل: [الكامل] # 994 -....................... # يهوي محاربها هوي الأجدل # والجدل: فتل الحبل، ومنه زمام مجدول، أي: محكم الفتل. # فصل # قد تقدم أن الفسق: هو الخروج ms1088 عن الطاعة، واختلف المفسرون فيه، ~~فحمله أكثر المحققين على كل المعاصي، وهذا قول ابن عباس - رضي الله ~~عنهما -، وطاوس، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، والزهري، والربيع، ~~والقرظي، قالوا: لأن اللفظ صالح للكل، والنهي عن الشيء يوجب ~~الانتهاء عن جميع أنواعه؛ ويؤكده قوله تعالى # ففسق عن أمر ربه # [الكهف: 50]، وقوله: # وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان # [الحجرات: 7]. # وذهب بعضهم إلى أن المراد منه بعض أنواعه، ثم ذكروا وجوها. # أحدها: قال الضحاك: المراد التنابز بالألقاب؛ لقوله تعالى: # ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد ~~الإيمان # [الحجرات: 11]. والثاني: قال عطاء، ومجاهد، وإبراهيم النخعي: المراد ~~السباب، لقوله - عليه السلام - # " سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر " # الثالث: أن المراد منه الإيذاء، والإفحاش؛ قال تعالى: # ولا يضآر كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه ~~فسوق بكم # [البقرة: 282]. # الرابع: قال ابن زيد: هو الذبح للأصنام؛ فإنهم كانوا فى حجهم ~~يذبحون لأجل الأصنام قال تعالى: # ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ~~وإنه لفسق # [الأنعام: 121]، وقوله: # أو فسقا أهل لغير الله به # [الأنعام: 145]. # الخامس: قال ابن عمر: هو قتل الصيد، وسائر محظورات الإحرام. # وأما الجدال: فهو " فعال " من المجادلة، الذي هو الفتل، يقال: ~~زمام مجدول وجديل، أي: مفتول، والجديل: اسم للزمان؛ لأنه لا يكون ~~إلا مفتولا، وسميت المخاصمة مجادلة لأن كل واحد من الخصمين يروم ~~أن يفتل صاحبه عن رأيه. وذكر المفسرون فيه وجوها: # أحدها: قال ابن مسعود، وابن عباس، والحسن: هو الجدال الذي يخاف معه ~~الخروج إلى السباب، والتكذيب، والتجهيل. وهو قول عمرو بن دينار، ~~وسعيد بن جبير، وعكرمة، والزهري، وعطاء، وقتادة. # الثاني: قال محمد بن كعب القرظي: إن قريشا كانوا إذا اجتمعوا ~~بمنى قال بعضهم: حجنا أتم. وقال آخرون: بل حجنا أتم، ~~فنهاهم الله عن ذلك. # الثالث: قال القاسم بن محمد: هو أن يقول بعضهم: الحج اليوم، ~~ويقول بعضهم: الحج غدا، وذلك بأنهم أمروا بأن يجعلوا حساب ~~الشهور على الأهلة، فكان بعضهم يجعل الشهور على الأهلة، ~~وآخرون يجعلونها بالعدد فلهذا السبب؛ كانوا يختلفون. # الرابع: قال مقاتل، والقفال: هو ms1089 ما جادلوا فيه النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - حين أمرهم بنسخ الحج إلى العمرة، إلا من قلد ~~الهدي، قالوا: كيف نجعلها عمرة، وقد سمينا الحج؟! فهذا ~~جدالهم. # الخامس: قال مالك في " الموطأ ": الجدال في الحج أن قريشا كانوا ~~يقفون عن المشعر الحرام في المزدلفة بقزح وغيرها يقف بعرفات، ~~وكل منهم يزعم أن موقفه موقف إبراهيم، ويقول عليه الصلاة والسلام ~~نحن أصوب؛ فقال الله تعالى: # لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ~~ينازعنك في الأمر وادع إلى ربك إنك لعلى ~~هدى مستقيم وإن جادلوك فقل الله أعلم بما ~~تعملون # [الحج: 67 - 68] قال مالك: هذا هو الجدال فيما يروى والله أعلم. # السادس: قال ابن زيد: كانوا يقفون مواقف مختلقة، فبعضهم يقف ~~بعرفة، وبعضهم بالمزدلفة، وبعضهم حج في ذي القعدة، وبعضهم في ذي ~~الحجة، وكل يقول: ما فعلته هو الصواب؛ فقال تعالى: { ولا ~~جدال في الحج } ، أي: استقر أمر الحج على ما فعله ~~الرسول - عليه السلام - فلا اختلاف فيه من بعد ذلك، وذلك معنى قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - # " ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق ~~الله السموات والأرض ". # قال مجاهد: معناه: لا شك في الحج أنه في ذي الحجة، فأبطل ~~الله النسيء. # قال أهل المعاني: ظاهر الآية الكريمة نفي ومعناه نهي، أي لا ~~ترفثوا، ولا تفسقوا ولا تجادلوا؛ كقوله تعالى # لا ريب فيه # [البقرة: 3] أي: لا ترتابوا. # قال القاضي: قوله تعالى: { فلا رفث ولا فسوق ولا جدال ~~في الحج } يحتمل أن يكون خبرا، وأن يكون نهيا، كقوله: { لا ~~ريب فيه } ، أي: لا ترتابوا فيه، وظاهر اللفظ للخبر، فإذا ~~حملناه على الخبر كان معناه: أن الحجة لا تثبت مع واحدة من هذه ~~الخلال، بل تفسد؛ كالضد لها وهي مانعة من صحته، وعلى هذا ~~الوجه لا يستقيم المعنى؛ إلا أن يراد بالرفث، الجماع [المفسد ~~للحج، ويحمل الفسوق على الزنا؛ لأنه يفسد الحج، ويحمل ~~الجدال على الشك في وجوب الحج]؛ لأن ذلك يكون كفرا، فلا ~~يصح معه الحج، وإنما حملنا هذه الألفاظ على ms1090 هذه المعاني؛ حتى ~~يصح خبر الله بأن هذه الأشياء لا توجد مع الحج. # فصل # قال ابن العربي: المراد بقوله: " فلا رفث " نفيه ~~مشروعا لا موجودا، فإنا نجد الرفث فيه حسا، وخبر ~~الله تعالى لا يجوز أن يقع بخلاف مخبره، وإنما يرجع النفي ~~إلى وجوده مشروعا لا إلى وجوده محسوسا؛ كقوله تعالى: # والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء # [البقرة: 228] أي: مشروعا لا حسا، فإنا نجد المطلقات لا ~~يتربصن؛ فعاد النفي إلى الحكم الشرعي لا إلى الوجود الحسي؛ ~~وهو كقوله تعالى: # لا يمسه إلا المطهرون # [الواقعة: 79] إذا قلنا: إنه وارد فى الآدميين؛ وهو الصحيح، ~~فإن معناه لا يمسه أحد منهم شرعا، فإن وجد المس، فعلى ~~خلاف حكم الشرع، وهذه الدقيقة فاتت العلماء فقالوا: إن الخبر ~~يكون بمعنى النهي، وما وجد ذلك قط، ولا يصح أن يوجد؛ ~~فإنهما مختلفان حقيقة، ومتضادان وصفا. # فصل # قال ابن الخطيب - رحمه الله تعالى - فإن قيل أليس أن مع هذه الأشياء ~~يصير الحج فاسدا ويجب على صاحبه المضي فيه، وإذا كان الحج ~~باقيا معها، لم يصدق الخبر لأن هذه الأشياء لا توجد مع الحجة؟ # قلنا المراد من الآية الكريمة حصول المضادة بين هذه الأشياء، وبين ~~الحجة المأمور بها ابتداء، وتلك الحجة الصحيحة لا تبقى مع هذه ~~الأشياء؛ بدليل أنه يجب قضاؤها، والحجة الفاسدة التي يجب عليه ~~المضي فيها شيء آخر سوى تلك الحجة المأمور بها ابتداء، وأما ~~الجدال الحاصل بسبب الشك في وجوب الحج، فظاهره أنه لا يبقى ~~معه عمل الحج؛ لأن ذلك كفر وعمل الحج مشروط بالإسلام، فثبت ~~أنا إذا حملنا اللفظ على الخبر، وجب حمل الرفث والفسوق ~~والجدال على ما ذكرنا، وأما إذا حملناه على النهي، وهو في ~~الحقيقة عدول عن الظاهر، فقد يصح أن يراد بالرفث الجماع ~~ومقدماته، وقول الفحش، وأن يراد بالفسق جميع أنواعه، ~~وبالجدال جميع أنواعه؛، لأن اللفظ مطلق ومتناول لكل هذه ~~الأقسام، فيكون النهي عنها نهيا عن جميع أقسامها. # فإن قيل: ما الحكمة في أن الله تعالى ذكر هذه الألفاظ الثلاثة: وهي ~~الرفث، ms1091 والفسوق، والجدال في الحج، من غير زيادة ولا نقص؟ # فالجواب: لأنه ثبت في العلوم العقلية أن للإنسان أربع قوى: قوة ~~شهوانية بهيمية، وقوة غضبية سبعية، وقوة ~~وهمية شيطانية، وقوة عقلية ملكية، والمقصود من جميع ~~العبادات قهر القوى الثلاث، أعني: الشهوانية والغضبية والوهمية. # فقوله: " فلا رفث " إشارة إلى قهر الشهوانية. # وقوله: " ولا فسوق " إشارة إلى قهر القوة الغضبية التي توجب ~~المعصية والتمرد. # وقوله: { ولا جدال في الحج } إشارة إلى قهر القوة ~~الوهمية، التي تحمل الإنسان على الجدال في ذات الله، وصفاته، ~~وأفعاله، وأحكامه، وأسمائه، وهي الباعثة على منازعة الناس، ~~ومماراتهم، والمخاصمة معهم في كل شيء، فلما كان سبب ~~الشر محصورا في هذه الأمور الثلاثة؛ لا جرم لا يذكر معها ~~غيرها. # فصل # من الناس من عاب الاستدلال، والبحث، والنظر، والجدال؛ ~~واحتج بقوله تعالى: { ولا جدال في الحج } ، وهذا يقتضي ~~نفي جميع أنواع الجدال، ولو كان الجدال في الدين طاعة، لما ~~نهي عنه في الحج، بل على ذلك التقدير، يكون الاشتغال بالجدال ~~ضم طاعة إلى طاعة، فيكون أولى بالترغيب فيه. وأيضا قال تبارك ~~وتعالى: # ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون # [الزخرف: 58]، عابهم بكونهم من أهل الجدل، فدل على الجدل ~~مذموم، وقال تبارك وتعالى: # ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم # [الأنفال: 46] فنهى عن المنازعة. # وأما جمهور المتكلمين فقالوا: الجدال في الدين طاعة عظيمة؛ لقوله ~~تعالى: # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ~~الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن # [النحل: 125]، وحكى قول الكفار لنوح - عليه السلام - # قالوا ينوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا # [هود: 32]، ومعلوم أن ذلك الجدال، إنما كان لتقرير أصول الدين، ~~فيحمل الجدال المذموم على الجدل في تقرير الباطل، وطلب المال، ~~والجاه، والجدال الممدوح على الجدل في تقرير الحق، ودعوة ~~الخلق إلى سبيل الله، والذب عن دين الله. # قوله: { وما تفعلوا من خير } تقدم الكلام على ~~نظيرتها، وهي: # ما ننسخ من ءاية # [البقرة: 106] فكل ما قيل ثم، يقال هنا. قال أبو البقاء ~~رحمه الله " ونزيد هنا وجها آخر: وهو أن يكون " من خير ~~" في ms1092 محل نصب نعتا لمصدر محذوف، تقديره: وما تفعلوا ~~فعلا كائنا من خير ". # و " يعلمه " جزم على جواب الشرط، ولا بد من مجاز في ~~الكلام: فإما أن يكون عبر بالعلم عن المجازاة على فعل ~~الخير، كأنه قيل: يجازيكم، وإما أن تقدر المجازاة بعد ~~العلم، أي: فيثيبه عليه. # وفي قوله: " وما تفعلوا " التفات؛ إذ هو خروج من غيبة ~~في قوله: فمن فرض " وحمل على معنى " من " إذ جمع ~~الضمير ولم يفرده. وقد خبط بعض المعربين، فقال: " من خير " ~~متعلق بتفعلوا، وهو في موضع نصب؛ لمصدر محذوف، تقديره: " وما ~~تفعلوا فعلا من خير " والهاء في " يعلمه " تعود إلى ~~خير. قال شهاب الدين: وهذا غلط فاحش؛ لأنه من حيث ~~علقه بالفعل قبله كيف يجعله نعت مصدر محذوف؟ ولأن ~~جعله الهاء تعود إلى " خير " يلزم منه خلو جملة الجواب من ~~ضمير يعود على اسم الشرط، وذلك لا يجوز، أما لو كانت ~~أداة الشرط حرفا، فلا يشترط فيه ذلك، فالصواب ما تقدم. ~~وإنما ذكرت لك هذا لئلا تراه فتتوهم صحته. والهاء عائدة ~~على " ما " التي هي اسم الشرط. # فصل # اعلم أن الله تعالى يعلم كل شيء وإذا خص هنا الخير بأنه ~~يعلمه لفوائد. # أحدها: إذا علمت منك الخير، ذكرته وشهرته، وإذا علمت منك ~~الشر، سترته وأخفيته؛ لتعلم أنه إذا كانت رحمتي بك في الدنيا ~~هكذا فكيف في العقبى؟ # وثانيها: قال بعض المفسرين في قوله: # إن الساعة ءاتية أكاد أخفيها # [طه: 15] معناه: لو أمكنني أن أخفيها عن نفسي، لفعلت، فكذا - ~~هاهنا - كأنه قيل للعبد: ما تفعله من الشر، فلو ~~أمكنني أن أخفيه عن نفسي لفعلت ذلك. # وثالثها: أن السلطان العظيم إذا قال لعبده المطيع: كل ما تتحمله من ~~المشقة والخدمة في حقي، فأنا عالم به، ومطلع عليه، كان هذا ~~وعدا له بالثواب العظيم، ولو قال ذلك لعبده المذنب، كان ~~توعدا له بالعقاب الشديد، ولما كان سبحانه أكرم ~~الأكرمين؛ لا جرم ذكر ما يدل على الثواب، ولم يذكر ما ~~يدل على العقاب. # ورابعها: أن جبريل - عليه السلام - لما ms1093 قال: " ما الإحسان "؟ فقال: # " الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم ~~تكن تراه، فإنه يراك " # ، فهاهنا بين للعبد أنه يراه، ويعلم ما يفعله من الخيرات ~~لتكون طاعة العبد للرب من الإحسان، الذي هو أعلى درجات ~~العبادة، فإن الخادم متى علم أن مخدومه مطلع عليه، ليس ~~بغافل عن أحواله - كان أحرص على العمل. # فصل # قال القرطبي: هذا شرط وجوابه، والمعنى أن الله يجازيكم على ~~أعمالكم؛ لأن المجازاة إنما تقع من العالم بالشيء. # وقيل: هو تحريض وحث على حسن الكلام مكان الفحش، وعلى ~~البر والتقوى في الأخلاق مكان الفسوق والجدال. # وقيل: جعل الخير عبارة عن ضبط أنفسهم؛ حتى لا يوجد ما نهوا عنه. # قوله: { وتزودوا فإن خير الزاد التقوى } فيه ~~قولان: # أحدهما: أن المراد تزودوا من التقوى؛ لقوله { فإن خير ~~الزاد التقوى } فتحقيق [الكلام فيه: أن] الإنسان له ~~سفران، سفر فى الدنيا، وسفر من الدنيا. # فالسفر في الدنيا، لا بد له من زاد، وهو الطعام، ~~والشراب، والمركب، والمال والسفر من الدنيا لا بد له - ~~أيضا - من زاد، وهو معرفة الله تعالى ومحبته والإعراض عما ~~سواه، وهذا الزاد خير من الزاد الأول لوجوه: # أحدها: أن زاد الدنيا [يخلصك من عذاب منقطع، وزاد ~~الآخرة يخلصك من عذاب دائم، وزاد الدنيا] يوصلك إلى لذة ~~ممزوجة بالآلام، والبلايا، وزاد الآخرة يوصلك إلى لذات ~~باقية خالصة عن شوائب المضرة، وزاد الدنيا يوصلك إلى دنيا ~~منقضية، وزاد الآخرة يوصلك إلى الآخرة، وهي كل ساعة من ~~الإقبال، والقرب، والوصول غير منقضية وزاد الدنيا يوصلك إلى ~~منصة الشهوة والنفس وزاد الآخرة يوصلك إلى حضرة الجلال ~~والقدس؛ فلهذا قال: { خير الزاد التقوى } فاشتغلوا بتقواي ~~يا أولي الألباب، يعني: إن كنتم من أولي الألباب الذين يعلمون ~~حقائق الأمور فاشتغلوا بتحصيل هذا الزاد؛ لما فيه من كثرة المنافع؛ ~~وفي هذا المعنى قال الأعشى: [الطويل] # 995 - إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى # ولاقيت بعد الموت من قد تزودا # ندمت على ألا تكون كمثله # وأنك لم ترصد كما كان أرصدا # والقول الثاني: أن ms1094 هذه الآية الكريمة نزلت في أناس من أهل ~~اليمن، كانوا يحجون بغير زاد، ويقولون إنا متوكلون وكانوا ~~يسألون وربما ظلموا الناس وغصبوهم، فأمرهم الله تعالى أن ~~يتزودوا ما يبلغون به، فإن خير الزاد ما تكفون به وجوهكم عن ~~السؤال، وأنفسكم عن الظلم. # وعن ابن زيد، أن بعض قبائل العرب كانوا يحرمون الزاد في الحج، ~~والعمرة؛ فنزلت الآية. قال ابن الجوزي: قد لبس إبليس على قوم ~~يدعون التوكل؛ فخرجوا بلا زاد، وظنوا أن هذا هو التوكل وهم ~~على غاية الخطأ، قال رجل لأحمد بن حنبل: أريد أن أخرج إلى ~~مكة المشرفة على التوكل بغير زاد، فقال له أحمد: اخرج في ~~غير القافلة. فقال: لا إلا معهم، فقال: على جرب الناس ~~توكلت. # وروى محمد بن جرير الطبري عن ابن عمر قال: كانوا إذا أحرموا، ومعهم ~~أزودة رموا به؛ فنهوا عن ذلك بهذه الآية الكريمة. # قال القاضي: فإن أردنا تصحيح هذا القول ففيه وجهان: # الأول: أن القادر على أن يستصحب المال في السفر إذا لم يستصحبه، ~~عصى الله تعالى في ذلك، فبهذا الطريق يصح دخوله تحت الآية ~~الكريمة. # والثاني: أن يكون في الكلام حذف، والمراد تزودوا لعاجل ~~سفركم، وللآجل، فإن خير الزاد التقوى. وقيل: المعنى فإن خير ~~الزاد ما اتقى به المسافر من الهلكة، والحاجة إلى السؤال، والتكفف، ~~وألف " الزاد " منقلبة عن " واو " لقولهم تزود. # قوله: " واتقوني " أثبت أبو عمر " الياء " في قوله: " ~~واتقوني " على الأصل، وحذف الآخرون؛ للتخفيف، ودلالة الكسرة عليه، ~~وفيه تنبيه على كمال عظمة الله وجلاله؛ وهو كقول الشاعر: ~~[الرجز] # 996 - أنا أبو النجم وشعري شعري # قوله { يأولي الألباب } اعلم أن لب الشيء ولبابه هو ~~الخالص منه. # قال النحاس: سمعت أبا إسحاق يقول: قال لي أحمد بن يحيى ثعلب: أتعرف ~~في كلام العرب شيئا من المضاعف جاء على فعل؟ قلت: نعم، حكى ~~سيبويه عن يونس: لببت تلب؛ فاستحسنه، وقال: ما أعرف له ~~نظيرا. # واختلفوا فيه فقال بعضهم: إنه اسم للعقل؛ لأنه أشرف ما في الإنسان، ~~وبه تميز عن البهائم، وقرب ms1095 من درجة الملائكة. # وقال آخرون: إنه في الأصل اسم للقلب الذي هو محل للعقل، ~~والقلب قد يجعل كناية عن العقل، فقوله: { يأولي الألباب } ~~أي: يا أولي العقول، وإطلاق اسم المحل على الحال مجاز مشهور. # فإن قيل: إذا كان لا يصح إلا خطاب العقل؛ فما فائدة قوله: { ~~يأولي الألباب }؟! # فالجواب: معناه أنكم لما كنتم من أولي الألباب، تمكنتم من ~~معرفة هذه الأشياء، والعمل بها، فكان وجوبها عليكم أثبت، ~~وإعراضكم عنها أقبح؛ ولهذا قال الشاعر: [الوافر] # 997 - ولم أر في عيوب الناس شيئا # كنقص القادرين على التمام # وقال تبارك وتعالى: # أولئك كالأنعام بل هم أضل # [الأعراف: 179] يعني: أن الأنعام معذورة بسبب العجز، وأما ~~هؤلاء فقادرون فكان إعراضهم أفحش، فلا جرم كانوا أضل. ### || [2.198] # قوله { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ~~ربكم } " أن " في محل نصب في موضعين عند سيبويه والفراء، ~~وجر عند شيخيهما والأخفش؛ لأنها على إضمار حرف الجر، ~~أي: في أن، وهذا الجار متعلق: إما بجناح؛ لما فيه من معنى ~~الفعل وهو الميل والإثم، وما كان في معناهما، وإما بمحذوف؛ ~~لأنه صفة ل " جناح " فيكون مرفوع المحل، أي: جناح كائن في كذا. # ونقل أبو البقاء رحمه الله تعالى عن بعضهم، أنه متعلق ب " ليس " ، ~~واستضعفه. قال شهاب الدين: بل يحكم بتخطئته ألبتة. # قوله: " من ربكم " يجوز أن يتعلق بتبتغوا فيكون مفعولا له، ~~وأن يكون صفة ل " فضلا " ، فيكون منصوب المحل، متعلقا، ~~بمحذوف. و " من " في الوجهين لابتداء الغاية، لكن فى الوجه الثاني ~~تحتاج إلى حذف مضاف أي: كائنا من فضول ربكم. # فصل # قوله تعالى: { ليس عليكم جناح أن تبتغوا } يدل على ~~أن شبهة قامت عندهم في تحريم التجارة من وجوه: # أحدها: أنه تبارك وتعالى منع الجدال في الحج، والتجارة كثيرة ~~الإفضاء إلى المنازعة في قلة القيمة وكثرتها؛ فوجب أن ~~تكون التجارة محرمة. # ثانيها: أن التجارة كانت محرمة في وقت الحج في الجاهلية، وذلك شيء، ~~حسن؛ لأن المشتغل بالحج مشتغل بخدمة الله تعالى، فوجب ألا يشوب ~~هذا العمل بالأطماع الدنيوية. # وثالثها: ms1096 أن المسلمين علموا أن كثيرا من المباحات صارت محرمة ~~عليهم في الحج: كاللبس، والاصطياد، والطيب، والمباشرة، فغلب على ~~ظنهم أن الحج لما صار سببا لحرمة اللبس مع الحاجة إليه، ~~فأولى منه تحريم التجارة؛ لقلة الاحتياج إليها. # ورابعها: عند الاشتغال بالصلاة يحرم الاشتغال بالتجارة؛ قال ~~تعالى: # إذا نودي للصلوة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ~~ذكر الله وذروا البيع # [الجمعة: 9] فلهذا السبب، بين الله تعالى - هاهنا - أن التجارة ~~جائزة غير محرمة. # فإذا عرف هذا، فذكر المفسرون في قوله: { أن تبتغوا ~~فضلا من ربكم } وجهين: # الأول: أن المراد هو التجارة؛ نظيره قوله تعالى: # وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله # [المزمل: 2] وقوله: # جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ~~ولتبتغوا من فضله # [القصص: 73] ويدل عليه ما روى عطاء عن ابن مسعود وابن عباس ~~وابن الزبير أنهم قرأوا: " أن تبتغوا فضلا من ربكم ~~في مواسم الحج ". # وقال ابن عباس: كان ناس من العرب يحترزون من التجارة في ~~أيام الحج، وإذا دخل العشر، بالغوا في ترك البيع والشراء ~~بالكلية، وكانوا يسمون التاجر في الحج الداج، ويقولون: هؤلاء ~~الداج، وليسوا بالحاج. ومعنى الداج: المكتسب الملتقط، وهو ~~مشتق من الدجاجة وبلغوا في الاحتراز عن الأعمال إلى أن امتنعوا ~~من إغاثة الملهوف والضعيف وإطعام الجائع؛ فأزال الله هذا ~~الوهم وبين أنه لا جناح في التجارة، ولما كان ما قبل هذه الآية ~~في أحكام الحج، وما بعدها في الحج، وهو قوله تعالى: { فإذآ أفضتم ~~من عرفات } دل ذلك على أن هذا الحكم واقع في زمان الحج؛ ~~فلهذا السبب استغني عن ذكره. # وروي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رجلا قال له: إنا قوم ~~نكري، وإن قوما يزعمون أنه لا حج لنا، فقال: ألستم ~~تحرمون كما يحرمون، وتطوفون كما يطوفون، وترمون كما ~~يرمون؟ قلت: بلى، قال: أنتم حجاج؛ وجاء رجل إلى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - يسأله عما سألتني، فلم يرد عليه؛ حتى ~~نزل قوله تعالى { ليس عليكم جناح } فدعاه، وقال: أنتم ~~حجاج. # وبالجملة فهذه الآية الكريمة نزلت ردا ms1097 على من يقول: لا حج ~~للتاجر، والأجير، والجمال. # وروى عمرو بن دينار، عن ابن عباس: أن عكاظ ومجنة، وذا ~~المجاز كانت أسواقا في الجاهلية، يتجرون فيها في أيام الموسم، ~~وكانت معايشهم منها، فلما جاء الإسلام، كرهوا أن يتجروا في ~~الحج بغير إذن، فسألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزلت ~~الآية. # وقال مجاهد: إنهم كانوا لا يتبايعون في الجاهلية بعرفة، ولا منى، ~~فنزلت هذه الآية، فلهذا حمل أكثر المفسرين الآية على التجارة في أيام ~~الحج، وحمل أبو مسلم الآية على ما بعد الحج، قال: والتقدير: ~~واتقوني في كل أفعال الحج، وبعد ذلك { ليس عليكم جناح أن ~~تبتغوا فضلا من ربكم } ونظيره قوله تعالى: # فإذا قضيت الصلوة فانتشروا في الأرض وابتغوا ~~من فضل الله # [الجمعة: 10]. # قال ابن الخطيب: وهذا القول ضعيف من وجوه، لأن قوله: { فإذا ~~أفضتم من عرفات } يدل على أن هذه الإفاضة حصلت بعد ~~ابتغاء الفضل؛ لأن الفاء للتعقيب، وذلك يدل على وقوع ~~التجارة في زمان الحج. # وأيضا فحمل الآية على موضع الشبهة، أولى من حملها على ~~موضع لا شبهة فيه، ومحل الشبهة، هو التجارة في زمان الحج، ~~وأما بعد فراغ الحج، فكل أحد يعلم حل التجارة. # فإن قيل: وكذلك أيضا كل أحد يعلم أن الصلاة إذا قضيت، ~~يباح البيع والشراء؛ فلماذا قال: { فإذا قضيت الصلوة ~~فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله }. # قلنا لأنه أمر قبله بالسعي، ونهى عن البيع، فقال: { إذا نودي ~~للصلوة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ~~وذروا البيع } فنهى عن البيع بعد النداء، فلما قال بعده: ~~{ فإذا قضيت الصلوة فانتشروا في الأرض وابتغوا ~~من فضل الله } ، كأنه قال: إن المانع الذي منعكم من ~~البيع قد زال؛ فانتشروا في الأرض، وابتغوا من فضل الله. # وأما قياس الحج على الصلاة، فالفرق بينهما: أن الصلاة أعمالها ~~متصلة، فلا يحل في أثنائها التشاغل بغيرها، وأما أعمال ~~الحج، فهي متفرقة بعضها عن بعض، ففي خلالها لا يبقى المرء على ~~الحكم الأول، فتصير الصلاة عملا واحدا من أعمال الحج، ms1098 لا مجموع ~~الأعمال، وأيضا فقوله: { فإذا قضيت الصلوة } تصريح ~~بأن الابتغاء بعد انقضاء الحج. # فإن قيل: حكم باق في كل تلك الأوقات؛ بدليل حرمة التطيب ~~واللبس. # فالجواب: هذا قياس في مقابلة النص. # القول الثاني: قال أبو جعفر محمد بن علي الباقر: المراد بقوله تعالى: ~~{ أن تبتغوا فضلا من ربكم } هو أن يبتغي الإنسان حال ~~كونه حاجا أعمالا أخر، تكون موجبة لاستحقاق فضل الله ورحمته ~~مثل إعانة الضعيف، وإغاثة الملهوف، وإطعام الجائع، واعترض ~~عليه القاضي: بأن هذا واجب، أو مندوب، ولا يقال في مثله: لا ~~جناح عليكم فيه، إنما يذكر هذا اللفظ في المباحات. # والجواب: لا نسلم أن هذا اللفظ لا يذكر إلا في ~~المباحات لقوله تعالى: # فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلوة # [النساء: 101] والقصر مندوب وكما قال تعالى: # إن الصفا والمروة من شعآئر الله فمن حج ~~البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما # [البقرة: 158] والطواف ركن في الحج، وإنما أهل الجاهلية كانوا ~~يعتقدون أن ضم سائر الطاعات إلى الحج، يوقع خللا في ~~الحج، ونقصا؛ فبين الله تعالى بقوله: { ليس عليكم ~~جناح } أن الأمر ليس كذلك. # فصل # اتفقوا على أن التجارة إن أوقعت نقصا في الطاعة، لم تكن ~~مباحة، وإن لم توقع نقصا في الطاعة، كانت مباحة، وتركها ~~أولى؛ بقوله تعالى: # ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين # [البينة: 5]، والإخلاص هو ألا يكون له حامل على الفعل سوى ~~كونه عبادة، والحاصل أن الإذن في هذه التجارة جار مجرى ~~الرخص. # قوله: { فإذا أفضتم } العامل فيها جوابها، وهو " ~~فاذكروا " قال أبوا البقاء رحمه الله " ولا تمنع الفاء من ~~عمل ما بعدها، فيما قبلها؛ لأنه شرط ". # ومنع أبو حيان من ذلك بما معناه: أن مكان إنشاء ~~الإفاضة غير مكان الذكر؛ لأن ذلك عرفات، وهذا المشعر ~~الحرام، وإذا اختلفض المكان، لزم منه اختلاف الزمان ضرورة، ~~فلا يجوز أن يكون الذكر عند المشعر الحرام واقعا عند ~~إنشاء الإفاضة. # قوله: " من عرفات " متعلق ب " أفضتم " والإفاضة في ~~الأصل: الصب، يقال، فاض الإناء، إذا ms1099 امتلأ حتى ينصب ~~عن نواحيه. ورجل فياض، أي: مندفق بالعطاء؛ قال زهير: [الطويل] # 998 - وأبيض فياض يداه غمامة # على معتفيه ما تغب فواضله # وحديث مستفيض، أي شائع. # ويقال: فاض الماء وأفضته، ثم يستعمل في الإحرام مجازا. ~~والهمزة في " أفضتم " فيها وجهان: # أحدهما: أنها للتعدية، فيكون مفعوله محذوفا، تقديره: أفضتم ~~أنفسكم، وهذا مذهب الزجاج، وتبعه الزمخشري، وقدره الزجاج ~~فقال: معناه: دفع بعضكم بعضا والإفاضة: الاندفاع في ~~السير بكثرة، ومنه يقال: أفاض البعير بجرته، إذا وقع بها ~~فألقاها منبثة، وكذلك أفاض القداح في الميسر، ومعناه: جمعها، ثم ~~ألقاها متفرقة، وإفاضة الماء من هذا؛ لأنه إذا صب، ~~تفرق، والإفاضة في الحديث، إنما هو الاندفاع فيه بإكثار، ~~وتصرف في وجوهه؛ قال تعالى: # إذ تفيضون فيه # [يونس: 61]، قال بعضهم: وليس كذلك؛ لما يأتي، ومنه يقال للناس: ~~فوض، ومثلهم فوضى، ويقال: أفاضت العين دمعها، فأصل هذه ~~الكلمة: الدفع للشيء حتى يتفرق، فقوله تعالى: " أفضتم " ، أي: ~~دفعتم بكثرة، وأصله: أفضتم أنفسكم، فترك ذكر المفعول ~~كما ترك في قولهم: دفعوا من موضع كذا، وصبوا. # والوجه الثاني: أن أفعل هنا، بمعنى " فعل " المجرد فلا مفعول ~~له. قال أبو حيان: لأنه لا يحفظ: أفضت زيدا بهذا المعنى الذي ~~شرحناه آنفا وأصل أفضتم: أفيضتم فأعل؛ كنظائره، بأن ~~نقلت حركة حرف العلة على الساكن قبله فتحرك حرف ~~العلة في الأصل، وانفتح ما قبله؛ فقلب ألفا، وهو من ذوات ~~الياء من الفيض، كما تقدم، وليس من ذوات الواو من قولهم: ~~فوضى الناس، وهم أخلاط الناس بلا سائس. # وعرفات اسم مكان مخصوص، وهل هو مشق أو مرتجل؟ قولان: # أحدهما: أنه مرتجل، وإليه ذهب الزمخشري، قال: " لأن العرفة لا ~~تعرف في أسماء الأجناس؛ إلا أن تكون جمع عارف ". # والثاني: أنه مشتق، واختلف في اشتقاقه، فقيل: من المعرفة؛ ~~لأن إبراهيم - عليه السلام - لما عرفه جبريل هذه البقعة ~~بالنعت، والصفة؛ فسميت " عرفات " قاله علي، وابن ~~عباس وعطاء والسدي. # قال السدي: لما أذن إبراهيم في الناس بالحج، فأجابوه: ~~بالتلبية، وأتاه من أتاه - أمره الله أن يخرج إلى ~~عرفات، ms1100 ونعتها له، فخرج، فلما بلغ الشجرة عند العقبة، استقبله ~~الشيطان؛ يرده؛ فرماه بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ~~فطار، فوقع على الجمرة الثانية؛ فرماه وكبر [فطار، فوقع على ~~الجمرة الثالثة؛ فرماه وكبر]، فلما رأى الشيطان أنه لا ~~يطيعه؛ ذهب، فانطلق إبراهيم حتى أتى ذا المجاز، فلما نظر إليه، لم ~~يعرفه، فجاز فسمي ذا المجاز، ثم انطلق حتى وقف بعرفات ~~فعرفها بالنعت؛ فسمي الموقف " عرفة " والموضع " عرفات " ، ~~حتى إذا أمسى ازدلف أي قرب إلى جمع فسمي المزدلفة. # وقال عطاء: إن جبريل - عليه السلام - علم إبراهيم - عليه السلام - ~~المناسك، وأوصله إلى عرفات، وقال له: أعرفت كيف تطوف، ~~وفي أي موضع تقف؟ قال: نعم. # وقيل: إن إبراهيم - عليه السلام - وضع ابنه إسماعيل وأمه هاجر ~~بمكة، ورجع إلى الشام ولم يلتقيا سنين، ثم التقيا يوم ~~عرفة بعرفات. # وقال الضحاك: إن آدم وحواء - عليهما السلام - التقيا بعرفة، ~~فعرف كل واحد منهما صاحبه؛ فسمي اليوم عرفة والموضع ~~بعرفات؛ وذلك أنهما لما أهبطا من الجنة، وقع آدم ~~بسرنديب، وحواء بجدة، وإبليس ببيسان والحية ب " أصفهان " فلما ~~أمر الله - تعالى - آدم - عليه السلام - بالحج، لقي حواء بعرفات ~~فتعارفا، قاله ابن عباس. # وقيل: إن آدم - عليه السلام - علمه جبريل مناسك الحج، فلما ~~وقف بعرفات قال له: أعرفت؟ قال: نعم، فسمي عرفات. # وقيل: إن الحجاج يتعارفون بعرفات إذا وقفوا. # وقيل: إنه - تبارك وتعالى - يتعرف فيه إلى الحجاج بالمغفرة ~~والرحمة. # وروى أبو صالح عن ابن عباس؛ أن إبراهيم - عليه السلام - رأى ليلة ~~التروية في منامه، أنه يؤمر بذبح ولده، فلما أصبح روى يومه أجمع، ~~أي: فكر أمن الله هذه الرؤيا أم من الشيطان؟ فسمي اليوم يوم ~~التروية. ثم رأى ذلك ليلة عرفة ثانيا، فلما أصبح عرف أن ذلك من ~~الله، فسمي اليوم عرفة. # [وقيل: مشتقة من العرف، وهو الرائحة الطيبة]. # قال تعالى: # ويدخلهم الجنة عرفها لهم # [محمد: 6] أي طيبها لهم، فيكون المعنى: أن المذنبين لما تابوا في ~~عرفات، فقد تخلصوا من نجاسات الذنوب، واكتسبوا عند الله رائحة ~~طيبة. # وقيل: أصله من ms1101 الصبر: يقال: رجل عارف؛ إذا كان صابرا خاشعا؛ قال ذو ~~الرمة في ذلك: [الطويل] # 999 -............................. # عروف لما خطت عليه المقادر # أي: صبور على قضاء الله - تعالى - فسمي بهذا الاسم؛ لخضوع الحاج ~~وتذللهم وصبرهم على الدعاء، واحتمال الشدائد لإقامة هذه العبادة. # وقيل: مشتقة من الاعتراف؛ لأن الحاج إذا وقف اعترف للحق ~~بالربوبية والجلال والاستغناء، ولنفسه بالفقر والذلة والمسكنة ~~والحاجة. # وقيل: إن آدم وحواء - عليهما السلام - لما وقفا بعرفات، قالا: # ربنا ظلمنآ أنفسنا # [الأعراف: 23] قال الله - سبحانه وتعالى -: # " الآن عرفتما أنفسكما " # وقيل: من العرف، وهو الارتفاع، ومنه عرف الديك، وعرفات جمع عرفة في ~~الأصل. # ثم سمي به بقعة واحدة كقولهم: ثوب أخلاق، وبرمة أعشار، وأرض سباسب، ~~والتقدير، كان كل قطعة من تلك الأرض عرفة، فسمي مجموع تلك القطع ~~بعرفات. # والمشهور: أن عرفات وعرفة واحد، وقيل: عرفة اسم اليوم، وعرفات اسم ~~مكان، وعرفة هي نعمان الأراك؛ قال الشاعر: [الطويل] # 1000 - تزودت من نعمان عود أراكة # لهند ولكن من يبلغه هندا # والتنوين في عرفات وبابه فيه ثلاثة أقوال: # أظهرها: أنه تنوين مقابلة، يعنون بهذا أن تنوين هذا الجمع مقابل ~~لنون جمع الذكور، فتنوين مسلمات مقابل لنون مسلمين، ثم جعل كل تنوين ~~في جمع الإناث - وإن لم يكن لهن جمع مذكر - طردا للباب. # والثاني: أنه تنوين صرف، وهو ظاهر قول الزمخشري؛ فإنه قال: " فإن ~~قلت: فهلا منعت الصرف، وفيها السببان: التعريف والتأنيث؛ ~~قلت: لا يخلو التأنيث: إما أن يكون بالتاء التي في لفظها، وإما بتاء ~~مقدرة؛ كما هي في " سعاد " ، فالتي في لفظها ليست للتأنيث، وإنما هي ~~مع الألف التي قبلها علامة جمع المؤنث، ولا يصح تقدير التاء فيها؛ ~~لأن هذه التاء لاختصاصها بجمع المؤنث مانعة من تقديرها، كما لا تقدر ~~تاء التأنيث في " بنت "؛ لأن التاء التي هي بدل من الواو؛ سببا ~~فيها، فصار التنوين عنده للصرف. # وأجاب غيره من عدم امتناع صرفها: بأن هذه اللفظة في الأصل اسم لقطع ~~كثيرة من الأرض، كل واحدة منها تسمى بعرفة، وعلى هذا التقدير لم يكن ~~علما، ms1102 ثم جعلت علما لمجموع تلك القطع فتركوها بعد ذلك على أصلها في عدم ~~الصرف. # والثالث: أن جمع المؤنث، إن كان له جمع مذكر؛ كمسلمات ومسلمين، ~~فالتنوين للمقابلة، وإلا فللصرف؛ كعرفات. # والمشهور - حال التسمية به - أن ينون ويعرب بالحركتين: الضمة ~~والكسرة؛ كما لو كان جمعا، وفيه لغة ثانية: وهو حذف التنوين تخفيفا، ~~وإعرابه بالكسرة نصبا، والثالثة: أعرابه غير منصرف بالفتحة جرا، ~~وحكاها الكوفيون والأخفش، وأنشد قول امرئ القيس: [الطويل] # 1001 - تنورتها من أذرعات وأهلها # بيثرب أدنى دارها نظر عالي # بالفتح. # فصل # اعلم أن اليوم الثامن من ذي الحجة يسمى يوم التروية، ~~والتاسع: يوم عرفة، وقد تقدم تعليل يوم عرفة، وأما التروية ففيه ~~قولان: # أحدهما: ما تقدم من تروي إبراهيم - عليه السلام - في منامه، من ~~روى يروي تروية؛ إذا تفكر وأعمل فكره ورؤيته. # وقيل: إن آدم - عليه السلام - أمر ببناء البيت، فلما بناه تفكر ~~فقال: رب، إن لكل عامل أجرا، فما أجري على هذا العمل؟ قال: إذا طفت ~~به غفرت لك ذنوبك بأول شوط من طوافك. قال: رب زدني، قال: لأغفرن لأولادك ~~إذا طافوا به، قال: رب زدني، قال: أغفر لكل من استغفر له الطائفون من ~~موحدي أولادك. قال: حسبي يا رب حسبي. # وقيل: إن أهل مكة يخرجون يوم التروية إلى منى فيروون في الأدعية ~~التي يريدون أن يذكروها في الغد بعرفات. # الثاني: من رواه بالماء يرويه؛ إذا سقاه من عطش، فقيل: إن أهل مكة ~~كانوا يخفون الماء للحجيج الذين يقصدونهم من الآفاق، وكان الحجاج ~~يستريحون في هذا اليوم من مشاق السفر، ويتسعون في الماء، ويروون ~~بهائمهم بعد مقامهم بسبب قلة الماء في الطريق. # وقيل: إنهم يتزودون الماء إلى عرفة. # وقيل: إن المذنين كالعطاش الذين وردوا بحار رحمة الله - تعالى -، ~~فشربوا منها حتى رووا. # فصل في فضل هذين اليومين # دل عليه قوله تعالى: # والشفع والوتر # [الفجر: 3]، قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: " الشفع "؛ يوم ~~التروية وعرفة، والوتر يوم النحر. # وعن عبادة؛ أنه - عليه السلام - قال: # " صيام عشر الأضحى كل يوم منها كالشهر، ms1103 ولمن يصوم ~~يوم التروية سنة، وبصوم يوم عرفة سنتان " # وروى أنس عنه - عليه السلام -؛ قال: # " من صام يوم التروية أعطاه الله مثل ثواب ~~عيسى ابن مريم " # ، وأما يوم عرفة فله عشرة أسماء خمسة منها مختصة به، وخمسة يشترك فيها ~~مع غيره، فالخمسة الأول: # أحدها: عرفة وتقدم اشتقاقه. # الثاني: يوم إياس الكفار من دين الإسلام؛ قال - تبارك وتعالى -: # اليوم يئس الذين كفروا من دينكم # [المائدة: 3]. # قال عمر، وابن عباس: نزلت هذه الآية الكريمة عشية عرفة، والنبي ~~صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة في موقف إبراهيم - عليه السلام -:، وذلك ~~في حجة الوداع وقد اضمحل الكفر وهدم شأن الجاهلية، فقال النبي - ~~عليه السلام -: # " لو يعلم الناس ما لهم في هذه الآية، لقرت أعينهم " # فقال يهودي لعمر: لو أن هذه الآية نزلت علينا لاتخذنا ~~ذلك اليوم عيدا، فقال عمر: أما نحن فجعلناه عيدين؛ ~~كان يوم عرفة ويوم الجمعة، ومعنى إياس المشركين بأنهم يئسوا من ~~قوم محمد - عليه السلام - أن يرتدوا [راجعين] إلى دينهم. # الثالث: يوم إكمال الدين؛ نزل فيه قول تعالى: # اليوم أكملت لكم دينكم # [المائدة: 3] فلم يأمرهم بعد ذلك بشيء من الشرائع. # الرابع: يوم إتمام النعمة؛ لقوله فيه: # وأتممت عليكم نعمتي # [المائدة: 3] وأعظم النعم نعمة الدين. # الخامس: يوم الرضوان؛ لقوله تعالى في ذلك اليوم: # ورضيت لكم الأسلام دينا # [المائدة: 3]. # أما الخمسة الأخر. # فأحدها: يوم الحج الأكبر؛ قال تعالى: # وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج ~~الأكبر # [التوبة: 3] وهذا الاسم مشترك بينه وبين يوم النحر، واختلف فيه ~~الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعون. # فمنهم من قال: إنه عرفة؛ لأن فيه الوقوف بعرفة " والحج عرفة " ~~فإنه لو أدركه وفاته سائر مناسك الحج، أجزأ عنها الدم، فلهذا سمي ~~بالحج الأكبر. # وقال الحسن: سمي به؛ لأنه اجتمع فيه الكفار والمسلمون، ونودي فيه ~~على ألا يحج بعده مشرك. # وقال ابن سيرين: إنما سمي به؛ لأنه اجتمع فيه أعياد أهل الملل ~~كلها؛ من اليهود والنصارى وحج المسلمين، ولم يجتمع قبله ولا بعده. # ومنهم من قال: إنه يوم النحر؛ لأن ms1104 فيه أكثر مناسك الحج، فأما ~~الوقوف فلا يجب في اليوم بل يجزئ بالليل. # وثانيها: الشفع. # وثالثهما: الوتر. # ورابعها: الشاهد. # وخامسها: المشهود في قوله تعالى: # وشاهد ومشهود # [البروج: 3]. # فصل " في ترتيب أعمال الحج " # من دخل مكة محرما في ذي الحجة أو قبله، فإن كان مفردا أو قارنا ~~طاف طواف القدوم، وأقام على إحرامه حتى يخرج إلى عرفات وإن كان متمتعا ~~طاف وسعى وحلق، وتحلل من عمرته، وأقام إلى وقت خروجه إلى عرفات، ~~وحينئذ يحرم من مكة بالحج ويخرج، وكذلك من أراد الحج من أهل ~~مكة، والسنة أن يخطب الإمام بمكة يوم السابع من ذي الحجة، ~~بعد أن يصلي الظهر خطبة واحدة، يأمرهم فيها بالذهاب غدا بعد صلاة ~~الصبح إلى منى، ويعلمهم تلك الأعمال، ثم يذهبون يوم التروية وهو ~~اليوم الثامن من ذي الحجة إلى منى، بحيث يوافون الظهر بها، ~~ويصلون بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح من يوم عرفة، فإذا ~~طلعت الشمس على ثبير يتوجهون إلى عرفات، فإذا دنوا منها فالسنة ~~ألا يدخلوها، بل يضرب فيه الإمام بنمرة، وهي قريبة من عرفة، فينزلون ~~هناك حتى نزول الشمس، فيخطب الإمام خطبتين، يبين لهم مناسك الحج، ~~ويحرضهم على كثرة الدعاء والتهليل بالموقف، فإذا فرغ من الخطبة ~~الاولى، جلس ثم قال، وافتتح الخطبة الثانية والمؤذنون يأخذون في ~~الأذان معه، ويخفف بحيث يكون فراغه من الخطبة، مع فراغ المؤذنين من ~~الأذان، ثم ينزل فيقيم المؤذنون فيصلي بهم الظهر، ثم يقيمون في ~~الحال ويصلي بهم العصر، وهذا الجمع متفق عليه، فإذا فرغوا في الصلاة ~~توجهوا إلى عرفات، فيقفون عند الصخرات موقف النبي صلى الله عليه ~~وسلم ويستقبلون القبلة ويذكرون الله - تعالى - ويدعونه إلى غروب الشمس. # وهنا الوقوف ركن لا يدرك الحج إلا به، فمن فاته في وقته وموضعه، فقد ~~فاته الحج، ووقت الوقوف يدخل بزوال الشمس من يوم عرفة، ويمتد إلى ~~طلوع الفجر من يوم النحر، وذلك نصف يوم وليلة كاملة، فإذا حضر الحاج ~~هناك في هذا الموقف لحظة واحدة من ليل أو نهار، كفاه. # قال ms1105 القرطبي - رحمه الله تعالى -: أجمع أهل العلم على أن من وقف ~~بعرفة يوم عرفة قبل الزوال، ثم أفاض منها قبل الزوال أنه لا يعتد ~~بوقوفه ذلك، وأجمعوا على تمام حج من وقف بعرفة بعد الزوال، وأفاض ~~نهارا قبل الليل إلا مالك؛ فإنه قال: لا بد أن يأخذ من الليل ~~شيئا، وأما من وقف بعرفة بالليل، فإنه لا خلاف بين الأئمة في ~~تمام حجه، [فإذا غربت الشمس، دفع الإمام من عرفات وأخر صلاة المغرب] ~~وعند أحمد - رضي الله عنه - وقت الوقوف من طلوع فجر يوم عرفة إلى طلوع ~~فجر يوم النحر. # فصل # قال القرطبي: لا خلاف بين العلماء أن الوقوف بعرفة راكبا لمن قدر ~~عليه أفضل؛ لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، وعرفة كلها موقف إلا ~~بطن عرنة. # قال: ولا بأس بالتعريف في المساجد يوم عرفة؛ تشبيها بأهل عرفة. # فصل # فإذا غربت الشمس دفع الإمام من عرفات، وأخر صلاة المغرب حتى يجمع ~~بينها وبين العشاء بالمزدلفة. # وفي تسميتها بالمزدلفة أقوال: # أحدها: أنهم يقربون فيها من منى، والأزدلاف: القرب. # والثاني: أن الناس يجتمعون فيها، والاجتماع الازدلاف. # والثالث: يزدلفون إلى الله - تعالى -، أي: يتقربون بالوقوف، ويقال ~~للمزدلفة: جمع؛ لأنه يجمع فيها بين المغرب والعشاء؛ قاله قتادة. # وقيل: إن آدم - عليه السلام - اجتمع فيها مع حواء، وازدلف إليها، أي: ~~دنى منها، فإذا أتى الإمام المزدلفة، جمع المغرب والعشاء بإقامتين، ثم ~~يبيتون بها، فإن لم يبت بها فعليه دم [شاة]، فإذا طلع الفجر، صلوا ~~الصبح بغلس، والتغليس هنا أشد استحبابا منه في غيره بالاتفاق، ~~فإذا صلوا الصبح، أخذوا منها حصى الرمي، كل إنسان سبعين حصاة، ثم ~~يذهبون إلى المشعر الحرام، وهو جبل يقال له: " قزح " ، وسمي مشعرا؛ ~~لأنه من الشعار وهو العلامة؛ لأنه معلم الحج، والصلاة والمبيت ~~به، والدعاء عنده من شعائر الحج، وسمي بالحرام لحرمته وهو أقصى ~~المزدلفة مما يلي منى، فيرقى عليه إن أمكنه، أو يقف قريبا منه إن لم ~~يمكنه، ويحمد الله - تعالى - ويهلله ويكبره إلى أن يسفر جدا، ثم ms1106 ~~يدفع قبل طلوع الشمس، ويكفي المرور كما في عرفة، ثم يذهبون منه إلى ~~وادي محسر، فإذا بلغوا بطن محسر فمن كان راكبا، حرك دابته، ومن كان ~~ماشيا، أسرع قدر رمية بحجر، فإذا أتوا منى رموا جمرة العقبة في بطن ~~الوادي بسبع حصيات، يقطع التلبية مع ابتداء الرمي، فإذا ذبح حلق ~~رأسه، أو قصر شعره بأن يقطع طرفه، ثم يأتي إلى مكة بعد الحلق، فيطوف ~~بالبيت طواف الإفاضة، ويسمى طواف الزيارة، ويصلي ركعتي الطواف، ~~ويسعى بين الصفا والمروة، ثم يعود إلى منى في بقية يوم النحر، ~~وعليه المبيت بمنى ليالي التشريق لأجل الرمي، وسميت " منى " لأنه ~~يمنى فيه الدم، أي: يراق، فإذا حصل الرمي والحلق والطواف، فقد حل. # فصل # اعلم أن أهل الجاهلية كانوا قد غيروا مناسك الحج عن سنة ~~إبراهيم - عليه السلام - وذلك أن قريشا وقوما آخرين سموا أنفسهم ~~بالحمس، وهم أهل الشدة في دينهم، والحماسة الشدة، يقال: رجل أحمس ~~وقوم حمس، ثم إن هؤلاء كانوا لا يقفون في عرفات، ويقولون: لا نخرج من ~~الحرم، ولا نتركه وقت الطاعة، وكان غيرهم يقفون بعرفات والذين كانوا ~~يقفون بعرفة يفيضون قبل غروب الشمس، والذين يقفون بالمزدلفة يفيضون إذا ~~طلعت الشمس، ويقولون: أشرق ثبير كيما نغير، ومعناه: أشرق يا ثبير ~~بالشمس، كيما نندفع من مزدلفة، فيدخلون في غور من الأرض، فأمر الله - ~~تعالى - محمدا - عيله السلام - بمخالفة القوم في الدفعتين، فأمره ~~بأن يفيض من عرفة بعد المغرب، وبأن يفيض من مزدلفة قبل طلوع الشمس، ~~فالسنة بينت المراد من الآية الكريمة. # فصل # الآية دلت على وجوب ذكر الله عند المشعر الحرام، عند الإفاضة من ~~عرفات، والإفاضة من عرفة مشروطة بالحصول في عرفة، ما لا يتم الواجب ~~إلا به وكان مقدورا للمكلف، فهو واجب، فدلت الآية الكريمة على ~~أن الحصول في عرفات واجب في الحج، فإذا لم يأت به لم يكن آتيا ~~بالحج المأمور؛ فوجب ألا يخرج عن العهدة، وهذا يقتضي أن يكون الوقوف ~~بعرفة شرطا. # أقصى ما في الباب: أن الحج يحصل عند ترك ms1107 بعض المأمورات بدليل منفصل، ~~إلا أن الأصل ما ذكرنا، وذهب كثير من العلماء إلى أن الآية لا دلالة ~~فيها على أن الوقوف شرط، ونقل عن الحسن أن الوقوف بعرفة واجب، إلا ~~أنه إن فاته ذلك، قام الوقوف بجميع الحرم مقامه، واتفق الفقهاء على أن ~~الحج لا يحصل إلا بالوقوف بعرفة. # قوله: { عند المشعر الحرام } فيه وجهان: # أحدهما: أن يتعلق ب " اذكروا ". # والثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من فاعل " اذكروا " أي: ~~اذكروه كائنين عند المشعر. # والمشعر: المعلم من الشعار وهو العلامة؛ لأنه من معالم الحج، وأصله ~~قولك: شعرت بالشيء إذا علمته، وليت شعري ما فعل فلان، أي: ليت بلغه ~~وأحاط به، وشعار الشيء علامته، واختلفوا: # فقال بعضهم: هو المزدلفة، لأن الصلاة والمقام والمبيت بها، والدعاء ~~عنده، قاله الواحدي في البسيط. # وقال الزمخشري: الأصح أنه قزح وهو آخر المزدلفة. # وقال ابن الخطيب - رحمه الله تعالى -: والأول أقرب؛ لأن الفاء في ~~قوله: { فاذكروا الله عند المشعر الحرام } تدل على ~~أن الذكر عند المشعر الحرام يحصل عقيب الإفاضة من عرفات، وما ذاك إلا ~~البيتوتة بالمزدلفة. # فصل # قوله: { فاذكروا الله عند المشعر الحرام } يدل على ~~أن الحصول عند المشعر الحرام واجب، ويكفي فيه المرور به، كما في عرفة، ~~فأما الوقوف هناك فمسنون. # وروي عن علقمة والنخعي؛ أنهما قالا: الوقوف بالمزدلفة ركن بمنزلة ~~الوقوف بعرفة، لقوله تعالى: { فإذآ أفضتم من عرفات ~~فاذكروا الله عند المشعر الحرام } ، فإذا قلنا: بأن ~~الوقوف بعرفة ركن وليس ذكره صريحا في الكتاب، وإنما وجب بإشارة الآية ~~الكريمة أو بالسنة - فالمشعر الحرام فيه أمر جزم. # وقال جمهور الفقهاء: ليس بركن؛ لقوله - عليه السلام -: # " الحج عرفة، فمن وقف بعرفة، فقد تم حجه " # وقوله # " من أدرك عرفة فقد أدرك الحج، ومن فاته عرفة ~~فقد فاته الحج " # ، وأيضا فقوله تعالى: { فإذآ أفضتم من عرفات ~~فاذكروا الله عند المشعر الحرام } أمر بالذكر لا ~~بالوقوف فالوقوف بالمشعر الحرام يقع للذكر، وليس بأصل، وأما الوقوف ~~بعرفة فهو أصل؛ لأنه قال: { فإذآ أفضتم من عرفات } ولم ~~يقل ms1108 عند الذكر بعرفات. # فصل # اختلفوا في الذكر المأمور به عند المشعر الحرام. # فقال بعضهم: هو الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء، والصلاة تسمى ~~ذكرا؛ قال تعالى: # وأقم الصلوة لذكري # [طه: 14]، وأيضا فإنه أمر بالذكر هناك، والأمر للوجوب، ولا ذكر هناك ~~يجب إلا هذا. # وقال الجمهور: هو ذكر الله بالتسبيح والتحميد والتهليل. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: كان الناس إذا أدركوا هذه الليلة ~~لا ينامون. # قوله: " كما هداكم " فيه خمسة أقوال: # أحدها: أن تكون " الكاف " في محل نصب نعتا لمصدر محذوف. # والثاني: أن تكون في محل نصب على الحال من ضمير المقدر، وهو مذهب ~~سيبويه. # والثالث: أن يكون في محل نصب على الحال من فاعل " اذكروا " تقديره: ~~مشبهين لكم حين هداكم، قال أبو البقاء: " ولا بد من حذف مضاف؛ لأن ~~الجثة لا تشبه الحدث ". # ومثله: " كذكركم آباءكم " الكاف نعت لمصدر محذوف. # قال القرطبي: والمعنى: " اذكروه ذكرا حسنا كما هداكم هداية ~~حسنة ". # الثالث: أن يكون حالا، تقديره: فاذكروا الله مبالغين. # والرابع: للتعليل بمعنى اللام، أي: اذكروه لأجل هدايته إياكم، حكى ~~سيبويه رحمه الله: " كما أنه لا يعلم، فتجاوز الله ~~عنه ". وممن قال بكونها للعلية الأخفش وجماعة. # و " ما " في " كما " يجوز فيها وجهان: # أحدهما: أن تكون مصدرية، فتكون مع ما بعدها في محل جر بالكاف، أي: ~~كهدايته. # والثاني - وبه قال الزمخشري وابن عطية - أن تكون كافة للكاف عن ~~العمل، فلا يكون للجملة التي بعدها محل من الإعراب، بل إن وقع بعدها ~~اسم، رفع على الابتداء كقول القائل: [الطويل] # 1002 - وننصر مولانا ونعلم أنه # كما الناس مجروم عليه وجارم # وقال آخر: [الوافر] # 1003 - لعمرك إنني وأبا حميد # كما النشوان والرجل الحليم # أريد هجاءه وأخاف ربي # وأعلم أنه عبد لئيم # وقد منع صاحب " المستوفى " كون " ما " كافة للكاف، وهو محجوج بما ~~تقدم. # والخامس: أن تكون الكاف بمعنى " على "؛ كقوله: # ولتكبروا الله على ما هداكم # [البقرة: 185]. # فإن قيل: قوله تعالى: { واذكروا الله عند المشعر ~~الحرام } ثم قال: " واذكروه " فما فائدة هذا التكرار؟ # فالجواب من وجوه: ms1109 # أحدها: أن أسماء الله - تعالى - توقيفية؛ فقوله أولا: { ~~واذكروا الله } أمر بالذكر، وقوله تعالى: { واذكروه كما ~~هداكم } أمر بأن نذكره بالأسماء والصفات التي بينها لنا وهدانا ~~إليها، لا بأسماء تذكر بحسب الرأي والقياس. # وقيل: أمر بالذكر أولا، ثم قال: { واذكروه كما هداكم } ، ~~أي: وافعلوا ما أمركم به من الذكر كما هداكم لدين الإسلام، كأنه قال: ~~إنما أمرتكم بهذا الذكر؛ لتكونوا شاكرين لتلك النعمة، ونظيره ما ~~أمرهم به من التكبير عند فراغ رمضان، فقال: # ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما ~~هداكم # [البقرة: 185]، وقال في الأضاحي: # كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما ~~هداكم # [الحج: 37]. # وقيل: أمر أولا بالذكر باللسان، وثانيا بالذكر بالقلب، فإن ~~الذكر في كلام العرب ضربان: # أحدهما: الذكر ضد النسيان. # والثاني: الذكر بالقول. # فالأول: كقوله: # ومآ أنسنيه إلا الشيطن أن أذكره # [الكهف: 63]. # والثاني: كقوله: # فاذكروا الله كذكركم ءابآءكم # [البقرة: 200]، و # واذكروا الله في أيام معدودات # [البقرة: 203] فالأول محمول على الذكر باللسان، والثاني على الذكر ~~بالقلب. # وقال ابن الأنباري: معنى قوله: { واذكروه كما هداكم } أي: ~~اذكروه بتوحيده كما ذكركم بهدايته. # وقيل: المراد مواصلة الذكر بالذكر؛ كأنه قيل لهم: اذكروا الله ~~واذكروه، أي: اذكروه ذكرا بعد ذكر؛ كما هداكم هداية بعد هداية، نظيره ~~قوله: # يأيها الذين ءامنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا # [الأحزاب: 41]. # وقيل: المراد بالذكر الأول: ذكر الله بأسمائه وصفاته الحسنى، والمراد ~~بالثاني: الاشتغال بشكر نعمائه والشكر مشتمل أيضا على الذكر. # فصل # قال بعضهم: إن هذه الهداية خاصة، والمراد: كما هداكم في مناسك حجكم ~~إلى سنة إبراهيم - عليه السلام -. # وقال بعضهم: بل هي عامة متناولة لكل أنواع الهدايات. # قوله: { وإن كنتم من قبله لمن الضآلين }: " إن " ~~هذه هي المخففة من الثقيلة، واللام بعدها للفرق بينهما وبين النافية، ~~وجاز دخول " إن " على الفعل؛ لأنه ناسخ، وهل هذه اللام لام الابتداء ~~التي كانت تصحب " إن " ، أو لام أخرى غيرها؛ اجتلبت للفرق؟ قولان هذا ~~رأي البصريين. # وأما الكوفيون فعندهم فيها خلاف: فزعم الفراء أنها بمعنى " إن " ~~النافية، واللام بمعنى " إلا " ، أي: ما كنتم من ms1110 قبله إلا من ~~الضالين، ومذهب الكسائي التفصيل: بين أن تدخل على جملة فعلية، ~~فتكون " إن " بمعنى " قد " ، واللام زائدة للتوكيد؛ كقوله: # وإن نظنك لمن الكاذبين # [الشعراء: 186]، وبين أن تدخل على جملة اسمية، كقوله: # إن كل نفس لما عليها حافظ # [الطارق: 4]؛ فتكون كقول الفراء. # و " من قبله " متعلق بمحذوف يدل عليه " لمن الضالين ~~" ، تقديره: كنتم من قبله ضالين لمن الضالين، ولا يتعلق ~~بالضالين بعده؛ لأن ما بعد " أل " الموصولة، لا يعمل فيما قبلها، ~~إلا على رأي من يتوسع في الظرف، والهاء في " قبله " عائدة على " ~~الهدى " المفهوم من قوله " كما هداكم ". # وقيل: تعود إلى القرآن، والتقدير: واذكروه كما هداكم، بكتابه الذي بين ~~لكم معالم دينه، وإن كنتم من قبل إنزاله عليكم من الضالين. # وقيل: إلى الرسول. ### || [2.199] # استشكل الناس مجي " ثم " هنا؛ من حيث إن الإفاضة الثانية هي ~~الإفاضة الأولى؛ لأن قريشا كانت تقف بمزدلفة، وسائر الناس بعرفة، ~~فأمروا أن يفيضوا من عرفة كسائر الناس، فكيف يجاء ب " ثم " التي ~~تقتضي الترتيب والتراخي؟ والجواب من وجوه: # أحدها: أن الترتيب في الذكر، لا في الزمان الواقع فيه الأفعال، ~~وحسن ذلك؛ أن الإفاضة الأولى غير مأمور بها، إنما المأمور به ذكر الله، ~~إذا فعلت الإفاضة. # ثانيها: أن تكون هذه الجملة معطوفة على قوله: # واتقون يأولي الألباب # [البقرة: 197] ففي الكلام تقديم وتأخير، وهو بعيد. # ثالثها: أن تكون " ثم " بمعنى الواو، قال بعض النحاة: فهي لعطف ~~كلام منقطع من الأول. # قال بعضهم: وهي نظير قوله تعالى: # ومآ أدراك ما العقبة فك رقبة # [البلد: 12،13] إلى قوله: # ثم كان # [البلد: 17]، أي: كان مع هذا من المؤمنين، وفائدة " ثم " ههنا: ~~تأخر أحد الخبرين عن الآخر، لا تأخر المخبر عنه [عن ذلك المخبر عنه]. # رابعها: أن الإفاضة الثانية هي من جمع إلى منى، والمخاطبون بها جميع ~~الناس، قاله الضحاك، ورجحه الطبري، وهو الذي يقتضيه ظاهر القرآن، ~~فتكون " ثم " على بابها، قال الزمخشري: " فإن قلت: كيف موقع " ~~ثم "؟ قلت: نحو موقعها في قولك: أحسن إلى الناس، ثم لا ~~تحسن ms1111 إلى غير كريم " تأتي ب " ثم "؛ لتفاوت ما بين الإحسان ~~إلى الكريم، والإحسان إلى غيره، وبعد ما بينهما، فكذلك حين أمرهم بالذكر ~~عند الإفاضة من عرفات، قال: { ثم أفيضوا } لتفاوت ما بين ~~الإفاضتين، وأن إحداهما صواب والثانية خطأ " قال أبو حيان: " وليست ~~الآية نظير المثال الذي مثله، وخاصل ما ذكر أن " ثم " تسلب ~~الترتيب، وأن لها معنى غيره سماه بالتفاوت، والبعد لما بعدها عما ~~قبلها، ولم يذكر في الآية إفاضة الخطأ حتى تجيء " ثم " لتفاوت ما ~~بينهما، ولا نعلم أحدا سبقه إلى إثبات هذا المعنى ل " ثم " قال شهاب ~~الدين - رحمه الله تعالى -: وهذا الذي ناقش الزمخشري به تحامل عليه، ~~فإنه يعني بالتفاوت والبعد التراخي الواقع بين الرتبتين، وسيأتي له ~~نظائر، وبمثل هذه الأشياء لا يرد بها على مثل هذا الرجل. # و " من حيث " متعلق ب " أفيضوا " ، و " من " لابتداء ~~الغاية، و " حيث " هنا على بابها من كونها ظرف مكان، وقال القفال: ~~" هي هنا لزمان الإفاضة " وقد تقدم أن هذا قول الأخفش، وتقدم دليله، ~~وكأن القفال رام بذلك التغاير بين الإفاضتين؛ ليقع الجواب عن مجيء " ثم ~~" هنا، ولا يفيد ذلك؛ لأن الزمان يستلزم مكان الفعل الواقع فيه. # و { أفاض الناس } في محل جر بإضافة " حيث " إليها، ~~والجمهور على رفع السين من " الناس ". وقرأ سعيد بن جبير: " ~~الناسي " وفيها تأويلان: # أحدهما: أنه يراد به آدم - عليه السلام - بقوله: " فنسي ولم ~~نجد له عزما ". # والثاني: أن يراد به التارك للوقوف بمزدلفة، وهم جمع الناس، فيكون ~~المراد ب " الناسي " جنس الناسين، قال ابن عطية: " ويجوز عند بعضهم ~~حذف الياء، فيقول: " الناس " بكسر السين، فاكتفى بالكسرة عن الياء، ~~وبها قرأ الزهري؛ كالقاص والهاد؛ قال: أما جوازه في العربية، فذكره ~~سيبويه وأما جوازه قراءة، فلا أحفظه. قال أبو حيان: لم يجز سيبويه ذلك ~~إلا في الشعر، وأجازه الفراء في الكلام، وأما قوله: " لم ~~أحفظه " ، فقد حفظه غيره، حكاها المهدوي قراءة عن سعيد بن جبير ~~أيضا. # فصل في المراد بالإفاضة # في الآية الكريمة قولان: # الأول: أن ms1112 المراد بهذه الإفاضة من عرفات. # قال المفسرون: كانت قريش وحلفاؤها وهم الحمس يقفون بالمزدلفة، ~~ويقولون: نحن أهل الله وقطان حرمه، فلا نخرج من الحرم، ويستعظمون أن ~~يقفوا مع الناس بعرفات، وسائر العرب كانوا يقفون بعرفات، فإذا أفاض ~~الناس من عرفات، أفاض الحمس من المزدلفة، فأنزل الله - تعالى - هذه ~~الآية الكريمة، وأمرهم أن يقفوا بعرفات وأن يفيضوا منها كما يفعله سائر ~~الناس، والمراد بالناس: العرب كلهم غير الحمس. # وقال الكلبي: هم أهل اليمن وربيعة، وروي أنه - عليه السلام - لما جعل ~~أبا بكر أميرا في الحج، أمره بإخراج الناس إلى عرفات، فلما ذهب ~~مر على الحمس وتركهم، فقالوا له: إلى أين وهذا مقام آبائك وقومك فلا ~~تذهب، فلم يلتفت إليهم ومضى بأمر رسول الله إلى عرفات، ووقف بها وأمر ~~سائر الناس بالوقوف بها، وقال بعضهم: " أفيضوا " أمر عام لكل ~~الناس. # وقوله: { من حيث أفاض الناس } المراد: إبراهيم وإسماعيل - ~~عليهما السلام -: فإن سنتهما كانت الإفاضة من عرفات. # وقيل: المراد بالناس: النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه روي أن ~~النبي - عليه السلام - كان يقف في الجاهلية بعرفة كسائر الناس ~~ويخالف الحمس. # وقال الضحاك: الناس ههنا إبراهيم وحده، وإيقاع اسم الجمع على ~~الواحد جائز إذا كان رئيسا يقتدى به، وهو كقوله - تبارك وتعالى -: # الذين قال لهم الناس # [آل عمران: 173] يعني به: نعيم ابن مسعود، # إن الناس قد جمعوا لكم # [آل عمران: 173] يعني أبا سفيان، وهو مجاز مشهور؛ ومنه قوله: # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر: 1]. # وقال القفال: قوله: { من حيث أفاض الناس } [عبارة عن تقادم ~~الإفاضة من عرفات، وأنه هو الأمر القديم وما سواه فهو مبتدع محدث؛ كما ~~يقال: هذا مما فعله الناس قديما. # وقال الزهري: إن المراد من الناس في هذه الآية: آدم - عليه السلام ~~-؛ واحتج بقراءة سعيد بن جبير المتقدمة. # القول الثاني - وهو اختيار الضحاك ورجحه الطبري -: أن المراد ~~بهذه الإفاضة، هي الإفاضة من مزدلفة إلى منى يوم النحر، قبل طلوع الشمس ~~للرمي والنحر. # وقوله: { من حيث أفاض الناس } ] المراد: إبراهيم وإسماعيل ~~وأتباعهما. ms1113 # قوله: { واستغفروا الله } " استغفر " يتعدى لاثنين، ~~أولهما بنفسه، والثاني ب " من "؛ نحو: استغفرت الله من ذنبي، وقد يحذف ~~حرف الجر؛ كقول القائل: [البسيط] # 1004 - أستغفر الله ذنبا لست محصيه # رب العباد إليه الوجه والعمل # هذا مذهب سيبويه - رحمه الله - وجمهور الناس. # وقال ابن الطراوة: إنه يتعدى إليهما بنفسه أصالة، وإنما يتعدى ب ~~" من "؛ لتضمنه معنى ما يتعدى بها، فعنده " استغفرت الله ~~من كذا " بمعنى تبت إليه من كذا، ولم يجىء: " استغفر " في ~~القرآن الكريم متعديا إلا للأول فقط، فأما قوله تعالى: # واستغفر لذنبك # [غافر: 55] # واستغفري لذنبك # [يوسف: 29] # فاستغفروا لذنوبهم # [آل عمران: 135] فالظاهر أن هذه اللام لام العلة، لا لام التعدية، ~~ومجرورها مفعول من أجله، لا مفعول به. وأما " غفر " فذكر مفعوله في ~~القرآن تارة: # ومن يغفر الذنوب إلا الله # [آل عمران: 135]، وحذف أخرى: # ويغفر لمن يشآء # [المائدة: 40]. والسين في " استغفر " للطلب على بابها، والمفعول ~~الثاني هنا محذوف للعلم به، أي: من ذنوبكم التي فرطت منكم. # فإن قيل: أمر بالاستغفار مطلقا، وربما كان فيهم من لم يذنب، ~~فحينئذ لا يحتاج إلى الاستغفار. # فالجواب: أنه إن كان مذنبا، فالاستغفار واجب، وإن لم يذنب، ~~فيجوز من نفسه صدور التقصير في أداء الواجبات، والاحتراز عن ~~المحظورات؛ فيجب عليه الاستغفار تداركا لذلك لخلل ~~المجوز، وهذا كالممتنع في حق البشر. # فصل # واختلف العلماء - رضي الله عنهم - في هذه المغفرة الموعودة. # فقال بعضهم: إنها عند الدفع من عرفات إلى جمع. # وقال آخرون: إنها عند الدفع من جمع إلى منى، وهذا مبني على ~~الخلاف المتقدم في قوله: " ثم أفيضوا " على أي الأمرين ~~يحمل. # قال القفال - رحمه الله - ويتأكد الثاني بما روى نافع عن ~~ابن عمر؛ قال: # " خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشية عرفة؛ فقال: " ~~يا أيها الناس إن يطلع الله عليكم في مقامكم هذا، ~~فقبل من محسنكم، ووهب مسيئكم لمحسنكم، والتبعات ~~عوضها من عنده، أفيضوا على اسم الله تعالى " قال أصحابه: يا رسول ~~الله، أفضت بنا بالأمس كئيبا حزينا، وأفضت بنا اليوم ~~فرحا مسرورا، فقال عليه ms1114 السلام - " إني سألت ربي - عز ~~وجل - بالأمس شيئا لم يجد لي به: سألته التبعات فأبى ~~علي، فلما كان اليوم أتى جبريل - عليه السلام - فقال: ~~إن ربك يقرئك السلام ويقول: التبعات ضمنت عوضها ~~من عندي " # والله أعلم. ### || [2.200-202] # اعلم أن " قضى " إذا علق بفعل النفس، فالمراد منه الإتمام ~~والفراغ؛ كقوله تعالى: # فقضاهن سبع سماوات في يومين # [فصلت: 12] # فإذا قضيت الصلوة # [الجمعة: 10]، وقوله - عليه السلام -: # " وما فاتكم فاقضوا " # ، ويقال للحاكم عند فصل الخصومة، قضى بينهما. وإذا علق على ~~فعل الغير، فالمراد به الإلزام، كقوله: # وقضى ربك # [الإسراء: 23] وإذا استعمل في الإعلام، فالمراد أيضا كذلك؛ كقوله: # وقضينآ إلى بني إسرائيل # [الإسراء: 4]، أي: أعلمناهم، وهذه الآية الكريمة من القسم ~~الأول. # وقال بعضهم: يحتمل أن يكون المراد: اذكروا الله عند المناسك، ~~ويكون المراد من هذا الذكر: ما أمروا به من الدعاء بعرفات ~~والمشعر الحرام والطواف والسعي؛ كقول القائل: إذا حججت فطف ~~وقف بعرفة، ولا يريد الفراغ من الحج، بل الدخول فيه، وحملهم ~~على التأويل صيغة الأمر. # والمناسك، جمع " منسك " بفتح السين وكسرها، وسيأتي تحقيقها، ~~وقد تقدم اشتقاقها قريبا، والقراء على إظهار هذا، وروي عن أبي ~~عمرو الإدغام، قالوا: شبه حركة الإعراب بحركة البناء فحذفها ~~للإدغام، وأدغم أيضا " مناسككم " ولم يدغم ما يشبهه من ~~نحو: # جباههم # [التوبة: 35] و # وجوههم # [آل عمران: 106]. # قال بعض المفسرين: إن جعلها جمع " منسك " الذي هو المصدر ~~بمنزلة النسك، فالمراد: إذا قضيتم عبادتكم التي أمرتم بها في ~~الحج، وإن جعلتها جمع " منسك " الذي هو موضع العبادة، ~~فالتقدير: فإذا قضيتم أعمال مناسككم، فيكون من باب حذف ~~المضاف. # إذا عرف هذا؛ فنقول: قال بعضهم: المراد بالمناسك ما أمر الله ~~- تعالى - به في الحج من العبادات، وقال مجاهد: قضاء ~~المناسك: إراقة الدماء، يقال: أنسك الرجل ينسك نسكا، إذا ~~ذبح نسيكته بعد رمي جمرة العقبة والاستقرار بمنى، والفاء في قوله: ~~{ اذكروا الله } تدل على أن الذكر يجب عقيب الفراغ من ~~المناسك؛ فلذلك اختلفوا. # فمنهم من حمله على التكبير بعد الصلاة يوم النحر وأيام ~~التشريق - على حسب ms1115 اختلافهم في وقته - أن بعد الفراغ من الحج لا ~~ذكر مخصوص إلا التكبير. # ومنهم من قال: بل المراد تحويل القوم عما اعتادوه بعد الحج ~~من التفاخر بالآباء؛ لأنه تعالى لو لم ينه عنه بهذه الآية الكريمة، ~~لم يعدلوا عن هذه الطريقة. # ومنهم من قال: بل المراد منه أن الفراغ من الحج يوجب الإقبال ~~على الدعاء والاستغفار؛ كما أن الإنسان بعد الفراغ من الصلاة ~~يسن أن يشتغل بالذكر والدعاء. # قوله: { كذكركم ءابآءكم } الكاف كالكاف في قوله # كما هداكم # [البقرة: 198] إلا في كونها بمعنى " على " أو بمعنى اللام، ~~فليلتفت إليه، والجمهور على نصب " آباءكم " مفعولا به، ~~والمصدر مضاف لفاعله على الأصل، وقرأ محمد بن كعب: " آباؤكم " ~~رفعا، على أن المصدر مضاف للمفعول، والمعنى: كما يلهج الابن ~~بذكر أبيه، وروي عنه أيضا: " أباكم " بالإفراد على إرادة ~~الجنس، وهي توافق قراءة الجماعة في كون المصدر مضافا لفاعله، ~~ويبعد أن يقال: هو مرفوع على لغة من يجري " أباك " ونحوه ~~مجرى المقصور. # فصل # قال جمهور المفسرين: إن القوم كانوا بعد الفراغ من الحج يبالغون ~~في الثناء على آبائهم وفي ذكر مناقبهم، فقال تعالى: { ~~فاذكروا الله كذكركم ءابآءكم } ، أي: فاجهدوا في ~~الثناء على الله وشرح الآية، كما بذلتم جهدكم في الثناء على ~~آبائكم. # وقال الضحاك والربيع: اذكروا الله كذكركم آباءكم ~~وأمهاتكم، واكتفى بذكر الآباء، كقوله تعالى: # سرابيل تقيكم الحر # [النحل: 81] قالوا: وهو قول الصبي أول ما يفصح للكلام أبه أبه ~~أمه أمه، أي: كونوا مواظبين على ذكر الله؛ كمواظبة ~~الصغير على ذكر أبيه وأمه. # وقال أبو مسلم: أجرى ذكر الآباء مثلا لدوام الذكر، أي: كما أن ~~الرجل لا ينسى ذكر أبيه، فكذلك يجب ألا يغفل عن ذكر الله ~~- تعالى -. # وقال ابن الأنباري: كانت العرب في الجاهلية تكثر من القسم ~~بالآباء والأجداد؛ فقال تعالى: # " عظموا الله كتعظيم آبائكم ". # وقيل: كما أن الطفل يرجع إلى أبيه في طلب جميع مهماته، ~~ويكون ذاكرا له بالتعظيم فكونوا أنتم في ذكر الله كذلك. # وقيل: يحتمل أنهم كانوا يذكرون آباءهم؛ ليتوسلوا بذكرهم ~~إلى ms1116 إجابة الدعاء، فعرفهم الله - تعالى - أن آباءهم ليسوا ~~في هذه الدرجة؛ إذ أفعالهم الحسنة محبطة بشركهم. # وسئل ابن عباس - رضي الله عنهما - عن قوله تعالى: { فاذكروا ~~الله كذكركم ءابآءكم أو أشد ذكرا } ، فقيل: يأتي ~~على الرجل اليوم لا يذكر فيه أباه. # قال ابن عباس: ليس كذلك؛ ولكن هو أن تغضب لله إذا عصي، أشد ~~من غضبك لوالديك إذا ذكرا بسوء. # قوله: { أو أشد ذكرا } يجوز في " أشد " أن يكون مجرورا، ~~وأن يكون منصوبا: فأما جره، فذكروا فيه وجهين: # أحدهما: أن يكون مجرورا عطفا على " ذكركم " المجرور بكاف ~~التشبيه، تقديره: أو كذكر أشد ذكرا، فتجعل للذكر ذكرا ~~مجازا، وإليه ذهب الزجاج، وتبعه أبو البقاء - رضي الله عنه - وابن ~~عطية. # والثاني: أنه مجرور عطفا على المخفوض بإضافة المصدر إليه، وهو ~~ضمير المخاطبين، قال الزمخشري: أو أشد ذكرا في موضع جر ~~عطفا على ما أضيف إليه الذكر في قوله: { كذكركم ~~ءابآءكم أو أشد ذكرا }؛ كما تقول: " كذكر قريش ~~آباءهم أو قوم أشد منهم ذكرا " وهو حسن، وليس فيه ~~تجوز بأن يجعل للذكر ذكر؛ لأنه جعل " أشد " من ~~صفات الذاكرين، إلا أن فيه العطف على الضمير المجرور من غير ~~إعادة الجار، وهو ممنوع عند البصريين، ومحل ضرورة. # وأما نصبه فمن أوجه: # أحدها: أن يكون معطوفا على " آباءكم " قاله الزمخشري، فإنه قال: ~~" بمعنى أو أشد ذكرا من آبائكم "؛ على أن " ذكرا " من ~~فعل المذكور هو كلام يحتاج إلى تفسير، فقوله: " هو معطوف على ~~آباءكم ": معناه أنك إذا عطفت " أشد " على " آباءكم " ، ~~كان التقدير: أو قوما أشد ذكرا من آبائكم، فكان القوم ~~مذكورين، والذكر الذي هو تمييز بعد " أشد " هو من فعلهم، أي: ~~من فعل القوم المذكرين؛ لأنه جاء بعد " أفعل " الذي هو صفة ~~للقوم، ومعنى " من آبائكم " أي من ذكركم لآبائكم، وهذا أيضا ~~ليس فيه تجوز بأن جعل الذكر ذاكرا. # الثاني: أن يكون معطوفا على محل الكاف في " كذكركم "؛ لأنها ~~عندهم نعت لمصدر محذوف، تقديره: " ذكرا كذكركم آباءكم ~~أو أشد " وجعلوا الذكر ذاكرا مجازا؛ كقولهم: ms1117 شعر ~~شاعر، وهذا تخريج أبي علي وابن جني. # الثالث: قاله مكي: أن يكون منصوبا بإضمار فعل، قال: تقديره: " ~~فاذكروه ذكرا أشد من ذكركم لآبائكم "؛ فيكون نعتا لمصدر ~~في موضع الحال، أي: اذكروه بالغين في الذكر. # الرابع: أن يكون منصوبا بإضمار فعل الكون، قال أبو البقاء: " ~~وعندي أن الكلام محمول على المعنى، والتقدير: أو كونوا ~~أشد لله ذكرا منكم لآبائكم، ودل على هذا المعنى قوله: { ~~فاذكروا الله } أي: كونوا ذاكريه، وهذا أسهل من حمله ~~على المجاز " يعنى المجاز الذي تقدم ذكره عن الفارسي وتلميذه. # الخامس: أن يكون " أشد " نصبا على الحال من " ذكرا "؛ لأنه ~~لو تأخر عنه، لكان صفة له؛ كقوله: [مجزوء الوافر] # 1005 - لمية موحشا طلل # يلوح كأنه خلل # " موحشا " حال من " طلل "؛ لأنه في الأصل صفة، فلما قدم ~~تعذر بقاؤه صفة، فجعل حالا، قاله أبو حيان - رحمه الله تعالى ~~-، فإنه قال بعد ذكره ثلاثة أوجه لنصبه، ووجهين لجره: " فهذه خمسة ~~أوجه كلها ضعيفة، والذي يتبادر إلى الذهن في الآية أنهم أمروا ~~بأن يذكروا الله ذكرا يماثل ذكر آبائهم، أو أشد، ~~وقد ساغ لنا حمل هذه الآية الكريمة عليه بوجه ذهلوا عنه " ، ~~فذكر ما تقدم، ثم جوز في " ذكرا " - والحالة هذه - وجهين: # أحدهما: أن يكون معطوفا على محل الكاف في " كذكركم " ، ثم ~~اعترض على نفسه في هذا الوجه؛ بأنه يلزم منه الفصل بين حرف العطف، ~~وهو " أو " وبين المعطوف وهو " ذكرا " بالحال، وهو " أشد " ، ~~وقد نص النحويون على أن الفصل بينهما لا يجوز إلا بشرطين: # أحدهما: أن يكون حرف العطف أكثر من حرف واحد. # والثاني: أن يكون الفاصل قسما، أو ظرفا أو جارا، وأحد ~~الشرطين موجود، وهو الزيادة على حرف، والآخر مفقود، وهو كون ~~الفاصل ليس أحد الثلاثة المتقدمة، ثم أجاب بأن الحال مقدرة ~~بحرف الحر وشبهه بالظرف، فأجريت مجراهما. # والثاني: من الوجهين في " ذكرا " أن يكون مصدرا لقوله: " ~~فاذكروا " ، ويكون قوله: " كذكركم " في محل نصب على الحال ~~من " ذكرا "؛ لأنها في الأصل صفة له، فلما قدمت، كانت في ~~محل ms1118 حال، ويكون " أشد " عطفا على هذه الحال، وتقدير الكلام: " ~~فاذكروا الله ذكرا كذكركم، أي: مشبها ذكركم أو ~~أشد "؛ فيصير نظير: " اضرب مثل ضرب فلان أو أشد ~~" الأصل: اضرب ضربا مثل ضرب فلان أو أشد. # و " ذكرا " تمييز عند غير الشيخ كما تقدم، واستشكلوا كونه ~~تمييزا منصوبا؛ وذلك أن أفعل التفضيل يجب أن تضاف إلى ما بعدها، إذا ~~كان من جنس ما قبلها؛ نحو: " وجه زيد أحسن وجه " ، " ~~وعلمه أكثر علم " وإن لم يكن من جنس ما قبلها، وجب ~~نصبه؛ نحو: " زيد أحسن وجها، وخالد أكثر علما " ، ~~إذا تقرر ذلك، فقوله: " ذكرا " هو من جنس ما قبلها، فعلى ما ~~قرر، كان يقتضي جره، فإنه نظير: " اضرب بكرا كضرب ~~عمرو زيدا أو أشد ضرب " بالجر فقط. والجواب عن هذا ~~الإشكال مأخوذ من الأوجه المتقدمة في النصب والجر المذكورين في " ~~أشد "؛ من حيث أن يجعل الذكر ذاكرا مجازا؛ كقولهم: " ~~شعر شاعر "؛ كما قال به الفارسي وصاحبه، أو يجعل " أشد ~~" من صفات الأعيان، لا من صفات الإذكار؛ كما قال به الزمخشري، أو ~~يجعل " أشد " حالا من " ذكرا " أو ننصبه بفعل و " أو " هنا ~~قيل للإباحة، وقيل للتخيير، وقيل: بمعنى بل، وهو قول أكثر ~~المفسرين. # قوله: { فمن الناس من يقول ربنآ ءاتنا في الدنيا ~~} " من " مبتدأ، وخبره في الجار قبله، ويجوز أن تكون فاعلة عند ~~الأخفش، وأن تكون نكرة موصوفة، وفي هذا الكلام التفات؛ إذ لو جرى ~~على النسق الأول، لقيل: " فمنكم " ، وحمل على معنى " من "؛ إذ ~~جاء جمعا في قوله: " ربنا آتنا " ، ولو حمل على لفظها، لقال ~~" رب آتني ". # وفي المفعول الثاني ل " آتنا " - لأنه يتعدى لاثنين ثانيهما ~~غير الأول - ثلاثة أقوال: # أظهرها: أنه محذوف؛ اختصارا أو اقتصارا؛ لأنه من باب " أعطى " ، ~~أي: آتنا ما نريد، أو مطلوبنا. # والثاني: أن " في " بمعنى " من " أي: من الدنيا. # والثالث: أنها زائدة، أي: آتنا الدنيا، وليسا بشيء. # فصل # واعلم أنه بين أولا مناسك الحج، ثم أمر بعدها بالذكر، ~~ثم بين بعد الذكر كيفية الدعاء، وهذا من أحسن ms1119 الترتيب؛ فإن ~~تقديم العبادة يكسر النفس، وبعد العبادة لا بد من الاشتغال ~~بذكر الله، فإن به يكمل الدعاء؛ كما حكي عن إبراهيم - عليه ~~السلام -؛ أنه قدم الذكر على الدعاء، فقال: # الذي خلقني فهو يهدين # [الشعراء: 78] ثم قال: # رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين # [الشعراء: 83] ثم بين - تبارك وتعالى - أن الذين يدعون ~~فريقان: أحدهما يطلب الدنيا، والثاني يطلب الدنيا والآخرة، ~~وقد بقي قسم ثالث وهو طلب الآخرة؛ واختلفوا في هذا القسم: ~~هل هو مشروع أم لا؟ والأكثرون على أنه غير مشروع؛ لأن الإنسان ضعيف ~~لا طاقة له بآلام الدنيا؛ فالأولى أن يستعيذ بربه من كل شر في ~~الدنيا والآخرة. # روى القفال في " تفسيره " عن أنس - رضي الله عنه - # " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل على رجل يعود، قد ~~أنهكه المرض حتى صار كالفرخ، فقال: ما كنت تدعوا الله به ~~قبل هذا؟ قال: كنت أقول: اللهم ما كنت تعاقبني به في ~~الآخرة فعجل به في الدنيا، فقال النبي - عليه السلام -:سبحان ~~الله!! إنك لا تطيق ذلك؛ هلا قلت: " ربنا آتنا في الدنيا ~~حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " قال: فدعا له ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فشوفي " # فصل # اختلفوا في الذين يقتصرون في الدعاء على طلب الدنيا على ~~قولين. # فقال قوم: هم الكفار؛ روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما -؛ أن ~~المشركين كانوا إذا وقفوا للدعاء، يقولون: اللهم أعطنا غنما ~~وإبلا وبقرا، وعبيدا، وإماء، وكان الرجل يقوم ويقول: اللهم ~~إن أبي كان عظيم القبة، كبير الجفنة، كثير المال؛ فأعطني مثلما ~~أعطيته، ولم يطلبوا التوبة والمغفرة؛ لأنهم كانوا منكرين ~~البعث والمعاد. # وعن أنس؛ كانوا يقولون: اسقنا المطر، وأعطنا على عدونا ~~الظفر، فأخبر الله - تعالى - أن من كان هكذا، فلا خلاق له في ~~الآخرة، أي: لا نصيب له. # قال القرطبي: فنهوا عن ذلك الدعاء المخصوص بأمر الدنيا، وجاء ~~النهي بصيغة الخبر عنهم. # وقال آخرون: قد يكونوا مؤمنين، ويسألون الله - تعالى - لدنياهم ~~لا لآخرتهم، ويكون سؤالهم هذا ذنبا؛ لأنهم سألوا الله في ms1120 أعظم ~~المواقف حطام الدنيا الفاني، وأعرضوا عن سؤال نعيم الآخرة، ~~ويقال لمن فعل ذلك: أنه لا خلاق له في الآخرة، وإن كان ~~مسلما؛ كما روي في قوله - تعالى - # إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا ~~قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة # [آل عمران: 77] أنها نزلت فيمن أخذ مالا بيمين فاجرة. # وروي عن النبي - عليه السلام -: إن الله يؤيد هذا الدين ~~بأقوام لا خلاق لهم، ومعنى ذلك على وجوه. # أحدها: أنه لا خلاق له في الآخرة إلا أن يتوب. # الثاني: لا خلاق له في الآخرة إلا أن يعفوا الله عنه. # والثالث: لا خلاق له في الآخرة كخلاق من سأل الله - تعالى - لآخرته، ~~وكذلك لا خلاق لمن أخذ مالا بيمين فاجرة، كخلاق من تورع عن ذلك؛ ~~ونظير هذه الآية قوله تعالى: # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب # [الشورى: 20]. # قوله تعالى: { في الآخرة حسنة } [البقرة: 201] يجوز في الجار ~~وجهان. # أحدهما: أن يتعلق ب " آتنا " كالذي قبله. # والثاني: أجازه أبو البقاء أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من " ~~حسنة "؛ لأنه كان في الأصل صفة لها، فلما قدم عليها، انتصب ~~حالا. # قوله: { وفي الآخرة حسنة } هذه الواو عاطفة شيئين على ~~شيئين متقدمين ف " في الآخرة " عطف على " في الدنيا " ~~بإعادة العامل، و " حسنة " عطف على " حسنة " ، والواو ~~تعطف شيئين فأكثر، على شيئين فأكثر؛ تقول: " أعلم الله ~~زيدا عمرا فاضلا، وبكرا خالدا صالحا " ، اللهم إلا أن ~~تنوب عن عاملين، ففيها خلاف وتفصيل يأتي في موضعه - إن شاء الله -، ~~وليس هذا كما زعم بعضهم: أنه من باب الفصل بين حرف العطف وهو على ~~حرف واحد، وبين المعطوف بالجار والمجرور، وجعله دليلا على أبي علي ~~الفارسي؛ حيث منع ذلك إلا في ضرورة؛ لأن هذا من باب عطف شيئين ~~على شيئين؛ كما ذكرت لك، لا من باب الفصل، ومحل الخلاف إنما هو نحو: ~~" أكرمت زيدا وعندك عمرا " ، وإنما يرد على أبي ~~علي ms1121 بقوله: # إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى ~~أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا ~~بالعدل # [النساء: 58] وقوله تعالى: # الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن # [الطلاق: 12]. # فصل # ذكر المفسرون في الحسنيين وجوها: # قال علي بن أبي طالب: في الدنيا امرأة صالحة، وفي الآخرة الجنة؛ ~~روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ أنه قال: الدنيا ~~كلها متاع وخير متاعها المرأة الصالحة. # وقال الحسن: في الدنيا حسنة العلم والعبادة، وفي الآخرة: ~~الجنة والنظر. # روى الضحاك عن ابن عباس - رضي الله عنهما -؛ # " أن رجلا دعا ربه فقال: " ربنا آتنا في الدنيا حسنة ~~وفي الآخرة حسنة وقنا عذا النار " فقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: " ما أعلم أن هذا الرجل سأل الله شيئا من ~~أمر الدنيا " ، فقال بعض الصحابة: بلى يا رسول الله إنه قال: ~~" ربنا آتنا في الدنيا حسنة " ، فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " إنه يقول ربنا آتنا في الدنيا عملا صالحا ~~" # وقال السدي وابن حيان: في الدنيا رزقا حلالا وعملا ~~صالحا، وفي الآخرة المغفرة والثواب. # وقال عوف: من آتاه الله الإسلام والقرآن وأهلا ومالا، فقد ~~أوتي في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة. # وقيل: الحسنة في الدنيا الصحة والأمن، والكفاية، والولد ~~الصالح، والزوجة الصالحة، والنصرة على الأعداء؛ لأن الله ~~تعالى سمى الخصب والسعة في الرزق حسنة؛ فقال: # إن تصبك حسنة تسؤهم # [التوبة: 50]. # وقيل في قوله تعالى: # قل هل تربصون بنآ إلا إحدى الحسنيين # [التوبة: 52] أنهما الظفر والنصرة، وأما الحسنة في الآخرة ~~فهي الفوز بالثواب والخلاص من العقاب. # وقال قتادة: هو طلب العافية في الدارين. # وبالجملة فهذا الدعاء جامع لجميع مطالب الدنيا والآخرة؛ روى ~~ثابت؛ أنهم قالوا لأنس: ادع لنا، فقال: " اللهم آتنا في ~~الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " قالوا: ~~زدنا، فأعادها، قالوا: زدنا، قال: ما تريدون؛ قد سألت لك خير ~~الدنيا والآخرة. # وعن أنس؛ قال: # " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكثر أن يقول: ربنا ~~آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب ms1122 النار " # وعن عبد الله بن السائب؛ أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - # " يقول فيما بين ركن بني جمح والركن الأسود ربنا آتنا في ~~الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " # فصل # قال ابن الخطيب: اعلم أن منشأ البحث في الآية الكريمة أنه لو قيل: ~~آتنا في الدنيا الحسنة وفي الآخرة الحسنة، لكان ذلك متناولا ~~لكل الحسنات، ولكنه قال: " آتنا في الدنيا حسنة وفي ~~الآخرة حسنة " ، وهذا نكرة في محل الإثبات، فلا يتناول ~~إلا حسنة واحدة؛ فلذلك اختلف المفسرون، فكل واحد منهم حمل ~~اللفظ على ما رآه أحسن أنواع الحسنة، وهذا بناء منه على أن ~~الفرد المعرف بالألف واللام يعم، وقد اختار في " المحصول ~~" خلافه. # ثم قال: فإن قيل: أليس أنه لو قيل: آتنا الحسنة في الدنيا ~~والحسنة في الآخرة، لكان متناولا لكل الأقسام، فلم ترك ذلك ~~وذكره منكرا؟ # وأجاب بأن قال: إن بينا أنه ليس للداعي أن يقول: اللهم ~~أعطني كذا وكذا، بل يجب أن يقول: اللهم إن كان كذا ~~مصلحة لي، وموافقا لقضائك وقدرك، فأعطني ذلك، فلو قال: ~~اللهم أعطني الحسنة في الدنيا، لكان ذلك جزما، وقد ~~بينا أنه غير جائز، فلما ذكره على سبيل التنكير، كان ~~المراد منه حسنة واحدة، وهي التي توافق قضاءه وقدره، وكان ~~ذلك أحسن وأقرب إلى رعايته الأدب. # وقوله: " قنا ": مما حذف منه فاؤه ولامه من وقى يقي ~~وقاية، أما حذف فائه، فبالحمل على المضارع؛ لوقوع الواو بين ~~ياء وكسرة كما حذفت يقي ويشي مثل بعد، هذا قول البصريين، وقال ~~الكوفيون: حذفت فرقا بين اللازم والمتعدي. # قال محمد بن زيد: وهذا خطأ؛ لأن العرب تقول: ورم يرم، فيحذفون ~~الواو وأما حذف لامه؛ فلأن الأمر جار مجرى المضارع المجزوم، ~~وجزمه بحذف حرف العلة؛ فكذلك الأمر منه، فوزن " قنا " حينئذ: ~~عنا، والأصل: اوقنا، فلما حذفت الفاء استغني عن همزة ~~الوصل، فحذفت، و " عذاب " مفعول ثان. # قوله تعالى: " أولئك " مبتدأ و " لهم " خبر مقدم، و " نصيب " ~~مبتدأ، وهذه الجملة خبر الأول، ويجوز أن يكون " لهم ms1123 " خبر " ~~أولئك " ، و " نصيب " فاعل به؛ لما تضمنه من معنى الفعل لاعتماده، ~~والمشار إليه ب " أولئك " فيه قولان: # أظهرهما: أنهما الفريقان: طالب الدنيا وحدها وطالب الدنيا والآخرة، ~~وقيل: بل لطالب الدنيا والآخرة؛ لأنه - تعالى - ذكر حكم الفريق ~~الأول؛ حيث قال: { وما له في الآخرة من خلاق }. # قوله: { مما كسبوا } متعلق بمحذوف؛ لأنه صفة ل " نصيب " ~~، فهو في محل رفع، وفي " من " ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها للتبعيض، أي: نصيب من جنس ما كسبوا. # والثاني: أنها للسببية، أي: من أجل ما كسبوا. # والثالث: أنها للبيان. # فصل # قال ابن عباس في قوله: { أولئك لهم نصيب مما ~~كسبوا }: هو الرجل يأخذ مالا يحج به من غيره؛ فيكون له ~~ثواب. # و " ما " يجوز فيها وجهان: أن تكون مصدرية، أي: من كسبهم؛ فلا ~~تحتاج إلى عائد. # والثاني: أنها بمعنى " الذي " ، فالعائد محذوف؛ لاستكمال الشروط، ~~أي: من الذي كسبوه. # و " الكسب ": يطلق على ما يناله العبد بعمله، بشرط أن يكون ~~لجر منفعة، أو دفع مضرة. # قوله: { والله سريع الحساب } السريع فاعل من السرعة ~~قال ابن السكيت: سرع يسرع سرعا وسرعة، فهو سريع؛ مثل ~~عظم يعظم. # و " الحساب " مصدر كالمحاسبة، ومعنى الحساب في اللغة: ~~العد؛ قال حسب يحسب حسابا وحسبة وحسبا إذا عد ذكره ~~الليث وابن السكيت، والحسب ما عد؛ ومنه حسب الرجل: وهو ما ~~يعد من مآثره ومفاخره، والمعنى أن الله سريع الحساب، لا ~~يحتاج إلى عد ولا إلى عقد كما يفعله الحساب، ~~والاحتساب: الاعتداد بالشيء. # وقال الزجاج: الحساب في اللغة مأخوذ من قولهم: " حسبك كذا ~~" ، أي: كفاك، فسمي الحساب في المعاملات حسابا؛ لأنه ~~يعلم به ما فيه كفاية، وليس فيه زيادة على المقدار ولا ~~نقصان. # وقيل: { والله سريع الحساب } قال الحسن: أسرع من ~~لمح البصر. # وقيل: إتيان القيامة قريب؛ لأن ما هو أت لا محالة قريب؛ قال ~~- تعالى - # وما يدريك لعل الساعة قريب # [الشورى: 17]. # وقيل: سريع الحساب، أي: سريع القبول لدعاء عباده والإجابة لهم؛ لأنه - ~~تعالى - في الوقت الواحد يسأله السائلون، كل واحد منهم أشياء مختلفة ms1124 ~~من أمور الدنيا والآخرة، فيعطي كل واحد مطلوبه من غير أن يشتبه عليه ~~شيء من ذلك. # فصل في أن الله هو المحاسب # اختلف الناس في معنى كونه - تعالى - محاسبا للخلق على وجوه: # أحدها: أن معنى الحساب: أنه - تعالى - يعلمهم ما لهم و[ما] عليهم، ~~بمعنى أنه يخلق علوما ضرورية في قلوبهم، بمقادير أعمالهم وكميتها ~~وكيفياتها، ومقادير ما لهم من الثواب والعقاب. # قالوا: ووجه المجاز فيه أن الحساب سبب لحصول علم الإنسان بما له و [ما] ~~عليه، فإطلاق اسم الحساب على هذا الإعلام يكون من باب إطلاق اسم السبب ~~على المسبب، وهو مجاز مشهور. # ونقل عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: لا حساب على الخلق، بل ~~يقفون بين يدي الله - تعالى -، يعطون كتبهم بأيمانهم فيها سيئاتهم، فيقال ~~لهم: هذه سيئاتكم قد تجاوزت عنها، ثم يعطون حسناتهم، ويقال لهم: هذه ~~حسناتكم قد ضاعفتها لكم. # الثاني: أن المحاسبة عبارة عن المجازاة؛ قال - تبارك وتعالى - # وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله ~~فحاسبناها حسابا شديدا # [الطلاق: 8]، ووجه المجاز: أن الحساب سبب للأخذ والعطاء، وإطلاق اسم ~~السبب على المسبب جائز؛ فحسن إطلاق لفظ الحساب على المجازاة. # الثالث: أنه تعالى يكلم العباد في أحوال أعمالهم، وكيفية ما لها من ~~الثواب والعقاب، فمن قال: إن كلامه ليس بحرف ولا صوت، قال: إنه تعالى ~~يخلق في أذن المكلف سمعا يسمع به كلامه القديم؛ كما أنه يخلق في ~~عينيه رؤية يرى بها ذاته القديمة، ومن قال: إنه صوت، قال: إنه - تعالى - ~~يخلق كلاما يسمعه كل مكلف، إما بأن يخلق ذلك الكلام في أذن كل ~~واحد منهم، أو في جسم يقرب من أذنه، بحيث لا تبلغ قوة ذلك الصوت أن ~~تمنع الغير من فهم ما كلف به، والله أعلم. ### || [2.203-206] # قوله: " معدودات ": صفة لأيام، وقد تقدم أن صفة ما لا يعقل ~~يطرد جمعها بالألف والتاء، وقد ذكر أبو البقاء هنا سؤالا؛ فقال: إن ~~قيل " الأيام " واحدها " يوم " و " المعدودات " واحدتها " ~~معدودة " ، واليوم لا يوصف بمعدودة، لأن الصفة هنا ms1125 مؤنثة، ~~والموصوف مذكر، وإنما الوجه أن يقال: " أيام معدودة " فتصف ~~الجمع بالمؤنث، فالجواب أنه أجرى " معدودات " ، على لفظ " أيام " ~~، وقابل الجمع بالجمع مجازا، والأصل " معدودة "؛ كما قال: # لن تمسنا النار إلا أياما معدودة # [البقرة: 80]، ولو قيل: إن الإيام تشتمل على الساعات، والساعة ~~مؤنثة، فجاء الجمع على معنى ساعات الأيام، وفيه تنبيه على الأمر ~~بالذكر في كل ساعات هذه الأيام، أو في معظمها، لكان جوابا سديدا، ~~ونظير ذلك الشهر والصيف والشتاء؛ فإنها يجاب بها عن " كم " ، و " ~~كم " إنما يجاب عنها بالعدد، وألفاظ هذه الأشياء ليست عددا، وإنما هي ~~أسماء المعدودات، فكانت جوابا من هذا الوجه. قال شهاب الدين وهذا تطويل ~~من غير فائدة، وقوله " مفرد معدودات معودة بالتأنيث " ممنوع، بل ~~مفردها " معدود " بالتذكير، ولا يضر جمعه بالألف والتاء، إذ الجمع ~~بالألف والتاء لا يستدعي تأنيث المفرد؛ ألا ترى إلى قولهم: حمامات ~~وسجلات وسرادقات. # قال الكوفيون: الألف والتاء في " معدودات " لأقل العدد. # وقال البصريون: هما للقليل والكثير؛ بدليل قوله تعالى: # وهم في الغرفات آمنون # [سبأ: 37] والغرفات كثيرة. # فصل # اعلم أن الله - تعالى - لما ذكر المشعر الحرام، لم يذكر الرمي ~~لوجهين: # أحدهما: أن ذلك كان أمرا مشهورا عندهم، وكانوا منكرين لذلك إلا أنه ~~- تعالى - ذكر ما فيه من ذكر الله - تعالى -؛ لأنهم كانوا لا يفعلونه. # الثاني: لعله إنما لم يذكر الرمي؛ لأن في الأمر بذكر الله في هذه ~~الأيام دليلا عليه؛ إذ كان من سنته التكبير على كل حصاة. # فصل # قال هنا: في أيام معدودات، وفي سورة الحج: # ويذكروا اسم الله في أيام معلومات # [الحج: 28]، فقال أكثر أهل العلم، الأيام المعلومات: عشر ذي الحجة، ~~آخرهن يوم النحر. # والمعدودات: هي أيام التشريق؛ وهي أيام منى، ورمي الجمار، وسميت ~~معدودات لقلتهن؛ كقوله: # دراهم معدودة # [يوسف: 20] ولقوله تعالى بعده: { فمن تعجل في يومين فلا ~~إثم عليه } ، وأجمعت الأمة على أن هذا الحكم إنما يثبت في ~~أيام منى؛ وهي أيام التشريق. # قال الواحدي - رحمه الله -:أيام التشريق ثلاثة أيام بعد يوم ~~النحر: # أولها: يوم النفر؛ وهو ms1126 الحادي عشر من ذي الحجة، يستقر الناس فيه ~~بمنى. # والثاني: يوم النفر الأول؛ لأن بعض الناس ينفرون في هذا اليوم من ~~منى. # والثالث: يوم النفر الثاني: وهذه الأيام الثلاثة مع يوم النحر ~~كلها أيام النحر، وعند أحمد - رحمه الله -:عند آخر وقت النحر إلى ~~يومين من أيام التشريق، وأيام التشريق مع يوم النحر أيام رمي ~~الجمار؛ وأيام التكبير أدبار الصلوات. # واستدل القفال على أن الأيام المعدودات هي أيام التشريق بما ~~روى عبد الرحمن بن يعمر الدئلي؛ أن رسول الله صلى الله عيله وسلم أمر ~~مناديا فنادى، " الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل طلوع ~~الفجر، فقد أدرك الحج، وأيام منى ثلاثة أيام، فمن تعجل في ~~يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه، وهذا ~~يدل على أن الأيام المعدودات هي أيام التشريق. # وروي عن ابن عباس: " المعلومات " يوم النحر ويومان بعده، و " ~~المعدودات " أيام التشريق. # وعن علي - رضي الله عنه - قال: " المعلومات يوم النحر وثلاثة ~~بعده ". # وروى عطاء عن ابن عباس: " المعلومات يوم عرفة والنحر وأيام ~~التشريق ". # وقال محمد بن كعب: هما شيء واحد، وهي أيام التشريق، وروي عن نبيشة ~~الهذلي؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله، ومن ~~الذكر في أيام التشريق التكبير " # فصل # اعلم أن المراد بالذكر في هذه الأيام: التكبير عند رمي الجمرات، ~~وأدبار الصلوات. # وروي عن عمر، وعبد الله بن عمر؛ أنهما كانا يكبران بمنى تلك الأيام ~~خلف الصلوات، وفي المجلس، وعلى الفراش والفسطاط، وفي الطريق، ويكبر ~~الناس بتكبيرهما، ويتلوان هذه الآية. # وذهب الجمهور إلى أن التكبير عقيب الصلوات مختص بعيد الأضحى، [في ~~حق الحاج وغيره. # وذهب أحمد - رحمه الله - إلى أنه يستحب التكبير ليلة العيدين]. ~~واختلفوا في ابتدائه وانتهائه. # فقال مالك الشافعي: يكبر المحرم وغيره عقيب الصلوات، من صلاة ~~الظهر من يوم النحر، إلى بعد صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، ~~وهو قول ابن عباس، وابن عمر؛ لأن التكبير إنما ورد في حق الحاج ~~والناس تبع ms1127 لهم، وذكر الحاج قبل هذا الوقت هو التلبية، وهي تنقطع ~~مع ابتداء الرمي. # وقال أحمد - رحمه الله -: يكبر المحرم من صلاة الظهر يوم النحر إلى ~~آخر أيام التشريق، روي ذلك عن علي وبه قال مكحول وأبو يوسف، وروي هذا ~~القول عن بعضهم في حق المحرم أيضا، روي عن علي وعمر وابن مسعود وابن ~~عباس. # وقال أبو حنيفة: يكبر المحرم وغيره من صلاة الصبح يوم عرفة، إلى بعد ~~العصر يوم النحر، روى ذلك عن ابن مسعود وعلقمة والأسود والنخعي. # وللشافعي قول آخر: أنه يبتدئ من صلاة المغرب ليلة النحر، إلى صلاة ~~الصبح من آخر أيام التشريق، وله قول ثالث: أنه يبتدئ من صلاة ~~الصبح يوم عرفة إلى العصر من يوم النحر؛ وهو كقول أبي حنيفة - رضي ~~الله عنه -. # فإن قيل: التكبير مضاف إلى الأيام المعدودات وهي أيام التشريق، ~~فينبغي ألا تكون مشروعة يوم عرفة. # فالجواب: أن هذا يقتضي ألا يكون يوم النحر داخلا فيها وهو خلاف ~~الإجماع. # وصفة التكبير عند أهل العراق شفعا: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا ~~الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، روي ذلك عن ابن مسعود - رضي الله ~~عنهما - وهو قول أحمد. # وقال أهل المدينة: صفة التكبير: الله أكبر الله أكبر الله أكبر ثلاثا ~~نسقا، وهو قول سعيد بن جبير والحسن، وبه قال مالك والشافعي وأبو ~~حنيفة، ويقول بعده: لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد. # قوله تعالى: { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه } ~~" من " يجوز فيها وجهان: # أحدهما: أن تكون شرطية، ف " تعجل " في محل جزم، والفاء في ~~قوله: " فلا " جواب الشرط والفاء وما في حيزها في محل جزم أيضا ~~على الجواب. # والثاني: أنها موصولة ب " تعجل " فلا محل ل " تعجل "؛ ~~لوقوعه صلة، ولفظه ماض، ومعناه يحتمل المضي والاستقبال؛ لأن كل ~~ما وقع صلة، فهذا حكمه؛ والفاء في " فلا " زائدة في الخبر، وهي وما ~~بعدها في محل رفع خبرا للمبتدأ. # قال القرطبي: " من " في قوله: " فمن تعجل " رفع بالابتداء، ~~والخبر ms1128 " فلا إثم عليه " ، ويجوز في غير القرآن، فلا إثم ~~عليهم؛ لأن معنى " من " جماعة؛ كقول - تبارك وتعالى -: # ومنهم من يستمعون إليك # [يونس: 42]، وكذلك " من تأخر ". # و " في يومين " متعلق ب " تعجل " ولا بد من ارتكاب ~~مجاز؛ لأن الفعل الواقع في الظرف المعدود يستلزم أن يكون واقعا في كل ~~من معدوداته، تقول: " سرت يومين " لا بد وأن يكون السير وقع في ~~الأول والثاني أو بعض الثاني، وهنا لا يقع التعجيل في اليوم الأول من ~~هذين اليومين بوجه، ووجه المجاز: إما من حيث إنه نسب الواقع في ~~أحدهما واقعا فيها؛ كقوله: # نسيا حوتهما # [الكهف: 61] و # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # [الرحمن: 22]، والناسي أحدهما: وكذلك المخرج من أحدهما، وإما من حيث ~~حذف مضاف، أي: في تمام يومين أو كمالهما. # و " تعجل " يجوز أن يكون بمعنى " استعجل " ك " تكبر، ~~واستكبر " ، أو مطاوعا ل " عجل " نحو " كسرته فتكسر ~~" ، أو بمعنى المجرد، وهو " عجل " ، قال الزمخشري: " والمطاوعة ~~أوفق "؛ لقوله: " ومن تأخر "؛ كما هي في قوله: [البسيط] # 1006 - قد يدرك المتأني بعض حاجته # وقد يكون مع المستعجل الزلل # لأجل قوله " المتأني ". و " تعجل واستعجل " يكونان ~~لازمين ومتعديين، ومتعلق التعجيل محذوف، فيجوز أن تقدره مفعولا ~~صريحا، أي: من تعجل النفر، وأن تقدره مجرورا أي: بالنفر، حسب ~~استعماله لازما ومتعديا. # وفي هذه الآيات من علم البديع: الطباق، وهو ذكر الشيء وضده في " ~~تعجل وتأخر " ، فهو كقوله: # أضحك وأبكى # [النجم: 43] و # أمات وأحيا # [النجم:44]، وهذا طباق غريب، من حيث جعل ضد " تعجل ": " ~~تأخر " ، وإنما ضد " تعجل ": " تأنى " ، وضد " ~~تأخر ": " تقدم " ، ولكنه في " تعجل " عبر بالملزوم عن ~~اللازم، وفي " تأخر " باللازم عن الملزوم، وفيها من علم البيان: ~~المقابلة اللفظية، وذلك أن المتأخر بالنفر آت بزيادة في العبادة، ~~فله زيادة في الأجر على المتعجل، فقال في حقه أيضا: " فلا إثم ~~عليه "؛ ليقابل قوله أولا: { فمن تعجل في يومين فلا ~~إثم عليه } ، فهو كقوله: # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40] # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه # [البقرة: 194]. # وذكر ابن الخطيب هنا سؤالا؛ فقال: قوله: " ومن تأخر ms1129 فلا ~~إثم عليه " فيه إشكال؛ لأنه إذا كان قد استوفى كل ما يلزمه في ~~تمام الحج، فما معنى قوله: " فلا إثم عليه " فهذا اللفظ ~~إنما يقال في حق المقصر، وأجاب بوجوه: # أحدها: ما تقدم من المقابلة، ونقله عن الواحدي. # وثانيها: أنه - تعالى - لما أذن في التعجيل على سبيل الرخصة، احتمل ~~أن يخطر بالبال أن من لم يترخص فإنه يأثم. كما قال أبو حنيفة - رضي ~~الله عنه -: القصر عزيمة والإتمام غير واجب، ومذهب أحمد - رحمه الله -: ~~القصر والفطر في السفر أفضل، فأزال الله - تعالى - هذه الشبهة، ~~وبين أنه لا إثم عليه في الأمرين، فإن شاء تعجل وإن شاء تأخر. # وثالثها: قال بعض المفسرين: إن منهم من كان يتعجل، ومنهم من كان ~~يتأخر، وكل واحد من الفريقين يعيب على الآخر فعله، ويقول: هو مخالف ~~لسنة الحج، فبين الله - تعالى - أنه لا عيب على كل واحد من ~~الفريقين. # ورابعها: أن المعنى في إزالة الإثم عند المتأخر؛ إنما هو لمن زاد على ~~مقام الثلاث؛ فكأنه قيل: أيام منى التي ينبغي المقام فيها هي ثلاث، ~~فمن نقص منها وتعجل في يومين، فلا إثم عليه، ومن زاد عليها فتأخر ~~عن الثالث إلى الرابع؛ فلم ينفر مع الناس، فلا شيء عليه. # وخامسها: أنه ذكر هذا الكلام؛ مبالغة في أن الحج يكفر الذنوب ~~والآثام؛ كما إذا تناول الإنسان الترياق فيقول له الطبيب: إن تناولت ~~السم فلا ضرر وإن لم تتناوله فلا ضرر، ومقصوده بيان أن الترياق دواء ~~كامل في دفع المضار، لا بيان أن تناول السم وعدم تناوله يجريان ~~مجرى واحدا؛ فكذا ههنا المقصود من هذا الكلام بيان المبالغة في كون ~~الحج مكفرا لكل الذنوب؛ لأن التعجيل وتركه سيان؛ ومما يدل ~~على أن الحج سبب قوي في تكفير الذنوب قوله - عليه السلام - # " من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه ~~كيوم ولدته أمه " # ، وهنا قول علي وابن مسعود. # فصل # وقرأ الجمهور " فلا إثم " بقطع الهمزة على الأصل، وقرأ سالم بن عبد ~~الله: " فلا اثم " بوصلها وحذف ألف ms1130 لا، ووجهه أنه خفف الهمزة بين ~~بين فقربت من الساكن، فحذفها؛ تشبيها بالألف، فالتقى ساكنان: ألف " لا ~~" وثاء " إثم " ، فحذفت ألف " لا "؛ لالتقاء الساكنين، وقال أبو ~~البقاء - رحمه الله تعالى -: " ووجهها أنه لما خلط الاسم ب " ~~لا " حذف الهمزة؛ تشبيها بالألف " يعني أنه لما ركبت " لا " مع ~~اسمها، صارا كالشيء الواحد، والهمزة شبيهة الألف، فكأنه اجتمع ألفان، ~~فحذفت الثانية لذلك، ثم حذفت الألف لسكونها وسكون الثاء. # فصل # قال القرطبي: روى الثقات؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أم ~~سلمة أن تصبح بمكة يوم النحر، وكان يؤمها، وهذا يدل على أنها ~~رمت الجمرة بمنى قبل الفجر؛ لأن هذا لا يكون إلا وقد رمت الجمرة بمنى ~~ليلا قبل الفجر. # وروى أبو داود عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة؛ أنها قالت: " أرسل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم سلمة ليلة يوم النحر، فرمت الجمرة ~~قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت، وكان ذلك اليوم الذي يكون رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عندها ". فإذا ثبت ذلك فالرمي بالليل جائز لمن فعله، ~~والاختيار من طلوع الشمس إلى زوالها، وأجمعوا على أن من رماها قبل غروب ~~الشمس من يوم النحر، فقد أجزأ ولا شيء عليه، إلا مالكا؛ فإنه قال: ~~يستحب له أن يهرق دما. # واختلفوا فيمن لم يرمها حتى غابت الشمس، ورماها من الليل أو من ~~الغد، هل يلزمه دم أم لا؟ # فصل # المبيت بمنى ليالي منى واجب؛ لرمي الجمار في كل يوم بعد الزوال ~~إحدى وعشرين حصاة، عند كل جمرة سبع حصيات، ويرخص في ترك المبيت لرعاء ~~الإبل وأهل سقاية الحاج، ثم من رمى اليوم الثاني من أيام التشريق، ~~وأراد أن ينفر ويدع المبيت في الليلة الثالية، ورمى يومها، فله ذلك؛ ~~بشرط أن ينفر قبل غروب الشمس، فإن غربت الشمس وهو بمنى، لزمه المبيت بها ~~والرمي من غد، هذا مذهب الشافعي وأحمد، وهو قول أكثر التابعين. # وقال أبو حنيفة: يجوز أن ينفر ما لم يطلع النحر؛ لأن وقت الرمي لم ~~يدخل. # فصل ms1131 # إذا ترك الرمي، فذكره بعدما صدر وهو بمكة، بعدما خرج منها، فعليه ~~الهدي، وسواء ترك الجمار كلها، أو جمرة منها، أو حصاة من جمرة، حتى ~~خرجت أيام منى فعليه دم، وإن ترك جمرة واحدة، كان عليه بكل حصاة من ~~الجمرة إطعام مسكين نصف صاع، إلى أن يبلغ دما، إلا جمرة العقبة فعليه ~~دم. # وقال الأوزاعي: يتصدق إن ترك حصاة، وقال الثوري: يطعم في الحصاة ~~والحصاتين والثلاث، فإن ترك أربعا فعليه دم، وقال الليث: في الحصاة ~~الواحدة دم، نقله القرطبي. # فصل # قال القرطبي - رحمه الله تعالى -: من بقي في يده حصاة لا يدري من أي ~~الجمار هي، جعلها في الأولى ورمى بعدها الوسطى والآخرة، فإن طال، استأنف ~~جميعا. # قوله: " لمن اتقى " هذا الجار خبر مبتدأ محذوف، واختلفوا في ذلك ~~المبتدأ حسب اختلافهم في تعلق هذا الجار من جهة المعنى، لا الصناعة، ~~فقيل: يتعلق من جهة المعنى بقوله: " فلا إثم عليه " فتقدر ~~له ما يليق به، أي: انتفاء الإثم لمن اتقى، وقيل: متعلق بقوله: " ~~واذكروا " أي: الذكر لمن اتقى، وقيل: متعلق بقوله: " غفور ~~رحيم " ، أي المغفرة لمن اتقى، وقيل: التقدير: السلامة لمن اتقى، ~~وقيل: التقدير: ذلك التخيير ونفي الإثم عن المستعجل والمتأخر؛ لأجل ~~الحاج المتقي؛ لئلا يتخالج في قلبه شيء منهما، فيحسب أن أحدهما ~~يرهق صاحبه إثما في الإقدام عليه؛ لأن ذا التقوى حذر متحرز من كل ما ~~يريبه، وقيل: التقدير: ذلك الذي مر ذكره من أحكام الحج وغيره لمن اتقى؛ ~~لأنه هو المنتفع به دون غيره، كقوله: # ذلك خير للذين يريدون وجه الله # [الروم: 38]، قال هذين التقديرين الزمخشري، وقال أبو البقاء: " ~~تقديره: جواز التعجيل والتأخير لمن اتقى " ، وكلها متقاربة، ويجوز أن ~~يكون " لمن اتقى " في محل نصب على أن اللام لام التعليل، ويتعلق ~~بقوله " فلا إثم عليه " أي: انتفى الإثم؛ لأجل المتقي، ~~ومفعول: " اتقى " محذوف، أي: اتقى الله، وقد جاء مصرحا به في مصحف ~~عبد الله، وقيل: اتقى الصيد. # فصل # في هذه التقوى وجوه: # أحدهما: قال أبو العالية: ذهب أئمة أن ms1132 " اتقى " فيما بقي من عمره، ~~ولا يتكل على ما سلف من أعمال الحج. # وثانيها: أن هذه المغفرة لا تحصل إلا لمن كان متقيا قبل حجه؛ ~~كقوله: # إنما يتقبل الله من المتقين # [المائدة: 27]؛ لأن المصر على الذنب لا ينفعه حجه، وإن كان قد ~~أدى الفرض في الظاهر. # وثالثها: أنه المتقي عن جميع المحظورات حال اشتغاله بالحج؛ لقوله ~~عليه السلام: # " من حج فلم يرفث ولم يفسق... " # ورابعها: روى الكلبي عن ابن عباس: " لمن اتقى الصيد وما ~~يلزمه اجتنابه من محظورات الإحرام ". # قال ابن الخطيب: وهذا ضعيف من وجهين: # أحدهما: أنه تقييد للفظ المطلق بغير دليل. # والثاني: أن هذا لا يصح إلا إذا حمل على ما قبل هذه الأيام؛ لأنه ~~في يوم النحر إذا رمى وطاف وحلق، فقد تحلل قبل رمي الجمار، فلا يلزمه ~~اتقاء الصيد في هذه الأيام. # قوله: " واتقوا الله " فهو أمر في المستقبل، وهو مخالف لقوله: " ~~لمن اتقى " الذي أريد به الماضي، فلا يكون تكرارا، وقد تقدم أن ~~التقوى عبارة عن فعل الواجبات وترك المحظورات. # وقوله: { واعلموآ أنكم إليه تحشرون }. # فهو توكيد للأمر بالتقوى؛ لأن من تصور الحشر والمحاسبة والمساءلة، ~~وأن بعد الموت لا دار إلا الجنة أو النار، صار ذلك من أقوى ~~الدواعي إلى التقوى، وأما الحشر: فهو اسم يقع على ابتداء أول ~~خروجهم من الأجداث، يوم لا مالك سواه ولا ملجأ إلا إياه. # قوله: { ومن الناس من يعجبك قوله }. # لما ذكر الذين قصرت همتهم على الدنيا في قوله: " ومن الناس من ~~يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة " ، والمؤمنين الذين ~~سألوا خير الدارين، ذكر المنافقين؛ لأنهم أظهروا الإيمان وأسروا ~~الكفر. # قوله تعالى: " من يعجبك ": يجوز في " من " أن تكون موصولة، وأن ~~تكون نكرة موصوفة، وقد تقدم نظيرها، والإعجاب: استحسان الشيء، والميل ~~إليه، والتعظيم له، والهمزة فيه للتعدي. # وقال الراغب: " العجب حيرة تعرض للإنسان عند الجهل بسبب ~~الشيء، وليس هو شيئا له في ذاته حالة، بل هو بحسب الإضافات إلى من ~~يعرف السبب ومن لا يعرفه، وحقيقة: أعجبني كذا: ظهر ms1133 لي ظهورا لم أعرف ~~سببه " ، ويقال: عجبت من كذا، قال القائل: [الرجز] # 1007 - عجبت والدهر كثير عجبه # من عنزي سبني لم أضربه # قال بعض المفسرين: يقال في الاستحسان: أعجبني كذا، وفي الإنكار ~~والكراهة: عجبت من كذا. # قوله: " في الحياة " فيه وجهان: # أحدهما: أن يتعلق ب " قوله " ، أي: يعجبك ما يقوله في معنى الدنيا، ~~لأن ادعاءه المحبة بالباطل يطلب حظا من الدنيا. # والثاني: أن يتعلق ب " يعجبك " ، أي: قوله حلو فصيح في ~~الدنيا، فهو يعجبك ولا يعجبك في الآخرة، لما يرهقه في الموقف من ~~الاحتباس واللكنة، أو لأنه لا يؤذن لهم في الكلام، قال أبو حيان: " ~~والذي يظهر أنه متعلق ب " يعجبك " ، لا على المعنى الذي قاله ~~الزمخشري، بل على معنى أنك تستحسن مقالته دائما في مدة حياته؛ إذ لا ~~يصدر منه من القول إلا ما هو معجب رائق لطيف، فمقالته في الظاهر معجبة ~~دائما، لا تراه يعدل عن تلك المقالة الحسنة الرائعة إلى مقالة منافية. # قوله: " ويشهد الله " في هذه الجملة وجهان: # أظهرهما: أنها عطف على " يعجبك " ، فهي صلة لا محل لها من ~~الإعراب، أو صفة، فتكون في محل رفع على حسب القولين في " من ". # والثاني: أن تكون حالية، وفي صاحبها حينئذ وجهان: # أحدهما: أنه الضمير المرفوع المستكن في " يعجبك ". # والثاني: أنه الضمير المجرور في " قوله " ، تقديره: يعجبك أن يقول ~~في أمر الدنيا، مقسما على ذلك. # وفي جعلها حالا نظر من وجهين: # أحدهما: من جهة المعنى، فإنه يلزم منه أن يكون الإعجاب والقول مقيدين ~~بحال، والظاهر خلافه. # والثاني: من جهة الصناعة وهو أنه مضارع مثبت، فلا يقع حالا إلا ~~في شذوذ؛ نحو: " قمت وأصك عينه " أو ضرورة؛ نحو: ~~[المتقارب] # 1008-..................... # نجوت وأرهنهم مالكا # وتقديره مبتدأ قبله على خلاف الأصل، أي: وهو يشهد. # والجمهور على ضم حرف المضارعة وكسر الهاء، مأخوذا من " أشهد " ~~ونصب الجلالة مفعولا به، وقرأ أبو حيوة وابن محيصن بفتحهما ورفع ~~الجلالة فاعلا. # قال القرطبي - رحمه الله تعالى - ويؤيده قراءة ابن عباس " والله ~~يشهد على ما في قلبه ". # وقرأ ms1134 أبي: " يستشهد الله ". # فأما قراءة الجمهور وتفسيرهم، فإن المعنى: يحلف بالله ويشهده أنه ~~صادق، وقد جاءت الشهادة بمعنى القسم في آية اللعان، وقيل: فيكون اسم ~~الله منتصبا على حذف حرف الجر، أي: يقسم بالله، قال شهاب الدين: وهذا ~~سهو من قائله؛ لأن المستعمل بمعنى القسم " شهد " الثلاثي، لا " ~~أشهد " الرباعي، لا تقول: أشهد بالله، بل: أشهد بالله، ~~فمعنى قراءة الجمهور: يطلع الله على ما في قلبه، ولا يعلم به أحد، ~~لشدة تكتمه. # وأما تفسير الجمهور: فيحتاج إلى حذف ما يصح به المعنى، تقديره: ~~ويحلف بالله على خلاف ما في قلبه؛ لأن الذي في قلبه هو الكفر، وهو لا ~~يحلف عليه، إنما يحلف على ضده، وهو الذي يعجب سامعه، ويقوي هذا ~~التأويل قراءة أبي حيوة؛ إذ معناها: ويطلع الله على ما قلبه من الكفر. ~~وأما قراءة أبي: فيحتمل " استفعل " وجهين: # أحدهما: أن يكون بمعنى " أفعل "؛ فيوافق قراءة الجمهور. # والثاني: أنه بمعنى المجرد وهو " شهد " ، وتكون الجلالة منصوبة ~~على إسقاط الخافض. # قوله: { وهو ألد الخصام } الكلام في هذه الجملة كالتي قبلها، ~~وهنا وجه آخر، وهو أن تكون حالا من الضمير في " يشهد " ، والألد: ~~الشديد؛ من اللدد، وهو شدة الخصومة؛ قال: [الخفيف] # 1009 - إن تحت التراب عزما وحزما # وخصيما ألد ذا مغلاق # ويقال: لددت بكسر العين ألد بفتحها، ولددته بفتح العين ألده ~~بضمها أي: غلبته في ذلك، فيكون متعديا، قال الشاعر: [الرجز] # 1010 - تلد أقران الرجال اللد # تلد أقران الرجال، معناه أنه في أي وجه أخذ خصمه من اليمين أو ~~الشمال في أبواب الخصومة غلبه. # ورجل ألد وألندد ويلندد، وامرأة لداء، والجمع " لد " ك " ~~حمر ". # وفي اشتقاقه أقوال: قال الزجاج: من لديدي العنق، وهما صفحتاه. # وقيل: من لديدي الوادي، وهما جانباه، سميا بذلك؛ لاعوجاجهما. # وقيل: هو من لده إذا حبسه، فكأنه يحبس خصمه عن مفاوضته. # و " الخصام " فيه قولان: # أحدهما: قال الزجاج: وهو جمع خصم بالفتح؛ نحو: كعب وكعاب، وكلب ~~وكلاب، وبحر وبحار، وعلى هذا فلا تحتاج إلى تأويل. # والثاني: قال الخليل وأبو ms1135 عبيد إنه مصدر، يقال: خاصم خصاما، نحو قاتل ~~قتالا، وعلى هذا فلا بد من مصحح لوقوعه خبرا عن الجثة، فقيل: في ~~الكلام حذف من الأول، أي وخصامه أشد الخصام، وجعل أبو البقاء " هو " ~~ضمير المصدر الذي هو " قوله " فإنه قال: ويجوز أن يكون " هو " ضمير ~~المصدر الذي هو " قوله " وهو خصام، والتقدير: خصامه ألد الخصام. # وقيل: من الثاني: أي: وهو أشد ذوي الخصام، وقيل: أريد بالمصدر اسم ~~الفاعل؛ كما يوصف به في قولهم: رجل عدل وخصم، وقيل: " أفعل " هنا ~~ليست للتفضيل، بل هي بمعني لديد الخصام، فهو من باب إضافة الصفة المشبهة، ~~وقال الزمخشري: والخصام المخاصمة، وإضافة الألد بمعنى " في ~~"؛ كقولهم: " ثبت الغدر " يعني أن " أفعل " ليس من باب ما أضيف ~~إلى ما هو بعضه، بل هي إضافة على معنى " في "؛ قال أبو حيان: وهذا مخالف ~~لما يزعمه النحاة من أن " أفعل " لا تضاف إلا إلى ما هي بعضه، ~~وفيه إثبات الإضافة بمعنى " في " ، وهو قول مرجوح، وقيل: " هو " ليس ~~ضمير " من " بل ضمير الخصومة يفسره سياق الكلام، أي: وخصامه أشد ~~الخصام. # فصل في بيان عموم هذه الآية # قال بعض المفسرين: هذه الآية الكريمة مختصة بأقوام معينين، وقال ~~بعضهم: إنها عامة في كل من اتصف بهذه الصفة، والأولون اختلفوا على ~~وجوه: # أحدها: أنها نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة، واسمه: أبي، ~~وسمي الأخنس؛ لأنه خنس يوم بدر بثلاثمائة من بني زهرة عن قتال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وكان رجلا حلو المنظر، حلو الكلام، وكان يأتي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجالسه ويظهر الإسلام، ويقول: إني ~~أحبك، ويحلف بالله على ذلك، وكان منافقا، وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يدنيه في مجلسه، وكان حسن العلانية خبيث الباطن، فخرج من عند ~~النبي صلى الله عليه وسلم فمر بزرع لقوم من المسلمين فأحرق الزرع، ~~وقيل: المواشي، وقيل: بيت قوما من ثقيف فلبسهم، وأهلك مواشيهم، وأحرق ~~زرعهم. # وقال مقاتل: خرج إلى الطائف مقتضيا مالا له على غريم ms1136 ~~فأحرق له كدسا، وعقر له أتانا، والنسل: نسل كل حيوان ~~من ناطق، وغيره؛ فنزلت الآية الكريمة. # الثاني: أن الأخنس أشار على بني زهرة بالرجوع يوم بدر وقال ~~لهم: إن محمد ابن أخيكم، فإن يك كاذبا كفاكموه سائر ~~الناس، وإن يك صادقا كنتم أسعد الناس به، قالوا نعم ~~الرأي ما رأيت قال: فإذا نودي في الناس بالرحيل فإني أخنس بكم، ~~فاتبعوني، ثم انخنس بثلاثمائة من بني زهرة عن قتال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وسمي بهذا السبب الأخنس، فبلغ ذلك ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأعجبه. # قال ابن الخطيب: وعندي أن هذا القول ضعيف، لأنه لا يستوجب ~~الذم بهذا العمل، والآية مذكورة في معرض الذم، فلا يمكن حملها ~~عليه. # الثالث: روي عن ابن عباس والضحاك أن كفار قريش بعثوا إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - # " أنا قد أسلمنا، فابعث إلينا نفرا من علماء أصحابك، ~~فبعث إليهم جماعة، فنزلوا ببطن الرجيع، ووصل الخبر إلى الكفار، ~~فركب منهم سبعون راكبا، وأحاطوا بهم، وقتلوهم، وصلبوهم، ~~فنزلت هذه الآية الكريمة، ولذلك عقبه بقول " من يشري ~~نفسه ابتغاء مرضات الله " # فنبه بذلك على حال هؤلآء الشهداء. # القول الثاني: وهو اختيار أكثر المحققين من المفسرين، أنها ~~عامة في كل من اتصف بهذه الصفة المذكورة، نقل عن محمد بن ~~كعب القرظي أنه جرى بينه وبين غيره كلام في الآية فقال: ~~إنها وإن نزلت فيمن ذكرتهم، فلا يمتنع أن تنزل الآية الكريمة في ~~الرجل، ثم تكون عامة في كل من كان موصوفا بهذه الصفات. # وروت عائشة - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال:- # " إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم " # قال ابن الخطيب: نزول الآية الكريمة على سبب لا يمنع من العموم، ~~بل في الآية الكريمة ما يدل على العموم من وجوه: # الأول: أن ترتيب الحكم على الوصف المناسب مشعرا بالعلية. # الثاني: أن الحمل على العموم أكثر فائدة، لأنه زجر لكل ~~مكلف عن تلك الطريقة المذمومة. # الثالث: أنه أقرب إلى الاحتياط. # قال قتادة ومجاهد وجماعة ms1137 من العلماء: نزلت في كل مبطن كفرا، ~~أو نفاقا، أو كذبا أو إضرارا، وهو يظهر بلسانه خلاف ذلك، فهي عامة. # قال القرطبي رحمه الله: وهي تشبه ما ورد في الترمذي أن في بعض ~~الكتب أن الله تعالى يقول: " إن من عبادي قوما ~~ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، ~~يلبسون للناس جلود الضأن من اللين، يشترون الدنيا ~~بالدين، يقول الله - تبارك وتعالى - إنهم لمغترون، وعلى ~~الله يجترئون فبي حلفت لأسلطن عليهم فتنة تدع الحليم ~~منهم حيران. # ومعنى: " ويشهد الله " ، أي: يقول: الله يعلم أني أقول ~~حقا. # فصل # اختلفوا في الموصوف بالصفات المذكورة في الآية، هل هو منافق ~~أم لا؟ # قال ابن الخطيب: إنها لا تدل على ذلك، فإن قوله: { يعجبك ~~قوله في الحيوة الدنيا } لا دلالة فيه على صفة ~~مذمومة، إلا من جهة الإيماء الحاصل بقوله { في الحيوة ~~الدنيا } ، فإنك إذا قلت: فلان حلو الكلام فيما ~~يتعلق بالدنيا أوهم نوعا من المذمة. # وقوله: { ويشهد الله على ما في قلبه } لا دلالة فيه ~~على حالة منكرة، وإن أضمرنا فيه أنه يشهد الله على ما ~~في قلبه، مع أن قلبه بخلاف ذلك لأنه ليس في الآية أن القول ~~الذي أظهره هو الإسلام والتوحيد حتى يكون خلافه نفاقا، بل ~~يحتمل أن يضمر الفساد، ويظهر ضده، فيكون مرائيا # وقوله: { وهو ألد الخصام } أيضا لا يوجب النفاق. # وقوله: { وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها } ~~فالمفسد قد يكون مسلما. # وقوله: { وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة ~~بالإثم فحسبه جهنم } أيضا لا يقتضي النفاق، إلا ~~أن المنافق داخل في هذه الصفات الخمس، والمرائي أيضا. # فصل في ما أثر عن السلف في بيان " ألد الخصام " # قال مجاهد: ألد الخصام: معناه: ظالم لا يستقيم وقال ~~السدي - رحمه الله تعالى - أعوج الخصام. # وقال قتادة: شديد القسوة في المعصية، جدل بالباطل، عالم اللسان، ~~جاهل العمل، يتقلد بالحكمة، ويعمل بالخطيئة. # فصل في بيان أمر الاحتياط في الدين # قال القرطبي: قال علماؤنا: في الآية الكريمة دليل على أن ~~الاحتياط فيما ms1138 يتعلق بأمور الدين والدنيا، واستبراء أحوال الشهود ~~والقضاة، وأن الحاكم لا يعمل على ظاهر أحوال الناس وما يبدو من ~~إيمانهم، وصلاحهم؛ حتى يبحث عن باطنهم؛ لأن الله تعالى بين ~~أحوال الناس، وأن منهم من يظهر قولا جميلا، وهو ينوي ~~قبيحا. # فإن قيل: هذا يعارض قوله عليه السلام: # " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا ~~الله " # وقوله: # " فأقضي له بنحو ما أسمع " # فالجواب: هذا كان في صدر السلام، حيث كان إسلامهم سلامتهم، ~~وأما الآن، وقد عم الفساد، فلا، قاله ابن العربي. # والصحيح: أن الظاهر يعمل عليه، حتى يبين خلافه. # قوله تعالى: { وإذا تولى سعى } " سعى " جواب إذا ~~الشرطية، وهذه الجملة الشرطية تحتمل وجهين. # أحدهما: أن تكون عطفا على ما قبلها، وهو " يعجبك " ، فتكون: ~~إما صلة، أو صفة حسب ما تقدم في " من ". # والثاني: أن تكون مستأنفة لمجرد الإخبار بحاله، وقد تم ~~الكلام عند قوله: " ألد الخصام ". # والتولي والسعي يحتملان الحقيقة، أي: تولى ببدنه عنك ~~وسعى بقدميه، والمجاز بأن يريد بالتولي الرجوع عن ~~القول الأول، وبالسعي العمل والكسب من السعاية، وهو مجاز ~~شائع؛ ومنه: # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى # [النجم: 39]، وقال امرؤ القيس: [الطويل] # 1011 - فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة # كفاني - ولم أطلب - قليل من المال # ولكنما أسعى لمجد مؤثل # وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي # وقال آخر: [السريع] # 1012 - أسعى على حي بني مالك # كل امرىء في شأنه ساعي # والساعية بالقول ما يقتضي التفريق بين الأخلاء؛ قال ~~القائل: [السريع] # 1013 - ما قلت ما قال وشاة سعوا # سعي عدو بيننا يرجف # وقال الضحاك: وإذا تولى، أي: ملك الأمر، وصار واليا ~~سعى في الأرض. # وقال مجاهد: إذا ولي، وعمل بالعدوان، والظلم، أمسك الله ~~المطر، وأهلك الحرث والنسل. # قوله: " في الأرض " متعلق ب " سعى " ، فإن قيل: معلوم ~~أن السعي لا يكون إلا في الأرض قيل: لأنه يفيد ~~العموم، كأنه قيل: أي مكان حل فيه من الأرض أفسد فيه، ~~فيدل لفظ الأرض على كثرة فساده، إذ يلزم من عموم ~~الظرف عموم المظروف، ms1139 و " ليفسد " متعلق ب " سعى " ~~علة له. # قوله: " ويهلك الحرث " الجمهور على: " يهلك " بضم ~~الياء، وكسر اللام ونصب الكاف. " الحرث " مفعول به، وهي قراءة ~~واضحة من: أهلك يهلك، والنصب عطف على الفعل قبله، وهذا ~~شبيه بقوله تعالى: # وملائكته ورسله وجبريل # [البقرة: 98] فإن قوله: " ليفسد " يشتمل على أنه يهلك ~~الحرث والنسل، فخصهما بالذكر لذلك. وقرأ أبي: " وليهلك ~~" بإظهار لام العلة، وهي معنى قراءة الجمهور، وقرأ أبو حيوة - ~~ورويت عن ابن كثير وابن عمرو - " ويهلك الحرث والنسل " بفتح ~~الياء، وكسر اللام من هلك الثلاثي، و " الحرث " فاعل، و " النسل ~~" عطف عليه. وقرأ قوم: " ويهلك الحرث " من أهلك، و " ~~الحرث " مفعول به إلا أنهم رفعوا الكاف. وخرجت على أربعة ~~أوجه: أن تكون عطفا على " يعجبك " أو على " سعى "؛ لأنه ~~في معنى المستقبل، أو على خبر مبتدأ للمفعول، " الحرث " رفعا، ~~وقرأ أيضا: " ويهلك " بفتح الياء واللام ورفع الكاف، " ~~الحرث " رفعا على الفاعلية، وفتح عين المضارع هنا شاذ لفتح عين ~~ماضيه، وليس عينه ولا لامه حرف حلق، فهو مثل ركن يركن ~~بالفتح فيهما. # و " الحرث " في اللغة: الشق، ومنه المحراث لام يشق به الأرض، ~~والحرث: كسب المال وجمعه، والحرث: الزرع، والحراث الزراع، وقد ~~حرث، واحترث مثل: زرع وازدرع. # ويقال: احرث القرآن؛ أي: ادرسه، وحرثت الناقة وأحرثتها، أي: ~~سرت عليها حتى هزلت، وحرثت النار حركتها والمحراث ما يحرك به ~~نار التنور نقله الجوهري. وقد تقدم. # والنسل: مصدر نسل ينسل، أي: خرج بسرعة، ومنه: نسل وبر ~~البعير، ونسل ريش الطائر، أي: خرج وتطاير وقال القرطبي: ~~النسل ما خرج من كل أنثى من ولد وأصله الخروج، والسقوط. # وقيل: النسل الخروج متتابعا، ومنه: " نسال الطائر " ما تتابع ~~سقوطه من ريشه؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] # 1014 - وإن تك قد ساءتك مني خليقة # فسلي ثيابي من ثيابك تنسل # وقوله: # من كل حدب ينسلون # [الأنبياء: 96] يحتمل المعنيين. و " الحرث والنسل " وإن كانا ~~في الأصل مصدرين فإنهما هنا واقعان موقع المفعول به. # فصل في المراد ب " التولي " # ذكروا في هذا التولي قولين: # أحدهما: ms1140 معناه: إذا انصرف من عندك سعى بالفساد، وهذا الفساد ~~يحتمل وجهين: # أحدهما: إتلاف الأموال بالتخريب، والتحريق، والنهب كما ~~تقدم. # والوجه الثاني: أنه كان بعد الانصراف من حضرة النبي - ~~عليه السلام - يلقي الشبه في قلوب المؤمنين ويستخرج الحيل في تقوية ~~الكفر، قال تعالى حكاية عن فرعون # إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في ~~الأرض الفساد # [غافر: 26] وسمي هذا المعنى فسادا، لأنه يوقع اختلافا بين ~~الناس، ويفرق كلمتهم، ويتبرأ بعضهم من بعض، فتنقطع الأرحام ~~وتسفك الدماء. # القول الثاني في التولي والسعي؛ أي: رجع عن قوله واجتهد في ~~إيقاع الفساد، وأصل السعي المشي بسرعة، ولكنه يستعار لإيقاع ~~الفتنة بين الناس، ومنه يقال: فلان يسعى بالنميمة، والمراد ~~ب " الحرث " الزرع وب " النسل ": تلك الحمر على التفسير ~~الأول، وهو يقع على ما يحرث ويزرع. # وقيل: إن الحرث هو شق الأرض، ويقال لما يشق به: محرث. # والنسل في اللغة الولد، ومن قال: إن الأخنس بيت على قوم ~~ثقيف وقتل منهم جمعا، فالمراد بالحرث: الرجال والنساء. # أما النساء فلقوله تعالى: # نسآؤكم حرث لكم # [البقرة: 223]. # وأما الرجال: فهم الذين يشقون أرض التوليد، وأما النسل فالمراد ~~منه الصبيان. # قوله: { والله لا يحب الفساد }. # قال العباس بن الفضل: الفساد هو الخراب. # وقال سعيد بن المسيب: قطع الدراهم من الفساد في الأرض. # وقال عطاء: كان رجل يقال له عطاء بن منبه أحرم في جبة، فأمره النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أن ينزعها. # قال قتادة: قلت لعطاء: إنا كنا نسمع أن يشقها، فقال عطاء: إن ~~الله لا يحب الفساد. # قال القرطبي: والآية تعم كل فساد كان في الأرض، أو مال أو دين، ~~وهو الصحيح. # وقيل: معناه لا يجب الفساد من أهل الصلاح، أو لا يحبه دينا، أو المعنى ~~لا يأمر به. # فصل في بيان فساد قول المعتزلة في معنى المحبة # استدلت المعتزلة به على أنه تبارك وتعالى لا يريد القبائح، قالوا: ~~المحبة عبارة عن الإرادة لقوله تعالى: # إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين ~~ءامنوا # [النور: 19] والمراد أنهم يريدون. ms1141 # وأيضا: نقل عن النبي - عليه السلام - أنه قال: # " إن الله أحب لكم ثلاثا، وكره لكم ثلاثا: أحب ~~لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تتناصحوا ~~من ولاه أمركم، ويكره لكم القيل والقال، وإضاعة المال، ~~وكثرة السؤال " # فجعل الكراهة ضد المحبة، وإذا ثبت أن الإرادة نفس المحبة، ~~فقوله: { والله لا يحب الفساد } ، كقوله: لا يريد الفساد، ~~وكقوله # وما الله يريد ظلما للعباد # [غافر: 31]، وإذا كان لا يريد الفساد، لا يكون خالقا له؛ لأن الخلق ~~لا يمكن إلا مع الإرادة، وأجيبوا بوجهين: # أحدهما: أن المحبة غير الإرادة، بل المحبة عبارة عن مدح ~~الشيء. # والثاني: سلمنا أن المحبة نفس الارادة، لكن قوله تعالى { ~~والله لا يحب الفساد } [البقرة: 205] لا يفيد العموم؛ ~~لأن الألف واللام الداخلتين في اللفظ لا يفيدان العموم، ثم يهدم ~~كلامهم وجهان: # الأول: أن قدرة العبد صالحة للإصلاح، والفساد؛ فترجح الفساد على ~~الصلاح إن وقع لا لمرجح، لزم نفي الصانع، وإن وقع لمرجح، فذلك ~~المرجح لا بد وأن يكون من الله؛ وإلا لزم التسلسل، فثبت ~~أن الله سبحانه هو المرجح لجانب الفساد، فكيف يعقل أن يقال ~~إنه لا يريده؟ # والثاني: أنه عالم بوقوع الفساد، فإن أراد ألا يقع الفساد، ~~لزم أن يقال: إنه أراد أن يقلب علم نفسه جهلا، وذلك محال. # قوله تعالى: { وإذا قيل له اتق الله }: هذه الجملة ~~الشرطية تحتمل الوجهين المتقدمين في نظيرتها، أعني: كونها ~~مستأنفة، أو معطوفة على " يعجبك " ، وقد تقدم الخلاف في الذي قام ~~مقام الفاعل عند قوله: # وإذا قيل لهم لا تفسدوا # [البقرة: 11]. # قوله: " أخذته العزة " ، أي حملته العزة وحمية الجاهلية ~~على الفعل. # قوله: " بالإثم " أي: بالظلم وفي هذه الباء ثلاثة أوجه: # أحدها: أن تكون للتعدية، وهو قول الزمخشري فإنه قال: " أخذته ~~بكذا إذا حملته عليه، وألزمته إياه، أي: حملته العزة على ~~الإثم، وألزمته ارتكابه " قال أبو حيان: " وباء التعدية بابها ~~الفعل اللازم، نحو: # ذهب الله # [البقرة: 17]، # ولو شآء الله لذهب بسمعهم # [البقرة: 20]، وندرت التعدية بالباء في المتعدي نحو: " صككت ~~الحجر بالحجر " أي: جعلت ms1142 أحدهما يصك الآخر ". # الثاني: أن تكون للسببية، بمعنى أن إثمه كان سببا لأخذ ~~العزة له؛ كما في قوله: [الرمل] # 1015 - أخذته عزة من جهله # فتولى مغضبا فعل الضجر # فتكون الباء بمعنى اللام، فتقول: فعلت هذا بسببك، ولسببك، وعاقبته ~~لجنايته، وبجنايته. # الثالث: أن تكون للمصاحبة؛ فتكون في محل نصب على الحال، وفيها ~~حينئذ وجهان: # أحدهما: أن تكون حالا من " العزة " أي: ملتبسة بالإثم. # والثاني: أن تكون حالا من المفعول، أي: أخذته ملتبسا ~~بالإثم. # قال القرطبي: وقيل: " الباء " بمعنى " مع " أي: أخذته العزة ~~مع الإثم. # وفي قوله: " العزة بالإثم " من علم البديع التتميم وهو عبارة ~~عن إرداف الكلمة بأخرى، ترفع عنها اللبس، وتقربها من ~~الفهم، وذلك أن العزة تكون محمودة ومذمومة. # فمن مجيئها محمودة: # ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين # [المنافقون: 8] # أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين # [المائدة: 54] فلو أطلقت لتوهم فيها بعض من لا عناية له ~~المحمودة؛ فقيل: " بالإثم " تتميما للمراد، فرفع اللبس ~~بها. # فصل # اعلم أن الله سبحانه وتعالى حكى عن هذا المنافق أفعالا ~~مذمومة وهي اشتغاله بالكلام الحسن في طلب الدنيا، واستشهادة ~~بالله كذبا ولجاجة في أبطال الحق وإثبات الباطل، وسعيه في ~~الأرض بالفساد، وإهلاك الحرب والنسل، وكلها أفعال ~~قبيحة، فالظاهر من قوله: { وإذا قيل له اتق الله } ~~أن يصرف إلى الكل؛ لأن صرفه إلى البعض ليس أولى من البعض، ~~فكأنه قيل له: اتق الله في إهلاك الحرث والنسل، وفي ~~السعي بالفساد، وفي اللجاج في إبطال الحق ونصرة الباطل، ~~وفي الاستشهاد بالله كذبا، وفي الحرص على طلب الدنيا. # وقيل: قوله: { أخذته العزة بالإثم } راجع إلى أنه قيل ~~له: اتق الله فقط؛ على ما سيأتي، فيكون معنى الآية الكريمة أن ~~الموصوف بهذه الصفات هو الذي إذا قيل له: اتق الله، أخذته ~~العزة بالإثم؛ فحسبه جهنم. # و " العزة " القوة والغلبة من: عزه يعزه، إذا غلبه، ~~ومنه # وعزني في الخطاب # [ص: 23]. # وقيل: العزة هنا: الحمية؛ قال الشاعر: [الرمل] # 1016 - أخذته عزة من جهله # فتولى مغضبا فعل الضجر # وقيل: العزة هنا: المنعة وشدة النفس، أي: ms1143 اعتز في ~~نفسه، فأوقعته تلك العزة في الإثم، وألزمته إياه. # قوله: { فحسبه جهنم } ، " حسبه " مبتدأ، و " جهنم " ~~خبره أي: كافيهم جهنم، وقيل: " جهنم " فاعل ب " حسب " ، ~~ثم اختلف القائل بذلك في " حسب " فقيل: هو بمعنى اسم الفاعل، ~~أي: الكافي، وهو في الأصل مصدر أريد به اسم الفاعل، والفاعل - ~~وهو جهنم - سد مسد الخبر، وقوي " حسب " لاعتماده على ~~الفاء الرابطة للجملة بما قبلها، وهذا كله معنى كلام أبي ~~البقاء. # وقيل: بل " حسب " اسم فعل، والقائل بذلك اختلف؛ فقيل: اسم ~~[فعل] ماض، أي: كفاهم وقيل: فعل أمر، أي: ليكفيهم، إلا ~~أن إعرابه ودخول حروف الجر عليه يمنع كونه اسم فعل. # وقد تلخص أن " حسب " هل هو بمعنى اسم الفاعل وأصله مصدر، أو ~~اسم فعل ماض، أو فعل أمر؟ وهو من الأسماء اللازمة ~~للإضافة، ولا يتعرف بإضافته إلى معرفة؛ تقول: مررت برجل ~~حسبك، وينصب عنه التمييز، ويكون مبتدأ؛ فيجر بباء زائدة، ~~وخبرا؛ فلا يجر بها، ولا يثنى ولا يجمع، ولا يؤنث، وإن ~~وقع صفة لهذه الأشياء. # و " جهنم " اختلف الناس فيها فقال يونس وأكثر النحاة: هي اسم ~~للنار التي يعذب بها في الآخرة وهي أعجمية وعربت، وأصلها ~~كهنام، فمنعها من الصرف للعلمية والعجمة. # وقيل: بل هي عربية الأصل، والقائلون، بذلك اختلفوا في نونها: هل ~~هي زائدة، أم أصلية؟ فالصحيح أنها زائدة، ووزنها " فعنل " ~~مشتقة من " ركية جهنام " ، أي: بعيدة القعر، وهي من ~~الجهم، وهو الكراهة، وقيل: بل نونها أصلية، ووزنها فعلل؛ ك ~~" عدبس "؛ قال: لأن " فعنلا " مفقود في كلامهم، وجعل " ~~زونكا " فعللا أيضا؛ لأن الواو أصل في بنات الأربعة؛ ك ~~" ورنتل " ، لكن الصحيح إثبات هذا البناء، وجاءت منه ألفاظ، ~~قالوا: " ضغنط " من الضغاطة، وهي الضخامة، و " سفنج " و ~~" هجنف " للظليم، والزونك: القصير سمي بذلك؛ لأنه ~~يزوك في مشيته، أي: يتبختر؛ قال حسان: [الكامل] # 1017- أجمعت أنك أنت ألأم من مشى # في فحش زانية وزوك غراب # وهذا كله يدل على أن النون زائدة في " زونك " وعلى هذا ~~فامتناعها للتأنيث والعلمية. # قوله: { ولبئس المهاد } المخصوص بالذم ms1144 محذوف، أي: ~~ولبئس المهاد جهنم، وحسن حذفه هنا كون " المهاد ~~" وقع فاصلة. وتقدم الكلام على " بئس " وحذف هذا المخصوص ~~بذلك على أنه مبتدأ، والجملة من نعم وبئس خبره، سواء ~~تقدم أو تأخر؛ لأنا لو جعلناه خبر مبتدأ محذوف، أو ~~مبتدأ محذوف الخبر، ثم حذفناه، كنا قد حذفنا الجملة ~~بأسرها من غير أن ينوب عنها شيء، وأيضا فإنه يلزم ~~من ذلك أن تكون الجملة مفلتة مما قبلها، إذ ليس لها ~~موضع من الإعراب، وليست معترضة، ولا مفسرة، ولا صلة. ~~والمهاد فيه قولان: # أحدهما: أنه جمع " مهد " ، وهو ما يوطأ للنوم قال تعالى: ~~و # فرشنها فنعم الماهدون # [الذاريات: 48]. # والثاني: أنه اسم مفرد، سمي به الفراش الموطأ للنوم ~~وقيل: " المستقر " كقوله تعالى: # جهنم يصلونها وبئس القرار # [إبراهيم: 29] وهذا من باب التهكم والاستهزاء، أي: جعلت ~~جهنم لهم بدل مهاد يفترشونه؛ وهو كقوله:[الوافر] # 1018 - وخيل قد دلفت لها بخيل # تحية بينهم ضرب وجيع # أي: القائم لهم مقام التحية، الضرب الوجيع. ### || [2.207] # لما وصف في الآية المتقدمة حال من يبذل دينه لطلب الدنيا ~~ذكر في هذه الآية حال من يبذل دينه ونفسه لطلب الدين، وفي سبب ~~النزول روايات. # إحداها: عن ابن عباس، والضحاك: أنها نزلت في سرية ~~الرجيع، وذلك أن كفار قريش بعثوا إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وهو بالمدينة، أنا قد أسلمنا، فابعث إلينا نفرا من ~~علماء أصحابك؛ يعلموننا دينك، وكان ذلك مكرا منهم فبعث ~~إليهم خبيب بن عدي الأنصاري ومرثد بن أبي مرثد ~~الغنوي، وخالد بن بكير، وعبد الله بن طارق بن شهاب ~~البلوي، وزيد بن الدثنة، وأمر عليهم عاصم بن ثابت بن ~~أبي الأقلح الأنصاري. # قال أبو هريرة: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشرة ~~عينا، وأمر عليهم عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري ~~فساروا، فنزلوا بطن " الرجيع " بين مكة والمدينة، ~~ومعهم تمر عجوة، فأكلوا فمرت عجوز، فأبصرت النوى، فرجعت ~~إلى قومها بمكة، وقالت: قد سلك هذا الطريق أهل يثرب من أصحاب ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - فركب سبعون ms1145 رجلا منهم معهم ~~الرماح، حتى أحاطوا بهم. # وقال أبو هريرة: ذكروا الحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان، فنفروا ~~لهم بقريب من مائة راجل رام، فاقتفوا آثارهم، حتى وجدوا مآكلهم ~~التمر في منزل نزلوه؛ فقالوا: تمر يثرب، فاتبعوا آثارهم، ~~فلما أحس بهم عاصم وأصحابه لجأوا إلى فدفد، فأحاط بهم ~~القوم، فقتلوا مرثدا وخالدا وعبد الله بن طارق، ونثر عاصم ~~بن ثابت كنانته، وفيها سبعة أسهم، فقتل بكل سهم رجلا ~~من عظماء المشركين، ثم قال: اللهم، إني قد حميت ~~دينك صدر النهار فاحم لحمي آخر النهار، ثم أحاط به ~~المشركون فقتلوه، فلما قتلوه أرادوا جز رأسه؛ ليبيعوه ~~من سلافة بنت سعد بن شهيد، وكانت قد نذرت حين أصاب ابنها يوم أحد ~~لئن قدرت على رأس عاصم لتشربن في قحفه الخمر، فأرسل الله رجلا ~~من الدبر، وهي الزنابير، فحمت عاصما، فلم يقدروا عليه، ~~فسمي حمي الدبر، فقالوا: دعوه حتى نمسي، فتذهب عنه، ~~فنأخذه، فجاءت سحابة سوداء، وأمطرت مطرا كالغزال فبعث الله ~~الوادي غديرا فاحتمل عاصما به فذهب به إلى الجنة، وحمل خمسين ~~من المشركين إلى النار. # وكان عاصم قد أعطى الله عهدا ألا يمسه مشرك ولا ~~يمس مشركا أبدا، فمنعه الله، وكان عمر بن الخطاب يقول ~~حين بلغه أن الدبر منعته: عجبا لحفظ الله العبد ~~المؤمن، كان عاصم نذر ألا يمسه مشرك، ولا يمس مشركا ~~أبدا، فمنعه الله بعد وفاته، كما امتنع عاصم في حياته، وأسر ~~المشركون خبيب بن عدي، وزيد بن الدثنة، فذهبوا بهما إلى ~~مكة، فأما خبيب فابتاعه بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد ~~مناف؛ ليقتلوه بأبيهم، وكان خبيب هو الذي قتل الحارث يوم بدر، ~~فلبث خبيب عندهم أسيرا، حتى أجمعوا على قتله، فاستعار من بعض ~~بنات الحارث موسى ليستحد بها، فأعارته، فدرج بني لها، وهي ~~غافلة، فما راع المرأة إلا خبيب قد أجلس الصبي على ~~فخذه، والموسى بيده، فصاحت المرأة، فقال خبيب: أتخشين أن ~~أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك، إن الغدر ليس من شأننا، فقالت ~~المرأة: والله ms1146 ما رأيت أسيرا خيرا من خبيب؛ والله لقد ~~وجدته يوما يأكل قطفا من عنب في يده، وإنه لموثق بالحديد، ~~وما بمكة من ثمرة، إن كان إلا رزقا رزقه الله خبيبا، ثم ~~إنهم خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل، وأرادوا أن ~~يصلبوه، فقال لهم خبيب: دعوني أصلي ركعتين؛ فتركوه، فكان ~~خبيب هو الذي سن لكل مسلم قتل صبرا الصلاة، فركع ركعتين، ~~ثم قال خبيب: لولا أن يحسبوا أن ما بي من جزع لزدت، ~~اللهم أحصهم عددا؛ واقتلهم بددا، ولا تبق منهم أحدا ~~وأنشأ يقول: [الطويل] # 1019 - ولست أبالي حين أقتل مسلما # على أي شق كان في الله مصرعي # وذلك في ذات الإله وإن يشأ # يبارك على أوصال شلو ممزع # فصلبوه حيا؛ فقال: اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد ~~حولي يبلغ سلامي رسولك فأبلغه سلامي، ثم قام أبو سروعة ~~عتبة بن الحارث فقتله، ويقال: كان رجلا من المشركين يقال ~~له سلامان أبو ميسرة، معه رمح فوضعه بي ثديي خبيب، فقال له ~~خبيب: اتق الله، فما زاده ذلك إلا عتوا، فطعنه فأنفذه، ~~وذلك قوله: # وإذا قيل له اتق الله # [البقرة: 206] يعني سلامان. # وأما زيد بن الدثنة، فابتاعه صفوان بن أمية؛ ليقلته بأبيه، ~~أمية بن خلف، فبعثه مع مولى له يسمى نسطاس إلى التنعيم، ~~ليقتله، واجتمع رهط من قريش فيهم أبو سفيان بن حرب، فقال له أبو ~~سفيان حين قدم ليقتل: أنشدك الله يا زيد، أتحب أن ~~محمدا عندنا الآن بمكانك، وتضرب عنقه وإنك في أهلك؟ فقال: ~~والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه ~~شوكة تؤذيه، وأنا جالس في أهلي، فقال أبو سفيان: ما رأيت ~~أحدا من الناس يحب أحدا كحب أصحاب محمد، ثم قتله ~~نسطاس. # فلما بلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الخبر، قال لأصحابه: # " أيكم ينزل خبيبا عن خشبته وله الجنة " فقال الزبير ~~أنا يا رسول الله، وصاحبي المقداد بن الأسود، فخرجا يمشيان ~~في الليل، ويكمنان بالنهار، حتى أتيا التنعيم ليلا، وإذا حول ~~الخشبة أربعون ms1147 رجلا من المشركين نائمون نشاوى، فأنزلاه، فإذا ~~هو رطب ينثني، لم يتغير بعد أربعين يوما، ويده على جراحته، ~~وهي تبص دما اللون لون الدم، والريح ريح المسك، فحمله ~~الزبير على فرسه، وساروا؛ فانتبه الكفار وقد فقدوا خبيبا، فأخبروا ~~قريشا، فركب منهم سبعون رجلا، فلما لحقوهما قذف الزبير ~~خبيبا؛ فابتلعته الأرض فسمي بليع الأرض، وقال الزبير: ما ~~جرأكم علينا يا معشر قريش؛ ثم رفع العمامة عن رأسه، وقال: ~~أنا الزبير بن العوام، وأمي صفية بنت عبد المطلب، ~~وصاحبي المقداد بن الأسود، أسدان رابضان يدفعان عن ~~شبلهما، فإن شئتم نازلتكم، وإن شئتم انصرفتم. فانصرفا إلى ~~مكة، وقدما على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجبريل عنده، ~~فقال: يا محمد، إن الملائكة لتباهي بهذين من أصحابك " # ، فنزل في الزبير والمقداد # ومن الناس من يقول ءامنا بالله # [البقرة: 207] حين شريا أنفسهما لإنزال خبيب عن خشبته. # وقال أكثر المفسرين: نزلت في صهيب بن سنان، مولى عبد الله ~~بن جدعان الرومي، وفي عمار بن ياسر، وفي سمية أمه، ~~وفي ياسر أبيه، وفي بلال مولى أبي بكر، وفي خباب بن الأرت ~~وفي عابس مولى حويطب؛ أخذهم المشركون فعذبوهم؛ فقال لهم ~~صهيب: إني شيخ كبير لا يضركم أمنكم كنت أم من ~~عدوكم فهل لكم أن تأخذوا مالي، وتذروني؟ ففعلوا، وكان شرط ~~عليهم راحلة ونفقة، فأقام بمكة ما شاء الله، ثم خرج إلى ~~المدينة، فتلقاه أبو بكر وعمر في رجال فقال له أبو بكر: ~~ربح بيعك يا أبا يحيى؛ فقال: وبيعك فلا تخسر ما ذاك؟ فقال: ~~أنزل الله فيك كذا وقرأ عليه الآية. # وأما خباب بن الأرت وأبو ذر ففرا إلى المدينة، ~~وأما سمية فربطت بين بعيرين ثم قتلت، وقتل ياسر. # وأما الباقون: فأعطوا بسبب العذاب بعض ما أراد المشركون، ~~فتركوا، وفيهم نزل قوله تعالى: # والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا # [النحل: 41] بتعذيب أهل مكة # لنبوئنهم في الدنيا حسنة # [النحل: 41] بالنصر والغنيمة، { ولأجر الآخرة أكبر } ، ~~وفيهم أنزل # لنبوئنهم في الدنيا حسنة # [النحل: 106]. # وقال سعيد بن المسيب، وعطاء: ms1148 أقبل صهيب مهاجرا نحو النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فاتبعه نفر من مشركي قريش، فنزل عن راحلته، ~~ونثل ما في كنانته، ثم قال: يا معشر قريش، لقد علمتم أني ~~لمن أرماكم رجلا، والله لا أضع سهما من كنانتي إلا ~~في قلب رجل منكم وأيم الله، لا تصلون إلي حتى أرمي ~~بكل سهم في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي، ثم ~~افعلوا ما شئتم، وإن شئتم دللتكم على مالي بمكة وخليتم ~~سبيلي. # قالوا: نعم، ففعل ذلك، فنزلت الآية وقال الحسن: أتدرون فيمن ~~نزلت هذه الآية؟ نزلت في المسلم يلقى الكافر فيقول له: قل لا ~~إله إلا الله، فيأبى أن يقولها، فيقول المسلم: والله ~~لأشترين من نفسي لله، فيتقدم فيقاتل حتى يقتل. # وروي عن عمر، وعلي، وابن عباس: أنها نزلت في الأمر ~~بالمعروف، والنهي عن المنكر. # قال ابن عباس: أرى من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله يقوم ~~فيأمر هذا بتقوى الله، فإذا لم يقبل، وأخذته العزة بالإثم، ~~قال هذا: وأنا أشري نفسي فيقاتله، وكان إذا قرأ هذه الآية يقول: ~~اقتتلا ورب الكعبة، وسمع عمر بن الخطاب إنسانا يقرأ هذه ~~الآية؛ فقال عمر: إنا لله وإنا إليه راجعون، قام رجل يأمر ~~بالمعروف وينهى عن المنكر فقتل. # وقيل: نزلت في علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - بات على فراش ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة خروجه إلى الغار. # قوله تعالى: " من يشري ": في " من " الوجهان المتقدمان في " ~~من " الأولى، ومعنى يشرى: يبيع؛ قال تعالى: # وشروه بثمن بخس # [يوسف: 20]، إن أعدنا الضمير المرفوع على الآخرة، وقال [مجزوء ~~الكامل] # 1020 - وشريت بردا ليتني # من بعد برد كنت هامه # قال القرطبي: برد هنا اسم غلام. فالمعنى: يبذل نفسه في ~~الله، وقيل: بل هو على أصله من الشراء. # قوله: " ابتغاء " منصوب على أنه مفعول من أجله، والشروط المقتضية ~~للنصب موجودة، والصحيح أن إضافة المفعول له محضة، خلافا ~~للجرمي، والمبرد، والرياشي، وجماعة من المتأخرين. # و " مرضاة " مصدر مبني على تاء التأنيث كمدعاة، والقياس ~~تجريده عنها؛ ms1149 نحو: مغزى، ومرمى. قال القرطبي: والمرضاة، ~~الرضا، تقول: رضي يرضى رضا ومرضاة ووقف حمزة عليها ~~بالتاء، وذلك لوجهين: # أحدهما: أن بعض العرب يقف على تاء التأنيث بالتاء قال القائل ~~في ذلك: [الرجز] # 1021 - دار لسلمى بعد حول قد عفت # بل جوز تيهاء كظهر الجحفت # وقد حكى هذه اللغة عن سيبويه. # والثاني: أن يكون وقف على نية الإضافة، كأنه نوى لفظ ~~المضاف إليه؛ لشدة اتصال المتضايفين، فأقر التاء على ~~حالها؛ منبهة على ذلك، وهذا كما أشموا الحرف المضموم؛ ~~ليعلموا أن الضمة كالمنطوق بها، وقد أمال الكسائي ~~وورش " مرضات ". # وفي قوله: " بالعباد " خروج من ضمير الغيبة إلى الاسم ~~الظاهر؛ إذ كان الأصل " رؤوف به " أو " بهم " وفائدة ~~هذا الخروج أن لفظ " العباد " يؤذن بالتشريف، أو لأنه ~~فاصلة فاختير لذلك. # فصل # إذا قلنا بأن المراد من هذا الشراء البيع، فتحقيقه أن ~~المكلف باع نفسه بثواب الآخرة، وهذا البيع هو أنه بذلها ~~في طاعة الله تعالى من الصلاة، والصيام، والحج والجهاد، ثم يتوصل ~~بذلك إلى وجدان ثواب الله تعالى فكان ما يبذله من نفسه ~~كالسلعة، فكأنه كالبائع، والله كالمشتري؛ كما قال: # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة # [التوبة: 111] وقد سمى الله تعالى ذلك تجارة، فقال: # يأيها الذين ءامنوا هل أدلكم على تجارة ~~تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله ~~وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم # [الصف:10، 11] وإن أجرينا الآية على ظاهرها، وقلنا: إن ~~المراد هو الشراء، فإن من أقدم على الكفر، والتوسع في ~~ملاذ الدنيا، والإعراض عن الآخرة، وقع في العذاب الدائم، فصار ~~كأن نفسه كانت له، فبسبب الكفر والفسق خرجت عن ملكه، ~~وصارت حقا للنار، فإذا ترك الكفر والفسق، وأقبل على الإيمان ~~والطاعة صار كأنه اشترى نفسه من النار والعذاب. # فإن قيل: إن الله تعالى جعل نفسه مشتريا بقوله: { إن الله ~~اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم } وهذا يمنع ~~كون المؤمن مشتريا. # فالجواب: أنه لا منافاة بين الأمرين؛ فهو كمن اشترى ثوبا ~~بعبد، فكل واحد منهما بائع ومشتر فكذا ها ms1150 هنا. # فصل # يدخل تحت هذا كل مشقة يتحملها الإنسان في طلب الدين؛ ~~كالجهاد والصابر على القتل، كقتل والد عمار وأمه، والآبق ~~من الكفار إلى المسلمين، والمشتري نفسه من الكفار بماله، ~~كفعل صهيب، ومن يظهر الدين والحق عند السلطان الجائر. # روي أن عمر - رضي الله عنه - بعث جيشا، فحاصروا ~~قصرا، فتقدم منهم واحد فقاتل حتى قتل، فقال بعض القوم: ~~ألقى بيده إلى التهلكة فقال عمر: كذبتم، يرحم الله أبا ~~فلان. وقرأ { ومن الناس من يشري نفسه ابتغآء ~~مرضات الله } واعلم أن المشقة التي يتحملها الإنسان لا ~~بد وأن تكون على وفق الشرع حتى يدخل بسببه تحت الآية، أما ~~لو كان على خلاف الشرع فلا يدخل فيها، بل يعد ذلك من ~~إلقاء النفس إلى التهلكة؛ كما لو خاف التلف عند الاغتسال ~~من الجنابة ففعل. # قوله: { والله رؤوف بالعباد } فمن رأفته أنه جعل ~~النعيم الدائم جزاء على العمل القليل المنقطع، ومن ~~رأفته جوز لهم كلمة الكفر إبقاء على النفس، ومن رأفته ~~أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها، ومن رأفته ورحمته أن ~~المصر على الكفر مائة سنة، إذا تاب - ولو في لحظة - أسقط ~~عنه عقاب تلك السنين، وأعطاه الثواب الدائم. # ومن رأفته أن النفس له والمال، ثم إنه يشتري ملكه ~~بملكه؛ فضلا منه ورحمة وإحسانا وامتنانا. ### || [2.208-209] # قوله: " السلم " قرأ هنا " السلم " بالفتح نافع، والكسائي، ~~وابن كثير، والباقون بالكسر، وأما التي في الأنفال [آية 61] ~~فلم يقرأها بالكسر إلا أبو بكر وحده، عن عاصم، والتي في ~~القتال [آية: 35] فلم يقرأها بالكسر إلا حمزة وأبو بكر ~~أيضا، وسيأتي. فقيل: هما بمعنى، وهو الصلح مثل رطل ورطل وجسر ~~وجسر وهو يذكر ويؤنث، قال تعالى: # وإن جنحوا للسلم فاجنح لها # ، وحكوا: " بنو فلان سلم، وسلم " ، وأصله من ~~الاستسلام، وهو الانقياد، قال تعالى: # إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب ~~العالمين # [البقرة: 131] الإسلام: إسلام الهدى، والسلم على الصلح، وترك ~~الحرب راجع إلى هذا المعنى؛ لأن كل واحد كصاحبه، ويطلق ~~على الإسلام قاله الكسائي وجماعة؛ وأنشدوا: [الوافر] # 1022 - دعوت ms1151 عشيرتي للسلم لما # رأيتهم تولوا مدبرينا # ينشد بالكسر، وقال آخر في المفتوح: [البسيط] # 1023 - شرائع السلم قد بانت معالمها # فما يرى الكفر إلا من به خبل # فالسلم والسلم في هذين البيتين بمعنى الإسلام، إلا أن ~~الفتح فيما هو بمعنى الإسلام قليل، وقرأ الأعمش بفتح السين ~~واللام " السلم ". # وقيل: بل هما مختلفا المعنى: فبالكسر الإسلام، وبالفتح الصلح. # قال أبو عبيدة: وفيه ثلاث لغات: السلم والسلم والسلم ~~بالفتح والكسر والضم. # " كافة " منصوب على الحال، وفي صاحبها ثلاثة أقوال. # أظهرها: أنه الفاعل في " ادخلوا " ، والمعنى: ادخلوا السلم ~~جميعا، وهذه حال تؤكد معنى العموم، فإن قولك: " قام القوم ~~كافة " بمنزلة: قاموا كلهم. # والثاني: أنه " السلم " قاله الزمخشري، وأبوا البقاء، قال ~~الزمخشري: ويجوز أن تكون " كافة " حالا من " السلم "؛ لأنها ~~تؤنث كما تؤنث الحرب؛ قال الشاعر: [البسيط] # 1024 - السلم تأخذ منها ما رضيت به # والحرب يكفيك من أنفاسها جرع # على أن المؤمنين أمروا أن يدخلوا في الطاعات كلها، ولا ~~يدخلوا في طاعة دون طاعة، قال أبو حيان تعليله كون " ~~كافة " حالا من " السلم " بقوله: " لأنها تؤنث كما ~~تؤنث الحرب " ليس بشيء؛ لأن التاء في " كافة " ليست ~~للتأنيث، وإن كان أصلها أن تدل عليه، بل صار هذا نقلا محضا ~~إلى معنى جميع وكل، كما صار قاطبة وعامة، إذا كان حالا ~~نقلا محضا. # فإذا قلت: " قام الناس كافة، وقاطبة " لم يدل شيء من ذلك ~~على التأنيث، كما لا يدل عليه " كل " و " جميع ". # والثالث: أن يكون صاحب الحال هما جميعا: أعني فاعل " ~~ادخلوا " و " السلم " فتكون حالا من شيئين. # وهذا ما أجازه ابن عطية فإنه قال: وتستغرق " كافة " حنيئذ ~~المؤمنين، وجميع أجزاء الشرع، فتكون الحال من شيئين وذلك ~~جائز نحو قوله: # فأتت به قومها تحمله # [مريم: 37]. ثم قال بعد كلام: وكافة معناه جميعا، فالمراد بالكافة ~~الجماعة التي تكف مخالفيها. # وقوله: " نحو قوله فأتت به قومها تحمله " يعني أن " ~~تحمله " حال من فاعل " أتت " ومن الهاء في " به " قال ~~أبو حيان: " هذا المثال ليس مطابقا للحال من شيئين ms1152 لأن ~~لفظ " تحمله " لا يحتمل شيئين، ولا تقع الحال من شيئين ~~إلا إذا كان اللفظ يحتملهما، واعتبار ذلك بجعل ذوي الحال ~~مبتدأين، وجعل تلك الحال خبرا عنهما، فمتى صح ذلك صحت ~~الحال؛ نحو قوله [الطويل] # 1025 - وعلقت سلمى وهي ذات موصد # ولم يبد للأتراب من ثديها حجم # صغيرين ترعى البهم يا ليت أننا # إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم # فصغيرين حال من فاعل " علقت " ومن " سلمى " لأنك لو قلت: ~~أنا وسلمى صغيران لصح ومثله قول امرئ القيس: [الطويل] # 1026 - خرجت بها نمشي تجر وراءنا # على أثرينا ذيل مرط مرحل # فنمشي حال من فاعل " خرجت " ، ومن " ها " في " بها "؛ ~~لأنك لو قلت: " أنا وهي نمشي " لصح، ولذلك أعرب المعربون " ~~نمشي " حالا منهما، كما تقدم، و " تجر " حالا من " ~~ها " في " بها " ، فقط؛ لأنه لا يصلح أن تجعل " تجر " خبرا ~~عنهما، لو قلت: " أنا وهي تجر " لم يصح؛ فكذلك يتقدر بمفرد ~~وهو " جارة " وأنت لو أخبرت به عن اثنين، لم يصح؛ فكذلك " ~~تحمله " لا يصلح أن يكون خبرا عن اثنين، فلا يصح أن ~~يكون حالا منهما، وأما " كافة " فإنها بمعنى " جميع " ، و " ~~جميع " يصح فيها ذلك، لا يقال: " كافة " لا يصح وقوعها ~~خبرا، لو قلت: " الزيدون والعمرون كافة " لم يجز، ~~فلذلك لا تقع حالا؛ على ما قررت؛ لأن ذلك إنما هو بسبب التزام ~~نصب " كافة " على الحال، وأنها لا تتصرف لا من مانع معنوي، بدليل ~~أن مرادفها وهو " جميع " و " كل " يخبر به، فالعارض ~~المانع ل " كافة " من التصرف لا يضر، وقوله: " الجماعة ~~التي تكف مخالفيها " يعني: أنها في الأصل كذلك، ثم صار ~~استعمالها بمعنى جميع وكل ". # واعلم أن أصل " كافة " اسم فاعل من كف يكف، أي: ~~منع، ومنه " كف الإنسان "؛ لأنها تمنع ما يقتضيه، و " كفة ~~الميزان " لجمعها الموزون، ويقال: كففت فلانا عن السوء، أي: ~~منعته، ورجل مكفوف، أي: كف بصره من أن يبصر، والكفة ~~- بالضم - لكل مستطيل، وبالكسر، لكل مستدير. # وقيل: " كافة " مصدر كالعاقبة والعافية. وكافة وقاطبة مما لزم ms1153 ~~نصبها على الحال، فإخراجهما عن ذلك لحن. # فصل # لما بين الله - تعالى - أقسام الناسن وأنهم ينقسمون إلى ~~مؤمن، وكافر، ومنافق قال هاهنا: كونوا على ملة واحدة، على ~~الإسلام، واثبتوا عليه. # قال ابن الخطيب: حمل أكثر المفسرين السلم على الإسلام، وفيه ~~إشكال؛ لأنه يصير التقدير: يا أيها الذين آمنوا ~~ادخلوا في الإسلام، والإيمان هو الإسلام، ومعلوم أن ذلك لا ~~يجوز، فلهذا ذكر المفسرون وجوها. # أحدها: أن المراد بالآية المنافقون، والتقدير: يا أيها الذي ~~آمنوا بألسنتهم ادخلوا بكليتكم في الإسلام، ولا تتبعوا ~~خطوات الشيطان، أي آثار تزيينه، وغروره في الإقامة على النفاق، ~~واحتجوا على هذه بالآية، فهذا التأويل على أن هذه الآية إنما ~~وردت عقيب ما مضى من ذكر المنافقين وهو قوله: # ومن الناس من يعجبك قوله # [البقرة: 204] " الآية " فلما وصفهم بما ذكر، دعاهم في هذه الآية إلى ~~الإيمان بالقلب، وترك النفاق. # وثانيها: روي أن هذه الآية نزلت في طائفة من مسلمي أهل ~~الكتاب ك " عبد الله ابن سلام " وأصحابه، وذلك لأنهم كانوا ~~يعظمون السبت، ويكرهون لحمان الإبل، بعدما أسلموا وقالوا: ~~يا رسول الله: إن التوراة كتاب الله، فدعنا فلنقم بها في ~~صلاتنا بالليل، فأمرهم الله بهذه الآية أن يدخلوا في ~~السلم كافة [أي: في شرائع الإسلام كافة] ولا يتمسكوا ~~بشيء من أحكام التوراة، اعتقادا له وعملا به، ولا تتبعوا ~~خطوات الشيطان في التمسك بأحكام التوراة بعد أن عرفتم ~~أنها صارت منسوخة، وقائل هذا القول جعل " كافة " من وصف " ~~السلم " ، كأنه قيل: ادخلوا في جميع شعائر الإسلام اعتقادا ~~وعملا. # وثالثها: أن هذا الخطاب لأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بالنبي ~~- عليه السلام - يعني: { يا أيها الذين ءامنوا }. أي: ~~بالكتاب المتقدم { ادخلوا في السلم كآفة } ، أي: آمنوا ~~بجميع أنبيائه وكتبهم، وبمحمد، وكتابه على التمام، ولا تتبعوا ~~خطوات الشيطان في تحسينه الاقتصار على التوراة بسبب أنه دين ~~اتفق الكل على أنه حق، بسبب أنه جاء في التوارة: وتمسكوا ~~بالسبت ما دامت السموات والأرض، فيكون المراد من خطوات ~~الشيطان الشبهات التي يتمسكون بها في بقاء تلك ms1154 الشريعة. # قال ابن عباس: نزلت الآية في أهل الكتاب، والمعنى: { يأيها ~~الذين ءامنوا } بموسى وعيسى " ادخلوا " في الإسلام ~~بمحمد - صلى الله عليه وسلم - كافة ". # وروى " مسلم " عن أبي هريرة، عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: # " والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه ~~الأمة يهودي ولا نصراني، ثم لم يؤمن بالذي ~~أرسلت به إلا كان من أصحاب النار " # ورابعها: أن المراد بهذا الخطاب المسلمون، والمعنى: { ~~يأيها الذين ءامنوا } دوموا على الإسلام فيما بقي من ~~العمر ولا تخرجوا عنه { ولا تتبعوا خطوات الشيطن ~~} أي: ولا تلتفتوا إلى الشبهات التي يلقيها إليكم أصحاب الضلالة ~~والغواية. # قال حذيفة بن اليمان في هذه الآية: الإسلام ثمانية أسهم: ~~الصلاة سهم، والزكاة سهم، والصدقة سهم، والحج سهم، ~~والعمرة سهم، والجهاد سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن ~~المنكر سهم، وقد خاب من لا سهم له. # فإن قيل: المؤمن الموصوف بالشيء يقال له: دم عليه، ولا يقال ~~له: ادخل فيه، والمذكور في الآية هو قوله: " ادخلوا ". # فالجواب: الكائن في الدار إذا علم أن له في المستقبل خروجا عنها، ~~فلا يمتنع أن يؤمر بدخولها في المستقبل، وإن كان في الحال كائنا ~~فيها؛ لأن حال كونه فيها غير الحالة التي أمر أن يدخل فيها، فإذا ~~كان في الوقت الثاني قد يخرج عنها، صح أن يؤمر بدخلولها. # وقال آخرون: المراد ب " السلم " في الآية الصلح، وترك ~~المحاربة والمنازعة، والتقدير: " يا أيها الذين آمنوا ~~ادخلوا في السلم كافة " أي: كونوا مجتمعين في نصرة ~~الدين واحتمال البلوى فيه { ولا تتبعوا خطوات الشيطن ~~} بأن يحملكم على طلب الدنيا، والمنازعة مع الناس، فهو كقوله: # ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم # [الأنفال: 46]، وقوله: # واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا # [آل عمران:103]. # قوله تعالى: { ولا تتبعوا خطوات الشيطن } أي: لا ~~تطيعوه فيما يدعوكم إليه، وتقدم الكلام على خطواته. # وقوله: { إنه لكم عدو مبين }. # قال أبو مسلم: مبين من صفات البليغ الذي يعرب عن ضميره. # قال ابن الخطيب: ويدل على صحة هذا المعنى قوله # حم ms1155 والكتاب المبين # [الدخان: 1 - 2] ولا يعنى بقوله " مبين " إلا ذلك. فإن قيل: كيف ~~يمكن وصف الشيطان بأنه مبين مع أنا لا نرى ذاته، ولا ~~نسمع كلامه؟ # فالجواب أنه تعالى لما بين عداوته لآدم ونسله، فلذلك الأمر ~~صح أن يوصف بأنه عدو مبين، وإن لم يشاهد؛ مثاله: من ~~يظهر عداوته لرجل في بلد بعيد فقد يصح أن يقال: إن فلانا عدو ~~مبين لك وإن لم يشاهده في الحال. # قال ابن الخطيب: وعندي فيه وجه آخر، وهو: أن الأصل في الإبانة ~~القطع، والبيان إنما سمي بيانا لهذا المعنى فإنه يقطع بعض ~~الاحتمالات عن بعض، فوصف الشيطان بأنه مبين بيانه: أنه يقطع الملكف ~~بوسوسته عن طاعة الله وثوابه. # فإن قيل: كون الشيطان عدوا لنا، إما أن يكون بسبب أنه يقصد ~~إيصال الآلام والمكاره إلينا في الحال، أو بسبب أنه بوسوسته ~~يمنعنا عن الدين والثواب، والأول باطل إذ لو كان كذلك لوقعنا في ~~الأمراض والآلام وليس كذلك. # والثاني - أيضا - باطل؛ لأن من قبل منه تلك الوسوسة ~~فإنه أتي من قبل نفسه؛ لقوله: # وما كان لنآ أن نأتيكم بسلطن إلا بإذن ~~الله وعلى الله فليتوكل # [إبراهيم: 11] وإذا كان الحال على ما ذكرناه، فكيف يقال إنه عدو ~~لنا؟ # فالجواب: أنه عدو من الوجهين معا أما من حيث أنه ~~يحاول إيصال البلاء إلينا، فهو كذلك إلا أن الله تعالى ~~منعه عن ذلك، ولا يلزم من كونه مريدا لإيصال الضرر إلينا أن ~~يكون قادرا عليه، وأما من حيث إنه يقدم على الوسوسة، فمعلوم ~~أن تزيين المعاصي وإلقاء الشبهات، كل ذلك لوقوع الإنسان في ~~الباطل وبه يصير محروما عن الثواب. # قوله تعالى: " فإن زللتم " الجمهور على " زللتم ": بفتح ~~العين، وأبو السمال قرأها بالكسر، فهما لغتان؛ كضللت، وضللت. و " ~~ما " في " من بعدما " مصدرية، و " من " لابتداء الغاية، وهي ~~متعلقة ب " زللتم ". # معنى " زللتم " أي: ضللتم، وقيل: ملتم، يقال: زلت قدمه تزل ~~زلا وزللا، إذا دحضت، وأصل الزلل في القدم، واستعماله في الاعتقادات. # فصل # يروى عن ابن عباس: فإن زللتم ms1156 في تحريم السبت، ولحم الإبل، { من ~~بعد ما جآءتكم البينات } يعني محمدا وشرائعه، { ~~فاعلموا أن الله عزيز حكيم } في كل أفعاله، فعند هذا ~~قالوا: لئن شئت يا رسول الله، لنتركن كل كتاب غير كتابك، فأنزل الله ~~تعالى: # يا أيها الذين ءامنوا ءامنوا بالله ورسوله # [النساء: 136] ومن قال: إن الآية الأولى في المنافقين قال في هذه الآية ~~كذلك. # فإن قيل: إن الحكم المشروط إنما يحسن في حق من لا يكون عالما ~~بعواقب الأمور، وأجاب قتادة عن ذلك فقال: قد علم أنهم سيزلون، ولكنه ~~تعالى قدم ذلك، وأوعد فيه؛ ليكون له الحجة عليهم. # فصل # قوله: { من بعد ما جآءتكم البينات } يتناول جميع ~~الدلائل العقلية والسمعية. # أما العقلية، فالعلم بحدوث العالم، وافتقاره إلى صانع يكون عالما ~~بكل المعلومات، قادرا على كل الممكنات، غنيا عن كل الحاجات. # وأما السمعية: فهي البيان الحاصل بالقرآن والسنة. # فصل # قال القرطبي: دلت الآية على أن عقوبة العالم بالذنب أعظم من عقوبة ~~الجاهل به، ومن لم تبلغه دعوة الإسلام لا يكون كافرا بترك الشرائع. # فصل # قال القاضي: دلت الآية على أن المؤاخذة بالذنب لا تحصل إلا بعد ~~البيان، وإزاحة العلة، ودلت الآية على أن المعتبر حصول البينات، لا ~~حصول اليقين من المكلف. # وقوله: " عزيز " يدل على الزجر، والتهديد، والوعيد؛ لأن العزيز ~~هو الذي لا يمنع عن مراده، وذلك إنما يحصل بكمال القدرة، وهو تعالى قادر ~~على كل الممكنات، فكأنه تعالى قال: { فإن زللتم من بعد ما ~~جآءتكم البينات } فاعموا أن الله قادر عليكم، لا يمنعه ~~عنكم مانع، وهذا نهاية في الوعيد، لأنه يجمع من ضروب الخوف ما لا يجمعه ~~الوعيد بذكر العقاب؛ كقول السيد لعبده: إن عصيتني فأنت عارف بي، وتعلم ~~قدرتي عليك، والآية كما أنها تدل على نهاية الوعد بقوله: " حكيم " ~~فإن اللائق بالحكمة أن يميز بين المحسن والمسيء، فكما يحسن من الحكيم ~~إيصال العذاب إلى المسيء يحسن منه إيصال الثواب إلى المحسن، بل هذا أليق ~~بالحكمة، وأقرب للرحمة، وهذه الآية تدل على أنه لا وجوب لشيء قبل ms1157 ~~الشرع؛ لأنه تعالى أثبت التهديد بشرط مجيء البينات، وقبل الشرع لم تحصل ~~كل البينات. # فصل # قال الجبائي: المجبرة تقول: إن الله تعالى يريد الكفر من الكفار، ~~والسفاهة من السفهاء، والله تعالى وصف نفسه بأنه حكيم، ومن فعل ~~السفه وأراده لا يكون حكيما، وأجيب بأن الحكيم هو العالم بعواقب ~~الأمور، فمعنى كونه تعالى حكيما أنه عالم بجميع المعلومات وذلك لا ~~ينافي كونه خالقا لكل الأشياء، ومريدا لها. # فصل # يحكى أن قارئا قرأ " فإن زللتم من بعد ما جاءتكم ~~البينات فاعلموا أن الله غفور رحيم " فسمعه ~~أعرابي، فأنكره؛ وقال: إن هذا كلام الله تعالى فلا يقول كذا؛ الحكيم ~~لا يذكر الغفران عند الزلل؛ [أنه إغراء عليه]. ### || [2.210] # " هل " لفظه استفهام والمراد به النفي؛ كقوله: [الطويل] # 1027 - وهل أنا إلا من غزية إن غوت # غويت، وإن ترشد غزية أرشد # أي: ما ينظرون، وما أنا، ولذلك وقع بعدها " إلا " كما تقع بعد " ما ". ~~و " هل " تأتي على أربعة أوجه: # الأول: بمعنى " ما " كهذه الآية، وقوله: # هل ينظرون إلا تأويله # [الأعراف: 53]. # الثاني: بمعنى " قد " كقوله تعالى: # هل أتى على الإنسان # [الإنسان: 1] أي: قد أتى، وقوله: # وهل أتاك نبأ الخصم # [ص: 21] و # هل أتاك حديث الغاشية # [الغاشية: 1]، أي: قد أتاك. # والثالث: بمعنى " ألا " قال تعالى: # هل أدلكم # [طه: 40] أي: ألا أدلكم، ومثله # هل أنبئكم على من تنزل الشيطين # [الشعراء: 22] أي: ألا أنبئكم. # الرابع: بمعنى الاستفهام، قال تعالى: # هل من شركآئكم من يفعل # [الروم: 40]. # و " ينظرون " هنا بمعنى ينتظرون، وهو معدى بنفسه، قال امرؤ القيس: ~~[الطويل] # 1028 - فإنكما إن تنظراني ساعة # من الدهر ينفعني لدى أم جندب # وليس المراد هنا بالنظر تردد العين؛ لأن المعنى ليس عليه؛ واستدل ~~بعضهم على ذلك بأن النظر بمعنى البصر يتعدى ب " إلى " ، ويضاف إلى ~~الوجه، وفي الآية الكريمة متعد بنفسه، وليس مضافا إلى الوجه، ويعني ~~بإضافته إلى الوجه قوله تعالى: # وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة # [القيامة:22، 23] فيكون بمعنى الانتظار، وهذا ليس بشيء، أما قوله: إن ~~الذي بمعنى البصر يتعدى ب ms1158 " إلى " فمسلم، وقوله: " وهو هنا متعد ~~بنفسه " ممنوع، إذ يحتمل أن يكون حرف الجر وهو " إلى " محذوفا؛ لأنه ~~يطرد حذفه مع " أن " و " أن " ، إذا لم يكن لبس، وأما قوله: " ~~يضاف إلى الوجه " ، فممنوع أيضا، إذ قد جاء مضافا للذات؛ قال ~~تعالى: # أرني أنظر إليك # [الأعراف: 143] # أفلا ينظرون إلى الإبل # [الغاشية: 17]. والضمير في " ينظرون " عائد على المخاطبين بقوله: ~~" زللتم " فهو التفات. # قوله: { إلا أن يأتيهم } هذا مفعول " ينظرون " وهو ~~استثناء مفرغ، أي: ما ينظرون إلا إتيان الله. # والمعنى ما ينظرون، يعني التاركون الدخول في السلم. # قوله تعالى: " في ظلل " فيه أربعة أوجه: # أحدها: أن يتعلق بيأتيهم، والمعنى: يأتيهم أمره أو قدرته أو عقابه أو ~~نحو ذلك، أو يكون كناية عن الانتقام، إذ الإتيان يمتنع إسناده إلى الله ~~تعالى حقيقة. # والثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه حال، وفي صاحبها وجهان: # أحدهما: هو مفعول يأتيهم، أي: في حال كونهم مستقرين في ظلل، وهذا حقيقة. # والثاني: أنه الله تعالى بالمجاز المتقدم، أي: أمر الله في حال كونه ~~مستقرا في ظلل. # الثالث: أن تكون " في " بمعنى الباء، وهو متعلق بالإتيان، أي: إلا أن ~~يأتيهم بظلل؛ ومن مجيء " في " بمعنى الباء قوله: [الطويل] # 1029 -........................ # خبيرون في طعن الكلى والأباهر # لأن " خبيرين " إنما يتعدى بالباء؛ كقوله: [الطويل] # 1030 -................. فإنني # خبير بأدواء النساء طبيب # الرابع: أن يكون حالا من " الملائكة " مقدما عليها ويحكى عن ~~أبي، والأصل: إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل، ويؤيد هذا ~~قراءة عبد الله إياه كذلك، وبهذا - أيضا - يقل المجاز، فإنه - والحالة ~~هذه - لم يسند إلى الله تعالى إلا الإتيان فقط بالمجاز المتقدم. # وقرأ أبي وقتادة والضحاك: في ظلال، وفيها وجهان: # أحدهما: أنها جمع ظل؛ نحو: صل وصلال. # والثاني: أنها جمع ظلة؛ كقلة وقلال، وخلة وخلال، إلا أن ~~فعالا لا ينقاس في فعلة. # قوله تعالى: " من الغمام " فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق بمحذوف؛ لأنه صفة ل " ظلل " التقدير: ظلل ~~كائنة من الغمام. و " من على هذا للتعبيض. # والثاني: أنه متعلق ب " يأتيهم " ، وهي ms1159 على هذا لابتداء الغاية، أي: ~~من ناحية الغمام. # والجمهور على رفع " الملائكة "؛ عطفا على اسم " الله ". # وقرأ الحسن وأبو جعفر: بجر " الملائكة " وفيه وجهان: # أحدهما: العطف على " ظلل " ، أي: إلا أن يأتيهم في ظلل، وفي ~~الملائكة. # والثاني: العطف على " الغمام " أي: من الغمام ومن الملائكة، فتوصف ~~الملائكة بكونها ظللا على التشبيه، وعلى الحقيقة، فيكون المعنى يأتيهم ~~أمر الله وآياته، والملائكة يأتون ليقومون بما أمروا به من الآيات ~~والتعذيب، أو غيرهما من أحكام يوم القيامة. # قوله: " وقضي الأمر " الجمهور على " قضي " فعلا ماضيا مبنيا ~~للمفعول، وفيه وجهان: # أحدهما: أن يكون معطوفا على " يأتيهم " وهو داخل في حيز الانتظار، ~~ويكون ذلك من وضع الماضي موضع المستقبل، والأصل: ويقضى الأمر وإنما جيء ~~به كذلك؛ لأنه محقق كقوله: # أتى أمر الله # [النحل: 1] وقوله: # وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس ~~اتخذوني # [المائدة: 116] والسبب في اختيار هذا المجاز، إما التنبيه على قرب ~~الآخرة، وكأنها قد أتت، أو المبالغة في تأكيد وقوعها، كأنها قد وقعت. # والثاني: أن يكون جملة مستأنفة برأسها، أخبر الله تعالى بأنه قد فرغ من ~~أمرهم، فهو من عطف الجمل، وليس داخلا في حيز الانتظار. # وقرأ معاذ بن جبل: " وقضاء الأمر " قال الزمخشري: " على ~~المصدر المرفوع؛ عطفا على الملائكة ". وقال غيره: بالمد والخفض؛ ~~عطفا على " الملائكة ". # قيل: وتكون على هذا " في " بمعنى " الباء " أي: بظلل، وبالملائكة، ~~وبقضاء الأمر، فيكون عن معاذ قراءتان في الملائكة، الرفع والخفض، فنشأ ~~عنهما قراءتان له في قوله: " وقضي الأمر ". # ومعنى قضي الأمر؛ هو فصل القضاء ببين الخلق يوم القيامة، وإنزال كل ~~واحد منزلته من جنة، أو نار؛ قال تعالى: # وقال الشيطن لما قضي الأمر إن الله وعدكم ~~وعد الحق # [إبراهيم: 22]. # قوله: { وإلى الله ترجع الأمور } هذا الجار متعلق بما ~~بعده، وإنما قدم للاختصاص، أي: لا ترجع إلا إليه دون غيره. وقرأ ~~الجمهور: " ترجع " بالتأنيث لجريان جمع التكسير مجرى المؤنث، إلا ~~أن حمزة والكسائي ونافعا قرؤوا ببنائه للفاعل، والباقون ببنائه ~~للمفعول، و " رجع " يستعمل متعديا تارة، ولازما ms1160 أخرى، وقال تعالى: # فإن رجعك الله # [التوبة: 83] فجاءت القراءتان على ذلك، وقد سمع في المتعدي " أرجع " ~~رباعيا، وهي لغة ضعيفة، ولذلك أبت العلماء أن تجعل قراءة من بناه ~~للمفعول مأخوذة منها. وقرأ خارجة عن نافع: " يرجع " بالتذكير، ~~وببنائه للمفعول؛ لأن تأنيثه مجازي، والفاعل المحذوف في قراءة من بناه ~~للمفعول: إما الله تعالى، أي: يرجعها إلى نفسه بإفناء هذه الدار، ~~وإما ذوو الأمور؛ لأنه لما كانت ذواتهم وأحوالهم شاهدة عليهم بأنهم ~~مربوبون مجزيون بأعمالهم كانوا رادين أمورهم إلى خالقها. # قال القفال - رحمه الله -: في قوله " ترجع الأمور " بضم التاء ~~ثلاثة معان. # أحدها: ما ذكرناه، وهو أنه جل جلاله يرجعها إلى نفسه. # والثاني: أنه على مذهب العرب، من قولهم " فلان يعجب بنفسه " ويقول ~~الرجل لغيره: " إلى أين يذهب بك " ، وإن لم يكن أحد ~~يذهب به. # والثالث: أن ذوات الخلق لما كانت شاهدة عليهم، بأنهم مخلوقون محاسبون، ~~كانوا رادين أمرهم إلى خالقهم، فقوله " ترجع الأمور " أي: يردها ~~العباد إليه، وإلى حكمه بشهادة أنفسهم، وهو كقوله # يسبح لله ما في السموات وما في الأرض # [الجمعة: 1] فإن هذا التسبيح بحسب الحال، لا بحسب النطق، وقوله: # ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها # [الرعد: 15] قيل: المعنى يسجد له المؤمنون طوعا، ويسجد له الكفار ~~كرها بشهادة أنفسهم بأنهم عبيد الله. # فصل في تفسير " الظلل " # " الظلل " جمع ظلة، وهو ما أظلك الله به " والغمام " هو ~~السحاب الأبيض الرقيق، سمي غماما؛ لأنه يغم، أي: يستر. # وقال مجاهد: هو غير السحاب، ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم. # وقال مقاتل: كهيئة الضبابة أبيض. # قال الحسن: في سترة من الغمام. والأولى في هذه الآية وما شاكلها أن ~~يؤمن الإنسان بظاهرها، ويكل علمها إلى الله تعالى؛ على ذلك مضت أئمة ~~السلف، وعلماء السنة. # قال ابن عباس، في رواية أبي صالح، والكلبي: هذا من المكتوم الذي لا ~~يفسر، وكان مكحول، والزهري، والأوزاعي، ومالك، وابن المبارك، ~~وسفيان الثوري، والليث بن سعد، وأحمد، وإسحاق يقولون فيه وفي ~~أمثاله: أمرها كما جاءت بلا كيف. # قال ms1161 سفيان بن عيينة: كل ما وصف الله به نفسه في كتابه، فتفسيره: ~~قراءته، والسكوت عنه؛ ليس لأحد أن يفسره إلا الله ورسوله. # وروي عن ابن عباس أنه قال: نزل القرآن على أربعة أوجه: # وجه لا يعرفه أحد لجهالته، ووجه يعرفه العلماء، ووجه نعرفه من قبل ~~العربية فقط، ووجه لا يعلمه إلا الله. # وقال جمهور المتكلمين: لا بد من التأويل، وفيه وجوه: # أحدها: أن المراد " يأتيهم أمر الله " آيات الله. فجعل مجيء ~~الآيات مجيئا له؛ على التفخيم لشأن الآيات؛ لأنه قال قبله: # فإن زللتم من بعد ما جآءتكم البينات # [البقرة:109] ثم ذكر هذه الآية في معرض التهديد، ومعلوم أنه بتقدير أن ~~يصح المجيء على الله تعالى لم يكن مجرد حضوره سببا للتهديد والزجر، ~~وإذا ثبت أن المقصود من الآية إنما هو الوعيد والتهديد والزجر، وجب ~~أن يضمن في الآية مجيء الآيات والقهر والتهديد، ومتى أضمرنا ذلك، زالت ~~الشبهة بالكلية. # الثاني: أن يأتيهم أمر الله، كقوله: # إنما جزآء الذين يحاربون الله # [المائدة: 33] والمراد: يحاربون أولياءه. وقوله: # واسأل القرية # [يوسف: 82] والمراد: أهل القرية، فكذا قوله: " يأتيهم الله " ~~المراد: يأتيهم أمر الله، كقوله: # وجآء ربك والملك صفا صفا # [الفجر: 22]، وليس فيه إلا حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، وهو ~~مجاز مشهور كثير في كلامهم، تقول: " ضرب الأمير فلانا، وصلبه، وأعطاه ~~" وهو إنما أمر بذلك، لأنه تولى ذلك بنفسه، ويؤكد هذا قوله في سورة ~~النحل: # هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ~~أمر ربك # [النحل: 33] فصارت هذه الآية مفسرة لتلك الآية، لأن هذه الآيات لما ~~وردت في واقعة واحدة، لم يبعد حمل بعضها على البعض، ويؤيده - أيضا - ~~قوله بعده: " وقضي الأمر " والألف واللام للمعهود السابق، وهو ~~الأمر الذي أضمرناه. # فإن قيل: أمر الله صفة قديمة، فالإتيان عليها محال. # وعند المعتزلة: أنه أصوات، فتكون أعراضا، فالإتيان عليها - أيضا - ~~محال. # والجواب: أن الأمر في اللغة له معنيان: # أحدهما: الفعل والشأن والطريق؛ قال تعالى: # ومآ أمرنآ إلا واحدة كلمح بالبصر # [القمر: 50]، # ومآ أمر فرعون برشيد # [هود: 97]، وفي ms1162 المثل: " لأمر ما جدع قصير أنفه " ، و " ~~لأمر ما يسود من يسود " ، فيجعل الأمر عبارة عن الفعل، ~~وهو ما يليق بتلك المواقف من الأهوال، وهذا هو التأويل الأول، وإن ~~حملنا الأمر على ضد النهي، ففيه وجهان: # أحدهما: أن مناديا ينادي يوم القيامة ألا أن الله يأمركم بكذا، وكذا، ~~فذاك هو إتيان الأمر. # وقوله: " في ظلل " ، أي: مع ظلل، والتقدير: أن سماع ذلك النداء ~~ووصول تلك الظلل يكون في زمان واحد. # الثاني: أن يكون المراد من إتيان أمر الله في ظلل حصول أصوات مقطعة ~~مخصوصة في تلك الغمامات، تدل على حكم الله تعالى على كل ما يليق به؛ ~~من السعادة، والشقاوة، وتكون فائدة الظلل من الغمام أنه تعالى جعله ~~أمارة لما يريد إنزاله بالقوم، فعنده يعلمون أن الأمر قد حضر وقرب. # الوجه الثالث: أن يأتيهم الله بما وعد من الحساب، والعذاب، فحذف ما يأتي ~~به، تهويلا عليهم؛ إذ لو ذكر كان أسهل عليهم في باب الوعيد، وإذا لم ~~يذكر كان أبلغ؛ لانقسام خواطرهم، وذهاب فكرهم في كل وجه، كقوله تعالى: # فأتى الله بنيانهم من القواعد # [النحل: 26] وقوله: # فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا # [الحشر: 2] أو قوله: # فخر عليهم السقف من فوقهم # [النحل: 26] وآتاهم العذاب، كالتفسير لقوله: # فأتى الله بنيانهم من القواعد # [النحل: 26]. # الوجه الرابع: أن تكون " في " بمعنى " الباء " ، وتقديره: هل ينظرون ~~إلا أن يأتيهم الله بظلل من الغمام، وحروف الجر يقام بعضها مقام ~~بعض. # الوجه الخامس: قال ابن الخطيب: وهو أوضح عندي من كل ما سلف، وهو أنا ~~ذكرنا أن قوله تعالى: # يأيها الذين ءامنوا ادخلوا في السلم كآفة # نزلت في اليهود، فعلى هذا قوله: { فإن زللتم من بعد ما ~~جآءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم ~~} يكون خطابا مع اليهود، [وحينئذ يكون قوله: { هل ينظرون إلا ~~أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة ~~} حكاية عن اليهود]، والمعنى: أنهم لا يقبلون دينك حتى يأتيهم الله في ~~ظلل من الغمام، وذلك لأنهم فعلوا مع موسى عليه الصلاة والسلام مثل ذلك، ms1163 ~~فقالوا: # لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة # [البقرة: 55]. # وإذا كان هذا حكاية عن اليهود، لم يمتنع إجراء الآية على ظاهرها؛ لأن ~~اليهود كانوا مشبهة، وكانوا يجوزون على الله تعالى المجيء ~~والذهاب، وكانوا يقولون: إنه تعالى تجلى لموسى - عليه السلام - على ~~الطور في ظلل من الغمام، وطلبوا مثل ذلك في زمن محمد - عليه السلام - ~~وعلى هذا فيكون الكلام حكاية عن معتقد اليهود القائلين بالتشبيه، فلا ~~يحتاج حينئذ إلى تأويل، ولا إلى حمل اللفظ على المجاز. # وبالجملة فالآية الكريمة تدل على أن قوما ينتظرون أن يأتيهم الله، ~~وليس في الآية دلالة على أنهم محقون في ذلك الانتظار، أو مبطلون؛ فزال ~~ذلك الإشكال. # فإن قيل: فعلى هذا التأويل، كيف يتعلق قوله تعالى: { وإلى الله ~~ترجع الامور }؟ # قلنا: الوجه فيه أنه تعالى لما حكى عنادهم، وتوقفهم في قبول الدين ~~على هذا الشرط الفاسد، ذكر بعده ما يجري مجرى التهديد، فقال: { وإلى ~~الله ترجع الامور }. # قال ابن تيمية: وهذا من أعظم الافتراء على الله، وعلى كتابه؛ حيث جعل ~~خطاب الله مع المؤمنين خطابا مع اليهود وهو قوله: { يأيها ~~الذين ءامنوا ادخلوا في السلم } أن ذلك خطابا مع ~~اليهود، مع أن الله تعالى دائما يفصل في كتابه بين الخطابين، فيقول ~~للمؤمنين: { يأيها الذين ءامنوا } ، ويقول لأولئك: { ~~يابني إسرائيل } ، و { يأهل الكتاب } ، فكيف يجعل خطاب ~~المؤمنين الصريح خطابا لليهود فقط؟ وهذا من أعظم تبديل للقرآن. # وأيضا فقوله بعد ذلك: # فإن زللتم من بعد ما جآءتكم البينات # [البقرة: 109] لا يقال: إن زللتم لمن هم مقيمون على الكفر والضلال. # وأما قوله في قوله تعالى: { هل ينظرون إلا أن يأتيهم ~~الله في ظلل من الغمام } أنه من اعتقاد اليهود الفاسد، لا ~~من كلام الله تعالى الذي توعد به عباده، فهذا افتراء على الله، وكذب ~~على اليهود، وأيضا فإنه لم ينقل أحد عنهم أنهم كانوا ينتظرون في زمن ~~محمد - عليه السلام - أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام. # وقد ذكر المفسرون وأهل السير والمغازي في مخاطبات اليهود الذين كانوا ~~بالحجاز ms1164 للنبي صلى الله عليه وسلم مع كثرة من كان من اليهود بالحجاز، ~~وكثرة ما نزل بسببهم من القرآن، وكذلك ما نقل عنهم أنهم كانوا يقولون: ~~إن الله تجلى ل " موسى " على الطور في ظلل من الغمام وهو أمر لم ~~يذكره الله تعالى عنهم على هذا الوجه، فإن كان هذا حقا عنهم، وكانوا ~~ينتظرون مثل ذلك، فيكونون قد جوزوا أن يكون الله تجلى لرسول الله كما ~~تجلى لموسى، ومعلوم أن اليهود لم يقولوا ذلك، وما ذكره الله تعالى ~~عنهم من طلبهم رؤية الله جهرة، فهذا حق، ولكن أخبر أنهم طلبوا ~~الرؤية ولم يخبر أنهم انتظروها، والمطلب للشيء معتقد؛ لأنه يكون لا ~~طالب من غير أن يكون، وهذا كقوله تعالى: # أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من ~~قبل # [البقرة: 108]. ### || [2.211] # قرأ الجمهور: " سل " وهي تحتمل وجهين: # أحدهما: أن تكون من لغة: سال يسال، مثل: خاف يخاف، وهل هذه الألف ~~مبدلة من همزة، أو واو، أو ياء؟ خلاف تقدم في قوله: # فإن لكم ما سألتم # [البقرة: 61] فحينئذ يكون الأمر منها: " سل " مثل " خف " لما ~~سكنت اللام حملا للأمر على المجزوم، التقى ساكنان فحذفت العين لذلك، ~~فوزنه على هذا فل، وبهذا التقدير قرأ نافع، وابن عامر " سال سائل ~~" على وزن " قال " ، " وكان ". # والثاني: أن تكون من سأل بالهمز. # قال قطرب: سأل يسأل مثل زأر الأسد يزأر، والأصل: اسأل ثم ~~ألقيت حركة الهمزة على السين، تخفيفا، واعتددنا بحركة النقل، ~~فاستغنينا عن همزة الوصل فحذفناها، ووزنه أيضا فل بحذف العين، وإن ~~اختلف المأخذ. # وروى عباس عن أبي عمرو: " اسأل " على الأصل من غير نقل. وقرأ قوم: " ~~اسل " بالنقل وهمزة الوصل، كأنهم لم يعتدوا بالحركة المنقولة ~~كقولهم: " الحمر " بالهمز. # وقرأ بعضهم " سل بني إسرائيل " بغير همز، وقرأوا # واسأل القرية # [يوسف: 82] # فاسأل الذين يقرءون الكتاب # [يونس: 94] # واسألوا الله من فضله # [النساء: 32] بالهمزة، وقرأ الكسائي الكل بغير همز اتباعا ~~للمصحف، فإن الألف ساقطة فيها أجمع، و " بني " مفعول أول عند ~~الجمهور. # وقوله: " كم آتيناهم " في " كم " وجهان: ms1165 # أحدهما: أنها في محل نصب. واختلف في ذلك فقيل: نصبها على أنها مفعول ~~ثان ل " آتيناهم " على مذهب الجمهور، وأول على مذهب السهيلي، كما ~~تقدم. # وقيل: يجوز أن ينتصب بفعل مقدر يفسره الفعل بعدها تقديره: كم آتينا ~~آتيناهم، وإنما قدرنا ناصبها بعدها؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام، ولا ~~يعمل فيه ما قبله، قاله ابن عطية، يعني أنه عنده من باب الاشتغال، قال ~~أبو حيان: وهذا غير جائز إن كان " من آية " تمييزا؛ لأن الفعل ~~المفسر لم يعمل في ضمير " كم " ولا في سببيها، وإذا لم يكن كذلك، ~~امتنع أن يكون من بابا سببيه. # ونظير ما أجازه أن تقول: " زيدا ضربت " ويكون من باب الاشتغال، ~~وهذا ما لم يجيزه أحد. # فإن قلنا إن تمييزها محذوف، وأطلقت " كم " على القوم، جاز ذلك؛ ~~لأن في جملة الاشتغال ضمير الأول؛ لأن التقدير: " كم من قوم ~~آتيناهم " قال شهاب الدين: وهذا الذي قاله الشيخ من كونه لا يتمشى ~~على كون " من آية " تمييزا قد صرح به ابن عطية فإنه قال " وقوله: ~~" من آية " هو على التقدير الأول، مفعول ثان لآتيناهم، وعلى الثاني في ~~موضع التمييز " يعني بالأول نصبها على الاشتغال، وبالثاني نصبها بما ~~بعدها. # والوجه الثاني: أن تكون " كم " في محل رفع بالابتداء، والجملة بعدها ~~في محل رفع خبرا لها، والعائد محذوف تقديره: كم آتيناهموها، أو ~~آتيناهم إياها، أجازه ابن عطية وأبو البقاء، واستضعفه أبو حيان من ~~حيث إن حذف عائد المبتدأ المنصوب لا يجوز إلا في ضرورة، كقوله: ~~[السريع] # 1031 - وخالد يحمد ساداتنا # بالحق لا يحمد بالباطل # أي: وخالد يحمده. وهذا نقل بعضهم، ونقل ابن مالك، أن المبتدأ إذا ~~كان لفظ " كل " ، أو ما أشبهها في الافتقار والعموم جاز حذف عائده ~~المنصوب اتفاقا من البصريين والكوفيين، ومنه: { وكل وعد ~~الله الحسنى } [النساء: 95] في قراءة نافع، وإذا كان المبتدأ غير ~~ذلك، فالكوفيون يمنعون ذلك إلا في السعة، والبصريون يجيزونه بضعف، ~~ومنه: { أفحكم الجاهلية يبغون } [المائدة: 50] برفع " ~~حكم ". فقد حصل أن الذي أجازه ابن عطية ممنوع ms1166 عند الكوفيين، ضعيف ~~عند البصريين. # وهل " كم " هذه استفهامية، أو خبرية؟ الظاهر الأول، وأجاز الزمخشري ~~فيها الوجهين، ومنعه أبو حيان من حيث إن " كم " الخبرية مستقلة ~~بنفسها، غير متعلقة بالسؤال، فتكون مفلتة مما قبلها، والمعنى يؤدي إلى ~~انصباب السؤال عليها، وأيضا فيحتاج إلى حذف المفعول الثاني للسؤال، ~~تقديره: سل بني إسرائيل عن الآيات التي آتيناهم، ثم قال: كثيرا من ~~الآيات التي آتيناهم، والاستفهامية لا تحتاج إلى ذلك. # و " من آية " فيه وجهان: # أحدهما: أنها مفعول ثان على القول بأن " كم " منصوبة على الاشتغال؛ ~~كما تقدم، ويكون مميز " كم " محذوفا، و " من " زائدة في ~~المفعول؛ لأن الكلام غير موجب، إذ هو استفهام، وهذا إذا قلنا إن " ~~كم " استفهامية لا خبرية؛ إذ الكلام مع الخبرية إيجاب، و " من " لا ~~تزاد في الواجب إلا على رأي الأخفش، والكوفيين، بخلاف ما إذا كانت ~~استفهامية. قال أبو حيان: فيمكن أن يجوز ذلك فيه لانسحاب الاستفهام على ~~ما بعده وفيه بعد، لأن متعلق الاستفهام هو المفعول الأول لا الثاني، ~~فلو قلت: " كم من درهم أعطيته من رجل " على زيادة " من " في ~~" رجل " لكان فيه نظر " انتهى. # والثاني: أنها تمييز، ويجوز دخول " من " على مميز " كم " ~~استفهامية كانت أو خبرية مطلقا، أي: سواء وليها مميزها، أم فصل بينهما ~~بجملة، أو ظرف أو جار ومجرور، على ما قرره النحاة، و " كم " وما ~~في حيزها في محل نصب أو خفض، لأنها في محل المفعول الثاني للسؤال ~~فإنه يتعدى لاثنين: إلى الأول بنفسه وإلى الثاني بحرف جر: إما ~~عن، وإما الباء؛ نحو: سألته عن كذا وبكذا؛ قال تعالى: # فاسأل به خبيرا # [الفرقان: 59]، وقد جمع بينهما في قوله: [الطويل] # 1032 - # فأصبحن لا يسألنني عن بما به # .......................... # وقد يحذف حرف الجر، فمن ثم جاز في محل " كم " النصب، والخفض ~~بحسب التقديرين، و " كم " هنا معلقة للسؤال، والسؤال لا يعلق إلا ~~بالاستفهام؛ كهذه الآية، وقوله تعالى: # سلهم أيهم بذلك زعيم # [القلم: 40]، وقوله: [الطويل] # 1033 - يا أيها الراكب المزجي مطيته # سائل بني أسد ما ms1167 هذه الصوت # وقال آخر: [البسيط] # 1034 -........................ # واسأل بمصقلة البكري ما فعلا # وإنما علق السؤال، وإن لم يكن من أفعال القلوب؛ قالوا: لأنه سبب ~~للعلم، والعلم يعلق، فكذلك سببه، وإذا كانوا قد أجروا نقيضه في التعليق ~~مجراه في قوله: [الطويل] # 1034 - ومن أنتم إنا نسينا من أنتم # وريحكم من أي ريح الأعاصر # فإجراؤهم سببه مجراه أولى. # واختلف النحاة في " كم ": هل بسيطة، أو مركبة من كاف التشبيه وما ~~الاستفهامية، حذفت ألفها؛ لانجرارها، ثم سكنت ميمها، كما سكنت ميم " ~~لم " من " لم فعلت كذا " في بعض اللغات، فركبتا تركيبا ~~لازما؟ والصحيح الأول. وأكثر ما تجيء في القرآن خبرية مرادا بها ~~التكثير، ولم يأت مميزها في القرآن إلا مجرورا بمن. # قال أبو مسلم: في الآية حذف، والتقدير: كم آتيناهم من آية بينة، ~~وكفروا بها، ويدل على هذا الإضمار قوله: { ومن يبدل نعمة ~~الله }. # فصل # اعلم أنه ليس المقصود اسأل بني إسرائيل ليخبروك عن تلك الآيات ~~لتعلمها؛ لأنه - عليه السلام - كان عالما بها بإعلام الله له، وإنما ~~المقصود المبالغة في الزجر عن الإعراض عن دلائل الله تعالى، فهو سؤال ~~على جهة التقريع والتوبيخ؛ لأنه أمر بالإسلام، ونهى عن الكفر بقوله: # يأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كآفة ولا ~~تتبعوا خطوات الشيطن # [البقرة: 208] ثم قال: # فإن زللتم # [البقرة: 209] أي: أعرضتم عن هذا التكليف صرتم مستحقين للتهديد، بقوله: # فإن زللتم من بعد ما جآءتكم البينات ~~فاعلموا أن الله عزيز حكيم # [البقرة: 209]، ثم هددهم بقوله: # هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من ~~الغمام والملائكة # [البقرة: 210]، ثم ثلث التهديد بقوله: { سل بني إسرائيل } ~~يعني هؤلاء الحاضرين كم آتينا أسلافهم آيات بينات فأنكروها، فلا جرم ~~استوجبوا العقاب، وهذا تنبيه لهؤلاء الحاضرين على أنهم لو زلوا عن آيات ~~الله، لوقعوا في العذاب. # وفي المراد ب " الآية البينة " قولان: # أحدهما: معجزات موسى - عليه السلام - كما تقدم نحو: فلق البحر، وتظليل ~~الغمام، وإنزال المن والسلوى، ونتق الجبل، وتكليم الله تعالى موسى - عليه ~~السلام - والعصا، واليد البيضاء، وإنزال التوراة، وبين لهم ms1168 الهدى من ~~الكفر. # وقيل: المراد بالآية الحجة، والدلالة التي آتاهم، التوراة، والإنجيل ~~على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصدقه، وصحة شريعته. # قوله: { ومن يبدل نعمة الله } " من " شرطية في محل ~~رفع بالابتداء، وقد تقدم الخلاف في خبر اسم الشرط ما هو؟ ولا بد ~~للتبديل من مفعولين: مبدل وبدل، ولم يذكر هنا إلا أحدهما وهو ~~المبدل، وحذف البدل، وهو المفعول الثاني؛ لفهم المعنى، وقد صرح به في ~~قوله: # بدلوا نعمة الله كفرا # [إبراهيم: 28] فكفرا هو المحذوف هنا. وقد تقدم عند قوله تعالى: # فبدل الذين ظلموا # [البقرة: 59] أن " بدل " يتعدى لاثنين: أحدهما بنفسه، وهو البدل، ~~وهو الذي يكون موجودا، وإلى الآخر بحرف الجر، وهو المبدل، وهو الذي ~~يكون متروكا، وقد يحذف حرف الجر لفهم المعنى، فالتقدير هنا: " ومن ~~يبدل بنعمته كفرا " ، فحذف حرف الجر والبدل لفهم المعنى. ولا ~~جائز أن تقدر حرف الجر داخلا على " كفرا " فيكون التقدير: " ومن ~~يبدل بالكفر نعمة الله "؛ لأنه لا يترتب عليه الوعيد ~~في قوله: { فإن الله شديد العقاب }. وكذلك قوله تعالى: # فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات # [الفرقان: 70] تقديره: بسيئاتهم حسنات، ولا يجوز تقديره: " ~~سيئاتهم بحسنات "؛ لأنه لا يترتب على قوله: " إلا من تاب ". # وقرئ: " يبدل " مخففا، و " من " لابتداء الغاية و " ما " ~~مصدرية، والعائد من جملة الجزاء على اسم الشرط محذوف؛ لفهم المعنى، أي: ~~شديد العقاب له، أو لأن " أل " نابت منابه عند الكوفيين. # قال القرطبي: وهذا اللفظ عام لجميع المكلفين، وإن كان المشار إليه ~~بني إسرائيل لكونهم بدلوا ما في كتبهم، وجحدوا أمر محمد - عليه السلام ~~-، فاللفظ مستحب على كل مبدل نعمة الله تعالى. # فصل # فالنعمة هاهنا إيتاء الآيات والدلائل؛ لأنها أعظم نعم الله، لإإنها ~~أسباب الهدى والنجاة من الضلالة، وعلى هذا ففي تبديلهم إياها ~~وجهان: # فمن قال: المراد بالآيات ما في التوراة والإنجيل من دلائل معجزات موسى - ~~عليه الصلاة والسلام - قال: تبديلها أن الله تعالى لما أظهرها لتكون ~~أسبابا لضلالهم، فجعلوها أسبابا لضلالهم، كقوله: # فزادتهم رجسا إلى رجسهم # [التوبة: 125]. # ومن قال: المراد بالآيات ms1169 ما في التوراة والإنجيل من دلائل نبوة ~~محمد - عليه السلام - قال: تبديلها تحريفها، وإدخال الشبهة فيها. # والقول الثاني: أن النعمة هي ما آتاهم الله من الصحة، والأمن، ~~والكفاية، فتركوا القيام بما وجب عليهم من العلم بتلك الآيات. # وقوله: { من بعد ما جآءته } ، أي: من بعد التمكن من معرفتها، ~~أو من بعدما عرفها؛ كقوله: # ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون # [البقرة: 75] إن فسرنا النعمة بالقول الأول، وإن فسرنا النعمة بالصحة ~~والأمن، فلا شك أن عند حصولها يجب الشكر، ويقبح الكفر، فلهذا قال: " إن ~~الله شديد العقاب ". # وقال الطبري: النعمة هنا الإسلام. # وقال الواحدي - رحمه الله -: وفيه إضمار والمعنى شديد العقاب له. # قال عبد القاهر النحوي في كتاب " دلائل الإعجاز ": إن ترك ~~هذا الإضمار أولى؛ لأن المقصود من الآية التخويف بكونه في ذاته موصوفا ~~بأنه شديد العقاب لهذا أو لذاك، ثم قال الواحدي: والعقاب عذاب يعقب ~~الجرم. # قال القرطبي: مأخوذ من العقب، كأن المعاقب يمشي بالمجازاة له في ~~آثار عقبه، ومنه عقبة الراكب [وعقبة القدر]. ### || [2.212] # قوله تعالى: " زين ": إنما لم تلحق الفعل علامة تأنيث لوجوه: # أحدها: قال الفراء: لأن الحياة والإحياء واحد، فإن أنث، فعلى ~~اللفظ، وبها قرأ ابن أبي عبلة، وإن ذكر، فعلى المعنى؛ كقوله: # فمن جآءه موعظة من ربه # [البقرة: 275] # وأخذ الذين ظلموا الصيحة # هود: 67]. # وثانيها: قال الزجاج: إن تأنيث الحياة ليس بحقيقي؛ لأن معنى ~~الحياة والعيش والبقاء واحد، فكأنه قال: " زين للذين كفروا ~~البقاء ". # وثالثها: قال ابن الأنباري: إنما لم يقل زينت؛ لأنه فصل بين " زين ~~" وبين الحياة الدنيا بقوله: " للذين كفروا " ، وإذا فصل بين فعل ~~المؤنث، وبين الاسم بفاصل حسن تذكير الفعل؛ لأن الفاصل يغني عن تاء ~~التأنيث، وقرأ مجاهد وأبو حيوة: " زين " مبنيا للفاعل، و " الحياة ~~" مفعول، والفاعل هو الله تعالى عند الأكثرين، وعند الزجاج والمعتزلة ~~يقولون: إنه الشيطان. # وقوله: " يسخرون " يحتمل أن يكون من باب عطف الجلمة الفعلية على ~~الجملة الفعلية، لا من باب عطف الفعل وحده على فعل آخر، فيكون من عطف ms1170 ~~المفردات؛ لعدم اتحاد الزمان. # ويحتمل أن يكون " يسخرون " خبر مبتدأ محذوف، أي: وهم يسخرون، فيكون ~~مستأنفا، وهو من عطف الجملة الاسمية على الفعلية. وجيء بقوله: " زين ~~" ماضيا؛ دلالة على أن ذلك قد وقع، وفرغ منه، وبقوله: " ~~ويسخرون " مضارعا؛ دلالة على التجدد، والحدوث. # قوله: { والذين اتقوا فوقهم } مبتدأ وخبر، و " فوق " ~~هنا تحتمل وجهين: # أحدهما: أن تكون ظرف مكان على حقيقتها؛ لأن المتقين في أعلى ~~عليين، والكافرين في أسفل السافلين. # والثاني: أن تكون الفوقية مجازا: إما بالنسبة إلى نعيم المؤمنين في ~~الآخرة، ونعيم الكافرين في الدنيا. وإما أن حجة المؤمنين في القيامة ~~فوق حجة الكافرين، وإما أن سخرية المؤمنين لهم في الآخرة، فوق سخرية ~~الكفار لهم في الدنيا. # و " يوم " منصوب بالاستقرار الذي تعلق به " فوقهم " وقوله: { ~~من الذين ءامنوا } ثم قال: { والذين اتقوا } لتبيين ~~أن السعادة الكبرى لا تحصل إلا للمؤمن التقي. # فصل # قال ابن عباس: نزلت في كفار قريش، كانوا يسخرون من فقراء المسلمين ~~كعبد الله بن مسعود، وعمار، وخباب، وسالم مولى أبي حذيفة، وعامر ~~بن فهيرة، وأبي عبيدة بن الجراح، وصهيب، وبلال، بسب ما كانوا فيه من ~~الفقر، والصبر على أنواع البلاء، مع ما كان الكفار فيه من النعيم، ~~والراحة، وبسط الرزق. # وقال عطاء: نزلت في رؤساء اليهود، وعلمائهم، من بني قريظة، والنضير، ~~وبني قينقاع؛ سخروا من فقر المسلمين المهاجرين حيث أخرجوا من ديارهم، ~~وأموالهم، فوعدهم الله أن يعطيهم أموال بني قريظة والنضير بغير قتال. # وقال مقاتل: نزلت في المنافقين كعبد الله بن أبي، وأصحابه؛ كانوا ~~يتنعمون في الدنيا، ويسخرون من ضعفاء المسلمين، وفقراء المهاجرين، ~~ويقولون: انظروا إلى هؤلاء الذين يزعم محمد أنه يغلب بهم. # قال ابن الخطيب: ولا مانع من نزولها في جميعهم. # روى أسامة بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " وقفت على باب الجنة، فرأيت أكثر أهلها ~~المساكين، ووقفت على باب النار، فرأيت أكثر ~~أهلها النساء، وإن أهل الجد محبوسون إلا من ~~كان منهم من أهل النار، فقد أمر به إلى النار ms1171 ~~" # وروى سهل بن سعد الساعدي، قال: # " مر رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لرجل عنده جالس: " ~~ما رأيك في هذا " فقال هذا رجل من أشراف الناس، هذا والله حري ~~إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ثم مر رجل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما ~~رأيك في هذا "؟ فقال: يا رسول الله، هذا من فقراء المسلمين، هذا ~~حري إن خطب ألا ينكح وإن شفع ألا يشفع، وإن قال لا يسمع لقوله. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذا خير من ملء الأرض ~~مثل هذا " # وروي عن علي؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من استذل مؤمنا أو مؤمنة، أو حقره ~~لفقره وقلة ذات يده، شهره الله يوم القيامة، ~~ثم فضحه، ومن بهت مؤمنا أو مؤمنة، أو قال فيه ~~ما ليس فيه أقامه الله تعالى في تل من نار يوم ~~القيامة؛ حتى يخرج مما قال فيه... " # فصل # قال الجبائي: المزين هم غواة الجن، والإنس؛ زينوا للكفار الحرص ~~على الدنيا، وقبحوا أمر الآخرة. # قال: وأما قول المجبرة: إن الله تعالى زين ذلك فهو باطل، لأن ~~المزين للشيء كالمخبر على حسنه، فإن كان صادقا، فيكون ما زينه حسنا، ~~ويكون فاعله مصيبا، وذلك يوجب أن الكافر مصيب في كفره، وهذا القول ~~كفر، وإن كان كاذبا في ذلك التزيين، فيؤدي إلى أن لا يوثق بخبره، وهذا ~~- أيضا - كفر، فثبت أن المزين هو الشيطان. # قال ابن الخطيب: وهذا ضعيف، لأن قوله: { زين للذين ~~كفروا } يتناول جميع الكفار، وهذا يقتضي أن يكون لجميع الكفار ~~مزين، فلا بد وأن يكون ذلك المزين مغايرا لهم؛ لأن غواة ~~الجن والإنس داخلون في الكفار أيضا، إلا أن يقال: إن كل واحد ~~يزين للآخر فيصير دورا، فثبت ضعف هذا التأويل. # وأما قوله: " المزين للشيء كالمخبر عن حسنه " فهذا ~~ممنوع، بل المزين من يجعل الشيء موصوفا بالزينة، ثم لئن سلمنا أن ~~المزين للشيء هو المبخر عن ms1172 حسنه بمعنى أنه أخبر عما فيها من اللذات ~~والراحات، وذلك الإخبار ليس بكذب، وتصديقه ليس بكفر. # وقال أبو مسلم: يحتمل أنهم زينوا لأنفسهم والعرب يقولون لمن يبعد ~~منهم: أين يذهب بك؟ لا يريدون أن ذاهبا ذهب به، وهو معنى قوله تعالى ~~في الآي الكثيرة: # أنى يؤفكون # [المائدة: 75]، # أنى يصرفون # [غافر: 69] إلى غير ذلك، وأكده بقوله: # لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم # [المنافقون: 9] وأضاف ذلك إليهما؛ لما كان كالسبب ولما كان الشيطان ~~لا يملك أن يحمل الإنسان على الفعل قهرا، فالإنسان في الحقيقة هو الذي ~~زين لنفسه. # قال ابن الخطيب: وهذا ضعيف؛ لأن قوله: " زين للناس " يقتضي ~~أن مزينا زينه، والعدول عن الحقيقة إلى المجاز غير ممكن. # التأويل الثالث: أن المزين هو الله تعالى، ويدل عليه وجهان: # أحدهما: قراءة من قرأ " زين " مبنيا للفاعل. # والثاني: قوله تعالى: # إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم ~~أيهم أحسن عملا # [الكهف: 7] والقائلون بهذا ذكروا وجوها: # الأول: أن هذا التزيين بما أظهره لهم في الدنيا من الزهرة والنضارة، ~~والطيب، واللذة؛ ابتلاء لعباده؛ كقوله: # زين للناس حب الشهوات # [آل عمران: 14] إلى قوله: # قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا ~~عند ربهم جنات # [آل عمران:15]. # وقال: # المال والبنون زينة الحيوة الدنيا # [الكهف: 46] ثم قال: # والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير ~~أملا # [الكهف: 46] فهذه الآيات متوافقة، والمعنى: أن الله تعالى جعل ~~الدنيا دار بلاء وامتحان، وركب في الطباع الميل إلى اللذات، وحب ~~الشهوات، لا على سبيل الإلجاء الذي لا يمكن تركه، بل على سبيل التحبيب ~~الذي تميل إليه النفس مع إمكان ردها عنه؛ ليتم بذلك الامتحان، ~~وليجاهد المؤمن هواه، فيقبض نفسه عن المباح، ويكفها عن الحرام. # الثاني: أن المراد ب " التزيين " أنه أمهلهم في الدنيا، ولم ~~يمنعهم عن الإقبال عليها، والحرص في طلبها، فهذا الإمهال هو المسمى ب " ~~التزيين ". # الثالث: أنه زين لهم المباحات دون المحظورات، وعلى هذا سقط الإشكال، ~~إلا أن هذا ضعيف؛ لأن الله تعالى خص الكفار، وأيضا فإن المؤمن ~~إذا تمتع بالمباحات، وكثرة ماله، ms1173 يكون متعته مع الخوف من الحساب في ~~الآخرة فعيشه مكدر منغص وأكبر غرضه أجر الآخرة، إنما يعد الدنيا ~~كالوسيلة إليها، ولا كذلك الكافر، فإنه وإن قلت ذات يده، فسروره، بها ~~يغلب على قلبه لاعتقاده أنها المقصود دون غيرها. # وأيضا، فإنه تعالى أتبع الآية بقوله: { ويسخرون من الذين ~~آمنوا } وذلك يشعر بأنهم كانوا يسخرون منهم في ترك اللذات المحظورة، ~~وتحملهم المشاق الواجبة، فدل ذلك على أن التزيين لم يكن في ~~المباحات. # قال ابن الخطيب: ويتوجه على المعتزلة سؤال، وهو أن حصول هذه الزينة ~~في قلوب الكفار لا بد له من محدث، وإلا فقد وقع المحدث، لا عن مؤثر ~~فهذا محال، ثم هذا التزيين الحاصل في قلوب الكفار إما أن يكون قد رجح ~~جانب الكفر والمعصية على جانب الإيمان والطاعة، فقد زال الاختيار، لأن ~~حال الاستواء لما امتنع حصول الرجحان، فحال صيرورة أحد الطرفين ~~مرجوحا أولى بامتناع الوقوع، وإذا صار المرجوح ممتنع الوقوع، صار الراجح ~~واجب الوقوع ضرورة أنه لا خروج عن النقيضين، فهذا توجيه السؤال، وهو لا ~~يدفع بالوجوه التي ذكرها المعتزلة، فأما أصحابنا فإنهم حملوا التزيين ~~على أن الله تعالى خلق في قلبه إرادة تلك الأشياء، بل خلق تلك الأفعال، ~~والأقوال. # قوله تعالى: { والله يرزق من يشآء } مفعول " يشاء " ~~محذوف، أي: من يشاء أن يزرقه، و " بغير حساب " هذا الجار فيه ~~وجهان: # أحدهما: أنه زائد. # والثاني: أنه غير زائد، فعلى الأول لا تعلق له بشيء، وعلى الثاني هو ~~متعلق بمحذوف، فأما وجه الزيادة: فهو أنه تقدمه ثلاثة أشياء في ~~قوله: { والله يرزق من يشآء } الفعل والفاعل والمفعول، وهو ~~صالح لأن يتعلق من جهة المعنى بكل واحد منها، فإذا تعلق بالفعل ~~كان من صفات الأفعال، تقديره: والله يرزق رزقا غير حساب، أي: غير ذي ~~حساب، أي: أنه لا يحسب ولا يحصى لكثرته، فيكون في محل نصب على أنه ~~نعت لمصدر محذوف، والباء زائدة. # وإذا تعلق بالفاعل، كان من صفات الفاعلين، والتقدير: والله يرزق غير ~~محاسب بل متفضلا، أو غير حاسب، أي: ms1174 عاد. ف " حساب " واقع موقع اسم ~~فاعل من حاسب، أو من حسب، ويجوز أن يكون المصدر [واقعا موقع اسم ~~مفعول من حاسب، أي: الله يرزق غير محاسب]أي: لا يحاسبه أحد على ما ~~يعطي، فيكون المصدر في محل نصب على الحال من الفاعل، والباء فيه ~~مزيدة. # وإذا تعلق بالمفعول، كان من صفاته أيضا، والتقدير: والله يرزق من ~~يشاء غير محاسب، أو غير محسوب عليه، أي: لا يعد. فيكون المصدر أيضا ~~واقعا موقع اسم مفعول من حاسب أو حسب، أو يكون على حذف مضاف، أي: غير ذي ~~حساب، أي: محاسبة، فالمصدر واقع موقع الحال والباء - أيضا - زائدة فيه، ~~ويحتمل في هذا الوجه أن يكون المعنى أنه يرزق من حيث لا يحتسب، أي: من ~~حيث لا يظن أن يأتيه الرزق، والتقدير: يرزقه غير محتسب ذلك، أي: غير ~~ظان له، فهو حال أيضا، ومثله في المعنى # ويرزقه من حيث لا يحتسب # [الطلاق: 3]. وكون الباء تزاد في الحال ذكروا لذلك شرطا - على خلاف في ~~جواز ذلك في الأصل - وهو أن تكون الحال منفية، كقوله: [الوافر] # 1036 - فما رجعت بخائبة ركاب # حكيم بن المسيب منتهاها # وهذه الحال - كما رأيت - غير منفية، فالمنع من الزيادة فيها أولى. # وأما وجه عدم الزيادة، فهو أن تجعل الباء للحال والمصاحبة، وصلاحية ~~وصف الأشياء الثلاثة - أعني الفعل، والفاعل، والمفعول - بقوله: " بغير ~~حساب " باقية أيضا، كما تقدم في القول بزيادتها. # والمراد بالمصدر المحاسبة، أو العد والإحصاء، أي: يرزق من يشاء، ولا ~~حساب على الرزق، أو ولا حساب للرازق، أو ولا حساب على المرزوق، وهذا ~~أولى؛ لما فيه من عدم الزيادة، التي الأصل عدمها، ولما فيه من تبعية ~~المصدر على حاله، غير واقع موقع اسم فاعل، أو اسم مفعول، ولما فيه من ~~عدم تقدير مضاف بعد " غير " أي: غير ذي حساب. فإذا هذا الجار، ~~والمجرور متعلق بمحذوف؛ لوقوعه حالا من أي الثلاثة المتقدمة ~~شئت؛ كما تقدم تقريره، أي: ملتبسا بغير حساب. # فصل # يحتمل أن يكون المراد منه: ما يعطي في الدنيا لعبيده المؤمنين ms1175 ~~والكافرين، ويحتمل أن يكون المراد منه: رزق الآخرة، فإن حملناه على رزق ~~الآخرة، كان مختصا بالمؤمنين، وهو من وجوه: # أحدها: أن الله يرزقهم بغير حساب، أي: رزقا واسعا رغدا لا فناء ~~له؛ لأن كل ما دخل تحت الحساب، فهو متناه. # وثانيها: أن المنافع الواصلة إليهم في الجنة بعضها ثواب، وبعضها تفضل؛ ~~كما قال: # فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله # [النساء: 173] فالفضل منه بلا حساب. # وثالثها: أنه لا يخاف نفادها عنده؛ فيحتاج إلى حساب ما يخرج منه؛ لأن ~~المعطي إنما يحاسب، ليعلم مقدار ما يعطى وما يبقى كي لا يتجاوز في ~~عطاياه إلى ما لا يجحف به، والله عالم غني، لا نهاية لمقدوراته. # ورابعها: " بغير حساب " ، أي: بغير استحقاق؛ يقال: لفلان على ~~فلان حساب؛ إذا كان له عليه حق، وهذا يدل على أنه لا يستحق أحد ~~عليه شيئا، وليس لأحد معه حساب، بل كل ما أعطاه، فهو مجرد فضل ~~وإحسان، لا بسبب استحقاق. # وخامسها: " بغير حساب " ، أي: يعطي زائدا على الكفاية؛ يقال: ~~فلان ينفق بغير حساب، أي: يعطي كثيرا؛ لأن ما دخله الحساب فهو قليل. # وهذه الوجوه كلها محتملة، وعطايا الله بها منتظمة، فيجوز أن يكون ~~الكل مرادا والله أعلم. # فإن قيل: قد قال الله - تعالى - في صفة المتقين، وما يصل إليهم: # عطآء حسابا # [النبأ: 36] على المستحق بحسب الوعد؛ كما هو قولنا، وبحسب الاستحقاق، ~~كما هو قول المعتزلة، فالسؤال: وهذا كالمناقض لهذه الآية. # فالجواب: من حمل قوله: " بغير حساب " على التفضل، وحمل قوله: " ~~عطاء حسابا " على المستحق بحسب الوعد، كماهو قولنا، وبحسب ~~الاستحقاق، كما هو قول المعتزلة، فالسؤال زائل، ومن حمل قوله: ~~" بغير حساب " على سائر الوجوه، فله أن يقول: إن ذلك العطاء إذا كان ~~يتشابه في الأوقات، فصح من هذا الوجه أن يوصف بكونه: " عطاء ~~حسابا " فلا تناقض، وإن حملناه على أرزاق الدنيا، ففيه وجوه: # أحدها، وهو أليق بنظم الآية، أن الكفار كان يسخرون من فقراء ~~المسلمين؛ لأنهم كانوا يستدلون بحصول السعادات الدنيوية، على أنهم ~~على الحق، وبحرمان فقراء المسلمين على ms1176 أنهم على الباطل؛ فأبطل تعالى ~~استدلالهم بقوله: { والله يرزق من يشآء بغير حساب } ~~يعني: يعطي في الدنيا من يشاء من غير أن يكون ذلك منبئا عن ~~كون المعطى محقا أو مبطلا، بل بمحض المشيئة؛ كما ~~وسع على قارون وضيق على أيوب - عليه السلام - فقد يوسع على ~~الكافر، ويضيق على المؤمن؛ ابتلاء وامتحانا؛ كما قال # ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن ~~يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة # [الزخرف: 33]. # وثانيها: أن الله يرزق من يشاء في الدنيا: من كافر، ~~ومؤمن بغير حساب يكون لأحد عليه ولا مطالبة، ولا تبعة، ولا سؤال ~~سائل. # والمقصود منه: ألا يقول الكافر: إن المؤمن على الحق فلم لم ~~يوسع عليه في الدنيا؟ وألا يقول المؤمن: لو كان الكافر ~~مبطلا، فلم يوسع عليه في الدنيا؟ بل الاعتراض ساقط؛ و # لا يسئل عما يفعل # [الأنبياء: 23]. # وثالثها: بغير حساب أي: من حيث لا يحتسب؛ كما يقول من جاءه ما ~~لم يكن في قلبه: لم يكن هذا حسابي. # قال القفال - رحمه الله -: وقد فعل ذلك بهم، فأغناهم بما ~~أفاء عليهم من أموال صناديد قريش ورؤساء اليهود، وبما ~~فتح على رسوله، بعد وفاته على أيدي أصحابه، حتى ملكوا كنوز كسرى، ~~وقيصر. ### || [2.213] # وجه النظم أنه لما بين أن سبب إصرار الكفار على كفرهم، هو حب ~~الدنيا بين في هذه الآية أن هذا المعنى غير مختص بهذا الزمان، بل كان ~~حاصلا في الأزمنة المتقادمة، فإنهم كانوا أمة واحدة على ~~الحق، ثم اختلفوا، وما كان اختلافهم إلا بسبب البغي، والتحاسد، ~~والتنازع في طلب الدنيا. # قال القفال: " الأمة " هم المجتمعون على الشيء الواحد، يقتدي ~~بعضهم ببعض؛ مأخوذ من الائتمام. # ودلت الآية على أن الناس كانت أمة واحدة، ولم تدل على ~~أنهم كانوا أمة واحدة: في الحق، أم في الباطل. # فصل في معاني كلمة " أمة " # قد جاءت الأمة على خمسة أوجه: # الأول: " الأمة " الملة، كهذه الآية، أي: ملة واحدة، ومثله: # وإن هذه أمتكم أمة واحدة # [المؤمنون: 52] أي: ملتكم. # الثاني: الأمة الجماعة؛ قال تعالى: # وممن ms1177 خلقنآ أمة يهدون بالحق # [الأعراف: 181] أي: جماعة.: # الثالث: الأمة السنين؛ قال تعالى: # ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة # [هود: 8]، أي: إلى سنين معدودة، ومثله " وادكر بعد أمة " ~~أي: بعد سنين. # الرابع: بمعنى إمام يعلم الخير؛ قال تعالى: # إن إبراهيم كان أمة قانتا لله # [النحل: 120]. # الخامس: الأمة: إحدى الأمم؛ قال تعالى: # كنتم خير أمة أخرجت للناس # [آل عمران: 110]، وباقي الكلام على ذلك يأتي في آخر " النحل " عند قوله ~~تعالى: # إن إبراهيم كان أمة # [النحل: 120]. # فصل في المراد بالأمة، وهل كانوا على الحق؟ ومتى اختلفوا؟ # واختلف المفسرون على خمسة أقوال: # القول الأول: أنهم كانوا على الحق، وهو قول أكثر المحققين؛ قال ~~القفال: لأنه تعالى قال بعده: { فبعث الله النبيين ~~مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ~~ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه } ف " الفاء " في ~~قوله: " فبعث الله " تقتضي أن يكون بعثهم بعد الاختلاف، ~~فلو كانوا قبل ذلك أمة واحدة في الكفر لكانت بعثة الرسل قبل الاختلاف ~~أولى؛ لأنهم لما بعثوا، وبعض الأمة محق وبعضهم مبطل فلأن ~~يبعثوا عند كون الجميع على الكفر أولى. # وأيضا فإن آدم - عليه السلام - لما بعث إلى أولاده، كانوا مسلمين ~~مطيعين، ولم يحدث بينهم اختلاف في الدين، إلى أن قتل قابيل ~~هابيل؛ بسبب الحسد والبغي، وهذا ثابت بالتواتر، فإن الناس - وهم: ~~آدم وحواء، وأولادهما - كانوا أمة واحدة على الحق، ثم ~~اختلفوا؛ بسبب البغي، والحسد، كما حكى الله تعالى عن ابني آدم بالحق # إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم ~~يتقبل من الآخر # [المائدة: 27] وأيضا قوله - عليه السلام -: # " كل مولود يولد على الفطرة؛ فأبواه يهودانه أو ~~ينصرانه أو يمجسانه " # فدل ذلك على أن المولود لو ترك مع فطرته الأصلية، لما كان على ~~شيء من الأديان الباطلة، وأنه إنما يقدم على الدين الباطل، ~~لأسباب خارجية. # وقال الكلبي: هم أهل سفينة نوح، لما غرقت الأرض بالطوفان، لم ~~يبق إلا أهل السفينة على الحق، والدين الصحيح، ثم اختلفوا ~~بعد ذلك؛ وهذا مما ثبت بالتواتر. # وقال مجاهد: أراد آدم وحده، وكان أمة ms1178 واحدة، وسمى الواحد ~~بلفظ الجمع؛ لأنه أصل النسل، وأبو البشر، وخلق الله منه ~~حواء، ونشر منها الناس. # قال قتادة وعكرمة: كان الناس من وقت آدم إلى مبعث نوح، وكان ~~بينهما عشرة قرون كلهم على شريعة واحدة من الحق، والهدى، ثم ~~اختلفوا في زمن نوح - عليه السلام - فبعث الله إليهم نوحا، وكان ~~أول بني بعث. # وحكى القرطبي: قال ابن أبي خيثمة: منذ خلق الله آدم - عليه ~~السلام - إلى أن بعث الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - خمسة آلاف ~~سنة وثمانمائة سنة، وقيل: أكثر من ذلك، وكان بينه وبين نوح ألف سنة ~~ومائتا سنة، وعاش آدم تسعمائة وستين سنة، وكان الناس في زمانه أمة ~~واحدة، على ملة واحدة متمسكين بالدين، تصافحهم الملائكة، ~~وداموا على ذلك إلى أن رفع إدريس - عليه السلام - فاختلفوا. # قال: وهذا فيه نظر؛ لأن إدريس بعد نوح على الصحيح. # وقيل: كان العرب على دين إبراهيم إلى أن غيره عمرو بن لحي. # وروى أبو العالية، عن أبي بن كعب قال: " كان الناس حين عرضوا ~~وأخرجوا من ظهر آدم، وأقروا أمة واحدة مسلمين كلهم، ~~ولم يكونوا أمة واحدة قط غير ذلك اليوم، ثم اختلفوا بعد ~~آدم. # القول الثاني: أنهم كانوا أمة واحدة في الكفر، وهو قول ابن ~~عباس، وعطاء، والحسن. # وقال الحسن وعطاء: كان الناس من وقت وفاة آدم إلى مبعث نوح ~~أمة واحدة على ملة الكفر؛ أمثال البهائم، فبعث الله ~~إبراهيم - عليه السلام - وغيره من النبيين، واستدلوا بقوله: { ~~فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين } وهو لا ~~يليق إلا بذلك. # وجوابه ما بينا: أن هذا لا يليق بضده، ثم اختلف القائلون بهذا ~~القول: متى كانوا متفقين على الكفر على ما قدمنا ثم سألوا ~~أنفسهم سؤالا وقالوا: أليس فيهم من كان مسلما كهابيل، وشيث، ~~وإدريس. # وأجابوا: بأن الغالب كان هو الكفر، والحكم للغالب، ولا يعتد ~~بالقليل في الكثير كما لا يعتد بالشعير القليل في البر الكثير، فقد ~~يقال: دار الإسلام، وإن كان فيها غير المسلمين، ودار الحرب وإن كان ~~فيها مسلمون. # الثالث: قال ms1179 أبو مسلم: كانوا أمة واحدة في التمسك بالشرائع ~~العقلية، وهي الاعتراف بوجود الصانع، وصفاته، والاشتغال بخدمته، ~~وشكر نعمه، والاجتناب عن القبائح العقلية كالظلم، والكذب، والجهل، ~~والعبث، وأمثالها. # واحتج القاضي على صحة قوله: بأن لفظ النبيين يفيد ~~العموم والاستغراق، وحرف " الفاء " يفيد التراخي، فقوله { ~~فبعث الله النبيين } يفيد أن بعثة الأنبياء كانت متأخرة ~~عن كون الناس أمة واحدة، فتلك الواحدة المتقدمة على بعثة جميع ~~الشرائع، لا بد وأن تكون واحدة في شرعة غير مستفادة من ~~الأنبياء فواجب أن تكون في شريعة مستفادة من العقل وذلك ما بيناه، ~~وأيضا فالعلم بحسن شكر المنعم، وطاعة الخالق، والإحسان إلى ~~الخلق، والعدل؛ مشترك فيه بين الكل، والعلم يقبح الكذب، ~~والظلم، والجهل، والعبث، وأمثالها مشترك فيه بين الكل، فالأظهر أن ~~الناس كانوا في أول الأمر على ذلك، ثم اختلفوا بعد ذلك؛ لأسباب ~~منفصلة، ثم قال: فإن قيل: أليس أول الإسلام آدم - عليه الصلاة ~~والسلام - مع أولاده كانوا مجتمعين على التمسك بالشرائع العقلية ~~أولا، ثم إن الله تعالى بعثه بعد ذلك إلى أولاده، ويحتمل ~~أن صار شرعه مندرسا بعد ذلك، ثم رجع الناس إلى الشرائع العقلية؟ # قال ابن الخطيب: وهذا القول لا يصح إلا بعد تحسين العقل، وتقبيحه، ~~والكلام فيه مشهور. # القول الرابع: أن الآية دلت على أن الناس كانوا أمة واحدة، ~~وليس فيها أنهم كانوا على الإيمان، أو على الكفر، فهو موقوف على ~~الدليل. # القول الخامس: أن المراد ب " الناس " هنا أهل الكتاب ممن ~~آمن بموسى - عليه السلام - وذلك لأنا بينا أن هذه الآية ~~متعلقة بما تقدم من قوله: # يأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كآفة # [البقرة: 208] وذكرنا أن كثيرا من المفسرين زعموا أن تلك الآية ~~نزلت في اليهود؛ فقوله تعالى: { كان الناس أمة واحدة } أي: ~~كان الذين آمنوا بموسى أمة واحدة على دين واحد، ثم اختلفوا بسبب ~~البغي، والحسد؛ فبعث الله النبيين، وهم الذين جاءوا بعد موسى - عليه ~~السلام - وأنزل معهم الكتاب كما بعث الزبور إلى دواد، والإنجيل إلى ~~عيسى، والفرقان إلى محمد - عليه الصلاة ms1180 والسلام - لتكون تلك الكتب ~~حاكمة عليهم في تلك الأشياء التي اختلفوا فيها، وهذا القول مطابق لنظم ~~الآية، وموافق لما قبلها وما بعدها، وليس فيه إشكال إلا أن تخصيص ~~لفظ الناس بقوم معينين خلاف الظاهر، ويعتذر عنه بأن الألف ~~واللام كما تكون للاستغراق، فقد تكون أيضا للعهد. # فصل في بيان لفظة " كان " # قال القرطبي: لفظة " كان " على هذه الأقوال على بابها من المضي ~~المنقضي، وكل من قدر الناس في الآية مؤمنين قدر في الكلام: ~~فاختلفوا، فبعث الله، ويدل على هذا الحذف قوله: { وما اختلف ~~فيه إلا الذين أوتوه } وكل من قدرهم كفارا كانت ~~بعثه النبيين إليهم، ويحتمل أن تكون " كان " للثبوت، والمراد ~~الإخبار عن الناس الذين هم الجنس كله: أنهم أمة واحدة من خلوهم ~~عن الشرائع، وجهلهم بالحقائق لولا أن الله تعالى من عليهم ~~بالرسل؛ تفضلا منه؛ فعلى هذا لا تختص " كان " بالمضي فقط، بل ~~يكون معناها كقوله تعالى: # وكان الله غفورا رحيما # [النساء: 96] وقوله: { فبعث الله النبيين } قال بعض ~~المفسرين: وجملتهم مائة وأربعة وعشرون ألفا، والرسل منهم ثلاثمائة ~~وثلاثة عشر، والمذكور في القرآن بأسمائهم: ثمانية عشر نبيا. # قوله تعالى: " مبشرين ومنذرين " حالان من " النبيين ". ~~قيل: وهي حال مقارنة؛ لأن بعثهم كان وقت البشارة والنذارة ~~وفيه نظر؛ لأن البشارة والنذارة [بعد البعث. والظاهر أنها ~~حال مقدرة، وقد تقدم معنى البشارة والنذارة] في قوله: # أنذر الناس وبشر الذين ءامنوا # [يونس: 2]. # وقوله: " وأنزل معهم " هذا الظرف فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق بأنزل. وهذا لا بد فيه من تأويل؛ وذلك ~~أنه يلزم من تعلقه بأنزل أن يكون النبيون مصاحبين للكتاب في ~~الإنزال، وهم لا يوصفون بذلك؛ لعدمه فيهم. # وتأويله: أن المراد بالإنزال الإرسال، لأنه مسبب عنه، ~~كأنه قيل: وأرسل معهم الكتاب فتصح مشاركتهم له في الإنزال بهذا ~~التأويل. # والثاني: أن يتعلق بمحذوف، على أنه حال من الكتاب، وتكون حالا ~~مقدرة، أي: وأنزل مقدرا مصاحبته إياهم، وقدره أبو البقاء بقوله: " ~~شاهدا لهم ومؤيدا " ، وهذا تفسير معنى لا إعراب. # والألف واللام في " الكتاب " يجوز أن تكون ms1181 للعهد، بمعنى ~~أنه كتاب معين؛ كالتوراة مثلا، فإنها أنزلت على موسى، وعلى ~~النبيين بعده؛ بمعنى أنهم حكموا بها، واستداموا على ذلك، وأن ~~تكون للجنس، أي: أنزل مع كل واحد منهم من هذا الجنس. # قال القاضي: ظاهر الآية يدل على أنه لا نبي إلا ومعه ~~كتاب، أنزل فيه بيان الحق: طال ذلك الكتاب، أم قصر، ودون، أو ~~لم يدون، وكان ذلك الكتاب معجزا، أم لم يكن. # وقيل: هو مفرد وضع موضع الجمع: أي وأنزل معهم الكتب، وهو ~~ضعيف. # وهذا الجملة معطوفة على قوله: " فبعث " ولا يقال: البشارة ~~والنذارة ناشئة عن الإنزال فكيف قدما عليه؟ لأنا لا نسلم ~~أنهما إنما يكونان بإنزال كتاب، بل قد يكونان بوحي من الله تعالى ~~غير متلو ولا مكتوب. ولئن سلمنا ذلك، فإنما قدما، لأنهما ~~حالان من " النبيين " فالأولى اتصالهم بهم. # قوله: " بالحق " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون متعلقا بمحذوف على أنه حال من الكتاب - أيضا - عند ~~من يجوز تعدد الحال، وهو الصحيح. # والثاني: أن يتعلق بنفس الكتاب؛ لما فيه من معنى الفعل، إذ المراد ~~به المكتوب. # والثالث: أن يتعلق بأنزل، وهذا أولى؛ لأن جعله حالا لا ~~يستقيم إلا أن يكون حالا مؤكدة، إذ كتب الله تعالى ~~لا تكون ملتبسة بالحق، والأصل فيها أن تكون مستقلة ولا ضرورة ~~بنا إلى الخروج عن الأصل، ولأن الكتاب جار مجرى الجوامد. # قوله: " ليحكم " هذا القول متعلق بقوله: " أنزل ": واللام ~~للعله، وفي الفاعل المضمر في " ليحكم " ثلاثة أقوال: # أحدها: وهو أظهرها، أنه يعود على الله تعالى: لتقدمه في قوله: " ~~فبعث الله " ولأن نسبة الحكم إليه حقيقة، ويؤيده قراءة ~~الجحدري فيما نقله عنه مكي " لنحكم " بنون العظمة، وفيه التفات من ~~الغيبة إلى التكلم. وقد ظن ابن عطية أن مكيا غلط في نقل هذه ~~القراءة عنه، وقال: إن الناس رووا عن الجحدري: " ليحكم " ~~على بناء الفعل للمفعول وفي " النور " موضعين هنا، وفي " آل عمران " ~~ولا ينبغي أن يغلطه؛ لاحتمال أن يكون عنه قراءتان. # والثاني: أنه يعود على " الكتاب " أي: ليحكم الكتاب، ونسبة ms1182 ~~الحكم إليه مجاز؛ كنسبة النطق إليه في قوله تعالى: # هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق # [الجاثية: 29]. # وقوله: # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر ~~المؤمنين # [الإسراء: 9]. # ونسبة القضاء إليه في قوله: [الكامل] # 1037 - ضربت عليك العنكبوت بنسجها # وقضى عليك به الكتاب المنزل # ووجه المجاز: أن الحكم فيه؛ فنسب إليه، وقيل: إنه يعود على ~~النبي، واستضعفه أبو حيان من حيث إفراد الضمير، إذ كان ينبغي على ~~هذا أن يجمع؛ ليطابق " النبيين ". ثم قال: وما قاله جائز ~~على أن يعود الضمير على إفراد الجمع، على معنى: ليحكم كل ~~نبي بكتابه. # و " بين " متعلق ب " يحكم ". والظرفية هنا مجاز. وكذلك ~~" فيما اختلفوا " متعلق به أيضا. و " ما " موصولة، والمراد ~~بها الدين، أي: ليحكم الله بين الناس في الدين، بعد أن كانوا ~~متفقين عيه. ويضعف أن يراد ب " ما " النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -؛ لأنها لغير العقلاء غالبا. و " فيه " متعلق ب " ~~اختلفوا " ، والضمير عائد على " ما " الموصولة. # قوله: { وما اختلف فيه } الضمير في " فيه " فيه أوجه. # أظهرها: أنه عائد على " ما " الموصولة أيضا، وكذلك الضمير في " ~~أوتوه " وقيل: يعودان على الكتاب، أي: وما اختلف في الكتاب إلا ~~الذين أوتوا الكتاب. وقيل: يعودان على النبي، قال الزجاج: أي: ~~وما اختلف في النبي إلا الذين أوتوا علم نبوته. وقيل: يعود ~~على عيسى؛ للدلالة عليه. # وقيل: الهاء في " فيه " تعود على " الحق " وفي " أوتوه " تعود على ~~" الكتاب " أي: وما اختلف في الحق إلا الذين أوتوا الكتاب. # فصل # والمراد باختلافهم يحتمل معنيين: # أحدهما: تكفير بعضهم بعضا؛ كقول اليهود: # وقالت اليهود ليست النصارى على شيء # [البقرة: 113] أو قولهم # نؤمن ببعض ونكفر ببعض # [النساء: 150] والآخر: تحريفهم وتبديلهم، وهذا يدل على أن ~~الاختلاف في الحق لم يوجد إلا بعد بعثة الأنبياء، وإنزال الكتاب، ~~وذلك يوجب أن قبل البعثة لم يكن الاختلاف في الحق حاصلا، بل كان ~~الاتفاق في الحق حاصلا وهو يدل على أن قوله تعالى: { كان الناس ~~أمة واحدة } معناه أمه واحدة في دين الحق. # وقوله: " من بعد " فيه ms1183 وجهان: # أحدهما وهو الصحيح: أن يتعلق بمحذوف تقديره: اختلفوا فيه من بعد. # والثاني: أن يتعلق ب " اختلف " الملفوظ به، قال أبو البقاء: ولا ~~تمنع " إلا " من ذلك، كما تقول: " ما قام إلا زيد يوم الجمعة ~~". وهذا الذي أجازه أبو البقاء، فيه كلام كثير للنحاة، ~~وملخصه: أن " إلا " لا يستثنى بها شيئان دون عطف أو ~~بدلية؛ وذلك أن " إلا " معدية للفعل، ولذلك جاز تعلق ما بعدها ~~بما قبلها، فهي كواو مع وهمزة التعدية، فكما أن واو " مع " وهمزة ~~التعدية، لا يعديان الفعل لأكثر من واحد، إلا مع العطف، أو ~~البدلية كذلك " إلا " وهذا هو الصحيح، وإن كان بعضهم خالف. فإن ~~ورد من لسانهم ما يوهم جواز ذلك يؤول، فمنه قوله: # ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم # [يوسف: 109]. # ثم قال " بالبينات " فظاهر هذا أن " بالبينات " متعلق ~~بأرسلنا، فقد استثني ب " إلا " شيئان، أحدهما " رجالا " والآخر ~~" بالبينات ". # وتأويله أن " بالبينات " متعلق بمحذوف، لئلا يلزم منه ذلك ~~المحذور. وقد منع أبو الحسن، وأبو علي: " ما أخذ أحد إلا زيد ~~درهما " و " ما ضرب القوم إلا بعضهم بعضا " واختلفا في تصحيحها، ~~فقال أبو الحسن: طريق تصحيحها بأن تقدم المرفوع الذي بعد " ~~إلا " عليها، فيقال: ما أخذ أحد زيد إلا درهما، فيكون " زيد ~~" بدلا من " أحد " و " درهما " مستثنى مفرغ من ذلك المحذوف، ~~تقديره: " ما أخذ أحد زيد شيئا إلا درهما ". # وقال أبو علي: طريق ذلك زيادة منصوبة في اللفظ فيظهر ذلك ~~المقدر المستثنى منه، فيقال: " ما أخذ أحد شيئا إلا زيد درهما ~~" فيكون المرفوع بدلا من المرفوع، والمنصوب بدلا من المنصوب، وكذلك: ~~ما ضرب القوم أحدا إلا بعضهم بعضا. # وقال أبو بكر بن السراج: تقول " أعطيت الناس درهما إلا ~~عمرا " [جائز. ولو قلت: " أعطيت الناس درهما إلا عمرا] ~~الدنانير لم يجز، لأن الحرف لا يستثنى به إلا واحد. فإن ~~قلت: " ما أعطيت الناس درهما إلا عمرا دانقا " ~~[على الاستثناء لم يجز، أو على البدل جاز فتبدل " عمرا " من ~~الناس، و " دانقا " من " درهما ms1184 ". # كأنك قلت: " ما أعطيت إلا عمرا دانقا] يعني أن الحصر واقع ~~في المفعولين. # قال بعض المحققين: " وما أجازه ابن السراج من البدل في هذه المسألة، ~~ضعيف؛ وذلك أن البدل في الاستثناء لا بد من مقارنته ب " ~~إلا " ، فأشبه العطف، فكما أنه لا يقع بعد حرف العطف ~~معطوفان، لا يقع بعد إلا بدلان ". # فإذا عرف هذا الأصل، وما قال الناس فيه، كان إعراب أبي البقاء ~~في هذه الآية الكريمة، من هذا الباب؛ وذلك أنه استثناء مفرغ، وقد ~~وقع بعد " إلا " الفاعل، وهو " الذين " ، والجار والمجرور، ~~وهو " من بعد " ، والمفعول من أجله، وهو " بغيا " فيكون كل ~~منهما محصورا. والمعنى: وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه إلا من بعد ~~ما جاءتهم البينات إلا بغيا. وإذا كان التقدير كذلك، فقد ~~استثني ب " إلا " شيئان دون الأول الذي هو فاعل من غير عطف ~~ولا بدلية وهي مسألة يكثر دورها؟ # قوله: " بغيا " في نصبه وجهان: # أظهرهما: أنه مفعول من أجله، لاستكمال الشروط، وهو علة باعثة، ~~والعامل فيه مضمر على ما اخترناه، وهو الذي تعلق به " فيه " ، ~~و " اختلف " الملفوظ به عند من يرى أن " إلا " يستثنى بها ~~شيئان. # والثاني: أنه مصدر في محل حال، أي: باغين، والعامل فيها ما ~~تقدم. و " بينهم " متعلق بمحذوف؛ لأنه صفة ل " بغيا " أي: ~~بغيا كائنا بينهم. # فصل # قوله: { من بعد ما جآءتهم البينات } يقتضي أن يكون ~~إيتاء الله تعالى إياهم الكتاب كان بعد مجيء الآيات البينات، ~~فتكون هذه البينات مغايرة - لا محالة - لإيتاء الكتاب؛ وهذه ~~البينات لا يمكن حملها على شيء سوى الدلائل العقلية التي نصبها ~~الله - تعالى - على إثبات الأصول التي لا يمكن القول بالنبوة إلا ~~بعد ثبوتها؛ وذلك لأن المتكلمين يقولون: كل ما لا يصح إثبات ~~النبوة إلا بثبوته، فذلك لا يمكن إثباته بالدلائل السمعية، وإلا ~~وقع الدور. # وقال بعض المفسرين: المراد " بالبينات " صفة محمد - صلى الله عليه وسلم ~~- في كتبهم. # قول فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق " لما " ~~متعلق ب " هدى " و " ما " موصولة ms1185 ومعنى هذا أي: أرشد إلى ما ~~اختلفوا فيه؛ كقوله تعالى: # يعودون لما قالوا # [المجادلة: 3]، أي: إلى ما قالوا. ويقال: هديته الطريق وللطريق وإلى ~~الطريق والضمير في " اختلفوا " عائد على " الذين أوتوه " وفي " ~~فيه " عائد على " ما " ، وهو متعلق ب " اختلف ". # و " من الحق " متعلق بمحذوف؛ لأنه في موضع الحال من " ما " ~~في " لما " و " من " يجوز أن تكون للتبعيض، وأن تكون للبيان ~~عند من يرى ذلك، تقديره: الذي هو الحق. # وأجاز أبو البقاء أن يكون " من الحق " حالا من الضمير في " فيه ~~" ، والعامل فيها " اختلفوا " فإن قيل لم قال هداهم فيما اختلفوا فيه، ~~وعساه أن يكون غير حق في نفسه قال: " والقلب في كتاب الله ~~دون ضرورة تدفع إليه عجز وسوء فهم " انتهى. # قال شهاب الدين: وهذا الاحتمال الذي جعله ابن عطية حاملا للفراء ~~على ادعاء القلب، لا يتوهم أصلا. # قوله " بإذنه " فيه وجهان: # أحدهما: أن يتعلق بمحذوف، لأنه حال من " الذين آمنوا " ، ~~أي: مأذونا لهم. # والثاني: أن يكون متعلقا بهدى مفعولا به، أي: هداهم بأمره. # قال الزجاج: المراد من الإذن - هنا - العلم، أي: بعلمه، وإرادته ~~فيهم، وقيل بأمره، أي: حصلت الهداية بسبب الأمر؛ كما يقال: قطعت ~~بالسكين. # وقيل: لا بد فيه من إضمار، تقديره: هداهم فاهتدوا بإذنه. # فصل فيما اختلف فيه أهل الكتاب وهدانا الله إليه # قال ابن زيد: هذه الآية في أهل الكتاب، اختلفوا في القبلة فصلت اليهود ~~إلى بيت المقدس، والنصارى إلى المشرق؛ فهدانا الله للكعبة، واختلفوا ~~في الصيام؛ فهدانا الله لشهر رمضان واختلفوا في الأيام، فأخذت اليهود ~~السبت، والنصارى الأحد؛ فهدانا الله للجمعة، واختلفوا في إبراهيم، ~~فقالت اليهود: كان يهوديا، وقالت النصارى: كان نصرانيا. فقلنا: ~~إنه كان حنيفا مسلما، واختلفوا في عيسى: فاليهود فرطوا، ~~والنصارى أفرطوا؛ فهدانا الله للحق فيه. # فصل في احتجاج بعضهم بالآية على أن الإيمان مخلوق والرد عليه. # تمسك بعضهم بهذه الآية على أن الإيمان مخلوق لله تعالى، وهو ~~ضعيف؛ لأن الهداية غير الاهتداء كما أن الهداية إلى الإيمان غير ~~الإيمان، وأيضا فإنه ms1186 قال في آخر الآية: " بإذنه " ولا يمكن صرف هذا ~~الإذن إلى قوله: " فهدى الله " إذ لا جائز أن يأذن لنفسه، فلا ~~بد من إضمار لصرف الإذن إليه، والتقدير: " فهدى الله الذين ~~آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق - فاهتدوا - بإذنه " ~~وإذا كان كذلك، كانت الهداية مغايرة للإهتداء. # فصل # احتج الفقهاء بهذه الآية على أن الله - تعالى - قد يخص المؤمن ~~بهدايات لا يفعلها في حق الكافر. # وأجاب عنه المعتزلة بوجوه: # أحدها: أنهم اختصوا بالاهتداء، فهو كقوله: # هدى للمتقين # [البقرة: 2] ثم قال # هدى للناس # [البقرة: 185]. # وثانيها: أن المراد الهداية إلى الثواب وطريق الجنة. # وثالثها: هداهم إلى الحق بالألطاف. # قوله: { والله يهدي من يشآء إلى صراط مستقيم } ~~والكلام فيها مع المعتزلة كالتي في قبلها. ### || [2.214] # " أم " هذه فيها أربعة أقوال: # الأول: أن تكون منقطعة فتتقدر ب " بل " والهمزة. ف " بل " لإضراب ~~انتقال من إخبار إلى إخبار، والهمزة للتقرير. والتقدير بل ~~حسبتم. # والثاني: أنها لمجرد الإضراب من غير تقدير همزة بعدها، وهو قول ~~الزجاج وأنشد: [الطويل] # 1038 - بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى # وصورتها أم أنت في العين أملح # أي: بل أنت. # والثالث: وهو قول الفراء وبعض الكوفيين، أنها بمعنى الهمزة. فعلى ~~هذا يبتدأ بها في أول الكلام، ولا تحتاج إلى الجملة قبلها يضرب ~~عنها. # الرابع: أنها متصلة، ولا يستقيم ذلك إلا بتقدير جملة محذوفة ~~قبلها. # قال القفال: " أم " هنا استفهام متوسط؛ كما أن " هل " ~~استفهام سابق، فيجوز أن يقال: هل عندك رجل، أم عندك امرأة؟ ولا ~~يجوز أن يقال ابتداء أم عندك رجل، فأما إذا كان متوسطا، جاز ~~سواء كان مسبوقا باستفهام آخر، أو لا يكون، أما إذا كان مسبوقا ~~باستفهام آخر فهو كقولك: أنت رجل لا تنصف، أفعن جهل تفعل هذا،أم لك ~~سلطان؟ وأما الذي لا يكون مسبوقا بالاستفهام؛ فكقوله: # الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين ~~أم يقولون افتراه # [السجدة: 1 - 3] فكذا تقدير هذا الآية: فهدى الله الذين آمنوا فصبروا ~~على استهزاء قومهم، أفتسلكون سبيلهم أم تحسبون أن تدخلوا ms1187 الجنة ~~من غير سلوك سبيلهم. # " حسب " هنا من أخوات " ظن " ، تنصب مفعولين عند سيبويه، ومسد ~~الأول والثاني محذوف عند الأخفش، كما تقدم، ومضارعها فيه الوجهان: # الفتح - وهو القياس - والكسر. ولها نظائر من الأفعال تأتي إن شاء ~~الله تعالى في آخر السورة، ومعنها الظن، وقد تستعمل في اليقين؛ ~~قال: [الطويل] # 1039 - حسبت التقى والجود خير تجارة # رباحا إذا ما المرء أصبح ثاقلا # ومصدرها: الحسبان. وتكون غير متعدية، إذا كان معناها الشقرة، تقول: ~~زيد، أي: اشقر، فهو أحسب، أي: أشقر. # قوله: " ولما يأتكم " الواو للحال، والجملة بعدها في محل نصب ~~عليها، أي: غير آتيكم مثلهم. و " لما " حرف جزم، معناه النفي؛ ك " لم ~~" ، وهو أبلغ من النفي ب " لم "؛ لأنها لا تنفي إلا الزمان المتصل ~~بزمان الحال. والفرق بينها وبين " لم " من وجوه: # أحدها: أنه قد يحذف الفعل بعدها في فصيح الكلام، إذ دل عليه دليل. # وهو أحسن ما تخرج عليه قراءة " وإن كلا لما " كقوله: [الوافر] # 1040 - فجئت قبورهم بدءا ولما # فناديت القبور فلم تجبنه # أي: ولما أكن بدءا، أي: مبتدئا؛ بخلاف " لم " فإنه لا يجوز ذلك ~~فيها إلا ضرورة؛ كقوله: [الكامل] # 1041- واحفظ وديعتك التي أودعتها # يوم الأعازب إن وصلت وإن لم # ومنها: أنها لنفي الماضي المتصل بزمان الحال، و " لم " لنفيه مطلقا ~~أو منقطعا على ما مر. # ومنها: أن " لما " لا تدخل على فعل شرط، ولا جزاء بخلاف " لم ". # ومنها أن " لم " قد تلغى بخلاف " لما، فإنها لم يأت فيها ذلك، ~~وباقي الكلام على ما يأتي إن شاء الله تعالى في سورة " الحجرات " عند ~~قوله تعالى: # ولما يدخل الإيمان # [الحجرات: 14]. # واختلف في " لما " فقيل: مركبة من لم و " ما " زيدت عليها. # وقال سيبويه: بسيطة وليست " ما " زائدة؛ لأن " لما " تقع في مواضع لا ~~تقع فيها " لم "؛ يقول الرجل لصاحبه: أقدم فلانا، فيقول " لما " ، ~~ولا يقال: " لم " مفردة. # قال المبرد: إذا قال القائل: لم يأتني زيد، فهو نفي لقولك أتاك زيد، ~~وإذا قال لما يأتني، فمعناه: أنه لم يأتني بعد، وأنا ms1188 أتوقعه؛ قال ~~النابغة: [الكامل] # 1042 - أزف الترحل غير أن ركابنا # لما تزل برحالنا وكأن قد # وفي قوله " مثل الذين " حذف مضاف، وحذف موصوف، تقديره: ولما ~~يأتكم مثل محنة المؤمنين الذين خلوا. # و " من قبلكم " متعلق ب " خلوا " وهو كالتأكيد، فإن ~~الصلة مفهومة من قوله: " خلوا ". # فصل في سبب نزول " أم حسبتم " الآية. # قال ابن عباس، وعطاء: لما دخل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المدينة اشتد عليهم الضرر؛ لأنهم خرجوا بلا مال، وتركوا ديارهم، ~~وأموالهم بأيدي المشركين، وآثروا رضا الله ورسوله، وأظهرت اليهود العداوة ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسر قوم النفاق، فأنزل الله تعالى؛ ~~تطييبا لطيوبهم: " أم حسبتم ". # وقال قتادة والسدي: نزلت في " غزوة الخندق " أصاب المسلمين ~~ما أصابهم من الجهد، والحزن، وشدة الخوف، والبرد، وضيق العيش، وأنواع ~~الأذى؛ كما قال تعالى: # وبلغت القلوب الحناجر # [الأحزاب: 10] وقيل: نزلت في " غزوة أحد " لما قال عبد الله بن ~~أبي لأصحاب النبي عليه السلام إلى متى تقتلون أنفسكم، وترجون الباطل، ~~ولو كان محمد نبيا، لما سلط الله عليكم الأسر والقتل، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية " أم حسبتم " ، أي: المؤمنون أن تدخلوا ~~الجنة بمجرد الإيمان بي، وتصديق رسولي، دون أن تعبدوا الله بكل ما ~~تعبدكم به، وابتلاكم بالصبر عليه، وأن ينالكم من أذى الكفار، ومن ~~احتمال الفقر ومكابدة الضر والبؤس، ومقاساة الأهوال في مجاهدة العدو؛ ~~كما كان ذلك فيما كان من قبلكم من المؤمنين، والمثل هو المثل، وهو ~~الشبه، إلا أن المثل لحالة غريبة، أو قصة عجيبة لها شأن؛ ~~ومنه قوله تعالى: # ولله المثل الأعلى # [النحل: 60] أي: الصفة التي لها شأن عظيم. # قوله: " مستهم البأساء " في هذه الجملة وجهان: # أحدهما: أن تكون لا محل لها من الإعراب؛ لأنها تفسيرية، أي: فسرت ~~المثل وشرحته، كأنه قيل: ما كان مثلهم؟ فقيل: مستهم البأساء. # والثاني: ان تكون حالا على إضمار " قد " جوز ذلك أبو البقاء، وهي ~~حال من فاعل " خلوا ". وفي جعلها حالا بعد. # و " البأساء ": اسم من البؤس بمعنى الشدة، وهو البلاء ~~والفقر. ms1189 # و " الضراء ": الأمراض، والآلام، وضروب الخوف. # قال أبو العباس المقري: ورد لفظ " الضر " في القرآن على أربعة ~~أوجه: # الأول: الضر: الفقر؛ كهذه الآية، ومثله: # وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه # [يونس: 12]، وقوله تعالى: # وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم ~~الضر # [النحل: 53] أي: الفقر. # الثاني: الضر: القحط؛ قال تعالى: # أخذنا أهلها بالبأسآء والضرآء # [الأعراف: 94] أي: قحطوا. # أو قوله تعالى: # وإذآ أذقنا الناس رحمة من بعد ضرآء مستهم # [يونس: 21] أي: قحط. # الثالث: الضر: المرض؛ قال تعالى: # وإن يمسسك الله بضر # [يونس: 207] أي: بمرض. # الرابع: الضر: الأهوال؛ قال تعالى: # وإذا مسكم الضر في البحر # [الإسراء: 67]. # قوله: " وزلزلوا " أي: حركوا بأنواع البلايا والرزايا. # قال الزجاج: أصل الزلزلة في اللغة من زل الشيء عن مكانه، فإذا ~~قلت: زلزلته فتأويله: أنك كررت تلك الإزالة فضوعف لفظه بمضاعفة معناه؛ ~~لأن ما فيه تكرير يكرر فيه الفعل نحو: صر وصرصر، وصل ~~وصلصل؛ وكف وكفكف، وفسر بعضهم " زلزلوا " أي: ~~خوفوا؛ وذلك لأن الخائف لا يستقر بل يضطرب قلبه. # قول تعالى: " حتى يقول " قرأ الجمهور: " يقول " نصبا، وله ~~وجهان: # أحدهما: أن " حتى " بمعنى " إلى " ، أي: إلى أن يقول، فهو غاية ~~لما تقدم من المس والزلزال، و " حتى " إنما ينصب بعدها المضارع ~~المستقبل، وهذا قد وقع ومضى. فالجواب: أنه على حكاية الحال، [حكى تلك ~~الحال]. # والثاني: أن " حتى " بمعنى " كي " ، فتفيد العلة كقوله: أطعت ~~الله حتى أدخلني الجنة، وهذا ضعيف؛ لأن قول الرسول والمؤمنين ~~ليس علة للمس والزلزال، وإن كان ظاهر كلام أبي البقاء على ذلك، فإنه ~~قال: " بالرفع على أن يكون التقدير: زلزلوا فقالوا، ~~فالزلزلة سبب القول " ، و " أن " بعد " حتى " مضمرة ~~على كلا التقديرين. # وقرأ نافع برفعه على أنه حال، والحال لا ينصب بعد " حتى " ولا ~~غيرها؛ لأن الناصب يخلص للاستقبال؛ فتنافيا. # واعلم أن " حتى " إذا وقع بعدها فعل: فإما أن يكون حالا أو ~~مستقبلا أو ماضيا، فإن كان حالا، رفع؛ نحو: " مرض حتى لا ~~يرجونه " أي: في الحال. # وإن كان مستقبلا نصب، تقول: سرت حتى ms1190 أدخل البلد، وأنت لم تدخل ~~بعد. وإن كان ماضيا فتحكيه، ثم حكايتك له: إما أن تكون بحسب كونه ~~مستقبلا، فتنصبه على حكاية هذه الحال، وإما أن يكون بحسب كونه حالا، ~~فترفعه على حكاية هذه الحال، فيصدق أن تقول في قراءة الجماعة: حكاية ~~حال، وفي قراءة نافع أيضا: حكاية حال. # قال شهاب الدين: إنما نبهت على ذلك؛ لأن عبارة بعضهم تخص ~~حكاية الحال بقراءة الجمهور، وعبارة آخرين تخصها بقراءة نافع. # قال أبو البقاء في قراءة الجمهور: " والفعل هنا مستقبل، حكيت به ~~حالهم، والمعنى على المضي " وكان قد تقدم أنه وجه الرفع ~~بأن " حتى " للتعليل. # قوله: " معه " هذا الظرف يجوز أن يكون منصوبا بيقول، أي: إنهم صاحبوه ~~في هذا القول وجامعوه فيه، وأن يكون منصوبا بآمنوا، أي: صاحبوه في ~~الإيمان. # قوله: { متى نصر الله } " متى " منصوب على الظرف، فموضعه ~~رفع؛ خبرا مقدما، و " نصر " مبتدأ مؤخر. # وقال أبو البقاء: " وعلى قول الأخفش: موضعه نصب على الظرف، و " ~~نصر " مرفوع به ". و " متى " ظرف زمان لا يتصرف إلا بجره ~~بحرف. وهو مبني؛ لتضمنه: إما لمعنىهمزة الاستفهام، وإما معنى " ~~من " الشرطية، فإنه يكون اسم استفهام، ويكون اسم شرط فيجزم فعلين ~~شرطا وجزاء. # قال القرطبي: " نصر الله " رفع بالابتداء على قول سيبويه، وعلى ~~قول أبي العباس؛ رفع بفعل، أي: متى يقع نصر الله. # و " قريب " خبر " إن " قال النحاس: ويجوز في غير القرآن " ~~قريبا " أي: مكانا قريبا و " قريب " لا تثنيه العرب، ولا ~~تجمعه، ولا تؤنثه في هذا المعنى؛ قال تعالى: # إن رحمة الله قريب # [الأعراف: 56]؛ وقال الشاعر: [الطويل] # 1043 - له الويل إن أمسى ولا أم هاشم # قريب ولا بسباسة ابنة يشكرا # فإن قلت: فلان قريب لي ثنيت وجمعت فقلت: قريبون، وأقرباء، ~~وقرباء. # فصل # والظاهر أن جملة { متى نصر الله } من قول المؤمنين، وجملة { ~~ألا إن نصر الله قريب } من قول الرسول، فنسب القول إلى ~~الجميع؛ إجمالا، ودلالة الحال مبينة للتفصيل المذكور. وهذا أولى من ~~قول من زعم أن في الكلام تقديما وتأخيرا، والتقدير: حتى ms1191 يقول الذين ~~آمنوا: " متى نصر الله "؟ فيقول الرسول " ألا إن " فقدم ~~الرسول؛ لمكانته، وقدم المؤمنون؛ لتقدمهم في الزمان. قالوا: لأنه ~~أخبر عن الرسول، والذين آمنوا بكلامين: # أحدهما: أنهم قالوا: متى نصر الله؟ # والثاني: " ألا إن نصر الله قريب " فوجب إسناد كل واحد من ~~هذين الكلامين إلى ما يليق به من ذينك المذكورين، قال: الذين آمنوا ~~قالوا: " متى نصر الله " والرسل قالوا: { ألا إن نصر ~~الله قريب } قالوا: ولهذا نظير في القرآن والشعر: # أما القرآن: فقوله: # ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا ~~فيه ولتبتغوا من فضله # [القصص: 73]، والمعنى؛ لتسكنوا في الليل، ولتبتغوا من فضله في النهار. # وأما الشعر: فقول امرئ القيس: [الطويل] # 1044 - كأن قلوب الطير رطبا ويابسا # لدى وكرها العناب والحشف البالي # فشبه العناب بالرطب، والحشف البالي باليابس. # قال ابن عطية: " هذا تحكم وحمل للكلام على غير وجهه ~~". # وقيل: الجملتان من قول الرسول والمؤمنين معا، يعني أن الرسول قالهما ~~معا، وكذلك أتباعه. فإن قيل: كيف يليق بالرسول القاطع بصحة وعد الله ~~ووعيده أن يقول مستبعدا: متى نصر الله؟ # والجواب من وجوه: # أحدها: التأويل المتقدم. # والثاني: أن قول الرسول { متى نصر الله } ليس على سبيل ~~الشك بل على سبيل الدعاء باستعجال النصر. # الثالث: أن كونه رسولا لا يمنع من أن يتأذى من كيد الأعداء؛ قال ~~تعالى: # ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون # [الحجر: 97] وقال تعالى: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين # [الشعراء: 3] وقال تعالى: # حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد ~~كذبوا جآءهم نصرنا # [يوسف: 110]، وعلى هذا فإذا ضاق قلبه، وقلت حيلته، وكان قد تقدم وعبد ~~الله بنصره، إلا أنه لم يعين له الوقت؛ قال عند ضيق قلبه: { متى ~~نصر الله } حتى إنه إذا علم قرب الوقت، زال غمه وطاب قلبه؛ ~~ويؤيد ذلك قوله في الجواب { إن نصر الله قريب } فلما كان ~~الجواب بذكر القرب؛ دل على أن السؤال كان واقعا عن القرب، ولو كان ~~السؤال وقع عن أنه هل يوجد النصر، أم لا؛ لما كان هذا الجواب مطابقا ms1192 ~~لذلك السؤال، هذا على قول من قال إن قوله: { ألا إن نصر الله ~~قريب } من كلام الله تعالى جوابا للرسول، ومن قال إنه من كلام ~~المؤمنين. قال: إنهم لما علموا أن الله تعالى لا يعلي عدوه عليهم، ~~قالوا: { ألا إن نصر الله قريب } ، فنحن على ثقة بوعدك. # وقيل: إن الجملة الأولى من كلام [الرسول وأتباعه، والجملة الأخيرة من ~~كلام] الله تعالى، على ما تقدم. فالحاصل أن الجملتين في محل نصب ~~بالقول. # فإن قيل: قوله: { إن نصر الله قريب } يوجب في حق كل من لحقه ~~شدة أن يعلم أنه سيظفر بزوالها، وذلك غير ثابت. # فالجواب: لا يمتنع أن يكون هذا من خواص الأنبياء - عليهم السلام - ~~وأيضا فإن كان عاما في حق الكل إذ كل من كان في بلاء، فلا بد له ~~من أحد أمرين: # إما أن يتخلص منه أو يموت، فإن مات، فقد وصل إلى من لا يهمل أمره، ولا ~~يضيع حقه، وذلك من أعظم النصر، وإنما جعله قريبا؛ لأن الموت آت؛ وكل ~~آت قريب. ### || [2.215] # قد تقدم أن " ماذا " له استعمالات ستة عند قوله: # ماذآ أراد الله بهذا مثلا # [البقرة: 26]. وهنا يجوز أن تكون " ماذا " بمنزلة اسم واحد، بمعنى ~~الاستفهام؛ فتكون مفعولا مقدما ل " ينفقون "؛ لأن العرب ~~يقولون: " عماذا تسأل " بإثبات الألف، وحذفوها من قولهم: # عم يتسآءلون # [النبأ: 1] وقوله # فيم أنت من ذكراها # [النازعات: 43] فلما لم يحذفون الألف من آخر " ما " ، علمت أنه مع " ذا ~~" بمنزلة اسم واحد، ولم يحذفوا الألف منه، لما لم يكن آخر الاسم، ~~والحذف يلحقها إذا كان آخرا، إلا أن يكون في شعر؛ كقوله: [الوافر] # 1045 - على ما قام يشتمني لئيم # كخنزير تمرغ في رماد # قال القرطبي: إن خففت الهمزة، قلت: يسلونك، ومنه: ما " ينفقون " ~~ويجوز أن تكون " ما " مبتدأ و " ذا " خبره، وهو موصول. و " ينفقون " ~~صلته، والعائد محذوف، و " ماذا " معلق للسؤال، فهو في موضع المفعول ~~الثاني، وقد تقدم تحقيقه في قوله: # سل بني إسرائيل كم آتيناهم # [البقرة: 211]. # قال القرطبي: متى كانت اسما مركبا، ms1193 فهي في موضع نصب إلا ما جاء في ~~قول الشاعر: [الطويل] # 1046 - وماذا عسى الواشون أن يتحدثوا # سوى أن يقولوا: إنني لك عاشق # فإن " عسى " لا تعمل فيه، ف " ماذا " في موضع رفع، وهو مركب؛ ~~إذ لا صلة ل " ذا ". # وجاء " ينفقون " بلفظ الغيبة؛ لأن فاعل الفعل قبله ضمير غيبة في " ~~يسألونك " ، ويجوز في الكلام " ماذا ننفق " كما يجوز: أقسم زيد ~~ليضربن ولأضربن، وسيأتي لهذا مزيد ببيان في قوله تعالى: # يسألونك ماذآ أحل لهم # [المائدة: 4] في المائدة إن شاء الله تعالى. # قوله: { قل مآ أنفقتم من خير } يجوز في " ما " وجهان: # أظهرهما: أن تكون شرطية؛ لتوافق ما بعدها، ف " ما " في محل نصب، ~~مفعول مقدم، واجب التقديم؛ لأن له صدر الكلام. و " أنفقتم " ~~في محل جزم بالشرط، و " من خير " تقدم إعرابه في قوله: # ما ننسخ من آية # [البقرة: 106]. # وقوله: فللوالدين " جواب الشرط، وهذا الجار خبر لمبتدأ محذوف، أي: ~~فمصرفه للوالدين، فيتعلق بمحذوف، إما مفرد، وإما جملة على حسب ~~ما ذكر من الخلاف فيما مضى. وتكون الجملة في محل جزم بجواب الشرط. # والثاني: أن تكون " ما " موصولة، و " أنفقتم " صلتها، والعائد ~~محذوف، لاستكمال الشروط، أي: الذي أنفقتموه. والفاء زائدة في الخبر الذي ~~هو الجار والمجرور. # قال أبو البقاء في هذا الوجه: " ومن خير يكون حالا من العائد ~~المحذوف ". # فصل في سبب النزول # اعلم أنه تعالى لما بين الوجوب على كل مكلف، بأن يكون معرضا عن ~~طلب العاجل مشتغلا بطلب الآجل، شرع في بيان الأحكام من هذه الآية إلى ~~قوله: # ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم # [البقرة: 243]. # قال عطاء، عن ابن عباس: # " نزلت الآية في رجل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن لي ~~دينارا، فقال: أنفقه على نفسك، قال: إن لي آخر، قال: ~~أنفقه على أهلك، فقال: إن لي آخر، قال: أنفقه على ~~خادمك، قال: إن لي آخر، قال: أنفقه على والديك قال: إن ~~لي آخر، قال: أنفقه على قرابتك، قال: إن لي آخر قال: ~~أنفقه في سبيل ms1194 الله، وهو أحسنها " # وروى الكلبي، عن ابن عباس أن الآية نزلت في عمرو بن الجموح، وهو ~~الذي قتل يوم أحد، وكان شيخا كبيرا هرما، وعنده مال عظيم، فقال ~~ماذا ننفق من أموالنا؟ وأين نضعها؟ فنزلت الآية. # فإن قيل إن القوم سألوا عما ينفقون كيف أجيبوا ببيان المصرف؟ # فالجواب من وجوه: # أحدها: أن في الآية حذفا، تقديره: ماذا ينفقون ولمن يعطونه، كما ~~ذكرنا في رواية الكلبي في سبب النزول، فجاء الجواب عنهما، فأجاب عن ~~المنفق بقوله: " من خير " وعن المنفق عليه بقوله: فللوالدين ~~" وما بعده. # ثانيها: أن يكون " ماذا " سؤالا عن المصرف على حذف مضاف، تقديره: مصرف ~~ماذا ينفقون؟ # ثالثها: أن يكون حذف من الأول ذكر المصرف، ومن الثاني ذكر المنفق، ~~وكلاهما مراد، وقد تقدم شيء من ذلك في قوله تعالى: # ومثل الذين كفروا كمثل # [البقرة: 171]. # رابعها: قال الزمخشري: قد تضمن قوله: { مآ أنفقتم من ~~خير } بيان ما ينفقونه، وهو كل خير؛ وبني الكلام على ما هو أهم ~~وهو بيان المصرف؛ لأن النفقة لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها. قال: ~~[الكامل] # 1047 - إن الصنيعة لا تكون صنيعة # حتى يصاب بها طريق المصنع # خامسها: قال القفال: إنه وإن كان السؤال واردا بلفظ " ما ننفق: ~~إلا أن المقصود السؤال عن الكيفية؛ لأنهم كانوا علامين بأن الإنفاق ~~يكون على وجه القربة، وإذا كان هذا معلوما عندهم، لم ينصرف الوهم إلى ~~ذلك، فتعين أن المراد بالسؤال إنما هو طريق المصرف، وعلى هذا يكون ~~الجواب مطابقا للسؤال، ونظيره قوله تعالى: # قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر ~~تشابه علينا وإنآ إن شآء الله لمهتدون قال ~~إنه يقول إنها بقرة لا ذلول # [البقرة:70، 71] وإنما كان هذا الجواب موافقا للسؤال، لأنه كان من ~~المعلوم أنها البقرة التي شأنها وصفتها كذا، فقوله: " ما هي " لا يمكن ~~حمله على طلب الماهية؛ فتعين أن يكون المراد منه طلب الصفة التي بها ~~تتميز هذه البقرة عن غيرها، فكذا ها هنا. # وسادسها: يحتمل أنهم لما سألوا عن هذا السؤال، ms1195 فقيل لهم: هذا سؤال ~~فاسد، أي: أنفقوا ما أردتم بشرط أن يكون مصروفا إلى المصرف وهذا كقول ~~الطبيب لمن سأله ماذا يأكل، فقال الطبيب: كل في اليومين مرتين، ومعناه، ~~كل ما شئت، ولكن بهذا الشرط. # فصل # اعلم أنه تعالى رتب الإنفاق، فقدم الوالدين، لأنهما كالمخرج ~~للمكلف من العدم إلى الوجود، وذلك لأن الله - تعالى - هو الذي أخرج ~~الإنسان من العدم إلى الوجود؛ قال تعالى: # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا # [الإسراء: 23] فأشار إلى أنه ليس بعد رعاية حق الله - تعالى - من شيء ~~أوجب من رعاية حق الوالدين؛ فلذلك قدمهما، ثم الأقربين؛ لأن الإنسان ~~أعلم بحال الفقير القريب من غيره؛ ولأنه إذا لم يراع قريبه الفقير ~~لاحتاج الفقير إلى الرجوع إلى غيره، وذلك عار في حق قريبه الغني. # فإن قيل: إنه تعالى ذكر " الوالدين " ثم عطف عليه " ~~الأقربين " والعاطف يقتضي المغايرة، وذلك يدل على أن الوالدين لا ~~يدخلون في مسمى الأقربين، فهو خلاف الإجماع؛ لأنه لو وقف على " ~~الأقربين " حمل فيه الوالدين بغير خلاف. # فالجواب: أن هذا من عطف العام على الخاص؛ كقوله تعالى: # ولقد ءاتيناك سبعا من المثاني والقرءان ~~العظيم # [الحجر: 87] فعطف القرآن على السبع المثاني، وهي من القرآن، وقال - عليه ~~السلام - # " أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي... " # فعطف " النبيين " على قوله: " أنا " وهو من النبيين، وذلك شائع ~~في لسان العرب، ثم ذكر بعدهم اليتامى؛ لأنهم لصغرهم لا يقدرون على ~~الاكتساب، وليس لهم أحد يكتسب لهم، فالطفل اليتيم: قد عدم الكسب، ~~والمكاسب، وأشرف على الضياع، ثم ذكر بعدهم المساكين؛ لأن حاجتهم أقل ~~من حاجة اليتامى؛ لأن قدرتهم على التحصيل أكثر من قدرة اليتامى، ثم ذكر ~~ابن السبيل بعدهم؛ لأنه بسبب انقطاعه عن بلده، قد يحتاج، ويفتقر، فهذا ~~أصح تركيب، وأحسن ترتيب في كيفية الإنفاق، ثم لما فصل هذا ~~التفصيل الحسن الكامل، أردفه بالاجمال، فقال: { وما تفعلوا من ~~خير فإن الله به عليم } والعليم مبالغة في كونه عالما ~~لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض، ولا في ms1196 السماء. # و " ما " هذه شرطية فقط؛ لظهور عملها الجزم بخلاف الأولى. وقرأ علي ~~رضي الله عنه: " وما يفعلوا " بالياء على الغيبة، فيحتمل أن يكون من باب ~~الالتفات من الخطاب، وأن يكون من الإضمار لدلالة السياق عليه، أي: وما ~~يفعل الناس. # فصل في المراد بالخير # قال أكثر العلماء: المراد ب " الخير " هو المال؛ لقوله تعالى: # وإنه لحب الخير لشديد # [العاديات: 8]، وقال: # إن ترك خيرا الوصية # [البقرة: 18]. # وقيل: المراد بالخير هذا الإنفاق، وسائر وجوه البر، والطاعة. # فصل هل الآية منسوخة أم لا؟ # قال بعضهم: هذه الآية منسوخة بآية المواريث. # وقال أهل التفسير: إنها منسوخة بالزكاة. # قال بعضهم: وكلاهما ضعيف؛ لأنه يمكن حمل الآية على وجوه لا يتطرق ~~النسخ إليها. # أحدها: قال أبو مسلم الأصفهاني: الإنفاق على الوالدين، واجب عند ~~قصورهما عن الكسب والملك، والمراد ب " الأقربين " الولد، وولد ~~الولد، وقد تلزم نفقتهم عند فقد الملك، وعلى هذا فلا وجه للقول بالنسخ؛ ~~لأن هذه النفقة تلزم في حال الحياة، والميراث يصل بعد الموت، وما وصل ~~بعد الموت لا يوصف بأنه نفقة. # وثانيها: أن يكون المراد من أحب التقرب إلى الله تعالى بالنفقة، ~~فالأولى أن ينفقه في هذه الجهات، فيكون المراد التطوع. # ثالثها: أن يكون المراد االوجوب فيما يتصل بالوالدين والأقربين من حيث ~~الكفاية، وفيما يتصل بالتيامى والمساكين مما يكون زكاة. # ورابعهما: يحتمل أن يريد بالإنفاق على الوالدين والأقربين ما يكون بعثا ~~على صلة الرحم، وفيما يصرفه لليتامى والمساكين ما يخلص للصدقة، فظاهر ~~الآية محتمل لكل هذه الوجوه من غير نسخ. ### || [2.216] # قرئ: " كتب عليكم القتال ": ببناء " كتب " للفاعل؛ وهو ~~ضمير الله تعالى، ونصب " القتال ". # قال القرطبي: وقرأ قوم: " كتب عليكم القتل "؛ قال الشاعر: ~~[الخفيف] # 1048 أ - كتب القتل والقتال علينا # وعلى الغانيات جر الذيول # قوله تعالى: " وهو كره " هذه واو الحال، والجملة بعدها في محل ~~نصب عليها، والظاهر أن " هو " عائد على القتال. وقيل: يعود على ~~[المصدر] المفهوم من كتب، أي: وكتبه وفرضه. وقرأ الجمهور " كره " ~~بضم الكاف، وهو الكراهية بدليل قوله: { وعسى ms1197 أن تكرهوا ~~شيئا } ثم فيه وجهان: # أحدهما: أن وضع المصدر موضع الوصف سائغ كقول الخنساء: [البسيط] # 1048ب -..................... # فإنما هي إقبال وادبار # والثاني: أن يكون فعلا بمعنى مفعول، كالخبر بمعنى المخبور وهو مكروه ~~لكم. # وقرأ السلمي بفتحها. فقيل: هما بمعنى واحد، أي: مصدران كالضعف ~~والضعف، قاله الزجاج وتبعه الزمخشري. # وقيل: المضموم اسم مفعول، والمفتوح المصدر. # وقيل: المفتوح بمعنى الإكراه، قاله الزمخشري في توجيه قراءة السلمي، ~~إلا أن هذا من باب مجيء المصدر على حذف الزوائد، وهو لا ينقاس. # وقيل: المفتوح ما أكره عليه المرء، والمضموم ما كرهه هو. # فإن كان " الكره " ، و " الكره " مصدرا، فلا بد من تأويل يجوز ~~معه الإخبار به عن " هو " ، وذلك التأويل: إما على حذف مضاف، أي: ~~والقتال ذو كره، أو على المبالغة، أو على وقوعه موقع اسم المفعول. وإن ~~قلنا: إن " كرها " بالضم اسم مفعول، فلا يحتاج إلى شيء من ذلك. ~~و " لكم " في محل رفع؛ لأنه صفة لكره، فيتعلق بمحذوف أي: كره ~~كائن. # فصل في بيان الإذن في القتال # اعلم أنه - عليه الصلاة والسلام - كان غير مأذون له في القتال مدة ~~إقامته بمكة، فلما هاجر أذن له في قتال من يقاتله من المشركين، ثم ~~أذن له في قتال المشركين عامة، ثم فرض الله الجهاد. # واختلف العلماء في حكم هذه الآية، فقال عطاء: الجهاد تطوع والمراد بهذه ~~الآية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت دون غيرهم، وإليه ~~ذهب الثوري، واحتجوا بقوله تعالى: # فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على ~~القعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى # [النساء: 95] ولو كان القاعد تاركا للفرض، لم يكن يعده الحسنى. # قالوا: وقوله: " كتب " يقتضي الإيجاب، ويكفي في العمل به مرة ~~واحدة. # وقوله: " عليكم " يقتضي تخصيص هذا الخطاب بالموجودين في ذلك الوقت، ~~وإنما قلنا إن قوله # كتب عليكم القصاص # [البقرة: 178] # كتب عليكم الصيام # [البقرة: 183] حال الموجودين فيه كحال من سيوجد بعد ذلك؛ بدليل منفصل، ~~وهو الإجماع، وذلك غير معقول ها هنا؛ فوجب أن يبقى على الأصل، ويدل على ~~صحة ms1198 هذا القول قوله تعالى: # وما كان المؤمنون لينفروا كآفة # [التوبة: 122] والقول بالنسخ غير جائز على ما بيناه، والإجماع اليوم ~~منعقد على أنه من فروض الكفايات، إلا أن يدخل المشركون ديار المسلمين؛ ~~فيتعين الجهاد حينئذ على الكل. # وقال آخرون: هو فرض عين؛ واحتجوا بقوله: " كتب " وهو يقتضي ~~الوجوب، وقوله " عليكم " يقتضيه أيضا، والخطاب بالكاف في قوله " ~~عليكم " لا يمنع من الوجوب على الموجودين وعلى من سيوجد؛ كقوله: # كتب عليكم الصيام # [البقرة: 183]. # وقال الجمهور: هو فرض على الكفاية. # فإن قيل هذا الخطاب للمؤمنين، فكيف قال: { وهو كره لكم } ، وهذا ~~يشعر بكون المؤمنين كارهين لحكم الله، وتكليفه، وذلك غير جائز؛ لأن ~~المؤمن لا يكون ساخطا لأوامر الله وتكليفه، بل يرضى بذلك، ويحبه، ~~ويعلم أنه صلاحه، وتركه فساده؟ # والجواب من وجهين: # أحدهما: أن المراد من " الكره " كونه شاقا على النفس، لأن التكليف ~~عبارة عن إلزام ما فيه كلفة، ومشقة، ومن المعلوم: أن الحياة من أعظم ~~ما يميل الطبع إليها، فلذلك كان القتال من أشق الأشياء على النفس، ~~لأن فيه إخراج المال، والجراحات، وقطع الأطراف، وذهاب الأنفس، وذلك ~~أمر يشق على الأنفس. # والثاني: أن يكون المراد منه كراهتهم للقتال قبل أن يفرض؛ لما فيه من ~~الخوف، ولكثرة الأعداء فبين تعالى أن الذي تكرهونه من القتال خير لكم ~~من تركه، لئلا تكرهونه بعد أن فرض عليكم. # قال عكرمة: نسخها قوله تعالى: # سمعنا وأطعنا # [النساء: 46] يعني أنهم كرهوه ثم أحبوه. # قوله { وعسى أن تكرهوا } ، " عسى " فعل ماض، نقل إلى ~~إنشاء الترجي والإشفاق، وهو يرفع الاسم وينصب الخبر، ولا يكون ~~خبرها إلا فعلا مضارعا مقرونا ب " أن " ، وقد يجيء اسما ~~صريحا؛ كقوله [الرجز] # 1049 - أكثرت في العذل ملحا دائما # لا تكثرن إني عسيت صائما # وقالت الزباء: " عسى الغوير أبؤسا " وقد يتجرد ~~خبرها من " أن "؛ كقوله: [الطويل] # 1050 - عسى فرج يأتي به الله إنه # له كل يوم في خليقته أمر # وقال آخر: [الوافر] # 1051 - عسى الكرب الذي أمسيت فيه # يكون وراءه فرج قريب # وقال آخر: [الوافر] # 1052- فأما كيس فنجا ms1199 ولكن # عسى يغتر بي حمق لئيم # وتكون تامة، إذا أسندت إلى " أن " أو " أن "؛ لأنهما ~~يسدان مسد اسمها وخبرها، والأصح أنها فعل، لا حرف، لاتصال ~~الضمائر البارزة المرفوعة بها. # قال تعالى: # فهل عسيتم # [محمد: 22] ويرتفع الاسم بعده فقوله: " عسى زيد " معناه: قرب ~~ووزنها " فعل " بفتح العين، ويجوز كسر عينها، إذا أسندت لضمير متكلم، ~~أو مخاطب أو نون إناث وهي قراءة نافع، وستأتي إن شاء الله تعالى ولا ~~تتصرف بل تلزم المضي. # والفرق بين الإشفاق والترجي بها في المعنى: # أن الترجي في المحبوبات، والإشفاق في المكروهات. # و " عسى " من الله تعالى واجبة؛ لأن الترجي والإشفاق محالان في ~~حقه. وقيل: كل " عسى " في القرآن للتحقيق، يعنون الوقوع، إلا ~~قوله تعالى: # عسى ربه إن طلقكن # [التحريم: 5] وهي في هذه الآية ليست ناقصة؛ فتحتاج إلى خبر، بل تامة، ~~لأنها أسندت إلى " أن " ، وقد تقدم أنها تسد مسد الخبرين ~~بعدها. وزعم الحوفي أن: " أن تكرهوا " في محل نصب، ولا ~~يمكن ذلك إلا بتكلف بعيد. # قوله: { وهو خير لكم } في هذه الجملة وجهان: # أظهرهما: أنها في محل نصب على الحال، وإن كانت من النكرة بغير ~~شرط من الشروط المعروفة قليلة. # والثاني: أن تكون في محل نصب على أنها صفة ل " شيئا " وإنما ~~دخلت الواو على الجملة الواقعة صفة؛ لأن صورتها صورة الحال، فكما ~~تدخل الواو عليها حالية، تدخل عليها صفة، قاله أبو البقاء ومثل ذلك ~~ما أجازه الزمخشري في قوله: # ومآ أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم # [الحجر: 4] فجعل " ولها كتاب " صفة لقرية، وقل: وكان القياس ~~ألا تتوسط هذا الواو بينهما؛ كقوله: # ومآ أهلكنا من قرية إلا لها منذرون # [الشعراء: 208] وإنما توسطت؛ لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف، كما ~~يقال في الحال: " جاءني زيد عليه ثوب، وعليه ثوب ". وهذا الذي ~~أجازه أبو البقاء هنا، والزمخشري هناك، هو رأي ابن جني، وسائر ~~النحاة يخالفونه. # فصل في بيان الخيرية في الغزو # قوله: { وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم } لأن ~~في الغزو إحدى الحسنيين: إما الظفر والغنيمة، وإما الشهادة ms1200 ~~والجنة { وعسى أن تحبوا شيئا } يعني القعود عن الغزو، ~~وهو شر لكم؛ لما فيه من فوات الغنيمة، والأجر، ومخالفة أمر ~~الله تعالى. # قال القرطبي: قيل " عسى " بمعنى " قد " وقال الأصم: و " ~~عسى " من الله واجبة في جميع القرآن إلا قوله تعالى: # عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا # [التحريم: 5] # وقال أبو عبيدة: عسى من الله إيجاب، والمعنى: عسى أن تكرهوا ما ~~في الجهاد من المشقة؛ وهو خير لكم، من أنكم تغلبون، وتظفرون ~~وتغنمون، وتؤجرون، ومن مات، مات شهيدا. و " الشر " هو السوء ~~أصله: من شررت الشيء إذا بسطته يقال: شررت اللحم، والثوب: إذا ~~بسطته، ليجف؛ ومنه قوله: [الوافر] # 1053 - وحتى أشرت بالأكف المصاحف # والشرر: هو اللهب لانبساطه. فعلى هذا " الشر " انبساط الاشياء ~~الضارة، وقوله { والله يعلم وأنتم لا تعلمون } ~~فالمقصود الترغيب العظيم في الجهاد، وكأنه تعالى قال يا أيها العبد، ~~اعلم أن علمي أكمل من علمك، فكن مشتغلا بطاعتي، ولا تلتفت إلى ~~مقتضى طبعك، فهي كقوله في جواب الملائكة: # إني أعلم ما لا تعلمون # [البقرة: 30]. ### || [2.217] # قرأ الجمهور: " قتال " بالجر، وفيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه خفض على البدل من " الشهر " بدل الاشتمال؛ إذ ~~القتال واقع فيه، فهو مشتمل عليه. # والثاني: أنه خفض على التكرير، قال أبو البقاء: " يريد أن ~~التقدير: عن قتال فيه ". وهو معنى قول الفراء إلا أنه قال: ~~هو مخفوض ب " عن " مضمرة. وهذا ضعيف جدا؛ لأن حرف ~~الجر لا يبقى عمله بعد حذفه في الاختيار. وهذا لا ينبغي أن يعد ~~خلافا بين البصريين، والكسائي، والفراء؛ لأن البدل عند جمهور ~~البصريين على نية تكرار العامل، وهذا هو بعينه قول الكسائي. # وقوله: لأن حرف الجر لا يبقى عمله بعد حذفه إن أراد في غير البدل، ~~فمسلم، وإن أراد في البدل، فممنوع، وهذا هو الذي عناه الكسائي. # الثالث: قال أبو عبيدة: " إنه خفض على الجوار ". # قال أبو البقاء: " وهو أبعد من قولهما - يعني الكسائي والفراء - ~~لأن الجوار من مواضع الضرورة أو الشذوذ، فلا يحمل عليه ما وجدت ~~عنه مندوحة " وقال ms1201 ابن عطية: " هو خطأ ". قال أبو حيان إن كان ~~أبو عبيدة عنى بالجوار المصطلح عليه فهو خطأ. وجهة الخطأ أن ~~الخفض على الجوار عبارة عن أن يكون الشيء تابعا لمرفوع، أو منصوب، ~~من حيث اللفظ والمعنى، فيعدل به عن تبعيته لمتبوعه لفظا، ~~ويخفض لمجاورته لمخفوض؛ كقولهم: " هذا حجر ضب خرب " ، وكان ~~من حقه الرفع؛ لأنه من صفات الجحر، لا من صفات الضب، ولهذه ~~المسألة مزيد بيان يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى، و " قتال " ~~هنا ليس تابعا لمرفوع، أو منصوب، وجاور مخفوضا فخفض. # وإن كان عنى أنه تابع لمخفوض فخفضه بكونه جاور مخفوضا، أي: فصار ~~تابعا له، لم يكن خطأ، إلا أنه أغمض في عبارته؛ فالتبس بالمصطلح ~~عليه. # وقرأ ابن عباس والأعمش: " عن قتال " بإظهار " عن " وهي في ~~مصحف عبد الله كذلك. وقرأ عكرمة: " قتل فيه، قل قتل فيه " ~~بغير ألف. # وقرئ شاذا: " قتال فيه " بالرفع وفيه وجهان: # أحدهما: أنه مبتدأ، والجار والمجرور بعده خبر، وسوغ الابتداء ~~به وهو نكرة؛ أنه على نية همزة الاستفهام، تقديره: أقتال فيه. # والثاني: أنه مرفوع باسم فاعل تقديره: أجائز قتال فيه، فهو فاعل ~~به. وعبر أبو البقاء في هذا الوجه بأن يكون خبر محذوف، فجاء رفعه ~~من ثلاثة أوجه: إما مبتدأ، وإما فاعل، وإما خبر مبتدأ. ~~قالوا: ويظهر هذا من حيث إن سؤالهم لم يكن عن كينونة القتال في ~~الشهر أم لا، وإنما كان سؤالهم: هل يجوز القتال فيه أم لا؟ وعلى ~~كلا هذين الوجهين، فهذه الجملة المستفهم عنها في محل جر؛ بدلا ~~من الشهر الحرام، لأن " سأل " قد أخذ مفعوليه فلا تكون هي ~~المفعول، وإن كانت محط السؤال. # وقوله: " فيه " على قراءة خفض " قتال " فيه وجهان: # أحدهما: أنه في محل خفض؛ لأنه صفة ل " قتال ". # والثاني: أنه في محل نصب؛ لتعلقه بقتال، لكونه مصدرا. # وقال أبو البقاء: كما يتعلق ب " قتال " ولا حاجة إلى هذا ~~التشبيه، فإن المصدر عامل بالحمل على الفعل. # فصل # والضمير في " يسألونك " قيل للمؤمنين لما يأتي في سبب ms1202 النزول، ولأن ~~أكثر الحاضرين عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا مسلمين، فما ~~قبل هذه الآية # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة # [البقرة:214] # يسألونك ماذا ينفقون # [البقرة:215] حكاية عن المؤمنين، وما بعدها كذلك وهو قوله: # يسألونك عن الخمر والميسر # [البقرة:219]، # ويسألونك عن اليتامى # [البقرة:220] فوجب أن تكون هذه كذلك. # وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: ما رأيت قوما كانوا خيرا ~~من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة ~~مسألة حتى قبض، كلهن في القرآن، ومنها { يسألونك عن ~~الشهر الحرام }. # وقيل: الضمير للكفار؛ سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن القتال ~~في الشهر الحرام، فأخبرهم أنه حرام؛ فتركوا، واستحلوا قتالهم فيه ~~فأنزل الله: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ~~قل قتال فيه كبير } ولكن الصد عن سبيل الله، وعن المسجد ~~الحرام، والكفر به، أكبر من هذا القتال. { ولا يزالون ~~يقتلونكم حتى يردوكم عن دينكم } فبين تعالى ~~أن غرضهم من هذا السؤال، أن يقاتلوا المسلمين، ثم أنزل الله ~~تعالى: # الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص ~~فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما ~~اعتدى عليكم # [البقرة:194] فصرح في هذه الآية بأن القتال على سبيل الدفع جائز ~~والألف واللام في " الشهر الحرام " قيل: للعهد، وهو رجب، وقيل: ~~للجنس، فيعم جميع الأشهر الحرم. # قوله: { قتال فيه كبير } جملة من مبتدأ وخبر، محلها النصب ~~بقل والمعنى: القتال في الشهر الحرام وجاز الابتداء بالنكرة لأحد ~~وجهين: # إما الوصف، إذا جعلنا قوله: " فيه " صفة له. # وإم التخصيص بالعمل، إذا جعلناه متعلقا بقتال، كما تقدم في نظيره. # فإن قيل: قد تقدم لفظ نكرة، وأعيدت من غير دخول ألف ولام عليها، ~~وكان حقها ذلك، كقوله تعالى: # كمآ أرسلنآ إلى فرعون رسولا فعصى فرعون ~~الرسول # [المزمل:15-16] لإنه لو لم يكن كذلك، كان المذكور الثاني غير الأول، ~~وهذا غير واضح؛ لإن الألف كقوله: # فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا # [الشرح:5، 6]. # فقال أبو البقاء: " ليس المراد تعظيم القتال المذكور المسؤول عنه، ~~حتى ms1203 يعاد بالألف واللام، بل المراد تعظيم أي قتال كان، فعلى هذا " ~~قتال " الثاني غير الأول، وهذا غير واضح؛ لأن الألف واللام في ~~الاسم السابق المعاد أولا لا تفيد تعظيما، بل إنما تفيد العهد ~~في الاسم السابق. # وأحسن منه قول بعضهم: إن الثاني غير الأول، وذلك أن سؤالهم عن ~~قتال عبد الله جحش، وكان لنصرة الإسلام وخذلان الكفر؛ فليس من ~~الكبائر، بل الذي من الكبائر قتال غير هذا، وهو ما كان فيه إذلال ~~الإسلام، ونصرة الكفر، فاختير التنكير في هذين اللفظين؛ لهذه ~~الدقيقة، ولو جيء بهما معرفتين، أو بأحدهما معرفا، لبطلت هذه ~~الفائدة. # فصل # روى أكثر المفسرين عن ابن عباس: سبب نزول هذه الآية أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بعث عبدالله بن جحش الأسدي، وهو ابن عمته قبل ~~قتال بدر بشهرين على رأس سبعة أشهر من الهجرة وبعث معه ثمانية رهط، من ~~المهاجرين؛ سعد بن أبي وقاص الزهري وعكاشة بن محصن الأسدي، وعتبة بن ~~غزوان السلمي، وأبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسهيل ابن بيضاء، وعامر ~~بن ربيعة، وواقد بن عبدالله الحنظلي، وخالد بن بكير، وكتب معهم ~~لأميرهم عبد الله بن جحش كتابا وعهدا، ودفعه إليه، وقال: سر على اسم ~~الله، ولا تنظر في الكتاب حتى تسير يومين، فإذا نزلت، فافتح الكتاب ~~واقرأه على أصحابك، ثم امض إلى ما أمرتك، ولا تستكرهن أحدا ~~من أصحابك على السير معك، فسار عبد الله يومين، ثم نزل وفتح الكتاب، ~~وإذا فيه " بسم الله الرحمن الرحيم " أما بعد: فسر على بركة ~~الله بمن معك من أصحابك؛ حتى تنزل بطن نخلة، فترصد بها عير قريش؛ ~~لعلك تأتينا منهم بخبر، فلما نظر في الكتاب، قال سمعا وطاعة، ثم ~~قال لأصحابه ذلك، وقال: إنه نهاني أن أستكره أحدا منكم؛ فمن كان ~~يريد الشهادة، فلينطلق معي، ومن كره، فليرجع، ثم مضى، ومضى معه ~~أصحابه، لم يتخلف عنه منهم أحد، حتى كان بمعدن فوق الفرع يقال له ~~نجران، أضل سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان بعيرا لهما، ms1204 كانا ~~يعتقبانه؛ فتخلفا عليه في طلبه ومضى ببقية أصحابه، حتى نزل " ببطن ~~نخلة " بين " مكة " و " الطائف " فبينما هم كذلك، مرت عير ~~لقريش تحمل زبيبا، وأدما، وتجارة من تجارات الطائف فيهم عمرو بن ~~الحضرمي والحكم بن كيسان، وعثمان بن عبدالله بن المغيرة، ونوفل بن عبد ~~الله المخزوميان، فلما رأوا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~هابوهم، فقال عبد الله بن جحش إن القوم قد ذعروا منكم، فاحلقوا رأس ~~رجل منكم؛ وليتعرض لهم، فحلقوا رأس عكاشة، ثم أشرفوا عليهم؛ ~~فقالوا: قوم عمار، لا بأس عليكم فأمنوهم وكان ذلك في آخر يوم من ~~جمادى الآخرة. # فكانوا يرون أنه من جمادى، وهو من رجب فتشاور القوم، وقالوا: لئن ~~تركتموهم الليلة؛ ليدخلن الحرم، فليمنعن به منكم، فأجمعوا أمرهم في ~~مواقفة القوم، فرمى وقاد بن عبد الله السهمي عمرو بن الحضرمي ~~بسهم، فقتله، فكان أول قتيل من المشركين، واستأسر الحكم وعثمان، ~~فكانا أول أسيرين في الإسلام، وأفلت نوفل فأعجزهم، واستاق ~~المؤمنين العير والأسيرين، حتى قدموا على رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في المدينة، فقالت قريش: لقد استحل محمد الشهر ~~الحرام؛ فسفك فيه الدماء، وأخذ الأموال فما شهر يأمن فيه ~~الخائن، وغير ذلك، فقال أهل " مكة " من كان بها من المسلمين ~~وقالوا: يا معشر الصبأة، استحللتم الشهر الحرام، وقاتلتم فيه، فقال ~~عبد الله بن جحش: يا رسول الله: إنا قتلنا ابن الحضرمي، ثم أمسينا ~~فنظرنا إلى هلال رجب فلا ندري: أفي رجب أصبناه، أم في جمادى. # فوقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العير، والأسارى؛ وأبى أن ~~يأخذ شيئا من ذلك، فعظم ذلك على أصحاب السرية، وظنوا أن قد هلكوا، ~~وسقط في أيديهم، وأكثر الناس في ذلك، فأنزل الله هذه الآية، فأخذ رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - العير، فعزل منه الخمس، فكان أول خمس في ~~الإسلام، وقسم الباقي بين أصحاب السرية، وكان أول غنيمة في ~~الإسلام وبعث أهل مكة في فداء أسيرهما فقال: بل نبقيهما حتى يقدم سعد ~~وعتبة، وإن لم يقدما، قتلناهما ms1205 بهما، فلما قدما؛ فاداهما، فأما ~~الحكم بن كيسان، فأسلم، وأقام مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بالمدينة، فقتل يوم بئر معونة شهيدا، وأما عثمان بن عبد الله، ~~فرجع إلى مكة؛ فمات بها كافرا، # " وأما نوفل فضرب بطن فرسه يوم الأحزاب؛ ليدخل الخندق، فوقع في ~~الخندق مع فرسه فتحطما جميعا فقتله الله، فطلب المشركون جيفته ~~بالثمن؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خذوه فإنه خبيث ~~الجيفة، خبيث الدية ". # فصل # اتفق الجمهور: على أن هذه الآية تدل على حرمة القتال في الشهر ~~الحرام، ثم اختلفوا: هل ذلك الحكم باق أو نسخ؟ # فقال ابن جريج: حلف لي عطاء بالله أنه لا يحل للناس الغزو في ~~الحرم، ولا في الشهر الحرام، إلا على سبيل الدفع وروى جابر قال: ~~لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغزو في الشهر الحرام إلا ~~أن يغزى. # وسئل سعيد بن المسيب: هل يجوز للمسلمين أن يقاتلوا الكفار في ~~الشهر الحرام؟ قال: نعم. # قال أبو عبيد: والناس بالثغور اليوم جميعا يرون الغزو على هذا القول ~~مباحا في الشهور كلها ولم أر أحدا من علماء " الشام " ، و " ~~العراق " ينكره عليهم، وكذلك أحسب قول أهل الحجاز. # وحجته قوله تعالى: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة:5] وهذا ناسخة لتحريم القتال في الشهور الحرام. # قال ابن الخطيب: والذي عندي أن قوله تعالى: { قل قتال فيه ~~كبير } نكرة في سياق الإثبات، فيتناول فردا واحدا، ولا يتناول ~~كل الأفراد فهذه الآية لا دلالة فيها على تحريم القتال مطلقا في ~~الشهر الحرام، ولا حاجة إلى النسخ فيه. # قوله: " وصد " فيه وجهان: # أحدهما: أنه مبتدأ وما بعده عطف عليه، و " أكبر " خبر عن الجميع، ~~قاله الزجاج، ويكون المعنى أن القتال الذي سألتم عنه، وإن كان ~~كبيرا، إلا أن هذه الأشياء أكبر منه فإذا لم تمتنعوا عنها في الشهر ~~الحرام فكيف تعيبون عبد الله بن جحش على ذلك القتال مع أن عذره ظاهر؛ ~~لأنه كان يجوز أن يكون ذلك القتل واقعا في جمادى الآخرة، ونظيره ~~في المعنى ms1206 قوله تعالى لبني إسرائيل # أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم # [البقرة:44] وقوله: # لم تقولون ما لا تفعلون # [الصف:2]. # وجاز الابتداء ب " صد " لأحد ثلاثة أوجه: # إما لتخصيصه بالوصف بقوله: " عن سبيل الله ". # وإما لتعلقه به. # وإما لكونه معطوفا والعطف من المسوغات. # والثاني: أنه عطف على " كبير " أي: قتال فيه كبير وصد، قاله ~~الفراء. # قال ابن عطية: وهو خطأ؛ لأن المعنى يسوق إلى أن قوله: " وكفر به ~~" عطف أيضا على " كبير " ويجيء من ذلك أن إخراج أهل المسجد منه ~~أكبر من الكفر، وهو بين فساده. # وهذا الذي رد به قول الفراء، غير لازم له؛ إذ له أن يقول: إن ~~قوله " وكفر به " مبتدأ، وما بعده عطف عليه، و " أكبر " خبر ~~عنهما، أي: مجموع الأمرين أكبر من القتال والصد، ولا يلزم من ذلك ~~أن يكون إخراج أهل المسجد أكبر من الكفر، بل يلزم منه أنه أكبر من ~~القتال في الشهر الحرام. # وهو مصدر حذف فاعله ومفعوله؛ إذ التقدير: وصدكم - يا كفار - ~~المسلمين عن سبيل الله وهو الإسلام. # و " كفر " فيه وجهان: # أحدهما: أنه عطف [على " صد " على قولنا بأن " صدا " مبتدأ لا ~~على] قولنا: بأنه خبر ثان عن " قتال " ، لأنه يلزم منه أن يكون ~~القتال في الشهر الحرام كفرا، وليس كذلك، إلا أن يراد بقتال ~~الثاني ما فيه هدم الإسلام، وتقوية الكفر؛ كما تقدم ذلك عن ~~بعضهم، فيكون كفرا، فيصح عطفه عليه مطلقا، وهو أيضا مصدر لكنه ~~لازم، فيكون قد حذف فاعله فقط، أي: وكفركم. # والثاني: أن يكون مبتدأ، كما يأتي تفصيل القول فيه. والضمير في " به ~~" فيه وجهان: # أحدهما: أنه يعود على " سبيل " لأنه المحدث عنه. # والثاني: أنه يعود على الله، والأول أظهر. و " به " فيه وجهان، أعني ~~كونه صفة لكفر، أو متعلقا به، كما تقدم في " فيه ". # قوله: " والمسجد " مجرورا، وقرئ شاذا مرفوعا. فأما جره فاختلف ~~فيه النحويون على أربعة أوجه. # أحدها: وهو قول المبرد وتبعه الزمخشري - وقال ابن عطية " وهو الصحيح " ~~- أنه عطف على " سبيل الله " أي: وصد عن سبيل ms1207 الله وعن المسجد. # ورد هذا بأنه يؤدي إلى الفصل بين أبعاض الصلة بأجنبي ~~تقريره أن " صدا " مصدر مقدر بأن، والفعل، و " أن " ~~موصولة، وقد جعلتم " والمسجد " عطفا على " سبيل " ، فهو من ~~تمام صلته، وفصل بينهما بأجنبي، وهو " وكفر به ". ومعنى كونه ~~أجنبيا أنه لا تعلق له بالصلة. فإن قيل: يتوسع في ~~الظرف وحرف الجر ما لم يتوسع في غيرهما. # قيل: إنما قيل بذلك في التقديم، لا في الفصل. # الثاني: أنه عطف على الهاء في " به " ، أي: وكفر به، وبالمسجد، ~~وهذا يتخرج على قول الكوفيين. وأما البصريون؛ فيشترطون في ~~العطف على الضمير المجرور إعادة الخافض إلا في ضرورة، فهذا ~~التخريج عندهم فاسد ولا بد من التعرض لهذه المسألة، وما هو ~~الصحيح فيها؟ فنقول وبالله التوفيق: اختلف النحاة في العطف على ~~الضمير المجرور على ثلاثة مذاهب: # أحدها - وهو مذهب البصريين-: وجوب إعادة الجار إلا في ضرورة. # الثاني: أنه يجوز ذلك في السعة مطلقا، وهو مذهب الكوفيين، ~~وتبعهم أبو الحسن ويونس والشلوبين. # والثالث: التفصيل، وهو إن أكد الضمير؛ جاز العطف من غير ~~إعادة الخافض نحو: " مررت بك نفسك، وزيد " ، وإلا فلا يجوز ~~إلا ضرورة، وهو قول الجرمي، والذي ينبغي جوازه مطلقا لكثرة ~~السماع الوارد به، وضعف دليل المانعين واعتضاده بالقياس. # أما السماع: ففي النثر كقولهم: " ما فيها غيره، وفرسه ~~" بجر " فرسه " عطفا على الهاء في " غيره ". وقوله: # تسآءلون به والأرحام # [النساء:1] في قراءة جماعة كثيرة، منهم حمزة كما سيأتي إن شاء الله، ~~ولولا أن هؤلاء القراء، رووا هذه اللغة، لكان مقبولا بالاتفاق، ~~فإذا قرءوا بها في كتاب الله تعالى كان أولى بالقبول. # ومنه: # ومن لستم له برازقين # [الحجر:20] ف " من " عطف على " لكم " في قوله تعالى: # لكم فيها معايش # [الحجر:20]. وقوله: # وما يتلى عليكم # [النساء:127] عطف على: " فيهن " ، وفيما يتلى عليكم. أما النظم ~~فكثير جدا، فمنه قول العباس بن مرداس: [الوافر] # 1054- أكر على الكتيبة لا أبالي # أفيها كان حتفي أم سواها # ف " سواها " عطف على " فيها "؛ وقول الآخر: [الطويل] # 1055- تعلق في مثل السواري ms1208 سيوفنا # وما بينها والأرض غوط نفانف # وقول الآخر: [الكامل] # 1056- هلا سألت بذي الجماجم عنهم # وأبي نعيم ذي اللواء المحرق # وقول الآخر: [الطويل] # 1057- بنا أبدا لا غيرنا تدرك المنى # وتكشف غماء الخطوب الفوادح # وقول الآخر: [البسيط] # 1058- لو كان لي وزهير ثالث وردت # من الحمام عدانا شر مورود # وقال الآخر: [الطويل] # 1059- إذا أوقدوا نارا لحرب عدوهم # فقد خاب من يصلى بها وسعيرها # وقول الآخر: [البسيط] # 1060- إذا بنا بل أنيسان اتقت فئة # ظلت مؤمنة ممن يعاديها # وقول الآخر: [الرجز] # 1061- آبك أيه بي أو مصدر # من حمر الجلة جأب حشور # وأنشد سيبويه: [البسيط] # 1062- فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا # فاذهب فما بك والأيام من عجب # فكثرة ورود هذا، وتصرفهم في حروف العطف، فجاءوا تارة بالواو، ~~وأخرى ب " لا " ، وأخرى ب " أم " ، وأخرى ب " بل " دليل على ~~جوازه، وأما ضعف الدليل: فهو أنهم منعوا ذلك؛ لأن الضمير ~~كالتنوين، فكما لا يعطف على التنوين لا يعطف عليه إلا بإعادة ~~الجار. # ووجه ضعفه أنه كان بمقتضى هذه العلة ألا يعطف على ~~الضمير مطلقا، أعني سواء كان مرفوع الموضع، أو منصوبه، أو مجروره، ~~وسواء أعيد معه الخافض، أم لا كالتنوين. # وأما القياس، فلأنه تابع من التوابع الخمسة، فكما يؤكد ~~الضمير المجرور، ويبدل منه، فكذلك يعطف عليه. # الثالث: أن يكون معطوفا على { الشهر الحرام } ثم بعد هذا ~~طريقان: # أحدهما: أن قوله: " قتال فيه " مبتدأ، وقوله { كبير وصد ~~عن سبيل الله وكفر به } خبر بعد خبر، والتقدير: إن قتالا ~~فيه محكوم عليه بأنه كبير، وبأنه صد عن سبيل الله، وبأنه كفر ~~بالله. # والطريق الثاني: أن يكون قوله: { قتال فيه كبير } جملة مبتدأ ~~وخبر وقوله: { وصد عن سبيل الله } ، فهو مرفوع بالابتداء. وكذا ~~قوله " وكفر به " والخبر محذوف لدلالة ما تقدم عليه، والتقدير: ~~قل: قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله كبير وكفر به كبير ونظيره: ~~زيد منطلق وعمرو، وتقديره: وعمرو منطلق. وطعن البصريون في هذا ~~فقالوا: أما قولكم تقدير الآية: يسألونك عن قتال في الشهر الحرام ~~وفي المسجد الحرام؛ فهو ضعيف؛ لأن ms1209 السؤال كان واقعا عن القتال في ~~الشهر الحرام، لا عن القتال في المسجد الحرام، وطعنوا في الوجه ~~الأول بأنه يقتضي أن يكون القتال في الشهر الحرام كفرا بالله، ~~وهو خطأ بالإجماع. # الثاني: بأنه قال بعد ذلك { وإخراج أهله منه أكبر } ~~أي: أكبر من كل ما تقدم، فيلزم أن يكون إخراج أهل المسجد الحرام ~~أكبر عند الله من الكفر، وهو خطأ بالإجماع. # قال ابن الخطيب: وللفراء أن يجيب عن الأول بأنه: من الذي ~~أخبركم بأنه ما وقع السؤال عن القتال في المسجد الحرام، بل ~~الظاهر أنه وقع؛ لأن القوم كانوا مستعظمين للقتال في الشهر ~~الحرام في البلد الحرام، وكان أحدهما كالآخر في القبح عند القوم، ~~فالظاهر أنهم جمعوهما في السؤال، وقولهم: على الوجه الأول يلزم ~~أن يكون قتال في الشهر الحرام وكفر، فنحن نقول به لأن النكرة ~~في سياق الإثبات لا تفيد العموم. # وعندنا أن قتالا واحدا في الشهر الحرام كفر. # وقولهم على الثاني: يلزم أن يكون إخراج أهل المسجد منه أكبر من ~~الكفر. # قلنا: المراد أهل المسجد: وهم الرسول عليه الصلاة والسلام ~~وأصحابه، وإخراج الرسول من المسجد على سبيل الإذلال لا شك أنه كفر، ~~وهو مع كونه كفرا فهو ظلم لأنه إيذاء للإنسان من غير جرم ~~سابق، ولا شك أن الشيء الذي يكون ظلما وكفرا أكبر، وأقبح عند ~~الله مما يكون كفرا، وحده، ولما ذكر أبو البقاء هذا القول - وهو أن ~~يكون معطوفا على الشهر الحرام - أي يسألونك عن الشهر الحرام وعن ~~المسجد الحرام. # قال أبو البقاء: وضعف هذا بأن القوم لم يسألوا عن المسجد الحرام إذ ~~لم يشكوا في تعظيمه، وإنما سألوا عن القتال في الشهر الحرام. # والثاني: القتال في المسجد الحرام؛ لأنهم لم يسألوا عن ذات ~~الشهر ولا عن ذات المسجد، إنما سألوا عن القتال فيهما؛ فأجيبوا ~~بأن القتال في الشهر الحرام كبير، وصد عن سبيل الله تعالى، ~~فيكون [قتال] أخبر عنه بأنه كبير، وبأنه صد عن سبيل الله، وأجيبوا ~~بأن القتال في المسجد الحرام وإخراج أهله أكبر ms1210 من القتال فيه. وفي ~~الجملة، فعطفه على الشهر الحرام متكلف جدا يبعد عنه نظم ~~القرآن، والتركيب الفصيح. # الرابع: أن يتعلق بفعل محذوف دل عليه المصدر تقديره: ~~ويصدون عن المسجد، كما قال تعالى: # هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام # [الفتح:25] قاله أبو البقاء، وجعله جيدا، وهذا غير جيد؛ لأنه يلزم ~~منه حذف حرف الجر وإبقاء عمله، ولا يجوز ذلك إلا في صور ليس هذا ~~منها، على خلاف في بعضها، ونص النحويون على أنه ضرورة؛ كقوله: ~~[الطويل:] # 1063- إذا قيل: أي الناس شر قبيلة # أشارت كليب بالأكف الأصابع # أي: إلى كليب فهذه أربعة أوجه، أجودها الثاني. # ونقل بعضهم أن الواو في المسجد هي واو القسم فيكون مجرورا. # وأما رفعه فوجهه أنه عطف على " وكفر " على حذف مضاف ~~تقديره " وكفر بالمسجد " فحذفت الباء، وأضيف " كفر " ~~إلى المسجد، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ولا ~~يخفى ما فيه من التكلف. # فصل # وفي الصد عن سبيل الله وجوه: # أحدها: أنه صد عن الإيمان بالله ورسوله. # وثانيها: صد المسلمين عن الهجرة للرسول عليه السلام. # وثالثها: صد المسلمين عام الحديبية عن العمرة. # ولقائل أن يقول: دلت الروايات على أن هذه الآية، نزلت قبل غزوة ~~بدر باعثا للرسول مستحقا للعبادة قادرا على البعث، وأما " ~~المسجد الحرام " فإن عطفناه على الضمير في " به "؛ كان ~~المعنى: وكفر بالمسجد الحرام ومعنى الكفر بالمسجد الحرام هو منع ~~الناس عن الصلاة، والطواف به، فقد كفروا بما هو السبب في ~~فضيلته التي بها يتميز سائر البقاع. # وإن عطفناه على " سبيل الله " كان المعنى: وصد عن المسجد الحرام، ~~وذلك لأنهم صدوا الطائفين، والعاكفين، والركع السجود ~~عن المسجد الحرام. # قوله: { وإخراج أهله منه } عطف على " كفر " ، أو " صد ~~" على حسب الخلاف المتقدم، وهو مصدر حذف فاعله، وأضيف إلى ~~مفعوله، تقديره: " وإخراجكم أهله ". # والضمير في " أهله " و " منه " عائد على المسجد وقيل: ~~الضمير في " منه " عائد على سبيل الله، والأول أظهر و " منه " ~~متعلق بالمصدر. # قوله: " أكبر " فيه وجهان: # أحدهما: أنه خبر عن الثلاثة، أعني: صدا ms1211 وكفرا، وإخراجا كما ~~تقدم، وفيه حينئذ احتمالان: # أحدهما: أن يكون خبرا عن المجموع، والاحتمال الآخر أن يكون خبرا ~~عنها باعتبار كل واحد، كما تقول: " زيد وبكر وعمرو أفضل من خالد " ~~، أي: كل واحد منهم على انفراده أفضل من خالد. وهذا هو الظاهر. ~~وإنما أفرد الخبر؛ لأنه أفضل من تقديره: أكبر من القتال في ~~الشهر الحرام. وإنما حذف لدلالة المعنى. # الثاني من الوجهين في " أكبر ": أن يكون خبرا عن الأخير، ويكون ~~خبر " وصد " و " كفر " محذوفا لدلالة خبر الثالث عليه تقديره: ~~وصد وكفر أكبر. قال أبو البقاء في هذا الوجه: ويجب أن يكون المحذوف ~~على هذا أكبر لا " كبير " كما قدره بعضهم؛ لأن ذلك يوجب أن يكون ~~إخراج أهل المسجد منه أكبر من الكفر، وليس كذلك. وفيما قاله أبو البقاء ~~نظر؛ لأن هذا القائل يقول: حذف خبر " وصد " و " كفر " لدلالة ~~خبر " قتال " عليه، أي: القتال في الشهر الحرام كبير، والصد ~~والكفر كبيران أيضا، وإخراج أهل المسجد أكبر من القتال في الشهر ~~الحرام. ولا يلزم من ذلك أن يكون أكبر من مجموع ما تقدم حتى يلزم ~~ما قاله من المحذور. # و " عند الله " متعلق ب " أكبر " ، والعندية هنا مجاز ~~لما عرف. # فصل في المراد بهذا الإخراج # والمرد بهذا الإخراج أنهم أخرجوا المسلمين من المسجد، بل من مكة وإنما ~~جعلهم أهلا له؛ لأنهم القائمون بحقوق البيت كقوله تعالى: # وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها ~~وأهلها # [الفتح:26] وقال تعالى: # وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن ~~المسجد الحرام وما كانوا أوليآءه إن ~~أوليآؤه إلا المتقون # [الأنفال:34] فأخبر تعالى: أن المشركين خرجوا بشركهم عن أن يكونوا ~~أولياء المسجد ثم إنه تعالى ذكر هذه الأشياء، وحكم عليها بأنها أكبر، أي: ~~كل واحد منها أكبر من قتال في الشهر الحرام، وهذا تفريع على قول ~~الزجاج؛ لأن كل واحد من هذه الأشياء أكبر من قتال في الشهر ~~الحرام، فالكفر أعظم من القتل، أو نقول: كل واحد من هذه الأشياء أكبر ~~من قتال في الشهر الحرام، وهو ms1212 القتال الذي صدر عن عبد الله بن جحش؛ ~~لأنه ما كان قاطعا بوقوع ذلك القتال في الشهر الحرام، وهؤلاء الكفار ~~قاطعون بوقوع هذه الأشياء منهم في الشهر الحرام؛ فيلزم أن يكون وقوع ~~هذه الأشياء أكبر حجما. # قوله: { والفتنة أكبر من القتل } ذكروا في الفتنة ~~قولين: # أحدهما - وعليه أكثر المفسرين -: أنها الكفر، أي: الشرك الذي ~~أنتم عليه أكبر من قتل ابن الحضرمي في الشهر الحرام. # قال ابن الخطيب: وهذا يستقيم على قول الفراء، وضعيف على قول ~~الزجاج؛ لأنه قد تقدم ذكر ذلك، فإنه تعالى قال: " وكفر ~~به أكبر " فحمل الفتنة على الكفر يكون تكرارا. # والقول الثاني: أن الفتنة ما كانوا يفتنون المسلمين عن دينهم تارة ~~بإلقاء الشبهات في قلوبهم، وتارة بالتعذيب كفعلهم ببلال، وعمار، ~~وصهيب. # قال: محمد بن إسحاق: لأن الفتنة عبارة عن الامتحان، يقال: فتنت ~~الذهب بالنار: إذا أدخلته فيها لتزيل غشه قال تعالى: # إنمآ أموالكم وأولادكم فتنة # [التغابن:15]، أي: امتحان؛ لأنه إذا ألزمه إنفاق المال في سبيل الله، ~~تفكر في ولده؛ فصار ذلك مانعا عن الإنفاق وقال تعالى: # الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ءامنا ~~وهم لا يفتنون # [العنكبوت:1-2]، أي: لا يمتحنون في دينهم بأنواع البلاء، وقال: # وفتناك فتونا # [طه:40] وقال: # فإذآ أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله # [العنكبوت:10] وقال: # إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات # [البروج:10] والمراد أنهم آذوهم، وعذبوهم لبقائهم على دينهم. وقال: # إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا # [النساء:101]، وقال: # مآ أنتم عليه بفاتنين # [الصافات:162] وقال: # فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة # [آل عمران:7] أي: ابتغاء المحبة في الدين. وقال: # واحذرهم أن يفتنوك # [المائدة:49] وقال: # ربنا لا تجعلنا فتنة # [يونس:85] والمعنى: أن يفتنوا بها عن دينهم، فيتزين في أعينهم ما هم فيه ~~من الكفر؛ وقال: # فستبصر ويبصرون بأييكم المفتون # [القلم:5-6] قيل: المفتون المجنون؛ لأن المجنون والجنون فتنة إذ هو ~~محنة وعدول عن سبيل العقلاء، وإذا ثبت أن الفتنة هي المحنة، فالفتنة ~~أكبر من القتل؛ لأن الفتنة عن الدين تفضي إلى القتل الكبير في ~~الدنيا ms1213 وإلى استحقاق العذاب الدائم في الآخرة، فصح أن الفتنة ~~أكبر من القتل فضلا عن ذلك القتل الذي وقع السؤال عنه، وهو قتل ابن ~~الحضرمي. # روي أنه لما نزلت هذه الآية كتب عبد الله بن جحش إلى مؤمني مكة: إذا ~~عيركم المشركون بالقتال في الشهر الحرام؛ فعيروهم بالكفر، وإخراج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتال من مكة ومنع المؤمنين عن البيت ~~الحرام. # وصرح هنا بالمفضول في قوله: { والفتنة أكبر من القتل }؛ ~~لأنه لا دلالة عليه لو حذف بخلاف الذي قبله حيث حذف. # قوله: { ولا يزالون يقاتلونكم } هذا فعل لا مصدر له، قال ~~الواحدي: ما زال يفصل ولا يقال منه: فاعل، ولا مفعول، ومثاله في الأفعال ~~كثير نحو " عسى " ليس له مصدر، ولا مضارع، وكذلك ذو، وما فتىء، ~~وهلم، وهاك وهات وتعال وتعالوا. ومعنى " لا يزالون ": نفي: فإذا ~~دخلت عليه " ما " كان ذلك نفيا للنفي، فيكون دليلا على الثبوت ~~الدائم. # قوله تعالى: { حتى يردوكم } حتى حرف جر، ومعناها يحتمل ~~وجهين: # أحدهما: الغاية. # والثاني: التعليل بمعنى كي، والتعليل أحسن؛ لأن فيه ذكر الحامل لهم ~~على الفعل، والغاية ليس فيها ذلك ولذلك لم يذكر الزمخشري غير كونها ~~للتعليل قال: " وحتى " معناها التعليل كقولك: " فلان يعبد ~~الله، حتى يدخل الجنة " ، أي: يقاتلونكم كي يردوكم ". ~~ولم يذكر ابن عطية غير كونها غاية قال: " و " يردوكم " نصب ب " ~~حتى "؛ لأنها غاية مجردة. وظاهر قوله: " منصوب بحتى " أنه لا ~~يضمر " أن " لكنه لا يريد ذلك، وإن كان بعضهم يقول بذلك. والفعل بعدها ~~منصوب بإضمار أن وجوبا. # و " يزالون " مضارع زال الناقصة التي ترفع الاسم، وتنصب الخبر، ~~ولا تعمل إلا بشرط أن يتقدمها نفي، أو نهي، أو دعاء، وقد يحذف ~~النافي باطراد إذا كان الفعل مضارعا في جواب قسم، وإلا فسماعا، ~~وأحكامها في كتب النحو، ووزنها فعل بكسر العين، وهي من ذوات الياء ~~بدليل ما حكى الكسائي في مضارعها: يزيل، وإن كان الأكثر يزال، فأما ~~زال التامة، فوزنها فعل بالفتح، وهي من ذوات الواو لقولهم في مضارعها ~~يزول، ms1214 ومعناها التحول. و " عن دينكم " متعلق ب " يردوكم " ~~وقوله: " إن استطاعوا " شرط جوابه محذوف للدلالة عليه، أي: إن ~~استطاعوا ذلك، فلا يزالوا يقاتلونكم، ومن رأى جواز تقديم الجواب، جعل " ~~لا يزالون " جوابا مقدما، وقد تقدم الرد عليه بأنه كان ~~ينبغي أن تجب الفاء في قولهم: " أنت ظالم إن فعلت ". # قوله: " من يرتدد " " من " شرطية في محل رفع بالابتداء، ولم ~~يقرأ أحد هنا بالإدغام، وفي المائدة [آية54] اختلفوا فيه، فنؤخر ~~الكلام على هذه المسألة إلى هناك إن شاء الله تعالى. # ويرتدد يفتعل من الرد وهو الرجوع كقوله: # فارتدا على آثارهما قصصا # [الكهف:64]. قال أبو حيان: " وقد عدها بعضهم فيما يتعدى إلى ~~اثنين إذ كانت عنده بمعنى صير، وجعل من ذلك قوله: # فارتد بصيرا # [يوسف:96] أي: رجع " وهذا منه سهو؛ لأن الخلاف إنما هو بالنسبة ~~إلى كونها بمعنى صار، أم لا، ولذلك مثلوا بقوله: " فارتد بصيرا " ~~فمنهم من جعلها بمعنى: " صار " ، ومنهم من جعل المنصوب بعدها حالا، ~~وإلا فأين المفعولان هنا؟ وأما الذي عدوه يتعدى لاثنين بمعنى: " ~~صير " ، فهو رد لا ارتد، فاشتبه عليه رد ب " ارتد " ~~وصير ب " صار ". # وقال الواحدي: وأظهر التضعيف مع الجزم، ولسكون الحرف الثاني، وهو ~~أكثر في اللغة من الإدغام. # و " منكم " متعلق بمحذوف؛ لأنه حال من الضمير المستكن في " ~~يرتدد " و " من " للتبعيض، تقديره: ومن يرتدد في حال كونه ~~كائنا منكم، أي: بعضكم. و " عن دينه " متعلق ب " يرتدد " ، ~~و " فيمت " عطف على الشرط، والفاء مؤذنة بالتعقيب. # " وهو كافر " جملة حالية من ضمير: " يمت " ، وكأنها حال ~~مؤكدة؛ لأنها لو حذفت لفهم معناها، لأن ما قبلها يشعر بالتعقيب ~~للارتداد، وجيء بالحال هنا جملة، مبالغة في التأكيد من حيث تكرر ~~الضمير بخلاف ما لو جيء بها اسما مفردا. # وقوله: { فأولئك } جواب الشرط. # قال أبو البقاء: و " من " في موضع مبتدأ، والخبر هو الجملة التي هي ~~قوله: { فأولئك حبطت } ، وكان قد سلف له عند قوله: # فمن تبع هداي # [البقرة:38] أن خبر اسم الشرط هو فعل الشرط لا جوابه، ورد ms1215 على من ~~يدعي ذلك بما حكيته عنه ثمة، ويبعد منه توهم كونها موصولة لظهور ~~الجزم في الفعل بعدها، ومثله لا يقع في ذلك. # و " حبط " فيه لغتان: كسر العين - وهي المشهورة - وفتحها، وبها قرأ ~~أبو السمال في جميع القرآن، ورويت عن الحسن أيضا. والحبوط: أصله ~~الفساد. # قال أهل اللغة: أصل الحبط أن تأكل الإبل شيئا يضرها، فتعظم بطونها، ~~فتهلك. وفي الحديث: # " وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا " # ، وذلك أن الإبل تأكل من المرعى إلى أن تنتفخ بطنها؛ فتموت البطن. # ومنه: " حبط بطنه " ، أي: انتفخ، ومنه " رجل حبنطى " ، أي: ~~منتفخ البطن. # وحمل أولا على لفظ " من " فأفرد في قوله: " يرتدد، فيمت، وهو ~~كافر " وعلى معناها ثانيا في قوله: " فأولئك " إلى آخره، فجمع، ~~وقد تقدم أن مثل هذا التركيب أحسن الاستعمالين: أعني الحمل أولا ~~على اللفظ، ثم على المعنى. وقوله " في الدنيا " متعلق ب " ~~حبطت ". # وقوله: { وأولئك أصحاب النار } إلى آخره تقدم إعراب ~~نظيرتها. واختلفوا في هذه الجملة: هل هي استئنافية، أي: لمجرد ~~الإخبار بأنهم أصحاب النار، فلا تكون داخلة في جزاء الشرط، بل ~~تكون معطوفة على جملة الشرط، أو هي معطوفة على الجواب؛ فيكون محلها ~~الجزم؟ قولان، رجح الأول بالاستقلال وعدم التقييد، والثاني بأن ~~عطفها على الجزاء أقرب من عطفها على جملة الشرط، والقرب مرجح. # فصل فيمن خرج من كفر إلى كفر # قال القرطبي: اختلفوا فيمن خرج من كفر إلى كفر؛ فقال جمهور الفقهاء: ~~لا يتعرض له؛ لأنه انتقل ما لو كان عليه في الابتداء لأقر عليه وعن ~~الشافعي: أنه يقتل؛ بقوله عليه السلام: # " من بدل دينه فاقتلوه " # وقال مالك: معناه: من خرج من الإسلام إلى الكفر، فأما من خرج من كفر ~~إلى كفر، فلم يعنه الحديث. # فصل في اقتضاء الآية شرط الوفاة # ظاهر الآية يقتضي أن الوفاة شرط لثبوت الأحكام المذكورة. ويتفرع ~~عليه بحثان: بحث أصولي، وبحث فروعي. فالأصولي: أن جماعة من ~~المتكلمين قالوا: شرط صحة الإيمان والكفر حصول الوفاة، فلا يكون ~~الإيمان إيمانا، إلا إذا مات المؤمن، ولا ms1216 يكون الكفر كفرا، إلا إذا ~~مات الكافر عليه. # وأما البحث الفروعي: فهو أن المسلم إذا صلى، ثم ارتد، ثم أسلم ~~في الوقت؛ قال الشافعي: لا إعادة عليه. # وقال أبو حنيفة: يلزمه قضاء ما أدى وكذلك الحج، حجة الشافعي قوله ~~تعالى: { فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم ~~} شرط في إحباط العمل أن يموت وهو كافر، وهذا الشخص لم يوجد في حقه ~~هذا الشرط؛ فوجب ألا يصير عمله محبطا. # فإن قيل: هذا معارض بقوله تعالى: # ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون # [الأنعام:88] وقوله: # ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله # [المائدة:5]. # ولا يقال: حمل المطلق على المقيد واجب؛ لأنا نقول: ليس هذا من باب ~~المطلق والمقيد؛ فإنهم أجمعوا على أن من علق حكما بشرطين، وعلقه ~~بشرط، أن الحكم ينزل عند أيهما وجد كمن قال لعبده: أنت حر؛ إذا جاء ~~يوم الخميس، ولم يكن في ملكه، ثم اشتراه، ثم جاء يوم الخميس؛ عتق ولو كان ~~باعه، فجاء يوم الخميس وهو في ملكه عتق بالتعليق الأول. # فصل في محل إحباط العمل # ليس المراد من إحباط العمل نفس العمل؛ لأن العمل شيء كما وجد، فني ~~وزال، وإعدم المعدوم محال. ثم اختلف المتكلمون فيه؛ فقال المثبتون ~~للإحباط والتكفير: المراد منه أن عقاب الردة الحادثة يزيل ثواب ~~الإيمان السابق، إما بشرط الموازنة على ما هو مذهب أبي هاشم وجمهور ~~المتأخرين من المعتزلة، أو لا بشرط الموازنة على ما هو مذهب أبي علي. # وقال المنكرون للإحباط: هذا المعنى المراد من الإحباط الوارد في كتاب ~~الله، هو أن المرتد إذا أتى بالردة فتلك الردة عمل محبط؛ لأن ~~الآتي بالردة كان يمكنه أن يأتي بدلها بعمل يستحق به ثوابا، فإذا لم ~~يأت بذلك العمل الجيد، وأى بدله بهذا العمل الرديء، لا يستفيد منه ~~نفعا، بل يستفيد منه أعظم المضار، يقال: إنه حبط عمله، أي: بعمل ~~باطل، ليس فيه فائدة، بل فيه مضرة. # فصل في الإحباط في الدنيا # أما إحباط الأعمال في الدنيا، فهو أنه يقتل عند الظفر به، ~~ويقاتل إلى ms1217 أن يظفر به، ولا يستحق من المؤمنين موالاة ولا نصرا، ولا ~~ثناء حسنا، وتبين زوجته منه، ولا يستحق الميراث من المسلمين. ويجوز ~~أن يكون المعنى في إحباط أعمالهم في الدنيا، هو أن ما يريدونه بعد ~~الردة من الإضرار بالمسلمين، ومكايدتهم بالانتقال عن دينهم يبطل كله، ~~فلا يحصلون منه على شيء لإعزاز الله الإسلام بأنصاره؛ فتكون الأعمال على ~~هذا التأويل ما يعملونه بعد الردة، وأما إحباط أعمالهم في ~~الآخرة، فعند القائلين بالإحباط معناه: إن هذه الردة تبطل ~~استحقاقهم للثواب الذي استحقوه بأعمالهم السالفة. وعند المنكرين ~~لذلك معناه: أنهم لا يستفيدون من تلك الردة ثوابا، ونفعا في ~~الآخرة، بل يستفيدون منه أعظم المضار، ثم بين كيفية تلك المضرة ~~فقال: { وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }. # فصل # قال القرطبي: قالت طائفة: يستتاب المرتد؛ فإن تاب وإلا قتل. # وقال بعضهم: يستتاب ساعة واحدة. # وقال آخرون: يستتاب شهرا. # وقال آخرون: يستتاب ثلاثا، على ما روي عن عمر وعثمان، وهو قول ~~مالك في رواية ابن القاسم. # وقال الحسن: يستتاب مائة مرة، وروي عنه أنه يقتل دون ~~استتابة، وهو أحد قولي الشافعي. # واحتج من قال بأنه يقتل ولا يستتاب، بحديث معاذ، وأبي موسى: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث أبا موسى إلى اليمن أتبعه معاذ بن ~~جبل، فلما قدم عليه قال: انزل، وألقى له وسادة، وإذا رجل عنده ~~موثق، قال: ما هذا؟ قال: كان يهوديا، فأسلم، ثم راجع دينه، ~~فتهود، قال: لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله ثلاث مرات، وأمر ~~به فقتل. أخرجه " مسلم " وغيره. # وقال مالك: يقتل الزنديق، ولا يستتاب. ### || [2.218] # قوله تعالى: { إن الذين ءامنوا }. # إن واسمها و " أولئك " مبتدأ، و " يرجون " خبره، والجملة خبر ~~" إن " ، وهو أحسن من كون " أولئك " بدلا من " الذين " ، و " ~~يرجون " خبر " إن ". وجيء بهذ الأوصاف الثلاثة مترتبة على حسب ~~الواقع، إذ الإيمان أول، ثم المهاجرة، ثم الجهاد. # وأفرد الإيمان بموصول وحده؛ لأنه أصل الهجرة والجهاد، وجمع الهجرة، ~~والجهاد في موصول واحد، لأنهما فرعان عنه، وأتى بخر ms1218 " إن " اسم ~~إشارة؛ لأنه متضمن للأوصاف السابقة. وتكرير الموصول بالنسبة إلى ~~الصفات، لا الذوات، فإن الذوات متحدة موصوفة بالأوصاف ~~الثلاثة، فهو من باب عطف بعض الصفات على بعض، والموصوف واحد. ولا ~~نقول: إن تكرير الموصوف يدل على تغير الذوات الموصوفة؛ لأن ~~الواقع كان كذلك. وأتى ب " يرجون "؛ ليدل على التجدد وأنهم في ~~كل وقت يحدثون رجاء. # والمهاجرة: مفاعلة من الهجر، وهي الانتقال من أرض إلى أرض، وأصل الهجر ~~الترك. والمجاهدة مفاعلة من الجهد، وهو استخراج الوسع وبذل المجهود، ~~والإجهاد: بذل المجهود في طلب المقصود، والرجاء: الطمع. # وقال الراغب: هو ظن يقتضي حصول ما فيه مسرة، وقد يطلق على الخوف؛ ~~وأنشد: [الطويل]: # 1064- إذا لسعته النحل لم يرج لسعها # وخالفها في بيت نوب عواسل # أي: لم يخف، وقال تعالى: # لا يرجون لقآءنا # [يونس:7] أي: لا يخافون، وهل إطلاقه عليه بطريق الحقيقة، أو المجاز؟ ~~فزعم قوم أنه حقيقة، ويكون من الاشتراك اللفظي، وزعم قوم أنه من ~~الأضداد، فهو اشتراك لفظي أيضا. قال ابن عطية: " وليس هذا ~~بجيد " ، يعني: أن الرجاء والخوف ليسا بضدين إذ يمكن اجتماعهما، ~~ولذلك قال الراغب بعد إنشاده البيت المتقدم " ووجه [ذلك]: ~~أن الرجاء والخوف يتلازمان " ، وقال ابن عطية: " ~~والرجاء أبدا معه خوف، كما أن الخوف معه رجاء ". وزعم قوم ~~أنه مجاز للتلازم الذي ذكرناه عن الراغب وابن عطية. # وأجاب الجاحظ عن البيت بأن معناه لم يرج برء لسعها وزواله فالرجاء ~~على بابه. # وأما قوله: # لا يرجون لقآءنا # [يونس:7] أي لا يرجون ثواب لقائنا، فالرجاء أيضا على بابه، قاله ابن ~~عطية. # وقال الأصمعي: " إذا اقترن الرجاء بحرف النفي، كان بمعنى ~~الخوف " كهذا البيت والآية. # وفيه نظر إذ النفي لا يغير مدلولات الألفاظ. # والرجاء مقصود ناحية البئر، وحافاته من كل ناحية، وجاؤوا بقوام من ~~الناس يخطون في قولهم بأعظم الرجاء، فيقصرون، ولا يمدون، وكتبت ~~" رحمة " هنا بالتاء: إما جريا على لغة من يقف على تاء ~~التأنيث بالتاء، وإما اعتبارا بحالها في الوصل، وهي في القرآن في ~~سبعة مواضع، كتبت في الجميع ms1219 تاء، هنا وفي الأعراف: # إن رحمة الله # [آية:56]، وفي هود: # رحمة الله وبركاته # [آية:73]، وفي مريم: # ذكر رحمة ربك # [آية:2]، وفي الروم: # فانظر إلى ءاثار رحمت الله # [آية:50]، وفي الزخرف: # أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم ~~معيشتهم في الحيوة الدنيا ورفعنا بعضهم ~~فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ~~ورحمت ربك خير # [آية:32]. # فصل # في تعلق هذه الآية بما قبلها، وجهان: # الأول: أن عبد الله بن جحش قال: يا رسول الله، هب أنه لا ~~عقاب علينا فيما فعلنا، فهل نطمع منه أجرا، ~~وثوابا، فنطمع أن يكون سفرنا هذا غزوا؛ فأنزل الله هذه الآية؛ ~~لأن عبد الله كان مؤمنا، ومهاجرا، وسبب هذه المقاتلة، كان مجاهدا. # الثاني: أنه تعالى أوجب الجهاد من قبل بقوله: # كتب عليكم القتال وهو كره لكم # [البقرة:216] وبين أن تركه سبب الوعيد أتبع ذلك بذكر من يقوم به فقال: { ~~إن الذين ءامنوا } ولا يكاد يوجد وعيد إلا ويعقبه وعد. # فصل في المراد بالرجاء # وفي هذا الرجاء قولان: # الأول: عبارة عن ظن المنافع التي يتوقعها وأراد تعالى هنا: أنهم ~~يظنون في ثواب الله؛ لأن عبد الله بن جحش ما كان قاطعا بالفوز ~~والثواب في عمله، بل كان يتوقعه، ويرجوه. # فإن قيل: لم جعل الوعد مطلقا بالرجاء، ولم يقطع به، كما في سائر ~~الآيات؟ # فالجواب من وجوه. # أحدها: أن الثواب على الإيمان، والعمل غير واجب عقلا، بل بحكم ~~الوعد فلذلك علقه بالرجاء. # وثانيها: هب أنه واجب عقلا، ولكنه تعلق بأنه لا يكفر، وهذا ~~الشرط مشكوك لا متيقن، فلا جرم الرجاء، لا القطع. # وثالثها: أن المذكور هاهنا هو الإيمان، والهجرة، والجهاد، ولا بد ~~للإنسان مع ذلك من سائر الأعمال، وهو أن يرجو أن يوفقه الله لها، كما ~~وفقه لهذه الثلاثة، فلا جرم علقه على الرجاء. # ورابعها: ليس المراد من الآية أن الله تعالى شكك العبد في هذه ~~المغفرة، بل المراد وصفهم بأنهم يفارقون الدنيا مع الهجرة والجهاد، ~~ومستقصرين أنفسهم في حق الله تعالى يرون أنهم يعبدونه حق عبادته، ولم ~~يقضوا ms1220 ما يلزمهم في نصرة دينه، فيقدمون على الله مع الخوف والرجاء، كما ~~قال: # والذين يؤتون مآ ءاتوا وقلوبهم وجلة أنهم ~~إلى ربهم راجعون # [المؤمنون:60]. # وأجاب القرطبي عن هذا السؤال بوجهين آخرين: # الأول: أن الإنسان لو بلغ في طاعة الله كل مبلغ، لا يدري بماذا ~~يختم له. # الثاني: لئلا يتكل على عمله. # القول الثاني: أن المراد من الرجاء القطع في أصل الثواب، والظن ~~إنما دخل في كميته وفي وقته، وفيه وجوه تقدمت في قوله تعالى: # الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم # [البقرة:46]. # وقوله: { والله غفور رحيم } ، أي: إن الله تعالى يحقق لهم ~~رجاءهم، إذا ماتوا على الإيمان، والعمل الصالح. ### || [2.219-220] # قوله: { عن الخمر والميسر } لا بد فيه من حذف مضاف إذ ~~السؤال عن ذاتي الخمر والميسر غير مراد، والتقدير: عن حكم الخمر ~~والميسر. # الخمر: هو المعتصر من العنب إذا غلى، وقذف بالزبد، ويطلق على ما ~~غلى، وقذف بالزبد من غير ماء العنب مجازا. # وفي تسميتها " خمرا " أربعة أقوال: # أشهرها: أنها سميت بذلك؛ لأنها تخمر العقل، أي: تستره، ومنه: خمار ~~المرأة لستره وجهها، والخمر: ما واراك من شجر، وغيره من وهدة، وأكمة، ~~والخامر هو الذي يكتم شهادته؛ [و: " خامري حضاجر، أتاك ما تحاذر ~~" يضرب للأحمق، وحضاجر: علم للضبع، أي: استتر عن الناس، ودخل ~~في خمار الناس، وغمارهم]. # ومنه يقال: " أخمرت الأرض " كثر خمرها - بفتح الميم - الشجر ~~الملتف. # قال: [الوافر] # 1065- ألا يا زيد والضحاك سيرا # فقد جاوزتما خمر الطريق # أي: ما يستركما من شجر وغيره، وقال العجاج يصف مسير جيش طاهر بن ~~أبان: # [الرجز] # 1066-في لامع العقبان لا يمشي الخمر # والثاني: لأنها تغطى حتى تدرك وتشتد، فهو من التغطية ومنه " ~~خمروا آنيتكم ". # والثالث: - قال ابن الأنباري من المخالطة - لأنها تخامر العقل، أي: ~~تخالطه، يقال: خامره الداء، أي: خالطه. # وأنشد لكثير: [الطويل] # 1067- هنيئا مريئا غير داء مخامر # ........................... # ويقال: خامر السقام كبده. فهذه الاشتقاقات دالة على أن الخمر ما ~~يكون ساترا للعقل، كما سميت مسكرا؛ لأنها تسكر العقل أي: تحجزه. # والرابع: لأنها تترك حتى تدرك، ومنه: ms1221 " اختمر العجين " أي: بلغ ~~إدراكه، وخمر الرأي، أي: تركه، حتى ظهر له فيه وجه الصواب، وهي ~~أقوال متقاربة. وعلى هذه الأقوال تكون الخمر في الأصل مصدرا مرادا به ~~اسم الفاعل واسم المفعول. # فصل # قال أبو حنيفة: الخمر: هو ما كان من عصير العنب وغيره. # حجة أبي حنيفة: قوله تعالى: # ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ~~ورزقا حسنا # [النحل:67] فمن الله تعالى علينا باتخاذ السكر، والرزق الحسن؛ ~~فوجب أن يكون مباحا؛ لأن المنة لا تكون إلا بالمباح. # " وروى ابن عباس أنه - عليه السلام - أتى السقاية عام حجة ~~الوداع، فاستند إليها وقال: اسقوني، فقال العباس: لنسقينك مما ~~ننبذه في بيوتنا؟ فقال: " مما يسقى الناس " فجاءه بقدح من ~~نبيذ؛ فشمه فقطب وجهه ورده، فقال العباس: يا رسول الله أفسدت على ~~أهل مكة شرابهم. فقال: " ردوا علي القدح " فردوه عليه؛ ~~فدعا بماء زمزم؛ فصب عليه وشرب وقال: " إذا اغتلمت عليكم ~~هذه الأشربة فاقطعوا نتنها بالماء " ". # وجه الاستدلال به: أن التقطيب لا يكون إلا من الشديد، ولأن المزج ~~بالماء كان لقطع الشدة بالنص، ولأن اغتلام الشراب شدته، ~~كاغتلام البعير سكره. # وأيضا وردت عند الصحابة فيه آثار؛ روي أن عمر بن الخطاب - رضي ~~الله عنه - كتب إلى بعض عماله أن أرزاق المسلمين من الطلاء ما ذهب ~~ثلثاه، وبقي ثلثه، ورأى أبو عبيدة، ومعاذ: شرب الطلاء على الثلث. # وحجة القائلين بأن الخمر من عصير العنب وغيره ما روى أبو داود عن ~~عمر - رضي الله عنه - قال: " نزل تحريم الخمر يوم نزل وهي ~~من خمسة من العنب، والتمر، والحنطة، والشعير، والذرة ~~". # والخمر ما خامر العقل. # وفي " الصحيحين " عن عمر أنه قال على منبر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ألا إن الخرم قد حرمت، وهي من خمسة: من العنب، والتمر، ~~والعسل، والحنطة، والشعير والخمر ما خامر العقل. وروى أبو داود عن نافع ~~عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كل مسكر خمر، وكل خمر حرام " # وفي " الصحيحين " # " أنه عليه السلام سئل عن البتع، ms1222 فقال: " كل شراب أسكر، ~~فهو حرام " # والبتع شراب يتخذ من العسل. # قال الخطابي: والدلالة من وجهين: # أحدهما: أن الآية لما دلت على تحريم الخمر، وكان مسمى الخمر ~~مجهولا من القوم، حسن من الشارع أن يقال: مراد الله تعالى من هذه ~~اللفظة هذا، ويكون على سبيل إحداث لغة، كما في الصلاة والصوم ~~وغيرهما. # والوجه الآخر: أن يكون معناه: أنه كالخمر في الحرمة؛ لأن قوله هذا ~~خمر، فإن كان حقيقة؛ فحصل المدعي، وإن كان مجازا؛ فيكون حكمه كحكمه؛ ~~لأنا بينا أن الشارع ليس مقصوده تعليم اللغات على تعليم ~~الأحكام، وحديث البتع يبطل كل تأويل ذكره أصحاب تحليل الأنبذة، وإفساد ~~قول من قال: إن القليل من المسكر من الأنبذة مباح؛ لأنه - عليه ~~السلام - سئل عن نوع واحد من الأنبذة، وأجاب بتحريم الجنس، فدخل ~~فيه القليل والكثير، ولو كان ثم تفصيل في شيء من أنواعه ومقاديره ~~لذكره ولم يهمله، وقال - عليه الصلاة والسلام -: # " ما أسكر كثيره فقليله حرام " # ، وقال: # " ما أسكر الفرق منه فمسك الكف منه حرام ". # قال الخطابي: " الفرق ": مكيال يسع ستة عشر رطلا وروى أبو ~~داود عن أم سلمة قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ~~مسكر ومفتر. # قال الخطابي: " المفتر " كل شراب يورث الفتور، والخدر في ~~الأعضاء. # واستدلوا أيضا بالاشتقاق المتقدم وأيضا بقوله تعالى: # إنما يريد الشيطن أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضآء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر ~~الله وعن الصلوة # [المائدة:91]. # وهذه العلة موجودة في الأنبذة؛ لأنها مظنته. # وأيضا فإن عمر، ومعاذ قالا: يا رسول الله، إن الخمر مسلبة للعقل ~~مذهبة للمال؛ وهذه العلة موجودة في الأنبذة. # والجواب عن دلائل أبي حنيفة: أن قوله # تتخذون منه سكرا ورزقا # [النحل:67] نكرة في سياق الإثبات، فلم قلتم إن ذلك السكر هو هذا ~~النبيذ. # ثم أجمع المفسرون على أن هذه الآية قبل الآيات الدالة على ~~تحريم الخمر، فتكون ناسخة، أو مخصصة. # وأما حديث النبيذ فلعله كان ماءا نبذت فيه تمرات؛ لتذهب ملوحته ~~فتغير طعم الماء قليلا إلى الحموضة، وطبعه - عليه ms1223 الصلاة والسلام ~~- كان في غاية اللطافة، فلم يحتمل طبعه الكريم ذلك الطعم؛ فلذلك ~~قطب وجهه، وإنما صب الماء فيه؛ إزالة لتلك الحموضة، أو الرائحة. ~~وأما آثار الصحابة، فمتدافعة متعارضة. # فصل في عدد الآيات التي نزلت بمكة في تحريم الخمر # قالوا: نزل في الخمر آربع آيات بمكة: # قوله: # ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا # [النحل:67] وكان المسلمون يشربونها، وهي لهم حلال، ثم إن عمر ومعاذا ~~ونفرا من الصحابة قالوا: يا رسول الله، أفتنا في الخمر، فإنها ~~مذهبة للعقل مسلبة للمال، فنزل قول تعالى: { فيهمآ إثم كبير ~~ومنافع للناس } [البقرة:219] ولما نزلت هذه الآية قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " إن الله تقدم في الخمر " # فتركها قوم لقوله (إثم كبير) وشربها قوم لقوله (ومنافع للناس). إلى ~~أن صنع عبد الرحمن بن عوف طعاما، فدعا ناسا من أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأتاهم بخمر، فشربوا، وسكروا، وحضرت صلاة المغرب؛ فتقدم ~~بعضهم ليصلي بهم فقرأ: " قل يا أيها الكافرون أعبد ما ~~تعبدون " هكذا إلى آخر السورة بحذف " لا " ، فأنزل الله تعالى: # لا تقربوا الصلوة وأنتم سكارى # [النساء:43] فحرم السكر في أوقات الصلاة، فلما نزلت هذه الآية، ~~تركها قوم، وقالوا: لا خير في شيء يحول بيننا وبين الصلاة وتركها قوم ~~في أوقات الصلاة، وشربوها في غير وقت الصلاة، حتى كان الرجل يشرب ~~بعد صلاة العشاء، فيصبح، وقد زال عنه السكر، ويشرب بعد صلاة الصبح، ~~فيصحو إذا جاء وقت الظهر، واتخذ عتبان بن مالك صبغا ودعا رجالا من ~~المسلمين، فيهم سعد بن أبي وقاص وكان قد شوى لهم رأس بعير، فأكلوا منه، ~~وشربوا الخمر، حتى أخذت منهم، ثم إنهم افتخروا عند ذلك، وانتسبوا، ~~وتناشدوا، فأنشد سعد قصيدة فيها هجاء للأنصار، وفخر لقومه، فأخذ رجل ~~من الأنصار لحي بعير، فضرب به رأس سعد؛ فشجه موضحة فانطلق سعد إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكى إليه الأنصاري، فقال عمر: ~~اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا؛ فأنزل الله تعالى: # إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام ms1224 رجس # [المائدة:90] إلى قوله: # فهل أنتم منتهون # [المائدة:91] وذلك بعد غزوة الأحزاب بأيام، فقال عمر: انتهينا يا ~~رب. # قال ابن الخطيب: والحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب أن الله ~~تعالى علم أن القوم كانوا قد ألفوا شرب الخمر، وكان انتفاعهم بذلك ~~كثيرا، فعلم أنه لو منعهم دفعة واحدة لشق ذلك عليهم، فلا جرم ~~درجهم في التحريم رفقا بهم، ومن الناس من قال: إن الله حرم الخمر ~~والميسر بهذه الآية، ثم نزل قوله: # لا تقربوا الصلوة وأنتم سكارى # [النساء:43] فاقتضى ذلك تحريم شربها؛ لأن شارب الخمر لا يمكنه أن ~~يصلي مع السكر، فكان المنع من ذلك منعا من الشرب ضمنا، ثم نزلت ~~آية المائدة، فكانت في غاية القوة في التحريم. وعن الربيع بن أنس ~~أن هذه الآية نزلت بعد تحريم الخمر. # فصل # قال أنس: حرمت عليهم الخمر، ولم يكن يومئذ للعرب عيش أعجب منها، وما ~~حرم عليهم شيء أشد من الخمر. # وقال أنس بن مالك: ما كان لنا خمر غير فضيخكم فإني لقائم أسقي أبا طلحة ~~وفلانا، وفلانا، إذ جاء رجل فقال: حرمت الخمر. قالوا: أهرق هذه القلال ~~يا أنس؛ قال: فما سألوا عنها، ولا راجعوها بعد خبر الرجل. # واختلف الفقهاء في الخمر على ما تقدم؛ فقال قوم: هو عصير العنب ~~والرطب الذي اشتد وغلا من غير عمل النار فيه، واتفقت الأمة ~~على أن هذا الخمر نجس يحد شاربها، ويفسق، ويكفر مستحلها، وذهب ~~سفيان الثوري، وأبو حنيفة، وجماعة إلى أن التحريم لا يتعدى هذا ~~ولا يحرم ما يتخذ من غيرها، كالحنطة، والشعير، والذرة، والعسل، ~~والفانيذ إلا أن يسكر منه فيحرم، وقال: إذا طبخ عصير العنب ~~والرطب، حتى ذهب نصفه، فهو حلال، ولكنه يكره، وإن طبخ، حتى يذهب ~~ثلثاه قالوا: هو حلال مباح شربه إلا أن السكر منه حرام. # وقال قوم: إذا طبخ صار العصير أدنى طبخ، صار حلالا، وهو قول ~~إسماعيل بن علية، وذهب أكثر أهل العلم إلى أن كل شراب أسكر كثيره، فهو ~~خمر قليله حرام يحد شاربه، وقد ms1225 تقدم ما أجابوا به. # والميسر: القمار، مفعل من اليسر، يقال: يسر ييسر؛ قال ~~علقمة: [البسيط] # 1068- لو ييسرون بخيل قد يسرت بها # وكل ما يسر الأقوام مغروم # وقال آخر: [الطويل] # 1069- أقول لهم بالشعب إذ ييسرونني # ألم تيئسوا أني ابن فارس زهدم # وفي اشتقاقه أربعة أقوال: # أحدها: من اليسر وهو السهولة؛ لأن أخذه سهل من غير كدر ولا تعب ~~قاله مقاتل. # والثاني: من اليسار، وهو الغنى؛ لأنه يسلبه يساره. # قال ابن عباس: كان الرجل في الجاهلية يخاطر الرجل على أهله ~~وماله فأيهما قمر صاحبه؛ ذهب بأهله، وماله، فنزلت الآية. # الثالث: قال الواحدي: إنه من قولهم: يسر لي هذا الشيء ييسر ~~يسرا وميسرا، إذا وجب، والياسر الواجب بسبب القداح. وحكاه ~~الطبري عن مجاهد، ورد ابن عطية عليه. # الرابع: من يسر إذا جزر، والياسر الجازر، وهو الذي يجزئ الجزور ~~أجزاء. قال ابن عطية: " وسميت الجزور التي يستهم عليها ~~ميسرا؛ لأنها موضع اليسر، ثم سميت السهام ميسرا ~~للمجاورة " واليسر: الذي يدخل في الضرب بالقداح، ويجمع على ~~أيسار، وقيل: بل " يسر " مع ياسر كحارس وحرس وأحراس. # وللميسر كيفية، وتسمى سهامه القداح والأزلام والأقلام. ~~وقيل: هي عشرة أقداح، وقيل: أحد عشر، لسبعة منها حظوظ، ~~وعلى كل منها خطوط، فالخط يقدر الحظ، وتلك القداح هي: ~~الفذ وله سهم واحد، والتوءم وله اثنان، والرقيب وله ثلاثة، ~~والحلس وله أربعة، والنافس وله خمسة، والمسبل وله ستة، ~~والمعلى وله سبعة، وثلاثة أغفال لا خطوط عليها، وهي المنيح، ~~والسفيح، والوغد. # وأنشد فيها بعضهم: [الرمل] # 1070- لي في الدنيا سهام # ليس فيهن ربيح # وأساميهن وغد # وسفيح ومنيح # ومن زاد رابعا سماه المضعف، وإنما كثروا بهذه الأغفال ليختلط على ~~الحرضة، وهو الضارب، فلا يميل مع أحد، وهو رجل عدل عندهم، فيجثو، ~~ويلتحف بثوب، ويخرج رأسه، فيجعل تلك القداح في خريطة وتسمى الربابة ~~بكسر الراء مشبهة بالكتابة فيها سهام الميسر، وربما يسمون ~~جميع السهام ربابة، ثم يخلخلها ويدخل يده فيها، ويخرج باسم رجل ~~رجل قدحا فمن خرج على اسمه قدح: فإن كان من ذوات السهام؛ فاز ms1226 بذلك ~~النصيب، وأخذه، وإن كان من الأغفال غرم من الجزور؛ ولا يأخذ شيئا. # وقال بعضهم: لا يأخذ شيئا، ولا يغرم، ويكون ذلك القدح لغزا. # وكانوا يفعلون هذا في الشتوة، وضيق العيش، ويقسمونه على الفقراء ولا ~~يأكلون منه شيئا، ويفتخرون بذلك، ويسمون من لم يدخل معهم فيه: البرم ~~ويذمونه، والجزور تقسم عند الجمهور على عدد القداح، فتقسم على عشرة ~~أجزاء، وعند الأصمعي على عدد خطوط القداح، فتقسم على ثمانية وعشرين ~~جزءا. وخطأ ابن عطية الأصمعي في ذلك، وهذا عجيب منه؛ لأنه يحتمل ~~أن العرب كانت تقسمها مرة على عشرة، ومرة على ثمانية وعشرين. # فهذا أصل القمار التي كانت تفعله العرب. # واختلفوا في الميسر؛ هل هو اسم لذلك القمار المعين أو اسم الجميع ~~أنواع القمار، فقال بعض العلماء: المراد من الآية جميع أنواع القمار قال ~~عليه الصلاة والسلام: # " إياكم وهاتين الكعبتين الموسومتين فإنها من ~~ميسر العجم ". # وعن ابن سيرين: ومجاهد، وعطاء، وطاوس، كل شيء فيه قمار فهو ~~الميسر، حتى لعب الصبيان بالجوز، والكعاب. # وروي عن علي - رضي الله عنه - في النرد، والشطرنج: أنه من ~~الميسر. وقال الشافعي - رضي الله عنه -: إذا خلا الشطرنج عن ~~الرهان واللسان عن الطغيان، والصلاة عن النسيان؛ لم يكن حراما، ~~وهو خارج عن الميسر؛ لأن الميسر ما يوجب دفع مال، أو أخذ مال، وهذا ~~ليس كذلك، فلا يكون قمارا ولا ميسرا. # وأما السبق في الخف، والحافر، والنشاب، فخص بدليل. # قوله: { فيهمآ إثم كبير } الجار خبر مقدم، و " إثم " ~~مبتدأ مؤخر، وتقديم الخبر هنا ليس بواجب، وإن كان المبتدأ نكرة، ~~لأن هنا مسوغا آخر، وهو الوصف، أو العطف، ولا بد من حذف مضاف أيضا، ~~أي: في تعاطيهما إثم؛ لأن الإثم ليس في ذاتها. # وقرأ حمزة والكسائي: " كثير " بالثاء المثلثة، والباقون بالباء ~~ثانية الحروف. ووجه قراءة الجمهور واضح، وهو أن الإثم يوصف بالكبر ~~مبالغة في تعظيم الذنب، ومنه آية # إنه كان حوبا كبيرا # [النساء:2]. وسميت الموبقات: " الكبائر " ، ومنه قوله تعالى: # يجتنبون كبائر الإثم # [الشورى:37]، و # كبآئر ما تنهون عنه # [النساء:31] ms1227 وشرب الخمر، والقمار من الكبائر، فناسب وصف إثمهما بالكبر، ~~وقد أجمعت السبعة على قوله: { وإثمهمآ أكبر من نفعهما ~~} بالباء الموحدة، وهذه توافقها لفظا. # وأما وجه قراءة الأخوين: فإما باعتبار الآثمين من الشاربين، ~~والمقامرين، فلكل واحد إثم، وإما باعتبار ما يترتب [على تعاطيهما من ~~توالي العقاب، وتضعيفه، وإما باعتبار ما يترتب] على شربهما مما يصدر ~~من شربها من الأقوال السيئة والأفعال القبيحة. # وإما باعتبار ما يترتب على تعاطيهما من توالي العقاب، وتضعيفه. # وإما باعتبار من يزاولها من لدن كانت عنبا إلى أن شربت، فقد لعن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الخمر، ولعن معها عشرة: بائعها، ومبتاعها ~~وغيرهما، فناسب ذلك أن يوصف إثمها بالكثرة. وأيضا فإن قوله: " إثم " ، ~~مقابل ل " منافع " ، و " منافع " جمع، فناسب أن توصف مقابلة بمعنى ~~الجمعية، وهو الكثرة. وهذا الذي ينبغي أن يفعله الإنسان في القرآن، وهو ~~أن يذكر لكل قراءة توجيها من غير تعرض لتضعيف القراءة الأخرى كما ~~فعل بعضهم، وقد تقدم فصل صالح من ذلك في قراءتي: " ملك " ، و # ملك # [الفاتحة:3]. # وقال أبو البقاء: الأحسن القراءة بالباء، لأنه يقال: إثم ~~كبير وصغير، ويقال في الفواحش العظام: " الكبائر " ، وفيما دون ذلك ~~" الصغائر " وقد قرئ بالثاء وهو جيد في المعنى؛ لأن الكثرة ~~كبر، والكثير كبير، كما أن الصغير حقير ويسير. # وقرأ عبد الله - وكذلك هي في مصحفه -: " وإثمهما أكثر " بالمثلثة، ~~وكذلك الأولى في قراءته، ومصحفه. # فصل # دل قوله تعالى: { فيهمآ إثم كبير } على تحريم الخمر كقوله ~~تعالى: # إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن # [الأعراف:33] والإثم يستحق به؛ فدل مجموع الآيتين على التحريم، ~~وأيضا فإن الإثم قد يراد به العقاب وقد يراد به: ما يستحق به العقاب ~~من الذنوب، وأيهما كان، فلا يصح أن يوصف به إلا المحرم. # وأيضا قد قال تعالى: { وإثمهمآ أكبر من نفعهما } ~~فصرح برجحان الإثم، وذلك يوجب التحريم. # فإن قيل: لا تدل الآية على أن شرب الخمر حرام، بل تدل على أن ~~فيه إثما، فهب أن ذلك الإثم حرام، فلم قلتم ms1228 إن شرب الخمر لما حصل ~~فيه ذلك الإثم؛ وجب أن يكون حراما؟ # فالجواب أن السؤال كان واقعا عن مطلق الخمر، فلما بين تعالى أن ~~فيه إثما، كان المراد أن ذلك الإثم لازم له على جميع التقديرات، ~~فكان شرب الخمر مستلزما لهذه الملازمة المحرمة، ومستلزم المحرم ~~محرم؛ فوجب أن يكون الشرب محرما. # فإن قيل هذه الآية لا تدل على حرمة الخمر لوجوه: # أحدها: أنه تعالى أثبت فيها منافع للناس والمحرم لا يكون فيه ~~منفعة. # الثاني: لو دلت الآية على حرمتها، فلم لم يقنعوا بها حتى نزلت آية ~~المائدة وآية تحريم الصلاة؟ # الثالث: أنه أخبر أن فيها إثم كبير، فمقتضاه أن ذلك الكبير ~~ملازما لها ما دامت موجودة، ولو كان ذلك سببا لحرمتها؛ لوجب القول ~~بثبوت حرمتها في سائر الشرائع. # فالجواب عن الأول: أن حصول النفع فيها ليس مانعا من حرمتها؛ لأن ~~صدق الخاص يوجب صدق العام. # وعلى الثاني: أنا روينا عن ابن عباس أنها نزلت في تحريم الخمر ~~والتوقف الذي ذكروه، غير مروي عنهم، وقد يجوز بطلب الكبار من ~~الصحابة نزول ما هو أكبر من هذه الآية في التحريم كما التمس ~~إبراهيم - صلوات الله عليه - مشاهدة إحياء الموتى، ليزداد سكونا، ~~وطمأنينة. # وعن الثالث: أن قوله { فيهمآ إثم كبير } إخبار عن الحال لا ~~عن الماضي فعلم تعالى أن شرب الخمر مفسدة لهم، وليس مفسدة ~~للذين من قبلهم. # فصل في بيان الإثم الكبير في الآية # الإثم الكبير في الخمر أمور: # أحدها: أنه مزيل للعقل الذي هو أشرف صفات الإنسان، وإذا كان الخمر ~~عدوا، لا شرفا؛ فيلزم أن يكون أخس الأمور؛ وذلك لأن العقل إنما ~~سمي عقلا أخذا من عقال الناقة، فإن الإنسان إذا دعاه طبعه إلى ~~فعل قبيح، كان عقله مانعا من الإقدام عليه، فإذا شرب الخمر بقي طبعه ~~الداعي إلى فعل القبائح خاليا عن العقل العاقل له عن فعل القبيح. # ذكر ابن أبي الدنيا: أنه مر على سكران، وهو يبول في يده، ويمسح به ~~وجهه كهيئة المتوضئ، ويقول: الحمد لله، الذي جعل ms1229 الإسلام نورا، والماء ~~طهورا. # وعن العباس بن مرداس أنه قيل له في الجاهلية: لم لا تشرب الخمر؛ ~~فإنها تزيد في جراءتك؟ فقال: ما أنا بآخذ جهلي بيدي، فأدخله في جوفي، ولا ~~أرضى أن أصبح سيد قوم، وأمسي سفيههم. # وثانيها: ما ذكره الله - تعالى - من إيقاع العداوة، والبغضاء، والصد ~~عن ذكر الله، وعن الصلاة. # وثالثها: أن هذه المعصية من خواصها أن الإنسان إذا اشتغل بها وواظب ~~عليها، كان ميله ونفسه عليها أقوى، بخلاف سائر المعاصي، فإن الزاني ~~مثلا إذ فعل مرة واحدة فترت رغبته، وكلما زاد فعله؛ كان فتوره ~~أكثر؛ بخلاف الشرب فإنه كلما كان إقدامه عليه أكثر كان نشاطه إليها ~~ورغبته فيه أكثر، فإذا واظب عليه؛ صار غارقا في اللذات البدنية ~~معرضا عن تذكر الآخرة، حتى يدخل في الذين نسوا الله، فأنساهم أنفسهم. # وبالجملة إذا زال العقل؛ حصلت القبائح بأسرها، وكذلك قال عليه الصلاة ~~والسلام: # " اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث " # ويصدر عن الشارب المخاصمة، والمشاتمة وقول الفحش والزور. # وأما الإثم الكبير في الميسر، فإنه يفضي إلى العداوة أيضا لما يجري ~~بينهم من الشتم، والمنازعة؛ لأنه أكل مال بالباطل، وذلك يورث ~~العداوة؛ لأن صاحبه إذا أخذ ماله مجانا؛ أبغضه جدا، وهو يشغل عن ~~ذكر الله، وعن الصلاة أيضا. # وأما المنافع المذكورة فيهما، فمنافع الخمر أنهم كانوا يتغالون بها ~~إذا جلبوها من النواحي، وكان المشتري، إذا ترك المماكسة في الثمن؛ ~~كانوا يعدون ذلك فضيلة، ومكرمة، وكانت تكثر أرباحهم بذلك السبب، ~~ومنها أنها تقوي الضعيف، وتهضم الطعام، وتعين على الباءة وتسلي ~~المحزون، وتشجع الجبان، وتسخي البخيل، وتصفي اللون وتنعش الحرارة ~~الغريزية، وتزيد من الهمة، والاستعلاء. ومن منافع الميسر: التوسعة ~~على ذوي الحاجات؛ لأن من قمر لم يأكل من الجزور شيئا وإنما يفرقه في ~~المحتاجين؛ وذكر الواقدي أن الواحد كان ربما يحصل له في المجلس ~~الواحد مائة بعير، فيحصل له مال من غير كد، ولا تعب، ثم يصرفه إلى ~~المحتاجين، فيكتسب فيه الثناء، والمدح، وكانوا يشترون الجزور، ويضربون ~~سهامهم، فمن خرج سهمه؛ أخذ نصيبه ms1230 من اللحم، ولا يكون عليه شيء من ~~الثمن، ومن بقي سهمه آخرا، كان عليه ثمن الجزور كله، ولا يكون له من ~~اللحم شيء. # قوله تعالى: { وإثمهمآ أكبر من نفعهما } قرأ أبي: " ~~أقرب من نفعهما ". # وإثمهما ونفعهما مصدران مضافان إلى الفاعل، لأن الخمر والميسر سببان ~~فيهما، فهما فاعلان، ويجوز أن تكون الإضافة باعتبار أنهما محلهما. ~~وقوله: # يسألونك ماذا ينفقون # [البقرة:215] قد تقدم الكلام عليه. وقرأ أبو عمرو: " قل العفو " ~~رفعا والباقون نصبا. فالرفع على أن " ما " استفهامية، و " ذا " ~~موصولة، فوقع جوابها مرفوعا خبرا لمبتدأ محذوف، مناسبة بين الجواب ~~والسؤال والتقدير: إنفاقكم العفو. والنصيب على أنهما بمنزلة ~~واحدة، فيكون مفعولا مقدما، تقديره: أي شيء ينفقون؟ فوقع جوابها ~~منصوبا بفعل مقدر للمناسبة أيضا، والتقدير: أنفقوا العفو. وهذا هو ~~الأحسن، أعني أن يعتقد في حال الرفع كون " ذا " موصولة، وفي حال ~~النصب كونها ملغاة. وفي غير الأحسن يجوز أن يقال بكونها ملغاة مع رفع ~~جوابها، وموصولة مع نصبه. وقد تقدم الكلام عليها مستوفى وإنما اختصرت ~~القول هنا؛ لأني قد استوفيت الكلام عليها عند قوله تعالى: # ماذآ أراد الله بهذا مثلا # [البقرة:26]. # فصل # اعلم أن هذا السؤال، قد تقدم، وأجيب بذكر المصرف، وهنا أجيب بذكر ~~الكمية. # قال الواحدي رحمه الله: أصل العفو في اللغة الزيادة، قال الله ~~تعالى: # خذ العفو # [الأعراف:199]، أي: الزيادة وقال: # حتى عفوا # [الأعراف:95]. # وقال القفال: العفو ما سهل وتيسر مما فضل عن الكفاية، وهو قول ~~قتادة، وعطاء، والسدي، وكانت الصحابة يكتسبون المال، ويمسكون قدر ~~النفقة، ويتصدقون بالفضل. # قال القرطبي: فالجواب خرج على وفق السؤال، فإن السؤال الثاني ~~في هذه الآية على قدر الإنفاق، وهو في شأن عمرو بن الجموح فإنه لما ~~نزل: # قل مآ أنفقتم من خير فللوالدين # [البقرة:215] قال: كم أنفق؛ فنزل " قل العفو ". # والعفو: ما سهل، وتيسر وفضل، ولم يشق على القلب إخراجه؛ قال ~~الشاعر: [الطويل] # 1071- خذي العفو مني تستديمي مودتي # ولا تنطقي في سورتي حين أغضب # وقال طاوس: ما يسر، والعفو اليسر من كل شيء، ومنه قول ms1231 تعالى: # خذ العفو # [الأعراف:199] أي الميسور من أخلاق الناس. # قال ابن الخطيب: ويشبه أن يكون العفو عن الذنب راجع إلى التيسير، ~~والتسهيل، قال - عليه الصلاة والسلام -: # " عفوت لكم عن صدقة الخيل، والرقيق، فهاتوا عشر ~~أموالكم " # معناه: التخفيف بإسقاط زكاة الخيل والرقيق، ويقال: أعفى فلان ~~فلانا بحقه: إذا أوصله إليه من غير إلحاح في المطالبة، ويقال: أعطاه ~~كذا عفوا صفوا: إذا لم يكدره عليه بالأذى، ويقال: خذ من الناس ما ~~عفي لك، أي: ما تيسر، ومنه قوله تعالى: # خذ العفو وأمر بالعرف # [الأعراف:199] وجملة التأويل: أن الله تعالى أدب الناس في ~~الإنفاق، فقال: # وءات ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ~~ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان ~~الشيطين # [الإسراء:26، 27] وقال: # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها ~~كل البسط # [الإسراء:29] وقال: # والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا # [الفرقان:67] وقال عليه الصلاة والسلام: # " خير الصدقة ما أنفقت عن غنى، ولا تلام على ~~كفاف ". # وعن جابر بن عبد الله قال: # " بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل بمثل البيضة ~~من ذهب فقال: يا رسول الله؛ خذها صدقة، فوالله ما أملك غيرها، فأعرض عنه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتاه من بين يديه، فقال: هاتها مغضبا؛ ~~فأخذها منه، ثم حذفه بها، لو أصابته لأوجعته ثم قال: يأتيني ~~أحدكم بماله لا يملك غيره، ثم يتكفف الناس، ~~إنما الصدقة عن ظهر غنى، خذها، فلا حاجة لنا ~~فيها " # وكان عليه الصلاة والسلام يحبس لأهله قوت سنة. # وقال الحكماء الفضيلة بين طرفي الإفراط والتفريط. # وقال عمرو بن دينار: الوسط من غير إسراف ولا إقتار. # فصل في ورد العفو في القرآن # قال أبو العباس المقرئ: ورد لفظ " العفو " في القرآن بإزاء ثلاثة ~~معان: # الأول: العفو: الفضل من الأموال قال تعالى: { ويسألونك ماذا ~~ينفقون قل العفو } يعني الفضل من المال. # الثاني: " العفو " الترك؛ قال تعالى: # إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة ~~النكاح # [البقرة:237] أي يتركوا، ومثله: # فمن عفا وأصلح ms1232 # [الشورى:40]، أي: ترك مظلمته. # الثالث: العفو بعينه، قال تعالى: # ولقد عفا الله عنهم # [آل عمران:155]. # فصل # واختلفوا في هذا الإنفاق؛ هل المراد به الواجب، أو التطوع على قولين: # الأول: قال أبو مسلم: يجوز أن يكون العفو هو الزكوات وذكرها هاهنا على ~~سبيل الإجمال في السنة الأولى؛ لأن هذه الآية قبل نزول آية ~~الصدقات، وأنزل تفاصيلها في السنة الثانية فالناس كانوا مأمورين ~~بأن يأخذوا من مكاسبهم، ما يكفيهم في عامهم، ثم ينفقون الباقي، ثم ~~صار هذا منسوخا بآية الزكاة. # القول الثاني: أن المراد به صدقة التطوع. # قالوا: لأنه لو كان مفروضا لبين الله مقداره، فلما لم يبينه، ~~وفوضه إلى رأي المخاطب؛ علمنا أنه ليس بفرض. # وأجيب، بأنه لا يبعد أن يوجب الله - تعالى - شيئا على سبيل الإجمال، ~~ثم يذكر تفصيله وبيانه. # قوله تعالى: { كذلك يبين } الكاف في محل نصب: إما نعتا ~~لمصدر محذوف، أي: تبيينا مثل ذلك التبيين يبين لكم، وإما حالا ~~من المصدر المعرفة، أي: يبين التبيين مماثلا ذلك التبيين. والمشار ~~إليه يبين حال المنفق، أو يبين حكم الخمر، والميسر، والمنفق المذكور ~~بعدهما. وأبعد من خص اسم الإشارة ببيان حكم الخمر، والميسر، وأبعد منه ~~من جعله إشارة إلى جميع ما سبق في السورة من الأحكام. # و " لكم " متعلق ب " يبين ". وفي اللام وجهان، أظهرهما ~~أنها للتبليغ كالتي في: قلت لك. # والثاني: أنها للتعليل وهو بعيد. والكاف في " كذلك " تحتمل ~~وجهين: # أحدهما: أن تكون للنبي صلى الله عليه وسلم أو للسامع، فتكون على ~~أصلها من مخاطبة المفرد. # والثاني: أن تكون خطابا للجماعة، فيكون ذلك مما خوطب به الجمع بخطاب ~~المفرد، ويؤيده قوله " لكم، و " لعلكم " ، وهي لغة للعرب، ~~يخاطبون في اسم الإشارة بالكاف مطلقا، وبعضهم يستغني عن الميم بضمة ~~الكاف؛ قال: [الرجز] # 1072- وإنما الهالك ثم التالك # ذو حيرة ضاقت به المسالك # كيف يكون النوك إلا ذلك # فصل # قوله تعالى: { في الدنيا }: فيه خسمة أوجه: # أظهرها: أن يتعلق بيتفكرون على معنى: يتفكرون في أمرهما، فيأخذون ~~ما هو الأصلح، ويؤثرون ما هو أبقى ms1233 نفعا. # والثاني: أن يتعلق ب " يبين " ، ويروى معناه عن الحسن، وحينئذ ~~يحتمل أن يقدر مضاف، أي: في أمر الدنيا والآخرة، ويحتمل ألا ~~يقدر، لأن بيان الآيات، وهي العلامات يظهر فيها. وجعل بعضهم قول ~~الحسن من التقديم، والتأخير، أي: ليس لذلك يبين الله لكم الآيات في ~~أمر الدنيا والآخرة لعلكم تتفكرون في الدنيا وزوالها وفنائها، ~~فتزهدون فيها، وفي إقبال الآخرة، ووقوعها، فترغبون فيها. ثم قال: ولا ~~حاجة لذلك، لحمل الكلام على ظاهره، يعني من تعلق في ~~الدنيا ب " تتفكرون ". وهذا ليس من التقديم والتأخير في ~~شيء؛ لأن جملة الترجي جارية مجرى العلة فهي متعلقة بالفعل ~~معنى، وتقديم أحد المعمولات على الآخر، لا يقال فيه تقديم وتأخير ويحتمل ~~أن تكون اعتراضية، فلا تقديم، ولا تأخير. # والثالث: أن تتعلق بنفس " الآيات " لما فيها من معنى الفعل، وهو ~~ظاهر قول مكي فيما فهمه عنه ابن عطية. قال مكي: " معنى الآية أنه ~~يبين للمؤمنين آيات في الدنيا، والآخرة يدل عليها، وعلى منزلتها ~~لعلهم يتفكرون في تلك الآيات " قال ابن عطية: " فقوله: في الدنيا: ~~يتعلق على هذا التأويل بالآيات " وما قاله عنه ليس بظاهر؛ لأن ~~شرحه الآية لا يقتضي تعلق الجار بالآيات. ثم إن عنى ابن عطية ~~بالتعلق التعلق الاصطلاحي، فقال أبو حيان " فو فاسد، لأن " ~~الآيات " لا تعمل شيئا ألبتة، ولا يتعلق بها ظرف، ~~ولا مجرور " وقال شهاب الدين: وهذا من الشيخ فيه نظر، فإن ~~الظروف تتعلق بروائح الأفعال، ولا شك أن معنى الآيات العلامات ~~الظاهرة، فيتعلق بها الظرف على هذا. وإن عنى التعلق المعنوي، ~~وهو كون الجار من تمام معنى: " الآيات " ، فذلك لا يكون إلا إذا ~~جعلنا الجار حالا من " الآيات " ، ولذلك قدرها مكي نكرة فقال: ~~" يبين لهم آيات في الدنيا " ليعلم أنها واقعة موقع الصفة ~~لآيات، ولا فرق في المعنى بين الصفة والحال، فيما نحن بصدده، فعلى هذا ~~تتعلق بمحذوف لوقوعها صفة. # الرابع: أن تكون حالا من " الآيات " كما تقدم تقريره الآن. # الخامس: أن تكون صلة للآيات، فتتعلق بمحذوف أيضا، وذلك مذهب ~~الكوفيين، ms1234 فإنهم يجعلون من الموصولات الاسم المعرف بأل؛ وأنشدوا: ~~[الطويل] # 1073- لعمري لأنت البيت أكرم أهله # وأقعد في أفيائه بالأصائل # ف " البيت " عندهم موصول. # وجوابهم مذكور في غير هذا الكتاب. # والتفكر: تفعل من الفكر، والفكر: الذهن، فمعنى تفكر في كذا: ~~أجال ذهنه فيه وردده. # قوله تعالى: { ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح ~~لهم خير }. # قال ابن عباس: إن أهل الجاهلية كانوا قد اعتادوا الانتفاع بأموال ~~اليتامى، وربما تزوجوا باليتيمة طمعا في مالها أو يزوجها من ابن له ~~لئلا يخرج مالها عن يده، فلما نزل قوله تعالى: # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا # [النساء:10] وقوله: # ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن # [الأنعام:152]، وقوله: # ويستفتونك في النسآء قل الله يفتيكم فيهن ~~وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النسآء ~~اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن ~~تنكحوهن والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا ~~لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فإن الله ~~كان به عليما # [النساء:127] فعند ذلك ترك القوم مخالطة اليتامى، والمقاربة من أموالهم ~~والقيام بأمورهم، وتحرج المسلمون من أموال اليتامى تحرجا شديدا، ~~وعزلوا أموال اليتامى عن أموالهم، حتى كان يصنع لليتيم طعاما، فيفضل ~~منه شيء، فيتركونه، ولا يأكلونه حتى يفسد، وكان صاحب اليتيم يفرد له ~~منزلا، وطعاما، وشرابا، فعظم ذلك على ضعفة المسلمين، فقال عبد الله بن ~~رواحة: يا رسول الله ما كلنا يجد منازل يسكنها الأيتام، ولا كلنا يجد ~~طعاما، وشرابا، يفردهما لليتيم فنزلت هذه الآية. # قوله: { إصلاح لهم خير } ، " إصلاح " مبتدأ، وسوغ ~~الابتداء به أحد شيئين: إما وصفه بقوله: " لهم " ، وإما تخصيصه ~~بعمله فيه، و " خير " خبره. و " إصلاح " مصدر حذف فاعله، تقديره: ~~إصلاحكم لهم، فالخبرية للجانبين أعني جانب المصلح، والمصلح له، وهذا ~~أولى من تخصيص أحد الجانبين بالإصلاح كما فعل بعضهم. # قال أبو البقاء: " فيجوز أن يكون التقدير: خير لكم، ~~ويجوز أن يكون: خير لهم " ، أي: إصلاحهم نافع لكم. # قال بعض العلماء: هذه الكلمة تجمع النظر في إصلاح اليتيم بالتقويم ~~والتأديب وغيرهما لكي ينشأ ms1235 على علم وأدب وفضل، والنظر في إصلاح ~~حاله، وتجمع أيضا النظر في حال الولي، أي: هذا العمل خير له من أن ~~يكون مقصرا في حق اليتيم. # وقال بعضهم: الخير عائد إلى الولي، يعني إصلاح مالهم من غير عوض، ولا ~~أجرة، خير للولي، وأعظم أجرا. # وقال آخرون: الخير عائد إلى اليتيم، والمعنى: أن مخالطتهم بالإصلاح ~~خير لهم من التفرد عنهم، والإعراض عن مخالطتهم. # فصل في هل يتصرف في مال اليتيم # قال القرطبي لما أذن الله عز وجل في مخالطة الأيتام مع قصد ~~الإصلاح بالنظر إليهم وفيهم، كان ذلك دليلا على جواز التصرف في مال ~~اليتيم تصرف الوصي في البيع، والقسمة، وغير ذلك على الإطلاق لهذه الآية، ~~فإذا كفل الرجل اليتيم، وحازه، وكان في نظره، جاز عليه فعله وإن لم ~~يقدمه وال عليه؛ لأن الآية مطلقة والكفالة ولاية عامة، ولم يؤثر عن ~~أحد من الخلفاء أنه قدم أحدا على يتيم مع وجودهم في أزمنتهم، ~~وإنما كانوا يقتصرون على كونهم عندهم. # قوله: { وإن تخالطوهم فإخوانكم } المخالطة: الممازجة، ~~وقيل: جمع يتعذر فيه التمييز ومنه يقال للجماع: الخلاط، ويقال: خولط ~~الرجل إذا جن، والخلاط: الجنون؛ لاختلاط الأمر على صاحبه بزوال عقله. # قوله: " فإخوانكم " الفاء جواب الشرط، و " إخوانكم " خبر ~~مبتدأ محذوف، أي: فهم إخوانكم. والجملة في محل جزم جواب الشرط، ~~والجمهور على الرفع، وقرأ أبو مجلز: " فإخوانكم " نصبا بفعل ~~مقدر، أي: فقد خالطتم إخوانكم، والجملة الفعلية أيضا في محل جزم، ~~وكأن هذه القراءة لم يطلع عليها الفراء وأبو البقاء فإن الفراء [قال] ~~ولو نصب كان صوابا، وقال أبو البقاء: " ويجوز النصب في ~~الكلام، أي: فقد خالطتم إخوانكم ". # فصل في بيان وجوه المخالطة # في هذه المخالطة وجوه: # أحدها: المراد بالمخالطة في الطعام، والشراب، والسكنى، والخدم؛ ~~لأن القوم ميزوا طعامهم، وشرابهم، ومسكنهم عن طعام اليتيم، وشرابه، ~~وسكنه فأمرهم الله تعالى بخلط الطعامين والشرابين، والاجتماع في ~~السكن الواحد كما يفعله المرء بمال ولده، فإن هذا أدخل في حسن العشرة ~~والمؤالفة. # الثاني: المراد بهذه المخالطة أن ينتفعوا بأموالهم بقدر ms1236 ما يكون أجرة ~~المثل في ذلك العمل. والقائلون بهذا القول، منهم من جوز ذلك سواء كان ~~القيم غنيا، أو فقيرا، ومنهم من قال إن كان القيم غنيا لم يأكل من ~~ماله؛ لأن ذلك فرض عليك وطلب الأجرة على العمل الواجب لا يجوز، واحتجوا ~~بقوله: # ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا ~~فليأكل بالمعروف # [النساء:6] وإن كان القيم فقيرا قالوا: يأكل بقدر الحاجة، ويرده إذا ~~أيسر فإن لم يوسر تحلله من اليتيم. # وروي عن عمر أنه قال: أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة ولي اليتيم إن ~~استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت قرضا بالمعروف ثم قضيت. # وعن مجاهد: إذا كان فقيرا، وأكل بالمعروف، فلا قضاء عليه. # الثالث: أن المراد بهذه " المخالطة " المصاهرة بالنكاح، وهو ~~اختيار أبي مسلم قال: لقوله: # وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما ~~طاب لكم من النسآء # [النساء:3] وقوله: # ويستفتونك في النسآء قل الله يفتيكم فيهن ~~وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النسآء # [النساء:127] وهذا القول راجح على غيره من وجوه: # أحدها: أن هذا خلط لليتيم نفسه، والشركة خلط لماله. # وثانيها: أن الشركة داخلة في قوله: { قل إصلاح لهم ~~خير } ، والخلط من جهة النكاح، وتزويج البنات منهم لم يدخل في ذلك ~~فحمل الكلام على هذا الخلط أقرب. # وثالثها: أن قوله تعالى " فإخوانكم " يدل على أن المراد هو ~~هذا النوع؛ لأن اليتيم لو لم يكن من أولاد المسلمين لوجب أن يتحرى ~~إصلاح أمواله كما يتحراه إذا كان مسلما؛ فوجب أن تكون الإشارة بقوله: " ~~فإخوانكم " إلى نوع آخر من المخالطة. # ورابعها: أن المخالطة المندوب إليها هي في اليتامى الذين هم إخوان لكم ~~بالإسلام، فهم الذين ينبغي أن تناكحوهم، ليتأكد الاختلاط فإن كان اليتيم ~~من المشركين، فلا تفعلوا ذلك. # قال القرطبي: ما ينفقه الوصي والكفيل له حالتان: # حالة لا يمكنه الإشهاد عليها، فقوله مقبول بغير بينة. # وحالة يمكنه الإشهاد فمهما اشترى من العقار، وما جرت العادة بالتوثق ~~فيه، لم يقبل قوله بغير بينة. # وفرق أصحابنا بين أن يكون اليتيم في ms1237 دار الوصي، وينفق عليه فلا يكلف ~~الإشهاد على نفقته، وكسوته، لأنه يتعذر عليه الإشهاد على ما يأكله، ~~ويلبسه في كل وقت، ولكن إذا قال: انفقت نفقة لسنة، قبل منه، وبين أن ~~يكون عند أمه، أو حاضنته فيدعي الوصي أنه كان ينفق عليه، أو كان يعطي ~~الأم أو الحاضنة فلا يقبل منه إلا بينة أنها كانت تقبض ذلك له ~~مشاهرة أو مساناة. # فصل # قال أبو عبيد: هذه الآية عندي أصل لما يفعله الرفقاء في الأسفار، ~~فإنهم يتقاسمون النفقات بينهم بالسوية، وقد يتفاوتون في قلة ~~المطعم، وكثرته، وليس كل من قل مطعمه تطيب نفسه بالتفضل على ~~رفيقه، فلما كان هذا في أموال اليتامى واسعا؛ كان في غيرهم أوسع، ~~ولولا ذلك لخفت أن يضيق فيه الأمر على الناس. # قوله تعالى: { والله يعلم المفسد من المصلح }؛ أي: ~~المفسد لأموالهم من المصلح لها، يعني: الذي يقصد بالمخالطة الخيانة، ~~وإفساد مال اليتيم، وأكله بغير حق من الذي يقصد الإصلاح. # وقيل: " يعلم " ضمير من أراد الإفساد، والطمع في مالهم بالنكاح ~~من المصلح، يعني: إنكم إذا أظهرتم من أنفسكم إرادة الإصلاح، فإذا لم ~~تريدوا ذلك بقلوبكم، بل كان المراد منه عرضا آخر [فالله مطلع] على ~~ضمائركم عالم بما في قلوبكم، وهذا تهديد عظيم؛ وذلك لأن اليتيم لا ~~يمكنه رعاية الغبطة لنفسه، وليس له أحد يراعيها، فكأنه تعالى قال: لما ~~لم يكن أحد يتكفل بمصالحه، فأنا متكفل به، وأنا ~~المطالب لوليه بذلك. # تقدم الكلام في قوله: { يعلم المفسد من المصلح } في ~~قوله: # إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب # [البقرة:143]، والمفسد والمصلح جنسان هنا، وليس الألف واللام لتعريف ~~المعهود، وهذا هو الظاهر. وقد يجوز أن تكون للعهد أيضا. # وفي قوله: " تخالطوهم " التفات من ضمير الغيبة في قوله: " ~~ويسألونك " إلى الخطاب لينبه السامع إلى ما يلقى إليه. ووقع ~~جواب السؤال بجملتين. # إحداهما من مبتدأ، وخبر، وأبرزت ثبوتية منكرة المبتدإ لتدل على ~~تناوله كل إصلاح على طريق البدلية، ولو أضيفت لعم، أو لكان ~~معهودا في إصلاح خاص، وكلاهما غير مراد، أما ms1238 العموم، فلا يمكن، ~~وأما المعهود فلا يتناول غيره؛ فلذلك أوثر التنكير الدال على ~~عموم البدل، وأخبر عنه ب " خير " الدال على تحصيل الثواب، ~~ليتبادر المسلم إليه. والآخر من شرط، وجزاء، دال على جواز الوقوع لا ~~على طلبه وندبيته. # قوله: { ولو شآء الله } مفعول " شاء " محذوف، أي: إعناتكم. ~~وجواب لو: " لأعنتكم ". # [والمشهور قطع همزة " لأعنتكم " ]؛ لأنها همزة قطع. وقرأ ~~البزي عن ابن كثير في المشهور بتخفيفها بين بين، وليس من أصله ذلك، ~~وروي سقوطها ألبتة، وهي كقراءة: # فلا إثم عليه # [البقرة:173] شذوذا وتوجيها. ونسب بعضهم هذه القراءة إلى وهم ~~الراوي، باعتبار أنه اعتقد في سماعه التخفيف إسقاطا، لكن الصحيح ~~ثبوتها شاذة. # و " العنت ": المشقة و " الإعنات " الحمل على مشقة لا تطاق، ~~يقال: أعنت فلان فلانا، إذا أوقعه فيما لا يستطيع الخروج منه، ~~وتعنته تعنتا: إذا لبس عليه في سؤاله، وعنت العظم المجبور: إذا ~~انكسر بعد الجبر، وأكمة عنوت: إذا كانت شاقة كدودا، وعنت ~~الدابة تعنت عنتا: إذا حدث في قوائمها كسر بعد جبر، لا ~~يمكنها معه الجري. # قال ابن الأنباري: أصل العنت الشدة؛ تقول العرب: فلان يتعنت ~~فلانا، ويعنته إذا شدد عليه، وألزمه ما يصعب عليه أداؤه. وقال تعالى: # عزيز عليه ما عنتم # [التوبة:128]، أي: شديد عليه ما شق عليكم. # ويقال: أعنتني في السؤال، أي: شدد علي وطلب عنتي وهو الإضرار. # قال ابن عباس: لو شاء الله لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقا لكم. # وقال عطاء: ولو شاء الله لأدخل عليكم المشقة كما أدخلتم على أنفسكم، ~~ولضيق الأمر عليكم في مخالطتهم. # وقال الزجاج: ولو شاء الله لكلفكم ما شق عليكم. # والعزيز الذي يأمر بعزة سهل على العبد، أو شق. # والحكيم الذي يتصرف في ملكه بما يريده لا حجة عليه، أو يضيع الأشياء ~~في مواضعها. # فصل في بيان التكليف بما لا يطاق # احتج الجبائي بهذه الآية على أنه تعالى لم يكلف العبد ما لا ~~يقدر عليه؛ لأن قوله: { ولو شآء الله لأعنتكم } يدل على ~~أنه لم يفعل الإعنات، ولا ضيق في ms1239 التكليف، ولو كلف العبد ما لا ~~يقدر عليه؛ لكان قد تجاوز حد الإعنات، والتضييق؛ لأن كلمة " لو " ~~تفيد امتناع الشيء لامتناع غيره. # فإن قيل: الآية وردت في حق اليتيم. # قلنا: الاعتبار بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. # واحتج الكعبي بهذه الآية على أنه تعالى قادر على خلاف العدل؛ لأنه ~~لو امتنع وصفه بالقدرة على الإعنات، لم يجز أن يقول: { ولو شآء ~~الله لأعنتكم } ، وللنظام أن يجيب بأن هذا معلق على مشيئة ~~الإعنات، فلم قلتم بأن هذه المشيئة ممكنة الثبوت في حقه تعالى. ### || [2.221] # الجمهور على فتح تاء المضارعة، وقرأ الأعمش بضمها من: أنكح الرباعي، ~~فالهمزة فيه للتعدية، وعلى هذا فأحد المفعولين محذوف، وهو المفعول ~~الأول؛ لأنه فاعل معنى تقديره: ولا تنكحوا أنفسكم المشركات. # والنكاح في الأصل عند العرب: لزوم الشيء، والإكباب عليه؛ ومنه: " ~~نكح المطر الأرض " ، حكاه ثعلب عن أبي زيد، وابن الأعرابي. # قال الزجاجي: " النكاح في الكلام بمعنى الوطء، والعقد جميعا، ~~موضوع (ن. ك. ح) على هذا الترتيب في كلامهم للفرد والشيء راكبا عليه ~~هذا كلام العرب الصحيح ". # أصله المداخلة؛ ومنه: تناكحت الشجر: أي: تداخلت أغصانها؛ ويطلق ~~النكاح على العقد؛ كقول الأعشى: [الطويل] # 1074- ولا تقربن جارة إن سرها # حرام عليك فانكحن أو تأبدا # أي: فاعقد، أو توحش، وتجنب النساء، ويطلق أيضا على الوطء؛ ~~كقوله: [البسيط] # 1075- الباركين على ظهور نسوتهم # والناكحين بشط دجلة البقرا # وحكى الفراء " نكح المرأة " بضم النون على بناء " القبل " ~~، و " الدبر " ، وهو بضعها، فمعنى قولهم: " نكحها " أي أصاب ذلك ~~الموضع، نحو: كبده، أي أصاب كبده، وقلما يقال: ناكحها، كما يقال ~~باضعها. # وقال أبو علي: فرقت العرب بين العقد والوطء بفرق ~~لطيف، فإذا قالوا: " نكح فلان فلانة، أو ابنة فلان " ، ~~أرادوا عقد عليها، وإذا قالوا: نكح امرأته، أو زوجته، فلا يريدون غير ~~المجامعة، وهل إطلاقه عليهما بطريق الحقيقة فيكون من باب الاشتراك، أو ~~بطريق الحقيقة والمجاز؟ الظاهر: الثاني: فإن المجاز خير من ~~الاشتراك، وإذا قيل بالحقيقة، والمجاز فأيهما حقيقة؟ ذهب قوم إلى أنه ~~حقيقة في العقد واحتجوا بوجوه: ms1240 # منها: قوله عليه الصلاة والسلام: # " لا نكاح إلا بولي وشهود " # ، وقف النكاح على الولي، والشهود، والمراد به العقد، وقوله ~~عليه الصلاة والسلام -: # " ولدت من نكاح، ولم أولد من سفاح " # فجعل النكاح، كالمقابل للسفاح. # ومعلوم أن السفاح مشتمل على الوطء، فلو كان النكاح اسما للوطء، ~~لا متنع كون النكاح مقابلا للسفاح، وقال تعالى: # وأنكحوا الأيمى منكم والصالحين من عبادكم ~~وإمآئكم # [النور:32] ولا يمكن حمله إلا على العقد. # وأيضا قول الأعشى في البيت المتقدم لا يحتمل إلا الأمر بالعقد؛ ~~لأنه قال: " ولا تقربن جارة " يعني مقاربتها على الطريق ~~الذي يحرم فاعقد وتزوج، وإلا فتأيم، وتجنب النساء. # وقال الراغب: أصل النكاح للعقد، ثم استعير للجماع، ~~ومحال أن يكون في الأصل للجماع، ثم استعير للعقد، ~~لأن أسماء الجماع كلها كنايات لاستقباحهم ذكره؛ ~~كاستقباحهم تعاطيه، ومحال أن يستعير من لا يقصد فحشا ~~اسم ما يستفظعونه لما يستحسنونه؛ قال تعالى: # فانكحوا ما طاب لكم من النسآء # [النساء:3]. # وقال آخرون: هو حقيقة في الوطء، واحتجوا بوجوه: # منها قوله تعالى: # فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره # [البقرة:230] نفي الحل ممتد إلى غاية النكاح، وليس هو العقد؛ ومنها ~~قوله صلى الله عليه وسلم: # " حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك " # ؛ فوجب أن يكون هو الوطء. # وأجيب بأن امرأة رفاعة، لم تفهم عند الإطلاق إلا مجرد العقد؛ حتى ~~قال لها عليه الصلاة والسلام: # " لا حتى تذوقي عسيلته ". # ومنه: قوله عليه الصلاة والسلام: # " ناكح اليد ملعون، وناكح البهيمة ملعون " # أثبت النكاح [مع عدم العقد. # والنكاح] في اللغة عبارة عن الضم، والمداخلة كما تقدم في المطر، ~~والأرض، وتناكح الشجر، ونكح النعاس عينه، وفي المثل: # " نكحنا الفرى فسترى " والبيت المتقدم، وقوله: [البسيط] # 1076- أنكحت صم حصاها خف يعملة # تغشمرت بي إليك السهل والجبلا # والضم والوطء في المباشرة أتم منه في العقد. # وأجيب بأن هذه قرائن صارفة له عن حقيقته. # فصل في هل يتناول المشرك أهل الكتاب؟ # لفظ " المشرك "؛ هل يتناول أهل الكتاب؟ # فالأكثرون على أن الكتابة تشمل لفظ المشرك، ويدل عليه وجوه: # أحدها: ms1241 قوله تعالى: # وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى ~~المسيح ابن الله # [التوبة:30]، ثم قال بعد ذلك: # سبحانه عما يشركون # [التوبة:31] وهذا تصريح بأن اليهودي، والنصراني مشرك. # وثانيها: قوله تعالى: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء:48]، فدلت هذه الآية على أن ما سوى الشرك فقد يغفره الله ~~تعالى في الجملة، فلو كان كفر اليهودي والنصراني ليس بشرك، لوجب أن ~~يغفره الله تعالى في الجملة، وذلك باطل، فعلمنا أن كفرهما شرك. # وثالثها: قوله تعالى: # لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة # [المائدة:73] فهذا التثليث إما أن يكون لاعتقادهم وجود صفات ثلاثة ~~أو لاعتقادهم وجود ذوات ثلاثة. # والأول باطل؛ لأن المفهوم من كونه تعالى عالما غير المفهوم من كونه ~~قادرا، ومن كونه حيا، وإذا كانت هذه المفهومات الثلاثة لا بد من ~~الاعتراف بها كان القول بإثبات صفات ثلاثة من ضرورات دين الإسلام، فكيف ~~يمكن تكفير النصارى بسبب ذلك؛ ولما بطل ذلك علمنا أنه تعالى إنما ~~كفرهم؛ لأنهم أثبتوا ذواتا ثلاثة قديمة مستقلة؛ وذلك لأنهم ~~جوزوا في أقنوم الكلمة أن يحل في عيسى، والأقنوم عندهم عبارة ~~عن حقيقة الشيء، وجوزوا في أقنوم الحياة أن يحل في مريم، ~~ولولا أن هذه الأشياء المسماة عندهم بالأقانيم ذوات قامة بأنفسها؛ ~~لما جوزوا عليه الانتقال من ذوات إلى ذات، فثبت أنهم قائلون بإثبات ~~ذوات قائمة بالنفس قديمة أزلية، وهذا شرك. وإذا ثبت دخولهم تحت اسم ~~الشرك، فاليهود كذلك إذ لا قائل بالفرق. # ورابعها: أنه عليه الصلاة والسلام أمر أميرا، وقال: # " إذا لقيت عدوا من المشركين؛ فادعهم إلى الإسلام، ~~فإن أجابوك، فاقبل منهم وكف عنهم، وإن أبوا، ~~فادعهم إلى الجزية، وعقد الذمة ". # وخامسها: قال أبو بكر الأصم: كل من جحد الرسالة، والمعجزة، فهو ~~مشرك؛ لأن تلك المعجزات إنما ظهرت عن الله تعالى، وكانوا يضيفونها إلى ~~الجن والشياطين، ويقولون: إنها سحر، فقد أثبتوا لله شريكا في خلق ~~هذه الأشياء الخارجة عن قدرة البشر. # وقال أبو الحسن بن فارس: هم المشركون؛ ms1242 لأنهم يقولون: القرآن كلام غير ~~الله، فقد أشركوا مع الله غير الله. # فإن قيل: إنه تعالى فصل بين القسمين، وعطف أحدهما على الآخر في قوله: # إن الذين ءامنوا والذين هادوا والنصارى ~~والصابئين # [البقرة:62] وقال: # إن الذين ءامنوا والذين هادوا والصابئين ~~والنصارى والمجوس والذين أشركوا # [الحج:17] وقال: # ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا ~~المشركين # [البقرة:105] وذلك يوجب التغاير. # والجواب أن هذا كقوله تعالى: # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن ~~نوح # [الأحزاب:7] وكقوله تعالى: # من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل ~~وميكال # [البقرة:98] فإن قالوا: إنما خص بالذكر تنبيها على كمال الدرجة ~~في ذلك الوصف. # قلنا: وها هنا أيضا كذلك إنما خص عبدة الأوثان في هذه الآيات بهذا ~~الاسم تنبيها على كمال درجتهم في الكفر. # فصل في سبب النزول # سبب نزول هذه الآية: أن أبا مرثد بن أبي مرثد بعثه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى " مكة " ، ليخرج منها ناسا من المسلمين سرا فلما ~~قدمها سمعت به امرأة مشركة يقال لها: " عناق "؛ وكانت خليلته في ~~الجاهلية فأتته وقالت: يا أبا مرثد ألا تخلو؟ فقال لها: ويحك يا عناق ~~إن الإسلام قد حال بيننا وبين ذلك. قالت: هل لك أن تتزوج بي؟ ~~قال: نعم، ولكن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمره. فقالت: ~~أبي تتبرم؟ ثم استغاثت؛ فضربوه ضربا شديدا، ثم خلوا سبيله، فلما ~~قضى حاجته بمكة، وانصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الذي ~~كان من أمره، وأمر عناق، وقال: يا رسول الله؛ أيحل لي أن أتزوجها؛ ~~فأنزل الله تعالى: { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ~~} [البقرة:221]. # فصل في الآية هل هي ابتداء حكم أو تقرير سابق # واختلف المفسرون في هذه الآية: هل هي ابتداء حكم وشرع، أو هو متعلق ~~بما تقدم؛ فالأكثرون على أنه ابتداء شرع في بيان ما يحل، ويحرم. # وقال أبو مسلم: بل هو متعلق بقصة اليتامى، فإن الله تعالى لما ~~قال: { وإن تخالطوهم فإخوانكم } وأراد مخالطة النكاح عطف ~~عليه بما يبعث ms1243 على الرغبة في اليتامى، وأن ذلك أولى مما كانوا ~~يتعاطونه من الرغبة في المشركات، وبين أن أمة مؤمنة خير من ~~مشركة، فإنها بلغت النهاية فيما يفضي إلى الرغبة فيها ليدل بذلك ~~على ما يبعث على التزوج بالتيامى، وعلى تزويج الأيتام عند البلوغ ~~ليكون ذلك داعية لما أمر به من النظر في صلاحهم وصلاح أموالهم. # وعلى الوجهين، فحكم الآية لا يختلف. # فصل في بيان جواز نكاح الكتابية # الأكثرون من الأمة قالوا: يجوز للرجل أن يتزوج بالكتابية. وقال ~~ابن عمر، ومحمد بن الحنفية، والهادي - وهو أحد أئمة الزيدية - ~~إن ذلك حرام، واستدل الجمهور بقوله تعالى في سورة المائدة: # والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب # [المائدة:5] وسورة المائدة كلها ثابتة لم ينسخ منها شيء أصلا. # فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد من آمن منهن بعد الكفر، ومن كان ~~على الإيمان من أول الأمر؟ # قلنا: قوله: # من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم # [آل عمران:186] يفيد حصول هذا الوصف في حال الإباحة، ويدل على ذلك ~~فعل الصحابة، فإنهم كانوا يتزوجون الكتابيات، ولم يظهر من أحد منهم ~~إنكار ذلك وكان إجماعا على الجواز، كما نقل أن حذيفة تزوج ~~يهودية، أو نصرانية، فكتب إليه: أتزعم أنها حرام؟ فقال: ~~لا، ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهن. # وتزوج عثمان نائلة بنت فرافصة، وكانت نصرانية؛ فأسلمت تحته، وتزوج ~~طلحة بن عبيد الله يهودية. # وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " نتزوج نساء أهل الكتاب، ولا يتزوجون ~~نساءنا ". # وروى عبد الرحمن بن عوف # " أنه عليه الصلاة والسلام قال في المجوس: " سنوا بهم ~~سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم، ولا آكلي ~~ذبائحهم " " # ولو لم يكن نكاح نسائهم جائزا، لكان هذا الاستثناء عبثا. # وقال قتادة وسعيد بن جبير: أراد ب " المشركات " في الآية ~~الوثنيات. # واحتج القائلون بعدم الجواز بوجوه: # أحدها: أن لفظ " المشرك " يتناول الكتابية على ما بيناه، ~~والتخصيص والنسخ خلاف الظاهر. # قالوا: ويؤيد ذلك قوله في آخر الآية: { أولئك يدعون إلى ~~النار } والوصف المناسب إذا ms1244 ذكر عقيب الحكم أشعر بالعلية، وكأنه ~~تعالى قال: حرمت عليكم نكاح المشركات؛ لأنهم يدعون إلى ~~النار وهذه العلة قائمة في الكتابية، فوجب القطع ~~بتحريمها. # وثانيها: أن ابن عمر لما سئل عن هذه المسألة تلا آية التحريم وآية ~~التحليل، ووجه الاستدلال: أن الأصل في الأبضاع الحرمة فلما تعارض ~~دليل الحل، ودليل الحرمة تساقطا؛ فوجب بقاء حكم الأصل، وبهذا الطريق ~~لما سئل عثمان عن الجمع بين الأختين في ملك اليمين قال: أحلتهما آية، ~~وحرمتهما آية، فحكم عند ذلك بالتحريم للسبب الذي ذكرناه، فكذا ~~هاهنا. # وثالثها: حكى ابن جرير الطبري في " تفسيره " عن ابن عباس ~~تحريم أصناف النساء إلا المؤمنات، واحتج بقوله: # فقد حبط عمله # [المائدة:5]، وإذا كان كذلك فالكتابية كالمرتدة في أنه لا يجوز ~~العقد عليها. # ورابعها: أن طلحة نكح يهودية، وحذيفة نصرانية، فغضب عمر عليهما ~~غضبا شديدا، فقالا: نطلق يا أمير المؤمنين، فلا تغضب. فقال: إن من ~~أحل طلاقهن، فقد أحل نكاحهن، ولكن أنتزعهن منكما. # وأجيب عن الأول بأن من قال: الكتابي لا يدخل تحت اسم المشرك، ~~فالإشكال عنه ساقط، ومن سلم ذلك، قال إن قوله تعالى: # والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم # [المائدة:5] أخص من هذه الآية، فإذا كانت هذه الحرمة ثاتبة، ثم زالت ~~كان قوله: " والمحصنات " ناسخا، وإن لم تثبت الحرمة كانت مخصصة، ~~وإن كان النسخ والتخصيص خلاف الأصل إلا أنه إنما لما كان لا سبيل ~~إلى التوفيق بين الآيتين إلا بهذا الطريق؛ وجب المصير إليه. # وقولهم: إن نكاح الوثنية إنما حرم؛ لأنها تدعو إلى النار، ~~وهذا المعنى موجود في الكتابية. # قلنا: الفرق بينهما أن المشركة متظاهرة بالمخالفة، فلعل الزوج ~~يحبها، ثم إنها تحمله على مقاتلة المسلمين، وهذا المعنى غير موجود في ~~الذمية؛ لأنها مقهورة راضية بالذلة، والمسكنة، فلا يتضمن ~~نكاحها المقاتلة. # وقولهم: تعارضت آية التحريم، وآية التحليل. قلنا: آية التحليل ~~خاصة، ومتأخرة بالإجماع؛ فوجب تقديمها على آية التحريم، بخلاف ~~الآيتين، بالجمع بين الأختين في ملك اليمين، لأن كل واحدة منهما ~~أخص من الأخرى من وجه، وأعم من ms1245 وجه آخر، فلم يحصل فيه سبب ~~الترجيح. # وأما التمسك بقوله: " فقد حبط عمله " فجوابه: أنا لما ~~فرقنا بين الكتابية وبين المرتدة في أحكام كثيرة، فلم لا يجوز ~~الفرق بينهما أيضا في هذا الحكم؟ # أما تمسكهم بأثر عمر، فقد نقلنا عنه أنه قال: ليس بحرام، وإذا ~~حصل التعارض بينهما؛ سقط الاستدلال بهما، وسلم باقي الأدلة. # فصل في نكاح الكتابيات # قال القرطبي: وأما نكاح أهل الكتاب إذا كانوا حربا، فلا يحل. # وسئل ابن عباس عن ذلك، فقال: لا تحل، وتلا قوله تعالى: # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا ~~يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى ~~يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون # [التوبة:29] قال الراوي: تحدث بذلك إبراهيم النخعي، فأعجبه. # فصل # نقل عن الحسن أنه قال: هذه الآية ناسخة لما كانوا عليه من تزويج ~~المشركات. # قال بعض العلماء: إن كان إقدامهم على نكاح المشركات من قبل العادة، لا ~~من قبل الشرع؛ امتنع كون هذه الآية ناسخة؛ لأنه ثبت في الأصول أن ~~الناسخ والمنسوخ يجب أن يكونا حكمين شرعيين، وإن كان جواز نكاح ~~المشركات ثابتا من جهة الشرع، كانت هذه الآية ناسخة. # قوله: { حتى يؤمن } " حتى " بمعنى: " إلى " فقط، والفعل ~~بعدها منصوب بإضمار " أن " ، أي: إلى أن يؤمن، وهو مبني على ~~المشهور لاتصاله بنون الإناث، والأصل: يؤمنن، فأدغمت لام الفعل في نون ~~الإناث. # فصل في بيان قوله تعالى { حتى يؤمن } # اتفق الكل على المراد من قوله { حتى يؤمن } الإقرار ~~بالشهادة والتزام أحكام الإسلام، وإذا كان كذلك احتجت الكرامية ~~بهذه الآية على أن الإيمان عبارة عن مجرد الإقرار؛ لأنه غيا ~~التحريم إلى الإيمان، وهو هنا الإقرار؛ فثبت أن الإيمان في عرف الشرع ~~عبارة عن الإقرار، وأجيبوا بوجوه: # منها: قوله تعالى: # ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر ~~وما هم بمؤمنين # [البقرة:8]. # ومنها: قوله تعالى: # قالت الأعراب ءامنا قل لم تؤمنوا ولكن ~~قولوا أسلمنا # [الحجرات:14]؛ ولو كان الإيمان عبارة عن مجرد الإقرار، لكان قوله " ~~قل ms1246 لم تؤمنوا " كذبا. وأجيبوا عن التمسك بهذه الآية بأن ~~التصديق الذي في القلب لا يمكن الاطلاع عليه، فأقيم الإقرار ~~باللسان مقام التصديق بالقلب. # قوله: { ولأمة مؤمنة خير }. قال أبو مسلم: اللام في قوله: ~~" ولأمة " تشبه لام القسم في إفادة التوكيد. # سوغ الابتداء ب " أمة " شيئان: لام الابتداء والوصف. وأصل " أمة ~~": أمو، فحذفت لامها على غير قياس، وعوض منها تاء التأنيث ك " ~~قلة " ، و " ثبة " يدل على أن لامها واو رجوعها في الجمع؛ قال ~~الكلابي: [البسيط] # 1077- أما الإماء فلا يدعونني ولدا # إذا تداعى بنو الإموان بالعار # ولظهورها في المصدر أيضا، قالوا: أمة بينة الأموة وأقرت ~~له بالأموة. وهل وزنها " فعلة " بتحريك العين، أو " فعلة " ~~بسكونها؟ قولان، أظهرهما الأول، وكان قياسها على هذا أن تقلب ~~لامها ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها كفتاة وقناة، ولكن حذفت ~~على غير قياس. # والثاني: قال به أبو الهيثم، فإنه زعم أن جمع الأمة أمو، وأن ~~وزنها فعلة بسكون العين، فيكون مثل نخل، ونخلة، فأصلها أموة، فحذفوا ~~لامها إذ كانت حرف لين، فلما جمعوها على مثل: نخلة ونخل لزمهم أن ~~يقولوا: أمة، وأم، فكرهوا أن يجعلوها حرفين، وكرهوا أن يردوا ~~الواو المحذوفة لما كانت آخر الاسم، فقدموا الواو وجعلوه ألفا بين ~~الهمزة والميم، فقالوا: أام. وما زعمه ليس بشيء إذ كان يلزم أن يكون ~~الإعراب على الميم، كما كان على لام " نخل " ، وراء " تمر " ، ~~ولكنه على التاء المحذوفة مقدر كما سيأتي بيانه. وجمعت على " ~~إموان " كما تقدم، وعلى إماء، والأصل: إماو، نحو رقبة، ورقاب، ~~فقلبت الواو همزة لوقوعها طرفا بعد ألف زائدة ككساء. وفي الحديث: # " لا تمنعوا إماء الله مساجد الله " # وعلى آم، قال الشاعر: [مجزوء الكامل] # 1078- تمشي بها ربد النعا # م تماشي الآم الزوافر # والأصل " أأمو " بهمزتين، الأولى مفتوحة زائدة، والثانية ~~ساكنة هي فاء الكلمة نحو: أكمة، وأأكم، فوقعت الواو طرفا مضموما ~~ما قبلها في اسم معرب ولا نظير له، فقلبت الواو ياء والضمة ~~كسرة لتصح الياء، فصار الاسم من قبيل المنقوص نحو: غاز وقاض، ~~ثم قلبت ms1247 الهمزة الثانية ألفا، لسكونها بعد أخرى مفتوحة، ~~فتقول: جاء آم، ومررت بآم، ورأيت آميا، تقدر الضمة والكسرة ~~وتظهر الفتحة، ونظيره في هذا القلب مجموعا: " أدل " و " ~~أجر " جمع " دلو " و " جرو " وهذا التصريف الذي ذكرناه ~~يرد على أبي الهيثم قوله المتقدم، أعني كونه زعم أن آميا جمع ~~أموة بسكون العين، وأنه قلب، إذ لو كان كذلك لكان ينبغي أن ~~يقال جاء آم، ومررت بآم، ورأيت آما، وجاء الآم ومررت بالآم، ~~فتعرب بالحركات الظاهرة. # والتفضيل في قوله: { خير من مشركة }: إما على سبيل ~~الاعتقاد، لا على سبيل الوجود، وإما لأن نكاح المؤمنة يشتمل على ~~منافع أخروية، ونكاح المشركة الحرة يشتمل على منافع ~~دنيوية، هذا إذا التزمنا بأن " أفعل " لا بد أن يدل على ~~زيادة ما، وإلا فلا حاجة إلى هذا التأويل، كما هو مذهب الفراء ~~وجماعة. # وقوله: " من مشركة " يحتمل أن يكون " مشركة " صفة ~~لمحذوف مدلول عليه بمقابله، أي: من حرة مشركة، أو مدلول ~~عليه بلفظه، أي: من أمة مشركة، على حسب الخلاف في قوله: " ~~ولأمة " هل المراد المملوكة للآدميين، أو مطلق النساء، ~~لأنهن ملك لله تعالى؛ كما قال - عليه السلام - # " لا تمنعوا إماء الله مساجد الله " # وكذلك الخلاف في قوله: { ولعبد مؤمن خير من مشرك ~~}. # وقال بعضهم ولأمة مؤمنة خير من حرة مشركة ولا حاجة إلى ~~هذا التقدير، لأن اللفظ مطلق. وأيضا فقوله: " ولو أعجبتكم " ~~يدل على صفة الحرية؛ لأن التقدير: ولو أعجبتكم بحسنها، أو ~~مالها، أو حريتها، أو نسبها، فكل ذلك داخل تحت قوله: " ولو ~~أعجبتكم ". # فصل في سبب النزول # نزلت هذه الآية في خنساء، وهي وليدة سوداء، كانت لحذيفة بن اليمان، ~~قال حذيفة: يا خنساء قد ذكرت في الملأ الأعلى على سوادك ودمامتك؛ ~~فأعتقها وتزوجها. # وقال السدي: # " نزلت في عبد الله بن رواحة كانت له أمة سوداء، فغضب عليها، ~~ولطمها، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك، فقال له ~~عليه الصلاة والسلام : " وما هي "؟ فقال: تشهد ألا إله إلا ~~الله، وأنك رسول الله، وتحسن الوضوء وتصلي ms1248 فقال: " إن هذه ~~مؤمنة " قال عبد الله: فوالذي بعثك بالحق نبيا، لأعتقها ولأتزوجها، ~~ففعل، فطعن عليه ناس من المسلمين، وقالوا: تنكح أمة؟! وعرضوا عليه ~~حرة مشركة. فأنزل الله هذه الآية " # فصل في بيان الخيرية في الآية # والخير هاهنا النفع الحسن، والمعنى: أن المشركة - وإن كانت ثابتة ~~في المال، والجمال، والنسب - فالأمة المؤمنة خير منها إلا أن ~~الإيمان يتعلق بالدين، والمال، والجمال، والنسب متعلق بالدين ~~والدنيا، ولا شك أن الدين خير من الدنيا؛ لأنه أشرف الأشياء ~~عند كل أحد، فإذا اتفق الدين كملت المحبة فتكمل منافع الدنيا من الصحة ~~والطاعة وحفظ الأموال والأولاد، وعند اختلاف الدين لا يحصل شيء من ذلك. # فصل في تقرير مذهب أبي حنيفة في القادر على التزوج بأمة مع وجود الحرة # قال الجبائي: دلت الآية على أن القادرعلى طول الحرة يجوز له التزوج ~~بالأمة كمذهب أبي حنيفة؛ لأن الآية دلت على أن الواجد لطول الحرة المشركة ~~يكون - لا محالة - واجدا لطول الحرة المسلمة لأن سبب التفاوت في الإيمان ~~والكفر لا يتفاوت في قدر المال المحتاج إليه في أهبة النكاح فيلزم ~~قطعا أن يكون الواجد لطول الحرة المسلمة يجوز له نكاح الأمة، وهو ~~استدلال لطيف. # قوله: " ولو أعجبتكم " ، وقوله: " ولو أعجبكم " هذه ~~الجملة في محل نصب على الحال، وقد تقدم أن " لو " هذه في ~~مثل هذا التركيب شرطية بمعنى: " إن " نحو: " ردوا السائل، ولو ~~بظلف محرق " ، وأن الواو للعطف على حال محذوفة، ~~التقدير: خير من مشركة على كل حال، ولو في هذه الحال، وأن هذا ~~يكون لاستقصاء الأحوال، وأن ما بعد " لو " هذه إنما يأتي وهو ~~مناف لما قبله بوجه ما، فالإعجاب مناف لحكم الخيرية، ~~ومقتض جواز النكاح لرغبة الناكح فيها. وقال أبو البقاء: " ~~لو " هنا بمعنى " إن " وكذا كل موضع وقع بعد " لو " الفعل ~~الماضي، وكان جوابها متقدما عليها، وكونها بمعنى " إن " لا يشترط ~~فيه تقدم جوابها؛ ألا ترى أنهم قالوا في قوله تعالى: # لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا ~~عليهم # [النساء:9] إنها بمعنى: " إن " مع ms1249 أن جوابها وهو: " خافوا " ~~متأخر عنها، وقد نص هو على ذلك في آية النساء قال في ~~خافوا: وهو جواب " لو " ومعناها " إن ". # فصل في نكاح الأمة الكتابية # قال القرطبي: اختلفوا في نكاح الأمة الكتابية؛ فقال مالك: ~~من أسلم وتحته أمة كتابية أنه لا يفرق بينهما. # وقال أبو حنيفة وأصحابه: يجوز نكاح إماء أهل الكتاب. قال ابن ~~العربي: احتج أصحاب أبي حنيفة على جواز نكاح الأمة بقوله تعالى: { ~~ولأمة مؤمنة خير من مشركة } ووجه الدلالة: أنه ~~تعالى خاير بين نكاح الأمة المؤمنة والمشركة، فلولا أن نكاح ~~الأمة المشركة جائز لما خاير بينهما؛ لأن المخايرة إنما هي بين ~~الجائزين، لا بين جائز وممتنع، ولا بين متضادين. # والجواب: أن المخايرة بين الضدين تجوز لغة وقرآنا، قال ~~تعالى: # أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن ~~مقيلا # [الفرقان:24]. # وقال عمر في رسالته لأبي موسى الأشعري: الرجوع إلى الحق خير من ~~التمادي في الباطل. # وجواب آخر: أن قوله: " ولأمة " لم يرد به الرق المملوك ~~وإنما أراد به الآدميات والآدميين كقوله عليه الصلاة والسلام: # " لا تمنعوا إماء الله مساجد الله " # وكذا قوله: { ولعبد مؤمن خير من مشرك } وقوله: { ~~ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا } هذا بالإجماع ~~المراد منه الكل، وأن المؤمنة لا يحل تزويجها بكافر البتة ~~على اختلاف أنواع الكفر، والكلام في قوله: { ولعبد مؤمن ~~خير من مشرك } على نحو ما تقدم. # فصل في نكاح المجوسية # قال القرطبي: اختلفوا في نكاح المجوسية؛ فمنع منه مالك والشافعي، ~~وأبو حنيفة، والأوزاعي وإسحاق. # وقال أحمد: لا يعجبني. # وروي أن حذيفة بن اليمان تزوج مجوسية، وأن عمر بن الخطاب ~~قال له: طلقها. # قال ابن القصار: من قال كان لهم كتاب جوز نكاحهن. # قوله: { أولئك يدعون إلى النار } وهي نظير قوله تعالى: # ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار # [غافر:41]، وفي تأويلها وجوه: # الأول: أنهم يدعون إلى ما يؤدي إلى النار. # فإن قيل: كيف يدعون إلى النار، وربما لم يؤمنوا بالنار ~~أصلا، فكيف يدعون إليها؟! # والجواب: أنهم يدعون إلى ما يؤدي إلى النار، ms1250 فإن الظاهر أن ~~الزوجية مظنة الألفة والمحبة والمودة، وكل ذلك يؤدي إلى ~~انتقال المسلم عن الإسلام بسبب موافقة حبيبه. # فإن قيل: احتمال المحبة حاصل من الجانين، فكما يحتمل أن يصير ~~المسلم كافرا بسبب الألفة والمحبة يحتمل أيضا أن يصير الكافر ~~مسلما بسبب الألفة والمحبة، وإذا تعارض الاحتمالان، تساقطا، ~~وبقي أصل الجواز. # فالجواب: أن العمل إذا دار بين أن يلحقه نفع، أو بين أن يلحقه ضرر؛ ~~وجب الاحتراز عن الضرر، فلهذا السبب رجح الله جانب المنع. # التأويل الثاني: أنهم يدعون إلى ترك المحاربة والقتال، وفي ~~تركهما وجوب استحقاق النار والعقاب، والغرض منه أن يجعل هذا فرقا ~~بين الذمية، وغيرها، فإن الذمية لا تحمل زوجها على ~~المقاتلة. # التأويل الثالث: أن الولد الذي يحدث، ربما دعاه الكافر إلى ~~الكفر، فيصير الكافر والولد من أهل النار، فهذا هو الدعوة إلى ~~النار، { والله يدعو إلى الجنة } حيث أمر بالتزويج ~~بالمسلمة، حتى يكون الولد مسلما من أهل الجنة. # قوله: { والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ~~} فيه قولان: # الأول: أن المعنى: وأولياء الله يدعون إلى الجنة، والمغفرة، فلا ~~جرم أنه ينبغي للعاقل ألا يقرب من مشركة، فإنها من أعداء الله، وأن ~~ينكح المؤمنة؛ لأنها تدعو إلى الجنة والمغفرة. # الثاني: أنه سبحانه وتعالى لما بين هذه الأحكام، وأباح بعضها، ~~وحرم بعضها قال { والله يدعو إلى الجنة والمغفرة ~~}؛ لأن من تمسك بهما استحق الجنة. # و " والمغفرة " الجمهور على جر " المغفرة " عطفا على " ~~الجنة " و " بإذنه " متعلق ب " يدعو " أي: بتسهيله، ~~وتيسيره، وتوفيقه، وقيل بقضائه وإرادته. # وفي غير هذه الآية تقدمت " المغفرة " على الجنة: # سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة # [الحديد:21] و # وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة # [آل عمران:133]، وهذا هو الأصل؛ لأن المغفرة سبب في دخول ~~الجنة، وإنما أخرت هنا للمقابلة، فإن قبلها " يدعو إلى ~~النار " ، فقدم الجنة ليقابل بها النار لفظا، ولتشوق ~~النفوس إليها حين ذكر دعاء الله إليها، فأتى بالأشرف. # وقرأ الحسن " والمغفرة بإذنه " على الابتداء والخبر، أي: ~~حاصلة بإذنه. # ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون، أي: ms1251 أوامره، ونواهيه. ### || [2.222] # " المحيض " فعل من الحيض، ويراد به المصدر، والزمان، والمكان، ~~تقول: حاضت المرأة تحيض، حيضا ومحيضا، ومحاضا، فبنوه على ~~مفعل ومفعل بالكسر والفتح. # واعلم أن في المفعل من يفعل بكسر العين ثلاثة مذاهب: # أحدها: أنه كالصحيح، فتفتح عينه مرادا به المصدر، وتكسر ~~مرادا به الزمان والمكان. # والثاني: أن يتخير بين الفتح والكسر في المصدر خاصة، كما ~~جاء هنا: المحيض والمحاض، ووجه هذا القول: أنه كثر هذان ~~الوجهان: أعني، الكسر، والفتح فاقتاسا. # والثالث: أن يقتصر على السماع، فيما سمع فيه الكسر، أو ~~الفتح، لا يتعدى. فالمحيض المراد به المصدر ليس بمقيس على ~~المذهبين الأول والثالث، مقيس على الثاني. ويقال: امرأة حائض ولا ~~يقال: " حائضة " إلا قليلا، أنشد الفراء: [الطويل] # 1079-........................ # كحائضة يزنى بها غير طاهر # والمعروف أن النحويين فرقوا بين حائض، وحائضة: ~~فالمجرد من تاء التأنيث بمعنى النسب، أي: ذات حيض، وإن لم ~~يكن عليها حيض، والملتبس بالتاء لمن عليها الحيض في الحال، ~~فيحتمل أن يكون مراد الشاعر ذلك، وهكذا كل صفة مختصة بالمؤنث ~~نحو: طامث ومرضع وشبههما. # قال القرطبي: ويقال: نساء حيض، وحوائض، والحيضة: المرأة الواحدة. ~~والحيضة بالكسر، الاسم والجمع الحيض، والحيضة أيضا: الخرقة التي ~~تستثفر بها المرأة، قالت عائشة: ليتني كنت حيضة ~~ملقاة " وكذلك المحيضة، والجمع: المحائص. # وأصل الحيض السيلان، والانفجار، يقال: حاض السيل ~~وفاض، قال الفراء: " حاضت الشجرة، أي: سال صمغها " ، ~~قال الأزهري: " ومن هذا قيل للحوض: حيض؛ لأن الماء ~~يسيل إليه " والعرب تدخل الواو على الياء، والياء على الواو؛ ~~لأنهما من حيز واحد، وهو الهواء. # ويقال: حاضت المرأة وتحيضت، ودرست، وعركت، وطمثت فهي ~~حائض، ودارس، وعارك، وطامث، وطامس، وكابر، وضاحك. قال ~~تعالى: # فلما رأينه أكبرنه # [يوسف:31] أي: حضن، وقال تعالى: # فضحكت # [هود:71]. # قال مجاهد: أي: حاضت ونافس أيضا، والظاهر أن المحيض مصدر كالحيض، ~~ومثله: " المقيل " من قال يقيل؛ قال الراعي: [الكامل] # 1080- بنيت مرافقهن فوق مزلة # لا يستطيع بها القراد مقيلا # وكذلك قال الطبري: " إن المحيض اسم كالمعيش: اسم ~~العيش "؛ وأنشد لرؤبة: [الرجز] # 1081- إليك أشكو شدة المعيش ms1252 # ومر أعوام نتفن ريشي # وقيل: المحيض في الآية المراد به: اسم موضع الدم، وعلى هذا فهو ~~مقيس اتفاقا، ويؤيد الأول قوله: { قل هو أذى }. وقد ~~يجاب عنه بأن ثم حذف مضاف، أي: هو ذو أذى، ويؤيد الثاني ~~قوله: { فاعتزلوا النسآء في المحيض }. ومن حمله على ~~المصدر قدر هنا حذف مضاف، أي: فاعتزلوا وطء ~~النساء في زمان الحيض، ويجوز أن يكون المحيض ~~الأول مصدرا والثاني مكانا. # حكى الواحدي في " البسيط " عن ابن السكيت: إذا كان الفعل من ~~ذوات الثلاثة نحو: كال يكيل، وحاض يحيض وأشباهه، فإن الاسم منه ~~مكسور والمصدر مفتوح، من ذلك مال ممالا، وهذا مميله يذهب بالكسر إلى ~~الاسم، وبالفتح إلى المصدر، ولو فتحهما جميعا، أو كسرهما جميعا في ~~المصدر والاسم لجاز، تقول: المعاش، والمعيش، والمغاب، ~~والمغيب، والمسار والمسير فثبت أن لفظ المحيض حقيقة في موضع ~~الحيض، وأيضا هو اسم لنفس الحيض. # قال ابن الخطيب: وعندي أنه ليس كذلك؛ إذ لو كان المراد بالمحيض ~~هنا الحيض، لكان قوله تعالى { فاعتزلوا النسآء في المحيض ~~} معناه: فاعتزلوا النساء في الحيض، ويكون المراد: فاعتزلوا النساء ~~في زمن الحيض، يكون ظاهره مانعا من الاستمتاع بهن فيما فوق السرة، ~~ودون الركبة، ولما كان هذا المنع غير ثابت لزم القول بتطرق النسخ، ~~والتخصيص إلى الآية، وهو خلاف الأصل، أما إذا حملنا المحيض على موضع ~~الحيض؛ كان معنى الآية: فاعتزلوا النساء في موضع الحيض من النساء، ~~وعلى هذا التقدير لا يتطرق إلى الآية نسخ، ولا تخصيص. # ومن المعلوم أن اللفظ إذا كان مشتركا بين معنيين وكان حمله على ~~أحدهما يوجب محذورا، وعلى الآخر لا يوجب ذلك المحذور، فإن حمل ~~اللفظ على المعنى الذي لا يوجب المحذور، أولى إذا سلمنا أن ~~لفظ المحيض مشترك بين الموضع، وبين المصدر. # فإن قيل: الدليل على أن المراد من المحيض الحيض قوله: { قل ~~هو أذى } ، ولو كان المراد الموضع لما صح هذا الوصف. # قلنا: بتقدير أن يكون المحيض عبارة عن الحيض، فالحيض نفسه ليس ~~بأذى لأن " الحيض " عبارة عن الدم المخصوص، ms1253 و " الأذى " ~~كيفية مخصوصة وهو عرض، والجسم لا يكون نفس العرض فلا بد أن ~~يقولوا: المراد منه أن الحيض موصوف بكونه أذى، وإذا جاز ذلك ~~فيجوز لنا أيضا أن نقول: إن المراد منه أن ذلك الموضع ذو أذى، ~~وأيضا لم لا يجوز أن يكون المراد بالمحيض الأول الحيض، وبالمحيض ~~الثاني موضع الحيض كما تقدم وعلى هذا فيزول الإشكال. # فصل في بيان مغالاة اليهود وغيرهم في أمر الحيض # " عن أنس بن مالك أن اليهود، والمجوس كانوا يبالغون في التباعد ~~عن المرأة حال حيضها، والنصارى كانوا يجامعوهن ولا يبالون بالحيض، ~~وأن أهل الجاهلية كانوا يقولون مثل قول اليهود، ~~والمجوس، وكانوا إذا حاضت المرأة؛ لم يؤاكلوها، ولم ~~يشاربوها، ولم يجالسوها على فراش، ولم يساكنوها في بيت كفعل ~~اليهود والمجوس، فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل ~~الله هذه الآية، فأخذ المسلمون بظاهر الآية، فأخرجوهن من بيوتهن، ~~فقال ناس من الأعراب: يا رسول الله البرد شديد، والثياب ~~قليلة، فإن آثرناهن بالثياب، هلك سائر أهل البيت، وإن ~~استأثرناها هلكت الحيض، فقال عليه الصلاة والسلام: إنما ~~أمرتكم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن ولم ~~آمركم بإخراجهن من بيوتهن كفعل الأعاجم " ~~فلما سمع اليهود ذلك قالوا: هذا الرجل يريد ألا يدع شيئا ~~من أمرنا، إلا خالفنا فيه. فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول الله إن اليهود ~~تقول كذا وكذا، أفلا ننكحهن في المحيض، فتغير وجه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حتى ظننا أنه غضب عليهما، فخرجا؛ فجاءته هدية ~~من لبن، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهما فسقاهما فعلمنا ~~أنه لم يغضب عليهما ". # فصل في مجيء " يسألونك " بحرف الواو # وجاء: " ويسألونك " ثلاث مرات بحرف العطف بعد قوله: { ~~يسألونك عن الخمر } وهي: { ويسألونك ماذا ~~ينفقون } ، { ويسألونك عن اليتامى } { ~~ويسألونك عن المحيض } وجاء " يسألونك " أربع مرات من ~~غير عطف: { يسألونك عن الأهلة } { يسألونك ماذا ~~ينفقون } { يسألونك عن الشهر الحرام } { ~~يسألونك عن الخمر }. فما الفرق؟ ms1254 # والجواب: أن السؤالات الأواخر وقعت في وقت واحد، فجمع ~~بينها بحرف الجمع، وهو الواو، أما السؤالات الأول فوقعت في ~~أوقات متفرقة، فلذلك استؤنفت كل جملة، وجيء بها وحدها. # وقوله: " هو أذى " فيه وجهان: # أحدهما: قاله أبو البقاء: " أن يكون ضمير الوطء الممنوع " وكأنه ~~يقول: إن السياق يدل عليه، وإن لم يجر له ذكر. # الثاني: أن يعود على المحيض، قال أبو البقاء: " ويكون التقدير: هو ~~سبب أذى " وفيه نظر؛ فإنهم فسروا الأذى هنا بالشيء القذر، ~~فإذا أردنا بالمحيض نفس الدم، كان شيئا مستقذرا، فلا ~~حاجة إلى تقدير حذف مضاف. # فصل في المراد من " الأذى " # قال عطاء، وقتادة، والسدي: هو أذى، أي: قذر واعلم أن ~~الأذى في اللغة ما يكره من كل شيء، ويحتمل أن يكون قوله: ~~" هو أذى " ، أي: سبب الأذى قالوا: لأن من جامع في الحيض، ~~قد يحصل له في ذكره وأنثييه تفتيح وقروح. # وقوله: { فاعتزلوا النسآء في المحيض }. # الاعتزال: التنحي عن الشيء، وأراد به هاهنا: ترك ~~الوطء، وقدم ذكر العلة، وهي الأذى، ثم رتب الحكم، وهو وجوب ~~الاعتزال. فإن قيل: المراد ب " الأذى " هو الدم، وهو حاصل في وقت ~~الاستحاضة مع أن اعتزال المرأة وقت الاستحاضة، غير واجب، فانتقضت هذه ~~العلة. # والجواب: أن دم الحيض دم فاسد يتولد من فضلة تدفعها طبيعة ~~المرأة من عمق الرحم، ولو احتبست تلك الفضلة لمرضت المرأة، فذلك ~~الدم جار مجرى البول، والغائط، فكان أذى وقذرا، وأما دم ~~الاستحاضة، فليس كذلك، بل هو دم صالح يسير من عروق تنفجر من عمق ~~الرحم، فلا يكون أذى، قال عليه الصلاة والسلام لما سئل عن ~~الاستحاضة فقال: # " إن ذلك دم عرق، وليس بالحيضة ". # قال ابن الخطيب: وهذا جواب طبي مخلص ظاهر القرآن من الطعن. # فصل في بيان صفات دم الحيض # اعلم أن الحيض موصوف بصفات حقيقية، ويتفرع عليه أحكام شرعية ~~فالصفات نوعان: # الأول: المنبع؛ فدم الحيض يخرج من الرحم، قال تعالى: # ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في ~~أرحامهن # [البقرة:228] قيل في تفسيره إن المراد ms1255 منه الحيض والحمل، وأما دم ~~الاستحاضة، فإنه لا يخرج من الرحم، لكن من عروق تنقطع من فم ~~الرحم، # " قال عليه الصلاة والسلام في صفة دم الاستحاضة: إنه دم ~~عرق انفجر " # ، وهذا يؤيد ما تقدم في الجواب. # النوع الثاني: من صفات دم الحيض التي وصفه بها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهي ست: # أحدها: إنه أسود. # الثاني: أنه ثخين. # الثالث: محتدم وهو المحترق من شدة حرارته. # الرابع: أنه يخرج برفق لا يسيل سيلانا. # الخامس: أن له رائحة كريهة بخلاف سائر الدماء؛ وذلك لأنه من الفضلات ~~التي تدفعها الطبيعة. # والسادس: أنه بحراني وهو الشديد الحمرة، وقيل ما تحصل فيه كدورة ~~تشبيها له بماء البحر. # فهذه صفاته الحقيقية، ثم من الناس من قال: إن دم الحيض ~~يتميز عن دم الاستحاضة، فكل دم موصوف بهذه الصفات، فهو دم ~~حيض وما لا فلا، وما اشتبه الأمر فيه فالأصل بقاء التكليف، ولا ~~يزول إلا بعارض الحيض، فإذا لم يعلم وجوده؛ بقيت التكاليف على ما ~~كانت وقال آخرون: هذه الصفات قد تشتبه على المكلف، فإيجاب ~~التأمل من تلك الدماء يقتضي عسرا ومشقة فقدر الشارع وقتا مضبوطا، ~~متى حصلت فيه الدماء كان حكمها حكم الحيض كيفما كانت صفة تلك ~~الدماء قصدا إلى إسقاط العسر والمشقة. # فصل # اختلف العلماء في مدة الحيض، فقال علي بن أبي طالب - رضي اله ~~عنه -: أقله يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوما، وهو قول عطاء بن ~~أبي رباح، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. # وقال أبو حنيفة، والثوري: أقله ثلاثة أيام ولياليهن، فإن نقص ~~عنه، فهو دم فاسد؛ وأكثره عشرة أيام. # قال أبو بكر الرازي في " أحكام القرآن ": وقد كان أبو حنيفة ~~يقول بقول عطاء، ثم تركه. # وقال مالك: لا تقدير له في القلة، والكثرة، فإن وجد ساعة، ~~فهو حيض، وإن وجد أياما، فكذلك. # واحتج أبو بكر الرازي في " أحكام القرآن " على فساد قول ~~مالك بأنه: لو كان التقدير ساقطا في القليل، والكثير، لوجب أن ~~يكون الحيض هو الدم الموجود من المرأة فيلزم ألا يوجد ms1256 في الدنيا ~~مستحاضة لأن كل ذلك الدم يكون حيضا على المذهب، وذلك باطل بالإجماع ~~ولأنه روي أن فاطمة بنت أبي حبيش قالت للنبي صلى الله عليه وسلم ~~" إني أستحاض فلا أطهر " وروي أن حمنة استحيضت سبع سنين ~~ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم لهما إن ذلك حيض بل أخبرهما ~~أن منه ما هو حيض، ومنه ما هو استحاضة، فبطل هذا القول ويمكن الجواب ~~عنه بأن نقول: إنما يتميز دم الحيض عن دم الاستحاضة بالصفات ~~التي قدمناها لدم الحيض، فإذا عدمت؛ حكمنا بدم الحيض، وإن ~~ترددنا فيهما، كان طريان الحيض مجهولا، وبقاء التكليف الذي هو ~~الأصل معلوم، والمشكوك لا يارض المعلوم، فلا جرم قلنا ببقاء ~~التكاليف، فبهذا الطريق يميز الحيض عن الاستحاضة وإن لم يجعل للحيض ~~زمانا معينا. # واحتج مالك رضي الله عنه بوجهين: # الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم بين علامة دم الحيض، ~~وصفته كما قدمنا في قوله: # " دم الحيض هو الأسود المحتدم " # وإذا كان الدم موصوفا بهذه الصفة، كان الحيض حاصلا، فيدخل ~~تحت قوله: { فاعتزلوا النسآء في المحيض }. # الثاني: قوله في دم الحيض " هو أذى " ، ذكر كونه أذى في معرض ~~العلة، لوجوب الاعتزال، وإنما كان " أذى " للرائحة المنكرة ~~التي فيه، واللون الفاسد وللحدة القوية التي فيه، وإذا كان وجوب ~~الاعتزال معللا بهذه المعاني، وجب الاحتراز عملا بالعلة المذكورة ~~في كتاب الله. # واحتج الشافعي على أبي حنيفة بوجهين: # الأول: أنه وجد دم الحيض في اليوم بليلته، وفي الزائد عن العشرة لأنه ~~ عليه الصلاة والسلام وصف دم الحيض بأنه أسود محتدم، فإذا وجد ~~ذلك، فقد حصل الحيض فيدخل تحت قوله: { فاعتزلوا النسآء في ~~المحيض } تركنا العمل بهذا الدليل في الأقل من يوم وليلة وفي ~~الأكثر من خمسة عشر يوما باتفاق بيني وبينك يا أبا حنيفة؛ فوجب أن ~~يبقى معمولا به في هذه المدة. # الثاني: أنه عليه الصلاة والسلام بين نقصان دينها: بأنها ~~تمكث شطر عمرها لا تصلي، وهذا يدل على أن الحيضة قد تكون خمسة عشر ~~يوما؛ لأن على ms1257 هذا التقدير يكون الطهر خمسة عشر يوما؛ فيكون الحيض نصف ~~عمرها، ولو كان أقل من ذلك لم تكن تاركة للصلاة نصف عمرها. # أجاب أبو بكر الرازي عنه بوجهين: # الأول: أن الشطر ليس هو النصف، بل هو البعض. # والثاني: أنه لا يوجد في الدنيا امرأة تكون حائضا نصف عمرها، لأن ما ~~مضى من عمرها قبل البلوغ هو من عمرها. # والجواب عن الأول: أن الشطر هو النصف، يقال: شطرت الشيء أي ~~جعلته نصفين، ويقال في المثل: " احلب حلبا لك شطره " أي ~~نصفه. # وعن الثاني: أن قوله عليه الصلاة والسلام : # " تمكث إحداكن شطر عمرها لا تصلي " # إنما يتناول زمانا هي تصلي فيه، وذلك لا يتناول إلا زمان البلوغ. # واحتج أبو بكر الرازي على قول أبي حنيفة بوجوه: # الأول: ما روى أبو أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام " # فإن صح هذا الحديث، فلا معدل عنه لأحد. # الثاني: روي عن أنس بن مالك، وعثمان بن أبي العاص الثقفي أنهما قالا: ~~" الحيض ثلاثة أيام، وأربعة أيام إلى عشرة أيام، وما زاد ~~فهو استحاضة " وهذا قول صحابي لم يخالفه أحد، فكان إجماعا، ولأنه ~~إذا ورد قول عن صحابي فيما لا سبيل للعقل إليه، فالظاهر أنه سمع من ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # الثالث: # " قوله عليه الصلاة والسلام لحمنة بنت جحش: تحيضي في علم الله ~~ستا، أو سبعا، كما تحيض النساء في كل شهر " # فقوله: # " كما تحيض النساء في كل شهر " # مقتضاه أن يكون حيض النساء في كل شهر هذا القدر، خالفنا هذا ~~الظاهر في الثلاثة إلى العشرة، فيبقى ما عداه على الأصل. # الرابع: قول عليه الصلاة والسلام: # " ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لعقول ~~ذوي الألباب منهن " فقيل: ما نقصان دينهن؟ قال: " تمكث ~~إحداهن الأيام والليالي لا تصلي ". # فهذا يدل على أن مدة الحيض ما يقع عليه اسم الأيام، والليالي، ~~وأقلها ثلاثة أيام وأكثرها عشرة؛ لأنه لا يقال في الواحد، والاثنين ~~لفظ الأيام، ولا يقال في ms1258 الزائد على العشرة أيام؛ بل يقال أحد عشر ~~يوما، أما الثلاثة إلى العشرة، فيقال فيها أيام. # وأيضا # " قوله عليه الصلاة والسلام لفاطمة بنت أبي حبيش: دعي ~~الصلاة أيام أقرائك " # فلفظ الأيام مختص بالثلاثة إلى العشرة. # وفي # " حديث أم سلمة في المرأة التي سألته أنها تهرق الدم فقال: ~~لتنظر عدد الأيام، والليالي التي كانت تحيض من ~~الشهر، ثم لتغتسل ولتصل ". # فإن قيل: لعل حيض تلك المرأة كان مقدرا بذلك المقدار قلنا: إنه ~~عليه الصلاة والسلام ما سألها عن قدر حيضها، بل حكم عليه بذلك ~~الحكم مطلقا، فدل هذا على أن الحيض مطلقا مقدر بما ينطلق عليه لفظ ~~الأيام. # وأيضا قال في حديث عدي بن ثابت: " المستحاضة تدع ~~الصلاة أيام حيضها " وذلك عام في جميع النساء. # الخامس: قال الجبائي في " تفسيره " إن فرض الصيام والصلاة ~~لازم لعموم الأدلة، فعلى الوجوب ترك العمل بها في الثلاثة إلى ~~العشرة بالإجماع، وما دون الثلاثة وفوق العشرة حصل فيه اختلاف العلماء، ~~فأورث شبهة، فلم نجعله حيضا، فوجب بقاء التكليف على أصله. # فصل في حرمة جماع الحائض # اتفق المسلمون على حرمة الجماع في زمن الحيض، واختلفوا في وجوب ~~الكفارة على من جامع فيه، فذهب أكثرهم إلى أنه لا كفارة عليه ~~فليستغفر الله ويتوب، وذهب قوم إلى وجوب الكفارة عليه؛ منهم: قتادة ~~والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، لما # " روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في رجل جامع ~~امرأته وهي حائض إن كان الدم عبيطا؛ فليتصدق بدينار، ~~وإن كان صفرة، فنصف دينار " # وروي موقوفا على ابن عباس. واتفقوا على أن جل الاستمتاع فيما ~~فوق السرة، ودون الركبة [واختلفوا بأنه هل يجوز الاستمتاع بها ~~فيما دون السرة، وفوق الركبة؟] قال ابن الخطيب: إن فسرنا المحيض ~~بموضع الحيض، كانت الآية دالة على تحريم الجماع فقط، فلا يكون فيها ~~دلالة على تحريم غيره، بل نقول: إن تخصيص الشيء بالذكر يدل على ~~أن الحكم فيما عداه بخلافه، وإن فسرنا المحيض بالمحيض، كان تقدير ~~الآية فاعتزلوا النساء في زمان المحيض، وترك العمل ms1259 بها فيما فوق ~~السرة ودون الركبة؛ فوجب أن يبقى الباقي على الحرمة. # قوله: { ولا تقربوهن حتى يطهرن } ، أي: لا تجامعوهن. # قال ابن العربي: سمعت الشاشي يقول: إذا قيل " لا تقرب " بفتح ~~الراء كان معناه: لا تتلبس بالفعل، وإذا كان بضم الراء كان ~~معناه: لا تدن منه، وهذا كالتأكيد لقوله تعالى: { فاعتزلوا ~~النسآء في المحيض } فهذا نهي عن المباشرة في موضع الدم، ~~وقوله: " ولا تقربوهن " نهي عن الالتذاذ بما يقرب من ذلك ~~الموضع. # " حتى " هنا بمعنى " إلى " والفعل بعدها منصوب بإضمار أن، وهو مبني ~~لاتصاله بنون الإناث. # وقرأ حمزة والكسائي، وأبو بكر بتشديد الطاء والهاء، والأصل: # يتطهرن، فأدغم. # والباقون: " يطهرن " مضارع طهر، قالوا: وقراءة التشديد معناها ~~يغتسلن، وقراءة التخفيف معناها ينقطع دمهن. ورجح الطبري قراءة ~~التشديد وقال: " هي بمعنى يغتسلن لإجماع الجميع على تحريم ~~قربان الرجل امرأته بعد انقطاع الدم حتى تطهر، وإنما الخلاف في ~~الطهر ما هو؟ هل هو الغسل أو الوضوء، أو غسل الفرج فقط؟ ". # قال ابن عطية: " وكل واحدة من القراءتين تحتمل أن يراد بها الاغتسال ~~بالماء، وأن يراد بها انقطاع الدم وزوال أذاه ". # قال: " وما ذهب إليه الطبري من أن قراءة التشديد ~~مضمنها الاغتسال، وقراءة التخفيف مضمنها انقطاع الدم ~~أمر غير لازم، وكذلك ادعاؤه الإجماع " وفي رد ابن عطية عليه ~~نظر؛ إذ لو حملنا القراءتين على معنى واحد لزم التكرار. ورجح ~~الفارسي قراءة التخفيف؛ لأنها من الثلاثي المضاد لطمث وهو ثلاثي. # فصل في ورود لفظ الطهور في القرآن # قال أبو العباس المقري: ورد لفظ " الطهور " في القرآن بإزاء تسعة ~~معان: # الأول: انقطاع الدم، قال تعالى: { ولا تقربوهن حتى ~~يطهرن } [البقرة:222]، أي: حتى ينقطع الدم. # الثاني: الاستنجاء بالماء؛ قال تعالى: # فيه رجال يحبون أن يتطهروا # [التوبة:108]، أي: يستنجون بالماء. # الثالث: الاغتسال، قال تعالى: { فإذا تطهرن فأتوهن } ~~[البقرة:222] أي: اغتسلن. # الرابع: التنظيف من الأدناس، قال تعالى: # ولهم فيهآ أزواج مطهرة # [البقرة:25]. # الخامس: التطهر من الذنوب؛ قال تعالى: # لا يمسه إلا المطهرون # [الواقعة:79]، ومثله: # خذ من أموالهم صدقة تطهرهم # [التوبة:103]. ms1260 # السادس: التطهير من الشرك، قال تعالى: # وطهر بيتي للطآئفين # [الحج:26]، أي: طهره من الشرك. # السابع: الطهور الطيب، قال تعالى: # ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن # [الأحزاب:53] أي أطيب. # الثامن: الطهور الحل، قال تعالى: # هؤلاء بناتي هن أطهر لكم # [هود:78]، أي: أحل. # التاسع: التطهر من الرجس، قال تعالى: # ويطهركم تطهيرا # [الأحزاب:33]، أي: من الآثام والرجس. # فصل في بيان النهي عن الإتيان هل بعد انقطاع الدم أو الاغتسال. # استدل أبو حنيفة رضي الله عنه بقوله تعالى: { ولا تقربوهن ~~حتى يطهرن } بأنه نهي عن قربانهن إلى غاية، وهي أن يطهرن، أي ~~ينقطع حيضهن، وإذا كان انقطاع الحيض غاية للنهي؛ وجب أن يزول النهي ~~عند انقطاع الحيض. # وأجيب بأنه لو اقتصر على قوله " حتى يطهرن " ، لكان ما ذكرتم ~~لازما أما إذا انضم إليه قوله: { فإذا تطهرن فأتوهن } ~~صار المجموع هو الغاية، وذلك بمنزلة أن يقول الرجل: لا تكلم زيدا ~~حتى يدخل الدار، فإذا طابت نفسه بعد الدخول، فكلمه، فإنه يجب أن ~~يتعلق إباحة كلامه بالأمرين جميعا. # فإن قيل: يحمل قوله: " فإذا تطهرن " على غسل الموضع، فإنه ~~يجب غسله بإجماع، فالجواب أن ظاهر قوله: " فإذا تطهرن " حكم ~~عائد إلى ذات المرأة، فوجب أن يكون هذا التطهير في كل بدنها لا في بعض ~~بدنها، وأيضا فنحمله على التطهير الثابت في المستحاضة لثبوته في ~~الحيض، والمراد به الاغتسال، إذا أمكن وجود الماء. # فصل في هل تجبر الكتابية على الاغتسال من الحيض # اختلفوا في الكتابية؛ هل تجبر على الغسل؟ # فقيل تجبر لقوله تعالى: { فإذا تطهرن } يعني بالماء، ولم يخص ~~مسلمة من غيرها. # وقيل: لا تجبر؛ لأنها لا تعتقد ذلك، وقال تعالى: # ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في ~~أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر # [البقرة:228] وهو الحيض والحمل، وهذا خطاب للمؤمنات. وقال: # لا إكراه في الدين # [البقرة:256]. # قوله: " فإذا تطهرن " يعني اغتسلن، " فأتوهن " أي: ~~فجامعوهن. # قوله: { من حيث أمركم الله } في " من " قولان: # أحدهما: أنها لابتداء الغاية، أي: من الجهة التي تنتهي إلى موضع ~~الحيض. # والثاني: أن ms1261 تكون بمعنى " في " ، أي: في المكان الذي نهيتم عنه في ~~الحيض. # قال ابن عباس، ومجاهد وإبراهيم، وقتادة وعكرمة: فأتوهن في المأتى؛ ~~فإنه هو الذي أمر الله به ولا تأتوهن في غير المأتى؛ لقوله: { من ~~حيث أمركم الله } أي: في حيث أمركم الله؛ كقوله: # إذا نودي للصلوة من يوم الجمعة # [الجمعة:9]، أي: في يوم الجمعة، وقوله: # ماذا خلقوا من الأرض # [فاطر:40]، أي: في الأرض. ورجح هذا بعضهم، وفي الكلام حذف، تقديره: " ~~أمركم الله بالإتيان منه " يعني: أن المفعول الثاني حذف ~~للدلالة عليه. # قال الأصم والزجاج: فأتوهن بحيث يحل لكم غشيانهن، وذلك بأن ~~لا يكن صائمات، ولا معتكفات، ولا محرمات. # وقال محمد بن الحنفية: فأتوهن من قبل الحلال دون الفجور. ~~والأقرب: قول ابن عباس، ومن تابعه؛ لأن لفظة " حيث " حقيقة في الكل، ~~مجاز في غيرها. # فصل # قال أبو العباس المقري: ترد " من " بمعنى " في " كهذه الآية، وتكون ~~زائدة؛ كقوله تعالى: # يغفر لكم من ذنوبكم # [نوح:4]، وقوله: # شرع لكم من الدين # [الشورى:13] أي: الدين، وقوله: # رب قد ءاتيتني من الملك # [يوسف:101]، أي الملك. وبمعنى " الباء "؛ قال تعالى: # يلقي الروح من أمره # [غافر:15] أي: بأمره، وقوله: # يحفظونه من أمر الله # [الرعد:11]، أي: بأمر الله، وقوله: # وأنزلنا من المعصرات # [النبأ:14]، أي: بالمعصرات، وبمعنى " على "؛ قال تعالى: # ونصرناه من القوم # [الأنبياء:77]، أي: على القوم. # قال القرطبي: عبر عن الوطء هنا بالإتيان. # قوله: { إن الله يحب التوابين } التواب: هو المكثر من ~~فعل ما يسمى توبة، وقد يقال: هذا في حق الله تعالى ؛ من حيث إنه ~~يكثر من قبول التوبة. # فإن قيل: ظاهر الآية يدل على أنه يحب تكثير التوبة مطلقا، ~~والعقل يدل على أن التوبة لا تليق إلا بالمذنب، فمن لم يكن مذنبا، ~~لا تجب منه التوبة. # فالجواب من وجهين: # الأول: أن المكلف لا يأمن البتة من التقصير. # والثاني: قال أبو مسلم: التوبة في اللغة عبارة عن الرجوع، ورجوع ~~العبد إلى الله في كل الأحوال محمود. # واعترضه القاضي: بأن التوبة وإن كانت في أصل اللغة الرجوع إلا ms1262 ~~أنها في عرف الشرع عبارة عن الندم على الفعل الماضي، والترك في ~~الحاضر، والعزم على ألا يفعل مثله في المستقبل؛ فوجب حمله على المعنى ~~الشرعي دون اللغوي. # ولأبي مسلم أن يجيب: بأن مرادي من هذا الجواب، أنه إن أمكن حمل ~~اللفظ على التوبة الشرعية، فقد صح اللفظ، وإن تعذر ذلك، ~~حملناه على التوبة بحسب اللغة الأصلية. # قوله: { ويحب المتطهرين } فيه وجوه: # أحدها: المراد منه التنزه عن الذنوب والمعاصي، قاله مجاهد. # فإن قيل: كيف قدم ذكر المذنب على من لم يذنب؟ # فالجواب: قدمه لئلا يقنط التائب من الرحمة، ولا يعجب المتطهر ~~بنفسه؛ كقوله في آية أخرى: # فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم ~~سابق بالخيرات # [فاطر:32]، قاله القرطبي. # الثاني: قال عطاء ومقاتل بن سليمان والكلبي: " يحب التوابين ~~من الذنوب، والمتطهرين بالماء من الأحداث والنجاسات ~~". # الثالث: قال مقاتل بن حيان: يحب التوابين من الذنوب، ~~والمتطهرين من الشرك. # الرابع: قال سعيد بن جبير: التوابين من الشرك، والمتطهرين من ~~الذنوب. # الخامس: أن المراد ألا يأتيها في زمان الحيض، وألا يأتيها في غير ~~المأتى على ما قال: { فأتوهن من حيث أمركم الله }. # قال بعضهم: وهذا أولى؛ لأنه أليق بنظم الآية، ولأنه تعالى قال ~~حكاية عن قوم لوط: # أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون # [الأعراف:82]، فكان قوله: { ويحب المتطهرين } ترك الإتيان ~~في الأدبار. # السادس: أنه تعالى لما أمرهن بالتطهير في قوله: { فإذا ~~تطهرن } ، فلا حرم مدح التطهير، فقال: { ويحب ~~المتطهرين } والمراد منه التطهير بالماء؛ قال تعالى : # رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب ~~المطهرين # [التوبة:108]، قيل في التفسير: إنهم كانوا يستنجون بالماء، وكرر ~~قوله " يحب "؛ دلالة على اختلاف المقتضي للمحبة، فتختلف المحبة. ### || [2.223] # { نسآؤكم حرث لكم }: مبتدأ وخبر، ولا بد من تأويل، ~~ليصح الإخبار عن الجثة بالمصدر، فقيل: على المبالغة، جعلوا نفس الفعل، ~~وقيل: أراد بالمصدر، اسم المفعول، وقيل: على حذف مضاف من الأول، أي: ~~وطء نسائكم حرث، أي: كحرث، وقيل: من الثاني، أي: نساؤكم ذوات ~~حرث، و " لكم " في موضع رفع؛ لأنه صفة ل " حرث " ، فيتعلق ~~بمحذوف، ms1263 وإنما أفرد الخبر، والمبتدأ جمع؛ لأنه مصدر والأفصح فيه ~~الإفراد. # قوله: { أنى شئتم } ، ظرف مكان، ويستعمل شرطا واستفهاما ~~بمعنى " متى " ، فيكون ظرف زمان، ويكون بمعنى " كيف " ، وبمعنى " ~~من أين " ، وقد فسرت الآية الكريمة بكل من هذه الوجوه، وقال ~~النحويون: " أنى " لتعميم الأحوال، وقال بعضهم: إنما تجيء سؤالا ~~وإخبارا عن أمر له جهات، فهي على هذا أعم من " كيف " ، ~~ومن " أين " ، ومن " متى " ، وقالوا: إذا كانت شرطية، فهي ظرف ~~مكان فقط، واعمل أنها مبنية؛ لتضمنها: إما معنى حرف الشرط، ~~والاستفهام، وهي لازمة النصب على الظرفية، والعامل فيها هنا قالوا: ~~الفعل قبلها وهو: " فأتوا " قال أبو حيان: وهذا لا يصح؛ لأنها ~~إما شرطية أو استفهامية، لا جائز أن تكون شرطية؛ لوجهين: # أحدهما: من جهة المعنى، وهو أنها إذا كانت شرطا، كانت ظرف مكان، كما ~~تقدم؛ وحينئذ: يقتضي الكلام الإباحة في غير القبل، وقد ثبت تحريم ذلك. # والثاني: من جهة الصناعة، وهو أن اسم الشرط لا يعمل فيه ما قبله؛ ~~لأن له صدر الكلام، بل يعمل فيه فعل الشرط؛ كما أنه عامل في فعل الشرط ~~الجزم، ولا جائز أن تكون استفهاما؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما ~~قبله؛ لأن له صدر الكلام، ولأن " أنى " إذا كانت استفهامية، ~~اكتفت بما بعدها من فعل واسم، نحو: # أنى يكون له ولد # [الأنعام:101] # أنى لك هذا # [آل عمران:27] وهذه في هذه الآية مفتقرة لما قبلها كما ترى، وهذا موضع ~~مشكل يحتاج إلى تأمل ونظر. # ثم الذي يظهر: أنها هنا شرطية، ويكون قد حذف جوابها؛ لدلالة ما قبله ~~عليه، تقديره: أنى شئتم، فأتوه، ويكون قد جعلت الأحوال فيها جعل ~~الظروف، وأجريت مجراها، تشبيها للحال بظرف المكان؛ ولذلك تقدر ب " ~~في " ، كما أجريت " كيف " الاستفهامية مجرى الشرط في قوله: # ينفق كيف يشآء # [المائدة:64] وقالوا: كيف تصنع أصنع، فالمعنى هنا ليس استفهاما بل ~~شرطا؛ فيكون ثم حذف في قوله: " ينفق كيف يشاء " ، أي: كيف ~~يشاء ينفق، وهكذا كل موضع يشبهه، وسيأتي له مزيد بيان، فإن قلت: قد ~~أخرجت " أنى " عن ms1264 الظرفية الحقيقية، وجعلتها لتعميم الأحوال مثل " ~~كيف " وقلت: إنها مقتضية لجملة أخرى كالشرط، فهل الفعل بعدها في ~~محل جزم، اعتبارا بكونها شرطية، أو في محل رفع، كما تكون كذلك بعد ~~" كيف " التي تستعمل شرطية؟ قلت: تحتمل الأمرين، والأرجح الأول؛ لثبوت ~~عمل الجزم؛ لأن غاية ما في الباب تشبيه الأحوال بالظروف، للعلاقة ~~المذكورة، وهو تقدير " في " في كل منهما. # ولم يجزم ب " كيف " إلا بعضهم قياسا لا سماعا، ومعفول " شئتم ~~" محذوف، أي: شئتم إتيانه بعد أن يكون في المحل المباح. # فصل في بيان سبب النزول # " روى ابن عباس في سبب النزول؛ قال: جاء عمر إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هلكت. قال: " وما الذي أهلكك؟ " ~~قال: حولت رحلي البارحة، فلم يرد عليه شيئا، فأوحي ~~إليه: { نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى ~~شئتم } ، يقول: أقبل، وأدبر، واتق الحيضة والدبر. " # وروى جابر بن عبد الله؛ قال: كانت اليهود تقول في الذي يأتي امرأته من ~~دبرها في قبلها: إن الولد يكون أحولا، فنزلت هذه الآية. # وروى مجاهد عن ابن عباس؛ قال: كان من شأن أهل الكتاب ألا يأتوا ~~النساء إلا على حرف، وذلك أستر ما تكون المرأة، وكان هذا الحي من ~~الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم، وكان هذا الحي من قريش يتلذذون ~~منهن مقبلات، ومدبرات، ومستلقيات، فلما قدم المهاجرون المدينة، ~~تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار، وذهب يصنع لها ذلك فأنكرت ~~ذلك عليه، وقالت: إنما كنا نؤتى على حرف، فإن شئت ~~فاصنع ذلك وإلا فاجتنبني، حتى سرى أمرها إلى رسول الله ~~صلى الله عيه وسلم، فأنزل الله عز وجل : { نسآؤكم حرث ~~لكم } يعني: موضع الولد، { فأتوا حرثكم أنى شئتم } ~~مقبلات، ومدبرات ومستلقيات. # فصل # قال عكرمة والحسن: " أنى شئتم " إنما هو الفرج. # وقوله: " حرث لكم " أي: مزرع لكم، ومنبت للولد بمنزلة الأرض، ~~وهذا دليل على تحريم الأدبار؛ لأن محل الحرث والزرع هو القبل لا ~~الدبر،؛ وأنشد ثعلب: [الرمل] # 1082- إنما الأرحام أرضو # ن لنا محترثات # فعلينا الزرع فيها # وعلى الله ms1265 النبات # وقال سعيد بن المسيب: هذا في العزل، يعني: إن شئتم فاعزلوا، وإن شئتم ~~فلا تعزلوا، سئل ابن عباس عن العزل؛ فقال: حرثك، فإن شئت فعطش، ~~وإن شئت فارو. # وروي عنه؛ أنه قال: تستأمر الحرة في العزل، ولا تستأمر ~~الجارية، وكره جماعة العزل، وقالوا: هو الوأد الخفي. # وروى مالك عن نافع؛ قال: كنت أمسك على ابن عمر المصحف، ~~فقرأت هذه الآية: { نسآؤكم حرث لكم } فقال: تدري فيما ~~نزلت؛ في رجل أتى امرأته في دبرها، فشق ذلك عليه، فنزلت هذه ~~الآية. # ويحكى عن مالك إباحة ذلك، وأنكر ذلك أصحابه. # وروي عن عبد الله بن الحسن؛ أنه لقي سالم بن عبد الله، فقال له: يا أبا ~~عمر؛ ما حدثت بحديث نافع عن عبد الله؛ أنه لم يكن يرى بأسا بإتيان ~~النساء في أدبارهن، قال: كذب العبد وأخطأ، إنما قال عبد الله: ~~يؤتون في فروجهن من أدبارهن، والدليل على تحريم ~~الأدبار: ما روى خزيمة بن ثابت؛ # " أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إتيان النساء في ~~أدبارهن، فقال عليه الصلاة والسلام : " حلال " فلما ~~ولى الرجل دعاه، فقال: " كيف قلت في أي الخربتين أو في ~~الخرزتين أو في أي الخصفتين، أمن قبلها في قبلها؟ ~~فنعم، أم من دبرها في قبلها؛ فنعم أم من ~~دبرها في دبرها، فلا، فإن الله لا يستحيي من ~~الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن " ". # وأراد بخربتها مسلكها، وأصل الخربة: عروة المزادة. شبه بالثقب بها، ~~والخرزة هي: الثقبة التي يثقبها الخراز وكنى به عن المأتى، وكذلك ~~الخصفة من قولهم: خصفت الجلد إذا خرزته. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه ؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " ملعون من أتى امرأة في دبرها " # وقال تعالى في آية المحيض: # قل هو أذى فاعتزلوا النسآء في المحيض # [البقرة:222] جعل الأذى علة لحرمة إتيان موضع الأذى، ولا معنى للأذى ~~إلا ما يتأذى الإنسان مه بنتن ريح الدم، وهذه العلة هنا أظهر؛ ~~فوجب القول بتحريمه. # وروي عن أبي هريرة، عن النبي صلى ms1266 الله عليه وسلم؛ قال: # " من أتى امرأة في دبرها لم ينظر الله إليه ~~يوم القيامة ". # وروى أبو داود الطيالسي، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " تلك اللوطية الصغرى بإتيان المرأة في دبرها ". # وعن طاوس؛ قال: إنه كان عمل قوم لوط إتيان النساء في ~~أدبارها. واحتج من جوزه بوجوه: # الأول: التمسك بهذه الآية من وجهين: # أحدهما: أنه جعل الحرث اسما للمرأة لا للموضع المعين، فلما قال ~~بعده: { فأتوا حرثكم أنى شئتم } كان المراد: فأتوا ~~نساءكم أنى شئتم، فيكون إطلاقا في إتيانهن على جميع الوجوه. # وثانيهما: كلمة " أنى " معناها: أين؛ قال تعالى : # أنى لك هذا # [آل عمران:37]، معناه: من أين لك هذا، فصار تقدير الآية: فأتوا ~~حرثكم أين شئتم، وكلمة " أين " تدل على تعدد الأمكنة؛ ~~تقول: اجلس أين شئت، فيكون تخييرا بين الأمكنة. # وإذا ثبت هذا، فلا يمكن حمل الآية على الإتيان من قبلها، أو من دبرها في ~~قبلها؛ لأنه على هذا التقدير، يكون المكان واحدا، والتعدد ~~إنما وقع في طريق الإتيان، فاللائق به أن نقول: اذهبوا إليه كيف ~~شئتم، فلما لم يذكر كيف، بل ذكر لفظة " أنى " وهي مشعرة بالتخيير ~~بين الأمكنة كما بينا، ثبت أن المراد ما ذكرنا. # الحجة الثانية: تمسكوا بعموم قوله تعالى : # إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم # [المؤمنون:6]، ترك العمل به في حق الذكور بالإجماع، فيبقى فيما عداه ~~على العموم. # الحجة الثالثة: لو قال للمرأة: دبرك علي حرام، ونوى الطلاق، ~~أنه يكون طلاقا، فيقتضي كون دبرها حلالا له. # والجواب عن الأول: أن " الحرث " اسم لموضع الحراثة، والمرأة بجميع ~~أجزائها ليست محلا للحراثة، فامتنع إطلاق اسم الحرث على ذات المرأة كما ~~تقدم، فلما أطلق لفظ " الحرث " على ذات المرأة، حملنا ذلك على ~~المجاز المشهور من تسمية الشيء باسم جزئه، وهذه الضرورة مفقودة في ~~قوله: " فأتوا حرثكم " فوجب حمل الحرث ههنا على موضع الحراثة ~~على التعيين؛ فثبت أن هذه الآية لا دلالة فيها إلا على إتيان ~~النساء في محل ms1267 الحرث، وقد قدمنا أن " الحرث " إنما يراد ~~للزرع وهو الولد، وذلك لا يكون إلا في المأتى. # وعن الثاني: أنه لما ثبت أن المراد ب " الحرث " ذلك الموضع ~~المعين لم يمكن حمل " أنى شئتم " على التخيير في الأمكنة. # وأما قوله: # إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم # [المؤمنون:6] فإنه عام، ودلائلنا خاصة، والخاص مقدم على ~~العام. # وقولهم: دبرك علي حرام، إنما صلح أن يكون كناية عن ~~الطلاق، وإنه لمحل الملامسة والمضاجعة، وهو جزؤها، فصار ذلك ~~كقوله: يدك طالق. # هذا الجواب من حيث التفصيل أما من حيث الجملة: فقد بينا أن قوله: ~~" قل هو أذى " يدل على التحريم؛ لوجود العلة المقتضية له، ~~فلو جوزنا ذلك، لكان جمعا بين دليل التحريم، ودليل التحليل في ~~موضع واحد، والأصل أنه لا يجوز، وأيضا فالروايات المشهورة في كون ~~سبب النزول، هو اختلافهم في أنه: هل يجوز إتيانهن من دبرهن في ~~قبولهن؛ وسبب النزول لا يكون خارجا عن الآية، ومتى حملنا الآية على ~~هذه الصورة لم تكن الآية نزلت على ذلك السبب. # ويمكن الجواب عن هذا: بأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فإن ~~السؤال قد يكون خاصا والجواب عاما، وهو كثير. # قوله: " وقدموا " مفعوله محذوف، أي: نية الولد، أو نية ~~الإعفاف، وذكر الله أو الخير؛ كقوله: # وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه # [البقرة:110]. # وقال عطاء عن ابن عباس: هي التسمية عند الجماع. # قال ابن الخطيب: وهذا في غاية البعد: والذي عندي فيه: أن قوله: { ~~نسآؤكم حرث لكم } جار مجرى التنبيه على إباحة الوطء؛ كأنه ~~قيل: هؤلاء النسوان إنما حكم الشرع بإباحة وطئهن لكم؛ لأجل ~~أنهن حرث لكم، أي بسبب أن يتولد الولد منهن، ثم قال بعده: { ~~فأتوا حرثكم } دليلا على الإذن في ذلك الموضع، والمنع من غير ~~ذلك الموضع، فلما اشتملت الآية على الإذن في أحد الموضعين، ~~والمنع من الموضع الآخر، لا جرم قال: { وقدموا لأنفسكم } ~~أي: لا تكونوا في قيد قضاء الشهوة، بل كونوا في قيد تقديم ~~الطاعة، ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله: { واتقوا ms1268 الله } ، ~~ثم أكده ثالثا بقوله: { واعلموا أنكم ملاقوه } ، ~~وهذه التهديدات الثلاثة المتوالية، لا يليق ذكرها إلا إذا كانت ~~مسبوقة بالنهي عن شيء لذيذ مشتهى، فثبت أن ما قبل هذه الآية ~~دال على تحريم هذا العمل، وما بعدها أيضا دال على تحريمه؛ فثبت ~~أن الصحيح في تفسير هذه الآية، ما ذهب إليه الجمهور. # قوله: " لأنفسكم " متعلق ب " قدموا " ، واللام تحتمل ~~التعليل والتعدي، والهاء في " ملاقوه " يجوز أن تعود على الله ~~تعالى، ولا بد من حذف مضاف، أي: ملاقو جزائه، وأن تعود على ~~مفعول " قدموا " المحذوف. وتقدم الكلام في التقوى، وتقدم ~~أيضا تفسير لقاء الله في قوله: # الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم # [البقرة:46]. # والضمير في " وبشر " للرسول عليه الصلاة والسلام لتقدم ~~ذكره في قوله: " يسألونك " قاله أبو البقاء، وفيه نظر؛ لأن ~~ضمير الخطاب والتكلم لا يحتاج أن يقال فيهما: تقدم ذكر ما ~~يدل عليهما، ويجوز أن يكون لكل من يصح منه البشارة. ### || [2.224-225] # اللام في قوله { لأيمانكم } تحتمل وجهين: # أحدهما: أن تكون مقوية لتعدية " عرضة " ، تقديره: ولا تجعلوا ~~الله معدى ومرصدا لحلفكم. # والثاني: أن تكون للتعيل، فتتعلق بفعل النهي، أي: لا تجعلوه ~~عرضة لأجل أيمانكم. # قوله: { أن تبروا } فيه ستة أوجه: # أحدها: وهو قول الزجاج، والتبريزي، وغيرهما : أنها في محل رفع ~~بالابتداء، والخبر محذوف، تقديره: أن تبروا وتتقوا ~~وتصلحوا خير لكم من أن تجعلوه عرضة لأيمانكم، أو ~~بركم أولى وأمثل، وهذا ضعيف؛ لأنه يؤدي إلى انقطاع هذه ~~الجملة عما قبلها، والظاهر تعلقها به. # الثاني: أنها في محل نصب على أنها مفعول من أجله، وهذا قول ~~الجمهور، ثم اختلفوا في تقديره: فقيل: إرادة أن تبروا وقيل: ~~كراهة أن تبروا، قاله المهدوي، وقيل: لترك أن تبروا، ~~قاله المبرد، وقيل: لئلا تبروا، قاله أبو عبيدة والطبري؛ ~~وأنشدا: [الطويل] # 1083-... فلا والله تهبط تلعة # ........................ # أي: لا تهبط، فحذف " لا " ومثله: # يبين الله لكم أن تضلوا # [النساء:176]، أي: لئلا تضلوا، وتقدير الإرادة هو الوجه، وذلك أن ~~التقادير التي ذكرناها بعد تقدير الإرادة لا يظهر معناها؛ لما فيه من ms1269 ~~تعليل امتناع الحلف بانتفاء البر، بل وقوع الحلف معلل ~~بانتفاء البر، ولا ينعقد منهما شرط وجزاء، لو قلت في معنى هذا ~~النهي وعلته، " إن حلفت بالله، بررت " لم يصح، بخلاف ~~تقدير الإرادة؛ فإنه يعلل امتناع الحلف بإرادة وجود البر، ~~وينعقد منهما شرط وجزاء تقول: إن حلفت، لم تبر، وإن لم ~~تحلف، بررت. # الثالث: أنها على إسقاط حرف الجر، أي: في أن تبروا؛ وحينئذ: ~~يجيء فيها القولان: قول سيبويه والفراء فتكون في محل نصب، وقول ~~الخليل والكسائي، فتكون في محل جر، وقال الزمخشري: ويتعلق " ~~أن تبروا " بالفعل أو بالعرضة، أي: " ولا تجعلوا الله ~~لأجل أيمانكم عرضة لأن تبروا ". قال أبو حيان: وهذا ~~التقدير لا يصح للفصل بين العامل ومعموله بأجنبي، وذلك أن " ~~لأيمانكم " عنده متعلق ب " تجعلوا " ، فوقع فاصلا بين " ~~عرضة " التي هي العامل وبين " أن تبروا " الذي هو معموله وهو ~~أجنبي منهما، ونظير ما أجازه أن تقول: " امرر واضرب بزيد ~~هندا " ، وهو غير جائز، ونصوا على أنه لا يجوز: " جاءني ~~رجل ذو فرس راكب أبلق " أي رجل ذو فرس أبلق ~~راكب لما فيه من الفصل بالأجنبي. # الرابع: أنها في محل جر؛ عطف بيان ل " أيمانكم " ، أي: ~~للأمور المحلوف عليها التي هي البر والتقوى والإصلاح كما في ~~الحديث. قال أبو حيان: " وهو ضعيف لما فيه من جعل الأيمان بمعنى ~~المحلوف عليه " ، والظاهر أنها هي الأقسام التي يقسم بها، ولا ~~حاجة إلى تأويلها بما ذكر من كونها بمعنى المحلوف عليه؛ إذ لم ~~تدع إليه ضرورة، وهذا بخلاف الحديث، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم ~~- # " إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها " # فإنه لا بد من تأويله فيه بالمحلوف عليه، ولا ضرورة تدعو إلى ذلك في ~~الآية الكريمة. # الخامس: أن تكون في محل جر على البدل من " لأيمانكم "؛ ~~بالتأويل الذي ذكره الزمخشري، وهذا أولى من وجه عطف البيان؛ ~~فإن عطف البيان أكثر ما يكون في الأعلام. # السادس وهو الظاهر -: أنها على إسقاط حرف الجر، لا على ذلك الوجه ~~المتقدم، بل الحرف غير ms1270 الحرف، والمتعلق غير المتعلق، ~~والتقدير: " لإقسامكم على أن تبروا " ف " على " متعلق ~~بإقسامكم، والمعنى: ولا تجعلوا الله معرضا ومتبدلا ~~لإقسامكم على البر والتقوى والإصلاح التي هي أوصاف ~~جميلة؛ خوفا من الحنث، فكيف بالإقسام على ما ليس فيه بر ولا ~~تقوى!!! # والعرضة في اشتقاقها ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها " فعلة " بمعنى " مفعول "؛ من العرض؛ كالقطبة ~~والغرفة، ومعنى الآية على هذا: لا تجعلوه معرضا للحلف ~~من قولهم: فلان عرضة لكذا، أي: معرض، قال كعب: [البسيط] # 1084- من كل نضاخة الذفرى إذا عرقت # عرضتها طامس الأعلام مجهول # وقال حبيب: [الطويل] # 1085- متى كان سمعي عرضة للوائم # وكيف صفت للعاذلين عزائمي # وقال حسان: [الوافر] # 1086-.......................... # هم الأنصار عرضتها اللقاء # وقال أوس: [الطويل] # 1087- وأدماء مثل الفحل يوما عرضتها # لرحلي وفيها هزة وتقاذف # فهذا كله بمعنى معرض لكذا. # والثاني: أنها اسم ما تعرضه على الشيء، فيكون من: عرض العود ~~على الإناء، فيعترض دونه، ويصير حاجزا ومانعا، ومعنى الآية على ~~هذا النهي عن أن يحلفوا بالله على أنهم لا يبرون ولا ~~يتقون، ويقولون: لا نقدر أن نفعل ذلك لأجل ~~حلفنا. # والثالث: أنها من العرضة، وهي القوة، يقال: " جمل عرضة ~~للسفر " ، أي: قوي عليه؛ وقال ابن الزبير: [الطويل] # 1088- فهذي لأيام الحروب وهذه # للهوي وهذي عرضة لارتحالنا # أي قوة وعدة. ثم قيل لكل ما صلح لشيء فهو عرضة له، حتى ~~قالوا للمرأة: هي عرضة للنكاح إذا صلحت له ومعنى الآية على ~~هذا: لا تجعلوا اليمين بالله تعالى قوة لأنفسكم في الامتناع عن ~~البر. # والأيمان: جمع يمين: وأصلها العضو، واستعملت في ~~الحلف مجازا لما جرت عادة المتعاقدين بتصافح أيمانهم، ~~واشتقاقها من اليمن، واليمين أيضا: اسم للجهة التي تكون من ~~ناحية هذا العضو، فينتصب على الظرف، وكذلك اليسار، تقول: زيد ~~يمين عمرو، وبكر يساره، وتجمع اليمين على " أيمن ~~وأيمان " وهل المراد بالأيمان في الآية القسم نفسه، أو ~~المقسم عليه؟ قولان، الأول أولى. # وقد تقدم تجويز الزمخشري أن يكون المراد به المحلوف عليه ~~واستدلاله بالحديث والجواب عنه. # فصل # ذكر المفسرون في هذه الآية أقوالا كثيرة، وأجودها ms1271 وجهان: # أحدهما: ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني، وهو أن قوله: { ولا ~~تجعلوا الله عرضة لأيمانكم } نهي عن الجرأة على الله ~~بكثرة الحلف به؛ وذلك لأنه من أكثر ذكر شيء في معنى من ~~المعاني، فقد جعله عرضة له، فيقول الرجل: قد جعلتني عرضة ~~للومك؛ قال الشاعر: [الطويل] # 1089-........................ # ولا تجعلوني عرضة للوائم # وقد ذم الله تعالى من أكثر من الحلف بقوله: # ولا تطع كل حلاف مهين # [القلم:10]، وقال تعالى: # واحفظوا أيمانكم # [المائدة:89] والعرب كانوا يمدحون الإنسان بالإقلال من الحلف؛ كما ~~قال كثير: [الطويل] # 1090- قليل الألايا حافظ ليمينه # وإن سبقت منه الألية برت # والحكمة في الأمر بتقليل الأيمان؛ أن من حلف في كل قليل ~~وكثير بالله، انطلق لسانه بذلك، ولا يبقى لليمين في قلبه ~~وقع، فلا يؤمن إقدامه على الأيمان الكاذبة، فيختل ما ~~هو الغرض من اليمين، وأيضا كلما كان الإنسان أكثر تعظيما ~~لله تعالى ، كان أكمل في العبودية، ومن كمال التعظيم أن يكون ~~ذكر الله - تعالى - أجل وأعلى عنده، من أن يستشهد به ~~في غرض من الأغراض الدنيوية. # فإن قيل: كيف يلزم من ترك الحلف حصول البر والتقوى، ~~والإصلاح بين الناس؟ # فالجواب: أن من ترك الحلف؛ لاعتقاده أن الله أعظم ~~وأجل من أن يستشهد باسمه المعظم في طلب الدنيا، ~~وخسائس مطالب الحلف، ولا شك أن هذا من أعظم أبواب البر. # فصل في سبب النزول # نزلت هذه الآية في عبد الله بن رواحة؛ كان بينه وبين ختنه على ~~أخيه بشير بن النعمان شيء، فحلف عبد الله ألا يدخل عليه، ولا ~~يكلمه، ولا يصلح بينه وبين خصمه، وإذا قيل له فيه، قال: قد ~~حلفت بالله ألا أفعل، فلا يحل لي إلا أن تبر يميني ~~فأنزل الله هذه الآية. # وقال ابن جريج: نزلت في أبي بكر الصديق، حين حلف ألا ينفق على ~~مسطح حين خاض في حديث الإفك، ومعنى الآية: لا تجعلوا الحلف بالله شيئا ~~مانعا لكم من البر والتقوى، يدعى أحدكم إلى صلة الرحم أو ~~بر، فيقول: حلفت بالله ألا أفعله، فيعتل بيمينه في ms1272 ترك البر. # قوله: { والله سميع عليم } ختم بهاتين الصفتين؛ لتقدم ~~مناسبتهما؛ فإن الحلف متعلق بالسمع، وإرادة البر من فعل ~~القلب متعلقة بالعلم، وقدم السميع؛ لتقدم متعلقه، وهو ~~الحلف. # قوله تعالى: { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ~~}. # واللغو: مصدر لغا يلغو، يقال: لغا يلغو لغوا، مثل ~~غزا يغزو غزوا، ولغي يلغى لغى مثل لقي يلقى لقى ~~إذا أتى بما لا يحتاج إليه من الكلام، أو بما لا خير فيه، أو بما ~~يلغى إثمه؛ كقوله - عليه الصلاة والسلام - # " إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت فقد ~~لغوت ". # ومن الثاني قوله تعالى: # والغوا فيه # [فصلت:26]. # قال الفراء: اللغا مصدر للغيت. # قال أبو العباس المقري: ورد لفظ " اللغو " في القرآن على ثلاثة ~~أوجه: # الأول: بمعنى اليمين بغير عقدية كهذه الآية. # الثاني: بمعنى الشتيمة؛ قال تعالى: # وإذا مروا باللغو مروا كراما # [الفرقان:72]، أي: لم يجيبوهم؛ ومثله: # وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه # [القصص:55]. # الثالث: بمعنى الحلف عند شرب الخمر؛ قال تعالى: # يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها # [الطور:23]، أي: لا يحلف بعضهم على بعض. # فصل # والباء في " باللغو " متعلق ب " يؤاخذكم " والباء معناها ~~السببية، كقوله: # فكلا أخذنا بذنبه # [العنكبوت:40]، # ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم # [النحل:61]. # واختلف في اللغو: فقيل: ما سبق به اللسان من غير قصد، قاله ~~الفراء، ومنه قول الفرزدق: [الطويل] # 1091- ولست بمأخوذ بلغو تقوله # إذا لم تعمد عاقدات العزائم # ويحكى أن الحسن سئل عن اللغو وعن المسبية ذات زوج، فنهض ~~الفرزدق، وقال: ألم تسمع ما قلت، وأنشد البيت: [الطويل] # ولست بمأخوذ...................... # ....................... # وقوله: [الطويل] # 1092- وذات حليل أنكحتها رماحنا # حلال لمن يبني بها لم تطلق # فقال الحسن: " ما أذكاك لولا حنثك " ، وقد يطلق على كل ~~كلام قبيح " لغو ". # قال تعالى: # وإذا مروا باللغو # [الفرقان:72]، # لا يسمعون فيها لغوا # [مريم:62]؛ وقال العجاج: [الرجز] # 1093- ورب أسراب حجيج كظم # عن اللغا ورفث التكلم # وقيل: ما يطرح من الكلام؛ استغناء عنه، مأخوذ من قولهم لما لا ~~يعتد به من أولاد الإبل في الدية " لغو "؛ قال جرير: ~~[الوافر] # 1094- ويهلك وسطها المرئي لغوا ms1273 # كما ألغيت في الدية الحوارا # وقيل: " اللغو " الساقط الذي لا يعتد به سواء كان كلاما أو ~~غيره، فأما وروده في الكلام؛ فكقوله تعالى: # وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه # [القصص:55] وقوله: # لا يسمعون فيها لغوا # [الواقعة:25]، وقوله: # لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه # [فصلت:26]، # لا تسمع فيها لاغية # [الغاشية:11] وقال عليه الصلاة والسلام: # " إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة والإمام يخطب: ~~أنصت فقد لغوت " # وأما قوله: # وإذا مروا باللغو # [الفرقان:72] فيحتمل أن يكون المراد وإذا مروا بالكلام الذي يكون ~~لغوا، وأن يكون المراد: وإذا مروا بالفعل الذي يكون لغوا، ~~وأما ورود هذه اللفظة في غير الكلام، فكما ورد فيما لا يعتد به من ~~الدية في أولاد الإبل. # وقيل: هو ما لا يفهم، من قولهم: " لغا الطائر " ، أي: صوت، ~~واللغو، ما لهج به الإنسان، واللغة مأخوذة من هذا. # وقال الراغب: ولغي بكذا: أي لهج به لهج العصفور بلغاه، ~~ومنه قيل للكلام الذي تلهج به فرقة " لغة "؛ لجعلها مشتقة من ~~لغي بكذا، أي: أولع به، وقال ابن عيسى - وقد ذكر أن اللغو ما لا ~~يفيد -: " ومنه اللغة؛ لأنها عند غير أهلها لغو " ، وقد ~~غلطوه في ذلك. # قوله: { في أيمانكم } فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يتعلق بالفعل قبله. # الثاني: أن يتعلق بنفس المصدر قبله؛ كقولك: " لغا في يمينه ". # الثالث: أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من اللغو، وتعرفه من حيث ~~المعنى؛ أنك لو جعلته صلة لموصول، ووصفت به اللغو، لصح المعنى، ~~أي: اللغو الذي في أيمانكم. وسمي الحلف يمينا؛ لأن العرب ~~كانوا إذا تحالفوا وضع أحدهم يمينه في يمين الآخر. # وقيل: لأنه يحفظ الشيء كما تحفظ اليد اليمنى الشيء. # فصل في تفسير اللغو # ذكر المفسرون في " اللغو " وجوها: # أحدها: قال الشافعي وغيره: هو قول الرجل في عرض حديثه: " لا ~~والله " و " بلى والله " من غير قصد إليهما، وهو قول عائشة، وإليه ~~ذهب الشعبي وعكرمة، لما روت عائشة؛ قالت: سبب نزول هذه ~~الآية: قول الرجل في عرض حديثه: (لا والله) و (بلى والله) ~~أخرجه البخاري، ويروى ms1274 عن عائشة: أيمان اللغو ما كان في الهزل والمراء ~~والخصومة، والحديث الذي لا ينعقد عليه القلب. # وقال آخرون: هو أن يحلف على شيء يرى أنه صادق، ثم تبين أنه ~~خلاف ذلك، وهو قول ابن عباس والحسن، ومجاهد، وسليمان بن يسار، ~~والزهري، والسدي، وإبراهيم النخعي، وقتادة: ومكحول، وبه قال أبو ~~حنيفة. # وفائدة الخلاف: أن الشافعي لا يوجب الكفارة في قول الرجل: " ~~لا والله " و " بلى والله " ، ويوجبها، فيما إذا حلف على شيء يعتقد ~~أنه كان، ثم بان أنه لم يكن، وأبو حنيفة يحكم بالضد من ذلك. # وقال سعيد بن جبير: هو اليمين في المعصية، لا يؤاخذه الله بالحنث ~~فيها، بل يحنث ويكفر. # وقال مسروق: ليس عليه كفارة، أنكفر خطوات الشيطان؟ وقال ~~الشعبي: الرجل يحلف على المعصية كفارته أن يتوب منها، وكل ~~يمين لا يحل لك أن تفي بها، فليس فيها كفارة، ولو أمرته ~~بالكفارة، لأمرته أن يتم على قوله. # هذا هو اللغو؛ لأن اللغو هو المعصية؛ قال تعالى: # وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه # [القصص:55]. # وقال علي: هو اليمين في الغضب، وبه قال طاوس. # وقال الضحاك: اللغو هو اليمين المكفرة، سميت لغوا، لأن ~~الكفارة أسقطت الإثم؛ كأنه قيل: لا يؤاخذكم الله باللغو في ~~أيمانكم، إذ كفرتم. # وقال زيد بن أسلم: هو دعاء الرجل على نفسه؛ كقوله: " أعمى الله ~~بصري إن لم أفعل كذا، أخرجني الله من مالي إن لم ~~آتك غدا " أو يقول: هو كافر إن فعل كذا، فهذا كله لغو ~~لا يؤاخذه الله به، ولو آخذ الله به، لعجل لهم العقوبة؛ قال ~~تعالى: # ويدع الإنسان بالشر دعآءه بالخير # [الإسراء:11]، # ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم ~~بالخير # [يونس:11]. # وقال القاضي: هو كل ما يقع سهوا من غير قصد؛ لقوله تعالى بعد ذلك: ~~{ ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } ، أي: يؤاخذكم ~~إذا تعمدتم، ومعلوم أن المقابل للعمد هو السهو، حجة الشافعي ~~رضي الله عنه ما روت عائشة رضي الله عنها ؛ أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " لغو اليمين قول الرجل في قلبه: كلا ms1275 والله، ~~بلى والله، لا والله ". # وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - # " مر بقوم ينتضلون، ومعه رجل من أصحابه، فرمى رجل من القوم، فقال: ~~أصبت والله، ثم أخطأ فقال الذي مع النبي عليه الصلاة والسلام: ~~حنث الرجل يا رسول الله، فقال النبي - عليه الصلاة والسلام ~~-: كل أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها، ولا ~~عقوبة ". # وأيضا فقوله: { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } ~~هو الذي يقصد الإنسان على سبيل الجد، ويربط قلبه به، وإذا كان ~~كذلك، وجب أن يكون اللغو كالمقابل له، ويكون معناه: ما لا يقصد ~~الإنسان بالجد، ولا يربط قلبه به، وذلك هو قول القائل في عرض حديثه: ~~لا والله، وبلى والله من غير قصد على سبيل العادة. # وأيضا: فإنه قال قبل هذه الآية: { ولا تجعلوا الله ~~عرضة لأيمانكم } وتقدم أن معناه: النهي عن كثرة الحلف، ~~والذين يقولون على سبيل العادة لا والله، وبلى والله، لا شك أنهم ~~يكثرون الحلف واليمين، فلما ذكرهم الله - تعالى - عقيب قوله: { ~~ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم } ، وبين أنه لا ~~مؤاخذة عليهم، ولا كفارة، فإيجاب مؤاخذتهم يقتضي إما أن يمتنعوا عن ~~الكلام، أو يلزمهم في كل لحظة كفارة، وكلاهما حرج في الدين. # واحتج أبو حنيفة بوجوه: # الأول: قوله عليه الصلاة والسلام -: # " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها ~~فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه " # ، فأوجب الكفارة على الحانث مطلقا، ولم يفصل بين الجد والهزل. # الثاني: أن اليمين معنى لا يلحقه الفسخ، فلا يعتبر فيه القصد ~~كالطلاق والعتاق، وهاتان الحجتان توجبان الكفارة في قول الناس ~~لا والله، وبلى والله، إذا حصل الحنث. # ويؤيد ما قلناه: أن اليمين في اللغة عبارة عن القوة؛ قال ~~الشاعر: [الوافر] # 1095- إذا ما رية رفعت لمجد # تلقاها عرابة باليمين # أي: بالقوة، والمقصود من اليمين: تقوية جانب البر على جانب الحنث ~~بسب اليمين، وإنما يفعل هذا في الموضع الذي يكون قابلا للتقوية، ~~وهذا إذا وقع اليمين على فعل في المستقبل، فأما إذا وقع اليمين على ~~الماضي فذلك لا يقبل التقوية ألبتة فعلى ms1276 هذا فاليمين على الماضي تكون ~~خالية عن الفائدة فأما اليمين على المستقبل، فإنه قابل للتقوية. # قوله: { ولكن يؤاخذكم } وقعت هنا " لكن " بين نقيضين؛ ~~باعتبار وجود اليمين؛ لأنها لا تخلو: إما ألا يقصدها القلب: بل ~~جرت على اللسان، وهي اللغو، وإما أن يقصدها، وهي المنعقدة. # قوله تعالى: { بما كسبت } متعلق بالفعل قبله، والباء للسببية ~~كما تقدم، و " ما " يجوز فيها ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنها مصدرية لتقابل المصدر، وهو اللغو، أي: لا يؤاخذكم ~~باللغو، ولكن بالكسب. # والثاني: أنها بمعنى " الذي " ، ولا بد من عائد محذوف، أي: ~~كسبته؛ ويرجح هذا أنها بمعنى " الذي " أكثر منها مصدرية. # والثالث: أن تكون نكرة موصوفة، والعائد أيضا محذوف، وهو ضعيف، ~~وفي هذا الكلام حذف، تقديره: ولكن يؤاخذكم في أيمانكم بما ~~كسبت قلوبكم؛ فحذف لدلالة ما قبله عليه. # فصل # قوله: { يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } ، أي: عزمتم ~~وقصدتم إلى اليمين، وكسب القلب: العقد والنية. # وقال زيد بن أسلم في قوله: " ولكم يؤاخذكم بما كسبت ~~قلوبكم " هو في الرجل يقول: هو مشرك إن فعل أي: هذا اللغو ~~إلا أن يعقد الشرك بقلبه ويكسبه. # واعلم أن اليمين لا تنعقد إلا بالله تعالى أو اسم من أسمائه، أو ~~صفة من صفاته، فاليمين بالله أن يقول: والذي أعبده، والذي ~~أصلي له؛ والذي نفسي بيده، ونحو ذلك. # واليمين بأسمائه؛ كقوله: والله؛ والرحمن ونحوه. # واليمين بصفاته؛ كقوله: وعزة الله؛ وعظمة الله؛ وجلال الله؛ وقدرة ~~الله، ونحوها. # فإذا حلف بشيء منها على أمر في المستقبل فحنث، وجبت عليه الكفارة، ~~وإذا حلف على أمر ماض أنه كان ولم يكن وقد كان، إن كان عالما به ~~حال اليمين، فهو اليمين الغموس وهو من الكبائر، وتجب فيه الكفارة عند ~~الشافعي، عالما كان أو جاهلا. # وقال أصحاب الرأي: إن كان عالما، فهو كبيرة، ولا كفارة لها ~~كسائر الكبائر، وإن كان جاهلا، فهو يمين اللغو عندهم. # واحتج الشافعي بهذه الآية على وجوب الكفارة في اليمين الغموس؛ ~~قال: " لأنه - تعالى - ذكر ههنا المؤاخذة بكسب القلب، وقال في آية ~~المائدة: # ولكن يؤاخذكم بما ms1277 عقدتم الأيمان # [المائدة:89]، وعقد اليمين محتمل لأن يكون المراد به العقد الذي ~~مضاده الحل، فلما ذكر ههنا قوله: { بما كسبت قلوبكم } ~~علمنا أن المراد من ذلك العقد هو عقد القلب، وأيضا ذكر المؤاخذة، ولم ~~يبين تلك المؤاخذة ما هي، وبينها في آية المائدة بقوله: # ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته # [المائدة:89]، فتبين أن المؤاخذة هي الكفارة، فكل مؤاخذة ~~من هاتين الآيتين مجملة من وجه، مبينة من وجه آخر، فصارت كل ~~واحدة منهما مفسرة للأخرى من وجه، وحصل من كل واحدة منهما ~~أن كل يمين ذكر على سبيل الجد وربط القلب به، فالكفارة ~~واجبة فيها، ويمين الغموس كذلك، فكانت الكفارة واجبة فيها. # فصل في كراهية الحلف بغير الله # ومن حلف بغير الله مثل أن قال: والكعبة، وبيت الله، ونبي الله؛ أو ~~حلف بأبيه ونحو ذلك، فلا يكون يمينا، ولا تجب فيه الكفارة إذا حنث، ~~وهو يمين مكروه؛ قال الشافعي: وأخشى أن تكون معصية. # روى مالك عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أدرك عمر بن الخطاب، وهو يسير في ركب وهو يحلف بأبيه؛ فقال رسول الله ~~ صلى الله عليه وسلم # " إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان ~~حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ". # قوله تعالى: { والله غفور حليم } قد تقدم أن " الغفور " ~~مبالغة في ستر الذنوب، وفي إسقاط عقوبتها. # وأما " الحليم " فاعلم أن الحلم في كلام العرب الأناة، والسكون مع ~~القدرة والقوة، ويقال ضع الهودج على أحلم الجمال، أي: على أشدها ~~قوة في السير، ومنه الحلم، لأنه يرى في حال السكون، وحلمة ~~الثدي؛ والحليم من حلم - بالضم - يحلم إذا عفا مع قدرة، ~~وأما حلم الأديم فبالكسر يحلم بالفتح، فسد وتثقب؛ وقال ~~[الوافر] # 1096- فإنك والكتاب إلى علي # كدابغة وقد حلم الأديم # وأما " حلم " ، أي: رأى في نومه، فبالفتح، ومصدر الأول " ~~الحلم " بالكسر؛ قال الجعدي: [الطويل] # 1097- ولا خير في حلم إذا لم تكن له # بوادر تحمي صفوه أن يكدرا # ومصدر الثاني " الحلم " بفتح اللام ومصدر الثالث: " الحلم " و ms1278 " ~~الحلم " بضم الحاء مع ضم اللام وسكونها. ### || [2.226-227] # قوله تعالى: { للذين يؤلون من نسآئهم تربص }: هذه ~~جملة من مبتدأ وخبر، وعلى رأي الأخفش من باب الفعل والفاعل؛ لأنه لا ~~يشترط الاعتماد، و " من نسآئهم " في هذا الجار ثمانية أوجه: # أحدها: أن يتعلق ب " يؤلون ". # قال الزمخشري: " فإن قلت: كيف عدي ب " من " وهو معدى ب " ~~على "؟ قلت: قد ضمن في هذا القسم المخصوص معنى البعد، فكأنه ~~قيل: يبعدون من نسائهم مؤلين، أو مقسمين ". # الثاني: أن " آلى " يتعدى ب " على " و ب " من "؛ قاله أبو ~~البقاء نقلا عن غيره؛ أنه يقال: آلى من امرأته، وعلى امرأته. # الثالث: أن " من " قائمة مقام " على " على رأي الكوفيين. # والرابع: أنها قائمة مقام " في " ، ويكون ثم مضاف محذوف، أي: على ~~ترك وطء نسائهم، أو في ترك وطء نسائهم. # والخامس: أن " من " زائدة، والتقدير: يؤلون أن يعتزلوا ~~نساءهم. # والسادس: أن تتعلق بمحذوف، والتقدير: والذين يؤلون لهم من ~~نسائهم تربص أربعة أشهر؛ فتتعلق بما يتعلق به " لهم " المحذوف، ~~هكذا قدره أبو حيان وعزاه للزمخشري قال شهاب الدين وفيه نظر؛ ~~فإن الزمخشري قال: ويجوز أن يراد: لهم من نسائهم تربص؛ ~~كقولك: " لي منك كذا " فقوله " لهم " لم يرد به أن ثم شيئا ~~محذوفا، وهو لفظ " لهم " ، إنما أراد أن يعلق " من " ~~بالاستقرار الذي تعلق به " للذين " ، غاية ما فيه: أنه أتى بضمير ~~" الذين " تبيينا للمعنى، وإلى هذا المنحى نحا أبو البقاء؛ فإنه ~~قال: وقيل: الأصل " على " ، ولا يجوز أن تقوم " من " مقام " ~~على " فعلى ذلك تتعلق " من " بمعنى الاستقرار، يريد ~~الاستقرار الذي تعلق به قوله " للذين " ، وعلى تقدير تسليم أن ~~لفظة " لهم " مقدرة، وهي مرادة، فحينئذ: إنما تكون بدلا من " ~~للذين " بإعادة العامل، وإلا يبقى قوله " للذين ~~يؤلون " مفلتا، وبالجملة فتعلقه بالاستقرار غير ظاهر، ~~وأما تقدير الشيخ: " والذين يؤلون لهم من نسآئهم ~~تربص " ، فليس كذلك؛ لأن " الذين " لو جاء كذلك غير مجرور ~~باللام، سهل الأمر الذي ادعاه، ولكن إنما جاء كما تراه مجرورا ~~باللام، سهل الأمر الذي ادعاه، ms1279 ولكن إنما جاء كما تراه مجرورا ~~باللام، ثم قال أبو حيان: وهذا كله ضعيف ينزه القرآن عنه، وإنما ~~يتعلق ب " يؤلون " على أحد وجهين: إما أن تكون " من " ~~للسبب، أي يحلفون بسبب نسائهم، وإما أن يضمن معنى ~~الامتناع، فيتعدى ب " من " فكأنه قيل " للذين يمتنعون من ~~نسائهم بالإيلاء " فهذان وجهان مع الستة المتقدمة؛ فتكون ~~ثمانية، وإن اعتبرت مطلق التضمين فتجيء سبعة. # والإيلاء: الحلف. مصدر آلى يؤلي، نحو: أكرم يكرم ~~إكراما، والأصل: " إئلاء " فأبدلت الهمزة الثانية ياء؛ ~~لسكونها وانكسار ما قبلها؛ نحو: " إيمان ". # ويقال: تألى وايتلى على افتعل، والأصل: ائتلى، فقلبت ~~الثانية ياء؛ لما تقدم. # والحلفة: يقال لها: الألية والألوة والألوة ~~والإلوة، وتجمع الألية على " ألايا "؛ كعشية وعشايا، ~~ويجوز أن تجمع الألوة أيضا على " ألايا "؛ كركوبة ~~وركائب؛ قال كثير عزة: [الطويل] # 1098- قليل الألايا حافظ ليمينه # إذا صدرت منه الألية برت # وقد تقدم كيف تصريف ألية وألايا عند قوله: # نغفر لكم خطاياكم # [البقرة:58] جمع خطيئة والإيلاء من عرف الشرع: هو اليمين على ترك ~~الوطء؛ كقوله: لا أجامعك، أو لا أباضعك، أو لا أقاربك. # ومن المفسرين من قال في الآية حذف تقديره: للذين يؤلون من نسائهم ~~ألا يطئوهم، إلا أنه حذف لدلالة الباقي عليه. # قال ابن الخطيب: هذا إذا حملنا لفظ " الإيلاء " على المفهوم ~~اللغوي، أما إذا حملناه على المفهوم الشرعي، لم يحتج إلى هذا ~~الإضمار. # وقرأ أبي وابن عباس: " للذين يقسمون " ، نقله القرطبي. # وقرأ عبد الله: " آلوا من نسائهم ". # والتربص: الانتظار، وهو مقلوب التصبر؛ قال: [الطويل] # 1099- تربص بها ريب المنون لعلها # تطلق يوما أو يموت حليلها # وإضافة التربص إلى الأشهر فيها قولان: # أحدهما: أنه من باب إضافة المصدر لمفعوله؛ على الاتساع في الظرف؛ ~~حتى صار مفعولا به، فأضيف إليه، والحالة هذه كقوله: " بينهما ~~مسيرة يوم " أي: مسيرة في يوم. # والثاني: أنه أضيف الحدث إلى الظرف من غير اتساع، فتكون ~~الإضافة بمعنى " في " وهو مذهب كوفي، والفاعل محذوف، تقديره: ~~تربصهم أربعة أشهر. # فصل # قال قتادة: كان الإيلاء طلاقا لأهل الجاهلية وقال سعيد بن ms1280 المسيب: ~~كان ذلك من ضرار أهل الجاهلية، وكان الرجل لا يحب امرأته، ولا ~~يريد أن يتزوجها غيره، فيحلف ألا يقربها أبدا، فيتركها لا أيما ~~ولا ذات بعل، وكانوا في ابتداء الإسلام يفعلون ذلك أيضا؛ فأزال الله ~~تعالى ذلك، وضرب للزوج مدة يتروى فيها ويتأمل، فإن رأى ~~المصلحة في ترك هذه المضارة، فعلها، وإن رأى المصلحة في المفارقة، ~~فارقها. # وقال القرطبي: وقد آلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وطلق، ~~وسبب إيلائه: سؤال نسائه إياه من النفقة ما ليس عنده؛ كذا في " ~~صحيح مسلم " ، وقيل: لأن زينب ردت عليه هديته، فغضب - صلى الله ~~عليه وسلم - فآلى منهن، ذكره ابن ماجه. # فصل # واختلف أهل العلم فيه: # فذهب أكثرهم إلى أنه إن حلف لا يقرب زوجته أبدا، أو سمى ~~مدة أكثر من أربعة أشهر يكون مؤليا، فلا يتعرض لها قبل مضي أربعة ~~أشهر، وبعد مضيها يوقف ويؤمر بالفيئة أو الطلاق بعد مطالبة ~~المرأة، والفيئة: هي الرجوع عما قال بالوطء إن قدر عليه، وإن ~~لم يقدر فبالقول، فإن لم يف ولم يطلق، طلق عليه الحاكم ~~واحدة. # وذهب إلى الوقف بعد مضي المدة: عمر، وعثمان، وعلي، وأبو ~~الدرداء، وابن عمر. # قال سليمان بن يسار: أدركت بضعة عشر من أصحاب النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كلهم يقول بوقف المؤلي، وإليه ذهب سعيد بن جبير، ~~وسليمان بن يسار، ومجاهد، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق. # وقال بعض أهل العلم: إذا مضت عليها أربعة أشهر، يقع عليها طلقة ~~بائنة، وهو قول ابن عباس وابن مسعود، وبه قال سفيان الثوري ~~وأصحاب الرأي. # وقال سعيد بن المسيب والزهري: تقع طلقة رجعية، ولو حلف ألا ~~يطأها أقل من أربعة أشهر، لا يكون مؤليا، بل هو حانث إذا وطئها ~~قبل مضي تلك المدة، وتجب عليه كفارة يمين على الصحيح، ولو حلف ~~ألا يطأها أربعة أشهر، لا يكون مؤليا عند من يقول بالوقف بعد ~~مضي المدة، لأن بقاء المدة شرط للوقف، وثبوت المطالبة ~~بالفيئة أو الطلاق، وقد مضت المدة، وعند من لا يقول بالوقف ms1281 لا يكون ~~مؤليا ويقع الطلاق بمضي المدة. # وقال ابن عباس لا يكون مؤليا حتى يحلف لا يطأها أبدا. # وقال الحسن البصري وإسحاق: أي مدة حلف عليها، كان مؤليا وإن ~~كان يوما. # فصل # قال القرطبي: إذا حلف ألا يطأ امرأته أكثر من أربعة أشهر؛ فانقضت ~~الأربعة أشهر ولم تطالبه، ولم ترفعه إلى الحاكم، لم يلزمه شيء عند ~~مالك وأكثر أهل المدينة. # وقال بعض أصحابنا: يلزمه بانقضاء الأربعة أشهر طلقة رجعية، وقال ~~بعضهم: طلقة بائنة. # والصحيح: ما ذهب إليه مالك، وأكثر أهل المدينة وأصحابه. # فصل هل ينعقد الإيلاء في الغضب؟! # قال ابن عباس: لا يكون إيلاء إلا في حال الغضب، وهو المشهور عن ~~علي - رضي الله عنه - وهو قول الليث، والشعبي، والحسن، وعطاء ~~قالوا: لا يكون الإيلاء إلا على وجه مغاضبة ومشادة. # وقال ابن سيرين: يكون في غضب، وغير غضب، وهو قول ابن مسعود، والثوري ~~ومالك وأهل العراق والشافعي وأحمد. # فصل # والمدخول بها وغير المدخول بها سواء في صحة الإيلاء منها. # قال القرطبي: والذمي لا يصح إيلاؤه كما لا يصح طلاقه، ولا ~~ظهاره؛ لأن نكاح أهل الشرك عندنا ليس بنكاح صحيح. # فصل # ومدة الإيلاء أربعة أشهر في حق الحر والعبد لأنها ضربت لمعنى ~~يرجع إلى الطبع، وهو قلة صبر المرأة عن الزوج، فيستوي فيه ~~الحر والعبد؛ كمدة الفيئة ومدة الرضاع. # وعند مالك وأبي حنيفة: ينتصف بالرق، إلا عند أبي حنيفة: ينتصف ~~برق المرأة، وعند مالك: برق الرجل؛ كقولهما في الطلاق. # ولنا: ظاهر قوله تعالى: { للذين يؤلون من نسآئهم } ~~فتتناول الكل من غير تخصيص، والتخصيص خلاف الظاهر، والمعنى ~~المتقدم يمنع التخصيص. # قال القرطبي: وأجل المؤلي من يوم حلف، لا من يوم المرافعة إلى ~~الحاكم. # فصل فيمن يصح منه الإيلاء ومن لا يصح # كل زوج يتصور منه الوقاع، وكان تصرفه معتبرا في الشرع، ~~صح منه الإيلاء. # وقال مالك: لا يصح الإيلاء إلا في حال الغضب، وقال غيره: يصح ~~الإيلاء في حال الرضى والغضب، ويصح الإيلاء من الرجعية؛ لأنها ~~زوجة؛ بدليل أنه لو قال: نسائي ms1282 طوالق، وقع عليها الطلاق. # وإيلاء الخصي صحيح، لأنه يجامع كالفحل، وإنما فقد في حقه ~~الإنزال، والمجبوب إن بقي منه ما يمكنه أن يجامع به، صح ~~إيلاؤه، وإن لم يبق، فيه خلاف. # قال أبو حنيفة: لا يصح إيلاؤه. # وقال غيره: يصح لعموم الآية، ولا يصح الإيلاء [من أجنبية]، ~~فلو آلى منها ثم تزوجها، لم يكن مؤليا. # فصل # فإن امتنع من وطئها بغير يمين إضرارا بها، أمر بوطئها، فإن امتنع ~~إضرارا بها، فرق الحاكم بينه وبينها، من غير ضرب مدة. # وقيل: يضرب له أجل الإيلاء، فإذا حلف لا يطؤها حتى يفطم ولدها؛ لئلا ~~يمغل بولدها، ولم يرد إضرارا بها حتى ينقضي أمد الرضاع، لم ~~يكن لها مطالبته. # فصل # المولي لا يخلو إما أن يحلف ترك الوطء بالله تعالى أو ~~بغيره، فإن حلف بالله تعالى كان مؤليا، ثم إن جامعها في مدة ~~الإيلاء، خرج عن الإيلاء، وهل تجب عليه كفارة؟ فيه قولان: # أصحهما: أن عليه الكفارة كما قدمناه؛ لعموم الدلائل الموجبة ~~للكفارة عند الحنث باليمين بالله - تعالى - لأنه لا فرق بين ~~قوله: " والله لا أقربك " ثم يقربها، وبين قوله: " والله لا ~~أكلمك " ثم يكلمها. # والقول الثاني: لا كفارة عليه؛ لقول تعالى: { فإن فآءوا فإن ~~الله غفور رحيم }. # ولو كانت الكفارة واجبة لذكرها، والحاجة مناسبة إلى معرفتها، ولا ~~يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، والغفران يوجب ترك المؤاخذة. # وللأولين أن يجيبوا: بأنه إنما ترك الكفارة ههنا لأنه تعالى - ~~بينها على لسان رسوله - عليه الصلاة والسلام في سائر المواضع، ~~وترك المؤاخذة بقوله: " غفور رحيم " يدل على عدم العقاب، وهو ~~لا ينافي وجوب الفعل، كما أن التائب عن الزنا والقتل لا ~~عقاب عليه، ومع ذلك يجب عليه الحد والقصاص. # وأما إن كان الحالف في الإيلاء بغير الله؛ كما إذا قال: إن وطأتك ~~فعبدي حر، أو أنت طالق، أو ضرتك طالق، أو التزم أمرا في ~~الذمة، فقال: إن وطأتك فلله علي عتق رقبة، أو صدقة، أو ~~صوم، أو حج، أو صلاة، فقال الشافعي في " القديم " ، وأحمد في ms1283 ~~ظاهر الرواية عنه: لا يكون مؤليا؛ لأن الإيلاء المعهود هو ~~الحلف بالله؛ ولقوله - عليه الصلاة والسلام -: # " من حلف فليحلف بالله ". # وقال الشافعي في " الجديد " - وهو قول أبي حنيفة ومالك وجماعة - ~~إنه يكون مؤليا؛ لأن لفظ الإيلاء يتناول الكل، وعلى القولين ~~فيمينه منعقدة، فإن كان قد علق به طلاقا أو عتقا، وقع بوطئه ~~ذلك المعلق، وإن كان المعلق التزام قربة في الذمة، فعليه ~~ما في نذر اللجاج، إما كفارة يمين، وإما الوفاء بما ~~سمى. # وفائدة هذين القولين: أنا إن قلنا: يكون مؤليا، فبعد أربعة أشهر ~~يضيق الأمر عليه، حتى يفيء أو يعلق، وإن قلنا: لا يكون ~~مؤليا، لا يضيق عليه الأمر. # قال القرطبي: فإن حلف بالنبي أو الملائكة، أو الكعبة ألا ~~يطأها أو قال: هو يهودي، أو نصراني، أو زان إن وطئها، فليس ~~بمؤل، قال: وإن حلف ألا يطأها، واستثنى فقال: إن شاء الله، فإنه ~~يكون مؤليا، فإن وطئها، فلا كفارة عليه. # وقال ابن الماجشون في " المبسوط ": ليس بمؤل، وهو الصحيح. # قوله: { فإن فآءوا } ألف " فاء " منقلبة عن ياء؛ لقولهم: فاء ~~يفيء فيئة: رجع والفيء: الظل؛ لرجوعه من بعد الزوال، وقال ~~علقمة: [الطويل] # 1100- فقلت لها فيئي فما تستفزني # ذوات العيون والبنان المخضب # وفرقوا بين الفيء والظل: فقالوا: الفيء ما كان بالعشي؛ لأنه ~~الذي نسخته الشمس، والظل ما كان بالغداة؛ لأنه لم تنسخه الشمس، ~~وفي الجنة ظل وليس فيها فيء؛ لأنه لا شمس فيها؛ قال تعالى: # وظل ممدود # [الواقعة:30]؛ وأنشد: [الطويل] # 1101- فلا الظل من برد الضحى تستطيعه # ولا الفيء من برد العشي تذوق # وقيل: فلان سريع الفيئة، أي: سريع الرجوع عن الغضب إلى ~~الحالة المتقدمة، حكاه الفراء عن العرب. # وقيل لما رده الله على المسلمين من مال المشركين: فيء؛ كأنه ~~كان لهم فرجع إليهم، فقوله: " فاءوا " معناه: رجعوا عما ~~حلفوا عليه من ترك الجماع، فإنه غفور رحيم. # فصل في وجوب الكفارة # قال القرطبي: جمهور العلماء أوجبوا الكفارة على المؤلي إذا ~~فاء بجماع امرأته. # وقال الحسن: لا كفارة عليه. # قال القرطبي: إذا كفر ms1284 عن يمينه، سقط عنه الإيلاء. # قوله تعالى: { وإن عزموا الطلاق } في نصب " الطلاق " ~~وجهان: # أحدهما: أنه على إسقاط الخافض؛ لأن " عزم " يتعدى ب " على " ~~، قال: [الوافر] # 1102- عزمت على إقامة ذي صباح # لأمر ما يسود من يسود # والثاني: أن تضمن " عزم " معنى " نوى "؛ فينتصب مفعولا به. # والعزم: عقد القلب وتصميمه: عزم يعزم عزما وعزما ~~بالفتحة والضمة، وعزيمة وعزاما بالكسر، ويستعمل بمعنى القسم: ~~عزمت عليك لتفعلن؛ والعزم والعزيمة: توطين النفس ~~على المراد المطلوب، والأمر المقصود. والطلاق: انحلال العقد، ~~وأصله الانطلاق. # وقال القرطبي: والطلاق: التخلية، يقال: نعجة طالق، وناقة طالق ~~أي: مهملة؛ قد تركت في المرعى، لا قيد عليها ولا راعي وبعير طلق: ~~بضم الطاء واللام، والجمع أطلاق ويقال: طلقت بفتح اللام تطلق ~~فهي طالق وطالقة؛ قال الأعشى: [الطويل] # 1103- أيا جارتا بيني فإنك طالقه # .................... # وحكى ثعلب: " طلقت " بالضم، وأنكره الأخفش. والطلاق يجوز أن يكون ~~مصدرا، أو اسم مصدر، وهو التطليق. # قوله: { فإن الله } ظاهره أنه جواب الشرط، وقال أبو حيان: ~~ويظهر أنه محذوف، أي: فليوقعوه، وقرأ عبد الله: " فإن ~~فاءوا فيهن " وقرأ أبي " فيها " والضمير للأشهر. # وقراءة الجمهور ظاهرها أن الفيئة والطلاق إنما تكون بعد ~~مضي الأربعة الأشهر، إلا أن الزمخشري لما كان يرى بمذهب ~~أبي حنيفة: وهو أن الفيئة في مدة الأربعة الأشهر، ويؤيده ~~القراءة المتقدمة، احتاج إلى تأويل الآية بما نصه: " فإن ~~قلت: كيف موقع الفاء، إذا كانت الفيئة قبل انتهاء مدة التربص؟ ~~قلت: موقع صحيح؛ لأن قوله: " فإن فاءوا. وإن عزموا " ~~تفصيل لقوله: { للذين يؤلون من نسآئهم } ، والتفصيل ~~يعقب المفصل، كما تقول: أنا نزيلكم هذا الشهر، فإن ~~أحمدتكم، أقمت عندكم إلى آخره، وإلا لم أقم إلا ~~ريثما أتحول " ، قال أبو حيان: " وليس بصحيح؛ لأن ما مثل به ~~ليس نظير الآية؛ ألا ترى أن المثال فيه إخبار عن المفصل حاله، ~~وهو قوله: " أنا نزيلكم هذا الشهر " ، وما بعد الشرطين ~~مصرح فيه بالجواب الدال على اختلاف متعلق فعل الجزاء، والآية ~~ليست كذلك؛ لأن الذين يؤلون ليس مخبرا عنهم، ولا مسندا ~~إليهم حكم، ms1285 وإنما المحكوم عليه تربصهم، والمعنى: تربص ~~المؤلين أربعة أشهر مشروع لهم بعد إيلائهم، ثم قال: " فإن ~~فاءوا وإن عزموا " فالظاهر أنه يعقب تربص المدة ~~المشروعة بأسرها، لأن الفيئة تكون فيها، والعزم على الطلاق ~~بعدها؛ لأن التقييد المغاير لا يدل عليه اللفظ، وإنما يطابق ~~الآية أن تقول: " للضيف إكرام ثلاثة أيام، فإن أقام، ~~فنحن كرماء مؤثرون، وإن عزم على الرحيل، فله أن يرحل " ، ~~فالمتبادر إلى الذهن أن الشرطين مقدران بعد إكرامه ". # قوله: { سميع عليم } قال أبو حنيفة: سميع لإيلائه، عليم ~~بعزمه. # قال القرطبي: دلت هذه الآية على أن الأمة الموطوءة بملك اليمين لا ~~يكون فيها إيلاء، إذ لا يقع عليها طلاق. فصل # قال أبو حنيفة والثوري: إنه لا يكون مؤليا حتى يحلف ألا يطأها ~~أربعة أشهر أو فيما زاد. # وقال الشافعي وأحمد ومالك: لا يكون مؤليا حتى تزيد المدة على ~~أربعة أشهر. # وفائدة الخلاف: أنه إذا آلى منها أكثر من أربعة أشهر أجل أربعة أشهر، ~~وهذا المدة تكون حقا للزوج، فإذا مضت تطالب المرأة الزوج ~~بالفيئة أو بالطلاق فإن امتنع الزوج منهما، طلقها الحاكم عليه، ~~وعند أبي حنيفة: إذا مضت أربعة أشهر، يقع الطلاق. حجة الشافعي ~~وجوه. # الأول: أن " الفاء " في قوله { فإن فآءوا فإن الله غفور ~~رحيم } ، { وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع ~~عليم } يقتضي كون هذين الحكمين مشروعين متراخيا على انقضاء ~~الأربعة أشهر. # قال ابن الخطيب لما ذكر قول الزمخشري المتقدم على سبيل الإيراد: ~~وهذا ضعيف، لأن قوله: { للذين يؤلون من نسآئهم ~~تربص أربعة أشهر } إشارة إلى حكمين: # أحدهما: صدور الإيلاء عنهم. # والثاني: وجوب تربص هذه المدة على النساء. # والفاء في قوله: " فإن فآءوا " ورد عقيب ذكرهما معا، فلا بد وأن ~~يكون هذا الحكم مشروعا عقيب الأمرين: عقيب الإيلاء، وعقيب حصول ~~التربص في هذه المدة، بخلاف المثال الذي ذكره، وهو قوله: " ~~أنا أنزل عندكم؛ فإن أكرمتموني بقيت وإلا ترحلت "؛ لأن ~~هناك " الفاء " صارت مذكورة عقيب شيء واحد، وهو النزول، وهي هنا ~~مذكورة عقيب ذكر الإيلاء، وذكر التربص، فلا بد ms1286 وأن يكون ما دخلت ~~" الفاء " عليه واقعا بين هذين الأمرين. # الحجة الثانية: قوله: { وإن عزموا الطلاق } صريح في أن ~~وقوع الطلاق، إنما يكون بإيقاع الزوج. # وعند أبي حنيفة: يقع الطلاق بمضي المدة، لا بإيقاع الزوج. # فإن قيل: الإيلاء طلاق في نفسه؛ فالمراد من قوله: { وإن عزموا ~~الطلاق } الإيلاء المتقدم. # فالجواب: هذا بعيد؛ لأن قوله: { وإن عزموا الطلاق } لا بد ~~وأن يكون معناه: " وإن عزموا الذين يؤلون من نسائهم ~~الطلاق " فجعل المؤلي عازما، وهذا يقتضي أن يكون الإيلاء والعزم قد ~~اجتمعا، وأما الطلاق فهو متعلق العزم، ومتعلق العزم متأخر عن ~~العزم؛ فإذن الطلاق متأخر عن العزم لا محالة، والإيلاء إما ~~أن يكون مقارنا للعزم أو متقدما عليه، وهذا يفيد أن الطلاق ~~مغاير لذلك الإيلاء. # الحجة الثالثة: قوله تعالى: { وإن عزموا الطلاق فإن ~~الله سميع عليم } يقتضي أن يصدر من الزوج شيء يكون مسموعا ~~وما ذاك إلا أن نقول تقديره: " وإن عزموا الطلاق وطلقوا فالله ~~سميع لكلامهم، عليم بما في قلوبهم ". # فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد إن الله سميع لذلك ~~الإيلاء. # فالجواب: أن هذا التهديد لم يحصل على نفس الإيلاء، بل إنما حصل عن ~~شيء حصل بعد الإيلاء، فلا بد وأن يصدر عن الزوج بعد ذلك ~~الإيلاء، وهو كلام غيره؛ حتى يكون قوله: { فإن الله سميع عليم ~~} تهديدا عليه. # الحجة الرابعة: قوله: " فإن فاءوا " ، " وإن عزموا " ظاهره ~~التخيير بين الأمرين؛ وذلك يقتضي أن يكون ثبوتهما واحدا، وعلى قول ~~أبي حنيفة ليس الأمر كذلك. # الحجة الخامسة: أن الإيلاء في نفسه ليس بطلاق، بل هو حلف على ~~الامتناع عن الجماع مدة مخصوصة، إلا أن الشرع ضرب لذلك مقدارا ~~معلوما من الزمان؛ وذلك لأن الرجل قد يترك جماع المرأة مدة ~~من الزمان لا بسبب المضارة، وهذا إنما يكون إذا كان الزمان ~~قصيرا، فأما ترك الجماع زمانا طويلا، فلا يكون إلا عند قصد ~~المضارة، ولما كان الطول والقصر في هذا الباب أمرا غير مضبوط، ~~قدر له الشارع حدا فاصلا بين القصير والطويل، وذلك ms1287 لا ~~يوجب وقوع الطلاق، بل اللائق بحكم الشرع عند ظهور قصد ~~المضارة، أن يأمر بترك المضارة، أو بتخليصها من قيد ~~الإيلاء، وهذا المعنى معتبر في الشرع؛ كضرب الأجل في مدة ~~العنين وغيره. # حجة أبي حنيفة - رضي الله عنه -: قراءة عبد الله بن مسعود: " فإن ~~فاءوا فيهن ". # والجواب: أن القراءة الشاذة مردودة؛ لأن القرآن لا يثبت كونه ~~قرآنا إلا بالتواتر؛ فحيث فلم يثبت بالتواتر، قطعنا بأنه ليس ~~بقرآن وأولى الناس بهذا أبو حنيفة؛ فإنه تمسك بهذا الحرف في ~~أن التسمية ليست من القرآن. ### || [2.228] # لما ذكر - عز وجل - الإيلاء، وأن الطلاق قد يقع بين تعالى حكم ~~المرأة بعد التطليق. # قوله: { والمطلقات يتربصن }: مبتدأ وخبر، وهل هذه ~~الجملة من باب الخبر الواقع موقع الأمر، أي: ليتربصن، أو ~~على بابها؟ قولان، وقال الكوفيون: إن لفظها أمر؛ على تقدير لام ~~الأمر، ومن جعلها على بابها، قدر: وحكم المطلقات أن ~~يتربصن، فحذف " حكم " من الأول، و " أن " المصدرية من الثاني، ~~وهو بعيد جدا. # و " تربص " يتعدى بنفسه؛ لأنه بمعنى انتظر، وهذه الآية ~~تحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون مفعول التربص محذوفا، وهو الظاهر، تقديره: ~~يتربصن التزويج أو الأزواج، ويكون " ثلاثة قروء " على هذا ~~منصوبا على الظرف؛ لأن اسم عدد مضاف إلى ظرف. # والثاني: أن يكون المفعول هو نفس " ثلاثة قروء " أي: ينتظرون ~~مضي ثلاثة قروء. # وأما قوله: { بأنفسهن } [فيحتمل وجهين، أحدهما، وهو الظاهر: ~~أن يتعلق ب " يتربصن " ، ويكون معنى الباء السببية، أي: ~~بسبب أنفسهن]، وذكر الأنفس أو الضمير المنفصل في مثل هذا ~~التركيب واجب، ولا يجوز أن يؤتى بالضمير المتصل، لو قيل في ~~نظيره: " الهندات يتربصن بهن " لم يجز؛ لئلا ~~يتعدى فعل المضمر المنفصل إلى ضميره المتصل في غير الأبواب ~~الجائز فيها ذلك. # والثاني: أن يكون " بأنفسهن " تأكيدا للمضمر المرفوع ~~المتصل، وهو النون، والباء زائدة في التوكيد؛ لأنه يجوز زيادتها ~~في النفس والعين مؤكدا بهما؛ تقول: " جاء زيد نفسه ~~وبنفسه وعينه وبعينه "؛ وعلى هذا: فلا تتعلق بشيء ~~لزيادتها، لا يقال: لا جائز أن تكون تأكيدا للضمير؛ ms1288 لأنه كان يجب ~~أن تؤكد بضمير رفع منفصل؛ لأنه لا يؤكد الضمير المرفوع ~~المتصل بالنفس والعين، إلا بعد تأكيده بالضمير المرفوع ~~المنفصل؛ فيقال: زيد جاء هو نفسه عينه "؛ لأن هذا ~~المؤكد خرج عن الأصل، لما جر بالباء الزائدة أشبه ~~الفضلات، فخرج بذلك عن حكم التوابع، فلم يلتزم فيه ما التزم ~~في غيره، ويؤيد ذلك قولهم: " أحسن بزيد، وأجمل " ، أي: ~~به، وهذا المجرور فاعل عند البصريين، والفاعل عندهم لا يحذف، ~~لكنه لما جرى مجرى الفضلات؛ بسبب جره بالحرف، أو خرج ~~عن أصل باب الفاعل؛ فلذلك جاز حذفه، وعن الأخفش ذكر في " ~~المسائل " أنهم قالوا: " قاموا أنفسهم " من غير تأكيد، ~~وفائدة التوكيد هنا أن يباشرن التربص هن، لا أن غيرهن ~~يباشرنهن التربص؛ ليكون ذلك أبلغ في المراد. # فإن قيل: القروء: جمع كثرة، ومن ثلاثة إلى عشرة يميز بجموع ~~القلة ولا يعدل عن القلة إلى ذلك، إلا عند عدم استعمال جمع قلة ~~غالبا، وههنا فلفظ جمع القلة موجود، وهو " أقراء " ، فما ~~الحكمة بالإتيان بجمع الكثرة مع وجود جمع القلة؟. # فيه أربعة أوجه: # أولها: أنه لما جمع المطلقات جمع القروء، لأن كل مطلقة ~~تتربص ثلاثة أقراء؛ فصارت كثيرة بهذا الاعتبار. # والثاني: أنه من باب الاتساع، ووضع أحد الجمعين موضع الآخر. # والثالث: أن " قروءا " جمع " قرء " بفتح القاف، فلو جاء على " ~~أقراء " لجاء على غير القياس؛ لأن أفعالا لا يطرد في فعل ~~بفتح الفاء. # والرابع وهو مذهب المبرد : أن التقدير " ثلاثة من قروء ~~" ، فحذف " من " ، وأجاز: ثلاثة حمير وثلاثة كلاب، أي: من ~~حمير، ومن كلاب، وقال أبو البقاء: وقيل: التقدير " ثلاثة ~~أقراء من قروء " وهذا هو مذهب المبرد بعينه، وإنما فسر ~~معناه وأوضحه. # فصل # اعلم أن المطلقة هي المرأة التي وقع عليها الطلاق، وهي إما أن ~~تكون أجنبية أو منكوحة. # فإن كان أجنبية، فإذا وقع الطلاق عليها فهي مطلقة بحسب اللغة، ~~لكنها غير مطلقة بحسب عرف الشرع، والعدة غير واجبة عليها ~~بالإجماع. # وأما المنكوحة: فإن لم يكن مدخولا بها، لم تجب عليها العدة؛ ~~لقوله تعالى: ms1289 # إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل ~~أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة ~~تعتدونها # [الأحزاب:49]، وإن كانت مدخولا بها: فإن كانت حاملا، فعدتها بوضع ~~الحمل؛ لقوله تعالى: # وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن # [الطلاق:4]، وإن كانت حائلا؛ فإن امتنع الحيض في حقها لصغر مفرط أو ~~كبر مفرط، فعدتها بالأشهر؛ لقوله تعالى: # واللائي يئسن من المحيض من نسآئكم إن ~~ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللاتي لم ~~يحضن # [الطلاق:4]. # وإن لم يمتنع الحيض في حقها؛ فإذا كانت رقيقة، فعدتها قرءان، ~~وإن كان حرة، فعدتها ثلاثة قروء. # فظهر من هذا أن العام إنما يحسن تخصيصه، إذا كان الباقي بعد ~~التخصيص أكثر؛ لأن العادة جارية بإطلاق لفظ الكل على الغالب؛ ~~لأنه يقال في الثوب: إنه أسود إذا كان الغالب فيه السواد ~~وإن حصل فيه بياض قليل، فأما إذا كان الغالب عليه البياض وكان ~~السواد قليلا، كان إطلاق لفظ السواد عليه كذبا؛ فثبت شرط تخصيص ~~العام؛ أن يكون الباقي بعد التخصيص أكثر، وهذه الآية ليست كذلك، فإنه ~~خرج من عمومها خمسة أقسام، فأطلق لفظ " المطلقات " على قسم واحد. # والجواب: أما الأجنبية فخارجة عن اللفظ، فإن الأجنبية لا يقال ~~فيها: إنها مطلقة، وأما غير المدخول بها فالقرينة تخرجها؛ لأن أصل ~~العدة شرعت لبراءة الرحم، والحاجة إلى البراءة لا تحصل إلا ~~عند سبق الشغل، وأما الحامل والآيسة فهما خارجتان عن اللفظ؛ لأن ~~إيجاب الاعتداد بالأقراء، يكون لم يجب الأقراء في حقه. # وأما الرقيق فتزويجهن كالنادر، فثبت أن الأعم الأغلب باق تحت ~~العموم. # فإن قيل: " يتربصن " خبر والمراد منه الأمر، فما الفائدة في ~~التعبير عن الأمر بلفظ الخبر؟ # فالجواب من وجهين: # الأول: أنه - تعالى - لو ذكره بلفظ الأمر، لكان ذلك يوهم أنه لا ~~يحصل المقصود، إلا إذا شرعت فيها بالقصد والاختيار، وعلى هذا ~~التقدير: فلو مات الزوج، ولم تعلم المرأة حتى انقضت العدة، ~~وجب ألا يكون ذلك كافيا في المقصود؛ لأنها إذا أمرت بذلك لم ~~تخرج عن العهدة إلا إذا قصدت أداء التكليف، فلما ذكره بلفظ الخبر، ~~زال ms1290 ذلك الوهم، وعرف أنه متى انقضت هذه القروء، حصل المقصود ~~سواء علمت بذلك أو لم تعلم، وسواء شرعت في العدة بالرضا أو ~~بالغضب. # الثاني: قال الزمخشري: التعبير عن الأمر بصيغة الخبر يفيد تأكيد ~~الأمر، والإشعار بأنه مما يجب أن يتعلق بالمسارعة إلى امتثاله، ~~فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص، فهو يخبر عنه موجودا؛ ونظيره ~~قولهم في الدعاء رحمك الله؛ أخرج في صورة الخبر ثقة بالإجابة، ~~كأنها وجدت الرحمة فهو يخبر عنها. # فإن قيل: لو قال: " يتربص المطلقات " لكان ذلك جملة من فعل ~~وفاعل، فما الحكمة من ترك ذلك، وعدوله عن الجملة الفعلية إلى الجملة ~~الاسمية، وجعل المطلقات مبتدأ، ثم قوله: " يتربصن " إسناد للفعل ~~إلى ضمير المطلقات، ثم جعل هذه الجملة خبرا عن ذلك المبتدأ. # قال الشيخ عبد القاهر الجرجاني في كتاب " دلائل الإعجاز ": ~~إنك إذا قدمت الاسم، فقلت: زيد فعل، فهذا يفيد من التأكيد ~~والقوة ما لا يفيد قولك: " فعل زيد "؛ وذلك لأن قولك: " ~~زيد فعل " قد يستعمل في أمرين: # أحدهما: أن يكون لتخصيص ذلك الفعل بذلك الفاعل؛ كقولك: أنا أكتب في ~~المهم الفلاني إلى السلطان، والمراد دعوى الإنسان الانفراد. # والثاني: ألا يكون المقصود الحصر، بل إن تقديم ذكر المحدث عنه ~~بحديث كذا لإثبات ذلك الفعل له؛ كقولهم: " هو يعطي الجزيل " ولا ~~يريد الحصر، بل أن يحقق عند السامع أن إعطاء الجزيل دأبه؛ ~~وذلك مثل قوله تعالى: # والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم ~~يخلقون # [النحل:20]، وليس المراد تخصيص المخلوقية بهم، وقوله تعالى: # وإذا جآءوكم قالوا ءامنا وقد دخلوا بالكفر ~~وهم قد خرجوا به # [المائدة:61]؛ وقول الشاعر: [الطويل] # 1104- هما يلبسان المجد أحسن لبسة # شجيعان ما اسطاعا عليه كلاهما # والسبب في حصول هذا المعنى عند تقديم ذكر المبتدأ: أنك إذا ~~قلت: " عبد الله " فقد أشعرت بأنك تريد الإخبار عنه، فيحصل في ~~النفس شوق إلى معرفة ذلك، فإذا ذكرت ذلك الخبر، قبله العقل بتشوق، ~~فيكون ذلك أبلغ في التحقيق، ونفي الشبهة. # فإن قيل: هلا قيل: يتربصن ثلاثة قروء، وما الفائدة في ذكر ms1291 ~~الأنفس؟ # فالجواب: إن في ذكر الأنفس بعث على التربص وتهييج عليه؛ لأن فيه ما ~~يستنكفن منه، فيحملهن على أن يتربصن، وذلك لأن أنفس النساء ~~طوامح إلى الرجال، فأراد أن يقعن على أنفسهن، ويغلبنها على الطموح، ~~ويحرضنها على التربص. # فإن قيل: لم لم يقل: ثلاث قروء؛ كما يقال: ثلاث حيض؟ # والجواب: أنه أتبع تذكير اللفظ، ولفظ " قرء " مذكر. # والقرء في اللغة: أصله الوقت المعتاد تردده، ومنه: قرء النجم لوقت ~~طلوعه وأفوله، يقال: " أقرأ النجم " ، أي: طلع أو أفل، ومنه قيل ~~لوقت هبوب الريح: قرؤها وقارئها؛ قال الشاعر: [الوافر] # 1105- شنئت العقر عقر بني شليل # إذا هبت لقاريها الرياح # أي: لوقتها، وقيل: أصله الخروج من طهر إلى حيض، أو عكسه، وقيل: هو من ~~قولهم: قريت الماء في الحوض؛ أي: جمعته، ومنه: قرأ القرآن. ~~وقولهم: ما قرأت هذه الناقة في بطنها سلا قط، أي لم تجمع فيه جنينا؛ ~~ومنه قول عمرو بن كلثوم: [الوافر] # 1106- ذراعي عيطل أدماء بكر # هجان اللون لم تقرأ جنينا # فعلى هذا: إذا أريد به الحيض، فلاجتماع الدم في الرحم، وإن أريد به ~~الطهر، فلاجتماع الدم في البدن، وهذا قول الأصمعي، والفراء، ~~والكسائي. # قال شهاب الدين: وهو غلط؛ لأن هذا من ذوات الياء، والقرء مهموز. # وإذا تقرر ذلك فاختلف العلماء في إطلاقه على الحيض والطهر: هل هو من ~~باب الاشتراك اللفظي، ويكون ذلك من الأضداد أو من الاشتراك المعنوي، ~~فيكون من المتواطئ؛ كما إذا أخذنا القدر المشترك: إما الاجتماع، وإما ~~الوقت، وإما الخروج، ونحو ذلك. وقرء المرأة لوقت حيضها وطهرها، ويقال ~~فيهما: أقرأت المرأة، أي: حاضت أو طهرت، وقال الأخفش: ~~أقرأت أي: صارت ذات حيض، وقرأت بغير ألف أي: حاضت، وقيل: القرء، ~~الحيض، مع الطهر، وقيل: ما بين الحيضتين. والقائل بالاشتراك اللفظي ~~وجعلهما من الأضداد هم جمهور أهل اللسان؛ كأبي عمرو ويونس وأبي عبيدة. # ومن مجيء القرء والمراد به الطهر قول الأعشى: [الطويل] # 1107- أفي كل عام أنت جاشم غزوة # تشد لأقصاها عظيم عزائكا # مورثة عزا وفي الحي رفعة # لما ضاع فيها ms1292 من قروء نسائكا # أراد: أنه كان يخرج من الغزو ولم يغش نساءه، فيضيع أقراءهن، وإنما ~~كان يضيع بالسفر زمان الطهر لا زمان الحيض. ومن مجيئه للحيض قوله: ~~[الرجز] # 1108- يا رب ذي ضغن علي فارض # له قروء كقروء الحائض # أي: طعنته فسال دمه كدم الحائض، ويقال " قرء " بالضم نقله ~~الأصمعي، و " قرء " بالفتح نقله أبو زيد، وهما بمعنى واحد. # وقرأ الحسن: " ثلاثة قرو " بفتح القاف وسكون الراء وتخفيف الواو ~~من غير همز؛ ووجهها: أنه أضاف العدد لاسم الجنس، والقرو لغة في القرء، ~~وقرأ الزهري - ويروى عن نافع -: " قرو " بتشديد الواو، وهي ~~كقراءة الجمهور، إلا أنه خفف، فأبدل الهمزة واوا، وأدغم فيها الواو ~~قبلها. # فصل # مذهب الشافعي - رضي الله عنه -: أنها الأظهار؛ وهو مروي عن ابن ~~عمرو، وزيد، وعائشة، والفقهاء السبعة، ومالك وربيعة، وأحمد في رواية. ~~وقال علي، وعمر، وابن مسعود: هي الحيض؛ وهو قول أبي حنيفة والثوري ~~والأوزاعي، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وإسحاق، وأحمد في رواية رضي ~~الله عنهم . # وفائدة الخلاف: أن مدة العدة عند الشافعي أقصر، وعندهم أطول ~~حتى لو طلقها في حال الطهر، يحسب بقية الطهر قرءا، وإن حاضت ~~عقيبه في الحال، فإذا شرعت في الحيضة الثالثة، انقضت عدتها، وإن ~~طلقها في حال الحيض فإذا شرعت في الحيضة الرابعة، انقضت عدتها. # وعند أبي حنيفة: ما لم تطهر من الحيضة الثالثة، إن كان الطلاق في ~~حال الطهر ومن الحيضة الرابعة إن كان الطلاق في حال الحيض، لا يحكم ~~بانقضاء عدتها، ثم قال: إذا طهرت لأكثر الحيض، تنقضي عدتها قبل ~~الغسل، وإن طهرت لأقل الحيض، لم تنقض عدتها. # وحجة الشافعي من وجوه: # أولها: قوله تعالى: # فطلقوهن لعدتهن # [الطلاق:1] أي: في وقت عدتهن؛ كقوله تعالى: # ونضع الموازين القسط ليوم القيامة # [الأنبياء:47]، أي: في يوم القيامة، والطلاق في زمن الحيض منهي عنه؛ ~~فوجب أن يكون زمان العدة غير زمان الحيض. # أجاب صاحب " الكشاف " بأن معنى الآية: مستقبلات لعدتهن كما يقال: ~~لثلاث بقين من الشهر، يريد: مستقبلا لثلاث. # قال ابن الخطيب: وهذا يقوي ms1293 استدلال الشافعي - رضي الله عنه - لأن ~~قوله: " لثلاث بقين من الشهر " معناه: لزمان يقع الشروع في ~~الثلاث عقيبه، وإذا كان الإذن حاصلا بالتطليق في جميع زمان ~~الطهر، وجب أن يكون الطهر الحاصل عقيب زمان التطليق من ~~العدة، وهو المطلوب. # وثانيها: روي عن عائشة - رضي الله عنها -؛ أنها قالت: " هل تدرون ما ~~الأقراء؟ الأقراء الأطهار ". # قال الشافعي: والنساء بهذا أعلم؛ لأن هذا إنما يبتلى به النساء. # وثالثها: وهو ما تقدم من أن " القرء " عبارة عن الجمع، واجتماع ~~الدم إنما هو زمان الطهر؛ لأن الدم يجتمع في ذلك الزمان في ~~البدن. # فإن قيل: بل زمان الحيض أولى بهذا الاسم؛ لأن الدم يجتمع في هذا ~~الزمان في الرحم. # قلنا: لا يجتمع ألبتة في زمان الحيض في الرحم، بل ينفصل قطرة ~~قطرة، وأما وقت الطهر، فالكل مجتمع في البدن لم ينفصل منه شيء، ~~وكان معنى الاجتماع وقت الطهر أتم؛ لأن الدم من أول الطهر يأخذ ~~في الاجتماع والازدياد إلى آخره، فكان آخر الطهر هو القرء في الحقيقة. # ورابعها: أن الأصل ألا يكون لأحد على أحد من المكلفين حق الحبس ~~والمنع من التصرفات، وإنما تركنا العمل بهذا عند قيام الدليل عليه، ~~وهو أقل ما يسمى بالأقراء الثلاثة وهي الأطهار؛ لأن الاعتداد ~~بالأطهار أقل زمانا من الاعتداد بالحيض، وإذا كان كذلك، أثبتنا الأقل ~~ضرورة العمل بهذه الآية، واطرحنا الأكثر؛ للدلائل الدالة على أن ~~الأصل ألا يكون لأحد على غيره حق الحبس والمنع. # حجة أبي حنيفة وجوه: # أحدها: أن الأقراء في اللغة، وإن كانت مشتركة بين الأطهار والحيض؛ ~~إلا أن الشرع غلب استعمالها في الحيض؛ لما روي أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " دعي الصلاة أيام أقرائك " # والمراد أيام الحيض. # وثانيها: ما تقدم من وروده بمعنى الحيض. # وثالثها: أنا إذا قلنا: بأن الأقراء هي الحيض، أمكن معه استيفاء ثلاثة ~~أقراء بكمالها؛ لأنا نقول إن المطلقة يلزمها تربص ثلاث حيض، ~~وإنما تخرج عن العهدة بزوال الحيضة الثالثة، ومن قال: إنه الطهر ~~يجعلها خارجة من العهدة بقرءين وبعض ms1294 الثالث؛ لأن عنده إذا طلقها في ~~آخر الطهر تعتد بذلك قرءا، فإذا كان في أحد القولين تكمل حقيقة ~~اللفظ بالثلاثة. # أجاب الشافعي بأن قال: قال الله تعالى: # الحج أشهر معلومات # [البقرة:197] والأشهر جمع، وأقله ثلاثة، وقد حملناه على شهرين وبعض ~~الثالث، وذلك شوال، وذو القعدة، وبعض ذي الحجة، هكذا ههنا يجوز أن ~~نحمل هذه الثلاثة على طهرين وبعض الثالث. # أجاب الجبائي عن هذا بوجهين. # الأول: أنا تركنا الظاهر في هذه الآية بدليل، ولا يلزمنا أن نترك ~~الظاهر هنا من غير دليل. # والثاني: أن في العدة تربصا متصلا، فلا بد من استعمال ~~الثلاثة، ولا كذلك أشهر الحج؛ لأنه ليس فيها فعل متصل، فكأنه قيل: ~~هذه الأشهر وقت الحج لا على سبيل الاستغراق، ثم إن الثلاثة نص في ~~إفرادها لا تحتمل التنقيص، ولا كذلك قوله: " أشهر "؛ لأنه ليس ~~بنص في الثلاثة؛ لأن العلماء اختلفوا في أقل الجمع، ولا يقاس ما فيه ~~نص على ما لا نص فيه بل العكس. # وأجيب الجبائي بوجهين: # الأول: كما أن حمل الأقراء على الأطهار يوجب الزيادة؛ لأنه إذا طلقها ~~في أثناء الطهر، لم يحسب ما بقي من ذلك الطهر في العدة فتحصل ~~الزيادة. # واعتذروا عنه: بأن الزيادة لا بد من تحملها لأجل الضرورة، لأنه ~~لو جاز الطلاق في الحيض، لأمرناه بالطلاق في آخر الحيض حتى يعتد ~~بأطهار كاملة، وإذا اختص الطلاق بالطهر، صارت تلك الزيادة محتملة ~~للضرورة. # ونحن نقول: لما صارت الأقراء مفسرة بالأطهار، والله تعالى أمرنا ~~بالطلاق في الطهر صار تقدير الآية: يتربصن بأنفسهن ثلاثة أطهار؛ ~~طهر الطلاق وطهران آخران، ثم لزم من كون الطهر الأول طهر الطلاق، ~~أن يكون ذلك الطهر ناقصا، ليعتد بوقوع الطلاق فيه. # الوجه الثاني في الجواب: أنا بينا أن القرء اسم للاجتماع وكمال ~~الاجتماع إنما يحصل في آخر الطهر، فكان في الحقيقة الجزء الأخير من ~~الطهر قرءا تاما، وعلى هذا التقدير؛ لم يلزم دخول النقصان في ~~شيء من الأقراء. # ورابعها: أنه - تعالى - نقل إلى الشهور عند عدم الحيض؛ قال: # واللائي يئسن ms1295 من المحيض من نسآئكم إن ~~ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللاتي لم ~~يحضن # [الطلاق:4] فأقام الأشهر مقام الحيض دون الأطهار. # وأيضا: لما شرعت الأشهر بدلا عن الأقراء، والبدل يعتبر بتمامها؛ لأن ~~الأشهر لا بد من إتمامها، فوجب أيضا أن يكون الكمال معتبرا في ~~المبدل، فوجب أن تكون الأقراء كاملة وهي الحيض، وأما الأطهار فيجب فيها ~~قرءان وبعض قرء. # وخامسها: قوله - عليه الصلاة والسلام -: # " طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان " # وأجمعوا على أن عدة الأمة نصف عدة الحرة، فوجب أن تكون عدة ~~الحرة هي الحيض. # وسادسها: أجمعنا على وجوب الاستبراء في الجواري بالحيض، فكذا العدة؛ ~~لأن المقصود من الاستبراء والعدة شيء واحد؛ لأن أصل العدة إنما ~~شرع لاستبراء الرحم، وإنما تستبرأ الرحم بالحيض لا بالطهر؛ فوجب أن ~~يكون هو المعتبر. # وسابعها: إن القول بأن القرء هو الحيض احتياط، وتغليب لجانب الحرمة؛ ~~لأن المطلقة إذا مر عليها بقية الطهر، وطعنت في الحيضة الثالثة، ~~فإن جعلنا القرء هو الحيض، فحينئذ يحرم للغير التزويج بها، وإن جعلنا ~~القرء هو الطهر، فحينئذ يجوز تزويجها، وجانب التحريم أولى ~~بالرعاية؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام -: # " ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام الحلال " # ولأن الأصل في الأبضاع الحرمة، وهذا أقرب إلى الاحتياط، فكان أولى؛ ~~لقوله - عليه الصلاة والسلام -: # " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ". # قوله: { ولا يحل لهن } الجار متعلق ب " يحل " ~~واللام للتبليغ، كهي في " قلت لك ". # قوله: { ما خلق الله } في " ما " وجهان: # أظهرهما: أنها موصولة بمعنى " الذي ". # والثاني: أنها نكرة موصوفة، وعلى كلا التقديرين، فالعائد محذوف ~~لاستكمال الشروط، والتقدير: ما خلقه، و " ما " يجوز أن يراد بها الجنين، ~~وهو في حكم غير العاقل، فلذلك أوقعت عليه " ما " وأن يراد بها دم الحيض. # قوله: { في أرحامهن } فيه وجهان: # أحدهما: أن يتعلق ب " خلق ". # والثاني: أن يتعلق بمحذوف؛ على أنه حال من عائد " ما " المحذوف، ~~التقدير: ما خلقه الله كائنا في أرحامهن، قالوا: وهي حال مقدرة؛ ~~قال أبو البقاء: " لأن وقت خلقه ليس بشيء، حتى يتم ~~خلقه " ، وقرأ ms1296 مبشر بن عبيد: " في أرحامهن " و " ~~بردهن " بضم هاء الكناية، وقد تقدم أنه الأصل، وأنه لغة ~~الحجاز، وأن الكسر لأجل تجانس الياء والكسرة. # قوله: " إن كن " هذا شرط، وفي جوابه المذهبان المشهوران: إما ~~محذوف، وتقديره من لفظ ما تقدم؛ لتقوى الدلالة عليه، أي: إن كن ~~يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يحل أن يكتمن، وإما أنه متقدم؛ ~~كما هو مذهب الكوفيين وأبي زيد، وقيل: " إن " بمعنى " إذ " ، وهو ~~ضعيف. # فصل في بيان تصديق قول المرأة في انقضاء عدتها # اعلم أن انقضاء العدة لما كان مبنيا على انقضاء الأقراء في حق ذوات ~~الأقراء، وكان علم ذلك متعذر على الرجال، جعلت المرأة أمينة على ~~العدة، وجعل القول قولها إذا ادعت انقضاء أقرائها في مدة يمكن ذلك ~~فيها، وهو على مذهب الشافعي اثنان وثلاثون يوما وساعة؛ لأن أمرها ~~يحمل على أنها طلقت طاهرة، فحاضت بعد ساعة يوما وليلة، وهو أقل ~~الحيض، ثم طهرت خمسة عشر يوما، وهو أقل الطهر، ثم حاضت ~~يوما وليلة، ثم طهرت خمسة عشر يوما، ثم رأت الدم، فقد ~~انقضت عدتها؛ لحصول ثلاثة أطهار فمتى ادعت هذا أو أكثر منه، ~~قبل قولها، وكذلك إن كانت حاملا فادعت أنها أسقطت فالقول قولها؛ لأنها ~~أمينة عليه. # فصل في المراد بالكتمان # قال القرطبي: ومعنى النهي عن الكتمان: النهي عن الإضرار بالزوج ~~وإذهاب حقه، فإذا قالت المطلقة: حضت وهي لم تحض، ذهبت بحقه في ~~الارتجاع، وإذا قالت: لم أحض وهي قد حاضت، ألزمته من ~~النفقة ما لم يلزمه، فأضرت به، أو تقصد بكذبها في نفس الحيض ~~ألا ترجع حتى تنقضي العدة ويقطع الشرع حقه، وكذلك الحامل تكتم ~~الحمل؛ لتقطع حقه في الارتجاع. # قال قتادة: كانت عادتهن في الجاهلية أن يكتمن الحمل ليلحقن الولد ~~بالزوج الجديد؛ ففي ذلك نزلت الآية. # فصل # اختلف المفسرون في قوله: { ما خلق الله في أرحامهن }: # فقيل: هو الحبل والحيض معا، وذلك لأن المرأة لها أغراض ~~كثيرة في كتمانها؛ أما الحبل؛ فإنه يكون غرضها فيه أن انقضاء ~~عدتها بالقروء؛ لأنه يكون أقل ms1297 زمانا من انقضاء عدتها يوضع الحمل، ~~فإذا كتمت الحمل، قصرت مدة عدتها فتتزوج بسرعة وربما كرهت مراجعة ~~الزوج، وربما أحبت التزويج بزوج آخر، أو أحبت أن تلحق ولدها ~~بالزوج الثاني، فلهذه الأغراض تكتم الحمل، وأما كتمان الحيض، فقد ~~يكون غرضها إذا كانت من ذوات الأقراء أن تطول عدتها لكي يراجعها ~~الزوج، وقد تحب تقصير عدتها لتبطل رجعته ولا يتم لها ذلك إلا ~~بكتمان بعض الحيض في بعض الأوقات، فوجب حمل النهي على مجموع الأمرين. # وقال ابن عباس وقتادة: هو الحيض فقط؛ لقوله تعالى: # هو الذي يصوركم في الأرحام # [آل عمران:6]، ولأن الحيض خارج عن الرحم لا مخلوق فيه، وحمل قوله - ~~تعالى -: { ما خلق الله في أرحامهن } على الولد الذي هو ~~شريف، أولى من حمله على شيء قذر خسيس. # وأجيب بأن المقصود منعها عن إخفاء هذه الأحوال التي لا اطلاع لغيرها ~~عليها، وبسببها يختلف الحل والحرمة في النكاح، فوجب حمل اللفظ على ~~الكل، وقيل: هو الحيض؛ لأن هذا الكلام إنما ورد عقيب ذكر " ~~الأقراء " ، ولم يتقدم ذكر الحمل. # وأجيب: بأن هذا كلام مستأنف مستقل بنفسه، من غير أن ~~يرد إلى ما تقدم، فوجب حمله على كل ما يخلق في الرحم. # وقوله: { إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر } ليس ~~المراد: أن ذلك النهي مشروطا بكونها مؤمنة، بل هذا كقول المظلوم ~~للظالم: " إن كنت مؤمنا فينبغي أن يمنعك إيمانك عن ~~ظلمي " ، وهذا تهديد شديد في حق النساء؛ فهو كقوله في الشهادة: # ومن يكتمها فإنه آثم قلبه # [البقرة:283]، وقوله: # فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن ~~أمانته وليتق الله ربه # [البقرة:283]. # قوله تعالى: { وبعولتهن } الجمهور على رفع تاء " بعولتهن ~~" وسكنها مسلمة بن محارب، وذلك لتوالي الحركات، فخفف، ونظيره ~~قراءة: # ورسلنا لديهم يكتبون # [الزخرف:80] بسكون اللام حكاها أبو زيد، وحكى أبو عمرو: أن لغة تميم ~~تسكين المرفوع من " يعلمهم " ونحوه، وقيل: أجرى ذلك مجرى " ~~عضد، وعجز "؛ تشبيها للمنفصل بالمتصل، وقد تقدم ذلك. # و { أحق } خبر عن " بعولتهن " وهو بمعنى حقيقون؛ إذ لا معنى ~~للتفضيل هنا؛ ms1298 فإن غير الأزواج لا حق لهم فيهن البتة، ولا حق ~~أيضا للنساء في ذلك، حتى لو أبت هي الرجعة، لم يعتد بذلك. # وقال بعضهم: هي على بابها؛ لأنه تعالى قال: { ولا يحل لهن أن ~~يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } فكان تقدير الآية: ~~فإنهن إن كتمن لأجل أن يتزوج بهن زوج آخر، فإن الزوج الأول ~~أحق بردها؛ لأنه ثبت للزوج الثاني حق في الظاهر؛ لادعائها ~~انقضاء عدتها. # وأيضا: فإنها إذا كانت معتدة، فلها في انقضاء العدة حق انقطاع ~~النكاح، فلما كان لهن هذا الحق الذي يتضمن إبطال حق الزوج، ~~جاز أن يقول: { وبعولتهن أحق } حيث إن لهم أن يبطلوا بسبب ~~الرجعة ما هن عليه من العدة. # و " البعولة " فيها قولان: # أحدهما: إنه جمع " بعل " كالفحولة والذكورة والجدودة والعمومة، ~~والهاء زائدة مؤكدة لتأنيث الجماعة ولا ينقاس، بل إنما يجوز إدخالها ~~في جمع رواة أهل اللغة عن العرب، فلا يقال في كعب: كعوبة، ولا في ~~كلب: كلابة. # والبعل زوج المرأة؛ قالوا: وسمي بذلك على المستعلي، فلما علا من ~~الأرض فشرب بعروقه. ويقال: بعل الرجل يبعل؛ كمنع يمنع. ~~ويشترك فيه الزوجان؛ فيقال للمرأة: بعلة؛ كما يقال لها: زوجة في ~~كثير من اللغات، وزوج في أفصح الكلام، فهما بعلان كما ~~أنهما زوجان، وأصل البعل: السيد المالك فيما نقل، يقال: من بعل ~~هذه الناقة؟ كما يقال من ربها؟ وبعل: اسم صنم، كانوا يتخذونه ~~ربا؛ قال تعالى : # أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين # [الصافات:125]، وقد كان النساء يدعون أزواجهن بالسودد. # الثاني: أن البعولة مصدر، يقال: بعل الرجل يبعل بعولة ~~وبعالا، إذا صار بعلا، وباعل الرجل امرأته: إذا ~~جامعها؛ ومنه الحديث: أن النبي - عليه الصلاة والسلام - # " قال في أيام التشريق: إنها أيام أكل وشرب ~~وبعال " # ، وامرأة حسنة التبعل إذا كانت تحسن عشرة زوجها، ~~ومنه الحديث: # " إذا أحسنتن تبعل أزواجكن ". # قوله: { بردهن } متعلق ب " أحق ". وقوله " في ذلك " ~~فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق أيضا ب " أحق " ، ويكون المشار إليه بذلك على ~~هذا وقت العدة، أي تستحق رجعتها ما دامت ms1299 في العدة، وليس المعنى: أنه ~~أحق أن يردها في العدة، وإنما يردها في النكاح، أو إلى النكاح. # والثاني: أن يتعلق بالرد، ويكون المشار إليه بذلك على هذا النكاح، ~~قاله أبو البقاء. # والضمير في " بعولتهن " عائد على بعض المطلقات، وهن ~~الرجعيات خاصة، وقال أبو حيان: " والاولى عندي: أن يكون على ~~حذف مضاف دل عليه الحكم، أي: وبعولة رجعياتهن ". # ومعنى الرد هنا: الرجوع؛ قال - تعالى -: # ولئن رددت إلى ربي # [الكهف:36]، وقال في موضع آخر: # ولئن رجعت # [فصلت:50]. # فإن قيل: ما معنى الرد في الرجعية وهي زوجة، ما دامت في ~~العدة؟ # فالجواب: أن الرد والرجعة يتضمن إبطال التربص والتحري في ~~العدة، فإنها ما دامت في العدة، كأنها جارية إلى إبطال حق ~~الزوج، وبالرجعة بطل ذلك فسميت الرجعة ردا، لا سيما ومذهب ~~الشافعي أنه يحرم الاستمتاع بها إلا بعد الرجعة، فالرد على ~~مذهبه فيه معنيان: # أحدهما: ردها من التربص إلى خلافه. # والثاني: ردها من الحرمة إلى الحل. # قوله: { إن أرادوا إصلاحا } فالمعنى: أن الأزواج أحق ~~بالمراجعة، إن أرادوا الإصلاح ولم يريدا المضارة؛ ونظيره قوله - تعالى ~~-: # وإذا طلقتم النسآء فبلغن أجلهن ~~فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا ~~تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ~~ظلم نفسه # [البقرة:231]. # والسبب في ذلك: أن الرجل كان في الجاهلية يطلق امرأته، فإذا ~~قرب انقضاء عدتها، راجعها ثم تركها مدة ثم طلقها، فإذا قرب ~~انقضاء عدتها، راجعها ثم طلقها ثم بعد مدة طلقها يقصد بذلك ~~تطويل عدتها، فنهوا عن ذلك، وجعل إرادة الإصلاح شرطا في المراجعة. # فإن قيل: الشرط يقتضي انتفاء الحكم عند انتفائه، فيلزم إذا لم توجد ~~إرادة الإصلاح ألا تصح الرجعة؟ # فالجواب: أن الإرادة صفة باطنة لا اطلاع لنا عليها، والشرع لم ~~يوقف صحة المراجعة عليها؛ بل جوازها فيما بينه وبين الله - تعالى - ~~موقوف على هذه الإرادة، فإن راجعها لقصد المضارة، استحق الإثم. # فصل # نقل القرطبي عن مالك، قال: إذا وطئ المعتدة الرجعية في عدتها، ~~وهو يريد الرجعة وجهل أن يشهد، فهي رجعة، وينبغي للمرأة أن تمنعه ~~الوطء ms1300 حتى يشهد؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام -: # " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما ~~نوى " # فإن وطئ في العدة، لا ينوي به الرجعة؛ فقال مالك: يراجع في ~~العدة، ولا يطأ حتى يستبرئها من مائه الفاسد. # قال سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وابن سيرين، والزهري، وعطاء، ~~والثوري: إذا جامعها فقد راجعها. # فصل # من قبل أو باشر ولم ينو بذلك الرجعة، كان آثما وليس بمراجع. وقال ~~أبو حنيفة وأصحابه: إن وطئها، أو لمسها بشهوة أو نظر إلى فرجها بشهوة، ~~فهي رجعة، وينبغي أن يشهد وهو قول الثوري. # فصل # قال أحمد: ولها التزين لزوجها، والتشرف، وله الخلوة والسفر ~~بها. # وقال مالك: لا يخلو معها ولا يدخل عليها إلا بالإذن، ولا ينظر إليها ~~إلا وعليها ثيابها، ولا ينظر إلى شعرها. # وقال ابن القاسم: رجع مالك عن ذلك. # قوله: { ولهن مثل الذي عليهن } خبر مقدم، فهو ~~متعلق بمحذوف، وعلى مذهب الأخفش من باب الفعل والفاعل، وهذا من بديع ~~الكلام، وذلك أنه قد حذف من أوله شيء ثم أثبت في آخره نظيره، وحذف من ~~آخره شيء أثبت نظيره في الأول، وأصل التركيب: " ولهن على ~~أزواجهن مثل الذي لأزواجهن عليهن " ، فحذف " على ~~أزواجهن " لإثبات نظيره، وهو " عليهن " ، وحذفت " ~~لأزواجهن " لإثبات نظيره، وهو " لهن ". # قوله: { بالمعروف } فيه وجهان: # أحدهما: أن يتعلق بما تعلق به " لهن " من الاستقرار، أي: ~~استقر لهن بالمعروف. # والثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة ل " مثل "؛ لأن " مثل ~~" لا يتعرف بالإضافة؛ فعلى الأول: هو في محل نصب؛ وعلى الثاني: ~~هو في محل رفع. # قوله: { وللرجال عليهن درجة } فيه وجهان: # أظهرهما: أن " للرجال " خبر مقدم، و " درجة " مبتدأ ~~مؤخر، و " عليهن " فيه وجهان على هذا التقدير: إما التعلق بما ~~تعلق به " للرجال " ، وإما التعلق بمحذوف على أنه حال من " ~~درجة " مقدما عليها؛ لأنه كان صفة في الأصل، فلما قدم انتصب ~~حالا. # والثاني: أن يكون " عليهن " هو الخبر، و " للرجال " حال من " ~~درجة "؛ لأنه يجوز أن يكون صفة لها في الأصل، ولكن هذا ضعيف؛ من ~~حيث إنه ms1301 يلزم تقديم الحال على عاملها المعنوي؛ لأ، " عليهن " ~~حينئذ هو العالم فيها؛ لوقوعه خبرا. على أن بعضهم قال: متى كانت ~~الحال نفسها ظرفا أو جارا ومجرورا، قوي تقديمها على عاملها ~~المعنوي، وهذا من ذاك، هذا معنى قول أبي البقاء. ورده أبو حيان بأن ~~هذه الحال قد تقدمت على جزأي الجملة، فهي نظير: " قائما في الدار ~~زيد " ، قال: وهذا ممنوع، لا ضعيف؛ كما زعم بعضهم، وجعل محل ~~الخلاف فيما إذا لم تتقدم الحال - العامل فيها المعنى - على جزأي ~~الجملة، بل تتوسط؛ نحو: " زيد قائما في الدار " ، قال: " فأبو ~~الحسن يجيزها، وغيره يمنعها ". # و " الرجل " مأخوذ من الرجلة، أي: القوة، وهو أرجل الرجلين، ~~أي: أقواهما وفرس رجيل: قوي على المشي، والرجل معروف لقوته ~~على المشي، وارتجل الكلام، أي: قوي عليه من غير حاجة فيه إلى فكرة ~~وروية، وترجل النهار: قوي ضياؤه. # و " الدرجة " هي المنزلة، وأصلها: من درجت الشيء أدرجه ~~درجا، وأدرجته إدراجا إذا طويته، ودرج القوم قرنا بعد ~~قرن، أي: فنوا، ومعناه: أنهم طووا عمرهم شيئا فشيئا، والمدرجة: ~~قارعة الطريق؛ لأنها تطوي منزلا بعد منزل، والدرجة: المنزلة ~~من منازل الجنة، ومنه الدرجة التي يرتقي فيها، والدرج: ما يرتقي ~~عليها، والدرك ما يهوى فيها. # فصل # لما بين أن المقصود من المراجعة إصلاح حالها، لا إيصال الضرر إليها، ~~بين أن لكل واحد من الزوجين حقا على الآخر. # روي عن ابن عباس، قال: إني لأتزين لامرأتي كما تتزين ~~لي؛ لقوله تعالى: { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ~~}. # وقال بعضهم: يجب أن يقوم بحقها ومصالحها، ويجب عليها الانقياد ~~والطاعة له. # وقيل: لهن على الزوج إرادة الإصلاح عند المراجعة، وعليهن ترك ~~الكتمان فيما خلق الله في أرحامهن، وهذا أوفق لصدر الآية. # وأما درجة الرجل على المرأة فيحتمل وجهين: # الأول: أن الرجل أزيد في الفضيلة من النساء لأمور: في كمال العقل، ~~وفي الدية، وفي الميراث، وفي القيمة، وفي صلاحية الإمامة، والقضاء، ~~والشهادة، وللزوج أن يتزوج عليها ويتسرى، وليس لها ذلك مع ~~الزوج، والزوج قادر على طلاقها وعلى رجعتها ms1302 شاءت أو أبت، وليس لها ذلك. # الوجه الثاني: أن الزوج اختص بأنواع من الحقوق وهي التزام المهر ~~والنفقة والذب عنها، والقيام بمصالحها، ومنعها من مواقع الآفات، ~~فكان قيام المرأة بخدمة الرجل آكد وجوبا لهذه الحقوق الزائدة؛ كما ~~قال - تعالى -: # الرجال قوامون على النسآء بما فضل الله ~~بعضهم على بعض وبمآ أنفقوا من أموالهم # [النساء:34]، قال - عليه الصلاة والسلام -: # " لو أمرت أحدا بالسجود لغير الله، لأمرت ~~المرأة بالسجود لزوجها " # وإذا كان كذلك، فالمرأة كالأسير العاجز في يد الرجل، ولهذا قال - ~~عليه الصلاة والسلام -: # " استوصوا بالنساء خيرا فإنهن عندكم عوان " # ، وفي خبر آخر: # " اتقوا الله في الضعيفين: اليتيم والمرأة ". # ثم قال: { والله عزيز حكيم } أي: غالب لا يمنع، مصيب في ~~أحكامه. ### || [2.229] # قوله: { الطلاق مرتان }: مبتدأ وخبر، و " الطلاق " يجوز ~~أن يكون مصدر " طلقت المرأة طلاقا " ، وأن يكون اسم مصدر، وهو ~~التطليق؛ كالسلام بمعنى التسليم، ولا بد من حذف مضاف قبل المبتدأ؛ ~~ليكون المبتدأ عين الخبر، والتقدير: عدد الطلاق المشروع فيه الرجعة ~~مرتان. # والتثنية في " مرتان " حقيقة يراد بها شفع الواحد، وقال ~~الزمخشري: " إنها من باب التثنية التي يراد بها التكرير " وجعلها ~~مثل: لبيك وسعديك وهذاذيك. ورد عليه أبو حيان ~~بأن ذلك مناقض في الظاهر لما قاله أولا، وبأنه مخالف للحكم في نفس ~~الأمر، أما المناقضة، فإنه قال: الطلاق مرتان، أي: الطلاق ~~الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الإرسال دفعة واحدة، ~~فقوله هذا ظاهر في التثنية الحقيقية، وأما المخالفة، فلأنه لا يراد ~~أن الطلاق المشروع بقع ثلاث مرات فأكثر، بل مرتين فقط؛ ويدل عليه ~~قوله بعد ذلك: { فإمساك } ، أي: بالرجعة من الطلقة ~~الثانية، " أو تسريح " أي: بالطلقة الثالثة؛ ولذلك جاء بعده " ~~فإن طلقها ". انتهى ما رد به عليه، قال شهاب الدين: ~~والزمخشري إنما قال ذلك لأجل معنى ذكره، فينظر كلامه في " الكشاف ~~"؛ فإنه صحيح. # والألف واللام في " الطلاق " قيل: هي للعهد المدلول عليه بقوله: # وبعولتهن أحق بردهن # [البقرة:228] وقيل: هي للاستغراق، وهذا على قولنا: إن هذه الجملة ~~متقطعة مما قبلها، ولا ms1303 تعلق لها بها. # قوله: " فإمساك " في الفاء وجهان: # أحدهما: أنها للتعقيب، أي: بعد أن عرف حكم الطلاق الشرعي؛ أنه ~~مرتان، فيترتب عليه أحد هذين الشيئين. # والثاني: أن تكون جواب شرط مقدر، تقديره: فإن أوقع الطلقتين، ~~ورد الزوجة فإمساك. # وارتفاع " إمساك " على أحد ثلاثة أوجه: إما مبتدأ وخبره محذوف ~~متقدما، تقديره عند بعضهم: فعليكم إمساك، وقدره ابن ~~عطية متأخرا، تقديره: فإمساك أمثل أو أحسن. # والثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: فالواجب إمساك. # والثالث: أن يكون فاعل فعل محذوف، أي: فليكن إمساك بمعروف # قوله: " بمعروف " و " بإحسان " في هذه الباء قولان: # أحدهما: أنها متعلقة بنفس المصدر الذي يليه، ويكون معناها الإلصاق. # والثاني: أن تتعلق بمحذوف على أنها صفة لما قبلها، فتكون في محل ~~رفع، أي: فإسماك كائن بمعروف، أو تسريح كائن بإحسان. # قالوا: ويجوز في العربية نصب " فإمساك " ، و " تسريح " على ~~المصدر، أي: فأمسكوهن إمساكا بمعروف، أو سرحوهن تسريحا بإحسان، ~~إلا أنه لم يقرأ به أحد. # والتسريح: الإرسال والإطلاق، ومنه قيل للماشية: سرح، وناقة ~~سرح، أي: سهلة السير؛ لاسترسالها فيه. # وتسريح الشعر: تخليص بعضه من بعض، والإمساك خلاف الإطلاق، والمساك ~~والمسكة اسمان منه؛ يقال: إنه لذو مسكة ومساكة إذا كان بخيلا. # قال الفراء: يقال: إنه ليس بمساك غلمانه، وفيه مساكة من جبر، أي: ~~قوة. # قال القرطبي: وصريح الطلاق ثلاثة ألفاظ ورد القرآن بها: وهي الطلاق ~~والسراح والفراق، وهو قول الشافعي. # فصل # روى عروة بن الزبير، قال: كان الناس في الابتداء يطلقون من غير ~~حصر ولا عدد، وكان الرجل يطلق امرأته، فإذا قاربت انقضاء عدتها، ~~راجعها ثم طلقها كذلك، ثم راجعها يقصد مضارتها، فنزلت هذه الآية: { ~~الطلاق مرتان }. # وروي: أن الرجل كان في الجاهلية يطلق امرأته، ثم يراجعها ~~قبل أن تنقضي عدتها، ولو طلقها ألف مرة، كانت القدرة على ~~المراجعة ثابتة، فجاءت امرأة إلى عائشة - رضي الله عنها -، فشكت أن ~~زوجهها يطلقها ويراجعها، يضارها بذلك، فذكرت عائشة ذلك لرسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فنزل قوله تعالى: { الطلاق مرتان } ~~يعني: الطلاق الذي ms1304 يملك الرجعة عقيبه مرتان، فإذا طلق ثلاثا، ~~فلا تحل له إلا بعد نكاح زوج آخر. # فصل # اختلف المفسرون في هذه الآية: # فقال بعضهم: هذا حكم مبتدأ، ومعناه: أن التطليق الشرعي يجب أن ~~يكون تطليقة بعد أخرى، على التفريق دون الجمع والإرسال دفعة واحدة، ~~وهذا قول من قال: الجمع بين الثلاث حرام. # قال أبو زيد الدبوسي: هذا قول عمر وعثمان وعبد الله بن عباس، وعبد ~~الله بن عمر، وعمران بن حصين، وأبي موسى الأشعري وأبي الدرداء، ~~وحذيفة. # وقال آخرون: ليس بابتداء كلام، وإنما هو متعلق بما قبله والمعنى: أن ~~الطلاق الرجعي مرتان، ولا رجعة بعد الثلاث، وهو قول من جوز ~~الجمع بين الثلاث، وهو مذهب الشافعي. # حجة القول الأول: أن الألف واللام في " الطلاق " إذا لم ~~يكونا للمعهود، أفادا الاستغراق، فصار تقدير الآية: كل الطلاق ~~مرتان ومرة ثالثة، ولو قال هكذا، لأفاد أن الطلاق المشروع ~~متفرق؛ لأن المرات لا تكون إلا بعد تفريق الاجتماع. # فإن قيل: هذه الآية وردت لبيان الطلاق المسنون. # فالجواب: ليس في الآية بيان صفة السنة، بل مفسرة لأصل الطلاق، ~~وهذا الكلام - وإن كان لفظه الخبر - إلا أن معناه الأمر، أي: ~~طلقوا مرتين، يعني: دفعتين، وإنما عدل عن لفظ الخبر؛ لما ~~تقدم من أن التعبير عن الأمر بلفظ الخبر يفيد تأكيد معنى الأمر، ~~فثبت أن هذه الآية دالة على الأمر بتفريق الطلقات، وعلى التشديد ~~في ذلك الأمر والمبالغة فيه. واختلف القائلون بهذا على قولين: # الأول وهو اختيار كثير من علماء أهل البيت : أنه لو طلقها ~~اثنتين أو ثلاثا، لا يقع إلا واحدة. # قال ابن الخطيب: وهذا القول هو الأقيس، لأن النهي يدل على ~~اشتمال المنهي عنه على مفسدة راجحة، والقول بالوقوع سعي في إدخال تلك ~~المفسدة في الوجود، وهو غير جائز، فوجب أن يكون الحكم بعدم الوقوع. # والثاني: قول أبي حنيفة رضي الله عنه : إن الجمع - وإن كان محرما ~~- إلا أنه يقع، وهذا منه بناء على أن النهي لا يدل على ~~الفساد. # حجة القول الثاني: هو أن الآية ms1305 متعلقة بما قبلها؛ لأنه - ~~تعالى - بين في الآية الأولى أن حق المراجعة ثابت للزوج، ولم ~~يبين أن ذلك الحق ثابت دائما، أو إلى غاية معينة، فكان ~~كالمجمل المفتقر إلى المبين، أو العام المفتقر إلى المخصص، ~~فبين في هذه الآية أن ذلك الطلاق الذي ثبت فيه للزوج حق ~~الرجعة، هو أن يوجد طلقتان، فأما بعد الطلقتين، فلا يثبت ~~ألبتة حق الرجعة فالألف واللام في " الطلاق " المعهود ~~السابق، فهذا تفسير مطابق لنظم الآية، فيكون أولى لوجوه: # الأول: أن قوله: # وبعولتهن أحق بردهن # [البقرة:228] إن كان عاما في كل الأحوال؛ فهو مفتقر إلى ~~المخصص، وإن لم يكن عاما فهو مجمل؛ لأنه ليس فيه بيان الشرط ~~الذي عنده يثبت حق الرجعة، فافتقر إلى البيان، فإذا جعلنا الآية ~~متعلقة بما قبلها، كان المخصص حاصلا مع العام المخصوص، أو كان ~~البيان حاصلا مع المجمل، وذلك أولى من ألا يكون كذلك؛ لأن ~~تأخير البيان عن وقت الخطاب - وإذا كان جائزا -، إلا أن الأرجح ~~ألا يتأخر. # الثاني: أنا إذا جعلنا هذا الكلام مبتدأ، كان قوله: { الطلاق ~~مرتان } يقتضي ذكر الطلقة الثانية، وهي قوله: { أو تسريح ~~بإحسان } فصار تقدير الآية: الطلاق مرتان ومرة؛ لأنا نقول: ~~إن قوله: { أو تسريح بإحسان } متعلق بقوله: { فإمساك ~~بمعروف } لا بقوله: { الطلاق مرتان } ، ولأن لفظ التسريح ~~بالإحسان لا إشعار فيه بالطلاق، ولأنا لو جعلنا التسريح هو ~~الطلقة الثالثة، لكان قوله: " فإن طلقها " طلقة رابعة، وهو ~~غير جائز. # الثالث: ما روينا في سبب النزول: من شكوى المرأة إلى عائشة كثرة ~~تطليقها ومراجعتها قصدا للمضارة، وقد أجمعوا على أن سبب ~~النزول لا يجوز أن يكون خارجا عن عموم الآية، فكان تنزيل الآية ~~على هذا المعنى، أولى من تنزيلها على حكم أجنبي عنها. # فصل # اعلم أن معنى الآية: أن الطلاق التي يثبت فيه الرجعة هو أن ~~يوجد مرتان، ثم الواجب بعد ذلك: إما إمساك بمعروف، وهو أن يراجعها ~~لا على قصد المضارة، بل على قصد الإصلاح، وإما تسريح بإحسان، وفيه ~~وجهان: # أحدهما: أن يوقع عليها الطلقة الثالثة، ms1306 # " روي أنه لما نزل قوله تعالى: { الطلاق مرتان } ، قيل ~~له - عليه الصلاة والسلام -: فأين الثالثة؟ قال عليه الصلاة ~~والسلام -: " هو قوله تسريح بإحسان ". # الثاني: أن التسريح بالإحسان: أن يترك مراجعتها حتى تبين ~~بانقضاء العدة، وهو مروي عن الضحاك والسدي. # قال ابن الخطيب: وهو أقرب لوجوه: # أحدها: أن " الفاء " في قوله: " فإن طلقها " تقتضي وقوع هذه ~~الطلقة متأخرة عن ذلك التسريح، فلو كان المراد بالتسريح هو ~~الطلقة الثالثة، لكان قوله: فإن طلقها طلقة رابعة؛ وهو لا ~~يجوز. # وثانيها: أنا إذا حملنا التسريح على ترك المراجعة، كانت ~~الآية متناولة لجميع الأحوال؛ لأنه بعد الطلقة الثانية ~~إما أن يراجعها وهو المراد بقوله: { فإمساك بمعروف } أو لا ~~يراجعها، بل يتركها حتى تنقضي عدتها وتبين، وهو المراد بقوله: { ~~أو تسريح بإحسان } أو يطلقها وهو المراد بقوله " فإن ~~طلقها " ، فكانت الآية مشتملة على بيان كل الأقسام، ~~وإذا جعلنا التسريح بالإحسان طلاقا آخر لزم ترك أحد الأقسام ~~الثلاثة، ولزم التكرير في ذكر الطلاق، وهو غير جائز. # وثالثها: أن ظاهر التسريح هو الإرسال والإهمال، فحمله على ترك ~~المراجعة أولى من حمله على التطليق. # ورابعها: أنه قال بعد ذلك التسريح: { ولا يحل لكم أن ~~تأخذوا ممآ ءاتيتموهن شيئا } والمراد به الخلع، ~~ومعلوم أنه لا يصح الخلع بعد التطليقة الثالثة، فهذه الوجوه ~~ظاهرة، لو لم يثبت الخبر الذي رويناه، فإن صح ذلك الخبر، فلا مزيد ~~عليه. # فصل في الحكمة في الرجعة # والحكمة في إثبات حق الرجعة: أن الإنسان إذا كان مع صاحبه، لا ~~يدري هل تشق عليه مفارقته أم لا؟ فإذا فارقه بعد ذلك يظهر، فلو ~~جعل الله الطلقة الواحدة مانعة من الرجوع، لعظمت المشقة على ~~الإنسان بتقدير أن تظهر المحبة بعد المفارقة مرتين، وعند ذلك ~~تحصل التجربة، فإن كان الأصلح الإمساك، راجعها وأمسكها ~~بالمعروف، وإن كان الأصلح التسريح، سرحها بإحسان. # فصل # واختلف العلماء إذا كان أحد الزوجين رقيقا: # فذهب أكثرهم إلى أنه يعتبر عدد الطلاق بالزوج؛ فالحر يملك ~~على زوجته الأمة ثلاث تطليقات، والعبد لا يملك على زوجته الحرة ms1307 ~~إلا طلقتين. # قال عبدالله بن مسعود: الطلاق بالرجال والعدة بالنساء، يعني: ~~يعتبر في الطلاق حال الرجال، وفي قدر العدة حال المرأة، وهو ~~قول عثمان، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وبه قال عطاء وسعيد بن ~~المسيب، وإليه ذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. # وذهب قوم إلى أن الاعتبار بالمرأة في عدد الطلاق، فيملك العبد ~~على زوجته الحرة ثلاث طلقات، ولا يملك الحر على زوجته الأمة ~~إلا طلقتين، وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي. # فصل # إذا طلقها ثلاثا بكلمة واحدة، لزمه الطلاق بالإجماع. # وقال علي بن أبي طالب، وابن مسعود: يلزمه طلقة واحدة. # وقال ابن عباس: وقوله: ثلاثا لا معنى له؛ لأنه لم يطلق ثلاث ~~مرات وإنما يجوز قوله: في ثلاث إذا كان مخبرا عما مضى، فيقول: ~~طلقت ثلاثا، فيكون مخبرا عن ثلاثة أفعال كانت منه في ثلاثة ~~أوقات؛ فهو كقول الرجل: قرأت سورة كذا ثلاث؛ فإن كان قرأها ثلاث ~~مرات، كان صادقا، وإن كان قرأها مرة واحدة، كان كاذبا، وكذا ~~لو قال: أحلف بالله ثلاثا يردد الحلف كانت ثلاثة أيمان، ولو ~~قال: أحلف بالله ثلاثا، لم يكن حلف إلا يمينا واحدة والطلاق ~~مثله. # وقاله الزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، قاله القرطبي. # قوله: " أن تأخذوا ": " أن " وما في حيزها في محل رفع على ~~أنه فاعل " يحل " ، أي: ولا يحل لكم أخذ شيء مما ~~آتيتموهن. و " مما " فيه وجهان: أحدهما: أن يتعلق بنفس " ~~تأخذوا " ، و " من " على هذا لابتداء الغاية. والثاني: أن ~~يتعلق بمحذوف على أنه حال من " شيئا " قدمت عليه؛ لأنها لو ~~تأخرت عنه لكانت وصفا، و " من " على هذا للتبعيض، و " ما " ~~موصولة، والعائد محذوف، تقديره: من الذي آتيتموهن إياه، وقد ~~تقدم الإشكال والجواب في حذف العائد المنصوب المنفصل عند قوله ~~تعالى: # ومما رزقناهم ينفقون # [البقرة:3] وهذا مثله، فليلتفت إليه. # و " آتى " يتعدى لاثنين، أولهما " هن " والثاني هو العائد ~~المحذوف، و " شيئا " مفعول به ناصبه " تأخذوا ". ويجوز أن ~~يكون مصدرا، أي: شيئا من الأخذ. والوجهان منقولان في قوله: # لا تظلم ms1308 نفس شيئا # [يس:54]. # قوله: { إلا أن يخافآ } هذا استثناء مفرغ، وفي " أن ~~يخافا " وجهان: # أحدهما: أنه في محل نصب على أنه مفعول من أجله، فيكون مستثنى من ~~ذلك العام المحذوف، والتقدير: ولا يحل لكم أن تأخذوا ~~بسبب من الأسباب، إلا بسبب خوف عدم إقامة حدود الله، وحذف ~~حرف العلة؛ لاستكمال شروط النصب، لا سيما مع " أن " ولا يجيء هنا ~~خلاف الخليل وسيبويه: أهي في موضع نصب، أو جر بعد حذف اللام، ~~بل هي في محل نصب فقط، لأن هذا المصدر لو صرح به، لنصب، ~~وهذا قد نص عليه النحويون، أعني كون " أن " وما بعدها في محل ~~نصب، بلا خلاف، إذا وقعت موقع المفعول له. # والثاني: أنه في محل نصب على الحال، فيكون مستثنى من العام أيضا، ~~تقديره: ولا يحل لكم في كل حال من الأحوال إلا في حال خوف ~~ألا يقيما حدود الله، قال أبو البقاء: والتقدير: إلا خائفين، ~~وفيه حذف مضاف، تقديره: ولا يحل لكم أن تأخذوا على كل ~~حال، أو في كل حال إلا في حال الخوف، والوجه الأول أحسن، وذلك ~~أن " أن " وما في حيزها مؤولة بمصدر، وذلك المصدر واقع ~~موقع اسم الفاعل المنصوب على الحال، والمصدر لا يطرد وقوعه ~~حالا، فكيف بما هو في تأويله!! وأيضا فقد نص سيبويه على أن " ~~أن " المصدرية لا تقع موقع الحال. # والألف في قوله " يخافا " و " يقيما " عائدة على صنفي الزوجين، ~~وهذا الكلام فيه التفات، إذ لو جرى على نسق الكلام، لقيل: " ~~إلا أن تخافوا ألا تقيموا " بتاء الخطاب ~~للجماعة، وقد قرأها كذلك عبد الله، وروي عنه أيضا بياء ~~الغيبة، وهو التفات أيضا. # والقراءة في " يخافا " بفتح الياء واضحة، وقرأها حمزة وأبو جعفر ~~ويعقوب بضمها على البناء للمفعول، وقد استشكلها جماعة، وطعن فيها ~~آخرون لعدم معرفتهم بلسان العرب، وقد ذكروا فيها توجيهات كثيرة، ~~أحسنها أن يكون " أن يقيما " بدلا من الضمير في " يخافا "؛ ~~لأنه يحل محله، تقديره: إلا أن يخاف عدم إقامتهما ~~حدود الله، وهذا من بدل الاشتمال؛ كقولك: " الزيدان ms1309 ~~أعجباني علمهما " ، وكان الأصل: " إلا أن يخاف الولاة ~~الزوجين ألا يقيما حدود الله " ، فحذف الفاعل الذي هو " ~~الولاة "؛ للدلالة عليه، وقام ضمير الزوجين مقام الفاعل، وبقيت " ~~أن " وما بعدها في محل رفع بدلا؛ كما تقدم تقديره. # وقد خرجه ابن عطية على أن " خاف " يتعدى إلى مفعولين ك " ~~استغفر " ، يعني: إلى أحدهما بنفسه، وإلى الآخر بحرف الجر، ~~وجعل الألف هي المفعول الأول قامت مقام الفاعل، و " أن " ~~وما في حيزها هي الثاني، وجعل " أن " في محل جر عند سيبويه ~~والكسائي، وقد رد عليه أبو حيان هذا التخريج؛ بأن " خاف " لا ~~يتعدى لاثنين، ولم يعده النحويون حين عدوا ما يتعدى ~~لاثنين؛ ولأن المنصوب الثاني بعده في قولك: " خفت زيدا ضربه ~~" ، إنما هو بدل لا مفعول به، فليس هو كالثاني في " استغفرت ~~الله ذنبا " ، وبأن نسبة كون " أن " في محل جر عند سيبويه ليس ~~بصحيح، بل مذهبه أنها في محل نصب، وتبعه الفراء، ومذهب الخليل: ~~أنها في محل جر، وتبعه الكسائي، وهذا قد تقدم غير مرة. # وقال غيره كقوله؛ إلا أنه قدر حرف الجر " على " ، والتقدير: ~~إلا أن يخاف الولاة الزوجين على ألا يقيما، ~~فبني للمفعول، فقام ضمير الزوجين مقام الفاعل، وحذف حرف الجر ~~من " أن " فجاء فيه الخلاف المتقدم بين سيبويه والخليل. # وهذا الذي قاله ابن عطية سبقه إليه أبو علي، إلا أنه لم ~~ينظره ب " استغفر ". # وقد استشكل هذه القراءة قوم وطعن عليها آخرون، لا علم لهم ~~بذلك، فقال النحاس: لا أعلم في اختيار حمزة أبعد من هذا ~~الحرف؛ لأنه لا يوجبه الإعراب، ولا اللفظ، ولا المعنى. # أما الإعراب: فلأن ابن مسعود قرأ " إلا أن تخافوا ألا ~~يقيموا " ، فهذا إذا رد في العربية لما لم يسم فاعله، كان ~~ينبغي أن يقال: " إلا أن يخاف ". # وأما اللفظ: فإن كان على لفظ " يخافا " ، وجب أن يقال: ~~فإن خيف، وإن كان على لفظ " خفتم " ، وجب أن يقال: إلا أن ~~تخافوا. # وأما المعنى: فأستبعد أن يقال: " ولا يحل لكم أن ~~تأخذوا مما ءاتيتموهن شيئا إلا ms1310 أن يخاف ~~غيركم " ، ولم يقل تعالى: " ولا جناح عليكم أن ~~تأخذوا له منها فدية " ، فيكون الخلع إلى السلطان، ~~والفرض أن الخلع لا يحتاج إلى السلطان. # وقد رد الناس على النحاس: # أما ما ذكره من حيث الإعراب: فلا يلزم حمزة ما قرأ به عبد ~~الله. # وأما من حيث اللفظ، فإنه من باب الالتفات؛ كما قدمته أولا، ~~ويلزم النحاس أنه كان ينبغي على قراءة غير حمزة أن يقرأ: " ~~فإن خافا " ، وإنما هو في القراءتين من الالتفات المستحسن ~~في العربية. # وأما من حيث المعنى: فلأن الولاة والحكام هم الأصل في رفع ~~التظالم بين الناس وهم الآمرون بالأخذ والإيتاء. # ووجه الفراء قراءة حمزة، بأنه اعتبر قراءة عبد الله " إلا ~~أن تخافوا ". وخطأه الفارسي وقال: " لم يصب؛ لأن ~~الخوف في قراءة عبد الله واقع على " أن " ، وفي قراءة حمزة واقع ~~على الرجل والمرأة ". وهذا الذي خطأ به الفراء ليس بشيء؛ ~~لأن معنى قراءة عبد الله: إلا أن تخافوهما، أي: الأولياء، ~~الزوجين ألا يقيما، فالخوف واقع على " أن " وكذلك هي في قراءة ~~حمزة الخوف واقع عليها أيضا بأحد الطريقين المتقدمين: إما على ~~كونها بدلا من ضمير الزوجين؛ كما تقدم تقريره، وإما على حذف حرف ~~الجر، وهو " على ". والخوف هنا فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه على بابه من الحذر والخشية، فتكون " أن " في ~~قراءة " غير حمزة في محل جر، أو نصب؛ على حسب الخلاف فيها ~~بعد حذف حرف الجر؛ إذ الأصل: من ألا يقيما، أو في محل ~~نصب فقط؛ على تعدية الفعل إليها بنفسه؛ كأنه قيل: إلا أن ~~يحذر عدم إقامة حذود الله. # والثاني: أنه بمعنى العلم، وهو قول أبي عبيدة. وأنشد [الطويل] # 1109- فقلت لهم خافوا بألفي مدجج # سراتهم في الفارسي المسرد # ومنه أيضا: [الطويل] # 1110- ولا تدفنني في الفلاة فإنني # أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها # ولذلك رفع الفعل بعد " أن " ، وهذا لا يصح في الآية، لظهور ~~النصب، وأما البيت، فالمشهور في روايته " فقلت لهم ظنوا ~~بألفي ". # والثالث: الظن، قاله الفراء؛ ويؤيده قراءة أبي: " إلا ~~أن ms1311 يظنا "؛ وأنشد: [الطويل] # 1111- أتاني كلام من نصيب يقوله # وما خفت يا سلام أنك عائبي # وعلى هذين الوجهين، فتكون " أن " وما في حيزها سادة مسد ~~المفعولين عند سيبويه ومسد الأول والثاني محذوف عند الأخفش؛ كما ~~تقدم مرارا والأول هو الصحيح وذلك أن " خاف " من أفعال ~~التوقع، وقد يميل فيه الظن إلى أحد الجائزين، ولذلك قال الراغب: " ~~الخوف يقال لما فيه رجاء ما؛ ولذلك لا يقال: خفت ألا ~~أقدر على طلوع السماء، أو نسف الجبال ". # وأصل " يقيما ": يقوما، فنقلت كسرة الواو إلى الساكن ~~قبلها، ثم قلبت الواو ياء؛ لسكونها؛ بعد كسرة، وقد تقدم ~~تقريره في قوله: # الصراط المستقيم # [الفاتحة:5]. # وزعم بعضهم أن قوله: { ولا يحل لكم } معترض بين قوله: { ~~الطلاق مرتان } ، وبين قوله: # فإن طلقها فلا تحل له من بعد # [البقرة:230]، وفيه بعد. # قوله: { فلا جناح عليهما } " لا " واسمها وخبرها، وقوله: { ~~فيما افتدت به } متعلق بالاستقرار الذي تضمنه الخبر، ~~وهو " عليهما " ، ولا جائز أن يكون " عليهما " متعلقا ب ~~" جناح " و " فيما افتدت " الخبر؛ لأنه حينئذ يكون مطولا، ~~والمطول معرب، وهذا - كما رأيت - مبني. # والضمير في " عليهما " عائد على الزوجين، أي: لا جناح على ~~الزوج فيما أخذ، ولا على المرأة فيما أعطت، وقال الفراء: ~~إنما يعود على الزوج فقط، وإنما أعاده مثنى، والمراد واحد؛ ~~كقوله تعالى: # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # [الرحمن:22] # نسيا حوتهما # [الكهف:61]؛ وقوله: [الطويل] # 1112- فإن تزجراني يا بن عفان أنزجر # وإن تدعاني أحم عرضا ممنعا # وإنما يخرج من الملح، والناسي " يوشع " وحده، والمنادى ~~واحد في قوله: " يا بن عفان ". و " ما " بمعنى " الذي " ، أو ~~نكرة موصوفة، ولا جائز أن تكون مصدرية؛ لعود الضمير من " به ~~" عليها، إلا على رأي من يجعل المصدرية اسما؛ كالأخفش وابن ~~السراج ومن تابعهما. # فصل # اعلم أنه - تعالى - لما أمر بأن يكون التسريح بإحسان بين هنا أن ~~من جملة الإحسان أنه إذا طلقها لا يأخذ منها شيئا، ويدخل في ~~هذا النهي ألا يضيق عليها ليلجئها إلى الافتداء؛ كما قال في سورة ~~النساء: # ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض مآ ms1312 آتيتموهن # [النساء:19] وقوله هنا: { إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود ~~الله } هو كقوله: # إلا أن يأتين بفاحشة مبينة # [النساء:19] وقال أيضا: # وءاتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه ~~شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا وكيف ~~تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن ~~منكم ميثاقا غليظا # [النساء:20-21]. # فإن قيل: قوله: { ولا يحل لكم أن تأخذوا } هذا الخطاب ~~كان للأزواج، فكيف يطابقه قوله: { فإن خفتم ألا يقيما ~~حدود الله } وإن كان للأئمة والحكام فهؤلاء لا يأخذون منهن ~~شيئا؟ # قلنا: الأمران جائزان: # فيجوز أن يكون أول الآية خطابا للأزواج، وآخرها خطابا ~~للأئمة والحكام، وليس ذلك بغريب من القرآن. # ويجوز أن يكون الخطاب كله للأئمة والحكام؛ لأنهم هم ~~الذين يأمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافع إليهم ~~فكأنهم هم الآخذون والمؤتون، ويدل له قراءة حمزة ~~المتقدمة: " يخافا " بضم الياء، أي: يعلم ذلك منهما، يعني: يعلم ~~القاضي والوالي ذلك من الزوجين، ويطابقه قوله: " فإن خفتم " ~~فجعل الخوف لغير الزوجين، ولم يقل: " فإن خافا ". واعلم أنه لما منع ~~الرجل أن يأخذ من امرأته شيئا عند الطلاق، استثنى هذه الصورة، ~~وهي مسألة الخلع، واختلفوا في هذا الاستثناء؛ هل هو متصل أو ~~منقطع؟ # وفائدة الخلاف تظهر في مسألة فقهية؛ وهي أن أكثر المجتهدين جوز ~~الخلع في غير حالة الخوف والغضب. # وقال الزهري والنخعي وداود: لا يباح الخلع إلا عند الغضب والخوف ~~من ألا يقيما حدود الله، فإن وقع الخلع في غير هذه الحالة، ~~الخلع فاسد، واحتجوا بهذه الآية؛ فإنها صريحة في تحريم الأخذ ~~من الزوجة عند طلاقها، واستثني هذه الصورة. # وأما جمهور المجتهدين فقالوا: الخلع جائز في حالة الخوف وغيره؛ لقوله ~~تعالى: # فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا ~~مريئا # [النساء:4] وإذا جاز لها أن تهب مهرها من غير أن تحصل لنفسها شيئا ~~بإزاء ما بذلت، كان الخلع الذي تصير بسببه مالكة لنفسها أولى، ويكون ~~الاستثناء منقطعا؛ كقوله: # وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا # [النساء:92]، أي: لكن إن كان خطأ # ودية مسلمة # [النساء:92]. # فصل # ظاهر الآية يدل على ms1313 اشتراط حصول الخوف للرجل والمرأة، فنقول: الأقسام ~~الممكنة فيه أربعة: # إما أن يكون الخوف من قبل المرأة فقط، أو من قبل الزوج فقط، أو لا ~~يحصل الخوف من قبل واحد منهما، أو يكون الخوف من قبلهما معا، فإن حصل ~~الخوف من قبل المرأة؛ بأن تكون المرأة ناشزا مبغضة للرجل، ~~فههنا يحل للزوج أخذ المال منها؛ ويدل عليه ما روي في سبب ~~نزول الآية: # " أن جميلة بنت عبد الله بن أبي أوفى تزوجها ثابت بن قيس بن ~~شماس، وكانت تبغضه أشد البغض، وهو يحبها أشد الحب، فأتت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقالت: فرق بيني وبينه فإني ~~أبغضه، ولقد رفعت طرف الخباء فرأيته يجيء في أقوام، فكان أقصرهم ~~قامة وأقبحهم وجها وأشدهم سوادا، وأنا أكره الكفر بعد الإسلام. ~~فقال ثابت: يا رسول الله، فلترد علي الحديقة التي أعطيتها؛ فقال ~~لها: " ما تقولين؟ " قالت: نعم وأزيده فقال عليه الصلاة والسلام: لا، ~~حديقته فقط. ثم قال لثابت: " خذ منها ما أعطيتها وخل ~~سبيلها " ففعل " # ، فكان أول خلع في الإسلام. وفي " سنن أبي داود ": أن ~~المرأة كانت حفصة بنت سهل الأنصاري. # فإن قيل: قد شرط في هذه الآية خوفهما معا، فكيف قلتم: إنه يكفي ~~حصول الخوف منها فقط. # فالجواب: أن هذا الخوف - وإن كان أوله من جهة المرأة - فقد يترتب ~~عليه الخوف الحاصل من جهة الزوج، فإنها إذا كانت مبغضة للزوج إذا ~~لم تعطه، فربما ضربها وشتمها، وربما زاد على قدر الواجب، فحصل ~~الخوف لهما جميعا؛ أما من جهتها فخوفها على نفسها من عصيان الله، ~~وأما من جهته، فقد يزيد على قدر الواجب. # فأما أن يحصل الخوف من قبل الزوج فقط؛ بأن يضربها أو يؤذيها حتى ~~تلتزم الفدية، فهذا المال حرام؛ للآية المتقدمة. # وأما القسم الثالث: ألا يحصل الخوف من أحد منهما، فقد ذكرنا أن ~~أكثر المجتهدين قال بجواز الخلع، والمال المأخوذ حلال، وقال قوم إنه ~~حرام. # وأما إن كان الخوف حاصلا منهما، فالمال حرام أيضا؛ لأن الآيات ~~المتقدمة تدل على حرمة أخذ ms1314 ذلك المال، إذا كان السبب ~~حاصلا من قبل الزوج، وليس فيه تقييد بأن يكون من جانب المرأة سبب ~~أم لا؛ لأن الله - تعالى - أفرد بهذا القسم آية أخرى؛ وهي قوله: # وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من ~~أهله وحكما من أهلهآ إن يريدآ إصلاحا يوفق ~~الله بينهمآ # [النساء:35]، ولم يذكر فيه أخذ المال، وهذا التقسيم إنما هو فيما بين ~~المكلفين وبين الله - تعالى - فأما في الظاهر، فهو جائز. # فصل في قدر ما يجوز الخلع به # اختلفوا في قدر ما يجوز الخلع به: # فقال الشعبي والزهري والحسن البصري وعطاء وطاوس: لا يجوز أن يأخذ ~~فوق ما أعطاها؛ # " لقوله - عليه الصلاة والسلام - لامرأة ثاتب حين قالت له: نعم، ~~وأزيده، قال: لا، حديقته فقط " # ، وهو قول علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -. # قال سعيد بن المسيب: بل دون ما أعطاها حتى يكون الفضل. # وأما سائر الفقهاء فإنهم جوزوا المخالعة بالأزيد والأقل ~~والمساوي. # فصل # قال قوم: الخلع تطليقة، وهو قول علي، وعثمان، وابن مسعود، والحسن ~~والشعبي، والنخعي، وعطاء، وابن السائب، وشريح، ومجاهد، ومكحول، ~~والزهري وهو قول أبي حنيفة وسفيان وأحد قولي الشافعي وأحد ~~الروايتين عن أحمد. # والقول الثاني للشافعي، وبه قال محمد وإسحاق وأبو ثور. # حجة القول الأول: أنه لو كان فسخا، لما صح الزيادة على المهر ~~المسمى كالإقالة في البيع، ولأنه لو كان فسخا فإذا خالعها ولم ~~يذكر المهر، وجب أن يجب عليها المهر؛ كالإقالة في البيع، فإن الثمن ~~يجب رده وإن لم يذكره. ولما لم يكن كذلك، ثبت أن الخلع ليس ~~بفسخ، وإذا بطل ذلك، ثبت أنه طلاق. # حجة القول الثاني: قوله تعالى: { فلا جناح عليهما فيما ~~افتدت به } ثم ذكر الطلاق؛ فقال: # فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح ~~زوجا غيره # [البقرة:230] ولو كان الخلع طلاقا، لكان الطلاق أربعا، وهذا ~~الاستدلال نقله الخطابي في " معالم السنن " عن ابن عباس، ~~وأيضا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن لثابت بن قيس في مخالعة ~~امرأته، ولم يستكشف هل هي حائض ms1315 أو في طهر جامعها فيه، مع أن ~~الطلاق في هاتين الحالتين حرام منهي عنه، يجب أن يستكشف عنه، فلما ~~لم يستكشف بل أمره بالخلع مطلقا، دل على أن الخلع ليس بطلاق. # وأيضا روى أبو داود في " سننه " عن عكرمة، عن ابن عباس: أن امرأة ~~ثابت بن قيس لما اختلعت، جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - عدتها ~~حيضة. # قال الخطابي: وهذا أدل شيء على أن الخلع فسخ وليس بطلاق؛ لأن ~~الله - تعالى - قال: # والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء # [البقرة:228] فلو كانت هذه طلقة، لم يقتصر على قرء واحد. # قوله: { تلك حدود الله } مبتدأ وخبر، والمشار إليه جميع ~~الآيات من قوله: # ولا تنكحوا المشركات # [البقرة:221] إلى هنا. # وقوله: { فلا تعتدوها } أصله: تعتديوها، فاستثقلت ~~الضمة على الياء؛ فحذفت، فسكنت الياء وبعدها واو الضمير ~~ساكنة، فحذفت الياء؛ لالتقاء الساكنين، وضم ما قبل الواو؛ ~~لتصح، ووزن الكلمة تفتعوها. # قال أبو العباس المقري: ورد لفظ: " الاعتداء " في القرآن بإزاء ~~ثلاثة معان: # الأول: الاعتداء: تعدي المأمورات والمنهيات؛ قال - تعالى -: { ~~تلك حدود الله فلا تعتدوها } [البقرة:229]. # والثاني: " الاعتداء " القتل؛ قال تعالى: # فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم # [البقرة:178] أي: من قتل بعد قبول التوبة. # الثالث: " الاعتداء " الجزاء؛ قال - تعالى -: # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما ~~اعتدى عليكم # [البقرة:194] أي: جاوزه. # فصل # قال القرطبي: إذا اختلعت منه برضاع ابنها منه حولين جاز، وفي الخلع ~~بنفقتها على الابن بعد الحولين مدة معلومة قولان: # أحدهما: يجوز؛ قاله سحنون. # والثاني: لا يجوز؛ رواه ابن القاسم عن مالك. # ولو اشترط على امرأته في الخلع نفقة حملها، وهي لا شيء لها، فعليه ~~النفقة إذا لم يكن لها مال تنفق منه، فإن أيسرت بعد ذلك رجع ~~عليها. # قال مالك: ومن الحق أن يكلف الرجل نفقة ولده وإن اشترط على أمه ~~نفقته إذا لم يكن لها ما تنفق عليه. # قوله: { ومن يتعد } " من " شرطية في محل رفع بالابتداء، ~~وفي خبرها الخلاف المتقدم. # وقوله: " فأولئك " جوابها، ولا جائز أن تكون موصولة، والفاء ~~زائدة في الخبر ms1316 لظهور عملها الجزم فيما بعدها، و " هم " من قوله: " ~~فأولئك هم " يحتمل ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون فصلا. # والثاني: أن يكون بدلا. # و " الظالمون " على هذين خبر " أولئك " والإخبار بمفرد. # والثالث: أن يكون مبتدأ ثانيا، و " الظالمون " خبره، والجملة خبر ~~" أولئك " ، والإخبار على هذا بجملة. ولا يخفى ما في هذه الجملة من ~~التأكيد؛ من حيث الإتيان باسم الإشارة للبعيد، وتوسط الفصل والتعريف ~~بالألف واللام في " الظالمون " أي: المبالغون في الظلم. وحمل أولا ~~على لفظ " من " ، فأفرد في قوله " يتعد " ، وعلى معناها ثانيا، ~~فجمع في قوله: { فأولئك هم الظالمون }. # فصل # و { حدود الله }: أوامره ونواهيه، وهي: ما منع الشرع من المجاوزة ~~عنه، وفي المراد من " الظلم " هنا ثلاثة أوجه: # أحدها: اللعن لقوله تعالى: # ألا لعنة الله على الظالمين # [هود:18]. # وثانيها: أن الظلم [اسم ذم وتحقير، فيكون جاريا مجرى الوعيد. # وثالثها: أن إطلاق الظلم] هنا تنبيه على أن الإنسان ظلم نفسه؛ حيث ~~أقدم على المعصية، وظلم المرأة: بتقدير ألا تتم عدة الرجل، أو كتمت ~~شيئا، مما خلق الله في رحمها، أو ترك الرجل الإمساك بالمعروف، ~~والتسريح بالإحسان، أو أخذ شيئا مما أتاها بغير سبب من نشوز، فكل ~~هذه المواضع تكون ظلما للغير. ### || [2.230] # أي: من بعد الطلاق الثالث، فلما قطعت " بعد " عن الإضافة بنيت على ~~الضم؛ لما تقدم تقريره. و " له " و " من بعد " ، و " حتى " ~~ثلاثتها متعلقة ب " يحل ". ومعنى " من ": ابتداء الغاية، واللام ~~للتبليغ، وحتى للتعليل، كذا قال أبو حيان، قال شهاب الدين: ~~والظاهر أنها للغاية؛ لأن المعنى على ذلك، أي: يمتد عدم التحليل له ~~إلى أن تنكح زوجا غيره، فإذا طلقها وانقضت عدتها منه حلت للأول ~~المطلق ثلاثا، ويدل على هذا الحذف فحوى الكلام. # و " غيره " صفة ل " زوجا " ، وإن كان نكرة، لأن " غير " ~~وأخواتها لا تتعرف بالإضافة؛ لكونها في قوة اسم الفاعل العامل. # و " زوجا " هل هو للتقييد أو للتوطئة؟ وينبني على ذلك فائدة، وهي ~~أنه إن كان للتقييد: فلو كانت المرأة أمة، وطلقها زوجها، ووطئها ~~سيدها، لم ms1317 تحل للأول؛ لأنه ليس بزوج، وإن كانت للتوطئة حلت؛ لأن ~~ذكر الزوج كالملغى، كأنه قيل: حتى تنكح غيره، وإنما أتى بلفظ " زوج ~~"؛ لأنه الغالب. # فإن قيل: ما الحكمة في إسناد النكاح إلى المرأة دون الرجل فقال { ~~حتى تنكح زوجا }؟ # فالجواب: فيه فائدتان: # إحداهما: ليفيد أن المقصود من هذا النكاح الوطء، لا مجرد العقد؛ لأن ~~المرأة لا تعقد عقد النكاح، بخلاف الرجل؛ فإنه يطلق عند العقد. # الثانية: لأنه أفصح، لكونه أوجز. # فإن قيل: فقد أسند النكاح إلى المرأة في قوله عليه الصلاة ~~والسلام : # " أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها ~~فنكاحها باطل " # وإنما أراد العقد. # فالجواب: أن هذا يدل لنا؛ لأن جعل إسناد النكاح إلى المرأة، ~~والمراد به العقد، يكون باطلا، وكلامنا في إسناد النكاح الصحيح. # قال أهل اللغة: النكاح في اللغة: هو الضم والجمع، يقال: ~~تناكحت الأشجار، إذا انضم بعضها إلى بعض. # فصل # الذين قالوا: بأن التسريح بالإحسان هو الطلقة الثالثة، قالوا: إن ~~قوله: { فإن طلقها } تفسير للتسريح بالإحسان. # واعلم أن للزوج مع المرأة بعد الطلقة الثانية ثلاثة أحوال: # إما أن يراجعها، وهو المراد بقوله: { فإمساك بمعروف }. # أو يتركها؛ حتى تنقضي عدتها وتبين، وهو المراد بقوله: { أو ~~تسريح بإحسان }. # والثالث: أنه إذا راجعها، وطلقها ثالثة؛ وهو المراد بقوله: { فإن ~~طلقها }. # فهذه الأقسام الثلاثة؛ يجب تنزيل الألفاظ الثلاثة عليها؛ ليطابق كل ~~لفظ معناه، فأما إن جعلنا التسريح بالإحسان، عبارة عن الطلقة ~~الثالثة، كنا قد صرفنا لفظتين إلى معنى واحد؛ على سبيل التكرار، ~~وأهملنا القسم الثالث، ومعلوم أن الأول أولى، ووقوع الخلع بين هاتين ~~الآيتين، كالأجنبي، ونظم الآية: " الطلاق مرتان فإمساك ~~بمعروف أو تسريح بإحسان، فإن طلقها فلا تحل له من بعد ~~حتى تنكح زوجا غيره ". # فإن قيل: إذا كان النظم الصحيح هو هذا، فما السبب في إيقاع الخلع ~~فيما بين هاتين الآيتين؟ # فالجواب: أن الرجعة والخلع لا يصحان؛ إلا قبل الطلقة الثالثة، ~~وأما بعدها، فلا يصح شيء من ذلك، فلهذا السبب ذكر الله حكم ~~الرجعة، ثم أتبعه بذكر الخلع، ثم ذكر ms1318 بعد الكل حكم الطلقة الثالثة؛ ~~لأنها كالخاتمة. # فصل في شروط حل المطلقة ثلاثا لزوجها # مذهب الجمهور: أن المطلقة ثلاثا لا تحل لزوجها؛ إلا بشروط وهي: # أن تعتد منه، وتتزوج بغيره، ويطأها ثم يطلقها، وتعتد من الآخر. # وقال سعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب: تحل بمجرد العقد. # واختلف العلماء في ثبوت اشتراط الوطء؛ هل ثبت بالكتاب، أو بالسنة؟ قال ~~أبو مسلم الأصفهاني: الأمران معلومان بالكتاب. # قال ابن جني: سألت أبا علي عن قولهم: نكح المرأة، فقال: فرقت العرب ~~بالاستعمال، فإذا قالوا: نكح امرأته، أو زوجته، أراد المجامعة، وعلى هذا ~~فالزوجية مقدمة على النكاح، الذي هو الوطء، وإذا كان كذلك فقوله: { ~~تنكح زوجا غيره } ، أي: تتزوج بزوج، وينكحها، أي: يجامعها. # وروي في سبب النزول أن الآية نزلت في تميمة، وقيل: # " عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك النضري كانت تحت ابن عمها، رفاعة بن ~~وهب بن عتيك القرظي، فطلقها ثلاثا، قالت عائشة: جاءت امرأة رفاعة إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني كنت عند رفاعة، فطلقني فبت طلاقي، ~~فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإنما معه مثل هدبة الثوب، وإنه ~~طلقني قبل أن يمسني؛ أفأرجع إلى ابن عمي؟ فتبسم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقال: " أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا؛ ~~حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك " # والمراد ب " العسيلة ": الجماع، # " فروي أنها لبثت ما شاء الله، ثم رجعت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- فقالت: إن زوجي قد مسني، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: " كذبت في قولك الأول، فلن أصدقك في الآخر " ، ~~فلبثت حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتت أبا بكر، فقالت: يا ~~خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أرجع إلى زوجي الأول؛ فإن زوجي ~~الآخر قد مسني؟ فقال لها أبو بكر: قد شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حين أتيته، وقال لك ما قال؛ فلا ترجعي إليه، فلما قبض أبو بكر، أتت عمر، ~~وقالت له مثل ذلك، فقال: " لئن رجعت إليه لأرجمنك " ". # ولأن ms1319 المقصود من توقيف الحل على اشتراط الوطء هو زجر الزوج، وإنما ~~يحصل بتوقيف الحل على اشتراط الوطء، فأما مجرد العقد، فليس فيه نفرة، ~~فلا يصلح جعله زاجرا. # فصل # قال بعض العلماء: إذا طلق زوجته، واحدة أو اثنتين ثم نكحت زوجا آخر، ~~فأصابها، ثم عادت إلى الأول بنكاح جديد، عادت على ما بقي من طلاقها. # وقال أبو حنيفة: بل يملك عليها ثلاثا، كما لو نكحت زوجا بعد الثلاث. # فصل هل يلحق المختلعة الطلاق # قال القرطبي: استدل بعض الحنفية بهذه الآية، على أن المختلعة ~~يلحقها الطلاق؛ لأن الله شرع صريح الطلاق بعد المفاداة، لأن " الفاء ~~" حرف تعقيب، فيبعد أن يرجع إلى قوله: " الطلاق مرتان "؛ لأن ~~الأقرب عوده إلى ما يليه، كالاستثناء. # فصل # لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له. # قال القرطبي: ومدار التحليل على الزوج سواء شرط التحليل، أو نواه، ~~فمتى كان ذلك فسد نكاحه. # فصل # قال القرطبي: وطء السيد لأمته التي طلقها زوجها، لا يحلها؛ إذ ليس ~~بزوج وكذلك النكاح الفاسد. # فصل # قال القرطبي: سئل سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، عن رجل زوج ~~عبدا له، جارية له، فطلقها العبد البتة، ثم وهبها سيدها له، هل ~~تحل له بملك اليمين؟ # فقالا: لا تحل له، حتى تنكح زوجا غيره. # فصل # سئل ابن شهاب، عن رجل كانت تحته أمة مملوكة فاشتراها، وقد كان طلقها ~~واحدة؛ فقال: تحل له بملك يمينه، ما لم يبت طلاقها، فإن بت طلاقها، ~~فقال: لا تحل له، حتى تنكح زوجا غيره. # فإن قيل: إذا طلق المسلم الذمية ثلاثا؛ فتزوجت بعده ذميا، ودخل بها، ~~حلت للأول؛ لأن الذمي زوج. # قوله تعالى: { فإن طلقها } الضمير المرفوع عائد على " زوجا " ~~النكرة، أي: فإن طلقها ذلك الزوج الثاني، وأتى بلفظ " إن " الشرطية ~~دون " إذا "؛ تنبيها على أن طلاقه يجب أن يكون باختياره، من غير أن ~~يشترط عليه ذلك؛ لأن " إذا " للمحقق وقوعه و " إن " للمبهم وقوعه، أو ~~المتحقق وقوعه المبهم زمان وقوعه؛ نحو قوله تعالى: # أفإن مت فهم الخالدون # [الأنبياء:34]. ms1320 # قوله: { فلا جناح عليهمآ } الضمير في " عليهما " يجوز أن يعود ~~على المرأة، والزوج الأول المطلق ثلاثا، أي: فإن طلقها الثاني، ~~وانقضت عدتها منه، فلا جناح على الزوج المطلق ثلاثا، ولا عليها؛ أن ~~يتراجعا. # وهذا يؤيد قول من قال: إن الرجل إذا طلق زوجته طلقة أو طلقتين، فتزوجت ~~غيره، وأصابها، ثم عادت إلى الأول بنكاح جديد، أنها تعود على ما بقي ~~من طلاقها؛ لأنه سمى هذا العود بعد الطلاق الثلاث رجعة، فبعد طلقة ~~وطلقتين أولى بهذا الاسم، وإذا ثبت هذا الاسم، كان رجعة، والرجعية تعود ~~على ما بقي من طلاقها. ويجوز أن يعود عليها، وعلى الزوج الثاني، أي: فلا ~~جناح على المرأة ولا على الزوج الثاني، أن يتراجعا ما دامت عدتها ~~باقية، وعلى هذا فلا يحتاج إلى حذف تلك الجملة المقدرة، وهي " ~~وانقضت عدتها " ، وتكون الآية قد أفادت حكمين، أحدهما: أنها لا ~~تحل للأول؛ إلا بعد أن تتزوج بغيره، والثاني: أنه يجوز أن يراجعها ~~الثاني، ما دامت عدتها منه باقية، ويكون ذلك دفعا لوهم من يتوهم ~~أنها إذا نكحت غير الأول حلت للأول فقط، ولم يكن للثاني عليها رجعة. # وهو الذي عول عليه سعيد بن المسيب في أن التحليل يحصل بمجرد ~~العقد؛ لأن الوطء لو كان معتبرا، لكانت العدة واجبة، وهذه الآية تدل ~~على سقوط العدة؛ لأن " الفاء " في قوله: { فلا جناح عليهمآ ~~أن يتراجعآ } يدل على أن حل المراجعة حاصل عقيب طلاق الزوج ~~الثاني، إلا أنه يجاب بأن هذا المخصوص بقوله تعالى: # والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء # [البقرة:228]. # قوله: { أن يتراجعآ } ، أي: " في أن " ، ففي محلها القولان ~~المشهوران: قال الفراء: موضعهما نصب بنزع الخافض، وقال الكسائي، ~~والخليل: موضعهما خفض بإضمار، و " عليهما " خبر " لا " ، و " في أن " ~~متعلق بالاستقرار، وقد تقدم أنه لا يجوز أن يكون " عليهما " متعلقا ~~ب " جناح " ، والجار الخبر، لما يلزم من تنوين اسم " لا "؛ لأنه ~~حينئذ يكون مطولا. # قوله: { إن ظنآ } شرط جوابه محذوف عند سيبويه لدلالة ما قبله ~~عليه، ومتقدم عند الكوفيين وأبي زيد. والظن ms1321 هنا على بابه من ترجيح ~~أحد الجانبين، وهو مقو أن الخوف المتقدم بمعنى الظن. وزعم أبو ~~عبيدة وغيره أنه بمعنى اليقين، وضعف هذا القول الزمخشري لوجهين، أحدهما ~~من جهة اللفظ وهو أن " أن " الناصبة لا يعمل فيها يقين، وإنما ذلك ~~للمشددة والمخففة منها، لا تقول: علمت أن يقوم زيد، إنما تقول: علمت ~~أن يقوم زيد. والثاني من جهة المعنى: فإن الإنسان لا يتيقن ما في ~~الغد وإنما يظنه ظنا. # قال أبو حيان: أما ما ذكره من أنه لا يقال: " علمت أن يقوم زيد " ~~فقد ذكره غيره مثل الفارسي وغيره، إلا أن سيبويه أجاز: " ما علمت إلا ~~أن يقوم زيد " فظاهر هذا الرد على الفارسي. قال بعضهم الجمع بينهما ~~أن " علم " قد يراد بها الظن القوي كقوله: # فإن علمتموهن مؤمنات # [الممتحنة:10]، وقوله: [الوافر] # 1113- وأعلم علم حق غير ظن # وتقوى الله من خير العتاد # فقوله: " علم حق " يفهم منه أنه قد يكون علم غير حق، وكذا قوله " غير ~~ظن " يفهم منه أنه قد يكون علم بمعنى الظن. ومما يدل على أن " ~~علم " التي بمعنى " ظن " تعمل في " أن " الناصبة، قول جرير: ~~[البسيط] # 1114- نرضى عن الناس إن الناس قد علموا # ألا يدانينا من خلقه أحد # ثم قال أبو حيان: " وثبت بقول جرير وتجويز سيبويه أن " علم " ~~تعمل في " أن " الناصبة، فليس بوهم من طريق اللفظ كما ذكره الزمخشري. ~~وأما قوله: " لأن الإنسان لا يعلم ما في الغد " فليس كما ذكر، بل ~~الإنسان يعلم أشياء كثيرة واقعة في الغد ويجزم بها " قال شهاب الدين: ~~وهذا الرد من الشيخ عجيب جدا، كيف يقال في الآية: إن الظن بمعنى ~~اليقين، ثم يجعل اليقين بمعنى الظن المسوغ لعلمه في " أن " الناصبة. ~~وقوله: " لأن الإنسان قد يجزم بأشياء في الغد " مسلم، لكن ~~ليس هذا منها. # وقوله: " أن يقيما " إما ساد مسد المفعولين، أو الأول والثاني ~~محذوف، على حسب المذهبين المتقدمين. # فصل # كلمة " إن " في اللغة للشرط، والمعلق بالشرط عدم عند عدم الشرط؛ فظاهر ~~الآية يقتضي: أنه متى لم ms1322 يحصل هذا الظن لم يحصل جواز المراجعة وليس الأمر ~~كذلك؛ فإن جواز المراجعة ثابت، سواء حصل هذا الظن، أو لم يحصل، ~~إلا أنا نقول: ليس المراد أن هذا شرط لصحة المراجعة؛ بل المراد منه ~~أنه يلزمهم عند المراجعة بالنكاح الجديد رعاية حقوق الله تعالى، وقصد ~~الإقامة لحدود الله. # قال طاوس: إن ظن كل واحد منهما، أنه يحسن عشرة صاحبه. # وقيل: حدود الله: فرائضه، أي إذا علما أنه يكون منهما الصلاح بالنكاح ~~الثاني. # فمتى علم الزوج أنه يعجز بنفقة زوجته، أو صداقها، أو شيء من حقوقها ~~الواجبة عليه؛ فلا يحل له أن يتزوجها؛ حتى يبين لها. وكذلك لو كانت ~~تعلم أنها تمنعه من الاستمتاع، كان عليها أن تبين. # وكذلك لا يجوز له أن يغرها بنسب يدعيه، ولا مال له، ولا صناعة ~~يذكرها، وهو كاذب، وكذلك لو كان بها علة، تمنع من الاستمتاع من جنون، ~~أو جذام، أو برص، أو داء في الفرج؛ لم يجز لها أن تغره، وعليها أن ~~تبين له ما بها، كما يجب على بائع السلعة. # " وكان النبي عليه الصلاة والسلام - تزوج امرأة، فوجد بكشحها ~~برصا؛ فردها، وقال: " دلستم علي " ". # فصل هل على الزوجة خدمة الزوج؟ # نقل القرطبي عن ابن خويز منداد قال: اختلف أصحابنا: هل على الزوجة ~~خدمة الزوج؟ # فقال بعضهم: ليس عليها خدمته؛ لأن العقد إنما يتناول الاستمتاع، لا ~~الخدمة؛ قال تعالى: # فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا # [النساء:34]. # وقال بعضهم: عليها خدمة مثلها؛ فإن كانت شريفة المحل، فعليها التدبير ~~للمنزل، وإن كانت متوسطة الحال، فعليها أن تفرش الفراش، ونحو ذلك، وإن ~~كانت دون ذلك، فعليها أن تقم البيت، وتطبخ، وتغسل، وإن كانت من نساء ~~الكرد، والديلم والجبل في بلدهن كلفت ما تكلف نساؤهم المسلمين من ذلك؛ ~~قال تعالى: # ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف # [البقرة:228]. # قوله: { وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون } " ~~تلك " إشارة إلى ما بينهما من التكاليف. # " يبينها " في هذه الجملة وجهان: # أحدهما: أنها في محل رفع، خبرا بعد خبر، عند من يرى ذلك. # والثاني: ms1323 أنها في محل نصب على الحال، وصاحبها " حدود الله " والعامل ~~فيها اسم الإشارة. # وقرئ: " نبينها " بالنون، ويروى عن عاصم، على الالتفات من الغيبة إلى ~~التكلم؛ للتعظيم. # فإن قيل: " تلك " إشارة إلى ما بينه من التكاليف؛ وقوله: " ~~نبينها " إشارة إلى الاستقبال، والجمع بينهما متناقض! # فالجواب: أن هذه النصوص التي تقدمت أكثرها عامة، لا يتطرق إليها ~~تخصيصات كثيرة، وأكثر تلك المخصصات إنما عرفت بالسنة، فكأنه ~~قال: إن هذه الأحكام التي تقدمت، هي حدود الله، وسيبينها الله تعالى كمال ~~البنيان، على لسان النبي - عليه الصلاة والسلام - وهو كقوله تعالى: # لتبين للناس ما نزل إليهم # [النحل:44]. # وقيل: { وتلك حدود الله } يعني: ما تقدم ذكره من الأحكام ~~يبينها الله لمن يعلم أن الله أنزل الكتاب، وبعث الرسل؛ ليعلموا ~~بأوامره، وينتهوا عن نواهيه. # و " لقوم " متعلق ب " يبينها " ، و " يعلمون " في محل خفض ~~صفة ل " قوم " ، وخص العلماء بالذكر؛ لأنهم هم المنتفعون بالبيان دون ~~غيرهم، وقيل: خصهم بالذكر لقوله: # وملائكته ورسله وجبريل وميكل # [البقرة:98] وقيل: عنى به العرب؛ لعلمهم باللسان. # وقيل: أراد من له علم، وعقل؛ كقوله: # وما يعقلهآ إلا العالمون # [العنكبوت:43] والمقصود أنه لا يكلف إلا عاقلا، عالما بما يكلف. ### || [2.231] # قوله تعالى: " وإذا طلقتم ": شرط، جوابه " فأمسكوهن " ~~، وقوله: " فبلغن " عطف على فعل الشرط، والبلوغ: الوصول إلى الشيء: ~~بلغه يبلغه بلوغا؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] # 1115- ومجر كغلان الأنيعم بالغ # ديار العدو ذي زهاء وأركان # ومنه: البلغة، والبلاغ: اسم لما يتبلغ به. # قوله تعالى: " بمعروف " في محل نصب على الحال، وصاحبها: إما ~~الفاعل أي: مصاحبين للمعروف، أو المفعول، أي: مصاحبات للمعروف. # قوله: " ضرارا " فيه وجهان: # أظهرهما: أنه مفعول من أجله، أي: لأجل الضرار. # والثاني: أنه مصدر في موضع الحال، أي: حال كونكم مضارين لهن. # قوله: " لتعتدوا " هذه لام العلة، أي: لا تضاروهن على قصد ~~الاعتداء عليهن، فحينئذ تصيرون عصاة لله تعالى، وتكونوا معتدين؛ لقصدكم ~~تلك المعصية. # وأجاز أبو البقاء: أن تكون لام العاقبة، أي: الصيرورة، كقوله: # فالتقطه ءال فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا # [القصص:8]، وفي متعلقها ms1324 وجهان: # أحدهما: أنه " لا تمسكوهن ". # والثاني: أنه المصدر، إن قلنا: إنه حال، وإن قلنا: إنه مفعول من ~~أجله، تعلقت به فقط؛ وتكون علة للعلة؛ كما تقول: " ضربت ابني؛ ~~تأديبا؛ لينتفع " ، فالتأديب علة للضرب، والانتفاع علة للتأديب، ولا ~~يجوز أن تتعلق - والحالة هذه - ب " لا تمسكوهن ". # و " تعتدوا " منصوب بإضمار " أن " وهي وما بعدها في محل جر بهذه ~~اللام، كما تقدم تقريره، وأصل " تعتدوا ": تعتديوا، فأعل ~~كنظائره. # قوله: { ومن يفعل ذلك } أدغم أبو الحارث، عن الكسائي، اللام في ~~الذال، إذا كان الفعل مجزوما كهذه الآية، وهي في سبعة مواضع في القرآن: ~~{ ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه } [البقرة:331] في ~~موضعين، # ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء # [آل عمران:28]، # ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما # [النساء:30]، # ومن يفعل ذلك ابتغآء مرضات الله # [النساء:114]، # ومن يفعل ذلك يلق أثاما # [الفرقان:68]، # ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون # [المنافقون:9]. وجاز لتقارب مخرجيهما، واشتراكهما في: الانفتاح، ~~والاستفال، والجهر. # وتحرز من غير المجزوم نحو: يفعل ذلك. وقد طعن قوم على هذه الرواية، ~~فقالوا: لا تصح عن الكسائي؛ لأنها تخالف أصوله، وهذا غير صواب. # فصل في سبب النزول # هذه الآية نزلت في رجل من الأنصار يدعى: ثابت بن يسار، طلق امرأته، ~~حتى إذا قارب انقضاء عدتها، راجعها، ثم طلقها؛ يقصد مضارتها. # فإن قيل: ذكر هذه الآية بعد قوله: # الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح ~~بإحسان # [البقرة:229] تكرير لكلام واحد، في موضوع واحد، من غير زيادة ~~فائدة، وهو لا يجوز؟! # فالجواب: أما على قول أصحاب أبي حنيفة، فالسؤال ساقط عنهم؛ لأنهم ~~حملوا قوله تعالى: # الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح ~~بإحسان # [البقرة:229] على أن الجمع بين الطلقات غير مشروع، وإنما المشروع هو ~~التفريق، فإن تلك الآية في بيان كيفية الجمع والتفريق، وهذه في بيان ~~كيفية المراجعة. # وأما على قول أصحاب الشافعي، الذين حملوا تلك الآية على كيفية ~~المراجعة، فلهم أن يقولوا: إن من ذكر حكما يتناول صورا كثيرة وكان ~~إثبات ذلك الحكم في بعض تلك الصور أهم، أن ms1325 يعيد بعد ذلك الحكم العام ~~تلك الصورة الخاصة مرة أخرى؛ ليدل ذلك التكرير على أن في تلك ~~الصورة من الاهتمام، ما ليس في غيرها، وهاهنا كذلك؛ لأن قوله: # الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح ~~بإحسان # [البقرة:229] فيه بيان أنه لا بد في مدة العدة من أحد هذين ~~الأمرين، ومن المعلوم أن رعاية أحد هذين الأمرين عند مشارفة زوال ~~العدة، أولى بالوجوب من سائر الأوقات التي قبله؛ لأن أعظم أنواع الإيذاء، ~~أن يطلقها، ثم يراجعها مرتين عند آخر الأجل؛ حتى تبقى في العدة تسعة ~~أشهر، فلما كان هذا أعظم أنواع المضارة، حسن إعادة حكم هذه الصورة، ~~تنبيها على أن هذه الصورة أعظم اشتمالا على المضارة، وأولى بأن يحترز ~~المكلف عنها. # فصل في معنى الإمساك بالمعروف # قال القرطبي: الإمساك بالمعروف، هو القيام بما يجب لها من حق على ~~زوجها؛ وكذلك قال جماعة من العلماء: إن من الإمساك بالمعروف أن ~~الزوج إذا لم يجد ما ينفق على الزوجة، أن يطلقها، فإن لم يفعل خرج عن ~~حد المعروف، فيطلق عليه الحاكم من أجل الضرر اللاحق بها؛ لأن في ~~بقائها عند من لا يقدر على نفقتها، ضررا، والجوع لا يصبر أحد عليه، ~~وبهذا قال مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيدة، وأبو ثور، ~~وعبدالرحمن بن مهدي، وهو قول عمر، وعلي، وأبي هريرة. # وقال سعيد بن المسيب: إن ذلك سنة، ورواه أبو هريرة، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # وقالت طائفة: لا يفرق بينهما، ويلزمها الصبر عليه، وتتعلق النفقة ~~بذمته، بحكم الحاكم؛ لقوله تعالى: # وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة # [البقرة:280]. # وحجة الأولين الآية، وقوله عليه الصلاة والسلام : # " تقول المرأة إما أن تطعمني وإما أن تطلقني " # رواه البخاري في " صحيحه ". # فصل # قوله: { فأمسكوهن بمعروف } إشارة إلى المراجعة، واختلف ~~العلماء في كيفيتها؛ فقال الشافعي: لما لم يكن النكاح والطلاق إلا ~~بكلام، لم تكن الرجعة - أيضا - إلا بكلام. # وقال أبو حنيفة، والثوري، وأحمد: تصح بالوطء. # حجة الشافعي: # " أن ابن عمر طلق زوجته، وهي حائض؛ فسأل عمر رسول الله ms1326 صلى الله ~~عليه وسلم عن ذلك، فقال: " مره فليراجعها " # فأمره - عليه الصلاة والسلام - بالمراجعة في تلك الحال. والوطء في ~~زمن الحيض لا يجوز. وقد يجاب عن هذا؛ بأننا لم نخص الرجعة في الوطء، ~~بل قد يكون في صورة بالوطء، وفي صورة بالقول. # وحجة أبي حنيفة، قوله تعالى: { فأمسكوهن بمعروف } أمر ~~بمجرد الإمساك، والوطء إمساك، فوجب أن يكون كافيا. # فإن قيل: إنه تعالى أثبت حق المراجعة عند بلوغ الأجل، وبلوغ الأجل وهو ~~عبارة عن انقضاء العدة، لا يثبت حق المراجعة. # فالجواب من وجهين: # الأول: أن المراد مشارفة البلوغ لا نفس البلوغ؛ كقول الرجل إذا قارب ~~البلد: " قد بلغنا " ، وقول الرجل لصاحبه: " إذا بلغت مكة، فاغتسل ~~بذي طوى " يريد مشارفة البلوغ، لا نفس البلوغ، وهو من باب مجاز إطلاق ~~اسم الكل على الأكثر. # الثاني: الأجل اسم للزمان، فنحمله على الزمان الذي هو آخر زمان يمكن ~~إيقاع الرجعة فيه، بحيث إذا مات، لا يبقى بعده إمكان الرجعة على هذا، فلا ~~حاجة إلى المجاز # فإن قيل: لا فرق بين قوله: { أمسكوهن بمعروف } ، وبين قوله: ~~{ ولا تمسكوهن ضرارا }؛ لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، فما ~~فائدة التكرار؟ # فالجواب: الأمر لا يفيد إلا مرة واحدة؛ فلا يتناول كل الأوقات؛ ~~أما النهي فإنه يتناول كل الأوقات، فلعله يمسكها بالمعروف في ~~الحال، ولكن في قلبه أن يضارها في الزمان المستقبل، فلما قال: { ولا ~~تمسكوهن ضرارا } اندفعت الشبهات، وزالت الاحتمالات. # فصل في بيان معنى الضرار # و " الضرار ": هو المضارة؛ قال تعالى: # والذين اتخذوا مسجدا ضرارا # [التوبة:107]، ومعناه راجع إلى إثارة العداوة، وإزالة الألفة، وإيقاع ~~الوحشة؛ وذكر المفسرون فيه وجوها: # أحدها: ما تقدم في سبب نزول الآية من تطويل العدة تسعة ~~أشهر، فأكثر. # ثانيها: " الضرار " سوء العشرة. # وثالثها: تضييق النفقة، وكانوا يفعلون في الجاهلية أكثر هذه الأعمال؛ ~~لكي تختلع المرأة عنه بمالها. # قوله تعالى: { فقد ظلم نفسه } فيه وجوه: # أحدها: ظلم نفسه؛ بتعريضها للعذاب. # وثانيها: ظلم نفسه؛ بأن فوت عليها منافع الدنيا والدين: # أما منافع الدنيا: فإنه إذا اشتهر بين ms1327 الناس بهذه المعاملة القبيحة ~~فلا يرغب أحد في تزويجه، ولا معاملته. # وأما منافع الدين فتضييعه للثواب الحاصل على حسن عشرة الأهل، والثواب ~~على الانقياد لأحكام الله تعالى. # قوله: { ولا تتخذوا آيات الله هزوا } فيه وجوه: # أحدها: أن من أمر بشيء، فلم يفعله بعد أن نصب نفسه منصب الطائعين، ~~يقال: إنه استهزأ بذلك الأمر ولعب به؛ فعلى هذا يكون المراد أن من وصلت ~~إليه هذه التكاليف المتقدمة من العدة، والرجعة، والخلع، وترك ~~المضارة، ويسأم لأدائها يكون كالمستهزئ بها، وهذا تهديد عظيم للعصاة ~~من أهل الصلاة، وغيرهم. # وثانيها: ولا تتسامحوا في تكاليف الله تعالى، ولا تتهاونوا بها. # وثالثها: قال أبو الدرداء: كان الرجل يطلق في الجاهلية، ويقول: " ~~طلقت، وأنا لاعب " ويعتق، وينكح، ويقول مثل ذلك؛ فنزلت هذه ~~الآية، فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: # " من طلق، أو حرر، أو نكح، فزعم أنه لاعب ~~فهو جد ". # وروى أبو هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ثلاث جدهن جد وهزلهن جد؛ الطلاق والنكاح ~~والعتاق ". # ورابعها: قال عطاء: معناه أن المستغفر من الذنب إذا كان مصرا ~~عليه، أو على غيره، كان مستهزئا بآيات الله تعالى. # وقال مالك في " الموطأ ": بلغنا أن رجلا قال لابن عباس: إني ~~طلقت امرأتي مائة مرة، فماذا ترى؟ فقال ابن عباس: طلقت ~~منك بثلاث؛ وسبع وتسعون اتخذت آيات الله هزوا. # والأقرب هو الأول؛ لأنه تهديد بعد ذكر تكاليف، فيكون تهديدا ~~عليها، لا على غيرها. ولما رغبهم في أداء التكاليف بالتهديد، رغبهم ~~- أيضا - بذكر نعمه عليهم في الدنيا والدين، فقال: { واذكروا ~~نعمة الله عليكم } أي: بالإسلام، وبيان الأحكام. ويجوز في " ~~عليكم " وجهان: # أحدهما: أن يتعلق بنفس " النعمة " ، إن أريد بها الإنعام؛ لأنها ~~اسم مصدر؛ كنبات من أنبت، ولا تمنع تاء التأنيث من عمل هذا ~~المصدر؛ لأنه مبني عليها كقوله: [الطويل] # 1116- فلولا رجاء النصر منك ورهبة # عقابك قد كانوا لنا كالموارد # فأعمل " رهبة " في " عقابك " ، وإنما المحذور أن يعمل المصدر ~~الذي لا يبنى عليها، نحو: ضرب وضربة، ولذلك اعتذر ms1328 الناس عن قوله: ~~[الطويل] # 1117- يحايي به الجلد الذي هو حازم # بضربة كفيه الملا وهو راكب # بأن الملا، وهو السراب، منصوب بفعل مقدر لا بضربة. # والثاني: أن يتعلق بمحذوف، على أنه حال من " نعمة " إن أريد ~~بها المنعم به، فعلى الأول تكون الجلالة في محل رفع، لأن ~~المصدر رافع لها تقديرا؛ إذ هي فاعلة به، وعلى الثاني في محل جر ~~لفظا وتقديرا. # قوله: { ومآ أنزل عليكم } يجوز في " ما " وجهان: # أحدهما: أن تكون في محل نصب؛ عطفا على " نعمة " ، أي: اذكروا نعمته ~~والمنزل عليكم، فعلى هذا يكون في قوله: " يعظكم " حالا، وفي ~~صاحبها ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه الفاعل: في " أنزل " وهو اسم الله تعالى، أي: أنزله واعظا ~~به لكم. # والثاني: أنه " ما " الموصولة، والعامل في الحال: اذكروا. # والثالث: أنه العائد على " ما " المحذوف، أي: وما أنزله موعوظا به، ~~فالعامل في الحال على هذا القول وعلى القول الأول " أنزل ". # والثاني: من وجهي " ما ": أن تكون في محل رفع بالابتداء، ويكون ~~" يعظكم " على هذا في محل رفع؛ خبرا لهذا المبتدإ، أي: ~~والمنزل عليكم موعوظ به. وأول الوجهين أقوى وأحسن. # قوله: " عليكم " متعلق ب " أنزل " و " من الكتاب " ~~متعلق بمحذوف، لأنه حال، وفي صاحبه وجهان: # أحدهما: أنه " ما " الموصولة. # والثاني: أنه عائدها المحذوف، إذ التقدير: أنزله في حال كونه من ~~الكتاب. # و " من " يجوز أن تكون تبعيضية، وأن تكون لبيان الجنس عند ~~من يرى ذلك. # والضمير في " به " يعود على " ما " الموصولة ". # والمراد من " الكتاب ": القرآن، ومن " الحكمة ": " السنة ~~". يعظكم به أي: يخوفكم به، ثم قال: { واتقوا الله } أي: في ~~أوامره، ولا تخالفوه في نواهيه، { واعلموا أن الله ~~بكل شيء عليم }. ### || [2.232] # الكلام في صدر هذه الآية كالتي قبلها، إلا أن الخطاب في: " ~~طلقتم " للأزواج، وفي: " فلا تعضلوهن " للأولياء؛ لأنه يروى ~~في سبب نزول هذه الآية وجهان: # الأول: أن معقل بن يسار زوج أخته جميل بن عبد الله بن عاصم، وقيل: ~~كانت تحت أبي الدحداح عاصم بن عدي بن عجلان فطلقها، ثم تركها حتى ms1329 ~~انقضت عدتها، ثم ندم؛ فجاء يخطبها، فقال: زوجتك، وفرشتك، ~~وأكرمتك؛ فطلقتها ثم جئت تخطبها؟! لا والله، لا تعود إليك أبدا، ~~وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فقال لها معقل: إنه طلقك ثم ~~تريدين مراجعته؟ وجهي من وجهك حرام، إن راجعته؛ فأنزل الله هذه ~~الآية، فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معقل بن يسار، وتلا عليه ~~الآية، فقال: رغم أنفي لأمر ربي، اللهم رضيت، وسلمت ~~لأمرك، وأنكح أخته زوجها. # الثاني: روى مجاهد، والسدي: أن جابر بن عبد الله، كانت له ابنة ~~عم فطلقها زوجها، وأراد رجعتها بعد العدة؛ فأبى جابر؛ فأنزل ~~الله - تعالى - هذه الآية، وكان جابر يقول: في نزلت هذه الآية. # وقيل: الخطاب فيهما للأزواج، ونسب العضل إليهم؛ لأنهم كذلك كانوا ~~يفعلون، يطلقون، ويأبون أن تتزوج المرأة بعدهم؛ ظلما ~~وقهرا. # قوله: " أزواجهن " مجاز؛ لأنه إذا أريد به المطلقون، ~~فتسميتهم بذلك اعتبارا بما كانوا عليه، وإن أريد بهم غيرهم ممن ~~يردن تزويجهم فباعتبار ما يؤولون إليه. قال ابن الخطيب: وهذا هو ~~المختار؛ لأن قوله: { وإذا طلقتم النسآء } شرط، والجزاء ~~قوله: " فلا تعضلوهن " والشرط خطاب مع الأزواج، فيكون الجزاء ~~خطابا معهم أيضا؛ لأنه لو لم يكن كذلك، لصار تقدير الآية: إذا ~~طلقتم النساء أيها الأزواج، فلا تعضلوهن أيها الأولياء، وحينئذ ~~لا يكون بين الشرط والجزاء مناسبة أصلا، وذلك يوجب تفكيك نظم ~~الآية، وتنزيه كلام الله عز وجل عن مثل هذا، واجب. ثم يتأكد ~~بوجهين آخرين: # الأول: أنه من أول آية الطلاق إلى هذا الموضع، خطاب مع ~~الأزواج، ولم يجر للأولياء ذكر ألبتة، وصرف الخطاب إلى ~~الأولياء خلاف النظم. # الثاني: أن ما قبل هذه الآية خطاب مع الأزواج في كيفية ~~معاملتهم مع النساء بعد انقضاء العدة، فكان صرف الخطاب إلى ~~الأزواج، أولى؛ لأنه ترتيب حسن لطيف. # واستدل الأولون بما تقدم من سبب النزول. # ويمكن الجواب عنه من وجهين: # الأول: أن المحافظة على نظم كلام الله - تعالى -، أولى من ~~المحافظة على خبر الواحد. # الثاني: أن الروايتين في سبب النزول تعارضتا؛ فروي أن ~~معقل ms1330 كان يقول: في نزلت هذه الآية، وجابر كان يقول في نزلت، وإذا ~~تعارضت الروايتان تساقطتا فبقي ما ذكرناه من التمسك بنظم كلام الله ~~ تعالى سليما عن المعارض، وفي هذه الاستدلال نظر، ولا تعارض ~~بين الخبرين؛ لأن مدلولهما واحد. # واحتجوا أيضا بأن هذه الآية لو كانت خطابا مع الأزواج، فلا تخلوا ~~إما أن تكون خطابا معهم قبل انقضاء العدة، أو بعد ~~انقضائها. # والأول باطل؛ لأن ذلك مستفاد من الآية الأولى، فلما حملنا هذه ~~الآية على هذا المعنى، كان تكرارا من غير فائدة، وأيضا فقد قال ~~تعالى: { فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا ~~تراضوا بينهم بالمعروف } فنهى عن العضل حال حصول ~~التراضي، ولا يحصل التراضي بالنكاح، إلا بعد التصريح بالخطبة ولا ~~يجوز التصريح بالخطبة إلا بعد انقضاء العدة، وقال تعالى: # ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب ~~أجله # [البقرة:235]. # والثاني - أيضا - باطل؛ لأن بعد انقضاء العدة، ليس للزوج قدرة ~~على عضل المرأة، فكيف يصرف هذا النهي إليه؟! # ويمكن أن يجاب: بأن الرجل يمكن أن يكون بحيث يشتد ندمه على ~~مفارقة المرأة، بعد انقضاء عدتها، وتلحقه الغيرة، إذا رأى من ~~يخطبها، وحينئذ يعضلها عن من ينكحها، إما بأن يجحد الطلاق، أو ~~يدعي أنه كان راجعها في العدة، أو يدس إلى من يخطبها بالتهديد ~~والوعيد، أو يسيء القول فيها: بأن ينسبها إلى أمور تنفر الرجال ~~عنها، فنهى الله تعالى الأزواج عن هذه الأفعال، وعرفهم أن تركها ~~أزكى، وأطهر، من دنس الآثام. # واحتجوا - أيضا - بقوله تعالى: { أن ينكحن أزواجهن } ~~قالوا: معناه: ولا يمنعوهن أن ينكحن الذين كانوا أزواجا ~~لهن قبل ذلك، وهذا الكلام لا ينتظم إلا إذا جعلنا الآية خطابا ~~للأولياء. # ويمكن الجواب: بأن معنى قوله: { أن ينكحن أزواجهن } أن ~~ينكحن من يردن أن يتزوجنه، فيكونون أزواجا لهن والعرب تسمي ~~الشيء بما يؤول إليه. # [وقيل: الخطاب فيهما للأولياء، وفيه بعد؛ من حيث إن الطلاق ~~لا ينسب إليهم إلا بمجاز بعيد، وهو أن جعل تسببهم في ~~الطلاق طلاقا] والفاء في " فلا تعضلوهن " جواب " إذا ". # والعضل: قيل: ms1331 المنع، ومنه: " عضل أمته " ، منعها من ~~التزوج، يعضلها بكسر العين وضمها؛ قال ابن هرمز: [الوافر] # 1118- وإن قصائدي لك فاصطنعني # كرائم قد عضلن عن النكاح # وقال: [الطويل] # 1119- ونحن عضلنا بالرماح نساءنا # وما فيكم عن حرمة الله عاضل # ومنه: " دجاجة معضل " ، أي: احتبس بيضها، وقيل: أصله ~~الضيق؛ قال أوس: [الطويل] # 1120- ترى الأرض منا بالقضاء مريضة # معضلة منا بجيش عرمرم # أي: ضيقة بهم، وعضلت المرأة، أي: نشب ولدها في ~~بطنها، وكذلك عضلت الشاة، وأعضل الداء الأطباء: إذا ~~أعياهم، ويقال: داء عضال، أي: ضيق العلاج؛ وقالت ليلى ~~الأخيلية: [الطويل] # 1121- شفاها من الداء العضال الذي بها # غلام إذا هز القناة شفاها # والمعضلات: المشكلات؛ لضيق فهمها؛ قال الشافعي: ~~[المتقارب] # 1122- إذا المعضلات تصدينني # كشفت حقائقها بالنظر # قوله تعالى: " أن ينكحن " فيه وجهان: # أحدهما: أنه بدل من الضمير المنصوب في " تعضلوهن " بدل ~~اشتمال، فيكون في محل نصب، أي: فلا تمنعوا نكاحهن. # والثاني: أن يكون على إسقاط الخافض، وهو إما " من " ، أو " ~~عن " فيكون في محل " أن " الوجهان المشهوران: أعني مذهب سيبويه، ~~ومذهب الخليل. و " ينكحن " مضارع " نكح " الثلاثي، وكان ~~قياسه أن تفتح عينه؛ لأن لامه حرف حلق. # قوله: { إذا تراضوا } في ناصب هذا الظرف وجهان: # أحدهما: " ينكحن " أي: أن ينكحن وقت التراضي. # والثاني: أن يكون " تعضلوهن " أي: لا تعضلوهن وقت ~~التراضي، والأول أظهر. و " إذا " هنا متمحضة للظرفية. ~~والضمير في " تراضوا " يجوز أن يعود إلى الأولياء وللأزواج، ~~وأن يعود على الأزواج والزوجات، ويكون من تغليب المذكر ~~على المؤنث. # قوله: " بينهم " ظرف مكان مجازي، وناصبه " تراضوا ". # قوله: { بالمعروف } فيه أربعة أوجه: # أحدها: أنه متعلق بتراضوا، أي: تراضوا بما يحسن من الدين ~~والمروءة. # والثاني: أن يتعلق ب " ينكحن " فيكون " ينكحن " ناصبا ~~للظرف، وهو " إذا "؛ ولهذا الجار أيضا. # والثالث: أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من فاعل تراضوا. # والرابع: أنه نعت مصدر محذوف، دل عليه الفعل، أي: تراضيا كائنا ~~بالمعروف. # فصل # تمسك بهذه الآية من يشترط الولي في النكاح؛ بناء على أن ~~الخطاب في هذه الآية للأولياء، قال: لأن المرأة لو ms1332 كانت تزوج ~~نفسها، أو توكل من يزوجها، ما كان الولي قادرا على عضلها ~~من النكاح، ولو لم يكن قادرا على العضل لما نهاه الله عن العضل وقد ~~تقدم ما فيه من البحث، وإن سلم، فلم لا يجوز أن يكون المراد ~~بالنهي عن العضل أن يخليها ورأيها في ذلك؛ لأن الغالب في ~~الأيامى أن يرجعن إلى رأي الأولياء، في باب النكاح، وإن كان ~~الاستئذان الشرعي حاصلا لهن، وأن يكن تحت رأيهم، وتدبيرهم، ~~وحينئذ يكونون متمكنين من منعهن؛ لتمكنهم من تخليتهن، فيكون ~~النهي محمولا على هذا الوجه، وهذا منقول عن ابن عباس، في تفسير ~~هذه الآية. وأيضا فثبوت العضل في حق الولي ممتنع؛ لأنه متى ~~عضل القريب فلا يبقى لعضله أثر. # وتمسك أبو حنيفة بقوله تعالى: { أن ينكحن أزواجهن } على ~~أن النكاح بغير ولي جائز، قال: لأنه أضاف النكاح إليها إضافة ~~الفعل إلى فاعله، ونهى الولي عن منعها منه، قال: ويتأكد هذا ~~بقوله تعالى: # حتى تنكح زوجا غيره # [البقرة:230]، وبقوله: # فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن ~~في أنفسهن بالمعروف # [البقرة:234]، وتزويجها نفسها من الكفء، فعل بالمعروف؛ فوجب أن ~~يصح. # وقوله تعالى: # وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي # [الأحزاب:50] دليل واضح مع أنه لم يحضر هناك ولي البتة. # وأجاب الأولون: بأن الفعل كما يضاف إلى المباشر، قد يضاف إلى ~~المتسبب، يقال: بنى الأمير دارا، وضرب دينارا، وإن كان مجازا، ~~إلا أنه يجب المصير إليه؛ لدلالة الأحاديث على بطلان هذا ~~النكاح. # فصل في اختلاف البلوغين # قال الشافعي - رحمه الله - دل سياق الكلامين - أي في الآيتين - ~~على افتراق البلوغين، ومعناه أنه تعالى قال في الآية الأولى: # فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو ~~سرحوهن بمعروف # [البقرة:231] ولو كانت عدتها قد انقضت، لما قال: { فأمسكوهن ~~بمعروف } لأن إمساكها بعد العدة لا يجوز وتكون مسرحة، فلا ~~حاجة إلى تسريحها، وأما هذه الآية، فإنه نهى عن عضلهن عن التزويج، وهذا ~~النهي إنما يحسن في الوقت الذي يمكنها أن تتزوج فيه، وذلك ~~إنما يكون بعد انقضاء العدة، فهذا هو ms1333 المراد من قول الشافعي " ~~دل سياق الكلامين على افتراق البلوغين ". # فصل في معنى التراضي بالمعروف # في التراضي بالمعروف، وجهان: # أحدهما: ما وافق الشرع من عقد حلال، ومهر جائز، وشهود ~~عدول. # الثاني: هو ما يضاد قوله: # ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا # [البقرة:231] فيكون معناه: أن يرضى كل واحد منهما بما لزمه بحق ~~هذا العقد لصاحبه؛ حتى تحصل الصحبة الجميلة، وتدوم الألفة. # قال بعضهم: التراضي بالمعروف، هو مهر المثل، وفرعوا عليه ~~مسألة فقهية، وهي أنها إذا زوجت نفسها بأنقص من مهر ~~مثلها، نقصانا فاحشا، فالنكاح صحيح عند أبي حنيفة، وللولي ~~أن يعترض عليها بسبب ذلك النقصان. # وقال أبو يوسف ومحمد ليس للولي ذلك. # قوله: " ذلك " مبتدأ و " يوعظ " وما بعده خبره. والمخاطب ~~قيل: إما الرسول - عليه الصلاة والسلام - أو كل سامع، ولذلك جيء ~~بالكاف الدالة على الواحد، وقيل: للجماعة، وهو الظاهر، فيكون " ~~ذلك " بمعنى: " ذلكم " ، ولذلك قال بعده: " منكم " وهو جائز في ~~اللغة، والتثنية والجمع أيضا جائز، قال تعالى: # ذلكما مما علمني ربي # [يوسف:37] وقال: # فذلكن الذي لمتنني فيه # [يوسف:32] وقال: # ذلكم يوعظ به # [الطلاق:2] وقال: # ألم أنهكما عن تلكما الشجرة # [الأعراف:22] وإنما وحد الخطاب وهو للأولياء؛ لأن الأصل في ~~مخاطبة الجمع " لكم " ثم كثر حتى توهموا أن " الكاف " من نفس ~~الحرف، وليست بكاف خطاب؛ فقالوا ذلك، فإذا قالوا هذا، كانت الكاف ~~موحدة منصوبة في الاثنين، والجمع، والمؤنث، و " من كان " في ~~محل رفع؛ لقيامه مقام الفاعل. وفي " كان " اسمها، يعود على " من ~~" و " يؤمن " في محل نصب، خبرا ل " كان " و " منكم ": إما ~~متعلق بكان عند من يرى أنها تعمل في الظرف وشبهه، وإما ~~بمحذوف على أنه حال من فاعل يؤمن. # فإن قيل: لم أتى باسم الإشارة البعيد والمشار إليه قريب وهو الحكم ~~المذكور في العضل؟ # والجواب: أن ذلك دليل على تعظيم المشار إليه. وخصص هذا الوعظ ~~بالمؤمنين دون غيرهم؛ لأنهم المنتفعون به فلذلك حسن تخصيصهم؛ ~~كقوله: # هدى للمتقين # [البقرة:2] وهو هدى للكل، كما قال: # هدى للناس # [البقرة:185]، وقال: # إنمآ أنت منذر ms1334 من يخشها # [النازعات:45] # إنما تنذر من اتبع الذكر # [يس:11]، مع أنه كان منذرا للكل؛ كما قال: # ليكون للعالمين نذيرا # [الفرقان:1]. # فصل في خطاب الكفار بفروع الشريعة # احتجوا بهذه الآية على أن الكفار ليسوا بمخاطبين بفروع الإسلام؛ ~~لأن تخصيصه المؤمنين بالأحكام المشار إليها، دليل على أن ~~التكليف مختص بمن يؤمن بالله واليوم الآخر. # وأجيبوا بأن التكليف قد ورد عاما؛ قال تعالى # ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا # [آل عمران:97] وبيان الأحكام وإن كان عاما في حق كل المكلفين، ~~إلا أنه قد يكون ذلك البيان وعظا للمؤمنين؛ لأن هذه التكاليف ~~إنما تتوجه على الكفار على سبيل إثباتها بالدليل القاهر الملزم ~~المعجز، وأما المؤمن المقر فإنما تدكر له وتشرح على سبيل ~~العظة، والتحذير. # قوله تعالى: # أزكى لكم وأطهر # [البقرة:232] زكا الزرع إذا نما وألف أزكى منتقلة عن واو، وقوله: " ~~أزكى " إشارة إلى استحقاق الثواب، وقوله: " أطهر " إشارة إلى ~~إزالة الذنوب. # قال المفسرون: أزكى لكم وأطهر لقلوبكم من ~~الريبة. و " لكم " متعلق بمحذوف؛ لأنه صفة ل " أزكى " فهو في ~~محل رفع وقوله: " وأطهر " أي: لكم، والمفضل عليه محذوف؛ ~~للعلم به، أي: من العضل. # قوله: { والله يعلم وأنتم لا تعلمون } معناه: أن ~~المكلف وإن كان يعلم وجه الصلاح في هذه التكاليف على الجملة، ~~إلا أن التفصيل غير معلوم، والله تعالى عالم في كل ما أمر ~~ونهى، بالكمية والكيفية بحسب الواقع وبحسب التقدير؛ لأنه تعالى ~~عالم بما لا نهاية له من المعلومات. # قال بعض المفسرين: معناه أن لكل واحد من الزوجين، قد يكون في ~~نفسه من الآخر علاقة حب لم يؤمن أن يتجاوز ذلك إلى غير ما ~~أحل الله لهما، ولم يؤمن من الأولياء أن يسبق إلى قلوبهم منهما ~~ما لعلهما أن يكونا بريئين من ذلك، فيأثمون والله يعلم من حب ~~كل واحد منهما لصاحبه، ما لا تعلمون أنتم. ### || [2.233] # قوله تعالى: { والوالدات يرضعن } كقوله # والمطلقات يتربصن # [البقرة:228] فليلتفت إليه. # قال القرطبي: لما ذكر الله تعالى النكاح والطلاق ذكر الولد؛ لأن ~~الزوجين قد ms1335 يفترقان وثم ولد فالآية إذن في المطلقات اللاتي ~~لهن أولاد من أزواجهن، قاله السدي، وغيره. # قال: " والوالدات " ولم يقل والزوجات، لأن أم الطفل قد ~~تكون مطلقة والوالد والوالدة صفتان غالبتان، جاريتان مجرى ~~الجوامد؛ ولذلك لم يذكر موصوفهما. # وقوله: " حولين " منصوب على ظرف الزمان، ووصفهما بكاملين دفعا ~~للتجوز، إذ قد يطلق " الحولان " على الناقصين شهرا وشهرين، ~~من قولهم أقام فلان بمكان كذا حولين أو شهرين وإنما أقام ~~حولا وبعض الآخر، ومثله: # فمن تعجل في يومين # [البقرة:203] ومعلوم أنه يتعجل في يوم، وبعض اليوم الثاني، ~~والحول من حال الشيء يحول إذا انقلب، فالحول منقلب من ~~الوقت الأول إلى الثاني. وسميت السنة حولا؛ لتحولها، والحول ~~أيضا: الحيل، ويقال: لا حول ولا قوة، ولا حيل ولا قوة. # فصل في تفسير " الوالدات " # في " الوالدات " ثلاثة أقوال: # أحدها: أن المراد منه جميع الوالدات سواء كن مطلقات، أو ~~متزوجات لعموم اللفظ. # الثاني: المراد منه المطلقات؛ لأنه ذكر هذه الآية عقيب آية ~~الطلاق، ومناسبته من وجهين: # الأول: أنه إذا طلقت المرأة، فيحصل التباغض، فقد تؤذي المرأة ~~الطفل لأمرين: إما لأن إيذاءه يتضمن إيذاء الأب، وإما ~~لرغبتها في زوج آخر فيفضي إلى إهمال أمر الطفل. # الثاني: قال السدي: ومما يدل على أن المراد منه المطلقات، ~~قوله بعد ذلك: { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن ~~}. ولو كانت زوجة، لوجب على الزوج ذلك من غير إرضاع. # ويمكن الجواب عن الأول: أن هذه الآية مشتملة على حكم مستقل ~~بنفسه، فلم يجب تعلقها بما قبلها، وعن قول السدي: أنه لا يبعد ~~أن تستحق المرأة قدرا من المال، لمكان الزوجية، وقدرا ~~آخر للإرضاع، ولا منافاة بين الأمرين. # القول الثالث: قال الواحدي في " البسيط " الأولى أن يحمل على ~~الزوجات في حال بقاء النكاح؛ لأن المطلقة لا تستحق إلا الأجرة. # فإن قيل: إذا كانت الزوجية باقية، فهي مستحقة للنفقة، والكسوة؛ ~~بسبب النكاح سواء أرضعت الولد، أو لم ترضعه، فما وجه ~~تعليق هذا الاستحقاق بالإرضاع؟ # قلنا: النفقة والكسوة يجبان في مقابلة التمكين، فإذا اشتغلت ~~بالحضانة والإرضاع ولم تتفرغ ms1336 لخدمة الزوج، ربما توهم متوهم ~~أن نفقتها وكسوتها تسقط بالخلل الواقع في خدمة الزوج؛ فقطع الله ~~ذلك الوهم بإيجاب الرزق إذا اشتغلت المرأة بالرضاع. # فصل # هذا الكلام، وإن كان خبرا فمعناه الأمر؛ وتقديره: يرضعن ~~أولادهن في حكم الله الذي أوجبه؛ إلا أنه حذف ذلك للتصرف في ~~الكلام مع زوال الإيهام، وهو أمر استحباب، لا إيجاب؛ لأنها لو ~~وجب عليها الرضاع لما استحقت الأجرة، وقد قال: # فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن # [الطلاق:6] وقال: # وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى # [الطلاق:6] وإذا ثبت الاستحباب، فهو من حيث إن تربية الطفل بلبن ~~الأم أصلح له من سائر الألبان، ومن حيث إن شفقة الأم ~~أتم من شفقة غيرها. # فصل # قال القرطبي: اختلف الناس في الرضاع: هل هو حق عليها أو هو حق ~~عليه؟ واللفظ محتمل؛ لأنه لو أراد التصريح بوجوبه لقال: وعلى ~~الوالدات رضاع أولادهن؛ كما قال: { وعلى المولود له ~~رزقهن وكسوتهن } ولكن هو حق عليها في حق الزوجية؛ ~~لأنه يلزم في العرف إذ قد صار كالشرط، إلا أن تكون شريفة ذات ~~ترفه، فعرفها ألا ترضع وذلك كالشرط؛ ويجب عليها إن لم يقبل ~~غيرها، وهو عليها إذا كان الأب معدما؛ لاختصاصها به، فإن مات الأب ~~ولا مال للصبي، فذهب مالك في " المدونة " إلى أن الرضاع ~~لازم للأم بخلاف النفقة، وفي كتاب " ابن الجلاب ": رضاعه في بيت ~~المال، فأما المطلقة طلاقا بائنا، فلا رضاع عليها، والرضاع ~~على الزوج إلا أن تشاء الأم، فهي أحق بأجرة المثل، إذا كان ~~الزوج موسرا، فإن كان معدما، لم يلزمها الرضاع إلا أن يكون ~~المولود لا يقبل غيرها فتجبر على الرضاع وكل من لزمها الإرضاع، ~~فأصابها عذر يمنعها منه، عاد الإرضاع على الأب، وعن مالك: أن ~~الأب إذا كان معدما، ولا مال للصبي أن الرضاع على الأم لم يكن ~~لها لبن؛ ولها مال، فإن الإرضاع عليها في مالها. وقال ~~الشافعي: لا يلزم الرضاع إلا والدا أو جدا وإن علا. # فصل في تحديد الحولين # اختلف العلماء في تحديد الحولين فقال بعضهم: هو ms1337 حد لبعض ~~المولودين. # روى عكرمة عن ابن عباس: أنها إذا وضعت لستة أشهر، فإنها ~~ترضعه حولين كاملين، وإن وضعت لسبعة أشهر، ترضعه ثلاثة وعشرين ~~شهرا، وإن وضعت لتسعة أشهر، ترضعه إحدى وعشرين شهرا؛ كل ذلك تمام ~~ثلاثين شهرا؛ لقوله تعالى: # وحمله وفصاله ثلثون شهرا # [الأحقاف:15]. # وقال آخرون: هو حد لكل مولود، لا ينقص رضاعه عن حولين، ~~إلا باتفاق الأبوين فأيهما أراد الفطام قبل تمام الحولين، ~~ليس له ذلك إلا أن يجتمعا عليه؛ لقوله تعالى: { فإن أرادا ~~فصالا عن تراض منهما } وهذا قول ابن جريج، والثوري، ورواية ~~الوالبي، عن ابن عباس. # وقيل: المراد من الآية: بيان الرضاع الذي يثبت به الحرمة، أن يكون ~~في الحولين، ولا يحرم ما يكون بعد الحولين. # قال قتادة: فرض الله على الوالدات إرضاع حولين كاملين ثم أنزل ~~التخفيف؛ فقال { لمن أراد أن يتم الرضاعة } ، أي: هذا ~~منتهى الرضاع، ليس فيما دون ذلك حد محدود، إنما هو على قدر ~~صلاح الصبي، وما يعيش به، وهذا قول علي، وابن مسعود، وابن عباس، ~~وابن عمر، وعلقمة، والشعبي، والزهري - رضي الله عنهم -. # وقال أبو حنيفة: مدة الرضاع ثلاثون شهرا، واحتج الأولون بقوله ~~تعالى: # وفصله في عامين # [لقمان:14] وقال عليه السلام والصلاة # " لا رضاع بعد فصال " # وروى ابن عباس قال: قال - عليه الصلاة والسلام - # " لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين ". # فصل # روي أن رجلا جاء إلى علي رضي الله عنه - فقال: تزوجت جارية ~~بكرا، وما رأيت بها ريبة، ثم ولدت لستة أشهر، فقال علي - رضي ~~الله عنه - قال الله تعالى: # وحمله وفصاله ثلاثون شهرا # [الأحقاف:15] وقال تعالى: { والوالدات يرضعن أولادهن ~~حولين كاملين } فالحمل ستة أشهر؛ الولد ولدك. # وعن عمر - رضي الله عنه - أنه جيء بامرأة، وضعت لستة أشهر، فشاور ~~في رجمها، فقال ابن عباس: إن خاصمتكم بكتاب الله - تعالى - ~~خصمتكم، ثم ذكر هاتين الآيتين واستخرج منهما أن أقل الحمل ~~ستة أشهر، قال: فكأنما أيقظهم. # قوله: " لمن أراد " في هذا الجار ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه متعلق بيرضعن، وتكون اللام ms1338 للتعليل، و " من " ~~واقعة على الآباء، أي: الوالدات يرضعن لأجل من أراد ~~إتمام الرضاعة من الآباء، وهذا نظير قولك: " أرضعت فلانة ~~لفلان ولده ". # والثاني: أنها للتبيين؛ فتتعلق بمحذوف، وتكون هذه اللام كاللام ~~في قوله تعالى: # هيت لك # [يوسف:23]، وفي قولهم: " سقيا لك ". فاللام بيان للمدعو له ~~بالسقي وللمهيت به، وذلك أنه لما ذكر أن الوالدات ~~يرضعن أولادهن حولين كاملين، بين أن ذلك الحكم إنما هو ~~لمن أراد أن يتم الرضاعة؛ و " من " تحتمل حينئذ أن يراد ~~بها الوالدات فقط، أو هن والوالدون معا، كل ذلك محتمل. # والثالث: أن هذه اللام خبر لمبتدإ محذوف، فتتعلق بمحذوف، ~~والتقدير: ذلك الحكم لمن أراد. و " من " على هذا تكون للوالدات ~~والوالدين معا. # قوله: { أن يتم الرضاعة } " أن " وما في حيزها في محل ~~نصب؛ مفعولا بأراد، أي: لمن أراد إتمامها. والجمهور على " ~~يتم الرضاعة " بالياء المضمومة من " أتم " وإعمال أن ~~الناصبة، ونصب " الرضاعة " مفعولا به، وفتح رائها. # وقرأ مجاهد، والحسن، وابن محيصن، وأبو رجاء: " تتم " بفتح ~~التاء من تم، و " الرضاعة " بالرفع فاعلا، وقرأ أبو حيوة، وابن ~~أبي عبلة كذلك، إلا أنهما كسرا راء " الرضاعة " ، وهي لغة ~~كالحضارة، والحضارة، والبصريون يقولون: فتح الراء مع هاء ~~التأنيث، وكسرها مع عدم الهاء، والكوفيون يزعمون العكس. وقرأ ~~مجاهد - ويروى عن ابن عباس -: " أن يتم الرضاعة " برفع ~~" يتم " وفيها قولان: # أحدهما: قول البصريين: أنها " أن " الناصبة، أهملت؛ حملا ~~على " ما " أختها؛ لاشتراكهما في المصدرية، وأنشدوا على ذلك ~~قوله: [مجزوء الكامل] # 1123- إني زعيم يا نوي # قة إن أمنت من الرزاح # أن تهبطين بلاد قو # م يرتعون من الطلاح # وقول الآخر: [البسيط] # 1124- يا صاحبي فدت نفوسكما # وحيثما كنتما لقيتما رشدا # أن تقرآن على أسماء ويحكما # مني السلام وألا تشعرا أحدا # فأهملها، ولذلك ثبت نون الرفع، وأبوا أن يجعلوها ~~المخففة من الثقيلة لوجهين: # أحدهما: أنه لم يفصل بينها وبين الجملة الفعلية بعدها. # والثاني: أن ما قبلها ليس بفعل علم ويقين. # القول الثاني: وهو قول الكوفيين أنها المخففة من الثقيلة، وشذ ~~وقوعها موقع ms1339 الناصبة، كما شذ وقوع " أن " الناصبة موقعها في قوله: ~~[البسيط] # 1125-................ قد علموا # ألا يدانينا في خلقه أحد # وقرأ مجاهد: " الرضعة " بوزن القصعة. # وعن ابن عباس أنه قرأ أن يكمل الرضاعة. # فصل # قال القرطبي: قوله تعالى: { لمن أراد أن يتم الرضاعة ~~} يدل على أن إرضاع الحولين ليس حتما؛ لأنه يجوز الفطام قبل الحولين ~~ولكنه تحديد لقطع التنازع بين الزوجين في مدة الرضاع، ولا يجب على ~~الأب إعطاء الأجرة، لأكثر من حولين، وإن أراد الأب الفطام قبل هذه المدة، ~~ولم ترض الأم، لم يكن له ذلك. # والرضع: مص الثدي، ويقال للئيم: راضع، وذلك أنه يخاف أن يحلب ~~الشاة؛ فيسمع منه الحلب؛ فيطلب منه اللبن، فيرتضع ثدي الشاة بفمه. # قوله: { وعلى المولود له } هذا الجار خبر مقدم، والمبتدأ ~~قوله: " رزقهن " ، و " أل " في المولود موصولة، و " له " ~~قائم مقام الفاعل للمولود، وهو عائد الموصول، تقديره: وعلى الذي ولد ~~له رزقهن، فحذف الفاعل، وهو الوالدات، والمفعول، وهو الأولاد، وأقيم ~~هذا الجار والمجرور مقام الفاعل. # وذكر بعض الناس أنه لا خلاف في إقامة الجار والمجرور مقام الفاعل، ~~إلا السهيلي، فإنه منع من ذلك؛ وليس كما ذكر هذا القائل، فإن ~~البصريين أجازوا هذه المسألة مطلقا، والكوفيون قالوا: إن كان حرف ~~الجر زائدا جاز نحو: ما ضرب من أحد، وإن كان غير زائد، لم يجز، ولا ~~يجوز عندهم أن يكون الاسم المجرور في موضع رفع باتفاق بينهم. ثم ~~اختلفوا بعد هذا الاتفاق في القائم مقام الفاعل. # فذهب الفراء: إلى أن حرف الجر وحده في موضع رفع، كما أن " ~~يقوم " من " زيد يقوم " في موضع رفع. # وذهب الكسائي، وهشام: إلى أن مفعول الفعل ضمير مستتر فيه، وهو ~~ضمير مبهم من حيث أن يراد به ما يدل عليه الفعل من مصدر، وزمان، ~~ومكان، ولم يدل دليل على أحدها. # وذهب بعضهم إلى أن القائم مقام الفاعل ضمير المصدر، فإذا قلت: " سير ~~بزيد " فالتقدير: سير هو، أي: السير؛ لأن دلالة الفعل على مصدره ~~قوية، ووافقهم في هذا بعض البصريين. # قوله: " بالمعروف ms1340 " يجوز أن يتعلق بكل من قوله: " رزقهن " ~~و " كسوتهن " على أن المسألة من باب الإعمال، وهو على إعمال ~~الثاني، إذ لو أعمل الأول، لأضمر في الثاني، فكان يقال: وكسوتهن به ~~بالمعروف. هذا إن أريد بالرزق والكسوة، المصدران، وقد تقدم أن الرزق ~~يكون مصدرا، وإن كان ابن الطراوة قد رد على الفارسي ذلك؛ في قوله: # ما لا يملك لهم رزقا من السموات والأرض ~~شيئا # [النحل:73] كما سيأتي تحقيقه في النحل، إن شاء الله تعالى. وإن أريد ~~بهما اسم المرزوق، والمكسو كالطحن، والرعي، فلا بد من حذف مضاف، ~~تقديره: اتصال، أو دفع، أو ما أشبه ذلك، مما يصح به المعنى، ويكون ~~" بالمعروف " متعلقا بمحذوف، على أنه حال منهما. وجعل أبو البقاء ~~العامل في هذه الحال الاستقرار الذي تضمنه " على ". # والجمهور على " كسوتهن " بكسر الكاف، وقرأ طلحة بضمها، وهما ~~لغتان في المصدر، واسم المكسو وفعلها يتعدى لاثنين، وهما كمفعولي " ~~أعطى " في جواز حذفهما، أو حذف أحدهما؛ اختصارا أو اقتصارا، قيل: ~~وقد يتعدى إلى واحد؛ وأنشدوا: [المتقارب] # 1126- وأركب في الروع خيفانة # كسا وجهها سعف منتشر # ضمنه معنى غطى، وفيه نظر؛ لاحتمال أنه حذف أحد المفعولين؛ ~~للدلالة عليه، أي: كسا وجهها غبار أو نحوه. # فصل # و " المولود له " هو الوالد، وإنما عبر عنه بهذا الاسم لوجوه: # أحدها: قال الزمخشري: والسبب فيه أن يعلم أن الوالدات إنما ولدت ~~الأولاد للآباء ولذلك ينسبون إليهم لا إلى الأمهات؛ وأنشدوا للمأمون: ~~[البسيط] # 1127- وإنما أمهات الناس أوعية # مستودعات وللآباء أبناء # وثانيها: أنه تنبيه على أن الولد إنما يلتحق بالوالد؛ لكونه ~~مولودا على فراشه، على ما قاله - عليه الصلاة والسلام -: # " الولد للفراش " # فكأنه قال: إذا ولدت المرأة الولد لأجل الرجل وعلى فراشه، وجب عليه ~~رعاية مصالحه، [فنبه على أن سبب النسب، والالتحاق محدود بهذا القدر. # وثالثها: ذكر الوالد بلفظ " المولود [له] " تنبيها على أن ~~نفقته عائدة إليه، فيلزمه رعاية مصالحه] كما قيل: كله لك، وكله ~~عليك. # فإن قيل: فما الحكمة في قول موسى - عليه الصلاة والسلام - لأخيه: # قال يبنؤم # [طه:94] ولم ms1341 يذكر أباه. # فالجواب: أنه أراد بذكر الأم [أن] يذكر الشفقة فإن شفقة الأم أعظم ~~من شفقة الأب. # فصل # اعلم أن الله تعالى كما وصى الأم برعاية جانب الطفل، في قوله: { ~~والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } - ~~وصى برعاية جانب الأم، حتى تقوى على رعاية مصلحة الطفل، فأمره ~~برزقها، وكسوتها بالمعروف، وهذا المعروف قد يكون محدودا بشرط وعقد، ~~وقد يكون غير محدود إلا من جهة العرف لأنه إذا قام بما يكفيها من ~~طعام وكسوتها، فقد استغنى عن تقدير الأجرة فإنه إن لم يقم بما يكفيها من ~~ذلك، تضررت وضررها يتعدى إلى الولد، ولما وصى الأم برعاية الطفل ~~أولا، ثم وصى الأب برعايته ثانيا، دل على أن احتياج الطفل إلى ~~رعاية الأم أشد من احتياجه إلى رعاية الأب؛ لأنه ليس بين الطفل ~~وبين رعاية الأم واسطة ألبتة؛ ورعاية الأب إنما تصل إلى الطفل ~~بواسطة، فإنه يستأجر المرأة على رضاعته، وحضانته بالنفقة، والكسوة، وذلك ~~يدل على أن حق الأم أكثر من حق الأب، والأخبار المطابقة لهذا ~~المعنى كثيرة مشهورة. # قوله: { لا تكلف نفس } الجمهور على " تكلف " مبنيا ~~للمفعول، " نفس " قائم مقام الفاعل، وهو الله تعالى، " وسعها " ~~مفعول ثان، وهو استثناء مفرغ؛ لأن " كلف " يتعدى لاثنين. قال ~~أبو البقاء: " ولو رفع الوسع هنا، لم يجز؛ لأنه ليس ببدل ". # وقرأ أبو جراء: " لا تكلف نفس " بفتح التاء، والأصل: " ~~تتكلف " فحذفت إحدى التاءين؛ تخفيفا: إما الأولى، أو الثانية ~~على خلاف في ذلك تقدم، فتكون " نفس " فاعلا، و " وسعها " ~~مفعول به، استثناء مفرغا أيضا. وروى أبو الأشهب عن أبي رجاء أيضا: ~~" لا يكلف نفسا " بإسناد الفعل إلى ضمير الله تعالى، فتكون " ~~نفسا " و " وسعها " مفعولين. # والتكليف: الإلزام، وأصله من الكلف، وهو الأثر من السواد في الوجه؛ ~~قال: [البسيط] # 1128- يهدي بها أكلف الخدين مختبر # من الجمال كثير اللحم عيثوم # فمعنى " تكلف الأمر " ، أي: اجتهد في إظهار أثره. # وفلان كلف بكذا: أي مغرى به. # و " الوسع " هنا ما يسع الإنسان فيطيق أخذه من سعة الملك أي الغرض، ~~ولو ضاق لعجز ms1342 عنه، فالسعة بمنزلة القدرة، ولهذا قيل: الوسع فوق ~~الطاقة، والمراد منه: أن أبا الصبي لا يتكلف الإنفاق عليه، وعلى ~~أمه، إلا ما تتسع له قدرته، لأن الوسع ما تتسع له القدرة، ولا ~~يبلغ استغراق القدرة؛ وهو نظير قوله تعالى: # لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه ~~فلينفق ممآ ءاته الله لا يكلف الله نفسا إلا ~~مآ ءاتها # [الطلاق:7]. # فصل في احتجاج المعتزلة بالآية # تمسك المعتزلة بهذه الآية في أن الله تعالى لا يكلف العبد ما ~~لا يقدر عليه. # وقوله: " لا تضآر " ابن كثير، وأبو عمرو: " لا تضار " برفع ~~الراء مشددة، وتوجيهها واضح، لأنه فعل مضارع لم يدخل عليه ناصب ولا ~~جازم فرفع، وهذه القراءة مناسبة لما قبلها، من حيث إنه عطف جملة ~~خبرية على خبرية مثلها من حيث اللفظ وإلا فالأولى خبرية لفظا ~~ومعنى، وهذه خبرية لفظا نهيية معنى ويدل عليه قراءة الباقين كما ~~سيأتي. # قال الكسائي والفراء: هو نسق على قوله: " لا يكلف ". # قال علي بن عيسى: هذا غلط؛ لأن النسق ب " لا " إنما هو إخراج ~~على إخراج الثاني مما دخل فيه الأول نحو: " ضربت زيدا لا عمرا " ~~فأما أن يقال: يقوم زيد لا يقعد عمرو، فهو غير جائز على النسق، بل ~~الصواب أنه مرفوع على الاستئناف في النهي كما يقال: لا تضرب زيدا ~~لا تقتل عمرا. # وقرأ باقي السبعة: بفتح الراء مشددة، وتوجيهها أن " لا " ناهية، ~~فهي جازمة، فسكنت الراء الأخيرة للجزم، وقبلها راء ساكنة مدغمة فيها، ~~فالتقى ساكنان؛ فحركنا الثانية لا الأولى، وإن كان الأصل الإدغام، ~~وكانت الحركة فتحة، وإن كان أصل التقاء الساكنين الكسر؛ لأجل الألف؛ إذ ~~هي أخت الفتحة، ولذلك لما رخمت العرب " إسحار " وهو اسم نبات، ~~قالوا: " إسحار " بفتح الراء خفيفة، لأنهم لما حذفوا الراء الأخيرة، ~~بقيت الراء الأولى ساكنة، والألف قبلها ساكنة؛ فالتقى ساكنان، والألف ~~لا تقبل الحركة؛ فحركوا الثاني وهو الراء، وكانت الحركة فتحة؛ لأجل ~~الألف قبلها ساكنة، ولم يكسروا وإن كان الأصل، لما ذكرنا من مراعاة ~~الألف. # وقرأ الحسن ms1343 بكسرها مشددة، على أصل التقاء الساكنين، ولم يراع ~~الألف. # وقرأ أبو جعفر بسكونها مشددة، كأنه أجرى الوصل مجرى الوقف، فسكن، ~~وروي عنه وعن ابن هرمز: بسكونها مخففة، وتحتمل هذه وجهين: # أحدهما: أن يكون من " ضار " " يضير " ، ويكون السكون لإجراء الوصل ~~مجرى الوقف. # والثاني: أن يكون من ضار يضار بتشديد الراء، وإنما استثقل تكرير ~~حرف هو مكرر في نفسه؛ فحذف الثاني منهما، وجمع بين الساكنين - أعني الألف ~~والراء - إما إجراء للوصل مجرى الوقف، وإما لأن الألف قائمة مقام ~~الحركة، لكونها حرف مد. # وزعم الزمخشري " أن أبا جعفر إنما اختلس الضمة، ~~فتوهم الراوي أنه سكن، وليس كذلك " انتهى. وقد تقدم شيء من ~~ذلك عند # يأمركم # [البقرة:67] ونحوه. # ثم قراءة تسكين الراء: تحتمل أن تكون من رفع، فتكون كقراءة ابن كثير، ~~وأبي عمرو، ويحتمل أن تكون من فتح، فتكون كقراءة الباقين، والأول أولى؛ ~~إذ التسكين من الضمة أكثر من التسكين من الفتحة؛ لخفتها. # وقرأ ابن عباس: بكسر الراء الأولى، والفك، وروي عن عمر بن الخطاب: " ~~لا تضارر " بفتح الراء الأولى، والفك؛ وهذه لغة الحجاز، أعني: ~~[فك] المثلين فيما سكن ثانيهما للجزم أو للوقف، نحو: لم نمرر، وامرر، ~~وبنو تميم يدغمون، والتنزيل جاء باللغتين نحو: # من يرتد منكم عن دينه # [المائدة:54] في المائدة، قرئ في السبع بالوجهين، وسيأتي بيانه ~~واضحا. # ثم قراءة من شدد الراء: مضمومة أو مفتوحة، أو مكسورة، أو ~~مسكنة، أو خففها تحتمل أن تكون الراء الأولى مفتوحة، فيكون الفعل ~~مبنيا للمفعول، وتكون " والدة " مفعولا لم يسم فاعله، وحذف ~~الفاعل؛ للعلم به، ويؤيده قراءة عمر رضي الله عنه. # ويكون معنى الآية { لا تضآر والدة بولدها } فينزع الولد ~~منها إلى غيرها بعد أن رضيت بإرضاعه { ولا مولود له بولده ~~} أي: لا تلقيه المرأة إلى أبيه بعدما ألفها؛ تضاره بذلك. # وقيل: معناه لا تضار والدة؛ فتكره على إرضاعه، إذا كرهت إرضاعه، وقبل ~~الصبي من غيرها؛ لأن ذلك ليس بواجب عليها، ولا مولود له بولده ~~فيحتمل أن يعطي الأم أكثر مما يجب لها، إذا لم ms1344 يرتضع الولد من غيرها. # وأن تكون مكسورة، فيكون الفعل مبنيا للفاعل، وتكون " والدة " حينئذ ~~فاعلا به، ويؤيده قراءة ابن عباس. # وفي المفعول على هذا الاحتمال ثلاثة أوجه: # أحدها - وهو الظاهر - أنه محذوف تقديره: لا تضارر والدة زوجها، ~~بسبب ولدها بما لا يقدر عليه من رزق وكسوة ونحو ذلك، ولا ~~يضارر مولود له زوجته بسبب ولده بما وجب لها من رزق وكسوة، ~~فالباء للسببية. # والثاني: - قاله الزمخشري - أن يكون " تضار " بمعنى تضر، وأن ~~تكون الباء من صلته أي: لا تضر والدة بولدها، فلا تسيء غذاءه، ~~وتعهده، ولا يضر الوالد به بأن ينزعه منها بعدما ألفها انتهى. ويعني ~~بقوله " الباء من صلته " ، أي: تكون متعلقة به، ومعدية له إلى ~~المفعول، كهي في " ذهبت بزيد " ويكون ضار بمعنى أضر، فاعل بمعنى ~~أفعل، ومثله: ضاعفت الحساب وأضعفته، وباعدته وأبعدته، فعلى هذا، نفس ~~المجرور بهذه الباء، هو المفعول به في المعنى، والباء على هذا للتعدية، ~~كما نظرنا ب " ذهبت بزيد " ، فإنه بمعنى أذهبته. # والثالث: أن الباء مزيدة، وأن " ضار " بمعنى ضر، فيكون " ~~فاعل " بمعنى " فعل " المجرد، والتقدير: لا تضر والدة ولدها ~~بسوء غذائه وعدم تعهده، ولا يضر والد ولده بانتزاعه من أمه بعدما ~~ألفها، ونحو ذلك. وقد جاء " فاعل " بمعنى فعل المجرد نحو: واعدته، ~~ووعدته، وجاوزته وجزته، إلا أن الكثير في فاعل الدلالة على ~~المشاركة بين مرفوعه ومنصوبه، ولذلك كان مرفوعه منصوبا في التقدير، ~~ومنصوبه مرفوعا في التقدير، فمن ثم كان التوجيه الأول أرجح من توجيه ~~الزمخشري، وما بعده، وتوجيه الزمخشري أوجه مما بعده. # فإن قيل: لم قال " تضار " والفعل واحد؟ # قلنا: معناه لا يضار الأم والأب بألا ترضع الأم، أو يمنعها الأب ~~وينزعه منها، أو يكون معناه أن كل واحد يقصد بإضرار الولد إضرار ~~الآخر؛ فيكون في الحقيقة مضارة. # فصل في أحكام الحضانة # قال القرطبي: في هذه الآية دليل لمالك على أن الحضانة للأم، وهي في ~~الغلام إلى البلوغ، وفي الجارية إلى النكاح، وذلك حق لها. # وقال الشافعي: إذ بلغ الولد ثماني سنين، وهو ms1345 سن التمييز، خير ~~بين أبويه، فإنه في تلك الحالة تتحرك همته لتعلم القرآن، والأدب، ~~والعبادات، وذلك يستوي فيه الغلام والجارية. # وروى أبو هريرة: # " أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت له: إن ~~زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد سقاني من بئر أبي عنبة وقد ~~نفعني، فقال النبي لله صلى الله عليه وسلم: " استهما عليه " فقال ~~زوجها: من يحاقني في ولدي؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " هذا ~~أبوك، وهذه أمك، فخذ بيد أيهما شئت " فأخذ بيد أمه ~~فانطلقت به ". # ودليلنا ما روى أبو داود، عن عبد الله بن عمرو: # " أن امرأة قالت: يا رسول الله إن ابني هذا كانت ~~بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، ~~وإن أباه طلقني، وأراد أن ينزعه مني، فقال لها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " أنت أحق به ما لم تنكحي " ". # فصل من أحق بالحضانة إذا تزوجت الأم؟ # قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على ألا حق ~~للأم في الولد إذا تزوجت. # وقال مالك، والشافعي، والنعمان، وأبو ثور: إن الجدة أم ~~الأم أحق بحضانة الولد، واختلفوا إذا لم يكن له أم، وكانت له ~~جدة أم أب، فقال مالك: أم الأب أحق إذا لم يكن للصبي خالة. ~~وقال الشافعي: أم الأب أحق من الخالة. # فصل الحضانة للقادر على حقوق الولد # ولا حضانة لفاجرة، ولا لضعيفة عاجزة عن القيام بحق الولد. # وروي عن مالك: أن الحضانة للأم، ثم الجدة للأم، ثم الخالة، ثم ~~الجدة للأب، ثم أخت الصبي، ثم عمته. # فصل # قال القرطبي: إذا تزوجت الأم لم ينزع منها ولدها حتى يدخل بها ~~زوجها في المشهور عندنا. # وقال ابن المنذر: إذا خرجت الأم عن بلد ولدها، ثم رجعت إليه، فهي ~~أحق بولدها: في قول الشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي وكذلك لو ~~تزوجت ثم طلقت، أو توفي عنها زوجها، رجعت إلى حقها في الولد، ~~فإن تركت حقها من الحضانة، ولم ترد أخذه، وهي فارغة غير مشغولة، ~~بزوج، ms1346 ثم أرادت بعد ذلك أخذه كان لها ذلك. # وقال القرطبي: إن كان تركها له من عذر، كان لها ذلك، وإن تركته رفضا ~~له، ومقتا، لم يكن لها بعد ذلك أخذه. # فصل # فإن طلقها الزوج، وكانت الزوجة ذمية، فلا حضانة لها. # وقال أبو ثور، وأصحاب الرأي، وابن القاسم: لا فرق بين الذمية ~~والمسلمة. وكذلك اختلفوا في الزوجين؛ يفترقان أحدهما [حر] والآخر ~~مملوك. # قوله: " له " في محل رفع لقيامه مقام الفاعل. # قوله: { لا تضآر والدة } فيه دلالة على ما يقوله ~~النحويون، وهو أنه إذا اجتمع مذكر ومؤنث، معطوفا أحدهما على ~~الآخر، كان حكم الفعل السابق عليهما للسابق منهما، تقول: قام زيد وهند، ~~فلا تلحق علامة تأنيث، وقامت هند وزيد، فتلحق العلامة، والآية ~~الكريمة من هذا القبيل، ولا يستثنى من ذلك إلا أن يكون المؤنث ~~مجازيا، فيحسن ألا يراعى المؤنث، وإن تقدم؛ كقوله تعالى: # وجمع الشمس والقمر # [القيامة:9]. # وفي هذه الجمل من علم البيان: الفصل، والوصل. # أما الفصل: وهو عدم العطف بين قوله: " لا تكلف نفس " وبين قوله: " ~~لا تضار "؛ لأن قوله: " لا تضار " كالشرح للجملة قبلها؛ لأنه ~~إذا لم تكلف النفس إلا طاقتها، لم يقع ضرر، لا للوالدة، ولا ~~للمولود له. وكذلك أيضا لم يعطف: " لا تكلف نفس " على ما قبلها؛ ~~لأنها مع ما بعدها تفسير لقوله " بالمعروف ". # وأما الوصل: وهو العطف بين قوله: { والوالدات يرضعن } ، ~~وبين قوله: { وعلى المولود له رزقهن }؛ فلأنهما جملتان ~~متغايرتان في كل منهما حكم ليس في الأخرى. ومنه أيضا إبراز الجملة ~~الأولى مبتدأ وخبرا، وجعل الخبر فعلا؛ لأن الإرضاع مما يتجدد ~~دائما. وأضيفت الوالدات للأولاد؛ تنبيها على شفقتهن، وحثا لهن ~~على الإرضاع. # وجيء بالوالدات بلفظ العموم، وإن كان جمع قلة؛ لأن جمع القلة متى ~~حلي بأل، عم، وكذلك " أولادهن " عام؛ لإضافته إلى ضمير ~~العام، وإن كان - أيضا - جمع قلة. # وفيها أيضا إبراز الجملة الثانية مبتدأ وخبرا، والخبر جار ومجرور ~~بحرف " على " الدال على الاستعلاء المجازي في الوجوب، وقدم الخبر؛ ~~اعتناء به. وقدم الرزق على الكسوة؛ لأنه الأهم ms1347 في بقاء الحياة، ~~ولتكرره كل يوم. # وأبرزت الثالثة فعلا، ومرفوعه، وجعل مرفوعه نكرة في سياق النفي؛ ~~ليعم، ويتناول ما سبق لأجله من حكم الوالدات في الإرضاع، والمولود له ~~في الرزق، والكسوة الواجبتين عليه للوالدة. # وأبرزت الرابعة كذلك؛ لأنها كالإيضاح لما قبلها؛ والتفصيل بعد ~~الإجمال؛ ولذلك لم يعطف عليها كما ذكرته لك. ولما كان تكليف النفس فوق ~~الطاقة، ومضارة أحد الزوجين للآخر مما يتكرر ويتجدد، أتى بهاتين ~~الجملتين فعليتين، وأدخل عليهما حرف النفي وهو " لا "؛ لأنه موضوع ~~للاستقبال غالبا. # وأما في قراءة من جزم، فإنها ناهية، للاستقبال فقط، وأضاف الولد ~~إلى الوالدة والمولود له؛ تنبيها على الشفقة والاستعطاف، وقدم ذكر عدم ~~مضارة الوالدة على ذكر عدم مضارة الوالد؛ مراعاة لما تقدم من ~~الجملتين، إذ قد بدأ بحكم الوالدات وثنى بحكم الوالد. # قوله: { وعلى الوارث مثل ذلك } هذه جملة من مبتدأ وخبر، ~~قدم الخبر؛ اهتماما، ولا يخفى ما فيها، وهي معطوفة على قوله: { وعلى ~~المولود له رزقهن } وما بينهما اعتراض؛ لأنه كالتفسير ~~لقوله: " بالمعروف " كما تقدم التنبيه عليه. # والألف واللام في " الوارث " بدل من الضمير عند من يرى ذلك، ثم ~~اختلفوا في ذلك الضمير هل يعود على المولود له، وهو الأب، فكأنه قيل: ~~وعلى وارثه، أي: وارث المولود له، أو يعود على الولد نفسه، أي: وارث ~~الولد؟ وهذا على حسب اختلافهم في الوارث. # وقرأ يحيى بن يعمر: " الورثة " بلفظ الجمع، والمشار إليه بقوله: " ~~مثل ذلك " إلى الواجب من الرزق والكسوة، وهذا أحسن من قول من يقول: أشير ~~به إلى الرزق والكسوة. وأشير بما للواحد للاثنين؛ كقوله: # عوان بين ذلك # [البقرة:68]. وإنما كان أحسن؛ لأنه لا يحوج إلى تأويل، وقيل: المشار ~~إليه هو عدم المضارة، قاله الشعبي، والزهري، والضحاك، وقيل: منهما ~~وهو قول الجمهور. # وقيل: أجرة المثل. # فصل في المراد ب " الوارث " # في المراد ب " الوارث " أربعة أقوال: # أحدها: قال ابن عباس: المراد وارث الأب؛ لأن قوله: { وعلى ~~الوارث مثل ذلك } معطوف على قوله: { وعلى المولود له ~~رزقهن وكسوتهن بالمعروف } وما بينهما اعتراض ms1348 لبيان ~~المعروف، والمعنى أن المولود له إن مات، فعلى وارثه مثل ما وجب عليه، ~~أي: يقوم وارثه مقامه في رزقها وكسوتها بالمعروف وتجنب الإضرار. # قال أبو مسلم الأصبهاني: وهذا ضعيف؛ لأن الولد أيضا يرثه فيؤدي ~~ذلك إلى وجوب نفقته على غيره حال ما له مال ينفق منه، وهذا غير جائز. # قال ابن الخطيب: ويمكن أن يجاب بأن الصبي إذا ورث من أبيه مالا، ~~فإنه يحتاج إلى من يقوم بتعهده والنفقة عليه بالمعروف، ويدفع ~~الضرر عنه، وهذه الأشياء يمكن إيجابها على وارث الأب. # القول الثاني: أن المراد وارث الصبي، فيجب عليه عند موت الأب كل ما ~~كان واجبا على الأب، هذا قول الحسن، وقتادة، وأبي مسلم، والقاضي، ثم ~~اختلفوا في أنه أي وارث هو؟ فقيل: العصبات من الرجال، وهو قول عمر ~~بن الخطاب، والحسن، ومجاهد، وعطاء، وسفيان، وإبراهيم. # وقيل: هو وارث الصبي من الرجال والنساء على قدر مواريثهم منه، وهو ~~قول قتادة وابن أبي ليلى، ومذهب أحمد وإسحاق. # وقيل: المراد من كان ذا رحم محرم دون غيرهم؛ كابن العم والمولى، وهو ~~قول أبي حنيفة. # وظاهر الآية يقتضي ألا فرق بين وارث ووارث، ولولا أن الأم خرجت ~~من حيث إنه أوجب الحق لها، لصح دخولها تحت الكلام؛ لأنها قد تكون ~~وارثة للصبي كغيرها. # القول الثالث: المراد من الوارث الباقي من الأبوين، كا جاء في الدعاء: " ~~واجعله الوارث منا " أي: الباقي، وهو قول سفيان وجماعة. # القول الرابع: المراد الصبي نفسه الذي هو وارث أبيه المتوفى، فإن ~~كان له مال، وجب أجرة رضاعه في ماله، وإن لم يكن له مال، فعلى الأم، ~~ولا يجبر على نفقة الصبي إلا الوالدان، وهو قول مالك والشافعي. # قوله: { فإن أرادا فصالا }. # في الفصال قولان: # أحدهما: أنه الفطام؛ لقوله تعالى: # وحمله وفصاله ثلاثون شهرا # [الأحقاف:15] وإنما سمي الفطام بالفصال؛ لأن الولد ينفصل عن ~~الاغتذاء بثدي أمه إلى غيره من الأقوات. # والثاني: قال أبو مسلم: ويحتمل أن يكون المراد من الفصال إيقاع المفاصلة ~~بين الولد والأم، إذا حصل التراضي والتشاور ms1349 في ذلك، ولم يرجع بسبب ذلك ~~ضرر إلى الولد. # قال المبرد: والفصال، يقال: فصل الولد عن الأم فصلا وفصالا، ~~والفصال أحسن؛ لأنه إذا انفصل عن أمه، فقد انفصلت منه، فبينهما ~~فصال، نحو القتال والضراب، وسمي الفصيل فصيلا؛ لأنه مفصول عن ~~أمه؛ ويقال: فصل من البلد، إذا خرج عنها وفارقها؛ قال تعالى: # فلما فصل طالوت بالجنود # [البقرة:249]، وحمل الفصال على الفطام هو قول أكثر المفسرين. # اعلم أنه لما بين تمام مدة الرضاع بقوله: { حولين ~~كاملين } وجب حمل هذه الآية على غير ذلك، حتى لا يلزم التكرار، ~~واختلفوا في ذلك: فمنهم من قال: إنها تدل على جواز الفطام قبل ~~الحولين وبعدهما، وهو مروي عن ابن عباس. # قوله تعالى: { عن تراض } فيه وجهان: # أظهرهما: أنه متعلق بمحذوف؛ إذ هو صفة ل " فصالا " فهو في ~~محل نصب، أي: فصالا كائنا عن تراض، وقدره الزمخشري: صادرا ~~عن تراض، وفيه نظر من حيث كونه كونا مقيدا. # والثاني: أنه متعلق ب " أرادا " ، قاله أبو البقاء، ولا معنى له ~~إلا بتكلف. والفصال، والفصل: الفطام، وأصله التفريق، فهو تفريق بين ~~الصبي والثدي، ومنه سمي الفصيل؛ لأنه مفصول عن أمه. # و " عن " للمجاوزة مجازا؛ لأن التراضي معنى، لا عين. # و " تراض " مصدر تفاعل، فعينه مضمومة، وأصله: تفاعل تراضو، ففعل ~~فيه ما فعل ب " أدل " جمع دلو، من قلب الواو ياء، والضمة قلبها ~~كسرة، إذ لا يوجد في الأسماء المعربة واو قبلها ضمة لغير الجمع إلا ~~ويفعل بها ذلك تخفيفا. # قوله تعالى: " منهما " في محل جر صفة ل " تراض " ، ~~فيتعلق بمحذوف، أي: تراض كائن أو صادر منهما، و " من " لابتداء ~~الغاية. # وقوله: " وتشاور " [حذفت " منهما " لدلالة ما قبلها عليها، ~~والتقدير: وتشاور منهما]، ويحتمل أن يكون التشاور من أحدهما، مع غير ~~الآخر؛ لتتفق الآراء منهما، ومن غيرهما على المصلحة. # قوله: { فلا جناح عليهما } الفاء جواب الشرط، وقد تقدم ~~نظير هذه الجملة، ولا بد قبل هذا الجواب من جملة قد حذفت؛ ليصح ~~المعنى بذلك، تقديره: ففصلاه أو فعلا ما تراضيا عليه، فلا جناح ms1350 عليهما في ~~الفصال، أو في الفصل. # فصل في التشاور # التشاور في اللغة: استخراج الرأي، وكذلك المشورة كالمعونة، وشرت ~~العسل، إذا استخرجته. # وقال أبو زيد: شرت الدابة، وشورتها، أجريتها لاستخراج ~~جريها في الموضع الذي تعرض فيه الدواب، يقال له: الشوار، والشوار ~~بالفتح متاع البيت؛ لأنه يظهر للناظر، ويقال: شورته فتشور، أي: ~~خجلته، والشارة: هيئة الرجل؛ لأنه ما يظهر من زينته ويبدو منها، ~~والإشارة: إخراج ما في نفسك وإظهاره للمخاطب بالنطق وغيره. # فصل في مدة الفطام # دلت الآية على أن الفطام في أقل من حولين لا يجوز إلا عند رضا ~~الوالدين، وعند المشاورة مع أرباب التجارب، وذلك لأن الأم قد تمل ~~من الرضاع فتحاول الفطام؛ والأب أيضا قد يمل من عطاء الأجرة على ~~الإرضاع، فيحاول الفطام؛ دفعا لذلك، لكنهما قلما يتوافقان على ~~الإضرار بالولد؛ لغرض النفس، ثم بتقدير توافقهما: اعتبر المشاورة مع ~~غيرهما، وعند ذلك يبعد حصول موافقة الكل على ما يكون فيه ضرر الولد، ~~فعند اتفاق الكل على أن الفطام قبل الحولين لا يضر الولد ألبتة ~~يجوز الفطام. # فانظر إلى إحسان الله تعالى بهذا الطفل الصغير، كم شرط في جواز فطامه من ~~الشروط؛ دفعا للمضار عنه، ثم عند اجتماع هذه الشرائط لم يصرح ~~بالإذن، بل قال: { فلا جناح عليهما }. # قوله: { وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم }. # " أن " وما في حيزها في محل نصب، مفعولا ب " أراد " وفي " ~~استرضع " قولان للنحويين: # أحدهما: أنه يتعدى لاثنين، ثانيهما بحرف الجر، والتقدير: أن ~~تسترضعوا المراضع لأولادكم، فحذف المفعول الأول وحرف الجر من الثاني، ~~فهو نظير " أمرت الخير " ، ذكرت المأمور به، ولم تذكر المأمور؛ ~~لأن الثاني منهما غير الأول، وكل مفعولين كانا كذلك، فأنت فيهما ~~بالخيار بين ذكرهما وحذفهما، وذكر الأول، دون الثاني والعكس. # قال الواحدي: { أن تسترضعوا أولادكم } ، أي: ~~لأولادكم وحذف اللام، اجتزاء بدلالة الاسترضاع؛ لأنه لا يكون ~~إلا للأولاد، ولا يجوز: " دعوت زيدا " وأنت تريد لزيد؛ لأنه ~~لا يلتبس هاهنا خلاف ما قلنا في الاسترضاع، ونظير حذف " اللام " قوله ~~تعالى: # وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ms1351 # [المطففين:3] أي: كالو لهم، أو وزنوا لهم. # والثاني: أنه متعد إليهما بنفسه، ولكنه حذف المفعول الأول، وهذا رأي ~~الزمخشري، ونظر الآية الكريمة بقولك: " أنجح الحاجة " " ~~واستنجحته الحاجة " وهذا يكون نقلا بعد نقل؛ لأن الأصل " ~~رضع الولد " ، ثم تقول: " أرضعت المرأة الولد " ، ثم ~~تقول: " استرضعتها الولد "؛ هكذا قال أبو حيان. # قال شهاب الدين: وفيه نظر؛ لأن قوله " رضع الولد " يشعر أن هذا ~~لازم، ثم عديته بهمزة النقل، ثم عديته ثانيا بسين الاستفعال، وليس ~~كذلك، لأن " رضع الولد " متعد، غاية ما فيه أن مفعوله غير ~~مذكور، وتقديره: رضع الولد أمه؛ لأن المادة تقتضي مفعولا ~~به؛ كضرب، وأيضا فالتعدية بالسين قول مرغوب عنه، والسين للطلب على ~~بابها؛ نحو: استسقيت زيدا ماء، واستطعمته خبزا؛ ~~فكما أن ماء وخبزا منصوبان، لا على إسقاط الخافض كذلك " ~~أولادكم " ، وقد جاء [استفعل] للطلب، وهو معدى إلى الثاني بحرف ~~جر، وإن كان " أفعل " الذي هو أصله متعديا لاثنين، نحو: " ~~أفهمني زيد المسألة " واستفهمته عنها، ويجوز حذف " عن " ، ~~فلم يجيء مجيء " استسقيت " و " استطعمت " من كون ثانيهما ~~منصوبا، لا على إسقاط الخافض. # وفي هذا الكلام التفات وتلوين، أما الالتفات: فإنه خروج من ضمير ~~الغيبة في قوله: " فإن أرادوا " إلى الخطاب في قوله: " وإن ~~أردتم "؛ إذ المخاطب الآباء والأمهات، وأما التلوين في الضمائر، ~~فإن الأول ضمير تثنية، وهذا ضمير جمع، والمراد بهما الآباء والأمهات ~~أيضا؛ وكأنه رجع بهذا الضمير المجموع إلى الوالدات والمولود له، ولكنه ~~غلب المذكر، وهو المولود له، وإن كان مفردا لفظا، و " فلا ~~جناح " جواب الشرط. # قوله: { إذا سلمتم مآ ءاتيتم } " إذا " شرط حذف جوابه؛ ~~لدلالة الشرط الأول وجوابه عليه، قال أبو البقاء: وذلك المعنى هو العامل ~~في " إذا " وهو متعلق بما تعلق به " عليكم " ، وهذا خطأ في ~~الظاهر؛ لأنه جعل العامل فيها أولا ذلك المعنى المدلول عليه بالشرط ~~الأول وجوابه، فقوله ثانيا " وهو متعلق بما تعلق به عليكم " ~~تناقض، اللهم إلا أن يقال: قد يكون سقطت من الكاتب ألف، وكان الأصل " ~~أو هو متعلق " فيصح، إلا أنه ms1352 إذا كان كذلك، تمحضت " ~~إذا " للظرفية، ولم تكن للشرط، وكلام هذا القائل يشعر بأنها شرطية في ~~الوجهين على تقدير الاعتذار عنه. # وليس التسليم شرطا للجواز والصحة، وإنما هو ندب إلى الأولى، ~~والمقصود منه أن يسلم الأجرة إلى المرضعة يدا بيد، حتى تطيب نفسها، ~~ويصير ذلك سببا لصلاح حال الطفل، والاحتياط في مصالحه. # وقرأ الجمهور: " آتيتم " بالمد هنا وفي الروم: # ومآ ءاتيتم من ربا # [الروم:39] وقصرهما ابن كثير. وروى شيبان عن عاصم " أوتيتم " ~~مبنيا للمفعول، أي: ما أقدركم الله عليه، فأما قراءة الجمهور، ~~فواضحة؛ لأن " آتى " بمعنى " أعطى " ، فهي تتعدى لاثنين، أحدهما ~~ضمير يعود على " ما " الموصولة، والآخر ضمير يعود على المراضع، ~~والتقدير: ما آتيتموهن إياه، ف " هن " هو المفعول الأول؛ لأنه ~~الفاعل في المعنى، والعائد هو الثاني؛ لأنه هو المفعول في المعنى، ~~والكلام على حذف هذا الضمير، وهو منفصل قد تقدم ما عليه من الإشكال، ~~والجواب عند قوله: # ومما رزقناهم ينفقون # [البقرة:3]. # وأما قراءة القصر، فمعناها جئتم وفعلتم يقال: أتيت جميلا، إذا ~~فعلته؛ قال زهير: [الطويل] # 1129- وما كان من خير أتوه فإنما # توارثه آباء آبائهم قبل # أي: فعلوه، والمعنى: إذا سلمتم ما جئتم وفعلتم. # فعلى هذه القراءة يكون التسليم بمعنى الطاعة، والانقياد، لا بمعنى ~~تسليم الأجرة، يعني: إذا سلمتم لأمره وانقدتم لحكمه. # وقال أبو علي: ما أتيتم نقده أو إعطاءه، فحذف المضاف، وأقيم المضاف ~~إليه مقامه، وهو عائد الموصول، فصار: آتيتموه، أي: جئتموه. # وأما قراءة عاصم، فمعناها: ما آتاكم الله وأقدركم عليه من الأجرة، وهو ~~في معنى قوله تعالى: # وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه # [الحديد:7]. # ثم حذف عائد الموصول، وأجاز أبو البقاء أن يكون التقدير: ما جئتم به، ~~فحذف، يعني: حذف على التدريج بأن حذف حرف الجر أولا؛ فاتصل الضمير ~~منصوبا بفعل، فحذف. # و " ما " فيها وجهان: # أظهرهما: أنها بمعنى " الذي " وأجاز أبو علي فيها أن تكون موصولة ~~حرفية، ولكن ذكر ذلك مع قراءة القصر خاصة، والتقدير: إذا سلمتم ~~الإتيان، وحينئذ يستغنى عن ذلك الضمير المحذوف، ولا يختص ذلك بقراءة ms1353 ~~القصر، بل يجوز أن تكون مصدرية مع المد أيضا؛ على أن المصدر واقع ~~موقع المفعول، تقديره: إذا سلمتم الإعطاء، أي: المعطى. # والظاهر في " ما " أن يكون المراد بها الأجرة التي تتعاطاها المرضع، ~~والخطاب على هذا في قوله: " سلمتم " و " آتيتم " للآباء ~~خاصة، وأجازوا أن يكون المراد بها الأولاد، قاله قتادة والزهري، وفيه ~~نظر؛ من حيث وقوعها على العقلاء؛ وعلى هذا فالخطاب في " سلمتم " ~~للآباء والأمهات. # قوله تعالى: { بالمعروف } فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يتعلق ب " سلمتم " أي: بالقول الجميل. # والثاني: أن يتعلق ب " آتيتم ". # والثالث: أن يكون حالا من فاعل " سلمتم " ، أو " آتيتم " ، ~~فالعامل فيه حينئذ محذوف، أي: ملتبسين بالمعروف. # فصل # قد تقدم أن الأم أحق بالرضاع، فإن حصل ثم مانع عن ذلك، جاز ~~العدول عنها إلى غيرها، مثل أن تتزوج بزوج آخر، فإن قيامها بحق ~~ذلك الزوج يمنعها من الرضاع. # ومنها: إذا طلقها الزوج الأول، فقد تكره الرضاع؛ حتى يتزوج بها ~~زوج آخر. # ومنها: أن تأبى المرأة إرضاع الولد؛ إيذاء للزوج المطلق وإيحاشا ~~له. # ومنها: أن تمرض، أو ينقطع لبنها. # فعند أحد هذه الوجوه، إذا وجدنا مرضعة أخرى، وقبل الطفل لبنها، جاز ~~العدول عن الأم إلى غيرها. # فأما إذا لم نجد مرضعة أخرى أو وجدناها، لكن الطفل لا يقبل لبنها، ~~فهاهنا الإرضاع واجب على الأم. # ثم إنه تعالى ختم الآية بالتحذير، فقال: { واتقوا الله ~~واعلموا أن الله بما تعملون بصير }. ### || [2.234] # في " الذين " أوجه: # أحدها: أنها مبتدأ لا خبر له، بل أخبر عن الزوجات المتصل ذكرهن به؛ ~~لأن الحديث معهن في الاعتداد، فجاء الخبر عن المقصود، إذ المعنى: من ~~مات عنها زوجها، تربصت، وإليه ذهب الكسائي والفراء؛ وأنشد الفراء: ~~[الطويل] # 1130- لعلي إن مالت بي الريح ميلة # على ابن أبي ذبان أن يتندما # فقال: لعلي " ثم قال: " أن يتندم " فأخبر عن ابن أبي ~~ذبان، فترك المتكلم؛ إذ التقدير: لعل ابن أبي ذبان أن يتندم إن ~~مالت بي الريح ميلة. وقال آخر: [الطويل] # 1131- بني أسد إن ابن قيس وقتله # بغير دم ms1354 دار المذلة حلت # فأخبر عن قتله بأنه دار مذلة، وترك الإخبار عن ابن قيس. # وتحرير مذهب الكسائي والفراء: أنه إذا ذكر اسم، وذكر اسم مضاف ~~إليه فيه معنى الإخبار ترك عن الأول، وأخبر عن الثاني؛ نحو: " إن ~~زيدا وأخته منطلقة " ، المعنى: إن أخت زيد منطلقة، لكن ~~الآية الكريمة والبيت الأول ليسا من هذا الضرب، وإنما الذي أورده ~~شبيها بهذا الضرب. قوله: [الوافر] # 1132- فمن يك سائلا عني فإني # وجروة لا ترود ولا تعار # وأنكر المبرد والزجاج ذلك؛ قالا: لأن مجيء المبتدأ بدون الخبر محال، ~~وليس هذا موضع البحث في هذا المذهب ودلائله. # الثاني: أن له خبرا اختلفوا فيه على وجوه: # أحدها: أنه " يتربصن " ، ولا بد من حذف يصحح وقوع هذه ~~الجملة خبرا عن الأول؛ لخلوها من الرابط، والتقدير: وأزواج الذين ~~يتوفون يتربصن؛ ويدل على هذا المحذوف قوله: { ~~ويذرون أزواجا } فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه لتلك ~~الدلالة عليه. والتقدير: يتربصن بعدهم، أو بعد موتهم، قاله الأخفش. # وثالثها: أن " يتربصن " خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: أزواجهم ~~يتربصن، وهذه الجملة خبر عن الأول، قاله المبرد. # ورابعها: أن الخبر محذوف بجملته قبل المبتدأ، تقديره: فيما يتلى ~~عليكم حكم الذين يتوفون، ويكون قوله " يتربصن " جملة مبينة ~~للحكم، ومفسرة له، فلا موضع لها من الإعراب، ويعزى هذا لسيبويه. # قال ابن عطية: وحكى المهدوي عن سيبويه أن المعنى: " ~~وفيما يتلى عليكم الذين يتوفون " ، ولا أعرف هذا الذي ~~حكاه؛ لأن ذلك إنما يتجه إذا كان في الكلام لفظ أمر بعد المبتدأ، ~~نحو قوله تعالى: # والسارق والسارقة فاقطعوا # [المائدة:38] # الزانية والزاني فاجلدوا # [النور:2] وهذه الآية فيها معنى الأمر، لا لفظه، فتحتاج مع هذا التقدير ~~إلى تقدير آخر يستغنى عنه إذا حضر لفظ الأمر. # وخامسها: أن بعض الجملة قام مقام شيء مضاف إلى عائد المبتدأ، ~~والتقدير: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ~~يتربصن أزواجهم " فحذف " أزواجهم " بجملته، وقامت ~~النون التي هي ضمير الأزواج مقامهن بقيد إضافتهن إلى ضمير المبتدأ. # وقال القرطبي: المعنى: والرجال الذين يموتون منكم " " ~~ويذرون " أي: يتركون - " أزواجا " - أي: ولهم ms1355 زوجات - ~~فالزوجات " يتربصن " قال معناه الزجاج واختاره النحاس، ~~وحذف المبتدأ في القرآن كثير؛ قال تعالى: # قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار # [الحج:72] أي هو النار. # وقرأ الجمهور " يتوفون " مبنيا لما لم يسم فاعله، ومعناه: ~~يموتون ويقبضون؛ قال تعالى: # الله يتوفى الأنفس حين موتها # [الزمر:42]، وأصل التوفي أخذ الشيء وافيا كاملا، فمن مات، فقد وجد ~~عمره وافيا كاملا. # وقرأ علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ورواها المفضل عن عاصم - بفتح ~~الياء على بنائه للفاعل، ومعناه: يستوفون آجالهم، قاله ~~الزمخشري. # ويحكى أن أبا الأسود كان خلف جنازة، فقال له رجل: من المتوفي؟ بكسر ~~الفاء، فقال: الله، وكان أحد الأسباب الباعثة لعلي بن أبي طالب - رضي ~~الله عنه - على أن أمره بوضع كتاب في النحو. # وقد تقدم البحث في قوله تعالى: # يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء # [البقرة:228] وهل " بأنفسهن " تأكيد أو لا؟ وهل نصب " قروء ~~" على الظرف، أو المفعولية؟ وهو جار هاهنا. # قوله: " منكم " في محل نصب على الحال من مرفوع " يتوفون " ~~والعامل فيه محذوف، تقديره: حال كونهم منكم، و " من " تحتمل التبعيض ~~وبيان الجنس والأزواج هاهنا. # فصل في معنى " التربص " # و " التربص ": التأني والتصبر عن النكاح، وترك الخروج عن ~~مسكن النكاح بألا تفارقه ليلا، ولم يذكر الله تعالى السكنى ~~للمتوفى عنها في كتابه كما ذكرها للمطلقة بقوله: # أسكنوهن # [الطلاق:6]، وليس في لفظ العدة في القرآن ما يدل على الإحداد وإنما ~~قال: " يتربصن " فبينت السنة جميع ذلك. # قوله: { أربعة أشهر وعشرا } إنما قال " عشرا " من غير ~~تاء تأنيث في العدد والمراد عشرة أيام؛ لوجوه: # الأول: أن المراد " عشر ليال " مع أيامها، وإنما أوثرت الليالي ~~على الأيام في التاريخ لسبقها؛ قال الزمخشري: " وقيل " عشرا " ~~ذهابا إلى الليالي، والأيام داخلة فيها، ولا تراهم قط يستعملون ~~التذكير ذاهبين فيه إلى الأيام، تقول: " صمت عشرا " ، ولو ذكرت ~~خرجت من كلامهم، ومن البين قوله تعالى: # إلا عشرا # [طه:103]، # إن لبثتم إلا يوما # [طه:104]. # الثاني: قال المبرد: إن حذف التاء؛ لأجل أن التقدير عشر مدد كل ~~مدة منها يوم ms1356 وليلة، تقول العرب: " سرنا خمسا " أي: بين يوم ~~وليلة؛ قال: [الطويل] # 1133- فطافت ثلاثا بين يوم وليلة # وكان النكير أن تضيف وتجأرا # والثالث: أن المعدود مذكر وهو الأيام، وإنما حذفت التاء؛ لأن ~~المعدود المذكر، إذا ذكر وجب لحاق التاء في عدده؛ قالوا " صمنا ~~خمسة أيام " ، وإذا حذف لفظا، جاز في العدد الوجهان: ذكر التاء ~~وعدمها، حكى الكسائي: " صمنا من الشهر خمسا " ، ومنه ~~الحديث: # " وأتبعه بست من شوال " # ، وقال الشاعر: [الطويل] # 1134- وإلا فسيري مثل ما سار راكب # تيمم خمسا ليس في سيره أمم # نص النحويون على ذلك. # قال أبو حيان: " فلا يحتاج إلى تأويلها بالليالي ولا بالمدد؛ كما ~~قدره الزمخشري والمبرد على هذا " ، قال: " وإذا تقرر هذا، فجاء ~~قوله: " وعشرا " على أحد الجازئين، وإنما حسن حذف التاء هنا؛ لأنه ~~مقطع كلام، فهو شبيه بالفواصل؛ كما حسن قوله: # إن لبثتم إلا عشرا # [طه:103] كونه فاصلة، فقوله: " ولو ذكرت لخرجت من كلامهم ~~" ليس كما ذكر، بل هو الأفصح، وفائدة ذكره " إن لبثتم إلا ~~يوما " بعد قوله " إلا عشرا " أنه على زعمه أراد الليالي، ~~والأيام داخلة معها، فقوله: " إلا يوما " دليل على إرادة ~~الأيام ". قال أبو حيان: " وهذا عندنا يدل على أن المراد بالعشر ~~الأيام؛ لأنهم اختلفوا في مدة اللبث، فقال بعضهم: " عشرا " وقال ~~بعضهم: " يوما " فدل على أن المقابل باليوم إنما هو أيام؛ إذ لا ~~يحسن في المقابلة أن يقول بعضهم: عشر ليال، فيقول البعض: يوم ~~". # الرابع: أن هذه الأيام [أيام حزن ومكروه، ومثل هذه الأيام] ~~تسمى بالليالي على سبيل الاستعارة؛ كقولهم: " خرجنا ليالي ~~الفتنة، وجئنا ليالي إمارة الحجاج ". # الخامس: أن المراد بها الليالي، وإليه ذهب الأوزاعي وأبو بكر ~~الأصم، وبعض الفقهاء قالوا: إذا انقضى لها أربعة أشهر وعشر ليال، ~~حلت للأزواج. # فصل # لما ذكر الله تعالى عدة الطلاق، واتصل بذكرها ذكر الرضاع، ذكر عدة ~~الوفاة أيضا؛ لئلا يتوهم أن عدة الوفاة مثل عدة الطلاق. # فصل فيمن تستثنى من هذه العدة # هذه العدة واجبة على كل امرأة مات عنها زوجها، إلا في صورتين: # الأولى: ms1357 أن تكون أمة، فإنها تعتد عند أكثر الفقهاء نصف عدة ~~الحرة. # وقال أبو بكر الأصم: عدتها عدة الحرة؛ لظاهر هذه الآية، ولأن الله ~~تعالى جعل وضع الحمل في حق الحامل بدلا عن هذه المدة؛ فوجب أن ~~يشتركا فيه. # وأجاب الفقهاء بأن التنصيف في هذه المدة ممكن، وفي وضع الحمل غير ~~ممكن، فظهر الفرق. # الصورة الثانية: أن تكون حاملا، فعدتها بوضع الحمل، ولو كان بعد ~~وفاة الزوج بلحظة. # وعن علي - رضي الله عنه -: أن تتربصن بأبعد الأجلين. # واستدل الجمهور بقوله تعالى: # وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن # [الطلاق:4]. # فإن قيل: هذه الآية إنما وردت عقيب ذكر المطلقات؛ [فيكون للمطلقات] ~~لا للمتوفى عنها زوجها. # فالجواب: أن دلالة الاقتران ضعيفة، والاعتبار إنما هو بعموم اللفظ. # وأيضا: قال عبد الله بن مسعود: " أنزلت سورة النساء القصرى ~~بعد الطولى " أراد بالقصرى " سورة الطلاق " ، وبالطولى " ~~سورة البقرة " ، وأراد به قوله تعالى في سورة الطلاق: # وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن # [الطلاق:4] نزلت بعد قوله: { يتربصن بأنفسهن أربعة ~~أشهر وعشرا } فحمله على الفسخ، وعامة الفقهاء خصوا الآية ~~بحديث سبيعة، وهو ما روي في " الصحيحين ": أن سبيعة ~~الأسلمية كانت تحت سعد بن خولة، فتوفي عنها في حجة الوداع، وهي ~~حامل، فولدت بعد وفاة زوجها بنصف شهر، فلما طهرت من دمها تجملت ~~للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك، رجل من بني عبد الدار، ~~فقال لها: ما لي أراك متجملة، لعلك تريدين النكاح، والله ما أنت ~~بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر، قالت سبيعة: فسألت النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن ذلك، قالت: فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، ~~وأمرني بالتزويج، إن بدا لي. # ولا فرق في عدة الوفاة بين الصغيرة والكبيرة، وقال ابن عباس: لا ~~عدة عليها قبل الدخول. # فصل في عدة أم الولد المتوفى عنها سيدها # اختلفوا في عدة أم الولد، إذا توفي عنها سيدها، فقال سعيد بن ~~المسيب، والزهري، والحسن البصري، وجماعة: عدتها أربعة أشهر ~~وعشر، وبه قال الأوزاعي، وإسحاق. # وروي عن علي، وابن ms1358 مسعود: أن عدتها ثلاث حيض، وهو قول عطاء ~~وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري وأصحاب الرأي. # قال مالك: لا تنقضي عدتها في هذه المدة حتى ترى عادتها من الحيض في ~~تلك المدة، مثل إن كانت عادتها أن تحيض في كل شهر فعليها حيضتان، وإن ~~كانت عادتها أن تحيض في كل أربعة أشهر مرة، فهاهنا يكفيها الشهور، ~~وهذا خلاف ظاهر الآية، فإن ارتابت، استبرأت نفسها من الريبة؛ كما أن ~~ذات الأقراء، لو ارتابت وجب عليها أن تحتاط. # فصل # إذا مات الزوج، وقد بقي من شهر الوفاة أكثر من عشرة أيام، فالشهر ~~الثاني والثالث والرابع يؤخذ بالأهلة، سواء خرجت ناقصة أو كاملة، ثم ~~تكمل الشهر الأول من الخامس ثلاثين يوما، ثم تضم إليها عشرة ~~أيام. # وإن مات، وقد بقي من الشهر أقل من عشرة أيام، اعتبر أربعة أشهر بعد ~~ذلك بالأهلة، وكمل العشرين من الشهر السادس. # فصل في كون الآية ناسخة # أجمع الفقهاء على أن هذه الآية ناسخة لما بعدها من الاعتداد بالحول، ~~وإن كانت متقدمة في التلاوة غير أبي مسلم الأصفهاني، فإنه أبى ~~نسخها، وسيأتي كلامه إن شاء الله تعالى. والتقدم في التلاوة لا يمنع ~~التأخر في النزول. # فصل في ابتداء هذه المدة # اختلفوا في ابتداء هذه المدة، فقال بعضهم: ابتداؤها من حين العلم ~~بالوفاة؛ لقوله تعالى: { يتربصن بأنفسهن } والتربص ~~بأنفسهن لا يحصل إلا بقصد التربص، والقصد لا يكون إلا مع العلم. # وقال الأكثرون: ابتداؤها من حيث الموت؛ لأنه سببها، فلو انقضت المدة ~~أو أكثرها، ثم بلغها خبر الوفاة، اعتدت بما انقضى من المدة، ويدل ~~على ذلك أن الصغيرة التي لا علم لها يكفي في انقضاء عدتها مضي ~~هذه المدة. # فصل في وجوب نفقة الحامل # قال القرطبي: أجمع العلماء على أن نفقة المطلقة إذا كانت حاملا ~~واجبة؛ لقوله تعالى: # وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى ~~يضعن حملهن # [الطلاق:6]، واختلفوا في وجوب نفقة الحامل المتوفى عنها زوجها، فقال ~~ابن عباس، وسعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن، وعكرمة، ويحيى الأنصاري، ~~وربيعة، ومالك، وأحمد، وإسحاق: ليس ms1359 لها نفقة، وحكاه أبو عبيد عن أصحاب ~~الرأي. # وروي عن علي، وعبد الله: أن لها النفقة من جميع المال، وبه قال ابن ~~عمر، وشريح، وابن سيرين، والشعبي، وأبو العالية، والنخعي، وحماد ~~بن أبي سلمان، وأيوب السختياني وسفيان الثوري، وأبو عبيد. # فصل # روي عن أبي العالية وسعيد بن المسيب؛ أن الله تعالى حد العدة بهذا ~~القدر؛ لأن الولد ينفخ فيه الروح في العشر بعد الأربعة، وهو منقول ~~عن الحسن البصري. # فصل # احتج من قال إن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الإسلام؛ بقوله تعالى: ~~{ والذين يتوفون منكم } قالوا: هذا خطاب مع المؤمنين، ~~فاختص بهم، وجوابه أن المؤمنين، لما كانوا هم العاملين بذلك، ~~خصهم بالذكر؛ كقوله: # إنمآ أنت منذر من يخشاها # [النازعات:45] مع أنه كان منذرا للكل؛ لقوله تعالى: # ليكون للعالمين نذيرا # [الفرقان:1]. # قوله: { فإذا بلغن أجلهن } أي إذا انقضت هذه المدة، { فلا ~~جناح عليكم } قيل الخطاب مع الأولياء؛ لأنهم الذين يتولون ~~العقد. # وقيل الخطاب للحكام. # قوله: { فيما فعلن في أنفسهن } أي: من اختيار الأزواج ~~دون العقد، فإن العقد إلى الولي. # وقيل: فيما فعلن من التزين للرجال زينة لا يشكرها الشرع. # فصل في وجوب الإحداد في عدة الوفاة # يجب عليها الإحداد في عدة الوفاة، وهو الامتناع من الزينة ~~والطيب، فلا يجوز لها تدهين رأسها بأي دهن كان، سواء كان فيه ~~طيب أو [لم يكن]، [ولها تدهين جسدها بدهن لا طيب فيه، فإن كان فيه ~~طيب، فلا يجوز]، ولا يجوز لها أن تكتحل بكحل فيه طيب وفيه زينة، ~~كالكحل الأسود، ولا بأس بالكحل الفارسي الذي لا زينة فيه، فإن اضطرت ~~إلى كحل فيه زينة فرخص فيه كثير من أهل العلم منهم سالم بن عبد ~~الله، وسليمان بن يسار، وعطاء والنخعي، وبه قال مالك وأصحاب الراي. # وقال الشافعي: تكتحل به ليلا وتمسحه نهارا. # قالت أم سلمة: دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين ~~توفي أبو سلمة، وقد جعلت علي صبرا، فقال: إنه يشب الوجه، ~~فلا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار. # ولا يجوز لها الخضاب، ms1360 ولا لبس الوشي والديباج والحلي، ويجوز ~~لها لبس البيض من الثياب، ولبس الصوف والوبر، ولا تلبس الثوب ~~المصبوغ؛ كالأحمر، والأصفر، والأخضر الناضر، ويجوز ما صبغ لغير ~~زينة؛ كالسواد والكحلي. # وقال سفيان: لا تلبس المصبوغ بحال. # فصل في العدة في بيت الزوج # قال القرطبي: إذا كان الزوج يملك رقبة المسكن، فإن للزوجة العدة ~~فيه، وعليه أكثر الفقهاء، وإن كان للزوج السكنى دون الرقبة، فلها ~~السكنى في مدة العدة؛ خلافا لأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله - عليه ~~الصلاة والسلام - للفريعة - وقد علم أن زوجها يملك رقبة المسكن : # " أمكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله ". # وهذا إذا كان قد أدى الكراء، فإن كان لم يؤد الكراء، فالذي في " ~~المدونة " أنه لا سكنى لها في مال الميت، وإن كان موسرا؛ ~~لأن حقها إنما يتعلق بما يملكه من السكنى ملكا تاما، وما ~~لم ينقد عوضه لم يملكه ملكا تاما، وإنما ملك العوض الذي بيده، ~~ولا حق في ذلك للزوجة إلا بالميراث، دون السكنى؛ لأن ذلك ~~مال، وليس بسكنى. وروي عن مالك: أن الكراء لازم للميت في ماله. # فصل # ولها أن تخرج في حوائجها نهارا إلى بعد العتمة، ولا تبين إلا في ~~منزلها، وقوله عليه الصلاة والسلام # " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر " # يدل على أن الكتابية لا إحداد عليها، وبه قال أبو حنيفة، وروي ~~عن مالك أن عليها الإحداد؛ كالمسلمة، وبه قال الشافعي. # فصل # والإحداد واجب على جميع الزوجات الحرائر والإماء والصغار والكبار، ~~وذهب أبو حنيفة أنه لا إحداد على أمة، ولا على صغيرة، وقال الحسن: ~~الإحداد ليس بواحب. # قوله: " بالمعروف " فيه أربعة أوجه: # أحدها: أن يكون حالا من فاعل " فعلن " ، أي: فعلن ~~ملتبسات بالمعروف ومصاحبات له. # والثاني: أنه مفعول به، أي: تكون الباء باء التعدية. # الثالث: أن يكون نعت مصدر محذوف، أي: فعلن فعلا بالمعروف، أي: ~~كائنا، ويجيء فيه مذهب سيبويه: أنه حال من ضمير المصدر المعرفة، ~~أي: فعلنه - أي الفعل - ملتبسا بالمعروف، وهو الوجه الرابع. # قوله: { بما تعملون } متعلق ب " خبير " ، وقدم لأجل ~~الفاصلة، ms1361 و " ما " يجوز أن تكون مصدرية، وأن تكون بمعنى " الذي " ~~أو نكرة موصوفة، وهو ضعيف، وعلى هذين القولين، فلا بد من عائد ~~محذوف، وعلى الأول لا يحتاج إليه، إلا على رأي ضعيف. # فصل # تمسك أصحاب أبي حنيفة في جواز النكاح بغير ولي بقوله تعالى: { ~~فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن ~~بالمعروف } قالوا: وإضافة الفعل إلى الفاعل محمول على المباشرة؛ ~~لأن هذا هو الحقيقة في اللفظ. # والجواب أن هذا الخطاب مع الأولياء، أو الحكام؛ كما تقدم، ~~وتقدير الآية: لا جناح على النساء وعليكم، ثم قال: { فيما ~~فعلن في أنفسهن بالمعروف } أي: ما يحسن عقلا ~~وشرعا؛ لأن المعروف ضد المنكر الذي لا يحسن، وذلك هو الحلال ~~من التزويج إذا كان مستجمعا لشرائط الصحة، والله أعلم. ### || [2.235] # قال القرطبي: لا جناح، أي: لا إثم والجناح: الإثم، وهو أصح في ~~الشرع. # وقيل: بل هو الأمر الشاق، وهو أصح في اللغة؛ قال الشماخ: ~~[الوافر] # 1135- إذا تعلو براكبها خليجا # تذكر ما لديه من الجناح # و " التعريض " في اللغة: ضد التصريح، ومعناه: أن يضمن كلامه ~~ما يصلح للدلالة على مقصوده، ويصلح للدلالة على غير مقصوده، إلا ~~أن إشعاره بجانب المقصود أتم وأرجح. # وأصله من عرض الشيء، وهو جانبه؛ كأنه يحوم حوله؛ ولا يظهر، ~~ونظيره أن يقول المحتاج للمحتاج إليه: جئتك لأسلم عليك، ولأنظر ~~إلى وجهك الكريم؛ ولذلك قال: [الطويل] # 1136-.............................. # وحسبك بالتسليم مني تقاضيا # والتعريض قد يسمى تلويحا؛ لأنه يلوح منه ما يريده، والفرق ~~بين الكناية والتعريض: أن الكناية ذكر الشيء بذكر لوازمه؛ كقولك ~~فلان طويل النجاد، كثير الرماد؛ لأن النجاد عبارة عن حميلة ~~السيف، إذا كانت حميلة سيفه طويلة، لزم منه أن يكون الرجل ~~طويلا، وكذلك إذا كان كثير الرماد، لزم منه أن يكون كثير الطبخ ~~للأضياف، وغيرهم، والتعريض أن يذكر كلاما يحتمل المقصود وغيره، ~~إلا أن قرينة الحال تؤكد حمله على المقصود. # وقال الفراء: الخطبة مصدر بمعنى الخطب، وهي مثل قولك: إنه ~~لحسن القعدة والجلسة تريد: القعود والجلوس والخطبة ~~مصدر في الأصل بمعنى الخطب، والخطب: ms1362 الحاجة، ثم خصت بالتماس ~~النكاح؛ لأنه بعض الحاجات، يقال: ما خطبك؟ أي: ما حاجتك. وفي ~~اشتقاقه وجهان: # الأول: الأمر والشأن يقال ما خطبك؟ أي: ما شأنك؟ فقولهم: خطب ~~فلان فلانة، أي: سألها أمرا وشأنا في نفسها. # والثاني: أصل الخطبة من الخطابة الذي هو الكلام، يقال: خطب ~~المرأة، أي: خاطبها في أمر النكاح، والخطب: الأمر العظيم؛ لأنه ~~يحتاج لخطاب كثير. والخطبة بالضم، الكلام المشتمل على الوعظ ~~والزجر، وكلاهما من الخطب الذي هو الكلام، وكانت سجاح يقال لها ~~خطب فتقول: نكح. # قوله تعالى: { من خطبة النسآء } في محل نصب على الحال، ~~وفي صاحبها وجهان: # أحدهما: الهاء المجرورة في " به ". # والثاني: " ما " المجرورة ب " في " ، والعامل على كلا التقديرين ~~محذوف، وقال أبو البقاء: حال من الهاء المجرورة، فيكون العامل فيه ~~" عرضتم " ، ويجوز أن يكون حالا من " ما " فيكون العامل فيه ~~الاستقرار. قال شهاب الدين: وهذا على ظاهره ليس بجيد؛ لأن العامل ~~فيه محذوف؛ على ما تقرر، إلا أن يريد من حيث المعنى لا الصناعة، ~~فقد يجوز له ذلك. # والخطبة بكسر الخاء - فعل الخاطب -: من كلام وقصد، واستلطاف، بفعل ~~أو قول. يقال: خطبها يخطبها خطبا، أو خطبة، ورجل خطاب كثير ~~التصرف في الخطبة، والخطيب: الخاطب، والخطيبى: الخطبة، ~~والخطبة فعله: كجلسة، وقعدة، وخطبة - بضم الخاء - هي الكلام الذي ~~يقال في النكاح، وغيره. # قال النحاس: " والخطبة " ما كان لها أول وآخر، وكذلك ما كان على ~~فعله، نحو الأكلة، والضغطة. # فصل في جواز التعريض بالخطبة في عدة الوفاة # التعريض بالخطبة مباح في عدة الوفاة، وهو أن يقول: رب راغب ~~فيك، ومن يجد مثلك، إنك لجميلة إنك لصالحة، إنك علي كريمة، ~~إني فيك لراغب، وإن من غرضي أن أتزوج، وإن جمع الله بيني ~~وبينك بالحلال أعجبتني، وإن تزوجتك لأحسن إليك، ونحو ذلك من ~~الكلام، من غير أن يقول: أنحكيني. # والمرأة تجيبه بمثله، إن رغبت فيه. # وقال إبراهيم: لا بأس أن يهدي لها ويقوم بشغلها في العدة، إذا كانت ~~غير شابة. # روي أن سكينة بنت حنظلة؛ بانت من زوجها، ms1363 فدخل عليها أبو جعفر ~~محمد بن علي الباقر في عدتها، وقال: يا ابنة حنظلة، أنا من قد ~~علمت قرابتي من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحق جدي ~~علي، وقدمي في الإسلام، فقالت له سكينة: أتخطبني وأنا في العدة، ~~وأنت يؤخذ عنك؟ فقال أو قد فعلت؟ إنما أخبرتك بقرابتي من رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -. # وقد دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أم سلمة، وهي في ~~عدة من زوجها، أبي سلمة، فذكر لها منزلته من الله - عز وجل - ~~وهو متحامل على يده؛ حتى أثر الحصير في يده من شدة تحامله على ~~يده. # فصل # والنساء في حكم الخطبة على ثلاثة أقسام: # الأول: التي يجوز خطبتها تعريضا، وتصريحا، وهي الخالية عن ~~الأزواج والعدد إلا أن يكون خطبها غيره؛ لقوله عليه الصلاة ~~والسلام : # " لا يخطبن أحدكم على خطبة أخيه " # ، وهذا الحديث وإن كان مطلقا ففيه ثلاثة أجوال: # الحالة الأولى: أن يخطب الرجل، فيجاب صريحا؛ فهاهنا لا يحل ~~لغيره أن يخطبها. # الحالة الثانية: أن يجاب بالرد صريحا؛ فهاهنا يحل لغيره أن ~~يخطبها. # الحالة الثالثة: ألا يوجد صريح الإجابة، ولا صريح الرد؛ فهاهنا ~~فيه خلاف. # فقال بعضهم تجوز خطبتها؛ لأن السكوت لم يدل على الرضا وهو ~~الجديد عن الشافعي. # وقال مالك: لا يجوز، وهو القديم؛ لأن السكوت وإن لم يدل على ~~الرضا، لكنه لا يدل أيضا على الكراهة، فربما حصلت الرغبة من ~~بعض الوجوه؛ فتصير هذه الخطبة الثانية مزيلة لذلك القدر من الرغبة. # القسم الثاني: التي لا تجوز خطبتها؛ لا تصريحا، ولا تعريضا، وهي ~~زوجة الغير؛ لأن خطبتها ربما صارت سببا لتشويش الأمر على زوجها، ~~من حيث إنها إذا علمت رغبة الخاطب، فربما حملها ذلك على الامتناع من ~~تأدية حقوق الزوج، والتسبب إلى هذا حرام، والرجعية كذلك؛ لأنها في حكم ~~الزوجة؛ لصحة طلاقها، وظهارها، ولعانها، وعدتها منه عدة الوفاة ~~إذا مات عنها ويتوارثان. # القسم الثالث: أن يفصل في حقها بين التعريض، والتصريح، وهي ~~المعتدة غير الرجعية، وهي ثلاثة أقسام: # الأول: المعتدة عدة ms1364 الوفاة، يجوز خطبتها تعريضا؛ لقوله تعالى: { ~~ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة ~~النسآء } فظاهره أنها المتوفى عنها زوجها؛ لأنها مذكورة عقب تلك ~~الآية، ولما خصص التعريض بعدم الجناح، دل على أن التصريح ~~بخلافه، والمعنى يؤكده؛ لأن التصريح لا يحتمل غير النكاح، فربما ~~حملها الحرص على النكاح، على الإخبار بانقضاء العدة قبل أوانها ~~بخلاف التعريض، فإنه يحتمل غير ذلك، فلا يدعوها إلى الكذب. # الثاني: المعتدة عن الطلاق الثلاث، والبائن باللعان والرضاع ففي ~~جواز التعريض بخطبتها خلاف. # فقيل: يجوز التعريض بخطبتها، لأنها ليست في نكاح، فأشبهت المتوفى ~~عنها. # وقيل: لا يجوز لأن عدتها بالأقراء، فلا يؤمن عليها الكذب في ~~الإخبار بانقضاء عدتها؛ لرغبتها في الخطاب. # الثالث: البائن لطلاق أو فسخ، وهي التي يجوز لزوجها نكاحها في ~~عدتها كالمختلعة، والتي انفسخ نكاحها بعيب أو عنة، أو إعسار ~~نفقة، فهذه يجوز لزوجها التصريح، والتعريض؛ وأما غير الزوج، فلا ~~يحل له التصريح، وفي التعريض خلاف، والصحيح: أنه لا يحل لأنها ~~معتدة، تحل للزوج أن يستنكحها في عدتها، فلم يحل التعريض لها ~~كالرجعية. # وقيل: هي كالمتوفى عنها زوجها، والمطلقة ثلاثا. # قوله تعالى: " أو أكننتم " " أو " هنا للإباحة، أو التخيير، ~~أو التفصيل، أو الإبهام على المخاطب، " وأكن " في نفسه شيئا، ~~أي: أخفاه، وكن الشيء بثوب ونحوه: أي ستره به، فالهمزة في " ~~أكن " للتفرقة بين الاستعمالين ك " أشرقت، وشرقت ". # وقال الفراء: للعرب في " أكننت الشيء " أي: سترته، لغتان: ~~كننته، وأكننته في الكن، وفي النفس؛ بمعنى، ومنه # ما تكن صدورهم # [القصص:69]، و # بيض مكنون # [الصافات:49] وفرق قوم بينهما، فقالوا: كننت الشيء، إذا صنته حتى ~~لا تصيبه آفة، وإن لم يكن مستورا يقال: در مكنون وجارية ~~مكنونة، وبيض مكنون مصون عن التدحرج؛ وأما " أكننت " فمعناه: ~~أضمرت ويستعمل ذلك في الشيء الذي يخفيه الإنسان، ويستره عن غيره، وهو ~~ضد أعلنت وأظهرت، ومفعول " أكن " محذوف يعود على " ما " ~~الموصولة في قوله: " فيما عرضتم " أي: أو أكننتموه، ف " ~~في أنفسكم " متعلق ب " أكننتم " ، ويضعف جعله حالا ~~من المفعول المقدر. # فصل في ms1365 عدوم وجوب الحد بالتعريض # استدل بعضهم بهذه الآية على أنه لا يجب الحد بالتعريض بالقذف [لأن ~~الله تعالى لما دفع الجرج في التعريض بالنكاح، دل على أن ~~التعريض بالقذف] لا يوجب الحد. # وأجيب بأن الله تعالى لم يحل التصريح بالخطبة في النكاح ~~للمعتدة، وأذن في التعريض الذي يفهم منه النكاح، فهذه يدل على ~~أن التعريض يفهم منه القذف والأعراض يجب صيانتها، وذلك يوجب الحد ~~على المعرض؛ لئلا يتعرض الفسقة إلى أخذ الأعراض بالتعريض الذي يفهم ~~منه ما يفهم بالتصريح. # فصل في المقصود من الآية # والمقصود من الآية أنه لا حرج في التعريض للمرأة في عدة الوفاة، ~~ولا فيما يضمره الرجل من الرغبة فيها. # فإن قيل: إن التعريض بالخطبة أعظم حالا من أن يميل بقلبه إليها، ~~ولا يذكر باللسان شيئا، فلما قدم جواز التعريض بالخطبة، كان قوله ~~بعد ذلك { أو أكننتم في أنفسكم } جار مجرى إيضاح ~~الواضحات. # فالجواب: ليس المراد ما ذكرتم، بل المراد أنه أباح التعريض، وحرم ~~التصريح في الحال، ثم قال: { أو أكننتم في أنفسكم } ~~والمراد: أن يعقد قلبه على أنه سيصرح بذلك في المستقبل، ففي أول ~~الآية أباح التعريض في الحال، وحرم التصريح في الحال، وهاهنا أباح ~~له أن يعقد عليه على أنه سيصرح بذلك بعد انقضاء العدة، ثم إنه ~~تعالى ذكر الوجه الذي لأجله أباح ذلك، فقال: " علم أنكم ~~ستذكرونهن " لأن شهوة النفس إذا حصلت للنكاح، لا يكاد يخلو ~~ذلك المشتهي من العزم، والتمني، فلما كان دفع هذا الخاطر، كالشيء ~~الشاق أسقط عنه هذا الحرج، وأباح له ذلك، ثم قال: { ولكن ~~لا تواعدوهن سرا } وهذا الاستدراك فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه استدراك من الجملة قبله، وهي قوله: " ستذكرونهن ~~"؛ فإن الذكر يقع على أنحاء كثيرة، ووجوه متعددة، فاستدرك ~~منه وجه نهي فيه عن ذكر مخصوص، ولو لم يستدرك، لكان من ~~الجائز؛ لاندراجه تحت مطلق الذكر، وهو نظير: " زيد سيلقى ~~خالدا، ولكن [لا] يواجهه بشر " ، لما كانت أحوال ~~اللقاء كثيرة، من جملتها مواجهته بالشر، استدركت هذه الحالة ~~من بينها. ms1366 # والثاني: - قاله أبو البقاء -: أنه مستدرك من قوله: " فيما ~~عرضتم " وليس بواضح. # والثالث: - قاله الزمخشري - أن المستدرك منه جملة محذوفة ~~قبل " لكن " تقديره: " فاذكروهن، ولكن لا ~~تواعدوهن سرا " وقد تقدم أن المعنى على الاستدراك من ~~الجملة قبله، فلا حاجة إلى حذف؛ وإنما الذي يحتاجه ما بعد " لكن ~~" وقوع ما قبلها من حيث المعنى، لا من حيث اللفظ؛ لأن نفي ~~المواجهة بالشر يستدعي وقوع اللقاء. # قوله: " سرا " فيه خمسة أوجه: # أحدها: أن يكون مفعولا ثانيا. # والثاني: أنه حال من فاعل " تواعدوهن " ، أي: لا ~~تواعدوهن مستخفين بذلك. # والثالث: أنه نعت مصدر محذوف، أي: مواعدة سرا. # والرابع: أنه حال من ذلك المصدر المعرف، أي: المواعدة مستخفية. # والخامس: أن ينتصب على الظرف مجازا، أي: في سر. # وعلى الأقوال الأربعة: فلا بد من حذف مفعول، تقديره: لا ~~تواعدوهن نكاحا. # والسر: ضد الجهر: وقيل: يطلق على الوطء، وعلى الزنا ~~بخصوصية؛ وأنشدوا للحطيئة: [الوافر] # 1137- ويحرم سر جارتهم عليهم # ويأكل جارهم أنف القصاع # وقول الآخر هو الأعشى : [الطويل] # 1138- ولا تقربن جارة إن سرها # حرام عليك فانكحن أو تأبدا # وقال الفرزدق: [الطويل] # 1139- موانع للأسرار إلا من أهلها # ويخلفن ما ظن الغيور المشفشف # أي: الذي شغفه بهن، يعني: أنهن عفائف يمنعن الجماع إلا من ~~أزواجهن؛ وقال امرؤ القيس: [الطويل] # 1140- ألا زعمت بسباسة اليوم أنني # كبرت وألا يحسن السر أمثالي # فصل في بيان السر في الآية # اختلفوا في السر هنا، فقال قوم: هو الزنا، كان الرجل يدخل على ~~المرأة من أجل الزنية وهو يعرض بالنكاح، ويقول لها: دعيني ~~أجامعك، فإذا وفيت عدتك، أظهرت نكاحك قاله الحسن، وقتادة، ~~وإبراهيم، وعطاء، ورواه عطية عن ابن عباس. # وقال زيد بن أسلم: أي: لا ينكحها سرا فيمسكها فإذا حلت، أظهرت ~~ذلك. # وقال مجاهد: هو قول الرجل لا تفوتيني بنفسك، فإني ناكحك. وقال ~~الشعبي، والسدي: لا يؤخذ ميثاقها، ألا ينكح غيرها. وقال عكرمة: ~~لا يخطبها في العدة. # وقال الكلبي وروي عن ابن عباس: أي تصفوا أنفسكم لهن بكثرة ~~الجماع، فيقول آتيتك الأربعة والخمسة، وأشباه ذلك، وإنما ms1367 قيل للزنا ~~والجماع سرا؛ لأنه يكون في خفاء بين الرجل والمرأة. # فصل في كراهة المواعدة في العدة # حكى القرطبي، عن ابن عطية، قال: أجمعت الأمة على كراهة ~~المواعدة في العدة للمرأة في نفسها، وللأب في ابنته البكر، والسيد ~~في أمته. قال ابن المواز: وأما الولي الذي لا يملك الجبر، فأكرهه. # وقال مالك - رحمه الله - فيمن يواعد في العدة، ثم يتزوج بعدها: ~~فراقها أحب إلي، دخل بها، أو لم يدخل، وتكون تطليقة واحدة هذه ~~رواية ابن وهب، وروى أشهب عن مالك، أنه يفرق بينهما إيجابا، وقاله ~~ابن القاسم، وحكى ابن الحارث مثله عن ابن الماجشون، ورأى ما يقتضي ~~أن التحريم يتأبد، وقال الشافعي إن صرح بالخطبة، وصرحت له ~~بالإجابة، ولم ينعقد النكاح [حتى] تنقضي العدة، فالنكاح ثابت ~~[والتصريح لهما مكروه] # قوله: { إلا أن تقولوا } في هذا الاستثناء قولان: # أحدهما: أنه استثناء منقطع؛ لأنه لا يندرج تحت " سر " على أي ~~تفسير فسرته به، كأنه قال لكن قولوا قولا معروفا. # والثاني: أنه متصل، وفيه تأويلان ذكرهما الزمخشري فإنه قال: فإن ~~قلت: بم يتعلق حرف الاستثناء؟ [قلت]: ب " لا ~~تواعدوهن " ، أي: لا تواعدوهن مواعدة قط إلا مواعدة ~~معروفة غير منكرة، أو لا تواعدوهن إلا بأن تقولوا، أي: ~~لا تواعدوهن إلا بالتعريض، ولا يكون استثناء منقطعا من " ~~سرا "؛ لأدائه إلى قولك: " لا تواعدوهن إلا التعريض " ~~انتهى، فجعله استثناء متصلا مفرغا على أحد تأويلين: # الأول: أنه مستثنى من المصدر؛ ولذلك قدره: لا تواعدوهن مواعدة ~~إلا مواعدة معروفة. # والثاني: أنه من مجرور محذوف؛ ولذلك قدره ب " إلا بأن ~~تقولوا "؛ [لأن التقدير عنده: لا تواعدوهن بشيء، إلا بأن ~~تقولوا، ثم أوضح قوله بأن تقولوا] بالتعريض، فلما حذفت ~~الباء من " أن " ، وهي باء السببية بقي في " أن " الخلاف المشهور ~~بعد حذف حرف الجر، هل هي في محل نصب أم جر؟ وقوله: " لأدائه ~~إلى قولك... إلى آخره " يعني أنه لا يصح تسلط العامل عليه، فإن ~~القول المعروف عنده المراد به التعريض، وأنت لو قلت: " لا ~~تواعدوهن إلا التعريض " لأن التعريض ms1368 ليس مواعدا. # ورد عليه أبو حيان: بأن الاستثناء المنقطع ليس من شرطه صحة ~~تسلط العامل عليه، بل هو على قسمين: قسم يصح فيه ذلك، وفيه ~~لغتان: لغة الحجاز وجوب النصب مطلقا، نحو: " ما جاء أحد إلا ~~حمارا " ولغة تميم إجراؤه مجرى المتصل، فيجرون فيه النصب والبدلية ~~بشرطه. وقسم لا يصح فيه ذلك، نحو: " ما زاد إلا ما نقص " ، ~~و " ما نفع إلا ما ضر " ، وحكم هذا النصب عند العرب ~~قاطبة، فالقسمان يشتركان في التقدير ب " لكن " عند البصريين، إلا ~~أن أحدهما يصح تسلط العامل عليه في قولك: " ما جاء أحد ~~إلا حمار " لو قلت: " ما جاء إلا حمار " ، صح؛ بخلاف ~~القسم الثاني؛ فإنه لا يتوجه عليه العامل وقد تقدم البحث في مثل ~~هذا كثيرا. # فصل في القول المعروف ما هو؟ # قال بعض المفسرين: هو التعريض بالخطبة. # وقال آخرون: لما أذن في أول الآية بالتعريض، ثم نهي عن المسارة ~~معها؛ دفعا للريبة، استثني منه المسارة بالقول بالمعروف، وهو أن ~~يعدها في السر بالإحسان إليها، والاهتمام بشأنها، والتكفل بمصالحها؛ ~~حتى يصير ذكر هذه الأشياء الجميلة، مؤكدا لذلك التعريض. # قوله: " ولا تعزموا " في لفظ " العزم " وجوه: # الأول: أنه عبارة عن عقد القلب على فعل من الأفعال، قال تعالى: # فإذا عزمت فتوكل على الله # [آل عمران:159] فلا بد في الآية من إضمار فعل، وهذا اللفظ إنما ~~يعدى للفعل بحرف " على " فيقال: فلان عزم على كذا، فيكون تقدير ~~الآية: " ولا تعزموا على عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله ~~" والمقصود منه المبالغة في النهي عن النكاح في زمان العدة، فإن ~~العزم متقدم على المعزوم عليه، فإذا ورد النهي عن الإقدام على المعزوم ~~عليه كان أولى. # الثاني: أن العزم عبارة عن الإيجاب، يقال: عزمت عليكم، أي: ~~أوجبت، ويقال هذا من باب العزائم، لا من باب الرخص؛ وقال - عليه ~~الصلاة والسلام - # " عزمة من عزائم ربنا " # وقال: # " إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما تؤتى ~~عزائمه " # ، فالعزم بهذا المعنى جائز على الله تعالى، وبالوجه الأول لا يجوز. # وإذا ms1369 ثبت هذا فنقول: الإيجاب سبب الوجود ظاهرا، فلا يبعد أن ~~يستفاد لفظ العزم من الوجود، وعلى هذا فقوله: { ولا تعزموا ~~عقدة النكاح } ، أي: لا تحققوا، ولا تنشئوا، ولا تفرعوا ~~منه فعلا؛ حتى يبلغ الكتاب أجله وهذا اختيار أكثر المحققين. # الثالث: قال القفال: إنما لم يقل: ولا تعزموا على عقدة النكاح؛ ~~لأن معناه: ولا تعقدوا عقدة. # قال القرطبي: عزم الشيء عليه قال تعالى: # وإن عزموا الطلاق # [البقرة:227] وقال هنا: { ولا تعزموا عقدة النكاح }. ~~وحكى سيبويه: ضرب فلان الظهر والبطن أي: " على ". # قال سيبويه: والحذف في هذه الأشياء لا يقاس عليه. # وقال النحاس: ويجوز أن يكون ولا تعقدوا عقدة النكاح؛ لأن معنى ~~" تعزموا " و " تعقدوا " واحد. # ويقال: تعزموا، بضم الزاي. # فصل # اعلم أن الإنسان إذا فعل فعلا فلا بد أن يتقدم ذلك الفعل ~~ست مقدمات. # الأولى: أن يسنح له ذلك الفعل، ومعنى " يسنح له ": أن يجنح إلى ~~فعله، ويعرض له فعله. # وثانيها: أن يفكر في فعله أن يفعله، أم لا. وثالثها: أن يخطر ~~بباله فعله، بمعنى أنه يترجح فعله على تركه. ورابعها: أن يريد ~~فعله. # وخامسها: أن يهم بفعله، وهو عزم غير جازم. # وسادسها: أن يعزم عزما جازما فيفعله. # فصل في أصل العقد # وأصل العقد: الشد، والمعهود، والأنكحة تسمى عقودا لأنها تعقد ~~كعقود الحبل في التوثيق. # قوله: " عقدة " في نصبه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه مفعول به على أنه ضمن " عزم " معنى ما يتعدى بنفسه، ~~وهو: تنووا أو تباشروا، ونحو ذلك. # والثاني: أنه منصوب على إسقاط حرف الجر، وهو " على "؛ فإن " عزم ~~" يتعدى بها، قال: [الوافر] # 1141- عزمت على إقامة ذي صباح # لأمر ما يسود من يسود # وحذفها جائز، كقول عنترة، [الكامل] # 1142- ولقد أبيت على الطوى وأظله # حتى أنال به كريم المطعم # أي: وأظل عليه. # والثالث: أنه منصوب على المصدر؛ فإن المعنى: ولا تعقدوا عقدة؛ فكأنه ~~مصدر على غير الصدر؛ نحو: قعدت جلوسا، والعقدة مصدر مضاف للمفعول، ~~والفاعل محذوف، أى: عقدتكم النكاح. # قوله تعالى: { حتى يبلغ الكتاب أجله } فى " الكتاب " ~~وجهان: # أحدهما: أن المراد ms1370 به المكتوب، والمعنى: حتى تبلغ العدة المفروضة ~~آخرها. # الثانى: أن يكون المراد " الكتاب " نفسه، لأنه فى معنى الفرض؛ كقوله: # كتب عليكم الصيام # [البقرة:183] فيكون المعنى: حتى يبلغ هذا التكليف آخره ونهايته، وقال ~~تعالى: # إن الصلوة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا # [النساء:103] أى: مفروضة. # قال القرطبى: وقيل: فى الكلام حذف، أى: حتى يبلغ فرض الكتاب أجله، ~~فالكتاب على هذا المعنى بمعنى القرآن. # ثم قال تعالى: { واعلموا أن الله يعلم ما في ~~أنفسكم } وهذا تنبيه على أنه تعالى لما كان عالما بالسر، ~~والعلانية؛ وجب الحذر منه فى السر، والعلانية، فالهاء فى " ~~فاحذروه " تعود على الله تعالى، ولا بد من حذف مضاف، أى: فاحذروا ~~عقابه. ويحتمل أن تعود على " ما " فى قوله " ما فى أنفسكم " ~~بمعنى ما في أنفسكم من العزم على ما لا يجوز، قاله الزمخشري. # ثم قال: { واعلموا أن الله غفور حليم } أي: لا يعجل ~~بالعقوبة. ### || [2.236] # قوله: " ما لم " فى " ما " ثلاثة أقوال: # أظهرها: أن تكون مصدرية ظرفية، تقديره: مدة عدم المسيس، كقوله ~~تعالى: # خالدين فيها ما دامت السموات والأرض # [هود:107] وقوله: # وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم # [المائدة:117]. # وقول الآخر: [الكامل] # 1143- إني بحبلك واصل حبلي # وبريش نبلك رائش نبلي # ما لم أجدك على هدى أثر # يقرو مقصك قائف قبلي # والثاني: أن تكون شرطية، بمعنى " إن " نقله أبو البقاء. وليس بظاهر؛ ~~لأنه يكون حينئذ من باب اعتراض الشرط على الشرط، فيكون الثانى قيدا فى ~~الأول؛ نحو: " إن تأت إن تحسن إلي أكرمك " أي: إن ~~أتيت محسنا، وكذا فى الآية الكريمة: إن طلقتموهن غير ماسين لهن، ~~بل الظاهر: أن هذا القائل إنما أراد تفسير المعنى؛ لأن " ما " ~~الظرفية مشبهة بالشرطية، ولذلك تقتضي التعميم. # والثالث: أن تكون موصولة بمعنى " الذي " ، وتكون للنساء؛ كأنه قيل: ~~إن طلقتم النساء اللائى لم تمسوهن، وهو ضعيف، لأن " ما " ~~الموصولة لا يوصف بها، وإن كان يوصف ب " الذي " ، و " التي " ، ~~وفروعهما. # وقرأ الجمهور: " تمسوهن " ثلاثيا وهى واضحة؛ لأن الغشيان من ~~فعل الرجل؛ قال تعالى حكاية عن مريم ms1371 # ولم يمسسني بشر # [مريم:20]. وقرأ حمزة والكسائي فى الأحزاب " تماسوهن " من ~~المفاعلة، فيحتمل أن يكون " فاعل " بمعنى " فعل " ك " سافر " ، ~~فتوافق الأولى، ويحتمل أن تكون على بابها من المشاركة؛ كما قال تعالى: # من قبل أن يتمآسا # [المجادلة:3]، وأيضا: فإن الفعل من الرجل والتمكين من المرأة، ولذلك ~~قيل لها زانية، ورجح الفارسي قراءة الجمهور؛ بأن أفعال هذا الباب ~~كلها ثلاثية؛ نحو: نكح، فرع، سفد، وضرب الفحل. # قال تعالى: # لم يطمثهن # [الرحمن:74]، وقال: # فانكحوهن بإذن أهلهن # [النساء:25]، وأما قوله فى الظهار: # من قبل أن يتمآسا # [المجادلة:3] فالمراد به المماسة التى هي غير الجماع، وهي حرام فى ~~الظهار. # قوله: " أو تفرضوا " فيه أربعة أوجه: # أحدها: أنه مجزوم عطفا على " تمسوهن " ، و " أو " على بابها ~~من كونها لأحد الشيئين، قاله ابن عطية. # والثاني: أنه منصوب بإضمار " أن " عطفا على مصدر متوهم، و " أو " ~~بمعنى " إلا " ، التقدير: ما لم تمسوهن إلا أن تفرضوا؛ كقولهم: ~~" لألزمنك أو تقضيني حقي " قاله الزمخشري. # والثالث: أنه معطوف على جملة محذوفة، تقديره: " فرضتم أو لم ~~تفرضوا " ، فيكون هذا من باب حذف الجزم وإبقاء عمله، وهو ضعيف ~~جدا، وكأن الذي حسن هذا كون لفظ " لم " موجودا قبل ذلك. # والرابع: أن تكون " أو " بمعنى الواو. # قال تعالى: # وكم من قرية أهلكناها فجآءها بأسنا بياتا أو ~~هم قآئلون # [الأعراف:4] أي: وهم قائلون # وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون # [الصافات:147] أي: ويزيدون، وقوله: # ولا تطع منهم آثما أو كفورا # [الإنسان:24] وقوله: # وإن كنتم مرضى # [النساء:43] معناه وجاء أحد منكم من الغائط، وأنتم مرضى أو مسافرون. # قال ابن الخطيب: فإذا تأملت هذا القول، علمت أنه متكلف، بل خطأ ~~قطعا، والفرض في اللغة: التقدير، أي: تقدروا لهن شيئا. # قوله: " فريضة " فيه وجهان: # أظهرهما: أنه مفعول به، وهو بمعنى مفعولة، أي: إلا أن تفرضوا لهن ~~شيئا مفروضا. # والثاني: أن تكون منصوبة على المصدر بمعنى فرضا، واستجود أبو البقاء ~~الوجه الأول؛ قال: " وأن يكون مفعولا به، وهو الجيد " والموصوف ~~محذوف، تقديره: متعة مفروضة. # فصل في سبب النزول # " هذه ms1372 الآية نزلت في رجل من الأنصار تزوج امرأة من بنى حنيفة ولم يسم ~~لها مهرا، ثم طلقها قبل أن يمسها؛ فنزلت هذه الآية؛ فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " متعها ولو بقلنسوتك " ". # قوله: " ومتعوهن ": قال أبو البقاء: " ومتعوهن " معطوف ~~على فعل محذوف، تقديره: " فطلقوهن ومتعوهن " ، وهذا لا حاجة ~~إليه؛ فإن الضمير المنصوب في " متعوهن " عائد على المطلقات ~~قبل المسيس، وقبل الفرض، المذكورين في قوله: { إن طلقتم ~~النسآء... } إلى آخرها. # فإن قيل: ظاهر الآية مشعر بأن نفي الجناح عن المطلق مشروط بعدم ~~المسيس، وليس كذلك، فإنه لا جناح عليه أيضا بعد المسيس. # فالجواب من وجوه: # الأول: أن الآية دالة على إباحة الطلاق قبل المسيس مطلقا في زمان ~~الحيض، وغيره؛ فكان عدم المسيس شرطا في إباحة الطلاق مطلقا. # الثاني: ما قدمناه من أن " ما " بمعنى " الذي " ، والتقدير: إن طلقتم ~~النساء اللاتي لم تمسوهن؛ إلا أن " ما " اسم جامد لا ينصرف، ~~ولا يبين فيه الإعراب، وعلى هذا فلا تكون " ما " شرطا فزال السؤال. # الثالث: قال القفال: إن المراد من الجناح في هذه الآية لزوم المهر، ~~وتقديره: لا مهر عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن ~~فريضة، يعني: لا يجب المهر إلا بأحد هذين الأمرين، فإذا فقدا جميعا لم ~~يجب المهر. # قال ابن الخطيب: وهذا ظاهر، وبيان أن قوله: " لا جناح " معناه: ~~لا مهر؛ لأن إطلاق لفظ " الجناح " على المهر محتمل؛ لأن أصل ~~الجناح في اللغة: الثقل، يقال: جنحت السفينة، إذا مالت بثقلها، والذنب ~~يسمى جناحا؛ لما فيه من الثقل، قال تعالى: # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم # [العنكبوت:13]، وإذا ثبت أن الجناح هو الثقل، ولزوم أداء المال ثقل، ~~فكان جناحا، ويدل على أن هذا هو المراد وجهان: # الأول: أنه تعالى قال: { لا جناح عليكم إن طلقتم ~~النسآء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة } ~~نفى الجناح محدودا إلى غاية، وهي إما المسيس، أو الفرض والتقدير، فوجب ~~أن يثبت ذلك الجناح عند حصول أحد هذين الأمرين، ثم إن الجناح الذي يثبت ms1373 ~~عند أحد هذين الأمرين، هو لزوم المهر. # الوجه الثاني: أن تطليق النساء قبل المسيس، وبعد تقدير المهر، وهو ~~المذكور في الآية التي بعدها، هو تقدير المهر، وقد أوجب فيه نصف المهر ~~وهذا كالمقابل له، فوجب أن يكون الجناح المنفي عنه هناك، هو المثبت ~~هاهنا، فلما كان المثبت في الآية التي بعدها، هو لزوم المهر، وجب أن ~~يقال: الجناح المنفي في هذه الآية هو لزوم المهر. # قوله: { على الموسع قدره } جملة من مبتدأ وخبر، وفيها قولان: # أحدهما: أنها لا محل لها من الإعراب، بل هي استئنافية بينت حال ~~المطلق بالنسبة إلى إيساره وإقتاره. # والثاني: أنها في موضع نصب على الحال، وذو الحال فاعل " متعوهن ~~". # قال أبو البقاء: " تقديره: بقدر الوسع " ، وهذا تفسير معنى، وعلى ~~جعلها حالية: فلا بد من رابط بينها وبين صاحبها، وهو محذوف، تقديره: ~~على الموسع منكم، ويجوز على مذهب الكوفيين ومن تابعهم: أن تكون ~~الألف واللام قامت مقام الضمير المضاف إليه، تقديره: " على موسعكم ~~قدره ". # وقرأ الجمهور: " الموسع " بسكون الواو وكسر السين، اسم فاعل من ~~أوسع يوسع، وقرأ أبو حيوة بفتح الواو وتشديد السين، اسم مفعول من " ~~وسع ". وقرأ حمزة والكسائي وابن ذكوان وحفص: " قدره " بفتح ~~الدال في الموضعين، والباقون بسكونها. # واختلفوا: هل هما بمعنى واحد، أو مختلفان؟ فذهب أبو زيد والأخفش، ~~وأكثر أئمة العربية إلى أنهما بمعنى واحد، حكى أبو زيد: " خذ قدر ~~[كذا] وقدر كذا " ، بمعنى واحد، قال: " ويقرأ في كتاب الله: # فسالت أودية بقدرها # [الرعد:17]، و " قدرها " ، وقال: # وما قدروا الله حق قدره # [الأنعام:91] ولو حركت الدال، لكان جائزا. وذهب جماعة إلى أنهما ~~مختلفان، فالساكن مصدر والمتحرك اسم؛ كالعد والعدد، والمد والمدد، ~~وكأن القدر بالتسكين الوسع، يقال: " هو ينفق على قدره " أي ~~وسعه، وقيل: بالتسكين الطاقة، وبالتحريك المقدار، قال أبو جعفر: " ~~وأكثر ما يستعمل بالتحريك، إذا كان مساويا للشيء، يقال: ~~هذا على قدر هذا ". # وقرأ بعضهم بفتح الراء، وفي نصبه وجهان: # أحدهما: أن يكون منصوبا على المعنى. # قال أبو البقاء: وهو مفعول على المعنى؛ لأن ms1374 معنى " متعوهن " ~~[ليؤد كل منكم قدر وسعه " وشرح ما قاله: أن يكون من ~~باب التضمين، ضمن " متعوهن " ] معنى " أدوا ". # والثاني: أن يكون منصوبا بإضمار فعل، تقديره: فأوجبوا على الموسع ~~قدره، وجعله أبو البقاء أجود من الأول، وفي السجاوندي: " وقال ابن ~~أبي عبلة: قدره، أي: قدره الله " انتهى. # وظاهر هذا: أنه قرأ بفتح الدال والراء، فيكون " قدره " فعلا ~~ماضيا، وجعل فيه ضميرا فاعلا يعود على الله تعالى، والضمير المنصوب ~~يعود على المصدر المفهوم من " متعوهن " ، والمعنى: أن الله قدر ~~وكتب الإمتاع على الموسع وعلى المقتر. # قوله: " متاعا " في نصبه وجهان: # أحدهما: أنه منصوب على المصدر، وتحريره أنه اسم مصدر؛ لأن المصدر ~~الجاري على صدره إنما هو التمتيع، فهو من باب: # أنبتكم من الأرض نباتا # [نوح:17]. وقال أبو حيان: قالوا: انتصب على المصدر؛ وتحريره: أن ~~المتاع هو ما يمتع به، فهو اسم له، ثم أطلق على المصدر؛ على سبيل ~~المجاز، والعامل فيه: " ومتعوهن " قال شهاب الدين: وفيه نظر؛ ~~لأن المعهود أن يطلق المصدر على أسماء الأعيان؛ كضرب بمعنى مضروب، ~~وأما إطلاق الأعيان على المصدر، فلا يجوز، وإن كان بعضهم جوزه على ~~قلة؛ نحو قولهم: " تربا وجندلا " و " أقائما، وقد ~~قعد الناس " ، والصحيح أن " تربا " ونحوه مفعول به، و " قائما ~~" نصب على الحال. # [والثاني من وجهي " متاعا " أن ينتصب على الحال]، والعامل فيه ما ~~تضمنه الجار والمجرور من معنى الفعل، وصاحب الحال ذلك الضمير ~~المستكن في ذلك العامل، والتقدير: قدر الموسع يستقر عليه في حال كونه ~~متاعا. # قوله: " بالمعروف " فيه وجهان: # أحدهما: أن يتعلق ب " متعوهن " ، فتكون الباء للتعدية. # والثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة ل " متاعا "؛ فيكون في ~~محل نصب، والباء للمصاحبة، أي: متاعا ملتبسا بالمعروف. # قوله: " حقا " في نصبه أربعة أوجه: # أحدها: أنه مصدر مؤكد لمعنى الجملة قبله؛ كقولك: " هذا ابني ~~حقا " وهذا المصدر يجب إضمار عامله، تقديره: حق ذلك حقا، ولا ~~يجوز تقديم هذا المصدر على الجملة قبله. # والثاني: أن يكون صفة ل " متاعا " ، أي: متاعا واجبا على ~~المحسنين. ms1375 # والثالث: أنه حال مما كان حالا منه " متاعا " وهذا على رأي من ~~يجيز تعدد الحال. # والرابع: أن يكون حالا من " المعروف " ، أي: بالذي عرف في حال ~~وجوبه على المحسنين، و " على المحسنين " يجوز أن يتعلق ب " ~~حقا "؛ الواجب، وأن يتعلق بمحذوف؛ لأنه صفة له. # فصل # اعلم أن المطلقات أربعة أقسام: # القسم الأول: وهو ألا يؤخذ منهم على الفراق شيء ظلما، وأخبر أن لهن ~~كمال المهر، وعليهن العدة. # القسم الثاني: المطلقة قبل الدخول، وقد فرض لها - وهي المذكورة في ~~الآية التي بعد هذه - وبين أن لها نصف المفروض لها، وبين في سورة ~~الأحزاب أن لا عدة على غير المدخول بها؛ فقال: # إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل ~~أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة ~~تعتدونها # [الأحزاب:49]. # القسم الرابع: المطلقة بعد الدخول، ولم يكن فرض لها، وحكم هذا القسم، ~~مذكور في قوله تعالى: # فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن # [النساء:24]. # والقياس أيضا يدل عليه، فإن الأمة مجمعة على أن الموطوءة بشبهة ~~لها مهر المثل، والموطوءة بنكاح صحيح، أولى بهذا الحكم. # فصل # تمسك بعضهم بهذه الآية على أن جمع الثلاثة ليس بحرام، قالوا: لأن ~~قوله: { لا جناح عليكم إن طلقتم النسآء } يتناول ~~جميع أنواع التطليق بدليل أنه يصح استثناء الثلاث منها، فيقال: لا ~~جناح عليكم إن طلقتم النساء إلا إذا طلقتموهن بثلاث تطليقات فإن ~~عليكم الجناح، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل، وعلى هذا فتتناول هذه ~~الآية جميع أنواع التطليق مفردا أو مجموعا. # قال ابن الخطيب: وهذا الاستدلال ضعيف؛ لأن الآية دالة على تحصيل هذه ~~الماهية في الوجود، ويكفي في العمل بها إدخاله في الوجود مرة ~~واحدة، ولهذا قلنا: إن الأمر المطلق لا يفيد التكرار، كما إذا قال ~~لامرأته: إن دخلت الدار، فأنت طالق، فإن اليمين انعقدت على المرة ~~الواحدة فقط، فثبت أن هذا اللفظ لا يتناول حالة الجمع، وأما ~~الاستثناء فإنه يشكل بالأمر، لأنه لا يفيد التكرار بالاتفاق من ~~المحققين، مع أنه يصح أن يقال: صل إلا في الوقت الفلاني. # فصل ms1376 في جواز عقد النكاح بغير مهر # قال بعض العلماء: دلت هذه الآية على أن عقد النكاح بغير المهر ~~جائز. # وقال القاضي: لا تدل على الجواز، لكنها تدل على الصحة، فإنه لو ~~لم يكن صحيحا، لم يكن الطلاق مشروعا، ولم تلزم المتعة، ولا يلزم من ~~الصحة الجواز، بدليل أن الطلاق في زمن الحيض حرام وإذا أوقعه صح. # فصل # بين في هذه الآية أن المطلقة قبل الدخول والفرض، لها المتعة، وقد ~~تقدم تفسير " المتعة " في قوله: # فمن تمتع بالعمرة # [البقرة:196]. # واعلم أن المطلقة قبل الدخول، إن كان قد فرض لها، فلا متعة لها في ~~قول الأكثرين؛ لأن الله تعالى أوجب في حقها نصف المهر، ولم يذكر ~~المتعة، ولو كانت واجبة، لذكرها. وإن لم يكن فرض لها فلها المتعة؛ لهذه ~~الآية. # قال القرطبي: من جهل المتعة حتى مضت أعوام، فليدفع ذلك إليها، وإن ~~تزوجت، وإلى ورثتها إن ماتت، رواه ابن المواز، عن ابن القاسم. # وقال أصبغ: لا شيء عليه، إن ماتت؛ لأنها تسلية للزوجة عن الطلاق، وقد ~~فات ذلك. # ووجه الأول: أنه حق ثبت عليه، فينتقل إلى ورثتها، كسائر الحقوق. # واختلفوا في المطلقة بعد الدخول، فذهب جماعة: إلى أنه لا متعة لها؛ ~~لأنها تستحق المهر، وهو قول أصحاب الرأي. # وذهب جماعة: إلى أن لها المتعة؛ لقوله تعالى: # وللمطلقات متاع بالمعروف # [البقرة:241]، وهو قول عبد الله بن عمر، وبه قال عطاء، ومجاهد، والقاسم ~~بن محمد، وإليه ذهب الشافعي قال: لأنها تستحق المهر بمقابلة إتلاف ~~منفعة البضع، ولها المتعة على وحشة الفراق. # وقال الزهري: متعتان يقضي بإحداهما السلطان، وهي المطلقة قبل الفرض، ~~والمسيس، وهي قوله: { حقا على المحسنين } ومتعة تلزمه فيما ~~بينه وبين الله تعالى لا يقضي بها السلطان وهي المطلقة بعد الفرض والمسيس ~~وهي قوله: " حقا على المتقين ". # وذهب الحسن، وسعيد بن جبير: إلى أن لكل مطلقة متعة، سواء كان قبل ~~الفرض، والمسيس، أو بعده؛ كقوله تعالى: # وللمطلقات متاع بالمعروف # [البقرة:241]؛ ولقوله في سورة الأحزاب: # فمتعوهن # [الأحزاب:49] وقال الآخر: المتعة غير واجبة، والأمر بها ms1377 أمر ندب، ~~واستحباب. # روي أن رجلا طلق امرأته، وقد دخل بها؛ فخاصمته إلى شريح في المتعة؛ ~~فقال شريح: لا تأب أن تكون من المحسنين، ولا تأب أن تكون من المتقين، ~~ولم يجبره على ذلك. # فصل في بيان مقدار المتعة # اختلفوا في قدر المتعة، فروي عن ابن عباس: أعلاها خادم، وأوسطها ثلاثة ~~أثواب: درع، وخمار، وإزار، ودون ذلك وقاية، أو شيء من الورق. # وبه قال الشعبي، والزهري، وهو مذهب الشافعي، وأحمد. قال ~~الشافعي: أعلاها على الموسع: خادم، وأوسطها: ثوب، وأقلها: أقل ماله ~~ثمن حسن ثلاثون درهما، " وعلى المقتر " مقنعة. # وروي عن ابن عباس أنه قال: أكثر المتعة خادم، وأقلها مقنعة، وأي قدر ~~أدى، جاز في جانبي الكثرة، والقلة. # وطلق عبد الرحمن بن عوف امرأته وجمعها جارية سوداء، أي: متعها. # ومتع الحسن بن علي امراته بعشرة آلاف درهم، فقالت: متاع قليل من ~~حبيب مفارق. # وقال أبو حنيفة: المتعة لا تزاد على نصف مهر المثل، قال: لأن حال المرأة ~~التي يسمى لها المهر، أحسن من حال التي لم يسم لها، فإذا لم يجب لها ~~زيادة على نصف المسمى، إذا طلقت قبل الدخول، فلأن لا يجب زيادة ~~على نصف مهر المثل أولى. # فصل في دلالة الآية على حال الزوج من الغنى والفقر. # دلت الآية على أنه يعتبر حال الزوج: في الغنى، والفقر؛ لقوله: { ~~على الموسع قدره وعلى المقتر قدره }. # وقال بعض العلماء: يعتبر حالهما وهو قول القاضي. # وقال أبو بكر الرازي: يعتبر في المتعة حال الرجل؛ للآية، وفي مهر ~~المثل حالها، وكذلك في النفقة، واحتج القاضي بقوله: " بالمعروف " ~~فإن ذلك يدل على حالهما؛ لأنه ليس من المعروف أن يسوي بين الشريفة، ~~الوضيعة. # فصل # إذا مات أحدهما قبل الدخول، والفرض؛ اختلف أهل العلم في أنها هل ~~تستحق المهر، أم لا؟ فذهب علي، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، ~~وعبد الله بن عباس: إلى أنه لا مهر لها، كما لو طلقها قبل الفرض، ~~والدخول. # وذهب قوم إلى أن لها المهر، لأن الموت كالدخول في تقدير ms1378 المسمى، ~~فكذلك في إيجاب مهر المثل، إذا لم يكن في العقد مسمى، وهو قول ~~الثوري، وأحمد، وأصحاب الرأي. # واحتجوا بما روى علقمة، عن ابن مسعود: أنه سئل عن رجل تزوج ~~امرأة، ولم يفرض لها صداقا، ولم يدخل بها حتى مات. # قال ابن مسعود: لها صداق نسائها؛ لا وكس، ولا شطط؛ وعليها العدة، ولها ~~الميراث؛ فقام معقل بن يسار الأشجعي، فقال: " قضى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في بروع بنت واشق - امرأة منا - مثل ما ~~قضيت " ، ففرح بها ابن مسعود. # وقال الشافعي: فإن ثبت حديث بروع بنت واشق، فلا حجة في قول أحد ~~دون النبي صلى الله عليه وسلم. وإن لم يثبت، فلا مهر لها؛ ولها ~~الميراث. وكان علي - رضي الله عنه - يقول في حديث بروع: لا تقبل قول ~~أعربي من أشجع، على كتاب الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. # فصل في اختلافهم في الخلوة # إنما خص المحسنين؛ لأنهم المنتفعون بهذا البيان، كقوله: # إنمآ أنت منذر من يخشاها # [النازعات:45]. # وقال أبو مسلم: من أراد أن يكون من المحسنين، فهذا شأنه، وطريقه، ~~والمحسن: هو المؤمن؛ فيكون المعنى: أن العمل بما ذكرت هو طريق ~~المؤمنين، وقيل: " حقا على المحسنين " إلى أنفسهم في المسارعة ~~إلى طاعة الله تعالى. ### || [2.237] # هذه الآية في المطلقة قبل المسيس المفروض لها؛ فبين أن لها نصف ما ~~فرض لها. # واختلف أهل العلم في الخلوة، فقال الشافعي: إنها تقرر نصف المهر. # وقال أبو حنيفة: الخلوة الصحيحة: أن يخلو بها، وليس هناك مانع حسي، ~~ولا شرعي، فالحسي: كالرتق، والقرن والمرض أو معهما ثالث. # والشرعي: كالحيض، والنفاس، وصوم الفرض، وصلاة الفرض، والإحرام المطلق؛ ~~فرضا كان، أو نفلا. # واحتج الشافعي: بأن الطلاق قبل المسيس يوجب سقوط نصف المهر؛ لأن ~~قوله تعالى: { فنصف ما فرضتم } ليس كلاما تاما، بل لا بد ~~من إضمار، [شيء، ليتم] الكلام، فإما أن يضمر: " فنصف ما فرضتم ~~ساقط " ، أو يضمر: " فنصف ما فرضتم ثابت " ، والإضمار ~~الأول هو المقصود؛ لوجوه: # أحدها: أن المعلق على الشيء بكلمة " إن ms1379 " عدم عند عدم ذلك الشيء ~~ظاهرا؛ فلو حملناه على الوجوب، تركنا العلم بمقتضى التعليق، لأنه غير ~~منفي قبله، وإذا حملناه على السقوط، عملنا بمقتضى التعليق؛ لأنه منفي ~~قبله. # وثانيها: أن قوله تعالى: { وقد فرضتم لهن فريضة } ~~يقتضي وجوب كل المهر عليه، لأنه لما التزم كل المهر، لزمه الكل ~~بقوله تعالى: # أوفوا بالعقود # [المائدة:1] فلا حاجة إلى بيان ثبوت النصف، وإنما المحتاج إليه بيان ~~سقوط النصف؛ لأن المقتضي لوجوب الكل قائم، فكان سقوط البعض هاهنا، هو ~~المحتاج إلى البيان، فكان حمل الآية على بيان السقوط، أولى من حملها على ~~بيان الوجوب. # وثالثها: أن الآية الدالة على وجوب إيتاء المهر، قد تقدمت في قوله: # ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا # [البقرة:229] فحمل الآية على سقوط النصف أولى. # ورابعها: أن المذكور في هذه الآية، هو الطلاق قبل المسيس، وهو يناسب ~~سقوط نصف المهر، ولا يناسب وجوب شيء، فلما كان إضمار السقوط أولى، لا ~~جرم استقصينا هذه الوجوه؛ لأن منهم من قال: معنى الآية: فنصف ما فرضتم ~~واجب، وتخصيص النصف بالوجوب، لا يدل على سقوط الآخر، إلا من حيث دليل ~~الخطاب، وهو عند أبي حنيفة ليس بحجة. وقد ذكرنا هذه الوجوه؛ دفعا لهذا ~~السؤال. # واستدل أبو حنيفة بقوله تعالى: # وءاتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه ~~شيئا # [النساء:20] إلى قوله: # وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض # [النساء:21] فنهى تعالى عن أخذ المهر، ولم يفرق بين الطلاق، وعدم ~~الطلاق، إلا إن توافقنا على تخصيص الطلاق قبل الخلوة فمن ادعى ~~التخصيص - هاهنا - فعليه البيان، وأيضا فإنه تعالى نهى عن أخذ المهر، ~~وعلل بعلة الإفضاء، وهي الخلوة، لأن الإفضاء: مشتق من الفضاء، ~~وهو المكان الخالي فعلمنا أن الخلوة تقرر المهر. # والجواب عن ذلك: بأن دليلهم عام، ودليلنا خاص، والخاص مقدم على ~~العام. # قوله تعالى: { وقد فرضتم }: هذه الجملة في موضع نصب على الحال، ~~وذو الحال يجوز أن يكون ضمير الفاعل، وأن يكون ضمير المفعول؛ لأن ~~الرباط موجود فيهما، والتقدير: وإن طلقتموهن فارضين لهن، أو مفروضا ms1380 ~~لهن، و " فريضة " فيها الوجهان المتقدمان. # والفاء في " فنصف " جواب الشرط، فالجملة في محل جزم؛ جوابا ~~للشرط، وارتفاع " نصف " على أحد وجهين: إما الابتداء، والخبر حينئذ ~~محذوف، وإن شئت قدرته قبله، أي: فعليكم أو فلهن نصف، وإن شئت بعده، ~~أي: فنصف ما فرضتم عليكم - أو لهن - وإما على خبر مبتدأ محذوف، ~~تقديره: فالواجب نصف. # وقرأت فرقة: فنصف " بالنصب على تقدير: " فادفعوا، أو أدوا ~~" ، وقال أبو البقاء: " ولو قرئ بالنصب، لكان وجهه فأدوا ~~[نصف] " فكأنه لم يطلع عليها قراءة مروية. # والجمهور على كسر نون " نصف " ، وقرأ زيد وعلي، ورواها الأصمعي ~~قراءة عن أبي عمرو: " فنصف " بضم النون هنا، وفي جميع القرآن، وهما ~~لغتان، وفيه لغة ثالثة: " نصيف " بزيادة ياء، ومنه الحديث: # " ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ". # والنصيف - أيضا -: القناع، قاله القرطبي، والنصف: الجزء من اثنين، ~~يقال: نصف الماء القدح، أي: بلغ نصفه، ونصف الإزار الساق، ~~وكل شيء بلغ نصف غيره، فقد نصفه. # و " ما " في " ما فرضتم " بمعنى " الذي " ، والعائد محذوف ~~لاستكمال الشروط، ويضعف جعلها نكرة موصوفة. # قوله تعالى: { إلا أن يعفون } في هذا الاستثناء وجهان: # أحدهما: أن يكون استثناء منقطعا، قال ابن عطية وغيره: لأن ~~عفوهن عن النصف ليس من جنس أخذهن ". # والثاني: أنه متصل، لكنه من الأحوال؛ لأن قوله: " فنصف ما ~~فرضتم " معناه: فالواجب عليكم نصف ما فرضتم في كل حال، إلا ~~في حال عفوهن، فإنه لا يجب، وإليه نحا أبو البقاء، وهذا ظاهر، ~~ونظيره: # لتأتنني به إلا أن يحاط بكم # [يوسف:66] وقال أبو حيان " إلا أن من منع أن تقع " أن ~~" وصلتها حالا، كسيبويه؛ فإنه يمنع ذلك، ويكون حينئذ منقطعا ". # وقرأ الحسن " يعفونه " بهاء مضمومة وفيها وجهان: # أحدهما: أنها ضمير يعود على النصف، والأصل: إلا أن يعفون ~~عنه، فحذف حرف الجر، فاتصل الضمير بالفعل. # والثاني: أنها هاء السكت والاستراحة، وإنما ضمها؛ تشبيها بهاء ~~الضمير، كقول الآخر [الطويل] # 1144- هم الفاعلون الخير والآمرونه # .......................... # على أحد التأويلين في البيت أيضا. # وقرأ ابن أبي إسحاق: " تعفون " بتاء الخطاب، ووجهها الالتفات من ms1381 ~~ضمير الغيبة إلى الخطاب، وفائدة هذا الالتفات التحضيض على ~~عفوهن، وأنه مندوب. # و " يعفون " منصوب ب " أن " تقديرا؛ فإنه مبني؛ لاتصاله ~~بنون الإناث، هذا رأي الجمهور، وأما ابن درستويه، والسهيلي: ~~فإنه عندهما معرب، وقد فرق الزمخشري وأبو البقاء بين قولك: " ~~الرجال يعفون " و " النساء يعفون " وإن كان [هذا] من ~~الواضحات بأن قولك " الرجال يعفون " الواو فيه ضمير جماعة ~~الذكور، وحذف قبلها واو أخرى هي لام الكلمة، فإن الأصل: " يعفوون " ~~، فاستققلت الضمة على الواو الأولى، فحذفت، فبقيت ساكنة، وبعدها ~~واو الضمير أيضا ساكنة، فحذفت الواو الأولى؛ لئلا يلتقي ساكنان، ~~فوزنه " يعفون " ، والنون علامة الرفع؛ فإنه من الأمثلة الخمسة ~~وأن قولك: " النساء يعفون " ، الواو لام الفعل، والنون ~~ضمير جماعة الإناث، والفعل معها مبني، لا يظهر للعامل فيه أثر ~~قال شهاب الدين: وقد ناقش الشيخ الزمخشري بأن هذا من الواضحات التي ~~بأدنى قراءة في هذا العلم تعرف، وبأنه لم يبين حذف الواو من قولك: ~~" الرجال يعفون " ، وأنه لم يذكر خلافا في بناء المضارع ~~المتصل بنون الإناث، وكل هذا سهل لا ينبغي أن يناقش بمثله. # وقوله تعالى: { أو يعفوا الذي } " أو " هنا فيها وجهان: # أحدهما: هي للتنويع. # والثاني: أنها للتخيير، والمشهور فتح الواو؛ عطفا على المنصوب قبله، ~~وقرأ الحسن بسكونها واستثقل الفتحة على الواو، فقدرها كما يقدرها في ~~الألف، وسائر العرب على استخفافها، ولا يجوز تقديرها إلا في ضرورة؛ ~~كقوله - هو عامر بن الطفيل - [الطويل] # 1145- فما سودتني عامر عن وراثة # أبى الله أن أسمو بأم ولا أب # ولما سكن الواو، حذفت للساكن بعدها، وهو اللام من " الذي " ~~، وقال ابن عطية " والذي عندي أنه استثقل الفتحة على واو متطرفة ~~قبلها متحرك؛ لقلة مجيئها في كلامهم " وقال الخليل: " لم يجئ في ~~الكلام واو مفتوحة متطرفة قبلها فتحة إلا قولهم " عفوة " جمع ~~عفو " ، وهو ولد الحمار، وكذلك الحركة - ما كانت - قبل الواو ~~المفتوحة فإنها ثقيلة " انتهى. قال أبو حيان: فقوله: " لقلة ~~مجيئها " ، يعني مفتوحة، مفتوحا ما قبلها، وهذا الذي ذكره فيه تفصيل، ~~وذلك أن الحركة قبلها: إما ms1382 أن تكون ضمة، أو كسرة، أو فتحة، ~~فإن كانت ضمة: فإما أن يكون ذلك في اسم أو فعل، فإن كان في ~~فعل، فهو كثير، وذلك جميع أمثلة المضارع الداخل عليها حرف نصب؛ ~~نحو: " لن يغزو " ، والذي لحقه نون التوكيد منها؛ نحو " هل ~~يغزون " ، وكذلك الأمر؛ نحو: " اغزون " ، وكذا الماضي على " ~~فعل " في التعجب؛ نحو: سرو الرجل؛ حتى إن ذوات الياء ترد ~~إلى الواو في التعجب، فيقولون: " لقضو الرجل " ، على ما ~~قرر في باب التصريف، وإن كان ذلك في اسم: فإما أن يكون مبنيا ~~على هاء التأنيث، فيكثر أيضا؛ نحو: عرقوة وترقوة وقمحدوة، وإن ~~كان قبلها فتحة، فهو قليل؛ كما ذكر الخليل، وإن كان قبلها كسرة، قلبت ~~الواو ياء؛ نحو: الغازي والغازية، وشذ من ذلك " أفروة " جمع " ~~فروة " ، وهي ميلغة الكلب، و " سواسوة " وهم: المستوون في ~~الشر، و " مقاتوة " جمع مقتو، وهو السائس الخادم، ~~وتلخص من هذا أن المراد بالقليل واو مفتوحة متطرفة مفتوح ~~ما قبلها [في] اسم غير ملتبس بتاء التأنيث، فليس قول ابن عطية " ~~والذي عندي إلى آخره " بظاهر. # والمراد بقوله: { الذي بيده عقدة النكاح } قيل: الزوج، ~~وقيل: الولي و " أل " في النكاح للعهد، وقيل بدل من الإضافة، أي: ~~نكاحه؛ كقوله: [الطويل] # 1146- لهم شيمة لم يعطها الله غيرهم # من الجود، والأحلام غير عوازب # أي: أحلامهم، وهذا رأي الكوفيين. وقال بعضهم: في الكلام حذف، ~~تقديره: بيده حل عقدة النكاح؛ كما قيل ذلك في قوله: # ولا تعزموا عقدة النكاح # [البقرة:235]، أي عقد عقدة النكاح، وهذا يؤيد أن المراد ~~الزوج. # فصل فيمن بيده عقدة النكاح # المراد بقوله: " يعفون " أي: المطلقات يعفون عن أزواجهن، فلا ~~يطالبنهم بنصف المهر. # واختلفوا في { الذي بيده عقدة النكاح } فقال علي بن أبي ~~طالب - رضي الله عنه -، وسعيد بن جبير، والشعبي، وشريح، ومجاهد، ~~وقتادة: هو الزوج، وبه قال أبو حنيفة. # وقال علقمة، وعطاء، والحسن، والزهري، وربيعة: هو الولي، وبه قال ~~أصحاب الشافعي. # واحتج الأولون بوجوه: # الأول: أنه ليس للولي أن يهب مهر وليته، صغيرة كانت، أو ~~كبيرة. # الثاني: ms1383 أن الذي بيد الولي هو عقد النكاح، فإذا عقد، فقد حصل ~~النكاح، والعقدة الحاصلة بعد العقد في يد الزوج، لا في يد الولي. # الثالث: روي عن جبير بن مطعم: أنه تزوج امرأة وطلقها قبل أن ~~يدخل بها، فأكمل الصداق، وقال: أنا أحق بالعفو، وهذا يدل على أن ~~الصحابة فهموا من الآية العفو الصادر من الزوج. # واحتج القائلون بأنه الولي بوجوه. # أحدها: أن عفو الزوج هو أن يعطيها المهر كله، وذلك يكون هبة، ~~والهبة لا تسمى عفوا. # وأجيبوا بأنه كان الغالب عندهم، أن يسوق المهر كله إليها، عند ~~التزوج، فإذا طلق، فقد استحق المطالبة بنصف ما ساقه إليها، فإذا ~~ترك المطالبة، فقد عفا عنها. # وأيضا، فالعفو قد يراد به التسهيل، يقال: فلان وجد المال عفوا ~~صفوا، وقد تقدم وجهه في تفسير قوله تعالى: # فمن عفي له من أخيه شيء # [البقرة:178] فعلى هذا عفو الرجل: أن يبعث إليها كل الصداق على ~~وجه السهولة. # الثاني: أن ذكر الزوج، قد تقدم في قوله تعالى: { وإن ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن } فلو كان المراد ب { ~~الذي بيده عقدة النكاح } هو الزوج، لقال: أو تعفو ~~على سبيل المخاطبة فلما عبر عنه بلفظ الغائب، علمنا أن المراد ~~منه غير الأزواج. # وأجيبوا بأن سبب العدول عن الخطاب إلى الغيبة؛ التنبيه على المعنى ~~الذي لأجله رغب الزوج في العقد، والمعنى: أو يعفو الزوج الذي حبسها ~~مالك عقد نكاحها عن الأزواج، ولم يكن منها سبب في الفراق وإنما ~~فارقها الزوج، فلا جرم كان حقيقا بألا ينقصها من مهرها شيئا. # الثالث: أن الزوج ليس بيده عقد عقدة النكاح ألبتة؛ لأنه ~~قبل النكاح كان أجنبيا عن المرأة، ولا قدرة له على التصرف فيها ~~بوجه من الوجوه، وأما بعد النكاح، فقد حصل النكاح، ولا قدرة له ~~على إيجاد الموجود، بل له قدرة على إزالة النكاح، والله - تعالى - ~~أثبت العفو لمن في يده، وفي قدرته عقد النكاح. # قوله تعالى: { وأن تعفوا أقرب }: " أن تعفوا " في محل ~~رفع بالابتداء؛ لأنه في تأويل " عفوكم " ، و " أقرب ms1384 " خبره، ~~وقرأ الجمهور " تعفوا " بالخطاب، والمراد الرجال والنساء، فغلب ~~المذكر لأنه الأصل، والتأنيث فرع في اللفظ، والمعنى؛ أما في ~~اللفظ: فإنك تقول: " قائم " ، وإذا أردت التأنيث، قلت: " قائمة " ~~فاللفظ الدال على المذكر هو الأصل، والدال على المؤنث فرع عليه، ~~وأما المعنى: فلأن الكمال للذكور، والنقصان للإناث؛ فلهذا ~~متى اجتمع المذكر، والمؤنث - غلب التذكير، والظاهر أنه للأزواج ~~خاصة؛ لأنهم المخاطبون في صدر الآية، وعلى هذا فيكون التفاتا من ~~غائب، وهو قوله: { الذي بيده عقدة النكاح } على قولنا ~~إن المراد به الزوج - [وهو المختار] - إلى الخطاب الأول في صدر ~~الآية، وقرأ الشعبي وأبو نهيك " يعفوا " بياء من تحت، قال أبو ~~حيان جعله غائبا، وجمع على معنى: { الذي بيده عقدة ~~النكاح }؛ لأنه للجنس لا يراد به واحد يعني أن قوله: " وأن ~~يعفوا " أصله " يعفوون " ، فلما دخل الناصب، حذفت نون ~~الرفع، ثم حذفت الواو التي هي لام الكلمة، وهذه الباقية هي ضمير ~~الجماعة، جمع على معنى الموصول؛ لأنه وإن كان مفردا لفظا، فهو ~~مجموع في المعنى؛ لأنه جنس، ويظهر فيه وجه آخر، وهو أن تكون الواو ~~لام الكلمة، وفي هذا الفعل ضمير مفرد يعود على الذي بيده عقدة ~~النكاح، إلا أنه قدر الفتحة في الواو استثقالا؛ كما تقدم في ~~قراءة الحسن، تقديره: وأن يعفو الذي بيده عقدة النكاح. # قوله: " للتقوى " متعلق ب " أقرب " وهي هنا للتعدية، ~~وقيل: بل هي للتعليل، و " أقرب " تتعدى تارة باللام، كهذه ~~الآية، وتارة ب " إلى "؛ كقوله تعالى: # ونحن أقرب إليه من حبل الوريد # [ق:16]، وليست " إلى " بمعنى " اللام " ، وقيل: بل هي بمعناها، وهذا ~~مذهب الكوفيين، أعني التجوز في الحروف، ومعنى اللام و " إلى " في ~~هذا الموضع يتقارب. # وقال أبو البقاء: يجوز في غير القرآن: " أقرب من التقوى، وإلى ~~التقوى " ، إلا أن اللام هنا تدل على [معنى] غير معنى " ~~إلى " ، وغير معنى " من " ، فمعنى اللام: العفو أقرب من أجل ~~التقوى، واللام تدل على علة قرب العفو، وإذا قلت: أقرب إلى ~~التقوى، كان المعنى: يقارب التقوى؛ كما تقول: " أنت أقرب إلي ms1385 ~~" ، و " أقرب من التقوى " يقتضي أن يكون العفو والتقوى ~~قريبين، ولكن العفو أشد قربا من التقوى، وليس معنى الآية على ~~هذا. انتهى، فجعل اللام للعلة، لا للتعدية، و " إلى " للتعدية. # واعلم أن فعل التعجب، وأفعل التفضيل يتعديان بالحرف الذي ~~يتعدى به فعلهما قبل أن يكون تعجبا وتفضيلا؛ نحو: " ما ~~أزهدني فيه وهو أزهد فيه " ، وإن كان من متعد في ~~الأصل: فإن كان الفعل يفهم علما أو جهلا، تعديا بالباء؛ نحو: ~~" هو أعلم بالفقه " ، وإن كان لا يفهم ذلك، تعديا باللام، ~~نحو: " ما أضربك لزيد " و " أنت أضرب لعمرو " إلا ~~في باب الحب والبغض، فإنهما يتعديان إلى المفعول ب " في " ، ~~نحو: " ما أحب زيدا في عمرو، وأبغضه في خالد، وهو ~~أحب في بكر، وأبغض في خالد " وإلى الفاعل المعنوي ب " ~~إلى " ، نحو " زيد أحب إلى عمرو من خالد، وما أحب ~~زيدا إلى عمرو " ، أي: إن عمرا يحب زيدا، وهذه ~~قاعدة جليلة. # والمفضل عليه في الآية الكريمة محذوف، تقديره: أقرب للتقوى من ~~ترك العفو، والياء في التقوى بدل من واو، وواوها بدل من ياء؛ ~~لأنها من وقيت أقي وقاية، وقد تقدم ذلك أول السورة. # فصل # وإنما كان العفو أقرب إلى حصول التقوى؛ لأن من سمح بترك حقه، ~~فهو محسن، ومن كان محسنا، استحق الثواب، وإذا استحق الثواب، فقد ~~اتقى بذلك الثواب ما هو دونه من العقاب، وأيضا فإن هذا الصنع يدعوه ~~إلى ترك الظلم، وترك الظلم تقوى في الحقيقة؛ لأن من سمح بحقه ~~تقربا إلى ربه، كان أبعد من أن يظلم غيره. # قوله: { ولا تنسووا الفضل بينكم } قرأ الجمهور بضم ~~الواو من " تنسوا "؛ لأنها واو ضمير، وقرأ ابن يعمر بكسرها تشبيها ~~بواو " لو " كما ضموا الواو من " لو "؛ تشبيها بواو الضمير، وقال ~~أبو البقاء في واو " تنسوا " من القراءات ووجوهها ما ذكرناه في # اشتروا الضلالة # [البقرة:16]، وكان قد قدم فيها خمس قراءات، فظاهر كلامه عودها ~~كلها إلى هنا، إلا أنه لم ينقل هنا إلا الوجهان اللذان ~~ذكرتهما. # وقرأ علي رضي الله عنه ms1386 : " ولا تناسوا " قال ابن عطية: " وهي ~~قراءة متمكنة في المعنى؛ لأنه موضع تناس، لا نسيان، إلا على ~~التشبيه " ، وقال أبو البقاء: " على باب المفاعلة، وهي بمعنى المتاركة، ~~لا بمعنى السهو " ، وهو قريب من قول ابن عطية. # قوله تعالى: " بينكم " فيه وجهان. # أحدهما: أنه منصوب ب " تنسوا ". # والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من الفضل، أي كائنا ~~بينكم، والأول أولى؛ لأن النهي عن فعل يكون بينهم أبلغ من ~~فعل لا يكون بينهم والمراد بالفضل، أي: إفضال بعضكم على بعض بإعطاء ~~الرجل تمام الصداق، أو ترك المرأة نصيبها، حثهما جميعا على ~~الإحسان، ثم ختم الآية بما يجري مجرى التهديد، فقال: { إن الله بما ~~تعملون بصير }. # قال القرطبي: هذا خبر في ضمنه الوعد للمحسنين، والحرمان لغير ~~المحسنين، أي: لا يخفى عليه عفوكم، واستقضاؤكم. ### || [2.238-239] # قوله تعالى: " حافظوا ": في " فاعل " هنا قولان: # أحدهما: أنه بمعنى " فعل " ، كطارقت النعل، وعاقبت اللص، ~~ولما ضمن المحافظة معنى المواظبة، عداها ب " على ". # الثاني: أن " فاعل " على بابها من كونها بين اثنين، فقيل: بين ~~العبد وربه، كأنه قيل: احفظ هذه الصلاة يحفظك الله، وقيل: بين ~~العبد والصلاة، أي: احفظها تحفظك. وحفظ الصلاة للمصلي على ~~ثلاثة أوجه: # الأول: أنها تحفظه من المعاصي؛ كقوله: # إن الصلوة تنهى عن الفحشآء والمنكر # [العنكبوت:45]. # الثاني: تحفظه من البلايا، والمحن؛ لقوله: # واستعينوا بالصبر والصلوة # [البقرة:45]، وقال الله: # إني معكم لئن أقمتم الصلوة وءاتيتم ~~الزكوة # [المائدة:12] أي: معكم بالصبر، والحفظ. # الثالث: تحفظه: بمعنى تشفع له؛ لأن الصلاة فيها القرآن؛ والقرآن يشفع ~~لقارئه، وهو شافع مشفع. # وقال أبو البقاء: ويكون وجوب تكرير الحفظ جاريا مجرى الفاعلين؛ إذ ~~كان الوجوب حاثا على الفعل، وكأنه شريك الفاعل للحفظ؛ كما قالوا في # واعدنا موسى # [البقرة:51] فالوعد من الله، والقبول من موسى بمنزلة الوعد؛ وفي " ~~حافظوا " معنى لا يوجد في " احفظوا " وهو تكرير الحفظ وفيه ~~نظر؛ إذ المفاعلة لا تدل على تكرير الفعل ألبتة. # قوله تعالى: { والصلاة الوسطى } ذكر الخاص بعد العام، وقد ~~تقدم فائدته عند قوله تعالى: # من كان ms1387 عدوا لله # [البقرة:98] والوسطى: فعلى معناها التفضيل، فإنها مؤنثة للأوسط؛ ~~كقوله - يمدح الرسول عليه والصلاة والسلام -: [البسيط] # 1147- يا أوسط الناس طرا في مفاخرهم # وأكرم الناس أما برة وأبا # وهي [من] الوسط الذي هو الخيار، وليست من الوسط الذي معناه: متوسط ~~بين شيئين؛ لأن فعلى معناها التفضيل؛ ولا يبنى للتفضيل، إلا ما ~~يقبل الزيادة والنقص، والوسط بمعنى العدل والخيار يقبلهما ~~بخلاف المتوسط بين الشيئين؛ فإنه لا يقبلهما، فلا ينبني منه ~~أفعل التفضيل. # وقرأ علي: " وعلى الصلاة " بإعادة حرف الجر توكيدا، وقرأت ~~عائشة - رضي الله عنها - " والصلاة " بالنصب، وفيها وجهان: # أحدهما: على الاختصاص، ذكره الزمخشري. # والثاني: على موضع المجرور قبله؛ نحو: مررت بزيد وعمرا، ~~وسيأتي بيانه في المائدة - إن شاء الله تعالى -. # قال القرطبي: وقرأ أبو جعفر الواسطي " والصلاة الوسطى " بالنصب ~~على الإغراء أي: والزموا الصلاة الوسطى وكذلك قرأ الحلواني، ~~وقرأ قالون، عن نافع " الوصطى " بالصاد؛ لمجاورة الطاء؛ لأنهما ~~من واحد، وهما لغتان؛ كالصراط ونحوه. # فصل # لما ذكر الأحكام المتعلقة بمصالح الدنيا من بيان: النكاح، ~~والطلاق، والعقود، أتبعه بذكر الأحكام المتعلقة بمصالح الآخرة. # وأجمع المسلمون على وجوب الصلوات الخمس، وهذه الآية تدل على كونها ~~خمسا؛ لأن قوله: { حافظوا على الصلوات } تدل على الثلاثة ~~من حيث إن أقل الجمع ثلاثة، ثم قال: { والصلوة ~~الوسطى } يدل على شيء زائد عن الثلاثة؛ وإلا لزم التكرار، ~~والأصل عدمه، ثم إن الزائد يمتنع أن يكون أربعة، لأنها لا يبقى ~~لها وسطى فلا بد وأن ينضم إلى تلك الثلاثة عدد آخر؛ حتى يحصل ~~به للجموع واسطة، وأقل ذلك خمسة، فدلت هذه الآية على أن الصلوات ~~المفروضات خمس بهذا الطريق، وهذا الاستبدال إنما يتم، إذا قلنا: إن ~~المراد من الوسطى ما يكون وسطا في العدد، لا ما يكون وسطا بسبب ~~الفضيلة. # فصل # هذه الآية وإن دلت على وجوب الصلوات الخمس لكنها لا تدل على ~~أوقاتها. # قالوا: والآيات الدالة على تفصيل الأوقات أربع: # أحدها: قوله تعالى: # فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون # [الروم:17]. # فقوله: " سبحان الله " أي: فسبحوا الله، معناه: ms1388 صلوا لله حين ~~تمسون، أراد به صلاة المغرب، والعشاء، " وحين تصبحون " أراد ~~صلاة الصبح، و " عشيا " أراد به [صلاة] العصر، و " حين ~~تظهرون " ، صلاة الظهر. # الثانية: قوله تعالى: # أقم الصلوة لدلوك الشمس إلى غسق الليل # [الإسراء:78] أراد ب " الدلوك " زوالها، فدخل في الآية: صلاة الظهر، ~~والعصر، والمغرب، والعشاء، ثم قال: # وقرءان الفجر # [الإسراء:78] أراد صلاة الصبح. # الثالثة: قوله: # وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل ~~غروبها ومن آنآء الليل فسبح وأطراف النهار # [طه:130] قالوا: لأن الزمان إما أن يكون قبل طلوع الشمس، ~~أو قبل غروبها، فالليل والنهار داخلان في هاتين اللفظتين. # الرابعة: قوله تعالى: # وأقم الصلوة طرفي النهار وزلفا من الليل # [هود:114] فالمراد ب " طرفي النهار " الصبح والعصر، وبقوله ~~" وزلفا من الليل " المغرب، والعشاء. # فصل في الصلاة الوسطى # اختلفوا في الوسطى على سبعة مذاهب: # الأول: أن الله - تعالى - لما لم يبينها بل خصها بمزيد التوكيد، ~~جاز في كل صلاة أن تكون هي الوسطى، فيصير ذلك داعيا إلى أداء ~~الكل بصفة الكمال، والتمام؛ كما أنه أخفى ليلة القدر في رمضان، ~~وأخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة، وأخفى اسمه الأعظم في جميع ~~الأسماء، وأخفى وقت الموت في الأوقات؛ ليكون المكلف خائفا من ~~الموت في كل الأوقات، وهذا قول جماعة من العلماء. # قال محمد بن سيرين: سأل رجل زيد بن ثابت، عن الصلاة الوسطى، فقال: ~~حافظ على الصلوات كلها تصبها. # وعن الربيع بن خيثم أنه سأله واحد عنها، فقال: قال ابن عمر: الوسطى ~~واحدة منهن، فحافظ على الكل تكن محافظا على الوسطى، ثم قال ~~الربيع: فإن حافظت عليهن، فقد حافظت على الوسطى. # الثاني: أن الوسطى هي مجموع الصلوات الخمس؛ لأن هذه الصلوات ~~الخمس: هي الوسطى من الطاعات، وتقريره: أن الإيمان بضع وسبعون درجة: ~~أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى، فهي واسطة بين ~~الطرفين. # وقيل: الوسطى صلاة الجمعة؛ لأن وقتها وسط النهار، ولها شروط ليست ~~لبقية الفرائض: من أشتراط الخطبة، والأربعين، ولا تصلي في المصر ~~أكثر من جمعة واحدة، إلا ms1389 أن تدعو الحاجة إلى أكثر منها؛ وتفوت ~~بفوات وقتها ولا تقضى؛ لأن العطف يقتضي المغايرة. # الثالث: أنها صلاة الصبح، وهو قول علي وعمر وابن عباس، وابن عمرو وجابر ~~بن عبد الله، ومعاذ وأبي أمامة الباهلي، وهو قول عطاء، وطاوس، وعكرمة ~~ومجاهد، وإليه ذهب مالك، والشافعي. واستدلوا بوجوه: # أحدها: أن هذه الصلاة تؤدى بعد طلوع الفجر، وقبل طلوع الشمس، ~~وهذا الزمان ليس فيه ظلمة باقية، ولا ضوء تام فكأنه ليس بليل ولا ~~نهار، فكان متوسطا بينهما. # وثانيها: أن النهار حصل فيه صلاتان: الظهر، والعصر؛ وفي الليل ~~صلاتان: المغرب، والعشاء؛ وصلاة الصبح كالمتوسطة بين صلاتي الليل، ~~وصلاتي النهار. # فإن قيل: هذه المعاني حاصلة في صلاة المغرب. # فالجواب: أنا نرجح صلاة الصبح على صلاة المغرب؛ بكثرة الفضائل، ~~على ما سيأتي إن شاء الله تعالى. # وثالثها: أن الظهر، والعصر صلاتا جمع، وكذلك: المغرب والعشاء، ~~وصلاة الصبح منفردة بوقت واحد؛ فكانت وسطا بينهما. # ورابعها: قوله تعالى: # إن قرءان الفجر كان مشهودا # [الإسراء:78] وقد ثبت أن المراد منه صلاة الفجر، يعني تشهده ~~ملائكة الليل وملائكة النهار، فلا تجتمع ملائكة الليل وملائكة ~~النهار في وقت واحد، إلا في صلاة الفجر؛ فثبت أن صلاة الفجر قد ~~أخذت بطرفي الليل والنهار من هذا الوجه؛ فكانت كالشيء المتوسط. # وخامسها: قوله تعالى: { وقوموا لله قانتين } وصلاة الصبح ~~مخصوصة بطول القيام، والقنوت، وهذا ضعيف، لأنه يقال لا نسلم أن ~~المراد بالقنوت طول القيام، كما سيأتي في تفسير هذه الكلمة، ولا نسلم ~~أن القنوت مخصوص بالفجر؛ بل يقنت في سائر الصلوات إذا نزل ~~بالمسلمين، إلا فلا قنوت في شيء من الفرائض. # وسادسها: أنه تعالى إنما أفردها بالذكر؛ لأجل التأكيد؛ لأنها ~~أحوج الصلوات إلى التأكيد، إذ ليس في الصلوات أشق منها؛ لأنها تجب ~~على الناس في ألذ أوقات النوم؛ فيترك النوم اللذيذ إلى استعمال الماء ~~البارد، والخروج إلى المسجد والتأهب للصلاة، ولا شك أن هذا شاق ~~صعب على النفس. # وسابعها: أنها أفضل الصلوات، فوجب أن تكون هي الوسطى، ويدل على ~~فضيلتها وجوه: # الأول: قوله ms1390 تعالى: # والمستغفرين بالأسحار # [آل عمران:17] فختم طاعاتهم بكونهم مستغفرين بالأسحار، وأعظم ~~أنواع الاستغفار الفرائض؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام - حاكيا عن ~~ربه: # " لن يتقرب المتقربون إلي بمثل أداء ما افترضت عليهم ". # الثاني: روي أن التكبيرة الأولى فيها في الجماعة خير من ~~الدنيا وما فيها. # الثالث: أنه ثبت أن صلاة الصبح مخصوصة بالأذان مرتين: مرة قبل ~~طلوع الفجر، ومرة بعده. # فالأول: لإيقاظ الناس من نومهم، وتأهبهم. # والثاني: الإعلام بدخول الوقت. # الرابع: أن الله سماها بأسماء، فقال في بني إسرائيل { وقرآن ~~الفجر } وقال في النور # من قبل صلوة الفجر # [النور:58] وقال في الروم # وحين تصبحون # [الروم:17] وقال عمر - رضي الله عنه - أن المراد من قوله # وإدبار النجوم # [الطور:49] صلاة الفجر. # الخامس: أن الله تعالى أقسم بها، فقال: # والفجر وليال عشر # [الفجر: 1-2]. # فإن قيل: قد أقسم الله تعالى - أيضا - بالعصر فقال: # والعصر إن الإنسان لفى خسر # [العصر:1-2] قلنا: سلمنا أن المراد منه القسم بصلاة العصر، لكن في صلاة ~~الفجر مزيد تأكيد وهو قوله: # وأقم الصلوة طرفي النهار # [هود:14] فكما أن أحد الطرفين، وهو الصبح، وهو واقع قبل الطلوع ~~والطرف الآخر هو المغرب؛ لأنه واقع قبل الغروب، فقد اجتمع في الفجر ~~القسم به، مع التأكيد بقوله: # وأقم الصلوة طرفي النهار # [هود:14] هذا التأكيد لم يوجد في العصر. # السادس: أن التثويب في أذان الصبح معتبر، وهو قول المؤذن: الصلاة ~~خير من النوم، وهذا غير حاصل في سائر الصلوات. # السابع: أن الإنسان إذا قام من نومه فكأنه كان معدوما، ثم صار ~~موجودا أو كان ميتا، ثم صار حيا، فإذا شاهد العبد هذا الأمر ~~العظيم، فلا شك أن هذا الوقت أليق الأوقات، بأن يظهر العبد ~~الخضوع، والذلة والمسكنة في هذه العبادة. # وثامنها: روي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه سئل عن ~~الصلاة الوسطى، فقال: كنا نرى أنها الفجر. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه صلى الصبح، ثم قال: هذه هي الصلاة ~~الوسطى. # القول الرابع: أنه صلاة الظهر، وهو قول عمر، وزيد بن ثابت، ms1391 وأبي ~~سعيد الخدري، وأسامة بن زيد، وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه، واحتجوا ~~بوجوه: # الأول: أن الظهر كان شاقا عليهم؛ لوقوعه في وقت القيلولة، ~~وشدة الحر، فصرف المبالغة فيه أولى. # الثاني: روى زيد بن ثابت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي ~~بالهاجرة، وكان أثقل الصلوات على أصحابه، وربما لم يكن وراءه إلا ~~الصف، والصفان، فقال عليه الصلاة والسلام: # " لقد هممت أن أحرق على قوم لا يشهدون ~~الصلاة في بيوتهم " # فنزلت هذه الآية. # الثالث: أن صلاة الظهر تقع في وسط النهار، وليس في المكتوبات صلاة ~~تقع في وسط النهار، وهي أوسط صلاة النهار في الطول. # الرابع: قال أبو العالية: صليت مع أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~الظهر، فلما فرغوا سألتهم عن الصلاة الوسطى فقالوا: التي ~~صليتها. # الخامس: روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها كانت تقرأ " حافظوا ~~على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر " ، وكانت ~~تقول سمعت ذلك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وجه الاستدلال أنها عطفت صلاة العصر على الصلاة الوسطى، ~~والمعطوف عليه قبل المعطوف، والذي قبل العصر هي صلاة الظهر. # السادس: روي أن قوما كانوا عند زيد بن ثابت، فأرسلوا إلى أسامة بن ~~زيد، وسألوه عن الصلاة الوسطى، فقال: هي صلاة الظهر كانت تقام ~~في الهاجرة. # السابع: روي في الحديث أن أول إمامة جبريل - عليه السلام - كانت في ~~صلاة الظهر، فدل على أنها أشرف، فكان صرف التأكيد إليها أولى. # الثامن: أن صلاة الجمعة هي أشرف الصلوات، وهي صلاة الظهر فصرف ~~المبالغة إليها أولى روى الإمام أحمد، وصححه: أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - # " سئل عن الصلاة الوسطى [فقال] العصر. وروى أحمد، والترمذي، ~~وصححه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن صلاة الوسطى فقال: ~~حافظوا على الصلوات والصلاة والوسطى وصلاة العصر " # ثم نسخت هذه الكلمة، وبقي قوله: { وقوموا لله قانتين }. # فإن قيل قد روي أن عائشة أمرت أن يكتب لها مصحف، وقالت للكاتب: إذا ~~بلغت قوله تعالى: { والصلاة الوسطى } فآذني، فلما وصل الكاتب ~~إلى قوله تعالى: ms1392 { والصلاة الوسطى } آذنها فأمرته أن يكتب: " ~~وصلاة العصر " وقالت: هكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # فالجواب أن هذا لم يروه غير واحد تفرد به. وقد روى جماعة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنها صلاة العصر، كما سيأتي، وكثرة الأدلة، والرواة ~~يرجح بها. # القول الخامس: أنها صلاة العصر، وهو مروي عن علي، وابن مسعود، وابن ~~عباس، وأبي هريرة، وأبي أيوب، وعائشة، وبه قال إبراهيم النخعي، ~~وقتادة، والحسن، والضحاك، ويروى عن أبي حنيفة. # واحتجوا بوجوه: # الأول: # " روي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال يوم الخندق: " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ~~ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا " # وروى زر بن حبيش، قال: # " قلنا لعبيدة: سل عليا عن الصلاة الوسطى، فسأله فقال: كنا نرى أنها ~~صلاة الفجر، حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم الخندق: " ~~شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله ~~أجوافهم وقبورهم نارا " # وعن عبد الله بن مسعود، قال: حبس المشركون رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن صلاة العصر، حتى احمرت الشمس، أو اصفرت؛ فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله ~~أجوافهم وقبورهم نارا، أو حشا الله أجوافهم ~~وقبورهم نارا ". # الثاني: أن العصر أولى بالتأكيد من غيرها؛ لقوله - عليه الصلاة ~~والسلام -: # " من لم يحافظ على صلاة العصر فقد وتر أهله ~~وماله " # ، وقوله - عليه الصلاة والسلام -: # " من لم يحافظ على صلاة العصر أو من ترك صلاة ~~العصر فقد حبط عمله " # وقوله - عليه الصلاة والسلام -: # " من حافظ على صلاة العصر آتاه الله أجره ~~مرتين " # ولأن المحافظة على سائر الصلوات، أخف وأسهل من المحافظة على وقت العصر ~~أخفى الأوقات. # وذلك لأن الصبح يدخل وقتها بطلوع الفجر المستطير ضوؤه، ودخول الظهر ~~بزوال الشمس، والمغرب بغروب القرص، ودخول العشاء بمغيب الشفق الأحمر، ~~لا جرم كانت الفضيلة فيها أكثر. # الثالث: أن الناس عند العصر يكونون مشغولين بمهماتهم، فكان الإقبال ~~عليها أشق. # الرابع: ms1393 أنها متوسطة بين صلاة نهارية، وهي الظهر، وصلاة ~~ليلية، وهي المغرب، وأيضا، فهي متوسطة بين صلاتين بالليل وصلاتين ~~بالنهار. # فإن قيل: قد ثبت عن عائشة أنها قرأت: " وصلاة العصر ". # فالجواب أن يقال: إن هذه قراءة شاذة، ولأنه ثبت عن خلق كثير في أحاديث ~~صحيحة أنها العصر ورووها بغير واو؛ فدل على أن الواو زائدة، ولأن ~~الراوي لا يجوز له أن يسقط من الحديث حرفا واحدا يتعلق به حكم شرعي. # أو يقال: هذا من باب عطف الخاص على العام، أو من عطف الصفات؛ لقولك: ~~زيد الكريم والعالم. # والقول السادس: أنها صلاة المغرب، وهو قول عبيدة السلماني وقبيصة بن ~~ذؤيب، واحتجوا بوجهين: # أحدهما: أنه بين بياض النهار، وسواد الليل، وهذا المعنى وإن كان ~~حاصلا في الصبح، إلا أن الغرب ترجح بوجوه أخر: وهي أنها أزيد من ~~الركعتين؛ كما في الصبح، وأقل من الأربع؛ كما في الظهر، والعصر، ~~والعشاء، فهي وسط في الطول، والقصر. # الوجه الثاني: أن صلاة الظهر تسمى بالصلاة الأولى، ولذلك ابتدأ ~~جبريل بالإمامة فيها، وإذا كان الظهر أول الصلوات، كانت المغرب، هي ~~الوسطى، لا محالة، ولأن قبلها صلاة سر، وبعدها صلاة جهر. # القول السابع: أنها العشاء، قالوا: لأنها متوسطة بين صلاتين لا ~~تقصران: المغرب، والصبح. # وعن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " من صلى صلاة العشاء الآخرة في جماعة، كان ~~كقيام نصف ليلة ". # قال القرطبي: وقال أبو بكر الأبهري: إن الوسطى صلاة الصبح، وصلاة ~~العصر تبعا؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام -: # " إن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع ~~الشمس وقبل غروبها " # يعنى: العصر، والفجر، ثم قرأ جرير: # وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل ~~غروبها # [طه:130]. وروى عمار بن رؤيبة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل ~~غروبها " # يعني الفجر والعصر، وقيل: العشاء والصبح؛ لأن أبا الدرداء - رضي الله ~~عنه - قال في مرضه الذي مات فيه: اسمعوا، وبلغوا من خلفكم: حافظوا ms1394 على ~~هاتين الصلاتين، يعني في جماعة العشاء والصبح، ولو تعلمون ما فيهما ~~لأتيتموهما ولو حبوا على مرافقكم. # قوله: { وقوموا لله قانتين } قال ابن عباس: القنوت: الدعاء، ~~والذكر، بدليل قوله تعالى: # أمن هو قانت ءانآء الليل ساجدا وقآئما # [الزمر:9]. ومنه الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت يدعو على رعل، ~~وذكوان، وعصية، وأحياء من سليم. وقيل: مصلين؛ لقوله: " أم هو ~~قانت آناء الليل ". # وقال الشعبي، وعطاء، وسعيد بن جبير، والحسن، وطاوس، وقتادة، والضحاك، ~~ومقاتل: القنوت: الطاعة، ويدل عليه وجهان: # الأول: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " كل قنوت في القرآن فهو طاعة ". # والثاني: قوله تعالى: # ومن يقنت منكن لله ورسوله # [الأحزاب:31] وقال: # فالصالحات قانتات # [النساء:34] فالقنوت عبارة عن كمال الطاعة، وإتمامها والاحتراز عن ~~إيقاع الخلل في أركانها. قال الكلبي، ومقاتل: لكل أهل دين صلاة ~~يقومون فيها عاصين فقوموا أنتم لله في صلاتكم مطيعين. # وقيل: القنوت: السكوت، وهو قول ابن مسعود، وزيد بن أرقم، قال زيد بن ~~أرقم: كنا نتكلم في الصلاة، فيسلم الرجل؛ فيردون عليه ويسألهم كيف ~~صليتم؟ كفعل أهل الكتاب. فنزل قوله تعالى: { وقوموا لله ~~قانتين } فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام. # وقال مجاهد: القنوت: عبارة عن الخشوع، وخفض الجناح، وسكون الأطراف، ~~وترك الالتفات من هيبة الله، وكان العلماء إذا قام أحدهم يصلي، يهاب ~~الرحمن، فلا يلتفت أو يقلب الحصى، أو يعبث، أو يحدث نفسه بشيء من أمر ~~الدنيا ناسيا حتى ينصرف. # وقيل: القنوت: عبارة عن طول القيام. # قال جابر: سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الصلاة أفضل؟ قال: طول ~~القنوت، يريد طول القيام. # قال ابن الخطيب: وهذا القول ضعيف؛ وإلا صار تقدير الآية: وقوموا لله ~~قائمين؛ اللهم إلا أن يقال: وقوموا لله مديمين لذلك القيام؛ فيصير ~~القنوت مفسرا بالإدامة، لا بالقيام. # وقيل: القنوت في اللغة: عبارة عن الدوام على الشيء، والصبر عليه ~~والملازمة له. # وفي الشريعة مختص بالمداومة على طاعة الله تعالى؛ وهو اختيار علي بن ~~عيسى، وعلى هذا يدخل فيه جميع ما قاله ms1395 المفسرون. # قوله: " قانتين " حال من فاعل " قوموا " و " لله " يجوز أن ~~تتعلق اللام ب " قوموا " ، ويجوز أن تتعلق ب " قانتين " ، ~~ويدل للثاني قوله تعالى: # كل له قانتون # [البقرة:116]. ومعنى اللام التعليل. # فصل # قال أبو عمرو: أجمع المسلمون على أن الكلام، عامدا في الصلاة، إذا كان ~~المسلم يعلم أنه في صلاة، ولم يكن ذلك في إصلاح صلاته أنه يفسد ~~الصلاة، إلا ما روي عن الأوزاعي أنه قال إن تكلم في الصلاة لإحياء ~~نفس، ونحوه من الأمور الجسام، لم يفسد ذلك صلاته. # واختلفوا في كلام الساهي، فقيل: لا يفسد الصلاة. # وقيل: يفسدها. # وقال مالك: إذا تكلم عامدا لمصلحة الصلاة، لم تفسد، وهو مذهب أحمد. # قوله تعالى: { فإن خفتم }. # قال الواحدي: معنى الآية: فإن خفتم عدوا، فحذف المفعول لإحاطة العلم ~~به. # وقال الزمخشري: " فإن كان لكم خوف من عدو، أو غيره " فهو أصح؛ ~~لأن هذا الحكم ثابت عند حصول الخوف، سواء كان الخوف من عدو، أو غيره. # وقيل: المعنى: فإن خفتم فوات الوقت، إذا أخرتم الصلاة إلى أن ~~تفرغوا من حربكم، فصلوا رجالا، أو ركبانا، وعلى هذا التقدير الآية ~~تدل على تأكيد فرض الوقت؛ حتى يترخص لأجل المحافظة عليه في ترك ~~القيام، والركوع، والسجود. # قوله تعالى: " فرجالا ": منصوب على الحال، والعامل فيه محذوف، ~~تقديره: " فصلوا رجالا، أو فحافظوا عليها رجالا " وهذا ~~أولى؛ لأنه من لفظ الأول. # و " رجال " جمع راجل؛ مثل قيام وقائم، وتجار وتاجر، وصحاب ~~وصاحب، يقال منه: رجل يرجل رجلا، فهو راجل، ورجل بوزن ~~عضد، وهي لغة الحجاز. يقولون: رجل فلان، فهو رجل، ويقال: ~~رجلان ورجيل؛ قال الشاعر: [الطويل] # 1148- علي إذا لاقيت ليلى بخفية # أن ازدار بيت الله رجلان حافيا # كل هذا بمعنى مشى على قدميه؛ لعدم المركوب. # وقيل: الراجل الكائن على رجله، ماشيا كان أو واقفا، ولهذا اللفظ جموع ~~كثيرة: رجال؛ كما تقدم؛ وقال تعالى: # يأتوك رجالا وعلى كل ضامر # [الحج:27] وقال [الكامل] # 1149- وبنو غدانة شاخص أبصارهم # يمشون تحت بطونهن رجالا # ورجيل، ورجالى، وتروى قراءة عن عكرمة، ورجالى، ورجالة، ~~ورجال، ms1396 وبها قرأ عكرمة وابن مخلد، ورجالى، ورجلان، ورجلة، ~~ورجلة بسكون الجيم وفتحها، وأرجلة، وأراجل، وأراجيل، ورجلا ~~بضم الراء وتشديد الجيم من غير ألف، وبها قرئ شاذا. # وقال القفال: يجوز أن يكون " رجال " جمع الجمع؛ لأن رجلا يجمع على ~~" راجل " ، ثم يجمع راجل على رجال. # والركبان جمع راكب مثل فرسان وفارس، قال القفال: قيل: ولا يقال ~~إلا لمن ركب جملا، فأما راكب الفرس، ففارس، وراكب [الحمار] والبغل ~~حمار وبغال، والأجود صاحب حمار وبغل، و " أو " هنا للتقسيم، وقيل: ~~للإباحة، وقيل: للتخيير. # فصل # قال القرطبي: لما أمر الله تعالى بالقيام له في الصلاة، بحال القنوت، ~~وهو الوقار، والسكينة، وهدوء الجوارح، وهذه هي الحالة الغالبة من الأمن، ~~والطمأنينة، ذكر حالة الخوف الطارئة أحيانا، وبين أن هذه العبادة لا ~~تسقط عن العبد في حال، ورخص لعبيده في الصلاة رجالا على الأقدام، أو ~~ركبانا على الخيل والإبل، ونحوه إيماء، وإشارة بالرأس حيث ما توجهوا. # فصل في صلاة الخوف # صلاة الخوف قسمان: # أحدهما: حال القتال مع العدو، وهي أقسام: # أحدها: حال التحام الحرب، وهو المذكور في هذه الآية، وباقيها مذكور في ~~سورة النساء [102] والقتال إما واجب، أو مباح، أو محظور. # فالواجب: كالقتال مع الكفار، وهو الأصل في صلاة الخوف، وفيه نزلت الآية، ~~ويلحق به قتال أهل البغي، بقوله تعالى: # فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله # [الحجرات:9]. # والمباح: كدفع الصائل بخلاف ما إذا قصد الكافر نفسه؛ فإنه يجب الدفع، ~~وفي الدفع عن كل حيوان محترم، فإنه يجوز فيه صلاة الخوف. # وأما المحظور فلا يجوز فيه صلاة الخوف؛ لأن هذا رخصة، والرخصة إعانة؛ ~~والعاصي لا يستحق الإعانة. # القسم الثاني: في الخوف الحاصل في غير القتال، كالهارب من الحرق، أو ~~الغرق، أو السبع، أو المطالبة بدين، وهو معسر خائف من الحبس عاجز عن ~~بينة الإعسار فلهم أن يصلوا صلاة الخوف؛ لأن قوله تعالى: " فإن ~~خفتم " مطلق يتناول الكل، فإن قيل: المراد منه الخوف من العدو ~~حال المقاتلة. # قلنا: سلمنا ذلك، ولكن علمنا أنه إنما ثبت هناك، لدفع ms1397 الضرر، وهذا ~~المعنى قائم هنا، فوجب أن يكون ذلك الحكم مشروعا هنا. # فصل في عدد ركعات صلاة الحضر والسفر والخوف # ولا ينتقص عدد الركعات بالخوف عند أكثر أهل العلم. # وروى مجاهد، عن ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر ~~أربعا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة. # وقال سعيد بن جبير: إذا كنت في القتال، وضرب الناس بعضهم بعضا، فقل ~~سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، واذكر الله فتلك ~~صلاتك. # فصل # قال القرطبي: والمقصود من هذه الآية، أن تفعل الصلاة كيفما أمكن، ولا ~~تسقط بحال، حتى لو لم يتفق فعلها إلا بالإشارة بالعين لزم فعلها، وبهذا ~~تميزت عن باقي العبادات؛ لأنها تسقط بالأعذار. # قال ابن العربي: ولهذا قال علماؤنا: إن تارك الصلاة يقتل لأنها أشبهت ~~الإيمان الذي لا يسقط بحال، ولا تحوز النيابة فيها ببدن، ولا مال، ~~فيقتل تاركها كالشهادتين. # قوله: " فإذآ أمنتم " يعني بزوال الخوف الذي هو سبب الرخصة { ~~فاذكروا الله } أي: فصلوا الصلوات الخمس. والصلاة قد تسمى ~~ذكرا، قال تعالى: # فاسعوا إلى ذكر الله # [الجمعة:9]. وقيل: { فاذكروا الله } أي: فاشكروه؛ لأجل إنعامه ~~عليكم بالأمن. # وطعن القاضي في هذا القول؛ بأن الشكر يلزم مع الخوف، كما يلزم مع ~~الأمن؛ لأن نعم الله تعالى متصلة في الحالين. # وقيل: إن قوله تعالى: { فاذكروا الله } يدخل تحته الصلاة، ~~والشكر جميعا. # قوله: " كما علمكم " الكاف في محل نصب: إما نعتا لمصدر ~~محذوف، أو حالا من ضمير المصدر المحذوف، وهو الظاهر، ويجوز فيها أن ~~تكون للتعليل، أي: فاذكروه لأجل تعليمه إياكم، و " ما " يجوز أن ~~تكون مصدرية، وهو الظاهر، ويجوز أن تكون بمعنى " الذي " ، والمعنى: ~~فصلوا الصلاة كالصلاة التي علمكم، وعبر بالذكر عن الصلاة، ~~ويكون التشبيه بين هيئتي الصلاتين الواقعة قبل الخوف وبعده في حالة ~~الأمن. قال ابن عطية: " وعلى هذا التأويل يكون قوله: " ما لم ~~تكونوا " بدلا من " ما " في " كما " وإلا لم يتسق لفظ الآية " ~~قال أبو حيان: " وهو تخريج ممكن، وأحسن منه أن يكون ms1398 " ما لم ~~تكونوا " بدلا من الضمير المحذوف في " علمكم " العائد إلى ~~الموصول؛ إذ التقدير: علمكموه، ونص النحويون على أنه يجوز: ~~ضربت الذي رأيت أخاك " [أي: رأيته أخاك]، ف " ~~أخاك " بدل من العائد المحذوف ". ### || [2.240] # قرأ ابن كثير، ونافع، والكسائي، وأبو بكر، عن عاصم: " وصية " ~~بالرفع والباقون: بالنصب. وفي رفع { الذين يتوفون } ثمانية ~~أوجه، خمسة منها على قراءة من رفع " وصية " ، وثلاثة على قراءة ~~من نصب " وصية "؛ فأول الخمسة، أنه مبتدأ، و " وصية " مبتدأ ثان، ~~وسوغ الابتداء بها كونها موصوفة تقديرا؛ إذ التقدير: " وصية من ~~الله " أو " منهم "؛ على حسب الخلاف فيها: أهي واجبة من الله ~~تعالى، أو مندوبة للأزواج؟ و " لأزواجهم " خبر المبتدأ الثاني، ~~فيتعلق بمحذوف، والمبتدأ الثاني وخبره خبر الأول، وفي هذه الجملة ضمير ~~الأول، وهذه نظير قولهم: " السمن منوان بدرهم " تقديره: " ~~منوان منه " ، وجعل ابن عطية المسوغ للابتداء بها كونها في موضع ~~تخصيص؛ قال: " كما حسن أن يرتفع: " سلام عليك " و " خير ~~بين يديك "؛ لأنها موضع دعاء " قال شهاب الدين: وفيه نظر. # الثاني: أن تكون " وصية " مبتدأ، و " لأزواجهم " صفتها، ~~والخبر محذوف، تقديره: فعليهم وصية لأزواجهم، والجملة خبر الأول. # الثالث: أنها مرفوعة بفعل محذوف، تقديره: كتب عليهم وصية و " ~~لأزواجهم " صفة، والجملة خبر الأول أيضا؛ ويؤيد هذا قراءة عبد ~~الله: " كتب عليهم وصية " وهذا من تفسير المعنى، لا ~~الإعراب؛ إذ ليس هذا من المواضع التي يضمر فيها الفعل. # الرابع: أن " الذين " مبتدأ، على حذف مضاف من الأول، تقديره: ~~ووصية الذين. # الخامس: أنه كذلك إلا أنه على حذف مضاف من الثاني، تقديره: " ~~والذين يتوفون أهل وصية " ذكر هذين الوجهين ~~الزمخشري، قال أبو حيان: " ولا ضرورة تدعونا إلى ذلك ". # فهذه الخمسة الأولى التي على رفع " وصية ". وأما الثلاثة التي ~~على قراءة النصب في " وصية ": # فأحدها: أنه فاعل فعل محذوف، تقديره: وليوص الذين، ويكون نصب " ~~وصية " على المصدر. # الثاني: أنه مرفوع بفعل مبني للمفعول يتعدى لاثنين، تقديره: " ~~وألزم الذين يتوفون " ويكون نصب " وصية " على أنها ~~مفعول ثان ل " ألزم " ، ذكره الزمخشري، ms1399 وهو والذي قبله ضعيفان؛ ~~لأنه ليس من مواضع إضمار الفعل. # الثالث: أنه مبتدأ، وخبره محذوف، وهو الناصب لوصية، تقديره: والذين ~~يتوفون يوصون وصية، وقدره ابن عطية: " ليوصوا " و " وصية " ~~منصوبة على المصدر أيضا، وفي حرف عبد الله: " الوصية " رفعا ~~بالابتداء، والخبر الجار بعدها، أو مضمر أي: فعليهم الوصية، والجار ~~بعدها حال، أو خبر ثان، أو بيان. # قوله تعالى: " متاعا " في نصبه سبعة أوجه: # أحدها: أنه منصوب بلفظ " وصية " لأنها مصدر منون، ولا يضر ~~تأنيثها بالتاء؛ لبنائها عليها؛ فهي كقوله: [الطويل] # 1150- فلولا رجاء النصر منك ورهبة # عقابك قد كانوا لنا كالموارد # والأصل: وصية بمتاع، ثم حذف حرف الجر، اتساعا، فنصب ما بعده، وهذا ~~إذا لم تجعل " الوصية " منصوبة على المصدر؛ لأن المصدر المؤكد لا ~~يعمل، وإنما يجيء ذلك حال رفعها، أو نصبها على المفعول؛ كما تقدم ~~تفصيله. # والثاني: أنه منصوب بفعل، إما من لفظه، أي: متعوهن متاعا، أي: ~~تمتيعا، أو من غير لفظه، أي: جعل الله لهن متاعا. # الثالث: أنه صفة لوصية. # الرابع: أنه بدل منها. # الخامس: أنه منصوب بما نصبها، أي: يوصون متاعا، فهو مصدر أيضا على ~~غير الصدر؛ ك " قعدت جلوسا " ، هذا فيمن نصب " وصية ". # السادس: أنه حال من الموصين: أي ممتعين أو ذوي متاع. # السابع: أنه حال من أزواجهم، [أي]: ممتعات أو ذوات متاع، وهي حال ~~مقدرة إن كانت الوصية من الأزواج. # وقرأ أبي: " متاع لأزواجهم " بدل " وصية " ، وروي عنه ~~" فمتاع " ، ودخول الفاء في خبر الموصول؛ لشبهه بالشرط، وينتصب " ~~متاعا " في هاتين الروايتين على المصدر بهذا المصدر، فإنه بمعنى ~~التمتيع؛ نحو: " يعجبني ضرب لك ضربا شديدا " ، ونظيره: # فإن جهنم جزآؤكم جزاء موفورا # [الإسراء:63]، و " إلى الحول " متعلق ب " متاع " أو بمحذوف؛ ~~على أنه صفة له. # قوله تعالى: { غير إخراج } في نصبه ستة أوجه: # أحدها: أنه نعت ل " متاعا ". # الثاني: أنه بدل منه. # الثالث: أنه حال من الزوجات، أي: غير مخرجات. # الرابع: أنه حال من الموصين، أي: غير مخرجين. # الخامس: أنه منصوب على المصدر، تقديره: لا إخراجا، قاله الأخش. ms1400 # السادس: أنه على حذف حرف الجر، تقديره: من غير إخراج، قاله أبو ~~البقاء، قال شهاب الدين: وفيه نظر. # فصل في المراد بقوله " غير إخراج " # معنى قوله: " غير إخراج " أي: ليس لأولياء الميت ووارثي ~~المنزل؛ إخراجها، " فإن خرجن " أي: باختيارهن قبل الحول { فلا ~~جناح عليكم } ، أي: لا حرج على ولي أحد ولي، أو حاكم، أو ~~غيره؛ لأنه لا يجب عليها المقام في بيت زوجها حولا. # وقيل: لا جناح في قطع النفقة عنهن، أو لا جناح عليهن في التشرف إلى ~~الأزواج، إذ قد انقطعت عنهن مراقبتكم أيها الورثة، ثم عليها أنها لا ~~تتزوج قبل انقضاء العدة بالحول أو لا جناح في تزويجهن بعد انقضاء ~~العدة، لأنه قال: " بالمعروف " ، وهو ما يوافق الشرع. # و { الله عزيز } صفة تقتضي الوعيد بالنسبة لمن خالف الحد في هذه ~~النازلة، في إخراج المرأة، وهي لا تريد الخروج " حكيم " ، أي محكم ~~لما يريد من أمور عباده والله أعلم. # قوله: { في ما فعلن في أنفسهن } هذان الجاران ~~يتعلقان بما تعلق به خبر " لا " وهو " عليكم " من الاستقرار، ~~والتقدير: لا جناح مستقر عليكم فيما فعلن في أنفسهن، و " ما " ~~موصولة اسمية، والعائد محذوف، تقديره: فعلنه، و " من معروف " ~~متعلق بمحذوف؛ لأنه حال من ذلك العائد المحذوف، وتقديره: فيما فعلنه ~~كائنا من معروف. # وجاء في هذه الآية " من معروف " نكرة مجرورة ب " من " ، وفي ~~الآية قبلها " بالمعروف " معرفا مجرورا بالباء؛ لأن هذه لام ~~العهد؛ كقولك: " رأيت رجلا فأكرمت الرجل " إلا أن ~~هذه، وإن كانت متأخرة في اللفظ، فهي متقدمة في التنزيل، ولذلك جعلها ~~العلماء منسوخة بها، إلا عند شذوذ، وتقدم نظائر هذه الجمل، فلا حاجة ~~إلى إعادة الكلام فيها. # فصل في سبب النزول # في هذه الآية ثلاثة أقوال: # الأول: وهو اختيار جمهور المفسرين أنها منسوخة، قالوا: نزلت الآية في ~~رجل من أهل الطائف، يقال له: حكيم بن الحرث، هاجر إلى المدينة، وله ~~أولاد، ومعه أبواه وامرأته، فمات، فأنزل الله هذه الآية؛ فأعطى النبي صلى ~~الله عليه وسلم والديه، وأولاده ميراثه، ولم ms1401 يعط امرأته شيئا، وأمرهم أن ~~ينفقوا عليها من تركة زوجها حولا كاملا، وكانت عدة الوفاة في ابتداء ~~الإسلام حولا، كاملا، وكانت عدة الوفاة في ابتداء الإسلام حولا، ~~وكان يحرم على الوارث إخراجها من البيت قبل تمام الحول، وكان نفقتها ~~وسكناها واجبة في مال زوجها تلك السنة، ما لم يخرج، ولم يكن لها ~~الميراث، فإن خرجت من بيت زوجها، سقطت نفقتها، وكان على الرجل أن يوصي ~~بها، فكان كذلك حتى نزلت آية الميراث، فنسخ الله تعالى نفقة الحول ~~بالربع، والثمن، ونسخ عدة الحول ب # أربعة أشهر وعشرا # قال ابن الخطيب: دلت هذه الآية على وجوب أمرين: # أحدهما: وجوب النفقة، والسكنى من مال الزوج، سواء قراءة " ~~وصية ووصية " بالرفع، أو بالنصب. # والثاني: وجوب الاعتداد، ثم نسخ الله تعالى هذين الحكمين، أما الوصية ~~بالنفقة، والسكنى، فلثبوت ميراثها بالقرآن، والسنة، دلت على أنه لا ~~وصية لوارث، فصار مجموع القرآن والسنة ناسخا لوجوب الوصية لها ~~بالنفقة والسكنى في الحول. # أما وجوب العدة في الحول، فنسخ بقوله: # أربعة أشهر وعشرا # [البقرة:234]. # القول الثاني: وهو قول مجاهد: أن الله تعالى أنزل في عدة المتوفى ~~عنها زوجها آيتين: # إحداهما: قوله # يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا # [آية:234]، والأخرى هذه الآية؛ فوجب تنزيل هاتين الآيتين على حالتين، ~~فنقول: إنها إن لم تختر السكنى في دار زوجها، والأخذ من ماله، ~~وتركته؛ فعدتها هي الحول، قال ابن الخطيب: وتنزيل الآيتين على هذين ~~التقديرين أولى؛ حتى يكون كل منهما معمولا به، والجمع بين الدليلين، ~~والعمل بهما أولى من اطراح أحدهما، والعمل بالآخر. # القول الثالث: قال أبو مسلم الأصفهاني: معنى الآية: أن من يتوفى ~~منكم، ويذرون أزواجا، وقد وصوا وصية لأزواجهم، بنفقة الحول، وسكنى ~~الحول، فإن خرجن قبل ذلك، وخالفن وصية أزواجهن، بعد أن يقمن أربعة ~~أشهر وعشرا؛ فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف، أي: نكاح ~~صحيح؛ لأن إقامتهن بهذه الوصية غير لازمة. # قال: والسبب: أنهم كانوا في الجاهلية يوصون بالنفقة، والسكنى ~~حولا كاملا، وكان يجب على المرأة الاعتداد بالحول فبين ms1402 الله تعالى في ~~هذه الآية أن ذلك غير واجب، وعلى هذا التقدير، فالنسخ زائل، ~~واحتج على ذلك بوجوه: # أحدها: أن النسخ خلاف الأصل؛ فوجب المصير إلى عدمه، بقدر الإمكان. # الثاني: أن الناسخ يكون متأخرا عن المنسوخ في النزول، وإذا كان ~~متأخرا عنه في النزول، يجب أن يكون متأخرا عنه في التلاوة، وهو ~~إن كان جائزا في الجملة إلا أن قولنا يعد من سوء الترتيب، وتنزيه ~~كلام الله واجب بقدر الإمكان، ولما كانت هذه الآية متأخرة عن تلك ~~في التلاوة؛ كان الأولى ألا يحكم بكونها منسوخة بتلك. # الثالث: أنه ثبت عند الأصوليين متى وقع التعارض بين التخصيص، ~~والنسخ، كان النسخ أولى، وهاهنا إن خصصنا هاتين الآيتين بحالتين ~~على ما هو قول مجاهد؛ اندفع النسخ، فكان قول مجاهد أولى من التزام ~~النسخ من غير دليل، وأما على قول أبي مسلم، فيكون أظهر؛ لأنكم ~~تقولون: تقدير الآية: فعليهم وصية لأزواجهم، أو تقديرها: # فليوصوا وصية، فأنتم تضيفون هذا الحكم إلى الله تعالى، وأبو مسلم ~~يقول: بل تقدير الآية: والذين يتوفون منكم، ولهم وصية لأزواجهم، أو ~~تقديرها: وقد أوصوا وصية لأزواجهم فهو يضيف هذا الكلام إلى الزوج، ~~وإذا كان لا بد من الإضمار فليس إضماركم أولى من إضمارنا ثم على تقدير ~~أن يكون الإضمار ما ذكره أبو مسلم؛ لم يلزم تطرق النسخ إلى الآية، ~~فيكون أولى. # وإذا ثبت هذا فنقول: الآية من أولها إلى آخرها، تكون جملة واحدة ~~شرطية، فالشرط هو قوله: { والذين يتوفون منكم ~~ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى ~~الحول غير إخراج } فهذا كله شرط والجزاء هو قوله: { فإن ~~خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن ~~من معروف } فهذا تقرير قول أبي مسلم. # قال ابن الخطيب: وهو في غاية الصحة، وعلى تقدير باقي المفسرين، ~~فالمعنى: والذين يتوفون منك أيها الرجال، ويذرون زوجات فليوصوا ~~وصية، وكتب عليكم الوصية بأن تمتعوهن متاعا، أي: نفقة سنة ~~لطعامها، وكسوتها، وسكناها، غير مخرجين لهن، فإن خرجن من قبل أنفسهن قبل ~~الحول من غير إخراج الورثة، فلا ms1403 جناح عليكم يا أولياء الميت، فيما فعلن ~~في أنفسهن من معروف، يعني: التزين للنكاح، ولرفع الجناح عن ~~الرجال، وجهان: # أحدهما: لا جناح عليكم في ترك منعهن من الخروج؛ لأن مقامها في بيت ~~زوجها حولا، غير واجب عليها، فخيرها الله تعالى بين: أن تقيم حولا، ~~ولها النفقة والسكنى، وبين أن تخرج إلى أن نسخت بأربعة أشهر وعشرا. # فإن قيل: إن الله تعالى ذكر الوفاة، ثم أمرنا بالوصية، فكيف يوصي ~~المتوفى؟! # فالجواب أن معناه: والذين يقاربون الوفاة ينبغي أن يفعلوا هذا، فجعل ~~المقاربة للوفاة عبارة عنها. # وقيل: إن هذه الوصية يجوز أن تكون مضافة إلى الله تعالى، بمعنى: " ~~أمره، وتكليفه " ، كأنه قيل: وصية من الله لأزواجهم، كقوله: # يوصيكم الله في أولادكم # [النساء:11]. # فصل # المعتدة من فرقة الوفاة، لا نفقة لها، ولا كسوة حاملا كانت، أو ~~حائلا. # وروي عن علي، وابن عمر - رضي الله عنهما - أن لها النفقة إذا كانت ~~حاملا، وعن جابر، وابن عباس - رضي الله عنهما - أنهما قالا: لا نفقة ~~لها، حسبها الميراث، وهل تستحق السكنى؟ قال علي، وابن عباس، وعائشة ~~- رضي الله عنهم -: لا تستحق السكنى، وهذا مذهب أبي حنيفة والمزني. # وقال عمر، وابن عمر، وعثمان، وابن مسعود، وأم سلمة: إنها تستحق ~~السكنى، وبه قال مالك، والثوري، وأحمد. # " واحتج كل من الطائفتين بخبر فريعة بنت مالك، أخت أبي سعيد ~~الخدري، قتل زوجها؛ فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إني ~~أرجع إلى أهلي، فإن زوجي ما تركني في منزل يملكه؛ فقال - عليه الصلاة ~~والسلام -: " نعم " ، فانصرفت حتى إذا كنت في المسجد، أو في الحجرة ~~دعاني فقال: " امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله ~~" # ، فاختلفوا في تنزيل هذا الحديث. # فقيل: لم يوجب في الابتداء، ثم أوجب؛ فصار الأول منسوخا. # وقيل: أمرها بالمكث في بيتها أجرا على سبيل الاستحباب، لا على سبيل ~~الوجوب. # واحتج المزني على أنه لا سكنى لها فقال: أجمعنا على أنه لا نفقة ~~لها؛ لأن الملك انقطع بالموت، فكذلك السكنى بدليل: أنهم أجمعوا على ~~أن من وجب له ms1404 نفقة، وسكنى عن ولد ووالد على رجل؛ فمات؛ انقطعت ~~نفقتهم، وسكناهم؛ لأن ماله صار ملكا للوارث، فكذا هاهنا. # وأجيب بأنه لا يمكن قياس السكنى على النفقة؛ لأن المطلقة ثلاثا ~~تستحق السكنى بكل حال، ولا تستحق النفقة لنفسها عند المزني. ~~ولأن النفقة وجبت في مقابلة التمكين من الاستمتاع، ولا يمكن هاهنا، ~~وأما السكنى وجبت لتحصين النساء، وهو موجود هاهنا فافترقا. ### || [2.241-242] # إنما أعاد ذكر المتعة هاهنا؛ لزيادة معنى؛ وذلك أن في غيرها بيان ~~حكم غير الممسوسة، وفي هذه الآية: بيان حكم جميع المطلقات في المتعة. # وقيل: لأنه لما نزل قوله تعالى: # ومتعوهن على الموسع قدره # [البقرة:236]، إلى قوله: # حقا على المحسنين # [البقرة:236] قال رجل من المسلمين: إن أردت؛ فعلت، وإن لم أرد ذلك لم ~~أفعل فقال الله تعالى: { وللمطلقات متاع بالمعروف } ~~جعل المتعة لهن بلام الملك، وقال: { حقا على المتقين } يعنى ~~المؤمنين المتقين الشرك. # وقيل: المراد بهذه المتعة: النفقة، والنفقة قد تسمى متاعا، ~~فاندفع التكرار. # واعلم أن القائل بوجوب المتعة لكل المطلقات: هو سعيد بن جبير، وأبو ~~العالية والزهري. # وقال الشافعي: لكل مطلقة إلا المطلقة التي فرض لها المهر، ولم ~~يوجد في حقها المسيس. # قال أبو حنيفة: لا تجب المتعة إلا للمطلقة التي لم يفرض لها، ولم ~~يوجد المسيس. # وقول الله تعالى في زوجات النبي صلى الله عليه وسلم: # فتعالين أمتعكن # [الأحزاب:28] محمول على أنه تطوع من النبي صلى الله عليه وسلم ~~لا على سبيل الوجوب. # وقوله: # فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن # [الأحزاب:49] محمول على غير المفروض لها أيضا. # قال القرطبي: وأوجب الشافعي المتعة للمختلعة، والمبارئة، وقال ~~أصحاب مالك: كيف يكون للمفتدية متعة وهي تعطى، فكيف تأخذ متاعا، لا متعة ~~لمختارة الفراق من مختلعة، أو مفتدية، أو مبارئة، أو مصالحة، أو ملاعنة، ~~أو معتقة تختار الفراق، دخل بها أم لا، سمى لها صداقا أم لا؛ وقد تقدم ~~ذلك، ثم قال: { كذلك يبين الله لكم ءاياته لعلكم ~~تعقلون }. ### || [2.243] # اعلم أن عادته تعالى: أن يذكر القصص بعد بيان الأحكام ليفيد ms1405 الاعتبار ~~للسامع. # قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين }: هذه همزة الاستفهام دخلت ~~على حرف النفي، فصيرت النفي تقريرا، وكذا كل استفهام دخل على ~~نفي نحو: # ألم نشرح لك صدرك # [الشرح:1] # أليس الله بكاف عبده # [الزمر:36] فيمكن أن يكون المخاطب علم هذه القصة قبل نزول هذه الآية، ~~فيكون التقرير ظاهرا، أي: قد رأيت حال هؤلاء، كقول الرجل لغيره يريد ~~تعريفه ابتداء: " ألم تر إلى ما جرى على فلان "؟. # قال القرطبي: والمعنى عند سيبويه: تنبه إلى أمر الذين، ولا تحتاج ~~هذه الرواية إلى مفعولين والمخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو كل ~~سامع، إلا أنه قد وقع الخطاب معه ابتداء كقوله: # يأيها النبي إذا طلقتم النسآء # [الطلاق:1] ويجوز أن يكون المراد بهذا الاستفهام: التعجب من حال هؤلاء، ~~وأكثر ما يرد كذلك: # ألم تر إلى الذين تولوا قوما # [المجادلة:14] # ألم تر إلى ربك كيف مد الظل # [الفرقان:45]؛ وقال الشاعر: [الطويل] # 1151- ألم تر أني كلما جئت طارقا # وجدت بها طيبا وإن لم تطيب # والرؤية هنا علمية، فكان من حقها أن تتعدى لاثنين، ولكنها ~~ضمنت معنى ما يتعدى بإلى. # والمعنى: ألم ينته علمك إلى كذا. وقال الراغب: " رأيت: يتعدى بنفسه ~~دون الجار، لكن لما استعير قولهم: " ألم تر " بمعنى ألم تنظر؛ عدي ~~تعديته، وقلما يستعمل ذلك في غير التقدير، لا يقال: رأيت إلى كذا ". # وقرأ السلمي: " تر " بسكون الراء، وفيها وجهان: # أحدهما: أنه توهم أن الراء لام الكلمة، فسكنها للجزم؛ كقوله: ~~[الرجز] # 1152- قالت سليمى اشتر لنا سويقا # واشتر فعجل خادما لبيقا # وقيل: هي لغة قوم، لم يكتفوا في الجزم بحذف حرف العلة. # والثاني: أنه أجرى الوصل مجرى الوقف، وهذا أولى، فإنه كثير في ~~القرآن؛ نحو: " الظنونا " ، و " الرسولا " ، و " السبيلا " ، ~~و " لم يتسنه " ، و " بهداهم اقتده " وقوله: " ~~ونصله " ، و " نؤته " ، و " يؤده " ، وسيأتي ذلك، إن شاء ~~الله تعالى. # قوله: " وهم ألوف " مبتدأ وخبر، وهذه الجملة في [موضع] نصب على ~~الحال، وهذا أحسن مجيئها، إذ قد جمع فيها بين الواو والضمير، و " ألوف ~~" فيه قولان: ms1406 # أظهرهما: أنه جمع " ألف " لهذا العدد الخاص، وهو جمع الكثرة، وجمع ~~القلة: آلاف كحمول، وأحمال. # والثاني: أنه جمع " آلف " على فاعل كشاهد وشهود، وقاعد وقعود، أي: ~~خرجوا وهم مؤتلفون، قال الزمخشري: " وهذا من بدع التفاسير ". # قوله تعالى: { حذر الموت } أي من خوف الموت وهو مفعول من أجله، ~~وفيه شروط النصب، أعني المصدرية، واتحاد الفاعل، والزمان. # قوله: { ثم أحياهم } فيه وجهان: # أحدهما: أنه معطوف على معنى: فقال لهم الله: موتوا، لأنه أمر في ~~معنى الخبر تقديره: فأماتهم الله ثم أحياهم. # والثاني: أنه معطوف على محذوف، تقديره: فماتوا ثم أحياهم بعد موتهم، و ~~" ثم " تقتضي تراخي الإحياء عن الإماتة. وألف " أحيا " عن ياء؛ لأنه ~~من " حيي " ، وقد تقدم تصريف هذه المادة عند قوله: # إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا # [البقرة:26]. # فصل # قال السدي وأكثر المفسرين: " كانت قرية يقال لها: " داوردان " ~~قيل واسط، وقع بها الطاعون، فخرج عامة أهلها، وبقيت طائفة، فهلك ~~أكثر الباقين وبقي منهم بقية في المرض والبلاء، فلما ارتفع الطاعون؛ ~~رجع الذين هربوا سالمين فقال من بقي من المرضى: هؤلاء أحزم منا، لو ~~صنعنا كما صنعوا لنجونا، ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجن إلى أرض لا ~~وباء فيها، فوقع الطاعون من قابل؛ فهرب عامة أهلها، وهم بضعة ~~وثلاثون ألفا؛ حتى نزلوا واديا أفيح فلما نزلوا المكان الذين يبتغون ~~فيه النجاة، ناداهم ملك من أسفل الوادي، وآخر من أعلاه: " أن موتوا ~~" فماتوا جميعا وبليت أجسامهم، فمر بهم نبي يقال له: " حزقيل بن ~~يوذي ": ثالث خلفاء بني إسرائيل، بعد موسى - عليه الصلاة والسلام -، ~~وذلك أن القيم بعد موسى بأمر بني إسرائيل يوشع بن نون ثم كالب بن ~~يوفنا، ثم حزقيل، وكان يقال له: ابن العجوز؛ لأنه أمه كانت عجوزا، ~~فسألت الله الولد بعدما كبرت، وعقمت، فوهبه الله لها ". # قال الحسن، ومقاتل: هو ذو الكفل، وسمي: ذا الكفل؛ لأنه تكفل ~~بسبعين نبيا، وأنجاهم من القتل، فلما مر حزقيل على أولئك الموتى، ~~وقف متفكرا فيهم متعجبا، فأوحى الله إليه أتريد أن أريك آية؟ قال: ms1407 ~~نعم، فقيل له: ناد! يا أيها العظام إن الله يأمرك أن ~~تجتمعي، فجعلت العظام يطير بعضها إلى بعض، حتى تمت ~~العظام، ثم أوحى الله إليه ثانيا أن ينادي: يا أيتها العظام؛ ~~إن الله يأمرك أن تكتسي لحما ودما، ثم نادي: إن الله يأمرك ~~أن تقومي؛ فقامت، فلما صاروا أحياء قاموا، وكانوا يقولون: " ~~سبحانك ربنا وبحمدك، لا إله إلا أنت " ثم رجعوا ~~إلى قريتهم، بعد حياتهم، وكانت أمارات موتهم ظاهرة في وجوههم، ثم بقوا ~~إلى أن ماتوا بعد ذلك بحسب آجالهم. # " روى عبد الله بن عامر بن ربيعة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~: خرج إلى الشام، فلما جاء " سرغ " بلغه أن الوباء قد وقع ~~بالشام؛ فأخبره عبد الرحمن بن عوف: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال:إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا ~~وقع بأرض وأنتم بها؛ فلا تخرجوا فرارا "؛ فرجع عمر ~~من " سرغ " ". # وقال ابن عباس، والكلبي ومقاتل والضحاك: إن ملكا من ملوك بني ~~إسرائيل أمر عسكره بالقتال؛ فخافوا القتال، وجبنوا، وكرهوا الموت، ~~فاعتلوا، وقالوا لملكهم: إن الأرض التي تذهب إليها بها الوباء، فلا ~~نأتيها حتى يزول ذلك الوباء منها؛ فأرسل الله عليهم الموت؛ فخرجوا من ~~ديارهم فرارا من الموت، فلما رأى الملك ذلك قال: اللهم رب يعقوب، ~~وإله موسى، وهارون قد ترى معصية عبادك، فأرهم آية في أنفسهم، حتى يعلموا ~~أنهم لا يستطيعون الفرار منك، فلما خرجوا قال لهم الله " موتوا " ، ~~فماتوا جميعا، وماتت دوابهم كموت رجل واحد، وبقوا ثمانية أيام، حتى ~~انتفخوا وأروحت أجسادهم، وبلغ بني إسرائيل موتهم، فخرجوا لدفنهم؛ فعجزوا ~~لكثرتهم، فحظروا عليهم حظائر دون السباع، فأحياهم الله بعد الثمانية ~~أيام، وبقي فيهم شيء من ذلك النتن، وفي أولادهم إلى هذا اليوم. # واحتجوا على هذه الرواية بقوله عقيب ذلك: # وقاتلوا في سبيل الله # [البقرة:244] وقال مقاتل والكلبي كانوا قوم حزقيل، أحياهم الله تعالى ~~بعد ثمانية أيام، وذلك أنه لما أصابهم ذلك، خرج حزقيل في طلبهم، ~~فوجدهم موتى؛ فبكى وقال: " يا رب؛ كنت من ms1408 قوم يحمدونك ~~ويسبحونك ويقدسونك، ويكبرونك، ويهللونك؛ فبقيت واحدا ~~لا قوم لي "؛ فأوحى الله إليه: إني جعلت حياتهم إليك، فقال حزقيل: ~~احيوا بإذن الله تعالى؛ فعاشوا. # قال مجاهد: إنهم قالوا حين أحيوا: سبحانك ربنا، وبحمدك لا إله إلا ~~أنت، فرجعوا إلى قومهم، وعاشوا دهرا طويلا وسحنة الموت على وجوههم، لا ~~يلبسون ثوبا إلا عاد دنسا مثل الكفن، حتى ماتوا لآجالهم التي كتب ~~لهم. # قال ابن عباس: إنها لتوجد اليوم في ذلك السبط من اليهود تلك ~~الريح. # قال الحسن: أماتهم الله قبل آجالهم عقوبة لهم، ثم بعثهم إلى بقية ~~آجالهم. # قال ابن العربي: أماتهم الله عقوبة لهم، ثم أحياهم، وميتة العقوبة ~~بعدها حياة، وميتة الأجل لا حياة بعدها. # قوله تعالى: { فقال لهم الله موتوا }. # قال ابن الخطيب: قيل: هو من قوله: # إنما قولنا لشيء إذآ أردناه أن نقول له كن ~~فيكون # [النحل:40] والمراد سرعة وقوع المراد، ولا قول هناك. # وقيل: أمر الرسول أن يقول لهم: " موتوا " أو الملك، والأول أقرب. # قوله تعالى: { ثم أحياهم } يقتضي أنهم أحيوا بعد موتهم، وذلك ~~ممكن، وقد أخبر الصادق به؛ فوجب القطع. # وقالت المعتزلة: إحياء الميت فعل خارق للعادة، ولا يجوز إظهاره ~~إلا معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم. # قال ابن الخطيب: وأصحابنا يجوزون خرق العادة كرامة للأولياء، ولغير ~~ذلك. # قالت المعتزلة: وهذا الإحياء، وقع في زمن حزقيل ببركة دعائه. وهاهنا ~~بحث وهو أنه قد ثبت بالدليل أن المعارف تصير ضرورية عند القرب من ~~الموت ومعاينة الأهوال والشدائد، فهؤلاء إن كانوا عاينوا تلك الأهوال ~~الموجبة للعلم الضروري؛ وجب إذا عاشوا أن يبقوا ذاكرين لذلك؛ لأن ~~الأشياء العظيمة لا تنسى مع كمال العقل؛ لتبقى لهم تلك العلوم، ومع ~~بقائها يمتنع التكليف كما في الآخرة، ولا مانع يمنع من بقائهم غير ~~مكلفين وإن كان جاءهم الموت بغتة، كالنوم ولم يعاينوا شدة، ولا ~~هولا، فذلك أيضا ممكن. # وقال قتادة: إنما أحيوا ليستوفوا بقية آجالهم. # فصل # واختلفوا في عدتهم. # قال الواحدي رحمه الله : لم يكنوا دون ثلاثة آلاف، ولا فوق سبعين ms1409 ~~ألفا. # والوجه من حيث اللفظ: أن يكون عددهم أزيد من عشرة آلاف؛ لأن الألوف ~~جمع الكثرة، ولا يقال في عشرة فما دونها ألوف، وقيل: إن الألوف جمع ~~ألف، كقعود وقاعد، وجلوس، وجالس، والمعنى: أنهم كانوا مؤتلفي ~~القلوب. # قال القاضي: والوجه الأول أولى؛ لأن ورود الموت عليهم دفعة واحدة، ~~وهم كثرة عظيمة، تفيد مزيد اعتبار بحالهم؛ لأن موت الجمع العظيم ~~دفعة واحدة لا يتفق وقوعه، وأما ورود الموت على قوم تآلفوا حب ~~الحياة، وبينهم ائتلاف ومحبة كوروده وبينهم اختلاف، فوجه الاعتبار لا ~~يتغير. # قال ابن الخطيب: ويمكن أن يجاب بأن المراد كون كل واحد منهم آلفا ~~لحياته، محبا لهذه الدنيا، فرجع حاصله إلى ما قال تعالى في صفتهم # ولتجدنهم أحرص الناس على حياة # [البقرة:96]، ثم إنهم مع غاية حبهم للحياة وألفهم بها أماتهم الله ~~تعالى، وأهلكهم ليعلم أن حرص الإنسان على الحياة، لا يعصمه من الموت، ~~فهذا القول ليس ببعيد. # فصل # قال القرطبي: الطاعون وزنه فاعول من الطعن، غير أنه لما عدل به ~~عن أصله؛ وضع دالا على الموت العام بالوباء. قاله الجوهري. # " وروت عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~" فناء أمتي بالطعن والطاعون " قالت: الطعن قد عرفناه ~~فما الطاعون، قال: " غدة كغدة البعير تخرج في المراق ~~والآباط " # قال العلماء: وهذا الوباء يرسله الله نقمة، وعقوبة على من يشاء من عصاة ~~عبيده، وكفرتهم، وقد يرسله الله شهادة، ورحمة للصالحين، كقول معاذ في ~~طاعون عمواس: إنه شهادة ورحمة لكم، ودعوة نبيكم، وهي قوله عليه ~~الصلاة والسلام: # " اللهم أعط معاذا وأهله نصيبهم من رحمتك " # ، فطعن في كفه - رضي الله عنه -. # فصل # وروى البخاري: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين ذكره الوباء: إنه رجز، ~~أو عذاب عذب به بعض الأمم، ثم بقي منه بقية، فيذهب المرة، ~~ويأتي الأخرى، فمن سمع به بأرض، فلا يقدمن عليه، ومن كان بأرض وقع ~~بها، فلا يخرج فرارا منه " # وعمل عمر - رضي الله عنه - بمقتضى هذا الحديث لما رجعوا من ms1410 " سرغ " ~~حين أخبرهم ابن عوف بهذا الحديث. # وقالت عائشة - رضي الله عنها - " الفار من الوباء كالفار ~~من الزحف ". # قال الطبري: يجب على المرء توقي المكاره قيل نزولها، وتجنب ~~الأشياء المخيفة قبل هجومها، وكذلك كل متقى من غوائل الأمور، سبيله ~~إلى ذلك سبيل الطاعون، ونظيره قوله عليه الصلاة والسلام: # " لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العفو ~~والعافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا " # ، ولما خرج عمر - رضي الله عنه - مع أبي عبيدة إلى الشام فسمع عمر ~~أن الوباء بها فرجع، فقال له أبو عبيدة: أفرارا من قدر الله، فقال ~~عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة؟! نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، ~~والمعنى لا محيص للإنسان عما قدره الله عليه، لكن أمرنا الله من ~~التتحرز من المخاوف، والمهلكات، وباستفراغ الوسع في التوقي من ~~المكروهات، ثم قال له: أرأيت لو كانت لك إبل، فهبطت واديا له عدوتان، ~~إحداهما خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة، رعيتها بقدر الله، وإن ~~رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ فرجع عمر من موضعه ذلك إلى المدينة. # قوله: { إن الله لذو فضل على الناس }. # أتى بهذه الجملة مؤكدة ب " إن " واللام، وأتى بخبر " إن ": " ~~ذو " الدالة على الشرف بخلاف " صاحب " ، و " على الناس " ~~متعلق بفضل تقول: تفضل فلان علي، أو بمحذوف؛ لأنه صفة له ~~فهو في محل جر، أي: فضل كائن على الناس. وأل في الناس ~~للعموم. والمعنى أن هذه القصة تشجع الإنسان على الإقدام على ~~طاعة الله تعالى، وتزيل على قلبه الخوف، فكان ذكر هذه القصة ~~سببا لبعد العبد عن المعصية، وقربه من الطاعة، فكان ذكر هذه ~~القصة فضلا وإحسانا من الله على عبده وقيل للعهد والمراد بهم: ~~الذين أماتهم لأنهم خرجوا من الدنيا على المعصية، ثم أعادهم ~~إلى الدنيا؛ حتى تابوا. # وقيل: المراد بالعهد أن العرب الذين كانوا منكرين للمعاد؛ كانوا ~~متمسكين بقول اليهود في كثير من الأمور إذا سمعوا بهذه الواقعة، ~~فالظاهر أنهم يرجعون من الدين الباطل الذي هو الإنكار إلى ~~الدين الحق، وهو الإقرار بالبعث، ms1411 فيتخلصون من العقاب، وكان ذكر ~~هذه القصة؛ فضلا من الله في حق هؤلاء. # قوله: { ولكن أكثر الناس } هذا استدراك مما ~~تضمنه قوله { إن الله لذو فضل على الناس }؛ لأن ~~تقديره: فيجب عليهم أن يشكروه لتفضله عليهم بالإيجاد، ~~والرزق، ولكن أكثرهم غير شاكر. وهو كقوله: # فأبى أكثر الناس إلا كفورا # [الإسراء:89]. ### || [2.244] # قوله تعالى: { وقاتلوا } هذه الجملة فيها أقوال: # أحدها: أنه عطف على قوله: " موتوا " وهو أمر لمن أحياهم الله ~~بعد الإماتة بالجهاد، [أي] فقال لهم: موتوا وقاتلوا، روي ذلك عن ابن ~~عباس، والضحاك. قال الطبري: " ولا وجه لهذا القول ". # والثاني: [أنها معطوفة على قوله: " حافظوا على الصلوات " وما ~~بينهما اعتراض. # والثالث]: أنها معطوفة على محذوف تقديره: " فأطيعوا وقاتلوا، ~~أو فلا تحذروا الموت كما حذره الذين من قبلكم، فلم ~~ينفعهم الحذر، قاله أبو البقاء. # والظاهر أن هذا أمر لهذه الأمة بالجهاد، بعد ذكره قوما لم ينفعهم ~~الحذر من الموت، فهو تشجيع لهم، فيكون من عطف الجمل؛ فلا ~~يشترط التوافق في أمر ولا غيره. # قوله: { في سبيل الله } فالسبيل: هو الطريق، وسميت ~~العبادات سبيلا إلى الله من حيث إن الإنسان بسلوكها يتوصل إلى ~~ثواب الله. # قال القرطبي: وهذا قول الجمهور: وهو الذي ينوى به أن تكون كلمة الله ~~هي العليا، وسبل الله كثيرة، فهي عامة في كل سبيل. قال ~~تعالى: # قل هذه سبيلي # [يوسف:108] قال مالك: سبل الله كثيرة، وما من سبيل إلا يقاتل ~~عليها أو فيها أو لها، وأعظمها دين الإسلام، فلا جرم كان المجاهد ~~مقاتلا في سبيل الله. ثم قال: { واعلموا أن الله ~~سميع عليم } أي: يسمع كلامكم في ترغيب الغير في الجهاد، أو في ~~ترعيب الغير عنه، و " عليم " بما في ضمائركم من البواعث، والأعراض: ~~أن ذلك الجهاد لغرض الدين، أو لغرض الدنيا. ### || [2.245] # " من " للاستفهام ومحلها الرفع على الابتداء، و " ذا " اسم ~~إشارة خبره، و " الذي " وصلته نعت لاسم الإشارة، أو بدل منه، ~~ويجوز أن يكون " من ذا " كله بمنزلة اسم واحد تركبا كقولك: " ~~ماذا صنعت " كما تقدم ms1412 في قوله: # ماذآ أراد الله # [البقرة:26]. ومنع أبو البقاء هذا الوجه وفرق بينه وبين قولك: " ~~ماذا " حيث يجعلان اسما واحدا بأن " ما " أشد إيهاما من " ~~من "؛ لأن " من " لمن يعقل. ولا معنى لهذا المنع بهذه العلة، ~~والنحويون نصوا على أن حكم " من ذا " حكم " ماذا ". # ويجوز أن يكون " ذا " بمعنى الذي، وفيه حينئذ تأويلان: # أحدهما: أن " الذي " الثاني تأكيد له؛ لأنه بمعناه، كأنه ~~قيل: من الذي يقرض الله قرضا. # والثاني: أن يكون " الذي " خبر مبتدأ محذوف، والجملة صلة ذا، ~~تقديره: " من الذي [هو الذي] يقرض، وذا وصلته خبر " من " ~~الاستفهامية. أجاز هذين الوجهين ابن مالك، قال شهاب الدين وهما ضعيفان، ~~والوجه ما قدمته. # وانتصب " قرضا " على المصدر على حذف الزوائد، إذ المعنى: ~~إقراضا كقوله: # أنبتكم من الأرض نباتا # [نوح:17]، وعلى هذا فالمفعول الثاني محذوف تقديره: " يقرض الله ~~مالا وصدقة " ، ولا بد من حذف مضاف تقديره: يقرض عباد الله ~~المحاويج، لتعاليه عن ذلك، أو يكون على سبيل التجوز، ويجوز أن ~~يكون بمعنى المفعول نحو: الخلق بمعنى المخلوق، وانتصابه حينئذ على ~~أنه مفعول ثان ل " يقرض ". # قال الواحدي: والقرض في هذه الآية اسم لا مصدر، ولو كان مصدرا؛ ~~لكان إقراضا. و " حسنا " يجوز أن يكون صفة لقرضا بالمعنيين ~~المذكورين، ويجوز أن يكون نعت مصدر محذوف، إذا جعلنا " قرضا " ~~بمعنى مفعول أي: إقراضا حسنا. # قوله: " فيضاعفه " قرأ عاصم وابن عامر هنا، وفي الحديد بنصب ~~الفاء، إلا أن ابن عامر وعاصما ويعقوب يشددون العين من غير ألف ~~وبابه التشديد وقرأ أبو عمرو في الأحزاب والباقون برفعها، إلا أن ~~ابن كثير يشدد العين من غير ألف؛ فحصل فيها أربع قراءات. # أحدها: قرأ أبو عمرو ونافع، وحمزة، والكسائي فيضاعفه بالألف ورفع ~~الفاء. # والثانية: قراءة عاصم " فيضاعفه " بالألف ونصب الفاء. # والثالثة: قرأ ابن كثير: " فيضعفه " بالتشديد، ورفع الفاء. # والرابعة: قرأ ابن عامر فيضعفه بالتشديد، ونصب الفاء. فالرفع ~~من وجهين: # أحدهما: أنه عطف على " يقرض " الصلة. # والثاني: أنه رفع على الاستئناف أي: فهو يضاعفه، والأول أحسن ~~لعدم الإضمار. ms1413 # والنصب من وجهين: # أحدهما: أنه منصوب بإضمار " أن " عطفا على المصدر المفهوم من " ~~يقرض " في المعنى، فيكون مصدرا معطوفا على مصدر تقديره: من ذا ~~الذي يكون منه إقراض فمضاعفة من الله تعالى كقوله: [الوافر] # 1153- للبس عباءة وتقر عيني # أحب إلي من لبس الشفوف # والثاني: أنه نصب على جواب الاستفهام في المعنى؛ لأن الاستفهام ~~وإن وقع عن المقرض لفظا، فهو عن الإقراض معنى كأنه قال: ~~أيقرض الله أحد فيضاعفه. # قال أبو البقاء: " ولا يجوز أن يكون جواب الاستفهام على اللفظ؛ لأن ~~المستفهم عنه في اللفظ المقرض أي الفاعل للقرض، لا عن ~~القرض، أي: الذي هو الفعل " وقد منع بعض النحويين النصب ~~بعد الفاء في جواب الاستفهام الواقع عن المسند إليه الحكم لا عن ~~الحكم، وهو محجوج بهذه الآية وغيرها، كقوله: " من ~~يستغفرني؛ فأغفر له، من يدعوني؛ فأستجيب له " بالنصب ~~فيهما. # قال أبو البقاء: فإن قيل: لم لا يعطف [الفعل على] المصدر الذي ~~هو " قرضا " كما يعطف الفعل على المصدر بإضمار " أن " كقول ~~الشاعر [الوافر] # 1154- للبس عباءة وتقر عيني # ............................ # قيل: هذا لا يصح لوجهين: # أحدهما: أن " قرضا " هنا مصدر مؤكد، والمصدر المؤكد لا ~~يقدر ب " أن " والفعل. # والثاني: أن عطفه عليه يوجب أن يكون معمولا ليقرض، ولا يصح ~~هذا في المعنى؛ لأن المضاعفة ليست مقرضة، وإنما هي فعل ~~الله تعالى، وتعليله في الوجه الأول يؤذن بأنه يشترط في النصب ~~أن يعطف على مصدر يتقدر ب " أن " والفعل، وهذا ليس بشرط؛ بل ~~يجوز ذلك وإن كان الاسم المعطوف عليه غير مصدر؛ كقوله: [الطويل] # 1155- ولولا رجال من رزام أعزة # وآل سبيع أو أسوءك علقما # ف " أسوءك " منصوب ب " أن "؛ عطفا على " رجال " ، فالوجه ~~في منع ذلك أن يقال: لو عطف على " قرضا "؛ لشاركه في عامله، ~~وهو " يقرض " فيصير التقدير: من ذا الذي يقرض مضاعفة، ~~وهذا ليس صحيحا معنى. # وقد تقدم أنه قرئ " يضاعف " ، و " يضعف " فقيل: هما بمعنى، ~~وتكون المفاعلة بمعنى فعل المجرد، نحو عاقبت، وقيل: بل هما ~~مختلفان، فقيل: إن المضعف للتكثير. # وقيل: ms1414 إن " يضعف " لما جعل مثلين، و " ضاعفه " لما زيد ~~عليه أكثر من ذلك. # والقرض: القطع، ومنه: " المقراض " لما يقطع به وانقطع ~~القوم هلكوا وانقطع أثرهم وقيل للقرض " قرض "؛ لأنه قطع شيء من ~~المال، وهذا أصل الاشتقاق، ثم اختلف أهل العلم في " القرض " ~~فقيل: هو اسم لكل ما يلتمس الجزاء عليه. وقيل: أن يعطي ~~شيئا ليرجع إليه مثله. # وقال الزجاج والكسائي: " هو البلاء حسنا كان أو سيئا " ، ~~تقول العرب: لك عندي قرض حسن وسيئ، والمراد منه الفعل الذي يجازى ~~عليه. # قال أمية بن الصلت: [البسيط] # 1156- كل امرىء سوف يجزى قرضه حسنا # أو سيئا ومدينا مثل ما دانا # واختلفوا في أن إطلاق لفظ القرض على هذا، هل هو حقيقة أو مجاز. # قال الزجاج: هو حقيقة، واستدل بما ذكرناه، وقيل: مجاز، لأن ~~القرض: هو أن يعطي الإنسان ليرجع إليه مثله وهنا إنما ينفق ليرجع ~~إليه بدله، و " القرض " بالكسر - لغة فيه حكاها الكسائي، ~~نقله القرطبي. # قوله: " أضعافا " فيه ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنه حال من الهاء في " فيضاعف " ، وهل هذه حال ~~مؤكدة أو مبينة، الظاهر أنها مبينة؛ لأنها وإن كانت ~~من لفظ العامل، إلا أنها اختصت بوصفها بشيء آخر، ففهم ~~منها ما لم يفهم من عاملها، وهذا شأن المبينة. # والثاني: أنه مفعول به على تضمين " يضاعف " معنى يصير، [أي: ~~يصيره] بالمضاعفة أضعافا. # الثالث: أنه منصوب على المصدر. # قال أبو حيان: [قيل] ويجوز أن ينتصب على المصدر باعتبار أن ~~يطلق الضعف - وهو المضاعف، أو المضعف - بمعنى المضاعفة، أو ~~التضعيف، كما أطلق العطاء، وهو اسم المعطى بمعنى الإعطاء. ~~وجمع لاختلاف جهات التضعيف باعتبار اختلاف الأشخاص، واختلاف ~~المقرض واختلاف أنواع الجزاء. وسبقه إلى هذا أبو البقاء، وهذه ~~عبارته، وأنشد: [الوافر] # 1157- أكفرا بعد رد الموت عني # وبعد عطائك المائة الرتاعا # والأضعاف جمع " ضعف " ، والضعف مثل قدرين متساويين. ~~وقيل: مثل الشيء في المقدار. ويقال: ضعف الشيء: مثله ~~ثلاث مرات، إلا أنه إذا قيل " ضعفان " ، فقد يطلق على الاثنين ~~المثلين في القدر من حيث إن كل واحد يضعف الآخر، كما ms1415 ~~يقال زوجان، من حيث إن كلا منهما زوج للآخر. # فصل # لما أمر الله تعالى بالجهاد، والقتال على الحق؛ إذ ليس شيء من ~~الشريعة، إلا ويجوز القتال عليه وعنه، وأعظمها دين الإسلام، ~~حرض تعالى على الإنفاق في ذلك؛ فدخل في ذلك: المقاتل في سبيل ~~الله، فإنه يقرض رجاء الثواب، كما فعل عثمان - رضي الله ~~عنه - في جيش العسرة. # فصل # اختلف المفسرون في هذه الآية على قولين: # أحدهما: أن هذه الآية متعلقة بما قبلها، والمراد منها القرض في ~~الجهاد خاصة، فندب العاجز عن الجهاد أن ينفق على الفقير القادر ~~عليه، وأمر القادر على الجهاد: أن ينفق على نفسه في طريق الجهاد، ثم ~~أكد ذلك بقوله تعالى: { والله يقبض ويبسط }. # القول الثاني: أن هذا الكلام مبتدأ لا تعلق له بما قبله، ثم ~~اختلفوا هؤلاء، فمنهم من قال: المراد من القرض إنفاق المال، ومنهم من ~~قال: إنه غيره والقائلون بأنه إنفاق المال، اختلفوا على ثلاثة ~~أقوال: # الأول: أنه الصدقة غير الواجبة، وهو قول الأصم، واحتج بوجهين: # أحدهما: أنه تعالى سماه قرضا والقرض لا يكون إلا تبرعا. # الوجه الثاني: قال ابن عباس: إن هذه الآية # " نزلت في أبي الدحداح، قال: يا رسول الله! إن لي حديقتين، فإن ~~تصدقت بأحدهما، فهل لي مثلها في الجنة. # قال: " نعم " ، قال: وأم الدحداح معي؟ قال: " نعم ". فتصدق بأفضل ~~حديقتيه، وكانت تسمى " الحنيبة " قال: فرجع أبو الدحداح إلى أهله، ~~وكانوا في الحديقة التي تصدق بها، فقام على باب الحديقة وذكر ذلك ~~لامرأته فقالت أم الدحداح: بارك الله لك فيما اشتريت، ثم خرجوا منه ~~وسلموها؛ فكان عليه الصلاة والسلام يقول: كم من نخلة رداح تدلي ~~عروقها في الجنة لأبي الدحداح ". # القول الثاني: أن المراد من هذا القرض: الإنفاق الواجب في سبيل ~~الله. قالوا: لأنه تعالى ذكر في آخر الآية قوله: { وإليه ~~ترجعون } ، وذلك كالزجر وهو إنما يليق بالواجب. # القول الثالث: أنه يشتمل قسمين كقوله تعالى: # مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ~~كمثل حبة # [البقرة:261] وأما من قال: إن المراد: إنفاق ms1416 شيء سوء المال. ~~قالوا: روي عن بعض أصحاب ابن مسعود أنه قول الرجل سبحان الله، ~~والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. قال ابن الخطيب [قال ~~القاضي] وهذا بعيد؛ لأن لفظ الإقراض لا يقع في عرف اللغة عليه، ~~ولا يمكن حمل هذا القول على الصحة إلا أن نقول: إذا كان ~~الفقير لا يملك شيئا، وكان في قلبه أنه لو قدر على الإنفاق لأنفق، ~~وأعطى، فحينئذ تكون نيته قائمة مقام الإنفاق، فقد روي أنه عليه ~~الصلاة والسلام قال: # " من لم يكن عنده ما يتصدق به؛ فليلعن ~~اليهود، فإنه له صدقة ". # فصل # قال القرطبي: وذكر القرض هاهنا إنما هو تأنيس، وتقريب للناس ~~بما يفهمونه، والله هو الغني الحميد، لكنه تعالى شبه عطاء ~~المؤمنين في الدنيا، بما يرجون به ثوابه في الآخرة بالقرض كما شبه ~~إعطاء النفوس، والأموال في أخذ الجنة، بالبيع والشراء. # قوله تعالى: " حسنا " قال الواقدي: محتسب طيبة به نفسه. # وقال عمرو بن عثمان الصدفي: " لا يتبعه منا، ولا أذى ". # وقال سهل بن عبد الله: لا يعتقد في قرضه عوضا. # واعلم: أن هذا الإقراض إذا قلنا: المراد به الإنفاق في سبيل ~~الله، فهو يخالف القرض من وجوه: # الأول: أن القرض إنما يأخذه من يحتاج إليه لفقره، وذلك في حق ~~الله تعالى محال. # الثاني: أن البدل في القرض المعتاد لا يكون إلا المثل، وفي هذا ~~الإنفاق هو الضعف. # الثالث: أن المال الذي يأخذه المستقرض، لا يكون ملكا له، وهاهنا ~~المال المأخوذ ملك له، ومع هذه الفروق سماه الله تعالى قرضا، ~~والحكمة فيه التنبيه على أن ذلك لا يضيع عند الله كما أن ~~القرض يجب أداؤه، ولا يجوز الإخلال به، فكذا الثواب الواجب على ~~هذا الإنفاق واصل إلى المكلف لا محالة. # فصل # قال القرطبي: القرض: قد يكون بالمال، وقد بينا حكمه، كما ~~قال عليه الصلاة والسلام # " أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم، كان إذا خرج ~~من بيته قال: اللهم إني تصدقت بعرضي على ~~عبادك ". # وقال ابن عمر: " أقرض من عرضك ليوم فقرك ms1417 " يعني من سبك ~~فلا تأخذ منه حقا، ولا تقم عليه حدا، حتى تأتي يوم القيامة موفر ~~الأجر. # وقال أبو حنيفة: لا يجوز التصدق بالعرض؛ لأنه حق الله تعالى ~~وهو مروي عن مالك. # قال ابن العربي: وهذا فاسد لقوله عليه الصلاة والسلام: # " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ~~" # هذا يقتضي أن تكون هذه المحرمات الثلاث تجري مجرى واحدا، في كونها ~~باحترامها حقا للآدمي # فصل # وكون القرض حسنا يحتمل وجوها: # أحدها: أنه أراد به أن يكون حلالا خالصا من الحرام. # الثاني: ألا يتبع ذلك منا ولا أذى. # الثالث: أن يفعله بنية التقرب إلى الله تعالى. # والمراد من التضعيف، والإضعاف، والمضاعفة واحد، وهو: الزيادة على ~~أصل الشيء حتى يصير مثليه، أو أكثر، وفي الآية حذف والتقدير: فيضاعف ~~ثوابه. # فصل # والمراد بالأضعاف الكثيرة: # قال السدي: هذا التضعيف لا يعلمه إلا الله - عز وجل - ~~وإنما أبهم ذلك؛ لأن ذكر المبهم في باب الترغيب، أقوى من المحدود ~~وقال غيره: هو المذكور في قوله تعالى: # مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ~~كمثل حبة # [البقرة:261]، فيحمل المجمل على المفسر؛ لأن كلتا الآيتين وردتا ~~في الإنفاق. # قوله تعالى: { والله يقبض ويبسط } قرأ أبو عمر، وحمزة، وحفص، ~~وقنبل " ويبسط " هاهنا وفي الأعراف بالسين على الأصل، والباقون ~~بالصاد لأجل الطاء. وقد تقدم تحقيقه في # الصراط # [الفاتحة:6]. # فصل # قوله: " يقبض " بإمساك الرزق والنفس، والتقتير، و " يبسط " ~~بالتوسيع، وقيل: يقبض بقبول التوبة الصادقة، ويبسط بالخلف، ~~والثواب. وقيل: هو الإحياء والإماتة، فمن أماته فقد قبضه ومن ~~مد له في عمره فقد بسط له. # وقيل: يقبض بعض القلوب، حتى لا تقدم على هذه الطاعة. والمعنى: ~~أنه كما أمرهم بالصدقة أخبر أنه لا يمكنهم ذلك إلا بتوفيقه، ~~وإعانته، وقيل: ذكر ذلك ليعلم الإنسان أن القبض والبسط بيد الله، ~~فإذا علم ذلك؛ انقطع نظره عن مال الدنيا، وبقي اعتماده على الله، ~~فحينئذ يسهل عليه الإنفاق ثم قال: { وإليه ترجعون } ~~فيجزيكم بأعمالكم، حيث لا حاكم ولا مدبر سواه. # وقال قتادة: الهاء في " إليه " راجعة إلى التراب كناية ms1418 عن غير مذكور، ~~أي من التراب خلقتم، وإليه ترجعون، وتعودون. ### || [2.246] # الملأ من القوم وجوههم، وأشرافهم، وهو اسم للجماعة من الناس لا ~~واحد له من لفظه كالرهط والقوم، والجيش، والملأ: الأشراف ~~سموا بذلك؛ لأنهم يملئون العيون هيبة، أو المجالس إذا حضروا؛ أو ~~لأنهم مليئون بما يحتاج إليهم فيه، وقال الفراء: " الملأ " ~~الرجال في كل القرآن، وكذلك القوم والرهط والنفر، ويجمع على ~~أملاء؛ قال: [الطويل] # 1158- وقال لها الأملاء من كل معشر # وخير أقاويل الرجال سديدها # قال القرطبي: والملأ أيضا حسن الخلق، ومنه الحديث: # " أحسنوا الملأ فكلكم سيروى " # أخرجه مسلم. # قوله تعالى: " من بني " فيه وجهان: # أحدهما: أنه صلة للملأ على مذهب الكوفيين؛ لأنهم يجعلون ~~المعرف بأل موصولا؛ وينشدون: [الطويل] # 1159- لعمري لأنت اليت أكرم أهله # وأقعد في أفيائه بالأصائل # و { من بعد موسى } متعلق بما تعلق [به] الجار الأول، ~~وهو الاستقرار، ولا يضر اتحاد الحرفين لفظا لاختلافهما معنى، ~~فإن الأولى للتبعيض والثانية لابتداء الغاية. وقال أبو البقاء: " ~~من بعد " متعلق بالجار الأول، أو بما تعلق به الأول يعني ~~بالأول: " من بني " ، وجعله عاملا في " من بعد " لما تضمنه من ~~الاستقرار، فلذلك نسب العمل إليه، وهذا على رأي بعضهم، ينسب ~~العمل للظرف والجار الواقعين خبرا أو صفة أو حالا أو صلة، فتقول ~~في نحو: " زيد في الدار أبوه " أبوه: فاعل بالجار، والتحقيق أنه ~~فاعل بالاستقرار الذي تعلق به الجار، وهو الوجه الثاني. وقدر أبو ~~البقاء مضافا محذوفا. تقديره: من بعد موسى، ليصح المعنى بذلك. # قوله: " إذ قالوا " العامل في هذا الظرف أجازوا فيه وجهين: # أحدهما: أنه العامل في " من بعد " لأنه بدل منه، إذ هما زمانان، ~~قاله أبو البقاء: والثاني: أنه " ألم تر " قال شهاب الدين وكلاهما غير ~~صحيح. # أما الأول فلوجهين: # أحدهما من جهة اللفظ والآخر من جهة المعنى. فأما الذي من جهة اللفظ ~~فإنه على تقدير إعادة " من " و " إذ " لا تجر ب " من ". الثاني: ~~أنه ولو كانت " إذ " من الظروف التي تجر ب " من " كوقت وحين لم ~~يصح [ذلك أيضا ms1419 لأن العامل في " من بعد " محذوف فإنه حال ~~تقديره: كائنين من بعد، ولو قلت: كائن من حين قالوا لنبي لهم ابعث لنا ~~ملكا لم يصح] هذا المعنى. # وأما الثاني فلأنه تقدم أن معنى " ألم تر " تقرير للنفي، والمعنى: ~~ألم ينته علمك، أو قد نظرت إلى الملأ وليس انتهاء علمه إليهم ولا ~~نظره إليهم كان في وقت قولهم ذلك، وإذا لم تكن ظرفا للانتهاء ولا ~~للنظر فكيف تكون معمولا لهما أو لأحدهما؟ # وإذ قد بطل هذان الوجهان فلا بد له من عامل يصح به المعنى وهو ~~محذوف، تقديره: ألم تر إلى قصة الملأ أو حديث الملأ أو ما في معناه؛ ~~وذلك لأن الذوات لا يتعجب منها، إنما يتعجب من أحداثها، ~~فصار المعنى: ألم تر إلى ما جرى للملأ من بني إسرائيل إلى آخرها، ~~فالعامل هو ذلك المجرور، ولا يصح المعنى إلا به لما تقدم. # قوله تعالى: " لنبي " متعلق ب " قالوا " واللام فيه للتبليغ، ~~و " لهم " متعلق بمحذوف لأنه صفة لنبي، ومحله الجر، و " ابعث " ~~وما في حيزه في محل نصب بالقول. و " لنا " الظاهر أنه متعلق ~~بابعث، واللام للتعليل أي: لأجلنا. # قوله: " نقاتل " الجمهور بالنون والجزم على جواب الأمر. وقرئ بالياء ~~والجزم على ما تقدم، وابن أبي عبلة بالياء ورفع اللام على الصفة ~~لملكا، فمحلها النصب أيضا. [وقرئ بالنون ورفع اللام على أنها حال ~~من " لنا " فمحلها النصب أيضا] أي: ابعثه لنا مقدرين القتال، أو ~~على أنها استئناف جواب لسؤال مقدر كأنه قال لهم: ما يصنعون ~~بالملك؟ فقالوا نقاتل. # قوله: " هل عسيتم " عسى واسمها، وخبرها " أن لا تقاتلوا " ~~والشرط معترض بينهما، وجوابه محذوف للدلالة عليه، وهذا كما توسط في ~~قوله: # وإنآ إن شآء الله لمهتدون # [البقرة:70]، وهذا على رأي من يجعل " عسى " داخلة على المبتدأ ~~والخبر، ويقول إن " أن " زائدة لئلا يخبر بالمعنى عن العين. ~~وأما من يرى أنها تضمن معنى فعل متعد فيقول: " عسيتم " ~~فعل وفاعل، و " أن " وما بعدها مفعول به تقديره: هل قاربتم عدم ~~القتال، فهي عنده ليست ms1420 من النواسخ، والأول هو المشهور. # وقرأ نافع " عسيتم " هنا وفي القتال: بكسر السين، وهي لغة مع تاء ~~الفاعل مطلقا ومع نا [ومع] نون الإناث نحو: عسينا وعسين، وهي ~~لغة الحجاز، ولهذا غلط من قال: " عسى تكسر مع المضمر " ~~وأطلق، بل كان ينبغي له أن يقيد الضمير بما ذكرنا، إذ لا يقال: ~~الزيدان عسيا والزيدون عسيوا بالكسر البتة. # وقال الفارسي: " ووجه الكسر قول العرب: " هو عس بكذا " مثل: حر ~~وشج، وقد جاء فعل وفعل في نحو: نقم ونقم، فكذلك عسيت ~~وعسيت، فإن أسند الفعل إلى ظاهر فقياس عسيتم - أي بالكسر ~~- أن يقال: " عسي زيد " مثل: " رضي زيد ". # فإن قيل: فهو القياس، وإن لم يقل فسائغ أن يؤخذ باللغتين، ~~فتستعمل إحداهما موضع الأخرى كما فعل ذلك في غيره " فظاهر هذه ~~العبارة أنه يجوز كسر سينها مع الظاهر بطريق القياس على المضمر، ~~وغيره من النحويين يمنع ذلك حتى مع المضمر مطلقا، ولكن لا يلتفت إليه ~~لوروده متواترا، وظاهر قوله " قول العرب: عس " أنه مسموع منهم ~~اسم فاعلها، وكذلك حكاه أبو البقاء أيضا عن ابن الأعرابي، وقد نص ~~النحاة على أن " عسى " لا تتصرف ". # واعلم أن مدلول " عسى " إنشاء لأنها للترجي أو للإشفاق، فعلى هذا: ~~فكيف دخلت عليها " هل " التي تقتضي الاستفهام؟ فالجواب أن الكلام ~~محمول على المعنى، قال الزمخشري: " والمعنى: هل قاربتم ألا تقاتلوا، ~~يعني: هل الأمر كما أتوقعه أنكم لا تقاتلون، أراد أن يقول: عسيتم ~~ألا تقاتلوا، بمعنى أتوقع جبنكم عن القتال، فأدخل " هل " مستفهما ~~عما هو متوقع عنده ومظنون، وأراد بالاستفهام التقرير، وثبت أن ~~المتوقع كائن وأنه صائب في توقعه؛ كقوله تعالى: # هل أتى على الإنسان # [الإنسان:1] معناه التقرير " وهذا من أحسن الكلام، وأحسن من قول ~~من زعم أنها خبر لا إنشاء؛ مستدلا بدخول الاستفهام عليها؛ ~~وبوقوعها خبرا ل " إن " في قوله: [الرجز] # 1160- لا تكثرن إني عسيت صائما # وهذا لا دليل فيه؛ لأنه على إضمار القول؛ كقوله: [البسيط] # 1161- إن الذين قتلتم أمس سيدهم # لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما # ولذلك لا ms1421 توصل بها الموصولات؛ خلافا لهشام. # قوله: { وما لنآ ألا نقاتل } هذه الواو رابطة لهذا الكلام ~~بما قبله، ولو حذفت لجاز أن يكون منقطعا مما قبله. و " ما " ~~في محل رفع بالابتداء، ومعناها الاستفهام، وهو استفهام إنكار. و " ~~لنا " في محل رفع خبر ل " ما ". # و " ألا نقاتل " فيه ثلاثة أوجه. # أظهرها: أنها على حذف حرف الجر وهو قول الكسائي والتقدير: وما ~~لنا في ألا نقاتل، أي: في ترك القتال، ثم حذفت " في " مع " أن ~~" فجرى فيها الخلاف المشهور بين الخليل وسيبويه: أهي في محل جر أم ~~نصب؟ وهذا الجار يتعلق بنفس الجار الذي هو " لنا " أو بما ~~يتعلق هو به على حسب ما تقدم في " من بعد موسى ". # قال البغوي: فإن قيل: فما وجه دخول " أن " في هذا الموضع، والعرب لا ~~تقول ما لك ألا تفعل، وإنما يقال: ما لك لا تفعل؟ قيل: دخول " أن " ~~وحذفها لغتان صحيحتان، فالإثبات كقوله تعالى: # ما لك ألا تكون مع الساجدين # [الحجر:32]، والحذف كقوله تعالى: # وما لكم لا تؤمنون بالله # [الحديد:8] وقال الفراء: الكلام هاهنا محمول على المعنى؛ لأن قولك: ما ~~لك لا تقاتل؟ معناه: ما يمنعك أن تقاتل، فلما كان معناه المنع حسن إدخال ~~" أن " فيه كقوله # ما منعك أن تسجد # [ص:75] وقوله: # ألا تكون مع الساجدين # [الحجر:32] ورجح الفارسي قول الكسائي على قول الفراء. # قال: لأن على قول الفراء لا بد من إضمار حرف الجر تقديره ما يمنعنا من ~~أن نقاتل فإذا كان لا بد من إضمار حرف الجر على القولين، فعلى قول ~~الكسائي يبقى الإضمار على ظاهره وعلى قول الفراء لا يبقى، فكان قول ~~الكسائي أولى. # الثاني: مذهب الأخفش أن " أن " زائدة، ولا يضر عملها مع زيادتها، ~~كما لا يضر ذلك في حروف الجر الزائدة، وعلى هذا فالجملة المنفية ~~بعدها في محل نصب على الحال، كأنه قيل: ما لنا غير مقاتلين، كقوله: # ما لكم لا ترجون لله وقارا # [نوح:13] # وما لنا لا نؤمن # [المائدة:84] وقول العرب: " ما لك قائما " ، وقول الله ms1422 تعالى: # فما لهم عن التذكرة معرضين # [المدثر:49] وهذا المذهب ضعيف لأن الأصل عدم الزيادة، فلا يصار إليها ~~دون ضرورة. # الثالث: - وهو أضعفها - وهو مذهب الطبري أن ثم واوا محذوفة قبل ~~قوله: " أن لا نقاتل ". قال: " تقديره: وما لنا ولأن لا نقاتل، كقولك: ~~إياك أن تتكلم، أي: إياك وأن تتكلم، فحذفت الواو " وهذا كما ترى ضعيف ~~جدا. وأما قوله: إن قولهم إياك أن تتكلم على حذف الواو؛ فليس كما ~~زعم، بل " إياك " ضمنت معنى الفعل المراد به التحذير، و " أن تتكلم ~~" في محل نصب به تقديره: احذر التكلم. # قوله: " وقد أخرجنا " هذه الجملة في محل نصب على الحال، ~~والعامل فيها: " نقاتل " ، أنكروا ترك القتال وقد التبسوا بهذه الحال. ~~وهذه قراءة الجمهور، أعني بناء الفعل للمفعول. # وقرأ عمرو بن عبيد: " أخرجنا " على البناء للفاعل. وفيه وجهان: # أحدهما: أنه ضمير الله تعالى، أي: وقد أخرجنا الله بذنوبنا. # والثاني: أنه ضمير العدو. # " وأبنآئنا " عطف على " ديارنا " أي: ومن أبنائنا، فلا بد من حذف ~~مضاف تقديره: " ومن بين أبنائنا " كذا قدره أبو البقاء. وقيل: إن هذا ~~على القلب، والأصل: وقد أخرج أبناؤنا منا، ولا حاجة إلى هذا. # قوله تعالى: { فلما كتب عليهم القتال تولوا } ، ~~فاعلم أن في الكلام محذوفا تقديره: فسألوا الله تعالى ذلك فبعث لهم ~~ملكا وكتب عليهم القتال فتولوا. # قوله: " إلا قليلا " نصب على الاستثناء المتصل من فاعل " ~~تولوا " فإن قيل المستثنى لا يكون مبهما، لو قلت: " قام القوم لا ~~رجالا " لم يصح، فالجواب إنما صح هذا لأن " قليلا " في الحقيقة ~~صفة لمحذوف، ولأنه قد تخصص بوصفه بقوله: " منهم " ، فقرب من الاختصاص ~~بذلك. # وقرأ أبي: " إلا أن يكون قليل منهم " وهو استثناء منقطع، لأن ~~الكون معنى من المعاني والمستثنى منه جثث. # ولا بد من بيان هذه المسألة لكثرة فائدتها. وذلك أن العرب تقول: " قام ~~القوم إلا أن يكون زيد وزيدا " بالرفع والنصب، فالرفع على جعل " كان ~~" تامة، و " زيد " فاعل، والنصب على جعلها ناقصة، و " زيدا " خبرها، ~~واسمها ضمير عائد على البعض المفهوم ms1423 من قوة الكلام، والتقدير: قام ~~القوم إلا أن يكون هو - أي بعضهم - زيدا، والمعنى: قام القوم إلا كون ~~زيد في القائمين، وإذا انتفى كونه قائما انتفى قيامه، فلا فرق من حيث ~~المعنى بين العبارتين، أعني " قام القوم إلا زيدا " و " قاموا إلا أن ~~يكون زيدا " ، إلا أن الأول استثناء متصل، والثاني منقطع لما قررناه. # فصل # وجه تعلق هذه الآية بما قبلها أنه تعالى لما فرض القتال بقوله: # وقاتلوا في سبيل الله # [البقرة:244]، ثم أمر بالإنفاق فيه بقوله: # من ذا الذي يقرض الله # [البقرة:245] ذكر بعد ذلك هذه القصة تحريضا على عدم تركهم مخالفة الأمر ~~بالقتال، فإنهم لما أمروا تولوا، وخالفوا؛ فذمهم الله تعالى ونسبهم ~~إلى الظلم بقوله: { والله عليم بالظالمين } والمراد ~~الترغيب في الجهاد. # فصل فيمن هو النبي الذي نادى بالبعث في الآية # اختلفوا في ذلك النبي الذي قالوا له { ابعث لنا ملكا } من هو ~~فقال قتادة: هو يوشع ابن نون بن أفرائيم بن يوسف لقوله تعالى: { من ~~بعد موسى } وهذا ضعيف؛ لأن قوله { من بعد موسى } كما لا ~~يحتمل الاتصال بالتعاقب يحتمل البعدية بغير تعاقب، وإن كان بينهما ~~غير يوشع؛ لأن البعدية حاصلة، وذكر ابن عطية في تضعيف هذا القول ~~أن مدة داود بعد موسى بقرون من الناس، ويوشع هو فتى موسى عليهما ~~الصلاة والسلام. # وقال السدي: اسمه شمعون سمته أمه بذلك؛ لأنها دعت الله أن ~~يرزقها غلاما، فاستجاب الله دعاءها، فسمته سمعون، أي: سمع الله دعائي، ~~والسين تصير شينا بالعبرانية وهو شمعون ابن صفية بنت علقمة، من ولد ~~لاوي بن يعقوب. # وقال سائر المفسرين: هو اشمويل بن هلقايا. # فصل # كان سبب مسألتهم إياه ذلك؛ لأنه لما مات موسى خلف بعده في بني ~~إسرائيل يوشع بن نون يقيم فيهم التوراة، وأمر الله، حتى قبضه الله، ~~ثم خلف فيهم " كالب بن يوفنا "؛ حتى قبضه الله، ثم حزقيل حتى ~~قبضه الله، ثم عظمت الأحداث في بني إسرائيل ونسوا عهد الله؛ حتى عبدوا ~~الأوثان، فبعث الله إليهم " إلياس " نبيا، فدعاهم إلى الله، ms1424 وكانت ~~الأنبياء من بني إسرائيل بعد موسى، يبعثون إليهم بتجديد ما نسوا من ~~التوراة، ثم خلف بعد " إلياس " " اليسع " ، وكان فيهم ما شاء ~~الله؛ حتى قبضه الله، وخلف فيهم الخلوف، وعظمت الخطايا وظهر لهم عدو ~~يقال له البلثاثا، وهم قوم " جالوت " ، كانوا يسكنون ساحل بحر ~~الروم، بين مصر، وفلسطين، وهم العمالقة، فظهروا على بني إسرائيل، ~~وغلبوا على كثير من أرضهم، وسبوا كثيرا من ذراريهم، وأسروا من أبناء ~~ملوكهم أربعين وأربعمائة غلام، وضربوا عليهم الجزية، وأخذوا توراتهم، ~~ولقي بنو إسرائيل منهم بلاء شديدا، ولم يكن لهم نبي يدبر أمرهم، ~~وكان سبط النبوة قد هلكوا، فلم يبق منهم إلا امرأة حبلى؛ فحبسوها ~~في بيت رهبة أن تلد جارية، فتبدلها بغلام لما ترى من رغبة بني إسرائيل ~~في ولدها، وجعلت المرأة تدعو الله أن يرزقها غلاما؛ فولدت غلاما فسمته ~~شمويل تقول: سمع الله دعائي، فكبر الغلام فأسلموه ليتعلم التوراة في ~~بيت المقدس، وكفله شيخ من علمائهم وتبناه، فلما بلغ الغلام أتاه ~~جبريل، وهو نائم إلى جنب الشيخ، وكان لا يأتمن عليه أحدا، فدعاه جبريل ~~بلحن الشيخ: يا أشمويل، فقام الغلام فزعا إلى الشيخ وقال: يا أبتاه ~~دعوتني؟ فكره الشيخ أن يقول: لا فيفزع الغلام، فقال: يا بني ارجع فنم، ~~فرجع الغلام، فنام، ثم دعاه الثانية، فقال الغلام: يا أبت ~~دعوتني!؟ فقال: ارجع فنم فإن دعوتك الثالثة؛ فلا تجبني، فلما ~~كانت الثالثة ظهر له جبريل فقال له: اذهب إلى قومك؛ فبلغهم رسالة ~~ربك، فإن الله قد بعثك فيهم نبيا، فلما أتاهم كذبوه، وقالوا له: ~~استعجلت بالنبوة، ولم تنلك، وقالوا: إن كنت صادقا فابعث لنا ~~ملكا نقاتل في سبيل الله آية من نبوتك، وإنما كان قوام أمر بني ~~إسرائيل بالاجتماع على الملوك، وطاعة الملوك لأنبيائهم، فكان الملك هو ~~الذي يسير بالجموع، والنبي يقوم له بأمره، ويشير عليه برشده، ويأتيه ~~بالخبر من عند ربه. # قال وهب: بعث الله أشمويل نبيا، فلبثوا أربعين سنة بأحسن حال، ثم ~~كان من أمر جالوت، والعمالقة ما كان فقالوا لأشمويل: " ابعث ms1425 لنا ~~ملكا نقاتل " ، فقال: " هل عسيتم "؟! استفهام شك، أي: ~~لعلكم " إن كتب " أي: فرض " عليكم القتال " مع ذلك الملك ~~ألا تفوا بما تقولون، ولا تقاتلوا معه " قالوا: وما لنا ألا ~~نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا ~~وأبنائنا " ، فجعلوا ذلك علة قوية توجب التشديد في أمر ~~الجهاد؛ لأن من بلغ منه العدو هذا المبلغ، فالظاهر من أمره ~~الاجتهاد في قمع عدوه ومقاتلته، وظاهر الكلام العموم، والمراد الخصوص؛ ~~لأن الذين قالوا لنبيهم: ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله؛ كانوا ~~في ديارهم وأوطانهم، وإنما أخرج من أسر منهم، ومعنى الآية أنهم قالوا ~~مجيبين لنبيهم: إنما كنا نزهد في الجهاد إذ كنا ممنوعين في بلادنا، لا ~~يظهر علينا عدو، فأما إذ بلغ ذلك منا، فنطيع ربنا في الجهاد، ~~ونمنع نساءنا، وأولادنا، { فلما كتب عليهم القتال ~~تولوا }: أعرضوا عن الجهاد، وضيعوا أمر الله { إلا قليلا ~~منهم } - وهم الذين عبروا النهر مع طالوت، واقتصروا على الغرفة ~~كما سيأتي إن شاء الله تعالى. # قيل: كان عدد هذا القليل ثلاثمائة وثلاثة عشر على عدد أهل بدر. ### || [2.247] # قوله تعالى: { طالوت ملكا }: " ملكا " حال من " طالوت " ~~فالعامل في الحال " بعث ". و " طالوت " فيه قولان: # أظهرهما: أنه اسم أعجمي فلذلك لم ينصرف للعلتين، أعني: العلمية ~~والعجمة الشخصية. # والثاني: أنه مشتق من الطول، ووزنه فعلوت كرهبوت ورحموت، وأصله طولوت، ~~فقلبت الواو ألفا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، وكأن الحامل لهذا القائل ~~بهذا القول ما روي في القصة أنه كان أطول رجل في زمانه وبقوله " وزاده ~~بسطة في العلم والجسم " إلا أن هذا القول مردود بأن لو كان مشتقا من ~~الطول، لكان ينبغي أن ينصرف، إذ ليس فيه إلا العلمية. وقد أجابوا عن ~~هذا بأنه وإن لم يكن أعجميا لكنه شبيه بالأعجمي، من حيث إنه ليس في ~~أبنية العرب ما هو على هذه الصيغة، وهذا كما قالوا في حمدون، وسراويل، ~~ويعقوب، وإسحاق عند من جعلهما من سحق وعقب وقد تقدم. # وأجاب آخرون: بأنه اسم عبراني وافق عربيا مثل حطة وحنطة، ms1426 وعلى هذا ~~يكون أحد سببيه العجمة؛ لكونه عبرانيا. # قوله: { أنى يكون له الملك علينا } في " أنى " ~~وجهان: # أحدهما: أنها بمعنى كيف، وهذا هو الصحيح. # والثاني: أنها بمعنى من أين، اختاره أبو البقاء، وليس المعنى عليه. ~~ومحلها النصب على الحال، وسيأتي الكلام في عاملها ما هو. و " يكون ~~" فيها وجهان: # أحدهما: أنها تامة، و " الملك " فاعل بها و " له " متعلق [بها، ~~و " علينا " متعلق] بالملك، تقول: " فلان ملك على بني فلان أمرهم ~~" ، فتتعدى هذه المادة ب " على " ، ويجوز أن تتعلق بمحذوف على أنه ~~حال من " الملك " ، و " يكون " هي العاملة في " أنى " ، ولا يجوز ~~أن يعمل فيها أحد الظرفين، أعني " له " ، و " علينا "؛ لأنه عامل ~~معنوي والعامل المعنوي لا تتقدم عليه الحال على المشهور. # والثاني: أنها ناقصة، و " له " الخبر، و " علينا " متعلق: إما بما ~~تعلق به هذا الخبر، أو بمحذوف على أنه حال من " الملك " كما تقدم، ~~والعامل في هذه الحال " يكون " عند من يجيز في " كان " الناقصة أن تعمل ~~في الظرف وشبهه، وإما بنفس الملك كما تقدم تقريره، والعامل في " ~~أنى " ما تعلق به الخبر أيضا، ويجوز أن يكون " علينا " هو ~~الخبر، و " له " نصب على الحال، والعامل فيه الاستقرار المتعلق به ~~الخبر، كما تقدم تقريره، أو " يكون " عند من يجيز ذلك في الناقصة، ~~ولم أر من جوز أن تكون " أنى " في محل نصب خبرا ل " يكون " ~~بمعنى " كيف يكون الملك علينا له " ولو قيل به لم يمتنع ~~معنى ولا صناعة. # قوله: { ونحن أحق }: جملة حالية، و " بالملك " و " ~~منه " كلاهما متعلق ب " أحق ". " ولم يؤت سعة " هذه ~~الجملة الفعلية عطف على الاسمية قبلها، فهي في محل نصب على الحال، ~~ودخلت الواو على المضارع؛ لكونه منفيا و " سعة " مفعول ثان ليؤت، ~~والأول قام مقام الفاعل. # و " سعة " وزنها " علة " بحذف الفاء، وأصلها " وسعة " ، وإنما ~~حذفت الفاء في المصدر حملا له على المضارع، وإنما حذفت في المضارع ~~لوقوعها بين ياء - وهي حرف المضارعة - وكسرة مقدرة، وذلك أن " وسع ~~" مثل " وثق ms1427 " فحق مضارع أن يجيء على يفعل بكسر العين، وإنما منع ذلك ~~في " يسع " كون لامه حرف حلق، ففتح عين مضارعه لذلك، وإن كان أصلها ~~الكسر، فمن ثم قلنا: بين ياء وكسرة [مقدرة، والدليل على ذلك أنهم ~~قالوا: وجل يوجل فلم يحذفوها لما كانت الفتحة أصلية غير عارضة، ~~بخلاف فتحة " يسع " و " يهب " وبابهما. # فإن قيل: قد رأيناهم يحذفون هذه الواو، وإن لم تقع بين ياء وكسرة]، ~~وذلك إذا كان حرف المضارعة همزة نحو: " أعد " ، أو تاء نحو: " تعد ~~" أو نونا نحو: " نعد " ، وكذلك في الأمر والمصدر نحو: " عد عدة ~~حسنة ". # فالجواب أن ذلك بالحمل على المضارع مع الياء طرا للباب، كما تقدم ~~لنا في حذف همزة أفعل، إذا صار مضارعا لأجل همزة المتكلم، ثم حمل باقي ~~الباب عليه. وفتحت سين " السعة " لما فتحت في المضارع لأجل حرف ~~الحلق، كما كسرت عين " عدة " لما كسرت في " يعد " إلا أنه يشكل ~~على هذا: وهب يهب هبة، فإنهم كسروا الهاء في المصدر، وإن كانت ~~مفتوحة في المضارع لأجل أن العين حرف حلق، فلا فرق بين " يهب " ، و ~~" يسع " في كون الفتحة عارضة والكسرة مقدرة، ومع ذلك فالهاء مكسورة ~~في " هبة " ، وكان من حقها الفتح لفتحها في المضارع ك " سعة ". # و " من المال " فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق بيؤت. # والثاني: أنه متعلق بمحذوف لأنه صفة لسعة، أي: سعة كائنة من ~~المال. # فصل # اعلم أنه تعالى لما بين في الآية أنه لما أجابهم إلى سؤالهم ~~تولوا، بين في هذه الآية أن أول توليهم إنكارهم إمرة طالوت، ~~وذلك أنهم لما طلبوا من نبيهم أن يطلب من الله أن يعين لهم ~~ملكا؛ فأجابهم بأن الله قد بعث لكم طالوت ملكا، أظهروا التولي عن ~~طاعة الله، وأعرضوا عن حكمه، وقالوا: " أنى يكون له الملك ~~علينا " ، واستبعدوا ذلك. # قال المفسرون: وسبب هذا الاستبعاد: أن النبوة كانت مخصوصة بسبط ~~معين من أسباط بني إسرائيل، وهم سبط لاوي بن يعقوب، ومنه " موسى ~~وهارون " وسبط المملكة سبط " يهوذا " ، ومنه " داود، وسليمان " ~~و ms1428 " طالوت " لم يكن من أحد هذين السبطين، بل كان من ولد " ~~بنيامين " فلهذا السبب؛ أنكروا كونه ملكا عليهم، وزعموا أنهم ~~أحق بالملك منه، ثم أكدوا هذه الشبهة بشبهة أخرى وهي قولهم: " ~~ولم يؤت سعة من المال " ، أي: فقير. # قال وهب: كان دباغا. # وقال السدي: مكاريا. # وقال آخرون: كان سقاء، واسمه بالعبرانية ساول بن قيس، وكان من سبط ~~بنيامين ابن يعقوب، وكانوا عملوا ذنبا عظيما، كانوا ينكحون النساء ~~على ظهر الطريق نهارا، فغضب الله عليهم ونزع الملك والنبوة عنهم ~~وكانوا يسمون سبط الإثم، ثم إن الله تعالى أجابهم عن شبهتهم بقوله: ~~{ إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم ~~والجسم }. # والاصطفاء: أخذ الملك من غيره صافيا، واصطفاه واستصفاه، بمعنى: ~~الاستخلاص، وهو أخذ الشيء خالصا. # وقال الزجاج: مأخوذ من الصفوة، فأصله اصتفى بالتاء، فأبدل ~~التاء بالطاء ليسهل النطق بها بعد الصاد. # فصل # اعلم أنهم لما طعنوا في استحقاقه للملك بأمرين: # أحدهما: كونه ليس من بيت المملكة. # والثاني: كونه فقيرا؛ رد الله عليهم ذلك بأنهم قد حصل فيه وصفان: # أحدهما: العلم. # والثاني: القدرة، وهذان الوصفان أشد مناسبة لاستحقاق الملك من الوصفين ~~الأولن لوجوه: # أحدها: أن العلم، والقدرة من باب الكمالات الحقيقية، والمال والجاه ~~ليسا كذلك. # الثاني: أن العلم، والقدرة يمكن التوصل بهما إلى المال والجاه، ~~ولا ينعكس. # الثالث: أن المال والجاه، يمكن سلبهما عن الإنسان، والعلم والقدرة، لا ~~يمكن سلبهما عنه. # الرابع: أن العالم بأمر الحرب، والقوي الشديد على المحاربة، ينتفع ~~به في حفظ مصلحة الملك، ودفع شر الأعداء، أكثر من الانتفاع بالرجل ~~النسيب الغني الذي لا قدرة له على دفع الأعداء، ولا يحفظ مصلحة ~~الملك. # فصل # دلت هذه الآية على بطلان قول من يقول: إن الإمامة موروثة، وذلك؛ ~~لأن بني إسرائيل لما أنكروا أن يكون الملك من غير بيت المملكة؛ أسقط ~~الله هذا الشرط، وبين أن المستحق للملك من خصه الله به فقال: ~~{ والله يؤتي ملكه من يشآء } ، وهذه الآية نظير قوله: # تؤتي الملك من تشآء وتنزع الملك ممن تشآء # [آل عمران:26]. ms1429 # فصل # والمراد بالبسطة في الجسم: الجمال، وقيل: المراد: طول القامة. # قيل: كان أطول من كل أحد برأسه، وبمنكبه. وقيل: المراد القوة. # قال ابن الخطيب: وهذا القول عندي أصح؛ لأن المنتفع به في دفع ~~الأعداء هو القوة، والشدة، لا الطول، والجمال. # قوله: " في العلم " فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق ب " بسطة " كقولك: " بسطت له في كذا ~~". # والثاني: أنه متعلق بمحذوف؛ لأنه صفة ل " بسطة " ، أي: بسطة ~~مستقرة أو كائنة. # قوله: { والله يؤتي ملكه من يشآء }. # قال بعض المفسرين: هذا من كلام الله تعالى لمحمد - عليه الصلاة ~~والسلام -، والمشهور: أنه من قول أشمويل، قال لهم ذلك، لما علم من ~~تعنتهم وجدالهم في الحجج، فأراد أن يتمم كلامه بالقطعي، الذي لا اعتراض ~~عليه فقال: { والله يؤتي ملكه من يشآء } ، وأضاف ملك ~~الدنيا إلى الله إضافة مملوك إلى ملك. # قوله: { والله واسع } فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه على النسب، أي: ذو سعة رحمة، كقولهم: لابن، وتامر، أي: ~~صاحب تمر ولبن. # والثاني: أنه جاء على حذف الزوائد من أوسع، وأصله موسع. وهذه ~~العبارة إنما يتداولها النحويون في المصادر فيقولون: مصدر على حذف ~~الزوائد. # والثالث: أنه اسم فاعل من " وسع " ثلاثيا؛ قال أبو البقاء: " ~~فالتقدير على هذا: واسع الحلم؛ لأنك تقول وسع حلمه ". # فصل في تفسير قوله " واسع عليم " # في قوله: " واسع عليم " ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه واسع الفضل، والرزق، والرحمة، وسعت رحمته كل شيء، ~~والتقدير: أنتم طعنتم في طالوت، لكونه فقيرا، فالله تعالى واسع الفضل، ~~يفتح عليه أبواب الرزق، والسعة، كما في المال؛ لأنه فوض إليه الملك، ~~والملك لا يتمشى إلا بالمال. # والثاني، والثالث: ما تقدم في الإعراب آنفا من كونه بمعنى: " موسع ~~" وذو سعة، والعليم العالم وقيل: العالم بما كان، والعليم بما يكون. ### || [2.248] # اعلم أنه لما أخبرهم نبيهم: بأن الله تعالى، بعث لهم طالوت ملكا، ~~وأبطل حجتهم قالوا: " فما آية ملكه؟ قال: { أن يأتيكم ~~التابوت }. # قوله تعالى: { أن يأتيكم التابوت }: " أن " ، وما في ~~حيزها في محل رفع خبر ل " إن " تقديره: إن علامة ms1430 ملكه إيتاؤكم ~~التابوت. # وفي " التابوت " ، قولان: # أحدهما: أنه فاعول، ولا يعرف له اشتقاق، ومنع قائل هذا أن يكون وزنه ~~فعلوتا مشتقا من تاب يتوب كملكوت من الملك ورهبوت من الرهب، قال: ~~لأن المعنى لا يساعد على ذلك. # الثاني: أن وزنه فعلوت كملكوت، وجعله مشتقا من التوب وهو الرجوع، ~~وجعل معناه صحيحا فيه، لأن التابوت هو الصندوق الذي توضع فيه ~~الأشياء، فيرجع إليه صاحبه عند احتياجه إليه، فقد جعلنا فيه معنى الرجوع. # والمشهور أن يوقف على تائه بتاء من غير إبدالها هاء؛ لأنها إما ~~أصل إن كان وزنه فاعولا، وإما زائدة لغير التأنيث كملكوت، ومنهم ~~من يقلبها هاء، وقد قرئ بها شاذا، قرأها أبي، وزيد بن ثابت، وهي لغة ~~الأنصار، ويحكى أنهم لما كتبوا المصاحف زمن عثمان - رضي الله عنه - ~~احتلفوا فيه فقال زيد: " بالهاء " ، وقال: [أبي:] " بالتاء " ، ~~فجاءوا عثمان فقال: " اكتبوه على لغة قريش " يعني بالتاء. # وهذه الهاء هل هي أصل بنفسها، فيكون فيه لغتان، ووزنه على هذا فاعول ليس ~~إلا، أو بدل من التاء؛ لأنها قريبة منها لاجتماعهما في الهمس، أو ~~إجراء لها مجرى تاء التأنيث؟ قال الزمخشري: " فإن قلت: ما وزن ~~التابوت؟ قلت: لا يخلو أن يكون فعلوتا، أو فاعولا، فلا يكون ~~فاعولا لقلته نحو سلس وقلق " يعني: في الأوزان العربية، ولا ~~يجوز ترك المعروف [إليه] فهو إذا فعلوت من التوب وهو الرجوع؛ لأنه ~~ظرف تودع فيه الأشياء، فيرجع إليه كل وقت. # وأما من قرأ بالهاء فهو فاعول عنده، إلا من يجعل هاءه بدلا من ~~التاء لاجتماعهما في الهمس، ولأنهما من حروف الزيادة، ولذلك أبدلت ~~من تاء التأنيث. # قوله: " فيه سكينة " يجوز أن يكون " فيه " وحده حالا من التابوت، ~~فيتعلق بمحذوف، ويرتفع " سكينة " بالفاعلية، والعامل فيه ~~الاستقرار، والحال هنا من قبيل المفردات، ويجوز أن يكون " فيه " خبرا ~~مقدما، و " سكينة " مبتدأ مؤخرا، والجملة في محل نصب على الحال، ~~والحال هنا من قبيل الجمل، و " سكينة " فعيلة من السكون، وهو الوقار. أي ~~هو سبب سكون قلوبكم، فيما اختلفتم فيه ms1431 من أمر طالوت، ونظيره # فأنزل الله سكينته عليه # [التوبة:40] قيل: كان التابوت سبب سكون قلوبهم، فأينما كانوا سكنوا ~~إليه، ولم يفروا عن التابوت، إذا كان معهم في الحرب. # وقرأ أبو السمال بتشديد الكاف، قال الزمخشري: " وهو غريب ". # قوله: " من ربكم " يجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة ل " ~~سكينة " ، ومحله الرفع. ويجوز أن يتعلق بما تعلق به " فيه " ~~من الاستقرار. و " من " يجوز أن تكون لابتداء الغاية، وأن تكون ~~للتبعيض. وثم مضاف محذوف، أي: من سكينات ربكم. # فصل # اعلم أن مجيء التابوت لا بد وأن يكون على وجه خارق للعادة؛ حتى ~~يصح كونه آية من عند الله دالة على صدق تلك الدعوة، وذلك يحتمل ~~وجهين: # أحدهما: أن يكون المعجز نفس التابوت. # قال أصحاب الأخبار: إن الله تعالى، أنزل على آدم تابوتا فيه صور ~~الأنبياء من أولاده، وكان من عود من الشمشار نحوا من ثلاثة أذرع في ~~ذراعين، فكان عند آدم إلى أن مات فتوارثه أولاده إلى أن وصل إلى يعقوب، ~~ثم بقي في أيدي بني إسرائيل إلى أن وصل إلى موسى - عليه الصلاة ~~والسلام -، فكان موسى يضع فيه التوراة ومتاعا من متاعه، وكان عنده إلى ~~أن مات، ثم تداولته أنبياء بني إسرائيل، وكانوا إذا اختلفوا في شيء ~~تكلم، وحكم بينهم، وإذا حضروا القتال قدموه بين أيديهم، ليستفتحوا ~~على عدوهم، وكانت الملائكة تحمله فوق العسكر، ثم يقاتلون العدو، ~~فإذا سمعوا من التابوت صيحة؛ استيقنوا النصر، فلما عصوا، وفسدوا ~~سلط الله عليهم العمالقة، فغلبوهم على التابوت وسلبوه، فلما سألوا ~~نبيهم على ملك طالوت؛ قال لهم النبي: " إن آية ملكه " ~~أنكم تجدون التابوت في داره، ثم إن الكفار حين سلبوا التابوت؛ ~~جعلوه في موضع البول والغائط، فدعا نبي ذلك الوقت عليهم، فسلط الله ~~عليهم البلاء حتى كل من بال، أو تغوط ابتلاه الله بالبواسير، فعلم ~~الكفار أن ذلك سبب استخفافهم بالتابوت، فأخرجوه ووضعوه على ثورين، ~~فأقبل الثوران يسيران، ووكل الله بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما، ~~حتى أتوا منزل طالوت، ثم إن قوم ذلك ms1432 النبي رأوا التابوت عند ~~طالوت، فعلموا أن ذلك دليل على كونه ملكا لهم. # وقيل: إن التابوت صندوق كان موسى - عليه الصلاة والسلام - يضع ~~التوراة فيه، وكان من خشب يعرفونه، ثم إن الله - تعالى - رفعه لما قبض ~~موسى - عليه الصلاة والسلام - لسخطه على بني إسرائيل، ثم قال نبي ~~أولئك القوم: إن آية ملك طالوت أن يأتيكم التابوت من السماء، ~~والملائكة يحفظونه، والقوم كانوا ينظرون إليه؛ حتى نزل عند طالوت، وهذا ~~قول ابن عباس - رضي الله عنه -، وأضيف الحمل إلى الملائكة في القولين، ~~لأن من حفظ شيئا في " الطريق؛ جاز أن يوصف بأنه حمل ذلك الشيء، وإن ~~لم يحمله، كقول القائل: حملت الأمتعة إلى زيد، إذا حفظها في الطريق، ~~وإن كان الحامل غيره. # الثاني: ألا يكون التابوت معجزا، بل يكون المعجز فيه بأن يشاهدوا ~~التابوت خاليا، ثم إن ذلك النبي يضعه بمحضر من القوم في بيت، ~~ويغلقون البيت عليه، ثم يدعي ذلك النبي أن الله تعالى يخلق فيه ما ~~يدل على ما وصفنا، فإن فتحوا باب البيت، ونظروا في التابوت؛ رأوا فيه ~~كتابا يدل على أن ملكهم هو طالوت، وأن الله ينصرهم على عدوهم، ~~فهذا يكون معجزا قاطعا دالا على أنه من عند الله، ولفظ القرآن ~~محتمل للوجهين. # فصل في المراد بالسكينة # اختلفوا في السكينة: قال علي - رضي الله عنه -: هي ريح تخرج، أي: ~~شديدة هفافة لها رأسان، ووجه كوجه الإنسان. # وقال ابن عباس، ومجاهد: هي صورة من زبرجد وياقوت لها رأس كرأس ~~الهر وذنب كذنبه، ولها جناحان، وقيل: لها عينان لهما شعاع، وكانوا ~~إذا سمعوا صوتها تيقنوا بالنصر، وكانوا إذا خرجوا، وضعوا التابوت ~~قدامهم، فإذا سار ساروا، وإذا وقف وقفوا. # وعن ابن عباس: هي طست من ذهب من الجنة؛ كان يغسل فيها قلوب ~~الأنبياء. # وقال أبو مسلم: كان في التابوت بشارات من كتب الله المنزلة على موسى ~~وهارون - عليهما الصلاة والسلام - ومن بعدهما من الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام بأن الله تعالى ينصر طالوت، وجنوده، ويزيد خوف العدو ~~عنهم. # وعن وهب بن ms1433 منبه قال: هي روح من الله تتكلم إذا اختلفوا إلى شيء ~~من أمورهم تخبرهم ببيان ما يريدون. وقال أبو بكر الأصم: معنى ~~السكينة؛ أي: تسكنون عند مجيئه وتقرون له بالملك، وتزول نفرتكم عنه؛ ~~لأنه متى جاءهم التابوت من السماء، وشاهدوا تلك الحالة، فلا بد وأن ~~تسكن قلوبهم إليه وتزول نفرتهم. # وقال قتادة، والكلبي: السكينة فعيلة من السكون، أي: طمأنينة من ~~ربكم، ففي أي مكان كان التابوت اطمأنوا إليه وسكنوا. # قوله: " وبقية " وزنها فعيلة والأصل: بقيية بياءين، الأولى ~~زائدة، والثانية لام الكلمة، ثم أدغم، ولا يستدل على أن لام " ~~بقية " ياء بقولهم: " بقي " في الماضي، لأن الواو إذا انكسر ما ~~قبلها قلبت ياء، ألا ترى أن " رضي " و " شقي " أصلهما من الواو: ~~الشقوة والرضوان. # و " مما ترك " في محل رفع؛ لأنه صفة ل " بقية " فيتعلق ~~بمحذوف، أي: بقية كائنة. و " من " للتبعيض، أي: من بقيات ~~ربكم، و " ما " موصولة اسمية، ولا تكون نكرة ولا مصدرية. # و " آل " تقدم الكلام فيه، وقيل: هو هنا زائد؛ كقوله: [الطويل] # 1162- بثينة من آل النساء وإنما # يكن لوصل لا وصال لغائب # يريد " بثينة " من النساء. قال الزمخشري: ويجوز أن يريد: ~~مما ترك موسى وهارون، والآل مقحم لتفخيم شأنهما،أي زائد للتعظيم، ~~واستشكل أبو حيان كيفية إفادة التفخيم بزيادة الآل. و " هارون " ~~أعجمي. قيل: لم يرد في شيء من لغة العرب، قاله الراغب، أي: لم ترد ~~مادته في لغتهم. # فصل في المقصود بالبقية # اختلفوا في البقية، فقيل: { مما ترك آل موسى وآل هارون ~~} من الدين، والشريعة، والمعنى: أن بسبب هذا التابوت ينتظم ما ~~بقي من دينهما، وشريعتيهما. # وقيل: كان فيه لوحان من التوراة، ورضاض الألواح التي تكسرت، وعصا ~~موسى ونعلاه، وثيابه، وعمامة هارون وعصاه، وقفيز من المن الذي كان ~~ينزل على بني إسرائيل، واختلفوا في الآل على قولين: # أحدهما: المراد موسى، وهارون نفسهما # " كقوله - عليه الصلاة والسلام - لأبي موسى الأشعري: لقد أوتي ~~هذا مزمارا من مزامير آل داود " # وأراد به داود نفسه؛ لأنه لم يكن لأحد من آل ms1434 داود من الصوت الحسن ~~مثل ما كان لداود. # الثاني: قال القفال: إنما أضيف ذلك إلى آل موسى وآل هارون؛ لأن ~~ذلك التابوت تداولته القرون بعدهما إلى وقت طالوت، وما في ~~التابوت توارثه العلماء عن أتباع موسى وهارون، فيكون الآل: هم الأتباع ~~قال تعالى: # أدخلوا آل فرعون أشد العذاب # [غافر:46]. # قوله: { تحمله الملائكة } هذه الجملة تحتمل أن يكون لها ~~محل من الإعراب على أنها حال من التابوت أي: محمولا للملائكة ~~وألا يكون لها محل لأنها مستأنفة، إذ هي جواب سؤال مقدر ~~كأنه قيل: كيف يأتي؟ فقيل: تحمله الملائكة. # وقرأ مجاهد " يحمله " بالياء من أسفل؛ لأن الفعل مسند ~~لجمع تكسير، فيجوز في فعله الوجهان. و " ذلك " مشار به قيل: إلى ~~التابوت. وقيل: إلى إتيانه، وهو الأحسن ليناسب آخر الآية أولها ~~[و " إن " ] الأظهر فيها [أنها] على بابها من كونها شرطية ~~وجوابها محذوف. وقيل: هي بمعنى " إذ " فإن هذه الآية معجزة باهرة ~~للمؤمنين. # قال ابن عباس: إن التابوت، وعصا موسى في بحيرة طبرية وإنهما ~~يخرجان قبل يوم القيامة. # من الناس من قال: إن طالوت كان نبيا؛ لأن الله تعالى أظهر ~~المعجزة على يديه، ومن كان كذلك كان نبيا. # فإن قيل: هذه من باب الكرامات، قلنا: الفرق بين الكرامة والمعجزة: ~~أن الكرامة لا تكون على سبب التحدي؛ فتكون معجزة، وقد يجاب بأن ~~ذلك معجزة لنبي ذلك الزمان وأنه آية قاطعة في ثبوت ملك طالوت. ### || [2.249] # [قوله تعالى: " فصل ": أي: انفصل، فلذلك كان قاصرا. وقيل إن ~~أصله التعدي إلى مفعول ولكن حذف، والتقدير: فصل نفسه ثم إن ~~هذا المفعول حذف حتى صار الفعل كالقاصر. # و " بالجنود " متعلق بمحذوف؛ لأنه حال من " طالوت " أي ~~مصاحبا لهم]. وبين جملة قوله: " فلما فصل " وبين ما قبلها من ~~الجمل جمل محذوفة يدل عليها فحوى الكلام وقوته، تقديره: فلما ~~أتاهم بالتابوت أذعنوا له وأجابوا فملكوا طالوت، وتأهبوا ~~للخروج، وهي كقوله: # فأرسلون يوسف أيها الصديق # [يوسف:45، 46]. ومعنى الفصل: القطع. # يقال: فصلت اللحم عن العظم فصلا، وفاصل الرجل شريكه وامرأته ~~فصالا. ويقال ms1435 للفطام فصال؛ لأنه يقطع عن الرضاع وفصل عن ~~المكان قطعه بالمجاوزة عنه، قال تعالى: # ولما فصلت العير # [يوسف:94] والجنود جمع جند، وكل صنف من الخلق جند على حدة، يقال ~~للجراد الكثيرة: إنها جنود الله، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: # " الأرواح جنود مجندة ". # فصل # روي أن طالوت خرج من بيت المقدس بالجنود، وهم يومئذ سبعون ألفا، ~~وقيل: ثمانون ألف مقاتل، وذلك أنهم لما رأوا التابوت لم ~~يشكوا في النصر، فساروا إلى الجهاد، فقال طالوت: لا حاجة لي في ~~كل ما أرى، لا يخرج معي رجل بنى بيتا لم يفرغ منه، ولا تاجر ~~مشتغل بالتجارة، ولا من تزوج امرأة لم يبن بها، ولا يتبعني إلا ~~الشاب النشيط الفارغ، فاجتمع إليه مما اختار ثمانون ألفا، وكان في ~~حر شديد، فشكوا قلة الماء بينهم، وبين عدوهم وقالوا: إن ~~المياه قليلة لا تحملنا، فادع الله أن يجري لنا نهرا فقال: { إن ~~الله مبتليكم بنهر } ، واختلفوا في هذا القائل، فقال الأكثرون ~~هو طالوت؛ لأنه المذكور السابق، وعلى هذا، فإنه لم يقله عن ~~نفسه، فلا بد وأن يكون عن وحي أتاه عن ربه وذلك يقتضي أنه ~~كان مع الملك نبي، وقيل: القائل هو النبي المذكور في أول ~~القصة، وهو أشمويل عليه الصلاة والسلام، وعلى هذا التقدير إن ~~قلنا: هذا الكلام من طالوت، فيكون تحمله عن ذلك النبي، وحينئذ ~~لا يكون طالوت نبيا، وإن قلنا: الكلام من النبي فتقديره: فلما ~~فصل طالوت بالجنود قال لهم نبيهم: إن الله مبتليكم بنهر، وفي هذا ~~الابتلاء وجهان: # الأول: قال القاضي: كان المشهور من أمر بني إسرائيل مخالفة الأنبياء، ~~والملوك مع ظهور الآيات، والمعجزات، فأراد الله تعالى إظهار علامة قبل ~~لقاء العدو يتميز بها الصابر على الحرب من غيره. # الثاني: أنه تعالى ابتلاهم ليتعودوا الصبر على الشدائد ~~والابتلاء الامتحان وفيه لغتان من " بلا يبلو " و " ابتلى ~~يبتلي "؛ قال: [الكامل] # 1163- ولقد بلوتك وابتليت خليفتي # ولقد كفاك مودتي بتأدب # فجاء باللغتين، وأصل الياء في مبتليكم واو لأنه من بلا يبلو؛ ~~وابتلى يبتلي، أي: اختبر، ms1436 وإنما قلبت لانكسار ما قبلها. # قوله " بنهر " الجمهور على قراءته بفتح الهاء وهي اللغة ~~الفصيحة، وفيه لغة أخرى: تسكين الهاء، وبها قرأ مجاهد وأبو ~~السمال في جميع القرآن وكل ثلاثي حشوه حرف حلق، فإنه يجيء على ~~هذين الوجهين؛ كقوله: صخر وصخر وشعر وشعر وبحر وبحر؛ ~~قال: [البسيط] # 1164- كأنما خلقت كفاه من حجر # فليس بين يديه والنى عمل # يرى التيمم في بر وفي بحر # مخافة أن يرى في كفه بلل # وتقدم اشتقاق هذه اللفظة عند قوله تعالى: # من تحتها الأنهار # [البقرة:25]. # قوله: " فليس مني " ، أي: من أشياعي وأصحابي، و " من " ~~للتبعيض؛ كأنه يجعل أصحابه بعضه؛ ومثله قول النابغة: [الوافر] # 1165- إذا حاولت في أسد فجورا # فإني لست منك ولست مني # ومعنى يطعمه: يذقه؛ تقول العرب: " طمعت الشيء " أي: ~~ذقت طعمه؛ قال: [الطويل] # 1166- فإن شئت حرمت النساء سواكم # وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا # والنقاخ: الماء العذب المروي، والبرد: هو النوم. # فصل # قال أهل اللغة: وإنما اختير هذا اللفظ لوجهين: # أحدهما: أن الإنسان إذا عطش جدا، ثم شرب الماء، وأراد وصف ذلك ~~الماء، فإنه يصفه بالطعوم اللذيذة، فقوله: { ومن لم ~~يطعمه } ، أي: وإن بلغ به العطش إلى حيث يكون الماء في فمه ~~موصوفا بالطعوم الطيبة؛ فإنه يجب عليه الاحتراز عنه، وألا يشرب. # الثاني: أن من جعل الماء في فمه، وتمضمض به، ثم أخرجه فإنه يصدق ~~عليه أنه ذاقه وطعمه، ولا يصدق عليه أنه شربه، فلو قال: ومن لم ~~يشربه فإنه مني، كان المنع مقصورا على الشرب. فلما قال: { ومن ~~لم يطعمه } حصل المنع في الشرب، والمضمضة، ومعلوم أن هذا ~~التكليف أشق، فإن الممنوع من الشرب، إذا تمضمض ~~بالماء وجد نوع خفة وراحة. # فإن قيل: هلا قيل: " ومن لم يطعم منه " ليكون آخر الآية ~~مطابقا لأولها؟ # فالجواب: إنما اختير ذلك لفائدة وهي أن الفقهاء اختلفوا في أن ~~من حلف ألا يشرب من هذا النهر. قال أبو حنيفة: لا يحنث إلا ~~إذا كرع منه؛ حتى لو اغترف بكوز من النهر، وشرب لا يحنث؛ لأن ms1437 ~~الشرب من الشيء هو: أن يكون ابتداء شربه متصلا بذلك ~~الشيء، وهذا لا يحصل إلا بالشرب من النهر. # وقال الباقون: يحنث بالشرب من الكوز، إذا اغترف به من النهر؛ ~~لأن هذا وإن كان مجازا، فهو مجاز معروف، وإذا تقرر هذا فقوله: ~~{ من شرب منه فليس مني } ظاهره: أن النهي مقصور ~~على الشرب من النهر، حتى لو اغترف بكوز، وشرب، لا يكون داخلا ~~تحت النهي فلما كان هذا الاحتمال قائما في اللفظ الأول ذكر في ~~اللفظ الثاني ما يزيل هذا الاحتمال، فقال: { ومن لم يطعمه ~~فإنه مني } أضاف الطعم والشرب إلى الماء لا إلى النهر إزالة ~~لذلك الاحتمال. # فصل # قال ابن عباس، والسدي: إنه نهر فلسطين، وقال قتادة ~~والربيع: هو نهر بين الأردن وفلسطين قال القاضي: والتوفيق بين ~~القولين: أن النهر الممتد من بلد إلى بلد قد يضاف إلى أحد ~~البلدين. وروى الزمخشري أن الوقت كان قيظا، فسلكوا مفازة فسألوا ~~أن يجري الله لهم نهرا، فقال: إن الله مبتليكم بما اقترحتموه ~~من النهر. # قوله: { إلا من اغترف } منصوب على الاستثناء، وفي المستثنى ~~منه وجهان: # الصحيح أنه الجملة الأولى، وهي: { فمن شرب منه فليس ~~مني } ، والجملة الثانية معترضة بين المستثنى والمستثنى ~~منه وأصلها التأخير، وإنما قدمت، لأنها تدل عليها ~~الأولى بطريق المفهوم، فإنه لما قال تعالى: { فمن شرب منه ~~فليس مني } ، فهم منه أن من لم يشرب فإنه منه، فلما ~~كانت مدلولا عليها بالمفهوم، صار الفصل بها كلا فصل. # وقال الزمخشري: والجملة الثانية في حكم المتأخرة، إلا ~~أنها قدمت للعناية، كما قدم " والصابئون " في قوله: # إن الذين ءامنوا والذين هادوا والصابئون # [المائدة:69]. # والثاني: أنه مستثنى من الجملة الثانية، وإليه ذهب أبو البقاء. ~~قال شهاب الدين: وهذا غير سديد لأنه يؤدي إلى أن المعنى: ومن لم ~~يطعمه فإنه مني، إلا من اغترف غرفة بيده؛ فإنه ليس مني، ~~لأن الاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات نفي، كما هو ~~الصحيح، ولكن هذا فاسد في المعنى؛ لأنهم مفسوح لهم في الاغتراف ~~غرفة واحدة. # والاستثناء إذا تعقب ms1438 الجمل، وصلح عوده على كل منها هل ~~يختص بالأخيرة، أم لا؟ # خلاف مشهور، فإن دل دليل على اختصاصه بإحدى الجمل عمل به، ~~والآية من هذا القبيل، فإن المعنى يعود إلى عوده إلى الجملة ~~الأولى، لا الثانية لما قررناه. # وقرأ الحرميان وأبو عمرو: " غرفة " بفتح الغين وكذلك يعقوب وخلف. ~~والباقون بضمها. فقيل: هما بمعنى المصدر، إلا أنهما جاءا على غير ~~الصدر كنبات من أنبت، ولو جاء على الصدر لقيل: اغترافا. ~~وقيل: هما بمعنى المغترف كالأكل بمعنى المأكول. وقيل: المفتوح ~~مصدر قصد به الدلالة على الوحدة، فإن " فعلة " يدل على ~~المرة الواحدة، ومثله الأكلة يقال فلان يأكل بالنهار أكلة واحدة ~~والمضموم بمعنى المفعول، فحيث جعلتهما مصدرا فالمفعول [محذوف، ~~تقديره: إلا من اغترف ماء، وحيث جعلتهما بمعنى المفعول] كانا ~~مفعولا به، فلا يحتاج إلى تقدير مفعول. # ويدل على الشيء الذي يحصل بالكف كاللقمة والحسوة والخطوة ~~بالضم، والحزة القطعة اليسيرة من اللحم. قال القرطبي: وقال بعضهم: ~~الغرفة بالكف الواحد، والغرفة بالكفين. # وقال المبرد " غرفة " بالفتح مصدر يقع على قليل ما في يده ~~وكثيره وبالضم اسم ملء الكف، أو ما اغترف به، فحيث جعلتهما مصدرا، ~~فالمفعول محذوف تقديره: إلا من اغترف ماء، وحيث جعلتهما بمعنى ~~المفعول كان مفعولا به، فلا يحتاج إلى تقديره مفعول ونقل عن أبي ~~علي أنه كان يرجح قراءة الضم؛ لأنه في قراءة الفتح ~~يجعلها مصدرا، والمصدر لا يوافق الفعل في بنائه، إنما جاء على ~~حذف الزوائد وجعلها بمعنى المفعول لا يحوج إلى ذلك فكان أرجح. # قوله: " بيده " يجوز أن يتعلق ب " اغترف " وهو الظاهر. ~~ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه نعت ل " غرفة " ، وهذا على ~~قولنا: بأن " غرفة " ، بمعنى المفعول أظهر منه على قولنا: بأنها ~~مصدر، فإن الظاهر من الباء على هذا أن تكون ظرفية، أي: ~~غرفة كائنة في يده. # فصل # قال ابن عباس: كانت الغرفة تشرب منها هو، ودوابه، وخدمه، ~~ويحمل منها. قال ابن الخطيب: وهذا يحتمل وجهين: # أحدهما: أنه كان مأذونا له أن يأخذ من الماء ما شاء مرة ms1439 ~~واحدة بغرفة واحدة بحيث كان المأخوذ من المرة الواحدة يكفيه، ~~ودوابه، وخدمه، ويحمل باقيه. # والثاني: أنه كان يأخذ القليل فيجعل الله فيه البركة حتى يكفي ~~كل هؤلاء؛ فتكون معجزة لنبي ذلك الزمان كما أنه تعالى كان ~~يروي الخلق العظيم من الماء القليل في زمن محمد - عليه الصلاة ~~والسلام -. # فصل # قال القرطبي: قوله تعالى: { ومن لم يطعمه فإنه مني } ~~يدل على أن الماء طعام، فإذا كان طعاما، كان قوتا للأبدان به، ~~فوجب أن يجري فيه الربا. # قال ابن العربي وهو الصحيح من المذهب، وروى أبو عمر عن مالك قال: ~~لا بأس ببيع الماء بالماء متفاضلا، وإلى أجل، وهو قول أبي حنيفة، ~~وأبي يوسف وقال محمد بن الحسن: هو مما يكال ويوزن فعلى هذا لا ~~يجوز عنده التفاضل. # فصل # قال ابن العربي: قال أبو حنيفة: إذا قال الرجل إذا شرب عبدي من ~~الفرات فهو حر، فلا يعتق إلا أن يكرع فيه، والكرع: أن يشرب ~~الرجل بفيه من النهر، فإن شرب بيده، أو اغترف منه بإناء، لم ~~يعتق، لأن الله تعالى فرق بين الكرع في النهر، وبين الشرب ~~باليد. قال: وهذا فاسد لأن شرب الماء يطلق على كل هيئة وصفة ~~في لسان العرب من غرف باليد، أو كرع بالفم انطلاقا واحدا. # قال القرطبي: وقول أبي حنيفة أصح؛ لأن أهل اللغة فرقوا بينهما، ~~كما فرق الكتاب والسنة. # قال الجوهري وغيره: كرع من الماء كروعا: إذا تناوله بفيه من موضعه، ~~من غير أن يشرب بكفيه، أو بإناء، وفيه لغة أخرى " كرع " بكسر الراء ~~كرعا. # وأما السنة، # " فما روي عن ابن عمر قال: مررنا على بركة، فجعلنا نكرع فيها فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لا تكرعوا ولكن اغسلوا ~~أيديكم ثم اشربوا فيها، فإنها ليس إناء بأطيب من ~~اليد " # وقال عليه الصلاة والسلام: # " من شرب بيده وهو يقدر على إناء يريد به ~~التواضع كتب الله بعدد أصابعه حسنات وهو إناء عيسى ~~ابن مريم - عليه الصلاة والسلام - إذا اطرح القدح فقال أف هذا مع ~~الدنيا " # أخرجه ms1440 ابن ماجه من حديث ابن عمر. # قوله: { فشربوا منه إلا قليلا } هذه القراءة المشهورة، ~~وقرأ عبد الله، وأبي والأعمش " إلا قليل " وتأويله أن هذا ~~الكلام وإن كان موجبا لفظا فهو منفي معنى، فإنه في قوة: لم ~~يطيعوه إلا قليل منهم، فلذلك جعله تابعا لما قبله في الإعراب. ~~قال الزمخشري: وهذا من ميلهم مع المعنى والإعراض عن اللفظ ~~جانبا، وهو باب جليل من علم العربية، فلما كان معنى " فشربوا ~~منه " في معنى " فلم يطيعوه " حمل عليه، ونحوه قول الفرزدق: " لم ~~يدع من المال إلا مسحتا أو مجلف " يشير إلى قوله: ~~[الطويل] # 1167- وعض زمان يا بن مروان لم يدع # من المال إلا مسحتا أو مجلف # فإن معنى " لم يدع من المال إلا مسحتا " لم يبق من ~~المال إلا مسحت، فلذلك عطف عليه " مجلف " بالرفع مراعاة ~~للمعنى المذكور. وفي البيت وجهان آخران، أحدهما.. # ولا بد من ذكر هذه المسألة لعموم فائدتها فأقول: إذا وقع في كلامهم ~~استثناء موجب نحو: " قام القوم إلا زيدا " فالمشهور وجوب ~~النصب على الاستثناء. وقال بعضهم: يجوز أن يتبع ما بعد " إلا " ~~ما قبلها في الإعراب فتقول: " مررت بالقوم إلا زيد " بجر " زيد ~~" واختلفوا في تابعية هذا، فعبارة بعضهم أنه نعت لما قبله، ~~ويقول: إنه ينعت بإلا، وما بعدها مطلقا سواء كان متبوعها ~~معرفة، أم نكرة مضمرا، أم ظاهرا، وهذا خارج عن قياس باب النعت ~~لما قد عرفت فيما تقدم. # ومنهم من قال: لا ينعت بها إلا نكرة، أو معرفة بأل الجنسية ~~لقربها من النكرة. ومنهم من قال: قول النحويين هنا نعت: إنما ~~يعنون به عطف البيان؛ ومن مجيء الإتباع بما بعد " إلا " قوله: ~~[الوافر] # 1168- وكل أخ مفارقه أخوه # لعمر أبيك إلا الفرقدان # فصل # لما ذكر تعالى أن هذا الابتلاء ليتميز المطيع من المخالف، أخبر ~~بعد ذلك بأنهم لما هجموا على النهر شرب أكثرهم، وأطاع قليل، فلم ~~يشربوا، فأما الذين شربوا فروي أنهم اسودت شفاههم وغلبهم ~~العطش، ولم يرووا، وبقوا على شط النهر وجبنوا عن لقاء العدو، ~~وأم الذين ms1441 أطاعوا، فقوي قلبهم، وصح إيمانهم. # قال السدي: كانوا أربعة آلاف، وقال الحسن، وهو الصحيح: أنهم ~~كانوا على عدد أهل بدر ثلاثمائة، وبضعة عشر، ويدل عليه # " قوله عليه الصلاة والسلام لأصحابه يوم بدر: أنتم اليوم ~~على عدد أصحاب طالوت حين عبروا النهر، وما جاز ~~معه إلا مؤمن ". # قال البراء بن عازب: وكنا يومئذ ثلاثمائة، وثلاثة عشر رجلا ولا خلاف ~~بين المفسرين أن الذين عصوا رجعوا إلى بلدهم، وإنما اختلفوا هل كان ~~رجوعهم بعد مجاوزة النهر أو قبله؟ والصحيح: أنهم لم يجاوزوا ~~النهر، وإنما رجعوا قبل المجاوزة لقوله تعالى: { فلما جاوزه ~~هو والذين ءامنوا معه }. # قال ابن عباس والسدي: كان المخالفون أهل شك، ونفاق، ~~فقالوا: { لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده } ~~فانحرفوا، ولم يجاوزوا النهر. # وقال آخرون: بل جاوزونا النهر، وإنما كان رجوعهم بعد المجاوزة، ~~ومعرفتهم بجالوت، وجنوده؛ لقولهم { لا طاقة لنا اليوم ~~بجالوت وجنوده }. # قوله: { قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم ~~من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة } وهذا يدل على ~~أنهم حين لاقوا العدو، وعاينوا كثرتهم انقسموا فرقتين إحداهما: رجعت ~~وهي المخالفة، وبقيت المطيعة. # قوله: { جاوزه هو والذين آمنوا معه } " هو " ضمير ~~مرفوع منفصل مؤكد للضمير المستكن في " جاوز ". # قوله: " والذين " يحتمل وجهين: # أظهرهما: أنه عطف على الضمير المستكن في " جاوز " لوجود ~~الشرط، وهو توكيد المعطوف عليه بالضمير المنفصل. # والثاني: أن تكون الواو للحال، قالوا: ويلزم من الحال أن ~~يكونوا جاوزوا معه، وهذا القائل يجعل " الذين " مبتدأ، والخبر ~~قالوا: " لا طاقة "؛ فصار المعنى: " فلما جاوزه، والحال ~~أن الذين آمنوا قالوا هذه المقالة " ، والمعنى ليس عليه. # ويجوز إدغام هاء " جاوزه " في هاء " هو " ، ولا يعتد بفصل ~~صلة الهاء؛ لأنها ضعيفة، وإن كان بعضهم استضعف الإدغام، قال: " ~~إلا أن تختلس الهاء " ، يعني: فلا يبقى فاصل. وهي قراءة أبي ~~عمرو، وأدغم أيضا واو " هو " في واو العطف بخلاف عنه، فوجه الإدغام ~~ظاهر لالتقاء مثلين بشروطهما. ومن أظهر وهو ابن مجاهد، وأصحابه ~~قال: " لأن الواو إذا أدغمت سكنت، وإذا سكنت صدق عليها ~~أنها واو ms1442 ساكنة قبلها ضمة، فصارت نظير: # ءامنوا وكانوا # [يونس:63] فكما لا يدغم ذاك لا يدغم هذا. وهذه العلة فاسدة ~~لوجهين: # أحدهما: أنها ما صارت مثل " آمنوا، وكانوا " إلا بعد الإدغام، فكيف ~~يقال ذلك؟ وأيضا فإنهم أدغموا: # يأتي يوم # [البقرة:254] وهو نظير: # في يوم # [إبراهيم:18] و # الذى يوسوس # [الناس:4] بعين ما عللوا به. وشرط هذا الإدغام في هذا الحرف عند ~~أبي عمرو ضم الهاء، كهذه الآية، ومثله: # هو والملائكة # [آل عمران:18] # هو وجنوده # [القصص:39]، فلو سكنت الهاء؛ امتنع الإدغام نحو # وهو وليهم # [الأنعام:127] ولو جرى فيه الخلاف أيضا لم يكن بعيدا، فله أسوة ~~بقوله: # خذ العفو وأمر # [الأعراف:199] بل أولى لأن سكون هذا عارض بخلاف: " العفو وأمر ". # قوله تعالى: { والذين ءامنوا معه }. # ليس المراد منه المعية في الإيمان، لأن إيمانهم لم يكن مع إيمان ~~طالوت، بل المراد: أنهم جاوزا النهر معه لأن لفظ " مع " لا ~~تقتضي المعية لقوله تعالى: # فإن مع العسر يسرا # [الشرح:5] واليسر لا يكون مع العسر. # قوله: { لا طاقة لنا اليوم } [لنا] هو: خبر " لا " ، ~~فيتعلق بمحذوف، ولا يجوز أن يتعلق بطاقة، وكذلك ما بعده من قوله ~~" اليوم " و " بجالوت "؛ لأنه حينئذ يصير مطولا والمطول ~~ينصب منونا، وهذا كما تراه مبنيا على الفتح، بل " اليوم " و " ~~بجالوت " متعلقان بالاستقرار الذي تعلق به " لنا ". # وأجاز أبو البقاء: أن يكون " بجالوت " هو خبر " لا " ، و " لنا " ~~حينئذ: إما تبيين أو متعلق بمحذوف على أنه صفة لطاقة. # والطاقة: القدرة وعينها واو؛ لأنها من الطوق وهو ~~القدرة، وهي مصدر على حذف الزوائد، فإنها من " أطاق " ~~ونظيرها: أجاب جابة، وأغار غارة، وأطاع طاعة. # و " جالوت " اسم أعجمي ممنوع الصرف، لا اشتقاق له، وليس هو ~~فعلوتا من جال يجول، كما تقدم في طالوت، ومثلهما داود. # قوله: { كم من فئة } " كم " خبرية، فإن معناها التكثير، ~~ويدل على ذلك قراءة أبي: " وكائن " ، وهي للتكثير، ومحلها الرفع ~~بالابتداء، و " من فئة " تمييزها، و " من " زائدة فيه. وأكثر ~~ما يجيء مميزها، ومميز " كائن " مجرورا بمن، ولهذا جاء ~~التنزيل على ms1443 ذلك، وقد تحذف " من " فيجر مميزها بالإضافة لا ~~بمن مقدرة على الصحيح، وقد ينصب حملا على مميز " كم " ~~الاستفهامية، كما أنه قد يجر مميز الاستفهامية حملا ~~عليها، وذلك بشروط ذكرها النحاة. # قال الفراء: لو ألغيت " من " هاهنا جاز فيه الرفع والنصب ~~والخفض. # أما النصب فلأن " كم " بمنزلة عدد، فينصب ما بعده نحو: عشرون ~~رجلا. وأما الخفض، فبتقدير دخول حرف " من " عليه. # وأما الرفع، فعلى نية الفعل تقديره " كم غلبت فئة " ومن ~~مجيء " كائن " منصوبا قول الشاعر: [الخفيف] # 1169- أطرد اليأس بالرجاء فكائن # آلما حم يسره بعد عسر # وأجازوا أن يكون " من فئة " في محل رفع صفة ل " كم " ~~فيتعلق بمحذوف. و " غلبت " هذه الجملة هي خبر " كم " والتقدير: ~~كثير من الفئات القليلة غالب الفئات الكثيرة. # وفي اشتقاق " فئة " قولان: # أحدهما: أنها من فاء يفيء، أي: رجع فحذفت عينها ووزنها فلة. # والثاني: أنها من فأوت رأسه أي: كسرته، فحذفت لامها ~~ووزنها فعة كمئة، إلا أن لام مئة ياء، ولام هذه واو، ~~والفئة: الجماعة من الناس قلت، أو كثرت، وهي جمع لا واحد له من ~~لفظه، وجمعها: فئات وفئون في الرفع، وفئين في النصب والجر، ومعناها ~~على كل من الاشتقاقين صحيح، فإن الجماعة من الناس يرجع ~~بعضهم إلى بعض، وهم أيضا قطعة من الناس كقطع الرأس ~~المكسرة. # قوله: { بإذن الله } فيه وجهان. # أظهرهما: أنه حال فيتعلق بمحذوف، والتقدير: ملتبسين بتيسير ~~الله لهم. # والثاني: أن الباء للتعدية، ومجرورها مفعول به في المعنى، ولهذا ~~قال أبو البقاء: " وإن شئت جعلتها مفعولا به ". # وقوله: { والله مع الصابرين } مبتدأ وخبر، وتحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون محلها النصب على أنها من مقولهم. # والثاني: أنها لا محل لها من الإعراب، على أنها استئناف ~~أخبر الله تعالى بها. # فصل في المقصود بالظن في الآية # اختلفوا في الظن المذكور في قوله تعالى: { قال الذين يظنون ~~أنهم ملاقوا الله }. وذكروا فيه وجوها: # أحدها: قال قتادة: المراد من لقاء الله الموت. قال عليه الصلاة والسلام: # " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن ms1444 كره ~~لقاء الله كره الله لقاءه " # وهؤلاء المؤمنون، لما وطنوا أنفسهم على القتل، وغلب على ظنهم ~~أنهم يموتون وصفهم بأنهم يظنون أنهم ملاقوا ثواب الله. # وثانيها: قال أبو مسلم: معناه يظنون أنهم ملاقو ثواب الله بسبب هذه ~~الطاعة، وذلك لأن أحدا لا يعلم بما فيه عاقبة أمره وإنما يكون ~~ظانا راجيا وإن بلغ في طاعة الله ما بلغ. # وثالثها: أنهم ذكروا في تفسير السكينة قول بعض المفسرين: إن ~~التابوت كان فيه كتب إلهية، نزلت على الأنبياء المتقدمين ~~دالة على حصول النصر، والظفر لطالوت، وجنوده ولكنه لم يكن ~~في تلك الكتب أن النصر والظفر يحصل في المرة الأولى، أو ~~بعدها، فهم وإن كانوا قاطعين بالنصر ولكنهم ظنوا: هل هو في تلك ~~المرة، أو بعدها؟! # رابعها: قال كثير من المفسرين: يظنون: أي يعلمون، فأطلق الظن وأراد به ~~العلم كقوله تعالى: # الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم ~~إليه راجعون # [البقرة:46] ووجه المجاز ما بين الظن واليقين من المشابهة في تأكيد ~~الاعتقاد. # والمراد من قولهم: { كم من فئة قليلة غلبت فئة ~~كثيرة بإذن الله } تقوية قلوب الذين قالوا: { لا ~~طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده } ، والمعنى: لا عبرة ~~بكثرة العدد، وإنما العبرة بالتأييد الإلهي، ثم قال: { والله ~~مع الصابرين }. وهذا من تمام قولهم، ويحتمل أن يكون قولا ~~من الله تعالى، والأول أظهر. ### || [2.250] # قوله تعالى: { برزوا لجالوت } في هذه اللام وجهان: # أحدهما: أنها تتعلق ب " برزوا ". # والثاني: أنها تتعلق بمحذوف على أنها ومجرورها حال من فاعل: " ~~برزوا " قال أبو البقاء: " ويجوز أن تكون حالا أي: برزوا ~~قاصدين لجالوت ". ومعنى برزوا: صاروا إلى براز من الأرض، وهو ما ~~انكشف منها واستوى، وسميت المبارزة لظهور كل قرن لصاحبه، ~~واعلم أن عسكر طالوت لما برزوا إلى عسكر جالوت، ورأوا قلة جانبهم، ~~وكثرة عدوهم، لا جرم اشتغلوا بالدعاء، والتضرع، فقالوا: { ربنآ ~~أفرغ علينا صبرا }. وفي ندائهم بقولهم: " ربنا ": ~~اعتراف منهم بالعبودية، وطلب لإصلاحهم؛ لأن لفط " الرب " ~~يشعر بذلك دون غيرها، وأتوا بلفظ " على " في قولهم " أفرغ ~~علينا " طلبا؛ لأن ms1445 يكون الصبر مستعليا عليهم، وشاملا لهم ~~كالظرف. ونظيره ما حكى الله عن قوم آخرين أنهم قالوا حين لاقوا ~~عدوهم: وما كانوا قولهم إلا أن قالوا: # ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا ~~وثبت أقدامنا # [آل عمران:147] # وانصرنا على القوم الكافرين # [آل عمران:147] وكذلك كان عليه الصلاة والسلام يفعل في المواطن كما ~~روي عنه في قصة بدر أنه عليه الصلاة والسلام لم يزل ~~يصلي، ويستنجز من الله وعده، وكان إذا لقي عدوا قال: # " اللهم إني أعوذ بك من شرورهم واجعل كيدهم ~~في نحورهم " # وكان يقول: # " اللهم بك أصول وأجول ". # والإفراغ: الصب، يقال: أفرغت الإناء: إذا صببت ما فيه، أصله: من ~~الفراغ يقال: فلان فارغ معناه: خال مما يشغله، والإفراغ: إخلاء ~~الإناء من كل ما فيه. # واعلم أن الأمور المطلوبة عند لقاء العدو ثلاثة: # الأول: الصبر على مشاهدة المخاوف وهو المراد بقولهم: { وثبت ~~أقدامنا }. # الثاني: أن يكون قد وجد من الآلات والأدوات ما يمكنه أن يقف ويثبت، ولا ~~يصير ملجأ إلى الفرار. # الثالث: زيادة القوة على العدو؛ حتى يقهره، وهو المراد من قولهم { ~~وانصرنا على القوم الكافرين }. # فصل في دفع شبه المعتزلة في خلق الأفعال # احتج أهل السنة بقوله: { ربنآ أفرغ علينا صبرا... ~~} الآية على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى؛ لأنه لا معنى للصبر ~~إلا: القصد على الثبات ولا معنى للثبات إلا السكون والاستقرار، وهذه ~~الآية دالة على أن ذلك القصد بالصبر من الله تعالى. # أجاب القاضي: بأن المراد من الصبر، وتثبيت الأقدام: تحصيل أسباب ~~الصبر، وأسباب ثبات القدم: إما بأن يلقي في قلوب أعدائهم الاختلاف، ~~فيعتقد بعضهم أن البعض الآخر على الباطل، أو يحدث في ديارهم وأهليهم ~~البلاء، كالموت، والوباء، أو يبتليهم بالموت، والمرض الذي يعمهم، أو يموت ~~رئيسهم، ومن يدبر أمرهم، فيكون ذلك سببا لجرأة المسلمين عليهم. # والجواب عما قاله القاضي من وجهين: # الأول: أنا بينا أن الصبر عبارة عن القصد إلى السكون والثبات ~~عبارة عن السكون وهو الذي أراده العبد من الله - تعالى -، وأنتم تصرفون ~~الكلام عن ظاهره، ms1446 وتحملونه على أسباب الصبر، وترك الظاهر لغير دليل ~~لا يجوز. # الثاني: أن هذه الأسباب التي سلمتم أنها بفعل الله تعالى إذا حصلت ~~ووجدت فهل لها أثر في الترجيح الداعي، أو ليس لها أثر فيه؟ وإن لم ~~يكن لها أثر فيه لم يكن لطلبها من الله تعالى فائدة، وإن كان لها أثر في ~~الترجيح؛ فعند صدور هذه الأسباب المرجحة يحصل الرجحان، وعند حصول ~~الرجحان، يمتنع الطرف المرجوح، فيجب حصول الطرف الراجح، لأنه لا ~~خروج عن طرفي النقيض وهو المطلوب. ### || [2.251] # " الهزم ": أصله الكسر، يقال " سقاء متهزم " إذا انشق و " ~~قصب متهزم " ، أي متكسر. # والهزمة: نقرة في الجبل، أو في الصخرة. قال سفيان بن عيينة في زمزم: ~~وهي هزمة جبريل، يريد هزمها برجله فخرج الماء. ويقال: سمعت هزيمة الرعد ~~كأنه صوت تشقق. ويقال للسحاب هزيم؛ لأنه ينشق بالمطر. # قوله: " بإذن الله " فيه الوجهان المتقدمان أعني كونه حالا، أو ~~مفعولا به. # فصل # أخبر تعالى أن تلك الهزيمة كانت بإذن الله تعالى وإعانته وتيسيره، ثم ~~قال: { وقتل داود جالوت }. # قال القرطبي: وكان جالوت رأس العمالقة وملكهم، ظله ميل ويقال: إن ~~البربر من نسله. # قال ابن عباس: إن داود - عليه الصلاة والسلام - كان راعيا، له ~~سبعة إخوة مع طالوت، فلما أبطأ خبر إخوته على أبيهم " إيشا "؛ أرسل ~~إليهم داود ليأتيه بخبرهم، فأتاهم وهم في المصاف وبدر جالوت الجياد إلى ~~البراز، وكان من قوم عاد، فقال داود لإخوته: أما فيكم من يخرج إلى هذا ~~الأقلف؟ فسكتوا فذهب إلى ناحية أخرى من الصف ليس فيها إخوته فمر به ~~طالوت، وهو يحرض الناس. # فقال له داود: ما تصنعون بمن يقتل هذا الأقلف؟ # فقال طالوت: أنكحه ابنتي، وأعطيه نصف ملكي، فقال داود: فأنا أخرج إليه؛ ~~وكانت عادته أنه يقاتل الأسد والذيب بالمقلاع في المرعى، وكان طالوت ~~عارفا بجلادته، فلما هم داود بالخروج إلى جالوت، مر بثلاثة أحجار ~~فقلن: يا داود، خذنا معك ففينا منية جالوت، ثم لما خرج إلى جالوت، ~~رماه، فأصابه في صدره ونفذ الحجر فيه، وقتل بعده ms1447 ناسا كثيرة، فهزم الله ~~جنود جالوت، وقتل داود جالوت وهو داود بن إيشى بكسر الهمزة. وقيل داود بن ~~زكريا بن مرشوى من سبط يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - عليه ~~الصلاة والسلام - وكان من أهل بيت المقدس، فحسده طالوت، وأخرجه من ~~مملكته، ولم يف له بوعده، ثم ندم على صنعه، فذهب يطلبه إلى أن قتل، وملك ~~داود، وحصلت له النبوة، وهو المراد من قوله: { وآتاه الله ~~الملك والحكمة } هو العلم مع العمل والحكمة: هي وضع الأمور ~~موضعها على الصواب، والصلاح. # قوله: { وعلمه مما يشآء... }. # قال الكلبي وغيره: " صنعة الدروع ". # قال تعالى: # وألنا له الحديد أن اعمل سابغات وقدر في ~~السرد # [سبأ:10-11] وقيل: منطق الطير والنمل، وقيل الزبور، وعلم الدين، ~~وكيفية الحكم، والفصل. # قال تعالى: # وكلا ءاتينا حكما وعلما # [الأنبياء:79]. # وقيل: الألحان الطيبة. قيل كان إذا قرأ الزبور؛ تدنو الوحوش حتى ~~يؤخذ بأعناقها، وتظله الطير مصغية له، ويركد الماء الجاري، وتسكن ~~الريح. # وروى الضحاك عن ابن عباس: هو أن الله تعالى أعطاه سلسلة موصولة ~~بالمجرة، ورأسها عند صومعته، وقوتها قوة الحديد، ولونها لون النار ~~وحلقها مستديرة مفصلة بالجواهر، مدسرة بقضبان اللؤلؤ الرطب، فلا يحدث ~~في الهواء حدث إلا صلصلت السلسلة، فيعلم داود ذلك الحدث، ولا يمسها ذو ~~عاهة إلا برأ، فكانوا يتحاكمون إليها بعد داود إلى أن رفعت فمن تعدى ~~على صاحبه، وأنكر حقه أتى إلى السلسلة، فمن كان صادقا مد يده إلى ~~السلسلة، فنالها، ومن كان كاذبا، لم ينلها، وكانت كذلك إلى أن ظهر ~~فيهم المكر والخديعة، فبلغنا أن بعض ملوكهم أودع رجلا جوهرة ثمينة، فلما ~~استردها أنكرها فتحاكما إلى السلسلة فعمد الذي عنده الجوهرة إلى ~~عكازه، فنقرها وضمنها الجوهرة، واعتمد عليها حتى حضروا السلسلة، فقال ~~صاحب الجوهرة: رد علي الوديعة. # فقال له صاحبه: ما أعرف لك عندي من وديعة، فإن كنت صادقا فتناول ~~السلسلة، فقام صاحب الجوهرة، فتناولها بيده. فقيل للمنكر قم أنت، ~~فتناولها. # فقال لصاحب الجوهرة: خذ عكازي هذا، فاحفظها حتى أتناول السلسلة، ~~فأخذها فقال الرجل: " اللهم ms1448 إن كنت تعلم أن هذه الوديعة التي ~~يدعيها، قد وصلت إليه فقرب مني السلسلة، فمد يده فتناولها، فتعجب ~~القوم، وشكوا فيها، فأصبحوا وقد رفع الله السلسلة. # قوله " مما يشآء ": فاعل، " يشاء " ضمير الله تعالى. # وقيل: ضمير داود، والأول أظهر. # قوله: " ولولا دفع "؛ قرأ نافع هنا، وفي الحج: " دفاع " ، ~~والباقون: " دفع ". فأما " دفع " ، فمصدر " دفع " " يدفع " ~~ثلاثيا، وأما " دفاع " فيحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون مصدر " دفع " الثلاثي أيضا، نحو: كتب كتابا، ~~وأن يكون مصدر " دافع "؛ نحو: قاتل قتالا؛ قال أبو ذؤيب: [الكامل] # 1170- ولقد حرصت بأن أدافع عنهم # فإذا المنية أقبلت لا تدفع # قالوا وفعال كثيرا يجيء مصدرا للثلاثي من فعل وفعل، تقول: جمح ~~جماحا وطمح طماحا وتقول لقيته لقاء، وقمت قياما، وأن يكون مصدر لدفع ~~تقول: دفعته، دفعا، ودفاعا نحو: قتل قتلا وقتالا. # و " فاعل " هنا بمعنى فعل المجرد، فتتحد القراءتان في المعنى ~~ويحتمل أن يكون من المفاعلة، والمعنى أنه سبحانه إنما يكف الظلمة، ~~والعصاة عن ظلم المؤمنين على أيدي أنبيائه، ورسله، وأئمة دينه، وكان يقع ~~بين أولئك المحقين، وأولئك المبطلين مدافعات ومكافحات، فحسن الإخبار عنه ~~بلفظ المدافعة كقوله تعالى: # يحاربون الله # [المائدة:33] و # شآقوا الله # [الأنفال:13] ونظائره كثيرة. # ومن قرأ " دفاع " ، وقرأ في الحج # يدافع عن الذين ءامنوا # [الحج:38] أو قرأ " دفع " ، وقرأ " يدفع " وهما أبو عمرو وابن ~~كثير فقد وافق أصله، فجاء بالمصدر على وفق الفعل، وأما من قرأ هنا: " ~~دفع " ، وفي الحج " يدافع " ، وهم الباقون، فقد جمع بين اللغتين، ~~فاستعمل الفعل من الرباعي والمصدر من الثلاثي. # والمصدر هنا مضاف لفاعله وهو الله تعالى، و " الناس " مفعول أول، و " ~~بعضهم " بدل من " الناس " بدل بعض من كل. # و " ببعض " متعلق بالمصدر، والباء للتعدية، فمجرورها المفعول الثاني ~~في المعنى، والباء إنما تكون للتعدية في اللازم، نحو: " ذهب به ~~" فأما المتعدي لواحد فإنما يتعدى بالهمزة، تقول: " طعم زيد ~~اللحم، وأطعمته اللحم، ولا تقول: " طعمته باللحم " ، ~~فتعديه إلى الثاني بالباء، إلا فيما شذ قياسا، وهو " دفع " ، و ~~" صك " ، نحو: صككت الحجر بالحجر، ms1449 أي: جعلت أحدهما يصك الآخر، ولذلك ~~قالوا: صككت الحجرين أحدهما بالآخر. # فصل في المدفوع والمدفوع به # اعلم أنه تعالى ذكر في هذه الآية المدفوع، والمدفوع به، وأما ~~المدفوع عنه، فغير مذكور، وهو يحتمل وجوها: # الأول: أن يكون المعنى: ولولا دفع الله بعض الناس عن الكفر بسبب البعض، ~~فيكون الدافعون هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والأئمة الذين ~~يمنعون الناس عن الكفر بسبب البعض بإظهار الدلائل. # قال تعالى: # أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى ~~النور # [إبراهيم:1]. # الثاني: دفع بعض الناس عن المعاصي، والمنكرات بسبب البعض، فيكون ~~الدافعون هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر؛ لقوله تعالى: # كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر # [آل عمران:110]. # الثالث: ولولا دفع الله بعض الناس عن الهرج، والمرج، وإثارة الفتن في ~~الدنيا بسبب البعض، فيكون الدافعون هم الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام ثم الأئمة والملائكة والذابون عن شرائعهم، وذلك أن ~~الإنسان الواحد لا يمكنه أن يعيش وحده، ما لم يخبز هذا لذاك، ويطحن ذاك ~~لهذا، ويبني هذا لذاك، وينسج ذاك لهذا، ولا تتم مصلحة الإنسان. # فالظاهر أن مصلحته لا تتم إلا باجتماع جمع في موضع واحد، ولهذا قيل ~~إن الإنسان مدني بالطبع، ثم إن الاجتماع سبب للمنازعة المفضية إلى ~~المخاصمة، ثم إلى المقاتلة، فلا بد في الحكمة الإلهية من وضع شريعة ~~بين الخلق ليقطع بها الخصومات، والمنازعات، فبعث الله الأنبياء - عليهم ~~الصلاة والسلام - بالشرائع؛ ليدفع بهم، وبشرائعهم الآفات، والفساد ~~عن الخلق فإن الخلق ما داموا متمسكين بالشرائع لا يقع بينهم خصام ~~ولا نزاع، والملوك والأئمة متى كانوا متمسكين بالشرائع كانت الفتن زائلة ~~والمصالح حاصلة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: # " الإسلام والسلطان أخوان " # وقال أيضا: # " الإسلام أمير، والسلطان حارس، فمن لا أمير له فهو ~~منهزم، ومن لا حارس له فهو ضائع ". # وعلى هذا الوجه فيكون تفسير قوله: { لفسدت الأرض } ، أي: لغلب ~~على أهل الأرض القتل والمعاصي، وذلك يسمى فسادا. # قال تعالى: # ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد # [البقرة:205] وقال: # أتريد أن تقتلني كما قتلت ms1450 نفسا بالأمس إن ~~تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن ~~تكون من المصلحين # [القصص:19]. # الرابع: ولولا دفع الله بالمؤمنين، والأبرار عن الكفار، والفجار، ~~لفسدت الأرض ولهلكت بمن فيها. قال عليه الصلاة والسلام : # " إن الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل ~~بيت من جيرانه " # وقال - عليه الصلاة والسلام -: # " إن الله يدفع بمن يصلي من أمتي عمن لا يصلي، ~~وبمن يزكي عمن لا يزكي، وبمن يصوم عمن لا يصوم وبمن يحج عمن لا ~~يحج، وبمن يجاهد عمن لا يجاهد، ولو اجتمعوا على ترك هذه الأشياء لما ~~أنظرهم الله طرفة عين " ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ~~". # ويدل على صحة هذا القول قوله تعالى: # وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في ~~المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما ~~صالحا # [الكهف:82]. وقال تعالى: # ولولا رجال مؤمنون ونسآء مؤمنات لم ~~تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة ~~بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشآء لو ~~تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا ~~أليما # [الفتح:25] وقال: # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم # [الأنفال:33]. وعلى هذا التأويل يكون معنى قوله: " لفسدت الأرض ~~" ، أي: لأهلك الله أكثر أهلها الكفار والعصاة. # قال القرطبي: وقيل: هم الأبدال، وهم أربعون رجلا، كلما مات واحد ~~أبدل آخر، فإذا كان عند القيامة ماتوا كلهم اثنان وعشرون بالشام، ~~وثمانية عشر بالعراق. # وروي عن علي - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " إن الأبدال يكونون بالشام وهم أربعون رجلا ~~كلما مات منهم رجل أبدل الله مكانه رجلا يستقى ~~بهم الغيث وينصرهم على الأعداء ويصرف بهم عن ~~أهل الأرض البلاء ". # ذكره الترمذي الحكيم في نوادر الأصول، وخرج أيضا عن أبي الدرداء قال: ~~إن الأنبياء كانوا أوتاد الأرض، فلما انقطعت النبوة أبدل الله مكانهم ~~قوما من أمة محمد يقال لهم الأبدال، لم يفضلوا الناس بكثرة صوم، ولا ~~صلاة، ولكن بحسن خلق، وصدق الورع، وحسن النية، وسلامة القلوب لجميع ~~المسلمين والنصيحة لهم ابتغاء مرضاة الله، بصبر، وحلم، ولب، ms1451 وتواضع ~~في غير مذلة فهم خلفاء الأنبياء قوم اصطفاهم الله سبحانه لنفسه، ~~واستخلصهم بعلمه لنفسه، وهم أربعون صديقا ثلاثون رجلا على مثل يقين ~~إبراهيم خليل الرحمن بهم يرفع الله المكاره، والبلايا عن الناس، وبهم ~~يمطرون، ويرزقون، لا يموت الرجل منهم، حتى يكون الله قد أنشأ من يخلفه. # وقال سفيان الثوري: " هم الشهود الذين تستخرج بهم الحقوق ". # الخامس: قال ابن عباس ومجاهد: ولولا دفع الله بجنود المسلمين؛ لغلب ~~المشركون على الأرض، فقتلوا المؤمنين، وخربوا المساجد، والبلاد. # السادس: أن يحمل اللفظ على الكل؛ لأن بين هذه الأقسام قدرا مشتركا، ~~وهو دفع المفسدة، فإذا حملنا اللفظ عليه، دخلت الأقسام بأسرها فيه. # فصل في بطلان مذهب الجبر # قال القاضي: هذه الآية من أقوى الدلائل على بطلان الجبر؛ لأنه إذا كان ~~الفساد من خلقه لم يكن لقوله: { ولولا دفع الله الناس ~~بعضهم ببعض لفسدت الأرض } تأثير في زوال الفساد؛ لأن ~~على قولهم إنما لا يقع الفساد بسبب ألا يفعله الله تعالى ولا يخلقه لا ~~لأمر يرجع إلى الناس، والجواب: أن الله تعالى لما كان عالما بوقوع ~~الفساد، فإذا صح مع ذلك العلم ألا يقع الفساد كان المعنى أنه لا يصح من ~~العبد أن يجمع بين عدم الفساد وبين العلم بوجود الفساد، فيلزم أن يكون ~~العبد قادرا على الجمع بين النفي والإثبات، وهو محال ويؤيد ذلك قوله ~~تعالى مستدركا { ولكن الله ذو فضل على العالمين } ~~بين أن دفع الفساد بهذا الطريق إنعام يعم الناس كلهم فلو كان دفع الفساد ~~بهذا الطريق فعل العبد لكان الفضل للعبد؛ لأنه الدافع على قولهم، ولم ~~يكن لله تعالى على العالمين فضل سبب ذلك الدفع. فإن قالوا: نحمل هذا ~~على البيان، والإرشاد. # قلنا: كل ذلك قائم في حق الكفار، والفجار، ولم يحصل منهم دفاع. # قوله: " ولكن الله " وجه الاستدراك أنه لما قسم الناس إلى ~~مدفوع ومدفوع به، وأنه بهذا الدفع امتنع فساد الأرض، فقد يهجس في نفس ~~من غلب عما يريد من الفساد أن الله غير متفضل عليه، حيث لم يبلغه ms1452 ~~مقاصده وطلبه، فاستدرك عليه [أنه] وإن لم يبلغ مقاصده أن الله متفضل ~~عليه، ومحسن إليه؛ لأنه مندرج تحت العالمين، وما من أحد إلا ولله عليه ~~فضل، وله فضل الاختراع [والإيجاد]. # و " على " يتعلق ب " فضل "؛ لأن فعله يتعدى بها، وربما ~~حذفت مع تخفيف الفعل؛ وقد جمع [بين] الحذف والإثبات في قوله: [الوافر] # 1171- وجدنا نهشلا فضلت فقيما # كفضل ابن المخاض على الفصيل # أما إذا ضعف، فإنه لا تحذف " على " أصلا كقوله: # فضلنا بعضهم على بعض # [البقرة:253]، ويجوز أن تتعلق " على " بمحذوف لوقوعها صفة لفضل. ### || [2.252] # قوله تعالى: { تلك ءايات الله }: مبتدأ وخبر، و " نتلوها " ~~فيه قولان: # أحدهما: أن تكون حالا، والعامل فيها معنى الإشارة. # والثاني: أن تكون مستأنفة فلا محل لها. ويجوز غير ذلك، وهو يؤخذ مما ~~تقدم. # قال القرطبي: وإن شئت كان " آيات الله " بدلا، والخبر نتلوها ~~عليك بالحق وأشير إليها إشارة البعيد لما بينا في قوله: # ذلك الكتاب # [البقرة:2] أن " تلك " و " ذلك " يرجع إلى معنى هذه، وهذا، وأيضا ~~فهذه القصص لما ذكرت صارت بعد ذكرها كالشيء الذى انقضى، ومضى، فكانت في ~~حكم الغائب، فلذها التأويل قال: " تلك " وأشير إليها إشارة البعيد لما ~~تقدم في قوله: { ذلك الكتاب }. قوله: " بالحق " يجوز فيه ~~أن يكون حالا من مفعول " نتلوها " ، أي: ملتبسة بالحق، أو من ~~فاعله؛ أي: نتلوها ومعنا الحق، أو من مجرور " عليك " ، أي: ملتبسا ~~بالحق. # قوله: { وإنك لمن المرسلين }. قال القرطبي: خبر إن أي: ~~وإنك لمرسل. # فصل # اعلم أنه أشار بقوله: " تلك " إلى القضية المذكورة من نزول ~~التابوت، وغلب الجبابرة على يد داود، وهو صبي فقير. ولا شك أن هذه ~~الأحوال آيات باهرة دالة على كمال قدرة الله تعالى وحكمته، وفي معنى ~~قوله: " بالحق " وجوه: # أحدها: أن المراد: أن تعتبر بها يا محمد أنت، وأمتك في احتمال ~~الشدائد في الجهاد، كما احتملها المؤمنون، فيما مضى، وقال " نتلوها ~~" ، أي: يتلوها جبريل، وأضاف ذلك إليه تشريفا له كقوله: # إنما يبايعون الله # ورسوله [الفتح:10]. # وثانيها: " بالحق " أي باليقين الذي لا يشك فيه ms1453 أهل الكتاب؛ لأنه ~~في كتبهم كذلك من غير تفاوت أصلا. # وثالثها: أنا أنزلنا هذه الآيات على وجه تكون دالة على نبوتك بسبب ~~ما فيها من الفصاحة والبلاغة. # ورابعها: " بالحق " ، أي: يجب عليك أن تعلم: أن نزول هذه الآيات ~~من قبل الله تعالى، وليس من قبل الشياطين، ولا تحريف الكهنة والسحرة، ~~وقوله عقيب ذلك: { وإنك لمن المرسلين }. يحتمل وجهين: # الأول: أن إخبارك عن هذه القصص من غير تعلم، ولا دراسة دليل على أنك ~~رسول وإنما ذكرها وعرفها بسبب الوحي من الله تعالى. # الثاني: أن يكون المراد منه تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم. والمعنى ~~أنك إذا عرفت بهذه الآيات ما جرى على الأنبياء من الخلاف والرد لقولهم، ~~فلا يعظمن عليك كفر من كفر بك، وخلاف من خالفك، لأن لك بهم أسوة ~~وإنما بعثوا لتأدية الرسالة على سبيل الاختبار، فلا عتب عليك في ~~خلافهم وكفرهم والوبال في ذلك إنما يرجع عليهم. ### || [2.253] # قال القرطبي: قال " تلك " ، ولم يقل " ذلك " مراعاة لتأنيث لفظ ~~الجماعة، وهي رفع بالابتداء، و " الرسل " نعته، وخبر الابتداء الجملة ~~وقيل: " الرسل " عطف بيان، و " فضلنا " الخبر. # فصل في مناسبة الآية لما قبلها # قال أبو مسلم: وجه تعلق هذه الآية بما قبلها، ما ذكر في الآية التي ~~قبلها من تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو أنه أخبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم بأخبار الأنبياء المتقدمين، وأقوال أممهم لهم، ~~كسؤال قوم موسى: # أرنا الله جهرة # [النساء:153]، وقولهم: # اجعل لنآ إلها كما لهم ءالهة # [الأعراف:138]. وكقوم عيسى بعد مشاهدة إحياء الموتى، وإبراء الأكمه ~~والأبرص بإذن الله، فكذبوه، وراموا قلته، ثم أقام فريق منهم على الكفر ~~به، وهم اليهود، وزعم فريق منهم أنهم أولياؤه، وكالملأ من بني إسرائيل ~~الذين حسدوا طالوت، ودفعوا ملكه بعد المسألة، وكذلك ما جرى من أمر النهر، ~~فذكر ذلك كله تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما رأى من قومه من ~~التكذيب والحسد، فقال: هؤلاء الرسل الذين كلم الله بعضهم، ورفع ~~الباقين درجات، وأيد عيسى بروح القدس، قد ms1454 نالهم من قومهم ما ذكرناه لك ~~من مشاهدة المعجزات، فلا يحزنك ما ترى من قومك، فلو شاء الله لم يختلف ~~أمم أولئك، ولكن ما قضى الله فهو كائن، وما قدره، فهو واقع. # فصل # في المراد من تلك الرسل أقوال: # أحدها: أن المراد من تقدم ذكرهم من الأنبياء في القرآن كإبراهيم، ~~وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، وموسى وغيرهم - صلوات الله عليهم -. # الثاني: أن المراد من تقدم ذكرهم في هذه الآية كأشمويل، وداود، ~~وطالوت على قول من يجعله نبيا. # الثالث: قال الأصم: المراد منه الرسل الذين أرسلهم الله لدفع ~~الفساد، وأشار إليهم بقوله: # ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت ~~الأرض # قوله تعالى: { فضلنا بعضهم }: يجوز أن يكون حالا من المشار ~~إليه، والعامل معنى الإشارة كما تقدم، وقال " تلك " ولم يقل أولئك ~~الرسل؛ لأنه ذهب إلى معنى الجماعة كأنه قيل: تلك الجماعة، ويجوز أن ~~يكون مستأنفا، ويجوز أن يكون خبر " تلك " على أن يكون " الرسل " ~~نعتا ل " تلك " ، أو عطف بيان أو بدلا. # فصل في تفاضل الأنبياء # أجمعت الأمة على أن الأنبياء بعضهم أفضل من بعض، وأن محمدا صلى ~~الله عليه وسلم أفضل من الكل، ويدل على ذلك وجوه: # الأول: قوله تعالى: # ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين # [الأنبياء:107] فلما كان رحمة للعالمين، لزم أن يكون أفضل من كل ~~العالمين. # الثاني: قوله: # ورفعنا لك ذكرك # [الشرح:4] قيل فيه لأنه قرن ذكره بذكره في الشهادتين والأذان، ~~والتشهد، ولم يكن ذلك لسائر الأنبياء. # التاسع: روى البيهقي في " فضائل الصحابة " - رضي الله عنهم - # " أنه ظهر علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - من بعيد؛ فقال صلى الله ~~عليه وسلم: " هذا سيد العرب " فقالت عائشة رضي الله عنها: ~~ألست أنت سيد العرب؟ فقال: " أنا سيد العالمين ~~وهو سيد العرب ". # العاشر: جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي، ~~ولا فخر، بعثت إلى الأحمر، والأسود، وكان النبي قبل ~~يبعث إلى قومه، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ~~ونصرت بالرعب أمامي مسيرة ms1455 شهر، وأحلت لي ~~الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، ~~فادخرتها لأمتي، فهي نائلة إن شاء الله تعالى من لا ~~يشرك بالله شيئا ". # الحادي عشر: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " إن الله تعالى اتخذ إبراهيم خليلا وموسى نجيا ~~واتخذني حبيبا. قال: وعزتي لأوثرن حبيبي على خليلي ". # الثاني عشر: أن الله تعالى كلما نادى نبيا في القرآن ناداه باسمه ~~قال: # ياءادم اسكن # [البقرة:35] # يعيسى ابن مريم اذكر # [المائدة:116] # ينوح اهبط # [هود:48] # يداوود # [ص:26] # وناديناه أن يإبراهيم # [الصافات:104] # يموسى إني أنا ربك # [طه:11-12] وأما النبي صلى الله عليه وسلم فناداه بقوله: # يأيها النبي # [الأنفال:64] # يأيها الرسول # [المائدة:41] وذلك يفيد التفضيل. # قال القرطبي رحمة الله عليه: فإن قيل: قد روى الثقات أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تخيروا بين الأنبياء ولا تفضلوا بين ~~أنبياء الله " # ، فأجاب بعض العلماء عن ذلك، فقال: كان هذا قبل أن يوحى إليه بالتفضيل، ~~وقبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم، وأن القرآن ناسخ للمنع من التفضيل. # وقال قوم: إن المنع من التفضيل إنما هو من جهة النبوة، التي هي ~~خصلة واحدة، لا تفاضل فيها، وإنما التفاضل في زيادة الأحوال، ~~والكرامات، والألطاف، والمعجزات المتباينة. # وأما النبوة في نفسها، فلا تفاضل فيها، وإنما التفاضل في أمور ~~أخر زائدة عليها؛ ولذلك منهم " أولو العزم " ، ومنهم من اتخذ ~~خليلا، ومنهم من كلم الله، ورفع بعضهم درجات. # قال القرطبي: وهذا أحسن الأقوال، فإنه جمع بين الآي، والأحاديث من غير ~~نسخ، وهكذا القول في الصحابة إن شاء الله تعالى اشتركوا في الصحبة، ثم ~~تباينوا في الفضائل بما منحهم الله من المواهب، والوسائل، مع أن الكل ~~شملتهم الصحبة والعدالة. # قال ابن الخطيب: فإن قيل إن معجزات سائر الأنبياء، كانت أعظم من ~~معجزاته، فإن آدم - عليه الصلاة والسلام - جعل مسجود الملائكة، ~~وإبراهيم ألقي في النار العظيمة؛ فانقلبت بردا وسلاما عليه، وموسى ~~أوتي تلك المعجزات العظيمة من قلب العصا حية تسعى، وتلقفها ما صنعوا، ~~وإخراج اليد ms1456 البيضاء من غير سوء، وفلق البحر، وفلق الحجر، ومكالمة ربه، ~~وداود ألان له الحديد، وسخر الجبال يسبحن معه والطير، وسخر لسليمان ~~الجن، والإنس، والطير والوحوش والرياح، وعيسى أنطقه في المهد، وأقدره ~~على إحياء الموتى، ونفخ فيه من روحه، وجعله يبرئ الأكمه، والأبرص، ولم ~~يكن ذلك حاصلا لمحمد صلى الله عليه وسلم وقال - عليه الصلاة والسلام ~~-: # " لا تفضلوني على يونس بن متى " # وقال: # " لا ينبغي لأحد أن يكون خيرا من يحيى بين ~~زكريا " # ، وذكر أنه لم يعمل سيئة قط. # فالجواب: أن كون آدم - عليه الصلاة والسلام - مسجودا للملائكة؛ لا ~~يوجب أن يكون أفضل من محمد - صلى الله عليه وسلم - بدليل قوله صلى الله ~~عليه وسلم: # " آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة " # وقال: # " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين " # ، وروي أن جبريل - عليه الصلاة والسلام - أخذ بركاب محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - ليلة المعراج، وهذا أعظم من السجود. وقال تعالى: # إن الله وملائكته يصلون على النبي # [الأحزاب:56] - صلى الله عليه وسلم - فصلى بنفسه على محمد، وأمر ~~الملائكة، والمؤمنين بالصلاة عليه، وذلك أفضل من سجود الملائكة، ~~وأيضا، فإن سجود الملائكة لآدم كان تأديبا، وأمرهم بالصلاة على ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - تقريبا، وأيضا فالصلاة على محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - [دائمة إلى يوم القيامة وسجود الملائكة لآدم عليه ~~السلام] لم يكن إلا مرة واحدة، وأيضا فإن الملائكة، إنما ~~أمروا بالسجود لآدم لأجل أن نور محمد - صلى الله عليه وسلم - في ~~جبهة آدم. # قال القرطبي: وقال ابن قتيبة: إنما أراد بقوله: # " أنا سيد ولد آدم " # يوم القيامة؛ لأنه الشافع يومئذ وله لواء الحمد والحوض، وأراد بقوله: # " لا تخيروني على يونس بن متى " # على طريق التواضع، لأن قوله تعالى: # ولا تكن كصاحب الحوت # [القلم:48] يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أفضل منه. # فإن قيل: إنه تعالى خص آدم بالعلم فقال: # وعلم آدم الأسمآء كلها # [البقرة:31] وقال في حق محمد - صلى الله عليه وسلم -: # ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان # [الشورى:52] وأيضا ms1457 فمعلم آدم هو الله تعالى ومحمد معلمه جبريل كما قال: # علمه شديد القوى # [النجم:5]. # فالجواب: أن الله تعالى قال في علم محمد - صلى الله عليه وسلم -: # وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك ~~عظيما # [النساء:113]، وقال: # الرحمن علم القرآن # [الرحمن:1-2] وقال: # وقل رب زدني علما # [طه:114]، وأما قوله: { علمه شديد القوى } ، فذلك بحسب ~~التلقين والمعلم هو الله كقوله: # قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم # [السجدة:11] وقال: # الله يتوفى الأنفس حين موتها # [الزمر:42]. # فإن قيل: قال نوح - عليه الصلاة والسلام - # ومآ أنا بطارد الذين ءامنوا # [هود:29] وذلك خلق منه. وقيل لمحمد - صلى الله عليه وسلم - # ولا تطرد الذين يدعون ربهم # [الأنعام:52]. # فالجواب: قد قيل لنوح: # أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم # [نوح:1] فكان أول أمره العذاب. وقيل لنبينا - صلى الله عليه وسلم -: # ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين # [الأنبياء:107]، وعاقبة نوح أن قال: # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا # [نوح:26] وعاقبة النبي - صلى الله عليه وسلم - الشفاعة. قال تعالى: # عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا # [الإسراء:79] فما أوتي نبي آية إلا أوتي نبينا مثل تلك الآية، وفضل على ~~غيره بآيات مثل انشقاق القمر بإشارته، وحنين الجذع على مفارقته، وتسليم ~~الحجر والشجر عليه، وكلام البهائم، والشهادة برسالته، ونبع الماء من ~~بين أصابعه وغير ذلك من المعجزات، والآيات التي لا تحصى وأظهرها ~~القرآن الذي عجز أهل السماء والأرض عن الإتيان بمثله. # قوله: { منهم من كلم الله } هذه الجملة تحتمل وجهين: # أحدهما: أن تكون لا محل لها من الإعراب لاستئنافها. # والثاني: أنها بدل من جملة قوله " فضلنا ". والجمهور على رفع ~~الجلالة على أنه فاعل، والمفعول محذوف وهو عائد الموصول أي: من ~~كلمه الله كقوله: # وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين # [الزخرف:71]. # وقرئ بالنصب على أن الفاعل ضمير مستتر وهو عائد الموصول أيضا، ~~والجلالة نصب على التعظيم. # وقرأ أبو المتوكل وابن السميفع: " كالم الله " على وزن فاعل، ~~ونصب الجلالة، و " كليم " على هذا معنى مكالم نحو: جليس بمعنى ms1458 ~~مجالس، وخليط بمعنى مخالط. وفي هذا الكلام التفات؛ لأنه خروج من ~~ضمير المتكلم المعظم نفسه في قوله: " فضلنا " إلى الاسم ~~الظاهر الذي هو في حكم الغائب. # فصل في كلام الله المسموع # اختلفوا في ذلك الكلام، فقال الأشعري وأتباعه هو الكلام القديم ~~الأزلي الذي ليس بحرف، ولا صوت قالوا: كما أنه لم يمتنع رؤية ما ~~ليس بمكيف، فهكذا لا يستبعد سماع ما ليس بمكيف. # وقال الماتريدي: سماع ذلك الكلام محال إنما المسموع هو الحرف ~~والصوت. # فصل في المراد بالمكلم # اختلفوا هل المراد بقوله: { منهم من كلم الله } هل هو ~~موسى وحده أم هو وغيره فقيل: موسى - صلى الله عليه وسلم - وحده، وقيل: بل ~~هو وغيره. # قالوا: وقد سمع من قوم موسى السبعون المختارون، وسمع محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - ليلة المعراج بدليل قوله: # فأوحى إلى عبده مآ أوحى # [النجم:10] فإن قيل: قوله تعالى: { منهم من كلم الله } ~~إنما ذكره في بيان غاية المنقبة والشرف لأولئك الأنبياء الذين ~~كلمهم الله تعالى، وقد جاء في القرآن، مكالمة بين الله، وبين إبليس، حيث ~~قال: # فأنظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من ~~المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم # إلى آخر الآيات [الحجر:36-38] وظاهرها يدل على مكالمة كثيرة بين ~~الله، وبين إبليس، فإن كان ذلك يوجب غاية الشرف، فكيف حصل لإبليس؟ فإن ~~لم يوجب شرفا، فكيف ذكره في معرض التشريف لموسى - صلى الله عليه ~~وسلم - حيث قال: # وكلم الله موسى تكليما # [النساء:164]. # فالجواب: من وجهين: # أحدهما: أنه ليس في قصة إبليس ما يدل على أن الله تعالى قال ~~في تلك الأجوبة معه من غير واسطة، فلعل الواسطة كانت موجودة. # الثاني: هب أنه كان من غير واسطة، ولكن مكالمة بالطرد واللعن ~~فإن الله يكلم خاصته بما يحبون من التقرب والإكرام، ~~ويكلم من يهينه بالطرد واللعن والكلام الموحش فإنه وإن كان ~~منهما مكالمة لكن إحداهما توجب التقرب والتشريف والإكرام، والأخرى ~~توجب البعد، والإهانة والطرد. # قوله: { ورفع بعضهم درجات }. # في نصبه ستة أوجه: # أحدها: أنه مصدر واقع موقع الحال. # الثاني: ms1459 أنه حال على حذف مضاف، أي: ذوي درجات. # الثالث: أنه مفعول ثان ل " رفع " على أنه ضمن معنى بلغ ~~بعضهم درجات. # الرابع: أنه بدل اشتمال، أي: رفع درجات بعضهم، والمعنى: على درجات ~~بعض. # الخامس: أنه مصدر على معنى الفعل لا لفظه؛ لأن الدرجة بمعنى ~~الرفعة، فكأنه قيل: ورفع بعضهم رفعات. # السادس: أنه على إسقاط الخافض، وذلك الخافض يحتمل أن يكون " ~~على " أو " في " ، أو " إلى " تقديره: على درجات أو في درجات أو إلى ~~درجات، فلما حذف حرف الجر انتصب ما بعده. # فصل في المراد بالدرجات # في تلك الدرجات وجوه: # أحدها: أن المراد منه بيان أن مراتب الرسل، ومناصبهم متفاوتة؛ ~~وذلك لأنه تعالى اتخذ إبراهيم خليلا، ولم تكن هذه الفضيلة لغيره ~~وجمع لداود بين الملك، والنبوة، ولم يحصل هذا لغيره، وسخر ~~لسليمان الجن والإنس، والطير، والريح، ولم يحصل هذا لأبيه داود، وخص ~~محمدا - صلى الله عليه وسلم - بأنه مبعوث إلى الجن والإنس، وبأن ~~شرعه نسخ سائر الشرائع. # الثاني: أن المراد منه المعجزات، فإن كل واحد من الأنبياء أوتي ~~نوعا آخر من المعجزات على ما يليق بزمانه، فمعجزات موسى هي قلب العصا ~~حية، واليد البيضاء، وفلق البحر كان كالشبيه بما كان أهل ذلك العصر ~~متقدمين فيه، وهو السحر. ومعجزات عيسى، وهي إبراء الأكمه، ~~والأبرص، وإحياء الموتى كالشبيه بما كان أهل ذلك العصر متقدمين ~~فيه، وهو الطب. # ومعجزة محمد - صلى الله عليه وسلم - وهي القرآن كانت من جنس الفصاحة، ~~والبلاغة والخطب، والأشعار، وبالجملة فالمعجزات متفاوتة بالقلة ~~والكثرة وبالبقاء وعدم البقاء، وبالقوة وعدم القوة. # الثالث: أن المراد بتفاوت الدرجات ما يتعلق بالدنيا من كثرة ~~الأتباع والأصحاب وقوة الدولة، وإذا تأملت هذه الوجوه؛ علمت ~~أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - كان جامعا للكل، فمنصبه أعلى ~~ومعجزاته أبقى، وأقوى، وقومه أكثر، ودولته أعظم وأوفر. # الرابع: أن المراد بقوله: { ورفع بعضهم درجات } هو ~~محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه هو المفضل على الكل، وإنما قال ~~" ورفع بعضهم " على سبيل الرمز، لمن فعل فعلا عظيما فيقال ~~له: من ms1460 فعل هذا الفعل؛ فيقول: أحدكم، أو بعضكم، ويريد به نفسه وذلك ~~أفخم من التصريح به، وقد سئل الحطيئة عن أشعر الناس، فذكر ~~زهيرا، والنابغة، ثم قال: " ولو شئت لذكرت الثالث " أراد نفسه. # وقيل: المراد إدريس عليه الصلاة والسلام بقوله تعالى: # ورفعناه مكانا عليا # [مريم:57] ومراتب الأنبياء في السموات. # فإن قيل: المفهوم من قوله { ورفع بعضهم درجات } هو ~~المفهوم من قوله: { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض } ~~، فما فائدة التكرير؟ # فالجواب: أن قوله: { تلك الرسل فضلنا بعضهم على ~~بعض } [يدل على إثبات تفضيل البعض على البعض، ولكنه لا يدل على ~~أن ذلك التفضيل، حصل بدرجة، أو بدرجات، فبين بالثاني أن ~~التفضيل بدرجات. # فإن قيل: قوله: { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ~~} ] كلام كلي، وقوله بعد ذلك { منهم من كلم الله } شروع في ~~تفصيل تلك الجملة وقوله بعد ذلك: { ورفع بعضهم درجات } ، ~~إعادة لذلك الكلام الكلي، ومعلوم أن إعادة الكلام الكلي بعد ~~الشروع في تفصيل جزئياته، يكون تكرارا. # فالجواب: أن فيه زيادة على الأول بقوله: " درجات " إذ التفصيل ~~أعم درجة ودرجات، فلا تكرار في شيء من ذلك. # قوله: { وءاتينا عيسى ابن مريم البينات }. فيه ~~سؤالان: # السؤال الأول: قال في أول الآية: { فضلنا بعضهم على ~~بعض } [ثم عدل عن هذا النوع من الكلام إلى المغايبة فقال: { ~~منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات } ]، ثم عدل ~~من المغايبة إلى النوع الأول فقال: { وءاتينا عيسى ابن ~~مريم البينات } فما الفائدة في العدول عن المخاطبة إلى ~~المغايبة، ثم عوده إلى المخاطبة مرة أخرى. # والجواب: أن قوله: { منهم من كلم الله } أهيب وأكثر ~~وقعا من أن يقال: منهم من كلمنا، ولذلك قال: { وكلم الله ~~موسى تكليما } فلهذا اختار لفظ الغيبة. # وأما قوله { وءاتينا عيسى ابن مريم البينات } ~~فإنما اختار لفظ المخاطبة؛ لأن الضمير في قوله " وآتينا " ضمير ~~التعظيم، وضمير تعظيم إحياء الموتى يدل على عظمة الإيتاء. # السؤال الثاني: لم خص موسى، وعيسى - عليهما الصلاة والسلام - ~~بذكر معجزاتهما؟ # والجواب: سبب التخصيص: أن معجزاتهما أبهر، وأقوى من معجزات غيرهما، ms1461 ~~وأيضا، فأمتهما موجودون حاضرون في هذا الزمان، وأمم سائر الأنبياء ~~ليسوا موجودين، فتخصيصهما بالذكر تنبيه على الطعن في أمتهما، كأنه قيل ~~هذان الرسولان مع علو درجتهما، وكثرة معجزاتهما لم يحصل الانقياد من ~~أمتهما لهما، بل نازعوهما وخالفوهما وأعرضوا عن طاعتهما. # السؤال الثالث: تخصيص عيسى - عليه الصلاة والسلام - بإيتاء ~~البينات يوهم أنه مخصوص بالبينات دون غيره، وليس الأمر كذلك، فإن ~~موسى صلى الله عليه وسلم أوتي أقوى منها، أو مساو. # والجواب: أن المقصود من هذا الكلام: التنبيه على قبح أفعال اليهود، ~~حيث شاهدوا هذه البينات الواضحة الباهرة، وأعرضوا عنها. # السؤال الرابع: " البينات " جمع قلة، وذلك لا يليق بهذا المقام! # والجواب: لا نسلم أنه جمع قلة، لأن جمع السلامة إنما يكون جمع ~~قلة إذا لم يعرف بالألف واللام، فأما إذا عرف بهما؛ فإنه يصير ~~للاستغراق، ولا يدل على القلة. # قوله: { وأيدناه بروح القدس } " القدس " تثقله أهل ~~الحجاز، وتخففه تميم. # واختلفوا في تفسيره، فقال الحسن: القدس، هو الله - تعالى - وروحه ~~جبريل - عليه الصلاة والسلام - والإضافة للتشريف. # والمعنى أعناه بجبريل في أول أمره، ووسطه، وآخره. # أما أوله؛ فلقوله تعالى: # فنفخنا فيه من روحنا # [التحريم:12]. # وأما الوسط، فلأن جبريل علمه العلوم، وحفظه من الأعداء. # وأما آخر أمره، فحين أرادت اليهود قتله أعانه جبريل - عليه الصلاة ~~والسلام - ورفعه إلى السماء، ويدل على أن روح القدس جبريل - عليه ~~الصلاة والسلام -؛ قوله تعالى: # قل نزله روح القدس # [النحل:102]. # ونقل عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن روح القدس هو الاسم الذي كان ~~يحيي عيسى عليه السلام به الموتى. # وقال أبو مسلم: روح القدس الذي أيده به يجوز أن يكون الروح الطاهرة ~~التي نفخها الله تعالى فيه وميزه بها عن غيره من المخلوقات ممن خلق من ~~اجتماع نطفتي الذكر والأنثى. # قوله: { ولو شآء الله } مفعوله محذوف، فقيل: تقديره: ألا تختلفوا ~~وقيل: ألا تقتتلوا. # وقيل: ألا تؤمروا بالقتال. # وقيل: أن يضطرهم إلى الإيمان، وكلها متقاربة. # و " من بعدهم " متعلق بمحذوف، لأنه صلة، والضمير يعود على ~~الرسل. # وقيل يعود على موسى، ms1462 وعيسى، والاثنان جمع. # قال القرطبي: والأول ظاهر اللفظ، وأن القتال إنما وقع ممن ~~جاءوا بعدهم وليس كذلك، بل المراد ما اقتتل الناس بعد كل نبي، وهذا كما ~~تقول: " اشتريت خيلا، ثم بعتها ". وهذه عبارة جائزة، وأنت إنما ~~اشتريت فرسا وبعته ثم آخر وبعته، ثم آخر وبعته، وكذلك هذه النوازل، ~~إنما اختلف الناس بعد كل نبي، فمنهم من آمن، ومنهم من كفر بغيا ~~وحسدا. # و { من بعد ما جآءتهم } فيه قولان: # أحدهما: أنه بدل من قوله: " من بعدهم " بإعادة العامل. # والثاني: أنه متعلق باقتتل، إذ في البينات - وهي الدلالات الواضحة ~~- ما يغني عن التقاتل والاختلاف. والضمير في " جاءتهم " يعود على ~~الذين من بعدهم، وهم أمم الأنبياء. # فصل # تعلق هذه الآية بما قبلها: أن الرسل - عليهم الصلاة والسلام - لما ~~جاءوا بالبينات، وأوضحوا الدلائل، والبراهين، اختلف أقوامهم فمنهم من ~~آمن، ومنهم من كفر وبسبب ذلك الاختلاف تقاتلوا، وتحاربوا، ولو شاء الله ~~ألا يقتتلوا لم يقتتلوا. # واستدلوا بهذه الآية على أن الحوادث إنما تحدث بقضاء الله وقدره. # ثم قال: { ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم ~~من كفر } وإذا اختلفوا، فلا جرم اقتتلوا. # وهذه الآية دالة على أن الفعل لا يقع إلا بعد حصول الداعي؛ ~~لأنه بين أن الاختلاف مستلزم للتقاتل، والمعنى: أن اختلافهم في ~~الدين يدعو إلى المقاتلة، وذلك يدل على أن المقاتلة لا تقع إلا ~~لهذا الداعي، ومتى ثبت ذلك ظهر أن الكل بقضاء الله وقدره؛ لأن ~~الدواعي تستند لا محالة إلى داعية خلق الله تبارك وتعالى في العبد دفعا ~~للتسلسل، فكانت هذه الآية دالة من هذا الوجه أيضا على صحة هذا ~~المذهب. # قوله: { ولكن اختلفوا } وجه الاستدراك واضح، فإن " لكن ~~" واقعة بين ضدين، إذ المعنى: ولو شاء الله الاتفاق لاتفقوا؛ ولكن ~~شاء الاختلاف فاختلفوا. وقال أبو البقاء رحمه الله: " لكن " استدراك لما ~~دل الكلام عليه، لأن اقتتالهم كان لاختلافهم، ثم بين الاختلاف ~~بقوله: { فمنهم من آمن ومنهم من كفر } ، فلا محل ~~حينئذ لقوله: { فمنهم من آمن }. # وكسرت النون من { ولكن اختلفوا } لالتقاء ms1463 الساكنين ويجوز ~~حذفها في غير القرآن الكريم، وأنشد سيبويه: [الطويل] # 1172- فلست بآتيه، ولا أستطيعه # ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل # قوله: { ولو شآء الله ما اقتتلوا } فيه قولان: # أحدهما: أنها الجملة الأولى كررت تأكيدا قاله الزمخشري. # وقال الواحدي - رحمه الله - إنما كرر ذلك تأكيدا للكلام، وتكذيبا ~~لمن زعم أنهم فعلوا ذلك من عند أنفسهم ولم يجر به قضاء من الله، ولا قدر. # الثاني: أنها ليست لتأكيد الأولى، بل أفادت فائدة جديدة، والمغايرة حصلت ~~بتغاير متعلقهما، فإن متعلق الأولى مغاير لمتعلق المشيئة ~~الثانية، والتقدير في الأولى: ولو شاء الله أن يحول بينهم وبين ~~القتال بأن يسلبهم القوى والعقول، وفي الثانية: ولو شاء لم يأمر المؤمنين ~~بالقتال، ولكن شاء أمرهم بذلك. # قوله: { ولكن الله يفعل ما يريد } من اختلافهم، فيوفق ~~من يشاء، ويخذل من يشاء لا اعتراض عليه في فعله، وهذه الآية دالة على ~~أنه تعالى هو الخالق لإيمان المؤمنين، والخصم يساعد على أنه تعالى يريد ~~الإيمان من المؤمن. # ودلت الآية على أنه يفعل كل ما يريد، فوجب أن يكون الفاعل لإيمان المؤمن ~~هو الله تعالى، ولما دلت على أنه يفعل ما يريد، فلو كان يريد الإيمان ~~من الكفار لفعل فيهم الإيمان، ولكانوا مؤمنين، ولما لم يكن كذلك، دل ~~على أنه تعالى لا يريد الإيمان منهم فدلت الآية على مسألة خلق ~~الأعمال وعلى مسألة إرادة الكائنات. # وقالت المعتزلة: يفعل كل ما يريد من أفعال نفسه، وهذا ضعيف لوجهين: # أحدهما: أنه تقييد للمطلق. # والثاني: أنه على هذا التقييد تصير الآية من باب إيضاح الواضحات؛ ~~لأنه يصير معنى الآية: أنه يفعل ما يفعله. # سأل رجل علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: يا أمير المؤمنين؛ ~~أخبرني عن القدر! فقال: طريق مظلم فلا تسلكه. فأعاد السؤال فقال: ~~بحر عميق لا تلجه، فأعاد السؤال، فقال: " سر الله في الأرض، ~~قد خفي عليك، فلا تفتشه ". ### || [2.254] # اعلم أنه تعالى لما أمر بالقتال بقوله: # وقاتلوا في سبيل الله # [البقرة:244] أعقبه بالحض على النفقة في الجهاد فقال: ms1464 # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا # [البقرة:245] والمقصود منه الإنفاق في الجهاد، ثم إنه أكد الأمر ~~بالقتال بذكر قصة طالوت، ثم أعقبه بالأمر بالإنفاق في الجهاد في هذه ~~الآية الكريمة. # قوله: " أنفقوا ": مفعوله محذوف، تقديره: شيئا مما رزقناكم، ~~فعلى هذا " مما رزقناكم " متعلق بمحذوف في الأصل لوقوعه صفة ~~لذلك المفعول، وإن لم تقدر مفعولا محذوفا، فتكون متعلقة بنفس ~~الفعل. و " ما " يجوز أن تكون بمعنى الذي، والعائد محذوف، أي: ~~رزقناكموه، وأن تكون مصدرية، فلا حاجة إلى عائد، ولكن الرزق المراد ~~به المصدر لا ينفق، فالمراد به اسم المفعول، وأن تكون نكرة موصوفة وقد ~~تقدم تحقيق هذا عند قوله تعالى: # ومما رزقناهم ينفقون # [البقرة:3]. # قوله: " من قبل " متعلق أيضا بأنفقوا، وجاز تعلق حرفين ~~بلفظ واحد بفعل واحد لاختلافهما معنى؛ فإن الأولى للتبعيض ~~والثانية لابتداء الغاية، و " أن يأتي " في محل جر بإضافة " قبل ~~" إليه، أي: من قبل إتيانه. # وقوله: { لا بيع فيه ولا خلة } إلى آخره: الجملة المنفية ~~صفة ل " يوم " فمحلها الرفع. وقرأ " بيع " وما بعده مرفوعا ~~منونا نافع والكوفيون وابن عامر، وبالفتح أبو عمرو وابن كثير، وتوجيه ~~ذلك تقدم في قوله تبارك وتعالى: # فلا رفث ولا فسوق # [البقرة:197]. # والخلة: الصداقة، كأنها تتخلل الأعضاء، أي: تدخل خلالها، أي ~~وسطها. # والخلة: الصديق نفسه؛ قال: [الطويل] # 1173- وكان لها في سالف الدهر خلة # يسارق بالطرف الخباء المسترا # وكأنه من إطلاق المصدر على العين مبالغة، أو على حذف مضاف، أي: كان ~~لها ذو خلة، والخليل: الصديق لمداخلته إياك، ويصلح أن يكون بمعنى ~~فاعل، أو مفعول، وجمعه " خلان " ، وفعلان جمع فعيل يقل في الصفات، ~~وإنما يكثر في الجوامد نحو: " رغفان ". # قال القرطبي: والخلة: خالص المودة [مأخوذة من تخلل الأسرار بين ~~الصديقين والخلالة والخلالة، والخلالة: الصداقة، والمودة]؛ قال ~~الشاعر: [المتقارب] # 1174- وكيف تواصل من أصبحت # خلالته كأبي مرحب # وأبو مرحب كنية الظل، ويقال: هو كنية عرقوب الذي قيل فيه: " مواعيد ~~عرقوب ". # والخلة بالضم أيضا ما خالل من النبت يقال: الخلة خبز ~~الإبل، والحمض فاكهتها. # والخلة: - بالفتح ms1465 - الحاجة والفقر، يقال: سد خلته، أي: فقره. # والخلة بالكسر ابن مخاض، عن الأصمعي: يقال أتاهم بقرص كأنه ~~فرسن خلة. # والأنثى خلة أيضا، والخلة: الخمرة الحامضة. # والخلة - بالكسر - واحدة خلل السيوف، وهي بطائن كانت تغشى بها ~~أجفان السيوف منقوشة بالذهب وغيره، وهي أيضا سيور تلبس ظهور سيتي ~~القوس، والخلة أيضا ما يبقى بين الأسنان. # و " هم " يجوز أن تكون فصلا أو مبتدأ ثانيا، و " الظالمون " خبره ~~والجملة خبر الأول. # فصل # قالت المعتزلة: لما أمر بالإنفاق من كل ما كان رزقا، وبالإجماع لا ~~يجوز الإنفاق من الحرام وجب القطع بأن الرزق لا يكون إلا حلالا. # وأجاب ابن الخطيب: بأن الأصحاب مخصصة بالأمر بإنفاق ما كان رزقا ~~حلالا أو حراما. واختلفوا في هذه النفقة، فقال الحسن: هذا الأمر مختص ~~بالزكاة قال: لأن قوله { من قبل أن يأتي يوم لا بيع ~~فيه ولا خلة } كالوعد والوعيد، ولا يتوجه الوعيد إلا على ~~الواجب، وهو قول السدي. # وقال الأكثرون: هذا الأمر يتناول الواجب، والمندوب وليس في الآية وعيد، ~~فكأنه قال: حصلوا منافع الآخرة حين تكونون في الدنيا، فإنكم في الآخرة ~~لا يمكنكم تحصيلها. # وقال الأصم: المراد منه الإنفاق في الجهاد. # وفي المراد من البيع هنا وجهان: # أحدهما: أنه بمعنى الفدية كما قال: # فاليوم لا يؤخذ منكم فدية # [الحديد:15] وقال: # ولا يقبل منها عدل # [البقرة:123]، وقال: # وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منهآ # [الأنعام:70] فكأنه قيل من قبل أن يأتي يوم لا تجارة فيه، فتكسب ما ~~تفتدي به من العذاب. # الثاني: أن يكون المعنى: قدموا لأنفسكم من المال الذي هو ملككم قبل أن ~~يأتي اليوم الذي لا يكون فيه تجارة ولا مبايعة يكتسب بسببها شيء من ~~المال. # " ولا خلة " ولا صداقة، ونظيره قوله تعالى: # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين # [الزخرف:67] وقال # وتقطعت بهم الأسباب # [البقرة:166]. # وقوله: " ولا شفاعة " يقتضي نفي كل الشفاعات، فقوله: { ~~ولا خلة ولا شفاعة } عام في الكل إلا أن سائر الدلائل ~~دلت على ثبوت المودة والمحبة بين المؤمنين، وعلى ثبوت الشفاعة بين ms1466 ~~المؤمنين والسبب في عدم الخلة والشفاعة أمور: # أحدها: أن كل واحد يكون مشغولا بنفسه. قال تبارك وتعالى: # لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه # [عبس:37]. # الثاني: أن الخوف الشديد يغلب على كل أحد] # يوم ترونها تذهل كل مرضعة عمآ أرضعت # [الحج:2]. # الثالث: أنه إذا نزل العذاب بسبب الكفر، أو الفسق صار مبغضا لهذين ~~الأمرين وإذا صار مبغضا لهما؛ صار مبغضا لمن اتصف بهما. # وقوله: { والكافرون هم الظالمون } ، نقل عن ابن يسار أنه ~~كان يقول: الحمد لله الذي قال: { والكافرون هم الظالمون } ~~ولم يقل " والظالمون هم الكافرون ". # وذكروا في تأويل هذه الآية وجوها: # أحدها: أن نفي الخلة، والشفاعة مختص بالكافرين، لأنه أطلقه ثم ~~عقبه بقوله { والكافرون هم الظالمون } وعلى هذا تصير الآية ~~دالة على إثبات الشفاعة في حق الفساق. # قال القاضي: هذا التأويل غير صحيح؛ لأن قوله: { والكافرون هم ~~الظالمون } كلام مبتدأ، فلم يجب تعليقه بما تقدم. # والجواب: أنا لو جعلناه كلاما مبتدأ تطرق الخلف إلى كلام الله ~~تعالى؛ لأن غير الكافرين قد يكون ظالما، وإذا علقناه بما تقدم زال ~~الإشكال. # الثاني: أن معناه أن الله لم يظلم الكافر بإدخاله النار، وإنما ~~الكافر هو الذي ظلم نفسه، حيث اختار الكفر والفسق، ونظيره قوله تعالى: # ولا يظلم ربك أحدا # [الكهف:49]. # الثالث: معناه: أنكم أيها الحاضرون لا تقتدوا بالكفار حيث تركوا ~~تقديم الخيرات ليوم فاقتهم، وحاجتهم، ولكن قدموا لأنفسكم ما يفديها يوم ~~القيامة. # الرابع: { الكافرون هم الظالمون } حيث وضعوا أنفسهم في غير ~~مواضعها لتوقعهم الشفاعة بمن لا يشفع لهم عند الله، لأنهم كانوا يقولون ~~عن الأوثان # هؤلاء شفعاؤنا عند الله # [يونس:18] وقالوا: # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى # [الزمر:3]. # الخامس: المراد من الظلم ترك الإنفاق قال تعالى: # ءاتت أكلها ولم تظلم منه شيئا # [الكهف:33] أي أعطت فلم تمنع فيكون معنى الآية الكريمة والكافرون هم ~~التاركون للإنفاق في سبيل الله، وأم المسلم فلا بد أن ينفق شيئا ~~قل أو كثر. # السادس: { والكافرون هم الظالمون } أي هم الكاملون في ~~الظلم البالغون الأمر العظيم فيه. ذكر ms1467 هذه الوجوه القفال. ### || [2.255] # اعلم أن عادته سبحانه وتعالى في هذا الكتاب الكريم أن يذكر علم ~~التوحيد، وعلم الأحكام، وعلم القصص، فإن الإنسان إذا بقي في النوع ~~الواحد، كان يوجب بعض الملال فإذا انتقل من نوع إلى نوع آخر، كان كأنه ~~انشرح صدره، وفرح قلبه، فكأنه سافر من بلد إلى بلد آخر، وانتقل من ~~بستان إلى بستان آخر، أو من تناول طعام لذيذ إلى تناول طعام آخر، ولا شك ~~أنه يكون ألذ، وأشهى، فلما تقدم من علم الأحكام وعلم القصص ما رآه ~~مصلحة، ذكر الآن ما يتعلق بالتوحيد. # قوله تعالى: { الله لا إله إلا هو الحي }: مبتدأ وخبر ~~وهو مرفوع محمول على المعنى، أي: ما إله إلا هو، ويجوز في غير القرآن ~~لا إله إلا إياه، نصب على الاستثناء. # وقيل: " الله " مبتدأ، و " لا إله " مبتدأ ثان، وخبره محذوف ~~تقديره معبود أو موجود. # و " الحي " فيه سبعة أوجه: # أحدها: أن يكون خبرا ثانيا للجلالة. # الثاني: أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف، أي: هو الحي. # الثالث: بدل من موضع: " لا إله إلا الله هو " فيكون في المعنى ~~خبرا للجلالة، وهذا في المعنى كالأول، إلا أنه هنا لم يخبر عن الجلالة ~~إلا بخبر واحد بخلاف الأول. # الرابع: أن يكون بدلا من " هو " وحده، وهذا يبقى من باب إقامة الظاهر ~~مقام المضمر، لأن جملة النفي خبر عن الجلالة، وإذا جعلته بدلا حل ~~محل الأول، فيصير التقدير: الله لا إله إلا الله. # الخامس: أن يكون مبتدأ وخبره { لا تأخذه سنة }. # السادس: أنه بدل من " الله ". # السابع: أنه صفة لله، وهو أجودها، لأنه قرئ بنصب " الحي القيوم " ~~على القطع، والقطع إنما هو في باب النعت، ولا يقال في هذا الوجه ~~الفصل بين الصفة والموصوف بالخبر، لأن ذلك جائز حسن [تقول: زيد ~~قائم العاقل]. # و " الحي " فيه قولان: # أحدهما: أن أصله حيي بياءين من حيي يحيا فهو حي، وإليه ذهب أبو ~~البقاء. # والثاني: أن أصله حيو فلامه واو فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها ~~متطرفة، وهذا لا ms1468 حاجة إليه، وكأن الذي أحوج هذا القائل إلى ادعاء ~~ذلك أن كون العين، واللام من واد واحد هو قليل في كلامهم بالنسبة إلى ~~عدم ذلك فيه، ولذلك كتبوا " الحياة " بواو في رسم المصحف العزيز ~~تنبيها على هذا الأصل، ويؤيده " الحيوان " لظهور الواو فيه. ولناصر ~~القول الأول أن يقول: قلبت الياء الثانية واوا تخفيفا؛ لأنه لما ~~زيد في آخره ألف ونون استثقل المثلان. # وفي وزنه أيضا قولان: # أحدهما: أنه فعل. # والثاني: أنه فيعل فخفف، كما قالوا ميت، وهين، والأصل: هين ~~وميت. # قال السدي المراد ب " الحي " الباقي؛ قال لبيد: [الطويل] # 1175- فإما تريني اليوم أصبحت سالما # فلست بأحيا من كلاب وجعفر # وقال قتادة: والحي الذي لا يموت والحي اسم من أسمائه الحسنى، ~~ويقال إنه اسم الله الأعظم. # وقيل إن عيسى ابن مريم - عليه الصلاة والسلام - كان إذا أراد أن ~~يحيي الموتى يدعو بهذا الدعاء " يا حي يا قيوم ". # ويقال: إن آصف بن برخيا، لما أراد أن يأتي بعرش بلقيس إلى سليمان - ~~عليه الصلاة والسلام - دعا بقوله: " يا حي يا قيوم ". # ويقال إن بني إسرائيل سألوا موسى عن اسم الله الأعظم فقال لهم " أيا هيا ~~شراهيا " يعني " يا حي يا قيوم " ، ويقال هو دعاء أهل البحر إذا خافوا ~~الغرق يا حي يا قيوم وعن علي - رضي الله عنه - لما كان يوم بدر جئت أنظر ~~ما يصنع النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هو ساجد يقول " يا حي يا ~~قيوم " ، فترددت مرات، وهو على حاله لا يزيدعلى ذلك إلى أن فتح الله ~~له. # وهذا يدل على عظمة هذا الاسم. # والقيوم: فيعول من: قام بالأمر يقوم به، إذا دبره؛ قال أمية: ~~[الرجز] # 1176- لم تخلق السماء والنجوم # والشمس معها قمر يعوم # قدره مهيمن قيوم # والحشر والجنة والنعيم # إلا لأمر شأنه عظيم # وأصله " قيووم " ، فاجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون ~~فقلبت الواو ياء وأدغمت فيها الياء فصار قيوما. # وقرأ ابن مسعود والأعمش ويروى عن عمر: " الحي القيام " ، وقرأ ~~علقمة: " القيم " وهذا كما يقولون: ديور، وديار، ودير. ولا ms1469 يجوز ~~أن يكون وزنه فعولا ك " سفود " إذ لو كان كذلك؛ لكان لفظه ~~قووما؛ لأن العين المضاعفة أبدا من جنس الأصلية كسبوح، ~~وقدوس، وضراب، وقتال، فالزائد من جنس العين، فلما جاء بالياء ~~دون الواو؛ علمنا أن أصله فيعول، لا فعول، وعد بعضهم فيعولا من ~~صيغ المبالغة كضروب، وضراب. # قال بعضهم: هذه اللفظة عبرية؛ لأنهم يقولون " حيا قياما " ، ~~وليس الأمر كذلك؛ لأنا قد بينا أن له وجها صحيحا في اللغة. # فصل # اعلم أن تفسير الجلالة قد تقدم في أول الكتاب، والإله؛ قال بعضهم: ~~هو المعبود، وهو خطأ من وجهين: # الأول: أنه تبارك وتعالى كان إلها في الأزل، وما كان معبودا. # الثاني: أنه تعالى أثبت معبودا سواه في قوله: # إنكم وما تعبدون من دون الله # [الأنبياء:98]. # قال ابن الخطيب رحمه الله: وإنما " الإله " هو القادر على ما إذا فعله ~~كان مستحقا للعبادة، وأما " الحي " قال المتكلمون: هو كل ذات ~~يصح أن يعلم، ويقدر، واختلفوا في أن هذا المفهوم صفة وجودية أم ~~لا، فقال بعضهم: إنه عبارة عن كون الشيء بحيث لا يمتنع أنه يعلم ~~ويقدر، وعدم الامتناع صفة موجودة، أم لا؟ # قال المحققون: لما كانت الحياة عبارة عن عدم الامتناع، وقد ثبت أن ~~الامتناع أمر عدمي، إذ لو كان وصفا موجودا؛ لكان الموصوف به موجودا، ~~فيكون ممتنع الوجود موجودا، وهو محال، وإذا ثبت أن الامتناع عدم ~~وثبت أن الحياة عدم هذا الامتناع، وثبت أن عدم العدم: وجود، لزم أن ~~يكون المفهوم من الحياة صفة موجودة، وهو المطلوب. # قال ابن الخطيب - رحمه الله تعالى -: ولقائل أن يقول لما كان الحي ~~أنه الذي يصح أن يعلم، ويقدر، وهذا القدر حاصل لجميع الحيوانات فكيف ~~يحسن أن يمدح الله نفسه بصفة يشاركه فيها أخس الحيوانات. # والذي عندي في هذا الباب: أن الحي عبارة عن الكامل في نفسه، ولما ~~لم يكن كذلك مقيدا بأنه كامل في هذا دون ذاك دل على أنه كامل على ~~الإطلاق. # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه كان يقول: أعظم أسماء الله ms1470 ~~تعالى " الحي القيوم ". # روي أنه -عليه الصلاة والسلام - ما كان يزيد على ذكره في السجود ~~يوم بدر. # والقيوم؛ قال مجاهد: القائم على كل شيء وتأويله قائم بتدبير ~~الخلائق في إيجادهم وأرزاقهم. # وقال الكلبي: القائم على كل نفس بما كسبت. # وقال الضحاك: القيوم الدائم الوجود الذي يمتنع عليه التغيير. # وقيل: القيوم الذي لا ينام، وهذا القول بعيد؛ لأنه يصير قوله تعالى ~~ { لا تأخذه سنة ولا نوم } تكرارا. # وقال أبو عبيدة: القيوم الذي لا يزول. # قوله: { لا تأخذه سنة } في هذه الجملة خمسة أوجه: # أحدها: أنها في محل رفع خبرا للحي كما تقدم في أحد أوجه رفع ~~الحي. # الثاني: أنها خبر عن الله تعالى عند من يجيز تعدد الخبر. # الثالث: أنها في محل نصب على الحال من الضمير المستكن في " ~~القيوم " كأنه قيل: يقوم بأمر الخلق غير غافل، قاله أبو البقاء ~~رحمه الله تعالى. # الرابع: أنها استئناف إخبار، أخبر - تبارك وتعالى - عن ذاته القديمة ~~بذلك. # الخامس: أنها تأكيد للقيوم؛ لأن من جاز عليه ذلك استحال أن يكون ~~قيوما، قاله الزمخشري، فعلى قوله إنها تأكيد يجوز أن يكون ~~محلها النصب على الحال المؤكدة، ويجوز أن تكون استئنافا، وفيها معنى ~~التأكيد، فتصير الأوجه أربعة. # والسنة: النعاس، وهو ما يتقدم النوم من الفتور؛ قال عدي بن ~~الرقاع: [الكامل] # 1177- وسنان أقصده النعاس فرنقت # في عينه سنة وليس بنائم # وهي مصدر وسن يسن؛ مثل: وعد، يعد، وقد تقدم علة الحذف عند قوله # سعة من المال # [البقرة:247]. # فإن قيل: إذا كانت السنة عبارة عن مقدمة النوم، فقوله تعالى: { ~~لا تأخذه سنة } يدل على أنه لا يأخذه نوم بطريق الأولى، ~~فيكون ذكر النوم تكرارا. # فالجواب: تقدير الآية: لا تأخذه سنة، فضلا عن أن يأخذه نوم. # وقيل هذا من باب التكميل. # وقال ابن زيد: " الوسنان: الذي يقوم من النوم وهو لا ~~يعقل؛ حتى إنه ربما جرد السيف على أهله " ، وهذا ~~القول ليس بشيء، لأنه لا يفهم من لغة العرب ذلك، وقال المفضل: " ~~السنة: ثقل في الرأس، والنعاس في العينين، ~~والنوم ms1471 في القلب ". # وكررت " لا " في قوله تعالى: " ولا نوم " تأكيدا، وفائدتها ~~انتفاء كل واحد منهما، ولو لم تذكر لاحتمل نفيهما بقيد الاجتماع، ولا ~~يلزم منه نفي كل واحد منهما على حدته، ولذلك تقول: " ما قام زيد، ~~وعمرو، بل أحدهما " ، [ولو قلت: " ما قام زيد ولا عمرو، بل أحدهما ~~" ] لم يصح. # فصل في تفسير " الوسنان " # والوسنان: بين النائم، واليقظان، والنوم: هو الثقيل المزيل ~~للقوة والعقل. # وقيل السنة: أول النوم، وهو النعاس، والنوم: غشية ثقيلة تقع ~~على القلب تمنع المعرفة بالأشياء. # قيل: إن النوم عبارة عن ريح تخرج من أعصاب الدماغ فإذا وصلت ~~العينين، حصل النعاس، وإذا وصلت إلى القلب، حصل النوم. # فصل # والمعنى: لا يغفل عن شيء دقيق، ولا جليل، فعبر بذلك عن الغفلة، ~~لأنه سببها، فأطلق اسم السبب على مسببه. # نفى الله - تعالى - عن نفسه النوم، لأنه آفة وهو منزه عن ~~الآفات؛ ولأنه تغير، ولا يجوز عليه التغير. # " عن أبي موسى قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات، ~~فقال:إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، ~~ولكنه يخفض بالقسط، ويرفعه ويرفع إليه ~~عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل ~~عمل الليل حجابه النور، لو كشفه لأحرقت ~~سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ". # يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حكى عن موسى - عليه الصلاة ~~والسلام - أنه وقع في نفسه هل ينام الله تعالى! فأرسل إليه ملكا ~~فأرقه ثلاثا، ثم أعطاه قارورتين في كل يد واحدة، وأمره بالاحتفاظ ~~بهما وكان يتحرز بجهده ألا ينام، فنام في آخر الأمر، فاصطفقت يداه ~~وانكسرت القارورتان فضرب الله - تعالى - ذلك مثلا له في بيان أنه لو ~~كان ينام؛ لم يقدر على حفظ السموات والأرض. # واعلم أن مثل هذا لا يمكن نسبته إلى موسى - عليه الصلاة والسلام - ~~فإن كل من جوز النوم على الله - تعالى - أو كان شاكا في جوازه ~~كفر، فكيف يجوز نسبة هذا إلى موسى - عليه السلام - فإن صحت هذه ~~الرواية فالواجب نسبة هذا ms1472 السؤال إلى جهال قومه. # قوله: { له ما في السموات وما في الأرض } هي كالتي ~~قبلها إلا في كونها تأكيدا، و " ما " للشمول، واللام في " له " ~~للملك، وكرر " ما " تأكيدا، وذكرها هنا المظروف دون الظرف؛ لأن ~~المقصود نفي الإلهية عن غير الله تعالى، وأنه لا ينبغي أن يعبد إلا ~~هو، لأن ما عبد من دونه في السماء كالشمس، والقمر، والنجوم أو في ~~الأرض كالأصنام وبعض بني آدم، فكلهم ملكه تعالى تحت قهره، واستغنى عن ~~ذكر أن السموات، والأرض ملك له بذكره قبل ذلك أنه خالق السموات ~~والأرض. # فصل # لما كان المراد من هذه الإضافة الخلق، والملك، احتجوا بهذه الآية ~~الكريمة على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى. # قالوا: لأن قوله تعالى { له ما في السموات وما في ~~الأرض } يتناول كل ما في السموات والأرض، وأفعال العباد من جملة ما في ~~السموات والأرض، فوجب أن تكون منتسبة إلى الله تعالى انتساب الملك ~~والخلق. # فإن قيل: لم قال { له ما في السماوات وما في الأرض } ~~ولم يقل من في السموات. # فالجواب: لما كان المراد إضافة كل ما سواه إليه بالمخلوقية، وكان ~~الغالب عليه ما لا يعقل، أجرى الغالب مجرى الكل، فعبر عنه بلفظة " ما ~~" ، وأيضا فهذه الأشياء إنما أسندت إليه من حيث إنها مخلوقة، وهي ~~غير عاقلة، فعبر عنه بلفظ " ما " للتنبيه على أن المراد من هذه ~~الإضافة إليه الإضافة من هذه الجهة. # قوله: { من ذا الذي يشفع عنده } كقوله: # من ذا الذي يقرض الله # [البقرة:245]. # قال القرطبي: " من " رفع بالابتداء، و " ذا " خبره، و " الذي " ~~نعت ل " ذا " ، أو بدل ولا يجوز أن تكون " ذا " زائدة كما زيدت مع " ~~ما "؛ لأن " ما " مبهمة، فزيدت " ذا " معها لشبهها بها. # و " من " ، وإن كان لفظها استفهاما فمعناه النفي، ولذلك دخلت " ~~إلا " في قوله: " إلا بإذنه ". # و " عنده " فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق بيشفع. # والثاني: أنه متعلق بمحذوف لكونه [حالا] من الضمير في " يشفع " ~~، أي: يشفع مستقرا عنده، وقوي هذا الوجه بأنه إذا لم يشفع ms1473 عنده من هو ~~عنده وقريب منه فشفاعة غيره أبعد وضعف بعضهم الحالية بأن المعنى: ~~يشفع إليه. # و " إلا بإذنه " متعلق بمحذوف، لأنه حال من فاعل، " ~~يشفع " فهو استثناء مفرغ، والباء للمصاحبة، والمعنى: لا أحد يشفع ~~عنده إلا مأذونا له منه، ويجوز أن يكون مفعولا به، أي: بإذنه يشفعون ~~كما تقول: " ضرب بسيفه " ، أي: هو آلة للضرب، والباء للتعدية. # و " يعلم " هذه الجملة يجوز أن تكون خبرا لأحد المبتدأين ~~المتقدمين، أو استئنافا، أو حالا. والضمير في " أيديهم " و " ~~خلفهم " يعود على " ما " في قوله تعالى: { له ما في ~~السماوات وما في الأرض } إلا أنه غلب من يعقل على غيره. ~~وقيل: يعود على العقلاء ممن تضمنه لفظ " ما " دون غيرهم. وقيل: يعود ~~على ما دل عليه " من ذا " من الملائكة والأنبياء. وقيل: من الملائكة ~~خاصة. # فصل # قال مجاهد وعطاء والسدي: " ما بين أيديهم " ما كان قبلهم ~~من أمور الدنيا " وما خلفهم " ما يكون خلفهم من أمور الآخرة ~~بعدهم. # وقال الضحاك والكلبي: { يعلم ما بين أيديهم } يعني ~~الآخرة؛ لأنهم يقدمون عليها. " وما خلفهم " يعني الدنيا؛ لأنهم ~~يخلفونها وراء ظهورهم. # وقال عطاء عن ابن عباس: " ما بين أيديهم " من السماء إلى ~~الأرض " وما خلفهم " يريد ما في السموات. # وقال ابن جريج: " ما بين أيديهم ": مضي آجالهم " وما ~~خلفهم ": ما يكون بعدهم. # وقال مقاتل: { ما بين أيديهم وما خلفهم } ما كان قبل ~~الملائكة. " وما خلفهم " أي: ما كان بعد خلقهم. # وقيل: " ما بين أيديهم " ما قدموا من خير وشر " وما ~~خلفهم " ما هم فاعلوه. # والمقصود من هذا الكلام: أنه عالم بأحوال الشافع، والمشفوع له، فيما ~~يتعلق باستحقاق الثواب والعقاب؛ لأنه عالم بجميع المعلومات لا ~~يخفى عليه شيء والشفعاء لا يعلمون من أنفسهم أن لهم من الطاعة ما ~~يستحقون به هذه المنزلة العظيمة عند الله، ولا يعلمون أن الله هل أذن ~~لهم في تلك الشفاعة، أم لا. # قوله: " بشيء " متعلق ب " يحيطون ". والعلم هنا بمعنى المعلوم؛ ~~لأن علمه تعالى الذي هو صفة قائمة بذاته المقدسة لا ms1474 يتبعض، ومن ~~وقوع العلم موقع المعلوم قولهم: " اللهم اغفر لنا علمك ~~فينا " وحديث موسى، والخضر - عليهما الصلاة والسلام - " ما ~~نقص علمي وعلمك من علمه إلا كما نقص العصفور من هذا البحر " ~~ولكون العلم بمعنى المعلوم، صح دخول التبعيض، والاستثناء عليه. و " ~~من علمه " يجوز أن يتعلق ب " يحيطون " ، وأن يتعلق بمحذوف ~~لأنه صفة لشيء، فيكون في محل جر. و " بما شاء " متعلق ب " ~~يحيطون " أيضا، ولا يضر تعلق هذين الحرفين المتحدين لفظا ومعنى ~~بعامل واحد؛ لأن الثاني ومجروره بدلان من الأول، بإعادة العامل بطرق ~~الاستثناء، كقولك: " ما مررت بأحد إلا بزيد " ، ومفعول " ~~شاء " محذوف تقديره: إلا بما شاء أن يحيطوا به، وإنما قدرته كذلك ~~لدلالة قوله: { ولا يحيطون بشيء من علمه }. # فصل # هؤلاء المذكورون في هذه الآية يحتمل أن يكونوا هم الملائكة، ويحتمل أن ~~يكونوا الملائكة وسائر من يشفع يوم القيامة من النبيين، والصديقين ~~والشهداء والصالحين. # وفي معنى الاستثناء قولان: # أحدهما: أنهم لا يعلمون شيئا من معلوماته إلا ما أراد هو أن يعلمهم ~~كما قالوا: # لا علم لنآ إلا ما علمتنآ # [البقرة:32]. # الثاني: أنهم لا يعلمون الغيب إلا بما شاء أن يطلع بعض أنبيائه على ~~بعض الغيب كقوله تعالى # عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ~~ارتضى من رسول # [الجن:26-27]. # قوله: { وسع كرسيه السموات والأرض }: الجمهور على " ~~وسع " بفتح الواو وكسر السين وفتح العين فعلا ماضيا. # و " كرسيه " بالرفع على أنه فاعله، وقرئ " وسع " سكن عين ~~الفعل تخفيفا نحو: علم في علم. وقرئ أيضا: " وسع كرسيه " ~~بفتح الواو وسكون السين ورفع العين على الابتداء، و " كرسيه " خفض ~~بالإضافة " السموات " رفعا على أنه خبر للمبتدأ. # واعلم أنه يقال: وسع فلانا الشيء يسعه سعة إذا احتمله وأطاقه ~~وأمكنه القيام به، ولا يسعك هذا أي: لا تطيقه ولا تحتمله، ومنه قوله صلى ~~الله عليه وسلم: # " لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي " # أي: لا يحتمل غير ذلك. # والكرسي: الياء فيه لغير النسب، واشتقاقه من الكرس، وهو ~~الجمع؛ ومنه الكراسة للصحائف ms1475 الجامعة للعلم؛ ومنه قول العجاج: ~~[الرجز] # 1178- يا صاح، هل تعرف رسما مكرسا؟ # قال: نعم، أعرفه وأبلسا # وقيل: أصله من تراكب الشيء بعضه على بعض، ومنه الكرس أبوال الدواب ~~وأبعارها يتلبد بعضها فوق بعض. [وأكرست الدار: إذا كثرت الأبعار ~~والأبوال فيها، وتلبد بعضها فوق بعض]، وتكارس الشيء: إذا تركب ومنه ~~الكراسة، لتركب بعض الأوراق على بعض. و " الكرسي " هو هذا ~~الشيء المعروف لتركب خشباته بعضها فوق بعض. # وجمعه كراسي كبختي وبخاتي، وفيه لغتان: أشهرهما ضم كافه، ~~والثانية كسرها، وقد يعبر به عن الملك؛ لجلوسه عليه، تسمية للحال ~~باسم المحل؛ ومنه: [الرجز] # 1179- قد علم القدوس مولى القدس # أن أبا العباس أولى نفس # في معدن الملك القديم الكرسي # وعن العلم؛ تسمية للصفة باسم مكان صاحبها؛ ومنه قيل للعلماء: " ~~الكراسي "؛ قال القاتل: [الطويل] # 1180- يحف بهم بيض الوجوه وعصبة # كراسي بالأحداث حين تنوب # وصفهم بأنهم عالمون بحوادث الأمور، ونوازلها؛ ويعبر به عن السر، ~~قال: [البسيط] # 1181- ما لي بأمرك كرسي أكاتمه # ولا بكرسي - علم الله - مخلوق # وقيل: الكرسي لكل شيء: أصله. # فصل في حقيقة " الكرسي " # واختلفوا فيه على أربعة أقوال: # أحدها: أنه جسم عظيم يسع السموات، والأرض قال الحسن: هو العرش نفسه. # وقال أبو هريرة: الكرسي: موضوع أمام العرش ومعنى قوله: { وسع ~~كرسيه السموات والأرض } أي: سعته مثل سعة السموات ~~والأرض. # وقال السدي: إنه دون العرش، وفوق السماء السابعة، وفي ~~الأخبار أن السموات والأرض في جنب الكرسي كحلقة في فلاة، والكرسي في ~~جنب العرش كحلقة في فلاة. # وأما ما روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: الكرسي: موضع ~~القدمين فمن البعيد أن يقول ابن عباس هو موضع القدمين لأن الله سبحانه ~~وتعالى منزه عن الجوارح. # وثانيها: أن " الكرسي " هو السلطان، والقدرة، والملك. # ثالثها: هو العلم، لأن العلم هو الأمر المعتمد عليه " والكرسي " ~~هو الشيء الذي يعتمد عليه، وقد تقدم هذا. # ورابعها: ما اختاره القفال وهو: أن المقصود من هذا الكلام تصوير ~~عظمة الله وكبريائه؛ لأنه خاطب الخلق في تعريف ذاته، وصفاته بما ~~اعتادوه ms1476 في ملوكهم، وعظمائهم كما جعل الكعبة بيتا له يطوف الناس به ~~كما يطوفون ببيوت ملوكهم، وأمر الناس بزيارته، كما يزورون بيوت ملوكهم. # وذكر في الحجر الأسود: " أنه يمين الله في أرضه " وجعله موضوعا ~~للتقبيل كما يقبل الناس أيضا أيدي ملوكهم، وكذلك ما ذكر في محاسبة ~~العباد يوم القيامة من حضور الملائكة والنبيين والشهداء، ووضع الميزان، ~~فعلى هذا القياس أثبت لنفسه العرش في قوله: # الرحمن على العرش استوى # [طه:5] ووصف العرش بقوله: # وكان عرشه على المآء # [هود:7] ثم قال: # وترى الملائكة حآفين من حول العرش # [الزمر:75] ثم قال: # ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية # [الحاقة:17] وقال: # الذين يحملون العرش ومن حوله # [غافر:7]، وكذلك إثبات الكرسي. # وقال ابن الخطيب - رحمه الله -: وهذا جواب مبين إلا أن المعتمد هو ~~الأول، وأن ترك الظاهر بغير دليل لا يجوز. # قوله: { ولا يؤوده حفظهما } يقال: آده كذا، أي: أثقله، ولحقه ~~منه مشقة؛ قال القائل: [الطويل] # 1182- ألا ما لسلمى اليوم بت جديدها # وضنت وما كان النوال يؤودها # أي: يثقلها، ومنه الموءودة للبنت تدفن حية، لأنهم يثقلونها ~~بالتراب. وقرئ: " يوده " بحذف الهمزة، كما تحذف همزة " أناس " ، ~~وقرئ " يووده " بإبدال الهمزة واوا. # و " حفظ ": مصدر مضاف لمفعوله، أي: لا يئوده أن يحفظهما. # و " العلي " أصله: " عليو " ، فأدغم؛ نحو: ميت؛ لأنه ~~من علا يعلو؛ قال القائل في ذلك البيت: [الطويل] # 1183- فلما علونا واستوينا عليهم # تركناهم صرعى لنسر وكاسر # فصل في المراد بالعلو # والمراد بالعلو علو القدر والمنزلة لا علو المكان لأن الله سبحانه ~~وتعالى منزه عن التحيز والعلي والعالي القاهر الغالب للأشياء تقول العرب: ~~علا فلان فلانا أي غلبه وقهره؛ قال الشاعر: [الطويل] # 1184- فلما علونا...................... # ............................ # البيت المتقدم، وقال تعالى: # إن فرعون علا في الأرض # [القصص:4]. # قال ابن الخطيب: لو كان علوه بالمكان لكان متناهيا؛ فإن الجزء ~~المفروض فوقه، أعلى منه، فلا يكون عليا مطلقا، وإن كان غير متناه، وقد ~~دلت البراهين اليقينية على استحالة بعد غير متناه. # وأيضا فلو فرضنا في ذلك نقطا غير متناهية، فإن لم يحصل فوق تلك ms1477 النقط ~~نقطة، أخرى، وكانت تلك النقطة طرفا، لذلك البعد، فيكون متناهيا، وإن ~~لم يوجد في ذلك البعد سفلا فلا يكون فيها ما هو فوق على الإطلاق، وذلك ~~ينفي حصول العلو المطلق، ولأن العالم كرة، فكل علو بالنسبة إلى أحد ~~وجهي الأرض هو سفل بالنسبة للوجه الثاني، فينقلب العلو سفلا، ولأن لو ~~كان علوه بالمكان، لكان حصول العلو للمكان بالذات، والله تعالى ~~بالعرض، وما بالذات أشرف منها بالعرض، فيكون علو المكان أشرف من علوه ~~سبحانه، وذلك باطل. # و " العظيم " تقدم معناه، وقيل: هو هنا بمعنى المعظم؛ كما ~~قالوا: " عتيق " بمعنى: معتق؛ قال القائل: [الخفيف] # 1185- فكأن الخمر العتيق من الإس # فنط ممزوجة بماء زلال # قيل: وأنكر ذلك لانتفاء هذا الوصف. وقيل في الجواب عنه: إنه صفة ~~فعل، كالخلق، والرزق، والأول أصح. # قال الزمخشري: " فإن قلت: كيف ترتبت الجمل في آية ~~الكرسي من غير حرف عطف؟ قلت: ما منها جملة إلا وهي واردة على ~~البيان لما ترتبت عليه، والبيان متحد بالمبين، فلو توسط بينهما ~~عاطف لكان كما تقول العرب: " بين العصا ولحائها " فالأولى ~~بيان لقيامه بتدبير الخلق وكونه مهيمنا عليه غير ساه عنه، والثانية ~~لكونه مالكا لما يدبره، والثالثة لكبرياء شأنه، والرابعة لإحاطته ~~بأحوال الخلق وعلمه بالمرتضى منهم، المستوجب للشفاعة وغير المرتضى، ~~والخامسة لسعة علمه، وتعلقه بالمعلومات كلها، أو لجلاله وعظم قدرته " ~~انتهى. يعني غالب الجمل وإلا فبعض الجمل فيها معطوفة وهي قوله: " ولا ~~يحيطون " ، وقوله: " ولا يؤوده " وقوله { وهو العلي ~~العظيم }. # فصل في فضل هذه الآية # في فضل هذه الآية الكريمة روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ما قرئت هذه الآية في دار إلا اهتجرها الشيطان ~~ثلاثين يوما، ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة ~~أربعين ليلة ". # وعن علي - رضي الله عنه - قال: سمعت نبيكم على أعواد المنبر وهو ~~يقول: # " من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة، ~~لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ولا يواظب عليها ~~إلا صديق، أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه؛ أمنه الله ms1478 على نفسه ~~وجاره، وجار جاره، والأبيات التي حوله ". # وتذاكر الصحابة أفضل ما في القرآن، فقال لهم علي: أين أنتم من آية ~~الكرسي قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يا علي سيد البشر آدم، وسيد العرب محمد، ~~ولا فخر، وسيد الكلام القرآن، وسيد القرآن ~~البقرة وسيد البقرة آية الكرسي " # وعن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " يا أبا المنذر؛ أي آية في كتاب الله أعظم "؟ قلت: الله ~~لا إله إلا هو الحي القيوم، قال: فضرب صدري ثم قال: " ليهنك ~~العلم يا أبا المنذر " ثم قال: " والذي نفس محمد ~~بيده إن لهذه الآية لسانا وشفتين تقدس الملك ~~عند ساق العرش ". # وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: # " وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت، ~~فجعل يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: [إني محتاج، ولي عيال، ولي حاجة شديدة قال: فخليت ~~عنه، فأصبحت فقال النبي صلى الله عليه وسلم] " يا أبا هريرة ما فعل ~~أسيرك البارحة "؛ قلت يا رسول الله؛ شكا حاجة شديدة، ~~وعيالا؛ فرحمته، فخليت سبيله. قال: " أما إنه قد كذبك ~~وسيعود " فعرفت أنه سيعود، بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فرصدته، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت لأرفعنك إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: دعني فإني محتاج ولي عيال ولا أعود فرحمته فخليت ~~سبيله، فأصبحت فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: " يا أبا هريرة ما فعل ~~أسيرك البارحة " قلت: يا رسول الله شكا حاجة، وعيالا فرحمته وخليت ~~سبيله قال: " أما إنه قد كذبك، وسيعود " فعرفت أنه سيعود؛ لقول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه سيعود فرصدته الثالثة: فجاء يحثو من ~~الطعام؛ فأخذته، فقلت لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا ~~آخر ثلاث مرات أنك تزعم ألا تعود، ثم تعود قال: دعني أعلمك كلمات، ~~ينفعك الله بها، قلت: ما هي قال: إذا أويت إلى ms1479 فراشك، فاقرأ آية ~~الكرسي { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } حتى ~~تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان، حتى ~~تصبح، فخليت سبيله فأصبحت، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ~~فعلت بأسيرك البارحة؟ قلت: يا رسول الله - عليك الصلاة ~~والسلام - زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها، فخليت سبيله ~~قال: ما هي قلت: قال لي إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها، ~~حتى تتم الآية، وقال لي لا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان، ~~حتى تصبح، وكانوا أحرص شيء على الخير، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " أما إنه قد صدقك، وهو كذوب، تعلم من ~~تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ " قلت: لا، قال: " ~~ذلك شيطان ". ### || [2.256] # قوله تعالى: { لا إكراه في الدين }: كقوله: # لا ريب فيه # [البقرة:2] وقد تقدم. وأل في " الدين " للعهد، وقيل: عوض من ~~الإضافة أي " في دين الله " لقوله تعالى: # فإن الجنة هي المأوى # [النازعات:41]، أي: تأوي. # والجمهور على إدغام دال " قد " في تاء " تبين "؛ لأنها من مخرجها. # والرشد: مصدر رشد بفتح العين يرشد بضمها، ومعناه في اللغة، إصابة ~~الخير. وقرأ الحسن " الرشد " بضمتين كالعنق، فيجوز أن يكون هذا أصله، ~~ويجوز أن يكون إتباعا، وهي مسألة خلاف أعني ضم عين الفعل. وقرأ أبو ~~عبد الرحمن الرشد بفتح الفاء والعين، وهو مصدر رشد بكسر العين يرشد ~~بفتحها، وروي عن أبي عبد الرحمن أيضا: " الرشاد " بالألف. # ومعنى الإكراه نسبتهم إلى كراهة الإسلام. قال الزجاج: " لا ~~تنسبوا إلى الكراهة من أسلم مكرها " ، يقال: " ~~أكفره " نسبه إلى الكفر؛ قال: [الطويل] # 1186- وطائفة قد أكفروني بحبهم # وطائفة قالوا مسي ومذنب # قوله: " من الغي " متعلق بتبين، و " من " للفصل، والتمييز ~~كقولك: ميزت هذا من ذاك. وقال أبو البقاء: " في موضع نصب على أنه ~~مفعول " وليس بظاهر؛ لأن معنى كونه مفعولا به غير لائق بهذا ~~المحل. ولا محل لهذه الجملة من الإعراب؛ لأنها استئناف جار مجرى ~~التعليل لعدم الإكراه في الدين. ms1480 # والتبيين: الظهور والوضوح، بان الشيء، واستبان، وتبيين: إذا ظهر ~~ووضح ومنه المثل: تبين الصبح لذي عينين. # قال ابن الخطيب: وعندي أن الإيضاح، والتعريف، إنما سمي بيانا؛ ~~لأنه يوقع الفصلة، والبينونة بين المقصود وغيره. # والغي: مصدر غوى بفتح العين قال: # فغوى # [طه:121]، ويقال: " غوى الفصيل " إذا بشم، وإذا جاع أيضا، فهو ~~من الأضداد. وأصل الغي: " غوي " فاجتمعت الياء والواو، فأدغمت نحو: ~~ميت وبابه. # والغي: نقيض الرشد: يقال: غوى يغوي، غيا، وغواية إذا سلك ~~خلاف طريق الرشد. # فصل في معنى " الدين " في الآية # قال القرطبي: المراد " بالدين " في هذه الآية الكريمة المعتقد، ~~والملة بدليل قوله { قد تبين الرشد من الغي }. # قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: كانت المرأة من الأنصار تكون مقلاة، لا ~~يعيش لها ولد، فكانت تنذر لئن عاش لها ولد لتهودنه فإذا عاش ولدها ~~جعلته في اليهودية. فلما جاء الإسلام، وفيهم منهم، فلما أجليت بنو ~~النضير كان فيهم عدد من أولاد الأنصار، فأرادت الأنصار استردادهم، ~~وقالوا: أبناؤنا وإخواننا، فنزلت: { لا إكراه في الدين } ، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " قد خير الله أصحابكم، فإن اختاروكم فهم منكم، وإن ~~اختاروهم، فأجلوهم معهم ". # وقال مجاهد: كان ناس مسترضعين في اليهود من الأوس، فلما أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بإجلاء بني النضير قال الذين كانوا مسترضعين فيهم: ~~لنذهبن معهم ولندينن بدينهم، فمنهم أهلوهم وأكرهوهم على الإسلام فنزلت { ~~لا إكراه في الدين. # . } # وقال مسروق: كان لرجل من الأنصار من بني سالم بن عوف ابنان متنصران ~~قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ثم قدما المدينة في نفر من ~~النصارى يحملون الطعام فلزمهما أبوهما، وقال لا أدعكما حتى تسلما ~~فأبيا أن يسلما فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يا ~~رسول الله أيدخل بعضي النار وأنا أنظر، فأنزل الله تعالى { ~~لا إكراه في الدين } ، فخلى سبيلهما. # وقال قتادة وعطاء: نزلت في أهل الكتاب إذا قبلوا الجزية، وذلك أن ~~العرب كانت أمة أمية لم يكن لهم كتاب، فلم يقبل منهم إلا ms1481 الإسلام، ~~فلما أسلموا طوعا، أو كرها؛ أنزل الله تعالى { لا إكراه في ~~الدين }؛ فأمر بقتال أهل الكتاب إلى أن يسلموا، أو يقروا بالجزية، ~~فمن أعطى منهم الجزية، لم يكره على الإسلام. # وقال ابن مسعود كان هذا في ابتداء الإسلام، قبل أن يؤمر بالقتال، فصارت ~~منسوخة بآية السيف. ومعنى { تبين الرشد من الغي } ، أي: ~~تميز الحق من الباطل، والإيمان من الكفر، والهدى من الضلالة بالحجج ~~والآيات الظاهرة. # قوله: " بالطاغوت " متعلق ب " يكفر " ، والطاغوت بناء ~~مبالغة كالجبروت والملكوت. واختلف فيه، فقيل: هو مصدر في الأصل، ولذلك ~~يوحد ويذكر، كسائر المصادر الواقعة على الأعيان، وهذا مذهب الفارسي، ~~وقيل: هو اسم جنس مفرد، فلذلك لزم الإفراد والتذكير، وهذا مذهب سيبويه ~~رحمه الله. وقيل هو جمع، وهذا مذهب المبرد، وهو مؤنث لقوله تعالى # والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت # [البقرة:257] قال أبو علي الفارسي: وليس الأمر كذلك، لأن " الطاغوت ~~" مصدر كالرغبوت، والرهبوت، والملكوت، فكما أن هذه الأسماء آحاد، ~~كذلك هذا الاسم مفرد، وليس بجمع ومما يدل على أنه مصدر مفرد وليس ~~بجمع قوله تبارك وتعالى: { أوليآؤهم الطاغوت } ، فأفرد في ~~موضع الجمع، كما يقال هم رضا، وهم عدل انتهى. وهو مؤنث لقوله تعالى # والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها # [الزمر:17]. # وأجاب من ادعى التذكير عن هذا الاستدلال بأنه إنما أنث هنا؛ ~~لإرادة الآلهة وقال آخرون: ويكون مذكرا، ومؤنثا، وواحدا وجمعا قال ~~تعالى في المذكر والواحد: # يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا ~~أن يكفروا به # [النساء:60] وقال في المؤنث: # والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها # [الزمر:17] وقال في الجمع: # يخرجونهم من النور إلى الظلمات # [البقرة:257]. واشتقاقه من طغى يطغى، أو من طغا يطغو، على حسب ~~ما تقدم أول السورة، هل هو من ذوات الواو أو من ذوات الياء؟ وعلى كلا ~~التقديرين، فأصله طغيوت، أو طغووت لقولهم: " طغيان " في معناه، ~~فقلبت الكلمة بأن قدمت اللام وأخرت العين، فتحرك حرف العلة، ~~وانفتح ما قبله فقلب ألفا، فوزنه الآن فلعوت، وقيل: تاؤه ليست زائدة، ~~وإنما هي بدل من لام الكلمة، ووزنه فاعول من ms1482 الطغيان كقولهم " حانوت ~~" ، و " تابوت " ، والتاء فيهما مبدلة من " ها " التأنيث. # قال مكي " وقد يجوز أن يكون أصل لامه واوا، فيكون أصله طغووتا؛ لأنه ~~يقال: طغى يطغى ويطغو، وطغيت وطغوت، ومثله في القلب ~~والاعتلال، والوزن: حانوت؛ لأنه من حنا يحنو وأصله حنووت، ثم قلب ~~وأعل، ولا يجوز أن يكون من: حان يحين لقولهم في الجمع حوانيت ~~" انتهى قال شهاب الدين: كأنه لما رأى أن الواو قد تبدل تاء ~~كما في تجاه، وتخمة، وتراث، وتكأة، ادعى قلب الواو التي هي ~~لام تاء، وهذا ليس بشيء. # وقدم ذكر الكفر بالطاغوت على ذكر الإيمان بالله تعالى ~~اهتماما بوجوب الكفر بالطاغوت، وناسبه اتصاله بلفظ " الغي ". # فصل في المراد بالطاغوت # واختلف في الطاغوت فقال عمر، ومجاهد، وقتادة: هو الشيطان. # وقال سعيد بن جبير: هو الكاهن. وقال أبو العالية: هو الساحر. وقال ~~بعضهم: الأصنام. # وقيل مردة الجن والإنس، وكل ما يطغى الإنسان. # وقيل: الطاغوت هو كل ما عبد من دون الله، وكان راضيا بكونه ~~معبودا، فعلى هذا يكون الشيطان والكهنة، والسحرة، وفرعون ~~والنمروذ كل واحد منهم طاغوتا؛ لأنهم راضون بكونهم معبودين وتكون ~~الملائكة، وعزير، وعيسى ليسوا بطواغيت، لأنهم لم يرضوا بأن يكونوا ~~معبودين. # قوله: " ويؤمن بالله " عطف على الشرط وقوله { فقد ~~استمسك بالعروة الوثقى } جواب الشرط، وفيه دليل على ~~أنه لا بد للكافر من أن يتوب أولا عن الكفر، ثم يؤمن بعد ذلك. # وفيه دليل على أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح؛ لأنه قدم ~~الكفر بالطاغوت [على الإيمان بالله اهتماما به فإن قيل الإيمان ~~بالله مستلزم للكفر بالطاغوت. # قلنا: لا نسلم، قد يكفر بالطاغوت] ولا يؤمن بالله واستمسك أي: استمسك ~~واعتصم " بالعروة الوثقى " أي العقد الوثيق المحكم في ~~الدين. # و " العروة ": موضع شد الأيدي، وأصل المادة يدل على ~~التعلق، ومنه: عروته: ألممت به متعلقا، واعتراه ~~الهم: تعلق به، و " الوثقى ": فعلى للتفضيل تأنيث الأوثق، ~~كفضلى تأنيث الأفضل، وجمعها على وثق نحو: كبرى وكبر، فأما " ~~وثق " بضمتين فجمع وثيق. وهذا استعارة المحسوس للمعقول؛ لأن من ~~أراد ms1483 إمساك هذا الدين تعلق بالدلائل وأوضحها الدالة عليه، ولما كانت ~~دلائل الإسلام أقوى الدلائل وأوضحها وصفها الله تبارك وتعالى ~~بأنها العروة الوثقى. # قال مجاهد: " العروة الوثقى " الإيمان. # وقال السدي: الإسلام. # وقال ابن عباس، وسعيد بن جبير والضحاك: لا إله إلا الله. # قوله: " لا انفصام لها " كقوله: # لا ريب فيه # [البقرة:2] والجملة فيها ثلاثة أوجه: # أحدها: أن تكون استئنافا، فلا محل لها حينئذ. # والثاني: أنها حال من العروة، والعامل فيها " استمسك ". # والثالث: أنها حال من الضمير المستتر في " الوثقى ". و " لها " في ~~موضع الخبر فتتعلق بمحذوف، أي: كائن لها. والانفصام بالفاء ~~القطع من غير بينونة، والقصم بالقاف قطع بينونة، وقد يستعمل ~~ما بالفاء مكان ما بالقاف. # والمقصود من هذا اللفظ المبالغة؛ لأنه إذا لم يكن لها ~~انفصام، فأن لا يكون لها انقطاع أولى، ومعنى الآية: بالعروة الوثقى ~~التي لا انفصام لها، والعرب تضمر " التي " و " الذي " و " من " ~~وتكتفي بصلاتها منها. # قال سلامة بن جندل: [البسيط] # 1187- والعاديات أسالي الدماء بها # كأن أعناقها أنصاب ترجيب # يريد والعاديات التي قال تعالى: # وما منآ إلا له مقام معلوم # [الصافات:164] أي من له. # قوله: { والله سميع عليم } فيه قولان: # أحدهما: أنه تعالى يسمع قول من يتكلم بالشهادتين، وقول من يتكلم ~~بالكفر، ويعلم ما في قلب المؤمن من الاعتقاد الطاهر، وما في قلب ~~الكافر من الاعتقاد الخبيث. # الثاني: روى عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يحب إسلام أهل الكتاب من اليهود الذين كانوا حول ~~المدينة، وكان يسأل الله ذلك سرا، وعلانية، فمعنى قوله { والله ~~سميع عليم } يريد لدعائك يا محمد عليم بحرصك واجتهادك. ### || [2.257] # " الولي " فعيل بمعنى: فاعل من قولهم: ولي فلان الشيء يليه ولاية، ~~فهو وال وولى، وأصله من الولي الذي هو القرب؛ قال الهذلي: ~~[الكامل] # 1188-....................... # وعدت عواد دون وليك تشعب # ومنه يقال داري تلي دارها، أي: تقرب منها ومنه يقال للمحب المقارب ~~ولي؛ لأنه يقرب منك بالمحبة والنصرة، ولا يفارقك، ومنه الوالي؛ ~~لأنه يلي القوم ms1484 بالتدبير والأمر والنهي، ومنه المولى، ومن ثم ~~قالوا في خلاف الولاية: العداوة من عدا الشيء: إذا جاوزه، فلأجل هذا ~~كانت العداوة خلاف الولاية ومعنى قوله تبارك وتعالى: { الله ~~ولي الذين آمنوا } ، أي: ناصرهم ومعينهم، وقيل: محبهم. # وقيل: متولي أمورهم لا يكلهم إلى غيره. # وقال الحسن: ولي هدايتهم. # قوله: { يخرجهم من الظلمات إلى النور } ، أي: من ~~الكفر إلى الإيمان. # قال الواقدي: كل ما في القرآن من الظلمات، والنور فالمراد منه: ~~الكفر والإيمان غير التي في سورة الأنعام # وجعل الظلمات والنور # [الأنعام:1] فالمراد منه الليل والنهار، سمي الكفر ظلمة لالتباس ~~طريقه، وسمي الإسلام نورا، لوضوح طريقه. # وقال أبو العباس المقرىء " الظلمات " على خمسة أوجه: # الأول: " الظلمات " الكفر كهذه الآية الكريمة. # الثاني: ظلمة الليل قال تعالى: { وجعل الظلمات والنور ~~} يعني الليل والنهار. # الثالث: الظلمات ظلمات البر والبحر والأهوال قال تعالى: # قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر # [الأنعام:63] أي من أهوالهما. # الرابع: " الظلمات " بطون الأمهات، قال تعالى: # في ظلمات ثلاث # [الزمر:6] يعني المشيمة والرحم والبطن. # الخامس: بطن الحوت قال تعالى: # فنادى في الظلمات # [الأنبياء:87] أي في بطن الحوت. # فصل في سبب النزول # ظاهر الآية يقتضي أنهم كانوا في الكفر، ثم أخرجهم الله تعالى من ذلك ~~الكفر إلى الإيمان، وهاهنا قولان: # الأول: أن هذه الآية مختصة بمن كان كافرا، ثم أسلم، وذكر في سبب ~~النزول روايات: # أحدها: قال مجاهد: نزلت هذه الآية في قوم آمنوا بعيسى، وقوم كفروا به، ~~فلما بعث الله سبحانه وتعالى محمدا - عليه الصلاة والسلام - آمن به ~~من كفر بعيسى وكفر به من آمن بعيسى. # وثانيتهما: أنها نزلت في قوم آمنوا بعيسى - عليه الصلاة والسلام - ~~على طريقة النصارى، ثم آمنوا بعده بمحمد - عليه الصلاة والسلام - ~~فقد كان إيمانهم بعيسى حين آمنوا به كفرا، وظلمة، لأن القول ~~بالاتحاد كفر بالله تعالى، أخرجهم من تلك الظلمات إلى نور ~~الإسلام. # وثالثتها: أنها نزلت في كل كافر أسلم وآمن بمحمد - صلى الله عليه ~~وسلم -. # القول الثاني: أن يحمل اللفظ على كل من آمن بمحمد - صلى ms1485 الله ~~عليه وسلم - سواء كان ذلك الإيمان بعد كفر، أو لم يكن؛ لأنه إخراج من ~~ظلمات الكفر إلى نور الإسلام؛ لقوله تعالى: # وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم ~~منها # [آل عمران:103] ومعلوم أنهم ما كانوا في النار ألبتة، وقال في ~~قصة يوسف عليه الصلاة والسلام # إني تركت ملة قوم لا يؤمنون # [يوسف:37] ولم يكن فيها قط، وسمي النبي صلى الله عليه وسلم ~~إنسانا يقول: أشهد ألا إله إلا الله، فقال: " على الفطرة " ، ~~فلما قال: أشهد أن محمدا رسول الله قال: # " خرج من النار " # ، ومعلوم أنه ما كان فيها. # روي أنه عليه السلام أقبل على أصحابه، فقال # " تتهافتون في النار تهافت الجراد، وها أنا آخذ ~~بحجزكم " # ومعلوم أنهم ما كانوا متهافتين في النار. # فصل # استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن الغاية تدخل في المغيا. ~~لقوله تعالى على لسانه - عليه الصلاة والسلام -: { يخرجهم من ~~الظلمات إلى النور } فلو لم يدخلون في النور لم يخرجهم من ~~الظلمات إلى النور، ولو لم تدخل الغاية في المغيا، لما أدخلوهم ~~في النور. # فصل # فإن قيل: هذه الآية صريحة في أن الله سبحانه وتعالى هو الذي أخرج ~~الإنسان من الكفر، وأدخله في الإيمان، فيلزم أن يكون الإيمان بخلق ~~الله تعالى؛ لأنه لو حصل بخلق العبد، لكان العبد هو الذي أخرج ~~نفسه من الكفر إلى الإيمان وذلك يناقض صريح الآية. # أجاب المعتزلة بأن هذا محمول على نصب الأدلة وإرسال ~~الأنبياء، وإنزال الكتب، والترغيب في الإيمان، والتحذير عن ~~الكفر بأقصى الوجوه: # قال القاضي: وقد نسب الله الإضلال إلى الصنم بقوله تعالى: # رب إنهن أضللن كثيرا من الناس # [إبراهيم:36]، لأجل أن الأصنام سبب بوجه ما لضلالهم، فبأن يضاف ~~الإخراج من الظلمات إلى النور إلى الله تعالى مع قوة الأسباب ~~التي فعلها بمن يؤمن أولى. # والجواب: من وجهين: # أحدهما: أن هذا حمل للفظ على خلاف حقيقته. # الثاني: أن هذه الترغيبات إن كانت مؤثرة في ترجيح الداعية، صار ~~الراجح واجبا والمرجوح ممتنعا، وحينئذ يبطل قولهم، وإن لم تؤثر في ~~الترجيح ms1486 لم يصح تسميتها بالإخراج. # قوله تعالى: { والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت }: " ~~الذين " مبتدأ أول، وأولياؤهم مبتدأ ثان، والطاغوت: خبره، ~~والجملة خبر الأول. وقرأ الحسن " الطواغيت " بالجمع، وإن كان ~~أصله مصدرا؛ لأنه لما أطلق على المعبود من دون الله اختلفت ~~أنواعه، ويؤيد ذلك عود الضمير مجموعا من قوله: " يخرجونهم ~~". # قوله: " يخرجونهم " هذه الجملة وما قبلها من قوله: " يخرجهم " ~~الأحسن ألا يكون لها محل من الإعراب، لأنهما خرجا مخرج ~~التفسير للولاية، ويجوز أن يكون " يخرجهم " خبرا ثانيا لقوله: " ~~الله " وأن يكون حالا من الضمير في " ولي " ، وكذلك " ~~يخرجونهم " والعامل في الحال ما في معنى الطاغوت، وهذا نظير ~~ما قاله الفارسي في قوله تعالى: # نزاعة للشوى # [المعارج:16] إنها حال العامل فيها " لظى " وسيأتي تحقيقه إن شاء ~~الله تعالى و " من " [و] " إلى " متعلقان بفعلي الإخراج. # فإن قيل كيف قال " يخرجونهم من النور إلى الظلمات " وهم ~~كفار لم يكونوا في نور قط. # فالجواب هم اليهود كانوا مؤمنين بمحمد - صلى الله عليه وسلم - قبل أن ~~يبعث لما يجدون في كتبهم من نعته، فلما بعث كفروا به. # وقال مقاتل: يعني كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب، وسائر رؤوس الضلالة؛ " ~~يخرجونهم " يدعونهم. # وقيل هو على العموم في حق جميع الكفار، وقالوا: منعهم إياهم من ~~الدخول فيه إخراج، كما يقول الرجل لأبيه أخرجتني من مالك، ولم يكن ~~فيه، ولما قدمنا في التي قبلها. # فصل في دفع شبهة للمعتزلة # احتجت المعتزلة بهذه الآية الكريمة على أن الكفر ليس من الله ~~تعالى، قالوا: لأنه تعالى أضافه إلى الطاغوت لا إلى نفسه. # وأجيبوا بأن إسناد هذا إلى الطاغوت مجاز بالاتفاق بيننا وبينكم؛ ~~لأن المراد ب " الطاغوت " على أظهر الأقوال هو الصنم، وإذا كانت ~~هذه الإضافة مجازية بالاتفاق، خرجت عن أن تكون حجة لكم. # قوله: { أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } ~~يحتمل أن يرجع ذلك إلى الكفار فقط ويحتمل أن يرجع إلى الكفار ~~والطواغيت معا. ### || [2.258] # تقدم الكلام في " ألم تر إلى " في قوله: # ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم # [البقرة:243] قال ms1487 القرطبي: وهذه ألف التوقيف، وفي الكلام معنى ~~التعجب، أي: أعجبوا له قال الفراء: " ألم تر " ، بمعنى: هل ~~رأيت الذي حاج إبراهيم، وهل رأيت الذي مر على قرية؟ # وقرأ علي رضي الله عنه: بسكون الراء وتقدم أيضا توجيهها. ~~والهاء في " ربه " فيها قولان: # أظهرهما: أنها تعود على " إبراهيم ". # والثاني: على " الذي " ، ومعنى حاجه: أظهر المغالبة في حجته. # فصل # أعلم أنه تعالى ذكر هاهنا قصصا ثلاثا. # الأولى: في بيان إثبات العالم بالصانع، والثانية والثالثة: في إثبات ~~الحشر والنشر والبعث. # فالأولى مناظرة إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - مع ملك زمانه، ~~وهي هذه. # قال مجاهد هو النمروذ بن كنعان بن سام بن نوح، هو أول من وضع ~~التاج على رأسه، وتجبر وادعى الربوبية؛ حاج إبراهيم أي: خاصمه ~~وجادله، واختلفوا في وقت هذه المحاجة. فقال مقاتل: لما كسر ~~الأصنام سجنه النمروذ، ثم أخرجه ليحرقه فقال [له]: من ربك الذي ~~تدعونا إليه؛ فقال: { ربي الذي يحيي ويميت }. # وقال آخرون: كان هذا بعد إلقائه في النار. # وقال قتادة: هو أول من تجبر، وهو صاحب الصرح ببابل. # وقيل هو نمروذ بن فالج بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام، وحكى ~~السهيلي أنه النمروذ بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح، وكان ملكا ~~على السواد، وكان ملكه الضحاك الذي يعرف بالأزدهاق وذلك أن ~~الناس قحطوا على عهد نمروذ، وكان الناس يمتارون من عنده الطعام، ~~وكان إذا أتاه الرجل في طلب الطعام سأل: من ربك فإن قال: ~~أنت؛ نال من الطعام فأتاه إبراهيم فيمن أتاه، فقال له نمروذ: من ~~ربك؛ فقال له إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت. فاشتغل ~~بالمحاجة، ولم يعطه شيئا، فرجع إبراهيم عليه الصلاة والسلام فمر على ~~كثيب من رمل أعفر، فأخذ منه تطييبا لقلوب أهله إذا دخل عليهم؛ ~~فلما أتى أهله، ووضع متاعه نام فقامت امرأته إلى متاعه، ففتحته فإذا ~~هو بأجود طعام رأته؛ فصنعت له منه فقربته إليه، فقال من أين هذا؟ قالت ~~من الطعام الذي جئت به، فعرف أن الله - تعالى - رزقه فحمد ~~الله ms1488 تعالى. # قوله: { أن آتاه الله } فيه وجهان: # أظهرهما: أنه مفعول من أجله على حذف العلة، أي: لأن آتاه، ~~فحينئذ في محل " أن " الوجهان المشهوران، أعني النصب، أو الجر، ~~ولا بد من تقدير حرف الجر قبل " أن "؛ لأن المفعول من ~~أجله هنا نقص شرطا، وهو عدم اتحاد الفاعل، وإنما حذفت اللام، ~~لأن حرف الجر يطرد حذفه معها، ومع أن، كما تقدم. # وفي كونه مفعولا من أجله وجهان: # أحدهما: أنه من باب العكس في الكلام بمعنى: أنه وضع المحاجة ~~موضع الشكر، إذ كان من حقه أن يشكر في مقابلة إتيان الملك، ~~ولكنه عمل على عكس القضية، كقوله تعالى: # وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون # [الواقعة:82]، وتقول: " عاداني فلان؛ لأني أحسنت إليه " وهو باب ~~بليغ. # والثاني: أن إيتاء الملك حمله على ذلك؛ لأنه أورثه ~~الكبر والبطر، فنشأ عنهما المحاجة. # الوجه الثاني: أن " أن " ، وما في حيزها واقعة موقع ظرف ~~الزمان، قال الزمخشري رحمه الله " ويجوز أن يكون التقدير: ~~حاج وقت أن آتاه الله ". وهذا الذي أجازه الزمخشري فيه نظر؛ ~~لأنه إن عنى أن ذلك على حذف مضاف ففيه بعد من جهة أن ~~المحاجة لم تقع وقت إيتاء الله له الملك، إلا أن يتجوز ~~في الوقت، فلا يحمل على الظاهر، وهو أن المحاجة وقعت ~~ابتداء إيتاء الملك، بل يحمل على أن المحاجة وقعت وقت وجود ~~الملك، وإن عنى أن " أن " وما حيزها واقعة موقع الظرف، فقد ~~نص النحويون على منع ذلك وقالوا: لا ينوب عن الظرف الزماني إلا ~~المصدر الصريح، نحو: " أتيتك صياح الديك " ولو قلت: " أن ~~يصيح الديك " لم يجز. كذا قاله أبو حيان قال شهاب الدين وفيه ~~نظر، لأنه قال: " لا ينوب عن الظرف إلا المصدر الصريح " ، وهذا ~~معارض بأنهم نصوا على أن " ما " المصدرية تنوب عن الزمان، ~~وليست بمصدر صريح. # والضمير في " آتاه " فيه وجهان: # أظهرهما: أن يعود على " الذي " ، وهو قول جمهور المفسرين وأجاز ~~المهدوي أن يعود على " إبراهيم " ، أي: ملك النبوة. قال ابن ~~عطية: " هذا تحامل من التأويل " ، وقال أبو حيان: ms1489 هذا قول ~~المعتزلة، قالوا: لأن الله تعالى قال: # لا ينال عهدي الظالمين # [البقرة:124] والملك عهد، ولقوله تبارك وتعالى: # فقد ؤاتينآ آل إبراهيم الكتاب والحكمة ~~وآتيناهم ملكا عظيما # [النساء:54]. وعود الضمير إلى أقرب مذكور واجب، وأقرب مذكور ~~إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - وأجيب عن الأول بأن الملك حصل ~~لآل إبراهيم، وليس فيها دلالة على حصوله لإبراهيم - عليه الصلاة ~~والسلام -. # وعن الثاني: بأن الذي حاج إبراهيم كان هو الملك، فعود الضمير إليه ~~أولى. # قوله: " إذ قال " فيه أربعة أوجه: # أظهرها: أنه معمول لحاج. # والثاني: أن يكون معمولا لآتاه، ذكره أبو البقاء. وفيه نظر من حيث ~~إن وقت إيتاء الملك ليس وقت قول إبراهيم، { ربي الذي ~~يحيي ويميت } ، إلا أن يتجوز في الظرف كما تقدم. # والثالث: أن يكون بدلا من { أن ءاتاه الله الملك } إذا ~~جعل بمعنى الوقت، أجازه الزمخشري بناء منه على أن " أن " ~~واقعة موقع الظرف، وقد تقدم ضعفه، وأيضا فإن الظرفين ~~مختلفان، كما تقدم إلا بالتجوز المذكور. # وقال أبو البقاء رحمه الله " وذكر بعضهم أنه بدل من " أن ~~آتاه الملك " وليس بشيء؛ لأن الظرف غير المصدر، فلو كان بدلا ~~لكان غلطا إلا أن تجعل " إذ " بمعنى " أن " المصدرية، وقد جاء ~~ذلك " انتهى. وهذا بناء منه على أن " أن " مفعول من أجله، وليست ~~واقعة موقع الظرف، أما إذا كانت " أن " واقعة موقع الظرف فلا ~~تكون بدل غلط، بل بدل كل من كل، كما هو قول الزمخشري وفيه ما ~~تقدم بجوابه، مع أنه يجوز أن تكون بدلا من " أن آتاه " ، و ~~" أن آتاه " مصدر مفعول من أجله بدل اشتمال؛ لأن وقت ~~القول لاتساعه مشتمل عليه وعلى غيره. # الرابع: أن العامل فيه " تر " منق وله: " ألم تر " ذكره ~~مكي رحمه الله تعالى، وهذا ليس بشيء؛ لأن الرؤية على كلا ~~المذكورين في نظيرها لم تكن في وقت قوله: { ربي الذي يحيي ~~ويميت }. # قوله: { الذي يحيي } مبتدأ في محل نصب بالقول. # فصل # الظاهر أن هذا جواب سؤال سابق غير مذكور؛ لأن الأنبياء بعثوا ~~للدعوة ومتى ادعى ms1490 الرسالة والدعوة، فلا بد وأن يطالبه المنكر ~~بإثبات أن للعالم إلها؛ ألا ترى لما قال موسى - عليه الصلاة ~~والسلام - # إنا رسول رب العالمين # [الشعراء:16] # قال فرعون وما رب العالمين # [الشعراء:23] فاحتج موسى على إثبات الإله بقوله # رب السموات والأرض # [الشعراء:24] فكذا هاهنا لما ادعى إبراهيم - عليه الصلاة والسلام ~~- الرسالة قال النمروذ من ربك؟ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت. # وقرأ حمزة: { ربي الذي يحيي ويميت } بإسكان الياء، وكذلك # حرم ربي الفواحش # [الأعراف:33] # سأصرف عن ءاياتي الذين يتكبرون في الأرض # [الأعراف:146]، و # قل لعبادي الذين # [إبراهيم:31]، و # ءاتاني الكتاب # [مريم:30] و # مسني الضر # [الأنبياء:83] و # مسني الشيطان # [ص:41] و # عبادي الصالحون # [الأنبياء:105]، و # عبادي الشكور # [سبأ:13] و # إن أرادني الله # [الزمر:38]، و # إن أهلكني الله # [تبارك:28] أسكن الياء فيهن حمزة؛ وافق ابن عامر والكسائي في " لعبادي ~~الذين ءامنوا " وابن عامر في " آياتي الذين " ، وفتحها الآخرون. # فصل # استدل إبراهيم عليه الصلاة والسلام على إثبات الإله بالإحياء ~~والإماتة، وهو دليل في غاية القوة لأنه لا سبيل إلى معرفة الله ~~تعالى إلا بواسطة أفعاله التي لا يشاركه فيها أحد من القادرين، ~~والإحياء والإماتة كذلك؛ لأن الخلق عاجزون عنهما والعلم بعد الاختيار ~~ضروري، وهذا الدليل ذكره الله تعالى في مواضع من كتابه كقوله: # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين # [المؤمنون:12] إلى آخرها وقوله: # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه ~~أسفل سافلين # [التين:4، 5] وقال: # الذي خلق الموت والحيوة # [الملك:2]. # فإن قيل: لم قدم هنا ذكر الحياة على الموت في قوله { ربي ~~الذي يحيي ويميت } ، وقدم الموت على الحياة في آيات ~~كقوله # وكنتم أمواتا فأحياكم # [البقرة:28] وقال # الذي خلق الموت والحيوة # [الملك:2]، وحكى عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام قوله في ~~ثنائه على الله تعالى # والذي يميتني ثم يحيين # [الشعراء:81]. # فالجواب: أن الدليل إذا كان المقصود منه الدعوة إلى الله ~~تعالى يجب أن يكون في غاية الوضوح، ولا شك أن عجائب الخلقة حال ~~الحياة أكثر، واطلاع الإنسان عليها أتم، فلا جرم قدم ذكر الحياة ~~هنا. ms1491 # " قال أنا أحيي " مبتدأ، وخبر منصوب المحل بالقول أيضا. ~~وأخبر عن " أنا " بالجملة الفعلية، وعن " ربي " بالموصول بها؛ ~~لأنه في الإخبار بالموصول يفيد الاختصاص بالمخبر عنه بخلاف ~~الثاني، فإنه لم يدع لنفسه الخسيسة الخصوصية بذلك. # و " أنا ": ضمير مرفوع منفصل، والاسم منه " أن " والألف ~~زائدة؛ لبيان الحركة في الوقف، ولذلك حذفت وصلا، ومن العرب من ~~يثبتها مطلقا، فقيل: أجري الوصل مجرى الوقف؛ قال القائل في ذلك: ~~[المتقارب] # 1189- وكيف أنا وانتحالي القوا # في بعد المشيب كفى ذاك عارا # وقال آخر: [الوافر] # 1190- أنا سيف العشيرة فاعرفوني # حميدا قد تذريت السناما # والصحيح أنه فيه لغتان، إحداهما: لغة تميم، وهي إثبات ألفه وصلا ~~ووقفا، وعليها تحمل قراءة نافع فإنه قرأ بثبوت الألف وصلا قبل ~~همزة مضمومة نحو: { أنا أحيي وأميت } ، أو مفتوحة نحو: # وأنا أول # [الأعراف:143]، واختلف عنه في المكسروة نحو: # إن أنا إلا نذير # [الشعراء:115]، وقرأ ابن عامر: # لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا # [الكهف:38] على ما سيأتي إن شاء الله تعالى وهذا أحسن من توجيه من ~~يقول " أجري الوصل مجرى الوقف ". واللغة الثانية: إثباتها ~~وقفا وحذفها وصلا، ولا يجوز إثباتها وصلا إلا ضرورة ~~كالبيتين المتقدمين. وقيل: بل " أنا " كله ضمير. # وفيه لغات: " أنا وأن " - كلفظ أن الناصبة - و " آن "؛ وكأنه ~~قدم الألف على النون، فصار " أان " ، قيل: إن المراد به الزمان، ~~وقالوا: أنه، وهي هاء السكت، لا بدل من الألف؛ قال: " هكذا ~~فردي أنه "؛ وقال آخر: [الرجز] # 1191- إن كنت أدري فعلي بدنه # من كثرة التخليط أني من أنه # وإنما أثبت نافع ألفه قبل الهمز جمعا بين اللغتين، أو لأن ~~النطق بالهمز عسر فاستراح له بالألف لأنها حرف مد. # فصل # قال أكثر المفسرين: لما احتج إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - ~~على إثبات الإله بالإحياء، والإماتة؛ دعا النمروذ برجلين، فقتل أحدهما، ~~واستبقى الآخر، وقال: أنا أيضا أحيي وأميت، فجعل ترك القتل ~~إحياء. # قال ابن الخطيب: وعندي أنه بعيد؛ لأن الظاهر من حال إبراهيم - ~~عليه الصلاة والسلام - أنه شرح حقيقة الإحياء وحقيقة الإماتة ومتى ms1492 ~~شرحه امتنع أن يشتبه على العاقل الإماتة والإحياء على ذلك الوجه ~~بالإماتة والإحياء بمعنى القتل وتركه ويبعد في الجمع العظيم أن يكونوا ~~في الحماقة بحيث لا يعرفون هذا القدر من الفرق، والمراد من الآية ~~والله أعلم - أن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - لما احتج ~~بالإحياء، والإماتة قال المنكر: أتدعي الإحياء والإماتة من الله ~~ابتداء من غير واسطة الأسباب الأرضية والسماوية، أو بواسطتها. # أما الأول: فلا سبيل إليه، وأما الثاني، فلا يدل على ~~المقصود، لأن الواحد منا يقدر على الإحياء والإماتة بواسطة سائر ~~الأسباب فإن الجماع قد يفضي إلى الولد الحي بواسطة الأسباب ~~الأرضية والسماوية، وتناول السم قد يفضي إلى الموت، فلما ذكر ~~النمروذ هذا السؤال على هذا الوجه؛ أجاب إبراهيم - عليه الصلاة ~~والسلام - فقال: [هب أن الإحياء، والإماتة] حصلا من الله تعالى ~~بواسطة الاتصالات الفلكية إلا أنه لا بد لتلك الاتصالات والحركات ~~الفلكية من فاعل مدبر، فإذا كان المدبر لتلك الحركات الفلكية هو ~~الله تعالى؛ كان الإحياء والإماتة الصادران من البشر بواسطة ~~الأسباب الفلكية والعنصرية ليست كذلك؛ لأنه لا قدرة للبشر على ~~الاتصالات الفلكية؛ فظهر الفرق. # إذا عرف هذا فقوله تعالى: { فإن الله يأتي بالشمس من ~~المشرق } ليس دليلا آخر، بل من تمام الدليل الأول؛ ومعناه: ~~أنه وإن كان الإحياء والإماتة [من الله] بواسطة حركات الأفلاك ~~إلا أن حركات الأفلاك من الله تعالى فكان الإحياء والإماتة أيضا من ~~الله تعالى، وأما البشر فإنه وإن صدر منه الإحياء والإماتة بواسطة ~~الاستعانة بالأسباب السماوية والأرضية إلا أن تلك الأسباب ليس ~~واقعة بقدرته؛ فثبت أن الإحياء والإماتة الصادرين عن البشر ليسا ~~على ذلك الوجه، فلا يصلح نقضا عليه، فهذا هو الذي اعتقده في كيفية ~~جريان هذه المناظرة، لا ما هو المشهور عند الكل والله أعلم بحقيقة ~~الحال. # قوله: " فإن الله " هذه الفاء جواب شرط مقدر تقديره: قال ~~إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - إن زعمت، أو موهت بذلك ~~فإن الله. ولو كانت الجملة محكية بالقول، لما دخلت هذه الفاء، ~~بل كان تركيب الكلام: قال إبراهيم: إن ms1493 الله يأتي، وقال أبو ~~البقاء رحمه الله: " دخلت الفاء؛ إيذانا بتعلق هذه الكلام بما ~~قبله، والمعنى: إذا ادعيت الإحياء والإماتة، ولم تفهم، فالحجة ~~أن الله تعالى يأتي، هذا هو " المعنى " والباء في " بالشمس " ~~للتعدية، تقول: أتت الشمس، وأتى الله بها، أي: أجاءها، و " ~~من المشرق " و " من المغرب " متعلقان بالفعلين قبلهما، ~~وأجاز أبو البقاء فيهما بعد أن منع ذلك أن يكونا حالين، وجعل التقدير: ~~مسخرة أو منقادة قال شهاب الدين رحمه الله : وليته استمر على ~~منعه ذلك. # فصل # للناس هاهنا طريقان: # أحدهما: طريقة أكثر المفسرين: وهو أن إبراهيم - عليه الصلاة ~~والسلام - لما رأى من النمروذ إلقاء تلك الشبهة، عدل إلى دليل ~~آخر أوضح من الأول، فقال: { فإن الله يأتي بالشمس من ~~المشرق، فأت بها من المغرب } فزعم هؤلاء أن الانتقال ~~من دليل إلى دليل أوضح منه جائز للمستدل. # فإن قيل: هلا قال النمروذ فليأت بها ربك من المغرب. # قلنا: الجواب من وجهين: # أحدهما: أن هذه المحاجة كانت بعد إلقاء إبراهيم - عليه الصلاة ~~والسلام - في النار وخروجه منها سالما، فعلم أن من قدر على حفظ ~~إبراهيم في تلك النار العظيمة من الاحتراق، يقدر على أن يأتي بالشمس من ~~المغرب. # والثاني: أن الله تعالى خذله وأنساه إيراد هذه الشبهة؛ نصرة لنبيه ~~- صلى الله عليه وسلم -. # والطريق الثاني: قاله المحققون: إن هذا ليس بانتقال من دليل إلى ~~دليل، بل الدليل واحد في الموضعين، وهو أنا نرى حدوث الأشياء لا يقدر ~~الخلق على إحداثها، فلا بد من قادر آخر يتولى إحداثها، وهو سبحانه ~~وتعالى، ثم إن قولنا: نرى حدوث أشياء لا يقدر الخلق على إحداثها، ~~أمثلة؛ منها: الإحياء والإماتة، ومنها: السحاب، والرعد، والبرق، ~~ومنها: حركات الأفلاك، والكواكب، والمستدل لا يجوز له أن ينتقل من دليل ~~إلى دليل، ولكن إذا ذكر لإيضاح كلام مثالا، فله أن ينتقل من ذلك ~~المثال إلى مثال آخر، فيكون ما فعله إبراهيم عليه السلام من باب ~~ما يكون الدليل فيه واحدا، إلا أنه يقع الانتقال عند إيضاحه من ~~مثال إلى ms1494 مثال آخر، وليس ما يقع [من باب الانتقال من دليل إلى دليل ~~آخر]. # قال ابن الخطيب: وهذا الوجه أحسن من الأول وأليق بكلام أهل التحقيق، ~~وعليه إشكالات من وجوه: # الإشكال الأول: أن صاحب الشبهة، إذا ذكرها وقعت في الأسماع، وجب على ~~المحق القادر على الجواب أن يجيب في الحال؛ إزالة لذلك التلبيس والجهل ~~عن العقول، فلما طعن الملك الكافر في الدليل الأول أو في المثال ~~الأول بتلك الشبهة، كان الاشتغال بإبطال تلك الشبهة واجبا مضيقا، ~~فكيف يليق بالمعصوم أن يترك ذلك الواجب. # الإشكال الثاني: أن المبطل لما أورد تلك الشبهة، فإذا ترك المحق ~~الجواب عنها، وانتقل إلى كلام آخر، أوهم أن كلامه الأول، كان ضعيفا ~~ساقطا، وأنه ما كان عالما بضعفه، وأن ذلك المبطل، علم وجه ضعفه، ونبه ~~عليه، وهذا ربما يوجب سقوط شأن المحق، وهو لا يجوز. # الإشكال الثالث: أنه وإن كان يحسن الانتقال من دليل إلى دليل آخر، ~~أو من مثال إلى مثال آخر، لكنه يجب أن يكون المنتقل إليه أوضح وأقرب، ~~وهاهنا ليس كذلك؛ لأن جنس الإحياء والإماتة لا قدرة للخلق عليهما، وأما ~~جنس تحريك الأجسام، فللخلق قدرة عليه ولا يبعد في العقل وجود ملك عظيم ~~في الجثة أعظم من السموات، وأنه هو الذي يحرك السموات، وعلى هذا ~~التقدير فالاستدلال بالإحياء والإماتة على وجود الصانع أقوى وأظهر من ~~الاستدلال بطلوع الشمس على وجود الصانع، فكيف يليق بالمعصوم أن ينتقل ~~من الدليل الأوضح الأظهر إلى الدليل الخفي. # الإشكال الرابع: أن دلالة الإحياء والإماتة على وجود الصانع أقوى ~~وأظهر من دلالة طلوع الشمس عليه؛ لأنا نرى في ذات الإنسان وصفاته ~~تبدلات واختلافات، والتبدل قوي الدلالة على الحاجة إلى المؤثر ~~القادر، وأما الشمس فلا نرى في ذاتها تبدلا، ولا في صفاتها، ولا في ~~منهج حركاتها ألبتة، فكانت دلالة الإحياء والإماتة على الصانع أقوى، ~~فكان العدول منه إلى طلوع الشمس انتقالا من الأجلى لأقوى للأضعف الأخفى، ~~وإنه لا يجوز. # الإشكال الخامس: أن النمرود، لما لم يستح من معارضة الإحياء والإماتة ~~الصادرين ms1495 عن الله تبارك وتعالى بالقتل والتخلية، فكيف يؤمن منه عند ~~استدلال إبراهيم بطلوع الشمس أن يقول: طلوع الشمس من المشرق مني، فإن ~~كان لك إله، فقل له يطلعها من المغرب؛ وعند ذلك التزم المحققون من ~~المفسرين ذلك، فقالوا: إنه لو أورد هذا السؤال، لكان من الواجب أن ~~تطلع الشمس من المغرب، ومن المعلوم: أن إفساد سؤاله في الإحياء ~~والإماتة أسهل بكثير من إلزامه بطلوع الشمس من المغرب، ولا يكون طلوع ~~الشمس من المشرق دليلا على وجود الصانع، وحينئذ يصير دليله ~~الثاني ضائعا؛ كما صار دليله الأول ضائعا، فالذي حمل سيدنا إبراهيم ~~- عليه الصلاة والسلام - على أن يترك الجواب عن ذلك السؤال الركيك، ~~والتزام الانقطاع، واعترف بالحاجة إلى الانتقال والتمسك بدليل لا ~~يمكنه تمشيته، إلا بالتزام طلوع الشمس من المغرب، وبتقدير أن يأتي ~~بإطلاع الشمس من المغرب، فإنه يضيع دليله الثاني أيضا كما ضاع ~~الأول، والتزام هذه المحذورات لا يليق بأقل الناس علما؛ فضلا عن ~~أفضل العقلاء، وأعلم العلماء؛ فظهر بهذا أن الذي أجمع جمهور المفسرين ~~عليه ضعيف. # قال ابن الخطيب: وأما الوجه الذي ذكرناه، فلا يتوجه عليه شيء من هذه ~~الإشكالات، لأنا نقول: لما احتج إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - ~~بالإحياء والإماتة، أورد الخصم عليه سؤالا لا يليق بالعقلاء، وهو أنك ~~إذا ادعيت الإحياء والإماتة لا بواسطة، فلا تجد إلى إثبات ذلك سبيلا، ~~وإن ادعيت حصولها بواسطة حركات الأفلاك، [فنظيره أو ما يقرب منه حاصل ~~للبشر؛ فأجاب إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - بأن الإحياء والإماتة، ~~وإن حصلا بواسطة حركات الأفلاك]، لكن تلك الحركات حصلت من الله تعالى، ~~وذلك لا يقدح في كون الإحياء والإماتة من الله تعالى؛ بخلاف الخلق، فإنهم ~~لا قدرة لهم على تحريك الأفلاك، فلا يكون الإحياء والإماتة صادرين منهم، ~~وعلى هذا تزول الإشكالات المذكورة، والله سبحانه وتعالى أعلم. # [قال القرطبي: وروي في الخبر أن الله تعالى قال: # " وعزتي وجلالي لا تقوم الساعة حتى آتي ~~بالشمس من المغرب ليعلم أني أنا القادر على ~~ذلك " # ]. # قوله: { فبهت الذي كفر } الجمهور: " بهت ms1496 " مبنيا ~~للمفعول، والموصول مرفوع به، والفاعل في الأصل هو إبراهيم، لأنه المناظر ~~له، ويحتمل أن يكون الفاعل في الأصل ضمير المصدر المفهوم من " قال " ، ~~أي: فبهته قول إبراهيم، وقرأ ابن السميفع: " فبهت " بفتح الباء ~~والهاء مبنيا للفاعل، وهذا يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون الفعل متعديا، وفاعله ضمير يعود على إبراهيم - عليه ~~الصلاة والسلام -، و " الذي " هو المفعول، أي: فبهت إبراهيم ~~الكافر، أي: غلبه في الحجة، أو يكون الفاعل الموصول، والمفعول محذوف، ~~وهو إبراهيم، أي: بهت الكافر إبراهيم، أي: لما انقطع عن الحجة بهته، ~~أي: سبه وقذفه حين انقطع، ولم تكن له حيلة. # والثاني: أن يكون لازما، والموصول فاعل، والمعنى معنى بهت، فتتحد ~~القراءتان، أو بمعنى أتى بالبهتان، وقرأ أبو حيوة: " فبهت " بفتح ~~الباء، وضم الهاء، كظرف، والفاعل الموصول، وحكى الأخفش: فبهت بكسر ~~الهاء، وهو قاصر أيضا، فيحصل فيه ثلاث لغات: بهت بفتحهما، بهت بضم ~~العين، بهت بكسرها. # قال عروة العدوي: [الطويل] # 1192- فما هو إلا أن أراها فجاءة # فأبهت حتى ما أكاد أجيب # فالمفتوح يكون لازما ومتعديا، قال تعالى: # فتبهتهم # [الأنبياء:40]. # والبهت: التحير، والدهش، وباهته وبهته واجهه بالكذب، ~~ومنه الحديث: # " إن اليهود قوم بهت " # ، وذلك أن الكذب يحير المكذوب عليه. # ومعنى الآية: أنه: بقي مغلوبا لا يجد مقالا، ولا للمسألة جوابا. # قوله: { والله لا يهدي القوم الظالمين }. وتأويله على ~~قول أهل السنة ظاهر، وأما المعتزلة، فقال القاضي: يحتمل وجوها: # منها: أنه لا يهديهم؛ لظلمهم وكفرهم للحجاج وللحق، كما يهدي المؤمن، ~~فإنه لا بد في الكافر من أن يعجز وينقطع. # ومنها: لا يهديهم بزيادة الهدى والألطاف. # ومنها: لا يهديهم إلى الثواب أو لا يهديهم إلى الجنة. # والجواب عن الأول: أن قوله: " لا يهديهم " إلى الحجاج إنما ~~يصح إذا كان الحجاج موجودا؛ إذ لا حجاج على الكفر. # وعن الثاني: أن تلك الزيادة، إذا كانت ممتنعة في حقهم عقلا، لم ~~يصح أن يقال: إنه تبارك وتعالى لا يهديهم كما لا يقال إنه تبارك وتعالى ~~لا يجمع بين الضدين، فلا يجمع بين الوجود والعدم. # وعن ms1497 الثالث: أنه لم يهدهم للثواب ولم يجز للجنة ذكر فيبعد صرف اللفظ ~~إليهما، بل اللائق بسياق الآية الكريمة أن يقال: إنه تعالى لما أخبر أن ~~الدليل، لما بلغ في الظهور والحجة إلى حيث صار المبطل كالمبهوت عن ~~سماعه، إلا أن الله تعالى لم يقدر له الاهتداء، لم ينفعه ذلك الدليل ~~الظاهر، ونظير هذا التفسير قوله تعالى: # ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة وكلمهم ~~الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ~~ليؤمنوا إلا أن يشآء الله # [الأنعام:111]. ### || [2.259] # هذه القصة الثانية والجمهور على سكون واو " أو " وهي هنا للتفضيل، ~~وقيل: للتخيير بين التعجب من شأنهما، وقرأ سفيان بن حسين " أو " ~~بفتحها، على أنها واو العطف، والهمزة قبلها للاستفهام. # وفي قوله: " كالذي " أربعة أوجه: # أحدها: أنه عطف على المعنى وهو قول عند الكسائي والفراء وأبي علي ~~الفارسي وأكثر النحويين، قالوا: ونظيره من القرآن قوله تعالى: # لمن الأرض ومن فيهآ إن كنتم تعلمون سيقولون ~~لله # [المؤمنون:84-85] ثم قال: # من رب السموات السبع ورب العرش العظيم ~~سيقولون لله # [المؤمنون:86-87]. فهذا عطف على المعنى؛ لأن معناه: لمن السموات؟! ~~فقيل لله؛ وقال الشاعر: [الوافر] # 1193- معاوي، إننا بشر فأسجح # فلسنا بالجبال ولا الحديدا # فحمل على المعنى، وترك اللفظ، وتقدير الآية: # هل رأيت كالذي حاج إبراهيم، أو كالذي مر على قرية، هكذا قال مكي، ~~أما العطف على المعنى، فهو وإن كان موجودا في لسانهم؛ كقوله: [الطويل] # 1194- تقي نقي لم يكثر غنيمة # بنهكة ذي قربى ولا بحقلد # وقول الأخر في هذين البيتين: [الوافر] # 1195- أجدك لن ترى بثعيلبات # ولا بيدان ناجية ذمولا # ولا متدارك والليل طفل # ببعض نواشغ الوادي حمولا # فإن معنى الأول: ليس بمكثر، ولذلك عطف عليه " ولا بحقلد " ، ~~ومعنى الثاني: أجدك لست براء، ولذلك عطف عليه " ولا متدارك ~~" ، إلا أنهم نصوا على عدم اقتياسه. # الثاني: أنه منصوب على إضمار فعل، وإليه نحا الزمخشري، وأبو البقاء، ~~قال الزمخشري: " أو كالذي: معناه أو رأيت مثل الذي " ، ~~فحذف لدلالة " ألم تر " عليه؛ لأن كلتيهما كلمتا تعجب، وهو ~~حسن؛ لأن الحذف ثابت ms1498 كثير، بخلاف العطف على المعنى. # الثالث: أن الكاف زائدة؛ كهي في قوله: # ليس كمثله شيء # [الشورى:11]، وقول الآخر: [السريع أو الرجز] # 1196- فصيروا مثل كعصف مأكول # والتقدير: ألم تر إلى الذي حاج، أو إلى الذي مر على قرية. وفيه ~~ضعف؛ لأن الأصل عدم الزيادة. # والرابع: أن الكاف اسم بمعنى مثل، لا حرف؛ وهو مذهب الأخفش. قال شهاب ~~الدين: وهو الصحيح من جهة الدليل، وإن كان جمهور البصريين على خلافه، ~~فالتقدير: ألم تر إلى الذي حاج، أو إلى مثل الذي مر، وهو معنى حسن. ~~وللقول باسمية الكاف دلائل مذكورة في كتب القوم، ذكرنا أحسنها في هذا ~~الكتاب. # منها: معادلتها في الفاعلية ب " مثل " في قوله: [الطويل] # 1197- وإنك لم يفخر عليك كفاخر # ضعيف ولم يغلبك مثل مغلب # ومنها دخول حروف الجر، والإسناد إليها. وتقدم [الكلام] في اشتقاق ~~القرية. # قوله: " وهي خاوية " هذه الجملة فيها خمسة أوجه: # أحدها: أن تكون حالا من فاعل " مر " والواو هنا رابطة بين الجملة ~~الحالية وصاحبها، والإتيان بها واجب؛ لخلو الجملة من ضمير يعود إليه. # الثاني: أنها حال من " قرية ": إما على جعل " على عروشها " ~~صفة لقرية على أحد الأوجه الآتية في هذا الجار، أو على رأي من يجيز ~~الإتيان بالحال من النكرة مطلقا؛ وهو ضعيف عند سيبويه. # الثالث: أنها حال من " عروشها " مقدمة عليه، تقديره: مر على ~~قرية على عروشها خاوية. # الرابع: أن تكون حالا من " ها " المضاف إليها " عروش " قال أبو ~~البقاء: " والعامل معنى الإضافة، وهو ضعيف مع جوازه " ~~انتهى. والذي سهل مجيء الحال من المضاف إليه، كونه بعض المضاف؛ لأن " ~~العروش " بعض القرية، فهو قريب من قوله تعالى: # ما في صدورهم من غل إخوانا # [الحجر:47]. # الخامس: أن تكون الجملة صفة لقرية، وهذا ليس بمرتضى عندهم؛ لأن الواو ~~لا تدخل بين الصفة والموصوف، وإن كان الزمخشري قد أجاز ذلك في قوله ~~تعالى: # ومآ أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم # [الحجر:4] [فجعل: " ولها كتاب " ] صفة، قال: " وتوسطت ~~الواو؛ إيذانا بإلصاق الصفة بالموصوف " وهذا مذهب سبقه إليه أبو ms1499 الفتح ~~ابن جني في بعض تصانيفه، وفي ما تقدم، وكأن الذي سهل ذلك تشبيه ~~الجملة الواقعة صفة، بالواقعة حالا، لأن الحال صفة في المعنى، ~~ورتب أبو البقاء جعل هذه الجملة صفة لقرية، على جواز جعل " على ~~عروشها " بدلا من " قرية " على إعادة حرف الجر، ورتب جعل " ~~وهي خاوية " حالا من العروش، أو من القرية، أو من " ها " المضاف ~~إليها، على جعل " على عروشها " صفة للقرية، وهذا نصه، قد ذكرته؛ ~~ليتضح لك، فإنه قال: وقد قيل: هو بدل من القرية تقديره: مر على قرية ~~على عروشها، أي: مر على عروش القرية، وأعاد حرف الجر مع البدل، ~~ويجوز أن يكون " على عروشها " على هذا القول صفة للقرية، لا ~~بدلا، تقديره: على قرية ساقطة على عروشها، فعلى هذا لا يجوز أن تكون " ~~وهي خاوية " حالا من العروش وأن تكون حالا من القرية؛ لأنها قد ~~وصفت، وأن تكون حالا من " ها " المضاف إليه، وفي هذا البناء نظر لا ~~يخفى. # قوله: " على عروشها " فيه أربعة أوجه: # أحدها: أن يكون بدلا من " قرية " بإعادة العامل. # الثاني: أن يكون صفة ل " قرية " كما تقدم فعلى الأول: يتعلق ~~ب " مر "؛ لأن العامل في البدل العامل في المبدل منه، وعلى الثاني: ~~يتعلق بمحذوف، أي: ساقطة على عروشها. # الثالث: أن يتعلق بنفس خاوية، إذا فسرنا " خاوية " بمعنى ~~متهدمة ساقطة. # الرابع: أن يتعلق بمحذوف يدل عليه المعنى، وذلك المحذوف قالوا: هو ~~لفظ " ثابتة "؛ لأنهم فسروا " خاوية " بمعنى: خالية من أهلها ~~ثابتة على عروشها، وبيوتها قائمة لم تتهدم، وهذا حذف من غير دليل، ~~ولا يتبادر إليه الذهن، وقيل: " على " بمعنى " مع " ، أي: مع عروشها، ~~قالوا: وعلى هذا فالمراد بالعروش الأبنية. # وقيل: " على " بمعنى " عن " أي: خاوية عن عروشها، جعل " على " ~~بمعنى " عن " كقوله: # إذا اكتالوا على الناس # [المطففين:2] أي: عنهم. # والخاوي: الخالي. يقال: خوت الدار تخوي خواء بالمد، وخويا، وخويت ~~أيضا بكسر العين تخوى خوى بالقصر، وخويا، والخوى: الجوع؛ ~~لخلو البطن من الزاد. والخوي على فعيل: البطن السهل من الأرض، ~~وخوى البعير: ms1500 جافى جنبه عن الأرض؛ قال القائل في ذلك: [الرجز] # 1198- خوى على مستويات خمس # كركرة وثفنات ملس # ومنه الحديث: # " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد خوى " # أي: خلا عن عضده، وجنبيه، وبطنه، وفخذيه، وخوى الفرس ما بين قوائمه، ~~ويقال للبيت إذا انهدم خوى؛ لأنه بتهدمه يخلو من أهله، وكذلك خوت النجوم ~~وأخوت إذا سقطت. # والعروش: جمع عرش، وهو سقف البيت، وكذلك كل ما هيىء ليستظل ~~به، وقيل: هو البنيان نفسه؛ قال القائل في ذلك: [الكامل] # 1199- إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم # بعتيبة بن الحارث بن شهاب # اختلفوا في الذي مر بالقرية فقال مجاهد، وأكثر المفسرين من المعتزلة: ~~كان رجلا كافرا شاكا في البعث. # وقال قتادة، وعكرمة، والضحاك، والسدي: هو عزير بن شرخيا. # وقال وهب بن منبه، ورواه عطاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما هو ~~إرمياء بن خلقيا، ثم اختلف هؤلاء فقال بعضهم: إن إرمياء هو الخضر ~~عليه السلام ، وهو من سبط هارون بن عمران عليه الصلاة والسلام ~~وهو قول محمد بن إسحاق. # وقال وهب بن منبه: إن إرمياء، هو النبي صلى الله عليه وسلم الذي ~~بعثه الله عندما خرب بخت نصر بيت المقدس، وأحرق التوراة. # واحتج من قال إنه كان كافرا بوجوه: # الأول: استبعاده الإحياء بعد الإماتة من الله وذلك كفر. # فإن قيل: يجوز وقوع ذلك منه قبل البلوغ. # قلنا: لو كان كذلك، لم يجز أن يعجب الله رسوله منه إذ الصبي لا ~~يتعجب من شكه في مثل ذلك، وضعفوا هذه الحجة؛ بأن ذلك الاستبعاد ما ~~كان بسبب الشك في قدرة الله تعالى، بل يحتمل أن يكون بسبب اطراد ~~العادات في أن مثل ذلك الموضع الخراب قلما يصيره الله معمورا، كما ~~أن الواحد إذا رأى جبلا، فيقول: متى يقلب الله هذا ذهبا، أو ياقوتا؟ ~~لا أن مراده الشك في قدرة الله، بل إن ذلك لا يقع في مطرد العادات، ~~فكذا هاهنا. # الحجة الثانية: قوله تعالى في حقه: { فلما تبين له } وهذا ~~يدل على أنه قبل ذلك لم يحصل له ms1501 التبين، وضعف ذلك بأن تبين الإحياء ~~على سبيل المشاهدة، ما كان حاصلا له قبل ذلك، وأما التبين على سبيل ~~الاستدلال فلا يسلم أنه لم يكن حاصلا له. # الحجة الثالثة: قوله: { أعلم أن الله على كل شيء ~~قدير } وهذا يدل على أن هذا العلم إنما حصل له في ذلك الوقت، وهذا ~~أيضا ضعيف؛ لأن تلك المشاهدة أفادت نوع توكيد، وطمأنينة، وذلك إنما حصل ~~في ذلك الوقت، وهذا لا يدل على أن أصل العلم ما كان موجودا قبل ذلك. # الحجة الرابعة: انتظامه مع النمروذ في سلك واحد، وهذا أيضا ~~ضعيف؛ لأنه وإن كان قبله قصة النمروذ، ولكن بعده قصة سؤال إبراهيم ~~عليه الصلاة والسلام فوجب أن يكون نبيا من جنس إبراهيم. # واحتج من قال إنه كان مؤمنا بوجوه: # منها قوله تعالى: { أنى يحيي هذه الله بعد موتها } ~~وهذا يدل على أنه كان عالما بعد موتها بالله تعالى وبأنه يصح ~~منه الإحياء في الجملة، لأن تخصيص هذا الشيء باستبعاد الإحياء، إنما ~~يصح إذا حصل الاعتراف بالقدرة على الإحياء في الجملة، فأما من يعتقد ~~أن القدرة على الإحياء ممتنعة لم يبق لهذا التخصيص فائدة. # ومنها مخاطبة الله تعالى له بقوله: " كم لبثت " وبقوله: { بل ~~لبثت مئة عام } ، وبقوله: { فانظر إلى طعامك ~~وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك } ، وبقوله: { ~~ولنجعلك آية للناس } ، وبقوله { وانظر إلى العظام ~~كيف ننشزها ثم نكسوها لحما } وهذه المخاطبات لا تليق ~~بالكافر، قال تعالى: # وجعلناها وابنهآ ءاية للعالمين # [الأنبياء:91]، فجعله آية للناسن دليل على مزيد التشريف. # ومنها ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن بختنصر غزا بني ~~إسرائيل فسبى منهم الكثير، ومنهم العزير وكان من علمائهم، فجاء بهم إلى " ~~بابل " فدخل عزير يوما تلك القرية ونزل تحت ظل شجرة، وهو على ~~حمار، فربط حماره، وطاف في القرية فلم ير فيها أحدا، فعجب من ذلك، وقال ~~{ أنى يحيي هذه الله بعد موتها } لا على سبيل ~~الشك في القدرة، بل على سبيل الاستبعاد بحسب العادة، وكانت الأشجار ~~مثمرة، فتناول من ms1502 الفاكهة التين والعنب، وشرب من عصير العنب، ونام فأماته ~~الله في منامه مائة عام وهو شاب ثم أعمى عنه عيون الإنس والسباع ~~والطير، ثم أحياه الله بعد المائة، ونودي من السماء يا عزير " كم ~~لبثت " بعد الموت، فقال: " يوما " وذلك أن الله أماته ضحى في أول ~~النهار، وأحياه بعد مائة عام آخر النهار قبل غيبوبة الشمس، فلما ~~أبصر من الشمس بقية قال: " أو بعض يوم " فقال الله تبارك ~~وتعالى: { بل لبثت مئة عام فانظر إلى طعامك } من ~~التين، والعنب " وشرابك " من العصير لم يتغير طعمه، فنظر فإذا ~~التين والعنب كما شاهدهما قال: " وانظر إلى حمارك " فنظر فإذا ~~هو عظام بيض تلوح وقد تفرقت أوصاله، وسمع صوتا: أيتها العظام ~~البالية، إني جاعل فيك روحا، فانضم أجزاء العظام بعضها إلى بعض، ثم ~~التصق كل عضو بما يليق به الضلع إلى الضلع، والذراع إلى مكانه، ثم ~~جاء الرأس إلى مكانه، ثم العصب والعروق، ثم أنبت طراء اللحم عليه ثم ~~انبسط الجلد عليه ثم خرجت الشعور من الجلد، ثم نفخ فيه الروح، فإذا هو ~~قائم ينهق، فخر عزير ساجدا، وقال: { أعلم أن الله على ~~كل شيء قدير } ثم إنه دخل بيت المقدس. # فقال القوم: حدثنا آباؤنا: أن عزير بن شرخيا مات ببابل، وقد كان ~~بختنصر قد قتل ببيت المقدس أربعين ألفا من قراء التوراة، وكان فيهم ~~عزير، والقوم ما عرفوا أنه يقرأ التوراة، فلما أتاهم بعد مائة عام ~~جدد لهم التوراة، وأملاها عليهم عن ظهر قلبه، فلم يخرم منها حرفا، ~~وكانت التوراة قد دفنت في موضع فأخرجت وعورض بما أملاها فما اختلفا في ~~حرف واحد، فعند ذلك قالوا: عزير ابن الله، وهذه الرواية مشهورة. # ويروى أنه أرميا عليه الصلاة والسلام فدل على أن المار ~~كان نبيا؛ واختلفوا في تلك القرية: # فقال وهب، وقتادة، وعكرمة، والربيع هي: إيلياء، وهي بيت المقدس، وقال ~~ابن زيد هي القرية التي خرج منها الألوف حذر الموت، وعن ابن زيد أيضا أن ~~القوم الذين خرجوا من ديارهم، وهم ألوف حذر ms1503 الموت فقال الله لهم: موتوا، ~~مر عليهم رجل، وهم عظام تلوح فوقف ينظر؛ فقال: { أنى يحيي ~~هذه الله بعد موتها فأماته الله مئة عام }. # قال ابن عطية: وهذا القول من ابن زيد مناقض لألفاظ الآية، إذا الآية ~~إنما تضمنت قرية خاوية، لا أنيس فيها، والإشارة ب " هذه " إنما هي ~~إلى القرية، وإحياؤها إنما هو بالعمارة، ووجود البناء والسكان. # قال القرطبي: روي في قصص هذه الآية: أن الله تعالى بعث لها ملكا من ~~الملوك، فعمرها وجد في ذلك، حتى كان كمال عمارتها عند بعث القائل. ~~وقيل: إنه لما مضى لمدته سبعون سنة، أرسل الله ملكا من ملوك فارس ~~عظيما يقال له " كوشك " فعمرها في ثلاثين سنة. # وقال الضحاك: هي الأرض المقدسة. # وقال الكلبي: هي دير سابر أباد وقال السدي مسلم أباد، وقيل: دير ~~هرقل. # وقوله: { أنى يحيي هذه الله } في " أنى " وجهان: # أحدهما: أن تكون بمعنى " متى ". # قال أبو البقاء رحمه الله: " فعلى هذا تكون ظرفا ". # والثاني: أنها بمعنى كيف. # قال أبو البقاء رحمه الله: فيكون موضعها حالا من " هذه " ، وتقدم ~~لما فيه من الاستفهام، والظاهر أنها بمعنى كيف، وعلى كلا القولين: ~~فالعامل فيها " يحيي " ، و " بعد " أيضا معمول له. والإحياء، ~~والإماتة: مجاز؛ إن أريد بهما العمران والخراب، أو حقيقة إن قدرنا ~~مضافا، أي: أنى يحيي أهل هذه القرية بعد موت أهلها، ويجوز أن تكون هذه ~~إشارة إلى عظام أهل القرية البالية، وجثثهم المتمزقة، دل على ذلك ~~السياق. # قوله: " مئة عام " قال أبو البقاء رحمه الله: " مائة عام ": ظرف ~~لأماته على المعنى؛ لأن المعنى ألبثه مئة عام، ولا يجوز أن يكون ظرفا ~~على ظاهر اللفظ، لأن الإماتة تقع في أدنى زمان، ويجوز أن يكون ظرفا ~~لفعل محذوف، تقديره: " فأماته الله فلبث مائة عام " ويدل على ذلك ~~قوله: " كم لبثت " ، ولا حاجة إلى هذين التأويلين، بل المعنى جعله ~~ميتا مائة عام. # و " مئة " عقد من العدد معروف، ولامها محذوفة، وهي ياء، يدل على ~~ذلك قولهم: " أمأيت الدراهم " ، أي: صيرتها مئة، فوزنها فعة ms1504 ~~ويجمع على " مئات " ، وشذ فيها مئون؛ قال القائل: [الطويل] # 1200- ثلاث مئين للملوك وفى بها # ردائي وجلت عن وجوه الأهاتم # كأنهم جروها بهذا الجمع لما حذف منها؛ كما قالوا: سنون: في سنة. # والعام: مدة من الزمان معلومة، وعينه واو؛ لقولهم في التصغير: عويم، ~~وفي التكسير: " أعوام ". # وقال النقاش: " هو في الأصل مصدر وسمي به الزمان؛ لأنه عومة من ~~الشمس في الفلك، والعوم: هو السبح؛ وقال تعالى: # وكل في فلك يسبحون # [يس:40] فعلى هذا يكون العوم والعام كالقول والقال ". # فإن قيل: ما الحكمة في أن أماته الله مائة عام، مع أن الاستدلال ~~بالإحياء بعد يوم، أو بعض يوم حاصل. # فالجواب: أن الإحياء بعد تراخي المدة أبعد في العقول من الإحياء بعد ~~قرب المدة، وبعد تراخي المدة يشاهد منه، ويشاهد هو من غيره، ما هو ~~عجب. # قوله: " ثم بعثه " ، أي: أحياه، ويوم القيامة يسمى يوم البعث؛ ~~لأنهم يبعثون من قبورهم، وأصله: من بعثت الناقة، إذا أقمتها من مكانها. # فإن قيل: ما الحكمة في قوله تبارك وتعالى " ثم بعثه " ولم ~~يقل: ثم أحياه؟ # فالجواب: أن قوله: " بعثه " يدل على أنه عاد كما كان أولا: ~~حيا، عاقلا، فاهما، مستعدا للنظر، والاستدلال، ولو قال: ثم أحياه، ~~لم تحصل هذه الفوائد. # قوله: " كم " منصوب على الظرف، ومميزها محذوف تقديره: كم يوما، ~~أو وقتا. والناصب له " لبثت " ، والجملة في محل نصب بالقول، ~~والظاهر أن " أو " في قوله: { يوما أو بعض يوم } بمعنى " ~~بل " للإضراب، وهو قول ثابت، وقيل: هي للشك. # فصل # قال ابن الخطيب: من الخوارق ما يمكن في حالة، ومن الناس من يقول في قصة ~~أهل الكهف، والعزير: إنه كذب على معنى وجود حقيقة الكذب فيه، ولكنه لا ~~مؤاخذة به، وإلا فالكذب: الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه، وذلك ~~لا يختلف بالعلم، والجهل؛ فعلى هذا يجوز أن يقال: إن الأنبياء لا ~~يعصمون عن السهو والنسيان، والقول الأول أصح. # قوله: " قال بل لبثت " عطفت " بل " هذه الجملة على جملة ~~محذوفة، تقديره: ما لبثت يوما أو بعض ms1505 يوم، بل لبثت مئة عام. وقرأ ~~نافع، وعاصم، وابن كثير: بإظهار الثاء في جميع القرآن الكريم، ~~والباقون: بالإدغام. # فصل فيمن قال: كم لبثت # أجمعوا على أن ذلك القائل هو الله تعالى؛ لأن ذلك الخطاب كان مقرونا ~~بالمعجز، ولأنه بعد الإحياء شاهد من أحوال حماره، وظهور البلى في عظامه، ~~ما عرف به أن تلك الخوارق لم تصدر إلا من الله تعالى. # وقيل: سمع هاتفا من السماء، يقول له ذلك. # وقيل: خاطبه جبريل، وقيل: نبي. # وقيل: مؤمن شاهده من قومه عند موته، وعمر إلى حين إحيائه. # قال القرطبي: والأظهر أن القائل هو الله عز وجل ، لقوله تعالى: { ~~وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما ~~}. # فإن قيل: إنه تعالى كان عالما بأنه كان ميتا، والميت لا يمكنه بعد ~~أن صار حيا أن يعلم مدة موته طويلة كانت أم قصيرة؛ فلأي حكمة ~~سأله عن مقدار المدة؟ # فالجواب: أن المقصود منه التنبيه على حدوث ما حدث من الخوارق، بقوله: ~~{ لبثت يوما أو بعض يوم } على حسب ظنه؛ كما روي في ~~القصة: أنه أماته ضحى، وأحياه بعد المائة قبل غروب الشمس؛ فظن أن ~~اليوم لم يكمل، كما حكي عن أصحاب الكهف: # قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم # [الكهف:19] على ما توهموه، ووقع في ظنهم. # وقول إخوة يوسف # يأبانا إن ابنك سرق وما شهدنآ إلا بما ~~علمنا # [يوسف:81] وإنما قالوا ذلك؛ بناء على إخراج الصواع من رحله. # قوله: " لم يتسنه " هذه الجملة في محل نصب على الحال، وزعم ~~بعضهم: أن المضارع المنفي ب " لم " إذا وقع حالا، فالمختار دخول ~~واو الحال؛ وأنشد: [الطويل] # 1201- بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم # ولم تكثر القتلى بها حين سلت # وزعم آخرون: أن الأولى نفي المضارع الواقع حالا بما، ولما. وهذان ~~الزعمان غير صحيحين؛ لأن الاستعمالين واردان في القرآن، قال تعالى: # فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم ~~سوء # [آل عمران:174]، وقال تعالى: # أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء # [الأنعام:93] فجاء النفي ب " لم " مع الواو ودونها. # فإن قيل: قد ms1506 تقدم شيئان، وهما " طعامك وشرابك " ولم يعد ~~الضمير إلا مفرفا، قلنا فيه ثلاثة أوجه: # أحدهما: أنها لما كانا متلازمين، بمعنى أن أحدهما لا يكتفى به بدون ~~الآخر، صارا بمنزلة شيء واحد؛ حتى كأنه [قال:] فانظر إلى غذائك. # الثاني: أن الضمير يعود إلى الشراب فقط؛ لأنه أقرب مذكور، وثم ~~جملة أخرى حذفت لدلالة هذه عليها. والتقدير: وانظر إلى طعامك لم يتسنه، ~~وإلى شرابك لم يتسنه، وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه " فانظر إلى ~~طعامك وهذا شرابك لم يتسنه " ، أو يكون سكت عن تغير الطعام؛ ~~تنبيها بالأدنى على الأعلى، وذلك أنه إذا لم يتغير الشراب مع نزعة ~~النفس إليه، فعدم تغير الطعام أولى، قال معناه أبو البقاء. # الثالث: أنه أفرد في موضع التثنية، قاله أيضا أبو البقاء؛ وأنشد: ~~[الكامل] # 1202- فكأن في العينين حب قرنفل # أو سنبل كحلت به فانهلت # وليس بشيء. # وقرأ حمزة، والكسائي: " لم يتسنه " بالهاء وقفا، وبحذفها ~~وصلا، والباقون: بإثباتها في الحالين. فأما قراءتهما، فالهاء فيها ~~للسكت. وأما قراءة الجماعة: فالهاء تحتمل وجهين: # أحدهما: أن تكون أيضا للسكت، وإنما أثبتت وصلا إجراء للوصل ~~مجرى الوقف، وهو في القرآن كثير، [سيمر بك منه مواضع] فعلى هذا يكون ~~أصل الكلمة: إما مشتقا من لفظ " السنة " على قولنا إن لامها ~~المحذوفة واو، ولذلك ترد في التصغير والجمع؛ قالوا: " سنية ~~وسنوات "؛ وعلى هذه اللغة قالوا: " سانيت " أبدلت الواو ~~ياء؛ لوقوعها رابعة، وقالوا: أسنت القوم إذا أصابتهم السنة؛ ~~قال الشاعر: [الكامل] # 1203 -.......................... # ورجال مكة مسنتون عجاف # ويقولون في جمعها: سنوات فقلبوا الواو تاء، والأصل: أسنووا، ~~فأبدلوها كما أبدلوها في تجاه وتخمة؛ كما تقدم، فأصله: ~~يتسنى فحذفت الألف جزما. # وإما من لفظ " مسنون " وهو المتغير، ومنه # حمإ مسنون # [الحجر:28]، والأصل: يتسنن، بثلاث نونات، فاستثقل توالي ~~الأمثال، فأبدلنا الأخيرة ياء؛ كما قالوا في تظنن: تظنى، وفي ~~قصصت أظفاري: قصيت، ثم أبدلنا الياء ألفا؛ لتحركها وانفتاح ما ~~قبلها، ثم حذفت جزما، قاله أبو عمرو، وخطأه الزجاج، قال: " لأن ~~المسنون: المصبوب على سنن الطريق ". # وحكي عن النقاش أنه قال: ms1507 " هو مأخوذ من أسن الماء " أي: ~~تغير، وهذا وإن كان صحيحا معنى، فقد رد عليه النحاة قوله؛ لأنه ~~فاسد اشتقاقا، إذ لو كان مشتقا من " أسن الماء " لكان ينبغي حين ~~منه تفعل، أن يقال تأسن. ويمكن أن يجاب عنه: أنه يمكن أن يكون ~~قد قلبت الكلمة بأن أخرت فاؤها وهي الهمزة إلى موضع لامها، ~~فبقي: يتسنأ، بالهمزة آخرا، ثم أبدلت الهمزة ألفا، كقولهم في ~~قرأ: " قرا " ، وفي استهزأ: " استهزا " ثم حذفت جزما. # والوجه الثاني: أن تكون الهاء أصلا بنفسها، ويكون مشتقا من لفظ " ~~سنة " أيضا، ولكن في لغة من يجعل لامها المحذوفة هاء، وهم ~~الحجازيون، والأصل: سنيهة، يدل على ذلك التصغير والتكسير، قالوا: ~~سنيهة، وسنيهات، وسانهت؛ قال شاعرهم: # 1204- وليست بسهناء ولا رجبية # ولكن عرايا في السنين الجوائح # ومعنى " لم يتسنه " على قولنا: إنه من لفظ السنة، أي: لم ~~يتغير بمر السنين عليه، بل بقي على حاله، وهذا أولى من قول ~~أبي البقاء في أثناء كلامه: " من قولك: أسنى يسني، إذا مضت ~~عليه سنون "؛ لأنه يصير المعنى: لم تمض عليه سنون، وهذا يخالفه ~~الحس، والواقع. # وقرأ أبي؛ " لم يسنه " بإدغام التاء في السين، ~~والأصل: " لم يتسنه ". # كما قرئ: # لا يسمعون إلى الملإ # [الصافات:8]، والأصل: يتسمعون؛ فأدغم، وقرأ طلحة بن مصرف: " ~~لمئة سنة ". # فإن قيل: لما قال تعالى: { بل لبثت مائة عام } كان من حقه أن يذكر ~~عقيبه ما يدل على ذلك وقوله: { فانظر إلى طعامك وشرابك ~~لم يتسنه } لا يدل على أنه لبث مائة عام، بل يدل ظاهرا على ~~قول المسؤول إنه لبث يوما أو بعض يوما. # فالجواب أنه ذكر ذلك ليعظم اشتياقه إلى طلب الدليل الذي يكشف هذه ~~الشبهة، فلما قال تعالى: { وانظر إلى حمارك } فرأى الحمار صار ~~رميما وعظاما نخرة، فعظم تعجبه من قدرة الله تعالى؛ فإن الطعام، ~~والشراب يسرع التغير إليهما، والحمار ربما بقي دهرا طويلا عظيما، ~~فرأى ما لا يبقى باقيا، وهو الطعام، والشراب، وما يبقى غير باق، ~~وهو العظام فعظم تعجبه من قدرة الله تعالى، وتمكنت ms1508 الحجة في قلبه، ~~وعقله. # قوله: { وانظر إلى حمارك } معناه أنه عرفه طول مدة ~~موته، بأن شاهد انقلاب العظام النخرة حيا في الحال، فإنه إذ شاهد ~~ذلك، علم أن القادر على ذلك قادر على أن يميته مائة عام، ثم ~~يحييه. # فإن قيل: إن القادر على إحياء العظام النخرة، قادر على أن يجعل ~~الحمار عظاما نخرة في الحال، وحينئذ لا يمكن الاستدلال بعظام الحمار ~~على طول مدة الموت. # فالجواب: أن انقلاب العظام إلى الحياة معجزة دالة على صدق قوله: ~~" بل لبثت مائة عام ". قال الضحاك: إنه تعالى بعثه شابا ~~أسود الرأس، وبنو بنيه شيوخ بيض اللحى، والرؤوس. # قوله: " ولنجعلك " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه متعلق بفعل محذوف مقدر بعده، تقديره: ولنجعلك فعلنا ~~ذلك. # الثاني: أنه معطوف على محذوف تقديره: فعلنا ذلك، لتعلم قدرتنا ~~ولنجعلك. # الثالث: أن الواو زائدة واللام متعلقة بالفعل قبلها، أي: وانظر إلى ~~حمارك، لنجعلك. # قال الفراء: وهذا المعنى غير مطلوب من الكلام؛ لأنه لو قال فانظر ~~إلى حمارك لنجعلك آية للناس، كان النظر إلى الحمار شرطا، وجعله آية ~~جزاء أما لما قال: " ولنجعلك آية " [كان المعنى: ولنجعلك ~~آية فعلنا ما فعلنا، من الإماتة، والإحياء. وليس في الكلام تقديم ~~وتأخير، كما زعم بعضهم؛ فقال: إن قوله: " ولنجعلك " مؤخر بعد ~~قوله تعالى: { وانظر إلى العظام } ، وأن الأنظار الثلاثة ~~منسوقة بعضها على بعض، فصل بينها بهذا الجار؛ لأن الثالث من ~~تمام الثاني، فلذلك لم تجعل هذه العلة فاصلة معترضة. وهذه اللام ~~لام كي، والفعل بعدها منصوب بإضمار " أن " وهي وما بعدها من الفعل ~~في محل جر على ما سبق بيانه غير مرة. و " آية " مفول ثان؛ لأن ~~الجعل هنا بمعنى: التصيير. و " للناس " صفة لآية، و " أل " في ~~الناس، قيل: للعهد، إن عنى بهم بقية قومه، وقيل: للجنس، إن ~~عنى بهم جميع بني آدم]. # قوله: { وانظر إلى العظام }. # أكثر المفسرين على أن المراد بالعظام حماره، وقال آخرون: أراد بها عظام ~~الرجل نفسه، قالوا: إن الله أحيا رأسه وعينيه، وكانت بقية بدنه، ~~عظاما ms1509 نخرة، فكان ينظر إلى أجزاء عظام نفسه فرآها تجتمع، وينضم ~~بعضها إلى بعض وكان يرى حماره واقفا كما ربطه حين كان حيا لم يأكل، ~~ولم يشرب مائة عام، وتقدير الكلام على هذا الوجه وانظر إلى عظامك؛ وهو ~~قول قتادة، والربيع، وابن زيد، وضعف ذلك بوجوه: # منها: أن قوله { لبثت يوما أو بعض يوم } إنما يليق ~~بمن لا يرى أثر التغير في نفسه، فيظن أنه كان نائما في بعض يوم، ~~وأما من شاهد بعض أجزاء بدنه متفرقة، وعظامه رميمة نخرة، فلا ~~يليق به ذلك. # ومنها أنه خاطبه، وأجاب، والمجيب، هو الذي أماته الله، فإذا كانت ~~الإماتة راجعة إلى كله، فالمجيب أيضا الذي بعثه الله، يجب أن ~~يكون جملة الشخص. # ومنها أن قوله تعالى { فأماته الله مئة عام ثم ~~بعثه } يدل على أن تلك الجملة أحياها، وبعثها. # قوله: " كيف " منصوب نصب الأحوال، والعامل فيها " ننشزها " ~~وصاحب الحال الضمير المنصوب في " ننشزها " ، ولا يعمل في هذا ~~الحال " انظر " إذ الاستفهام له صدر الكلام، فلا يعمل فيه ما قبله، ~~هذا هو القول في هذه المسألة، ونظائرها. # وقال أبو البقاء: " كيف ننشزها " في موضع الحال من " العظام " ~~، والعامل في " كيف " ننشزها، ولا يجوز أن يعمل فيها " انظر " ~~لأن هذه جملة استفهام، والاستفهام لا يقع حالا، وإنما الذي يقع ~~حالا " كيف " ، ولذلك تبدل منه الحال بإعادة حرف الاستفهام، ~~نحو: " كيف ضربت زيدا؛ أقائما أم قاعدا "؟ # والذي يقتضيه النظر الصحيح في هذه المسألة، وأمثالها: أن تكون ~~جملة " كيف ننشزها " بدلا من " العظام " فيكون في محل ~~جر أو محل نصب، وذلك أن " نظر " البصرية تتعدى ب " إلى " ، ~~ويجوز فيها التعليق، كقوله تعالى: # انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض # [الإسراء:21] فتكون الجملة في محل نصب؛ لأن ما يتعدى بحرف الجر ~~يكون ما بعده في محل نصب به. ولا بد من حذف مضاف؛ لتصح ~~البدلية، والتقدير: إلى حال العظام، ونظيره قولهم: عرفت زيدا: ~~أبو من هو؟ ف " أبو من " هو بدل من " زيدا " ، على حذف ~~تقديره: " عرفت قصة زيد ". والاستفهام ms1510 في باب التعليق، ~~لا يراد به معناه؛ بل جرى في لسانهم معلقا عليه، حكم اللفظ دون ~~المعنى، و [هو] نظير " أي " في الاختصاص، نحو: " اللهم اغفر لنا ~~أيتها العصابة " فاللفظ كالنداء في جميع أحكامه، وليس معناه ~~عليه. # وقرأ أبو عمرو، والحرميان: " ننشزها " بضم النون، وكسر الشين، ~~والراء المهملة، والباقون: كذلك؛ إلا أنها بالزاي المعجمة. ~~وابن عباس: بفتح النون، وضم الشين، والراء المهملة أيضا ~~والنخعي: كذلك؛ إلا أنها بالزاي المعجمة، ونقل عنه أيضا ضم ~~الياء، وفتحها مع الراء، والزاي. # فأما قراءة الحرميين: فمن " أنشر الله الموتى " بمعنى: ~~أحياهم، وأما قراءة ابن عباس: فمن " نشر " ثلاثيا، وفيه ~~حينئذ وجهان: # أحدهما: أن يكون بمعنى أفعل، فتتحد القراءتان. # والثاني: أن يكون من " نشر " ضد: طوى، أي: يبسطها ~~بالإحياء، ويكون " نشر " أيضا مطاوع أنشر، نحو: أنشر الله ~~الميت، فنشر، فيكون المتعدي، واللازم بلفظ واحد؛ إلا أن ~~كونه مطاوعا لا يتصور في هذه الآية الكريمة؛ لتعدي الفعل فيها، ~~وإن كان في عبارة أبي البقاء رحمه الله في هذا الموضع بعض إبهام؛ ~~ومن مجيء " نشر " لازما قوله: [السريع] # 1205- حتى يقول الناس مما رأوا # يا عجبا للميت الناشر # فناشر: من نشر؛ بمعنى: حيي. والمراد بقوله ننشرها، أي: ~~نحييها، يقال أنشر الله الميت ونشره، قال تعالى: # ثم إذا شآء أنشره # [عبس:22] وقد وصف الله العظام بالإحياء في قوله: # من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي ~~أنشأهآ # [يس:78، 79]. # وأما قراءة الزاي فمن " النشز " وهو الارتفاع، ومنه: " ~~نشز الأرض " وهو المرتفع، ونشوز المرأة، وهو ارتفاعها عن حالها ~~إلى حالة أخرى، فالمعنى: يحرك العظام، ويرفع بعضها إلى بعض ~~للإحياء. # قال ابن عطية: " ويقلق عندي أن يكون النشوز رفع العظام ~~بعضها إلى بعض، وإنما النشوز الارتفاع قليلا قليلا " ، قال: " وانظر ~~استعمال العرب، تجده كذلك؛ ومنه: " نشز ناب البعير " و " ~~أنشزوا، فأنشزوا " ، فالمعنى هنا على التدرج في الفعل " فجعل ~~ابن عطية النشوز ارتفاعا خاصا. # ومن ضم النون جعله من " أنشز " ، ومن فتحها، فمن " ~~نشز " ، يقال: " نشزه " و " أنشزه " بمعنى. ومن قرأ بالياء، ~~فالضمير ms1511 لله تعالى. وقرأ أبي " ننشئها " من النشأة. ورجح ~~بعضهم قراءة الزاي على الراء، بأن قال: العظام لا تحيا على ~~الانفراد؛ بل بانضمام بعضها إلى بعض، والزاي أولى بهذا المعنى؛ إذ ~~هو بمعنى الانضمام دون الإحياء، فالموصوف بالإحياء الرجل دون ~~العظام، ولا يقال: هذا عظم حي. وهذا ليس بشيء؛ لقوله: # من يحيي العظام وهي رميم # [يس:78]. # ولا بد من ضمير محذوف من قوله: " العظام " أي؛ العظام منه، أي: ~~من الحمار، أو تكون " أل " قائمة مقام الإضافة، أي: عظام حمارك. # قوله: " لحما " مفعول ثان ل " نكسوها " وهو من باب أعطى، ~~وهذا من الاستعارة، ومثله قول لبيد: [البسيط] # 1206- الحمد لله إذ لم يأتيني أجلي # حتى اكتسيت من الإسلام سربالا # قوله: " فلما تبين " في فاعل " تبين " قولان: # أحدهما: مضمر يفسره سياق الكلام، تقديره: فلما تبين له ~~كيفية الإحياء التي استقر بها، وقدره الزمخشري: " فلما تبين ~~له ما أشكل عليه " يعني من أمر إحياء الموتى، والأول ~~أولى؛ لأن قوة الكلام تدل عليه بخلاف الثاني. # والثاني: وبه بدأ الزمخشري : أن تكون المسألة من باب الإعمال، ~~يعني أن " تبين " يطلب فاعلا، و " أعلم " يطلب مفعولا، و " ~~أن الله على كل شيء قدير " يصلح أن يكون فاعلا لتبين، ~~ومفعولا لأعلم، فصارت المسألة من التنازع، وهذا نصه، قال: ~~وفاعل " تبين " مضمر تقديره: فلما تبين له أن الله على كل ~~شيء قدير قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير، فحذف الأول؛ ~~لدلالة الثاني عليه، كما في قولهم: " ضربني، وضربت زيدا " ~~فجعله من باب التنازع وجعله من إعمال الثاني، وهو المختار عند ~~البصريين، فلما أعمل الثاني، أضمر في الأول فاعلا، ولا يجوز ~~أن يكون من إعمال الأول؛ لأنه كان يلزم الإضمار في الثاني ~~بضمير المفعول، فكأنه قال: فلما تبين له، قال أعلمه أن الله. ومثله ~~في إعمال الثاني: # ءاتوني أفرغ عليه قطرا # [الكهف:96] # هآؤم اقرؤا كتابيه # [الحاقة:19] لما ذكرت. # إلا أن أبا حيان رد عليه بأن شرط الإعمال على ما نص ~~عليه النحويون اشتراك العاملين، وأدنى ذلك بحرف العطف حتى ms1512 لا ~~يكون الفصل معتبرا أو يكون العامل الثاني معمولا للأول، نحو: " ~~جاءني يضحك زيد " فإن " يضحك " حال عاملها " جاءني " فيجعل ~~في: " جاءني " ، أو في: " يضحك " ضميرا؛ حتى لا يكون الفعل فاصلا، ~~ولا يرد على هذا جعلهم " آتوني أفرغ عليه قطرا " # يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة # [النساء:176] # وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله # [المنافقون:5] و # هآؤم اقرؤا كتابيه # [الحاقة:19] من باب الإعمال؛ لأن هذه العوامل مشتركة بوجه ما من ~~وجوه الاشتراك، ولم يحصر الاشتراك في العطف ولا العمل، فإذا ~~كان على ما نصوا، فليس العامل الثاني مشتركا مع الأول بحرف ~~العطف، ولا بغيره، ولا هو معمول للأول؛ بل هو معمول لقال، و " قال " ~~جواب " لما " إن قلنا: إنها حرف، وعاملة في " لما " إن ~~قلنا: إنها ظرف، و " تبين " على هذا القول مخفوض بالظرف، ولم يذكر ~~النحاة التنازع في نحو: " لو جاء قتلت زيدا " ، ولا " لما ~~جاء ضربت زيدا " ، ولا " حين جاء قتلت زيدا " ، ولا " إذا جاء ~~قتلت زيدا " ، ولذلك حكى النحاة أن العرب لا تقول: " أكرمت ~~أهنت زيدا " يعني لعدم الاشتراك بين العاملين وقد ناقض قوله؛ ~~حيث جعل الفاعل محذوفا، كما تقدم في عبارته، والحذف ينافي ~~الإضمار، فإن كان أراد بالإضمار في قوله: " وفاعل تبين مضمر ~~" الحذف فهو قول الكسائي؛ لأنه لا يجيز إضمار المرفوع قبل الذكر ~~فيدعي فيه الحذف، وينشد: [الطويل] # 1207- تعفق بالأرطى لها وأرادها # رجال فبذت نبلهم وكليب # ولهذا تأويل مذكور؛ ورد عليه بالسماع قال القائل: [البسيط] # 1208- هوينني وهويت الخرد العربا # أزمان كنت منوطا بي هوى وصبا # فقال: " هوينني " فجاء في الأول بضمير الإناث، من غير حذف. ~~انتهى ما رد به عليه، قال شهاب الدين رحمه الله وفيه نظر لا ~~يخفى. # وقرأ ابن عباس: " تبين " مبنيا للمفعول، والقائم مقام ~~الفاعل، الجار والمجرور بعده. وابن السميفع " يبين " من ~~غير تاء مبنيا للمفعول، والقائم مقامه ضمير كيفية الإحياء أو ~~الجار والمجرور. # قوله: " قال أعلم " الجمهور على: " قال " مبنيا للفاعل. وفي ~~فاعله على قراءة حمزة والكسائي: " اعلم " أمرا من ms1513 " علم " قولان: # أظهرهما: أنه ضمير يعود على الله تعالى أو على الملك، أي: قال ~~الله تعالى أو الملك لذلك المار اعلم. # الثاني: أنه ضمير يعود على المار نفسه، نزل نفسه منزلة الأجنبي، ~~فخاطبها؛ ومنه: [البسيط] # 1209- ودع أمامة إن الركب مرتحل # ........................ # وقوله: [المتقارب] # 1210- تطاول ليلك.................. # ......................... # يعني نفسه، قال أبو البقاء رحمه الله: " كما تقول لنفسك: اعلم يا عبد ~~الله، ويسمى هذا التجريد " يعني: كأنه جرد من نفسه مخاطبا ~~يخاطبه. # وأما على قراءة " أعلم " مضارعا [للمتكلم] وهي قراة الجمهور ~~ففاعل " قال " ضمير المار، أي: قال المار: أعلم أنا. وقرأ ~~الأعمش: " قيل " مبنيا للمفعول. والقائم مقام الفاعل: إما ضمير ~~المصدر من الفعل، وإما الجملة التي بعده، على حسب ما تقدم أول ~~السورة. # [وقرأ حمزة، والكسائي: " اعلم " على الأمر، والباقون: " أعلم " ~~مضارعا] وقرأ الجعفي عن أبي بكر: " أعلم " أمرا من " أعلم " ~~، والكلام فيها كالكلام في قراءة حمزة والكسائي بالنسبة إلى فاعل " ~~قال " ما هو؟ # فصل في معنى قوله: " فلما تبين له " # قال الطبري: معنى قوله: " فلما تبين له " أي: لما اتضح له ~~عيانا ما كان مستنكرا في قدرة الله عنده قبل عيانه، قال: أعلم. قال ~~ابن عطية: وهذا خطأ؛ لأنه ألزم ما لا يقتضيه اللفظ، وفسر على القول ~~الشاذ، وهذا عندي ليس بإقرار بما كان قبل ينكره، كما زعم الطبري، ~~بل هو قول بعثه الاعتبار؛ كما يقول المؤمن إذا رأى شيئا غريبا من ~~قدرة الله تعالى: لا إله إلا الله، ونحو هذا. وقال أبو علي: ~~معناه أعلم هذا الضرب من العلم الذي لم أكن أعلمه. # و " أن الله " في محل نصب، سادة مسد المفعولين، أو الأول ~~والثاني محذوف على ما تقدم من الخلاف. ### || [2.260] # هذه القصة الثالثة الدالة على صحة البعث. # في العامل في " إذ " ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنه قال: " أولم تؤمن " ، أي: قال له ربه وقت قوله ~~ذلك. # والثاني: أنه " ألم تر " أي: ألم تر إذ قال إبراهيم. # والثالث: أنه مضمر تقديره: واذكر قاله الزجاح ف " إذ " على هذين ~~القولين مفعول به، لا ms1514 ظرف. و " رب " منادى مضاف لياء المتكلم، ~~حذفت؛ استغناء عنها بالكسرة قبلها، وهي اللغة الفصيحة، وحذف ~~حرف النداء. # وقوله: " أرني " تقدم ما فيه من القراءات، والتوجيه في قوله: # وأرنا # [البقرة:128] والرؤية هنا بصرية تتعدى لواحد، ولما دخلت ~~همزة النقل، أكسبته مفعولا ثانيا، والأول ياء المتكلم، والثاني ~~الجملة الاستفهامية، وهي معلقة للرؤية و " رأى " البصرية تعلق، كما ~~تعلق " نظر " البصرية، ومن كلامهم: " أما ترى أي برق ههنا ~~". # و " كيف " في محل نصب: إما على التشبيه بالظرف، وإما على ~~التشبيه بالحال، كما تقدم في قوله: # كيف تكفرون # [البقرة:28]. والعامل فيها " تحيي " وقدره مكي: بأي حال تحيي ~~الموتى، وهو تفسير معنى، لا إعراب. # قال القرطبي: الاستفهام بكيف، إنما هو سؤال عن حالة شيء موجود ~~متقرر الوجوه عند السائل، والمسؤول؛ نحو قولك: كيف علم زيد؟ وكيف نسج ~~الثوب؟ ونحو هذا: ومتى قلت: كيف ثوبك؟ وكيف زيد؟ فإنما للسؤال عن ~~حال من أحواله، وقد تكون " كيف " خبرا عن شيء شأنه أن يستفهم ~~عنه بكيف، نحو قولك: كيف شئت فكن، ونحو قول البخاري: " كيف كان ~~بدء الوحي " ، و " كيف " في هذه الآية إنما هي استفهام عن ~~هيئة الإحياء، والإحياء متقرر، ولكن لما وجدنا بعض المنكرين لوجود ~~شيء، قد يعبرون عن إنكاره بالاستفهام عن حالة ذلك الشيء، يعلم أنها لا ~~تصح؛ فيلزم من ذلك أن الشيء في نفسه لا يصح؛ مثاله أن يقول ~~مدع أنا أرفع هذا الجبل، فيقول المكذب له: أرني كيف ترفعه فهذه ~~طريقة مجاز في العبارة، ومعناها تسليم جدلي، كأنه يقول: افرض أنك ~~ترفعه، فأرني كيف ترفعه فلما كان في عبارة الخليل عليه الصلاة ~~والسلام هذا الاشتراك المجازي، خلص الله له ذلك، وحمله على أن ~~بين له الحقيقة، فقال له: " أو لم تؤمن؟ قال: بلى " فكمل ~~الأمر، وتخلص من كل شك. # فإن قيل: ما الحكمة في أنه تعالى لم يسم عزيرا، بل قال: # أو كالذي مر على قرية # [البقرة:259]، وهاهنا سمى إبراهيم، مع أن المقصود في كلتا ~~القصتين شيء واحد؟! # فالجواب: قال ابن الخطيب ms1515 رحمه الله : والسبب فيه: أن عزيرا لم ~~يحفظ الأدب، بل قال # أنى يحيي هذه الله بعد موتها # [البقرة:259] ولذلك جعل الإحياء، والإماتة في نفسه، وإبراهيم عليه ~~وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام حفظ الأدب، وراعاه؛ فقال ~~أولا " رب " ثم دعا فقال: { أرني كيف تحيي ~~الموتى } ولذلك جعل الإحياء، والإماتة في الطيور. # قوله: { قال أولم تؤمن } في هذه الواو وجهان: # أظهرهما: أنها للعطف قدمت عليها همزة الاستفهام، لأنها لها صدر ~~الكلام والهمزة هنا للتقرير؛ لأن الاستفهام إذا دخل على النفي، ~~قرره؛ كقول القائل: [الوافر] # 1211- ألستم خير من ركب المطايا # وأندى العالمين بطون راح # و # ألم نشرح لك صدرك # [الشرح:1]، المعنى: أنتم خير، وقد شرحنا. # والثاني: أنها واو الحال، دخلت عليها ألف التقرير، قال ابن عطية؛ ~~وفيه نظر من حيث إنها إذا كانت للحال، كانت الجملة بعدها في محل ~~نصب، وإذا كانت كذلك، استدعت ناصبا، وليس ثم ناصب في اللفظ، فلا ~~بد من تقديره؛ والتقدير " أسألت ولم تؤمن " ، فالهمزة في ~~الحقيقة، إنما دخلت على العامل في الحال. وهذا ليس بظاهر، بل ~~الظاهر الأول، ولذلك أجيبت ببلى، وعلى ما قال ابن عطية يعسر ~~هذا المعنى. # وقوله: " بلى " جواب للجملة المنفية، وإن صار معناه الإثبات ~~اعتبارا باللفظ لا بالمعنى، وهذا من قسم ما اعتبر فيه جانب اللفظ دون ~~المعنى، نحو: # سوآء عليهم أأنذرتهم # [البقرة:6] وقد تقدم تحقيقه والله أعلم. # قوله: " ليطمئن " اللام لام كي، فالفعل منصوب بعدها، ~~بإضمار " أن " ، وهو مبني لاتصاله بنون التوكيد واللام متعلقة ~~بمحذوف بعد " لكن " تقديره: ولكن سألتك كيفية الإحياء للاطمئنان، ~~ولا بد من تقدير حذف آخر، قبل " لكن "؛ حتى يصح معه الاستدراك، ~~والتقدير: بلى آمنت، وما سألت غير مؤمن، ولكن سألت ليطمئن ~~قلبي ليحصل الفرق بين المعلوم بالبرهان وبين المعلوم عيانا. # قال السدي، وابن جبير: " أولم تؤمن " بأنك خليلي { ~~قال بلى ولكن ليطمئن قلبي } بالخلة. # والطمأنينة: السكون، وهي مصدر " اطمأن " بوزن: اقشعر، وهي ~~على غير قياس المصادر، إذ قياس " اطمأن " أن يكون مصدره على ~~الاطمئنان. واختلف في " اطمأن " هل هو ms1516 مقلوب؛ أم لا؟ فمذهب سيبويه ~~ رحمه الله أنه مقلوب من " طأمن " ، فالفاء طاء، والعين ~~همزة، واللام ميم، فقدمت اللام على العين فوزنه: افلعل ~~بدليل قولهم: طامنته، فتطامن. ومذهب الجرمي: أنه غير مقلوب، ~~وكأنه يقول: إن اطمأن وطأمن مادتان مستقلتان، وهو ~~ظاهر كلام أبي البقاء فإنه قال: والهمزة في " ليطمئن " أصل، ~~ووزنه يفعلل، ولذلك جاء # فإذا اطمأننتم # [النساء:103] مثل: " اقشعررتم ". انتهى. فوزنه على الأصل دون ~~القلب، وهذا غير بعيد؛ ألا ترى أنهم في " جبذ، وجذب، قالوا: ~~ليس أحدهما مقلوبا من الآخر لاستواء المادتين في الاستعمال. # ولترجيح كل من المذهبين موضع غير هذا. # فصل في الداعي على السؤال # ذكروا في سبب سؤال إبراهيم عليه الصلاة والسلام وجوها: # أحدها: قال الحسن، والضحاك، وقتادة، وعطاء، وابن جريج: أنه رأى ~~جيفة مطروحة على شط البحر، قال ابن جريج: جيفة حمار، بساحل البحر ~~وقال عطاء: بحيرة طبرية؛ فإذا مد البحر أكل منها دواب البحر، ~~وإذا جزر البحر، جاءت السباع وأكلت، وإذا ذهب السباع، جاءت الطيور، ~~فأكلت وطارت، فقال إبراهيم: رب أرني كيف تجمع أجزاء الحيوان من ~~بطون السباع، والطيور، ودواب البحر؟ فقيل: أو لم تؤمن؟ قال: ~~بلى، ولكن المطلوب من السؤال أن يصير العلم الاستدلالي ضروريا. # الثاني: قال محمد بن إسحاق، والقاضي إن سببه أن إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام في مناظرته مع النمروذ، لما قال: # ربي الذي يحيي ويميت # [البقرة:258] قال الملعون # أنا أحيي وأميت # [البقرة:258] فأطلق محبوسا، وقتل رجلا، فقال إبراهيم ليس هذا بإحياء ~~وإماتة، وإنما الإحياء، أن [الله] يقصد إلى جسد ميت فيحييه. فقال ~~له نمروذ: أنت عانيته؟ فلم يقدر أن يقول: نعم، فقال له نمروذ: قل ~~لربك حتى يحيي، وإلا قتلتك، فسأل الله تعالى ذلك. # وقوله: " ليطمئن قلبي " يعني: بنجاتي من القتل، أو ليطمئن ~~قلبي بقوة حجتي، وإذا قيل لي: أنت عانيته؟ فأقول: نعم، وأن عدولي ~~منها إلى غيرها، ما كان بسبب ضعف تلك الحجة، بل بسبب جهل [المستمع]. # الثالث: قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والسدي: إن الله تعالى أوحى ~~إليه إني ms1517 متخذ بشرا خليلا، فاستعظم إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام ذلك، وقال: إلهي، ما علامة ذلك؟ فقال تعالى: علامته: أن ~~يحيي الميت بدعائه فلما عظم مقام إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام في مقام العبودية وأداء الرسالة خطر بباله إني لعلي ~~أكون ذلك الخليل فسأل إحياء الميت، فقال الله: أو لم تؤمن؟ قال: ~~بلى ولكن ليطمئن قلبي بأني خليل لك. # الرابع: أنه عليه السلام إنما سأل ذلك لقومه؛ لأن أتباع ~~الأنبياء كانوا يطالبونهم بأشياء: تارة باطلة وتارة حقة، كقولهم ~~لموسى # اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة # [الأعراف:138] فسأل إبراهيم عليه الصلاة والسلام ذلك. والمقصود ~~أن يشاهده قومه فيزول الإنكار عنهم. # الخامس: قال ابن الخطيب رحمه الله : إن الأمة لا يحتاجون إلى ~~العلم بأن الرسول عليه الصلاة والسلام صادق في ادعاء ~~الرسالة إلى معجزة تظهر عليه، فكذلك الرسول، عن وصول الملك إليه، ~~وإخباره بأن الله بعثه رسولا يحتاج إلى معجزة تظهر على يد ذلك ~~الملك؛ ليعلم الرسول أن ذلك الواصل ملك لا شيطان، فلا يبعد أن ~~يقال: إنه لما جاء الملك إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام ~~وأخبره بأن الله بعثك رسولا إلى الخلق طلب المعجزة، فقال { رب ~~أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال ~~بلى ولكن ليطمئن قلبي } على أن الآتي ملك كريم لا ~~شيطان رجيم. # [قال ابن الخطيب: وعلى قول المتكلمين طلب العلم الضروري، لأن ~~الاستدلالي مما يتطرق إليه الشكوك، والشبهات، ولعله طالع في ~~الصحف المتقدمة أن عيسى يحيي الموتى بدعائه، ومعنى " ~~ليطمئن قلبي " على أني لست أقل منزلة من عيسى، أو ~~أنه سارع في الطاعة بذبح ولده، كأنه قال أمرتني أن أجعل ذا روح بلا ~~روح، ففعلت، فأنا أسألك أن تجعل غير ذي روح روحانيا؛ ليطمئن قلبي ~~بإجابتك، أو أن المعنى أرني كيف يكون الحشر يوم القيامة؟ أي: ~~ليطمئن قلبي بهذا التشريف أو يكون قصة سماع الكلام، لا نفس ~~الإحياء]. # قال ابن الخطيب: وهاهنا سؤال صعب، وهو أن الإنسان حال حصول العلم له ~~إما يكون مجوزا لنقيضه أو لا. # فإن جوز نقيضه ms1518 بوجه من الوجوه، فذلك ظن قوي لا اعتقاد جازم، وإن ~~لم يجوز نقيضه بوجه من الوجوه، امتنع وقوع التفاوت في المعلوم. # وهذا الإشكال إنما يتوجه إذا قلنا: المطلوب هو حصول الطمأنينة في ~~اعتقاد قدرة الله تعالى على الإحياء، أما إذا قلنا: المقصود شيء آخر، ~~فالسؤال زائل. # روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " نحن أولى بالشك من إبراهيم، إذ قال: رب ~~أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ~~ولكن ليطمئن قلبي ورحم الله لوطا، لقد كان يأوي ~~إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن طول ما لبث ~~يوسف لأجبت الداعي " وأخرج مسلم بن الحجاج هذا الحديث عن ~~حرملة بن يحيى عن ابن وهب مثله. وقال: نحن أحق بالشك من ~~إبراهيم إذ قال رب أرني كيف تحيي الموتى ". # حكى محمد بن إسحاق بن خزيمة عن أبي إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى المزني ~~أنه قال على هذا الحديث: لم يشك النبي صلى الله عليه وسلم ولا ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام أن الله قادر على أن يحيي ~~الموتى، وإنما شكا أنه: هل يجيبهما إلى ما سألاه؟ وقال أبو سليمان ~~الخطابي لي في قوله # " نحن أحق بالشك من إبراهيم " # اعتراف بالشك على نفسه، ولا على إبراهيم، ولكن فيه نفي الشك ~~عنهما يقول: إذا لم أشك أنا في قدرة الله، على إحياء الموتى، فإبراهيم ~~أولى ألا يشك، وقال ذلك على سبيل التواضع، وهضم النفس، فكذلك قوله: # " لو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت ~~الداعي " # وفيه إعلام بأن المسألة من إبراهيم لم تعرض من جهة الشك، لكن من قبل ~~زيادة العلم بالعيان؛ فإن العيان يفيد من المعرفة والطمأنينة ما لا يفيده ~~الاستدلال. # وقيل: لما نزلت هذه الآية الكريمة قال قوم: شك إبراهيم، ولم يشك ~~نبينا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا القول تواضعا منه؛ ~~وتقديما لإبراهيم عليه الصلاة والسلام . # [قال القرطبي: اختلف الناس في هذا السؤال: هل صدر من إبراهيم عليه ~~الصلاة ms1519 والسلام عن شك، أم لا؟ فقال الجمهور: لم يكن إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام شاكا في إحياء الله الموتى قط، وإنما طلب ~~المعاينة؛ وذلك أن النفوس مستشرفة إلى رؤية ما أخبرت به؛ ولهذا قال ~~عليه السلام : # " ليس الخبر كالمعاينة " # رواه ابن عباس قال أبو عمر: لم يروه غيره]. # قوله: " من الطير " في متعلقه قولان: # أحدهما: أنه محذوف لوقوع الجار صفة لأربعة، تقديره: أربعة كائنة ~~من الطير. # والثاني: أنه متعلق بخذ، أي: خذ من الطير. # و " الطير " اسم جمع، كركب وسفر، وقيل: بل هو جمع طائر، نحو: تاجر ~~وتجر، وهذا مذهب أبي الحسن. وقيل: بل هو مخفف من " طير " بتشديد ~~[الياء]، كقولهم: " هين وميت " في " هين وميت. # قال أبو البقاء رحمه الله: " هو في الأصل مصدر طار يطير، ثم سمي به ~~هذا الجنس ". فتحصل فيه أربعة أقوال. # وجاء جره ب " من " بعد العدد على أفصح الاستعمال، إذ الأفصح في اسم ~~الجمع في باب العدد أن يفصل بمن كهذه الآية الكريمة، ويجوز الإضافة كقوله ~~تعالى: # تسعة رهط # [النمل:48]؛ وقال ذلك القائل: [الوافر] # 1212- ثلاثة أنفس وثلاث ذود # لقد جار الزمان على عيالي # وزعم بعضهم: إن إضافته نادرة، لا يقاس عليها، وبعضهم: أن اسم الجمع ~~لما يعقل مؤنث، وكلا الزعمين ليس بصواب؛ لما تقدم من الآية الكريمة، ~~واسم الجمع لما لا يعقل يذكر، ويؤنث؛ وهنا جاء مذكرا لثبوت التاء في ~~عدده. # قوله: " فصرهن " قرأ حمزة، والكسائي: بكسر الصاد، والباقون: ~~بضمها، وتخفيف الراء. واختلف في ذلك، فقيل: القراءتان يحتمل أن تكونا ~~بمعنى واحد، وذلك أنه يقال: صاره يصوره ويصيره، بمعنى قطعه، أو ~~أماله، فاللغتان لفظ مشترك بين هذين المعنيين، والقراءتان تحتملهما ~~معا، وهذا مذهب أبي علي. # وقال الفراء: " الضم مشترك بين المعنيين، وأما الكسر: فمعناه القطع ~~فقط ". # وقال غيره: " الكسر بمعنى القطع، والضم بمعنى الإمالة ". يقال رجل ~~أصور، أي: مائل العنق، ويقال: صار فلان إلى كذا، إذا قال به، ومال إليه، ~~وعلى هذا يصير في الكلام محذوف، كأنه قيل أملهن إليك، وقطعهن. # وقال ابن عباس، وسعيد ms1520 بن جبير، والحسن، ومجاهد: صرهن بالضم: بمعنى ~~قطعهن، يقال صار الشيء يصوره صورا، إذا قطعه، قال رؤبة يصف خصما ~~ألد: [الرجز] # 1213- صرناه بالحكم ويبغي الحكما # أي: قطعناه، وعلى هذا القول لا يحتاج إلى الإضمار، وقال عطاء: معناه ~~اجمعهن، واضممهن إليك، يقال: صار يصور صورا، إذا اجتمع، ومنه قيل ~~لجماعة النحل: صور. # فصل في لفظ " الصر " في القرآن # قال أبو العباس المقرئ: ورد لفظ الصر في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: بمعنى القطع؛ كهذه الآية، أي: قطعهن إليك صورا. # الثاني: بمعنى الريح الباردة، قال تعالى: # ريح فيها صر # [آل عمران:117] أي: برد. # الثالث: يعني الإقامة على الشيء؛ قال تعالى # ولم يصروا على ما فعلوا # [آل عمران:135]، أي: لم يقيموا، ومثله: # وكانوا يصرون على الحنث العظيم # [الواقعة:46]. # ونقل عن الفراء أيضا: أنه قال: " صاره " مقلوب من قولهم: " ~~صراه عن كذا " ، أي: قطعه عنه، ويقال: صرت الشيء، فانصار، أي: ~~انقطع؛ قالت الخنساء: [البسيط] # 1214- فلو يلاقي الذي لاقيته حضن # لظلت الشم منه وهي تنصار # أي: تنقطع. # قال المبرد: وهذا لا يصح؛ لأن كل واحد من اللفظين أصل بنفسه فرع ~~على الآخر. # واختلف في هذه اللفظة: هل هي عربية، أو معربة؟ فعن ابن عباس: أنها ~~معربة من النبطية، وعن أبي الأسود، أنها من السريانية، والجمهور ~~على أنها عربية، لا معربة. # و " إليك " إن قلنا: إن " صرهن " بمعنى أملهن: تعلق به، ~~وإن قلنا: إنه بمعنى: قطعهن، تعلق ب " خذ ". # ولما فسر أبو البقاء " فصرهن " بمعنى: أملهن " قدر ~~محذوفا بعده تقديره: فأملهن إليك، ثم قطعهن، ولما فسره ~~بقطعهن كما تقدم قدر محذوفا يتعلق به " إلى " تقديره: ~~قطعهن بعد أن تميلهن إليك. ثم قال: " والأجود عندي أن يكون " إليك ~~" حالا من المفعول المضمر تقديره: فقطعهن مقربة إليك، أو ممالة، ~~أو نحو ذلك ". # وقرأ ابن عباس رضي الله عنه : " فصرهن " بتشديد الراء، مع ضم ~~الصاد وكسرها، من: صره يصره، إذا جمعه؛ إلا أن مجيء المضعف ~~المتعدي على يفعل بكسر العين في المضارع قليل. # ونقل أبو البقاء رحمه الله تعالى ms1521 عمن شدد الراء: أن منهم من ~~يضمها، ومنهم من يفتحها، ومنهم من يكسرها، مثل: " مدهن " فالضم ~~على الإتباع، والفتح للتخفيف، والكسر على أصل التقاء الساكنين. # قال القرطبي: قرئ " صرهن " بفتح الصاد، وتشديد الراء مكسورة؛ ~~حكاها المهدوي وغيره عن عكرمة؛ بمعنى فاحبسهن، من قولهم: " صرى ~~يصري ": إذا حبس، ومنه الشاة المصراة، قال القرطبي: وهاهنا اعتراض ~~ذكره الماوردي، وهو أن يقال: كيف أجيب إبراهيم إلى آيات الآخرة دون موسى ~~ عليه السلام في قوله: # رب أرني أنظر إليك # [الأعراف:143]؟ # فعنه جوابان: # أحدهما: أن ما سأله موسى لا يصح مع بقاء التكليف، وما سأله إبراهيم ~~خاص يصح معه بقاء التكليف. # الثاني: أن الأحوال تختلف، فيكون الأصلح في بعض الأوقات الإجابة، وفي ~~وقت آخر المنع، فيما لا يتقدم فيه إذن. # قال ابن عباس رضي الله عنهما أمر الله تعالى إبراهيم بهذا، قبل ~~أن يولد، وقبل أن ينزل عليه الصحف. # فصل في الطير المأخوذة # قال مجاهد، وعطاء، وابن جريج: أخذ طاووسا، وديكا، وحمامة، وغرابا. ~~ونقل عن ابن عباس: ونسرا بدل الحمامة. وقال عطاء الخراساني: بطة ~~خضراء، وغرابا أسود، وحمامة بيضاء، وديكا أحمر " فصرهن " أي: ~~قطعهن، ومزقهن، وقيل أملهن على ما تقدم. # فصل في الحكمة في نوع الطير وعدده # وهاهنا سؤالات: # الأول: ما الحكمة في كونه أمره بأخذ أربعة من الطير، ولم يأمره بأكثر، ~~ولا بأقل؟! # الثاني: ما الحكمة في كونها من الطير، دون غيرها من الحيوان؟! # الثالث: هل كان من حيوان البحر، ثم الوحش، والطير وبهم الأنعام؟ # الرابع: هل كان الأربعة كل واحد مخلوق من غالب عنصر من العناصر ~~الأربعة، كالطير، مخلوق من غالب عنصر الهواء، والسمك مخلوق من غالب عنصر ~~الماء، وحيوان البر مخلوق من غالب عنصر التراب، وسراج البحر، والدراج ~~التي هي تطير بالليل كلها نار، والسمندل الذي يعيش في النار فإنهم ~~مخلوقون من غالب عنصر النار. # فإن قيل: ما الفائدة في أمره بضمها إلى نفسه بعد أخذها؟ # فالجواب: فائدته أن يتأمل فيها، ويعرف أشكالها، وهيئاتها؛ لئلا تلتبس ~~عليه بعد الإحياء، ولا يتوهم أنها ms1522 غير تلك، وأجمع المفسرون على أن ~~المراد من الآية الكريمة قطعهن، وأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ~~ قطع أعضاءها، ولحومها، وريشها، ودماءها، وخلط بعضها ببعض؛ غير أبي ~~مسلم؛ فإنه أنكر ذلك، وقال: إن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ~~لما طلب إحياء الميت من الله تعالى، أراه مثالا قرب به الأمر عليه. # والمراد ب " فصرهن إليك " الإمالة والتمرين على الإجابة، ~~وتعلمها، أي: فعود الطير الأربعة، بحيث تصير إذا دعوتها، أجابتك. ~~والغرض منه ذكر مثال محسوس في عود الأرواح إلى الأجساد على سبيل ~~السهولة وأنكر القول بأن المراد منه: فقطعهن. # واحتج على ذلك بوجوه: # أحدها: أن المشهور في قوله: " فصرهن " أي: أملهن، وأما ~~التقطيع والذبح، فليس في الآية ما يدل عليه، فكان إدراجه في الآية ~~الكريمة زيادة بغير دليل، وهو لا يجوز. # وثانيها: لو كان المراد قطعهن، لم يقل إليك؛ فإن ذلك لا يتعدى ~~بإلى. # فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال في الكلام تقديم، وتأخير، تقديره: فخذ ~~إليك أربعة من الطير، فصرهن؟ # قلنا: التزام التقديم والتأخير من غير ضرورة خلاف الظاهر. # وثالثها: أن الضمير في قوله: " ثم ادعهن " عائد إليها لا إلى ~~أجزائها، وإذا كانت الأجزاء متفرقة، وكان الموضوع على كل جبل بعض تلك ~~الأجزاء يلزم أن يكون الضمير عائدا إلى تلك الأجزاء لا إليها، وهو خلاف ~~الظاهر، وأيضا في قوله: " يأتينك سعيا " عائد إليها، لا إلى ~~أجزائها، وعلى قولكم إذا سعى بعض الأجزاء إلى بعض، كان الضمير في " ~~يأتينك " عائدا إلى أجزائها لا إليها. # واحتج الجمهور بوجوه: # الأول: أن المفسرين قبل أبي مسلم أجمعوا على أنه ذبح تلك الطيور، ~~وقطعها أجزاء، فيكون إنكار ذلك إنكارا للإجماع. # الثاني: أن ما ذكره غير مختص بإبراهيم؛ فلا يكون له فيه مزية على ~~الغير. # الثالث: أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام إنما أراد أن يريه الله ~~كيف يحيي الموتى، وظاهر الآية، يدل على أنه أجيب إلى ذلك، وعلى قول أبي ~~مسلم لم تحصل الإجابة في الحقيقة. # الرابع: أن قوله { ثم اجعل على كل جبل منهن ~~جزءا } يدل ms1523 على أن تلك الطيور جعلت أجزاء. # قال أبو مسلم في الجواب عن هذا الوجه: إنه أضاف الجزء إلى الأربعة، ~~فيجب أن يكون المراد بالجزء، هو الواحد من تلك الأربعة. # وأجيب بأن ما ذكرتم، وإن كان محتملا إلا أن ما ذكرناه أظهر، ~~والتقدير: فاجعل على كل جبل من كل واحد منهن جزءا أو بعضا. # قوله: " ثم اجعل " " جعل " يحتمل أن يكون بمعنى الإلقاء، ~~فيتعدى لواحد، وهو " جزءا " ، فعلى هذا يتعلق " على كل " و ~~" منهن " ب " اجعل " ، وأن يكون بمعنى " صير " ، فيتعدى ~~لاثنين، فيكون " جزءا " الأول، و " على كل " هو الثاني، فيتعلق ~~بمحذوف. # و " منهن " يجوز أن يتعلق على هذا بمحذوف على أنه حال من " ~~جزءا " ، لأنه في الأصل صفة نكرة، فلما قدم عليها، نصب حالا. # وأجاز أبو البقاء أن يكون مفعولا ل " اجعل " يعني: إذا كانت " ~~اجعل " بمعنى " صير " ، فيكون " جزءا " مفعولا أول، و " منهن ~~" مفعولا ثانيا قدم على الأول، ويتعلق حينئذ بمحذوف. [ولا بد من ~~حذف صفة مخصصة بعد] قوله: " كل جبل " تقديره: " على كل ~~جبل بحضرتك، أو يليك " حتى يصح المعنى. # وقرأ الجمهور: " جزءا " بسكون الزاي والهمز، وأبو بكر ضم الزاي، ~~وأبو جعفر شدد الزاي، من غير همز؛ ووجهها: أنه لما حذف الهمزة، ~~وقف على الزاي، ثم ضعفها، كما قالوا: " هذا فرج " ، ثم أجري الوصل ~~مجرى الوقف. وقد تقدم تقرير ذلك عند قوله: # هزوا # [البقرة:67]. وفيه لغة أخرى وهي: كسر الجيم. # قال أبو البقاء: " ولا أعلم أحدا قرأ بها ". والجزء: القطعة من ~~الشيء، وأصل المادة يدل على القطع، والتفرق، ومنه: التجزئة والأجزاء. # فصل في المعني بالجبل في الآية # ظاهر قوله: { على كل جبل } جميع جبال الدنيا، فذهب مجاهد، ~~والضحاك إلى العموم بحسب الإمكان، كأنه قيل: فرقها على كل جبل يمكنك ~~التفرقة عليه. # وقال ابن عباس، والحسن، وقتادة، والربيع: أمر أن يجعل كل طائر ~~أربعة أجزاء، ويجعلها على أربعة أجبل، على كل جبل ربعا من كل طائر. # وقيل: على حسب الجهات الأربع: أعني المشرق، والمغرب، والشمال، والجنوب. ~~وقال السدي، وابن ms1524 جريج: سبعة من الجبال؛ لأن المراد على كل جبل ~~يشاهده إبراهيم حتى يصح منه دعاء الطائر، وكانت الجبال التي يشاهدها ~~عليه الصلاة والسلام سبعة. # قوله: " يأتينك " جواب الأمر، فهو في محل جزم، ولكنه بني ~~لاتصاله بنون الإناث. # قوله: " سعيا " فيه أوجه: # أحدها: أنه مصدر واقع موقع الحال من ضمير الطير، أي: يأتينك ساعيات، ~~أو ذوات سعي. # والثاني: أن يكون حالا من المخاطب، ونقل عن الخليل ما يقوي هذا، فإنه ~~روي عنه: " أن المعنى: يأتينك وأنت تسعى سعيا " فعلى هذا يكون " سعيا " ~~منصوبا على المصدر، وذلك الناصب لهذا المصدر في محل نصب على الحال من ~~الكاف في " يأتينك ". قال شهاب الدين: والذي حمل الخليل رحمه الله ~~ على هذا التقدير؛ أنه لا يقال عنده: " سعى الطائر " فلذلك جعل ~~السعي من صفات الخليل عليه السلام لا من صفة الطيور. # الثالث: أن يكون " سعيا " منصوبا على نوع المصدر؛ لأنه نوع من ~~الإتيان، إذ هو إتيان بسرعة، فكأنه قيل: يأتينك إتيانا سريعا. # وقال أبو البقاء: " ويجوز أن يكون مصدرا مؤكدا؛ لأن السعي، ~~والإتيان يتقاربان " ، وهذا فيه نظر؛ لأن المصدر المؤكد لا يزيد على ~~معنى عامله، إلا أنه تساهل في العبارة. # فصل في معنى " سعيا " # قيل: معنى " سعيا " عدوا ومشيا على أرجلهن؛ لأن ذلك أبلغ في ~~الحجة. # وقيل: " طيرانا ". ولا يصح؛ لأنه لا يقال للطائر إذا طار: سعى، ~~ومنهم من أجاب عنه: بأن " السعي " هو الاشتداد في الحركة، فإن كانت ~~الحركة طيرانا، فالسعي فيها هو الاشتداد في تلك الحركة. # روي أنه عليه الصلاة والسلام ذبحها، ونتف ريشها، وقطعها ~~أجزاء، وخلط لحمها، وريشها، ودمها، ووضع على كل جبل جزءا من ذلك ~~المجموع، وأمسك رؤوسهن، ثم دعاهن فقال: تعالين بإذن الله تعالى، ~~فجعلت كل قطرة من دم طائر تطير إلى القطرة الأخرى، وكل عظم يصير إلى ~~الآخر من جثته، وكل بضعة تصير إلى الأخرى، وإبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام ينظر؛ حتى لقيت كل جثة بعضها بعضا في الهواء بغير رأس، ~~ثم أقبلن إلى رؤوسهن سعيا: كل جثة إلى رأسها، ms1525 فانضم كل رأس ~~إلى جثته، وصار الكل أحياء بإذن الله. { واعلم أن الله ~~عزيز } غالب على جميع الممكنات " حكيم " عالم بعواقب الأمور، ~~وغاياتها. ### || [2.261] # لما بين تعالى أصل العلم بالمبدأ، والمعاد، وبين دلائل صحتها، ~~أتبع ذلك ببيان الشرائع، والأحكام، فبدأ ببيان التكليف، بالإنفاق. # قال القاضي في كيفية النظم: إنه تعالى لما أجمل قوله تعالى # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له ~~أضعافا كثيرة # [البقرة:245] فصل بهذه الآية الكريمة تلك الأضعاف، وإنما ذكر بين ~~الآيتين الأدلة على قدرته بالإحياء والإماتة، من حيث: لولا ذلك لم يحسن ~~التكليف بالإنفاق، لأنه لولا وجود الإله المثيب المعاقب، لكان الإنفاق، ~~وسائر الطاعات عبثا فكأنه تعالى قال لمن رغبه في الإنفاق: قد عرفت أني ~~خلقتك، وأكملت نعمتي عليك، بالإحياء، والإقدار، وقد علمت قدرتي على ~~المجازاة، فليكن علمك بهذه الأحوال داعيا إلى إنفاق المال؛ فإنه يجازي ~~القليل بالكثير، ثم ضرب لذلك الكثير مثلا. # وقال الأصم: إنه تعالى ضرب هذا المثل بعد أن احتج على الكل بما يوجب ~~تصديق النبي عليه الصلاة والسلام ؛ ليرغبوا بالمجاهدة بالنفس، ~~والمال، في نصرته، وإعلاء شريعته. # وقيل: لما بين تعالى أنه ولي المؤمنين، وأن الكفار أولياؤهم ~~الطاغوت، بين مثل ما ينفق المؤمن في سبيل الله، وما ينفق الكافر في ~~سبيل الطاغوت. # فصل في سبب نزول الآية # [روي أن هذه الآية نزلت في شأن عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف] ~~رضي الله عنهما ؛ # " وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حث الناس على ~~الصدقة حين أراد الخروج إلى غزوة " تبوك " ، جاءه عبد الرحمن بأربعة ~~آلاف درهم، فقال: يا رسول الله، كان عندي ثمانية آلاف، فأمسكت لنفسي ~~ولعيالي أربعة آلاف، وأربعة آلاف أقرضتها لربي، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : " بارك الله لك فيما أمسكت وفيما ~~أعطيت " وقال عثمان: يا رسول الله، علي جهاز من لا جهاز له؛ فنزلت ~~هذه فيهما ". # وروى البستي عن ابن عمر، قال: # " لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رب، ms1526 ~~زد أمتي؛ فنزلت: { من ذا الذي يقرض الله قرضا ~~حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة } [البقرة:245] قال صلى ~~الله عليه وسلم: رب، زد أمتي، فنزلت { إنما يوفى ~~الصابرون أجرهم بغير حساب } " # [الزمر:10]. # قوله " مثل " مبتدأ، و " كمثل حبة " خبره. ولا بد من ~~حذف، حتى يصح التشبيه؛ لأن الذين ينفقون لا يشبهون بنفس الحبة. # واختلف في المحذوف، فقيل: من الأول، تقديره: ومثل منفق الذين، أو نفقة ~~الذين. # وقيل: من الثاني، تقديره: ومثل الذين ينفقون كزارع حبة؛ أو من الأول، ~~والثاني باختلاف التقدير، أي: مثل الذين ينفقون، ونفقتهم كمثل حبة ~~وزارعها. # وهذه الأوجه قد تقدم تقريرها محررة عند قوله تعالى: # ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق # [البقرة:171]. والقول بزيادة الكاف، أو " مثل " بعيد جدا، فلا ~~يلتفت إليه. # والحبة: واحدة الحب، وهو ما يزرع للاقتيات، وأكثر إطلاقه على البر، ~~قال المتلمس: [البسيط] # 1215 - آليت حب العراق الدهر أطعمه # والحب يأكله في القرية السوس # و " الحبة " بالكسر: بذور البقل مما لا يقتات به، و " الحبة " ~~بالضم: الحب. # والحب: المحبة، وكذلك " الحب " بالكسر، والحب أيضا: الحبيب، ~~وحبة القلب سويداؤه، ويقال ثمرته، وهو ذاك. # قوله: { أنبتت سبع سنابل } أي: أخرجت وهذه الجملة في محل ~~جر؛ لأنها صفة لحبة، كأن قيل: كمثل حبة منبتة. # وأدغم تاء التأنيث في سين " سبع " أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وهشام. ~~وأظهر الباقون، والتاء تقارب السين، ولذلك أبدلت منها؛ قالوا: ناس، ~~ونات، وأكياس، وأكيات؛ قال: [الرجز] # 1216- عمرو بن يربوع شرار النات # ليسوا بأجياد ولا أكيات # أي: شرار الناس، ولا أكياس. وجاء التمييز هنا على مثال مفاعل، وفي ~~سورة يوسف مجموعا بالألف والتاء، فقال الزمخشري: " فإن قلت: هلا ~~قيل: " سبع سنبلات " على حقه من التمييز بجمع القلة، كما قال: # وسبع سنبلات خضر # [يوسف:43 و 46]. قلت: هذا لما قدمت عند قوله: # ثلاثة قروء # [البقرة:228] من وقوع أمثلة الجمع [متعاورة] مواقعها ". # يعني: أنه من باب الاتساع، ووقوع أحد الجمعين موقع الآخر، وهذا الذي ~~قاله ليس بمخلص، [ولا محصل]، فلا بد من ذكر قاعدة مفيدة في ذلك: # قال ms1527 شهاب الدين - رحمه الله -: اعلم أن جمعي السلامة لا يميز بهما ~~عدد إلا في موضعين: # أحدهما: ألا يكون لذلك المفرد جمع سواه، نحو: سبع سموات، وسبع بقرات، ~~وسبع سنبلات، وتسع آيات، وخمس صلوات، لأن هذه الأشياء لم تجمع إلا جمع ~~السلامة، فأما قوله: [الطويل] # 1217-...................... # .............. فوق سبع سمائيا # فشاذ، منصوص على قلته، فلا يلتفت إليه. # والثاني: أن يعدل إليه لمجاورة غيره، كقوله: # وسبع سنبلات خضر # [يوسف:43 و 46] عدل من " سنابل " إلى " سنبلات "؛ لأجل ~~مجاورته " سبع بقرات " ، ولذلك إذا لم توجد المجاورة، ميز بجمع ~~التكسير دون جمع السلامة، وإن كان موجودا نحو: " سبع طرائق، ~~وسبع ليال " مع جواز: طريقات، وليلات. # والحاصل أن الاسم إذا كان له جمعان: جمع تصحيح، وجمع تكسير، فالتكسير ~~إما للقلة، أو للكثرة، فإن كان للكثرة: فإما من باب مفاعل، أو من ~~غيره، فإن كان من باب مفاعل، أوثر على التصحيح، تقول: ثلاثة أحامد، ~~وثلاث زيانب، ويجوز قليلا: أحمدين وزينبات. # وإن كان من غير باب مفاعل: فإما أن يكثر فيه من غير التصحيح، وغير جمع ~~الكثرة، أو يقل. # فإن كان الأول: فلا يجوز التصحيح، ولا جمع الكثرة إلا قليلا؛ نحو: ~~ثلاثة زيود، وثلاث هنود، وثلاثة أفلس، ولا يجوز: ~~ثلاثة زيدين، ولا ثلاث هندات، ولا ثلاثة فلوس، إلا ~~قليلا. # وإن كان الثاني: أوثر التصحيح وجمع الكثرة، نحو: ثلاث سعادات، ~~وثلاثة شسوع، وعلى قلة يجوز: ثلاث سعائد، وثلاثة أشسع. فإذا ~~تقرر هذا، فقوله: " سبع سنابل " جاء على المختار، وأما قوله " ~~سبع سنبلات "؛ فلأجل المجاورة كما تقدم. # وقيل: لما كان الكلام - هاهنا - في تضعيف الأجر، ناسبها جمع الكثرة، ~~وفي سورة يوسف ذكرت في سياق الكلام في سني الجدب؛ فناسبها التقليل؛ فجمعت ~~جمع القلة. # والسنبلة فيها قولان: # أحدهما: أن نونها أصلية؛ لقولهم: " سنبل الزرع " أي: أخرج ~~سنبله. # والثاني: أنها زائدة، وهذا هو المشهور؛ لقولهم: " أسبل الزرع " ، ~~فوزنها على الأول: فعللة، وعلى الثاني: فنعلة، فعلى ما ثبت من ~~حكاية اللغتين: سنبل الزرع، وأسبل تكون من باب سبط وسبطر. # قال القرطبي: من أسبل الزرع: إذا ms1528 صار فيه السنبل، كما يسترسل ~~الستر بالإسبال وقيل: معناه: صار فيه حب مستور، كما يستر الشيء بإسبال ~~الستر عليه. # قوله: { في كل سنبلة } هذا الجار في محل جر؛ صفة لسنابل، ~~أو نصب؛ صفة لسبع، نحو: رأيت سبع إماء أحرار، وأحرارا، وعلى كلا ~~التقديرين فيتعلق بمحذوف. # وفي رفع " مئة " وجهان: # أحدهما: بالفاعلية بالجار؛ لأنه قد اعتمد إذ قد وقع صفة. # والثاني: أنها مبتدأ والجار قبله خبره، والجملة صفة، إما في محل ~~جر، أو نصب على حسب ما تقدم، إلا أن الوجه [الأول] أولى؛ لأن ~~الأصل الوصف بالمفردات، دون الجمل. ولا بد من تقدير حذف ضمير، أي: في ~~كل سنبلة منها، أي: من السنابل. # والجمهور على رفع: " مئة " على ما تقدم، وقرئ: بنصبها. # وجوز أبو البقاء في نصبها وجهين: # أحدهما: بإضمار فعل، أي: أنبتت، أو أخرجت. # والثاني: أنها بدل من " سبع " ، ورد بأنه لا يخلو: إما أن ~~يكون بدل [كل] من كل، أو بدل بعض من كل، أو بدل اشتمال. # فالأول: لا يصح؛ لأن المائة ليست كل السبع سنابل. # والثاني: لا يصح - أيضا؛ لعدم الضمير الراجع على المبدل منه، ولو ~~سلم عدم اشتراط الضمير، فالمئة ليست بعض السبع؛ لأن المظروف ليس ~~بعضا للظرف، والسنبلة ظرف للحبة، ألا ترى قوله: { في كل سنبلة ~~مئة حبة } فجعل السنبلة وعاء للحب. # والثالث - أيضا - لا يصح؛ لعدم الضمير، وإن سلم، فالمشتمل على " ~~مئة حبة " هو سنبلة من سبع سنابل، إلا أن يقال إن المشتمل على ~~المشتمل على الشيء، هو مشتمل على ذلك الشيء، فالسنبلة مشتملة على مائة ~~والسنبلة مشتمل عليها سبع سنابل، فلزم أن السبع مشتملة على " مائة حبة ~~". # وأسهل من هذا كله أن يكون ثم مضاف محذوف، أي: حب سبع ~~سنابل، فعلى هذا يكون " مئة حبة " بدل بعض من كل. # فصل في المقصود بسبيل الله # معنى { ينفقون أموالهم في سبيل الله } يعني: دينه، قيل: ~~أراد النفقة في الجهاد خاصة، وقيل: جمع أبواب الخير من الواجب ~~والنفل. # قال القرطبي: شبه المتصدق بالزارع، وشبه البذر بالصدقة، ~~فيعطيه ms1529 بكل صدقة له سبعمائة حسنة، ثم قال { والله يضاعف لمن ~~يشآء } يعني على سبعمائة، فيكون مثل المتصدق مثل الزارع، إن كان ~~حاذقا في عمله فيكون البذر جيدا، وتكون الأرض عامرة يكون الزرع أكثر، ~~فكذلك المتصدق إذا كان صالحا، والمال طيبا، ويضعه موضعه، فيصير ~~الثواب أكثر. # فإن قيل: لم نر سنبلة فيها مائة حبة، فكيف ضرب المثل بها؟ # فالجواب: قال القفال: المقصود أنه لو علم طالب الزيادة والربح أنه ~~إذا بذر حبة واحدة، أخرجت له سبعمائة حبة ما كان ينبغي له ترك ذلك، ~~فكذلك ينبغي لطالب الآخرة والأجر عند الله ألا يتركه إذا علم أنه يحصل ~~له على الواحدة عشرة ومائة وسبعمائة، وإذا كان المراد منه هذا المعنى ~~فسواء وجدت هذه السنبلة، أو لم توجد، فإن المعنى حاصل مستقيم. وقيل: ~~وجد ذلك في الدخن. # { والله يضاعف لمن يشآء }. # قيل: معناه يضاعف هذه المضاعفة لمن يشاء. # وقيل يضاعف على هذا، ويزيد لمن يشاء، ما بين سبع إلى سبعين، إلى ~~سبعمائة، إلى ما شاء الله من الأضعاف، مما لا يعلمه إلا الله تعالى. { ~~والله واسع } أي: القدرة على سبيل المجازاة على الجود، والإفضال ~~عليهم بنية من ينفق ماله. # فصل في الاستدلال بالآية على فضل الزراعة # قال القرطبي: دلت هذه الآية على أن حرفة الزرع من أعلى الحرف، ~~التي يتخذها الناس، والمكاسب التي يشتغل بها العمال، ولذلك ضرب الله به ~~المثل وقال - صلى الله عليه وسلم -: # " ما من مسلم يغرس غرسا، أو يزرع زرعا فتأكل ~~منه الطير، أو إنسان، أو بهيمة، إلا كان له ~~صدقة " # رواه مسلم. # وروى الترمذي عن عائشة - رضي الله عنها - قالت -: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: # " التمسوا الرزق في خبايا الأرض " # ، يعني: الزرع، والزراعة من فروض الكفايات، يجب على الإمام أن يجبر ~~الناس عليها، وما كان في معناها من غرس الأشجار. ### || [2.262] # { الذين ينفقون } فيه وجهان: # أحدهما: أن يكون مرفوعا بالابتداء، وخبره الجملة من قوله تعالى: { لهم ~~أجرهم } ، ولم يضمن المبتدأ هنا معنى الشرط، فلذلك لم تدخل الفاء ms1530 ~~في خبره، لأن القصد بهذه الجملة تفسير الجملة التي قبلها؛ لأن الجملة ~~قبلها أخرجت مخرج الشيء الثابت المفروغ منه، وهو تشبيه نفقتهم ~~بالحبة المذكورة، فجاءت هذه الجملة كذلك، والخبر فيها أخرج مخرج ~~الثابت المستقر غير المحتاج إلى تعليق استحقاق بوقوع [غيره] ما قبله. # والثاني: أن " الذين " خبر لمبتدأ محذوف، أي: هم الذين ينفقون، ~~وفي قوله: { لهم أجرهم } على هذا وجهان: # أحدهما: أنها في محل نصب على الحال. # والثاني: - وهو الأولى - أن تكون مستأنفة، لا محل لها من الإعراب، ~~كأنها جواب سائل قال: هل لهم أجر؟ وعطف ب " ثم " جريا على الأغلب؛ ~~لأن المتصدق لغير وجه الله لا يحصل منه المن عقيب صدقته، ولا يؤذي ~~على الفور، فجرى هذا على الغالب، وإن كان حكم المن والأذى الواقعين ~~عقيب الصدقة كذلك. # قال الزمخشري: ومعنى " ثم ": إظهار التفاوت بين الإنفاق، وترك ~~المن والأذى، وأن تركهما خبر من نفس الإنفاق كما جعل الاستقامة على ~~الإيمان خيرا من الدخول فيه بقوله: # ثم استقاموا # [فصلت:30]، فجعلها للتراخي في الرتبة، لا في الزمان، وقد تكرر ~~له ذلك غير مرة. # و " ما " في قوله تعالى: { مآ أنفقوا } يجوز أن تكون موصولة ~~اسمية، فالعائد محذوف، أي: ما أنفقوه، وأن تكون مصدرية، فلا تحتاج ~~إلى عائد، أي: لا يتبعون إنفاقهم. ولا بد من حذف بعد " منا " ، أي: ~~منا على المنفق عليه، ولا أذى له، فحذف للدلالة عليه. # والمن: الاعتداد بالإحسان، وهو في الأصل: القطع، ولذلك يطلق على ~~النعمة؛ لأن المنعم يقطع من ماله قطعة للمنعم عليه. يقال: قد من ~~الله على فلان، إذا أنعم عليه، ولفلان علي منة، أي: نعمة؛ وأنشد ابن ~~الأنباري: [الطويل] # 1218- فمني علينا بالسلام فإنما # كلامك ياقوت ودر منظم # ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: # " ما من أحد من الناس أمن علينا في صحبته، ولا ~~ذات يده من ابن أبي قحافة " # يريد أكثر إنعاما بماله، وأيضا فالله تعالى يوصف بأنه منان، أي: ~~منعم، و " المن " أيضا النقص من الحق. قال تبارك وتعالى: # وإن لك لأجرا غير ممنون ms1531 # [القلم:3] أي: غير مقطوع وغير ممنوع؛ ومنه سمي الموت منونا؛ لأنه ينقص ~~الحياة، ويقطعها، ومن هذا الباب: المنة المذمومة؛ لأنها تنقص ~~النعمة، وتكدرها، والعرب يمتدحون بترك المن بالنعمة قال قائلهم: ~~[الرمل] # 1219- زاد معروفك عندي عظما # أنه عندك مستور حقير # تتناساه كأن لم تأته # وهو في العالم مشهود كثير # والمن: الذي يوزن به، ويقال في هذا: " منا " مثل: عصا. وتقدم ~~اشتقاق الأذى. # و " منا " مفعول ثان، و " لا أذى عطف عليه، وأبعد من جعل " ~~ولا أذى " مستأنفا، فجعله من صفات المتصدق، كأن قال: الذين ~~ينفقون، ولا يتأذون بالإنفاق، فيكون " أذى " اسم لا، وخبرها محذوف، ~~أي: ولا أذى حاصل لهم، فهي جملة منفية في معنى النهي. # قال شهاب الدين: وهذا تكلف، وحق هذا القائل أن يقرأ " ولا ~~أذى " بالألف غير منون؛ لأنه مبني على الفتح على مشهور مذهب ~~النحاة. # فصل في سبب النزول # قال الكلبي: نزلت في عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف. # أما عثمان فجهز جيش العسرة في غزوة " تبوك " ، بألف بعير بأقتابها، ~~وأحلاسها، وألف دينار. # " قال عبد الرحمن بن سمرة: جاء عثمان بألف دينار في جيش العسرة، ~~فصبها في حجر النبي - صلى الله عليه وسلم - فرأيت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يدخل فيها يده الكريمة ويقلبها، ويقول: " ما ضر ابن ~~عفان ما عمل بعد اليوم ". وقال " يا رب؛ عثمان ~~رضيت عنه فارض عنه " # فنزلت هذه الآية الكريمة. # " وأما عبد الرحمن بن عوف، فإنه جاء بأربعة آلاف درهم صدقة إلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: كانت عندي ثمانية آلاف، فأمسكت ~~منها لنفسي وعيالي أربعة آلاف، وأربعة آلاف أقرضتها ربي، فقال له رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: " بارك الله لك فيما أمسكت، ~~وفيما أعطيت " # فنزلت الآية. وقال بعض المفسرين: إن الآية المتقدمة مختصة فيمن ~~أنفق على نفسه وهذه الآية الكريمة فيمن أنفق على غيره، فبين تعالى أن ~~الإنفاق على الغير، يوجب الثواب المذكور في الآية المتقدمة، إذا لم ~~يتبعه " من " ، " ولا أذى " قال القفال: وقد يحتمل أن يكون ms1532 هذا ~~الشرط معتبرا أيضا فيمن أنفق على نفسه كمن ينفق على نفسه في الجهاد ~~مع النبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين، ولا يؤذي أحدا من المؤمنين، ~~مثل أن يقول: لو لم أحضر لما تم هذا الأمر، ويقول لغيره: أنت ضعيف لا ~~منفعة بك في الجهاد. # وقال بعضهم: " في سبيل " ، أي: طاعة الله - تعالى -؛ ولا يمن بعطائه، ~~ولا يعد عليه نعمه، فيكدرها عليه ولا يؤذيه بأن يعيره، فيقول: إلى كم ~~تسأل، وكم تؤذيني؟ وقيل: الأذى أن يذكر إنفاقه عليه عند من لا يحب وقوفه ~~عليه. # وقال سفيان: " منا ولا أذى ": هو أن يقول: قد أعطيتك، فما شكرت. ~~قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان أبي يقول: إذا أعطيت رجلا شيئا، ~~ورأيت أن سلامك يثقل عليه، فكف سلامك عنه، فحظر الله على عباده المن ~~بالصنيعة، واختص به صفة لنفسه؛ لأنه من العباد تعيير وتكدير، ومن ~~الله إفضال، وتذكير، وإنما كان المن، والأذى مذموما، لأن الفقير ~~الآخذ للصدقة منكسر القلب، لأجل حاجته إلى صدقة غيره معترف باليد ~~العليا للمعطي، فإذا أضاف المعطي إلى ذلك: إظهار ذلك الإنعام، زاد ذلك في ~~انكسار قلبه، فيكون في حكم المضرة بعد المنفعة، وينفر أهل الحاجة عن ~~الرغبة في صدقته إذا اشتهر بتلك الطريقة، وأما " الأذى " ، فمنهم ~~من حمله على الإطلاق في أذى المؤمنين، وليس بظاهر، بل اختصاصه بما ~~تقدم من أذى الفقير أولى. # فإن قيل: ظاهر اللفظ: أن مجموع المن، والأذى يبطلان الأجر، فيلزم ~~منه أنه لو وجد أحدهما دون الآخر، لا يبطل الأجر. # قلنا: بل الشرط ألا يوجد واحد منهما؛ لأن قوله: { لا يتبعون ~~مآ أنفقوا منا ولا أذى } يقتضي ألا يقع منه، لا هذا، ولا ~~ذاك. # فصل في دفع شبهة للمعتزلة # قالت المعتزلة: الآية الكريمة دلت على أن الكبائر تحبط ثواب فاعلها؛ ~~وذلك لأن الله - تعالى - بين أن هذا الثواب إنما يبقى إذا لم ~~يوجد المن والأذى؛ لأنه لو ثبت مع فقدهما، ومع وجودهما؛ لم يكن لهذا ~~الاشتراط فائدة. # وأجيبوا بأن المراد منها أن ms1533 حصول المن والأذى يخرجان الإنفاق عن ~~أن يكون فيه أجر وثواب أصلا من حيث يدلان على أنه إنما أنفق لكي ~~يمن، ولم ينفق، لطلب رضوان الله، ولا على وجه القربة والعبادة، فلا جرم، ~~بطل الأجر. # فصل في دفع شبهة للمعتزلة # احتجت المعتزلة بقوله تعالى: { لهم أجرهم عند ربهم } ~~على أن العمل موجب للأجر على الله - تعالى -. # وأجيبوا بأن حصول الأجر بسبب الوعد، لا بسبب نفس العمل؛ لأن العمل ~~واجب على العبد، وأداء الواجب لا يوجب الأجر. # فصل # وأجمعت الأمة على أن قوله: { لهم أجرهم عند ربهم } ~~مشروط بعدم الكفر، وذلك يدل على جواز التكلم بالعام لإرادة ~~الخاص، ومتى جاز ذلك في الجملة لم تكن دلالة اللفظ العام على ~~الاستغراق دلالة قطعية، وذلك يوجب سقوط دلائل المعتزلة في التمسك ~~بالعمومات على القطع بالوعيد. # قوله: { ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } فيه قولان: # أحدهما: أن إنفاقهم في سبيل الله، لا يضيع، بل يجدونه يوم القيامة، ~~فلا يخافون فقده " ولا يحزنون " بسبب ألا يوجد، ونظيره # ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ~~ظلما ولا هضما # [طه:112]. # الثاني: أنهم يوم القيامة، لا يخافون العذاب ألبتة، ونظير # وهم من فزع يومئذ ءامنون # [النمل:89] وقال # لا يحزنهم الفزع الأكبر # [الأنبياء:103]. ### || [2.263] # في قوله: { معروف } ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه مبتدأ، وساغ الابتداء بالنكرة لوصفها، وللعطف عليها. و " ~~مغفرة " عطف عليه، وسوغ الابتداء بها العطف، أو الصفة ~~المقدرة، إذ التقدير: ومغفرة من السائل، أو من الله. و " خير " ~~خبر عنهما. وقال أبو البقاء في هذا الوجه: " والتقدير: وسبب مغفرة، ~~لأن المغفرة من الله تعالى، فلا تفاضل بينهما، وبين فعل العبد، ويجوز ~~أن تكون المغفرة: مجاوزة المتصدق، واحتماله للفقير، فلا يكون فيه حذف ~~مضاف ". # الثاني: أن { قول معروف } مبتدأ وخبره محذوف، أي: أمثل، أو ~~أولى بكم، و " مغفرة " مبتدأ، و " خير " خبرها، فهما جملتان، ~~ذكره المهدوي وغيره. قال ابن عطية: " وهذا ذهاب برونق المعنى ". # والثالث: أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: المأمور به قول معروف. # وقوله: { يتبعهآ أذى } في ms1534 محل جر صفة لصدقة، فإن قيل لم ~~يعد ذكر المن فيقول: يتبعها من، وأذى. فالجواب؛ لأن الأذى يشمل ~~المن، وغيره، وإنما نص عليه في قوله: # لا يتبعون مآ أنفقوا منا ولا أذى # [البقرة:262] لكثرة وقوعه من المتصدقين، وعسر تحفظهم منه، ولذلك ~~قدم على الأذى. # فصل # القول المعروف: هو القول الذي تقبله القلوب، والمراد منه هنا: رد ~~السائل بطريق حسن. # وقال عطاء: عدة حسنة. # وقال القرطبي: وروي من حديث عمر - رضي الله عنه - قال: قال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: # " إذا سأل السائل فلا تقطعوا عليه مسألته ~~حتى يفرغ منها، ثم ردوا عليه بوقار، ولين، أو ببذل ~~يسير، أو رد جميل، فقد يأتيكم من ليس بإنس ولا جان ~~ينظرون صنيعكم فيما خولكم الله تعالى ". # وأما المغفرة فقيل: هي العفو عن بذاءة الفقير، والصفح عن إساءته ~~فإنه إذا رد بغير مقصوده؛ شق عليه ذلك، فربما حمله ذلك على بذاءة ~~اللسان. # وقيل المراد ونيل مغفرة من الله بسبب ذلك الرد الجميل. # وقال الضحاك: نزلت في إصلاح ذات البين. # وقيل المراد: أن يستر حاجة الفقير، فلا يهتك ستره، ولا يذكر حاله عند من ~~يكره الفقير وقوفه على حاله. # وقيل: إن قوله { قول معروف } خطاب مع المسؤول بأن يرد ~~السائل بأحسن الطرق. # وقوله " مغفرة ": خطاب مع السائل بأن يعذر المسؤول في ذلك ~~الرد، فإنه ربما لم يقدر على ذلك المطلوب في تلك الحالة، ثم ~~بين تعالى أن فعل الرجل لهذين الأمرين خير له من صدقة يتبعها أذى؛ ~~لأنه إذا أعطى، وأتبع الإعطاء بالأذى، فقد جمع بين النفقة والإضرار. # وأما القول المعروف، فقيه نفع بلا ضرر؛ لأنه يتضمن إيصال ~~السرور إلى قلب المسلم، فكان خيرا من الأول. # قال بعضهم: الآية الكريمة واردة في التطوع؛ لأن الواجب لا يحل ~~منعه ولا رد السائل منه، ويحتمل أن يراد به الواجب، فإنه قد يعدل به ~~عن سائل إلى سائل، وعن فقير إلى فقير. ثم قال: { والله غني } ~~عن صدقة العباد، وإنما أمركم بها ليثيبكم عليها { حليم } لم يتعجل ~~بالعقوبة ms1535 على من يمن، ويؤذي بصدقته. ### || [2.264-265] # اعلم أنه تعالى، لم ذكر هذين النوعين من الإنفاق ضرب واحدا منهما ~~مثلا. # قوله: " كالذي " الكاف في محل نصب، فقيل: نعتا لمصدر محذوف، ~~أي: لا تبطلوها إبطالا كإبطال الذي ينفق رئاء الناس. وقي: في محل ~~نصب على الحال من ضمير المصدر المقدر كما هو رأي سيبويه، وقيل: حال ~~من فاعل " تبطلوا " ، أي: لا تبطلوها مشبهين الذي ينفق ماله رياء ~~الناس. # و " رئآء " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه نعت لمصدر محذوف تقديره: إنفاقا رئاء الناس، كذا ذكره ~~مكي. # والثاني: أنه مفعول من أجله، أي: لأجل رئاء الناس، واستكمل شروط ~~النصب. # الثالث: أنه في محل حال، أي: ينفق مرائيا. # والمصدر هنا مضاف للمفعول، وهو " الناس " ، ورئاء مصدر راءى كقاتل ~~قتالا، والأصل: " رئايا " فالهمزة الأولى عين الكلمة، والثانية بدل من ~~ياء هي لام الكلمة، لأنها وقعت طرفا بعد ألف زائدة. والمفاعلة في " ~~راءى " على بابها، لأن المرائي يري الناس أعماله؛ حتى يروه الثناء ~~عليه، والتعظيم له. وقرأ طلحة - ويروى عن عاصم -: " رياء " بإبدال ~~الهمزة الأولى ياء، وهو قياس الهمزة تخفيفا؛ لأنها مفتوحة بعد كسرة. # قوله: { فمثله كمثل } مبتدأ وخبر، ودخلت الفاء، قال أبو ~~البقاء: " لتربط الجملة بما قبلها " كما تقدم، والهاء في " ~~فمثله " فيها قولان: # أظهرهما: أنها تعود على " الذي ينفق رئاء الناس "؛ لأنه ~~أقرب مذكور فيكون المعنى أن الله شبه المان المؤذي بالمنافق، ثم ~~شبه المنافق بالحجر. # والثاني: أنها تعود على المان المؤذي، كأنه تعالى شبهه بشيئين: ~~بالذي ينفق رئاء وبصفوان عليه تراب، فيكون قد عدل من خطاب إلى غيبة، ومن ~~جمع إلى إفراد. # والصفوان: حجر كبير أملس، وفيه لغتان: # أشهرهما سكون الفاء، والثانية فتحها، وبها قرأ ابن المسيب والزهري، ~~وهي شاذة؛ لأن " فعلان " إنما يكون في المصادر نحو: النزوان، ~~والغليان، والصفات نحو: رجل طغيان وتيس عدوان، وأما في الأسماء فقليل ~~جدا. واختلف في " صفوان " فقيل: هو جمع مفرده: صفا، قال أبو البقاء: ~~" وجمع " فعل " على " فعلان " قليل ". وقيل: هو اسم جنس. # قال أبو البقاء: " وهو ms1536 الأجود، ولذلك عاد الضمير عليه مفردا في قوله: ~~عليه ". # وقيل: هو مفرد، واحده " صفي " قاله الكسائي، وأنكره المبرد. قال: ~~" لأن صفيا جمع صفا نحو: عصي في عصا، وقفي في قفا ". ونقل عن ~~الكسائي أيضا أنه قال: " صفوان مفرد، ويجمع على صفوان بالكسر ". # قال النحاس: " ويجوز أن يكون المكسور الصاد واحدا أيضا، وما قاله ~~الكسائي غير صحيح، بل صفوان - يعني بالكسر - جمع لصفا ك " ورل " ~~وورلان، وأخ وإخوان وكرى وكروان ". # وحكى أبو عبيد عن الأصمعي أن الصفوان، والصفا، والصفو واحد ~~والكل مقصور. # وقال بعضهم: الصفوان: جمع صفوانة، كمرجان ومرجانة وسعدان، وسعدانة. # وقال بعضهم: الصفوان: هو الحجر الأملس، وهو واحد وجمع. # و { عليه تراب }: يجوز أن يكون جملة من مبتدأ، وخبر، وقعت صفة ~~لصفوان، ويجوز أن يكون " عليه " وحده صفة له، و " تراب " فاعل ~~به، وهو أولى لما تقدم عند قوله # في كل سنبلة مئة حبة # [البقرة:261]. والتراب معروف وهو اسم جنس، لا يثنى، ولا يجمع. # وقال المبرد: وهو جمع واحدته " ترابة ". وذكر النحاس له خمسة عشر ~~اسما: تراب وتورب، وتوراب، وتيراب وإثلب وأثلب ~~وكثكث وكثكث ودقعم ودقعاء ورغام بفتح الراء، ومنه: ~~أرغم الله أنفه أي: ألصقه بالرغام وبرى، وقرى بالفتح مقصورا [كالعصا ~~وكملح وعثير] وزاد غيره تربة وصعيد. # ويقال: ترب الرجل: افتقر. ومنه: # أو مسكينا ذا متربة # [البلد:16] كأن جلده لصق به لفقره، وأترب، أي: استغنى، كأن الهمزة ~~للسلب، أو صار ماله كالتراب. # قوله: " فأصابه " عطف على الفعل الذي تعلق به قوله: " عليه ~~" ، أي: استقر عليه تراب، فأصابه. والضمير يعود على الصفوان، ~~وقيل: على التراب. وأما الضمير في " فتركه " فعلى الصفوان ~~فقط. وألف " أصابه " من واو؛ لأنه من صاب يصوب. # والوابل: المطر الشديد، وبلت السماء تبل، والأرض موبولة، ويقال ~~أيضا: أوبل، فهو موبل، فيكون مما اتفق فيه فعل، وأفعل، وهو من ~~الصفات الغالبة كالأبطح، فلا يحتاج معه إلى ذكر موصوف. قال النضر بن ~~شميل: # أول ما يكون المطر رشا، ثم طشا، ثم طلا، ورذاذا، ثم ~~نضحا، وهو قطر بين قطرين، ثم ms1537 هطلا وتهتانا، ثم وابلا وجودا. ~~والوبيل: الوخيم، والوبيلة: حزمة الحطب، ومنه قيل للغليظة: وبيلة على ~~التشبيه بالحزمة. # قوله: { فتركه صلدا } كقوله تعالى: # وتركهم في ظلمات # [البقرة:17]. والصلد: الأجرد الأملس، ومنه: " صلد جبين الأصلع ~~": أي برق، والصلد أيضا صفة، يقال: صلد بكسر اللام يصلد بفتحها، فهو ~~صلد. قال النقاش: " الصلد بلغة هذيل ". وقال أبان بن تغلب: " ~~الصلد: اللين من الحجارة " وقال علي بن عيسى: " هو من الحجارة ما ~~لا خير فيه، وكذلك من الأرضين وغيرها، ومنه: " قدر صلود " أي: بطيئة ~~الغليان " ، وصلد الزند: إذا لم يورد نارا. # قوله: { لا يقدرون } في هذه الجملة قولان: # أحدهما: أنها استئنافية فلا موضع لها من الإعراب. # والثاني: أنها في محل نصب على الحال من " الذي " في قوله: { ~~كالذي ينفق ماله } ، وإنما جمع الضمير حملا على المعنى، ~~لأن المراد بالذي الجنس، فلذلك جاز الحمل على لفظه مرة في قوله: " ~~ماله " و " لا يؤمن " ، " فمثله " وعلى معناه أخرى. # وصار هذا نظير قوله: # كمثل الذي استوقد نارا # [البقرة:17] ثم قال: # بنورهم وتركهم # [البقرة:17]، وقد تقدم. # وزعم ابن عطية أن مهيع كلام العرب الحمل على اللفظ أولا، ثم ~~المعنى ثانيا، وأن العكس قبيح، وتقدم الكلام معه في ذلك. وقيل: ~~الضمير في " يقدرون " عائد على المخاطبين بقوله: { يأيها ~~الذين ءامنوا لا تبطلوا صدقاتكم } ويكون من باب ~~الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، وفيه بعد. # وقيل: يعود على ما يفهم من السياق، أي: لا يقدر المانون، ولا ~~المؤذون على شيء من نفع صدقاتهم. وسمى الصدقة كسبا. # قال أبو البقاء: " ولا يجوز أن يكون " لا يقدرون " حالا ~~من " الذي "؛ لأنه قد فصل بينهما بقوله: " فمثله " وما بعده ". ~~ولا يلزم ذلك؛ لأن هذا الفصل فيه تأكيد، وهو كالاعتراض ". # فصل # قال القاضي: إنه تبارك وتعالى أكد النهي عن إبطال الصدقة بالمن، ~~والأذى، وأزال كل شبهة للمرجئة، وبين أن المن والأذى يبطلان ~~الصدقة، ومعلوم أن الصدقة قد وقعت، فلا يصح أن تبطل، فالمراد ~~إبطال أجرها، لأن الأجر لم يحصل بعد، وهو مستقبل، فيصح إبطاله بما ~~يأتيه ms1538 من المن والأذى. # واعلم أنه تعالى ضرب لكيفية إبطال الصدقة بالمن والأذى مثلين، ~~فمثله أولا: بمن ينفق ماله رئاء الناس، وهو مع ذلك لا يؤمن بالله، ~~واليوم الآخر، لأن بطلان أجر نفقة هذا المرائي الكافر، أظهر من بطلان ~~أجر صدقة من يتبعها بالمن، والأذى. ثم مثله ثانيا: ب " ~~الصفوان " الذي وقع عليه تراب، وغبار، ثم أصابه المطر القوي، ~~فيزيل ذلك الغبار عنه حتى يصير كأنه لم يكن عليه غبار أصلا، فالكافر ~~كالصفوان، والتراب مثل ذلك الإنفاق، والوابل كالكفر الذي يحبط عمل ~~الكافر، وكالمن والأذى اللذين يحبطان عمل هذا المنفق. # قال: فكما أن الوابل أزال التراب الذي وقع على الصفوان، فكذلك ~~المن والأذى، وجب أن يكونا مبطلين لأجر الإنفاق بعد حصوله، وذلك صريح ~~في القول بالإحباط. # قال الجبائي: وكما دل هذا النص على صحة قولنا فالعقل دل عليه ~~أيضا؛ لأن من أطاع، فلو استحق ثواب طاعته، وعقاب معصيته لوجب أن يستحق ~~النقيضين؛ لأن شرط الثواب أن يكون منفعة خالصة دائمة مقرونة ~~بالإجلال، وشرط العقاب أن يكون مضرة خالصة دائمة مقرونة بالإهانة فلو ~~لم تقع المحابطة، لحصل استحقاق النقيضين وذلك محال، ولأنه حين يعاقبه، ~~فقد منعه الإثابة، ومنع الإثابة ظلم، وهذا العقاب عدل، فيلزم أن يكون ~~هذا العقاب عدلا من حيث إنه حقه، وأن يكون ظلما من حيث إنه منع ~~الإثابة، فيكون ظلما بنفس الفعل الذي هو عادل فيه؛ وذلك محال، فصح ~~بهذا النص ودلالة العقل صحة قولنا في الإحباط والتكفير. # وأجيبوا بأنه ليس المراد بقوله " لا تبطلوا " النهي عن إزالة هذا ~~الثواب بعد ثبوته، بل المراد به ألا يأتي بهذا العمل باطلا؛ لأنه ~~إذا قصد به غير وجه الله تعالى، فقد أتى به من الابتداء موصوفا ~~بالبطلان. # قال ابن الخطيب: ويدل على بطلان قول المعتزلة وجوه: # أولها: أن الباقي والطارئ إن لم يكن بينهما منافاة، لم يلزم من ~~طريان الطارئ زوال الباقي، وإن حصلت بينهما منافاة لم يكن زوال ~~الباقي أولى من اندفاع الطارئ، بل ربما كان اندفاع الطارئ، أولى؛ ~~لأن ms1539 الدفع أسهل من الرفع. # وثانيها: أن الطارئ لو أبطل لكان إما أن يبطل ما دخل منه في الوجود في ~~الماضي، وهو محال؛ لأن الماضي قد انقضى، ولم يبق في الحال، وإعدام ~~المعدوم محال، وإما أن يبطل ما هو موجود في الحال وهو أيضا محال؛ لأن ~~الموجود في الحال، لو أعدمه في الحال لزم الجمع بين العدم والوجود وهو ~~محال، وإما أن يبطل ما سيوجد في المستقبل وهو محال، لأن الذي سيوجد ~~في المستقبل معدوم في الحال، وإعدام ما لم يوجد بعد محال. # وثالثها: أن شرط طريان الطارئ، زوال الباقي، فلو جعلنا زوال النافي ~~معللا بطريان الطارئ، لزم الدور، وهو محال. # ورابعها: أن الطارئ إذا طرأ وأعدم الثواب السابق، فالثواب ~~السابق إما أن يعدم من هذا الطارئ شيئا، أو لا يعدم منه شيئا، ~~والأول هو الموازنة، وهو قول أبي هاشم، وهو باطل، وذلك لأن الموجب ~~لعدم كل واحد منهما وجود الآخر، فلو حصل العدمان معا اللذان هما ~~معلومان، لزم حصول الموجودين اللذين هما علتان، فيلزم أن يكون كل ~~واحد منهما موجودا حال كون كل واحد منهما معدوما وهو محال. # والثاني، وهو قول أبي علي الجبائي: هو أيضا باطل؛ لأن العقاب ~~الطارئ لما أزال الثواب السابق، وذلك الثواب السابق ليس له أثر ~~ألبتة في إزالة الشيء من هذا العقاب الطارئ؛ فحينئذ لا يحصل له من ~~العلم الذي أوجب الثواب السابق فائدة أصلا، لا في جلب ثواب ولا في ~~دفع عقاب، وذلك على مضادة النص الصريح في قوله تبارك وتعالى # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره # [الزلزلة:7]، لأنه خلاف العدل حيث يحمل العبد مشقة الطاعة، ولم يظهر ~~له منها أثر، لا في جلب منفعة، ولا في دفع مضرة. # خامسها: أنكم تقولون الصغيرة تحبط بعض أجزاء الثواب دون البعض وذلك ~~محال؛ لأن أجزاء الاستحقاقات متساوية في الماهية، فالصغيرة ~~الطارئة إذا انصرف تأثيرها إلى بعض تلك الاستحقاقات دون البعض مع ~~استواء الكل في الماهية كان ذلك ترجيحا للممكن من غير مرجح، وهو ~~محال فلم يبق ms1540 إلا أن يقال بأن الصغيرة الطارئة تزيل كل تلك ~~الاستحقاقات، وهو باطل بالاتفاق، أو لا تزيل شيئا منها، وهو المطلوب. # سادسها: أن عقاب الكبيرة، إذا كان أكثر من ثواب العمل المتقدم، ~~فإما أن يقال: بأن المؤثر في إبطال الثواب بعض أجزاء العقاب ~~الطارئ، أو كلها، والأول باطل؛ لأن اختصاص بعض تلك الأجزاء ~~بالمؤثرية دون البعض مع استواء كلها في الماهية ترجيح للممكن من غير ~~مرجح، وهو محال. الثاني باطل، لأنه حينئذ يجتمع على إبطال الجزء ~~الواحد من الثواب جزآن من العقاب مع أن كل واحد من ذينك الجزأين ~~مستقل بإبطال ذلك الثواب، فقد اجتمع على الأثر الواحد مؤثران كل ~~واحد منهما مستقل وذلك محال؛ لأنه يستغني بكل واحد منهما عن كل ~~واحد منهما فيكون غنيا عنهما معا، حال كونه محتاجا إليهما معا، وهو ~~محال. # سابعها: أنه لا منافاة بين هذين الاستحقاقين؛ لأن السيد إذا قال ~~لعبده: احفظ هذا المتاع لئلا يسرقه السارق، ثم في ذلك الوقت جاء ~~العدو، وقصد قتل السيد، فاشتغل العبد بمحاربة ذلك العدو، وقتله، ~~فذلك الفعل من العبد يستوجب استحقاقه للمدح، والتعظيم حيث دفع القتل عن ~~سيده، ويوجب استحقاقه للذم، حيث عرض ماله للسرقة، وكل واحد من ~~الاستحقاقين ثابت، والعقلاء يرجعون في مثل هذه الواقعة إلى الترجيح أو ~~إلى المهايأة، فأما أن يحكموا بانتفاء الاستحقاقين وزواله فذلك مدفوع ~~في بداية العقول. # ثامنها: أن الموجب لحصول هذا الاستحقاق هو الفعل المتقدم، فهذا ~~الطارئ إما أن يكون له أثر في جهة اقتضاء ذلك الفعل لذلك الاستحقاق، ~~أو لا يكون. والأول محال؛ لأن ذلك العل إنما يكون موجودا في ~~الزمان الماضي، فلو كان لهذا الطارئ أثر في ذلك الفعل لكان هذا ~~إيقاعا للتأثير في الزمان الماضي، وهو محال، وإن لم يكن لهذا ~~الطارئ [أثر] في اقتضاء ذلك الفعل السابق لذلك الاستحقاق، وجب أن ~~يبقى ذلك الاقتضاء كما كان وألا يزول. # وتاسعها: أن المعتزلة يقولون: إن شرب جرعة من الخمر، يحبط ~~ثواب الإيمان وطاعة سبعين سنة على سبيل الإخلاص، وذلك محال؛ ms1541 لأنا ~~نعلم بالضرورة أن ثواب هذه الطاعات أكثر من عقاب هذه المعصية ~~الواحدة، والأعظم لا يحيط بالأقل. # قال الجبائي: لا يمتنع أن تكون الكبيرة الواحدة أعظم من كل ~~طاعة، لأن معصية الله تعالى تعظم على قدر كثرة نعمه، وإحسانه، كما أن ~~استحقاق قيام الربانية، وقد رباه وملكه، وبلغه إلى النهاية ~~[العظيمة أعظم] من قيامه بحقه لكثرة نعمه، فإذا كانت نعم الله على ~~عباده، بحيث لا تضبط عظما، وكثرة لم يمتنع أن يستحق على المعصية ~~الواحدة العقاب العظيم الذي يعلو على ثواب جملة الطاعات. # قال ابن الخطيب: وهذا العذر ضعيف؛ لأن الملك الذي عظمت ~~نعمه على عبده، ثم إن ذلك العبد قام بحق عبوديته خمسين سنة، ~~ثم إنه كسر رأس قلم ذلك الملك قصدا، فلو أحبط الملك جميع طاعاته بسبب ~~ذلك القدر من الجرم فكل أحد يذمه، وينسبه إلى ترك الإنصاف ~~والقسوة، ومعلوم أن جميع المعاصي بالنسبة إلى جلال الله تعالى ~~أقل من كسر رأس القلم، فظهر أن قولهم على [خلاف] قياس العقول. # عاشرها: أن إيمان ساعة يهدم كفر سبعين سنة فالإيمان سبعين سنة ~~كيف يهدم بفسق ساعة، وهذا مما لا يقبله العقل، والله أعلم. # قوله { لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى } يحتمل ~~أمرين: # أحدهما: لا تأتوا به باطلا، وذلك أن ينوي بالصدقة الرياء ~~والسمعة. # [قال القرطبي: إن الله تعالى عبر عن عدم القبول، وحرمان الثوب] ~~بالإبطال، والمراد الصدقة التي يمن بها، ويؤذي لا غيرها، ~~فالمن والأذى في صدقة؛ لا يبطل صدقة غيرها. # قال جمهور العلماء في هذه الآية: إن الصدقة التي يعلم الله من ~~صاحبها أنه يمن، أو يؤذي بها، فإنها لا تقبل. # وقيل: إن الله جعل للملك عليها أمارة، فهو لا يكتبها. # قال القرطبي: وهذا حسن. # والثاني: أن يأتوا بها على وجه يوجب الثواب، ثم يتبعوها بالمن ~~والأذى، فيزيلوا ثوابها، وضرب لذلك مثلين: # أحدهما: يطابق الأول وهو قوله: { كالذي ينفق ماله ~~رئآء الناس ولا يؤمن بالله } ، إذ من المعلوم [أن ~~المراد من كونه عمل] هذا باطلا أنه دخل في الوجود ms1542 باطلا، لا أنه ~~دخل صحيحا، ثم يزول؛ لأن الكفر مقارن له فيمتنع دخوله صحيحا في ~~الوجود. # والمثال الثاني: وهو الصفوان الذي وقع عليه تراب، ثم أصابه وابل ~~فهذا يشهد لتأويل المعتزلة؛ لأنه جعل الوابل مزيلا لذلك التراب ~~بعد وقوع التراب على الصفوان، فكذا هاهنا: يجب أن يكون المن ~~والأذى مزيلين للأجر والثواب بعد حصول استحقاق الأجر. # ويمكن أن يجاب عنه: بأنا نسلم أن المشبه بوقوع التراب على ~~الصفوان حصول الأجر للكافر؛ بل المشبه بذلك صدور هذا العمل ~~الذي لولا كونه مقرونا بالنية الفاسدة، لكان موجبا لحصول الأجر ~~والثواب؛ لأن التراب إذا وقع على الصفوان، لم يكن ملتصقا به، ولا ~~غائصا فيه ألبتة، بل يكون ذلك الاتصال كالانفصال، فهو في مرأى ~~العين متصل، وفي الحقيقة منفصل، فكذا الإنفاق المقرون بالمن ~~والأذى، يرى في الظاهر أنه عمل من أعمال البر، وفي ~~الحقيقة ليس كذلك، فظهر أن استدلالهم بهذه ضعيف. # فصل # قال ابن عباس قوله: { لا تبطلوا صدقاتكم بالمن } على ~~الله بسبب صدقتكم، وبالأذى لذلك السائل. # وقال الباقون: بالمن على الفقير وبالأذى للفقير { كالذي ينفق ~~ماله رئآء الناس }؛ لأن المنافق، والمرائي يأتيان بالصدقة ~~لا لوجه الله - تعالى - ومن يقرن الصدقة بالمن والأذى، فقد أتى ~~بتلك الصدقة لا لوجه الله - تعالى - أيضا، إذ لو كان غرضه من تلك ~~الصدقة طلب مرضاة الله تعالى لما من على الفقير، ولا آذاه، فثبت ~~اشتراك الصورتين في كون الصدقة لم يأت بها لوجه الله - تعالى - ~~وتقدم الكلام على الإلقاء. # قوله: { ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغآء ~~مرضات الله }. # قوله: { ومثل الذين ينفقون } كقوله " مثل الذين ~~ينفقون كمثل حبة أنبتت سبع " في جميع التقادير ~~فليراجع. وقرأ الجحدري " كمثل حبة " بالحاء المهملة ~~والباء. # في قوله: " ابتغاء " وجهان: # أحدهما: أنه مفعول من أجله، وشروط النصب متوفرة. # والثاني: أنه حال، و " تثبيتا " عطف عليه بالاعتبارين، أي: ~~لأجل الابتغاء والتثبيت، أو مبتغين متثبتين. ومنع ابن عطية أن ~~يكون " ابتغاء " مفعولا من أجله، قال: " لأنه عطف عليه ~~تثبيتا، وتثبيتا لا يصح أن يكون مفعولا من ms1543 أجله، [لأن ~~الإنفاق لا يكون لأجل التثبيت]. وحكى عن مكي كونه مفعولا من ~~أجله] قال: " وهو مردود بما بيناه ". # وهذا الذي رده لا بد فيه من تفصيل، وذلك أن قوله تبارك ~~وتعالى: " وتثبيتا " إما أن يجعل مصدرا متعديا، أو قاصرا، ~~فإن كان قاصرا، أو متعديا، وقدرنا المفعول هكذا: " وتثبيتا ~~من أنفسهم الثواب على تلك النفقة " ، فيكون تثبيت ~~الثواب وتحصيله من الله حاملا لهم على النفقة، وحينئذ يصح أن ~~يكون " تثبيتا " مفعولا من أجله. # وإن قدرنا المفعول غير ذلك، أي: وتثبيتا من أنفسهم أعمالهم بإخلاص ~~النية، أو جعلنا " من أنفسهم " هو المفعول في المعنى، وأن " ~~من " بمعنى اللام، أي: لأنفسهم، كما تقول: " فعلته كسرا من ~~شهوتي " فلا يتضح فيه أن يكون مفعولا لأجله. # وأبو البقاء قد قدر المفعول المحذوف " أعمالهم بإخلاص النية " ، ~~وجوز أيضا أن يكون " من أنفسهم " مفعولا، وأن تكون " من " ~~بمعنى اللام، وقد كان قدم أولا أنه يجوز فيهما المفعول من أجله، ~~والحالية؛ وهو غير واضح كما تقدم. # وتلخص أن في " من أنفسهم " قولين: # أحدهما: أنه مفعول بالتجوز في الحرف. # والثاني: أنه صفة ل " تثبيتا " ، فهو متعلق بمحذوف، وتلخص أيضا ~~أن التثبيت يجوز أن يكون متعديا، وكيف يقدر مفعوله، وأن يكون ~~قاصرا. # فإن قيل: " تثبيت " مصدر ثبت؛ وثبت متعد، فكيف يكون ~~مصدره لازما؟ # فالجواب: أن التثبيت مصدر تثبت، فهو واقع موقع التثبت، ~~والمصادر تنوب عن بعضها؛ قال تعالى: # وتبتل إليه تبتيلا # [المزمل:8] والأصل: " تبتلا " ويؤيد ذلك قراءة مجاهد " ~~وتثبتا " ، وإلى هذا نحا أبو البقاء. # قال أبو حيان: " ورد هذا القول؛ بأن ذلك لا يكون إلا مع الإفصاح ~~بالفعل المتقدم على المصدر، نحو الآية، وأما أن يؤتى ~~بالمصدر من غير نيابة على فعل مذكور، فلا يحمل على غير فعله ~~الذي هو له في الأصل " ، ثم قال: " والذي نقول: إن ثبت - يعني ~~مخففا - فعل لازم، معناه تمكن ورسخ، وثبت معدى بالتضعيف، ~~ومعناه مكن وحقق؛ قال ابن رواحة: [البسيط] # 1220- فثبت الله ما أتاك من حسن # تثبيت عيسى ونصرا كالذي نصروا # فإذا كان ms1544 التثبيت مسندا إليهم، كانت " من " في موضع نصب متعلقة ~~بنفس المصدر، وتكون للتبعيض؛ مثلها في " هز من عطفه " ، و " ~~حرك من نشاطه " وإن كان مسندا في المعنى إلى أنفسهم، كانت " ~~من " أيضا في موضع نصب؛ صفة لتثبيتا ". # قال الزمخشري: " فإن قلت: فما معنى التبعيض؟ قلت: معناه أن ~~من بذل ماله لوجه الله تعالى، فقد ثبت بعض نفسه، ومن بذل ~~روحه، وماله معا، فقد ثبت نفسه كلها ". قال أبو حيان: " ~~والظاهر أن نفسه هي التي تثبته، وتحمله على الإنفاق في سبيل ~~الله، ليس له محرك إلا هي؛ لما اعتقدته من الإيمان والثواب " يعني: ~~فيترجح أن التثبيت مسند في المعنى إلى أنفسهم. والابتغاء: ~~افتعال من بغيت، أي: طلبت، وسواء قولك: بغيت، وابتغيت. # فصل # معنى قوله: { ابتغآء مرضات الله } ، أي: طلب رضى الله " ~~وتثبيتا من أنفسهم " قال قتادة: احتسابا. # وقال الشعبي، والكلبي: تصديقا من أنفسهم، أي: يخرجون الزكاة طيبة ~~بها أنفسهم، على يقين الثواب، وتصديق بوعد الله، ويعلمون أن ما ~~أخرجوا خير لهم مما تركوا، وقيل: على يقين بإخلاف الله عليهم. # وقال عطاء، ومجاهد: يتثبتون، أي: يضعون أموالهم. # قال الحسن: كان الرجل إذا هم بصدقة يتثبت، فإن كان لله، أمضى، وإن ~~كان يخالطه شك، أمسك، ثم إنه تعالى لما بين أن غرضهم من الإنفاق هذان ~~الأمران، ضرب الإنفاق مثلا، فقال: { كمثل جنة بربوة }. # قال القرطبي: الجنة هي البستان، وهي قطعة أرض تنبت فيها الأشجار، ~~حتى تغطيها، مأخوذة من لفظ الجن والجنين، لاستتارهم. # قوله: " بربوة " في محل جر؛ لأنه صفة لجنة. والباء ظرفية ~~بمعنى " في " ، أي: جنة كائنة في ربوة. والربوة: أرض مرتفعة طيبة، ~~قاله الخليل. وهي مشتقة من: ربا يربو، أي: ارتفع، وتفسير ~~السدي لها بما انخفض من الأرض ليس بشيء. ويقال: ربوة ورباوة، ~~بتثليث الراء فيهما، ويقال - أيضا -: رابية، قال القائل: [الطويل] # 1221- وغيث من الوسمي حو تلاعه # أجابت روابيه النجاء هواطله # وقرأ ابن عامر، وعاصم: " ربوة " بالفتح، والباقون: بالضم، قال ~~الأخفش: " ونختار الضم؛ لأنه لا يكاد يسمع في الجمع إلا ~~الربا " يعني ms1545 فدل ذلك على أن المفرد مضموم الفاء، نحو برمة، ~~وبرم، وصورة، وصور. وقرأ ابن عباس: " ربوة " بالكسر، [والأشهب] ~~العقيلي: " رباوة " ، مثل رسالة، وأبو جعفر: " رباوة " مثل كراهة، ~~وقد تقدم أن هذه لغات. # فصل # تقدم أن الربوة: هي المرتفع من الأرض، ومنه الرابية، لأن أجزاءها ~~ارتفعت ومنه الربو إذا أصابه نفس في جوفه زائد، ومنه الربا؛ لأنه ~~الزيادة قال المفسرون: إن البستان إذا كان في ربوة من الأرض، كان ~~أحسن، وأكثر ريعا. # قال ابن الخطيب: وفيه إشكال: وهو أن البستان إذا كان في موضع مرتفع من ~~الأرض، فلا ترتفع إليه الأنهار، وتضر به الرياح كثيرا؛ فلا يحسن ~~ريعه وإذا كان في وهدة من الأرض، انصبت إليه مياه الأنهار، ولا يصل ~~إليه إثارة الرياح، فلا يحسن أيضا ريعه فإذن البستان إنما يحسن ريعه إذا ~~كان على الأرض المستوية التي لا تكون ربوة، ولا وهدة فإذن ليس المراد ~~من هذه الربوة، ما ذكروه، بل المراد منه كون الأرض طينا حرا بحيث ~~إذا نزل المطر عليها، انتفخ وربا ونما، فإن الأرض متى كانت بهذه الصفة ~~يكثر ريعها، وتكمل أشجارها، ويؤيد هذا التأويل قوله تبارك وتعالى: # وترى الأرض هامدة فإذآ أنزلنا عليها المآء ~~اهتزت وربت # [الحج:5] والمراد من ربوها ما ذكرنا، فكذا هاهنا. # وأيضا فإنه تبارك وتعالى ذكر هذا المثل في مقابلة المثل الأول، وهو ~~الصفوان الذي لا يؤثر فيه المطر، ولا يربو، ولا ينمو؛ بسبب نزول المطر ~~عليه، فكان المراد بالربوة في هذا المثل كون الأرض بحيث تربو، ~~وتنمو والله أعلم. # قال ابن عطية: ورياض الحزن ليست من هذا، كما زعم الطبري؛ بل تلك هي ~~الرياض المنسوبة إلى نجد؛ لأنها خير من رياض تهامة ونبات نجد ~~أعطر، ونسيمه أبرد وأرق، ونجد يقال لها حزن وقلما يصلح هواء ~~تهامة إلا بالليل، ولذلك قالت الأعرابية: " زوجي كليل تهامة ~~". # قوله: { أصابها وابل } هذه الجملة فيها أربعة أوجه: # أحدها: أنها صفة ثانية لجنة، هنا بالوصف بالجار والمجرور، ثم ~~بالجملة؛ لأنه الأكثر في لسانهم؛ لقربه من المفرد، وبدئ بالوصف ms1546 ~~الثابت المستقر وهو كونها بربوة، ثم بالعارض، وهو إصابة الوابل. وجاء ~~قوله في وصف الصفوان بقوله: " عليه تراب " ثم عطف على الصفة ~~" فأصابه وابل " وهنا لم بعطف بل أخرج صفة. # والثاني: أن تكون صفة ل " ربوة ". # قال أبو البقاء: " لأن الجنة بعض الربوة " كأنه يعني أنه يلزم ~~من وصف الربوة بالإصابة، وصف الجنة به. # الثالث: أن تكون حالا من الضمير المستكن في الجار؛ لوقوعه صفة. # الرابع: أن تكون حالا من " جنة " ، وجاز ذلك؛ لأن النكرة قد ~~تخصصت بالوصف. # قوله: { فآتت أكلها } أي أعطت و " أكلها " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: وهو الأصح أن " آتت " تتعدى لاثنين، حذف أولهما وهو " ~~صاحبها " ، أو " أهلها ". والذي حسن حذفه، أن القصد الإخبار عما ~~تثمر، لا عمن تثمر له؛ ولأنه مقدر في قوله: " كمثل ~~جنة " أي: غارس جنة، أو صاحب جنة؛ كما تقدم. و " أكلها " ~~هو المفعول الثاني. و " ضعفين " نصب على الحال من " أكلها ". # والثاني: أن " ضعفين " هو المفعول الثاني، وهذا غلط. # والثالث: أن " آتت " هنا بمعنى أخرجت، فهو متعد لمفعول واحد. ~~قال أبو البقاء: " لأن معنى " آتت ": أخرجت، وهو من الإتاء، ~~وهو الريع ". قال أبو حيان: " لا نعلم ذلك في لسان العرب ". ونسبة ~~الإتاء إليها مجاز. # وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو " أكلها " بضم الهمزة، وسكون ~~الكاف، وهكذا كل ما أضيف من هذا إلى مؤنث، إلا أبا عمرو، فإنه ~~يثقل ما أضيف إلى غير ضمير، أو إلى ضمير المذكر، والباقون: بالتثقيل ~~مطلقا، وسيأتي إيضاح هذا كله. والأكل بالضم: الشيء المأكول ~~والأكلة في المعنى مثل الطعمة؛ وأنشد الأخفش: [الطويل] # 1222- فما أكلة إن نلتها بغنيمة # ولا جوعة إن جعتها بغرام # وقال أبو زيد: يقال: إنه لذو أكل، إذا كان له حظ من الدنيا. وبالفتح ~~مصدر، وأضيف إلى الجنة؛ لأنها محله أو سببه ومعنى " ضعفين ~~" أي: ضعفت في الحمل؛ لأن ضعف الشيء مثله زائدا عليه، وقيل: ~~ضعف الشيء مثلاه. # قال عطاء: حملت في سنة من الريع ما يحمل غيرها في سنتين. # وقال عكرمة: حملت في السنة مرتين. ms1547 # وقال الأصم: ضعف ما يكون في غيرها. # قوله: { فإن لم يصبها وابل فطل }. الفاء: جواب الشرط، ~~ولا بد من حذف بعدها؛ لتكمل جملة الجواب. واختلف في ذلك على ثلاثة ~~أوجه: # فذهب المبرد إلى أن المحذوف خبر، وقوله: " فطل " مبتدأ، ~~والتقدير: " فطل يصيبها ". وجاز الابتداء هنا بالنكرة؛ لأنها في ~~جواب الشرط، وهو من جملة المسوغات للابتداء بالنكرة، ومن ~~كلامهم: " إن ذهب عير، فعير في الرباط ". # والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: فالذي يصيبها طل. # والثالث: أنه فاعل بفعل مضمر؛ تقديره: فيصيبها طل، وهذا ~~أبينها. # إلا أن أبا حيان قال - بعد ذكر الثلاثة الأوجه - " والأخير ~~يحتاج فيه إلى حذف الجملة الواقعة جوابا، وإبقاء معمول لبعضها؛ لأنه ~~متى دخلت الفاء على المضارع، فإنما هو على إضمار مبتدأ؛ كقوله: # ومن عاد فينتقم الله منه # [المائدة:95] [أي: فهو ينتقم]، فكذلك يحتاج إلى هذا التقدير هنا، أي: ~~فهي، أي: الجنة يصيبها طل، وأما في التقديرين السابقين، فلا يحتاج ~~إلا إلى حذف أحد جزئي الجملة ". قال شهاب الدين: وفيما قاله نظر؛ ~~لأنا لا نسلم أن المضارع بعد الفاء الواقعة جوابا يحتاج إلى ~~إضمار مبتدأ. ونظير الآية قول امرئ القيس: [الوافر] # 1223- ألا إن لا تكن إبل فمعزى # كأن قرون جلتها العصي # فقوله: فمعزى " فيه التقادير الثلاثة. # وادعى بعضهم أن في هذه الآية الكريمة تقديما وتأخيرا، والأصل: " ~~أصابها وابل، فإن لم يصبها وابل فطل فآتت أكلها ~~ضعفين " حتى يجعل ايتاؤها الأكل ضعفين على الحالين: من ~~الوابل، والطل، وهذا لا حاجة إليه؛ لاستقامة المعنى بدونه، ~~والأصل عدم التقديم والتأخير، حتى يخصه بعضهم بالضرورة. # والطل: المستدق من القطر الخفيف وقال مجاهد: " هو ~~الندى " وهذا تجوز منه؛ ويقال: طله الندى وأطله أيضا؛ ~~قال: [الطويل] # 1224- ولما نزلنا منزلا طله الندى # ....................... # ويجمع " طل " على طلال؛ نقول: طلت الأرض، وأطلها الندى فهي ~~مطلولة قال الماوردي: وزرع الطل أضعف من زرع المطر، وأقل ~~ريعا. # فصل # هذا مثل ضربه الله تعالى؛ لعمل المؤمن المخلص، فيقول: كما أن هذه ~~الجنة تريع في كل حال، ولا تخلف سواء قل ms1548 المطر أو كثر؛ كذلك ~~يضعف الله صدقة المؤمن المخلص الذي لا يمن، ولا يؤذي سواء قلت ~~نفقته أو كثرت، وذلك أن الطل إذا كان يدوم، يعمل عمل الوابل ~~الشديد. # وقيل: معناه إن لم يصبها وابل حتى تضاعف ثمرتها، فلا بد وأن ~~يصيبها طل يعطي ثمرا دون ثمر الوابل، فهي على كل حال لا تخلو من ~~ثمرة، فكذلك من أخرج صدقة لوجه الله تعالى، لا يضيع كسبه؛ قليلا كان، ~~أو كثيرا. # قوله: { والله بما تعملون بصير } هذا وعد، ووعيد. # قرأ الجمهور: تعملون خطابا وهو واضح، فإنه من الالتفات من الغيبة ~~إلى الخطاب الباعث على فعل الإنفاق الخالص لوجه الله تعالى، ~~والزاجر عن الرياء والسمعة. وقرأ الزهري: بالياء على الغيبة، ويحتمل ~~وجهين: # أحدهما: أن يعود على المنفقين. # والثاني: أن يكون عاما فلا يخص المنفقين، بل يعود على الناس ~~أجمعين؛ ليندرج فيهم المنفقون اندراجا أوليا. # والمراد من البصير: العليم، أي: هو تبارك وتعالى عالم بكمية النفقات ~~وكيفيتها والأمور الباعثة عليها، وأنه تعالى يجازي بها. ### || [2.266] # هذا مثال آخر ذكره الله تعالى في حق من يتبع إنفاقه بالمن ~~والأذى، " الود ": هو المحبة الكاملة، والهمزة في " أيود " ~~للاستفهام، وهو بمعنى الإنكار، وإنما قال: " أيود " ، ولم يقل ~~أيريد؛ لأنا ذكرنا أن المودة هي المحبة التامة، ومعلوم أن محبة ~~كل أحد لعدم هذه الحالة محبة كاملة، فلهذا ذكر هذا اللفظ في جانب ~~الثبوت؛ تنبيها على الإنكار التام، والنفرة البالغة إلى الحد الذي ~~لا مزيد فوقه. # قوله تعالى: { من نخيل } في محل رفع؛ صفة لجنة، أي: كائنة من ~~نخيل. و " نخيل " فيه قولان: # أحدهما: أنه اسم جمع. # والثاني: أنه جمع " نخل " الذي هو اسم الجنس، ونحوه: كلب وكليب، ~~قال الراغب: " سمي بذلك؛ لأنه منخول الأشجار، وصفيها؛ لأنه ~~أكرم ما ينبت " وذكر له منافع وشبها من الآدميين. # والأعناب: جمع عنبة، ويقال: " عنباء " مثل " سيراء " بالمد، ~~فلا ينصرف. وحيث جاء في القرآن ذكر هذين، فإنما ينص على النخل دون ~~ثمرتها، وعلى ثمرة الكرم دون الكرم؛ لأن النخل كله منافع، ~~وأعظم ms1549 منافع الكرم ثمرته دون باقيه. # قوله: { تجري من تحتها } هذه الجملة في محلها وجهان: # أحدهما: أنها في محل رفع؛ صفة لجنة. # والثاني: أنها في محل نصب، وفيه أيضا وجهان، فقيل: على الحال من " ~~جنة "؛ لأنها قد وصفت. وقيل: على أنها خبر [تكون] نقله مكي. # قوله: { له فيها من كل الثمرات } جملة من مبتدإ، وخبر، ~~فالخبر قوله: " له " و " من " كل الثمرات " هو المبتدأ، وذلك ~~لا يستقيم على الظاهر، إذ المبتدأ لا يكون جارا ومجرورا؛ فلا بد ~~من تأويله. واختلف في ذلك: # فقيل: المبتدأ في الحقيقة محذوف، وهذا الجار والمجرور صفة قائمة ~~مقامه، تقديره: " له فيها رزق من كل الثمرات، أو فاكهة من كل ~~الثمرات " فحذف الموصوف، وبقيت صفته؛ ومثله قول النابغة: [الوافر] # 1225- كأنك من جمال بني أقيش # يقعقع خلف رجليه بشن # أي: جمل من جمال بني أقيش، وقوله تعالى: # وما منآ إلا له مقام معلوم # [الصافات:164] أي: وما منا أحد إلا له مقام. # وقيل: " من " زائدة تقديره: له فيها كل الثمرات، وذلك عند الأخفش؛ ~~لأنه لا يشترط في زيادتها شيئا. # وأما الكوفيون: فيشترطون التنكير، والبصريون يشترطونه وعدم ~~الإيجاب، وإذا قلنا بالزيادة، فالمراد بقوله: " كل الثمرات " ~~التكثير لا العموم، لأن العموم متعذر. # قال أبو البقاء: ولا يجوز أن تكون " من " زائدة، لا على قول ~~سيبويه ولا قول الأخفش؛ لأن المعنى يصير: له فيها كل الثمرات، ~~وليس الأمر على هذا، إلا أن يراد به هنا الكثرة لا الاستيعاب، ~~فيجوز عند الأخفش؛ لأنه يجوز زيادة " من " في الواجب. # فإن قيل: كيف عطف " وأصابه " على " أيود "؟ وكيف يجوز عطف ~~الماضي على المستقبل؟ # فالجواب: من وجوه: # أحدها: أن الواو للحال، والجملة بعدها في محل نصب عليها، و " قد ~~" مقدرة أي: وقد أصابه، وصاحب الحال هو " أحدكم " ، والعامل ~~فيها " يود " ، ونظيرها: # وكنتم أمواتا فأحياكم # [البقرة:28]، وقوله تعالى: # وقعدوا لو أطاعونا # [آل عمران:168] أي: وقد كنتم، وقد قعدوا. # والثاني: أن يكون قد وضع الماضي موضع المضارع، والتقدير " ويصيبه ~~الكبر " كقوله تعالى: # يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم # [هود:98] ms1550 أي: يوردهم. قال الفراء: يجوز ذلك في " يود "؛ لأنه ~~يتلقى مرة ب " أن " ومرة ب " لو " فجاز أن يقدر أحدهما ~~مكان الآخر. # الثالث: أنه حمل في العطف على المعنى؛ لأن المعنى: أيود أحدكم ~~أن لو كانت، فأصابه الكبر، وهذا الوجه فيه تأويل المضارع ~~بالماضي؛ ليصح عطف الماضي عليه، عكس الوجه الذي قبله، فإن فيه ~~تأويل الماضي بالمضارع. واستضعف أبو البقاء هذا الوجه؛ بأنه يؤدي إلى ~~تغيير اللفظ مع صحة المعنى. # والزمخشري نحا إلى هذا الوجه - أيضا - فإنه قال " وقيل: يقال: ~~وددت لو كان كذا؛ فحمل العطف على المعنى، كأنه قيل: أيود ~~أحدكم لو كانت له جنة، وأصابه الكبر ". # قال أبو حيان: " وظاهر كلامه أن يكون " أصابه " معطوفا على ~~متعلق " أيود " وهو " أن تكون "؛ لأنه في معنى " لو كانت ~~" ، إذ يقال: أيود أحدكم لو كانت، وهذا ليس بشيء؛ لأنه يمتنع من حيث ~~المعنى أن يكون معطوفا على " كانت " التي قبلها " لو "؛ لأنه متعلق ~~الود، وأما " أصابه الكبر " فلا يمكن أن يكون متعلق الود؛ ~~لأن " أصابه الكبر " لا يوده أحد ولا يتمناه، لكن يحمل ~~قول الزمخشري على أنه لما كان " أيود " استفهاما معناه ~~الإنكار جعل متعلق الودادة الجمع بين الشيئين، وهما: كون جنة ~~له، وإصابة الكبر إياه، لا أن كل واحد منهما يكون مودودا على ~~انفراده، وإنما أنكروا ودادة الجمع بينهما ". # قوله تعالى: { وله ذرية } هذه الجملة في محل نصب على ~~الحال من الهاء في " وأصابه " ، وقد تقدم اشتقاق الذرية. وقرئ ~~" ضعاف " ، وضعفاء، وضعاف، منقاسان في ضعيف، نحو: ظريف، وظرفاء، ~~وظراف، وشريف، وشرفاء وشراف. # قوله: { فأصابهآ إعصار } هذه الجملة عطف على صفة الجنة ~~قبلها، قاله أبو البقاء. يعني على قوله تعالى: { من نخيل } وما ~~بعده. # وأتى في هذه الآيات كلها بلفظ الإصابة نحو فأصابه وابل، وأصابه ~~الكبر، فأصابها إعصار؛ لأنه أبلغ، وأدل على التأثير بوقوع ~~الفعل على ذلك الشيء، من أنه لم يذكر بلفظ الإصابة، حتى لو قيل: " ~~وبل " ، و " كبر " ، و " أعصرت " لم يكن فيه ما في لفظ ~~الإصابة من المبالغة. ms1551 # والإعصار: الريح الشديدة المرتفعة، وتسميها العامة: ~~الزوبعة. وقيل: هي الريح السموم، سميت بذلك؛ لأنها تلف كما ~~يلف الثوب المعصور، حكاه المهدوي. وقيل: لأنها تعصر السحاب، ~~وتجمع على أعاصير، قال: [البسيط] # 1226أ- وبينما المرء في الأحياء مغتبط # إذ هو في الرمس تعفوه الأعاصير # والإعصار من بين سائر أسماء الريح، مذكر، ولهذا رجع إليه الضمير ~~مذكرا في قوله: " فيه نار ". # و " نار " يجوز فيه الوجهان: أعني الفاعلية، والجار قبلها صفة ل " ~~إعصار " والابتدائية، والجار قبلها خبرها، والجملة صفة " إعصار " ~~، والأول أولى؛ لما تقدم من أن الوصف بالمفرد أولى، والجار أقرب ~~إليه من الجملة. # قوله: " فاحترقت " أي: أحرقها، فاحترقت، فهو مطاوع لأحرق ~~الرباعي، وأما " حرق " من قولهم: " حرق ناب الرجل " إذا ~~اشتد غيظه، فيستعمل لازما، ومتعديا، قال: [الطويل] # 1226ب- أبى الضيم والنعمان يحرق نابه # عليه فأفضى والسيوف معاقله # روي برفع " نابه " ونصبه، وقوله { كذلك يبين الله لكم ~~الآيات } إلى آخره قد تقدم نظيره. # فصل # قال عبيد بن عمير: قال عمر - رضي الله عنه - لأصحاب النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فيمن ترون هذه الآية نزلت { أيود أحدكم أن ~~تكون له جنة }؟ قالوا: الله أعلم، فغضب عمر - رضي الله عنه - ~~فقال: قولوا: نعلم، أو لا نعلم، فقال ابن عباس - رضي الله عنه -: في نفسي ~~منها شيء يا أمير المؤمنين، فقال عمر - رضي الله عنه - يا ابن أخي، قل ~~ولا تحقر نفسك، فقال ابن عباس - رضي الله عنه -: ضربت مثلا لعمل فقال ~~عمر: أي عمل؟ فقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: لعمل منافق، ومراء، ~~قال عمر - رضي الله عنه -: لأي رجل؟ قال لرجل غني يعمل بطاعة الله، بعث ~~الله له الشيطان؛ فعمل بالمعاصي؛ حتى أحرق أعماله. # وقال المفسرون: هذا مثل ضربه الله تعالى لعمل المنافق، والمرائي، ~~يقول: عمله في حسنه كحسن الجنة، كما ينتفع صاحب الجنة بالجنة. # { من نخيل وأعناب } وإنما خصهما بالذكر؛ لأنهما أشرف الفواكه ~~وأحسنها منظرا حيث تكون باقية على الأشجار، ووصف تلك الجنة بأن ~~الأنهار تجري من تحتها، وذلك زيادة في الحسن، وأن فيها من ms1552 كل ~~الثمرات، وهذا سبب لكمال حال هذه الجنة من الرؤية، والمنظر، وكثرة ~~النفع، والريع، ولا يمكن الزيادة على ذلك، فإذا كبر أو ضعف وصار له ~~أولاد ضعاف، أي: بسبب الصغر، والطفولية، فإنه إذا صار كبيرا؛ عجز ~~عن الاكتساب، وكثرت جهات حاجاته في مطعمه، وملبسه، ومسكنه، ومن يقوم ~~بخدمته، وتحصيل مصالحه، فإذا تزايدت حاجاته، وتناقصت جهات مكسبه، أصاب ~~جنته إعصار فيه نار فاحترقت، وهو أحوج ما يكون إليها، وضعف عن ~~إصلاحها؛ لكبره، وضعف أولاده عن إصلاحها؛ لصغرهم، فلم يجد هو ما يعود به ~~على أولاده، ولا أولاده ما يعودون به عليه، فبقوا جميعا متحيرين عجزة ~~لا حيلة بأيديهم، كذلك يبطل الله عمل هذا المنافق، والمرائي حيث لا مغيث ~~لهما، ولا توبة، ولا إقالة، ونظير هذه الآية الكريمة # وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون # [الزمر:47] وقوله تعالى: # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # [الفرقان:23]. ### || [2.267] # اعلم أنه تعالى لما ذكر الانفاق على قسمين، وبين كل قسم وضرب له مثلا، ~~ذكر في هذه الآية كيفية الإنفاق. # قوله تعالى: { أنفقوا من طيبات ما كسبتم }: في مفعول " ~~أنفقوا " قولان: # أحدهما: أنه المجرور ب " من " ، و " من " للتبعيض، أي: أنفقوا بعض ~~ما رزقناكم. # والثاني: أنه محذوف قامت صفته مقامه، أي: شيئا مما رزقناكم، وتقدم ~~له نظائر. # و " ما " يجوز أن تكون موصولة اسمية، والعائد محذوف؛ لاستكمال الشروط، ~~أي: كسبتموه، وأن تكون مصدرية أي: من طيبات كسبكم، وحينئذ لا بد من ~~تأويل هذا المصدر باسم المفعول، أي: مكسوبكم، ولهذا كان الوجه الأول ~~أولى. # و { ممآ أخرجنا } عطف على المجرور ب " من " بإعادة الجار، ~~لأحد معنيين: إما التأكيد، وإما للدلالة على عامل آخر مقدر، أي: ~~وأنفقوا مما أخرجنا. ولا بد من حذف مضاف، أي: ومن طيبات ما أخرجنا. ~~و " لكم " متعلق ب " أخرجنا " ، واللام للتعليل. و " من الأرض " ~~متعلق ب " أخرجنا " ، و " من " لابتداء الغاية. # قوله: { ولا تيمموا الخبيث } الجمهور على " تيمموا " ، ~~والأصل: تتيمموا بتاءين، فحذفت إحداهما تخفيفا: إما الأولى، وإما ~~الثانية، وقد ms1553 تقدم تحريره عند قوله: # تظاهرون # [البقرة:85]. # وقرأ البزي هنا وفي مواضع أخر بتشديد التاء، على أنه أدغم التاء ~~الأولى في الثانية، وجاز ذلك هنا وفي نظائره؛ لأن الساكن الأول حرف ~~لين، وهذا بخلاف قراءته # نارا تلظى # [الليل:14] # إذ تلقونه # [النور:15] فإنه فيه جمع بين ساكنين، والأول حرف صحيح، وفيه كلام ~~لأهل العربية، يأتي ذكره إن شاء الله تعالى. # قال أبو علي: هذا الإدغام غير جائز؛ لأن المدغم يسكن، وإذا سكن، ~~وجب أن تجلب همزة الوصل عند الابتداء به كما جلبت في أمثلة الماضي، نحو # فادارأتم # [البقرة:72] و # ارتبتم # [المائدة:106] و # اطيرنا # [النمل:47]. # لكن أجمعوا على أن همزة الوصل لا تدخل على المضارع. # وقرأ ابن عباس، والزهري " تيمموا " بضم التاء، وكسر الميم ~~الأولى، وماضيه: يمم، فوزن " تيمموا " على هذه القراءة: تفعلوا ~~من غير حذف، وروي عن عبد الله " تؤمموا " من أممت، أي: قصدت. # والتيمم: القصد، يقال: أم ك " رد " ، وأمم ك " أخر " ، ~~ويمم، وتيمم بالتاء، والياء معا، وتأمم بالتاء والهمزة. وكلها ~~بمعنى قصد. وفرق الخليل - رحمه الله - بينها بفروق لطيفة، فقال: " ~~اممته أي قصدت أمامه، ويممته: قصدته من أي جهة كان ". # والخبيث والطيب: صفتان غالبتان، لا يذكر موصوفهما؛ قال تعالى: # والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين ~~والطيبون للطيبات # [النور:26]، # ويحرم عليهم الخبآئث # [الأعراف:157]، قال صلى الله عليه وسلم: # " من الخبث، والخبائث ". # قوله: { منه تنفقون } " منه " متعلق بتنفقون، وتنفقون فيها ~~ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها في محل نصب على الحال من الفاعل في " تيمموا " أي: ~~لا تقصدوا الخبيث منفقين منه، قالوا: وهي حال مقدرة، لأن الإنفاق منه ~~يقع بعد القصد إليه، قاله أبو البقاء وغيره. # والثاني: أنها حال من الخبيث؛ لأن في الجملة ضميرا يعود إليه، أي: لا ~~تقصدوا منفقا منه. # والثالث: أنه مستأنف منه ابتداء إخبار بذلك، وتم الكلام عند قوله: { ~~ولا تيمموا الخبيث } ثم ابتدأ خبرا آخر، فقال: تنفقون منه، ~~وأنتم لا تأخذونه إلا إذا أغمضتم، كأن هذا عتاب للناس، وتقريع. # والتقدير: تنفقون مع أنكم لستم بآخذيه إلا مع الإغماض، فهو استفهام على ms1554 ~~سبيل الإنكار. قال شهاب الدين: وهذا يرده المعنى. # فصل في بيان المراد من النفقة # اختلفوا في المراد بهذه النفقة: فقال الحسن: المراد بها الزكاة ~~المفروضة؛ لأن هذا أمر، والأمر للواجب. # وقال قوم: صدقة التطوع؛ لما روي عن علي، والحسن، ومجاهد: أنهم قالوا: ~~كانوا يتصدقون بشرار ثمارهم، ورديء أموالهم؛ فنزلت هذه الآية. # " وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال جاء رجل ذات يوم بعذق خشف فوضعه ~~في الصدقة. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " بئس ما ~~صنع صاحب هذا " # فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وقال آخرون: المراد الفرض، والنفل؛ لأن المفهوم من الأمر ترجيح جانب ~~الفعل على جانب الترك من غير أن يكون فيه بيان أنه يجوز الترك أو لا يجوز ~~وهذا المفهوم قدر مشترك بين الفرض والنفل؛ فوجب أن يدخلا فيه، فعلى ~~القول بأنه الزكاة فنقول: ظاهر الآية يدل على وجوب الزكاة في كل مال ~~يكتسبه الإنسان، من الذهب، والفضة، والتجارة، وزكاة الإبل، والغنم، ~~والبقر؛ لأن ذلك مما يوصف بأنه مكتسب. # قال القرطبي: والكسب يكون بتعب بدن، وهي الإجارة، أو مقاولة في ~~تجارة، وهو البيع، والميراث داخل في هذا؛ لأن غير الوارث قد كسبه. # وقال ابن خويزمنداد: ولهذه الآية جاز للوالد أن يأكل من كسب ولده؛ لقوله ~~صلى الله عليه وسلم: # " أولادكم من طيبات ما كسبتم فكلوا من ~~أموال أولادكم هنيئا ". # قوله: { وممآ أخرجنا لكم من الأرض } يدل على وجوب ~~الزكاة في كل ما تنبته الأرض، على ما هو قول أبي حنيفة - رحمه الله ~~تعالى - وخص مخالفوه هذا العموم بقوله - صلى الله عليه وسلم -: # " ليس في الخضروات صدقة " # وأستدل أبو حنيفة - رحمه الله - أيضا بهذه الآية الكريمة على وجوب ~~إخراج الزكاة من كل ما أنبتته الأرض، قليلا كان، أو كثيرا؛ لظاهر ~~الآية وخص مخالفوه هذا العموم بقوله - صلى الله عليه وسلم -: # " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ". # أما المعدن والركاز فقال - صلى الله عليه وسلم -: # " العجماء جرحها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، ~~وفي الركاز الخمس " # الجبار: الهدر الذي لا ms1555 شيء فيه، والعجماء: الدابة، والركاز: هو ما ~~دفنه أهل الجاهلية وعليه علامتهم. # فصل # اختلفوا في الطيب: فقيل: هو الجيد، فعلى هذا يكون الخبيث هو الرديء. ~~وقال ابن مسعود، ومجاهد، والسدي: الطيب هو الحلال، وعلى هذا، فالخبيث ~~هو الحرام. # حجة الأول ما ذكرنا في سبب النزول، ولأن المحرم لا يجوز أخذه؛ لا ~~بإغماض ولا غيره، والآية تدل على جواز أخذه بالإغماض. # قال القفال - رحمه الله -: ويمكن أن يجاب عن هذا بأن الإغماض: ~~المسامحة، وترك الاستقصاء، فيكون المعنى: ولستم بآخذيه، وأنتم تعلمون أنه ~~محرم؛ إلا أن ترخصوا لأنفسكم أخذ الحرام، ولا تبالون من أي وجه ~~أخذتم المال أمن حلال، أم حرام. # واحتجوا - أيضا - بقوله تعالى: # لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون # [آل عمران:92] وذلك يؤكد أن المراد بالطيب هو النفيس الذي يستطاب ~~تملكه، لا الخسيس الذي يرفضه كل أحد واحتج القاضي للقول الثاني: بأنا ~~أجمعنا على أن الطيب في هذه الآية؛ إما الجيد؛ وإما الحلال، فإذا بطل ~~الأول، تعين الثاني. # وإنما قلنا: بطل الأول؛ لأن المراد لو كان هو الجيد، لكان ذلك أمرا ~~بإنفاق مطلق الجيد سواء كان حلالا أو حراما، وذلك غير جائز، ~~والتزام التخصيص خلاف الأصل؛ فتعين الحلال. # قال ابن الخطيب: ويمكن أن يذكر فيه قول ثالث، وهو: أن المراد من " ~~الطيب " - هاهنا - ما يكون طيبا من كل الوجوه، فيكون طيبا ~~بمعنى: الحلال، ويكون طيبا بمعنى: الجودة، وليس لقائل أن يقول إن ~~حمل اللفظ المشترك على مفهوميه، لا يجوز؛ لأنا نقول: الحلال إنما يسمى ~~طيبا؛ لأنه يستطيبه العقل، والدين، والجيد: إنما يسمى طيبا؛ لأنه ~~يستطيبه الميل، والشهوة. فمعنى الاستطابة مفهوم واحد مشترك بين ~~القسمين، فكان اللفظ محمولا عليه. إذا ثبت أن المراد منه الجيد ~~الحلال؛ فنقول: الأموال الزكاتية إما أن تكون كلها شريفة، أو كلها ~~خسيسة، أو تكون متوسطة أو مختلطة، فإن كان الكل شريفا، كان المأخوذ ~~بحساب الزكاة كذلك، وإن كان الكل خسيسا، كانت الزكاة كذلك، أيضا، ولا ~~يكون ذلك خلافا للآية؛ لأن المأخوذ في هذه الحالة لا ms1556 يكون خسيسا من ذلك ~~المال بل إذا كان في المال جيد ورديء، فحينئذ يقال للإنسان: لا تجعل ~~الزكاة من رديء مالك، وأما إن كان المال مختلطا، فالواجب هو الوسط، # " قال - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: " إياك ~~وكرائم أموالهم " # وأما إن قلنا: المراد صدقة التطوع أو كلاهما، فنقول: إن الله تعالى ~~ندبهم إلى التقرب إليه بأفضل ما يملكونه، كمن يتقرب إلى السلطان ~~بتحفة، وهدية، فلا بد وأن تكون تلك التحفة أفضل ما في ملكه، فكذا - ~~هاهنا -. # قوله: { ولستم بآخذيه } هذه الجملة فيها قولان: # أحدهما: أنها مستأنفة لا محل لها من الإعراب، وإليه ذهب أبو البقاء. # والثاني: أنها في محل نصب على الحال، ويظهر هذا ظهورا قويا عند من ~~يرى أن الكلام قد تم عند قوله: { ولا تيمموا الخبيث } وما ~~بعده استئناف، كما تقدم. # والهاء في " بآخذيه " تعود على " الخبيث " وفيها، وفي نحوها من ~~الضمائر المتصل باسم الفاعل؛ قولان مشهوران: أحدهما: أنها في محل جر، ~~وإن كان محلها منصوبا؛ لأنها مفعول في المعنى. # والثاني: - وهو رأي الأخفش - أنها في محل نصب، وإنما حذف التنوين، ~~والنون في نحو: " ضاربيك " للطافة الضمير، ومذهب هشام أنه يجوز ثبوت ~~التنوين مع الضمير، فيجيز: " هذا ضاربنك " بثبوت التنوين، وقد ~~يستدل لمذهبه بقوله: [الطويل] # 1227- هم الفاعلون الخير والآمرونه # ....................... # وقوله الآخر: [الطويل] # 1228- ولم يرتفق والناس محتضرونه # ........................ # فقد جمع بين النون النائبة عن التنوين، وبين الضمير. # قوله: { إلا أن تغمضوا } الأصل: إلا بأن، فحذف حرف الجر مع ~~" أن " فيجيء فيها القولان: أهي في محل جر، أم نصب؟ وهذه الباء ~~تتعلق بقوله: " بآخذيه ". وأجاز أبو البقاء - رحمه الله - أن تكون " ~~أن " وما في حيزها في محل نصب على الحال، والعامل فيها " آخذيه ". ~~والمعنى: لستم بآخذيه في حال من الأحوال إلا في حال الإغماض، وقد ~~تقدم أن سيبويه - رحمه الله - لا يجيز أن تقع " أن " ، وما في ~~حيزها موقع الحال. وقال الفراء: المعنى على الشرط والجزاء؛ لأن ~~معناه: إن أغمضتم أخذتم، ولكن لما وقعت " إلا " على " أن " ، ~~فتحها، ms1557 ومثله، # إلا أن يخافآ # [البقرة:229] # إلا أن يعفون # [البقرة:237]. وهذا قول مردود. # والجمهور على: " تغمضوا " بضم التاء، وكسر الميم مخففة؛ من " ~~أغمض " ، وفيه وجهان: # أحدهما: أنه على حذف مفعوله، تقديره: تغمضوا أبصاركم، أو بصائركم. # والثاني: في معنى ما لا يتعدى، والمعنى إلا أن تغضوا، من قولهم: " ~~أغضى عنه ". # وقرأ الزهري: " تغمضوا " بضم التاء، وفتح الغين، وكسر الميم ~~مشددة؛ ومعناها كالأولى. وروي عنه أيضا: " تغمضوا " بفتح التاء، ~~وسكون الغين، وفتح الميم؛ مضارع " غمض " بكسر الميم، وهي لغة في " ~~أغمض " الرباعي، فيكون مما اتفق فيه فعل وأفعل. # وروي عن اليزيدي: " تغمضوا " بفتح التاء، وسكون الغين، وضم ~~الميم. # قال أبو البقاء - رحمه الله -: " وهو من: يغمض، كظرف يظرف، أي: ~~خفي عليكم رأيكم فيه ". # وروي عن الحسن: " تغمضوا " بضم التاء، وفتح الغين، وفتح الميم ~~مشددة على ما لم يسم فاعله. وقتادة كذلك، إلا أنه خفف الميم، ~~والمعنى: إلا أن تحملوا على التغافل عنه، والمسامحة فيه. وقال أبو ~~البقاء - رحمه الله - في قراءة قتادة: " ويجوز أن يكون من أغمض، ~~أي: صودف على تلك الحال؛ كقولك: أحمدت الرجل، أي: وجدته ~~محمودا " وبه قال أبو الفتح. # وقيل فيها أيضا: إن معناها إلا أن تدخلوا فيه وتجذبوا إليه. # والإغماض: في اللغة غض البصر، وإطباق الجفن، وأصله من الغموض، وهو ~~الخفاء، يقال: هذا كلام غامض أي خفي الإدراك. # قال القرطبي: من قول العرب: أغمض الرجل؛ إذا أتى غامضا من الأمر؛ كما ~~تقول: أعمن الرجل: إذا أتى عمان، وأعرق: إذا أتى العراق، وأنجد: إذا أتى ~~نجدا، وأغار: إذا أتى الغور الذي هو تهامة. # أو من أغمض الرجل في أمر كذا: إذا تساهل فيه، والغمض: المتطامن الخفي ~~من الأرض، فقيل المراد به في الآية المساهلة؛ لأن الإنسان إذا رأى ما ~~يكره أغمض عينيه؛ لئلا يرى ذلك، ثم كثر ذلك؛ حتى جعل كل تجاوز، ~~ومساهلة في البيع، وغيره إغماضا، فتقديره في الآية: لو أهدي إليكم ~~مثل هذه الأشياء، لما أخذتموها إلا على استحياء، وإغماض، فكيف ترضون ~~لي ما لا ترضون لأنفسكم؟! قاله ms1558 البراء. # وقيل معناه: لو كان لأحدكم على رجل حق، فجاءه بهذا لم يأخذه إلا وهو ~~يرى أنه قد أغمض له عن حقه، وتركه. # وقال الحسن، وقتادة: لو وجدتموه يباع في السوق، ما أخذتموه بسعر الجيد؛ ~~إلا إذا أغمضتم بصر البائع، يعني أمرتموه بالإغماض، والحط من الثمن. # ثم قال: { واعلموا أن الله غني حميد } والمعنى أنه ~~غني عن صدقاتكم، و " الحميد " أي: محمود على ما أنعم بالبيان. # وقيل: قوله: " غني " كالتهديد على إعطاء الرديء في الصدقات، و " ~~حميد ": بمعنى حامد، أي: أنا أحمدكم على ما تفعلونه من الخيرات، وهو ~~كقوله تعالى: # فأولئك كان سعيهم مشكورا # [الإسراء:19]. ### || [2.268] # قوله تعالى: { الشيطن يعدكم الفقر ويأمركم ~~بالفحشآء... } الآية: مبتدأ وخبر، وتقدم اشتقاق الشيطان، وما ~~فيه عند الاستعاذة. ووزن يعدكم: يعلكم بحذف الفاء، وهي الواو؛ لوقوعها ~~بين ياء، وكسرة، وقرأ الجمهور: " الفقر " بفتح الفاء، وسكون القاف، ~~وروى أبو حيوة، عن بعضهم: " الفقر " بضم الفاء وهي لغة، وقرئ " ~~الفقر " بفتحتين. # والوعد: يستعمل في الخير، والشر؛ قال تعالى في الخبر: # وعدكم الله مغانم كثيرة # [الفتح:20] وقال في الشر: # النار وعدها الله الذين كفروا # [الحج:72] ويمكن أن يحمل هذا على التهكم به كقوله تعالى: # فبشرهم بعذاب أليم # [آل عمران:21] فإذا لم يذكر الخير والشر، قلت في الخير: وعدته، وفي الشر ~~أوعدته؛ قال: [الطويل] # 1229- وإني إن أوعدته أو وعدته # لمخلف إيعادي ومنجز موعدي # والفقر والفقر لغتان؛ وهو الضعيف بسبب قلة المال، وأصله في اللغة: ~~كسر الفقار، يقال: رجل فقير وفقر، إذا كان مكسور الفقار؛ قال طرفة: ~~[الرمل] # 1230-............................. # إنني لست بموهون فقر # وسيأتي له مزيد بيان في قوله: " للفقراء ". # فصل في المراد من الآية # معنى الآية الكريمة أن الشيطان يخوفكم الفقر، ويقول للرجل: أمسك عليك ~~مالك؛ فإنك إذا تصدقت به افتقرت. # وهذه أوجه اتصال هذه الآية بما قبلها. # قيل المراد ب " الشيطان ": إبليس، وقيل: شياطين الجن، والإنس. # وقيل: النفس الأمارة بالسوء. # { ويأمركم بالفحشآء } أي: بالبخل، ومنع الزكاة. # قال الكلبي: كل فحشاء في القرآن فهو الزنا إلا هذا، والفاحش عند ~~العرب: ms1559 البخيل، قال طرفة: [الطويل] # 1231- أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي # عقيلة مال الفاحش المتشدد # " يعتام ": منقول من عام فلان إلى اللبن، إذا اشتهاه، وقد نبه الله ~~تعالى في هذه الآية الكريمة على لطيفة، وهي أن الشيطان يخوفه أولا ~~بالفقر، ثم يتوصل بهذا التخويف إلى أن يأمره بالفحشاء، ويغريه على البخل؛ ~~وذلك لأن البخل صفة مذمومة عند كل أحد فالشيطان لا يمكنه تحسين البخل ~~في عينه إلا بتقديم تلك المقدمة، وهي التخويف من الفقر، وقيل " ~~الفحشاء ": هو أن يقول: لا تنفق الجيد من مالك في طاعة الله تعالى؛ ~~لئلا تصير فقيرا؛ فإذا أطاع الرجل الشيطان في ذلك، زاد الشيطان فيمنعه ~~من الإنفاق بالكلية؛ حتى لا يعطي الجيد، ولا الرديء، وحتى يمنع الحقوق ~~الواجبة، فلا يؤدي الزكاة، ولا يصل الرحم، ولا يرد الوديعة، فإذا صار ~~هكذا، سقط وقع الذنوب عن قلبه، ويصير غير مبال بارتكابها، وهناك يتسع ~~الخرق، ويصير مقداما على كل الذنوب، وذلك هو الفحشاء، وتحقيقه: أن ~~لكل خلق طرفين، ووسطا، فالطرف الكامل: هو أن يكون بحيث يبذل كل ما ~~يملكه في سبيل الله: الجيد، والرديء، والطرف الفاحش الناقص لا ينفق ~~شيئا في سبيل الله: لا الجيد، ولا الرديء، والمتوسط بأن يبخل بالجيد، ~~وينفق الرديء، فالشيطان إذا أراد نقله من الطرف الفاضل إلى الطرف الفاحش، ~~لا يمكنه إلا بأن يجره إلى الوسط، فإن عصى الإنسان الشيطان في هذا ~~المقام، انقطع طمع الشيطان عنه، وإن أطاعه فيه، طمع في أن يجره من ~~الوسط إلى الطرف الفاحش، فالوسط: هو قوله تعالى: { يعدكم الفقر ~~} والطرف الفاحش قوله تعالى: { ويأمركم بالفحشآء }. # وقال القرطبي: " الفحشاء ": المعاصي، قال: ويجوز في غير القرآن: ~~ويأمركم الفحشاء بحذف الباء، وأنشد سيبويه: [البسيط] # 1232أ- أمرتك الخير فافعل ما أمرت به # فقد تركتك ذا مال وذا نشب # فصل في بيان هل الفقر أفضل من الغنى؟! # تمسك بعضهم بهذه الآية في أن الفقر أفضل من الغنى، لأن الشيطان إنما ~~يبعد العبد من الخير، وهو بتخويفه الفقر يبعد منه. # قال ابن عطية: وليس في الآية حجة؛ ms1560 لقوله تعالى: # ومآ أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير ~~الرازقين # [سبأ:39] ثم قال: { والله يعدكم مغفرة منه } لذنوبكم، ~~كقوله: # خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها # [التوبة:103]. # وفي الآية لفظان يدلان على كمال هذه المغفرة: # أحدهما: التنكير في لفظ " المغفرة " ، والمعنى: مغفرة وأي مغفرة. # والثاني: قوله: " مغفرة منه " يدل على كمال حال هذه المغفرة؛ لأن ~~كمال كرمه ونهاية جوده، معلوم لجميع العقلاء، فلما خص هذه المغفرة ~~بكونها منه، علم أن المقصود تعظيم حال هذه المغفرة؛ لأن عظم المعطي ~~يدل على عظم العطية. # قوله: " منه " فيه وجهان: # أحدهما: أن يتعلق بمحذوف؛ لأنه نعت لمغفرة. # والثاني: أن يكون مفعولا متعلقا بيعد، أي: يعدكم من تلقاء نفسه. # و " فضلا " صفته محذوفة، أي: وفضلا منه، وهذا على الوجه الأول، ~~وأما الثاني، فلا حذف فيه. # فصل # يحتمل أن يكون المراد من كمال هذه المغفرة ما قاله في آية أخرى: # فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات # [الفرقان:70]، ويحتمل أن يجعل شفيعا في غفران ذنوب سائر المذنبين، ~~ويحتمل أن يكون المقصود أمرا لا يصل إليه عقلنا ما دمنا في دار الدنيا، ~~فإن تفاصيل أحوال الآخرة أكثرها محجوبة عنا، ما دمنا في الدنيا. # وأما معنى الفضل، فهو الرزق، والخلف المعجل في الدنيا. # ثم قال تعالى: { والله واسع } ، أي: واسع المغفرة والقدرة على ~~إغنائكم، وإخلاف ما تنفقونه { عليم } لا يخفى عليه ما تنفقون؛ فهو ~~يخلفه عليكم. ### || [2.269] # قال السدي: هي النبوة. # وقال ابن عباس، وقتادة: علم القرآن: ناسخه، ومنسوخه، ومحكمه، ومتشابهه، ~~ومقدمه، ومؤخره، وحلاله، وحرامه، وأمثاله. # قال الضحاك: في القرآن مائة وتسع آيات، ناسخة ومنسوخة، وألف آية ~~حلال وحرام، لا يسع المؤمنين تركهن، حتى يتعلموهن، ولا يكونوا كأهل ~~النهروان فإنهم تأولوا آيات من القرآن في أهل القبلة، وإنما أنزلت في ~~أهل الكتاب، جهلوا علمها، فسفكوا بها الدماء، وانتهبوا الأموال، وشهدوا ~~علينا بالضلال، فعليكم تعلم القرآن؛ فإنه من علم فيما أنزل؛ لم يختلف في ~~شيء منه. # وقال مجاهد: هي القرآن، والعلم، والفقه، وروى ابن أبي نجيح عنه هي ~~الإصابة في ms1561 القول، والفعل. # وقال إبراهيم النخعي: هي معرفة معاني الأشياء، وفهمها. # وروي عن مقاتل، قال: تفسير الحكمة في القرآن على أربعة أوجه: # أحدها: مواعظ القرآن. قال: # ومآ أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم ~~به # [البقرة:231] وفي النساء # وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة # [النساء:113] يعني المواعظ ومثلها في آل عمران. # وثانيها: الحكمة بمعنى: الفهم، والعلم قال # وءاتيناه الحكم صبيا # [مريم:12] وفي لقمان: # ولقد ءاتينا لقمان الحكمة # [لقمان:12] يعني الفهم، والعلم، وفي الأنعام # أولئك الذين ءاتيناهم الكتاب والحكم ~~والنبوة # [الأنعام:89] وفي " ص " # وءاتيناه الحكمة # [ص:20]. # وثالثها: النبوة. # ورابعها: القرآن بما فيه من عجائب الأسرار، قال في النحل: # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة # [النحل:125] وفي هذه الآية { ومن يؤت الحكمة فقد أوتي ~~خيرا كثيرا } وعند التحقيق ترجع هذه الوجوه إلى العلم. # قال أبو مسلم: الحكمة: فعلة من الحكم، وهي كالنحلة: من النحل، ~~ورجل حكيم إذا كان ذا حجى، ولب، وإصابة رأي وهو في هذا الموضع في ~~معنى الفاعل، ويقال: أمر حكيم، أي: محكم. # قوله تعالى: { ومن يؤت الحكمة فقد أوتي }: الجمهور على ~~" يؤتي " " ومن يؤت " بالياء فيهما، وقرأ الريع بن خيثم: بالتاء ~~على الخطاب فيهما. وهو خطاب للباري؛ على الالتفات. # وقرأ الجمهور: " ومن يؤت " مبنيا للمفعول، والقائم مقام الفاعل ~~ضمير " من " الشرطية، وهو المفعول الأول فتكون في محل رفع، و " الحكمة ~~" مفعول ثان. # وقرأ يعقوب: " يؤت " مبنيا للفاعل، والفاعل ضمير الله تعالى، و " ~~من " مفعول مقدم، و " الحكمة " مفعول ثان؛ كقولك: " أيا يعط ~~زيدا درهما أعطه درهما " ويدل لهذه القراءة قراءة الأعمش. # وقال الزمخشري: بمعنى " ومن يؤته الله ". قال أبو حيان: " إن ~~أراد تفسير المعنى، فهو صحيح، وإن أراد الإعراب، فليس كذلك؛ إذ ليس ~~ثم ضمير نصب محذوف، بل مفعول " يؤت " من الشرطية المتقدمة ". قال ~~شهاب الدين: ويؤيد تقدير الزمخشري قراءة الأعمش. # قوله: { فقد أوتي خيرا كثيرا } جواب الشرط، والماضي المقترن ~~بقد، الواقع جوابا للشرط، تارة يكون ماضي اللفظ مستقبل المعنى، كهذه ~~الآية الكريمة، فهو الجواب حقيقة، وتارة يكون ماضي اللفظ، والمعنى نحو: # وإن ms1562 يكذبوك فقد كذبت # [فاطر:4] فهذا ليس جوابا، بل الجواب محذوف، أي: فتسل، فقد كذبت ~~رسل، وسيأتي له مزيد بيان إن شاء الله تعالى. # والتنكير في " خيرا " قال الزمخشري: يفيد التعظيم، كأنه قال: فقد ~~أوتي [أي] خير كثير ". قال أبو حيان: وتقديره هكذا، يؤدي إلى حذف ~~الموصوف ب " أي " وإقامة الصفة مقامه، فإن التقدير: فقد أوتي ~~خيرا أي خير كثير، وحذف " أي " الواقعة صفة، وإقامة المضاف إليها ~~مقامها، وكذلك وصف ما يضاف إليه " أي " الواقعة صفة، نحو: مررت برجل ~~أي رجل كريم، وكل هذا يحتاج في إثباته إلى دليل، والمحفوظ عن ~~العرب: أن " أيا " الواقعة صفة تضاف إلى ما يماثل الموصوف نحو: # 1232ب- دعوت امرأ أي امرئ فأجابني # وكنت وإياه ملاذا وموئلا # وقد يحذف المصوف ب " أي "؛ كقوله: [الطويل] # 1233أ- إذا حارب الحجاج أي منافق # علاه بسيف كلما هز يقطع # تقديره: منافقا أي منافق، وهذا نادر، وقد تقدم أن تقدير ~~الزمخشري كذلك، أعني كونه حذف موصوف " أي " كقراءة الأعمش بإثبات " ها ~~" الضمير و " من " في قراءته مبتدأ، لاشتغال الفعل بمعموله، وعند من ~~يجوز الاشتغال في أسماء الشرط، والاستفهام، يجوز في " من " النصب ~~بإضمار فعل، وتقديره متأخرا والرفع على الابتداء، وقد تقدم نظائر هذا. # فصل في دفع شبهة للمعتزلة # احتجوا بهذه الآية الكريمة على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى؛ لأن ~~الحكمة إن فسرناها بالعلم، لم تكن مفسرة بالعلوم الضرورية؛ لأنها حاصلة ~~للبهائم، والمجانين، والأطفال، وهذه الأشياء لا توصف بأنها حكمة، فهي ~~مفسرة بالعلوم النظرية، وإن فسرناها بالأفعال الحسية فالأمر ظاهر، وعلى ~~التقديرين: فيلزم أن يكون حصول العلوم النظرية، والحسية ثابتا من غيرهم، ~~وبتقدير مقدر من غيرهم، وذلك الغير ليس إلا الله تعالى بالاتفاق. # فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد من الحكمة النبوة أو القرآن، أو قوة ~~الفهم أو الخشية، على ما قال الربيع بن أنس؟ # فالجواب: إن الدليل الذي ثبت بالتواتر أنه يستعمل لفظ الحكيم في غير ~~الأنبياء فتكون الحكمة مغايرة للنبوة والقرآن، بل هي مفسرة: إما بمعرفة ~~حقائق الأشياء، أو ms1563 بالإقدام على الأفعال الحسنة الصائبة، وعلى التقديرين، ~~فالمقصود حاصل فإن حاولت حمل الإيتاء على التوفيق، والإعانة، والألطاف، ~~قلنا: كل ما فعله من هذا الجنس في حق المؤمنين، فقد فعل مثله في حق ~~الكفار، مع أن هذا المدح العظيم لا يتناولهم، فعلمنا أن الحكمة ~~المذكورة في هذه الآية شيء آخر سوى فعل الألطاف. # قوله: { وما يذكر إلا أولوا الألباب } وأصل " ~~يذكر ": يتذكر، فأدغم. # " وأولوا الألباب " ذوو العقول، ومعناه: أن الإنسان إذا تأمل، ~~وتدبر هذه الأشياء، وعرف أنها لم تصل إلا بإيتاء الله تعالى، وتيسيره، ~~كان من أولي الألباب. ### || [2.270] # قوله تعالى: { ومآ أنفقتم من نفقة } كقوله: # ما ننسخ # [البقرة:106] # وما تفعلوا من خير # [البقرة:197] وقد تقدم. وأيضا تقدم الكلام في مادة " نذر " في ~~قوله: # أأنذرتهم # [البقرة:6]، إلا أن النذر له خصوصية: وهو عقد الإنسان ضميره على ~~شيء، يقال: نذر فهو ناذر؛ قال عنترة: [الكامل] # 1233ب- الشاتمي عرضي ولم أشتمهما # والناذرين إذا لم القهما دمي # وأصله من التخويف تقول أنذرت القوم إنذارا بالتخويف، وفي الشرع على ~~ضربين: مفسر: كقوله لله علي عتق رقبة، ولله علي حج ~~فهاهنا يلزم الوفاء، ولا يجزيه غيره، وغير مفسر كقوله: نذرت لله تعالى ~~ألا أفعل كذا، ثم يفعله، أو يقول: لله علي نذر، ولم يسمه، فيلزمه ~~كفارة يمين؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: # " من نذر نذرا، وسمى فعليه ما سمى، ومن نذر ~~نذرا، ولم يسم فعليه كفارة يمين ". # قوله: { فإن الله يعلمه } جواب الشرط؛ إن كانت " ما " شرطية، ~~أو زائدة في الخبر، إن كانت موصولة. # فإن قيل: لم وحد الضمير في " يعلمه " وقد تقدم شيئان النفقة، ~~والنذر؟ # فالجواب أن العطف هنا ب " أو " ، وهي لأحد الشيئين، تقول: " إن جاء ~~زيد، أو عمرو أكرمته " ، ولا يجوز: أكرمتها، بل يجوز أن تراعي الأول ~~نحو: زيد أو هند منطلق، أو الثاني، نحو: زيد أو هند منطلقة، والآية ~~من هذا، ولا يجوز أن يقال: منطلقان. ولهذا أول النحاة: # إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما # [النساء:135] كما سيأتي بيانه إن شاء ms1564 الله تعالى. ومن مراعاة الأول ~~قوله: # وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها # [الجمعة:11]، على هذا لا يحتاج إلى تأويلات ذكرها المفسرون. وروي عن ~~النحاس أنه قال: التقدير: وما أنفقتم من نفقة، فإن الله يعلمها، أو ~~نذرتم من نذر، فإن الله يعلمه، فحذف، ونظره بقوله تعالى: # والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها # [التوبة:34] وقوله: [المنسرح] # 1234- نحن بما عندنا وأنت بما # عندك راض والرأي مختلف # وقول الآخر في هذا البيت: [الطويل] # 1235- رماني بأمر كنت منه ووالدي # بريئا ومن أجل الطوي رماني # وهذا لا يحتاج إليه؛ لأن ذلك إنما هو في الواو المقتضية للجمع بين ~~الشيئين، وأما " أو " المقتضية لأحد الشيئين، فلا. وقال الأخفش: ~~الضمير عائد إلى الأخير كقوله: # ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا # [النساء:112] وقيل: يعود إلى " ما " في قوله: " وما أنفقتم " ~~لأنها اسم كقوله: # ومآ أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم ~~به # [البقرة:231]، ولا حاجة إلى هذا أيضا؛ لما عرفت من حكم " أو ". # قوله: { فإن الله يعلمه } أفاد: الوعد العظيم للمطيعين، ~~والوعيد الشديد للمتمردين، لأنه يعلم ما في قلب المتصدق من الإخلاص ~~فيتقبل منه تلك الطاعة؛ كما قال: # إنما يتقبل الله من المتقين # [المائدة:27]، وقوله: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # [الزلزلة:7، 8]. # قوله: { وما للظالمين من أنصار } اعلم أن الظالم قسمان: # الأول: من ظلم نفسه وهو يشتمل على كل المعاصي. # الثاني: من ظلم غيره بأن لا ينفق أو لا يصرف الإنفاق عن المستحق إلى ~~غيره، أو ينفق على المستحق رياء وسمعة، أو يفسدها بالمعاصي وهذان ~~القسمان الأخيران ليسا من باب الظلم على الغير، بل من باب الظلم على ~~النفس. # فصل في دحض شبهة للمعتزلة في إنكار الشفاعة # تمسك المعتزلة بهذه الآية، في نفي الشفاعة عن أهل الكبائر، قالوا: ~~لأن ناصر الإنسان من يدفع الضرر عنه، فلو اندفعت العقوبة عنهم ~~بالشفاعة، لكان أولئك الشفعاء أنصارا لهم، وذلك يضاد الآية. # وأجيبوا بوجوه: # الأول: أن الشفيع لا يسمى في العرف ناصرا، بدليل قوله: ms1565 # واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا ~~يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ~~ينصرون # [البقرة:123] ففرق تعالى بين الشفيع، والناصر؛ فلا يلزم من نفي الناصر ~~نفي الشفيع. # الثاني: أن الشفيع إنما يشفع عن المشفوع عنده على سبيل استعطافه، ~~والناصر ينصره عليه، والفرق ظاهر. # وأجاب آخرون: بأنه ليس لمجموع الظالمين من أنصار. # فإن قيل: لفظ " الظالمين " ، ولفظ " الأنصار " جمع، والجمع ~~إذا قوبل بالجمع، توزع الفرد على الفرد، فكان المعنى: ليس لأحد من ~~الظالمين، أحد من الأنصار. # قلنا لا نسلم أن مقابلة الجمع بالجمع توجب توزع الفرد على الفرد؛ ~~لاحتمال أن يكون المراد مقابلة الجمع بالجمع فقط لا مقابلة الفرد بالفرد. # الوجه الثالث: أن هذا الدليل للشفاعة عام في حق الكل في الأشخاص، ~~والأوقات، ودليل إثبات الشفاعة خاص في بعض الأوقات، والخاص مقدم على ~~العام. # الوجه الرابع: ما بينا أن اللفظ العام لا يكون قاطعا في الاستغراق؛ ~~بل ظاهر على سبيل الظن القوي، فصار الدليل ظنيا، والمسألة ليست ~~ظنية، فسقط التمسك بها. # و " الأنصار " جمع نصير؛ كأشراف، وشريف، وأحباب، وحبيب. ### || [2.271] # قوله: { إن تبدوا الصدقات } أي تظهرونها " فنعما هي ". # الفاء جواب الشرط، و " نعم " فعل ماض للمدح، نقيض بئس، وحكمها في ~~عدم التصرف، والفاعل، واللغات حكم بئس، كما تقدم. # و " ما " في محل الرفع. و " هي " في محل النصب، كما تقول: نعم ~~الرجل رجلا، فإذا عرفت، رفعت فقلت: نعم الرجل زيد. # قال الزجاج: " ما " في تأويل الشيء، أي: نعم الشيء هو. # قال أبو علي: الجيد في تمثيل هذا أن يقال: " ما " في تأويل شيء؛ لأن " ~~ما " هاهنا نكرة فتمثيله بالنكرة أبين، والدليل على أن " ما " هاهنا ~~نكرة أنها لو كانت معرفة، فلا بد لها من صلة، وليس هاهنا ما يوصل به؛ ~~لأن الموجود بعد " ما " هو " هي " وكلمة " هي " مفردة، والمفرد لا ~~يكون صلة ل " ما " وإذا بطل هذا، فنقول " ما " نصب على التمييز، ~~والتقدير: نعم شيئا هي إبداء الصدقات، فحذف المضاف؛ لدلالة الكلام ~~عليه. # وقرأ ابن عامر، ms1566 وحمزة، والكسائي، هنا وفي النساء: " فنعما " بفتح ~~النون، وكسر العين، وهذه على الأصل؛ لأن الأصل على " فعل " كعلم، ~~وقرى ابن كثير، وورش، وحفص: بكسر النون والعين، وإنما كسر النون إتباعا ~~لكسرة العين، وهي لغة هذيل. # قيل: وتحتمل قراءة كسر العين أن يكون أصل العين السكون، فلما وقعت ~~بعدها " ما " وأدغم ميم " نعم " فيها، كسرت العين؛ لالتقاء الساكنين، ~~وهو محتمل. # وقرأ أبو عمرو، وقالون، وأبو بكر: بكسر النون، وإخفاء حركة العين. # وروي عنهم الإسكان أيضا، واختاره أبو عبيد، وحكاه لغة للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في [نحو] قوله: " نعما المال الصالح مع الرجل ~~الصالح ". # والجمهور على اختيار الاختلاس على الإسكان، بل بعضهم يجعله من وهم ~~الرواة عن أبي عمرو، وممن أنكره المبرد، والزجاج والفارسي، قالوا: ~~لأن فيه جمعا بين ساكنين على غير حدهما. قال المبرد: " لا يقدر ~~أحد أن ينطق به، وإنما يروم الجمع بين ساكنين فيحرك، ولا ~~يشعر " وقال الفارسي: " لعل أبا عمرو أخفى فظنه الراوي سكونا ". # وقد تقدم الكلام على " ما " اللاحقة لنعم، وبئس. و " هي " مبتدأ ~~ضمير عائد على الصدقات على حذف مضاف، أي: فنعم إبداؤها، ويجوز ألا ~~يقدر مضاف، بل يعود الضمير على " الصدقات " بقصد صفة الإبداء، ~~تقديره: فنعما هي، أي: الصدقات المبداة. وجملة المدح خبر عن " هي " ، ~~والرابط العموم، وهذا أولى الوجوه، وقد تقدم تحقيقها. # والضمير في { وإن تخفوها } يعود على الصدقات. قيل: يعود عليها ~~لفظا ومعنى، وقيل: يعود عليها لفظا لا معنى؛ لأن المراد بالصدقات ~~المبداة: الواجبة، وبالمخفاة: المتطوع بها، فيكون من باب " عندي ~~درهم، ونصفه " ، أي: ونصف درهم آخر؛ وكقول القائل: [الوافر] # 1236- كأن ثياب راكبه بريح # خريق وهي ساكنة الهبوب # أي: وريح أخرى ساكنة الهبوب، ولا حاجة إلى هذا في الآية. # والفاء في قوله: " فهو " جواب الشرط، والضمير يعود على المصدر المفهوم ~~من " تخفوها " أي: فالإخفاء، كقوله: # اعدلوا هو أقرب للتقوى # [المائدة:8] و " لكم " صفة لخير، فيتعلق بمحذوف. و " خير " يجوز ~~أن يكون للتفضيل، فالمفضل عليه محذوف، أي: خير من إبدائها، ويجوز أن ~~يراد ms1567 به الوصف بالخيرية، أي: خير لكم من الخيور. # وفي قوله: " إن تبدوا، وإن تخفوها " نوع من البديع، وهو ~~الطباق اللفظي. وفي قوله: { وتؤتوها الفقرآء } طباق ~~معنوي؛ لأنه لا يؤتي الصدقات إلا الأغنياء، فكأنه قيل: إن يبد الأغنياء ~~الصدقات، وإن يخف الأغنياء الصدقات، ويؤتوها الفقراء، فقابل الإبداء ~~بالإخفاء لفظا، والأغنياء بالفقراء معنى. # والصدقة: قال أهل اللغة: موضوع: " ص د ق " على هذا الترتيب للصحة، ~~والكمال ومنه قولهم: رجل صدق النظر، وصدق اللقاء، وصدقوهم القتال، ~~وفلان صادق المودة، وهذا خل صادق الحموضة، وشيء صادق الحلاوة، وصدق ~~فلان في خبره، إذا أخبر به على وجه الصحة كاملا، والصديق يسمى ~~صديقا؛ لصدقه في المودة، وسمي [الصداق صداقا لأن] مقصود العقد ~~يتم به ويكمل، وسميت الزكاة صدقة؛ لأن المال بها يصح ويكمل، فهي ~~إما سبب لكمال المال، وبقائه، وإما أنها يستدل بها على صدق إيمان ~~العبد، وكماله فيه. # فصل في بيان فضيلة صدقة السر # سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: صدقة السر أفضل أم صدقة ~~العلانية؟ فنزلت هذه الآية. # " وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " سبعة يظلهم الله ~~في ظله يوم لا ظل إلا ظله... " إلى أن قال: "... ~~ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما ~~تنفق يمينه " ". # وقيل: الآية في صدقة التطوع؛ أما الزكاة المفروضة، فالإظهار فيها ~~أفضل؛ حتى يقتدي الناس به؛ كالصلاة المكتوبة في الجماعة، والنافلة في ~~البيت أفضل. # وقيل: الزكاة المفروضة كان الإخفاء فيها خيرا على عهد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أما في زماننا، فالإظهار فيها أفضل؛ حتى لا يساء به ~~الظن. # واعلم أن الصدقة تطلق على الفرض والنفل؛ قال تعالى # خذ من أموالهم صدقة تطهرهم # [التوبة:103] وقال: # إنما الصدقات للفقرآء والمساكين # [التوبة:60]، # " وقال - صلى الله عليه وسلم -: " نفقة المرء على عياله ~~صدقة " # والزكاة لا تطلق إلا على الفرض. # قوله: " ويكفر " قرأ الجمهور: " ويكفر " بالواو، والأعمش: ~~بإسقاطها، والياء، وجزم الراء؛ وفيها تخريجان: # أحدهما: أنه بدل من موضع قوله: { فهو خير لكم }؛ لأنه جواب ~~الشرط، كأن التقدير: وإن ms1568 تخفوها، يكن خيرا لكم، ويكفر. # والثاني: أنه حذف حرف العطف، فتكون كالقراءة المشهورة، والتقدير: " ~~ويكفر " وهذا ضعيف جدا. # وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو بكر: بالنون ورفع الراء، وقرأ نافع، ~~وحمزة، والكسائي: بالنون وجزم الراء، وابن عامر، وحفص عن عاصم: بالياء ~~ورفع الراء، والحسن: بالياء وجزم الراء، وروي عن الأعمش أيضا: بالياء ~~ونصب الراء، وابن عباس: " وتكفر " بتاء التأنيث وجزم الراء، وعكرمة: ~~كذلك؛ إلا أنه فتح الفاء؛ على ما لم يسم فاعله، وابن هرمز: بالتاء ورفع ~~الراء، وشهر بن حوشب - ورويت عن عكرمة أيضا -: بالتاء ونصب الراء، وعن ~~الأعمش إحدى عشرة قراءة، والمشهور منها ثلاث. # فمن قرأ بالياء، ففيه ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنه أضمر في الفعل ضمير الله تعالى؛ لأنه هو المكفر حقيقة، ~~وتعضده قراءة النون؛ فإنها متعينة له. # والثاني: أنه يعود على الصرف المدلول عليه بقوة الكلام، أي: ويكفر ~~صرف الصدقات. # والثالث: أنه يعود على الإخفاء المفهوم من قوله: { وإن تخفوها } ، ~~ونسب التكفير للصرف، والإخفاء مجازا؛ لأنهما سبب للتكفير، وكما ~~يجوز إسناد الفعل إلى فاعله، يجوز إسناده إلى سببه. # ومن قرأ بالتاء ففي الفعل ضمير الصدقات، ونسب التكفير إليها مجازا ~~كما تقدم، ومن بناه للمفعول؛ فالفاعل هو الله تعالى، أو ما تقدم. # ومن قرأ بالنون، فهي نون المتكلم المعظم نفسه. # ومن جزم الراء؛ فللعطف على محل الجملة الواقعة جوابا للشرط؛ ونظيره ~~قوله تعالى: # من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم ~~يعمهون # [الأعراف:186] في قراءة من جزم " ويذرهم ". # ومن رفع، فعلى ثلاثة أوجه:. # أحدها: أن يكون مستأنفا لا موضع له من الإعراب، وتكون الواو عاطفة ~~جملة كلام على جملة كلام آخر. # والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، وذلك المبتدأ: إما ضمير الله تعالى، أو ~~الإخفاء، أي: وهو يكفر؛ فيمن قرأ بالياء، ونحن نكفر؛ فيمن قرأ ~~بالنون، أو وهي تكفر؛ فيمن قرأ بتاء التأنيث. # والثالث: أنه عطف على محل ما بعد الفاء، إذ لو وقع مضارع بعدها، ~~لكان مرفوعا؛ كقوله تبارك وتعالى: # ومعناه ومن عاد فينتقم الله منه # [المائدة:95]، ونظيره ms1569 # ويذرهم في طغيانهم يعمهون # [الأعراف:186] في قراءة من رفع. # ومن نصب، فعلى إضمار " أن "؛ عطفا على مصدر متوهم، مأخوذ من قوله: ~~{ فهو خير لكم } ، والتقدير: وإن تخفوها يكن، أو يوجد خير لكم ~~وتكفير. ونظيرها قراءة من نصب: " فيغفر " بعد قوله: # يحاسبكم به الله # [البقرة:284]، إلا أن تقدير المصدر في قوله: " يحاسبكم " ~~ثم أسهل منه هنا؛ لأن ثمة فعلا مصرحا به، وهو " يحاسبكم ~~" ، والتقدير: يقع محاسبة فغفران، بخلاف هنا، إذ لا فعل ملفوظ به، ~~وإنما قدرنا المصدر من مجموع قوله: { فهو خير لكم }. # وقال الزمخشري: " ومعناه: وإن تخفوها، يكن خيرا لكم، وأن ~~يكفر " قال أبو حيان: " وظاهر كلامه هذا أن تقديره: " ~~وأن يكفر " يكون مقدرا بمصدر، ويكون معطوفا على " خيرا " ~~الذي هو خبر " يكن " التي قدرها، كأن قال: يكن الإخفاء خيرا لكم ~~وتكفيرا، فيكون " أن يكفر " في موضع نصب، والذي تقرر عند ~~البصريين: أن هذا المصدر المنسبك من: " أن " المضمرة مع الفعل ~~المنصوب بها، هو معطوف على مصدر متوهم مرفوع، تقديره من المعنى. فإذا ~~قلت: " ما تأتينا فتحدثنا " فالتقدير: ما يكون منك إتيان فحديث، ~~وكذلك: " إن تجىء وتحسن إلي، أحسن إليك " التقدير: إن يكن ~~منك مجيء، وإحسان أحسن إليك، فعلى هذا يكون التقدير: وإن تخفوها، ~~وتؤتوها الفقراء، فيكون زيادة خير للإخفاء على خير الإبداء وتكفير ". ~~انتهى. قال شهاب الدين: ولم أدر ما حمل الشيخ على العدول عن تقدير أبي ~~القاسم، إلى تقديره وتطويل الكلام في ذلك؛ مع ظهور ما بين التقديرين؟ # وقال المهدوي: " هو مشبه بالنصب في جواب الاستفهام، إذ الجزاء ~~يجب به الشيء، لوجوب غيره كالاستفهام ". وقال ابن عطية: " الجزم في ~~الراء أفصح هذه القراءات؛ لأنها تؤذن بدخول التكفير في الجزاء، ~~وكونه مشروطا إن وقع الإخفاء، وأما رفع الراء، فليس فيه هذا ~~المعنى " قال أبو حيان: " ونقول إن الرفع أبلغ وأعم؛ لأن ~~الجزم يكون على أنه معطوف على جواب الشرط الثاني، والرفع يدل على ~~أن التكفير مترتب من جهة المعنى على بذل الصدقات أبديت، أو ~~أخفيت، لأنا نعلم أن هذا ms1570 التكفير متعلق بما قبله، ولا يختص ~~التكفير بالإخفاء فقط، والجزم يخصصه به، ولا يمكن أن يقال إن الذي يبدي ~~الصدقات، لا يكفر من سيئاته، فقد صار التكفير شاملا ~~للنوعين: من إبداء الصدقات، وإخفائها؛ وإن كان الإخفاء خيرا ". # قوله تعالى: { من سيئاتكم } في " من " ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها للتبعيض، أي: بعض سيئاتكم، لأن الصدقات لا تكفر جميع ~~السيئات، وعلى هذا فالمفعول في الحقيقة [محذوف]، أي: شيئا من سيئاتكم، ~~كذا قدره أبو البقاء. # والثاني: أنها زائدة وهو جار على مذهب الأخفش، وحكاه ابن عطية عن ~~الطبري عن جماعة، وجعله خطأ؛ يعني من حيث المعنى. # والثالث: أنها للسببية، أي: من أجل ذنوبكم؛ وهذا ضعيف. # والسيئات: جمع سيئة، ووزنها: فيعلة، وعينها واو، والأصل: سيوءة، ففعل ~~بها ما فعل بميت، كما تقدم. # قوله: { والله بما تعملون خبير } إشارة إلى تفضيل صدقة ~~السر على العلانية؛ كأنه يقول: أنتم إنما تريدون بالصدقة طلب مرضاة ~~الله، وقد حصل مقصودكم في السر؛ فما معنى الإبداء؛ فكأنهم ندبوا بهذا ~~الكلام إلى الإخفاء؛ ليكون أبعد من الرياء، وكسر قلب الفقير. ### || [2.272] # هذا الكلام متصل بما قبله من ذكر الصدقات، كأنه بين فيه جواز الصدقة ~~على المشركين. # قوله: " هداهم ": اسم ليس، وخبرها الجار والمجرور. و " الهدى " ~~مصدر مضاف إلى المفعول، أي: ليس عليك أن تهديهم، ويجوز أن يكون مضافا ~~لفاعله، أي: ليس عليك أن يهتدوا، يعني: ليس عليك أن تلجئهم إلى الاهتداء. # وفيه طباق معنوي، إذ التقدير: هدي الضالين، وفي قوله: { ~~ولكن الله يهدي } مع قوله تعالى: { هداهم } جناس مغاير؛ ~~لأن إحدى الكلمتين اسم، والأخرى فعل، ومفعول { يشآء } محذوف، أي: ~~هدايته. # فصل في بيان سبب النزول # روي في سبب النزول وجوه: # أحدها: أن قتيلة أم أسماء بنت أبي بكر، أتت إليها؛ تسألها شيئا، ~~وكذلك جدتها، وهما مشركتان؛ فقالت: لا أعطيكما حتى أستأمر رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فإنكما لستما على ديني، فاستأمرته في ذلك؛ فنزلت ~~هذه الآية؛ فأمرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تتصدق عليهما. # الثاني: كان أناس من ms1571 الأنصار، لهم قرابة من قريظة والنضير، وكانوا ~~لا يتصدقون عليهم، ويقولون ما لم تسلموا لا نعطيكم شيئا؛ فنزلت هذه ~~الآية الكريمة. # الثالث: قال سعيد بن جبير: كانوا يتصدقون على فقراء أهل الذمة، فلما كثر ~~فقراء المسلمين، نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن التصدق على ~~المشركين؛ كي تحملهم الحاجة على الدخول في الإسلام؛ فنزلت الآية الكريمة ~~فتصدق عليهم والمعنى على جميع الروايات: ليس عليك هدى من خالفك؛ حتى ~~تمنعهم الصدقة؛ لأجل أن يدخلوا في الإسلام، فتصدق عليهم، لوجه الله، ولا ~~توقف ذلك على إسلامهم، والمراد بهذه الهداية هداية التوفيق، وأما هداية ~~البيان، والدعوة، فكان على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وظاهر هذه الآية أنها خطاب مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكن ~~المراد به هو، وأمته؛ ألا تراه قال: # إن تبدوا الصدقات # [البقرة:271] وهذا عام، ثم قال: { ليس عليك هداهم } ~~وظاهره خاص، ثم قال بعده { وما تنفقوا من خير ~~فلأنفسكم } وهذا عام، فيفهم من عموم ما قبل الآية الكريمة، ~~وعموم ما بعدها: عمومها أيضا. # فصل في بيان هداية الله للمؤمنين # دلت هذه الآية الكريمة على أن هداية الله تبارك وتعالى غير عامة، ~~بل هي مخصوصة بالمؤمنين، لأن قوله تعالى: { ولكن الله يهدي ~~من يشآء } إثبات للهداية المنفية بقوله: { ليس عليك ~~هداهم } ولكن المنفي بقوله تعالى: { ليس عليك هداهم } ~~هو حصول الاهتداء، على سبيل الاختيار، فكان قوله: { ولكن الله ~~يهدي من يشآء } عبارة عن حصول الاهتداء على سبيل الاختيار، وهذا ~~يقتضي أن يكون الاهتداء الحاصل بالاختيار واقعا بتقدير الله تعالى، ~~وتخليقه وتكوينه؛ وهو المطلوب. # وحمله المعتزلة على أنه يهدي بالإثابة، والألطاف، وزيادة الهدى؛ وهو ~~مردود بما قررناه. # قوله: { فلأنفسكم } خبر لمبتدأ محذوف، أي: فهو لأنفسكم شرط ~~وجوابه، " والخير " في هذه الآية المال؛ لأنه اقترن بذكر الإنفاق، ~~فهذه القرينة تدل على أنه المال، ومتى لم يقترن بما يدل على أنه المال، ~~فلا يلزم أن يكون بمعنى المال؛ نحو قوله: # خير مستقرا # [الفرقان:24] وقوله: # مثقال ذرة خيرا يره # [الزلزلة:7] ونحوه. # وقوله: ms1572 { إلا ابتغآء } فيه وجهان: # أحدهما: أنه مفعول من أجله، أي: لأجل ابتغاء وجه الله، والشروط هنا ~~موجودة. # والثاني: أنه مصدر في محل الحال، أي: إلا مبتغين، وهو في الحالين ~~استثناء مفرغ، والمعنى: وما تنفقون نفقة معتدا بقبولها؛ إلا ~~ابتغاء وجه [الله]، أو يكون المخاطبون بهذا ناسا مخصوصين، وهم الصحابة، ~~لأنهم كانوا كذلك، وإنما احتجنا إلى هذين التأويلين؛ لأن كثيرا ينفق ~~لابتغاء غير وجه الله. # قال بعض المفسرين: هذا جحد لفظه نفي، ومعناه نفي، أي: لا تنفقوا ~~إلا ابتغاء وجه. # قوله: { وما تنفقوا من خير يوف إليكم } تأكيد ~~وبيان؛ كقوله: { وما تنفقوا من خير فلأنفسكم }. # وقوله: { يوف إليكم } جواب الشرط، وقد تقدم أنه يقال: " ~~وفى " بالتشديد و " وفى " بالتخفيف و " أوفى " رباعيا. # وإنما حسن قوله: " إليكم " مع التوفيه؛ لأنها تضمنت معنى ~~التأدية، ومعناه يوف لكم جزاؤه في الآخرة. # وقوله: { وأنتم لا تظلمون } جملة من مبتدأ، وخبر: في محل ~~نصب على الحال من الضمير في " إليكم " ، والعامل فيها " يوف " ~~، وهي تشبه الحال المؤكدة؛ لأن معناها مفهوم من قوله: " يوف ~~إليكم "؛ لأنهم إذا وفوا حقوقهم، لم يظلموا. ويجوز أن تكون مستأنفة ~~لا محل لها من الإعراب، أخبرهم فيها أنه لا يقع عليهم ظلم، فيندرج فيه ~~توفية أجورهم؛ بسبب إنفاقهم في طاعة الله تعالى، اندراجا أوليا. # فصل في المراد من الآية # في معنى الآية وجوه: # الأول: أن معناه: ولستم في صدقتكم على أقاربكم من المشركين لا تقصدون ~~إلا وجه الله تعالى، وقد علم الله هذا من قلوبكم، فأنفقوا عليهم إذا ~~كنتم إنما تبتغون بذلك وجه الله تعالى في صلة رحم، وسد خلة مضطر، ~~وليس عليكم اهتداؤهم، حتى يمنعكم ذلك من الإنفاق عليهم. # الثاني: أن هذا وإن كان ظاهره خبرا، إلا أن معناه النهي، أي: ولا ~~تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله وورود الخبر بمعنى الأمر، والنهي كثير؛ قال ~~تعالى: # والوالدات يرضعن أولادهن # [البقرة:233] # والمطلقات يتربصن # [البقرة:228]. # الثالث: معناه لا تكونوا منفقين مستحقين لهذا الاسم الذي يفيد المدح؛ ~~حتى تبتغوا بذلك وجه الله. # فصل في ذكر ms1573 الوجه في قوله { إلا ابتغآء وجه الله } # إذا قلت: فعلته: لوجه زيد، فهو أشرف في الذكر من قولك: فعلته له؛ لأن ~~وجه الشيء أشرف ما فيه، وإذا قلت: فعلت هذا الفعل له، فيحتمل أن يقال ~~فعلته له ولغيره، أما إذا قلت: فعلت هذا الفعل لوجهه، فهذا يدل على أنك ~~فعلت هذا الفعل له فقط وليس لغيره فيه شركة. # فصل في بيان عدم صرف الزكاة لغير المسلم # أجمعوا على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلى غير مسلم؛ فتكون هذه الآية ~~مختصة بصدقة التطوع، وجوز أبو حنيفة صرف صدقة الفطر إلى أهل الذمة، ~~وأباه غيره؛ وعن بعض العلماء: لو كان شر خلق الله، لكان لك ثواب نفقتك. ### || [2.273] # قوله تعالى: { للفقرآء } الآية: في تعلق هذا الجار خمسة ~~أوجه: # أحدها: - وهو الظاهر - أنه متعلق بفعل مقدر، يدل عليه سياق الكلام، ~~واختلفت عبارات المعربين فيه، فقال مكي - ولم يذكر غيره -: " أعطوا ~~للفقراء " ، وفي هذا نظر؛ لأنه يلزم زيادة اللام في أحد مفعولي أعطى، ~~ولا تزاد اللام إلا لضعف العامل: إما بتقدم معموله كقوله تعالى: # للرؤيا تعبرون # [يوسف:43]، وإما لكونه فرعا؛ نحو قوله تعالى: # فعال لما يريد # [هود:107] ويبعد أن يقال: لما أضمر العامل، ضعف؛ فقوي باللام، على ~~أن بعضهم يجيز ذلك، وإن لم يضعف العامل، وجعل منه # ردف لكم # [النمل:72]، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وقدره أبو البقاء: " ~~اعجبوا للفقراء " وفيه نظر، لأنه لا دلالة من سياق الكلام على ~~العجب. وقدره الزمخشري: " اعمدوا، أو اجعلوا ما تنفقون للفقراء " ~~والأحسن من ذلك ما قدره مكي، لكن فيه ما تقدم. # الثاني: أن هذا الجار خبر مبتدأ محذوف، تقديره: الصدقات أو النفقات ~~التي تنفقونها للفقراء، وهو في المعنى جواب لسؤال مقدر، كأنهم لما ~~حثوا على الصدقات، قالوا: فلمن هي؟ فأجيبوا بأنها لهؤلاء، وفيها بيان ~~مصرف الصدقات. وهذا اختيار ابن الأنباري. # قال ابن الخطيب: لما تقدمت الآيات الكثيرة في الحث على الإنفاق، قال ~~بعدها " للفقراء " أي: ذلك الإنفاق المحثوث عليه للفقراء وهذا كما ~~إذا تقدم ذكر رجل، ms1574 فتقول: عاقل لبيب، والمعنى: أن ذلك الذي مر وصفه ~~عاقل لبيب، وكذلك الناس يكتبون على الكيس يجعلون فيه الذهب، والفضة: ~~ألفان، أو مائتان، أي: ذلك الذي في الكيس ألفان، أو مائتان. # وأنشد ابن الأنباري: [الرجز] # 1237- تسألني عن زوجها أي فتى # خب جروز وإذا جاع بكى # يريد: هو خب. # الثالث: أن اللام تتعلق بقوله تعالى: # إن تبدوا الصدقات # [البقرة:271] وهو مذهب القفال، واستبعده الناس؛ لكثرة الفواصل. # الرابع: أنه متعلق بقوله تعالى: { وما تنفقوا من خير } ~~وفي هذا نظر؛ من حيث إنه يلزم فيه الفصل بين فعل الشرط وبين معموله ~~بجملة الجواب، فيصير نظير قولك: من يكرم أحسن إليه زيدا. وقد ~~صرح الواحدي بالمنع من ذلك، معللا بما ذكرناه، فقال: ولا يجوز ~~أن يكون العامل في هذه اللام " تنفقوا " الأخير في الآية المتقدمة ~~الكريمة؛ لأنه لا يفصل بين العامل، والمعمول بما ليس منه، كما لا يجوز: " ~~كانت زيدا الحمى تأخذ ". # الخامس: أن " للفقراء " بدل من قوله: " فلأنفسكم " ، وهذا ~~مردود؛ قال الواحدي، وغيره: " لأن بدل الشيء من غيره، لا يكون إلا ~~والمعنى مشتمل عليه، وليس كذلك ذكر النفس ههنا؛ لأن الإنفاق من حيث هو ~~عائد عليها، وللفقراء من حيث هو واصل إليهم، وليس من باب # ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا # [آل عمران:97]؛ لأن الأمر لازم للمستطيع خاصة " قال شهاب الدين رحمه ~~الله تعالى: يعني أن الفقراء ليست هي الأنفس، ولا جزاء منها، ولا ~~مشتملة عليها، وكأن القائل بذلك توهم أنه من باب قوله تعالى: # ولا تقتلوا أنفسكم # [النساء:29] في أحد التأويلين. # والفقير: قيل: أصله من " فقرته الفاقرة " ، أي: كسرت فقارات ~~ظهره الداهية. قال الراغب: وأصل الفقير: هو المكسور الفقار، يقال: " ~~فقرته الفاقرة " أي: الداهية تكسر الفقار، و " أفقرك الصيد ~~[فارمه " ] أي أمكنك من فقاره، وقيل: هو من الفقرة، أي: الحفرة، ~~ومنه قيل لكل حفرة يجتمع فيها الماء، فقير: وفقرت للفسيل: حفرت له ~~حفرة؛ غرسته فيها؛ قال: [السريع أو الرجز] # 1238- ما ليلة الفقير إلا شيطان # قيل: هو اسم بئر، وفقرت ms1575 الخرز: ثقبته. # وقال الهروي: يقال " فقره " إذا أصاب فقار ظهره، نحو: رأسه، أي: ~~أصاب رأسه، وبطنه، أي: أصاب بطنه. وقال الأصمعي: " الفقر: أن يحز ~~أنف البعير، حتى يخلص الحز إلى العظم، ثم يلوي عليه جريرا يذلل به ~~الصعب من الإبل، ومنه قيل: عمل به الفاقرة ". والفقرات - بكسر الفاء، ~~وفتح القاف -: جمع فقرة: الأمور العظام، ومنه حديث السعي: " فقرات ~~ابن آدم ثلاث: يوم ولد، ويوم يموت، ويوم يبعث ". والفقر ~~- بضم الفاء، وفتح القاف -: جمع فقرة؛ وهي الحز، وخرم الخطم، ومنه قول ~~أبي زياد: " يفقر الصعب ثلاث فقر في خطمه " ومنه حديث ~~سعد: " فأشار إلى فقر في أنفه " ، أي: شق، وحز. وقد ~~تقدم الكلام في الإحصار عند قوله: " فإن أحصرتم ". # قوله: " في سبيل " في هذا الجار وجهان: # أحدهما: أن يتعلق بالفعل قبله؛ فيكون ظرفا له. # والثاني: أن يكون متعلقا بمحذوف على أنه حال من مرفوع " أحصروا " ، ~~أي: مستقرين في سبيل الله. وقدره أبو البقاء بمجاهدين في سبيل الله، ~~فهو تفسير معنى لا إعراب؛ لأن الجار لا يتعلق إلا بالكون المطلق. # فصل في بيان سبب النزول # نزلت في فقراء المهاجرين، وكانوا نحو أربعمائة، وهم أصحاب الصفة، ~~لم يكن لهم مساكن ولا عشائر بالمدينة، وكانوا ملازمين المسجد؛ يتعلمون ~~القرآن الكريم، ويرضخون النوى بالنهار ويخرجون في كل سرية يبعثها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فحث الله عليهم الناس؛ فكان من عنده فضل ~~أتاهم به، إذا أمسى. # " عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: وقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يوما على أصحاب الصفة، فرأى فقرهم، وجهدهم؛ فطيب قلوبهم، فقال: " ~~أبشروا يا أصحاب الصفة فإنه من لقي الله من ~~أمتي على النعت الذي أنتم عليه راضيا بما ~~فيه فإنه من رفقائي " # واعلم أنه تعالى وصف هؤلاء الفقراء بخمس صفات: # الأولى: قوله: { الذين أحصروا في سبيل الله } والإحصار: أن ~~يعرض للرجل ما يحول بينه وبين سفره من مرض، أو كسر، أو عدو، أو ذهاب ~~نفقة، أو ما يجري مجرى هذه الأشياء، يقال: أحصر الرجل: فهو محصر، ms1576 وفي ~~معنى هذا الإحصار، وجوه: # الأول: أنهم حصروا أنفسهم، ووقفوها على الجهاد؛ لأن قوله: { في ~~سبيل الله } مختص بالجهاد في عرف القرآن. # الثاني: قال قتادة - رحمه الله - وابن زيد: منعو أنفسهم من التصرفات في ~~التجارة للمعاش؛ خوف العدو؛ لأن الكفار كانوا مجتمعين حول المدينة، ~~وكانوا متى وجدوهم، قتلوهم. # الثالث: قال سعيد بن جبير؛ وهو اختيار الكسائي: إن هؤلاء القوم ~~أصابتهم جراحات مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاروا زمنى، ~~فأحصرهم المرض، والزمانة عن الضرب في الأرض. # الرابع: قال ابن عباس - رضي الله عنهما - هؤلاء القوم من المهاجرين ~~حبسهم الفقر عن الجهاد في سبيل الله، فعذرهم الله. # الصفة الثانية: قوله تعالى: { لا يستطيعون ضربا في الأرض ~~} في هذه الجملة احتمالان: # أظهرهما: أنها حال، وفي صاحبها وجهان: # أحدهما: أنه " الفقراء " ، وثانيهما: أنه مرفوع " أحصروا ". # والاحتمال الثاني: أن تكون مستأنفة لا محل لها من الإعراب؛ و " ~~ضربا " مفعول به، وهو هنا السفر للتجارة؛ قال: [الوافر] # 1239- لحفظ المال أيسر من بقاه # وضرب في البلاد بغير زاد # ويقال: ضربت في الأرض ضربا، ومضربا، أي: سرت. # فصل في بيان عدم الاستطاعة في الآية # عدم استطاعتهم: إما أن يكون لاشتغالهم بصلاح الدين، بأمر الجهاد؛ ~~فيمنعهم من الاشتغال بالكسب والتجارة، وإما لخوفهم من الأعداء، وإما ~~لمرضهم، وعجزهم؛ وعلى جميع الوجوه فلا شك في احتياجهم إلى من يعينهم. # الصفة الثالثة: قوله: " يحسبهم " يجوز في هذه الجملة ما جاز فيما ~~قبلها من الحالية والاستئناف، وكذلك ما بعدها. # " يحسبهم " هو الظن، أي: إنهم من الانقباض، وترك المسألة، ~~والتوكل على الله، بحيث يظنهم الجاهل أغنياء. # وقرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة: " يحسب " - حيث ورد - بفتح السين، ~~والباقون: بكسرها. فأما القراءة الأولى؛ فجاءت على القياس؛ لأن قياس ~~فعل - بكسر العين - يفعل بفتحها لتتخالف الحركتان فيخف اللفظ، وهي لغة ~~تميم، والكسر لغة الحجاز، وبها قرأ رسول الله - صلى الله عيه وسلم -، وقد ~~شذت ألفاظ أخر؛ جاءت في الماضي، والمضارع بكسر العين منها: نعم ~~ينعم، وبئس يبئس، ويئس ييئس، ويبس ييبس من اليبوسة، ~~وعمد يعمد، ms1577 وقياسها كلها الفتح، واللغتان فصيحتان في الاستعمال، ~~والقارئ بلغة الكسر اثنان من كبار النحاة: أبو عمرو - وكفى به -، ~~والكسائي، وقارئا الحرمين: نافع، وابن كثير. # والجاهل هنا: اسم جنس لا يراد به واحد بعينه. # ولم يرد - هنا - به الجهل الذي هو ضد العلم، وإنما أراد الجهل الذي هو ~~ضد الاختبار، يقول: يحسبهم من لم يختبر أمرهم أغنياء، و " أغنياء " هو ~~المفعول الثاني. # قوله: " من التعفف " في " من " هذه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها سببية، أيك سبب حسبانهم أغنياء تعففهم، فهو ~~مفعول من أجله، وجره بحرف السبب هنا واجب، لفقد شرط من شروط النصب، ~~وهو اتحاد الفاعل، وذلك أن فاعل الحسبان الجاهل، وفاعل التعفف هم ~~الفقراء، ولو كان هذا المفعول له مستكملا لشروط النصب، لكان الأحسن ~~جره بالحرف؛ لأنه معرف بأل، وقد تقدم أن جر هذا النوع أحسن من ~~نصبه؛ نحو: جئت للإكرام، وقد جاء نصبه؛ قال القائل: [الرجز] # 1240- لا أقعد الجبن عن الهيجاء # ولو توالت زمر الأعداء # والثاني: أنها لابتداء الغاية، والمعنى أن محسبة الجاهل غناهم، نشأت ~~من تعففهم؛ لأنه لا يحسب غناهم غنى تعفف، إنما يحسبه غنى مال، فقد ~~نشأت محسبته من تعففهم، وهذا على أن تعففهم تعفف تام. # والثالث: أنها لبيان الجنس، وإليه نحا ابن عطية، قال: يكون التعفف ~~داخلا في المحسبة، أي: إنه لا يظهر لهم سؤال، بل هو قليل، فالجاهل بهم ~~مع علمه بفقرهم يحسبهم أغنياء عنه، ف " من " لبيان الجنس على هذا ~~التأويل. # قال أبو حيان: " وليس ما قاله من أن " من " هذه في هذا المعنى ~~وهو أن تتقدر " من " بموصول، وما دخلت عليه يجعل خبر مبتدأ محذوف؛ ~~كقوله تعالى: # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # [الحج:30] يصح أن يقال: الذي هو الأوثان، ولو قلت هنا: " يحسبهم ~~الجاهل أغنياء الذي هو التعفف " لم يصح هذا التقدير؛ وكأنه ~~سمى الجهة التي هم أغنياء بها بيان الجنس، أي: بينت بأي جنس وقع ~~غناهم، أي: غناهم بالتعفف لا غنى بالمال، فسمى " من " الداخلة على ما ~~يبين جهة الغنى ببيان الجنس، وليس المصطلح ms1578 عليه كما قدمناه، وهذا ~~المعنى يؤول إلى أن " من " سببية، لكنها تتعلق بأغنياء، لا بيحسبهم ~~". انتهى. # وتتعلق " من " على الوجهين الأولين بيحسبهم. قال أبو البقاء رحمه ~~الله: " ولا يجوز أن تتعلق بمعنى " أغنياء "؛ لأن المعنى يصير إلى ~~ضد المقصود، وذلك أن معنى الآية: أن حالهم يخفى على الجاهل بهم؛ ~~فيظنهم أغنياء، ولو علقت بأغنياء، صار المعنى، أن الجاهل يظن ~~أنهم أغنياء، ولكن بالتعفف، والغني بالتعفف فقير من المال ". انتهى، ~~وما قاله أبو البقاء يحتمل بحثا. # وأما على الوجه الثالث - وهو كونه لبيان الجنس - فقد صرح أبو حيان ~~بتعلقها بأغنياء؛ لأن المعنى يعود إليه، ولا يجوز تعلقها في هذا ~~الوجه بالحسبان، وعلى الجملة: فكونها لبيان [الجنس، قلق المعنى]. # والتعفف: تفعل من العفة: وهو ترك الشيء، والإعراض عنه، مع القدرة ~~على تعاطيه؛ قال رؤبة: [الرجز] # 1241- فعف عن أسرارها بعد الغسق # ولم يدعها بعد فرك وعشق # وقال عنترة: [الكامل] # 1242- يخبرك من شهد الوقيعة أنني # أغشى الوغى وأعف عند المغنم # ومنه: " عفيف الإزار " كناية على حصانته، وعرف التعفف، لأنه ~~سبق منهم مرارا فصار كالمعهود، ومتعلق التعفف، محذوف؛ اختصارا، أي: ~~عن السؤال، والأحسن ألا يقدر. # الصفة الرابعة: قوله: { تعرفهم بسيماهم } السيما: العلامة ~~بالقصر ويجوز مدها، وإذا مدت، فالهمزة فيها منقلبة عن حرف زائد، ~~للإلحاق: إما واو، وإما ياء، فهي كعلباء ملحقة بسرداح، فالهمزة فيه ~~للإلحاق، لا للتأنيث؛ وهي منصرفة لذلك. # و " سيما " مقلوبة، قدمت عينها على فائها؛ لأنها مشتقة من الوسم فهي ~~بمعنى السمة، أي: العلامة، فلما وقعت الواو بعد كسرة قلبت ياء، فوزن ~~سيما: عفلا، كما يقال اضمحل، وامضحل، [و] " وخيمة " ، و " خامة ~~" وله جاه، ووجه، أي: وجاهة. # وفي الآية الكريمة طباق في موضعين: # أحدهما: " أحصروا " مع قوله: { ضربا في الأرض }. # والثاني: قوله تعالى: " أغنيآء " ، مع قوله: " للفقرآء " ~~نحو: # أضحك وأبكى # [النجم:43] و # أمات وأحيا # [النجم:44]. ويقال " سيميا " بياء بعد الميم، وتمد كالكيمياء؛ ~~وأنشد: [الطويل] # 1243- غلام رماه الله بالحسن يافعا # له سيمياء لا تشق على البصر # والباء تتعلق ب " تعرفهم " ومعناها السببية، أي: إن ms1579 سبب ~~معرفتك إياهم هي سيماهم. والسيما: العلامة، وقال قوم: السيما: ~~الارتفاع، لأنها علامة وضعت للظهور. # فصل # قال القرطبي: هذه الآية تدل على أن للسيما أثر في اعتبار من يظهر ~~عليه ذلك، حتى إذا رأينا ميتا في دار الإسلام، وعليه زنار، وهو غير ~~مختون؛ لا يدفن في مقابر المسلمين، ويقدم ذلك على حكم الدار؛ في قول ~~أكثر العلماء، ومنه قوله تعالى: # ولتعرفنهم في لحن القول # [محمد:30] فدلت هذه الآية على جواز صرف الصدقة إلى من له ثياب، وكسوة ~~وزي في التجمل. # فصل في تفسير " السيما " # قال مجاهد: هو التخشع، والتواضع. # وقال الربيع، والسدي: أثر الجهد من الفقر، والحاجة. # وقال الضحاك: صفرة ألوانهم من الجوع، والضر. # وقال ابن زيد: رثاثة ثيابهم. # قال ابن الخطيب: وعندي أن الكل فيه نظر؛ لأن كل ما ذكروه علامات ~~دالة على حصول الفقر، وذلك يناقض قوله: { يحسبهم الجاهل ~~أغنيآء من التعفف } بل المراد شيء آخر، وهو أن لعباد الله ~~المخلصين هيبة ووقعا في قلوب الخلق، كل من رآهم تأثر منهم، وتواضع لهم؛ ~~وذلك إدراكات روحانية، لا علات جسمانية؛ ألا ترى أن الأسد إذا مر ~~هابته جميع السباع بطباعها، لا بالتجربة؛ لأن الظاهر أن تلك التجربة ما ~~وقعت، وكذلك البازي، إذا طار فرت منه الطيور الضعيفة، وكل ذلك ~~إدراكات روحانية، لا جسمانية فكذا ها هنا، روي أنهم كانوا يقومون الليل، ~~للتهجد، ويحتطبون بالنهار؛ للتعفف. # الصفة الخامسة: قوله: { لا يسألون الناس إلحافا } في نصبه ~~" إلحافا " ثلاثة أوجه: # أحدها: نصبه على المصدر بفعل مقدر، أي: يلحفون إلحافا، والجملة ~~المقدرة حال من فاعل " يسألون ". # والثاني: أن يكون مفعولا من أجله، أي: لا يسألون؛ [لأجل الإلحاف. # والثالث: أن يكون مصدرا في موضع الحال، تقديره: لا يسألون] ملحفين. # فصل في تفسير الإلحاف # الإلحاف: هو الإلحاح؛ قال عطاء: إذا كان عنده غداء لا يسأل عشاء، ~~وإذا كان عنده عشاء لا يسأ غداء. # وعن ابن مسعود إن الله يحب العفيف المتعفف، ويبغض الفاحش البذيء ~~السائل الملحف، الذي إن أعطي كثيرا، أفرط في المدح، وإن أعطي ms1580 قليلا ~~أفرط في الذم. # وعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # " لا يفتح أحد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب ~~فقر، ومن يستغن، يغنه الله، ومن يستعفف، يعفه ~~الله، لأن يأخذ أحدكم حبلا يحتطب فيه فيبيعه ~~بمد من تمر خير له من أن يسأل الناس ". # فصل # اعلم: أن العرب إذا نفت الحكم عن محكوم عليه، فالأكثر في لسانهم نفي ~~ذلك القيد؛ نحو: " ما رأيت رجلا صالحا " ، الأكثر على أنك ~~رأيت رجلا، ولكن ليس بصالح، ويجوز أنك لم تر رجلا ألبتة؛ لا صالحا ~~ولا طالحا، فقوله: { لا يسألون الناس إلحافا } المفهوم ~~أنهم يسألون، لكن لا بإلحاف، ويجوز أن يكون المعنى: أنهم لا يسألون، ولا ~~يلحفون؛ والمعنيان منقولان في التفسير، والأرجح الأول عندهم، ومثله في ~~المعنى: " ما تأتينا فتحدثنا " يجوز أنه يأتيهم، ولا ~~يحدثهم، ويجوز أنه لا يأتيهم ولا يحدثهم، انتفى السبب، وهو الإتيان، ~~فانتفى المسبب، وهو الحديث. # وقد شبه الزجاج - رحمه الله تعالى - معنى هذه الآية الكريمة بمعنى بيت ~~امرئ القيس؛ وهو قوله: [الطويل] # 1244- على لاحب لا يهتدى بمناره # إذا سافه العود النباطي جرجرا # قال أبو حيان: " تشبيه الزجاج إنما هو في مطلق انتفاء الشيئين، أي: ~~لا سؤال ولا إلحاف، وكذلك هذا: لا منار ولا هداية، لا أنه مثله في ~~خصوصية النفي، إذ كان يلزم أن يكون المعنى: لا إلحاف، فلا سؤال، وليس ~~تركيب الآية على هذا المعنى، ولا يصح: لا إلحاف، فلا سؤال؛ لأنه لا ~~يلزم من نفي الخاص نفي العام، كما لزم من نفي المنار، نفي الهداية التي ~~هي من بعض لوازمه، وإنما يؤدي معنى النفي على طريقة النفي في البيت ~~أن لو كان التركيب: " لا يلحفون الناس سؤالا " لأنه يلزم من نفي ~~السؤال نفي الإلحاف، إذ نفي العام يدل على نفي الخاص؛ فتلخص من ~~هذا: أن نفي الشيئين: تارة يدخل حرف النفي على شيء، فتنتفي جميع ~~عوارضه، وينبه على بعضها بالذكر لغرض ما، وتارة يدخل حرف النفي على ~~عارض من عوارضه، والمقصود نفيه، فتنتفي لنفيه عوارضه ". # قال ms1581 شهاب الدين: قد سبق الشيخ إلى هذا ابن عطية فقال: " تشبيهه ليس ~~مثله في خصوصية النفي؛ لأن انتفاء المنار في البيت يدل على نفي ~~الهداية، وليس انتفاء الإلحاح، يدل على انتفاء السؤال في الآية ". ~~وأطال ابن عطية في تقرير هذا، وجوابه ما تقدم: من أن المراد نفي ~~الشيئين، لا بالطريق المذكور في البيت، وكان الشيخ قد قال قبل ما حكيته ~~عنه آنفا: " ونظير هذا: ما تأتينا فتحدثنا " فعلى الوجه الأول: ~~يعني نفي القيد وحده: ما تأتينا محدثا، إنما تأتي ولا تحدث. # وعلى الوجه الثاني: يعني نفي الحكم بقيده ب " ما يكون منك إتيان، ~~فلا يكون حديث " ، وكذلك هذا: لا يقع منهم سؤال ألبتة، فلا يقع ~~إلحاح، ونبه على نفي الإلحاح دون غير الإلحاح؛ لقبح هذا الوصف، ولا ~~يراد به نفي هذا الوصف وحده، ووجود غيره؛ لأنه كان يصير المعنى الأول، ~~وإنما يراد بنفي هذا الوصف، نفي المترتبات على المنفي الأول؛ لأنه نفى ~~الأولى على سبيل العموم، فتنتفي مترتباته، كما أنك إذا نفيت الإتيان، ~~فانتفى الحديث، انتفى جميع مترتبات الإتيان: من المجالسة، والمشاهدة، ~~والكينونة في محل واحد، ولكن نبه بذكر مترتب واحد؛ لغرض ما على ~~ذكر سائر المترتبات " وهذا يقرر ما تقدم. # وأما الزمخشري: فكأنه لم يرتض تشبيه الزجاج، فإنه قال: " وقيل: هو ~~نفي للسؤال والإلحاف جميعا؛ كقوله: [الطويل] # 1245- على لاحب لا يهتدى بمناره # ............................ # يريد نفي المنار والاهتداء به ". # قال شهاب الدين: وطريق أبي إسحاق الزجاج هذه، قد قبلها الناس، ونصروها، ~~واستحسنوا تنظيرها بالبيت؛ كالفارسي، وأبي بكر بن الأنباري، قال أبو ~~علي: لم يثبت في قوله: { لا يسألون الناس إلحافا } ~~مسألة فيهم؛ لأن المعنى: ليس منهم مسألة، فيكون منهم إلحاف، ومثل ذلك ~~قول الشاعر: [السريع] # 1246- لا يفزع الأرنب أهوالها # ولا ترى الضب بها ينجحر # أي: ليس فيها أرنب؛ فيفزع لهولها، ولا ضب فينجحر، وليس المعنى: أنه ~~ينفي الفزع عن الأرنب، والانجحار عن الضب. # وقال أبو بكر: تأويل الآية: لا يسألون ألبتة، فيخرجهم السؤال ~~في بعض الأوقات إلى الإلحاف؛ فجرى هذا مجرى ms1582 قولك: فلان لا يرجى خيره، ~~أي: لا خير عنده ألبتة فيرجى؛ وأنشد قول امرئ القيس: [الطويل] # 1247- وصم صلاب ما يقين من الوجى # كأن مكان الردف منه على رال # أي: ليس بهن وجى، فيشتكين من أجله؛ وقال الأعشى: [البسيط] # 1248- لا يغمز الساق من أين ولا وصب # ولا يعض على شرسوفه الصفر # معناه: ليس بساقه أين، ولا وصب؛ فيغمزها. # وقال الفراء قريبا منه، فإنه قال: " نفى الإلحاف عنهم، وهو يريد جميع ~~وجوه السؤال؛ كما تقول في الكلام: " قل ما رأيت مثل هذا الرجل ~~" ولعلك لم تر قليلا، ولا كثيرا من أشباهه ". # وجعل أبو بكر الآية الكريمة عند بعضهم من باب حذف المعطوف، وأن التقدير: ~~لا يسألون الناس إلحافا، ولا غير إلحاف، كقوله تعالى: # سرابيل تقيكم الحر # [النحل:81]، أي: والبرد. # وقال بعضهم: إن السائل الملحف الملح، هو الذي يستخرج المال بكثرة ~~تلطفه، فقوله: { لا يسألون الناس إلحافا } أي: لا ~~يسألون الناس بالرفق، والتلطف، وإذا لم يوجد السؤال على هذا الوجه، ~~فبأن لا يوجد على وجه العنف أولى. # وذكر ابن الخطيب - رحمه الله - فيها ثلاثة أوجه أخر: # أحدها: أنه ليس المقصود من قوله: { لا يسألون الناس إلحافا ~~} وصفهم بأنهم لا يسألون الناس إلحافا؛ لأنه تعالى وصفهم قبل ذلك ~~بالتعفف، وإذا علم أنهم لا يسألون ألبتة، قد علم - أيضا - أنهم لا ~~يسألون الناس إلحافا، بل المراد التنبيه على سوء طريقة من يسأل الناس ~~إلحافا، مثاله: إذا حضر عندك رجلان: أحدهما عاقل، وقور ثابت، والآخر ~~طياش مهذار سفيه، فإذا أردت أن تمدح أحدهما، وتعرض بالآخر، قلت: ~~فلان، رجل عاقل وقور قليل الكلام، لا يخوض في الترهات، ولا يشرع في ~~السفاهات، ولم يكن غرضك من قولك: لا يخوض في الترهات، والسفاهات، وصفه ~~بذلك؛ لأن ما تقدم من الأوصاف الحسنة يغني عن ذلك؛ بل غرضك التنبيه على ~~مذمة الثاني؛ فكذا هاهنا قوله: { لا يسألون الناس إلحافا ~~} بعد قوله: { يحسبهم الجاهل أغنيآء من التعفف } ~~الغرض منه التنبيه على مذمة من يسأل الناس إلحافا. # وثانيها: أنه تعالى بين فيما تقدم ms1583 شدة حاجة هؤلاء الفقراء ومن ~~اشتدت حاجته، فإنه لا يمكنه ترك السؤال؛ إلا بإلحاح شديد منه على ~~نفسه، فقوله: { لا يسألون الناس إلحافا } أي: لا يسألون ~~الناس، وإنما أمكنهم ترك السؤال عندما ألحوا على النفس، ومنعوها ~~بالتكليف الشديد عن ذلك السؤال، ومنه قول عمر بن الخطاب: [الوافر] # 1249- ولي نفس أقول لها إذا ما # تنازعني: لعلي أو عساني # وثالثها: أن من أظهر من نفسه آثار الفقر، والمذلة، والمسكنة؛ ثم سكت ~~عن السؤال، فكأنه أتى بالسؤال الملح الملحف؛ لأن ظهور أمارات الحاجة، ~~تدل على الحاجة، وسكوته يدل على أنه ليس عنده ما يدفع تلك الحاجة، ومتى ~~تصور الإنسان من غيره ذلك، رق له قلبه جدا، وصار حاملا له على أن ~~يدفع إليه شيئا، فكان إظهار هذه الحالة هو السؤال على سبيل الإلحاف، ~~فقوله: { لا يسألون الناس إلحافا } معناه: أنهم سكتوا عن ~~السؤال، لكنهم لا يضمون إلى ذلك السكوت من رثاثة الحال، وإظهار ~~الانكسار ما يقوم مقام السؤال على سبيل الإلحاف، بل يزينون أنفسهم عند ~~الناس، ويتجملون عند الخلق، ويجعلون فقرهم وحاجتهم بحيث لا يطلع عليها ~~إلا الخالق. # فصل # قال ابن عبد البر: من أحسن ما روي من أجوبة الفقهاء في معاني السؤال ~~وكراهيته ومذهب أهل الورع فيه. ما حكاه الأثرم عن أحمد بن حنبل، وقد سئل ~~عن المسألة، متى تحل؟ قال: إذا لم يكن عنده ما يغديه ويعشيه، قيل لأبي ~~عبد الله: فإن اضطر إلى المسألة؟ قال: هي مباحة إذا اضطر. # قيل له: فإن تعفف؟ قال: ذلك خير له، وقال: ما أظن أن أحدا يموت من ~~الجوع؛ الله يأتيه برزقه، ثم ذكر حديث أبي سعيد الخدري: " من ~~استعفف أعفه الله ". # قال أبو بكر: وسمعته يسأل عن الرجل الذي لا يجد شيئا؛ أيسأل الناس، أم ~~يأكل الميتة؟ فقال: أيأكل الميتة، وهو يجد من يسأله؟ هذا شنيع. # قال القرطبي: فإن جاءه شيء من غير سؤال، فله أن يقبله ولا يرده؛ إذ ~~هو رزق رزقه الله، لما روي # " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms1584 - أرسل إلى عمر بن الخطاب ~~بعطاء، فرده؛ فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لم ~~رددته؟ " فقال: يا رسول الله، أليس أخبرتنا أن خيرا لأحدنا ألا ~~يأخذ شيئا؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إنما ذاك عن ~~المسألة، فأما ما كان من غير مسألة، فإنما هو ~~رزق رزقكه الله ". فقال عمر بن الخطاب: " والذي نفسي ~~بيده، لا أسأل شيئا، ولا يأتيني شيء من غير ~~مسألة إلا أخذته ". # والإلحاف، والإلحاح، واللجاج، والإحفاء، كله بمعنى، يقال: ألحف، ~~وألح في المسألة: إذا لج فيها. # وفي الحديث: # " من سأل وله أربعون، فقد ألحف " # ، واشتقاقه من اللحاف؛ لأنه يشتمل الناس بمسألته، ويعمهم؛ كما يشتمل ~~اللحاف من تحته ويغطيه؛ ومنه قول ابن أحمر يصف ذكر نعام، يحضن بيضه ~~بجناحيه، ويجعل جناحه لها كاللحاف: [الوافر] # 1250- يظل يحفهن بقفقفيه # ويلحفهن هفهافا ثخينا # وقال آخر في المعنى: [الرمل] # 1251- ثم راحوا عبق المسك بهم # يلحفون الأرض هداب الأزر # أي: يلبسونها الأرض، كإلباس اللحاف للشيء. وقيل: بل اشتقاق اللفظة من ~~" لحف الجبل " وهو المكان الخشن، ومجازه أن السائل لكثرة سؤاله ~~كأنه استعمل الخشونة في مسألته، وقيل: بل هي من " لحفني فلان " ، ~~أي: أعطاني فضل ما عنده، وهو قريب من معنى الأول. # قوله: { وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم } هو ~~نظير قوله: # وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا ~~تظلمون # [البقرة:272]، وليس بتكرار؛ لأنه لما قال في الآية الأولى: # وما تنفقوا من خير يوف إليكم # [البقرة:272] فهم منه التوفية من غير بخس؛ ولا نقصان، وذلك لا يمكن ~~إلا بالعلم بمقدار العمل، وكيفية جهاته المؤثرة في استحقاق الثواب. ### || [2.274] # قوله: { الذين ينفقون }: مبتدأ، وخبره الجملة من قوله: { ~~فلهم أجرهم عند ربهم } ودخلت الفاء؛ لما تضمنه الموصول ~~من معنى الشرط. وقال ابن عطية رحمه الله: " وإنما يوجد الشبه - يعني ~~بين الموصول، واسم الشرط - إذا كان الموصول موصولا بفعل، وإذا لم يدخل ~~على الموصول عامل يغير معناه ". قال أبو حيان - رحمه الله -: " ~~فحصر الشبه فيما إذا كان " الذي " موصولا بفعل، ms1585 وهذا كلام غير ~~محرر، أما قوله: " الذي " فلا يختص ذلك ب " الذي " ، بل كل ~~ما كان موصولا غير الألف واللام، حكمه حكم الذي " بلا خلاف، وفي الألف ~~واللام خلاف، ومذهب سيبويه المنع من دخول الفاء. # الثاني: قوله " موصولا بفعل " فأطلق الفعل واقتصر عليه، وليس كذلك، ~~بل شرط الفعل أن يصلح لمباشرة أداة الشرط، فلو قلت: الذي سيأتيني، أو ~~لما يأتيني، أو ما يأتيني، أو ليس يأتيني - فله درهم - لم يجز شيء من ~~ذلك؛ لأن أداة الشرط لا يصلح أن تدخل على شيء من ذلك، وأما الاقتصار ~~على الفعل، فليس كذلك؛ بل الظرف والجار والمجرور في الوصل كذلك، متى ~~كان شيء منهما صلة لموصول، جاز دخول الفاء. # وقوله: " وإذا لم يدخل على " الذي " عامل يغير معناه " ~~عبارة غير ملخصة؛ لأن العامل لا يغير معنى الموصول، إنما يغير ~~معنى الابتداء، بأن يصيره تمنيا، أو ترجيا، أو ظنا، نحو: لعل ~~الذي يأتضيني، أو ليت الذي يأتيني، أو ظننت الذي يأتيني - فله درهم، لا ~~يجوز دخول الفاء لتغير معنى الابتداء. # وكان ينبغي له - أيضا - أن يقول: " بشرط أن يكون الخبر ~~مستحقا بالصلة؛ كالآية الكريمة؛ لأن ترتب الأجر إنما هو على ~~الإنفاق ". # وقول الشيخ أيضا: " بل كل موصول " ليس الحكم - أيضا - مقتصرا ~~على كل موصول، بل كل نكرة موصوفة بما يجوز أن يكون صلة مجوزة ~~لدخول الفاء، أو ما أضيف إلى تلك النكرة، أو إلى ذلك الموصول، أو ~~الموصوف بالموصول - حكمه كذلك. وقد تقدمت المسألة. # فصل في بيان سبب النزول # في سبب النزول وجوه: # الأول: لما نزل قوله تعالى: # للفقرآء الذين أحصروا في سبيل الله # [البقرة:273]، بعث عبد الرحمن بن عوف بدنانير كثيرة إلى أصحاب ~~الصفة، وبعث علي - كرم الله وجهه - بوسق تمر ليلا؛ فكان أحب ~~الصدقتين إلى الله تعالى، صدقه علي؛ فنزلت الآية. # وقدم الله تعالى ذكر الليل؛ ليعرف أن صدقة الليل كانت أكمل، رواه ~~الضحاك، عن ابن عباس. # الثاني: روى مجاهد عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: # " نزلت هذه الآية في علي ms1586 - رضي الله عنه - كان عنده أربعة دراهم، لا ~~يملك غيرها، فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا، وبدرهم سرا وبدرهم ~~علانية؛ فقال - عليه الصلاة والسلام -: " ما حملك على هذا؟ ~~" فقال: أن أستوجب ما وعدني ربي، فقال: " لك ذلك ". # الثالث: قال الزمخشري نزلن في أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - حين ~~تصدق بأربعين ألف دينار: عشرة بالليل، وعشرة بالنهار، وعشرة في ~~السر، وعشرة في العلانية. # الرابع: قال أبو أمامة، وأبو الدرداء، ومكحول، والأوزاعي: نزلت هذه ~~الآية الكريمة في الذين يربطون الخيل للجهاد؛ فإنها تعتلف ليلا ونهارا، ~~وسرا وعلانية، فكان أبو هريرة - رضي الله عنه - إذا مر بفرس سمين، ~~قرأ هذه الآية. # وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: # " من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا، وتصديقا ~~بوعده، فإن شبعه وريه وروثه، وبوله في ميزانه يوم ~~القيامة ". # الخامس: أن الآية الكريمة عامة في الذين يعمون الأوقات، والأحوال ~~بالصدقة، تحريضا لهم على الخير. # وفي الآية إشارة إلى أن صدقة السر أفضل؛ لأنه قدم الليل على ~~النهار، والسر على العلانية في الذكر، وتقدم نظير هذه الآية؛ ومدلولها، ~~وهو مشروط عند الكل بألا يحصل عقيبه الكفر، وعند المعتزلة ألا يحصل ~~عقيبه كبيرة محبطة. ### || [2.275] # " الربا " في اللغة: عبارة عن الزيادة؛ يقال ربا الشيء يربو ~~ربوا، ومنه قوله # اهتزت وربت # [الحج:5]، أي زادت، وأربى الرجل: إذا عامل في الربا، ومنه الحديث # " من أجبى فقد أربى " # ، أي: عامل بالربا، والإجباء: بيع الزرع قبل أن يبدو صلاحه. # والمادة تدل على الزيادة والارتفاع، ومنه الربوة. وقال حاتم ~~الطائي يصف رمحا: [الطويل] # 1252- وأسمر خطيا كأن كعوبه # نوى القسب قد أربى ذراعا على العشر # والربا: لامه واو؛ لقولهم: ربا يربو؛ فلذلك يثنى بالواو، ويكتب ~~بالألف. وجوز الكوفيون تثنيته بالياء، وكذلك كتابته، قالوا: لكسر ~~أوله، ولذلك أمالوه، وليس هذا مختصا بمكسور الأول، بل الثلاثي من ~~ذوات الواو، المكسور الأول، أو المضمومه؛ نحو: " ربا " ، و " علا " ~~حكمه ما ذكرته عنهم، فأما المفتوح الأول نحو: عصا، وقفا، فلم يخالفوا ms1587 ~~البصريين، وكتب في القرآن بخط الصحابة بواو بعدها ألف. # وقيل: إنما بالواو؛ لأن أهل الحجاز تعلموا الخط من أهل الحيرة، ~~وأهل الحيرة يقولون: " الربوا " بالواو، فكتبوها كذلك، ونقلها أهل ~~الحجاز كذلك؛ خطا لا لفظا. # قرأ العدوي: " الربو " كذلك بواو خالصة بعد فتحة الباء. فقيل: ~~هذا القارئ أجرى الوصل مجرى الوقف، وذلك أن من العرب من يقلب ألف ~~المقصور واوا؛ فيقول: هذه أفعو، وهذا من ذاك، إلا أنه أجرى الوصل ~~مجرى الوقف. # وقد حكى أبو زيد ما هو أغرب من ذلك، فقال: " قرأ بعضهم بكسر الراء، ~~وضم الباء، و واو بعدها " ، ونسب هذه للغلط؛ وذلك لأن العرب لا يبقى ~~واوا بعد ضمة في الأسماء المعربة، بل إذا وجد ذلك، لم يقر على حاله، ~~بل تقلب الضمة كسرة، والواو ياء، نحو: دلو وأدل، وجرو وأجر؛ ~~وأنشد أبو علي: [البسيط] # 1253- ليث هزبر مدل عند خيسته # بالرقمتين له أجر وأعراس # ونهاية ما قيل فيها: أن قارئها قلب الألف واوا؛ كقولهم في الوقف: ~~أفعو، ثم أجري الوصل مجرى الوقف في ذلك، قيل: ولم يضبط الراوي عنه ~~ما سمع؛ فظنه بضم الباء؛ لأجل الواو؛ فنقلها كذلك، وليت الناس أخلوا ~~تصانيفهم من مثل هذه القراءات التي لو سمعها العامة لمجوها، ومن ~~تعاليلها، ولكن صار التارك لها، يعده بعضهم جاهلا بالاطلاع عليها. # ويقال: ربا ورما، بإبدال بائه ميما؛ كما قالوا: كثم في كثب. والألف ~~واللام في " الربا ": يجوز أن تكون للعهد، إذ المراد الربا الشرعي، ~~ويجوز أن تكون لتعريف الجنس. # فصل في وجه تعلق هذه الآية بالتي قبلها # اعلم أن بين الصدقة، والربا مناسبة من جهة التضاد؛ لأن الصدقة ~~عبارة عن تنقيص المال بسبب أمر الله تبارك وتعالى بذلك؛ والربا عبارة ~~عن طلب الزيادة على المال مع نهي الله - سبحانه وتعالى - عنه، فكانا ~~كالمتضادين، ولهذا قال تعالى: # يمحق الله الربوا ويربي الصدقات # [البقرة:276] فلما حصلت المناسبة بينهما من هذا النوع، ذكر حكم الربا ~~عقيب حكم الصدقات، وخص الأكل؛ لأنه معظم الأمر؛ كقوله: # الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما # [النساء:10] ms1588 فنبه بالأكل على ما سواه من وجوه الإتلافات، ولأن نفس ~~الربا الذي هو الزيادة لا يؤكل، وإنما يصرف في المأكول، وقال - صلى ~~الله عليه وسلم -: # " لعن الله آكل الربا، وموكله وشاهده وكاتبه، ~~والمحلل له " # فعلمنا أن الحرمة غير مختصة بالأكل. # فصل في تقسيم الربا # الربا قسمان: ربا النسيئة، وربا الفضل. # أما ربا النسيئة، فهو الذي كان مشهورا متعارفا في الجاهلية، وذلك ~~أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر قدرا معينا، ويكون ~~رأس المال باقيا، ثم إذا حل الدين طالبوا المديون برأس المال فإن ~~تعذر عليه الأداء زادوا في الحق والأجل، فهذا هو الربا الذي كانوا ~~يتعاملون به في الجاهلية. # وأما " ربا الفضل " فهو أن يباع من من الحنطة بمنوين منها، أو ما ~~أشبه ذلك. # وروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه كان لا يحرم إلا القسم ~~الأول، فكان يقول لا ربا إلا في النسيئة، وكان يجوز ربا الفضل؛ ~~فقال له أبو سعيد الخدري: أشهدت ما لم تشهد، أو سمعت من رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ما لم نسمع! ثم روى له الحديث المشهور في هذا ~~الباب، ثم قال أبو سعيد: لا أواني وإياك ظل بيت، ما دمت على هذا. # ثم روي أنه رجع عنه. # قال محمد بن سيرين: كنا في بيت، ومعنا عكرمة، فقال رجل: يا عكرمة، ~~أما تذكر ونحن في بيت فلان، ومعنا ابن عباس فقال: إنما كنت استحللت ~~الصرف برأيي، ثم بلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حرمه، ~~فاشهدوا أني حرمته، وبرئت منه إلى الله. # وحجة ابن عباس أن قوله: { وأحل الله البيع } يتناول بيع ~~الدرهم بالدرهمين نقدا؛ وقوله: { وحرم الربا } [لا يتناوله؛ ~~لأن الربا عبارة عن الزيادة، وليست كل زيادة محرمة؛ بل قوله { ~~وحرم الربا } ] إنما يتناول العقد المخصوص المسمى فيما بينهم ~~ربا، وذلك هو ربا النسيئة، فكان ذلك مخصوصا بالنسيئة؛ فثبت أن ~~قوله { وأحل الله البيع } يتناول ربا الفضل، وقوله: { ~~وحرم الربا } لا يتناوله؛ فوجب أن يبقى على الحل ولا ms1589 يمكنه أن ~~يقال إنما يحرمه بالحديث؛ لأنه يقتضي تخصيص ظاهر القرآن بخبر الواحد، وهو ~~غير جائز وهذا هو عرف ابن عباس، وحقيقته راجعة إلى أن تخصيص القرآن ~~بخبر الواحد: هل يجوز أم لا؟ # وأما جمهور العلماء، فقد اتفقوا على تحريم الربا في القسمين، أما ~~القسم الأول، ربا النسيئة فبالقرآن، وأما ربا الفضل، فبالخبر، ثم ~~إن الخبر دل على حرمة ربا الفضل في الأشياء الستة، ثم اختلفوا. # فقال جمهور الفقهاء: حرمة ربا الفضل غير مقصورة على هذه النسيئة؛ بل ~~ثابتة في غيرها بالعلة الجامعة وقال نفاة القياس: بل الحرمة مقصورة ~~عليها. # فصل في سبب تحريم الربا # ذكروا في سبب تحريم الربا وجوها: # أحدها: أنه يفضي إلى أخد الإنسان مال غيره من غير عوض؛ لأنه إذا باع ~~الدرهم بالدرهمين نقدا أو نسيئة، فقد حصل له زيادة درهم من غير عوض ~~ومال الإنسان له حرمة عظيمة، قال - صلى الله عليه وسلم -: # " حرمة مال المسلم كحرمة دمه " # ؛ فكان أخذ ماله بغير عوض محرما. # فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون لبقاء رأس المال في يده مدة مديدة ~~عوضا عن الدرهم الزائد؟ لأن رأس المال لو بقي في يد مالكه، لتمكن ~~من التجارة به، والربح، فلما تركه في يد المديون، وانتفع المديون به، ~~لم يبعد أن يدفع إلى رب المال ذلك الدرهم الزائد؛ عوضا عن انتفاعه ~~بماله. # فالجواب أن هذا الانتفاع المذكور أمر موهوم قد يحصل له منه كسب، ~~وقد لا يحصل، وأخذ الدرهم الزائد أمر متيقن فتفويت المتيقن لأجل أمر ~~موهوم، لا ينفك عن نوع ضرر. # وثانيها: أن الربا يمنع الناس عن الاشتغال بالمكاسب؛ لأنه إذا ~~حصل الدرهم بالربا، فلا يكاد يحتمل مشقة التكسب بالتجارة، ~~والصناعة، فيفضي إلى انقطاع منافع الخلق، ومن المعلوم أن [مصالح ~~العالم] لا تنتظم إلا بالتجارات، والعمارات، والحرف، والصناعات. # وثالثها: أن الربا يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس من القرض؛ لأن ~~الربا إذا حرم، طابت النفوس بقرض الدرهم، واسترجاع مثله، ولو حل ~~الربا، لكانت حاجة المحتاج تحمله حاجته على أخذ ms1590 الدرهم بالدرهمين، فيفضي ~~ذلك إلى قطع المواساة، والمعروف، والإحسان. # ورابعها: أن الغالب أن المقرض يكون غنيا، والمستقرض يكون فقيرا، ~~فالقول بتجويز الربا تمكين للغني من أن يأخذ من الفقير الضعيف مالا ~~زائدا، وهو غير جائز برحمة الرحيم. # وخامسها: أنه غير معقول المعنى. # قوله: " لا يقومون " الظاهر أنها خبر الموصول المتقدم، وقال ~~بعضهم: إنها حال، وهو سهو، وقد يتكلف تصحيحه بأن يضمر الخبر؛ كقراءة ~~من قرأ # ونحن عصبة # [يوسف:8]؛ وقوله: [الطويل] # 1254-................. لا أنا باغيا # ............................. # في أحد الوجهين. # والمراد القيام يوم القيامة أو من القبور. # قوله: { إلا كما يقوم } فيه الوجهان المشهوران وهما: # النصب على النعت؛ لمصدر محذوف، أي: لا يقومون إلا قياما مثل قيام الذي ~~يتخبطه الشيطان، وهو المشهور عند المعربين. # أو النصب على الحال من ضمير ذلك المصدر المقدر، أي: لا يقومونه، أي: ~~القيام إلا مبشها قيام الذي يتخبطه الشيطان، وهو رأي سيبويه، وقد ~~قدمت تحقيقهما. # و " ما " الظاهر أنها مصدرية، أي: كقيام. وجوز بعضهم أن تكون بمعنى ~~الذي، والعائد محذوف، والتقدير: إلا كالقيام الذي يقومه الذي يتخبطه ~~الشيطان، وهو بعيد. # و " يتخبطه " يتفعله، وهو بمعنى المجرد أي يخبطه؛ فهو مثل: تعدى ~~الشيء وعداه فهو تفعل بمعنى فعل، نحو تقسمه: بمعنى قسمه، وتقطعه: ~~بمعنى قطعه. ومعنى ذلك مأخوذ من خبط البعير بأخفافه: إذا ضرب بها الأرض. ~~ويقال: فلان يخبط خبط عشواء؛ قال علقمة: [الطويل] # 1255- وفي كل حي قد خبطت بنعمة # فحق لشأس من نداك ذنوب # وقال زهير: [الطويل] # 1256- رأيت المنايا خبط عشواء من تصب # تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم # والتخبط معناه: الضرب على غير استواء، ويقال للرجل الذي يتصرف في أمر ~~ولا يهتدي فيه، إنه يخبط خبط عشواء، وخبط البعير الأرض بأخفافه، وتخبطه ~~الشيطان، إذا مسه بخبل، أو جنون؛ لأنه كالضرب على غير استواء في ~~الإدهاش. # قوله: " من المس " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه متعلق بيتخبطه من جهة الجنون، فيكون في موضع نصب، قاله ~~أبو البقاء. # الثاني: أنه يتعلق بقوله تبارك وتعالى: { لا يقومون } ، أي: لا ~~يقومون من المس الذي ms1591 بهم، إلا كما يقوم المصروع. # الثالث: أنه يتعلق بقوله: " يقوم " ، أي: كما يقوم المصروع من ~~جنونه؛ ذكر هذين الوجهين الأخيرين الزمخشري. # قال أبو حيان: وكان قدم في شرح المس أنه الجنون، وهذا الذي ذهب ~~إليه في تعلق " من المس " بقوله: " لا يقومون " ضعيف؛ ~~لوجهين: # أحدهما: أنه قد شرح المس بالجنون، قلت: وهو باب في البلاغة مشهور، ~~وهو أعلى رتب التشبيه؛ ومنه قوله: [الطويل] # 1257- ورمل كأوراك العذارى قطعته # ...................... # فصل في دفع شبهة في تحليل الربا # القوم كانوا في تحليل الربا على هذه الشبهة، وهي أن من اشترى ~~ثوبا بعشرة، ثم باعه بأحد عشر، فهذا حلال؛ فكذا إذا باع العشرة بأحد ~~عشر، يجب أن يكون حلالا؛ لأنه لا فرق في العقل بين الصورتين، فهذا في ~~ربا الفضل، وكذلك - أيضا - في ربا النسيئة؛ لأنه لو باع الثوب الذي ~~يساوي عشرة في الحال بأحد عشر إلى شهر، جاز؛ فكذا إذا أعطى العشرة بأحد ~~عشر إلى شهر، وجب أن يجوز؛ لأنه لا فرق في العقل بينهما، وإنما جاز ذلك، ~~لحصول التراضي من الجانبين، فكذا هاهنا، لما حصل التراضي من الجانبين، ~~وجب أن يجوز أيضا، والبياعات إنما شرعت لدفع الحاجة، ولعل الإنسان أن ~~يكون صفر اليد في الحال، شديد الحاجة، ويكون له في المستقبل من الزمان ~~أموال كثيرة، فإذا لم يجز الربا، لم يعطه رب المال مجانا، فيبقى ~~الإنسان في الشدة، والحاجة، وبتقدير جواز الربا فيعطيه رب المال؛ طمعا ~~في الزيادة، والمديون يرده عند وجدان المال، وإعطاء تلك الزيادة عند ~~وجدان المال، أسهل عليه من البقاء في الحاجة قبل وجدان المال، فهذا يقتضي ~~حل الربا، كما قلنا في سائر البياعات أنها إنما شرعت؛ لدفع الحاجة، ~~فهذه شبهة القوم. # فأجابهم الله تعالى بقوله: { وأحل الله البيع وحرم ~~الربوا } ، وتوجيه هذا الجواب أن ما ذكرتم معارضة للنص ~~بالقياس؛ وهو لا يجوز. # فصل في دفع شبهة لنفاة القياس # تمسك نفاة القياس بهذه الآية، فقالوا: لو كان الدين بالقياس، لكانت ~~هذه الشبهة لازمة، فلما بطلت، علمنا أن الدين بالنص لا ms1592 بالقياس. # وفرق القفال بينهما، فقال: من باع ثوبا يساوي عشرة بعشرين، فقد ~~جعل ذات الثوب مقابلة بالعشرين، فلما حصل التراضي على هذا التقابل، ~~صار كل واحد منهما مقابلا للآخر في المالية عندهما، فلم يكن أخذ من ~~صاحبه شيئا بغير عوض. أما إذا باع العشرة بالعشرة، فقد أخذ العشرة ~~الزائدة من غير عوض، ولا يمكن أن يقال: إن غرضه هو الإمهال في الأجل؛ ~~لأن الإمهال ليس إلا مالا أو شيئا يشار إليه، حتى يجعله عوضا عن ~~العشرة الزائدة؛ فافترقا. # فإن قيل: ما الحكمة في قلب هذه القضية؟ ومن حق القياس أن يشبه محل ~~الخلاف بمحل الوفاق؛ لأن حل البيع متفق عليه، وهم أرادوا قياس الربا ~~عليه؛ فكان نظم الكلام أن يقال: إنما الربا مثل البيع، فقلبه، وقال: { ~~إنما البيع مثل الربوا }؟ # فالجواب أنه لم يكن مقصود القوم أن يتمسكوا بنظم القياس، بل كان ~~غرضهم أن البيع والربا متماثلان في جميع الوجوه المطلوبة، فكيف يجوز ~~تخصيص أحد المثلين بالحل، والآخر بالحرمة، وعلى هذا التقدير: فأيهما ~~قدم، أو أخر جاز. # قوله: { وأحل الله البيع } الظاهر أنه من كلام الله تعالى، ~~أخبر بأنه أحل هذا، وحرم ذاك، وعلى هذا؛ فلا محل لهذه الجملة من ~~الإعراب. وقال بعضهم: " هذه الجملة من تتمة قول الذين يأكلون الربا، ~~فتكون في محل نصب بالقول؛ عطفا على المقول " وهو بعيد جدا، ~~لأن القائل بأن هذا من كلام الكفار، لا يتم إلا بإضمار زيادة، ~~إما بأن يحمل ذلك على الاستفهام؛ على سبيل الإنكار، أو يحمل ذلك على ~~الرواية من قول المسلمين، والإضمار خلاف الأصل، وعلى الأول لا يحتاج ~~إلى الإضمار، فكان أولى أيضا فإن المسلمين - أبدا - يتمسكون في ~~جميع مسائل البيع بهذه الآية، ولو كان ذلك من كلام الكفار، لما جاز لهم ~~الاستدلال به. وأيضا، فقوله بعده: { فمن جآءه موعظة من ~~ربه فانتهى فله ما سلف... } إلى قوله: {... خالدون ~~} يقتضي أنهم لما تمسكوا بقولهم: { إنما البيع مثل ~~الربوا } فالله تعالى قد كشف عن فساد تلك الشبهة، وبين ضعفها، ~~فلو لم ms1593 يكن قوله { وأحل الله البيع وحرم الربوا } من ~~كلام الله تعالى، لم يكن أجاب عن تلك الشبهة، فلم يكن قوله { فمن ~~جآءه موعظة } - لائقا بهذا الموضع. # فصل # ذهب بعض العلماء إلى أن قوله تعالى: { وأحل الله البيع ~~وحرم الربوا } من المجملات التي لا يجوز التمسك بها. # قال ابن الخطيب: وهو المختار عندي لوجوه: # الأول: أنه ثبت في " أصول الفقه " أن الاسم المفرد المحلى ب " ~~لام " التعريف، لا يفيد العموم ألبتة، بل ليس فيه إلا تعريف ~~الماهية، ومتى كان كذلك، كفى في العمل ثبوت حكمه في الصورة الواحدة. # الثاني: سلمنا أنه يفيد العموم، ولكنا لا نشك في أن إفادته العموم ~~أضعف من إفادة ألفاظ الجمع للعموم، مثلا قوله: { وأحل الله ~~البيع } وإن أفاد الاستغراق إلا أن قوله: " وأحل الله البيعات " ~~أقوى في إفادة الاستغراق فثبت أن قوله: { وأحل الله البيع } لا يفيد ~~الاستغراق إلا إفادة ضعيفة، ثم بتقدير العموم لا بد أن يتطرق إليها ~~تخصيصات كثيرة خارجة عن الحصر والضبط، ومثل هذا العموم لا يليق بكلام ~~الله تعالى، وكلام رسوله؛ لأنه كذب، والكذب على الله محال. # فأما العام الذي يكون موضع التخصيص منه قليلا جدا، فذلك جائز؛ لأن ~~إطلاق لفظ الاستغراق على الأغلب عرف مشهور في كلام العرب. # الثالث: روي عن عمر - رضي الله عنه - قال: خرج رسول - صلى الله عليه ~~وسلم - من الدنيا، وما سألناه عن الربا. ولو كان هذا اللفظ مفيدا ~~للعموم، لما قال ذلك؛ فعلمنا أن هذه الآية من المجملات. # الرابع: أن قوله: { وأحل الله البيع وحرم الربوا } ~~يقتضي أن يكون كل بيع حلالا، وكل ربا حراما؛ والربا: هو الزيادة، ~~فأول الآية أباح جميع البيوع، وآخرها حرم الجميع؛ فلا يعرف الحلال من ~~الحرام بهذه الآية؛ فكانت مجملة، ووجب الرجوع في معرفة الحلال، والحرام ~~إلى بيان الرسول - صلى الله عليه وسلم -. # قوله: { فمن جآءه } يحتمل أن تكون شرطية وهو الظاهر، وأن تكون ~~موصولة، وعلى كلا التقديرين فهي في محل رفع بالابتداء. # وقوله: { فله ما سلف } هو الخبر، فإن كانت ms1594 شرطية، فالفاء ~~واجبة، وإن كانت موصولة، فهي جائزة، وسبب زيادتها ما تقدم من شبه ~~الموصول لاسم الشرط. ويجوز حال كونها شرطية وجه آخر، وهو أن تكون ~~منصوبة بفعل مضمر يفسره ما بعده، وتكون المسألة من باب الاشتغال، ~~ويقدر الفعل بعدها؛ لأن لها صدر الكلام، والتقدير: فأي شخص جاءت ~~الموعظة جاءته، ولا يجوز ذلك فيها موصولة؛ لأن الصلة لا تفسر ~~عاملا؛ إذ لا يصح تسلطها على ما قبلها، وشرط التفسير صحة التسلط. ~~وسقطت علامة التأنيث من فعل الموعظة لأن ثانيها غير حقيقي ولأنها في معنى ~~الوعظ وأيضا للفصل بين الفعل، وفاعله بالمفعول. وقرأ أبي والحسن: " ~~جاءته " على الأصل. # قوله: { من ربه } يجوز أن تكون متعلقة بجاءته، وتكون لابتداء ~~الغاية؛ مجازا، وأن تتعلق بمحذوف على أنها صفة لموعظة، أي: موعظة ~~من موعظات ربه، أي: بعض مواعظه. # وقوله: " فانتهى " نسق على " جاءته " عطفه بفاء التعقيب، أي: لم ~~يتراخ انتهاؤه عن مجيء الموعظة. # وقوله: " ومن عاد " الكلام على " من " هذه في احتمال الشرط، ~~والموصول، كالكلام على التي قبلها. # " عاد " أي: رجع، يقال: عاد يعود عودا، ومعادا، وعن بعضهم: أنها تكون ~~بمعنى " صار "؛ وأنشد [الطويل] # 1258- وبالمحض حتى عاد جعدا عنطنطا # إذا قام ساوى غارب الفحل غاربه # وأنشد: [الطويل] # 1259- تعد لكم جزر الجزور رماحنا # ويرجعن بالأسياف منكسرات # والضمير في قوله " فأمره " يعود على " ما سلف " ، أي: وأمر ما سلف ~~إلى الله، أي: في العفو عنه وإسقاط التبعة منه. وقيل: يعود على المنتهي ~~المدلول عليه بانتهى، أي: فأمر المنتهي عن الربا إلى الله؛ في العفو؛ ~~والعقوبة. # وقيل: يعود على ذي الربا في أن ينتبه على الانتهاء، أو يعيده إلى ~~المعصية. # وقيل: يعود على الربا، أي: في عفو الله عما شاء منه، أو في استمرار ~~تحريمه. # قال الواحدي " السلوف ": التقدم، وكل شيء قدمته أمامك فهو ~~سلف، ومنه الأمم السالفة، وسالف الذكر، وله سلف صالح: آباء ~~متقدمون، ومنه # فجعلناهم سلفا # [الزخرف:56] أي: أمة متقدمة تعتبر بهم من بعدهم، وتجمع السلف على: ~~أسلاف وسلوف، والسالفة والسلاف: المتقدمون في حرب أو ms1595 سفر، ~~والسالفة من الوجه؛ لتقدمها؛ قال: [الوافر] # 1260- ومية أحسن الثقلين جيدا # وسالفة وأحسنه قذالا # والسلفة: ما يقدم من الطعام للضيف. يقال: " سلفوا ضيفكم، ~~ولهنوه " أي: بادروه بشيء ما، ومنه: السلف في الدين؛ لأنه ~~تقدمه مال. # والسالفة: العنق؛ لتقدمه في جهة العلو، والسلفة: ما قدم قبل الطعام، ~~وسلافة الخمر: صفوتها؛ لأنه أول ما يخرج من عصيرها. # فصل في تأويل ما سلف # قال الزجاج: أي صفح له عما مضى من ذنبه، قبل نزول الآية؛ كقوله: # قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد ~~سلف # [الأنفال:38]، وضعف؛ بأن قبل نزول الآية في التحريم، لم يكن ذلك ~~حراما، ولا ذنبا؛ فكيف يقال المراد من الآية الصفح عن ذلك الذنب مع أنه ~~ما كان هناك ذنب؟ والنهي المتأخر لا يؤثر في الفعل المتقدم! ولأنه تعالى ~~أضاف ذلك إليه بلام التمليك، وهو قوله: { فله ما سلف } أي: كل ~~ما أكل من الربا، وليس عليه رده، فأما ما لم يقض بعد، فلا يجوز له ~~أخذه، وإنما له رأس ماله فقط؛ كما بينه تعالى في قوله تعالى: # وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم # [البقرة:279]. # فصل # قال ابن الخطيب - رحمه الله -: في قوله تعالى: { وأمره إلى الله ~~} وجوه للمفسرين، والذي أقوله: إن هذه الآية مختصة بمن ترك استحلال ~~الربا من غير بيان أنه ترك أكل الربا، أو لم يترك؛ ويدل عليه مقدمة ~~الآية ومؤخرتها. # أما مقدمة الآية؛ فلأن قوله { فمن جآءه موعظة من ~~ربه فانتهى } ليس فيه بيان أنه انتهى عماذا، فلا بد وأن يصرف ~~ذلك إلى المدلول السابق، وأقرب المذكورات إلى هذه الكلمة قولهم: { ~~إنما البيع مثل الربوا } فكان قوله: { فانتهى } ~~عائدا إليه فيكون المعنى: فانتهى عن هذا القول. # وأما مؤخرة الآية فقوله: { ومن عاد فأولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون } معناه عاد إلى الكلام المتقدم، وهو ~~استحلال الربا " فأمره إلى الله " ثم هذا الإنسان إما أن يقال: ~~إنه كما انتهى عن استحلال الربا، انتهى - أيضا - عن أكل الربا، وليس ~~كذلك؛ فإن كان الأول كان هذا الشخص مقرا ms1596 بدين الله عالما بتكليف الله ~~تعالى؛ فحينئذ يستحق المدح والتعظيم، لكن قوله " فأمره إلى ~~الله " ليس كذلك؛ لأنه يدل على أنه تعالى إن شاء عذبه، وإن شاء غفر ~~له، فثبت أن هذه الآية لا تليق بالكافر، ولا بالمؤمن المطيع، فلم يبق ~~إلا أنها تختص بمن أقر بحرمة الربا، ثم أكل الربا؛ فهذا أمره إلى ~~الله إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، فهو كقوله # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء:48]. ثم قال: { ومن عاد فأولئك أصحاب النار ~~هم فيها خالدون } أي ومن عاد إلى استحلال الربا، حتى يصير ~~كافرا، وفيها دليل على أن الخلود لا يكون إلا للكافر. ### || [2.276] # قوله تعالى: { يمحق الله الربوا ويربي }: الجمهور على ~~التخفيف في الفعلين من: محق، وأربى. وقرأ ابن الزبير: ورويت عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - " يمحق، ويربي " بالتشديد فيهما. # والمحق: النقص، يقال: محقته فانمحق، وامتحق؛ ومنه المحاق في القمر؛ قال: ~~[البسيط] # 1261- يزداد حتى إذا ما تم أعقبه # كر الجديدين نقصا ثم ينمحق # وأنشد ابن السكيت: [الطويل] # 1262- وأمصلت مالي كله بحياته # وما سست من شيء فربك ماحقه # ويقال: هجير ماحق: إذا نقص كل شيء بحره. # وقد اشتملت هذه الآية على نوعين من البديع: # أحدهما: الطباق في قوله: " يمحق، ويربي " فإنهما ضدان، نحو: # أضحك وأبكى # [النجم:43]. # والثاني: تجنيس التغاير في قوله: " الربا، ويربي " إذ أحدهما اسم ~~والآخر فعل. # فصل في بيان وجه النظم # لما كان الداعي إلى فعل الربا، تحصيل الزيادة، والصارف عن الصدقات ~~الاحتراز عن نقص الخيرات - بين تعالى - هاهنا - أن الربا وإن كان ~~زيادة، فهو نقصان في الحقيقة، وأن الصدقة وإن كانت نقصا في الصورة، ~~فهي زيادة في المعنى، فلا يليق بالعاقل أن يلتفت إلى ما يقضي به الطبع، ~~والحس من الدواعي والصوارف؛ بل يعول على ما ندبه الشرع إليه؛ فهذا ~~وجه النظم. # فصل # اعلم أن محق الربا، وإرباء الصدقات يحتمل أن يكون في الدنيا، وأن يكون ~~في الآخرة. # أما محق الربا في ms1597 الدنيا فمن وجوه: # أحدها: أن الغالب في المربي - وإن كثر ماله - أن تؤول عاقبته إلى ~~الفقر وتزول البركة عن ماله؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: # " الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قل ". # وثانيها: أنه وإن لم ينتقص ماله، فإن عاقبته الذم والنقص، وسقوط ~~العدالة، وزوال الأمانة، وحصول اسم الفسق، والقسوة، والغلظة. # ثالثها: أن الفقراء الذين يشاهدون أنه أخذ أموالهم بسبب الربا، ~~يلعنونه، ويبغضونه، ويدعون عليه؛ وذلك يكون سببا لزوال الخير، والبركة ~~عنه في نفسه وماله. # الرابع: أنه متى اشتهر بين الناس بأنه إنما جمع ماله من الربا، توجهت ~~إليه الأطماع، وقصده كل ظالم، ومارق وطماع، ويقولون: إن ذلك ~~المال ليس له في الحقيقة، فلا يترك في يده. # وأما أن الربا سبب للمحق في الآخرة فمن وجوه: # أحدها: قال ابن عباس: معنى هذا المحق: أن الله تعالى لا يقبل منه صدقة، ~~ولا جهادا ولا حجا، ولا صلة رحم. # ثانيها: أن مال الدنيا لا يبقى عند الموت، ويبقى عليه التبعة، والعقوبة، ~~وذلك هو الخسار الأكبر. # وثالثها: ثبت في الحديث: أن الأغنياء يدخلون الجنة بعد الفقراء ~~بخمسمائة عام، فإذا كان الغنى من الحلال كذلك، فما ظنك بالغنى من ~~الحرام المقطوع به فذلك هو المحق والنقصان! # وأما " إرباء الصدقات " فيحتمل - أيضا - أن يكون في الدنيا، وأن ~~يكون في الآخرة. # أما في الدنيا: فمن وجوه: # أحدها: أن من كان لله كان الله له، فإذا كان الإنسان يحسن إلى عبيد ~~الله، فالله تعالى لا يتركه ضائعا، ولا جائعا في الدنيا، وقد ورد في ~~الحديث أن ملكا ينادي كل يوم: # " اللهم يسر لكل منفق خلفا، ولكل ممسك تلفا ~~". # وثانيها: أنه يزداد كل يوم في جاهه، وذكره الجميل، وميل القلوب إليه. # وثالثها: أن الفقراء يعينونه بالدعاء الخالص من قلوبهم. # ورابعها: أن الأطماع تنقطع عنه، فإنه متى اشتهر بإصلاح مهمات ~~الفقراء، والضعفاء؛ فكل أحد يحترز عن منازعته، وكل ظالم، وطماع ~~يتخوف من التعرض إليه، اللهم إلا نادرا، فهذا هو المراد بإرباء ~~الصدقات في الدنيا. # وأما إرباؤها في الآخرة، ms1598 فروى أبو هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: # " إن الله تعالى يقبل الصدقات ولا يقبل منها ~~إلا الطيب ويأخذها بيمينه فيربيها كما يربي ~~أحدكم مهره أو فلوه حتى إن اللقمة تصير مثل ~~أحد " # وتصديق ذلك بين في كتاب الله تعالى # ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن ~~عباده ويأخذ الصدقات # [التوبة:104]. # وقال ابن الخطيب: ونظير قوله: { يمحق الله الربوا } المثل ~~الذي ضربه فيما تقدم بصفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا ونظير ~~قوله: { ويربي الصدقات } المثل الذي ضربه الله بحبة أنبتت سبع ~~سنابل في كل سنبلة مائة حبة. # قوله: { والله لا يحب كل كفار أثيم } اعلم أن الكفار ~~فعال من الكفر، ومعناه: أن ذلك عادته، والعرب تسمي المقيم على الشيء ~~بهذا فتقول: فلان فعال للخير أمار به و " الأثيم " فعيل بمعنى ~~فاعل، وهو الآثم، وهو - أيضا - مبالغة في الاستمرار على اكتساب الإثم ~~والتمادي فيه، وذلك لا يليق إلا بمن ينكر تحريم الربا، فيكون جاحدا. # وفيه وجه آخر وهو أن يكون " الكفار " راجعا إلى المستحل " ~~والأثيم " يكون راجعا إلى من يفعله مع اعتقاد التحريم؛ فتكون الآية ~~الكريمة جامعة للفريقين. ### || [2.277] # اعلم أن من عادته تعالى في القرآن الكريم مهما ذكر وعيدا، ذكر بعده ~~وعدا فلما بلغ هاهنا في وعيد المرابي، أتبعه بهذا الوعد، وقد تقدم تفسير ~~مثل هذه الآية. # واحتج من قال بأن العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان بهذه الآية، فإنه ~~عطف عمل الصالحات على الإيمان؛ والمعطوف يغاير المعطوف عليه. # وأجيب عنه بأنه قال: { وعملوا الصالحات وأقاموا ~~الصلوة وآتوا الزكوة } ولا نزاع في أن إقامة الصلاة، ~~وإيتاء الزكاة، داخلان تحت عمل الصالحات، فكذا ما ذكرتم، وأيضا قال ~~تبارك وتعالى: # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله # [النحل:88] وقال: # والذين كفروا وكذبوا بآيتنآ # [البقرة:39] ويمكن أن يجاب بأن الأصل حمل كل لفظة على فائدة جديدة، ~~ترك العمل به عند التعذر، فيبقى في غير موضع التعذر على الأصل. # فإن قيل إن الإنسان إذا بلغ عارفا بالله تعالى وقبل وجوب ms1599 الصلاة ~~والزكاة عليه، ثم مات، فهو من أهل الثواب بالاتفاق، فدل على أن استحقاق ~~الثواب لا يتوقف على حصول العمل. # وأيضا فقد يثيب الله تعالى المؤمن الفاسق الخالي عن جميع الأعمال، وإذا ~~كان كذلك فكيف وقف الله هاهنا حصول الأجر على حصول العمل؟ # فالجواب: أنه تبارك وتعالى إنما ذكر هذه الخصال؛ لا لأجل أن استحقاق ~~الثواب مشروط بهذا، بل لأجل أن لكل واحد منهما أثرا في جلب الثواب، ~~كما قال في ضد هذا # والذين لا يدعون مع الله إلها آخر # [الفرقان:68] ثم قال: # ومن يفعل ذلك يلق أثاما # [الفرقان:68] ومعلوم أن من ادعى مع الله إلها آخر لا يحتاج في ~~استحقاقه العذاب إلى عمل آخر، وإنما جمع الله الزنا، وقتل النفس، مع ~~دعاء غير الله إلها، لبيان أن كل واحد من هذه الخصال يوجب العقوبة. ### || [2.278-279] # اعلم أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة أن من انتهى عن الربا، ~~فله ما سلف؛ فقد يظن أنه لا فرق بين المقبوض منه، وبين الباقي في ذمة ~~الغريم، فبين في هذه الآية الكريمة بقوله: { وذروا ما بقي من ~~الربوا } أي: الذي لم يقبض فالزيادة حرام، وليس لهم أن يأخذوا إلا ~~رؤوس أموالهم، فقال: { اتقوا الله } والاتقاء إنما يكون باتقاء ما ~~نهى عنه، { وذروا ما بقي من الربوا } يعني: إن كنتم قد ~~قبضتم منه شيئا، فيعفو عنه، وإن لم تقبضوه أو لم تقبضوا بعضه، فالذي لم ~~يقبض حرام قبضه، وهذه الآية دليل على أحكام الكفار إذا أسلموا؛ لأن ~~ما مضى في زمن الكفر، فإنه لا ينقض، ولا يفسخ، وما لم يوجد منه شيء في ~~حال الكفر، فحكمه حكم الإسلام، فإذا تناكحوا على ما يجوز عندهم، ولا يجوز ~~في الإسلام فمعفو عنه، وإن وقع على مهر حرام، وقبضته المرأة، فقد ~~مضى، وليس لها شيء، وإن لم تقبضه فلها مهر مثلها دون المسمى. # قوله تعالى: { وذروا }: فتحت العين من " ذر " حملا على " دع " ~~، إذ هو بمعناه، وفتحت في " دع "؛ لأنه أمر من " يدع " ، وفتحت من ~~" يدع ms1600 " ، وإن كان قياسها الكسر؛ لكون الفاء واوا؛ [كيعد] لكون ~~لامه حرف حلق. # ووزن " ذروا ": علوا؛ لأن المحذوف الفاء لا يستعمل منه ماض إلا ~~في لغية، وكذلك " دع ". # وقرأ الحسن: " ما بقى " بقلب الكسر فتحة، والياء ألفا، وهي لغة ~~لطيىء، ولغيرهم؛ ومنه قول علقمة: [الطويل] # 1263- زها الشوق حتى ظل إنسان عينه # يفيض بمغمور من الدمع متأق # وقال آخر: [الوافر]. # 1264- وما الدنيا بباقاة علينا # وما حي على الدنيا بباق # ويقولون في الناصية: ناصاة. وقرأ الحسن أيضا: " بقي " بتسكين ~~الياء، قال المبرد: " تسكين ياء المنقوص في النصب من أحسن الضرورة، هذا ~~مع أنه معرب، فهو في الفعل الماضي أحسن " قال شهاب الدين: وإذا كانوا ~~قد حذفوها من الماضي صحيح الآخر، فأولى من حرف العلة، قال: [مجزوء الرمل] # 1265- إنما شعري قيد # قد خلط بجلجلان # وقال جرير في تسكين الياء: [البسيط] # 1266- هو الخليفة فارضوا ما رضي لكم # ماضي العزيمة ما في حكمه جنف # وقال آخر: [الطويل] # 1267- لعمرك لا أخشى التصعلك ما بقي # على الأرض قيسي يسوق الأباعرا # قوله: { من الربوا } متعلق ببقي، كقولهم: " بقيت منه بقية ~~" ، والذي يظهر أنه متعلق بمحذوف؛ على أنه حال من فاعل " بقى " ، أي: ~~الذي بقي حال كونه بعض الربا، فهي تبعيضية. # ونقل ابن عطية هنا أن العدوي - وهو أبو السمال - قرأ " من ~~الربو " بتشديد الراء مكسورة، وضم الباء بعدها واو. قال شهاب ~~الدين: قد تقدم أن أبا السمال إنما قرأ " الربا " في أول الآية ~~الكريمة بواو بعد فتحة الباء، وأن أبا زيد حكى عن بعضهم: أنه ضم ~~الباء، وقدمت تخريجهما على ضعفه. # وقال ابن جني: " شذ هذا الحرف في أمرين: # أحدهما: الخروج من الكسر إلى الضم بناء لازما. # والآخر: وقوع الواو بعد الضمة في آخر الاسم، وهذا شيء لم يأت إلا في ~~الفعل؛ نحو: يغزو ويدعو، وأما " ذو " الطائية بمعنى الذي فشاذة جدا، ~~ومنهم من يغير واوها، إذا فارق الرفع، فيقول: " رأيت ذا قام ". # ووجه القراءة أنه لما فخم الألف انتحى بها الواو التي الألف بدل ~~منها، على حد قولهم: ms1601 الصلاة والزكاة، وهي بالجملة قراءة شاذة ". قال ~~شهاب الدين: غيره يقيد هذه العبارة، فيقول: " ليس في الأسماء المعربة ~~واو قبلها ضمة " حتى يخرج عنه " ذو " بمعنى الذي، و " هو " من الضمائر، ~~وابن جني لم يذكر القيد استثناء " ذو الطائية " ويرد عليه نحو " هو " ، ~~ويرد على العبارة " ذو " بمعنى صاحب؛ فإنها معربة في آخرها واو بعد ~~ضمة. # وقد أجيب عنه بأنها تتغير إلى الألف والياء فلم يبال بها، وأيضا ~~فإن ضمة الدال عارضة، إذ أصلها الفتح، وإنما ضمت؛ إتباعا على ما ~~تقرر في إعراب الأسماء الستة في كتب النحو. # وقله: " بناء لازما " تحرز من وجود الخروج من كسر إلى ضم، بطريق ~~العرض؛ نحو: الحبك؛ فإنه من التداخل، ونحو: الردء " موقوفا عليه، ~~فالخروج من كسر إلى ضم في هاتين الكلمتين، ليس بلازم. # وقوله: " منهم من يغير واوها " المشهور بناؤها على الواو ~~مطلقا، وقد تعرب؛ كالتي بمعنى صاحب؛ وأنشدوا: [الطويل] # 1268- فإما كرام موسرون لقيتهم # فحسبي من ذي عندهم ما كفانيا # ويروى: " من ذو " على الأصل. # فصل # قوله: { إن كنتم } شرط، وجوابه محذوف عند الجمهور، أي: فاتقوا، ~~وذروا، ومتقدم عند جماعة، وقيل: " إن " هنا بمعنى إذ؛ وهذا مردود. # فإن قيل: كيف قال { يأيها الذين ءاآمنوا اتقوا الله } ~~ثم قال { إن كنتم مؤمنين } فالجواب من وجوه: # الأول: أن هذا كما يقال إن كنت أخي فأكرمني، معناه: إن من كان أخا، ~~أكرم أخاه. # الثاني: أن معناه إن كنتم مؤمنين قبله، أي: معترفين بتحريم الربا. # الثالث: إن كنتم تريدون استدامة حكم الإيمان. # الرابع: يا أيها الذين آمنوا، بلسانهم، ذروا ما بقي من الربا إن ~~كنتم مؤمنين بقلوبكم. # الخامس: ما تقدم أن " إن " بمعنى " إذ ". # فصل في سبب النزول # في سبب النزول روايات: # الأولى: أن أهل مكة كانوا يرابون، فلما أسلموا عند فتح مكة، أمرهم الله ~~تعالى بهذه الآية، أن يأخذوا رؤوس أموالهم دون الزيادة. # الثانية: قال مقاتل: نزلت في أربعة إخوة من ثقيف: مسعود، وعبد ~~[ياليل]، وحبيب، وربيعة، وهم بنو عمرو بن عمير بن عوف الثقفي، كانوا ms1602 ~~يداينون بنى المغيرة بن عبد الله بن عمير بن مخزوم وكانوا يرابون. فلما ~~ظهر النبي - صلى الله عليه وسلم - على الطائف، أسلم هؤلاء الإخوة، ~~فطلبوا رباهم من بنى المغيرة. فقال بنو المغيرة: والله ما نعطي الربا ~~في الإسلام، وقد وضعه الله تعالى عن المؤمنين، فاختصموا إلى عتاب بن ~~أسيد، فكتب عتاب - وكان عامل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بقصة الفريقين، وكان ذلك مالا عظيما؛ ~~فنزلت الآية. # الثالثة: قال عطاء، وعكرمة: نزلت في العباس بن عبد المطلب، وعثمان بن ~~عفان - رضي الله عنهما - وكانا قد أسلفا في التمر، فلما حضر الجذاذ، ~~قال لهما صاحب التمر: إن أنتما أخذتما حقكما، لا يبقى لي ما يكفي عيالي! ~~فهل لكما أن تأخذا النصف، وتؤخرا النصف؛ وأضعف لكما؟ ففعلا، فلما جاء ~~الأجل، طلبا الزيادة، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنهاهما ~~فأنزل الله هذه الآية؛ فسمعا وأطاعا وأخذا رؤوس أموالهما. # الرابعة: قال السدي: نزلت في العباس، وخالد بن الوليد، وكانا ~~شريكين في الجاهلية، يسلفان في الربا إلى بني عمرو بن عمير، وناس من ~~ثقيف، فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا؛ فأنزل الله هذه الآية. ~~فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في " حجة الوداع " في خطبته يوم ~~عرفة # " ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي ~~موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم ~~أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان ~~مسترضعا في بني سعد؛ فقتله هذيل، وربا الجاهلية ~~موضوع، وأول ربا أضع ربا العباس بن عبد المطلب؛ فإنه ~~موضوع كله ". # فصل # القاضي قوله: { إن كنتم مؤمنين } يدل على أن الإيمان لا ~~يتكامل إذا أصر الإنسان على الكبائر، ولا يصير الإنسان مؤمنا على ~~الإطلاق، إلا إذا اجتنب كل الكبائر. # والجواب: لما دلت الدلائل الكثيرة المذكورة في قوله تعالى: # الذين يؤمنون بالغيب # [البقرة:3] على أن العمل خارج عن مسمى الإيمان، كانت هذه الآية ~~محمولة على كمال الإيمان وشرائعه، فكان التقدير: إن كنتم عاملين بمقتضى ~~شرائع الإيمان، ms1603 وهذا وإن كان تركا للظاهر لكنا ذهبنا إليه؛ لتلك ~~الدلائل. # فإن قيل: كيف أمر بالمحاربة مع المسلمين؟ # قلنا: هذه اللفظة قد تطلق على من عصى الله غير مستحل كما جاء في الخبر # " من أهان لي وليا، فقد بارزني بالمحاربة " # ، وعن جابر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: # " من لم يدع المخابرة، فليأذن بحرب من الله ورسوله " # وقد جعل كثير من المفسرين والفقهاء قوله: # إنما جزآء الذين يحاربون الله ورسوله # [المائدة:33] أصلا في قطع الطريق من المسلمين، فثبت أن ذكر هذا النوع ~~من التهديد مع المسلمين وارد في كتاب وسنة رسوله. # وفي الجواب عن السؤال وجهان: # الأول: أن المراد المبالغة في التهديد دون نفس الحرب. # الثاني: أن المراد منه نفس الحرب، وفيه تفصيل؛ فنقول: إن المصر على ~~فعل الربا، إذا كان من شخص، وقدر الإمام عليه قبض عليه وأجرى فيه حكم ~~الله من التعزير، والحبس إلى أن تظهر منه التوبة، وإن كان المصر ممن له ~~عسكر وشوكة، حاربه الإمام، كما يحارب الفئة الباغية، وكما حارب أبو بكر ~~- رضي الله عنه - مانعي الزكاة، وكذا القول لو اجتمعوا على ترك الأذان، ~~وترك دفن الموتى، فإنه يفعل بهم ما ذكرناه. # وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - من عامل بالربا، يستتاب، فإن تاب، ~~وإلا ضرب عنقه. # والقول الثاني: أنه خطاب للكفار، وأن معنى قوله: { إن كنتم ~~مؤمنين } أي: معترفين بتحريم الربا { فإن لم تفعلوا } ~~أي: فإن لم تكونوا معترفين بتحريمه { فأذنوا بحرب من الله ~~ورسوله } ومن ذهب إلى هذا القول، قال: إن فيه دليلا على أن من ~~كفر بشريعة واحدة من شرائع الإسلام، فهو خارج من ملة الإسلام، كافر ~~كما لو كفر بجميع شرائعه. # قوله: { وإن تبتم } فالمعنى على القول الأول: وإن تبتم عن معاملة ~~الربا، وعلى الثاني: من استحلال الربا { فلكم رؤوس أموالكم ~~لا تظلمون ولا تظلمون } أي: لا تظلمون الغريم بطلب الزيادة ~~على رأس المال { ولا تظلمون } أي: بنقصان رأس المال. # قوله: { لا تظلمون } فيها وجهان: # أظهرهما: أنها لا محل لها؛ لاستئنافها، أخبرهم ms1604 تعالى بذلك، أي: لا ~~تظلمون غيركم بأخذكم الزيادة منه، ولا تظلمون أنتم - أيضا - بضياع رؤوس ~~أموالكم. # والثاني: أنها في محل نصب على الحال من الضمير في " لكم " والعامل ~~ما تضمنه الجار من الاستقرار؛ لوقوعه خبرا وهو رأي الأخفش. # وقرأ الجمهور الأول مبنيا للفاعل، والثاني مبنيا للمفعول. وروى ~~أبان، والمفضل، عن عاصم بالعكس. ورجح الفارسي قراءة العامة؛ بأنها ~~تناسب قوله: " وإن تبتم " في إسناد الفعلين إلى الفاعل، فتظلمون ~~مبنيا للفاعل أشكل بما قبله. وقال أبو البقاء رحمه الله: يقرأ ~~بتسمية الفاعل في الأول، وترك التسمية في الثاني؛ ووجهه: أن ~~منعهم من الظلم أهم؛ فبدئ به، ويقرأ بالعكس، والوجه فيه: أنه قدم ما ~~تطمئن به نفوسهم من نفي الظلم عنهم، ثم منعهم من الظلم، ويجوز أن تكون ~~القراءتان بمعنى واحد؛ لأن الواو لا ترتب. ### || [2.280] # قوله تعالى: { وإن كان ذو عسرة }: في " كان " هذه وجهان: # أحدهما: - وهو الأظهر - أنها تامة بمعنى حدث، ووجد، أي: وإن حدث ذو ~~عسرة، فتكتفي بفاعلها كسائر الأفعال، قيل: وأكثر ما تكون كذلك إذا كان ~~مرفوعها نكرة، نحو: " قد كان من مطر ". # والثاني: أنها الناقصة والخبر محذوف. قال أبو البقاء: " تقديره: وإن ~~كان ذو عسرة لكم عليه حق، أو نحو ذلك " وهذا مذهب بعض الكوفيين في ~~الآية، وقدر الخبر: وإن كان من غرمائكم ذو عسرة. وقدره بعضهم: وإن ~~كان ذو عسرة غريما. # قال أبو حيان: " وحذف خبر كان لا يجيزه أصحابنا؛ لا اختصارا؛ ~~ولا اقتصارا، لعلة ذكروها في كتبهم. وهي أن الخبر تأكد طلبه من ~~وجهين: # أحدهما: كونه خبرا عن مخبر عنه. # والثاني: كونه معمولا للفعل قبله، فلما تأكدت مطلوبيته، امتنع حذفه. # فإن قيل: أليس أن البصريين لما استدل عليهم الكوفيون في أن " ليس ~~" تكون عاطفة بقوله: [الرمل] # 1269-....................... # إنما يجزي الفتى ليس الجمل # تأولوها على حذف الخبر؛ وأنشدوا شاهدا على حذف الخبر ~~قوله: [الكامل] # 1270-........................ # يبغي جوارك حين ليس مجير # وإذا ثبت هذا، ثبت في سائر الباب. # فالجواب أن هذا مختص بليس؛ لأنها تشبه لا النافية، و " لا " يجوز ms1605 حذف ~~خبرها، فكذا ما أشبهها ". # وتقوى الكوفيون بقراءة عبد الله، وأبي؛ وعثمان: " وإن كان ~~ذا عسرة " أي: وإن كان الغريم ذا عسرة. قال أبو علي: في " كان ~~" اسمها ضميرا تقديره: هو، أي: الغريم، يدل على إضماره ما تقدم من ~~الكلام؛ لأن المرابي لا بد له ممن يرابيه. # وقرأ الأعمش: " وإن كان معسرا " قال الداني، عن أحمد بن موسى: " ~~إنها في مصحف عبد الله كذلك ". # ولكن الجمهور على ترجيح قراءة العامة وتخريجهم القراءة المشهورة. قال ~~مكي: وإن وقع ذو عسرة، وهو سائغ في كل الناس، ولو نصبت " ذا " ~~على خبر " كان " ، لصار مخصوصا في ناس بأعيانهم؛ فلهذه العلة أجمع ~~القراء المشهورون على رفع " ذو ". # وقد أوضح الواحدي هذا، فقال: " أي: وإن وقع ذو عسرة، والمعنى على ~~هذا يصح، وذلك أنه لو نصب، فقيل: وإن كان ذا عسرة، لكان المعنى: وإن ~~كان المشتري ذا عسرة، فنظرة؛ فتكون النظرة مقصورة عليه، وليس الأمر ~~كذلك؛ لأن المشتري، وغيره إذا كان ذا عسرة، فله النظرة إلى الميسرة ". # وقال أبو حيان: من نصب " ذا عسرة " ، أو قرأ " معسرا " ~~فقيل: يختص بأهل الربا، ومن رفع، فهو عام في جميع من عليه دين، ~~قال: " وليس بلازم، لأن الآية إنما سيقت في أهل الربا، وفيهم نزلت ~~" قال شهاب الدين: وهذا الجواب لا يجدي؛ لأنه وإن كان السياق كذا، فالحكم ~~ليس خاصا بهم. # وقرئ " ومن كان ذا عسرة " ، وقرأ أبو جعفر " عسرة " بضم ~~السين. # فصل # قال ابن الخطيب: لما كنت ب " خوارزم " ، وكان هناك جمع من أكابر ~~الأدباء، فأوردت عليهم إشكالا في هذا الباب؛ فقلت: إنكم تقولون: إن " ~~كان " إذا كانت ناقصة، أنها تكون فعلا؛ وهذا محال؛ لأن الفعل ما دل ~~على اقتران حدث بزمان، فقولك " كان " يدل على حصول معنى الكون في الزمان ~~الماضي، وإذا أفاد هذا المعنى، كانت تامة، لا ناقصة، فهذا الدليل يقتضي ~~أنها إن كانت فعلا، كانت تامة لا ناقصة، وإن لم تكن تامة لم تكن فعلا ~~ألبتة؛ بل كانت حرفا، وأنتم تنكرون ذلك؛ فبقوا في ms1606 هذا الإشكال زمانا ~~طويلا، وصنفوا في الجواب عنه كتبا، وما أفلحوا فيه، ثم انكشف لي فيه ~~سر أذكره - هاهنا - وهو: أن " كان " لا معنى له إلا أنه حدث، ~~ووقع، ووجد إلا أن قولك وجد، وحدث على قسمين: # أحدهما: أن يكون المعنى وجد، وحدث الشيء؛ كقولك: وجد الجوهر، وحدث ~~العرض. # والثاني: أن يكون المعنى وجد، وحدث موصوفية الشيء بالشيء، فإذا قلت: كان ~~زيد عالما، فمعناه: حدث في الزمان الماضي موصوفية زيد بالعلم. # والقسم الأول هو المسمى ب " كان " التامة. # والقسم الثاني: هو المسمى ب " الناقصة " وفي الحقيقة: فالمفهوم من " ~~كان " في الموضعين هو الحدوث، والوقوع إلا أنه في القسم الأول المراد ~~حدوث الشيء في نفسه فلا جرم كان الاسم الواحد كافيا والمراد في القسم ~~الثاني حدوث موصوفية أحد الأمرين بالآخر، فلا جرم لم يكن الاسم الواحد ~~كافيا، بل لا بد فيه من ذكر الاسمين حتى يمكنه أن يشير إلى موصوفية ~~أحدهما بالآخر، وهذا من لطائف الأبحاث. # فأما إن قلنا إنه فعل، كان دالا على وقوع المصدر في الزمان الماضي ~~فحينئذ تكون تامة لا ناقصة، وإن قلنا إنه ليس بفعل بل حرف، فكيف يدخل ~~فيه الماضي والمستقبل، والأمر، وجميع خواص الأفعال؟ وإذا حمل الأمر على ~~ما قلناه، تبين أنه فعل وزال الإشكال بالكلية. # المفهوم الثالث ل " كان " أن تكون بمعنى " صار "؛ وأنشدوا: [الطويل] # 1271- بتيهاء قفر والمطي كأنها # قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها # وعندي أن هذا اللفظ - هاهنا - محمول على ما ذكرناه، فإن معنى " صار ~~" أنها حدثت موصوفية الذات بهذه الصفة، بعد أنها ما كانت موصوفة بذلك؛ ~~فتكون " كان " هنا أيضا بمعنى حدث، ووقع؛ إلا أنه حدوث مخصوص وهو ~~أنه حدث موصوفية الذات بهذه الصفة، بعد أن كان الحاصل موصوفية الذات بصفة ~~أخرى. # المفهوم الرابع: أن تكون زائدة؛ وأنشدوا: [الوافر] # 1272- سراة بني أبي بكر تسامى # على كان المسومة الجياد # و " العسرة " اسم من الإعسار، ومن العسر، وهو تعذر الموجود من ~~المال؛ يقال: أعسر الرجل، إذا صار إلى حالة العسرة، وهي الحالة التي ms1607 ~~يتعسر فيها وجود المال. # قوله: " فنظرة " الفاء جواب الشرط، و " نظرة " خبر مبتدأ ~~محذوف، أي: فالأمر أو فالواجب، أو مبتدأ خبره محذوف، أي: فعليكم ~~نظرة. # وقرأ العامة: " نظرة " بزنة " نبقة ". وقرأ الحسن، ومجاهد، ~~وأبو رجاء: " فنظرة " بتسكين العين، وهي لغة تميمة يقولون: " كبد ~~" في " كبد " و " كتف " في " كتف ". # وقرأ عطاء " فناظرة " على فاعلة، وقد خرجها أبو إسحاق على أنها ~~مصدر نحو: # ليس لوقعتها كاذبة # [الواقعة:2] # يعلم خآئنة الأعين # [غافر:19] # أن يفعل بها فاقرة # [القيامة:25]. وقال الزمخشري: " فناظره، أي: فصاحب الحق ناظره، أي: ~~منتظره، أو صاحب نظرته على طريقة النسب؛ كقولهم: مكان عاشب، ~~وباقل؛ بمعنى ذو عشب، وذو بقل، وعنه: " فناظره " على الأمر ~~بمعنى: فسامحه بالنظرة، وباشره بها " فنقله عنه القراءة الأولى يقتضي أن ~~تكون قراءته " ناظر " اسم فاعل مضافا لضمير ذي العسرة، بخلاف القراءة ~~التي قدمها عن عطاء، فإنها " ناظرة " بتاء التأنيث، ولذلك خرجها ~~الزجاج على المصدر. وقرأ عبد الله: " فناظروه " أمرا للجماعة ~~بالنظرة، فهذه ست قراءات مشهورها واحدة. # وهذه الجملة لفظها خبر، ومعناها الأمر؛ كقوله تعالى: # والوالدات يرضعن أولادهن # [البقرة:233] وقد تقدم. والنظرة: من الانتظار، وهو الصبر والإمهال. # تقول: بعته الشيء بنظرة، وبإنظار. قال: # قال أنظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من ~~المنظرين # [الأعراف:14-15] # إلى يوم الوقت المعلوم # [الحجر:38]. # قوله: { إلى ميسرة } قرأ نافع وحده: " ميسرة " بضم ~~السين، والباقون بفتحها. والفتح هو المشهور؛ إذ مفعل، ومفعلة بالفتح ~~كثير، ومفعل بالضم، معدوم؛ إلا عند الكسائي، فإنه أورد منه ألفاظا، ~~وأما مفعلة، فقالوا: قليل جدا وهي لغة الحجاز، وقد جاءت منها ~~ألفاظ، نحو: المسرقة، والمقبرة، والمشربة، والمسربة، والمقدرة، ~~والمأدبة، والمفخرة، والمزرعة، ومعربة، ومكرمة، ومألكة. # وقد رد النحاس الضم؛ تجرؤا منه، وقال: " لم تأت مفعلة ~~إلا في حروف معدودة ليس هذه منها، وأيضا فإن الهاء زائدة، ولم ~~يأت في كلامهم مفعل ألبتة " انتهى. # وقال سيبويه: " ليس في الكلام مفعل " قال أبو علي: " يعني ~~في الآحاد ". وقد حكى سيبويه " مهلك " مثلث اللام، وقال الكسائي: ~~" مفعل " في الآحاد، وأورد منه مكرما في قول ms1608 الشاعر: [الرجز] # 1273- ليوم روع أو فعال مكرم # ومعون في قول الآخر - هو جميل -: [الطويل] # 1274- بثين، الزمي " لا "؛ إن " لا " إن لزمته # على كثرة الواشين أي معون # ومألكا في قول عدي: [الرمل] # 1275- أبلغ النعمان عني مألكا # أنه قد طال حبسي وانتظاري # وهذا لا يرد على سيبويه لوجهين: # أحدهما: أن هذا جمع لمكرمة، ومعونة، ومألكة، وإليه ذهب البصريون، ~~والكوفيون خلا الكسائي، ونقل عن الفراء أيضا. # والثاني: أن سيبويه لا يعتد بالقليل، فيقول: " لم يرد كذا " وإن ~~كان قد ورد منه الحرف والحرفان، لعدم اعتداده بالنادر القليل. # وإذا تقرر هذا، فقد خطأ النحويون مجاهدا، وعطاء في قراءتهما: " ~~إلى ميسره " بإضافة " ميسر " مضموم السين إلى ضمير الغريم؛ لأنهم ~~بنوه على أنه ليس في الآحاد مفعل، ولا ينبغي أن يكون هذا خطأ؛ لأنه على ~~تقدير تسليم أن مفعلا ليس في الآحاد، فميسر هنا ليس واحدا، إنما هو ~~جمع ميسرة، كما قلتم أنتم: إن مكرما جمع مكرمة، ونحوه، أو يكون قد ~~حذف تاء التأنيث للإضافة؛ كقوله: [البسيط] # 1276- إن الخليط أجدوا البين فانجردوا # وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا # أي: عدة الأمر؛ ويدل على ذلك أنهم نقلوا عنهما، أنهما قرآ أيضا: " ~~إلى ميسره " بفتح السين، مضافا لضمير الغريم، وهذه القراءة نص ~~فيما ذكرته لك من حذف تاء التأنيث للإضافة؛ لتوافق قراءة العامة: " إلى ~~ميسرة " بتاء التأنيث. # وقد خرجها أبو البقاء على وجه آخر، وهو أن يكون الأصل: " ميسوره ~~" فخفف بحذف الواو؛ اكتفاء بدلالة الضمة عليها، وقد يتأيد ما ذكره ~~على ضعفه، بقراءة عبد الله، فإنه قرأ: إلى " ميسوره " بإضافة " ~~ميسور " للضمير، وهو مصدر على مفعول؛ كالمجلود والمعقول، وهذا إنما ~~يتمشى على رأي الأخفش؛ إذ أثبت من المصادر زنة مفعول، ولم يثبته ~~سيبويه. # " والميسرة ": مفعلة من اليسر، واليسار الذي هو ضد الإعسار، وهو ~~تيسر الموجود من المال ومنه يقال أيسر الرجل، فهو موسر، أي: صار إلى ~~حالة وجود المال فالميسرة، واليسر، والميسور: الغنى. # فصل في سبب نزول " وإن كان ذو عسرة " # لما نزل قوله: # وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم ms1609 لا تظلمون ولا ~~تظلمون # [البقرة:279] قال بنو عمرو الثقفي: بل نتوب إلى الله، فإنه لا طاقة ~~لنا بحرب الله ورسوله، فرضوا برأس المال، فشكى بنو المغيرة العسرة، ~~وقالوا: أخرونا إلى أن تدرك الغلات، فأبوا أن يؤخروا؛ فأنزل الله ~~تعالى: { وإن كان ذو عسرة } يعني وإن كان الذي عليه الدين ~~معسرا، { فنظرة إلى ميسرة } ، يعن: أنظروه إلى اليسار، ~~والسعة. # فصل في بيان حكم الإنظار # اختلفوا في حكم الإنظار: هل هو مختص بالربا، أو عام في كل دين؟ فقال ~~ابن عباس، وشريح، والضحاك، والسدي، وإبراهيم: الآية في الربا، وذكر عن ~~شريح أنه أمر بحبس الخصم، فقيل له: إنه معسر، فقال شريح إنما ذلك في ~~الربا، والله تعالى قال في كتابه العزيز # إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها # [النساء:58]. # وقال جماعة منهم مجاهد: إنها عامة في كل دين؛ لعموم قوله تعالى: { ذو ~~عسرة } ولم يقل ذا عسرة. # فصل # والإعسار: هو ألا يجد في ملكه ما يؤديه بعينه، ولا يكون له ما لو ~~باعه، لأمكنه أداء الدين من ثمنه خارجا عن مسكنه وثيابه، ولا يجوز أن ~~يحبس من لم يجد إلا قوت يوم لنفسه وعياله، وما لا بد لهم من كسوة ~~لصلاتهم ودفع البرد والحر عنهم. # واختلفوا: إذا كان قويا، هل يلزمه أن يؤاجر نفسه من صاحب الدين، أو ~~غيره؟ # فقال بعضهم: يلزمه ذلك، كما يلزمه إذا احتاج لنفسه، أو لعياله. # وقال بعضهم: لا يلزمه ذلك، واختلفوا أيضا إذا بذل للمعسر ما يؤدي به ~~الدين، هل يلزمه قبوله والأداء، أو لا يلزمه؟ فأما من له بضاعة كسدت ~~عليه فواجب عليه أن يبيعها بالنقصان إن لم يكن إلا ذلك، ويؤديه في ~~الدين. # فصل في تحريم حبس المعسر # إذا علم الإنسان أن غريمة معسر - حرم عليه حبسه، وأن يطالبه بما له ~~عليه ووجب عليه إنظاره إلى يساره، فإن ارتاب في إعساره، جاز له حبسه إلى ~~أن يظهر إعساره، فإذا ادعى الإعسار وكذبه الغريم، فإن كان الدين عن ~~عوض، كالبيع، والقرض، فلا بد له من ms1610 إقامة البينة على أن ذلك العوض ~~قد هلك، وإن كان الدين عن غير عوض كالإتلاف، والصداق، والضمان؛ ~~فالقول قول المعسر؛ لأن الأصل الفقر وعلى الغريم إقامة البينة. # فصل # قال المهدوي: قال بعض العلماء: هذه الآية ناسخة لما كان في الجاهلية ~~من بيع من أعسر. # قال القرطبي: وحكى مكي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر به ~~في صدر الإسلام. # قال ابن عطية: فإن ثبت فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو نسخ، ~~وإلا فليس بنسخ. # قال الطحاوي: كان الحر يباع في الدين أول الإسلام، إذا لم يكن له ~~مال يقضيه عن نفسه؛ حتى نسخ الله ذلك بقوله: { وإن كان ذو عسرة ~~فنظرة إلى ميسرة }. # واحتجوا بما رواه الدارقطني من حديث مسلم بن خالد الزنجي، قال: ~~حدثنا زيد ابن أسلم عن ابن البيلماني، عن سرق، قال: كان لرجل علي ~~مال - أو قال - دين فذهب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يصب ~~لي مالا، فباعني منه، أو باعني له؛ أخرجه البزار بإسناد طويل، ومسلم ~~بن خالد الزنجي، وعبد الرحمن البيلماني لا يحتج بهما. # قوله: { وأن تصدقوا } مبتدأ وخبره " خير " وقرأ عاصم: بتخفيف ~~الصاد، والباقون: بتثقيلها. وأصل القراءتين واحد؛ إذ الأصل: تتصدقوا، ~~فحذف عاصم إحدى التاءين: إما الأولى، وإما الثانية، وتقدم تحقيق ~~الخلاف فيه، وغيره أدغم التاء في الصاد، وبهذا الأصل قرأ عبد الله: " ~~تتصدقوا ". وحذف مفعول التصدق للعلم به، أي: بالإنظار؛ لقوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: # " لا يحل دين رجل مسلم، فيؤخره؛ إلا كان له بكل ~~يوم صدقة " # وهذا ضعيف؛ لأن الإنظار ثبت وجوبه بالآية، فلا بد من حمل هذه الآية على ~~فائدة جديدة، ولأن قوله " خير لكم " إنما يليق بالمندوب، لا ~~بالواجب. وقيل: برأس المال على الغريم، إذ لا يصح التصدق به على غيره؛ ~~كقوله تعالى: # وأن تعفوا أقرب للتقوى # [البقرة:237]. # قوله: { إن كنتم تعلمون } جوابه محذوف، و " ان تصدقوا ~~" بتأويل مصدر مبتدأ، و " خير لكم " خبره. # فصل في تقدير مفعول " تعلمون " ونصب " يوما " # وتقدير مفعول " تعلمون " فيه وجوه: ms1611 # أحدها: إن كنتم تعلمون أن هذا التصدق خير لكم إن عملتموه. # الثاني: إن كنتم تعلمون فضل التصدق على الإنظار والقبض. # الثالث: إن كنتم تعلمون أن ما يأمركم به ربكم أصلح لكم. ### || [2.281] # قوله: { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله } الآية ~~انتصب قوله " يوما " على المفعول به، لا على الظرف؛ لأنه ليس المعنى ~~واتقوا في هذا اليوم، لكن المعنى تأهبوا للقائه، بما تقدمون من ~~العمل الصالح، ومثله: # فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان ~~شيبا # [المزمل:17] أي: كيف تتقون هذا اليوم الذي هذا وصفه، مع الكفر بالله ~~تعالى. # فصل في آخر ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن # قال ابن عباس - رضي الله عنهما - هذه آخر آية نزلت على رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وذلك لأنه - عليه الصلاة والسلام - لما حج نزلت # ويستفتونك # [النساء:172] وهي آية الكلالة ثم نزلت، وهو واقف بعرفة # اليوم أكملت لكم دينكم # [المائدة:3] ثم نزل { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى ~~الله } فقال جبريل - عليه السلام - يا محمد ضعها على رأس مائتين وثمانين ~~آية من سورة البقرة، وعاش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعدها أحدا ~~وثمانين يوما، وقيل أحدا وعشرين يوما. # وقال ابن جريج: تسع ليال. # وقال سعيد بن جبير: سبع ليال، وقيل: ثلاث ساعات، ومات يوم الاثنين، ~~لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول، حين زاغت الشمس، سنة إحدى عشرة من ~~الهجرة. # وقال الشعبي، عن ابن عباس: آخر آية نزلت على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - آية الربا. # قوله تعالى: { ترجعون فيه }: هذه الجملة في محل نصب؛ صفة ~~للظرف. وقرأ أبو عمرو: " ترجعون " بفتح التاء؛ مبنيا للفاعل، ~~والباقون بضم التاء مبنيا للمفعول. وقرأ الحسن: " يرجعون " ~~بياء الغيبة؛ على الالتفات. قال ابن جني: " كأن الله تعالى رفق ~~بالمؤمنين عن أن يواجههم بذكر الرجعة، إذ هي مما تتفطر لها ~~القلوب، فقال لهم: " واتقوا " ثم رجع في ذكر الرجعة إلى الغيبة، فقال: ~~يرجعون ". # واعلم أن الرجوع لازم ومتعد، وعليه خرجت القراءتان. # فصل في المراد ms1612 باليوم # قال القاضي: اليوم: عبارة عن زمان مخصوص، وذلك لا يتقى؛ إنما ~~يتقى ما يحدث فيه من الشدة، والأهوال، واتقاء تلك الأهوال لا يمكن ~~إلا في دار الدنيا بمجانبة المعاصي، وفعل الواجبات؛ فصار قوله: { ~~واتقوا يوما } يتضمن الأمر بجميع أنواع التكليف. # قال جمهور العلماء: المراد بهذا اليوم المحذر منه هو يوم القيامة. # وقيل يوم الموت، قال ابن عطية: والأول أصح. # فصل # اعلم أن الرجوع إلى الله ليس المراد منه، ما يتعلق بالمكان والجهة؛ ~~فإن ذلك محال على الله تعالى، وليس المراد الرجوع إلى علمه، وحفظه؛ فإنه ~~معهم أينما كانوا، لكن كل ما في القرآن من الرجوع إلى الله، فله معنيان: # الأول: أن الإنسان له ثلاثة أحوال مرتبين، فالأولى: كونهم في بطون ~~أمهاتهم لا يملكون نفعهم، ولا ضرهم؛ بل المتصرف فيهم ليس إلا الله ~~تعالى. # والثانية: بعد خروجهم من البطون، فالمتكفل بإصلاح أحوالهم في أول ~~الأمر الأبوان، ثم بعد ذلك، يتصرف بعضهم في بعض، في حكم الظاهر. # الثالثة: بعد الموت وهناك لا يتصرف فيهم إلا الله تعالى، فكأنه بعد ~~الخروج عن الدنيا عاد إلى الحالة التي كان عليها قبل الدخول في الدنيا، ~~فهذا معنى الرجوع إلى الله. # المعنى الثاني: أن المراد يرجعون إلى ما أعد الله لهم من ثواب، ~~وعقاب. # قوله: { ثم توفى كل نفس ما كسبت } معناه: أن ~~المكلف يصل إليه جزاء عمله بالتمام، كما قال: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # [الزلزلة:7، 8]، وقال: # وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى ~~بنا حاسبين # [الأنبياء:47]. # وفي تأويل قوله: { ما كسبت } وجهان: # أحدهما: فيه حذف تقديره: جزاء ما كسبت. # والثاني: أن المكتسب إنما هو الجزاء في الأصل، فقوله " ما كسبت ~~" معناه: ذلك الجزاء وهذا أولى؛ لأنه لا يحتاج إلى الإضمار. # قوله: { وهم لا يظلمون } جملة حالية من " كل نفس " وجمع ~~اعتبارا بالمعنى، وأعاد الضمير عليها أولا مفردا في " كسبت " ~~اعتبارا باللفظ، وقدم اعتبار اللفظ؛ لأنه الأصل، ولأن اعتبار المعنى ~~وقع رأس فاصلة؛ فكان تأخيره ms1613 أحسن. # قال أبو البقاء: ويجوز أن يكون حالا من الضمير في: " يرجعون " ~~على القراءة بالياء، ويجوز أن يكون حالا منه - أيضا - على القراءة ~~بالتاء، على أنه خروج من الخطاب إلى الغيبة؛ كقوله تعالى: # حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم # [يونس:22]، قال شهاب الدين: ولا ضرورة تدعو إلى ذلك. # فإن قيل: لما قال { توفى كل نفس ما كسبت } فهم منه عدم ~~الظلم، فيكون قوله: { وهم لا يظلمون } من باب التكرير. # فالجواب: أنه تعالى لما قال { توفى كل نفس ما كسبت } ~~دل على إيصال العذاب إلى الكفار والفساق، فكان لقائل أن يقول: كيف ~~يليق بأكرم الأكرمين تعذيب عبيده؟ فأجاب بقوله: { وهم لا يظلمون ~~} والمعنى: أن العبد هو الذي ورط نفسه؛ لأن الله تعالى مكنه، وأزاح ~~عذره، فهو الذي أساء إلى نفسه. # وهذا الجواب إنما يستقيم على أصول المعتزلة، وأما على أصولنا، فالله ~~سبحانه مالك الخلق، يتصرف في ملكه كيف شاء، وأراد؛ فلا يكون ظلما. ### || [2.282] # في كيفية النظم وجهان: # الأول: أن تعالى لما ذكر الإنفاق في سبيل الله، وهو يوجب تنقيص ~~المال، وذكر الربا، وهو - أيضا - سبب تنقيص المال، وختم هذين الحكمين ~~بالتهديد بقوله # واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله # [البقرة:281] والتقوى تسد على الإنسان أكثر أبواب المكاسب، والمنافع - ~~أتبع ذلك بأن ندبه إلى كيفية حفظ المال الحلال، وصونه عن الفساد، فإن ~~القدرة على الإنفاق في سبيل الله، وعلى ترك الربا، وعلى ملازمة التقوى، ~~لا يتم إلا عند حصول المال؛ فلأجل هذا بالغ في الوصية بحفظ المال، ~~ونظيره # ولا تؤتوا السفهآء أموالكم التي جعل الله ~~لكم قياما # [النساء:5] فحث على الاحتياط في أمر الأموال؛ لكونها سببا لمصالح ~~المعاش والمعاد. # قال القفال - رحمه الله تعالى - ويدل على ذلك: أن ألفاظ القرآن ~~جارية في الأكثر على الاختصار، وفي هذه الآية بسط شديد؛ ألا ترى ~~أنه قال تعالى { إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى ~~فاكتبوه } ، ثم قال ثانيا: { وليكتب بينكم كاتب ~~بالعدل } ، ثم قال ثالثا: { ولا يأب كاتب أن يكتب ~~كما علمه الله } ، فكان ms1614 هذا كالتكرار لقوله: { وليكتب ~~بينكم كاتب بالعدل }؛ لأن العدل هو ما علمه الله، ثم ~~قال رابعا: " فليكتب " وهذا إعادة للأمر الأول؛ ثم قال خامسا: { ~~وليملل الذي عليه الحق } وفي قوله: { وليكتب ~~بينكم كاتب بالعدل } كفاية عن قوله: { وليملل ~~الذي عليه الحق }؛ لأن الكاتب بالعدل إنما يكتب ما يمل ~~عليه، ثم قال سادسا: { وليتق الله ربه } ، وهذا تأكيد، ثم ~~قال سابعا: { ولا يبخس منه شيئا } ، وهذا كالمستفاد من ~~قوله: { وليتق الله ربه } ، ثم قال ثامنا: { ولا ~~تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله } ، ~~وهو أيضا تأكيد لما مضى، ثم قال تاسعا: { ذلكم أقسط عند ~~الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا } ، فذكر ~~هذه الفوائد الثلاثة لتلك التأكيدات السالفة، وكل ذلك يدل على ~~المبالغة في التوصية بحفظ المال الحلال، وصونه عن الهلاك؛ ليتمكن ~~الإنسان بواسطته من الإنفاق في سبيل الله، والإعراض عن مساخط الله: من ~~الربا، وغيره، والمواظبة على تقوى الله. # الوجه الثاني: قال بعض المفسرين: إن المراد بهذه المداينة " السلم ~~" فإن الله تبارك وتعالى لما منع من الربا في الآية المتقدمة؛ أذن في ~~السلم في هذه الآية، مع أن جميع المنافع المطلوبة من الربا حاصلة ~~في السلم، وبهذا قال بعض العلماء: لا لذة، ولا منفعة يوصل إليها ~~بالطريق الحرام، إلا والله - صلى الله عليه وسلم - سبحانه وتعالى - وضع ~~لتحصيل تلك اللذة طريقا حلالا، وسبيلا مشروعا. # فصل # قال سعيد بن المسيب: بلغني أن أحدث القرآن بالعرش آية الدين. # التداين تفاعل من الدين كتبايع من البيع، ومعناه: داين بعضكم بعضا، ~~وتداينتم: تبايعتم بدين. # يقال: داينت الرجل أي: عاملته بدين، وسواء كنت معطيا، أم آخذا؛ قال ~~رؤبة: [الرجز] # 1277- داينت أروى والديون تقضى # فمطلت بعضا وأدت بعضا # ويقال: دنت الرجل: إذا بعته بدين، وأدنته أنا: أخذت منه بدين ففرقوا ~~بين فعل وأفعل. # قال ابن الخطيب: قال أهل اللغة القرض غير الدين؛ لأن القرض أن يقرض ~~الرجل الإنسان دراهم أو دنانير أو حبا أو تمرا وما أشبه ذلك، ولا يجوز ~~فيه الأجل، والدين يجوز فيه الأجل ms1615 ويقال من الدين: ادان إذا باع ~~سلعته بثمن إلى أجل، ودان يدين إذا أقرض ودان إذا استقرض؛ وأنشد الأحمر: ~~[الطويل] # 1278- ندين ويقضي الله عنا وقد نرى # مصارع قوم لا يدينون ضيع # فصل في بيان إباحة السلف # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: لما حرم الله تعالى الربا؛ أباح ~~السلف، وقال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى، قد أحله الله ~~في كتابه، وأذن فيه ثم قال: { يأيها الذين آمنوا إذا ~~تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه }. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: نزلت في السلف؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قدم المدينة وهم يسلفون الثمار السنتين، والثلاث؛ ~~فقال - صلى الله عليه وسلم -: # " من أسلف؛ فليسلف في كيل معلوم، ووزن ~~معلوم، إلى أجل معلوم ". # وقال آخرون: المراد القرض، وهو ضعيف؛ لأن القرض لا يشترط فيه الأجل ~~والآية فيها اشتراط الأجل، وقال أكثر المفسرين البياعات على أربعة ~~أوجه: # أحدها: بيع العين بالعين، وذلك ليس بمداينة ألبتة. # والثاني: بيع الدين بالدين، وهو باطل، فلا يدخل تحت الآية. بقي ~~قسمان، وهما بيع العين بالدين، وهو بيع الشيء بثمن مؤجل، وبيع ~~الدين بالعين، وهو المسمى ب " السلم " وكلاهما داخلان تحت هذه ~~الآية الكريمة. # فإن قيل: المداينة: مفاعلة، وحقيقتها أن يحصل من كل واحد منهما دين، ~~وذلك هو بيع الدين بالدين، وهو باطل بالاتفاق. # فالجواب: أن المراد من " تداينتم ": تعاملتم، والتقدير ~~تعاملتم بما فيه دين. # فإن قيل: قوله " تداينتم " يدل على الدين، فما الفائد في قوله: ~~" بدين ". # فالجواب من وجوه: # أحدها: قال ابن الأنباري: التداين يكون لمعنيين: # أحدهما: التداين بالمال؛ والتداين بمعنى المجازاة من قولهم: " كما ~~تدين تدان " فذكر الدين لتخصيص أحد المعنيين. # الثاني: قال الزمخشري: وإنما ذكر الدين؛ ليرجع الضمير إليه في ~~قوله تبارك وتعالى { فاكتبوه } إذ لو لم يذكر، لوجب أن يقال: ~~فاكتبوا الدين. # الثالث: ذكره ليدل به على العموم، أي: أي دين كان من قليل، أو كثير ~~من قرض، أو سلم، أو بيع دين إلى أجل. # الرابع: أنه تبارك وتعالى ذكره للتأكيد ms1616 كقوله تبارك وتعالى # فسجد الملائكة كلهم أجمعون # [الحجر:30] وقوله: # ولا طائر يطير بجناحيه # [الأنعام:38]. # الخامس: قال ابن الخطيب - رحمه الله تعالى -: إن المداينة مفاعلة، وهي ~~تتناول بيع الدين بالدين وهو باطل، فلو قال إذا تداينتم لبقي النص ~~مقصورا على بيع الدين بالدين وهو باطل فلما قال: { إذا تداينتم ~~بدين } كان المعنى: إذا تداينتم تداينا يحصل فيه دين واحد وحينئذ ~~يخرج عن بيع الدين بالدين، ويبقى بيع العين بالدين أو بيع الدين ~~بالعين، فإن الحاصل في كل واحد منهما دين واحد لا غير. # فإن قيل: إن كلمة " إذا " لا تفيد العموم، والمراد من الآية العموم؛ ~~لأن المعنى كلما تداينتم بدين فاكتبوه فلم عدل عن كلما وقال: { إذا ~~تداينتم }. # فالجواب: أن كلمة " إذا " ، وإن كانت لا تقتضي العموم إلا أنها لا ~~تمنع من العموم، وهاهنا قام الدليل على أن المراد هو العموم؛ لأنه ~~تعالى بين العلة في الأمر بالكتابة في آخر الآية، وهي قوله تعالى: { ~~ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ~~ألا ترتابوا } والمعنى إذا وقعت المعاملة بالدين، ولم يكتب ~~فالظاهر أنه تنسى الكيفية فربما توهم الزيادة، فطلب الزيادة ~~ظلما، وربما توهم النقصان، فترك حقه من غير حمد ولا أجر، فأما ~~إذا كتب كيفية الواقعة أمن من هذه المحذورات، فلما دل النص على ~~أن هذا هو العلة، وهي قائمة في الكل كان الحكم أيضا حاصلا في ~~الكل. # قوله تعالى: { إلى أجل }: متعلق بتداينتم، ويجوز أن يتعلق ~~بمحذوف على أنه صفة لدين، و { مسمى } صفة لدين، فيكون قد قدم ~~الصفة المؤولة على الصريحة، وهو ضعيف، فكان الوجه الأول أوجه. # والأجل: في اللغة هو الوقت المضروب لانقضاء الأمد، وأجل الإنسان هو ~~الوقت لانقضاء عمره، وأجل الدين لوقت معين في المستقبل، وأصله من ~~التأخير يقال: أجل الشيء بأجل أجولا إذا تأخر، والآجل: نقيض ~~العاجل. # فإن قيل: المداينة لا تكون إلا مؤجلة، فما فائدة ذكر المداينة؟ # فالجواب: إنما ذكر الأجل ليمكنه أن يصفه بقوله " مسمى " والفائدة ~~في قوله " مسمى " ليعلم أن من حق الأجل أن ms1617 يكون [معلوما] ~~كالتوقيت بالسنة، والأشهر، والأيام، فلو قال إلى الحصاد، أو إلى ~~الدياس، أو إلى رجوع قدوم الحاج؛ لم يجز لعدم التسمية. # وألف " مسمى " منقلبة عن ياء، تلك الياء منقلبة عن واو؛ لأنه من ~~التسمية، وقد تقدم أن المادة من سما يسمو. # فصل # والأجل يلزم في الثمن في البيع، وفي السلم بحيث لا يكون لصاحب الحق ~~الطلب قبل محله، وفي القرض، لا يلزم الأجل عن أكثر أهل العلم. # قال القرطبي: شروط السلم تسعة، ستة في المسلم فيه، وثلاثة في رأس مال ~~السلم. # أما الستة التي في المسلم فيه فأن يكون في الذمة، وأن يكون ~~موصوفا، وأن يكون الأجل معلوما، وأن يكون مؤجلا، وأن يكون عام الوجود ~~عند الأجل، وأما الثلاثة التي في رأس مال السلم، فأن يكون معلوم الجنس، ~~معلوم المقدار، وأن يكون نقدا. # قوله: { فاكتبوه } الضمير يعود على " بدين ". # فصل # أمر الله تعالى في المداينة بأمرين: # أحدهما: الكتابة بقوله: { فاكتبوه }. # الثاني: الإشهاد. بقوله: { واستشهدوا شهيدين من ~~رجالكم } ، وفائدة الكتابة والإشهاد أن دخول الأجل تتأخر فيه ~~المطالبة، ويتخلله النسيان ويدخله الجحد، فالكتابة سبب لحفظ المال من ~~الجانبين، لأن صاحب الدين إذا علم أن حقه مقيد بالكتابة، والإشهاد ~~تحذر من طلب زيادة، ومن تقديم المطالبة قبل حلول الأجل، والمديون يحذر من ~~الجحد، ويأخذ قبل حلول الدين في تحصيل المال ليتمكن من أدائه وقت ~~الحلول. # فصل # القائلون بأن ظاهر الأمر الندب، لا إشكال عليهم، واختلف القائلون بأن ~~ظاهر الأمر الوجوب، فقال عطاء، وابن جريج والنخعي بوجوب الكتابة، وهو ~~اختيار محمد بن جرير الطبري، قال النخعي: يشهد، ولو على دستجة ~~بقل. # وقال جمهور الفقهاء: هذا أمر ندب؛ لأنا نرى جمهور المسلمين في جميع ~~ديار المسلمين يبيعون بالأثمان المؤجلة من غير كتابة، ولا إشهاد، وذلك ~~إجماع على عدم وجوبها، ولأن في إيجابها حرج شديد، ومشقة عظيمة. ~~وقال تعالى: # وما جعل عليكم في الدين من حرج # [الحج:78]. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " بعثت بالحنيفية السهلة السمحة ". # وقال الحسن، والشعبي، والحكم بن عتيبة: كانا واجبين ثم ms1618 نسخا بقوله: # فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن ~~أمانته # [البقرة:283]. # وقال التيمي: سألت الحسن عنها فقال: إن شاء أشهد، وإن شاء لم يشهد، ألا ~~تسمع قوله تعالى: # فإن أمن بعضكم بعضا # [البقرة:283]. # فصل # لما أمر الله تعالى بكتابة هذه المداينة؛ اعتبر في الكتابة شرطين: # الأول: أن يكون الكاتب عدلا لقوله: { وليكتب بينكم ~~كاتب بالعدل } وذلك أن قوله تعالى: { فاكتبوه } ظاهره ~~يقتضي أنه يجب على كل أحد أن يكتب، لكن ذلك غير ممكن، فقد يكون ذلك ~~الإنسان غير كاتب، فصار معنى قوله: { فاكتبوه } ، أي: لا بد من ~~حصول هذه الكتابة وهو كقوله تعالى: # والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما # [المائدة:38] فإن ظاهره، وإن كان يقتضي خطاب الكل بهذا الفعل، إلا ~~أنا علمنا أن المقصود منه أنه لا بد من حصول قطع اليد من إنسان ~~واحد، إما الإمام، أو نائبه أو المولى، فكذا هاهنا. # ويؤكد هذا قوله تعالى: { وليكتب بينكم كاتب بالعدل ~~} فإنه يدل على أن المقصود حصول الكتابة من أي سخص كان. # قوله: { بالعدل } فيه أوجه: # أحدها: أن يكون الجار متعلقا بالفعل قبله. قال أبو البقاء: " ~~بالعدل متعلق بقوله: فليكتب، أي: ليكتب بالحق، فيجوز أن يكون ~~حالا، أي: ليكتب عادلا، ويجوز أن يكون مفعولا به أي: بسبب العدل ". # قوله أولا: " بالعدل متعلق بقوله فليكتب " يريد التعلق ~~المعنوي؛ لأنه قد جوز فيه بعد ذلك أن يكون حالا، وإذا كان حالا ~~تعلق بمحذوف لا بنفس الفعل. # وقوله: " ويجوز أن يكون مفعولا " يعني فتتعلق الباء حينئذ بنفس ~~الفعل. # والثاني: أن يتعلق ب " كاتب ". قال الزمخشري: " متعلق ~~بكاتب صفة له، أي: كاتب مأمون على ما يكتب " ، وهو كما تقدم في ~~تأويل قول أبي البقاء. وقال ابن عطية: " والباء متعلقة بقوله: " ~~وليكتب " ، وليست متعلقة بقوله " كاتب "؛ لأنه كان يلزم ألا ~~يكتب وثيقة إلا العدل في نفسه، وقد يكتبها الصبي والعبد ". # الثالث: أن تكون الباء زائدة، تقديره: فليكتب بينكم كاتب بالعدل. # فصل في معنى العدل # في تفسير العدل وجوه: # أحدها: أن يكتب بحيث لا يزيد، ولا ينقص عنه، ms1619 ويكتب بحيث يصلح أن يكون ~~حجة له عن الحاجة إليه. # وثانيها: لا يخص أحدهما بالاحتياط له دون الآخر، بل يكتبه بحيث يكون كل ~~واحد من الخصمين آمنا من تمكن الآخر من إبطال حقه. # وثالثها: قال بعض الفقهاء: العدل أن يكون ما يكتبه متفقا عليه بين أهل ~~العلم، بحيث لا يجد قاض من قضاة المسلمين سبيلا إلى إبطاله على قول بعض ~~المجتهدين. # ورابعها: أن يحترز عن الألفاظ المجملة المتنازع في المراد بها، فهذه ~~الأمور لا يمكن رعايتها إلا إذا كان الكاتب فقيها عارفا بمذاهب ~~المجتهدين، أديبا مميزا بين الألفاظ المتشابهة. # قوله: { ولا يأب كاتب } وهذا ظاهره نهي الكاتب عن الامتناع عن الكتابة ~~وإيجاب الكتابة على كل من كان كاتبا، وهذا على سبيل الإرشاد، والمعنى: ~~أن الله تعالى لما علمه الكتابة وشرفه بمعرفة أحكام الشريعة، ~~فالأولى أن يكتب تحصيلا لمهم أخيه المسلم شكرا لتلك النعمة، فهو ~~كقوله تعالى: # وأحسن كمآ أحسن الله إليك # [القصص:77]. # وقال الشعبي: هو فرض كفاية، فإن لم يوجد من يكتب غيره وجب عليه الكتابة، ~~وإن وجد غيره؛ وجبت الكتابة على واحد منهم. # وقيل: كانت الكتابة واجبة على الكاتب، ثم نسخت بقوله تعالى: { ولا ~~يضآر كاتب ولا شهيد }. # وقيل: متعلق الإيجاب، هو أن يكتب كما علمه الله، يعني: أنه بتقدير ~~أنه يكتب، فالواجب أن يكتب كما علمه الله، ولا يخل بشرط من الشرائط، ~~ولا يدرج فيه قيدا يخل بمقصود الإنسان. # قوله: { أن يكتب } مفعول به، أي: لا يأب الكتابة. # قوله: { كما علمه الله } يجوز أن يتعلق بقوله: { أن ~~يكتب } على أنه نعت لمصدر محذوف، أو حال من ضمير المصدر على رأي ~~سيبويه، والتقدير: أن يكتب كتابة مثل ما علمه الله، أو أن يكتبه أي: ~~الكتب مثل ما علمه الله. ويجوز أن يتعلق بقوله: " فليكتب " ~~بعده. # قال أبو حيان: " والظاهر تعلق الكاف بقوله: فليكتب " قال ~~شهاب الدين رحمه الله تعالى: وهو قلق لأجل الفاء، ولأجل أنه لو كان ~~متعلقا بقوله: " فليكتب " ، لكان النظم: فليكتب كما علمه ~~الله، ولا يحتاج إلى ms1620 تقديم ما هو متأخر في المعنى. # وقال الزمخشري - بعد أن ذكر تعلقه بأن يكتب، وب " فليكتب " ~~- " فإن قلت: أي فرق بين الوجهين؟ قلت: إن علقته بأن يكتب فقد نهى ~~عن الامتناع من الكتابة المقيدة، ثم قيل [له]: فليكتب تلك الكتابة لا ~~يعدل عنها، وإن علقته بقوله: " فليكتب " فقد نهى عن الامتناع من ~~الكتابة على سبيل الإطلاق، ثم أمر بها مقيدة ". فيكون التقدير: فلا يأب ~~كاتب أن يكتب، وهاهنا تم الكلام، ثم قال بعده: { كما علمه ~~الله فليكتب } ، فيكون الأول أمرا بالكتابة مطلقا، ثم أردفه ~~بالأمر بالكتابة التي علمه الله إياها. # ويجوز أن تكون متعلقة بقوله: لا يأب، وتكون الكاف حينئذ للتعليل. قال ~~ابن عطية - رحمه الله -: " ويحتمل أن يكون " كما " متعلقا بما في قوله ~~" ولا يأب " من المعنى، أي: كما أنعم الله عليه بعلم الكتابة، فلا يأب ~~هو، وليفضل كما أفضل عليه ". قال أبو حيان: " وهو خلاف الظاهر، وتكون ~~الكاف في هذا القول للتعليل " قال شهاب الدين رحمه الله: وعلى القول ~~بكونها متعلقة بقوله: " فليكتب " يجوز أن تكون للتعليل أيضا، أي: فلأجل ~~ما علمه الله فليكتب. # وقرأ العامة: " فليكتب " بتسكين اللام كقوله: " كتف " في كتف، ~~إجراء للمنفصل مجرى المتصل. وقد قرأ الحسن بكسرها وهو الأصل. # قوله: " وليملل " أمر من أمل يمل، فلما سكن الثاني جزما جرى ~~فيه لغتان: الفك وهو لغة الحجاز وبني أسد، والإدغام وهو لغة تميم، ~~وقيس، ونزل القرآن باللغتين. # قال تعالى في اللغة الثانية: # فهي تملى عليه بكرة وأصيلا # [الفرقان:5] وكذا إذا سكن وقفا نحو: أملل عليه وأمل، وهذا مطرد في ~~كل مضاعف، وسيأتي تحقيق هذا إن شاء الله تعالى عند قراءتي: " من ~~يرتدد، ويرتد ". # وقرئ هنا شاذا: " وليمل " بالإدغام، ويقال: أمل يمل ~~إملالا، وأملى، يملي إملاء؛ ومن الأولى قوله: [الطويل] # 1279- ألا يا ديار الحي بالسبعان # أمل عليها بالبلى الملوان # ويقال: أمللت وأمليت، فقيل: هما لغتان، وقيل: الياء بدل من أحد ~~المثلين، وأصل المادتين: الإعادة مرة بعد أخرى. # و " الحق " يجوز أن يكون مبتدأ، و " عليه " خبر ms1621 مقدم، ويجوز أن ~~يكون فاعلا بالجار قبله لاعتماده على الموصول، والموصول هو فاعل " ~~يملل " ومفعوله محذوف، أي: وليملل الديان الكاتب ما عليه من الحق، ~~فحذف المفعولين للعلم بهما. # ويتعدى ب " على " إلى أحدهما فيقال: أمللت عليه كذا، ومنه الآية ~~الكريمة. # فصل # اعلم أن الكتابة، وإن وجب أن يختار لها العالم بكيفية كتب الشروط ~~والسجلات، لكن ذلك لا يتم إلا بإملاء من عليه الحق؛ فيدخل في جملة ~~إملائه اعترافه بالحق في قدره، وجنسه وصفته، وأجله، وغير ذلك. # ثم قال: { وليتق الله ربه } بأن يقر بمبلغ المال، { ولا ~~يبخس منه شيئا } ، أي: لا ينقص منه شيئا. # قوله: { ولا يبخس منه شيئا } يجوز في " منه " وجهان: # أحدهما: أن يكون متعلقا بيبخس، و " من " لابتداء الغاية، والضمير في ~~" منه " للحق. # والثاني: أنها متعلقة بمحذوف؛ لأنها في الأصل صفة للنكرة، فلما ~~قدمت على النكرة نصبت حالا. # و " شيئا ": إما مفعول به، وإما مصدر. # والبخس: النقص، يقال منه، بخس زيد عمرا حقه يبخسه بخسا، وأصله ~~من: بخست عينه، فاستعير منه بخس الحق، كما قالوا: " عورت حقه " ~~استعارة من عور العين. ويقال: بخصه بالصاد. والتباخس في البيع: ~~التناقص، لأن كل واحد من المتبايعين ينقص الآخر حقه. # قوله: { فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا ~~أو لا يستطيع أن يمل } إدخال حرف " أو " بين هذه الألفاظ ~~الثلاثة يقتضي تغايرها؛ لأن معناه: أن الذي عليه الحق كان متصفا ~~بإحدى هذه الصفات الثلاثة { فليملل وليه بالعدل } وإذا ~~ثبت تغايرها وجب حمل السفيه على الضعيف الرأي الناقص العقل من ~~البالغين الذين لا يحسنون الأخذ لأنفسهم، ولا الإعطاء منها أخذا من ~~الثوب السفيه وهو خفيف النسج، والبذيء اللسان يسمى سفيها، لأنه ~~لا يكاد أن تتفق البذاءة إلا في جهال الناس، وأصحاب العقول ~~الخفيفة، والعرب تسمي الضعيف العقل سفيها؛ قال الشاعر: [السريع] # 1280- نخاف أن تسفه أحلامنا # ويجهل الدهر مع الحالم # والضعيف على الصغير، والمجنون، والشيخ الخرف وهو الذين فقدوا ~~العقل بالكلية، " والذي لا يستطيع أن يمل " من يضعف لسانه عن ~~الإملاء لخرس، ms1622 أو لجهله بما عليه، وله. # فهؤلاء لا يصح منهم الإملاء، ولا الإقراء، فلا بد ممن يقوم ~~مقامهم. # فقال تعالى: { فليملل وليه بالعدل }. # قيل: الضعف بضم الضاد في البدن، وبفتحها في الرأي. # وقيل: هما لغتان. # قال القرطبي: والأول أصح. # قوله: { أن يمل هو } أن، وما في حيزها في محل نصب مفعولا به، ~~أي: لا يستطيع الإملال، و " هو " تأكيد للضمير المستتر. وفائدة التوكيد ~~به رفع المجاز الذي كان يحتمله إسناد الفعل إلى الضمير، والتنصيص على ~~أنه غير مستطيع بنفسه، قاله أبو حيان. # وقرئ بإسكان هاء: " هو " وهي قراءة ضعيفة؛ لأن هذا الضمير كلمة ~~مستقلة منفصلة عما قبلها. ومن سكنها أجرى المنفصل مجرى المتصل، وقد ~~تقدم هذا في أول هذه السورة، قال أبو حيان - رحمه الله -: " وهذا ~~أشذ من قراءة من قرأ: # ثم هو يوم القيامة # [القصص:61]. # قال شهاب الدين: فجعل هذه القراءة شاذة وهذه أشذ منها، وليس بجيد، ~~فإنها قراءة متواترة قرأ بها نافع بن أبي نعيم قارئ أهل المدينة فيما ~~رواه عنه قالون، وهو أضبط رواته لحرفه، وقرأ بها الكسائي أيضا وهو رئيس ~~النحاة. # والهاء في " وليه " للذي عليه الحق، إذا كان متصفا بإحدى الصفات ~~الثلاث؛ لأن وليه هو الذي يقر عليه بالدين كما يقر بسائر ~~أموره، وقال ابن عباس، ومقاتل والربيع: المراد بوليه: ولي ~~الدين وهذا بعيد؛ لأن قول المدعي لا يقبل، فإن اعتبرنا قوله، ~~فأي حاجة إلى الكتابة، والإشهاد؟ # وقوله: " بالعدل " تقدم نظيره. # فصل # واعلم أن المقصود من الكتابة: هو الاستشهاد؛ لكي يتمكن صاحب الحق ~~بالشهود إلى تحصيل حقه عند الجحود. # وقوله: " فاستشهدوا " يجوز أن تكون السين على بابها من الطلب، ~~أي: اطلبوا شهيدين، ويجوز أن يكون استفعل بمعنى أفعل، نحو: ~~استعجل بمعنى أعجل، واستيقن بمعن أيقن فيكون " استشهدوا " ~~بمعنى شهدوا، يقال أشهدت الرجل واشتشهدته بمعنى واحد، والشهيدان: ~~هما الشاهدان، فعيل بمعنى فاعل. # وفي قوله: " شهيدين " تنبيه على أنه ينبغي أن يكون الشاهد ~~ممن تتكرر منه الشهادة، حيث أتى بصيغة المبالغة. # قوله: " من رجالكم " يجوز أن يتعلق باستشهدوا، ms1623 وتكون " من ~~" لابتداء الغاية، ويجوز أن يتعلق بمحذوف، على أنه صفة لشهيدين، ~~و " من " تبعيضية. # فصل # في المراد بقوله: { من رجالكم } ثلاثة أقوال: # أحدها: قال أكثر العلماء: المراد الأحرار المسلمون. # الثاني: قال شريح، وابن سيرين: المراد المسلمون؛ فيدخل العبيد. # الثالث: من رجالكم الذين تعدونهم للشهادة، بسبب العدالة. حجة ~~شريح، وابن سيرين: عموم الآية؛ ولأن العدالة لا تختلف بالحرية ~~والرق، واحتج الآخرون بقوله تعالى: { ولا يأب الشهدآء ~~إذا ما دعوا } ، وهذا يقتضي: أن الشاهد؛ يجب عليه الذهاب ~~إلى موضع أداء الشهادة، ويحرم عليه الامتناع والإجماع على أن ~~العبد لا يجب عليه الذهاب، فلا يكون شاهدا، وهذا مذهب الشافعي، ~~وأبي حنيفة. # والجواب عن قوله: { من رجالكم } ، أي: الذين تعدونهم لأداء ~~الشهادة، كما قدمناه. # قوله: { فإن لم يكونا رجلين } ، جوزوا في " كان " هذه ~~أن تكون الناقصة، وأن تكون التامة، وبالإعرابين يختلف المعنى: ~~فإن كانت ناقصة فالألف اسمها، وهي عائدة على الشهيدين أي: فإن لم ~~يكن الشاهدان رجلين، والمعنى على هذا: إن أغفل ذلك صاحب الحق، أو ~~قصد أن لا يشهد رجلين لغرض له، وإن كانت تامة فيكون " رجلين " نصبا ~~على الحال المؤكدة كقوله: # فإن كانتا اثنتين # [النساء:176]، ويكون المعنى على هذا أنه لا يعدل إلى ما ذكر إلا عند ~~عدم الرجال. # والألف في " يكونا " عائدة على " شهيدين " ، تفيد الرجولية. # فصل # قال القرافي: العلماء يقولون: إذا ورد النص بصيغة " أو " فهو ~~للتخيير، كقوله تعالى: # فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما ~~تطعمون أهليكم أو كسوتهم # [المائدة:89]، وإن ورد النص بصيغة الشرط كقوله: # فمن لم يجد # [البقرة:196] الآية فهو على الترتيب، وهذا غير صحيح لهذه الآية؛ ~~لأن قوله تعالى: { فإن لم يكونا رجلين فرجل ~~وامرأتان } يقتضي على قولهم ألا يجوز استشهاد رجل وامرأتين ~~إلا عند عدم الرجلين، وقد أجمعت الأمة على جواز ذلك، عند وجود ~~الرجلين، وأن عدمهما ليس بشرط، واستفدنا من هذه الآية سؤالين ~~عظيمين. # الأول: أن الصيغة لا تقتضي الترتيب. # الثاني: أنه لا يلزم من عدم الشرط عدم المشروط، وهو خلاف ~~الإجماع، وهو ms1624 هناك كذلك. # قولنا: إذا لم يكن العدد زوجا، فهو فرد، وإن لم يكن فردا، فهو زوج ~~مع أنه لا تتوقف زوجيته على عدم الفردية، ولا فرديته على عدم ~~الزوجية. بل هو واجب الثبوت في نفسه، وجد الآخر أم لا، وإذا ~~تقرر هذا، فالمراد من الآية: انحصار الحجة التامة من ~~الشهادة، بعد الرجلين في الرجل، والمرأتين، فإنه لا حجة ~~تامة من الشهادة في الشريعة، إلا الرجلين، والرجل، ~~والمرأتين، هذا هو المجمع عليه من البينة الكاملة، في الأموال، فإذا ~~فرض عدم إحداهما، قبل الحصر في الأخرى، وقد وضح أن الشرط كما ~~يستعمل في الترتيب؛ كذلك يستعمل في الحصر، والكل حقيقة لغوية، فضابط ~~ما يتوقف فيه المشروط على الشرط، هو الذي لا يراد به الحصر، ~~فمتى أريد به الحصر فلا يدل على الترتيب، بل لا بد من قرينة. # قوله: { فرجل وامرأتان } يجوز أن يرتفع ما بعد الفاء على ~~الابتداء، والخبر محذوف تقديره: فرجل، وامرأتان، يكفون في ~~الشهادة، أو مجزئون، ونحوه. وقيل: هو خبر والمبتدأ محذوف تقديره: ~~فالشاهد رجل، وامرأتان وقيل: مرفوع بفعل مقدر تقديره: فيكفي ~~رجل، أي: شهادة رجل، فحذف المضاف للعلم به، وأقيم المضاف إليه ~~مقامه. وقيل: تقدير الفعل فليشهد رجل، وهو أحسن، إذ لا يحوج ~~إلى حذف مضاف، وهو تقدير الزمخشري. # وقيل: هو مرفوع بكان الناقصة، والتقدير: فليكن ممن يشهدون رجل ~~وامرأتان، وقيل: بل بالتامة وهو أولى؛ لأن فيه حذف فعل فقط بقي ~~فاعله، وفي تقدير الناقصة حذفها مع خبرها، وقد عرف ما فيه، وقيل: ~~هو مرفوع على ما لم يسم فاعله، تقديره: فليستشهد رجل. قال ~~أبو البقاء: " ولو كان قد قرئ بالنصب لكان التقدير: ~~فاستشهدوا " وهو كلام حسن. # وقرئ: " وامرأتان " بسكون الهمزة التي هي لام الكلمة، وفيها ~~تخريجان. # أحدهما: أنه أبدل الهمزة ألفا، وليس قياس تخفيفها ذلك، بل بين ~~بين، ولما أبدلها ألفا همزها كما همزت العرب نحو: العألم، ~~والخأتم؛ وقوله: [الرجز] # 1281- وخندف هامة هذا العألم # وقد تقدم تحقيقه في سورة الفاتحة، وسيأتي له مزيد بيان إن شاء ~~الله - تعالى ms1625 - في قراءة ابن ذكوان: " منسأته " في سبأ. # وقال أبو البقاء في تقرير هذا الوجه، ونحا إلى القياس فقال: ووجهه ~~أنه خفف الهمزة - يعني بين بين - فقربت من الألف، والمقربة ~~من الألف في حكمها؛ ولذلك لا يبتدأ بها، فلما صارت كالألف، ~~قلبها همزة ساكنة كما قالوا: خأتم وعألم. # والثاني: أن يكون قد استثقل توالي الحركات، والهمزة حرف يشبه ~~حرف العلة فتستثقل عليها الحركة فسكنت لذلك. قال أبو حيان رحمه ~~الله: ويمكن أنه سكنها تخفيفا لتوالي كثرة الحركات؛ وقد جاء تخفيف ~~نظير هذه الهمزة في قول الشاعر: [الطويل] # 1282- يقولون جهلا ليس للشيخ عيل # لعمري لقد أعيلت وأن رقوب # يريد: وأنا رقوب، فسكن همزة " أنا " بعد الواو، وحذف ألف " ~~أنا " وصلا على القاعدة. قال شهاب الدين: قد نص ابن جني على أن هذا ~~الوجه لا يجوز فقال: " ولا يجوز أن يكون سكن الهمزة؛ لأن ~~المفتوح لا يسكن لخفة الفتحة " وهذا من أبى الفتح محمول على ~~الغالب، وإلا فقد تقدم لنا في قراءة الحسن " ما بقي من الربا ~~" ، وقبل ذلك أيضا الكلام على هذه المسألة، وورود ذلك في ألفاظ ~~نظما ونثرا، حتى في الحروف الصحيحة السهلة، فكيف بحرف ثقيل ~~يشبه السفلة؟ # قوله: { ممن ترضون من الشهدآء } فيه أوجه: # أحدها: أنه في محل رفع نعتا لرجل وامرأتين. # والثاني: أنه في محل نصب؛ لأنه نعت لشهيدين. واستضعف أبو حيان هذين ~~الوجهين قال: " لأن الوصف يشعر اختصاصه بالموصوف، فيكون قد انتفى ~~هذا الوصف عن شهيدين " ، واستضعف الثاني أبو البقاء رحمه الله ~~تعالى قال: للوصف الواقع بينهما. # الوجه الثالث: أنه بدل من قوله: " من رجالكم " بتكرير العامل، ~~والتقدير: " واستشهدوا شهيدين ممن ترضون " ، ولم يذكر أبو ~~البقاء تضعيفه. وكان ينبغي أن يضعفه بما ضعف وجه الصفة، وهو ~~للفصل بينهما، وضعفه أبو حيان بأن البدل يؤذن أيضا بالاختصاص ~~بالشهيدين الرجلين فيعرى عنه رجل وامرأتان قال شهاب الدين: وفيه ~~نظر؛ لأن هذا من بدل البعض إن أخذنا " رجالكم " على العموم، ~~أو الكل من الكل إن أخذناهم على الخصوص، وعلى كلا التقديرين، ms1626 فلا ~~ينفي ذلك عما عداه، وأما في الوصف فمسلم؛ لأن لها مفهوما على ~~المختار. # الرابع: أن يتعلق باستشهدوا، أي: استشهدوا ممن ترضون. قال أبو ~~حيان: " ويكون قيدا في الجميع، ولذلك جاء متأخرا بعد الجميع ". # قوله: { من الشهدآء } يجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه ~~حال من العائد المحذوف، والتقدير: ممن ترضونه حال كونه بعض ~~الشهداء. # ويجوز أن يكون بدلا من " من " بإعادة العامل، كما تقدم في ~~نفس { ممن ترضون } ، فيكون هذا بدلا من بدل على أحد ~~القولين في كل منهما. # فصل # قوله { ممن ترضون من الشهدآء } كقوله تعالى في الطلاق: # وأشهدوا ذوى عدل منكم # [الطلاق:2] وهذه الآية تدل على أنه ليس كل أحد يكون شاهدا، ~~والفقهاء شرطوا في الشاهد الذي تقبل شهادته عشرة شروط: أن يكون ~~حرا بالغا، مسلما عدلا، عالما بما شهد به؛ ولا يجر بتلك الشهادة ~~منفعة إلى نفسه، ولا يدفع بها مضرة عن نفسه، ولا يكون معروفا بكثرة ~~الغلط، ولا بترك المروءة، ولا يكون بينه وبين من يشهد عليه عداوة. # وقيل: سبعة: الإسلام، والحرية، والعقل، والبلوغ، والعدالة، ~~والمروءة وانتفاء التهمة. # قوله: { أن تضل } قرأ حمزة بكسر " إن " على أنها شرطية ~~والباقون بفتحها، على أنها المصدرية الناصبة، فأما القراءة ~~الأولى، فجواب الشرط فيها قوله " فتذكر " ، وذلك أن حمزة رحمه ~~الله يقرأ: " فتذكر " بتشديد الكاف ورفع الراء؛ فصح أن ~~تكون الفاء، وما في حيزها جوابا للشرط، ورفع الفعل؛ لأنه ~~على إضمار مبتدأ، أي: فهي تذكر، وعلى هذه القراءة فجملة الشرط ~~والجزاء هل لها محل من الإعراب أم لا؟ فقال ابن عطية: إن ~~محلها الرفع صفة " لامرأتين " ، وكان قد تقدم أن قوله: " ~~ممن ترضون " صفة لقوله " فرجل وامرأتان " قال أبو ~~حيان - رحمه الله -: " فصار نظير جاءني رجل، وامرأتان عقلاء ~~حبليان " وفي جواز مثل هذا التركيب نظر، بل الذي تقتضيه الأقيسة ~~تقديم " حبليان " على " عقلاء "؛ وأما إذا قيل بأن " ممن ~~ترضون " بدل من رجالكم، أو متعلق باستشهدوا، فيتعذر ~~جعله صفة لامرأتين للزوم الفصل بين الصفة، والموصوف بأجنبي. قال ~~شهاب الدين - رحمه الله ms1627 -: وابن عطية لم يبتدع هذا الإعراب، بل ~~سبقه إليه الواحدي فإنه قال: وموضع الشرط وجوابه رفع بكونهما، ~~وصفا للمذكورين وهما " امرأتان " في قوله: " فرجل ~~وامرأتان " لأن الشرط والجزاء يوصف بهما، كما يوصف بهما ~~في قوله: # الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلوة # [الحج:41]. # والظاهر أن هذه الجملة الشرطية مستأنفة للإخبار بهذا الحكم، ~~وهي جواب لسؤال مقدر، كأن قائلا قال: ما بال امرأتين جعلتا ~~بمنزلة رجل؟ فأجيب بهذه الجملة. # وأما القراءة الثانية؛ ف " أن " فيها مصدرية ناصبة للفعل ~~بعدها، والفتحة فيه حركة إعراب، بخلافها في قراءة حمزة، فإنها فتحة ~~التقاء ساكنين، إذ اللام الأولى ساكنة للإدغام في الثانية، ~~مسكنة للجزم، ولا يمكن إدغام في ساكن، فحركنا الثانية ~~بالفتحة هربا من التقائهما، وكانت الحركة فتحة؛ لأنها أخف ~~الحركات، وأن وما في حيزها في محل نصب، أو جر بعد حذف حرف ~~الجر، وهي لام العلة، والتقدير: لأن تضل، أو إرادة أن ~~تضل. # وفي متعلق هذا الجار ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه فعل مضمر دل عليه الكلام السابق، إذا ~~التقدير: فاستشهدوا رجلا وامرأتين لئلا تضل إحداهما، ~~ودل على هذا الفعل قوله: { فإن لم يكونا رجلين فرجل ~~وامرأتان } ، قاله الواحدي ولا حاجة إليه؛ لأن الرافع ~~لرجل وامرأتين مغن عن تقدير شيء آخر، وكذلك الخبر المقدر لقولك: ~~" فرجل وامرأتان " إذ تقدير الأول: فليشهد رجل، وتقدير ~~الثاني: فرجل وامرأتان يشهدون؛ لأن تضل، وهذان التقديران هما ~~الوجه الثاني والثالث من الثلاثة المذكورة. فإن قيل هل جعل ~~ضلال إحداهما علة لتطلب الإشهاد أو مرادا لله تعالى، على حسب ~~التقديرين المذكورين أولا؟ وقد أجاب سيبويه رحمه الله وغيره بأن ~~الضلال لما كان سببا للإذكار، والإذكار مسببا عنه، وهم ~~ينزلون كل واحد من السبب والمسبب منزلة الآخر لالتباسهما، ~~واتصالهما كانت إرادة الضلال المسبب عنه الإذكار إرادة ~~للإذكار. فكأنه قيل: إرادة أن تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت، ~~ونظيره قولهم: " أعددت الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه، ~~وأعددت السلاح أن يجيء عدو فأدفعه " فليس إعدادك الخشبة؛ لأن ~~يميل الحائط، ولا إعدادك السلاح لأن يجيء العدو ms1628 وإنما للإدغام إذا ~~مال، وللدفع إذا جاء العدو، وهذا مما يعود إليه المعنى ويهجر فيه ~~جانب اللفظ. # وقد ذهب الجرجاني في هذه الآية الكريمة إلى أن التقدير: مخافة ~~أن تضل؛ وأنشد قول عمرو: [الوافر] # 1283-............................ # فعجلنا القرى أن تشتمونا # أي: " مخافة أن تشتمونا " وهذا صحيح لو اقتصر عليه من غير ~~أن يعطف عليه قوله " فتذكر "؛ لأنه كان التقدير: ~~فاستشهدوا رجلا وامرأتين، مخافة أن تضل إحداهما، ولكن عطف قوله: ~~" فتذكر " يفسده، إذا يصير التقدير: مخافة أن تذكر إحداهما ~~الأخرى، [وإذكار إحداهما الأخرى] ليس مخوفا منه، بل هو المقصود، ~~وقال أبو جعفر: " سمعت علي بن سليمان يحكي عن أبي العباس أن ~~التقدير كراهة أن تضل " قال أبو جعفر رحمه الله تعالى: " وهو ~~غلط إذ يصير المعنى: كراهة أن تذكر إحداهما الأخرى ". # وذهب الفراء إلى أن تقدير الآية الكريمة: " كي تذكر إحداهما ~~الأخرى إن ضلت " ، فلما قدم الجزاء اتصل بما قبله ~~ففتحت " أن " ، قال: ومثله من الكلام: " إنه ليعجبني أن يسأل ~~السائل فيعطى " معناه: إنه ليعجبني أن يعطى السائل إن ~~سأل؛ لأنه إنما يعجب الإعطاء لا السؤال، فلما قدموا ~~السؤال على العطية أصحبوه أن المفتوحة لينكشف المعنى، فعنده " أن ~~" في " أن تضل " للجزاء، إلا أنه قدم وفتح، وأصله ~~التأخير. # ورد البصريون هذا القول أبلغ رد. # قال الزجاج: " لست أدري لم صار الجزاء [إذا تقدم] وهو في ~~مكانه وغير مكانه يوجب فتح أن ". وقال الفارسي: ما ذكره الفراء ~~دعوى لا دلالة عليها، والقياس يفسدها، ألا ترى أنا نجد ~~الحرف العامل، إذا تغيرت حركته؛ لم يوجب ذلك تغيرا في عمله ~~ولا معناه، كما روى أبو الحسن من فتح اللام الجارة مع المظهر عن ~~يونس، وأبي عبيدة، وخلف الأحمر، فكما أن هذه اللام لما فتحت ~~لم يتغير من عملها ومعناها شيء، كذلك " إن " الجزائية ينبغي، إذا ~~فتحت ألا يتغير عملها ولا معناها، ومما يبعده أيضا أنا ~~نجد الحرف العامل لا يتغير عمله بالتقديم و [لا] بالتأخير، تقول " ~~مررت بزيد " وتقول: " بزيد مررت " فلم يتغير عمل الباء ~~بتقديمها ms1629 من تأخير. وأجاب ابن الخطيب فقال هاهنا غرضان: # أحدهما: حصول الإشهاد وهذا لا يتأتى إلا بتذكير إحدى ~~المرأتين. # والثاني: بيان تفضيل الرجل على المرأة حتى يبين أن إقامة ~~المرأتين مقام الرجل الواحد هو العدل في القضية، وذلك لا يتأتى ~~إلا بضلال إحدى المرأتين، وإذا كان كل واحد من هذين أعني الإشهاد، ~~وبيان فضل الرجل على المرأة مقصود، فلا سبيل إلى ذلك إلا بإضلال ~~أحدهما وتذكر الأخرى، لا جرم صار هذان الأمران مطلوبين. # فصل # لما كان النسيان غالبا على طباع النساء لكثرة البرد ~~والرطوبة في أمزجتهن؛ أقيمت المرأتان مقام الرجل الواحد؛ لأن ~~اجتماع المرأتين على النسيان أبعد في العقل من صدور النسيان عن ~~المرأة الواحدة؛ لأن إحداهما إذا نسيت؛ ذكرتها الأخرى، والمراد ~~بالضلال هنا النسيان قال أبو عبيدة: الضلال عن الشهادة إنما ~~هو نسيانها. # قوله: " فتذكر " وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: " فتذكر " ~~بتخفيف الكاف، ونصب الراء من أذكرته أي: جعله ذاكرا ~~للشيء بعد نسيانه، فإن المراد بالضلال هنا النسيان كقوله ~~تعالى: # قال فعلتهآ إذا وأنا من الضالين # [الشعراء:20] وقال في ذلك الفرزدق: [الكامل] # 1284- ولقد ضللت أباك يدعو دارما # كضلال ملتمس طريق وبار # فالهمزة في " أذكرته " للنقل والتعدية، والفعل قبلها متعد ~~لواحد؛ فلا بد من آخر، وليس في الآية مفعول واحد، فلا بد من ~~اعتقاد حذف الثاني، والتقدير فتذكر إحداهما الأخرى الشهادة بعد ~~نسيانها إن نسيتها هذا مشهور قول المفسرين. # وقد شذ بعضهم قال: معنى فتذكر إحداهما الأخرى أي: فتجعلها ~~ذكرا، أي: تصير حكمها حكم الذكر في قبول الشهادة وروى ~~الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال: " فتذكر إحداهما ~~الأخرى بالتشديد فهو من طريق التذكير بعد النسيان، تقول لها: ~~هل تذكرين إذ شهدنا كذا يوم كذا في مكان كذا على فلان، أو فلانة، ~~ومن قرأ " فتذكر " بالتخفيف فقال: إذا شهدت المرأة، ثم جاءت ~~الأخرى؛ فشهدت معها، فقد أذكرتها لقيامها مقام ذكر " ولم ~~يرتض المفسرون وأهل اللسان هذا من أبي عمرو، بل لم يصححوا ~~رواية ذلك عنه لمعرفتهم بمكانته في العلم، وردوه على ms1630 قائله من ~~وجوه: # منها: أن الفصاحة تقتضي مقابلة الضلال المراد به النسيان ~~بالإذكار والتذكير، ولا تناسب في المقابلة بما نقل عنه. # ومنها: أن النساء لو بلغن ما بلغن من العدد لا بد معهن ~~من رجل، هكذا ذكروا، وينبغي أن يكون ذلك فيما يقبل فيه الرجل مع ~~المرأتين، وإلا فقد نجد النساء يتمحضن في شهادات من غير ~~انضمام رجل إليهن. # ومنها: أنها لو صيرتها ذكرا؛ لكان ينبغي أن يكون ذلك في سائر ~~الأحكام، ولا يقتصر به على ما فيه مالية وفيه نظر أيضا، إذ هو ~~مشترك الإلزام لأنه يقال: وكذا إذا فسرتموه بالتذكير بعد ~~النسيان لم يعم الأحكام كلها، فما أجيب به فهو جوابهم أيضا. # وقال الزمخشري: " ومن بدع التفاسير: [فتذكر] فتجعل ~~إحداهما الأخرى ذكرا، يعني أنهما إذا اجتمعتا كانتا بمنزلة الذكر " ~~انتهى. ولم يجعل هذا القول مختصا بقراءة دون أخرى. # وأما نصب الراء؛ فنسق على " أن تضل "؛ لأنهما يقرآن: " ~~أن تضل " بأن الناصبة، وقرأ الباقون بتشديد الكاف من " ~~ذكرته " بمعنى جعلته ذاكرا أيضا، وقد تقدم أن حمزة وحده هو ~~الذي يرفع الراء. # وخرج من مجموع الكلمتين أن القراء على ثلاث مراتب: فحمزة ~~وحده: بكسر " إن " ويشدد الكاف ويرفع الراء، وابن كثير: بفتح " ~~أن " ويخفف الكاف وينصب الراء، والباقون كذلك، إلا أنهم يشددون ~~الكاف. # والمفعول الثاني محذوف أيضا في هذه القراءة كما في قراءة ابن كثير ~~وأبي عمرو، وفعل وأفعل هنا بمعنى: أكرمته وكرمته، وفرحته ~~وأفرحته. قالوا: والتشديد في هذا اللفظ أكثر استعمالا من ~~التخفيف، وعليه قوله: [المتقارب] # 1285- على أنني بعد ما قد مضى # ثلاثون للهجر حولا كميلا # يذكرنيك حنين العجول # ونوح الحمامة تدعو هديلا # وقرأ عيسى بن عمرو والجحدري: " تضل " مبنيا للمفعول، وعن ~~الجحدري أيضا: " تضل " بضم التاء، وكسر الضاد من أضل كذا، ~~أي: أضاعه، فالمفعول محذوف أي: تضل الشهادة. وقرأ حميد بن عبد ~~الرحمن ومجاهد: " فتذكر " برفع الراء، وتخفيف الكاف، وزيد بن ~~أسلم " فتذاكر " من المذاكرة. # وقوله: إحداهما " فاعل، " والأخرى " مفعول، وهذا مما يجب تقديم ~~الفاعل فيه لخفاء الإعراب، ms1631 والمعنى نحو: ضرب موسى عيسى. # قال أبو البقاء: ف " إحداهما " فاعل، و " الأخرى " مفعول، ويصح ~~العكس، إلا أنه يمتنع على ظاهر قول النحويين في الإعراب، لأنه ~~إذا لم يظهر الإعراب في الفاعل والمفعول، وجب تقديم الفاعل فيما ~~يخاف فيه اللبس، فعلى هذا إذا أمن اللبس جاز تقديم المفعول ~~كقولك: " كسر العصا موسى " ، وهذه الآية من هذا القبيل، لأن ~~النسيان، والإذكار لا يتعين في واحدة منهما، بل ذلك على ~~الإبهام، وقد علم بقوله: " فتذكر " أن التي تذكر هي ~~الذاكرة، والتي تذكر هي الناسية، كما علم من لفظ " كسر " من ~~يصح منه الكسر، فعلى هذا يجوز أن يجعل " إحداهما " فاعلا، و ~~" الأخرى " مفعولا وبالعكس انتهى. # ولما أبهم الفاعل في قوله: " أن تضل إحداهما " أبهم أيضا ~~في قوله: " فتذكر إحداهما "؛ لأن كلا من المرأتين يجوز ~~[عليها ما يجوز] على صاحبتها من الإضلال، والإذكار، والمعنى: إن ~~ضلت هذه أذكرتها هذه، فدخل الكلام معنى العموم. # قال أبو البقاء: فإن قيل: لم لم يقل: " فتذكرها الأخرى ~~"؟ قيل فيه وجهان: # أحدهما: أنه أعاد الظاهر، ليدل على الإبهام في الذكر ~~والنسيان، ولو أضمر لتعين عوده على المذكور. # والثاني: أنه وضع الظاهر موضع المضمر، تقديره: " فتذكرها " ~~وهذا يدل على أن " إحداهما " الثانية مفعول مقدم، ولا يجوز أن ~~يكون فاعلا في هذا الوجه؛ لأن المضمر هو المظهر بعينه، ~~والمظهر الأول فاعل " تضل " ، فلو جعل الضمير لذلك المظهر؛ ~~لكانت الناسية حقا هي المذكرة، وهو محال قال شهاب الدين - ~~رحمه الله تعالى -: وقد يتبادر إلى الذهن أن الوجهين راجعان لوجه ~~واحد قبل التأمل؛ لأن قوله: " أعاد الظاهر " قريب من قوله: " ~~وضع الظاهر موضع المضمر ". # و " إحدى " تأنيث " الواحد " قال الفارسي: أنثوه على غيره ~~بنائه، وفي هذا نظر، بل هو تأنيث " أحد " يقابلونها به في: أحد عشر ~~وإحدى عشرة وأحد وعشرين وإحدى وعشرين، وتجمع " إحدى " على " ~~إحد " نحو: كسرة وكسر. # قال أبو العباس: " جعلوا الألف في الإحدى بمنزلة التاء في " ~~الكسرة " ، فقالوا في جمعها: " إحد "؛ كما قالوا: كسرة وكسر؛ ~~كما جعلوا مثلها في ms1632 الكبرى والكبر، والعليا والعلى، فكما جعلوا ~~هذه كظلمة، وظلم جعلوا الأول كسدرة وسدر " قال: " وكما جعلوا ~~الألف المقصورة بمنزلة التاء فيما ذكر؛ وجعلوا الممدودة أيضا ~~بمنزلتها في قولهم " قاصعاء وقواصع " و " داماء ودوام " ، ~~يعني: أن فاعلة نحو: ضاربة تجمع على ضوارب، كذا فاعلاء؛ نحو: ~~قاصعاء، وراهطاء تجمع على فواعل؛ وأنشد ابن الأعرابي على ~~إحدى وإحد قول الشاعر: [الرجز] # 1286- حتى استثاروا بي إحدى الإحد # ليثا هزبرا ذا سلاح معتدي # قال: يقال: هو إحدى الإحد، وأحد الأحدين، وواحد الآحاد، ~~كما يقال: واحد لا مثل له، وأنشد البيت. # واعلم أن " إحدى " لا تستعمل إلا مضافة إلى غيرها؛ فيقال: ~~إحدى الإحد وإحداهما، ولا يقال: جاءتني إحدى، ولا رأيت ~~إحدى، وهذا بخلاف مذكرها. # و " الأخرى " تأنيث " آخر " الذي هو: أفعل التفضيل، وتكون ~~بمعنى آخرة؛ كقوله تعالى: # قالت أخراهم لأولاهم # [الأعراف:38]، ويجمع كل منهما على " أخر " ، ولكن جمع ~~الأولى ممتنع من الصرف، وفي علته خلاف، وجمع الثانية منصرف، ~~وبينهما فرق يأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى في الأعراف. # فصل # أجمع الفقهاء على أن شهادة النساء جائزة مع الرجال في الأموال، ~~حتى يثبت برجل وامرأتين، واختلفوا في غير الأموال، فقال سفيان ~~الثوري وأصحاب الرأي: تجوز شهادتهن مع الرجال في غير ~~العقوبات. # وذهب جماعة إلى أن غير المال، لا يثبت إلا برجلين عدلين وذهب ~~الشافعي، وأحمد إلى: أن ما يطلع عليه النساء غالبا كالولادة ~~والرضاع، والثيوبة والبكارة ونحوها يثبت بشهادة رجل وامرأتين، ~~وبشهادة أربع نسوة. # وعن أحمد: يثبت بشهادة امرأة عدل، واتفقوا على أن شهادة النساء ~~لا تجوز في العقوبات. # فصل # قال القرطبي: لما جعل الله تعالى شهادة امرأتين بدل شهادة رجل؛ ~~وجب أن يكون حكمهما حكمه، فكما له أن يحلف مع الشاهد عندنا، وعند ~~الشافعي، كذلك يجب أن يحلف مع شهادة امرأتين بمطلق هذه العوضية، ~~وخالف في هذا أبو حنيفة، وأصحابه، فلم يروا اليمين مع الشاهد. # قالوا: لأن الله تعالى قسم الشهادة، وعددها، ولم يذكر الشاهد مع ~~اليمين، فلا يجوز القضاء به؛ لأنه يكون قسما ثالثا على ms1633 ما ~~قسمه الله، وهذه زيادة على النص، فيكون نسخا، وهذا قول ~~الثوري، والأوزاعي والحكم بن عتيبة وطائفة. # قال بعضهم: الحكم باليمين مع الشاهد منسوخ بالقرآن، وزعم عطاء أن ~~أول من قضى به عبد الملك بن مروان. # وقال الحكم: القضاء باليمين والشاهد بدعة، وهو كله غلط، وليس في ~~قوله تعالى: { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } الآية ~~ما يرد به قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باليمين، والشاهد؛ ولا ~~أنه لا يتوصل إلى الحقوق إلا بما ذكر فيها لا غير، فإن ذلك يبطل ~~بنكول المطلوب ويمين الطالب، فإن ذلك يستحق به المال إجماعا، وليس هو ~~في الآية، مع أن الخلفاء الأربعة: قضوا بالشاهد واليمين، وقضى به ~~أبي بن كعب، ومعاوية وشريح وعمر بن عبد العزيز، وكتب به إلى ~~عماله، وإياس بن معاوية، وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو الزناد وربيعة. # قال مالك: أترى هؤلاء تنقض أحكامهم، ويحكم ببدعتهم مع ما روى ابن عباس ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: قضى بالشاهد مع اليمين. # قوله: { ولا يأب الشهدآء } مفعوله محذوف لفهم المعنى، أي: لا ~~يأبون إقامة الشهادة، وقيل: المحذوف مجرور لأن " أبى " بمعنى امتنع، ~~فيتعدى تعديته أي من إقامة الشهادة. # قوله: { إذا ما دعوا } ظرف ل " يأب " أي: لا يمتنعون في وقت ~~[دعوتهم] لأدائها، أو لإقامتها، ويجوز أن تكون [متمحضة للظرف، ويجوز ~~أن تكون] شرطية والجواب محذوف أي: إذا دعوا فلا يأبوا. # فصل # في الآية وجوه: # أحدها: أن هذا نهي للشاهد عن الامتناع عن أداء الشهادة عند ~~احتياج صاحب الحق إليها. # الثاني: أراد إذا دعوا لتحمل الشهادة على الإطلاق، وهو قول قتادة، ~~واختيار القفال، قال كما أمر الكاتب ألا يأب الكتابة، كذلك أمر ~~الشاهد ألا يأب من تحمل الشهادة، لأن كل واحد منهما يتعلق ~~بالآخر وفي عدمها ضياع الحقوق، وسماهم شهداء على معنى أنهم يكونون ~~شهداء، وهو أمر إيجاب عند بعضهم. # الثالث: المراد تحمل الشهادة إذا لم يوجد غيره، فهو مخير، وهو قول ~~الحسن. # الرابع: قال الزجاج، وهو مروي عن الحسن أيضا، وهو ms1634 قول مجاهد، ~~وعطاء، وعكرمة، وسعيد بن جبير: المراد مجموع الأمرين التحمل أولا، ~~والأداء ثانيا. # قال الشعبي: الشاهد بالخيار ما لم يشهد وقال قوم: هو أمر ندب، وهو ~~مخير في جميع الأحوال. قال القرطبي: قد يؤخذ من هذه الآية دليل على ~~أنه يجوز للإمام أن يقيم للناس شهودا، ويجعل لهم من بيت المال ~~كفايتهم، فلا يكون لهم شغل إلا تحمل حفظ حقوق الناس، وإن لم يكن ~~ذلك؛ ضاعت الحقوق وبطلت. # فصل # قال القرطبي: دلت هذه الآية على أن الشاهد يمشي إلى الحكم، وهذا ~~أمر بني الشرع عليه، وعمل به في كل مكان وزمان، وفهمته كل أمة. # وإذا ثبت هذا فالعبد خارج عن جملة الشهداء، فيخص عموم قوله: " من ~~رجالكم " لأنه لا يمكنه أن يجيب؛ لأنه لا استقلال له بنفسه، فلا ~~يصح له أن يأتي فانحط عن منصب الشهادة، كما انحط عن منصب الولاية، ~~وكما انحط عن فرض الجمعة وعن الجهاد والحج. # قوله: { ولا تسأموا } والسأم والسآمة: الملل من الشيء ~~والضجر منه. # قوله: { أن تكتبوه } مفعول به إن شئت جعلته مع الفعل مصدرا ~~تقديره: " ولا تسأموا كتابته " ، وإن شئت بنزع الخافض والناصب ~~له " تسأموا "؛ لأنه يتعدى بنفسه قال: [الطويل] # 1287- سئمت تكاليف الحياة ومن يعش # ثمانين حولا لا أبا لك يسأم # وقيل: بل يتعدى بحرف الجر، والأصل: من أن تكتبوه، فحذف حرف الجر ~~للعلم به، فيجري الخلاف المشهور في " أن " بعد حذفه، ويدل على ~~تعديه ب " من " قوله: [الكامل] # 1288- ولقد سئمت من الحياة وطولها # وسؤال هذا الناس كيف لبيد # والهاء: في " تكتبوه " يجوز أن تكون للدين في أول الآية، وأن تكون ~~للحق في قوله: { فإن كان الذي عليه الحق } ، وهو أقرب ~~مذكور، والمراد به " الدين " وقيل: يعود على الكتاب المفهوم من " ~~تكتبوه " قاله الزمخشري. # و { صغيرا أو كبيرا } حال، أي: على أي حال كان الدين قليلا ~~أو كثيرا، وعلى أي حال كان الكتاب مختصرا، أو مشبعا، وجوز ~~السجاوندي انتصابه على خبر " كان " مضمرة، وهذا لا حاجة تدعو إليه، ~~وليس من مواضع إضمارها. # وقرأ ms1635 السلمي: " ولا يسأموا أن يكتبوه " بالياء من تحت ~~فيهما. والفاعل على هذه القراءة ضمير الشهداء، ويجوز أن يكون من باب ~~الالتفات، فيعود: إما على المتعاملين وإما على الكتاب. # فصل # والمقصود من الآية الكريمة الحث على الكتابة قل المال، أو كثر، ~~فإن النزاع في المال القليل ربما أدى إلى فساد عظيم، ولجاج ~~شديد. # فإن قيل: هل تدخل الحبة والقيراط في هذا الأمر؟ # فالجواب: لا، لعدم جريان العادة به. # قوله: " إلى أجله " فيه ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنه متعلق بمحذوف، أي: أن تكتبوه مستقرا في الذمة إلى ~~أجل حلوله. # والثاني: أنه متعلق بتكتبوه، قاله أبو البقاء. ورده أبو حيان فقال: ~~" متعلق بمحذوف لا ب " تكتبوه " لعدم استمرار الكتابة إلى أجل ~~الدين، إذ ينقضي في زمن يسير، فليس نظير: سرت إلى الكوفة ". # والثالث: أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من الهاء، قاله أبو البقاء. # قوله: " ذلكم " مشار به لأقرب مذكور وهو الكتب. # وقال القفال: إليه وإلى الإشهاد. # وقيل: إلى جميع ما ذكر وهو أحسن. و " أقسط " قيل: هو من أقسط إذا ~~عدل، ولا يكون من قسط، [لأن قسط] بمعنى جار، وأقسط بمعنى عدل، فتكون ~~الهمزة للسلب، إلا أنه يلزم بناء أفعل من الرباعي، وهو شاذ. # قال الزمخشري: " فإن قلت مم بني أفعلا التفضيل - أعني أقسط ~~وأقوم؟ - قلت: يجوز على مذهب سيبويه أن يكونا مبنيين من " أقسط " ، ~~و " أقام " وأن يكون " أقسط " من قاسط على طريقة النسب بمعنى: ذي ~~قسط؛ و " أقوم " من قويم ". قال أبو حيان رحمه الله: لم ينص ~~سيبويه على أن أفعل التفضيل يبنى من " أفعل " ، إنما يؤخذ ذلك ~~بالاستدلال، فإنه نص في أوائل كتابه على أن " أفعل " للتعجب ~~يكون من فعل وفعل وفعل وأفعل، فظاهر هذا أن " أفعل " ~~للتعجب يبنى منه أفعل للتفضيل، فما جاز في التعجب جاز [في] ~~التفضيل، وما شذ فيه شذ فيه. وقد اختلف النحويون في بناء ~~التعجب، وأفعل التفضيل من أفعل على ثلاثة مذاهب: الجواز مطلقا، ~~والمنع مطلقا، والتفضيل بين أن تكون الهمزة للنقل، فيمتنع، أو لا ms1636 ~~فيجوز، وعليه يؤول الكلام، أي: كلام سيبويه، حيث قال: " إنه يبنى من ~~أفعل " ، أي: الذي همزته لغير التعدية. # ومن منع مطلقا قال: " لم يقل سيبويه، وأفعل بصيغة الماضي " إنما ~~قالها أفعل بصيغة الأمر، فالتبس على السامع، يعني: أنه يكون فعل ~~التعجب على أفعل، بناؤه من فعل، وفعل، وفعل، وعلى أفعل. ~~ولهذه المذاهب موضع هو أليق بالكلام عليها. # ونقل ابن عطية أنه مأخوذ من " قسط " بضم السين نحو: " ~~أكرم " من " كرم ". وقيل: هو من القسط بالكسر وهو العدل، وهو مصدر ~~لم يشتق منه فعل، وليس من الإقساط؛ لأن أفعل لا يبنى من " ~~الإفعال ". وهذا كله بناء منهم على أن الثلاثي بمعنى الجور ~~والرباعي بمعنى العدل. # ويحكى أن سعيد بن جبير لما سأله الظالم [الحجاج] بن يوسف: ما ~~تقول في؟ فقال: " أقول إنك قاسط عادل " ، فلم يفطن له إلا هو، ~~فقال: إنه جعلني جائرا كافرا، وتلا قوله تعالى: # وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا # [الجن:15] # ثم الذين كفروا بربهم يعدلون # [الأنعام:1]. # وأما إذا جعلناه مشتركا بين عدل، وبين جار فالأمر واضح قال ابن ~~القطاع: " قسط، قسوطا، وقسطا: جار وعدل ضد ". وحكى ابن ~~السيد في كتاب: " الاقتضاب " له عن ابن السكيت في كتاب: " ~~الأضداد " عن أبي عبيدة: " قسط: جار، وقسط، [عدل]، وأقسط ~~بالألف عدل لا غير ". وقال أبو القاسم الراغب الأصبهاني: " ~~القسط أن يأخذ قسط غيره، وذلك جور، والإقساط أن يعطي قسط غيره، ~~وذلك إنصاف، ولذلك يقول: قسط إذا جار، وأقسط إذا عدل ". # والقسط: اسم، والإقساط مصدر يقال: أقسط فلان في الحكم يقسط إقساطا، ~~إذا عدل، فهو مقسط. # قال تعالى: # إن الله يحب المقسطين # [المائدة:42] ويقال: هو قاسط إذا جار فقال تعالى: # وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا # [الجن:15] # ثم الذين كفروا بربهم يعدلون # [الأنعام:1]، وأما إذا جعلناه مشتركا بين عدل وبين جار فالأمر واضح. # قال ابن القطاع: قسط قسوطا، وقسطا: جار، وعدل ضد، ~~وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة النساء إن شاء الله تعالى. # قوله: { عند الله } ظرف منصوب ب " أقسط " ، أي في حكمه. ms1637 وقوله: ~~" وأقوم " إنما صحت الواو فيه؛ لأنه أفعل تفضيل، وأفعل ~~التفضيل يصح حملا على فعل التعجب، وصح فعل التعجب لجريانه ~~مجرى الأسماء لجموده وعدم تصرفه. # و " وأقوم " يجوز أن يكون من " أقام " الرباعي المتعدي؛ ~~لكنه حذف الهمزة الزائدة، ثم أتى بهمزة [أفعل] كقوله تعالى: # أي الحزبين أحصى # [الكهف:12] فيكون المعنى: أثبت لإقامتكم الشهادة، ويجوز أن يكون من " ~~قام " اللازم ويكون المعنى: ذلك أثبت لقيام الشهادة، وقامت الشهادة: ~~ثبتت، قاله أبو البقاء. # قوله: " للشهادة " متعلق ب " أقوم " ، وهو مفعول في ~~المعنى، واللام زائدة ولا يجوز حذفها ونصب مجرورها بعد أفعل التفضيل ~~إلا لضرورة؛ كقوله: [الطويل] # 1289-....................... # وأضرب منا بالسيوف القوانسا # وقد قيل: " إن " القوانس " منصوب بمضمر يدل عليه أفعل التفضيل، ~~هذا معنى كلام أبي حيان، وهو ماش على أن " أقوم " من أقام ~~المتعدي، وأما إذا جعلته من " قام " بمعنى ثبت فاللام غير زائدة. # قوله: { أدنى ألا ترتابوا } ، أي: أقرب، وحرف الجر ~~محذوف، فقيل: هو اللام أي: أدنى لئلا ترتابوا، وقيل هو " إلى " ~~وقيل: هو " من " ، أي: أدنى إلى ألا ترتابوا، وأدنى من ألا ترتابوا. وفي ~~تقديرهم: " من " نظر، إذ المعنى لا يساعد عليه. و " ترتابوا ": ~~تفتعلوا من الريبة، والأصل: " ترتيبوا " ، فقلبت الياء ألفا ~~لتحركها وانفتاح ما قبلها. والمفضل عليه محذوف لفهم المعنى، أي: ~~أقسط وأقوم، وأدنى لكذا من عدم الكتب، وحسن الحذف كون أفعل خبرا ~~للمبتدأ بخلاف كونه صفة، أو حالا. وقرأ السلمي: " ألا يرتابوا ~~" بياء الغيبة كقراءة: " ولا يسأموا أن يكتبوه " وتقدم ~~توجيهه. # فصل في فوائد الإشهاد والكتابة # اعلم أن الكتابة، والاستشهاد تشتمل على ثلاث فوائد: # الأولى: قوله: { أقسط عند الله } ، أي: أعدل عند الله وأقرب إلى ~~الحق. # والثانية: قوله: { أقوم للشهادة } ، أي: أبلغ في استقامته التي ~~هي ضد الاعوجاج؛ لأن المنتصب القائم ضد المنحني المعوج، وإنما كانت ~~أقوم للشهادة؛ لأنها سبب للحفظ والذكر، فكانت أقرب إلى الاستقامة. # والفرق بين الفائدة الأولى والثانية أن الأولى تتعلق بتحصيل مرضاة ~~الله، والثانية تتعلق بتحصيل مصلحة الدنيا، ولهذا قدمت الأولى عليها؛ ~~لأن تقديم مصلحة ms1638 الدين على مصلحة الدنيا واجب. # الفائدة الثالثة: قوله: { وأدنى ألا ترتابوا } يعني أقرب ~~إلى زوال الشك والارتياب عن قلوب المتداينين، فالفائدة الأولى إشارة ~~إلى تحصيل مصلحة الدين. # والثانية: إشارة إلى تحصيل مصلحة الدنيا. # والثالثة: إشارة إلى دفع الضرر عن النفس وعن الغير، أما عن ~~النفس فلأنه يبقى في الفكران، أن هذا الأمر كيف كان، وهذا الذي قلت: ~~هل كان صدقا، أو كذبا، أما عن الغير، فلأن ذلك الغير ربما نسبه ~~إلى الكذب، فيقع في عقاب الغيبة. # قوله: { إلا أن تكون تجارة } في هذا الاستثناء قولان: # أحدهما: أنه متصل قال أبو البقاء: " والجملة المستثناة في موضع ~~نصب؛ لأنه استثناء [من الجنس] لأنه أمر بالاستشهاد في كل معاملة، ~~فالمستثنى منها التجارة الحاضرة، والتقدير: إلا في حال حضور ~~التجارة ". # والثاني: أنه منقطع، قال مكي بن أبي طالب: و " أن " في موضع نصب ~~على الاستثناء المنقطع " وهذا هو الظاهر، كأنه قيل: لكن التجارة ~~الحاضرة، فإنه يجوز عدم الاستشهاد والكتب فيها. # وقرأ عاصم هنا " تجارة " بالنصب، وكذلك " حاضرة "؛ لأنها ~~صفتها، ووافقه الأخوان، والباقون قرءوا بالرفع فيهما. # فالرفع فيه وجهان: # أحدهما: أنها التامة، أي: إلا أن تحدث، أو تقع تجارة، وعلى هذا فتكون " ~~تديرونها " في محل رفع صفة لتجارة أيضا، وجاء هنا على الفصيح، حيث ~~قدم الوصف الصريح على المؤول. # والثاني: أن تكون الناقصة، واسمها " تجارة " والخبر هو الجملة من ~~قوله: " تديرونها " كأنه قيل: إلا أن تكون تجارة حاضرة مدارة، ~~وسوغ مجيء اسم كان نكرة وصفه، وهذا مذهب الفراء و [تابعه] آخرون. # وأما قراءة عاصم، فاسمها مضمر فيها، فقيل: تقديره: إلا أن تكون ~~المعاملة، أو المبايعة، أو التجارة. وقدره الزجاج إلا أن تكون ~~المداينة، وهو أحسن. وقال الفارسي: " ولا يجوز أن يكون [التداين] ~~اسم كان؛ لأن التداين معنى، والتجارة الحاضرة يراد بها العين، وحكم ~~الاسم أن يكون الخبر في المعنى، والتداين حق في ذمة المستدين، للمدين ~~المطالبة به، وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون اسم كان لاختلاف التداين، ~~والتجارة الحاضرة " وهذا الرد لا يظهر على ms1639 الزجاج، لأن التجارة ~~أيضا مصدر، فهي معنى من المعاني لا عين من الأعيان، وأيضا فإن من ~~باع ثوبا بدرهم في الذمة بشرط أن يؤدى الدرهم في هذه الساعة، كان ~~مداينة، وتجارة حاضرة. # وقال الفارسي أيضا: ولا يجوز أيضا أن يكون اسمها " الحق " ~~الذي في قوله: { فإن كان الذي عليه الحق } للمعنى الذي ~~ذكرنا في التداين، لأن ذلك الحق دين، وإذا لم يجز هذا لم يخل اسم ~~كان من أحد شيئين: # أحدهما: أن هذه الأشياء التي اقتضت من الإشهاد، والارتهان قد علم من ~~فحواها التبايع، فأضمر التبايع لدلالة الحال عليه كما أضمر لدلالة ~~الحال فيما حكى سيبويه رحمه الله: " إذا كان غدا فأتني "؛ وينشد على ~~هذا: [الطويل] # 1290- أعيني هلا تبكيان عفاقا # إذا كان طعنا بينهم وعناقا # أي: إذا كان الأمر. # والثاني: أن يكون أضمر التجارة؛ كأنه قيل: إلا أن تكون التجارة ~~تجارة؛ ومثله ما أنشده الفراء رحمه الله: [الطويل] # 1291- فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي # إذا كان يوما ذا كواكب أشهبا # وأنشد الزمخشري: [الطويل] # 1292- بني أسد هل تعلمون بلاءنا # إذا كان يوما ذا كواكب أشنعا # أي: إذا كان اليوم يوما، و " بينكم " ظرف لتديرونها. # قوله: " فليس " قال أبو البقاء: " دخلت الفاء في " فليس " ~~إيذانا بتعلق ما بعدها بما قبلها " قال شهاب الدين رحمه الله تعالى: ~~هي عاطفة هذه الجملة على الجملة من قوله: { إلا أن تكون ~~تجارة } إلى آخرها، والسببية فيها واضحة أي: بسبب عن ذلك رفع ~~الجناح في عدم الكتابة. # وقوله: " أن لا تكتبوها " أي: " في أن لا " ، فحذف حرف الجر فبقي في ~~موضع " أن " الوجهان. # فصل # التجارة عبارة عن التصرف في المال سواء كان حاضرا أو في ~~الذمة لطلب الربح، يقال: تجر الرجل يتجر تجارة، فهو تاجر. # قال النووي في " التهذيب ": " ويقال: اتجر يتجر تجرا، ~~وتجارة فهو تاجر، والجمع تجار كصاحب، وصحاب، ويقال أيضا: تجار ~~بتشديد الجيم كفاجر، وفجار ". # وقال في " المهذب " في آخر " باب زكاة الزرع " يجب العشر ~~والخراج، ولا يمنع أحدهما الآخر كأجرة المتجر، وزكاة التجارة، فالمتجر ms1640 ~~بفتح الميم، وإسكان التاء، وفتح الجيم، والمراد به المخزون وصرح به ~~صاحب " المهذب " في كتابه " الخلاف " فقال: كأجرة المخزون، وكذا ~~ذكره غيره من أصحابنا. # فصل # وسواء كانت المبايعة بدين، أو بعين، فالتجارة تجارة حاضرة فقوله: ~~{ إلا أن تكون تجارة حاضرة } لا يمكن حمله على ظاهره، بل ~~المراد من التجارة ما يتجر فيه من الأبدال، ومعنى إدارتها بينهم ~~معاملتهم فيها يدا بيد، ومعنى نفي الجناح، أي: لا مضرة عليكم في ترك ~~الكتابة، ولم يرد نفي الإثم، لأنه لو أراد الإثم؛ لكانت الكتابة ~~المذكورة واجبة عليهم، ويأثم صاحب الحق بتركها، وقد ثبت خلافه، وبيان ~~أنه لا مضرة عليهم في تركها؛ لأن التجارة الحاضرة تقع كثيرا، ~~فلو تكلفوا فيها الكتابة، والإشهاد؛ يشق عليهم، وأيضا فإن كل ~~واحد من المتعاملين إذا أخذ حقه من صاحبه في المجلس؛ لم يكن هناك خوف ~~التجاحد، فلا حاجة إلى الكتابة، والإشهاد. # قوله: " وأشهدوا ": هذا أمر إرشاد إلى طريق الاحتياط. # قال أكثر المفسرين: إن الكتابة، وإن رفعت عنهم في التجارة ~~الحاضرة؛ فلا يرفع الإشهاد؛ لأن الإشهاد بلا كتابة تخف مؤنته. # قوله: { إذا تبايعتم } يجوز أن تكون شرطية، وجوابها: إما ~~متقدم عند قوم، وإما محذوف لدلالة ما تقدم عليه تقديره: إذا ~~تبايعتم فأشهدوا، ويجوز أن تكون ظرفا محضا، أي: افعلوا الشهادة وقت ~~التبايع. # قوله: " ولا يضآر " العامة على فتح الراء جزما، ولا ناهية، ~~وفتح الفعل لما تقدم في قراءة حمزة: " إن تضل ". ثم هذا الفعل ~~يحتمل أن يكون مبنيا للفاعل، والأصل: " يضارر " بكسر الراء ~~الأولى، فيكون " كاتب " ، و " شهيد " فاعلين نهيا عن مضارة المكتوب ~~له، والمشهود له، نهي الكاتب عن زيادة حرف يبطل به حقا أو نقصانه، ونهي ~~الشاهد عن كتم الشهادة، واختاره الزجاج، ورجحه بأن الله تعالى ~~قال: { فإنه فسوق بكم } ، ولا شك أن هذا من الكاتب ~~والشاهد فسق، ولا يحسن أن يكون إبرام الكاتب والشهيد والإلحاح عليهما ~~فسقا. لأن اسم الفسق بمن يحرف الكتابة، وبمن يمتنع عن الشهادة؛ حتى ~~يبطل الحق بالكلية أولى منه بمن أضر الكاتب والشهيد؛ ms1641 ولأنه تبارك ~~وتعالى قال فيمن يمتنع عن أداء الشهادة " # ومن يكتمها فإنه آثم قلبه # [البقرة:283] والإثم والفسق متقاربان وهذا في التفسير منقول عن ابن ~~عباس - رضي الله عنه - ومجاهد وطاوس، والحسن وقتادة. ونقل الداني عن ~~ابن عمر، وابن عباس، ومجاهد، وابن أبي إسحاق أنهم قرءوا الراء الأولى ~~بالكسر، حين فكوا. # ويحتمل أن يكون الفعل فيها مبنيا للمفعول، والمعنى: أن أحدا لا ~~يضارر الكاتب ولا الشاهد، ورجح هذا بأنه لو كان النهي ~~متوجها للكاتب والشهيد لقال: " وإن تفعلا فإنه فسوق بكما " ، ~~ولأن السياق من أول الآيات إنما هو للمكتوب له والمشهود له بأن يودهما ~~ويمنعهما من مهماتها، وإذا كان خطابا للذين يقدمون على المداينة، ~~فالمنهيون عن الضرار هم، وهذا قول ابن عباس وعطاء ومجاهد وابن مسعود. ~~ونقل الداني أيضا عن ابن عمر وابن عباس ومجاهد أنهم قرءوا الراء الأولى ~~بالفتح. فالآية عندهم محتملة للوجهين ففسروا وقرءوا بهذا المعنى تارة ~~وبالآخر أخرى. # وقرأ أبو جعفر، وعمرو بن عبيد: " ولا يضار " بتشديد الراء ساكنة ~~وصلا، وفيها ضعف من حيث الجمع بين ثلاث سواكن، لكنه لما كانت الألف ~~حرف مد؛ قام مدها مقام حركة، والتقاء الساكنين مغتفر في الوقف، ~~ثم أجري الوصل مجرى الوقف في ذلك. # وقرأ عكرمة: " ولا يضارر كاتبا ولا شهيدا " بالفك، وكسر ~~الراء الأولى، والفاعل ضمير صاحب الحق، ونصب " كاتبا " ، و " ~~شهيدا " على المفعول به، أي: لا يضارر صاحب حق كاتبا ولا ~~شهيدا بأن يجبره ويبرمه بالكتابة والشهادة؛ أو بأن ~~يحمله على ما لا يجوز. # وقرأ ابن محيصن: " ولا يضار " برفع الراء، وهو نفي فيكون الخبر ~~بمعنى النهي كقوله: # فلا رفث ولا فسوق # [البقرة:197]. # وقرأ عكرمة في رواية مقسم: " ولا يضار " بكسر الراء مشددة على ~~أصل التقاء الساكنين. وقد تقدم تحقيق هذه عند قوله: # لا تضآر والدة بولدها # [البقرة:233]. # قوله: { وإن تفعلوا } ، أي: تفعلوا شيئا مما نهى الله عنه، ~~فحذف المفعول به للعلم به. والضمير في " فإنه " يعود على الامتناع، ~~أو الإضرار. و " بكم " متعلق بمحذوف، فقدره أبو البقاء: " لاحق ~~بكم ms1642 " ، وينبغي أن يقدر كونا مطلقا؛ لأنه صفة ل " فسوق " ، أي: ~~فسوق مستقر بكم، أي: ملتبس بكم ولاحق بكم. # قوله: { واتقوا الله } ، يعني: فيما حذر منه هاهنا، وهو ~~المضارة، أو يكون عاما، أي: اتقوا الله في جميع أوامره، ونواهيه. # قوله: { ويعلمكم الله } يجوز في هذه الجملة الاستئناف - وهو ~~الظاهر - ويجوز أن تكون حالا من الفاعل في " اتقوا " قال أبو البقاء: ~~" تقديره: واتقوا الله مضمونا لكم التعليم، أو الهداية، ويجوز أن تكون ~~حالا مقدرة ". قال شهاب الدين: وفي هذين الوجهين نظر، لأن المضارع ~~المثبت لا تباشره واو الحال، فإن ورد ما ظاهره ذلك يؤول، لكن لا ضرورة ~~تدعو إليه ههنا. # فصل # المعنى: يعلمكم ما يكون إرشادا، أو احتياطا في أمر الدنيا، كما ~~يعلمكم ما يكون إرشادا في أمر الدين، { والله بكل شيء ~~عليم } ، أي: عالم بجميع مصالح الدنيا، والآخرة. ### || [2.283] # قوله: { وإن كنتم على سفر }. # قال أهل اللغة (س ف ر) تركيب هذه الحروف للظهور، والكشف، والسفر هو ~~الكتاب؛ لأنه يبين الشيء ويوضحه، وسمي السفر سفرا؛ لأنه يسفر عن ~~أخلاق الرجال، أي: يكشف، أو لأنه لما خرج من الكن إلى الصحراء فقد ~~انكشف للناس؛ أو لأنه لما خرج إلى الصحراء فقد صارت أرض البيت ~~منكشفة خالية، وأسفر الصبح: إذا ظهر، وأسفرت المرأة عن وجهها: إذا ~~كشفته، وسفرت عن القوم أسفر سفارة، أي: كشفت ما في قلوبهم، وسفرت أسفر، ~~أي: كنست، والسفر: الكنس، وذلك لأنك إذا كنست، فقد أظهرت ما كان تحت ~~الغبار، والسفر من الورق ما سفر به الريح، ويقال لبقية بياض النهار ~~بعد مغيب الشمس سفر لوضوحه. # فصل في بيان وجه النظم # اعلم أنه تعالى جعل البياعات في هذه الآية على ثلاثة أقسام: # بيع بكتاب وشهود، وبيع برهن مقبوضة، وبيع بالأمانة، ولما أمر في آخر ~~الآية المتقدمة بالكتاب، والإشهاد، وأعلم أنه ربما تعذر ذلك في ~~السفر إما ألا يوجد الكاتب، أو إن وجد لكنه لا توجد آلات ~~الكتابة، ذكر نوعا آخر من الاستيثاق وهو أخذ الرهن، فهذا وجه النظم، ~~وهذا أبلغ ms1643 في الاحتياط من الكتابة والإشهاد. # قوله: { ولم تجدوا كاتبا } في هذه الجملة ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها عطف على فعل الشرط، أي: " وإن كنتم " ، " ولم ~~تجدوا " فتكون في محل جزم لعطفها على المجزوم تقديرا. # والثاني: أن تكون معطوفة على خبر " كان " ، أي: وإن كنتم لم تجدوا ~~كاتبا. # والثالث: أن تكون الواو للحال، والجملة بعدها نصب على الحال، فهي على ~~هذين الوجهين الأخيرين في محل نصب. # والعامة على " كاتبا " اسم فاعل. وقرأ أبي ومجاهد، وأبو العالية: " ~~كتابا " ، وفيه وجهان: # أحدهما: أنه مصدر أي ذا كتابة. # والثاني: أنه جمع كاتب، كصاحب وصحاب. ونقل الزمخشري هذه القراءة عن ~~أبي وابن عباس فقط، وقال: " وقال ابن عباس: أرأيت إن وجدت ~~الكاتب، ولم تجد الصحيفة والدواة ". وقرأ ابن عباس والضحاك: " ~~كتابا " على الجمع [اعتبارا] بأن كل نازلة لها كاتب. وقرأ أبو ~~العالية: " كتبا " جمع كتاب، اعتبارا بالنوازل، قال شهاب الدين: ~~قول ابن عباس: " أرأيت إن وجدت الكاتب... إلخ " ترجيح ~~للقراءة المروية عنه واستبعاد لقراءة غيره " كاتبا " ، يعني أن ~~المراد الكتاب لا الكاتب. # قوله: " فرهان " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه مرفوع بفعل محذوف، أي: فيكفي عن ذلك رهن مقبوضة. # الثاني: أنه مبتدأ والخبر محذوف، أي: فرهن مقبوضة تكفي. # الثالث: أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: فالوثيقة، أو فالقائم مقام ذلك ~~رهن مقبوضة. # وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: " فرهن " بضم الراء، والهاء، والباقون ~~" فرهان " بكسر الراء وألف بعد الهاء، روي عن ابن كثير، وأبي عمرو ~~تسكين الهاء في رواية. # فأما قراءة ابن كثير، فجمع رهن، وفعل يجمع على فعل نحو: سقف ~~وسقف. ووقع في أبي البقاء بعد قوله: " وسقف وسقف. وأسد وأسد، ~~وهو وهم " ولكنهم قالوا: إن فعلا جمع فعل قليل، وقد أورد منه ~~الأخفش ألفاظا منها: رهن ورهن، ولحد القبر، ولحد، وقلب ~~النخلة، وقلب، ورجل ثط وقوم ثط، وفرس ورد، وخيل ورد، ~~وسهم حشر وسهام حشر. وأنشد أبو عمرو حجة لقراءته قول قعنب: ~~[البسيط] # 1293- بانت سعاد وأمسى دونها عدن # وغلقت عندها من قبلك الرهن # وقال أبو عمرو: " وإنما ms1644 قرأت فرهن للفصل بين الرهان في الخيل وبين جمع ~~" رهن " في غيرها " ومعنى هذا الكلام أنما اخترت هذه القراءة على قراءة ~~" رهان "؛ لأنه لا يجوز له أن يفعل ذلك كما ذكر دون اتباع رواية. # واختار الزجاج قراءته هذه قال: " وهذه القراءة وافقت ~~المصحف، وما وافق المصحف وصح معناه، وقرأ به القراء فهو المختار ". ~~قال شهاب الدين: إن الرسم الكريم " فرهن " دون ألف بعد الهاء، مع أن ~~الزجاج يقول: " إن فعلا جمع فعل قليل " ، وحكي عن أبي عمرو ~~أنه قال: " لا أعرف الرهان إلا في الخيل لا غير ". وقال يونس: " ~~الرهن والرهان: عربيان، والرهن في الرهن أكثر، والرهان في ~~الخيل أكثر " وأنشدوا أيضا على رهن ورهن قوله: [الكامل] # 1294- آليت لا نعطيه من أبنائنا # رهنا فيفسدهم كمن قد أفسدا # وقيل: إن رهنا جمع رهان، ورهان جمع رهن، فهو جمع الجمع، كما ~~قالوا في ثمار جمع ثمر، وثمر جمع ثمار، وإليه ذهب الفراء وشيخه، ولكن ~~جمع الجمع غير مطرد عند سيبويه وجماهير أتباعه. # وأما قراءة الباقين " رهان " ، فرهان جمع " رهن " وفعل وفعال مطرد ~~كثير نحو: كعب، وكعاب، وكلب وكلاب، ومن سكن ضمة الهاء في " ~~رهن " فللتخفيف وهي لغة، يقولون: سقف في سقف جمع سقف. # والرهن في الأصل مصدر رهنت، يقال: رهنت زيدا ثوبا أرهنه رهنا أي: ~~دفعته إليه رهنا عنده، قال: [الوافر] # 1295- يراهنني فيرهنني بنيه # وأرهنه بني بما أقول # وأرهنت زيدا ثوبا، أي: دفعته إليه ليرهنه، ففرقوا بين فعل وأفعل. ~~وعند الفراء رهنته وأرهنته بمعنى، واحتج بقول همام السلولي: ~~[المتقارب] # 1296- فلما خشيت أظافيرهم # نجوت وأرهنتهم مالكا # وأنكر الأصمعي هذه الرواية، وقال إنما الرواية: " ~~وأرهنهم مالكا " والواو للحال؛ كقولهم: " قمت وأصك ~~عينه " وهو على إضمار مبتدأ. # وقيل: أرهن في السلعة إذا غالى فيها حتى أخذها بكثير الثمن، ~~ومنه قوله: [البسيط] # 1297- يطوي ابن سلمى بها من راكب بعدا # عيدية أرهنت فيها الدنانير # ويقال: رهنت لساني بكذا، ولا يقال فيه " أرهنت " ثم أطلق ~~الرهن على المرهون من باب إطلاق المصدر على اسم المفعول كقوله تعالى: # هذا ms1645 خلق الله # [لقمان:11]، و " درهم ضرب الأمير " ، فإذا قلت: " رهنت زيدا ~~ثوبا رهنا " فرهنا هنا مصدر فقط، وإذا قلت " رهنت زيدا رهنا ~~" فهو هنا مفعول به؛ لأن المراد به المرهون، ويحتمل أن يكون هنا " ~~رهنا " مصدرا مؤكدا أيضا، ولم يذكر المفعول الثاني اقتصارا ~~كقوله: # ولسوف يعطيك ربك # [الضحى:4]. # و " رهن " مما استغني فيه بجمع كثرته عن جمع قلته، وذلك أن ~~قياسه في القلة أفعل كفلس، وأفلس، فاستغني برهن ورهان عن أرهن. # وأصل الرهن: الثبوت والاستقرار يقال: رهن الشيء، فهو راهن إذا ~~دام واستقر، ونعمة راهنة، أي: دائمة ثابتة، وأنشد ابن السكيت: ~~[البسيط] # 1298- لا يسفيقون منها وهي راهنة # إلا بهات وإن نهلوا # ويقال: " طعام راهن " أي: مقيم دائم؛ قال: [البسيط] # 1299- الخبز واللحم لهم راهن # ....................... # أي: دائم مستقر، ومنه سمي المرهون " رهنا " لدوامه واستقراره ~~عند المرتهن. # فصل في إثبات الرهن في الحضر والسفر # جمهور الفقهاء على أن الرهن في الحضر، والسفر سواء، وفي حال ~~وجود الكاتب، وعدمه، وذهب مجاهد: إلى أن الرهن لا يجوز إلا في ~~السقر؛ لظاهر الآية، ولا عمل عليه، وإنما قيدت الآية بالسفر؛ لأن ~~الغالب في السفر عدم الكاتب؛ فهو كقوله: # فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن ~~خفتم # [النساء:101] وليس الخوف من شرط جواز القصر؛ ويدل عليه ما روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه رهن درعه عند أبي الشحم ~~اليهودي ولم يكن ذلك في سفر. # قوله: " فإن أمن " قرأ أبي فيما نقله عنه الزمخشري " أومن ~~" مبنيا للمفعول، قال الزمخشري: أي: " أمنه الناس ووصفوا ~~المديون بالأمانة والوفاء " قلت: وعلام تنتصب بعضا؟ والظاهر ~~نصبه بإسقاط الخافض على حذف مضاف، أي: فإن أومن بعضكم على متاع ~~بعض، أو على دين بعض. # وفي حرف أبي: " فإن اؤتمن " يعني: وإن كان الذي عليه الحق ~~أمينا عند صاحب الحق؛ فلم يرتهن منه شيئا؛ لحسن ظنه به. # قوله: { فليؤد الذي اؤتمن أمانته } إذا وقف على ~~الذي، وابتدىء بما بعدها قيل: " اوتمن " بهمزة مضمومة، بعدها ~~واو ساكنة، وذلك لأن أصله اؤتمن؛ مثل اقتدر ms1646 بهمزتين: الأولى ~~للوصل، والثانية فاء الكلمة، ووقعت الثانية ساكنة بعد أخرى مثلها ~~مضمومة؛ فوجب قلب الثانية لمجانس حركة الأولى، فقلت: اوتمن؛ ~~فأما في الدرج، فتذهب همزة الوصل؛ فتعود الهمزة إلى حالها؛ ~~لزوال موجب قلبها واوا، بل تقلب ياء صريحة في الوصل؛ في رواية ~~ورش. # وروي عن عاصم: " الذي اؤتمن " برفع الألف ويشير بالضمة ~~إلى الهمزة، قال ابن مجاهد: " وهذه الترجمة غلط " وروى سليم عن ~~حمزة إشمام الهمزة الضم، وفي الإشارة، والإشمام المذكورين ~~نظر. # وقرأ عاصم أيضا في شاذه: " الذي اتمن " بإدغام الياء ~~المبدلة من الهمزة في تاء الافتعال، قال الزمخشري: قياسا على: " ~~اتسر " في الافتعال من اليسر، وليس بصحيح؛ لأن الياء منقلبة ~~عن الهمزة، فهي في حكم الهمزة، واتزر عامي، وكذلك " ريا " ~~في " رؤيا ". # قال أبو حيان: وما ذكره الزمخشري فيه: أنه ليس بصحيح، ~~وأن " اتزر " عامي - يعني أنه من إحداث العامة لا أصل ~~له في اللغة - قد ذكره غيره أن بعضهم أبدل، وأدغم: " اتمن ~~واتزر " وأن ذلك لغة رديئة، وكذلك " ريا " في رؤيا، فهذا ~~التشبيه إما أن يعود على قوله: " واتزر عامي " ، فيكون ~~إدغام " ريا " عاميا، وإما أن يعود إلى قوله " فليس ~~بصحيح " أي: وكذلك إدغام " ريا " ليس بصحيح، وقد حكى الكسائي ~~الإدغام في " ريا ". # وقوله: " أمانته " يجوز أن تكون الأمانة بمعنى الشيء ~~المؤتمن عليه؛ فينتصب انتصاب المفعول به بقوله: " فليؤد " ~~ويجوز أن تكون مصدرا على أصلها، وتكون على حذف مضاف، أي: فليؤد ~~دين أمانته، ولا جائز أن تكون منصوبة على مصدر اؤتمن، والضمير ~~في " أمانته " يحتمل أن يعود على صاحب الحق، وأن يعود ~~على { الذي اؤتمن }. # فصل # هذا هو القسم الثالث من البياعات المذكورة في الآية، وهو بيع ~~الأمانة، أعني: ما لا يكون فيه كتابة، ولا شهود، ولا يكون فيه رهن. # يقال: " أمن فلان غيره " إذا لم يخف منه. # قال تعالى: # هل ءامنكم عليه إلا كمآ أمنتكم على أخيه # [يوسف:64] فقوله: { فإن أمن بعضكم بعضا } أي: لم يخف ~~خيانته وجحوده للحق { فليؤد الذي اؤتمن أمانته } ~~أي: فليؤد المديون ms1647 الذي كان أمينا، ومؤتمنا في ظن الدائن - ~~أمانته، أي: حقه، كأنه يقول: أيها المديون، أنت أمين، ~~ومؤتمن في ظن الدائن، فلا تخلف ظنه، وأد إليه أمانته، وحقه، ~~يقال: أمنته، أو ائتمنته، فهو مأمون، ومؤتمن، { ~~وليتق الله ربه } أي: يتق الله، ولا يجحد، لأن الدائن ~~لما عامله المعاملة الحسنة؛ حينئذ عول على أمانته، ولم يطالبه ~~بالوثائق من الكتابة، والإشهاد، والرهن؛ فينبغي لهذا المديون أن ~~يتقي الله، ويعامله أحسن معاملة، بأن لا ينكر الحق، ويؤديه إليه ~~عند حلول الأجل. # وقيل: إنه خطاب للمرتهن بأن يؤدي الرهن عند استيفاء المال، ~~فإنه أمانة في يده. # فصل # قال بعضهم: هذه الآية ناسخة للآيات المتقدمة الدالة على وجوب ~~الكتابة، والإشهاد، وأخذ الرهن. # واعلم أن التزام وقوع النسخ من غير دليل يلجئ إليه خطأ. [بل] ~~تلك الأوامر محمولة على الإرشاد، ورعاية الاحتياط، وهذه الآية ~~محمولة على الرخصة. # وعن ابن عباس، أنه قال: ليس في آية المداينة نسخ. # قوله: { ولا تكتموا الشهادة } وفيه وجوه: # الأول: قال القفال - رحمه الله -: إنه تعالى لما أباح ترك الكتابة ~~والإشهاد، والرهن عند اعتقاد أمانة المديون، ثم كان من الجائز أن ~~يكون المديون خائنا جاحدا للحق، وكان من الجائز أيضا أن يكون ~~بعض الناس مطلعا على أحوالهم، فهاهنا ندب الله ذلك المطلع إلى أن ~~يسعى في إحياء ذلك الحق، وأن يشهد لصاحب الحق بحقه، ومنعه من كتمان ~~الشهادة سواء عرف صاحب الحق تلك الشهادة، أم لا، وشدد فيه بأن جعله ~~آثم القلب بكتمانها. # وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: # " خير الشهود من شهد قبل أن يستشهد ". # الثاني: أن المراد من كتمان الشهادة أن ينكر العلم بتلك الواقعة، ~~ونظيره قوله تعالى: # أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل ~~أأنتم أعلم أم الله # [البقرة:140] والمراد الجحود وإنكار العلم. # الثالث: كتمان الشهادة: هو الامتناع من أدائها عند الحاجة إلى ~~إقامتها، كما تقدم في قوله: # ولا يأب الشهدآء إذا ما دعوا # [البقرة:282]؛ لأنه متى امتنع عن إقامة الشهادة صار كالمبطل لحقه، ms1648 ~~وحرمة مال المسلم كحرمة دمه، فلهذا بالغ في وعيده. # وقرأ أبو عبد الرحمن " ولا يكتموا " بياء الغيبة؛ لأن ~~قبله غيبا وهم من ذكر في قوله: " كاتب ولا شهيد ". # قوله: { فإنه آثم قلبه } في هذا الضمير وجهان: # أحدهما: أنه ضمير الشأن، والجملة بعده مفسر له. # والثاني: أنه ضمير " من " في قوله: " ومن يكتمها " وهذا هو ~~الظاهر. # وأما " آثم قلبه " ففيه أوجه: # أظهرها: أن الضمير في " إنه " ضمير " من " و " آثم " خبر " ~~إن " ، و " قلبه " فاعل ب " آثم " ، نحو قولك: " زيد ~~إنه قائم أبوه " ، وعمل اسم الفاعل هنا واضح؛ لوجود شروط ~~الإعمال، ولا يجيء هذا الوجه على القول بأن الضمير ضمير الشأن؛ ~~لأن ضمير الشأن لا يفسر إلا بجملة، واسم الفاعل مع فاعله عند ~~البصريين مفرد، والكوفيون يجيزون ذلك. # الثاني: أن يكون " آثم " خبرا مقدما، و " قلبه " مبتدأ ~~مؤخرا، والجملة خبر " إن " ، ذكره الزمخشري وأبو البقاء وغيرهما ~~وهذا لا يجوز على أصول الكوفيين؛ لأنه لا يعود عندهم الضمير ~~المرفوع على متأخر لفظا، و " آثم " قد تحمل ضميرا، لأنه وقع ~~خبرا؛ وعلى هذا الوجه: فيجوز أن تكون الهاء ضمير الشأن، وأن تكون ~~ضمير " من ". # والثالث: أن يكون " آثم " خبر " إن " ، وفيه ضمير يعود على ما ~~تعود عليه الهاء في " إنه " ، و " قلبه " بدل من ذلك الضمير ~~المستتر بدل بعض من كل. # الرابع: [أن يكون] " آثم " مبتدأ، و " قلبه " فاعل سد مسد ~~الخبر، والجملة خبر " إن " ، قاله ابن عطية، وهو لا يجوز عند ~~البصريين؛ لأنه لا يعمل عندهم اسم الفاعل، إلا إذا اعتمد على نفي، ~~أو استفهام؛ نحو: ما قائم أبواك، وهل قائم أخواك؟ وما ~~قائم قومك، وهل ضارب إخوتك؟ وإنما يجوز هذا عند ~~الفراء من الكوفيين، والأخفش من البصريين؛ إذ يجيزان: قائم ~~الزيدان، وقائم الزيدون، فكذلك في الآية الكريمة. # وقرأ ابن عبلة: " قلبه " بالنصب، نسبها إليه ابن عطية. # وفي نصبه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه بدل من اسم " إن " بدل بعض من كل، ولا محذور في ~~الفصل [بالخبر - وهو آثم - بين البدل والمبدل منه، ms1649 كما لا محذور في ~~الفصل] به بين النعت والمنعوت، نحو: زيد منطلق العاقل مع ~~أن العامل في النعت والمنعوت واحد؛ بخلاف البدل والمبدل منه؛ ~~فإن الصحيح أن العامل في البدل غير العامل في المبدل منه. # الثاني: أنه منصوب على التشبيه بالمفعول به؛ كقولك: " مررت ~~برجل حسن وجهه " ، وفي هذا الوجه خلاف مشهور: # فمذهب الكوفيين: الجواز مطلقا، أعني نظما ونثرا. ومذهب المبرد ~~المنع مطلقا، ومذهب سيبويه: منعه في النثر، وجوازه في الشعر، وأنشد ~~الكسائي على ذلك: [الرجز] # 1300- أنعتها إني من نعاتها # مدارة الأخفاف مجمراتها # غلب الرقاب وعفرنياتها # كوم الذرى وادقة سراتها # ووجه ضعفه عند سيبويه في النثر تكرار الضمير. # الثالث: أنه منصوب على التمييز حكاه مكي وغيره؛ وضعفوه بأن ~~التمييز لا يكون إلا نكرة، وهذا عند البصريين، وأما الكوفيون فلا ~~يشترطون تنكيره، ومنه عندهم: # إلا من سفه نفسه # [البقرة:130] و # بطرت معيشتها # [القصص:58]؛ وأنشدوا قوله: [الوافر] # 1301- إلى ردح من الشيزى ملاء # لباب البر يلبك بالشهاد # وقرأ ابن أبي عبلة - فيما نقل عنه الزمخشري - " أثم قلبه " ~~جعل " أثم " فعلا ماضيا مشدد العين، وفاعله مستتر فيه، و " ~~قلبه " مفعول به، أي: جعل قلبه آثما، أي: أثم هو؛ لأنه عبر ~~بالقلب عن ذاته كلها؛ لأنه أشرف عضو فيها. وهو، وإن كان بلفظ ~~الإفراد، فالمراد به الجمع، ولذلك اعتبر معناه في قراءة أبي عبد ~~الرحمن، فجمع في قوله: " ولا يكتموا ". # وقد اشتملت هذه الآيات على أنواع من البديع: منها: التجنيس المغاير ~~في " تداينتم بدين " ، ونظائره، والمماثل في قوله: { ولا ~~تكتموا الشهادة ومن يكتمها } ، والطباق في " تضل " ~~و " تذكر " و " صغيرا وكبيرا " ، وقرأ السلمي أيضا: " ~~والله بما يعملون " بالغيبة؛ جريا على قراءته بالغيبة. # و " الآثم ": الفاجر روي أن عمر كان يعلم أعرابيا # إن شجرة الزقوم طعام الأثيم # [الدخان:43، 44] فكان يقول: " طعام اليتيم " فقال له عمر: طعام ~~الفاجر، وهذا يدل على أن الإثم يكون بمعنى الفجور. قيل: ما وعد ~~الله على شيء كإيعاده على كتمان الشهادة؛ قال: { فإنه آثم ~~قلبه } وأراد به مسخ القلب؛ نعوذ بالله من ms1650 ذلك. # وقوله: { والله بما تعملون عليم } تحذير من الإقدام على ~~الكتمان؛ لأن المكلف إذا علم أن الله تعالى لا يعزب عن ~~علمه ضمير قلبه، كان خائفا حذرا من مخالفة أمر الله تعالى. ### || [2.284] # في كيفية النظم وجوه: # الأول: قال الأصم: إنه تعالى لما جمع في هذه السورة أشياء كثيرة ~~من علم الأصول: من دلائل التوحيد، والنبوة، والمعاد، وبيان ~~الشرائع، والتكاليف؛ كالصلاة والزكاة، والصوم، والحج، ~~والقصاص، والجهاد، والحيض، والطلاق، والعدة، والصداق، ~~والخلع، والإيلاء، والرضاعة، والبيع، والربا، وكيفية ~~المداينة - ختم هذه السورة بهذه الآية على سبيل التهديد. # قال ابن الخطيب: لما كان أكمل الصفات هو العلم والقدرة عبر عن ~~كمال قدرته بقول { لله ما في السموات وما في الأرض } ~~ملكا وملكا، وعبر عن كمال علمه، وإحاطته بالكليات، ~~والجزئيات بقوله: { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو ~~تخفوه يحاسبكم به الله } ، وإذا اختص بكمال العلم، ~~والقدرة، فكل من في السموات والأرض عبيد مربوبون له، وجدوا بتخليقه، ~~وتكوينه، وهذا غاية الوعد للمطيعين، ونهاية الوعيد للمذنبين، ولهذا ختم ~~السورة بهذه. # الثاني: قال أبو مسلم: إنه تعالى لما نزل في آخر الآية المتقدمة: ~~" إنه بما تعملون عليم " ، ذكر عقيبه ما يجري مجرى الدليل ~~العقلي فقال: { لله ما في السموات وما في الأرض } ومعنى ~~هذا الملك أن هذه الأشياء لما كانت محدثة، فقد وجدت بتكوينه؛ ~~وإبداعه، ومن أتقن هذه الأفعال العجيبة الغريبة المشتملة على الحكم ~~المتكاثرة؛ والمنافع العظيمة، فلا شك أن ذلك من أعظم الأدلة ~~على كونه عالما محيطا بأجزائها. # الثالث: قال القاضي: إنه تعالى لما أمر بهذه الوثائق - أعني الكتابة، ~~والإشهاد، والرهن، وكان المقصود من الأمر بها صيانة الأموال، ~~والاحتياط في حفظها - بين تعالى أن المقصود من ذلك إنما يرجع لمنفعة ~~الخلق، لا لمنفعة تعود إليه سبحانه، فإن له ملك السموات، ~~والأرض. # الرابع: قال الشعبي، وعكرمة، ومجاهد: إنه تعالى لما نهى عن كتمان ~~الشهادة، وأوعد عليه، بين أن له ملك السموات، والأرض؛ فيجازي ~~على الكتمان، والإظهار. # فصل في بيان سبب النزول # قال مقاتل: نزلت فيمن يتولى الكافرين ms1651 من المؤمنين، يعني: وإن ~~تعلنوا ما في أنفسكم من ولاية الكفار، أو تسروه، ~~يحاسبكم به الله، كما ذكر في سورة آل عمران # لا يتخذ المؤمنون الكافرين أوليآء # [آل عمران:28]، إلى أن قال: # قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه ~~الله # [آل عمران:29]. # وذهب الأكثرون إلى أنها عامة. # فصل # روي عن ابن عباس؛ أنه قال: لما نزلت هذه الآية، # " جاء أبو بكر وعمر، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ، وناس إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم بركوا على الركب، فقالوا: يا ~~رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق؛ الصلاة، والصيام، ~~والجهاد، والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، ~~إن أحدنا ليحدث نفسه بما لا يحب أن يثبت في قلبه وإن له ~~الدنيا، فقال - صلى الله عليه وسلم -: " أتريدون أن تقولوا ~~كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ ~~بل قولوا: " سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك ~~المصير " # فلما قرأها القوم، ذلت بهم أنفسهم، فأنزل الله في إثرها # ءامن الرسول بمآ أنزل إليه من ربه ~~والمؤمنون كل ءاآمن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا ~~سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير # [البقرة:285] فمكثوا في ذلك حولا، واشتد ذلك عليهم، فأنزل الله - ~~تعالى - # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # [البقرة:286] فنسخت هذه الآية، فقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثوا به أنفسهم ~~ما لم يعملوا أو يتكلموا به ". # قال ابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر: هذه الآية منسوخة، وإليه ذهب ~~محمد بن كعب القرظي؛ ويدل عليه ما روى أبو هريرة - رضي الله ~~عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: # " إن الله تجاوز عن أمتي ما وسوست به أنفسها ~~ما لم تتكلم أو تعمل به ". # وقال آخرون: الآية من باب الخبر، والنسخ لا يتطرق إلى الأخبار، ~~إنما يرد على الأمر والنهي، وقوله: { يحاسبكم به الله } ~~خبر، وهؤلاء ذكروا في الآية وجوها: # الأول: أن الخواطر الواردة على النفس قسمان: # منها: ما يعزم ms1652 على فعله وإيجاده، فيكون مؤاخذا به؛ لقوله - تعالى -: # لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن ~~يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم # [البقرة:225]، وقال بعد هذه الآية: # لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت # [البقرة:286]، وقال: # إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين ~~ءامنوا لهم عذاب أليم # [النور:19]. # ومنها: ما يخطر بالبال مع أن الإنسان يكرهها ولا يمكنه دفعها، ~~فهذا لا يؤاخذ به. # الثاني: أن كل ما كان في القلب مما لا يدخل في العمل؛ فإنه في ~~محل العفو. # وقوله: { إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } ~~فالمراد منه أن يوجد ذلك العمل، إما ظاهرا وإما خفية، وأما ما ~~يوجد في القلب من العزائم والإرادات، ولم تتصل بعمل، فذلك في ~~محل العفو. # قال ابن الخطيب: وهذا ضعيف؛ لأن أكثر المؤاخذات إنما تكون بأفعال ~~القلوب؛ ألا ترى أن اعتقاد الكفر والبدع إلا من أعمال ~~القلوب، وأعظم أنواع العقاب مترتب عليه. # وأيضا: فأفعال الجوارح إذا خلت عن أفعال القلوب، لا يترتب عليها ~~عقاب؛ كأفعال النائم والساهي. # الثالث: قال الحسن: كل من أسر عملا أو أعلنه من حركة من ~~جوارحه، أو همة في قلبه، إلا يخبره الله به ويحاسبه عليه، ثم ~~يغفر ما يشاء ويعذب من يشاء؛ لأن الله - تعالى - أثبت للقلب ~~كسبا؛ فقال: # ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم # [البقرة:225]. # الرابع: أن الله - تعالى - يحاسب خلقه بجميع ما أبدوا من أعمالهم ~~أو أخفوه، ويعاقبهم عليه، غير أن معاقبته على ما أخفوه مما ~~يعملوه هو ما يحدث لهم في الدنيا من الهم والغم والمصائب، ~~والأمور التي يحزنزن عليها. # روى الضحاك # " عن عائشة - رضي الله عنها -: قالت: سألت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ما حدث العبد به نفسه من شر كانت محاسبة الله - تعالى - ~~عليه، فقال: يا عائشة، هذه معاتبة الله - عز وجل - العبد بما ~~يصيبه من الحمى والنكبة، حتى الشوكة والبضاعة يضعها في ~~كمه فيفقدها فيروع لها فيجدها في ضبنه حتى إن المؤمن ~~ليخرج من ذنوبه؛ كما يخرج التبر الأحمر من الكير. " # وعن أنس بن مالك، ms1653 عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في ~~الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عليه ~~بذنبه حتى يوافيه به يوم القيامة ". # فإن قيل: كيف تحصل المؤاخذة في الدنيا مع قوله: # اليوم تجزى كل نفس بما كسبت # [غافر:17]. # قلنا: هذا خاص، فيقدم على ذلك العام. # الخامس: أنه - تعالى - قال: " يحاسبكم " ولم يقل " يؤاخذكم ~~" وقد ذكرنا في معنى كونه حسيبا ومحاسبا وجوها كثيرة، ومن جملتها ~~كونه عالما بها، فيرجع معنى الآية إلى كونه عالما بكل ما في ~~الضمائر والسرائر. # والمراد من المحاسبة: الإخبار والتعريف. # ومعنى الآية: وإن تبدوا مافي أنفسكم فتعملوا به أو ~~تخفوه مما أضمرتم ونويتم، يحاسبكم به الله، ويخبركم به، ويعرفكم ~~إياه ثم يغفر للمؤمنين إظهارا لفضله، ويعذب الكافرين إظهارا ~~لعدله. # وهذا معنى قول الضحاك، ويروى عن ابن عباس - رضي الله عنهما -؛ ~~يدل عليه أنه قال: { يحاسبكم به الله } ولم يقل: " ~~يؤاخذكم " ، والمحاسبة غير المؤاخذة. # وروي عن ابن عباس أنه - تعالى - إذا جمع الخلائق يخبرهم بما كان ~~في نفوسهم، فالمؤمن يخبره ويعفو عنه، وأهل الذنوب يخبرهم بما ~~أخفوا من التكذيب والذنب روى صفوان بن محرز قال: كنت آخذا بيد ~~عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - فأتاه رجل، فقال: كيف سمعت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في النجوى؟ قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: # " إن الله يدني المؤمن يوم القيامة حتى يضع ~~عليه كنفه يستره من الناس، فيقول: أي عبدي، ~~أتعرف ذنب كذا وكذا؟ فيقول: نعم أي رب، ثم يقول: أي ~~رب، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه ~~قد هلك، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا وقد غفرتها ~~اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته [بيمينه]، وأما ~~الكافر والمنافق فيقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا ~~على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين ". # السادس: أنه - تعالى - قال: { فيغفر لمن يشآء ويعذب من ~~يشآء } فيكون الغفران لمن كان كارها لورود تلك الخواطر، ~~والعذاب إن كان مصرا على ms1654 تلك الخواطر مستحسنا لها. # السابع: المراد كتمان الشهادة؛ وهذا ضعيف، لعموم اللفظ. # قوله تعالى: " فيغفر ": قرأ ابن عامر وعاصم برفع " يغفر " و " ~~يعذب " ، والباقون من السبعة بالجزم، وقرأ ابن عباس والأعرج وأبو ~~حيوة: " فيغفر " بالنصب. # فأما الرفع: فيجوز أن يكون رفعه على الاستئناف، وفيه احتمالان: # أحدهما: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: فهو يغفر. # والثاني: أن هذه جملة فعلية من فعل وفاعل، عطفت على ما قبلها. # وأما الجزم فللعطف على الجزاء المجزوم. # وأما النصب: فبإضمار " أن " ، وتكون هي وما في حيزها بتأويل ~~مصدر معطوف على المصدر المتوهم من الفعل قبل ذلك، تقديره: تكن ~~محاسبة، فغفران، وعذاب. وقد روي قول النابغة بالأوجه الثلاثة، وهو: ~~[الوافر] # 1302 - فإن يهلك أبو قابوس يهلك # ربيع الناس والبلد الحرام # ونأخذ بعده بذناب عيش # أجب الظهر ليس له سنام # بجزم: " نأخذ " عطفا على " يهلك ربيع " ونصبه ورفعه، على ~~ما ذكر في " فيغفر " وهذه [قاعدة مطردة، وهي أنه إذا وقع بعد ~~جزاء الشرط فعل بعد فاء أو واو جاز فيه هذه] الأوجه الثلاثة، وإن ~~توسط بين الشرط والجزاء، جاز جزمه ونصبه وامتنع رفعه، نحو: إن ~~تأتني فتزرني أو فتزورني، أو وتزرني أو ~~تزورني. # وقرأ الجعفي وطلحة بن مصرف وخلاد: " يغفر " بإسقاط الفاء، وهي ~~كذلك في مصحف عبد الله، وهي بدل من الجواب؛ كقوله تعالى: # ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب # [الفرقان:68-69]. وقال أبو الفتح: " وهي على البدل من " يحاسبكم " ~~، فهي تفسير للمحاسبة " قال أبو حيان: " وليس بتفسير، بل هما ~~مترتبان على المحاسبة ". وقال الزمخشري: " ومعنى هذا البدل ~~التفصيل لجملة، الحساب؛ لأن التفصيل أوضح من المفصل، فهو جار ~~مجرى بدل البعض من الكل أو بدل الاشتمال؛ كقولك: " ضربت زيدا ~~رأسه " و " أحييت زيدا عقله " ، وهذا البدل واقع في ~~الأفعال وقوعه في الأسماء؛ لحاجة القبلتين إلى البيان ". # قال أبو حيان: وفيه بعض مناقشة: أما الأول؛ فقوله: " معنى هذا ~~البدل التفصيل لجملة الحساب " ، ولس العذاب والغفران تفصيلا ~~لجملة الحساب؛ لأن الحساب إنما هو تعداد حسناته وسيئاته ~~وحصرها، بحيث ms1655 لا يشذ شيء منها، والغفران والعذاب مترتبان على ~~المحاسبة، فليست المحاسبة مفصلة بالغفران والعذاب. وأما ~~ثانيا؛ فلقوله بعد أن ذكر بدل البعض من الكل وبدل الاشتمال: " وهذا ~~البدل واقع في الأفعال وقوعه في الأسماء لحاجة القبيلين إلى ~~البيان " ، أما بدل الاشتمال، فهو يمكن، وقد جاء؛ لأن الفعل ~~يدل على الجنس، وتحته أنواع يشتمل عليها، ولذلك إذا وقع عليه ~~النفي، انتفت جميع أنواعه، وأما بدل البعض من الكل، فلا يمكن ~~في الفعل إذ الفعل لا يقبل التجزؤ؛ فلا يقال في الفعل له كل ~~وبعض، إلا بمجاز بعيد، فليس كالاسم في ذلك، ولذلك يستحيل وجود ~~[بدل] البعض من الكل في حق الله تعالى؛ إذ الباري لا يتقسم ولا ~~يتبعض. # قال شهاب الدين: ولا أدري ما المانع من كون المغفرة والعذاب تفسيرا، ~~أو تفصيلا للحساب، والحساب نتيجته ذلك، وعبارة الزمخشري هي بمعنى ~~عبارة ابن جني، وأما قوله: " إن بدل البعض من الكل في الفعل ~~متعذر، إذ لا يتحقق فيه تجزؤ " ، فليس بظاهر؛ لأن الكلية ~~والبعضية صادقتان على الجنس ونوعه، فإن الجنس كل، والنوع بعض، ~~وأما قياسه على الباري تعالى، فلا أدري ما الجامع بينهما؟ وكان في ~~كلام الزمخشري ما هو أولى بالاعتراض عليه. فإنه قال: وقرأ الأعمش: " ~~يغفر " بغير فاء مجزوما على البدل من " يحاسبكم "؛ كقوله: ~~[الطويل] # 1303- متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا # تجد حطبا جزلا ونارا تأججا # وهذا فيه نظر؛ لأنه لا يطابق ما ذكره بعد ذلك؛ كما تقدم حكايته عنه؛ ~~لأن البيت قد أبدل فيه من فعل الشرط، لا من جوابه، والآية الكريمة ~~قد أبدل فيها من نفس الجواب، ولكن الجامع بينهما كون الثاني ~~بدلا مما قبله وبيانا له. # وقرأ أبو عمرو بإدغام الراء في اللام، والباقون بإظهارها، وأظهر الباء ~~قبل الميم هنا ابن كثير بخلاف [عنه]، وورش عن نافع، والباقون ~~بالإدغام، وقد طعن قوم على قراءة أبي عمرو؛ لأن إدغام الراء في ~~اللام عندهم ضعيف. # قال الزمخشري: " فإن قلت: " كيف يقرأ الجازم "؟ قلت: يظهر ~~الراء، ويدغم الباء، ومدغم الراء في ms1656 اللام لاحن مخطىء خطأ ~~فاحشا، وراويه عن أبي عمرو مخطىء مرتين؛ لأنه يلحن وينسب إلى ~~أعلم الناس بالعربية ما يؤذن بجهل عظيم، والسبب في هذه الروايات ~~قلة ضبط الرواة، وسبب قلة الضبط قلة الدراية، ولا يضبط نحو ~~هذا إلا أهل النحو " قال شهاب الدين. وهذا من أبي القاسم غير مرضي؛ ~~إذ القراء معتنون بهذا الشأن؛ لأنهم تلقوا عن شيوخهم الحرف [بعد ~~الحرف]، فكيف يقل ضبطهم؟ وهو أمر يدرك بالحس السمعي، ~~والمانع من إدغام الراء في اللام والنون هو تكرير الراء وقوتها، ~~والأقوى لا يدغم في الأضعف، وهذا مذهب البصريين: الخليل وسيبويه ~~ومن تبعهما، وأجاز ذلك الفراء والكسائي والرؤاسي ويعقوب ~~الحضرمي ورأس البصريين أبو عمرو، وليس قوله: " إن هذه الرواية غلط ~~عليه " بمسلم، ثم ذكر أبو حيان نقولا عن القراء كثيرة، وهي ~~منصوصة في كتبهم، فلم أر لذكرها هنا فائدة؛ فإن مجموعها ملخص ~~فيما ذكرته، [وكيف] يقال: إن الراوي ذلك عن أبي عمرو مخطىء مرتين، ومن ~~جملة رواته اليزيدي إمام النحو واللغة، وكان ينازع الكسائي ~~رئاسته، ومحله مشهور بين أهل هذا الشأن. # روى طاوس عن ابن عباس: " فيغفر لمن يشاء " الذنب ~~العظيم " ويعذب من يشاء على الذنب الصغير، لا ~~يسأل عما يفعل وهم يسألون، والله على كل شيء ~~قدير ". # قوله: { والله على كل شيء قدير } قد بين بقوله تعالى: { ~~لله ما في السموات وما في الأرض } أنه كامل الملك ~~والملكوت، وبين بقوله: { إن تبدوا ما في أنفسكم أو ~~تخفوه يحاسبكم به الله } أنه كامل العلم والإحاطة، ثم ~~بين بقوله: { والله على كل شيء قدير } أنه كامل ~~القدرة، مستول على كل الممكنات بالقهر والقدرة والتكوين ~~والإعدام، ومن كان موصوفا بهذه الصفات، يجب على كل عاقل أن ~~يكون عبدا له منقادا خاضعا لأوامره ونواهيه. ### || [2.285] # في كيفية النظم وجوه: # الأول: لما بين في الآية المتقدمة كمال الملك والعلم والقدرة ~~له - تعالى -، وأن ذلك يوجب كمال صفة الربوبية، أتبع ذلك ببيان ~~كون المؤمن في نهاية الانقياد والطاعة والخضوع لله - تعالى -، وذلك ~~هو كمال العبودية. ms1657 # الثاني: أنه - تعالى - لما قال: # إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به ~~الله # [البقرة:284] وبين أنه لا يخفى عليه من سرنا وجهرنا شيء ألبتة، ~~ذكر عقيب ذلك ما يجري مجرى المدح لنا؛ فقال: { ءامن ~~الرسول بمآ أنزل إليه من ربه والمؤمنون } ~~كأنه بفضله يقول: عبدي، أنا وإن كنت أعلم جميع أحوالك، فلا ~~أذكر منها إلا ما يكون مدحا لك، حتى تعلم أني الكامل في ~~العلم والقدرة، فأنا كامل في الجود والرحمة، وفي إظهار ~~الحسنات، وفي الستر على السيئات. # الثالث: أنه بدأ السورة بمدح المتقين # الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلوة ومما ~~رزقناهم ينفقون # [البقرة:3] بين في آخر السورة أن الذين مدحهم في أول ~~السورة هم أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - فقال: { ~~والمؤمنون كل ءامن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله لا نفرق بين أحد من رسله } وهذا هو المراد ~~بقوله في أول السورة: # يؤمنون بالغيب # [البقرة:3]، ثم قال ههنا { وقالوا سمعنا وأطعنا } ~~[البقرة:285]. وهو المراد بقوله في أول السورة: # ويقيمون الصلوة ومما رزقناهم ينفقون # [البقرة:3]، ثم قال ههنا { غفرانك ربنا وإليك ~~المصير } وهو المراد بقوله أول السورة: # وبالآخرة هم يوقنون # [البقرة:4] ثم حكى عنهم ههنا كيفية تضرعهم في قولهم: # ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا ربنا ~~ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته على الذين من ~~قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ~~واعف عنا واغفر لنا وارحمنآ... # [البقرة:286] إلى آخر السورة، وهو المراد بقوله أول السورة: # أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم ~~المفلحون # [البقرة:5]. # فصل في بيان سبب النزول # قال القرطبي: سبب نزول هذه الآية: الآية التي قبلها، وهو قوله: # وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم ~~به الله # [البقرة:284] # " فإنه لما نزل هذا على النبي صلى الله عليه وسلم اشتد ذلك على ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتوا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ثم بركوا على الركب، فقالوا: أي رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إذ كلفنا من الأعمال ما نطيق؛ ms1658 الصلاة ~~والصيام والجهاد، وقد أنزل عليك هذه الآية ولا نطيقها، فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أتريدون أن تقولوا كما ~~قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا، بل ~~قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ~~" فلما قرأها القوم وذلت بها أنفسهم، أنزل الله في إثرها ~~{ ءامن الرسول بمآ أنزل إليه من ربه } إلى قوله: ~~{ غفرانك ربنا وإليك المصير } فلما فعلوا ذلك، نسخها ~~الله، فأنزل الله { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ~~لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } [البقرة:286] قال: ~~نعم، { ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته ~~على الذين من قبلنا } قال: نعم { ربنا ولا تحملنا ~~ما لا طاقة لنا به } قال: نعم { واغفر لنا وارحمنآ ~~أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين } قال: نعم ~~" # أخرجه مسلم، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - # فصل # معنى قوله: { ءامن الرسول بمآ أنزل إليه من ربه ~~}: أنه عرف بالدلائل القاهرة؛ أن هذا القرآن وجملة ما فيه من ~~الشرائع والأحكام منزل من عند الله - تعالى -، وليس من إلقاء ~~الشياطين ولا السحر والكهانة، بل بما ظهر من المعجزات على يد ~~جبريل - عليه الصلاة والسلام -. # وقوله: { والمؤمنون } فيه احتمالان: # أحدهما: أنه يتم الكلام عند قوله - تعالى - { والمؤمنون ~~} ، فيكون المعنى: آمن الرسول والمؤمنون بما أنزل إليهم ~~من ربهم، ثم ابتدأ [بعد] ذلك بقوله: { كل ءامن بالله } ~~والمعنى: كل أحد من المذكورين وهم الرسول والمؤمنون آمن ~~بالله. # والاحتمال الثاني: أن يتم الكلام عند قوله: { بمآ أنزل ~~إليه من ربه } ثم يبتدىء { المؤمنون كل آمن ~~بالله } ويكون المعنى: أن الرسول آمن بكل ما أنزل إليه من ~~ربه، وأما المؤمنون فإنهم آمنوا بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله. # فالوجه الأول يشعر بأنه - عليه السلام - ما كان مؤمنا بربه، ثم ~~صار مؤمنا به، ويحتمل عدم الإيمان إلى وقت الاستدلال. # وعلى الوجه الثاني يشعر اللفظ بأن الذي حدث هو إيمانه ~~بالشرائع التي نزلت عليه؛ كما قال - تعالى - # ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان # [الشورى:52] فأما الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~على الإجمال، فقد ms1659 كان حاصلا منذ خلق من أول الأمر، وكيف ~~يستبعد ذلك مع أن عيسى - عليه الصلاة والسلام - حين انفصل ~~عن أمه، قال # إني عبد الله ءاتاني الكتاب # [مريم:30] فإذا لم يبعد أن يكون عيسى رسولا من عند الله حين كان ~~طفلا، فكيف يستبعد أن يقال: إن محمدا كان عارفا بربه من أول ~~[ما] خلق كامل العقل. # فصل # دلت الآية على أن الرسول آمن بما أنزل إليه من ربه، ~~والمؤمنون آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله، وإنما ~~خص الرسول - عليه الصلاة والسلام - بذلك؛ لأن الذي أنزل ~~إليه من ربه قد يكون كلاما متلوا يسمعه الغير ويعرفه، ~~فيمكنه أن يؤمن به، وقد يكون وحيا لا يعلمه سواه فيكون - عليه ~~الصلاة والسلام - مختصا بالإيمان به، ولا يتمكن غيره من ~~الإيمان به، فلهذا السبب كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~مختصا في باب الإيمان بما لا يمكن حصوله في غيره. # قوله تعالى: { والمؤمنون }: يجوز فيه وجهان: # أحدهما: أنه مرفوع بالفاعلية عطفا على " الرسول " - عليه الصلاة ~~والسلام - فيكون الوقف هنا، ويدل على صحة هذه قراءة علي بن ~~أبي طالب - كرم الله وجهه -: " وآمن المؤمنون " ، فأظهر ~~الفعل، ويكون قوله: " كل آمن " جملة من مبتدأ وخبر يدل على ~~أن جميع من تقدم ذكره آمن بما ذكر. # والثاني: أن يكون " المؤمنون " مبتدأ، و " كل " مبتدأ ثان، و " ~~آمن " خبر عن " كل " وهذا المبتدأ وخبره خبر الأول؛ وعلى هذا ~~فلا بد من رابط بين هذه الجملة وبين ما أخبر بها عنه، وهو محذوف، ~~تقديره: " كل منهم " وهو كقولهم: " السمن منوان ~~بدرهم " ، تقديره: منوان منه، قال الزمخشري: " والمؤمنون ~~إن عطف على الرسول، كان الضمير الذي التنوين نائب عنه في " كل " ~~راجعا إلى " الرسول " - صلى الله عليه وسلم - و " المؤمنون " ~~أي: كلهم آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله من ~~المذكورين. ووقف عليه، وإن كان مبتدأ كان الضمير للمؤمنين ". # فإن قيل: هل يجوز أن يكون " المؤمنون " مبتدأ، و " كل " ~~تأكيد له، و " آمن " [خبر هذا] المبتدأ؟ فالجواب: أن ذلك لا يجوز؛ ~~لأنهم نصوا على أن ms1660 " كلا " وأخواتها لا تقع تأكيدا للمعارف، ~~إلا مضافة لفظا لضمير الأول، ولذلك ردوا قول من قال: إن ~~كلا في قراءة من قرأ: { إنا كلا فيهآ } [غافر:48] تأكيد ~~لاسم " إن " وقرأ الأخوان هنا " وكتابه " بالإفراد، والباقون ~~بالجمع، وفي سورة التحريم [آية12] قرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم بالجمع، ~~والباقون بالإفراد، فتلخص من ذلك أن الأخوين يقرآن بالإفراد في ~~الموضعين، [وأن أبا عمرو وحفصا يقرآن بالجمع في الموضعين]، وأن ~~نافعا وابن كثير وابن عامر وأبا بكر عن عاصم قرءوا بالجمع هنا، ~~وبالإفراد في التحريم. # فأما الإفراد، فإنه يراد به الجنس، لا كتاب واحد بعينه، وعن ابن ~~عباس - رضي الله عنه -: " الكتاب أكثر من الكتب " قال الزمخشري: ~~فإن قلت: كيف يكون الواحد أكثر من الجمع؟ قلت: لأنه إذا أريد ~~بالواحد الجنس، والجنسية قائمة في وحدات الجنس كلها، لم ~~يخرج منه شيء، وأما الجمع، فلا يدخل تحته إلا ما فيه الجنسية ~~من الجموع. قال أبو حيان: " وليس كما ذكر؛ لأن الجمع متى أضيف، أو ~~دخلته الألف واللام [الجنسية]، صار عاما، ودلالة العام ~~دلالة على كل فرد فرد، فلو قال: " أعتقت عبيدي " ، لشمل ذلك ~~كل عبد له، ودلالة الجمع أظهر في العموم من الواحد، إلا ~~بقرينة لفظية، كأن يستثنى منه أو يوصف بالجمع؛ نحو: # إن الإنسان لفى خسر إلا الذين ءامنوا # [العصر:2-3] " أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم ~~البيض " أو قرينة معنوية؛ نحو: " نية المؤمن أبلغ من ~~عمله " وأقصى حاله: أن يكون مثل الجمع العام، إذا أريد به ~~العموم ". قال شهاب الدين: للناس خلاف في الجمع المحلى بأل أو ~~المضاف: هل عمومه بالنسبة إلى مراتب الجموع، أم إلى أعم من ذلك، ~~وتحقيقه في علم الأصول. وقال الفارسي: هذا الإفراد ليس كإفراد ~~المصادر، وإن أريد بها الكثير؛ كقوله تعالى: # وادعوا ثبورا كثيرا # [الفرقان:14] ولكنه كما تفرد الأسماء التي يراد بها الكثرة، ~~نحو: كثر الدينار والدرهم، ومجيئها بالألف واللام أكثر من ~~مجيئها مضافة، ومن الإضافة: # وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها # [إبراهيم:34] وفي الحديث: # " منعت العراق درهمها وقفيزها ms1661 " # يراد به الكثير، كما يراد بما فيه لام التعريف. قال أبو حيان: " ~~انتهى ملخصا، ومعناه أن المفرد المحلى بالألف واللام يعم أكثر ~~من المفرد المضاف ". # قال شهاب الدين: وليس في كلامه ما يدل على ذلك ألبتة، إنما فيه أن ~~مجيئها في الكلام معرفة بأل أكثر من مجيئها مضافة، وليس فيه ~~تعرض لكثرة عموم ولا قلته. # وقيل: المراد بالكتاب هنا القرآن؛ فيكون المراد الإفراد الحقيقي. ~~وأما الجمع، فلإرادة كل كتاب؛ إذ لا فرق بين كتاب وكتاب، ~~وأيضا؛ فإن فيه مناسبة لما قبله وما بعده من الجمع. # ومن قرأ بالتوحيد في التحريم، فإنما أراد به الإنجيل؛ كإرادة ~~القرآن هنا، ويجوز أن يراد به أيضا الجنس، وقد حمل على لفظ " ~~كل " في قوله: " آمن " فأفرد الضمير، وعلى معناه، فجمع في قوله: " ~~وقالوا سمعنا " ، قال الزمخشري: ووحد ضمير " كل " في " آمن ~~" على معنى: كل واحد منهم آمن، وكان يجوز أن يجمع؛ كقوله ~~تعالى: # وكل أتوه داخرين # [النمل:87]. # وقرأ يحيى بن يعمر - ورويت عن نافع - " وكتبه ورسله " بإسكان ~~العين فيهما، وروي عن الحسن وأبي عمرو تسكين سين " رسله ". # فصل # دلت هذه الآية الكريمة على أن معرفة هذه المراتب الأربع من ضرورات ~~الإيمان: فالمرتبة الأولى: هي الإيمان بالله - سبحانه - بأنه ~~الصانع القادر العالم بجميع المعلومات، الغني عن كل الحاجات. # والمرتبة الثانية: الإيمان بالملائكة؛ لأنه - سبحانه - إنما ~~يوحي إلى الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بواسطة الملائكة، ~~قال: # ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشآء ~~من عباده # [النحل:2]، وقال: # فيوحي بإذنه ما يشآء # [الشورى:51] وقال: # نزل به الروح الأمين على قلبك # [الشعراء:193-194]، وقال: # علمه شديد القوى # [النجم:5]، وإذا ثبت أن وحي الله إنما يصل إلى البشر بواسطة ~~الملائكة، فالملائكة واسطة بين الله وبين البشر؛ فلهذا السبب ذكر ~~الملائكة في المرتبة الثانية، ولهذا قال: # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملآئكة ~~وأولوا العلم قآئما بالقسط # [آل عمران:18]. # والمرتبة الثالثة: الكتب؛ وهو الوحي الذي يتلقاه الملك من الله ~~- تعالى -، ويوصله إلى البشر، فلما كان الوحي هو الذي ~~يتلقاه الملك ms1662 من الله؛ فلهذا السبب جعل في المرتبة الثالثة. # المرتبة الرابعة: الرسل؛ وهم الذين يأخذون الوحي من الملائكة، ~~فيكونون متأخرين عن الكتب؛ فلهذا جعلوا في المرتبة الرابعة. # قوله: " لا نفرق " هذه الجملة منصوبة بقول محذوف، تقديره: " ~~يقولون: لا نفرق " ، ويجوز أن يكون التقدير: " يقول " يعني يجوز ~~أن يراعى لفظ " كل " تارة، ومعناها أخرى في ذلك القول المقدر، فمن ~~قدر " يقولون " ، راعى معناها ومن قدر " يقول " ، راعى لفظها، ~~وهذا القول المضمر في محل نصب على الحال، ويجوز أن يكون في محل ~~رفع؛ لأنه خبر بعد خبر، قاله الحوفي. # والعامة على " لا نفرق " بنون الجمع. # وقرأ ابن جبير وابن يعمر وأبو زرعة ويعقوب - ورويت عن أبي عمرو أيضا - ~~" لا يفرق " بياء الغيبة؛ حملا على لفظ " كل " ، وروى هارون أن ~~في مصحف عبد الله " لا يفرقون " بالجمع؛ حملا على معنى " كل "؛ ~~وعلى هاتين القراءتين، فلا حاجة إلى إضمار قول، بل الجملة المنفية ~~بنفسها: إما في محل نصب على الحال، وإما في محل رفع خبرا ~~ثانيا؛ كما تقدم في ذلك القول المضمر. # قوله: " بين أحد " متعلق بالتفريق، وأضيف " بين " إلى أحد، ~~وهو مفرد، وإن كان يقتضي إضافته إلى متعدد؛ نحو: " بين الزيدين ~~" أو " بين زيد وعمرو " ، ولا يجوز " بين زيد " ، ويسكت ~~- إما لأن " أحدا " في معنى العموم، وهو " أحد " الذي لا يستعمل ~~إلا في الجحد، ويراد به العموم؛ فكأنه قيل: لا نفرق بين الجميع من ~~الرسل، قال الزمخشري: كقوله: # فما منكم من أحد عنه حاجزين # [الحاقة:47]، ولذلك دخل عليه " بين " وقال الواحدي: و " بين " ~~تقتضي شيئين فصاعدا، وإنما جاز ذلك مع " أحد " ، وهو واحد في اللفظ؛ ~~لأن " أحدا " يجوز أن يؤدى عن الجميع؛ قال الله تعالى: # فما منكم من أحد عنه حاجزين # [الحاقة:47] وفي الحديث: # " ما أحلت الغنائم لأحد سود الرءوس غيركم " # ، يعني: فوصفه بالجمع؛ لأن المراد به جمع، قال: وإنما جاز ذلك؛ ~~لأن " أحدا " ليس كرجل يجوز أن يثنى ويجمع، وقولك: " ما ~~يفعل هذا أحد " ، تريد ما يفعله الناس كلهم، فلما كان " أحد ~~" يؤدى ms1663 عن الجميع، جاز أن يستعمل معه لفظ " بين " ، وإن كان لا يجوز ~~أن تقول: " لا نفرق بين رجل منهم ". # قال شهاب الدين: وقد رد بعضهم هذا التأويل؛ فقال: وقيل إن " ~~أحدا " بمعنى " جميع " ، والتقدير: " بين جميع رسله " ويبعد ~~عندي هذا التقدير، لأنه لا ينافي كونهم مفرقين بين بعض الرسل، والمقصود ~~بالنفي هو هذا؛ لأن اليهود والنصارى ما كانوا يفرقون بين كل الرسل، بل ~~البعض، وهو محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ فثبت أن التأويل الذي ذكروه ~~باطل، بل معنى الآية: لا نفرق بين أحد من رسله، وبين غيره في ~~النبوة. # فصل # قال شهاب الدين: وهذا وإن كان في نفسه صحيحا، إلا أن القائلين بكون " ~~أحد " بمعنى " جميع " ، وإنما يريدون في العموم المصحح لإضافة " ~~بين " إليه؛ ولذلك ينظرونه بقوله تعالى: # فما منكم من أحد # [الحاقة:47]، وبقوله: [الرجز] # 1304- إذا أمور الناس ديكت دوكا # لا يرهبون أحدا رأوكا # فقال: " رأوك "؛ اعتبارا بمعنى الجميع المفهوم من " أحد ". # وإما لأن ثم معطوفا محذوفا؛ لدلالة المعنى عليه، والتقدير: " لا ~~نفرق بين أحد من رسله، وبين أحد " وعلى هذا: فأحد ~~هنا ليس الملازم للجحد، ولا همزته أصلية، بل هو " أحد " الذي بمعنى ~~واحد، وهمزته بدل من الواو، وحذف المعطوف كثير جدا، نحو: # سرابيل تقيكم الحر # [النحل:81] أي: والبرد، وقوله: [الطويل] # 1305- فما كان بين الخير لو جاء سالما # أبو حجر إلا ليال قلائل # أي: بين الخير وبيني. # و " من رسله " في محل جر؛ لأنه صفة ل " أحد " ، و " ~~قالوا " عطف على " آمن " ، وقد تقدم أنه حمل على معنى " كل ". # فصل # قال الواحدي - رحمه الله -: قوله: " سمعنا وأطعنا " أي: ~~سمعنا قوله، وأطعنا أمره، إلا أنه حذف المفعول. # قال ابن الخطيب: وحذف المفعول في هذا الباب ظاهرا وتقديرا، أولى؛ ~~لأنك إذا جعلت التقدير: سمعنا قوله وأطعنا أمره، أفاد أن ههنا قول ~~آخر غير قوله، وأمر آخر يطاع سوى أمره، فأما إذا لم يقدر فيه ذلك ~~المفعول، أفاد أنه ليس في الوجود قول يجب سمعه إلا قوله، وليس في ~~الوجود أمر يقال ms1664 في مقابلته أطعنا إلا أمره، فكان حذف المفعول صورة ~~ومعنى في هذا الموضع أولى. # فصل # لما وصفهم بقوله: " سمعنا وأطعنا " ، علمنا أنه ليس المراد منه ~~السماع الظاهر؛ لأن ذلك لا يفيد المدح، بل المراد: عقلناه وعلمنا ~~صحته، وتيقنا أن كل تكليف ورد على لسان الملائكة والأنبياء - عليهم ~~السلام - إلينا، فهو حق صحيح واجب قبوله وسمعه، والسمع بمعنى ~~القبول والفهم وارد في القرآن؛ قال تعالى: # إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى ~~السمع وهو شهيد # [ق:37]، والمعنى: لمن سمع الذكرى بفهم حاضر، وعكسه قوله تعالى: # كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا # [لقمان:7]، وقولهم بعد ذلك: " وأطعنا " فدل على أنهم ما ~~أخلوا بشيء من التكاليف، فجمع تعالى بهذين اللفظين كل ما ~~يتعلق بأحوال التكاليف علما وعملا. # قوله: " غفرانك " منصوب: إما على المصدرية، قال الزمخشري: " ~~منصوب بإضمار فعله، يقال: " غفرانك، لا كفرانك " أي: نستغفرك ~~ولا نكفرك، فقدره جملة خبرية، وهذا ليس مذهب سيبويه - رحمه الله -، ~~إنما مذهبه تقدير ذلك بجملة طلبية؛ كأنه قيل: " اغفر غفرانك " ~~ويستغنى بالمصدر عن الفعل نحو: " سقيا ورعيا " ونقل ابن عطية هذا ~~قولا عن الزجاج، والظاهر أن هذا من المصادر اللازم إضمار عاملها؛ ~~لنيابتها عنه، وقد اضطرب فيها كلام ابن عصفور، فعدها تارة مع ما يلزم ~~فيه إضمار الناصب؛ نحو: " سبحان الله، [وريحانه " ]، و " ~~غفرانك لا كفرانك " ، وتارة مع ما يجوز إظهار عامله، والطلب ~~في هذا الباب أكثر، وقد تقدم في أول الفاتحة نحو من هذا. # وقال الفراء: هو مصدر وقع موقع الأمر، فنصب وهو أولى من قول من يقول: ~~" نسألك غفرانك " لأن هذه الصيغة لما كانت موضوعة لهذا المعنى، ~~فقد كانت أدل عليه؛ ونظيره: حمدا وشكرا، أي: أحمد حمدا وأشكر ~~شكرا. # فإن قيل: إن القوم لما قبلوا التكاليف، وعملوا بها، فأي حاجة لهم ~~إلى طلب المغفرة؟ فالجواب من وجهين: # الأول: أنهم وإن بذلوا جهدهم في أداء التكاليف، فهم خائفون من صدور ~~تقصير، فلما جوزوا ذلك، طلبوا المغفرة للخوف من التقصير. # الثاني: قال - صلى الله ms1665 عليه وسلم - # " [إنه ليغان] على قلبي، حتى أني أستغفر الله ~~في اليوم والليلة سبعين مرة " # ، وذكروا لهذا الحديث تأويلات؛ من جملتها: أنه - صلى الله عليه وسلم - ~~كان يترقى في جملة العبودية، فكان كلما ترقى عن مقام إلى مقام ~~أعلى من الأول، رأى الأول حقيرا، فيستغفر الله منه؛ فكذلك طلب ~~الغفران في هذه الآية. والمصير: اسم مصدر من صار يصير: أي: رجع، وقد ~~تقدم في قوله: # المحيض # [البقرة:222] أن في المفعل من الفعل المتعل [العين] بالياء ثلاثة ~~مذاهب، وهي: جريانه مجرى الصحيح، فيبنى اسم المصدر منه على مفعل بالفتح، ~~والزمان والمكان بالكسر، نحو: ضرب يضرب مضربا، أو يكسر ~~مطلقا، أو يقتصر فيه على السماع، فلا يتعدى، وهو أعدلها، ويطلق ~~المصير على المعى، ويجمع على مصران، كرغيف ورغفان، ويجمع مصران على ~~مصارين. # فصل # في قوله - تبارك وتعالى -: { وإليك المصير } فائدتان: # إحداهما: أنهم كما أقروا بالمبدإ؛ فكذلك أقروا بالمعاد؛ لأن ~~الإيمان بالمبدإ أصل الإيمان بالمعاد. # والثانية: أن العبد متى علم أنه لا بد من المصير إليه، والذهاب إلى ~~حيث لا حكم إلا حكم الله - تعالى -، ولا يستطيع أحد [أن] يشفع إلا ~~بإذن الله، كان إخلاصه في الطاعات أتم، واحترازه عن السيئات ~~أكمل. ### || [2.286] # قوله تعالى: { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما ~~كسبت وعليها ما اكتسبت }: " وسعها " مفعول ثان، ~~وقال ابن عطية: " يكلف يتعدى إلى مفعولين، أحدهما محذوف، تقديره: ~~عبادة أو شيئا ". قال أبو حيان: " إن عنى أن أصله كذا، فهو صحيح؛ ~~لأن قوله: " إلا وسعها " استثناء مفرغ من المفعول الثاني، ~~وإن عنى أنه محذوف في الصناعة، فليس كذلك، بل الثاني هو " وسعها ~~"؛ نحو: " ما أعطيت زيدا إلا درهما " ، و " ما ضربت ~~إلا زيدا " هذا في الصناعة هو المفعول، وإن كان أصله: ما أعطيت ~~زيدا شيئا إلا درهما " ، والوسع: ما يسع الإنسان، ولا يضيق ~~عليه، ولا يخرج منه. # قال الفراء: هو اسم كالوجد والجهد. # وقال بعضهم: الوسع هو دون المجهود في المشقة، وهو ما يتسع له قدرة ~~الإنسان. # وقرأ ابن أبي عبلة: ms1666 " إلا وسعها " جعله فعلا ماضيا، وخرجوا هذه ~~القراءة على أن الفعل فيها صلة لموصول محذوف تقديره: " إلا ما ~~وسعها " وهذا الموصول هو المفعول الثاني، كما كان " وسعها " كذلك ~~في قراءة العامة، وهذا لا يجوز عند البصريين، بل عند الكوفيين، على ~~أن إضمار مثل هذا الموصول ضعيف جدا؛ إذ لا دلالة عليه؛ وهذا بخلاف ~~قول الآخر حيث قال: [الخفيف] # 1306 - ما الذي دأبه احتياط وحزم # وهواه أطاع يستويان # وقال حسان أيضا - [الوافر] # 1307- أمن يهجو رسول الله منكم # وينصره ويمدحه سواء # وقد تقدم تحقيق هذا، وهل لهذه الجملة محل من الإعراب، أم لا؟ الظاهر ~~الثاني؛ لأنها سيقت للإخبار بذلك، وقيل: بل محلها نصب؛ عطفا على " ~~سمعنا " و " أطعنا " ، أي: وقالوا أيضا: لا يكلف الله نفسا، ~~وقد خرجت هذه القراءة على وجه آخر؛ وهو أن تجعل المفعول الثاني محذوفا ~~لفهم المعنى، وتجعل هذه الجملة الفعلية في محل نصب لهذا المفعول، ~~والتقدير: لا يكلف الله نفسا شيئا إلا وسعها. قال ابن عطية: وفي ~~قراءة ابن أبي عبلة تجوز؛ لأنه مقلوب، وكان يجوز وجه اللفظ: إلا ~~وسعته؛ كما قال: # وسع كرسيه السموات والأرض # [البقرة:255] # وسع كل شيء علما # [طه:98]، ولكن يجيء هذا من باب " أدخلت القلنسوة في رأسي ~~". # فصل في كيفية النظم # إن قلنا إنه من كلام المؤمنين، فإنهم لما قالوا: " سمعنا ~~وأطعنا " فكأنهم قالوا: كيف نسمع ولا نطيع، وهو لا يكلفنا إلا ~~ما في وسعنا وطاقتنا بحكم الرحمة الإلهية. # وإن قلنا: إنه من كلام الله - تبارك وتعالى -، فإنهم لما قالوا: " ~~سمعنا وأطعنا " ثم قالوا بعده: " غفرانك ربنا " ، ~~طلبوا المغفرة فيما يصدر عنهم من وجوه التقصير على سبيل الغفلة ~~[والسهو؛ لأنهم لما سمعوا وأطاعوا، لم يتعمدوا التقصير، فطلبوا ~~المغفرة لما يقع منهم على سبيل الغفلة]، فلا جرم خفف الله عنهم، وقال: ~~{ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } والتكليف: هو إلزام ~~ما فيه كلفة ومشقة، يقال: كلفته فتكلف. # فصل في بيان مسألة تكليف ما لا يطاق # استدل المعتزلة بهذه الآية الكريمة ونظائرها؛ كقوله: # وما جعل عليكم ms1667 في الدين من حرج # [الحج:78]، # يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر # [البقرة:185]، # يريد الله أن يخفف عنكم # [النساء:28] على أنه لا يجوز تكليف ما لا يطاق، وإذا ثبت هذا فههنا ~~أصلان: # الأول: أن العبد موجد لأفعال نفسه؛ لأنه لو كان موجدها هو الله تعالى، ~~لكان تكليف العبد بالفعل تكليفا بما لا يطاق، فإن الله تعالى إذا خلق ~~الفعل وقع لا محالة، ولا قدرة للعبد ألبتة على فعله ولا تركه؛ أما ~~أنه لا قدرة له على الفعل؛ فلأن ذلك الفعل وجد بقدرة الله تعالى، ~~والموجود لا يوجد ثانيا، وأما أنه لا قدرة للعبد على الدفع، ~~فلأن قدرته أضعف من قدرة الله تعالى، فكيف تقوى قدرته على دفع قدرة ~~الله تعالى، وإذا لم يخلق الله الفعل، استحال أن يكون للعبد قدرة على ~~تحصيل الفعل؛ فثبت أنه لو كان موجد فعل العبد هو الله، لكان تكليف ~~العبد بالفعل تكليفا بما لا يطاق. # الثاني: أن الاستطاعة قبل الفعل، وإلا لكان الكافر المأمور بالإيمان ~~لم يكن قادرا على الإيمان، فكان ذلك تكليفا بما لا يطاق. # وأجيبوا: بأن الدلائل العقلية دلت على وقوع هذا التكليف، فوجب ~~المصير إلى تأويل هذه الآية، وذلك من وجوه: # أحدها: أن من مات على الكفر، تبينا بموته على الكفر أن الله ~~تعالى كان في الأزل عالما بأنه يموت على الكفر، ولا يؤمن أصلا، فكان ~~العلم بعدم الإيمان موجودا، والعلم بعدم الإيمان ينافي وجود الإيمان، ~~فكان تكليفه بالإيمان مع حصول العلم بعدم الإيمان تكليفا بالجمع بين ~~النقيضين، وهذه الحجة كما جرت في العلم، فتجري أيضا في الجبر. # وثانيها أيضا: أن صدور الفعل عند العبد يتوقف على الداعي، وتلك ~~الداعية مخلوقة لله تعالى، ومتى كان الأمر كذلك، لزم تكليف ما لا ~~يطاق؛ لأن قدرة العبد لما كانت صالحة للفعل والترك، فلو ترجح أحد ~~الجانبين على الآخر من غير مرجح، لزم وقوع الممكن من غير مرجح، وذلك ~~نفي للصانع. # وإنما قلنا: إن تلك الداعية من الله تعالى؛ لأنها لو كانت من العبد، ms1668 ~~لافتقر إيجادها إلى داعية أخرى ولزم التسلسل، وإنما قلنا: إنه متى كان ~~الأمر كذلك، لزم الجبر، لأن عند حصول الداعية المرجحة لأحد ~~الطرفين، صار الطرف الآخر مرجوحا، والمرجوح ممتنع الوقوع، وإذا كان ~~المرجوح ممتنعا، كان الراجح واجبا ضرورة أنه لا خروج عن ~~النقيضين؛ فإذن صدور الإيمان من الكافر يكون ممتنعا وهو مكلف به، ~~فلزم تكليف ما لا يطاق. # وثالثها: أنه تعالى كلف " أبا لهب " بالإيمان، والإيمان تصديق الله ~~في كل ما أخبر عنه، ومن جملة ما أخبر عنه أنه لا يؤمن، فقد صار " أبو ~~لهب " مكلفا بأن يؤمن بأنه لا يؤمن، وذلك تكليف ما لا يطاق. # ورابعها: أن العبد غير عالم بتفاصيل فعله؛ لأن من حرك أصبعه، لم يعرف ~~عدد الأحيان التي حرك أصبعه فيها، ولم يخطر بباله أنه حرك أصبعه في ~~بعض الأوقات، وسكن في بعضها وأنه أين تحرك وأين سكن، وإذا لم يكن ~~عالما بتفاصيل فعله، لم يكن موجدا لها، وإذا لم يكن موجدا، لزم تكليف ~~ما لا يطاق. # فصل في تأويل هذه الآية # اختلفوا في تأويل هذه الآية: # فقال ابن عباس وعطاء وأكثر المفسرين: أراد به حديث النفس المذكور في ~~قوله: # وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه # [البقرة:284]. # وروي عن ابن عباس؛ أنه قال: هم المؤمنون خاصة، وسع الله عليهم أمر ~~دينهم، ولم يكلفهم فيه إلا ما يطيقونه؛ كقوله: # يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر # [البقرة:185]، وقوله: # وما جعل عليكم في الدين من حرج # [الحج:78]. # قوله: { لها ما كسبت } هذه الجملة لا محل لها؛ لاستئنافها، وهي ~~كالتفسير لما قبلها؛ لأن عدم مؤاخذتها بكسب غيرها، واحتمالها ما ~~حصلته هي فقط من جملة عدم تكليفها بما [لا] تسعه، وهل يظهر بين اختلاف ~~لفظي فعل الكسب معنى، أم لا؟ فقال بعضهم: نعم، وفرق بأن الكسب ~~أعم، إذ يقال: " كسب " لنفسه ولغيره، و " اكتسب " أخص؛ إذ لا ~~يقال: " اكتسب لغيره "؛ وأنشد قول الحطيئة: [البسيط] # 1308- ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة # ......................... # ويقال: هو كاسب أهله، ولا يقال: مكتسب أهله. # وقال ms1669 الزمخشري: " فإن قلت: لم خص الخير بالكسب، والشر بالاكتساب؟ ~~قلت: في الاكتساب اعتمال، ولما كان الشر مما تشتهيه النفس، وهي ~~منجذبة إليه وأمارة به، كانت في تحصيله أعمل وآجد، فجعلت لذلك ~~مكتسبة فيه، ولما لم تكن كذلك في باب الخير، وصفت بما لا دلالة فيه ~~على الاعتمال ". # وقال ابن عطية: وكرر فعل الكسب، فخالف بين التصريف حسنا لنمط ~~الكلام؛ كقوله تعالى: # فمهل الكافرين أمهلهم # [الطارق:17]، قال شهاب الدين: " والذي يظهر لي في هذا: أن الحسنات هي ~~مما يكسب دون تكلف؛ إذ كاسبها على جادة أمر الله تعالى، ورسم شرعه، ~~والسيئات تكتسب ببناء المبالغة؛ إذ كاسبها يتكلف في أمرها خرق حجاب نهي ~~الله تعالى، ويتجاوز إليها؛ فحسن في الآية مجيء التصريفين؛ إحرزا لهذا ~~المعنى ". # وقال آخرون: " افتعل " يدل على شدة الكلفة، وفعل السيئة ~~شديد لما يئول إليه. # وقال الواحدي: " الصحيح عند أهل اللغة: أن الكسب والاكتساب واحد، ~~لا فرق بينهما. # وقد جاء القرآن بالكسب والاكتساب في مورد واحد؛ قال تعالى: # كل نفس بما كسبت رهينة # [المدثر:38]. وقال تعالى: # ولا تكسب كل نفس إلا عليها # [الأنعام:164] وقال تعالى: # بلى من كسب سيئة # [البقرة:81]، وقال تعالى: # بغير ما اكتسبوا # [الأحزاب:58] فقد استعمل الكسب والاكتساب في الشر ". # قال ذو الرمة: [البسيط] # 1309-............................ # ألفى أباه بذاك الكسب يكتسب # وإنما أتى في الكسب باللام، وفي الاكتساب ب " على "؛ لأن اللام ~~تقتضي الملك، والخير يحب ويسر به، فجيء معه بما يقتضي الملك، ولما ~~كان الشر يحذر، وهو ثقل ووزر على صاحبه جيء معه ب " على " ~~المقتضية لاستعلائه عليه. # وقال بعضهم: " فيه إيذان أن أدنى فعل من أفعال الخير يكون للإنسان ~~تكرما من الله على عبده؛ حتى يصل إليه ما يفعله معه ابنه من غير ~~علمه به؛ لأنه من كسبه في الجملة، بخلاف العقوبة؛ فإنه لا يؤاخذ بها إلا ~~من جد فيها واجتهد " ، وهذا مبني على القول بالفرق بين البنائين، وهو ~~الأظهر. # فصل في دفع شبهة للمعتزلة # احتجت المعتزلة بهذه الآية على أن فعل العبد بإيجاده؛ قالوا: لأن ~~الآية ms1670 صريحة في إضافة خيره وشره إليه، ولو كان ذلك بتخليق الله تعالى، ~~لبطلت هذه الإضافة، ويجري صدور أفعاله مجرى لونه، وطوله، وشكله، وسائر ~~الأمور التي لا قدرة له عليها ألبتة. # قال القاضي: لو كان تعالى خالقا أفعالهم، فما فائدة التكليف، والكلام ~~فيه معلوم. # فصل # احتجوا بهذه الآية على فساد القول بالمحابطة؛ لأنه - تعالى - أثبت كلا ~~الأمرين على سبيل الجمع، فبين أن لها ثواب ما كسبت، وعليها عقاب ما ~~اكتسبت، وهذا صريح في اجتماع هذين الاستحقاقين، وأنه لا يلزم من طريان ~~أحدهما زوال الآخر. # قال الجبائي: ظاهر الآية وإن دل على الإطلاق، إلا أنه مشروط، ~~والتقدير: لها ما كسبت من ثواب العمل الصالح إذا لم ~~يبطله، وعليها ما اكتسبت من العقاب إذا لم يكفره ~~بالتوبة، وإنما صرنا إلى إضمار هذا الشرط، لما ثبت أن ~~الثواب يجب أن يكون منفعة خالصة دائمة، والجمع بينهما محال في ~~العقول، فكان الجمع بين استحقاقيهما أيضا محال. # فصل # تمسك الفقهاء بهذه الآية في أن الأصل في الأملاك البقاء والاستمرار؛ ~~لأن اللام في قوله: { لها ما كسبت } تدل على ثبوت الاختصاص، ~~ويؤكد ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: # " كل امرىء أحق بكسبه من والده وولده وسائر ~~الناس أجمعين " # ، وينبني على هذا الأصل فروع كثيرة: # منها: أن المضمونات لا تملك إلا بأداء الضمان؛ لأن المقتضي لبقاء ~~الملك قائم. # ومنها: إذا غصب ساجة فأدرجها في بنائه، أو حنطة فطحنها، لا يزول ~~الملك. # ومنها: أن القطع في السرقة لا يمنع وجوب الضمان؛ لأن المقتضي لبقاء ~~الملك قائم، وهو قوله: { لها ما كسبت } ويجب رد المسروق إن كان ~~باقيا. # قوله: " لا تؤاخذنا " يقرأ بالهمزة، وهو من الأخذ بالذنب، ويقرأ ~~بالواو، ويحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون من الأخذ أيضا، وإنما أبدلت الهمزة واوا؛ لفتحها ~~وانضمام ما قبلها، وهو تخفيف قياسي، ويحتمل أن يكون من: واخذه بالواو، ~~قاله أبو البقاء. وجاء هنا بلفظ المفاعلة، وهو فعل واحد؛ لأن المسيء ~~قد أمكن من نفسه، وطرق السبيل إليها بفعله؛ فكأنه أعان من يعاقبه بذنبه، ~~ويأخذ ms1671 به على نفسه. # قال ابن الخطيب: وعندي فيه وجه آخر، وهو أن الله تعالى يأخذ المذنب ~~بالعقوبة، فالمذنب كأنه يأخذ ربه بالمطالبة بالعفو والكرم، فإنه لا ~~يجد من يخلصه من عذابه إلا هو، فلهذا يتمسك العبد عند الخوف منه ~~به، فلما كان كل واحد منهما يأخذ الآخر، عبر عنه بلفظ المؤاخذة، ~~ويجوز أن يكون من باب سافرت وعاقبت وطارقت. # قوله: { إن نسينآ أو أخطأنا }. # في النسيان وجهان: # الأول: أن المراد النسيان الذي هو ضد الذكر. # فإن قيل: أليس فعل الناسي في محل العفو بحكم دليل العقل؛ حيث لا ~~يجوز تكليف ما لا يطاق، وبدليل السمع؛ وهو قوله صلى الله عليه وسلم: # " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا ~~عليه " # وإن كان كذلك، فما معنى طلب العفو عنه؟ # فالجواب من وجوه: # الأول: أن النسيان منه ما يعذر فيه صاحبه، ومنه ما لا يعذر؛ ألا ترى ~~أن من رأى في ثوبه نجاسة، فأخر إزالتها عنه إلى أن نسي فصلى وهي ~~على ثوبه، عد مقصرا؛ إذ كان يلزمه المبادرة إلى إزالتها، وأما إذا ~~لم ير في ثوبه نجاسة، فإنه يعذر فيه، ومن رمى صيدا فأصاب إنسانا، فقد ~~يكون بحيث لا يعلم الرامي أنه يصيب ذلك الصيد أو غيره، فإذا رمى ولم ~~يحترز، كان ملوما، وأما إذا لم تكن أمارات الغلط ظاهرة، ثم رمى فأصاب ~~إنسانا؛ كان ههنا معذورا، وكذلك الإنسان إذا تغافل عن الدرس ~~والتكرار، حتى نسي القرآن يكون ملوما، وأما إذا واظب على القراءة ~~ونسي القرآن، فههنا يكون معذورا؛ فثبت أن النسيان على قسمين: منه ما ~~يعذر فيه، ومنه ما لا يعذر فيه، وهو ما إذا ترك التحفظ، وأعرض عن ~~أسباب التذكر، فهذا يصح طلب غفرانه بالدعاء. # الثاني: أن هذا دعاء على سبيل التقدير؛ لأن هؤلاء الذين ذكروا ~~هذا الدعاء كانوا متقين لله حق تقاته، فلم يكن يصدر عنهم ما لا ~~ينبغي إلا على وجه النسيان والخطأ، فكان وصفهم بذلك إشعارا ببراءة ~~ساحتهم عما يؤاخذون به؛ كأنه قيل: إذا كان النسيان مما ms1672 تجوز ~~المؤاخذة به، فلا تؤاخذنا به. # الثالث: أن المقصود من هذا الدعاء إظهار التضرع إلى الله تعالى ~~لا طلب الفعل؛ لأن الداعي كثيرا ما يدعو بما يقطع بأن الله تعالى ~~يفعله، سواء دعا أو لم يدع؛ قال: # رب احكم بالحق # [الأنبياء:112]، وقال: # ربنا وءاتنا ما وعدتنا على رسلك # [آل عمران:194]، وقالت الملائكة: # فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم ~~عذاب الجحيم # [غافر:7] فكذا ههنا. # الرابع: أن مؤاخذة الناسي ممتنعة عقلا، لأن الإنسان إذا علم أنه ~~بعد النسيان يكون مؤاخذا، فإنه بخوف المؤاخذة يستديم الذكر، فحينئذ ~~لا يصدر عنه، إلا أن استدامة ذلك الذكر يشق على النفس، فلما ~~جاز ذلك في العقول، حسن طلب المغفرة منه. # الخامس: أن الذين جوزوا تكليف ما لا يطاق تمسكوا بهذه الآية، ~~فقالوا: الناسي غير قادر على الاحتراز عن الفعل، فلولا أنه جائز ~~عقلا أن يعاقبه الله عليه، لما طلب بالدعاء ترك المؤاخذة به. # القول الثاني: أن المراد بالنسيان: الترك؛ قال الله تعالى: # نسوا الله فنسيهم # [التوبة:67]، أي: تركوا العمل لله فترك أن يثيبهم، ويقول الرجل لصاحبه ~~" لا تنسني من عطيتك " ، أي: لا تتركني، فالمراد بهذا ~~النسيان أن يترك الفعل لتأويل فاسد، والمراد بالخطأ: أن يفعل الفعل ~~لتأويل فاسد. # قوله: { ربنا ولا تحمل علينآ إصرا }. # الإصر: في الأصل: الثقل والشدة؛ قال النابغة: [البسيط] # 1310- يا مانع الضيم أن يغشى سراتهم # والحامل الإصر عنهم بعدما غرقوا # وأطلق على العهد والميثاق لثقلهما؛ كقوله تعالى: # وأخذتم على ذلكم إصري # [آل عمران:81] أي: عهدي، # ويضع عنهم إصرهم # [الأعراف:157] أي: التكاليف الشاقة ثم يطلق على كل ما يثقل، حتى يروى ~~عن بعضهم أنه فسر الإصر هنا بشماتة الأعداء؛ وأنشد: [الكامل] # 1311- أشمت بي الأعداء حين هجرتني # والموت دون شماتة الأعداء # ويقال: الإصر أيضا: العطف والقرابة، يقال: " [ما] يأصرني عليه ~~آصرة " أي: ما يعطفني عليه قرابة ولا رحم؛ وأنشد للحطيئة: [مجزوء ~~الكامل] # 1312- عطفوا علي بغير آ # صرة فقد عظم الأواصر # ويقال: ما يأصرني عليه آصرة أي: رحم وقرابة، وإنما سمي العطف إصرا؛ ~~لأن من عطفت ms1673 عليه، ثقل على قلبك كل ما يصل إليه من المكاره. # وقيل: الإصر: الأمر الذي تربط به الأشياء؛ ومنه " الإصار " للحبل ~~الشديد الذي تشد به الأحمال، يقال: أصر يأصر أصرا بفتح ~~الهمزة، فأما بكسرها، فهو اسم، ويقال بضمها أيضا، وقد قرىء به ~~شاذا. # وقرأ أبي: " ربنا ولا تحمل علينا " بتشديد الميم. # قال الزمخشري: " فإن قلت: أي فرق بين هذه التشديدة والتي في " ~~ولا تحملنا "؟ # قلت: هذه للمبالغة في حمله عليه، وتلك لنقل حمله من مفعول واحد إلى ~~مفعولين " انتهى. # يعني: أن التضعيف في الأول للمبالغة، ولذلك لم يتعد إلا لمفعول ~~واحد، وفي الثانية للتعدية، ولذلك تعدى إلى اثنين: أولهما: " نا ~~" ، و الثاني: ما لا طاقة لنا به. # فصل # قال مجاهد وعطاء وقتادة والسدي والكلبي وجماعة: المراد عهدا ~~ثقيلا ومشاق لا نستطيع القيام به، فتعذبنا بنقضه وتركه { كما ~~حملته على الذين من قبلنا } ، يعني: اليهود. # وقال عثمان بن عفان، ومالك بن أنس، وأبو عبيدة، وجماعة: معناه: لا ~~تشدد علينا في التكاليف ما لا نستطيع المقام معه، فتعذبنا بنقضه ~~وتركه؛ كما شددت على الذين من قبلنا، يعني: اليهود، فلم يقوموا به ~~فيعذبهم. # قال المفسرون: إن الله تعالى فرض عليهم خمسين صلاة، وأمرهم بأداء ربع ~~أموالهم في الزكاة، ومن أصاب ثوبه نجاسة أمر بقطعها، ومن أصاب ذنبا، ~~أصبح وذنبه مكتوب على بابه، وكانوا إذا نسوا شيئا عجلت لهم العقوبة في ~~الدنيا، وكانوا إذا أتوا بخطيئة، حرم عليهم من الطعام بعض ما كان ~~حلالا لهم؛ قال تعالى: # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم # [النساء:160]، ونحو ذلك؛ كتحريمه على قوم طالوت الشرب من النهر، ~~وتعجيل تعذيبهم في الدنيا بكونهم مسخوا قردة وخنازير. # قال القفال - رحمه الله تعالى -: ومن نظر في السفر الخامس من ~~التوراة التي تدعيها هؤلاء اليهود، وقف على ما أخذ عليه من غلظ ~~العهود والمواثيق، ورأى الأعاجيب الكثيرة، فالمؤمنون سألوا ربهم أن ~~يصونهم عن أمثال هذه التغليظات، وهو بفضله ورحمته قد أزال عنهم ذلك. # قال تعالى في صفة هذه الأمة: # ويضع عنهم إصرهم والأغلال ms1674 التي كانت عليهم # [الأعراف:157]. # وقال - صلى الله عليه وسلم -: # " دفع عن أمتي الخسف والمسخ والغرق ". # وقال تعالى: # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم # [الأنفال:33]. وقال عليه الصلاة والسلام: # " بعثت بالحنيفية السمحة " # والمؤمنون إنما طلبوا هذا التخفيف؛ لأن التشديد مظنة التقصير، ~~والتقصير موجب للعقوبة، ولا طاقة لهم بعذاب الله، فلا جرم طلبوا تخفيف ~~التكاليف. # وقيل: الإصر ذنب لا توبة له، معناه: اعصمنا من مثله، قالوا: والأصل فيه ~~العقد والإحكام. # قوله: { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به }. # الطاقة: القدرة على الشيء، وهي في الأصل، مصدر، جاءت على حذف ~~الزوائد، وكان من حقها " إطاقة "؛ لأنها من أطاق، ولكن شذت كما ~~شذت أليفاظ؛ نحو: أغار غارة، وأجاب جابة، وقالوا: " ساء ~~سمعا؛ فساء جابة "؛ ولا ينقاس؛ فلا يقال: طال طالة، ونظير ~~أجاب جابة: # أنبتكم من الأرض نباتا # [نوح:17] وأعطى عطاء في قوله: [الوافر] # 1313-........................... # وبعد عطائك المائة الرتاعا # فصل في المراد بالآية # معناه: لا تكلفنا من العمل ما لا نطيق. # وقيل: هو حديث النفس والوسوسة المتقدم في الآية الأولى، وحكي عن ~~مكحول: أنه الغلمة. # وعن إبراهيم: هو الحب، وعن محمد بن عبد الوهاب: هو العشق. # وقال ابن جريج: هو مسخ القردة والخنازير، وقيل: هو شماتة الأعداء. # وقيل: هو الفرقة والقطيعة. # فإن قيل: لم خص الآية الأولى بالحمل، فقال " لا تحمل علينا " ~~وهذه الآية بالتحميل؟ # فالجواب: أن الشاق يمكن حمله، أما ما لا يكون مقدورا، فلا يمكن ~~حمله، فالحاصل فيما لا يطاق هو التحميل فقط، فإن التحمل غير ممكن. # وأما الشاق: فالحمل، والتحميل فيه ممكنان، فلهذا السبب خص ~~الآية الأخيرة بالتحميل. # فإن قيل: ما الفائدة في حكاية هذه الأدعية بلفظ الجمع في قوله: { ~~ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا ربنا ~~ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته على الذين من ~~قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } ، ~~ولفظ الإفراد أكثر تذللا وخضوعا من التلفظ بنون الجمع. # فالجواب: أن قبول الدعاء عند الاجتماع أكثر، وذلك لأن للهمم تأثيرات، ~~فإذا اجتمعت الأرواح والدواعي على شيء ms1675 واحد، كان حصوله أكمل. # فصل # استدلوا بهذه الآية الكريمة على جواز التكليف بما لا يطاق، قالوا: ~~إذ لو لم يكن جائزا، لما حسن طلب دفعه بالدعاء من الله تعالى، ~~وأجاب المعتزلة بوجوه: # الأول: المراد بالآية ما يشق فعله مشقة عظيمة؛ كما يقول الرجل: لا ~~أستطيع أن أنظر إلى فلان؛ إذا كان مستثقلا له؛ قال الشاعر: [الرجز] # 1314- إنك إن كلفتني ما لم أطق # ساءك ما سرك مني من خلق # وقال - صلى الله عليه وسلم - في المملوك: # " له طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل ما لا ~~يطيق " # أي: ما يشق عليه، وقال - صلى الله عليه وسلم - في المريض # " يصلي وهو جالس، فإن لم يستطع، فعلى جنب " # ، فقوله: # " فإن لم يستطع " # ليس المراد به: عدم القوة على الجلوس، بل كل الفقهاء يقولون: المراد ~~منه: إذا كان يلحقه في الجلوس مشقة شديدة؛ وقال تعالى: # ما كانوا يستطيعون السمع # [هود:20]، أي: كان يشق عليهم ذلك. # الثاني: أنه تعالى لم يقل: " لا تكلفنا ما لا طاقة لنا ~~به " بل قال: { لا تحملنا ما لا طاقة لنا به } ~~والتحميل: هو أن يضع عليه ما لا طاقة له بتحمله، فيكون المراد منه ~~العذاب، والمعنى: لا تحملنا عذابك الذي لا نطيق احتماله، فلو حملنا الآية ~~على ذلك، كان قوله: " لا تحملنا " حقيقة فيه، ولو حملناه على ~~التكليف، كان قوله: " لا تحملنا " مجازا فيه، فكان الأول أولى. # الثالث: هب أنهم سألوا الله تعالى ألا يكلفهم ما لا قدرة لهم ~~عليه، لكن ذلك لا يدل على جواز أن يفعل خلافه؛ لأنه لو دل على ذلك، ~~لدل قوله: # رب احكم بالحق # [الأنبياء:112] على جواز أن يحكم بالباطل، وكذلك قول إبراهيم - صلى الله ~~عليه وسلم -: # ولا تخزني يوم يبعثون # [الشعراء:87] على جواز خزي الأنبياء. # وقوله تعالى: # ولا تطع الكافرين والمنافقين # [الأحزاب:1]، وقوله: # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر:65]، وذلك لا يدل على جواز أن يطيع الكافرين والمنافقين، ولا ~~على جواز الشرك. # وأجاب مخالفوهم: بأن الوجه الأول مدفوع من وجهين: # الأول: أنه لو كان المراد ms1676 من ألا يشدد عليهم التكاليف، لكان معناه ~~ومعنى الآية الأولى واحدا، فتكون تكرارا محضا، وهو غير جائز. # والثاني: أنا بينا أن الطاقة هي الإطاقة والقدرة، فقوله: { ~~ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } ظاهره لا تحملنا ما ~~لا طاقة لنا عليه، أقصى ما في الباب أنه جاء هذا اللفظ بمعنى ~~الاستقبال في بعض الوجوه على سبيل المجاز، إلا أن الأصل حمل اللفظ ~~على الحقيقة. # وأما الوجه الثاني: فإن التحميل مخصوص في عرف القرآن بالتكليف، ~~قال تعالى: # إنا عرضنا الأمانة على السموات # [الأحزاب:72] إلى قوله: # وحملها الإنسان # [الأحزاب:72]، ثم هب أنه لم يوجد هذا العرف، إلا أن قوله: { لا ~~تحملنا ما لا طاقة لنا به } عام في العذاب والتكليف، ~~فوجب إجراؤه على ظاهره، فأما تخصيصه بغير حجة، فلا يجوز. # وأما الوجه الثالث: فإن فعل الشيء إذا كان ممتنعا، لم يجز طلب ~~امتناعه بالدعاء؛ لأنه يجري مجرى قوله في دعائه ربنا لا تجمع بين ~~الضدين. # وإذا كان هذا هو الأصل، فإذا صار ذلك متروكا في بعض الصور لدليل ~~مفصل، لم يجب تركه في سائر الصور بغير دليل. # قوله: { واعف عنا واغفر لنا وارحمنآ } قال ابن الخطيب: ~~لما كانت الأدعية الثلاثة المتقدمة، المطلوب بها الترك، قرنت ~~بلفظ " ربنا " ، وأما هذا الدعاء فحذف فيه لفظ " ربنا " ~~وظاهره يدل على طلب الفعل. # فإن قيل: لم لم يذكر هنا لفظ " ربنا ". # فالجواب: أن النداء إنما يحتاج إليه عند البعد أما عند القرب فلا؛ ~~وإنما حذف النداء إشعارا بأن العبد إذا واظب على التضرع نال ~~القرب من الله - تعالى -. # فإن قيل: ما الفرق بين العفو والمغفرة والرحمة. # الجواب أن العفو أن يسقط عنه العقاب، والمغفرة أن يستر عليه جرمه صونا ~~له من عذاب التخجيل والفضيحة؛ كأن العبد يقول: أطلب منك العفو، وإذا ~~عفوت عني فاستره علي فإن الخلاص من عذاب النار إنما يطيب، ~~إذا حصل عقيبه الخلاص من عذاب الفضيحة، فلما تخلص من هذين العذابين، ~~أقبل على طلب الثواب، فقال: { وارحمنآ } فإننا لا نقدر على فعل ~~الطاعة ms1677 وترك المعصية إلا برحمتك. # قوله تعالى: { أنت مولانا } المولى مفعل من ولي يلي، وهو هنا ~~مصدر يراد به الفاعل، فيجوز أن يكون على حذف مضاف، أي: صاحب ~~تولينا، أي: نصرتنا، ولذلك قال: { فانصرنا } ، والمولى يجوز ~~أن يكون اسم مكان أيضا، واسم زمان. # في قوله: " أنت مولانا " فائدة؛ وهي أنها تدل على نهاية ~~التذلل، والخضوع، فلا جرم ذكرها عند الدعاء متكلين على فضله ~~وإحسانه بمنزلة الطفل، لا تتم مصلحته إلا بتدبير قيمه، والعبد ~~الذي ينتظم شمل مهماته إلا بإصلاح مولاه، وهو المولى في الحقيقة ~~للكل على ما قال # نعم المولى ونعم النصير # [الأنفال:40] ونظير هذه الآية الكريمة # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم # [البقرة:257] أي: ناصرهم، وقوله: # فإن الله هو مولاه # [التحريم:4] أي: ناصره، وقوله: # ذلك بأن الله مولى الذين ءامنوا وأن ~~الكافرين لا مولى لهم # [محمد:11]. # قوله تعالى: " فانصرنا " أتى بالفاء هنا؛ إعلاما بالسببية؛ لأن ~~الله تعالى لما كان مولاهم ومالك أمورهم، وهو مدبرهم تسبب عنه ~~أن دعوه أن ينصرهم على أعدائهم؛ كقولك: " أنت الجواد فتكرم ~~" ، و " أنت المعطي فرجا فضلا منك ". # قوله: { على القوم الكافرين } أي: انصرنا في محاربتنا معهم، ~~وفي مناظرتنا بالحجة معهم، وفي إعلاء دولة الإسلام على دولتهم على ما ~~قال: # ليظهره على الدين كله # [التوبة:33]. # فصل # روى الواحدي رحمه الله عن مقاتل بن سليمان؛ # " أنه لما أسري بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أعطي خواتيم سورة ~~البقرة، فقالت الملائكة: إن الله - تعالى - قد أكرمك بحسن الثناء ~~عليك بقوله - تعالى -: " آمن الرسول " فسله وارغب إليه، فعلمه - ~~جبريل - عليه الصلاة والسلام - كيف يدعو، فقال محمد - عليه الصلاة ~~والسلام - " غفرانك ربنا " وقال الله: قد غفرت لكم، فقال: " ~~لا تؤاخذنا " فقال الله: لا أؤاخذكم، فقال: " ولا تحمل علينا ~~إصرا " فقال: لا أشدد عليكم، فقال محمد: " لا تحملنا ما لا ~~طاقة لنا به " فقال: لا أحملكم ذلك، فقال محمد: " واعف عنا واغفر ~~لنا وارحمنا " فقال الله: قد عفوت عنكم، وغفرت لكم، ورحمتكم، ~~وأنصركم على القوم الكافرين. " # وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، ms1678 وسمعناه في بعض الروايات؛ أن ~~محمدا - عليه الصلاة والسلام - كان يذكر هذه الدعوات والملائكة ~~كانوا يقولون: آمين. # وعن ابن مسعود - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - # " الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأهما في ليلة كفتاه " # وعن النعمان بن بشير؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: # " إن الله تعالى كتب كتابا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي ~~عام، فأنزل آيتين ختم بهما سورة البقرة، فلا تقرآن في دار ثلاث ~~ليال فيقربها شيطان " # والله - سبحانه وتعالى - أعلم. ### | [3 - سورة آل عمران] ### || [3.1-4] # قوله: { الم } قد تقدم الكلام على هذا مشبعا، ونقل الجرجاني - ~~هنا - أن " الم " إشارة، إلى حروف المعجم، كأنه يقول: هذه الحروف كتابك ~~- أو نحو هذا - ويدل { لا إله إلا هو الحي القيوم ~~نزل عليك الكتاب } على ما ترك ذكره من خبر هذه الحروف، وذلك ~~في نظمه مثل قوله تعالى: # أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ~~ربه # [الزمر: 22] وترك الجواب لدلالة قوله: # فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله # [الزمر: 22] عليه؛ تقديره: كمن قسا قلبه. # ومنه قول الشاعر: [الطويل] # 1315 - فلا تدفنوني إن دفني محرم # عليكم ولكن خامري أم عامر # أي: ولكن اتركوني للتي يقال لها خامري أم عامر " انتهى ". # قال ابن عطية: يحسن في هذا القول - يعني قول الجرجاني - أن يكون ~~" نزل " خبر، قوله: " الله " حتى يرتبط الكلام إلى هذا المعنى. # قال أبو حيان: وهذا الذي ذكره الجرجاني فيه نظر؛ لأن مثليته ليست ~~صحيحة الشبه بالمعنى الذي نحا إليه، وما قاله في الآية محتمل، ولكن ~~الأبرع في [نظم] الآية أن يكون " الم " لا يضم ما بعدها إلى نفسها في ~~المعنى، وأن يكون قوله { الله لا إله إلا هو الحي ~~القيوم } كلاما مبتدأ جملة رادة على نصارى نجران. # قال شهاب الدين: وهذا الذي رده الشيخ على الجرجاني هو الذي اختاره ~~الجرجاني وجعله أحسن الأقوال التي حكاها في كتابه " نظم القرآن ~~". # قوله: { لا إله إلا هو } يجوز أن تكون هذه الجملة خبر ms1679 ~~الجلالة، و " نزل عليك " خبر آخر، ويجوز أن يكون { ~~لا إله إلا هو } معترضة بين المبتدأ والخبر، ويجوز أن ~~يكون حالا، وفي صاحبه احتمالان: # أحدهما: أن يكون لفظ الجلالة. # والثاني: أن يكون الضمير في " نزل " تقديره: نزل عليك الكتاب ~~متوحدا بالربوبية. ذكره مكي، والأول أولى. # وقرأ الجمهور { الم الله } بفتح الميم، وإسقاط همزة الجلالة، ~~واختلفوا في فتحة هذه الميم على ستة أوجه: # أحدها: أنها حركة التقاء الساكنين، وهو مذهب سيبويه، وجمهور الناس. # فإن قيل: أصل التقاء الساكنين الكسر، فلم عدل عنه؟ # فالجواب: أنهم لو كسروا لكان ذلك مفضيا إلى ترقيق الميم لام ~~الجلالة، والمقصود تفخيمها للتعظيم، فأوثر الفتح لذلك، وأيضا: فقبل هذه ~~ياء [وهي أخت الكسرة وأيضا فصل هذه الياء كسرة]، فلو كسرنا الميم ~~الأخيرة لالتقاء الساكنين لتوالى ثلاث متجانسات، فحركوها بالفتح كما ~~حركوا في نحو: من الله، وأما سقوط الهمزة فواضح، وبسقوطها التقى ~~الساكنان. # الثاني: أن الفتحة لالتقاء الساكنين [أيضا ولكن الساكنين] هما الياء ~~التي قبل الميم، والميم الأخيرة، فحركت بالفتح لئلا يلتقي ساكنان، ~~ومثله: أين وكيف [وكيت، وذيت]، وما أشبهها. # وهذا على قولنا: إنه لم ينو الوقف على هذه الحروف المقطعة، وهذا ~~خلاف القول الأول: فإنه ينوى فيه الوقف على الحروف المقطعة، فسكنت ~~أواخرها، وبعدها ساكن آخر، وهو لام الجلالة، وعلى هذا القول الثاني ليس ~~لإسقاط الهمزة تأثير في التقاء الساكنين، بخلاف الأول، فإن التقاء ~~الساكنين إنما نشأ من حذفها درجا. # الثالث: أن هذه الفتحة ليست لالتقاء الساكنين، بل هي حركة نقل، أي: ~~نقلت حركة الهمزة التي قبل لام التعريف على الميم الساكنة نحو # قد أفلح # [طه: 64] وهي قراءة ورش وحمزة - في بعض طرقه - في الوقف، وهو مذهب ~~الفراء، واحتج على ذلك بأن هذه الحروف النية بها الوقف، وإذا كان ~~النية بها الوقف، فسكن أواخرها، والنية بما بعدها الابتداء ~~والاستئناف، فكأن همزة الوصل جرت مجرى همزة القطع؛ إذ النية بها ~~الابتداء، وهي تثبت ابتداء ليس إلا، فلما كانت الهمزة في حكم ~~الثابتة، وما قبلها ساكن صحيح قابل لحركتها ms1680 خففوها بأن ألقوا ~~حركتها على الساكن قبلها ورد بعضهم قول الفراء بأن وضع هذه الحروف على ~~الوقف لا يوجب قطع ألف الوصل وإثباتها في المواضع التي تسقط فيها, وأنت ~~إذا ألقيت حركتها على الساكن فقد وصلت الكلمة التي هي فيها بما قبلها ~~وإن كان ما قبلها موضوعا على الوقف، فقولك: ألقيت حركته عليه بمنزلة ~~قولك: وصلته، ألا ترى أنك إذا خففت: من أبوك؟ قلت: من أبوك، فوصلت، ~~ولو وقفت لم تلق الحركة عليها، وإذا وصلتها بما قبلها لزم إسقاطها، وكان ~~إثباتها مخالفا لأحكامها في سائر متصرفاتها. # قال شهاب الدين: " وهذا الرد مردود بأن ذلك معامل معاملة الموقوف ~~عليه والابتداء بما بعده لا أنه موقوف عليه، ومبتدأ بما بعده حقيقة، حتى ~~يرد عليه بما ذكره " ، وقد قوي جماعة قول الفراء بما حكاه سيبويه ~~من قولهم: ثلاثهربعة، والأصل: ثلاثة أربعة، فلما وقف على ثلاثة ~~أبدل التاء هاء كما هو اللغة المشهورة، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف، فترك ~~الهاء على حالها في الوصل، ثم نقل حركة الهمزة إلى الهاء فكذلك هذا. # ورد بعضهم هذا الدليل وقال: الهمزة في " أربعة " همزة قطع، فهي ثابتة ~~ابتداء ودرجا فلذلك نقلت حركتها، بخلاف همزة الجلالة، فإنها واجبة ~~السقوط، فلا تستحق نقل حركتها إلى ما قبلها، فليس وزان ما نحن فيه. # قال شهاب الدين: " وهذا من هذه الحيثية - صحيح، والفرق لائح، إلا أن لفظ ~~الفراء فيه أنه أجرى فيه الوصل مجرى الوقف من حيث بقيت الهاء المنقلبة ~~عن التاء وصلا لا وقفا واعتد بذلك، ونقل إليها حركة الهمزة، وإن كانت ~~همزة قطع ". # وقد اختار الزمخشري مذهب الفراء، وسأل وأجاب فقال: " ميم " حقها أن ~~يوقف عليها كما يوقف على ألف ولام، وأن يبتدأ بما بعدها، كما ~~تقول: واحد، اثنان، وهي قراءة عاصم، وأما فتحتها فهي حركة الهمزة ~~ألقيت عليها حين أسقطت للتخفيف. # فإن قلت: كيف جاز إلقاء حركتها عليها، وهي همزة وصل لا تثبت في درج ~~الكلام، فلا تثبت حركتها؛ لأن ثبات حركتها كثباتها؟ # قلت: هذا ليس بدرج، لأن ms1681 " ميم " في حكم الوقف والسكون، والهمزة في حكم ~~الثابت، وإنما حذفت تخفيفا وألقيت حركتها على الساكن قبلها؛ ليدل ~~عليها، ونظيره: واحد اثنان بإلقائهم حركة الهمزة على الدال. # قال أبو حيان: " وجوابه ليس بشيء؛ لأنه ادعى أن الميم - حين ~~حركت - موقوف عليها، وأن ذلك ليس بدرج، بل هو وقف، وهذا خلاف ما ~~أجمعت عليه العرب، والنحاة من أنه لا يوقف على متحرك ألبتة سواء كانت ~~حركته إعرابية، أم بنائية، أم نقلية، أم لالتقاء الساكنين، أم للإتباع، ~~أم للحكاية، فلا يجوز في { قد أفلح } إذا حذفت الهمزة، ونقلت ~~حركتها إلى دال " قد " أن تقف على دال " قد " بالفتحة، بل تسكنها - ~~قولا واحدا. # وأما قوله: ونظير ذلك واحد اثنان - بإلقاء حركة الهمزة على الدال ~~- فإن سيبويه ذكر أنهم يشمون آخر " واحد " لتمكنه، ولم يحك الكسر ~~لغة، فإن صح الكسر فليس " واحد " موقوفا عليه كما زعم الزمخشري ~~ ولا حركته حركته نقل من همزة الوصل، ولكنه موصول بقولهم: اثنان، فالتقى ~~ساكنان دال " واحد " وثاء " اثنين " ، فكسرت الدال؛ لالتقاء الساكنين، ~~وحذفت همزة الوصل؛ لأنها لا تثبت في الوصل ". # قال شهاب الدين: " ومتى ادعى الزمخشري أنه يوقف على " ميم " من " ~~الم " - وهي متحركة - حتى يلزمه بمخالفة إجماع العرب والنحاة؟ إنما ~~ادعى أن هذا في نية الموقوف عليه قبل تحريكه بحركة النقل، لا أنه نقل ~~إليه، ثم وقف عليه، هذا لم يقله ألبتة، ولم يخطر له ". # ثم قال الزمخشري: " فإن قلت: هلا زعمت أنها حركة التقاء ~~الساكنين؟ # قلت: لأن التقاء الساكنين لا يبالى به في باب الوقف، وذلك قولك: هذا ~~إبراهيم، وداود، وإسحاق، ولو كان التقاء الساكنين - في حال الوقف ~~- يوجب التحريك لحرك الميمان في ألف لام ميم؛ لالتقاء الساكنين، ولما ~~انتظر ساكن آخر ". # قال أبو حيان: " وهو سؤال صحيح وجواب صحيح لكن الذي قال: إن الحركة هي ~~لالتقاء الساكنين لا يتوهم أنه أراد التقاء الياء والميم من " الم " - في ~~الوقف - وإنما عنى التقاء الساكنين اللذين هما ميم " ميم " الأخيرة، ولام ~~التعريف كالتقاء نون " من " ولام " الرجل " إذا ms1682 قلت من الرجل ". # وهذا الوجه هو الذي تقدم عن مكي وغيره. # ثم قال الزمخشري: " فإن قلت: إنما لم يحركوا لالتقاء الساكنين في " ~~ميم " لأنهم أرادوا الوقف وأمكنهم النطق بساكنين، فإذا جاء ساكن ثالث لم ~~يمكن إلا التحريك فحركوا. # قلت: الدليل على أن الحركة ليست لملاقاة الساكن، أنه كان يمكنهم أن ~~يقولوا: واحد. اثنان - بسكون الدال مع طرح الهمزة - فيجمعوا بين ~~ساكنين؛ كما قالوا: اصيم ومديق، فلما حركوا الدال علم أن حركتها ~~هي حركة الهمزة الساقطة لا غير، وأنها ليست لالتقاء الساكنين ". # [قال أبو حيان: " وفي سؤاله تعمية في قوله: فإن قلت: إنما لم يحركوا ~~لالتقاء الساكنين] - ويعني بالساكنين الياء والميم في " ميم " - وحينئذ ~~يجيء التعليل بقوله: لأنهم أرادوا الوقف وأمكنهم النطق بساكنين - يعني ~~الياء والميم - ثم قال: فإن جاء بساكن ثالث - يعني لام التعريف - لم يمكن ~~إلا التحريك - يعني في الميم - فحركوا - يعني الميم-؛ لالتقائها ساكنة ~~مع لام التعريف؛ إذ لو لم يحركوا لاجتمع ثلاث سواكن، وهو لا يمكن، هذا ~~شرح السؤال، وأما جواب الزمخشري فلا يطابق؛ لأنه استدل على أن الحركة ~~ليست لملاقاة ساكن بإمكانية الجمع بين ساكنين في قولهم: واحد، ~~اثنان - بأن يسكنوا الدال والثاء ساكنة، وتسقط الهمزة، فعدلوا عن ~~هذا الإسكان إلى نقل حركة الهمزة إلى الدال - وهذه مكابرة في المحسوس؛ إذ ~~لا يمكن ذلك أصلا، ولا هو في قدرة البشر أن يجمعوا في النطق بين سكون ~~الدال وسكون الثاء وطرح الهمزة، وأما قوله فجمعوا بين ساكنين، فلا يمكن ~~الجمع؛ لما قلناه، وأما قوله: كما قالوا: أصيم ومديق فهذا ~~ممكن كما هو في راد وضال؛ لأن في ذلك التقاء الساكنين على حدهما ~~المشروط في النحو، فأمكن ذلك، وليس مثل ذلك " واحد " " اثنان "؛ لأن ~~الساكن الأول ليس حرف مد، ولا الثاني مدغما، فلا يمكن الجمع ~~بينهما، وأما قوله: فلما حركوا الدال، علم أن حركتها هي حركة الهمزة ~~الساقطة لا غير وأنها ليست لالتقاء الساكنين [ويعني بالساكنين الياء ~~والميم]؛ لما بنى على أن الجمع بين الساكنين في " واحد " " اثنان ms1683 " ممكن، ~~وحركة التقاء الساكنين إنما هي فيما لا يمكن أن يجتمعا في اللفظ ادعى أن ~~حركة الدال هي حركة الهمزة الساقطة ". # قال شهاب الدين: " وهذا الذي رد به عليه صحيح، وهو معلوم بالضرورة؛ ~~إذ لا يمكن النطق بما ذكر ". # ونصر بعضهم رأي الفراء واختيار الزمخشري بأن هذه الحروف جيء بها لمعنى ~~في غيرها، فأواخرها موقوفة، والنية بما بعدها الاستئناف، فالهمزة في حكم ~~الثابت كما في أنصاف الأبيات، كقول حسان: [البسيط] # 1316 - لتسمعن وشيكا في دياركم # ألله أكبر يا ثارات عثمانا # ورجحه بعضهم أيضا بما حكي عن المبرد: أنه يجيز: الله أكبر الله ~~أكبر - بفتح الراء الأولى - قال: لأنه في نية الوقف على " أكبر " ~~والابتداء بما بعده، فلما وصلوا مع قصدهم التنبيه على الوقف على آخر كل ~~كلمة من كلمات التكبير نقلوا حركة الهمزة الداخلة على لام التعريف إلى ~~الساكن قبلها؛ التفاتا لما ذكر من قصدهم، وإذا كانوا قد فعلوا ذلك في ~~حركات الإعراب وأتوا بغيرها - مع احتياجهم إلى الحركة من حيث هي - فلأن ~~يفعلوا ذلك فيما كان موقوف [الأخير] من باب أولى. # الرابع: أن تكون الفتحة فتحة إعراب على أنه مفعول بفعل مقدر، أي ~~اقرءوا { الم } وإنما منعه من الصرف العلمية والتأنيث المعنوي إذ أريد ~~به اسم السورة، نحو قرأت هود، وقد قالوا هذا الوجه بعينه في قراءة من ~~قرأ { صاد والقرآن ذي الذكر } [ص: 1] بفتح الدال من صاد، فهذا ~~يجوز أن يكون مثله. # الخامس: أن الفتحة علامة الجر، والمراد بألف لام ميم أيضا السورة، ~~وأنها مقسم بها، فحذف حرف القسم، وبقي عمله، وامتنع من الصرف لما ~~تقدم، وهذا الوجه - أيضا - مقول في قراءة من قرأ صاد - بفتح الدال-، ~~إلا أن القراءة هناك شاذة، وهنا متواترة. # والظاهر أنها حركة التقاء الساكنين - كما هو مذهب سيبويه وأتباعه -. # السادس: قال ابن كيسان: " ألف " الله " وكل ألف مع لام التعريف ~~[ألف] قطع بمنزلة " قد " وحكمها حكم ألف القطع؛ [لأنهما حرفان جاءآ ~~لمعنى]، وإنما وصلت لكثرة الاستعمال، فمن حرك الميم ألقى عليها حركة ~~الهمزة ms1684 التي بمنزلة القاف من " قد " ففتحها بفتح الهمزة " ، نقله عنه ~~مكي. # فعلى هذا هذه حركة نقل من همزة قطع، وهذا المذهب مشهور عن الخليل بن ~~أحمد، حيث يعتقد أن التعريف حصل بمجموع " أل " ، كالاستفهام يحصل بمجموع ~~" هل " ، وأن الهمزة ليست مزيدة، لكنه مع اعتقاده ذلك يوافق على سقوطها ~~في الدرج؛ إجراء لها مجرى همزة الوصل، لكثرة الاستعمال، لذلك قد ~~تثبت ضرورة؛ لأن الضرورة ترد الأشياء إلى أصولها. # ولما نقل أبو البقاء هذا القول ولم يعزه، قال: " وهذا يصح على قول من ~~جعل أداة التعريف " أل " - يعني الخليل؛ لأنه المشهور بهذه المقالة ". # وقد تقدم النقل عن عاصم أنه يقرأ بالوقف على " ميم " ويبتدئ ب { ~~الله لا إله إلا هو } كما هو ظاهر عبارة الزمخشري عنه، ~~وغيره يحكي عنه أنه يسكن الميم ويقطع الهمزة - من غير وقف منه على الميم ~~- كأنه يجري الوصل مجرى الوقف، وهذا هو الموافق لغالب نقل القراء عنه. # وقرأ عمرو بن عبيد - فيما نقل الزمخشري - وأبو حيوة والرواسي فيما ~~نقل ابن عطية " الم الله " - بكسر الميم -. # قال الزمخشري: " وما هي بمقبولة عنه " ، والعجب منه كيف تجرأ على عمرو ~~بن عبيد وهو عنده معروف المنزلة، وكأنه يريد: وما هي بمقبولة عنه، ~~أي: لم تصح عنه. # وكأن الأخفش لم يطلع على أنها قراءة فقال: " لو كسرت الميم؛ ~~لالتقاء الساكنين - فقيل: " الم الله " - لجاز ". # قال الزجاج: وهذا غلط من أبي الحسن، لأن قبل الميم ياء مكسورا ما ~~قبلها فحقها الفتح، لالتقاء الساكنين، وذلك لثقل الكسر مع الياء. وهذا - ~~وإن كان كما قال - إلا أن الفارسي انتصر لأبي الحسن، ورد على أبي ~~إسحاق رده فقال: " كسر الميم لو ورد بذلك سماع لم يدفعه قياس، بل ~~كان يثبته ويقويه -؛ لأن الأصل في التحريك - لالتقاء الساكنين - ~~الكسر، وإنما يبدل إلى غير ذلك لما يعرض من علة وكراهة، فإذا جاء ~~الشيء على بابه فلا وجه لرده، ولا مساغ لدفعه، وقول أبي إسحاق؛ ~~إن ما قبل الميم ياء مكسورا ما قبلها، فحقها الفتح منقوض بقولهم: ~~جير، ms1685 حيث حرك الساكن - بعد الياء - بالكسر، كما حرك بعدها بالفتح ~~في أين، ويدل على جواز التحريك لالتقاء الساكنين بالكسر - فيما كان ~~قبله ياء، - جواز تحريكه بالضم نحو قولهم: حيث، وإذا جاز الضم كان ~~الكسر أجوز وأسهل ". # فصل في بيان سبب النزول # في سبب نزول هذه الآية قولان: # الأول: أنها نزلت في اليهود، وقد ذكرناه في تفسير قوله تعالى: # الم ذلك الكتاب # [البقرة: 1، 2]. # الثاني: أنها من أولها إلى آية المباهلة في نصارى نجران. # قال الكلبي، والربيع بن أنس - وهو قول محمد بن إسحاق-: قدم على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وفد نجران - ستون راكبا - فيهم أربعة عشر رجلا ~~من أشرافهم، وثلاثة منهم كانوا أكابر القوم، أحدهم أميرهم، وصاحب ~~مشورتهم، يقال له: العاقب، واسمه عبد المسيح، والثاني مشيرهم ووزيرهم، ~~وكانوا يقولون له: السيد، واسمه الأيهم، والثالث حبرهم وأسقفهم، وصاحب ~~مدراسهم، يقال له: أبو حارثة بن علقمة - أحد بني بكر بن وائل - وكان ~~ملوك الروم قد أكرموه وشرفوه، ومولوه؛ لما بلغهم عنه من علمه ~~واجتهاده في دينهم، فلما قدموا من " نجران " ركب أبو حارثة بغلته، وكان ~~إلى جنبه أخوه كرز بن علقمة، فبينما بغلة أبي حارثة تسير إذ ~~عثرت، فقال كرز: تعسا للأبعد - يريد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم - فقال أبو حارثة: بل تعست أمك، فقال: ولم يا أخي؟ فقال: ~~إنه - والله - النبي الذي كنا ننتظره، فقال له أخوه كرز: فما يمنعك ~~عنه وأنت تعلم هذا؟ # قال: لأن هؤلاء الملوك أعطونا أموالا كثيرة، وأكرمونا، فلو آمنا ~~بمحمد لأخذوا منا كل هذه الأشياء، فوقع ذلك في قلب أخيه كرز، ~~وكان يضمره إلى أن أسلم؛ فكان يحدث بذلك، ثم دخلوا مسجد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حين صلى العصر - عليهم ثياب الحبرات جبب ~~وأردية -، وقد حانت صلاتهم، فقاموا للصلاة [العاقب والسيد والحبر] في ~~مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله: دعوهم، فصلوا إلى ~~المشرق، ثم تكلم أولئك الثلاثة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~اختلاف من أديانهم ms1686 - فتارة يقولون: عيسى هو الله، وتارة يقولون: هو ابن ~~الله، وتارة يقولون: ثالث ثلاثة، ويحتجون على قولهم: هو الله بأنه كان ~~يحيي الموتى، ويبرئ الأسقام ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين ~~كهيئة الطير، فينفخ فيه، فيطير، ويحتجون على قولهم بأنه ابن الله بأنه لم ~~يكن له أب يعلم، ويحتجون على قولهم: ثالث ثلاثة بقوله تعالى: { ~~فعلنا } ، قلنا، ولو كان واحدا لقال: فعلت، قلت، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " أسلموا، قالوا: قد أسلمنا، قال عليه السلام: كذبتم؛ يمنعكم من الإسلام ~~دعاؤكم لله ولدا، وعبادتكم الصليب، وأكلكم الخنزير، قالوا: إن لم ~~يكن ولد الله فمن أبوه؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم " # فأنزل الله تعالى أول سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية، منها أخذ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يناظرهم، فقال: # " ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا ويشبه أباه؟ ~~قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن ربنا حي لا ~~يموت، وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟ قالوا: بلى، قال: ألستم ~~تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء، يحفظه ~~ويرزقه؟ قالوا: بلى، قال: فهل يملك عيسى من ذلك ~~شيئا؟ قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون أن الله تعالى لا ~~يخفى عليه شيء في الأرض، ولا في السماء؟ قالوا: بلى، قال: فهل يعلم ~~عيسى شيئا من ذلك إلا ما علم؟ قالوا: لا، قال: فإن ربنا صور ~~عيسى في الرحم كيف شاء، قال: ألستم تعلمون أن ربنا لا يأكل، ولا ~~يشرب ولا يحدث؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه ~~كما تحمل المرأة، ووضعته كما تضع المرأة ولدها، ثم غذي كما ~~يغذى الصبي، ثم كان يطعم الطعام، ويشرب الشراب ويحدث ~~الحدث؟ قالوا: بلى، قال: فكيف يكون هذا كما زعمتم؟ فسكتوا، وأبوا إلا ~~جحودا، ثم قالوا: يا محمد، ألست تزعم أنه كلمة الله وروح منه؟ ~~قال: بلى، قالوا: فحسبنا " # فأنزل الله تعالى: # فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه ~~منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله # [آل عمران: 7]، ثم أمر الله محمدا بملاعنتهم ms1687 - إن ردوا عليه - فدعاهم ~~إلى الملاعنة، فقالوا: يا أبا القاسم، دعنا ننظر في أمرنا، ثم ~~نأتيك بما تريد أن تفعل، فانصرفوا، ثم قال بعض أولئك الثلاثة لبعضهم: ~~ما ترى؟ فقال: والله يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمدا نبي ~~مرسل، ولقد جاءكم بفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم ما لاعن ~~[قط] قوم نبيا إلا وفني كبيرهم وصغيرهم، وإنه الاستئصال منكم - ~~إن فعلتم - وأنتم قد أبيتم إلا دينكم، والإقامة على ما أنتم عليه ~~فوادعوا الرجل، وانصرفوا إلى بلادكم، فأتوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقالوا [أبا القاسم] قد رأينا أن لا نلاعنك، وأن نتركك على ~~دينك، وأن نرجع نحن على ديننا، فابعث رجلا من أصحابك [معنا] يحكم ~~بيننا في أشياء قد اختلفنا فيها من أموالنا؛ فإنك عندنا رضى، ~~فقال عليه السلام: [ائتوني] في العشية أبعث معكم القوي الأمين، ~~فكان عمر يقول: ما أحببت الإمارة قط إلا يومئذ؛ رجاء أن أكون ~~صاحبها، قال: صلينا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم نظر عن يمينه، وعن ~~يساره، وجعلت أتطاول له؛ ليراني، فلم يزل يردد بصره، حتى رأى ~~أبا عبيدة بن الجراح، فدعاه، فقال: اخرج معهم واقض بينهم بالحق ~~فيما اختلفوا فيه، قال عمر: فذهب بها أبو عبيدة. # وهذه الرواية تدل على أن المناظرة في تقرير الدين حرفة الأنبياء - عليهم ~~السلام - وأن مذهب الحشوية - في إنكار البحث والنظر - باطل قطعا. # فصل في بيان الرد على النصارى # " في وجه الرد على النصارى في هذه الآية ": # وهو أن الحي القيوم يمتنع أن يكون له ولد؛ لأنه واجب الوجود لذاته، ~~وكل ما سواه فإنه ممكن لذاته، محدث، حصل بتكوينه وإيجاده، وإذا كان ~~الكل محدثا مخلوقا امتنع كون شيء منها ولدا له، ولما ثبت أن ~~الإله يجب أن يكون حيا قيوما، وثبت أن عيسى ما كان حيا قيوما، ~~لأنه ولد، وكان يأكل، ويشرب، ويحدث. والنصارى زعموا أنه قتل، ولم ~~يقدر على دفع القتل عن نفسه، وهذا يقتضي القطع بأنه ليس بإله. # قوله: { نزل عليك الكتاب } العامة على ms1688 التشديد في " نزل ~~" ونصب " الكتاب " ، وقرأ الأعمش، والنخعي، وابن أبي عبلة ~~{ نزل عليك الكتاب } بتخفيف الزاي ورفع الكتاب. # فأما القراءة الأولى فقد تقدم أن هذه الجملة تحتمل أن تكون خبرا، وأن ~~تكون مستأنفة. # وأما القراءة الثانية، فالظاهر أن الجملة فيها مستأنفة، ويجوز أن ~~تكون خبرا، والعائد محذوف، وحينئذ تقديره: نزل عليك الكتاب ~~من عنده. # قوله: { بالحق } فيه وجهان: # أحدهما: أن تتعلق الباء بالفعل قبلها، والباء - حينئذ - للسببية، أي: ~~نزله بسبب الحق. # ثانيهما: أن يتعلق بمحذوف؛ على أنه حال، إما من الفاعل - أي: نزله ~~محقا - أو من المفعول - أي: نزله ملتبسا بالحق - نحو: جاء بكر ~~بثيابه، أي: ملتبسا بها. # وقال مكي: " ولا تتعلق الباء ب " نزل "؛ لأنه قد تعدى إلى مفعولين ~~- أحدهما بحرف فلا يتعدى إلى ثالث ". # وهذا - الذي ذكره مكي - غير ظاهر؛ فإن الفعل يتعدى إلى متعلقاته ~~بحروف مختلفة على حسب ما يكون، وقد تقدم أن معنى الباء السببية، فأي ~~مانع يمنع من ذلك؟ # قوله: { مصدقا } فيه أوجه: # أحدها: أن ينتصب على الحال من " الكتاب ". فإن قيل بأن قوله: " ~~بالحق " حال، كانت هذه حالا ثانية عند من يجيز تعدد الحال، ~~وإن لم يقل بذلك كانت حالا أولى. # الثاني: أن ينتصب على الحال على سبيل البدلية من محل " بالحق " ، ~~وذلك عند من يمنع تعدد الحال في غير عطف، ولا بدلية. # الثالث: أن ينتصب على الحال من الضمير المستكن في " بالحق " - إذا ~~جعلناه حالا - لأنه حينئذ يتحمل ضميرا؛ لقيامه مقام الحال التي ~~تتحمله، وعلى هذه الأقوال كلها فهي حال مؤكدة؛ لأن الانتقال فيها ~~غير متصور، وذلك نظير قول الشاعر: [البسيط] # 1317 - أنا ابن دارة معروفا بها نسبي # وهل بدارة - يا للناس - من عار # قوله: { لما بين يديه } مفعول ل " مصدقا " وزيدت ~~اللام في المفعول: [تقوية] للعامل؛ لأنه فرع له؛ إذ هو اسم فاعل، ~~كقوله تعالى: # فعال لما يريد # [البروج: 16]، وإنما ادعينا ذلك؛ لأن هذه المادة متعدية ~~بنفسها. # فصل في تفسير " الحي " و " القيوم " # الحي: هو الفعال الدراك، والقيوم: هو القائم بذاته، والقائم ms1689 ~~بتدبير الخلق، وقرأ عمر - رضي الله عنه - الحي القيام، والمراد ب " ~~الكتاب " - هنا - هو القرآن. # قال الزمخشري: " وخص القرآن بالتنزيل، والتوراة والإنجيل بالإنزال؛ لأن ~~التنزيل للتكثير والله تعالى نزل القرآن منجما، فكان معنى ~~التكثير حاصلا فيه، وأنزل التوراة والإنجيل دفعة واحدة، فلهذا ~~خصهما بالإنزال ". # فإن قيل: يشكل هذا بقوله: # الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب # [الكهف: 1]، وبقوله: # وبالحق أنزلناه وبالحق نزل # [الإسراء: 105]. # فالجواب: أن المراد به كل نجم وحده. # [وسمي الكل باسم البعض مجازا، أو نقول: " إن أنزل تشتمل على أمرين ~~والتضعيف لا يشتمل إلا الإنزال مرة واحدة ". # قال أبو حيان: وقد تقدم الرد على هذا القول في البقرة، وأن التعدية ~~بالتضعيف لا تدل على التكثير، ولا على التنجيم، وقد جاء في القرآن أنزل، ~~ونزل قال تعالى: # وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل ~~إليهم ولعلهم يتفكرون # [النحل: 44] ويدل على أنهما بمعنى واحد قراءة من قرأ ما كان من نزل ~~مشددا بالتخفيف إلا ما استثني، ولو كان أحدهما يدل على التنجيم ~~والآخر يدل على النزول دفعة واحدة لتناقضت الأخبار، وهو محال، وقد سبق ~~الزمخشري في هذا القول بعينه الواحدي]. # قوله: { بالحق } قال أبو مسلم: يحتمل وجوها: # أحدها: أنه صدق فيما تضمنه من الأخبار عن الأمم السابقة. # الثاني: أن ما فيه من الوعد والوعيد يحمل المكلف على اتباع الحق في ~~العلم والعمل. # ثالثها: أنه حق؛ بمعنى أنه قول فصل وليس بالهزل. # رابعها: قال الأصم: أنزله بالحق الذي يجب له على خلقه من ~~العبودية، وشكر النعمة وما يجب لبعضهم على بعض من العدل، ~~والإنصاف. # خامسها: أنه أنزله بالحق لا بالمعاني المتناقضة الفاسدة، كما قال: # أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا # [الكهف: 1]، وقال: # ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا # [النساء: 82]. # وقوله: { مصدقا لما بين يديه } معناه: مصدقا لكتب ~~الأنبياء، ولما أخبروا به عن الله، وهذا دليل على صحة القرآن من وجهين: # أحدهما: أنه موافق لسائر الكتب، ولو كان من عند غير الله لم يوافقها، ~~وهو - عليه ms1690 السلام - لم يختلط بالعلماء، ولا تتلمذ لأحد، ولا قرأ على أحد ~~شيئا [والمفتري] - إذا كان هكذا - يمتنع أن يسلم من الكذب والتحريف، ~~فلما لم يكن كذلك ثبت أنه إنما عرف هذه القصص من الله تعالى. # الثاني: قال أبو مسلم: إن الله تعالى لم يبعث نبيا قط إلا بالدعاء إلى ~~التوحيد والإيمان وتنزيه الإله عما لا يليق به، والأمر بالعدل والإحسان ~~وبالشرائع التي هي صلاح أهل كل زمان. والقرآن مصدق لكل الكتب في ذلك. # فإن قيل: كيف سمي ما مضى بأنه بين يديه؟ # فالجواب: أن تلك الأخبار - لغاية ظهورها، وكونها موجودة - سماها بهذا ~~الاسم. # فإن قيل: كيف يكون مصدقا لما تقدمه من الكتب مع أن القرآن ناسخ لأكثر ~~تلك الأحكام؟ # فالجواب: إذا كانت الكتب مشهورة بالرسل، وأحكامها ثابتة إلى حين نزول ~~القرآن فإنها تصير منسوخة بنزول القرآن، كان القرآن مصدقا لها، وأيضا ~~فدلائل المباحث الإلهية، وأصول العقائد لا تختلف، فلهذا كان مصدقا ~~لها. # قوله: { وأنزل التوراة والإنجيل } اختلف الناس في هذين ~~اللفظين، هل يدخلهما الاشتقاق والتصريف، أم لا يدخلانهما؛ [لكونهما ~~أعجميين؟]. # فذهب الزمخشري وغيره إلى الثاني، قالوا: لأن هذين اللفظين اسمان ~~عبرانيان لهذين الكتابين الشريفين، قال الزمخشري: " وتكلف اشتقاقهما من ~~الوري والنجل، ووزنهما بتفعلة وإفعيل إنما يثبت بعد كونهما [عربيين] ~~". # قال أبو حيان: " وكلامه صحيح، إلا أن فيه استدراكا، وهو قوله " ~~تفعلة " ولم يذكر مذهب البصريين وهو أن وزنها فوعلة، ولم ينبه ~~على " تفعلة " هل هي بكسر العين أو فتحها "؟ # قال شهاب الدين: " لم يحتج إلى التنبيه على الشيئين لشهرتهما، وإنما ~~ذكر المستغرب " ، ويؤيد ما قاله الزمخشري من كونها أعجمية ما نقله ~~الواحدي، وهو أن التوراة، والإنجيل، والزبور سريانية فعربوها، ثم ~~القائلون باشتقاقهما اختلفوا: # فقال بعضهم: التوراة مشتقة من قولهم: وري الزند إذا قدح، فظهر ~~منه نار، يقال: وري الزند وأوريته أنا، قال تعالى: # أفرأيتم النار التي تورون # [الواقعة: 71]؟، فثلاثيه قاصر، ورباعيه متعد، وقال تعالى: # فالموريات قدحا # [العاديات: 2]، ويقال أيضا: وريت بك زنادي، فاستعمل الثلاثي ~~متعديا، إلا أن المازني زعم أنه ms1691 لا يتجاوز به هذا اللفظ، يعني فلا ~~يقاس عليه، فيقال: وريت النار مثلا، إذا تقرر ذلك، فلما كانت التوراة ~~فيها ضياء ونور، يخرج به من الضلال إلى الهدى كما يخرج بالنور من الظلام ~~إلى النور، سمي هذا الكتاب بالتوراة، ويدل على هذا المعنى قوله ~~تعالى: # ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضيآء # [الأنبياء: 48] وهذا قول الفراء و [مذهب] جمهور الناس. # وقال آخرون: بل هي مشتقة من وريت في كلامي، من التورية، وهي التعريض، ~~وفي الحديث: # " كان إذا أراد سفرا ورى بغيره " # وسميت التوراة بذلك: لأن أكثرها تلويحات ومعاريض، وإلى هذا ذهب المؤرج ~~السدوسي وجماعة، وفي وزنها ثلاثة أقوال: # أحدها - وهو قول الخليل وسيبويه - أن وزنها فوعلة، وهذا الوزن قد ~~وردت منه ألفاظ نحو الدوخلة والقوصرة والدوسرة والصومعة، ~~والأصل: وورية - بواوين؛ لأنها إما من وري الزند، وإما من ~~وريت في كلامي، فأبدلت الواو الأولى تاء، وتحرك حرف العلة وانفتح ~~ما قبله فقلب ألفا فصار اللفظ " توراة " - كما ترى - وكتبت بالياء، ~~تنبيها على الأصل، كما أميلت لذلك، وقد أبدلت العرب التاء من الواو في ~~ألفاظ نحو تولج، وتيقور، وتخمة، وتراث وتكأة وتجاه ~~وتكلان، من الولوج والوقار والوخامة والوراثة والوكاء ~~والوجه والوكالة، ونظير إبدال الواو تاء في التوراة إبدالها أيضا من ~~قولهم - لما تراه المرأة في الطهر بعد الحيض -: الترية، هي ~~فعيلة من لفظ الوراء؛ لأنها ترى بعد الصفرة والكدرة. # الثاني, وهو قول الفراء: أن وزنها تفعلة - بكسر العين - فأبدلت ~~الكسرة فتحة، وهي لغة طائية، يقولون في الناصية: ناصاة، وفي جارية: ~~جاراة، وفي ناجية: ناجاة، قال الشاعر: [الطويل] # 1318 -.................... # فخرت كناصاة الحصان المشهر # وقال آخر: [المنسرح] # 1319 -................... # نفوسا بنت على الكرم # وأنشد الفراء: [الوافر] # 1320 - فما الدنيا بباقاة لحي # وما حي على الدنيا بباق # وقد رد البصريون ذلك بوجهين: # أحدهما: أن هذا البناء قليل جدا - أعني بناء تفعلة - بخلاف فوعلة، ~~فإنه كثير، فالحمل على الأكثر أولى. # الثاني: أنه يلزم منه زيادة التاء أولا، والتاء لم تزد - أولا - ~~إلا في مواضع ليس هذا منها، بخلاف ms1692 قلبها في أول الكلمة، فإنه ثابت، وذلك ~~أن الواو إذا وقعت أولا قلبت إما همزة نحو أجوه وأقتت وإشاح - ~~في: وجوه ووقتت ووشاح - وإما تاء نحو: تجاه وتخمة، فاتباع ما ~~عهد أولى من اتباع ما لم يعهد. # الثالث: أن وزنها " تفعلة " [بفتح العين] - وهو مذهب الكوفيين - كما ~~يقولون في تفعلة - بالضم - تفعلة - بالفتح - وهذا لا حاجة إليه، ~~وهو أيضا دعوى لا دليل عليها. # وأمال " التوراة " - حيث ورد في القرآن - إمالة محضة أبو عمرو ~~والكسائي وابن عامر في رواية ابن ذكوان وأمالها بين بين حمزة وورش [عن ~~نافع]، واختلف عن قالون، فروي عنه بين بين والفتح، وقرأها الباقون بالفتح ~~فقط، ووجه الإمالة إن قلنا إن ألفها [منقلبة عن ياء ظاهر، وإن قلنا: إنها ~~أعجمية لا اشتقاق لها، فوجه الإمالة شبه ألفها لألف] التأنيث من حيث ~~وقوعها رابعة، فسبب إمالتها، إما الانقلاب، وإما شبه ألف التأنيث. # والإنجيل؛ قيل: إفعيل كإجفيل، وفي وزنه أقوال: # أحدها: أنه مشتق من النجل، وهو الماء الذي ينز من الأرض ويخرج منها، ~~ومنه النجل للولد، وسمي الإنجيل؛ لأنه مستخرج من اللوح المحفوظ. # وقيل: من النجل وهو الأصل، ومنه النجل للوالد، فهو من الأضداد؛ إذ ~~يطلق على الولد والوالد، قال الأعشى: [المنسرح] # 1321 - أنجب أيام والداه به # إذ نجلاه فنعم ما نجلا # وقيل: من النجل - وهو التوسعة - ومنه العين النجلاء، لسعتها، ومنه طعنة ~~نجلاء وسمي الإنجيل بذلك؛ لأن فيه توسعة لم تكن في التوراة؛ إذ حلل فيه ~~أشياء كانت محرمة. # وقيل: هو مشتق من التناجل وهو: التنازع، يقال: تناجل الناس أي: ~~تنازعوا, وسمي الإنجيل بذلك لاختلاف الناس فيه، قاله أبو عمرو ~~الشيباني. # والعامة على كسر الهمزة من " إنجيل " ، وقرأ الحسن بفتحها. # قال الزمخشري: وهذا يدل على أنه أعجمي؛ لأن أفعيلا - بفتح الهمزة - ~~قليل عديم في أوزان العرب. قلت: بخلاف إفعيل - بكسرها - فإنه موجود نحو: ~~إجفيل وإخريط وإصليت. # قال ابن الخطيب: " وأمر هؤلاء الأدباء عجيب؛ لأنهم أوجبوا في كل لفظ ~~أن يكون مأخوذا من شيء آخر، ولو كان كذلك لزم ms1693 إما التسلسل، وإما الدور، ~~ولما كانا باطلين وجب الاعتراف بأنه لا بد من ألفاظ موضوعة وضعا ~~أولا، حتى يجعل سائر الألفاظ مشتقة منها، وإذا كان الأمر كذلك ~~فلم لا يجوز في هذا اللفظ الذي جعلوه مشتقا من ذلك الآخر أن يكون الأصل ~~هو هذا، والفرع هو ذاك الآخر، ومن الذي أخبرهم بأن هذا فرع وذاك أصل؟ # وربما كان هذا الذي يجعلونه فرعا ومشتقا في غاية الشهرة، وذاك الذي ~~يجعلونه أصلا في غاية الخفاء، وأيضا فلو كانت التوراة إنما سميت بذلك ~~لظهورها، والإنجيل إنما سمي إنجيلا لكونه أصلا وجب في كل ما ظهر أن ~~يسمى بالتوراة، فوجب تسمية كل الحوادث بالتوراة، ووجب في كل ما كان ~~أصلا لشيء آخر أن يسمى بالإنجيل، فالطين أصل الكوز فوجب أن يكون ~~الطين إنجيلا، والذهب أصل الخاتم، والغزل أصل الثوب، فوجب تسمية هذه ~~الأشياء بالإنجيل، ومعلوم أنه ليس كذلك، ثم إنهم عند إيراد هذه الإلزامات ~~عليهم لا بد وأن يتمسكوا بالوضع، ويقولوا: العرب خصصوا هذين اللفظين ~~بهذين الشيئين على سبيل الوضع، وإذا كان لا يتم المقصود في آخر الأمر إلا ~~بالرجوع إلى وضع اللغة، فلم لا نتمسك به في أول الأمر، ونريح أنفسنا ~~من الخوض في هذه الكلمات، وأيضا فالتوراة والإنجيل اسمان أعجميان، ~~أحدهما بالعبرية، والآخر بالسريانية [فقيل: التوراة بالعبرانية نور، ~~ومعناه الشريفة، والإنجيل بالسريانية " إنكليون " ، ومعناه الإكليل] ~~[فكيف يليق بالعاقل أن يشتغل بتطبيقها على أوزان لغة العرب؟ فظهر أن ~~الأولى بالعاقل أن لا يلتفت إلى هذه المباحث " ]. # قوله: " من قبل " متعلق ب " أنزل " والمضاف إليه الظرف محذوف؛ ~~لفهم المعنى، تقديره: من قبلك، أو من قبل الكتاب، و " الكتاب " غلب ~~على القرآن، وهو - في الأصل - مصدر واقع موقع المفعول به، [أي] المكتوب. # وذكر المنزل عليه في قوله: { نزل عليك } ، ولم يذكره في قوله: { ~~وأنزل التوراة والإنجيل } تشريفا لنبينا صلى الله عليه ~~وسلم. قوله: " هدى " فيه وجهان: # أحدهما: أنه منصوب على المفعول من أجله، والعامل فيه " أنزل " أي: ~~أنزل هذين الكتابين لأجل هدايته. # وعلى هذا التقدير ms1694 يكون قد وصف القرآن بأنه حق، ووصف التوراة والإنجيل ~~بأنهما هدى، والوصفان متقاربان. # فإن قيل: لم وصف القرآن - في أول سورة البقرة - بأنه # هدى للمتقين # [البقرة: 2]، ولم يصفه هنا بذلك؟ قيل: إنما وصفه - هناك - بذلك؛ [لأن] ~~المتقين هم المنتفعون به، فهو هدى لهم لا لغيرهم وها هنا فالمناظرة كانت ~~مع النصارى، وهم لا يهتدون بالقرآن، فلا جرم لم يقل هنا في القرآن ~~إنه هدى، بل قال: إنه حق في نفسه - سواء قبلوه أو ردوه - وأما التوراة ~~والإنجيل فهم يعتقدون صحتهما، ويدعون أنهم إنما يعولون في دينهم عليهما، ~~فلا جرم، وصفهما بكونهما هدى. ويجوز أن يكون متعلقا - من حيث المعنى - ~~ب " نزل " و " أنزل " معا، وتكون المسألة من باب التنازع على ~~إعمال الثاني والحذف من الأول، تقديره: نزل عليك الكتاب له أي: للهدى، ~~فحذفه. # ويجوز أن يتعلق بالفعلين - معا - تعلقا صناعيا، لا على وجه التنازع، ~~بل بمعنى أنه علة للفعلين معا، كما تقول: أكرمت زيدا وضربت عمرا ~~إكراما لك، يعني أن الإكرام علة الإكرام والضرب. # والثاني: أن ينتصب على الحال من التوراة والإنجيل. ولم يثن؛ لأنه ~~مصدر، وفيه الأوجه المشهورة من حذف المضاف - أي ذوي هدى - أو على ~~المبالغة - بأن جعلا نفس الهدى - أو على جعلهما بمعنى هاديين. # وقيل: إنه حال من الكتاب والتوراة والإنجيل. # وقيل: حال من الإنجيل فقط، وحذف مما قبله؛ لدلالة هذا عليه. # وقال بعضهم: تم الكلام عند قوله تعالى: { من قبل } فيوقف عليه، ~~ويبتدأ بقوله: { هدى للناس وأنزل الفرقان } أي: ~~وأنزل الفرقان هدى للناس. # وهذا التقدير غير صحيح؛ لأنه يؤدي إلى تقديم المعمول على حرف النسق، ~~وهو ممتنع؛ إذ لو قلت: قام زيد مكتوفة وضربت هندا - تعني وضربت ~~هندا مكتوفة - لم يصح، فكذلك هذا. # قوله: " للناس " يحتمل أن يتعلق بنفس " هدى " لأن هذه المادة تتعدى ~~باللام، كقوله تعالى: # يهدي للتي هي أقوم # [الإسراء: 9] وأن يتعلق بمحذوف؛ لأنه صفة ل " هدى ". # قوله: { وأنزل الفرقان } يحتمل أن يراد به جميع الكتب ~~السماوية، ولم يجمع لأنه مصدر بمعنى الفرق كالغفران ms1695 والكفران، وهو ~~يحتمل أن يكون مصدرا واقعا موقع الفاعل، أو المفعول، والأول أظهر. # قال الزمخشري: " وكرر ذكر القرآن بما هو نعت له. ومدح من كونه فارقا ~~بين الحق والباطل بعد ما ذكره باسم الجنس؛ تعظيما لشأنه، وإظهارا لفضله ~~". # قال شهاب الدين: " قد يعتقد معتقد أن في كلامه هذا ردا لقوله الأول؛ ~~حيث قال: إن " نزل " يقتضي التنجيم، و " أنزل " يقتضي الإنزال ~~الدفعي؛ لأنه جوز أن يراد بالفرقان القرآن، وقد ذكره ب " أنزل " ، ~~ولكن لا ينبغي أن يعتقد ذلك؛ لأنه لم يقل: إن أنزل للانزال ~~الدفعي فقط، بل يقول: إن " نزل " - بالتشديد - يقتضي التفريق، و " ~~أنزل " يحتمل التفريق، ويحتمل الإنزال الدفعي ". # فصل في المراد ب " الفرقان " # قيل: المراد بالفرقان هو الزبور؛ لقوله: # وآتينا داوود زبورا # [الإسراء: 55]. # وقيل القرآن، وإنما أعاده تعظيما لشأنه، ومدحا له بكونه فارقا بين ~~الحق والباطل. # أو يقال: إنه تعالى أعاد ذكره ليبين أنه أنزله بعد التوراة والإنجيل، ~~ليجعله فارقا بين ما اختلف فيه اليهود والنصارى من الحق والباطل، وعلى ~~هذا التقدير، فلا تكرار. # وقال الأكثرون: إن المراد أنه تعالى - كما جعل هذه الكتب الثلاثة هدى ~~ودلالة - قد جعلها مفرقة بين الحلال والحرام وسائر الشرائع. # قال ابن الخطيب: " وهذه الأقوال - عندي - مشكلة. # فأما حمله على الزبور فبعيد؛ لأن الزبور ليس فيه شيء من الشرائع ~~والأحكام، وإنما هو مواعظ ووصف التوراة والإنجيل - مع اشتمالهما على ~~الدلائل والأحكام - بالفرقان أولى من وصف الزبور بذلك. # وأما حمله على [القرآن] فبعيد من حيث إنه عطف على ما قبله، والمعطوف ~~يغاير المعطوف عليه، والقرآن مذكور قبل ذلك فيقتضي أن يكون الفرقان ~~مغايرا للقرآن، وبهذا الوجه يظهر ضعف القول الثالث لأن كون هذه [الكتب] ~~فارقة بين الحق والباطل صفة لهذه الكتب، وعطف الصفة على الموصوف - وإن ~~كان قد ورد فيه بعض الأشعار النادرة [إلا أنه] ضعيف، بعيد عن وجه الفصاحة ~~اللائقة بكلام الله تعالى. # والمختار عندي هو أن المراد بالفرقان - هنا - المعجزات المقرونة بإنزال ~~هذه الكتب؛ لأنهم لما أتوا بهذه الكتب، وادعوا أنها نزلت ms1696 عليهم من عند ~~الله تعالى افتقروا إلى إثبات هذه الدعوى إلى دليل حتى يحصل الفرق بين ~~دعواهم ودعوى الكاذبين، فلما أظهر الله تلك المعجزات على وفق دعواهم حصلت ~~المفارقة بين دعوى الصادق، ودعوى الكاذب، فالمعجزة هي الفرقان، فلما ذكر ~~الله تعالى أنه نزل الكتاب بالحق، وأنزل التوراة والإنجيل من قبل ذلك بين ~~أنه تعالى أنزل معها ما هو الفرقان الحق، وهو المعجز القاهر الذي يدل على ~~صحتها، ويفيد الفرق بينها وبين سائر الكتب المختلفة، فهذا ما عندي ". # ويمكن أن يجاب بأنه إذا قلنا: المراد به جميع الكتب السماوية، فيزول ~~الإشكال الذي ذكره، ويكون هذا من باب ذكر العام بعد الخاص كقوله تعالى: # فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا ~~وحدآئق غلبا وفاكهة وأبا # [عبس: 27-31]. # قوله: { إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب } ~~يحتمل أن يرتفع " عذاب " بالفاعلية بالجار قبله، لوقوعه خبرا عن " ~~إن " ويحتمل أن يرتفع على الابتداء، والجملة خبر " إن " والأول ~~أولى؛ لأنه من قبيل الإخبار بما يقرب من المفردات و " انتقام " افتعال، ~~من النقمة وهي السطوة والتسلط، ولذلك عبر بعضهم عنها بالمعاقبة، يقال: ~~نقم - بالفتح - وهو الأفصح، ونقم - بالكسر - وقد قرئ بهما ويقال: ~~انتقم من انتقم، أي: عاقبه وقال الليث: ويقال لم أرض عنه، حتى نقمت، ~~وانتقمت إذا كافأه عقوبة بما صنع. وسيأتي له مزيد بيان في المائدة إن شاء ~~الله تعالى. # فصل # اعلم أنه تعالى لما قرر جميع ما يتعلق بمعرفة الإله أتبع ذلك بالوعيد؛ ~~زجرا للمعرضين عن هذه الدلائل الباهرة، فقال: { إن الذين ~~كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد } فخص بعض ~~المفسرين ذلك بالنصارى؛ قصرا للفظ العام على سبب نزوله. # وقال المحققون: الاعتبار بعموم اللفظ، فهو يتناول كل من أعرض عن دلائل ~~الله { والله عزيز } ، أي: غالب لا يغلب، وهذا إشارة إلى ~~القدرة التامة على العقاب، و { ذو انتقام } إشارة إلى كونه فاعلا ~~للعقاب، فالأول صفة الذات، والثاني صفة الفعل. ### || [3.5-6] # هذا الكلام يحتمل وجهين: # الأول: أن ينزل على سبب النزول؛ وذلك لأن النصارى ادعوا ms1697 ~~الإلهية لعيسى؛ لأمور: # أحدها: العلم، فإنه كان يخبر عن الغيوب، ويقول لهذا: إنك أكلت في ~~دارك كذا، ويقول لذلك: إنك صنعت في دارك كذا. # الثاني: القدرة، وهي أن عيسى كان يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه ~~والأبرص، ويخلق من الطين كهيئة الطير، ثم ينفخ فيه فيكون طيرا. # الثالث: من جهة الإلزام المعنوي، وهو أنه لم يكن له أب من البشر. # الرابع: من جهة الإلزام اللفظي، وهو قولهم لنا: أنتم تقولون: إنه روح ~~الله، وكلمته. # فالله تعالى استدل على بطلان قولهم بإلهية عيس، والتثليث بقوله: { ~~الحي القيوم } ، فالإله يجب أن يكون حيا قيوما، وعيسى ما ~~كان حيا قيوما, فلزم القطع بأنه لم يكن إلها، وأجاب عن شبهتهم ~~بعلم الغيوب بقوله: { إن الله لا يخفى عليه شيء في ~~الأرض ولا في السمآء } ، وكون عيسى عالما ببعض المغيبات، لا ~~يدل على كونه إلها؛ لاحتمال أنه علم ذلك بوحي من الله تعالى، فعدم ~~إحاطته بكل المغيبات يدل قطعا على أنه ليس بإله؛ لأن الإله هو الذي لا ~~يخفى عليه شيء في الأرض، ولا في السماء؛ لأنه خالقهما، والخالق لا بد ~~وأن يكون عالما بمخلوقه، ومن المعلوم بالضرورة أن عيسى ما كان عالما ~~بجميع المغيبات، وكيف والنصارى يقولون: إنه قتل، فلو كان يعلم الغيب، ~~لعلم بأن القوم يريدون قتله، فكان يفر منهم قبل وصولهم إليه، وأما ~~تعلقهم بقدرته على إحياء الموتى، فأجاب الله تعالى عن ذلك بقوله: { هو ~~الذي يصوركم في الأرحام كيف يشآء } وتقديره: أن ~~حصول الإحياء لعيسى في بعض الصور لا يدل على كونه إلها؛ لاحتمال أن ~~الله تعالى أكرمه بذلك إظهارا لمعجزته، وعجزه عن الإحياء في بعض الصور ~~يوجب قطعا عدم إلهيته، لأن الإله هو القادر على أن يصور في الأرحام ~~من قطرة صغيرة من النطفة هذا التركيب العجيب، فلو كان عيسى قادرا على ~~الإحياء، والإماتة، لأمات أولئك الذين أخذوه وقتلوه - على زعمهم - فثبت ~~أن الإحياء والإماتة في بعض الصور لا تدل على كونه إلها، وكذلك عدم حصول ~~الإحياء والإماتة له في كل الصور ms1698 دليل على أنه ما كان إلها. # وأما الشبهة الثالثة وهي الإلزام المعنوي بأنه لم يكن له أب من البشر، ~~فأجاب الله تعالى عنه بقوله: { هو الذي يصوركم في ~~الأرحام كيف يشآء } فإن شاء صوره من نطفة [الأب]، وإن شاء صوره ~~ابتداء من غير الأب، كما خلق آدم من غير أب أيضا ولا أم. # وأما قولهم لنا: أنتم تقولون: إنه روح الله وكلمته، فهذا الإلزام لفظي، ~~وهو محتمل للحقيقة والمجاز، فإذا ورد لفظ يكون ظاهره مخالفا للدليل ~~العقلي كان من باب المتشابهات، فوجب رده إلى التأويل، وذلك هو المراد ~~بقوله: # هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات ~~هن أم الكتاب وأخر متشابهات # [آل عمران: 7]، فظهر بما ذكرنا أن قوله: { الحي القيوم } يدل ~~على أن المسيح ليس بإله، ولا ابن الإله. # وقوله: { إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ~~ولا في السمآء } جواب عن تعلقهم بالعلم، وقوله: { هو الذي ~~يصوركم في الأرحام كيف يشآء } جواب عن تمسكهم بقدرته ~~على الإحياء والإماته، وعن تمسكهم بأنه ما كان له أب من البشر، وقوله: ~~{ هو الذي أنزل عليك الكتاب } جواب عن تمسكهم بما ~~ورد في القرآن من أن عيسى روح الله وكلمته. # الاحتمال الثاني: أنه تعالى لما ذكر أنه قيوم، والقيوم هو القائم بإصلاح ~~مصالح [الخلق]، وذلك لا يتم إلا بأمرين: # الأول: أن يكون عالما بجميع حاجاتهم بالكمية والكيفية. # الثاني: أن يكون قادرا على دفع حاجاتهم، فالأول لا يتم إلا إذا كان ~~عالما بجميع المعلومات، والثاني لا يتم إلا إذا كان قادرا على جميع ~~الممكنات، ثم إنه استدل على كونه عالما بجميع المعلومات بقوله: { إن ~~الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السمآء ~~} وذلك يدل على كمال علمه، وإثبات كونه عالما لا يجوز أن يكون بالسمع؛ ~~لأن معرفة صحة السمع موقوفة على العلم بكونه تعالى عالما ما بجميع ~~المعلومات، وإنما الطريق إليه بالدليل العقلي، وذلك بأن نقول: إن أفعال ~~الله محكمة متقنة والفعل المحكم المتقن يدل على كون فاعله عالما، ~~وإذا ms1699 كان دليل كونه تعالى عالما ما ذكرنا، فحين ادعى كونه عالما بجميع ~~المعلومات بقوله: { إن الله لا يخفى عليه شيء في ~~الأرض ولا في السمآء } [أتبعه] بالدليل العقلي، وهو أنه ~~يصور في ظلمات الأرحام هذه البنية العجيبة ويركبها تركيبا غريبا ~~من أعضاء مختلفة في الشكل والطبع والصفة، فبعضها أعصاب، وبعضها أوردة، ~~وبعضها شرايين، وبعضها عضلات، ثم إنه ضم بعضها إلى بعض على أحسن تركيب ~~وأكمل تأليف، وذلك يدل على كمال قدرته، حيث قدر أن يخلق من قطرة من نطفة ~~هذه الاعضاء المختلفة في الطبع والشكل واللون، فدل هذا الفعل ~~المحكم المتقن على كمال علمه وقدرته. # قوله: { في الأرض } يجوز أن يتعلق ب " يخفى " ، وأن يتعلق ~~بمحذوف على أنه صفة ل " شيء ". # فصل # المراد بقوله: { إن الله لا يخفى عليه شيء في ~~الأرض ولا في السمآء } أي: لا يخفى عليه شيء. # فإن قيل: ما فائدة قوله: { في الأرض ولا في السمآء } مع أنه ~~لو أطلق لكان أبلغ؟ # فالجواب: أن الغرض منه إفهام العباد كمال علمه، وفهمهم هذا المعنى عند ~~ذكر السموات والأرض أقوى؛ لأن الحس يرى عظمة السموات والأرض، فيعين ~~العقل على معرفة عظمة علم الله تعالى، والحس متى أعان العقل على المطلوب ~~كان الفهم أتم، والإدراك أكمل، ولذلك فإن المعاني الدقيقة إذا أريد ~~إيضاحها ذكر لها مثال؛ فإن المثال يعين على الفهم. # قوله: { هو الذي يصوركم في الأرحام } تحتمل هذه الجملة ~~أن تكون مستأنفة سيقت لمجرد الإخبار بذلك، وأن تكون في محل رفع خبرا ~~ثانيا لإن. # قوله: { في الأرحام } يجوز أن يتعلق ب " يصوركم " وهو ~~الظاهر، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من مفعول " يصوركم " ~~أي: يصوركم وأنتم في الأرحام مضغ. # وقرأ طاوس: تصوركم - فعلا ماضيا - ومعناه: صوركم لنفسه، ~~ولتعبدوه، وتفعل يأتي بمعنى فعل، كقولهم: تأثلث مالا، وأثلته، ~~أي: جعلته أثلة أي: أصلا، والتصوير: تفعيل من صاره، يصوره، أي: أماله ~~وثناه، ومعنى صوره: جعل له صورة مائلة إلى شكل أبويه. # والصورة: الهيئة يكون عليها الشيء من تأليف خاص، وتركيب ms1700 منضبط، قاله ~~الواحدي وغيره. # والأرحام: جمع رحم، وأصلها الرحمة، وذلك لأن الاشتراك في الرحم يوجب ~~الرحمة، والعطف، فلهذا سمي العضو رحما. # قوله: { كيف يشآء } فيه أوجه: # أظهرها: أن " كيف " للجزاء، وقد جوزي بها في لسانهم في قولهم: ~~كيف تصنع أصنع، وكيف تكون أكون، إلا أنه لا يجزم بهما، وجوابها ~~محذوف؛ لدلالة ما قبلها عليه، وكذلك مفعول " يشاء " لما تقدم أنه لا ~~يذكر إلا لغرابة والتقدير: كيف يشاء تصويركم يصوركم، فحذف تصويركم؛ ~~لأنه مفعول " يشاء " ويصوركم؛ لدلالة " يصوركم " الأول عليه، ~~ونظيره قولهم: أنت ظالم إن فعلت، تقديره: أنت ظالم إن فعلت فأنت ~~ظالم. # وعند من يجيز تقديم الجزاء في الشرط الصريح يجعل " يصوركم " ~~المتقدم هو الجزاء، و " كيف " منصوب على الحال بالفعل بعده، والمعنى: ~~على أي حال شاء أن يصوركم صوركم، وتقدم الكلام على ذلك في قوله " كيف ~~تكفرون " ولا جائز أن يكون " كيف " معمولة " يصوركم "؛ لأن لها ~~صدر الكلام، وما له صدر الكلام لا يعمل فيه إلا أحد شيئين: إما حرف ~~الجر نحو بمن تمر؟ وإما المضاف نحو غلام من عندك؟ # الثاني: أن يكون " كيف " ظرفا ل " يشاء " والجملة في محل نصب ~~على الحال من ضمير اسم الله تعالى، تقديره: يصوركم على مشيئته، أي: ~~مريدا. # الثالث: كذلك إلا أنه حال من مفعول " يصوركم " تقديره: يصوركم ~~متقلبين على مشيئته. # ذكر الوجهين أبو البقاء، ولما ذكر غيره كونها حالا من ضمير اسم الله ~~تعالى قدرها بقوله: يصوركم في الأرحام قادرا على تصويركم مالكا ذلك. # الرابع: أن تكون الجملة في موضع المصدر، المعنى: يصوركم في الأرحام ~~تصوير المشيئة كما يشاء قاله الحوفي، وفي قوله: الجملة في موضع المصدر ~~تسامح؛ لأن الجمل لا تقوم مقام المصادر، ومراده أن " كيف " دالة على ~~ذلك، ولكن لما كانت في ضمن الجملة نسب ذلك إلى الجملة. # فصل في معنى الآية # معنى: { يصوركم في الأرحام كيف يشآء } ذكرا أو أنثى، ~~أبيض أو أسود، حسنا أو قبيحا، تاما أو ناقصا، وقد ذكرنا أن هذا ~~رد على وفد نجران؛ حيث قالوا: ms1701 عيسى ولد الله وكان يقول: كيف يكون ولده ~~وقد صوره في الرحم؟ ثم إنه لما أجاب عن شبهتهم أعاد كلمة التوحيد؛ ~~زجرا للنصارى عن قولهم بالتثليث فقال: { لا إله إلا هو ~~العزيز الحكيم } و " العزيز " إشارة إلى كمال القدرة، يعني ~~أن قدرته أكمل من قدرة عيسى على الإماتة والإحياء، و " الحكيم " ~~إشارة إلى كمال العلم، يعني: أن علمه أكمل من علم عيسى بالغيوب؛ فإن ~~علم عيسى ببعض الصور، وقدرته على بعض الصور لا يدل على كونه إلها، ~~وإنما الإله هو الذي يكون قادرا على كل الممكنات، عالما بجميع ~~الجزئيات والكليات. # قال عبد الله بن مسعود: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو ~~الصادق المصدوق - # " إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ~~نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة ~~مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك، فينفخ فيه ~~الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وعمله، ~~وأجله، وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إن ~~أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون ~~بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، ~~فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ~~ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه ~~وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل ~~بعمل أهل الجنة فيدخلها ". # وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في ~~الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين يوما، فيقول: يا ~~رب أشقي أو سعيد؟ فيكتبان، فيقول: أي رب أذكر ~~أو أنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله، وأثره، وأجله، ~~ورزقه، ثم تطوى الصحف، فلا يزاد فيها ولا ~~ينقص ". ### || [3.7] # وجه النظم على الاحتمال الأول في الآية المتقدمة أن النصارى تمسكوا ~~- في بعض شبههم - بما جاء في القرآن من صفة عيسى عليه السلام أنه ~~روح الله وكلمته، فبين الله تعالى بهذه الآية أن القرآن مشتمل على ~~محكم ومتشابه، و التمسك بالمتشابهات غير جائز - هذا على الاحتمال ~~الأول في الآية المتقدمة، وعلى الثاني - أنه تعالى لما بين أنه قيوم، ~~وهو القائم بمصالح الخلق، والمصالح ms1702 قسمان: جسمانية، وروحانية، فالجسمانية ~~أشرفها تعديل البنية على أحسن شكل، وهو المراد بقوله: # هو الذي يصوركم في الأرحام # [آل عمران: 6] وأما الروحانية فأشرفها العلم، وهو المراد بقوله: { ~~هو الذي أنزل عليك الكتاب }. # قوله: { منه آيات } يجوز أن تكون " آيات " رفعا بالابتداء، ~~والجار خبره، وفي الجملة على هذا وجهان: # أحدهما: أنها مستأنفة. # والثاني: أنها في محل نصب على الحال من " الكتاب " أي: هو الذي أنزل ~~الكتاب في هذه الحال، أي: منقسما إلى محكم ومتشابه. # ويجوز أن يكون " منه " هو الحال - وحده - وآيات: رفع [به] - على ~~الفاعلية. # و { هن أم الكتاب } يجوز أن تكون الجملة صفة للنكرة ~~قبلها، ويجوز أن تكون مستأنفة. # وأخبر بلفظ الواحد " أم " عن جمع " هن " إما لأن المراد أن ~~كل واحدة منه أم، وإما لأن المجموع بمنزلة آية واحدة، كقوله: # وجعلنا ابن مريم وأمه آية # [المؤمنون: 50]، وإما لأنه مفرد واقع موقع الجمع، كقوله: # وعلى سمعهم # [البقرة: 7]. # وقوله: [الوافر] # 1322 - كلوا في بعض بطنكم تعفوا # .............................. # وقوله: [الطويل] # 1323 - بها جيف الحسرى فأما عظامها # فبيض وأما جلدها فصليب # وقال الأخفش: وحد " أم الكتاب " بالحكاية على تقدير الجواب، ~~كأنه قيل: ما أم الكتاب؟ فقال: هن أم الكتاب، كما يقال: من نظير ~~زيد؟ فيقول قوم: نحن نظيره، كأنهم حكوا ذلك اللفظ، وهذا على قولهم: ~~دعني من تمرتان، أي: مما يقال له: تمرتان. # قال ابن الأنباري: " وهذا بعيد من الصواب في الآية؛ لأن الإضمار لم يقم ~~عليه دليل، ولم تدع إليه حاجة ". # وقيل: لأنه بمعنى أصل الكتاب، والأصل يوحد. # قوله: " وأخر " نسق على " آيات " و " متشابهات " نعت ل " أخر " ، وفي ~~الحقيقة " أخر " نعت لمحذوف تقديره: وآيات أخر متشابهات. # قال أبو البقاء: فإن قيل: واحدة [متشابهات: متشابهة، وواحدة أخر: أخرى، ~~والواحد هنا - لا يصح أن يوصف بهذا الواحد -، فلا يقال: أخرى متشابهة]، ~~إلا أن يكون بعض الواحدة يشبه بعضا، وليس المعنى على ذلك، إنما المعنى ~~أن كل آية تشبه آية أخرى، فكيف صح وصف هذا الجمع بهذا الجمع ولم يصح ~~وصف مفرده بمفرده؟ # قيل: ms1703 التشابه لا يكون إلا بين اثنين فصاعدا، فإذا اجتمعت الأشياء ~~المتشابهة كان كل واحد منها مشابها للآخر، فلما لم يصح التشابه إلا في ~~حالة الاجتماع وصف الجمع بالجمع؛ لأن كل واحد منها يشابه باقيها، ~~فأما الواحد فلا يصح فيه هذا المعنى، ونظيره قوله: # فوجد فيها رجلين يقتتلان # [القصص: 15] فثنى الضمير، وإن كان الواحد لا يقتتل، يعني أنه ليس من ~~شرط صحة الوصف في التثنية أو الجمع صحة انبساط مفردات الأوصاف على مفردات ~~الموصوفات، وإن كان الأصل ذلك كما أنه لا يشترط في إسناد الفعل إلى ~~المثنى والمجموع صحة إسناده إلى كل واحد على حدته، وقريب من ذلك قوله: # حآفين من حول العرش # [الزمر: 75]، وقيل: ليس ل " حافين " مفرد؛ لأنه ولو قيل: حاف لم ~~يصح؛ إذ لا يتحقق الحفوف في واحد فقط، إنما يتحقق بجمع يحيطون بذلك ~~الشيء المحفوف [وسيأتي بيان ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى]. # فصل # اعلم أن القرآن الكريم كله محكم من جهة الإحكام والإتقان ~~والفصاحة وصحة المعاني، وكونه كلاما حقا؛ لقوله تعالى: # كتاب أحكمت آياته # [هود: 1]، وقوله: # تلك آيات الكتاب الحكيم # [يونس: 1] فهو أفضل من كل كلام يوجد في هذه المعاني، ولا يمكن أحد أن ~~يأتي بكلام يساويه فيها، والعرب تقول في البناء الوثيق، والعقد الوثيق ~~الذي لا يمكن حله: محكم، وكله متشابه من حيث إنه يشبه بعضه ~~بعضا في الحسن، ويصدق بعضه بعضا؛ لقوله تعالى: # كتابا متشابها مثاني # [الزمر: 23]. # وذكر في هذه الآية أن بعضه محكم، وبعضه متشابه. # واختلف المفسرون في المحكم - هنا - والمتشابه، فقال ابن عباس: ~~المحكمات هي الآيات الثلاث في سورة الانعام، # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم # [الأنعام: 151] الآيات، ونظيرها في بني إسرائيل # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه # [الإسراء: 23]. # وعنه أنه قال: المتشابهات: حروف التهجي في أوائل السور. # وقال مجاهد وعكرمة: المحكم: ما فيه الحلال والحرام، وما سوى ذلك متشابه، ~~يشبه بعضه بعضا في الحق، ويصدق بعضه بعضا، كقوله: # وما يضل به إلا الفاسقين # [البقرة: 26]، وقوله: # ويجعل الرجس على الذين ms1704 لا يعقلون # [يونس: 100]. # وقال قتادة والضحاك والسدي: المحكم: الناسخ الذي يعمل به، ~~والمتشابه: المنسوخ الذي لا يعمل به ويؤمن به، وروى علي بن أبي ~~طلحة عن ابن عباس قال: # محكمات القرآن: ناسخه، وحلاله، وحرامه، وحدوده، وفرائضه، وما يؤمن ~~به ولا يعمل به. # وقيل المحكمات: ما أوقف الله الخلق على معناها، والمتشابه: ما استأثر ~~الله بعلمه، ولا سبيل لأحد إلى علمه نحو الخبر عن أشراط الساعة من خروج ~~الدجال، ونزول عيسى عليه السلام وطلوع الشمس من مغربها وقيام الساعة، ~~وفناء الدنيا. # وقال محمد بن جعفر بن الزبير: المحكم ما لا يحتمل من التأويل غير ~~وجه، والمتشابه ما احتمل أوجها. # وقيل: المحكم: ما يعرف معناه، وتكون حججه واضحة، ولا تشتبه دلائله، ~~والمتشابه: هو الذي يدرك علمه بالنظر، ولا يعرف العوام تفصيل ~~الحق فيه من الباطل، وقيل المحكم: ما يستقل بنفسه في المعنى، والمتشابه: ~~ما لا يستقل بنفسه بل يرد إلى غيره. # فصل # " في تفسير المحكم في أصل اللغة ": # العرب تقول: أحكمت وحكمت بمعنى رددت، ومنعت، والحاكم يمنع الظالم عن ~~الظلم، وحكمة اللجام هي التي تمنع الفرس عن الاضطراب، وفي حديث ~~النخعي: أحكم اليتيم كما تحكم ولدك، أي: امنعه من الفساد. # وقال جرير: [الطويل] # 1324 - أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم # ........................ # أي: امنعوهم. # وبناء محكم: أي: وثيق، يمنع من تعرض له، وسميت الحكمة ~~حكمة؛ لأنها تمنع عما لا ينبغي. # والمتشابه: هو أن يكون أحد الشيئين مشابها للآخر، بحيث يعجز الذهن عن ~~التمييز [بينهما]، قال تعالى: # إن البقر تشابه علينا # [البقرة: 70]، وقال في وصف ثمار الجنة: # وأتوا به متشابها # [البقرة: 25] أي: متفق المنظر، وقال تعالى: # تشابهت قلوبهم # [البقرة: 118]، ويقال: أشبه علي الأمر إذا لم يظهر له الفرق ويقال ~~لأصحاب المخاريق: أصحاب الشبه، وقال صلى الله عليه وسلم: # " الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور ~~متشابهات " # وفي رواية مشتبهات، ثم لما كان من شأن المتشابهين عجز الإنسان عن ~~التمييز بينهما، سمي كل ما لا يهتدي إليه الإنسان بالمتشابه؛ ~~إطلاقا لاسم السبب على المسبب، ونظيره المشكل، سمي بذلك؛ لأنه ms1705 أشكل ~~أي: دخل في شكل غيره، فأشبهه وشاكله، ثم يقال لكل ما غمض - وإن ~~لم يكن غموضه من هذه الجهة - مشكلا، ولهذا يحتمل أن يقال للذي لا ~~يعرف ثبوته أو عدمه، وكان الحكم بثبوته مساويا للحكم بعدمه في ~~العقل والذهن ومشابها [له]، ولم يتميز أحدهما عن الآخر بمزيد رجحان، ~~فلا جرم يسمى غير المعلوم بأنه متشابه. # قال ابن الخطيب: " فهذا تحقيق القول في المحكم والمتشابه بحسب أصل ~~اللغة، والناس قد أكثروا في تفسير المحكم والمتشابه، ونحن نذكر الوجه ~~الملخص الذي عليه أكثر المحققين ثم نذكر عقيبه أقوال الناس فيه فنقول: ~~إذا وضع اللفظ لمعنى فإما أن يحتمل غيره أو لا، فإن كان لا يحتمل غيره ~~فهو النص، وإن احتمل غيره فإما أن يكون احتماله لأحدهما راجحا على ~~الآخر، فيكون بالنسبة إلى الراجح ظاهرا، وبالنسبة إلى المرجوح مؤولا، ~~وإن كان احتماله لهما على السوية، فيكون اللفظ بالنسبة إليهما معا ~~مشتركا، وبالنسبة إلى كل واحد منهما على التعيين مجملا، فحصل من هذا ~~التقسيم أن اللفظ، إما أن يكون نصا، أو ظاهرا، أو مؤولا، أو مشتركا، ~~والنص والظاهر يشتركان في حصول الترجيح، إلا أن النص راجح مانع من الغير، ~~فهذا القدر المشترك هو المسمى بالمحكم، أما المجمل والمؤول، فهما ~~يشتركان في أن دلالة اللفظ عليه غير راجحة [وإن لم يكن راجحا، أو غير ~~مرجوح، والمؤول - مع أنه غير راجح - فهو مرجوح، لا بحسب الدليل ~~المنفرد]، فهذا القدر المشترك هو المسمى المتشابه؛ لأن عدم الفهم حاصل ~~في القسمين جميعا، وقد بينا أن ذلك يسمى متشابها، إما لأن الذي لا ~~يعلم يكون النفي فيه مشابها للإثبات في الذهن، وإما لأجل أن الذي ~~[يحصل] فيه التشابه يصير غير معلوم، فيطلق لفظ " المتشابه " على ما لا ~~يعلم؛ إطلاقا لاسم السبب على المسبب فهذا هو الكلام المحصل في ~~المحكم والمتشابه. # فصل # روى البخاري عن سعيد بن جبير قال: قال رجل لابن عباس: إني أجد في ~~القرآن أشياء تختلف علي، قال: ما هي؟ قال: قوله: # فلا أنساب بينهم يومئذ ms1706 ولا يتسآءلون # [المؤمنون: 101] وقال: # فأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون # [الصافات: 50]، وقوله: # ولا يكتمون الله حديثا # [النساء: 42] مع قولهم: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23] فقد كتموا في هذه الآية وفي " النازعات " قال: # أم السمآء بناها # [النازعات: 27] إلى قوله: # والأرض بعد ذلك دحاها # [النازعات:30] فذكر خلق السماء قبل الأرض، وقال # قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين # [فصلت: 9] إلى: # طآئعين # [فصلت:11] فذكر خلق الأرض قبل السماء وقال: # وكان الله غفورا رحيما # [النساء: 100] # وكان الله عزيزا حكيما # [النساء: 158] # وكان الله سميعا بصيرا # [النساء: 134] فكأنه كان ثم مضى. # فقال ابن عباس: معنى قوله: { فلا أنساب بينهم } النفخة الأولى ~~ثم ينفخ في الصور فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من ~~شاء الله، فلا أنساب بينهم عند ذلك، وفي النفخة الأخيرة أقبل بعضهم على ~~بعض يتساءلون. # أما قولهم: { ما كنا مشركين } أي: أن الله يغفر لأهل الإخلاص ~~ذنوبهم، فيقول المشركون: تعالوا نقول: ما كنا مشركين، فيختم الله على ~~أفواههم، وتنطق جوارحهم بأعمالهم، فعند ذلك لا يكتمون الله حديثا، ~~وعنده # ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين # [الحجر: 2]، وخلق الأرض في يومين ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع ~~سماوات، ثم دحا الأرض، بسطها فأخرج منها الماء والمرعى، وخلق فيها ~~الأشجار والجبال [والآكام] وما بينهما في يومين آخرين، وذلك قوله: # والأرض بعد ذلك دحاها # [النازعات:27] فخلق الأرض وما فيها في أربعة أيام وخلق السماء في يومين. # وقوله: { وكان الله غفورا رحيما } يعني نفسه، أي: لم يزل، ~~ولا يزال كذلك، وأن الله لم يرد شيئا إلا أصاب به الذي أراده ويحك، فلا ~~يختلف عليك القرآن، فإن كلا من عند الله. # فصل # في الفوائد التي لأجلها جعل بعض القرآن محكما، وبعضه متشابها. # قال ابن الخطيب: " طعن بعض الملحدة في القرآن؛ لأجل اشتماله على ~~المتشابهات، وقالوا: إنكم تقولون: إن تكاليف الخلق مرتبطة بهذا القرآن ~~إلى يوم القيامة، ثم إنا نراه بحيث يتمسك به كل صاحب مذهب على مذهبه، ~~فالجبري يتمسك بآيات الجبر كقوله: # وجعلنا على قلوبهم أكنة ms1707 أن يفقهوه وفي ~~آذانهم وقرا # [الأنعام: 25]، والقدري يقول: بل هذا مذهب الكفار؛ بدليل أنه تعالى ~~حكى ذلك عن الكفار في معرض الذم لهم في قوله: # وقالوا قلوبنا غلف # [البقرة: 88]، وأيضا مثبت الرؤية يتمسك بقوله: # وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة # [القيامة:22, 23]، والنافي يتمسك بقوله: # لا تدركه الأبصار # [الأنعام: 103]، ومثبت الجهة يتمسك بقوله: # يخافون ربهم من فوقهم # [النحل: 50] وقوله: # الرحمن على العرش استوى # [طه: 5] والنافي يتمسك بقوله: # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11] ثم إن كل واحد يسمي الآيات الموافقة لمذهبه محكمة، والآيات ~~المخالفة لمذهبه متشابهة، وإنما يرجع في ترجيح بعضها على البعض إلى ~~ترجيحات خفية، ووجوه ضعيفة، فكيف يليق بالحكيم أن يجعل الكتاب الذي هو ~~المرجوع إليه في كل الدين إلى قيام القيامة هكذا أليس أنه لو جعله ظاهرا ~~جليا خاليا عن هذه المتشابهات كان أقرب إلى حصول الغرض؟ فذكر العلماء ~~في فوائد المتشابهات وجوها: # الأول: أنه متى كانت المتشابهات موجودة كان الوصول إلى الحق أصعب وأشق، ~~وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب. # الثاني: أن القرآن إذا كان مشتملا على المحكم والمتشابه افتقر الناظر ~~إلى الاستعانة بدليل العقل، وحينئذ يتخلص عن ظلمة التقليد، ويصل إلى ضياء ~~الاستدلال، ولو كان كله محكما لم يفتقر إلى التمسك بالدلائل العقلية، ~~وكان يبقى - حينئذ - في الجهل والتقليد. # الثالث: أن القرآن لما كان مشتملا على المحكم والمتشابه افتقر إلى تعلم ~~طرق التأويلات، وترجيح بعضها على بعض، وافتقر في تعلم ذلك إلى تحصيل علوم ~~كثيرة من علوم اللغة، والنحو، وأصول الفقه، ولو لم يكن الأمر كذلك لما ~~كان الإنسان يحتاج إلى تحصيل هذه العلوم الكثيرة، فكان في إيراد هذه ~~المتشابهات هذه الفوائد. # الرابع: أن القرآن يشتمل على دعوة الخواص، والعوام بالكلية، وطباع ~~العوام تنبو - في أكثر الأمر - عن إدراك الحقائق، فمن سمع من العوام - في ~~أول الأمر - إثبات موجود ليس بجسم ولا متحرك ولا يشار إليه ظن بأن هذا ~~عدم ونفي، فوقع في التعطيل، فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على ~~بعض ما يناسب ما توهموه، وتخيلوه، ويكون ذلك ms1708 مخلوطا بما يدل على الحق ~~الصريح فالمخاطبة في أول الأمر تكون من أبواب المتشابهات، والثاني وهو ~~الذي انكشف لهم في آخر الأمر هو المحكم. # الخامس: [لو كان القرآن محكما بالكلية لما كان مطابقا إلا لمذهب واحد، ~~وكان تصريحه مبطلا لكل ما سوى ذلك المذهب، وذلك مما ينفر أرباب ~~المذاهب عن قبوله، وعن النظر فيه، فالانتفاع به إنما حصل لما كان مشتملا ~~على المحكم والمتشابه، فحينئذ يطمع صاحب كل مذهب أن يجد فيه ما يقوي ~~له حكمه ويؤثر مقالته، فحينئذ ينظر فيه جميع أرباب المذاهب، ويجتهد ~~في التأمل فيه كل صاحب مذهب، فإذا بالغوا في ذلك صارت المحكمات مفسرة ~~للمتشابهات، فبهذا الطريق يتخلص المبطل عن باطله، ويصل إلى الحق، والله ~~أعلم]. # قوله: { فأما الذين في قلوبهم زيغ } يجوز أن يرتفع " ~~زيغ " بالفاعلية؛ لأن الجار قبله صلة لموصول، ويجوز أن يكون مبتدأ، وخبره ~~الجار قبله. # قوله " الزيغ " قيل: الميل [مطلقا]، وقال بعضهم: هو أخص من مطلق ~~الميل؛ فإن الزيع لا يقال إلا لما كان من حق إلى باطل. # قال الراغب: " الزيغ: الميل عن الاستقامة إلى أحد الجانبين، وزاغ ~~وزال ومال متقارب، لكن زاغ لا يقال إلا فيما كان من حق إلى باطل " ~~انتهى. يقال: زاغ يزيغ زيغا، وزيغوغة وزيغانا، وزيوغا. # قال الفراء: والعرب تقول في عامة ذوات الياء - فيما يشبه زغت - ~~مثل: سرت، وصرت، وطرت: سيرورة، وصيرورة، وطيرورة، وحدت ~~حيدودة، وملت ميلولة.. لا أحصي ذلك، فأما ذوات الواو مثل قلت، ~~ورضت، فإنهم لم يقولوا ذلك إلا في أربعة ألفاظ: الكينونة ~~والديمومة - من دام والهيعوعة - من الهواع، والسيدودة - من ~~سدت -، ثم ذكر كلاما كثيرا غير متعلق بما نحن فيه. وقد تقدم الكلام ~~على هذا المصدر، وأنه قد سمع في هذا المصدر الأصل - وهو كينونة - في ~~قول الشاعر: [الرجز] # 1325 - يا ليتنا قد ضمنا سفينه # حتى يعود الوصل كينونه # قوله: " ما تشابه " مفعول الاتباع، وهي موصولة، أو موصوفة، ولا تكون ~~مصدرية؛ لعود الضمير من " تشابه " عليها، إلا على رأي ضعيف، و " ~~منه " حال من ms1709 فاعل " تشابه " أي تشابه حال كونه بعضه. # قوله: " ابتغاء " منصوب على المفعول له، أي: لأجل الابتغاء، وهو ~~مصدر مضاف لمفعوله. والتأويل: مصدر أول يؤول، وفي اشتقاقه قولان: # أحدهما: أنه من آل يئول أولا، ومآلا، أي: عاد، ورجع، وآل ~~الرجل من هذا - عند بعضهم إلا أنهم يرجعون إليه في مهماتهم ~~ويقولون: أولت الشيء: أي: صرفته لوجه لائق به فانصرف، قال الشاعر: ~~[السريع] # 1326 - أؤول الحكم على وجهه # ليس قضائي بالهوى الجائر # وقال بعضهم: أولت الشيء، فتأول، فجعل مطاوعه تفعل، وعلى الأول مطاوعه ~~فعل، وأنشد الأعشى: [الطويل] # 1327 - على أنها كانت تأول حبها # تأول ربعي السقاب فأصحبا # أي: يعني أن حبها كان صغيرا، قليلا، فآل إلى العظم كما يئول ~~السقب إلى الكبر، ثم قد يطلق على العاقبة، والمرد؛ لأن الأمر ~~يصير إليهما. # الثاني: أنه مشتق من الإيالة، وهي السياسة، تقول العرب: قد ألنا ~~وإيل علينا، أي: سسنا وساسنا غيرنا، وكأن المؤول للكلام ~~سايسه، والقادر عليه، وواضعه موضعه، نقل ذلك عن النضر بن شميل. # وفرق الناس بين التفسير والتأويل في الاصطلاح بأن التفسير مقتصر به على ~~ما لا يعلم إلا بالتوقيف كأسباب النزول، ومدلولات الألفاظ، وليس ~~للرأي فيه مدخل، والتأويل يجوز لمن حصلت عنده صفة أهل العلم، ~~وأدوات يقدر أن يتكلم بها إذا رجع بها إلى أصول وقواعد. # فصل # روى ابن عباس: # " أن رهطا من اليهود منهم حيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف ~~ونظراؤهما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال له حيي: بلغنا أنه ~~نزل عليك الم، فننشدك الله، أنزل عليك؟ قال: نعم، قال: فإن كان ذلك ~~حقا فأنا أعلم مدة ملك أمتك، هي إحدى وسبعون سنة فهل أنزل غيرها؟ ~~قال: نعم، المص، قال: هذه أكثر، هي مائة وإحدى وثلاثون سنة، فهل أنزل ~~غيرها؟ قال: نعم، المر، قال: هذه أكثر، هي مائتان وإحدى وسبعون سنة، وقد ~~خلطت علينا، فلا ندري ابكثيره نأخذ، أم بقليله ونحن ممن لا يؤمن ~~بهذا؟ فأنزل الله { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه ~~آيات محكمات هن أم الكتاب ms1710 وأخر متشابهات ~~فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه ~~منه }. " # وقال الربيع: هم وفد نجران، خاصموا النبي صلى الله عليه وسلم في ~~عيسى، وقالوا: ألست تزعم أنه كلمة الله وروح منه؟ قال: بلى، قالوا: ~~حسبنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ثم أنزل: # إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ~~تراب # [آل عمران: 59]. # قال ابن جريج: هم المنافقون. # وقال الحسن: هم الخوارج، وكان قتادة إذا قرأ هذه الآية { فأما ~~الذين في قلوبهم زيغ } قال: إن لم يكونوا الحرورية والسبئية ~~فلا أدري من هم، وقال المحققون: إن هذا يعم جميع المبطلين، قالت ~~عائشة: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية منه آيات محكمة هي ~~أم الكتاب وأخر متشابهات إلى قوله: أولي الألباب { هو الذي أنزل ~~عليك الكتاب } فقال رسول الله: # " فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه ~~فأولئك الذين سمى الله فاحذرهم " # وعن أبي غالب قال: " كنت أمشي مع أبي أمامة، وهو على حمار حتى إذا انتهى ~~إلى درج مسجد دمشق، فإذا رؤوس منصوبة، فقال: ما هذه الرؤوس؟ قيل: هذه ~~رؤوس يجاء بهم من العراق، فقال أبو أمامة: كلاب النار، كلاب النار، ~~[كلاب النار] أو قتلى تحت ظل السماء، طوبى لمن قتلهم وقتلوه - يقولها ~~ثلاثا - ثم بكى، فقلت: ما يبكيك يا أبا أمامة؟ قال: رحمة لهم؛ إنهم ~~كانوا من أهل الإسلام، فخرجوا منه، ثم قرأ: { هو الذي أنزل ~~عليك الكتاب } الآية، ثم قرأ: # ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ~~ما جآءهم البينات # [آل عمران: 105]، فقلت: يا أبا أمامة، هم هؤلاء؟ قال: نعم، قلت: أشيء ~~تقوله برأيك، أم شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: إني ~~إذن لجريء، إني إذا لجريء، بل سمعته من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم غير مرة ولا مرتين، ولا ثلاث، ولا أربع، ولا خمس، ولا ست، ولا ~~سبع، ووضع أصبعيه في أذنيه، قال: وإلا فصمتا، قالها ثلاثا - ثم ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " تفرقت ms1711 بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة، واحدة في ~~الجنة، وسائرهم في النار، ولتزيدن عليهم هذه الأمة ~~واحدة، واحدة في الجنة وسائرهم في النار ". # فصل # لما بين الله تعالى أن الزائغين يتبعون المتشابه بين أن لهم ~~فيه غرضين: # الأول: ابتغاء الفتنة. # والثاني: ابتغاء التأويل. # أما الفتنة فقال الربيع والسدي: الفتنة: طلب الشرك. # وقال مجاهد: ابتغاء الشبهات واللبس، ليضلوا بها جهالهم. # وقال الأصم: متى وقعوا في المتشابهات، صار بعضهم مخالفا للبعض في ~~الدين، وذلك يفضي إلى التقاتل، والهرج والمرج. # وقيل: المتمسك بالمتشابه يقرر البدع والأباطيل في قلبه، فيصير ~~مفتونا بذلك الباطل، عاكفا عليه، لا يقلع عنه بحيلة ألبتة لأن الفتنة ~~في اللغة: التوغل في محبة الشيء، يقال: فلان مفتون بطلب الدنيا، أي: ~~موغل في طلبها. # وقيل: الفتنة في الدين هي الضلال عنه، [ومعلوم أنه لا فتنة، ولا فساد ~~أعظم من الفتنة في الدين والفساد فيه]. # وأما التأويل فقد ذكرنا تفسيره في اللغة، والفرق بينه وبين التفسير. # قد يسمى التفسير تأويلا قال تعالى: # سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا # [الكهف: 78]، وقال: # ذلك خير وأحسن تأويلا # [الإسراء: 35]، وذلك لأنه إخبار عما يرجع إليه اللفظ من المعنى، والمراد ~~منه: أنهم يطلبون التأويل الذي ليس عليه دليل من كتاب الله تعالى ولا ~~بيان، كطلبهم أن الساعة متى تقوم؟ وأن مقادير الثواب والعقاب للمطيع ~~والعاصي كم تكون؟ # وقيل: ابتغاء التأويل: طلب عاقبته، وطلب أجل هذه الأمة من حساب ~~الجمل؛ لقوله تعالى: # ذلك خير وأحسن تأويلا # [الإسراء: 35] أي: عاقبة. # وقول: { وما يعلم تأويله إلا الله } اختلف الناس في ~~هذا الموضع: فقال قوم: الواو في قوله: " والراسخون " عاطفة على ~~الجلالة، فيكونون داخلين في علم التأويل وعلى هذا يجوز في الجملة ~~القولية وجهان: # أحدهما: أنها حال: أي: يعلمون تأويله حال كونهم قائلين ذلك. # والثاني: أن تكون خبر مبتدأ مضمر، أي: هم يقولون - وهذا قول مجاهد ~~والربيع وهذا لقوله تعالى: # مآ أفآء الله على رسوله من أهل القرى فلله ~~وللرسول ولذي القربى # [الحشر: 7] ثم قال # للفقرآء المهاجرين الذين أخرجوا من ms1712 ديارهم # [الحشر: 8] إلى أن قال: # والذين تبوءو الدار والإيمان # [الحشر: 9] ثم قال: # والذين جآءوا من بعدهم # [الحشر: 10] ولهذا عطف على ما سبق ثم قال: # يقولون ربنا اغفر لنا # [الحشر: 10] يعني هم مع استحقاقهم الفيء يقولون: # ربنا اغفر لنا # [الحشر: 10] أي: قائلين على حال. وروي عن ابن عباس: أنه كان يقول في هذه ~~الآية: أنا من الراسخين في العلم، وعن مجاهد: أنا ممن يعلم تأويله. # وذهب الأكثرون إلى أن الواو في قوله: " والراسخون " واو الاستئناف، ~~فيكون مبتدأ، وتم الكلام عند قوله: { وما يعلم تأويله إلا ~~الله } والجملة من قوله: " يقولون " خبر المبتدأ، وهذا قول أبي ~~بن كعب، وعائشة، وعروة بن الزبير، ورواية طاوس عن ابن عباس وبه قال ~~الحسن، وأكثر التابعين، واختاره الكسائي، والفراء، والأخفش، وقالوا: لا ~~يعلم تأويل المتشابه إلا الله، ويجوز أن يكون للقرآن تأويل استأثر ~~الله بعلمه لم يطلع عليه أحدا من خلقه، كما استأثر بعلم الساعة، ~~ووقت طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدجال ونزول عيسى - عليه السلام ~~- ونحوها، والخلق متعبدون بالمتشابه، والإيمان به، وفي المحكم في الإيمان ~~به والعمل، ومما يصدق ذلك قراءة عبد الله: " إن تأويله إلا عند ~~الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به.. " ، وفي حرف ~~أبي: ويقول الراسخون في العلم آمنا به. قال عمر بن عبد العزيز - في هذه ~~الآية -: انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى ~~أن قالوا: آمنا به، كل من عند ربنا. # وهذا القول أقيس في العربية وأشبه بظاهر الآية، ويدل لهذا القول وجوه: # أحدها: أنه ذم طالب المتشابه بقوله: { فأما الذين في ~~قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء ~~الفتنة وابتغاء تأويله }. # الثاني: أنه مدح الراسخين في العلم بأنهم { يقولون آمنا به } ، ~~وقال [في أول البقرة]: # فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ~~ربهم # [البقرة: 26] فهؤلاء الراسخون لو كانوا عالمين بتأويل المتشابه على ~~التفصيل كان لهم في الإيمان به مدح؛ لأن كل من عرف شيئا على سبيل ~~التفصيل، فلا بد وأن يؤمن به. # الثالث: لو كان قوله: " والراسخون " معطوفا ms1713 لصار قوله: { ~~يقولون آمنا به } ابتداء، وهو بعيد عن الفصاحة، وكان الأولى أن ~~يقال: وهم يقولون، أو يقال: ويقولون. # فإن قيل: في تصحيحه وجهان: # الأول: أن " يقولون " خبر مبتدأ، والتقدير: هؤلاء العالمون ~~بالتأويل يقولون آمنا. # الثاني: أن يكون " يقولون " حالا من الراسخين. # فالجواب: أن الأول مدفوع بأن تفسير كلام الله تعالى بما لا يحتاج معه ~~إلى الإضمار أولى، والثاني أن ذا الحال هو الذي تقدم ذكره - وهو الراسخون ~~- فوجب أن يكون قوله: " آمنا به " حالا من الراسخين لا من " الله " ~~وذلك ترك للظاهر. # رابعا: قوله: { كل من عند ربنا } معناه أنهم آمنوا بما ~~عرفوا تفصيله، وبما لا يعرفون تفصيله، ولو كانوا عالمين بالتفصيل في ~~الكل، لم يبق لهذا الكلام فائدة. # وخامسها: نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: تفسير القرآن على ~~أربعة أوجه: " تفسير لا يسع أحدا جهله، وتفسير تعرفه العرب بألسنتها، ~~وتفسير تعرفه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى ". # وسئل مالك بن أنس عن قوله: # الرحمن على العرش استوى # [طه: 5] فقال: " الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، ~~والسؤال عنه بدعة ". # والرسوخ: الثبوت والاستقرار ثبوتا متمكنا، فهو أخص من مطلق ~~الثبات. # قال الشاعر: [الطويل] # 1328 - لقد رسخت في القلب مني مودة # لليلى أبت آياتها أن تغيرا # " آمنا به " في محل نصب بالقول، و " كل " مبتدأ، أي: كله، ~~والجار بعده خبره، والجملة نصب بالقول أيضا. # فإن قيل: ما الفائدة في لفظ " عند " ولو قال: كل من ربنا لحصل ~~المقصود؟ # فالجواب: أن الإيمان بالمتشابه يحتاج فيه إلى مزيد من التأكيد. # فإن قيل: لم حذف المضاف إليه من " كل "؟ # فالجواب: لأن دلالته على المضاف قوية، فالأمن من اللبس بعد ~~الحذف حاصل. # قوله: { وما يذكر إلا أولوا الألباب } مدح للذين ~~قالوا: آمنا، قال ابن عباس ومجاهد والسدي: بقولهم آمنا سماهم ~~الله راسخين في العلم، فرسوخهم في العلم قولهم: آمنا به - أي المتشابه - ~~كل من عند ربنا - المحكم والمتشابه، وما علمناه، وما لم نعلم -. # وقيل: الراسخون: علماء أهل الكتاب - كعبد الله ms1714 بن سلام وأصحابه - لقوله ~~تعالى: # لكن الراسخون في العلم منهم # [النساء: 162] يعني الدارسين علم التوراة، وسئل مالك بن أنس عن ~~الراسخين في العلم فقال: العالم العامل بما علم، المتبع له. # وقيل: الراسخ في العلم من وجد في علمه أربعة أشياء: التقوى بينه ~~وبين الله، والتواضع بينه وبين الخلق، والزهد بينه وبين الدنيا، و ~~المجاهدة بينه وبين نفسه. # " وما يذكر " يتعظ بما في القرآن { إلا أولوا الألباب ~~} ذوو العقول. ### || [3.8] # اعلم أنه تعالى لما حكى عن الراسخين أنهم يقولون: " آمنا به " ، حكى ~~أنهم يقولون: ربنا لا تزغ قلوبنا وحذف يقولون؛ لدلالة الأول عليه، كما في ~~قوله: # ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنآ ما ~~خلقت هذا باطلا # [آل عمران: 191]. # قال القرطبي: ويجوز أن يكون المعنى: قل يا محمد. # قوله: " لا تزغ " العامة على ضم حرف المضارعة، من أزاغ يزيغ، و ~~" قلوبنا " مفعول به، وقرأ أبو بكر بن فايد وأبو واقد الجراح: " لا ~~تزغ قلوبنا " - بفتح التاء، ورفع " قلوبنا " ، وقرأ بعضهم كذلك ~~إلا أنه بالياء من تحت، وعلى القراءتين، فالقلوب فاعل بالفعل المنهي عنه، ~~والتذكير والتأنيث باعتبار تأنيث الجمع وتذكيره، والنهي في اللفظ ~~للقلوب، وفي المعنى دعاء لله تعالى - أي: لا تزغ قلوبنا فتزيغ، فهو من ~~باب " لا أرينك ههنا ". # وقول النابغة: [البسيط] # 1329 - لا أعرفن ربربا حورا مدامعها # .......................... # قوله: { بعد إذ هديتنا } ، " بعد " منصوب ب " لا تزغ " ~~، و " إذ " هنا خرجت عن الظرفية؛ للإضافة إليها وقد تقدم أن تصرفها ~~قليل، وإذا خرجت عن الظرفية، فلا يتغير حكمها من لزوم إضافتها إلى ~~الجملة بعدها، كما لم يتغير غيرها من الظروف في هذا الحكم، ألا ترى إلى ~~قوله # هذا يوم ينفع # [المائدة: 119] و # يوم لا تملك # [الانفطار: 19] - قراءة من رفع " يوم " في الموضعين -. # وقول الآخر: [الطويل] # 1330 -............................. # على حين الكرام قليل # وقوله: [الطويل] # 1331 - على حين من تلبث عليه ذنوبه # ..................... # وقوله: [الطويل] # 1332 - على حين عاتبت المشيب على الصبا # .................. # وقوله: [الطويل] # 1333 - ألا ليت أيام الصفاء جديد # ....................... # كيف خرجت هذه الظروف عن النصب إلى ms1715 الرفع والجر والنصب ب " ليت " ، ~~ومع ذلك هي مضافة للجمل التي بعدها. # فصل # هذه الآية تدل على أن الزيغ والهداية خلق الله تعالى، قال أهل السنة: ~~ذلك لأن القلب صالح لأن يميل إلى الكفر، ويمتنع أن يميل إلى أحد ~~الجانبين، إلا عند حدوث داعية وإرادة أحدثها الله تعالى. # فإن كانت تلك الداعية [داعية] الكفر، فهي الخذلان، والإزاغة، والصد، ~~والختم، والرين، والقسوة والوقر والكنان، وغيرها من الألفاظ الواردة ~~في القرآن. # وإن كانت تلك الداعية داعية الإيمان، فهي التوفيق، والإرشاد، ~~والهداية، والتسديد، والتثبيت، والعصمة وغيرها من الألفاظ الواردة في ~~القرآن، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء ~~أقامه، وإن شاء أزاغه " # والمراد من هذين الأصبعين الداعيتان، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: # " اللهم مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك ~~" # ومعناه ما ذكرنا، وقال صلى الله عليه وسلم: # " مثل القلب كريشة بأرض فلاة تقلبها الرياح ظهرا ~~لبطن ". # وقالت المعتزلة: الزيغ لا يجوز أن يكون بفعل الله؛ لقوله تعالى: # فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم # [الصف: 5]، وهذا صريح في أن ابتداء الزيغ منهم. # والجواب: أن مذهبهم أن كل ما صح في قدرة الله تعالى أن يفعل في حقهم ~~لطفا، وجب عليه ذلك وجوبا لو تركه لبطلت إلاهيته، ولصار محتاجا، ~~والشيء الذي يكون كذلك فأي حاجة إلى طلبه بالدعاء؟ # فإن قيل: فما الجواب عن قوله: # فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم # [الصف: 5]؟ # قلنا: لا يبعد أن الله تعالى يزيغهم ابتداء، فعند ذلك يزيغون، ثم يترتب ~~على الزيغ إزاغة أخرى سوى الأولى من الله تعالى، ولا منافاة فيه. # وقوله: { بعد إذ هديتنا } ، أي: جعلتنا مهتدين، وهذا صريح ~~أيضا في أن حصول الاهتداء في القلب بتخليق الله تعالى. # قوله: { وهب لنا } الهبة: العطية، حذفت فاؤها، وكان حق عين ~~المضارع منها كسر العين منه، إلا أن ذلك منعه كون العين حرف حلق، ~~فالكسرة مقدرة، فلذلك اعتبرت تلك الكسرة المقدرة فحذفت لها الواو ~~وهذا نحو: " يضع " و " يسع " ، لكون اللام ms1716 حرف حلق، ويكون " هب " فعل ~~أمر بمعنى اعتقد، فيتعدى لمفعولين. # كقوله: [المتقارب] # 1334 -........................ # وإلا فهبني أمرأ هالكا # وحينئذ لا يتصرف. # ويقال أيضا: وهبني الله فداك، أي: جعلني، ولا يتصرف أيضا عن الماضي ~~بهذا المعنى. # قوله: " من لدنك " متعلق ب " هب " ، و " لدن " ظرف، وهي ~~لأول غاية زمان أو مكان، أو غيرها من الذوات نحو: من لدن زيد، فليست ~~مرادفة ل " عند " ، بل قد تكون بمعناها، وبعضهم يقيدها بظرف المكان، ~~وتضاف لصريح الزمان. # قال: [الراجز] # 1335 - تنتهض الرعدة في ظهيري # من لدن الظهر إلى العصير # ولا يقطع عن الإضافة بحال، وأكثر ما تضاف إلى المفردات، وقد تضاف إلى ~~" أن " وصلتها؛ لأنهما بتأويل مفرد. # قال: [الطويل] # 1336 - وليت فلم تقطع لدن أن وليتنا # قرابة ذي قربى ولا حق مسلم # أي: لدن ولايتك إيانا، وقد تضاف إلى الجملة الاسمية. # كقوله: [الطويل] # 1337 - وتذكر نعماه لدن أنت يافع # إلى أنت ذو فؤدين أبيض كالنسر # وقد تضاف للفعلية. # كقوله: [الطويل] # 1338 - لزمنا لدن سالمتمونا وفاقكم # فلا يك منكم للخلاف جنوح # وقال آخر: [الطويل] # 1339 - صريع غوان راقهن ورقنه # لدن شب حتى شاب سود الذوائب # وفيها لغتان: الإعراب، وهي لغة قيس، وبها قرأ أبو بكر عن عاصم { ~~من لدنه } [النساء: 40] - بجر النون -، وقوله: [الرجز] # 1340 -....................... # من لدن الظهر إلى العصير # ولا تخلو من " من " غالبا، قاله ابن جني، ومن غير الغالب ما تقدم من ~~قوله: # 1341 -............. لدن أنت يافع # ........................... # وإن وقع بعدها لفظ " غدوة " خاصة - جاز نصبها، ورفعها، فالنصب على خبر " ~~كان " أو التمييز والرفع على إضمار " كان " التامة، ولولا هذا التقدير ~~لزم إفراد " لدن " عن الإضافة، وقد تقدم أنه لا يجوز، فمن نصب " غدوة ~~" قوله: [الطويل] # 1342 - فما زال مهري مزجر الكلب منهم # لدن غدوة حتى دنت لغروب # واللغة المشهورة بناؤها؛ لشبهها بالحرف في لزوم استعمال واحد، ~~وامتناع الإخبار بها، بخلاف " عند " و " لدن " فإنهما لا يلزمان ~~استعمالا واحدا؛ إذ يكون فضلة، وعمدة، وغاية وغير غاية، بخلاف " ~~لدن ". # وقال بعضهم: " علة بنائها كونها دالة على ms1717 الملاصقة، ومختصة بها، بخلاف ~~" عند " فإنها لا تدل على الملاصقة، فصار فيها معنى لا يدل عليه الظرف، ~~بل هو من قبيل ما يدل عليه الحرف، فكأنها مضمنة معنى حرف كان من حقه أن ~~يوضع لذلك، فلم يوضع، كما قالوا في اسم الإشارة، واللغتان المذكورتان ~~من الإعراب والبناء مختصتان ب " لدن " المفتوحة اللام، المضمومة ~~الدال، الواقع آخرها نون، وأما بقية لغاتها فهي - فيها - مبنية عند ~~جميع العرب، وفيها عشر لغات: أشهرها الأولى، ولدن، ولدن - بفتح الدال ~~وكسرها - ولدن، ولدن - بفتح اللام وضمها، مع سكون الدال وكسر ~~النون - ولدن - بالضم والسكون وفتح النون -، ولد، ولد - بفتح ~~اللام وضمها مع سكون الدال، ولد - بفتح اللام وضم الدال ولت - بإبدال ~~الدال تاء ساكنة، ومتى أضيفت المحذوفة النون إلى ضمير وجب رد النون. # قوله: { أنت الوهاب } " أنت " يحتمل أن يكون مبتدأ، وأن يكون ~~ضمير الفصل، وأن يكون تأكيدا لاسم " إن ". # فصل # اعلم أن هؤلاء المؤمنين سألوا ربهم ألا يجعل قلوبهم مائلة إلى ~~العقائد الفاسدة ثم أتبعوا ذلك بطلب تنوير قلوبهم. # وقال " رحمة "؛ ليشمل جميع أنواع الرحمة، ولما ثبت بالبرهان القاطع أنه ~~لا رحيم إلا هو أكد ذلك بقوله: { من لدنك } تنبيها للعقل على أن ~~المقصود لا يحصل إلا منه. # وقوله: { أنت الوهاب } كأن العبد يقول: إلهي هذا الذي طلبته منك ~~بهذا الدعاء بالنسبة إلي - حقير - بالنسبة إلى كمال كرمك، وغاية جودك ~~ورحمتك؛ فإنك أنت الوهاب. ### || [3.9] # قرأ أبو حاتم { جامع الناس } بالتنوين والنصب - و " ليوم " ~~اللام للعلة، أي: لجزاء يوم، وقيل: هي بمعنى " في " ، ولم يذكر المجموع ~~لأجله، و " لا ريب " صفة ل " يوم " ، أي: لا شك فيه، فالضمير في " ~~فيه " عائد عليه، وأبعد من جعله عائدا على الجمع المدلول عليه ~~ب " جامع " ، أو على الجزاء المدلول عليه بالمعنى، أو على العرض. # قوله: { إن الله لا يخلف الميعاد } يجوز أن يكون من تمام ~~حكاية قول الراسخين، فيكون التفاتا من خطابهم للباري تعالى بضمير ~~الخطاب إلى الإتيان بالاسم الظاهر؛ دلالة على تعظيمه، ويجوز أن يكون ~~مستأنفا ms1718 من كلام الله تعالى، فلا التفات حينئذ. # و " الميعاد " مصدر، وياؤه منقلبة عن واو، لانكسار ما قبلها كميقات. # فإن قيل: لم قالوا - في هذه الآية -: إن الله لا يخلف الميعاد، وقالوا ~~- في تلك الآية - إنك لا تخلف الميعاد؟ # فالجواب: أن هذه الآية في مقام الهيبة، يعني أن الآية تقتضي الحشر ~~والنشر؛ لينتصف للمظلومين من الظالمين، فكان ذكره باسمه الأعظم ~~أولى في هذا المقام، وفي تلك الآية مقام طلب العبد من ربه أن ينعم ~~عليه بفضله، ويتجاوز عن سيئاته، فليس مقام الهيبة، فلا جرم قال: # إنك لا تخلف الميعاد # [آل عمران: 194]. # فصل # اعلم أن الراسخين لما طلبوا من ربهم الصون عن الزيغ، وأن يخصهم ~~بالهداية والرحمة، فكأنهم قالوا: ليس الغرض من هذا السؤال ما يتعلق ~~بمصالح الدنيا؛ فإنها منقضية، وإنما الغرض الأعظم منه ما يتعلق بالآخرة؛ ~~فإنا نعلم أنك جامع الناس للجزاء في يوم القيامة، ووعدك حق، فمن زاغ قلبه ~~بقي هناك في العذاب أبد الآباد، ومن وفقته وهديته ورحمته بقي هناك ~~في السعادة والكرامة أبد الآباد. # فصل # احتج الجبائي - بهذه الآية - على القطع بوعيد الفساق، قال: لأن ~~الوعيد داخل تحت لفظ الوعد؛ لقوله تعالى: # قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما ~~وعد ربكم حقا # [الأعراف: 44]، والموعد والميعاد واحد، وقد أخبر - في هذه الآية - أنه ~~لا يخلف الميعاد. # والجواب: لا نسلم القول بوعيد الفساق مطلقا، بل ذلك مشروط بعدم العفو، ~~كما هو مشروط بعدم التوبة بالاتفاق، فكما أنكم أثبتم ذلك الشرط بدليل ~~منفصل فكذا نحن أثبتنا شرط عدم العفو بدليل منفصل، سلمنا أنه توعدهم، ~~ولكن لا نسلم أن الوعيد داخل تحت لفظ الوعد، ويكون قوله: # فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا # [الأعراف: 44] كقوله: # فبشرهم بعذاب أليم # [آل عمران: 21] وقوله: # ذق إنك أنت العزيز الكريم # [الدخان: 49]، فيكون من باب التهكم، ويجوز أن يكون المراد أنهم كانوا ~~يتوقعون من أوثانهم أنها تشفع لهم عند الله تعالى. # وذكر الواحدي في البسيط - أنه يجوز أن يحمل هذا على ميعاد ~~الأولياء، دون وعيد الأعداء؛ ms1719 لأن خلف الوعيد كرم عند العرب؛ لأنهم ~~يمدحون بذلك، قال: [الطويل] # 1343 - إذا وعد السراء أنجز وعده # وإن أوعد الضراء فالعفو مانعه # وروى المناظرة بين أبي عمرو بن العلاء وبين عمرو بن عبيد: قال أبو ~~عمرو بن العلاء لعمرو بن عبيد فما تقول في أصحاب الكبائر؟ فقال: أقول: ~~إن الله تعالى وعد وعدا وأوعد إيعادا، فهو منجز إيعاده كما هو ~~منجز وعده، فقال أبو عمرو بن العلاء: إنك رجل أعجم، لا أقول: أعجم ~~اللسان، ولكن أعجم القلب؛ إن العرب تعد الرجوع عن الوعد لؤما، ~~وعن الإيعاد كرما، وأنشد: [الطويل] # 1344 - وإني إن أوعدته أو وعدته # لمكذب إيعادي ومنجز موعدي # فقال له عمرو بن عبيد: يا أبا عمرو، فهل يسمى الله مكذب نفسه؟ فقال: ~~لا، فقال له عمرو بن عبيد: فقد سقطت حجتك. # قال ابن الخطبيب: " وكان لأبي عمرو بن العلاء أن يجيب عن هذا السؤال ~~فيقول: إنك قست الوعيد على الوعد، وأنا إنما ذكرت هذا لبيان الفرق بين ~~البابين؛ وذلك لأن الوعد حق عليه، والوعيد حق له، ومن أسقط حق نفسه فقد ~~أتى بالجود والكرم، ومن أسقط حق غيره، فذلك هو اللؤم، فظهر الفرق. # وأما قولك: لو لم يفعل لصار كاذبا، أو مكذب نفسه. # فالجواب: أن هذا إنما يلزم لو كان الوعيد ثابتا جزما من غير شرط، ~~وعندي أن الوعيد مشروط بعدم العفو فلا يلزم من تركه دخول الكذب في كلام ~~الله تعالى ". ### || [3.10] # لما حكى دعاء المؤمنين وتضرعهم حكى كيفية حال الكافرين، وشدة ~~عقابهم، وفيهم قولان: # أحدهما: أن المراد بهم وفد نجران؛ لأنا روينا في قصتهم أن أبا حارثة بن ~~علقمة قال لأخيه إني أعلم أنه رسول الله حقا، ولكني إن أظهرت ذلك أخذ ~~ملوك الروم مني ما أعطوني من المال، فبين الله تعالى أن أموالهم ~~لا تدفع عنهم عذاب الله. # الثاني: أن اللفظ عام، وخصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ. # قوله: { لن تغني } العامة على " تغني " بالتاء من فوق؛ مراعاة ~~لتأنيث الجميع، وقرأ الحسن وأبو عبد الرحمن بالياء ms1720 من تحت - بالتذكير - ~~على الأصل، وسكن الحسن ياء " تغني "؛ استثقالا للحركة على حرف ~~العلة، وذهابا به مذهب الألف، وبعضهم يخص هذا بالضرورة. # قوله: { من الله } في " من " هذه أربعة أوجه: # أحدها: أنها لابتداء الغاية - مجازا - أي: من عذاب الله وجزائه. # الثاني: أنها بمعنى " عند " قاله أبو عبيدة، وجعله كقوله تعالى: # أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف # [قريش: 4]، أي: عند جوع، وعند خوف، وهذا ضعيف عند النحويين. # الثالث: أنها بمعنى بدل. # قال الزمخشري: قوله: { من الله } مثل قوله: # إن الظن لا يغني من الحق شيئا # [يونس: 36]، والمعنى: لن تغني عنهم من رحمة الله، أو من طاعته شيئا، ~~أي: بدل رحمته وطاعته، وبدل الحق ومنه [قوله]: # " ولا ينفع ذا الجد منك الجد " # أي: لا ينفعه جده وحظه من الدنيا بدلا، أي: بدل طاعتك وما عندك، وفي ~~معناه قوله تعالى: # ومآ أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم ~~عندنا زلفى # [سبأ: 37]، وهذا الذي ذكره من كونها بمعنى بدل جمهور النحاة يأباه؛ ~~فإن عامة ما أورده يتأوله الجمهور. # ومنه قوله: [الرجز] # 1345 - جارية لم تأكل المرققا # ولم تذق من البقول الفستقا # وقول الآخر: [الكامل] # 1346 - أخذوا المخاض من الفصيل غلبة # ظلما، ويكتب للأمير أفيلا # وقوله تعالى: # لجعلنا منكم ملائكة # [الزخرف: 60]، وقوله: # أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة # [التوبة: 38]؟ # الرابع: أنها تبعيضية، إلا أن هذا الوجه لما أجازه أبو حيان مبنيا على ~~إعراب " شيئا " مفعولا به، بمعنى: لا تدفع، ولا تمنع، قال: فعلى هذا ~~يجوز أن يكون " من " في موضع الحال من " شيئا "؛ لأنه لو تأخر لكان في ~~موضع النعت له، فلما تقدم انتصب على الحال، وتكون " من " إذ ذاك - ~~للتبعيض. # قال شهاب الدين: " وهذا ينبغي أن لا يجوز ألبتة؛ لأن " من " التبعيضية ~~تؤول بلفظ بعض مضافة لما جرته " من " ألا ترى أنك إذا قلت: ~~رأيت رجلا من بني تميم، معناه: بعض بني تميم، وأخذت من الدراهم: أي: ~~بعض الدراهم، وهنا لا يتصور ذلك أصلا، وإنما يصح جعله صفة ل " ~~شيئا " إذا جعلنا " من " لابتداء الغاية، كقولك: عندي ms1721 درهم من زيد، ~~أي: كائن أو مستقر من زيد، ويمتنع فيها التبعيض، والحال كالصفة في ~~المعنى، فامتنع أن تكون من للتبعيض مع جعله " من الله " حالا من " ~~شيئا " ، وأبو حيان تبع أبا البقاء في ذلك، إلا أن أبا البقاء حين ~~قال ذلك - قدر مضافا وضح به قوله، والتقدير: شيئا من عذاب الله، ~~فكان ينبغي أن يتبعه - في هذا الوجه - مصرحا بما يدفع هذا الذي ~~ذكرته ". # و " شيئا " إما منصوب على المفعول به وقد تقدم تأويله وإما على ~~المصدرية، أي: شيئا من الإغناء. # قوله: { وأولئك هم وقود النار } هذه الجملة تحتمل ~~وجهين: # أحدهما: أن تكون مستأنفة. # والثاني: أن تكون منسوقة على خبر " إن " و " هم " تحتمل الابتداء ~~والفصل. # وقرأ العامة " وقود " بفتح الواو، والحسن بضمها وتقدم تحقيق ~~ذلك في البقرة، وأن المصدرية محتملة في المفتوح الواو أيضا، وحيث كان ~~مصدرا فلا بد من تأويله، فلا حاجة إلى إعادته. # فصل # اعلم أن كمال العذاب هو أن يزول عنهم كل ما ينتفع به، ثم تجتمع ~~عليه الأسباب المؤلمة. # الأول هو المراد بقوله: { لن تغني عنهم أموالهم ولا ~~أولادهم }؛ فإن المرء - عند الخطوب - يفزع إلى المال والولد؛ لأنهما ~~أقرب الأمور التي يفزع إليها في دفع النوائب، فبين تعالى أن صفة ~~ذلك اليوم مخالفة لصفة الدنيا، وإذا تعذر عليه الانتفاع في ذلك ~~اليوم بالمال والولد - وهما أقرب الطرق - فما عداه بالتعذر أولى، ~~ونظيره: # يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله ~~بقلب سليم # [الشعراء: 88, 89]. # وأما الثاني من أسباب كمال العذاب - وهو اجتماع الأسباب المؤلمة - ~~فهو المراد بقوله: { وأولئك هم وقود النار } وهذا هو ~~النهاية في العذاب؛ فإنه لا عذاب أعظم من أن تشتعل النار فيهم ~~كاشتعالها في الحطب اليابس. ### || [3.11] # في كاف " كدأب " وجهان: # أحدهما: أنها في محل رفع؛ خبرا لمبتدأ مضمر، تقديره: دأبهم - ~~في ذلك " كدأب آل فرعون " وبه بدأ الزمخشري، وابن عطية. # الثاني: أنها في محل نصب، وفي الناصب لها تسعة أقوال: # أحدها: أنها نعت لمصدر محذوف، والعامل فيه " كفروا " ، تقديره: ms1722 ~~إن الذين كفروا كفرا كدأب آل فرعون، أي: كعادتهم في الكفر، وهو رأي ~~الفراء. # وهذا القول مردود بأنه قد أخبر عن الموصول قبل تمام صلته، فلزم الفصل ~~بين أبعاض العلة بالأجنبي، وهو لا يجوز. # الثاني: أنه منصوب ب " كفروا " لكن مقدر؛ لدلالة هذا الملفوظ به ~~عليه. # الثالث: أن الناصب مقدر، مدلول عليه بقوله: " لن تغني " أي: ~~بطل انتفاعهم بالأموال والأولاد كعادة آل فرعون في ذلك. والمعنى: إنكم ~~قد عرفتم ما حل بآل فرعون ومن قبلهم من المكذبين بالرسل - من العذاب ~~المعجل الذي عنده - لم ينفعهم مال ولا ولد. # الرابع: أنه منصوب بلفظ " وقود " ، أي: توقد النار بهم كما توقد ~~بآل فرعون، كما تقول: إنك لتظلم الناس كدأب أبيك، تريد: كظلم أبيك، قاله ~~الزمخشري، وفيه نظر؛ لأن الوقود - على القراءة المشهورة - الأظهر فيه ~~أنه اسم لما يوقد به، وإذا كان اسما فلا عمل له، فإن قيل: إنه مصدر ~~على قراءة الحسن صح، ويكون معنى الدأب: الدؤوب - وهو اللبث ~~والدوام، وطول البقاء في الشيء - وتقدير الآية: " وأولئك هم ~~وقود كدأب آل فرعون ". # [أي: دؤوبهم في النار كدأب آل فرعون]. # الخامس: أنه منصوب بنفس " لن تغني " أي: لن تغني عنهم مثل ما لم ~~تغن عن أولئك، ذكره الزمخشري، وضعفه أبو حيان بلزوم الفصل بين ~~العامل ومعموله بالجملة - التي هي قوله: { وأولئك هم وقود ~~النار } قال: " على أي التقديرين اللذين قدرناهما فيهما من أن ~~تكون معطوفة على خبر " إن " أو على الجملة المؤكدة ب " إن " قال: ~~فإن جعلتها اعتراضية - وهو بعيد - جاز ما قال الزمخشري ". # السادس: أن يكون العامل فيها فعلا مقدرا، مدلولا عليه بلفظ " ~~الوقود " ، تقديره: توقد بهم كعادة آل فرعون، ويكون التشبيه في نفس ~~الاحتراق، قاله ابن عطية. # السابع: أن العامل يعذبون كعادة آل فرعون، يدل عليه سياق ~~الكلام. # الثامن: أنه منصوب ب { كذبوا بآيتنا } ، والضمير في " ~~كذبوا " - على هذا - لكفار مكة وغيرهم من معاصري رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم - أي: كذبوا تكذيبا كعادة آل فرعون في ذلك التكذيب. # التاسع: أن ms1723 العامل فيه قوله: { فأخذهم الله } ، أي: فأخذهم ~~الله أخذا كأخذه آل فرعون، والمصدر تارة يضاف إلى الفاعل، وتارة إلى ~~المفعول، والمعنى: كدأب الله في آل فرعون، ونظيره قوله تعالى: # يحبونهم كحب الله # [البقرة: 165] أي: كحبهم لله، وقال: # سنة من قد أرسلنا قبلك # [الإسراء: 77] والمعنى: سنتي فيمن أرسلنا قبلك، وهذا مردود؛ فإن ما بعد ~~الفاء العاطفة لا يعمل فيما قبلها، لا يجوز قمت زيدا فضربت وأما زيدا ~~فاضرب، فقد تقدم الكلام عليه في البقرة. # وقد حكى بعض النحاة - عن الكوفيين - أنهم يجيزون تقديم المعمول على ~~حرف العطف، فعلى هذا يجوز هذا القول، وفي كلام الزمخشري سهو؛ فإنه قال: ~~ويجوز أن ينتصب محل الكاف ب " لن تغني " أو ب " خالدون " ، ~~[أي: لم تغن عنهم مثل ما لم تغن عن أولئك، أو هم فيها خالدون كما ~~يخلدون]. # وليس في لفظ الآية الكريمة { خالدون } ، إنما نظم الآية { ~~وأولئك هم وقود النار } ، ويبعد أن يقال: أراد " ~~خالدون " مقدرا، يدل عليه السياق، اللهم إلا إن فسرنا الدأب ~~باللبث والدوام وطول البقاء. # وقال القفال: " يحتمل أن تكون الآية جامعة للعادة المضافة إلى الله ~~تعالى، والعادة المضافة إلى الكفار، كأنه قيل: إن عادة هؤلاء الكفار في ~~إيذاء محمد صلى الله عليه وسلم كعادة من قبلهم في إيذاء رسلهم ~~وعادتنا أيضا في إهلاك الكفار، كعادتنا في إهلاك أولئك الكفار ~~المتقدمين، والمقصود - على جميع التقديرات - نصر النبي صلى الله عليه ~~وسلم على إيذاء الكفار، وبشارته بأن الله سينتقم منهم ". # الدأب: العادة، يقال: دأب، يدأب، أي: واظب، ولازم، ومنه # تزرعون سبع سنين دأبا # [يوسف: 47]، أي: مداومة. # وقال امرؤ القيس: [الطويل] # 1347 - كدأبك من أم الحويرث قبلها # وجارتها أم الرباب بمأسل # وقال زهير: [الطويل] # 1348 - لأرتحلن بالفجر ثم لأدأبن # إلى الليل إلا أن يعرجني طفل # وقال الواحدي: " الدأب: الاجتهاد والتعب، يقال: صار فلان يومه كله ~~يدأب فيه، فهو دائب، أي: اجتهد في سيره، هذا أصله في اللغة، ثم ~~[يصير] الدأب عبارة عن الحال والشأن والأمر والعادة؛ لاشتمال العمل ~~والجهد على هذا كله ms1724 ". # وكذا قال الزمخشري، قال: " مصدر دأب في العمل إذا كدح فيه، فوضع ~~موضع ما عليه الإنسان من شأنه وحاله ". # ويقال: دأب، ودأب - بفتح الهمزة وسكونها - وهما لغتان في المصدر ~~كالضأن والضأن وكالمعز والمعز وقرأ حفص: { سبع سنين دأبا ~~} بالفتح. # قال الفراء: " والعرب تثقل ما كان ثانيه من حروف الحلق كالنعل ~~والنعل، والنهر والنهر، والشأم والشأم. # وأنشد: [البسيط] # 1349 - قد سار شرقيهم حتى أتوا سبأ # وانساح غربيهم حتى هوى الشأما # { والذين من قبلهم } يجوز أن يكون مجرورا نسقا على { ~~آل فرعون } ، وأن يكون مرفوعا على الابتداء، والخبر قوله - بعد ~~ذلك - { كذبوا بآيات الله } ، وهذان الاحتمالان جائزان ~~مطلقا، وخص أبو البقاء جواز الرفع بكون الكاف في محل رفع، فقال: " فعلى ~~هذا - أي: على كونها مرفوعة المحل؛ خبرا لمبتدأ مضمر - يجوز في { ~~والذين من قبلهم } وجهان: # أحدهما: الجر، بالعطف أيضا، و " كذبوا " في موضع الحال، و " قد ~~" معه مضمرة، ويجوز أن يكون مستأنفا لا موضع له، ذكر لشرح ~~حالهم. # الوجه الآخر: أن يكون الكلام تم على { ءال فرعون } و { ~~والذين من قبلهم } مبتدأ، و " كذبوا " خبره ". # قوله: { كذبوا بآيتنا } قد تقدم أنه يجوز أن يكون خبرا عن " ~~الذين " إن قيل: إنه مبتدأ، فإن لم يكن مبتدأ فقد تقدم أيضا أنه ~~يكون تفسيرا للدأب، كأنه قيل: ما فعلوا، وما فعل بهم؟ فقيل: كذبوا ~~بآياتنا، فهو جواب سؤال مقدر، وأن يكون حالا، وفي قوله: { بآيتنا ~~} التفات؛ لأن قبله { من الله } وهو اسم ظاهر. # والمراد بالآيات: المعجزات، والباء في " بذنوبهم " يجوز أن تكون ~~سببية، أي: أخذهم بسبب ما اجترحوا، وأن تكون للحال، أي أخذهم متلبسين ~~بالذنوب، غير تائبين منها والذنب في الأصل - التلو والتابع، وسميت ~~الجريمة ذنبا؛ لأنها يتلو، أي: يتبع عقابها فاعلمه والذنوب: ~~الدلو؛ لأنها تتلو الحبل في الجذب، وأصل ذلك من ذنب الحيوان؛ لأن ~~يذنبه أي: يتلوه، يقال: ذنبه يذنبه ذنبا، أي: تبعه، واستعمل في الأخذ؛ ~~لأن من بين يده العقاب كالمأخوذ المأسور الذي لا يقدر على التخلص. ~~قوله { شديد العقاب } كقوله: # سريع الحساب ms1725 # [البقرة: 202]، أي: شديد عقابه وقد تقدم تحقيقه. ### || [3.12] # قرأ الأخوان: " سيغلبون " و " يحشرون " - بالغيبة - والباقون ~~بالخطاب، وهما واضحان كقولك: قل لزيد: قم؛ على الحكاية، وقل لزيد: يقوم ~~وقد تقدم نحو من هذا في قوله: # لا تعبدون إلا الله # [البقرة: 83]. # وقال أبو حيان: - في قراءة الغيبة-: " الظاهر أن الضمير للذين ~~كفروا، وتكون الجملة - إذ ذاك ليست محكية ب " قل " بل محكية بقول آخر، ~~التقدير: قل لهم قولي: سيغلبون وإخباري أنهم سيقع عليهم الغلبة، كما ~~قال: " قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد ~~سلف " فبالتاء أخبرهم بمعنى ما أخبر به من أنهم سيغلبون، وبالياء ~~أخبرهم باللفظ الذي أخبر به أنهم سيغلبون ". # وهذا الذي قاله سبقه إليه الزمخشري، فأخذه منه، ولكن عبارة الزمخشري ~~أوضح، قال رحمه الله: فإن قلت: أي فرق بين القراءتين - من حيث ~~المعنى؟ # قلت معنى القراءة بالتاء - أي من فوق - الأمر بأن يخبرهم بما سيجري ~~عليهم من الغلبة والحشر إلى جهنم، فهو إخبار بمعنى: ستغلبون ~~وتحشرون، فهو كائن من نفس المتوعد به، وهو الذي يدل عليه اللفظ ~~ومعنى القراءة بالياء الأمر بأن يحكي لهم ما أخبر به من وعيدهم بلفظه، ~~كأنه قال: أد إليهم هذا القول الذي هو قولي لك: " سيغلبون ~~ويحشرون ". # وجوز الفراء وثعلب أن يكون الضمير في " سيغلبون ~~ويحشرون " لكفار قريش، ويراد بالذين كفروا اليهود، والمعنى: قل ~~لليهود: ستغلب قريش. وهذا إنما يتجه على قراءة الغيبة فقط. # قال مكي: " ويقوي القراءة بالياء - أي من تحت - إجماعهم على الياء ~~في قوله: # قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد ~~سلف # [الأنفال: 38]، والتاء يعني من فوق أحب إلي، لإجماع الحرميين ~~وعاصم وغيرهم على ذلك ". # قال شهاب الدين: ومثل إجماعهم على قوله: # قل للذين كفروا إن ينتهوا # [الأنفال: 38] إجماعهم على قوله # قل للمؤمنين يغضوا # [النور: 30]، وقوله: # قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون # [الجاثية: 14]، وقال الفراء: " من قرأ بالتاء جعل اليهود والمشركين ~~داخلين في الخطاب، ثم يجوز - في هذا المعنى - التاء والياء، كما تقول ~~في الكلام: قل لعبد ms1726 الله: إنه قائم، وإنك قائم ". # وفي حرف عبد الله: { قل للذين كفروا إن تنتهوا يغفر ~~لهم ما قد سلف } ، ومن قرأ بالياء فإنه ذهب إلى مخاطبة ~~اليهود، وأن الغلبة تقع على المشركين، كأنه قيل: قل يا محمد لليهود ~~سيغلب المشركون، ويحشرون، فليس يجوز في هذا المعنى إلا الياء ~~لأن المشركين غيب. # فصل في سبب النزول # في سبب نزول الآية أوجه: # الأول: قال ابن إسحاق - ورواه سعيد بن جبير، وعكرمة عن ابن عباس-: ~~لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا ببدر، ورجع إلى المدينة، ~~جمع اليهود في سوق بني قينقاع، وقال: يا معشر اليهود احذروا من الله ~~مثل ما نزل بقريش يوم بدر، فأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم، فقد ~~عرفتم أني نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم، فقالوا: يا محمد، لا ~~يغرنك أنك لقيت قوما أغمارا - لا علم لهم بالحرب - فأصبت ~~منهم فرصة، وإنا - والله - لو قاتلناك لعرفت أنا نحن الناس، ~~فأنزل الله تعالى: { قل للذين كفروا } ، يعني اليهود " ~~ستغلبون " تهزمون، " وتحشرون " في الآخرة " إلى ~~جهنم وبئس المهاد " أي: الفراش. # الثاني: قال الكلبي عن ابن عباس - أيضا -: إن يهود أهل المدينة - لما ~~شاهدوا هزيمة المشركين يوم بدر - قالوا: والله إن هذا لهو النبي ~~الأمي الذي بشرنا به موسى، وفي التوراة نعته، وأنه لا يرد ~~عليه رأيه، وأرادوا اتباعه، ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا حتى ننظر إلى ~~وقعة له أخرى، فلما كان يوم أحد، ونكب أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم شكوا، وقالوا: ليس هو ذلك، فغلب عليهم الشقاء فلم ~~يسلموا، وقد كان بينهم وبين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد ~~إلى مدة فنقضوا ذلك العهد، وانطلق كعب بن الأشرف في ستين راكبا - إلى ~~مكة يستنفرهم، فأجمعوا أمرهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأنزل الله هذه الآية. # الثالث: أن هذه الآية واردة في جميع الكفار. # فصل في تكليف ما لا يطاق # استدلوا على [جواز] تكليف ما لا يطاق بهذه الآية، قالوا: ms1727 لأن الله تعالى ~~أخبر عن الكفار بأنهم يحشرون إلى جهنم، فلو آمنوا لانقلب هذا الخبر ~~كذبا، وذلك محال، فكأن الإيمان منهم محال، وقد أمروا به، فيكون ~~تكليفا بالمحال. # { ستغلبون } إخبار عن أمر يحصل في المستقبل، وقد وقع مخبره على ~~موافقته، فكان هذا إخبارا عن الغيب، فهو معجز، ونظيره - في حق عيسى - # وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم # [آل عمران: 49]. # قوله: { وبئس المهاد } المخصوص بالذم محذوف، أي بئس المهاد ~~جهنم، والحذف للمخصوص يدل على صحة مذهب سيبويه من أنه مبتدأ. # والجملة قبله خبره، ولو كان - كما قال غيره - مبتدأ محذوف الخبر، أو ~~بالعكس، لما حذف ثانيا؛ للإجحاف بحذف سائر الجملة. # و " بئس " مأخوذ من البأساء، وهو الشر والشدة، قال تعالى: # بعذاب بئيس # [الأعراف: 165] أي: شديد. ### || [3.13] # " قد كان " جواب قسم محذوف، و " آية " اسم " كان " ولم يؤنث ~~الفعل؛ لأن تأنيث الآية مجازي، ولأنها بمعنى الدليل والبرهان. # فهذا كقول امرئ القيس: [المتقارب] # 1350 - برهرهة، رؤدة، رخصة # كخرعوبة البانة المنفطر # قال الأصمعي: " البرهرهة: الممتلئة المترجرجة، ~~والرؤدة، والرادة: الناعمة ". # قال أبو عمرو: وإنما قال: المنفطر، ولم يقل: المنفطرة؛ لأنه رد ~~على القضيب، فكأنه قال: البان المنفطر، والخرعوبة: القضيب، والمنفطر: ~~الذي ينفطر بالورق، وهو ألين ما يكون. # قال أبو حيان: أول البانة بمعنى القضيب، فلذلك ذكر المنفطر، ولوجود ~~الفصل ب " لكم " فإن الفصل مسوغ لذلك مع كون التأنيث حقيقيا، ~~كقوله: [البسيط] # 1351 - إن امرأ غره منكن واحدة # بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور # وقال بعضهم: محمول على المعنى، والمعنى: قد كان لكم بيان هذه الآية. # وفي خبر " كان " وجهان: # أحدهما: أنه " لكم " و " في فئتين " في محل رفع نعتا ل " ~~آية ". # والثاني: أنه " في فئتين " وفي " لكم " وجهان: # أحدهما: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من " آية "؛ لأنه - في الأصل - ~~صفة لآية، فلما تقدم نصب حالا. # الثاني: أنه متعلق ب " كان " ذكره أبو البقاء، وهذا عند من يرى ~~أنها تعمل في الظرف وحرف الجر ولكن في جعل " في فئتين " الخبر ~~إشكال، وهو أن حكم اسم ms1728 " كان " حكم المبتدأ، فلا يجوز، أن يكون اسما ~~لها إلا ما جاز الابتداء به، وهنا لو جعلت " آية " مبتدأ، وما بعدها ~~خبرا لم يجز؛ إذ لا مسوغ للابتداء بهذه النكرة، بخلاف ما إذا ~~جعلت " لكم " الخبر، فإنه جائز لوجود المسوغ، وهو تقدم ~~الخبر حرف جر. # قوله: { التقتا } في محل جر، صفة ل " فئتين " ، أي: فئتين ~~ملتقيتين، يعني بالفئتين المسلمين والمشركين يوم بدر. # قوله: { فئة تقاتل } العامة على رفع " فئة " وفيها أوجه: # أحدها: أن ترتفع على البدل من فاعل " التقتا " ، وعلى هذا فلا ~~بد من ضمير محذوف يعود على " فئتين " المتقدمتين في الذكر؛ ليسوغ ~~الوصف بالجملة؛ إذ لو لم يقدر ذلك لما صح؛ لخلو الجملة الوصفية من ~~ضمير، والتقدير: في فئتين التقت فئة منهما مؤمنة، وفئة أخرى كافرة. # الثاني: أن يرتفع على خبر ابتداء مضمر، تقديره: إحداهما فئة تقاتل، ~~فقطع الكلام عن أوله، ومثله ما أنشده الفراء على ذلك: [الطويل] # 1352 - إذا مت كان الناس صنفين شامت # وآخر مثن بالذي كنت أصنع # أي أحدهما شامت، وآخر مثن، ومثله في القطع قول الآخر: [البسيط] # 1353 - حتى إذا ما استقل النجم في غلس # وغودر البقل ملوي ومحصود # أي: بعضه ملوي، وبعضه محصود. # قال أبو البقاء: فإن قلت: إذا قدرت في الأولى إحداهما مبتدأ كان القياس ~~أن يكون والأخرى أي الفئة الأخر كافرة. # قيل: لما علم أن التفريق هنا لنفس الشيء المقدم ذكره كان التعريف ~~والتنكير واحدا، ومثل الآية الكريمة في هذا السؤال وجوابه البيت ~~المتقدم: شامت، وآخر مثن، فجاء به نكرة دون أل. # الثالث: أن يرتفع على الابتداء، وخبره مضمر، تقديره: منهما فئة ~~تقاتل، وكذا في البيت، أي: منهم شامت، ومنهم مثن. # ومثله قول النابغة: [الطويل] # 1354 - توهمت آيات لها فعرفتها # لستة أعوام، وذا العام سابع # رماد ككحل العين لأيا أبينه # نؤي كجذم الحوض أثلم خاشع # تقديره: منهن - أي من الآيات - رماد، ومنهن نؤي ويحتمل البيت أن ~~يكون - كما تقدم - من تقدير مبتدأ، ورماد خبره، كما تقدم في نظيره. # وقرأ الحسن ومجاهد وحميد: ms1729 و { فئة تقاتل } بالجر على البدل ~~من " فئتين " ، ويسمى هذا البدل بدلا تفصيليا كقول كثير ~~عزة: [الطويل] # 1355 - وكنت كذي رجلين رجل صحيحة # ورجل رمى فيها الزمان فشلت # هو بدل بعض من كل، وإذا كان كذلك فلا بد من ضمير يعود على المبدل منه، ~~تقديره: فئة منهما. # وقرأ ابن السميفع، وابن أبي عبلة " فئة " بالنصب، وفيه أربعة ~~أوجه: # أحدها: النصب بإضمار أعني. # والثاني: النصب على المدح، وتحرير هذا القول أن يقال على المدح في ~~الأول وعلى الذم في الثاني، كأنه قيل: أمدح فئة تقاتل في سبيل الله، ~~وأذم أخرى كافرة. # والثالث: أن ينتصب على الاختصاص، جوزه الزمخشري. # قال أبو حيان: " وليس بجيد؛ لأن المنصوب لا يكون نكرة ولا مبهما ~~". # قال شهاب الدين: لا يعني الزمخشري الاختصاص المبوب له في النحو ~~نحو: " نحن - معاشر الأنبياء - لا نورث " ، إنما على النصب ~~بإضمار فعل لائق، وأهل البيان يسمون هذا النحو اختصاصا. # الرابع: أن ينتصب " فئة " على الحال من فاعل " التقتا " ، كأنه ~~قيل: التقتا مؤمنة وكافرة، فعلى هذا يكون " فئة " و " أخرى " توطئة ~~للحال؛ لأن المقصود ذكر وصفيهما، وهذا كقولهم: زيد رجلا صالحا، ~~ومثله في باب الإخبار - # بل أنتم قوم مسرفون # [الأعراف: 81]، ونحوه. قوله: { وأخرى كافرة } " أخرى " صفة ~~لموصوف محذوف، تقديره: وفئة أخرى كافرة وقرئت " كافرة " بالرفع ~~والجر على حسب القراءتين المذكورتين في " فئة تقاتل " ، وهذه ~~منسوقة عليها. # وكان من حق من قرأ " فئة " - بالنصب - أن يقرأ " وأخرى كافرة " ~~بالنصب عطفا على الأولى، وفي عبارة الزمخشري ما يوهم القراءة به؛ ~~فإنه قال: " وقرئ " فئة تقاتل " " وأخرى كافرة " بالجر على البدل من ~~" فئتين " ، والنصب على الاختصاص أو الحال " فظاهر قوله: و " بالنصب " أي ~~في جميع ما تقدم وهو فئة تقاتل أخرى كافرة وقد تقدم سؤال أبي البقاء، ~~وهو لو لم يقل: والأخرى بالتعريف أعني حال رفع فئة تقاتل على خبر ابتداء ~~مضمر تقديره إحداهما، والجواب عنه. # والعامة على " تقاتل " - بالتأنيث "؛ لإسناد الفعل إلى ضمير المؤنث، ~~ومتى أسند إلى ضمير المؤنث وجب تأنيثه، سواء كان التأنيث ms1730 حقيقة أو ~~مجازا، نحو الشمس طلعت، وعليه جمهور الناس. # وخالف ابن كيسان، فأجاز: الشمس طلع. # مستشهدا بقول الشاعر: [المتقارب] # 1356 - فلا مزنة ودقت ودقها # ولا أرض أبقل إبقالها # حيث قال: أبقل - وهو مسند لضمير الأرض - ولم يقل: أبقلت، وغيره يخصه ~~بالضرورة. # وقالوا: إذ كان يمكن أن ينقل حركة الهمزة على تاء التأنيث ~~الساكنة، فيقول: ولا أرض أبقلت ابقالها. # وقد ردوا عليه بأن الضرورة ليس معناها ذلك، ولئن سلمنا ذلك فلا ~~نسلم أن هذا الشاعر كان ممن لغته النقل، لأن النقل ليس لغة كل ~~العرب. # وقرأ مجاهد ومقاتل: " يقاتل " - بالياء من تحت - وهي مخرجة ~~على مذهب ابن كيسان، ومقوية له، قالوا: والذي حسن ذلك كون " ~~فئة " في معنى القوم والناس، فلذلك عاد الضمير عليها مذكرا. # قوله: " يرونهم " ، قرأ نافع - وحده - من السبعة، ويعقوب، وسهل: " ~~ترونهم " بالخطاب والباقون من السبعة بالغيبة. # فأما قراءة نافع ففيها ثمانية أوجه: # أحدها: أن الضمير في " لكم " والمرفوع في " ترونهم " ~~للمؤمنين، والضمير المنصوب في " ترونهم " والمجرور في " ~~مثليهم " للكافرين، والمعنى: قد كان لكم - أيها المؤمنون - آية في ~~فئتين بأن رأيتم الكفار مثلي أنفسهم في العدد، وهو أبلغ في القدرة؛ حيث ~~رأى المؤمنون الكافرين مثلي عدد الكافرين، ومع ذلك انتصروا عليهم ~~وغلبوهم، وأوقعوا بهم الأفاعيل، ونحوه قوله تعالى: # كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله # [البقرة: 249]. # واستبعد بعضهم هذا التأويل؛ لقوله تعالى - في الأنفال [الآية: 44] -: # وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا # فالقصة واحدة، وهناك تدل الآية على أن الله - تعالى - قلل المشركين في ~~أعين المؤمنين؛ لئلا يجبنوا عنهم، وعلى هذا التأويل - المذكور ههنا - ~~يكون قد كثرهم في أعينهم. ويمكن أن يجاب باختلاف الحالين؛ وذلك أنه في ~~وقت أراهم [إياهم] مثلي عددهم؛ ليمتحنهم ويبتليهم، ثم قللهم في ~~أعينهم؛ ليقدموا عليهم، فالآيتان باعتبارين، ومثله قوله تعالى: # فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن # [الرحمن: 39]، وقوله: # فوربك لنسألنهم أجمعين # [الحجر: 92] وقوله: # ولا يكتمون الله حديثا # [النساء: 42] مع قوله: # هذا يوم لا ينطقون # [المرسلات: 35]. # قال الفراء: المراد بالتقليل: ms1731 التهوين، كقولك - في الكلام - إني لأرى ~~كثيركم قليلا، أي: قد هون علي، [لا أني أرى الثلاثة اثنين]. # الثاني: أن يكون الخطاب في " ترونهم " للمؤمنين - أيضا - والضمير ~~المنصوب في " ترونهم " للكافرين - أيضا - والضمير المجرور في " ~~مثليهم " للمؤمنين، والمعنى: ترون أيها المؤمنون الكافرين ~~مثلي عدد أنفسكم، وهذا تقليل للكافرين عند المؤمنين في رأي العين؛ ~~وذلك أن الكفار كانوا ألفا ونيفا، والمسلمون على الثلث منهم، فأراهم ~~إياهم مثليهم، على ما قرر عليهم - في مقاومة الواحد للاثنين - في ~~قوله تعالى: # فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين # [الأنفال: 66] بعدما كلفوا أن يقاوم كل واحد عشرة في قوله تعالى: # إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين وإن ~~يكن منكم مئة يغلبوا ألفا من الذين كفروا # [الأنفال: 65]. # قال الزمخشري - رحمه الله - " وقراءة نافع لا تساعد عليه " ، يعني ~~على هذا التأويل المذكور ولم يبين وجه عدم المساعدة، ووجهه - والله ~~أعلم - أنه كان ينبغي أن يكون التركيب: ترونهم مثليكم - بالخطاب في " ~~مثليهم " لا بالغيبة. # قال أبو عبد الله الفارسي - بعد الذي ذكره الزمخشري-: " قلت: بل ~~يساعد عليه، إن كان الخطاب في الآية للمسلمين، وقد قيل ذلك " اه، فلم ~~يأت أبو عبد الله بجواب؛ إذ الإشكال باق. وقد أجاب بعضهم عن ذلك ~~بجوابين: # أحدهما: أنه من باب الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، وأن حق الكلام: ~~مثليكم - بالخطاب - إلا أنه التفت إلى الغيبة، ونظره بقوله تعالى: # حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم # [يونس: 22]. # والثاني: أن الضمير في " مثليهم " وإن كان المراد به المؤمنين إلا ~~أنه عاد على قوله: { فئة تقاتل في سبيل الله } ، والفئة ~~المقاتلة في سبيل الله عبارة عن المؤمنين المخاطبين. # والمعنى: ترون - أيها المؤمنون - الفئة الكافرة مثلي الفئة ~~المقاتلة في سبيل الله، [فكأنه] قيل: ترونهم - أيها المؤمنون - مثليكم، ~~وهو جواب حسن. # فإن قيل: كيف يرونهم مثليهم رأي العين، وقد كانوا ثلاثة أمثالهم؟ # فالجواب: أن الله - تعالى - إنما أظهر للمسلمين من عدد المشركين القدر ~~الذي علم المسلمون أنهم يغلبونهم؛ وذلك لأنه - تعالى - قال: { فإن ~~يكن منكم مئة صابرة ms1732 يغلبوا مئتين } فأظهر ذلك ~~العدد [من المشركين] للمؤمنين؛ تقوية لقلوبهم، وإزالة للخوف عن صدورهم. # الثالث: أن يكون الخطاب في " لكم " وفي " ترونهم " للكفار وهم ~~قريش، والضمير المنصوب والمجرور للمؤمنين أي: قد كان لكم - أيها المشركون ~~- آية؛ حيث ترون المسلمين مثلي أنفسهم في العدد، فيكون قد كثرهم في أعين ~~الكفار، ليجبنوا عنهم، فيعود السؤال المذكور بين هذه الآية، وآية ~~الأنفال، وهي قوله تعالى: # ويقللكم في أعينهم # [الأنفال: 44]، فكيف يقال - هنا - إنه يكثرهم؟ فيعود الجواب المتقدم ~~باختلاف الحالتين، وهو أنه قللهم أولا، ليجترئ عليهم الكفار، فلما ~~التقى الجمعان كثرهم في أعينهم؛ ليحصل لهم الخور والفشل. # الرابع: كالثالث، إلا أن الضمير في " مثليهم " يعود على المشركين، ~~فيعود ذلك السؤال، وهو أنه كان ينبغي أن يقال: مثليكم، ليطابق الكلام، ~~فيعود الجوابان. # وهما: إما الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، وإما عوده على الفئة الكافرة؛ ~~لأنها عبارة عن المشركين، كما كان ذلك الضمير عبارة عن الفئة المقاتلة، ~~ويكون التقدير: ترون - أيها المشركون - المؤمنين مثلي فئتكم الكافرة. ~~وعلى هذا فيكونون قد رأوا المؤمنين مثلي أنفس المشركين - ألفين ونيفا ~~- وهذا مدد من الله تعالى، حيث أرى الكفار المؤمنين مثلي عدد ~~المشركين، حتى فشلوا، وجبنوا، فطمع المسلمون فيهم، فانتصروا عليهم، ~~ويؤيده قوله تعالى: { والله يؤيد بنصره من يشآء } [آل ~~عمران: 13] الإرادة - هنا - بمنزلة المدد بالملائكة في النصرة بكليهما، ~~ويعود السؤال، وهو كيف كثرهم إلى هذه الغاية مع قوله - في الأنفال -: # ويقللكم في أعينهم # [الأنفال: 44]؟ ويعود الجواب. # الخامس: أن الخطاب في " لكم " و " ترونهم " لليهود، والضميران - ~~المنصوب والمجرور - على هذا عائدان على المسلمين، على معنى: ترونهم - لو ~~رأيتموهم - مثليهم، وفي هذا التقدير تكلف لا حاجة إليه. # وكأن هذا القائل اختار أن يكون الخطاب في الآية المتقدمة - وهي قوله: { ~~إن الذين كفروا } - { قد كان لكم آية } - لليهود، ~~فجعله في " ترونهم " لهم - أيضا - ولكن الخروج من خطاب اليهود إلى ~~خطاب قوم آخرين أولى من هذا التقدير المتكلف؛ لأن اليهود لم يكونوا ~~حاضري الوقعة، حتى يخاطبوا برؤيتهم لهم كذلك، ويجوز - على هذا القول ms1733 ~~- أن يكون الضمير - المنصوب والمجرور - عائدين على الكفار، أي: أنهم ~~كثر في أعينهم الكفار، حتى صاروا مثلي عدد المؤمنين، ومع ذلك غلبهم ~~المؤمنون، وانتصروا عليهم، فهو أبلغ في القدرة. ويجوز أن يعود المنصوب ~~على المسلمين، والمجرور على المشركين، أي: ترون - أيها اليهود المسلمين ~~مثلي عدد المشركين؛ مهابة لهم، وتهويلا لأمر المؤمنين، كما كان ذلك في ~~حق المشركين - فيما تقدم من الأقوال -، ويجوز أن يعود المنصوب على ~~المشركين، والمجرور على المسلمين، والمعنى: ترون - أيها اليهود لو رأيتم ~~- المشركين مثلي عدد المؤمنين وذلك أنتم قللوا في أعينهم؛ ليحصل ~~لهم الفزع والغم؛ لأنه كان يغمهم قلة المؤمنين، ويعجبهم كثرتهم ~~ونصرتهم على المسلمين، حسدا وبغيا. # فهذه ثلاثة أوجه مرتبة على الوجه الخامس، فتصير ثمانية أوجه في ~~قراءة نافع. أما قراءة الباقين ففيها أوجه: # أحدها: أنها كقراءة الخطاب، فكل ما قيل في المراد به الخطاب هناك قيل ~~به هنا، ولكنه جاء على باب الالتفات من خطاب إلى غيبة. # الثاني: في أن الخطاب في " لكم " للمؤمنين، والضمير المرفوع في " ~~يرونهم " للكفار، والمنصوب والمجرور للمسلمين، والمعنى: يرى ~~المشركون المؤمنين مثلي عدد المؤمنين - ستمائة ونيفا وعشرين - أراهم ~~الله - مع قتلهم - إياهم ضعفهم؛ ليهابوهم، ويجبنوا عنهم. # الثالث: أن الخطاب في " لكم " للمؤمنين - أيضا - والضمير المرفوع في ~~" يرونهم " للكفار، والمنصوب للمسلمين، والمجرور للمشركين، أي: يرى ~~المشركون [المؤمنين] مثلي عدد المشركين أراهم الله المؤمنين أضعافهم؛ لما ~~تقدم في الوجه قبله. # الرابع: أن يعود الضمير المرفوع في " يرونهم " على الفئة ~~الكافرة؛ لأنها جمع في المعنى، والضمير المنصوب والمجرور على ما تقدم من ~~احتمال عودهما على الكافرين، أو [على] المسلمين، أو أحدهما لأحدهم. # والذي تقوى في هذه الآية - من جميع الوجوه المتقدمة - من حيث المعنى ~~أن يكون مدار الآية على تقليل المسلمين، وتكثير الكافرين؛ لأن مقصود ~~الآية ومساقها للدلالة على قدرة الله الباهرة، وتأييده بالنصر لعباده ~~المؤمنين مع قلة عددهم، وخذلان الكافرين مع كثرة عددهم وتحزبهم ~~لنعلم أن النصر كله من عند الله، وليس سببه كثرتكم وقلة عدوكم، بل ~~سببه ما فعله الله ms1734 تعالى من إلقاء الرعب في قلوب أعدائكم، ويؤيده قوله ~~بعد ذلك: { والله يؤيد بنصره من يشآء } وقال في موضع ~~آخر: # ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن ~~عنكم شيئا # [التوبة: 25]. # وقال أبو شامة - بعد ذكر هذا المعنى وتقويته-: فالهاء في " ~~يرونهم " للكفار، سواء قرئ بالغيبة أم بالخطاب، والهاء في " ~~مثليهم " للمسلمين. # فإن قلت: إن كان المراد هذا فهلا قيل: يرونهم ثلاثة أمثالهم، ~~فكان أبلغ في الآية، وهي نصر القليل على هذا الكثير، والعدة كانت كذلك ~~أو أكثر؟ # قلت: أخبر عن الواقع، وكان آية أخرى مضمومة إلى آية البصر، وهي تقليل ~~الكفار في أعين المسلمين وقللوا إلى حد وعد المسلمون النصر عليهم فيه، ~~وهو أن الواحد من المسلمين يغلب الاثنين، فلم تكن حاجة إلى التقليل ~~بأكثر من هذا، وفيه فائدة وقوع ما ضمن لهم من النصر فيه انتهى. # قال شهاب الدين: " وإلى هذا المعنى ذهب الفراء، أعني أنهم يرونهم ثلاثة ~~أمثالهم فإنه قال: مثليهم: ثلاثة أمثالهم، كقول القائل: عندي ألف وأنا ~~محتاج إلى مثليها ". # وغلطه أبو إسحاق - في هذا - وقال: مثل الشيء: ما ساواه، ومثلاه [ما ~~ساواه] مرتين. # قال ابن كيسان: الذي أوقع الفراء في ذلك أن الكفار كانوا - يوم بدر - ~~ثلاثة أمثال المؤمنين فتوهم أنه لا يجوز أن يروهم إلا على عدتهم، ~~والمعنى ليس عليه، وإنما أراهم الله على غير عدتهم لجهتين: # إحداهما: أنه رأى الصلاح في ذلك؛ لأن المؤمنين تقوى قلوبهم بذلك. # والأخرى: أنه آية للنبي صلى الله عليه وسلم. # والجملة - على قراءة نافع - يحتمل أن تكون مستأنفة، لا محل لها من ~~الإعراب، ويحتمل أن يكون لها محل، وفيه - حينئذ - وجهان: # أحدهما: النصب على الحال من الكاف في " لكم " أي: قد كان لكم حال ~~كونكم ترونهم. # والثاني: الجر؛ نعتا ل " فئتين "؛ لأن فيها ضميرا يرجع عليهما، ~~قاله أبو البقاء وأما على قراءة الغيبة فيحتمل الاستئناف، ويحتمل الرفع؛ ~~صفة لإحدى الفئتين، ويحتمل الجر؛ صفة ل " فئتين " أيضا، على أن ~~تكون الواو في " يرونهم " ترجع إلى اليهود؛ لأن في الجملة ضميرا ms1735 ~~يعود على الفئتين. # وقرأ ابن عباس وطلحة " ترونهم " - مبنيا للمفعول على الخطاب - ~~والسلمي كذلك إلا أنه بالغيبة وهما واضحتان مما تقدم تقريره والفاعل ~~المحذوف هو الله تعالى والرؤية - هنا - فيها رأيان: # أحدهما: أنها البصرية، ويؤيد ذلك تأكيده بالمصدر المؤكد، وهو قوله: " ~~رأي العين ". # قال الزمخشري: " رؤية ظاهرة مكشوفة، لا لبس فيها "؛ لأن الإدراك عند ~~المعتزلة واجب الحصول عند اجتماع الشرائط، وسلامة الحاسة، ولهذا اعتذر ~~القاضي عن هذا الموضع [بوجوه]: # أحدها: أن عند الاشتغال بالمحاربة لا يتفرغ الإنسان لأن يدير حدقته ~~حول العسكر، وينظر إليهم على سبيل التأمل # وثانيها: أنه قد يحصل من الغبار ما يمنع من إدراك البعض. # وثالثها: يجوز أن يقال: إن الله تعالى خلق في الهواء ما منع من إدراك ~~ثلث العسكر، [فعلى هذا]، يتعدى لواحد، ومثليهم نصب على الحال. # الثاني: أنها من رؤية القلب، فعلى هذا يكون " مثليهم " مفعولا ~~ثانيا، وقد رده أبو البقاء فقال: ولا يجوز أن تكون الرؤية من رؤية ~~القلب - على كل الأقوال - لوجهين: # أحدهما: قوله: " رأي العين ". # الثاني: أن رؤية القلب علم، ومحال أن يعلم الشيء شيئين. # وأجيب عن [الوجه] الأول بأن انتصابه انتصاب المصدر التشبيهي، أي: ~~رأيا مثل رأي العين، أي: يشبه رأي العين، فليس إياه على التحقيق، وعن ~~الثاني بأن الرؤية هنا يراد بها الاعتقاد، فلا يلزم المحال المذكور، ~~وإذا كانوا قد أطلقوا العلم - في اللغة - على الاعتقاد - دون اليقين - ~~فلأن يطلقوا عليه الرأي أولى وأحرى. # ومن إطلاق العلم على الاعتقاد قوله تعالى: # فإن علمتموهن مؤمنات # [الممتحنة: 10]؛ إذ لا سبيل إلى العلم اليقيني في ذلك؛ إذ لا يعلم ذلك ~~إلا الله تعالى، فالمعنى: فإن اعتقدتموهن، والاعتقاد قد يكون صحيحا، ~~وقد يكون فاسدا، ويدل على هذا التأويل قراءة من قرأ " ترونهم " - ~~بالتاء والياء مبنيا للمفعول -؛ لأن قولهم: أرى كذا - بضم الهمزة - ~~يكون فيما عند المتكلم فيه شك وتخمين، لا يقين وعلم، فلما كان اعتقاد ~~التضعيف في جمع الكفار، أو في جمع المؤمنين تضمينا وظنا؛ لا يقينا ~~دخل الكلام ضرب من الشك، وأيضا ms1736 - كما يستحيل حمل الرؤية هنا على ~~العلم - يستحيل أيضا حملها على رؤية البصر بعين ما ذكرتم من المحال، ~~وذلك كما أنه لا يقع العلم غير مطابق للمعلوم، كذلك لا يقع النظر ~~البصري غير مطابق لذلك الشيء المبصر المنظور إليه، فكان المراد ~~التخمين والظن، لا اليقين والعلم، كذا قيل، وفيه نظر؛ لأنا لا نسلم أن ~~البصر لا يخالف المبصر؛ لجواز أن يحصل خلل في البصر، وسوء في ~~النظر، فيتخيل الباصر الشيء شيئين فأكثر، وبالعكس. # احتج من قال: إن الرائي هو المشركون بوجوه: # الأول: أن تعلق الفعل بالفاعل أشد من تعلقه بالمفعول، فجعل ~~أقرب المذكورين السابقين فاعلا وأبعدهما مفعولا أولى من العكس، وأقرب ~~المذكورين هو قوله: { كافرة يرونهم }. # الثاني: مقدم الآية - وهو قوله { قد كان لكم آية } خطاب ~~مع الكفار، فقراءة نافع - بالتاء - تكون خطابا مع أولئك الكفار، ~~والمعنى: ترون يا مشركي قريش المسلمين مثليهم، فهذه القراءة لا تساعد ~~إلا على كون الرائي مشركا. # الثالث: أن الله تعالى جعل هذه الحالة آية للكفار حتى تكون حجة ~~عليهم، ولو كانت هذه الحالة حاصلة للمؤمن لم يصح جعلها حجة على ~~الكافر. # واحتج من قال: الراءون هم المسلمون بأن الرائين لو كانوا هم المشركين ~~لزم رؤية ما ليس بموجود وهو محال - ولو كان الراءون هم المؤمنين لزم أن ~~لا يرى ما هو موجود، وهذا ليس بمحال فكان أولى، قال ابن مسعود: نظرنا ~~إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون ~~علينا رجلا واحدا، ثم قللهم الله - أيضا - في أعينهم حتى رأوا عددا ~~يسيرا أقل من أنفسهم، قال ابن مسعود: " حتى قلت لرجل إلى جنبي: تراهم ~~سبعين؟ قال: أراهم مائة، فأسرنا رجلا منهم، فقلنا: كم كنتم؟ قال: ألفا ~~". # فصل # وجه النظم أنه - تعالى - لما أنزل الآية المتقدمة في اليهود، وهي قوله: # ستغلبون وتحشرون # [آل عمران: 12]، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، ~~أظهروا التمرد، وقالوا: لسنا أمثال قريش في الضعف، وقلة المعرفة ~~بالقتال، بل معنا من الشوكة والمعرفة بالقتال ما نغلب ms1737 به كل من ~~ينازعنا، فقال تعالى: إنكم - وإن كنتم [أغنياء]، أقوياء، أرباب قدرة وعدة ~~فإنكم - ستغلبون، ثم ذكر - تعالى - ما يجري مجرى الدلالة على صحة ذلك، ~~فقال: { قد كان لكم آية في فئتين التقتا } يعني واقعة ~~بدر؛ فإن الكثرة والعدة كانت للكفار، والقلة وعدم السلاح من جانب ~~المسلمين، ثم إن الله تعالى قهر الكفار، ونصر المسلمين، وهذا يدل على أن ~~النصر بتأييد الله ونصره. # الفئة: الجماعة، والمراد بالفئة التي تقاتل في سبيل الله - أي: في طاعته ~~ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يوم بدر، وكانوا ثلاثمائة وثلاثة ~~عشر رجلا، سبعة وسبعين رجلا من المهاجرين، ومائتين وستة وثلاثين من ~~الأنصار، وصاحب راية المهاجرين علي بن أبي طالب، وصاحب راية الأنصار سعد ~~بن عبادة، وكان فيهم سبعون بعيرا، بين كل أربعة منهم بعير، وفرسان: فرس ~~للمقداد بن عمرو، وفرس لمرثد بن أبي مرثد، وأكثرهم رجالة، وكان معهم ~~من الدروع ستة، وثمانية سيوف، والمراد بالأخرى الكافرة مشركو مكة، ~~وكانوا تسعمائة وخمسين رجلا من المقاتلة، رأسهم عتبة بن ربيعة بن عبد ~~شمس، وفيهم مائة فرس، وكان فيهم أبو سفيان وأبو جهل، وكان معهم من ~~الإبل سبعمائة بعير، وأهل الخيل كلهم كانوا دارعين وهم مائة نفر، ~~وكان في الرجال دروع سوى ذلك. # فصل # ذكر العلماء في كون هذه الواقعة آية وجوها: # أحدها: أن المسلمين كانوا قد اجتمع فيهم من أسباب الضعف أمور، منها: ~~قلة العدد. # ومنها: أنهم خرجوا غير قاصدين للحرب فلم يتأهبوا. # ومنها: قلة السلاح والخيل. # ومنها: أن ذلك أول غزواتهم، وكان قد حصل للمشركين أضداد هذه المعاني من ~~كثرة العدد، وأنهم خرجوا متأهبين للمحاربة، وأنهم كانوا معتادين للحروب ~~في الأزمنة الماضية، وإذ كان الأمر كذلك فكان غلب هؤلاء الضعفاء ~~خارجا عن العادة، فيكون معجزا. # وثانيها: أنه - عليه السلام - كان قد أخبر قومه بأن الله ينصره على ~~قريش، بقوله: # وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم # [الأنفال: 7]، يعني جمع قريش، وكان قد أخبر - قبل الحرب - بأن هذا مصرع ~~فلان، فلما وجد مخبر خبره ms1738 في المستقبل على وفق خبره، كان ~~ذلك إخبارا عن الغيب؛ فكان معجزا. # وثالثها: قوله تعالى: { يرونهم مثليهم رأي العين } ~~، والصحيح أن الرائين هم المشركون، والمرئيين هم المؤمنون، وعلى كلا ~~التقديرين يكون معجزا. # ورابعها: قال الحسن: إن الله - تعالى - أمد رسوله في تلك الغزوة ~~بخمسة آلاف من الملائكة، لقوله تعالى: # فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة ~~مردفين # [الأنفال: 9]، وقال: # بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم ~~هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة ~~مسومين # [آل عمران: 125] قيل: إنه كان على أذناب خيولهم ونواصيهم صوف أبيض، وهو ~~المراد من قوله: { والله يؤيد بنصره من يشآء }. # قوله: { رأي العين } في انتصابه ثلاثة أوجه، تقدم منها اثنان ~~النصب على المصدر التوكيدي، أو النصب على المصدر التشبيهي. # الثالث: أنه منصوب على ظرف المكان، قال الواحدي: ".. كما تقول: ~~ترونهم أمامكم، ومثله هو مني مزجر الكلب، ومناط [العنق]، وهذا ~~إخراج للفظ عن موضوعه - مع عدم المساعد - معنى أو صناعة. # و " رأى " مشترك بين " رأى " معنى أبصر، ومصدره: الرأي، والرؤية، ~~وبمعنى اعتقد وله الرأي وبمعنى الحلم، وله الرؤيا كالدنيا، فوقع الفرق ~~بالمصدر، فالرؤية للبصر خاصة، والرؤيا للحلم فقط، والرأي مشترك بين ~~البصرية والاعتقادية، يقال: هذا رأي فلان، أي: اعتقاده. # قال: [الطويل] # 1357 - رأى الناس - إلا من رأى مثل رأيه # خوارج تراكين قصد المخارج # قوله: { والله يؤيد بنصره من يشآء } التأييد: تفعيل، ~~من الأيد، وهو القوة، والباء سببية أي: سبب تأييده، ومفعول " يشاء ~~" محذوف، أي: من يشاء تأييده. # وقرأ ورش " يويد " ، بإبدال الهمزة واوا محضة، وهو تسهيل ~~قياسي؛ قال أبو البقاء وغيره: " ولا يجوز أن يجعل بين بين؛ ~~لقربها من الألف، والألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا، ولذلك لم تجعل ~~الهمزة المبدوء بها بين بين لاستحالة الابتداء بالألف ". # وهو مذهب سيبويه في الهمزة المفتوحة بعد كسرة قلبها ياء محضة، وبعد ~~الضمة قلبها واوا محضة للعلة المذكورة وهي قرب الهمزة التي بين ~~بين من الألف، والألف لا تكون ضمة ولا كسرة. # و " عبرة ": فعلة - من العبور كالركبة وكالجلسة، ms1739 والعبور: التجاوز، ~~ومنه عبرت النهر، والمعبر السفينة؛ لأن بها يعبر إلى الجانب الآخر، ~~وعبرة العين: دمعها؛ لأنها تجاوزها، وعبر بالعبرة عن ~~الاتعاظ والاستيقاظ؛ لأن المتعظ يعبر من الجهل إلى العلم، ومن ~~الهلاك إلى النجاة، والاعتبار: افتعال منه، والعبارة: الكلام الموصل إلى ~~الغرض، لأن فيه مجاوزة، وعبرت الرؤيا وعبرتها، - مخففا ومثقلا - ~~لأنك نقلت ما عندك من تأويلها إلى رائيها. # و " لأولي أبصار " صفة ل " عبرة " ، أي: عبرة كائنة لأولي الأبصار - ~~لذوي العقول يقال: لفلان بصر بهذا الأمر. # وقيل: لمن أبصر الجمعين. ### || [3.14] # والعامة على بناء " زين " للمفعول، والفاعل المحذوف هو الله تعالى؛ ~~لما ركب في طباع البشر من حب هذه الأشياء، وقيل: هو الشيطان، فالأول قول ~~أهل السنة؛ قالوا: لو كان المزين هو الشيطان فمن ذا الذي زين الكفر ~~والبدعة للشيطان؟ فإن كان ذلك شيطانا آخر لزم التسلسل، وإن وقع ذلك من ~~نفس ذلك الشيطان في الإنسان فليكن في الإنسان كذلك، وإن كان من الله وهو ~~الحق - فليكن في حق الإنسان أيضا كذلك، ويؤيده قوله تعالى: # هؤلاء الذين أغوينآ أغويناهم كما غوينا # [القصص: 63] يعني إن اعتقد أحد أنا أغويناهم، فمن الذي أغوانا؟ وهذا ~~ظاهر جدا، وقال تعالى: # إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها # [الكهف: 7] ونقل عن المعتزلة ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الشيطان زين لهم، حكي عن الحسن أنه [كان] - يحلف بالله على ~~ذلك - ويقول: من زينها؟ إنما زينها الشيطان؛ لأنه لا أحد أبغض لها من ~~خالقها. # احتج لهم القاضي بوجوه: # الأول: أنه تعالى أطلق حب الشهوات، فيدخل فيه حب الشهوات ~~المحرمة، ومزين الشهوات المحرمة هو الشيطان. # الثاني: أنه - تعالى - ذكر القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، ~~وحب هذا المال الكثير لا يليق إلا بمن جعل الدنيا قبلة طلبه، ~~ومنتهى مقصوده؛ لأن أهل الآخرة يكتفون بالبلغة. # الثالث: قوله تعالى: { ذلك متاع الحياة الدنيا } ، فذكره ~~في معرض ذم الدنيا، والذام للشيء لا يزينه. # الرابع: قوله: # قل أؤنبئكم بخير من ذلكم # [آل عمران: 15] والمقصود من هذا الكلام صرف العبد عن الدنيا ~~وتقبيحها له، وذلك ms1740 لا يليق بمن يزين الدنيا في عينه. # القول الثاني: أن المزين هو الله تعالى، واحتجوا عليه بوجوه: # أحدها: أنه تعالى كما رغب في منافع الآخرة فقد خلق ملاذ الدنيا، ~~وأباحها لعبيده؛ فإنه إذا خلق الشهوة والمشتهى، وخلق للمشتهى ~~علما بما في تناول المشتهى من اللذة، ثم أباح له ذلك التناول؛ ~~يقال: إنه زينها له. # وثانيها: أن الانتفاع بهذه الشهوات وسائل إلى منافع الآخرة، والله ~~تعالى ندب إليها، فكان تزيينا لها، أما كونها وسائل إلى ثواب ~~الآخرة أنه يتصدق بها، ويتقوى بها على الطاعة وأيضا إذا علم أن تلك ~~المنافع إنما تيسرت بتخليق الله حمله ذلك على الاشتغال بالشكر. # قال صاحب بن عباد: " شرب الماء البارد في الصيف ~~يستخرج الحمد من أقصى القلب " وأيضا فإن القادر على ~~التمتع باللذات إذا تركها واشتغل بالعبادة، وتحمل ما في ذلك من المشقة ~~كان أكثر ثوابا. # وثالثها: قوله تعالى: # خلق لكم ما في الأرض جميعا # [البقرة: 29]، وقوله: # قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق # [الأعراف: 32]، وقوله: # إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها # [الكهف: 7] وقال: # خذوا زينتكم عند كل مسجد # [الأعراف: 31]، وقال: # وأنزل من السمآء مآء فأخرج به من الثمرات ~~رزقا لكم # [البقرة: 22]، وقال: # كلوا مما في الأرض حلالا طيبا # [البقرة: 168]، وكل ذلك يدل على أن التزيين من الله تعالى. # القول الثالث - وهو اختيار الجبائي والقاضي -: وهو التفصيل، فإن كان ~~حراما فالتزيين فيه من الشيطان، وإن كان واجبا، أو مندوبا، فالتزيين ~~فيه من الله تعالى ذكره القاضي في تفسيره وبقي قسم ثالث، وهو المباح ~~الذي ليس في فعله ثواب، ولا في تركه عقاب، وكان من حق القاضي أن يذكره ~~فلم يذكره. ويبين التزيين فيه، هل هو من الله تعالى أو من الشيطان؟ # وقرأ مجاهد: " زين " مبنيا للفاعل، و " حب " مفعول به نصا، ~~والفاعل إما ضمير الله تعالى؛ المتقدم ذكره في قوله: # والله يؤيد بنصره من يشآء # [آل عمران: 13]، وإما ضمير الشيطان، أضمر - وإن لم يجر له ذكر - لأنه ~~أصل ذلك، فذكر ms1741 هذه الأشياء مؤذن بذكره، وأضاف المصدر لمفعوله في ~~{ حب الشهوات }. # والشهوات جمع شهوة - بسكون العين - فحركت في الجمع، ولا يجوز ~~التسكين إلا في ضرورة، كقوله: [الطويل] # 1358 - وحملت زفرات الضحى فأطقتها # وما لي بزفرات العشي يدان # بتسكين الفاء. والشهوة مصدر يراد به اسم المفعول، أي: المشتهيات، فهو ~~من باب: رجل عدل حيث جعلت نفس المصدر مبالغة. والشهوة: ميل النفس، ~~وتجمع على شهوات - كالآية الكريمة - وعلى شهى - كغرف -. # قالت امرأة من بني نصر بن معاوية: [الطويل] # 1359 - فلولا الشهى - والله - كنت جديرة # بأن أترك اللذات في كل مشهد # قال النحويون: لا تجمع فعلة - المعتلة اللام يعنون بفتح الفاء ~~وسكون العين على فعل إلا ثلاثة ألفاظ: قرية وقرى، ونزوة ونزى، ~~وكوة - عند من فتح الكاف - وكوى. # واستدرك أبو حيان: " واستدركت - أنا - شهى، وأنشد البيت ". # وقال الراغب: ".... وقد يسمى المشتهى، شهوة، وقد يقال للقوة التي ~~بها يشتهى الشيء: شهوة، وقوله تعالى: { زين للناس حب ~~الشهوات } يحتمل الشهوتين ". # قال الزمخشري: وفي تسميتها بهذا الاسم فائدتان: # إحداهما: أنه جعل الأعيان التي ذكرها شهوات؛ مبالغة في كونها ~~مشتهاة، محروصا على الاستمتاع بها. # الثانية: أن الشهوة صفة مسترذلة عند الحكماء، مذموم من اتبعها، شاهد على ~~نفسه بالبهيمية، فكأن المقصود من ذكر هذا اللفظ التنفير منها. # فصل # وجه النظم: أنا روينا أن أبا حارثة بن علقمة النصراني قال لأخيه: إنه ~~يعرف صدق محمد فيما جاء به، إلا أنه لا يقر بذلك؛ خوفا من أن يأخذ ~~ملك الروم منه المال والجاه، وأيضا روينا أن النبي - عليه السلام - ~~لما دعا اليهود إلى الإسلام - بعد غزوة بدر - أظهروا من أنفسهم القوة ~~والشدة، والاستظهار والسلاح، فبين - تعالى - في هذه الآية أن هذه ~~الأشياء وغيرها - من متاع الدنيا - زائلة، باطلة، وأن الآخرة خير وأبقى. # فصل # قال المتكلمون: دلت هذه الآية على أن الحب غير الشهوة؛ لأنه أضافه ~~إليها، والمضاف غير المضاف إليه، والشهوة فعل الله تعالى، والمحبة فعل ~~العبد. # قالت الحكماء: الإنسان قد يحب شيئا، ولكنه يحب ألا يحبه، كالمسلم قد ~~يميل طبعه ms1742 إلى بعض المحرمات، لكنه يحب ألا يحبه، وأما من أحب شيئا، وأحب ~~أن يحبه، فذلك هو كمال المحبة، فإن كان ذلك في جانب الخير، فهو كمال ~~السعادة، كقول سليمان: # إني أحببت حب الخير # [ص: 32]، ومعناه: أحب الخير، وأحب أن أكون محبا للخير، وإن كان ذلك في ~~جانب الشر فهو كما قال في هذه الآية؛ فإن قوله: { زين للناس ~~حب الشهوات } يدل على ثلاثة أمور مترتبة: # أولها: أنه يشتهي أنواع المشتهيات. # ثانيها: أنه يحب شهوته لها. # ثالثها: أنه يعتقد أن تلك المحبة حسنة. # ولما اجتمعت هذه الدرجات الثلاث في هذه القضية بلغت الغاية القصوى في ~~الشدة، فلا تنحل إلا بتوفيق عظيم من الله تعالى، ثم إنه أضاف ذلك إلى ~~الناس، ولفظ " الناس " عام، دخله حرف التعريف فيفيد الاستغراق، فظاهر ~~اللفظ يقتضي أن هذا المعنى حاصل لجميع الناس، والعقل - أيضا - يدل عليه؛ ~~لأن كل ما كان لذيذا ونافعا فهو محبوب، ومطلوب لذاته، والمنافع قسمان: ~~جسماني، وروحاني، فالجسماني حاصل لكل أحد في أول الأمر، والروحاني لا ~~يحصل إلا في الإنسان الواحد على سبيل الندرة، ثم إن انجذاب نفسه إلى ~~اللذات الجسمانية كالملكة المستقرة وانجذابها إلى اللذات الروحانية ~~كالحالة الطارئة التي تزول بأدنى سبب، فلا جرم كان الغالب على الخلق هو ~~الميل الشديد إلى اللذات الجسمانية، فلهذا السبب عم الله هذا الحكم في ~~الكل. # قوله تعالى: { من النساء } في محل نصب على الحال من الشهوات، ~~والتقدير: حال كون الشهوات من كذا وكذا، فهي مفسرة لها في المعنى. # ويجوز أن تكون " من " لبيان الجنس، لقول الزمخشري: " ثم يفسره بهذه ~~الأجناس ". # كقوله: # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # [الحج: 30]، والمعنى: فاجتنبوا الأوثان التي هي رجس. # وقدم النساء على الكل، قال القرطبي: لكثرة تشوق النفوس إليهن؛ ~~لأنهن حبائل الشيطان، وفتنة الرجال، قال صلى الله عليه وسلم: # " ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من ~~النساء " # أخرجه البخاري ومسلم لأن الالتذاذ منهن أكثر، والاستئناس بهن أتم، ~~ولذلك قال تعالى: # خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها ~~وجعل بينكم مودة ورحمة ms1743 # [الروم: 21]، ثم ثنى بالولد الذكر؛ لأن حب الولد الذكر أكثر من ~~حب الولد الأنثى، واعلم أن الله تعالى - في إيجاد حب الزوجة والولد في ~~قلب الإنسان - حكمة بالغة؛ إذ لولا هذا الحب لما حصل التوالد ~~والتناسل، وهذه المحبة غريزة في جميع الحيوان، والبنين: جمع ابن، قال ~~نوح: # رب إن ابني من أهلي # [هود: 45] ويصغر " ابن " على بني، قال لقمان: # يبني لا تشرك بالله # [لقمان: 13]، وقال نوح: # يبني اركب معنا # [هود: 42]. # قوله تعالى: { والقناطير } هي جمع قنطار، وفي نونه قولان: # أحدهما: أنها أصلية، وأن وزنه فعلال، كحملاق، وقرطاس. # والثاني: أنها زائدة، وأن وزنه فنعال كفنعاس، وهو الجمل الشديد، ~~واشتقاقه من قطر يقطر - إذا سال؛ لأن الذهب والفضة يشبهان بالماء في ~~سرعة الانقلاب، وكثرة التقلب. # وقال الزجاج: هو مأخوذ من قنطرت الشيء - إذا عقدته وأحكمته - ~~ومنه القنطرة؛ لإحكام عقدها. # حكى أبو عبيدة عن العرب أنهم يقولون: القنطار وزن لا يحد. # قال ابن الخطيب: " وهذا هو الصحيح ". # وقال الربيع بن أنس: القنطار: المال الكثير بعضه على بعض. # وقال القرطبي: " والعرب تقول قنطر الرجل إذا بلغ ماله أن يوزن بالقنطار ~~". # وقال معاذ بن جبل - ورواه أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم - ~~قال: " القنطار ألف ومئتا أوقية ". # وقال ابن عباس والضحاك: ألف ومائتا مثقال، وعنهما - في رواية أخرى - ~~اثنا عشر ألف درهم أو ألف دينار دية أحدكم، وبه قال الحسن. # وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " القنطار اثنا عشر ألف أوقية ". # وروى أنس - أيضا - عنه أن القنطار ألف دينار. # وروى سعيد بن المسيب وقتادة: ثمانون ألفا. # وقال مجاهد: سبعون ألفا. # وقال السدي: أربعة آلاف مثقال. # وقال الكلبي أبو نضرة: القنطار - بلسان الروم - ملء مسك الثور من ذهب، ~~أو فضة. # وقال الحكم: القنطار ما بين السماء والأرض من مال. # وقال سعيد بن جبير وعكرمة: مائة ألف، ومائة من، ومائة رطل، ومائة ~~مثقال، ومائة درهم، وقد جاء الإسلام - يوم جاء - وبمكة مائة رجل قد ~~قنطروا. # قوله: " المقنطرة " منفعلة من ms1744 القنطار وهو للتأكيد، كقولهم: ~~ألف مؤلفة، وبدرة مبدرة، وإبل مؤبلة، ودراهم مدرهمة. # وقال الكلبي: القناطير الثلاثة، والمقنطرة المضاعفة، فكان المجموع ستة. # وقال الضحاك: معنى " المقنطرة ": المحصنة المحكمة. # وقال قتادة: هي الكثير بعضها فوق بعض. # وقال السدي: المضروبة، المنقوشة حتى صارت دراهم ودنانير. # وقال الفراء: المضعفة، والقناطير الثلاثة، فالمقنطرة تسعة وجاء في ~~الحديث أن القنطار ألف ومائتا أوقية، والأوقية خير مما بين السماء ~~والأرض. # وقال أبو عبيدة: القناطير أحدها قنطار، ولا نجد العرب تعرف وزنه ولا ~~واحد للقنطار من لفظه. # وقال ثعلب: المعول عليه عند العرب أنه أربعة آلاف دينار، فإذا قالوا: ~~قناطير مقنطرة، فهي اثنا عشر دينارا وقيل: إن القنطار ملء جلد ثور ~~ذهبا. # وقيل: ثمانون ألفا وقيل: هو جملة كثيرة مجهولة من المال نقله ابن ~~الأثير. # قوله: { من الذهب } كقوله: { من النساء } ، [والذهب] ~~مؤنث، ولذلك يصغر على ذهيبة، ويجمع على أذهاب وذهوب، واشتقاقه من ~~الذهاب، ويقال: رجل ذهب بكسر الهاء - رأى معدن الذهب فدهش و [ " ~~الفضة " تجمع على فضض، واشتقاقها من انفض إذا تفرق]. # قال القرطبي: والذهب مكيال لأهل اليمن، قال: واشتقاق الذهب والفضة، ~~يشعر بزوالهما وعدم ثبوتهما كما هو مشاهد في الوجود، ومن أحسن ما قيل في ~~ذلك قول بعضهم: [البسيط] # 1360 - النار آخر دينار نطقت به # والهم آخر هذا الدرهم الجاري # والمرء بينهما إذ كان ذا ورع # معذب القلب بين الهم والنار # والذهب والفضة: إنما كانا محبوبين لأنهما جعلا ثمن جميع الأشياء، ~~فمالكها كالمالك لجميع الأشياء. # قوله: " والخيل " عطف على النساء، قال أبو البقاء: [معطوف على ~~النساء]، لا على الذهب والفضة، لأنها لا تسمى قنطارا وتوهم مثل هذا بعيد ~~جدا، والخيل فيه قولان: # أحدهما: قال الواحدي: " إنه جمع لا واحد له من لفظه، كالقوم، ~~والنساء والرهط ". # الثاني: أن واحده خائل، فهو نظير راكب وركب، وتاجر وتجر، وطائر وطير. # وفي هذا خلاف بين سيبويه والأخفش، فسيبويه يجعله اسم جمع، والأخفش يجعله ~~جمع تكسير. # وفي اشتقاقها وجهان: # أحدهما: من الاختيال - وهو العجب - سميت بذلك؛ لاختيالها في مشيتها # بطول أذنابها ms1745 قال امرؤ القيس: [المتقارب] # 1361 - لها ذنب مثل ذيل العروس # تسد به فرجها من دبر # الثاني: من التخيل، قيل: لأنها تتخيل في صورة من هو أعظم منها. # وقيل: أصل الاختيال من التخيل، وهو التشبيه بالشيء؛ لأن المختال يتخيل ~~في صورة من هو أعظم منه كبرا. والأخيل: الشقراق؛ لأنه يتغير ~~لونه، فمرة أحمر، ومرة أصفر وعليه قوله: [مجزوء الكامل] # 1362 - كأبي براقش كل لو # ن لونه يتخيل # وجوز بعضهم: أن يكون مخففا من " خيل " - بتشديد الياء - نحو ميت ~~- في ميت - وهين في هين، وفيه نظر؛ لأن كل ما سمع فيه التخفيف ~~سمع فيه التثقيل، وهذا لم يسمع إلا مخففا؛ وهذا تقدم. # وقال الراغب: " الخيل - في الأصل - اسم للأفراس والفرسان جميعا، قال ~~تعالى: # ومن رباط الخيل # [الأنفال: 60] في الأصل للأفراس، ويستعمل في كل واحد منهما منفردا، نحو ~~ما روي # " يا خيل الله اركبي " # فهذا للفرسان، وقوله - عليه السلام -: # " عفوت لكم عن صدقة الخيل " # يعني الأفراس، وفيه نظر؛ لأن أهل اللغة نصوا على أن قوله - عليه ~~السلام - # " يا خيل الله اركبي " # إما مجاز إضمار أو مجاز علاقة، ولو كان للفرسان حقيقة لما ساغ قولهم. # قوله: " المسومة " أصل التسويم: التعليم، ومعنى مسومة: معلمة. # قال أبو مسلم: مأخوذ من السيما - بالمد والقصر - ومعناه واحد، وهو ~~الهيئة الحسنة، قال تعالى: # سيماهم في وجوههم # [الفتح: 29] واختلفوا في تلك العلامة. # فقال أبو مسلم: هي الأوضاح والغرر التي تكون في الخيل وهي أن تكون ~~غرا محجلة. # وقال الأصم: البلق. # وقال قتادة: الشية. وقال المؤرج: الكي، والأول أحسن؛ لأن الإشارة في ~~الآية إلى أشرف أحوالها وقال: بل هي من سوم الماشية، أي: مرعية، يقال: ~~أسمت ماشيتي، فسامت، قال تعالى: # فيه تسيمون # [النحل: 10]، وسومتها فاستامت، أي: مرعية، فيتعدى - تارة - بالهمزة، ~~وتارة بالتضعيف. # وقيل: بل هو من السيمياء - وهي الحسن - فمعنى مسومة: أي: ذات حسن، ~~قاله عكرمة، واختاره النحاس؛ قال لأنه من الوسم، ورد عليه بعضهم: ~~باختلاف المادتين، وأجاب بعضهم بأنه من باب المقلوب، فيصح ما قاله وتقدم ~~تحقيق ذلك في " يسومونكم ms1746 " وقوله " بسيماهم ". # فصل # قال القرطبي: جاء في الخبر عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~الله عز وجل خلق الفرس من الريح، ولذلك جعلها تطير بلا جناح. # قال وهب بن منبه: خلقها من ريح الجنوب. وفي الخبر: أن الله تعالى عرض ~~على آدم جميع الدواب، فقال له: اختر منها واحدة، فاختار الفرس، فقيل له: ~~اخترت عزك، فصار اسمه الخيل من هذا الوجه، وسمي خيلا؛ لأن من ~~ركبها اختال على أعداء الله، وسمي فرسا؛ لأنه يفترس مسافات الجو ~~افتراس السبع، ويقطعها كالالتهام بيديه على الشيء خطفا وتناولا، ~~وسمي عربيا؛ لأنه جيء به من بعد آدم لإسماعيل؛ جزاء على رفع قواعد ~~البيت، وإسماعيل عربي، فصارت له نحلة من الله، وسمي عربيا، وفي الحديث ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يدخل الشيطان دارا فيها فرس عتيق " # وإنما سمي عتيقا؛ لأنه تخلص من الهجانة، وقال - عليه السلام -: # " خير الخيل الأدهم، الأقرع، الأرثم ثم الأقرح المحجل ~~طلق اليمين ". # قوله: { والأنعام } جمع نعم، والنعم مختصة بالإبل، والبقر، ~~والغنم. # وقال الهروي: النعم يذكر ويؤنث، فإذا جمع أطلق على الإبل والبقر ~~والغنم، وظاهر هذا أنه - قبل جمعه على أنعام - لا يطلق على الثلاثة، بل ~~يختص بواحد منها، وقد صرح الفراء بهذا، فقال النعم: الإبل فقط قال ~~بعضهم لكونها تشبه النعام في جزاء الصبر. وقال ابن كيسان: إذا قلت: نعم ~~لم يكن إلا للإبل وإذا قلت: أنعام وقعت على الإبل وكل ما يرعى؛ قال حسان: ~~[الوافر] # 1363 - وكانت لا يزال بها أنيس # خلال مروجها نعم وشاء # وهو مذكر ولا يؤنث، تقول: هذا نعم وارد، وهو جمع، لا واحد له من لفظه. # وقال ابن قتيبة: " الأنعام: الإبل والبقر والغنم، واحده: نعم وهو جمع ~~لا واحد له من لفظه " ، سميت بذلك؛ لنعومة مشيها ولينها، وعلى الجملة ~~فالاشتقاق في أسماء الأجناس قليل جدا. # قوله: " والحرث " ، الحرث تقدم تفسيره وهو - هنا - مصدر واقع موقع ~~المفعول به، فلذلك وحد، ولم يجمع كما جمعت أخواته، ويجوز إدغام ~~الثاء في الذال، وإن ms1747 كان بعض الناس ضعفه: بأنه يلزم الجمع بين ساكنين، ~~والأول ليس حرف لين، قال: بخلاف " يلهث ذلك " حيث أدغم الثاء في ~~الذال؛ لانتفاء التقاء الساكنين، إذ الهاء قبل الثاء متحركة. # فصل # الحرث هنا اسم لكل ما يحرث. تقول: حرث الرجل حرثا إذا أثار الأرض بمعنى ~~الفلاحة، ويقال: حرث وفي الحديث: # " احرثوا هذا القرآن أي: فتشوه " # قال ابن الأعرابي الحرث: التفتيش، وفي الحديث أصدق الأسماء الحارث، لأن ~~الحارث هو الكاسب، واحترس المال كسبه، والمحراث مسعر النار والحراث مجرى ~~الوتر في القوس، والجمع: أحرثة، وأحرث الرجل ناقته أهزلها. وقد تضمنت ~~هذه الآية الكريمة أنواعا من الفصاحة والبلاغة، منها: الإتيان بها ~~مجملة، ومنها جعله لها نفس الشهوات؛ مبالغة في التنفير عنها، ومنها: ~~البداءة بالأهم، فالأهم، فذكر - أولا - النساء لأنهن أكثر امتزاجا، ~~ومخالطة بالإنسان، وهن حبائل الشيطان، قال - عليه السلام -: # " ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ~~" # وقال: # " ما رأيت من ناقصات عقل ودين أسلب للب الرجل ~~الحليم منكن " # ويروى: الحازم منكن. # وقيل: فيهن فتنتان، وفي البنين فتنة واحدة؛ لأنهن يقطعن الأرحام والصلات ~~بين الأهل - غالبا -، وهن سبب في جمع المال من حلال وحرام - غالبا -، ~~والأولاد يجمع لأجلهم المال، فلذلك ثنى بالبنين، وفي الحديث: # " الولد مبخلة مجبنة " # ولأنهم فروع منهن، وثمرات نشأت عنهن، وفي كلامهم: " المرء مفتون بولده ~~" ، وقدمت على الأموال؛ لأنها أحب إلى المرء من ماله. # وأما تقديم المال على الولد - في بعض المواضع - فإنما ذلك في سياق ~~امتنان، وإنعام أو نصرة، ومعاونة؛ لأن الرجال تستمال بالأموال - ثم ~~ذكر تمام اللذة، وهو المركوب البهيمي من بين سائر الحيوانات، ثم أتى ~~بما يحصل به جمال حين تريحون وحين تسرحون، كما تشهد به الآية الأخرى ثم ~~ذكر ما به قوامهم، وحياة بنيتهم، وهو الزروع والثمار. # ومنها الإتيان بلفظ يشعر بشدة حب هذه الأشياء، بقوله: " زين " والزينة ~~محبوبة في الطباع. # ومنها: بناء الفعل للمفعول؛ لأن الغرض الإعلام بحصول ذلك. # ومنها: إضافة الحب للشهوات، والشهوات هي الميل والنزوع إلى الشيء. # ومنها التجنيس: القناطير المقنطرة. # ومنها: ms1748 الجمع بين ما يشبه المطابقة في قوله: { الذهب والفضة ~~}؛ لأنهما صارا متقابلين في غالب العرف. # ومنها: وصف " القناطير " ب " المقنطرة " الدالة على ~~تكثيرها مع كثرتها في ذاتها. # ومنها: ذكر هذا الجنس بمادة " الخيل " لما في اللفظ من الدلالة على ~~تحسينه، ولم يقل: الأفراس، وكذا قوله " الأنعام " ، ولم يقل: الإبل ~~والبقر والغنم؛ لأنه أخصر. # فصل # قال القرطبي: قال العلماء: ذكر الله - تعالى - أربعة أصناف من المال، ~~كل نوع منها يتمول به صنف من الناس، أما الذهب والفضة فيتمول به ~~التجار، وأما الخيل المسومة فيتمول بها الملوك، وأما الأنعام ~~فيتمول بها أهل البوادي، وأما الحرث فيتمول به أهل البساتين، ~~فتكون فتنة كل صنف في النوع الذي يتمول به، وأما النساء والبنون ففتنة ~~للجميع. # قوله: { ذلك متاع } الإشارة بذلك للمذكور المتقدم، فلذلك وحد ~~اسم الإشارة والمشار إليه متعدد، كقوله: # عوان بين ذلك # [البقرة: 68]. وقد تقدم. # فصل # قال القاضي: وهذا يدل على أن هذا التزيين مضاف إلى الله تعالى؛ لأن ~~متاع الدنيا إنما خلق ليستمتع بها، والاستمتاع بمتاع الدنيا ~~على وجوه: # منها: أن ينفرد به من خصه الله تعالى بهذه النعم، فيكون مذموما. # ومنها: أن يترك الانتفاع به - مع الحاجة إليه - فيكون مذموما. # ومنها: أن ينتفع به في وجه مباح، من غير أن يتوصل بذلك إلى مصالح ~~الآخرة، وذلك لا ممدوح ولا مذموم. # ومنها: أن ينتفع به على وجه يتوصل به إلى مصالح الآخرة، وذلك هو ~~الممدوح. # قوله: { والله عنده حسن المآب } ، أي: المرجع، فالمآب: ~~مفعل، من آب، يئوب، إيابا، وأوبة وأيبة، ومآبا، أي: رجع، ~~والأصل: مأوب، فنقلت حركة الواو إلى الهمزة الساكنة قبلها، ~~فقلبت الواو ألفا، وهو - هنا - اسم مصدر، أي: حسن الرجوع، وقد يقع اسم ~~مكان، أو زمان، تقول: آب يئوب أوابا وإيابا كقوله تعالى: # إن إلينآ إيابهم # [الغاشية: 25] وقوله: # إن جهنم كانت مرصادا للطاغين مآبا # [النبأ: 21-22]. فإن قيل: المآب قسمان: الجنة، وهي في غاية الحسن، ~~والنار، وهي خالية عن الحسن فكيف وصف المآب المطلق بالحسن؟ # فالجواب: أن المقصود - بالذات - هو ms1749 الجنة، وأما النار فمقصودة بالعرض، ~~والمقصود من الآية التزهيد في الدنيا، والترغيب في الآخرة؛ لأن قوله: { ~~ذلك متاع الحياة الدنيا } أي: ما يتمتع به فيها، ثم يذهب ~~ولا يبقى، قال - عليه السلام -: # " إنما الدنيا متاع, وليس من متاع الدنيا شيء ~~أفضل من المرأة الصالحة " # وقال - عليه السلام -: # " ازهد في الدنيا يحبك الله " # أي: في متاعها من الجاه والمال الزائد على الضروري والله تعالى ~~- أعلم. ### || [3.15-17] # قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتحقيق الأولى، وتسهيل الثانية، ~~والباقون بالتحقيق فيهما، ومد هاتين الهمزتين - بلا خلاف - قالون ~~عن نافع، وأبو عمرو وهشام عن ابن عامر بخلاف عنهما والباقون بغير مد على ~~أصولهم من تحقيق وتسهيل. # وورش على أصله من نقل حركة الهمزة الأولى إلى لام " قل ". # ولا بد من ذكر اختلاف القراء في هذه اللفظة وشبهها، وتحرير مذاهبهم؛ ~~فإنه موضع عسير الضبط، فنقول: الوارد من ذلك في القرآن الكريم ثلاثة ~~مواضع - أعني همزتين، أولاهما مفتوحة، والثانية مضمومة - الأول: هذا ~~الموضع. # والثاني: # أأنزل عليه الذكر من بيننا # [ص: 8]، والثالث: # أألقي الذكر عليه من بيننا # [القمر: 25]، والقراء فيها على خمس مراتب: # أحدها: مرتبة قالون، وهي تسهيل الثانية بين بين، وإدخال ألف بين ~~الهمزتين - بلا خلاف - كذا رواه عن نافع. # الثانية: مرتبة ورش وابن كثير، وهي تسهيل الثانية - أيضا - بين بين، ~~من غير إدخال ألف بين الهمزتين بخلاف كذا روى ورش عن نافع. # الثالثة: مرتبة الكوفيين وابن ذكوان عن ابن عامر، وهي تحقيق الثانية، ~~من غير إدخال ألف بلا خلاف-، كذا روى ابن ذكوان عن ابن عامر. # الرابعة: مرتبة هشام، وهي أنه روي عنه ثلاثة أوجه: # الأول: التحقيق، وعدم إدخال ألف بين الهمزتين في الثلاث مواضع. # الثاني: التحقيق، وإدخال ألف بينهما في المواضع الثلاثة. # الثالث: التفرقة بين السور، فيحقق ويقصر في هذه السورة، ويسهل ~~ويمد في السورتين الأخريين. # الخامسة: مرتبة أبي عمرو، وهي تسهيل الثانية مع إدخال الألف وعدمه. ~~وتسهيل هذه الأوجه تقدم في أول البقرة. # ونقل أبو البقاء أنه قرئ: أؤنبئكم - بواو خالصة بعد الهمزة؛ ms1750 ~~لانضمامها - وليس ذلك بالوجه. # وفي قوله: { أؤنبئكم } التفات من الغيبة - في قوله: " للناس ~~" - إلى الخطاب، تشريفا لهم. # " بخير " متعلق بالفعل، وهذا الفعل لما لم يضمن معنى " أعلم " ~~تعدى لاثنين، الأول تعدى إليه بنفسه، وإلى الثاني بالحرف، ولو ضمن ~~معناها لتعدى إلى ثلاثة. # و " من ذلكم " متعلق ب " خير "؛ لأنه على بابه من كونه أفعل ~~تفضيل، والإشارة ب " ذلكم " إلى ما تقدم من ذكر الشهوات وتقدم تسويغ ~~الإشارة بالمفرد إلى الجمع، ولا يجوز أن تكون " خير " ليست للتفضيل، ~~ويكون المراد به خيرا من الخيور، ويكون " من " صفة لقوله: " خير ". # قال أبو البقاء: " من " في موضع نصب بخير، تقديره [بما يفضل من ذلك، ~~ولا يجوز أن يكون صلة لخير؛ لأن ذلك يوجب أن تكون الجنة وما فيها] مما ~~رغبوا فيه بعضا لما زهدوا فيه من الأموال ونحوها، وتابعه في ذلك ~~أبو حيان. # فصل # كيفية النظم أنه - تعالى - لما عدد نعم الدنيا بين - هنا - أن ~~منافع الآخرة خير منها كما قال في آية أخرى: # والآخرة خير وأبقى # [الأعلى: 17]؛ لأن نعم الدنيا مشوبة بالأنكاد، فانية، ونعم الآخرة ~~خالصة، باقية. # قوله: { للذين اتقوا } يجوز فيه أربعة أوجه: # أحدها: أنه متعلق بخير، ويكون الكلام تم هنا، وترفع " جنات " ~~على خبر مبتدأ محذوف، تقديره هو جنات، أي ذلك الذي هو خير مما تقدم ~~جنات، فالجملة بيان وتفسير للخيرية، ومثله قوله تعالى: # قل أفأنبئكم بشر من ذلكم # [الحج: 72]، ثم قال: # النار وعدها الله الذين كفروا # [الحج: 72] ويؤيد ذلك قراءة " جنات " - بكسر التاء - على أنها بدل ~~من " بخير " فهي بيان للخير. # والثاني: أن الجار خبر مقدم، و " جنات " مبتدأ مؤخر، أو يكون " ~~جنات " فاعلا بالجار قبله - وإن لم يعتمد - عند من يرى ذلك، ~~وعلى هذين التقديرين، فالكلام تم عند قوله: { من ذلكم } ، ثم ابتدأ ~~بهذه الجملة، وهي - أيضا مبينة ومفسرة للخيرية. # وأما الوجهان الأخيران فذكرهما مكي - مع جر " جنات " - يعني أنه ~~لم يجز الوجهين إلا إذا جررت " جنات " بدلا من " خير ". # الوجه الأول: أنه متعلق ب " أؤنبئكم ". # الوجه الثاني: ms1751 أنه صفة ل " خير ". # ولا بد من إيراد نصه؛ فإن فيه إشكالا، قال - رحمه الله - بعد أن ذكر أن ~~" للذين " خبر مقدم، و " جنات " مبتدأ -: " ويجوز الخفض في " ~~جنات " على البدل من " خير " على أن تجعل اللام في " للذين " ~~متعلقة ب " أؤنبئكم " ، أو تجعلها صفة ل " خير " ولو جعلت ~~اللام متعلقة بمحذوف قامت مقامه لم يجز خفض " جنات "؛ لأن حروف الجر، ~~والظروف إذا تعلقت بمحذوف، وقد قامت مقامه - صار فيها ضمير مقدر مرفوع، ~~واحتاجت إلى ابتداء يعود عليه ذلك الضمير، كقولك: لزيد مال، في الدار ~~زيد، خلفك عمرو، فلا بد من رفع " جنات " إذا تعلقت اللام بمحذوف، ولو ~~تعلقت بمحذوف على أن لا ضمير فيها لرفعت " جنات " بفعلها، وهو مذهب ~~الأخفش في رفعه ما بعد الظروف وحروف الخفض بالاستقرار، وإنما يحسن ذلك ~~عند حذاق النحويين إذا كانت الظروف، أو حروف الخفض صفة لما قبلها، ~~فحينئذ يتمكن ويحسن رفع الاسم بالاستقرار، وقد شرحنا ذلك وبيناه في ~~أمثلة؛ وكذلك إذا كانت أحوالا ". # فقد جوز تعلق هذه اللام ب " أؤنبئكم " أو بمحذوف على أنها ~~صفة لخير، بشرط أن يجر لفظ " جنات " على البدل من " خير " وظاهره ~~أنه لا يجوز ذلك مع رفع " جنات " وعلل ذلك بأن حروف الجر تتعلق ~~بمحذوف، يحمل الضمير، فوجب أن يؤتى له بمبتدأ هو " جنات " وهذا الذي ~~قاله من هذه الحيثية لا يلزم؛ إذ لقائل أن يقول: أجوز تعلق اللام بما ~~ذكرت من الوجهين مع رفع " جنات " على أنها خبر مبتدأ محذوف، لا على ~~الابتداء حتى يلزم ما ذكرت ولكن الوجهين ضعيفان من جهة أخرى، وهو أن ~~المعنى ليس واضحا بما ذكر مع أن جعله صفة لخير أقوى من جعلها متعلقة ب ~~" أؤنبئكم "؛ إذ لا معنى له، وقوله - في الظروف وحروف الجر -: ~~إنها عند الحذاق إنما ترفع الفاعل إذا كانت صفات.. وكذلك إن كانت أحوالا ~~- فيه قصور؛ لأن هذا الحكم مستقر لها في مواضع: # منها: الموضعان اللذان ذكرهما. # وثالثها: أن يقعا صلة. # ورابعها: أن يقعا خبرا لمبتدأ. # وخامسها: أن ms1752 تعتمد على نفي. # وسادسها: أن تعتمد على استفهام. وقد تقدم تحرير هذا. # فصل # قد بينا في قوله تعالى: # هدى للمتقين # [البقرة: 2] معنى التقوى، وبالجملة فإن المتقي هو الآتي بالواجبات، ~~المحترز عن المحظورات. # وقيل: التقوى عبارة عن اتقاء الشرك؛ لأن التقوى - في عرف القرآن - ~~مختصة بالإيمان. قال تعالى: # وألزمهم كلمة التقوى # [الفتح: 26]، وظاهر اللفظ يطابق الامتنان بحقيقة التقوى، وهي حاصلة عند ~~حصول اتقاء الشرك وعرف القرآن مطابق لذلك، فوجب حمله على من اتقى ~~الكفر: # قوله: { عند ربهم } فيه أربعة أوجه: # أحدها: أنه في محل نصب على الحال من " جنات "؛ لأنه - في الأصل - صفة ~~لها، فلما قدم نصب حالا. # الثاني: أنه متعلق بما تعلق به " للذين " من الاستقرار، إذا ~~جعلناه خبرا، أو رافعا " جنات " بالفاعلية، أما إذا علقته ب " ~~خير " أو " أؤنبئكم " فلا؛ لعدم تضمينه الاستقرار. # الثالث: أن يكون معمولا ل " تجري " ، وهذا لا يساعد عليه المعنى. # الرابع: أنه متعلق ب " خير " ، كما تعلق به " للذين " ، كما ~~تقدم. # ويضعف أن يكون الكلام قد تم عند قوله: { للذين اتقوا } ثم ~~يبتدأ بقوله: { عند ربهم جنات } - على الابتداء والخبر - ~~وتكون الجملة مبينة ومفسرة للخيرية، كما تقدم في غيرها. وقرأ يعقوب ~~" جنات " بكسر التاء - وفيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها بدل من لفظ " بخير " فتكون مجرورة، وهي بيان له - كما ~~تقدم. # الثاني: أنها بدل من محل " بخير " - ومحله النصب - وهو في المعنى ~~كالأول. # الثالث: أنه منصوب بإضمار " أعني " ، وهو نظير الوجه الصائر إلى رفعه ~~على خبر ابتداء مضمر. # قوله: " تجري " صفة ل " جنات " ، فهو في محل رفع، أو نصب، أو جر ~~- على حسب القراءتين، والتخاريج فيهما - و " من تحتها " متعلق ب " ~~تجري " وجوز فيه أبو البقاء أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من " ~~الأنهار " قال: أي: تجري الأنهار كائنة تحتها، وهذا يشبه تهيئة العامل ~~للعمل في شيء وقطعه عنه. # قوله: { خالدين } حال، وصاحبها الضمير المستكن في " للذين " ~~والعامل فيها - حينئذ - الاستقرار المقدر. # وقال أبو البقاء: " إن شئت من الهاء في: تحتها " ، وهذا الذي ذكره - ~~إنما يتمشى ms1753 على مذهب الكوفيين، وذلك أن جعلها حالا من الهاء في تحتها ~~يؤدي إلى جريان الصفة على غير من هي له في المعنى؛ لأن الخلود من أوصاف ~~الجنة ولذلك جمع هذه الحال جمع العقلاء، فكان ينبغي أن يؤتى بضمير ~~مرفوع بارز، هو الذي كان مستترا في الصفة نحو: زيد هند ضاربها هو، ~~والكوفيون يقولون: إن أمن اللبس - كهذا - لم يجب بروز الضمير، وإلا ~~يجب، والبصريون لا يفرقون. وتقدم البحث في ذلك. # قوله: { وأزواج مطهرة ورضوان } من رفع " جنات " - ~~كما هو المشهور - كان عطف " أزواج " و " رضوان " سهلا، ومن ~~كسر التاء فيجب - حينئذ - على قراءته أن يكون مرفوعا على أنه مبتدأ ~~خبره مضمر، تقديره: ولهم أزواج، ولهم رضوان، وتقدم الكلام على " ~~أزواج مطهرة " في البقرة. # فصل # اعلم أن النعمة - وإن عظمت - لن تكمل إلا بالأزواج اللواتي لا يحصل ~~الأنس إلا بهن وقد وصفهن بصفة واحدة جامعة لكل مطلوب، فقال: " ~~مطهرة " فيدخل في ذلك الطهارة من الحيض والنفاس والأخلاق الدنيئة، ~~والقبح، وتشويه الخلقة، وسوء العشرة، وسائر ما ينفر عنه الطبع. # قوله: " ورضوان " فيه لغتان: # ضم الراء، وهي لغة تميم وقيس، وبها قرأ عاصم في جميع القرآن إلا في ~~الثانية من سورة المائدة وهي # من اتبع رضوانه # [المائدة: 16]، فبعضهم نقل عنه الجزم بكسرها، وبعضهم نقل عنه الخلاف ~~فيها خاصة. # والكسر، وهو لغة الحجاز، وبها قرأ الباقون - وهل هما بمعنى واحد، أو ~~بينهما فرق؟ # قولان: # أحدهما: أنهما مصدران بمعنى واحد - كالعدوان. # قال الفراء: " رضيت رضا، ورضوانا ورضوانا، ومثل ~~الرضوان - بالكسر - الحرمان، وبالضم الطغيان، والرجحان، ~~والكفران، والشكران ". # الثاني: أن المكسور اسم، ومنه رضوان: خازن الجنة صلى الله على نبينا ~~وعلى أنبيائه وملائكته. # والمضموم هو المصدر، و " من الله " صفة ل " رضوان ". # فصل # روى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة، ~~فيقولون: لبيك وسعديك، والخير في يديك، ~~فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى ~~وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟ فيقول: ~~ألا أعطيكم ms1754 أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب، وأي ~~شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني، ~~فلا أسخط عليكم بعده أبدا ". # ثم قال: { والله بصير بالعباد } ، أي: عالم بمصالحهم، فيجب أن ~~يرضوا لأنفسهم ما اختاره لهم. # قوله تعالى: { الذين يقولون } يحتمل أن يكون محله الرفع، ~~والنصب، والجر، فالرفع من وجهين: # أحدهما: أنه مبتدأ محذوف الخبر، تقديره: الذين يقولون كذا مستجاب لهم، ~~أو لهم ذلك الجزاء المذكور. # الثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه قيل: من هم هؤلاء المتقون؟ فقيل: ~~الذين يقولون كيت، وكيت. # والنصب من وجه واحد، وهو النصب بإضمار أعني، أو أمدح، وهو نظير الرفع ~~على خبر ابتداء مضمر، ويسميان: الرفع على القطع، والنصب على القطع. # والجر من وجهين: # أحدهما: النعت. # والثاني: البدل، ثم لك - في جعله نعتا أو بدلا - وجهان: # أحدهما: جعله نعتا للذين اتقوا، أو بدلا منه. # والثاني: جعله نعتا للعباد، أو بدلا منهم. # واستضعف أبو البقاء جعله نعتا للعباد، قال: [ويضعف أن يكون صفة ~~للعباد]؛ لأن فيه تخصيصا لعلم الله، وهو جائز - على ضعفه - ويكون الوجه ~~فيه إعلامهم بأنه عالم بمقدار مشقتهم في العبادة، فهو يجازيهم عليها، ~~كما قال: # والله أعلم بإيمانكم # [النساء: 25]. # والجملة من قوله: { والله بصير } يجوز أن تكون معترضة، لا محل ~~لها، إذا جعلت " الذين يقولون " تابعا ل " الذين ~~اتقوا " - نعتا أو بدلا-، وإن جعلته مرفوعا، أو منصوبا فلا. # فصل # اعلم أن قولهم { ربنآ إننآ آمنا فاغفر لنا ذنوبنا ~~} يدل على أنهم توسلوا بمجرد الإيمان إلى طلب المغفرة، والله - تعالى - ~~مدحهم بذلك، وأثنى عليهم، فدل هذا على أن العبد - بمجرد الإيمان - ~~يستوجب الرحمة والمغفرة من الله تعالى، ويؤيد هذا قوله تعالى: # ربنآ إننآ سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن ~~آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا ~~وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار # [آل عمران: 193]. # فإن قيل: أليس أنه تعالى اعتبر جملة الطاعات في حصول المغفرة؛ حيث أتبع ~~هذه الآية بقوله: { الصابرين والصادقين }؟ # فالجواب: أن هذه الآية تؤكد ما قلنا؛ لأنه - تعالى - جعل مجرد ~~الإيمان وسيلة إلى ms1755 طلب المغفرة، ثم ذكر بعده صفات المطيعين، وهي ~~كونهم صابرين صادقين، ولو كانت هذه الصفات شرائط للحصول على المغفرة ~~لكان ذكرها قبل طلب المغفرة أولى، فلما رتب طلب المغفرة على مجرد ~~الإيمان، ثم ذكر بعده هذه الصفات، علمنا أن هذه الصفات غير معتبرة في ~~حصول أصل المغفرة، وإنما هي معتبرة في حصول كمال الدرجات. # قوله تعالى: { الصابرين } إن قدرت { الذين يقولون } منصوب ~~المحل، أو مجروره - على ما تقدم - كان " الصابرين " نعتا له - على ~~كلا التقديرين، فيجوز أن يكون في محل نصب، وأن يكون في محل جر، وإن قدرته ~~مرفوع المحل تعين نصب " الصابرين " بإضمار " أعني ". # فصل # المراد بالصابرين في أداء المأمورات، وترك المحظورات، وعلى البأساء، ~~والضراء وحين البأس، والصادقين في إيمانهم. # قال قتادة: " هم قوم صدقت نياتهم، واستقامت قلوبهم وألسنتهم، ~~فصدقوا في السر والعلانية ". # فالصدق يجري على القول والفعل والنية، فالصدق في القول مشهور - وهو ~~تجنب الكذب - والصدق في الفعل الإتيان به تاما، يقال: صدق فلان في ~~القتال، وصدق في الحكمة، والصدق في النية العزم الجازم حتى يبلغ الفعل. # " القانتين " المطيعين، المصلين، والقنوت: عبارة عن الدوام على ~~الطاعة والمواظبة عليها، " والمنفقين " أموالهم في طاعة الله، ويدخل فيه ~~إنفاق المرء على نفسه، وأهله، وأقاربه، وصلة رحمه، وفي الزكاة، والجهاد، ~~وسائر وجوه البر. # { والمستغفرين بالأسحار }. # قال مجاهد وقتادة والكلبي: يعني المصلين بالأسحار. # وعن زيد بن أسلم: هم الذين يصلون الصبح في جماعة. # وقال الحسن: مدوا الصلاة إلى السحر، ثم استغفروا. # وقال نافع: كان ابن عمر يحيي الليل، ثم يقول: يا نافع، أسحرنا؟ ~~فيقول: لا، فيعاود الصلاة، فإذا قلت: نعم، قعد يستغفر الله، ~~ويدعو حتى يصبح. # وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ينزل الله إلى السماء الدنيا كل ليلة - حين ~~يبقى ثلث الليل - فيقول: أنا الملك، أنا الملك، من ~~ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يسالني ~~فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ " # رواه مسلم. # قال القرطبي: وقد اختلف في تأويله، وأولى ما قيل فيه ما ms1756 جاء في كتاب ~~النسائي - مفسرا - عن أبي هريرة وأبي سعيد - رضي الله عنهما - قالا: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله - عز وجل - يمهل حتى يمضي شطر الليل ~~الأول، ثم يأمر مناديا، يقول: هل من داع يستجاب ~~له؟ هل من مستغفر يغفر له؟ هل من سائل يعطى؟ ~~" # صححه أبو محمد عبد الحق، وهو يرفع الإشكال، ويوضح كل احتمال، وأن ~~الأول من باب حذف المضاف، أي: ينزل ملك ربنا، فيقول. وقد روي " ~~ينزل " - بضم الياء - وهو يبين ما ذكرنا. # وحكي عن الحسن أن لقمان قال لابنه: " لا تكونن أعجز من ~~هذا الديك؛ يصوت بالأسحار وأنت نائم على فراشك ~~". # واعلم أن وقت السحر أطيب أوقات النوم، فإذا أعرض العبد عن تلك ~~اللذة، وأقبل على العبودية، كانت الطاعة أكمل، وأشق، فيكثر ثوابها، ~~وأيضا فإن النوم هو الموت الأصغر، وعند السحر كأن الأموات تصير أحياء، ~~فيكون وقتا للوجود العام. # و " الأسحار " جمع سحر - بفتح العين وسكونها - واختلف أهل اللغة ~~في السحر، اي وقت هو؟ # فقال الزجاج وجماعة: إنه وقت قبل طلوع الفجر، ومنه تسحر، أي: أكل ~~في ذلك الوقت واستحر- إذا سافر فيه -. # قال زهير: [الطويل] # 1364 - بكرن بكورا، واستحرن بسحرة # فهن لوادي الرس كاليد للفم # وقال الراغب: " السحر: اختلاط ظلام آخر الليل بضياء النهار، ~~وجعل اسما لذلك الوقت، ويقال: لقيته بأعلى السحرين، والمسحر: ~~الخارج سحرا، والسحور: اسم للطعام المأكول سحرا، والتسحر: ~~أكله ". # والمستحر: الطائر الصياح في السحر. # قال الشاعر: [المتقارب] # 1365 - يعل به برد أنيابها # إذا غرد الطائر المستحر # وقال بعضهم: أسحر الطائر، أي: صاح، وتحرك في صياحه، وأنشد البيت، ~~وهذا وإن كان مطلقا فإنما يريد ما ذكر بالصياح في السحر، ويقال: ~~أسحر الرجل إذا دخل في وقت السحر كأظهر - أي: دخل في وقت الظهر. # قال: [المتقارب] # 1366 - وأدلج من طيبة مسرعا # فجاء إلينا وقد أسحرا # ومثله: استحر أيضا. # وقال بعضهم: السحر من ثلث الليل الأخير إلى طلوع الفجر. # وقال بعضهم - أيضا -: السحر - عند العرب - من آخر الليل، ثم يستمر حكمه ~~إلى ms1757 الإسفار كله، يقال له سحر قيل: وسمي السحر سحرا؛ لخفائه، ومنه قيل ~~للسحر سحر؛ للطفه وخفائه. # والسحر - بسكون الحاء - منتهى قصبة الركبة، ومنه قول عائشة - رضي ~~الله عنها -: " مات بين سحري ونحري " سمي بذلك لخفائه. # و " سحر " فيه كلام كثير بالنسبة إلى الصرف وعدمه، والتصرف وعدمه، ~~والإعراب وعدمه، يأتي تفصيله - إن شاء الله تعالى -. # فإن قيل: كيف دخلت الواو على هذه الصفات، وكلها لقبيل واحد؟ ففيه ~~جوابان: # أحدهما: أن الصفات إذا تكررت جاز أن يعطف بعضها على بعض بالواو ~~- وإن كان الموصوف بها واحدا -، ودخول الواو - في مثل هذا - تفخيم؛ لأنه ~~يؤذن بأن كل صفة مستقلة بالمدح. # الثاني: أن هذه الصفات متفرقة فيهم، فبعضهم صابر، وبعضهم صادق، ~~فالموصوف بها متعدد. هذا كلام أبي البقاء. # وقال الزمخشري: " الواو المتوسطة بين الصفات للدلالة على كمالهم في ~~كل واحدة منها ". # قال أبو حيان: " ولا نعلم أن العطف في الصفة بالواو يدل على الكمال ". # قال شهاب الدين: " قد علمه علماء البيان، وتقدم تحقيقه في أول سورة ~~البقرة، وما أنشدته على ذلك من لسان العرب ". # والباء في قوله: " بالأسحار " بمعنى " في ". ### || [3.18] # العامة على " شهد " فعلا ماضيا، مبنيا للفاعل، ولفظ الجلالة ~~رفع به. # وقرأ أبو الشعثاء: " شهد " مبنيا للمفعول، ولفظ الجلالة قائم مقام ~~الفاعل، وعلى هذه القراءة يكون " أنه لا إله إلا هو " في محل ~~رفع؛ بدلا من اسم " الله " - بدل اشتمال، تقديره: شهد وحدانية الله ~~- تعالى - وألوهيته. # ولما كان المعنى على هذه القراءة كذلك أشكل عطف الملائكة، وأولي العلم ~~على لفظ الجلالة، فخرج ذلك على عدم العطف، بل إما على الابتداء، ~~والخبر محذوف؛ لدلالة الكلام عليه، تقديره: والملائكة، وأولو العلم ~~يشهدون بذلك، يدل عليه قوله تعالى: { شهد الله } ، وإما على ~~الفاعلية بإضمار محذوف، تقديره: وشهد الملائكة، وأولو العلم بذلك، ~~وهو قريب من قوله تعالى: # يسبح له فيها بالغدو والآصال # [النور: 36]، في قراءة من بناه للمفعول. # وقوله: [الطويل] # 1367 - ليبك يزيد ضارع لخصومة # ومختبط مما تطيح الطوائح # وقرأ أبو المهلب: " شهداء الله " جمعا على فعلاء ms1758 - كظرفاء ~~- منصوبا، وروي عنه وعن أبي نهيك كذلك إلا أنه مرفوع، وفي كلتا ~~القراءتين مضاف للفظ الجلالة، فأما النصب فعلى الحال، وصاحبها هو الضمير ~~المستتر في " المستغفرين ". # قال ابن جني، وتبعه الزمخشري، وأبو البقاء: وأما الرفع فعلى إضمار ~~مبتدأ، أي: هم شهداء الله. # وشهداء: يحتمل أن يكون جمع شاهد - كشاعر وشعراء - وأن يكون جمع ~~شهيد كظريف وظرفاء. وقرأ أبو المهلب - أيضا -: " شهدا الله " - بضم ~~الشين والهاء والتنوين ونصب لفظ الجلالة وهو منصوب على الحال؛ جمع شهيد - ~~كنذير ونذر - واسم " الله " منصوب على التعظيم أي يشهدون الله، أي: ~~وحدانيته. # وروى النقاش أنه قرأ كذلك، إلا أنه قال: برفع الدال ونصبها، والإضافة ~~للفظ الجلالة، فالرفع والنصب على ما تقدم في " شهداء " ، وأما ~~الإضافة، فيحتمل أن تكون محضة، بمعنى أنك عرفتهم إضافتهم إليه من غير ~~تعرض لحدوث فعل، كقولك: عباد الله، وأن يكون من نصب كالقراءة قبلها فتكون ~~غير محضة. # ونقل الزمخشري أنه قرئ " شهداء لله " جمعا على فعلاء، وزيادة ~~لام جر داخلة على اسم الله، وفي الهمزة النصب والرفع، وخرجهما على ما ~~تقدم من الحال والخبر، وعلى هذه القراءات كلها ففي رفع " الملائكة ~~" وما بعدها ثلاثة أوجه: # أحدها: الابتداء، والخبر محذوف. # والثاني: أنه فاعل بفعل مقدر. # الثالث: - ذكره الزمخشري - وهو النسق على الضمير المستكن في " شهد ~~الله " ، قال: " وجاز ذلك لوقوع الفاصل بينهما ". # قوله: " أنه " العامة على فتح الهمزة، وإنما فتحت؛ لأنها على حذف ~~حرف الجر، أي: شهد الله بأنه لا إله إلا هو، فلما حذف الحرف جاز أن يكون ~~محلها نصبا، وأن يكون محلها جرا. # وقرأ ابن عباس " إنه " - بكسر الهمزة - وفيها تخريجان: # أحدهما: إجراء " شهد " مجرى القول, لأنه بمعناه، وكذا وقع في ~~التفسير: شهد الله أي: قال الله، ويؤيده ما نقله المؤرج من أن " ~~شهد " بمعنى " قال " لغة قيس بن عيلان. # الثاني: أنها جملة اعتراض - بين العامل - وهو شهد - وبين معموله - وهو ~~قوله: " إن الدين عند الله الإسلام " ، وجاز ذلك لما في هذه ~~الجملة من التأكيد، وتقوية المعنى وهذا إنما ms1759 يتجه على قراءة فتح " أن ~~" من " أن الدين " ، وأما على قراءة الكسر فلا يجوز، فتعين ~~الوجه الأول. # والضمير في " أنه " يحتمل العود على الباري؛ لتقدم ذكره، ويحتمل أن ~~يكون ضمير الأمر، ويؤيد ذلك قراءة عبد الله: { شهد الله ~~أنه لا إله إلا هو } ف " أن " مخففة في هذه القراءة، ~~والمخففة لا تعمل إلا في ضمير الشأن - ويحذف حينئذ - ولا تعمل في غيره ~~إلا ضرورة [وأدغم أبو عمرو بخلاف عنه واو هو في واو النسق بعدها، وقد ~~تقدم تحقيق هذه المسألة عند قوله: " هو والذين آمنوا معه " ]. # فصل # قال سعيد بن جبير: كان حول البيت ثلاثمائة وستون صنما، فلما ~~نزلت هذه الآية خررن سجدا. # وقيل: نزلت هذه الآية في نصارى نجران. # وقال الكلبي: قدم حبران من أحبار الشام على النبي صلى الله عليه ~~وسلم فلما أبصرا المدينة قال أحدهما: ما أشبه هذه المدينة بصفة ~~مدينة النبي الذي يخرج في آخر الزمان؟ فلما دخلا عليه عرفاه بالصفة، ~~فقالا له: أنت محمد؟ قال: نعم، قالا: وأنت أحمد؟ قال: أنا محمد وأحمد، ~~قالا: فإنا نسألك عن شيء، فإن أخبرتنا به آمنا بك، وصدقناك، فقال: ~~سلا، فقالا: أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله عز وجل، فأنزل الله ~~هذه الآية، فأسلم الرجلان. # فصل # قال بعض المفسرين: شهد الله، أي: قال. # وقيل: بين الله؛ لأن الشهادة تبيين. # وقال مجاهد: حكم الله. # وقيل: أعلم الله أنه لا إله إلا هو. # فإن قيل: المدعي للوحدانية هو الله - تعالى - فكيف يكون المدعي ~~شاهدا؟ # فالجواب من وجوه: # أحدها: ما تقدم من أن " شهد " بمعنى " قال " أو " بين " أو " ~~حكم ". # الثاني: أن الشاهد الحقيقي ليس إلا الله - تعالى -؛ لأنه الذي خلق ~~الأشياء، وجعلها دلائل على توحيده، فلولا تلك الدلائل لم يتوصل أحد ~~إلى معرفته بالوحدانية، فهو - تعالى وفقهم، حتى أرشدهم إلى معرفة ~~التوحيد، وإذا كان كذلك كان الشاهد على الوحدانية هو الله تعالى، ولهذا ~~قال: # قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد # [الأنعام: 19]. # الثالث: أنه الموجود - أزلا وأبدا - وكل ما ms1760 سواه فقد كان في الأزل ~~عدما صرفا، والعدم غائب، والموجود حاضر، وإذا كان ما سواه - في الأزل ~~- غائبا، وهو - تعالى - حاضر فبشهادته صار شاهدا، فكان الحق شاهدا على ~~الكل، فلهذا قال: { شهد الله أنه لا إله إلا هو }. # فصل # تقدم أن شهادة الله الإخبار والإعلام، ومعنى شهادة الملائكة والمؤمنين ~~الإقرار والمراد بأولي العلم، قيل: الأنبياء - عليهم السلام -. # قال ابن كيسان: يعني المهاجرين والأنصار. # وقال مقاتل: علماء مؤمني أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام وأصحابه. # قال السدي والكلبي: يعني جميع المؤمنين الذين عرفوا وحدانية الله ~~- تعالى - بالدلائل القاطعة؛ لأن الشهادة إنما تكون مقبولة، إذا كان ~~الإخبار بها مقرونا بالعلم، ولذلك قال - عليه السلام -: # " إذا علمت مثل الشمس فاشهد ". # فإن قيل: إذا كانت شهادة الله عبارة عن إقامة الدلائل، وشهادة ~~الملائكة، وأولي العلم عبارة عن الإقرار، فكيف جمعهما في اللفظ؟ # فالجواب: أن هذا ليس ببعيد، ونظيره قوله - تعالى: # إن الله وملائكته يصلون على النبي # [الأحزاب: 56]، ومعلوم أن الصلاة من الله تعالى الرحمة - كما ورد - ومن ~~الملائكة الدعاء، ومن المؤمنين الاستغفار، وقد جمعهما في اللفظ. # فصل # دلت هذه الآية على فضل العلم وشرف العلماء؛ فإنه لو كان أحد أشرف من ~~العلماء لقرنه الله باسمه واسم ملائكته، كما قرن الله اسم العلماء، وقال ~~تعالى - لنبيه -: # وقل رب زدني علما # [طه: 114]، فلو كان شيء أشرف من العلم لأمر الله - تعالى - نبيه ~~المزيد منه، كما أمره أن يستزيد من العلم. # وقال عليه السلام: # " العلماء ورثة الأنبياء " # وقال: # " العلماء أمناء الله على خلقه " # [وهذا شرف للعلماء عظيم، ومحل لهم في الدين خطير]. # قوله تعالى: { قآئما بالقسط } في نصبه أربعة أوجه: # أحدها: أنه منصوب على الحال، واختلفوا في ذلك؛ فبعضهم جعله حالا من اسم ~~" الله " ، فالعامل فيها " شهد ". # قال الزمخشري: وانتصابه على أنه حال مؤكدة منه، كقوله تعالى: # وهو الحق مصدقا # [البقرة: 91]. # قال أبو حيان: وليس من باب الحال المؤكدة؛ لأنه ليس من باب # ويوم يبعث حيا # [مريم: 15] ولا من باب: أنا عبد الله شجاعا فليس " قائما ~~بالقسط ms1761 " بمعنى " شهد " وليس مؤكدا مضمون الجملة السابقة في ~~نحو: أنا عبد الله شجاعا، وهو زيد شجاعا، لكن في هذا التخريج قلق في ~~التركيب؛ يصير كقولك: أكل زيد طعاما وعائشة وفاطمة جائعا، ففصل بين ~~المعطوف عليه، والمعطوف بالمفعول، وبين الحال وصاحبه بالمفعول، والمعطوف، ~~لكن يمشيه كونها كلها معمولة لعامل واحد. # قال شهاب الدين: مؤاخذته له في قوله " مؤكدة " غير ظاهرة، وذلك أن ~~الحال على قسمين: # إما مؤكدة، وإما مبينة - وهي الأصل - فالمبينة لا جائز أن تكون ~~ههنا؛ لأن المبينة منتقلة، والانتقال - هنا - محال؛ إذ عدل الله - ~~تعالى - لا يتغير. # وقيل: لنا قسم ثالث - وهي الحال اللازمة - فكان للزمخشري مندوحة عن ~~قوله: " مؤكدة " وعن قوله " لازمة ". # فالجواب: أن كل مؤكدة لازمة، فلا فرق بين العبارتين - وإن كان الشيخ ~~زعم أن إصلاح العبارة يحصل بقوله: لازمة - ويدل على ما ذكرته من ملازمة ~~التأكيد للحال اللازمة وبالعكس الاستقراء وقوله: ليس معنى " قائما ~~بالقسط " معنى " شهد " ممنوع، بل معنى: " شهد " مع متعلقه ~~هو { أنه لا إله إلا هو } - مساو لقوله: " قائما ~~بالقسط "؛ لأن التوحيد ملازم للعدل. # قال الزمخشري: " فإن قلت: لم جاز إفراده بنصب الحال دون ~~المعطوفين عليه، ولو قلت: جاءني زيد وعمرو راكبا لم يجز؟ # قلت: إنما جاز هذا؛ لعدم الإلباس، كما جاء في قوله تعالى: # ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة # [الأنبياء: 72] - إن انتصب " نافلة " حالا عن يعقوب، ولو قلت: ~~جاءني زيد وهند راكبا، جاز؛ لتميزه بالذكورة ". # قال أبو حيان: " وما ذكر من قوله: جاءني زيد وعمرو راكبا، أنه لا ~~يجوز ليس كما ذكر، فهذا جائز؛ لأن الحال قيد فيمن وقع منه أو به ~~الفعل، أو ما أشبه ذلك، وإذا كان قيدا فإنه يحمل على أقرب مذكور؛ ~~ويكون " راكبا " حالا مما يليه، ولا فرق في ذلك بين الحال والصفة لو ~~قلت: جاءني زيد وعمرو الطويل، لكان " الطويل " صفة لعمرو، ولا تقول: لا ~~تجوز هذه المسألة؛ لأنه يلبس، بل لا لبس في هذا، وهو جائز، فكذلك الحال، ~~وأما قوله: إن " نافلة " انتصب حالا عن " يعقوب ms1762 " فلا يتعين أن يكون ~~حالا عن يعقوب؛ إذ يحتمل أن يكون " نافلة " مصدرا - كالعاقبة ~~والعافية - ومعناه زيادة، فيكون ذلك شاملا إسحاق ويعقوب؛ لأنهما زيدا ~~لإبراهيم بعد ابنه إسماعيل وغيره ". # قال شهاب الدين: " مراد الزمخشري بمنع جاءني زيد وعمرو راكبا إذا ~~أريد أن الحال منهما معا، أما إذا أريد أنها حال من واحد منهما فإنما ~~يجعل لما يليه؛ لعود الضمير على أقرب مذكور ". # وبعضهم جعله حالا من " هو ". # قال الزمخشري: فإن قلت: قد جعلته حالا من فاعل " شهد " فهل يصح ~~أن ينتصب حالا عن " هو " في " لا إله إلا هو "؟ # قلت: نعم؛ لأنها حال مؤكدة، والحال المؤكدة لا تستدعي أن يكون في ~~الجملة - التي هي زيادة في فائدتها - عامل فيها، كقولك: " أنا عبد الله ~~شجاعا " ، يعني: أن الحال المؤكدة لا يكون العامل فيها النصب شيئا ~~من الجملة السابقة قبلها، إنما تنتصب بعامل مضمر، فإن كان المتكلم ~~مخبرا عن نفسه، نحو أنا عبد الله شجاعا قدرته: أحق - مبنيا ~~للمفعول - شجاعا، وإن كان مخبرا عن غيره قدرته - مخبرا عن الفاعل - ~~نحو هذا عبد الله شجاعا أي: أحقه، هذا هو المذهب المشهور في نصب مثل ~~هذه الحال، وفي المسألة قول ثان - لأبي إسحاق - أن العامل فيها هو خبر ~~المبتدأ؛ لما ضمن من معنى المشتق؛ إذ هو بمعنى المسمى، ~~وقول ثالث أن العامل فيها المبتدأ؛ لما ضمن من معنى التنبيه وهي مسألة ~~طويلة. # وبعضم جعله حالا من الجميع على اعتبار كل واحد قائما بالقسط، وهذا ~~مناقض لما قاله الزمخشري من أن الحال مختصة بالله - تعالى - دون ما عطف ~~عليه، وهذا المذهب مردود بأنه لو جاز ذلك لجاز: جاء القوم راكبا، أي: كل ~~واحد منهم " راكبا " والعرب لا تقول ذلك ألبتة ففسد هذا، فهذه ثلاثة ~~أوجه في صاحب الحال. # الوجه الثاني من أوجه نصب قائما: نصبه على النعت للمنفي ب " لا " كأنه ~~قيل: لا إله قائما بالقسط إلا هو. # قال الزمخشري: " فإن قلت: هل يجوز أن يكون صفة للمنفي، كأنه قيل: لا ~~إله قائما بالقسط إلا ms1763 هو؟ # قلت: لا يبعد؛ فقد رأيناهم يتسعون في الفصل بين الصفة والموصوف " ثم ~~قال: " وهو أوجه من انتصابه عن فاعل " شهد " ، وكذلك انتصابه على ~~المدح ". # قال أبو حيان: " وكأن الزمخشري قد مثل في الفصل بين الصفة والموصوف ~~بقوله: لا رجل إلا عبد الله شجاعا،... وهذا الذي ذكره لا يجوز؛ لأنه فصل ~~بين الصفة والموصوف بأجنبي وهو المعطوفان اللذان هما { والملائكة ~~وأولوا العلم } ، وليسا معمولين لشيء من جملة { لا إله ~~إلا هو } ، بل هما معمولان ل " شهد " ، وهو نظير: عرف زيد أن ~~هندا خارجة وعمرو وجعفر التميمية، فيفصل بين " هند " و " ~~التميمية " بأجنبي ليس داخلا في خبر ما عمل فيها، وذلك الأجنبي هو " ~~عمرو وجعفر " المرفوعان المعطوفان ب " عرف " - على زيد، وأما المثال ~~الذي مثل به، وهو: لا رجل إلا عبد الله شجاعا، فليس نظير تخريجه في ~~الآية؛ لأن قولك: إلا عبد الله، بدل على الموضع من " لا رجل " ، فهو تابع ~~على الموضع، فليس بأجنبي على أن في جواز هذا التركيب نظرا؛ لأنه بدل، ~~و " شجاعا " وصف، والقاعدة: أنه إذا اجتمع البدل والوصف قدم الوصف ~~على البدل، وسبب ذلك أنه على نية تكرار العامل - على الصحيح - فصار من ~~جملة أخرى على هذا المذهب ". # الوجه الثالث: نصبه على المدح. # قال الزمخشري: فإن قلت: أليس من حق المنتصب على المدح أن يكون معرفة، ~~كقولك: الحمد لله الحميد، # " إنا - معشر الأنبياء - لا نورث " # وقوله: [البسيط] # 1368 - إنا - بني نهشل - لا ندعي لأب # ............................ # قلت: قد جاء نكرة كما جاء معرفة، وأنشد سيبويه - مما جاء منه نكرة - ~~قول الهذلي: [المتقارب] # 1369 - ويأوي إلى نسوة عطل # وشعثا مراضيع مثل السعالي # قال أبو حيان: " انتهى هذا السؤال وجوابه، وفي ذلك تخليط؛ وذلك أنه لم ~~يفرق بين المنصوب على المدح، أو الذم، أو الترحم، وبين المنصوب على ~~الاختصاص، وجعل حكمها واحدا، وأورد مثالا من المنصوب على المدح، وهو ~~الحمد لله الحميد، ومثالين من المنصوب على الاختصاص، وهما: # " إنا - معشر الأنبياء - لا نورث " # وقوله: " إنا - بني نهشل - لا ندعي لأب ms1764 " والذي ذكره النحويون أن ~~المنصوب على المدح أو الذم أو الترحم، قد يكون معرفة، وقبله معرفة - ~~يصلح أن يكون تابعا لها، وقد لا يصلح - وقد يكون نكرة وقبله معرفة، فلا ~~يصلح أن يكون نعتا لها. # نحو قول النابغة: # 1370 - أقارع عوف، لا أحاول غيرها # وجوه قرود تبتغي من تجادع # فنصب " وجوه قرود " على الذم، وقبله معرفة، وهي " أقارع عوف " ~~، وأما المنصوب على الاختصاص فنصوا على أنه لا يكون نكرة، ولا ~~مبهما، ولا يكون إلا معرفا بالألف واللام، أو بالإضافة، أو ~~بالعلمية، أو لفظ " أي " ، ولا يكون إلا بعد ضمير متكلم مختص به، أو ~~مشارك فيه، وربما أتى بعد ضمير مخاطب ". # الوجه الرابع: نصبه على القطع، أي إنه كان من حقه أن يرتفع؛ نعتا لله ~~تعالى بعد تعريفه ب " أل " والأصل: شهد الله القائم بالقسط، فلما ~~نكر امتنع إتباعه، فقطع إلى النصب، وهذا مذهب الكوفيين، ونقله ~~بعضهم عن الفراء - وحده -، ومنه عندهم قول امرئ القيس: # 1371 -............................. # وعالين قنوانا من البسر أحمرا # وقد تقدم ذلك محققا. # الأصل: " من البسر الأحمر " ويؤيد هذا قراءة عبد الله " القائم ~~بالقسط " - برفع القائم؛ تابعا للفظ الجلالة - وخرجه الزمخشري وغيره ~~على أنه بدل من " هو " أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو القائم. # قال أبو حيان: ولا يجوز ذلك؛ لأن فيه فصلا بين البدل والمبدل منه ~~بأجنبي، وهو المعطوفان؛ لأنهما معمولان لغير العامل في المبدل منه، ولو ~~كان العامل في المعطوف هو العامل في المعطوف لم يجز ذلك - أيضا -؛ لأنه ~~إذا اجتمع العطف والبدل قدم البدل على العطف. لو قلت: جاء زيد ~~وعائشة أخوك، لم يجز، إنما الكلام: " جاء زيد أخوك وعائشة ". # فيحصل في رفع " القائم " - على هذه القراءة - ثلاثة أوجه: النصب، ~~والبدل، وخبر مبتدأ محذوف. # ونقل عن عبد الله - أيضا - أنه قرأ " قائم بالقسط " - ~~بالتنكير، ورفعه من وجهي البدل، وخبر المبتدأ. # وقرأ أبو حنيفة: " قيما " - بالنصب على ما تقدم -. # فهذه أربعة أوجه محررة من كلام القوم. # والظاهر أن رفع { والملائكة وأولوا العلم } عطف على ~~لفظ الجلالة. # وقال ms1765 بعضهم: الكلام تم عند قوله: { لا إله إلا هو } ، وارتفع ~~" الملائكة " بفعل مضمر، تقديره: وشهد الملائكة وأولو العلم ~~بذلك، وكأن هذا المذهب يرى أن شهادة الله مغايرة لشهادة الملائكة وأولي ~~العلم، ولا يجيز إعمال المشترك في معنييه، فاحتاج من أجل ذلك إلى إضمار ~~فعل يوافق هذا المنطوق لفظا، ويخالفه معنى، وهذا نظير قوله تعالى: # إن الله وملائكته يصلون على النبي # [الأحزاب: 56] كما قدمناه. # قال الزمخشري: " فإن قلت: هل دخل قيامه بالقسط في حكم شهادة الله ~~والملائكة، وأولي العلم، كما دخلت الوحدانية؟ # قلت: نعم، إذا جعلته حالا من " هو " أو نصبا على المدح منه، أو ~~صفة للمنفي، كأنه قيل: شهد الله والملائكة، وأولو العلم أنه لا إله إلا ~~هو، وأنه قائم بالقسط ". # فصل # معنى " قائما بالقسط " أي: قائما بتدبير الخلق، كما يقال: ~~فلان قائم بأمر فلان، أي مدبر له، رزاق، مجاز بالأعمال، والمراد ~~بالقسط: العدل. # قال ابن الخطيب: وهذا العدل منه ما هو متصل بباب الدنيا، ومنه ما هو ~~متصل بباب الدين أما المتصل بالدنيا فانظر - أولا - في كيفية خلقه ~~أعضاء الإنسان؛ حتى تعرف عدل الله - تعالى - فيها، ثم انظر إلى اختلاف ~~أحوال الخلق في الحسن والقبح، والغنى والفقر، والصحة والسقم، وطول ~~العمر وقصره، واللذة والآلام، واقطع بأن كل ذلك عدل من الله، وحكمة ~~وصواب، ثم انظر في كيفية خلق العناصر، وأجرام الأفلاك، وتقدير كل واحد ~~منها بقدر معين، وخاصية معينة، واقطع بأن كل ذلك حكمة وصواب. # وأما ما يتصل بأمر الدين فانظر إلى اختلاف الخلق في العلم والجهل، ~~والفطانة والبلادة، والهداية والغواية، واقطع بأن كل ذلك عدل وقسط. # قوله تعالى: { لا إله إلا هو } في هذه الجملة وجهان: # الأول: أنها مكررة للتوكيد، قال الزمخشري: " فإن قلت: لم كرر ~~قوله: { لا إله إلا هو }؟ قلت: ذكره - أولا - للدلالة على ~~اختصاصه بالوحدانية، وأنه لا إله إلا تلك الذات المتميزة، ثم ذكره - ~~ثانيا - بعدما قرن بإثبات الوحدانية إثبات العدل؛ للدلالة على اختصاصه ~~بالأمرين، كأنه قال: لا إله إلا هذا الموصوف بالصفتين، ولذلك قرن ms1766 به قوله ~~تعالى: { العزيز الحكيم }؛ لتضمنها معنى الوحدانية والعدل ". # وقال بعضهم: ليس بتكرير؛ لأن الأول شهادة الله - تعالى - وحده. والثاني: ~~شهادة الملائكة وأولي العلم، وهذا عند من يرفع " الملائكة " بفعل ~~آخر مضمر - كما ذكرنا - من أنه لا يرى إعمال المشترك، وأن الشهادتين ~~متغايرتان، وهو مذهب مرجوح. # وقال الراغب: " إنما كرر { لا إله إلا هو }؛ لأن صفات ~~التنزيه أشرف من صفات التمجيد؛ لأن أكثرها مشارك - في ألفاظها - العبيد، ~~فيصح وصفهم بها، ولذلك وردت ألفاظ في حقه أكثر وأبلغ ". # وقال بعضهم: " فائدة هذا التكرار الإعلام بأن المسلم يجب أن يكون - ~~أبدا - في تكرير هذه الكلمة؛ فإن أشرف كلمة يذكرها الإنسان، هي هذه ~~الكلمة، فإذا كان في أكثر أوقاته مشتغلا بذكرها، كان مشتغلا بأعظم ~~أنواع العبادات ". # قوله: { العزيز الحكيم } فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه بدل من " هو ". # الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر. # الثالث: أنه نعت ل " هو " ، وهذا إنما يتمشى على مذهب الكسائي؛ ~~فإنه يرى وصف الضمير الغائب. # فصل # ذكر هاتين الصفتين إشارة إلى كمال العلم؛ لأن الإلهية لا تحصل إلا ~~معهما؛ لأن كونه قائما بالقسط لا يتم إلا إذا كان عالما بمقادير ~~الحاجات، وكان قادرا على تحصيل المهمات، وقد قدم " العزيز " على " ~~الحكيم "؛ لأن العلم بكونه - تعالى - قادرا متقدم على العلم بكونه ~~عالما في طريق المعرفة الاستدلالية، فلما كان هذا الخطاب مع المستدلين - ~~لا جرم - قدم ذكر " العزيز " على " الحكيم ". ### || [3.19] # قرأ الكسائي بفتح الهمزة، والباقون بكسرها، فأما قراءة الجماعة فعلى ~~الاستئناف، وهي مؤكدة للجملة الأولى. # قال الزمخشري: " فإن قلت: ما فائدة هذا التوكيد؟ قلت: فائدته أن ~~قوله: { لا إله إلا هو } توحيد، وقوله: " قائما بالقسط " ~~تعديل، فإذا أردفه بقوله: { إن الدين عند الله الإسلام } ~~فقد آذن أن الإسلام هو العدل والتوحيد، وهو الدين عند الله، وما عداه ~~فليس في شيء من الدين عنده ". # وأما قراءة الكسائي ففيها أوجه: # أحدها: أنها بدل من { أنه لا إله إلا هو } - على قراءة ~~الجمهور - في أن { لا إله إلا هو } فيها وجهان: # أحدهما: أنه من ms1767 بدل الشيء من الشيء، وذلك أن الدين - الذي هو الإسلام - ~~يتضمن العدل، والتوحيد، وهو هو في المعنى. # والثاني: أنه بدل اشتمال؛ لأن الإسلام يشتمل على التوحيد والعدل. # والثاني من الأوجه السابقة: أن يكون " إن الدين " بدلا من ~~قوله " بالقسط " ثم لك اعتباران: # أحدهما: أن تجعله بدلا من لفظه، فيكون محل " إن الدين " الجر. # والثاني: أن تجعله بدلا من موضعه، فيكون محلها نصبا، وهذا - الثاني - ~~لا حاجة إليه - وإن كان أبو البقاء ذكره. # وإنما صح البدل في المعنى؛ لأن الدين - الذي هو الإسلام - قسط ~~وعدل، فيكون - أيضا - من بدل الشيء من الشيء - وهما لعين واحدة -. # ويجوز أن يكون بدل اشتمال؛ لأن الدين مشتمل على القسط - وهو العدل - ~~وهذه التخاريج لأبي علي الفارسي، وتبعه الزمخشري في بعضها. # قال أبو حيان: " وهو - أبو علي - معتزلي، فلذلك يشتمل كلامه على لفظ ~~المعتزلة من التوحيد والعدل، وعلى البدل من أنه خرجه هو وغيره، وليس ~~بجيد؛ لأنه يؤدي إلى تركيب بعيد أن يأتي في كلام العرب وهو: عرف ~~زيد أنه لا شجاع إلا هو وبنو تميم وبنو دارم ~~ملاقيا للحروب، لا شجاع إلا هو البطل الحامي، ~~إن الخصلة الحميدة هي البسالة، وتقريب هذا المثال: ضرب زيد عائشة، ~~والعمران حنقا أختك، فحنقا، حال من " زيد " و " أختك " بدل من " ~~عائشة " ففصل بين البدل والمبدل منه بالعطف - وهذا لا يجوز - والحال لغير ~~المبدل منه - وهو لا يجوز -؛ لأنه فصل بأجنبي بين البدل والمبدل منه ". # قوله عرف زيد هو نظير " شهد الله " ، وقوله: أنه لا شجاع إلا هو ~~نظير { أنه لا إله إلا هو } وقوله: وبنو دارم نظير قوله: ~~" والملائكة " وقوله: ملاقيا للحروب نظير قوله: " قائما ~~بالقسط " وقوله: لا شجاع إلا هو نظير قوله: { لا إله إلا ~~هو } فجاء به مكررا - كما في الآية - وقوله: البطل الحامي نظير قوله ~~" العزيز الحكيم " وقوله: إن الخصلة الحميدة هي البسالة نظير ~~قوله: { إن الدين عند الله الإسلام }. # قال شهاب الدين: " ولا يظهر لي منع ذلك ولا عدم صحة تركيبه، حتى ~~يقول: ليس ms1768 بجيد، وبعيد أن يأتي عن العرب مثله، وما ادعاه بقوله - في ~~المثال الثاني -: إن فيه الفصل بأجنبي فيه نظر؛ إذ هذه الجمل صارت ~~كلها كالجملة الواحدة؛ لما اشتملت عليه من تقوية كلمات بعضها ببعض، ~~وأبو علي وأبو القاسم وغيرهما لم يكونوا في محل من يجهل صحة ~~تركيب بعض الكلام وفساده ". # ثم قال أبو حيان: " قال الزمخشري: وقرئتا مفتوحتين على أن ~~الثاني بدل من الأول، كأنه قيل: شهد الله أن الدين عند الله الإسلام، ~~والمبدل هو المبدل منه في المعنى، فكان بيانا صريحا؛ لأن دين ~~الإسلام هو التوحيد والعدل " فقال: فهذا نقل كلام أبي علي ~~دون استيفاء. # الثالث - من الأوجه -: أن يكون " إن الدين " معطوفا على { أنه ~~لا إله إلا هو } حذف منه حرف العطف، قاله ابن جرير، وضعفه ابن ~~عطية، ولم يبين وجه ضعفه. # قال أبو حيان: " ووجه ضعفه أنه متنافر التركيب مع إضمار حرف العطف، ~~فيفصل بين المتعاطفين المرفوعين بالمنصوب المفعول، وبين المتعاطفين ~~المنصوبين بالمرفوع المشارك الفاعل في الفاعلية وبجملتي الاعتراض، وصار ~~في التركيب دون مراعاة الفصل، نحو أكل زيد خبزا، وعمرو سمكا، ~~يعني فصلت بين زيد وعمرو ب " خبزا " وفصلت بين " خبزا " و " سمكا " ~~ب " عمرو "؛ إذ الأصل - قبل الفصل -أكل زيد وعمرو خبزا وسمكا ". # الرابع: أن يكون معمولا لقوله: { شهد الله } ، أي: شهد الله بأن ~~الدين، فلما حذف حرف الجر جاز أن يحكم على موضعه بالنصب، أو الجر. # فإن قلت: إنما يتجه هذا التخريج على قراءة ابن عباس، وهي كسر " أن " ~~الأولى، وتكون الجملة - حينئذ - اعتراضا بين " شهد " وبين معموله كما ~~تقدم، وأما على قراءة فتح " أن " الأولى - وهي قراءة العامة - فلا يتجه ~~ما ذكرت من التخريج؛ لأن الأولى معمولة له، استغنى بها. # فالجواب: أن ذلك متجه - أيضا - مع فتح الأولى، وهو أن يجعل ~~الأولى على حذف لام العلة تقديره: شهد الله أن الدين عند الله الإسلام؛ ~~لأنه لا إله إلا هو، وهذا التخريج ذكره الواحدي، وقال: " هذا معنى قول ~~الفراء حيث يقول - في الاحتجاج للكسائي -: إن ms1769 شئت جعلت " أنه " على ~~الشرط، وجعلنا الشهادة واقعة على قوله: { إن الدين عند الله ~~الإسلام } ، ويكون " إن " الأولى يصلح فيها الخفض، كثولك: شهد الله ~~لوحدانية أن الدين عند الله الإسلام ". # وهو كلام مشكل في نفسه، ومعنى قوله على الشرط، أي: العلة، سمى ~~العلة شرطا؛ لأن المشروط متوقف عليه كتوقف المعلول على علته، فهو ~~علة، إلا أنه خلاف اصطلاح النحويين. # ثم اعترض الواحدي على هذا التخريج بأنه لو كان كذلك لم يحسن إعادة ~~اسم " الله " ، ولكان التركيب: إن الدين عنده الإسلام؛ لأن الاسم قد ~~سبق، فالوجه الكناية. # ثم أجاب بأن العرب ربما أعادت الاسم موضع الكناية، وأنشد: [الخفيف] # 1372- لا أرى الموت يسبق الموت شيء # نغص الموت ذا الغنى والفقيرا # يعني أنه من باب إيقاع الظاهر موقع المضمر، ويزيده - هنا - حسنا أنه ~~في موضع تعظيم وتفخيم. # الخامس: أن تكون على حذف حرف الجر معمولة للفظ " الحكيم " ، كأنه ~~قيل: الحكيم بأن، أي: الحاكم بأن ف " حكيم " مثال مبالغة، محول من ~~فاعل، فهو كالعليم والخبير والبصير، أي: المبالغ في هذه الأوصاف، وإنما ~~عدل عن لفظ " حاكم " إلى " حكيم " - مع زيادة المبالغة -؛ لموافقة " ~~العزيز " ، ومعنى المبالغة: تكرار حكمه - بالنسبة إلى الشرائع - أن ~~الدين عند الله الإسلام؛ إذ حكم في كل شريعة بذلك، قاله أبو حيان، ~~ثم قال: فإن قلت: لم حملت " الحكيم " على أنه محول من " فاعل ~~" إلى فعيل؛ للمبالغة، وهلا جعلته " فعيلا " ، بمعنى " مفعل " ~~فيكون معناه " المحكم " كما قالوا في " أليم ": إنه بمعنى " مؤلم " ~~وفي " سميع " من قول الشاعر: [الوافر] # 1373- أمن ريحانة الداعي السميع # .......................... # أي: المسمع؟ # فالجواب: أنا لا نسلم أن " فعيلا " يأتي بمعنى " مفعل " ، وقد يؤول " ~~أليم " و " سميع " على غير " مفعل " ، ولئن سلمنا ذلك، فهو من الندور ~~والشذوذ، بحيث لا ينقاس، [وأما] " فعيل " محول من " فاعل "؛ للمبالغة ~~فهو منقاس؛ كثير جدا، خارج عن الحصر، كعليم، وسميع، وقدير، وخبير، وحفيظ ~~إلى ألفاظ لا تحصى كثرة، وأيضا فإن العربي القح، الباقي ~~على سجيته لم يفهم من " حكيم " إلا أنه محول من " فاعل "؛ للمبالغة، ~~ألا ms1770 ترى أنه لما سمع قارئا يقرأ # والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزآء بما ~~كسبا نكالا من الله # [المائدة: 38] والله غفور رحيم أنكر أن تكون فاصلة هذا التركيب السابق { ~~والله غفور رحيم } ، فقيل له: التلاوة: { والله عزيز ~~حكيم } ، فقال: هكذا يكون، عز فحكم فقطع، ففهم من " حكيم " ~~أنه محول - للمبالغة - من " حاكم " ، وفهم هذا العربي حجة ~~قاطعة بما قلناه، وهذا تخريج سهل، سائغ جدا، يزيل تلك التكلفات ~~والتركيبات التي ينزه كتاب الله عنها، وأما على قراءة ابن عباس فكذلك ~~نقول، ولا نجعل { إن الدين } معمولا ل " شهد " - كما فهموا - ~~وأن { أنه لا إله إلا هو } اعتراض - يعني بين الحال ~~وصاحبها، وبين معموله - بل نقول: معمول " شهد " هو " إنه " - ~~بالكسر - على تخريج من خرج أن " شهد " - لما كان بمعنى القول - كسر ما ~~بعده؛ إجراء له مجرى القول. # أو نقول: إنه معموله، وعلقت، ولم تدخل اللام في الخبر؛ لأنه منفي، بخلاف ~~ما لو كان مثبتا فإنك تقول: شهدت إن زيدا لمنطلق، فتعلق ب " ~~إن " مع وجود اللام؛ لأنه لو لم تكن اللام لفتحت " إن " ، فقلت: شهدت ~~أن زيدا منطلق، فمن قرأ بفتح " أنه " ، فإنه لم ينو التعليق، ~~ومن كسر فإنه نوى التعليق، ولم تدخل اللام في الخبر؛ لأنه منفي كما ~~ذكرنا. # قال شهاب الدين: وكان الشيخ - لما ذكر الفصل والاعتراض بين كلمات هذه ~~الآية - قال ما نصه: " وأما قراءة ابن عباس فتخرج على أن { إن ~~الدين عند الله الإسلام } هو معمول " شهد " ويكون في ~~الكلام اعتراضان: # أحدهما: بين المعطوف عليه والمعطوف وهو { أنه لا إله إلا ~~هو }. # والثاني بين المعطوف والحال وبين المفعول ل " شهد " , وهو { لا ~~إله إلا هو العزيز الحكيم } وإذا أعربنا { العزيز ~~الحكيم } خبر مبتدأ محذوف كان ذلك ثلاثة اعتراضات، انظر هذه ~~التوجيهات البعيدة، التي لا يقدر أحد على أن يأتي لها بنظير من كلام ~~العرب، وإنما حمل على ذلك العجمة، وعدم الإمعان في تراكيب كلام ~~العرب، وحفظ أشعارها ". # قال شهاب الدين: " ونسبة كلام أعلام الأئمة إلى العجمة، وعدم معرفتهم ~~بكلام ms1771 العرب، وحملهم كلام الله على ما لا يجوز، وأن هذا - الذي ذكره - هو ~~تخريج سهل واضح، غير مقبول ولا مسلم، بل المتبادر إلى الذهن ما نقله ~~الناس، وتلك الاعتراضات بين أثناء تلك الآية الكريمة موجود نظيرها ~~في كلام العرب، وكيف يجهل الفارسي والزمخشري والفراء وأضرابهم ذلك؟ ~~وكيف يتبجح باطلاعه على ما لم يطلع عليه مثل هؤلاء؟ وكيف يظن ~~بالزمخشري أنه لا يعرف مواقع النظم، وهو المسلم له في علم المعاني ~~والبيان والبديع، ولا يشك أحد أنه لا بد لمن يتعرض إلى علم التفسير أن ~~يعرف جملة صالحة من هذه العلوم ". # قوله: { عند الله } ظرف، العامل فيه لفظ " الدين "؛ لما تضمنه ~~من معنى الفعل. # قال أبو البقاء: " ولا يكون حالا؛ لأن " إن " لا تعمل في الحال ". # قال شهاب الدين: قد جوز في " ليت " وفي " كأن " أن تعمل في الحال ". # قالوا: لما تضمنته هذه الأحرف من معنى التمني والتشبيه، ف " إن " ~~للتأكيد، فلتعمل في الحال - أيضا - فليست تتباعد عن " الهاء " التي ~~للتنبيه. # قيل: هي أولى منها، وذلك أنها عاملة، و " هاء " ليست بعاملة، فهي أقرب ~~لشبه الفعل من هاء. # فصل # الدين - في أصل اللغة - عبارة عن الانقياد والطاعة والتسليم والمتابعة، ~~قال تعالى: # ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست ~~مؤمنا # [النساء: 94]، أي: لمن صار منقادا لكم، ومتابعا، والإسلام هو الدخول ~~في السلم، يقال: أسلم، أي: دخل في السلم، كقولهم: أشتى، وأقحط، وأصل ~~السلم: السلامة، وقال ابن الأنباري: " المسلم " معناه المخلص لله ~~عبادته، من قولهم: سلم الشيء لفلان، أي: خلص، فالإسلام معناه: إخلاص ~~الدين والعقيدة لله تعالى ". # وأما في عرف الشرع فالإسلام هو الإيمان؛ لوجهين: # أحدهما: هذه الآية؛ لأن قوله: { إن الدين عند الله ~~الإسلام } يقتضي أن الدين المقبول عند الله ليس إلا الإسلام، فلو كان ~~الإيمان غير الإسلام وجب أن لا يكون الإيمان دينا مقبولا عند الله - ~~وهو باطل -. # الثاني: قوله تعالى: # ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه # [آل عمران: 85] فلو كان الإيمان غير الإسلام لوجب أن لا يكون مقبولا ms1772 ~~عند الله تعالى. # قال القرطبي: الإسلام هو الإيمان، بمعنى التداخل، وهو أن يطلق ~~أحدهما ويراد به مسماه في الأصل ومسمى الآخر، كما في هذه الآية؛ إذ ~~قد دخل فيهما التصديق والأعمال، ومنه قوله - عليه السلام -: # " الإيمان معرفة بالقلب، وقول باللسان، وعمل ~~بالأركان " # أخرجه ابن ماجه. # فإن قيل: قوله تعالى: # قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا # [الحجرات: 14] صريح في أن الإسلام غير الإيمان. # فالجواب: أن الإسلام عبارة عن انقياد - كما بينا في أصل اللغة - ~~والمنافقون انقادوا في الظاهر من خوف السيف - فلا جرم - كان الإسلام ~~حاصلا في الظاهر، والإيمان - أيضا - كان حاصلا في حكم الظاهر؛ لأنه - ~~تعالى - قال: # ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن # [البقرة: 221] والإيمان الذي يبيح النكاح في الحكم - هو الإقرار ~~الظاهر، فعلى هذا، الإسلام والإيمان تارة يعتبران في الظاهر دون ~~الباطن، وتارة في الباطن والظاهر، فالأول هو النفاق، وهو المراد بقوله: " ~~قالت الأعراب "؛ لأن باطن المنافق غير منقاد لدين الله تعالى، فكان ~~تقدير الآية: لم تسلموا في القلب والباطن، ولكن قولوا: أسلمنا في ~~الظاهر. # فصل # قال قتادة - في قوله تعالى-: { إن الدين عند الله ~~الإسلام } ، شهادة ألا إله إلا الله، والإقرار بما جاء من عند الله، ~~وهو دين الله الذي شرع لنفسه، وبعث به رسله ودل عليه أولياءه، لا ~~يقبل غيره، ولا يجزي إلا به. # روى غالب القطان، قال: أتيت الكوفة في تجارة، فنزلت قريبا من ~~الأعمش، فكنت أختلف إليه، فلما كنت ذات ليلة، أردت أن أنحدر إلى ~~البصرة، قام من الليل يتهجد، فمر بهذه الآية: # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولوا العلم قآئما بالقسط لا إله إلا هو ~~العزيز الحكيم # [آل عمران: 18] قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله ~~هذه الشهادة، وهي لي - عند الله - وديعة، { إن الدين عند الله ~~الإسلام } - قالها مرارا. # قلت: لقد سمع فيها شيئا، فصليت معه، وودعته، ثم قلت: إني سمعتك ~~ترددها، فما بلغك؟ قال: والله لا أحدثك بها إلى سنة، فكتبت ~~على بابه ذلك ms1773 اليوم، وأقمت سنة، فلما مضت السنة، قلت: يا أبا ~~محمد، قد مضت السنة، فقال: حدثني من حدثني عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يجاء بصاحبها يوم القيامة، فيقول الله تعالى: إن ~~لعبدي هذا - عندي - عهدا، وأنا أحق من وفى بالعهد، ~~أدخلوا عبدي الجنة ". # قوله تعالى: { وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا ~~من بعد ما جآءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر ~~بآيات الله فإن الله سريع الحساب }. # قال الكلبي: نزلت في اليهود والنصارى حين تركوا الإسلام، أي: وما اختلف ~~الذين أوتوا الكتاب في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلا من بعد ما ~~جاءهم العلم، يعني بيان نعته في كتبهم. # وقال الربيع: إن موسى - عليه السلام - لما حضره الموت دعا سبعين رجلا ~~من أحبار بني إسرائيل، فاستودعهم التوراة، واستخلف يوشع بن نون، ~~فلما مضى القرن الأول, والثاني, والثالث, وقعت الفرقة بينهم, -وهم ~~الذين أوتوا الكتاب من أبناء أولئك السبعين - حتى أهرقوا بينهم الدماء، ~~ووقع الشر والاختلاف، وذلك { من بعد ما جآءهم العلم } ~~يعني بيان ما في التوراة، { بغيا بينهم } أي: طلبا للملك ~~والرياسة، فسلط الله عليهم الجبابرة. # قال محمد بن جفعر بن الزبير: نزلت في نصارى نجران، معناها: { وما ~~اختلف الذين أوتوا الكتاب } يعني الإنجيل في أمر عيسى، ~~وفرقوا القول فيه: { إلا من بعد ما جآءهم العلم } بأن ~~الله واحد، وأن عيسى عبد الله ورسوله، { بغيا بينهم } ، أي: ~~المعاداة والمخالفة. # وقيل: المراد اليهود والنصارى، واختلافهم هو قول اليهود: عزير ~~ابن الله، وقول النصارى: المسيح ابن الله، وأنكروا نبوة محمد، قالوا: ~~نحن أحق بالنبوة من قريش، لأنهم أميون، ونحن أهل الكتاب. # وقوله: { إلا من بعد ما جآءهم العلم } أي: الدلائل التي ~~لو نظروا فيها لحصل لهم العلم؛ لأنا لو حملناهم على العلم لصاروا ~~معاندين، والعناد على الجمع العظيم لا يصح. [وهذه الآية وردت في كل أهل ~~الكتاب، وهو جمع عظيم. # وقال الأخفش: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: وما اختلف الذين أوتوا ~~الكتاب؛ بغيا بينهم ms1774 إلا من بعد ما جاءهم العلم. # وقال ابن عمر وغيره: أخبر - تعالى - عن] اختلاف أهل الكتاب أنه كان على ~~علم منهم بالحقائق، وأنه كان بغيا وطلبا للدنيا. # وفي الكلام تقديم وتأخير، فالمعنى: وما اختلف الذين أوتوا الكتاب بغيا ~~بينهم إلا من بعد ما جاءهم العلم. # قوله: " بغيا " فيه أوجه: # أحدها: أنه مفعول من أجله، العامل فيه " اختلف " والاستثناء ~~مفرغ، والتقدير: وما اختلفوا إلا للبغي لا لغيره، قاله الأخفش، ورجحه ~~أبو علي. # الثاني: أنه مصدر في محل نصب على الحال من " الذين " كأنه قيل: ما ~~اختلفوا إلا في هذه الحال، والاستثناء مفرغ أيضا. # الثالث: أنه منصوب على المصدر، والعامل فيه مقدر، كأنه لما قيل: { ~~وما اختلف } دل على معنى: وما بغى، فهو مصدر، قاله الزجاج، ووقع ~~بعد " إلا " مستثنيان، وهما: " من بعد " و " بغيا " وقد تقدم ~~تخريج ذلك. # قال الأخفش: قوله: " بغيا " من صلة قوله: " اختلفوا " ، والمعنى: ~~وما اختلفوا بغيا بينهم إنما اختلفوا للبغي. # قال القفال: وهذا أجود من الأول؛ لأن الأول يوهم أن اختلافهم ~~بسبب مجيء العلم، والثاني يفيد أن اختلافهم لأجل الحسد والبغي. # قوله: { ومن يكفر بآيات الله } " من " مبتدأ، وفي خبره ~~الأقوال الثلاثة - أعني: فعل الشرط وحده، أو الجواب وحده، أو كلاهما - ~~وعلى القول بكونه الجواب وحده لا بد من ضمير مقدر، أي: سريع الحساب له. # فصل # وهذا تهديد، وفيه وجهان: # الأول: المعنى: فإنه سيصير إلى الله تعالى سريعا، فيحاسبه، أي: يجازيه ~~على كفره. # الثاني: أن الله تعالى سيعلمه بأعماله معاصيه وأنواع كفره، بإحصاء ~~سريع، مع كثرة الأعمال. ### || [3.20] # { فإن حآجوك } أي: خاصموك يا محمد في الدين بالأقاويل المزورة، ~~والمغالطات، فأسند أمرك إلى ما كلفت به من الإيمان والتبليغ، وعلى ~~الله نصرك وذلك أن اليهود والنصارى قالوا: لسنا على ما سميتنا به يا ~~محمد، إنما اليهودية والنصرانية نسب، والدين هو الإسلام، ونحن عليه، فقال ~~الله تعالى - { فقل أسلمت وجهي لله } أي: انقدت لله وحده، ~~وإنما خص الوجه؛ لأنه أكرم جوارح الإنسان. # وقال الفراء: معناه: أخلصت عملي لله. # وفي ms1775 كيفية إيراد هذا الكلام وجوه: # أحدها: أنه - عليه السلام - كان قد أظهر لهم الحجة - على صدقه - قبل ~~نزول هذه الآية - مرارا، فإن هذه السورة مدنية، وكان قد أظهر لهم ~~المعجزات بالقرآن، ودعاء الشجرة، وكلام الذئب، وغيرها مما يدل على صحة ~~دينه، وذكر الحجة على فساد قول النصارى بقوله { الحي القيوم } ، ~~وأجاب عن شبه القوم بأسرها، ومشاهدة يوم بدر وأثبت التوحيد، ونفى الضد ~~والند والصاحبة والولد بقوله: # شهد الله أنه لا إله إلا هو # [آل عمران: 18]، وبين - تعالى - أن إعراضهم عن الحق إنما كان بغيا ~~وحسدا، فلما لم يبق حجة على فرق الكفار إلا أقامها، قال بعده: ~~{ فإن حآجوك فقل أسلمت وجهي لله } وهذه عادة ~~المحق مع المبطل، إذا أورد عليه حجة بعد حجة، ولم يرجع ~~إليه، فقد يقول - في آخر الأمر -: أما أنا فمنقاد للحق، فإن وافقتم، ~~واتبعتم الحق الذي أنا عليه، فقد اهتديتم، وإن اعترضتم، فالله بالمرصاد. # ثانيها: أن القوم كانوا مقرين بوجود الصانع، وكونه مستحقا ~~للعبادة، فكأنه - عليه السلام - قال لهم: هذا القدر متفق عليه بين ~~الكل، فأنا مستمسك بهذا القدر المتفق عليه، وداعي الخلق إليه، وإنما ~~الخلاف في أمور وراء ذلك، وأنتم المدعون فعليكم الإثبات، ونظيره قوله: # قل يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سوآء ~~بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك ~~به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون ~~الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون # [أل عمران: 64]. # وثالثها: قال أبو مسلم: هو أن اليهود والنصارى وعبدة الأوثان كانوا ~~مقرين بتعظيم إبراهيم - عليه السلام -، وبأنه كان محقا صادقا في ~~دينه إلا في زيادات من الشرائع، فأمر الله تعالى - محمدا - صلى الله ~~عليه وسلم بأن يتبع ملته، بقوله تعالى: # ثم أوحينآ إليك أن اتبع ملة إبراهيم # [النحل: 123]، ثم أمر محمدا صلى الله عليه وسلم في هذا الموضع أن يقول ~~كقول إبراهيم حيث قال: # إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض # [الأنعام: 79] فقل يا محمد: " أسلمت وجهي " كقول إبراهيم: " ~~وجهت وجهي " ، أي: أعرضت عن كل معبود سوى ms1776 الله - تعالى - وقصدته ~~وأخلصت له، كأنه قال: فإن نازعوك في هذه التفاصيل فقل: أنا متمسك بطريقة ~~إبراهيم - عليه السلام - وأنتم مقرون بأن طريقته حق لا شبهة فيها، فكان ~~هذا من باب التمسك بالإلزامات. # فصل # فتح الياء من " وجهي " - هنا وفي الأنعام - نافع وابن عامر ~~وجعفر وحفص وسكنها الباقون. # قوله: { ومن اتبعن } في محل " من " وجوه: # أحدها: الرفع؛ عطفا على التاء في " أسلمت " ، وجاز ذلك؛ لوجود ~~الفصل بالمفعول؛ قاله الزمخشري وابن عطية. # قال أبو حيان: " ولا يمكن حمله على ظاهره؛ لأنه إذا عطف الضمير في نحو: ~~" أكلت رغيفا وزيد " لزم من ذلك أن يكونا شريكين في أكل الرغيف، وهنا ~~لا يسوغ ذلك؛ لأن المعنى ليس على أنهم أسلموا هم. وهو صلى الله عليه وسلم ~~أسلم وجهه، بل المعنى على أنه صلى الله عليه وسلم أسلم وجهه لله، وأنهم ~~أسلموا وجوههم لله؛ [فالذي يقوى في الإعراب أنه معطوف على ضمير محذوف منه ~~المفعول، لا مشارك في مفعول " أسلمت " والتقدير: ومن اتبعني وجهه، أو ~~أنه مبتدأ محذوف الخبر؛ لدلالة المعنى عليه، والتقدير: ومن اتبعني كذلك، ~~أي: أسلموا وجوههم لله]، كما تقول: قضى زيد نحبه وعمرو، أي: عمرو كذلك، ~~أي: قضى نحبه ". # قال شهاب الدين: " إنما صحت المشاركة في نحو: أكلت رغيفا وزيد؛ ~~لإمكان ذلك، وأما في الآية الكريمة فلا يتوهم فيه المشاركة ". # الثاني: أنه مرفوع بالابتداء، والخبر محذوف - كما تقدم. # الثالث: أنه منصوب على المعية، والواو بمعنى " مع " أي: أسلمت وجهي لله ~~مع من اتبعني؛ قاله الزمخشري. # وقال أبو حيان: " ومن الجهة التي امتنع عطف " من " على الضمير - إذا ~~حمل الكلام على ظاهره دون تأويل - يمتنع كون " من " منصوبا على أنه ~~مفعول معه؛ لأنك إذا قلت: أكلت رغيفا وعمرو أي مع عمرو - دل ذلك على ~~أنه مشارك لك في أكل الرغيف، وقد أجاز الزمخشري هذا الوجه، - وهو لا ~~يجوز - لما ذكرنا - على كل حال؛ لأنه لا يجوز حذف المفعول مع كون الواو ~~واو " مع " ألبتة ". # قال شهاب الدين: " فهم المعنى، وعدم الإلباس يسوغ ms1777 ما ذكره ~~الزمخشري، وأي مانع من أن المعنى: فقل: أسلمت وجهي لله مصاحبا لمن ~~أسلم وجهه لله أيضا، وهذا معنى صحيح مع القول بالمعية ". # الرابع: أن محل " من " الخفض، نسقا على اسم " الله " ، وهذا الإعراب ~~- وإن كان ظاهره مشكلا - قد يؤول على معنى: جعلت مقصدي لله بالإيمان ~~به والطاعة له، ولمن اتبعني بالحفظ له. # وقد أثبت الياء في " من اتبعني " نافع، وحذفها أبو عمرو وخلاد - ~~وقفا - والباقون حذفوها فيهما؛ موافقة للرسم، وحسن ذلك أيضا كونها ~~فاصلة ورأس آية، نحو # أكرمن # [الفجر: 15] و # أهانن # [الفجر: 16] وعليه قول الأعشى: [المتقارب] # 1374- وهل يمنعني ارتيادي البلا # د من حذر الموت أن يأتين # وقول الأعشى - أيضا -: [المتقارب] # 1375- ومن شانىء كاسف باله # إذا ما انتسبت له أنكرن # قال بعضهم: حذف هذه الياء مع نون الوقاية - خاصة - فإن لم تكن نون ~~فالكثير إثباتها. # قوله: { وقل للذين أوتوا الكتاب } يعني اليهود ~~والنصارى، والمراد بالأمييين: مشركو العرب، ووصفهم بكونهم أميين؛ ~~لأنهم لم يدعوا كتابا، شبههم بمن لا يقرأ ولا يكتب، وإما لكونهم ~~ليسوا من أهل الكتابة والقراءة، وإن كان فيهم من يكتب فهو نادر. # قوله: { أأسلمتم } صورته استفهام، ومعناه الأمر، أي: أسلموا، ~~كقوله تعالى: # فهل أنتم منتهون # [المائدة: 91]. # قال الزمخشري: " يعني أنه قد أتاكم من البينات ما يوجب الإسلام، ~~ويقتضي حصوله - لا محالة - فهل أسلمتم بعد أم أنتم على كفركم؟، وهذا ~~كقولك - لمن لخصت له المسألة، ولم تبق من طرق البيان والكشف ~~طريقا إلا سلكته -: هل فهمتها، أم لا - لا أم لك - ومنه قوله - عز ~~وجل - { فهل أنتم منتهون } بعد ما ذكر الصوارف عن الخمر ~~والميسر، وفي الاستفهام استقصار، وتعبير بالمعاندة، وقلة الإنصاف؛ لأن ~~المنصف - إذا تجلت له الحجة - لم يتوقف إذعانه للحق ". # وقال الزجاج: " أأسلمتم " تهديد. # قال القرطبي: " وهذا حسن؛ لأن المعنى: أأسلمتم أم لا؟ ". # قوله: { فإن أسلموا فقد اهتدوا } دخلت " قد " على ~~الماضي؛ مبالغة في تحقق وقوع الفعل، وكأنه قد قرب من الوقوع. # روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية، فقال أهل الكتاب: ms1778 ~~أسلمنا، فقال لليهود: أتشهدون أن عيسى كلمة الله ~~وعبده، ورسوله؟ فقالوا: معاذ الله، وقال للنصارى: ~~أتشهدون أن عيسى عبد الله ورسوله؟ فقالوا معاذ الله أن ~~يكون عيسى عبدا، فقال الله عز وجل-: { وإن تولوا فإنما ~~عليك البلاغ } ، أي: تبليغ الرسالة، وليس عليك الهداية. # والبلاغ: مصدر " بلغ " - بتخفيف عين الفعل -. # قيل: إنها نسخت بالجهاد. { والله بصير بالعباد } عالم ~~بمن يؤمن ومن لا يؤمن، وهذا يفيد الوعد والوعيد. ### || [3.21-22] # لما ذكر حال من يعرض ويتولى وصفهم في هذه الآية بثلاث صفات: # الأولى قوله: { إن الذين يكفرون } لما ضمن هذا الموصول معنى ~~الشرط دخلت الفاء في خبره وهو قوله: { فبشرهم } ، وهذا هو الصحيح، ~~أعني أنه إذا نسخ المبتدأ ب " إن " فجواز دخول الفاء باق؛ لأن ~~المعنى لم يتغير، بل ازداد تأكيدا، وخالف الأخفش، فمنع دخولها من نسخه ~~ب " إن " والسماع حجة عليه كهذه الآية، وكقوله: # إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم ~~يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق # الآية [البروج: 10]، وكذلك إذا نسخ ب " لكن " كقوله: [الطويل] # 1376- فوالله ما فارقتكم عن ملالة # ولكن ما يقضى فسوف يكون # وكذلك إذا نسخ ب " أن " - المفتوحة - كقوله: # واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه # [الأنفال: 41] أما إذا نسخ ب " ليت " ، و " لعل " و " كأن ~~" امتنعت الفاء عند الجميع؛ لتغير المعنى. # فصل # المراد بهؤلاء الكفار اليهود والنصارى. # فإن قيل: ظاهر هذه الآية يقتضي كونهم كافرين بجميع آيات الله - تعالى ~~-، واليهود والنصارى، كانوا مقرين بالصانع وعلمه وقدرته والمعاد. # الجواب: أن تصرف الآيات إلى المعهود السابق - وهو القرآن ومحمد - ~~أو نحمله على العموم، ونقول: إن من كذب بنبوة محمد - عليه السلام - يلزمه ~~أن يكذب بجميع آيات الله تعالى. # الصفة الثانية: قوله: { ويقتلون النبيين بغير حق } ~~قرأ الحسن هذه والتي بعدها بالتشديد ومعناه: التكثير، وجاء - هنا - { ~~بغير حق } منكرا، وفي البقرة # بغير الحق # [البقرة: 61] معرفا قيل: لأن الجملة - هنا - أخرجت مخرج الشرط - ~~وهو عام لا يتخصص - فلذلك ناسب أن تذكر في سياق النفي؛ لتعم. # وأما في البقرة فجاءت ms1779 الآية في ناس معهودين، مختصين بأعيانهم، وكان ~~الحق الذي يقتل به الإنسان معروفا عندهم، فلم يقصد هذا العموم الذي ~~هنا، فجيء في كل مكان بما يناسبه. # فصل # " روى أبو عبيدة بن الجراح، قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس ~~أشد عذابا يوم القيامة؟ قال: رجل قتل نبيا، أو رجلا أمر ~~بالمعروف ونهى عن المنكر، وقرأ هذه الآية، ثم قال: يا أبا عبيدة، قتلت ~~بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا، من أول النهار في ساعة واحدة، فقام ~~مائة رجل، واثنا عشر رجلا من عباد بني إسرائيل، فأمروا ~~قتلتهم بالمعروف، ونهوهم عن المنكر، فقتلوا جميعا من آخر ~~النهار في ذلك اليوم، فهم الذين ذكرهم الله تعالى ~~". # وأيضا القوم قتلوا يحيى بن زكريا، وزعموا أنهم قتلوا عيسى ابن مريم. # فإن قيل: قوله: { إن الذين يكفرون بآيات الله } في ~~حكم المستقبل؛ لأنه كان وعيدا لمن كان في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ولم يقع منهم قتل الأنبياء، ولا الآمرين بالقسط، فكيف يصح ذلك؟ # فالجواب من وجهين: # أحدهما: أن هذه لما كانت طريقة أسلافهم صحت الإضافة إليهم؛ إذ كانوا ~~مصوبين لهم، راضين بطريقتهم، فإن صنع الأب قد يضاف إلى الابن، ~~إذا كان راضيا به. # الثاني: أن القوم كانوا يريدون قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقتل المؤمنين، إلا أن الله - تعالى - عصمه منهم، فلما كانوا راغبين ~~في ذلك صح إطلاق هذا الاسم عليهم - على سبيل المجاز - كما يقال: النار ~~محرقة، السم قاتل. # فإن قيل: قتل الأنبياء لا يصح أن يكون إلا بغير حق، فما فائدة قوله: { ~~ويقتلون النبيين بغير حق }؟ # فالجواب تقدم في البقرة، وأيضا يجوز أن يكون قصدوا بقتلهم أنها طريقة ~~العدل عندهم. # فإن قيل: قوله: { ويقتلون النبيين } ظاهره يشعر بأنهم ~~قتلوا كل النبيين، ومعلوم أنهم ما قتلوا الكل، ولا الأكثر، ولا ~~النصف. # فالجواب أن الألف واللام هنا للعهد، لا للاستغراق. # الصفة الثالثة: قوله: { ويقتلون الذين } قرأ حمزة " ~~ويقاتلون " - من المقاتلة - والباقون " ويقتلون " - كالأول. # فأما قراءة حمزة فإنه غاير فيها بين الفعلين، وهي ms1780 موافقة لقراءة عبد ~~الله " وقاتلوا " - من المقاتلة - إلا أنه أتى بصيغة الماضي، وحمزة ~~يحتمل أن يكون المضارع - في قراءته - لحكاية الحال، ومعناه: المضي. # وأما الباقون فقيل - في قراءتهم -: إنما كرر الفعل؛ لاختلاف متعلقه، ~~أو كرر؛ تأكيدا، وقيل: المراد بأحد القتلين إزهاق الروح، وبالآخر ~~الإهانة، وإماتة الذكر، فلذلك ذكر كل واحد على حدته، ولولا ذلك لكان ~~التركيب: ويقتلون النبيين والذين يأمرون، وبهذا التركيب قرأ ~~أبي. # قوله: { من الناس } إما بيان، وإما للتبعيض، وكلاهما معلوم أنهم من ~~الناس، فهو جار مجرى التأكيد. # فصل # قال القرطبي: " دلت هذه الآية على أن الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر كان واجبا في الأمم المتقدمة، وهو فائدة الرسالة وخلافة ~~النبوة ". # قال الحسن: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من أمر بالمعروف، أو نهى عن المنكر، فهو ~~خليفة الله في أرضه، وخليفة رسوله، وخليفة ~~كتابه ". # وعن درة بنت أبي لهب، قالت: # " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر - فقال: من ~~خير الناس يا رسول الله؟ قال: آمرهم بالمعروف، وأنهاهم ~~عن المنكر، وأتقاهم لله، وأوصلهم لرحمه ". # قد ورد في التنزيل: # المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون ~~بالمنكر وينهون عن المعروف # [التوبة: 67]، ثم قال: # والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء بعض ~~يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر # [التوبة: 71]. # فجعل - تعالى - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقا بين المؤمنين ~~والمنافقين، فدل ذلك على أن أخص أوصاف المؤمن الأمر بالمعروف، ~~والنهي عن المنكر، ورأسها الدعاء إلى الإسلام والقتال عليه، ثم إن الأمر ~~بالمعروف، والنهي عن المنكر، لا يليق بكل أحد، وإنما يقوم به السلطان؛ ~~إذ كانت إقامة الحدود إليه، والتعزير إلى رأيه، والحبس والإطلاق له، ~~والنفي والتغريب، فينصب في كل بلدة رجلا قويا، عالما، أمينا، ويأمره ~~بذلك، ويمضي الحدود على وجهها من غير زيادة، كما قال تعالى: # الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن ~~المنكر # [الحج: 41]. # فصل # قال الحسن: هذه الآية تدل على أن القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر - عند الخوف - تلي منزلته - في ms1781 العظم - منزلة الأنبياء، ~~وروي أن رجلا قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى - ~~فقال: # " أي الجهاد أفضل؟ فقال عليه السلام: أفضل الجهاد كلمة ~~حق عند سلطان جائر ". # قال ابن جريج: كان الوحي يأتي إلى أنبياء بني إسرائيل - ولم يكن يأتيهم ~~كتاب - فيذكرون قومهم فيقتلون، فيقوم رجال ممن تبعهم وصدقهم، ~~فيذكرون قومهم، فيقتلون - أيضا - فهم الذين يأمرون بالقسط من الناس. # قوله: { أولئك الذين حبطت } قرأ ابن عباس وأبو عبد ~~الرحمن " حبطت " بفتح الباء - وهي لغة معروفة، أي: بطلت في الدنيا - ~~بإبدال المدح بالذم، والثناء باللعن، وقتلهم، وسبيهم وأخذ أموالهم، ~~واسترقاقهم، وغير ذلك من أنواع الذل - وفي الآخرة - بإزالة الثواب، ~~وحصول العقاب - { وما لهم من ناصرين } يدفعون عنهم. ### || [3.23] # لما نبه على عنادهم بقوله: # فإن حآجوك # [آل عمران: 20] بين في هذه الآية غاية عنادهم، واعلم أن ظاهر ~~الآية يتناول الكل؛ لأنه ذكره في معرض الذم، إلا أنه قد دل دليل ~~آخر على أنه ليس كل أهل الكتاب كذلك، لقوله تعالى: # من أهل الكتاب أمة قآئمة يتلون آيات الله ~~آنآء الليل وهم يسجدون # [آل عمران: 113] والمراد بالكتاب غير القرآن؛ لأنه أضاف الكتاب إلى ~~الكفار، وهم اليهود والنصارى. # فصل # في سبب النزول وجوه: # أحدها: روى ابن عباس: # " أن رجلا وامرأة - من اليهود - زنيا وكانا ذوى شرف، وكان ~~في كتابهم الرجم، فكرهوا رجمهما؛ لشرفهما، فرجعوا في أمرهما إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، رجاء أن يكون عنده رخصة في ترك الرجم، ~~فحكم الرسول - عليه السلام - بالرجم، فأنكروا ذلك، فقال - عليه السلام - ~~بيني وبينكم التوراة؛ فإن فيها الرجم، فمن أعلمكم؟ قالوا: رجل ~~أعور يسكن فدك، يقال له: ابن صوريا، فأرسلوا إليه، فقدم المدينة، ~~وكان جبريل قد وصفه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: أنت ابن صوريا؟ قال: نعم، قال: أنت أعلم اليهود؟ ~~قال: كذلك يزعمون، قال:فأحضروا التوراة، فلما أتى على آية الرجم ~~وضع يده عليها، فقال ابن سلام: قد جاوز موضعها يا رسول الله، وقام ~~فرفع كفه ms1782 عنها فوجدوا آية الرجم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بهما ~~فرجما، فغضبت اليهود لذلك غضبا شديدا " # فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وثانيها: روى سعيد بن جبير وعكرمة - عن ابن عباس - قال: # " دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المدراس على جماعة من ~~اليهود، فدعاهم إلى الله - عز وجل - فقال له نعيم بن عمرو والحرث بن ~~يزيد: على أي دين أنت يا محمد؟ فقال: على ملة إبراهيم، قالا: إن إبراهيم ~~كان يهوديا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهلموا إلى التوراة؛ ~~فهي بيننا وبينكم حكم فأبيا عليه " # فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وثالثها: أن علامة بعثة محمد صلى الله عليه وسلم مذكورة في التوراة، ~~والدلائل على صحة نبوته موجودة فيها فلما جادلوه في النبوة والبعثة دعاهم ~~إلى التحاكم إلى كتابهم، فأبوا، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية، ~~ولذلك قال: # فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين # [آل عمران: 93] وهذه الآية تدل على أن دلائل صحة نبوته موجودة في ~~التوراة؛ إذ لو علموا أنه ليس في التوراة ما يدل على صحة نبوته لسارعوا ~~إليه، ولما ستروا ذلك. # رابعها: أن هذا الحكم عام في اليهود والنصارى؛ فإن دلائل صحة نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم كانت موجودة في التوراة والإنجيل. # وقوله: { نصيبا من الكتاب } أي: من علم الكتاب؛ لأنا لو ~~أجريناه على ظاهره، فهم قد أوتوا كل الكتاب، والمراد بذلك العلماء منهم، ~~وهم الذين يدعون إلى الكتاب؛ لأن من لا علم له بذلك لا يدعى إليه. # قوله: " يدعون " في محل نصب على الحال من { الذين أوتوا ~~الكتاب }. # قوله: " إلى كتاب الله " قال أكثر المفسرين: هو التوراة؛ لوجوه: # أحدها: ما ذكرنا في سبب النزول. # ثانيها: أن الآية سيقت للتعجب من تمردهم وإعراضهم، والتعجب ~~إنما يحصل إذا تمردوا على حكم الكتاب الذي يعتقدون صحته. # ثالثها: أن هذا هو المناسب لما قبل الآية؛ لأنه لما بين أنه ليس عليه ~~إلا البلاغ وصبره على معاندتهم - مع ظهور الحجة عليهم - بين أنهم ~~استعملوا طريق المكابرة في نفس ms1783 كتابهم الذي أقروا بصحته، فستروا ما ~~فيه من الدلائل الدالة على صحة نبوة محمد - عليه السلام - فهذا يدل ~~على أنهم في غاية التعصب والبعد عن قبول الحق. # قال ابن عباس والحسن وقتادة: هو القرآن. # روى الضحاك عن ابن عباس - في هذه الآية - أن الله - تعالى - جعل ~~القرآن حكما فيما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فحكم ~~القرآن على اليهود والنصارى أنهم على غير الهدى، فأعرضوا عنه، وقال ~~تعالى: # هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق # [الجاثية: 29]، وقال تعالى: # وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم ~~إذا فريق منهم معرضون # [النور: 48]. # فإن قيل: كيف دعوا إلى حكم كتاب لا يؤمنون به؟ # فالجواب: أنه مدعوا إليه بعد قيام الحجج الدالة على أنه كتاب ~~من عند الله. # قوله: " ليحكم " متعلق ب " يدعون ". وإضافة الحكم إلى الكتاب مجاز ~~مشهور. # وقرأ الحسن وأبو جعفر والجحدري " ليحكم " - مبنيا للمفعول - ~~والقائم مقام الفاعل هو الظرف، أي: ليقع الحكم بينهم. # قال الزمخشري: قوله: { ليحكم بينهم } يقتضي أن يكون ~~الاختلاف واقعا فيما بينهم، لا فيما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # قوله: { ثم يتولى } عطف على " يدعون " و " منهم " صفة ~~ل " فريق " ، وقوله: { وهم معرضون } يجوز أن تكون صفة ~~معطوفة على الصفة قبلها - فتكون الواو عاطفة - وأن تكون في محل نصب على ~~الحال من الضمير المستتر في " منهم "؛ لوقوعه صفة - فتكون الواو واو ~~الحال - ويجوز أن تكون حالا من " فريق " ، وجاز ذلك - وإن كان نكرة ~~- لتخصيصه بالوصف قبله، وإن كان حالا فيجوز أن تكون مؤكدة؛ لأن ~~التولي والإعراض بمعنى, ويجوز أن تكون مبينة؛ لاختلاف متعلقهما ~~قالوا: لأن التولي عن الداعي, والإعراض عما دعا إليه. # قال ابن الخطيب: " فكأن المتولي والمعرض هو ذلك الفريق، والمعنى ~~أنه متول عن استماع الحجة في ذلك المقام، ومعرض عن استماع ~~سائر الحجج ". # ويحتمل أن تكون هذه الجملة مستأنفة، لا محل لها، أخبر عنهم بذلك، فيكون ~~المتولي هم الرؤساء والعلماء، والأتباع معرضون عن القبول؛ لأجل ~~تولي علمائهم. ### || [3.24-25] # قوله: " ذلك " فيها وجهان: # أصحهما: ms1784 أنها مبتدأ، والجار بعده خبره، أي: ذلك التولي بسبب هذه ~~الأقوال الباطلة، التي لا حقيقة لها. # والثاني: أن " ذلك " خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر ذلك، وهو قول ~~الزجاج وعلى هذا قوله: " بأنهم " متعلق بذلك المقدر - وهو ~~الأمر ونحوه -. # وقال أبو البقاء: فعلى هذا يكون قوله " بأنهم " في موضع نصب على ~~الحال بما في " ذا " من معنى الإشارة، أي: ذلك الأمر مستحقا بقولهم، ثم ~~قال: " وهذا ضعيف ". # قلت: بل لا يجوز ألبتة. # وجاء - هنا - " معدودات " ، بصيغة الجمع - وفي البقرة " ~~معدودة " ، تفننا في البلاغة، وذلك أن جمع التكسير - غير العاقل ~~- يجوز أن يعامل معاملة الواحدة المؤنثة تارة، ومعاملة جمع الإناث ~~أخرى، فيقال: هذه جبال راسية - وإن شئت: راسيات -، وجمال ماشية، وإن ~~شئت: ماشيات. # وخص الجمع بهذا الموضع؛ لأنه مكان تشنيع عليهم بما فعلوا وقالوا: فأتى ~~بلفظ الجمع مبالغة في زجرهم، وزجر من يعمل بعملهم. # فصل # قال الجبائي: " هذه الآية فيها [دلالة] على بطلان قول من يقول: ~~إن أهل النار يخرجون من النار، قال: لأنه لو صح ذلك في هذه الآية ~~لصح في سائر الأمم، ولو ثبت ذلك في سائر الأمم لما كان المخبر بذلك ~~كاذبا، ولما استحق الذم، فلما ذكر الله - تعالى - ذلك في معرض الذم، ~~علمنا أن القول بخروج أهل النار من النار [قول] باطل ". # قال ابن الخطيب: " كان من حقه أن لا يذكر مثل هذا الكلام؛ لأن مذهبه أن ~~العفو حسن، جائز من الله، وإذا كان كذلك لم يلزم من حصول العفو في ~~هذه الأمة حصوله في سائر الأمم سلمنا أنه لا يلزم ذلك، لكن لم قلتم: ~~إن القوم إنما استحقوا الذم على مجرد الإخبار بأن الفاسق يخرج من ~~النار؟ # بل ههنا وجوه أخر: # الأول: لعلهم استوجبوا الذم على أنهم قطعوا بأن مدة عذاب الفاسق قصيرة، ~~قليلة؛ فإنه روي أنهم كانوا يقولون: إن مدة عذابنا سبعة أيام، ومنهم ~~من قال: لا، بل أربعين ليلة - على قدر مدة عبادة العجل -. # الثاني: أنهم كانوا يتساهلون في أصول الدين، ويقولون: بتقدير وقوع الخطأ ms1785 ~~منا، فإن عذابنا قليل، وهذا خطأ؛ لأن عندنا المخطئ في التوحيد والنبوة ~~والمعاد كافر، والكافر عذابه دائم. # الثالث: أنهم لما قالوا: { لن تمسنا النار إلا أياما ~~معدودات } استحقروا تكذيب محمد - عليه السلام -، واعتقدوا أنه لا ~~تأثير له في تغليظ العقاب، فكان ذلك تصريحا بتكذيبه - عليه السلام - ~~وذلك كفر، والكافر المصر على كفره لا شك أن عذابه مخلد، ~~فثبت أن احتجاج الجبائي بهذه الآية ضعيف ". # قوله: { وغرهم في دينهم } الغرور: الخداع، يقال منه: ~~غره، يغره، غرورا، فهو غار، ومغرور. # والغرور: - بالفتح - مثال مبالغة كالضروب. # والغر: الصغير، والغريرة: الصغيرة؛ لأنهما يخدعان، والغرة: ~~مأخوذة من هذا، قال: أخذه على غرة، أي: تغفل وخداع، والغرة: ~~بياض في الوجه، يقال منه: وجه أغر، ورجل أغر وامرأة غراء. # والجمع القياسي: غر، و غير القياسي غران. # قال: [الطويل] # 1377- ثياب بني عوف طهارى نقية # وأوجههم عند المشاهد غران # والغرة من كل شيء أنفسه، وفي الحديث: # " وجعل في الجنين غرة، عبدا أو أمة ". # قيل: الغرة: الخيار، وقال أبو عمرو بن العلاء - في تفسير هذا الحديث ~~- إنه لا يكون إلا الأبيض من الرقيق، كأنه أخذه من الغرة، وهو ~~البياض في الوجه. # قوله: { ما كانوا يفترون } " ما " يجوز أن تكون مصدرية، أو ~~بمعنى " الذي " ، والعائد محذوف أي: الذي كانوا يفترونه. # قيل هو قولهم: # نحن أبناء الله وأحباؤه # [المائدة: 18]. # وقيل هو قولهم: { لن تمسنا النار إلا أياما ~~معدودات } [آل عمران: 24]. # وقيل: هو قولهم: نحن على الحق وأنت على الباطل. # قوله: " فكيف إذا " " كيف " منصوبة بفعل مضمر، تقديره: كيف ~~يكون حالهم، كذا قدره الحوفي وهذا يحتمل أن يكون الكون تاما، فيجيء ~~في " كيف " الوجهان المتقدمان في قوله: " كيف تكفرون " من ~~التشبيه بالحال، أو الظرف، وأن تكون الناقصة فتكون " كيف " خبرها. # وقدر بعضهم الفعل، فقال: كيف يصنعون؟ [فإن أراد " كان " التامة كانت في ~~موضع نصب على الحال، وإن أراد الناقصة كانت في موضع نصب على خبر " كان " ~~]، فكيف على ما تقدم من الوجهين. # ويجوز أن تكون " كيف " خبرا مقدما والمبتدأ محذوف، تقديره: فكيف ~~حالهم؟ ms1786 # قوله: { إذا جمعناهم } " إذا " ظرف محض من غير تضمين شرط، ~~والعامل فيه العامل في " كيف "؛ إن قلنا: إنها منصوبة بفعل مقدر كما ~~تقدم تقريره - وإن قلنا: إنها خبر لمبتدأ مضمر، وهي منصوبة انتصاب ~~الظروف كان العامل في " إذا " الاستقرار العامل في " كيف "؛ لأنها ~~كالظرف، وإن قلنا: إنها اسم غير ظرف، بل لمجرد السؤال كان العامل فيها ~~نفس المبتدأ - الذي قدرناه - أي: كيف حالهم في وقت جمعهم؟ # ويحذف الحال - كثيرا - مع " كيف " ، لدلالته عليها، تقول: كنت أكرمه ~~- ولم يزرني - فكيف لو زارني؟ أي: كيف حاله إذا زارني؟ وهذا الحذف يوجب ~~مزيد البلاغة، لما فيه من تحرك النفي على استحضار كل نوع من أنواع ~~الكرامة، وكل نوع من أنواع العذاب - في هذه الآية -. # قوله: " ليوم " متعلق ب " جمعناهم " أي: لقضاء يوم، أو لجزاء ~~يوم. # فإن قيل: لم قال: " ليوم " ولم يقل: في " يوم ". # فالجواب: ما ذكرناه من أن المراد: لجزاء يوم، أو لحساب يوم، فحذف ~~المضاف، ودلت اللام عليه قال الفراء: اللام لفعل مضمر، فإذا قلت: ~~جمعوا ليوم الخميس، كان المعنى: جمعوا لفعل يوجد في يوم الخميس، وإذا ~~قلت: جمعوا في يوم الخميس لم تضمر فعلا. # وأيضا فمن المعلوم أن ذلك اليوم لا فائدة فيه إلا المجازاة. # وقال الكسائي: اللام بمعنى " في ". # " لا ريب فيه " صفة للظرف. # قوله: { ووفيت كل نفس ما كسبت } إن حملت " ما ~~كسبت " على عمل العبد، جعل في الكلام حذف، والتقدير: ووفيت كل ~~نفس جزاء ما كسبت من ثواب وعقاب، وإن حملت " ما كسبت " على الثواب ~~والعقاب استغنيت عن هذا الإضمار، ثم قال: { وهم لا يظلمون } فلا ~~ينقص من ثواب حسناتهم، ولا يزاد على عقاب سيئاتهم. # فصل # استدلوا بهذه الآية على أن صاحب الكبيرة - من أصحاب الصلاة - لا ~~يخلد في النار؛ لأنه مستحق للعقاب - بتلك الكبيرة - ومستحق ثواب ~~الإيمان، فلا بد وأن يوفى ذلك الثواب؛ لقوله تعالى: { ~~ووفيت كل نفس ما كسبت } فإما أن يثاب في الجنة ثم ~~ينقل إلى النار، وذلك باطل بالإجماع. وإما أن يعاقب في ms1787 النار، ثم ~~ينقل إلى دار الثواب أبدا مخلدا، وهو المطلوب. وقد تقدم إبطال ~~تمسك المعتزلة بالعمومات. # فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إن ثواب إيمانهم يحبط بعقاب ~~معصيتهم؟ # فالجواب: أن هذا باطل لما تقدم في البقرة من أن القول بالمحابطة محال؛ ~~وأيضا فإنا نعلم - بالضرورة - أن ثواب توحيد [سبعين] سنة أزيد من ~~عقاب شرب جرعة من الخمر والمنازع فيه مكابر، وبتقدير القول بصحة ~~المحابطة يمتنع سقوط ثواب كل الإيمان بعقاب شرب جرعة من الخمر. # وكان يحيى بن معاذ - رحمه الله - يقول: ثواب إيمان لحظة يسقط كفر ~~ستين سنة، فثواب إيمان ستين سنة كيف يعقل أن لا يحبط عقاب ~~ذنب لحظة؟ ### || [3.26-27] # لما بين دلائل التوحيد والنبوة، وصحة دين الإسلام، وذكر صفات ~~المخالفين، وشدة عنادهم وغرورهم، ثم ذكر وعيدهم بجمعهم يوم ~~القيامة، أمر رسوله - عليه السلام - بدعاء وتمجيد يخالف طريقة هؤلاء ~~المعاندين. # قوله: " اللهم " اختلف البصريون والكوفيون في هذه اللفظة. # قال البصريون: الأصل: يا الله، فحذف حرف النداء، وعوض عنه ~~هذه الميم المشددة، وهذا خاص بهذا الاسم الشريف، فلا يجوز تعويض ~~الميم من حرف النداء في غيره، واستدلوا على أنها عوض من " يا " بأنهم ~~لم يجمعوا بينهما إلا في ضرورة الشعر، كقوله: [الرجز] # 1378- وما عليك أن تقولي كلما # سبحت أو هللت يا اللهم ما # أردد علينا شيخنا مسلما # فإننا من خيره لن نعدما # وقول الآخر: [الرجز] # 1379- إني إذا ما حدث ألما # أقول: يا اللهم، يا اللهما # وقال الكوفيون: الميم المشددة بقية فعل محذوف، تقديره: أمنا ~~بخير، أي: اقصدنا به، من قولك: أممت زيدا، أي: قصدته، ومنه: # ولا آمين البيت الحرام # [المائدة: 2] أي: قاصديه، وعلى هذا فالجمع بين " يا " والميم ليس ~~بضرورة عندهم، وليست عوضا منها. # وقد رد عليهم البصريون هذا بأنه قد سمع: اللهم أمنا بخير، ~~وقال تعالى: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة # [الأنفال: 32] فقد صرح بالمدعو به، فلو كانت الميم بقية " ~~أمنا " لفسد المعنى، فبان بطلانه. # وهذا من الأسماء التي لزمت النداء، فلا ms1788 يجوز أن يقع في غيره، وقد وقع ~~في ضرورة الشعر كونه فاعلا، أنشد الفراء: [مخلع البسيط] # 1380- كحلفة من أبي دثار # يسمعها اللهم الكبار # استعمله - هاهنا - فاعلا بقوله: يسمعها. # ولا يجوز تخفيف الميم، وجوزه الفراء، وأنشد البيت: بتخفيف الميم؛ إذ ~~لا يمكن استقامة الوزن إلا بذلك. # قال بعضهم: هذا خطأ فاحش، وذلك لأن الميم بقية " أمنا " - على رأي ~~الفراء - فكيف يجوزه الفراء؟ وأجاب عن البيت بأن الرواية ليست كذلك، بل ~~الرواية: [مخلع البسيط] # 1381-.......................... # يسمعها لاهه الكبار # قال شهاب الدين: " وهذا لا يعارض الرواية الأخرى؛ فإنه كما صحت هذه ~~صحت تلك ". # ورد الزجاج مذهب الفراء بأنه لو كان الأصل: يا الله آمنا للفظ به ~~منبها على الأصل، كما قالوا - في ويلمه -: ويل لأمه. # وردوا مذهب الفراء - أيضا - بأنه يلزم منه جواز أن تقول: يا اللهم، ~~ولما لم يجز ذلك علمنا فساد قول الفراء، بل نقول: كان يجب أن يكون ~~حرف النداء لازما، كما يقال: يا الله اغفر لي، وأجاب الفراء عن قول ~~الزجاج بأن أصله - عندنا - أن يقال: يا الله أمنا - ومن ينكر ~~جواز التكلم بذلك -؟ وأيضا فلأن كثيرا من الألفاظ لا يجوز فيها إقامة ~~الفرع مقام الأصل، ألا ترى أن مذهب الخليل وسيبويه أن " ما أكرمه " ~~معناه: شيء أكرمه، ثم إنه - قط - لا يستعمل هذا الكلام - الذي زعموا ~~أنه هو الأصل - في معرض التعجب، فكذا هنا. # وأجاب عن الرد الثاني بقوله: من الذي يسلم لكم أنه لا يجوز أن ~~يقال: يا اللهم، وأنشد قول الراجز المتقدم يا اللهم، وقول البصريين: ~~هذا الشعر غير معروف، فحاصله تكذيب النقل، ولو فتحنا هذا الباب لم ~~يبق من اللغة والنحو شيء سليما من الطعن. # وقولهم: كان يلزم ذكر حرف النداء، فقد يحذف حرف النداء، كقوله: # يوسف أيها الصديق # [يوسف: 46] فلا يبعد أن يخص هذا الاسم بالتزام الحذف. # واحتج الفراء على فساد قول البصريين بوجوه: # أحدها: أنا لو جعلنا الميم قائما مقام حرف النداء، لكنا قد أجزنا تأخير ~~حرف النداء عن ذكر المنادى فيقال: الله يا، ms1789 وهذا لا يجوز ألبتة. # ثانيها: لو كان هذا الحرف قائما مقام النداء لجاز مثله في سائر ~~الأسماء، فيقال: زيدم، وبكرم كما يجوز يا زيد، يا بكر. # ثالثها: لو كانت الميم بدلا عن حرف النداء لما اجتمعا، لكنهما اجتمعا ~~في الشعر الذي رويناه. # ومن أحكام هذه اللفظة أنها كثر دورها، حتى حذفت منها الألف واللام - في ~~قولهم: لا هم - أي: اللهم. # قال الشاعر: [الرجز] # 1382- لاهم إن عامر بن جهم # أحرم حجا في ثياب دسم # وقال آخر: [الرجز] # 1383- لاهم إن جرهما عبادكا # الناس طرق وهم بلادكا # قوله: { مالك الملك } فيه أوجه: # أحدها: أنه بدل من " اللهم ". # الثاني: أنه عطف بيان. # الثالث: أنه منادى ثان، حذف منه حرف النداء، أي: يا مالك الملك، ~~وهذا هو البدل في الحقيقة؛ إذ البدل على نية تكرار العامل؛ إلا أن الفرق ~~أن هذا ليس بتابع. # الرابع: أنه نعت ل " اللهم " على الموضع، فلذلك نصب، وهذا ليس ~~مذهب سيبويه؛ لأنه لا يجيز نعت هذه اللفظة؛ لوجود الميم في آخرها؛ ~~لأنها أخرجتها عن نظائرها من الأسماء، وأجاز المبرد ذلك، واختاره ~~الزجاج، قالا: لأن الميم بدل من " يا " والمنادى مع " يا " لا يمتنع ~~وصفه، فكذا مع ما هو عوض منها، وأيضا فإن الاسم لم يتغير عن حكمه؛ ألا ~~ترى إلى بقائه مبنيا على الضم كما كان مبنيا مع " يا ". # وانتصر الفارسي لسيبويه، بأنه ليس في الأسماء الموصوفة شيء على حد " ~~اللهم " ، فإذا خالف ما عليه الأسماء الموصوفة، ودخل في حيز ما لا ~~يوصف من الأصوات، وجب أن لا يوصف. والأسماء المناداة، المفردة، ~~المعرفة، القياس أن لا توصف - كما ذهب إليه بعض الناس؛ لأنها واقعة ~~موقع ما لا يوصف وكما أنه لما وقع موقع ما لا ذهب إليه بعض الناس؛ ~~لأنها واقعة موضع ما لا يوصف وكما أنه لما موقع ما لا يعرب لم يعرب، كذلك ~~لما وقع موقع ما لا يوصف لم يوصف، فأما قوله: [الرجز] # 1384- يا حكم الوارث عن عبد الملك # [وقوله]: [الرجز] # 1385- يا حكم بن المنذر بن الجارود ms1790 # سرادق المجد عليك ممدود # وقوله: [الوافر] # 1386- فما كعب بن مامة وابن سعدى # بأجود منك يا عمر الجوادا # فإن الأول على أنت. # والثاني على نداء ثان. # والثالث: على إضمار أعني. # فلما كان هذا الاسم الأصل فيه أن لا يوصف؛ لما ذكرنا، كان " اللهم " ~~أولى أن لا يوصف، لأنه قبل ضم الميم إليه واقع موقع ما لا يوصف، ~~فلما ضمت إليه الميم صيغ معها صياغة مخصوصة فصار حكمه حكم ~~الأصوات، وحكم الأصوات أن لا توصف نحو غاق، وهذا - مع ما ضم إليه من ~~الميم - بمنزلة صوت مضموم إلى صوت نحو حيهل، فحقه أن لا يوصف، ~~كما لا يوصف حيهل. # قال شهاب الدين: " هذا ما انتصر به أبو علي لسيبويه، وإن كان لا ينتهض ~~مانعا ". # قوله: " تؤتي " هذه الجملة، وما عطف عليها يجوز أن تكون مستأنفة، ~~مبينة لقوله: { مالك الملك } ويجوز أن تكون حالا من المنادى. # وفي انتصاب الحال من المنادى خلاف، الصحيح جوازه؛ لأنه مفعول به، والحال ~~- كما يكون لبيان هيئة الفاعل - يكون لبيان هيئة المفعول، ولذلك أعرب ~~الحذاق قول النابغة: [البسيط] # 1387- يا دار مية بالعلياء فالسند # أقوت وطال عليها سالف الأبد # " بالعلياء " حالا من " دار مية " ، وكذلك " أقوت ". # والثالث من وجوه " تؤتي ": أن تكون خبر مبتدأ مضمر، أي: أنت تؤتي، ~~فتكون الجملة اسمية وحينئذ يجوز أن تكون مستأنفة، وأن تكون حالية. # قوله: " تشاء " أي: تشاء إيتاءه، وتشاء انتزاعه، فحذف المفعول بعد ~~المشيئة؛ للعلم به، والنزع: الجذب، يقال: نزعه، ينزعه، نزعا - إذا ~~جذبه - ويعبر به عن الميل، ومنه: نزعت نفسه إلى كذا كأن جاذبا ~~جذبها، ويعبر به عن الإزالة، يقال نزع الله عنك الشر - أي: أزاله - ومنه ~~قوله تعالى: # ينزع عنهما لباسهما # [الأعراف: 27] ومثله هذه الآية، فإن المعنى وتزيل الملك. # فصل في بيان سبب النزول # في سبب النزول وجوه: # أحدها: قال ابن عباس وأنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح مكة - ~~وعد أمته ملك فارس والروم، فقال المنافقون واليهود: هيهات، هيهات، من ~~أين لمحمد ملك فارس والروم - وهم أعز وأمنع ms1791 من ذلك -! ألم يكف ~~محمدا مكة والمدينة حتى طمع في ملك فارس والروم؟ فأنزل الله - تعالى - ~~هذه الآية. # وثانيها: # " روي أنه - عليه السلام - لما خط الخندق عام الأحزاب، وقطع لكل عشرة ~~أربعين ذراعا وأخذوا يحفرون، خرج من وسط الخندق صخرة كالتل العظيم، لم ~~تعمل فيها المعاول. # فوجهوا سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ المعول من ~~سلمان، فلما ضربها صدعها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها، كأنه ~~مصباح في جوف ليل مظلم، فكبر، وكبر المسلمون، وقال عليه السلام: أضاءت ~~لي منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلاب، ثم ضرب الثانية فقال: أضاءت لي ~~منها قصور صنعاء، ثم ضرب الثالثة فقال: أخبرني جبريل - عليه السلام - أن ~~أمتي ظاهرة على كلها، فأبشروا " # فقال المنافقون: ألا تعجبوا من نبيكم، يعدكم الباطل، يخبركم أنه يبصر ~~من يثرب قصور الحيرة، ومدائن كسرى، وأنها تفتح لكم، وأنتم تحفرون الخندق ~~من الخوف لا تستطيعون أن تخرجوا، فنزلت هذه الآية. # وثالثها: قال الحسن: إن الله - تعالى - أمر نبيه أن يسأله أن يعطيه ~~ملك فارس والروم، ويرد ذل العرب عليهما، وأمره بذلك دليل على أنه ~~يستجيب له هذا الدعاء، وهكذا منازل الأنبياء - إذا أمروا بدعاء ~~استجيب دعاؤهم. # وقيل: نزلت دامغة لنصارى نجران، في قولهم: إن عيسى هو الله، وذلك أن ~~هذه الأوصاف تبين - لكل صحيح الفطرة - أن عيسى ليس فيه شيء منها. # قال ابن إسحاق: أعلم الله - تعالى - في هذه الآية - بعنادهم وكفرهم، ~~وأن عيسى - عليه السلام - وإن كان الله - تعالى - أعطاه آيات تدل على ~~نبوته، من إحياء الموتى - وغير ذلك - فإن الله - عز وجل - هو المنفرد ~~بهذه الأشياء - من قوله: { تؤتي الملك من تشآء } إلى قوله: { ~~وترزق من تشآء بغير حساب }. # فصل # قوله: { مالك الملك } أي: مالك العباد وما ملكوا. # وقيل: مالك السموات والأرض قال الله تعالى - في بعض كتبه -: " أنا ~~الله، مالك الملك وملك الملوك، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي، ~~فإن العباد أطاعوني جعلتهم عليهم رحمة، وإن عصوني جعلتهم ~~عليهم عقوبة، فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك، ms1792 ولكن توبوا إلي ~~فأعطفهم عليكم ". # فصل # قال الزمخشري: " مالك الملك، أي: يملك جنس الملك، فيتصرف فيه تصرف ~~الملاك فيما يملكون ". # قال مجاهد وسعيد بن جبير والسدي: " تؤتي الملك " يعني ~~النبوة والرسالة، كما قال تعالى: # فقد آتينآ آل إبراهيم الكتاب والحكمة ~~وآتيناهم ملكا عظيما # [النساء: 54]، فالنبوة أعظم مراتب الملك؛ لأن العلماء لهم أمر عظيم على ~~بواطن الخلق، والجبابرة لهم أمر على ظواهر الخلق والأنبياء أمرهم نافذ ~~ظاهرا وباطنا، أما باطنا؛ فلأنه يجب على كل أحد أن يقبل دينهم ~~وشريعتهم، وأن يعتقد أنه هو الحق، وأما ظاهرا؛ فلأنهم لو خالفوهم ~~لاستوجبوا القتل. # فإن قيل: قوله: { تؤتي الملك من تشآء وتنزع الملك ~~ممن تشآء } يدل على أنه قد يعزل عن النبوة من جعله نبيا، ~~وذلك لا يجوز. # فالجواب من وجهين: # الأول: أن الله تعالى - إذا جعل النبوة في نسل رجل، فإذا أخرجها الله ~~تعالى من نسله، وشرف بها إنسانا آخر - من غير ذلك النسل - صح أن ~~يقال: إنه - تعالى - نزعها منهم، واليهود كانوا معتقدين أن النبوة ~~لا تكون إلا في بني إسرائيل، فلما شرف الله بها محمدا صلى الله عليه ~~وسلم صح أن يقال: إنه نزع ملك النبوة من بني إسرائيل إلى ~~العرب. # الثاني: أن يكون المراد من قوله: { وتنزع الملك ممن تشآء ~~} ، أي: تحرمهم، ولا تعطيهم هذا الملك، لا على معنى أنه يسلب ذلك بعد ~~إعطائه، ونظيره قوله تعالى: # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور # [البقرة: 257] مع أن هذا الكلام يتناول من لم يكن في ظلمة الكفر قط. # وحكي عن الكفار قولهم - للأنبياء عليهم السلام -: # أو لتعودن في ملتنا # [الأعراف: 88] وقول الأنبياء: # وما يكون لنآ أن نعود فيهآ إلا أن يشآء الله ~~ربنا # [الأعراف: 89] مع أنهم لم يكونوا فيها - قط -. # وعلى هذا القول تكون الآية ردا على أربع فرق: # إحداها: الذين استبعدوا أن يجعل الله بشرا رسولا. # الثانية: الذين جوزوا أن يكون الرسول من البشر، إلا أنهم قالوا: إن ~~محمدا فقير # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ms1793 ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. # الثالثة: اليهود الذين قالوا: إن النبوة في أسلافنا، وإن قريشا ليست ~~أهلا للكتاب والنبوة. # الرابعة: المنافقون، فإنهم ك انوا يحسدونه على النبوة - على ما حكى عنهم ~~في قوله: # أم يحسدون الناس على مآ آتاهم الله من فضله # [النساء: 54]. # وقيل: المراد ما يسمى ملكا في العرف، وهو عبارة عن أشياء: # أحدها: كثرة المال والجاه. # الثاني: أن يكون بحيث يجب على غيره طاعته، ويكون تحت أمره ونهيه. # الثالث: أن يكون بحيث لو نازعه في ملكه أحد قدر على قهر ذلك ~~المنازع. # أما كثرة المال فقد نرى الرجل اللبيب لا يحصل له - مع العناء العظيم، ~~والمعرفة الكثيرة - إلا قليل من المال، ونرى الأبله الغافل قد يحصل ~~له من الأموال ما لا يعلم كميتها. # وأما الجاه، فالأمر فيه أظهر، أما القسم الثاني - وهو وجوب طاعة الغير ~~له - فمعلوم أن ذلك لا يحصل إلا من الله. # وأما القسم الثالث - وهو حصول النصرة والظفر - فمعلوم أن ذلك لا يحصل ~~إلا من الله تعالى؛ فكم شاهدنا من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن ~~الله تعالى. # فصل # قال الكعبي: قوله: { تؤتي الملك من تشآء } ، أي: ~~بالاستحقاق، فتؤتيه من يقوم به، وتنزعه من الفاسق؛ لقوله تعالى: # لا ينال عهدي الظالمين # [البقرة: 124] وقوله - في العبد الصالح -: # إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم ~~والجسم # [البقرة: 247] فجعله سببا للملك. # وقال الجبائي: هذا الملك مختص بملوك العدل، فأما ملوك الظلم، فلا ~~يجوز أن يكون ملكهم بإيتاء الله - تعالى - وكيف يصح أن يكون بايتاء الله ~~- تعالى - وقد ألزمهم أن لا يمتلكوه، ومنعهم من ذلك، فقد صح - بما ذكرناه ~~- أن الملوك العادلين هم المخصوصون بأن الله - تعالى - آتاهم ذلك الملك: ~~وأما الظالمون فلا، قالوا: ونظير هذا ما قلنا في الرزق أنه لا يكون من ~~الحرام الذي زجر الله - تعالى - عنه، وأمره بأن يرده على مالكه، فكذا ~~ههنا. # قالوا: وأما النزع، فإنه بخلاف ذلك؛ لأنه - كما ينزع الملك من الملوك ~~العادلين؛ لمصلحة تقتضي ذلك - قد ينزع الملك عن الملوك الظالمين، ونزع ms1794 ~~الملك يكون بوجوه: # منها: بالموت، وإزالة العقل، وإزالة القوى، والقدرة، والحواس. # ومنها: بورود الهلاك، والتلف على الأموال. # ومنها: أن يأمر الله - تعالى - المحق بأن يسلب الملك الذي في يد ~~المتغلب المبطل، ويؤتيه القوة، والنصرة عليه، فيقهره، ويسلب ملكه، ~~فيجوز أن يضاف هذا السلب، و النزع إلى الله - تعالى - لأنه واقع عن ~~أمره، كما نزع الله - تعالى - ملك فارس، على يد الرسول - عليه ~~السلام. # فالجواب: أن تقول: حصول الملك للظالم إما أن يكون حصل لا عن ~~فاعل، وذلك يقتضي نفي الصانع، وإما أن يكون حصل بفعل المتغلب، وذلك ~~باطل؛ لأن كل أحد يريد تحصيل الملك والدولة لنفسه، ولا يتيسر له ألبتة، ~~فلم يبق إلا أن يقال: بأن ملك الظالمين إنما حصل بإيتاء الله تعالى - ~~وهذا أمر ظاهر؛ فإن الرجل قد يكون مهابا، والقلوب تميل إليه، والنصر ~~قريب له، والظفر جليس معه، وأينما توجه حصل مقصوده، وقد يكون على الضد من ~~ذلك، ومن تأمل في كيفية أحوال الملوك اضطر إلى العلم بأن ذلك ليس إلا ~~بتقدير الله. # ولذلك قال بعض الشعراء: [الكامل] # 1388- لو كان بالحيل الغنى لوجدتني # بأجل أسباب السماء تعلقي # لكن من رزق الحجا حرم الغنى # ضدان مفترقان أي تفرق # ومن الدليل على القضاء وكونه # بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق # وقيل: قوله تعالى: { تؤتي الملك من تشآء } محمول على جميع ~~أنواع الملك، فيدخل فيه ملك النبوة، وملك العلم، وملك العقل ~~والأخلاق الحسنة، وملك البقاء والقدرة، وملك محبة القلوب، وملك ~~الأموال؛ لأن اللفظ عام، فلا يجوز التخصيص من غير دليل. # وقال الكلبي: { تؤتي الملك من تشآء } محمدا وأصحابه, { ~~وتنزع الملك ممن تشآء } أبا جهل وصناديد قريش. # وقيل: { تؤتي الملك من تشآء } العرب، { وتنزع الملك ~~ممن تشآء } فارس والروم. # وقال آخرون: { تؤتي الملك من تشآء } آدم وولده، { وتنزع ~~الملك ممن تشآء } من إبليس وجنده. # قوله: { وتعز من تشآء وتذل من تشآء }. # قال عطاء: { وتعز من تشآء } المهاجرين والأنصار، { وتذل ~~من تشآء } فارس والروم. # وقيل: { وتعز من تشآء } محمدا وأصحابه، حين دخلوا مكة في ms1795 عشرة ~~آلاف ظاهرين عليها، { وتذل من تشآء } أبا جهل وأصحابه، حين ~~حزت رؤوسهم، وألقوا في القليب. # وقيل: { وتعز من تشآء } بالإيمان والهداية، { وتذل من ~~تشآء } بالكفر والضلالة. # وقيل: { وتعز من تشآء } بالطاعة، { وتذل من تشآء } ~~بالمعصية. # وقيل: { وتعز من تشآء } بالنصر، { وتذل من تشآء } ~~بالقهر. # وقيل: { وتعز من تشآء } بالغنى، { وتذل من تشآء } ~~بالفقر. # وقيل: { وتعز من تشآء } بالقناعة والرضا، { وتذل من ~~تشآء } بالحرص والطمع. # قوله: { بيدك الخير } في الكلام حذف معطوف، تقديره: ~~والشر، كقوله تعالى # سرابيل تقيكم الحر # [النحل: 81]، أي: والبرد. # وكقوله: [الطويل] # 1389- كأن الحصى من خلفها وأمامها # إذا أنجلته رجلها خذف أعسرا # أي ويدها. # قال الزمخشري: " فإن قلت: كيف قال: " بيدك الخير ~~" دون الشر؟ # قلت: لأن الكلام إنما وقع في الخير الذي يسوقه ~~الله إلى المؤمنين، - وهو الذي أنكرته الكفرة. # فقال: { بيدك الخير } تؤتيه أولياءك على رغم من ~~أعدائك ". # وقيل: خص الخير؛ لأنه في موضع دعاء، ورغبة في ~~فضله. # وقيل: هذا من آداب القرآن؛ حيث لم يصرح إلا بما ~~هو محبوب لخلقه، ومثله: " والشر ليس إليك " ، وقوله ~~تعالى: # وإذا مرضت فهو يشفين # [الشعراء: 80]. # فصل # الألف واللام في " الخير " يوجبان العموم، والمعنى: ~~[أن الخيرات تحصل] بقدرتك، فقوله: " بيدك " لا بيد ~~غيرك، كقوله: # لكم دينكم ولي دين # [الكافرون: 6]، أي: لكم دينكم لا لغيركم، وذلك الحصر ~~مناف لحصول الخير بيد غيره فثبت دلالة الآية على ~~أن الجميع منه بخلقه وتكوينه، وإيجاده وفضله، ~~وأفضل الخيرات هو الإيمان بالله، فوجب أن يكون الخير من تخليق الله لا ~~من تخليق العبد، وهذا استدلال ظاهر. # وزاد بعضهم فقال: كل فاعلين فعل أحدهما أفضل ~~من فعل الآخر، كان ذلك الفاعل أشرف وأكمل من ~~الآخر، ولا شك أن الإيمان أفضل من الخير، ومن كل ~~ما سوى الإيمان، فلو كان الإيمان بخلق العبد - لا بخلق ~~الله تعالى - لوجب كون العبد زائدا في الخيرية على الله - ~~تعالى - وذلك كفر قبيح، فدلت الآية - من هذين الوجهين - على أن ~~الإيمان بخلق الله تعالى. # فإن قيل: هذه الآية حجة عليكم من وجه ms1796 آخر؛ لأنه لما ~~قال: { بيدك الخير } كان معناه: ليس بيدك إلا الخير، وهذا يقتضي ~~أن لا يكون الكفر والمعصية بيده. # فالجواب: أن قوله: { بيدك الخير } يفيد أن بيدك الخير - لا ~~بيد غيرك - فهذا ينافي أن يكون الخير بيد غيره، لكن لا ينافي أن يكون ~~بيده الخير، وبيده ما سوى الخير، إلا أنه خص الخير بالذكر؛ لأنه الأمر ~~المنتفع به، فوقع التنصيص عليه لهذا المعنى. # قال القاضي: " كل خير حصل من جهة العباد فلولا أنه - تعالى - أقدرهم ~~عليه، وهداهم إليه، لما تمكنوا منه، فلهذا السبب كان مضافا إلى الله ~~تعالى ". # قال ابن الخطيب: " وهذا ضعيف؛ لأن بعض الخير يصير مضافا إلى الله - ~~تعالى - ويصير أشرف الخيرات مضافا إلى العبد، وهذا خلاف النص ". # وقوله: { إنك على كل شيء قدير } كالتأكيد لما تقدم من ~~كونه مالكا لإيتاء الملك ونزعه، والإعزار، و الإذلال. # قوله: { تولج الليل في النهار } يقال: ولج، يلج، ~~ولوجا، ولجة - كعدة - وولجا - ك " وعدا " ، واتلج، ~~يتلج، اتلاجا، والأصل: اوتلج، يوتلج، اوتلاجا، فقلبت ~~الواو تاء قبل تاء الافتعال، نحو: اتعد يتعد اتعادا. # قال الشاعر: [الطويل] # 1390- فإن القوافي يتلجن موالجا # تضايق عنها أن تولجها الإبر # الولوج: الدخول، والإيلاج: الإدخال - ومعنى الآية على ذلك. # وقول من قال: معناه النقص فإنما أراد اللازم؛ لأنه - تبارك وتعالى - إذا ~~أدخل من هذا في هذا فقد نقص المأخوذ منه المدخل في ذلك الآخر. وزعم ~~بعضهم أن تولج بمعنى ترفع، وأن " في " بمعنى " على " وليس بشيء. # وقيل: المعنى: أنه - تعالى - يأتي بالليل عقيب النهار -، فيلبس الدنيا ~~ظلمته - بعد أن كان فيها ضوء النهار - ثم يأتي بالنهار عقيب الليل، ~~فيلبس الدنيا ضوءه، فكأن المراد من إيلاج أحدهما في الآخر إيجاد كل ~~واحد منهما عقيب الآخر. # قال ابن الخطيب: " والقول بأن معناه النقص أقرب إلى اللفظ؛ لأنه إذا كان ~~النهار طويلا، فجعل ما نقص منه زيادة في الليل، كان ما نقص منه زيادة ~~في الآخر ". # قوله: { وتخرج الحي من الميت } اختلف القراء في لفظة " ~~الميت " فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن ms1797 عامر وأبو بكر عن عاصم لفظ ~~" الميت " من غير تاء تأنيث - مخففا، في جميع القرآن، سواء وصف ~~به الحيوان نحو: { وتخرج الحي من الميت } [آل عمران: 27] ~~أو الجماد نحو: # فسقناه إلى بلد ميت # [فاطر: 9] - منكرا أو معرفا كما تقدم ذكره - إلا قوله تعالى: # إنك ميت وإنهم ميتون # [الزمر: 30]، وقوله: # وما هو بميت # [إبراهيم: 17] - في إبراهيم - مما لم يمت بعد، فإن الكل ثقلوه، وكذلك ~~لفظ " الميتة " في قوله: # وآية لهم الأرض الميتة # [يس: 33] دون الميتة المذكورة مع الدم - فإن تلك لم يشددها إلا بعض ~~قراء الشواذ - وكذلك قوله: # وإن يكن ميتة # [الأنعام: 139]، وقوله: # فأنشرنا به بلدة ميتا # [الزخرف: 11]، وقوله: # إلا أن يكون ميتة # [الأنعام: 145] فإنها مخففات عند الجميع، وثقل نافع جميع ذلك، ~~والأخوان وحفص - عن نافع - وافقوا ابن كثير ومن معه في الأنعام في قوله: # أو من كان ميتا فأحييناه # [الأنعام: 122]، وفي الحجرات: # أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا # [الحجرات: 12]، وفي يس: # الأرض الميتة # [يس: 33]، ووافقوا نافعا فيما عدا ذلك، فجمعوا بين اللغتين؛ إيذانا ~~بأن كلا من القراءتين صحيح، وهما بمعنى؛ لأن " فيعل " يجوز تخفيفه ~~في المعتل بحذف إحدى ياءيه، فيقال: هين وهين، لين ولين، ~~ميت وميت، وقد جمع الشاعر بين اللغتين في قوله: [الخفيف] # 1391- ليس من مات فاستراح بميت # إنما الميت ميت الأحياء # إنما الميت من يعيش كئيبا # كاسفا باله قليل الرجاء # وزعم بعضهم أن " ميتا " بالتخفيف - لمن وقع به الموت، وأن المشدد ~~يستعمل فيمن مات ومن لم يمت، كقوله - تعالى -: # إنك ميت وإنهم ميتون # [الزمر: 30], وهذا مردود بما تقدم من قراءة الأخوين, وحفص؛ حيث خففوا ~~في موضع لا يمكن أن يراد به الموت, وهو قوله تعالى: # أو من كان ميتا فأحييناه # [الأنعام: 122]؛ إذ المراد الكفر - مجازا - هذا بالنسبة إلى القراء, ~~وإن شئت ضبطته باعتبار لفظ " الميت " فقلت: هذا اللفظ بالنسبة إلى ~~قراءة السبعة ثلاثة أقسام: # اسم لا خلاف في تثقيله - وهو ما لم يمت - نحو: # وما هو بميت # [إبراهيم: 17], و # إنك ميت وإنهم ميتون # [الزمر: 30]. # وقسم لا خلاف ms1798 في تخفيفه - وهو ما تقدم في قوله: { الميتة والدم ~~} # وإن يكن ميتة # [الأنعام: 139] { إلا أن يكون ميتة } ، وقوله: # فأنشرنا به بلدة ميتا # [الزخرف: 11]. # وقسم فيه الخلاف - وهو ما عدا ذلك - وتقدم تفصيله وقد تقدم أيضا أن أصل ~~" ميت " ميوت، فأدغم، وفي وزنه خلاف، هل وزنه " فيعل " - وهو ~~مذهب البصريين - أو " فعيل " - وهو مذهب الكوفيين - وأصله مويت، ~~قالوا: لأن فيعلا مفقود في الصحيح؛ فالمعتل أولى أن لا يوجد فيه، ~~وأجاب البصريون عن قولهم: لا نظير له في الصحيح بأن قضاة - في جمع قاض ~~- لا نظير له في الصحيح، وتفسير هذا الجواب: أنا لا نسلم أن يكون له نظير ~~في الصحيح، ويدل على عدم التلازم " قضاة " جمع قاض وفي " قضاة " خلاف ~~طويل ليس هذا موضعه. # واعترض عليهم البصريون بأنه لو كان وزنه " فعيلا " لوجب أن يصح، كما ~~صحت نظائره من ذوات الواو نحو: طويل، وعويل، وقويم، فحيث اعتل بالقلب ~~والإدغام امتنع أن يدعى أن أصله " فعيل " لمخالفة نظائره، وهو رد ~~حسن. # فصل # قال ابن مسعود وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة: يخرج الحيوان من ~~النطفة - وهي ميتة - والطير من البيضة، وبالعكس. # وقال الحسن وعطاء: يخرج المؤمن من الكافر - كإبراهيم من آزر - ~~والكافر من المؤمن - مثل كنعان من نوح. # وقال الزجاج: يخرج النبات الغض الطري من الحب اليابس، ويخرج ~~الحب اليابس من النبات، قال القفال: " والكلمة محتملة للكل. # أما الحيوان والنطفة فقال تعالى: # كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم # [البقرة: 28]. # وأما الكافر والمؤمن فقال تعالى: # أو من كان ميتا فأحييناه # [الأنعام: 122]، أي: كافرا فهديناه ". # قال القرطبي: روى معمر عن الزهري # " أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على نسائه، فإذا بامرأة حسنة النعمة، ~~قال: من هذه؟ قلن: إحدى خالاتك، قال: ومن هي؟ قلن: خالدة بنت الأسود ~~بن عبد يغوث، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان الذي يخرج الحي ~~من الميت ". # وكانت امرأة صالحة، وكان أبوها كافرا. # وأما النبات والحب فقال تعالى: # فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد ~~موتها # [فاطر: 9]. # قوله: ms1799 { وترزق من تشآء بغير حساب } يجوز أن تكون الباء ~~للحال من الفاعل، أي: ترزقه وأنت لم تحاسبه، أي: لم تضيق عليه، أو ~~من المفعول، أي: غير مضيق عليه وقد تقدم الكلام على مثل هذا مشبعا ~~في قوله تعالى في البقرة: { والله يرزق من يشآء بغير ~~حساب }. # واشتملت هذه الآية على أنواع من البديع: # منها: التجنيس المماثل في قوله تعالى: { مالك الملك تؤتي ~~الملك من تشآء وتنزع الملك }. # ومنها: الطباق، وهو الجمع بين متضادين أو شبههما - في قوله: " تؤتي " و ~~" تنزع " وتعز وتذل وفي قوله: { بيدك الخير } أي: ~~والشر - عند بعضهم -، وفي قوله: " الليل " و " النهار " و " ~~الحي " و " الميت ". # ومنها رد الأعجاز على الصدور، والصدور على الأعجاز في قوله: { ~~تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل ~~} ، وفي قوله: { وتخرج الحي من الميت وتخرج ~~الميت من الحي } ونحوه عادات الشاذات شاذات العادات. # وتضمنت من المعاني التوكيد بإيقاع الظاهر موقع المضمر في قوله: { ~~تؤتي الملك من تشآء } وفي تجوزه بإيقاع الحرف مكان ما هو ~~بمعناه، والحذف لفهم المعنى. # فصل # قال أبو العباس المقرئ: ورد لفظ الحساب في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: بمعنى التعب، قال تعالى: { وترزق من تشآء بغير ~~حساب }. # الثاني: بمعنى العدد، كقوله: # إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب # [الزمر: 10] أي: بغير عدد. # الثالث: بمعنى المطالبة، قال تعالى: # فامنن أو أمسك بغير حساب # [ص: 39] [أي: بغير مطالبة]. # فصل # عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن فاتحة الكتاب، وآية الكرسي، وآيتين من آل عمران - وهما { ~~شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولوا العلم قآئما بالقسط لا إله إلا هو ~~العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام } ، { ~~قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء ~~وتنزع الملك ممن تشآء وتعز من تشآء وتذل ~~من تشآء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير ~~تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل ~~وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من ~~الحي وترزق ms1800 من تشآء بغير حساب } معلقات، ما ~~بينهن وبين الله حجاب، قلن: يا رب، تهبطنا إلى أرضك، ~~وإلى من يعصيك؟ قال الله - عز وجل -: إني حلفت لا يقرؤكن ~~أحد من عبادي دبر كل صلاة إلا جعلت الجنة مثواه - على ما ~~كان منه - ولأسكنته حظيرة القدس، ولنظرت إليه بعين مكنونة كل ~~يوم سبعين مرة، ولقضيت له كل يوم سبعين حاجة أدناها المغفرة ~~- ولأعذته من كل عدو وحاسد، ونصرته منهم " ### || [3.28] # العامة على قراءة " لا يتخذ " نهيا، وقرأ الضبي " لا ~~يتخذ " برفع الذال - نفيا - بمعنى لا ينبغي، أو هو خبر بمعنى النهي ~~نحو # لا تضآر والدة # [البقرة: 233] و # ولا يضآر كاتب # [البقرة: 282] - فيمن رفع الراء. # قال أبو البقاء وغيره: " وأجاز الكسائي فيه [رفع الراء] على الخبر، ~~والمعنى: لا ينبغي ". # وهذا موافق لما قاله الفراء، فإنه قال: " ولو رفع على الخبر - ~~كقراءة من قرأ: { لا تضآر والدة } جاز ". # قال أبو إسحاق: ويكون المعنى - على الرفع - أنه من كان مؤمنا، فلا ~~ينبغي أن يتخذ الكافر وليا؛ [لأن ولي الكافر راض بكفره، فهو كافر]. # كأنهما لم يطلعا على قراءة الضبي، أو لم تثبت عندهما. # و " يتخذ " يجوز أن يكون متعديا لواحد، فيكون " أولياء " حالا، ~~وأن يكون متعديا لاثنين، وأولياء هو الثاني. # قوله: { من دون المؤمنين } فيه وجهان: # أظهرهما: أن " من " لابتداء الغاية، وهي متعلقة بفعل الاتخاذ. # قال علي بن عيسى: " أي: لا تجعلوا ابتداء الولاية من مكان دون مكان ~~المؤمنين ". # وقد تقدم تحقيق هذا، عند قوله تعالى: # وادعوا شهدآءكم من دون الله # في البقرة [الآية 23]. # والثاني - أجاز أبو البقاء - أن يكون في موضع نصب، صفة ل " أولياء ~~" فعلى هذا يتعلق بمحذوف. # قوله: { ومن يفعل ذلك } أدغم الكسائي اللام في الذال هنا، ~~وفي مواضع أخر تقدم التنبيه عليها في البقرة. # قوله: { من الله } الظاهر أنه في محل نصب على الحال من " شيء "؛ ~~لأنه لو تأخر لكان صفة له. # " في شيء " هو خبر " ليس "؛ لأن به تستقل فائدة الإسناد، ~~والتقدير: فليس في شيء كائن من الله، ولا بد ms1801 من حذف مضاف، أي: فليس من ~~ولاية الله. # وقيل: من دين الله، ونظر بعضهم الآية الكريمة ببيت النابغة: ~~[الوافر] # 1392- إذا حاولت من أسد فجورا # فإني لست منك ولست مني # قال ابو حيان: " والتنظير ليس بجيد؛ لأن " منك " و " مني " خبر " ~~ليس " وتستقل به الفائدة، وفي الآية الخبر قوله: " في شيء " فليس ~~البيت كالآية ". # وقد نحا ابن عطية هذا المنحى المذكور عن بعضهم، فقال: فليس من الله في ~~شيء مرضي على الكمال والصواب، وهذا كما # " قال النبي صلى الله عليه وسلم " من غشنا فليس منا " # وفي الكلام حذف مضاف، تقديره: فليس من التقرب إلى الله والثواب، ~~وقوله: " في شيء " هو في موضع نصب على الحال من الضمير الذي في ~~قوله: { فليس من الله }. # قال أبو حيان: " وهو كلام مضطرب؛ لأن تقديره: " فليس من التقرب إلى ~~الله " يقتضي أن لا يكون " من الله " خبرا ل " ليس "؛ إذ لا ~~يستقل، وقوله: " في شيء " هو في موضع نصب على الحال يقتضي أن لا يكون ~~خبرا، فيبقى " ليس " - على قوله - ليس لها خبر، وذلك لا يجوز، وتشبيهه ~~الآية الكريمة بقوله صلى الله عليه وسلم: # " من غشنا فليس منا " # ليس بجيد؛ لما بينا من الفرق بين بيت النابغة، وبين الآية الكريمة ~~". # قال شهاب الدين: " وقد يجاب عن قوله: إن " من الله " لا يكون خبرا؛ ~~لعدم الاستقلال بأن في الكلام حذف مضاف، تقديره: فليس من أولياء الله؛ ~~لأن اتخاذ الكفار أولياء ينافي ولاية الله - تعالى -، وكذا قول ابن ~~عطية: فليس من التقرب، أي: من أهل التقرب، وحينئذ يكون التنظير بين ~~الآية، والحديث، وبيت النابغة مستقيما بالنسبة إلى ما ذكر، ونظير تقدير ~~المضاف هنا - قوله: # فمن تبعني فإنه مني # [إبراهيم: 36]، أي: من أشياعي وأتباعي، وكذا قوله: # ومن لم يطعمه فإنه مني # [البقرة: 249] أي: من أشياعي وقول العرب: أنت مني فرسخين، أي: من أشياعي ~~ما سرنا فرسخين، ويجوز أن يكون " من الله " هو خبر " ليس " و " في ~~شيء " يكون حالا منالضمير في " ليس " - كما ذهب إليه ابن عطية ~~تصريحا، ms1802 وغيره إيماء، وتقدم الاعتراض عليهما والجواب ". # قوله: { إلا أن تتقوا } هذا استثناء مفرغ من المفعول من ~~أجله، والعامل فيه " لا يتخذ " أي: لا يتخذ المؤمن الكافر وليا ~~لشيء من الأشياء إلا للتقية ظاهرا، أي: يكون مواليه في الظاهر، ومعاديه ~~في الباطن، وعلى هذا فقوله: { ومن يفعل ذلك } وجوابه معترض بين ~~العلة ومعلولها وفي قوله: { إلا أن تتقوا } التفات من غيبة ~~إلى خطاب، ولو جرى على سنن الكلام الأول لجاء الكلام غيبة، وذكروا ~~للالتفات - هنا - معنى حسنا، وذلك أن موالاة الكفار لما كانت مستقبحة ~~لم يواجه الله - تعالى - عباده بخطاب النهي، بل جاء به في كلام أسند ~~الفعل المنهي عنه لغيب، ولما كانت المجاملة - في الظاهر - والمحاسنة ~~جائزة لعذر - وهو اتقاء شرهم - حسن الإقبال إليهم، وخطابهم برفع ~~الحرج عنهم في ذلك. # قوله: { تقاة } في نصبها ثلاثة أوجه، وذلك مبني على تفسير " ~~تقاة " ما هي؟ # أحدها: أنها منصوبة على المصدر، والتقدير: تتقوا منهم اتقاء، ف " ~~تقاة " واقعة موقع الاتقاء، والعرب تأتي بالمصادر نائبة عن بعضها، ~~والأصل: أن تتقوا اتقاء - نحو: تقتدر اقتدارا - ولكنهم أتوا بالمصدر ~~على حذف الزوائد، كقوله: # أنبتكم من الأرض نباتا # [نوح: 17] والأصل إنباتا. # ومثله قول الشاعر: [الوافر] # 1393-.......................... # وبعد عطائك المائة الرتاعا # أي: اعطائك، ومن ذلك - أيضا - قوله: [الوافر] # 1394-.......................... # وليس بأن تتبعه اتباعا # وقول الآخر: [الوافر] # 1395- ولاح بجانب الجبلين منه # ركام يحفر الأرض احتفارا # وهذا عكس الآية؛ إذ جاء المصدر مزادا فيه، والفعل الناصب له ~~مجرد من تلك الزوائد، ومن مجيء المصدر على غير المصدر قوله تعالى: # وتبتل إليه تبتيلا # [المزمل: 8]. # وقول الآخر: [الرجز أو السريع] # 1396- وقد تطويت انطواء الحضب # والأصل: تطويا، والأصل في " تقاة " وقية مصدر على فعل من ~~الوقاية. وقد تقدم تفسير هذه المادة، ثم أبدلت الواو تاء مثل تخمة ~~وتكأة وتجاه، فتحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصار اللفظ ~~" تقاة " كما ترى بوزن " فعلة " ومجيء المصدر على " فعل " و " فعلة ~~" قليل، نحو: التخمة، والتؤدة، والتهمة والتكأة، وانضم إلى ذلك كونها ~~جاءت على غير المصدر، والكثير مجيء ms1803 المصادر جارية على أفعالها. # قيل: وحسن مجيء هذا المصدر ثلاثيا كون فعله قد حذفت زوائده في ~~كثير من كلامهم، نحو: تقى يتقى. # ومنه قوله: [الطويل] # 1397-.......................... # تق الله فينا والكتاب الذي تتلو # وقد تقدم تحقيق ذلك أول البقرة. # الثاني: أنها منصوبة على المفعول به، وذلك على أن " تتقوا " بمعنى ~~تخافوا، وتكون " تقاة " مصدرا واقعا موقع المفعول به، وهو ظاهر قول ~~الزمخشري، فإنه قال: " إلا أن تخافوا من جهتهم أمرا يجب اتقاؤه ". # وقرئ " تقية " وقيل - للمتقى -: تقاة، وتقية، كقولهم: ضرب ~~الأمير - لمضروبه فصار تقدير الكلام: إلا أن تخافوا منهم أمرا ~~متقى. # الثالث: أنها منصوبة على الحال، وصاحب الحال فاعل " تتقوا " وعلى ~~هذا تكون حالا مؤكدة لأن معناه مفهوم من عاملها، كقوله: # ويوم أبعث حيا # [مريم: 33]، وقوله: # ولا تعثوا في الأرض مفسدين # [البقرة: 60] وهو - على هذا - جمع فاعل، - وإن لم يلفظ ب " فاعل " ~~من هذه المادة - فيكون فاعلا وفعلة، نحو: رام ورماة، وغاز ~~وغزاة، لأن " فعلة " يطرد جمعا ل " فاعل " الوصف، المعتل ~~اللام. # وقيل: بل لعله جمع ل " فعيل " أجاز ذلك كله أبو علي الفارسي. # قال شهاب الدين: " جمع فعيل على " فعلة " لا يجوز، فإن " فعيلا " ~~الوصف المعتل اللام يجمع على " أفعلاء " نحو: غني وأغنياء، وتقي ~~وأتقياء، وصفي وأصفياء. # فإن قيل: قد جاء " فعيل " الوصف مجموعا على " فعلة " قالوا: كمي ~~وكماة. # فالجواب: أنه من النادر، بحيث لا يقاس عليه ". # وقرأ ابن عباس ومجاهد، وأبو رجاء وقتادة وأبو حيوة ويعقوب وسهل ~~وعاصم - في رواية المعتل عينه - تتقوا منهم تقية - بوزن مطية - ~~وهي مصدر - أيضا - بمعنى تقاة، يقال: اتقى يتقي اتقاء وتقوى ~~وتقاة وتقية وتقى، فيجيء مصدر " افتعل " من هذه المادة على ~~الافتعال، وعلى ما ذكر معه من هذه الأوزان، ويقال - أيضا -: تقيت أتقي ~~- ثلاثيا - تقية وتقوى وتقاة وتقى، والياء في جميع هذه ~~الألفاظ بدل من الواو لما عرفته من الاشتقاق. # وأمال الأخوان " تقاة " هنا؛ لأن ألفها منقلبة عن ياء، ولم ~~يؤثر حرف الاستعلاء في منع الإمالة؛ لأن السبب غير ظاهر، ألا ترى أن ~~سبب ms1804 الياء الإمالة المقدرة - بخلاف غالب، وطالب، وقادم فإن حرف الاستعلاء ~~- هنا - مؤثر؛ لكن سبب الإمالة ظاهر، وهو الكسرة، وعلى هذا يقال: كيف ~~يؤثر مع السبب الظاهر، ولم يؤثر مع المقدر وكان العكس أولى. # والجواب: أن الكسرة سبب منفصل عن الحرف الممال - ليس موجودا فيه - ~~بخلاف الألف المنقلبة عن ياء، فإنها - نفسها - مقتضية للإمالة، فلذلك لم ~~يقاومها حرف الاستعلاء. # وأمال الكسائي - وحده - # حق تقاته # [آل عمران: 102] فخرج حمزة عن أصله، وكأن الفرق أن " تقاة " - هذه - ~~رسمت بالياء، فلذلك وافق حمزة الكسائي عليه، ولذلك قال بعضهم: " ~~تقية " - بوزن مطية - كما تقدم؛ لظاهر الرسم، بخلاف " تقاته ". # قال شهاب الدين: [وإنما أمعنت في سبب الإمالة هنا؛ لأن بعضهم زعم أن ~~إمالة هذا شاذ؛ لأجل حرف الاستعلاء، وأن سيبويه حكى عن قوم أنهم ~~يميلون شيئا لا تجوز إمالته، نحو: رأيت عرقى بالإمالة، ~~وليس هذا من ذلك؛ لما تقدم لك من أن سبب الإمالة في كسره ظاهر. # وقوله:...] " منهم " متعلق ب " تتقوا " أو بمحذوف على أنه حال ~~من " تقاة "؛ لأنه - في الأصل - يجوز أن يكون صفة لها، فلما قدم ~~نصب حالا، هذا إذا لم نجعل " تقاة " حالا، فأما إذا جعلناها ~~حالا تعين أن يتعلق " منهم " بالفعل قبله، ولا يجوز أن يكون ~~حالا من " تقاة " لفساد المعنى؛ لأن المخاطبين ليسوا من الكافرين. # فصل في كيفية النظم # في كيفية النظم وجهان: # أحدهما: أنه - تعالى - لما ذكر ما يجب أن يكون المؤمن عليه في تعظيم ~~الله - تعالى - ذكر بعده ما يجب أن يكون المؤمن عليه في المعاملة مع ~~الناس، فقال: { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أوليآء ~~من دون المؤمنين }. # والثاني: أنه لما بين أنه - تعالى - مالك الدنيا والآخرة، بين أنه ~~ينبغي أن تكون الرغبة فيما عنده وعند أوليائه - دون أعدائه -. # فصل # في سبب النزول وجوه: # أحدها: قال ابن عباس: كان الحجاج بن عمرو وابن أبي الحقيق وقيس ~~بن زيد [قد بطنوا] بنفر من الأنصار؛ ليفتنوهم عن دينهم، فقال رفاعة بن ~~عبد المنذر وعبد الله بن جبير وسعد ابن خيثمة لأولئك ms1805 النفر من المسلمين: ~~اجتنبوا هؤلاء اليهود، واحذروا أن يفتنوكم عن دينكم، فأبى أولئك النفر ~~إلا مباطنتهم، فنزلت هذه الآية. # وثانيها: قال مقاتل: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، وغيره؛ حيث كانوا ~~يظهرون المودة لكفار مكة فنهاهم عنها. # ثالثها: قال الكلبي - عن أبي صالح عن ابن عباس -: نزلت في المنافقين ~~- عبد الله بن أبي وأصحابه - كانوا يتولون اليهود والمشركين، ~~ويأتونهم بالأخبار، يرجون لهم الظفر والنصر على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فنزلت الآية. # ورابعها: أنها نزلت في عبادة بن الصامت - وكان له حلفاء من اليهود - ~~في يوم الأحزاب قال: يا رسول الله، معي خمسمائة من اليهود، وقد رأيت أن ~~يخرجوا معي، فنزلت هذه الآية في تحريم موالاة الكافرين. # وقد نزلت آيات أخر في هذا المعنى، منها قوله تعالى: # لا تتخذوا بطانة من دونكم # [آل عمران: 118]، وقوله: # لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوآدون من حآد الله ورسوله # [المجادلة: 22] وقوله: # لا تتخذوا اليهود والنصارى أوليآء # [المائدة: 51] وقوله: # لا تتخذوا عدوي وعدوكم أوليآء # [الممتحنة: 1]، وقوله: # والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء بعض # [التوبة: 71]. # فصل # موالاة الكافر تنقسم ثلاثة أقسام. # الأول: أن يرضى بكفره، ويصوبه، ويواليه لأجله، فهذا كافر؛ ~~لأنه راض بالكفر ومصوب له. # الثاني: المعاشرة الجميلة بحسب الظاهر، وذلك غير ممنوع منه. # الثالث: الموالاة، بمعنى الركون إليهم، والمعونة، والنصرة، إما بسبب ~~القرابة، وإما بسبب المحبة مع اعتقاد أن دينه باطل - فهذا منهي عنه، ~~ولا يوجب الكفر؛ لأنه - بهذا المعنى - قد يجره إلى استحسان طريقه، ~~والرضى بدينه، وذلك يخرجه عن الإسلام، ولذلك هدد الله بهذه الآية - ~~فقال: { ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء }. # فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد من الآية النهي عن اتخاذ الكافرين ~~أولياء - بمعنى أن يتولوهم دون المؤمنين - فأما إذا تولوهم، وتولوا ~~المؤمنين معهم، فليس ذلك بمنهي عنه، وأيضا فقوله: { لا يتخذ ~~المؤمنون الكافرين أوليآء } فيه زيادة مزية؛ لأن ~~الرجل قد يوالي غيره، ولا يتخذه مواليا له، فالنهي عن اتخاذه مواليا ~~لا يوجب النهي عن أصل موالاته؟ ms1806 # فالجواب: أن هذين الاحتمالين - وإن قاما في الآية - إلا أن سائر الآيات ~~الدالة على أنه لا يجوز موالاتهم دلت على سقوط هذين الاحتمالين. # فصل # معنى قوله: { من دون المؤمنين } أي: من غير المؤمنين، كقوله: # وادعوا شهدآءكم من دون الله # [البقرة: 23]، أي: من غير الله؛ لأن لفظة " دون " تختص بالمكان، تقول: ~~زيد جلس دون عمرو، أي: في مكان أسفل منه، ثم إن من كان مباينا ~~لغيره في المكان، فهو مغاير له، فجعل لفظ " دون " مستعملا في معنى " غير ~~" ، ثم قال: { ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء } ~~يقع عليه اسم الولاية أي: فليس من ولاية الله في شيء، يعني أنه ~~منسلخ من ولاية الله - تعالى - رأسا، وهذا أمر معقول؛ فإن موالاة ~~الولي وموالاة عدوه ضدان. # قال الشاعر: [الطويل] # 1398- تود عدوي ثم تزعم أنني # صديقك، ليس النوك عنك بعازب # وكتب الشعبي إلى صديق له كتابا، من جملته: ومن والى عدوك ~~فقد عاداك، ومن عادى عدوك فقد والاك. وقد تقدم ~~القول بأن المعنى فليس من دون الله في شيء. # ثم قال: { إلا أن تتقوا منهم تقاة } أي: إلا أن تخافوا ~~منهم مخافة، قال الحسن: # " أخذ مسيلمة الكذاب رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقال لأحدهما: تشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم، قال: أفتشهد أني ~~رسول الله؟ قال: نعم - وكان مسيلمة يزعم أنه رسول بني حنيفة، ومحمد ~~رسول قريش - فتركه، ودعا الآخر قال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: ~~نعم نعم نعم، فقال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: إني أصم، ثلاثا - فقدمه، ~~فقتله، فبلغ ذلك رسول الله، فقال: أما هذا المقتول فمضى على يقينه ~~وصدقه، فهنيئا له، وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه ". # ونظير هذه الآية قوله تعالى: # إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان # [النحل: 106]. # فصل # التقية لها أحكام: # منها: أنها تجوز إذا كان الرجل في قوم كفار، ويخاف منهم على نفسه، ~~وماله، فيداريهم باللسان، بأن لا يظهر العداوة باللسان، بل يجوز له ~~أن يظهر الكلام الموهم للمحبة ms1807 والموالاة، بشرط أن يضمر خلافه، وأن ~~يعرض في كل ما يقول؛ فإن التقية تأثيرها في الظاهر، لا في أحوال ~~القلوب، ولو أفصح بالإيمان - حيث يجوز له التقية - كان أفضل؛ لقصة ~~مسيلمة. # ومنها: أنها إنما تجوز فيما يتعلق بدفع الضرر عن نفسه، أما ما يرجع ضرره ~~إلى الغير كالقتل، والزنا، وغصب الأموال، والشهادة بالزور، وقذف ~~المحصنات، وإطلاع الكفار على عورات المسلمين، فلا تجوز ألبتة. # ومنها: أنها تحل مع الكفار الغالبين، وقال بعض العلماء: إنها تحل مع ~~المسلمين - إذا شاكلت حالهم حال المشركين؛ محاماة على النفس، وهل هي ~~جائزة لصون المال؟ يحتمل أن يحكم فيها بالجواز؛ لقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " حرمة مال المسلم كحرمة دمه " # وقوله صلى الله عليه وسلم: # " من قتل دون ماله فهو شهيد " # ولأن الحاجة إلى المال شديدة، والماء إذا بيع بالغبن سقط فرض الوضوء، ~~وجاز الاقتصار على التيمم؛ دفعا لذلك القدر من نقصان المال، فهاهنا ~~أولى. # فصل # قال معاذ بن جبل ومجاهد: كانت التقية في أول الإسلام - قبل ~~استحكام الدين، وقوة المسلمين - أما اليوم فلا؛ لأن الله أعز ~~الإسلام، فلا ينبغي لأهل الإسلام أن يتقوا من عدوهم، وروي عن الحسن أنه ~~قال: التقية جائزة للمؤمنين إلى يوم القيامة. # قال ابن الخطيب: " وهذا القول أولى؛ لأن دفع الضرر عن النفس ~~واجب بقدر الإمكان ". # وقال يحيى البكالي: قلت لسعيد بن جبير - في أيام الحجاج -: إن ~~الحسن كان يقول: لكم التقية باللسان، والقلب مطمئن، فقال سعيد بن جبير: ~~ليس في الإسلام تقية، إنما التقية لأهل الحرب. # قوله: { ويحذركم الله نفسه } ، " نفسه " مفعول ثان ~~ل " يحذر "؛ لأنه في الأصل متعد لواحد، فازداد بالتضعيف آخر، ~~وقدر بعضهم حذف مضاف - أي: عقاب نفسه - وصرح بعضهم بعدم الاحتياج ~~إليه، كذا نقله أبو البقاء عنهم. # قال الزجاج: " أي: ويحذركم الله إياه، ثم استغنوا عن ذلك بذا، وصار ~~المستعمل، قال تعالى: # تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك # [المائدة: 116] فمعناه: تعلم ما عندي، وما في حقيقتي، ولا أعلم ما عندك ~~ولا ما في ms1808 حقيقتك ". # قال شهاب الدين: " وليس بشيء؛ إذ لا بد من تقدير هذا المضاف، ألا ~~ترى إلى غير ما نحن فيه - في نحو قولك: حذرتك نفس زيد - أنه لا بد من ~~شيء تحذر منه - كالعقاب والسطوة؛ لأن الذوات لا يتصور الحذر ~~منها نفسها، إنما يتصور من أفعالها وما يصدر عنها ". # قال أبو مسلم: " والمعنى { ويحذركم الله نفسه } أن ~~تعصوه، فتستحقوا عقابه ". # وعبر - هنا - بالنفس عن الذات؛ جريا على عادة العرب، كما قال ~~الأعشى: [الكامل] # 1399- يوما بأجود نائلا منه إذا # نفس الجبان تجهمت سؤالها # قال بعضهم: " الهاء في " نفسه " تعود على المصدر المفهوم من قوله: " ~~لا يتخذ " ، أي: ويحذركم الله نفس الاتخاذ، والنفس: عبارة عن وجود ~~الشيء وذاته ". # قال أبو العباس المقرئ: ورد لفظ " النفس " في القرآن على أربعة ~~أضرب: # الأول: بمعنى العلم بالشيء، والشهادة، كقوله: { ويحذركم الله ~~نفسه } ، يعني علمه فيكم، وشهادته عليكم. # الثاني: بمعنى البدن، قال تعالى: # كل نفس ذآئقة الموت # [آل عمران: 185]. # الثالث: بمعنى الهوى، كقوله: # إن النفس لأمارة بالسوء # [يوسف: 53] يعني الهوى. # الرابع: بمعنى الروح، قال تعالى: # أخرجوا أنفسكم # [الأنعام: 93]، أي: أرواحكم. # فصل # المعنى: يخوفكم الله عقوبته على موالاة الكفار، وارتكاب المناهي ~~ومخالفة المأمور. # والفائدة في ذكر النفس: أنه لو قال: ويحذركم الله، فهذا لا يفيد أن ~~الذي أريد التحذير منه هو عقاب يصدر من الله - تعالى - أو من غيره، ~~فلما ذكر النفس زالت هذه الأشياء، ومعلوم أن العقاب الصادر عنه، ~~يكون أعظم أنواع العقاب؛ لكونه قادرا على ما لا نهاية له، وأنه لا ~~قدرة لأحد على دفعه ومنعه مما أراد، ثم قال: { وإلى ~~الله المصير } ، أي: يحذركم الله عقابه عند مصيركم إليه. ### || [3.29] # لما نهى المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء - واستثنى عنه التقية ~~في الظاهر - أتبعه بالوعيد على أن يصير الباطن موافقا للظاهر - في وقت ~~التقية -؛ لئلا يجره ذلك الظاهر إلى الموالاة في الباطن، فبين - ~~تعالى - أن علمه بالظاهر كعلمه بالباطن. # فإن قيل: قوله: { إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه } ~~شرط، وقوله: { يعلمه الله } جزاء، ولا ms1809 شك أن الجزاء مترتب على ~~الشرط، متأخر عنه، فهذا يقتضي حدوث علم الله تعالى. # فالجواب: أن تعلق علم الله بأنه حصل الآن لا يحصل إلا عند حصوله الآن، ~~وهذا التجدد إنما يعرض في النسب، والإضافات، والتعلقات، لا في ~~حقيقة العلم. # فإن قيل: إن محل البواعث والضمائر هو القلب، فلم قال: { إن تخفوا ~~ما في صدوركم } ولم يقل: { ما في قلوبكم }؟ # فالجواب: لأن القلب في الصدر، فجاز إقامة الصدر مقام القلب، كما قال: # يوسوس في صدور الناس # [الناس: 5]. # فصل # قوله: { قل إن تخفوا ما في صدوركم } قلوبكم، من مودة ~~الكفار وموالاتهم { أو تبدوه يعلمه الله }. # وقال الكلبي: إن تسروا ما في قلوبكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من التكذيب، أو تظهروه، لحربه وقتاله يعلمه الله، ويجازكم عليه. # قوله: " ويعلم " مستأنف، وليس منسوقا على جواب الشرط؛ لأن علمه ~~بما في السموات وما في الأرض غير متوقف على شرط، فلذلك جيء مستأنفا، ~~وقوله: { ويعلم ما في السماوات وما في الأرض } من باب ~~ذكر العام بعد الخاص. { ما في صدوركم } ، وقدم - هنا - ~~الإخفاء على الإبداء وجعل محلهما الصدور، بخلاف آية البقرة - فإنه ~~قدم فيها الإبداء على الإخفاء، وجعل محلهما النفس، وجعل جواب الشرط ~~المحاسبة؛ تفننا في البلاغة، وذكر ذلك للتحذير؛ لأنه إذا كان لا يخفى ~~عليه شيء فكيف يخفى عليه الضمير؟ # قوله: { والله على كل شيء قدير } وهو تمام التحذير؛ ~~لأنه إذا كان قادرا على جميع المقدورات كان - لا محالة - قادرا على ~~إيصال حق كل أحد إليه، فيكون هذا تمام الوعد، والوعيد، والترغيب، ~~والترهيب. ### || [3.30] # في ناصب " يوم " أوجه: # أحدها: أنه منصوب ب " قدير " ، أي: قدير في ذلك اليوم العظيم، لا ~~يقال: يلزم من ذلك تقييد قدرته بزمان؛ لأنه إذا قدر في ذلك اليوم الذي ~~يسلب فيه كل أحد قدرته، فلأن يقدر في غيره بطريق الأولى. وإلى ~~هذا ذهب أبو بكر ابن الأنباري. # الثاني: أنه منصوب ب " يحذركم " ، أي: يخوفكم عقابه في ذلك ~~اليوم، وإلى هذا نحا أبو إسحاق، ورجحه. # ولا يجوز أن ms1810 ينتصب ب " يحذركم " المتأخرة. # قال ابن الأنباري: " لا يجوز أن يكون اليوم منصوبا ب " يحذركم ~~" المذكور في هذه الآية؛ لأن واو النسق لا يعمل ما بعدها فيما قبلها ". # وعلى ما ذكره أبو إسحاق يكون ما بين الظرف وناصبه معترضا، وهو كلام ~~طويل، والفصل بمثله مستبعد، هذا من جهة الصناعة، وأما من جهة المعنى، ~~فلا يصح؛ لأن التخويف لم يقع في ذلك اليوم؛ لأنه ليس زمان تكليف؛ لأن ~~التخويف موجود، واليوم موعود، فكيف يتلاقيان؟ # قال: أن يكون منصوبا بالمصير، والتقدير: وإلى الله المصير يوم تجد، ~~وإليه نحا الزجاج - أيضا - وابن الأنباري ومكي، وغيرهم، وهذا ضعيف ~~على قواعد البصريين؛ للزوم الفصل بين المصدر ومعموله بكلام طويل. # وقد يقال: إن جمل الاعتراض لا يبالى بها في الفصل، وهذا من ذاك. # الرابع: أن يكون منصوبا ب " اذكر " مقدرا، فيكون مفعولا به لا ~~ظرفا، وقدر الطبري الناصب له " اتقوا " ، وفي التقدير ما فيه من ~~كونه على خلاف الأصل، مع الاستغناء عنه. # الخامس: أن العامل فيه ذلك المضاف المقدر قبل " نفسه " ، أي: يحذركم ~~الله عقاب نفسه يوم تجد، فالعامل فيه " عقاب " لا " يحذركم " قاله أبو ~~البقاء، وفي قوله: " لا يحذركم " فرار عما أورد على أبي إسحاق ~~كما تقدم. # السادس: أنه منصوب ب " تود ". # قال الزمخشري: " يوم تجد " منصوب ب " تود " والضمير في " ~~بينه " لليوم، أي: يوم القيامة حين تجد كل نفس خيرها وشرها تتمنى لو أن ~~بينها، وبين ذلك اليوم، وهوله أمدا بعيدا ". # وهذا ظاهر حسن، ولكن في هذه المسألة خلاف ضعيف؛ جمهور البصريين ~~والكوفيين على جوازها، وذهب الأخفش والفراء إلى منعها. # وضابط هذه المسألة أنه إذا كان الفاعل ضميرا عائدا إلى شيء متصل ~~بمعمول الفعل نحو: ثوبي أخويك يلبسان، فالفاعل هو الألف، وهو ~~ضمير عائد على " أخويك " المتصلين بمفعول " يلبسان " ومثله: غلام هند ~~ضربت، ففاعل " ضربت " ضمير عائد على " هند " المتصلة ب " غلام " ~~المنصوب ب " ضربت " والآية من هذا القبيل؛ فإن فاعل " تود " ضمير ~~عائد على " نفس " المتصلة ب " يوم " لأنها في جملة أضيف الظرف ms1811 ~~إلى تلك الجملة، والظرف منصوب ب " تود " ، والتقدير: يوم وجدان كل ~~نفس خيرها وشرها محضرين تود كذا. # احتج الجمهور على الجواز بالسماع. # وهو قول الشاعر: [الخفيف] # 1400- أجل المرء يستحث ولا يد # ري إذا يبتغي حصول الأماني # ففاعل " يستحث " ضمير عائد على " المرء " المتصل ب " أجل " المنصوب ب ~~" يستحث ". # واحتج المانعون بأن المعمول فضلة، يجوز الاستغناء عنه، وعود الضمير ~~عليه في هذه المسائل يقتضي لزوم ذكره، فيتنافى هذان السببان، ولذلك أجمع ~~على منع زيدا ضرب، وزيدا ظن قائما، أي: ضرب نفسه، وظنها، وهو دليل ~~واضح للمانع لولا ما يرده من السماع كالبيت المتقدم وفي الفرق عسر بين: ~~غلام زيد ضرب، وبين: زيدا ضرب، حيث جاز الأول، وامتنع الثاني، ~~بمقتضى العلة المذكورة. # قوله: " تجد " يجوز أن تكون [المتعدية لواحد بمعنى " تصيب " ، ويكون " ~~محضرا " على هذا منصوبا على الحال، وهذا هو الظاهر، ويجوز أن تكون ~~علمية]، فتتعدى لاثنين، أولهما " ما عملت " ، والثاني " محضرا " ~~وليس بالقوي في المعنى، و " ما " يجوز فيها وجهان: # أظهرهما: أنها بمعنى " الذي " فالعائد - على هذا - مقدر، أي: ما ~~عملته، وقوله: { من خير } حال، إما من الموصول، وإما من عائده، ~~ويجوز أن تكون " من " لبيان الجنس. # ويجوز أن تكون " ما " مصدرية، ويكون المصدر - حينئذ - واقعا موقع ~~مفعول، تقديره: يوم تجد كل نفس عملها - أي: معمولها - فلا عائد حينئذ ~~[عند الجمهور]. # قوله: { وما عملت من سوء تود } يجوز في " ما " هذه أن ~~تكون منسوقة على " ما " التي قبلها بالاعتبارين المذكورين فيها - أي: ~~وتجد الذي عملته، أو وتجد عملها - أي: معمولها - من سوء. فإن جعلنا " ~~تجد " متعديا لاثنين، فالثاني محذوف، أي: وتجد الذي عملته من سوء ~~محضرا، أو وتجد عملها محضرا، نحو علمت زيدا ذاهبا وبكرا - أي: ~~وبكرا ذاهبا - فحذفت مفعوله الثاني؛ للدلالة عليه بذكره مع الأول. وإن ~~جعلناها متعدية لواحد، فالحال من الموصول أيضا - محذوفة، أي: تجده ~~محضرا - أي: في هذه الحال - وهذا كقولك: أكرمت زيدا ضاحكا وعمرا - ~~أي: وعمرا ضاحكا - حذفت حال الثاني؛ لدلالة حال الأول عليه -، وعلى هذا ~~فيكون ms1812 في الجملة من قوله: " تود " وجهان: # أحدهما: أن تكون في محل نصب على الحال من فاعل " عملت " ، أي: وما ~~عملته حال كونها وادة، اي: متمنية البعد من السوء. # والثاني: أن تكون مستأنفة، أخبر الله تعالى عنها بذلك، وعلى هذا لا ~~تكون الآية دليلا على القطع بوعيد المذنبين. # ووضع الكرم، واللطف هذا؛ لأنه نص في جانب الثواب على كونه ~~محضرا، وأما في جانب العقاب فلم ينص على الحضور، بل ذكر أنهم يودون ~~الفرار منه، والبعد عنه، وذلك بين على أن جانب الوعد أولى بالوقوع من ~~جانب الوعيد. # ويجوز أن تكون " ما " مرفوعة بالابتداء، والخبر الجملة في قوله: " ~~تود " ، أي: والذي عملته وعملها تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا. # والضمير في " بينه " فيه وجهان: # أحدهما - وهو الظاهر - عوده على " ما عملت " ، وأعاده الزمخشري على ~~" اليوم ". # قال أبو حيان: " وأبعد الزمخشري في عوده على " اليوم "؛ لأن أحد ~~القسمين اللذين أحضروا له في ذلك اليوم هو الخير الذي عمله، ولا يطلب ~~تباعد وقت إحضار الخير، إلا بتجوز إذا كان يشتمل على الخير والشر، فتود ~~تباعده؛ لتسلم من الشر، ودعه لا يحصل له الخير. والأولى عوده على { ~~وما عملت من سوء }؛ لأنه أقرب مذكور؛ ولأن المعنى أن السوء ~~تتمنى في ذلك اليوم التباعد منه ". # فإن قيل: هل يجوز أن تكون " ما " هذه شرطية؟ # فالجواب: أن الزمخشري، وابن عطية منعا من ذلك، وجعلا علة المنع ~~عدم جزم الفعل الواقع جوابا، وهو " تود ". # قال شهاب الدين: " وهذا ليس بشيء؛ لأنهم نصوا على أنه إذا وقع فعل ~~الشرط ماضيا، والجزاء مضارعا جاز في ذلك المضارع وجهان - الجزم والرفع ~~- وقد سمعا من لسان العرب، ومنه بيت زهير: [البسيط] # 1401- وإن أتاه خليل يوم مسألة # يقول: لا غائب مالي ولا حرم # ومن الجزم قوله تعالى # من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف # [هود: 15]، وقوله: # من كان يريد حرث الآخرة نزد له # [الشورى: 20]، وقوله: # ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها # [الشورى: 20] فدل ذلك على أن المانع من شرطيتها ليس هو ms1813 رفع تود ". # وأجاب أبو حيان بأنها ليست شرطية - لا لما ذكر الزمخشري وابن عطية - ~~بل لعلة أخرى، قال: كنت سئلت عن قول الزمخشري: فذكره ثم قال: ~~ولنذكر هاهنا ما تمس إليه الحاجة بعد أن تقدم ما ينبغي تقديمه، فنقول: ~~إذا كان فعل الشرط ماضيا، وبعده مضارع تتم به جملة الشرط والجزاء جاز في ~~ذلك المضارع، الجزم، وجاز فيه الرفع، مثال ذلك: إن قام زيد يقم - ~~ويقوم عمرو، فأما الجزم فعلى جواب الشرط ولا نعلم في جواز ذلك خلافا، ~~وأنه فصيح، إلا ما ذكره صاحب كتاب " الإعراب " عن بعض النحويين أنه لا ~~يجيء في الكلام الفصيح، وإنما يجيء مع " كان " كقوله تعالى: # من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف ~~إليهم # [هود: 15]، لأنها أصل الأفعال، ولا يجوز ذلك مع غيرها، وظاهر كلام ~~سيبويه، وكلام الجماعة، أنه لا يختص ذلك ب " كان " بل سائر الأفعال في ~~ذلك مثل " كان ". # وأنشد سيبويه للفرزدق: [البسيط] # 1402- دست رسولا بأن القوم إن قدروا # عليك يشفوا صدورا ذات توغير # وقال أيضا: [الطويل] # 1403- تعال فإن عاهدتني لا تخونني # نكن مثل من يا ذئب يصطحبان # وأما الرفع فإنه مسموع من لسان العرب كثيرا. # قال بعض أصحابنا: هو أحسن من الجزم، ومنه بيت زهير السابق. ومثله - ~~أيضا - قوله: [الطويل] # 1404- وإن شل ريعان الجميع مخافة # نقول - جهارا - ويلكم لا تنفروا # وقال أبو صخر: [الطويل] # 1405- ولا بالذي إن بان عنه حبيبه # يقول - ويخفي - الصبر - إني لجازع # وقال الآخر: [الطويل] # 1406- وإن بعدوا لا يأمنون اقترابه # تشوف أهل الغائب المتنظر # وقال الآخر: [الطويل] # 1407- فإن كان لا يرضيك حتى تردني # إلى قطري لا إخالك راضيا # وقال الآخر: [البسيط] # 1408- إن يسألوا الخير يعطوه وإن خبروا # في الجهد أدرك منهم طيب أخبار # قال شهاب الدين: " هكذا ساق هذا البيت في جملة الأبيات الدالة على رفع ~~المضارع، ويدل على ذلك أنه قال - بعد إنشاده هذه الأبيات كلها -: فهذا ~~الرفع - كما رأيت - كثير ". # وهذا البيت ليس من ذلك؛ لأن المضارع فيه مجزوم - وهو يعطوه - وعلامة ~~جزمه سقوط النون فكان ينبغي ms1814 أن ينشده حين أنشد: دست رسولا، ~~وقوله: " تعال فإن عاهدتني ". # وقال: فهذا الرفع كثير - كما رأيت - ونصوص الأئمة على جوازه في الكلام - ~~وإن اختلفت تأويلاتهم كما سنذكره - وقال صاحبنا أبو جعفر أحمد بن عبد ~~النور بن رشيد المالقي - وهو مصنف كتاب رصف المباني - رحمه الله -: لا ~~أعلم منه شيئا جاء في الكلام، وإذا جاء فقياسه الجزم؛ لأنه أصل العمل في ~~المضارع - تقدم الماضي أو تأخر - وتأول هذا المسموع على إضمار ~~الفاء، وجملة مثل قول الشاعر: [الرجز] # 1409-........................... # إنك إن يصرع أخوك تصرع # على مذهب من جعل الفاء منه محذوفة. # وأما المتقدمون فاختلفوا في تخريج الرفع. # فذهب سيبويه إلى أن ذلك على سبيل التقديم، وأن جواب الشرط ليس ~~مذكورا عنده، وذهب المبرد والكوفيون إلى أنه هو الجواب، وإنما ~~حذفت منه الفاء، والفاء يرفع ما بعدها، كقوله تعالى: # ومن عاد فينتقم الله منه # [المائدة: 95] فأعطيت - في الإضمار - حكمها في الإظهار. # وذهب غيرهما إلى أن المضارع هو الجواب بنفسه - أيضا - كالقول قبله، ~~إلا أنه ليس معه فاء مقدرة قالوا: لكن لما كان فعل الشرط ماضيا، لا ~~يظهر لأداة الشرط فيه عمل ظاهر استضعفوا أداة الشرط، فلم يعملوها ~~في الجواب؛ لضعفها، فالمضارع المرفوع - عند هذا القائل - جواب بنفسه ~~من غير نية تقديم، ولا على إضمار الفاء، وإنما لم يجزم لما ذكر، ~~وهذا المذهب والذي قبله ضعيفان. # وتلخص من هذا الذي قلناه - أن رفع المضارع لا يمنع أن يكون ما قبله ~~شرطا، لكن امتنع أن يكون " وما عملت " شرطا لعلة أخرى - لا لكون " ~~تود " مرفوعا، وذلك على ما تقرر من مذهب سيبويه أن النية بالمرفوع ~~التقديم، وأنه - إذ ذاك - دليل على الجواب لا نفس الجواب، فنقول: لما كان ~~" تود " منويا به التقديم أدى إلى تقديم المضمرعلى ظاهره في ~~غير الأبواب المستثناة في العربية، ألا ترى أن الضمير في قوله: " ~~وبينه " عائد على اسم الشرط - الذي هو " ما " - فيصير التقدير: ~~تود كل نفس لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ما عملت من سوء، فلزم ~~هذا التقدير تقديم ms1815 المضمر على الظاهر، وذلك لا يجوز. # فإن قلت: لم لا يجوز ذلك والضمير قد تأخر عن اسم الشرط وإن كانت نيته ~~التقديم فقد حصل عود الضمير على الاسم الظاهر قبله، وذلك نظير: ~~ضرب زيدا غلامه، فالفاعل رتبته التقديم، ووجب تأخيره لصحة عود ~~الضمير؟ # فالجواب: أن اشتمال الدليل على ضمير اسم الشرط يوجب تأخيره عنه؛ لعود ~~الضمير، فيلزم من ذلك اقتضاء جملة الشرط لجملة الدليل، وجملة الشرط إنما ~~تقتضي جملة الجزاء - لا دليله - ألا ترى أنها ليست بعاملة في جملة ~~الدليل؟ بل إنها تعمل في جملة الجزاء، وجملة الدليل لا موضع لها من ~~الإعراب، وإذا كان كذلك تدافع الأمر؛ لأنها من حيث هي جملة دليل لا ~~يقتضيها فعل شرط، ومن حيث عود الضمير على اسم الشرط اقتضاها، ~~فتدافعا، وهذا بخلاف: ضرب زيد أخاه؛ فإنها جملة واحدة، والفعل عامل في ~~الفاعل والمفعول معا، فكل واحد منهما يقتضي صاحبه، ومن ذلك جاز - عند ~~بعضهم - ضرب غلامها هندا، لاشتراك الفاعل - المضاف إلى الضمير - ~~والمفعول الذي عاد عليه الضمير - في العامل، وامتنع ضرب غلامها جاز ~~عنده؛ لعدم الاشتراك في العامل، ففرق ما بين المسألتين، ولا يحفظ من ~~لسان العرب: أود لو أني أكرمه أبا ضربت هند؛ لأنه يلزم منه تقديم ~~المضمر على مفسره - في غير المواضع التي ذكرها النحويون - فلذلك لا ~~يجوز تأخيره انتهى. # وقد جوز أبو البقاء كونها شرطية، ولم يلتفت لما منعوا به ذلك، ~~فقال: " والثاني - أنها شرط وارتفع " تود " على إرادة الفاء، أي: فهو ~~تود ". # ويجوز أن يرتفع من غير تقدير حذف؛ لأن الشرط - هنا - ماض، وإذا لم يظهر ~~في الشرط لفظ الجزم جاز في الجزاء الوجهان: الجزم والرفع. # [وقد تقدم تحقيق القول في ذلك، فالظاهر موافقته للقول الثالث من تخريج ~~الرفع في المضارع كما تقدم تحقيقه وقرأ...] عبد الله وابن أبي عبلة: " ~~ودت " - بلفظ الماضي - وعلى هذه القراءة يجوز في " ما " وجهان: # أحدهما: أن تكون شرطية، وفي محلها - حينئذ - احتمالان. # الأول: النصب بالفعل بعدها، والتقدير: أي شيء عملت من سوء ودت، ms1816 ف " ~~ودت " جواب الشرط. # الثاني: الرفع على الابتداء، والعائد على المبتدأ محذوف، تقديره: وما ~~عملته، وهذا جائز في اسم الشرط خاصة عند الفراء في فصيح الكلام، أعني ~~حذف عائد المبتدأ إذا كان منصوبا بفعل نحو: " أيهم ضرب أكرمه " - ~~برفع " أيهم " وإذا كان المبتدأ غير ذلك ضعف نحو: زيد ضربت، ~~[وسيأتي لهذه المسألة مزيد بيان في قراءة من قرأ: " أفحكم الجاهلية ~~يبغون " ، وفي قوله: # وكلا وعد الله الحسنى # [الحديد: 10] في الحديد]. # الوجه الثاني من وجهي " ما ": أن تكون موصولة، بمعنى: الذي عملته من سوء ~~ودت لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا، ومحلها - على هذا - رفع بالابتداء، ~~و " ودت " الخبر، وهو اختيار الزمخشري؛ لأنه قال: " لكن الحمل على ~~الابتداء والخبر أوقع في المعنى: لأنه حكاية الكائن في ذلك اليوم، ~~وأثبت؛ لموافقة قراءة العامة " انتهى. # فإن قيل: لم لم يمتنع أن تكون " ما " شرطية على هذه القراءة، كما ~~امتنع ذلك فيها على قراءة العامة؟ # فالجواب: أن العلة إن كانت رفع الفعل، وعدم جزمه - كما قال به ~~الزمخشري وابن عطية - فهي مفقودة في هذه القراءة؛ لأن الماضي مبني ~~اللفظ، لا يظهر فيه لأداة الشرط عمل وإن كانت العلة أن النية به ~~التقديم، فيلزم عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة, فهي أيضا ~~مفقودة فيها؛ إذ لا داعي يدعو إلى ذلك. # قوله - هنا - على بابها، من كونها حرفا لما كان سيقع لوقوع غيره، وعلى ~~هذا ففي الكلام حذفان: # أحدهما: حذف مفعول " تود ". # والثاني: حذف جواب " لو " ، والتقدير فيها: تود تباعد ما بينها ~~وبينه لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا لسرت بذلك، أو لفرحت ونحوه. ~~والخلاف في " لو " بعد فعل الودادة وما بمعناه أنها تكون مصدرية كما تقدم ~~تحريره في البقرة، يبعد مجيئه هنا؛ لأن بعدها حرفا مصدريا وهو " أن ". # قال أبو حيان: ولا يباشر حرف مصدري حرفا مصدريا إلا قليلا كقوله ~~تعالى: # إنه لحق مثل مآ أنكم تنطقون # [الذاريات: 23]، قال شهاب الدين: إلا قليلا يشعر بجوازه، وهو لا يجوز ~~ألبتة، وأما الآية التي أوردها فقد مضى ms1817 النحاة على أن ما زائدة. # وقد تقدم الكلام في " أن " الواقعة بعد " لو " هذه، هل محلها الرفع ~~على الابتداء، والخبر محذوف - كما ذهب إليه سيبويه - أو أنها في محل رفع ~~بالفاعلية بفعل مقدر، أي: لو ثبت أن بينها وما قال الناس في ذلك وقد ~~زعم بعضهم أن " لو " - هنا - مصدرية، هي وما في حيزها من معنى المفعول ~~ل " تود " ، أي تود تباعد ما بينها وبينه، وفي ذلك إشكال، وهو دخول ~~حرف مصدري على مثله، لكن المعنى على تسلط الودادة على " لو " وما في ~~حيزها لولا المانع الصناعي. والأمد: غاية الشيء ومنتهاه، وجمعه آماد - ~~نجو أجل وآجال - فأبدلت الهمزة ألفا، لوقوعها ساكنة بعد همزة " ~~أفعال ". # قال الراغب: " الأمد والأبد متقاربان، لكن الأبد عبارة عن مدة الزمان ~~التي ليس لها حد محدود، ولا يتقيد فلا يقال: أبد كذا والأمد مدة ~~لها حد مجهول إذا أطلق، وقد ينحصر إذا قيل: أمد كذا، كما يقال: زمان ~~كذا، والفرق بين الأمد والزمان، أن الأمد يقال لاعتبار الغاية، والزمان ~~عام في المبدأ والغاية ولذلك قال بعضهم: المدى والأمد يتقاربان ". # فصل # المعنى: { تود لو أن بينها وبينه } يعني: لو أن بين ~~النفس وبين السوء أمدا بعيدا. # قال السدي: مكانا بعيدا. # وقال مقاتل: كما بين المشرق والمغرب؛ لقوله تعالى: # يليت بيني وبينك بعد المشرقين # [الزخرف: 38]. # قال الحسن: يسر أحدهم أن لا يلقى عمله أبدا. # اعلم أن المقصود تمني بعده، سواء حملنا لفظ الأمد على الزمان، أو ~~على المكان. # ثم قال: { ويحذركم الله نفسه } وهو تأكيد للوعيد، ثم ~~قال: { والله رؤوف بالعباد } وفيه وجوه: # الأول: أنه رؤوف بهم، حيث حذرهم من نفسه، وعرفهم كمال علمه ~~وقدرته، وأنه يمهل ولا يهمل، ورغبهم في استيجاب رحمته، وحذرهم ~~من استحقاق غضبه. # قال الحسن: " ومن رأفته بهم أن حذرهم نفسه ". # الثاني: أنه رؤوف بالعباد، حيث أمهلهم للتوبة والتدارك ~~والتلافي. # الثالث: أنه لما قال: { ويحذركم الله نفسه } - وهو ~~للوعيد - أتبعه بالوعد، وهو قوله: { والله رؤوف بالعباد } ، ~~ليعلم العبد أن وعد رحمته غالب على وعيده. ms1818 # الرابع: أن لفظ " العباد " في القرآن مختص بالمؤمنين، قال تعالى: # وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا # [الفرقان: 63]، وقال: # عينا يشرب بها عباد الله # [الإنسان: 6]، فعلى هذا لما ذكر وعيد الكفار والفساق ذكر وعد أهل ~~الطاعة، فقال: { والله رؤوف بالعباد } ، أي: كما هو منتقم من ~~الكفار والفساق فهو رؤوف بالعباد المطيعين. ### || [3.31-32] # قرأ العامة " تحبون " - بضم حرف المضارعة، من " أحب " وكذلك { ~~يحببكم الله }. # وقرأ أبو رجاء العطاردي " تحبون، يحببكم " بفتح حرف ~~المضارعة - من حب - وهما لغتان، يقال حبه يحبه - بضم الحاء ~~وكسرها في المضارع - وأحبه يحبه. # وحكى أبو زيد: حببته، أحبه. # وأنشد: # 1410- فوالله لولا ثمره ما حببته # ولا كان أدنى من عويف ومشرق # ونقل الزمخشري: قراءة يحبكم - بفتح الياء والإدغام - وهو ظاهر، لأنه ~~متى سكن المثلين جزما، أو وقفا جاز فيه لغتان: الفك والإدغام. ~~وسيأتي تحقيق ذلك إن شاء الله في المائدة. # والحب: الخابية - فارسي معرب - والجمع: حباب وحببة، حكاه ~~الجوهري. # وقرأ الجمهور " فاتبعوني " بتخفيف النون، وهي للوقاية. # وقرأ الزهري بتشديدها، وخرجت على أنه ألحق الفعل نون التأكيد، ~~وأدغمها في نون الوقاية وكان ينبغي له أن يحذف واو الضمير؛ لالتقاء ~~الساكنين، إلا أنه شبه ذلك بقوله: { أتحاجوني } وهو توجيه ضعيف ~~ولكن هو يصلح لتخريج هذا الشذوذ. # وطعن الزجاج على من روى عن أبي عمرو إدغام الراء من " يغفر " في لام " ~~لكم ". # وقال: هو خطأ وغلط على أبي عمرو. وقد تقدم تحقيقه، وأنه لا خطأ ولا غلط، ~~بل هو لغة للعرب، نقلها الناس، وإن كان البصريون لا يجيزون ذلك كما ~~يقول الزجاج. # فصل # اعلم أنه - تعالى - لما دعاهم إلى الإيمان به وبرسوله على سبيل ~~التهديد والوعيد دعاهم إلى ذلك بطريق آخر، وهو أن اليهود كانوا يقولون: # نحن أبناء الله وأحباؤه # [المائدة: 18] فنزلت هذه الآية. # وروي الضحاك - عن ابن عباس - أن النبي وقف على قريش - وهم في المسجد ~~الحرام يسجدون للأصنام وقد علقوا عليها بيض النعام وجعلوا في آذانها ~~السيوف. # - فقال: يا معشر قريش، والله لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم، فقالت قريش: ms1819 ~~إنما نعبدها حبا لله: # ليقربونآ إلى الله زلفى # [الزمر: 3]، فقال الله - تعالى -: " قل " يا محمد { إن كنتم ~~تحبون الله } فتعبدون الأصنام لتقربكم إليه { فاتبعوني ~~يحببكم الله } فأنا رسوله إليكم، وحجته عليكم أي اتبعوا ~~شريعتي وسنتي يحببكم الله. # وقال القرطبي: " نزلت في وفد نجران؛ إذ زعموا أن ما ادعوه في ~~عيسى حب لله عز وجل ". # وروي أن المسلمين قالوا: يا رسول الله، والله إنا لنحب ربنا، فأنزل ~~الله - عز وجل - { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني } ~~[آل عمران: 31]. # قال ابن عرفة: المحبة - عند العرب - إرادة الشيء على قصد له. # وقال الأزهري: محبة العبد لله ورسوله طاعته لهما، واتباعه أمرهما، قال ~~تعالى: { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني } [آل ~~عمران: 31] [ومحبة الله للعباد إنعامه عليهم بالغفران، قال الله تعالى: { ~~فإن الله لا يحب الكافرين } [آل عمران: 32]، أي: لا ~~يغفر لهم]. # قال سهل بن عبد الله: علامة حب الله حب القرآن، وعلامة حب القرآن ~~حب النبي، وعلامة حب النبي صلى الله عليه وسلم حب السنة، وعلامة حب ~~السنة، حب الآخرة، وعلامة حب الآخرة، أن لا يحب نفسه، وعلامة أن لا يحب ~~نفسه أن يبغض الدنيا، وعلامة بغض الدنيا أن لا يأخذ منها إلا الزاد ~~والبلغة. # قوله: { قل أطيعوا الله والرسول } الآية قيل: إنه لما ~~نزلت هذه الآية، قال عبد الله بن أبي لأصحابه: إن محمدا يجعل طاعته ~~كطاعة الله، ويأمرنا أن نحبه كما أحبت النصارى عيسى - عليه السلام - ~~فنزل قوله: { قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا } ~~أعرضوا عنها { فإن الله لا يحب الكافرين } لا يرضى ~~فعلهم ولا يغفر لهم. # والمعنى: إنما أوجب الله عليكم طاعتي، ومتابعتي - لا كما تقول النصارى ~~في عيسى، [بل لكوني رسولا من عند الله]. # قوله: { فإن تولوا } يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون مضارعا، والأصل " تتولوا " فحذف إحدى التاءين ~~كما تقدم، وعلى هذا، فالكلام جار على نسق واحد، وهو الخطاب. # والثاني: أن يكون فعلا ماضيا مسندا لضمير غيب، فيجوز أن يكون من باب ~~الالتفات، ويكون المراد بالغيب المخاطبين في المعنى، ms1820 ونظيره قوله ~~تعالى: # حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم # [يونس: 22]. # فصل # روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " " كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى " قالوا: ومن يأبى؟ قال: ~~" من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى " ". # قال جابر بن عبد الله: " جاء الملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم - ~~وهو نائم - فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة، والقلب ~~يقظان، فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلا، فاضربوا له مثلا، فقالوا: ~~مثله كمثل رجل بنى دارا، وجعل فيها مأدبة، وبعث داعيا، فمن أجاب ~~الداعي دخل الدار، وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل ~~الدار، ولم يأكل من المأدبة، فقالوا: أولوها له بفقهها، فقال ~~بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، قالوا: ~~فالدار الجنة، والداعي محمد صلى الله عليه وسلم من أطاع محمدا فقد أطاع ~~الله، ومن عصى محمدا فقد عصى الله، ومحمد صلى الله عليه وسلم فرق ~~بين الناس ". # روى الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من أراد أن يحبه الله فعليه بصدق الحديث، وأداء الأمانة وأن لا ~~يؤذي جاره " # وروى مسلم - عن أبي هريرة - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال: إني أحب فلانا، ~~فأحبه، قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء، فيقول: إن الله يحب ~~فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، قال: ثم يوضع له القبول في ~~الأرض، وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلانا ~~فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض ~~فلانا فأبغضوه، قال فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض ". # وقال: { فإن الله لا يحب الكافرين } ولم يقل: فإنه ~~لا يحب؛ لأن العرب إذا عظمت الشيء أعادت ذكره، أنشد سيبويه [قول ~~الشاعر]: [الخفيف] # 1411- لا أرى الموت يسبق الموت شيء # نغص الموت ذا الغنى والفقيرا # ويحتمل أن يكون لأجل أنه تقدم ذكر الله والرسول، فذكره للتمييز؛ ~~لئلا ms1821 يعود الضمير على الأقرب. ### || [3.33-34] # لما بين - تعالى - أن محبته لا تتم إلا بمتابعة الرسول بين علو درجات ~~الرسل فقال: { إن الله اصطفى آدم ونوحا } " نوح " اسم ~~أعجمي، لا اشتقاق له عند محققي النحويين، وزعم بعضهم أنه مشتق من ~~النواح. وهذا كما تقدم لهم في آدم وإسحاق ويعقوب، وهو منصرف وإن كان ~~فيه علتان فرعيتان: العلمية والعجمة الشخصية - لخفة بنائه؛ لكونه ~~ثلاثيا ساكن الوسط، وقد جوز بعضهم منعه؛ قياسا على " هند " وبابها ~~لا سماعا؛ إذ لم يسمع إلا مصروفا وادعى الفراء أن في الكلام حذف ~~مضاف، تقديره: إن الله اصطفى دين آدم. # قال التبريزي: " وهذا ليس بشيء؛ لأنه لو كان الأمر على ذلك لقيل: ونوح ~~- بالجر - إذ الأصل دين آدم ودين نوح ". # وهذه سقطة من التبريزي؛ إذ لا يلزم أنه إذا حذف المضاف، بقي ~~المضاف إليه [على جره] - حتى يرد على الفراء بذلك، بل المشهور - الذي لا ~~يعرف الفصحاء غيره - إعراب المضاف إليه بإعراب المضاف حين حذفه، ولا يجوز ~~بقاؤه على جره إلا في قليل من الكلام، بشرط مذكور في النحو يأتي في ~~الأنفال إن شاء الله تعالى. # وكان ينبغي - على رأي التبريزي: أن يكون قوله تعالى: # وسئل القرية # [يوسف: 82] بجر " القرية "؛ لأن الكل هو وغيره - يقولون: هذا على ~~حذف مضاف، تقديره: أهل القرية. # قال القرطبي: " وهو - نوح - شيخ المرسلين، وأول رسول بعثه الله إلى ~~أهل الأرض - بعد آدم - عليه الصلاة والسلام - بتحريم البنات، والأخوات، ~~والعمات، والخالات، وسائر القرابات المحرمة، ومن قال - من المؤرخين - إن ~~إدريس كان قبله فقد وهم " على ما يأتي بيانه في الأعراف - إن شاء الله ~~تعالى. # وعمران اسم أعجمي. # وقيل: عربي، مشتق من العمر، وعلى كلا القولين فهو ممنوع من الصرف؛ ~~للعلمية، و العجمة الشخصية، وإما للعلمية، وزيادة الألف والنون. # قوله: { على العالمين } متعلق ب " اصطفى ". # قوله: " اصطفى " يتعدى ب " من " نحو اصطفيتك من الناس. # فالجواب: أنه ضمن معنى " فضل " ، أي: فضلهم بالاصطفاء. # فصل # اعلم أن المخلوقات على قسمين: مكلف، وغير مكلف، واتفقوا على أن ~~المكلف ms1822 أفضل. وأصناف المكلفين أربعة: الملائكة، والإنس، والجن، ~~والشياطين. # أما الملائكة فقد روي أنهم خلقوا من الريح، ولهذا قدروا على الطيران، ~~وعلى حمل العرش، وسموا روحانيين. # وروي أنهم خلقوا من النور، ولهذا صفت وأخلصت لله - تعالى - ويمكن ~~الجمع بين الروايتين بأن نقول: أبدانهم من الريح، وأرواحهم من النور ~~وهؤلاء سكان عالم السموات. # أما الشياطين فهم كفرة، أما إبليس فكفره ظاهر؛ لقوله تعالى: # وكان من الكافرين # [البقرة: 34]. وأما سائر الشياطين فكفرة؛ لقوله تعالى: # وإن الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم ~~ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون # [الأنعام: 121]. # ومن خواص الشياطين أنهم أعداء للبشر، قال تعالى: # أفتتخذونه وذريته أوليآء من دوني وهم ~~لكم عدو # [الكهف: 50] وقال: # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس ~~والجن # [الأنعام: 112]. # وهم مخلوقون من النار؛ لقوله تعالى - حكاية عن إبليس -: # خلقتني من نار # [الأعراف: 12]. # وأما الجن فمنهم كافر، ومنهم مؤمن، قال تعالى: # وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون # [الجن: 14]. # وأما الإنس فوالدهم الأول آدم؛ لقوله تعالى: # إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ~~تراب ثم قال له كن فيكون # [آل عمران: 59] وقوله: # الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها # [النساء: 1]. # واتفق العقلاء على أن البشر أفضل من الجن والشياطين، واختلفوا هل ~~البشر أفضل أم الملك؟ كما قدمناه في البقرة، واستدل القائلون بأن ~~البشر أفضل بهذه الآية؛ لأن الاصطفاء يدل على مزيد الكرامة، وعلو ~~الدرجة، فكما بين - تعالى - أنه اصطفى آدم وأولاده من الأنبياء على كل ~~العالمين، وجب أن يكونوا أفضل من الملائكة؛ لأنهم من العالمين. # فإن قيل: إن حملنا هذه الآية على تفضيل المذكورين فيها على كل العالمين ~~أدى إلى التناقض؛ لأن الجمع الكثير إذا وصفوا بأن كل واحد منهم أفضل من ~~كل العالمين، يلزم كون كل واحد منهم أفضل من الآخر وذلك محال، ولو ~~حملناه على كونه أفضل المعنى، دفعا للتناقض وأيضا قال تعالى - في صفة ~~بني إسرائيل - # وأني فضلتكم على العالمين # [البقرة: 47] ولا يلزم كونهم أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم بل ~~قلنا: المراد به عالمو زمان ms1823 كل واحد منهم، فكذا هنا. # فالجواب أن ظاهر قوله: اصطفى آدم على العالمين، يتناول كل من ~~يصح إطلاق لفظ " العالم " عليه فيندرج فيه الملك، غاية ما في الباب ~~أنه ترك العمل بعمومه - في بعض الصور - لدليل قام عليه فلا يجوز أن ~~يتركه في سائر الصور من غير دليل. # فصل # الاصطفاء - في اللغة - الاختيار فمعنى اصطفاهم: أي: جعلهم صفوة خلقه ~~تمثيلا بما يشاهد من الشيء الذي يصفى من الكدورة، ويقال: صفاهم ~~صفوة، وصفوة، وصفوة. # ونظير هذه الآية قوله - لموسى -: # إني اصطفيتك على الناس # [الأعراف: 144]. # وقال في إبراهيم وإسحاق ويعقوب: # وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار # [ص: 47] وفي الآية قولان: # أحدهما: المعنى أن الله اصطفى دين آدم ودين نوح - على حذف مضاف - كما ~~تقدم. # الثاني: أن الله اصطفاهم؛ أي: صفاهم من الصفات الذميمة، وزينهم ~~بالصفات الحميدة، وهذا أولى لعدم الاحتياج إلى الإضمار، ولموافقة قوله: # الله أعلم حيث يجعل رسالته # [الأنعام: 124]. # فصل # قيل: اختار الله آدم بخمسة أشياء: # أولها: أنه خلقه بيده في أحسن صورة بقدرته. # الثاني: أنه علمه الأسماء كلها. # الثالث: أنه أمر الملائكة أن يسجدوا له. # الرابع: أنه أسكنه الجنة. # الخامس: أنه جعله أبا البشر. # واختار نوحا بخمسة أشياء: # أولها: أنه جعله أبا البشر - بعد آدم -؛ لأن الناس كلهم غرقوا، وصار ~~ذريته هم الباقين. # الثاني: أنه أطال عمره، ويقال: " طوبى لمن طال عمره وحسن عمله ". # الثالث: أنه استجاب دعاءه على الكافرين والمؤمنين. # الرابع: أنه حمله على السفينة. # الخامس: أنه كان أول من نسخ الشرائع، وكان قبل ذلك لم يحرم تزويج ~~الخالات والعمات. # واختار إبراهيم بخمسة أشياء: # أولها: أنه خرج منها جرا إلى ربه ليهديه. # الثاني: أنه اتخذه خليلا. # الثالث: أنه أنجاه من النار. # الرابع: أنه جعله للناس إماما. # الخامس: أنه ابتلاه بالكلمات فوفقه حتى أتمهن. # وأما آل عمران فإن كان عمران أبا موسى وهارون فإنهم اختارهما على ~~العالمين؛ حيث أنزل على قومهما المن والسلوى، وذلك لم يكن لأحد من ~~الأنبياء في العالم وإن كان عمران أبا مريم فإنه اصطفى مريم بولادة عيسى ms1824 ~~من غير أب، وذلك لم يكن لأحد من العالمين والله أعلم. # فصل # ذكر الحليمي في كتابه - المنهاج للأنبياء - قال: لا بد وأن يكونوا ~~مخالفين لغيرهم في القوى الجسمانية، والقوى الروحانية، أما القوى ~~الجسمانية، فهي إما مدركة، وإما محركة؛ أما المدركة فهي إما ~~الحواس الظاهرة، وإما الحواس الباطنة، أما الحواس الظاهرة فهي خمسة: # أحدها: القوة الباصرة، فكان صلى الله عليه وسلم مخصوصا بكمال هذه ~~الصفة، لقوله: # " زويت لي الأرض، فأريت مشارقها ومغاربها " # وقوله: # " أقيموا صفوفكم وتراصوا؛ فإني أراكم من وراء ظهري " # ونظير هذه القوة ما حصل لإبراهيم - عليه السلام - قال تعالى: # وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض # [الأنعام: 75] وذكر في تفسيرها أنه - تعالى قوى بصره حتى شاهد جميع ~~الملكوت من الأعلى والأسفل. # قال الحليمي: وهذا غير مستبعد؛ لأن البصراء يتفاوتون، فيروى أن ~~زرقاء اليمامة كانت تبصر الشيء من مسيرة ثلاثة أيام، فلا يبعد أن ~~يكون بصر النبي صلى الله عليه وسلم أقوى من بصرها. # وثانيها: القوة السامعة، فكان - عليه السلام - أقوى الناس في هذه ~~القوة؛ لقوله: # " أطت السماء وحق لها أن تئط؛ ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد لله ~~تعالى ". # وسمع أطيط السماء وسمع دويا فذكر أنه هوي صخرة قذفت في جهنم، فلم تبلغ ~~مقرها إلى الآن. # قال الحليمي: ولا سبيل للفلاسفة إلى استبعاد هذا؛ فإنهم زعموا أن ~~فيثاغورث راض نفسه حتى سمع حفيف الفلك. ونظير هذه القوة لسليمان - عليه ~~السلام - في قصة النملة حيث قالت: # يأيها النمل ادخلوا مساكنكم # [النمل: 18] فالله - تعالى - أسمع سليمان كلام النملة، وأوقفه على ~~معناه وحصل ذلك لمحمد صلى الله عليه وسلم حين تكلم مع الذئب والبعير ~~والضب. # وثالثها: تقوية قوة الشم، كما في حق يعقوب - حين قال: # إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون # [يوسف: 94] فأحس بها من مسيرة ثلاثة أيام. # ورابعها: تقوية قوة الذوق، كما في حق نبينا صلى الله عليه وسلم حين ~~قال: # " إن هذا الذراع يخبرني بأنه مسموم ". # خامسها: تقوية قوة اللمس، كما في حق الخليل - عليه السلام - حيث ~~جعلت ms1825 له النار بردا وسلاما وكيف يستبعد هذا ويشاهد مثله في ~~السمندل، والنعامة. # وأما الحواس الباطنة فمنها: قوة الحفظ، قال تعالى: # سنقرئك فلا تنسى # [الأعلى: 6]، ومنها: قوة الذكاء: قال علي - رضي الله عنه -: علمني ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف باب من العلم، واستنبط من كل باب ألف ~~باب. فإذا كان حال الولي هكذا فكيف حال النبي صلى الله عليه وسلم؟ # أما القوى المحركة، فمثل عروج الرسول إلى المعراج، وعروج عيسى حيا ~~إلى السماء، ورفع إدريس وإلياس - على ما وردت به الأخبار - قال تعالى: # قال الذي عنده علم من الكتاب أنا ءاتيك به ~~قبل أن يرتد إليك طرفك # [النمل: 40]. # وأما القوة الروحانية العقلية، فلا بد أن تكون في غاية الكمال، ونهاية ~~الصفاء، إذا عرفت هذا فقوله: { إن الله اصطفى آدم ونوحا } ~~معناه أن الله اصطفى آدم، إما من سكان العالم السفلي - على قول من ~~يقول: الملك أفضل من البشر - أو من سكان العالم العلوي والسفلي - على ~~قول من يقول: البشر أفضل المخلوقات - ثم وضع كمال القوة الروحانية في ~~شعبة معينة، من أولاد آدم، وهم شيث وأولاده، إلى إدريس، ثم إلى نوح، ثم ~~إلى إبراهيم، ثم حصل من إبراهيم شعبتان: إسماعيل وإسحاق فجعل إسماعيل ~~مبدأ لظهور الروح القدسية لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وجعل إسحاق ~~مبدأ لشعبتين يعقوب وعيصو، فوضع النبوة في نسل يعقوب ووضع الملك في نسل ~~عيصو، واستمر ذلك إلى زمان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فلما ظهر ~~محمد نقل نور النبوة، ونور الملك إليه، وبقيا - أعني الدين والملك لا ~~تباعد بينهما إلى قيام الساعة. # فصل # من الناس من قال: المراد بآل إبراهيم: المؤمنون، لقوله تعالى: # أدخلوا آل فرعون أشد العذاب # [غافر: 46] والصحيح أن المراد بهم الأولاد: إسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ~~والأسباط، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم من آل إبراهيم. # وقيل: المراد بآل إبراهيم وآل عمران إبراهيم وعمران نفسهما؛ لقوله: # وبقية مما ترك آل موسى وآل هرون # [البقرة: 248]، وقوله: صلى الله عليه وسلم # " لقد أعطي مزمارا من ms1826 مزامير آله داود ". # وقال الشاعر: [الطويل] # 1412- ولا تنس ميتا بعد ميت أجنه # علي وعباس وآل أبي بكر # وقال الآخر: [الوافر] # 1413- يلاقي من تذكر آل ليلى # كما يلقى السليم من العداد # وقيل: المراد من آل عمران عيسى - عليه السلام - لأن أمه ابنة عمران. # وأما عمران فقيل: والد موسى، وهارون، وأتباعهما من الأنبياء. # وقال الحسن ووهب: المراد عمران بن ماثان، أبو مريم، وقيل اسمه عمران بن ~~أشهم بن أمون، من ولد سليمان وكانوا من نسل يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن ~~إبراهيم - عليهم الصلاة والسلام - قالوا: وبين العمرانين ألف وثمانمائة ~~سنة واحتج من قال بأنه والد مريم بذكر قصة مريم عقيبه. # قوله: { ذرية } في نصبها وجهان: # أحدهما: أنها منصوبة على البدل مما قبلها، وفي المبدل منه - على هذا ~~- ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها بدل من " آدم " وما عطف عليه وهذا إنما يتأتى على ~~قول من يطلق " الذرية " على الآباء وعلى الأبناء وإليه ذهب ~~جماعة. # قال الجرجاني: " الآية توجب أن تكون الآباء ذرية للأبناء والأبناء ذرية ~~للآباء. وجاز ذلك؛ لأنه من ذرأ الخلق، فالأب ذرئ منه الولد، والولد ذرئ ~~من الأب ". # قال الراغب: " الذرية يقال للواحد والجمع والأصل والنسل، لقوله تعالى: # حملنا ذريتهم # [يس: 40] أي: آباءهم، ويقال للنساء: الذراري ". فعلى هذين القولين ~~صح جعل " ذرية " بدلا من " آدم " بما عطف عليه. # قال أبو البقاء: " ولا يجوز أن يكون بدلا من " آدم "؛ لأنه ليس بذريته ~~" ، وهذا ظاهر إن أراد آدم وحده دون من عطف عليه، وإن أراد " آدم " ~~ومن ذكر معه فيكون المانع عنده عدم جواز إطلاق الذرية على ~~الآباء. # الثاني - من وجهي البدل - أنها بدل من " نوح " ومن عطف عليه، وإليه ~~نحا أبو البقاء. # الثالث: أنها بدل من الآلين - أعني آل إبراهيم وآل عمران - وإليه نحا ~~الزمخشري. يريد أن الأولين ذرية واحدة. # الوجه الثاني - من وجهي نصب " ذرية " - النصب على الحال، تقديره: ~~اصطفاهم حال كونهم بعضهم من بعض، فالعامل فيها اصطفى. وقد تقدم القول في ~~اشتقاق هذه اللفظة. # قوله: { بعضها من بعض } هذه الجملة ms1827 في موضع نصب، نعتا ل " ~~ذرية ". # فصل # قيل: { بعضها من بعض } أي: بعضها من ولد بعض. # وقال الحسن وقتادة: { بعضها من بعض } في الضلالة. # وقيل: في الاجتباء والاصطفاء والنبوة. # وقيل: بعضها من بعض في التناصر. # وقيل: بعضها على دين بعض - أي: في التوحيد، والإخلاص، والطاعة كقوله # المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض # [التوبة: 67]، أي: بسبب اشتراكهم في النفاق. # قوله: { والله سميع عليم } قال القفال: والله سميع لأقوال ~~العباد، عليم بضمائرهم، وأفعالهم، يصطفي من يعلم استقامته قولا وفعلا، ~~ونظيره قوله: # الله أعلم حيث يجعل رسالته # [الأنعام: 124]. # وقيل: إن اليهود كانوا يقولون: نحن من ولد إبراهيم، وآل عمران، فنحن ~~أبناء الله، والنصارى كانوا يقولون المسيح ابن الله، وكان بعضهم عالما ~~بأن هذا الكلام باطل، إلا أنه بقي مصرا عليه، ليطيب قلوب ~~العوام، فكأنه - تعالى - يقول: والله { سميع } لهذه الأقوال ~~الباطلة منكم، " عليم " بأغراضكم الفاسدة من هذه الأقوال، فيجازيكم ~~عليها، فكان أول الآية بيانا لشرف الأنبياء والرسل وتهديدا لهؤلاء ~~الكاذبين الذين يزعمون أنهم مستقرون على أديانهم. ### || [3.35-37] # في الناصب ل " إذ " أوجه: # أحدها: أنه " اذكر " مقدرا، فيكون مفعولا به لا ظرفا، أي: اذكر لهم ~~وقت قول امرأة عمران كيت وكيت وإليه ذهب أبو الحسن وأبو العباس. # الثاني: أن الناصب له معنى الاصطفاء، أي: " اصطفى " مقدرا مدلولا ~~عليه ب " اصطفى " الأول والتقدير: واصطفى آل عمران - إذ قالت امرأة ~~عمران. وعلى هذا يكون قوله: # وآل عمران # [آل عمران: 33] من باب عطف الجمل لا من باب عطف المفردات؛ إذ لو جعل ~~من عطف المفردات لزم أن يكون وقت اصطفاء آدم وقول امرأة عمران كيت ~~وكيت، وليس كذلك؛ لتغاير الزمانين، فلذلك اضطررنا إلى تقدير عامل غير ~~هذا الملفوظ به، وإلى هذا ذهب الزجاج وغيره. # الثالث: أنه منصوب ب " سميع " وبه صرح ابن جرير الطبري، وإليه نحا ~~الزمخشري؛ فإنه قال: سميع عليم لقول امرأة عمران ونيتها، و " إذ " ~~منصوب به. # قال أبو حيان: ولا يصح ذلك؛ لأن قوله: { عليم } إما أن يكون ~~خبرا بعد خبر، أو وصفا لقوله: " سميع ms1828 " فإن كان خبرا فلا يجوز الفصل ~~به بين العامل والمعمول؛ لأنه أجنبي عنهما، وإن كان وصفا فلا يجوز ~~أن يعمل { سميع } في الظرف؛ لأنه قد وصف، واسم الفاعل وما جرى ~~مجراه إذا وصف قبل معموله لا يجوز له - إذ ذاك - أن يعمل، على خلاف ~~لبعض الكوفيين في ذلك؛ لأن اتصافه تعالى ب { سميع عليم } لا يتقيد ~~بذلك الوقت. # قال شهاب الدين: " وهذا القدر غير مانع؛ لأنه يتسع في الظرف ~~وعديله ما لا يتسع في غيره، ولذلك تقدم على ما في خبر " أل " ~~الموصولة وما في خبر " أن " المصدرية ". # وأما كونه - تعالى - سميعا عليما لا يتقيد بذلك الوقت، فإن سمعه ~~لذلك الكلام مقيد بوجود ذلك الكلام، وعلمه - تعالى - بأنها تذكر مقيد ~~بذكرها لذلك، والتغير في السمع والعلم، إنما هو في النسب والتعلقات. # الرابع: أن تكون " إذ " زائدة، وهو قول أبي عبيدة، والتقدير: ~~قالت امرأة عمران، وهذا غلط من النحويين، قال الزجاج لم يصنع أبو ~~عبيدة في هذا شيئا؛ لأن إلغاء حرف من كتاب الله تعالى - من غير ضرورة ~~لا يجوز، وكان أبو عبيدة يضعف في النحو. # الخامس: قال الأخفش والمبرد: التقدير: " ألم تر إذ قالت امرأة ~~عمران، ومثله في كتاب الله كثير ". # فصل # امرأة عمران هي حنة بنت فاقوذا أم مريم، وهي حنة - بالحاء المهملة ~~والنون - وجدة عيسى - عليه السلام - وليس باسم عربي. # قال القرطبي: " ولا يعرف في العربية " حنة ": اسم امرأة - وفي ~~العرب أبو حنة البدري، ويقال فيه أبو حبة - بالباء الموحدة - وهو أصح، ~~واسمه عامر، ودير حنة بالشام، ودير آخر أيضا يقال له كذلك. # قال أبو نواس: # 1414- يا دير حنة من ذات الأكيراح # من يصح عنك فإني لست بالصاحي # وفي العرب كثير، منهم أبو حبة الأنصاري وأبو السنابل بن بعكك - ~~المذكور في حديث سبيعة الأسلمية، ولا يعرف " خنة " - بالخاء المعجمة - ~~إلا بنت يحيى بن أكثم، وهي أم محمد بن نصر، ولا يعرف " جنة " - ~~بالجيم - إلا أبو جنة وهو خال ذي الرمة الشاعر، نقل هذا كله ابن ~~ماكولا ". # وعمران بن ms1829 ماثان، وليس بعمران أبي موسى، وبينهما ألف وثمانمائة سنة، ~~وكان بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم. # وقيل: عمران بن أشهم، وكان زكريا قد تزوج إيشاع بنت فاقوذ، وهي أخت ~~حنة أم مريم، فكان يحيى بن زكريا ومريم عليهما السلام ولدي خالة، وفي ~~كيفية هذا النذر روايات. # قال عكرمة: إنها كانت عاقرا لا تلد، وتغبط النساء بالأولاد، فقالت: ~~اللهم إن لك علي نذرا إن رزقتني ولدا ن أتصدق به على بيتك المقدس، ~~فيكون من سدنته. # الثانية: قال محمد بن إسحاق: إن أم مريم ما كان يحصل لها ولد، فلما شاخت ~~جلست يوما في ظل شجرة فرأت طائرا يطعم فراخا له فتحركت نفسها ~~للولد، فدعت ربها أن يهب لها ولدا، فحملت مريم وهلك عمران - ~~فلما عرفت جعلته لله محررا - أي: خادما للمسجد. # قال الحسن البصري: إنما فعلت ذلك بإلهام من الله - تعالى - ولولاه لما ~~فعلت، كما رأى إبراهيم - عليه السلام - ذبح ابنه في المنام فعلم أن ذلك ~~أمر الله تعالى - وإن لم يكن عن وحي، وكما ألهم الله أم موسى بقذفه ~~في اليم وليس بوحي، فلما حررت ما في بطنها - ولم تعلم ما هو، قال لها ~~زوجها: ويحك: ما صنعت؟ أرأيت إن كان ما في بطنك أنثى لا يصح لذلك؟ ~~فوقعوا جميعا في هم من ذلك، فهلك عمران وحنة حامل بمريم { فلما ~~وضعتها قالت رب إني وضعتهآ أنثى }. # قوله: " محررا " في نصبه أوجه: # أحدها: أنها حال من الموصول - وهو { ما في بطني } - فالعامل فيها " ~~نذرت ". # الثاني: أنه حال من الضمير المرفوع بالجار؛ لوقوعه صلة " ما " وهو قريب ~~من الأول، فالعامل الاستقرار الذي تضمنه الجار والمجرور. # الثالث: أن ينتصب على المصدر؛ لأن المصدر يأتي على زنة اسم المفعول ~~من الفعل الزائد على ثلاثة أحرف، وعلى هذا، فيجوز أن يكون في الكلام ~~حذف مضاف، تقديره: نذرت لك ما في بطني نذر تحرير، ويجوز أن يكون " ~~ما " انتصب على المعنى؛ لأن معنى { نذرت لك }: حررت لك ما في ~~بطني تحريرا، ومن مجيء المصدر بزنة ms1830 المفعول مما زاد على الثلاثي قوله: # ومزقناهم كل ممزق # [سبأ: 19] وقوله: # ومن يهن الله فما له من مكرم # [الحج: 18] - في قراءة من فتح الراء - أي: كل تمزيق، فما له من إكرام. # ومثله قول: [الوافر] # 1415- ألم تعلم مسرحي القوافي # فلا عيا بهن ولا اجتلابا # أي تسريحي القوافي. # الرابع: أن يكون نعتا لمفعول محذوف، تقديره: غلاما محررا، قاله ~~مكي بن أبي طالب - وجعل ابن عطية، في هذا القول نظرا. # قال شهاب الدين: " وجه النظر فيه أن " نذر " قد أخذ مفعوله - وهو قوله: ~~{ ما في بطني } فلم يتعد إلى مفعول آخر، وهو نظر صحيح ". # وعلى القول بأنها حال يجوز أن تكون حالا مقارنة إن أريد بالتحرير معنى ~~العتق ومقدرة معنى خدمة الكنيسة - كما جاء في التفسير، ووقف أبو عمرو ~~والكسائي على " امرأة " بالهاء - دون التاء - وقد كتبوا " امرأة " بالتاء ~~وقياسها الهاء هاهنا وفي يوسف " امرأة العزيز " موضعين - وامرأة نوح، ~~وامرأة لوط، وامرأة فرعون، وأهل المدينة يقفون بالتاء؛ إتباعا لرسم ~~المصحف، وهي لغة للعرب يقولون في حمزة: حمزت. # وأنشدوا: # 1416- والله نجاك بكفي مسلمت # من بعدما وبعدما وبعدمت # فصل # والنذر ما يوجبه الإنسان على نفسه وهذا النوع من النذر كان في بني ~~إسرائيل، ولم يوجد في شرعنا. # قال ابن العربي: " لا خلاف أن امرأة عمران لا يتطرق إلى حملها نذر؛ ~~لكونها حرة، فلو كانت امرأته أمة فلا خلاف أن المرء لا يصح له نذر ~~في ولده. وكيفما تصرفت حاله فإنه إن كان الناذر عبدا فلم يتقرر وله في ~~ذلك، وإن كان حرا، فلا يصح أن يكون، مملوكا له، وكذلك المرأة مثله، ~~فأي وجه للنذر فيه؟ وإنما معناه - والله أعلم - أن المرء إنما يريد ~~ولده للأنس به والتسلي، والاستنصار، فطلبت هذه المرأة أنسا به، ~~وسكونا إليه، فلما من الله - تعالى - عليها به نذرت أن حظها من ~~الأنس متروك فيه، وهو على خدمة الله - تعالى - موقوف، وهذا نذر ~~الأحرار من الأبرار، وأرادت به محررا من جهتي رق الدنيا وأشغالها. # قوله: { ما في بطني } أتى ب " ما " التي ms1831 لغير العاقل؛ لأن ما في ~~بطنها مبهم أمره، والمبهم أمره يجوز أن يعبر عنه ب " ما ". # ومثاله أن تقول إذا رأيت شبحا من بعيد لا تدري إنسان هو أم غيره: ما ~~هذا؟ ولو عرفته إنسانا وجهلت كونه ذكرا أو أنثى، قلت: ما هو أيضا؟ ~~والآية من هذا القبيل، هذا عند من يرى أن " ما " مخصوصة بغير العاقل، ~~وأما من يرى وقوعها على العقلاء، فلا يتأول شيئا. # وقيل: إنه لما كان ما في البطن لا تمييز له ولا عقل عبر عنه ب " ما " ~~التي لغير العقلاء. # المحرر: الذي يجعل حرا خالصا، يقال: حررت العبد - إذا أخلصته ~~من الرق - وحررت الكتاب، أي: أصلحته وخلصته من وجوه الغلط، ورجل حر: ~~إذا كان خالصا لنفسه، وليس لأحد عليه تعلق. # والطين الحر: الخالص من الرمل والحمأة والعيوب، فمعنى " محررا " ، ~~أي: مخلصا للعبادة، قاله الشعبي. # وقيل: خادما للبيعة. # وقيل: عتيقا من أمر الدنيا لطاعة الله. # وقيل: خادما لمن يدرس الكتاب، ويعلم في البيع. # والمعنى أنها نذرت أن تجعل الولد وقفا على طاعة الله تعالى. # قيل: لم يكن لبني إسرائيل غنيمة ولا شيء، فكان تحريرهم جعلهم أولادهم ~~على الصفة التي ذكرنا؛ وذلك؛ لأنه كان الأمر في دينهم أن الولد إذا صار ~~بحيث يمكن استخدامه كان يجب عليه خدمة الأبوين، فكانوا - بالنذر - يتركون ~~ذلك النوع من الانتفاع، ويجعلونهم محررين لخدمة المسجد وطاعة الله ~~تعالى. # وقيل: كان المحرر يجعل في الكنيسة - يقوم بخدمتها - حتى يبلغ الحلم، ثم ~~يخير بين المقام والذهاب فإن أبي المقام، وأراد أن يذهب ذهب، وإن ~~اختار المقام فليس له بعد ذلك خيار، ولم يكن نبي إلا ومن نسله محرر ~~في بيت المقدس. # وهذا التحرير لم يكن جائزا إلا في الغلمان، أما الجارية فكانت لا تصلح ~~لذلك؛ لما يصيبها من الحيض، والأذى، وحنة نذرت مطلقا، إما لأنها ~~بنت الأمر على التقدير، أو لأنها جعلت ذلك النذر وسيلة إلى طلب الذكر ~~ومعنى: نذرت لك أي لعبادتك، وتقدم الكلام على النذر، ثم قال تعالى - ~~حاكيا عنها -: { فتقبل مني ms1832 إنك أنت السميع ~~العليم } ، والتقبل: أخذ الشيء على الرضا، قال الواحدي: " وأصله ~~من المقابلة؛ لأنه يقابل بالجزاء، وهذا كلام من لم يرد بفعله إلا رضا ~~الله - تعالى - والإخلاص في عبادته ومعنى { السميع } أي: لتضرعي ~~ودعائي وندائي { العليم } بما في ضميري ونيتي. # قوله: { فلما وضعتها } الضمير في " وضعتها " يعود على " ما " - ~~من حيث المعنى -؛ لأن الذي في بطنها أنثى - في علم الله - فعاد الضمير ~~على معناها دون لفظها. # وقيل: إنما أنث؛ حملا على مضي النسمة أو الجبلة أو النفس، قاله ~~الزمخشري. # وقال ابن عطية: حملا على الموجودة، ورفعا للفظ " ما " في قوله { ما ~~في بطني محررا }. # قوله: { أنثى } فيه وجهان: # أحدهما: أنها منصوبة على الحال، وهي حال مؤكدة؛ لأن التأنيث مفهوم من ~~تأنيث الضمير، فجاءت " أنثى " مؤكدة. # قال الزمخشري: " فإن قلت: كيف جاز انتصاب " أنثى " حالا من ~~الضمير في " وضعتها " وهو كذلك كقولك: وضعت الأنثى أنثى؟ # قلت: الأصل وضعته أنثى، وإنما أنث لتأنيث الحال؛ لأن الحال وذا الحال ~~لشيء واحد، كما أنث الاسم في من كانت أمك؛ لتأنيث الخبر، ونظيره قوله ~~تعالى: # فإن كانتا اثنتين # [النساء: 176]. # وأما على تأويل النسمة والجبلة فهو ظاهر، كأنه قيل: إني وضعت ~~النسمة أنثى ". # يعني أن الحال على الجواب الثاني - تكون مبينة لا مؤكدة؛ وذلك لأن ~~النسمة والجبلة تصدق على الذكر وعلى الأنثى، فلما حصل الاشتراك جاءت ~~الحال مبينة لها، إلا أن أبا حيان ناقشه في الجواب الأول، فقال: وآل ~~قوله - يعني الزمخشري - إلى أن " أنثى " تكون حالا مؤكدة، ولا يخرجه ~~تأنيثه لتأنيث الحال عن أن يكون حالا مؤكدة، وأما تشبيهه ذلك بقوله: ~~من كانت أمك - حيث عاد الضمير على معنى " ما " - فليس ذلك نظير { ~~وضعتهآ أنثى }؛ لأن ذلك حمل على معنى " ما " إذ المعنى: أية ~~امرأة كانت أمك، أي كانت هي أي أمك، فالتأنيث ليس لتأنيث الخبر، وإنما ~~هو من باب الحمل على معنى " ما " ولو فرضنا أنه من تأنيث الاسم لتأنيث ~~الخبر لم يكن نظير { وضعتهآ أنثى }؛ لأن الخبر تخصص بالإضافة ~~إلى الضمير فاستفيد ms1833 من الخبر ما لا يستفاد من الاسم، بخلاف " أنثى " ~~فإنه لمجرد التأكيد، وأما تنظيره بقوله: { فإن كانتا اثنتين ~~}. فيعني أنه ثنى الاسم؛ لتثنية الخبر. والكلام يأتي عليه في مكانه ~~إن شاء الله تعالى فإنها من المشكلات، فالأحسن أن يجعل الضمير - في { ~~وضعتهآ أنثى } - عائدا على النسمة أو النفس، فتكون الحال ~~مبينة مؤكدة. # قال شهاب الدين: قوله: " ليس نظيرها؛ لأن من كانت أمك " حمل فيه على ~~معنى من، وهذا أنث لتأنيث الخبر " ليس كما قال، بل هو نظيره، وذلك أنه في ~~الآية الكريمة حمل على معنى " ما " كما حمل هناك على معنى " من " ، وقول ~~الزمخشري: " لتأنيث الخبر " أي لأن المراد ب " من ": التأنيث، بدليل ~~تأنيث الخبر، فتأنيث الخبر بين لنا أن المراد ب " من " المؤنث كذلك ~~تأنيث الحال وهو أنثى، بين لنا أن المراد ب " ما " في قوله: { ما في ~~بطني } أنه شيء مؤنث، وهذا واضح لا يحتاج إلى فكر، وأما قوله: " فقد ~~استفيد من الخبر ما لا يستفاد من الاسم بخلاف { وضعتهآ أنثى } ، ~~فإنه لمجرد التوكيد " ليس بظاهر أيضا؛ وذلك لأن الزمخشري إنما أراد ~~بكونه نظيره من حيث إن التأكيد في كل من المثالين مفهوم قبل مجيء الحال ~~في الآية وقبل مجيء الخبر في النظير المذكور؛ أما كونه يفارقه في شيء ~~آخر لعارض، فلا يضر ذلك في التنظير، ولا يخرجه عن كونه يشبهه من هذه ~~الجهة، وقد تحصل لك في هذه الحالة وجهان: # أحدهما: أنها مؤكدة إن قلنا: إن الضمير في { وضعتها } عائد على ~~معنى " ما ". # الثاني: أنها مبينة إن قلنا: إن الضمير عائد على الجبلة والنسمة أو ~~النفس أو الجبلة لصدق كل من هذه الألفاظ الثلاثة على الذكر والأنثى. # الوجه الثاني من وجهي " أنثى ": أنها بدل من " ها " في { ~~وضعتها } بدل كل من كل - قاله أبو البقاء. # ويكون في هذا البدل بيان ما المراد بهذا الضمير، وهذا من المواضع التي ~~يفسر فيها الضمير بما بعده لفظا ورتبة، فإن كان الضمير مرفوعا ~~نحو: # وأسروا النجوى الذين ظلموا # [الأنبياء: 3] - على أحد ms1834 الأوجه - فالكل يجيزون فيه البدل، وإن كان ~~غير مرفوع نحو ضربته زيدا ومررت به زيد فاختلف فيه، والصحيح جوازه ~~كقول الشاعر: [الطويل] # 1417- على حالة لو أن في القوم حاتما # على جوده لضن بالماء حاتم # بجر حاتم الأخير بدلا من الهاء في " جوده ". # فصل # والفائدة في قولها: { رب إني وضعتهآ أنثى } أنه تقدم ~~منها النذر في تحرير ما في بطنها، وكان الغالب على ظنها أنه ذكر، ~~فلم تشترط ذلك في كلامها، وكانت عادتهم تحرير الذكر، لأنه هو الذي ~~يفرغ لخدمة المسجد دون الأنثى، فقالت: { رب إني ~~وضعتهآ أنثى } خائفة أن نذرها لم يقع الموقع الذي يعتد به، ~~ومعتذرة من إطلاقها النذر المتقدم، فذكرت ذلك على سبيل الاعتذار، لا على ~~سبيل الإعلام؛ تعالى الله عن [أن يحتاج إلى إعلامها]. # قوله: { والله أعلم بما وضعت } قرأ ابن عامر وأبو بكر " ~~وضعت " بتاء المتكلم - وهو من كلام أم مريم خاطبت بذلك نفسها؛ ~~تسليا لها واعتذارا لله تعالى؛ حيث أتت بمولود لا يصلح لما نذرته ~~من سدانة بيت المقدس. # قال الزمخشري - وقد ذكر هذه القراءة -: " تعني ولعل لله - تعالى - فيه ~~سرا وحكمة، ولعل هذه الأنثى خير من الذكر؛ تسلية لنفسها ". # وقيل: قالت ذلك؛ خوفا أن يظن بها أنها تخبر الله - تعالى - ~~فأزالت الشبهة بقولها هذا وبينت أنها إنما قالت ذلك للاعتذار لا ~~للإعلام - وفي قولها: { والله أعلم بما وضعت } التفات من ~~الخطاب إلى الغيبة؛ إذ لو جرت على مقتضى قولها: " رب " لقالت: ~~وأنت أعلم. # وقرأ الباقون: " وضعت " بتاء التأنيث الساكنة - على إسناد الفعل ~~لضمير أم مريم، وهو من كلام الباري تعالى، وفيه تنبيه على عظم قدر ~~هذا المولود، وأن له شأنا لم تعرفيه، ولم تعرفي إلا كونه أنثى لا ~~غير، دون ما يئول إليه من أمور عظام، وآيات واضحة. # قال الزمخشري: " ولتكلمها بذلك على وجه التحسر والتحزن قال الله ~~- تعالى -: { والله أعلم بما وضعت } تعظيما لموضوعها، ~~وتجهيلا لها بقدر ما وهب لها منه، ومعناه: والله أعلم بالشيء الذي ~~وضعت، وما علق به من عظائم الأمور، ms1835 وأن يجعله وولده آية للعالمين، وهي ~~جاهلة بذلك لا تعلم منه شيئا فلذلك تحسرت ". # وقد رجح بعضهم القراءة الثانية على الأولى بقوله: { والله أعلم ~~} قال: " ولو كان من كلام مريم لكان التركيب: وأنت أعلم ". وقد تقدم ~~جوابه بأنه التفات. # وقرأ ابن عباس { والله أعلم بما وضعت } - بكسر التاء - خاطبها ~~الله - تعالى - بذلك، بمعنى: أنك لا تعلمين قدر هذه المولودة، ولا قدر ~~ما علم الله فيها من عظائم الأمور. # قوله: { وليس الذكر كالأنثى }؛ هذه الجملة - يحتمل أن تكون ~~معترضة، وأن يكون لها محل، وذلك بحسب القراءات المذكورة في " وضعت " ~~- كما يأتي تفصيله - والألف واللام في " الذكر " يحتمل أن تكون للعهد، ~~والمعنى: ليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت لها. # قال الزمخشري: " فإن قلت: فما معنى قولها: { وليس الذكر ~~كالأنثى }؟ # قلت: هو بيان لما في قوله: { والله أعلم بما وضعت } من ~~التعظيم للموضوع، والرفع منه، ومعناه: ليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي ~~وهبت لها، والألف واللام فيهما يحتمل أن تكون للعهد وأن تكون للجنس، ~~على أن المراد: أن الذكر ليس كالأنثى في الفضل والمزية؛ إذ هو صالح لخدمة ~~المتعبدات والتحرير ولمخالطة الأجانب، بخلاف الأنثى؛ لما يعتريها من ~~الحيض، وعوارض النسوان. # وكان سياق الكلام - على هذا - يقتضي أن يدخل النفي على ما استقر، وحصل ~~عندها، وانتفت عنه صفات الكمال للغرض المقصود منه، فكان التركيب: وليس ~~الأنثى كالذكر، وإنما عدل عن ذلك؛ لأنها بدأت بالأهم لما كانت تريده، وهو ~~المتلجلج في صدرها، والحائل في نفسها، فلم يجر لسانها في ابتداء ~~النطق إلا به، فصار التقدير: وليس جنس الذكر مثل جنس الأنثى، لما ~~بينهما من التفاوت فيما ذكر، ولولا هذه المعاني التي استنبطها العلماء، ~~وفهموها عن الله - تعالى - لم يكن لمجرد الإخبار بالجملة الليسية معنى؛ ~~إذ كل أحد يعلم أن الذكر ليس كالأنثى. # وقوله: { وإني سميتها مريم } هذه الجملة معطوفة على قوله ~~{ إني وضعتهآ } على قراءة من ضم التاء في قوله وضعت فتكون ~~هي وما قبلها في محل نصب بالقول، والتقدير: قالت: إني وضعتها، وقالت: ms1836 ~~والله أعلم بما وضعت، وقالت: وليس الذكر كالأنثى، وقالت: إني ~~سميتها مريم. # وأما على قراءة من سكن التاء أو كسرها فتكون { وإني سميتها } ~~أيضا معطوفا على { إني وضعتهآ } ويكون قد فصل بين المتعاطفين ~~بجملتي اعتراض، كقوله تعالى: # وإنه لقسم لو تعلمون عظيم # [الواقعة: 76] قاله الزمخشري. # قال أبو حيان: " ولا يتعين ما ذكر من أنهما جملتان معترضتان؛ لأنه ~~يحتمل أن يكون: { وليس الذكر كالأنثى } من كلامها في هذه ~~القراءة " ويكون المعترض جملة واحدة - كما كان من كلامها في قراءة من قرأ ~~" وضعت " بضم التاء - بل ينبغي أن يكون هذا المتعين؛ لثبوت كونه من ~~كلامها في هذه القراءة، ولأن في اعتراض جملتين خلافا لمذهب أبي علي ~~الفارسي من أنه لا يعترض جملتان. # وأيضا تشبيهه هاتين الجملتين اللتين اعترض بهما - على زعمه - بين ~~المعطوف والمعطوف عليه، بقوله: # وإنه لقسم لو تعلمون عظيم # [الواقعة: 76] ليس تشبيها مطابقا للآية؛ لأنه لم يعترض جملتان بين ~~طالب ومطلوب، بل اعترض بين القسم - الذي هو # فلا أقسم بمواقع النجوم # [الواقعة: 75] - وبين جوابه - الذي هو # إنه لقرآن كريم # [الواقعة: 77] - بجملة واحدة - وهي قوله: { وإنه لقسم لو ~~تعلمون عظيم } - لكنه جاء في جملة الاعتراض - بين بعض أجزائها، ~~وبعض اعتراض بجملة - وهي قوله: { لو تعلمون } اعتراض بها بين ~~المنعوت الذي هو " لقسم " - وبين نعته - الذي هو " عظيم " - فهذا ~~اعتراض، فليس فصلا بجملتي اعتراض كقوله: { والله أعلم بما ~~وضعت وليس الذكر كالأنثى }. # قال شهاب الدين: والمشاحة بمثل هذه الأشياء ليست طائلة، وقوله: " ليس ~~فصلا بجملتي اعتراض " ممنوع، بل هو فصل بجملتي اعتراض، وكونه جاء ~~اعتراضا في اعتراض لا يضر ولا يقدح في قوله: فصل بجملتين " ف " سمى " ~~يتعدى لاثنين، أحدهما بنفسه، وإلى الآخر بحرف الجر، ويجوز حذفه، تقول: ~~سميت زيدا، و الأصل: بزيد، وجمع الشاعر بين الأصل والفرع في قوله: ~~[المتقارب] # 1418- وسميت كعبا بشر العظام # وكان أبوك يسمى الجعل # أي يسمى بالجعل - وقد تقدم الكلام في مريم واشتقاقها ومعناها. # فصل # ظاهر هذا الكلام يدل على أن عمران كان قد مات قبل وضع ms1837 حنة ~~مريم، فلذلك تولت الأم تسميتها؛ لأن العادة أن التسمية يتولاها ~~الآباء، وأرادت بهذه التسمية أن تطلب من الله أن يعصمها من آفات الدين ~~والدنيا؛ لأن مريم - في لغتهم - العابدة، ويؤكد ذلك قوله: بعد ذلك: { ~~وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ~~}. وقولها: { سميتها مريم } جعلت هذا اللفظ اسما لها وهذا ~~يدل على أن الاسم والمسمى والتسمية أمور ثلاثة متغايرة، وعلى أن تسمية ~~الولد يكون يوم الوضع. # قوله: { وإني أعيذها } عطف على { وإني سميتها } وأتى ~~- هنا - بخبر " إن " فعلا مضارعا؛ دلالة على طلبها استمرار الاستعاذة ~~دون انقطاعها، بخلاف قوله: { وضعتها } و { سميتها } حيث أتى ~~بالخبرين ماضيين؛ لانقطاعهما، وقدم المعاذ به على المعطوف؛ اهتماما ~~به. # وفتح نافع ياء المتكلم قبل هذه الهمزة المضمومة، وكذلك ياء وقع بعدها ~~همزة مضمومة إلا في موضعين فإن الكل اتفقوا على سكونها فيهما -: # بعهدي أوف # [البقرة: 40] و # آتوني أفرغ # [الكهف: 96] والباقي عشرة مواضع، هذا الذي في هذه السورة أحدها. # فصل # لما فاتها ما كانت تريد من أن يكون رجلا خادما للمسجد، تضرعت إلى الله ~~تعالى أن يحفظها من الشيطان، وأن يجعلها من الصالحات القانتات. # قال القرطبي: " معنى قوله: { وإني سميتها مريم } يعني ~~خادم الرب - بلغتهم - { وإني أعيذها بك } مريم. { ~~وذريتها } عيسى. وهذا يدل على أن الذرية قد تقع على الولد خاصة ~~". # قوله: { فتقبلها ربها } الجمهور على { فتقبلها } ~~فعلا ماضيا على " تفعل " بتشديد العين - و { ربها } فاعل به، ~~وتفعل يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون بمعنى المجرد - أي فقبلها - بمعنى رضيها مكان ~~الذكر المنذور، ولم يقبل أنثى منذورة - قبل مريم - كذا ورد في ~~التفسير، و - " تفعل " يأتي بمعنى " فعل " مجردا، نحو تعجب ~~وعجب من كذا، وتبرأ وبرئ منه. # والثاني: أن " تفعل " بمعنى: استفعل، أي: فاستقبلها ربها، يقال: ~~استقبلت الشيء أي: أخذته أول مرة. # والمعنى: أن الله تولاها من أول أمرها وحين ولادتها. # ومنه قول الشاعر: [الوافر] # 1419- وخير الأمر ما استقبلت منه # وليس بأن تتبعه اتباعا # ومنه المثل: خذ الأمر بقوابله. و " تفعل " بمعنى " استفعل " كثير، ~~نحو: تعظم، واستعظم، ms1838 وتكبر، واستكبر، وتعجل واستعجل. # قال بعض العلماء: " إن ما كان من باب التفعل، فإنه يدل على شدة ~~اعتناء ذلك الفاعل بإظهار ذلك الفعل، كالتصبر والتجلد، ونحوهما، ~~فإنهما يفيد أن الجد في إظهار الصبر والجلد، فكذا هنا التقبل ~~يفيد المبالغة في إظهار القبول ". # فإن قيل: فلم لم يقل: فتقبلها ربها بتقبل حسن، حتى ~~تكمل المبالغة؟ # فالجواب: أن لفظ التقبل - وإن أفاد ما ذكرنا - يفيد نوع ~~تكلف خلاف الطبع، فذكر التقبل، ليفيد الجد والمبالغة، ثم ذكر ~~القبول، ليفيد أن ذلك ليس على خلاف الطبع، بل على وفق الطبع، وهذه ~~الوجوه - وإن كانت ممتنعة في حق الله تعالى - تدل من حيث الاستعارة - ~~على حصول العناية العظيمة في تربيتها، وهو وجه مناسب. # والباء - في قوله: " بقبول " - فيها وجهان: # أحدهما: أنها زائدة، أي: قبولا، وعلى هذا فينتصب " قبولا " على المصدر ~~الذي جاء على حذف الزوائد؛ إذ لو جاء على " تقبل " لقيل: ~~تقبلا، نحو تكبر تكبرا. # وقبول: من المصادر التي جاءت على " فعول " - بفتح الفاء - قال ~~سيبويه: خمسة مصادر جاءت على " فعول " قبول، وطهور، ووقود، ~~ووضوء، وولوع، إلا أن الأكثر في الوقود - إذا كان مصدرا - الضم، ~~يقال: قبلت الشيء قبولا، وأجاز الفراء والزجاج ضم القاف ~~من قبول وهو القياس، كالدخول والخروج، وحكاها ابن الأعرابي عن ~~الأعراب: قبلت قبولا وقبولا - بفتح القاف وضمها - سماعا، وعلى ~~وجهه قبول - لا غير - يعني لم يقل هنا إلا بالضم، وأنشدوا: [السريع] # 1420- قد يحمد المرء وإن لم يبل # بالشر والوجه عليه القبول # بضم القاف - كذا حكاه بعضهم. # قال الزجاج: إن " قبولا " هذا ليس منصوبا بهذا الفعل حتى ~~يكون مصدرا على غير المصدر، بل هو منصوب بفعل موافق له، - أي: مجردا ~~- قال: والتقدير: فتقبلها بتقبل حسن، وقبلها قبولا حسنا، ~~أي: رضيها، وفيه بعد. # والوجه الثاني: أن الياء ليست بزائدة، بل هي على حالها، ويكون المراد ~~بالقبول - هنا - اسما لما يقبل به الشيء، نحو اللدود، لما يلد به. ~~والمعنى بذلك اختصاصه لها بإقامتها مقام الذكر في النذر. # فصل # في تفسير ذلك القبول الحسن وجوه: ms1839 # أحدها: أنه - تعالى - استجاب دعاء أم مريم، وعصمها، وعصم ولدها ~~عيسى - عليه السلام - من الشيطان. # روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من مولود إلا والشيطان يمسه - حين يولد - ~~فيستهل صارخا من مس الشيطان إلا مريم وابنها ~~" # ثم قال أبو هريرة: اقرأوا - إن شئتم - { وإني أعيذها ~~بك وذريتها من الشيطان الرجيم } ، طعن القاضي في ~~هذا الخبر، وقال: إنه خبر واحد على خلاف الدليل؛ وإنما قلنا: إنه على ~~خلاف الدليل لوجوه: # الأول: أن الشيطان إنما يدعو إلى الشر من يعرف الخير والشر، ~~والطفل المولود ليس كذلك. # الثاني: أن الشيطان لو تمكن من هذا النخس لفعل أكثر من ذلك - من إهلاك ~~الصالحين، وإفساد أحوالهم. # الثالث: لم خص - بهذا الاستثناء - مريم وعيسى - عليهما السلام - ~~دون سائر الأنبياء؟ # الرابع: أن ذلك المس لو وجد بقي أثره، ولو بقي أثره لدام ~~الصراخ والبكاء، فلما لم يكن كذلك علمنا بطلانه. # الوجه الثاني - في معنى القبول الحسن -: ما روي أن حنة - حين ~~ولدت مريم - لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند ~~الأحبار أبناء هارون - وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة - وقالت: ~~خذوا هذه النذيرة، فتنافسوا فيها؛ لأنها كانت بنت إمامهم، فقال لهم ~~زكريا: أنا أحق بها؛ عندي خالتها، فقالوا: لا، حتى نقترع عليها، ~~فانطلقوا - وكانوا سبعة وعشرين - إلى نهر جار. # قال السدي: هو نهر الأردن - فألقوا فيه أقلامهم التي كانوا ~~يكتبون الوحي بها، على أن كل من يرتفع قلمه، فهو الراجح، ثم ألقوا ~~أقلامهم ثلاث مرات، وفي كل مرة كان يرتفع قلم زكريا فوق الماء، وترسب ~~أقلامهم، فأخذها زكريا. # قاله محمد بن إسحاق وجماعة، وقيل: جرى قلم زكريا مصعدا إلى أعلى ~~الماء، وجرت أقلامهم بجري الماء. # وقال السدي وجماعة: ثبت قلم زكريا وقام فوق الماء كأنه في طين، ~~وجرت أقلامهم، فذهب بها الماء، فسهمهم زكريا - وكان رأس الأحبار ~~ونبيهم - فأخذها. # الوجه الثالث: روى القفال عن الحسن أنه قال: إن مريم تكلمت في ~~صباها - كما تكلم المسيح - ولم تلتقم ثديا قط، ms1840 وإن رزقها كان يأتيها من ~~الجنة. # الوجه الرابع: أن عادتهم في شريعتهم أن التحرير لا يجوز إلا في حق ~~الغلام، وحتى يصير عاقلا قادرا على خدمة المسجد، وهنا قبل الله تلك ~~الجارية على صغرها، وعدم قدرتها على خدمة المسجد. # وقيل: معنى التقبل: التكفل في التربية، والقيام بشأنها. # وقال الحسن: معنى التقبل أنه ما عاذ بها قط ساعة من ليل ونهار. # وقوله: { وأنبتها نباتا حسنا } نبات: مصدر على غير المصدر؛ ~~إذ القياس إنبات، وقيل: بل هو منصوب بمضمر موافق له أيضا، تقديره: ~~فتنبت نباتا حسنا، قاله ابن الأنباري. # وقيل: كانت تنبت في اليوم كما ينبت المولود في العام. # وقيل: تنبت في الصلاح والعفة والطاعة. # وقال القرطبي: { وأنبتها نباتا حسنا } أي: سوى خلقها ~~من غير زيادة ولا نقصان. # قوله: { وكفلها } قرأ الكوفيون { وكفلها } - بتشديد ~~العين - " زكريا " - بالقصر - إلا أبا بكر، فإنه قرأه بالمد ~~كالباقين، ولكنه ينصبه، والباقون يرفعونه. # وقرأ مجاهد " فتقبلها " بسكون اللام " ربها " منصوبا، " ~~وأنبتها " - بكسر الباء وسكون التاء - وكفلها - بكسر الفاء ~~[وسكون اللام] والتخفيف وقرأ أبي: " وأكفلها " - كأكرمها - فعلا ~~ماضيا. # وقرأ عبد الله المزني " وكفلها " - بكسر الفاء والتخفيف -. # فأما قراءة الكوفيين فإنهم عدوا الفعل بالتضعيف إلى مفعولين، ~~ثانيهما زكريا، فمن قصره، كالأخوين وحفص - كان عنده مقدر النصب، ~~ومن مد كأبي بكر عن عاصم أظهر فيه الفتحة وهكذا أقرأ به، وأما قراءة ~~بقية السبعة ف " كفل " مخفف عندهم، متعد لواحد - وهو ضمير مريم - ~~وفاعله زكريا. # قال أبو عبيدة: ضمن القيام بها، ولا مخالفة بين القراءتين؛ لأن الله لما ~~كفلها إياه كفلها، وهو في قراءتهم ممدود، مرفوع بالفاعلية. # وأما قراءة: " أكفلها " فإنه عداه بالهمزة كما عداه غيره ~~بالتضعيف نحو خرجته وأخرجته، وكرمته وأكرمته وهذه قراءة الكوفيين ~~في المعنى والإعراب؛ فإن الفاعل هو الله تعالى، والمفعول الأول هو: ~~ضمير مريم والثاني: هو زكريا. # أما قراءة " وكفلها " - بكسر الفاء - فإنها لغة في " كفل " يقال: ~~كفل يكفل - كقتل يقتل - وهي الفاشية، وكفل يكفل - ~~كعلم يعلم - وعليها هذه القراءة، وإعرابها كإعراب قراءة ~~الجماعة في كون " زكريا ms1841 " فاعلا. # وأما قراءة مجاهد فإنها " كفلها " على لفظ الدعاء من أم مريم لله ~~- تعالى - بأن يفعل لها ما سألته ربها منصوب على النداء، أي: ~~فتقبلها يا ربها، وأنبتها وكفلها يا ربها، ~~وزكريا في هذه القراءة مفعول ثان أيضا كقراءة الكوفيين. وقرأ حفص ~~والأخوان " زكريا " - بالقصر - حيث ورد في القرآن، وباقي السبعة ~~بالمد والمد والقصر في هذا الاسم لغتان فاشيتان عن أهل الحجاز. ~~وهو اسم أعجمي فكان من حقه أن يقولوا فيه: منع من الصرف للعلمية، ~~والعجمة - كنظائره - وإنما قالوا منع من الصرف لوجود ألف ~~التأنيث فيه: إما الممدودة كحمراء، وإما المقصورة كحبلى، ~~وكأن الذي اضطرهم إلى ذلك أنهم رأوه ممنوعا - معرفة ونكرة - قالوا: ~~فلو كان منعه للعلمية والعجمة لانصرف نكرة لزوال أحد سببي المنع، لكن ~~العرب منعته نكرة، فعلمنا أن المانع غير ذلك، وليس معناه - هنا - يصلح ~~مانعا من صرفه إلا ألف التأنيث - يعنون للشبه بألف التأنيث - وإلا ~~فهذا اسم أعجمي لا يعرف له اشتقاق، حتى يدعى فيه أن الألف فيه ~~للتأنيث. # على أن أبا حاتم قد ذهب إلى صرفه نكرة، وكأنه لحظ المانع فيه ما ~~تقدم من العلمية والعجمة، لكنهم غلطوه وخطئوه في ذلك، وأشبع ~~الفارسي القول فيه فقال: " لا يخلو من أن تكون الهمزة فيه للتأنيث، أو ~~للإلحاق أو منقلبة، ولا يجوز أن تكون منقلبة؛ لأن الانقلاب لا يخلو من ~~أن يكون من حرف أصلي، أو من حرف الإلحاق؛ لأنه ليس في الأصول شيء يكون ~~هذا ملحقا به، وإذا ثبت ذلك ثبت أنها للتأنيث وكذلك القول في ~~الألف المقصورة ". # قال شهاب الدين: " وهذا - الذي قاله أبو علي - صحيح، لو كان فيما ~~يعرف له اشتقاق ويدخله تصريف، ولكنهم يجرون الأسماء الأعجمية ~~مجرى العربية بمعنى أن هذا لو ورد في لسان العرب كيف يكون حكمه ~~". # وفيه - بعد ذلك - لغتان أخريان: # إحداهما: زكري - بياء مشددة في آخره فقط دون ألف - وهو في هذه اللغة ~~منصرف، ووجه أبو علي ذلك فقال: " القول فيه أنه حذف منه الياءان ~~اللتان كانتا فيه - ممدودا ومقصورا ms1842 - وما بعدها، وألحق بياء النسب، ~~ويدل على ذلك صرف الاسم، ولو كانت الياءان هما اللتان كانتا فيه لوجب أن ~~لا ينصرف؛ للعجمة والتعريف، وهذه لغة أهل نجد ومن والاهم ". # الثانية: زكر - بوزن عمرو - حكاه الأخفش. # والكفالة أي: الضمان - في الأصل - ثم يستعار للضم والأخذ، يقال ~~منه: كفل يكفل، وكفل يكفل، كعلم يعلم - كفالة وكفلا، فهو ~~كافل وكفيل، والكافل: هو الذي ينفق على إنسان ويهتم بإصلاح حاله، وفي ~~الحديث: # " أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة " # وقال تعالى: # أكفلنيها # [ص: 23]. # واختلفوا في كفالة زكريا - عليه الصلاة والسلام - إياها، فقال ~~الأكثرون: كان ذلك حال طفولتها، وبه جاءت الروايات. # وقال بعضهم: بل إنما كفلها بعد أن طمثت، واحتجوا بوجهين: # أحدهما: قوله تعالى: { وأنبتها نباتا حسنا } ثم قال: { ~~وكفلها زكريا } وهذا يوهم أن تلك الكفالة بعد ذلك النبات ~~الحسن. # الثاني: أنه - تعالى - قال: { وكفلها زكريا كلما دخل ~~عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال ~~يمريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله } ~~وهذا يدل على أنها كانت قد فارقت الرضاع في وقت تلك الكفالة. # وأجيبوا عن الأول بأن الواو لا توجب الترتيب، فلعل الإنبات الحسن ~~وكفالة زكريا حصلا معا. وعن الثاني بأن دخول زكريا عليها، وسؤاله لها ~~هذا السؤال لعله وقع في آخر زمان الكفالة. # قوله: { كلما دخل عليها زكريا المحراب } " المحراب ~~" فيه وجهان: # أحدهما: وهو مذهب سيبويه أنه منصوب على الظرف، وشذ عن سائر أخواته بعد " ~~دخل " خاصة، يعني أن كل ظرف مكان مختص لا يصل إليه الفعل إلا ~~بواسطة " في " نحو صليت في المحراب - ولا تقول: صليت المحراب - ونمت ~~في السوق - ولا تقول: السوق - إلا مع دخل خاصة، نحو دخلت السوق ~~والبيت... الخ. وإلا ألفاظا أخر مذكورة في كتب النحو. # والثاني مذهب الأخفش وهو نصب ما بعد " دخل " على المفعول به لا على ~~الظرف فقولك: دخلت البيت، كقولك: هدمت البيت، في نصب كل منهما على ~~المفعول به - وهو قول مرجوح؛ بدليل أن " دخل " لو سلط على غير ~~الظرف المختص وجب وصوله بواسطة ms1843 " في " تقول: دخلت في الأمر - ولا ~~تقول: دخلت الأمر - فدل ذلك على عدم تعديه للمفعول به بنفسه. # والجواب: قال أبو عبيدة: هو سيد المجالس ومقدمها وأشرفها، وكذلك ~~هو من المسجد. # وقال أبو عمرو ابن العلاء: هو القصر؛ لعلوه وشرفه. # وقال الأصمعي: هو الغرفة. # وأنشد لامرئ القيس: [الطويل] # 1421- وماذا عليه أن ذكرت أو أنسا # كغزلان رمل في محاريب أقيال # قالوا معناه: في غرف أقيال. وأنشد غيره - لعمر بن أبي ربيعة: ~~[السريع] # 1422- ربة محراب إذا ما جئتها # لم أدن حتى أرتقي سلما # وقيل: هو المحراب من المسجد المعهود، وهو الأليق بالآية. # وقد ذكرناه عمن تقدم فإنما يعنون به: المحراب من حيث هو، وأما في ~~هذه الآية فلا يظهر بينهم خلاف في أنه المحراب المتعارف عليه. واستدل ~~الأصمعي على أن المحراب هو الغرفة بقوله تعالى: # إذ تسوروا المحراب # [ص: 21] والتسور لا يكون إلا من علو. يروى أنها لما صارت شابة ~~بنى زكريا - عليه السلام - لها غرفة في المسجد, وجعل بابها في وسطها, لا ~~يصعد إليها إلا بسلم, ويقال للمسجد - أيضا - المحراب. # قال المبرد: " لا يكون المحراب: إلا أن يرتقى إليه بدرج ". # واشتقاقه من الحرب؛ لتحارب الناس عليه. # قال ابن ذكوان - عن ابن عامر - " المحراب " في هذه السورة - موضعين ~~- بلا خلاف؛ كونه أن فيه سبب الإمالة, وذلك أن الألف تقدمها كسرة, ~~وتأخرت عنها كسرة أخرى, فقوى داعي الإمالة, وهذا بخلاف المحراب غير ~~المجرور فإنه نقل عن ابن ذكوان فيه الوجهان: الإمالة وعدمها, نحو قوله: # إذ تسوروا المحراب # [ص: 21] فوجه الإمالة تقدم الكسرة، ووجه التفخيم أنه الأصل. # قوله: { وجد عندها رزقا } " وجد " هذه بمعنى أصاب ولقي ~~وصادف، فيتعدى لواحد وهو " رزقا " و " عندها " الظاهر أنه ظرف ~~للوجدان. # وأجاز أبو البقاء أن يكون حالا من " رزقا "؛ لأنه يصلح أن يكون صفة ~~له في الأصل، وعلى هذا فيتعلق بمحذوف، ف " وجد " هو الناصب ل " ~~كلما " لأنها ظرفية، وأبو البقاء سماه جوابها؛ لأنها عنده الشرط ~~كما سيأتي. # قوله: { قال يمريم } فيه وجهان: # أحدهما: أنه مستأنف، قال أبو البقاء: ms1844 " ولا يجوز أن يكون بدلا من " ~~وجد "؛ لأنه ليس بمعناه ". # الثاني: أنه معطوف بالفاء، فحذف العاطف، قال أبو البقاء: " كما حذفت في ~~جواب الشرط في قوله تعالى: # وإن أطعتموهم إنكم لمشركون # [الأنعام: 121]، وكذلك قول الشاعر: [البسيط] # 1423- من يفعل الحسنات الله يشكرها # ........................... # وهذا الموضع يشبه جواب الشرط، لأن " كلما " تشبه الشرط في اقتضائها ~~الجواب. # قال شهاب الدين: وهذا - الذي قاله - فيه نظر من حيث إنه تخيل أن قوله ~~تعالى: { وإن أطعتموهم } أن جواب الشرط هو نفس { إنكم ~~لمشركون } حذفت منه الفاء، وليس كذلك، بل جواب الشرط محذوف، و ~~- { إنكم لمشركون } جواب قسم مقدر قبل الشرط وقد تقدم تحقيق ~~هذه المسألة، وليس هذا مما حذفت منه فاء الجزاء ألبتة، وكيف يدعي ~~ذلك، ويشبهه بالبيت المذكور، وهو لا يجوز إلا في ضرورة؟ # ثم الذي يظهر أن الجملة من قوله: " وجد " في محل نصب على الحال من ~~فاعل " دخل " ويكون جواب " كلما " هو نفس " قال " والتقدير: ~~كلما دخل عليها زكريا المحراب واجدا عندها الرزق. # قال: وهذا بين. # ونكر " رزقا " تعظيما، أو ليدل به على نوع " ما ". # قوله: { أنى لك هذا } " أنى " خبر مقدم، و " هذا " مبتدأ ~~مؤخر ومعنى أنى هذا: من أين؟ كذا فسره أبو عبيدة. # قيل: ويجوز أن يكون سؤالا عن الكيفية، أي: كيف تهيأ لك هذا؟ # قال الكميت: [المنسرح] # 1425- أنى ومن أين هزك الطرب # من حيث لا صبوة ولا ريب # وجوز أبو البقاء في " أنى " أن ينتصب على الظرف بالاستقرار الذي في ~~" ذلك ". و " لك " رافع ل " هذا " يعني بالفاعلية. ولا حاجة إلى ذلك، ~~وتقدم الكلام على " أنى " في " البقرة ". # فصل # قال الربيع ابن أنس: إن زكريا كان إذا خرج من عندها غلق عليها سبعة ~~أبواب، فإذا دخل عليها غرفتها وجد عندها رزقا - أي: فاكهة في غير ~~حينها - فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، فيقول يا ~~مريم، أنى لك هذا؟ # قال أبو عبيدة: معناه من أين لك هذا، وأنكر بعضهم عليه وقال: معناه من ~~أي جهة لك هذا؛ لأن أنى ms1845 للسؤال عن الجهة، وأين للسؤال عن المكان. # فصل # احتجوا على صحة القول بكرامات الأولياء بهذه الآية؛ فإن حصول الرزق ~~عندها إما أن يكون خارقا للعادة أو لا يكون، فإن كان غير خارق ~~للعادة، فذلك باطل من خمسة أوجه: # الأول: أنه على هذا التقدير لا يكون ذلك الرزق عند مريم دليلا على ~~علو شأنها، وامتيازها عن سائر الناس بتلك الخاصية، وهو المعنى ~~المراد من الآية. # الثاني: قوله # هنالك دعا زكريا ربه # [آل عمران: 38] والقرآن دل على أنه كان آيسا من الولد؛ بسبب شيخوخته ~~وشيخوخة زوجته، فلما رأى خرق العادة في حق مريم طمع في حصول الولد، ~~فيستقيم قوله { هنالك دعا زكريا ربه }. ولو كان الذي ~~شاهده في حق مريم غير خارق لم تكن مشاهدة ذلك سببا لطمعه في انخراق ~~العادة له بحصول الولد من المرأة الشيخة العاقر. # الثالث: تنكير الرزق في قوله: " رزقا " فإنه يدل على تعظيم حال ذلك ~~الرزق كأنه قيل: رزق وإنه رزق عجيب فلولا أنه خارق للعادة لم يفد الغرض ~~اللائق بسياق الآية. # الرابع: أنه - تعالى - قال: # وجعلناها وابنهآ آية للعالمين # [الأنبياء: 91] ولولا أنه ظهر عليها الخوارق وإلا لم يصح ذلك. # الخامس: تواتر الروايات على أن زكريا - عليه السلام - كان يجد عندها ~~فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف فثبت أن الذي ظهر في حق ~~مريم عليها الصلاة والسلام كان خارقا للعادة، وإذا ثبت ذلك فنقول: إما ~~أنه كان معجزة لبعض الأنبياء أو ما كان كذلك، والأول باطل؛ لأن النبي ~~الموجود في ذلك الزمان زكريا - عليه السلام - ولو كان ذلك معجزة له ~~لكان عالما بحاله، ولم يشتبه أمره عليه، ولم يقل ل " مريم " ~~أنى لك هذا؟ وأيضا فقوله { هنالك دعا زكريا ربه } ~~مشعر بأنه لما سألها ذكرت له أن ذلك من عند الله، فهنالك طمع في ~~انخراق العادة في حصول الولد من المرأة الشيخة العقيم العاقر وذلك يدل ~~على أنه ما وقف على تلك الأحوال إلا من إخبار مريم، وإذا كان كذلك، وإذا ~~ثبت أن تلك الخوارق ms1846 ما كانت معجزة لزكريا - عليه السلام - فلم يبق ~~إلا أنها كانت لمريم عليها السلام إما بسبب ابنها أو لعيسى عليه الصلاة ~~والسلام كرامة لمريم، وعلى التقديرين فالمقصود حاصل. # قال أبو علي الجبائي: لم لا يجوز أن يقال تلك الخوارق كانت معجزات زكريا ~~- عليه السلام - لوجهين: # الأول: أن زكريا دعا لها على الإجمال أن يوصل الله إليها رزقها، وأنه ~~كان غافلا عما يأتيها من الأرزاق من عند الله، فإذا رأى شيئا بعينه في ~~وقت معين قال لها: أنى لك هذا؟ فقالت هو من عند الله، فعند ذلك يعلم ~~أن الله أظهر بدعائه تلك المعجزة. # الثاني: يحتمل أن يكون زكريا شاهد عند مريم رزقا معتادا، إلا أنه كان ~~يأتيها من السماء، وكان زكريا يسألها عن ذلك، حذرا من أن يكون يأتيها ~~من عند إنسان يبعثه إليها، فقالت: هو من عند الله لا من عند غيره. # وأيضا لا نسلم أنه كان قد ظهر على مريم شيء من الخوارق، بل معنى الآية ~~أن الله - تعالى - كان قد سبب لها رزقا على أيدي المؤمنين الذين كانوا ~~يرغبون في الانفاق على الزاهدات العابدات، فكأن زكريا عليه الصلاة ~~والسلام لما رأى شيئا من ذلك خاف أنه ربما أتاها ذلك الرزق من جهة ~~لا ينبغي، فكان يسألها عن كيفية الحال. # والجواب عن الأول والثاني: أنه لو كان معجزا لزكريا لكان زكريا مأذونا ~~له من عند الله في طلب ذلك، ومتى كان مأذونا له في ذلك الطلب كان عالما ~~- قطعا - بأنه يحصل، وإذا علم ذلك امتنع أن يطلب منها كيفية الحال، ولم ~~يكن لقول: { هنالك دعا زكريا ربه } فائدة. # والجواب عن الثالث: أنه - على هذا التقدير - لا يبقى لاختصاص مريم بمثل ~~هذه الواقعة وجه. # أيضا فإن كان في قلبه احتمال أنه ربما أتاها هذا الرزق من الوجه الذي ~~لا يليق، فبمجرد إخبارها كيف يعقل زوال تلك التهمة؟ فسقطت هذه الأسئلة. # واحتج المعتزلة على امتناع الكرامات بأنها دلالات صدق الأنبياء، ودليل ~~النبي لا يوجد مع غير النبي، كما أن الفعل ms1847 المحكم - لما كان ~~دليلا على العلم لا جرم - لا يوجد في حق غير العالم. # والجواب من وجوه: # الأول: أن ظهور الفعل الخارق للعادة دليل على صدق المدعي، فإن ~~ادعى صاحبه النبوة، فذلك الفعل الخارق للعادة يدل على كونه نبيا، ~~وإن ادعى الولاية، فذلك يدل على كونه وليا. # والثاني: قال بعضهم: " الأنبياء مأمورون بإظهارها، والأولياء مأمورون ~~بإخفائها ". # والثالث: أن النبي يدعي المعجزة ويقطع به، والولي لا يمكنه القطع به. # الرابع: أن المعجزة يجب انفكاكها عن المعارضة، والكرامة لا يجب انفكاكها ~~عن المعارضة. # قوله: { إن الله يرزق من يشآء بغير حساب } ~~يحتمل أن يكون من جملة كلام مريم - عليها السلام - فيكون منصوبا. # ويحتمل أن يكون مستأنفا، من كلام الله تعالى، وتقدم الكلام على نظيره. ### || [3.38-41] # القصة الثانية # " هنا " هو الاسم، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، وهو منصوب على الظرف ~~المكاني ب " دعا " وزان " ذلك " ، وهو منصوب على الظرف المكاني، ب " ~~دعا " أي: في ذلك المكان الذي رأى فيه ما رأى من أمر مريم، وهو ظرف لا ~~يتصرف بل يلزم النصب على الظرفية ب " من " و " إلى ". # قال الشاعر: [الرجز] # 1426- قد وردت من أمكنه # من هاهنا ومن هنه # وحكمه حكم " ذا " من كونه يجرد من حرف التنبيه، ومن الكاف واللام، ~~نحو " هنا " وقد يصحبه " ها " التنبيه، نحو هاهنا، ومع الكاف ~~قليلا، نحو ها هناك، ويمتنع الجمع بينها وبين اللام. وأخوات " هنا " ~~بتشديد النون مع فتح الهاء وكسرها - و " ثم " بفتح الثاء - وقد يقال: ~~" هنت ". ولا يشار ب " هنالك " وما ذكر معه إلا للأمكنة، ~~كقوله: # فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين # [الأعراف: 119] وقوله: # هنالك الولاية لله الحق # [الكهف: 44] وقوله: # دعوا هنالك ثبورا # [الفرقان: 13]. # وقد زعم بعضهم أن " هنا " و " هناك " و " هنالك " للزمان، فمن ورود " ~~هنالك " بمعنى الزمان عند بعضهم - هذه الآية أي: في ذلك الزمان دعا زكريا ~~ربه، ومثله: # هنالك ابتلي المؤمنون # [الأحزاب: 11]، وقوله: { فغلبوا هنالك } ومنه قول زهير: ~~[الطويل] # 1427- هنالك إن يستخبلوا المال يخبلوا # .......................... # ومن " هنا " قوله: [الكامل] # 1428- حنت نوار ولات هنا حنت # وبدا ms1848 الذي كانت نوار أجنت # لأن " لات " لا تعمل إلا في الأحيان. # وفي عبارة السجاوندي أن " هناك " في المكان، و " هنالك " في الزمان، وهو ~~سهو؛ لأنها للمكان سواء تجردت، أو اتصلت بالكاف واللام معا، أم بالكاف ~~من دون اللام. # فصل # ذكر المفسرون أن زكريا - عليه السلام - لما رأى خوارق العادة عند ~~مريم طمع في خرق العادة في حقه، فرزقه الله الولد من الشيخة العاقر. # فإن قيل: لم قلتم: إن زكريا - عليه السلام - ما كان عالما بأن الله ~~قادر على خرق العادة إلا عند مشاهدة تلك الكرامات عند مريم، وهذه ~~النسبة شك في قدرة الله - تعالى - من زكريا، وإن قلتم بأنه كان عالما ~~بقدرة الله تعالى على ذلك لم تكن المشاهدة سببا لزيادة علمه بقدرة الله ~~- تعالى - فلم يكن لمشاهدته لتلك الكرامات أثر في السببية؟ # فالجواب: أنه كان عالما قبل ذلك بالخوارق، أما أنه هل تقع أم لا؟ فلم ~~يكن عالما به، فلما شاهد وعلم أنه إذا وقع كرامة لولي فبأن يجوز وقوع ~~معجزة لنبي كان أولى، فلا جرم قوي طمعه عند ذلك. # قوله: { من لدنك } فيه وجهان: # أحدهما: أنه يتعلق ب " هب " وتكون " من " لابتداء الغاية مجازا، ~~أي: يا رب هب لي من عندك. ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه في الأصل صفة ~~ل " ذرية " فلما قدم عليها انتصب حالا. # وتقدم الكلام على " لدن " وأحكامها. # قال ابن الخطيب: " وقول زكريا: { هب لي من لدنك ذرية } ~~لما لم تكن أسباب الولادة في حقه موجودة، قال: { من لدنك } أي بمحض ~~قدرتك، من غير شيء من هذه الأسباب ". # فصل # الذرية: النسل، وهو يقع على الواحد والجمع والذكر والأنثى، والمراد - ~~هنا - ولد واحد، وهو مثل قوله: " فهب لي من لدنك وليا ". # قوله: { طيبة } إن أريد ب " ذرية " الجنس، فيكون التأنيث في ~~" طيبة " باعتبار تأنيث الجماعة، وإن أريد به ذكر واحد فالتأنيث ~~باعتبار اللفظ. # قال الفراء: وأنث " طيبة " لتأنيث لفظ " الذرية " كما قال القائل ~~في ذلك البيت: [الوافر] # 1429- أبوك خليفة ولدته أخرى # وأنت خليفة ذاك الكمال ms1849 # وهذا فيما لم يقصد به واحد معين، أما لو قصد به واحد معين ~~امتنع اعتبار اللفظ نحو طلحة وحمزة، فيجوز أن يقال: جاءت طلحة؛ لأن ~~أسماء الأعلام لا تفيد إلا ذلك الشخص، فإذا كان مذكرا لم يجز فيه إلا ~~التذكير، وقد جمع الشاعر بين التذكير والتانيث في قوله: [الطويل] # 1430- فما تزدري من حية جبلية # سكات إذا ما عض ليس بأدردا # قوله { سميع الدعآء } مثال مبالغة، محول من سامع، وليس بمعنى ~~مسمع؛ لفساد المعنى؛ لأن معناه إنك سامعه، وقيل: مجيبه، كقوله: # إني آمنت بربكم فاسمعون # [يس: 25] أي: فأجيبوني، وكقول المصلي: سمع الله لمن حمده، ~~يريد قبل الله حمد من حمده من المؤمنين. # فصل # قال القرطبي: دلت هذه الآية على طلب الولد، وهي سنة المرسلين ~~والصديقين. # قال تعالى - حكاية عن إبراهيم -: # واجعل لي لسان صدق في الآخرين # [الشعراء: 84]. # وقال تعالى: # والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا ~~وذرياتنا قرة أعين # [الفرقان: 74] ودعا النبي صلى الله عليه وسلم لأنس فقال: # " اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما أعطيته " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " تزوجوا الولود الودود؛ فإني مكاثر بكم الأمم ~~يوم القيامة " # فدل على أن طلب الولد مندوب إليه؛ لما يرجى من نفعه في الدنيا ~~والآخرة، وقال صلى الله عليه وسلم: # " إذا مات أحدكم انقطع عمله إلا من ثلاث " # فذكر # " أو ولد صالح يدعو له ". # فصل # ويجب على الإنسان أن يتضرع إلى الله - تعالى - في هداية زوجته وولده ~~بالتوفيق، والهداية، والصلاح، والعفاف، وأن يكونا معينين له على ~~دينه ودنياه، حتى تعظم منفعتهما قال زكريا: # واجعله رب رضيا # [مريم: 6]، وقال: { ذرية طيبة } وقال تعالى: # هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين # [الفرقان: 74]. # قوله: { فنادته الملائكة } قرأ الأخوان " فناداه ~~الملائكة " - من غير تأنيث - والباقون " فنادته " بتاء التأنيث ~~- باعتبار الجمع المكسر، فيجوز في الفعل المسند إليه التذكير باعتبار ~~الجمع، والتأنيث باعتبار الجماعة، ولتأنيث لفظ " الملائكة " مع أن ~~المذكور إذا تقدم فعلهم - وهم جماعة - كان التأنيث فيه أحسن؛ كقوله ~~تعالى: # قالت الأعراب # [الحجرات: 14]. ومثل هذا # إذ يتوفى ms1850 الذين كفروا الملائكة # [الأنفال: 50] تقرأ بالتاء والياء، وكذا قوله: # تعرج الملائكة # [المعارج: 4]. # قال الزجاج: يلحقها التأنيث للفظ الجماعة، ويجوز أن يعبر عنها بلفظ ~~التذكير؛ لأنه - تعالى جمع الملائكة، وهكذا قوله: # وقال نسوة # [يوسف: 30]. # وإنما حسن الحذف - هنا - للفصل بين الفعل وفاعله. # وقد تجرأ بعضهم على قراءة العامة، فقال: " أكره التأنيث؛ لما فيه من ~~موافقة دعوى الجاهلية؛ لأن الجاهلية زعمت أن الملائكة إناث ". # روى إبراهيم قال: كان عبد الله بن مسعود يذكر الملائكة في كل ~~القرآن. # قال أبو عبيد: " نراه اختار ذلك؛ خلافا على المشركين؛ لأنهم قالوا: ~~الملائكة بنات الله ". # وروى الشعبي أن ابن مسعود قال: " إذا اختلفتم في الياء والتاء ~~فاجعلوها ياء ". # وتجرأ أبو البقاء على قراءة الأخوين، فقال: وكره قوم قراءة التأنيث ~~لموافقة الجاهلية، ولذلك قرأ " فناداه " بغير تاء - والقراءة غير جيدة؛ ~~لأن الملائكة جمع، وما اعتلوا ليس بشيء؛ لأن الإجماع على إثبات التاء في ~~قوله: # وإذ قالت الملائكة يمريم # [آل عمران: 42]. # وهذان القولان - الصادران من أبي البقاء وغيره - ليسا بجيدين؛ ~~لأنهما قراءتان متواترتان، فلا ينبغي أن ترد إحداهما ألبتة. # والأخوان على أصلهما من إمالة " فناداه ". والرسم يحتمل القراءتين ~~معا - أعني: التذكير والتأنيث والجمهور على أن الملائكة المراد بهم واحد ~~- وهو جبريل. # قال الزجاج: أتاه النداء من هذا الجنس الذين هم الملائكة، كقولك: ~~فلان يركب السفن - أي: هذا الجنس كقوله تعالى: # ينزل الملائكة # [النحل: 2] يعني جبريل " بالروح " يعني الوحي. ومثله قوله: # الذين قال لهم الناس # [آل عمران: 173] وهو نعيم بن مسعود، وقوله: # إن الناس قد جمعوا لكم # [آل عمران: 173] يعني أبا سفيان. ولما كان جبريل - عليه السلام - رئيس ~~الملائكة أخبر عنه إخبار الجماعة؛ تعظيما له. # قيل: الرئيس لا بد له من أتباع، فلذلك أخبر عنه وعنهم، وإن كان النداء ~~قد صدر منه - قاله الفضل بن سلمة - ويؤيد كون المنادي جبريل وحده قراءة ~~عبد الله - وكذا في مصحفه - فناداه جبريل. # والعطف بالفاء - في قوله " فنادته " - مؤذن بأن الدعاء متعقب ~~بالتبشير. # والنداء: رفع الصوت، يقال: نادى نداء - بضم النون وكسرها - والأكثر ms1851 في ~~الأصوات مجيئها على الضم، نحو البكاء، والصراخ، والدعاء، ~~والرغاء. # وقيل: المكسور مصدر، والمضموم اسم. ولو عكس هذا لكان أبين؛ ~~لموافقته نظائره من المصادر. # قال يعقوب بن السكيت: إن ضميت نونه قصرته، وإن كسرتها مددته. # وأصل المادة يدل على الرفع، ومنه المنتدى والنادي؛ لاجتماع القوم ~~فيهما وارتفاع أصواتهم. وقالت قريش: دار الندوة، لارتفاع أصواتهم عند ~~المشاورة والمحاورة فيها، وفلان أندى صوتا من فلان - أي: أرفع - هذا ~~أصله في اللغة، وفي العرف: صار ذلك لأحسنها نغما وصوتا، والندى: ~~المطر، ومنه: ندي، يندى، ويعبر به عن الجود، كما يعبر ~~بالمطر والغيث عنه استعارة. # قوله: { وهو قائم } جملة حالية من مفعول النداء، و " يصلي " ~~يحتمل أوجها: # أحدها: أن يكون خبرا ثانيا - عند من يرى تعدده مطلقا - نحو: ~~زيد شاعر فقيه. # الثاني: أنه حال من مفعول النداء، وذلك - أيضا - عند من يجوز ~~تعدد الحال. # الثالث: أنه حال من الضمير المستتر في " قائم " فيكون حالا من حال. # الرابع: أن يكون صفة ل " قائم ". # قوله: { في المحراب } متعلق ب " يصلي " ، ويجوز أن يتعلق ب ~~" قائم " إذا جعلنا يصلي حالا من الضمير في " قائم "؛ لأن ~~العامل فيه - حينئذ - وفي الحال شيء واحد، فلا يلزم فيه فصل، أما إذا ~~جعلناه خبرا ثانيا أو صفة ل " قائم " أو حالا من المفعول لزم ~~الفصل بين العامل ومعموله بأجنبي. هذا معنى كلام أبي حيان. # قال شهاب الدين: والذي يظهر أنه يجوز أن تكون المسألة من باب ~~التنازع؛ فإن كلا من " قائم " و " يصلي " يصح أن يتسلط على " ~~في المحراب " وذلك على أي وجه تقدم من وجوه الإعراب. # والمحراب - هنا -: المسجد. # قوله: { إن الله } قرأ نافع وحمزة وابن عامر بكسر " إن " ~~والباقون بفتحها، فالكسر عند الكوفيين؛ لإجراء النداء مجرى القول، ~~فيكسر معه، وعند البصريين، على إضمار القول - أي: فنادته، فقالت. ~~والفتح والحذف - على حذف حرف الجر، تقديره: فنادته بأن الله، فلما حذف ~~الخافض جرى الوجهان المشهوران في محلها. # وفي قراءة عبد الله: " فنادته الملائكة يا زكريا " فقوله: " يا زكريا " ~~هو مفعول النداء، ms1852 وعلى هذه القراءة يتعين كسر " إن " ولا يجوز فتحها؛ ~~لاستيفاء الفعل معموليه، وهما الضمير وما نودي به زكريا. # قوله: { يبشرك } قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم ~~الخمسة في هذه السورة { أن الله يبشرك } - في موضعين - وفي ~~سورة الإسراء: # ويبشر المؤمنين # [الإسراء: 9] وفي سورة الكهف: { ويبشر المؤمنين } - بضم ~~الياء، وفتح الباء، وكسر الشين مشددة - من بشره، يبشره. # وقرأ نافع وابن عامر وعاصم - ثلاثتهم - كذلك في سورة الشورى، وهو قوله: # ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا # [الشورى: 23]. # وقرأ الجميع - دون حمزة - كذلك في سورة براءة: # يبشرهم ربهم برحمة منه # [التوبة: 21] وفي الحجر - في قوله: # إنا نبشرك بغلام عليم # [الحجر: 53] - ولا خلاف في الثاني - وهو قوله: # فبم تبشرون # [الحجر: 54] - أنه بالتثقيل. # وكذلك قرأ الجميع - دون حمزة - في سورة مريم - في موضعين - # إنا نبشرك # [مريم: 7] وقوله: # لتبشر به المتقين # [مريم: 97]. وكل من لم يذكر من قرأ بالتقييد المذكور فإنه يقرأ بفتح حرف ~~المضارعة، وسكون الياء وضم الشين. # وإذا أردت معرفة ضبط هذا الفضل، فاعلم أن المواضع التي وقع فيها الخلاف ~~المذكور تسع كلمات، والقراء فيه على أربع مراتب: # فنافع وابن عامر وعاصم ثقلوا الجميع. # وحمزة خفف الجميع إلا قوله: # فبم تبشرون # [الحجر: 54]. # وابن كثير وأبو عمرو ثقلا الجميع إلا التي في سورة الشورى فإنهما ~~وافقا فيها حمزة. والكسائي خفف خمسا منها، وثقل أربعا، فخفف ~~كلمتي هذه السورة، وكلمات الإسراء والكهف والشورى. وقد تقدم أن في هذا ~~الفعل ثلاث لغات: بشر - بالتشديد - وبشر - بالتخفيف -. # وعليه ما أنشده الفراء قوله: [الطويل] # 1431- بشرت عيالي إذ رأيت صحيفة # أتتك من الحجاج يتلى كتابها # الثالثة: أبشر - رباعيا - وعليه قراءة بعضهم " يبشرك " - بضم ~~الياء. # ومن التبشير قول الآخر: [الكامل] # 1432- يا بشر حق لوجهك التبشير # هلا غضبت لنا وأنت أمير؟ # وقد أجمع على مواضع من هذه اللغات نحو " فبشرهم ". # وأبشروا # [فصلت: 30] # فبشرناها بإسحاق # [هود: 71]. قالوا: # بشرناك بالحق # [الحجر: 55]. فلم يرد الخلاف إلا في المضارع دون الماضي. # وقد تقدم معنى البشارة واشتقاقها في سورة البقرة. # قوله: { بيحيى } متعلق ms1853 ب { يبشرك } ولا بد من حذف مضاف، ~~أي: بولادة يحيى؛ لأن الذوات ليست متعلقة للبشارة، ولا بد في الكلام من ~~حذف معمول قاد إليه السياق، تقديره: بولادة يحيى منك ومن امرأتك، دل ~~على ذلك قرينة الحال وسياق الكلام. # و " يحيى " فيه قولان: # أحدهما - وهو المشهور عند المفسرين -: أنه منقول من الفعل المضارع وقد ~~سموا بالأفعال كثيرا، نحو يعيش ويعمر ويموت. # قال قتادة: " سمي { يحيى } لأن الله أحياه بالإيمان ". # وقال الزجاج: " حيي بالعلم " وعلى هذا فهو ممنوع من الصرف للعلمية ~~ووزن الفعل، نحو يزيد ويشكر وتغلب. # والثاني: أنه أعجمي لا اشتقاق له - وهو الظاهر - فامتناعه للعلمية ~~والعجمة الشخصية. # وعلى كلا القولين يجمع على " يحيون " بحذف الألف وبقاء ~~الفتحة تدل عليها. # وقال الكوفيون: إن كان عربيا منقولا من الفعل فالأمر كذلك، وإن كان ~~أعجميا ضم ما قبل الواو، وكسر ما قبل الياء؛ إجراء له مجرى ~~المنقوص، نحو جاء القاضون، ورأيت القاضين، نقل هذا أبو حيان عنهم. ~~ونقل ابن مالك عنهم أن الاسم إن كانت ألفه زائدة ضم ما قبل الواو، ~~وكسر ما قبل الياء، نحو: جاء حبلون ورأيت حبلين، وإن كانت أصلية ~~نحو دجون وجب فتح ما قبل الحرفين. # قالوا: فإن كان أعجميا جاز الوجهان؛ لاحتمال أن تكون ألفه أصلية أو ~~زائدة؛ إذ لا يعرف له اشتقاق. ويصغر يحيى على " يحيى " وأنشد ~~للشيخ أبي عمرو بن الحاجب في ذلك: [مجزوء الرمل] # 1433- أيها العالم بالتصر # يف لا زلت تحيا # قال قوم: إن يحيى # إن يصغر فيحيا # وأبى قوم فقالوا # ليس هذا الرأي حيا # إنما كان صوابا # لو أجابوا بيحيا # كيف قد ردوا يحيا # والذي اختاروا يحيا؟ # أتراهم في ضلال # أم ترى وجها يحيا؟ # وهذا جار مجرى الألغاز في تصغير هذه اللفظة، وذلك يختلف بالتصريف ~~والعمل، وهو أنه لما اجتمع في آخر الاسم المصغر ثلاث ياءات جرى فيه ~~خلاف بين النحاة بالنسبة إلى الحذف والإثبات، وأصل المسألة تصغير " ~~أحوى " وينسب إلى " يحيى " " يحيى " - بحذف الألف، تشبيها ~~لها بالزائد - نحو حبلي - في حبلى - و " يحيوي ms1854 " - بالقلب؛ ~~لأنها أصل كألف ملهوي، أو شبيهة بالأصل إن كان أعجميا - و " ~~يحياوي " - بزيادة ألف قبل قلب ألفه واوا. # وقرأ حمزة والكسائي " يحيى " بالإمالة؛ لأجل الياء والباقون ~~بالتفخيم. # قال ابن عباس: " سمي " يحيى؛ لأن الله أحيا به عقر أمه. # وقال قتادة: لأن الله أحيا قلبه بالإيمان. # وقيل: لأن الله أحياه بالطاعة حتى إنه لم يعص الله، ولم يهم ~~بمعصية. # قال القرطبي: " كان اسمه - في الكتاب الأول - حيا، وكان اسم سارة - ~~زوجة إبراهيم - يسارة، وتفسيره بالعربية: لا تلد، فلما بشرت بإسحاق ~~قيل لها: سارة، سماها بذلك جبريل - عليه السلام - فقالت: يا إبراهيم، ~~لم نقص من اسمي حرف؟ فقال إبراهيم ذلك لجبريل - عليه السلام - فقال: إن ~~ذلك حرف زيد في اسم ابن لها من أفضل الأنبياء، اسمه حيا، فسمي ~~بيحيى ". # قوله: { مصدقا } حال من " يحيى " وهذه حال مقدرة. # وقال ابن عطية: " هي حال مؤكدة بحسب حال هؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام ". و " بكلمة " متعلق ب " مصدقا ". # وقرأ أبو السمال " بكلمة " - بكسر الكاف وسكون اللام - وهي لغة ~~صحيحة؛ وذلك أنه أتبع الفاء للعين في حركتها، فالتقى بذلك كسرتان، فحذف ~~الثانية؛ لأجل الاستثقال. # فصل # قيل: المراد بها الجمع؛ إذ المقصود التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب ~~الله تعالى المنزلة فعبر عن الجمع ببعضه، ومثل هذا قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد " # حيث قال: [الطويل] # 1434- ألا كل شيء ما خلا الله باطل # ............................. # وذكر جابر - رضي الله عنه - الحويدرة فقال: لعن الله كلمته - ~~يعني قصيدته. # وقال الجمهور: الكلمة: هي عيسى عليه السلام. # قال السدي: لقيت أم عيسى، أم يحيى - وهذه حامل بعيسى، وتلك حامل ~~بيحيى - فقالت أم يحيى: أشعرت أني حبلى؟: فقالت: مريم: وأنا - ~~أيضا - حبلى، قالت امرأة زكريا: فإني وجدت ما في بطني يسجد لما في ~~بطنك، فذلك قوله: { مصدقا بكلمة من الله }. # قال القرطبي: " روي أنها أحست بجنينها يخر برأسه إلى ناحية ~~بطن مريم ". # وقال ابن عباس: إن يحيى كان أكبر سنا من عيسى بستة أشهر. # وقيل: بثلاث سنين، ms1855 وكان يحيى أول من آمن به وصدق بأنه كلمة الله وروحه. # وسمي عيسى عليه السلام كلمة. قيل: لأنه خلق بكلمة من الله { كن ~~فيكون } من غير واسطة أب فسمي لهذا كلمة - كما يسمى المخلوق خلقا، ~~والمقدور قدرة، والمرجو رجاء، والمشتهى شهوة - وهو باب مشهور في ~~اللغة. # وقيل: هو بشارة الله مريم بعيسى - بكلامه على لسان جبريل عليه ~~السلام. # وقيل: لأنه تكلم في الطفولية، وأتاه الكتاب في زمن الطفولية، ~~فلهذا كان بالغا مبلغا عظيما، فسمي كلمة كما يقال: فلان جود ~~وإقبال - إذا كان كاملا فيهما. # وقيل: لما وردت البشارة به في كتب الأنبياء قبله، فلما جاء قيل: هذا هو ~~تلك الكلمة - كما إذا أخبر عن حدوث أمر، فإذا حدث ذلك الأمر، قال: قد ~~جاء قولي، وجاء كلامي - أي: ما كنت أقول، وأتكلم به - ونظيره قوله تعالى: # وكذلك حقت كلمت ربك على الذين كفروا ~~أنهم أصحاب النار # [غافر: 6] وقوله: # ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين # [الزمر: 71]. # وقيل: لأن الإنسان قد يسمى ب " فضل الله " و " لطف الله " وكذلك ~~عيسى كان اسمه كلمة الله وروح الله. # واعلم أن كلمة الله - تعالى - كلامه، وكلامه - على قول أهل السنة - صفة ~~قديمة قائمة بذاته وفي قول المعتزلة: صفة يخلقها الله في جسم مخصوص، ~~دالة بالوضع على معاني مخصوصة. # وضروري حاصل بأن الصفة القديمة، أو الأصوات التي هي أعراض غير باقية ~~يستحيل أن يقال: إنها ذات عيسى، ولما كان ذلك باطلا في بداهة العقول، لم ~~يبق إلا التأويل. # قوله: { من الله } في محل جر؛ صفة ل " كلمة " فيتعلق بمحذوف، ~~أي: بكلمة كائنة من الله { وسيدا وحصورا ونبيا } أحوال ~~أيضا - كمصدقا. والسيد: فيعل، والأصل سيود، ففعل به ما فعل ~~ب " ميت " ، كما تقدم، واشتقاقه من ساد، يسود، سيادة، ~~وسؤددا - أي فاق نظراءه في الشرف والسؤدد. # ومنه قوله: [الرجز] # 1435- نفس عصام سودت عصاما # وعلمته الكر والإقداما # وصيرته بطلا هماما # وجمعه على " فعلة " شاذ قياسا، فصيح استعمالا؛ قال تعالى: # إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا # [الأحزاب: 67]. # وقال بعضهم: سمي سيدا؛ لأنه يسود ms1856 سواد الناس أي: معظمهم ~~وجلهم. والأصل سودة، و " فعلة " ل " فاعل " نحو كافر وكفرة، ~~وفاجر وفجرة، وبار وبررة. # وقال ابن عباس: السيد: الحليم. # قال الجبائي: إنه كان سيدا للمؤمنين، ورئيسا لهم في الدين - أعني: في ~~العلم والحلم والعبادة و الورع. # قال مجاهد: السيد: الكريم على الله تعالى. # وقال ابن المسيب: السيد: الفقيه العالم. # وقال عكرمة: السيد: الذي لا يغلبه الغضب. # وقيل: هو الرئيس الذي يتبع، وينتهى إلى قوله. # وقال المفضل: السيد في الدين. # وقال الضحاك: الحسن الخلق. # وقال سعيد بن جبير: هو الذي يطيع ربه. # ويقول عن الضحاك: السيد: التقي. # وقال سفيان: الذي لا يحسد. # وقيل: هو الذي يفوق قومه في جميع خصال الخير. # وقيل: هو القانع بما قسم الله له. # وقيل: هو السخي. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " " من سيدكم يا بني سلمة "؟ قالوا: جد بن قيس على ~~بخله، فقال: " وأي دواء أدوى من البخل، لكن سيدكم عمرو بن الجموح ~~" " # وفي الآية بذلك دليل على جواز تسمية الإنسان سيدا كما تجوز تسميته ~~عزيزا وكريما. وقال صلى الله عليه وسلم لبني قريظة: # " قوموا إلى سيدكم ". # وقال - في الحسن -: # " إن ابني هذا سيد، فلعل الله يصلح به بين فئتين ~~عظيمتين من المسلمين ". # قال الكسائي: السيد من المعز: [المسن]. وفي الحديث: # " الثني من الضأن خير من السيد من المعز المسن ". # وقال الشاعر: [الطويل] # 1436- سواء عليه شاة عام دنت له # ليذبحها للضيف أم شاة سيد # والحصور: فعول للمبالغة، محول من حاصر، كضروب. # وفي قوله: [الطويل] # 1437- ضروب بنصل السيف سوق سمانها # إذا عدموا زادا فإنك حاصر # وقيل: بل هو فعول بمعنى: مفعول، أي: محصور، ومثله ركوب بمعنى: مركوب، ~~وحلوب بمعنى: محلوب. # والحصور: الذي يكتم سره. # قال جرير: [الكامل] # 1438- ولقد تسقطني الوشاة فصادفوا # حصرا بسرك يا أميم ضنينا # وهو البخيل - أيضا - قال: [البسيط] # 1439-........................ # لا بالحصور ولا فيها بسئار # وقد تقدم اشتقاق هذه المادة وهو مأخوذ من المنع؛ وذلك لأن الحصور هو ~~الذي لا يأتي النساء - إما لطبعه على ذلك، وإما لمغالبته نفسه - قال ms1857 ابن ~~مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وعطاء والحسن: الحصور: الذي لا ~~يأتي النساء ولا يقربهن، وهو - على هذا - بمعنى فاعل، يعني أنه يحصر ~~نفسه عن الشهوات. # قال سعيد بن المسيب هو العنين الذي لا ماء له، فيكون بمعنى " ~~مفعول " كأنه ممنوع من النساء. # واختيار المحققين أنه الذي لا يأتي النساء لا للعجز بل للعفة والزهد - ~~مثل الشروب والظلوم والغشوم - والمنع إنما يحصل إذا كان المقتضي قائما، ~~والدفع إنما يحصل عند قوة الداعية والرغبة والغلمة. والكلام إنما خرج ~~مخرج الثناء وأيضا فإنه أبعد من إلحاق الآفة بالأنبياء - والصفة التي ~~ذكروها صفة نقص، وذكر صفة النقصان في معرض المدح، لا يجوز، ولا يستحق ~~به ثوابا ولا تعظيما. # فصل # احتج بعضهم - بهذه الآية - على أن ترك النكاح أفضل؛ لأنه - تعالى - ~~مدحه بترك النكاح، فيكون تركه أفضل في تلك الشريعة، فيجب أن يكون الأمر ~~كذلك في شريعتنا؛ للنص والمعقول أما النص فقوله تعالى: # أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده # [الأنعام: 90]. # وأما المعقول فهو أن الأصل في الثابت بقاؤه على ما كان، والنسخ على ~~خلاف الأصل. # وأجيبوا بأن هذا منسوخ بقوله - " تناكحوا تناسلوا " وقوله: " لا ~~رهبانية في الإسلام ". وقوله عليه الصلاة والسلام: # " النكاح سنتي وسنة الأنبياء من قبلي، فمن ~~رغب عن سنتي فليس مني ". # وقولهم: النسخ على خلاف الأصل. # قلنا: مسلم إذا لم يعلم الناسخ، وقد علمناه. # قوله: { ونبيا } اعلم أن السيادة إشارة إلى أمرين: # أحدهما: القدرة على ضبط مصالح الخلق فيما يرجع إلى تعليم الدين. # والثاني: ضبط مصالحهم في تأديبهم، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. # والحصور إشارة إلى الزهد التام، فلما اجتمعا حصلت النبوة؛ لأنه ليس ~~بعدهما إلا النبوة. # قوله: { من الصالحين } صفة لقوله: { ونبيا } فهو في محل ~~نصب، وفي معناه ثلاثة أوجه: # الأول: معناه من أولاد الصالحين. # الثاني: أنه خير - كما يقال للرجل الخير: إنه من الصالحين. # الثالث: أن صلاحه كان أتم من صلاح سائر الأنبياء؛ لقوله - عليه السلام ~~-: # " ما من نبي إلا عصى وهم بمعصية إلا يحيى بن ~~زكريا، فإنه ms1858 لم يعص ولم يهم بمعصية ". # فإن قيل: إن كان منصب النبوة أعلى من منصب الصلاح، فما الفائدة في ذكر ~~منصب الصلاح بعد ذكر النبوة؟ # فالجواب: أن سليمان - بعد حصول النبوة - قال: # وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين # [النمل: 19]. # وتحقيقه أن للأنبياء قدرا من الصلاح لو انتقص لانتفت النبوة، فذلك ~~القدر - بالنسبة إليهم - يجري مجرى حفظ الواجبات - بالنسبة إلينا - وبعد ~~اشتراكهم في ذلك القدر تتفاوت درجاتهم في الزيادة على ذلك القدر، فكلما ~~كان أكثر نصيبا كان أعلى قدرا. # والله أعلم. # قوله: { أنى يكون لي غلام } يجوز أن تكون الناقصة، وفي خبرها ~~- حينئذ - وجهان: # أحدهما: " { أنى " لأنها بمعنى " كيف " أو بمعنى " من أين "؟، و ~~" لي " - على هذا - تبيين. # والثاني: أن الخبر هو الجار والمجرور، و " كيف " منصوب على الظرف. ويجوز ~~أن تكون التامة، فيكون الظرف والجار - كلاهما - متعلقين ب " يكون " ، ~~أي: كيف يحدث لي غلام؟ # ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من " غلام "؛ لأنه لو تأخر لكان ~~صفة له. # قوله: { وقد بلغني الكبر } جملة حالية. # قال أهل المعاني: " كل شيء صادفته وبلغته فقد صادفك وبلغك ". # فلهذا جاز أن نقول: بلغت الكبر، وجاز أن تقول: بلغني الكبر، ~~يدل عليه قول العرب: تلقيت الحائط وتلقاني الحائط. # وقيل: لأن الحوادث تطلب الإنسان. وقيل: هو من المقلوب، كقوله: [البسيط] # 1440- مثل القنافذ هداجون قد بلغت # نجران أو بلغت سوآتهم هجر # فإن قيل: أيجوز بلغني البلد في موضع بلغت البلد؟ # فالجواب: أنه لا يجوز، والفرق بينهما أن الكبر كالشيء الطالب للإنسان، ~~فهو يأتيه بحدوثه فيه والإنسان أيضا يأتيه - أيضا - بمرور السنين عليه، ~~أما البلد فليس كالطالب للإنسان الذاهب، فظهر الفرق. # فصل # قدم في هذه السورة حال نفسه، وأخر حال امرأته، وفي سورة مريم عكس. # فقيل: لأن ضرب الآيات - في مريم - مطابق لهذا التركيب؛ لأنه قدم ~~وهن عظمه، واشتعال شيبه، وخوفه مواليه ممن ورائه، وقال: " ~~وكانت امرأتي عاقرا " فلما أعاد ذكرهما في استفهامه أخر ~~ذكر الكبر، ليوافق رؤوس الآي - وهي باب مقصود في الفصاحة - والعطف ~~بالواو لا يقتضي ترتيبا ms1859 زمانيا فلذلك لم يبال بتقديم ولا تأخير. # فصل # الغلام: الفتي السن من الناس - وهو الذي بقل شاربه - ~~وإطلاقه على الطفل وعلى الكهل مجاز؛ أما الطفل فللتفاؤل بما يئول إليه، ~~وأما الكهل، فباعتبار ما كان عليه. # قالت ليلى الأخيلية: [الطويل] # 1441- شفاها من الداء العضال الذي بها # غلام إذا هز القناة سقاها # وقال بعضهم: ما دام الولد في بطن أمه سمي جنينا، قال تعالى: # وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم # [النجم: 32] سمي بذلك لاجتنانه في الرحم، فإذا ولد سمي صبيا، ~~فإذا فطم سمي غلاما إلى سبع سنين، ثم يسمى يافعا إلى أن يبلغ ~~عشر سنين، ثم يطلق عليه حزور إلى خمس عشرة سنة، ثم يصير قمرا إلى ~~خمس وعشرين سنة، ثم عنطنطا إلى ثلاثين. # قال الشاعر: [الطويل] # 1442- وبالمخض حتى صار جعدا عنطنطا # إذا قام ساوى غارب الفحل غاربه # ثم حلحلا إلى أربعين، ثم كهلا إلى خمسين - وقيل: إلى ستين - ثم ~~شيخا إلى ثمانين، وسيأتي له مزيد بيان إن شاء الله تعالى عند قوله: # في المهد وكهلا # [آل عمران: 46] ثم هو راغم بعد ذلك. # واشتقاق " الغلام " من الغلمة والاغتلام، وهو طلب النكاح، لما كان ~~مسببا عنه أخذ منه لفظه. # ويقال: اغتلم الفحل: أي: اشتدت شهوته إلى طلب النكاح، واغتلم البحر، ~~أي: هاج وتلاطمت أمواجه، مستعار منه. # وجمعه - في القلة - أغلمة، وفي الكثرة: غلمان، وقد جمع - شذوذا - ~~على غلمة، وهل هذه الصيغة جمع تكسير أو اسم جمع؟ # قال الفراء: " يقال: غلام بين الغلومة والغلومية والغلامية، قال: ~~والعرب تجعل مصدر كل اسم ليس له فعل معروف على هذا المثال فيقولون: عبد ~~بين العبودية والعبادية - يعني لم تتكلم العرب من هذا بفعل - ". # قال القرطبي: والغيلم: ذكر السلحفاة، والغيلم: موضع. # وهي مصدر كبر يكبر كبرا أي: طعن في السن، قال: [الطويل] # 1443- صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا # إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم # فصل # قال الكلبي: كان زكريا - يوم بشر بالولد - ابن ثنتين وتسعين سنة. # وقيل: ابن ثنتين وسبعين سنة. # وروى الضحاك - عن ابن عباس - قال: ms1860 كان ابن عشرين ومائة سنة، وكانت ~~امرأته بنت ثمان وتسعين سنة. # فإن قيل: قوله: { رب أنى يكون } خطاب مع الله، أو مع ~~الملائكة، وليس جائزا أن يكون مع الله تعالى؛ لأن الآية المقدمة دلت ~~على أن الذين نادوه هم الملائكة، وهذا الكلام، لا بد أن يكون ~~خطابا مع ذلك المنادى لا مع غيره، وليس جائزا أن يكون خطابا مع ~~الملك؛ لأنه لا يجوز أن يقول الإنسان للملك: يا رب، فذكر المفسرون فيه ~~جوابين: # أحدهما: أن الملائكة لما نادوه وبشروه تعجب زكريا، ورجع في إزالة ~~ذلك التعجب إلى الله - تعالى -. # الثاني: أنه خطاب مع الملائكة، و الرب إشارة إلى المربي، ويجوز ~~وصف المخلوق به، فإنه يقال: فلان يربيني ويحسن إلي. # فإن قيل: لم قال زكريا - بعدما وعده الله وبشره بالولد -: { أنى ~~يكون لي غلام } أكان ذلك عنده محال أو شكا في وعد الله وقدرته؟ # فالجواب: من وجوه: # أحدها: إن قلنا: معناه من أين؟ هذا الكلام لم يكن لأجل أنه لو كان لا ~~نطفة إلا من خلق، ولا خلق إلا من نطفة، لزم التسلسل، ولزم حدوث ~~الحوادث في الأزل - وهو محال - فعلمنا أنه لا بد من الانتهاء إلى مخلوق ~~خلقه الله - تعالى - لا من نطفة، أو من نطفة خلقها الله - تعالى - لا ~~من إنسان. # [ثانيها]: يحتمل أن زكريا طلب ذلك من الله - تعالى - فلو كان ذلك ~~محالا ممتنعا لما طلبه من الله - تعالى -. # وإذا كان معنى " أنى ": كيف، فحدوث الولد يحتمل وجهين: # أحدهما: أي منع شيخوخته، وشيخوخة امرأته، أو يجعله وامرأته شابين، أو ~~يرزقه الله ولدا من امرأة أخرى، فقوله: { رب أنى يكون لي ~~غلام } معناه: كيف تعطيني الولد؟ فسأل عن الكيفية على القسم الأول، ~~أما على القسم الثاني فقال مستفهما لا شاكا. قاله الحسن والأصم. # وثانيهما: أن من كان آيسا من الشيء مستبعدا لحصوله ووقوعه، إذا اتفق ~~أن حصل له ذلك المقصود، فربما صار كالمدهوش من شدة الفرح، ويقول: كيف ~~حصل هذا؟ ومن أين وقع؟ كمن يرى إنسانا وهب أموالا عظيمة، ms1861 يقول: كيف ~~وهب هذه الأموال؟ ومن أين سمحت نفسك بهبتها. كذا هنا. # الثالث: أن الملائكة لما بشروه بيحيى، لم يعلم أنه يرزق الولد من ~~جهة أنثى، أو من صلبه، فذكر هذا الكلام ليزول ذلك الاحتمال. # الرابع: أن العبد إذا كان في غاية الاشتياق إلى شيء يطلب من السيد، ثم ~~إن السيد يعده بأنه سيعطيه، فعند ذلك يلتذ السائل بسماع ذلك، ~~فربما أعاد السؤال؛ ليعيد ذلك الجواب، فحينئذ يلتذ بسماع تلك الإجابة ~~مرة أخرى، فيحتمل أن يكون هذا هو السبب في إعادة هذا الكلام. # الخامس: نقل عن سفيان بن عيينة قال: كان دعاؤه قبل البشارة بستين سنة ~~حتى كان نسي ذلك السؤال وقت البشارة، فلما سمع البشارة - زمان الشيخوخة ~~- استبعد ذلك - على مجرى العادة لا شكا في قدرة الله - تعالى -. # السادس: قال عكرمة والسدي: إن زكريا - عليه السلام - جاءه ~~الشيطان عند سماع البشارة، فقال يا زكريا إن هذا الصوت من الشيطان - وقد ~~سخر منك - ولو كان من الله لأوحاه إليك كما يوحي إليك في سائر الأمور، ~~فقال زكريا ذلك؛ دفعا للوسوسة، ومقصوده من هذا الكلام أن يريه الله ~~آية تدل على أن ذلك الكلام من الوحي والملائكة لا من إلقاء ~~الشيطان. # قال القرطبي: لا يجوز أن يشتبه كلام الملائكة بكلام الشياطين عند ~~الأنبياء عليهم السلام؛ إذ لو جوزنا ذلك لارتفع الوثوق عن كل ~~الشرائع. # ويمكن أن يجاب بأنه لما قامت المعجزات على صدق الوحي في كل ما يتعلق ~~بالدين لا جرم حصل الوثوق هناك بأن الوحي من الله بواسطة الملائكة، ولا ~~مدخل للشيطان فيه، أما ما يتعلق بمصالح الدنيا أو الولد، فربما لا ~~يتأكد ذلك بالمعجزات. فلا جرم [بقي احتمال كون ذلك الكلام من الشيطان]، ~~فرجع إلى الله - تعالى - في أن يزيل عن خاطره ذلك الاحتمال. # قوله: { وامرأتي عاقر } جملة حالية، إما من الياء في " لي " ~~فيتعدد الحال - عند من يراه - وإما من الياء في " بلغني " ، ~~والعاقر: من لا يولد له رجلا كان أو امرأة، مشتقا من العقر، وهو ~~القتل، كأنهم ms1862 تخيلوا فيه قتل أولاده، والفعل - بهذا المعنى - لازم، وأما ~~عقرت - بمعنى " نحرت " فمتعد. # قال تعالى: # فعقروا الناقة # [الأعراف: 77]. # وقال الشاعر: [الطويل] # 1444-........................ # عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل # وقيل: عاقر - على النسب - أي: ذات عقر، وهي بمعنى مفعول، أي: معقورة، ~~ولذلك لم تلحق تاء التأنيث، والعقر بفتح العين وضمها - أصل الشيء، ~~ومنه عقر الدار، وعقر الحوض، وفي الحديث: # " ما غزي قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا " # وعقرته، أي: أصبت عقره، أي: أصله - نحو رأسته، أي أصبت رأسه، والعقر - ~~أيضا - آخر الولد، وكذلك بيضة العقر، والعقار: الخمر لأنها تعقر العقل ~~- مجازا - وفي كلامهم رفع فلان عقيرته، أي: صوته، وذلك أن رجلا ~~عقر رجله فرفع صوته، فاستعير ذلك لكل من رفع صوته. وقال: وأنشد ~~الفراء: [الرجز] # 1445- أرزام باب عقرت أعواما # فعلقت بنيها تسماما # وقال بعضهم: يقال: عقرت المرأة تعقر عقرا وعقارا ويقال: عقر ~~الرجل وعقر وعقر إذا لم تحبل زوجته، فجعل الفعل المسند إلى الرجل ~~أوسع من المسند إلى المرأة. # قال الزجاج: عاقر بمعنى ذات عقر قال: لأن فعلت أسماء الفاعلين منه ~~على فعيل نحو ظريفة، وكريمة، وإنما عاقر على ذات عقر، قلت: وهذا نص في ~~أن الفعل المسند للمرأة لا يقال فيه إلا عقرت - بضم القاف؛ إذ لو ~~جاز فتحها، أو كسرها لجاء منهما فاعل - من غير تأويل على النسب، ومن ~~ورود عاقر وصفا للرجل قول عامر بن الطفيل: [الطويل] # 1446- لبئس الفتى إن كنت أعور عاقرا # جبانا فما عذري لدى كل محضر # قال القرطبي: " والعاقر: العظيم من الرمل، لا ينبت شيئا، والعقر ~~- أيضا - مهر المرأة إذا وطئت بشبهة وبيضة العقر: زعموا ~~أنها بيضة الديك، لأنه يبيض في عمره بيضة واحدة إلى الطول، وعقر النار ~~- أيضا - وسطها ومعظمها وعقر الحوض: مؤخره - حيث تقف الإبل إذا وردت ~~". # قوله: { قال كذلك } هذا القائل هو الرب المذكور في قوله: { رب ~~أنى يكون لي غلام } وقد ذكرنا أنه يحتمل أن يكون هو الله ~~تعالى, وأن يكون هو جبريل - عليه السلام. # قوله: { كذلك الله يفعل ما يشآء ms1863 } في الكاف وجهان: # أحدهما: أنها في محل نصب، وفيه التخريجان المشهوران: # الأول - وعليه أكثر المعربين -: أنها نعت لمصدر محذوف، وتقديره يفعل ~~الله ما يشاء من الأفعال العجيبة، مثل ذاك الفعل، وهو خلق الولد بين شيخ ~~فان وعجوز عاقر. # والثاني أنها في محل نصب على الحال من ضمير ذلك المصدر، أي: يفعل الفعل ~~حال كونه مثل ذلك وهو مذهب سيبويه، وقد تقدم إيضاحه. # الثاني - من وجهي الكاف -: أنها في محل رفع خبر مقدم، ولفظ الجلالة ~~مبتدأ مؤخر، فقدره الزمخشري على نحو هذه الصفة لله، ويفعل ما يشاء بيان ~~له، وقدره ابن عطية: " كهذه القدرة المستغربة هي قدرة الله ". # وقدره أبو حيان، فقال: " وذلك على حذف مضاف، أي: صنع الله الغريب مثل ~~ذلك الصنع، فيكون { يفعل ما يشاء } شرحا للإبهام الذي في اسم ~~الإشارة ". # فالكلام - على الأول - جملة واحدة، وعلى الثاني جملتان. # وقال ابن عطية: " ويحتمل أن تكون الإشارة بذلك إلى حال زكريا وحال ~~امرأته، كأنه قال: رب على أي وجه يكون لنا غلام ونحن بحال كذا؟ فقال ~~لهما: كما أنتما يكون لكما الغلام، والكلام تام، على هذا التأويل - في ~~قوله " كذلك " ، وقوله: { الله يفعل ما يشآء } جملة مبينة ~~مقررة في النفس وقوع هذا الأمر المستغرب ". # وعلى هذا الذي ذكره يكون " كذلك " متعلقا بمحذوف، و " الله ~~يفعل " جملة منعقدة مع مبتدأ وخبر. # قوله: { اجعل لي آية } يجوز أن يكون الجعل بمعنى التصيير، ~~فيتعدى لاثنين: أولهما " آية " الثاني: الجار قبله، و التقديم - هنا - ~~واجب؛ لأنه لا مسوغ للابتداء بهذه النكرة - وهي آية - أي: لو انحلت إلى ~~مبتدأ وخبر إلا تقدم هذا الجار، وحكمها بعد دخول الناسخ حكمها قبله، ~~والتقدير: صير آية من الآيات لي، ويجوز أن يكون بمعنى الخلق والإيجاد - ~~أي: أوجد لي آية - فيتعدى لواحد، وفي " لي " - على هذا - وجهان: # أحدهما: أن يتعلق بالجعل. # والثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من " آية "؛ لأنه لو تأخر لجاز ~~أن يقع صفة لها. ويجوز أن يكون للبيان. # وحرك الياء - بالفتح - نافع وأبو عمرو، وسكنها ms1864 الباقون. # فصل # المراد بالآية: العلامة، أي: علامة أعلم بها وقت حمل امرأتي، فأزيد ~~في العبادة شكرا لذلك، وذكروا في الآية وجوها: # أحدها: أنه - تعالى - حبس لسانه ثلاثة أيام، فلم يقدر أن يكلم الناس ~~إلا رمزا؛ وهو قول أكثر المفسرين، وفيه فائدتان: # إحداهما: أن يكون ذلك دليلا على علوق الولد. # والثانية: أنه تعالى - حبس لسانه عن أمور الدنيا، وأقدره على الذكر، ~~والتسبيح، والتهليل، فيكون في تلك المدة مشتغلا بذكر الله - تعالى - ~~وبالطاعة وبالشكر على تلك النعمة. # واعلم أن اشتمال تلك الواقعة على المعجزة من وجوه: # أحدها: أن قدرته على التكلم بالتسبيح والذكر، وعجزه عن الكلام بأمور ~~الدنيا من أعظم المعجزات. # وثانيها: أن حصول تلك المعجزة في تلك الأيام المقدرة - مع حصول البنية ~~واعتدال المزاج - معجزة ظاهرة. # ثالثها: أن إخباره بأنه متى حصلت هذه الحالة، فقد حصل الولد، ثم إن ~~الأمر خرج على وفق هذا الخبر. # الثاني: قال أبو مسلم: إن زكريا لما طلب من الله آية تدل على علوق ~~الولد، قال تعالى: آيتك أن تصير مأمورا بأن لا تكلم الناس ثلاثة أيام ~~بلياليها مع الخلق، وأن تكون مشتغلا بالذكر، والتسبيح، والتهليل، معرضا ~~عن الخلق والدنيا؛ شكرا لله - تعالى - على إعطاء مثل هذه الموهبة، فإن ~~كانت لك حاجة دل عليها بالرمز، فإذا أمرت بهذه الطاعة فقد حصل ~~المطلوب. # الثالث: قال قتادة: أمسك لسانه عن الكلام؛ عقوبة لسؤاله الآية - بعد ~~مشافهة الملائكة له بالبشارة - فلم يقدر على الكلام ثلاثة أيام. # وقوله: { ألا تكلم } " أن " وما في حيزها في محل رفع؛ خبرا ~~لقوله: { آيتك } أي آيتك عدم كلامك الناس. والجمهور على نصب " ~~تكلم " بأن المصدرية. # وقرأ ابن أبي عبلة برفعه، وفيه وجهان: # أحدهما: أن تكون " أن " مخففة من الثقيلة، واسمها - حينئذ - ضمير الشأن ~~محذوف والجملة المنفية بعدها في محل رفع، خبرا ل " أن " ومثله: # أفلا يرون ألا يرجع # [طه: 89] وقوله: # وحسبوا ألا تكون فتنة # [المائدة: 71] ووقع الفاصل بين " أن " والفعل الواقع خبرها حرف نفي، ~~ولكن يضعف كونها مخففة عدم وقوعها بعد فعل يقين. # والثاني: ms1865 أن تكون " أن " الناصبة حملت على " ما " أختها، ومثله: # لمن أراد أن يتم الرضاعة # [البقرة: 233] و " أن " وما في حيزها - أيضا - في محل رفع، خبرا ل " ~~آيتك ". # قوله: { ثلاثة أيام } الصحيح أن هذا النحو - وهو ما كان من ~~الأزمنة يستغرق جميع الحدث الواقع فيه - منصوب على الظرف، خلافا ~~للكوفيين، فإنهم ينصبونه نصب المفعول به. # وقيل: وثم معطوف محذوف تقديره ثلاثة أيام ولياليها، فحذف، كقوله تعالى: # تقيكم الحر # [النحل: 81] ونظائره؛ يدل على ذلك قوله - في سورة مريم - # ثلاث ليال سويا # [مريم: 10] وقد يقال: إنه يؤخذ المجموع من الآيتين، فلا حاجة إلى ادعاء ~~حذف؛ فإنه على هذا التقدير الذي ذكرتموه - يحتاج إلى تقدير معطوف في ~~الآية الأخرى: ثلاث ليال وأيامها. # قوله: { إلا رمزا } فيه وجهان: # أحدهما: أنه استثناء منقطع؛ لأن الرمز ليس من جنس الكلام، إذ الرمز ~~الإشارة بعين، أو حاجب أو نحوهما، ولم يذكر أبو البقاء غيره. # وبه بدأ ابن عطية مختارا له، فإنه قال: " والمراد بالكلام - في الآية - ~~إنما هو النطق باللسان لا الإعلام بما في النفس، فحقيقة هذا الاستثناء، ~~منقطع، ثم قال: وذهب الفقهاء إلى أن الإشارة ونحوها في حكم الكلام في ~~الأيمان ونحوها؛ فعلى هذا يجيء الاستثناء متصلا ". # والوجه الثاني: أنه متصل؛ لأن الكلام لغة يطلق بإزاء معان: الرمز ~~والإشارة من جملتها. # أنشدوا: [الطويل] # 1447- إذا كلمتني بالعيون الفواتر # رددت عليها بالدموع البوادر # وقال آخر: [الطويل] # 1448- أرادت كلاما فاتقت من رقيبها # فلم يك إلا ومؤها بالحواجب # وهو مستعمل، قال حبيب: [البسيط] # 1449- كلمته بجفون غير ناطقة # فكان من رده ما قال حاجبه # وبهذا الوجه بدأ الزمخشري مختارا له، قال: " لما أدى مؤدى الكلام، ~~وفهم منه ما يفهم سمي كلاما، ويجوز أن يكون استثناء منقطعا ". # والرمز: الإشارة والإيماء بعين، أو حاجب أو يد - ذكر بعض المفسرين أن ~~إشارته كانت بالمسبحة ومنه قيل للفاجرة: الرمازة، والرمازة، ~~وفي الحديث: # " نهى عن كسب الرمازة " # يقال منه: رمزت ترمز وترمز - بضم العين وكسرها في المضارع. # وأصل الرمز: التحرك، يقال: رمز وارتمز أي: تحرك، ومنه قيل ms1866 للبحر: ~~الراموز، لتحركه واضطرابه. # وقال الراغب: " الرمز: الإشارة بالشفة والصوت الخفي، والغمز بالحاجب. ~~وما ارماز: أي ما تكلم رمزا، وكتيبه رمازة: أي: لم يسمع منها ~~إلا رمزا؛ لكثرتها ". # ويؤيد كونه الصوت الخفي - على ما قاله الراغب - أنه كان ممنوعا من رفع ~~الصوت. # قال الفراء: " قد يكون الرمز باللسان من غير أن يتبين، وهو الصوت ~~الخفي، شبه الهمس ". # وقال عطاء: أراد صوم ثلاثة أيام؛ لأنهم كانوا إذا صاموا لم يتكلموا إلا ~~رمزا. # وقرأ العامة: " رمزا " - بفتح الراء وسكون الميم - وقرأ يحيى بن ~~وثاب وعلقمة بن قيس " رمزا " بضمها - وفيه وجهان: # أحدهما: أنه مصدر على " فعل " - بتسكين العين - في الأصل، ثم ضمت ~~العين؛ إتباعا، كقولهم اليسر والعسر - في اليسر والعسر - وقد ~~تقدم كلام أهل التصريف فيه. # والثاني: أنه جمع رموز - كرسل في جمع رسول - ولم يذكر الزمخشري ~~غيره. # وقال أبو البقاء: " وقرئ بضمها - أي: الراء - وهو جمع رمزة - بضمتين ~~- وأقر ذلك في الجمع. ويجوز أن يكون مسكن الميم - في الأصل - وإنما ~~أتبع الضم الضم. # ويجوز أن يكون مصدرا غير جمع، وضم، إتباعا، كاليسر واليسر ". # قال شهاب الدين: قوله: " جمع رمزة " إلى قوله: في الأصل؛ كلام لا يفهم ~~منه معنى صحيح. # وقرأ الأعمش: " رمزا " بفتحهما. # وخرجها الزمخشري على أنه جمع رامز - كخادم وخدم - وانتصابه على هذا - ~~على الحال من الفاعل - وهو ضمير زكريا - والمفعول معا - وهو الناس - ~~كأنه قال: إلا مترامزين، كقوله: [الوافر] # 1450- متى ما تلقني فردين ترجف # روانف أليتيك وتستطارا # وكقوله: [الكامل] # 1451- فلئن لقيتك خاليين لتعلمن # أيي وأيك فارس الأحزاب؟ # قوله: " كثيرا " نعت لمصدر محذوف، أو حال من ضمير ذلك المصدر، أو نعت ~~لزمان محذوف تقديره: ذكرا كثيرا، أو زمانا كثيرا، والباء في قوله: ~~" بالعشي " بمعنى " في " أي: في العشي والإبكار. # والعشي: يقال من وقت زوال الشمس إلى مغيبها، كذا قال الزمخشري. # وقال الراغب: " العشي من زوال الشمس إلى الصباح ". والأول هو ~~المعروف. # قال الشاعر: [الطويل] # 1452- فلا الظل من برد الضحى تستطيعه # ولا الفيء من برد العشي تذوق # وقال الواحدي: " العشي: جمع ms1867 عشية، وهي آخر النهار ". # والعامة قرءوا: " والإبكار " بكسر الهمزة، وهو مصدر أبكر يبكر ~~إبكارا - أي: خرج بكرة، ومثله: بكر - بالتخفيف - وابتكر. # قال عمر بن أبي ربيعة: [الطويل] # 1453- أمن آل نعم أنت غاد فمبكر # ......................... # وقال: [الخفيف] # 1454- أيها الرائح المجد ابتكارا # ........................ # وقال أيضا: [الطويل] # 1455- بكرن بكورا واستحرن بسحرة # فهن لوادي الرس كاليد للفم # وقرئ شاذا " والأبكار " - بفتح الهمزة - وهو جمع بكر - بفتح الفاء ~~والعين - ومتى أريد به هذا الوقت من يوم بعينه امتنع من الصرف والتصرف، ~~فلا يستعمل غير ظرف، تقول: أتيتك يوم الجمعة بكر. وسبب منع صرفه ~~التعريف والعدل عن " أل ". فلو أريد به وقت مبهم انصرف نحو أتيتك ~~بكرا من الأبكار ونظيره سحر وأسحار - في جميع ما تقدم. # وهذه القراءة تناسب قوله: { بالعشي } عند من يجعلها جمع عشية؛ ~~ليتقابل الجمعان. # ووقت الإبكار من طلوع الفجر إلى وقت الضحى. # وقال الراغب: أصل الكلمة هي البكرة - أول النهار - فاشتق من لفظه لفظ ~~الفعل، فقيل: بكر فلان بكورا - إذا خرج بكرة. والبكور: المبالغ ~~في البكور، وبكر في حاجته، وابتكر وباكر. [وتصور فيها] معنى ~~التعجيل؛ لتقدمها على سائر أوقات النهار فقيل لكل متعجل: ~~بكر. # وظاهر هذه العبارة أن البكر مختص بطلوع الشمس إلى الضحى، فإن أريد ~~به من أول طلوع الفجر إلى الضحى فإنه على خلاف الأصل. # وقد صرح الواحدي بذلك، فقال: " هذا معنى الإبكار، ثم يسمى ما بين ~~طلوع الفجر إلى الضحى إبكارا كما يسمى إصباحا ". # فصل # قيل: المراد بالذكر الكثير: الذكر بالقلب، وقوله: { وسبح ~~بالعشي والإبكار } محمول على الذكر باللسان. # وقيل: المراد بالتسبيح: الصلاة؛ لأنها تسمى تسبيحا، قال تعالى: # فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون # [الروم: 17]. ومنه سمي صلاة الظهر والعصر: صلاتي العشي. ### || [3.42-51] # إن شئت جعلت " إذ " نسقا على الظرف قبله - وهو قوله: # إذ قالت امرأة عمران # [آل عمران: 35]، وإن شئت جعلته منصوبا بمقدر، قاله أبو البقاء. # وقرأ ابن مسعود وابن عمر: { وإذ قالت الملائكة } ، - دون ~~تاء تأنيث، وتقدم توجيهه في " فناداه الملائكة " - ومعمول القول الجملة ~~المؤكدة ب " إن " - من قوله: ms1868 { إن الله اصطفاك } - وكرر ~~الاصطفاء؛ رفعا من شأنها. # قال الزمخشري: " اصطفاك أولا حين تقبلك من أمك، ورباك، ~~واختصك بالكرامة السنية، واصطفاك آخرا على نساء العالمين، بأن وهب ~~لك عيسى من غير أب، ولم يكن ذلك لأحد من النساء ". # واصطفى: " افتعل " من الصفوة أبدلت التاء طاء؛ لأجل حرف الإطباق كما ~~تقدم تقريره في البقرة، وتقدم سبب تعديه ب " على " وإن كان أصل تعديته ~~بمن. # وقال أبو البقاء: " وكرر اصطفى إما توكيدا وإما لتبيين من اصطفاها ~~عليهم ". # وقال الواحدي: " وكرر الاصطفاء؛ لأن كلا الاصطفاءين يختلف معناهما، ~~فالاصطفاء الأول عموم يدخل فيه صوالح النساء، والثاني: اصطفاء بما ~~اختصت به من خصائصها ". # فصل # المراد بالملائكة - هنا جبريل وحده كقوله: # ينزل الملائكة بالروح من أمره # [النحل: 2] يعني: جبريل وإنما عدلنا عن الظاهر؛ لأن سورة مريم دلت على ~~أن المتكلم مع مريم عليه السلام هو جبريل؛ لقوله تعالى: # فأرسلنآ إليهآ روحنا # [مريم: 17]. # فصل # اعلم أن مريم - عليها السلام - ما كانت من الأنبياء، لقوله تعالى # ومآ أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم # [الأنبياء: 7]، وهذا الاستدلال فيه نظر؛ لأن الإرسال ليس هو ~~المدعى، وإنما المدعى هو النبوة، فإن كل رسول نبي، وليس كل ~~نبي رسولا، وإذا كان كذلك كان إرسال جبريل إليها إما يكون كرامة ~~لها - وهو مذهب من يجوز كرامات الأولياء - وإرهاصا لعيسى، والإرهاص: ~~هو مقدمة تأسيس النبوة، وإما أن يكون معجزة لزكريا عليه السلام وهو ~~قول جمهور المعتزلة. # وقال بعضهم: إن ذلك كان على سبيل النفث في الروع، والإلهام، والإلقاء ~~في القلب، كما كان في حق أم موسى - عليه السلام - في قوله: # وأوحينآ إلى أم موسى # [القصص: 7]. # فصل # قيل: المراد بالاصطفاء الأول أمور: # أحدها: أنه - تعالى - قبل تحريرها - مع كونها أنثى - ولم يحصل هذا ~~لغيرها. # وثانيها: قال الحسن: إن أمها لما وضعتها ما غذتها طرفة عين، بل ~~ألقتها إلى زكريا، فكان رزقها يأتيها من الجنة. # وثالثها: أنه - تعالى - فرغها لعبادته، وكفاها أمر رزقها. # ورابعها: أنه - تعالى - أسمعها كلام الملائكة شفاها، ولم يتفق ~~ذلك لأنثى غيرها. # فصل ms1869 # وفي التطهير أيضا وجوه: # أحدها: أنه - تعالى - طهرها عن الكفر والمعصية، كقوله تعالى في أزواج ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # ويطهركم تطهيرا # [الأحزاب: 33]. # وثانيها: طهرها عن مسيس الرجال. # وثالثها: طهرها عن الحيض والنفاس. # ورابعها: طهرها عن الأفعال الخسيسة. # وخامسها: طهرها عن مقال اليهود وكذبهم وافترائهم. وأما الاصطفاء الثاني، ~~فالمراد منه أنه - تعالى - وهب لها عيسى عليه السلام من غير أب، ~~وأنطق عيسى حين انفصاله منها وحين شهد لها ببراءتها من التهمة، ~~وجعلها وابنها آية للعالمين. وقال علي - رضي الله عنه - سمعت النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # " خير نسائها مريم ابنة عمران، وخير نسائها ~~خديجة " # رواه وكيع وأشار وكيع إلى السماء والأرض. # وعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء ~~إلا مريم ابنة عمران، وآسية امرأة فرعون، وإن ~~فضل عائشة على سائر النساء كفضل الثريد على ~~سائر الطعام ". # وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " حسبك من نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، ~~وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية ~~امرأة فرعون ". # وقيل: دل هذا الحديث على أن هؤلاء الأربع أفضل من سائر النساء، وهذه ~~الآية دلت على أن مريم عليها السلام أفضل من الكل. وقول من قال: ~~" المراد أنها مصطفاة على عالمي زمانها، فهذا ترك للظاهر. وروى ~~موسى بن عقبة عن كريب عن ابن عباس قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: # " سيدة نساء العالمين مريم ثم فاطمة، ثم ~~خديجة، ثم آسية " # حديث حسن. # قال القرطبي: خص الله مريم بما لم يؤته أحدا من النساء؛ وذلك أن ~~روح القدس كلمها، وظهر لها ونفخ في درعها، ودنا منها للنفخة، وليس ~~هذا لأحد من النساء، وصدقت بكلمات ربها، ولم تسأل آية عندما ~~بشرت - كما سأل زكريا - من الآية، ولذلك سماها الله - تعالى - في ~~تنزيله: صديقة، قال " وأمه صديقة " وقال: # وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من ~~القانتين # [التحريم: 12] فشهد لها بالصديقية وشهد لها بالتصديق بكلمات البشرى، ~~وشهد لها ms1870 بالقنوت؛ ولما بشر زكريا بالغلام لحظ إلى كبر سنه، ~~وعقم رحم امرأته فقال: # أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي ~~عاقر # [آل عمران: 40]، فسأل آية. وبشرت مريم بالغلام فلحظت أنها بكر، ولم ~~يمسسها بشر، فقيل لها كذلك قال ربك فاقتصرت على ذلك، وصدقت ~~بكلمات ربها، ولم تسأل آية، فمن يعلم كنه هذا الأمر، ومن لامرأة في ~~جميع نساء العالمين من بنات آدم ما لها من هذه المناقب؟ # قوله: { يمريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع ~~الراكعين } تقدم الكلام في القنوت عند قوله تعالى: # وقوموا لله قانتين # [البقرة: 238]. وأنه طول القيام. # فإن قيل: لم قدم ذكر السجود على الركوع؟ # فالجواب من وجوه: # أحدها: أن الواو تفيد التشريك لا الترتيب. # الثاني: أن غاية قرب العبد من ربه إذا كان ساجدا، فلما اختص السجود ~~بهذه الفضيلة قدم على باقي الطاعات. # الثالث: قال ابن الأنباري: " قوله تعالى: { اقنتي لربك } أمر ~~بالعبادة على العموم، وقوله بعد ذلك: { واسجدي واركعي } يعني ~~استعملي السجود في وقته اللائق به، وليس المراد أن تجمع بينهم، ثم تقدم ~~السجود على الركوع ". # الرابع: أن الصلاة تسمى سجودا - كما قيل في قوله: # وأدبار السجود # [ق: 40] وفي الحديث: # " إذا دخل أحدكم المسجد فليسجد سجدتين ". # وأيضا قال: فالسجود أفضل أجزاء الصلاة، وتسمية الشيء باسم أشرف أجزائه ~~مجاز مشهور. # وإذا ثبت ذلك فقوله: { يمريم اقنتي } معناه: قومي، وقوله: { ~~واسجدي } أمر ظاهر بالصلاة حال الانفراد، وقوله: { واركعي مع ~~الراكعين } أمر بالخضوع، والخشوع بالقلب. # الخامس: لعل السجود في ذلك الدين كان متقدما على الركوع. فإن قيل: ~~لم لم يقل: واركعي مع الراكعات؟ # فالجواب: لأن الاقتداء بالرجل - حال الاختفاء من الرجال - أفضل من ~~الاقتداء بالنساء. # وقيل: لأنه أعم وأشمل. # قال المفسرون: لما ذكرت الملائكة هذه الكلمات - شفاها - لمريم قامت في ~~الصلاة، حتى تورمت قدماها، وسالت دما وقيحا. # وقوله: { واركعي مع الراكعين } قيل: معناه: افعلي كفعلهم. # وقيل: المراد به الصلاة الجامعة. # قوله: { ذلك من أنبآء الغيب نوحيه } يجوز فيه أوجه: # أحدها: أن يكون " ذلك " خبر مبتدأ محذوف، وتقديره: الأمر ms1871 ذلك. و { ~~من أنبآء الغيب } - على هذا - يجوز أن يكون من تتمة هذا ~~الكلام, حالا من اسم الإشارة, ويجوز أن يكون الوقف على " ذلك " ويكون ~~{ من أنبآء الغيب } متعلقا بما بعده، وتكون الجملة من " ~~نوحيه " - إذ ذاك - إما مبينة وشارحة للجملة قبلها، وإما حالا. # الثاني: أن يكون " ذلك " مبتدأ، و { من أنبآء الغيب } ~~خبره، والجملة من " نوحيه " مستأنفة، والضمير من " نوحيه " عائد ~~على الغيب، أي: الأمر والشأن أنا نوحي إليك الغيب ونعلمك به ونظهرك على ~~قصص من تقدمك مع عدم مدارستك لأهل العلم والأخبار، ولذلك أتى بالمضارع ~~في " نوحيه ". وهذا أحسن من عوده على " ذلك "؛ لأن عوده على ~~الغيب يشمل ما تقدم من القصص، وما لم يتقدم منها، ولو أعدته على " ذلك ~~" اختص بما مضى وتقدم. # الثالث: أن يكون " نوحيه " هو الخبر و { من أنبآء الغيب } ~~على وجهيه المتقدمين من كونه حالا من ذلك، أو متعلقا ب " نوحيه ~~". # ويجوز فيه وجه ثالث - على هذا - وهو أن يجعل حالا من مفعول " ~~نوحيه " أي: نوحيه حال كونه بعض أنباء الغيب. # فصل # الإنباء هو الإخبار عما غاب عنك - والإيحاء، ورد بإزاء معان مختلفة، ~~وأصله إعلام في خفاء يكون بالرمز والإشارة ويتضمن السرعة. # كما في قوله: [الطويل] # 1456-................... # فأوحت إلينا والأنامل رسلها # وقال تعالى: # فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا # [مريم: 11]. ويكون بالكتابة، قال زهير: [الطويل] # 1457- أتى العجم والآفاق منه قصائد # بقين بقاء الوحي في الحجر الأصم # ويطلق الوحي على الشيء المكتوب، قال: [الكامل] # 1458- فمدافع الريان عري رسمها # خلقا كما ضمن الوحي سلامها # قيل: الوحي: جمع وحي - كفلس وفلوس - كسرت الحاء إتباعا. # قال القرطبي: " وأصل الوحي في اللغة: إعلام في خفاء ". # وتعريف الوحي بأمر خفي من إشارة، أو كتابة، أو غيرها، وبهذا التفسير ~~يعد الإلهام وحيا، كقوله تعالى: # وأوحى ربك إلى النحل # [النحل: 68] وقال - في الشياطين -: # ليوحون إلى أوليآئهم # [الأنعام: 121] وقال: # فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا # [مريم: 11]، فلما ألقى الله - تعالى - هذه الأنباء إلى الرسول عليه ~~السلام - بواسطة جبريل عليه السلام - بحيث يخفى ذلك ms1872 على غيره - سماه ~~وحيا. # قوله تعالى: { إذ يلقون } فيه وجهان: # أظهرهما: أنه منصوب بالاستقرار العامل في الظرف الواقع خبرا. # والثاني - وإليه ذهب الفارسي -: أنه منصوب ب " كنت ". وهو منه عجيب؛ ~~لأنه يزعم أنها مسلوبة الدلالة على الحدث، فكيف يعمل في الظرف، والظرف ~~وعاء للأحداث؟ # والذي يظهر أن الفارسي إنما جوز ذلك بناء على ما يجوز أن يكون ~~مرادا في الآية، وهو أن تكون " كان " تامة بمعنى: وما وجدت في ذلك ~~الوقت. # والضمير في " لديهم " عائد على المتنازعين في مريم - وإن لم يجر ~~لهم ذكر -؛ لأن السياق قد دل عليهم. # فإن قيل: لم نفيت المشاهدة - وانتفاؤها معلوم بالضرورة - وترك نفي ~~استماع هذه الأنباء من حفاظها، وهو أمر مجوز؟ # فالجواب: أن هذا الكلام ونحوه، كقوله: # وما كنت بجانب الطور # [القصص: 46] وقوله: # وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم # [يوسف: 102] وقوله: # ما كنت تعلمهآ أنت ولا قومك من قبل هذا # [هود: 49] - وإن كان انتفاؤه معلوما بالضرورة - جار مجرى التهكم ~~بمنكري الوحي، يعني أنه إذا علم أنك لم تعاصر أولئك، ولم ~~تدارس أحدا في العلم، فلم يبق اطلاعك عليه إلا من جهة الوحي. # ومعنى الآية: ذلك - الذي ذكرناه - من حديث زكريا ويحيى ومريم - عليهم ~~السلام - من أخبار الغيب نوحيه إليك، وذلك دليل على نبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم لأنه أخبر عن قصصهم - ولم يكن قرأ الكتب - وصدقه أهل الكتاب ~~بذلك. ثم قال: { وما كنت لديهم } أي: وما كنت يا محمد بحضرتهم { ~~إذ يلقون أقلامهم }. # أقلام: جمع قلم، وهو فعل بمعنى مفعول، أي: مقلوم. # والقلم: القطع، ومثله: القبض بمعنى المقبوض، والنقض بمعنى المنقوض، ~~وجمع القلم على أقلام - وهو جمع قلة - وحكى ابن سيده أنه يجمع ~~على قلام - بوزن رماح - في الكثرة. # وقيل له: قلم؛ لأنه يقلم، ومنه قلمت ظفري - أي: قطعته وسويته. # قال زهير: [الطويل] # 1459- لدى أسد شاكي السلاح مقذف # له لبد أظفاره لم تقلم # وقيل: سمي القلم قلما، تشبيها بالقلامة - وهو نبت ضعيف - ~~وذلك لأنه يرقق فيضعف. # فصل # في المراد بالأقلام - هنا - وجوه: # أحدها: ms1873 التي يكتب بها، وكان اقتراعهم أن من جرى قلمه عكس جري ~~الماء، فالحق معه، فلما فعلوا ذلك صار قلم زكريا كذلك، فسلموا الأمر ~~له، وهذا قول الأكثرين. # الثاني: قال الربيع: ألقوا عصيهم في الماء. # الثالث: قال أبو مسلم: هي السهام التي كانت الأمم يفعلونها عند ~~المساهمة، يكتبون عليها أسماءهم، فمن خرج له السهم سلم إليه ~~الأمر، قال تعالى: # فساهم فكان من المدحضين # [الصافات: 141]. وإنما سميت هذه السهام أقلاما؛ لأنها تقلم ~~وتبرى، وكلما قطعت شيئا بعد شيء فقد قلمته، ولهذا يسمى ما ~~يكتب به قلما. # واختلفوا فيهم، فقيل: هم سدنة البيت، وقيل: هم العلماء والأحبار ~~وكتاب الوحي. # قوله: { أيهم يكفل مريم } هذه الجملة منصوبة المحل؛ لأنها ~~معلقة لفعل محذوف، ذلك الفعل في محل نصب على الحال، تقديره: يلقون ~~أقلامهم ينظرون - أو يعلمون - أيهم يكفل مريم. # وجوز الزمخشري: أن يقدر ب " يقولون " فيكون محكيا به، ودل [على ~~ذلك] قوله، يلقون. # وقوله: { وما كنت لديهم إذ يختصمون } كقوله: { وما ~~كنت لديهم إذ يلقون }. # فصل # اختلفوا في السبب، الذي لأجله رغبوا في كفالتها، حتى تنازعوا فيها: # قيل: لأن أباها عمران كان رئيسا لهم، ومتقدما فيهم، فلأجل حق ~~أبيها رغبوا في كفالتها. # وقيل: لأن أمها حررتها لعبادة الله - تعالى - ولخدمة بيته، فلأجل ~~ذلك حرصوا على التكفل بها. وقيل: لأنهم وجدوا أمرها وأمر عيسى مبينا ~~في الكتب الإلهية، فلهذا السبب اختصموا في كفالتها. # فصل # دلت هذه الآية على إثبات القرعة، وهي أصل في شرعنا لكل من أراد ~~العدل في القسمة. # قال القرطبي: وهي سنة عند جمهور الفقهاء في المستوين في الحجة؛ ليعدل ~~بينهم وتطمئن قلوبهم، وترتفع الظنة عمن يتولى قسمتهم، ولا يفضل أحد ~~منهم على صاحبه، وقد ورد الكتاب والسنة بالقرعة، وقال أبو حنيفة وأصحابه: ~~لا معنى لها، وزعموا أنها تشبه الأزلام التي نهى الله عنها. # قال أبو عبيد: " وقد عمل بالقرعة ثلاثة من الأنبياء: يونس وزكريا ومحمد ~~صلى الله عليهم وسلم ". # قال ابن المنذر: " واستعمال القرعة كالإجماع من أهل العلم فيما ~~يقسم بين الشركاء ". # فصل ms1874 # قال القرطبي: دلت هذه الآية على أن الخالة أحق بالحضانة من ~~سائر القرابات ما عدا الجدة، وقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم ~~بابنة حمزة لجعفر - وكانت خالتها عنده - وقال: # " الخالة بمنزلة الأم ". # قوله تعالى: { وإذ قالت الملائكة } في هذا الظرف أوجه: # أحدها: أن يكون منتصبا ب " يختصمون ". # الثاني: أنه بدل من " إذ يختصمون " وهو قول الزجاج. # وفي هذين الوجهين بعد؛ حيث يلزم اتحاد زمان الاختصام، وزمان قول ~~الكلام، ولم يكن ذلك؛ لأن وقت الاختصام كان صغيرا جدا، ووقت قول ~~الملائكة بعد ذلك بأحيان. # قال الحسن: إنها كانت عاقلة في حال الصغر، وإن ذلك كان من ~~كراماتها. فإن صح ذلك صح الاتحاد، وقد استشعر الزمخشري هذا السؤال، ~~فأجاب بأن الاختصام والبشارة وقعا في زمان واسع، كما تقول: لقيته سنة ~~كذا، يعني أن اللقاء إنما يقع في بعض السنة فكذا هذا. # الثالث: أن يكون بدلا من { وإذ قالت الملائكة } - أولا - ~~وبه بدأ الزمخشري - كالمختار له - وفيه بعد لكثرة الفاصل بين البدل ~~والمبدل منه. # الرابع: نصبه بإضمار فعل. # الخامس: قال أبو عبيدة: " إذ - هنا - صلة زائدة ". والمراد بالملائكة ~~هنا: جبريل عليه السلام لما قررناه وقد تقدم الكلام في البشارة. # فصل # قال القرطبي: " قوله تعالى: { إن الله يبشرك } دليل على ~~نبوتها مع ما تقدم من كونها أفضل نساء العالمين، وأن الملائكة قد ~~بلغتها الوحي عن الله - عز وجل - بالتكليف والإخبار والبشارة كما بلغت ~~سائر الأنبياء، فهي إذا نبية، والنبي أفضل من الولي ". وقال ابن ~~الخطيب: ذلك كرامة لها؛ إذ ليست نبية؛ لاختصاص النبوة بالرجال، وقال ~~جمهور المعتزلة؛ ذلك معجزة لعيسى - عليه السلام -. # قال ابن الخطيب: وهو عندنا إرهاص لعيسى، أو كرامة لمريم. # قوله: { بكلمة منه } في محل جر؛ صفة ل " كلمة " و " من ~~" ليست للتبعيض؛ إذ لو كان كذلك، لكان الله - تعالى - متبعضا ~~متجزئا - تعالى الله عن ذلك - بل لابتداء الغاية؛ لأن كلمة الله مبدأ ~~لظهوره وحدوثه، والمراد بالكلمة - هنا - عيسى - لوجوده بها وهو قوله: كن ~~فهو من باب إطلاق السبب على المسبب. ms1875 # فإن قيل: أليس كل مخلوق، فهو يخلق بهذه الكلمة؟ # فالجواب: نعم، إلا أن ما هو السبب المتعارف كان مفقودا في حق عيسى ~~- عليه السلام - فكان إضافة حدوثه إلى الكلمة أكمل وأتم، فجعل هذا ~~التأويل كأنه نفس الكلمة، كمن غلب عليه الجود والكرم يقال على سبيل ~~المبالغة -: إنه نفس الجود ومحض الكرم، فكذا ها هنا. # وأيضا فإن السلطان قد يوصف بأنه ظل الله، ونور الله - إذا أظهر ~~لهم ظل العدل، ونور الإحسان، فكذا عيسى - عليه السلام - لما كان سببا ~~لظهور كلام الله - تعالى - بكثرة بياناته، وإزالة الشبهات والتحريفات ~~عنه، فسمي بكلمة الله على هذا التأويل. # فصل # حدوث الولد من غير نطفة الأب ممكن، أما على أصول المسلمين، فظاهر؛ لأن ~~الله تعالى قادر على كل الممكنات، وإذا خلق آدم من غير أم ولا أب، ~~فخلقه عيسى - عليه السلام - من غير أب أولى، وأما على أصول الفلاسفة ~~فإنهم اتفقوا على أنه لا يمتنع حدوث الإنسان على سبيل التولد؛ لامتزاج ~~العناصر الأربعة على القدر الذي يناسب بدن الإنسان، وعند امتزاجها يجب ~~حدوث الكيفية المزاجية، وعند حصول الكيفية المزاجية، يجب تعلق النفس، ~~فثبت أن حدوث الإنسان - على سبيل التولد - معقول ممكن، وأيضا إنا نشاهد ~~حدوث كثير من الحيوانات على سبيل التولد - كتولد الفأر عن المدر، ~~والحيات عن الشعر، والعقارب عن الباذروج - وإذا كان كذلك فتولد ~~الولد لا عن أب أولى ألا يكون ممتنعا. وأيضا، فإن التخيلات ~~الذهنية كثيرا ما تكون أسبابا لحدوث الحوادث الكثيرة كما أن تصور حدوث ~~المنافي، يوجب حصول كيفية الغضب، ويوجب حصول السخونة الشديدة في البدن، ~~وكما أن اللوح الطويل إذا كان موضوعا على الأرض، قدر الإنسان على المشي ~~عليه، ولو جعل كالقنطرة على وهدة لم يقدر على المشي عليه، بل كلما يمشي ~~سقط، وما ذاك إلا لأن تصور السقوط يوجب حصول السقوط، وقد ذكر الفلاسفة ~~أمثلة كثيرة لهذا الباب، فما المانع أن يقال: إنها لما تخيلت صورة جبريل ~~عليه السلام [كفى ذلك في علوق] الولد في رحمها، وإذا كانت هذه الوجوه ms1876 ~~ممكنة كان القول بحدوث عيسى - من غير أب - غير ممتنع. # قوله: { اسمه المسيح عيسى } اسمه مبتدأ، والمسيح خبره، وعيسى ~~بدل منه، أو عطف بيان. # قال أبو البقاء: " ولا يجوز أن يكون خبرا آخر؛ لأن تعدد الأخبار يوجب ~~تعدد المبتدأ، والمبتدأ مفرد - وهو قوله: اسمه - ولو كان " عيسى " ~~خبرا آخر لكان أسماؤه أو أسماؤها - على تأنيث الكلمة " وأما من يجيز ذلك ~~فقد أعرب " عيسى " خبرا ثانيا، وأعربه بعضهم خبر مبتدأ محذوف - أي: ~~هو عيسى. # ويجوز على هذا الوجه وجه رابع، وهو النصب بإضمار أعني؛ لأن كل ما ~~جاز قطعه رفعا جاز قطعه نصبا، والألف واللام في المسيح للغلبة كهي في ~~الصعق والعيوق وفيه وجهان: # أحدهما: أنه فعيل بمعنى فاعل، فحول منه مبالغة. # قيل: لأنه يمسح الأرض بالسياحة، أي: يقطعها ومنه: مسح القسام الأرض وعلى ~~هذا المعنى يجوز أن يقال لعيسى: مسيح - بالتشديد - على المبالغة، كما ~~يقال: رجل شريب. # وقيل: لأنه يمسح ذا العاهة فيبرأ - قاله ابن عباس. # وقيل: كان يمسح رأس اليتيم. # وقيل: يلبس المسح فسمي بما يئوب إليه. # وقيل: إنه فعيل بمعنى مفعول؛ لأنه مسح بالبركة. # وقيل لأنه مسح من الأوزار والآثام، أو لأنه مسيح القدم لا أخمص ~~له. # قال الشاعر: [الرجز] # 1460- بات يقاسيها غلام كالزلم # مدملج الساقين ممسوح القدم # أو لمسح وجهه بالملاحة، قال: [الطويل] # 1461- على وجه مي مسحة من ملاحة # ..................... # أو لأنه كان ممسوحا بدهن طاهر مبارك، تمسح به الأنبياء، ولا ~~يمسح به غيرهم، قالوا: وهذا الدهن من مسح به وقت الولادة فإنه يكون ~~نبيا، أو لأنه مسحه جبريل بجناحه وقت الولادة؛ صونا له عن ~~مس الشيطان. أو لأنه خرج من بطن أمه ممسوحا بالدهن. # والثاني: أن وزنه مفعل - من السياحة - وعلى هذا تكون الميم فيه ~~زائدة، وعلى هذا كله، فهو منقول من الصفة. # وقال أبو عمرو بن العلاء: المسيح: الملك. # وقال النخعي: المسيح: الصديق. ويكون المسيح بمعنى: الكذاب، وبه ~~سمي الدجال، والحرف من الأضداد. # وسمي الدجال مسيحا لوجهين. # أحدهما: أنه ممسوح إحدى العينين. # الثاني: أنه يمسح الأرض ms1877 - أي يقطعها - في المدة القليلة، قالوا: ~~ولهذا قيل له: دجال؛ لضربه الأرض، وقطعه أكثر نواحيها. يقال: قد ~~دجل الرجل - إذا فعل ذلك. # وقيل: سمي دجالا من دجل الرجل إذا موه ولبس. # قال أبو عبيد والليث: أصله - بالعبرانية - مشيحا، فغير. # قال أبو حيان: " فعلى هذا يكون اسما مرتجلا، ليس مشتقا من ~~المسح، ولا من السياحة ". # قال شهاب الدين: " قوله: ليس مشتقا صحيح، ولكن لا يلزم من ذلك أن يكون ~~مرتجلا ولا بد، لاحتمال أن يكون في لغتهم منقولا من شيء عندهم ~~". # وعيسى أصله: يسوع، كما قالوا في موسى: أصله موشى، أو ميشا - بالعبرانية. # فيكون من الاشتقاق الأوسط لأنه يشترط فيه وجود الحروف لا ترتيبها، ~~والأكبر يشترط فيه أن يكون في الفرع حرفان، والأصغر يشترط فيه أن ~~يكون في الفرع حروف الأصل مرتبة. # وعيسى اسم أعجمي، فلذلك لم ينصرف - في معرفة ولا نكرة - لأن فيه ~~ألف تأنيث، ويكون مشتقا من عاسه يعوسه، إذا ساسه وقام عليه. # وأتى الضمير مذكرا في قوله: " اسمه " وإن كان عائدا على الكلمة؛ ~~مراعاة للمعنى؛ إذ المراد بها مذكر. # وقيل - في الدجال-: مسيح - بكسر الميم وشد السين، وبعضهم يقوله ~~كذا بالخاء المعجمة، وبعضهم يقوله بفتح الميم والخاء المعجمة - ~~مخففا - والأول هو المشهور؛ لأنه يمسح الأرض - أي: يطوفها - ويدخل ~~جميع بلدانها إلا مكة والمدينة وبيت المقدس، فهو فعيل بمعنى فاعل. # والدجال يمسح الأرض محنة وابن مريم يمسحها منحة. وإن كان ~~سمي مسيحا؛ لأنه ممسوح العين فهو فعيل بمعنى مفعول. # قال الشاعر: [الرجز] # 1462-...................... # إذا المسيح يقتل المسيحا # فصل # " ابن مريم " يجوز أن يكون صفة ل " عيسى " قال ابن عطية: وعيسى خبر ~~لمبتدأ محذوف، ويدعو إلى هذا كون قوله: " ابن مريم " صفة لعيسى؛ إذ قد ~~أجمع الناس على كتبه دون ألف. وأما على البدل، أو عطف البيان فلا ~~يجوز أن يكون " ابن مريم " صفة ل " عيسى " لأن الاسم - هنا - لم ~~يرد به الشخص. هذه النزعة لأبي علي. وفي صدر الكلام نظر. انتهى. # قال شهاب الدين: " فقد حتم كونه صفة؛ لأجل كتبه ms1878 بغير ألف، ~~وأما على البدل، أو عطف البيان فلا يكون " ابن مريم " صفة ل " ~~عيسى " يعني: بدل عيسى من المسيح، فجعله غير صفة له مع وجود الدليل ~~الذي ذكره، وهو كتبه بغير ألف ". # وقد منع أبو البقاء أن يكون " ابن مريم " بدلا أو صفة ل " ~~عيسى " قال: " لأن " ابن مريم " ليس بالاسم ألا ترى أنك لا تقول: ~~اسم هذا الرجل ابن عمرو - إلا إذا كان قد علق علما عليه ". # قال شهاب الدين: " وهذا التعليل الذي ذكره إنما ينهض دليلا في عدم ~~كونه بدلا، وأما كونه صفة، فلا يمنع ذلك، بل إذا كان اسما امتنع كونه ~~صفة؛ إذ يصير في حكم الأعلام، وهي لا يوصف بها، ألا ترى أنك إذا سميت ~~رجلا ب " ابن عمرو " امتنع أن يقع " ابن عمرو " صفة والحالة هذه ". # قال الزمخشري: " فإن قلت: لم قيل: { اسمه المسيح عيسى ~~ابن مريم } وهذه ثلاثة أشياء، الاسم عيسى، وأما المسيح والابن ~~فلقب، وصفة؟ # قلت: الاسم للمسمى يعرف بها، ويتميز من غيره، فكأنه قيل: الذي ~~يعرف به ويتميز ممن سواه مجموع هذه الألفاظ الثلاثة ". # فظهر من كلامه أن مجموع الألفاظ الثلاثة أخبار عن اسمه، بمعنى أن ~~كلا منها ليس مستقلا بالخبرية، بل هو من باب: هذا حلو ~~حامض [وهذا أعسر يسرا]. # ونظيره قول الشاعر: [الخفيف] # 1463- كيف أصبحت كيف أمسيت مما # يزرع الود في فؤاد الكريم # أي مجموع كيف أصبحت، وكيف أمسيت. # فكما جاز تعدد المبتدأ لفظا - من غير عاطف - والمعنى على ~~المجموع، فكذلك في الخبر. # وقد أنشدوا عليه أبياتا كقوله: [الرجز] # 1464- من يك ذا بت فهذا بتي # مقيظ، مصيف، مشتي # وقد زعم بعضهم أن " المسيح " ليس باسم لقب له، بل هو صفة كالضارب ~~والظريف، قال: وعلى هذا ففي الكلام تقديم وتأخير؛ إذ " المسيح " ~~صفة ل " عيسى " والتقدير: اسمه عيسى المسيح. # وهذا لا يجوز أعني: تقديم الصفة على الموصوف - لكنه يعني: أنه صفة له في ~~الأصل، والعرب إذا قدمت ما هو صفة في الأصل جعلوه مبينا على العامل ~~قبله، وجعلوا الموصوف بدلا ms1879 من صفته في الأصل، نحو قوله: [الرجز] # 1465- وبالطويل العمر عمرا حيدرا # ................... # الأصل: وبالعمر الطويل، هذا في المعارف، وأما في النكرات، فينصبون ~~الصفة حالا. # وقال أبو حيان: " ولا يصح أن يكون " المسيح " - في هذا التركيب ~~- صفة؛ لأن المخبر به - على هذا لفظ " عيسى " والمسيح من صفة ~~المدلول، لا من صفة الدال؛ إذ لفظ " عيسى " ليس المسيح ". # ومن قال: إنهما اسمان، قال: تقدم المسيح على عيسى؛ لشهرته. # قال ابن الأنباري: وإنما بدأ بلقبه؛ لأن المسيح أشهر من عيسى؛ لأنه ~~قل أن يقع على سمي، فيشتبه به، وعيسى قد يقع على عدد كثير، ~~فقدمه لشهرته، ألا ترى أن ألقاب الخلفاء أشهر من أسمائهم، فهذا يدل على ~~أن المسيح عند ابن الأنباري لقب، لا اسم. # قال أبو إسحاق: " عيسى معرب من أيسوع، وإن جعلته عربيا لم ينصرف في ~~معرفة ولا نكرة؛ لأن فيه ألف التأنيث، ويكون مشتقا من عاسه يعوسه: إذا ~~ساسه وقام عليه ". # قال الزمخشري: " ومشتقهما - يعني المسيح وعيسى - من المسح ~~والعيس كالراقم على الماء " ، وقد تقدم الكلام على عيسى ومريم ~~واشتقاقهما في سورة البقرة. # وقوله: { وجيها } حال، وكذلك قوله: { ومن المقربين } وقوله: ~~{ ويكلم } وقوله: { من الصالحين } هذه أربعة أحوال انتصبت ~~عن قوله: " بكلمة ". وإنما ذكر الحال؛ حملا على المعنى؛ إذ ~~المعنى المراد بها: الولد والمكون، كما ذكر الضمير في " اسمه ~~". # فالحال الأولى جيء بها على الأصل - اسما صريحا - والباقية في ~~تأويله. والثانية: جار ومجرور، وأتى بها هكذا؛ لوقوعها فاصلة في ~~الكلام، ولو جيء بها اسما صريحا، لفات مناسبة الفواصل. والثالثة جملة ~~فعلية، وعطف الفعل على الاسم؛ لتأويله به، وهو كقوله: # أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن # [الملك: 19]، أي: وقابضات، ومثله في عطف الاسم على الفعل؛ لأنه في ~~تأويله، قول النابغة: [الطويل] # 1466- فألفيته يوما يبير عدوه # ومجر عطاء يستحق المعابرا # وقال الآخر: [الرجز] # 1467- بات يغشيها بغضب باتر # يقصد في أسوقها وجائر # والمعنى: مبيرا عدوه، وقاصدا. # وجاء بالثالثة جملة فعلية؛ لأنها في رتبتها، إذ الحال وصف في ~~المعنى، وقد تقدم أنه إذا اجتمع ms1880 صفات مختلفة في الصراحة والتأويل ~~قدم الاسم، ثم الظرف - أو عديله - ثم الجملة. فكذا فعل هنا، ~~فقدم الاسم - وهو { وجيها } - ثم الجار والمجرور، ثم الفعل، وأتى به ~~مضارعا؛ لدلالته على التجدد وقتا مؤقتا، بخلاف الوجاهة، فإن ~~المراد ثبوتها واستقرارها، والاسم متكفل بذلك، والجار قريب من ~~المفرد، فلذلك ثنى به، إذ المقصود ثبوت تقريبه. # والتضعيف في " المقربين " للتعدية، لا للمبالغة؛ لما تقدم من أن ~~التضعيف للمبالغة لا يكسب الفعل مفعولا، وهذا قد أكسبه مفعولا - ~~كما ترى - بخلاف: قطعت الأثواب، فإن التعدي حاصل قبل ذلك. # وجيء بالرابعة - بقوله: { من الصالحين } مراعاة للفاصلة، كما ~~تقدم في " المقربين ". # والمعنى: إن الله يبشرك بهذه الكلمة موصوفة بهذه الصفات ~~الجميلة. # ومنع أبو البقاء أن تكون أحوالا من " المسيح " أو من " عيسى " ~~أو من " ابن مريم " قال: " لأنها أخبار، والعامل فيها الابتداء، ~~أو المبتدأ، أو هما، وليس شيء من ذلك يعمل في الحال ". # ومنع أيضا - كونها حالا من الهاء في " اسمه " قال: " للفصل ~~الواقع بينهما، ولعدم العامل في الحال ". # قال شهاب الدين: " ومذهبه - أيضا - أن الحال لا يجيء من ~~المضاف إليه، وهو مراده بقوله: ولعدم العامل. وجاءت الحال من ~~النكرة؛ لتخصصها بالصفة بعدها. وظاهر كلام الواحدي - فيما نقله ~~عن الفراء - أنها يجوز أن تكون أحوالا من " عيسى " فإنه قال: ~~والقراء تسمي هذا قطعا، كأنه قال: عيسى ابن مريم الوجيه، قطع منه ~~التعريف. فظاهر هذا يؤذن بأن { وجيها } من صفة " عيسى " في ~~الأصل، فقطع عنه، والحال وصف في المعنى ". # والوجيه: ذو الجاه، وهو القوة، والمنعة، والشرف. # وجمع " وجيه " وجهاء، ووجاه، يقال: وجه الرجل يوجه وجاهة، ~~فهو وجيه - إذا صارت له منزلة رفيعة عند الناس. # وقال بعضهم: الوجيه: الكريم. # و " كهلا " من قولهم: اكتهلت الدوحة، إذا عمها النور - ~~والمرأة كهلة. # وقال الراغب: " والكهل: من وخطه الشيب، واكتهل النبات: إذا ~~شارف اليبوسة مشارفة الكهل الشيب ". # وأنشد قول الأعشى - في وصف روضة بأكمل أحوالها -: [البسيط] # 1468- يضاحك الشمس منها كوكب شرق # مؤزر بعميم النبت مكتهل # وقد تقدم الكلام في تنقل أحوال الولد ms1881 من لدن كونه في البطن إلى ~~شيخوخته، عند ذكر " غلام ". # وقال بعضهم: " ما دام في بطن أمه، فهو جنين، فإذا ولد فوليد، فإذا ~~لم يستتم الأسبوع فصديغ؛ وما دام يرضع فهو رضيع، ثم هو فطيم - عند ~~الفطام - وإذا لم يرضع؛ فجحوش، فإذا دب ونما: فدراج، فإذا سقطت ~~رواضعه فثغور ومثغور، [فإذا نبتت أسنانه بعد السقوط فمتغر - ~~بالتاء والثاء]، فإذا جاوز العشر: فمترعرع، وناشئ. # فإذا راهق الحلم: فيافع، ومراهق. فإذا احتلم فحزور. والغلام ~~يطلق عليه في جميع أحواله بعد الولادة، فإذا اخضر شاربه، وسال عذاره: ~~فباقل، فإذا صار ذا لحية: ففتى وشارخ، فإذا اكتملت لحيته؛ ~~فمجتمع، ثم هو من الثلاثين إلى الأربعين شاب، ومن الأربعين إلى ستين ~~كهل " ، ولأهل اللغة عبارات مختلفة في ذلك، وهذا أشهرها. # فإن قيل: المستغرب إنما هو كلام الطفل في المهد، وأما كلام الكهول ~~فغير مستغرب. # فالجواب من وجوه: # أحدها: قالوا: لم يتكلم صبي في المهد، وعاش، أو لم يتكلم أصلا، بل ~~يبقى أخرس أبدا، فبشر الله مريم بأن هذا يتكلم طفلا، ويعيش حتى يكلم ~~الناس في كهولته، ففيه تطمين لخاطرها. # وثانيها: قال الزمخشري وأبو مسلم: " يكلم الناس طفلا وكهلا ~~ومعناه يتكلم في هاتين الحالتين كلام الأنبياء، من غير تفاوت بين حال ~~الطفولة وحال الكهولة ". # وثالثها: يكلم الناس مرة واحدة في المهد؛ لإظهار براءة أمه، ثم ~~عند الكهولة يتكلم بالوحي والنبوة. # ورابعها: قال الأصم: المراد منه: بيان أنه يبلغ من [الصبا، إلى] ~~الكهولة. # وخامسها: أن المراد منه الرد على وفد نجران في قولهم: إن عيسى كان ~~إلها، فإنه منقلب في الأحوال من الصبا إلى الكهولة، والتغير على ~~الإله محال. # فإن قيل: قد نقل أن عمر عيسى - لما رفع - كان ثلاثا وثلاثين سنة ~~وأشهرا، وعلى هذا التقدير، فلم يبلغ سن الكهولة. # فالجواب: قد بينا أن الكهل - في اللغة - عبارة عن الكامل ~~التام، وأكمل أحوال الإنسان ما بين الثلاثين إلى الأربعين - فصح ~~وصفه بكونه كهلا. # وقال الحسين بن الفضل البجلي: " ويكون كهلا بعد أن ينزل من ~~السماء في آخر ms1882 الزمان، ويكلم الناس، ويقتل الدجال، قال: وفي الآية ~~نص على أنه - عليه السلام - سينزل إلى الأرض ". # و " وجيها " اشتقاقه من الوجه؛ لأنه أشرف الأعضاء. والجاه مقلوب منه، ~~فوزنه " عفل ". # قوله: { في الدنيا } متعلق ب " وجيها "؛ لما فيه من معنى ~~الفعل، ومعنى كونه { وجيها في الدنيا } بسبب النبوة، و " في ~~الآخرة " بسبب علو المنزلة. # وقوله: { في الدنيا } بأنه مستجاب الدعاء، ويحيي الموتى، ~~ويبرئ الأكمه والأبرص بدعائه، وفي الآخرة بأنه يشفع في المحقين ~~من أمته. # وقيل: في الدنيا؛ لأنه مبرأ من العيوب التي وصفته اليهود بها، وفي ~~الآخرة بكثرة ثوابه وعلو درجته. # فإن قيل: كيف كان وجيها في الدنيا، واليهود عاملوه بما عاملوه؟ # والجواب: أنه - تعالى - سمى موسى - عليه السلام - بالوجيه، مع أن ~~اليهود طعنوا فيه، وآذوه إلى أن برأه الله مما قالوا، ولم يقدح ذلك ~~في وجاهته، فكذا هنا. # قوله: { ومن المقربين } قيل " كان هذا مدحا عظيما ~~للملائكة؛ لأنه ألحقه بمثل منزلتهم، وهو دليل لمن جعل الملائكة ~~أفضل. # وقيل: معناه: سيرفع إلى السماء بمصاحبة الملائكة. # وقيل: ليس كل وجيه في الآخرة يكون مقربا؛ لأن أهل الجنة تتفاوت ~~درجاتهم. # وقوله: { ويكلم الناس } الواو للعطف على قوله: " وجيها " ، ~~والتقدير: وجيها ومكلما. # قال ابن الخطيب: وهذا عندي ضعيف؛ لأن عطف الجملة الفعلية على الاسمية ~~غير جائز إلا لضرورة [أو لفائدة]، والأولى أن يقال: تقدير الآية: إن ~~الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم، الوجيه في الدنيا ~~والآخرة، المعدود من المقربين، وهذا المجموع جملة واحدة، ثم قال: { ~~ويكلم الناس }. فقوله: { ويكلم الناس } عطف على قوله: ~~{ إن الله يبشرك }. # وأجيب بأن هذا خطأ؛ لأنه إن أراد العطف على جملة { إن الله ~~يبشرك } فهي جملة اسمية فقد عطف الفعلية على الاسمية، فوقع فيما ~~فر منه. وإن أراد العطف على " يبشرك " فهو خطأ؛ لأن المعطوف ~~على الخبر خبر - و " يبشرك " خبر - فيصير التقدير: إن الله يكلم ~~الناس في المهد، والصواب ما قالوه من كونه حالا، وأن الجملة الحالية ~~إذا كانت فعلا فهي مقدرة بالاسم، فجاز العطف. ms1883 # قوله: { في المهد } يجوز فيه وجهان: # أظهرهما: أنه متعلق بمحذوف؛ على أنه حال من الضمير في { ويكلم } ~~أي: يكلمهم صغيرا، و " كهلا " على هذا نسق على هذه الحال المؤولة ~~فعلى هذا تكون خمسة أحوال. # والثاني: أنه ظرف ل " يكلم " كسائر المنفصلات، و " كهلا " على ~~هذا نسق على " وجيها " فعلى هذا يكون خمسة أحوال. # والكهل: هو من بلغ سن الكهولة، وأولها ثلاثون. # وقيل: اثنان وثلاثون. # وقيل: ثلاث وثلاثون. # وقيل: أربعون. وآخرها: خمسون. # وقيل: ستون. ثم يدخل في سن الشيخوخة. واشتقاقه من: اكتهل النبات - ~~إذا علا وارتفع - ومنه الكاهل. # وقال صاحب المجمل: " أكهل الرجل: وخطه الشيب ". # فصل # كلامه - عليه السلام - في المهد هو قوله: # إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا ~~وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة ~~والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم ~~يجعلني جبارا شقيا والسلام علي يوم ولدت ~~ويوم أموت ويوم أبعث حيا # [مريم: 30-33]. # وحكي عن مجاهد قال: قالت مريم: كنت إذا خلوت أنا وعيسى حدثني ~~وحدثته، فإذا شغلني عنه إنسان كان يسبح في بطني وأنا أسمع. # فصل # ذكر القرطبي في تفسيره عن ابن أبي شيبة بسنده، قال: " لم يتكلم في ~~المهد إلا ثلاثة: عيسى ابن مريم، وصاحب يوسف، وصاحب جريج ". [وفي ~~صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى ابن مريم، وصاحب جريج وصاحب الجبار ~~" # ]. # وقال الضحاك: " تكلم في المهد ستة شاهد يوسف، وصبي ماشطة امرأة ~~فرعون، وعيسى، ويحيى، وصاحب جريج " ولم يذكر صاحب الأخدود، فأسقط صاحب ~~الأخدود، وبه يكون المتكلمون سبعة. # قال القرطبي: " ولا معارضة بين هذا وبين قوله - عليه السلام -: # " لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة " # بالحصر - فإنه أخبر بما كان في علمه مما أوحي إليه في تلك الحال، ثم ~~بعد هذا أعلمه الله - تعالى - بما شاء من ذلك، فأخبر به. # والمهد: ما يهيأ للصبي أن يربى فيه، من مهدت له المكان - ~~أي: وطأته ولينته له - وفيه احتمالان: أحدهما يحتمل أن يكون أصله ~~المصدر، فسمي به ms1884 المكان، ويحتمل أن يكون بنفسه اسم مكان غير مصدر. ~~وقد قرئ: مهدا ومهادا في طه كما سيأتي إن شاء الله تعالى. # قال ابن الخطيب [قوله: وكهلا يدل على أنه يكلم الناس بعد الكهولة، وذلك ~~بعد أن ينزل من السماء في آخر الزمان. # قال الحسين بن الفضل: في الآية نص على نزوله إلى الأرض وقد] أنكرت ~~النصارى كلام المسيح - عليه السلام - في المهد، واحتجوا - على صحة ~~قولهم بأن كلامه من أعجب الأمور وأغربها، ولا شك أن هذه الواقعة لو ~~وقعت لوجب أن يكون وقوعها في حضور الجمع العظيم الذي يحصل القطع ~~واليقين بقولهم؛ لأن تخصيص مثل هذا المعجز بالواحد والاثنين لا يجوز، ~~ولو حدثت هذه الواقعة لتوفرت الدواعي على نقلها، فيصير ذلك بالغا حد ~~التواتر، يمتنع إخفاؤه. وأيضا فإن النصارى بالغوا في المسيح، حتى ~~ادعوا ألوهيته، ومن هذا شأنه في التعصب يمتنع أن تخفى مناقبه، ~~فلما أنكروه - وهم أحق الناس بإظهاره - علمنا أنه ما كان موجودا. # وأجاب المتكلمون بأن كلامه - حينئذ - إظهار لبراءة أمه، والحاضرون ~~قليلون يجوز تواطؤهم على الإخفاء، فنسبهم الناس إلى الكذب، أو خافوا من ~~ذلك الأمر إلى أن أخبر به محمد صلى الله عليه وسلم وذلك يدل على معجزته، ~~وصدقه. # قوله: { قالت رب أنى يكون لي ولد } " يكون " يحتمل ~~التمام والنقصان، وتقدم إعراب هذه الجمل في قصة زكريا إلا أنه قال هناك: ~~{ يفعل ما يشآء } وقال هنا { يخلق ما يشآء } قيل: لأن ~~قصتها أغرب من قصته؛ ذلك أنه لم يعهد ولد من عذراء لم ~~يمسسها بشر ألبتة، بخلاف الولد بين الشيخ والعجوز، فإنه يستبعد، وقد ~~يعهد بمثله - وإن كان قليلا - فلذلك أتى ب " يخلق " المقتضي ~~للإيجاد والاختراع من غير إحالة على سبب ظاهر، وإن كانت الأشياء كلها ~~بخلقه وإيجاده - وإن كان لها أسباب ظاهرة. # قوله: { ولم يمسسني بشر } هذه الجملة حال، والبشر - في ~~الأصل - مصدر كالخلق، ولذلك يسوى فيه بين المذكر والمؤنث، ~~والمفرد، والمثنى، والجمع، تقول: هذه بشر، وهذا بشر، وهؤلاء ~~بشر. # كقولك: هؤلاء خلق. # قيل: واشتقاقه من ms1885 البشرة، وهي ظاهر الجلد؛ لأنه الذي شأنه أن يظهر ~~الفرح والغم في بشرته، وتقدم اختلاف القراء في { فيكون } وما ذكر ~~في توجيهه. # فصل # قال المفسرون: إنما قالت ذلك؛ لأن البشرية تقتضي التعجب مما وقع ~~على خلاف العادة؛ إذ لم تجر عادة بأن يولد ولد بلا أب. # فصل # قال القرطبي: " معنى قوله: { قالت رب } أي: يا سيدي، تخاطب ~~جبريل - عليه السلام - لأنه لما تمثل لها، قال لها: # إنمآ أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا # [مريم: 19] فلما سمعت ذلك من قوله استفهمت عن طريق الولد، فقالت: { ~~أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر }؟ أي: بنكاح، ~~وذلك: لأن العادة التي أجراها الله في خلقه أن الولد لا يكون إلا من ~~نكاح، [أو سفاح]. # وقيل: إنها لم تستبعد من قدرة الله شيئا، ولكن أرادت: كيف يكون هذا ~~الولد؟ من قبل زوج في المستقبل؟ أم يخلقه الله ابتداء. # قوله: { إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ~~}. تقدم الكلام فيه. # قال ابن جريج: نفخ جبريل في جيب درعها وكمها، فحملت من ساعتها ~~بعيسى. # وقيل: وقع نفخ جبريل - عليه السلام - في رحمها، فعلقت بذلك. # وقال بعضهم: لا يجوز أن يكون الخلق من نفخ جبريل؛ لأن الولد يكون ~~بعضه من الملائكة وبعضه من الإنس؛ ولكن سبب ذلك، أن الله تعالى لما خلق ~~آدم وأخذ الميثاق من ذريته، فجعل بعض الماء في أصلاب الآباء، وبعضه ~~في أرحام الأمهات، فإذا اجتمع الماءان صار ولدا، وإن الله - تعالى ~~- جعل الماءين جميعا في مريم، بعضه في رحمها، وبعضه في صلبها، فنفخ ~~جبريل، ليهيج شهوتها، فإن المرأة ما لم تهج شهوتها لم تحبل فلما هاجت ~~شهوتها بنفخ جبريل وقع الماء - الذي كان في صلبها - في رحمها، ~~فاختلط الماءان، فعلقت بذلك، فذلك قوله تعالى: { إذا قضى أمرا ~~فإنما يقول له كن فيكون }. # قوله: { ويعلمه الكتاب } قرأ نافع وعاصم ويعقوب { ~~ويعلمه } - بياء الغيبة - والباقون بنون المتكلم المعظم نفسه، ~~وعلى كلتا القراءتين ففي محل هذه الجملة أوجه: # أحدها: أنها معطوفة على " يبشرك " أي: أن ms1886 الله يبشرك بكلمة ~~ويعلم ذلك المولود المعبر عنه بالكلمة. # الثاني: أنها معطوفة على " يخلق " أي: كذلك الله يخلق ما يشاء ~~ويعلمه. وإلى هذين الوجهين، ذهب جماعة منهم الزمخشري وأبو علي ~~الفارسي، وهذان الوجهان ظاهران على قراءة الياء، وأما قراءة النون، فلا ~~يظهر هذان الوجهان عليها إلا بتأويل الالتفات من ضمير الغيبة إلى ضمير ~~المتكلم، إيذانا بالفخامة والتعظيم. # فأما عطفه على " يبشرك " فقد استبعده أبو حيان جدا، قال: " ~~لطول الفصل بين المعطوف، والمعطوف عليه " ، وأما عطفه على " يخلق " ~~فقال: " هو معطوف عليه سواء كانت - يعني " يخلق " خبرا عن الله أم ~~تفسيرا لما قبلها، إذا أعربت لفظ " الله " مبتدأ، وما قبله خبر ". # يعني أنه تقدم في إعراب { كذلك الله } في قصة زكريا أوجه: # أحدها ما ذكره - ف " يعلمه " معطوف على " يخلق " بالاعتبارين ~~[المذكورين]؛ إذ لا مانع من ذلك، وعلى هذا الذي ذكره أبو حيان ~~وغيره، تكون الجملة الشرطية معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، والجملة ~~من " نعلمه " - في الوجهين المتقدمين - مرفوعة المحل، لرفع محل ما ~~عطفت عليه. # الثالث: أن يعطف على " يكلم " فيكون منصوبا على الحال، والتقدير: ~~يبشرك بكلمة مكلما ومعلما الكتاب، وهذا الوجه جوزه ابن ~~عطية وغيره. # الرابع: أن يكون معطوفا على " وجيها "؛ لأنه في تأويل اسم منصوب ~~على الحال، وهذا الوجه جوزه الزمخشري. # واستبعد أبو حيان هذين الوجهين الأخيرين - أعني الثالث والرابع - قال: ~~" الطول الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه، ولا يقع مثله في لسان العرب ~~". # الخامس: أن يكون معطوفا على الجملة المحكية بالقول: - وهي { كذلك ~~الله يخلق ما يشآء }. # قال أبو حيان: " وعلى كلتا القراءتين هي معطوفة على الجملة المقولة؛ ~~وذلك أن الضمير في (قال كذلك) لله - تعالى - والجملة بعده هي المقولة، ~~وسواء كان لفظ (الله) مبتدأ خبره ما قبله، أم مبتدأ، وخبره " يخلق " ~~- على ما مر إعرابه في { قال كذلك الله يفعل ما يشآء } ~~- فيكون هذا من القول لمريم على سبيل الاغتباط، والتبشير بهذا الولد، ~~الذي أوجده الله منها ". # السادس: أن يكون مستأنفا، لا محل له من الإعراب. # قال الزمخشري ms1887 - بعد أن ذكر فيه أنه يجوز أن يكون معطوفا على " ~~يبشرك " أو يخلق أو " وجيها " -: " أو هو كلام مبتدأ " يعني ~~مستأنفا. # قال أبو حيان: " فإن عنى أنه استئناف إخبار عن الله، أو من الله - على ~~اختلاف القراءتين - فمن حيث ثبوت الواو لا بد أن يكون معطوفا على شيء ~~قبله، فلا يكون ابتداء كلام إلا أن يدعى زيادة الواو في وتعلمه، ~~فحينئذ يصح أن يكون ابتداء كلام، وإن عنى أنه ليس معطوفا على ما ~~ذكر، فكان ينبغي أن يبين ما عطف عليه، وأن يكون الذي عطف عليه ابتداء ~~كلام، حتى يكون المعطوف كذلك ". # قال شهاب الدين: " وهذا الاعتراض غير لازم؛ لأنه لا يلزم من جعله كلاما ~~مستأنفا أن يدعى زيادة الواو، ولا أنه لا بد من معطوف عليه؛ لأن ~~النحويين، وأهل البيان نصوا على أن الواو تكون للاستئناف، بدليل أن ~~الشعراء يأتون بها في أوائل أشعارهم، من غير تقدم شيء يكون ما بعدها ~~معطوفا عليه، والأشعار مشحونة بذلك، ويسمونها واو الاستئناف، ومن منع ~~ذلك قدر أن الشاعر عطف كلامه على شيء منوي في نفسه، ولكن الأول ~~أشهر القولين ". # وقال الطبري: قراءة الياء عطف على قوله: { يخلق ما يشاء } ، ~~وقراءة النون، عطف على قوله: { نوحيه إليك }. # قال ابن عطية: " وهذا الذي قاله في الوجهين مفسد للمعنى ". ولم يبين ~~أبو محمد وجه إفساد المعنى. # قال أبو حيان: " أما قراءة النون، فظاهر فساد عطفه على " نوحيه " ~~من حيث اللفظ ومن حيث المعنى، أما من حيث اللفظ فمثله لا يقع في لسان ~~العرب؛ لبعد الفصل المفرط، وتعقيد التركيب وتنافي الكلام، ~~وأما من حيث المعنى فإن المعطوف بالواو شريك المعطوف عليه في المعنى، ~~فيصير المعنى بقوله: { ذلك من أنبآء الغيب } ، أي: إخبارك ~~يا محمد بقصة امرأة عمران وولادتها لمريم، وكفالة زكريا، وقصته في ~~ولادة يحيى، وتبشير الملائكة لمريم بالاصطفاء والتطهير كل ذلك من أخبار ~~الغيب - نعلمه، أي: نعلم عيسى الكتاب، فهذا كلام لا ينتظم [معناه] مع ~~معنى ما قبله. # أما قراءة الياء وعطف " ويعلمه " على " يخلق ms1888 " فليست ~~مفسدة للمعنى، بل هو أولى وأصح ما يحمل عطف " ويعلمه " ~~لقرب لفظه وصحة معناه - وقد ذكرنا جوازه قبل - ويكون الله أخبر مريم ~~بأنه - تعالى - يخلق الأشياء الغريبة التي لم تجر العادة بمثلها، ~~مثلما خلق لك ولدا من غير أب، وأنه - تعالى - يعلم هذا الولد ~~الذي يخلقه لك ما لم يعلمه من قبله من الكتاب والحكمة والتوراة ~~والإنجيل، فيكون في هذا الإخبار أعظم تبشير لها بهذا الولد، وإظهار ~~بركته، وأنه ليس مشبها أولاد الناس - من بني إسرائيل - بل هو مخالف لهم ~~في أصل النشأة، وفيما يعلمه - تعالى - من العلم، وهذا يظهر لي أنه أحسن ~~ما يحمل عليه عطف ويعلمه " اه. # قال أبو البقاء: " يقرأ - نعلمه - بالنون، حملا على قوله: { ذلك ~~من أنبآء الغيب نوحيه إليك } ويقرأ بالياء؛ حملا على " ~~يبشرك " وموضعه حال معطوفة على " وجيها ". # قال أبو حيان: وقال بعضهم: " ونعلمه " - بالنون - حملا على " ~~نوحيه " - إن عني بالحمل العطف فلا شيء أبعد من هذا التقدير، وإن عني ~~بالحمل أنه من باب الالتفات فهو صحيح ". # قال شهاب الدين: " يتعين أن يعني بقوله: حملا؛ الالتفات ليس إلا، ولا ~~يجوز أن يعني به العطف لقوله: وموضعه حال معطوفة على " وجيها " وكيف ~~يستقيم أن يريد عطفه على " يبشرك " أو على توجيهه مع حكمه عليه ~~بأنه معطوف على " وجيها "؟ هذا ما لا يستقيم أبدا ". # فصل في المراد ب " الكتاب " # المراد من " الكتاب ": تعليم الخط والكتابة، ومن " الحكمة " ~~تعليم العلوم، وتهذيب الأخلاق: { والتوراة والإنجيل } كتابان ~~إلهيان، وذلك هو الغاية العليا في العلم؛ لأنه يحيط بالأسرار العقلية ~~والشرعية، ويطلع على الحكم العلوية والسفلية. # قوله: { ورسولا } فيه وجهان: # أحدهما: أنه صفة - بمعنى مرسل - على " فعول " كالصبور ~~والشكور. # والثاني: أنه - في الأصل - مصدر، ومن مجيء " رسول " مصدرا قوله: ~~[الطويل] # 1469- لقد كذب الواشون ما بحت عندهم # يسر ولا أرسلتهم برسول # وقال آخر: [الوافر] # 1470- ألا أبلغ أبا عمرو رسولا # بأني عن فتاحتكم غني # أي أبلغه رسالة. # ومنه قوله تعالى: # إنا رسول رب العالمين # [الشعراء: 16] - على أحد التأويلين - أي: إنا ذوا رسالة ms1889 رب ~~العالمين. وعلى الوجهين يترتب الكلام في إعراب " رسولا " ، فعلى ~~الأول يكون في نصبه ستة أوجه: # أحدها: أن يكون معطوفا على " يعلمه " - إذا أعربناه حالا ~~معطوفا على " وجيها " - إذ التقدير وجيها ومعلما ومرسلا. # قاله الزمخشري وابن عطية. # وقال أبو حيان: " وقد بينا ضعف إعراب من يقول: إن " ~~ويعلمه " معطوف على " وجيها "؛ للفصل المفرط بين ~~المتعاطفين [وهو مبني على إعراب " ويعلمه " ] ". # الثاني: أن يكون نسقا على " كهلا " الذي هو حال من الضمير المستتر ~~في " ويكلم " ، أي: يكلم الناس طفلا وكهلا ومرسلا إلى بني ~~إسرائيل، وقد جوز ذلك ابن عطية، واستبعده أبو حيان؛ لطول الفصل ~~بين المعطوف والمعطوف عليه. # قال شهاب الدين: " ويظهر أن ذلك لا يجوز - من حيث المعنى - إذ يصير ~~التقدير: يكلم الناس في حال كونه رسولا إليهم وهو إنما صار رسولا بعد ~~ذلك بأزمنة ". # فإن قيل: هي حال مقدرة، كقولهم: مررت برجل معه صقر صائدا به ~~غدا، وقوله: # فادخلوها خالدين # [الزمر: 73]. # وقيل: الأصل في الحال أن تكون مقارنة، ولا تكون مقدرة إلا حيث لا ~~لبس. # الثالث: أن يكون منصوبا بفعل مضمر لائق بالمعنى، تقديره: ويجعله ~~رسولا، لما رأوه لا يصح عطفه على مفاعيل التعليم أضمروا له عاملا ~~يناسب. وهذا كما قالوا في قوله: # والذين تبوءو الدار والإيمان # [الحشر: 9] وقوله: [مجزوء الكامل] # 1471- يا ليت زوجك قد غدا # متقلدا سيفا ورمحا # وقول الآخر: [الكامل] # 1472- فعلفتها تبنا وماء باردا # ........................ # وقول الآخر: [الوافر] # 1473-........................ # وزججن الحواجب والعيونا # أي: واعتقدوا الإيمان، وحاملا رمحا، وسقيتها ماء باردا، ~~وكحلن العيون. وهذا على أحد التأويلين في هذه الأمثلة. # الرابع: أن يكون منصوبا بإضمار فعل من لفظ " رسول " ويكون ذلك الفعل ~~معمولا لقول مضمر - أيضا - هو من قول عيسى. # الخامس: أن الرسول - فيه - بمعنى النطق، فكأنه قيل: وناطقا بأني قد ~~جئتكم، ويوضح هذين الوجهين الأخيرين، ما قاله الزمخشري: " فإن قلت: ~~علام تحمل " ورسولا " و " مصدقا " من المنصوبات المتقدمة، ~~وقوله: { أني قد جئتكم } و { لما بين يديه } يأبى ~~حمله عليها؟ # قلت: هو من المضايق، وفيه وجهان: # أحدهما: أن يضمر له ms1890 " وأرسلت " - على إرادة القول - تقديره: ويعلمه ~~الكتاب والحكمة، ويقول: أرسلت رسولا بأني قد جئتكم، ومصدقا لما بين ~~يدي. # الثاني: أن الرسول والمصدق فيهما معنى النطق، فكأنه قيل: وناطقا بأني ~~قد جئتكم، ومصدقا لما بين يدي ". اه. # إنما احتاج إلى إضمار ذلك كله تصحيحا للمعنى واللفظ، وذلك أن ما ~~قبله من المنصوبات، لا يصح عطفه عليه في الظاهر؛ لأن الضمائر المتقدمة ~~غيب، والضميران المصاحبان لهذين المنصوبين في حكم المتكلم؛ فاحتاج ~~إلى ذلك التقدير؛ ليناسب الضمائر. # وقال أبو حيان: " وهذا الوجه ضعيف؛ إذ فيه إضمار القول ومعموله - ~~الذي هو أرسلت - والاستغناء عنهما باسم منصوب على الحال المؤكدة، إذ ~~يفهم من قوله: وأرسلت، أنه رسول، فهي - على هذا - حال مؤكدة ". # واختار أبو حيان الوجه الثالث، قال: " إذ ليس فيه إلا إضمار فعل يدل ~~عليه المعنى - ويكون قوله: { أني قد جئتكم } معمولا ل " ~~رسولا " أي: ناطقا بأني قد جئتكم، على قراءة الجمهور ". # الثالث: أن يكون حالا من مفعول " ويعلمه " وذلك على زيادة الواو ~~- كأنه قيل: ويعلمه الكتاب، حال كونه رسولا. قاله الأخفش، وهذا على أصل ~~مذهبه من تجويزه زيادة الواو، وهو مذهب مرجوح. # وعلى الثاني وهو كون " الرسول " مصدرا كالرسالة في نصبه وجهان: # أحدهما: أنه مفعول به - عطفا على المفعول الثاني ل " يعلمه " - ~~أي: ويعلمه الكتاب والرسالة معا، أي: يعلمه الرسالة أيضا. # الثاني: أنه مصدر في موضع الحال، وفيه التأويلات المشهورة في: رجل ~~عدل. # وقرأ اليزيدي " ورسول " بالجر - وخرجها الزمخشري على أنها ~~منسوقة على قوله: " بكلمة " أي: يبشرك بكلمة وبرسول. # وفيه بعد لكثرة الفصل بين المتعاطفين، ولكن لا يظهر لهذه القراءة ~~الشاذة غير هذا التخريج. # قوله: { إلى بني إسرائيل } فيه وجهان: # أحدهما: أن يتعلق بنفس " رسول " إذ فعله يتعدى ب " إلى ". # والثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة ل " رسولا " فيكون منصوب ~~المحل في قراءة الجمهور، مجرورة في قراءة اليزيدي. # فصل # هذه الآية تدل على أنه - عليه السلام - كان رسولا إلى كل بني إسرائيل، ~~وقال بعض اليهود: إنه كان مبعوثا إلى قوم مخصوصين. # قيل: ms1891 إنما كان رسولا بعد البلوغ، وكان أول أنبياء بني إسرائيل يوسف ~~وآخرهم عيسى - عليهما السلام - وقال القرطبي: وفي حديث أبي ذر الطويل: ~~"... وأول أنبياء بني إسرائيل موسى، وآخرهم عيسى ". # قوله: { أني قد جئتكم } قرأ العامة " أني " بفتح الهمزة، ~~وفيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن موضعها جر - بعد إسقاط الخافض -، إذ الأصل: بأني، فيكون " ~~بأني " متعلقا ب " رسولا " وهذا مذهب الخليل والكسائي. # والثاني: أن موضعها نصب، وفيه ثلاثة أوجه: # الأول: أنه نصب بعد إسقاط الخافض - وهو الباء - وهذا مذهب التلميذين: ~~سيبويه والفراء. # الثاني: أنه منصوب بفعل مقدر، أي: يذكر، فيذكر صفة ل " رسولا " ~~حذفت الصفة، وبقي معمولها. # الثالث: أنه منصوب على البدل من " رسولا " ، أي: إذا جعلته مصدرا ~~مفعولا به، تقديره: ويسلمه الكتاب ويعلمه أني قد جئتكم. # وقرأ بعضهم بكسر الهمزة، وفيها تأويلان: # أحدهما: أنها على إضمار القول، أي قائلا: إني قد جئتكم، فحذف القول ~~- الذي هو حال في المعنى، وأبقي معموله. # والثاني: أن " رسولا " بمعنى ناطق، فهو مضمن معنى القول، وما كان ~~مضمنا معنى القول أعطي حكم القول. وهذا مذهب الكوفيين. # قوله: { بآية } يحتمل أن يكون متعلقا بمحذوف، على أنه حال من فاعل # " جئتكم " ، أي: جئتكم [ملتبسا بآية]. والثاني: أن يكون متعلقا ~~بنفس المجيء، أي: جاءتكم الآية.. والآية: العلامة. # فإن قيل: لم قال " بآية " وقد أتى بآيات؟ # فالجواب: أن المراد بالآية: الجنس. # وقيل: لأن الكل دل على شيء واحد، وهو صدقه في الرسالة. # قوله: { من ربكم } صفة ل " آية " فيتعلق بمحذوف، أي: بآية من ~~عند ربكم، ف " من " للابتداء مجازا، ويجوز أن يتعلق { من ~~ربكم } بنفس المجيء - أيضا. # وقدر أبو البقاء الحال - في قوله: " بآية " - بقوله: " محتجا بآية، ~~إن عنى من جهة المعنى صح، وإن عنى من جهة الصناعة لم يصح؛ إذ لم ~~يضمر في هذه الأماكن، إلا الأكوان المطلقة ". # وقرأ الجمهور " بآية " - بالإفراد - في الموضعين، وابن مسعود -: ~~بآيات - جمعا - في الموضعين. # قوله: { أني أخلق } قرأ نافع بكسر الهمزة، والباقون بفتحها، ~~فالكسر من ثلاثة أوجه: # أحدها: على إضمار القول، أي: فقلت: ms1892 إني أخلق. # الثاني: أنه على الاستئناف. # والثالث: على التفسير، فسر بهذه الجملة قوله: " بآية " ، كأن قائلا ~~قال: وما الآية؟ فقال هذا الكلام. # ونظيره قوله: # إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم # [آل عمران: 59] ثم قال: # خلقه من تراب # [آل عمران: 59] ف " خلقه " مفسرة للمثل؛ ونظيره - أيضا قوله: # وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات # [المائدة: 9] ثم فسر الوعد # لهم مغفرة وأجر عظيم # [المائدة: 9]. وهذا الوجه هو الصائر إلى الاستئناف؛ فإن المستأنف يؤتى ~~به تفسيرا به لمجرد الإخبار بما تضمنه، وفي الوجه الثالث نقول: إنه ~~متعلق بما تقدمه، مفسر له. # وأما قراءة الجماعة ففيها أربعة أوجه: # أحدها: أنها بدل من { أني قد جئتكم } فيجيء، فيها ما تقدم في ~~تلك؛ لأن حكمها حكمها. # الثاني: أنها بدل من " بآية " فيكون محلها الجر، أي: وجئتكم بأني ~~أخلق لكم، وهذا نفسه آية من الآيات. # وهذا البدل يحتمل أن يكون كلا من كل - إن أريد بالآية شيء خاص ~~- وأن يكون بدل بعض من كل إن أريد بالآية الجنس. # الثالث: أنها خبر مبتدأ مضمر، تقديره: هي أني أخلق، أي: الآية التي ~~جئت بها أني أخلق وهذه الجملة - في الحقيقة - جواب لسؤال مقدر، كأن ~~قائلا قال: وما الآية؟ فقال ذلك. # الرابع: أن تكون منصوبة بإضمار فعل، وهو - أيضا - جواب لذلك السؤال، ~~كأنه قال: أعني أني أخلق. # وهذان الوجهان يلاقيان - في المعنى - قراءة نافع - على بعض الوجوه - ~~فإنهما استئناف. # قوله: { أخلق لكم } أقدر لكم وأصور, وقد تقدم في قوله # يأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم # [البقرة: 21] أن الخلق هو التقدير، ويدل عليه وجوه: # أحدها: قوله: # فتبارك الله أحسن الخالقين # [المؤمنون: 14] أي: المقدرين، وقد ثبت أن العبد لا يكون خالقا بمعنى ~~التكوين والإبداع، فوجب أن يكون بالتقدير والتسوية. # وثانيها: أن لفظ الخلق: يطلق على الكذب، قال تعالى: # إن هذا إلا خلق الأولين # [الشعراء: 137] وقال: # وتخلقون إفكا # [العنكبوت: 17] وقال: # إن هذا إلا اختلاق # [ص: 7]. والكاذب إنما سمي خالقا، لأنه يقدر الكذب في خاطره ~~ويصوره. # وثالثها: هذه الآية. # ورابعها: قوله تعالى: # خلق لكم ms1893 ما في الأرض # [البقرة: 29] إشارة إلى الماضي، فلو حملنا قوله: " خلق " على الإيجاد ~~والإبداع لكان المعنى: أن كل ما في الأرض الآن فهو - تعالى - كان قد ~~أوجده في الزمان الماضي، وذلك باطل، فوجب حمل الخلق على التقدير - ~~حتى يصح الكلام - وهو أنه - تعالى - قدر في الماضي كل ما وجد ~~الآن في الأرض. # وخامسها: قول الشاعر: [الكامل] # 1474- ولأنت تفري ما خلقت وبع # ض القوم يخلق ثم لا يفري # وقال الآخر: [البسيط] # 1475- ولا يئط بأيدي الخالقين ولا # أيدي الخوالق إلا جيد الأدم # وسادسها: أنه يقال: خلق الفعل إذا قدرها وسواها بالمقياس، والخلاق: ~~المقدار من الخير، وفلان خليق بكذا، أي: له هذا المقدار من الاستحقاق، و ~~الصخرة الخلقاء: الملساء؛ لأن الملاسة استواء وفي الخشونة اختلاف، فثبت ~~أن الخلق عبارة عن التقدير والتسوية. # وقال أبو عبد الله البصري: لا يجوز إطلاق " الخالق " على الله - تعالى ~~- في الحقيقة؛ لأن التقدير والتسوية عبارة عن الظن والتخيل، وذلك على ~~الله تعالى محال. # وأجيب بقوله تعالى: # هل من خالق غير الله # [فاطر: 3] والتقدير والتسوية عبارة عن العلم والظن، لكن الظن كان محالا ~~في حق الله تعالى فالعلم ثابت. # إذا عرفت هذا فقوله: { أني أخلق لكم } معناه: أقدر ~~وأصور. # قوله: { لكم } متعلق ب " أخلق " واللام للعلة، أي: لأجلكم - بمعنى ~~لتحصيل إيمانكم، ودفع تكذيبكم إياي - وإلا فالذوات لا تكون عللا، بل ~~أحداثها. و { من الطين } متعلق به - أيضا - و " من " لابتداء ~~الغاية، وقول من قال: إنها للبيان تساهل؛ إذ لم يسبق مبهم تبينه. # قوله: { كهيئة } في موضع هذه الكاف ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها نعت لمفعول محذوف، تقديره: أني أخلق لكم هيئة مثل هيئة ~~الطير. والهيئة إما أن تكون في الأصل مصدرا، ثم أطلقت على المفعول - ~~أي: المهيأ - كالخلق بمعنى: المخلوق، وإما أن تكون اسما لحال الشيء ~~وليست مصدرا، والمصدر: التهييء - والتهيؤ - والتهيئة. # ويقال: هاء الشيء يهيء هيئا وهيئة - إذا ترتب واستقر على حال ~~مخصوص - ويتعدى بالتضعيف، قال تعالى: # ويهيىء لكم من أمركم مرفقا # [الكهف: 16]، والطين معروف، يقال: طانه الله على ms1894 كذا وطلمه - ~~بإبدال النون ميما - أي: جبله عليه، والنفخ معروف. # الثاني: أن الكاف مفعول به؛ لأنها اسم كسائر الأسماء - وهذا رأي ~~الأخفش، حيث يجعل الكاف اسما حيث وقعت وغيره من النحاة لا يقول بذلك ~~إلا إذا اضطر إليه - كوقوعها مجرورة بحرف جر، أو إضافة، أو وقوعها فاعلة ~~أو مبتدأ. وقد تقدم ذلك. # الثالث: أنها نعت لمصدر محذوف، قاله الواحدي نقلا عن أبي علي بعد ~~كلام طويل: " ويكون الكاف موضع نصب على أنه صفة للمصدر المراد، تقديره: ~~أني أخلق لكم من الطين خلقا مثل هيئة الطير ". # وفيما قاله نظر من حيث المعنى؛ لأن التحدي إنما يقع في أثر الخلق - ~~وهو ما ينشأ عنه من المخلوقات - لا في نفس الخلق، اللهم إلا أن نقول: ~~المراد بهذا المصدر المفعول به فيئول إلى ما تقدم. # قال الزمخشري: أي أقدر لكم شيئا مثل هيئة الطير. وهذا تصريح منه ~~بأنها صفة لمفعول محذوف وقوله: " أقدر " تفسير للخلق؛ لأن الخلق هنا - ~~التقدير - كما تقدم - وليس المراد الاختراع، فإنه مختص بالباري - تعالى ~~-. # وقرأ الزهري: " كهيئة " - بنقل حركة الهمزة إلى الياء. # وقرأ أبو جعفر: " كهيئة الطائر ". # قوله: { فأنفخ فيه } في هذا الضمير ستة أوجه: # أحدها: أنه عائد على الكاف؛ لأنها اسم - عند من يرى ذلك - أي: فأنفخ ~~في مثل هيئة الطير. # الثاني: أنه عائد على " هيئة " ، لأنها في معنى الشيء المهيأ، ~~فلذلك عاد الضمير عليها مذكرا وإن كانت مؤنثة - اعتبارا بمعناها ~~دون لفظها، ونظيره قوله تعالى: # وإذا حضر القسمة # [النساء: 8] ثم قال # فارزقوهم منه # [النساء: 8] فأعاد الضمير في { منها } على { القسمة } لما كانت ~~بمعنى المقسوم. # الثالث: أنه عائد على ذلك المفعول المحذوف، أي: فأنفخ في ذلك الشيء ~~المماثل لهيئة الطير. # الرابع: أنه عائد على ما وقعت عليه الدلالة في اللفظ. وهو أني أخلق. ~~ويكون الخلق بمنزلة المخلوق. # الخامس: أنه عائد على ما دلت عليه الكاف من معنى المثل؛ لأن المعنى: ~~أخلق من الطين مثل هيئة الطير وتكون الكاف في موضع نصب على أنه صفة ~~للمصدر المراد تقديره: أني أخلق ms1895 لكم خلقا مثل هيئة الطير. قاله الفارسي؛ ~~وقد تقدم الكلام معه في ذلك. # السادس: أنه عائد على الطين، قاله أبو البقاء، وأفسده الواحدي، قال: " ~~ولا يجوز أن تعود الكناية على " الطين " لأن النفخ إنما يكون في طين ~~مخصوص وهو ما كان مهيئا منه - والطين المتقدم ذكره عام فلا تعود إليه ~~الكناية، ألا ترى أنه لا ينفخ في جميع الطين ". # وفي هذا الرد نظر؛ إذ لقائل أن يقول: لا نسلم عموم الطين ~~المتقدم، بل المراد بعضه. ولذلك أدخل عليه " من " التي تقتضي التبعيض، ~~فإذا صار المعنى: أني أخلق بعض الطين، عاد الضمير عليه من غير إشكال، ~~ولكن الواحدي جعل " من " في الطين لابتداء الغاية، وهو الظاهر. # قال أبو حيان: " وقرأ بعض القراء " فأنفخها ". أعاد الضمير على ~~الهيئة المحذوفة؛ إذ يكون التقدير: هيئة كهيئة الطير، أو على الكاف - على ~~المعنى - إذ هي بمعنى مماثلة هيئة الطير، فيكون التأنيث هنا كما هو في ~~آية المائدة: # فتنفخ فيها فتكون طيرا # [المائدة: 110] ويكون في هذه القراءة قد حذف حرف الجر، كما حذف في قوله: ~~[البسيط] # 1476- ما شق جيب ولا قامتك نائحة # ولا بكتك جياد عند أسلاب # وقول النابغة: [البسيط] # 1477-................. # كالهبرقي تنحى ينفخ الفحما # يريد ولا قامت عليك، وينفخ في الفحم. وهي قراءة شاذة، نقلها الفراء ~~". # قال شهاب الدين: " وعجبت منه، كيف لم يعزها، وقد عزاها صاحب ~~الكشاف إلى عبد الله، قال: وقرأ: " أعبد الله " فأنفخها ". # قوله: { فيكون } في " يكون " وجهان: # أحدهما: أنها تامة، أي: فيوجد، ويكون " طيرا " - على هذا - حالا. # والثاني: أنها ناقصة، و " طيرا " خبرها. وهذا هو الذي ينبغي أن يكون؛ ~~لأن في وقوع اسم الجنس حالا لا حاجة إلى تأويل، وإنما يظهر ذلك على ~~قراءة نافع " طائرا "؛ لأنه - حيئذ - اسم مشتق. # وإذا قيل بنقصانها، فيجوز أن تكون على بابها، ويجوز أن تكون بمعنى " صار ~~" الناقصة، كقوله: [الطويل] # 1478- بتيهاء قفر والمطي كأنها # قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها # أي صارت. # وقال أبو البقاء: " فيكون - أي فيصير - فيجوز أن يكون " كان " هنا - ~~التامة؛ لأن معناها ms1896 " صار " بمعنى: انتقل، ويجوز أن تكون الناقصة، و " ~~طائرا " - على الأول - حال، وعلى الثاني - خبر ". # قال شهاب الدين: " ولا حاجة إلى جعله إياها - في حال تمامها - ~~بمعنى " صار " التامة التي معناها معنى " انتقل " بل النحويون إنما ~~يقدرون التامة بمعنى حدث، ووجد، وحصل، وشبهها وإذا جعلوها بمعنى " صار " ~~فإنما يعنون " صار " الناقصة ". # وقرأ نافع ويعقوب فيكون طائرا - هنا وفي المائدة - والباقون " ~~طيرا " في الموضعين. # فأما قراءة نافع فوجهها بعضهم بأن المعنى على التوحيد، والتقدير: ~~فيكون ما أنفخ فيه طائرا ولا يعترض عليه بأن الرسم الكريم إنما هو " ~~طيرا " - دون ألف - لأن الرسم يجوز حذف مثل هذه الألف تخفيفا ويدل ~~على ذلك أنه رسم قوله تعالى: # ولا طائر يطير بجناحيه # [الأنعام: 38] ولا طير - دون ألف - ولم يقرأه أحد " طائر " - بالألف - ~~فالرسم محتمل، لا مناف. # قال بعضهم كالشارح لما تقدم -: ذهب نافع إلى نوع واحد من الطير؛ لأنه لم ~~يخلق غير الخفاش، وزعم آخرون أن معنى قراءته: يكون كل واحد مما أنفخ ~~فيه طائرا، قال: كقوله تعالى: # فاجلدوهم ثمانين جلدة # [النور: 4] أي اجلدوا كل واحد منهم وهو كثير من كلامهم. # وأما قراءة الباقين فمعناها يحتمل أن يراد به اسم الجنس - أي: جنس ~~الطير - ويحتمل أن يراد به الواحد فما فوقه، ويحتمل أن يراد به ~~الجمع، ولا سيما عند من يرى أن طيرا صيغة جمع نحو ركب وصحب وتجر؛ ~~جمع راكب وصاحب وتاجر - وهو الأخفش - وأما عند سيبويه فهي عنده أسماء ~~جموع، لا جموع صريحة وتقدم الكلام على ذلك في البقرة. وحسن قراءة الجماعة ~~لموافقتها لما قبلها - في قوله: { من الطير } - ولموافقة الرسم ~~لفظا ومعنى. # قوله: { بإذن الله } يجوز أن يتعلق ب " طيرا " - على قراءة ~~نافع، وأما على قراءة غيره فلا يتعلق به؛ لأن " طيرا " اسم جنس، ~~فيتعلق بمحذوف على أن صفة ل " طيرا " أي: طيرا ملتبسا بإذن الله - ~~بتمكينه وإقداره. # قال أبو البقاء: متعلق ب " يكون ". وهذا إنما يظهر إذا جعل " كان " ~~تامة، وأما إذا جعلها ناقصة ففي تعلق الظرف بها الخلاف المشهور. ms1897 # فصل # روي أن عيسى - عليه السلام - لما ادعى النبوة، وأظهر المعجزات، ~~طالبوه بخلق خفاش فأخذ طينا، فصوره، فنفخ فيه، فإذا هو يطير بين ~~السماء والأرض. # قال وهب: كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه، فإذا غاب عن أعينهم ~~سقط ميتا، ليتميز فعل الخلق من فعل الخالق. # قيل: خلق الخفاش، لأنه أكمل الطير خلقا، وأبلغ في القدرة؛ لأن لها ~~ثديا وأسنانا وأذنا، وهي تحيض وتطهر وتلد. # وقيل: إنما طالبوه بخلق خفاش؛ لأنه أعجب من سائر الخلق، ومن عجائبه ~~أنه لحم ودم، يطير بغير ريش ويلد كما يلد الحيوان، ولا يبيض كما يبيض ~~سائر الطيور، ويكون له الضرع يخرج منه اللبن، ولا يبصر في ضوء النهار، ~~ولا في ظلمة الليل، وإنما يرى في ساعتين: بعد غروب الشمس ساعة، وبعد ~~طلوع الفجر ساعة - قبل أن يسفر جدا - ويضحك كما يضحك الإنسان، ~~ويحيض كما تحيض المرأة. قال قوم إنه لم يخلق غير الخفاش. وقال آخرون: إنه ~~خلق أنواعا من الطير. # فصل # قال بعض المتكلمين: دلت الآية على أن الروح جسم رقيق، كأنه الريح؛ ~~لأنه وصفها بالنفخ، ثم هاهنا بحث، وهو أنه هل يجوز أن يقال: إنه - تعالى ~~- أودع في نفس عيسى - عليه السلام - خاصية، بحيث إذا نفخ في شيء كانت ~~نفخته فيه موجبة لصيرورة ذلك الشيء حيا؟ # ويقال: إن الله - تعالى - كان يخلق الحياة في ذلك الجسم بصورته، عند نفخ ~~عيسى على سبيل إظهار المعجزات، وهذا الثاني هو الحق؛ لقوله تعالى: # الذي خلق الموت والحياة # [الملك: 2] وقال إبراهيم عليه السلام لمناظريه: # ربي الذي يحيي ويميت # [البقرة: 258] فلو حصل لغيره هذه الصفة لبطل ذلك الاستدلال. وقوله: { ~~بإذن الله } معناه: بتكوين الله وتخليقه؛ لقوله تعالى: # وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله # [آل عمران: 145] أي بأن يوجد الله الموت. # فصل # القرآن دل على أنه - عليه السلام - إنما تولد من نفخ جبريل - عليه ~~السلام - في مريم وجبريل روح محض وروحاني محض، فكانت نفخة عيسى عليه ~~السلام سببا للحياة والروح. # قوله: " وأبرئ الأكمه " وأبرئ عطف على " أخلق ms1898 " فهو داخل في خبر " ~~أني ". يقال: أبرأت زيد عن العاهة ومن الدين، وبرأتك من الدين - ~~بالتضعيف. # وبرأت من المرض أبرأ وبرئت - أيضا - وأما برئت من الدين ومن ~~الذنب، فبرئت لا غير. # وقال الأصمعي: برئت من المرض لغة تميم، وبرأت لغة الحجاز. # قال الراغب: " برأت من المرض وبرئت، وبرأت من فلان " ، ~~فالظاهر من هذا أنه لا يقال الوجهان - أعني فتح الراء وكسرها - إلا في ~~البراءة من المرض ونحوه. وأما الدين والذنب ونحوهما، فالفتح ليس ~~إلا. # والبراءة: التخلص من الشيء المكروه مجاورته؛ وكذلك التبري والبراء. # فصل # من ولد أعمى، يقال: كمه يكمه فهو أكمه. # قال رؤبة: [الرجز] # 1479- فارتد عنها كارتداد الأكمه # يقال: كمهتها، أي: أعميتها. # قال الزمخشري والراغب وغيرهما: " الأكمه: من ولد مطموس العينين ~~" ، وهو قول ابن عباس وقتادة. # قال الزمخشري: " ولم يوجد في هذه الأمة أكمه غير قتادة صاحب التفسير ". # قال الراغب: " وقد يقال لمن ذهبت عينه: أكمه ". # قال سويد: [الرمل] # 1480- كمهت عيناه حتى ابيضتا # ...................... # قال الحسن والسدي: هو الأعمى. # وقال عكرمة: هو الأعمش. # وقال مجاهد: هو الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل. # والبرص: داء معروف، وهو بياض يعتري الإنسان، ولم تكن العرب تنفر ~~من شيء نفرتها منه، ويقال: برص يبرص برصا، أي: أصابه ذلك، ويقال ~~له: الوضح، وفي الحديث: " وكان بها وضح ". والوضاح من ملوك ~~العرب هابوا أن يقولوا له: الأبرص. ويقال للقمر: أبرص؛ لشدة بياضه. # وقال الراغب " وللنكتة التي عليه " وليس بظاهر، فإن النكتة ~~التي عليه سوداء، والوزغ سام أبرص، سمي بذلك؛ تشبيها بالبرص، ~~والبريص: الذي يلمع لمعان البرص ويقارب البصيص. # فصل # إنما خص هذين المرضين لأنهما أعيا الأطباء، وكان الغالب في زمن ~~عيسى - عليه السلام - الطب، فأراهم الله المعجزة من جنس ذلك. # قال وهب: ربما اجتمع على عيسى عليه السلام من المرضى - في اليوم ~~الواحد - خمسون ألفا، من أطاق منهم أن يبلغه بلغه، ومن لم يطق ~~مشى إليه عيسى، وكان يداويهم بالدعاء - على شرط الإيمان - ويحيي ~~الموتى. # قال الكلبي: كان عيسى يحيي الموتى ب " يا حي يا قيوم، ms1899 أخي ~~عازر " وكان صديقا له، ودعا سام من نوح من قبره فخرج حيا، ومر ~~على ابن عجوز ميت، فدعا الله عيسى، فنزل عن سريره حيا، ورجع إلى أهله ~~وبقي وولد له، وبنت العاشر أحياها، وولدت بعد ذلك. وأما العازر فإنه ~~كان توفي قبل ذلك بأيام فدعا الله، فقام - بإذن الله - وودكه ~~يقطر، وعاش، وولد له. وأما ابن العجوز، فإنه مر به محمولا على ~~سريره، فدعا الله، فقام، ولبس ثيابه وحمل السرير على عنقه إلى أهله، وأما ~~ابنة العاشر فكان أتى عليها ليلة، فدعا الله، فعاشت بعد ذلك، وولد لها. # فلما رأوا ذلك قالوا: إنك تحيي من كان موته قريبا، ولعله لم يمت، بل ~~أصابتهم سكتة فأحي لنا سام بن نوح، فقال: دلوني على قبره، فخرجوا وخرج ~~معهم، حتى انتهى إلى قبره، فدعا الله، فخرج من قبره، قد شاب رأسه، فقال ~~له عيسى: كيف شاب رأسك ولم يكن في زمانكم شيب؟ فقال: يا روح الله، ~~إنك دعوتني، فسمعت صوتا يقول: أجب روح الله، فظننت أن القيامة قد ~~قامت، فمن هول ذلك شاب رأسي. فسأله عن النزع، فقال: يا روح الله، إن ~~مرارة النزع لم تذهب من حنجرتي - وكان قد مر على وقت موته أكثر من ~~أربعة آلاف سنة - ثم قال للقوم: صدقوه؛ فإنه نبي، فآمن به بعضهم، ~~وكذبه بعضهم، وقالوا: هذا سحر. # فصل # قيد قوله: { أني أخلق } بإذن الله؛ لأنه خارق عظيم، فأتى به؛ ~~دفعا لتوهم الإلهية، ولم يأت فيه فيما عطف عليه في قوله: { ~~وأبرىء الأكمه والأبرص } ثم قيد الخارق الثالث - أيضا - ~~بإذن الله؛ لأنه خارق عظيم أيضا - وعطف عليه قوله: { وأنبئكم } ~~من غير تقييد له ونبهه على عظم ما قبله، ودفعا لوهم من يتوهم فيه ~~الإلهية، أو يكون قد حذف القيد من المعطوفين؛ اكتفاء به في الأول والأول ~~أحسن. # قوله: { بما تأكلون } يجوز في " ما " أن تكون موصولة - اسمية ~~أو حرفية - أو نكرة موصوفة. فعلى الأول والثالث تحتاج إلى عامل بخلاف ~~الثاني - عند الجمهور - وكذلك " ما " في قوله: { وما ms1900 تدخرون } ~~محتملة لما ذكر. وأتى بهذه الخوارق الأربع بلفظ المضارع؛ دلالة على ~~تجدد ذلك كل وقت طلب منه. # قوله: { تدخرون } قراءة العامة بدال مشددة مهملة، وأصله: ~~تذتخرون - تفتعلون - من الذخر، وهو التخبية، يقال: ذخر الشيء ~~يذخره ذخرا، فهو ذاخر ومذخور - أي: خبأه. # قال الشاعر: [البسيط] # 1481- لها أشارير من لحم تتمره # من الثعالبي وذخر من أرانيها # الذخر: فعل بمعنى المذخور، نحو الأكل بمعنى المأكول، وبعض النحويين ~~يصحف هذا البيت فيقول: ووخز - بالواو والزاي - وقوله: من ~~الثعالي، وأرانيها، يريد: الثعالب، وأرانبها، فأبدل الباء الموحدة ~~باثنتين من تحتها. # ولما كان أصله: تذتخرون، اجتمعت الذال المعجمة مع تاء الافتعال، ~~فأبدلت تاء الافتعال دالا مهملة، فالتقى بذلك متقاربان - الدال ~~والذال - فأبدل الذال - المعجمة - دالا، وأدغمها في الذال المعجمة - ~~فصار اللفظ: تدخرون. # وقد قرأ السوسي - في رواية عن أبي عمرو - تذدخرون بقلب تاء ~~الافتعال دالا مهملة من غير إدغام، وهذا وإن كان جائزا إلا أن ~~الإدغام هو الفصيح. # وقرأ الزهري ومجاهد وأبو السمال وأيوب السختياني " تذخرون " - ~~بسكون الذال المعجمة، وفتح الخاء جاءوا به مجردا على فعل، يقال: ~~ذخرته - أي: خبأته. # ومن العرب من يقلب تاء الافتعال - في هذا النحو - ذالا معجمة، فيقول: ~~اذخر يذخر - بذال معجمة مشددة، ومثله اذكر فهو مذكر. وسيأتي إن ~~شاء الله تعالى. # قال أبو البقاء: والأصل في " تدخرون " تذتخرون، إلا أن ~~الذال مجهورة، والتاء مهموسة، فلم يجتمعا، فأبدلت التاء دالا؛ لأنها من ~~مخرجها؛ لتقرب من الذال، ثم أبدلت الذال دالا، وأدغمت. و " في ~~بيوتكم " متعلق ب " تدخرون ". # فصل # في الآية قولان: # أحدهما: قال السدي: كان عيسى عليه السلام في الكتاب يحدث ~~الغلمان بما يصنع آباؤهم، ويقول للغلام: انطلق فقد أكل أهلك كذا ~~وكذا، ورفعوا لك كذا وكذا، فينطلق الصبي إلى أهله، ويبكي لهم، حتى ~~يعطوه ذلك الشيء، فيقولون من أخبرك بهذا؟ فيقول: عيسى، فحبسوا ~~صبيانهم عنه، وقالوا: لا تلعبوا مع هذا الساحر، فجمعوهم في بيت فجاء ~~عيسى، وطلبهم، فقالوا: ليسوا هاهنا. فقال: ما في هذا البيت قالوا: ~~خنازير، قال عيسى: كذلك يكونون، ms1901 ففتحوا عليهم فإذا هم خنازير، ففشا ذلك ~~في بني إسرائيل، فهمت به بنو إسرائيل، فلما خافت عليه أمه، حملته على ~~حمار لها، وخرجت هاربة به إلى مصر. # قال قتادة: إنما كان هذا في المائدة، وكان خوانا ينزل عليهم أينما ~~كانوا كالمن والسلوى وأمروا أن لا يخونوا ولا يخبئوا لغد، فخانوا ~~وخبأوا، فجعل عيسى يخبرهم بما أكلوا من المائدة وبما ادخروا، فمسخهم ~~الله خنازير. # وقال القرطبي: إنه لما أحيا لهم الموتى طلبوا منه آية أخرى، ~~وقالوا: أخبرنا بما نأكل في بيوتنا، وبما ندخر للغد، فأخبرهم، فقال: يا ~~فلان، أكلت كذا وكذا، وادخرت كذا وكذا، وأنت يا فلان، أكلت كذا وكذا ~~وادخرت كذا وكذا. # فصل # اعلم أن الإخبار عن الغيب على هذا الوجه معجزة؛ وذلك لأن المنجمين ~~الذين يدعون استخراج الجني لا يمكنهم ذلك إلا عن تقدم سؤال يستعينون ~~عند ذلك بآلة، ويتوصلون بها إلى معرفة أحوال الكواكب، ثم يعترفون ~~بأنهم يغلطون كثيرا، فأما الإخبار عن الغيب من غير استعانة بآلة ولا ~~تقدم مسألة فلا يكون إلا بوحي من الله تعالى. # قوله: { إن فى ذلك } إشارة إلى جميع ما تقدم من الخوارق، وأشير ~~إليها بلفظ الإفراد - وإن كانت جمعا في المعنى - بتأويل ما ذكر. # وقد تقدم أن مصحف عبد الله وقراءته " لآيات " - بالجمع؛ مراعاة لما ~~ذكرنا من معنى الجمع، وهذه الجملة يحتمل أن تكون من كلام عيسى، وأن ~~تكون من كلام الله تعالى. # قوله: { إن كنتم مؤمنين } جوابه محذوف، أي: إن كنتم مؤمنين ~~انتفعتم بهذه الآية، وتدبرتموها. وقدر بعضهم صفة محذوفة ل " آية " ~~أي: لآية نافعة. # قال أبو حيان: " حتى يتجه التعلق بهذا الشرط " وفيه نظر؛ إذ ~~يصح التعلق بالشرط دون تقدير هذه الصفة. # قوله: { مصدقا } نسق على محل بآية، لأن محل " بآية " في محل ~~نصب على الحال؛ إذ التقدير وجئتكم متلبسا بآية ومصدقا. # وقال الفراء والزجاج: نصب " مصدقا " على الحال، المعنى: ~~وجئتكم مصدقا لما بين يدي، وجاز إضمار " جئتكم " ، لدلالة ~~أول الكلام عليه - وهو قوله: { أني قد جئتكم بآية من ~~ربكم ms1902 } - ومثله في الكلام: جئته بما يحب ومكرما له. # قال الفراء: " ولا يجوز أن يكون " مصدقا " معطوفا على " وجيها ~~"؛ لأنه لو كان كذلك لقال: أو مصدقا لما بين يديه، يعني: أنه لو كان ~~معطوفا عليه؛ لأتى معه بضمير الغيبة، لا بضمير التكلم ". وذكر غير ~~الفراء، ومنع - أيضا - أن يكون منسوقا على " رسولا " قال: لأنه لو ~~كان مردودا عليه لقال: ومصدقا لما بين يديك؛ لأنه خاطب بذلك مريم، أو ~~قال: بين يديه. # يعني أنه لو كان معطوفا على " رسولا " لكان ينبغي أن يؤتى بضمير ~~الخطاب؛ مراعاة لمريم، أو بضمير الخطاب مراعاة للاسم الظاهر. # قال أبو حيان: وقد ذكرنا أنه يجوز في " رسولا " أن يكون منصوبا ~~بإضمار فعل - أي: وأرسلت رسولا - فعلى هذا التقدير يكون " مصدقا " ~~معطوفا على " رسولا ". # قوله: { من التوراة } فيه وجهان: # أحدهما: أنه حال من " ما " الموصولة، أي: الذي بين يدي حال كونه من ~~التوراة، فالعامل فيه مصدقا لأنه عامل في صاحب الحال. # الثاني: أنه حال من الضمير المستتر في الظرف الواقع صلة. والعامل ~~فيه الاستقرار المضمر في الظرف أو نفس الظرف؛ لقيامه مقام الفعل. # فصل # اعلم أنه يجب على كل نبي أن يكون مصدقا لجميع الأنبياء؛ لأن ~~الطريق إلى ثبوت نبوتهم هو المعجزة، فكل من حصلت له المعجزة، وجب ~~الاعتراف بنبوته. # قوله: { ولأحل } فيه أوجه: # أحدها: أنه معطوف على معنى " مصدقا " إذ المعنى: جئتكم لأصدق ~~ما بين يدي ولأحل لكم، ومثله من الكلام: جئته معتذرا إليه ~~ولأجتلب رضاه - أي: جئت لأعتذر ولأجتلب - كذا قال الواحدي، وفيه ~~نظر؛ لأن المعطوف عليه حال، وهذا تعليل. # قال أبو حيان: - بعد أن ذكر هذا الوجه -: " وهذا هو العطف على ~~التوهم وليس هذا منه؛ لأن معقولية الحال مخالفة لمعقولية التعليل، ~~والعطف على التوهم لا بد أن يكون المعنى متحدا في المعطوف ~~والمعطوف عليه، ألا ترى إلى قوله تعالى: # فأصدق وأكن # [المنافقون: 10] كيف اتحد المعنى من حيث الصلاحية لجواب التحضيض. # وكذلك قول الشاعر: [الطويل] # 1482- تقي نقي، لم يكثر غنيمة # بنهكة ذي قربى ولا بحقلد # كيف ms1903 اتخذ معنى النفي في قوله: لم يكثر، وفي قوله: ولا بحقلد، ~~أي: ليس بمكثر ولا بحقلد. وكذلك ما جاء منه ". # قال شهاب الدين: " ويمكن أن يريد هذا القائل أنه معطوف على معنى " ~~مصدقا " أي: بسبب دلالته على علة محذوفة، هي موافقة له في اللفظ، ~~فنسب العطف على معناه، باعتبار دلالته على العلة المحذوفة لأنها تشاركه ~~في أصل معناه - أعني مدلول المادة - وإن كانت دلالة الحال غير دلالة ~~العقل ". # الثاني: أنه معطوف على علة مقدرة، أي: جئتكم بآية، ولأوسع عليكم ~~ولأحل، أو لأخفف عنكم ولأحل، ونحو ذلك. # الثالث: أنه معمول لفعل مضمر؛ لدلالة ما تقدم عليه، أي: وجئتكم ~~لأحل، فحذف العامل بعد الواو. # والرابع: أنه متعلق بقوله: { وأطيعون } والمعنى اتبعوني لأحل ~~لكم. وهذا بعيد جدا أو ممتنع. # الخامس: أن يكون { ولأحل لكم } ردا على قوله: " بآية ". قال ~~الزمخشري: { ولأحل } رد على قوله { بآية من ربكم } ~~أي: جئتكم بآية من ربكم ولأحل. # قال أبو حيان: " ولا يستقيم أن يكون { ولأحل لكم } ردا على " ~~بآية " ، لأن " بآية " في موضع حال و " لأحل " تعليل، ولا يصح ~~عطف التعليل على الحال؛ لأن العطف بالحرف المشرك في الحكم يوجب التشريك ~~في جنس المعطوف عليه، فإن عطفت على مصدر، أو مفعول به، أو ظرف، أو ~~حال، أو تعليل وغير ذلك شاركه في ذلك المعطوف ". # قال شهاب الدين: ويحتمل أن يكون جوابه ما تقدم من أنه أراد ردا على " ~~بآية " من حيث دلالتها على عمل مقدر. # قوله: { بعض الذي حرم عليكم } المراد ب " بعض " ~~مدلوله في الأصل. # قال أبو عبيدة: إنها - هنا - بمعنى " كل ". # مستدلا بقول لبيد: [الكامل] # 1483- تراك أمكنة إذا لم أرضها # أو يعتلق بعض النفوس حمامها # يعني كل النفوس. # وقد يرد الناس عليه بأنه كان يلزم أن يحل لهم الزنا، والسرقة، ~~والقتل؛ لأنها كانت محرمة عليهم، فلو كان المعنى: ولأحل لكم ~~كل الذي حرم عليكم لأحل لهم ذلك كله. # واستدل بعضهم على أن " بعضا " بمعنى " كل " بقول الآخر: [الطويل] # 1484- أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا # حنانيك بعض ms1904 الشر أهون من بعض # أي: أهون من كل شر. # واستدل آخرون بقول الشاعر: [البسيط] # 1485- إن الأمور إذا الأحداث دبرها # دون الشيوخ ترى في بعضها خللا # أي: في كلها خللا، ولا حاجة إلى إخراج اللفظ عن مدلوله مع إمكان صحة ~~معناه؛ إذ مراد لبيد ب " بعض النفوس " نفسه هو والتبعيض في البيت ~~الآخر واضح؛ فإن الشر بعضه أهون من بعض آخر لا من كله، وكذلك ليس كل ~~أمر دبره الأحداث كان خللا، بل قد يأتي تدبيره خيرا من تدبير الشيخ. # وقرأ العامة: " حرم " بالبناء للمفعول، والفاعل هو الله. وقرأ عكرمة ~~" حرم " مبنيا للفاعل وهو الله تعالى، أو الموصول في قوله: { ~~لما بين يديه }؛ لأنه كتاب منزل، أو موسى؛ لأنه هو صاحب ~~التوراة، فأضمر بالدلالة عليه بذكر كتابه. # وقرأ إبراهيم النخعي: " حرم " - بوزن شرف وظرف - ونسب ~~الفعل إليه مجازا للعلم بأن المحرم هو الله. # فإن قيل: هذه الآية مناقضة للآية التي قبلها؛ لأنها صريحة في أنه جاء ~~ليحل لهم بعض الذي كان محرما عليهم في التوراة، وهذا يقتضي أن يكون ~~حكمه بخلاف حكم التوراة، وهذا يناقض قوله: { ومصدقا لما بين ~~يدي من التوراة }. # فالجواب: أنه لا مناقضة بين الكلام؛ لأن التصديق بالتوراة، لا معنى له ~~إلا اعتقاد أن كل ما فيه فهو حق وصواب، فإذا لم يكن التأبيد مذكورا ~~في التوراة لم يكن حكم عيسى بتحليل ما كان محرما فيه مناقضا لكونه ~~مصدقا بالتوراة، كما يرد النسخ في الشريعة الواحدة. # فصل # قال وهب: كان عيسى على شريعة موسى، يقرر السبت، ويستقبل بيت ~~المقدس، ثم فسر قوله: { ولأحل لكم بعض الذي حرم ~~عليكم } بأمرين: # أحدهما: أن الأحبار كانوا قد وضعوا من عند أنفسهم شرائع باطلة، ~~ونسبوها إلى موسى، فجاء عيسى ورفعها، وأبطلها وأعاد الأمر إلى ما كان في ~~زمن موسى - عليهما السلام -. # الثاني: أن الله - تعالى - كان قد حرم عليهم بعض الأشياء؛ عقوبة ~~لهم على بعض ما صدر عنهم من الجنايات، كما قال: # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم # [النساء: ms1905 160] ثم بقي ذلك التحريم مستمرا على اليهود، فجاء عيسى، ~~ورفع عنهم تلك التشديدات. # وقال آخرون: إن عيسى رفع كثيرا من أحكام التوراة، ولم يقدح ذلك ~~في كونه مصدقا بالتوراة؛ لمأ بينا أن الناسخ والمنسوخ كلاهما ~~حق وصدق، فرفع السبت، وأقام الأحد مقامه. # قوله: { وجئتكم } هذه الجملة يحتمل أن تكون تأكيدا للأولى؛ ~~لتقدم معناها ولفظها قبل ذلك. # قال أبو البقاء: " هذا تكرير للتوكيد؛ لأنه قد سبق هذا المعنى في الآية ~~التي قبلها ". # ويحتمل أن تكون للتأسيس؛ لاختلاف متعلقها ومتعلق ما قبلها. # قال أبو حيان: قوله: { وجئتكم بآية من ربكم } ~~للتأسيس، لا للتوكيد لاختلاف متعلقها لقوله: { قد جئتكم بآية ~~من ربكم } وتكون هذه الآية هي { إن الله ربي ~~وربكم فاعبدوه } ، لأن هذا القول شاهد على صحة رسالته؛ إذ ~~جميع الرسل كانوا عليه لم يختلفوا فيه، وجعل هذا القول آية ~~وعلامة؛ لأنه رسول كسائر الرسل؛ حيث هداه للنظر في أدلة العقل ~~والاستدلال قاله الزمخشري، [وهو صحيح]. # وقال: { فاتقوا الله وأطيعون } لأن طاعة الرسول من لوازم ~~تقوى الله. # وقوله: { إن الله ربي وربكم } قراءة العامة بكسر همزة " ~~إن " على الإخبار المستأنف؛ وهذا ظاهر على قولنا: إن { جئتكم } ~~تأكيد. # أما إذا جعلناه تأسيسا، وجعلت الآية هي قوله: { إن الله ~~ربي وربكم } - بالمعنى المذكور أولا - فلا يصح الاستئناف، بل ~~يكون الكسر على إضمار القول، وذلك القول بدل من الآية، كأن التقدير: ~~وجئتكم بآية من ربكم قولي: { إن الله ربي وربكم } ، ف ~~" قولي " بدل من آية، و " إن " وما في حيزها معمول " قولي " ، ~~ويكون قوله: { فاتقوا الله وأطيعون } اعتراضا بين البدل ~~والمبدل منه. # وقرئ بفتح الهمزة، وفيه أوجه: # أحدها: أنه بدل من " آية " ، كأن التقدير: وجئتكم بأن الله ربي وربكم، ~~أي: جئتكم بالتوحيد. # وقوله: { فاتقوا الله وأطيعون } اعتراض أيضا. # الثاني: أن ذلك على إضمار لام العلة، ولام العلة متعلقة بما بعدها من ~~قوله { فاعبدوه } ، والتقدير: فاعبدوه لأن الله ربي وربكم كقوله: # لإيلاف قريش # [قريش: 1] إلى أن قال: # فليعبدوا # [قريش: 3] إذ التقدير فليعبدوا، لإيلاف قريش، وهذا عند سيبويه ms1906 وأتباعه - ~~ممنوع؛ لأنه متى كان المعمول أن وصلتها يمتنع تقديمها على عاملها لا ~~يجيزون: أن زيدا منطلق عرفت - تريد عرفت أن زيدا منطلق - للفتح ~~اللفظي، إذ تصدرها - لفظا يقتضي كسرها. # الثالث: أن يكون على إسقاط الخافض - وهو على - و " على " يتعلق بآية ~~بنفسها، والتقدير: وجئتكم بآية على أن الله، كأنه قيل: بعلامة ودلالة على ~~توحيد الله - تعالى - قاله ابن عطية، وعلى هذا فالجملتان ~~الأمريتان اعتراض - أيضا - وفيه بعد. # قوله: { هذا صرط مستقيم } " هذا " إشارة إلى التوحيد ~~المدلول عليه بقوله { إن الله ربي وربكم } أو إلى نفس { ~~إن الله } باعتبار هذا اللفظ هو الصراط المستقيم. ### || [3.52-58] # الإحساس: الإدراك ببعص الحواس الخمس وهي الذوق والشم واللمس والسمع ~~والبصر - يقال: أحسست بالشيء وبالشيء وحسسته وحسست به، ويقال: ~~حسيت - بإبدال سينه الثانية ياء - وأحست بحذف أول سينيه -. # قال الشاعر: [الوافر] # 1486- سوى أن العتاق من المطايا # أحسن به فهن إليه شوس # قال سيبويه: ومما شذ من المضاعف - يعني في الحذف - فشبيه بباب ~~أقمت، وليس وذلك قولهم أحست وأحسن - يريدون: أحسست وأحسسن، ~~وكذلك تفعل به في كل بناء يبنى الفعل فيه ولا تصل إليه الحركة، فإذا قلت: ~~لم أحس، لم تحذف. # وقيل: الإحساس: الوجود والرؤية، يقال: هل أحسست صاحبك - أي: وجدته، ~~أو رأيته؟ # قال أبو العباس المقرئ: ورد لفظ " الحس " في القرآن على أربعة أضرب: # الأول: بمعنى الرؤية، قال تعالى: { فلمآ أحس عيسى منهم ~~الكفر } [آل عمران: 52] وقوله تعالى: # فلمآ أحسوا بأسنآ # [الأنبياء: 12] أي رأوه. وقوله # هل تحس منهم من أحد # [مريم: 98] أي: هل ترى منهم؟ # الثاني: بمعنى القتل، قال تعالى: # إذ تحسونهم بإذنه # [آل عمران: 152] أي: تقتلونهم. # الثالث: بمعنى البحث، قال تعالى: # فتحسسوا من يوسف وأخيه # [يوسف: 87]. # الرابع: بمعنى الصوت، قال تعالى: # لا يسمعون حسيسها # [الأنبياء: 102] أي: صوتها. # قوله: { منهم } فيه وجهان: # أحدهما: أن يتعلق ب " أحس " و " من " لابتداء الغاية أي: ابتداء ~~الإحساس من جهتهم. # الثاني: أنه متعلق بمحذوف، على أنه حال من الكفر، أي: أحس الكفر حال ~~كونه صادرا منهم. # فصل # في هذا ms1907 الإحساس وجهان: # أحدهما: أنهم تكلموا كلمة الكفر فأحسوا ذلك بإذنه. # والثاني: أن يحمل على التأويل، وهو أنه عرف منهم إصرارهم على الكفر ~~وعزمهم على قتله، ولما كان ذلك العلم علما لا شبهة فيه، مثل العلم ~~الحاصل من الحواس - لا جرم - عبر عنه بالإحساس، واختلفوا في السبب الذي ~~ظهر فيه كفرهم على وجوه: # أحدها: قال السدي: إنه - تعالى - لما بعثه إلى بني إسرائيل، ~~ودعاهم إلى دين الله تعالى فتمردوا وعصوا، فخافهم واختفى عنهم. # وقيل: نفوه وأخرجوه، فخرج هو وأمه يسيحان في الأرض، فنزلا في ~~قرية على رجل، فأضافهم، وأحسن إليهم، وكان بتلك المدينة ملك جبار، ~~فجاء ذلك الرجل يوما حزينا، مهتما، ومريم عند امرأته، فقالت ~~مريم ما شأن زوجك؟ أراه كئيبا؟ قالت: لا تسأليني. فقالت: أخبريني، لعل ~~الله يفرج كربته، قالت: إن لنا ملكا يجعل على كل رجل منا يطعمه ~~ويطعم جنوده، ويسقيهم الخمر، فإن لم يفعل، عاقبه، واليوم نوبتنا، وليس ~~لذلك عندنا سعة، قالت: فقولي له: لا يهتم؛ فإني آمر ابني فيدعو له، ~~فيكفى ذلك. فقالت مريم لعيسى يا ولدي ادع الله أن يكفيه ذلك، فقال: يا ~~أمه، إن فعلت ذلك كان فيه شر فقالت: قد أحسن إلينا وأكرمنا، فقال ~~عيسى: قولي له إذا قرب مجيء الملك فاملأ قدورك وجوابيك [ماءا] ثم ~~أعلمني. # ففعل ذلك، فدعا الله تعالى - فتحول ما في القدور طبيخا، وما في ~~الجوابي خمرا، لم يرى الناس مثله، فلما جاء الملك أكل، فلما شرب ~~الخمر، قال: من اين هذا الخمر؟ قال: من أرض كذا، قال الملك: إن خمري من ~~تلك الأرض وليست مثل هذه قال: هذه من أرض أخرى، فلما خلط على الملك، ~~واشتد عليه، قال: أنا أخبرك، عندي غلام لا يسأل الله شيئا إلا أعطاه ~~وإنه دعا الله فجعل الماء خمرا وكان للملك ابن يريد أن يستخلفه، فمات ~~قبل ذلك بأيام - وكان أحب الخلق إليه - فقال: إنه رجل دعا الله حتى جعل ~~الماء خمرا ليستجابن له حتى يحيي ابني، فدعا عيسى فكلمه في ذلك ~~فقال عيسى: ms1908 لا تفعل فإنه إن عاش وقع الشر فقال: ما أبالي ما كان - إذا ~~رأيته - قال عيسى: فإن أحييته تتركني وأمي نذهب حيث شئنا؟ قال: نعم. ~~فدعا الله تعالى - فعاش الغلام، فلما رآه أهل مملكته قد عاش تنادوا ~~بالسلاح وقالوا: أكلنا هذا، حتى إذا دنا موته يريد أن يستخلف علينا ابنه ~~فيأكلنا كما أكلنا أبوه؟ فاقتتلوا. وذهب عيسى وأمه فمروا بالحواريين ~~- وهم يصطادون السمك - فقال ما تصنعون؟ قالوا: نصطاد السمك، قال: أفلا ~~تمشون حتى تصطادوا الناس؟ قالوا: من أنت؟ قال: عيسى ابن مريم، عبد ~~الله ورسوله، { من أنصاري إلى الله }؟ فآمنوا به وانطلقوا معه ~~وصار أمر عيسى مشهورا في الخلق، فقصد اليهود قتله، وأظهروا الطعن فيه. # وثانيها: أن اليهود كانوا عارفين بأنه المسيح المبشر به في التوراة، ~~وأنه ينسخ دينهم، فكانوا هم أول طاعنين فيه، طالبين قتله، فلما ~~أظهر الدعوة، اشتد غضبهم، وأخذوا في إيذائه وطلبوا قتله. # وثالثها: أن عيسى - عليه السلام - ظن من قومه الذين دعاهم إلى الإيمان ~~أنهم لا يؤمنون به، وأن دعوته لا تنجع فيهم، فأحب أن يمتحنهم، ليتحقق ما ~~ظنه بهم، فقال لهم: { من أنصاري إلى الله } فما أجابه إلا ~~الحواريون، فعند ذلك أحس بأن من سوى الحواريين كافرون، مصرون على ~~إنكار دينه، وطلب قتله. # قوله: { من أنصاري إلى الله }؟ " أنصار " جمع نصير نحو ~~شريف وأشراف. # وقال قوم: هو جمع نصر المراد به المصدر، ويحتاج إلى حذف مضاف أي من ~~أصحاب نصرتي؟ و " إلى " على بابها، وتتعلق بمحذوف؛ لأنها حال، ~~تقديره: من أنصاري مضافين إلى الله، كذا قدره أبو البقاء. # وقال قوم إن " إلى " بمعنى مع أي: مع الله، قال الفراء: وهو وجه حسن. # وإنما يجوز أن تجعل " إلى " في موضع " مع " إذا ضممت الشيء إلى ~~الشيء مما لم يكن معه، كقول العرب: الذود إلى الذود إبل، أي: مع ~~الذود. بخلاف قولك: قدم فلان ومعه مال كثير، فإنه لا يصلح أن يقال: وإليه ~~مال، وكذا قوله: قدم فلان مع أهله، ولو قلت إلى أهله لم يصح، وجعلوا ms1909 من ~~ذلك أيضا قوله: # ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم # [النساء: 2]. # وقد رد أبو البقاء كونها بمعنى: " مع " فقال: [وقيل: هي بمعنى: " مع " ~~] وليس بشيء؛ فإن " إلى " لا تصلح أن تكون بمعنى " مع " ولا قياس ~~يعضده. # وقيل: إن " إلى " بمعنى اللام من أنصاري لله؟ كقوله: { يهدي إلى ~~الحق } ، كذا قدره الفارسي. # وقيل: ضمن أنصاري معنى الإضافة، أي: من يضيف نفسه إلى الله في نصرتي، ~~فيكون " إلى الله " متعلقا بنفس " أنصاري ". # وقيل: متعلق بمحذوف على أنه حال من الياء في " أنصاري " أي: من ~~أنصاري ذاهبا إلى الله ملتجئا إليه، قاله الزمخشري. # وقيل: التقدير: من أنصاري إلى أن أبين أمر الله، وإلى أن أظهر دينه، ~~ويكون " إلى " هاهنا غاية؛ كأنه أراد: من يثبت على نصرتي إلى أن تتم ~~دعوتي، ويظهر أمر الله؟ # وقيل: المعنى: من أنصاري فيما يكون قربة إلى الله ووسيلة إليه؟ # وفي الحديث: أنه - عليه السلام - كان يقول - إذا ضحى -: # " اللهم منك وإليك " # أي تقربنا إليك. # وقيل: " إلى " بمعنى: " في " تقديره: من أنصاري في سبيل الله؟ قاله ~~الحسن. # فصل # والحواريون، جمع حواري، وهو الناصر، وهو مصروف - وإن ماثل " مفاعل "؛ ~~لأن ياء النسب فيه عارضة ومثله حوالي - وهو المحتال - وهذا بخلاف: ~~قماري وبخاتي، فإنهما ممنوعان من الصرف، والفرق أن الياء في ~~حواري وحوالي - عارضة، بخلافها في قماري وبخاتي فإنها موجودة - قبل ~~جمعهما - في قولك قمري وبختي. والحواري: الناصر - كما تقدم - ~~ويسمى كل من تبع نبيا ونصره: حواريا؛ تسمية له باسم أولئك؛ تشبيها ~~بهم، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم في الزبير: # " ابن عمتي وحواري أمتي " # وفيه أيضا - # " إن لكل نبي حواريا وحواريي الزبير " # ، وقال معمر قال قتادة: إن الحواريين كلهم من قريش: أبو بكر، وعمر، ~~وعثمان، وعلي، وحمزة، وجعفر، وأبو عبيدة بن الجراح، وعثمان بن مظعون ~~وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله والزبير بن ~~العوام - رضي الله عنهم أجمعين. وقيل: الحواري: هو صفوة الرجل وخالصته ~~واشتقاقه من جرت الثوب، أي: أخلصت بياضه بالغسل، ومنه سمي ms1910 ~~القصار حواريا؛ لتنظيفه الثياب، وفي التفسير: إن أتباع عيسى كانوا ~~قصارين. # قال أبو عبيدة: سمي أصحاب عيسى الحواريون للبياض وكانوا قصارين. # وقال الفرزدق: [البسيط] # 1487- فقلت: إن الحواريات معطبة # إذا تفتلن من تحت الجلابيب # يعني النساء؛ لبياضهن وصفاء لونهن - ولا سيما المترفهات - يقال لهن: ~~الحواريات، ولذلك قال الزمخشري: وحواري الرجل: صفوته وخالصته، ~~ومنه قيل للحضريات: الحواريات؛ لخلوص ألوانهن ونظافتهن. # [وأنشد لأبي حلزة اليشكري]: [الطويل] # 1488- فقل للحواريات: يبكين غيرنا # ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح # ومنه سميت الحور العين؛ لبياضهن ونظافتهن، والاشتقاق من الحور، وهو تبيض ~~الثياب وغيرها: # وقال الضحاك: هم الغسالون وهم بلغة النبط - هواري - بالهاء مكان ~~الحاء -. # قال ابن الأنباري: فمن قال بهذا القول قال: هذا حرف اشتركت فيه لغة ~~العرب ولغة النبط وهو قول مقاتل بن سليمان إن الحواريين هم القصارون. # وقيل: " هم المجاهدون " كذا نقله ابن الأنباري. # وأنشد: [الطويل] # 1489- ونحن أناس تملأ البيض هامنا # ونحن الحواريون يوم نزاحف # جماجمنا يوم اللقاء تروسنا # إلى الموت نمشي ليس فينا تجانف # قال الواحدي: والمختار - من هذه الأقوال عند أهل اللغة - أن هذا الاسم ~~لزمهم للبياض ثم ذكر ما تقدم عن أبي عبيدة. # وقال الراغب: حورت الشيء: بيضته ودورته، ومنه الخبز الحوارى، ~~والحواريون: أنصار عيسى. # وقيل: اشتقاقه من حار يحور - أي: رجع. قال تعالى: # إنه ظن أن لن يحور # [الانشقاق: 14]. أي لن يرجع، فكأنهم الراجعون إلى الله تعالى حار يحور ~~حورا - أي: رجع - وحار يحور حورا - إذا تردد في مكانه ومنه: حار ~~الماء في القدر، وحار في أمره، وتحير فيه، وأصله تحيور، فقلبت ~~الواو ياء، فوزنه تفيعل، لا تفعل؛ إذ لو كان تفعل لقيل: تحور ~~نحو تجوز ومنه قيل للعود الذي تشد عليه البكرة: محور؛ ~~لتردده، ومحارة الأذن، لظاهره المنقعر - تشبيها بمحارة الماء؛ ~~لتردد الهواء بالصوت كتردد الماء في المحارة، والقوم في حوارى أي: في ~~تردد إلى نقصان، ومنه: " نعوذ بالله من الحور بعد الكور " وفيه ~~تفسيران: أحدهما: نعوذ بالله من التردد في الأمر بعد المضي فيه ~~والثاني: نعوذ بالله من النقصان والتردد ms1911 في الحال بعد الزيادة فيها. # ويقال: حار بعدما كان. والمحاورة: المرادة في [الكلام]، وكذلك ~~التحاور، والحوار، ومنه: # وهو يحاوره # [الكهف: 34] و # والله يسمع تحاوركمآ # [المجادلة: 1] ومنه أيضا: كلمته فما رجع إلي حوارا وحويرا ~~ومحورة وما يعيش بحور - أي: بعقل يرجع إليه. والحور: ظهور قليل ~~بياض في العين من السواد، وذلك نهاية الحسن في العين، يقال - منه ~~-: أحورت عينه، والمذكر أحور، والمؤنث حوراء والجمع فيهما حور - نحو حمر ~~في جمع أحمر وحمراء -. # وقيل: سميت الحوراء حوراء لذلك. # وقيل: اشتقاقهم من نقاء القلب وخلوصه وصدقه، قاله أبو البقاء ~~والضحاك، وهو راجع للمعنى الأول من خلوص البياض، فهو مجاز عن التنظيف ~~من الآثام، وما يشوب الدين. # قاله ابن المبارك: سموا بذلك؛ لما عليهم من أثر العبادة ونورها. # وقال روح بن قاسم: سألت قتادة عن الحواريين، فقال: هم الذين ~~تصلح لهم الخلافة، وعنه أنه قال: الحواريون هم الوزراء. # والياء في " حواري وحوالي " ليست للنسب، بل زيادة كزيادتها في ~~كرسي، وقرأ العامة " الحواريون " بتشديد الياء في جميع ~~القرآن، وقرأ الثقفي والنخعي بتخفيفها في جميع القرأن، قالوا: لأن ~~التشديد ثقيل. # وكان قياس هذه القراءة أن يقال فيها: الحوارون؛ وذلك أنه يستثقل الضمة ~~على الياء المكسور ما قبلها، فتنتقل ضمة الياء إلى ما قبلها، فتسكن ~~الياء، فيلتقي ساكنان، فيحذفوا الياء؛ لالتقاء الساكنين، وهذا نحو جاء ~~القاضون، الأصل: القاضيون، ففعلوا به ما ذكر. قالوا: وإنما أقرت ~~ضمة الياء عليها؛ تنبيها على أن التشديد مراد؛ لأن التشديد يتحمل ~~الضمة، كما ذهب الأخفش في " يستهزيون " إذ أبدل الهمزة ياء ~~مضمومة، وإنما بقيت الضمة؛ تنبيها على الهمزة. # فصل في المراد ب " الحواريين " # اختلفوا في الحواريين، فقال مجاهد والسدي: كانوا صيادين يصطادون ~~السمك وسموا حواريين؛ لبياض ثيابهم، وذلك أن عيسى لما خرج سائحا ~~مر بجماعة يصطادون السمك وكان فيهم شمعون ويعقوب ويوحنا بني رودي ~~وهم منه جملة الحواريين الاثني عشر، فقال لهم عيسى: أنتم تصيدون السمك، ~~فإن اتبعتموني صرتم بحيث تصيدون الناس بحياة الأبد، قالوا: ومن أنت؟ ~~قال: عيسى ابن مريم عبد ms1912 الله ورسوله فطلبوا منه المعجز، وكان شمعون قد ~~رمى شبكته تلك الليلة، فما اصطاد شيئا، فأمره عيسى بإلقاء شبكته في ~~الماء مرة أخرى فاجتمع في تلك الشبكة ما كادت تتمزق، واستعانوا بأهل ~~سفينة أخرى وملئوا سفينتين، فعند ذلك آمنوا بعيسى صلى الله عليه وسلم. # وقال الحسن: كانوا قصارين، سموا بذلك لأنهم كانوا يحورون ~~الثياب، أي يبيضونها. # وقيل: كانوا ملاحين وكانوا اثني عشر رجلا، اتبعوا عيسى، وكانوا إذا ~~جاعوا قالوا: يا روح الله جعنا، فيضرب بيده الأرض، فيخرج لكل واحد ~~رغيفان، وإذا عطشوا قالوا: عطشنا، فيضرب بيده الأرض فيخرج الماء، ~~فيشربون، فقالوا: من أفضل منا؛ إذا شئنا أطعمنا، وإذا شئنا استقينا، ~~وقد آمنا بك؟ فقال: أفضل منكم من يعمل بيده، ويأكل من كسبه، قال: ~~فصاروا يغسلون الثياب بالكراء، فسموا حواريين. # وقيل: كانوا ملوكا، وذلك أن واحدا من الملوك صنع طعاما، وجمع الناس ~~عليه، وكان عيسى عليه السلام على قصعة منها، فكانت القصعة لا تنقص، ~~فذكروا هذه الواقعة لذلك الملك، فقال: أتعرفونه؟ قالوا: نعم فذهبوا، ~~فجاءوا بعيسى، فقال: من أنت؟ قال عيسى ابن مريم، قال: وأنا أترك ملكي ~~وأتبعك، فتبعه ذلك الملك مع أقاربه، فأولئك هم الحواريون. # وقيل: إن أمه سلمته إلى صباغ، فكان إذا أراد أن يعلمه شيئا كان ~~هو أعلم به منه، فأراد الصباغ أن يغيب يوما لبعض مهماته، فقال له: ~~هاهنا ثياب مختلفة، وقد جعلت على كل واحد علامة معينة، فاصبغها بتلك ~~الألوان حتى يتم المقصود عند رجوعي، ثم غاب، فطبخ عيسى صلى الله عليه ~~وسلم جبا واحدا، وجعل الجميع فيه، وقال: كوني بإذن الله كما أريد، ~~فرجع الصباغ، وسأله، فأخبره بما فعل، فقال: أفسدت علي الثياب، قال: قم ~~فانظر، فكان يخرج ثوبا أخضر، وثوبا أصفر، وثوبا أحمر، - كما كان يريد ~~- إلى أن أخرج الجميع على الألوان التي أرادها، فتعجب الحاضرون منه ~~وآمنوا به، وهم الحواريون. # قال القفال: ويجوز أن يكون بعض هؤلاء الحواريين الاثني عشر من ~~الملوك، وبعضهم من صيادي السمك، وبعضهم من القصارين، وبعضهم من ~~الصباغين، والكل ms1913 سموا بالحواريين؛ لأنهم كانوا أنصار عيسى - عليه ~~السلام - وأعوانه، والمخلصين في محبته وطاعته. # قوله: { قال الحواريون نحن أنصار الله } أي: أنصار ~~أنبيائه؛ لأن نصرة الله - في الحقيقة - محال. { آمنا بالله ~~} هذا يجري مجرى ذكر العلة، والمعنى: أنه يجب علينا أن نكون من أنصار ~~الله؛ لأجل أن آمنا به؛ فإن الإيمان بالله يوجب نصرة دين الله، ~~والذب عن أوليائه، والمحاربة لأعدائه، ثم قالوا: { واشهد } يا ~~عيسى { بأنا مسلمون } أي: منقادون لما تريد منا من نصرتك. # ويحتمل أن يكون ذلك إقرارا منهم بأن دينهم الإسلام، وأنه دين كل ~~الأنبياء - عليهم السلام - ولما أشهدوا عيسى على إيمانهم تضرعوا إلى ~~الله، وقالوا: { ربنآ آمنا بمآ أنزلت واتبعنا ~~الرسول } عيسى { فاكتبنا مع الشاهدين } الذين شهدوا ~~لأنبيائك بالصدق. # وقال عطاء: مع النبيين؛ لأن كل نبي شاهد أمته، وقد أجاب الله دعاءهم، ~~وجعلهم مثل الأنبياء والرسل وأحيوا الموتى كما صنع عيسى - عليه السلام -. # قال ابن عباس: مع محمد وأمته، قال تعالى: # وكذلك جعلنكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء ~~على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا # [البقرة: 143]. # وقيل: اجعلنا من تلك الفرقة الذين قرنت ذكرهم بذكرك في قولك: # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملئكة ~~وأولوا العلم # [آل عمران: 18]. قوله: { مع الشاهدين } حال من مفعول { ~~فاكتبنا } وفي الكلام حذف، أي: مع الشاهدين لك بالوحدانية. قوله: { ~~ومكروا ومكر الله } من باب المقابلة، أي: لا يجوز أن يوصف - ~~تعالى - بالمكر إلا لأجل ما ذكر معه من لفظ آخر مسند لمن يليق به. ~~هكذا قيل، وقد جاز ذلك من غير مقابلة في قوله: # أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا ~~القوم # [الأعراف: 99] والمكر في اللغة أصله الستر، يقال: مكر الليل، أي ~~أظلم وستر بظلمته ما فيه. # قال القرطبي: وأصل المكر في اللغة: الاحتيال والخداع، والمكر: خدالة ~~الساق، والمكر: ضرب من النبات ويقال: بل هو المغرة، حكاه ابن فارس، ~~قالوا: واشتقاقه من المكر، وهو شجر ملقف، تخيلوا منه أن المكر يلتف ~~بالممكور به ويشتمل عليه، وامرأة ممكورة الخلق، أي: ملتفة الجسم، وكذا ms1914 ~~ممكورة البطن. # ثم أطلق المكر على الخبث والخداع، ولذلك عبر عنه بعض أهل اللغة بأنه ~~السعي بالفساد، قال الزجاج هو من مكر الليل وأمكر أي أظلم، وعبر ~~بعضهم عنه فقال هو صرف الغير عما يقصده بحيلة، وذلك ضربان: محمود، وهو ~~ان يتحرى به فعل جميل، وعلى ذلك قوله: { والله خير ~~الماكرين }. ومذموم، وهو أن يتحرى به فعل قبيح، نحو: # ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله # [فاطر: 43]. # فصل # أما مكرهم بعيسى - عليه السلام - فهو أن عيسى لما خرج عن قومه - ~~هو وأمه - عاد إليهم مع الحواريين، وصاح فيهم بالدعوة، فهموا بقتله، ~~فذلك مكرهم به. وأما مكر الله بهم ففيه وجوه: # أحدها: أن مكر الله استدراج العبد، وأخذه بغتة من حيث لا يعلم، كما ~~قال # سنستدرجهم من حيث لا يعلمون # [القلم: 44]. # وقال الزجاج: " مكر الله " مجازاتهم على مكرهم، فسمى الجزاء باسم ~~الابتداء؛ لأنه في مقابلته، كقوله: # الله يستهزىء بهم # [البقرة: 15] وقوله: # وهو خادعهم # [النساء: 142]. ومكر الله - تعالى - خاصة بهم في هذه الآية هو أنه رفع ~~عيسى عليه السلام إلى السماء وذلك أن اليهود أرادوا قتل عيسى، وكان ~~جبريل لا يفارقه ساعة واحدة، وهو معنى قوله: # وأيدناه بروح القدس # [البقرة: 87] فلما أرادوا ذلك أمره جبريل أن يدخل بيتا فيه روزنة، ~~فلما دخلوا أخرجه جبريل من تلك الروزنة، وكان قد ألقي شبهه على غيره، ~~فأخذ، وصلب، فتفرق الحاضرون ثلاث فرق: # فرقة قالوا: كان الله فينا فذهب. والأخرى قالت: ابن الله. والثالثة ~~قالت: كان عبد الله ورسوله فأكرمه بأن رفعه إلى السماء فصار لكل فرقة ~~جمع، وظهرت الفرقتان الكافرتان على المؤمنة إلى أن بعث الله محمدا صلى ~~الله عليه وسلم. # الثاني: أن الحواريين كانوا اثني عشر، وكانوا مجتمعين في بيت، فنافق ~~واحد منهم، ودل اليهود عليه فألقى الله شبهه عليه، ورفع عيسى، فأخذوا ~~ذلك المنافق الذي كان منهم وقتلوه، وصلبوه على ظن أنه عيسى عليه السلام، ~~ثم قالوا: وجهه يشبه وجه عيسى، وبدنه يشبه بدن عيسى صاحبنا، فإن كان ~~هذا عيسى فأين صاحبنا؟ وإن كان ms1915 هذا صاحبنا فأين عيسى؟ فوقع بينهم قتال ~~عظيم، حتى قتل بعضهم، فذلك هو مكر الله بهم. # الثالث: قال محمد بن إسحاق: إن اليهود عذبوا الحواريين بعد أن ~~رفع عيسى عليه السلام، ولقوا منهم الجهد، فبلغ ذلك ملك الروم، وكان ~~ملك اليهود من رعيته، فقيل له: إن رجلا من بني إسرائيل ممن تحت أمرك كان ~~يخبرهم أنه رسول الله، وأراهم إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، ~~وفعل وفعل، فقال: لو علمت ذلك ما خليت بينهم وبينه. # ثم بعث إلى الحواريين، فانتزعهم من أيديهم وسألهم عن عيسى، فأخبروه ~~وبايعوه على دينهم، وأنزل المصلوب، فغيبه، وأخذ الخشبة، فأكرمها وصانها، ~~ثم غزا بني إسرائيل وقتل منهم خلقا عظيما، ومنه ظهر أصل النصرانية ~~في الروم وكان اسم هذا الملك طباريس، وصار نصرانيا إلا أنه ما أظهر ~~ذلك، ثم جاء بعده ملك آخر يقال طبطيوس غزا بيت المقدس بعد رفع عيسى بنحو ~~من أربعين سنة، فقتل وسبى، ولم يترك في مدينة بيت المقدس حجرا على حجر، ~~فخرج عند ذلك قريظة والنضير إلى الحجاز، فهذا كله مما جازاهم الله ~~تعالى به على تكذيب المسيح والهم بقتله. # الرابع: أن الله تعالى سلط عليهم ملك فارس، فقتلهم، وسباهم، وهو قوله: # بعثنا عليكم عبادا لنآ أولي بأس شديد ~~فجاسوا خلال الديار # [الإسراء: 5] فهذا هو مكر الله - تعالى - بهم. # الخامس: يحتمل أن يكون المراد منهم أنهم مكروا في إخفاء أمره، وإبطال ~~دينه، ومكر الله بهم، حيث أعلى دينه، وأظهر شريعته، وقهر بالذل ~~أعداءه - وهم اليهود. # وفي قوله: { والله خير الماكرين } إيقاع الظاهر موقع ~~المضمر؛ إذ الأصل: ومكروا ومكر الله، وهو خير بالماكرين. # قوله: { إذ قال الله } في ناصبه ثلاثة أوجه: # أحدها: قوله: { ومكر الله } أي: مكر الله بهم في هذا الوقت. # الثاني: { خير الماكرين }. # الثالث: أنه " اذكر " - مقدرا - فيكون مفعولا به كما تقدم تقريره. # قوله: { إني متوفيك ورافعك إلي } ، فيه وجهان: # أحدهما: وهو الأظهر - أن يكون الكلام على حاله - من غير ادعاء تقديم ~~وتأخير فيه - بمعنى إني مستوفي أجلك ومؤخرك وعاصمك من ms1916 أن يقتلك الكفار، ~~إلى أن تموت حتف أنفك - من غير أن تقتل بأيدي الكفار - ورافعك إلى ~~سمائي. # الثاني: أن في الكلام تقديما وتأخيرا، والأصل: رافعك إلي ومتوفيك؛ ~~لأنه رفع إلى السماء، ثم يتوفى بعد ذلك، والواو للجمع، فلا فرق بين ~~التقديم والتأخير قاله أبو البقاء. # ولا حاجة إلى ذلك مع إمكان إقرار كل واحد في مكانه مما تقدم من المعنى، ~~إلا أن أبا البقاء حمل التوفي على الموت، وذلك إنما هو بعد رفعه، ~~ونزلوه إلى الأرض، وحكمه بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم كما ثبت في ~~الحديث. فعلى الأول ففيه وجوه: # أحدها: إني متمم عمرك، وإذا تم عمرك فحينئذ أتوفاك كما قدمناه. # الثاني: إني مميتك، والمقصود منه ألا يصل أعداؤه من اليهود إلى قتله. ~~وهو مروي عن ابن عباس ومحمد بن إسحاق، وهؤلاء اختلفوا على ثلاثة ~~أوجه: # الأول: قال وهب: توفي ثلاث ساعات، ثم رفع وأحيي. # الثاني: قال محمد بن إسحاق: توفي سبع ساعات، ثم أحياه الله ورفعه. # الثالث: قال الربيع بن أنس: إنه - تعالى - أنامه حال رفعه إلى السماء، ~~قال تعالى # الله يتوفى الأنفس حين موتها # [الزمر: 42]. # وثالثها: أن الواو لا تفيد الترتيب، فالأمر فيه موقوف على الدليل، وقد ~~ثبت أنه حي، وأنه ينزل ويقتل الدجال ثم يتوفاه الله بعد ذلك. # رابعها: إني متوفيك عن شهواتك، وحظوظ نفسك، فيصير حاله كحال الملائكة- ~~في زوال [الشهوات] والغضب والأخلاق الذميمة -. # خامسها: أن التوفي اخذ الشيء وافيا، ولما علم الله أن من الناس من ~~يخطر بباله أن الذي رفعه الله هو روحه، لا جسده، ذكر ذلك؛ ليدل على ~~أنه - عليه السلام - رفع بتمامه إلى السماء - بروحه وجسده. # وسادسها: إني متوفيك، أي جاعلك كالمتوفى؛ لأنه إذا رفع إلى السماء، ~~وانقطع خبره، وأثره عن الأرض كان كالمتوفى، وإطلاق اسم الشيء على ما ~~يشابهه في أكثر خواصه وصفاته جائز حسن. # وسابعها: أن التوفي هو القبض، يقال: فلان وفاني دراهمي، ووافاني، ~~وتوفيتها منه، كما يقال سلم فلان دراهمي إلي، وتسلمتها منه. فإن قيل: ~~فعلى هذا يكون التوفي ms1917 في عين الرفع، فيصير قوله: { ورافعك إلي } ~~تكرارا، فالجواب: أن قوله { إني متوفيك } يدل على حصول ~~التوفي، وهو جنس تحته أنواع، بعضها بالموت وبعضها بالإصعاد، فلما ~~قال: { ورافعك إلي } صار تعيينا للنوع، فلم يكن تكرارا. # ثامنها: أن يقدر حذف مضاف، أي: متوفي عملك، بمعنى مستوفي عملك، ورافعك ~~إلي، أي: ورافع عملك إلي، كقوله: # إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه # [فاطر: 10] والمراد منه: أنه تعالى بشره بقبول طاعاته وأعماله، ~~وعرفه أن ما يصل إليه من المتاعب والمشاق - في نشر دينه، وإظهار شريعته ~~من الأعداء فهو لا يضيع أجره، ولا يهدر ثوابه. # وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن ~~مريم حكما عدلا، يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ~~ويضع الجزية، فيفيض المال، حتى لا يقبله أحد ~~". # وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في نزول عيسى: # " ويهلك في زمانه الملل كلها إلا الإسلام ~~ويهلك الدجال، فيمكث في الأرض أربعين سنة، ثم ~~يتوفى فيصلي عليه المسلمون ". # وقيل للحسين بن الفضل: هل تجد نزول عيسى في القرآن؟ قال: نعم، ~~قوله: { وكهلا } وهو لم يكتهل في الدنيا، وإنما معناه: { وكهلا } ~~بعد نزوله من السماء. # فصل # قال القرطبي: " والصحيح أن الله تعالى - رفعه من غير وفاة ولا نوم - ~~كما قال الحسن وابن زيد - وهو اختيار الطبري، وهو الصحيح عن ابن ~~عباس ". # وقال الضحاك: وكانت القصة أنهم لما أرادوا قتل عيسى عليه السلام ~~اجتمع الحواريون في غرفة - وهم اثنا عشر رجلا، فدخل عليهم ~~المسيح من مشكاة الغرفة، فأخبر إبليس جميع اليهود، فركب منهم ~~أربعة آلاف رجل، فأخذوا بباب الغرفة، فقال المسيح للحواريين: أيكم ~~يخرج، ويقتل، ويكون معي في الجنة؟ فقال واحد منهم أنا يا نبي الله، ~~فألقى إليه مدرعة من صوف، وعمامة من صوف، وناوله عكازه، وألقي ~~عليه شبه عيسى، فخرج على اليهود فقتلوه، وصلبوه، وأما عيسى فكساه الله ~~الريش، وألبسه النور، وقطع عنه شهوة المطعم والمشرب، فطار مع ~~الملائكة، ثم إن أصحابه تفرقوا ثلاث ms1918 فرق: # فقالت فرقة: كان الله فينا، ثم صعد إلى السماء، وهم اليعقوبية. # وقالت فرقة: كان فينا ابن الله - ما شاء الله - ثم رفعه الله إليه - وهم ~~النسطورية. # وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله - ما شاء الله - ثم رفعه الله ~~إليه - وهؤلاء هم المسلمون. # فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامسا حتى ~~بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم # فآمنت طآئفة من بني إسرائيل وكفرت طآئفة # [الصف: 14] الآية على ما سيأتي من السورة إن شاء الله تعالى. # قوله: { ورافعك إلي } تمسك القائلون بالاستعلاء بهذه الآية، ~~وأجيبوا عنها بوجوه: # أحدها: أن المراد إلى محل كرامتي، كقول إبراهيم: " إني ذاهب إلى ~~ربي سيهدين " وإنما ذهب إبراهيم عليه السلام من " العراق " إلى " ~~الشام " ، ويسمى الحجاج زوار الله، والمجاورون جيران الله، ~~والمراد من كل ذلك التفخيم والتعظيم، فكذا هاهنا. # وثانيها: أن معناه [رافعك إلى مكان] لا يملك الحكم عليه فيه غير الله؛ ~~لأن في الأرض قد يتولى الخلق أنواع الحكام، أما السموات فلا حاكم ~~هناك - في الظاهر وفي الحقيقة - إلا الله. # وثالثها: أن القول بأن الله في مكان لم يكن ارتفاع عيسى إلى ذلك المكان ~~سببا لانتفاعه، بل إنما ينتفع بذلك لو وجد هناك مطلوبه من الثواب ~~والروح والريحان والراحة، فلا بد من حمل اللفظ على أن المراد: ورافعك ~~إلى محل ثوابك ومجازاتك، وإذا كان لا بد من إضمار ما ذكرناه لم يبق في ~~الآية دلالة على ما ذكروه. # قوله: { ومطهرك من الذين كفروا } معناه مخرجك من ~~بينهم، ومنجيك، فكما عظم شأنه بلفظ الرفع، أخبر عن معنى التخليص ~~بلفظ التطهير، وكل ذلك مبالغة في إعلاء شأنه وتعظيم منصبه عند الله ~~تعالى. # قوله: { وجاعل الذين اتبعوك } فيه قولان: # أظهرهما: أنه خطاب لعيسى عليه السلام. # الثاني: أنه خطاب لنبينا صلى الله عليه وسلم فيكون الوقف على قوله: { ~~من الذين كفروا } تاما، والابتداء بما بعده، وجاز هذا؛ لدلالة ~~الحال عليه. و { فوق الذين كفروا } ثاني مفعولي { وجاعل } ~~لأنه بمعنى مصير فقط. # و { إلى يوم القيامة ms1919 } متعلق بالجعل، يعني أن هذا الجعل ~~مستمر إلى ذلك اليوم. # ويجوز أن يتعلق الاستقرار المقدر في فوق أي: جاعلهم قاهرين لهم، ~~إلى يوم القيامة، يعني أنهم ظاهرون على اليهود، وغيرهم من الكفار ~~بالغلبة في الدنيا، فأما يوم القيامة، فيحكم الله بينهم، فيدخل ~~الطائع الجنة، والعاصي النار وليس المعنى على انقطاع ارتفاع ~~المؤمنين على الكافرين بعد الدنيا، وانقضائها؛ لأن لهم استعلاء آخر غير ~~هذا الاستعلاء. # قال أبو حيان: " والظاهر أن " إلى " تتعلق بمحذوف وهو العامل في " ~~فوق " وهو المفعول الثاني ل " جاعل " إذ معنى " جاعل " هنا ~~مصير، فالمعنى كائنين فوقهم إلى يوم القيامة. وهذا على أن الفوقية ~~مجاز، أما إن كانت الفوقية حقيقة - وهي الفوقية في الجنة - فلا تتعلق " ~~إلى " بذلك المحذوف، بل بما تقدم من " متوفيك " أو من " رافعك " ~~أو من " مطهرك " إذ يصح تعلقه بكل واحد منها، أما تعلقه ب " ~~رافعك " أو ب " مطهرك " فظاهر، وأما ب " متوفيك " فعلى ~~بعض الأقوال ". # يعني ببعض الأقوال أن التوفي يراد به: قابضك من الأرض من غير موت، وهو ~~قول جماعة - كالحسن والكلبي [وابن جريج] وابن زيد وغيرهم. أو يراد به ما ~~ذكره الزمخشري: وهو مستوف أجلك، ومعناه: إني عاصمك من أن يقتلك ~~الكفار، ومؤخرك إلى أجل كتبته لك، ومميتك حتف أنفك لا قتلا ~~بأيدي الكفار، وإن على قول من يقول: إنه توف حقيقة فلا يتصور ~~تعلقه به؛ لأن القائل بذلك لم يقل باستمرار الوفاة إلى يوم القيامة، ~~بل قائل يقول: إنه توفي ثلاث ساعات، بقدر ما رفع إلى سمائه حتى ~~لا يلحقه خوف ولا ذعر في اليقظة. وعلى هذا الذي ذكره أبو حيان يجوز ~~أن تكون المسألة من الإعمال، ويكون قد تنازع في هذا الجار ثلاثة عوامل، ~~وإذا ضممنا إليها كون الفوقية مجازا تنازع فيها أربعة عوامل، ~~والظاهر أنه متعلق ب " جاعل ". وقد تقدم أن أبا عمرو يسكن ميم " أحكم ~~" ونحوه قبل الباء. # فصل # قال قتادة والربيع والشعبي ومقاتل والكلبي: الذين اتبعوه هم أهل ~~الإسلام الذين صدقوه واتبعوا دينه في التوحيد من ms1920 أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم فهم فوق الذين كفروا ظاهرين بالعزة، والمنعة، والحجة. # قال الضحاك: يعني الحواريين. # وقيل: هم الروم. # وقيل: النصارى، فهم فوق اليهود إلى يوم القيامة، فإن اليهود ~~قد ذهب ملكهم، وملك النصارى يدوم إلى قريب من قيام الساعة. وعلى هذا ~~الاتباع بمعنى الادعاء والمحبة لا اتباع الدين، فإن النصارى - وإن أظهروا ~~من أنفسهم موافقته فهم مخالفون له أشد مخالفة؛ لأن صريح العقل يشهد ~~بأن عيسى ما كان يرضى بشيء مما يقوله هؤلاء الجهال، ومع ذلك فإنا نرى ~~دولة النصارى في الدنيا أعظم وأقوى من أمر اليهود، ولا نرى في طرف من ~~أطراف الدنيا ملكا يهوديا ولا بلدة مملوءة من اليهود، بل يكونون - ~~أينما كانوا - في الذلة والمسكنة، والنصارى بخلاف ذلك. # فصل # قال أهل التاريخ: حملت مريم بعيسى ولها ثلاث عشرة سنة، وولدت ~~عيسى ببيت لحم لمضي خمس وستين سنة من غلبة الاسكندر على أهل بابل، ~~وأوحى الله إليه على رأس ثلاثين سنة ورفعه من بيت المقدس ليلة القدر ~~في شهر رمضان وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فكانت نبوته ثلاث سنين، ~~وعاشت أمه مريم بعد رفعه ست سنين. # فصل # قال ابن الخطيب: في مباحث هذه الآية موضع مشكل، وهو أن نص ~~القرآن يدل على أنه - تعالى - حين رفعه ألقى شبهه على غيره، على ما قال: # وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم # [النساء: 157] والأخبار واردة أيضا بذلك، إلا أن الروايات اختلفت، ~~فتارة يروى أن الله تعالى ألقى شبهه على بعض الأعداء الذين دلوا ~~اليهود على مكانه، فقتلوه وصلبوه، وتارة يروى أنه صلى الله عليه وسلم ~~رغب أحد خواص أصحابه في أن يلقي الله شبهه عليه حتى ~~يقتل في مكانه، وبالجملة ففي إلقاء شبهه على الغير إشكالات: # الأول: أنا لو جوزنا إلقاء شبه إنسان على إنسان آخر، لزم السفسطة؛ ~~فإني إذا رأيت ولدي، ثم زينته ثانيا فحينئذ أجوز أن يكون هذا الذي ~~أراه ثانيا ليس ولدي، بل هو إنسان آخر ألقي شبهه عليه وحينئذ ~~يرتفع الأمان عن المحسوسات. ms1921 # وأيضا فالصحابة الذين رأوا محمدا صلى الله عليه وسلم يأمرهم، ~~وينهاهم، وجب أن لا يعرفوا أنه محمد؛ لاحتمال أنه ألقي شبهه على ~~الغير، وذلك يفضي إلى سقوط الشرائع. # وأيضا فمدار الأمر في الأخبار المتواترة على أن يكون المخبر الأول ~~إنما أخبر عن المحسوس، فإذا [جاز] الغلط في المبصرات كان سقوط الخبر ~~المتواتر أولى، وبالجملة، ففتح هذا الباب أوله السفسطة، وآخره ~~إبطال النبوات بالكلية. # الإشكال الثاني: أن الله - تعالى - كان قد أمر جبريل عليه الصلاة ~~والسلام بأن يكون معه في أكثر الأحوال، كذا قاله المفسرون في تفسير قوله ~~تعالى: # إذ أيدتك بروح القدس # [المائدة: 110] ثم إن طرف جناح واحد من أجنحة جبريل عليه السلام كان ~~يكفي للعالم من البشر، فكيف لم يكف في منع أولئك اليهود عنه. # وأيضا إنه عليه السلام - لما كان قادرا على إحياء الموتى، وإبراء ~~الأكمه والأبرص، فكيف لم يقدر على إماتة اليهود الذين قصدوه بالسوء، ~~وعلى إسقامهم، وإلقاء الزمانة والفلج عليهم حتى يصيروا عاجزين عن ~~التعرض له؟ # الإشكال الثالث: أنه - تعالى - كان قادرا على تخليصه من أولئك الأعداء ~~بأن يدفعه عنهم، ويرفعه إلى السماء فما الفائدة في إلقاء الشبه على ~~الغير؟ وهل فيه إلا إلقاء مسكين في القتل من غير فائدة ألبتة؟ # الإشكال الرابع: أنه إذا ألقي شبهه على الغير، ثم إنه رفع بعد ذلك ~~إلى السماء فالقوم اعتقدوا فيه أنه عيسى عليه السلام مع أنه ما كان ~~عيسى، فهذا كان إلقاء لهم في الجهل والتلبيس وهذا لا يليق بحكمة الله ~~تعالى. # الإشكال الخامس: أن النصارى - على كثرتهم في مشارق الأرض ومغاربها ~~وشدة محبتهم للمسيح، وغلوهم في أمره - أخبروا أنهم شاهدوه مقتولا، ~~مصلوبا، فلو أنكرنا ذلك، طعنا فيما ثبت بالتواتر، والطعن في التواتر ~~يوجب الطعن في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وكل ذلك باطل. # الإشكال السادس: أنه ثبت بالتواتر أن المصلوب بقي حيا زمانا طويلا ~~فلو لم يكن ذلك عيسى - بل كان غيره - لأظهر الجزع، ولقال: إني لست ~~بعيسى - بل إنما أنا غيره - ولبالغ في تعريف ms1922 هذا المعنى، ولو ذكر ذلك ~~لاشتهر عند الخلق هذا المعنى، فلما لم يوجد شيء من هذا علمنا أنه ليس ~~الأمر على ما ذكرتم. # والجواب عن الأول: أنه كل من أثبت القادر المختار سلم أنه - تعالى - ~~قادر على أن يخلق إنسانا آخر على صورة زيد - مثلا - ثم إن هذا ~~التجويز لا يوجب الشك المذكور، فكذا القول فيما ذكرتم. # والجواب عن الثاني: أن جبريل عليه السلام لو دفع الأعداء عنه، أو أقدر ~~الله عيسى على دفع الأعداء عن نفسه لبلغت معجزته إلى حد الإلجاء، وذلك ~~غير جائز، وهذا هو الجواب عن الإشكال الثالث؛ فإنه - تعالى لو رفعه إلى ~~السماء، وما ألقى شبهه على الغير لبلغت تلك المعجزة إلى حد ~~الإلجاء. # والجواب عن الرابع: أن تلامذة عيسى كانوا حاضرين، وكانوا عالمين بكيفية ~~الواقعة؛ وهم كانوا يزيلون ذلك التلبيس. # والجواب عن الخامس: أن الحاضرين في ذلك الوقت كانوا قليلين، ودخول ~~الشبهة على الجمع القليل جائز، والتواتر إذا انتهى في حد الأمر إلى ~~الجمع القليل، لم يكن مفيدا للعلم. # والجواب عن السادس: أن بتقدير أن يكون الذي ألقي شبه عيسى عليه ~~كان مسلما، وقبل ذلك عن عيسى عليه السلام جاز أن يسكت عن تعريف ~~حقيقة الحال في تلك الواقعة. # وبالجملة فالأسئلة المذكورة أمور تتطرق إليها الاحتمالات من بعض ~~الوجوه، ولما ثبت بالمعجز القاطع صدق محمد صلى الله عليه وسلم في كل ما ~~أخبر عنه امتنع صيرورة هذه الأسئلة المحتملة معارضة للنص القاطع عن ~~الله. # قوله: { ثم إلي مرجعكم } في الآخرة { فأحكم ~~بينكم فيما كنتم فيه تختلفون } من الدين، وأمر عيسى ~~عليه السلام؛ التفات من غيبة إلى خطاب؛ وذلك أنه - تعالى - قدم ذكر ~~من كذب بعيسى وافترى عليه - وهم اليهود - وقدم - أيضا - ذكر ~~من آمن به - وهم الحواريون رضي الله عنهم - وقفى بعد ذلك بالإخبار ~~بأنه يجعل متبعي عيسى فوق مخالفيه، فلو جاء النظم على هذا السياق - ~~من غير التفات، لكان: ثم إلي مرجعهم، فأحكم بينهم فيما كانوا، ولكنه ~~التفت إلى الخطاب؛ لأنه أبلغ في البشارة، ms1923 وأزجر في النذارة. # وفي ترتيب هذه الأخبار الأربعة - أعني: إني متوفيك ورافعك ~~ومطهرك وجاعل - هذا الترتيب معنى حسن جدا؛ وذلك أنه - ~~تعالى - بشره - أولا - بأنه متوفيه، ومتولي أمره، فليس للكفار ~~المتوعدين له بالقتل عليه سلطان ولا سبيل، ثم بشره - ثانيا - ~~بأنه رافعه إليه - أي: إلى سمائه محل أنبيائه وملائكته، ومحل عبادته؛ ~~ليسكن فيها، ويعبد ربه مع عابديه - ثم - ثالثا - بتطهيره من أوضار ~~الكفرة وأذاهم وما قذفوه به، ثم رابعا - برفعة تابعيه على من خالفهم؛ ~~ليتم بذلك سروره، ويكمل فرحه. وقدم البشارة بما يتعلق بنفسه على ~~البشارة بما يتعلق بغيره؛ لأن - الإنسان بنفسه أهم، وبشأنه أعنى، ~~كقوله: # قوا أنفسكم وأهليكم نارا # [التحريم: 6] وفي الحديث: # " ابدأ بنفسك ثم بمن تعول ". # قوله: { فأما الذين كفروا } في محل هذا الموصول قولان: # أظهرهما - وهو الأظهر -: أنه مرفوع على الابتداء، والخبر الفاء وما ~~بعدها. # الثاني: أنه منصوب بفعل مقدر، على أن المسألة من باب الاشتغال، إذ ~~الفعل بعده قد عمل في ضميره، وهذا وجه ضعيف؛ لأن " أما " لا يليها إلا ~~المبتدأ وإذا لم يلها إلا المبتدأ امتنع حمل الاسم بعدها على إضمار ~~فعل، ومن جوز ذلك قال: بأنه يضمر الفعل متأخرا عن الاسم، ولا ~~يضمر قبله. قال: لئلا يلي " أما " فعل - وهي لا يليها الأفعال ألبتة ~~- فتقدر - في قولك: أما زيدا فضربته - أما زيدا ضربت ~~فضربته، وكذا هنا يقدر: فأما الذين كفروا أعذب فأعذبهم؛ ~~قدر العامل بعد الصلة، ولا تقدره قبل الموصول؛ لما ذكرناه. وهذا ينبغي أن ~~لا يجوز؛ لعدم الحاجة إليه مع ارتكاب وجه ضعيف جدا في أفصح الكلام. # وقد قرئ شاذا { وأما ثمود فهديناهم } [فصلت: 17] بنصب " ~~ثمود " واستضعفها الناس. # فصل # عذاب الكفار - في الدنيا - بالقتل والسبي والجزية والذلة، وفي الآخرة ~~بالنار أي: في وقت الآخرة بالنار { وما لهم من نصرين }. # فإن قيل: وصف العقاب بالشدة يقتضي أن يكون عقاب الكافر في الدنيا أشد، ~~ولسنا نجد الأمر كذلك فإن الأمر تارة يكون على الكفار، وأخرى على ~~المسلمين، ولا نجد بين الناس تفاوتا. # فالجواب: أن التفاوت ms1924 في الدنيا موجود؛ لأن الآية في بيان أمر اليهود ~~الذين كذبوا بعيسى - عليه السلام، ونرى الذلة والمسكنة لازمة ~~لهم. # فإن قيل: أليس قد يمتنع على الأئمة وعلى المؤمنين قتل الكفار؛ بسبب ~~العهد وعقد الذمة؟ # فالجواب: أن المانع من القتل هو العهد، ولذلك إذا زال العهد حل ~~قتله. # قوله: { وأما الذين آمنوا } الكلام فيه كالكلام في الموصول ~~قبله. # وقد قرأ حفص عن عاصم والحسن " فيوفيهم " - بياء الغيبة - ~~والباقون بالنون. فقراءة حفص على الالتفات من التكلم إلى الغيبة؛ ~~تفننا في الفصاحة، وقراءة الباقين جارية على ما تقدم من إتساق ~~النظم، ولكن جاء هناك بالمتكلم وحده، وهنا بالمتكلم وحده المعظم نفسه؛ ~~اعتناء بالمؤمنين، ورفعا من شأنهم؛ لما كانوا معظمين عنده. # فصل # دلت هذه الآية على أن العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان وقد ~~تقدم ذلك، واستدلوا بالآية على أن العمل علة للجزاء؛ لقوله: { ~~فيوفيهم أجورهم } فشبههم - في عبادتهم لأجل طلب الثواب ~~بالمستأجر. # واحتج المعتزلة بقوله: { والله لا يحب الظلمين } - ~~بمنزلة قوله: لا يريد ظلم الظالمين - على أنه تعالى - لا يريد الكفر ~~والمعاصي، قالوا: لأن مريد الشيء لا بد وأن يكون محبا له إذا كان ~~ذلك الشيء من الأفعال، وإنما تخالف المحبة الإرادة إذا علقناهما ~~بالأشخاص، فقد يقال: أحب زيدا، ولا يقال: أريده. فأما إذا علقتا ~~بالأفعال فمعناهما واحد، إذا استعملتا على حقيقة اللغة، فصار قوله: ~~{ والله لا يحب الظالمين } بمنزلة قوله: لا يريد ظلم ~~الظالمين كذا قرره القاضي. # وأجيب بأن المحبة عبارة عن إرادة إيصال الخير إليه فهو - تعالى - وإن ~~أراد كفر الكافر إلا أنه لا يريد إيصال الثواب إليه. # قوله: { ذلك نتلوه } يجوز أن يكون " ذلك " مبتدأ، " نتلوه ~~" الخبر " من الآيات " حال أو خبر بعد خبر. # ويجوز أن يكون " ذلك " منصوبا بفعل مقدر يفسره ما بعده - ~~فالمسألة من باب الاشتغال - و " من الآيات " حال، أو خبر مبتدأ ~~مضمر [أي: هو من الآيات، ولكن الأحسن الرفع بالابتداء؛ لأنه لا يحوج ~~إلى إضمار، وعندهم " زيد ضربته " أحسن من " زيدا ضربته " ، ويجوز أن ~~يكون ذلك ms1925 خبر مبتدأ مضمر]، يعني الأمر ذلك، و " نتلوه " على هذا حال ~~من اسم الإشارة، و { من الآيات } حال من مفعول " نتلوه ". # ويجوز أن يكون " ذلك " موصولا بمعنى " الذي " و " نتلوه " صلة ~~وعائد، وهو مبتدأ خبره الجار بعده أي: الذي نتلوه عليك كائن من الآيات، ~~أي: المعجزات الدالة على نبوتك. جوز ذلك الزجاج وتبعه الزمخشري، ~~وهذا مذهب الكوفيين. # أما البصريون فلا يجيزون أن يكون اسما من أسماء الإشارة موصولا إلا ~~" ذا " خاصة، بشروط تقدم ذكرها؛ ويجوز أن يكون " ذلك " مبتدأ، و " ~~من الآيات " خبره، و " نتلوه " جملة في موضع نصب على الحال، ~~والعامل معنى اسم الإشارة. # قوله: " نتلوه " فيه وجهان: # أحدهما: أنه وإن كان مضارعا لفظا فهو ماض معنى، أي: الذي قدمناه من ~~قصة عيسى وما جرى له تلوناه عليك، كقوله: # واتبعوا ما تتلوا الشياطين # [البقرة: 102]. # والثاني: أنه على بابه؛ لأن الكلام لم يتم، ولم يفرغ من قصة عيسى - عليه ~~السلام - إذ بقي منها بقية. # و " من " فيها وجهان: # أظهرهما: أنها تبعيضية؛ لأن المتلو عليه - من قصة عيسى - بعض ~~معجزاته وبعض القرآن وهذا أوجه وأوضح. والمراد بالآيات - على هذا - ~~العلامات الدالة على نبوتك. # والثاني: أنها لبيان الجنس، وإليه ذهب ابن عطية وبدأ به. # قال أبو حيان: ولا يتأتى ذلك من جهة المعنى إلا بمجاز؛ لأن تقدير ~~" من " البيانية بالموصول ليس بظاهر؛ إذ لو قلت: ذلك تتلوه عليك الذي هو ~~الآيات والذكر الحكيم لاحتجت إلى تأويل، وهو أن تجعل بعض الآيات والذكر ~~آيات وذكرا [على سبيل المجاز]. # والحكيم: صيغة مبالغة محول من " فاعل ". ووصف الكتاب بذلك مجازا؛ لأن ~~هذه الصفة الحقيقية لمنزله والمتكلم به، فوصف بصفة من هو من سببه - وهو ~~الباري تبارك وتعالى - أو لأنه ناطق بالحكمة أو لأنه أحكم في نظمه. ~~وجوزوا أن تكون بمعنى " مفعل " أي: محكم، كقوله: # كتاب أحكمت آياته ثم فصلت # [هود: 1] إلا أن " فعيل " بمعنى " مفعل " قليل، قد جاءت منه ~~أليفاظ، قالوا: عقدت العسل فهو عقيد ومعقد وحبست الفرس [في سبيل الله] ~~فهو حبيس ومحبس. وفي ms1926 قوله: " نتلوه " التفات من غيبة إلى تكلم؛ ~~لأنه قد تقدمه اسم ظاهر - وهو قوله: { والله لا يحب ~~الظالمين } - كذا قاله أبو حيان، وفيه نظر؛ إذ يحتمل أن يكون ~~قوله: { والله لا يحب الظالمين } جيء به اعتراضا بين ~~أبعاض هذه القصة. # فصل # التلاوة والقصص واحد؛ لأن معناهما يرجع إلى شيء يذكر بعضه على أثر ~~بعض ثم إنه تعالى أضاف القصص إلى نفسه فقال: # نحن نقص عليك أحسن القصص # [يوسف: 3] كما أضاف التلاوة إلى نفسه في قوله: # نتلوا عليك من نبإ موسى # [القصص: 3]، وذلك يدل على تشريف الملك وتعظيمه؛ لأن التالي على النبي ~~إنما هو الملك، فجعل تلاوة الملك جارية مجرى ~~تلاوته. # والمراد بالذكر الحكيم هو القرآن. # وقيل: هو اللوح المحفوظ الذي منه نقلت الكتب ~~المنزلة على الأنبياء - عليهم السلام - أخبر - تعالى - أنه أنزل هذه ~~القصص مما كتب هنالك. ### || [3.59-60] # { إن مثل عيسى } جملة مستأنفة لا تعلق لها بما قبلها تعلقا ~~صناعيا، بل معنويا. وزعم بعضهم أنها جواب القسم، وذلك القسم هو ~~قوله: { والذكر الحكيم } كأنه قيل: أقسم بالذكر الحكيم أن مثل ~~عيسى، فيكون الكلام قد تم عند قوله: { من الآيات } ثم استأنف ~~قسما، فالواو حرف جر، لا عطف وهذا بعيد، أو ممتنع؛ إذ فيه ~~تفكيك لنظم القرآن، وإذهاب لرونقه وفصاحته. # قوله: { خلقه من تراب } في هذه الجملة وجهان: # أظهرهما: أنها مفسرة لوجه الشبه بين المثلين، فلا محل لها ~~حينئذ من الإعراب. # الثاني: أنها في محل نصب على الحال من آدم عليه السلام و " قد " معه ~~مضمرة، والعامل فيها معنى التشبيه والهاء في " خلقه " عائدة على " ~~آدم " ولا تعود على " عيسى " لفساد المعنى. # وقال ابن عطية: " ولا يجوز أن تكون خلقه [صفة] لآدم ولا حالا منه ". # قال الزجاج: إذ الماضي لا يكون حالا أنت فيها, بل هو كلام مقطوع ~~منه مضمن تفسير المثل، كما يقال في الكلام: مثلك مثل زيد، يشبه ~~في امر من الأمور، ثم يخبر بقصة زيد، فيقول: فعل كذا وكذا. # قال أبو حيان: " وفيه نظر " ولم يبين وجه النظر. ms1927 # قال شهاب الدين: " والظاهر من هذا النظر أن الاعتراض - وهو قوله: لا ~~يكون حالا أنت فيها غير لازم؛ إذ تقدير " قد " تقربه من الحال. ~~وقد يظهر الجواب عما قاله الزجاج من قول الزمخشري: قدره جسدا من ~~طين { ثم قال له كن } أي: أنشأه بشرا ". # قال أبو حيان: ولو كان الخلق بمعنى الإنشاء - لا بمعنى التقدير - لم ~~يأت بقوله: " كن "؛ لأن ما خلق لا يقال له: كن، ولا ينشأ إلا إن كان ~~معنى: { ثم قال له كن } عبارة عن نفخ الروح فيه. # وقال الواحدي: قوله { خلقه من تراب } ليس بصلة لآدم ~~ولا صفة؛ لأن الصلة للمبهمات، والصفة للنكرات، ولكنه خبر ~~مستأنف على وجه التفسير لحال آدم عليه السلام. # وعلى قول الزجاج: { من تراب } فيه وجهان: # أظهرهما: أنه متعلق ب " خلقه " أي: ابتدأ خلقه من هذا الجنس. # الثاني: أنه حال من مفعول " خلقه " تقديره: خلقه كائنا من تراب، وهذا ~~لا يساعده المعنى. # والمثل هاهنا منهم من فسره بمعنى الحال والشأن. # قال الزمخشري: " إن شأن عيسى وحاله الغريبة كشأن آدم ". وعلى ~~هذا التفسير فالكاف على بابها - من كونها حرف تشبيه - وفسر بعضهم ~~المثل بمعنى الصفة، كقوله: # مثل الجنة التي وعد المتقون # [الرعد: 35]، أي: صفة الجنة. # قال ابن عطية: وهذا عندي خطأ وضعف في فهم الكلام، وإنما ~~المعنى: أن المثل الذي تتصوره النفوس والعقول من عيسى هو كالمتصور ~~من آدم؛ إذ الناس كلهم مجمعون على أن الله - تعالى - خلقه من تراب، ~~من غير فحل، وكذلك قوله: { مثل الجنة } عبارة عن المتصور ~~منها. والكاف في " كمثل " اسم على ما ذكرناه من المعنى. # قال أبو حيان: " ولا يظهر لي فرق بين كلامه هذا وكلام من جعل المثل ~~بمعنى الشأن والحال أو بمعنى الصفة ". # [قال شهاب الدين: قد تقدم في أول البقرة أن ~~المثل قد يعبر به عن الصفة، وقد لا يعبر به ~~عنها؛ فدل ذلك على تغايرهما، وقد تقدم كلام ~~الناس فيه، ويدل على ذلك ما قاله صاحب " ري ~~الظمآن " عن الفارسي الجميع، وقال: " المثل بمعنى ms1928 ~~الصفة، لا يمكن تصحيحه في اللغة، إنما المثل التشبيه ~~على هذا تدور تصاريف الكلمة، ولا معنى للوصفية في التشابه؛ ومعنى ~~المثل] في كلامهم أنها كلمة يرسلها قائلها لحكمة تشبه بها ~~الأمور، وتقابل بها الأحوال وقد فرق بين لفظ المثل في الاصطلاح وبين ~~الصفة. # قال بعضهم: إن الكاف زائدة. # وقال آخرون: إن " مثلا " زائدة فحصل في الكاف ثلاثة أقوال: # قيل: أظهرها: أنها على بابها من الحرفية وعدم الزيادة وقد تقدم تحقيقه. # وقال الزمخشري: " فإن قلت: كيف شبه به وقد وجد هو بغير أب ~~ووجد آدم من غير أب ولا أم؟ # قلت: هو مثله في أحد الطرفين، فلا يمنع اختصاصه دونه بالطرف الآخر ~~من تشبيهه به؛ لأن المماثلة مشاركة في بعض الأوصاف، ولأنه شبه به في ~~أنه وجد وجودا خارجا عن العادة المستمرة، وهما في ذلك يظهران، ولأن ~~الوجود من غير أب ولا أم أغرب وأخرق للعادة من الوجود من غيرأب، ~~فشبه الغريب بالأغرب؛ ليكون أقطع للخصم، وأحسم لمادة شبهته، ~~إذا نظر فيما هو أغرب مما استغربه ". # فصل # قال القرطبي: " دلت هذه الآية على صحة القياس. والتشبيه واقع على ~~أن عيسى خلق من غير أب كآدم، لا على أنه خلق من تراب، والشيء قد ~~يشبه بالشيء - وإن كان بينهما فرق [كبير] - بعد أن يجتمعا ~~في وصف واحد ". # وعن بعض العلماء أنه أسر بالروم، فقال لهم: لم تعبدون عيسى؟ قالوا: ~~لأنه لا أب له. # قال: فآدم أولى؛ لأنه لا أبوين له، قالوا: فإنه كان يحيي الموتى؟ ~~قال: فحزقيل أولى؛ لأن عيسى أحيى أربعة نفر، وحزقيل أحيى ~~ثمانية آلاف، قالوا: فإنه كان يبرئ الأكمه والأبرص. # قال: فجرجيس أولى؛ لأنه طبخ، وأحرق، وخرج سالما. # قوله: { كن فيكون } اختلفوا في المقول له: كن، فالأكثرون على ~~أنه آدم - عليه السلام - وعلى هذا يقع الإشكال في لفظ الآية؛ لأنه إنما ~~يقول له: كن قبل أن يخلقه لا بعده، وهاهنا يقول: { خلقه من تراب ~~ثم قال له كن }. # والجواب: أن الله - تعالى - أخبرنا - أولا - أنه خلق آدم من غير ms1929 ~~ذكر، ولا أنثى، ثم ابتدأ أمرا آخر - يريد أن يخبرنا به - فقال: ~~إني مخبركم - أيضا بعد خبري الأول - أني قلت له: كن فكان، فجاء " ~~ثم " لمعنى الخبر الذي تقدم، والخبر الذي تأخر في الذكر؛ لأن الخلق ~~تقدم على قوله: " كن ". وهذا كما تقول: أخبرك أني أعطيك اليوم ~~ألفا ثم أخبرك أني أعطيتك أمس ألفا، ف " أمس " متقدم على " اليوم " ~~وإنما جاء ب " ثم "؛ لأن خبر " اليوم " متقدم خبر " أمس "؛ ~~حيث جاء خبر " أمس " بعد مضي خبر " اليوم " ومثله قوله: # خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها # [النساء: 1] - وقد خلقنا بعد خلق زوجها، ولكن هذا على الخبر دون ~~الخلق؛ لأن التأويل: أخبركم أني قد خلقتكم من نفس واحدة -؛ لأن ~~حواء قد خلقت من ضلعه ثم أخبركم أني خلقت زوجها منها. # ومثل هذا قول الشاعر: [الخفيف] # 1490- إن من ساد ثم ساد أبوه # ثم قد ساد بعد ذلك جده # ومعلوم أن الأب متقدم له، والجد متقدم للأب، فالترتيب يعود إلى ~~الخبر لا إلى الوجود، كقوله: # ثم كان من الذين آمنوا # [البلد: 17] فكذا قوله: { خلقه من تراب } أي: صيره خلقا ~~سويا، ثم إني أخبركم أني إنما خلقته بأن قلت له: كن. فالتراخي ~~في الخبر، لا في هذا المخبر عن ذلك المخبر. # ويجوز أن يكون المراد أنه خلقه قالبا من تراب، ثم قال له: كن ~~بشرا. # فإن قيل: الضمير في قوله: { خلقه } راجع إلى آدم، وحين كان ترابا ~~لم يكن آدم موجودا. # فالجواب: أن ذلك الهيكل لما كان بحيث يصير آدم عن قريب سماه آدم؛ تسمية ~~للشيء بما يئول إليه. # قال أبو مسلم: " قد بينا أن الخلق هو التقدير والتسوية، ويرجع ~~معناه إلى علم الله - تعالى - بكيفية وقوعه، وإرادته لإيقاعه على الوجه ~~المخصوص، وكل ذلك متقدم في الأزل، وأما قوله: كن، فهو عبارة عن ~~إدخاله في الوجود، فثبت أن خلق آدم متقدم على قوله: كن ". # وقال بعضهم: المقول له: كن هو عيسى، ولا إشكال على هذا. # قوله: { فيكون } يجوز أن يكون على بابه من كونه ms1930 مستقبلا، والمعنى: ~~فيكون كما يأمر الله - تعالى - فيكون حكاية للحال التي يكون عليها آدم. # قال بعضهم: معناه: اعلم يا محمد أن ما قال له ربك: كن فإنه يكون لا ~~محالة. # ويجوز أن يكون { فيكون } بمعنى: " فكان " وعلى هذا أكثر المفسرين، ~~والنحويين، وبهذا فسره ابن عباس رضي الله عنه. # فصل # أجمع المفسرون على أن هذه الآية نزلت عند حضور وفد نجران وذلك # " أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما لك تشتم صاحبنا؟ قال: ~~وما أقول؟ قالوا: تقول: إنه عبد، قال: أجل، هو عبد الله ~~ورسوله، وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول، ~~فغضبوا، وقالوا: هل رأيت إنسانا - قط - من غير أب؟ فقال { إن ~~مثل عيسى عند الله كمثل آدم } " # كأنهم قالوا: يا محمد لما سلمت أنه لا أب له من البشر وجب أن يكون أبوه ~~هو الله، فقال: إن آدم ما كان له أب ولا أم ولم ~~يلزم أن يكون أبوه هو الله، وأن يكون ابنا لله، ~~فكذا القول في عيسى، وأيضا إذا جاز أن يخلق الله ~~آدم من التراب، فلم لا يجوز أن يخلق عيسى من دم مريم؟ بل هذا ~~أقرب إلى العقل، فإن تولد الحيوان من الدم الذي يجتمع في رحم الأم أقرب ~~من تولده من التراب اليابس. # فصل # اعلم أن العقل دل على أنه لا بد للناس من والد أول، وإلا لزم أن يكون كل ~~ولد مسبوقا بوالد لا إلى أول، وهو محال، والقرآن دل على أن ذلك ~~الوالد الأول هو آدم. # لقوله: # يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من ~~نفس واحدة وخلق منها زوجها # [النساء: 1] ثم إنه - تعالى - ذكر في كيفية خلق آدم وجوها كثيرة: # أحدها: أنه مخلوق من التراب - كما في هذه الآية. # الثاني: أنه مخلوق من الماء، قال تعالى: # وهو الذي خلق من المآء بشرا # [الفرقان: 54]. # الثالث: أنه مخلوق من الطين، قال تعالى: # وبدأ خلق الإنسان من طين # [السجدة: 7]. # رابعها: أنه مخلوق من سلالة من طين، قال تعالى: # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ms1931 # [المؤمنون: 12]. # خامسها: أنه مخلوق من طين لازب، قال تعالى: # إنا خلقناهم من طين لازب # [الصافات: 11]. # سادسها: أنه مخلوق من صلصال من حمأ مسنون. # سابعها: أنه [خلق] من عجل. # ثامنها: قال تعالى: # لقد خلقنا الإنسان في كبد # [البلد: 4]. # قال الحكماء: إنما خلق آدم من التراب؛ لوجوه: # الأول: ليكون متواضعا. # الثاني: ليكون ستارا. # الثالث: إذا كان من الأرض ليكون أشد التصاقا بالأرض؛ لأنه إنما خلق ~~لخلافة الأرض؛ لقوله تعالى: # إني جاعل في الأرض خليفة # [البقرة: 30]. # الرابع: أراد الحق إظهار القدرة، فخلق الشياطين من النار التي هي أضوأ ~~الأجرام، وابتلاهم بظلمات الضلالة، وخلق الملائكة من الهواء الذي هو ~~ألطف الأجرام، وأعطاهم كمال الشدة والقوة، وخلق آدم من التراب الذي هو ~~أكثف الأجرام، ثم أعطاهم المعرفة والنور والهداية، وخلق السموات من أمواج ~~مياه البحر، وأبقاها معلقة في الهواء، حتى يكون خلقه هذه الأجرام ~~برهانا باهرا، ودليلا ظاهرا على أنه - تعالى - هو المدبر بغير ~~احتياج. # الخامس: خلق الإنسان من تراب، فيكون مطفئا لنار الشهوة، والغضب، ~~والحرص؛ فإن هذه النيران لا تنطفئ إلا بالتراب، وإنما خلقه من الماء ~~ليكون صافيا، تتجلى فيه صور الأشياء، ثم إنه - تعالى - فرج بين ~~الأرض والماء ليمتزج اللطيف بالكثيف، فيصير طينا، وهو قوله: # إني خالق بشرا من طين # [ص: 71] ثم إنه في المرتبة الرابعة قال: # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين # [المؤمنون: 12] والسلالة بمعنى المسلولة قال: فعالة بمعنى مفعولة؛ ~~لأنها هي التي من ألطف أجزاء الطين، ثم إنه في المرتبة الخامسة جعله ~~طينا لازبا، فقال: # إنا خلقناهم من طين لازب # [الصافات: 11] ثم إنه في المرتبة السادسة أثبت له ثلاثة أنواع من ~~الصفات: # أحدها: أنه صلصال، والصلصال: اليابس الذي إذا حرك تصلصل، ~~كالخزف الذي يسمع من داخله صوت. # الثاني: الحمأ، وهو الذي استقر في الماء مدة، وتغير لونه إلى ~~السواد. # الثالث: تغير رائحته، وهو المسنون، قال تعالى: # فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه # [البقرة: 259]، أي: لم يتغير. # قوله: { الحق من ربك } يجوز أن تكون هذه الجملة مستقلة ~~برأسها والمعنى أن الحق ms1932 الثابت الذي لا يضمحل هو من ربك، ومن ~~جملة ما جاء من ربك قصة عيسى وأمه، فهو حق ثابت. # ويجوز أن يكون " الحق " خبر مبتدأ محذوف أي: ما قصصنا عليك من ~~خبر عيسى وأمه، وحذف لكونه معلوما. و { من ربكم } على هذا - ~~فيه وجهان: # أحدهما: أنه حال فيتعلق بمحذوف. # والثاني: أنه خبر ثان - عند من يجوز ذلك وتقدم نظير هذه الجملة في ~~البقرة. # وقال بعضهم: " الحق رفع بإضمار فعل، أي: جاءك الحق ". # وقيل: إنه مرفوع بالصفة، وفيه تقديم وتأخير، تقديره: من ربك الحق. # والامتراء: الشك. قال ابن الأنباري: هو مأخوذ من قول العرب: ~~مريت الناقة والشاة - إذا حلبتهما - فكأن الشاك يجتذب بشكه شرا ~~- كاللبن الذي يجتذب عند الحلب. # ويقال قد مارى فلان فلانا - إذا جادله - كأنه يستخرج غضبه، قال ابن ~~عباس لعمر رضي الله عنهما: لا أماريك أبدا. # ومنه قيل: الشكر يمتري المزيد؛ أي: يجلبه. # فصل # هذا الخطاب - في الظاهر - مع النبي صلى الله عليه وسلم واختلف في ~~تأويله: # فقيل إن هذا الخطاب - وإن كان ظاهره مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا ~~أنه في المعنى مع الأمة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن شاكا في أمر ~~عيسى، فهو كقوله: # يأيها النبي إذا طلقتم النسآء # [الطلاق: 1]. # وقيل إنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ومعناه أنه من باب الإلهاب ~~والتهييج على الثبات على ما هو عليه من الحق أي: دم على يقينك وعلى ما ~~أنت عليه من ترك الامتراء. # فصل # ومعنى الآية فيه قولان: # أحدهما: قال أبو مسلم: معناه أن هذا الذي أنزلت عليك - من حبر عيسى - ~~هو الحق، لا ما قالت النصارى واليهود، فالنصارى قالوا: إن مريم ولدت ~~إلها، واليهود رموا مريم عليها السلام بالإفك، ونسبوها إلى يوسف بن ~~يعقوب النجار، فالله - تعالى - بين أن هذا الذي نزل في القرآن هو ~~الحق، ثم نهى عن الشك فيه. # الثاني: ما ذكرنا من المثل - وهو قصة آدم - فإنه لا بيان لهذه المسألة، ~~ولا برهان أقوى من التمسك بهذه الواقعة. ### || [3.61] ms1933 # يجوز في " من " وجهان: # أحدهما: أن تكون شرطية - وهو الظاهر - أي: إن حاجك أحد فقل له ~~كيت وكيت. # ويجوز أن تكون موصولة بمعنى: " الذي " وإنما دخلت الفاء في الخبر ~~لتضمنه معنى الشرط [والمحاجة مفاعلة وهي من اثنين، وكان الأمر ~~كذلك]. # " فيه " متعلق ب " حاجك " اي: جادلك في شأنه، والهاء فيها ~~وجهان: # أولهما: وهو الأظهر - عودها على عيسى عليه السلام. # الثاني: عودها على " الحق "؛ لأنه أقرب مذكور، والأول أظهر؛ ~~لأن عيسى هو المحدث عنه، وهو صاحب القصة. قوله: { من بعد ما ~~جآءك } متعلق ب " حاجك " - أيضا - و " ما " يجوز أن تكون موصولة ~~اسمية، ففاعل " جاءك " ضمير يعود عليها، أي: من بعد الذي جاءك هو. { ~~من العلم } حال من فاعل " جاءك ". # ويجوز أن تكون موصولة حرفية، وحينئذ يقال: يلزم من ذلك خلو ~~الفعل من الفاعل، أو عود الضمير على الحرف؛ لأن " جاءك " لا بد له ~~من فاعل، وليس معنا شيء يصلح عوده عليه إلا " ما " وهي حرفية. # والجواب: أنه يجوز أن يكون الفاعل قوله: { من العلم } و " من " ~~مزيدة - أي: من بعد ما جاءك العلم - وهذا إنما يتخرج على قول الأخفش؛ ~~لأنه لا يشترط في زيادتها شيئا. و " من " في قوله: " من العلم " ~~يحتمل أن تكون تبعيضية - وهو الظاهر - وأن تكون لبيان الجنس. والمراد ~~بالعلم هو أن عيسى عبد الله ورسوله، وليس المراد - هاهنا - بالعلم نفس ~~العلم؛ لأن العلم الذي في قلبه لا يؤثر في ذلك، بل المراد بالعلم، ما ~~ذكره من الدلائل العقلية، والدلائل الواصلة إليه بالوحي. # فصل # ورد لفظ " العلم " في القرآن على أربعة [أضرب]. # الأول: العلم القرآن، قال تعالى: # فمن حآجك فيه من بعد ما جآءك من العلم # [آل عمران: 61]. # الثاني: النبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى: # فما اختلفوا إلا من بعد ما جآءهم العلم # [الجاثية: 17] أي: محمد، لما اختلف فيه أهل الكتاب. # الثالث: الكيمياء، قال تعالى - حكاية عن قارون -: # إنمآ أوتيته على علم عندي # [القصص: 78]. # الرابع: الشرك، قال تعالى: # فرحوا بما عندهم من العلم # [غافر: 83] أي من ms1934 الشرك. # فصل # قال ابن الخطيب: لما كنت بخوارزم أخبرت أنه جاء نصراني يدعي ~~التحقيق والتعمق في مذهبهم، فذهبت إليه، وشرعنا في الحديث، فقال: ما ~~الدليل على نبوة محمد؟ فقلت كما نقل إلينا ظهور الخوارق على يد ~~موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء نقل إلينا ظهور الخوارق على يد محمد ~~صلى الله عليه وسلم فإن رددنا التواتر، وقلنا: إن المعجز لا يدل ~~على الصدق فحينئذ بطل نبوة سائر الأنبياء - عليهم السلام - وإن اعترفنا ~~بصحة التواتر، واعترفنا بدلالة المعجز على الصدق، فهما حاصلان ~~في محمد صلى الله عليه وسلم فوجب الاعتراف قطعا بنبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم ضرورة أن عند الاستواء في الدليل لا بد من الاستواء ~~في حصول المدلول. # فقال النصراني: أنا لا أقول في عيسى - إنه كان نبيا بل أقول: إنه كان ~~إلها. فقلت له: الكلام في النبوة لا بد وأن يكون مسبوقا بمعرفة ~~الإله وهذا الذي تقوله باطل، ويدل عليه وجوه: # الأول: أن الإله عبارة عن موجود واجب الوجود لذاته - بحيث لا يكون ~~جسما ولا متحيزا ولا عرضا - وعيسى عبارة عن هذا الشخص البشري ~~الجسماني الذي وجد بعد أن كان معدوما، وقتل - على قولكم - ~~بعد أن كان حيا، وكان طفلا - أولا - ثم صار مترعرعا، ثم صار شابا، ~~ويشرب ويحدث وينام ويستيقظ وقد تقرر في بداهة العقول أن ~~المحدث لا يكون قديما والمحتاج لا يكون غنيا، والممكن لا يكون ~~واجبا والمتغير لا يكون دائما. # الثاني: أنكم تعترفون أن اليهود قتلوه وأخذوه، وصلبوه، وتركوه حيا ~~على الخشبة، وقد مزقوا ضلعه، وأنه كان يحتال في الهرب منهم، وفي ~~الاختفاء عنهم، وحين عاملوه بتلك المعاملات أظهر الجزع الشديد. فإن ~~كان إلها، و كان الإله حالا فيه، أو كان جزء من إله حالا فيه، ~~فلم لم يدفعهم عن نفسه؟ ولم لم يهلكهم بالكلية؟ وأي حاجة إلى ~~إظهار الجزع منهم، والاحتيال في الفرار منهم؟ وبالله إني لأتعجب جدا ~~من أن العاقل كيف يليق به أن يقول هذا القول، ويعتقد صحته، وبداهة ~~العقل تكاد أن تشهد ms1935 بفساده؟ # الثالث: أن يقال: إن الإله إما أن يكون هذا الشخص الجسماني ~~المشاهد، أو يقال: إن الإله بكليته فيه، أو حل بعض الإله فيه. ~~والأقسام الثلاثة باطلة: أما الأول فإن إله العالم لو كان هو ذلك الجسم، ~~فحين قتله اليهود كان ذلك قولا بأن اليهود قتلوا إله العالم، فكيف ~~بقي العالم بعد ذلك من غير إله؟ ثم إن أشد الناس ذلا ~~ودناءة اليهود، فالإله الذي تقتله اليهود إله في غاية العجز. وأما ~~الثاني: - وهو أن الإله بكليته حل في هذا الجسم - فهو أيضا - فاسد؛ ~~لأن الإله إن لم يكن جسما ولا عرضا امتنع حلوله في الجسم، وإن كان ~~جسما فحينئذ يكون حلوله في جسم آخر، عبارة عن اختلاط أجزائه بأجزاء ذلك ~~الجسم، وذلك يوجب وقوع التفرق في أجزاء ذلك الإله، وإن كان عرضا كان ~~محتاجا إلى المحل، وحينئذ يكون الإله محتاجا إلى غيره، وكل ذلك سخف. # وأما الثالثة: وهو أنه حل فيه بعض من أبعاض الإله وجزء من أجزائه، ~~وذلك - أيضا - محال؛ لأن ذلك الجزء إن كان معتبرا في الإلهية فعند ~~انفصاله عن الإله، وجب أن لا يبقى الإله إلها. وإن كان معتبرا في تحقق ~~الإلهية لم يكن جزءا من إله فثبت فساد هذه الأقسام. # الوجه الرابع - في بطلان قول النصارى - ما ثبت بالتواتر أن عيسى عليه ~~السلام كان عظيم الرغبة في العبادة والطاعة لله - تعالى - ولو كان إلها ~~لاستحال ذلك؛ لأن الإله لا يعبد نفسه، ثم قلت للنصراني: ما الذي ~~دلك على كونه إلها؟ فقال دل عليه ظهور العجائب عليه من إحياء ~~الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وذلك لا يمكن حصوله إلا بقدرة الإله - ~~تعالى - فقلت له: تسلم أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول، أم ~~لا؟ فإن لم تسلم لزمك من نفي العالم في الأزل نفي الصانع وإن ~~سلمت أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول فأقول: لما ~~جوزت حلول الإله في بدن عيسى عليه السلام فكيف عرفت أن ~~الإله ما حل في بدني وفي بدنك، وفي ms1936 بدن كل حيوان، ونبات ~~وجماد؟ فقال: الفرق ظاهر؛ وذلك أني إنما حكمت بذلك الحلول؛ لأنه ~~ظهرت تلك الأفعال العجيبة عليه، والأفعال العديبة ما ظهرت على يدي ~~وعلى يديك، فعلمنا أن ذلك الحلول - هاهنا - مفقود، فقلت له: تبين ~~الآن أنك ما عرفت معنى قولي: إنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول، ~~وذلك أن ظهور تلك الخوارق دالة على حلول الإله في بدن عيسى، فعدم ~~ظهور الخوارق مني ومنك ليس فيه إلا أنه لم يوجد ذلك الدليل فإذا ~~تبينا أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول لا يلزم من عدم ظهور ~~تلك الخوارق مني ومنك عدم الحلول في حقي وفي حقك، بل في حق الكلب ~~والسنور والفأر، ثم قلت: إن مذهبا يؤدي إلى تجويز القول بحلول ذات ~~الله في بدن الكلب والذباب لفي غاية الخسة والركاكة. # الوجه الخامس: أن قلب العصا حية أبعد في العقل من إعادة الميت ~~حيا؛ لأن المشاكلة بين بدن الحي وبدن الميت أكثر من المشاكلة بين ~~الخشبة وبين بدن الثعبان، فإذا لم يوجب قلب العصا حية كون موسى إلها، ~~ولا ابنا للإله، فبأن لا يدل إحياء الموتى على الإلهية كان أولى. # قوله: { تعالوا } العامة على فتح اللام؛ لأنه أمر من تعالى ~~يتعالى - كترامى يترامى - وأصل ألفه ياء وأصل هذه [الياء] واو؛ وذلك ~~أنه مشتق من العلو - وهو الارتفاع كما سيأتي بيانه في الاشتقاق - ~~والواو متى وقعت رابعة فصاعدا قلبت ياء فصار " تعالوا " تعالي، ~~فتحرك حرف العلة، وانفتح ما قبله، فقلبت ألفا فصار " تعالي " - ~~كترامى وتعادى - فإذا أمرت منه الواحد، قلت: تعال يا زيد - بحذف الألف ~~- وكذا إذا أمرت الجمع المذكر قلت: تعالوا؛ لأنك لما حذفت الألف ~~لأجل الأمر أبقيت الفتحة مشعرة بها. # وإن شئت قلت: الأصل: تعاليوا، وأصل هذه الياء واو - كما تقدم - ثم ~~استثقلت الضمة على الياء، فحذفت ضمتها، فالتقى ساكنان، فحذف ~~أولهما - وهو الياء - لالتقاء الساكنين ونزلت الفتحة على حالها. # وإن شئت قلت: لما كان الأصل تعاليوا تحرك حرف العلة، وانفتح ما ~~قبله - وهو ms1937 الياء - فقلب ألفا، فالتقى ساكنان، فحذف أولهما - وهو الألف ~~- وبقيت الفتحة دالة عليه. # والفرق بين هذا وبين الوجه الأول أن الألف - في الوجه الأول - حذفت ~~لأجل الأمر - وإن لم تتصل به واو ضمير، وفي هذا حذفت لالتقائها مع ~~واو الضمير. # وكذلك إذا أمرت الواحدة تقول لها: تعالي، فهذه الياء، هي ياء الفاعلة ~~من جملة الضمائر، والتصريف كما تقدم، إلا أنك تقول هنا: الكسرة على الياء ~~بدل الضمة هناك. وأما إذا أمرت المثنى فإن الياء تثبت فتقول: يا زيدان ~~تعاليا، ويا هندان تعاليا - أيضا يستوي فيه المذكران والمؤنثان - ~~وكذلك أمر جماعة الإناث تثبت فيه الياء تقول: يا نسوة تعالين، قال ~~تعالى: # فتعالين أمتعكن # [الأحزاب: 28]؛ إذ لا مقتضي للحذف، ولا للقلب؛ وهو ظاهر بما تمهد من ~~القواعد. # وقرأ الحسن وأبو السمال وأبو واقد: تعالوا - بضم اللام - ووجهوها ~~على أن الأصل: تعاليوا - كما تقدم فاستثقلت الضمة على الياء، ~~فنقلت إلى اللام - بعد سلب حركتها - فبقي تعالوا - بضم اللام. # قال الزمخشري في سورة النساء: وعلى هذه القراءة قال الحمداني: ~~[الطويل] # 1491-......................... # تعالي أقاسمك الهموم تعالي # بكسر اللام - وقد عاب بعض الناس عليه في استشهاده بشعر هذا المولد ~~المتأخر وليس بعيب؛ فإنه ذكره استئناسا. # وهذا كما تقدم في أول البقرة - عندما أنشد لحبيب: [الطويل] # 1492- هما أظلما حالي ثمت أجليا # ظلاميهما عن وجه أمرد أشيب # واعتذر هو عن ذلك فكيف يعاب عليه بشيء عرفه، ونبه عليه، واعتذر ~~عنه؟ # والذي يظهر في توجيه هذه القراءة أنهم تناسوا الحرف المحذوف، حتى ~~كأنهم توهموا أن الكلمة بنيت على ذلك، وأن اللام هي الآخر في ~~الحقيقة، فلذلك عوملت معاملة الآخر حقيقة، فضمت قبل واو ~~الضمير وكسرت قبل يائه، ويدل على ما قلناه أنهم قالوا: - في لم أبله ~~-: إن الأصل: أبالي؛ لأنه مضارع " بالى " فلما دخل الجازم حذفوا له ~~حرف العلة - على القاعدة - ثم تناسوا ذلك الحرف، فسكنوا للجازم ~~اللام؛ لأنها كالأخير حقيقة، فلما سكنت اللام التقى ساكنان - هي والألف ~~قبلها - فحذفت الألف؛ لالتقاء الساكنين. # وهذا التعليل أولى؛ لأنه يعم هذه القراءة ms1938 والبيت المذكور، وعلى ~~مقتضى تعليله هو أن يقال: الأصل تعاليي، فاستثقلت الكسرة على الياء، ~~فنقلت إلى اللام - بعد سلبها حركتها - ثم حذفت الياء؛ لالتقاء ~~الساكنين. # وتعال فعل صريح، وليس باسم فعل؛ لاتصال الضمائر المرفوعة البارزة به. # قيل: وأصله طلب الإقبال من مكان مرتفع؛ تفاؤلا بذلك وإدناء للمدعو؛ ~~لأنه من العلو والرفعة. ثم توسع فيه، فاستعمل في مجرد طلب ~~المجيء، حتى يقال ذلك لمن تريد إهانته - كقولك للعدو: تعال - ولمن لا ~~يعقل كالبهائم ونحوها. # وقيل: هو الدعاء لمكان مرتفع، ثم توسع فيه، حتى استعمل في طلب ~~الإقبال إلى كل مكان، حتى المنخفض. # و " ندع " جزم على جواب الأمر؛ إذ يصح أن يقال: فتعالوا ندع. # قوله: " أبناءنا ". قيل: أراد الحسن والحسين ويؤيده قوله تعالى: # ومن ذريته داوود وسليمان # [الأنعام: 84] إلى قوله: # وزكريا ويحيى وعيسى # [الأنعام: 85] ومعلوم أن عيسى إنما انتسب إلى إبراهيم بالأم - لا بالأب ~~- فثبت أن ابن البنت قد يسمى ابنا. و " نساءنا " فاطمة، " ~~وأنفسنا " عني نفسه وعليا، والعرب تسمي ابن العم نفسه كما قال: # ولا تلمزوا أنفسكم # [الحجرات: 11] يريد إخوانكم. # وقيل هو على العموم لجماعة أهل الدين. # قوله: { ثم نبتهل } قال ابن عباس: نتضرع في الدعاء. # وقال الكلبي: نجتهد ونبالغ في الدعاء وقال الكسائي وأبو عبيدة: ~~نلتعن. والابتهال: افتعال، من البهلة، وهي - بفتح الباء وضمها - ~~اللعنة، قال الزمخشري: ثم نتباهل بأن نقول لعنة الله على الكاذب منا ~~ومنكم والبهلة - بالفتح والضم - اللعنة، وبهله الله: لعنه وأبعده من ~~رحمته من قولك: أبهله إذا أهمله، وناقة باهل: لا صرار عليها، أي: ~~مرسلة مخلاة - كالرجل الطريد المنفي - وإذا كان البهل هو الإرسال ~~والتخلية، فمن بهله الله فقد خلاه، ووكله إلى نفسه، فهو هالك لا شك فيه - ~~كالناقة الباهل التي لا حافظ لها، فمن شاء حلبها، لا تقدر على الدفع عن ~~نفسها هذا أصل الابتهال، ثم استعمل في كل دعاء مجتهد فيه - وإن ~~لم يكن التعانا - [يعني أنه اشتهر في اللغة: فلان يبتهل إلى الله - ~~تعالى - في قضاء حاجته، ويبتهل في كشف كربته]. # قال ms1939 شهاب الدين: ما أحسن ما جعل " الافتعال " - هنا - بمعنى التفاعل؛ ~~لأن المعنى لا يجيء إلا على ذلك، وتفاعل و " افتعل " أخوان في مواضع، نحو ~~اجتوروا وتجاوروا، واشتوروا وتشاوروا، واقتتل القوم وتقاتلوا، واصطحبوا ~~وتصاحبوا، لذلك صحت واو اجتوروا واشتوروا. # قال الراغب: وأصل البهل: كون الشيء غير مراعى، والباهل: البعير ~~المخلى عن قيده والناقة المخلى ضرعها عن صرار، وأنشد لامرأة: ~~أتيتك باهلا غير ذات صرار. # وأبهلت فلانا: خليته وإرادته؛ تشبيها بالبعير الباهل، والبهل ~~والابتهال في الدعاء: الاسترسال فيه والتضرع، نحو { ثم نبتهل ~~فنجعل } ومن فسر الابتهال باللعن فلأجل أن الاسترسال في هذا المكان ~~لأجل اللعن. # قال الشاعر: (وهو لبيد): [الرمل] # 1493- من قروم سادة في قومهم # نظر الدهر إليهم فابتهل # وظاهر هذا أن الابتهال عام في كل دعاء - لعنا كان أو غيره - ثم خص ~~في هذه الآية باللعن، وظاهر عبارة الزمخشري أن أصله خصوصيته باللعن، ثم ~~تجوز فيه، فاستعمل في كل اجتهاد في دعاء - لعنا كان، أو غيره - ~~والظاهر من أقوال اللغويين ما ذكره الراغب. # قال أبو بكر بن دريد في مقصورته: [الرجز] # 1494- لم أر كالمزن سواما بهلا # تحسبها مرعية وهي سدى # بهلا جمع باهلة - أي: مهملة، وفاعلة تجمع على فعل، نحو ضرب. ~~والسدى: المهمل - أيضا - وأتى ب " ثم " هنا، تنبيها على خطئهم ~~في مباهلته، كأنه يقول لهم: لا تعجلوا، وتأنوا؛ لعله أن يظهر لكم ~~الحق، فلذلك أتى بحرف التراخي. # قوله: { فنجعل } هي المتعدية لاثنين - بمعنى نصير - و { على ~~الكاذبين } هو المفعول الثاني. # فصل # روي أنه صلى الله عليه وسلم لما أورد الدلالة على نصارى نجران، ثم إنهم ~~أصروا على جهلهم، فقال صلى الله عليه وسلم: # " إن الله يأمرني - إن لم تقبلوا الحجة - أن ~~أباهلكم، فقالوا: يا أبا القاسم، بل نرجع، فننظر في أمرنا، ثم نأتيك ~~غدا، فخلا بعضهم ببعض، فقالوا للعاقب وكان ذا رأيهم: يا عبد المسيح، ما ~~ترى؟ فقال: والله لقد عرفتم - يا معشر النصارى - أن محمدا نبي مرسل، ~~ولقد جاءكم بالكلام الحق في أمر صاحبكم، والله ما باهل قوم نبيا ms1940 - قط - ~~فعاش كبيرهم ولا صغيرهم، ولأن فعلتم ذلك لنهلكن، ولكان الاستئصال، فإن ~~أبيتم إلا الإصرار على دينكم والإقامة على ما أنتم عليه، فوادعوا الرجل، ~~وانصرفوا إلى بلادكم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان قد خرج ~~وعليه مرط من شعر أسود، وكان قد احتضن الحسين، وأخذ بيد الحسن، وفاطمة ~~تمشي خلفه وعلي خلفهما، وهو يقول لهم: إذا دعوت فأمنوا، فقال ~~أسقف نجران: يا معشر النصارى إني لأرى وجوها لو شاء الله أن يزيل ~~جبلا من مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا، فتهلكوا ولا يبقى نصراني على ~~وجه الأرض إلى يوم القيامة فقالوا: يا أبا القاسم، قد رأينا أن لا ~~نباهلك، وأن نقرك على دينك، ونثبت على ديننا، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فإن أبيتم المباهلة فأسلموا يكن ~~لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم فأبوا، فقال: ~~فإني أنابذكم، فقالوا ما لنا بحرب العرب طاقة، ولكن ~~نصالحك على أن لا تغزونا، ولا تردنا عن ديننا، على أن نؤدي ~~إليك في كل عام ألفي حلة - ألفا في صفر وألفا في رجب - وثلاثين ~~درعا عادية من حديد، فصالحهم على ذلك، وقال: والذي ~~نفسي بيده إن العذاب قد تدلى على أهل نجران، ~~ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم ~~عليهم الوادي نارا، ولأستأصل الله نجران وأهله - ~~حتى الطير على الشجر - ولما حال الحول على ~~النصارى كلهم حتى يهلكوا ". # وروي أنه - عليه السلام - لما خرج في المرط الأسود، فجاء الحسن، ~~فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم فاطمة، ثم علي، ثم قال: # إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت ويطهركم تطهيرا # [الأحزاب: 33]. # فصل # قال بعض العلماء: إن القول، بأن الابتهال هو الاجتهاد في الدعاء ~~أولى؛ لأنه يكون قوله: { ثم نبتهل } أي: ثم نجتهد في الدعاء، ~~ونجعل اللعنة على الكاذب، وعلى القول بأنه الالتعان يصير التقدير: { ~~ثم نبتهل } أي: نلتعن، فنجعل لعنة الله على الكاذب، هو ~~تكرار. وهنا سؤالان: # السؤال الأول: الأولاد إذا كانوا صغارا لم يجز نزول العذاب ~~بهم، وقد ورد في الخبر أنه صلى ms1941 الله عليه وسلم أدخل في المباهلة ~~الحسن والحسين، فما الفائدة فيه؟ # والجواب: أن عادة الله جارية بأن عقوبة الاستئصال إذا نزلت بقوم هلك ~~معهم الأولاد والنساء، فيكون ذلك في حق البالغين عقابا، وفي حق النساء ~~جاريا مجرى إماتتهم، وإيصال الآلام إليهم ومعلوم أن شفقة الإنسان على ~~أولاده، وأهله شديدة جدا، وربما جعل الإنسان نفسه فداء لهم ~~وإذا كان كذلك فهو - عليه السلام - أحضر صبيانه ونساءه معه، وأمرهم بأن ~~يفعلوا مثل ذلك، ليكون ذلك أبلغ للزجر، وأقوى في تخويف الخصم، وأدل على ~~وثوقه صلى الله عليه وسلم بأن الحق معه. # السؤال الثاني: أليس أن بعض الكفار استعمل المباهلة مع نبيه صلى الله ~~عليه وسلم حيث قالوا: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال: 32] ثم إنه لم ينزل بهم عذاب ألبتة - فكذا ها هنا - وأيضا ~~فبتقدير نزول العذاب يكون ذلك مناقضا لقوله تعالى: # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم # [الأنفال: 33]. # الجواب: أن الخاص مقدم على العام، فلما أخبر - عليه السلام - بنزول ~~العذاب في هذه القصة على التعيين، وجب أن تعتقد أن الأمر كذلك. # فصل # دلت هذه الواقعة على صحة نبوته - عليه السلام - من وجهين: # أحدهما: أنه - عليه السلام - خوفهم بنزول العذاب، ولو لم يكن واثقا ~~بذلك لكان ذلك منه سعيا في إظهار كذب نفسه؛ لأن بتقدير أن يرغبوا في ~~مباهلته، ثم لا ينزل العذاب، فحينئذ يظهر كذبه، فلما أصر على ذلك علمنا ~~أنه إنما أصر عليه؛ لكونه واثقا بنزول العذاب عليهم. # وثانيهما: أن القوم - لما تركوا مباهلته - لولا أنهم عرفوا من التوراة ~~والإنجيل ما يدل على نبوته لما أحجموا عن مباهلته. # فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إنهم كانوا شاكين، فتركوا مباهلته؛ ~~خوفا من أن يكون صادقا، فينزل بهم ما ذكر من العذاب؟ # فالجواب: أن هذا مدفوع من وجهين: # الأول: أن القوم كانوا يبذلون النفوس والأموال في المنازعة مع ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ولو كانوا شاكين لما فعلوا ذلك. ms1942 # الثاني: أنه قد نقل عن أولئك النصارى أنهم قالوا: إنه والله هو النبي ~~المبشر به في التوراة والإنجيل وإنكم لو باهلتموه لحصل الاستئصال، ~~فكان تصريحا منهم بأن الامتناع من المباهلة كان لأجل علمهم بأنه نبي ~~مرسل من عند الله تعالى. # فصل # قال ابن الخطيب: كان في الري رجل يقال له محمود بن الحسن ~~الحمصي، وكان معلم الاثني عشرية، وكان يزعم أن عليا - رضي الله ~~عنه - أفضل من جميع الأنبياء - سوى محمد صلى الله عليه وسلم - قال: ~~والذي يدل على ذلك قوله: { وأنفسنا وأنفسكم } ، وليس المراد ~~بقوله: { وأنفسنا } نفس محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن الإنسان لا ~~يدعو نفسه، بل المراد به غيره، وأجمعوا على أن ذلك الغير كان علي بن أبي ~~طالب، فدلت الآية على أن نفس علي هي نفس محمد صلى الله عليه وسلم ولا ~~يمكن أن يكون المراد منه أن هذه النفس هي عين تلك النفس، فالمراد: أن ~~هذه النفس مثل تلك النفس، وذلك يقتضي الاستواء في جميع الوجوه، ترك العمل ~~بهذا العموم في حق النبوة وفي حق الفضل؛ لقيام الدلائل على أن محمدا صلى ~~الله عليه وسلم كان نبيا، وما كان علي كذلك، ولانعقاد الاجماع على ~~أن محمدا كان أفضل من علي، فيبقى فيما وراءه معمولا به، ثم الإجماع ~~دل على أن محمدا كان أفضل من سائر الأنبياء، فيلزم أن يكون علي ~~أفضل من سائر الأنبياء، فهذا وجه الاستدلال بظاهر هذه الآية، ثم قال: ~~ويؤكد هذا الاستدلال الحديث المقبول - عند الموافق والمخالف - وهو ~~قوله صلى الله عليه وسلم: # " من أراد أن يرى آدم في علمه، ونوحا في طاعته، ~~وإبراهيم في خلته، وموسى في هيبته، وعيسى في ~~صفوته فلينظر إلى علي بن أبي طالب ". # فالحديث دل على أنه اجتمع فيه ما كان متفرقا فيهم، وذلك يدل على أن ~~عليا أفضل من جميع الأنبياء سوى محمد صلى الله عليه وسلم. # أما سائر الشيعة فقد كانوا - قديما وحديثا - يستدلون بهذه الآية على ~~أن عليا أفضل من سائر الصحابة؛ وذلك لأن ms1943 الآية لما دلت على أن ~~نفس علي مثل محمد - إلا ما خصه الدليل - وكان نفس محمد ~~أفضل من الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - فوجب أن يكون نفس علي ~~أفضل من سائر الصحابة، هذا تقرير كلام الشيعة. # فالجواب: أنه كما انعقد الإجماع بين المسلمين على أن محمدا أفضل ~~من علي، فكذلك انعقد الإجماع بينهم - قبل ظهور هذا الإنسان - ~~على أن النبي أفضل ممن ليس بنبي، وأجمعوا على أن عليا ما كان ~~نبيا، فلزم القطع على أن ظاهر الآية، كما أنه مخصوص في حق محمد، ~~فكذلك مخصوص في حق سائر الأنبياء - عليهم السلام -. ### || [3.62-63] # قال أبو مسلم: هذا الكلام متصل بما قبله، ولا يجوز الوقف على قوله: ~~{ الكاذبين } ، وتقدير الآية: فنجعل لعنة الله على ~~الكاذبين بأن هذا هو القصص الحق، وعلى هذا التقدير كان حق " إن ~~" أن تكون مفتوحة، إلا أنها كسرت؛ لدخول اللام في قوله: { لهو ~~القصص } ، كما في قوله: # إن ربهم بهم يومئذ لخبير # [العاديات: 11]. # قال الباقون: الكلام تم عند قوله: { على الكاذبين } وما بعده ~~جملة أخرى مستقلة غير متعلقة بما قبلها، فقوله: { هذا } ~~الكلام إشارة إلى ما تقدم من الدلائل والدعاء إلى المباهلة، ~~وأخبار عيسى. # وقيل: هو إشارة لما بعده - وهو قوله: { وما من إله إلا ~~الله } - وضعف هذا بوجهين: # أحدهما: أن هذا ليس بقصص. # الثاني: أن مقترن بحرف العطف. # واعتذر بعضهم عن الأول، فقال: إن أراد بالقصص الخبر، فيصح على هذا، ~~ويكون التقدير: إن الخبر الحق { وما من إله إلا الله } ~~ولكن الاعتراض الثاني باق، لم يجب عنه. # و " هو " يجوز أن يكون فصلا، و " القصص " خبر " إن " ، و " ~~الحق " صفته، ويجوز أن يكون " هو " مبتدأ و " القصص " خبره، ~~والجملة خبر " إن ". # والقصص مصدر قولهم: قص فلان الحديث، يقصه، قصا، وقصصا ~~وأصله: تتبع الأثر، يقال: فلان خرج يقص أثر فلان، أي: يتبعه، ليعرف ~~أين ذهب. ومنه قوله: # وقالت لأخته قصيه # [القصص: 11]، أي، اتبعي أثره، وكذلك القاص في الكلام، لأنه يتتبع ~~خبرا بعد خبر. وقد تقدم التنبيه على قراءتي ms1944 " لهو " بسكون الهاء ~~وضمها؛ إجراء لها مجرى عضد. # قال الزمخشري: فإن قلت: لم جاز دخول اللام على الفصل؟ # قلت: إذا جاز دخولها على الخبر كان دخولها على الفصل أجود؛ لأنه ~~أقرب إلى المبتدأ منه وأصلها أن تدخل على المبتدأ. # قوله: { وما من إله إلا الله } يجوز فيه وجهان: # أحدهما: أن { من إله } مبتدأ، و " من " مزيدة فيه، و " إلا ~~الله " خبره، تقديره: ما إله إلا الله، وزيدت " من " للاستغراق ~~والعموم. # قال الزمخشري: و " من " - في قوله: { وما من إله إلا ~~الله } - بمنزلة البناء على الفتح في: لا إله إلا الله - في إفادة ~~معنى الاستغراق. # قال شهاب الدين: الاستغراق في: لا إله إلا الله، لم نستفده من ~~البناء على الفتح، بل استفدناه من " من " المقدرة، الدالة على ~~الاستغراق، نص النحويون على ذلك، واستدلوا عليه بظهورها في قول ~~الشاعر: [الطويل] # 1495- فقام يذود الناس عنها بسيفه # وقال: ألا لا من سبيل إلى هند # الثاني: أن يكون الخبر مضمرا، تقديره: وما من إله لنا إلا الله، و { ~~إلا الله } بدل من موضع { من إله } لأن موضعه رفع ~~بالابتداء، ولا يجوز في مثله الإبدال من اللفظ، لئلا يلزم زيادة " ~~من " في الواجب، وذلك لا يجوز عند الجمهور. # ويجوز في مثل هذا التركيب نصب ما بعد " إلا " على الاستثناء، ولكن لم ~~يقرأ به، إلا أنه جائز لغة أن يقال لا إله إلا الله - ~~برفع لفظ الجلالة بدلا من الموضع، ونصبها على الاستثناء من الضمير ~~المستكن في الخبر المقدر؛ إذ التقدير: لا إله استقر لنا إلا الله. # وقال بعضهم: دخلت " من " لإفادة تأكيد النفي؛ لأنك لو قلت: ما ~~عندي من الناس أحد، أفاد أن عندك بعض الناس. فإذا قلت: ما عندي من الناس ~~من أحد، أفاد أن ليس عندك بعضهم وإذا لم يكن عندك بعضهم فبأن لا يكون ~~عندك كلهم أولى، فثبت أن قوله: { وما من إله إلا الله } ~~مبالغة في أنه لا إله إلا الله الواحد الحق. # قوله: { وإن الله لهو العزيز الحكيم } كقوله: { إن ~~هذا ms1945 لهو القصص الحق } وفيه إشارة إلى الجواب عن شبهات ~~النصارى، لأن اعتمادهم على أمرين: # أحدهما: أنه قدر على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، فكأنه ~~- تعالى - قال: هذا القدر من القدرة لا يكفي في الإلهية، بل لا بد وأن ~~يكون عزيزا، غالبا، لا يدفع، ولا يمنع، وأنتم اعترفتم بأن عيسى - عليه ~~السلام - ما كان كذلك، بل قلتم: إن اليهود قتلوه. # والثاني: أنهم قالوا: إنه كان يخبر عن الغيوب وغيرها، فكأنه - تعالى - ~~قال: هذا القدر من العلم لا يكفي في الإلهية، بل لا بد وأن يكون ~~حكيما، أي: عالما بجميع المعلومات، وبجميع عواقب الأمور. # فذكر العزيز الحكيم - هاهنا - إشارة إلى الجواب عن هاتين ~~الشبهتين، ونظير هذه الآية ما ذكر تعالى في أول السورة من قوله: # هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشآء لا ~~إله إلا هو العزيز الحكيم # [آل عمران: 6]. # وقوله: { فإن تولوا } يجوز أن يكون مضارعا - حذفت منه إحدى ~~التاءين، تخفيفا - على حد قراءة: # تنزل الملائكة # [القدر: 4] و # تذكرون # [الأنعام: 152] - ويؤيد هذا نسق الكلام، ونظمه في خطاب من تقدم في ~~قوله: { تعالوا } ثم جرى معهم في الخطاب إلى أن قال لهم: فإن ~~تولوا. # قال أبو البقاء: " ويجوز أن يكون مستقبلا، تقديره: تتولوا - ذكره ~~النحاس - وهو ضعيف؛ لأن حرف المضارعة لا يحذف ". # قال شهاب الدين: " وهذا ليس بشيء؛ لأن حرف المضارعة يحذف - في هذا ~~النحو - من غير خلاف. وسيأتي من ذلك طائفة كثيرة ". # وقد أجمعوا على الحذف في قوله: # تنزل الملائكة والروح فيها # [القدر: 4]. # ويجوز أن يكون ماضيا، أي: فإن تولى وفد نجران المطلوب ~~مباهلتهم، ويكون - على ذلك - في الكلام التفات؛ إذ فيه انتقال من خطاب ~~إلى غيبة. # قوله: { بالمفسدين } من وقوع الظاهر موقع المضمر، تنبيها ~~على العلة المقتضية للجزاء، وكان الأصل: فإن الله عليم بكم - على الأول ~~- وبهم - على الثاني. # فصل # ومعنى الآية: فإن تولوا عما وصفت لهم من أنه الواحد، وأنه يجب أن ~~يكون عزيزا غالبا، قادرا على جميع المقدورات، حكيما، عالما ~~بالعواقب - مع أن عيسى ما كان كذلك - فاعلم ms1946 أن توليهم وإعراضهم ليس ~~إلا على سبيل العناد، فاقطع كلامك عنهم، وفوض أمرك إلى ~~الله؛ فإنه عليم بالمفسدين الذين يعبدون غير الله، مطلع على ما في ~~قلوبهم من الأغراض الفاسدة، قادر على مجازاتهم. ### || [3.64] # قوله: { إلى كلمة } متعلق ب " تعالوا " فذكر مفعول " ~~تعالوا " بخلاف " تعالوا " قبلها، فإنه لم يذكر مفعوله؛ فإن ~~المقصود مجرد الإقبال، ويجوز أن يكون حذفه للدلالة عليه، تقديره: ~~تعالوا إلى المباهلة. # وقرأ العامة " كلمة " - بفتح الكاف وكسر اللام - وهو الأصل، وقرأ ~~أبو السمال " كلمة " بوزن سدرة و " كلمة " كضربة وتقدم ~~هذا قريبا. # وكلمة مفسرة بما بعدها - من قوله: " ألا نعبد إلا الله " - ~~فالمراد بها كلام كثير، وهذا من باب إطلاق الجزء والمراد به ~~الكل، ومنه تسميتهم القصيدة جميعا قافية - والقافية جزء منها قال: ~~[الوافر] # 1496- أعلمه الرماية كل يوم # فلما اشتد ساعده رماني # وكم علمه نظم القوافي # فلما قال قافية هجاني # ويقولون كلمة الشهادة - يعنون: لا إله إلا الله، محمد رسول الله ~~- وقال صلى الله عليه وسلم: # " أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد ". # يريد: [الطويل] # 1497- ألا كل شيء ما خلا الله باطل # وكل نعيم - لا محالة - زائل # وهذا كما يسمون الشيء بجزئه في الأعيان، لأنه المقصود منه، قالوا لرئيس ~~القوم - وهو الذي ينظر لهم ما يحتاجون إليه -: عين، فأطلقوا عليه " ~~عينا ". # وقال بعضهم: وضع المفرد موضع الجمع، كما قال: [الطويل] # 1498- بها جيف الحسرى، فأما عظامها # فبيض، وأما جلدها فصليب # وقيل: أطلقت الكلمة على الكلمات؛ لارتباط بعضها ببعض، فصارت في قوة ~~الكلمة الواحدة - إذا اختل جزء منها اختلت الكلمة؛ لأن كلمة ~~التوحيد - لا إله إلا الله - هي كلمات لا تتم النسبة المقصودة فيها من ~~حصر الإلهية في " الله " إلا بمجموعها. # وقرأ العامة " سواء " بالجر؛ نعتا ل " كلمة " بمعنى عدل، ~~ويدل عليه قراءة عبد الله: إلى كلمة عدل، وهذا تفسير لا قراءة. # وسواء في الأصل - مصدر، ففي الوصف التأويلات الثلاثة المعروفة، ولذلك لم ~~يؤنث كما لم تؤنث ب " امرأة عدل "؛ لأن المصادر لا تثنى، ولا ~~تجمع، ولا تؤنث، فإذا فتحت ms1947 السين مددت، وإذا كسرت أو ضممت ~~قصرت، كقوله: # مكانا سوى # [طه: 58]. # وقرأ الحسن " سواء " بالنصب، وفيها وجهان: # أحدهما: نصبها على المصدر. # قال الزمخشري: " بمعنى: استوت استواء " ، وكذا الحوفي. # والثاني: أنه منصوب على الحال، وجاءت الحال من النكرة، وقد نص عليه ~~سيبويه. # قال أبو حيان: " ولكن المشهور غيره، والذي حسن مجيئها من النكرة - ~~هنا - كون الوصف بالمصدر على خلاف الأصل، و الصفة والحال متلاقيان من ~~حيث المعنى ". # وكأن أبا حيان غض من تخريج الزمخشري و الحوفي، فقال: " والحال والصفة ~~متلاقيان من حيث المعنى، والمصدر يحتاج إلى إضمار عامل، وإلى تأويل " ~~سواء " بمعنى استواء ". # والأشهر استعمال " سواء " بمعنى اسم الفاعل - أي: مستو. # قال شهاب الدين: " وبذلك فسرها ابن عباس، فقال: إلى كلمة ~~مستوية ". # قوله: { ألا نعبد إلا الله } فيه ستة أوجه: # أحدها: أنه بدل من " كلمة " - بدل كل من كل. # الثاني: بدل من " سواء " جوزه أبو البقاء؛ وليس بواضح، لأن المقصود ~~إنما هو الموصوف لا صفته فنسبة البدلية إلى الموصوف أولى، وعلى الوجهين ~~ف " أن " وما في حيزها في محل جر. # الثالث: أنه في محل رفع؛ خبرا لمبتدأ مضمر، والجملة استئناف، ~~جواب لسؤال مقدر، كأنه لما قيل: { تعالوا إلى كلمة } قال ~~قائل: ما هي؟ فقيل: هي أن لا نعبد إلا الله، وعلى هذا الأوجه الثلاثة ف ~~" بين " منصوب ب " سواء " ظرفا له، أي: يقع الاستواء في هذه ~~الجهة. # وقد صرح بذلك [الشاعر]، حيث قال: [الوافر] # 1499- أروني خطة لا عيب فيها # يسوي بيننا فيها السواء # والوقف التام - حينئذ - عند قوله: { من دون الله }؛ لارتباط ~~الكلام معنى وإعرابا. # الرابع: أن يكون " أن " وما في حيزها في محل رفع بالابتداء، ~~والخبر: الظرف قبله. # الخامس: جوز أبو البقاء أن يكون فاعلا بالظرف قبله، وهذا إنما ~~يتأتى على رأي الأخفش؛ إذا لم يعتمد الظرف. # وحينئذ يكون الوقف على " سواء " ثم يبتدأ بقوله: { بيننا ~~وبينكم ألا نعبد إلا الله } وهذا فيه بعد من حيث ~~المعنى، ثم إنهم جعلوا هذه الجملة صفة ل " كلمة " ، وهذا غلط؛ لعدم ~~رابطة بين ms1948 الصفة والموصوف، وتقدير العائد ليس بالسهل. # وعلى هذا فقول أبي البقاء: وقيل: تم الكلام على " سواء " ، ثم ~~استأنف، فقال: { بيننا وبينكم ألا نعبد } ، أي: بيننا ~~وبينكم التوحيد، فعلى هذا يكون { ألا نعبد } مبتدأ، والظرف خبره، ~~والجملة صفة ل " الكلمة " ، غير واضح؛ لأنه - من حيث جعلها صفة - كيف ~~يحسن أن يقول: تم الكلام على " سواء " ثم استأنف؟ بل كان الصواب - على ~~هذا الإعراب - أن تكون الجملة استئنافية - كما تقدم. # السادس: أن يكون: { ألا نعبد } مرفوعا بالفاعلية ب " سواء " ~~، وإلى هذا ذهب الرماني؛ فإن التقدير - عنده - إلى كلمة مستو ~~فيها بيننا وبينكم عدم عبادة غير الله تعالى. # قال أبو حيان: " إلا أن فيه إضمار الرابط - وهو فيها - وهو ضعيف ". # فصل # لما أورد صلى الله عليه وسلم على نصارى نجران أنواع الدلائل، دعاهم ~~إلى المباهلة فخافوا، وما شرعوا فيها، وقبلوا الصغار بأداء ~~الجزية، وكان صلى الله عليه وسلم حريصا على إيمانهم، فكأنه - تعالى - ~~قال: يا محمد، اترك ذلك المنهج من الكلام، واعدل [إلى] منهج آخر يشهد ~~كل ذي عقل سليم، وطبع مستقيم أنه [متين] مبني على الإنصاف وترك ~~الجدال " قل يا أهل الكتاب هلموا إلى كلمة سواء " فيها إنصاف لبعضنا من ~~بعض، ولا ميل فيها لأحد على صاحبه، وهي: { ألا نعبد إلا ~~الله ولا نشرك به شيئا } فهذا وجه النظم. # فصل # وفي المراد بأهل الكتاب ثلاثة أقوال: # أحدها: أن المراد: نصارى نجران. # الثاني: اليهود من المدينة. # الثالث: أنها نزلت في الفريقين، ويدل على هذا وجهان: # الأول: أن ظاهر اللفظ يتناولهما. # الثاني: قال المفسرون - في سبب النزول -: قدم وفد نجران المدينة، ~~فالتقوا مع اليهود، واختصموا في إبراهيم - عليه السلام - فزعمت ~~النصارى أنه كان نصرانيا، وأنه على دينهم، وأنهم وهم على دينه ~~وأولى الناس به، [وقالت] اليهود: بل كان يهوديا، ,أنهم على دينه، ~~وأولى الناس به، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كلا الفريقين بريء من إبراهيم ودينه؛ كان ~~حنيفا مسلما، وأنا على دينه فاتبعوا دينه الإسلام " # فقالت اليهود: يا محمد، ما تريد ms1949 إلا أن نتخذك ربا كما اتخذت ~~النصارى عيسى ربا، وقالت النصارى: يا محمد ما تريد إلا أن نقول فيك، ~~كما قالت اليهود في عزير، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # قال ابن الخطيب: " وعندي أن الأقرب حمله على النصارى؛ لما بينا ~~في وجه النظم أنه لما أورد - الدلالة عليهم أولا، ثم باهلهم ثانيا، ~~فعدل عن هذا المقام إلى الكلام المبني على غاية الإنصاف، وترك المجادلة، ~~وطلب الإقحام والإلزام، ويدل عليه أنه خاطبهم - هنا - بقوله: { ~~يأهل الكتاب } ، وهذا الاسم من أحسن الأسماء، وأكمل الألقاب؛ ~~حيث جعلهم أهلا للكتاب، ونظيره ما يقال لحافظ القرآن: حامل كتاب الله ~~العزيز، وللمفسر يا مفسر كلام الله، فإن هذا اللقب يدل على أن ~~قائله أراد المبالغة في تعظيم المخاطب، وتطييب قلبه، وذلك إنما ~~يقال عند عدول الإنسان مع خصمه عن طريقة اللجاج والنزاع إلى طريقة ~~طلب الإنصاف ". # قوله: { تعالوا } هلموا { إلى كلمة سوآء } فيها ~~إنصاف من بعضنا لبعض، لا ميل فيه لأحد على صاحبه. والسواء: هو العدل ~~والإنصاف؛ لأن حقيقة الإنصاف إعطاء النصف، فإن الواجب في العقول ترك ~~الظلم على النفس وعلى الغير، وذلك لا يحصل إلا بإعطاء النصف؛ لكي ~~يسوي بين نفسه وبين الغير. ثم إنه تعالى ذكر ثلاثة أشياء: # الأول: أن لا نعبد إلا الله. # الثاني: أن لا نشرك به شيئا. # الثالث: أن لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله. # ودون - هذه - بمعنى: " غير ". # إنما ذكر هذه الثلاثة؛ لأن النصارى جمعوا بينها، فعبدوا غير الله - ~~وهو المسيح - وأشركوا بالله غيره؛ لأنهم يقولون: إنه ثلاثة: أب وابن وروح ~~القدس، واتخذوا أحبارهم أربابا من دون الله؛ لأنهم كانوا يطيعونهم في ~~التحليل والتحريم، وكانو يسجدون لهم، ويطيعونهم في المعاصي، قال تعالى: # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله # [التوبة: 31]. # قال أبو مسلم: ومذهبهم أن من صار كاملا في الرياضة والمجاهدة ظهر ~~فيه أثر اللاهوت، فيقدر على إحياء الموتى، وإبراء الأكمه ~~والأبرص، فإنهم - وإن لم يطلقوا عليه لفظ " الرب " - أثبتوا في ~~حقه معنى الربوبية، وهذه الأقوال الثلاثة باطلة. ms1950 # أما الأول: فإن قبل المسيح ما كان المعبود إلا الله، فوجب أن يبقى ~~الأمر بعد ظهور المسيح على ما كان. # الثاني: والقول بالشرك باطل باتفاق الكل. # والثالث: - أيضا باطل -؛ لأنه إذا كان الخالق والرازق والمنعم - ~~بجميع النعم - هو الله وجب أن لا يرجع في التحليل، والتحريم، والانقياد، ~~والطاعة إلا إليه، - دون الأحبار والرهبان. # وقوله: { ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون ~~الله } قال القرطبي: معنى قوله: { ولا يتخذ بعضنا بعضا ~~أربابا من دون الله } أي لا نتبعه في تحليل شيء أو تحريمه، ~~إلا فيما حلله الله - تعالى - وهو نظير قوله تعالى: # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله # [التوبة: 31] أي: أنزلوهم منزلة ربهم في قبول تحريمهم وتحليلهم لما لم ~~يحرمه الله ولم يحلله، وهذا يدل على بطلان القول بالاستحسان المجرد ~~الذي لا يستند إلى دليل شرعي. # قال إلكيا الطبري: " مثل [استحسانات] أبي حنيفة في التقديرات التي ~~قدرها دون [مستندات بينة] ". # قال عكرمة: " هو سجود بعضهم لبعض " ، أي: لا نسجد لغير الله، وكان ~~السجود إلى زمان نبينا عليه السلام - ثم نهي عنه. # وروى ابن ماجه - في سننه - عن أنس، قال: # " " قلنا: يا رسول الله، أينحني بعضنا لبعض؟ قال: ~~لا، قلنا: أيعانق بعضنا بعضا؟ قال: لا، ولكن ~~تصافحوا ". # وقيل: لا نطيع أحدا في معصية الله. # قوله: { فإن تولوا فقولوا }. # قال أبو البقاء: هو ماض، ولا يجوز أن يكون التقدير: " فإن تتولوا " ~~لفساد المعنى؛ لأن قوله: { فقولوا اشهدوا } خطاب للمؤمنين، و " ~~يتولوا " للمشركين وعند ذلك لا يبقى في الكلام جواب الشرط، والتقدير: ~~فقولوا لهم وهذا ظاهر. # والمعنى: إن أبوا إلا الإصرار فقولوا لهم: اشهدوا بأنا مسلمون ~~[مخلصون بالتوحيد]. ### || [3.65] # قوله: { لم تحآجون } هي " ما " الاستفهامية، دخل عليها حرف الجر، ~~فحذفت ألفها وتقدم ذلك في البقرة، واللام متعلقة بما بعدها، وتقديمها ~~على عاملها واجب؛ لجرها ما له صدر الكلام. # قوله: { في إبراهيم } لا بد من مضاف محذوف، أي: في دين إبراهيم ~~وشريعته؛ لأن الذوات لا مجادلة فيها. # قوله: { ومآ أنزلت التوراة } الظاهر أن الواو ms1951 للحال، كهي في ~~قوله: # لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون # [آل عمران: 70]. # أي كيف تحاجون في شريعته والحال أن التوراة والإنجيل متأخران عنه؟ # وجوزوا أن تكون عاطفة، وليس بالبين، وهذا الاستفهام للإنكار ~~والتعجب، وقوله: { إلا من بعده } متعلق ب " أنزلت " ، وهو ~~استثناء مفرغ. # فصل # اعلم أن اليهود كانوا يقولون: إن إبراهيم كان على ديننا، والنصارى كانوا ~~يقولون: إن إبراهيم كان على ديننا، فقيل لهم: كيف تقولون ذلك والتوراة ~~والإنجيل إنما نزلا من بعده بزمان طويل؟ كان بين إبراهيم وبين موسى ~~ألف سنة، وبين موسى وعيسى ألف سنة، فكيف يعقل أن يكون يهوديا أو ~~نصرانيا؟ # فإن قيل: فهذا - أيضا - لازم عليكم؛ لأنكم تقولون: إن إبراهيم على دين ~~الإسلام، والإسلام إنما نزل بعده بزمان طويل، فإن قلتم: المراد أن ~~إبراهيم كان في أصول الدين على مذهب المسلمين الآن، فنقول لهم: لم لا ~~يجوز - أيضا - أن يقول اليهود: إن إبراهيم كان يهوديا بمعنى أنه كان ~~على الدين الذي عليه اليهود، وتقول النصارى: إن إبراهيم كان نصرانيا ~~بمعنى أنه كان على الدين الذي عليه النصارى؟ فكون التوراة والإنجيل ~~نازلين بعد إبراهيم لا ينافي كونه يهوديا أو نصرانيا، كما أن كون ~~القرآن نازلا بعده لا ينافي كونه مسلما. # فالجواب: أن القرآن أخبر أن إبراهيم كان حنيفا مسلما، وليس في التوراة ~~والإنجيل أن إبراهيم كان يهوديا، أو نصرانيا، فظهر الفرق. # ثم نقول: أما كون النصارى ليسوا على ملة إبراهيم فظاهر؛ لأن المسيح ما ~~كان موجودا في زمان إبراهيم فما كانت عبادته مشروعة في زمان إبراهيم - ~~لا محالة - فكان الاشتغال بعبادة المسيح مخالفة لإبراهيم - لا محالة - ~~وأما كون اليهود ليسوا على ملة إبراهيم، فلا شك أنه كان لله - تعالى - ~~تكاليف على الخلق قبل مجيء موسى عليه السلام وكان قبله أنبياء، وكانت لهم ~~شرائع معينة، فلما جاء موسى صلى الله على نبينا وعليه وسلم، فإما أن ~~يقال: إن موسى جاء بتقرير تلك الشرائع، أو بغيرها، فإن جاء بتقريرها لم ~~يكن موسى صاحب الشريعة، بل كان كالفقيه المقرر لشرع ms1952 من قبله، ~~واليهود لا يرضون بذلك. # وإذا كان جاء بشرع سوى شرع من تقدمه فقد قال بالنسخ، فثبت أنه لا بد ~~وأن يكون دين كل الأنبياء جواز القول بالنسخ، وأن النسخ حق - واليهود ~~ينكرون ذلك، فثبت أن اليهود ليسوا على ملة إبراهيم، فظهر بطلان قول ~~اليهود. ### || [3.66-68] # القراء في هذه على أربع مراتب، والإعراب متوقف على ذلك: # المرتبة الأولى للكوفيين وابن عامر والبزي عن ابن كثير: ها أنتم - ~~بألف بعد الهاء، وهمزة مخففة بعدها. # المرتبة الثانية لأبي عمرو وقالون عن نافع: بألف بعد الهاء، وهمزة ~~مسهلة بين بين بعدها. # المرتبة الثالثة لورش، وله وجهان: # أحدهما: بهمزة مسهلة بين بين بعد الهاء دون ألف بينهما. # الثاني: بألف صريحة بعد الهاء بغير همزة بالكلية. # المرتبة الرابعة لقنبل بهمزة مخففة بعد الهاء دون ألف. # فصل # اختلف الناس في هذه الهاء: فمنهم من قال: إنها " ها " التي للتنبيه ~~الداخلة على أسماء الإشارة، وقد كثر الفصل بينها وبين أسماء الإشارة ~~بالضمائر المرفوعة المنفصلة، نحو: ها أنت ذا قائما، وها نحن، وها هم، ~~وهؤلاء، وقد تعاد مع الإشارة بعد دخولها على الضمائر؛ توكيدا، كهذه ~~الآية، ويقل الفصل بغير ذلك كقوله: [البسيط] # 1500- تعلمن ها - لعمر الله - ذا قسما # فاقدر بذرعك وانظر أين تنسلك # وقول النابغة: [البسيط] # 1501- ها - إن - ذي عذرة إن لا تكن قبلت # فإن صاحبها قد تاه في البلد # ومنهم من قال: إنها مبدلة من همزة الاستفهام، والأصل: أأنتم؟ وهو ~~استفهام إنكار، وقد كثر إبدال الهمزة هاء - وإن لم ينقس - قالوا ~~هرقت، وهرحت، وهنرت، وهذا قول أبي عمرو بن العلاء، وأبي الحسن ~~الأخفش، وجماعة، واستحسنه أبو جعفر، وفيه نظر؛ من حيث إنه لم يثبت ذلك ~~في همزة الاستفهام، لم يسمع: هتضرب زيدا - بمعنى أتضرب ~~زيدا؟ وإذا لم يثبت ذلك فكيف يحمل هذا عليه؟ # هذا معنى ما اعترض به أبو حيان على هؤلاء الأئمة، وإذا ثبت إبدال ~~الهمزة هاء هان الأمر، ولا نظر إلى كونها همزة استفهام، ولا غيرها، وهذا ~~- أعني كونها همزة استفهام أبدلت هاء - ظاهر ms1953 قراءة قنبل، وورش؛ ~~لأنهما لا يدخلان ألفا بين الهاء وهمزة " أنتم "؛ لأن إدخال الألف ~~لما كان لاستثقال توالي همزتين، فلما أبدلت الهمزة هاء زال الثقل لفظا؛ ~~فلم يحتج إلى فاصلة، وقد جاء إبدال همزة الاستفهام ألفا في قول ~~الشاعر: [الكامل] # 1502- وأتت صواحبها، وقلن هذا الذي # منح المودة غيرنا وجفانا # يريد أذا الذي؟ # ويضعف جعلها - على قراءتهما - " ها " التي للتنبيه؛ لأنه لم يحفظ ~~حذف ألفها، لا يقال: هذا زيد - بحذف ألف " ها " - كذا قيل. # قال شهاب الدين: " وقد حذفها ابن عامر في ثلاثة مواضع - إلا أنه ضم ~~الهاء الباقية بعد حذف الألف - فقرأ - في الوصل -: # يأيها الساحر # [الزخرف: 49] و # وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون # [النور: 31]، و # سنفرغ لكم أيها الثقلان # [الرحمن: 31]، ولكن إنما فعل ذلك اتباعا للرسم؛ لأن الألف حذفت في ~~مرسوم مصحف الشام في هذه الثلاثة، وعلى الجملة فقد ثبت حذف ألف " ها " ~~التي للتنبيه. وأما من أثبت الألف بين الهاء وبين همزة " أنتم " ~~فالظاهر أنها للتنبيه، ويضعف أن تكون بدلا من همزة الاستفهام؛ لما تقدم ~~من أن الألف إنما تدخل لأجل الثقل، والثقل قد زال بإبدال الهمزة هاء، ~~وقال بعضهم: الذي يقتضيه النظر أن تكون " ها " - في قراءة الكوفيين ~~والبزي وابن ذكوان -، للتنبيه؛ لأن الألف في قراءتهم ثابتة، وليس من ~~مذهبهم أن يفصلوا بين الهمزتين بألف، وأن تكون في قراءة قنبل وورش - ~~مبدلة من همزة؛ لأن قنبلا يقرأ بهمزة بعد الهاء، ولو كانت " ها " ~~للتنبيه لأتى بألف بعد الهاء، وإنما لم يسهل الهمزة - كما سهلها ~~في { ءأنذرتهم } ونحوه لأن إبدال الأولى هاء أغناه عن ذلك، ولأن ~~ورشا فعل فيه ما فعل في: { ءأنذرتهم } ونحوه من تسهيل الهمزة، ~~وترك إدخال الألف، وكان الوجه في قراءته بالألف - أيضا - الحمل على ~~البدل كالوجه الثاني في { ءأنذرتهم } ونحوه. # وما عدا هؤلاء المذكورين - وهم أبو عمرو وهشام وقالون - يحتمل أن تكون " ~~ها " للتنبيه، وأن تكون بدلا من همزة الاستفهام. # أما الوجه الأول فلأن " ها " التنبيه دخلت على " أنتم " فحقق هشام ~~الهمزة كما حققها ms1954 في " هؤلاء " ونحوها، وخففها قالون وأبو عمرو؛ ~~لتوسطها بدخول حرف التنبيه عليها، وتخفيف الهمزة المتوسطة قوي. # الوجه الثاني: أن تكون الهاء بدلا من همزة الاستفهام؛ لأنهم ~~يفصلون بين الهمزتين بألف، فيكون أبو عمرو وقالون على أصلهما - في ~~إدخال الألف والتسهيل - وهشام على أصله - في إدخال الألف والتحقيق - ولم ~~يقرأ بالوجه الثاني - وهو التسهيل - لأن إبدال الهمزة الأولى هاء ~~مغن عن ذلك. # وقال آخرون: إنه يجوز أن تكون " ها " - في قراءة الجميع - مبدلة من ~~همزة، وأن تكون التي للتنبيه دخلت على " أنتم " ذكر ذلك أبو علي الفارسي ~~والمهدوي ومكي في آخرين. # فأما احتمال هذين الوجهين - في قراءة أبي عمرو وقالون عن نافع، وهشام عن ~~ابن عامر- فقد تقدم توجيهه، وأما احتمالهما في قراءة غيرهم، فأما ~~الكوفيون والبزي وابن ذكوان فقد تقدم توجيه كون " ها " - عندهم - ~~للتنبيه، وأما توجيه كونها بدلا من الهمزة - عندهم - أن يكون الأصل أنه ~~أأنتم، ففصلوا بالألف - على لغة من قال: [الطويل] # 1503-............................ # آأنت أم أم سالم # ولم يعبئوا بإبدال الهمزة الأولى هاء؛ لكون البدل فيها عارضا، ~~وهؤلاء، وإن لم يكن من مذهبهم الفصل لكنهم جمعوا بين اللغتين. # وأما توجيه كونها بدلا من الهمزة - في قراءة قنبل وورش - فقد ~~تقدم، وأما توجيه كونها للتنبيه في قراءتهما - وإن لم يكن فيها ألف - أن ~~تكون الألف حذفت لكثرة الاستعمال، وعلى قول من أبدل كورش حذفت ~~إحدى الألفين؛ لالتقاء الساكنين. # قال أبو شامة: الأولى في هذه الكلمة - على جميع القراءات فيها - أن ~~تكون " ها " للتنبيه؛ لأنا إن جعلناها بدلا من همزة كانت الهمزة همزة ~~استفهام، و { هأنتم } أينما جاءت في القرآن إنما جاءت للخبر، لا ~~للاستفهام، ولا مانع من ذلك إلا تسهيل من سهل، وحذف من حذف، ~~أما التسهيل فقد سبق تشبيهه بقوله: # لأعنتكم # [البقرة: 220] وشبهه، وأما الحذف فنقول: " ها " مثل " أما " - كلاهما ~~حرف تنبيه - وقد ثبت جواز حذف ألف " أما " فكذا حذف ألف " ها " وعلى ذلك ~~قولهم: أم والله لأفعلن. # وقد حمل البصريون قولهم: " هلم " على أن الأصل " هالم " ، ثم ~~حذف ألف ms1955 " ها " فكذا { هأنتم }. وهو كلام حسن، إلا أن قوله: إن ~~{ هأنتم } - حيث جاءت - كانت خبرا، لا استفهاما ممنوع، بل يجوز ~~ذلك، ويجوز الاستفهام، انتهى. # ذكر الفراء أيضا - هنا - بحثا بالنسبة إلى القصر والمد، فقال: من ~~أثبت الألف في " ها " ، واعتقدها للتنبيه، وكان مذهبه أن يقصر في ~~المنفصل، فقياسه هنا قصر الألف سواء حقق الهمزة، أو سهلها، وأما من ~~جعلها للتنبيه، ومذهبه المد في المنفصل، أو جعل الهاء مبدلة من همزة ~~استفهام - فقياسه أن يمد - سواء حقق الهمزة أو سهلها -. # وأما ورش فقد تقدم عنه وجهان: إبدال الهمزة - من " أنتم " - ألفا، ~~وتسهيلها بين بين، فإذا أبدل مد، وإذا سهل قصر، إذا عرف ~~هذا ففي إعراب هذه الآية أوجه: # أحدها: أن " أنتم " مبتدأ، و " هؤلاء " خبره، والجملة من قوله: { ~~حاججتم } جملة مستأنفة, مبينة للجملة الأولى, يعني أنتم هؤلاء ~~الأشخاص الحمقى, وبيان حماقتكم, وقلة عقولكم, أنكم جادلتم فيما لكم به ~~علم بما نطق به التوراة والإنجيل { فلم تحآجون فيما ليس ~~لكم به علم } ذكر ذلك الزمخشري. # الثاني: أن يكون { هأنتم هؤلاء } مبتدأ وخبرا, والجملة من { ~~حاججتم } في محل نصب على الحال يدل على ذلك تصريح العرب بإيقاع ~~الحال موقعها - في قولهم: ها أنا ذا قائما، ثم هذه الحال عندهم - من ~~الأحوال اللازمة، التي لا يستغني الكلام عنها. # الثالث: أن يكون { هأنتم هؤلاء } على ما تقدم - أيضا - ولكن ~~هؤلاء هنا موصول، لا يتم إلا بصلة وعائد، وهما الجملة من قوله: { ~~حاججتم } ، ذكره الزمخشري. # وهذا إنما يتجه عند الكوفيين، تقديره: ها أنتم الذين حاججتم. # الرابع: أن يكون " أنتم " مبتدأ، و " حاججتم " خبره، و " هؤلاء ~~" منادى، وهذا إنما يتجه عند الكوفيين أيضا؛ لأن حرف النداء لا ~~يحذف من أسماء الإشارة، وأجازه الكوفيون وأنشدوا: [البسيط] # 1504- إن الألى وصفوا قومي لهم فبهم # هذا اعتصم تلق من عاداك مخذولا # يريد يا هذا اعتصم، وقول الآخر: [الخفيف] # 1505- لا يغرنكم أولاء من القو # م جنوح للسلم فهو خداع # يريد: يا أولاء. # الخامس: أن يكون " هؤلاء " منصوبا على الاختصاص بإضمار فعل. و ms1956 " ~~أنتم " مبتدأ، و " حاججتم " خبره، وجملة الاختصاص معترضة. # السادس: أن يكون على حذف مضاف، تقديره: ها أنتم مثل هؤلاء، وتكون ~~الجملة بعدها مبينة لوجه الشبه، أو حالا. # السابع: أن يكون " أنتم " خبرا مقدما، و " هؤلاء " مبتدأ مؤخرا. # وهذه الأوجه السبعة قد تقدم ذكرها، وذكر من نسبت إليه والرد على ~~بعض القائلين ببعضها، بما يغني عند إعادته في سورة البقرة عند قوله ~~تعالى: # ثم أنتم هؤلاء تقتلون # [البقرة: 85] فليلتفت إليه. # قوله: { فيما لكم به علم } " ما " يجوز أن تكون معنى " الذي " ~~وأن تكون نكرة موصوفة. # ولا يجوز أن تكون مصدرية؛ لعود الضمير عليها، وهي حرف عند الجمهور، و " ~~لكم " يجوز أن يكون خبرا مقدما، و " علم " مبتدأ مؤخرا، والجملة ~~صلة ل " ما " أو صفة، ويجوز أن يكون لكم وحده صلة، أو صفة، و " علم ~~" فاعل به؛ لأنه قد اعتمد، و " به " متعلق بمحذوف؛ لأنه حال من " ~~علم " إذ لو تأخر عنه لصح جعله نعتا له، ولا يجوز أن يتعلق ~~ب " علم " لأنه مصدر، والمصدر لا يتقدم معموله عليه، فإن جعلته ~~متعلقا بمحذوف يفسره المصدر جاز ذلك، وسمي بيانا. # فصل # وأما المعنى فقال قتادة والسدي والربيع وغيرهم: إن الذي لهم به ~~علم هو دينهم وجدوه في كتبهم، وثبتت صحته لديهم، والذي ليس لهم به ~~علم هو شريعة إبراهيم، وما عليه مما ليس في كتبهم، ولا جاءت به إليهم ~~رسلهم، ولا كانوا معاصريه، فيعلمون دينه، فجدالهم فيه مجرد ~~عناد ومكابرة. # قيل: الذي لهم به علم هو أمر نبينا صلى الله عليه وسلم لأنه موجود ~~عندهم في كتبهم بنعته، والذي ليس به علم هو أمر إبراهيم - عليه ~~السلام -. # قال الزمخشري: " يعني أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى، وبيان حماقتكم، ~~أنكم جادلتم فيما لكم به علم ومما نطق به التوراة والإنجيل، { فلم ~~تحآجون فيما ليس لكم به علم } ولا نطق به كتابكم ~~من إبراهيم ". # فصل # اعلم أنهم زعموا أن شريعة التوراة والإنجيل مخالفة لشريعة القرآن، ~~وهو المراد بقوله { حاججتم فيما لكم به علم } ثم قال: { ~~فلم تحآجون ms1957 فيما ليس لكم به علم } وهو ادعاؤكم أن ~~شريعة إبراهيم كانت مخالفة لشريعة محمد صلى الله عليه وسلم وقد تقدم ~~أقوال العلماء فيه ثم يحتمل في قوله: { هأنتم هؤلاء ~~حاججتم فيما لكم به علم } فكيف تحاجونه فيما لا علم لكم ~~به ألبتة؟ ثم حقق ذلك بقوله: { والله يعلم وأنتم لا ~~تعلمون } كيفية تلك الأحوال من المخالفة والموافقة، ثم ذكر - ~~تعالى - ذلك مفصلا، مبينا، فقال: { ما كان إبراهيم ~~يهوديا ولا نصرانيا } فكذبهم فيما ادعوه - من موافقته ~~لهما - بدأ باليهود؛ لأن شريعتهم أقدم وكرر " لا " - في قوله: { ولا ~~نصرانيا } - توكيدا، وبيانا أنه كان منفيا عن كل واحد من ~~الدينين على حدته. # قال القرطبي: " دلت الآية على المنع من جدال من لا علم له، وقد ~~ورد الأمر بالجدال لمن علم وأتقن، قال تعالى: # وجادلهم بالتي هي أحسن # [النحل: 125]، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم # " أنه أتاه رجل وولده، فقال: يا رسول الله، إن امرأتي ولدت ~~غلاما أسود، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل لك من ~~إبل؟ قال: نعم، قال: فما ألوانها؟ قال: حمر، قال: ~~فهل فيها من أورق؟ قال: نعم، قال: من أين أتاها ~~ذلك؟ قال: لعل عرقا نزعه، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم:وهذا الغلام لعل عرقا نزعه ". # وهذه حقيقة الجدال، والنهاية في تبيين الاستدلال من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ". # قوله: { ولكن } استدراك لما كان عليه، ووقعت - هنا - أحسن موقع؛ ~~إذ هي بين نقيضين بالنسبة إلى اعتقاد الحق والباطل. # ولما كان الخطاب مع اليهود والنصارى أتى بجملة تنفي أخرى؛ ليدل على ~~أنه لم يكن على دين أحد من المشركين، كالعرب عبدة الأوثان، والمجوس ~~عبدة النار، والصابئة عبدة الكواكب. # بهذا يطرح سؤال من قال: أي فائدة في قوله: { وما كان من ~~المشركين } بعد قوله: { ما كان إبراهيم يهوديا ولا ~~نصرانيا }؟ وأتى بخبر " كان " مجموعا، فقال: { وما كان من ~~المشركين } بكونه فاصلة، ولولا مراعاة ذلك لكانت المطابقة ~~مطلوبة بينه وبين ما استدرك عنه في قوله: { يهوديا ولا ~~نصرانيا ms1958 } فيتناسب النفيان. # وقيل: قوله: { وما كان من المشركين } تعريض بكون النصارى ~~مشركين في قولهم بإلهية المسيح، وكون اليهود مشركين في قولهم بالتشبيه. # والحنيف: المائل عن الأديان كلها إلى الدين المستقيم. # وقيل: الحنيف: الذي يوحد، ويحج، ويضحي، ويختتن، ~~ويستقبل القبلة. وتقدم الكلام عليه في البقرة. # فإن قيل: قولكم: إبراهيم على دين الإسلام، أتريدون به الموافقة في ~~الأصول، أو في الفروع؟ # فإن كان الأول لم يكن هذا مختصا بدين الإسلام، بل نقطع بأن إبراهيم ~~أيضا على دين اليهود - [ذلك الدين الذي جاء به موسى - وكان أيضا - ~~نصرانيا] أعني تلك النصرانية التي جاء بها عيسى - فإن أديان الأنبياء ~~كلها لا يجوز أن تكون مختلفة في الأصول، وإن أردتم به الموافقة في ~~الفروع لزم أن لا يكون محمد صلى الله عليه وسلم صاحب شرع ألبتة، بل كان ~~مقررا لدين غيره، وأيضا فمن المعلوم بالضرورة أن التعبد بالقرآن ما ~~كان موجودا في زمان إبراهيم، وتلاوة القرآن مشروعة في صلاتنا، وغير ~~مشروعة في صلاتهم. # فالجواب: أنه يجوز أن يكون المراد به الموافقة في الأصول والغرض منه ~~بيان أنه ما كان موافقا في أصول الدين لمذهب هؤلاء الذين هم اليهود ~~والنصارى في زماننا هذا. # ويجوز أن يقال: المراد به الموافقة في الفروع، وذلك لأن الله نسخ تلك ~~الشرائع بشرع موسى، ثم زمان محمد صلى الله عليه وسلم نسخ شرع موسى بتلك ~~الشرائع التي كانت ثابتة في زمان إبراهيم عليه السلام - وعلى هذا ~~التقدير يكون - عليه السلام - صاحب الشريعة، ثم لما كان غالب شرع محمد ~~صلى الله عليه وسلم موافقا لشرع إبراهيم، جاز إطلاق الموافقة عليه، ولو ~~وقعت المخالفة في القليل لم يقدح ذلك في حصول الموافقة. # قوله: { إن أولى الناس بإبراهيم } ، " إبراهيم " ~~متعلق به " أولى " و " أولى " أفعل تفضيل، من الولي، وهو القرب، ~~والمعنى: إن أقرب الناس به، وأخصهم، فألفه منقلبة عن ياء، لكون ~~فائه واوا، قال أبو البقاء: وألفه منقلبة عن ياء، لأن فاءه واو، فلا ~~تكون لامه واوا؛ إذ ليس في الكلام ما فاؤه ولامه ms1959 واوان إلا واو - يعني ~~اسم حرف التهجي - كالوسط من قول - أو اسم حرف المعنى - كواو النسق - ~~ولأهل التصريف خلاف في عينه، هل هي واو - أيضا - أو ياء. # و { للذين اتبعوه } خبر " إن " و { وهذا النبي } ~~نسق على الموصول، وكذلك: { والذين آمنوا } ، والنبي صلى الله ~~عليه وسلم والمؤمنون - رضي الله عنهم - وإن كانوا داخلين فيمن اتبع ~~إبراهيم إلا أنهم خصوا بالذكر؛ تشريفا، وتكريما، فهو من باب ~~قوله تعالى: # وملائكته ورسله وجبريل وميكال # [البقرة: 98]. # حكى الزمخشري أنه قرئ: { وهذا النبي } - بالنصب والجر - ~~فالنصب نسقا على مفعول { اتبعوه } فيكون النبي صلى الله عليه ~~وسلم قد اتبعه غيره - كما اتبع إبراهيم - والتقدير: للذين اتبعوا ~~إبراهيم وهذا النبي، ويكون قوله: { والذين آمنوا } نسقا ~~على قوله: { للذين اتبعوه }. # والجر نسقا على " إبراهيم " أي: إن أولى الناس بإبراهيم ~~وبهذا النبي، للذين اتبعوه، وفيه نظر من حيث إنه كان ينبغي أن ~~يثنى الضمير في " اتبعوه " فيقال: اتبعوهما، اللهم إلا أن ~~يقال: هو من باب: # والله ورسوله أحق أن يرضوه # [التوبة: 62]، ثم قال: { والله ولي المؤمنين } بالنصر ~~والمعونة والتوفيق والإكرام. # فصل # روى الكلبي وابن إسحاق حديث هجرة الحبشة لما هاجر جعفر بن أبي طالب، ~~وأناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحبشة، واستقرت بهم ~~الدار، وهاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وكان من أمر بدر ~~ما كان، اجتمعت قريش في دار الندوة، وقالوا: إن لنا في الذين عند ~~النجاشي - من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم - ثأرا ممن قتل منكم ~~ببدر، فاجمعوا مالا، وأهدوه إلى النجاشي؛ لعله يدفع إليكم من عنده ~~من قومكم، ولينتدب لذلك رجلان من ذوي رأيكم، فبعثوا عمرو بن ~~العاص، وعمارة بن الوليد مع الهدايا، فركبا البحر، وأتيا الحبشة، ~~فلما دخلا على النجاشي سجدا له، وسلما عليه، وقالا له: إن ~~قومنا لك ناصحون شاكرون، ولصلاحك محبون، وإنهم بعثونا لنحذرك ~~هؤلاء الذين قدموا عليك؛ لأنهم قوم رجل كذاب، خرج فينا يزعم أنه ~~رسول الله، ولم يتابعه أحد منا إلا السفهاء، وإنا كنا ضيقنا ms1960 ~~عليهم الأمر، وألجأناهم إلى شعب بأرضنا، لا يدخل عليهم أحد، ولا ~~يخرج منهم أحد، حتى قتلهم الجوع والعطش، فلما اشتد عليهم الأمر ~~بعث إليك ابن عمه، ليفسد عليك دينك وملكك ورعيتك، ~~فاحذرهم، وادفعهم إلينا، لنكفيكهم، قالوا: وآية ذلك أنهم ~~إذا دخلوا عليك لا يسجدون لك، ولا يحيونك بالتحية التي يحييك ~~بها الناس رغبة عن دينك وسنتك. # فدعاهم النجاشي، فلما حضروا صاح جعفر بالباب: يستأذن عليك حزب ~~الله، فقال النجاشي: مروا هذا الصائح فليعد كلامه، ففعل ~~جعفر، فقال النجاشي: نعم، فليدخلوا بأمان الله وذمته، فنظر ~~عمرو بن العاص إلى صاحبه، فقال: ألا تسمع؟ يرطنون ب " حزب الله " ~~وما أجابهم به النجاشي!!! فساءهما ذلك، ثم دخلوا عليه ولم يسجدوا له، ~~فقال عمرو بن العاص ألا ترى أنهم يستكبرون أن يسجدوا لك؟ فقال لهم ~~النجاشي: ما منعكم أن تسجدوا لي وتحيوني بالتحية التي يحييني ~~بها من أتاني من الآفاق؟ قالوا: نسجد لله الذي خلقك وملكك، ~~وإنما كانت تلك التحية لنا ونحن نعبد الأصنام، فبعث الله فينا نبيا ~~صادقا، وأمرنا بالتحية التي رضيها الله، وهي السلام، وتحية أهل ~~الجنة، فعرف النجاشي أن ذلك حق، وأنه في التوراة والإنجيل، فقال: ~~أيكم الهاتف: يستأذن عليك حزب الله؟ قال جعفر: أنا، قال: فتكلم، ~~قال: إنك ملك من ملوك أهل الأرض، ومن أهل الكتاب، ولا يصلح عندك كثرة ~~الكلام، ولا الظلم، وأنا أحب أن أجيب عن أصحابي، فمر هذين الرجلين، ~~فليتكلم أحدهما، ولينصت الآخر، فيسمع محاورتنا، فقال عمرو ~~لجعفر: تكلم، فقال جعفر للنجاشي: سل هذين الرجلين أعبيد نحن أم ~~أحرار؟ فإن كنا عبيدا أبقنا من أربابنا فارددنا إليهم، فقال ~~النجاشي: أعبيد هم أم أحرار؟ فقال لا، بل أحرار كرام، فقال ~~النجاشي: نجوا من العبودية، ثم قال جعفر: سلهما هل لهم ~~فينا دماء بغير حق، فيقتص منا؟ فقال عمرو: لا، ولا قطرة. # قال جعفر: سلهما، هل أخذنا أموال الناس بغير حق، فعلينا قضاؤها - ~~قال النجاشي: إن كان قنطارا فعلي قضاؤه - فقال عمرو: لا، ولا قيراط، ~~فقال النجاشي: فما تطلبون ms1961 منهم؟ قال عمرو كنا وهم على دين واحد - دين ~~آبائنا - فتركوا ذلك، واتبعوا غيره، فبعثنا إليك قومنا لتدفعهم ~~إلينا، فقال النجاشي: ما هذا الدين الذي كنتم عليه، الدين الذي ~~اتبعتموه؟ # قال: أما الدين الذي كنا عليه فتركناه فهو دين الشيطان، كنا نكفر ~~بالله، ونعبد الحجارة، وأما الدين الذي تحولنا إليه فدين الله ~~الإسلام، جاءنا به من الله رسول، وكتاب مثل كتاب ابن مريم، موافقا ~~له. # فقال النجاشي: يا جعفر، تكلمت بأمر عظيم، فعلى رسلك، ثم أمر ~~النجاشي، فضرب بالناقوس، قد اجتمع إليه كل قسيس وراهب، ~~فلما اجتمعوا عنده، قال النجاشي: أنشدكم اله الذي أنزل الإنجيل على ~~عيسى، هل تجدون بين عيسى وبين يوم القيامة نبيا مرسلا؟ فقالوا: ~~اللهم نعم، قد بشرنا به عيسى، وقال: من آمن به فقد آمن بي، ومن ~~كفر به فقد كفر بي. # قال النجاشي لجعفر: ماذا يقول لكم هذا الرجل؟ وما يأمركم به، وما ~~ينهاكم عنه؟ قال: يقرأ علينا [كتاب الله]، ويأمرنا بالمعروف، وينهانا عن ~~المنكر، ويأمر بحسن الجوار، وصلة الرحم، وبر اليتيم، وأمرنا أن ~~لا نعبد إلا الله وحده لا شريك له، فقال: اقرأ علي مما يقرأ عليكم، ~~فقرأ سورتي العنكبوت والروم، ففاضت عينا النجاشي وأصحابه من الدمع، ~~وقالوا: زدنا يا جعفر من هذا الحديث الطيب، فقرأ عليهم سورة الكهف، ~~فأراد عمرو أن يغضب النجاشي، فقال: إنهم يشتمون عيسى ابن مريم ~~وأمه، فقال النجاشي: ما تقولون في عيسى وأمه، فقرأ عليهم جعفر ~~سورة " مريم " ، فلما أتى على ذكر مريم وعيسى رفع النجاشي نفاثة ~~من سواكه قدر ما يقذي العين قال: والله ما زاد المسيح على قول ~~هذا، ثم أقبل على جعفر وأصحابه، فقال: اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي، آمنون، ~~من سبكم وآذاكم غرم، ثم قال: أبشروا، ولا تخافوا، فلا دهورة ~~اليوم على حزب إبراهيم، قال عمرو: يا نجاشي، ومن حزب إبراهيم؟ ~~قال: هؤلاء الرهط وصاحبهم الذي جاءوا من عنده ومن اتبعهم، فأنكر ذلك ~~المشركون، وادعوا في دين إبراهيم، ثم رد النجاشي على عمرو ~~وصاحبه المال الذي ms1962 حملوه، وقال: إنما هديتكم إلي رشوة، فاقبضوها؛ ~~فإن الله - تعالى - ملكني ولم يأخذ مني رشوة، قال جعفر: فانصرفنا، ~~فكنا في خير دار، وأكرم جوار، فأنزل الله ذلك اليوم على رسوله في ~~خصومتهم في إبراهيم - وهو في المدينة - قوله - عز وجل: { إن أولى ~~الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي ~~والذين آمنوا والله ولي المؤمنين }. # وروى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن لكل نبي ولاة من النبيين، وإن وليي ~~منهم أبي، وخليل ربي " # ثم قرأ: { إن أولى الناس بإبراهيم للذين ~~اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ~~ولي المؤمنين }. ### || [3.69] # في " من " وجهان: # أظهرهما: أنها تبعيضية. # والثاني: أنها لبيان الجنس. # قال ابن عطية: ويعني أن المراد ب " طائفة " جميع أهل الكتاب، قال أبو ~~حيان: وهذا بعيد من دلالة اللفظ، وهذا الجار - على القول بأنها تبعيضية ~~- في محل رفع، صفة ل " طائفة " ، وعلى القول بأنها بيانية تعلق ~~بمحذوف. # وقوله: تقدم أنه يجوز أن تكون مصدرية، وأن تكون على بابها - من كونها ~~حرفا لما كان سيقع لوقوع غيره. # قال أبو مسلم الأصبهاني: " ود " بمعنى تمنى، فيستعمل معها " ~~لو " و " أن " وربما جمع بينهما، فيقال: وددت أن لو فعلت، ومصدره ~~الودادة، والاسم منه ود وبمعنى " أحب " فيتعدى " أحب " والمصدر ~~المودة، والاسم منه ود وقد يتداخلان في المصدر والاسم. # وقال الراغب: " إذا كان بمعنى " أحب " لا يجوز إدخال " لو " فيه أبدا ~~". # وقال الرماني: " إذا كان " ود " بمعنى تمنى صلح للحال ~~والاستقبال [والماضي، وإذا كان بمعنى الهمة والإرادة لم يصلح للماضي؛ لأن ~~الإرادة لاستدعاء الفعل، وإذا كان للحال والمستقبل جاز وتجوز " لو " ، ~~وإذا كان للماضي لم يجز " أن " لأن " أن " للمستقبل]. # وفيه نظر، لأن " أن " توصل بالماضي. # فصل # لما بين - تعالى - أن من طريقة أهل الكتاب العدول عن الحق، ~~والإعراض عن قبول الحجة بين - هنا - أنهم لا يقتصرون على هذا القدر، ~~بل يجتهدون في إضلال المؤمنين بإلقاء الشبهات، كقولهم: إن محمدا صلى ~~الله عليه وسلم مقر بموسى وعيسى، وكقولهم: إن النسخ يفضي إلى ~~البداء ms1963 والغرض منه: تنبيه المؤمنين على ألا يغتروا بكلام اليهود، ~~ونظيره قوله تعالى في سورة البقرة: # ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد ~~إيمانكم كفارا حسدا # [البقرة: 109]، وقوله: # ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سوآء # [النساء: 89]. # فصل # قيل: نزلت هذه الآية في معاذ بن جبل وعمار بن ياسر وحذيفة حين ~~دعاهم اليهود إلى دينهم، فنزلت. # " ودت " تمنت طائفة جماعة { من أهل الكتاب } يعني ~~اليهود { لو يضلونكم } ، ولم يقل: أن يضلوكم؛ لأن " لو " ~~أوفق للتمني؛ فإن قولك: لو كان كذا، يفيد التمني، ونظيره قوله: # يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو ~~بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما ~~يعملون # [البقرة: 96]، ثم قال تعالى: { وما يضلون إلا أنفسهم } ~~وهو يحتمل وجوها منها: # إهلاكهم أنفسهم باستحقاق العقاب على قصدهم إضلال الغير، كقوله: # وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # [البقرة: 57]، وقوله: # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم # [العنكبوت: 13]، وقوله: و # ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن ~~أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا سآء ما ~~يزرون # [النحل: 25]. # ومنها: إخراجهم أنفسهم عن معرفة الهدى والحق؛ لأن الذاهب عن الاهتداء ~~ضال. # [ومنها: أنهم اجتهدوا في إضلال المؤمنين، ثم إن المؤمنين لم يلتفتوا ~~إليهم، فهم قد صاروا خائبين خاسرين؛ حيث اعتقدوا شيئا، ولاح لهم أن ~~الأمر بخلاف ما تصوروه]. # ثم قال تعالى: { وما يشعرون } ، أي: وما يعلمون أن هذا ~~يضرهم، ولا يضر المؤمنين. ### || [3.70] # " لم " أصلها " لما " لأنها " ما " التي للاستفهام، دخلت عليها ~~اللام، فحذفت الألف؛ لطلب الخفة لأن حرف الجر صار كالعوض عنها، ~~ولأنها وقعت طرفا، ويدل عليها الفتحة؛ وعلى هذا قوله تعالى: # عم يتسآءلون # [النبأ: 1] وقوله: # فبم تبشرون # [الحجر: 54] والوقف على [هذه الحروف] يكون بالهاء نحو فبمه، لمه. # قوله: { بآيات الله } فيه وجوه: # أحدها: أن المراد بها ما في التوراة والإنجيل، وعلى هذا يحتمل أن ~~يكون المراد ما في هذين الكتابين من البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~ونعته، ويحتمل أن يكون المراد بما في هذين الكتابين من أن إبراهيم ~~كان حنيفا مسلما. # ويحتمل ms1964 أن يكون ما فيهما من أن الدين عند الله الإسلام؛ وقائل هذا ~~القول المحتمل لهذه الوجوه، يقول: إن الكفر بآيات الله يحتمل وجهين: # أحدهما: أنهم ما كانوا كافرين بالتوراة، بل كانوا كافرين بما تدل ~~عليه التوراة، فأطلق اسم الدليل على المدلول، على سبيل المجاز. # الثاني: أنهم كانوا كافرين بنفس التوراة؛ لأنهم كانوا يحرفونها، ~~وكانوا ينكرون وجود تلك الآيات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم. # الوجه الثاني: أن المراد بآيات الله [هو] القرآن وبيان نعته صلى الله ~~عليه وسلم { وأنتم تشهدون } أن نعته مذكور في التوراة ~~والإنجيل، وتنكرون عند العوام كون القرآن معجزة، ثم تشهدون ~~بقلوبكم وعقولكم بكونه معجزا. # الوجه الثالث: أن المراد بآيات الله جملة المعجزات التي ظهرت على يد ~~[النبي صلى الله عليه وسلم وعلى هذا قوله: { وأنتم تشهدون } ~~معناه: وأنكم لما اعترفتم بدلالة المعجزات التي ظهرت على] سائر الأنبياء ~~- عليهم الصلاة والسلام - الدالة على صدقهم، من حيث إن المعجز قائم ~~مقام التصديق من الله وإذا شهدتم بأن المعجز دليل على صدق الأنبياء عليهم ~~السلام، وأنتم قد شاهدتم المعجز في حق محمد صلى الله عليه وسلم فكان ~~إصراركم على إنكار نبوته ورسالته مناقضا لما شهدتم بحقيقته من دلالة ~~معجزات سائر الأنبياء - عليهم السلام -. ### || [3.71] # قرأ العامة: { تلبسون } بكسر الباء، من لبس عليه يلبس، أي: خلطه، ~~وقرأ يحيى بن وثاب بفتحها جعله من لبست الثوب ألبسه - على جهة المجاز، ~~وقرأ أبو مجلز " تلبسون " - بضم التاء، وكسر الباء وتشديدها - من ~~لبس " بالتشديد " ، ومعناه التكثير. # والباء في " الباطل " للحال، أي: متلبسا بالباطل. # فصل في معنى: تلبسون الحق # { تلبسون } تخلطون { الحق بالباطل } الإسلام باليهودية ~~والنصرانية. # وقيل: تخلطون الإيمان بعيسى - وهو الحق - بالكفر بمحمد - وهو الباطل -. # وقيل: التوراة التي أنزل الله على موسى بالباطل، الذي حرفتموه، ~~وكتبتموه بأيديكم، قاله الحسن وابن زيد. # وقال ابن عباس وقتادة: تواضعوا على إظهار الإسلام أول النهار، ثم ~~الرجوع عنه في آخر النهار تشكيكا للناس. # قال القاضي: أن يكون في التوراة ما يدل على نبوته صلى الله ms1965 عليه وسلم من ~~البشارة والنعت والصفة، ويكون في التوراة - أيضا - ما يوهم خلاف ذلك، ~~فيكون كالمحكم والمتشابه، فيلبسون على الضعفاء أحد الأمرين بالآخر. # وقيل إنهم كانوا يقولون: إن محمدا معترف بأن موسى حق، ثم إن ~~التوراة دالة على أن شرع موسى لا ينسخ، وكل ذلك إلقاء للشبهات. # قوله: { وتكتمون الحق } جملة مستأنفة، ولذلك لم ينصب ~~بإضمار " أن " في جواب الاستفهام، وقد أجاز الزجاج - من البصريين - ~~والفراء - من الكوفيين - فيه النصب - من حيث العربية - تسقط النون، ~~فينتصب على الصرف عند الكوفيين، وبإضمار " أن " عند البصريين. # ومنع ذلك أبو علي الفارسي، وأنكره، وقال: الاستفهام واقع على اللبس ~~فحسب، وأما { يكتمون } فخبر حتم، لا يجوز فيه إلا الرفع. يعني أنه ~~ليس معطوفا على { تلبسون } ، بل هو استئناف، خبر عنهم أنهم ~~يكتمون الحق مع علمهم أنه حق. # ونقل أبو محمد بن عطية عن أبي علي أنه قال: الصرف - هنا - ~~يقبح، وكذلك إضمار " أن " لأن " تكتمون " معطوف على موجب مقرر، ~~وليس بمستفهم عنه، وإنما استفهم عن السبب في اللبس، واللبس موجب، فليست ~~الآية بمنزلة قولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، وليس بمنزلة ~~قولك: أيقوم فأقوم؟ والعطف على الموجب المقرر قبيح متى نصب - إلا في ~~ضرورة الشعر - كما روي: [الوافر] # 1506-............................. # وألحق بالحجاز فأستريحا # قال سيبويه - في قولك: أسرت حتى تدخلها -: لا يجوز إلا ~~النصب في " تدخلها " لأن السير مستفهم عنه غير موجب، وإذا قلنا: ~~أيهم سار حتى يدخلها؟ رفعت لأن السير موجب والاستفهام إنما وقع عن ~~غيره. # قال أبو حيان: وظاهر هذا النقل - عنه - معارضته لما نقل عنه قبله؛ لأن ~~ما قبله فيه أن الاستفهام رفع عن اللبس فحسب، وأما { يكتمون } ~~فخبر حتما، لا يجوز فيه إلا الرفع، وفيما نقله ابن عطية أن { ~~يكتمون } معطوف على موجب مقرر، وليس بمستفهم عنه، فيدل العطف ~~على اشتراكهما في الاستفهام عن سبب اللبس، وسبب الكتم الموجبين، وفرق ~~بين هذا المعنى، وبين أن يكون { يكتمون } إخبارا محضا، لم يشترك ~~مع اللبس في السؤال عن السبب، وهذا الذي ذهب إليه أبو ms1966 علي من أن ~~الاستفهام إذا تضمن وقوع الفعل، لا ينتصب الفعل بإضمار " أن " في ~~جوابه وتبعه في ذلك جمال الدين ابن مالك، فقال في تسهيله: " أو لاستفهام ~~لا يتضمن وقوع الفعل ". # فإن تضمن وقوع الفعل امتنع النصب عنده، نحو: لم ضربت زيدا ~~فيجازيك؛ لأن الضرب قد وقع. ولم يشترط غيرهما - من النحويين - ذلك، بل ~~إذا تعذر سبك المصدر مما قبله - إما لعدم تقدم فعل، وأما لاستحالة ~~سبك المصدر المراد به الاستقبال؛ لأجل مضي الفعل - فإنما يقدر مصعد ~~مقدرا استقباله بما يدل عليه المعنى، فإذا قلت: لم ضربت زيدا ~~فاضربك؟ فالتقدير: ليكن منك إعلام بضرب زيد فمجازاة منا، وأما ما ~~رد به أبو علي الفارسي على الزجاج والفراء ليس بلازم؛ لأنه قد منع ~~أن يراد بالفعل المضي معنى إذ ليس نصا في ذلك؛ إذ قد يمكن ~~الاستقبال لتحقيق صدوره لا سيما على الشخص الذي صدر منه أمثال ذلك، وعلى ~~تقدير تحقق المضي فلا يلزم - أيضا - لأنه - كما تقدم - إذا لم ~~يمكن سبك مصدر مستقبل من الجملة الاستفهامية سبكناه من لازمها، ويدل ~~على إلغاء هذا الشرط، والتأويل بما ذكرناه ما حكاه ابن كيسان من رفع ~~المضارع بعد فعل ماض، محقق الوقوع، مستفهم عنه، نحو: أين ذهب زيد ~~فنتبعه؟ ومن أبوك فنكرمه؟ وكم مالك فنعرفه؟ كل ذلك متأول بما ذكرنا ~~من انسباك المصدر المستقبل من لازم الجمل المتقدمة، فإن التقدير: ليكن ~~منك إعلام بذهاب زيد فاتباع منا، وليكن منك إعلام بأبيك فإكرام له منا، ~~وليكن منك تعريف بقدر مالك فمعرفة منا. # قال شهاب الدين: " وهذا البحث الطويل على تقدير شيء لم يقع، ~~فإنه لم يقرأ - لا في الشاذ ولا في غيره - إلا ثابت النون، ولكن ~~للعلماء غرض في تطويل البحث، تنقيحا للذهن ". # ووراء هذا قراءة مشكلة، رووها عن عبيد بن عمير، وهي: لم ~~تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا بحذف النون من الفعلين - وهي قراءة ~~لا تبعد عن [لغط البحث]، كأنه توهم أن " لم " هي الجازمة، فجزم ~~بها، وقد نقل المفسرون عن بعض النحاة - هنا ms1967 - أنهم يجزمون بلم ~~حملا على " لم " - نقل ذلك السجاوندي وغيره عنهم، ولا أظن نحويا ~~يقول ذلك ألبتة، كيف يقولون في جار ومجرور: إنه يجزم؟ هذا ما لا ~~يتفوه به ألبتة ولا نطيق سماعه، فإن ثبتت هذه القراءة ولا بد فلتكن ~~مما حذف فيه نون الرفع تخفيفا؛ حيث لا مقتضى لحذفها، ومن ذلك قراءة ~~بعضهم: { قالوا ساحران تظاهرا } [القصص: 48] - بتشديد الظاء - الأصل: ~~تتظاهران، فأدغم الثاني في الظاء، وحذف النون تخفيفا، وفي الحديث: # " والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى ~~تحابوا.. " # يريد - عليه السلام -: لا تدخلون، ولا تؤمنون؛ لاستحالة النهي معنى. # وقال الشاعر: [الرجز] # 1507- أبيت أسري، وتبيتي تدلكي # وجهك بالعنبر والمسك الذكي # يريد تبيتين وتدلكين. # ومثله قول أبي طالب: [الطويل] # 1508- فإن يك قوم سرهم ما صنعتم # ستحتلبوها لاقحا غير باهل # يريد: ستحتلبونها. # ولا يجوز أن يتوهم - في هذا البيت - أن يكون حذف النون لأجل جواب ~~الشرط، لأن الفاء مرادة وجوبا؛ لعدم صلاحية " ستحتلبوها " جوابا؛ ~~لاقترانه بحرف التنفيس. # والمراد بالحق: الآيات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم في ~~التوراة. # قوله: { وأنتم تعلمون } جملة حالية، ومتعلق العلم محذوف، إما ~~اقتصارا، وإما اختصارا - أي: وأنتم تعلمون الحق من الباطل، أو نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم أو تعلمون أن عقاب من يفعل ذلك عظيم، وتعلمون ~~أنكم تفعلون ذلك عنادا وحسدا. # فصل في كلام القاضي # قال القاضي: قوله تعالى: { لم تكفرون }؟ و { لم تلبسون ~~الحق بالباطل } يدل على أن ذلك فعلهم؛ لأنه لا يجوز أن يخلقه ~~فيهم، ثم يقول: لم فعلتم؟ # وجوابه: أن الفعل يتوقف على الداعية، فتلك الداعية إن حدثت لا لمحدث ~~لزم نفي الصانع، وإن كان محدثها هو العبد افتقر إلى إرادة أخرى، وإن كان ~~محدثها هو الله - تعالى - لزمكم ما ألزمتموه علينا. ### || [3.72] # حكي عنهم التلبيس، فذكر منه هذا النوع. # قوله: { وجه النهار } منصوب على الظرف؛ لأنه بمعنى: أول النهار؛ ~~لأن الوجه - في اللغة - مستقبل كل شيء؛ لأنه أول ما يواجه منه، كما يقال ~~- لأول الثوب -: وجه ms1968 الثوب. # روى ثعلب عن ابن الأعرابي: أتيته بوجه نهار، وصدر نهار، وشباب ~~نهار، أي: أوله وقال الربيع بن زياد العبسي: [الكامل] # 1509- من كان مسرورا بمقتل مالك # فليأت نسوتنا بوجه نهار # أي: بأوله، وفي ناصب هذا الظرف وجهان: # أظهرهما: أنه فعل الأحمر من قوله { آمنوا } أي: أوقعوا إيمانكم ~~في أول النهار، وأوقعوا كفركم في آخره. # والثاني: أنه { وأنزل } أي: آمنوا بالمنزل في أول النهار، وليس ~~ذلك بظاهر، بدليل المقابلة في قوله: { واكفروا آخره }. فإن ~~الضمير يعود على النهار، ومن جوز الوجه الثاني جعل الضمير يعود على ~~{ الذي أنزل } ، أي: واكفروا آخر المنزل، وأسباب النزول تخالف ~~هذا التأويل وفي هذا البيت الذي أنشدناه فائدة، وذلك أنه من قصيدة يرثي ~~بها مالك بن زهير بن خزيمة العبسي، وبعده: [الكامل] # 1510- يجد النساء حواسرا يندبنه # يبكين قبل تبلج الأسحار # قد كن يخبأن الوجوه تسترا # فاليوم حين بدون للنظار # يخمشن حرات الوجوه على امرئ # سهل الخليقة طيب الأخبار # ومعنى الأبيات يحتاج إلى معرفة اصطلاح العرب في ذلك، وهو أنهم كانوا ~~إذا قتل لهم قتيل لا تقوم عليه نائحة ولا تندبه نادبة، حتى ~~يؤخذ بثأره، فقال هذا: من سره قتل مالك، فليأت في أول النهار ~~يجدنا قد أخذنا بثأره، فذكر اللازم للشيء، وهو من باب الكناية. # وحكي أن الشيباني سأل الأصمعي: كيف تنشد قول الربيع:..... حين بدأن، أو ~~بدين؟ فقال الأصمعي: بدأن، فقال: أخطأت، فقال: بدين، فقال: ~~أخطأت، فغضب الأصمعي، وكان الصواب أن يقول: بدون - بالواو - لأنه ~~من باب: بدا يبدو، أي: ظهر - فأتى الأصمعي يوما للشيباني، وقال له: ~~كيف تصغر مختارا؟ فقال: مخيتير، فضحك منه، وصفق بيديه، ~~وشنع عليه في حلقته، وكان الصواب أن يقول: مخير - بتشديد الياء - ~~وذلك أنه اجتمع زائدان -، الميم والتاء - والميم أولى بالبقاء؛ لعلة ~~ذكرها التصريفيون، فأبقاها، وحذف التاء، وأتى بياء التصغير، فقلب - ~~لأجلها - الألف ياء، وأدغمها فيها، فصار: مخيرا - كما ترى - وهو ~~يحتمل أن يكون اسم فاعل، أو اسم مفعول - كما كان يحتملها مكبره، ~~وهذا - أيضا - يلبس باسم الفاعل خير فهو ms1969 مخير، والقرائن تبينه. # ومفعول { يرجعون } محذوف - أيضا - اقتصارا - أي: لعلهم يكونون من ~~أهل الرجوع، أو اختصارا أي: يرجعون إلى دينكم وما أنتم عليه. # فصل # قال القرطبي: والطائفة: الجماعة - من طاف يطوف - وقد يستعمل ~~للواحد على معنى: نفس طائفة، ومعنى الآية يحتمل أن يكون المراد كل ما ~~أنزل، وأن يكون بعض ما أنزل أما الأول ففيه وجوه: # الأول: أن اليهود والنصارى استخرجوا حيلة في تشكيك ضعفة المسلمين ~~في صحة الإسلام، وهي أن يظهروا تصديق ما ينزل على محمد صلى الله عليه ~~وسلم من الشرائع في بعض الأوقات، ثم يظهروا بعد ذلك تكذيبه فإن الناس ~~متى شاهدوا هذا التكذيب قالوا: هذا التكذيب ليس لأجل الحسد والعناد، ~~وإلا لما آمنوا في أول الأمر، فإذا لم يكن حسدا، وجب أن يكون لأجل ~~أنهم أهل الكتاب وقد تفكروا في أمره، واستقصوا في البحث عن دلائل ~~نبوته، فلاح لهم - بعد ذلك التأمل التام، والبحث الوافي - أنه كذاب، ~~فيصير هذا الطريق شبهة لضعفة المسلمين في صحة نبوته. # قال الحسن والسدي: تواطأ اثنا عشر رجلا من أحبار خيبر وقرى ~~عرينة، وقال بعضهم ادخلوا في دين محمد أول النهار باللسان دون ~~الاعتقاد، ثم اكفروا آخر النهار، وقولوا: إنا نظرنا في كتابنا، ~~وشاورنا علماءنا، فوجدنا محمدا ليس بذلك، وظهر لنا كذبه، فإذا فعلتم ~~ذلك شك أصحابه في دينهم، واتهموه، وقالوا: إنهم أهل الكتاب، وهم ~~أعلم منا، فيرجعون عن دينهم، وهذا قول أبي مسلم الأصبهاني. # قال الأصم: قال بعضهم لبعض: إن كذبتموه في جميع ما جاء به فإن عوامكم ~~يعلمون كذبكم؛ لأن كثيرا يعلمون ما جاء به حق، ولكن صدقوه في بعض، ~~وكذبوه في بعض، حتى يحمل الناس تكذيبكم على الإنصاف، لا على ~~العناد، فيقبلوا قولكم. # وأما الاحتمال الثاني - وهو الإيمان بالبعض - ففيه وجهان: # أحدهما: قال ابن عباس: " وجه النهار ": أوله، وهو صلاة الصبح، { ~~واكفروا آخره } يعني: صلاة الظهر، وتقديره: أنه صلى الله عليه ~~وسلم كان يصلي إلى بيت المقدس - بعد أن قدم المدينة - ففرح اليهود بذلك، ~~وطمعوا أن يكون منهم، ms1970 فلما حوله الله إلى الكعبة - وكان ذلك عند صلاة ~~الظهر - قال كعب بن الأشرف وغيره: " ءامنوا بالذي أنزل على الذين ~~ءامنوا وجه النهار " يعني آمنوا بالقبلة التي صلى إليها صلاة ~~الصبح، فهي الحق، { واكفروا } بالقبلة إلى الكعبة { لعلهم } ~~يقولون: إن هؤلاء أهل كتاب، وهم أعلم، فيرجعون إلى قبلتنا. # الثاني: قال بعضهم لبعض: صلوا إلى الكعبة أول النهار ثم اكفروا ~~بهذه القبلة في آخر النهار؛ وصلوا إلى الصخرة لعلهم يقولون: إن أهل ~~الكتاب أصحاب العلم، فلولا أنهم عرفوا بطلان هذه القبلة لما ~~تركوها، فحينئذ يرجعون عن هذه القبلة. # فصل في فوائد كشف حيلتهم # إخبار الله - تعالى - عن تواطئهم على هذه الحيلة فيه فائدة من ~~وجوه: # الأول: أن ذلك إخبار عن الغيب، فيكون معجزا؛ لأنها كانت مخفية ~~فيما بينهم، وما أطلعوا عليه أحدا من الأجانب. # الثاني: أنه - تعالى - لما أطلع المؤمنين على هذه الحيلة لم يبق ~~لها أثر في قلوب المؤمنين، ولولا هذا الإعلام لكان ربما أثرت في ~~قلوب بعض [المؤمنين الذين] في إيمانهم ضعف. # الثالث: [أن القوم] لما افتضحوا في هذه الحيلة صار ذلك رادعا لهم عن ~~الإقدام على أمثالها من الحيل والتلبيس. ### || [3.73-74] # اللام في " لمن " فيها وجهان: # أحدهما: أنها زائدة مؤكدة، كهي في قوله تعالى: # قل عسى أن يكون ردف لكم # [النمل: 72] أي: ردفكم وقول الآخر: [الوافر] # 1511- فلما أن تواقفنا قليلا # أنخنا للكلاكل فارتمينا # وقول الآخر: [الكامل] # 1512- ما كنت أخدع للخليل بخلة # حتى يكون لي الخليل خدوعا # وقول الآخر: [الطويل] # 1513- يذمون للدنيا وهم يحلبونها # أفاويق حتى ما يدر لها فضل # أي: أنخنا الكلاكل، وأخدع الخليل، ويذمون الدنيا، ويروى: يذمون ~~بالدنيا، بالباء. # قال شهاب الدين: وأظن البيت: يذمون لي الدنيا - فاشتبه اللفظ على ~~السامع - وكذا رأيته في بعض التفاسير، وهذا الوجه ليس بالقوي. # الثاني: أن " آمن " ضمن معنى أقر واعترف، فعدي باللام، أي: ~~ولا تقروا، ولا تعترفوا إلا لمن تبع دينكم، ونحوه قوله: # فمآ آمن لموسى إلا ذرية # [يونس: 83] وقوله: # ومآ أنت بمؤمن لنا # [يوسف: 17] وقال أبو علي: وقد يتعدى ms1971 آمن باللام في قوله: # فمآ آمن لموسى # [يونس: 83]، وقوله: # آمنتم له # [طه: 71]، وقوله: # يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين # [التوبة: 61] فذكر أنه يتعدى بها من غير تضمين، والصواب التضمين وقد ~~تقدم تحقيقه أول البقرة. وهنا استثناء مفرغ. # وقال أبو البقاء: { إلا لمن تبع } فيه وجهان: # أحدهما: أنه استثناء مما قبله، والتقدير: ولا تقروا إلا لمن تبع، ~~فعلى هذا اللام غير زائدة ولا يجوز أن تكون زائدة ويكون محمولا على ~~المعنى، أي اجحدوا كل أحد إلا من تبع دينكم. # والثاني: أن النية به التأخير، والتقدير: ولا تصدقوا أن يؤتى أحد ~~مثل ما أوتيتم إلا من تبع دينكم؛ فاللام على هذا - زائدة، و " من " في ~~موضع نصب على الاستثناء من أحد. # وقال الفارسي: الإيمان لا يتعدى إلى مفعولين، فلا يتعلق - أيضا - ~~بجارين، وقد تعلق بالجار المحذوف من قوله: { أن يؤتى } فلا يتعلق ~~باللام في قوله: { لمن تبع دينكم } إلا أن يحمل اللام على ~~معناه، فيتعدى إلى مفعولين، ويكون المعنى: ولا تقروا بأن يؤتى أحد ~~مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم، كما تقول: أقررت لزيد بألف، فتكون ~~اللام متعلقة بالمعنى، ولا تكون زائدة على حد: # ردف لكم # [النمل: 72] و # إن كنتم للرؤيا تعبرون # [يوسف: 43] وهذا تصريح من أبي علي بأنه ضمن " آمن " معنى " أقر ~~". # فصل # اتفق المفسرون على أن هذا بقية كلام اليهود، وفيه وجهان: # الأول: أن معناه: ولا تصدقوا إلا بنبي يقرر شرائع التوراة، ~~ومن جاء بتغيير شرع من أحكام التوراة، فلا تصدقوه، وعلى هذا التفسير ~~تكون اللام في { لمن تبع } صلة زائدة. # الثاني: معناه: لا تأتوا بذلك الإيمان إلا لأجل من تبع دينكم، أي: ليس ~~الغرض من الإتيان بذلك التلبيس إلا بقاء أتباعكم على دينكم، فإن مقصود ~~كل أحد حفظ أتباعه وأشياعه على متابعته. # ثم قال: { قل إن الهدى هدى الله }. # قال ابن عباس: معناه: الدين دين الله، ونظيره: # قل إن هدى الله هو الهدى # [الأنعام: 71] وبيان كيف صار هذا الكلام جوابا عما حكاه عنهم: # أما على الوجه الأول - وهو قولهم: لا ms1972 دين إلا ما هم عليه - فهذا الكلام ~~إنما صح جوابا عنهم من حيث إن الذي هم عليه ثبت دينا من جهة الله - ~~تعالى - لأنه أمر به، وأرشد إليه، فإذا وجب الانقياد لغيره كان دينا يجب ~~أن يتبع - وإن كان مخالفا لما تقدم - لأن الدين إنما صار دينا ~~بحكمه وهدايته، فحيثما كان حكمه وجب متابعته، ونظيره قوله تعالى - ~~جوابا لهم عن قوله: # ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها # [البقرة: 142] - قوله: # قل لله المشرق والمغرب # [البقرة: 142] يعني: الجهات كلها لله، فله أن يحول القبلة إلى ~~أي جهة شاء. # وعلى الوجه الثاني: المعنى: { إن الهدى هدى الله } قد جئتكم ~~به، فلن ينفعكم في دفعه هذا الكيد الضعيف. # فصل # قوله تعالى: { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } نقل ~~ابن عطية الإجماع من أهل التأويل على أن هذا من مقول الطائفة، وليس ~~بسديد، لما نقل من الخلاف، وهل هي من مقول الطائفة أم من مقول الله تعالى ~~- على معنى أن الله - تعالى - خاطب به المؤمنين، تثبيتا لقلوبهم، ~~وتسكينا لجأشهم؛ لئلا يشكوا عند تلبيس اليهود عليهم وتزويرهم؟ # [إذا كان من كلام طائفة اليهود، فالظاهر أنه انقطع كلامهم؛ إذ لا ~~خلاف، ولا شك أن قوله: { قل إن الهدى هدى الله } من كلام ~~الله مخاطبا لنبيه صلى الله عليه وسلم]. # قوله: { أن يؤتى أحد مثل مآ أوتيتم أو يحآجوكم ~~عند ربكم } اعلم أن هذه الآية من المشكلات، فنقول: اختلف الناس في ~~هذه الآية على وجوه: # الأول: أن قوله: { أن يؤتى أحد } متعلق بقوله: { ولا ~~تؤمنوا } على حذف حرف الجر، والأصل: ولا تؤمنوا بأن يؤتى ~~أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم، فلما حذف حرف الجر جرى الخلاف ~~المشهور بين الخليل وسيبويه في محل " أن " ، ويكون قوله: { قل إن ~~الهدى هدى الله } جملة اعتراضية. # قال القفال: يحتمل أن يكون قوله: { قل إن الهدى هدى ~~الله } كلاما أمر الله نبيه أن يقوله عند انتهاء الحكاية عن اليهود ~~إلى هذا الموضع؛ لأنه لما حكى عنهم في هذا الموضع قولا ms1973 باطلا - لا جرم ~~- أدب الله رسوله بأن يقابله بقول حق، ثم يعود إلى حكاية تمام ~~كلامهم - كما إذا حكى المسلم عن بعض الكفار قولا فيه كفر، ~~فيقول - عند بلوغه إلى تلك الكلمة -: آمنت بالله، أو يقول: لا إله إلا ~~الله، أو يقول: تعالى الله عن ذلك، ثم يعود إلى تمام الحكاية، فيكون ~~قوله: { قل إن الهدى هدى الله } من هذا الباب. # قال الزمخشري في تقرير هذا الوجه - وبه بدأ -: { ولا تؤمنوا } ~~متعلق بقوله: { أن يؤتى أحد } وما بينهما اعتراض، أي: ولا ~~تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأهل دينكم دون غيرهم، ~~وأسروا تصديقكم بأن المسلمين قد أوتوا مثل ما أوتيتم، ولا تفشوه ~~إلا لأشياعكم - وحدهم - دون المسلمين؛ لئلا يزيدهم ثباتا، ودون ~~المشركين، لئلا يدعوهم إلى الإسلام. # { أو يحآجوكم عند ربكم } عطف على { أن يؤتى } ~~والضمير في { يحاجوكم } ل { أحد } لأنه في معنى الجميع، ~~بمعنى: ولا تؤمنوا لغير أتباعكم بأن المسلمين يحاجونكم عند ربكم بالحق، ~~ويغالبونكم عند الله - تعالى - بالحجة. # فإن قلت: ما معنى الاعتراض؟ # قلت: معناه: إن الهدى هدى الله، من شاء يلطف به حتى يسلم، أو يزيد ~~ثباتا، ولم ينفع كيدكم وحيلكم، وذبكم تصديقكم عن المسلمين ~~والمشركين، وكذلك قوله: { قل إن الفضل بيد الله يؤتيه ~~من يشآء } يريد الهداية والتوفيق. # قال شهاب الدين: " وهذا كلام حسن، لولا ما يريد بباطنه " ، وعلى ~~هذا يكون قوله: { إلا لمن تبع } مستثنى من شيء محذوف، تقديره: ~~ولا تؤمنوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم لأحد من الناس إلا لأشياعكم ~~دون غيرهم، وتكون هذه الجملة - أعني قوله: { ولا تؤمنوا } من ~~كلام الطائفة المتقدمة، أي وقالت طائفة كذا، وقالت أيضا: ولا ~~تؤمنوا، وتكون الجملة من قوله: { قل إن الهدى هدى الله } ~~من كلام الله لا غير ". # قال ابن الخطيب: وعندي أن هذا التفسير ضعيف من وجوه: # الأول: أن جد القوم في حفظ أتباعهم عن قبول دين محمد صلى الله عليه ~~وسلم كان أعظم من جدهم في حفظ غير أتباعهم عنه، فكيف يليق ms1974 أن يوصي ~~بعضهم بعضا بالإقرار بما يدل على صحة دين محمد صلى الله عليه وسلم ~~عند أتباعهم، وأشياعهم، وأن يمتنعوا من ذلك عند الأجانب؟ هذا في غاية ~~البعد. # الثاني: أن على هذا التقدير لا بد من الحذف؛ فإن التقدير: قل إن ~~الهدى هدى الله، وإن الفضل بيد الله، ولا بد من ~~حذف قل في قوله: { قل إن الفضل بيد الله }. # الثالث: أنه كيف وقع قوله: { قل إن الهدى هدى الله } فيما ~~بين جزأي كلام واحد؟ هذا في غاية البعد عن الكلام المستقيم. # الوجه الثاني: أن اللام زائدة في { لمن تبع دينكم } وهو ~~مستثنى من " أحد " المتأخر، والتقدير: ولا تصدقوا أن يؤتى أحد مثل ما ~~أوتيتم إلا من تبع دينكم، ف { لمن تبع } منصوب على ~~الاستثناء من " أحد " ، وعلى هذا الوجه جوز أبو البقاء في محل { أن ~~يؤتى } ثلاثة أوجه: # الأول والثاني: مذهب الخليل وسيبويه، وقد تقدما. # الثالث: النصب على المفعول من أجله، تقديره: مخافة أن يؤتى. # وهذا الوجه الثالث - لا يصح من جهة المعنى، ولا من جهة الصناعة، أما ~~المعنى فواضح وأما الصناعة فإن فيه تقديم المستثنى على المستثنى منه، ~~وعلى عامله، وفيه - أيضا - تقديم ما في صلة أن عليها، وهو غير جائز. # الوجه الثالث: أن يكون { أن يؤتى } مجرورا بحرف العلة - وهو اللام ~~- والمعلل محذوف، تقديره لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قلتم ذلك، ~~ودبرتموه، لا لشيء آخر، وقوله: { إلا لمن تبع دينكم } ~~معناه: ولا تؤمنوا هذا الإيمان الظاهر - وهو إيمانكم وجه النهار ~~- { إلا لمن تبع دينكم } ، إلا لمن كانوا تابعين لدينكم ممن ~~أسلموا منكم؛ لأن رجوعهم كان أرجى عندهم من رجوع من سواهم، ولأن ~~إسلامهم كان أغبط لهم، وقوله: { أن يؤتى أحد } معناه: لأن يؤتى ~~مثل ما أوتيتم قلتم ذلك، ودبرتموه، لا لشيء آخر، يعني أن ما بكم من ~~الحسد و البغي، أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من فضل العلم والكتاب ~~دعاكم إلى أن قلتم ما قلتم، والدليل عليه قراءة ابن كثير: أأن يؤتى ~~أحد؟ - بزيادة همزة ms1975 الاستفهام، والتقرير، والتوبيخ - بمعنى: ألأن يؤتى ~~أحد؟ # فإن قلت: ما معنى قوله: { أو يحاجوكم } على هذا؟ # قلت: معناه: دبرتم ما دبرتم لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، ولما يتصل به ~~عند كفركم به في محاجتهم [لكم] عند ربكم. # الوجه الرابع: أن ينتصب { أن يؤتى } بفعل مقدر، يدل عليه: { ~~ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } كأنه قيل: { قل ~~إن الهدى هدى الله } فلا تنكروا أن يؤتى أحد مثل ما ~~أوتيتم. ف " لا تنكروا " ناصب ل " أن " وما في حيزها؛ لأن قوله: { ~~ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } إنكار لأن يؤتى أحد ~~مثل ما أوتوا. # قال أبو حيان: وهذا بعيد؛ لأنه فيه حذف حرف النهي وحذف معموله، ولم ~~يحفظ ذلك من لسانهم. # قال شهاب الدين: " متى دل على العامل دليل جاز حذفه على أي حالة ~~كان ". # الوجه الخامس: أن يكون { هدى الله } بدلا من " الهدى " الذي هو ~~اسم " إن " ويكون خبر { أن يؤتى أحد } ، والتقدير: قل إن ~~هدى الله أن يؤتى أحد، أي إن هدى الله آتيا أحدا مثل ما أوتيتم، ويكون ~~" أو " بمعنى " حتى " ، والمعنى: حتى يحاجوكم عند ربكم، فيغلبوكم ~~ويدحضوا حجتكم عند الله، ولا يكون { أو يحاجوكم } معطوفا ~~على { أن يؤتى } وداخلا في خبر إن. # الوجه السادس: أن يكون { أن يؤتى } بدلا من { هدى الله } ~~ويكون المعنى: قل بأن الهدى هدى الله، وهو أن يؤتى أحد كالذي جاءنا ~~نحن، ويكون قوله: { أو يحاجوكم } بمعنى فليحاجوكم، فإنهم ~~يغلبونكم، قال ابن عطية: وفيه نظر؛ لأن يؤدي إلى حذف حرف [النهي] ~~وإبقاء عمله. # الوجه السابع: أن تكون " لا " النافية مقدرة قبل { أن يؤتى } ~~فحذفت؛ لدلالة الكلام عليها، وتكون " أو " بمعنى " إلا أن " والتقدير: ~~ولا تؤمنوا لأحد بشيء إلا لمن تبع دينكم بانتفاء أن يؤتى أحد مثل ما ~~أوتيتم إلا من تبع دينكم، وجاء بمثله، فإن ذلك لا يؤتى به غيركم إلا ~~أن يحاجوكم، كقولك: لألزمنك أو تقضيني حقي. # وفيه ضعف من حيث حذف " لا " النافية، وما ذكروه من دلالة الكلام عليها ~~غير ظاهر. ms1976 # الوجه الثامن: أن يكون { أن يؤتى } مفعولا من أجله، وتحرير هذا ~~القول أن يجعل قوله: { أن يؤتى أحد مثل مآ أوتيتم أو ~~يحآجوكم } ليس داخلا تحت قوله: " قل " بل هو من تمام قول الطائفة، ~~متصل بقوله: ولا تؤمنوا إلا لمن جاء بمثل دينكم مخافة أن يؤتى أحد من ~~النبوة والكرامة مثل ما أوتيتم، ومخافة أن يحاجوكم بتصديقكم ~~إياهم عند ربكم إذا لم تستمروا عليه، وهذا القول منهم ثمرة حسدهم ~~وكفرهم - مع معرفتهم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم. # ولما قدر المبرد المفعول من أجله - هنا - قدر المضاف: كراهة أن يؤتى ~~أحد مثل ما أوتيتم، أي: مما خالف دين الإسلام؛ لأن الله لا يهدي من هو ~~كاذب كفار، فهدى الله بعيد من غير المؤمنين والخطاب في { ~~أوتيتم } و { يحاجوكم } لأمة محمد صلى الله عليه وسلم. # واستضعف بعضهم هذا، وقال: كونه مفعولا من أجله - على تقدير: كراهة - ~~يحتاج إلى تقدير عامل فيه ويصعب تقديره؛ إذ قبله جملة لا يظهر تعليل ~~النسبة فيها، بكراهة الإيتاء المذكور. # الوجه التاسع: أن " أن " المفتوحة تأتي للنفي - كما تأتي " لا " ، نقله ~~بعضهم أيضا عن الفراء، وجعل " أو " بمعنى " إلا " ، والتقدير: لا ~~يؤتى أحد ما أوتيتم إلا أن يحاجوكم، فإن إيتاءه ما أوتيتم مقرون ~~بمغالبتكم أو محاجتكم عند ربكم؛ لأن من آتاه الله الوحي لا بد أن ~~يحاجهم عند ربهم - في كونهم لا يتبعونه - فقوله: { أو يحاجوكم } ~~حال لازمة من جهة المعنى؛ إذ لا يوحي الله لرسول إلا وهو يحاج ~~مخالفيه. وهذا قول ساقط؛ إذ لم يثبت ذلك من لسان العرب. # فصل # " أحد " يجوز أن تكون - في الآية الكريمة - من الأسماء الملازمة للنفي، ~~وأن تكون بمعنى " واحد " والفرق بينهما أن الملازمة للنفي همزته أصلية، ~~والذي لا يلزم النفي همزته بدل من واو فعلى جعله ملازما للنفي يظهر عود ~~الضمير عليه جمعا؛ اعتبارا بمعناه؛ إذ المراد به العموم، وعليه قوله: # فما منكم من أحد عنه حاجزين # [الحاقة: 47] - جمع الخبر لما كان " أحد " في معنى الجميع - وعلى جعله ~~غير اللازم ms1977 للنفي يكون جمع الضمير في { يحاجوكم } باعتبار الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وأتباعه. # وبعض الأوجه المتقدمة يصح أن يجعل فيها " أحد " - المذكور - الملازم ~~للنفي، وذلك إذا كان الكلام على معنى الجحد، وإذا كان الكلام على معنى ~~الثبوت - كما مر في بعض الوجوه فيمتنع جعله الملازم للنفي. والأمر ~~واضح مما تقدم. # فصل # قرأ ابن كثير: أأن يؤتى - بهمزة استفهام - وهو على قاعدته من كونه يسهل ~~الثانية بين بين من غير مدة بينهما، وخرجت هذه القراءة على وجوه: # أحدها: أن يكون { أن يؤتى } على حذف حرف الجر - وهو لام العلة - ~~والمعلل محذوف تقديره: ألأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قلتم ذلك ~~ودبرتموه - وتقدم تحقيقه - وهذه اللفظة موضوعة للتوبيخ، كقوله تعالى: # أن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال ~~أساطير الأولين # [القلم: 14-15]، والمعنى: أمن أجل أن يؤتى أحد شرائع مثل ما أوتيتم ~~من الشرائع تنكرون اتباعه؟ ثم حذف الجواب، للاختصار، تقديره: أن يؤتى ~~أحد مثل ما أوتيتم يا معشر اليهود من الكتاب والحكمة تحسدونه، ولا ~~تؤمنون به، قاله قتادة والربيع، وهذا الحذف كثير؛ يقول الرجل - بعد ~~طول العتاب لصاحبه، وتعديده عليه ذنوبه بعد قلة إحسانه إليه -: أمن قلة ~~إحساني إليك؟ أمن إساءتي إليك؟ والمعنى: أمن هذا فعلت ما فعلت؟ ~~ونظيره: # أمن هو قانت آنآء الليل ساجدا وقآئما يحذر ~~الآخرة ويرجوا رحمة ربه # [الزمر: 9]، وهذا الوجه يروى عن مجاهد وعيسى بن عمر. وحينئذ يسوغ في ~~محل " أن " الوجهان - أعني النصب - مذهب سيبويه - والجر مذهب الخليل. # وثانيها: أن { أن يؤتى } في محل رفع بالابتداء، والخبر محذوف، ~~تقديره: أأن يؤتى أحد - يا معشر اليهود - من الكتاب والعلم مثل ما ~~أوتيتم تصدقون به، أو تعترفون به، أو تذكرونه لغيركم، أو تشيعونه في ~~الناس، ونحو ذلك مما يحسن تقديره، وهذا على قول من يقول: أزيد ~~ضربته؟ وهو وجه مرجوح، كذا قدره الواحدي تبعا للفارسي وأحسن من هذا ~~التقدير لأن الأصل أإتيان أحد مثل ما أوتيتم ممكن أو مصدق به. # الثالث: أن يكون منصوبا بفعل مقدر ms1978 يفسره هذا الفعل المضمر، ~~وتكون المسألة من باب الاشتغال، التقدير: أتذكرون أن يؤتى أحد تذكرونه؟ ~~ف " تذكرونه " مفسر ل " تذكرون " الأولى، على حد: أزيدا ضربته؟ ~~ثم حذف الفعل الأخير؛ لدلالة الكلام عليه، وكأنه منطوق به، ولكونه في ~~قوة المنطوق به صح له أن يفسر مضمرا وهذه المسألة منصوص ~~عليها، وهذا أرجح من الوجه قبله، لأنه مثل: أزيدا ضربته وهو أرجح، لأجل ~~الطالب للفعل، ومثل حذف هذا الفعل المقدر لدلالة ما قبل الاستفهام عليه ~~حذف الفعل في قوله تعالى: # آلآن وقد عصيت قبل # [يونس: 91] تقديره: آلآن آمنت، ورجعت وثبت، ونحو ذلك. # قال الواحدي: فإن قيل: كيف جاز دخول " أحد " في هذه القراءة، وقد ~~انقطع من النفي، والاستفهام، وإذا انقطع الكلام - إيجابا وتقريرا - فلا ~~يجوز دخول " أحد ". # قيل: يجوز أن يكون " أحد " - في هذا الموضع - أحدا الذي في نحو أحد ~~وعشرين، وهذا يقع في الإيجاب، ألا ترى أنه بمعنى " واحد ". # قال أبو العباس: إن " أحدا " و " وحدا " و " واحدا " بمعنى. # وقوله: { أو يحاجوكم } ، أو في هذه القراءة - بمعنى " حتى " ، ~~ومعنى الكلام: أأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم تذكرونه لغيركم حتى ~~يحاجوكم عند ربكم. # قال الفراء: " ومثله في الكلام: تعلق به أو يعطيك حقك. # ومثله قول امرئ القيس: [الطويل] # 1514- فقلت له: لا تبك عينك إنما # نحاول ملكا أو نموت فنعذرا # أي حتى، ومن هذا قوله تعالى: # ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم # [آل عمران: 128]، ومعنى الآية: ما أعطي أحد مثل ما أوتيتم - يا أمة ~~محمد - من الدين والحجة حتى يحاجوكم عند ربكم " ، قال: " فهذا ~~وجه، وأجود منه أن تجعله عطفا على الاستفهام، والمعنى: أأن يؤتى ~~أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجكم أحد عند الله تصدقونه؟ ". وهذا كله معنى ~~قول أبي علي الفارسي. # ويجوز أن يكون { أن يؤتى أحد } منصوبا بفعل مقدر لا على ~~سبيل التفسير، بل لمجرد الدلالة المعنوية، تقديره: أتذكرون، أو أتشيعونه. ~~ذكره الفارسي أيضا، وهذا هو الوجه الرابع. # الخامس: أن يكون { أن يؤتى } - قراءته - مفعولا من أجله على أن ms1979 ~~يكون داخلا تحت القول لا من قول الطائفة، وهو أظهر من جعله من ~~قول الطائفة. # قال ابن الخطيب: " أما قراءة من يقصر الألف من " أن " فقد يمكن ~~إيضاحها على معنى الاستفهام، كما قرئ: # سوآء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم # [البقرة: 6] - بالمد والقصر - وكذا قوله تعالى: # أن كان ذا مال وبنين # [القلم: 14] قرئ بالمد والقصر. # وقال امرؤ القيس: [المتقارب] # 1515- تروح من الحي أم تبتكر # وماذا عليك بأن تنتظر؟ # أراد: أتروح؟ فحذف ألف الاستفهام؛ لدلالة " أم " عليه، وإذا ثبت أن هذه ~~القراءة محتملة لمعنى الاستفهام كان التقدير ما شرحناه في القراءة ~~الأولى. # وقد ضعف الفارسي قراءة ابن كثير، فقال: [ " وهذا موضع ينبغي أن ~~ترجح فيه قراءة غير ابن كثير على قراءة ابن كثير]؛ لأن الأسماء ~~المفردة ليس بالمستمر فيها أن تدل على الكثرة ". # وقرأ الأعمش وشعيب بن أبي حمزة: إن يؤتى - بكسر الهمزة - وخرجها ~~الزمخشري على أنها " إن " النافية، فقال: وقرئ: " إن يؤتى أحد " ~~على " إن " النافية، وهو متصل بكلام أهل الكتاب، أي: " ولا تؤمنوا إلا ~~لمن تبع دينكم " وقولوا لهم: ما يؤتى أحد مثل ما أوتيتم حتى يحاجوكم عند ~~ربكم، يعني ما يؤتون مثله فلا يحاجونكم. # قال ابن عطية: " وهذه القراءة تحتمل أن يكون الكلام خطابا من الطائفة ~~القائلة، ويكون قولها: أو يحاجوكم بمعنى: أو فليحاجوكم، وهذا على ~~التصميم على أنه لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أو يكون بمعنى إلا أن ~~يحاجوكم، وهذا على تجويز أن يؤتى أحد ذلك إذا قامت الحجة له " ، فقد ظهر ~~- على ما ذكره ابن عطية - أنه يجوز في " أو " - في هذه القراءة - أن ~~تكون على بابها من كونها للتنويع والتخيير، وأن تكون بمعنى " إلا " إلا ~~أن فيه حذف حرف الجزم، وإبقاء عمله وهو لا يجوز، وعلى قول غيره تكون ~~بمعنى " حتى ". # وقرأ الحسن: أن يؤتي أحد - على بناء الفعل للفاعل - ولما نقل بعضهم ~~هذه القراءة لم يتعرض ل " أن " - بفتح ولا بكسر - كأبي البقاء، وابن ~~عطية، وقيدها بعضهم بكسر " أن " وفسرها بإن النافية، والظاهر في ms1980 ~~معناه أن إنعام الله تعالى لا يشبهه إنعام أحد من خلقه، وهي خطاب من ~~النبي صلى الله عليه وسلم لأمته، والمفعول المحذوف، تقديره: إن يؤتي ~~أحد أحدا مثل ما أوتيتم، فحذف المفعول الأول، وهو أحد؛ لدلالة ~~المعنى عليه، وأبقى الثاني، فيكون قول اليهود وقد تم عند قوله: { إلا ~~لمن تبع دينكم } وما بعده من قول الله تعالى، يقول: " قل " يا ~~محمد إن { الهدى هدى الله أن يؤتى } " إن " بمعنى الجحد، ~~أي: ما يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا أمة محمد، أو يحاجوكم، يعني: إلا أن ~~يجادلكم اليهود بالباطل، فيقولوا: نحن أفضل منكم وهذا معنى قول سعيد بن ~~جبير والحسن والكلبي ومقاتل وهذا ملخص كلام الناس في هذه الآية ~~مع اختلافهم. # قال الواحدي: " وهذه الآية من مشكلات القرآن، وأصعبه تفسيرا؛ ولقد ~~تدبرت أقوال أهل التفسير، والمعاني في هذه الآية، فلم أجد قولا ~~يطرد في الآية، من أولها إلى آخرها، مع بيان المعنى في النظم ~~". # فصل # قال بعض المفسرين: هذا من قول الله - تعالى -، يقول: " قل " لهم يا ~~محمد: { إن الهدى هدى الله } بأن أنزل كتابا مثل كتابكم، ~~وبعث نبيا حسدتموه، وكفرتم به، { قل إن الفضل بيد الله ~~يؤتيه من يشآء } وقوله: { أو يحاجوكم } - على هذا - رجوع ~~إلى خطاب المؤمنين، وتكون " أو " بمعنى " إن " لأنهما حرفا شرط وجزاء، ~~ويوضع أحدهما موضع الآخر، وإن يحاجوكم - يا معشر المؤمنين - عند ~~ربكم فقل يا محمد، إن الهدى هدى الله، ونحن عليه. # ويجوز أن يكون الجميع خطابا للمؤمنين، ويكون نظم الآية: إن يؤت ~~أحد مثل ما أوتيتم - يا معشر المؤمنين - يحسدوكم، فقل: إن الفضل ~~بيد الله، وإن حاجوكم فقل: إن الهدى هدى الله. # ويجوز أن يكون الخبر عن اليهود قد تم عند قوله تعالى: { لعلهم ~~يرجعون } وقوله: { ولا تؤمنوا } من كلام الله تعالى - كما ~~تقدم - ثبت به قلوب المؤمنين؛ لئلا يشكوا عند تلبيس اليهود، ~~وتزويرهم في دينهم، ومعناه: لا تصدقوا يا معشر المؤمنين إلا ~~من تبع دينكم، ولا تصدقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من ms1981 ~~الدين والفضل، ولا تصدقوا أن يحاجوكم في دينكم عند ربكم، أو ~~يقدروا على ذلك؛ فإن الهدى هدى الله، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، ~~والله واسع عليم، فتكون الآية كلها خطاب الله - تعالى - مع المؤمنين. # و " الفضل " - هنا - الرسالة، وهو - في اللغة - عبارة عن الزيادة، وأكثر ~~ما يستعمل في زيادة الإحسان، والفاضل: الزائد على غيره [في خصال الخير، ~~ثم كثر استعمال الفضل حتى صار لكل نفع قصد به فاعله الإحسان إلى ~~الغير]، وقوله: { بيد الله } معناه: أنه مالك له، يؤتيه من يشاء، ~~أي: هو تفضل موقوف على مشيئته، وهذا يدل على أن النبوة تحصل ~~بالتفضل، لا بالاستحقاق؛ لأنه جعلها من باب الفضل الذي لفاعله أن ~~يفعله، وأن لا يفعله. # الواسع: الكامل القدرة، والعليم: الكامل العلم، فلكمال قدرته يصح أن ~~يتفضل على أي عبد شاء بأي تفضل شاء، ولكمال علمه لا يكون شيء من ~~أفعاله إلا على وجه الحكمة والصواب. # قوله: { يختص برحمته من يشآء } أي: يختص بنبوته من ~~يشاء، وهذا كالتأكيد لما تقدم، والفرق بين هذه الآية والتي قبلها ~~أن الفضل عبارة عن الزيادة من جنس المزيد عليه، والرحمة المضافة إلى ~~الله - تعالى - أمر أعلى من ذلك الفضل، فربما بلغت هذه الرحمة إلى ~~أن لا تكون من جنس ما آتاهم، بل يكون أعلى وأجل من ذلك { والله ~~ذو الفضل العظيم }. ### || [3.75] # لما حكى خيانتهم في باب الدين ذكرها - أيضا - في الأموال. # قوله: " من " مبتدأ، و { ومن أهل } خبره، قدم عليه، و " ~~من " إما موصولة، وإما نكرة. و " إن تأمنه بقنطار يؤده " هذه الجملة ~~الشرطية، إما صلة، فلا محل لها، وإما صفة فمحلها الرفع. # وقرأ بعضهم: { تئمنه } ، و { ما لك لا تئمنا } [يوسف: 11]. ~~بكسر حرف المضارعة، وكذلك ابن مسعود والأشهب والعقيلي، إلا أنهما ~~أبدلا الهمزة ياء. # وجعل ابن عطية ذلك لغة قريش، وغلطه أبو حيان وقد تقدم ~~الكلام في كسر حرف المضارعة، وشرطه في الفاتحة يقال: أمنته بكذا، ~~وعلى كذا، فالباء للإلصاق بالأمانة، و " على " بمعنى استيلاء المودع على ~~الأمانة. # وقيل: ms1982 معنى: أمنته بكذا، وثقت به فيه، وأمنته عليه: جعلته أمينا عليه. # والقنطار والدينار: المراد بهما العدد الكثير، والعدد القليل، يعني: ~~أن فيهم من هو في غاية الأمانة، حتى أنه لو ائتمن على الأموال الكثيرة ~~أدى الأمانة فيها، ومنهم من هو في غاية الخيانة، حتى لو ائتمن على ~~الشيء القليل فإنه يخون فيه. # واختلف في القنطار، فقيل: ألف ومائتان أوقية؛ لأن الآية نزلت في عبد ~~الله بن سلام، حين استودعه رجل من قريش ألفا ومائتي أوقية من الذهب، ~~فرده، ولم يخن فيه. # وروي عن ابن عباس أنه ملء جلد ثور من المال. # وقيل: ألف ألف دينار، أو ألف ألف درهم - وقد تقدم -. # والدينار: أصله: دنار - بنونين - فاستثقل توالي مثلين، فأبدلوا ~~أولهما حرف علة، تخفيفا؛ لكثرة دوره في لسانهم، ويدل على ذلك رده ~~إلى النونين - تكسيرا وتصغيرا - في قولهم: دنانير ودنينير. # ومثله قيراط، أصله: قراط، بدليل قراريط وقريريط، كما قالوا: ~~تظنيت، وقصصت أظفاري، يريدون: تظننت وقصصت - بثلاث نونات ~~وثلاث صادات - والدينار معرب، قالوا: ولم يختلف وزنه أصلا وهو ~~أربعة وعشرون قيراطا، كل قيراط ثلاث شعيرات معتدلات، فالمجموع اثنان ~~وسبعون شعيرة. # وقرأ أبو عمرو وحمزة وأبو بكر عن عاصم " يؤده " بسكون الهاء في ~~الحرفين. # وقرأ قالون " يؤده " بكسر الهاء من دون صلة، والباقون بكسرها ~~موصولة بياء، وعن هشام وجهان: # أحدهما: كقالون، والآخر كالجماعة. # أما قراءة أبي عمرو ومن معه فقد خرجوها على أوجه، أحسنها أنه سكنت هاء ~~الضمير، إجراء للوصل مجرى الوقف وهو باب واسع مضى منه شيء - نحو: # يتسنه # [البقرة: 259] و # أنا أحيي وأميت # [البقرة: 258] وسيأتي منه أشياء إن شاء الله تعالى. # وأنشد ابن مجاهد على ذلك: [البسيط] # 1516- وأشرب الماء ما بي نحوه عطش # إلا لأن عيونه سيل واديها # وأنشد الأخفش: [الطويل] # 1517- فبت لدى البيت العتيق أخيله # ومطواي مشتاقان له أرقان # إلا أن هذا يخصه بعضهم بضرورة الشعر، وليس كما قال، لما سيأتي. # وقد طعن بعضهم على هذه القراءة، فقال الزجاج: هذا الإسكان الذي ~~روي عن هؤلاء غلط بين؛ وأن الفاء لا ms1983 ينبغي أن تجزم، وإذا لم ~~تجزم فلا تسكن في الوصل، وأما أبو عمرو فأراه كان يختلس الكسرة، فغلط ~~عليه كما غلط عليه في " باريكم ". وقد حكى عنه سيبويه - وهو ضابط لمثل ~~هذا - أنه كان يكسر كسرا خفيا، يعني يكسر في # بارئكم # [البقرة: 54] كسرا خفيا، فظنه الراوي سكونا. # قال شهاب الدين: وهذا الرد من الزجاج ليس بشيء لوجوه: # منها: أنه فر من السكون إلى الاختلاس، والذي نص على أن السكون لا ~~يجوز نص على أن الاختلاس - أيضا - لا يجوز إلا في ضرورة، بل جعل ~~الإسكان في الضرورة أحسن منه في الاختلاس، قال: ليجرى الوصل مجرى ~~الوقف إجراء كاملا، وجعل قوله: [البسيط] # 1518-.......................... # إلا لأن عيونه سيل واديها # أحسن من قوله: [البسيط] # 1519-.......................... # ما حج ربه في الدنيا ولا اعتمرا # حيث سكن الأول، واختلس الثاني. # ومنها أن هذه لغة ثابتة عن العرب حفظها الأئمة الأعلام كالكسائي والفراء ~~- حكى الكسائي عن بني عقيل وبني كلاب # إن الإنسان لربه لكنود # [العاديات: 6] - بسكون الهاء وكسرها من غير إشباع -. # ويقولون: له مال، وله مال - بالإسكان والاختلاس. # قال الفراء: من العرب من يجزم الهاء - إذا تحرك ما قبلها - نحو ~~ضربته ضربا شديدا، فيسكنون الهاء كما يسكنون ميم " أنتم " و " ~~قمتم " وأصلها الرفع. # وأنشد: [الرجز] # 1520- لما رأى أن لا دعه ولا شبع # مال إلى أرطاة حقف فالطجع # قال شهاب الدين: وهذا عجيب من الفراء؛ كيف ينشد هذا البيت في هذا ~~المعرض؛ لأن هذه الفاء مبدلة من تاء التأنيث التي كانت ثابتة في ~~الوصل، فقلبها هاء ساكنة في الوصل؛ إجراء له مجرى الوقف وكلامنا ~~إنما هو في هاء الضمير لا في هاء التأنيث؛ لأن هاء التانيث لا حظ ~~لها في الحركة ألبتة، ولذلك امتنع رومها وإشمامها في الوقف، نصوا على ~~ذلك، وكان الزجاج يضعف في اللغة، ولذلك رد على ثعلب - في فصيحه - ~~أشياء أنكرها عن العرب، فرد الناس عليه رده، وقالوا: قالتها ~~العرب، فحفظها ثعلب ولم يحفظها الزجاج. فليكن هذا منها. # وزعم بعضهم أن الفعل لما كان مجزوما، وحلت الهاء محل ms1984 لامه جرى ~~عليها ما يجري على لام الفعل - من السكون للجزم - وهو غير سديد. # وأما قراءة قالون فأنشدوا عليها قول الشاعر: [الوافر] # 1521- له زجل كأنه صوت حاد # إذا طلب الوسيقة أو زمير # وقول الآخر: [الطويل] # 1522- أنا ابن كلاب وابن أوس فمن يكن # قناعه مغطيا فإني لمجتلى # وقول الآخر: [البسيط] # 1523- أو معبر الظهر ينبي عن وليته # ما حج ربه في الدنيا ولا اعتمرا # وقد تقدم أنها لغة عقيل، وكلاب أيضا، وأما قراءة الباقين فواضحة وقرأ ~~الزهري " يؤدهو " بضم الهاء بعدها واو، وهذا هو الأصل في هاء ~~الكتابة، وقرأ سلام كذلك إلا أنه ترك الواو فاختلس، وهما نظيرتا ~~قراءتي " يؤدهي " و { يؤده } - بالإشباع والاختلاس مع الكسر واعلم ~~أن هذه الهاء متى جاءت بعد فعل مجزوم، أو أمر معتل الآخر، جرى فيها ~~هذه الأوجه الثلاثة أعني السكون والإشباع والاختلاس - كقوله: # نؤته منها # [آل عمران: 145] وقوله: # يرضه لكم # [الزمر: 7] وقوله: # ما تولى ونصله جهنم # [النساء: 115]، وقوله: # فألقه إليهم # [النمل: 28] وقد جاء ذلك في قراءة السبعة - أعني: الأوجه الثلاثة - في ~~بعض هذه الكلمات وبعضها لم يأت فيه إلا وجه - وسيأتي مفصلا في مواضعه ~~إن شاء الله. وليس فيه أن الهاء التي للكناية متى سبقها متحرك فالفصيح ~~فيها الإشباع، نحو " إنه، له، به " ، وإن سبقها ساكن، فالأشهر ~~الاختلاس - سواء كان ذلك الساكن صحيحا أو معتلا - نحو فيه، منه وبعضهم ~~يفرق بين المعتل والصحيح وقد تقدم ذلك أول الكتاب. # إذا علم ذلك فنقول: هذه الكلمات - المشار إليها - إن نظرنا إلى اللفظ ~~فقد وقعت بعد متحرك، فحقها أن تشبع حركتها موصولة بالياء، أو الواو، ~~وإن سكنت فلما تقدم من إجراء الوصل مجرى الوقف. وإن نظرنا إلى الأصل فقد ~~سبقها ساكن - وهو حرف العلة المحذوف للجزم - فلذلك جاز الاختلاس، ~~وهذا أصل نافع مطرد في جميع هذه الكلمات. # قوله { بدينار } في هذه الباء ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها للإلصاق، وفيه قلق. # الثاني: أنها بمعنى " في " ولا بد من حذف مضاف، أي: في حفظ قنطار، وفي ~~حفظ دينار. # الثالث: أنها بمعنى " على ms1985 " وقد عدي بها كثيرا، كقوله: # ما لك لا تأمنا على يوسف # [يوسف: 11] وقوله: # هل آمنكم عليه إلا كمآ أمنتكم على أخيه من ~~قبل # [يوسف: 64] وكذلك هي في { بقنطار }. # قوله: { إلا ما دمت عليه قآئما } استثناء مفرغ من الظرف ~~العام؛ إذ التقدير: لا يؤده إليك في جميع المدد والأزمنة إلا في مدة ~~دوامك قائما عليه، متوكلا به و " دمت " هذه هي الناقصة، ترفع ~~وتنصب، وشرط إعمالها أن يتقدمها ما الظرفية كهذه الآية إذ التقدير إلا ~~مدة دوامك [ولا ينصرف، فأما قولهم: " يدوم " فمضارع " دام " التامة بمعنى ~~بقي، ولكونها صلة ل " ما " الظرفية] لزم أن يكون بحاجة إلى كلام آخر، ~~ليعمل في الظرف نحو أصحبك ما دمت باكيا ولو قلت ما دام زيد قائما من ~~غير شيء لم يكن كلاما. # وجوز أبو البقاء في " ما " هذه أن تكون مصدرية فقط، وذلك المصدر - ~~المنسبك منها ومن دام - في محل نصب على الحال، وهو استثناء مفرغ - ~~أيضا - من الأحوال المقدرة العامة، والتقدير: إلا في حال ملازمتك له، ~~وعلى هذا، فيكون " دام " هنا تامة؛ لما تقدم من أن تقدم الظرفية شرط ~~في إعمالها، فإذا كانت تامة انتصب " قائما " على الحال، يقال: دام ~~يدوم - كقام يقوم - و " دمت قائما " بضم الفاء وهذه لغة الحجاز، وتميم ~~يقولون: دمت - بكسرها - وبها قرأ أبو عبد الرحمن وابن وثاب والأعمش ~~وطلحة والفياض بن غزوان وهذه لغة تميم، ويجتمعون في المضارع، فيقولون: ~~يدوم يعني: أن الحجازيين والتميميين اتفقوا على أن المضارع مضموم ~~العين، وكان قياس تميم أن تقول يدام كخاف يخاف - فيكون وزنها عند ~~الحجازيين فعل - بفتح العين - وعند التميمين فعل بكسرها هذا نقل ~~الفراء. # وأما غيره فنقل عن تميم أنهم يقولون: دمت أدام - كخفت أخاف - نقل ~~ذلك أبو إسحاق وغيره كالراغب الأصبهاني والزمخشري. # وأصل هذه المادة: الدلالة على الثبوت والسكون، يقل: دام الماء، أي سكن. ~~وفي الحديث: # " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم " # وفي بعضه بزيادة: الذي لا يجري، وهو تفسير له، وأدمت القدر، ~~ودومتها سكنت غليانها بالماء، ومنه: دام ms1986 الشيء، إذا امتد عليه الزمان، ~~ودومت الشمس: إذا وقعت في كبد السماء. # قال ذو الرمة: [البسيط] # 1524-.......................... # والشمس حيرى لها في الجو تدويم # هكذا أنشد الراغب هذا الشطر على هذا المعنى، وغيره ينشده على معنى أن ~~الدوام يعبر به عن الاستدارة حول الشيء، ومنه الدوام، وهو الدوار ~~الذي يأخذ الإنسان في دماغه، فيرى الأشياء دائرة. وأنشد معه - أيضا - ~~قول علقمة بن عبدة: [البسيط] # 1525- تشفي الصداع ولا يؤذيك ساليها # ولا يخالطها في الرأس تدويم # ومنها: دوم الطائر، إذا حلق ودار. # قوله: " عليه " متعلق ب " قائما " وفي المراد بالقيام - هنا - ~~وجهان: # الأول: الحقيقة، وهو أن يقوم على رأس غريمه، ويلازمه بالمطالبة، وإن ~~أخره أنكر. # قال القرطبي: استدل أبو حنيفة على مذهبه في ملازمة الغريم بقوله ~~تعالى: { إلا ما دمت عليه قآئما } وأباه سائر العلماء ~~واستدل بعضهم على حبس المديان بقوله تعالى: { ومنهم من إن ~~تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت ~~عليه قآئما } فإذا كان له ملازمته، ومنعه من التصرف، جاز حبسه. # وقيل معنى: إلا ما دمت عليه قائما أي: بوجهك، فيهابك، ويستحيي منك، فإن ~~الحياء في العينين ألا ترى قول ابن عباس رضي الله عنه: لا تطلبوا من ~~الأعمى حاجة فإن الحياء في العينين وإذا طلبت من أخيك حاجة فانظر إليه ~~بوجهك، حتى يستحيي فيقضيها. # الثاني: المجاز. # قال ابن عباس: المراد من هذا القيام، الإلحاح، والخصومة، والتقاضي، ~~والمطالبة، قال ابن قتيبة: أصله أن المطالب للشيء يقوم فيه، والتارك ~~له يبعد عنه، بدليل قوله تعالى: # من أهل الكتاب أمة قآئمة # [آل عمران: 113] أي: عاملة بأمر الله، غير تاركة. # ثم قيل لكل من واظب على مطالبة أمر: قام به - وإن لم يكن ثم قيام - ~~وقال: أبو علي الفارسي: القيام - في اللغة - بمعنى الدوام والثبات، كما ~~ذكرناه في قوله تعالى: # الذين يقيمون الصلاة # [النمل: 3] ومنه قوله: # دينا قيما # [الأنعام: 161]، أي: دائما ثابتا لا ينسخ فمعنى الآية: دائما، ثابتا ~~في مطالبتك. # فصل # دلت الآية على انقسام أهل الكتاب إلى قسمين: أهل أمانة، وأهل خيانة. # فقيل: ms1987 أهل الأمانة هم الذين أسلموا، وأهل الخيانة: هم الذين لم ~~يسلموا. # وقيل: أهل الأمانة هم النصارى وأهل الخيانة: هم اليهود. # وروى الضحاك عن ابن عباس - في هذه الآية { ومن أهل الكتاب ~~من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من ~~إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك } يعني عبد الله بن ~~سلام، [أودعه رجل ألفا ومائتي أوقية من ذهب، فأداه. { ومنهم من ~~إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك } يعني: فنحاص بن ~~عازوراء]، استودعه رجل من قريش دينارا، فخانه. # فصل # يدخل تحت هذه الآية العين والدين؛ لأن الإنسان قد يأتمن غيره ~~على الوديعة، وعلى المبايعة، وعلى المقارضة، وليس في الآية ما يدل على ~~التعيين، ونقل عن ابن عباس أنه حمله على المبايعة، فقال ومنهم من ~~تبايعه بثمن القنطار، فيؤديه إليك، ومنهم من تبايعه بثمن الدينار، فلا ~~يؤديه إليك ونقلنا - أيضا - أن الآية نزلت في رجل أودع مالا كثيرا ~~عبد الله بن سلام فأداه، ومالا قليلا عند فنحاص بن عازوراء فلم يؤده، ~~فثبت أن اللفظ محتمل لجميع الأقسام. # قوله: { ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في ~~الأميين سبيل } ذكروا في السبب الذي لأجله اعتقد اليهود هذا ~~الاستحلال وجوها: # أحدها: أنهم يبالغون في التعصب لدينهم، فلذلك يقولون: يحل لنا قتل ~~المخالف، وأخذ ماله بأي طريق كان، وروي أنه لما نزلت هذه الآية قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " كذب أعداء الله، ما من شيء كان في الجاهلية إلا ~~وهو تحت قدمي، إلا الأمانة، فإنها مؤداة إلى البر ~~والفاجر ". # الثاني: أن اليهود قالوا: # نحن أبناء الله وأحباؤه # [المائدة: 18] والخلق لنا عبيد، فلا سبيل لأحد علينا، إذا أكلنا أموال ~~عبيدنا. # الثالث: قال القرطبي: قالت اليهود: إن الأموال كانت كلها لنا، فما ~~في أيدي العرب منها، فهو لنا؛ ظلمونا وغصبونا، فلا سبيل علينا في أخذنا ~~إياه منهم. # الرابع: قال الحسن وابن جريج ومقاتل: إن اليهود إنما ذكروا هذا ~~الكلام لمن خالفهم من العرب الذين آمنوا بالرسول خاصة، وليس لكل من ~~خالفهم. # وروي أنهم بايعوا رجالا في الجاهلية، فلما أسلموا طالبوهم ms1988 بالأموال، ~~فقالوا: ليس علينا حق؛ لأنكم تركتم دينكم. وادعوا أنهم وجدوا ذلك ~~في كتابهم. # قال ابن الخطيب: " ومن المحتمل أنه كان من مذهب اليهود، أن من انتقل ~~من دين باطل إلى دين آخر باطل كان في حكم المرتد، فهم - وإن اعتقدوا ~~أن العرب كفار، إلا أنهم لما اعتقدوا في الإسلام أنه كفر - حكموا على ~~العرب الذي أسلموا بالردة. # قوله: { ليس علينا } يجوز أن يكون في " ليس " ضمير الشأن - وهو ~~اسمها - وحينئذ يجوز أن يكون " سبيل " مبتدأ، و " علينا " الخبر، ~~والجملة خبر ليس. ويجوز أن يكون " علينا " وحده هو الخبر، و { ~~سبيل } مرتفع به على الفاعلية. ويجوز أن يكون { سبيل } اسم " ليس " ~~والخبر أحد الجارين أعني: { علينا } أو { في الأميين }. # ويجوز أن يتعلق { في الأميين } بالاستقرار الذي تعلق به " ~~علينا " وجوز بعضهم أن يتعلق بنفس " ليس " نقله أبو البقاء، وغيره، ~~وفي هذا النقل نظر؛ وذلك أن هذه الأفعال النواقص في عملها في الظروف ~~خلاف، وبنوا الخلاف على الخلاف في دلالتها على الحدث، فمن قال: تدل ~~على الحدث جوز إعمالها في الظرف وشبهه، ومن قال: لا تدل على الحدث منعوا ~~إعمالها. واتفقوا على أن " ليس " لا يدل على حدث ألبتة، فكيف تعمل؟ هذا ~~ما لا يعقل. # ويجوز أن يتعلق { في الأميين } ب " سبيل " ، لأنه استعمل ~~بمعنى الحرج، والضمان، ونحوها. ويجوز أن يكون حالا منه فيتعلق بمحذوف. # قال: فالأمي منسوب إلى الأم، وسمي النبي صلى الله عليه وسلم أميا؛ ~~قيل: لأنه كان لا يكتب، وذلك لأن الأم: أصل الشيء فمن لا يكتب فقد ~~بقي على أصله في أن لا يكتب. # وقيل: نسبة إلى مكة، وهي أم القرى. # قوله: { ويقولون على الله الكذب } فيه وجوه: # أحدها: هو قولهم: أن جواز الخيانة مع المخالف مذكور في التوراة، وكانوا ~~كاذبين في ذلك، وعالمين بكونهم كاذبين. [ومن كان كذلك كانت خيانته أعظم، ~~وجرمه أفحش] فيه. # وثانيها: أنهم يعلمون كون الخيانة محرمة. # وثالثها: أنهم يعلمون ما على الخائن من الإثم. # فصل في رد شهادة الكافر # قال القرطبي: " دلت ms1989 هذه الآية على أن الكافر لا يجعل أهلا ~~لقبول شهادته؛ لأن الله تعالى وصفه بالكذب، وفي الآية رد على ~~الكفرة الذين يحللون ويحرمون من غير تحليل الله وتحريمه ~~ويجعلون ذلك من الشرع، قال ابن العربي: ومن هذا يخرج الرد على ~~من يحكم بالاستحسان من غير دليل، ولست أعلم أحدا من أهل القبلة قاله ~~". # قوله: { على الله } يجوز أن يتعلق بالكذب - وإن كان مصدرا - لأنه ~~يتسع في الظرف وعديله ما لا يتسع في غيرهما ومن منع علقه ب ~~" يقولون " متضمنا معنى يفترون، فعدي تعديته. ويجوز أن يتعلق ~~بمحذوف على أنه حال من " الكذب " ، وقوله: { وهم يعلمون } ~~جملة حالية، ومفعول العلم محذوف اقتصارا، أي: وهم من ذوي العلم، أو ~~اختصارا، أي: وهم يعلمون كذبهم وافتراءهم، وهو أقبح لهم. ### || [3.76] # قوله: { بلى } جواب لقولهم: " ليس " وإيجاب لما نفوه. وتقدم القول ~~في نظيره. # قال ابن الخطيب: وعندي الوقف التام على " بلى " ثم استأنف. # وقيل: إن كلمة " بلى " كلمة تذكر ابتداء لكلام آخر يذكر بعده؛ ~~لأن قولهم: ليس علينا فيما نفعل جناح قائم مقام قولهم: # نحن أبناء الله وأحباؤه # [المائدة: 18] فذكر - تعالى - أن أهل الوفاء بالعهد والتقى هم الذين ~~يحبهم الله تعالى - لا غيرهم - وعلى هذا الوجه، فلا يحسن الوقف على " ~~بلى " اه. # و " من " شرطية، أو موصولة، والرابط بين الجملة الجزائية، أو الخبرية ~~هو العموم في { المتقين } وعند من يرى الربط بقيام الظاهر مقام ~~المضمر يقول ذلك هنا. # وقيل: الجزاء، أو الخبر محذوف، تقديره: يحبه الله، ودل على هذا المحذوف ~~قوله: { فإن الله يحب المتقين } وفيه تكلف لا حاجة ~~إليه. # قال القرطبي: " من " رفع بالابتداء، وهو شرط، و " أوفى " في ~~موضع جزم " واتقى " معطوف عليه، واتقى الله، ولم يكذب، ولم يستحل ما ~~حرم عليه { فإن الله يحب المتقين } أي يحب أولئك. # و " بعهده " يجوز أن يكون المصدر مضافا لفاعله على أن الضمير يعود على ~~" من ". أو مضافا إلى مفعوله على أنه يعود على " الله " ويجوز أن ~~يكون المصدر مضافا للفاعل وإن كان الضمير لله ms1990 تعالى وإلى المفعول وإن ~~كان الضمير عائدا على " من " ومعناه واضح عند التأمل. # فإن قيل: بتقدير أن يكون الضمير عائدا إلى الفاعل، وهو " من " فإنه ~~يدل على أنه لو وفى أهل الكتاب بعهودهم وتركوا الخيانة، فإنهم يكتسبون ~~محبة الله. # فالجواب أن الأمر كذلك، فإنهم إذا وفوا بالعهود، فأول ما يوفون به العهد ~~الأعظم، وهو ما أخذ الله عليهم في كتابهم من الإيمان بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم وبما جاء به، وهو المراد بالعهد في هذه الآية قال صلى الله ~~عليه وسلم # " أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت ~~فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى ~~يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد ~~غدر، وإذا خاصم فجر ". ### || [3.77] # مما جاء في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه: # أحدها: أنه - تعالى - لما وصف اليهود بالخيانة في أموال الناس، فمعلوم ~~أن الخيانة في الأموال، لا تكون بالأيمان الكاذبة. # وثانيها: أنه - تعالى - حكى عنهم أنهم يقولون على الله الكذب، وهم ~~يعلمون، ولا شك أن عهد الله - تعالى - على كل مكلف أن لا يكذب على ~~الله. # وثالثها: أنه - تعالى - ذكر في الآية الأولى خيانتهم في أموال الناس، ~~وذكر في هذه الآية خيانتهم في عهد الله وفي تعظيم أسمائه؛ حيث ~~يحلفون بها كاذبين. # وقال بعضهم: إن هذه الآية ابتداء كلام مستقل في المنع من الأيمان ~~الكاذبة؛ لأن اللفظ عام، والروايات الكثيرة دلت على أنها نزلت في ~~أقوام أقدموا على الأيمان الكاذبة. # فصل # قال عكرمة: نزلت في أحبار اليهود، كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة ~~من أمر محمد صلى الله عليه وسلم وكتبوا بأيديهم غيرها، وحلفوا أنها من ~~عند الله؛ لئلا تفوتهم الرشاء التي كانت من أبناء عمهم. # وقيل: نزلت في ادعائهم أنه # ليس علينا في الأميين سبيل # [آل عمران: 75] كتبوا ذلك بأيديهم، وحلفوا أنه من عند الله قاله ~~الحسن. # وقال ابن جريج: نزلت في الأشعث بن قيس وخصم له، اختصما في أرض ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ms1991 فقال: أقم بينتك، فقال: ليس لي ~~بينة، فقال لليهودي: احلف، قال: إذا يحلف، فيذهب بمالي، فأنزل الله عز ~~وجل: { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم } ~~فنكل الأشعث. # قال مجاهد: نزلت في رجل حلف يمينا فاجرة في تنفيق سلعته، عن أبي ذر - ~~رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ~~ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم. ~~قال: وقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، فقال أبو ذر: ~~خابوا، وخسروا من هم يا رسول الله؟ قال: المسبل إزاره، ~~والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب ". # وروى أبو هريرة عن النبي: # " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ~~ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم: رجل حلف يمينا ~~على مال مسلم، فاقتطعه، ورجل حلف على يمين بعد ~~صلاة العصر أنه أعطي بسلعته أكثر مما أعطي ~~وهو كاذب - ورجل منع فضل ماء، فإن الله - تعالى - ~~يقول: اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم ~~تعمل يداك ". # وقيل: # " جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~الحضرمي: يا رسول الله، إن هذا قد غلبني على أرض لي - كانت لأبي - ~~فقال الكندي: هي أرضي في يدي، أزرعها، ليس له فيها حق فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم للحضرمي: ألك بينة؟ قال لا، قال: فلك ~~يمينه قال: يا رسول الله، إن الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه، ~~قال ليس لك منه إلا ذلك، فانطلق ليحلف، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لما أدبر " أما لئن حلف على ما ليس له ليأكله ظلما ~~ليلقين الله وهو عنه معرض ". # قال علقمة: أما الكندي فهو عمرو بن القيس بن عابس الكندي، وخصمه ربيعة ~~بن عبدان الحضرمي، روى أبو أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من اقتطع حق امرئ مسلم - بيمينه - حرم الله ~~عليه الجنة وأوجب له النار، قالوا: وإن كان شيئا ~~يسيرا يا رسول الله؟ قال: وإن كان قضيبا من ms1992 أراك " # قالها ثلاث مرات. # قوله: { أولئك لا خلاق لهم في الآخرة } أي: لا نصيب ~~لهم في الآخرة ونعيمها، وهذا مشروط بالإجماع بعد التوبة، فإذا تاب عنها ~~سقط الوعيد - بالإجماع - وشرط بعضهم عدم العفو؛ لقوله تعالى: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء: 48]، { ولا يكلمهم } أي: كلاما ينفعهم، ويسرهم. # وقيل: لمعنى الغضب، كما يقول الرجل: إني لا أكلم فلانا - إذا كان قد ~~غضب عليه - قاله القفال. # ثم قال: { ولا ينظر إليهم يوم القيامة } أي: لا ~~يرحمهم، ولا يحسن إليهم، ولا ينيلهم خيرا، وليس المقصود منه النظر ~~بتقليب الحدقة إلى المرئي - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا - { ~~ولا يزكيهم } أي: لا يطهرهم من دنس الذنوب بالمغفرة. # وقيل: لا يثني عليهم كما يثني على أوليائه - كثناء المزكي ~~للشاهد والتزكية من الله قد تكون على ألسنة الملائكة، كقوله تعالى: # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام ~~عليكم # [الرعد: 23-24] وقد تكون من غير واسطة، أما في الدنيا فكقوله: # التائبون العابدون # [التوبة: 112]. وأما في الآخرة فكقوله: # سلام قولا من رب رحيم # [يس: 58]. ثم قال: { ولهم عذاب أليم } لما بين حرمانهم من ~~الثواب, بين كونهم في العقاب الشديد المؤلم. # فصل # قال القرطبي: " دلت هذه الآية والأحاديث على أن حكم الحاكم لا ~~يحل المال في الباطن بقضاء الظاهر إذا علم المحكوم له بطلانه, ~~وروت أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إنكم تختصمون إلي, وإنما أنا بشر, ولعل بعضكم أن يكون ~~ألحن بحجته من بعض, وإنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع, فمن ~~قضيت له من حق أخيه شيئا, فلا يأخذه؛ فإنما أقطع له قطعة من ~~النار يأتي بها يوم القيامة ". # قوله: { ولهم عذاب أليم } في هذه اللام قولان: # أحدهما: أنها بمعنى الاستحقاق، أي: يستحقون العذاب الأليم. # الثاني: كما تقول: المال لزيد، فتكون لام التمليك، فذكر ملك العذاب لهم، ~~تهكما بهم. ### || [3.78] # هذه الآية تدل على أن التي قبلها نزلت في اليهود. # وقوله: يلوون " صفة ل " فريقا ms1993 " فهي في محل نصب، وجمع الضمير ~~اعتبارا بالمعنى؛ لأنه اسم جمع - كالقوم والرهط -. # قال أبو البقاء: " ولو أفرد على اللفظ لجاز " وفيه نظر؛ إذ لا يجوز: ~~القوم جاءني، والعامة على { يلوون } بفتح الياء، وسكون اللام، وبعدها ~~واو مضمومة، ثم أخرى ساكنة مضارع لوى أي: فتل. # وقرأ أبو جعفر وشيبة بن نصاح وأبو حاتم - عن نافع - " يلوون " بضم ~~الياء، وفتح اللام، وتشديد الأولى - من " لوى " مضعفا، والتضعيف ~~فيه للتكثير والمبالغة، لا للتعدية؛ إذ لو كان لها لتعدى لآخر؛ لأنه ~~متعد لواحد قبل ذلك، ونسبها الزمخشري لأهل المدينة، وهو كما قال، ~~فإن هؤلاء رؤساء قراء المدينة. # وقرأ حميد " يلون " - بفتح الياء، وضم اللام، بعدها واو مفردة ~~ساكنة - ونسبها الزمخشري لمجاهد وابن كثير، ووجهها هو بأن الأصل ~~{ يلوون } - كقراءة العامة - ثم أبدلت الواو المضمومة همزة، وهو ~~بدل قياسي - كأجوه وأقتت. ثم خففت الهمزة بإلقاء حركتها على ~~الساكن قبلها وهو اللام - وحذفت الهمزة، فبقي وزن " يلون " يفون ~~- بحذف اللام والعين - وذلك لأن اللام - وهي الياء - حذفت لالتقاء ~~الساكنين؛ لأن الأصل " يلويون " كيضربون، فاستثقلت الضمة على الياء ~~فحذفت، فالتقى ساكنان - الياء وواو الضمير - فحذفت الياء لالتقائهما، ~~ثم حذفت الواو التي هي عين الكلمة. # و { ألسنتهم } جمع لسان، وهذا على لغة من ذكره، وأما على لغة ~~من يؤنثه - فيقول: هذه لسان - فإنه يجمع على " ألسن " - نحو ذراع ~~وأذرع وكراع وأكرع. # وقال الفراء: لم نسمعه من العرب إلا مذكرا. ويعبر باللسان عن ~~الكلام؛ لأنه ينشأ منه، وفيه - والمراد به ذلك - التذكير والتأنيث -، ~~واللي: الفتل، يقال: لويت الثوب، ولويت عنقه - أي فتلته - واللي: ~~المطل، لواه دينه، يلويه ليا، وليانا: مطله. والمصدر: اللي ~~والليان. # قال الشاعر: [الرجز] # 1526- قد كنت داينت بها حسانا # مخافة إلافلاس والليانا # والأصل لوي، ولويان، فأعل بما تقدم في " ميت " وبابه ثم ~~يطلق اللي على الإراغة والمراوغة في الحجج والخصومة؛ تشبيها ~~للمعاني بالأجرام. وفي الحديث: # " لي الواجد ظلم ". # وقال بعضهم: اللي عبارة عن عطف الشيء، ورده عن الاستقامة إلى ~~الاعوجاج يقال: لويت يده والتوى الشيء - إذا ms1994 انحرف - والتوى فلان ~~علي إذا غير أخلاقه عن الاستواء إلى ضده. ولوى لسانه عن كذا - إذا ~~غيره - ولوى فلان فلانا عن رأيه - إذا أماله عنه - و { بالكتاب } ~~متعلق ب { يلوون } ، وجعله أبو البقاء حالا من الألسنة، قال: ~~وتقديره: ملتبسة بالكتاب، أو ناطقة بالكتاب. # والضمير في { لتحسبوه } يجوز أن يعود على ما تقدم مما دل عليه ~~ذكر اللي والتحريف، أي: لتحسبوا المحرف من التوراة. ويجوز أن يعود ~~على مضاف محذوف، دل عليه المعنى، والأصل: يلوون ألسنتهم بشبه الكتاب؛ ~~لتحسبوا شبه الكتاب الذي حرفوه من الكتاب، ويكون كقوله: # أو كظلمات في بحر # [النور: 40] ثم قال: # يغشاه # [النور: 40] والأصل أو كذي ظلمات, فالضمير في # يغشاه # [النور: 40] يعود على " ذي " المحذوفة. و " من الكتاب " هو المفعول ~~الثاني للحسبان. وقرئ " ليحسبوه " - بياء الغيبة - والمراد بهم ~~المسلمون - أيضا - كما أريد بالمخاطبين في قراءة العامة، والمعنى: ليحسب ~~المسلمون أن المحرف من التوراة. # قال ابن الخطيب: " لي اللسان شبيه بالتشدق والتنطع والتكلف - ~~وذلك مذموم - فعبر الله عن قراءتهم لذلك الكتاب الباطل بلي اللسان؛ ~~ذما لهم، ولم يعبر عنها بالقراءة. والعرب تفرق بين ألفاظ المدح ~~والذم في الشيء الواحد، فيقولون - في المدح -: خطيب مصقع، وفي الذم: ~~مكثار، ثرثار فالمراد بقوله: { يلوون ألسنتهم ~~بالكتاب } أي: بقراءة ذلك الكتاب الباطل ". # فصل # قال القفال: معنى قوله: { يلوون ألسنتهم } أن يعمدوا إلى ~~اللفظة، فيحرفونها عن حركات الإعراب تحريفا يتغير به المعنى، وهذا ~~كثير في لسان العرب، فلا يبعد مثله في العبرانية، فكانوا يفعلون ذلك في ~~الآيات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة. # وروي عن ابن عباس قال: إن النفر الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة، ~~ولا ينظر إليهم، كتبوا كتابا شوشوا فيه نعت محمد صلى الله عليه وسلم ~~وخلطوه بالكتاب الذي كان فيه نعت محمد صلى الله عليه وسلم ثم قالوا: هذا ~~من عند الله. # فصل # قال جمهور المفسرين: هذا النفر هم: كعب بن الأشرف، ومالك بن الصيف، ~~وحيي بن أخطب، وأبو ياسر، وشعبة بن عمرو الشاعر. { يلوون ~~ألسنتهم ms1995 } يعطفونها بالتحريف والتغيير، وهو ما غيروا من صفة ~~النبي صلى الله عليه وسلم وآية الرجم، وغير ذلك. { لتحسبوه } أي: ~~لتظنوا ما حرفوا { من الكتاب } الذي أنزله الله - عز وجل - { وما ~~هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو ~~من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم ~~يعلمون } أنهم الكاذبون. # وروى الضحاك عن ابن عباس أن الآية نزلت في اليهود والنصارى جميعا، ~~وذلك أنهم حرفوا التوراة والإنجيل، وألحقوا بكتاب الله ما ليس منه. # فإن قيل: كيف يمكن إدخال التحريف في التوراة، مع شهرتها العظيمة؟ # فالجواب: لعله صدر هذا العمل عن نفر قليل، يجوز تواطؤهم على التحريف، ~~ثم إنهم عرضوا ذلك المحرف على بعض العوام، وعلى هذا التقدير يكون هذا ~~التحريف ممكنا. # قال ابن الخطيب: " والأصوب - عندي - في الآية أن الآيات الدالة ~~على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم كان يحتاج فيها إلى تدقيق النظر ~~والتأمل، والقوم كانوا يوردون عليها الأسئلة المشوشة، والاعتراضات ~~المظلمة، فكانت تصير تلك الدلائل مشتبهة على السامعين، واليهود ~~كانو يقولون: مراد الله من هذه الآيات ما ذكرناه - لا ما ذكرتم - فكان ~~هذا هو المراد بالتحريف ولي الألسنة، كما أن المحق - في زمننا - ~~إذا استدل بآية فالمبطل يورد عليه الأسئلة والشبهات، ويقول: ليس ~~مراد الله - تعالى - ما ذكرت، بل ما ذكرناه، فكذا هنا، والله أعلم ~~". # فإن قيل: ما الفرق بين قوله: { لتحسبوه من الكتاب وما ~~هو من الكتاب } وبين قوله: { ويقولون هو من عند ~~الله وما هو من عند الله }؟ # فالجواب: أن المغايرة حاصلة؛ لأنه ليس كل ما لم يكن في الكتاب لم يكن ~~من عند الله تعالى؛ فإن الحكم الشرعي قد ثبت تارة بالكتاب، وتارة ~~بالسنة، وتارة بالإجماع، وتارة بالقياس، والكل من عند الله تعالى - ~~فقوله: { لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب } ~~هذا نفي خاص، ثم عطف النفي العام فقال: { ويقولون هو من ~~عند الله وما هو من عند الله } فلا يكون تكرارا. # وأيضا يجوز أن يكون المراد من الكتاب التوراة، ويكون المراد من قولهم: ms1996 ~~{ هو من عند الله } أنه موجود في كتب سائر الأنبياء عليهم ~~السلام مثل شعيب وأرميا؛ وذلك لأن القوم في نسبة ذلك التحريف إلى الله ~~تعالى كانوا متحيرين فإن وجدوا قوما من الأغمار والبله الجاهلين ~~بالتوراة نسبوا ذلك المحرف إلى أنه من عنده، وإن من وجدوا قوما ~~عقلاء أذكياء زعموا أنه موجود في كتب سائر الأنبياء، الذين جاءوا ~~بعد موسى عليه السلام. ### || [3.79-80] # قال مقاتل والضحاك { ما كان لبشر } يعني عيسى - عليه السلام ~~- وذلك أن نصارى نجران كانوا يقولون: إن عيسى أمرهم أن [يتخذوه] ربا، ~~فأنزل الله هذه الآية. # وقال ابن عباس وعطاء: { ما كان لبشر } يعني محمدا صلى الله عليه ~~وسلم { أن يؤتيه الله الكتاب } أي: القرآن وذلك أن أبا رافع ~~القرظي - من اليهود، والرئيس - من نصارى نجران، قالا: # " يا محمد، أتريد أن نعبدك ونتخذك ربا؟ قال: " معاذ الله أن ~~نأمر بعبادة غير الله، ما بذلك بعثني الله، ولا ~~بذلك أمرني الله " " # فأنزل الله هذه الآية. # قال ابن عباس: لما قالت اليهود: عزير ابن الله وقالت النصارى: ~~المسيح ابن الله نزلت هذه الآية. # والبشر جميع بني آدم، لا واحد له من لفظه - كالقوم والجيش - ويوضع موضع ~~الواحد، والجمع، قال القرطبي: " لأنه بمنزلة المصدر ". # قوله: { أن يؤتيه } اسم " كان " و " البشر " خبرها. وقوله: { ~~ثم يقول للناس } عطف على " يؤتيه " ، وهذا العطف لازم من ~~حيث المعنى؛ إذ لو سكت عنه لم يصح المعنى؛ لأن الله - تعالى - قد آتى ~~كثيرا من البشر الكتاب والحكم والنبوة، وهذا كما يقولون - في بعض ~~الأحوال والمفاعيل -: إنها لازمة فلا غرو - أيضا - في لزوم المعطوف. # وإنما بينا هذا؛ لأجل قراءة تأتي - إن شاء الله تعالى - ومعنى مجيء هذا ~~النفي في كلام العرب، نحو: " ما كان لزيد أن يفعل " ، كقوله تعالى: # ما يكون لنآ أن نتكلم بهذا # [النور: 16]. وقوله: # وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا # [النساء: 92] وقوله: # ما كان لله أن يتخذ من ولد # [مريم: 35] أي: ما ينبغي لنا، ونحوه بنفي الكون والمراد نفي خبره، وهو ~~على ms1997 قسمين: # قسم يكون النفي فيه من جهة العقل؛ ويعبر عنه بالنفي التام - كهذه ~~الآية - لأن الله - تعالى - لا يعطي الكتاب بالحكم والنبوة لمن يقول ~~هذه المقالة الشنعاء، ونحوه: # ما كان لكم أن تنبتوا شجرها # [النمل: 60] وقوله: # وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله # [آل عمران: 145]. # وقسم يكون النفي فيه على سبيل الانتفاء، كقول أبي بكر: ما كان لابن أبي ~~قحافة أن يتقدم فيصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعرف ~~القسمان من السياق. # وقرأ العامة " يقول " - بالنصب - نسقا على " يؤتيه " والتقدير: لا ~~يجتمع النبوة وهذا القول. والعامل فيه " أن " وهو معطوف عليه بمعنى: ثم ~~أن يقول. # والمراد بالحكم: الفهم والعلم. وقيل: إمضاء الحكم عن الله - عز وجل -. # و { الكتاب } القرآن. # وقرأ ابن كثير - في رواية شبل بن عباد - وأبو عمرو - في رواية محبوب -: ~~" يقول " - بالرفع - وخرجوها على القطع والاستئناف، وهو مشكل؛ لما ~~تقدم من أن المعنى على لزوم ذكر هذا المعطوف؛ إذ لا يستقل ما قبله؛ ~~لفساد المعنى، فكيف يقولون: على القطع والاستئناف. # قوله: { عبادا } حكى الواحدي - عن ابن عباس - أنه قال في قوله ~~تعالى: { كونوا عبادا لي } أنه لغة مزينة ويقولون للعبيد: عباد. # قال ابن عطية: ومن جموعه: عبيد وعبدى. # قال بعض اللغويين: هذه الجموع كلها بمعنى. # وقال بعضهم: العباد لله، والعبيد والعبدى للبشر. # وقال بعضهم: العبدى إنما تقال في العبد من العبيد، كأنه مبالغة ~~تقتضي الإغراق في العبودية، والذي استقرأت في لفظ " العباد " أنه جمع ~~عبد متى سيقت اللفظة في مضمار الترفع والدلالة على الطاعة دون أن ~~يقترن بها معنى التحقير، وتصغير الشأن، وانظر قوله: # والله رؤوف بالعباد # [آل عمران: 30] # بل عباد مكرمون # [الأنبياء: 26] وقوله: # قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم # [الزمر: 53] وقول عيسى في معنى الشفاعة والتعريض # إن تعذبهم فإنهم عبادك # [المائدة: 118]، وأما العبيد، فتستعمل في تحقيره. # ومنه قول امرئ القيس: # 1527- قولا لدودان عبيد العصا # ما غركم بالأسد الباسل # وقال حمزة بن عبد المطلب: " وهل أنتم إلا عبيد لأبي "؟ ومنه ~~قوله: # وما ربك بظلام ms1998 للعبيد # [فصلت: 46] لأنه مكان تشفيق وإعلام بقلة أنصارهم ومقدرتهم، وأنه - تعالى ~~- ليس بظلام لهم مع ذلك. ولما كانت " العباد " تقتضي الطاعة لم تقع هنا، ~~ولذلك أتى بها في قوله تعالى: # قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم # [الزمر: 53] فهذا النوع من النظر يسلك به سبيل العجائب في فصاحة القرآن ~~على الطريقة العربية. # قال أبو حيان: " وفيه بعض مناقشة، أما قوله: ومن جموعه عبيد ~~وعبدى، فأما عبيد، فالأصح أنه جمع، وقيل اسم جمع. وأما عبدى فإنه ~~اسم جمع، وألفه للتأنيث ". # قال شهاب الدين: " لا مناقشة، فإنه إنما يعني جمعا معنويا، ولا ~~شك أن اسم الجمع جمع معنوي ". # قال: وأما ما استقرأه من أن " عبادا " يساق في [مضمار] الترفع ~~والدلالة على الطاعة، دون أن يقترن بها معنى التحقير والتصغير، وإيراده ~~ألفاظا في القرآن بلفظ " العباد " وأما قوله: وأما العبيد، فيستعمل في ~~تحقيره - وأنشد بيت امرئ القيس، وقول حمزة: " وهل أنتم إلا عبيد أبي " ، ~~وقوله تعالى: # وما ربك بظلام للعبيد # [فصلت: 46] فاستقراء ليس بصحيح، إنما كثر استعمال " عباد " دون " عبيد " ~~لأن " فعالا " في جمع " فعل " غير الياء والعين قياس مطرد، وجمع ~~فعل على " فعيل " لا يطرد. # قال سيبويه: " وربما جاء " فعيلا " وهو قليل - نحو الكليب والعبيد ". ~~فلما كان " فعال " مقيسا في جمع " عبد " جاء " عباد " كثيرا، وأما # وما ربك بظلام للعبيد # [فصلت: 46] فحسن مجيئه هنا - وإن لم يكن مقيسا - أنه جاء لتواخي ~~الفواصل، ألا ترى أن قبله: # أولئك ينادون من مكان بعيد # [فصلت: 44] وبعده # قالوا آذناك ما منا من شهيد # [فصلت: 47] فحسن مجيئه بلفظ العبيد مؤاخاة هاتين الفاصلتين. ونظير ~~هذا - في سورة ق - # ومآ أنا بظلام للعبيد # [ق: 29] لأن قبله: # وقد قدمت إليكم بالوعيد # [ق: 28]. وبعده: # يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من ~~مزيد # [ق: 30] وأما مدلوله فمدلول " عباد " سواء، وأما بيت امرئ القيس فلم ~~يفهم التحقير من لفظ " عبيد " إنما فهم من إضافتهم إلى العصا، ومن ~~مجموع البيت. وكذلك قول حمزة: هل أنتم إلا عبيد؟ إنما فهم التحقير من ~~قرينة الحال التي ms1999 كان عليها، وأتى في البيت وفي قول حمزة على أحد ~~الجائزين. # وقال شهاب الدين: " رذه عليه استقراءه من غير إثباته ما يجرم ~~الاستقراء مردود، وأما ادعاؤه أن التحقير مفهوم من السياق - دون لفظ - ~~" عبيد " - ممنوع؛ لأنه إذا دار إحالة الحكم بين اللفظ وغيره، فالإحالة ~~على اللفظ أولى ". # قوله: " لي " صفة ل " عباد ". و { من دون الله } متعلق بلفظ " ~~عبادا " لما فيه من معنى الفعل، ويجوز أن يكون صفة ثانية، وأن يكون ~~حالا؛ لتخصص النكرة بالوصف. # قوله: { ولكن كونوا } أي: ولكن يقول: كونوا، فلا بد من إضمار ~~القول هنا، ومذهب العرب جواز الإضمار إذا كان في الكلام ما يدل عليه، ~~كقوله تعالى: # فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد ~~إيمانكم # [آل عمران: 106] أي: يقال لهم ذلك. # والربانيون: جمع رباني، وفيه قولان: # أحدهما: قال سيبويه: إنه منسوب إلى الرب، يعني كونه عالما به، ~~ومواظبا على طاعته، كما يقال: رجل إلهي إذا كان مقبلا على معرفة ~~الإله وطاعته، والألف والنون فيه زائدتان في النسب، دلالة على ~~المبالغة كرقباني وشعراني، ولحياني - للغليظ الرقبة، والكثير ~~الشعر، والطويل اللحية - ولا تفرد هذه الزيادة عن النسب أما إذا ~~نسبوا إلى الرقبة والشعر واللحية - من غير مبالغة: قالوا: رقبي ~~وشعري ولحوي. # الثاني: قال المبرد: الربانيون: أرباب العلم، منسوب إلى ربان، ~~والربان: هو المعلم للخير، ومن يوسوس للناس ويعرفهم أمر دينهم، ~~فالألف والنون والتاء على زيادة الوصف، كهي في عطشان وريان وجوعان ~~ووسنان، ثم ضمت إليه ياء النسب - كما قيل: لحياني ورقباني - وتكون ~~النسبة - على هذا - في الوصف نحو أحمري، قال: [الرجز] # 1528- أطربا وأنت قنسري # والدهر بالإنسان دواري # وقال سيبويه: زادوا ألفا ونونا في الرباني؛ لأنهم أرادوا تخصيصا ~~بعلم الرب دون غيره من العلوم، وهذا كما يقال: شعراني ولحياني ~~ورقباني. # قال الواحدي: فعلى قول سيبويه الرباني منسوب إلى الرب مأخوذ من ~~التربية. # وفي التفسير: كونوا فقهاء، علماء، عاملين. قاله علي وابن عباس ~~والحسن. # وقال قتادة: حكماء، علماء وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: فقهاء، ~~معلمين. # وقل عطاء: علماء، حكماء، ms2000 نصحاء لله في خلقه. # وقيل: الرباني: الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره. # وقال سعيد بن جبير: الرباني: العالم الذي يعمل بعلمه. # وقيل: الربانيون فوق الأحبار، والأحبار: العلماء، والربانيون: الذين ~~جمعوا مع العلم البصارة لسياسة الناس، ولما مات ابن عباس قال محمد ~~بن الحنفية: اليوم مات رباني هذه الأمة. # وقال ابن زيد: الرباني: هو الذي يرب الناس، والربانيون هم: ~~ولاة الأمة والعلماء، وذكروا هذا - أيضا - في قوله تعالى: # لولا ينهاهم الربانيون والأحبار # [المائدة: 63] أي: الولاة والعلماء، وهما الفريقان اللذان يطاعان. # ومعنى الآية - على هذا التقدير - لا أدعوكم إلى أن تكونوا عبادا لي، ~~ولكن أدعوكم إلى أن تكونوا ملوكا وعلماء باستعمالكم أمر الله تعالى، ~~ومواظبتكم على طاعته. # قال القفال: يحتمل أن يكون الوالي، سمي ربانيا؛ لأنه يطاع ~~كالرب، فنسب إليه. # قال أبو عبيدة: أحسب أن هذه الكلمة ليست بعربية، إنما هي عبرانية، أو ~~سريانية، وسواء كانت عبرانية، أو سريانية، أو عربية فهي تدل على الإنسان ~~الذي علم وعمل بما علم، ثم اشتغل بتعليم الخير. # قوله: { بما كنتم } الباء سببية، أي: كونوا علماء بسبب ~~كونكم، وفي متعلق هذه الباء ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها متعلقة ب " كونوا " ذكره أبو البقاء، والخلاف مشهور. # الثاني: أن تتعلق ب " ربانيين " لأن فيه معنى الفعل. # الثالث: أن تتعلق بمحذوف على أنها صفة ل " ربانيين " ذكره أبو ~~البقاء، وليس بواضح المعنى، و " ما " مصدرية، فتكون مع الفعل بتأويل ~~المصدر، أي: بسبب كونكم عالمين، نظيره قوله: # اليوم ننساكم كما نسيتم # [الجاثية: 34]. وظاهر كلام أبي حيان أنه يجوز أن تكون غير ذلك؛ فإنه ~~قال: و " ما " الظاهر أنها مصدرية، فهذا يوم تجويز غير ذلك - وفي جوازه ~~بعد - وهو أن تكون موصولة، وحينئذ تحتاج إلى عائد وهو مقدر، أي بسبب ~~الذي تعلمون به الكتاب، وقد نقص شرط، وهو اتحاد المتعلق، فلذلك لم ~~يظهر جعلها غير مصدرية. و " كنتم " معناه " أنتم " كقوله: # من كان في المهد صبيا # [مريم: 29] أي من هو في المهد. # قوله: { تعلمون } قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو " تعلمون ms2001 " ~~مفتوح حرف المضارعة، ساكن العين مفتوح اللام من علم يعلم، أي: ~~تعرفون، فيتعدى لواحد، وباقي السبعة بضم حرف المضارعة، وفتح العين ~~وتشديد اللام مكسورة، فيتعدى لاثنين، أولهما محذوف، تقديره: ~~تعلمون الناس والطالبين الكتاب. # ويجوز أن لا يراد مفعول، أي: كنتم من أهل التعليم، وهو نظير: أطعم ~~الخبز، المقصود الأهم إطعام الخبز من غير نظر إلى من يطعمه، ~~فالتضعيف فيه للتعدية. # وقد رجح جماعة هذه القراءة على قراءة نافع، بأنها أبلغ؛ وذلك أن كل ~~معلم عالم، وليس كل عالم معلما، فالوصف بالتعليم أبلغ، وبأن ~~قبله ذكر الربانيين، والرباني يقتضي أن يعلم، ويعلم غيره، لا ~~أن يقتصر بالعلم على نفسه. # ورجح بعضهم الأولى بأنه لم يذكر إلا مفعول واحد، والأصل عدم الحذف ~~- والتخفيف مسوغ لذلك، بخلاف التشديد، فإنه لا بد من تقدير مفعول. ~~وأيضا فهو أوفق ل " تدرسون ". والقراءتان متواترتان، فلا ينبغي ~~ترجيح إحداهما على الأخرى. # وقرأ الحسن ومجاهد " تعلمون " - بفتح التاء والعين، واللام مشددة ~~- من تعلم، والأصل تتعلمون - بتاءين - فحذفت إحداهما. # قوله: { وبما كنتم تدرسون } كالذي قبله، والعامة على " ~~تدرسون " - بفتح التاء، وضم الراء - من الدرس، وهو مناسب " ~~تعلمون " من علم - ثلاثيا. # قال بعضهم: كان حق من يقرأ " تعلمون " - بالتشديد - أن يقرأ " ~~تدرسون " - بالتشديد وليس بلازم؛ إذ المعنى: صرتم تعلمون ~~غيركم، ثم تدرسون، وبما كنتم تدرسون عليهم - أي: تتلونه عليهم، ~~كقوله: # لتقرأه على الناس # [الإسراء: 106]. # قال أبو حيوة - في إحدى الروايتين عنه - " تدرسون " - بكسر ~~الراء - وهي لغة ضعيفة، يقال: درس العلم يدرسه - بكسر العين في المضارع ~~- وهما لغتان في مضارع " درس " وقرأ هو - أيضا - في رواية " ~~تدرسون " من درس - بالتشديد - وفيه وجهان: # أحدهما: أن يكون التضعيف فيه للتكثير موافقا لقراءة " تعلمون " ~~بالتخفيف. # الثاني: أن التضعيف للتعدية، ويكون المفعولان محذوفين؛ لفهم المعنى، ~~والتقدير: تدرسون غيركم العلم، أي: تحملونهم على الدرس. وقرئ " ~~تدرسون " من أدرس - كيكرمون من أكرم - على أن أفعل بمعنى فعل - ~~بالتشديد - فأدرس ودرس واحد كأكرم وكرم، وأنزل ونزل. # والدرس: التكرار والإدمان على الشيء. ومنه: درس زيد الكتاب والقرآن، ~~يدرسه ويدرسه، ms2002 أي: كرر عليه، ويقال درست الكتاب، أي: تناولت أثره ~~بالحفظ، ولما كان ذلك بمداومة القرآن عبر عن إدامة القرآن بالدرس. ودرس ~~المنزل: ذهب أثره، وطلل عاف ودارس بمعنى. # قوله: { ولا يأمركم } قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بنصب " ~~يأمركم " والباقون بالرفع وأبو عمرو على أصله من جواز تسكين الراء ~~والاختلاس، وهي قراءة واضحة، سهلة التخريج، والمعنى، وذلك أنها على القطع ~~والاستئناف. # أخبر تعالى - بأن ذلك الأمر لا يقع، والفاعل فيه احتمالان: # أحدهما: هو ضمير الله - تعالى -. # الثاني: هو ضمير الموصوف المتقدم. # والمعنى: ولا يأمركم الله، وقال ابن جريج وجماعة: ولا يأمركم محمد أن ~~تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا وقيل: لا يأمركم عيسى. # وقيل: لا يأمركم الأنبياء أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا، كفعل ~~قريش والصابئين - حيث قالوا في المسيح هو العزير. # والمعنى على عوده على " بشر " أنه لا يقع من بشر موصوف بما وصف به ~~أن يجعل نفسه ربا، فيعبد، ولا يأمر - أيضا - أن تعبد ~~الملائكة والنبيون من دون الله، فانتفى أن يدعو الناس إلى عبادة نفسه، ~~وإلى عبادة غيره - والمعنى - على عوده على الله - تعالى - أنه تعالى ~~أخبر أنه لم يأمر بذلك، فانتفى أمر الله وأمر أنبيائه بعبادة غيره ~~تعالى. # وأما قراءة النصب ففيها وجوه: # أحدها: قول أبي علي وغيره، وهو أن يكون المعنى: دلالة أن يأمركم، فقدروا ~~" أن " مضمرة بعده وتكون " لا " مؤكدة لمعنى النفي السابق، كما تقول: ~~ما كان من زيد إتيان ولا قيام وأنت تريد انتفاء كل واحد منهما عن زيد، ف ~~" لا " للتوكيد لمعنى النفي السابق، وبقي معنى الكلام: ما كان من زيد ~~إتيان، ولا منه قيام. # الثاني: أن يكون نصبه لنسقه على { أن يؤتيه } قال سيبويه: ~~والمعنى: وما كان لبشر أن يأمركم أن تتخذوا الملائكة. # قال الواحدي: ويقوي هذا الوجه ما ذكرنا من أن اليهود قالوا للنبي ~~صلى الله عليه وسلم أتريد يا محمد أن نتخذك ربا؟ فنزلت. # الثالث: أن يكون معطوفا على " يقول " في قراءة العامة - قاله ~~الطبري. # قال ابن عطية: " وهذا خطأ لا يلتئم به ms2003 المعنى " ، ولم يبين أبو ~~محمد وجه الخطأ " ولا عدم التآم المعنى. # قال أبو حيان: " وجه الخطأ أنه إذا كان معطوفا على " يقول " وجعل " ~~لا " للنفي - على سبيل التأسيس لا على سبيل التأكيد - فلا يمكن أن ~~يقدر الناصب - وهو " أن " - إلا قبل " لا " النافية، وإذا قدرها ~~قبلها انسبك منها ومن الفعل المنفي ب " لا " مصدر منفي، فيصير المعنى: ~~ما كان لبشر موصوف بما وصف به انتفاء أمره باتخاذ الملائكة والنبيين ~~أربابا - وإذا لم يكن له انتفاء الأمر بذلك كان له ثبوت الأمر بذلك، وهو ~~خطأ بين. # أما إذا جعل " لا " لتأكيد النفي لا لتأسيسه فلا يلزم خطأ، ولا عدم ~~التئام المعنى؛ وذلك أنه يصير النفي مستحبا على المصدرين المقدر ~~ثبوتهما، فينتفي قوله: { كونوا عبادا لي } وينتفي أيضا أمره ~~باتخاذ الملائكة والنبيين أربابا. # ويوضح هذا المعنى وضع " غير " موضع " لا " فإذا قلت: ما لزيد فقه ~~ولا نحو. كانت " لا " لتأكيد النفي، وانتفى عنه الوصفان، ولو جعلت " ~~لا " لتأسيس النفي كانت بمعنى " غير " فيصير المعنى انتفاء الفقه عنه، ~~وثبوت النحو له؛ إذ لو قلت: ما لزيد فقه غير نحو، كان في ذلك إثبات النحو ~~له، كأنك قلت: ما له غير نحو، ألا ترى أنك إذا قلت: جئت بلا زاد، كان ~~المعنى: جئت بغير زاد وإذا قلت: ما جئت بغير زاد، معناه أنك جئت بزاد؛ ~~لأن " لا " هنا لتأسيس النفي، فإطلاق ابن عطية الخطأ وعدم التئام المعنى ~~إنما يكون على أحد التقديرين، وهو أن يكون " لا " لتأسيس النفي لا ~~لتأكيده، وأن يكون من عطف المنفي ب " لا " على المثبت الداخل عليه النفي ~~نحو: ما أريد أن تجهل وألا تتعلم، تريد: ما أريد أن لا تتعلم ". # وتابع الزمخشري الطبري في عطف " يأمركم " على " يقول " ~~وجوز في " لا " الداخلة عليه وجهين: # أحدهما: أن يكون لتأسيس النفي. # الثاني: أنها مزيدة لتأكيده، فقال: وقرئ { ولا يأمركم } ~~بالنصب؛ عطفا على " ثم يقول " وفيه وجهان: # أحدهما: أن تجعل " لا " مزيدة لتأكيد معنى النفي في قوله: { ما كان ~~لبشر }. والمعنى: ما ms2004 كان لبشر أن يستنبئه الله تعالى، وينصبه ~~للدعاء إلى اختصاص الله بالعبادة وترك الأنداد، ثم يأمر الناس بأن يكونوا ~~عبادا لهم، ويأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا، كقولك: ما كان ~~لزيد أن أكرمه، ثم يهينني ولا يستخف بي. # والثاني: أن يجعل " لا " غير مزيدة، والمعنى أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان ينهى قريشا عن عبادة الملائكة واليهود والنصارى عن ~~عبادة عزير والمسيح، فلما قالوا له: أنتخذك ربا؟ قيل لهم: ما كان ~~لبشر أن يستنبئه الله ثم يأمر الناس بعبادته، وينهاكم عن عبادة الملائكة ~~والأنبياء. # قال شهاب الدين: " وكلام الزمخشري صحيح، ومعناه واضح على كلا تقديري ~~كون " لا " لتأسيس النفي وتأكيده فكيف يجعل الشيخ كلام الطبري ~~فاسدا على أحد التقديرين - وهو كونها لتأسيس النفي فقد ظهر صحة كلام ~~الطبري بكلام الزمخشري، وظهر أن رد ابن عطية عليه مردود ". # وقد رجح الناس قراءة الرفع على النصب. # قال سيبويه: ولا يأمركم منقطعة مما قبلها؛ لأن المعنى ولا يأمركم الله. # قال الواحدي: ومما يدل على الانقطاع من الأول قراءة عبد الله " ولن ~~يأمركم ". # وقال الفراء: فهذا دليل على انقطاعها من النسق، وأنها مستأنفة، فلما ~~وقعت " لا " موقع " لن " رفعت كما قال تعالى: # إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسأل ~~عن أصحاب الجحيم # [البقرة: 119] وفي قراءة، عبد الله: ولن تسأل. # قال الزمخشري: والقراءة بالرفع على ابتداء الكلام أظهر، ويعضدها ~~قراءة عبد الله: " ولن يأمركم " وقد تقدم أن الضمير في " ~~يأمركم " يجوز أن يعود على " الله " وأن يعود على البشر الموصوف بما ~~تقدم والمراد به النبي صلى الله عليه وسلم أو أعم من ذلك. # وسواء قرئ برفع { ولا يأمركم } و بنصبه إذا جعلناه معطوفا على ~~" يقول " فإن الضمير يعود على " بشر " لا غير، [ويؤيد هذا قول بعضهم: ~~ووجه القراءة بالنصب أن يكون معطوفا على الفعل المنصوب قبله، فيكون ~~الضمير المرفوع ل " بشر " لا غير يعني بما قبله " ثم يقول ". # ولما ذكر سيبويه قراءة الرفع جعل الضمير عائدا على " الله " تعالى ولم ~~يذكر غير ذلك، ms2005 فيحتمل أن يكون هو الأظهر عنده، ويحتمل أنه لا يجوز ~~غيره، والأول أولى. # قال بعضهم: وفي الضمير المنصوب في " يأمركم " - على كلتا القراءتين ~~- خروج من الغيبة إلى الخطاب على طريق الالتفات، فكأنه توهم أنه لما تقدم ~~في قوله ذكر النافي - في قوله: { ثم يقول للناس } كان ينبغي أن ~~يكون النظم ولا يأمرهم؛ جريا على ما تقدم، وليس كذلك، بل هذا ابتداء ~~خطاب، لا التفات فيه. # قوله: { أيأمركم بالكفر } الهمزة للاستفهام بمعنى الإنكار، ~~يعني أنه لا يفعل ذلك. # قوله: { بعد إذ أنتم مسلمون } " بعد " متعلق ب " ~~يأمركم " وبعد ظرف زمان مضاف لظرف زمان ماض وقد تقدم أنه لا يضاف ~~إليه إلا الزمان، نحو حينئذ ويومئذ. و { أنتم مسلمون } في ~~محل خفض بالإضافة؛ لأن " إذ " تضاف إلى الجملة مطلقا. # قال الزمخشري: " بعد إذ أنتم مسلمون " دليل على أن ~~المخاطبين كانوا مسلمين، وهم الذين استأذنوا الرسول صلى الله عليه وسلم ~~أن يسجدوا له. ### || [3.81-82] # العامل في " إذ " وجوه: # أحدها: " اذكر " إن كان الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. # الثاني: " اذكروا " إن كان الخطاب لأهل الكتاب. # الثالث: اصطفى، فيكون معطوفا على " إذ " المتقدمة قبلها، وفيه بعد؛ ~~بل امتناع؛ لبعده. # الرابع: أن العامل فيه " قال " في قوله: { قال ءأقررتم } وهو ~~واضح. # وميثاق، يجوز أن يكون مضافا لفاعله، أو لمفعوله، وفي مصحف أبي وعبد ~~الله وقراءتهما: # ميثاق الذين أوتوا الكتاب # كما في آخر السورة [الآية: 187]. وعن مجاهد، وقال: أخطأ الكاتب. # قال شهاب الدين: " وهذا خطأ من قائله - كائنا من كان - ولا أظنه عن ~~مجاهد؛ فإنه قرأ عليه مثل ابن كثير وأبي عمرو بن العلاء، ولم ينقل ~~عنه واحد منهما شيئا من ذلك ". # والمعنى على القراءة الشهيرة صحيح، وقد ذكروا فيها أوجها: # أحدها: أن الكلام على ظاهره، وأن الله تعالى - أخذ على الأنبياء مواثيق ~~أنهم يصدقون بعضهم بعضا وينصر بعضهم بعضا، بمعنى: أنه يوصي قومه ~~أن ينصروا ذلك النبي الذي يأتي بعده، ولا يخذلوه وهذا قول سعيد بن جبير ~~والحسن وطاووس. # وقيل هذا الميثاق مختص بمحمد صلى ms2006 الله عليه وسلم وهذا مروي عن علي ~~وابن عباس وقتادة والسدي، واحتج القائلون بهذا بقوله تعالى: { وإذ ~~أخذ الله ميثاق النبيين } [آل عمران: 81] وهذا يدل على ~~أن الآخذ [هو الله - تعالى - والمأخوذ منهم هم النبيون، وليس في الآية ~~ذكر الأمة، فلم يحسن صرف الميثاق إلى الأمة]. # وأجيب بأن على الوجه الذي قلتم يكون الميثاق مضافا إلى الموثق عليه. ~~وعلى قولنا إضافته [إليهم إضافة الفعل إلى الفاعل - وهو الموثق - وإضافة ~~الفعل إلى الفاعل أقوى من إضافته] إلى المفعول؛ فإن لم يكن فلا أقل من ~~المساواة، وهو كما يقال: ميثاق الله وعهده، فيكون التقدير: وإذ أخذ ~~الله الميثاق الذي وثقه الأنبياء على أممهم. # ويمكن أن يراد ميثاق أولاد النبيين - وهم بنو إسرائيل - على حذف مضاف ~~[وهو كما يقال: " فعل بكر بن وائل كذا " ، و " فعل معد بن عدنان كذا " ، ~~والمراد أولادهم وقومهم، فكذا ههنا]. # ويحتمل أن يكون المراد من لفظ " النبيين " أهل الكتاب، فأطلق لفظ ~~" النبيين " عليهم؛ تهكما بهم على زعمهم؛ لأنهم كانوا يقولون: ~~نحن أولى بالنبوة من محمد صلى الله عليه وسلم لأنا أهل الكتاب، ومنا ~~النبيون، قاله الزمخشري. # ويمكن أنه ذكر النبي والمراد أمته كقوله: # يأيها النبي إذا طلقتم النسآء فطلقوهن # [الطلاق: 1]. # واحتجوا - أيضا - بما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: # " لقد جئتكم بها بيضاء نقية، أما والله لو ~~كان موسى بن عمران حيا لما وسعه إلا اتباعي ". # وبما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: " إن الله - تعالى - ما بعث ~~آدم ومن بعده من الأنبياء عليهم السلام إلا أخذ العهد عليه لئن بعث ~~محمد وهو حي ليؤمنن به، ولينصرنه ". # القول الثاني: أن الميثاق مضاف لفاعله، والموثق عليه غير مذكور؛ لفهم ~~المعنى، والتقدير: ميثاق النبيين على أممهم، ويؤيده قراءة أبي وعبد ~~الله، ويؤيده - أيضا - قوله: { فمن تولى بعد ذلك } [آل ~~عمران: 82] والمراد من الآية أن الأنبياء كانوا يأخذون الميثاق من أممهم ~~بأنه إذا بعث محمد صلى الله عليه وسلم أن يؤمنوا به وينصروه وهو قول ~~مجاهد والربيع، واحتجوا ms2007 بقوله: { ثم جآءكم رسول مصدق ~~لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه } [آل عمران: 81] ~~وإنما كان محمد صلى الله عليه وسلم مبعوثا إلى أهل الكتاب دون النبيين. # وقال أبو مسلم: ظاهر الآية يدل على أن الذين أخذ الله الميثاق منهم، ~~يجب عليهم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم عند مبعثه وكل الأنبياء ~~يكونون عند مبعثه عليه السلام من زمرة الأموات والميت لا يكون مكلفا، ~~فعلمنا أن المأخوذ عليهم الميثاق ليسوا هم النبيين بل أممهم، ويؤكد هذا ~~أنه - تعالى - حكم على من أخذ عليهم الميثاق أنهم لو تولوا كانوا ~~فاسقين، وهذا الوصف لا يليق بالأنبياء، وإنما يليق بالأمم. # قال القفال عن هذا الاستدلال بأنه لا يجوز أن يكون المراد من الآية أن ~~الأنبياء لو كانوا في الحياة لوجب عليهم الإيمان بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم بل يكون هذا كقوله: # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر: 65] وقد علم الله تعالى أنه لا يشرك قط، ولكن خرج هذا على سبيل ~~الفرض والتقدير، وكقوله: # ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه ~~باليمين ثم لقطعنا منه الوتين # [الحاقة: 44-46] وكقوله في صفة الملائكة: # ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك ~~نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين # [الأنبياء: 29] وكل ذلك على سبيل الفرض والتقدير - فكذا هنا - وقوله: ~~إنه سماهم فاسقين فهو على تقدير التولي، واسم الشرك أقبح من اسم الفسق - ~~وقد ذكره - تعالى - على سبيل الفرض في قوله: # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر: 65]. # واحتجوا - أيضا - بأن المقصود من الآية أن يؤمن الذين كانوا في زمان ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فإذا كان الميثاق مأخوذا عليهم كان ذلك أبلغ ~~في تحصيل هذا المقصود من أن يكون مأخوذا على الأنبياء وأجيب عن ذلك بأن ~~درجات الأنبياء أعلى وأشرف من درجات الأمم، فإذا دلت الآية على أن ~~الله أوجب على جميع الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم لو ~~كانوا أحياء - وأنهم لو تركوا ذلك لصاروا من زمرة الفاسقين، فلأن يكون ~~الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم واجبا على أممهم كان ms2008 أولى. # واحتجوا أيضا بما روي عن ابن عباس قال: إنما أخذ الله ميثاق ~~النبيين على قومهم. وبقوله تعالى: # اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا ~~بعهدي أوف بعهدكم # [البقرة: 40] وبقوله: # وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب # [آل عمران: 187]. # وقال بعض أصحاب القول الأول: المعنى: أن الله أخذ ميثاق النبيين أن ~~يأخذوا الميثاق على أممهم أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وينصروه، ~~ويصدقوه - إن أدركوه. # قال بعضهم: إن الله أخذ الميثاق على النبيين وأممهم - جميعا - في أمر ~~محمد صلى الله عليه وسلم فاكتفى بذكر الأنبياء؛ لأن العهد مع المتبوع ~~عهد مع التابع، وهذا معنى قول ابن عباس. # قرأ العامة: " لما آتيتكم " بفتح لام " لما " وتخفيف الميم، وحمزة - ~~وحده - على كسر اللام. وقرأ الحسن وسعيد بن جبير " لما " بالفتح ~~والتشديد. # فأما قراءة العامة ففيها خمسة أوجه: # أحدها: أن تكون " ما " موصولة بمعنى الذي، وهي مفعولة بفعل محذوف، ذلك ~~الفعل هو جواب القسم والتقدير: والله لتبلغن ما آتيناكم من ~~كتاب. قال هذا القائل: لأن لام القسم إنما تقع على الفعل فلما دلت هذه ~~اللام على الفعل حذف. ثم قال تعالى: { ثم جآءكم رسول } وهو ~~محمد صلى الله عليه وسلم قال: وعلى هذا التقدير يستقيم النظم. # وقال شهاب الدين: وهذا الوجه لا ينبغي أن يجوز ألبتة؛ إذ يمتنع أن تقول ~~في نظيره من الكلام: " والله لزيدا " تريد: والله لنضربن زيدا. # الوجه الثاني: وهو قول أبي علي وغيره: أن تكون اللام - في " لما " - ~~جواب قوله: { ميثاق النبيين } لأنه جار مجرى القسم، فهي ~~بمنزلة قولك: لزيد أفضل من عمرو، فهي لام الابتداء المتلقى بها القسم ~~وتسمى اللام المتلقية للقسم. و " ما " مبتدأة موصولة و " آتيتكم " صلتها، ~~والعائد محذوف، تقديره: آتيناكموه فحذف لاستكمال شرطه. و { من كتاب ~~} حال - إما من الموصول، وإما من عائده - وقوله: { ثم جآءكم ~~رسول } عطف على الصلة، وحينئذ فلا بد من رابط يربط هذه الجملة بما ~~قبلها؛ فإن المعطوف على الصلة صلة. # واختلفوا في ذلك، فذهب بعضهم إلى أنه محذوف، تقديره: جاءكم ms2009 رسول به، ~~فحذف " به " لطول الكلام ودلالة المعنى عليه. وهذا لا يجوز؛ لأنه متى ~~جر العائد لم يحذف إلا بشروط، وهي مفقودة هنا، [وزعم هؤلاء أن ~~هذا مذهب سيبويه، وفيه ما قد عرفت، ومنهم من] قال: الربط حصل - هنا - ~~بالظاهر، لأن الظاهر - وهو قوله " لما معكم " صادق على قوله: " لما ~~آتيناكم " فهو نظير: أبو سعيد الذي رويت عن الخدري، والحجاج الذي رأيت ~~أبو يوسف. # وقال: [الطويل] # 1529- فيا رب ليلى أنت في كل موطن # وأنت الذي في رحمة الله أطمع # يريد رويت عنه، ورأيته، وفي رحمته. فأقام الظاهر مقام المضمر، وقد وقع ~~ذلك في المبتدأ والخبر، نحو قوله تعالى: # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع ~~أجر من أحسن عملا # [الكهف: 30] ولم يقل: إنا لا نضيع، وقال تعالى: # إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين # [يوسف: 90] ولم يقل: لا يضيع أجره وهذا رأي أبي الحسن والأخفش. وقد تقدم ~~البحث فيه. # ومنهم من قال: إن العائد يكون ضمير الاستقرار العامل في " مع " و " ~~لتؤمنن به " جواب قسم مقدر، وهذا القسم المقدر وجوابه خبر للمبتدأ ~~الذي هو " لما آتيناكم " والهاء - في " به " - تعود على المبتدأ، ولا ~~تعود على " رسول " لئلا يلزم خلو الجملة الواقعة خبرا من رابط ~~يربطها بالمبتدأ. # الوجه الثالث: كما تقدم، إلا أن اللام في " لما " لام التوطئة؛ لأن ~~اخذ الميثاق في معنى الاستخلاف. وفي " لتؤمنن " لام جواب القسم، هذا كلام ~~الزمخشري. ثم قال: و " ما " تحتمل أن تكون المتضمنة لمعنى الشرط، و " ~~لتؤمنن " ساد مسد جواب القسم والشرط جميعا، وأن تكون بمعنى ~~الذي. وهذا الذي قاله فيه نظر؛ من حيث إن لام التوطئة تكون مع أدوات ~~الشرط، وتأتي - غالبا - مع " إن " أما مع الموصول فلا يجوز في اللام أن ~~تكون موطئة وأن تكون للابتداء. ثم ذكر في " ما " الوجهين، لحملنا كل ~~واحد على ما يليق به. # الوجه الرابع: أن اللام هي الموطئة، و " ما " بعدها شرطية، ومحلها النصب ~~على المفعول به بالفعل الذي بعدها - وهو " آتيناكم ms2010 " ، وهذا الفعل ~~مستقبل معنى؛ لكونه في جزاء الشرط، ومحله الجزم، والتقدير: والله لأي ~~شيء آتيتكم من كذا وكذا ليكونن كذا، وقوله: { من كتاب } ، كقوله: # ما ننسخ من آية # [البقرة: 106] وقد تقدم تقريره. وقوله: { ثم جآءكم رسول } عطف ~~على الفعل قبله، فيلزم أن يكون فيه رابط يربطه بما عطف عليه، و " ~~لتؤمنن " جواب لقوله: { أخذ الله ميثاق النبيين } ~~وجواب الشرط محذوف، سد جواب القسم مسده، والضمير في " به " ~~عائد على " رسول " ، كذا قال أبو حيان. # قال شهاب الدين: " وفيه نظر؛ لأنه يمكن عوده على اسم الشرط، ويستغنى ~~- حينئذ - عن تقديره رابطا ". # وهذا كما تقدم في الوجه الثاني ونظير هذا من الكلام أن نقول: أحلف بالله ~~لأيهم رأيت، ثم ذهب إليه رجل قرشي لأحسنن إليه - تريد إلى الرجل - وهذا ~~الوجه هو مذهب الكسائي. # وقد سأل سيبويه الخليل عن هذه الآية، فأجاب بأن " ما " بمنزلة الذي، ~~ودخلت اللام على " ما " كما دخلت على " إن " حين قلت: والله لئن فعلت ~~لأفعلن، فاللام التي في " ما " كهذه التي في " إن " واللام التي في الفعل ~~كهذه اللام التي في الفعل هنا. هذا نص الخليل. # قال أبو علي: لم يرد الخليل بقوله: إنما بمنزلة الذي كونها موصولة، بل ~~إنها اسم كما أن " الذي " اسم وإما أن تكون حرفا كما جاءت حرفا في ~~قوله: # وإن كلا لما ليوفينهم ربك # [هود: 111] وقوله: # وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا # [الزخرف: 35]. # وقال سيبويه: ومثل ذلك # لمن تبعك منهم لأملأن جهنم # [الأعراف: 18] إنما دخلت اللام على نية اليمين. وإلى كونها شرطية ذهب ~~جماعة كالمازني والزجاج والفارسي والزمخشري. # قال أبو حيان: " وفيه خدش لطيف جدا " وحاصل ما ذكر: أنهم إن أرادوا ~~تفسير المعنى فيمكن أن يقال، وإن أرادوا تفسير الإعراب فلا يصح؛ لأن ~~كلا منهما - أعني: الشرط والقسم - يطلب جوابا على حدة، ولا يمكن أن ~~يكون هذا محمولا عليهما؛ لأن الشرط يقتضيه على جهة العمل، فيكون في موضع ~~جزم، والقسم يطلبه على جهة التعلق المعنوي به من غير عمل، فلا موضع ~~له ms2011 من الإعراب، ومحال أن يكون الشيء له موضع من الإعراب ولا موضع له من ~~الإعراب. [وتقدم هذا الإشكال وجوابه]. # الوجه الخامس: أن أصلها " لما " - بالتشديد - فخففت، وهذا قول ~~أبي إسحاق وسيأتي في قراءة التشديد، وقرأ حمزة لما - بكسر اللام، خفيفة ~~الميم - أيضا - وفيها أربعة أوجه: # أحدها: وهو أغربها - أن تكون اللام بمعنى " بعد ". # كقول النابغة: [الطويل] # 1530- توهمت آيات لها فعرفتها # لستة أعوام وذا العام سابع # يريد: فعرفتها بعد ستة أعوام، وهذا منقول عن صاحب النظم. # قال شهاب الدين: " ولا أدري ما حمله على ذلك؟ وكيف ينتظم هذا كلاما؟ ~~إذ يصير تقديره: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين بعدما آتيتكم، ومن ~~المخاطب بذلك؟ ". # الثاني: أن اللام للتعليل - وهذا الذي ينبغي أن لا يحاد عنه - وهي ~~متعلقة ب " لتؤمنن " و " ما " حينئذ - مصدرية. # قال الزمخشري: " ومعناه: لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب والحكمة، ثم ~~لمجيء رسول مصدق لتؤمنن به على أن " ما " مصدرية، والفعلان معها - أعني: ~~" آتيناكم " و " جاءكم " - في معنى المصدرين، واللام داخلة للتعليل، ~~والمعنى: أخذ الله ميثاقهم ليؤمنن بالرسول، ولينصرنه، لأجل أن آتيتكم ~~الكتاب والحكمة، وأن الرسول الذي آمركم بالإيمان به ونصرته موافق ~~لكم، غير مخالف لكم ". # قال أبو حيان: وظاهر هذا التعليل الذي ذكره، والتقدير الذي قدره أنه ~~تعليل للفعل المقسم فإن عنى هذا الظاهر، فهو مخالف لظاهر الآية؛ لأن ~~ظاهر الآية يقتضي أن يكون تعليلا لأخذ الميثاق، لا لمتعلقه - وهو ~~الإيمان - فاللام متعلقة ب " أخذ " وعلى ظاهر تقدير الزمخشري تكون ~~متعلقة بقوله: { لتؤمنن به } ويمتنع ذلك من حيث إن اللام ~~المتلقى بها القسم لا يعمل ما بعدها فيما قبلها تقول: والله لأضربن ~~زيدا، ولا يجوز: والله زيدا لأضربن، فعلى هذا لا يجوز أن تتعلق اللام ~~في " لما " بقوله: " لتؤمنن ". # وأجاز بعض النحويين في معمول الجواب - إذا كان ظرفا أو مجرورا - ~~تقدمه، وجعل من ذلك قوله: # عما قليل ليصبحن نادمين # [المؤمنون: 40]. # وقوله: [الطويل] # 1531-........................ # بأسحم داج عوض لا نتفرق # فعلى هذا يجوز أن يتعلق بقوله: { لتؤمنن }. # قال شهاب الدين " أما تعلق اللام ms2012 ب { لتؤمنن } - من حيث ~~المعنى - فإنه أظهر من تعلقها ب " أخذ " فلم يبق إلا ما ذكر من ~~منع تقديم معمول الجواب المقترن باللام عليه، وقد يكون الزمخشري ممن ~~يرى جوازه ". # والثالث: أن تتعلق اللام ب " أخذ " ، أي لأجل إيتائي إياكم كيت وكيت، ~~أخذت عليكم الميثاق، وفي الكلام حذف مضاف، تقديره: رعاية ما آتيتكم. # الرابع: أن تتعلق ب " الميثاق " ، لأنه مصدر، أي: توثقنا عليهم لذلك. # هذه الأوجه بالنسبة إلى اللام، وأما " ما " ففيها ثلاثة أوجه: # أحدها: أن تكون مصدرية كما تقدم عن الزمخشري. # والثاني: أنها موصولة بمعنى " الذي " وعائدها محذوف، و { ثم ~~جآءكم } ، عطف على الصلة، والرابط بالموصول إما محذوف، تقديره: به، ~~وإما قيام الظاهر مقام المضمر، وهو رأي الأخفش، وإما ضمير الاستقرار ~~الذي تضمنه " معكم ". # والثالث: أنها نكرة موصوفة، والجملة بعدها صفتها، وعائدها محذوف، { ~~ثم جآءكم } عطف على الصفة، والكلام في الرابط كما تقدم فيها وهي ~~صلة، إلا أن إقامة الظاهر مقامه في الصفة ممتنع، لو قلت: مررت برجل قام ~~أبو عبد الله - على أن يكون قام أبو عبد الله صفة لرجل، والرابط أبو عبد ~~الله، إذ هو الرجل في المعنى - لم يجز ذلك، وإن جاز في الصلة والخبر - ~~عند من يرى ذلك - فيتعين عود ضمير محذوف وجواب قوله: { وإذ أخذ ~~الله ميثاق } قوله: { لتؤمنن به } والضمير في " به " ~~عائد على " رسول " ويجوز الفصل بين القسم والمقسم عليه بمثل هذا الجار ~~والمجرور، فلو قلت أقسمت للخبر الذي بلغني عن عمرو لأحسنن إليه، ~~جاز. # وقوله: { من كتاب وحكمة } إما حال من الموصول، أو من عائده، ~~وإما بيان له فامتنع في قراءة حمزة أن تكون " ما " شرطية، كما امتنع - ~~في قراءة الجمهور - أن تكون مصدرية. # وأما قراءة التشديد ففيها أوجه: # أحدها: أن " لما " هنا - ظرفية، بمعنى " حين " ثم القائل بظرفيتها ~~اختلف تقديره في جوابها، فذهب الزمخشري إلى أن الجواب مقدر من جنس جواب ~~القسم، فقال: " لما " - بالتشديد - بمعنى " حين " أي حين آتيتكم ~~الكتاب والحكمة، ثم جاءكم رسول، وجب عليكم الإيمان به، ونصرته. ms2013 # وقال ابن عطية: ويظهر أن " لما " هذه هي الظرفية، أي: لما كنتم بهذه ~~الحال رؤساء الناس وأمثالهم أخذ عليكم الميثاق؛ إذ على القادة يؤخذ، ~~فيجيء على هذا المعنى كالمعنى في قراءة حمزة فقدر ابن عطية جوابها من ~~جنس ما سبقها، وهذا الذي ذهب إليه مذهب مرجوح، قال به الفارسي ~~والجمهور وسيبويه وأتباعه والجمهور. # وقال الزجاج: أي: لما آتاكم الكتاب والحكمة، أي: أخذ عليكم الميثاق ~~وتكون لما يؤول إلى الجزاء، كما تقول: لما جئتني أكرمتك. # وهذه العبارة لا يؤخذ منها كون " لما " ظرفية، ولا غير ذلك، إلا أن فيها ~~عاضدا لتقدير ابن عطية جوابها من جنس ما تقدمها، بخلاف تقدير ~~الزمخشري. # الثاني: أن " لما " حرف وجوب لوجوب، وهو مذهب سيبويه، وجوابها كما ~~تقدم من تقديري ابن عطية والزمخشري، وفي قول ابن عطية: فيجيء على هذا ~~المعنى كالمعنى في قراءة حمزة - نظر؛ إذ قراءة حمزة فيها تعليل، وهذه ~~القراءة لا تعليل فيها، اللهم إلا أن يقال: لما كانت " لما " تحتاج ~~إلى جواب أشبه ذلك العلة ومعمولها؛ لأنك إذا قلت: لما جئتني أكرمتك؛ في ~~قوة: أكرمتك لأجل مجيئي إليه، فهي من هذه الجهة كقراءة حمزة. # والثالث: أن الأصل: لمن ما، فأدغمت النون في الميم، لأنها تقاربها، ~~والإدغام - هنا - واجب، ولما اجتمع ثلاث ميمات: ميم " من " وميم " ما " ~~والميم التي انقلبت من نون - من أجل الإدغام - فحصل ثقل في اللفظ، قال ~~الزمخشري: " فحذفوا إحداها ". # قال أبو حيان: وفيه إبهام، وقد عينها ابن جني بأن المحذوف هي ~~الأولى، وفيه نظر؛ لأن الثقل إنما حصل بما بعد الأولى، ولذلك كان ~~الصحيح في نظائره إنما هو حذف الثاني، في نحو # تنزل الملائكة # [القدر: 4] وقد ذكر أبو البقاء أن المحذوفة هي النافية، قال: " لضعفها ~~بكونها بدلا، وحصول التكرير بها " و " من " هذه التي في لمن ما زائدة ~~في الواجب على رأي الأخفش - وهذا تخريج أبي الفتح، وفيه نظر بالنسبة إلى ~~ادعائه زيادة " من " ، فإن التركيب يقلق على ذلك، ويبقى المعنى غير ~~ظاهر. # الرابع: أن الأصل - أيضا - لمن ما، ms2014 ففعل به ما تقدم من القلب ~~والإدغام، ثم الحذف، إلا أن " من " ليست زائدة، بل هي تعليلية، قال ~~الزمخشري: " ومعناه: لمن أجل ما آتيتكم لتؤمنن به، وهذا نحو من قراءة ~~حمزة في المعنى ". # وهذا الوجه أوجه مما تقدمه؛ لسلامته من ادعاء زيادة " من " ولوضوح ~~معناه. # وقرأ نافع " آتيناكم " بضمير المعظم نفسه، كقوله: # وآتينا داوود زبورا # [الإسراء: 55] وقوله: # وآتيناه الحكم # [مريم: 12]، والباقون: " آتيتكم " - بضمير المتكلم وحده - وهو موافق لما ~~قبله وما بعده من صيغة الإفراد في قوله: { وإذ أخذ الله } و { ~~جآءكم } و { إصري }. # وفي قوله: " آتيتكم " و " آتيناكم " على كلتا القراءتين - التفاتان: # الأول: الخروج من الغيبة إلى التكلم في قوله: " آتينا " أو " آتيت " لأن ~~قبله ذكر الجلالة المعظمة في قوله: { وإذ أخذ الله }. # والثاني: الخروج من الغيبة إلى الخطاب في قوله: " آتيناكم " لأنه قد ~~تقدمه اسم ظاهر، وهو { النبيين } إذ لو جرى على مقتضي تقدم ~~الجلالة والنبيين لكان الترتيب: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتاهم ~~من كتاب. كذا قال بعضهم، وفيه نظر؛ لأن مثل هذا لا يسمى التفاتا في ~~اصطلاحهم، وإنما يسمى حكاية الحال، ونظيره قولك: حلف زيد ليفعلن، ~~ولأفعلن، فالغيبة مراعاة لتقدم الاسم الظاهر، والتكلم حكاية لكلام ~~الحالف. والآية الكريمة من هذا. وأصل: { لتؤمنن به ~~ولتنصرنه } ، لتؤمنونن به ولتنصرونن، فالنون الأولى علامة ~~الرفع، و المشددة بعدها للتوكيد، فاستثقل توالي ثلاثة أمثال، فحذفوا ~~نون الرفع؛ لأنها ليست في القوة كالتي للتوكيد، فالتقى - بحذفها - ~~ساكنان، فحذفت الواو، لالتقاء الساكنين. # وقرأ عبد الله " مصدقا " نصب على الحال من النكرة، وقد قاسه ~~سيبويه، وإن كان المشهور عنه خلافه، وحسن ذلك هنا كون النكرة في ~~قوة المعرفة من حيث إنها أريد بها شخص معين - وهو محمد صلى الله عليه ~~وسلم واللام في " لما " - زائدة؛ لأن العامل فرع - وهو " مصدق " - ~~والأصل مصدق ما معكم. # فصل # قال بعض العلماء: في الآية إضمار آخر، وأراح نفسه من تلك التكلفات ~~المتقدمة، فقال: تقدير الآية: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لتبلغن ~~الناس ما آتيتكم من كتاب وحكمة إلا ms2015 أنه حذف " لتبلغن " لدلالة الكلام ~~عليه؛ لأن لام القسم إنما تقع على الفعل، فلما دلت هذه اللام على هذا ~~الفعل جاز حذفه اختصارا، ثم قال بعده: { ثم جآءكم رسول ~~مصدق لما معكم } وهو محمد صلى الله عليه وسلم { ~~لتؤمنن به ولتنصرنه } وعلى هذا التقدير يستقيم النظم، ~~ولا يحتاج إلى تكلف، وإذا كان لا بد من التزام الإضمار، فهذا الإضمار ~~الذي ينتظم به الكلام نظما جليا أولى. # فصل # والمراد من الكتاب هو المنزل، المقروء، والحكمة هي الوحي الوارد ~~بالتكليف المفصلة التي لم يشتمل الكتاب عليها. # وكلمة " من " - في قوله: { من كتاب } تبيين ل " ما " كقولك: ما ~~عندي من الورق دانقان. # وقيل: هذا الخطاب إما أن يكون مع الأنبياء، فجميع الأنبياء، ما أوتوا ~~الكتاب، وإنما أوتي بعضهم، وإن كان مع الأمم فالإشكال أظهر. # والجواب من وجهين: # الأول: أن جميع الأنبياء أوتوا الكتاب بمعنى كونه مهتديا به، داعيا ~~إلى العمل به، وإن لم ينزل عليه. # الثاني: أشرف الأنبياء هم الذين أوتوا الكتاب، فوصف الكل بوصف أشرفهم. # فإن قيل: ما وجه قوله: { ثم جآءكم } والرسول لا يجيء إلى ~~النبيين، وإنما يجيء إلى الأمم؟ # فالجواب: أما إن حملنا قوله تعالى: { وإذ أخذ الله ميثاق ~~النبيين } على أخذ ميثاق أممهم، فالسؤال قد زال، وإن حملناه على ~~أخذ ميثاق النبيين من أنفسهم، كان قوله: { ثم جآءكم } أي: ثم ~~جاءكم في زمانكم. # فإن قيل: كيف يكون محمد صلى الله عليه وسلم مصدقا لما معهم - مع ~~مخالفة شرعه لشرعهم -؟ # فالجواب: أن المراد به حصول الموافقة في التوحيد والنبوات وأصول ~~الشرائع، أما تفاصيلها فإن وقع خلاف فيها فذاك في الحقيقة ليس بخلاف؛ ~~لأن جميع الأنبياء متفقون على أن الحق في زمان موسى ليس إلا شرعه، وأن ~~الحق في زمان محمد صلى الله عليه وسلم ليس إلا شرعه، فهذا وإن كان يوهم ~~الخلاف فهو في الحقيقة وفاق. # وأيضا فالمراد بقوله: { مصدق لما معكم } هو أن محمدا صلى ~~الله عليه وسلم مصدق لما معهم من صفته، وأحواله المذكورة في التوراة ~~والإنجيل، فلما ms2016 ظهر على أحوال مطابقة لما ذكر في تلك الكتب كان نفس ~~مجيئه تصديقا لما معهم. # والميثاق يحتمل وجهين: # أحدهما: هو أن يكون ما قرر في عقولهم من الدلائل الدالة على أن ~~الانقياد لأمر الله واجب، فإذا جاء الرسول فهو إنما يكون رسولا عند ~~ظهور المعجزات الدالة على صدقه، فإذا أخبرهم بعد ذلك أن الله أمر ~~الخلق بالإيمان به عرفوا - عند ذلك - وجوبه، فتقرير هذا الدليل في عقولهم ~~هو المراد من الميثاق. # ويحتمل أن المراد بأخذ الميثاق أنه - تعالى - شرح صفاته في كتب ~~الأنبياء المتقدمين، وإذا صارت مطابقة لما في كتبهم المتقدمة، وجب ~~الانقياد له، فقوله تعالى: { ثم جآءكم رسول مصدق لما ~~معكم } يدل على هذين الوجهين، أما على الأول فقوله: " رسول " ، وأما ~~على الثاني فقوله { مصدق لما معكم }. # قوله: { قال أأقررتم } فاعل " قال " يجوز أن يكون ضمير الله ~~- تعالى - وهو الظاهر - وأن يكون ضمير النبي الذي هو واحد النبيين، خاطب ~~بذلك أمته، ومتعلق الإقرار محذوف، أي: أقررتم بذلك كله؟ والاستفهام - ~~على الأول - مجاز؛ إذ المراد به التقرير والتوكيد عليهم؛ لاستحالته في حق ~~الباري تعالى، وعلى الثاني: هو استفهام حقيقة. # و " إصري " على الأول - الياء لله - تعالى - وعلى الثاني للنبي صلى ~~الله عليه وسلم. # وقرأ العامة " إصري " بكسر الهمزة، وهي الفصحى، وقرأ أبو بكر عن عاصم - ~~في رواية - " أصري " بضمها ثم المضموم الهمزة يحتمل أن يكون لغة في ~~المكسور - وهو الظاهر - ويحتمل أن يكون جمع إصار ومثله أزر في جميع ~~إزار، والإصر: الثقل الذي يلحق الإنسان؛ لأجل ما يلزمه من عمل، قال ~~الزمخشري: " سمي العهد إصرا؛ لأنه مما يؤصر، أي: يشد، ويعقد، ~~ومنه الإصار الذي يعقد به " وتقدم الكلام عليه في آخر البقرة. # فصل # إذا قلنا: إن الله - تعالى - هو الذي أخذ الميثاق على النبيين كان قوله ~~{ ءأقررتم } معناه: أأقررتم بالإيمان به، والنصر له. # وذلك حين استخرج الذرية من صلب آدم والأنبياء فيهم كالمصابيح - وأخذ ~~عليهم الميثاق في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ثم قال: { ءأقررتم ~~وأخذتم على ذلكم إصري ms2017 }؟ أي قبلتم على ذلكم عهدي. # والإصر: العهد الثقيل؛ والإقرار في اللغة منقول بالألف من قر الشيء ~~يقر إذا ثبت ولزم مكانه، وأقره غيره، والمقر بالشيء، يقره على ~~نفسه، أي: يثبته. # والأخذ بمعنى القبول كثير في كلامهم، قال تعالى: # ولا يؤخذ منها عدل # [البقرة: 48] أي: لا تقبل فدية. # وقال: # ويأخذ الصدقات # [التوبة: 104] أي: يقبلها. # وقوله: { أقررنا } أي: بالإيمان به، وبنصرته، وفي الكلام حذف جملة، ~~حذفت لدلالة ما تقدم عليها؛ إذ التقدير: قالوا: أقررنا، وأخذنا إصرك ~~على ذلك كله. # وقوله: { فاشهدوا } هذه الفاء عاطفة على جملة مقدرة، و التقدير: ~~قال: أأقررتم؟ فاشهدوا، ونظير ذلك: ألقيت زيدا؟ قال: لقيته، قال: ~~فأحسن إليه. التقدير: ألقيت زيدا، فأحسن إليه، فما فيه الفاء بعض ~~المقول، ولا جائز أن يكون كل المقول؛ لأجل الفاء، ألا ترى قوله: { قال ~~ءأقررتم } وقوله: { قالوا أقررنا }. # لو كان كل المقول لم تدخل الفاء، قاله أبو حيان. # فصل # في معنى قوله: { فاشهدوا } وجوه: # الأول: فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار، { وأنا معكم } أي: وأنا ~~على إقراركم، وإشهاد بعضكم بعضا { من الشاهدين } وهذا توكيد ~~وتحذير من الرجوع إذا علموا شهادة الله، وشهادة بعضهم على بعض. # الثاني: أن هذا خطاب للملائكة بأن يشهدوا عليهم، قاله سعيد بن ~~المسيب. # الثالث: أن قوله: { فاشهدوا } إشهاد على نفسه، ونظيره قوله: # وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا ~~بلى شهدنآ # [الأعراف: 172] وهذا باب من المبالغة. # الرابع: فاشهدوا، أي: بينوا هذا الميثاق للخاص والعام؛ لكي لا يبقى ~~لأحد عذر في الجهل به، وأصله أن الشاهد يبين صدق الدعوى. # الخامس: قال ابن عباس: { فاشهدوا } أي: فاعلموا، واستيقنوا ما ~~قررته عليكم من هذا الميثاق، وكونوا فيه كالمشاهد للشيء المعاين له. # السادس: إذا قلنا: إن أخذ الميثاق كان من الأمم، فقوله: { ~~فاشهدوا } خطاب للأنبياء بأن يكونوا شاهدين عليهم. قوله: { من ~~الشاهدين } هذا هو الخبر؛ لأنه محط الفائدة. وأما قوله: { معكم ~~} فيجوز أن يكون حالا، أي: وأنا من الشاهدين مصاحبا لكم، ويجوز أن يكون ~~منصوبا ب " الشاهدين " ظرفا له عند من يرى تجويز ذلك - ويمتنع ms2018 ~~أن يكون هذا هو الخبر؛ إذ الفائدة به غير تامة في هذا المقام. # والجملة من قوله: { وأنا معكم من الشاهدين } يجوز ألا ~~يكون لها محل؛ لاستئنافها. ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من فاعل { ~~فاشهدوا } والمقصود من هذا الكلام التأكيد، وتقوية الإلزام. قوله: { ~~فمن تولى } يجوز أن تكون " من " شرطية، فالفاء - في " ~~فأولئك " جوابها. والفعل الماضي ينقلب مستقبلا في الشرط. وأن تكون ~~موصولة، ودخلت الفاء لشبه المبتدأ باسم الشرط، فالفعل بعدها على الأول ~~- في محل جزم، وعلى الثاني لا محل له؛ لكونه صلة، وأما " فأولئك " ففي ~~محل جزم أيضا - على الأول، ورفع الثاني، لوقوعه خبرا و " هم " يجوز أن ~~يكون فصلا، وأن يكون مبتدأ. # ومعنى الآية: من أعرض عن الإيمان بهذا الرسول، وبنصرته، والإقرار له { ~~فأولئك هم الفاسقون } الخارجون عن الإيمان. ### || [3.83] # الجمهور يجعلون الهمزة مقدمة على الفاء، للزومها الصدر، والزمخشري ~~يقرها على حالها، ويقدر محذوفا قبلها، وهنا جوز وجهين: # أحدهما: أن تكون الفاء عاطفة جملة على جملة، والمعنى: فأولئك هم ~~الفاسقون، فغير دين الله يبغون، ثم توسطت الهمزة بينهما. # والثاني: أن تعطف على محذوف، تقديره أيتولون، فغير دين الله يبغون؟ لأن ~~الاستفهام إنما يكون عن الأفعال والحوادث، وهو استفهام استنكار، وقدم ~~المفعول - الذي هو " غير " - على فعله؛ لأنه أهم من حيث أن الإنكار - ~~الذي هو معنى الهمزة - متوجه إلى المعبود الباطل، هذا كلام ~~الزمخشري. # قال أبو حيان: " ولا تحقيق فيه؛ لأن الإنكار - الذي هو معنى الهمزة - لا ~~يتوجه إلى الذوات، وإنما يتوجه إلى الأفعال التي تتعلق بالذوات، فالذي ~~أنكر إنما هو الابتغاء، الذي متعلقه غير دين الله، وإنما جاء تقديم ~~المفعول من باب الاتساع، ولشبه " يبغون " بالفاصلة، فأخر الفعل ". # وقرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم " يبغون " من تحت - نسقا على قوله: # هم الفاسقون # [آل عمران: 82] والباقون بتاء الخطاب، التفاتا لقوله: # لمآ آتيتكم من كتاب وحكمة # [آل عمران: 81] ولقوله: # ءأقررتم وأخذتم # [آل عمران: 81]. # وأيضا فلا يبعد أن يقال للمسلم والكافر، ولكل أحد: أفغير دين الله ~~تبغون مع علمكم ms2019 أنه أسلم له من في السموات والأرض وأن مرجعكم إليه؟ ~~ونظيره قوله: # وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله ~~وفيكم رسوله # [آل عمران: 101]. # قال ابن الخطيب: ذكر المفسرون في سبب النزول أن أهل الكتاب اختصموا ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فادعى كل واحد من الفريقين أنه ~~على دين إبراهيم، فقال صلى الله عليه وسلم # " كلا الفريقين بريء من إبراهيم، فغضبوا وقالوا: ~~والله لا نرضى بقضائك، ولا نأخذ بدينك " # ، فنزل قوله: { أفغير دين الله يبغون }. # قال ابن الخطيب: ويبعد عندي حمل هذه الآية على هذا السبب؛ لأن على ~~هذا التقدير - الآية منقطعة عما قبلها، والاستفهام على سبيل الإنكار ~~يقتضي تعلقها بما قبلها، وإنما الوجه في الآية أن هذا الميثاق لما كان ~~مذكورا في كتبهم، وهم كانوا عارفين بذلك، وعالمين بصدق محمد صلى ~~الله عليه وسلم في النبوة، فلم يبق كفرهم إلا مجرد عناد وحسد ~~وعداوة، فصاروا كإبليس حين دعاه الحسد إلى الكفر، فأعلمهم - تعالى - ~~أنهم متى كانوا كذلك كانوا طالبين دينا غير دين الله - تعالى - ثم ~~بين لهم أن التمرد على الله، والإعراض عن حكمه مما لا يليق بالعقل، ~~فقال: { وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا ~~وكرها وإليه يرجعون }. # قوله: " وله أسلم من في السموات " جملة حالية، أي: كيف يبغون غير ~~دينه، والحال هذه، وفي قوله: " طوعا وكرها " وجهان: # أحدهما: أنهما مصدران في موضع الحال، والتقدير: طائعين وكارهين. # الثاني: أنهما مصدران على غير المصدر، قال ابو البقاء: " لأن " أسلم ~~" بمعنى انقاد، وأطاع " وتابعه أبو حيان على هذا. # وفيه نظر؛ من حيث إن هذا ماش في " طوعا " لموافقته معنى الفعل ~~قبله، وأما " كرها " ، كيف يقال فيه ذلك؟ والقول بأنه يغتفر في ~~التوالي ما لا يغتفر في الأوائل، غير نافع هنا. # ويقال يطاع يطوع، وأطاع يطيع بمعنى، قاله ابن السكيت، وقول: طاعه ~~يطوعه: انقاد له، وأطاعه، أي: رضي لأمره، وطاوعه، أي: وافقه. # قرأ الأعمش: " وكرها " - بالضم - وسيأتي أنها قراءة الأخوين في سورة ~~النساء. # قال الحسن: أسلم من في السموات طوعا، ms2020 وأسلم من في الأرض بعضهم ~~طوعا، وبعضهم خوفا من السيف والسبي. # وقال مجاهد: " طوعا " المؤمن، و " كرها " ظل الكافر، بدليل قوله: # ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها ~~وظلالهم بالغدو والآصال # [الرعد: 15]. # وقيل هذا يوم الميثاق، حين قال: # ألست بربكم قالوا بلى # [الأعراف: 172] فقال بعضهم طوعا، وبعضهم كرها. # قال قتادة: المؤمن أسلم طوعا فنفعه، والكافر أسلم كرها في وقت اليأس، ~~فلم ينفعه، قال تعالى: # فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا # [غافر: 85]. # قال الشعبي: وهو استعاذتهم به عند اضطرارهم، كقوله: # فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له ~~الدين # [العنكبوت: 65]. # قال الكلبي: " طوعا " الذي ولد في الإسلام " وكرها " الذين ~~أجبروا على الإسلام. # قال ابن الخطيب: كل أحد منقاد - طوعا أو كرها - فالمسلمون منقادون لله ~~طوعا فيما يتعلق بالدين، ومنقادون له فيما يخالف طباعهم من الفقر ~~والمرض والموت وأشباهه. وأما الكافرون، فهم منقادون لله كرها على كل ~~حال؛ لأنهم لا ينقادون لله فيما يتعلق بالدين، وفي غير ذلك مستسلمون له ~~- سبحانه - كرها، لا يمكنهم دفع قضائه وقدره. # وقيل: كل الخلق منقادون للإلهية طوعا، بدليل قوله: # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله # [لقمان: 25] ومنقادون لتكاليفه وإيجاده للآلام كرها. # قوله: { وإليه يرجعون } يجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفة، ~~فلا محل لها، وإنما سيقت للإخبار بذلك؛ لتضمنها معنى التهديد العظيم، ~~والوعيد الشديد. ويجوز أن تكون معطوفة على الجملة من قوله: { وله ~~أسلم } فتكون حالا - أيضا - ويكون المعنى: أنه نعى عليهم ابتغاء ~~غير دين من أسلم له جميع من في السموات والأرض - طائعين ومكرهين - ومن ~~مرجعهم إليه. # قرأ حفص - عن عاصم - " يرجعون " بياء الغيبة - ويحتمل ذلك وجوها: # أحدها: أن يعود الضمير على { من أسلم }. # الثاني: أن يعود على من عاد عليه الضمير في " يبغون " في قراءة من ~~قرأ بالغيبة، ولا التفات في هذين. # والثالث: أن يعود على من عاد عليه الضمير في " تبغون " - في قراءة ~~الخطاب - فيكون التفاتا حينئذ. وقرأ الباقون - " تبغون " - بالخطاب - ~~وهو واضح، ومن قرأه بالغيبة كان التفاتا منه. # ويجوز ms2021 أن يكون التفاتا من قوله: { من في السماوات والأرض }. ### || [3.84] # وفي هذه الآية احتمالان: # أحدهما: أن يكون المأمور بهذا القول - وهو " آمنا " إلى آخره - هو ~~محمد صلى الله عليه وسلم ثم في ذلك معنيان: # أحدهما: أن يكون هو وأمته مأمورين بذلك، وإنما حذف معطوفه؛ لفهم ~~المعنى، والتقدير: قل يا محمد أنت وأمتك: آمنا بالله، كذا قدره ابن ~~عطية. # والثاني: أن المأمور بذلك نبينا وحده، وإنما خوطب بلفظ الجمع؛ تعظيما ~~له. # قال الزمخشري: " ويجوز أن يؤمر بأن يتكلم عن نفسه كما يتكلم الملوك؛ ~~إجلالا من الله - تعالى - لقدر نبيه ". # والاحتمال الثاني: أن يكون المأمور بهذا القول من تقدم، والتقدير: قل ~~لهم: قولوا: آمنا، ف " آمنا " منصوب ب " قل " على الاحتمال الأول، ~~وب " قولوا " المقدر على الاحتمال الثاني، وذلك القول المضمر ~~منصوب المحل. # وهذه الآية شبيهة بالتي في البقرة، إلا أن هنا عدى " أنزل " ب ~~" على " وهناك عداه ب " إلى ". # قال الزمخشري: لوجود المعنيين جميعا؛ لأن الوحي ينزل من فوق، وينتهي ~~إلى الرسل، فجاء تارة بأحد المعنيين، وأخرى بالآخر. # قال ابن عطية: " الإنزال على نبي الأمة إنزال عليها " وهذا ليس ~~بطائل بالنسبة إلى طلب الفرق. # قال الراغب: " إنما قال - هنا - " على " ، لأن ذلك لما كان خطابا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم وكان واصلا إليه من الملأ الأعلى بلا واسطة ~~بشرية، كان لفظ " على " المختص بالعلو أولى به، وهناك لما كان ~~خطابا للأمة، وقد وصل إليهم بواسطة النبي صلى الله عليه وسلم كان لفظ " ~~إلى " المختص بالاتصال أولى. # ويجوز أن يقال: " أنزل عليه " ، إنما يحمل على ما أمر المنزل ~~عليه أن يبلغه غيره. وأنزل إليه، يحمل على ما خص به في نفسه، ~~وإليه نهاية الإنزال، وعلى ذلك قال تعالى: # أولم يكفهم أنآ أنزلنا عليك الكتاب يتلى ~~عليهم # [العنكبوت: 51] وقال: # وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل ~~إليهم # [النحل: 44] خص هنا ب " إلى " لما كان مخصوصا بالذكر الذي هو بيان ~~المنزل، وهذا كلام في الأولى لا في الوجوب ". # وهذا الذي ذكره الراغب رده الزمخشري، ms2022 فقال: " ومن قال: إنما قيل: " ~~علينا " لقوله: " قل " و " إلينا " لقوله: " قولوا " ، تفرقة بين ~~الرسول والمؤمنين؛ لأن الرسول يأتيه الوحي عن طريق الاستعلام، ويأتيهم ~~على وجه الانتهاء، فقد تعسف؛ ألا ترى إلى قوله: # بمآ أنزل إليك # [البقرة: 4] وقوله: # وأنزلنآ إليك الكتاب # [المائدة: 48] وقوله: # وقالت طآئفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي ~~أنزل على الذين آمنوا وجه النهار # [آل عمران: 72] وفي البقرة: # وما أوتي النبيون # [البقرة: 136] وهنا: " والنبيون " ، لأن التي في البقرة لفظ ~~الخطاب فيها عام، ومن حكم خطاب العام البسط دون الإيجاز، بخلاف الخطاب ~~هنا، لأنه خاص، فلذلك اكتفى فيه بالإيجاز دون الإطناب ". # قال ابن الخطيب: قدم الإيمان بالله على الإيمان بالأنبياء؛ لأن ~~الإيمان بالله أصل الإيمان بالنبوة، ثم في المرتبة الثانية قدم ذكر ~~الإيمان بما أنزل عليه؛ لأن كتب سائر الأنبياء حرفوها وبدلوها، فلا ~~سبيل إلى معرفة أحوالها إلا بالإيمان بما أنزل على محمد صلى الله ~~عليه وسلم فكأن ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم كالأصل لما ~~أنزل على سائر الأنبياء، فلذا قدمه، وفي المرتبة الثالثة ذكر بعض ~~الأنبياء، وهم الأنبياء الذين يعترف أهل الكتاب بوجودهم، ويختلفون ~~في نبوتهم، والأسباط: هم أسباط يعقوب الذين ذكر الله - تعالى - أممهم ~~الاثنتي عشرة في سورة الأعراف. # فصل # قوله: { والنبيون } بعد قوله: { وما أوتي موسى وعيسى ~~} من باب عطف العام على الخاص. # اختلف العلماء في كيفية الإيمان بالأنبياء المتقدمين الذين نسخت ~~شرائعهم. وحقيقة الخلاف أن شرعه لما صار منسوخا، فهل تصير نبوته ~~منسوخة؟ فمن قال: إنها تصير منسوخة قال: نؤمن بأنهم كانوا أنبياء ~~ورسلا، ولا نؤمن بأنهم أنبياء ورسل في الحال. ومن قال: إن نسخ ~~الشريعة لا يقتضي نسخ النبوة، قال: نؤمن بأنهم أنبياء ورسل في الحال، ~~فتنبه لهذا الموضع. # فصل # قال ابن الخطيب: اختلفوا في معنى قوله: { لا نفرق بين أحد ~~منهم } فقال الأصم: الفرقان قد يكون بتفضيل البعض على البعض, ~~وقد يكون بالقول بأنهم كانوا على سبيل واحد في الطاعة الله - تعالى - ~~وفي الانقياد لتكاليف الله - وهذا هو المراد. # وقال ms2023 بعضهم: { لا نفرق بين أحد منهم } بأن نؤمن ببعض ~~دون بعض - كما فرقت اليهود والنصارى. # وقال أبو مسلم: لا نفرق ما جمعوا، وهو كقوله تعالى: # واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا # [آل عمران: 103] وذم قوما ووصفهم بالتفرق، فقال: # لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون # [الأنعام: 94]. # قوله: { ونحن له مسلمون } فيه وجوه: # الأول: أن إقرارنا بنبوة هؤلاء الأنبياء إنما كان لأننا منقادون لله ~~- تعالى - مستسلمون لحكمه، وفيه تنبيه على أن حاله على خلاف الذين ~~خاطبهم الله بقوله: # أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في ~~السماوات والأرض # [آل عمران: 83]. # قال أبو مسلم: { ونحن له مسلمون } أي: مستسلمون لأمره ~~بالرضا، وترك المخالفة، وتلك صفة المؤمنين بالله، وهم أهل السلم، ~~والكافرون أهل الحرب، لقوله تعالى: # إنما جزآء الذين يحاربون الله ورسوله # [المائدة: 33]. # قال ابن الخطيب: { ونحن له مسلمون } يفيد الحصر، ~~والتقدير: له أسلمنا لا لغرض آخر من سمعة، ورياء، وطلب مال، وهذا تنبيه ~~على أن حالهم بالضد من ذلك. ### || [3.85] # العامة يظهرون هذين المثلين في { يبتغ غير } لأن بينهما فاصلا ~~فلم يلتقيا في الحقيقة، وذلك الفاصل هو الياء التي حذفت للجزم. # وروي عن أبي عمرو فيها الوجهان: # الإظهار على الأصل، ولمراعاة الفاصل الأصلي. # والإدغام؛ مراعاة للفظ؛ إذ يصدق أنهما التقيا في الجملة، ولأن ذلك ~~مستحق الحذف لعامل الجزم. # وليس هذا مخصوصا بهذه الآية، بل كل ما التقى فيه مثلان بسبب حذف ~~حرف لعلة اقتضت ذلك جرى فيها الوجهان، نحو: # يخل لكم وجه أبيكم # [يوسف: 9] وقوله: # وإن يك كاذبا فعليه كذبه # [غافر: 28]. # وقد استشكل على هذا نحو # ويقوم ما لي أدعوكم # [غافر: 41] ونحو: # ويقوم من ينصرني # [هود: 30] فإنه لم يرو عن أبي عمرو خلاف في إدغامها، وكان القياس ~~يقتضي جواز الوجهين، لأن ياء المتكلم فاصلة تقديرا. # قوله: " دينا " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه مفعول " يبتغ " و " غير الإسلام " حال؛ لأنها في ~~الأصل صفة له، فلما قدمت نصبت حالا. # الثاني: أن يكون تمييزا ل " غير " لإبهامها، فميزت كما ~~ميزت " مثل " و " شبه " وأخواتهما، ms2024 وسمع من العرب: إن لنا ~~غيرها إبلا وشاء. # والثالث: أن يكون بدلا من " غير ". وعلى هذين الوجهين ف { غير ~~الإسلام } هو المفعول به ل " يبتغ ". # وقوله: { وهو في الآخرة من الخاسرين } يجوز أن لا يكون ~~لهذه الجملة محل؛ لاستئنافها، ويجوز أن تكون في محل جزم؛ نسقا على ~~جواب الشرط - وهو { فلن يقبل منه } - ويكون قد ترتب على ابتغاء ~~غير الإسلام دينا الخسران وعدم القبول. # فصل # لما تقدم قوله تعالى: # ونحن له مسلمون # [آل عمران: 84] بين أن الدين ليس إلا الإسلام، وأن كل دين غيره ليس ~~بمقبول؛ لأن معنى قبول العمل أن يرضى الله ذلك العمل، ويثيب فاعله ~~عليه، قال تعالى # إنما يتقبل الله من المتقين # [المائدة: 27] وما لم يكن مقبولا كان صاحبه من الخاسرين في الآخرة ~~بحرمان الثواب، وحصول العقاب، مع الندامة على ما فاته من العمل الصالح، ~~مع التعب والمشقة في الدنيا في ذلك الدين الباطل. # فصل # قال المفسرون: نزلت هذه الآية في اثني عشر رجلا ارتدوا عن الإسلام، ~~وخرجوا من المدينة، وأتوا مكة كفارا منهم الحرث بن سويد ~~الأنصاري، فنزل قول الله تعالى: { ومن يبتغ غير الإسلام ~~دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ~~} والخسران في الآخرة يكون بحرمان الثواب، وحصول العقاب، ~~والتأسف على ما فاته في الدنيا من العمل الصالح، والتحسر على ما ~~تحمله من التعب والمشقة في تقرير دينه الباطل. # وظاهر هذه الآية يدل على أن الإيمان هو الإسلام؛ إذ لو كان غيره لوجب ~~أن لا يكون الإيمان مقبولا؛ لقوله تعالى: { ومن يبتغ غير ~~الإسلام دينا فلن يقبل منه } إلا أن ظاهر قوله تعالى: # قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا # [الحجرات: 14] يقتضي التغاير بينهما، ووجه التوفيق بينهما أن تحمل ~~الآية الأولى على العرف الشرعي، والآية الثانية على الموضع اللغوي. ### || [3.86] # الاستفهام فيه كقوله: # كيف تكفرون بالله # [البقرة: 28]. # وقيل: الاستفهام - هنا - معناه النفي كقوله: [الخفيف] # 1532- كيف نومي على الفراش ولما # تشمل الشام غارة شعواء؟ # وقول الآخر: [الطويل] # 1533- فهذي سيوف يا صدي بن ms2025 مالك # كثير، ولكن كيف بالسيف ضارب؟ # يعني: أين بالسيف؟ # { وشهدوا } في هذه الجملة ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها معطوفة على " كفروا " و " كفروا " في محل نصب؛ ~~نعتا ل " قوما " أي: كيف يهدي من جمع بين هذين الأمرين، وإلى هذا ذهب ~~ابن عطية والحوفي وأبو البقاء، ورده مكي، فقال: لا يجوز عطف " ~~شهدوا " على " كفروا " لفساد المعنى. ولم يبين جهة الفساد، ~~فكأنه فهم الترتيب بين الكفر والشهادة، فلذلك فسد المعنى عنده. وهذا ~~غير لازم؛ فإن الواو لا تقتضي ترتيبا، ولذلك قال ابن عطية: " المعنى ~~مفهوم أن الشهادة قبل الكفر، والواو لا ترتب ". # الثاني: أنها في محل نصب على الحال من واو " كفروا " فالعامل فيها ~~الرافع لصاحبها، و " قد " مضمرة معها على رأي - أي كفروا وقد شهدوا، ~~وإليه ذهب جماعة كالزمخشري، وأبي البقاء وغيرهما. # قال أبو البقاء: " ولا يجوز أن يكون العامل " يهدي "؛ لأنه يهدي من ~~شهد أن الرسول حق ". # يعني أنه لا يجوز أن يكون حالا من " قوما " والعامل في الحال " ~~يهدي " لما ذكر من فساد المعنى. # الثالث: أن يكون معطوفا على " إيمانهم " لما تضمنه من الانحلال ~~لجملة فعلية؛ إذ التقدير: بعد أن آمنوا وشهدوا، وإلى هذا ذهب جماعة. # قال الزمخشري: أن يعطف على ما في " إيمانهم " من معنى الفعل؛ لأن ~~معناه: بعد أن آمنوا، كقوله: # فأصدق وأكن # [المنافقون: 10] وقول الشاعر: [الطويل] # 1534- مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة # ولا ناعب إلا ببين غرابها # وجه تنظيره ذلك بالآية والبيت يوهم ما يسوغ العطف عليه في الجملة، كذا ~~يقول النحاة: جزم على التوهم أي لسقوط الفاء؛ إذ لو سقطت لانجزم في جواب ~~التحضيض، ولذا يقولون: توهم وجود الباء فجر. # وفي العبارة - بالنسبة إلى القرآن - سوء أدب، ولكنهم لم يقصدوا ذلك. # وكان تنظير الزمخشري بغير ذلك أولى، كقوله: # إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله ~~قرضا حسنا # [الحديد: 18]. # إذ هو في قوة: إن الذين تصدقوا وأقرضوا. # وقال الواحدي: " عطف الفعل على المصدر؛ لأنه أراد بالمصدر الفعل، ~~تقديره: كفروا بالله بعد أن آمنوا، فهو عطف على المعنى، كقوله: [الوافر] # 1535- للبس ms2026 عباءة وتقر عيني # أحب إلي من لبس الشفوف # معناه: لأن ألبس عباءة وتقر عيني ". # وظاهر عبارة الزمخشري والواحدي أن الأول مؤول لأجل الثاني، وهذا ليس ~~بظاهر؛ لأنا إنما نحتاج إلى ذلك لكون الموضع يطلب فعلا، كقوله: { ~~إن المصدقين } لأن الموصول يطلب جملة فعلية، فاحتجنا أن نتأول ~~اسم الفاعل بفعله، وعطفنا عليه و " أقرضوا " وأما " بعد إيمانهم " ~~وقوله: " للبس عباءة " ، فليس الاسم محتاجا إلى فعل، فالذي ينبغي هو أن ~~نتأول الثاني باسم؛ ليصح عطفه على الاسم الصريح قبله، وتأويله بأن ~~تأتي معه ب " أن " المصدرية مقدرة، تقديره: بعد إيمانهم وأن ~~شهدوا أي وشهادتهم، ولهذا تأول النحويون قوله: للبس عباءة وتقر: وأن ~~تقر، إذ التقدير: وقرة عيني، وإلى هذا ذهب أبو البقاء، فقال: " ~~التقدير: بعد أن آمنوا وأن شهدوا، فيكون في موضع جر، يعني أنه على تأويل ~~مصدر معطوف على المصدر الصحيح المجرور بالظرف ". # وكلام الجرجاني فيه ما يشهد لهذا، ويشهد لتقدير الزمخشري؛ فإنه قال: ~~قوله " وشهدوا " منسوق على ما يمكن في التقدير، وذلك أن قوله: " ~~بعد إيمانهم " يمكن أن يكون: بعد أن آمنوا، و " أن " الخفيفة مع الفعل ~~بمنزلة المصدر، كقوله: # وأن تصوموا خير لكم # [البقرة: 184]، أي: والصوم. # ومثله مما حمل فيه على المعنى قوله تعالى: # وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ~~ورآء حجاب أو يرسل # [الشورى: 51] فهو عطف على قوله: " إلا وحيا " ويمكن فيه: إلا أن ~~يوحي إليه، فلما كان قوله: " إلا وحيا " بمعنى: إلا أن يوحي إليه، ~~حمله على ذلك. # ومثله من الشعر: [الطويل] # 1536- فظل طهاة اللحم من بين منضج # صفيف شواء أو قدير معجل # خفض قوله: قدير؛ لأنه عطف على ما يمكن في قوله: منضج؛ لأنه أمكن أن يكون ~~مضافا إلى الصفيف، فحمله على ذلك، فإتيانه بهذا البيت نظير إتيان ~~الزمخشري بهذه الآية الكريمة والبيت المتقدمين؛ لأنه جر " قدير " - ~~هنا - على التوهم، كأنه توهم إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله؛ تخفيفا، ~~فجر على التوهم كما توهم الآخر وجود الباء في قوله: ليسوا مصلحين؛ ~~لأنها كثيرا ms2027 ما تزاد في خبر " ليس ". # فإن قيل: إذا كان تقدير الآية: كيف يهدي الله قوما كفروا بعد الإيمان ~~وبعد الشهادة بأن الرسول حق، وبعد أن جاءهم البينات، فعطف الشهادة ~~بأن الرسول حق يقتضي أنه مغاير للإيمان. # فالجواب: أن الإيمان هو التصديق بالقلب، والشهادة هي الإقرار باللسان، ~~فهما متغايران. # وقوله: " أن الرسول " الجمهور على أنه وصف بمعنى المرسل، وقيل: هو ~~بمعنى الرسالة، فيكون مصدرا، وقد تقدم. # فصل # في سبب النزول أقوال: # الأول: قال ابن عباس: نزلت في عشرة رهط، كانوا آمنوا، ثم ارتدوا، ~~ولحقوا بمكة، ثم اخذوا يتربصون به ريب المنون، فأنزل الله فيهم هذه ~~الآية، وكان منهم من آمن، فاستثنى التائب منهم بقوله: # إلا الذين تابوا # [البقرة: 160]. # الثاني: روي - أيضا - عن ابن عباس أنها نزلت في يهود قريظة ~~والنضير، ومن دان بدينهم، كفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن كانوا ~~مؤمنين به قبل بعثه، وكانوا يشهدون له بالنبوة، فلما بعث، وجاءهم ~~بالبينات والمعجزات كفروا بغيا وحسدا. # الثالث: نزلت في الحرث بن سويد الأنصاري حين ندم على ردته، فأرسل ~~إلى قومه أن سلوا: هل لي من توبة؟ فأرسل إليه أخوه بالآية، فأقبل إلى ~~المدينة، وتاب، وقبل الرسول صلى الله عليه وسلم توبته. قال القفال: ~~للناس في هذه الآية قولان: # منهم من قال: إن قوله تعالى: # ومن يبتغ غير الإسلام دينا # [آل عمران: 85] وما بعده إلى قوله # وأولئك هم الضآلون # [آل عمران: 90] نزل جميعه في قصة واحدة، ومنهم من قال: ابتداء القصة من ~~قوله " إلا الذين تابوا " إلى " إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار " على ~~التقديرين ففيها - أيضا - قولان: # أحدهما: أنها في أهل الكتاب. # والثاني: أنها في قوم مرتدين عن الإسلام، آمنوا ثم ارتدوا. # فصل # قالت المعتزلة: أصولنا تشهد بأن الله هدى جميع الخلق إلى الدين؛ ~~بمعنى: التعريف ووضع الدلائل وفعل الألطاف، فلو لم يعم الكل بهذه ~~الأشياء لصار الكافر والضال معذورا، ثم إنه تعالى - حكم بأنه لم ~~يهد هؤلاء الكفار، فلا بد من تفسير هذه الهداية بشيء آخر سوى نصب ms2028 ~~الدلائل، ثم ذكروا فيه وجوها: # الأول: أن المراد من هذه الهداية منع الألطاف التي يؤتيها المؤمنين؛ ~~ثوابا لهم على إيمانهم، كقوله: # والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا # [العنكبوت: 69] وقوله: # والذين اهتدوا زادهم هدى # [محمد: 17] وقوله: # يهدي به الله من اتبع رضوانه # [المائدة: 16] فهذه الآيات تدل على أن المهتدي قد يزيده الله هدى. # الثاني: أن المراد أنه - تعالى - لا يهديهم إلى الجنة، قال تعالى: # إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر ~~لهم ولا ليهديهم طريقا إلا طريق جهنم # [النساء: 168-169] وقال: # يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم ~~الأنهار # [يونس: 9]. # والثالث: أنه لا يمكن أن يكون المراد من الهداية خلق المعرفة فيه؛ لأنه ~~- على هذا التقدير - يلزم أن يكون الكفر - أيضا - من الله؛ لأنه - ~~تعالى - إذا خلق المعرفة فيه كان مؤمنا مهتديا، وإذا لم يخلقها كان ~~كافرا ضالا، وإذا كان الكفر من الله - تعالى - لم يصح أن يذمهم ~~الله - تعالى - على الكفر، ولم يصح أن يضاف الكفر إليهم، لكن الآية ~~ناطقة بأنهم مذمومون بسبب الكفر، وكونهم فاعلين للكفر، فإنه قال: { ~~كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم }؟ فأضاف ~~الكفر إليهم، وذمهم عليه. # وقال أهل السنة: المراد من الهداية خلق المعرفة، وقد جرت سنة ~~الله في دار التكليف أن كل فعل يقصد العبد إلى تحصيله، فإن الله - ~~تعالى - يخلقه عقيب القصد من العبد، فكأنه - تعالى - قال: كيف يخلق الله ~~فيهم المعرفة والهداية وهم قصدوا تحصيل الكفر وأرادوه؟ # فإن قيل: قال - في أول الآية -: { كيف يهدي الله قوما ~~كفروا } وقوله في آخرها: { والله لا يهدي القوم ~~الظالمين } يقتضي التكرار. # فالجواب: أن الأول مخصوص بالمرتد، والثاني عم ذلك الحكم في المرتد ~~والكافر الأصلي، وسمي الكافر ظالما؛ لقوله: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13] والسبب فيه أن الكافر أورد نفسه موارد البلاء والعقاب؛ ~~بسبب ذلك الكفر، فكان ظالما لنفسه. # قال القرطبي: " فإن قيل: ظاهر الآية يقتضي أن من كفر بعد إسلامه لا ~~يهديه الله، ومن كان ظالما لا يهديه الله، وقد رأينا كثيرا من ~~المرتدين أسلموا وهداهم ms2029 الله، وكثيرا من الظالمين تابوا عن الظلم. # فالجواب: أن معناه لا يهديهم الله ما داموا مقيمين على كفرهم ~~وظلمهم ولا يقبلون على الإسلام، فأما من أسلموا وتابوا فقد ~~وفقهم الله لذلك ". ### || [3.87-89] # وفي قوله: { جزآؤهم } وجهان: # أحدهما: أن يكون مبتدأ ثانيا، و { أن عليهم لعنة الله } ~~في محل رفع؛ خبرا ل " جزاؤهم " والجملة خبر ل " أولئك ". # والثاني: أن يكون " جزاؤهم " بدلا من " أولئك " بدل اشتمال، و ~~{ أن عليهم لعنة الله } خبر " أولئك ". # وقال هنا: { جزآؤهم أن عليهم لعنة الله } وقال - ~~هناك -: # أولئك عليهم لعنة الله # [البقرة: 161] دون " جزاؤهم " قيل: لأن هناك وقع الإخبار عمن توفي ~~على الكفر، فمن ثم حتم الله عليه اللعنة، بخلافه هنا، فإن سبب ~~النزول في قوم ارتدوا ثم رجعوا للإسلام، ومعنى: " جزاؤهم " أي: جزاء ~~كفرهم وارتدادهم، وتقدم القول في قراءة الحسن " الناس أجمعون " ~~وتخريجها. # قوله: " خالدين " حال من المضير في " عليهم " والعامل فيها ~~الاستقرار؛ أو الجار؛ لقيامه مقام الفعل، والضمير في " فيها " ~~للعنة، ومعنى الخلود في اللعن فيه وجهان: # الأول: أنهم يوم القيامة لا تزال تلعنهم الملائكة والمؤمنون، ومن ~~معهم في النار، ولا يخلو حال من أحوالهم من اللعنة. # الثاني: أن اللعن يوجب العقاب، فعبر عن خلود أثر اللعن بخلود ~~اللعن، ونظيره قوله: # من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا ~~خالدين فيه # [طه: 100-101] وقال ابن عباس: قوله: " خالدين فيها " أي في " جهنم " ، ~~فعلى هذا الكناية عن غير مذكور. و { لا يخفف } جملة حالية أو ~~مستأنفة، و { إلا الذين } استثناء متصل. # فصل # اعلم أن لعنة الله مخالفة للعنة الملائكة؛ لأن لعنته بالإبعاد من الجنة، ~~وإنزال العذاب، واللعنة من الملائكة، ومن الناس هي بالقول، وكل ذلك مستحق ~~لهم بسبب ظلمهم وكفرهم. # فإن قيل: لم عم جميع الناس، ومن يوافقه لا يلعنه؟ ~~فالجواب من وجوه: # أحدها: قال أبو مسلم: له ان يلعنه، وإن كان لا ~~يلعنه. # الثاني: أنهم في الآخرة يلعن بعضهم بعضا، لقوله ~~تعالى: # كلما دخلت أمة لعنت أختها # [الأعراف: 38] وقال: # ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ms2030 ببعض ويلعن ~~بعضكم بعضا # [العنكبوت: 25] وعلى هذا فقد حصل اللعن للكفار ومن يوافقهم. # الثالث: كأن الناس هم المؤمنون، والكفار ليسوا من ~~الناس. # الرابع: وهو الأصح - أن جميع الخلق يلعنون المبطل ~~والكافر، ولكنه يعتقد في نفسه أنه ليس ~~بمبطل ولا بكافر فإذا لعن الكافر - وكان هو في علم ~~الله كافرا - فقد لعن نفسه، وهو لا يعلم ذلك. # قوله: " لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون " معنى الإنظار: ~~التأخير، قال تعالى: # فنظرة إلى ميسرة # [البقرة: 280] والمعنى: لا يخفف، ولا يؤخر من وقت إلى ~~وقت، ثم قال: { إلا الذين تابوا } ثم بين أن التوبة ~~وحدها لا تكفي، حتى يضاف إليها العمل الصالح، فقال: { ~~وأصلحوا } أي: أصلحوا باطنهم مع الحق بالمراقبات، ومع ~~الخلق بالعبادات، وذلك أن الحارث بن سويد لما لحق ~~بالكفار ندم، وأرسل إلى قومه أن سلوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هل لي من توبة؟ ففعلوا فأنزل الله { إلا ~~الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله ~~غفور رحيم } فحملها إليه رجل من قومه، وقرأها ~~عليه، فقال الحارث: إنك والله ما علمت - لصدوق، وإن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصدق منك؛ وإن الله - عز وجل - ~~لأصدق الثلاثة، فرجع الحارث إلى المدينة، وأسلم، وحسن ~~إسلامه. # وفي قوله: { غفور رحيم } وجهان: # الأول: أن الله غفور لقبائحهم في الدنيا بالستر، رحيم في الآخرة بالعفو. # الثاني: غفور بإزالة العقاب، رحيم بإعطاء الثواب، ونظيره قوله: # قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد ~~سلف # [الأنفال: 38]. ودخلت الفاء في قوله: " فإن الله " لشبه الجزاء؛ إذ ~~الكلام قد تضمن معنى: إن تابوا فإن الله يغفر لهم. ### || [3.90] # قوله: " كفرا " تمييز منقول من الفاعلية، والأصل: ثم ازداد كفرهم، ~~والدال الأولى بدل من تاء الافتعال؛ لوقوعها بعد الزاي، كذا أعربه أبو ~~حيان، وفيه نظر؛ إذ المعنى على أنه مفعول به، وهي أن الفعل المتعدي ~~لاثنين إذا جعل مطاوعا نقص مفعولا، وهذا من ذاك؛ لأن الأصل: زدت ~~زيدا خيرا فازداده، وكذلك أصل الآية الكريمة: زادهم الله كفرا ~~فازدادوه، فلم ms2031 يؤت هنا بالفاء داخلة على " لن " وأتي بها في " لن " ~~الثانية، لأن الفاء مؤذنة بالاستحقاق بالوصف السابق - لأنه قد ~~صرح بقيد موتهم على الكفر، بخلاف " لن " الأولى، فإنه لم ~~يصرح معها به فلذلك لم يؤت بالفاء. # قال ابن الخطيب: دخول الفاء يدل على أن الكلام مبني على الشرط والجزاء، ~~وعند " عدم " الفاء لم يفهم من الكلام كونه شرطا وجزاء، تقول: الذي ~~جاءني له درهم، فهذا لا يفيد أن الدرهم حصل له بسبب المجيء، وذكر التاء ~~يدل على أن عدم قبول الفدية معلل بالموت على الكفر. # وقرأ عكرمة " لن نقبل " بنون العظمة، ونصب " توبتهم " وكذلك قرأ " ~~فلن نقبل من أحدهم ملء " بالنصب. # فصل # قال القرطبي: قال قتادة والحسن: نزلت هذه الآية في اليهود، كفروا بعيسى ~~عليه السلام، والإنجيل بعد إيمانهم بأنبيائهم، ثم ازدادوا كفرا بكفرهم ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. # وقال أبو العالية: نزلت في اليهود والنصارى، كفروا بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم لما رأوه بعد إيمانهم بنعته وصفته في كتبهم، ثم ازدادوا كفرا يعني: ~~ذنوبا، يعني: في حال كفرهم. # وقال مجاهد: نزلت في جميع الكفار؛ أشركوا بعد إقرارهم بأن الله تعالى ~~خالقهم، ثم ازدادوا كفرا، أي: أقاموا على كفرهم حتى هلكوا عليه. # وقيل: ازدادوا كفرا كلما نزلت آية كفروا بها، فازدادوا كفرا. # وقيل: ازدادوا بقولهم: نتربص بمحمد ريب النون. # وقال الكلبي: نزلت في الأحد عشر أصحاب الحرث بن سويد، لما رجع إلى ~~الإسلام، أقاموا هم على الكفر بمكة، وقالوا: نقيم على الكفر ما بدا لنا، ~~فمتى أردنا الرجعة ينزل فينا ما نزل في الحرث، فلما افتتح رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مكة، فمن دخل منهم في الإسلام قبلت توبته، ونزلت ~~فيمن مات منهم كافرا: # إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار # [البقرة: 161] الآية. # فإن قيل: قد وعد الله بقبول توبة من تاب، فما معنى قوله: " فلن تقبل ~~توبتهم "؟ # قيل: لن تقبل توبتهم إذا وقعوا في الحشرجة، كما قال: # وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى ~~إذا حضر أحدهم الموت قال ms2032 إني تبت الآن # [النساء: 18] قاله الحسن وقتادة وعطاء. # وقيل: هذا مخصوص بأصحاب الحرث بن سويد حين أمسكوا عن الإسلام، وقالوا: ~~نتربص بمحمد، فإن ساعده الزمان نرجع إلى دينه، لن يقبل ذلك منهم. # وقال القاضي والقفال وابن الأنباري: إنه - تعالى - لما قدم ذكر ~~من كفر بعد الإيمان، وبين أنه أهل اللعنة إلا أن يتوب، ذكر في هذه ~~أنه لو كفر مرة أخرى بعد تلك التوبة الأولى، فإن تلك التوبة الأولى ~~تعتبر غير مقبولة، وتصير كأنها لم تكن. # قال: وهذا الوجه أليق بالآية من سائر الوجوه، لأن تقدير الآية: إلا ~~الذين تابوا وأصلحوا فإن الله غفور رحيم، فإن كانوا كذلك، ثم ازدادوا ~~كفرا لن تقبل توبتهم. # وقال الزمخشري: قوله: " لن تقبل توبتهم " كناية عن الموت على الكفر؛ لأن ~~الذي لا تقبل توبته من الكفار هو الذي يموت على الكفر، كأنه قيل: إن ~~اليهود والمرتدين الذين فعلوا ما فعلوا، ميتون على الكفر داخلون في جملة ~~من لا تقبل توبتهم. # وقيل: لعل المراد ما إذا تابوا عن تلك الزيادة، ولا تصير مقبولة ما لم ~~تحصل التوبة عن الأصل. # قال ابن الخطيب: " وهذه الجوابات إنما تتمشى على ما إذا حملنا قوله: " ~~إن الذين كفروا ثم ازدادوا كفرا " على المعهود السابق، لا على ~~الاستغراق، وإلا فكم من مرتد تاب عن ارتداده توبة صحيحة، مقرونة ~~بالإخلاص في زمان التكليف، فأما جواب القفال والقاضي، فهو جواب مطرد، ~~سواء حملنا اللفظ على المعهود السابق، أو على الاستغراق ". # قوله: " وأولئك هم الضالون " في هذه الجملة ثلاثة أوجه: # أحدها: أن تكون في محل رفع؛ عطفا على خبر " إن " ، أي: إن الذين ~~كفروا لن تقبل توبتهم، وإنهم أولئك هم الضالون. # الثاني: أن تجعل معطوفة على الجملة المؤكدة ب " إن " ، وحينئذ ~~فلا محل لها من الإعراب، لعطفها على ما لا محل له. # الثالث: هو إعرابها بأن تكون الواو للحال، فالجملة بعدها في محل نصب على ~~الحال، والمعنى: لن تقبل توبتهم من الذنوب، والحال أنهم ضالون، فالتوبة ~~والضلال متنافيان، لا يجتمعان، قاله الراغب. # وهو ms2033 بعيد في التركيب، وإن كان قريب المعنى. # قال أبو حيان: " وينبو عن هذا المعنى هذا التركيب إذ لو أريد هذا ~~المعنى لم يؤت باسم الإشارة ". # فإن قيل: قوله: " وأولئك هم الضالون " ظاهره ينفي عدم كون غيرهم ضالا، ~~وليس الأمر كذلك؛ بل كل كافر ضال، سواء كفر بعد الإيمان، أو كان كافرا ~~في الأصل، فالجواب: هذا محمول على أنهم هم الضالون على سبيل الكمال. # فإن قيل: إنه وصفهم - أولا - بالكفر والغلو فيه، ثم وصفهم - ثانيا ~~- بالضلال، والكفر أقبح أنواع الضلالة، والوصف إنما يراد للمبالغة، ~~والمبالغة إنما تحصل بوصف الشيء بما هو أقوى منه حالا، لا بما هو أضعف ~~حالا منه. # فالجواب: قد ذكرنا أن المراد منه: أنهم هم الضالون على سبيل الكمال، ~~وحينئذ تحصل المبالغة. ### || [3.91] # اعلم أن الكافر على ثلاثة أقسام: # الأول: الذي يتوب عن الكفر توبة صحيحة مقبولة، وهو المراد بقوله: # إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا # [آل عمران: 89]. # الثاني: الذي يتوب عن الكفر توبة فاسدة، وهو المذكور في الآية ~~المتقدمة، وقال: { لن تقبل توبتهم }. # الثالث: الذي يموت على الكفر من غير توبة، وهو المذكور في هذه الآية، ~~وقد أخبر عن هؤلاء بثلاثة أشياء: # أحدها: قوله: { فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ~~} قد تقدم أن عكرمة يقرأ: " نقبل ملء " بالنون مفعولا به # وقرأ بعضهم " فلن يقبل " - بالياء من تحت مبنيا للفاعل وهو الله ~~تعالى، " ملء " بالنصب كما تقدم. # وقرأ ابو جعفر وأبو السمال " مل الأرض " بطرح همزة " ملء " ، نقل ~~حركتها إلى الساكن قبلها. # وبعضهم يدغم نحو هذا - أي لام " ملء " في لام " الأرض " - بعروض ~~التقائهما. # والملء: مقدار ما يملأ الوعاء، والملء - بفتح الميم - هو المصدر، ~~يقال: ملأت القدر، أملؤها، ملأ، والملاءة بضم الميم والمد: الملحفة. # و " ذهبا " العامة على نصبه، تمييزا. # وقال الكسائي: على إسقاط الخافض، وهذا كالأول؛ لأن التمييز مقدر ب " من ~~" واحتاجت " ملء " إلى تفسير؛ لأنها دالة على مقدار - كالقفيز والصاع -. # وقرأ الأعمش: " ذهب " - بالرفع -. # قال الزمخشري: ردا على " ملء " كما يقال: عندي عشرون نفسا ms2034 ~~رجال، يعني الرد البدل، ويكون بدل نكرة من معرفة. قال أبو حيان: ولذلك ~~ضبط الحذاق قوله: " لك الحمد ملء السموات " بالرفع، على أنه نعت ل " ~~الحمد ". واستضعفوا نصبه على الحال، لكونه معرفة. # قال شهاب الدين: " يتعين نصبه على الحال، حتى يلزم ما ذكره من الضعف، بل ~~هو منصوب على الظرف، أي: إن الحمد يقع ملئا للسموات والأرض ". # فإن قيل: من المعلوم أن الكافر لا يملك يوم القيامة نقيرا ولا قطميرا، ~~وبتقدير أن يملك الذهب فلا نفع فيه، فما فائدة ذكره؟ # فالجواب من وجهين: # أحدهما: أنهم إذا ماتوا على الكفر، فلو أنهم كانوا قد أنفقوا في ~~الدنيا - مع الكفر - أموالا، فإنها لا تكون مقبولة. # الثاني: أن هذا على سبيل الفرض والتقدير، فالذهب كناية عن أعز الأشياء، ~~والتقدير: لو أن الكافر يوم القيامة قدر على أعز الأشياء، ثم قدر على ~~بذله في غاية الكثرة، فعجز أن يتوسل بذلك إلى تخليص نفسه من العذاب، ~~والمقصود أنهم آيسون من تخليص النفس من العقاب. # روى أنس - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يقول الله - لأهون أهل النار عذابا يوم القيامة ~~-: لو أن لك ما في الأرض من شيء، أكنت تفتدي به؟ ~~فيقول نعم، فيقول: أردت منك أهون من هذا وأنت ~~في صلب آدم: أن لا تشرك بي شيئا، فأبيت إلا أن ~~تشرك بي " # قوله: " ولو افتدى به " الجمهور على ثبوت الواو، وهي واو الحال. # قال الزمخشري: فإن قلت: كيف موقع قوله: " ولو افتدى به "؟ # قلت: هو كلام محمول على المعنى، كأنه قيل: فلن يقبل من أحدهم فدية، ولو ~~افتدى بملء الأرض ذهبا. انتهى. # والذي ينبغي أن يحمل عليه: أن الله - تعالى - أخبر أن من مات ~~كافرا لا يقبل منه ما يملأ الأرض من ذهب على كل حال يقصدها، ولو في ~~حال افتدائه من العذاب، وذلك أن حالة الافتداء حالة لا يميز فيها المفتدي ~~عن المفتدى منه؛ إذ هي حالة قهر من المفتدى منه للمفتدي. # قال أبو حيان: وقد قررنا - في نحو هذا التركيب - أن ms2035 " لو " تأتي منبهة ~~على أن ما قبلها جاء على سبيل الاستقصاء، وما بعدها جاء تنصيصا على ~~الحالة التي يظن أنها لا تندرج فيما قبلها، كقوله صلى الله عليه وسلم: # " أعطوا السائل ولو جاء على فرس " # وقوله: # " ردوا السائل ولو بظلف محرق " # كأن هذه الأشياء مما ينبغي أن يؤتى بها؛ لأن كون السائل على فرس يشعر ~~بغناه، فلا يناسب أن يعطى، وكذلك الظلف المحرق، لا غناء فيه، فكان ~~يناسب أن لا يرد به السائل. # قيل: الواو - هنا - زائدة، وقد يتأيد هذا بقراءة ابن أبي عبلة " لو ~~افتدى به " - دون واو - معناه أنه جعل الافتداء شرطا في عدم القبول، فلم ~~يتعمم النفي وجود القبول. # و " لو " قيل: هي - هنا - شرطية؛ بمعنى " إن " لا التي معناها لما كان ~~سيقع لوقوع غيره؛ لأنها متعلقة بمستقبل، وهو قوله: " فلن تقبل " ، وتلك ~~متعلقة بالماضي. # قال الزجاج: إنها للعطف، والتقدير: لو تقرب إلى الله بملء الأرض ذهبا ~~لن يقبل منه، ولو افتدى به لم تقبل منه، وهذا اختيار ابن الأنباري، قال: ~~وهذا آكد في التغليظ؛ لأنه تصريح بنفي القبول من وجوه. وقيل: دخلت الواو ~~لبيان التفصيل بعد الإجمال؛ لأن قوله: { فلن يقبل من أحدهم ~~ملء الأرض ذهبا } يحتمل الوجوه الكثيرة، فنص على نفي القبول ~~بجهة الفدية. # وقال ابن الخطيب: إن من غضب على بعض عبيده، فإذا أتحفه ذلك العبد ~~بتحفة وهدية لم يقبلها البتة، إلا أنه قد يقبل منه الفدية، فأما ~~إذا لم تقبل منه الفدية - أيضا - كان ذلك غاية الغضب، والمبالغة إنما ~~تحصل بذكر ما هو الغاية، فحكمه - تعالى - بأنه لا يقبل منهم ملء الأرض ~~ذهبا، ولو كان واقعا على سبيل الفداء تنبيه على أنه إذا لم يكن مقبولا ~~لا بالفدية فبأن لا يقبل منهم بسائر الطرق أولى. # وافتدى افتعل - من لفظ الفدية - وهو متعد لواحد؛ لأنه بمعنى فدى، ~~فيكون افتعل فيه وفعل بمعنى، نحو: شوى، واشتوى، ومفعوله محذوف، ~~تقديره: افتدى نفسه. والهاء في " به " - فيها أقوال: # أحدها: - وهو الأظهر - عودها على " ملء "؛ لأنه مقدار يملأها، ms2036 أي: ولو ~~افتدى بملء الأرض. # الثاني: أن يعود على " ذهبا " ، قاله أبو البقاء. # قال أبو حيان: ويوجد في بعض التفاسير أنها تعود على الملء، أو على ~~الذهب، فقوله: " أو على الذهب " غلط. # قال شهاب الدين: " كأن وجه الغلط فيه أنه ليس محدثا عنه، إنما جيء به ~~بيانا وتفسيرا لغيره، فضلة ". # الثالث: أن يعود على " مثل " محذوف. # قال الزمخشري: " ويجوز أن يراد: ولو افتدى بمثله، كقوله: # لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه # [الرعد: 18]، والمثل يحذف في كلامهم كثيرا، كقولك: ضربت ضرب زيد - ~~تريد: مثل ضربه - وقولك: أبو يوسف أبو حنيفة - أي: مثله -. # وقوله: [الرجز] # 1537- لا هيثم الليلة للمطي # ولا فتى إلا ابن خيبري # و " قضية ولا أبا حسن لها " يريد: لا مثل هيثم، ولا مثل أبي حسن، كما ~~أنه يزاد قولهم: مثلك لا يفعل كذا، يريدون: أنت لا تفعل كذا، وذلك أن ~~المثلين يسد أحدهما مسد الآخر، فكانا في حكم شيء واحد ". # قال أبو حيان: " ولا حاجة إلى تقدير " مثل " في قوله: " ولو افتدى به " ~~، وكأن الزمخشري تخيل ان قدر أن يقبل لا يمكن أن يفتدى ~~به، فاحتاج إلى إضمار: " مثل " حتى يغاير ما نفي قبوله وبين ما يفتدى ~~به، وليس كذلك؛ لأن ذلك - ما ذكرناه - على سبيل الفرض والتقدير؛ إذ لا ~~يمكن - عادة - أن أحدا يملك ملء الأرض ذهبا، بحيث أنه لو بذله ~~- على أي جهة بذله - لم يقبل منه، بل لو كان ذلك ممكنا لم يحتج ~~إلى تقدير " مثل "؛ لأنه نفى قبوله - حتى في حالة الافتداء - وليس ما قدر ~~في الآية نظير ما مثل به، لأن هذا التقدير لا يحتاج إليه، ولا معنى له، ~~ولا في اللفظ، ولا في المعنى ما يدل عليه، فلا يقدر. # وأما ما مثل به - من نحو: ضربت ضرب زيد، وأبو يوسف أبو حنيفة - ~~فبضرورة العقل يعلم أنه لا بد من تقدير مثل إذ ضربك يستحيل أن يكون ~~ضرب زيد، وذات أبي يوسف، يستحيل أن تكون ذات أبي حنيفة. # وأما " لا هيثم ms2037 الليلة للمطي " ، فدل على حذف " مثل " ما تقرر في اللغة ~~العربية أن " لا " التي لنفي الجنس، لا تدخل على الأعلام، فتؤثر فيها، ~~فاحتيج إلى إضمار: " مثل " لتبقى على ما تقرر فيها؛ إذ تقرر أنها لا تعمل ~~إلا في الجنس؛ لأن العلمية تنافي عموم الجنس. # وأما قوله: كما يزاد في: مثلك لا يفعل - تريد: أنت - فهذا قول قد قيل، ~~ولكن المختار عند حذاق النحويين أن الأسماء لا تزاد ". # قال شهاب الدين: وهذا الاعتراض - على طوله - جوابه ما قاله أبو القاسم - ~~في خطبة كشافه - واللغوي وإن علك اللغة بلحييه والنحوي - وإن كان أنحى ~~من سيبويه - [لا يتصدى أحد لسلوك تلك الطرائق، ولا يغوص على شيء من تلك ~~الحقائق، إلا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن المعاني والبديع - ~~وتمهل في ارتيادهما آونة، وتعب في التنقير عنهما أزمنة]. # قوله: { أولئك لهم عذاب أليم } هذا هو النوع الثاني من ~~وعيده الذي توعدهم به. ويجوز أن يكون " لهم ": خبرا لاسم الإشارة، و ~~" عذاب " فاعل به، وعمل لاعتماده على ذي خبره، أي: أولئك استقر لهم ~~عذاب. وأن يكون " لهم " خبرا مقدما, و " عذاب " مبتدأ مؤخر، ~~والجملة خبر عن اسم الإشارة، والأول أحسن؛ لأن الإخبار بالمفرد أقرب من ~~الإخبار بالجملة، والأول من قبيل الإخبار بالمفرد. # قوله: { وما لهم من ناصرين } هذا هو النوع الثالث من ~~الوعيد، ويجوز في إعرابه وجهان: # أحدهما: أن يكون { من ناصرين }: فاعلا، وجاز عمل الجار؛ ~~لاعتماده على حرف النفي، أي: وما استقر لهم من ناصرين. # والثاني: أنه خبر مقدم، و { من ناصرين }: مبتدأ مؤخر، و " من ~~" مزيدة على الإعرابين؛ لوجود الشرطين في زيادتها. # وأتى ب " ناصرين " جمعا؛ لتوافق الفواصل. # واحتجوا بهذه الآية على إثبات الشفاعة؛ لأنه - تعالى - ختم وعيد الكفار ~~بعدم النصرة والشفاعة، فلو حصل هذا المعنى في حق غير الكافر بطل تخصيص ~~هذا الوعيد بالكفر. ### || [3.92] # النيل: إدراك الشيء ولحوقه. # وقيل: هو العطية. # وقيل: هو تناول الشيء باليد، يقال: نلته، أناله، نيلا، قال تعالى: # ولا ينالون من عدو نيلا # [التوبة: 120]. # وأما النول ms2038 - بالواو - فمعناه التناول، يقال: نلته، أنوله، أي ~~تناولته، وأنلته زيدا، وأنوله إياه، أي ناولته إياه، كقولك: عطوته، ~~أعطوه، بمعنى: تناولته، وأعطيته إياه - إذا ناولته إياه. # قوله: " حتى تنفقوا " بمعنى إلى أن، و " من " في " مما تحبون " تبعيضية ~~يدل عليه قراءة عبد الله: بعض ما تحبون. # قال شهاب الدين: " وهذه - عندي - ليست قراءة، بل تفسير معنى ". # وقال آخرون: " إنها للتبيين ". # [وجوز أبو البقاء ذلك فقال: " أو نكرة موصوفة ولا تكون مصدرية؛ لأن ~~المحبة لا تنفق، فإن جعلت المحبة بمعنى: المفعول، جاز على رأي أبي علي " ~~يعني يبقى التقدير: من الشيء المحبوب، وهذان الوجهان ضعيفان والأول ~~أضعف]. # فصل # لما بين أن نفقتهم لا تنفع ذكر - هنا - ما ينفع، فإن من أنفق مما ~~يحب كان من جملة الأبرار المذكورين في قوله: # إن الأبرار لفي نعيم # [الانفطار: 13]، وغيرها. # قال ابن الخطيب: " وفي هذا لطيفة، وهي أنه - تعالى - قال في سورة البقرة ~~-: # ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر # [البقرة: 177] وقال - هنا - { لن تنالوا البر حتى ~~تنفقوا مما تحبون } والمعنى: لو فعلتم ذلك المتقدم كله، لا ~~تفوزون بالبر حتى تنفقوا مما تحبون، وذلك يدل على أن النفقة من ~~أفضل الطاعات. # فإن قيل: " حتى " لانتهاء الغاية، فتقتضي الآية أن من أنفق مما يحب، صار ~~من جملة الأبرار، ونال البر وإن لم يأت بسائر الطاعات. # فالجواب: أن المحبوب إنما ينفق إذا طمع المنفق فيما هو أشرف منه، فلا ~~ينفق المرء في الدنيا إلا إذا أيقن سعادة الآخرة، وذلك يستلزم الإقرار ~~بالصانع، وأنه يجب عليه الانقياد لأوامره وتكاليفه، وذلك يعتمد تحصيل ~~جميع الخصال المحمودة في الدين ". # فصل # قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد: البر: الجنة. # وقال مقاتل بن حيان: البر التقوى. # كقوله: # ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر # [البقرة: 177] إلى قوله: # وأولئك هم المتقون # [البقرة: 177]. # وقيل: البر " الطاعة. # فالذين قالوا: إن البر هو الجنة قال بعضهم: معناه لن تنالوا ثواب البر. # ومنهم من قال: المراد بر الله أولياءه، وإكرامه إياهم، وتفضله عليهم، من ~~قولهم: برني فلان بكذا ms2039 أو بر فلان لا ينقطع عني. # وقوله: " مما تحبون " قال بعضهم: إنه نفس المال. # وقال آخرون: أن تكون الهبة رفيعة جيدة لقوله تعالى: # ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون # [البقرة: 267]. وقال آخرون: ما يكون محتاجا إليه القوم؛ قال تعالى: # ويطعمون الطعام على حبه # [الإنسان: 8] - في أحد تفاسير الحب - وقوله: # ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة # [الحشر: 9]. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " أفضل الصدقة ما تصدقت به وأنت صحيح، شحيح، ~~تأمل الغنى وتخشى الفقر ". # روى الضحاك عن ابن عباس: أن المراد به: الزكاة. # قال ابن الخطيب: لو خصصنا الآية بغير الزكاة لكان أولى؛ لأن ~~الآية مخصوصة بإيتاء الأحب، والزكاة الواجبة لا يجب على المزكي أن ~~يخرج أشرف أموال، أو أكرمها، بل الصحيح أن هذه الآية مخصوصة بإيتاء ~~المال على سبيل الندب. # ونقل الواحدي عن مجاهد والكلبي، أن هذه الآية منسوخة بإيتاء الزكاة، ~~وهذا في غاية البعد؛ لأن إيجاب الزكاة كيف ينافي الترغيب في بذل ~~المحبوب لوجه الله. # قوله: { وما تنفقوا من شيء } تقدم نظيره في البقرة. # فإن قيل: لم قيل: { فإن الله به عليم } على جهة جواب ~~الشرط، مع أن الله يعلمه على كل حال؟ # فالجواب من وجهين: # الأول: أن فيه معنى الجزاء، تقديره: وما تنفقوا من شيء فإن الله ~~مجازيكم به - قل أم كثر-، لأنه عليم به، لا يخفى عليه شيء منه، ~~فجعل كونه عالما بذلك الإنفاق كناية عن إعطاء الثواب، والتعريض - في مثل ~~هذا الموضع - يكون أبلغ من التصريح. # الثاني: أنه - تعالى - يعلم الوجه الذي لأجله تفعلونه، ويعلم أن الداعي ~~إليه هو الإخلاص أم الرياء، ويعلم أنكم تنفقون الأحب الأجود أم الأخس ~~الأرذل، ونظيره قوله تعالى: # وما تفعلوا من خير يعلمه الله # [البقرة: 197]، وقوله: # ومآ أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن ~~الله يعلمه # [البقرة: 270] أي: يبينه ويجازيكم على قدره. ### || [3.93-94] # الحل بمعنى: الحلال، وهو - في الأصل - مصدر ل " حل يحل " ، ~~كقولك: عز يعز عزا، ثم يطلق على الأشخاص، مبالغة، ولذلك يستوي فيه ~~الواحد والمثنى والمجموع، والمذكر والمؤنث، ms2040 كقوله تعالى: # لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن # [الممتحنة: 10]، وفي الحديث عن عائشة: " كنت أطيب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لحله ولحرمه " أي لإحلاله ولإحرامه، وهو ~~كالحرم واللبس - بمعنى: الحرام واللباس - وقال ابن عباس - في زمزم -: هي ~~حل وبل. رواه سفيان بن عيينة، فسئل سفيان، ما حل؟ فقال: ~~محلل. و " لبني ": متعلق ب " حلا ". # قوله: { إلا ما حرم } مستثنى من اسم " كان ". # وجوز أبو البقاء أن يكون مستثنى من ضمير مستتر في " حلا " فقال ~~لأنه استثناء من اسم " كان " والعامل فيه: " كان " ، ويجوز أن يعمل فيه ~~" حلا " ، ويكون فيه ضمير يكون الاستثناء منه؛ لأن حلا وحلالا في ~~موضع اسم الفاعل بمعنى الجائز والمباح. # وفي هذا الاستثناء قولان: # أحدهما: أنه متصل، والتقدير: إلا ما حرم إسرائيل على نفسه، فحرم ~~عليهم في التوراة، فليس فيها ما زادوه من محرمات، وادعوا صحة ذلك. # والثاني: أنه منقطع، والتقدير: لكن حرم إسرائيل على نفسه خاصة، ~~ولم يحرمه عليهم، والأول هو الصحيح. # قوله: { من قبل أن تنزل التوراة } فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق ب " حرم " أي: إلا ما حرم من قبل، قاله أبو ~~البقاء. # قال أبو حيان: " ويبعد ذلك؛ إذ هو من الإخبار بالواضح؛ لأنه معلوم أن ~~الذي حرم إسرائيل على نفسه، هو من قبل إنزال التوراة ضرورة؛ لتباعد ~~ما بين وجود إسرائيل وإنزال التوراة ". # والثاني: أنه يتعلق بقوله: { كان حلا }. # قال أبو حيان: " ويظهر أنه متعلق بقوله: { كان حلا لبني ~~إسرائيل } ، أي: من قبل أن تنزل التوراة، وفصل بالاستثناء؛ إذ ~~هو فصل جائز، وذلك على مذهب الكسائي وأبي الحسن، في جواز أن يعمل ما ~~قبل " إلا " فيما بعدها إذا كان ظرفا أو مجرورا أو حالا - نحو ما جلس ~~إلا زيد عندك، ما أوى إلا عمرو إليك، وما جاء إلا زيد ضاحكا. # وأجاز الكسائي ذلك في المنصوب مطلقا، نحو ما ضرب إلا زيد عمرا؛ وأجاز ~~ذلك هو وابن الأنباري في المرفوع، نحو ما ضرب إلا زيدا عمرو، وأما ~~تخريجه على غير مذهب الكسائي ms2041 وأبي الحسن، فيقدر له عامل من جنس ما ~~قبله، تقديره - هنا - حل من قبل أن ينزل أي تنزل التوراة ". # وقرئ: { تنزل التوراة } بتخفيف الزاي وتشديدها، وكلاهما بمعنى ~~واحد، وهذا يرد قول من قال بأن " تنزل " - بالتشديد - يدل على أنه ~~نزل منجما؛ لأن التوراة إنما نزلت دفعة واحدة بإجماع ~~المفسرين. # فصل # لما تقدمت الآيات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، والإلزامات ~~الواردة على أهل الكتاب، بين في هذه الآية الجواب عن شبهاتهم، وهي ~~تحتمل وجوها: # روي أن اليهود كانوا يعولون في إنكار شرع محمد صلى الله عليه وسلم ~~على إنكار النسخ، فأبطل الله - تعالى - عليهم ذلك بأن كل الطعام كان ~~حلا لبني إسرائيل، إلا ما حرم إسرائيل على نفسه، فذلك الذي حرمه على ~~نفسه كان حلالا، ثم صار حراما عليه وعلى أولاده، فحصل النسخ، وبطل ~~قولكم: النسخ غير جائز، فلما توجه على اليهود هذا السؤال أنكروا أن ~~تكون حرمة ذلك الطعام الذي حرم بسبب أن إسرائيل حرمه على نفسه، بل ~~زعموا أن ذلك كان حراما من زمان آدم إلى زمانهم، فعند هذا طلب الرسول ~~صلى الله عليه وسلم منهم أن يحضروا التوراة؛ فإن التوراة ناطقة بأن ~~بعض أنواع الطعام إنما حرم بسبب أن إسرائيل حرمه على نفسه، فخافوا ~~من الفضيحة، وامتنعوا من إحضار التوراة، فحصل عند ذلك أمور كثيرة ~~تقوي القول بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم. # منها: أن النسخ قد ثبت لا محيص عنه، وهم ينكرونه. # ومنها: ظهور كذبهم للناس، فيما نسبوه إلى التوراة. # ومنها: أنه صلى الله عليه وسلم كان أميا، لا يقرأ ولا يكتب، فدل على ~~أنه لم يعرف هذه المسألة الغامضة إلا بوحي من الله تعالى. # الوجه الثاني: أن اليهود قالوا له: إنك تدعي أنك على ملة إبراهيم، ~~فكيف تأكل لحوم الإبل وألبانها مع أن ذلك كان حراما في دين إبراهيم، ~~فلست أنت على ملة إبراهيم، فجعلوا ذلك شبهة طاعنة في صحة دعواه، ~~فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الشبهة, وقال: إن ذلك ms2042 كان ~~حلالا لإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، إلا أن يعقوب حرمه على ~~نفسه، لسبب من الأسباب، وبقيت تلك الحرمة في أولاده، فأنكر اليهود ~~ذلك، وقالوا: ما نحرمه اليوم كان حراما على نوح وإبراهيم حتى انتهى ~~إلينا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~بإحضار التوراة، وطالبهم بأن يستخرجوا منها آية تدل على أن لحوم ~~الإبل وألبانها كانت محرمة على إبراهيم، فعجزوا عن ذلك، وافتضحوا، فظهر ~~كذبهم. # الوجه الثالث: أنه - تعالى - لما أنزل قوله: # وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر # [الأنعام: 146]، قال تعالى: # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم # [النساء: 160] فدل ذلك على أنه إنما حرم على اليهود هذه الأشياء - جزاء ~~لهم على بغيهم - وأنه لم يكن شيء من الطعام حراما، غير الذي حرم ~~إسرائيل على نفسه، فشق ذلك على اليهود من وجهين: # أحدهما: أن ذلك يدل على تحريم هذه الأشياء بعد الإباحة، وذلك يقتضي ~~النسخ، وهم ينكرونه. # والثاني: أن ذلك يدل على أنهم كانوا موصوفين بقبائح الأفعال، فلما شق ~~ذلك عليهم من هذين الوجهين، أنكروا كون حرمة هذه الأشياء ~~متجددة، وزعموا أنها كانت محرمة أبدا، فطالبهم النبي بآية ~~من التوراة تدل على صحة قولهم فعجزوا وافتضحوا فهذا وجه النظم وسبب ~~النزول. # فصل # قال الزمخشري: " كل الطعام " كل المطعومات، أو كل أنواع الطعام. # واختلف الناس في اللفظ المفرد المحلى بالألف واللام، هل يفيد العموم ~~أم لا؟ # فذهب قوم إلى أنه يفيده لوجوه: # الأول: أنه - تعالى - أدخل لفظ " كل " على لفظ " الطعام " فلولا ~~أن لفظ " الطعام " قائم مقام المطعومات، وإلا لما جاز ذلك. # والثاني: أنه استثنى ما حرم إسرائيل على نفسه، والاستثناء يخرج من ~~الكلام ما لولاه لدخل فلولا دخول كل الأقسام تحت لفظ: " الطعام " ، ~~وإلا لم يصح الاستثناء ويؤيده قوله تعالى: # والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا # [العصر: 1-3]. # الثالث: أنه - تعالى - وصف هذا اللفظ المفرد بما يوصف به لفظ الجمع، ~~فقال # والنخل باسقات لها طلع نضيد # [ق: 10]، فعلى هذا لا يحتاج ms2043 إلى الإضمار الذي ذكره الزمخشري. # ومن قال: إنه لا يفيد العموم، يحتاج إلى الإضمار. # فصل # الطعام: اسم لكل ما يؤكل ويطعم. # وزعم بعض الحنفية: أنه اسم للبر خاصة، وهذه الآية حجة عليهم؛ ~~لأنه استثنى من لفظ " الطعام ": ما حرم إسرائيل على نفسه، وأجمع ~~المفسرون على أن ذلك الذي حرمه على نفسه كان غير الحنطة وما يتخذ ~~منها، ويؤكد ذلك قوله - في صفة الماء -: # ومن لم يطعمه فإنه مني # [البقرة: 249]، وقوله: # وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم ~~حل لهم # [المائدة: 5]، وأراد الذبائح، وقالت عائشة: " ما لنا طعام إلا ~~الأسودان " والمراد: التمر والماء. # فصل في المراد بالذي حرم إسرائيل على نفسه # اختلفوا في الذي حرمه إسرائيل على نفسه وفي سببه: # قال أبو العالية وعطاء ومقاتل والكلبي: روى ابن عباس أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " إن يعقوب مرض مرضا شديدا، فنذر لئن عافاه الله ~~ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه، وكان ذلك ~~لحمان الإبل وألبانها ". # قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي والضحاك: هي العروق، ~~وكان السبب فيه، أنه اشتكى عرق النسا، وكان أصل وجعه - فيما روى جويبر ~~ومقاتل عن الضحاك - أن يعقوب كان قد نذر إن وهبه الله اثني عشر ~~ولدا، وأتى بيت المقدس صحيحا، أن يذبح آخرهم، فتلقاه ملك من ~~الملائكة، فقال: يا يعقوب، إنك رجل قوي، فهل لك في الصراع؟ فصارعه ~~فلم يصرع واحد منهما صاحبه، فغمزه الملك غمزة، فعرض له عرق النسا من ~~ذلك، ثم قال له الملك: أما إني لو شئت أن أصرعك لفعلت، ولكن غمزتك هذه ~~الغمزة؛ [لأنك كنت نذرت إن أتيت بيت المقدس صحيحا أن تذبح آخر ~~ولدك، فجعل الله له بهذه الغمزة] مخرجا، فلما قدم يعقوب بيت المقدس ~~أراد ذبح ولده، ونسي قول الملك، فأتاه الملك، وقال: إنما غمزتم ~~للمخرج، وقد وفى نذرك، فلا سبيل لك إلى ولدك. # وقال عباس ومجاهد وقتادة والسدي: أقبل يعقوب من: " ~~حران " يريد بيت المقدس، حين هرب من أخيه عيصو، وكان رجلا بطيشا، ~~قويا، فلقيه ملك، فظن يعقوب أنه ms2044 لص، فعالجه ليصرعه فلم يصرع واحد ~~منهما صاحبه، فغمز الملك فخذ يعقوب، ثم صعد إلى السماء، ويعقوب ينظر ~~إليه، فهاج به عرق النسا، ولقي من ذلك بلاء وشدة، وكان لا ينام ~~الليل من الوجع ويبيت وله زقاء: أي صياح، فحلف لئن شفاه الله أن لا يأكل ~~عرقا ولا طعاما فيه عرق، فحرمه على نفسه، فكان بنوه - بعد ذلك - ~~يتبعون العروق، ويخرجونها من اللحم. # وروى جبير عن الضحاك عن ابن عباس: لما أصاب يعقوب عرق النسا، وصف له ~~الأطباء أن يجتنب لحمان الإبل، فحرمها يعقوب على نفسه. # وقال الحسن: حرم يعقوب على نفسه لحم الجزور، تعبدا لله تعالى، فسأل ~~ربه أن يجيز له ذلك، ومنعها الله على ولده. # فإن قيل: التحريم والتحليل إنما يثبت بخطاب الله - تعالى - وظاهر الآية ~~يدل على أن إسرائيل حرم ذلك على نفسه، فكيف صار ذلك سببا لحصول ~~الحرمة؟ # فالجواب من وجوه: # الأول: أنه لا يبعد أن الإنسان إذا حرم شيئا على نفسه، فإن الله ~~يحرمه عليه كما أن الإنسان يحرم امرأته بالطلاق، ويحرم جاريته ~~بالعتق، فكذلك يجوز أن يقول الله تعالى: إن حرمت شيئا على نفسك ~~فأنا - أيضا - أحرمه عليك. # الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم ربما اجتهد، فأدى اجتهاده إلى ~~التحريم، فقال بتحريمه، والاجتهاد جائز من الأنبياء؛ لعموم قوله: # فاعتبروا يأولي الأبصار # [الحشر: 2]، ولقوله: # لعلمه الذين يستنبطونه # [النساء: 83]، ولقوله - لمحمد صلى الله عليه وسلم -: # عفا الله عنك لم أذنت لهم # [التوبة: 43]، فدل على أنه كان بالاجتهاد. # وقوله تعالى: { إلا ما حرم إسرائيل على نفسه } يدل ~~على أنه إنما حرمه على نفسه بالاجتهاد؛ إذ لو كان بالنص لقال: إلا ~~ما حرمه الله على إسرائيل. # الثالث: يحتمل أن التحريم في شرعه كالنذر في شرعنا، فكما يجب علينا ~~الوفاء بالنذر - وهو بإيجاب العبد على نفسه - كان يجب في شرعه الوفاء ~~بالتحريم. # الرابع: قال الأصم: لعل نفسه كانت مائلة إلى تلك الانواع كلها، ~~فامتنع من أكلها؛ قهرا للنفس، وطلبا لمرضاة الله، كما يفعله ~~كثير من الزهاد. # فصل # ترجم ابن ms2045 ماجه في سننه " دواء عرق النساء " وروى بسنده عن أنس بن مالك ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " شفاء عرق النسا ألية شاة، [أعرابية] تذاب، ثم ~~تجزأ ثلاثة أجزاء، ثم تشرب على الريق في كل ~~يوم جزءا ". # وفي رواية عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - في عرق النسا ~~-: # " تؤخذ ألية كبش عربي - لا صغير ولا كبير - ~~فتقطع صغارا، فتخرج إهالته، فتقسم ثلاثة أقسام، قسم ~~في كل يوم على الريق " # قال أنس: فوصفته لأكثر من مائة، فبرئوا - بإذن الله عز وجل -، وروى شعبة ~~قال: حدثني شيخ - في زمن الحجاج بن يوسف - في عرق النسا، يمسح على ذلك ~~الموضع، ويقول أقسم لك بالله الأعلى، لئن لم تنته لأكوينك بنار، ~~أو لأحلقنك بموسى. # قال شعبة: قد جربته، لقوله: وتمسح على ذلك الموضع. # فصل # دلت هذه الآية على جواز الاجتهاد للأنبياء؛ ولأنه إذا شرع الاجتهاد ~~لغيرهم، فهم أولى؛ لأنهم أكمل من غيرهم، ومنع بعضهم ذلك؛ لأنهم متمكنون ~~من الوحي، وقال تعالى: # يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك # [التحريم: 1]. # فصل # ظاهر الآية يدل على أن الذي حرمه إسرائيل على نفسه، قد حرمه الله ~~على بني إسرائيل؛ لقوله تعالى: { كل الطعام كان حلا ~~لبني إسرائيل } ، فحكم بحل كل أنواع المطعومات لبني ~~إسرائيل، ثم استثنى منها ما حرمه إسرائيل على نفسه، فوجب - بحكم ~~الاستثناء - أن يكون ذلك حراما عليهم. # فصل # ومعنى قوله: { من قبل أن تنزل التوراة } أي: قبل نزول ~~التوراة كان حلا لبني إسرائيل كل المطعومات سوى ما حرمه إسرائيل على ~~نفسه، أما بعد نزول التوراة، فلم يبق كذلك بل حرم الله - تعالى - ~~عليهم أنواعا كثيرة. # وقال السدي: حرم الله عليهم في التوراة ما كانوا يحرمونه قبل ~~نزولها. # قال ابن عطية: إنما كان محرما عليهم بتحريم إسرائيل؛ فإنه كان قد ~~قال: إن عافاني الله لا يأكله لي ولد، ولم يكن محرما عليهم في ~~التوراة. # وقال الكلبي: لم يحرمه الله عليهم في التوراة، وإنما حرم عليهم ~~بعد التوراة ms2046 بظلمهم، كما قال تعالى: # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم # [النساء: 160]، وقال: # وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر # [الأنعام: 146] روي أن بني إسرائيل كانوا إذا أتوا بذنب عظيم، حرم ~~الله عليهم نوعا من أنواع الطعام، أو سلط عليهم سببا لهلاك أو ~~مضرة. # وقال الضحاك: لم يكن شيئا من ذلك محرما عليهم، ولا حرمه الله ~~في التوراة، وإنما حرموه على أنفسهم؛ اتباعا لأبيهم، ثم أضافوا تحريمه ~~إلى الله - عز وجل - فكذبهم الله، فقال: " قل ": يا محمد { فأتوا ~~بالتوراة فاتلوها } حتى يتبين أنه كما قلتم { إن كنتم ~~صادقين } ، فلم يأتوا بها، فقال - الله عز وجل -: { فمن افترى ~~على الله الكذب } ، " من " يجوز أن تكون شرطية، أو موصولة، ~~وحمل على لفظها في قوله: " افترى " فوحد الضمير، وعلى معناها فجمع ~~في قوله: { فأولئك هم الظالمون } ، والافتراء مأخوذ من ~~الفري، وهو القطع، والظالم هو الذي يضع الشيء في غير موضعه. # وقوله: { من بعد ذلك } أي: من بعد ظهور الحجة، { فأولئك ~~هم الظالمون } المستحقون لعذاب الله. # قوله: { من بعد } فيه وجهان: # أحدهما: - وهو الظاهر -: أن يتعلق ب " افترى ". # الثاني: قال أبو البقاء: يجوز أن يتعلق بالكذب، يعني: الكذب الواقع من ~~بعد ذلك. # وفي المشار إليه ثلاثة أوجه: # أحدها: استقرار التحريم المذكور في التوراة عليهم؛ إذ المعنى: إلا ما ~~حرم إسرائيل على نفسه، ثم حرم في التوراة؛ عقوبة لهم. # الثاني: التلاوة، وجاز تذكير اسم الإشارة؛ لأن المراد بها بيان مذهبهم. # الثالث: الحال بعد تحريم إسرائيل على نفسه، وهذه الجملة - أعني: قوله: { ~~فمن افترى على الله الكذب } - يجوز أن تكون استئنافية، ~~فلا محل لها من الإعراب، ويجوز أن تكون منصوبة المحل؛ نسقا على قوله: { ~~فأتوا بالتوراة } ، فتندرج في المقول. ### || [3.95] # أي قل لهم. # والعامة على إظهار لام " قل " مع الصاد. # وقرأ أبان بن تغلب بإدغامها فيها، وكذلك أدغم اللام في السين في قوله: # قل سيروا # [الأنعام: 11] وسيأتي أن حمزة والكسائي وهشاما أدغموا اللام في ~~السين في قوله: # بل سولت لكم # [يوسف: 18]. # قال أبو الفتح: ms2047 " علة ذلك فشو هذين الحرفين في الضم، وانتشار ~~الصوت المنبث عنهما، فقاربتا بذلك مخرج اللام، فجاز إدغامها فيهما " ~~، وهو مأخوذ من كلام سيبويه، فإن سيبويه قال: " والإدغام، يعني: إدغام ~~اللام مع الصاد والطاء وأخواتهما، جائز، وليس ككثرته مع الراء؛ لأن هذه ~~الحروف تراخين عنها، وهن من الثنايا؛ قال: وجواز الإدغام أن آخر مخرج ~~اللام قريب من مخرجها ". انتهى. # قال أبو البقاء عبارة توضح ما تقدم، وهي: " لأن الصاد فيها انبساط، ~~وفي اللام انبساط، بحيث يتلاقى طرفاهما، فصارا متقاربين ". وقد تقدم ~~إعراب قوله: ملة إبراهيم حنيفا. # فصل # { قل صدق الله } يحتمل وجوها: # أحدها: قل: صدق الله في أن ذلك النوع من الطعام، صار حراما على بني ~~إسرائيل، وأولاده بعد أن كان حلالا لهم، فصح القول بالنسخ، وبطلت ~~شبهة اليهود. # وثانيها: قل: صدق الله في أن لحوم الإبل، وألبانها كانت محللة ~~لإبراهيم، وإنما حرمت على بني إسرائيل؛ لأن إسرائيل حرمها على ~~نفسه، فثبت أن محمدا لما أفتى بحل لحوم الإبل، وألبانها، فقد أفتى ~~بملة إبراهيم. # وثالثها: صدق الله في أن سائر الأطعمة، كانت محللة لبني ~~إسرائيل، وإنما حرمت على اليهود؛ جزاء على قبائح أفعالهم. # وقوله: { فاتبعوا ملة إبراهيم } أي: اتبعوا ما يدعوكم ~~إليه محمد صلى الله عليه وسلم من ملة إبراهيم. # وسواء قال: { ملة إبراهيم حنيفا } أو قال: " ملة إبراهيم ~~الحنيف "؛ لأن الحال والصفة في المعنى سواء. # وقوله: { وما كان من المشركين } أي: لم يدع مع الله إلها ~~آخر، كما فعله العرب من عبادة الأوثان، أو كما فعله اليهود من أن ~~عزيرا ابن الله، أو كما فعله النصارى من ادعاء أن المسيح ابن الله. # والمعنى: إن إبراهيم - عليه السلام - لم يكن من الطائفة المشركة في ~~وقت من الأوقات، والغرض منه بيان أن محمدا صلى الله عليه وسلم على دين ~~إبراهيم في الفروع والأصول؛ لأن محمدا صلى الله عليه وسلم لا يدعو ~~إلا إلى التوحيد، والبراءة عن كل معبود سوى الله تعالى. ### || [3.96-97] # في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه: # الأول: أن المراد ms2048 منه: الجواب عن شبهة أخرى من شبه اليهود في ~~إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم لما ~~حول إلى الكعبة، طعن اليهود في نبوته، وقالوا: إن بيت ~~المقدس أفضل من الكعبة وأحق بالاستقبال؛ لأنه وضع قبل الكعبة، وهو أرض ~~المحشر، وقبلة جملة الأنبياء، وإذا كان كذلك فتحويل القبلة منه إلى ~~الكعبة باطل، وأجابهم الله بقوله: { إن أول بيت وضع ~~للناس } هو الكعبة، فكان جعله قبلة أولى. # الثاني: أن المقصود من الآية المتقدمة بيان النسخ، هل يجوز أم لا؟ ~~واستدل - عليه السلام - على جوازه، بأن الأطعمة كانت مباحة لبني ~~إسرائيل، ثم إن الله تعالى حرم بعضها، والقوم نازعوه فيه، وأعظم ~~الأمور التي أظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم نسخه هو القبلة، فذكر ~~الله - في هذه الآيات - بيان ما لأجله حولت القبلة إلى الكعبة، وهو ~~كون الكعبة أفضل من غيرها. # الثالث: أنه - تعالى - لما قال في الآية المتقدمة: # فاتبعوا ملة إبراهيم # [آل عمران: 95]، وكان من أعظم شعائر ملة إبراهيم الحج - ذكر في هذه ~~الآية فضل البيت؛ ليفرع عليه إيجاب الحج. # الرابع: أنه لما تقدم مناظرة اليهود والنصارى، وزعموا أنهم على ملة ~~إبراهيم، فبين الله كذبهم في هذه الآية من حيث إن حج الكعبة كان ~~ملة إبراهيم، وهم لا يحجون، فدل ذلك على كذبهم. # قوله: { وضع للناس } هذه الجملة في موضع خفض؛ صفة ل " بيت ". # وقرأ العامة " وضع " مبنيا للمفعول. وعكرمة وابن السميفع " وضع " ~~مبنيا للفاعل. # وفي فاعله قولان: # أحدهما: - وهو الأظهر - أنه ضمير إبراهيم؛ لتقدم ذكره؛ ولأنه مشهور ~~بعمارته. # والثاني: أنه ضمير الباري تعالى، و " للناس " متعلق بالفعل قبله، ~~واللام فيه للعلة. # و " للذي " ببكة " خبر " إن " وأخبر - هنا - بالمعرفة - وهو ~~الموصول - عن النكرة - وهو " أول بيت " - لتخصيص النكرة بشيئين: ~~الإضافة، والوصف بالجملة بعده، وهو جائز في باب " إن " ، ومن عبارة ~~سيبويه: إن قريبا منك زيد، لما تخصص " قريبا " بوصفه بالجار بعده ساغ ~~ما ذكرناه، وزاده حسنا - هنا - كونه اسما ل " إن " ، وقد جاءت ~~النكرة ms2049 اسما ل " إن " - وإن لم يكن تخصيص - كقوله: [الطويل] # 1538- وإن حراما أن أسب مجاشعا # بآبائي الشم الكرام الخضارم # وببكة صلة، و الباء فيه ظرفية، أي: في مكة. # وبكة فيها أربعة أوجه: # أحدها: أنها مرادفة ل " مكة " فأبدلت ميمها باء، قالوا: والعرب ~~تعاقب بين الباء والميم في مواضع، قالوا: هذا على ضربة لازم، ولازب، ~~وهذا أمر راتب، وراتم، والنبيط والنميط وسبد رأسه وسمدها، وأغبطت ~~الحمى، وأغمطت. # وقيل: إنها اسم لبطن مكة، ومكة اسم لكل البلد. # وقيل: إنها اسم لمكان البيت. # وقيل: إنها اسم للمسجد نفسه، وأيدوا هذا بأن التباك وهو: الازدحام إنما ~~يحصل عند الطواف، يقال: تباك الناس - أي: ازدحموا، ويفسد هذا ~~القول أن يكون الشيء ظرفا لنفسه، كذا قال بعضهم، وهو فاسد، لأن البيت ~~في المسجد حقيقة. # وقال الأكثرون: بكة: اسم للمسجد والمطاف، ومكة: اسم البلد، لقوله تعالى: ~~{ للذي ببكة } فدل على أن البيت مظروف في بكة، فلو كان بكة ~~اسما للبيت لبطل كون بكة ظرفا له. # وسميت بكة؛ لازدحام الناس، قاله مجاهد وقتادة، وهو قول محمد بن علي ~~الباقر. # وقال بعضهم: رأيت محمد بن علي الباقر يصلي، فمرت امرأة بين يديه، فذهبت ~~أدفعها، فقال: دعها، فإنها سميت بكة، لأنه يبك بعضهم بعضا، ~~تمر المرأة بين يدي الرجل وهو يصلي، والرجل بين يدي المرأة وهي تصلي، ولا ~~بأس بذلك هنا. # وقيل: لأنها تبك أعناق الجبابرة - أي: تدقها. # قال قطرب: تقول العرب: بككته، أبكه، بكا، إذا وضعت منه. # وسميت مكة - من قولهم: مككت المخ من العظم، إذا استقصيته ولم تترك ~~فيه شيئا. # ومنه: مك الفصيل ما في ضرع أمه - إذا لم يترك فيه لبنا، وروي ~~أنه قال: " لا تمككوا على غرمائكم ". # وقيل: لأنها تمك الذنوب، أي: تزيلها كلها. # قال ابن الأنباري: وسميت مكة لقلة مائها وزرعها، وقلة ~~خصبها، فهي مأخوذة من مككت العظم، إذا لم تترك فيه شيئا. # وقيل: لأن من ظلم فيها مكه الله، أي: استقصاه بالهلاك. # وقيل: سميت بذلك؛ لاجتلابها الناس من كل جانب من الأرض، كما يقال: ~~امتك ms2050 الفصيل - إذا استقصى ما في الضرع. # وقال الخليل: لأنها وسط الأرض كالمخ وسط العظم. # وقيل: لأن العيون والمياه تنبع من تحت مكة، فالأرض كلها تمك من ماء ~~مكة، والمكوك: كأس يشرب به، ويكال به - ك " الصواع ". # قال القفال: لها أسماء كثيرة، مكة، وبكة، وأم رحم، - بضم الراء ~~وإسكان الحاء - قال مجاهد: لأن الناس يتراحمون فيها، ويتوادعون - ~~والباسة؛ قال الماوردي: لأنها تبس من ألحد فيها، أي: تحطمه ~~وتهلكه، قال تعالى: # وبست الجبال بسا # [الواقعة: 5]. # ويروى: الناسة - بالنون - قال صاحب المطالع: ويقال: الناسة - ~~بالنون -. قال الماوردي: لأنها تنس من ألحد فيها - أي: تطرده ~~وتنفيه. # ونقل الجوهري - عن الأصمعي -: النس: اليبس، يقال: جاءنا بخبزة ~~ناسة، ومنه قيل لمكة: الناسة؛ لقلة مائها. # والرأس، والعرش، والقادس، و المقدسة - من التقديس - وصلاح - بفتح ~~الصاد وكسر الحاء - مبنيا على الكسر كقطام وحذام، والبلد، ~~والحاطمة؛ لأنها تحطم من استخف بها، وأم القرى؛ لأنها أصل كل بلدة، ~~ومنها دحيت الأرض، ولهذا المعنى تزار من جميع نواحي الأرض. # فصل # الأول: هو الفرد السابق، فإذا قال: أول عبد أشتريه فهو حر، فلو ~~اشترى عبدين في المرة الأولى لم يعتق واحد منهما؛ لأن الأول هو ~~الفرد، ثم لو اشترى بعد ذلك ما شاء لم يعتق؛ لأن شرط الأولية قد ~~عدم. # إذا عرف هذا، فقوله: { إن أول بيت وضع للناس } لا ~~يدل على أنه أول بيت خلقه الله تعالى، ولا أنه أول بيت ظهر في ~~الأرض، بل يدل على أنه أول بيت وضع للناس، فكونه موضوعا للناس يقتضي ~~كونه مشتركا فيه بين جميع الناس، وكونه مشتركا فيه بين كل الناس، لا ~~يحصل إلا إذا كان البيت موضعا للطاعات، وقبلة للخلق، فدلت الآية ~~على أن هذا البيت وضعه الله - تعالى - للطاعات والعبادات، فيدخل فيه ~~كونه قبلة للصلوات، وموضعا للحج. # فإن قيل: كونه أولا في هذا الوصف يقتضي أن يكون له ثان، فهذا يقتضي ~~أن يكون بيت المقدس يشاركه في هذا الصفات، التي منها وجوب حجه، ~~ومعلوم أنه ليس كذلك. # فالجواب من وجهين: # الأول: أن ms2051 لفظ " الأول " - في اللغة - اسم للشيء الذي يوجد ابتداء، ~~سواء حصل بعده شيء آخر، أو لم يحصل، يقال: هذا أول قدومي مكة، وهذا أول ~~مال أصبته، ولو قال: أول عبد أملكه فهو حر، فملك عبدا عتق - ~~وإن لم يملك بعده آخر - فكذا هنا. # الثاني: أن المراد منه: أول بيت وضع لطاعات الناس وعباداتهم، وبيت ~~المقدس يشاركه في كونه موضوعا للطاعات والعبادات، لقوله صلى الله ~~عليه وسلم: # " لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد: المسجد ~~الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا " # ، وهذا القدر يكفي في صدق كون الكعبة أول بيت وضع للناس، فأما أن ~~يكون بيت المقدس مشاركا له في جميع الأمور، حتى في وجوب الحج، ~~فهذا غير لازم. # فصل # قوله تعالى: { إن أول بيت وضع } يحتمل أن يكون المراد: أنه ~~أول في الموضع والبناء، وأن يكون أولا في كونه مباركا وهدى، وفيه ~~قولان للمفسرين. # فعلى الأول فيه أقوال: # أحدها: روى الواحدي في البسيط عن مجاهد أنه قال: خلق الله البيت قبل أن ~~يخلق شيئا من الأرضين. # وفي رواية: # " خلق الله موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئا ~~من الأرضين بألفي سنة، وإن قواعده لفي الأرض ~~السابعة السفلى ". # وروى النووي - في مناسكه - عن الأزرقي - في كتاب مكة - عن مجاهد قال: ~~إن هذا البيت أحد أربعة عشر بيتا، في كل سماء بيت، وفي كل أرض بيت، ~~بعضهن مقابل بعض. # وروى أيضا عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهم - ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم - عن الله - تعالى - قال: # " إن الله بعث ملائكة، فقال: ابنوا لي في الأرض ~~بيتا على مثال البيت المعمور، فبنوا له بيتا على مثاله، ~~واسمه الضراح، وأمر الله من في الأرض من الملائكة ~~- الذين هم سكان الأرض - أن يطوفوا به كما يطوف ~~أهل السماء بالبيت المعمور وهذا كان قبل خلق ~~آدم بألفي عام وكانوا يحجونه، فلما حجه آدم، ~~قالت الملائكة: بر حجك، حججنا هذا البيت قبلك ~~بألفي عام " # وروي عن عبد الله بن عمر ومجاهد و ms2052 السدي: أنه أول بيت وضع على ~~وجه الماء، عند خلق الأرض والسماء، وقد خلقه الله قبل خلق الأرض بألفي ~~عام، وكان زبدة بيضاء على الماء، ثم دحيت الأرض من تحته. # قال القفال في تفسيره: روى حبيب بن أبي ثابت عن ابن عباس، قال، وجد ~~في كتاب - في المقام، أو تحت المقام - أنا الله، ذو بكة، وضعتها يوم ~~وضعت الشمس والقمر، وحرمتها يوم وضعت هذين الحجرين ~~وحففتها بسبعة أملاك حنفاء. # روي: أن آدم لما أهبط إلى الأرض شكا الوحشة، فأمره الله - تعالى - ~~ببناء الكعبة، وطاف بها وبقي ذلك إلى زمان نوح صلى الله عليه وسلم ~~فلما أرسل الله الطوفان، رفع البيت إلى السماء السابعة - حيال ~~الكعبة - تتعبد عنده الملائكة، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، سوى من ~~دخل قبل فيه، ثم بعد الطوفان اندرس موضع الكعبة، وبقي مختفيا إلى ~~أن بعث الله جبريل إلى إبراهيم، ودله على مكان البيت، وأمره بعمارته. # قال القاضي: القول بأنه رفع - زمان الطوفان - إلى السماء بعيد؛ لأن ~~موضع التشريف هو تلك الجهة المعينة، والجهة لا يمكن رفعها إلى السماء، ~~ألا ترى أن الكعبة لو انهدمت - والعياذ بالله - ونقلت الحجارة بعد ~~الانهدام، ويجب على كل مسلم أن يصلي إلى تلك الجهة بعينها، وإذا ~~كان كذلك، فلا فائدة في رفع تلك الجدران إلى السماء. # انتهى. # فدلت هذه الأقوال المتقدمة على أن الكعبة، كانت موجودة في زمان آدم - ~~عليه السلام - ويؤيده أن الصلوات كانت لازمة في جميع أديان الأنبياء، ~~لقوله: # أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية ~~ءادم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم ~~وإسرائيل وممن هدينا واجتبينآ إذا تتلى ~~عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا # [مريم: 58]. # ولما كانوا يسجدون لله، فالسجود لا بد له من قبلة، فلو كانت قبلة ~~شيث وإدريس ونوح موضعا آخر سوى القبلة لبطل قوله: { إن أول ~~بيت وضع للناس للذي ببكة } ، فدل ذلك على أن قبلة ~~أولئك الأنبياء هي الكعبة. # القول الثاني: أن المراد بالأولية: كونه مباركا وهدى، قالوا: ~~لأنه # " روي أن النبي ms2053 صلى الله عليه وسلم سئل عن أول مسجد وضع ~~للناس، فقال: المسجد الحرام، ثم بيت المقدس، فقيل: ~~كم بينهما؟ قال: أربعون سنة، وأينما أدركتك الصلاة ~~فصل فهو مسجد ". # وعن علي: أن رجلا قال له: هو أول بيت؟ قال: لا، كان قبله بيوت، أول ~~بيت وضع للناس، مباركا، فيه الهدى والرحمة والبركة، أول من ~~بناه إبراهيم، ثم بناه قوم من العرب من جرهم، ثم هدم، فبنته ~~العمالقة، وهم ملوك من أولاد عمليق بن سام بن نوح، ثم هدم فبناه قريش. ~~ودلالة الآية على الأولية في الشرف أمر لا بد منه؛ لأن المقصود الأصلي من ~~هذه الأولية ترجيحه على بيت المقدس، وهذا إنما يتم بالأولية في الفضيلة ~~والشرف، ولا تأثير للأولية في البناء في هذا المقصود، إلا أن ثبوت ~~الأولية بسبب الفضيلة لا ينافي ثبوت الأولية في البناء. # فصل في بيان فضيلته # اتفقت الأمم على أن باني هذا البيت هو الخليل - عليه السلام - وباني ~~بيت المقدس سليمان - عليه السلام - فمن هذا الوجه، تكون الكعبة أشرف، ~~فكان الآمر بالعمارة هو الله، والمبلغ والمهندس جبريل، والباني هو ~~الخليل، والتلميذ المعين هو إسماعيل؛ فلهذا قيل: ليس في العالم ~~بناء أشرف من الكعبة. # وأيضا مقام إبراهيم، وهو الحجر الذي وضع إبراهيم قدمه عليه، فجعل ~~الله ما تحت قدم إبراهيم من ذلك الحجر - دون سائر أجزائه - كالطين، حتى ~~غاص فيه قدم إبراهيم من ذلك الحجر، وهذا مما لا يقدر عليه إلا الله، ~~ولا يظهره إلا على الأنبياء، ثم لما رفع إبراهيم قدمه عنه، خلق ~~الله فيه الصلابة الحجرية مرة أخرى، ثم إنه أبقى ذلك الحجر على ~~سبيل الاستمرار والدوام، فهذه أنواع من الآيات العجيبة، والمعجزات ~~الباهرة. # وأيضا قلة ما يجتمع من حصى الجمار فيه، فإنه منذ آلاف السنين، وقد ~~يبلغ من يرمي في كل سنة خمسمائة ألف إنسان كل واحد منهم سبعين حصاة، ثم ~~لا يرى هناك إلا ما لو اجتمع في سنة واحدة لكان غير كثير، وليس ~~الموضع الذي ترمى إليه الجمرات مسيل ماء، ولا مهب ms2054 رياح ~~شديدة، وقد جاء في الأثر: أن من قبلت حجته رفعت ~~جمراته إلى السماء. # وأيضا فإن الطيور لا تمر فوق الكعبة عند طيرانها في الهواء بل تنحرف ~~عنه إذا وصلت إلى ما فوقه. # وأيضا فالوحوش إذا اجتمعت عنده لا يؤذي بعضهم بعضا - كالكلاب ~~والظباء - ولا يصطاد فيه الظباء الكلاب والوحوش، وتلك خاصية ~~عظيمة، ومن سكن مكة أمن من النهب والغارة، بدعاء إبراهيم وقوله: # رب اجعل هذا البلد آمنا # [إبراهيم: 35]، وقال: # أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف ~~الناس من حولهم # [العنكبوت: 67]، وقال: # رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم ~~من خوف # [قريش: 3-4]. # وأيضا فالأشرم - صاحب الفيل - لما قاد الجيوش والفيل إلى الكعبة، وعجز ~~قريش عن مقاومته، وفارقوا مكة وتركوا له الكعبة، فأرسل الله - تعالى - ~~عليهم طيرا أبابيل، ترميهم بحجارة، والأبابيل: هم الجماعة من الطير ~~بعد الجماعة، وكانت صغارا، تحمل أحجارا ترميهم بها، فهلك الملك ~~والعسكر بتلك الأحجار - مع أنها كانت في غاية الصغر - وهذه آية باهرة ~~دالة على شرف الكعبة. # فإن قيل: ما الحكمة في أن الله - تعالى - وضعها بواد غير ذي زرع؟ # فالجواب من وجوه: # أحدها: أنه - تعالى - قطع بذلك رجاء أهل حرمه وسدنة بيته عمن ~~سواه، حتى لا يتكلوا إلا على الله تعالى. # وثانيها: أنه لا يسكنها أحد من الجبابرة والأكاسرة، فإنهم يحبون ~~طيبات الدنيا، فإذا لم يجدوها هناك تركوا ذلك الموضع، والمقصود تنزيه ~~ذلك الموضع عن لوث وجود أهل الدنيا. # وثالثها: أنه فعل ذلك؛ لئلا يقصدها أحد للتجارة، بل يكون ذلك لمحض ~~العبادة والزيارة. # ورابعها: أن الله - تعالى - أظهر بذلك شرف الفقر، حيث وضع أشرف ~~البيوت، في أقل المواضع نصيبا من الدنيا، فكأنه قال: جعلت أهل الفقر في ~~الدنيا أهل البلد الأمين، فكذلك أجعلهم في الآخرة أهل المقام الأمين، ~~لهم في الدنيا بيت الأمن، وفي الآخرة دار الأمن. # فصل # وللكعبة أسماء كثيرة: # أحدها: الكعبة، قال تعالى: # جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس # [المائدة: 97]، وهذا الاسم يدل على الإشراف والارتفاع، وسمي الكعب ~~كعبا؛ لإشرافه على ms2055 الرسغ، وسميت المرأة الناهدة الثديين كاعبا لارتفاع ~~ثدييها، فلما كان هذا البيت أشرف بيوت الأرض، وأقدمها زمانا، سمي بهذا ~~الاسم. # وثانيها: البيت العتيق، قال تعالى: # ثم محلهآ إلى البيت العتيق # [الحج: 33] وسمي العتيق؛ لأنه أقدم بيوت الأرض. # وقيل: لأنه خلق قبل الأرض والسماء؛ وقيل: لأن الله - تعالى - أعتقه ~~من الغرق. # وقيل: لأن كل من قصد تخريبه أهلكه الله - مأخوذ من قولهم: عتق ~~الطائر - إذا قوي في وكره. # وقيل: لأن كل من زاره أعتقه الله من النار. # وثالثها: المسجد الحرام، قال تعالى: # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصا # [الإسراء: 1] وسمي بذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته ~~- يوم فتح مكة -: # " ألا إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، ~~فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد ~~شجرها ولا يختلى خلاؤها، ولا تلتقط لقطتها إلا لمنشدها ~~". # فإن قيل: كيف الجمع بين قوله: # وطهر بيتي للطآئفين # [الحج: 26]، وقوله: { إن أول بيت وضع للناس } [آل ~~عمران: 96] فهناك أضافه إلى نفسه، وهنا أسنده إلى الناس؟ # فالجواب: كأنه قال: البيت لي، ولكن وضعته ليكون قبلة للناس. # قوله: { مباركا وهدى } حالان، إما من الضمير في " وضع " كذا ~~أعربه أبو البقاء وغيره، وفيه نظر؛ من حيث إنه يلزم الفصل بين الحال ~~بأجنبي - وهو خبر " إن " - وذلك غير جائز؛ لأن الخبر معمول ل " إن ~~" فإن أضمرت عاملا بعد الخبر أمكن أن يعمل في الحال، وكان تقديره: أول ~~بيت وضع للناس للذي ببكة وضع مباركا، والذي حمل على ذلك ما ~~يعطيه تفسير أمير المؤمنين من أنه وضع أولا بقيد هذه الحال. # وإما أن يكون العامل في الحال هو العامل في " ببكة " أي استقر ~~ببكة في حال بركته، وهو وجه ظاهر الجواز. والظاهر أن قوله: " وهدى " ~~معطوف على " مباركا " والمعطوف على الحال حال. # وجوز بعضهم أن يكون مرفوعا، على أنه خبر مبتدأ محذوف - أي: وهو هدى - ~~ولا حاجة إلى تكلف هذا الإضمار. # والبركة: الزيادة، يقال: بارك الله لك، أي: زادك خيرا، ms2056 وهو متعد، ~~ويدل عليه قوله تعالى: # أن بورك من في النار ومن حولها # [النمل: 8] و " تبارك " لا يتصرف، ولا يستعمل إلا مسندا لله ~~تعالى، ومعناه - في حقه تعالى -: تزايد خيره وإحسانه. # وقيل: البركة ثبوت الخير، مأخوذ من مبرك البعير. # وإما من الضمير المستكن في الجار وهو " ببكة " لوقوعه صلة، والعامل فيها ~~الجار بما تضمنه من الاستقرار أو العامل في الجار ويجوز أن ينصب على ~~إضمار فعل المدح أو على الاختصاص، ولا يضر كونه نكرة وقد تقدم دلائل ذلك. ~~و " للعالمين " كقوله: " للمتقين " أول البقرة. # فصل # البركة لها معنيان. # أحدهما: النمو والتزايد. # والثاني: البقاء والدوام، يقال: تبارك الله؛ لثبوته ولم يزل ولا يزال. # والبركة: شبه الحوض؛ لثبوت الماء فيها، وبرك البعير إذا وضع صدره ~~على الأرض وثبت واستقر، فإن فسرنا البركة بالنمو والتزايد، فهذا البيت ~~مبارك فيه من وجوه: # أحدها: أن الطاعات يزداد ثوابها فيه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: # " فضل المسجد الحرام على مسجدي فضل مسجدي على ~~سائر المساجد " # ثم قال: # " صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما ~~سواه " # هذا في الصلاة، وأما في الحج فقد قال صلى الله عليه وسلم: # " من حج هذا البيت، ولم يرفث، ولم يفسق، خرج من ~~ذنوبه كيوم ولدته أمه " # وفي حديث آخر: # " الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة " # ومعلوم أنه لا أكثر بركة مما يجلب المغفرة والرحمة. # ثانيها: قال القفال: ويجوز أن يكون بركته، ما ذكر في قوله تعالى: # يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا # [القصص: 57] فيكون كقوله: # إلى المسجد الأقصا الذي باركنا حوله # [الإسراء: 1]. # وثالثها: أن العاقل يجب أن يستحضر في ذهنه أن الكعبة كالنقطة، ~~وليتصور أن صفوف المتوجهين في الصلوات كالدوائر المحيطة بالمركز، وليتأمل ~~كم عدد الصفوف المحيطة بهذه الدائرة حال اشتغالهم بالصلاة، ولا شك أنه ~~يحصل فيما بين هؤلاء المصلين أشخاص أرواحهم علوية، وقلوبهم قدسية، ~~وأسرارهم نورانية، وضمائرهم ربانية، ثم إن تلك الأرواح الصافية إذا توجهت ~~إلى كعبة المعرفة، وأجسادهم توجهت إلى هذه الكعبة الحسية، فمن كان في ms2057 ~~الكعبة يتصل أنوار أرواح أولئك المتوجهين بنور روحه، فتزداد الأنوار ~~الإلهية في قلبه، ويعظم لمعان الأضواء الروحانية في سره، وهذا ~~بحر عظيم، ومقام شريف، وهو ينبهك على معنى كونه مباركا. وإن فسرنا ~~البركة بالدوام فالكعبة لا تنفك من الطائفين والراكعين والساجدين ~~والعاكفين. وأيضا فالأرض كرة، وإذا كان كذلك فكل زمان يفرض فهو صبح ~~لقوم، وظهر لآخرين، وعصر لثالث، ومغرب لرابع، وعشاء لخامس، وإذا كان ~~الأمر كذلك، لم تنفك الكعبة عن توجه قوم إليها من طرف من أطراف ~~العالم؛ لأداء فرض الصلاة، فكان الدوام حاصلا من هذه الجهة، وأيضا بقاء ~~الكعبة على هذه الحالة ألوفا من السنين دوام - أيضا -. # وأما كونه هدى للعالمين، فقيل: لأنه قبلة يهتدون به إلى جهة صلاتهم. # وقيل: هدى، أي: دلالة على وجود الصانع المختار، وصدق محمد صلى الله ~~عليه وسلم في النبوة، بما فيه من الآيات والعجائب التي ذكرناها. # وقيل: هدى للعالمين إلى الجنة؛ لأن من أقام الصلاة إليه استوجب الجنة. # قوله: { فيه آيات بينات } يجوز أن تكون هذه الجملة في محل نصب ~~على الحال، إما من ضمير " وضع " وفيه ما تقدم من الإشكال. # وأما من الضمير في " ببكة " وهذا على رأي من يجيز تعدد الحال ~~لذي حال واحد. # وإما من الضمير في " للعالمين " ، وإما من " هدى " ، وجاز ذلك ~~لتخصصه بالوصف، ويجوز أن يكون حالا من الضمير في " مباركا ". # ويجود أن تكون الجملة في محل نصب؛ نعتا ل " هدى " بعد نعته بالجار ~~قبله. ويجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفة، لا محل لها من الإعراب، وإنما ~~جيء بها بيانا وتفسيرا لبركته وهداه، ويجوز أن يكون الحال أو الوصف ~~على ما مر تفصيله هو الجار والمجرور فقط، و " آيات " مرفوع بها على سبيل ~~الفاعلية لأن الجار متى اعتمد على أشياء تقدمت أول الكتاب رفع الفاعل، ~~وهذا أرجح من جعلها جملة من مبتدأ وخبر؛ لأن الحال والنعت ~~والخبر أصلها: أن تكون مفردة، فما قرب منها كان أولى، والجار قريب من ~~المفرد، ولذلك تقدم المفرد، ثم الظرف، ثم الجملة فيما ms2058 ذكرنا، وعلى ~~ذلك جاء قوله تعالى: # وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه # [غافر: 28]، فقدم الوصف بالمفرد " مؤمن " ، وثنى بما قرب منه ~~وهو # من آل فرعون # [البقرة: 49]، وثلث بالجملة وهي { يكتم إيمانه } وقد جاء في ~~الظاهر عكس هذا، وسيأتي الكلام عليه - إن شاء الله - عند قوله: # بقوم يحبهم ويحبونه أذلة # [المائدة: 45]. # قوله: { مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا } فيه ~~أوجه: # أحدها: أن " مقام ": بدل من " آيات " وعلى هذا يقال: إن النحويين ~~نصوا على أنه متى ذكر جمع لا يبدل منه إلا ما يوفي بالجمع، ~~فتقول: مررت برجال زيد وعمرو وبكر؛ لأن أقل الجمع - على الصحيح - ثلاثة، ~~فإن لم يوف، قالوا: وجب القطع عن البدلية، إما إلى النصب بإضمار ~~فعل، وإما إلى الرفع، على مبتدأ محذوف الخبر، كما تقول - في المثال ~~المتقدم - زيدا وعمرا، أي: أعني زيدا وعمرا، أو زيد وعمرو، أي: منهم ~~زيد وعمرو. # ولذلك أعربوا قول النابغة الذبياني: [الطويل] # 1539- توهمت آيات لها فعرفتها # لستة أعوام وذا العام سابع # رماد ككحل العين لأيا أبينه # ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع # على القطع المتقدم، أي: فمنها رماد ونؤي، وكذا قوله تعالى: # هل أتاك حديث الجنود فرعون وثمود # [البروج: 17-18] أي: أعني فرعون وثمود، أو أذم فرعون وثمود، على أنه ~~قد يقال: إن المراد بفرعون وثمود؛ هما ومن تبعهما من قومهما، فذكرهما ~~واف بالجمعية. # وفي الآية الكريمة - هنا - لم يذكر بعد الآيات إلا شيئان: المقام، ~~وأمن داخله، فكيف يكون بدلا؟ # وهذا الإشكال - أيضا - وارد على قول من جعله خبر مبتدأ محذوف، أي: ~~هي مقام إبراهيم، فكيف يخبر عن الجمع باثنين؟ # وفيه أجوبة: # أحدها: أن أقل الجمع اثنان - كما ذهب إليه بعضهم. # قال الزمخشري: ويجوز أن يراد: فيه آيات مقام إبراهيم، وأمن من دخله؛ ~~لأن الاثنين نوع من الجمع، كالثلاثة والأربعة، وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " الاثنان فما فوقهما جماعة ". # قال الزجاج: ولفظ الجمع قد يستعمل في الاثنين، قال تعالى: # إن تتوبآ إلى الله فقد صغت قلوبكما # [التحريم: 4]. # وقال بعضهم: تمام الثلاة ms2059 قوله: { ولله على الناس حج ~~البيت } وتقدير الكلام: مقام إبراهيم، وأن من دخله كان آمنا، وأن ~~لله على الناس حج البيت، ثم حذف " أن " اختصارا، كما في قوله: # قل أمر ربي بالقسط # [الأعراف: 29] أي: أمر ربي أن اقسطوا. # الثاني: أن { مقام إبراهيم } وإن كان مفردا لفظا إلا أنه ~~يشتمل على آيات كثيرة، بمعنيين: # أحدهما: أن أثر القدمين في الصخرة الصماء آية، وغوصهما فيها إلى ~~الكعبين آية أخرى؛ وبعض الصخرة دون بعض آية، وإبقاؤه على مر الزمان، ~~وحفظه من الأعداء الكثيرة آية، واستمراره دون آيات سائر الأنبياء خلا ~~نبينا صلى الله عليه وعلى سائرهم آية، قال معناه الزمخشري. # وثانيهما: أن { مقام إبراهيم } بمنزلة آيات كثيرة؛ لأن كل ما ~~كان معجزة لنبي فهو دليل على وجود الصانع وعلمه وقدرته وإرادته وحياته، ~~وكونه غنيا منزها، مقدسا عن مشابهة المحدثات، فمقام إبراهيم ~~وإن كان شيئا واحدا إلا أنه لما حصل فيه هذه الوجوه الكثيرة كان بمنزلة ~~الآيات، كقوله تعالى: # إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا # [النحل: 120]، قاله ابن الخطيب. # الثالث: أن يكون هذا من باب الطي، وهو أن يذكر جمع، ثم يؤتى ~~ببعضه، ويسكت عن ذكر باقيه لغرض للمتكلم، ويسمى طيا. # وأنشد الزمخشري عليه قول جرير: [البسيط] # 1540- كانت حنيفة أثلاثا فثلثهم # من العبيد، وثلث من مواليها # وأورد منه قوله صلى الله عليه وسلم: # " حبب إلي من دنياكم ثلاث: الطيب والنساء، وجعلت ~~قرة عيني في الصلاة " # ذكر اثنين - وهما الطيب والنساء - وطوى ذكر الثالثة. # لا يقال إن الثالثة قوله صلى الله عليه وسلم: # " جعلت قرة عيني في الصلاة " # لأنها ليست من دنياهم، إنما هي من الأمور الأخروية. # وفائدة الطي - عندهم - تكثير ذلك الشيء، كأنه تعالى لما ذكر من جملة ~~الآيات هاتين الآيتين قال: وكثير سواهما. # وقال ابن عطية: " والأرجح - عندي - أن الماقم، وأمن الداخل، جعلا ~~مثالا مما في حرم الله - تعالى - من الآيات، وخصا بالذكر؛ ~~لعظمهما، وأنهما تقوم بهما الحجة على الكفار؛ إذ هم مدركون ~~لهاتين الآيتين بحواسهم ". # الوجه الثاني: أن يكون { مقام إبراهيم ms2060 } عطف بيان، قاله ~~الزمخشري. # ورد عليه أبو حيان هذا من جهة تخالفهما تعريفا وتنكيرا، فقال: ~~وقوله مخالف لإجماع البصريين والكوفيين، فلا يلتفت إليه، وحكم عطف ~~البيان عند الكوفيين حكم النعت، فيتبعون النكرة نكرة، و المعرفة معرفة، ~~ويتبعهم في ذلك أبو علي الفارسي. وأما البصريون، فلا يجوز - عندهم - إلا ~~أن يكونا معرفتين، ولا يجوز أن يكونا نكرتين، وكل شيء أورده الكوفيون مما ~~يوهم جواز كونه عطف بيان جعله البصريون بدلا، ولم يقم دليل ~~للكوفيين؛ وستأتي هذه المسألة إن شاء الله - عند قوله: # من مآء صديد # [إبراهيم: 16] وقوله: # من شجرة مباركة زيتونة # [النور: 35]، ولما أول الزمخشري مقام إبراهيم وأمن داخله - بالتأويل ~~المذكور - اعترض على نفسه بما ذكرناه من إبدال غير الجمع من الجمع - ~~وأجاب بما تقدم، واعترض - أيضا - على نفسه بأنه كيف تكون الجملة عطف ~~بيان للأسماء المفردة؟ فقال: " فإن قلت: كيف أجزت أن يكون مقام ~~إبراهيم والأمن عطف بيان للآيات. وقوله: { ومن دخله كان آمنا } ~~جملة مستأنفة، إما ابتدائية وإما شرطية؟ # قلت: أجزت ذلك من حيث المعنى؛ لأن قوله: { ومن دخله كان ~~آمنا } دل على أمن من دخله، وكأنه قيل: فيه آيات بينات مقام ~~إبراهيم وأمن من دخله، ألا ترى أنك لو قلت: فيه آية بينة، من دخله كان ~~آمنا صح؛ لأن المعنى: فيه آية بينة أمن من دخله ". # قال أبو حيان: " وليس بواضح؛ لأن تقديره - وأمن الداخل - هو مرفوع، ~~عطفا على " مقام إبراهيم " وفسر بهما الآيات، والجملة من قوله: { ~~ومن دخله كان آمنا } لا موضع لها من الإعراب، فتدافعا، إلا إن ~~اعتقد أن ذلك معطوف على محذوف، يدل عليه ما بعده، فيمكن التوجيه، فلا ~~يجعل قوله: { ومن دخله كان آمنا } في معنى: وأمن داخله، إلا من ~~حيث تفسير المعنى، لا تفسير الإعراب ". # قال شهاب الدين: " وهي مشاحة لا طائل تحتها، ولا تدافع فيما ذكر؛ ~~لأن الجملة متى كانت في تأويل المفرد صح عطفها عليه ". # الوجه الثالث: قال المبرد: " مقام " مصدر، فلم يجمع، كما قال: # ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم ms2061 # [البقرة: 7] والمراد: مقامات إبراهيم، وهي ما أقامه إبراهيم من أمور ~~الحج، وأعمال المناسك، ولا شك أنها كثيرة، وعلى هذا، فالمراد بالآيات: ~~شعائر الحج، كما قال تعالى: # ومن يعظم شعائر الله # [الحج: 32]. # الوجه الرابع: أن قوله: { مقام إبراهيم } خبر مبتدأ مضمر، ~~تقديره: أحدها، أي: أحد تلك الآيات البينات مقام إبراهيم، أو مبتدأ محذوف ~~الخبر، تقديره: منها، أي: من الآيات البينات " مقام إبراهيم ". # وقال بعضهم: { مقام إبراهيم } لا تعلق له بقوله: { فيه ~~آيات بينات } ، فكأنه - تعالى - قال: { فيه آيات بينات ~~} ومع ذلك فهو { مقام إبراهيم } ومقره، والموضع الذي ~~اختاره، وعبد الله فيه؛ لأن كل ذلك من الخلال التي بها تشرف ~~وتعظم. # وقرأ أبي وعمر وابن عباس ومجاهد وأبو جعفر المديني - في رواية ~~قتيبة - آية بينة - بالتوحيد، وتخريج " مقام " - على الأوجه ~~المتقدمة - سهل، من كونه بدلا، أو بيانا - عند الزمخشري - أو خبر ~~مبتدأ محذوف وهذا البدل متفق عليه؛ لأن البصريين يبدلون من النكرة ~~مطلقا، والكوفيون لا يبدلون منها إلا بشرط وصفها، وقد وصفت. # فصل # قال المفسرون: الآيات منها مقام إبراهيم، وهو الحجر الذي وضعه إبراهيم ~~تحت قدميه، لما ارتفع بنيان الكعبة، وضعف إبراهيم عن رفع الحجارة، ~~قام على هذا الحجر، فغاصت فيه قدماه. # وقيل: إنه جاء زائرا من الشام إلى مكة وكان قد حلف لامرأته أن لا ~~ينزل بمكة حتى يرجع، فلما رجع إلى مكة قالت له أم إسماعيل: انزل حتى ~~تغسل رأسك، فلم ينزل، فجاءته بهذا الحجر، فوضعته على الجانب الأيمن، فوضع ~~قدمه عليه حتى غسلت أحد جانبي رأسه، ثم حولته إلى الجانب الأيسر، حتى ~~غسلت الجانب الآخر، فبقي أثر قدميه عليه، فاندرس من كثرة المسح ~~بالأيدي. # وقيل: هو الحجر الذي قام عليه إبراهيم - عليه السلام - عند الأذان ~~بالحج. # قال القفال: " ويجوز أن يكون إبراهيم قام على ذلك الحجر في هذه المواضع ~~كلها ". # وقيل: مقام إبراهيم؛ هو جميع الحرم، كما تقدم عن المبرد. # ومن الآيات - أيضا - الحجر الأسود، وزمزم، والحطيم، والمشاعر كلها. # ومن الآيات ما تقدم ذكره من أمر الطير والصيد، وأنه ms2062 بلد صدر إليها ~~الأنبياء والمرسلون، والأولياء والأبرار، وأن الطاعة والصدقة فيه، يضاعف ~~ثوابها بمائة ألف. # والمقام هو في المسجد الحرام، قبالة باب البيت. # وروي عن ابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص أنهما قالا: الحجر الأسود، ~~والمقام من الجنة. # قال الأزرقي: ذرع المقام ذراع، وسعة أعلاه أربعة عشر إصبعا في أربعة ~~عشر إصبعا، ومن أسفله مثل ذلك، وفي طرفيه - من أعلاه وأسفله - طوقان من ~~ذهب، وما بين الطوقين من الحجر من المقام بارز، لا ذهب عليه، طوله من ~~نواحيه كلها تسعة أصابع، وعرضه عشر أصابع في عشر أصابع طولا، وعرض حجر ~~المقام من نواحيه، إحدى وعشرون إصبعا، ووسطه مربع، والقدمان داخلتان في ~~الحجر سبع أصابع، ودخولهما منحرفتان، وبين القدمين من الحجر أصبعان، ~~ووسطه قد استدق من التمسح به، والمقام في حوض من ساج مربع، حوله رصاص، ~~وعلى الحوض صفائح رصاص ليس بها، وعلى المقام صندوق ساج مسقف، ومن وراء ~~المقام ملبن ساج في الأرض، في ظهره سلسلتان يدخلان في أسفل الصندوق، ~~فيقفل عليهما قفلان، وهذا الموضع فيه المقام اليوم، وهو الموضع الذي كان ~~فيه في زمن الجاهلية، ثم في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده، ولم ~~يغير موضعه، إلا أنه جاء سيل في زمن عمر بن الخطاب - يقال له: سيل ~~أم نهشل؛ لأنه ذهب بأم نهشل بنت عبيدة بن أبي ~~رجيحة، فماتت، فاحتمل ذلك السيل المقام من موضعه هذا، فذهب به إلى ~~أسفل مكة فأتي به، فربطوه في أستار الكعبة - في وجهها - وكتبوا بذلك إلى ~~عمر، فأقبل عمر من المدينة فزعا، فدخل بعمرة في شهر رمضان، وقد غبي ~~موضعه، وعفاه السيل، فجمع عمر الناس، وسألهم عن موضعه، وتشاوروا عليه ~~حتى اتفقوا على موضعه الذي كان فيه، فجعله فيه، وعمل عمر الردم، لمنع ~~السيل، فلم يعله سيل بعد ذلك إلى الآن. # ثم بعث أمير المؤمنين المهدي ألف دينار ليضببوا بها المقام - وكان قد ~~انثلم - ثم أمر المتوكل أن يجعل عليه ذهب فوق ذلك الذهب - أحسن بذلك ~~العمل - فعمل ms2063 في مصدر الحاج سنة ست وثلاثين ومائتين، فهو الذهب الذي عليه ~~اليوم، وهو فوق الذي عمله المهدي. # فصل # قوله: { ومن دخله كان آمنا }. # قال الحسن وقتادة: كانت العرب - في الجاهلية - يقتل بعضهم بعضا، ويغير ~~بعضهم على بعض، ومن دخل الحرم أمن من القتل والغارة، وهذا قول أكثر ~~المفسرين، لقوله تعالى: # أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف ~~الناس من حولهم # [العنكبوت: 67]. # وقيل: أراد به أن من دخله عام عمرة القضاء مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان آمنا، كما قال تعالى: # لتدخلن المسجد الحرام إن شآء الله آمنين # [الفتح: 27]. # وقال الضحاك: من حجه كان آمنا من الذنوب التي اكتسبها قبل ذلك. # وقيل: معناه من دخله معظما له، متقربا إلى الله - عز وجل - ~~كان آمنا يوم القيامة من العذاب. # وقيل: هو خبر بمعنى الأمر، تقديره: ومن دخله فأمنوه، كقوله تعالى: # فلا رفث ولا فسوق ولا جدال # [البقرة: 197]، أي: لا ترفثوا، ولا تفسقوا، ولا تجادلوا. # فصل # قال أبو بكر الرازي: لما كانت الآيات المذكورة عقيب قوله: { إن ~~أول بيت وضع للناس } موجودة في جميع الحرم، ثم قال: { ~~ومن دخله كان آمنا } ، وجب أن يكون مراده جميع الحرم، وأجمعوا ~~على أنه لو قتل في الحرم، فإنه يستوفى القصاص منه في الحرم، ~~وأجمعوا على أن الحرم لا يفيد الأمان فيما سوى النفس، إنما الخلاف فيما ~~إذا وجب القصاص عليه خارج الحرم، فالتجأ إلى الحرم، فهل يستوفى منه ~~القصاص في الحرم؟ # فقال الشافعي: يستوفى. # وقال أبو حنيفة: لا يستوفى، بل يمنع منه الطعام، والشراب، والبيع ~~والشراء، والكلام حتى يخرج، ثم يستوفى منه القصاص، واحتج بهذه الآية ~~فقال: ظاهر الآية الإخبار عن كونه آمنا، ولا يمكن حمله على الخبر؛ إذ ~~قد لا يصير آمنا في حق من أتى بالجناية في الحرم، وفي القصاص فيما ~~دون النفس، فوجب حمله على الأمر، وتركنا العمل به في الجناية التي دون ~~النفس؛ لأن الضرر فيها أخف من ضرر القتل، وفي القصاص بالجناية في الحرم؛ ~~لأنه هو الذي هتك حرمة ms2064 الحرم، فيبقى في محل الخلاف على مقتضى ظاهر ~~الآية. # وأجيب بأن قوله: { كان آمنا } إثبات لمسمى الآية، ويكفي في ~~العمل به، في إثبات الأمن من بعض الوجوه، ونحن نقول به، وبيانه من وجوه: # الأول: أن من دخله للنسك، تقربا إلى الله تعالى، كان آمنا من ~~النار يوم القيامة، قال صلى الله عليه وسلم # " من صبر على حر مكة ساعة من نهار تباعدت عنه ~~النار مسيرة مائتي عام " # وقال صلى الله عليه وسلم # " من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه ~~كيوم ولدته أمه ". # الثاني: يحتمل أن يكون المراد: ما أودعه الله في قلوب الخلق من ~~الشفقة على كل من التجأ إليه، ودفع المكروه عنه، ولما كان الأمر واقعا ~~على هذا الوجه - في الأكثر - أخبر بوقوعه على هذا الوجه مطلقا، وهذا ~~أولى مما قالوه، لوجهين: # الأول: أنا - على هذا التقدير - لا نجعل الخبر قائما مقام الأمر، وهم ~~جعلوه قائما مقام الأمر. # الثاني: أنه - تعالى - إنما ذكر هذا، لبيان فضيلة البيت، وذلك إنما ~~يحصل بشيء كان معلوما للقوم حتى يصير ذلك حجة على فضيلة البيت، فأما ~~الحكم الذي بينه الله في شرع محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه لا يصير ذلك ~~حجة على اليهود والنصارى في إثبات فضيلة الكعبة. # الوجه الثالث: قد تقدم أن هذا إنما ورد في عمرة القضاء. # الرابع: ما تقدم - ايضا - عن الضحاك أنه يكون آمنا من الذنوب ~~التي اكتسبها. # وملخص الجواب: أنه حكم بثبوت الأمن، ويكفي في العمل به إثبات الأمن من ~~وجه واحد، وفي صورة واحدة، فإذا حملناه على بعض هذه الوجوه فقد ~~عملنا بمقتضى هذا النص، فلا يبقى في النص دلالة على قولهم، ويتأكد هذا ~~بأن حمل النص على هذا الوجه، لا يفضي إلى تخصيص النصوص الدالة على ~~وجوب القصاص، وحمله على ما قالوه يفضي إلى ذلك، فكان قولنا أولى. # قوله: " ولله على الناس حج البيت " لما ذكر فضائل البيت ومناقبه، ~~أردفه بذكر إيجاب الحج إليه. # وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم: " حج البيت " - بكسر ms2065 الحاء في هذا ~~الحرف خاصة، وتقدم في البقرة في الشاذ بكسر الحاء - وتقدم هنا اشتقاق ~~المادة - والباقون بفتحها - وهي لغة أهل الحجاز والعالية والكسر لغة نجد؛ ~~وهما جائزان مطلقا في اللغة مثل رطل ورطل، وبذر وبذر، وهما لغتان ~~فصيحتان بمعنى واحد. # وقيل: المكسور اسم للعمل، والمفتوح المصدر. # وقال سيبويه: يجوز أن تكون المكسورة - أيضا - مصدرا كالذكر ~~والعلم. # فصل # الحج أحد أركان الإسلام؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، ~~وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء ~~الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا ~~". # ويشترط لوجوبه خمسة شروط: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، ~~والاستطاعة. # فصل # احتجوا بهذه الآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الإسلام؛ لأن ظاهر ~~قوله تعالى { ولله على الناس حج البيت } يعم المؤمن ~~والكافر، وعدم الإيمان لا يصلح معارضا، ومخصصا، لهذا العموم؛ لأن ~~الدهري مكلف بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم مع أن الإيمان بالله ~~الذي هو شرط لصحة الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، غير حاصل، ~~والمحدث مكلف بالصلاة، مع أن الوضوء الذي هو شرط لصحة الصلاة، غير ~~حصل، لم يكن عدم الشرط مانعا من كونه مكلفا بالمشروط. # فكذا هاهنا. # فصل # قال القرطبي: دل الكتاب والسنة على أن الحج على التراخي، وهو أحد ~~قولي مالك، والشافعي، ومحمد بن الحسن، وأبي يوسف في رواية عنه، وذهب بعض ~~المتأخرين من المالكية إلى أنه على الفور، وهو قول داود، والصحيح ~~الأول؛ لأن الله تعالى قال في سورة الحج -: # وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا # [الحج: 27]، وسورة الحج مكية، وقال هاهنا: { ولله على الناس ~~حج البيت } وهذه السورة نزلت عام أحد بالمدينة، سنة ثلاث من ~~الهجرة، ولم يحج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سنة عشر، وأجمع ~~العلماء على ترك تفسيق القادر على الحج، إذا أخره عامدا. # فصل # روي أنه لما نزلت هذه الآية قيل: # " يا رسول الله، أكتب علينا الحج في كل عام؟ ذكروا ذلك ثلاثا، ~~فسكت رسول الله ms2066 صلى الله عليه وسلم، ثم قال في الرابعة: " لو قلت: ~~نعم لوجبت، ولو وجبت ما قمتم بها، ولو لم ~~تقوموا بها لكفرتم، ألا فوادعوني ما وادعتكم وإذا ~~أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا ~~نهيتكم عن أمر فانتهوا عنه، فإنما هلك من ~~كان قبلكم بكثرة مسائلهم، واختلافهم على ~~أنبيائهم " ". # فصل # احتج العلماء بهذا الخبر، على أن الأمر لا يفيد التكرار من وجهين: # الأول: أن الأمر ورد بالحج، ولم يفد التكرار. # والثاني: أن الصحابة استفهموا، هل يوجب التكرار أم لا؟ ولو كانت هذه ~~الصيغة تفيد التكرار لما استفهموا مع علمهم باللغة. # قوله: { من استطاع إليه سبيلا } فيه ستة أوجه: # أحدها: أن " من " بدل من " الناس " بدل بعض من كل، وبدل البعض وبدل ~~الاشتمال لا بد في كل منهما من ضمير يعود على المبدل منه، نحو: ~~أكلت الرغيف ثلثه، وسلب زيد ثوبه، وهنا ليس من ضمير. فقيل: ~~هو محذوف تقديره من استطاع منهم. # الثاني: أنه بدل كل من كل، إذ المراد بالناس المذكورين: خاص، ~~والفرق بين هذا الوجه، والذي قبله، أن الذي قبله يقال فيه: عام مخصوص، ~~وهذا يقال فيه: عام أريد به الخاص، وهو فرق واضح وهاتان العبارتان ~~للشافعي. # الثالث: أنها خبر مبتدأ مضمر، تقديره: هم من استطاع. # الرابع: أنها منصوبة بإضمار فعل، أي: أعني من استطاع. وهذان الوجهان - ~~في الحقيقة - مأخوذان من وجه البدل؛ فإن كل ما جاز إبداله مما قبله، ~~جاز قطعه إلى الرفع، أو إلى النصب المذكورين آنفا. # الخامس: أن " من " فاعل بالمصدر وهو " حج " ، والمصدر مضاف ~~لمفعوله، والتقدير: ولله على الناس أن يحج من استطاع منهم سبيلا البيت. # وهذا الوجه قد رده جماعة من حيث الصناعة، ومن حيث المعنى؛ أما من ~~حيث الصناعة؛ فلأنه إذا اجتمع فاعل ومفعول مع المصدر العامل فيهما، فإنما ~~يضاف المصدر لمرفوعه - دون منصوبة - فيقال: يعجبني ضرب زيد عمرا، ~~ولو قلت: ضرب عمرو زيد، لم يجز إلا في ضرورة، كقوله: [البسيط] # 1541- أفنى تلادي وما جمعت من نشب # قرع القواقيز أفواه الأباريق # يروى بنصب ms2067 " أفواه " على إضافة المصدر - وهو " قرع " - إلى فاعله، ~~وبالرفع على إضافته إلى مفعوله. وقد جوز، بعضهم في الكلام على ~~ضعف، والقرآن لا يحمل على ما في الضرورة، ولا على ما فيه ضعف، ~~أما من حيث المعنى؛ فلأنه يؤدي إلى تكليف الناس جميعهم - مستطيعهم وغير ~~مستطيعهم - بأن يحج مستطيعهم، فيلزم من ذلك تكليف غير المستطيع بأن ~~يحج، وهو غير جائز - وقد التزم بعضهم هذا، وقال: نعم، نقول بموجبه، ~~وأن الله - تعالى - كلف الناس ذلك، حتى لو لم يحج المستطيعون لزم غير ~~المستطيعين أن يأمروهم بالحج حسب الإمكان؛ لأن إحجاج الناس إلى الكعبة ~~وعرفة فرض واجب. و " من " - على هذه الأوجه الخمسة - موصولة بمعنى: ~~الذي. # السادس: أنها شرطية، والجزاء محذوف، يدل عليه ما تقدم، أو هو نفس ~~المتقدم - على رأي - ولا بد من ضمير يعود من جملة الشرط على " الناس " ~~، تقديره: من استطاع منهم إليه سبيلا فلله عليه. # ويترجح هذا بمقابلته بالشرط بعده، وهو قوله: { ومن كفر فإن ~~الله غني عن العالمين }. # وقوله: { ولله على الناس حج البيت } جملة من مبتدأ - ~~وهو { حج البيت } - وخبر - وهو قوله: " لله " - و " على ~~الناس " متعلق بما تعلق به الخبر، أو متعلق بمحذوف؛ على أنه حال من ~~الضمير المستكن في الجار، والعامل فيه - أيضا - ذلك الاستقرار المحذوف، ~~ويجوز أن يكون على الناس هو الخبر، و " لله " متعلق بما تعلق به ~~الخبر، ويمتنع فيه أن يكون حالا من الضمير في " على الناس " وإن ~~كان العكس جائزا - كما تقدم -. # والفرق أنه يلزم هنا تقديم الحال على العامل المعنوي، والحال لا يتقدم ~~على العامل المعنوي - بخلاف الظرف وحرف الجر، فإنهما يتقدمان على عاملهما ~~المعنوي؛ للاتساع فيهما، وقد تقدم أن الشيخ جمال الدين بن مالك، يجوز ~~تقديمها على العامل المعنوي - إذا كانت هي ظرفا، أو حرف جر، والعامل ~~كذلك، ومسألتنا في الآية الكريمة من هذا القبيل. وقد جيء في هذه الآيات ~~بمبالغات كثيرة. # منها قوله: { ولله على الناس حج البيت } يعني: أنه حق ~~واجب عليهم لله في رقابهم، لا ينفكون ms2068 عن أدائه والخروج عن عهدته. # ومنها: أنه ذكر " الناس " ، ثم أبدل منهم { من استطاع إليه ~~سبيلا } ، وفيه ضربان من التأكيد. # أحدهما: أن الإبدال تثنية المراد وتكرير له. # والثاني: أن التفصيل بعد الإجمال، والإيضاح بعد الإبهام، إيراد له في ~~صورتين مختلفتين، قاله الزمخشري، على عادة فصاحته، وتلخيصه المعنى بأقرب ~~لفظ، والألف واللام في " البيت " للعهد؛ لتقدم ذكره، وهو أعلم بالغلبة ~~كالثريا والصعيد. فإذا قيل: زار البيت، لم يتبادر الذهن إلا إلى ~~الكعبة شرفها الله. # وقال الشاعر: [الطويل] # 1542- لعمري لأنت البيت أكرم أهله # وأقعد في أفيائه بالأصائل # أنشد هذا البيت أبو حيان في هذا المعرض. # قال شهاب الدين: " وفيه نظر، إذ ليس في الظاهر الكعبة ". # الضمير في: " إليه " الظاهر عوده على الحج؛ لأنه محدث عنه. # قال الفراء: إن نويت الاستئناف ب " من " كانت شرطا، وأسقط الجزاء ~~لدلالة ما قبله عليه، والتقدير: من استطاع إلى الحج سبيلا، فلله عليه ~~حج البيت. # وقيل: يعود على " البيت " ، و " إليه " متعلق ب " استطاع " ~~، و " سبيلا " مفعول به؛ لأن استطاع متعد، ومنه قوله تعالى: # لا يستطيعون نصركم # [الأعراف: 197]، إلى غير ذلك من الآيات. # فصل # قال أبو العباس المقرئ: ورد لفظ الاستطاعة بإزاء معنيين في القرآن: # الأول: سعة المال، قال تعالى: { ولله على الناس حج ~~البيت من استطاع إليه سبيلا } [آل عمران: 97] أي: سعة ~~في المال ومنه قوله تعالى: # لو استطعنا لخرجنا معكم # [التوبة: 42] أي: لو وجدنا سعة في المال. # الثاني: بمعنى الإطاقة، قال تعالى: # ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النسآء # [النساء: 129]، وقال: # فاتقوا الله ما استطعتم # [التغابن: 16]. # فصل # استطاعة السبيل إلى الشيء: عبارة عن إمكان الوصول إليه، قال تعالى: # فهل إلى خروج من سبيل # [غافر: 11]، وقال: # هل إلى مرد من سبيل # [الشورى: 44]. # قال عبد الله بن عمر: # " سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ما يوجب ~~الحج؟ فقال:الزاد والراحلة، قال: يا رسول الله، فما الحاج؟ قال: ~~الشعث، التفل. فقام آخر فقال: يا رسول الله، أي الحج أفضل؟ فقال: ~~الحج والثج، فقام آخر فقال: ms2069 يا رسول ما السبيل؟ فقال: " زاد وراحلة ~~" ". # ويعتبر في حصول هذا الإمكان صحة البدن، وزوال خوف التلف من سبع، أو ~~عدو، أو فقدان الطعام والشراب، والقدرة على المال الذي يشتري به الزاد، ~~والراحلة، ويقضي جميع الديون التي عليه، ويرد ما عنده من الودائع، ~~ويضع عند من تجب عليه نفقته من المال، ما يكفيه لذهابه ومجيئه، هذا قول ~~الأكثرين. # وروى القفال: عن جويبر عن الضحاك أنه قال: إذا كان شابا صحيحا ليس ~~له مال، فعليه أن يؤاجر نفسه حتى يقضي حجه، فقال له قائل: أكلف الله ~~الناس أن يمشوا إلى البيت؟ فقال: لو كان لبعضهم ميراث بمكة أكان يتركه؟ ~~قال: لا، بل ينطلق إليه ولو حبوا، قال: فكذلك يجب عليه حج البيت. # وعن عكرمة - أيضا - أنه قال: الاستطاعة هي: صحة البدن، وإمكان المشي ~~إذا لم يجد ما يركبه؛ لأن الصحيح البدن، القادر على المشي إذا لم يجد ما ~~يركبه يصدق عليه أنه مستطيع لذلك الفعل، فتخصيص الاستطاعة بالزاد ~~والراحلة ترك لظاهر الآية، فلا بد من دليل منفصل، والأخبار المروية ~~أخبار آحاد، فلا يترك لها ظاهر الكتاب، ولا سيما وقد طعن فيها من ~~وجوه: # الأول: من جهة السند. # الثاني: أن حصول الزاد والراحلة قد لا يكفي، فلا بد من اعتبار صحة ~~البدن، وعدم الخوف، وهذا ليس في الأخبار، فظاهرها يقتضي أن لا يكون شيء ~~من ذلك معتبرا. # الوجه الثالث: اعتبار وفاء الدين، ونفقة عياله، ورد الودائع. # وأجيبوا بأنه يفضي إلى معارضة قوله تعالى: # وما جعل عليكم في الدين من حرج # [الحج: 78] وقوله: # يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر # [البقرة: 185]. فصل # احتج جمهور المعتزلة بهذه الآية على أن الاستطاعة قبل الفعل، ~~فقالوا: لأنه لو كانت الاستطاعة مع الفعل لكان من لم يحج لم يكن مستطيعا ~~للحج ومن لم يكن مستطيعا لا يتناوله التكليف المذكور في هذه الآية، ~~فيلزم منه أن كل من لم يحج لا يصير مأمورا بالحج بهذه الآية، وذلك ~~باطل. # وأجيبوا بأن هذا - أيضا - يلزمهم؛ لأن القادر إما أن ms2070 يصير مأمورا ~~بالفعل قبل حصول الداعي إلى الفعل، أو بعد حصوله، أما قبل حصول الداعي، ~~فمحال؛ لأن قبل حصول الداعي يمتنع حصول الفعل، فيكون التكليف به ~~تكليفا بما لا يطاق، وأما بعد حصول الداعي، فالفعل يصير واجب ~~الحصول، فلا يكون في التكليف به فائدة، وإذا كانت الاستطاعة منفية في ~~الحالتين، وجب ألا يتوجه التكليف المذكور في هذه الآية على أحد. # فصل # إذا كان عاجزا بنفسه؛ لكونه زمنا، أو مريضا لا يرجى برؤه - ~~وله مال يمكن أن يستأجر من يحج عنه - وجب عليه أن يستأجر، لما ~~روى عبد الله بن عباس، قال: # " كان الفضل بن عباس ردف النبي صلى الله عليه وسلم فجاءته امرأة من ~~خثعم، تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها، وتنظر إليه، فجعل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت: يا رسول الله، ~~إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا، لا يستطيع ~~أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم ". # وقال مالك: لا يجب عليه، وهذا هو المعضوب، والعضب: القطع، وبه سمي ~~السيف عضبا، فكأن من انتهى إلى ألا يقدر أن يستمسك على الراحلة، ولا ~~يثبت عليها بمنزلة من قطعت أعضاؤه، أو لا يقدر على شيء. # وإن لم يكن له مال لكن بذل له ولده، أو أجنبي، الطاعة في أن يحج عنه، ~~فهل يلزمه [أن يأمره] إذا كان يعتمد صدقه؟ # وفي المسألة خلاف، فالقائل بالوجوب قال: لأن وجوب الحج معلق بالاستطاعة، ~~وهذا مستطيع، لأنه يقال - في العرف -: فلان مستطيع لبناء دار، وإن كان ~~لا يفعله بنفسه، وإنما يفعله بماله، وبأعوانه -. # وقال أبو حنيفة: لا يجب ببذل الطاعة، قال: وحديث الخثعمية يدل على أنه ~~من باب التطوعات؛ وإيصال البر للأموات، ألا ترى أنه شبه فعل الحج ~~بالدين؟ وبالإجماع لو مات ميت وعليه دين لم يجب على وليه قضاؤه من ~~ماله، فإن تطوع بذلك تأدى عنه الدين، ويدل على أن الحج في حديث ~~الخثعمية ما كان واجبا قولها: إن أبي لا يستطيع ms2071 - ومن لا يستطيع لا يجب ~~عليه، وهذا تصريح بنفي الوجوب. # وقوله: { ومن كفر } يجوز أن تكون الشرطية - وهو الظاهر - ويجوز أن ~~تكون الموصولة، ودخلت الفاء؛ شبها للموصول باسم الشرط كما تقدم، ولا ~~يخفى حال الجملتين بعدها بالاعتبارين المذكورين، ولا بد من رابط بين ~~الشرط وجزائه، أو المبتدأ وخبره، ومن جوز إقامة الظاهر مقام المضمر ~~اكتفى بذلك في قوله: { غني عن العالمين } كأنه قال: غني عنهم. # فصل # في هذا الوعيد قولان: # الأول: قال مجاهد: هلا كلام مستقل بنفسه، ووعيد عام في حق من ~~كفر بالله ولا تعلق له بما قبله. # الثاني: قال ابن عباس والحسن وعطاء: من جحد فرض الحج. # وقال آخرون: من ترك الحج، لقوله صلى الله عليه وسلم: # " من مات ولم يحج حجة الإسلام فليمت إن شاء ~~يهوديا وإن شاء نصرانيا " # وقوله صلى الله عليه وسلم: # " من مات ولم يحج حجة الإسلام - ولم تمنعه حاجة ~~ظاهرة أو مرض حابس، أو سلطان جائر - فليمت على أي ~~حالة شاء - يهوديا أو نصرانيا ". # وقال سعيد بن جبير: إن مات جار لي لم يحج - وله ميسرة - لم أصل ~~عليه. # فإن قيل: كيف يجوز الحكم عليه بالكفر بسبب ترك الحج؟ # فالجواب قال القفال المراد منه التغليظ، أي: قد قارب الكفر، وعمل ما ~~يعمله من كفر بالحج كقوله: # وبلغت القلوب الحناجر # [الأحزاب: 10] أي: كادت تبلغ. # وكقوله عليه السلام -: # " من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر " # وقوله صلى الله عليه وسلم: # " من أتى حائضا أو امرأة في دبرها فقد كفر ". # وأما الأكثرون فهم الذين حملوا هذا الوعيد على تارك اعتقاد الحج. # قال الضحاك: لما نزلت آية " الحج " ، جمع الرسول صلى الله عليه وسلم ~~أهل الأديان الستة: المسلمين، والنصارى، واليهود، والصابئين، والمجوس، ~~والمشركين، فخاطبهم، وقال: # " إن الله كتب عليكم الحج فحجوا " # فآمن به المسلمون، وكفرت به الملل الخمس، وقالوا: لا نؤمن به، ولا نصلي ~~إليه، ولا نحجه، فأنزل الله تعالى: { ومن كفر فإن الله غني ~~عن العالمين }. ### || [3.98-99] # في كيفية النظم وجهان: الأول: أنه - تعالى - لما أورد الدلائل ms2072 على ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، مما ورد في التوراة، والإنجيل، عقب ~~ذلك بشبهات القوم من إنكار النسخ، واستقبال الكعبة في الصلاة، ووجوب ~~حجها، وأجاب عن هاتين الشبهتين بقوله # كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما ~~حرم إسرائيل على نفسه # [آل عمران: 93] وبقوله: # إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة # [آل عمران: 96] فلما تم الاستدلال خاطبهم - بعد ذلك - بالكلام ~~اللين، وقال: { لم تكفرون بآيات الله } بعد ظهور ~~البينات؟ # الثاني: أنه - تعالى - لما بين فضائل الكعبة ووجوب الحج - والقوم ~~كانوا عالمين بأن هذا هو الدين الحق - قال لهم: { لم تكفرون ~~بآيات الله } بعد أن علمتم كونها حقا صحيحة؟ # واعلم: أن المبطل قد يكون ضالا مضلا فقط، وقد يكون ضالا مضلا، ~~والقوم كانوا موصوفين بالأمرين جميعا، فبدأ - تعالى - بالإنكار على أهل ~~الصفة الأولى - على سبيل الرفق - فقال: { يأهل الكتاب لم ~~تكفرون بآيات الله }؟ # قال الحسن: هم العلماء من أهل الكتاب، الذين علموا صحة نبوته؛ لقوله: " ~~وأنتم شهداء ". # وقال آخرون: المراد: أهل الكتاب كلهم. # فإن قيل: لماذا خص أهل الكتاب دون سائر الكفار؟ # فالجواب من وجهين: # الأول: أنا بينا أنه - تعالى - أورد الدليل عليهم من التوراة ~~والإنجيل على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم أجاب عن شبهتهم في ~~ذلك، فلما تم ذلك خاطبهم، فقال: " يا أهل الكتاب ". # والثاني: أن معرفتهم بآيات الله أقوى؛ لتقدم اعترافهم بالتوحيد، ~~وأصل النبوة، ولمعرفتهم بما في كتبهم من الشهادة بصدق الرسول صلى الله ~~عليه وسلم، والبشارة بنبوته. # والمراد بآيات الله: الآيات التي نصبها الله - تعالى - على نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم، والمراد بكفرهم بها كفرهم بدلالتها على نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم. # فصل # قالت المعتزلة: هذه الآية تدل على أن الكفر من قبلهم - حتى ~~يصح هذا التوبيخ، ولذلك لا يصح توبيخهم على طولهم، وصحتهم، ~~ومرضهم. # وأجيبوا بالمعارضة بالعلم والداعي. # قوله: { والله شهيد على ما تعملون } الواو للحال، ~~والمعنى: لم تكفرون بآيات الله التي دلتكم على صحة صدق محمد، والحال ~~أن الله شهيد ms2073 على أعمالكم، ومجازيكم عليها؟ ثم لما أنكر [عليهم في ضلالهم ~~ذكر ذلك الإنكار] عليهم في إضلالهم لضعفة المسلمين، فقال: { قل ~~يأهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن }؟ # " لم ": متعلق بالفعل بعده، و " من آمن " مفعوله والعامة على " ~~تصدون " - بفتح التاء - من صد يصد - ثلاثيا - ويستعمل ~~لازما ومتعديا. # وقرأ الحسن " تصدون " - بضم التاء - من أصد - مثل أعد - ووجهه ~~أن يكون عدى " صد " اللازم بالهمزة كقول ذي الرمة: [الطويل] # 1543- أناس أصدوا الناس بالسيف عنهم # ............................ # قال الفراء: يقال: صددته، أصده، صدا. وأصددته، إصدادا. # وكان صدهم عن سبيل الله بإلقاء الشبه في قلوب الضعفة من ~~المسلمين، وكانوا ينكرون كون صفته في كتابهم. # قوله: { تبغونها } يجوز أن تكون جملة مستأنفة، أخبر عنهم بذلك - ~~وأن تكون في محل نصب على الحال، وهو أظهر من الأول؛ لأن الجملة ~~الاستفهامية السابقة جيء بعدها بجملة حالية - أيضا - وهي قوله: { ~~والله شهيد على ما تعملون }. # وأنتم تشهدون # [البقرة: 84]. # فتتفق الجملتان في انتصاب الحال عن كل منهما، ثم إذا قلنا بأنها حال، ~~ففي صاحبها احتمالان: # أحدهما: أنه فاعل " تصدون ". # والثاني: أنه { سبيل الله }. # وإن جاز الوجهان لأن الجملة - اشتملت على ضمير كل منهما. # والضمير في { تبغونها } يعود على { سبيل } فالسبيل يذكر ~~ويؤنث كما تقدم ومن التأنيث هذه الآية، وقوله: # قل هذه سبيلي # [يوسف: 108]. # وقول الشاعر: [الوافر] # 1544- فلا تبعد فكل فتى أناس # سيصبح سالكا تلك السبيلا # قوله (عوجا) فيه وجهان: # أحدهما: أنه مفعول به، وذلك أن يراد ب " تبغون " تطلبون. # قال الزجاج والطبري: تطلبون لها اعوجاجا. # تقول العرب: ابغني كذا - بوصل الألف - أي: اطلبه لي، وأبغني كذا - ~~بقطع الألف - أي: أعني على طلبه. # قال ابن الأنباري: البغي يقتصر له على مفعول واحد إذا لم يكن معه ~~اللام، كقولك: بغيت المال والأجر والثواب. # وههنا أريد يبغون لها عوجا، فلما سقطت اللام عمل الفعل فيما بعدها، ~~كما قالوا وهبتك درهما، يريدون وهبت لك، ومثله: صدتك ظبيا، أي: صدت ~~لك. # قال الشاعر: [الخفيف] # 1545- فتولى غلامهم ثم نادى # أظليما أصيدكم أم حمارا # يريد: أصيد ms2074 لكم ظليما؟ # ومثله: " جنيتك كمأة وجنيتك طبا " ، والأصل جنيت لك، فحذف ونصب ". # والثاني: أنه حال من فاعل " تبغونها " وذلك أن يراد ب " تبغون " ~~معنى تتعدون، والبغي: التعدي. # والمعنى: تبغون عليها، أو فيها. # قال الزجاج: كأنه قال تبغونها ضالين، والعوج بالكسر، والعوج بالفتح - ~~الميل، ولكن العرب فرقوا بينهما، فخصوا المكسور بالمعاني، ~~والمفتوح بالأعيان تقول: في دينه وفي كلامه عوج - بالكسر، وفي الجدار ~~والقناة والشجر عوج - بالفتح. # قال أبو عبيدة: العوج - بالكسر. الميل في الدين والكلام والعمل، ~~وبالفتح في الحائط والجذع. # وقال أبو إسحاق: الكسر فيما لا ترى له شخصا، وبالفتح فيما له ~~شخص. # وقال صاحب المجمل: بالفتح في كل منتصب كالحائط، والعوج - يعني: ~~بالكسر - ما كان في بساط، أو دين، أو أرض، أو معاش، فجعل الفرق بينهما ~~بغير ما تقدم. # وقال الراغب: العوج: العطف من حال الانتصاب، يقال: عجت البعير ~~بزمامه، وفلان ما يعوج به - أي: يرجع، والعوج - يعني: بالفتح - يقال ~~فيما يدرك بالبصر كالخشب المتصب، ونحوه، و العوج يقال فيما ~~يدرك بفكر وبصيرة، كما يكون في أرض بسيطة عوج، فيعرف تفاوته ~~بالبصيرة، وكالدين والمعاش، وهذا قريب من قول ابن فارس؛ لأنه كثيرا ما ~~يأخذ منه. # وقد سأل الزمخشري في سورة طه قوله تعالى: # لا ترى فيها عوجا ولا أمتا # [طه: 107] - سؤالا، حاصله: أنه كيف قيل: عوج - بالكسر - في الأعيان، ~~وإنما يقال في المعاني؟ # وأجاب هناك بجواب حسن - يأتي إن شاء الله. # والسؤال إنما يجيء على قول أبي عبيدة والزجاج المتقدم، وأما على قول ~~ابن فارس والراغب فلا يرد، ومن مجيء العوج بمعنى الميل من حيث الجملة ~~قول الشاعر: [الوافر] # 1546- تمرون الديار ولم تعوجوا # كلامكم علي إذن حرام # وقول امرئ القيس: [الكامل] # 1547- عوجا على الطلل المحيل لأننا # نبكي الديار كما بكى ابن حذام # أي: ولم تميلوا، وميلا. # وأما قولهم: ما يعوج زيد بالدواء - أي: ما ينتفع به - فمن مادة أخرى ~~ومعنى آخر. # والعاج: العظم، ألفه مجهولة لا يعلم منقلبة عن واو أو عن ياء؟ ~~وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم ms2075 قال لثوبان: # " اشتر لفاطمة سوارا من عاج ". # قال القتيبي: العاج الذبل؛ وقال أبو خراش الهذلي في امرأة: ~~[الطويل] # 1548- فجاءت كخاصي العير لم تحل عاجة # ولا جاجة منها تلوح على وشم # قال الأصمعي: العاجة: الذبلة، والجاجة - بجيمين - خرزة ما تساوي ~~فلسا. # وقوله: كخاصي العير، هذا مثل تقوله العرب لمن جاء مستحيا من ~~أمر، فيقال: جاء كخاصي العير. # والعير: الحمار، يعنون جاء مستحيا. ويقال: عاج بالمكان، وعوج به - ~~أي: أقام وقطن، وفي حديث إسماعيل - على نبينا وعليه السلام -: " ها ~~أنتم عائجون " أي مقيمون. # وأنشدوا للفرزدق: [الوافر] # 1549- هل أنتم عائجون بنا لعنا # نرى العرصات أو أثر الخيام؟ # كذا أنشد هذا البيت الهروي، مستشهدا به على الإقامة - وليس بظاهر - ~~بل المراد ب " عائجون " في البيت: سائلون وملتفتون. # وفي الحديث: # " ثم عاج رأسه إليها " # أي: التفت إليها. # والرجل الأعوج: السيئ الخلق، وهو بين العوج. والعوج من الخيل ~~التي في رجلها تجنيب. والأعوج من الخيل منسوبة إلى فرس كان في الجاهلية ~~سابقا، ويقال: فرس مجنب إذا كان بعيد ما بين الساقين غير فحج، ~~وهو مدح ويقال: الحنبة: اعوجاج. # قوله: { وأنتم شهداء } حال، إما من فاعل " تصدون " ، وإما ~~من فاعل " تبغونها " ، وإما مستأنف وليس بظاهر و " شهداء " جمع شهيد ~~أو شاهد كما تقدم. # فصل # ومعنى الآية أنهم يقصدون الزيغ والتحريف لسبيله بالشبه التي ~~يوردونها على الضعفة كقولهم: النسخ يدل على البداء، وقولهم: إن في ~~التوراة: أن شريعة موسى باقية إلى الأبد. # وقيل كانوا يدعون أنهم على دين الله وسبيله، وهذا على أن " ~~عوجا " في موضع الحال والمعنى: يبغونها ضالين. # قوله: { وأنتم شهدآء } قال ابن عباس: أي: شهداء أن في التوراة: ~~أن دين الله الذي لا يقبل غيره هو الإسلام. وقيل: وأنتم تشهدون ظهور ~~المعجزات على نبوته صلى الله عليه وسلم. # وقيل: وأنتم تشهدون أنه لا يجوز الصد عن سبيل الله. # وقيل: { وأنتم شهدآء } عدول بين أهل دينكم، يثقون بأقوالكم، ~~ويعولون على شهادتكم في عظائم المور ومن كان كذلك، فكيف يليق به ~~الإصرار على الباطل والكذب، والضلال والإضلال؟ ms2076 # ثم قال: { وما الله بغافل عما تعملون } والمراد منه: ~~التهديد، وختم الآية الأولى بقوله: { والله شهيد }؛ لأنهم كانوا ~~يظهرون إلقاء الشبه في قلوب المسلمين، ويحتالون في ذلك بوجوه الحيل ~~- فلا جرم - قال فيما أظهره: { والله شهيد } ، وختم هذه الآية ~~بقوله: { وما الله بغافل عما تعملون }؛ لأن ذلك فيما ~~أضمروه من الإضلال للغير. # وكرر في الآيتين قوله: { قل يأهل الكتب }؛ لأن المقصود ~~التوبيخ على ألطف الوجوه، وهذا الخطاب أقرب إلى التلطف في صرفهم عن ~~طريقتهم. ### || [3.100-101] # لما حذر أهل الكتاب عن الإغواء والإضلال، حذر المؤمنين في ~~هذه الآية عن إغوائهم وإضلالهم، ومنعهم عن الالتفات إلى قولهم. # روي أن شأس بن قيس اليهودي كان عظيم الكفر، شديد الطعن على ~~المسلمين، شديد الحسد، فاتفق أنه مر على نفر من الأوس والخزرج - وهم ~~في مجلس جمعهم يتحدثون، وكان قد زال ما بينهم من الشحناء والتباغض، ~~فغاظه ما رأى من ألفتهم، وصلاح ذات بينهم في الإسلام بعد الذي كان ~~بينهم في الجاهلية، فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد، لا والله ~~ما لنا معهم إذا اجتمعوا بها - من قرار، فأمر شابا من اليهود - كان ~~معه - فقال: اعمد إليهم، فاجلس معهم، ثم ذكرهم يوم بعاث وما كان قبله، ~~وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار، وكان بعاث يوما اقتتلت ~~فيه الأوس مع الخزرج، وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج - ففعل: ~~فتكلم القوم عند ذلك، وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من ~~الحيين على الركب - أوس بن قيظي، أحد بني حارثة، من الأوس وجبار ~~بن صخر، أحد بني سلمة من الخزرج - فتقاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه: إن ~~شئتم والله رددتها الآن جذعة، فغضب الفريقان جميعا، وقالا: قد فعلنا، ~~السلاح السلاح، موعدكم الظاهرة - وهي حرة - فخرجوا إليها، وانضمت ~~الأوس والخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية، ~~فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم - فيمن معه من ~~المهاجرين - حتى جاءهم فقال: # " يا معشر المسلمين، أبدعوى الجاهلية وأنا بين ~~أظهركم بعد إذ ms2077 أكرمكم الله بالإسلام وقطع به ~~عنكم أمر الجاهلية، وألف بينكم، فترجعون إلى ~~ما كنتم كفارا؟ الله الله " # فعرف القوم أنها نزغة من شيطان، وكيد من عدوهم، فألقوا السلاح من ~~أيديهم، وبكوا، وعانق بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم سامعين مطيعين، فأنزل الله هذه الآية، فما كان يوم أقبح أولا ~~وأحسن آخرا من ذلك اليوم. # واعلم أن هذه الآية يحتمل أن يكون المراد بها: جميع ما يحاولونه من ~~أنواع الضلالة، فبين - تعالى - أن المؤمنين إذا قبلوا منهم قولهم ~~أدى ذلك - حالا بعد حال - إلى أن يعودوا كفارا، واكلفر يوجب الهلاك ~~في الدنيا بالعداوة والمحاربة، وسفك الدماء، وفي الآخرة بالعذاب ~~الأليم الدائم. # قوله: { يردوكم } رد، يجوز أن يضمن معنى: " صير " فينصب ~~مفعولين. # ومنه قول الشاعر: [الوافر] # 1550- رمى الحدثان نسوة آل سعد # بمقدار سمدن له سمودا # فرد شعورهن السود بيضا # ورد وجوههن البيض سودا # ويجوز ألا يتضمن، فيكون المنصوب الثاني حالا. # قوله: { بعد إيمانكم } يجوز أن يكون منصوبا ب " يردوكم ~~" ، وأن يتعلق ب " كافرين " ، ويصير المعنى كالمعنى في قوله: # كفروا بعد إيمانهم # [آل عمران: 86]. # قوله: { وكيف تكفرون } " كيف " كلمة تعجب، وهو على الله - ~~تعالى - محال، والمراد منه التغليظ والمنع؛ لأن تلاوة آيات الله عليهم، ~~حالا بعد حال - مع كون الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم - تزيل ~~الشبه، وتقرر الحجج، كالمانع من وقوعهم في الكفر، فكان صدور ~~الكفر عن هؤلاء الحاضرين للتلاوة والرسول معهم أبعد من هذا الوجه. # قال زيد من أرقم: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ~~خطيبا، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: # " أما بعد، أيها الناس، إنما أنا بشر، يوشك أن ~~يأتيني رسول ربي فأجيبه، وإني تارك فيكم ~~الثقلين: أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، ~~فتمسكوا بكتاب الله، وخذوا به ورغب فيه ثم قال: واهل ~~بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي ". # قوله: { وأنتم تتلى عليكم آيات الله } جملة حالية، ~~من فاعل: " تكفرون ". # وكذلك قوله: { وفيكم رسوله } أي: كيف يوجد منكم الكفر مع ms2078 ~~وجود هاتين الحالتين؟ # والاعتصام: الامتناع، يقال: اعتصم واستعصم بمعنى واحد، ~~واعتصم زيد عمرا، أي: هيأ له ما يعتصم به. # وقيل: الاعتصام: الاستمساك، واستعصم بكذا، أي: استمسك به. # ومعنى الآية: ومن يتمسك بدين الله وطاعته فقد هدي وأرشد إلى صراط ~~مستقيم. وقيل: ومن يؤمن بالله. وقيل: ومن يتمسك بحبل الله وهو القرآن. # والعصام: ما يشد به القربة، وبه يسمى الأشخاص، والعصمة مستعملة ~~بالمعنيين؛ لأنها مانعة من الخطيئة وصاحبها متمسك بالحق - والعصمة - ~~أيضا - شبه السوار، والمعصم: موضع العصمة، ويسمى البياض ~~الذي في الرسغ - عصمة؛ تشبيها بها، وكأنهم جعلوا ضمة العين فارقة، ~~وأصل العصمة: البياض يكون في أيدي الخيل والظباء والوعول، والأعصم من ~~الوعول: ما في معاصمها بياض، وهي أشدها عدوا. # قال: [الكامل] # 1551- لو أن عصم عمامتين ويذبل # سمعا حديثك أنزلا الأوعالا # وعصمه الطعام: منع الجوع منه، تقول العرب: عصم فلانا الطعام، أي: ~~منعه من الجوع. # وقال أحمد بن يحيى: العرب تسمي الخبز عاصما، وجابرا. # قال: [الرجز] # 1552- فلا تلوميني ولومي جابرا # فجابر كلفني الهواجرا # ويسمونه عامرا، وأنشد: [الطويل] # 1553- أبو مالك يعتادني بالظهائر # يجيء فيلقي رحله عند عامر # وأبو مالك كنية الجوع. # وفي الحديث - في النساء: # " لا يدخل الجنة منهن إلا كالغراب الأعصم " # وهو الأبيض الرجلين. # وقيل: الأبيض الجناحين. # قال صلى الله عليه وسلم: # " " المرأة الصالحة في النساء كالغراب الأعصم في ~~الغربان ". # قيل: يا رسول الله، وما الغراب الأعصم؟ قال " الذي في أحد ~~جناحيه بياض " ". # وفي الحديث: كنا مع عمرو بن العاص، فدخلنا شعبا، فإذا نحن بغربان، ~~وفيهن غراب أحمر المنقار أحمر الرجلين، فقال عمرو: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " لا يدخل الجنة من النساء إلا بقدر هذا من ~~الغربان " # والمراد منه: التقليل. # قوله: " فقد هدي " جواب الشرط، وجيء في الجواب ب " قد " دلالة على ~~التوقع؛ لأن المعتصم متوقع الهداية. # والمعنى: ومن يمتنع بدين الله، ويتمسك بدينه، وطاعته، فقد هدي إلى ~~صراط مستقيم واضح. وفسره ابن جرير ومن يعتصم بالله أي: يؤمن بالله. # فصل # احتجوا بهذه الآية على أن فعل العبد مخلوق ms2079 لله تعالى؛ لأنه جعل ~~اعتصامهم هداية من الله تعالى، والمعتزلة ذكروا فيه وجوها: # أحدها: أن المراد بهذه الهداية الزيادة في الألطاف المرتبة على أداء ~~الطاعات، كقوله تعالى: # يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام # [المائدة: 16] وهذا اختيار القفال. # الثاني: أن التقدير: ومن يعتصم بالله فنعم ما فعل؛ فإنه إنما هدي إلى ~~الصراط المستقيم، ليفعل ذلك. # الثالث: أن التقدير: ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى طريق الجنة. # الرابع: قال الزمخشري: " فقد هدي " أي: فقد حصل له الهدى - لا ~~محالة - كما تقول: إذا جئت فلانا فقد أفلحت، كأن الهدى قد حصل، فهو ~~يخبر عنه حاصلا؛ لأن المعتصم بالله متوقع للهدى، كما أن قاصد الكريم ~~متوقع للفلاح عنده. ### || [3.102-105] # لما حذر المؤمنين من إضلال الكفار، أمرهم في هذه الآيات بمجامع ~~الطاعات، فأمرهم - أولا - بتقوى الله، وثانيا - بالاعتصام بحبل الله، ~~وثالثا - بالاجتماع والتأليف، ورابعا - بالترغيب بقوله: { واذكروا ~~نعمت الله عليكم }. # والسبب في هذا الترتيب أن فعل الإنسان، لا بد وأن يكون معللا ~~إما بالرهبة، وإما بالرغبة، والرهبة مقدمة على الرغبة؛ لأن دفع الضرر ~~مقدم على جلب النفع، فقوله: { اتقوا الله حق تقاته ~~} إشارة إلى التخويف من عقاب الله، ثم جعله سببا للتمسك بدين الله ~~والاعتصام بحبله، ثم أردفه بالرغبة، فقال: { واذكروا نعمت ~~الله عليكم } فكأنه قال: خوف الله يوجب ذلك، وكثرة نعم الله ~~توجب ذلك، فلم تبق جهة من الجهات الموجبة للفعل إلا وهي حاصلة في وجوب ~~انقيادكم لأمر الله تعالى، ووجوب طاعتكم لحكمه. # فصل # قال بعض العلماء: هذه الآية منسوخة؛ لما روي عن ابن عباس أنه لما نزلت ~~هذه الآية شق ذلك على المسلمين؛ لأن حق تقاته أن يطاع فلا يعصى ~~طرفة عين، وأن يشكر فلا يكفر، وأن يذكر فلا ينسى - والعباد لا طاقة ~~لهم بذلك، فنزل: # فاتقوا الله ما استطعتم # [التغابن: 16]، فنسخت أول هذه الآية، ولم ينسخ آخرها، وهو قوله: { ~~ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } وقال جمهور ~~المحققين: إن القول بهذا النسخ باطل؛ لما روي عن معاذ أنه صلى الله ~~عليه ms2080 وسلم قال: # " " أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد ~~على الله "؟ فقلت: الله ورسوله أعلم. قال: " حق الله على ~~العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق ~~العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئا " قلت: ~~يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟ قال: " لا تبشرهم فيتكلوا " " # وهذا لا يجوز أن ينسخ؛ ولأن معنى قوله: { اتقوا الله حق ~~تقاته } أي: كما يحق أن يتقى، وذلك بأن تجتنب جميع معاصيه، ومثل ~~هذا لا يجوز أن ينسخ؛ لأنه إباحة لبعض المعاصي، وإذا كان كذلك صار معنى ~~هذه الآية ومعنى قوله: # فاتقوا الله ما استطعتم # [التغابن: 16] واحدا؛ لأن من اتقى الله ما استطاع فقد اتقاه حق تقاته؛ ~~ولأن حق تقاته ما استطاع من التقوى؛ لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها ~~والوسع دون الطاقة، ونظير هذه الآية قوله: # وجاهدوا في الله حق جهاده # [الحج: 78]. # فإن قيل: أليس قد قال تعالى: # وما قدروا الله حق قدره # [الأنعام: 91]؟ # فالجواب: أن هذه الآية وردت في ثلاثة مواضع في القرآن، وكلها في صفة ~~الكفار، لا في صفة المسلمين، وأما الذين قالوا: إن المراد هو أن يطاع ~~فلا يعصى فهذا صحيح، والذي يصدر عن الإنسان كان سهوا، أو نسيانا ~~فغير قادح فيه؛ لأن التكليف مرفوع عنه في هذه الأحوال، وكذلك قوله: أن ~~يشكر فلا يكفر؛ لأن ذلك واجب عليه عند حضور نعم الله بالبال، فأما عند ~~السهو فلا يجب، وكذلك قوله: أن يذكر فلا ينسى، فإن ذلك واجب عند ~~الدعاء والعبادة، وكل ذلك مما يطاق، فلا وجه للقول بالنسخ. # وقوله: { حق تقاته } أي: كما يجب أن يتقى، والتقى اسم للفعل ~~- من قولك: اتقيت - كما أن الهدى اسم الفعل من قولك: اهتديت. # قوله: { ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } نهي في ~~الصورة عن موتهم إلا على هذه الحالة، والمراد: دوامهم على الإسلام؛ وذلك ~~أن الموت لا بد منه، فكأنه قال: دوموا على الإسلام إلى الموت، وقريب منه ~~ما حكى سيبويه: لا أرينك هاهنا، أي: لا تكن بالحضرة، ms2081 فتقع عليك ~~رؤيتي، والجملة من قوله: { وأنتم مسلمون } في محل نصب على ~~الحال، والاستثناء مفرغ من الأحوال العامة، أي: لا تموتن على حالة من ~~سائر الأحوال إلا على هذه الحال الحسنة، وجاء بها جملة اسمية؛ لأنها ~~أبلغ وآكد؛ إذ فيها ضمير متكرر، ولو قيل: إلا مسلمين لم يفد هذا ~~التأكيد وتقدم إيضاح هذا التركيب في البقرة عند قوله تعالى: # إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا ~~وأنتم مسلمون # [البقرة: 132] بل دل على الاقتران بالموت لا متقدما ولا متأخرا. # قوله: { واعتصموا بحبل الله جميعا } الحبل - في الأصل - ~~هو: السبب، وكل ما وصلك إلى شيء فهو حبل، وأصله في الأجرام واستعماله في ~~المعاني من باب المجاز. ويجوز أن يكون - حينئذ - من باب الاستعارة، ~~ويجوز أن يكون من باب التمثيل، ومن كلام الأنصار رضي الله عنهم: يا رسول ~~الله، إن بيننا وبين القوم حبالا ونحن قاطعوها - يعنون العهود ~~والحلف. # قال الأعشى: [الكامل] # 1554- وإذا تجوزها حبال قبيلة # أخذت من الأخرى إليك حبالها # يعني العهود. # قيل: والسبب فيه أن الرجل كان إذا سافر خاف، فيأخذ من القبيلة عهدا ~~إلى الأخرى، ويعطى سهما وحبلا، ويكون معه كالعلامة، فسمي ~~العهد حبلا لذلك، وهذا المعنى غير طائل، بل سمي العهد حبلا ~~للتوصل به إلى الغرض. # وقال آخر: [الكامل] # 1555- ما زلت معتصما بحبل منكم # من حل ساحتكم بأسباب نجا # قال القرطبي: العصمة: المنعة، ومنه يقال للبذرقة: عصمة، ~~والبذرقة: الخفارة للقافلة، وهو من يرسل معها يحميها ممن يؤذيها، قال ~~ابن خالويه: " البذرقة ليست بعربية، وإنما هي كلمة فارسية عربتها ~~العرب، يقال: بعث السلطان بذرقة مع القافلة ". والحبل لفظ مشترك، ~~وأصله - في اللغة: السبب الذي يوصل به إلى البغية والحاجة، والحبل: ~~المستطيل من الرمل، ومنه الحديث: # " والله ما تركت من حبل إلا وقفت عليه، فهل لي ~~من حج "؟ " # والحبل: الرسن، والحبل: الداهية. # قال كثير: [الطويل] # 1556- فلا تعجلي يا عز أن تتفهمي # بنصح أتى الواشون أم بحبول # والحبالة: حبالة الصائد، وكلها ليس مرادا في الآية إلا الذي بمعنى ~~العهد. # والمراد بالحبل ms2082 - هنا -: القرآن؛ لقوله صلى الله عليه وسلم - في الحديث ~~الطويل -: # " هو حبل الله المتين ". # وقال ابن عباس: هو العهد المذكور في قوله: # وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم # [البقرة: 40] لقوله تعالى: # إلا بحبل من الله وحبل من الناس # [آل عمران: 112] أي: بعهد، وسمي العهد حبلا لما تقدم من إزالة ~~الخوف. # وقيل: دين الله. # وقيل: طاعة الله، وقيل: هو الإخلاص. # وقيل: الجماعة؛ لأنه عقبه بقوله: { ولا تفرقوا }. # وتحقيقه: أن النازل في البئر لما كان يعتصم بالحبل، تحرزا من السقوط ~~فيها، وكان كتاب الله وعهده ودينه وطاعته، وموافقة جماعة المؤمنين حرزا ~~لصاحبه من السقوط في جهنم - جعل ذلك حبلا لله، وأمروا بالاعتصام به. # وقوله: { جميعا } أي: مجتمعين عليه، فهو حال من الفاعل. # قوله: { ولا تفرقوا } قراءة البزي بتشديد التاء وصلا وقد ~~تقدم توجيهه في البقرة عند قوله " ولا تيمموا " والباقون بتخفيفها على ~~الحذف. # فصل # في التأويل وجوه: # الأول: أنه نهي عن الاختلاف في الدين؛ لأن الحق لا يكون إلا واحدا، ~~وما عداه جهل وضلال، قال تعالى: # فماذا بعد الحق إلا الضلال # [يونس: 32]. # الثاني: أنه نهي عن المعاداة والمخاصمة؛ فإنهم كانوا في الجاهلية ~~مواظبين على ذلك، فنهوا عنه. # الثالث: أنه نهي عما يوجب الفرقة، ويزيل الألفة، قال صلى الله عليه ~~وسلم # " " ستفترق أمتي على نيف وسبعين فرقة الناجي ~~منهم واحدة " قيل: ومن هي يا رسول الله؟ قال: " الجماعة " ". # وروي: # " السواد الأعظم ". # ويروى: # " ما أنا عليه وأصحابي ". # واعلم أن النهي عن الاختلاف، والأمر بالاتفاق، يدل على أن الحق لا ~~يكون إلا واحدا. # فصل # استدلت نفاة القياس بهذه الآية، فقالوا: الأحكام الشرعية إما أن يقال: ~~إن الله سبحانه - نصب عليها دلائل يقينية، أو ظنية، فإن كانت يقينية فلا ~~يكتفى فيها بالقياس الذي يفيد الظن؛ لأن الدليل لا يكتفى به في موضع ~~اليقين، وإن كانت ظنية أدى الرجوع إليها إلى الاختلاف والنزاع وقد نهى ~~الله عنه بقوله: { ولا تفرقوا } [آل عمران: 103] وقوله: # ولا تنازعوا # [الأنفال: 46]. # والجواب بأن هذا العموم مخصوص بالأدلة الدالة على العمل بالقياس. # قال القرطبي: وليس ms2083 في الآية دليل على تحريم الاختلاف في الفروع؛ فإن ذلك ~~ليس اختلافا؛ إذ الاختلاف يتعذر معه الائتلاف والجمع، وأما حكم مسائل ~~الاجتهاد، فإن الاختلاف فيها بسبب استخراج الفرائض ودقائق معاني الشرع، ~~وما زالت الصحابة مختلفين في أحكام الحوادث، وهم - مع ذلك - متآلفون وقال ~~صلى الله عليه وسلم: # " اختلاف أمتي رحمة " # وإنما منع الله الاختلاف الذي هو سبب الفساد، قال صلى الله عليه وسلم: # " تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة - أو اثنتين ~~وسبعين فرقة - والنصارى مثل ذلك، وتفترق ~~أمتي ثلاثا وسبعين فرقة ". # قوله: { واذكروا نعمت الله عليكم }. # { نعمت الله } مصدر مضاف لفاعله؛ إذ هو المنعم، { عليكم ~~} ، ويجوز أن يكون متعلقا بنفس { نعمت }؛ لأن هذه المادة تتعدى ب ~~" على " قال تعالى: # وإذ تقول للذي أنعم الله عليه # [الأحزاب: 37]. # ويجوز أن يكون متعلقا بمحذوف على أنه حال من " نعمة " ، فيتعلق ~~بمحذوف، أي: مستقرة، وكائنة عليكم. # قوله: { إذ كنتم } " إذ " منصوبة - ب " نعمة " ظرفا لها ~~ويجوز أن يكون متعلقا بالاستقرار الذي تضمنه { عليكم } إذا قلنا: ~~إن " عليكم " حال من النعمة، وأما إذا علقنا " عليكم " ب " ~~نعمة " تعين الوجه الأول. # وجوز الحوفي أن يكون منصوبا ب " اذكروا " يعني: مفعولا به، لا أنه ~~ظرف له؛ لفساد المعنى؛ إذ " اذكروا " مستقبل، و " إذ " ماض. # فصل # { كنتم أعدآء فألف بين قلوبكم }. # قال محمد بن إسحاق وغيره من أهل الأخبار: كان الوس والخزرج أخوين لأب ~~وأم، فوقعت بينهما عداوة - بسبب قتيل - فتطاولت تلك العداوة والحرب ~~بينهم مائة وعشرين سنة، إلى أن أطفأ الله تعالى، ذلك بالإسلام، وألف ~~بينهم برسوله - عليه السلام - وكان سبب ألفتهم أن سويد بن الصامت - ~~أخا بني عمرو بن عوف - كان شريفا، تسميه قومه: الكامل، لجلده ونسبه، ~~قدم " مكة " حاجا أو معتمرا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ~~بعث وأمر بالدعوة، فتصدى له حين سمع به، فدعاه إلى الله وإلى ~~الإسلام، فقال له سويد: فلعل الذي معك مثل الذي معي. فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: وما الذي معك؟ قال: حكمة لقمان ~~فقال ms2084 له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أعرضها علي " فعرضها ~~عليه، فقال: إن هذا الكلام حسن معي أفضل من هذا - قرآن ~~أنزله الله علي نورا وهدى، فتلا عليه القرآن، ~~ودعاه إلى الإسلام، فلم يبعد منه، وقال: إن هذا ~~القول أحسن، ثم انصرف إلى المدينة، فلم يلبث أن ~~قتله الخزرج يوم بعاث؛ فإن قومه يقولون: قد قتل وهو مسلم، ~~ثم قدم أبو الجيسر أنس بن رافع معه فتية من بني الأشهل - فيهم إياس بن ~~معاذ - يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، فلما سمع بهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أتاهم، فجلس إليهم، فقال: هل لكم إلى خير ~~مما جئتم له؟ قالوا: وما ذاك؟ قال: أنا رسول الله ~~بعثني الله إلى العباد، أدعوهم إلى ألا يشركوا به ~~شيئا، وأنزل علي الكتاب، ثم ذكر لهم الإسلام، وتلا عليهم ~~القرآن، فقال إياس بن معاذ وكان غلاما حدثا: أي قوم، هذا والله خير مما ~~جئتم له، فأخذ أبو الجيسر حفنة من البطحاء، فضرب بها وجه إياس، وقال: ~~دعنا منك؛ فلعمري لقد جئنا لغير هذا، فصمت إياس، وقام رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عنهم ثم انصرفوا إلى " المدينة " ، فكانت وقعة بعاث بين ~~الأوس والخزرج، ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك فلما أراد الله - عز وجل ~~- إظهار دينه، وإعزاز نبيه، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الموسم الذي لقي فيه النفر من الأنصار، يعرض نفسه على قبائل العرب - كما ~~كان يصنع في كل موسم - فلقي عند العقبة رهطا من الخزرج - أراد الله ~~بهم خيرا - وهم أسعد بن زرارة، وعوف ابن الحارث - وهو ابن عفراء - ورافع ~~بن مالك العجلاني وقطبة بن عامر بن خريدة، وعقبة بن عامر، وجابر بن عبد ~~الله، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنتم؟ قالوا: نفر ~~من الخزرج فقال: أمن موالي يهود؟ قالوا: نعم، قال أفلا ~~تجلسوا حتى أكلمكم؟ قالوا: بلى، فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله، ~~وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، وكان ms2085 مما صنع الله لهم به في ~~الإسلام أن يهود كانوا معهم ببلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وهم كانوا ~~أهل أوثان وشرك، وكانوا - إذا كان بينهم شيء - يقولون: إن نبيا الآن ~~مبعوثا قد أظل زمانه نتبعه، ونقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما كلم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر، ودعاهم إلى الله قال بعضهم ~~لبعض: يا قوم، تعلمون - والله - أنه النبي الذي توعدكم به اليهود، فلا ~~تسبقنكم إليه، فأجابوه وصدقوه، وأسلموا، وقالوا: إنا قد تركنا قومنا ولا ~~قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى الله أن يجمعهم بك، وسنقدم ~~عليهم، وندعوهم إلى أمرك، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك، ثم ~~انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى بلادهم - قد آمنوا - ~~فلما قدموا " المدينة " ذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم، فلم تبق دار من الأنصار إلا وفيها ~~ذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان العام المقبل وافى ~~الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا: أسعد بن زرارة، وعوف ومعاذ - ابنا ~~عفراء، ورافع بن مالك بن العجلاني، وذكوان بن عبد القيس، وعبادة بن ~~الصامت، ويزيد بن ثعلبة، وعباس بن عبادة، وعقبة بن عامر، وقطبة بن ~~عامر - وهؤلاء خزرجيون - وأبو الهيثم بن التيهان، وعويم بن ساعدة ~~- من الأوس - فلقوه في " العقبة " - وهي العقبة الأولى - فبايعوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء، على ألا يشركوا ~~بالله شيئا، ولا يسرقوا ولا يزنوا. # . إلى آخر الآية، فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم شيئا من ذلك، ~~فأخذتم بحده في الدنيا فهو كفارة له، وإن ستره الله عليكم ~~فأمركم إلى الله إن شاء عذبكم، وإن شاء غفر لكم، قال: وذلك قبل أن يفرض ~~عليهم الحرب، قال: فلما انصرف القوم بعث معهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف وأمره أن يقرئهم القرآن، ~~ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في الدين، فنزل مصعب على ms2086 أسعد بن زرارة، ثم إن ~~أسعد بن زرارة خرج بمصعب، فدخل به حائطا من حوائط بني ظفر، فجلسا في ~~الحائط، واجتمع إليهما رجال من أسلم، فقال سعد بن معاذ لأسيد بن حضير: ~~انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارنا - ليسفها ضعفاءنا ~~- فازجرهما وانههما عن أن يأتيا دارنا، فإن أسعد ابن خالتي، ولولا ذلك ~~لكفيتك، وكان سعد بن معاذ وأسيد بن حضير سيدي قومهما من بني عبد ~~الأشهل وهما مشركان، فأخذ أسيد بن حضير حربته، ثم أقبل إلى مصعب ~~وأسعد - وهما جالسان في الحائط - فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب: ~~هذا سيد قومه قد جاءك، فاصدق الله فيه. # قال مصعب: إن يجلس أكلمه، فوقف عليهما متشتما، فقال: ما جاء بكما ~~إلينا، تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة. # فقال مصعب: أو تجلس فتسمع؟ فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته كف عنك ما ~~كرهت. # قال: أنصفت، ثم ركز حريته وجلس إليهما، فكلمه مصعب بالإسلام، وقرأ ~~عليه القرآن، فقالا: والله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن نتكلم في إشراق ~~وجهه وتسهله، ثم قال: ما أحسن هذا وأجمله، كيف تصنعون إذا أردتم أن ~~تدخلوا في هذا الدين؟ # قال: تغتسل، وتطهر ثوبك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي ركعتين. # فقالم واغتسل، وغسل ثوبه، وتشهد شهادة الحق، وصلى ركعتين، ثم قال لهما: ~~إن ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه، وسأرسله إليكما ~~الآن، ثم أخذ حربته، وانصرف إلى سعد وقومه، وهم جلوس في ناديهم - ~~فلما نظر إليه بن معاذ مقبلا قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير ~~الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف على النادي قال له سعد: ما فعلت؟ # قال: كلمت الرجلين، فوالله ما رأيت بهما بأسا، وقد نهيتهما، فقالا: ~~تفعل ما أحببت، وقد حدثت أن من بني حارثة أناسا خرجوا إلى أسعد بن ~~زرارة، ليقتلوه، وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك، ليخفروك. # فقام سعد مغضبا مبادرا تخوفا للذي ذكر له من بني حارثة، فأخذ ~~الحربة، ثم ms2087 قال: والله ما أراك أغنيت شيئا، فلما رآهما مطمئنين عرف أن ~~أسيدا إنما أراد أن يسمع منهما، فوقف عليهما متشتما، فقال لأسعد بن ~~زرارة: والله لولا ما بيني وبينك من القرابة، ما رمت هذا مني، أتغشانا ~~في دارنا بما نكره؟ # فقال أسعد بن زرارة لمصعب بن عمير: أي مصعب، جاءك - والله - سيد من ~~وراءه من قومه، إن يتبعك لم يتخلف عنك منهم أحد. # فقال له مصعب: أفتقعد وتسمع؟ فإن رضيت أمرا، ورغبت فيه، قبلته، وإن ~~كرهته، عزلنا عنك ما تكره. # قال سعد: أنصفت، ثم ركز الحربة، فجلس، فعرض عليه الإسلام، وقرأ ~~عليه القرآن. # قالا: فعرفنا والله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم به، ثم قال: كيف ~~تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين؟ # قالا: تغتسل وتطهر ثوبك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي ركعتين، فقام ~~واغتسل وطهر ثوبه وتشهد شهادة الحق وركع ركعتين، ثم أخذ حربته، فأقبل ~~عامدا إلى نادي قومه ومعه أسيد بن حضير. # فلما رآه قومه مقبلا، قالوا: نحلف بالله لقد رجع سعد إليكم، بغير ~~الوجه الذي ذهب به من عندكم. # فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم؟ # قالوا: سيدنا وأفضلنا رأيا، وأيمننا نقيبة. # قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام، حتى تؤمنوا بالله ورسوله. # قال: فما أمسى في دار عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلم أو مسلمة، ورجع ~~أسعد بن زرارة ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة، فأقام عنده يدعو الناس إلى ~~الإسلام، حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون، ~~إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد، وخطمة، ووائل، وواقف؛ وذلك أنه كان ~~فيهم أبو قيس بن الأسلت الشاعر، وكانوا يسمعونه ويطيعونه، فوقف بهم عن ~~الإسلام، حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى " المدينة " ومضى ~~بدر وأحد والخندق. قال: ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى " مكة " وخرج معه من ~~الأنصار سبعون رجلا مع حجاج قومهم من أهل الشرك، حتى قدموا ms2088 " مكة " ، ~~فواعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق، وهي ~~بيعة العقبة الثانية. # قال كعب بن مالك: فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التي واعدنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر ~~أخبرناه، وكنا نكتم على من معنا من المشركين أمرنا - وكلمناه، وقلنا ~~له، يا أبا جابر إنك سيد من ساداتنا، شريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما ~~أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا، ودعوناه إلى الإسلام، فأسلم، ~~وأخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهد معنا العقبة - ~~وكان نقيبا فيها - فبتنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا ~~مضى ثلث الليل خرجنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم نتسلل ~~مستخفين تسلل القطا، حتى إذا اجتمعنا في الشعب عند " ~~العقبة " ، ونحن سبعون رجلا ومعنا امرأتان من نسائنا، نسيبة بنت كعب، أم ~~عمارة إحدى نساء بني النجار، وأسماء بنت عمرو بن عدي، أم منيع، ~~إحدى نساء بني سلمة، فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى جاءنا ومعه عمه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين ~~قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه، ويتوثق له، فلما جلسنا كان أول ~~من تكلم العباس بن عبد المطلب. # فقال: يا معشر الخزرج - وكانت العرب إنما يسمون هذا الحي من أنصار ~~خزرجها وأوسها - إن محمدا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا، ممن ~~هو على مثل رأينا فيه، وهو في عز من قومه، ومنعة في بلده، وإنه قد ~~أبى إلا الانحياز إليكم، واللحوق بكم فإن كنتم ترون أنكم وافون له ~~بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم ~~من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه، وخاذلوه - بعد الخروج إليكم - فمن ~~الآن فدعوه؛ فإنه في عز ومنعة. # قال: فقلنا: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، وخذ لنفسك ~~ولربك ما شئت. # قال: فتكلم رسول الله، فتلا القرآن ودعانا إلى الله - عز ms2089 وجل - ~~ورغب في الإسلام، ثم قال: # " أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه ~~نساءكم وآبناءكم -. # فأخذ البراء بن معرور بيده، ثم قال: والذي بعثك بالحق نبيا، ~~لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن أهل ~~الحرب، وأهل الحلقة، ورثناها كابرا عن كابر، قال: فاعترض القول - ~~والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم - أبو الهيثم بن ~~التيهان. # فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين الناس حبالا - يعني العهود - وإنا ~~قاطعوها، فهل عسيت إن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله، أن ترجع إلى قومك ~~وتدعنا؟ # فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: " لا، بل الأبد الأبد، ~~الدم الدم، الهدم الهدم، أنتم مني وأنا منكم، ~~أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم " # ثم قال صلى الله عليه وسلم: # " أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا، كفلاء على قومهم بما ~~فيهم ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم " # فأخرجوا تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس. # قال عاصم بن عمرو بن قتادة: إن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، قال العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري: يا معشر ~~الخزرج، فهل تدرون علام تبايعون هذا الرجل إنكم تبايعونه على حرب ~~الأحمر والأسود، فإن كنتم ترون أنكم إذا أنهكت أموالكم مصيبة، ~~وأشرافكم قتلى أسلمتموه فمن الآن، فهو والله خزي في الدنيا والآخرة، ~~وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على تهلكة الأموال، ~~وقتل الأشراف فخذوه، فهو - والله - خير الدنيا والآخرة. # قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال، وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا ~~رسول الله إن نحن وفينا؟ # قال: الجنة. # قالوا: ابسط يدك، فبسط يده، فبايعوه، وأول من ضرب على يده: ~~البراء بن معرور، ثم بايع القوم. # قال: فلما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صرخ الشيطان من أعلى ~~رأس العقبة بأنفذ صوت ما سمعته قط: يا أهل الجباجب، هل لكم في مذمم ~~والصباة معه، قد اجتمعوا على حربكم، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " هذا عدو الله، أزب العقبة، ms2090 اسمع أي عدو الله - ~~أما والله لأفرغن لك. " # ثم قال صلى الله عليه وسلم: # " ارفضوا إلى رحالكم. # فقال العباس بن عبادة بن نضلة: والذي بعثك بالحق، لئن شئت لنميلن ~~غدا على أهل منى بأسيافنا، فقال صلى الله عليه وسلم: " لم نؤمر ~~بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم " # فرجعنا إلى مضاجعنا، فنمنا عليها، حتى أصبحنا، فلما أصبحنا، غدت علينا ~~جلة قريش، حتى جاءونا في منازلنا، فقالوا: يا معشر الخزرج، بلغنا ~~أنكم جئتم صاحبنا هذا، تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على ~~حربنا، وإنه - والله - ما حي من العرب أبغض إلينا، أن تنشب الحرب ~~بيننا وبينهم منكم. # قال: فانبعث من هناك من مشركي قومنا، يحلفون لهم بالله، ما كان من ~~هذا شيء وما علمناه - وصدقوا، لم يعلموا - وبعضنا ينظر إلى بعض، ~~وقام القوم، وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي - وعليه نعلان ~~جديدان - فقلت له كلمة - كأني أريد أن أشرك القوم بها فيما قالوا - يا ~~أبا جابر، أما تستطيع أن تتخذ - وأنت سيد من سادتنا - مثل نعلي هذا ~~الفتى من قريش؟ قال فسمعها الحارث، فخلعهما من رجليه، ثم رمى بهما ~~إلي، وقال: والله لتنتعلنهما. # قال: فقال أبو جابر: مه والله لقد أحفظت الفتى، فاردد إليه نعليه، ~~قال: والله لا أردهما، قال: والله يا أبا صالح، لئن صدق الفال ~~لأسلبنه. # قال: ثم انصرف الأنصار إلى " المدينة " - وقد شدوا العقد - فلما ~~قدموها أظهر الله الإسلام بهم وبلغ ذلك قريشا، فآذوا أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: إن الله ~~قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون فيها، فأمرهم بالهجرة إلى " المدينة " ~~، واللحوق بإخوانهم من الأنصار، فأول من هاجر إلى " المدينة ": أبو سلمة ~~بن عبد الأسد المخزومي، ثم عامر بن ربيعة، ثم عبد الله بن جحش، ثم تابع ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسالا إلى " المدينة " ، فجمع ~~الله أهل " المدينة " - أوسها وخزرجها - بالإسلام، وأصلح الله ~~ذات بينهم بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا معنى قوله تعالى: { ~~واذكروا ms2091 نعمة الله عليكم إذ كنتم أعدآء } [آل ~~عمران: 103] يا معشر الأنصار قبل الإسلام { فألف بين قلوبكم ~~} بالإسلام { فأصبحتم } أي: فصرتم. # و " أصبح " من أخوات " كان " فإذا كانت ناقصة، كانت مثل " كان " في رفع ~~الاسم ونصب الخبر، وإذا كانت تامة رفعت فاعلا، واستغنت به، فإن وجد ~~منصوب بعدها فهي حال، وتكون تامة إذا كانت بمعنى دخل في الصباح، تقول: ~~أصبح زيد، أي دخل في الصباح، ومثلها - في ذلك - " أمسى " قال تعالى # فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون # [الروم: 17] وقال: # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين # [الصافات: 137]. # وفي أمثالهم: " إذا سمعت بسرى القين فاعلم أنه مصبح "؛ لأن القين - وهو ~~الحداد - ربما قلت صناعته في أحياء العرب، فيقول: أنا غدا مسافر، ~~فيأتيه الناس بحوائجهم، ويقيم، ويترك السفر، فأخرجوه مثلا لمن يقول ~~قولا ويخالفه. والمعنى: فاعلم أنه مقيم في الصباح. ويكون بمعنى " صار " ~~عملا ومعنى. كقوله: [الخفيف] # 1557- فأصبحوا كأنهم ورق جف # ف فألوت به الصبا والدبور # أي: صاروا. # و " إخوانا " خبرها، وجوزوا فيها - هنا - أن تكون على بابها - من ~~دلالتها على اتصاف الموصوف بالصفة في وقت الصباح، وتكون بمعنى: " صار " - ~~وأن تكون تامة، أي: دخلتم في الصباح، فإذا كانت ناقصة على بابها - ~~فالأظهر أن يكون " إخنانا " خبرها، و " بنعمته " متعلق به لما فيه من ~~معنى الفعل، أي: تآخيتم بنعمته، والباء للسببية. # وجوز أبو حيان أن تتعلق ب " أصبحتم " ، وقد عرف ما فيه من خلاف. ~~وجوز غيره أن تتعلق بمحذوف على أنه حال من فاعل " أصبحتم " ، أي: ~~فأصبحتم إخوانا ملتبسين بنعمته، أو حال من " إخوانا "؛ لأنه في الأصل - ~~صفة له. # وجوزوا أن تكون " بنعمته " هو الخبر، و " إخوانا " حال والباء ~~بمعنى الظرفية، وإذا كانت بمعنى: " صار " جرى فيها ما تقدم من جميع هذه ~~الأوجه، وإذا كانت تامة، فإخوانا حال، و " بنعمته " فيه ما تقدم ~~من الأوجه خلا الخبرية. # قال ابن عطية: " فأصبحتم " عبارة عن الاستمرار - وإن كانت اللفظة ~~مخصوصة بوقت - وإنما خصت هذه اللفظة بهذا المعنى من حيث مبدأ النهار، ~~وفيه مبدأ الأعمال، فالحال التي يحبها المرء ms2092 من نفسه فيها هي التي يستمر ~~عليها يومه في الأغلب. # ومنه قول الربيع بن ضبع: [المنسرح] # 1558- أصبحت لا أحمل السلاح ولا # أملك رأس البعير إن نفرا # قال أبو حيان: وهذا الذي ذكره - من أن " أصبح " للاستمرار وعلله بما ~~ذكره - لم أر أحدا من النحويين ذهب إليه، إنما ذكروا أنها تستعمل ~~بالوجهين اللذين ذكرناهما. # قال شهاب الدين: وهذا - الذي ذكره ابن عطية - معنى حسن، وإذا لم ~~ينص عليه النحويون لا يدفع؛ لأن النحاة - غالبا - إنما يتحدثون ~~بما يتعلق بالألفاظ، وأما المعاني المفهومة من فحوى الكلام، فلا حاجة ~~إلى الكلام عليها غالبا. # والإخوان: جمع أخ، وإخوة اسم جمع عند سيبويه، وعند غيره هي جمع. # وقال بعضهم: إن الأخ في النسب - يجمع على: " إخوة " ، وفي الدين ~~يجمع على: " إخوان " ، هذا أغلب استعمالهم، وقال تعالى: # إنما المؤمنون إخوة # [الحجرات: 10] ونفس هذه الآية ترد ما قاله؛ لأن المراد - هنا - ليس ~~أخوة النسب إنما المراد أخوة الدين والصداقة. # قال أبو حاتم: قال أهل البصرة: الإخوة في النسب، والإخوان في الصداقة، ~~قال: وهذا غلط؛ يقال للأصدقاء والأنسباء: إخوة، وإخوان، قال تعالى: # إنما المؤمنون إخوة # [الحجرات: 10] ولم يعن النسب، وقال تعالى: # أو بيوت إخوانكم # [النور: 61] وهذا في النسب. # وهذا الرد من أبي حاتم إنما يتجه على هذا النقل المطلق، ولا يرد على ~~النقل الأول؛ لأنهم قيدوه بالأغلب في الاستعمال. # قال الزجاج: أصل الأخ - في اللغة - من التوخي - وهو الطلب؛ فإن الأخ ~~مقصده مقصد أخيه، والصديق مأخوذ من أن يصدق كل واحد من الصديقين ما في ~~قلبه، ولا يخفي عنه شيئا. # قوله: { وكنتم على شفا حفرة } شفا الشيء: طرفه وحرفه، ~~وهو مقصور من ذوات الواو، ويثنى بالواو نحو: شفوين ويكتب بالألف، ~~ويجمع على أشفاء، ويستعمل مضافا إلى أعلى الشيء وإلى أسفله، فمن ~~الأول: # شفا جرف هار # [التوبة: 109] ومن الثاني: هذه الآية. # وأشفى على كذا: قاربه، ومنه: أشفى المريض على الموت. قال يعقوب: يقال ~~للرجل عند موته، وللقمر عند محاقه، وللشمس عند غروبها: ما بقي منه، أو ~~منها، إلا شفا، ms2093 أي: إلا قليل. وقال بعضهم: يقال لما بين الليل والنهار، ~~وعند غروب الشمس إذا غاب بعضها: شفا. # وأنشد: [الرجز] # 1559- أدركته بلا شفا، أو بشفا # والشمس قد كادت تكون دنفا # قوله بلا بشفا: أي: غابت الشمس، وقوله: أو بشفا، أي: بقيت منه بقية. # قال الراغب: والشفاء من المرض: موافاة شفا السلامة، وصار اسما للبرء ~~والشفاء. # قال البخاري: قال النحاس: " الأصل في شفا - شفو، ولهذا يكتب ~~بالألف، ولا يمال ". # وقال الأخفش: " لما لم تجز فيه الإمالة عرف أنه من الواو "؛ لأن ~~الإمالة من الياء. # قال المهدوي: " وهذا تمثيل يراد به خروجهم من الكفر إلى الإيمان ". # قوله: { فأنقذكم منها } في عود هذا الضمير وجوه: # أحدها: أنه عائد على " حفرة ". # والثاني: أنه عائد على " النار ". # قال الطبري: إن بعض الناس يعيده على الشفا، وأنث من حيث كان الشفا ~~مضافا إلى مؤنث، كما قال جرير: [الوافر] # 1560- أرى مر السنين أخذن مني # كما أخذ السرار من الهلال # قال ابن عطية: " وليس الأمر كما ذكروا؛ لأنه لا يحتاج - في الآية - إلى ~~مثل هذه الصناعة، إلا لو لم يجد للضمير معادا إلا الشفا، أما ومعنا ~~لفظ مؤنث يعود الضمير عليه، ويعضده المعنى المتكلم فيه، فلا يحتاج ~~إلى تلك الصناعة ". # قال أبو حيان: " وأقول: لا يحسن عوده إلا على الشفا؛ لأن كينونتهم ~~على الشفا هو أحد جزأي الإسناد، فالضمير لا يعود إلا عليه، وأما ذكر ~~الحفرة، فإنما جاءت على سبيل الإضافة إليها، ألا ترى أنك إذا قلت: كان ~~زيد غلام جعفر، لم يكن جعفر محدثا عنه، وليس أحد جزأي ~~الإسناد، وكذا لو قلت: زيد ضرب غلام هند، لم تحدث عن هند بشيء، ~~وإنما ذكرت جعفرا وهندا؛ تخصيصا للمحدث عنه، وأما ذكر: " النار " ~~فإنما ذكر لتخصيص الحفرة، وليست - أيضا - أحد جزأي الإسناد، وليست ~~أيضا محدثا عنها، فالإنقاذ من الشفا أبلغ من الإنقاذ من الحفرة من ~~النار؛ لأن الإنقاذ منه يستلزم من الحفرة ومن النار، والإنقاذ منهما لا ~~يستلزم الإنقاذ من الشفا، فعوده على الشفا هو الظاهر من حيث اللفظ ومن ms2094 ~~حيث المعنى ". # قال الزجاج: " وقوله: " منها " الكناية راجعة إلى النار، لا إلى ~~الشفا؛ لأن القصد الإنجاء من النار لا من شفا الحفرة ". # وقال غيره: " الضمير عائد إلى الحفرة؛ ولما أنقذهم من الحفرة ~~فقد أنقذهم من شفا الحفرة؛ لأن شفاها منها ". # قال الواحدي: على أنه يجوز أن يذكر المضاف إليه، ثم تعود الكناية إلى ~~المضاف إليه - دون المضاف، كقول جرير: [الوافر] # 1561- أرى مر السنين أخذن مني # كما أخذ السرار من الهلال # كذلك قول العجاج: [الرجز] # 1562- طول الليالي أسرعت في نقضي # طوين طولي وطوين عرضي # قال: وهذا إذا كان المضاف من جنس المضاف إليه، فإن مر السنين هو ~~المسنون، وكذلك شفا الحفرة من الحفرة، فذكر الشفا، وعادت الكناية ~~إلى الحفرة. # وهذان القولان نص في رد ما قاله أبو حيان، إلا أن المعنى الذي ~~ذكره أولى؛ لأنه إذا أنقذهم من طرف الحفرة فهو أبلغ من إنقاذهم من ~~الحفرة، وما ذكره - أيضا - من الصناعة واضح. # قال بعضهم: " شفا الحفرة، وشفتها: طرفها، فجاز أن يخبر عنها ~~بالتذكير والتأنيث ". # والإنقاذ: التخليص والتنحية. # قال الأزهري: " يقال: أنقذته، ونقذته، واستنقذته، وتنقذته بمعنى ~~ويقال: فرس نقيذ، إذا كان مأخوذا من قوم آخرين؛ لأنه استنقذ منهم ". # والحفرة: فعلة بمعنى: مفعولة، كغرفة بمعنى: مغروفة. # فصل # قيل معناه: إنكم كنتم مشرفين على جهنم بكفركم؛ لأن جهنم مشبهة ~~بالحفرة التي فيها النار، فجعل استحقاقهم النار بكفرهم، كالإشراف منهم ~~على النار، والمصير منهم إلى حرفها، فبين - تعالى - أنه أنقذهم من ~~هذه الحفرة، بعد أن قربوا من الوقوع فيها. # قالت المعتزلة: ومعنى ذلك أن الله - تعالى - لطف بهم بالرسول صلى الله ~~عليه وسلم وسائر ألطافه حتى آمنوا. # وقال أهل السنة: جميع الألطاف مشترك بين المؤمن والكافر، فلو كان فاعل ~~الإيمان وموجده هو العبد لكان العبد هو الذي أنقذ نفسه من النار، والله - ~~تعالى - حكم بأنه هو الذي أنقذهم من النار، فدل هذا على أنه خالق أفعال ~~العباد. # قوله تعالى: { كذلك يبين الله } نعت لمصدر محذوف، أو حال من ~~ضميره، أي: يبين الله لكم تبيينا مثل ms2095 تبيينه لكم الآيات الواضحة، لكي ~~تهتدوا بها. # قال الجبائي: " الآية تدل على أنه - تعالى - يريد منهم الاهتداء ". # قال الواحدي: إن المعنى: لتكونوا على رجاء هدايته. وهذا فيه ضعف؛ ~~لأن على هذا التقدير يلزم أن يريد الله منهم ذلك الرجاء، وعلى مذهبنا قد ~~لا يريده. # وأجاب غيره بأن كلمة " لعل " للترجي، والمعنى: أنا فعلنا فعلا يشبه ~~فعل من يترجى ذلك. # قوله: { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير } اعلم ~~أنه - تعالى - لما عاب على أهل الكتاب كفرهم وسعيهم في تكفير الغير خاطب ~~المؤمنين بتقوى الله والإيمان به، فقال: { اتقوا الله حق ~~تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ~~واعتصموا بحبل الله } ثم أمرهم بالسعي في إلقاء الغير في ~~الإيمان والطاعة، فقال: { ولتكن منكم أمة يدعون } يجوز ~~أن تكون التامة، أي: ولتوجد منكم أمة، فتكون " أمة ": فاعلا، و " ~~يدعون ": جملة في محل رفع صفة ل " أمة " ، و " منكم " متعلق ب ~~" تكن " على أنها تبعيضية. # ويجوز أن يكون: " منكم " متعلقا بمحذوف على أنه حال من " أمة ~~" إذ كان يجوز جعله صفة لها لو تأخر عنها. ويجوز أن تكون " من " ~~للبيان؛ لأن المبين - وإن تأخر لفظا - فهو متقدم رتبة. # ويجوز أن تكون الناقصة، ف " أمة " اسمها، و " يدعون " خبرها، و " ~~منكم " متعلق إما بالكون، وإما بمحذوف على الحال من " أمة ". # ويجوز أن يكون " منكم " هو الخبر، و " يدعون " صفة ل " أمة " ، ~~وفيه بعد. # وقرأ العامة: " ولتكن " بسكون اللام. # وقرأ الحسن والزهري والسلمي بكسرها، وهو الأصل. # وقوله: { ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } ~~من باب ذكر الخاص بعد العام؛ اعتناء به - كقوله: # وملائكته ورسله وجبريل وميكال # [البقرة: 98] -؛ لأن اسم " الخير " يقع عليهما، بل هما أعظم الخيور. # فصل # قال بعض العلماء: " من " - هنا - ليست للتبعيض، لوجهين: # الأول: أنه أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل الأمة. # الثاني: أنه يجب على كل مكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - ~~إما بيده، أو لسانه، أو بقلبه - فيكون معنى الآية: كونوا أمة دعاة إلى ~~الخير، آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر. # وكلمة: " من ms2096 ": إنما هي للتبيين، كقوله: # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # [الحج: 30] ويقال: لفلان من أولاده جند، وللأمير من غلمانه عسكر، ~~والمراد: جميع الأولاد والغلمان لا بعضهم - فكذا هنا. ثم إذا قلنا بأنه ~~يجب على الكل، فيسقط بفعل البعض، كقوله تعالى: # انفروا خفافا وثقالا # [التوبة: 41]، وقوله: # إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما # [التوبة: 39] فالأمر عام، ثم إذا قام به من يكفي، سقط التكليف عن ~~الباقين والقائلون بالتبعيض اختلفوا على قولين: # أحدهما: أن في القوم من لا يقدر على الدعوة، والأمر بالمعروف، ~~والنهي عن المنكر - كالمرضى والعاجزين. # الثاني: أن هذا التكليف مختص بالعلماء؛ لأن الدعوة إلى الخير، والأمر ~~بالمعروف، والنهي عن المنكر مشروطة بالعلم بهم، ونظيره قوله تعالى: # الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة # [الحج: 41] وليس كل الناس يمكنون. # وقوله: # فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ~~ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا ~~رجعوا إليهم # [التوبة: 122]، وأيضا الإجماع على أن ذلك واجب على الكفاية، وإذا كان ~~كذلك كان المعنى: ليقم بذلك بعضكم. # وقال الضحاك: المراد بهذه الآية: أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؛ لأنهم كاوا يتعلمون من الرسول صلى الله عليه وسلم ويعلمون الناس. # قال القرطبي: " وقرأ ابن الزبير: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ~~ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون بالله على ما أصابهم ". # قال ابن الأنباري: " هذه الزيادة تفسير من ابن الزبير، وكلام من كلامه، ~~غلط فيه بعض الناقلين، فألحقه بألفاظ القرآن، يدل على ذلك أن عثمان بن ~~عفان قرأ: ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون بالله على ما ~~أصابهم. # فما يشك عاقل في أن عثمان لا يعتد هذه الزيادة من القرآن؛ إذ لم يكتبها ~~في مصحفه الذي هو إمام المسلمين ". # فصل # قال المفسرون: الدعوة إلى الخير - أي: إلا الإسلام - والأمر بالمعروف، ~~وهو الترغيب في فعل ما ينبغي، والنهي عن المنكر هو الترغيب في ترك ما ~~لا ينبغي، { وأولئك هم المفلحون } أي: العاملون بهذه ~~الأعمال هم المفلحون الفائزون، وقد تقدم تفسيره. # قال - عليه السلام -: # " من أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، كان ms2097 خليفة ~~الله، وخليفة رسوله، وخليفة كتابه " # وقال - أيضا -: # " والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ~~ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث ~~عليكم عذابا من عنده ثم لتدعنه فلا يستجاب ~~لكم ". # قوله: { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من ~~بعد ما جآءهم البينات }. # قال أكثر المفسرين: هم اليهود والنصارى، وقال بعضهم: هم المبتدعة ~~من هذه الأمة. # وقال أبو أمامة: هم الحرورية بالشام. # وقال عبد الله بن شداد: وقف أبو أمامة - وأنا معه - على رؤوس الحرورية ~~بالشام فقال: كلاب النار كانوا مؤمنين، فكفروا بعد إيمانهم، ثم قرأ: { ~~ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا } الآية. # وروى عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من سره بحبوحة الجنة فعليه بالجماعة؛ فإن ~~الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد ". # وذكر الفعل في قوله: { وجآءهم البينات } للفصل ولكونه غير ~~حقيقي؛ لأنه بمعنى الدلائل. # وقيل: لجواز حذف علامة التأنيث من الفعل - إذا كان فعل المؤنث ~~متقدما. # والتفرق والافتراق واحد، ملا روى أبو برزة - في حديث بيع الفرس -، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، وإني لأراكما ~~قد افترقتما " # فجعل التفرق والافتراق بمعنى واحد، وهو أعلم بلغة الصحابة، وبكلام ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # قال القرطبي: وأهل اللغة فرقوا بين فرقت - مخففا - وفرقت ~~مشددا، فجعلوه - بالتخفيف - في الكلام، وبالتثقيل في الأبدان ". # قال ثعلب: " أخبرني ابن الأعرابي، قال: يقال: فرقت بين الكلامين - ~~مخففا - فافترقا، وفرقت بين الاثنين بالتشديد فتفرقا ". فجعل ~~الافتراق في القول، والتفرق في الأبدان، وكلام أبي برزة يرد هذا. # وقال بعضهم: { تفرقوا واختلفوا } معناهما مختلف. # فقيل: تفرقوا بالعداوة، واختلفوا في الدين. # وقيل: تفرقوا بسبب استخراج التأويلات الفاسدة لتلك النصوص، واختلفوا ~~في أن حاول كل واحد منهم نصرة مذهبه. # وقيل: تفرقوا بأبدانهم - بأن صار كل واحد من أولئك الأخيار رئيسا في ~~بلد. # قوله: { وأولئك لهم عذاب عظيم } يعني: بسبب تفرقهم. ### || [3.106-107] # في ناصب " يوم " أوجه: # أحدها: أنه الاستقرار الذي تضمنه " لهم " والتقدير: وأولئك استقر لهم ~~عذاب يوم تبيض وجوه. # وقيل: ms2098 إن العامل فيه مضمر، تدل عليه الجملة السابقة، والتقدير: ~~يعذبون يوم تبيض وجوه. # وقيل: إن العامل فيه " عظيم " وضعف هذا بأنه يلزم تقييد ~~عظمه بهذا اليوم. # وهذا التضعيف ضعيف؛ لأنه إذا عظم في هذا اليوم ففي غيره أولى. # قال شهاب الدين: " وهذا غير لازم " ، قال: " وأيضا فإنه مسكوت عنه ~~فيما عدا هذا اليوم ". # وقيل: إن العامل " عذاب ". وهذا ممتنع؛ لأن المصدر الموصوف لا يعمل ~~بعد وصفه. # وقيل: إنه منصوب بإضمار " اذكر ". # وقرأ يحيى بن وثاب، وأبو نهيك، وأبو رزين العقيلي: " تبيض " ~~و " تسود " - بكسر التاء - وهي لغة تميم. # وقرأ الحسن والزهري وابن محيصن، وأبو الجوزاء: تبياض وتسواد ~~- بألف فيهما - وهي أبلغ؛ فإن البياض أدل على اتصاف الشيء بالبياض من ~~ابيض، ويجوز كسر حرف المضارعة - أيضا - مع الألف، إلا أنه لم ينقل ~~قراءة لأحد. # فصل # نظير هذه الآية قوله تعالى: # ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله ~~وجوههم مسودة # [الزمر: 60]، وقوله: # ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة # [يونس: 26]، وقوله: # وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ووجوه ~~يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة # [القيامة: 22-25]، وإذا عرفت هذا، ففي هذا البياض والسواد وجهان: # الأول: قال أبو مسلم: إن البياض عبارة عن الاستبشار، و السواد عبارة عن ~~الغم، وهذا مجاز مستعمل قال تعالى: # وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا # [النحل: 58]. ويقال: لفلان عندي يد بيضاء. # وقال بعضهم في الشيب: [الخفيف] # 1563- يا بياض القرون سودت وجهي # عند بيض الوجوه سود القرون # فلعمري لأخفينك جهدي # عن عياني، وعن عيان العيون # بسواد فيه بياض لوجهي # وسواد لوجهك الملعون # وتقول العرب - لمن نال بغيته، وفاز بمطلوبه -: ابيض وجهه، ومعناه: ~~الاستبشار والتهلل، ويقال - لمن وصل إليه مكروه -: اربد وجهه، ~~واغبر لونه، وتغيرت صورته، فعلى هذا معنى الآية: إن المؤمن مستبشر ~~بحسناته، وبنعيم الله، والكافر على ضد ذلك. # الثاني: أن البياض والسواد يحصلان حقيقة؛ لأن اللفظ حقيقة فيهما، ولا ~~دليل يصرفه، فوجب المصير إليه، ولأبي مسلم أن يقول: بل معنا دليل يصرفه، ~~وهو قوله تعالى: # وجوه يومئذ ms2099 مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه ~~يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة # [عبس: 38-41]، فجعل الغبرة والقترة في مقابلة الضحك والاستبشار ~~فلو لم يكن المراد ما ذكرنا من المجاز لما صح جعله مقابلا له. # فصل # احتجوا بهذه الآية على أن المكلف إما مؤمن، وإما كافر، وليس - هنا - ~~قسم ثالث كما قاله المعتزلة - فلو كان ثم ثالث لذكره، قالوا: ويؤيده ~~قوله تعالى: # وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه ~~يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة أولئك هم ~~الكفرة الفجرة # [عبس: 38-42]. # وأجاب القاضي: بأن ترك القسم الثالث لا يدل على عدمه؛ لأنه تعالى قال: { ~~يوم تبيض وجوه وتسود وجوه } ، فذكرهما منكرين، وذلك ~~لا يفيد العموم، وأيضا فالمذكور في الآية هم المؤمنون والذين كفروا بعد ~~إيمانهم، ومعلوم أن الكافر الأصلي من أهل النار، مع أنه لم يدخل في هذا ~~التقسيم، فكذلك الفساق. وأجيب بوجهين: # الأول: أن المراد منه كل من أسلم وقت استخراج الذرية من صلب آدم، ~~رواه الواحدي في البسيط بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل الكل ~~فيه. # الثاني: أنه قال: { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } ~~، فجعل موجب العذاب هو الكفر، سواء كفر بعد الإيمان أو كان كافرا ~~أصليا. # قال الزمخشري: هم المنافقون، آمنوا بألسنتهم، وأنكروا بقلوبهم. # وقال عكرمة: هم أهل الكتاب، آمنوا بأنبيائهم وبمحمد صلى الله عليه وسلم ~~قبل أن يبعث، فلما بعث كفروا به. # قوله: { أكفرتم } هذه الجملة في محل نصب بقول مضمر، وذلك ~~القول المضمر - مع فاء مضمرة - أيضا - هو جواب " أما " ، وحذف الفاء مع ~~القول مطرد، وذلك أن القول يضمر كثيرا، كقوله تعالى: # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام ~~عليكم # [الرعد: 23-24]. # وقوله: # والذين اتخذوا من دونه أوليآء ما نعبدهم ~~إلا ليقربونآ # [الزمر: 3]، وقوله: # وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ~~وإسماعيل ربنا تقبل منآ # [البقرة: 127]، وأما حذفها دون إضمار القول فلا يجوز إلا في ضرورة. # كقوله: [الطويل] # 1564- فأما القتال لا قتال لديكم # ولكن سيرا في عراض المواكب # أي: فلا قتال. # وقال صاحب " أسرار التنزيل ": إن النحاة اعترض عليهم - في ms2100 قولهم: لما ~~حذف يقال: حذفت الفاء؛ بقوله تعالى: # وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى ~~عليكم # [الجاثية: 31]، فحذف يقال، ولم يحذف الفاء، فلما بطل هذا تعين أن يكون ~~الجواب في قوله: { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } ، ~~فوقع ذلك جوابا له، ولقوله: { أكفرتم } ومن نظم العرب - إذا ذكروا ~~حرفا يقتضي جوابا له - أن يكتفوا عن جوابه حتى يذكروا حرفا آخر يقتضي ~~جوابا، ثم يجعلون له جوابا واحدا، كما في قوله: # فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون # [البقرة: 38]، فقوله: { فلا خوف عليهم } جواب للشرطين معا، ~~وليس { أفلم تكن آياتي } جواب " إما " بل الفاء عاطفة على ~~مقدر، والتقدير: أأهملتكم، فلم أتل عليكم آياتي؟ # قال أبو حيان: وهو كلام أديب لا كلام نحوي، أما قوله: قد اعترض على ~~النحاة، فيكفي في بطلان هذا الاعتراض أنه اعتراض على جميع النحاة؛ لأنه ~~ما من نحوي إلا خرج الآية على إضمار: فيقال لهم: أكفرتم، وقالوا: ~~هذا هو فحوى الخطاب، وهو أن يكون في الكلام شيء مقدر لا يستغني ~~المعنى عنه، فالقول بخلافه مخالف للإجماع، فلا التفات إليه. # وأما ما اعترض به من قوله: # وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي # [الجاثية: 31] وأنهم قدروه: فيقال لهم: أفلم تكن آياتي، فحذف فيقال ولم ~~تحذف الفاء، فدل على بطلان هذا التقدير - فليس بصحيح، بل هذه الفاء التي ~~بعد الهمزة في " أفلم " ليست فاء " فيقال " التي هي جواب " أما " - ~~حتى يقال: حذف " يقال " وبقيت الفاء، بل الفاء التي هي جواب " أما " و " ~~يقال " بعدها - محذوف، وفاء " أفلم " يحتمل وجهين: # أحدهما: أن تكون زائدة. # وقد أنشد النحويون على زيادة الفاء قول الشاعر: [الطويل] # 1565- يموت أناس أو يشيب فتاهم # ويحدث ناس، والصغير فيكبر # أي: صغير يكبر، وقول الآخر: [الكامل] # 1566- لما اتقى بيد عظيم جرمها # فتركت ضاحي جلدها يتذبذب # أي: تركت، وقول زهير: [الطويل] # 1567- أراني إذا ما بت بت على هوى # فثم إذا أصبحت أصبحت غاديا # يريد ثم إذا. # وقال الأخفش: " وزعموا أنهم يقولون: أخوك فوجد، يريدون: أخوك ms2101 وجد ". # والوجه الثاني: أن تكون الفاء تفسيرية، والتقدير: فيقال لهم ما يسوؤهم، ~~" أفلم " تكن آياتي، ثم اعتني بحرف الاستفهام، فتقدمت على الفاء ~~التفسيرية، كما تتقدم على الفاء التي للتعقيب في قوله: # أفلم يسيروا في الأرض # [يوسف: 109] وهذا على رأي من يثبت أن الفاء تفسيرية، نحو توضأ زيد فغسل ~~وجهه ويديه.. إلى آخر أفعال الوضوء، فالفاء - هنا - ليت مرتبة، وإنما ~~هي مفسرة للوضوء، كذلك تكون في { أفلم تكن آياتي تتلى عليكم } مفسرة ~~للقول الذي يسوؤهم. # وقوله: فلما بطل هذا تعين أن يكون الجواب: " تذوقوا " ، أي: تعين ~~بطلان حذف ما قدره النحويون، من قوله: " فيقال لهم "؛ لوجود هذه الفاء ~~في " أفلم تكن " ، وقد بينا أن ذلك التقدير لم يبطل؛ وأنه سواء في ~~الآيتين، وإذا كان كذلك فجواب: " أما " هو فيقال - في الموضعين - ومعنى ~~الكلام عليه، وأما تقديره: أأهملتكم فلم تكن آياتي تتلى عليكم؟ فهذه نزعة ~~زمخشرية، وذلك أن الزمخشري يقدر بين همزة الاستفهام وبين الفاء ~~فعلا يصح عطف ما بعدها عليه، ولا يعتقد أن الفاء والواو، و " ثم " إذا ~~دخلت عليها الهمزة - أصلهن التقديم على الهمزة، لكن اعتني بالاستفهام، ~~فقدم على حرف العطف - كما ذهب إليه سيبويه وغيره من النحويين - وقد رجع ~~الزمخشري إلى مذهب الجماعة في ذلك، وبطلان قول الأول مذكور في النحو وقد ~~تقدم - في هذا الكتاب - حكاية مذهب الجماعة في ذلك، وعلى تقدير قول هذا ~~الرجل - أأهملتكم فلم تكن آياتي، لا بد من إضمار القول، وتقديره: فيقال: ~~أاهملتكم؛ لأن هذا المقدر هو خبر المبتدأ، والفاء جواب " أما " ، وهو ~~الذي يدل عليه الكلام، ويقتضيه ضرورة. # وقول هذا الرجل: فوقع ذلك جوابا له ولقوله: " أكفرتم " يعني: أن " ~~فذوقوا العذاب " جواب ل " أما " ولقوله: " أكفرتم " والاستفهام - هنا - ~~لا جواب له إنما هو استفهام على طريق التوبيخ والإرذال بهم. # وأما قول هذا الرجل: ومن نظم العرب إلى آخره، فليس كلام العرب على ما ~~زعم، بل يجعل لكل جواب، إن لا يكن ظاهرا فمقدر، ولا يجعلون ~~لهما جوابا واحدا. # وأما دعواه ذلك في قوله ms2102 تعالى: # فإما يأتينكم مني هدى # [البقرة: 38] وزعمه أن قوله تعالى: # فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون # [البقرة: 38]. جواب للشرطين فقول روي عن الكسائي, وزعم بعض الناس أن ~~جواب الشرط الأول محذوف, تقديره: فاتبعوه, والصحيح أن الشرط الثاني ~~وجوابه جوال الشرط الأول وتقدمت هذه الأقوال عند قوله تعالى: # فإما يأتينكم مني هدى # [البقرة: 38]. انتهى. # والهمزة في " أكفرتم " للإنكار عليهم، والتوبيخ لهم، والتعجب من ~~حالهم. # وفي قوله: " أكفرتم " نوع من الالتفات، وهو المسمى عند علماء ~~البيان بتلوين الخطاب، وذلك أن قوله: { فأما الذين اسودت ~~وجوههم } في حكم الغيبة، وقوله - بعد ذلك " أكفرتم " خطاب ~~مواجهة. # قوله: { فذوقوا } من باب الاستعارة، جعل العذاب شيئا يدرك ~~بحاسة الأكل، والذوق؛ تصويرا له بصورة ما يذاق. # وقوله: { بما كنتم } الباء سببية، و " ما " مصدرية، ولا تكون ~~بمعنى: الذي؛ لاحتياجها إلى العائد، وتقديره غير جائز، لعدم الشروط ~~المجوزة لحذفه. # فإن قيل: إنه - تعالى - قدم الذين ابيضت وجوههم - في التقسيم - ~~على الذين اسودت وجوههم وكان حق الترتيب أن يقدمهم في البيان. # فالجواب: أن الواو للجمع لا للترتيب، وأيضا فالمقصود إيصال الرحمة، لا ~~ابتداء العذاب، فابتدأ بذكر أهل الثواب، لأنهم أشرف، ثم ختم بذكرهم، ~~تنبيها على أن إرادة الرحمة أكثر من إرادة الغضب، كما قال: # " سبقت رحمتي غضبي " # وأيضا فالفصحاء والشعراء قالوا: يجب أن يكون مطلع الكلام ومقطعه شيئا ~~يسر الطبع، ويشرح الصدر - وذكر رحمة الله تعالى كذلك - فلا جرم ابتدأ ~~بذكر أهل الثواب، وختم بذكرهم. # قوله: { وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة ~~الله هم فيها خالدون }. # قال ابن عباس: هي الجنة. # قال المحققون: هذا إشارة إلى أن العبد - وإن كثرة طاعاته - لا يدخل ~~الجنة إلا برحمة الله؛ وذلك لأن العبد ما دامت داعيته إلى الفعل، والترك ~~سواء، يمتنع منه الفعل، فإذا لم يحصل رجحان داعية الطاعة، لم تحصل منه ~~الطاعة، وذلك الرجحان لا يكون إلا بخلق الله - تعالى - فإذن صدور تلك ~~الطاعة من العبد نعمة من الله تعالى في حق العبد، فكيف يصير ذلك موجبا ~~على الله شيئا كما ms2103 تقوله المعتزلة؟ فثبت أن دخول الجنة لا يكون إلا بفضل ~~الله - تعالى - وبرحمته، وبكرمه، لا باستحقاقنا. # قرأ أبو الجزاء، وابن يعمر: اسوادت، وابياضت - بألف - وقد ~~تقدمت قراءتهما: تبياض، وتسواد، وهذا قياسها، وأصل " افعل " هذا ~~أن يكون دالا على عيب حسي - ك " اعور واسود واحمر " - ~~وأن لا يكون من مضعف كأجم، ولا معتل اللام كألمى، وأن يكون ~~للمطاوعة، وندر نحو انقض الحائط، وابهار الليل، واشعار الرجل - ~~تفرق شعره - إذ لا دلالة فيه على عيب، ولا لون، وندر - أيضا - ~~ارعوى، فإنه معتل اللام، مطاوع لرعوته - بمعنى، كففته - وليس دالا ~~على عيب، ولا لون، وأما دخول الألف في " افعل " هذا - فدال على ~~عروض ذلك المعنى، وعدمها دال على ثبوته واستقراره، فإذا قلت: ~~اسواد وجهه، دل على اتصافه بالسواد من غير عروض فيه، وإذا قلت: ~~اسواد، دل على حدوثه، هذا هو الغالب، وقد يعكس، قال تعالى: # مدهامتان # [الرحمن: 64] - فالقصد الدلالة على لزوم الوصف بذلك للجنتين - وقال: # تزاور عن كهفهم # [الكهف: 17] القصد به العروض لازورار الشمس، لا الثبوت والاستقرار - كذا ~~قيل - وفيه نظر؛ لأن المقصود وصف الشمس بهذه الصفة الثابتة بالنسبة إلى ~~هؤلاء القوم خاصة. # فصل # قال بعض المفسرين: بياض الوجوه وسوادها، إنما يحصل عند قيامهم من قبورهم ~~للبعث، فتكون وجوه المؤمنين مبيضة، ووجوه الكافرين مسودة. # وقيل: عند الميزان، إذا رجحت حسناته ابيض وجهه، وإذا رجحت سيئاته ~~اسود وجهه. # قيل: إن ذلك عند قراءة الكتاب، إذ قرأ المؤمن كتابه، فرأى حسناته ~~استبشر، ابيض وجهه، وإذا قرأ الكافر كتابه، فرأى سيئاته اسود ~~وجهه. # وقيل: إن ذلك عند قوله تعالى: # وامتازوا اليوم أيها المجرمون # [يس: 59]. # قيل: يؤمر كل فريق بأن يجتمع إلى معبوده، فإذا انتهوا إليه حزنوا ~~واسودت وجوههم. # قوله: { ففي رحمة الله } فيها وجهان: # أحدهما: أن الجار متعلق ب " خالدون " ، و " فيها " تأكيد لفظي ~~للحرف، و التقدير: فهم خالدون في رحمة الله فيها. وقد تقرر أنه لا يؤكد ~~الحرف تأكيدا لفظيا، إلا بإعادة ما دخل عليه، أو بإعادة ضميره - كهذه ~~الآية - ولا يجوز أن يعود - وحده ms2104 - إلا في ضرورة. # كقوله: [الرجز] # 1568- حتى تراها وكأن وكأن # أعناقها مشددات بقرن # كذا ينشدون هذا البيت. # وأصرح منه في الباب - قول الشاعر: [الوافر] # 1569- فلا والله لا يلقى لما بي # ولا للما بهم أبدا دواء # ويحسن ذلك إذا اختلف لفظهما. # كقوله: [الطويل] # 1570- فأصبحن لا يسألنني عن بما به # أصعد في علو الهوى أم تصويا # للهم إلا أن يكون ذلك الحرف قائما مقام جملة، فيكرر - وحده - ~~كحروف الجواب، مثل: نعم نعم، وبلى بلى، ولا لا. # والثاني: أن قوله: { ففي رحمة الله }: خبر لمبتدأ مضمر، ~~والجملة - بأسرها - جواب: " أما " والتقدير: فهم مستقرون في رحمة الله، ~~وتكون الجملة - بعده - من قوله: { هم فيها خالدون } جملة مستقلة ~~من مبتدأ وخبر، دلت على أن الاستقرار في الرحمة على سبيل الخلود، فلا ~~تعلق لها بالجملة قبلها من حيث الإعراب. # قال الزمخشري: فإن قلت: كيف موقع قوله: { هم فيها خالدون } ~~بعد قوله: { ففي رحمة الله }؟ # قلت: موقع الاستئناف، كأنه قيل: كيف يكونون فيها؟ فقيل: هم فيها خالدون، ~~لا يظنعون عنها، ولا يموتون. # فإن قيل: الكفار مخلدون في النار، كما أن المؤمنين مخلدون في ~~الجنة، فما الحكمة في ذكر خلود المؤمنين ولم يذكر خلود الكافرين؟ # فالجواب: أن ذلك يشعر بأن جانب الرحمة أغلب؛ لأنه ابتدأ بذكر ~~أهل الرحمة، وختم بهم، لما ذكر العذاب لم يضفه إلى نفسه، بل قال: { ~~فذوقوا العذاب } ، وأضاف ذكر الرحمة إلى نفسه، فقال: { ففي ~~رحمة الله } ، ولما ذكر العذاب ما نص على الخلود، ونص عليه في ~~جانب الرحمة، ولما ذكر العذاب علله بفعلهم، فقال: { فذوقوا ~~العذاب بما كنتم تكفرون } ولما ذكر الثواب علله ~~برحمته، فقال: { ففي رحمة الله } ثم قال - في آخر الآية -: # وما الله يريد ظلما للعالمين # [آل عمران: 108]، وكل ذلك يشعر بأن جانب الرحمة مغلب. ### || [3.108-109] # قوله: " تلك " مبتدأ، { آيات الله } خبره، و " نتلوها " جملة ~~حالية. # وقيل: { آيات الله } بدل من " تلك " ، و " نتلوها " جملة ~~واقعة خبر المتبدأ، و " بالحق " حال من فاعل " نتلوها " ، أو ~~مفعولة، وهي حال مؤكدة؛ لأنه - تعالى - لا ينزلها ms2105 إلا على هذه الصفة. # وقال الزجاج: " في الكلام حذف، تقديره: تلك آيات القرآن حجج الله ~~ودلائله ". # قال أبو حيان: فعلى هذا الذي قدره يكون خبر المبتدأ محذوفا؛ لأنه ~~عنده بهذا التقدير يتم معنى الآية، وهذا التقدير لا حاجة إليه؛ [إذ ~~الكلام مستغن عنه، تام بنفسه]. # والإشارة ب " تلك " إلى الآيات المتقدمة المتضمنة تعذيب الكفار، ~~وتنعيم الأبرار، وإنما جاز إقامة " تلك " مقام هذه؛ لأن هذه الآيات ~~المذكورة قد انقضت بعد الذكر، فصارت كأنها بعدت، فقيل فيها: " تلك ". # وقيل: لأن الله - تعالى - وعده أن ينزل عليه كتابا مشتملا على ما لا ~~بد منه في الدين، فلما أنزل هذه الآيات قال: تلك الآيات الموعودة هي ~~التي نتلوها عليك. # وقرأ العامة " نتلوها " - بنون العظمة - وفيه التفات من الغيبة إلى ~~التكلم. # وقرأ أبو نهيك: " يتلوها " بالياء - من تحت - وفيه احتمالان: # أحدهما: أن يكون الفاعل ضمير الباري - تعالى - لتقدم ذكره في قوله: { ~~آيات الله } ولا التفات في هذا التقدير، بخلاف قراءة العامة. # الثاني: أن يكون الفاعل ضمير جبريل. # قوله: { بالحق } فيه وجهان: # لأول: ملتبسة بالحق والعدل من جزاء المحسن والمسيء بما يستوجبانه. # الثاني: بالحق، أي: بالمعنى الحق؛ لأن معنى المتلو حق. # قوله: { وما الله يريد ظلما للعالمين } اللام - في " ~~للعالمين " - زائدة - لا تعلق لها بشيء، زيدت في مفعول المصدر ~~وهو ظلم والفاعل محذوف، وهو - في التقدير - ضمير الباري، والتقدير: وما ~~الله يريد أن يظلم العالمين، فزيدت اللام، تقوية للعامل؛ لكونه فرعا، ~~كقوله: # فعال لما يريد # [البروج: 16]. # فصل # وقيل: معنى الكلام: وما الله يريد ظلم العالمين بعضهم لبعض، ورد هذا ~~بأنه لو كان المراد هذا لكان التركيب ب " من " أولى منه باللام، فكان ~~يقال: ظلما من العالمين، فهذا معنى ينبو عنه اللفظ. ونكر " ظلما "؛ ~~لأنه في سياق النفي، فهو يعم كل أنواع الظلم، وحسن ذكر الظلم - هنا -، ~~لأنه تقدم ذكر العقوبة الشديدة، وهو تعالى أكرم الأكرمين، فكأنه - تعالى ~~يعتذر عن ذلك، فقال: إنهم إنما وقعوا في هذا العذاب بسبب أفعالهم. # فصل # قال الجبائي: هذه الآية تدل على ms2106 أنه - تعالى - لا يريد شيئا من ~~القبائح، لا من أفعاله، ولا من أفعال عباده, ولا يفعل شيئا من ذلك، لأن ~~الظلم إما أن يفرض صدوره من الله - تعالى - أو من العبد، وصدوره من ~~العبد إما أن يظلم العبد نفسه بعصيانه - أو يظلم غيره، فهذه الأقسام ~~الثلاثة هي أقسام الظلم، وقوله: { وما الله يريد ظلما ~~للعالمين } نكرة في سياق النفي، فوجب ألا يريد شيئا يكون ظلما، ~~سواء كان منه أو من غيره، وإذا ثبت ذلك وجب أن لا يفعل الظلم أصلا - ~~ويلزم منه أن يكون فاعلا لأعمال العباد؛ لأن من جملة أعمالهم ظلمهم ~~لأنفسهم، وظلم بعضهم لبعض، فثبت بهذه الآية أنه - تعالى - غير فاعل ~~للظلم، وغير فاعل لأعمال العباد، وغير مريد للقبائح من أفعال العباد، ~~قالوا: ويؤيده قوله - بعد ذلك -: { ولله ما في السماوات ~~وما في الأرض } [آل عمران: 109] وإنما ذكر هذه الآية - عقيب ما ~~تقدم - لوجهين: # الأول: نه لما ذكر أنه لا يريد الظلم والقبائح، استدل عليه بأن فاعل ~~القبيح، إنما يفعل القبيح إما للجهل، أو للعجز، أو للحاجة، وكل ذلك - على ~~الله - محال؛ لأنه مالك لكل ما في السموات وما في الأرض وهذه المالكية ~~تنافي العجز والجهل والحاجة، فامتنع كونه فاعلا للقبيح. # الثاني: أنه لما ذكر أنه لا يريد الظلم بوجه من الوجوه، كان لقائل أن ~~يقول: إنا نشاهد وجود الظلم في العالم، فإذا لم يكن وقوعه بإرادة الله ~~- تعالى - كان على خلاف إرادته، فيلزم منه كونه ضعيفا عاجزا مغلوبا، ~~وذلك محال. # فأجاب الله - تعالى - بقوله: { ولله ما في السماوات وما ~~في الأرض } أي: أنه تعالى قادر على أن يمنع الظلم عن الظالم - على ~~سبيل الإلجاء والقهر - وإذا كان قادرا على ذلك لا يكون عاجزا، ~~ضعيفا؛ إلا أنه - تعالى - أراد منهم ترك المعصية - اختيارا - ليستحقوا ~~الثواب، فلو قهرهم على الترك لبطلت هذه الفائدة. # وأجيب بأن المراد من الآية أنه - تعالى - لا يريد أن يظلم أحدا من ~~عباده. # وقوله: { ولله ما في السماوات وما في الأرض } يدل على ~~كونه خالقا ms2107 لأفعال العباد؛ لأن أفعال العباد من جملة ما في السموات ~~وما في الأرض. # وأجاب الجبائي: بأن قوله: " ولله " إضافة ملك، لا إضافة فعل، ألا ترى ~~أنه يقال: هذا البناء لفلان. ويريدون أنه مملوكه، لا أنه مفعوله، وأيضا ~~فالمقصود من الآية تعظيم الله - تعالى - لنفسه، وتمدحه لإلهية نفسه، ~~ولا يجوز أن يتمدح بأن ينسب إلى نفسه الأفعال القبيحة، وأيضا فقوله: { ~~ما في السماوات وما في الأرض } ، إنما يتناول ما كان ~~مظروفا في السموات والأرض، وذلك من صفات الأجسام، لا من صفات الأفعال ~~التي هي أعراض. # وأجيب بأن هذه إضافة الفعل؛ لأن القادر على الحسن والقبيح، لا يرجح ~~الحسن على القبيح إذا حصل في قلبه ما يدعوه إلى الفعل الحسن، وتلك ~~الداعية حاصلة بتخليق الله - تعالى - دفعا للتسلسل، ولما كان ~~المؤثر في حصول فعل العبد هي مجموع القدرة والداعية بخلق الله - تعالى ~~- ثبت أن فعل العبد مخلوق لله تعالى. # وقوله: { وإلى الله ترجع الأمور } المراد منه رجوع الخلق ~~إلى حكمه وقضائه، لا لحكم غيره. ### || [3.110] # في " كان " هذه - ستة أقوال: # أحدها: أنها ناقصة على بابها - وإذا كانت كذلك، فلا دلالة لها على ~~مضي وانقطاع، بل تصلح للانقطاع نحو: كان زيد قائما، وتصلح للدوام، ~~كقوله: # وكان الله غفورا رحيما # [النساء: 96]، وقوله: # ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة # [الإسراء: 32]، فهي - هنا - بمنزلة: لم يزل، وهذا بحسب القرائن. # وقال الزمخشري: " كان عبارة عن وجود الشيء في زمن ماض، على سبيل ~~الإبهام، وليس فيه دليل على عدم سابق، ولا على انقطاع طارئ، ومنه قوله ~~تعالى: # وكان الله غفورا رحيما # [النساء: 96]، وقوله: { كنتم خير أمة أخرجت للناس } ~~[آل عمران: 110]. كأنه قيل: وجدتم خير أمة ". # قال أبو حيان: قوله: " لم يدل على عدم سابق " ، هذا إذا لم يكن بمعنى: " ~~صار " ، فإذا كان بمعنى: " صار " دلت على عدم سابق، فإذا قلت: كان زيد ~~عالما - بمعنى: صار زيد عالما - دل على أنه نقل من حالة الجهل إلى ~~حالة العلم. # وقوله:؛ " ولا على انقطاع طارئ " ، قد ذكرنا - قبل - أن الصحيح أنها ms2108 ~~كسائر الأفعال، يدل لفظ المضي منها على الانقطاع، ثم قد يستعمل حيث لا ~~انقطاع، وفرق بين الدلالة والاستعمال؛ ألا ترى أنك تقول: " هذا اللفظ يدل ~~على العموم " ثم قد يستعمل حيث لا يراد العموم، بل يراد الخصوص. # وقوله: كأنه قيل: " وجدتم خير أمة " ، هذا يعارض قوله: إنها مثل قوله: # وكان الله غفورا رحيما # [النساء: 96]؛ لأن تقديره: وجدتم خير أمة يدل على أنها التامة، وأن { ~~خير أمة } حال، وقوله: # وكان الله غفورا رحيما # [النساء: 96] لا شك أنها - هنا - الناقصة، فتعارضا. # قال شهاب الدين: " لا تعارض؛ لأن هذا تفسير معنى، لا إعراب ". # الثاني: أنها بمعنى: " صرتم " ، و " كان " تأتي بمعنى: " صار " كثيرا. # كقوله: [الطويل] # 1571- بتيهاء قفر والمطي كأنها # قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها # أي: صارت فراخا. # الثالث: أنها تامة، بمعنى: " وجدتم " ، و { خير أمة } - على هذا ~~منصوب على الحال، أي: وجدتم على هذه الحال. # الرابع:؛ أنها زائدة، والتقدير: أنتم خير أمة، وهذا قول مرجوح، أو غلط، ~~لوجهين: # أحدهما: أنها لا تزاد أولا، وقد نقل ابن مالك الاتفاق على ذلك. # الثاني: أنها لا تعمل في " خير " مع زيادتها. # وفي الثاني نظر، إذ الزيادة لا تنافي العمل، لما تقدم عند قوله: " وما ~~لنا ألا نقاتل في سبيل الله "؟ # الخامس: أنها على بابها، و المراد: كنتم في علم الله، أو في اللوح ~~المحفوظ، أو في الأمم السالفة، مذكورين بأنكم خير أمة. # السادس: أن هذه الجملة متصلة بقوله: " ففي رحمة الله " ، أي: فيقال لهم ~~يوم القيامة: " كنتم خير أمة " ، وهو بعيد جدا. # قوله: { أخرجت } يجوز في هذه الجملة أن تكون في محل جر؛ ~~نعتا ل " أمة " - وهو الظاهر - وأن تكون في محل نصب؛ نعتا ل " خير ~~" ، وحينئذ يكون قد روعي لفظ الاسم الظاهر بعد وروده بعد ضمير الخطاب، ~~ولو روعي ضمير الخطاب لكان جائزا - أيضا - وذلك أنه إذا تقدم ضمير ~~حاضر - متكلما كان أو غائبا أو مخاطبا - ثم جاء بعده خبره اسما ~~ظاهرا، ثم جاء بعد ذلك الاسم الظاهر ما يصلح أن يكون وصفا له ms2109 كان للعرب ~~فيه طريقان: # أحدهما: مراعاة ذلك الضمير السابق، فيطابقه بما في تلك الجملة الواقعة ~~صفة للاسم الظاهر. # الثانية: مراعاة ذلك الاسم الظاهر، فيبعد الضمير عليه منها غائبا، وذلك ~~كقولك: أنت رجل يأمر بالمعروف، بالخطاب، مراعاة ل " أنت " ، وبالغيبة، ~~مراعاة للفظ " رجل " ، وأنا امرؤ أقول الحق - بالمتكلم؛ مراعاة ل " أنا ~~" ويقول الحق، مراعاة لامرىء، وبالغيبة مراعة للفظ امرىء، ومن مراعاة ~~الضمير قوله تعالى: # بل أنتم قوم تجهلون # [النمل: 55]، وقوله: # بل أنتم قوم تفتنون # [النمل: 47]، وقوله صلى الله عليه وسلم: # " إنك امرؤ فيك جاهلية ". # وقول الشاعر: [الطويل] # 1572- وأنت امرؤ قد كثأت لك لحية # كأنك منها قاعد في جوالق # ولو قيل: - في الآية الكريمة -: أخرجتم؛ مراعاة ل " كنتم " ~~لكان جائزا - من حيث اللفظ - ولكن لا يجوز أن يقرأ به؛ لأن القراءة ~~سنة متبعة، فالأولى أن تجعل الجملة صفة ل " أمة " ، لا ~~ل " خير " , لتناسب الخطاب في قوله: { تامرون }. # قوله: { للناس } فيه أوجه: # أحدها: أن تتعلق ب { أخرجت } ومعناه: ما أخرج الله أمة خيرا من ~~أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي الحديث: # " ألا وإن هذه الأمة توفي سبعين أمة، أنتم خيرها ~~وأكرمها على الله تعالى ". # الثاني: أنه متعلق ب " خير " أي: أنتم خير الناس للناس. # قال أبو هريرة: معناه:؛ كنتم خير الناس للناس؛ تجيئون بهم في السلاسل، ~~فتدخلونهم في الإسلام. # وقال قتادة: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم لم يؤمر نبي قبله ~~بالقتال، فهم يقاتلون الكفار، فيدخلونهم في الإسلام، فهم خير أمة ~~للناس. # والفرق بينهما - من حيث المعنى - أنه لا يلزم أن يكونوا أفضل الأمم - ~~في الوجه الثاني - من هذا اللفظ بل من موضع آخر. # الثالث: أنه متعلق - من حيث المعنى، لا من حيث الإعراب، ب " ~~تأمرون " على أن مجرورها مفعول به، فلما تقدم ضعف العامل، ~~فقوي بزيادة اللام، كقوله: # إن كنتم للرؤيا تعبرون # [يوسف: 43] أي: إن كنتم تعبرون الرؤيا. # قوله: { تأمرون } في هذه الجملة أوجه: # الأول: أنها خبر ثان ل " كنتم " ، ويكون قد راعى الضمير المتقدم - ~~في " كنتم " ، ولو راعى ms2110 الخبر لقال: يأمرون - بالغيبة، وقد تقدم ~~تحقيقه. # الثاني: أنها في محل نصب على الحال، قاله الراغب وابن عطية. # الثالث: أنها في محل نصب؛ نعتا ل { خير أمة } ، وأتى بالخطاب ~~لما تقدم، قاله الحوفي. # الرابع: أنها مستأنفة، بين بها كونهم خير أمة، كأنه قيل: السبب في ~~كونكم خير الأمم هذه الخصال الحميدة، والمقصود بيان علة تلك الخيرية - ~~كقولك: زيد كريم؛ يطعم الناس ويكسوهم - لأن ذكر الحكم مقرونا ~~بالوصف المناسب له يشعر بالعلية، فها هنا لما ذكر - عقيب ~~الخيرية - أمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، أوجب أن تكون تلك ~~الخيرية لهذا السبب، وهذا أغرب الأوجه. # فصل # في كيفية النظم وجهان: # أحدهما: أنه لما حذر المؤمنين من أن يكونوا مثل أهل الكتاب - في ~~التفرق والاختلاف، وذكر ثواب المطيعين، وعقاب الكافرين، وكان الغرض من ~~ذلك حمل المؤمنين على الانقياد والطاعة، أردفه بطريق آخر يقتضي ~~الحمل على الانقياد والطاعة، فقال: { كنتم خير أمة أخرجت ~~للناس } ، فاللائق بكم ألا تبطلوا على أنفسكم هذه الفضيلة ~~المحمودة، وإن كنتم منقادين للطاعات. # الثاني: أنه - تعالى - لما ذكر وعيد الأشقياء، وتسويد وجوههم - ونبه ~~على السبب بقوله: # وما الله يريد ظلما للعالمين # [آل عمران: 108] يعني: أنهم إنما استحقوا ذلك بأفعالهم القبيحة؛ ~~نبه في هذه الآية على سبب وعد السعداء بقوله: { كنتم خير ~~أمة } يعني: أن تلك السعادات التي فازوا بها في الآخرة؛ لأنهم كانوا ~~خير أمة أخرجت للناس. # قال عكرمة، ومقاتل: نزلت في ابن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن ~~جبل، وسالم مولي أبي حذيفة، وذلك أن مالك بن الصيف، ووهب بن يهوذا ~~اليهوديين قالا لهم: نحن أفضل منكم، وديننا خير مما تدعوننا إليه. ~~[فأنزل الله هذه الآية]. # وروى الترمذي - عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده - أنه سمع النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقول - في قوله تعالى: { كنتم خير أمة } ~~قال: # " أنتم تتمون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها ~~على الله تعالى " # قال: هذا حديث حسن. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس { كنتم خير ~~أمة } قال: هم الذين هاجروا مع ms2111 رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~المدينة. # وقال جويبر - عن الضحاك -: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة ~~الدعاة والرواة الذين أمر الله المسلمين بطاعتهم. # وروي عن عمر بن الخطاب، قال: { كنتم خير أمة أخرجت ~~للناس } تكون لأولنا، ولا تكون لآخرنا. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين ~~يلونهم - قال عمران بن حصين: لا أدري، أذكر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعد قرنه قرنين أم ثلاثة؟ - ثم إن بعدكم قوما يخونون ولا ~~يؤتمنون، ويشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر ~~فيهم السمن ". # فصل # قال القفال: أصل الأمة: الطائفة المجتمعة على الشيء الواحد، فأمة نبينا ~~صلى الله عليه وسلم، هم الجماعة الموصوفون بالإيمان به، والإقرار بنبوته، ~~وقد يقال - لكل من جمعته الدعوة - إنهم أمته، إلا أن لفظ: " الأمة " إذا ~~أطلقت وحدها، وقع على الأول، إلا أنه إذا قيل: أجمعت الأمة على ~~كذا، فهم منه الأول، قال صلى الله عليه وسلم: # " أمتي لا تجتمع على ضلالة " # وروي أنه صلى الله عليه وسلم يقول - يوم القيامة -: # " أمتي، أمتي " # فلفظ " الأمة " في هذه المواضع وأشباهها - يفهم منه المقرون ~~بنبوته، فأما أهل دعوته فإنهم إنما يقال لهم: أمة الدعوة، ولا يطلق ~~عليهم لفظ " الأمة " إلا بهذا الشرط. # فصل # احتج بعض العلماء بهذه الآية على أن إجماع الأمة حجة من وجهين: # الأول: أنه - تعالى - قال: # ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون # [الأعراف: 159] ثم قال - في هذه الآية: { كنتم خير أمة } ، ~~فوجب أن تكون - بحكم هذه الآية - هذه الأمة أفضل من تلك الأمة، الذين ~~يهدون بالحق من قوم موسى، وإذا كان كذلك وجب أن تكون هذه الأمة لا تحكم ~~إلا بالحق، إذ لو جاز - في هذه الأمة - أن تحكم بما ليس بحق، لامتنع ~~كونهم أفضل من الأمة التي تهدي بالحق؛ لأن المبطل لا يكون خيرا من ~~الحق، وإذا ثبت أن هذه الأمة لا تحكم إلا بالحق كان إجماعهم حجة. # الثاني: أن الألف واللام في لفظ: ms2112 " المعروف " ، و " المنكر " ، يفيدان ~~الاستقرار، وهذا يقتضي كونهم آمرين بكل معروف، وناهين عن كل منكر، ومتى ~~كانوا كذلك كان إجماعهم حقا، وصدقا - لا محالة - فكان حجة. # فإن قيل: الأمر بالمعروف، و النهي عن المنكر، والإيمان بالله، هذه ~~الصفات الثلاث كانت حاصلة في سائر الأمم، فمن أي وجه كانت هذه الأمة ~~خير الأمم؟ # والجواب: قال القفال: إن تفضيلهم على سائر الأمم الذين كانوا قبلهم إنما ~~حصل لأجل أنهم يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر بآكد الوجوه - وهو ~~القتال -: لأن الأمر بالمعروف قد يكون بالقلب وباللسان، واليد، وأقواها ~~القتال؛ لأنه إلقاء للنفس في خطر القتل، وأعرف المعروفات الدين الحق، ~~والإيمان بالتوحيد والنبوة، وأنكر المنكرات الكفر بالله، فلما كان الجهاد ~~في الدين تحملا لأعظم المضار؛ لغرض إيصال الغير إلى أعظم المنافع، ~~وتخليصه من أعظم المضار، وجب أن يكون الجهاد أعظم العبادات، وهو في شرعنا ~~أقوى منه في سائر الشرائع - فلا جرم - صار ذلك موجبا لفضل العبادات، ~~وهو في شرعنا أقوى منه في سائر الشرائع - فلا جرم - صار ذلك موجبا ~~لفضل هذه الأمة على سائر الأمم. # وهذا معنى ما روي عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية: { كنتم ~~خير أمة أخرجت للناس } تأمرونهم أن يشهدوا أن لا إله إلا ~~الله، ويقروا بما أنزل الله، وتقاتلونهم عليه، و " لا إله إلا الله " ~~أعظم المعروف، والتكذيب هو أنكر المنكر. # ثم قال القفال: فائدة: القتال على الدين لا ينكره منصف، لأن أكثر ~~الناس يحبون أديانهم بسبب الإلف والعادة، ولا يتأملون في الدلائل الواردة ~~عليهم، فإذا أكره - بالتخويف بالقتل - على الدخول في الدين، دخل فيه، ثم ~~لا يزال يضعف في قلبه ما كان من حب الباطل، ويقوى حب الدين الحق ~~في قلبه إلى أن ينتقل من الباطل إلى الحق، ومن استحقاق العذاب الأليم ~~إلى استحقاق الثواب الدائم، والنعيم المقيم. # فإن قيل: لم قدم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر على الإيمان بالله، ~~في الذكر - مع أن الإيمان بالله - لا بد وأن يكون مقدما على كل ~~الطاعات. # فالجواب: أن ms2113 الإيمان بالله مشترك فيه بين جميع الأمم المحقة، ثم ~~إنه - تعالى - ذكر أن فضل هذه الأمة أقوى حالا - في الأمر بالمعروف، ~~والنهي عن المنكر - من سائر الأمم، فالمؤثر - إذن - في هذه الخيرية ~~هو الأمر بالمعروف، و النهي عن المنكر، وأما الإيمان بالله فهو شرط ~~لتأثير هذا المؤثر في هذا الحكم؛ لأنه ما لم يوجد الإيمان لم يصر شيء من ~~الطاعات وصفا من صفات الخيرية. # فإن قيل: لم اكتفى بذكر الإيمان بالله، ولم يذكر الإيمان بالنبوة، مع ~~أنه لا بد منه؟ # فالجواب: أن الإيمان بالله يستلزم الإيمان بالنبوة، لأن الإيمان بالله ~~لا يحصل إلا إذا حصل الإيمان بكونه صادقا، والإيمان بكونه صادقا لا ~~يحصل إلا إذا كان الذي أظهر المعجزة، على وفق دعواه صادقا؛ لأن المعجز ~~قائم مقام التصديق بالقول، فلما شاهد ظهور المعجز على وفق دعوى محمد صلى ~~الله عليه وسلم كان من ضرورة الإيمان بالله الإيمان بنبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم فكان الاقتصار على ذكر الإيمان بالله تنبيها على هذه ~~الدقيقة. # قوله: { ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم } فيه ~~وجهان: # أحدهما: لو آمن أهل الكتاب بهذا الذي حصلت به صفة الخيرية لأتباع ~~محمد صلى الله عليه وسلم، لحصلت هذه الخيرية - أيضا - لهم. # الثاني: أن أهل الكتاب إنما آثروا دينهم، حبا للرياسة، واستتباع ~~العوام، ولو آمنوا لحصلت لهم الرياسة في الدنيا مع الثواب العظيم في ~~الآخرة، فكان ذلك خيرا مما قنعوا به. # قوله: { لكان خيرا } اسم " كان " ضمير يعود على المصدر المدلول ~~عليه بفعله، والتقدير لكان الإيمان خيرا لهم كقولهم: " من كذب كان شرا ~~له " أي: كان الكذب شرا له، كقوله تعالى: # اعدلوا هو أقرب للتقوى # [المائدة: 8]. # وقول الشاعر: [الوافر] # 1573- إذا نهي السفية جرى إليه # وخالف، والسفية إلى خلاف # أي: جرى إليه السفه. # والمفضل عليه محذوف، أي: خيرا لهم من كفرهم، وبقائهم على جهلهم. # وقال ابن عطية: ولفظة " خير " صيغة تفضيل، ولا مشاركة بين كفرهم ~~وإيمانهم في الخير، وإنما جاز ذلك لما في لفظه " خير " من الشياع وتشعب ms2114 ~~الوجوه، وكذلك هي لفظة " أفضل " ، و " أحب " وما جرى مجراها. # قال أبو حيان: " وإبقاؤها على موضوعها الأصلي أولى - إذا أمكن ذلك - ~~وقد أمكن ذلك؛ إذ الخيرية مطلقة، فتحصل بأدنى مشاركة ". # قوله: { منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون } جملة ~~مستأنفة، سيقت للإخبار بذلك. # قال الزمخشري: " هما كلامان واردان على طريق الاستطراد، عند إجراء ~~ذكر أهل الكتاب، كما يقول القائل - إذا ذكر فلانا - من شأنه كيت وكيت ~~- ولذلك جاء من غير عاطف ". # الألف واللام في قوله: { المؤمنون } للعهد، لا للاستغراق، والمراد ~~عبد الله بن سلام ورهطه من " اليهود " ، والنجاشي ورهطه من " النصارى ~~". # فإن قيل: الوصف إنما يذكر للمبالغة، فأي مبالغة تحصل في وصف الكافر ~~بأنه فاسق؟ # فالجواب: أن الكافر قد يكون عدلا في دينه، وفاسقا في دينه، فالفاسق ~~في دينه يكون مردودا عند جميع الطوائف؛ لأن المسلمين لا يقبلونه لكفره، ~~والكفار لا يقبلونه لفسقه عندهم، فكأنه قيل: أهل الكتاب فريقان: منهم ~~من آمن، والذين لم يؤمنوا فهم فاسقون في أديانهم، فليسوا ممن يقتدى ~~بهم ألبتة عند أحد من العقلاء. ### || [3.111-112] # لما رغب المسلمين في ترك الالتفات إلى أقوال الكفار وأفعالهم ~~بقوله: # كنتم خير أمة # [آل عمران: 110]، رغبهم - أيضا - من وجه آخر، وهو أنه لا قدرة ~~لهم على إضرار المسلمين، إلا بالقليل من القول الذي لا عبرة به، ولو أنهم ~~قاتلوا المسلمين لانهزمت الكفار، فلذلك لا يلتفت إلى أقوالهم وأفعالهم. # قال مقاتل: إن رؤوس اليهود عمدوا إلى من آمن منهم - عبد الله بن سلام ~~وأصحابه - فآذوهم، فنزلت هذه الآية. # قوله: { إلا أذى } فيه وجهان: # أحدهما: أنه متصل، وهو استثناء مفرغ من المصدر العام، كأنه قيل: لن ~~يضروكم ضررا ألبتة إلا ضرر أذى لا يبالى به - من كلمة سوء ونحوها - ~~إما بالطعن في محمد وعيسى - عليهما السلام - وإما بإظهار كلمة الكفر ~~- كقولهم: عيسى ابن الله، وعزير ابن الله، وإن الله ثالث ثلاثة، وإما ~~بتحريف نصوص التوراة والإنجيل، وإما بتخويف ضعفة المسلمين. # الثاني: أنه منقطع، أي: لن يضروكم بقتال وغلبة، لكن بكلمة أذى ~~ونحوها. # قال بعض العلماء: ms2115 وهذا بعيد، لأن الوجوه المذكورة توجب وقوع الغم في ~~قلوب المسلمين، والغم ضرر. فالتقدير: لا يضروكم إلا الضرر الذي هو الأذى، ~~فهو استثناء صحيح، والمعنى: لا يضروكم إلا ضررا يسيرا. # قوله: { وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار } هذا إخبار ~~بأنهم لو قاتلوا المسلمين لانهزموا، وخذلوا، { ثم لا ينصرون } ~~أي: إنهم بعد صيرورتهم منهزمين لا يحصل لهم شوكة، ولا قوة - ألبتة -، ~~ونظيره قوله تعالى: # ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ~~ليولن الأدبار # [الحشر: 12]، وقوله: # قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى ~~جهنم وبئس المهاد # [آل عمران: 12]، وقوله: # نحن جميع منتصر سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 44-45]، وكل ذلك وعد بالفتح، والنصر، والظفر، وهذه الآية ~~اشتملت على الإخبار عن غيوب كثيرة. # منها: أن المؤمنين آمنون من ضررهم. # ومنها: أنهم لو قاتلوا المؤمنين لانهزموا. # ومنها: أنه لا يحصل لهم شوكة بعد الانهزام. # وكل هذه الأخبار وقعت كما أخبر الله عنها، فإن اليهود لم يقاتلوا إلا ~~انهزموا، وما أقدموا على محاربة، وطلب رئاسة إلا خذلوا، وكل ذلك إخبار ~~عن الغيب، فيكون معجزا. # فإن قيل: هب أن اليهود كذلك، لكن النصارى ليسوا كذلك، وهذا يقدح في ~~صحة هذه الآيات. # فالجواب: أنها مخصوصة باليهود، لما روي في سبب النزول. # وقوله: { ثم لا ينصرون } كلام مستأنف. # فإن قيل: لم كان قوله: { ثم لا ينصرون } مستأنفا، ولم ~~يجزم، عطفا على جواب الشرط؟ # فالجواب: أنه لو جزم لتغير المعنى؛ لأن الله - تعالى - أخبرهم بعدم ~~نصرتهم - مطلقا - فلو عطفناه على جواب الشرط لزم تقييده بمقاتلتهم ~~لنا، بينما هم غير منصورين مطلقا - قاتلوا، أو لم يقاتلوا. # وزعم بعضهم أن المعطوف على جواب الشرط ب " ثم " لا يجوز جزمه ألبتة، ~~قال: لأن المعطوف على الجواب جواب، وجواب الشرط يقع بعده وعقيبه، و " ثم ~~" يقتضي التراخي، فكيف يتصور وقوعه عقيب الشرط؟ فلذلك لم يجزم مع " ثم ~~". # وهذا فاسد جدا؛ لقوله تعالى: # وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا ~~يكونوا أمثالكم # [محمد: 38]، ف " لا يكونوا " مجزوم نسقا على " يستبدل " الواقع جوابا ~~للشرط، والعاطف " ثم ". # و " الأدبار " مفعول ms2116 ثان ل " يولوكم "؛ لأنه تعدى بالتضعيف ~~إلى مفعول آخر. # فإن قيل: ما الذي عطف عليه قوله: { لا ينصرون }؟ # فالجواب: هو جملة الشرط والجزاء، كأنه قيل: أخبركم أنهم إن يقاتلوكم ~~ينهزموا، ثم أخبركم أنهم لا ينصرون. وإنما ذكر لفظ " ثم " ، لإفادة ~~معنى التراخي في المرتبة، لأن الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أعظم من ~~الإخبار بتوليتهم الأدبار. # قوله: { ضربت عليهم الذلة } يعني: أن الذلة جعلت ~~ملصقة بهم، كالشيء الذي يضرب على الشيء فيلصق به، ومنه قولهم: ما هذا ~~علي بضربة لازب ومنه تسمية الخراج ضريبة. والذلة: هي الذل، وفي المراد ~~بها أقوال. # فقيل: إنها الجزية؛ وذلك؛ لأن ضرب الجزية عليهم يوجب الذلة ~~والصغار. # وقيل: أن يحاربوا، ويقتلوا، وتقسم أموالهم، وتسبى ذراريهم، ~~وتملك أراضيهم - كقوله: # واقتلوهم حيث ثقفتموهم # [البقرة: 191]، ثم قال تعالى: { إلا بحبل من الله } ~~والمراد: إلا بعهد من الله، وعصمة، وذمام من الله ومن المؤمنين؛ لأن ~~عند ذلك تزول هذه الأحكام. # وقيل: إن المراد بها أنك لا ترى فيهم ملكا قاهرا ولا رئيسا معتبرا، ~~بل هم مستخفون في جميع البلاد، ذليلون، مهينون. # قوله: { أين ما ثقفوا } ، " أينما " اسم شرط، وهي ظرف مكان، و ~~" ما " مزيدة فيها، ف " ثقفوا " في محل جزم بها، وجواب الشرط إما ~~محذوف - أي: أينما ثقفوا غلبوا وذلوا، دل عليه قوله: { ضربت ~~عليهم الذلة } ، وإما نفس " ضربت " ، عند من يجيز تقديم ~~جواب الشرط عليه، ف { ضربت عليهم الذلة } لا محل له - على ~~الأول، ومحله جزم على الثاني. # قوله: { إلا بحبل } هذا الجار في محل نصب على الحال، وهو ~~استثناء مفرغ من الأحوال العامة. # قال الزمخشري: " وهو استثناء من أعم عامة الأحوال، والمعنى: ~~ضربت عليهم الذلة في عامة الأحوال، إلا في حال اعتصامهم بحبل الله، ~~وحبل الناس، فهو استثناء متصل ". # قال الزجاج والفراء: هو استثناء منقطع، فقدره الفراء: إلا أن يعتصموا ~~بحبل من الله، فحذف ما يتعلق به الجار. # كقول حميد بن ثور الهلالي: [الطويل] # 1574- رأتني بحبليها، فصدت مخافة # وفي الحبل روعاء الفؤاد، فروق # أراد: أقبلت بحبليها، فحذف الفعل؛ للدلالة ms2117 عليه. # ونظره ابن عطية بقوله تعالى: # وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا # [النساء: 92] قال: " لأن بادئ الرأي يعطي أن له أن يقتل خطأ، وأن الحبل ~~من الله ومن الناس يزيل ضرب الذلة، وليس الأمر كذلك، وإنما في الكلام ~~محذوف، يدركه فهم السامع الناظر في الأمر، وتقديره: - في أمتنا - فلا ~~نجاة من الموت إلا بحبل ". # قال أبو حيان: " وعلى ما قدره لا يكون استثناء منقطعا؛ لأنه مستثنى ~~من جملة مقدرة، وهي: فلا نجاة من الموت، وهو متصل على هذا التقدير، فلا ~~يكون استثناء المنقطع - كما قرره النحاة - على قسمين: منه ما يمكن أن ~~يتسلط عليه العامل، ومنه لا يمكن فيه ذلك - ومنه هذه الآية - على تقدير ~~الانقطاع - إذ التقدير: لكن اعتصامهم بحبل من الله وحبل من الناس ~~ينجيهم من القتل، والأسر، وسبي الذراري، واستئصال أموالهم؛ ويدل على ~~أنه منقطع الإخبار بذلك في قوله تعالى - في سورة البقرة -: # وضربت عليهم الذلة والمسكنة وبآءو بغضب ~~من الله # [البقرة: 61]، فلم يستثن هناك ". # قال محمد بن جرير الطبري: " قد ضربت الذلة على اليهود، سواء كانوا ~~على عهد من الله أو لم يكونوا، ولا يخرجون بهذا الاستثناء من الذلة إلى ~~العزة، فقوله: { إلا بحبل من الله } تقديره: لكن يعتصمون ~~بحبل من الله وحبل من الناس ". # قال ابن الخطيب: " وهذا ضعيف؛ لأن حمل لفظ " إلا " على " لكن " ~~خلاف الظاهر، وأيضا: إذا حملنا الكلام على أن المراد: لكن قد يعتصمون ~~بحبل من الله، وحبل من الناس، لم يتم هذا القدر إلا بإضمار الشيء الذي ~~يعتصمون بهذه الأشياء لأجل الحذر عنه، والإضمار خلاف الأصل، فلا يصار ~~إلى هذه الأشياء إلا عند الضرورة، فإذا كان لا ضرورة - هاهنا - إلى ذلك، ~~كان المصير إليه غير جائز، بل هاهنا وجه آخر، وهو أن تحمل الذلة ~~على كل هذه الأشياء - أعني: القتل، والأسر، وسبي الذراري، وأخذ المال، ~~وإلحاق الصغار، والمهانة، ويكون فائدة الاستثناء هو أنه لا يبقى مجموع ~~هذه الأحكام، وذلك لا ينافي بقاء بعض هذه الأحكام، وهو أخذ القليل من ms2118 ~~أموالهم - المسمى بالجزية - وبقاء المهانة والصغار فيهم ". # وقال بعضهم الباء - في قوله: " بحبل " - بمعنى: " مع " ، كقولك: اخرج ~~بنا نفعل كذا - أي: معنا، والتقدير: إلا مع حبل من الله. # فصل # تقدم الكلام في أن المراد بالحبل: العهد. # فإن قيل: إنه عطف على حبل الله حبلا من الناس، وذلك يقتضي المغايرة. # فالجواب: قال بعضهم: حبل الله هو الإسلام، وحبل الناس هو العهد والذمة، ~~وهذا بعيد؛ لأنه لو كان المراد ذلك، لكان ينبغي أن يقال: أو حبل من ~~الناس. # وقال آخرون: المراد بكلا الحبلين: العهد والذمة والأمان، وإنما ذكر - ~~تعالى - الحبلين؛ لأن الأمان المأخوذ من المؤمنين، هو الأمان المأخوذ ~~بإذن الله تعالى. # قال ابن الخطيب: وهذا عندي - أيضا - ضعيف، والذي عندي فيه أن الأمان ~~للذمي قسمان: # أحدهما: الذي نص الله عليه، وهو أخذ الجزية. # الثاني: الذي فوض إلى رأي الإمام، فيزيد فيه تارة، وينقص بحسب ~~الاجتهاد، فالأول: هو المسمى بحبل الله، والثاني: هو المسمى بحبل ~~المؤمنين. # قوله: { وبآءو بغضب من الله } تقدم أن معناه: مكثوا، ~~ولبثوا، وداموا في غضب الله، مأخوذ من البوء - وهو المكان ومنه: تبوأ ~~فلان منزل كذا - ومنه قوله تعالى: # والذين تبوءو الدار # [الحشر: 9]. # قوله: { وضربت عليهم المسكنة }. # قال الحسن، وأكثر المفسرين: المسكنة: الجزية؛ لأنه لم يستثنها، فدل ~~ذلك على بقائها عليهم، والباقي عليهم ليس إلا الجزية. # وقال آخرون: المسكنة: هي أن اليهودي يظهر من نفسه الفقر، وإن كان ~~موسرا. # وقال آخرون: هذا إخبار من الله بأنه جعل أموال اليهود رزقا للمسلمين، ~~فيصيروا مساكين. # قوله: { ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ~~ويقتلون الأنبيآء بغير حق } بين العلة في إلصاق هذه ~~الأمور المكروهة بهم، وتقدم الكلام على مثل ذلك في سورة البقرة. # فإن قيل: فما الحكمة في قوله: { ذلك بما عصوا } ، ولا يجوز أن ~~يكون هذا التكرير للتأكيد؛ لأن التأكيد يجب أن يكون بشيء أقوى من ~~المؤكد - والعصيان أقل حالا من الكفر - فلا يؤكد الكفر بالعصيان؟ # فالجواب من وجهين: # الأول: أن علة الذلة، والغضب، والمسكنة، هي: الكفر، وقتل الأنبياء، ~~وعلة الكفر ms2119 وقتل الأنبياء هي: المعصية؛ لأنهم لما توغلوا في المعاصي ~~والذنوب، وتزايدت ظلمات المعاصي - حالا فحالا، ضعف نور الإيمان حالا ~~فحالا - إلى أن بطل نور الإيمان، وحصلت ظلمة الكفر، وإليه أشار بقوله: # كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون # [المطففين: 14]، فقوله: { ذلك بما عصوا } إشارة إلى العلة. # ولهذا المعنى قال الإمام أحمد - وقد سئل عن تارك السنن، هل تقبل ~~شهادته؟ - قال: ذلك رجل سوء؛ لأنه إذا وقع في ترك السنن أدى ذلك إلى ~~ترك الفرائض، وإذ وقع في ترك الفرائض، وقع في استحقار الشريعة، ومن ~~ابتلي بذلك وقع في الكفر. # الثاني: أن يحمل قوله: { كانوا يكفرون بآيات الله } ~~على أسلافهم، وقوله: { ذلك بما عصوا } في الحاضرين في زمن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا يلزم التكرار، فكأنه - تعالى - بين ~~عقوبة من تقدم، ثم بين أن المتأخر - لما تبع من تقدم - صار لأجل ~~معصيته، وعداوته متسوجبا لمثل عقوبتهم، حتى يظهر للخلق ما أنزل الله ~~بالفريقين. ### || [3.113-115] # الظاهر في هذه أن الوقف على " سواء " تام؛ فإن الواو اسم " ليس " و ~~" سواء " خبر، والواو تعود على أهل الكتاب المتقدم ذكرهم. # والمعنى: أنهم منقسمون إلى مؤمن وكافر؛ لقوله: # منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون # [آل عمران: 110]، فانتفى استواؤهم. # و " سواء " - في الأصل - مصدر، ولذلك وحد، وقد تقدم تحقيقه أول ~~البقرة. # قال أبو عبيدة: الواو في " ليسوا " علامة جمع، وليست ضميرا، واسم " ~~ليس " - على هذا - " أمة " و " قائمة " صفتها، وكذا " يتلون " ، ~~وهذا على لغة " أكلوني البراغيث ". # كقول الآخر: [المتقارب] # 1575- يلومونني في اشتراء النخي # ل أهلي، فكلهم بعذل ألوم # قالوا: وهي لغة ضعيفة، ونازع السهيلي النحويين في كونها ضعيفة، ~~ونسبها بعضهم إلى شنوءة، وكثيرا ما جاء عليها الحديث، وفي القرآن ~~مثلها. وسيأتي تحقيقها في المائدة. # قال ابن عطية: وما قاله أبو أبو عبيدة خطأ مردود، ولم يبين وجه ~~الخطأ، وكأنه توهم أن اسم " ليس " هو { أمة قآئمة } فقط، وأنه لا ~~محذوف ثم؛ إذ ليس الغرض تفاوت الأمة القائمة التالية، فإذا قدر - ~~ثم - محذوف لم يكن قول أبي عبيدة ms2120 خطأ مردودا إلا أن بعضهم رد قوله ~~بأنها لغة ضعيفة وقد تقدم ما فيها. والتقدير الذي يصح به المعنى: أي: ليس ~~سواء من أهل الكتاب أمة قائمة، موصوفة بما ذكر، وأمة كافرة، فبهذا ~~التقدير يصح به المعنى الذي نحا إليه أبو عبيدة. # وقال الفراء: إن الوقف لا يتم على " سواء " فجعل الواو اسم " ليس ~~" ، و " سواء " خبرها - كما قال الجمهور - و " أمة " مرتفعة ب " ~~سواء " ارتفاع الفاعل، أي: ليس أهل الكتاب مستويا، من أهل الكتاب أمة ~~قائمة، موصوفة بما ذكر، وأمة كافرة، فبهذا التقدير يصح به المعنى الذي ~~نحا إليه أبو عبيدة. # وقال الفراء: إن الوقف لا يتم على " سواء " فجعل الواو اسم " ليس ~~" ، و " سواء " خبرها - كما قال الجمهور - و " أمة " مرتفعة ب " ~~سواء " ارتفاع الفاعل، أي: ليس أهل الكتاب مستويا، من أهل الكتاب أمة ~~قائمة، موصوفة بما ذكر، وأمة كافرة، فحذفت هذه الجملة المعادلة؛ ~~لدلالة القسم الأول عليها؛ فإن مذهب العرب إذا ذكر أحد الضدين، أغنى ~~عن ذكر الضد الآخر. # قال أبو ذؤيب: [الطويل] # 1576- دعاني إليها القلب إني لأمرها # سميع، فما أدري أرشد طلابها؟ # والتقدير: أم غي، فحذف الغي؛ لدلالة ضده عليه. # ومثله قول الآخر: [الطويل] # 1577- أراك، فما أدري أهم هممته # وذو الهم قدما خاشع متضائل # أي أهم هممته أم غيره؟ فحذف؛ للدلالة، وهو كثير. # قال الفراء: " لأن المساواة تقتضي شيئين " ، كقوله: # سوآء العاكف فيه والباد # [الحج: 25]، وقوله: # سوآء محياهم ومماتهم # [الجاثية: 21]. # وقد ضعف قول الفراء من حيث الحذف، ومن حيث وضع الظاهر موضع ~~المضمر؛ إذ الأصل: منهم أمة قائمة، فوضع أهل الكتاب موضع المضمر. # والوجه أن يكون { ليسوا سوآء } جملة تامة، وقوله: { من أهل ~~الكتاب أمة } جملة برأسها، وقوله: { يتلون } جملة أخرى، ~~مبينة لعدم استوائهم - كما جاءت الجملة من قوله: # تأمرون بالمعروف # [آل عمران: 110] مبينة للخيرية. # ويجوز أن يكون { يتلون } في محل رفع، صفة ل " أمة ". # ويجوز أن يكون حالا من " أمة "؛ لتخصصها بالنعت. # ويجوز أن يكون حالا من الضمير في " قائمة " ، وعلى كونها حالا من " ~~أمة ms2121 " يكون العامل فيها الاستقرار الذي تضمنه الجار. # ويجوز أن يكون حالا من الضمير المستكن في هذا الجار، لوقوعه خبرا ل ~~" أمة ". # فصل # قال جمهور العلماء: المراد بأهل الكتاب: من آمن بموسى وعيسى عليهما ~~السلام. اليهود: ما آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم إلا شرارنا، ولولا ~~ذلك ما تركوا دين آبائهم، لقد كفروا، وخسروا، فأنزل الله هذه الآية؛ ~~لبيان فضلهم. # وقيل: لما وصف أهل الكتاب - في الآيات المتقدمة - بالصفات ~~المذمومة، ذكر - في هذه الآية - أن كل أهل الكتاب ليسوا كذلك، بل فيهم ~~من يكون موصوفا بالصفات المحمودة المرضية. # قال الثوري: بلغني أنها نزلت في قوم كانوا يصلون بين المغرب والعشاء. # وعن عطاء، أنها نزلت في أربعين رجلا من أهل نجران، واثنين وثلاثين من ~~الحبشة، وثلاثة من الروم، كانوا على دين عيسى، وصدقوا بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم وكان من الأنصار فيهم عدة - قبل قدوم النبي صلى الله عليه ~~وسلم، منهم أسعد بن زرارة، والبراء بن معرور، ومحمد بن مسلمة، وأبو قيس ~~صرمة بن أنس، كانوا موحدين، يغتسلون من الجنابة، ويقومون بما عرفوا ~~من شرائع الحنيفية، حتى بعث الله لهم النبي صلى الله عليه وسلم فصدقوه، ~~ونصروه. # وقال آخرون: المراد بأهل الكتاب: كل من أوتي الكتاب من أهل الأديان - ~~والمسلمون من جملتهم - قال تعالى: # ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا # [فاطر: 32]، ويؤيد هذا ما روى ابن مسعود: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أخر صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة، ~~فقال: # " أما إنه ليس أحد من أهل الأديان يذكر الله - تعالى - ~~هذه الساعة غيركم " # وقرأ هذه الآية. # قال القفال: ولا يبعد أن يقال: أولئك الحاضرون كانوا نفرا من مؤمني أهل ~~الكتاب الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، فأقاموا صلاة العتمة في ~~الساعة التي ينام فيها غيرهم من أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا. # ولا يبعد - أيضا - أن يقال: المراد: كل من آمن بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم فسماهم الله بأهل الكتاب، كأنه قيل: أولئك الذين سموا أنفسهم ms2122 بأهل ~~الكتاب حالهم وصفتهم تلك الخصال الذميمة، والمسلمون الذين سماهم الله ~~بأهل الكتاب حالهم وصفتهم هكذا، فكيف يستويان؟ فيكون الغرض - من هذه ~~الآية - تقرير فضيلة أهل الإسلام، تأكيدا لما تقدم من قوله: # كنتم خير أمة أخرجت للناس # [آل عمران: 110] ونظيره قوله: # أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون # [السجدة: 18]، منهم { أمة قآئمة يتلون آيات الله } ~~قيل: قائمة في الصلاة يتلون آيات الله، فعبر بذلك عن تهجدهم. # وقال ابن عباس: مهتدية، قائمة على أمر الله - تعالى - لم يضيعوه، ولم ~~يتركوه. # قال الحسن: ثابتة على التمسك بالدين الحق، ملازمة له، غير مضطربة، ~~كقوله تعالى: # إلا ما دمت عليه قآئما # [آل عمران: 75]. # قال مجاهد: " قائمة " أي: مستقيمة، عادلة - من قولك: أقمت العود - ~~فقام بمعنى: استقام. # وقيل: الأمة: الطريقة، ومعنى الآية: { من أهل الكتاب ~~أمة } أي: ذو أمة، ومعناه: ذو طريقة مستقيمة، والمراد ب { آيات ~~الله }: القرآن، وقد يراد بها أصناف مخلوقاته الدالة على ذاته، ~~وصفاته، والمراد هاهنا: الأول. # قوله: { آنآء الليل } ظرف ل " يتلون " ، والآناء: الساعات، ~~واحده: أنى - بفتح الهمزة والنون، بزنة عصا -أو إنى بكسر الهمزة، وفتح ~~النون، بزنة معى، أو أني - بالفتح والسكون بزنة ظبي، أو إني - ~~بالكسر والسكون، بزنة نحي - أو إنو - بالكسر والسكون مع الواو، بزنة ~~جرو - فالهمزة في " آناء " منقلبة عن ياء، على الأقوال الأربعة - كرداء - ~~وعن واو على القول الأخير، نحو كساء. # قال القفال: كأن التأني مأخوذ منه، لأنه انتظار الساعات والأوقات، ~~وفي الحديث # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي أخر المجيء إلى الجمعة ~~-: آذيت وآنيت " # أي: دافعت الأوقات. وستأتي بقية هذه المادة في مواضعها. # ولا يجوز أن يكون " آناء الليل " ظرفا ل " قائمة ". # قال أبو القباء: " لأن " قائمة " قد وصفت، فلا يجوز أن تعمل ~~فيما بعد الصفة " ، وهذا على تقدير أن يكون " يتلون " وصفا ل " ~~قائمة " ، وفيه نظر؛ لأن المعنى ليس على جعل هذه الجملة صفة لما ~~قبلها، بل على الاستئناف للبيان المتقدم، وعلى تقدير جعلها صفة لما ~~قبلها، فهي صفة ل ms2123 " أمة " ، لا ل " قائمة "؛ لأن الصفة لا ~~توصف إلا أن يكون معنى الصفة الثانية لائقا بما قبلها، نحو: مررت برجل ~~ناطق فصيح، ففصيح صفة لناطق؛ لأن معناه لائق به، وبعضهم يجعله وصفا ~~لرجل. # وإنما المانع من تعلق هذا الظرف ب " قائمة " ما ذكرناه من ~~استئناف جملته. # قوله: { وهم يسجدون } يجوز أن يكون حالا من فاعل " يتلون " ~~أي: يتلون القرآن، وهم ساجدون، وهذا قد يكون في شريعتهم - مشروعية ~~التلاوة في السجود - بخلاف شرعنا، قال عليه السلام # " ألا إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا، أو ساجدا " # ، وبهذا يرجح قول من يقول إنهم غير أمة محمد صلى الله عليه وسلم. # ويجوز أن يكون حالا من الضمير في " قائمة " قاله أبو البقاء. # وفيه ضعف؛ للاستئناف المذكور. # وقيل: المراد بقوله: { وهم يسجدون }: أنهم يصلون، والصلاة تسمى ~~سجودا، وركوعا، وتسبيحا، قال تعالى: # واركعي مع الراكعين # [آل عمران: 43]، وقال: # فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون # [الروم: 17]، والمراد: الصلاة. # وقيل: { يسجدون } أي: يخضعون لله؛ لأن العرب تسمي الخضوع ~~سجودا، قال تعالى: # ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض # [النحل: 49]. # ويجوز أن تكون مستأنفة، والمعنى: أنهم يقومون تارة، ويسجدون تارة، ~~يبتغون الفضل والرحمة بأنواع ما يكون في الصلاة من الخضوع لله، ونظيره ~~قوله: # والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما # [الفرقان: 64]. # قوله: { يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر } إما استئناف، وإما ~~أحوال، وجيء بالجملة الأولى اسمية؛ دلالة على الاستقرار، وصدرت ~~بضمير، وثنى عليه جملة فعلية، ليتكرر الضمير، فيزداد بتكراره ~~توكيدا. # وجيء بالخبر مضارعا؛ دلالة على تجدد السجود في كل وقت، وكذلك جيء ~~بالجمل التي بعدها أفعالا مضارعة. # ويحتمل أن يكون { يؤمنون بالله واليوم الآخر } خبرا ~~ثانيا، لقوله: " هم " ، ولذلك ترك العاطف ولو ذكره لكان جائزا. # فصل # اعلم أن اليهود كانوا يقومون في الليل للتهجد، وقراءة التوراة، فلما ~~مدح المؤمنين بالتهجد وقراءة القرآن أردف ذلك بقوله: { يؤمنون ~~بالله واليوم الآخر } ، وقد تقدم أن الإيمان بالله يستلزم ~~الإيمان بجميع أنبيائه ورسله، والإيمان باليوم الآخر يستلزم الحذر ~~من المعاصي، وهؤلاء ms2124 اليهود كانوا ينكرون أنبياء الله، ولا يحترزون عن ~~معاصي الله، لم يحصل لهم الإيمان بالمبدأ أو المعاد. # قوله: { ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر }. # قال ابن عباس: يؤمنون بتوحيد الله، ونبوة صلى الله عليه وسلم، وينهون عن ~~الكفر. # وقيل: يأمرون بما ينبغي، وينهون عما لا ينبغي. # وقوله: { ويسارعون في الخيرات } فيه وجهان: # أحدهما: يتبادرون إليها خوف الفوت بالموت. # فإن قيل: أليس أن العجلة مذمومة لقوله صلى الله عليه وسلم: # " العجلة من الشيطان، والتأني من الرحمن " # فما الفرق بين السرعة والعجلة؟ # فالجواب: أن السرعة مخصوصة بأن يقدم ما ينبغي تقديمه، والعجلة مخصوصة ~~بأن يقدم ما لا ينبغي تقديمه فالمسارعة مخصوصة بفرط الرغبة فيما يتعلق ~~بالدين، لأن من رغب في الآخرة آثر الفوز على التراخي، قال تعالى: # وسارعوا إلى مغفرة من ربكم # [آل عمران: 133]، والعجلة - أيضا - ليست مذمومة على الاطلاق؛ لقوله ~~تعالى: # وعجلت إليك رب لترضى # [طه: 84]. # الوجه الثاني: يعملونها غير متثاقلين. # قوله: { وأولئك من الصالحين } أي: الموصوفون بهذه الصفات ~~من جملة الصالحين، الذين صلحت أحوالهم عند الله ورضيهم، وهذا غاية المدح ~~من وجهين: # الأول: أن الله مدح بهذه الصفة أكابر الأنبياء، فقال - بعد ذكر إسماعيل، ~~وإدريس، وذي الكفل وغيرهم: # وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين # [الأنبياء: 86]، وقال: # فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين # [التحريم: 4]. # الثاني: أن الصلاح ضد الفساد، فكل ما لا ينبغي أن يكون فهو فساد، ~~سواء كان ذلك في العقائد، أو في الأعمال - وإذا كان كذلك كان كل ما ينبغي ~~أن يكون صلاحا، فكان الصلاح دالا على أكمل الدرجات. # قوله: { من الصالحين } يجوز في " من " أن تكون للتبعيض - وهو ~~الظاهر -. # وجعلها ابن عطية لبيان الجنس، وفيه نظر؛ إذ لم يتقدم مبهم، فتبينه ~~هذه. # قوله: { وما يفعلوا من خير فلن يكفروه }. # قرأ الأخوان وحفص: " يفعلوا " و " يكفروه " - بالغيبة -. # والباقون بالخطاب. # الغيب مراعاة لقوله: { من أهل الكتاب أمة قآئمة } ، ~~فجرى على لفظ الغيبة، أخبرنا - تعالى - أن ما يفعلونه من خير يبقى لهم ~~غير مكفور؛ وقراءة الباقين بالتاء الرجوع إلى الخطاب لأمة ms2125 محمد صلى الله ~~عليه وسلم في قوله: { كنتم خير أمة }. # ويجوز أن يكون التفاتا من الغيبة في قوله: { أمة قآئمة } إلى ~~آخره؛ إلى خطابهم، وذلك أنه آنسهم بهذا الخطاب، ويؤيد ذلك أنه اقتصر على ~~ذكر الخير دون الشر؛ ليزيد في التأنيس. ويدل على ذلك قراءة الأخوين؛ ~~فإنها كالنص في أن المراد قوله: { أمة قآئمة }. # فصل # اعلم أن اليهود لما قالوا لعبد الله بن سلام وأصحابه: إنكم خسرتم بسبب ~~إيمانكم، قال الله تعالى: بل فازوا بالدرجات العظمى، فالمقصود ~~تعظيمهم؛ ليزول عن قلبهم أثر كلام أولئك الجهال، وهذا وإن كان لفظه - على ~~قراءة الغيبة - لمؤمني أهل الكتاب، فسائر الخلق يدخلون فيه نظرا إلى ~~العلة. # أما على قراءة المخاطبة فهذا ابتداء خطاب لجميع المؤمنين - ونظيره قوله: # وما تفعلوا من خير يعلمه الله # [البقرة: 197]، وقوله: # وما تنفقوا من خير يوف إليكم # [البقرة: 272]، وقوله: # وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله # [المزمل: 20]، ونقل عن أبي عمرو: أنه كان يقرأها بالقراءتين. # وسمي منع الجزاء كفرا لوجهين: # الأول: أنه - تعالى - سمى إيصال الجزاء شكرا، فقال: # فإن الله شاكر عليم # [البقرة: 158]، وسمى منعه كفرا. # الثاني: أن الكفر - في اللغة -: الستر. # فسمي منع الجزاء كفرا؛ لأنه بمنزلة الجحد والستر. # فإن قيل: " شكر " و " كفر " لا يتعديان إلا إلى واحد، يقال: شكر النعمة، ~~وكفرها - فكيف تعدى - هنا - لاثنين أولهما قام مقام الفاعل، والثاني: ~~الهاء في " يكفروه "؟. # فقيل: إنه ضمن معنى فعل يتعدى لاثنين - كحرم ومنع، فكأنه قيل: فلن ~~يحرموه، ولن يمنعوا جزاءه. # ثم قال: { والله عليم بالمتقين } واسم " الله " يدل على ~~عدم العجز، والبخل، والحاجة؛ لأنه إله جميع المحدثات، وقوله: " عليم " ~~يدل على عدم الجهل، وإذا انتفت هذه الصفات، امتنع المنع من الجزاء؛ ~~لأن منع الحق لا بد وأن يكون لأحد هذه الأمور. # وقوله: { بالمتقين } - مع أنه عالم بالكل - بشارة للمتقين بجزيل ~~الثواب. ### || [3.116] # لما وصف المؤمنين بالصفات الحسنة، أتبعه بوعيد الكفار، ليجمع ~~بين الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب. # قال ابن عباس: يريد قريظة والنضير؛ لأن معاندتهم كانت لأجل المال، ms2126 ~~لقوله تعالى: في سورة البقرة # تشتروا بآياتي ثمنا قليلا # [البقرة: 41]. # وقيل: نزلت في مشركي قريش؛ فإن أبا جهل كان كثير الافتخار بماله. # وقيل: نزلت في أبي سفيان؛ فإنه أنفق مالا كثيرا على المشركين يوم بدر ~~وأحد. # وقيل: إنها عامة في جميع الكفار؛ لأنهم كانوا يتعززون بكثرة الأموال، ~~ويعيرون الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه بالفقر، ويقولون: لو كان ~~محمد على الحق، لما تركه ربه في الفقر والشدة. # فالأولون قالوا: إن الآية مخصوصة، وهؤلاء قالوا: إن اللفظ عام، ولا ~~دليل يوجب التخصيص، وخص الأولاد، لأنهم أقرب أنسابا إليهم. # واحتج أهل السنة بقوله: { وأولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون } على أن فساق أهل الصلاة لا يبقون في النار ~~أبدا؛ لأن هذه الكلمة تفيد الحصر، فيقال: أولئك أصحاب زيد، لا غيرهم، ~~ولما أفادت معنى: " الحصر " ثبت أن الخلود في النار ليس إلا ل " ~~الكفار ". ### || [3.117] # لما بين أن أموالهم لا تغني عنهم شيئا، فربما أنفقوها في وجوه ~~الخير، فيخطر ببالهم أنهم يبتغون بذلك وجه الله، فأزال الله تعالى - بهذه ~~الآية - ذلك الخاطر، وبين أنهم لا ينتفعون بشيء من تلك النفقات. # والمثل: الشبه الذي يصير كالعلم؛ لكثرة استعماله فيما يشبه به. و " ما " ~~يجوز أن تكون موصولة اسمية وما بعدها محذوف لاستكمال الشروط أي " ينفقونه ~~". وحاصل الكلام أن كفرهم يبطل ثواب نفقتهم، كما أن الريح الباردة تهلك ~~الزرع. # قوله: { كمثل ريح } خبر المبتدأ، وعلى هذا الظاهر - أعني: تشبيه ~~الشيء المنفق بالريح - استشكل التشبيه؛ لأن المعنى على تشبيهه بالحرث - ~~أي: الزرع - لا بالريح، وقد أجيب عن ذلك بوجوه: # أحدها: أنه من باب التشبيه المركب، بمعنى أنه تقابل الهيئة المجتمعة ~~بالهيئة المجتمعة، وليس تقابل الأفراد بالأفراد كما مر في أول سورة ~~البقرة عند قوله تعالى: { مثلهم كمثل } وهذا اختيار الزمخشري. # ثانيها: أنه من باب التشبيه بين شيئين بشيئين، فذكر أحد المشبهين، ~~وترك ذكر الآخر وذكر أحد المشبهين به، فقد حذف من كل اثنين ما يدل عليه ~~نظيره، كما مر في قوله تعالى: # ومثل الذين كفروا كمثل ms2127 الذي ينعق # [البقرة: 171]، وهو اختيار ابن عطية، قال: " وهذا غاية البلاغة والإعجاز ~~". # وثالثها: أنه على حذف مضاف، إما من الأول، تقديره: مثل مهلك ما ~~ينفقونه، وإما من الثاني، تقديره: كمثل مهلك ريح، وهذا الثاني أظهر؛ لأنه ~~يؤدي - في الأول - إلى تشبيه الشيء المنفق - المهلك - بالريح، ~~وليس المعنى عليه، ففيه عود لما فر منه. # وذكر أبو حيان التقدير المشار إليه، ولم ينبه عليه اللهم إلا أن يريد ب ~~" مهلك " اسم مصدر، أي: مثل إهلاك ما ينفقون، ولكن يحتاج إلى تقدير مثل ~~هذا المضاف - أيضا - قبل " ريح " تقديره: مثل إهلاك ما ينفقون كمثل ~~إهلاك ريح. # وقيل: التقدير: مثل الكفر - في إهلاك ما ينفقون - كمثل الريح المهلكة ~~للحرث. # وقال ابن الخطيب: " لعل الإشارة في قوله: { مثل ما ينفقون } ~~إلى ما أنفقوا في إنذار رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمع العساكر ~~عليه، فكان هذا الإنفاق مهلكا لجميع ما أتوا به من أعمال البر والخير، ~~حينئذ يستقيم التشبيه من غير حاجة إلى إضمار، وتقديم وتأخير، والتقدير: ~~مثل ما ينفقون في كونه مبطلا لما أتوا به - قبل ذلك - من أعمال البر ~~كمثل ريح فيها صر في كونها مبطلة للحرث ". # وهذا فيه نظر؛ لأن الكفار لا يثبت لهم عمل بر، حتى تحبطه النفقة ~~المذكورة، قال تعالى: # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # [الفرقان: 23]. # وقد يمكن أن يجاب عنه بأنه إن كان المراد بالذين كفروا: أهل الكتاب، فقد ~~كانت لهم أعمال بر قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم. # وإن كان المراد: المشركين، فلا يحكم عليهم إلا بعد البعثة، قال ~~تعالى: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15]. # ويجوز في " ما " أن تكون موصولة اسمية، وعائدها محذوف - أي: مثل ما ~~ينفقونه - وأن تكون ما مصدرية، وحينئذ يكون قد شبه إنفاقهم - في عدم نفعه ~~- بالريح الموصوفة بهذه الصفة، وهو من باب تشبيه المعقول بالمحسوس. # فصل # اختلفوا في هذا الإنفاق - هاهنا - فقيل: هو جميع أعمالهم التي يرجون ~~الانتفاع بها في الآخرة، قال تعالى: # لن تنالوا ms2128 البر حتى تنفقوا مما تحبون # [آل عمران: 92] والمراد به: جميع أعمال الخير. # وقيل: المراد به: إنفاق الأموال، للآية المتقدمة. # فصل # اختلفوا هل المراد - بهذه الآية - جميع الكفار، أو بعضهم؟. # فقيل: جميع الكفار؛ وذلك لأن إنفاقهم إن كان لمنافع الدنيا، لم يبق له ~~أثر في الآخرة في حق المسلم فضلا عن الكافر، وإن كان لمنافع الآخرة - ~~كبناء الرباطات، والقناطر، والإحسان إلى الضعفاء والأيتام والأرامل، ~~ووجوه البر - يرجو بذلك الإنفاق خيرا، لم ينتفع به في الآخرة؛ لأن كفره ~~يبطله، فكان كمن زرع زرعا، وتوقع منه نفعا كثيرا، فأصابته الريح، ~~فأحرقته، فلا يبقى معه غير الأسف والحزن، قال تعالى: # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # [الفرقان: 23]. # وقيل: المراد: بعض الكفار. # فقيل: أراد نفقات أبي سفيان، وأصحابه يوم بدر وأحد - على عداوة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم. # وقال مقاتل: أراد نفقات اليهود على علمائهم؛ لأجل التحريف. # وقيل: إن المنافقين كانوا ينفقون أموالهم في سبيل الله، لكن على سبيل ~~التقية، والخوف من المسلمين، مداراة لهم. # قوله: { فيها صر } في محل جر، نعتا ل " ريح " ، ويجوز أن يكون { ~~فيها صر }: جملة من مبتدأ وخبر، ويجوز أن يكون " فيها " - وحده - هو ~~الصفة، و " صر " فاعل له - وجاز ذلك؛ لاعتماد الجار على الموصوف - ~~وهذا أحسن؛ لأن الأصل في الأوصاف: الإفراد، وهذا قريب منه. # والصر: قال ابن عباس، وقتادة، والسدي، وابن زيد، ~~وأكثر أهل اللغة: إنه البرد الشديد، المحرق. # قال الشاعر: [البسيط] # 1578- لا تعدلين أتاويين تضربهم # نكباء صر بأصحاب المحلات # وقيل: الصر بمعنى: الصرصر - وهو البرد -. # قالت ليلى الأخيلية: [الطويل] # 1579- ولم يغلب الخصم الألد ويملأ ال # جفان سريعا يوم نكباء صرصر # مأخوذ من الشد والتعقيد، ومنه الصرة - للعقدة - وأصر على كذا: ~~لزمه. # وقال أبو بكر الأصم، وابن الأنباري: هي السموم ~~الحارة. # وقال الزجاج: الصرصر: صوت لهيب النار - في الريح - من صر الشيء، ~~يصر، صريرا - أي: صوت بهذا الحس المعروف، ومنه صرير الباب، ~~والصرة: الصيحة، قال تعالى: # فأقبلت امرأته في صرة # [الذاريات: 29]. # وروى ابن الأنباري - بإسناده - عن ms2129 ابن عباس، في قوله: { ~~فيها صر } قال: فيها نار. وعلى القولين، فالمقصود من التشبيه حاصل؛ ~~لأنه - سواء كان بردا مهلكا، أو حرا محرقا - يبطل الحرث ~~والزرع، وإذا عرف هذا، فإن قلنا: الصر: البرد الشديد، أو هو صوت ~~النار، أو هو صوت الريح، فظرفية الريح له واضحة، وإن كان الصر ~~صفة الريح - كالصرصر - فالمعنى: فيها قرة صر - كما تقول: برد بارد - ~~وحذف الموصوف، وقامت الصفة مقامه، أو تكون الظرفية مجازا جعل الموصوف ~~ظرفا للصفة. # كقوله: [الوافر] # 1580-................... # وفي الرحمن للضعفاء كافي # ومنه قوله: إن ضيعني فلان، ففي الله كاف، المعنى: الرحمن كاف، الله ~~كاف، وهذا فيه بعد. # قوله: " أصابت " هذه الجملة في محل جر - أيضا - صفة ل " ريح ". # ولا يجوز أن يكون صفة ل " صر "؛ لأنه مذكر، وبدأ أولا بالوصف ~~بالجار؛ لأنه قريب من المفرد، ثم بالجملة، هذا إن أعربنا " فيها " - ~~وحده - صفة، ورفعنا به " صر " ، أما إذا أعربناه خبرا مقدما، أو " ~~صر " مبتدأ، فهما جملة - أيضا -. # قوله: { ظلموا } صفة ل " قوم " ، والضمير في { ظلمهم } يعود ~~على القوم ذوي الحرث، أي: ما ظلمهم الله بإهلاك حرثهم، ولكنهم ظلموا ~~أنفسهم بارتكابهم المعاصي التي كانت سببا في إهلاكهم؛ أو لأنهم زرعوا في ~~غير موضع الزرع، أو في غير وقته؛ لأن الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، ~~وبهذا يتأكد وجه الشبه؛ لأن الزرع - لا في موضعه، ولا في وقته - يضيع، ~~ثم أصابته الريح الباردة، فكان أولى بالضياع، وكذا - هاهنا - الكفار لما ~~أتوا بالإنفاق لا في موضعه ولا في وقته ثم أصابه شؤم كفرهم، فصار ~~ضائعا، والله أعلم. # وجوز الزمخشري وغيره: أن يعود الضمير على المنفقين، وإليه ~~نحا ابن عطية، ورجحه بأن أصحاب الحرث لم يذكروا للرد عليهم، ~~ولا لتبيين ظلمهم، بل لمجرد التشبيه. # وقوله: { ولكن أنفسهم يظلمون } العامة على تخفيف " ~~لكن " ، وهي استدراكية، و " أنفسهم " مفعول مقدم، قدم ~~للاختصاص، أي: لم يقع وبال ظلمهم إلا بأنفسهم خاصة، لا يتخطاهم، ~~ولأجل الفواصل - أيضا -. # وقرأها بعضهم مشددة، ووجهها أن تكون " أنفسهم " اسمها، و " ~~يظلمون " الخبر، والعائد من ms2130 الجملة الخبرية على الاسم محذوف، ~~تقديره: ولكن أنفسهم يظلمونها، فحذف، وحسن حذفه كون الفعل فاصلة، ~~فلو ذكر مفعوله، لفات هذا الغرض. # وقد خرجه بعضهم على أن يكون اسمها ضمير الأمر والقصة - حذف للعلم به، ~~و " أنفسهم " مفعول مقدم ل " يظلمون " كما تقدم والجملة خبر ~~لها. # وقد رد هذا بأن حذف اسم هذه الحروف لا يجوز إلا ضرورة. # كقوله: [الخفيف] # 1581- إن من يدخل الكنيسة يوما # يلق فيها جآذرا وظباء # على أن بعضهم لا يقصره على الضرورة، مستشهدا بقوله - عليه السلام-: # " إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون ~~". # قال: تقديره: إنه، ويعزى هذا للكسائي. # وقد رده بعضهم، وخرج الحديث على زيادة " من " والتقدير: إن أشد ~~الناس. # والبصريون لا يجيزون زيادة " من " في مثل هذا التركيب لما تقدم وإنما ~~يجيزها الأخفش. ### || [3.118-119] # لما شرح أحوال المؤمنين والكافرين، شرع في تحذير المؤمنين عن مخالطة ~~الكافرين، وأكد الزجر عن الركون إلى الكفار، وهو متصل بما سبق من ~~قوله: # إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب # [آل عمران: 100]. # قوله: { من دونكم } يجوز أن يكون صفة ل " بطانة " ، فيتعلق ~~بمحذوف، أي: كائنة من غيركم. # وقدره الزمخشري: من غير أبناء جنسكم وهم المسلمون. # ويجوز أن يتعلق بفعل النهي، وجوز بعضهم أن تكون " من " زائدة، ~~والمعنى: دونكم في العمل والإيمان. # وبطانة الرجل: خاصته الذين يباطنهم في الأمور، ولا يظهر غيرهم ~~عليها، مشتقة من البطن، والباطن دون الظاهر، وهذا كما استعاروا الشعار ~~والدثار في ذلك، قال صلى الله عليه وسلم: # " الناس دثار، والأنصار شعار ". # والشعار: ما يلي الجسد من الثياب. ويقال: بطن فلان بفلان، ~~بطونا، وبطانة. # قال الشاعر: [الطويل]. # 1582- أولئك خلصاني، نعم وبطانتي # وهم عيبتي من دون كل قريب # فالبطانة مصدر يسمى به الواحد والجمع، وأصله من البطن، ومنه: بطانة ~~الثوب غير ظهارته. # فإن قيل: قوله: { لا تتخذوا بطانة } نكرة في سياق النفي، ~~فيقتضي العموم في النهي عن مصاحبة الكفار، وقد قال تعالى: # لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في ~~الدين ولم يخرجوكم من دياركم # [الممتحنة: 8] فكيف الجمع ms2131 فيهما. # فالجواب: أن الخاص مقدم على العام. # قوله: { لا يألونكم } لما منع المؤمنين من أن يتخذوا بطانة من ~~الكافرين ذكر علة النهي، وهي أمور: # أحدها: قوله: { لا يألونكم خبالا } يقال: ألا في الأمر، ~~يألو فيه، أي: قصر - نحو غزا يغزو - فأصله أن يتعدى بحرف الجر كما ~~ترى. واختلف في نصب " خبالا " على وجوه: # أحدها: أنه مفعول ثان، وإنما تعدى لاثنين؛ للتضمين. # قال الزمخشري: يقال: ألا في الأمر، يألو فيه - أي: قصر - ثم استعمل ~~معدى إلى مفعولين في قولهم: لا آلوك نصحا، ولا آلوك جهدا، على ~~التضمين، والمعنى: لا أمنعك نصحا ولا أنقصكه. # الثاني: أنه منصوب على إسقاط الخافض، والأصل: لا يألونكم في خبال، أو في ~~تخبيلكم، أو بالخبال، كما يقال: أوجعته ضربا، وهذا غير منقاس، بخلاف ~~التضمين؛ فإنه ينقاس، وإن كان فيه خلاف واه. # الثالث: أن ينتصب على التمييز، وهو - حينئذ - تمييز منقول من المفعولية، ~~والأصل: لا يألون خبالكم، أي: في خبالكم، ثم جعل الضمير - المضاف إليه - ~~مفعولا بعد إسقاط الخافض فنصب الخبال - الذي كان مضافا - تمييزا، ~~ومثله قوله: # وفجرنا الأرض عيونا # [القمر: 12] على أن " عيونا " بدل بعض من كل، وفيه حذف العائد، أي: ~~عيونا منها، وعلى هذا التخريج، يجوز أن يكون " خبالا " يدل اشتمال من ~~" كم " والضمير أيضا محذوف أي: " خبالا منكم " وهذا وجه رابع. # الخامس: أنه مصدر في موضع الحال، أي: متخبلين. # السادس: قال ابن عطية: معناه: لا يقصرون لكم فيما فيه الفساد ~~عليكم. # فعلى هذا - الذي قدره - يكون المضمر، و " خبالا " منصوبين على إسقاط ~~الخافض، وهو اللام، وهذه الجملة فيها ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها جملة استئنافية، لا محل لها من الإعراب، وإنما جيء بها، ~~وبالجمل التي بعدها، لبيان حال الطائفة الكافرة، حتى ينفروا منها، فلا ~~يتخذوها بطانة، وهو وجه حسن. # الثاني: أنها جملة في موضع نصب؛ حال من الضمير المستكن في " دونكم " ~~على أن الجار صفة لبطانة. # الثالث: أنها في محل نصب؛ نعتا ل " بطانة " - أيضا -. # والألو - بزنة الغزو - التقصير - كما تقدم -. # قال زهير: [الطويل] # 1583- سعى بعدهم ms2132 قومي لكي يدركوهم # فلم يفعلوا، ولم يليموا، ولم يألوا # وقال امرؤ القيس: [الطويل] # 1584- وما المرء ما دامت حشاشة نفسه # بمدرك أطراف الخطوب ولا آلي # يقال: آلى، يولي - بزنة أكرم، فأبدلت الهمزة الثانية ألفا. # وأنشدوا: [الوافر] # 1585-................... # فما آلى بني ولا أساءوا # ويقال: ائتلى، يأتلي - بزنة اكتسب يكتسب -. # قال امرؤ القيس: [الطويل] # 1586- ألا رب خصم فيك ألوى رددته # نصيح على تعذاله غير مؤتلي # فيتحد لفظ آلى بمعنى قصر، وآلى بمعنى حلف - وإن كان الفرق بينهما ~~ثابتا من حيث المادة؛ لأن لامه من معنى الحلف ياء، ومن معنى التقصير ~~واو. # قال الراغب: وألوت فلانا، أي: أوليته تقصيرا - نحو كسبته، أي: ~~أوليته كسبا - وما ألوته جهدا، أي: ما أوليته تقصيرا بحسب الجهد، ~~فقولك: جهدا، تمييز. # وقوله: { لا يألونكم خبالا } [آل عمران: 118] أي: لا ~~يقصرون في طلب الخبال، ولا يدعون جهدهم في مضرتكم، قال تعالى: # ولا يأتل أولوا الفضل منكم # [النور: 22]. # قيل: هو " يفتعل " من ألوت. # وقيل: هو من آليت، أي: حلفت. # والخبال: الفساد، وأصله ما يلحق الحيوان من مرض، وفتور، فيورثه فسادا ~~واضطرابا، يقال منه: خبله وخبله - بالتخفيف والتشديد، فهو خابل، ~~ومخبل، ومخبول، والمخبل: الناقص العقل، قال تعالى: # لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا # [التوبة: 47]، ويقال: خبل، وخبل، وخبال وفي الحديث: # " من شرب الخمر ثلاثا كان حقا على الله أن يسقيه ~~من طينة الخبال ". # وقال زهير بن أبي سلمى: [الطويل] # 1587- هنالك إن يستخبلوا المال يخبلوا # وإن يسألوا يعطوا، وإن ييسروا يغلوا # والمعنى في هذا البيت: أنهم إذا طلب منهم إفساد شيء من إبلهم أفسدوه، ~~وهذا كناية عن كرمهم. # فصل # قال ابن عباس: كان رجال من المسلمين يواصلون ~~اليهود؛ لما بينهم من القرابة، والصداقة، والحلف، والجوار، ~~والرضاع، فأنزل الله تعالى هذه الآية ينهاهم فيها عن مباطنتهم. # قال مجاهد: نزلت في قوم من المؤمنين، كانوا يواصلون المنافقين، فنهاهم ~~الله عن ذلك، ويؤيد هذا القول ما ذكره بعد في قوله: { وإذا ~~لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم ~~الأنامل من الغيظ } [آل عمران: 119] وهذه صفة المنافقين. ms2133 # وقيل: أراد جميع الكفار. # والعنت: شدة الضرر والمشقة، قال تعالى: # ولو شآء الله لأعنتكم # [البقرة: 220]، وقد تقدم اشتقاقه. # قوله: { ودوا ما عنتم } هذه العلة الثانية، وفي هذه الجملة ~~ثلاثة أوجه: # أحدها: وهو الأظهر - أن تكون مستأنفة، لا محل لها من الإعراب - كما هو ~~الظاهر في التي قبلها. # والثاني: أنها نعت ل " بطانة " فمحلها نصب. # قال الواحدي: " ولا يصح هذا؛ لأن البطانة قد وصفت بقوله: { لا ~~يألونكم خبالا } ، ولو كان هذا صفة - أيضا -، لوجب إدخال حرف ~~العطف بينهما ". # والثالث: أنها حال من الضمير في " يألونكم " ، و " ما " مصدرية، و " ~~عنتم " صلتها، وهي وصلتها مفعول الودادة، أي: عنتكم، أي: مقتكم. # وقال الراغب: " المعاندة، والمعانتة، يتقاربان، لكن المعاندة هي ~~الممانعة، والمعانتة: أن يتحرى مع الممانعة المشقة ". # والفرق بين قوله: { لا يألونكم خبالا } ، وقوله: { ودوا ~~ما عنتم } ، في المعنى من وجوه: # الأول: لا يقصرون في إفساد دينكم، فإن عجزوا عنه، ودوا إلقاءكم في أشد ~~أنواع الضرر. # الثاني: لا يقصرون عن إفساد أموركم، فإن لم يفعلوا ذلك؛ لمانع، فحبه ~~في قلوبهم. # الثالث: لا يقصرون في إفساد أموركم في الدنيا، فإن عجزوا عنه لمانع لم ~~يزل عن قلوبهم حب إعناتكم. # قال القرطبي: " وقد انقلبت هذه الأحوال في هذه الأزمان باتخاذ أهل ~~الكتاب كتبة وأمناء، وتسودوا بذلك عند الجهلة الأغبياء من ~~الولاة والأمراء ". # وروى البخاري عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما بعث الله من نبي، ولا استخلف من خليفة ~~إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف، ~~وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر، وتحضه ~~عليه، فالمعصوم من عصم الله تعالى ". # وروى أنس بن مالك قال: قال صلى الله عليه وسلم: # " لا تستضيئوا بنار المشركين، ولا تنقشوا في ~~خواتيمكم غريبا ". # وفسره الحسن بن أبي الحسن، فقال: أراد صلى الله عليه وسلم لا ~~تستشيروا المشركين في شيء من أموركم، ولا تنقشوا في خواتيمكم محمدا. # قال الحسن: وتصديق ذلك في كتاب الله - عز وجل -: { يأيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم } الآية. # العلة الثالثة: قوله: ms2134 { قد بدت البغضآء } هذه الجملة كالتي ~~قبلها، وقرأ عبد الله " بدا " - من غير تاء - لأن الفاعل مؤنث ~~مجازي؛ ولأنها في معنى البغض، والبغضاء: مصدر - كالسراء والضراء - يقال ~~منه: بغض الرجل، فهو بغيض، كظرف فهو ظريف. # قوله: { من أفواههم } متعلق ب " بدت " و " من " لابتداء ~~الغاية، وجوز ابو البقاء أن يكون حالا، أي: خارجة من أفواههم، ~~والأفواه: جمع فم، وأصله فوه، فلامه هاء، يدل على ذلك جمعه على أفواه، ~~وتصغيره على " فويه " ، والنسب إليه على فوهي، وهل وزنه فعل - بسكون ~~العين - أو " فعل " - بفتح العين -؟ خلاف للنحويين، ثم حذفوا لامه ~~تخفيفا، فبقي آخره حرف علة، فأبدلوه ميما؛ لقربه منها؛ لأنهما من ~~الشفة، وفي الميم هوي في الفم يضارع المد الذي في الواو. # وهذا كله إذا أفردوه عن الإضافة، فإن أضافوه لم يبدلوا حرف العلة. # كقوله: [البسيط] # 1588- فوه كشق العصا لأيا تبينه # أسك ما يسمع الأصوات مصلوم # عكس الأمر في الطرفين، فأتى بالميم في حال الإضافة، وبحرف العلة في ~~القطع عنها. فمن الأول قوله: [الرجز] # 1589- يصبح ظمآن وفي البحر فمه # وخصه الفارسي وجماعة بالضرورة، وغيرهم جوزه سعة، وجعل منه قوله: " ~~لخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك ". # ومن الثاني قوله: [الرجز] # 1590- خالط من سلمى خياشيم وفا # أي: وفاها، وإنما جاز ذلك؛ لأن الإضافة كالمنطوق بها. # وقالت العرب: رجل مفوه - إذا كان يجيد القول - وأفوه: إذا كان ~~واسع الفم. # قال لبيد: [الوافر] # 1591-........................ # وما فاهوا به أبدا مقيم # وفي الفم تسع لغات، وله أربع مواد: ف م ه. ف م و. ف م ي. ف م م؛ بدليل ~~أفواه، وفموين، وفميين، وأفمام. # فصل # { قد بدت البغضآء } أي: ظهرت علامة العداوة من أفواههم. # فإن حملناه على المنافقين، فمعناه أن يجري في كلامه ما يدل على نفاقه، ~~وعدم الود والنصيحة، كقوله: # ولتعرفنهم في لحن القول # [محمد: 30]، أو بدت البغضاء لأوليائهم من المنافقين، والكفار، لإطلاع ~~بعضهم بعضا على ذلك. # وإن حملناه على اليهود فمعناه: أنهم يظهرون تكذيب النبي صلى الله عليه ~~وسلم والكتاب، وينسبونه إلى ms2135 الجهل. وإن حملناه على الكفار، فمعنى ~~البغضاء الشتيمة و الوقيعة في المسلمين. # فصل # قال القرطبي: " وفي هذه الآية دليل على أن شهادة العدو على ~~عدوه لا تجوز، وبذلك قال أهل المدينة وأهل الحجاز، وروي عن أبي ~~حنيفة جواز ذلك. # وحكى ابن بطال عن ابن شعبان أنه قال: أجمع العلماء على أنه لا تجوز ~~شهادة العدو على عدوه في شيء، وإن كان عدلا - والعداوة تزيل العدالة، ~~فكيف بعداوة الكافر ". # قوله: { وما تخفي صدورهم أكبر } يجوز أن تكون " ما " ~~بمعنى: الذي، والعائد محذوف - أي: تخفيه فحذف - وأن تكون مصدرية - أي: ~~وإخفاء صدورهم - وعلى كلا التقديرين، ف " ما " مبتدأ و " أكبر " خبره، ~~والمفضل عليه محذوف، أي: أكبر من الذي أبدوه بأفواههم. # قوله: { إن كنتم تعقلون } شرط، حذف جوابه، لدلالة ما تقدم ~~عليه، أو هو ما تقدم - عند من يرى جوازه -. # والمعنى: إن كنتم من أهل العقل، والفهم، والدراية. # وقيل: إن كنتم تعقلون الفصل بين ما يستحقه الولي والعدو، والمقصود ~~منه: استعمال العقل في تأمل هذه الآيات، وتدبر هذه البينات. # قوله تعالى: { هآأنتم أولاء تحبونهم } قد تقدم نظيره. # قال الزمخشري: " ها " للتنبيه، و " أنتم " مبتدأ و " أولاء ~~" خبره، و " تحبونهم " في موضع نصب على الحال من اسم الإشارة. # ويجوز أن يكون " أولاء " بمعنى: الذي، و " تحبونهم " صلة له، ~~والموصول مع الصلة خبر. # قال الفراء: " أولاء " خبر، و " يحبونهم " خبر بعد خبر. # ويجوز أن يكون " أولاء " في موضع نصب بفعل محذوف، فتكون المسالة من باب ~~الاشتغال، نحو: أنا زيدا ضربته. # قوله: { ولا يحبونكم } يحتمل أن يكون استئناف إخبار، وأن يكون ~~جملة حالية. # فصل # قال المفضل: " تحبونهم " تريدون لهم الإسلام، وهو خير الأشياء، و { ~~ولا يحبونكم } ، فإنهم يريدون بقاءكم على الكفر، وهو يوجب ~~الهلاك. # وقيل: { يحبونهم } بسبب ما بينكم وبينهم من القرابة، والرضاع، و ~~المصاهرة، { ولا يحبونكم } لأجل الإسلام. # وقيل: { تحبونهم } بسبب إظهارهم لكم الإسلام { ولا ~~يحبونكم } بسبب أن الكفر مستغرق في قلوبهم. # وقال أبو العالية، ومقاتل: المحبة - هاهنا - بمعنى: المصافاة، ~~أي: أنتم - أيها المؤمنون - تصافونهم، ms2136 ولا يصافونكم؛ لنفاقهم. # وقال الأصم: { تحبونهم } بمعنى: أنكم لا تريدون إلقاءهم في ~~الآفات، والمحن، { ولا يحبونكم } بمعنى: أنهم يريدون إلقاءكم في ~~الآفات والمحن، ويتربصون بكم الدوائر. # وقيل: { تحبونهم } بسبب أنهم يظهرون لكم محبة الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وهم يبغضون الرسول، ومحب المبغوض مبغوض. # وقيل: { تحبونهم } أي: تخالطونهم، وتفشون إليهم أسراركم في ~~أمور دينكم { ولا يحبونكم } أي: لا يفعلون ذلك بكم. # قوله: { وتؤمنون بالكتاب كله } يجوز أن تكون الألف ~~واللام - في الكتاب - للجنس، والمعنى: بالكتب كلها، فاكتفى بالواحد. # وقيل: أفرد الكتاب؛ لأنه مصدر، فيجوز أن يسمى به الجمع. # وقيل: إن المصدر لا يجمع إلا على التأويل، فلهذا لم يقل: الكتب - ~~بدلا من الكتاب -، وإن كان لو قاله لجاز، توسعا. # ويجوز أن يكون للعهد، والمراد به: كتاب مخصوص. # وهنا جملة محذوفة، يدل عليها السياق، والتقدير: { وتؤمنون ~~بالكتاب كله } ، وهم لا يؤمنون بكتابكم، وحسن العطف، لما ~~تقدم من أن ذكر أحد الضدين يغني عن ذكر الآخر، وتقدير الكلام: أنكم ~~تؤمنون بكتبهم كلها، وهم - مع ذلك - يبغضونكم، فما بالكم - مع ذلك - ~~تحبونهم، وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم؟. # وفيه توبيخ شديد بأنهم - في باطلهم - أصلب منكم في حقكم. # قوله: { وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا ~~عليكم الأنامل من الغيظ } ومعناه: إذا خلا بعضهم ببعض ~~أظهروا شدة العداوة، وشدة الغيظ على المؤمنين، حتى تبلغ الشدة إلى عض ~~الأنامل، كما يفعل الإنسان - إذا اشتد غيظه، وعظم حزنه - على فوت ~~مطلوبه، ولما كثر هذا الفعل من الغضبان صار ذلك كناية عن الغضب، وإن ~~لم يكن هناك عض. # قوله: { عليكم } متعلق ب " عضوا " ، وكذلك { من الغيظ } ~~و " من " فيه لابتداء الغاية، ويجوز أن يكون بمعنى اللام، فيفيد ~~العلية - اي: من أجل الغيظ -. # وجوز أبو البقاء - في " عليكم " ، وفي { من الغيظ } - أن ~~يكونا حالين، فقال: " ويجوز أن يكون حالا، أي: حنقين عليكم من الغيظ. و ~~{ من الغيظ } متعلق ب " عضوا " أيضا، و " من " لابتداء ~~الغاية، أي: من أجل الغيظ، ويجوز أن يكون حالا، أي: مغتاظين ". انتهى. # وقوله: ms2137 و " من " لابتداء الغاية - أي: من أجل الغيظ كلام متنافر؛ لأن ~~التي للابتداء لا تفسر بمعنى: " من أجل " ، فإنه معنى العلة، والعلة ~~والابتداء متغايران، وعلى الجملة، فالحالية - فيهما - لا يظهر معناها، ~~وتقديره الحال ليس تقديرا صناعيا؛ لأن التقدير الصناعي إنما يكون ~~بالأكوان المطلقة. # والعض: الأزم بالأسنان، وهو تحامل الأسنان بعضها على بعض، يقال: ~~عضضت - بكسر العين في الماضي - أعض - بالفتح - عضا, وعضيضا. # قال امرؤ القيس: [الطويل] # 1592-.................... # كفحل الهجان ينتحي للعضيض # ويعبر به عن الندم المفرط - ومنه: # ويوم يعض الظالم على يديه # [الفرقان: 27] - وإن لم يكن ثم عض حقيقة. # قال أبو طالب: [الطويل] # 1593 - وقد صالحوا قوما علينا أشحة # يعضون غيظا خلفنا بالأنامل # جعل الباء زائدة في المفعول؛ إذ الأصل: يعضون خلفنا الأنامل. # وقال آخر: [المتقارب] # 1594- قد افنى أنامله أزمه # فأضحى يعض علي الوظيفا # وقال الحارث بن ظالم المري: [الطويل] # 1595- وأقتل أقواما لئاما أذلة # يعضون من غيظ رءوس الأباهم # وقال آخر: [البسيط] # 1596- إذا رأوني - أطال الله غيظهم - # عضوا من الغيظ أطراف الأباهيم # والعض كله بالضاد، إلا في قولهم: عظ الزمان - أي: اشتد - وعظت ~~الحرب، فإنهما بالظاء - أخت الطاء -. # قال الشاعر: [الطويل] # 1597- وعظ زمان - يا بن مروان لم يدع # من المال إلا مسحتا أو مجلف # قال شهاب الدين: " وقد رأيته بخط جماعة من الفضلاء: وعض زمان - بالضاد ~~". # والعض - بضم الفاء - علف من نوى مرضوض وغيره، ومنه: بعير ~~عضاضي - أي: سمين - كأنه منسوب إليه، وأعض القوم - إذا أكلت ~~إبلهم ذلك، والعض - بكسر الفاء - الرجل الداهية، كأنهم تصوروا عضه ~~وشدته. # وزمن عضوض - أي: جدب، والتعضوض: نوع من التمر، سمي بذلك لشدة ~~مضغه وصعوبته. # والأنامل: جمع أنملة - وهي رؤوس الأصابع. # قال الرماني: واشتقاقها من النمل - هذا الحيوان المعروف - شبهت به ~~لدقتها، وسرعة تصرفها وحركتها، ومنه قالوا للنمام: " نمل ومنمل " لذلك. # قال الشاعر: [المتقارب] # 1598- ولست بذي نيرب فيهم # ولا منمش فيهم منمل # وفي ميمها الضم والفتح. # والغيظ: مصدر غاظه، يغيظه - أي: أغضبه -. وفسره الراغب بأنه أشد الغضب، ~~قال: وهو الحرارة التي يجدها الإنسان من ثوران دم ms2138 قلبه. وإذا وصف به ~~الله تعالى، فإنما يراد به الانتقام. والتغيظ: إظهار الغيظ، وقد يكون مع ~~ذلك صوت، قال تعالى: # سمعوا لها تغيظا وزفيرا # [الفرقان: 12]، والجملة من قوله: { وتؤمنون بالكتاب كله ~~} معطوفة على { تحبونهم } ، ففيها ما فيها من الأوجه المعروفة. # قال الزمخشري: والواو في { وتؤمنون } للحال، وانتصابها من { ولا ~~يحبونكم } أي: لا يحبونكم والحال أنكم تؤمنون بكتابكم كله، وهم - ~~مع ذلك - يبغضونكم، فما بالكم تحبونهم، وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم. # قال أبو حيان: " وهو حسن، إلا أن فيه من الصناعة النحوية ما يخدشه، وهو ~~أنه جعل الواو في { وتؤمنون } للحال، وانتصابها من { ولا ~~يحبونكم } والمضارع المثبت - إذا وقع حالا - لا تدخل عليه واو ~~الحال، تقول: جاء زيد يضحك، ولا يجوز: ويضحك، فأما قولهم: قمت وأصك ~~عينه، ففي غاية الشذوذ، وقد أول على إضمار مبتدأ، أي: وأنا أصك عينه، ~~فتصير الجملة اسمية، ويحتمل هذا التأويل هنا: ولا يحبونكم وأنتم تؤمنون ~~بالكتاب كله، لكن الأولى ما ذكرنا من كونها للعطف ". # يعني: فإنه لا يحوج إلى حذف، بخلاف تقديره مبتدأ، فإنه على خلاف ~~الأصل. # قوله: { قل موتوا بغيظكم } يجوز أن تكون الباء للحال، أي: ~~موتوا ملتبسين بغيظكم لا يزايلكم، وهو كناية عن كثرة الإسلام وفشوه؛ ~~لأنه كلما ازداد الإيمان ازداد غيظهم، ويجوز أن تكون للسببية أي: بسبب ~~غيظكم، وليس بالقوي. # وقوله: { موتوا } صورته أمر ومعناه الدعاء، فيكون دعاء عليهم بأن ~~يزداد غيظهم، حتى يهلكوا به، والمراد من ازدياد الغيظ: ازدياد ما يوجب ~~لهم ذلك الغيظ من قوة الإسلام، وعز أهله، وما لهم في ذلك من ~~الذل، والخزي، والعار. # وقيل: معناه الخبر، أي: أن الأمر كذلك. # وقد قال بعضهم: إنه لا يجوز أن يكون بمعنى: الدعاء؛ لأنه لو كان أمره ~~بأن يدعو عليهم بذلك لماتوا جميعا على هذه الصفة؛ فإن دعوته لا ترد، ~~وقد آمن منهم كثيرون بعد هذه الآية، [وليس بخبر]؛ لأنه لو كان خبرا ~~لوقع على حكم ما أخبره، ولم يؤمن أحد بعد، وإذا انتفى هذان المعنيان ~~فلم يبق إلا أن ms2139 يكون معناه التوبيخ، والتهديد، كقوله تعالى: # اعملوا ما شئتم # [فصلت: 40] و # " إذا لم تستحي فاصنع ما شئت ". # وهذا - الذي قاله - ليس بشيء؛ لأن من آمن منهم لم يدخل تحت الدعاء - ~~إن قصد به الدعاء - ولا تحت الخبر، إن قصد به الإخبار. # قوله: { إن الله عليم بذات الصدور } يحتمل أن تكون هذه ~~الجملة مستأنفة، أخبر - تعالى - بذلك؛ لأنهم كانوا يخفون غيظهم ما ~~أمكنهم، فذكر ذلك لهم على سبيل الوعيد، ويحتمل أن يكون من جملة المقول، ~~أي: قل لهم: كذا، وكذا، فيكون في محل نصب بالقول، ومعنى قوله: { ~~بذات } أي: بالمضمرات، ذوات الصدور، ف " ذات " - هنا - تأنيث " ~~ذي " بمعنى صاحب؛ فحذف الموصوف، وأقيمت صفته مقامه، أي: عليم ~~بالمضمرات صاحبة الصدور، و " ذو " جعلت صاحبة للصدور لملازمتها لها، ~~وعدم انفكاكها عنها، نحو أصحاب النار، وأصحاب الجنة. # والمراد بذات الصدور: الخواطر القائمة بالقلب من الدواعي، و الصوارف ~~الموجودة فيه. # واختلفوا في الوقف على هذه اللفظة، هل يوقف عليها بالتاء، أو بالهاء؟. # فقال الأخفش، والفراء، وابن كيسان: الوقف عليها بالتاء اتباعا لرسم ~~المصحف. # وقال الكسائي، والجرمي: يوقف عليها بالهاء، لأنها تاء تأنيث، كهي في ~~صاحبة، وموافقة الرسم أولى؛ فإنه قد ثبت لنا الوقف على تاء التأنيث ~~الصريحة بالتاء، فإذا وقفنا - هنا - بالتاء، وافقنا تلك اللغة، والرسم، ~~بخلاف عكسه. ### || [3.120] # قرأ العامة { تسؤهم } ، بالتأنيث؛ مراعاة للفظ " حسنة ". # وقرأ أبو عبد الرحمن بالياء من تحت؛ لأن تأنيثها مجازي، ~~وقياسه أن يقرأ " وإن يصبكم سيئة " بالتذكير - أيضا - لكن لم يبلغنا ~~عنه في ذلك شيء. # والمس: أصله باليد، ثم يسمى كل ما يصل إلى الشيء ماسا، على سبيل ~~التشبيه، يقال: فلان مسه العصب والنصب، قال تعالى: # وما مسنا من لغوب # [ق: 38]. # وقال الزمخشري: المس مستعار هاهنا بمعنى: الإصابة، قال تعالى: # إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا # [التوبة: 50]. # وقال: # مآ أصابك من حسنة فمن الله ومآ أصابك من ~~سيئة فمن نفسك # [النساء: 79]. # والمراد بالحسنة - هنا: منفعة الدنيا، من صحة البدن، وحصول الخصب ~~والغنيمة، والاستيلاء على الأعداء، وحصول الألفة ms2140 والمحبة بين المؤمنين. # والمراد بالسيئة: اضدادها، والسيئة: من ساء الشيء يسيء - فهو ~~سيء، والأنثى سيئة - أي: قبح، ومنه قوله تعالى # سآء ما يعملون # [المائدة: 66]، و السوء ضد الحسن، وهذه الآية من تمام وصف المنافقين. # فصل # قال ابو العباس: وردت الحسنة على خمسة أوجه: # الأول: بمعنى: النصر والظفر، قال تعالى: { إن تمسسكم حسنة ~~تسؤهم } [آل عمران: 120] أي: نصر وظفر. # الثاني: بمعنى: التوحيد، قال تعالى: # من جآء بالحسنة # [الأنعام: 160] أي: بالتوحيد. # الثالث: الرخاء: قال تعالى: # وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله # [النساء: 78] أي: رخاء. # الرابع: بمعنى: العاقبة، قال تعالى: # ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة # [الرعد: 6] أي بالعذاب قبل العاقبة. # الخامس: القول بالمعروف، قال تعالى: # ويدرءون بالحسنة السيئة # [الرعد: 22] أي: بالقول المعروف. # فصل # والسيئة - أيضا - على خمسة أوجه: # الأول: بمعنى: الهزيمة - كما تقدم - كقوله: { وإن تصبكم ~~سيئة يفرحوا بها } [آل عمران: 120] أي: هزيمة. # الثاني: الشرك، قال تعالى: # ومن جآء بالسيئة # [الأنعام: 160] أي: بالشرك. # الثالث: القحط، قال تعالى: # وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك # [النساء: 78] أي: قحط، ومثله قوله: # وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه # [الأعراف: 131]. # الرابع: العذاب، قال تعالى: # ويستعجلونك بالسيئة # [الرعد: 6]. # الخامس: القول الرديء، قال تعالى: # ويدرءون بالحسنة السيئة # [الرعد: 22]. # قوله: { وإن تصبروا } أي: على طاعة الله، وعلى ما ينالكم فيها من ~~شدة، وغم، { وتتقوا } كل ما نهاكم عنه، { لا يضركم ~~كيدهم }. # قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: " يضركم " بكسر الضاد، وجزم الراء ~~في جواب الشرط، من ضاره يضيره ويقال - أيضا -: ضاره يضوره، ففي العين ~~لغتان، ويقال ضاره يضيره ضيرا، فهو ضائر، وهو مضير، نحو: قلته أقوله، ~~فأنا قائل، وهو مقول. # وقرأ الباقون: { يضركم } بضم الضاد، وتشديد الراء مرفوعة، وفي هذه ~~القراءة أوجه: # الأول: أن الفعل مرتفع، وليس بجواب للشرط، وإنما هو دال على جواب ~~الشرط، وذلك أنه على نية التقديم؛ إذ التقدير: لا يضركم إن تصبروا ~~وتتقوا، فلا يضركم، فحذف فلا يضركم الذي هو الجواب، لدلالة ما تقدم عليه، ~~ثم أخر ما هو دليل على الجواب، وهذا تخريج ms2141 سيبويه وأتباعه، إنما احتاجوا ~~إلى ارتكاب ذلك، لما رأوا من عدم الجزم في فعل مضارع لا مانع من إعمال ~~الجزم، ومثله قول الراجز: # 1599- يا أقرع بن حابس يا أقرع # إنك إن يصرع أخوك تصرع # برفع " تصرع " الأخير -. # وكذلك قوله: [البسيط] # 1600- وإن أتاه خليل يوم مسألة # يقول: لا غائب مالي ولا حرم # برفع " يقول " - إلا أن هذا النوع مطرد، بخلاف ما قبله - أعني: كون ~~فعل الشرط والجزاء مضارعين - فإن المنقول عن سيبويه، وأتباعه وجوب الجزم، ~~إلا في ضرورة. # كقوله: [الرجز] # 1601-..................... # إنك إن يصرع أخوك تصرع # وتخريجه هذه الآية على ما تقدم عنه يدل على أن ذلك لا يخص بالضرورة. # الوجه الثاني: أن الفعل ارتفع لوقوعه بعد فاء مقدرة، وهي وما بعدها ~~الجواب في الحقيقة، والفعل متى وقع بعد الفاء رفع ليس إلا كقوله ~~تعالى: # ومن عاد فينتقم الله منه # [المائدة: 95]. # والتقدير: فلا يضركم، والفاء حذفت في غير محل النزاع. # كقوله: [البسيط] # 1602- من يفعل الحسنات الله يشكرها # والشر بالشر عند الله مثلان # أي: فالله يشكرها، وهذا الوجه نقله بعضهم عن المبرد، وفيه نظر؛ من حيث ~~إنهم، لما أنشدوا البيت المذكور، نقلوا عن المبرد أنه لا يجوز حذف ~~هذه الفاء - ألبتة - لا ضرورة، ولا غيرها - وينقلون عنه أنه يقول: إنما ~~الرواية في هذا البيت: [البسيط] # 1603- من يفعل الخير فالرحمن يشكره # وردوا عليه بأنه إذا صحت رواية، فلا يقدح فيها غيرها، ونقله بعضهم ~~عن الفراء والكسائي، وهذا أقرب. # الوجه الثالث: أن الحركة حركة إتباع؛ وذلك أن الأصل: " لا يضرركم ~~". بالفك وسكون الثاني جزما، وسيأتي أنه إذا التقى مثلان في آخر فعل ~~سكن ثانيهما - جزما، أو وقفا - فللعرب فيه مذهبان: # الجزم: وهو لغة تميم. # والفك: وهو لغة الحجاز. # لكن لا سبيل إلى الإدغام إلا في متحرك، فاضطررنا إلى تحريك المثل ~~الثاني، فحركناه بأقرب الحركات إليه، وهي الضمة التي على الحرف قبله، ~~فحركناه بها، وأدغمنا ما قبله فيه، فهو مجزوم تقديرا، وهذه الحركة - ~~في الحقيقة - حركة إتباع، لا حركة إعراب، بخلافها في الوجهين السابقين، ~~فإنها حركة ms2142 إعراب. # واعلم أنه متى أدغم هذا النوع، فإما أن تكون فاؤه مضمومة، أو مفتوحة، ~~أو مكسورة، فإن كانت مضمومة - كالآية الكريمة. # وقولهم: مد - ففيه ثلاثة أوجه حالة الإدغام: # الضم للإتباع، والفتح للتخفيف، والكسر على أصل التقاء الساكنين، فتقول: ~~مد ومد ومد. # وينشدون على ذلك قول الشاعر: [الوافر] # 1604- فغض الطرف إنك من نمير # فلا كعبا بلغت ولا كلابا # بضم الضاد، وفتحها، وكسرها - على ما تقرر - وسيأتي أن الآية قرئ فيها ~~بالأوجه الثلاثة. # وإن كانت فاؤه مفتوحة، نحو عض، أو مكسورة، نحو فر، كان في اللام ~~وجهان: الفتح، والكسر؛ إذ لا وجه للضم، لكن لك في نحو فر أن ~~تقول: الكسر من وجهين: إما الإتباع، وإما التقاء الساكنين، وكذلك لك في ~~الفتح - نحو عض - وجهان - أيضا -: إما الإتباع، وإما التخفيف. # هذا كله إذا لم يتصل بالفعل ضمير غائب، فأما إذا اتصل به ضمير الغائب - ~~نحو رده - ففيه تفصيل ولغات ليس هذا موضعها. # وقرأ عاصم - فيما رواه المفضل -: بضم الضاد، وتشديد الراء مفتوحة - ~~على ما تقدم من التخفيف - وهي عندهم أوجه من ضم الراء. # وقرأ الضحاك بن مزاحم: " لا يضركم " بضم الضاد، وتشديد الراء ~~المكسورة - على ما تقدم من التقاء الساكنين. # وكأن ابن عطية لم يحفظها قراءة؛ فإنه قال: فأما الكسر فلا أعرفه ~~قراءة. # وعبارة الزجاج في ذلك متجوز فيها؛ إذ يظهر من روح كلامه أنها قراءة ~~وقد بينا أنها قراءة. # وقرأ أبي: " لا يضرركم " بالفك، وهي لغة الحجاز. # والكيد: المكر والاحتيال. # وقال الراغب: هو نوع من الاحتيال، وقد يكون ممدوحا، وقد يكون مذموما، ~~وإن كان استعماله في المذموم أكثر. # قال ابن قتيبة: وأصله من المشقة، من قولهم: فلان يكيد بنفسه، أي: ~~يجود بها في غمرات الموت، ومشقاته. # ويقال: كدت فلانا، أكيده - كبعته أبيعه. # قال الشاعر: [الخفيف] # 1605- من يكدني بسيىء كنت منه # كالشجى بين حلقه والوريد # و " شيئا " منصوب نصب المصادر، أي: شيئا من الضرر، وقد تقدم نظيره. # ومعنى الآية: أن كل من صبر على أداء أوامر الله تعالى، واتقى عما نهى ~~الله ms2143 عنه، كان في حفظ الله، فلا يضره كيد الكائدين، ولا حيل ~~المحتالين. # قوله: { إن الله بما يعملون محيط } قراءة العامة { ~~يعملون } - بالغيبة، وهي واضحة. # وقرأ الحسن بالخطاب، إما على الالتفات، والتقدير: إنه عالم، محيط بما ~~تعملونه من الصبر والتقوى، فيفعل بكم ما أنتم أهله، وإما على إضمار: قل ~~لهم يا محمد. # وإنما قال: { إن الله بما يعملون محيط } ولم يقل: إن ~~الله محيط بما يعملون؛ لأنهم يقدمون الأهم، والذي هم بشأنه ~~أعنى، وليس المقصود - هنا - بيان كونه تعالى عالما، بل بيان أن جميع ~~أعمالهم معلومة لله تعالى، ومجازيهم عليها، فلا جرم قدم ذكر العمل. ### || [3.121] # العامل في " إذ " مضمر، تقديره: واذكر إذ غدوت، فينتصب المفعول به لا ~~على الظرف، وجوز أبو مسلم أن يكون معطوفا على { فئتين } في قوله: # قد كان لكم آية في فئتين # [آل عمران: 13] أي: قد كان لكم آية في فئتين، وفي إذ غدوت، وهذا لا ~~ينبغي أن يعرج عليه. # وقال بعضهم: العامل في " إذ " " محيط " تقديره: بما يعملون محيط إذ ~~غدوت. # قال بعضهم: وهذا لا يصح؛ لأن الواو في (وإذ) يمنع في عمل (محيط) ~~فيها. # والغدو: الخروج أول النهار، يقال: غدا يغدو، أي: خرج غدوة، وفي هذا ~~دليل على جواز صلاة الجمعة قبل الزوال؛ لأن المفسرين أجمعوا على أنه ~~إنما خرج بعد أن صلى الجمعة. # ويستعمل بمعنى: " صار " عند بعضهم، فيكون ناقصا، يرفع الاسم، ~~وينصب الخبر، وعليه قوله صلى الله عليه وسلم: # " لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما ~~يرزق الطير، تغدو خماصا، وتروح بطانا ". # قوله: " من أهلك " متعلق ب " غدوت " ، وفي " من " وجهان: # أحدهما: أنها لابتداء الغاية، أي: من بين أهلك. # قال أبو البقاء: " وموضعه نصب، تقديره فارقت أهلك ". # قال شهاب الدين: " وهذا الذي قاله ليس تفسير إعراب، ولا تفسير ~~معنى؛ فإن المعنى على غير ما ذكر ". # الثاني: أنها بمعنى: " مع " أي: مع أهلك، وهذا لا يساعده لفظ، ولا ~~معنى. # قوله: " تبوئ " يجوز أن تكون الجملة حالا من فاعل: " غدوت " ، وهي ~~حال مقدرة، أي: ms2144 قاصدا تبوئة المؤمنين؛ لأن وقت الغدو ليس وقتا ~~للتبوئة، ويحتمل أن تكون حالا مقارنة؛ لأن الزمان متسع. # و " تبوئ " أي تنزل، فهو يتعدى لمفعولين، إلى أحدهما بنفسه، وإلى الآخر ~~بحرف الجر، وقد يحذف - كهذه الآية - ومن عدم الحذف قوله تعالى: # وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت # [الحج: 26] وأصله من المباءة - وهي المرجع -. # قال الشاعر: [الطويل] # 1606- وما بوأ الرحمن بيتك منزلا # بشرقي أجياد الصفا والمحرم # وقال آخر: [مجزوء الكامل] # 1607- كم صاحب لي صالح # بوأته بيدي لحدا # وقد تقدم اشتقاقه. # وقيل: اللام في قوله " لإبراهيم " مزيدة، فعلى هذا يكون متعديا لاثنين ~~بنفسه. # و " مقاعد " جمع مقعد، والمراد به - هنا - مكان القعود، و " قعد " ~~قد يكون بمعنى: " صار " في المثل خاصة. # قال الزمخشري: " وقد اتسع في قام، وقعد، حتى أجريا مجرى ~~صار ". # قال أبو حيان: أما إجراء قعد مجرى صار، فقال بعض أصحابنا: إنما ~~جاء ذلك في لفظة واحدة شاذة في المثل قولهم: شحذ شفرته حتى ~~قعدت كأنها حربة، ولذلك نقد على الزمخشري تخريجه قوله ~~تعالى: # فتقعد مذموما # [الإسراء: 22] بمعنى تصير؛ لأنه لا يطرد إجراء قعد مجرى صار. # قال شهاب الدين: " وهذا - الذي ذكره الزمخشري - صحيح، من كون قعد ~~بمعنى: صار في غير ما أشار إليه هذا القائل؛ حكى أبو عمر الزاهد - عن ابن ~~الأعرابي - أن العرب تقول: قعد فلان أميرا بعد أن كان مأمورا، أي: صار ~~". # ثم قال أبو حيان: وأما إجراء قام مجرى صار، فلا أعلم أحدا عدها في ~~أخوات " كان " ، ولا جعلها بمعنى " صار " إلا ابن هشام الخضراوي، ~~فإنه ذكر - في قول الشاعر: [الوافر] # 1608- على ما قام يشتمني لئيم # كخنزير تمرغ في رماد # أنها من أفعال المقاربة. # قال شهاب الدين: " وغيره من النحويين من يجعلها زائدة، وهو شاذ، ~~أيضا ". # وقرأ العامة: " تبوئ " فعدوه بالتضعيف، وقرأ عبد الله: " تبوئ " ~~، بسكون الباء فعداه بالهمزة، فهو مضارع أبوأ - كأكرم. # وقرأ يحيى بن وثاب " تبوي " كقراءة عبد الله، إلا أنه سهل ~~بإبدالها ياء، فصار لفظه كلفظ: يحيي. # وقرأ عبد الله: للمؤمنين - بلام الجر - كقوله: " وإذ ms2145 بوأنا لإبراهيم ~~مكان البيت " وقد تقدم أن في هذه اللام قولين، والظاهر أنها معدية؛ لأنه ~~قبل التضعيف، والهمزة غير متعد بنفسه. ويحتمل أن يكون قد ضمنه - هنا ~~- تهيئ، وترتب. # وقرأ الأشهب " مقاعد القتال " - بإضافتها للقتال - واللام في " ~~للقتال " - في قراءة الجمهور - فيها وجهان: # أولهما: - وهو أظهر -: أنها متعلقة ب " تبوئ " على أنها لام العلة. # والثاني: أنها متعلقة بمحذوف؛ لأنها صفة ل " مقاعد " أي: مقاعد ~~كائنة، ومهيأة للقتال، ولا يجوز تعلقها ب " مقاعد " ، وإن كانت ~~مشتقة؛ لأنها مكان، والأمكنة لا تعمل. # فصل # كيفية النظم أنه - تعالى - لما قال: # وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا # [آل عمران: 120] أتبعه ببيان أن الصبر يؤدي إلى النصرة، والمعونة، ~~ودفع ضرر العدو، وأن عدم الصبر يؤدي إلى خلاف ذلك، فقال: { وإذ ~~غدوت من أهلك } يعني: يوم أحد، كانوا كثيرين، مستعدين ~~للقتال، فلما خالفوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم انهزموا، ويوم بدر ~~كانوا قليلين، غير مستعدين للقتال، فلما أطاعوا أمر الرسول صلى الله عليه ~~وسلم غلبوا. # وفيه وجه آخر، وهو أنه لما نهى عن اتخاذ المنافقين بطانة، بين - هنا - ~~العلة في ذلك، وهي أن انكساركم يوم أحد، إنما حصل بسبب تخلف عبد الله ~~بن أبي ابن سلول، المنافق. # فصل # اختلفوا في هذا اليوم. # فقال ابن عباس، والسدي، وابن إسحاق، والربيع، والأصم، وأبو ~~مسلم، وأكثر المفسرين: إنه يوم أحد. # وقال الحسن: هو يوم بدر. # وقال مجاهد ومقاتل: هو يوم الأحزاب، واحتج الأولون بوجوه: # الأول: أن أكثر العلماء بالمغازي ذكروا أن هذه الآية نزلت في واقعة ~~أحد. # والثاني: أنه - تعالى - قال بعد هذه الآية: # ولقد نصركم الله ببدر # [آل عمران: 123]، والظاهر أنه معطوف على ما تقدم، وحق المعطوف أن ~~يغاير المعطوف عليه، وأما يوم الأحزاب فالقوم إنما خالفوا أمر الرسول ~~صلى الله عليه وسلم يوم أحد، لا يوم الأحزاب، فكانت قصة أحد أليق ~~بهذا الكلام، لأن المقصود من ذكر هذه القصة تقرير قوله: # وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم # [آل عمران: 120]. # الثالث: أن الانكسار كان في يوم أحد ms2146 أكثر منه في يوم الأحزاب، لأن في ~~يوم أحد قتلوا جمعا كثيرا من أكابر الصحابة، ولم يتفق ذلك في ~~يوم الأحزاب، فكان حمل الآية على يوم أحد أولى. # الرابع: أن ما بعده إلى قريب من آخر السورة متعلق بحرب أحد. # فصل # قال مجاهد، والكلبي، والواقدي: غدا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من منزل عائشة، فمشى على رجليه إلى أحد، يصف أصحابه ~~للقتال، كما يقوم القداح، وروي أن المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء، ~~فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بنزولهم، استشار أصحابه، ودعا ~~عبد الله ابن أبي ابن سلول - ولم يدعه قط قبلها -، فاستشاره، فقال ~~عبد الله بن أبي، وأكثر الأنصار: يا رسول الله أقم بالمدينة، لا تخرج ~~إليهم، فوالله ما خرجنا عنها إلى عدو قط إلا أصاب منا، ولا دخل عدو علينا ~~إلا أصبنا منه، فدعهم، فإن أقاموا أقاموا بشر موضع، وإن دخلوا ~~قاتلهم الرجال في وجوههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، ~~وإن رجعوا رجعوا خائبين، فأعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا ~~الرأي. # وقال آخرون: اخرج بنا إلى هؤلاء الأكلب؛ لئلا يظنوا أنا قد خفناهم ~~وضعفنا، فقال صلى الله عليه وسلم: # " إني رأيت في منامي بقرة تذبح حولي، فأولتها ~~خيرا، ورأيت في ذبابة سيفي ثلما، فأولته ~~هزيمة ورأيت كأني أدخلت يدي في درع حصينة، فأولتها ~~المدينة، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة، وتدعوهم - ~~وكان يعجبه أن يدخلوا عليه المدينة، فيقاتلوا ~~في الأزقة - فقال رجال من المسلمين فاتهم يوم بدر، ~~وأكرمهم الله بالشهادة يوم أحد: اخرج بنا إلى ~~أعدائنا، فلم يزالوا برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~دخل، فلبس لأمته، فلما رأوه قد لبس السلاح ~~ندموا، وقالوا: بئس ما صنعنا، نشير على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والوحي يأتيه!!! فقاموا، واعتذروا إليه، ~~وقالوا: اصنع ما رأيت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته، فيضعها حتى ~~يقاتل - وكان قد أقام المشركون بأحد يوم ~~الأربعاء، ويوم الخميس - فراح رسول الله ms2147 صلى الله عليه ~~وسلم يوم الجمعة بعدما صلى بأصحابه الجمعة، وقد مات ~~في ذلك اليوم رجل من الأنصار، فصلى عليه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج إليهم، فأصبح بالشعب ~~من أحد يوم السبت للنصف من شوال سنة ثلاث من الهجرة، فمشى ~~على رجليه، وجعل يصف أصحابه للقتال كما تقوم ~~القداح، إن رأى صدرا بارزا تأخر، وكان نزوله في جانب الوادي، ~~وجعل ظهره وعسكره إلى أحد، وأمر عبد الله بن جبير على الرماة، وقال: ~~ادفعوا عنا بالنبل حتى لا يأتونا من ورائنا، وقال صلى الله عليه وسلم ~~لأصحابه: اثبتوا في هذا المقام، فإذا عاينوكم ولوكم ~~الأدبار، فلا تطلبوا المدبرين، ولا تخرجوا من هذا المقام ". # ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خالف رأي عبد الله بن أبي شق ~~ذلك عليه، وقال: أطاع الولدان وعصاني، ثم قال لأصحابه: إن محمدا إنما ~~يظفر بعدوه بكم، وقد واعد أصحابه أن أعداءهم إذا عاينوهم انهزموا، فإذا ~~رأيتم أعداءه فانهزموا، فيتبعوكم، فيصير الأمر على خلاف ما قاله محمد صلى ~~الله عليه وسلم، فلما التقى الفريقان انهزم عدو الله بالمنافقين، وكان ~~جملة عسكر المسلمين ألفا، فانهزم عبد الله بن أبي بثلاثمائة، وبقيت ~~سبعمائة، فذلك قوله تعالى: # إذ همت طآئفتان منكم أن تفشلا # [آل عمران: 122]. # أي: أن تضعفا، وتجبنا، وتتخلفا. # والطائفتان: بنو سلمة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، وكانا جناحي ~~العسكر، وكان عليه السلام قد خرج في ألف رجل، فانخزل عبد الله بن أبي ~~بثلث الجيش، وقال: نقتل أنفسنا وأولادنا! فتبعهم أبو جابر السلمي، ~~وقال: أنشدكم الله في نبيكم، وفي أنفسكم، فقال عبد الله بن أبي: # لو نعلم قتالا لاتبعناكم # [آل عمران: 167]، وهمت بنو سلمة وبنو حارثة بالانصراف مع عبد الله بن ~~أبي، فعصمهم الله، فلم ينصرفوا، فذكرهم الله عظيم نعمته. فقال - عز وجل ~~- # إذ همت طآئفتان منكم أن تفشلا والله ~~وليهما # [آل عمران: 122] ناصرهما، وحافظهما، ثم قواهم الله، حتى هزموا المشركين، ~~فلما رأى المؤمنون انهزام القوم، طلبوا المدبرين، فأراد الله أن يعظهم ms2148 عن ~~هذا الفعل؛ لئلا يقدموا على مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، ~~وليعلموا أن نصرهم إنما حصل ببركة طاعتهم لله ولرسوله، ومتى تركهم الله ~~مع عدوهم لم يقوموا لهم، فنزع الله الرعب من قلوب المشركين، فكر ~~عليهم المشركون، وتفرق العسكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال ~~تعالى: # إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول ~~يدعوكم في أخراكم # [آل عمران: 153]، وشج وجه الرسول صلى الله عليه وسلم، وكسرت ~~رباعيته، وشلت يد طلحة دونه، ولم يبق معه إلا أبو بكر، ~~وعلي، والعباس، وطلحة وسعد، ووقعت الصيحة في العسكر بأن محمدا صلى ~~الله عليه وسلم قد قتل، ثم نودي على الأنصار بأن هذا رسول الله، فرجع ~~إليه المهاجرون والأنصار، وكان قد قتل منهم سبعون، وأكثر فيهم الجراح، ~~فقال صلى الله عليه وسلم: # " رحم الله رجلا ذب عن إخوانه، وشد على المشركين بمن معه حتى ~~كشفهم عن القتلى والجرحى " # ، وكان الكفار ثلاثة آلاف، والمسلمون ألفا - أو أقل - رجع عبد الله بن ~~أبي في ثلاثمائة، وبقي مع الرسول صلى الله عليه وسلم سبعمائة، وأعانهم ~~الله حتى هزموا الكفار، ثم لما خالفوا أمر الرسول صلى الله عليه ~~وسلم، واشتغلوا بطلب الغنائم انقلب الأمر عليهم، وانهزموا. # قوله: { والله سميع عليم } أي: سميع لأقوالكم، " عليم " ~~بضمائركم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لما شاور أصحابه في تلك الحرب، فقال ~~بعضهم: أقم بالمدينة، وقال آخرون: اخرج إليهم، فكان لكل أحد غرض في نفسه، ~~فمن موافق ومن منافق، فقال تعالى: # " أنا سميع لما تقولون عليم بما تسرون ". ### || [3.122] # قوله: { إذ همت } في هذا الظرف أوجه: # أحدها: أنه ظرف ل { غدوت }. # الثاني: أنه بدل من { وإذ غدوت } ، فالعامل، فيه هو العامل في ~~المبدل منه. # الثالث: أنه ظرف ل { تبوىء }. # وهذه الأوجه تحتاج إلى نقل تاريخي في اتحاد الزمانين. # الرابع: أن الناصب له " عليم " - وحده - ذكره أبو البقاء. # الخامس: أن العامل فيه إما " سميع " ، وإما " عليم " على سبيل ~~التنازع، وتكون المسألة - حينئذ - من إعمال الثاني، إذ لو أعمل الأول، ms2149 ~~لأضمر في الثاني. # قال الزمخشري: أو عمل فيه معنى: { سميع عليم }. # قال أبو حيان: " وهذا غير محرر؛ لأن العامل لا يكون مركبا من وصفين، ~~فتحريره أن يقال: عمل فيه معنى سميع، أو عليم، وتكون المسألة من التنازع ~~". # قال شهاب الدين: " لم يرد الزمخشري بذلك إلا ما ذكرناه من إرادة ~~التنازع، ويصدق أن يقول: عمل فيه هذا وهذا بالمعنى المذكور؛ لا أنهما ~~عملا فيه معا، على أنه لو قيل به لم يكن مبتدعا قولا؛ إذ الفراء يرى ~~ذلك، ويقول - في نحو: ضربت وأكرمت زيدا: إن زيدا منصوب بهما، وإنهما ~~سلطا عليه معا ". # فإن قيل: إذا كان الهم العزم فظاهر الآية يدل على أن الطائفتين عزمتا ~~على الفشل، والترك - وذلك معصية - فكيف يليق أن يقال: { والله ~~وليهما }؟ # فالجواب: أن الهم قد يراد به الكفر، وقد يراد به: حديث النفس، وقد ~~يراد به: ما يظهر من القول الدال على قوة العدو وكثرة عدده، وأي شيء ~~ظهر من هذا الجنس صح أن يوصف صاحبه بأنه هم أن يفشل، من حيث ظهر منه ~~ما يوجب ضعف القلب، وإذا كان كذلك، فلا يدل على أن المعصية وقعت منهما، ~~وبتقدير أن يقال ذلك، فيكون من باب الصغائر؛ لقوله: { والله ~~وليهما }. # وقيل: الهم دون العزم، وذلك أن أول ما يمر بقلب الإنسان يسمى: ~~خاطرا، فإذا قوي سمي: حديث نفس، فإذا قوي سمي: هما، ~~فإذا قوي سمي: عزما، ثم بعده إما قول، أو فعل. # وبعضهم يعبر بالهم عن الإرادة، تقول العرب: هممت بكذا، أهم به - ~~بضم الهاء - ويقال: همت - بميم واحدة - حذفوا إحدى الميمين تخفيفا، كما ~~قالوا: مست وظلت، وحست - في مسست وظللت وحسست - وهو غير ~~مقيس. # والهم - أيضا -: الحزن الذي يذيب صاحبه، وهو مأخوذ من قولهم: همت ~~الشحم - أي: أذبته، والهم الذي في النفس قريب منه، لأنه قد يؤثر في نفس ~~الإنسان، كما يؤثر الحزن. # ولذلك قال الشاعر: [الطويل] # 1609- وهمك ما لم تمضه لك منصب # أي: إنك إذا هممت بشيء، ولم تفعله، وجال في نفسك، فأنت في تعب ms2150 منه حتى ~~تقضيه. # قوله: { أن تفشلا } متعلق ب " همت "؛ لأنه يتعدى بالباء، ~~والأصل: بأن تفشلا، فيجري في محل " أن " الوجهان المشهوران. # والفشل: الجبن والخور. # وقال بعضهم: الفشل في الرأي: العجز، وفي البدن: الإعياء، وعدم النهوض، ~~وفي الحرب الجبن والخور، والفعل منه فشل - بكسر العين - وتفاشل ~~الماء - إذا سال -. # وقرأ عبد الله: والله وليهم، كقوله: # وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا # [الحجرات: 9]. # قوله: { وعلى الله } متعلق بقوله: { فليتوكل } ، قدم ~~للاختصاص، ولتناسب رؤوس الآي. وتقدم القول في نحو هذه الفاء. # قال أبو البقاء: " دخلت الفاء لمعنى الشرط، والمعنى: إن فشلوا فتوكلوا ~~أنتم، أو إن صعب الأمر فتوكلوا ". # قال جابر: نزلت هذه الآية - { إذ همت طآئفتان منكم أن ~~تفشلا } - فينا - بني سلمة، وبني حارثة وما أحب أنها لم تنزل، والله ~~يقول: { والله وليهما }. # قال ابن الخطيب: " ومعنى ذلك فرط الاستبشار بما حصل لهم من الشرف ~~بثناء الله تعالى، وإنزاله فيهم آية ناطقة بصحة الولاية، وأن تلك ~~الهمة، ما أخرجتهم عن ولاية الله تعالى ". # والتوكل: تفعل، إما من الوكالة - وهي: تفويض الأمر إلى من يوثق ~~بحسن تدبيره، ومعرفته في التصرف - وإما من وكل أمره إلى فلان، إذا ~~عجز عنه. # قال ابن فارس: " هو إظهار العجز، والاعتماد على غيرك " ، يقال: فلان ~~وكله يكله، أي: عاجز يكل أمره إلى غيره، والتاء في تكلة بدل من ~~الواو، كتخمة وتجاه وتراث. # فصل # اختلف العلماء في حقيقة التوكل، فسئل عنه سهل بن عبد الله، فقال: قالت ~~فرقة: هو الرضا بالضمان وقطع الطمع من المخلوقين. # وقال قوم: التوكل: ترك الأسباب، والركون إلى مسبب الأسباب، فإذا ~~شغله السبب عن المسبب، زال عنه اسم التوكل. # قال سهل: من قال: التوكل يكون بترك السبب، فقد طعن في سنة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله يقول: # فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا # [الأنفال: 69]، والغنيمة اكتساب، وقال صلى الله عليه وسلم: # " إن الله يحب العبد المحترف ". ### || [3.123-127] # في كيفية النظم وجهان: # أحدهما: أنه - تعالى - لما ذكر قصة أحد أتبعها بقصة بدر؛ لأن ~~المشركين كانوا في ms2151 غاية القوة، ثم سلط المسلمين عليهم، فصار ذلك دليلا ~~على أن العاقل يجب أن لا يتوسل إلى غرضه إلا بالتوكل على الله، ويكون ذلك ~~تأكيدا لقوله: # وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا # [آل عمران: 120]، وقوله: # وعلى الله فليتوكل المؤمنون # [آل عمران: 122]. # الثاني: أنه - تعالى - حكى عن الطائفتين أنهما همتا بالفشل، ثم قال: # والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون # [آل عمران: 122]. # يعني: من كان الله ناصرا له ومعينا له فكيف يليق به الفشل؟ ثم أكد ~~ذلك بقصة بدر؛ فإن المسلمين كانوا في غاية الضعف، ولكن لما كان الله ~~تعالى ناصرا لهم، فازوا بمطلوبهم، وقهروا خصومهم، فهذا وجه النظم. ~~والنصر: العون، نصرهم الله يوم بدر، وقتل فيه صناديد المشركين، وعلى ذلك ~~اليوم ابتني الإسلام، وكان أول قتال قاتله النبي صلى الله عليه وسلم. # قوله: { ببدر } متعلق ب { نصركم } ، وفي الباء - حينئذ - ~~قولان: # أحدهما: - وهو الأظهر -: أنها ظرفية، أي: في بدر، كقولك: زيد بمكة، أي: ~~في مكة. # الثاني: أن تتعلق بمحذوف على أنها باء المصاحبة، فمحلها النصب على ~~الحال، أي: مصاحبين لبدر، و " بدر ": اسم لماء بين مكة والمدينة، سمي ~~بذلك لصفائه كالبدر. # وقيل: لاستدارته وقيل: اسم بئر لرجل يقال له: بدر، وهو بدر بن كلدة، ~~قاله الشعبي، وأنكر عليه بذكر الله - تعالى - منته عليهم ~~بالنصرة يوم بدر وقيل: إنه اسم للبئر كما يسمى البلد باسم من غير أن ~~ينقل إليه اسم صاحبه. قاله الواقدي وشيوخه. # وقيل: اسم واد, وكان يوم بدر السابع عشر من رمضان وكان يوم الجمعة، ~~لثمانية وعشرين شهرا من الهجرة. # قوله: { وأنتم أذلة } في محل نصب على الحال من مفعول: { ~~نصركم } و { أذلة } جمع ذليل وهو جمع قلة؛ إشعارا بقلتهم مع ~~هذه الصفة، و " فعيل " الوصف - قياس جمعه على فعلاء، كظريف وظرفاء، وشريف ~~وشرفاء، إلا أنه ترك في المضعف؛ تخفيفا ألا ترى إلى ما يؤدي إليه ~~جمع ذليل وخليل على ذللاء وخللاء من الثقل؟ # فإن قيل: قال الله تعالى: # ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين # [المنافقون: 8] فما معنى قوله: { وأنتم ms2152 أذلة }؟ فالجواب من ~~وجوه: # الأول: أنه بمعنى: القلة وضعف الحال، وقلة السلاح والمال، وعدم القدرة ~~على مقاومة العدو، وأن نقيضه العز، وهو القوة والغلبة. # روي أن المسلمين كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، ولم يكن فيهم إلا ~~فرس واحد، وأكثرهم رجالة، وربما كان الجمع منهم يركبون جملا ~~واحدا، والكفار كانوا قريبين من ألف مقاتل، ومعهم مائة فرس، مع الأسلحة ~~الكثيرة، والعدة الكاملة. # قال القرطبي: واسم الذل في هذا الموضع مستعار، ولم يكونوا في أنفسهم ~~إلا أعزة، لكن نسبتهم إلى عدوهم، وإلى جميع الكفار في أقطار الأرض، ~~تقتضي عند التأمل ذلتهم، وأنهم يغلبون. # الثاني: لعل المراد: أنهم كانوا أذلة في زعم المشركين، واعتقادهم؛ ~~لأجل قلة عددهم، وسلاحهم وهو مثل ما حكى الله - تعالى - عن الكفار قولهم: # ليخرجن الأعز منها الأذل # [المنافقون: 8]. # الثالث: أن الصحابة كانوا قد شاهدوا الكفار بمكة في قوتهم، وثروتهم، إلى ~~ذلك الوقت، ولم يبق للصحابة عليهم استيلاء، فكانت هيبتهم باقية في ~~قلوبهم، فلهذا السبب كانوا يهابونهم ويخافونهم. # ثم قال: { فاتقوا الله } أي: في الثبات مع رسوله. # { لعلكم تشكرون } بتقواكم ما أنعم الله به عليكم من نصرته، ~~أو لعل الله ينعم عليكم نعمة أخرى تشكرونها، فوضع الشكر موضع الإنعام؛ ~~لأنه سبب له. # قوله: { إذ تقول } فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه منصوب بإضمار اذكر. # الثاني: إن قلنا: إن هذا الوعد حصل يوم بدر، فالعامل في " إذ " قوله: ~~{ نصركم الله } والتقدير: إذ نصركم الله ببدر، وأنتم أذلة إذ ~~تقول للمؤمنين. # وإن قلنا: إن هذا الوعد حصل يوم أحد، فيكون بدلا من قوله: # إذ همت طآئفتان # [آل عمران: 122]، فهذه ثلاثة أوجه. # فصل # روي عن ابن عباس والكلبي والواقدي ومقاتل ومحمد ~~بن إسحاق: أنه يوم أحد، لوجوه: # أحدها: أن يوم بدر إنما أمد الرسول صلى الله عليه وسلم بألف من ~~الملائكة لقوله: # إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم ~~بألف من الملائكة # [الأنفال: 9]، فكيف يليق به ما ذكر فيه ثلاثة آلاف، وخمسة آلاف؟ # وثانيها: أن الكفار كانوا يوم بدر ألفا، وما يقرب منه، والمسلمون ms2153 ~~كانوا على الثلث منهم؛ لأنهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، فأنزل الله تعالى ~~يوم بدر ألفا من الملائكة، فصار عدد الكفار مقابلا بعدد الملائكة مع ~~زيادة عدد المسلمين، فلا جرم، وقعة الهزيمة على الكفار، فكذلك يوم احد، ~~كان عدد المسلمين ألفا، وعدد الكفار ثلاثة آلاف، فكان عدد المسلمين على ~~الثلث من عدد الكفار في هذا اليوم، فوعدهم الله في هذا اليوم أن ينزل ~~ثلاثة آلاف من الملائكة؛ ليصير عدد الكفار مقابلا لعدد الملائكة، مع ~~زيادة عدد المسلمين، فيصير ذلك دليلا على أن المسلمين يهزمونهم، كما ~~هزموهم يوم بدر، ثم جعل الثلاثة آلاف خمسة آلاف لتزداد قوة المسلمين في ~~هذا اليوم ويزول الخوف عن قلوبهم. # وثالثها: أنه قال في هذه الآية: { ويأتوكم من فورهم ~~هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة ~~مسومين }. # والمراد: ويأتيكم أعداؤكم من فورهم، ويوم أحد هذا اليوم الذي كان ~~يأتيهم الأعداء، فأما يوم بدر، فإنهم لم يأتوهم، بل هم ذهبوا إلى ~~الأعداء. # فإن قيل: إنه صلى الله عليه وسلم وعدهم بخمسة آلاف يوم أحد، فحصول ~~الإمداد بثلاثة آلاف يلزم منه الخلف في الوعد؟ # فالجواب من وجهين: # الأول: أن إنزال الآلاف الخمسة، كان مشروطا بأن يصبروا، ويتقوا في ~~المغانم، فخالفوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فلما فات الشرط، فات ~~المشروط، وأما إنزال الآلاف الثلاثة، فقد وعد المؤمنين بها حين ~~بوأهم مقاعد القتال. # الثاني: أنا لا نسلم أن الملائكة ما نزلت. # روى الواقدي عن مجاهد قال: حضرت الملائكة يوم أحد، ولكنهم لم ~~يقاتلوا، وروي # " أن الرسول صلى الله عليه وسلم أعطى اللواء مصعب بن عمير، ~~فقتل مصعب، فأخذه ملك في صورة مصعب، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: تقدم يا مصعب، فقال الملك: لست بمصعب، فعرف الرسول صلى ~~الله عليه وسلم أنه ملك أمد به ". # وعن سعد بن أبي وقاص أنه قال: كنت أرمي السهم يومئذ، فيرد علي رجل ~~أبيض، حسن الوجه، وما كنت أعرفه، وظننت أنه ملك. # فعلى هذا القول يكون قوله تعالى: { ولقد نصركم الله ~~ببدر ms2154 } معترضا بين الكلامين. # وقال قتادة: أمدهم الله يوم بدر بألف من الملائكة، على ما قال: # فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة # [الأنفال: 9]، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف، كما قال ~~هاهنا: { بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من ~~فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف } [آل ~~عمران: 125]، فصبروا يوم بدر واتقوا، فأمدم الله بخمسة آلاف كما وعد، ~~ويدل على ذلك أن قلة العدد والعدد كانت يوم بدر أكثر، فكان ~~الاحتياج إلى المدد يقوي القلب - في ذلك اليوم - أكثر، فصرف الكلام ~~إليه أولى؛ ولأن الوعد بإنزال ثلاثة آلاف من الملائكة كان مطلقا، غير ~~مشروط بشرط، فوجب أن يحصل، وإنما حصل يوم بدر، لا يوم أحد، وليس ~~لأحد أن يقول: إنهم نزلوا، لكن ما قاتلوا؛ لأنهم وعدوا بالإمداد، ~~وبمجرد الإنزال لا يحصل الإمداد، بل لا بد من الإعانة، والإعانة حصلت ~~يوم بدر، لا يوم أحد. # وأما الجواب عن أدلة الأولين، فأما قولهم - في الحجة الأولى - إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، إنما أمد يوم بدر بألف، فالجواب من ~~وجهين: # الأول: أنه - تعالى - أمد أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم بألف، ثم زاد ~~فيهم ألفين، فصاروا ثلاثة آلاف، ثم زاد ألفين آخرين، فصاروا خمسة آلاف ~~فكأنه صلى الله عليه وسلم قال لهم: # " ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف؟ فقالوا: بلى فقال لهم: ~~إن تصبروا وتتقوا يمددكم ربكم بخمسة آلاف ". # الثاني: أن أهل بدر إنما أمدوا بألف - على ما ذكر في سورة الأنفال ~~ثم بلغهم أن بعض المشركين يريد إمداد قريش بعدد كثير، فخافوا، وشق ~~عليهم ذلك، لقلة عددهم، فوعدهم الله بأن الكفار إن جاءهم مدد، فأنا ~~أمدكم بخمسة آلاف من الملائكة، ثم إنه لم يأت قريشا ذلك المدد بل ~~انصرفوا حين بلغهم هزيمة قريش، فاستغنى إمداد المسلمين عن الزيادة على ~~الألف. # وأما قولهم: إن الكفار كانوا - يوم بدر - ألفا، فأنزل الله تعالى ~~ألفا من الملائكة، ويوم أحد كانوا ثلاثة آلاف فأنزل الله ثلاثة آلاف، ~~فهذا لا يوجب أن يكون الأمر كذلك، ms2155 بل يفعل الله ما يشاء من زيادة ~~ونقص بحسب ما يريد، وأما التمسك بقوله: { ويأتوكم من ~~فورهم } فالجواب: أن المشركين لما سمعوا أن الرسول عليه الصلاة ~~والسلام وأصحابه قد تعرضوا للعير ثار الغضب في قلوبهم، واجتمعوا، ~~وقصدوا النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إن الصحابة لما سمعوا ذلك، خافوا ~~فأخبر الله تعالى أنهم إن يأتوكم من فورهم يمددكم بخمسة آلاف من ~~الملائكة. # فصل # قال القرطبي: " نزول الملائكة سبب من أسباب النصر، لا يحتاج إليه ~~الرب تعالى، وإنما يحتاج إليه المخلوق، فليعلق القلب بالله، ~~وليثق به، فهو الناصر بسبب وبغير سبب # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن فيكون # [يس: 82]، لكن أخبر بذلك ليمتثل الخلق ما أمرهم به من الأسباب التي ~~قد خلت من قبل # ولن تجد لسنة الله تبديلا # [الأحزاب: 62]، ولا يقدح ذلك في التوكل، وهو رد على من قال: إن ~~الأسباب إنما سنت في حق الضعفاء، لا الأقوياء؛ فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه كانوا أقوياء، وغيرهم هم الضعفاء، وهذا واضح ". # فصل في اختلافهم في عدد الملائكة # اختلفوا في عدد الملائكة، فمن الناس من ضم العدد الناقص إلى العدد ~~الزائد؛ فقالوا: الوعد بإمداد الثلاثة لا شرط فيه، والوعد بإمداد الخمسة ~~مشروط بالصبر والتقوى، ومجيء الكفار من فورهم، فلا بد من التغاير، ~~وهذا القول ضعيف، لأنه لا يلزم من كون الخمسة مشروطة، أن تكون الثلاثة ~~التي هي جزؤها مشروطة بذلك الشرط. # ومنهم من أدخل العدد الناقص في العدد الزائد. # فعلى القول الأول إن حملنا الآية على قصة بدر، كان عدد الملائكة تسعة ~~آلاف؛ لأنه تعالى ذكر الألف وذكر ثلاثة آلاف، وذكر خمسة آلاف، فالمجموع ~~تسعة آلاف. # وإن حملناها على قصة أحد، فإنما فيها ذكر الثلاثة والخمسة، فيكون ~~المجموع ثمانية آلاف. # وعلى القول الثاني: وهو إدخال الناقص في الزائد، فإن حملنا الآية على ~~قصة بدر، فقالوا: عدد الملائكة: خمسة آلاف؛ لأنهم وعدوا بالألف، ثم ~~ضم إليه الألفان، فصاروا ثلاثة، ثم ضم إليه ألفان، فلا جرم، وعدوا ~~بخمسة آلاف. ms2156 # وقد روي # " أن أهل بدر أمدوا بألف، فقيل: إن كرز بن جابر المحاربي ~~يريد أن يمد المشركين، فشق ذلك على المسلمين، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لهم: " ألن يكفيكم " # يعني بتقدير أن يجيء المشركين مدد، فالله - تعالى - يمدكم - أيضا - ~~بثلاثة آلاف وخمسة آلاف، ثم إن المشركين ما جاءهم المدد. # وإن حملناها على قصة أحد، فيكون عدد الملائكة ثلاثة آلاف؛ لأن ~~الخمسة، وعدوا بها بشرط أن يصبروا ويتقوا، ويأتوهم من الفور. # فصل # أجمع المفسرون وأهل السير على أن الله - تعالى - أنزل الملائكة يوم ~~بدر، وأنهم قاتلوا الكفار. # قال ابن عباس ومجاهد: لم تقاتل الملائكة في المعركة إلا يوم بدر، وفيما ~~سوى ذلك يشهدون القتال، ولا يقاتلون، إنما يكونون عددا ومددا وهذا قول ~~الأكثرين. # وقال الحسن: هؤلاء الخمسة آلاف ردء المؤمنين إلى يوم القيامة في ~~المعركة. # وأنكر ابو بكر الأصم ذلك أشد الإنكار، واحتج عليه بوجوه: # الأول: أن الملك الواحد يكفي في إهلاك أهل الأرض؛ فإن المشهور أن ~~جبريل - عليه السلام - أدخل جناحه تحت المدائن السبع لقوم لوط، وبلغ ~~جناحه إلى الأرض السابعة، ثم رفعها إلى السماء، فجعل عاليها سافلها، ~~فإذا حضر هو يوم بدر، فأي حاجة إلى مقاتلة الناس مع الكفار؟ ثم ~~بتقدير حضوره، فأي فائدة في إرسال سائر الملائكة؟ # الثاني: أن أكابر الكفار كانوا مشهورين، وكل واحد منهم مقابله من ~~الصحابة معلوم، وإذا كان كذلك امتنع إسناد قتله إلى الملائكة. # الثالث: أن الملائكة لو قاتلوا لكانوا إما أن يصيروا بحيث يراهم الناس، ~~أو لا، فإن رآهم الناس، فإما أن يروهم في صورة الناس، أو في صورة غيرهم، ~~فإن رأوهم في صورة الناس، صار المشاهد من عسكر الرسول ثلاثة آلاف ~~أو أكثر، ولم يقل بذلك أحد؛ لأنه مخالف لقوله تعالى: # ويقللكم في أعينهم # [الأنفال: 44] وإن شاهدوهم في صور غير صور الناس، لزم وقوع الرعب ~~الشديد في قلوب الخلق؛ لأن من شاهد الجن، لا شك أنه يشتد فزعه - ولم ~~ينقل ذلك ألبتة - وإن لم يروهم، فعلى هذا التقدير إذا حاربوا، وحزوا ms2157 ~~الرؤوس، وشقوا البطون، وأسقطوا الكفار عن الأفراس، فحينئذ إذا شاهد ~~الكفار هذه الأفعال مع أنهم لم يشاهدوا أحدا من الفاعلين، وهذا يكون من ~~أعظم المعجزات، فيجب أن لا يبقى منهم كافر ولا متمرد، ولما لم يوجد شيء ~~من ذلك عرف فساده. # الرابع: أن الملائكة الذين نزلوا، إما أن يكونوا أجساما لطيفة أو ~~كثيفة، فإن كانت كثيفة وجب أن يراهم الكل كرؤية غيرهم، ومعلوم أن الأمر ~~ما كان كذلك، وإن كانت لطيفة مثل الهواء - لم يكن فيهم صلابة وقوة، ~~ويمتنع كونهم راكبين على الخيول. # والجواب: أن نص القرآن ناطق بها، وقد وردت في الأخبار قريب من التواتر ~~قال عبد الله بن عمير لما رجعت قريش من أحد، جعلوا يتحدثون في ~~أنديتهم بما ظفروا، ويقولون: لم نر الخيل البلق، ولا الرجال ~~البيض الذين كنا نراهم يوم بدر. # وقال سعد بن أبي وقاص: رأيت عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن ~~شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض، ما رأيتهما قبل، ولا بعد. # قال سعد بن إبراهيم: يعني: جبريل وميكائيل. # وهذه الشبهة إنما تليق بمن ينكر القرآن والنبوة، فأما من يقر بهما، ~~فلا يليق به شيء من هذا، وهذه الشبهة إذا قابلناها بكمال قدرة الله - ~~تعالى - زالت؛ فإنه - تعالى - يفعل ما يشاء؛ لأنه قادر على جميع ~~الممكنات. # فصل # اختلفوا في كيفية نصرة الملائكة. # فقال بعضهم: بالقتال مع المؤمنين. # وقال بعضهم: بل بتقوية نفوسهم، وإشعارهم بأن النصرة لهم، وإلقاء ~~الرعب في قلوب الكفار. # وقال أكثر المفسرين: إنهم لم يقاتلوا في غير بدر. # قوله: { ألن يكفيكم } معنى الكفاية: هو سد الخلة، والقيام ~~بالأمر. # يقال: كفاه أمر كذا، أي: سد خلته. # والإمداد: إعانة الجيش بالجيش، وهو في الأصل إعطاء الشيء حالا بعد حال. # قال المفضل: ما كان على جهة القوة والإعانة، قيل فيه: أمده ~~يمده، وما كان على جهة الزيادة، قيل فيه: مده يمده مدا ~~ومنه: # والبحر يمده من بعده سبعة أبحر # [لقمان: 27]. # وقيل: المد في الشر، والإمداد في الخير؛ لقوله تعالى: # ويمدهم في ms2158 طغيانهم يعمهون # [البقرة: 15] وقوله: # ونمد له من العذاب مدا # [مريم: 79] وقال في الخير: # أني ممدكم بألف # [الأنفال: 9] وقال: # وأمددناكم بأموال وبنين # [الإسراء: 6]. # قوله: { أن يمدكم } فاعل، { ألن يكفيكم } أي: ألن يكفيكم ~~إمداد ربكم، والهمزة لما دخلت على النفي قررته على سبيل الإنكار، وجيء ~~ب " لن " دون " لا "؛ لأنها أبلغ في النفي، وفي مصحف أبي " ألا " بدون ~~" لن " وكأنه قصد تفسير المعنى. # و " بثلاثة " متعلق ب { يمدكم }. # وقرأ الحسن البصري " ثلاثة آلاف " - بهاء - ساكنة في الوصل - وكذلك " ~~بخمسة آلاف " كأنه أجرى الوصل مجرى الوقف، وهي ضعيفة؛ لأنها في ~~متضايفين تقتضيان الاتصال. # قال ابن عطية: ووجه هذه القراءة ضعيف؛ لأن المضاف والمضاف إليه كالشيء ~~الواحد يقتضيان الاتصال إذ هما كالاسم الواحد، وإنما الثاني كمال الأول، ~~والهاء إنما هي أمارة وقف، فيتعلق الوقف في موضع إنما هو للاتصال، لكن قد ~~جاء نحو هذا للعرب في مواضع، من ذلك ما حكاه الفراء من قولهم: أكلت ~~لحما شاة - يريدون لحم شاة - فمطلوا الفتحة، حتى نشأت عنها ألف، ~~كما قالوا في الوقف قالا - يريدون قال - ثم مطلوا الفتحة في القوافي، ~~ونحوها من مواضع الرؤية والتثبيت. # ومن ذلك في الشعر قوله: [الكامل] # 1610- ينباع من ذفرى غضوب جسرة # زيافة مثل الفنيق المكدم # يريد: " ينبع " ، فمطل ومثله قول الآخر: [الرجز] # 1611- أقول إذ خرت على الكلكال # يا ناقتا ما جلت من مجال # يريد: " الكلكل " ، فمطل ومثله قول الشاعر: [الوافر] # 1612- فأنت من الغوائل حين ترمى # ومن ذم الرجال بمنتزاح # يريد: بمنتزح. # قال أبو الفتح: " فإذا جاز أن يعترض هذا [الفتور] والتمادي بين أثناء ~~الكلمة الواحدة، جاز التمادي بين المضاف والمضاف إليه، إذ هما اثنان ". # قال أبو حيان - بعد نقل كلام ابن عطية -: " وهو تكثير وتنظير بغير ما ~~يناسب، والذي يناسب توجيه هذه القراءة الشاذة أنها من إجراء الوصل ~~مجرى الوقف، وإجراء الوقف مجرى الوصل والوصل مجرى الوقف موجود ~~في كلامهم وأما قوله: لكن قد جاء نحو هذا للعرب في مواضع، وجميع ما ذكر ~~إنما هو من باب إشباع الحركة، وإشباع الحركة ms2159 ليس نحو إبدال التاء هاء في ~~الوصل، وإنما نظير هذا قولهم: ثلاثة أربعة، أبدل التاء هاء، ثم نقل ~~حركة همزة أربعة إليها، وحذف الهمزة، فأجرى الوصل مجرى الوقف في ~~الإبدال، ولأجل الوصل نقل فأجرى الوصل مجرى الوقف؛ إذ لا يكون هذا ~~النقل إلا في الوصل ". # وقرئ شاذا - أيضا -: بثلاثة آلاف - بتاء ساكنة، وهي أيضا من إجراء ~~الوصل مجرى الوقف من حيث السكون واختلفوا في هذه التاء الموقوف عليها ~~الآن، أهي تاء التأنيث التي كانت، فسكنت فقط، أو هي بدل من هاء التأنيث ~~المبدلة من التاء؟ ولا طائل تحته. # قوله: { من الملائكة } يجوز أن تكون " من " للبيان، وأن تكون ~~" من " ومجرورها في موضع الجر صفة ل " لثلاثة " أو ل " آلاف ". # قوله: { منزلين } صفة ل " ثلاثة آلاف " ، ويجوز أن يكون حالا من ~~" الملائكة " والأول أظهر. وقرأ ابن عامر " منزلين " - بالتضعيف ~~- وكذلك شدد قوله في سورة العنكبوت: # إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من ~~السمآء # [العنكبوت: 34] إلا أنه هنا - اسم مفعول، وهناك اسم فاعل. # والباقون خففوها وقرأها ابن أبي عبلة - هنا - منزلين - ~~بالتشديد مكسور الزاي، مبنيا للفاعل. # وبعضهم قرأه كذلك، إلا أنه خفف الزاي، جعله من أنزل - كأكرم - والتضعيف ~~والهمزة كلاهما للتعدية، ففعل وأفعل بمعنى، وقد تقدم أن الزمخشري جعل ~~التشديد دالا على التنجيم وتقدم البحث معه في ذلك وفي القراءتين ~~الأخيرتين يون المفعول محذوفا، أي: منزلين النصر على المؤمنين، والعذاب ~~على الكافرين. # قوله: { بلى } حرف جواب، وهو إيجاب للنفي في قوله: { ألن ~~يكفيكم } وقد تقدم الكلام عليه وجواب الشرط قوله: { يمددكم ~~}. # والفوز: العجلة والسرعة، ومنه: فارت القدر، إذا اشتد غليانها وسارع ~~ما فيها إلى الخروج، و الفوز مصدر، يقال: فار يفور فورا، قال ~~تعالى: # حتى إذا جآء أمرنا وفار التنور # [هود: 40]، ثم جعلوا هذه اللفظة استعارة في السرعة، يقال: جاء فلان من ~~فوره وفيه قول الأصوليين الأمر للفور ويعبر به عن الغضب والحدة؛ لأن ~~الغضبان يسارع إلى البطش بمن يغضب عليه، فالفور - في الأصل -: مصدر، ثم ~~يعبر به عن الحالة التي ms2160 لا ريث فيها ولا تعريج على شيء سواها وقال ~~ابن عباس والحسن وقتادة وأكثر المفسرين: معنى " من فورهم هذا ": من ~~وجههم هذا. # وقال مجاهد والضحاك: من غضبهم هذا؛ لأنهم إنما رجعوا للحرب يوم ~~أحد من غضبهم ليوم بدر. # قوله: { مسومين } كقوله: { منزلين } ، وقرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو وعاصم بكسر الواو، على اسم الفاعل، والباقون بفتحها على ~~اسم المفعول، فأما القراءة الأولى، فيحتمل أن تكون من السوم - وهو ترك ~~الماشية ترعى - والمعنى: أنهم سوموا خيلهم، أي أعطوها سومها من ~~الجري والجولان، وتركوها كذلك، كما يفعل من يسيم ماشيته في المرعى. # ويحتمل أن تكون من السومة - وهي العلامة - على معنى أنهم سوموا أنفسهم، ~~أو خيلهم. # روي أنهم كانوا على خيل بلق، قال عروة بن الزبير: كانت الملائكة ~~على خيل بلق، عليهم عمائم بيض، قد أرسلوها بين أكتافهم. # وقال هشام بن عروة: عمائم صفر. # وروي أنهم كانوا بعمائم بيض، إلا جبريل فبعمامة صفراء، على مثال الزبير ~~بن العوام. # قال قتادة والضحاك: كانوا قد علموا بالعهن في نواصي الخيل ~~وأذنابها. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر: # " تسوموا، فإن الملائكة قد تسومت بالصوف الأبيض في قلانسهم ومغافرهم " # وأما القراءة الثانية، فواضحة بالمعنيين المذكورين، فمعنى السوم فيها: ~~أن الله أرسلهم، إذ الملائكة كانوا مرسلين من عند الله لنصرة نبيه ~~والمؤمنين. # قال أبو زيد: سوم الرجل خيله، أي أرسلها. # وحكى بعضهم: سومت غلامي، أي: أرسلته، ولهذا قال الأخفش: معنى " ~~مسومين " مرسلين. # ومعنى السومة فيها: أن الله - تعالى - سومهم، أي جعل عليهم علامة، وهي ~~العمائم، أو أن الملائكة جعلوا خيلهم نوعا خاصا - وهي البلق - فقد ~~سوموا خيلهم. # فصل # قال القرطبي: " وفي الآية دلالة على اتخاذ الشارة، والعلامة ~~للقبائل، والكتائب، يجعلها السلطان لهم؛ لتتميز كل قبيلة وكتيبة من غيرها ~~عند الحرب، وعلى فضل الخيل البلق؛ لنزول الملائكة عليها ". # قال القرطبي: " ولعلها نزلت على البلق موافقة لفرس المقداد؛ فإنه كان ~~أبلق، ولم يكن له فرس غيره، فنزلت الملائكة على الخيل البلق، إكراما ~~للمقداد، كما نزل ms2161 جبريل معتما بعمامة صفراء على مثال الزبير ". # قوله: { وما جعله الله إلا بشرى } الكناية في " ~~جعله " عائدة على المصدر، أي: ما جعل الإمداد إلا بشرى لكم بأنكم ~~تنصرون، وهذا الاستثناء فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه مفعول من أجله، وهو استثناء مفرغ؛ إذ التقدير: وما جعله لشيء ~~من الأشياء إلا للبشرى، وشروط نصبه موجودة، وهي اتحاد الفاعل، ~~والزمان، وكونه مصدرا سيق للعلة. # والثاني: أنه مفعول ثان ل " جعل " على أنها تصييرية. # والثالث: أنه بدل من الهاء في " جعله " قاله الحوفي وجعل الهاء ~~عائدة على الوعد بالمدد. # والبشرى: مصدر على " فعلى " كالرجعى. # وقيل: اسم من الإبشار، وتقدم الكلام في معنى البشرى في قوله تعالى: # وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات # [البقرة: 25]. # قوله: { ولتطمئن } فيه وجهان: # أحدهما: أنه معطوف على " بشرى " هذا إذا جعلناها مفعولا من أجله، ~~وإنما جر باللام؛ لاختلال شرط من شروط النصب - وهو عدم اتحاد الفاعل - ~~فإن فاعل الجعل هو الله - تعالى - وفاعل الاطمئنان القلوب، فلذلك نصب ~~المعطوف عليه لاستكمال الشروط، وجر المعطوف باللام لاختلال شرطه، وقد ~~تقدم، والتقدير: وما جعله إلا للبشرى وللطمأنينة. # والثاني: أنها متعلقة بمحذوف، أي: ولتطمئن قلوبكم، فعلى ذلك، أو كان كيت ~~وكيت. # وقال أبو حيان: و " تطمئن " منصوب بإضمار " أن " بعد لام " كي " ، فهو ~~من عطف الاسم على توهم موضع اسم آخر. # ثم نقل عن ابن عطية أنه قال: " اللام في { ولتطمئن } متعلقة ~~بفعل مضمر يدل عليه " جعله " ومعنى الآية: وما كان هذا الإمداد إلا ~~لتستبشروا به، ولتطمئن به قلوبكم. # قال أبو حيان: " وكأنه رأى أنه لا يمكن - عنده - أن يعطف { ~~ولتطمئن } على { بشرى } ، على الموضع؛ لأن من شرط العطف على ~~الموضع - عند أصحابنا - أن يكون ثم محرز للموضع، ولا محرز هنا؛ لأن ~~عامل الجر مفقود، ومن لم يشترط المحرز، فيجوز ذلك على مذهبه وسيكون ~~من باب العطف على التوهم ". # قال شهاب الدين: " وقد جعل بعضهم الواو في { ولتطمئن } زائدة، ~~وهو لائق بمذهب الأخفش، وعلى هذا فتتعلق اللام بالبشرى، أي: أن البشرى ~~علة للجعل، والطمأنينة علة ms2162 للبشرى، فهي علة العلة ". # قال ابن الخطيب: في ذكر الإمداد مطلوبان وأحدهما أقوى في المطلوبية ~~من الآخر: # فأحدهما: إدخال السرور في قلوبهم، وهو المراد بقوله: { إلا بشرى ~~}. # الثاني: حصول الطمأنينة بالنصر، فلا يجنبون، وهذا هو المقصود الأصلي، ~~ففرق بين هاتين العبارتين تنبيها على حصول التفاوت بين الأمرين في ~~المطلوبية، فعطف الفعل على الاسم، ولما كان الأقوى حصول الطمأنينة، أدخل ~~حرف التعليل على فعل الطمأنينة، فقال: { ولتطمئن } ونظيره قوله: # والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة # [النحل: 8] لما كان المقصود الأصلي هو الركوب، أدخل عليه حرف التعليل، ~~فكذا هاهنا. # قال أبو حيان: " ويناقش في قوله: عطف الفعل على الاسم؛ إذ ليس من عطف ~~الفعل على الاسم وفي قوله: أدخل حرف التعليل، وليس ذلك كما ذكره ". # انتهى. # قال شهاب الدين: " إن عنى الشيخ أنه لم يدخل حرف التعليل ألبتة، ~~فهذا لا يمكن إنكاره ألبتة، وإن عنى أنه لم يدخله بالمعنى الذي قصده ~~الإمام فسهل ". # وقال الجرجاني في نظمه: " هذا على تأويل: وما جعله الله إلا ~~ليبشركم ولتطمئن، ومن أجاز إقحام الواو - وهو مذهب الكوفيين - جعلها ~~مقحمة في { ولتطمئن } فيكون التقدير: وما جعله الله إلا بشرى ~~لكم؛ لتطمئن قلوبكم به ". # والضميران في قوله { وما جعله } ، و " به " يعودان على الإمداد ~~المفهوم من الفعل المتقدم، وهو قوله: " يمددكم ". # وقيل: يعودان على النصر. # وقيل: على التسويم. # وقيل: على التنزيل. # وقيل: على المدد. # وقيل: على الوعد. # فصل # قال في هذه الآية: " لكم " وتركها في سورة الأنفال؛ لأن تيك مختصر ~~هذه، فكان الإطناب - هنا- أولى؛ لأن القصة مكملة هنا، فناسب إيناسهم ~~بالخطاب المواجه، وأخر - هنا - " به " وقدمه في سورة الأنفال؛ لأن الخطاب ~~- هنا - موجود في " لكم " فأتبع الخطاب الخطاب، وهنا جاء بالصفتين ~~تابعتين في قوله: { العزيز الحكيم } وجاء بهما في جملة مستأنفة ~~في سورة الأنفال، في قوله: # إن الله عزيز حكيم # [الأنفال: 10]؛ لأنه لما خاطبهم - هنا - حسن تعجيل بشارتهم بأنه عزيز ~~حكيم، أي: لا يغالب، وأن أفعاله كلها متقنة حكمة وصواب، فالنصر من عنده, ~~فاستعينوا به، وتوكلوا عليه؛ لأن العز ms2163 والحكم له. # قوله: { ليقطع } في متعلق هذه اللام سبعة أوجه: # أحدها: أنها متعلقة بقوله: { ولقد نصركم الله } قاله ~~الحوفي، وفيه بعد؛ لطول الفصل. # الثاني: أنها متعلقة بالنصر في قوله: { وما النصر إلا من ~~عند الله } والمعنى: أن المقصود من نصركم، هو أن تقطعوا طرفا من ~~الذين كفروا، أي: تملكوا طائفة منهم، وتقتلوا قطعة منهم، وفي هذا نظر من ~~حيث إنه قد فصل بين المصدر ومتعلقه بأجنبي، وهو الخبر. # الثالث: أنها متعلقة بما تعلق به الخبر، وهو قوله: { من عند ~~الله } ، والتقدير: وما النصر إلا كائن، أو إلا مستقر من عند الله ~~ليقطع. # والرابع: أنها متعلقة بمحذوف، تقديره: أمدكم، أو نصركم، ~~ليقطع. # الخامس: أنها معطوفة على قوله: " ولتطمئن " حذف حرف العطف لفهم المعنى؛ ~~لأنه إذا كان البعض قريبا من البعض جاز حذف العاطف، كقوله: # ثلاثة رابعهم كلبهم # [الكهف: 22] وقول السيد لعبده: أكرمتك لتخدمني، لتعينني، لتقوم بخدمتي، ~~فحذف العاطف لقرب البعض من البعض، فكذا هنا وعلى هذا فتكون الجملة في ~~قوله: { وما النصر إلا من عند الله } اعتراضية بين ~~المعطوف والمعطوف عليه، وهو ساقط الاعتبار. # السادس: أنها متعلقة بالجعل قاله ابن عطية. # السابع: أنها متعلقة بقوله: { يمددكم } وفيه بعد؛ للفواصل ~~بينهما. # والطرف: المراد به: جماعة، وطائفة، وإنما حسن ذكر الطرف - هنا- ولم ~~يحسن ذكر الوسط؛ لأنه لا وصول إلى الوسط إلا بعد الأخذ من الطرف، وهذا ~~يوافق قوله تعالى: # قاتلوا الذين يلونكم # [التوبة: 123] وقوله: # أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من ~~أطرافها # [الرعد: 41]. # قوله: { من الذين } يجوز أن يكون متعلقا بالقطع، فتكون " ~~من " لابتداء الغاية، ويجوز أن يتعلق بمحذوف، على أنه صفة ل " طرفا ~~" وتكون " من " للتبعيض. # قوله: { أو يكبتهم } عطف على " ليقطع ". # و " أو "؛ قيل: على بابها من التفصيل، أي: ليقطع طرفا من البعض، ويكبت ~~بعضا آخرين. # وقيل: بل هي بمعنى الواو، أي: يجمع عليهم الشيئين. # والكبت: الإصابة بمكروه. # وقيل: هو الصرع للوجه واليدين، وعلى هذين فالتاء أصلية، ليست بدلا ~~من شيء، بل هي مادة مستقلة. # وقيل: أصله من كبده، إذا أصابه ms2164 بمكروه أثر في كبده وجعا، كقولك: ~~رأسته، أي: أصبت رأسه، ويدل على ذلك قراءة لاحق بن حميد: أو يكبدهم - ~~بالدال - والعرب تبدل التاء من الدال، قالوا: هرت الثوب، وهرده، ~~وسبت رأسه، وسبده - إذا حلقه -. # وقد قيل: إن قراءة لاحق أصلها التاء، وإنما أبدلت دالا، كقولهم: سبد ~~رأسه، وهرد الثوب، والأصل فيهما التاء. # فصل # معنى قوله: { ليقطع طرفا } أي: ليهلك طائفة. # وقال السدي: ليهدم ركنا من أركان الشرك بالقتل والأسر، ~~فقتل من قادتهم وسادتهم يوم بدر - سبعون، وأسر سبعون، ومن حمل ~~الآية على أحد، فقد قتل منهم يومئذ ستة عشر، وكانت النصرة ~~للمسلمين، حتى خالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فانقلبت عليهم. # { أو يكبتهم }. # قال الكلبي: يهزمهم. # وقال السدي: يلعنهم. # وقال أبو عبيدة: يهلكهم ويصرعهم على وجوههم. # وقيل: يخزيهم والمكبوت الحزين. # وقيل: يغيظهم. # وقيل: يذلهم. # قوله: { فينقلبوا خآئبين } لن ينالوا خيرا مما كانوا يرجون ~~من الظفر بكم. # والخيبة لا تكون إلا بعد التوقع، وأما اليأس فإنه يكون بعد التوقع ~~وقبله، فنقيض اليأس الرجاء، ونقيض الخيبة: الظفر يقال: خاب يخيب ~~خيبة. # و { خآئبين } نصب على الحال. ### || [3.128] # اختلفوا في سبب النزول. # فقيل: نزلت في قصة أحد، وهؤلاء اختلفوا على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يدعو على الكفار، فنزلت هذه ~~الآية، وهؤلاء ذكروا أقوالا: # أحدها: أن عتبة بن أبي وقاص شجه، وكسر رباعيته، فجعل يمسح ~~الدم عن وجهه، وسالم مولى أبي حذيفة يغسل عن وجهه الدم، وهو يقول: كيف ~~يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم، وهو يدعوهم إلى ربهم؟ ثم أراد ~~أن يدعو عليهم، فنزلت هذه الآية. # وروى سالم بن عبد الله عن أبيه عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لعن أقواما، فقال: # " اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن صفوان ~~بن أمية " # فنزلت هذه الآية. # { أو يتوب عليهم } فتاب على هؤلاء، وحسن إسلامهم. # وقيل: نزلت في حمزة بن عبد المطلب لما رأى النبي صلى الله عليه ~~وسلم ms2165 ما فعلوا به من المثلة، قال: لأمثلن بهم كما مثلوا به. ~~فنزلت هذه الآية. # قال القفال: وكل هذه الأشياء حصلت يوم أحد، فنزلت الآية عند الكل، ~~فلا يمنع حملها على الكل. # الثاني: أنها نزلت بسبب أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يلعن المسلمين ~~الذين خالفوا أمره والذين انهزموا، فمنعه الله من ذلك قاله ابن عباس. # الثالث: أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يستغفر للمسلمين الذين ~~انهزموا، وخالفوا أمره، ويدعو لهم، فنزلت الآية. # القول الثاني: أنها نزلت في واقعة أخرى، وهي أنه صلى الله عليه وسلم ~~بعث جمعا من خيار أصحابه - وهم سبعون رجلا من القراء إلى بئر ~~معونة، في صفر سنة أربع من الهجرة، على رأس أربعة أشهر من أحد، ~~ليعلموا الناس القرآن والعلم، أميرهم المنذر بن عمرو، فذهب إليهم ~~عامر بن الطفيل مع عسكره فقتلهم، فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من ذلك وجدا شديدا، وقنت شهرا في الصلوات كلها يدعو على جماعة ~~من تلك القبائل باللعن والسنين، فنزلت الآية، قاله مقاتل وأكثر العلماء ~~متفقون على أنها في قصة أحد. # فإن قيل: ظاهر هذه الآية يدل على أنها وردت للمنع من أمر كان صلى الله ~~عليه وسلم يريد أن يفعله، وذلك الفعل إن كان بأمر الله، فكيف يمنعه منه؟ ~~وإن كان بغير أمر الله، فكيف يصح هذا مع قوله تعالى: # وما ينطق عن الهوى # [النجم: 3]؟ وأيضا فالآية دالة على عصمة الأنبياء، فالأمر الممنوع منه ~~في هذه الآية، إن كان حسنا فلم منعه الله؟ وإن كان قبيحا، فكيف ~~يكون فاعله معصوما؟ # فالجواب من وجهين: # الأول: أن المنع من الفعل لا يدل على أن الممنوع كان مشتغلا به؛ ~~فإنه تعالى - قال للنبي صلى الله عليه وسلم # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر: 65]، وإنه صلى الله عليه وسلم لم يشرك قط، وقال: # يأيها النبي اتق الله # [الأحزاب: 1] وهذا لا يدل على أنه ما كان يتقي الله، ثم قال: # ولا تطع الكافرين # [الأحزاب: 1]، وهذا لا يدل على أنه أطاعهم، والفائدة في ms2166 هذا المنع أنه ~~لما حصل ما يوجب الغم الشديد، والغضب العظيم، وهو قتل عمه حمزة، ~~وقتل المسلمين. والظاهر أن هذا الغضب يحمل الإنسان على ما لا ينبغي من ~~القول والفعل، فنص الله على المنع؛ تقوية لعصمته، وتأكيدا ~~لطهارته. # والثاني: لعله صلى الله عليه وسلم هم أن يفعل، لكنه كان ذلك من باب ~~ترك الأفضل، والأولى، فلا جرم، أرشده الله تعالى إلى اختيار ~~الأولى، ونظيره قوله تعالى: # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن ~~صبرتم لهو خير للصابرين واصبر وما صبرك ~~إلا بالله # [النحل: 126-127] فكأنه - تعالى - قال: إن كان لا بد أن تعاقب ذلك ~~الظالم فاكتف بالمثل، ثم قال ثانيا: وإن تركته كان ذلك أولى، ثم ~~أمره أمرا جازما بتركه، فقال: # واصبر وما صبرك إلا بالله # [النحل: 127]. # ووجه ثالث: وهو أنه صلى الله عليه وسلم لما مال قلبه إلى اللعنة عليهم، ~~استأذن ربه فيه، فنزلت الآية بالنص على المنع. وعلى هذا التقدير، فلا يدل ~~هذا النهي على القدح في العصمة. # فصل # في معنى الآية قولان: # الأول: ليس لك من مصالح عبادي شيء إلا ما أوحي إليك. # وثانيها: ليس لك في أن يتوب الله عليهم، ولا في أن يعذبهم شيء إلا إذا ~~كان على وفق أمري، وهو كقوله: # ألا له الحكم # [الأنعام: 62]، واختلفوا في هذا المنع من اللعن، لأي معنى كان؟ # فقيل: الحكمة فيه أنه - تعالى - ربما علم من حال بعض الكفار أنه يتوب، ~~وأنه سيولد له ولد، يكون مسلما، برا، تقيا، فإذا حصل دعاء ~~الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم بالهلاك، فإن قبلت دعوته فات هذا ~~المقصود، وإن لم تقبل دعوته كان ذلك كالاستخفاف بالرسول صلى الله ~~عليه وسلم، فلأجل هذا المعنى منعه الله تعالى - من اللعن، وأمره بأن ~~يفوض الكل إلى علم الله سبحانه وتعالى. # وقيل المقصود منه إظهار عجز العبودية وألا يخوض العبد في أسرار الله ~~تعالى. # قوله: { أو يتوب } في نصبه أوجه: # أحدها: أنه معطوف على الأفعال المنصوبة قبله، تقديره: ليقطع، أو ~~يتوب عليهم، أو يكبتهم، ms2167 أو يعذبهم. وعلى هذا فيكون قوله: { ليس لك ~~من الأمر شيء } جملة معترضة بين المتعاطفين، والمعنى: إن الله ~~تعالى هو المالك لأمرهم، فإن شاء قطع طرفا منهم، أو هزمهم، أو يتوب ~~عليهم إن أسلموا ورجعوا، أو يعذبهم إن تمادوا على كفرهم، وإلى هذا ~~التخريج ذهب جماعة من النحاة كالفراء، والزجاج. # الثاني: أن " أو " هنا بمعنى " إلا أن " كقولهم: لألزمنك أو تقضين حقي ~~أي: إلا أن تقتضينه. # الثالث: " أو " بمعنى: " حتى " ، أي: ليس لك من الأمر شيء حتى يتوب ~~وعلى هذين القولين فالكلام متصل بقوله: { ليس لك من الأمر ~~شيء } ، والمعنى: ليس لك من الأمر شيء إلا أن يتوب عليهم بالإسلام، ~~فيحصل لك سرور بهدايتهم إليه، أو يعذبهم بقتل، أو نار في الآخرة، فتشقى ~~بهم، وممن ذهب إلى ذلك الفراء، وأبو بكر بن الأنباري، قال الفراء: ومثل ~~هذا من الكلام: لألزمنك أو تعطيني، على معنى إلا أن تعطيني وحتى تعطيني ~~وأنشدوا في ذلك قول امرئ القيس: [الطويل] # 1613- فقلت له: لا تبك عينك إنما # تحاول ملكا، أو تموت، فتعذرا # أراد: حتى تموت، أو: إلا أن تموت. # قال شهاب الدين: " وفي تقدير بيت امرئ القيس ب " حتى " نظر؛ إذ ليس ~~المعنى عليه؛ لأنه لم يفعل ذلك لأجل هذه الغاية، والنحويون لم يقدروه إلا ~~بمعنى: إلا أن ". # الثالث: منصوب بإضمار: " أن " عطفا على قوله: " الأمر " ، كأنه قيل: ~~ليس لك من الأمر أو من توبته عليهم، أو تعذيبهم شيء، فلما كان في تأويل ~~الاسم عطف على الاسم قبله، فهو من باب قوله: [الطويل] # 1614- فلولا رجال من رزام أعزة # وآل سبيع، أو أسوءك علقما # وقوله: [الوافر] # 1615- للبس عباءة، وتقر عيني # أحب إلي من لبس الشفوف # الرابع: أنه معطوف - بالتأويل المذكور - على " شيء " ، والتقدير: ليس ~~لك من الأمر شيء، أو توبة الله عليهم، أو تعذيبهم، أي: ليس لك - أيضا - ~~توبتهم ولا تعذيبهم، إنما ذلك راجع إلى الله عز وجل. # وقرأ أبي: أو يتوب، أو يعذبهم، برفعهما على الاستئناف في جملة اسمية، ~~أضمر مبتدؤها، أي: هو يتوب، ويعذبهم. ms2168 # فصل # يحتمل أن يكون المراد من هذا العذاب: هو عذاب الدنيا - بالقتل والأسر ~~- وأن يكون عذاب الآخرة، وعلى التقديرين فعلم ذلك مفوض إلى الله ~~تعالى. # قوله: { فإنهم ظالمون } جملة مستقلة، والمقصود من ذكرها: ~~تعليل حسن والتعذيب، والمعنى: إن يعذبهم فبظلمهم. # واعلم أنه إذا كان الغرض من الآية منعه من الدعاء على الكفار صح ذلك، ~~وسماهم ظالمين؛ لأن الشرك ظلم، بل هو أعظم الظلم؛ لأن الله تعالى قال: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]. # وإن كان الغرض منها منعه من الدعاء على المسلمين الذين خالفوا أمره، صح ~~الكلام - أيضا -؛ لأن من عصى الله، فقد ظلم نفسه. ### || [3.129] # والمقصود منه: تأكيد ما ذكره أولا من قوله: # ليس لك من الأمر شيء # [آل عمران: 128]، والمعنى: إنما يكون ذلك لمن له الملك، وليس هو لأحد ~~إلا الله. # وقال: { ما في السماوات وما في الأرض } ولم يقل: من؛ لأن ~~الإشارة إلى الحقائق والماهيات، فدخل الكل فيه. # قوله: { يغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء } احتجوا بذلك ~~على أنه سبحانه - له أن يدخل الجنة - بحكم إلهيته - جميع ~~الكفار، وله أن يدخل النار - بحكم إلهيته - جميع المقربين، ولا ~~اعتراض عليه؛ لأن فعل العبد متوقف على الإرادة، وتلك الإرادة مخلوقة لله ~~- تعالى - فإذا خلق الله تلك الإرادة أطاع، وإذا خلق النوع الآخر من ~~الإرادة عصى، فطاعة العبد من الله، ومعصيته - أيضا - من الله - وفعل ~~الله لا يوجب على الله شيئا - ألبتة -، فلا الطاعة توجب الثواب، ولا ~~المعصية توجب العقاب، بل الكل من الله - بحكم إلهيته وقهره وقدرته - فصح ~~ما ادعيناه. # فإن قيل: أليس ثبت أنه لا يغفر للكفار، ولا يعذب ~~الملائكة والأنبياء - عليهم السلام. # قلنا: مدلول الآية أنه لو أراد فعل، ولا اعتراض عليه، وهذا القدر لا ~~يقتضي أنه يفعل، أو لا يفعل. # ثم قال: { والله غفور رحيم } والمقصود منه أنه وإن حسن كل ~~ذلك منه إلا أن جانب الرحمة والمغفرة غالب، لا على سبيل الوجوب، بل على ~~سبيل الفضل والإحسان. ### || [3.130-132] # قال بعضهم: إنه تعالى لما شرح عظيم نعمه ms2169 على المؤمنين، فيما يتعلق ~~بإرشادهم إلى الأصلح في أمر الدين والجهاد، اتبع ذلك بما يدخل في الأمر ~~والنهي، والترغيب والتحذير، وعلى هذا التقدير، فيكون ابتداء كلام، لا ~~تعلق له بما قبله. # وقال القفال: يحتمل أن يكون متصلا بما قبله من أن المشركين إنما ~~أنفقوا على تلك العساكر أموالا جمعوها بسبب الربا، فلعل ذلك يصير داعيا ~~للمسلمين على الإقدام على الربا، فيجمعوا المال، وينفقوه على ~~العساكر، فيتمكنون من الانتقام منهم، فنهاهم الله عن ذلك. # قوله: { أضعافا } جمع ضعف، ولما كان جمع قلة - والمقصود: الكثرة - ~~أتبعه بما يدل على الكثرة وهو الوصف بقوله: { مضاعفة }. # وقال أبو البقاء: { أضعافا } مصدر في موضع الحال من " الربا " ، ~~تقديره: مضاعفا، وتقدم الكلام على { أضعافا } ومفرده في البقرة. # وقرأ ابن كثير وابن عامر: " مضعفة " - مشددة العين، دون ألف. # والباقون بالألف والتخفيف، وتقدم الكلام على ذلك في البقرة. # فصل # لما كان الرجل في الجاهلية، إذا كان له على إنسان مائة درهم إلى أجل، ~~ولم يكن المديون واجدا لذلك المال فقال: زدني في المال حتى أزيدك في ~~الأجل، فربما جعله مائتين، ثم إذا حل الأجل الثاني، فعل مثل ذلك، ~~ثم إلى آجال كثيرة، فيأخذ بسبب تلك المائة أضعافها، فهذا هو المراد ~~بقوله: { أضعافا مضاعفة }. # قوله: { واتقوا الله لعلكم تفلحون } فإن اتقاء الله ~~واجب، والفلاح يقف عليه، وهذا يدل على أن الربا من الكبائر، وقد تقدم ~~الكلام على الربا في " البقرة ". # قوله تعالى: { واتقوا النار التي أعدت للكافرين ~~} في هذه الآية سؤالان. # الأول: أن النار التي أعدت للكافرين تكون بقدر كفرهم؛ وذلك أزيد مما ~~يستحقه المسلم بفسقه، فكيف قال: { واتقوا النار التي ~~أعدت للكافرين }؟ # والجواب: أن التقدير: اتقوا أن تجحدوا تحريم الربا، فتصيروا كافرين. # السؤال الثاني: أن ظاهر قوله: { أعدت للكافرين } يقتضي أنها ~~ما أعدت لغيرهم، وهذا يقتضي القطع بأن أحدا من المؤمنين لا يدخل النار، ~~وهو خلاف سائر الآيات. # والجواب عليه من وجوه: # أحدها: أنه لا يبعد أن يكون في النار دركات، أعد بعضها للكفار، ~~وبعضها للفساق، فتكون هذه ms2170 الآية إشارة إلى الدركات المخصوصة بالكفار، ~~وهذا لا يمنع ثبوت دركات أخرى أعدت لغير الكفار. # وثانيها: أن تكون النار معدة للكافرين، ولا يمنع دخول المؤمنين ~~فيها؛ لأن أكثر أهل النار الكفار، فذكر الأغلب، كما أن الرجل يقول: هذه ~~الدابة أعددتها للقاء المشركين، ولا يمنع من ركوبها لحوائجه، ~~ويكون صادقا في ذلك. # وثالثها: أن القرآن كالسورة الواحدة، فهذه الآية دلت على أن النار ~~معدة للكافرين، وباقي الآيات دلت أيضا على أنها معدة لمن سرق، وقتل، ~~وزنى، وقذف، ومثله قوله تعالى: # كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتهآ ألم ~~يأتكم نذير # [الملك: 8]، وليس جميع الكفار قال ذلك، وقوله: # فكبكبوا فيها هم والغاوون # [الشعراء: 94] إلى قوله: # إذ نسويكم برب العالمين # [الشعراء: 98]، وليس هذا صفة جميعهم، لما كانت هذه الصفات مذكورة في ~~سائر السور كانت كالمذكورة - هاهنا -. # الرابع: أن قوله: { أعدت للكافرين } إثبات كونها معدة لهم، ~~ولا يدل على الحصر، كقوله - في الجنة: # أعدت للمتقين # [آل عمران: 133]، ولا يدل ذلك على أنه لا يدخلها سواهم من الصبيان ~~والمجانين، والحور العين. # وخامسها: أن المقصود من وصفها - بكونها { أعدت ~~للكافرين }: تعظيم الزجر؛ لأن المؤمنين مخاطبين باتقاء ~~المعاصي، إذا علموا بأنهم متى فارقوا التقوى، دخلوا النار المعدة ~~للكافرين، وقد تقرر في عقولهم عظم عقوبة الكافرين، انزجروا عن المعاصي ~~أتم الانزجار، كما يخوف الوالد ولده بأنك إن عصيتني أدخلتك دار ~~السباع، ولا يدل ذلك على أن تلك الدار لا يدخلها غيرهم. # وهذه الآية تدل على أن النار مخلوقة في الأزل؛ لأن قوله: " أعدت " ~~إخبار عن الماضي، فلا بد وأن يكون ذلك الشيء دخل في الوجود. # قوله تعالى: { وأطيعوا الله والرسول لعلكم ~~ترحمون } لما ذكر الوعيد ذكر بعده الوعد - على عادته المستمرة في ~~القرآن. # قال محمد بن إسحاق بن يسار: هذه الآية معاتبة للذين عصوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، حين أمرهم بما أمرهم يوم أحد. ### || [3.133-134] # قرأ نافع، وابن عامر: سارعوا - بدون واو - وكذلك هي في مصاحف ~~المدينة والشام. # والباقون بواو العطف، وكذلك هي في مصاحف مكة والعراق ms2171 ومصحف عثمان. # فمن أسقطها استأنف الأمر بذلك، أو أراد العطف، لكنه حذف العاطف؛ لقرب ~~كل واحد منهما من الآخر في المعنى - كقوله تعالى: # ثلاثة رابعهم كلبهم # [الكهف: 22]، فإن قوله: { وسارعوا } ، وقوله: { وأطيعوا } ~~كالشيء الواحد، وقد تقدم ضعف هذا المذهب. # ومن أثبت الواو عطف جملة أمرية على مثلها، وبعد إتباع الأثر في ~~التلاوة، أتبع كل رسم مصحفه. # وروى الكسائي: الإمالة في { وسارعوا } ، و # أولئك يسارعون # [المؤمنون: 61]، و # نسارع لهم في الخيرات # [المؤمنون: 56] وذلك لمكان الراء المكسورة. # قوله: { من ربكم } صفة ل " مغفرة " ، و " من " ~~للابتداء مجازا. # فصل # قال بعضهم: في الكلام حذف، والتقدير: وسارعوا إلى ما يوجب مغفرة من ~~ربكم. # وفيه نظر؛ لأن الموجب للمغفرة، ليس إلا افعال المأمورات، وترك المنهيات، ~~فكان هذا أمرا بالمسارعة إلى فعل المأمورات، وترك المنهيات. # وتمسك كثير من الأصوليين بهذه الآية، في أن ظاهر الأمر يوجب الفور؛ ~~لأنه ذكر المغفرة على سبيل التنكير، والمراد منه: المغفرة العظيمة ~~المتناهية في العظم، وذلك هو المغفرة الحاصلة بسبب الإسلام. # فصل # قال ابن عباس: إلى الإسلام. # وروي عنه إلى التوبة - وهو قول عكرمة - والمعنى: وبادروا، وسابقوا. # وقال علي بن أبي طالب: إلى أداء الفرائض؛ لأن الأمر مطلق، ~~فيعم كل المفروضات. # وقال عثمان بن عفان: إنه الإخلاص؛ لأنه المقصود من جميع العبادات؛ لقوله ~~تعالى: # ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين # [البينة: 5]. # وقال أبو العالية: إلى الهجرة. # وقال الضحاك ومحمد بن إسحاق: إلى الجهاد؛ لأن من قوله: # وإذ غدوت من أهلك # [آل عمران: 121] إلى تمام ستين آية نزل في يوم أحد، فكان كل هذه ~~الأوامر والنواهي مختصة بما يتعلق بالجهاد. # وقال سعيد بن جبير: إلى التكبيرة الأولى، وهو مروي عن أنس. وقال يمان: ~~إنه الصلوات. # وقال عكرمة ومقاتل: إنه جميع الطاعة؛ لأن اللفظ عام، فيتناول ~~الكل. # وقال الأصم: { وسارعوا } بادروا إلى التوبة من الربا والذنوب؛ ~~لأنه - تعالى - نهى أولا عن الربا، ثم قال: { وسارعوا إلى ~~مغفرة من ربكم } وهذا يدل على أن المراد منه: المسارعة في ~~ترك ما تقدم النهي ms2172 عنه. # قال ابن الخطيب: " والأولى ما تقدم من وجوب حمله على أداء ~~الواجبات، والتوبة عن جميع المحظورات، لأن اللفظ عام، فلا وجه ~~لتخصيصه، ثم إنه - تعالى - بين أنه كما تجب المسارعة والمغفرة، فكذلك ~~تجب المسارعة إلى الجنة، وإنما فصل بينهما؛ لأن الغفران معناه إزالة ~~العقاب، والجنة معناها حصول الثواب، فجمع بينهما؛ للإشعار بأنه، لا بد ~~للمكلف من تحصيل الأمرين ". # قوله: { عرضها السماوات والأرض } [لا بد فيه من حذف؛ لأن ~~نفس السموات] لا تكون عرضا للجنة، فالتقدير: عرضها مثل عرض السموات ~~والأرض، يدل على ذلك قوله: " كعرض " ، والجملة في محل جر صفة ل " ~~جنة ". # فصل # في معنى قوله: { عرضها السماوات والأرض } وجوه: # أحدها: أن المراد: لو جعلت السموات والأرض طبقات طبقات، بحيث ~~تكون كل واحدة من تلك الطبقات خطا مؤلفا من أجزاء لا تجزأ، ثم ~~وصل البعض بالبعض طبقا واحدا، لكان مثل عرض الجنة. # وثانيها: أن الجنة التي يكون عرضها كعرض السموات والأرض، إنما تكون ~~للرجل الواحد؛ لأن الإنسان إنما يرغب فيما يصير ملكا له. # وثالثها: قال أبو مسلم: إن الجنة لو عرضت بالسموات والأرض على سبيل ~~البيع، لكانت ثمنا للجنة، يقول: إذا بعت الشيء بالشيء: عرضته عليه ~~وعارضته به فصار العرض يوضع موضع المساواة بين الشيئين في القدر، وكذلك - ~~أيضا - في معنى: القيمة؛ لأنها مأخوذة من مقاومة الشيء للشيء حتى يكون ~~كل واحد منهما مثلا للآخر. # ورابعها: أن المقصود المبالغة في وصف سعة الجنة؛ لأنه ليس شيء عنده ~~أعرض منها، ونظيره قوله: # خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض # [هود: 107-108] فإن أطول الأشياء بقاء - عندنا - هو السموات والأرض ~~فخوطبنا على قدر ما عرفناه. # فإن قيل: لم خص العرض بالذكر. # فالجواب من وجهين: # الأول: أنه لما كان الغرض تعظيم سعتها، فإذا كان عرضها بهذا العظم، ~~فالظاهر أن الطول يكون أعظم، ونظيره قوله: # بطآئنها من إستبرق # [الرحمن: 54]، فذكر البطائن؛ لأن الظاهر أنها أقل حالا من ~~الظهارة، فإذا كانت البطائن هكذا، فكيف الظهارة. # الثاني: قال القفال: ليس المراد بالعرض - هاهنا - المخالف للطول، بل ms2173 ~~هو عبارة عن السعة، كما تقول العرب: بلاد عريضة، ويقال: هذه دعوى عريضة، ~~واسعة عظيمة. # قال الشاعر: [الطويل] # 1616- كأن بلاد الله - وهي عريضة - # على الخائف المطلوب كفة حابل # والأصل فيه أن ما اتسع عرضه لم يضق وما ضاق عرضه دق، فجعل ~~العرض كناية عن السعة. # فصل # روي أن يهوديا سأل النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: إنك تدعو إلى ~~جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، فأين النار. # فقال صلى الله عليه وسلم: # " سبحان الله!! فأين الليل إذا جاء النهار ". # وروي عن طارق بن شهاب أن ناسا من اليهود سألوا عمر بن الخطاب - ~~وعنده أصحابه - فقالوا: أرأيتم قولكم: وجنة عرضها السموات والأرض؟ فأين ~~النار. # قال عمر: أرأيتم إذا جاء النهار، أين يكون الليل؟ وإذا جاء الليل، ~~أين يكون النهار. # فقالوا له: إنه لمثلها في التوراة، ومعناه حيث شاء الله. # سئل أنس بن مالك عن الجنة، أفي السماء، أم في الأرض. # فقال: وأي أرض وسماء تسع الجنة. # قيل: فأين هي. # فقال: فوق السماوات السبع، تحت العرش. # وقال قتادة: كانوا يرون أن الجنة فوق السموات السبع، وأن جهنم ~~تحت الأرضين السبع. # فإن قيل: قال الله تعالى: # وفي السمآء رزقكم وما توعدون # [الذاريات: 22]، وأراد بالذي وعدنا الجنة، وإذا كانت الجنة في السماء، ~~فكيف يكون عرضها السموات والأرض. # فالجواب: أن باب الجنة في السماء، وعرضها كما أخبر. # وقيل: إن الجنة والنار تخلقان بعد قيام الساعة، فعلى هذا لا يبعد أن ~~تخلق الجنة في مكان السموات، و النار في مكان الأرض. # قوله: { أعدت } يجوز أن يكون محلها الجر، صفة ثانية ل " ~~جنة " ، ويجوز أن يكون محلها النصب على الحال من " جنة "؛ لأنها ~~لما وصفت تخصصت، فقربت من المعارف. # قال أبو حيان: " ويجوز أن يكون مستأنفا، ولا يجوز أن يكون حالا من ~~المضاف إليه؛ لثلاثة أشياء: # أحدها: أنه لا عامل، وما جاء من ذلك متأول على ضعفه. # والثاني: أن العرض - هنا - لا يراد به: المصدر الحقيقي، بل يراد به: ~~المسافة. # الثالث: أن ذلك يلزم منه الفصل بين ms2174 الحال، وصاحبه بالخبر ". # يعني بالخبر: قوله: { السماوات } ، وهو رد صحيح. # وظاهر الآية يدل على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، وهو نص حديث ~~الإسراء في الصحيحين وغيرهما. # وقالت المعتزلة: إن الجنة والنار غير مخلوقتين في وقتنا هذا، وإن الله ~~تعالى إذا طوى السماوات والأرض ابتدأ خلق الجنة والنار حيث شاء؛ لأنهما ~~دار جزاء بالثواب والعقاب، فخلقتا في وقت الجزاء؛ لأنه لا يجتمع دار ~~التكليف، ودار الجزاء في الدنيا، كما لم يجتمعا في الآخرة. # وقال ابن فورك: " الجنة في السماء، ويزاد فيها يوم القيامة ". # قوله: { الذين ينفقون } يجوز في محله الألقاب الثلاثة، فالجر ~~على النعت، أو البدل، أو البيان، والنصب والرفع على القطع المشعر بالمدح، ~~ولما أخبر بأن الجنة معدة للمتقين وصفهم بصفات ثلاث، حتى يقتدى ~~بهم في تلك الصفات. # فاصفة الأولى: قوله: { الذين ينفقون في السرآء ~~والضرآء }. # فقيل: معناه: في العسر واليسر. # وقيل: سواء كانوا في سرور، أو حزن، أو في عسر، أو في يسر. # وقيل: سواء سرهم ذلك الإنفاق - بأن كان على وفق طبعهم - أو ساءهم - بأن ~~كان على خلاف طبعهم - فإنهم لا يتركونه. # روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " السخي قريب من الله، قريب من الجنة، قريب من ~~الناس، بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله، ~~بعيد من الجنة، بعيد من الناس، قريب من النار، ~~ولجاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل ". # وروي أن عائشة تصدقت بحبة عنب. # الصفة الثانية: قوله: { والكاظمين الغيظ } يجوز فيه الجر ~~والنصب على ما تقدم قبله. # والكظم: الحبس، يقال: كظم غيظه، أي: حبسه، وكظم القربة والسقاء ~~كذلك، والكظم - في الأصل - مخرج النفس، يقال: أخذ بكظمه، أي: أخذ بمجرى ~~نفسه. # والكظوم: احتباس النفس، ويعبر به عن السكوت، قال المبرد: تأويله ~~أنه كتمه على امتلاء به منه، يقال: كظمت السقاء، إذا ملأته وسددت ~~عليه، وكل ما سددت من مجرى ماء، أو باب، أو طريق، فهو كظم، والذي ~~يسد به يقال له: الكظامة والسدادة، ويقال للقناة التي تجري في بطن ~~الأرض: ms2175 كظامة، لامتلائها بالماء كامتلاء القربة المكظومة، والمكظوم: ~~الممتلئ غيظا، وكأنه - لغيظه لا يستطيع أن يتكلم، ولا يخرج نفسه، ~~والكظيم: الممتلئ أسفا. # قال أبو طالب: [الكامل] # 1617- فحضضت قومي، واحتسبت قتالهم # والقوم من خوف المنايا كظم # وكظم البعير جرته، إذا ردها في جوفه، وترك الاجترار. # ومنه قول الراعي: [الكامل] # 1618- فأفضن بعد كظومهن بجرة # من ذي الأباطح إذ رعين حقيلا # الحقيل، قيل: نبت. # وقيل: موضع، فعلى الأول هو مفعول به، وعلى الثاني هو ظرف، ويكون قد شذ ~~جره ب " في "؛ لأنه ظرف مكان مختص، ويكون المفعول محذوفا، أي: إذ رعين ~~الكلأ في حقيل، ولا تقطع الإبل جرتها إلا عند الجهد والفزع فلا ~~تجتر. # ومنه قول أعشى باهلة يصف رجلا يكثر نحر الإبل: [البسيط] # 1619- قد تكظم البزل منه حين تبصره # حتى تقطع في أجوافها الجرر # والجرر جمع جرة. والكظامة: حلقة من حديد تكون في طرف الميزان تجمع ~~فيها خيوطه، وهي - أيضا - السير الذي يوصل بوتر القوس. # والكظائم: خروق بين البئرين يجري منها الماء إلى الأخرى، كل ذلك تشبيه ~~بمجرى النفس وتردده فيه. # فصل # قال صلى الله عليه وسلم: # " من كظم غيظا - وهو يقدر على إنفاذه - ملأ الله ~~قلبه أمنا وإيمانا " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " من كظم غيظا - وهو يقدر على أن ينفذه - دعاه ~~الله - عز وجل - يوم القيامة على رؤوس الخلائق، ~~حتى يخيره من أي الحور شاء ". # { والكاظمين الغيظ }: الذين يكفون غيظهم عن الإمضاء، ~~ونظيره قوله: # وإذا ما غضبوا هم يغفرون # [الشورى: 37]، وقال صلى الله عليه وسلم: # " ليس الشديد بالصرعة، لكنه الذي يملك ~~نفسه عند الغضب ". # الصفة الثالثة: قوله: { والعافين عن الناس }. # قال القفال: يحتمل أن يكون هذا راجعا إلى ما ذم من فعل المشركين ~~في أكل الربا، فنهي المؤمنين عن ذلك، وندبوا إلى العفو عن المعسرين، ~~فإنه تعال قال - عقب قصة الربا والتداين -: # وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة # [البقرة: 280] وقال # وأن تصدقوا خير لكم # [البقرة: 280]. # ويحتمل أن يكون هذا بسبب غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين ~~مثلوا بعمه ms2176 حمزة، وقال: لأمثلن بهم فندب إلى كظم هذا ~~الغيظ. # وقال الكلبي: العافين عن المملوكين سوء الأدب. # وقال زيد بن أسلم ومقاتل: عمن ظلمهم وأساء إليهم، قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " لا يكون العبد ذا فضل حتى يصل من قطعه، ~~ويعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه ". # وروي عن عيسى ابن مريم أنه قال: " ليس الإحسان أن تحسن إلى ~~من أحسن إليك، ذاك مكافأة، إنما الإحسان أن تحسن ~~إلى من أساء إليك ". # ثم قال: { والله يحب المحسنين } هذه اللام يحتمل أن تكون ~~للجنس، فيدخل كل محسن، وأن تكون للعهد، فتكون إشارة إلى هؤلاء. # وهذه الآية من أقوى الدلائل على أن الله - تعالى - يعفو عن العصاة، ~~لأنه قد مدح الفاعلين لهذه الخصال، وأحبهم، وهو أكرم الأكرمين، والعفو ~~والغفور الحليم، والآمر بالإحسان، فكيف يمدح بهذه الأفعال، ويندب إليها، ~~ولا يفعلها؟ إن ذلك لممتنع في العقول. ### || [3.135-136] # يجوز أن يكون معطوفا على الموصول قبله، ففيه ما فيه من الأوجه السابقة، ~~وتكون الجملة من قوله: # والله يحب المحسنين # [آل عمران: 134] جملة اعتراض بين المتعاطفين. # ويجوز أن يكون " والذين " مرفوعا بالابتداء، و " أولئك " مبتدأ ~~ثان، و " جزاؤهم " مبتدأ ثالث، و " مغفرة " خبر الثالث، ~~والثالث وخبره خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول. # وقوله: { إذا فعلوا } شرط، وجوابه: { ذكروا }. # قوله: { فاستغفروا } عطف على الجواب، والجملة الشرطية وجوابها ~~صلة الموصول، والمفعول الأول ل " استغفروا " محذوف، أي: استغفروا ~~الله لذنوبهم، وقد تقدم الكلام على " استغفر " ، وأنه تعدى لاثنين، ~~ثانيهما بحرف الجر، وليس هو هذه اللام، بل " من " وقد يحذف. # فصل في سبب النزول # قال ابن مسعود: قال المؤمنون: يا رسول الله، كانت بو إسرائيل اكرم على ~~الله منا؛ كان أحدهم إذا أذنب اصبحت كفارة ذنبه مكتوبة على عتبة ~~بابه، اجدع أنفك، افعل كذا، فأنزل الله هذه الآية. # قال عطاء: نزلت في نبهان التمار - وكنيته أبو مقبل - أتته امرأة حسناء، ~~تبتاع منه تمرا، فقال لها: إن هذا التمر ليس بجيد، وإن في البيت ~~أجود منه، فذهب بها إلى بيته، فضمها إلى نفسه، ms2177 وقبلها، فقالت له: ~~أتق الله، فتركها، وندم على ذلك، وأتى النبي صلى الله عليه وسلم وذكر ~~له ذلك فنزلت هذه الآية. # وقال مقاتل والكلبي: آخى رسول الله بين رجلين، أحدهما من ~~الأنصار، والآخر من ثقيف، فخرج الثقفي في غزاة مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالقرعة في السفر، وخلف الأنصاري على أهله، يتعاهدهم، ~~واشترى لهم اللحم ذات يوم، فلما أرادت المرأة أن تأخذ منه، دخل على ~~أثرها، وقبل يدها، فوضعت كفها على وجهها، ثم ندم الرجل ~~وانصرف، ووضع التراب على رأسه، وهام على وجهه، ولما رجع الثقفي لم ~~يستقبله الأنصاري، فسأل امرأته عن حاله، فقالت: لا أكثر الله في ~~الإخوان مثله، ووصفت له الحال، والأنصاري يسيح في الجبال تائبا ~~مستغفرا، فطلب الأنصاري الثقفي حتى وجده، فأتى به أبا بكر؛ رجاء أن ~~يجد عنده راحة وفرجا، وقال الأنصاري: هلكت، وذكر القصة، فقال أبو ~~بكر: ويحك! أما علمت أن الله يغار للغازي ما لا يغار للمقيم؟ ثم لقيا ~~عمر، فقال له مثل ذلك، فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لهما مثل ~~مقالتهما، فأنزل الله هذه الآية. # الفاحشة - هنا - نعت محذوف، تقديره: فعلوا فعلة فاحشة. # وأصل الفحش: القبح الخارج عن الحد، فقوله: { فاحشة } يعني: ~~قبيحة، خارجة عما أذن الله فيه. # قال جابر: الفاحشة: الزنا؛ لقوله تعالى: # واللاتي يأتين الفاحشة من نسآئكم # [النساء: 15]، وقوله: # ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة # [الإسراء: 32]. # قوله: { أو ظلموا أنفسهم }. # قال الزمخشري: " الفاحشة: ما كان فعله كاملا في القبح، وظلم النفس ~~هو أي ذنب كان، مما يؤاخذ الإنسان به ". # وقيل: الفاحشة: هي الكبيرة، وظلم النفس هو الصغيرة. # وقيل: الفاحشة، هي الزنا، وظلم النفس: هو القبلة واللمسة والنظرة. # وقال مقاتل والكلبي: الفاحشة ما دون الزنا من قبلة أو ~~لمسة، أو نظرة، فيما لا يحل. # وقيل: فعلوا فاحشة فعلا، أو ظلموا أنفسهم قولا. # قوله: { ذكروا الله } أي: ذكروا وعيد الله وعقابه، فيكون من باب ~~حذف المضاف. # قال الضحاك: ذكروا العرض الأكبر على الله. # وقال مقاتل والواقدي: تفكروا أن الله ms2178 سائلهم. # وقيل: المراد بهذا الذكر: ذكر الله بالثناء والتعظيم والإجلال؛ لأن من ~~أراد أن يسأل الله تعالى مسالة، فالواجب أن يقدم على تلك المسألة الثناء ~~على الله تعالى، فهاهنا لما كان المراد منه: الاستغفار من الذنوب قدموا ~~عليه الثناء، ثم اشتغلوا بالاستغفار، { فاستغفروا لذنوبهم } ~~أي: ندموا على فعل ما مضى مع العزم على ترك مثله في المستقبل، وهذا ~~حقيقة التوبة، فأما الاستغفار باللسان، فلا أثر له في إزالة الذنب، بل ~~يجب إظهار هذا الاستغفار، لإزالة التهمة. # وقوله: { لذنوبهم } أي: لأجل ذنوبهم. # قوله: { ومن يغفر } استفهام بمعنى: النفي، ولذلك وقع بعده ~~الاستثناء. # قوله: { إلا الله } بدل من الضمير المستكن في " يغفر " ، ~~والتقدير: لا يغفر أحد الذنوب إلا الله تعالى، والمختار - هنا - الرفع ~~على البدل، لكون الكلام غير إيجاب. وقد تقدم تحقيقه عند قوله تعالى: # ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه # [البقرة: 130]. # وقال أبو البقاء " من " مبتدأ، " يغفر " خبره، و { إلا الله ~~} فاعل " يغفر " ، أو بدل من المضمر فيه، وهو الوجه؛ لأنك إذا جعلت " ~~الله " فاعلا، احتجت إلى تقدير ضمير، أي: ومن يغفر الذنوب له غير ~~الله. # قال شهاب الدين: " وهذا الذي قاله - أعني: جعله الجلالة فاعلا - يقرب ~~من الغلط؛ فإن الاستفهام - هنا - لا يراد به حقيقته، إنما يراد " النفي ~~" ، والوجه ما تقدم من كون الجلالة بدلا من ذلك الضمير المستتر، والعائد ~~على " من " الاستفهامية ". # ومعنى الكلام أن المغفرة لا تطلب إلا من الله؛ لأنه القادر على عقاب ~~العبد في الدنيا والآخرة، فكان هو القادر على إزالة العقاب عنه. # قوله: { ولم يصروا } يجوز أن تكون جملة حالية من فاعل { ~~فاستغفروا } أي: ترتب على فعلهم الفاحش ذكر الله تعالى، ~~والاستغفار لذنوبهم، وعدم إصرارهم عليها، وتكون الجملة من قوله: { ومن ~~يغفر الذنوب إلا الله } - على هذين الوجهين معترضة بين ~~المتعاطفين على الوجه الثاني، وبين الحال وذي الحال على الوجه الأول. # فصل # وأصل الإصرار: الثبات على الشيء. # قال الحسن: إتيان العبد ذنبا عمدا إصرار، حتى يتوب. # وقال السدي: الإصرار: السكوت وترك الاستغفار. ms2179 # وعن أبي نصيرة قال: لقيت مولى لأبي بكر، فقلت له: أسمعت من أبي ~~بكر شيئا؟ # قال: نعم، سمعته يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما أصر من استغفر، وإن عاد في اليوم سبعين ~~مرة ". # وقيل: الإصرار: المداومة على الشيء، وترك الإقلاع عنه، وتأكيد العزم ~~على ألا يتركه، من قولهم: صر الدنانير، إذا ربط عليها، ومنه: صرة ~~الدراهم - لما يربط منها -. # قال الحطيئة: يصف خيلا: [الطويل] # 1620- عوابس بالشعث الكماة إذا ابتغوا # علالتها بالمحصدات أصرت # أي: ثبتت، وأقامت، مداومة على ما حملت عليه. # وقال الشاعر: [البسيط] # 1621- يصر بالليل ما تخفي شواكله # يا ويح كل مصر القلب ختار # و " ما " في قوله: { على ما فعلوا } يجوز أن تكون اسمية بمعنى: ~~الذي، ويجوز أن تكون مصدرية. # قوله: { وهم يعلمون } يجوز أن يكون حالا ثانية من فاعل { ~~فاستغفروا } ، وأن يكون حالا من فاعل { يصروا } ، والتقدير: ~~ولم يصروا على ما فعلوا من الذنوب بحال ما كانوا عالمين بكونها ~~محرمة؛ لأنه قد يعذر من لا يعلم حرمة الفعل، أما العالم بالحرمة، ~~فإنه لا يعذر. # ومفعول { يعلمون } محذوف للعلم به. # فقيل: تقديره: يعلمون أن الله يتوب على من تاب، قاله مجاهد. # وقيل: يعلمون أن تركه أولى، قاله ابن عباس والحسن. # وقيل: يعلمون المؤاخذة بها، أو عفو الله عنها. # وقال ابن عباس، ومقاتل، والحسن، والكلبي: وهم يعلمون ~~أنها معصية. # وقيل: وهم يعلمون أن الإصرار ضار. # وقال الضحاك: وهم يعلمون أن الله يملك مغفرة الذنوب، وقال الحسن ~~بن الفضل: وهم يعلمون أن لهم ربا يغفر الذنوب. # وقيل: وهم يعلمون أن الله تعالى، لا يتعاظمه العفو عن الذنوب - وإن ~~كثرت -. # وقيل: وهم يعلمون أنهم إن استغفروا غفر لهم. # قوله: { أولئك جزآؤهم مغفرة من ربهم } ، ~~والمعنى: أن المطلوب بالتوبة أمران: # الأول: الأمن من العقاب، وإليه الإشارة بقوله: { مغفرة من ~~ربهم }. # والثاني: إيصال الثواب إليه، وهو المراد بقوله: { وجنات تجري ~~من تحتها الأنهار خالدين فيها }. # قوله: { من ربهم } في محل رفع؛ نعتا ل " مغفرة " ، و " ~~من " للتبعيض، أي: من مغفرات ربهم. ms2180 # قوله: { خالدين فيها } حال من الضمير في { جزآؤهم }؛ لأنه ~~مفعول به في المعنى؛ لأن المعنى: يجزيهم الله جنات في حال خلودهم ويكون ~~حالا مقدرا، ولا يجوز أن تكون حالا من " جنات " في اللفظ، وهي ~~لأصحابها في المعنى؛ إذ لو كان ذلك لبرز الضمير، لجريان الصفة على غير ~~من هي له، والجملة من قوله: { تجري من تحتها الأنهار } في ~~محل رفع؛ نعتا ل " جنات ". وتقدم إعراب نظير هذه الجمل. # قوله: { ونعم أجر العاملين } المخصوص بالمدح محذوف، تقديره: ~~ونعم أجر العاملين الجنة. # فصل # دلت هذه الآية على أن الغفران والجنات يكون أجرا لعملهم، وجزاء ~~عليه. # قال القاضي: وهذا يبطل قول من قال: إن الثواب تفضل من الله، ~~وليس بجزاء على عملهم. # قال ثابت البناني: بلغني أن إبليس بكى حين نزلت هذه الآية { ~~والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ~~ذكروا الله } الآية. ### || [3.137-138] # لما وعد على الطاعة والتوبة بالمغفرة والجنة، أتبعه بذكر ما يحملهم على ~~فعل الطاعة والتوبة، وهو تأمل أحوال القرون الخوالي، وهذا تسلية ~~من الله تعالى للمؤمنين. # قال الواحدي: أصل الخلو - في اللغة - الانفراد، والمكان الخالي هو ~~المنفرد عمن يسكن فيه، ويستعمل - أيضا - في الزمان بمعنى: المضي؛ ~~لأن ما مضى انفرد عن الوجود، وخلا عنه، وكذا الأمم الخالية. # قوله: { من قبلكم } يجوز أن يتعلق ب " خلت " ، ويجوز أن يتعلق ~~بمحذوف على أنه حال من { سنن }؛ لأنه - في الأصل - يجوز أن يكون ~~وصفا، فلما قدم نصب حالا. # والسنن: جمع سنة، وهي الطريقة التي يكون عليها الإنسان ويلازمها، ~~ومنه سنة الأنبياء. # قال خالد الهذلي لخاله أبي ذؤيب: [الطويل] # 1622- فلا تجزعن من سنة أنت سرتها # فأول راض سنة من يسيرها # وقال آخر: [الطويل] # 1623- وإن الألى بالطف من آل هاشم # تأسوا، فسنوا للكرام التآسيا # وقال لبيد: [الكامل] # 1624- من أمة سنت لهم آباؤهم # ولكل قوم سنة وإمامها # وقال المفضل: السنة: الأمة، وأنشد: [البسيط] # 1625- ما عاين الناس من فضل كفضلكم # ولا رأوا مثلكم في سالف السنن # ولا دليل فيه؛ لاحتمال أن يكون معناه: أهل السنن. # وقال ms2181 الخليل: سن الشيء بمعنى: صوره، ومنه: # من حمإ مسنون # [الحجر: 28] أي: مصور وقيل: سن الماء والدرع إذا صبهما، وقوله: # من حمإ مسنون # [الحجر: 28] يجوز أن يكون منه، ولكن نسبة الصب إلى الطين بعيدة. # وقيل: مسنون، أي: متغير. # وقال بعض أهل اللغة: هي فعلة من سن الماء، يسنه، إذا والى صبه، ~~والسن: صب الماء والعرق نحوهما. # وأنشد لزهير: [الوافر] # 1626- نعودها الطراد كل يوم # تسن على سنابكها القرون # أي: يصب عليها من العرق، شبه الطريقة بالماء المصبوب، فإنه يتوالى ~~جري الماء فيه على نهج واحد، فالسنة بمعنى: مفعول، كالغرفة. # وقيل: اشتقاقها من سننت النصل، أسنه، سنا، إذا حددته [على ~~المسن]، والمعنى: أن الطريقة الحسنة، يعتنى بها، كما يعتنى ~~بالنصل ونحوه. # وقيل: من سن الإبل، إذا أحسن رعايتها، والمعنى: أن صاحب السنة يقوم ~~على أصحابه، كما يقوم الراعي على إبله، والفعل الذي سنه النبي سمي ~~سنة بمعنى: أنه صلى الله عليه وسلم أحسن رعايته وإدامته. وقد مضى من ~~ذلك جملة صالحة في البقرة. # فصل # قال [أكثر المفسرين]: المراد: سنن الهلاك؛ لقوله تعالى: # فانظر كيف كان عاقبة المكذبين # [الزخرف: 25]؛ لأنهم لما خالفوا الرسل؛ لحرصهم على الدنيا، ثم ~~انقرضوا، ولم يبق من دنياهم أثر وبقي اللعن في الدنيا، والعقاب في ~~الآخرة عليهم، فرغب الله تعالى أمة محمد صلى الله عليه وسلم في ~~الإيمان بالتداخل في أحوال هؤلاء الماضين، ليصير ذلك داعيا لهم إلى ~~الإيمان بالله ورسله، والإعراض عن الرياسة في طلب الدنيا والحياة. # قال الزجاج: المعنى: أهل سنن، فحذف المضاف. # قال مجاهد: بل المراد، سنة الله تعالى في الكافرين والمؤمنين، فإن ~~الدنيا لم تبق، لا مع المؤمن، ولا مع الكافر، ولكن المؤمن يبقى له بعد ~~موته الثناء الجميل في الدنيا، والثواب الجزيل في العقبى، والكافر ~~يبقى اللعن عليه في الدنيا والعقاب في الآخرة. # قوله: { فسيروا } جملة معطوفة على ما قبلها، و التسبب في هذه ~~الفاء ظاهر، أي: سبب الأمر بالسير لتنظروا - نظر اعتبار - خلو ~~من قبلكم من الأمم وطرائقهم. # وقال أبو البقاء: " ودخلت الفاء في ms2182 " فسيروا "؛ لأن المعنى على ~~الشرط، أي: إن شككتم فسيروا ". # وقوله: { كيف كان عاقبة المكذبين } " كيف " خبر مقدم، ~~واجب التقديم، لتضمنه معنى " الاستفهام " ، وهو معلق ل " انظروا " ~~قبله، فالجملة في محل نصب بعد إسقاط الخافض؛ إذ الأصل: انظروا في كذا. # فصل # والغرض من هذا الكلام: زجر الكفار عن الكفر بتأمل أحوال المكذبين، ~~ونظيره قوله تعالى: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم ~~لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 171-173]، وقوله: # والعاقبة للمتقين # [القصص: 83]، وقوله: # أن الأرض يرثها عبادي الصالحون # [الأنبياء: 105] وليس المراد منه الأمر بالسير - لا محالة - بل المقصود: ~~تعرف أحوالهم، فإن حصلت المعرفة بغير السير حصل المقصود، ويحتمل أن يقال ~~- أيضا -: إن مشاهدة آثار المتقدمين لها، أثر أقوى من أثر السماع. # قال الشاعر: [الخفيف] # 1627- إن آثارنا تدل علينا # فانظروا بعدنا إلى الآثار # فصل # قال المفسرون: وهذا في حرب أحد، يقول: فأنا أمهلهم، وأستدرجهم، حتى ~~يبلغ أجلي الذي أجلت في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم وأوليائه ~~وهلاك أعدائه. # قوله تعالى: { هذا بيان للناس } أي: القرآن. # وقيل: ما تقدم من قوله: { قد خلت من قبلكم سنن }. # وقيل: ما تقدم من أمره ونهيه ووعده ووعيده. # والموعظة: الوعظ وقد تقدم. # قوله: " للناس " يجوز أن يتعلق بالمصدر قبله، ويجوز أن يتعلق بمحذوف ~~على أنه وصف له. # قوله: { للمتقين } يجوز أن يكون وصفا - أيضا - ويجوز أن ~~يتعلق بما قبله، وهو محتمل لأن يكون من التنازع، وهو على إعمال الثاني ~~للمحذوف من الأول. # فصل # في الفرق بين الإبانة وبين الهدى، وبين الموعظة؛ لأن العطف يقتضي ~~المغايرة، وذكروا فيه وجهين: # الأول: أن البيان هو الدلالة التي تزيل الشبهة، والهدى بيان الطريق ~~الرشيد؛ ليسلك دون طريق الغي، والموعظة هي الكلام الذي يفيد ~~الزجر عما لا ينبغي في الدين. # الثاني: أن البيان هو الدلالة، وأما الهدى فهي الدلالة بشرط إفضائها ~~إلى الاهتداء. # وخص المتقين؛ لأنهم المنتفعون به، وتقدم الكلام في ذلك في قوله: " ~~هدى للمتقين ". # وقيل: إن قوله { هذا بيان للناس } عام، ثم قوله: { ~~وهدى وموعظة للمتقين } مخصوص بالمتقين؛ ms2183 لأن الهدى اسم ~~للدلالة الموصلة إلى الاهتداء، وهذا لا يحصل إلا في حق المتقين. ### || [3.139] # الأصل: توهنوا، فحذفت الواو؛ لوقوعها بين تاء وكسرة في الأصل، ثم ~~أجريت حروف المضارعة مجراها في ذلك، ويقال: وهن - بالفتح في الماضي ~~- يهن - بالكسر في المضارع. # ونقل أنه يقال: وهن، ووهن - بضم الهاء وكسر في الماضي - و " ~~وهن " يستعمل لازما ومتعديا، تقول: وهن زيد، أي: ضعف، قال ~~تعالى: # وهن العظم مني # [مريم: 4]، ووهنته وأضعفته، ومنه الحديث: # " وهنتهم حمى يثرب " # والمصدر على الوهن - بفتح الهاء وسكونها. # وقال زهير: [البسيط] # 1628-........................ # فأصبح الحبل منها واهنا خلقا # أي: ضعيفا. # قوله: { وأنتم الأعلون } جملة حالية من فاعل { تهنوا } ، ~~أو { تحزنوا } ، والاستئناف فيها غير ظاهر، و { الأعلون } جمع ~~أعلى، والأصل: أعليون، فتحركت الياء، وانفتح ما قبلها، فقلبت ~~ألفا فحذفت لالتقاء الساكنين، وبقيت الفتحة لتدل عليها. # وإن شئت قلت: استثقلت الضمة على الياء، فحذفت، فالتقى ساكنان ~~أيضا - الياء والواو - فحذفت الياء؛ لالتقاء الساكنين، وإنما ~~احتجنا إلى ذلك؛ لأن واو الجمع لا يكون ما قبلها إلا مضموما، لفظا، أو ~~تقديرا. وهذا من مثال التقدير. # فصل # اعلم أن الآيات المتقدمة، كالمقدمة لهذه الآية، كأنه قال: إن بحثتم عن ~~أحوال القرون الماضية، علمتم أن أهل الباطل، وإن اتفقت لهم [الصولة]، ~~فمآل أمرهم إلى الضعف، ومآل أهل الحق إلى العلو والقوة، فلا ينبغي ~~أن تصير صولة الكفار عليكم يوم أحد سببا لضعف قلوبكم، وهذا حث ~~لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على الجهاد على ما أصابهم من القتل، ~~والجراح يوم أحد، يقول: { ولا تهنوا } أي: لا تضعفوا ولا تجبنوا ~~عن جهاد أعدائكم بما نالكم من القتل والجرح، { ولا تحزنوا ~~وأنتم الأعلون } أي: تكون لكم العاقبة بالنصر والظفر، وهذا ~~مناسب لما قبله، لأن القوم انكسرت قلوبهم بذلك الوهن، فكانوا محتاجين ~~إلى ما يقوي قلوبهم. # وقيل: { وأنتم الأعلون } أي: أن حالكم أعلى من حالهم في ~~القتل، لأنكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم يوم أحد، وهو ~~كقوله: # أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها # [آل عمران: ms2184 165] أو لأن قتالكم لله تعالى، وقتالهم للشيطان؛ أو لأن ~~قتالكم للدين الحق، وقتالهم للدين الباطل، فكل ذلك يوجب أن تكونوا ~~أعلى حالا منهم. # وقيل: " وأنتم الأعلون بالحجة ". # قوله: { إن كنتم مؤمنين } جوابه محذوف. # فقيل: تقديره: فلا تهنوا ولا تحزنوا. # وقيل: تقديره: إن كنتم مؤمنين علمتم أن هذه الموقعة لا تبقى بحالها، ~~وأن الدولة تصير للمسلمين. # فصل # معنى: { وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين } أي: ~~بقيتم على إيمانكم. # وقيل: وأنتم الأعلون فكونوا مصدقين بما يعدكم الله، ويبشركم به ~~من الغلبة. # وقيل: إن كنتم مؤمنين، معناه: إذا كنتم مؤمنين، أي: لأنكم مؤمنون. # وقال ابن عباس: # " انهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب، فأقبل خالد بن ~~الوليد بخيل المشركين يريد أن يعلو عليهم الجبل، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " اللهم لا يعلون علينا، اللهم لا قوة ~~إلا بك " ، وثاب نفر من المسلمين، رماة، فصعدوا الجبل ورموا ~~خيل المشركين، حتى هزموهم، فذلك قوله: { وأنتم الأعلون } ". # وقال الكلبي: نزلت هذه الآية بعد يوم أحد، حين أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم أصحابه بطلب القوم - مع ما أصابهم من الجراح - فاشتد ~~ذلك على المسلمين، فأنزل الله هذه الآية؛ دليله قوله تعالى: # ولا تهنوا في ابتغآء القوم # [النساء: 104]. ### || [3.140-141] # قرأ الأخوان، وأبو بكر: قرح - بضم القاف - وكذلك " القرح " ~~معرفا. # والباقون بالفتح فيهما. # فقيل: هما بمعنى واحد، ثم اختلف القائلون بهذا. # فقال بعضهم: المراد بهما: الجرح نفسه، وقال بعضهم- منهم الأخفش - ~~المراد بهما المصدر، يقال: قرح الجرح، يقرح، قرحا، وقرحا. # قال امرؤ القيس: [الطويل] # 1629- وبدلت قرحا داميا بعد صحة # لعل منايانا تحولن أبؤسا # والفتح لغة الحجاز، والضم لغة تميم، فهما كالضعف والضعف، والكره ~~والكره، والوجد والوجد. # وقال بعضهم: المفتوح: الجرح، والمضموم: ألمه، وهو قول الفراء. # وقرأ ابن السميفع بفتح القاف والراء، كالطرد والطرد. # وقال أبو البقاء: " وهو مصدر قرح يقرح، إذا صار له قرحة، وهو ~~بمعنى: دمي ". # وقرئ قرح - بضمهما -. # قيل: وذلك على الإتباع كاليسر واليسر، والطنب والطنب. # وقرأ الأعمش: " إن تمسسكم قروح " - بالتاء من فوق، ms2185 [وصيغة الجمع في ~~الفاعل]، وأصل المادة: الدلالة على الخلوص، ومنه الماء القراح، الذي ~~لا كدورة فيه. # قال الشاعر: [الوافر] # 1630- فساغ لي الشراب، وكنت قبلا # أكاد أغص بالماء القراح # وأرض قرحة - أي: خالصة الطين - ومنه قريحة الرجل - أي: خالص طبعه -. # وقال الراغب: " القرح الأثر من الجراحة من شيء يصيبه من خارج، ~~والقرح - يعني: بالضم - أثرها من شيء داخل - كالبثرة ونحوها- يقال: ~~قرحته، نحو جرحته. # قال الشاعر: [البسيط] # 1631- لا يسلمون قريحا حل وسطهم # يوم اللقاء، ولا يشوون من قرحوا # أي: جرحوا. وقرح: خرج به قرح. # ويقال: قرح قلبه، وأقرحه الله - يعني: فعل وأفعل فيه بمعنى - ~~والاقتراح: الابتداع والابتكار ومنه: اقترح علي فلان كذا، واقترحت ~~بئرا: استخرجت منها ماء قراحا. والقريحة - في الأصل - المكان الذي ~~يجمتع فيه الماء المستنبط - ومنه استعيرت قريحة الإنسان - وفرس قارح، ~~إذا أصابه أثر من ظهور نابه، والأنثى قارحة، وروضة قرحاء، إذا ~~كان في وسطها نور؛ وذلك لتشبيهها بالفرس القرحاء ". # قوله: { فقد مس القوم قرح } للنحويين - في مثل هذا - ~~تأويل، وهو أن يقدروا شيئا مستقبلا؛ لأنه لا يكون التعليق إلا في ~~المستقبل - وقوله: { فقد مس القوم قرح مثله } ماض ~~محقق - وذلك التأويل هو التبيين، أي: فقد تبين مس القرح للقوم ~~وسيأتي له نظائر، نحو: # إن كان قميصه قد من قبل فصدقت # [يوسف: 26] و # وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت # [يوسف: 27]. # وقال بعضهم: جواب الشرط محذوف، تقديره: فتأسوا، ونحو ذلك. # وقال أبو حيان: " ومن زعم أن جواب الشرط هو " فقد مس " ، فهو ~~ذاهل ". # قال شهاب الدين: " غالب النحويين جعلوه جوابا، متأولين له بما ذكرت ". # فصل # هذا خطاب للمسلمين حين انصرفوا من أحد مع الكآبة، يقول: { إن ~~يمسسكم قرح } يوم أحد فقد مسهم قرح مثله يوم ~~بدر، وهو كقوله تعالى: # أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها # [آل عمران: 165]. # وقيل: إن الكفار قد نالهم يوم أحد مثل ما نالكم من الجرح، والقتل؛ ~~لأنه قتل منهم نيف وعشرون رجلا، وقتل صاحب لوائهم، والجراحات ~~كثرت فيهم، وعقر عامة خيلهم بالنبل، وكانت الهزيمة عليهم ms2186 في ~~أول النهار. # فإن قيل: كيف قال: { قرح مثله } ، وما كان قرحهم يوم أحد ~~مثل قرح المشركين. # فالجواب: أن تفسير القرح - في هذا التأويل - بمجرد الانهزام، لا بكثرة ~~القتلى. # قوله: { وتلك الأيام نداولها بين الناس } يجوز في " ~~الأيام " أن تكون خبرا ل " تلك " و " نداولها " جملة ~~حالية، العامل فيها معنى اسم الإشارة، أي: أشير إليها حال كونها ~~مداولة، ويجوز أن تكون " الأيام " بدلا، أو عطف بيان، أو ~~نعتا لاسم الإشارة، والخبر هو الجملة من قوله: { نداولها } وقد ~~مر نحوه في قوله: # تلك آيات الله نتلوها # [أل عمران: 108] إلا أن هناك لا يجيء القول بالنعت؛ لما عرفت أن اسم ~~الإشارة لا ينعت إلا بذي أل و " بين " متعلق ب " نداولها " ، ~~وجوز أبو البقاء أن يكون حالا من مفعول " نداولها " وليس ~~بشيء. # والمداولة: المناوبة على الشيء، والمعاودة، وتعهده مرة بعد ~~أخرى، يقال: داولت بينهم الشيء فتداولوه، كأن " فاعل " بمعنى: " ~~فعل ". # قال الشاعر: [الكامل] # 1632- ترد المياه، فلا تزال تداولا # في الناس بين تمثل وسماع # وأدال فلان فلانا: جعل له دولة. # وقال القفال: المداولة: نقل الشيء من واحد إلى آخر، يقال: تداولته ~~الأيدي - إذا تناولته ومنه قوله تعالى: # كي لا يكون دولة بين الأغنيآء منكم # [الحشر: 7] أي: تتداولونها، ولا تجعلون للفقراء منها نصيبا، ويقال: ~~الدنيا دول، أي: تنتقل من قوم إلى آخرين. # ويقال دال له الدهر بكذا - إذا انتقل إليه. # ويقال: دولة، ودولة - بفتح الفاء وضمها - وقد قرئ بهما في سورة ~~الحشر كما سيأتي إن شاء الله تعالى. # واختلفوا، هل اللفظتان بمعنى، أو بينهما فرق. # فقال الراغب: " إنهما سيان، فيكون في المصدر لغتان ". # وفرق بعضهم بينهما، واختلف هؤلاء في الفرق. # فقال بعضهم: الدولة - بالفتح - في الحرب والجاه، وبالضم: في المال، ~~وهذا ترده القراءتان في سورة الحشر. # وقيل: بالضم اسم الشيء المتداول، وبالفتح نفس المصدر، وهذا قريب. # وقيل: بالضم هي المصدر، وبالفتح الفعلة الواحدة، فلذلك يقال: في ~~دولة فلان؛ لأنها مرة في الدهر. # والدور والدول متقاربان في المعنى، ولكن بينهما عموم وخصوص؛ فإن ~~الدولة لا ms2187 تقال إلا في الحظ الدنيوي. # والدؤلول: الداهية، والجمع الدآليل والدؤلات. # وقرئ شاذا: " يداولها " - بياء الغيبة - وهو موافق لما قبله، ~~ولما بعده. # وقرأ العامة على الالتفات المفيد للتعظيم. # فصل # ومعنى مداولة الأيام بين الناس أن مسارها لا تدوم، وكذلك مضارها، ~~فيوم يكون السرور لإنسان والغم لعدوه، ويوم آخر بالعكس، وليس المراد من ~~هذه المداولة أن الله تعالى تارة ينصر المؤمنين، وأخرى ينصر الكافرين؛ ~~لأن نصر الله منصب شريف عظيم، فلا يليق بالكافر، بل المراد من هذه ~~المداولة: أنه تارة يشدد المحنة على الكفار، وتارة على المؤمنين، ~~وتشديد المحنة على المؤمن أدب له في الدنيا، وتشديد المحنة على ~~الكافر غضب من الله تعالى عليه. # وروي أن أبا سفيان صعد الجبل يوم أحد، قال: أين ابن أبي كبشة؟ ~~أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر: هذا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهذا أبو بكر، وهذا أنا عمر، فقال أبو سفيان: يوم بيوم والأيام ~~دول والحرب سجال، فقال عمر: لا سواء؛ قتلانا في الجنة، وقتلاكم في ~~النار، فقال أبو سفيان: إن كان كما تزعمون فقد خبنا - إذن وخسرنا. # وروى البراء بن عازب قال: # " جعل النبي صلى الله عليه وسلم على الرماة يوم أحد - وكانوا خمسين ~~رجلا - عبد الله بن جبير، فقال صلى الله عليه وسلم: إن رأيتمونا ~~تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن ~~رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، وكان على ~~يمنة المشركين خالد بن الوليد، وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل، ومعهم ~~النساء يضربن بالدفوف، ويقلن الأشعار، فقاتلوا حتى حميت الحرب، ~~فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفا، فقال: من يأخذ هذا السيف ~~بحقه، ويضرب به العدو حتى ينحني؟ فأخذه أبو دجانة سماك بن خرشة ~~الأنصاري، فلما أخذه اعتم بعمامة حمراء، وجعل يتبختر، - فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " إنها لمشية يبغضها الله ورسوله إلا ~~في هذا الموضع " ففلق به هام المشركين، وحمل النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه على المشركين، ms2188 فهزموهم، قال: فأنا - والله - ~~رأيت النساء يشتدون - قد بدت خلاخلهن وأسوقهن رافعات ثيابهن، فقال ~~أصحاب عبد الله: الغنيمة، أي قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم، فما تنتظرون؟ ~~فقال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؟ فقالوا: والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة، فلما ~~أتوهم صرفت وجوههم، فأقبلوا منهزمين، فذاك إذ تدعوهم، ~~والرسول في أخراهم، فلم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم غير اثني ~~عشر رجلا، فأصابوا منا سبعين، وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة - سبعين أسيرا، ~~وسبعين قتيلا - فقال أبو سفيان ثلاث مرات: أفي القوم محمد؟ فنهاهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يجيبوه، فقال: أفي القوم ابن أبي ~~قحافة ثلاث مرات؟ أفي القوم عمر ثلاث مرات؟ فرجع إلى أصحابه، ~~فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا، فما ملك عمر نفسه؛ فقال: كذبت - والله ~~- يا عدو الله؛ إن الذين عددت لأحياء كلهم، وقد بقي لك ما يسوؤك، قال: ~~يوم بيوم بدر، والحرب سجال، إنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر ~~بها ولم تسؤني، ثم جعل يزمجر: اعل هبل، اعل هبل، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: أجيبوه، قالوا يا رسول الله ما نقول؟ قال: ~~قولوا: الله أعلى وأجل، قال: إن لنا العزى ولا عزى ~~لكم، فقال صلى الله عليه وسلم: أجيبوه، قالوا ما نقول؟ قال: ~~قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم " # وروي هذا المعنى عن ابن عباس. # قوله: " وليعلم الله " ذكر أبو بكر بن الأنباري في تعلق هذه اللام ~~وجهين: # أحدهما: أن اللام صلة لفعل مضمر، يدل عليه أول الكلم، تقديره: وليعلم ~~الله الذين آمنوا نداولها. # الثاني: أن العامل فيها (نداولها) المذكور، بتقدير: نداولها بين ~~الناس ليظهر أمرهم، ولنبين أعمالهم، وليعلم الله الذين آمنوا، فلما ظهر ~~معنى اللام المضمر في " ليظهر " ، و " لتتبين " جرت مجرى الظاهرة، فجاز ~~العطف عليها. # وجوز أبو البقاء أن تكون الواو زائدة، وعلى هذا، فاللام متعلقة ب ~~(نداولها) من غير تقدير شيء، ولكن هذا ms2189 لا حاجة إليه. # ولم يجنح إلى زيادة الواو إلا الأخفش في مواضع - ليس هذا منها - ~~ووافقه بعض الكوفيين على ذلك. # وقدره الزمخشري: " فعلنا ذلك ليكون كيت وكيت، وليعلم ". فقدر ~~عاملا، وعلق به علة محذوفة، عطف عليها هذه العلة. # قال أبو حيان: " ولم يعين فاعل العلة المحذوفة، إنما كنى عنه ب ~~" كيت وكيت " ، ولا يكنى عن الشيء حتى يعرف، ففي هذا الوجه حذف ~~العلة، وحذف عاملها، وإبهام فاعلها، فالوجه الأول أظهر؛ إذ ليس فيه غير ~~حذف العامل ". ويعني بالوجه الأول أنه قدره: وليعلم الله فعلنا ذلك - ~~وهو المداولة، أو نيل الكفار منكم -. # وقال بعضهم: " اللام المتعلقة بفعل مضمر، إما بعده، أو قبله، أما ~~الإضمار بعده فبتقدير: وليعلم الله الذين آمنوا فعلنا هذه المداولة، ~~وأما الإضمار قبله فعلى تقدير: وتلك الأيام نداولها بين الناس لأمور: ~~منها: ليعلم الله الذين آمنوا، ومنها: ليتخذ منكم شهداء، ومنها: ليمحص ~~الله الذي آمنوا، ومنها: ليمحق الكافرين. فكل ذلك كالسبب والعلة في ~~تلك المداولة ". والعلم هنا - يجوز أن يتعدى لواحد، قالوا: لأنه بمعنى: ~~عرف - وهو مشكل؛ لأنه لا يجوز وصف الله تعالى بذلك لما تقدم أن ~~المعرفة تستدعي جهلا بالشيء - أو أنها متعلقة بالذات دون الأحوال. # ويجوز أن يكون متعديا لاثنين، فالثاني محذوف، تقديره: وليعلم الله ~~الذين آمنوا مميزين بالإيمان من غيرهم. # والواو في قوله: { وليعلم الله } لها نظائر كثيرة في القرآن، ~~كقوله: # وليكون من الموقنين # [الأنعام: 75] وقوله: # ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون # [الأنعام: 113]. # فصل # تقدير الكلام: وتلك الأيام نداولها بين الناس، ليكون كيت وكيت، وليعلم ~~الله، وإنما حذف المعطوف عليه، للإيذان بأن المصلحة في هذه المداولة ~~ليست بواحدة؛ ليسليهم عما جرى، ليعرفهم تلك الواقعة، وأن شأنهم ~~فيها فيه من وجوه المصالح ما لو عرفوه لسرهم. # فإن قيل: ظاهر قوله تعالى: { وليعلم الله الذين آمنوا } ~~مشعر بأنه - تعالى - إنما فعل تلك المداولة، ليكتسب هذا العلم، وذلك ~~في حقه تعالى محال، ونظير هذه الآية - في الإشكال - قوله تعالى: # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله ~~الذين ms2190 جاهدوا منكم ويعلم الصابرين # [آل عمران: 142] وقوله: # ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله ~~الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين # [العنكبوت: 3]. وقوله: # لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا # [الكهف: 12] وقوله: # ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم ~~والصابرين # [محمد: 31] وقوله: # إلا لنعلم من يتبع الرسول # [البقرة: 143] وقوله: # ليبلوكم أيكم أحسن عملا # [هود: 7]. ولقد احتج هشام بن الحكم بظواهر هذه الآيات على أن الله ~~تعالى لا يعلم حدوث الحوادث إلا عند وقوعها، فقال: كل هذه الآيات دالة ~~على أنه - تعالى - إنما صار عالما بحدوث هذه الأشياء عند حدوثها. # وأجاب المتكلمون عنه بأن الدلائل العقلية دلت على أنه - تعالى - ~~يعلم الحوادث قبل وقوعها فثبت أن التغيير في العلم محال، إلا أن إطلاق ~~لفظ العلم على المعلوم، والقدرة على المقدور مجاز مشهور، يقال: هذا ~~علم فلان - والمراد: معلومه - وهذه قدرة فلان - والمراد: مقدوره، فكل ~~آية يشعر ظاهرها بتجدد العلم، فالمراد: تجدد المعلوم. # إذا عرف هذا فنقول: في هذه الآية وجوه: # أحدها: ليظهر الإخلاص من النفاق، والمؤمن من الكافر. # وثانيها: ليعلم أولياء الله، فأضاف العلم إلى نفسه تفخيما. # وثالثها: ليحكم بالامتياز فوضع العلم مكان الحكم بالامتياز؛ لأن ~~الحكم لا يحصل إلا بعد العلم. # ورابعها: ليعلم ذلك واقعا كما كان يعلم أنه سيقع؛ لأن المجازاة تقع ~~على الواقع، دون المعلوم الذي لم يوجد. # قوله: { ويتخذ منكم شهدآء } الظاهر أن " منكم " ~~متعلق بالاتخاذ، وجوزوا فيه أن يتعلق بمحذوف، على أنه حال من " ~~شهداء "؛ لأنه - في الأصل - صفة له. # فصل # والمراد بقوله: { ويتخذ منكم شهدآء } أي: شهداء على ~~الناس بما صدر منهم من الذنوب والمعاصي، فإن كونهم شهداء على الناس ~~منصب عال، ودرجة عالية. # وقيل: المراد منه: ويكرم قوما بالشهادة؛ وذلك: لأن قوما من ~~المسلمين فاتهم يوم بدر، وكانوا يتمنون لقاء العدو، وأن يكون لهم يوم ~~كيوم بدر؛ يقاتلون فيه العدو، ويلتمسون فيه الشهادة، والقرآن مملوء من ~~تعظيم حال الشهداء، فإنه قرنهم مع النبيين في قوله: # وجيء بالنبيين والشهدآء # [الزمر: 69] وقوله: # فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين ms2191 والشهدآء والصالحين # [النساء: 69] وهذه الآيات تدل على أن جميع الحوادث بإرادة الله تعالى. # والشهداء: جمع شهيد كالكرماء، والظرفاء. # فصل # في تسميتهم " شهداء " وجوه: # أحدها: قال النضر بن شميل: الشهداء أحياء، لقوله تعالى: # بل أحياء عند ربهم يرزقون # [آل عمران: 169] فأرواحهم حية، وقد حضرت دار السلام، وأرواح غيرهم لا ~~تشهدها. # الثاني: قال ابن الأنباري: لأن الله تعالى وملائكته شهدوا لهم بالجنة، ~~فالشهداء جمع شهيد، " فعيل " بمعنى: " مفعول ". # الثالث: لأنهم يشهدون يوم القيامة مع النبيين والصديقين، فيكونون ~~شهداء على الناس. # الرابع: سموا شهداء، لأنهم لما ماتوا أدخلوا الجنة، بدليل أن ~~الكفار لما ماتوا أدخلوا النار؛ قال تعالى: # أغرقوا فأدخلوا نارا # [نوح: 25]. # فأما: { والله لا يحب الظالمين } فهذا اعتراض بين بعض ~~التعليل وبعض. # قال ابن عباس: أي: المشركين؛ لقوله تعالى: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]. # قوله: { وليمحص الله الذين آمنوا } التمحيص: التخليص ~~من الشيء. # وقيل: المحص كالفحص، لكن الفحص يقال في إبراز الشيء من أثناء ما ~~يختلط به وهو منفصل، والمحص: يقال في إبرازه عما هو متصل به، يقال: ~~محصت الذهب، ومحصته - إذا أزلت عنه ما يشوبه من خبث، ومحص ~~الثوب: إذا زال عنه زئبره ومحص الحبل - إذا أخلق حتى ذهب عنه زئبره، ~~ومحص الظبي: عدا. ف " محص " - بالتخفيف - يكون قاصرا ومتعديا، ~~هكذا روى الزجاج هذه اللفظة - الحبل - ورواها النقاش: محص الجمل - إذا ~~ذهب وبره واملس - والمعنيان واضحان. # وقال الخليل: التمحيص: التخليص من الشيء المعيب. # وقيل: هو الابتلاء والاختبار. # قال الشاعر: [الطويل] # 1633- رأيت فضيلا كان شيئا ملففا # فكشفه التمحيص حتى بدا ليا # وروى الواحدي عن المبرد بسند متصل: محص الحبل يمحص محصا - إذا ~~ذهب زئبره حتى يتملص، وحبل محيص ومليص بمعنى واحد، قال: ويستحب في ~~الفرس أن تمحص قوائمه أي: تخلص من الرهل. # [وأنشد ابن الأنباري على ذلك] - يصف فرسا -: [البسيط] # 1634- صم النسور، صحاح، غير عاثرة # ركبن في محصات ملتقى العصب # أي: في قوائم متجردات من اللحم، ليس فيها إلا العظم والجلد. # قال المبرد: ومعنى قول الناس محص عنا ذنوبنا: أذهب عنا ما ms2192 ~~تعلق من الذنوب. # قال الواحدي: " وهذا - الذي قاله المبرد - تأويل المحص - بفتح الحاء ~~- وهو واقع، والمحص - بسكون الحاء - " مصنوع " - وقال الخليل: يقال: ~~محصت الشيء أمحصه محصا - إذا أخلصته من كل عيب ". # وفي جعله محصا - بتسكين الحاء - مصنوعا نظر؛ لأن أهل اللغة نقلوه ~~ساكنها، وهو قياس مصدر الثلاثي. ومحصت السيف والسنان: جلوتهما حتى ~~ذهب صدأهما. # قال أسامة الهذلي: [الطويل] # 1635- وشقوا بممحوص السفان فؤاده # لهم قترات قد بنين محاتد # أي: بمجلو، ومنه استعير ذلك في وصف الحبل بالملاسة والبريق. # قال العجاج: [الرجز] # 1636- شديد جلز الصلب ممحوص الشوى # كالكر، لا شخت ولا فيه لوى # والشوى: الظهر، قصره ضرورة، سمع: فعلته حتى انقطع شواي، أي: ~~ظهري. والمحق - في اللغة - النقصان. # وقال المفضل: هو أن يذهب الشيء كله، حتى لا يرى منه شيء، ومنه ~~قوله تعالى: # يمحق الله الربا # [البقرة: 276] أي: يستأصله، وقد تقدم الكلام عليه في البقرة. # قال الزجاج: معنى الآية: أن الله تعالى جعل الأيام مداولة بين المسلمين ~~والكافرين، فإن حصلت الغلبة للكافرين كان المراد: تمحيص ذنوب المؤمنين - ~~أي: تطهيرها - وإن كانت الغلبة للمؤمنين كان المراد: محق آثار ~~الكافرين، ومحوهم، فقابل تمحيص المؤمنين بمحق الكافرين؛ لأن تمحيص ~~هؤلاء باهلاك ذنوبهم نظير محق أولئك بإهلاك نفوسهم، وهذه مقابلة لطيفة، ~~والأقرب أن المراد بالكافرين - هنا - طائفة مخصوصة منهم - وهم الذين ~~حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، لأن الله تعالى لم ~~يمحق كل الكافرين، بل بقي كثير منهم على كفره. ### || [3.142-143] # لما بين في الآية الأولى الأسباب الموجبة في مداولة الأيام، ذكر في ~~هذه الآية ما هو السبب الأصلي لذلك، فقال: { أم حسبتم أن ~~تدخلوا الجنة } بدون تحمل المشاق؟ # وفي " أم " - هذه - أوجه: # أظهرها: أنها منقطعة، مقدرة ب " بل " ، وهمزة الاستفهام ويكون معناه ~~الإنكار عليهم. # وقيل: " أم " بمعنى الهمزة وحدها، ومعناه كما تقدم التوبيخ والإنكار. # وقيل: هذا الاستفهام معناه النهي. # قال أبو مسلم: " إنه نهي وقع بحرف الاستفهام الذي يأتي للتبكيت، ~~وتلخيصه: لا تحسبوا أن تدخلوا الجنة، ولم يقع منكم الجهاد، وهو كقوله: ms2193 # أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا ~~يفتنون # [العنكبوت: 2] وافتتح الكلام بذكر " أم " التي هي أكثر ما تأتي في ~~كلامهم واقعة بين ضربين يشك في أحدهما، لا يعينه، يقولون: أزيد ضربت أم ~~عمرا؟ مع تيقن وقوع الضرب بأحدهما، قال: وعادة العرب أن يأتوا بهذا ~~الجنس من الاستفهام توكيدا، فلما قال: # ولا تهنوا ولا تحزنوا # [آل عمران: 139] كأنه قال: أفتعلمون أن ذلك كما تؤمرون به أم تحسبون ~~أن تدخلوا الجنة من غير مجاهدة وصبر؟ ". # وقيل: هي متصلة. # قال ابن بحر: " هي عديلة همزة تقدر من معنى ما تقدم، وذلك أن قوله: # إن يمسسكم قرح # [آل عمران: 140] و # وتلك الأيام نداولها بين الناس # [آل عمران: 140] إلى آخر القصة يقتضي أن نتبع ذلك أتعلمون أن التكليف ~~يوجب ذلك أم حسبتم أن تدخلوا الجنة من غير اختبار وتحمل مشقة، وأن ~~تجاهدوا، فيعلم الله ذلك منكم واقعا ". # و " أحسب " - هنا - على بابها من ترجيح أحد الطرفين، و { أن ~~تدخلوا } ساد مسد المفعولين - على رأي سيبويه - ومسد الأول، ~~والثاني: محذوف - على رأي الأخفش. # قوله: { ولما يعلم الله } جملة حالية. # قال الزمخشري: " و " لما " بمعنى " لم " ، إلا أن فيه ضربا من ~~التوقع، فدل على نفي الجهاد فيما مضى، وعلى توقعه فيما يستقبل، ~~وتقول: وعدتني أن تفعل كذا ولما، تريد: ولم تفعل، وأنا أتوقع فعله ~~". # قال أبو حيان: " وهذا الذي قاله في " لما " - من أنها تدل على توقع ~~الفعل المنفي بها فيما يستقبل - لا أعلم أحدا من النحويين ذكره، بل ~~ذكروا أنك إذا قلت: لما يخرج زيد، دل ذلك على انتفاء الخروج فيما مضى، ~~متصلا نفيه إلى وقت الاخبار، أما أنها تدل على توقعه في المستقبل فلا، ~~لكنني وجدت في كلام الفراء شيئا يقارب ما قاله الزمخشري، قال: " لما " ~~لتعريض الوجود بخلاف " لم " ". # قال شهاب الدين: والنحاة إنما فرقوا بينهما من جهة أن المنفي ب " ~~لم " هو فعل غير مقرون ب " قد " ، والمنفي ب " لما " فعل مقرون بها، ~~و " قد " تدل على التوقع، فيكون كلام الزمخشري ms2194 صحيحا من هذه الجهة، ~~ويدل على ما قلته - من كون " لم " لنفي فعل فلان، و " لما " لنفي قد فعل ~~- نص سيبويه فمن دونه. # قال الزجاج إذا قيل فعل فلان، فجوابه: لم يفعل، وإذا قيل: قد فعل فلان، ~~فجوابه لما يفعل؛ لأنه لما أكد في جانب الثبوت ب " قد " لا جرم أنه ~~أكد في جانب النفي بكلمة " لما " ، وقد تقدم نظير هذه الآية في " البقرة ~~" وظاهر الآية يدل على وقوع النفي على العلم، والمراد: وقوعه على نفي ~~المعلوم، والتقدير: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة، ولما يصدر الجهاد ~~عنكم؟ # وتقريره: أن العلم متعلق بالمعلوم، كما هو عليه، فلما حصلت هذه ~~المطابقة - لا جرم - حسن إقامة كل واحد منهما مقام الآخر. # فصل # قال القرطبي: والمعنى: أحسبتم يا من انهزم يوم أحد أن تدخلوا الجنة، ~~كما دخل الذين قتلوا، وصبروا على ألم الجراح والقتل، من غير أن تسلكوا ~~طريقهم، وتصبروا صبرهم؟ لا؛ حتى يعلم الله الذين جاهدوا منكم، أي: ~~علم شهادة، حتى يقع عليه الجزاء، والمعنى: ولم تجاهدوا، فيعلم ذلك منكم، ~~ف " لما " بمعنى: " لم ". # قوله: " منكم " حال من " الذين ". # وقرأ العامة { ولما يعلم الله } بكسر الميم - على أصل التقاء ~~الساكنين. # وقرأ النخعي وابن وثاب بفتحها، وفيها وجهان: # الأول: أن الفتحة فتحة إتباع الميم ل " اللام " قبلها. # الثاني: أنه على إرادة النون الخفيفة، والأصل: ولما يعلمن، والمنفي ب ~~" لما " قد جاء مؤكدا بها، كقول الشاعر: [الرجز] # 1637- يحسبه الجاهل ما لم يعلما # شيخا على كرسيه معمما # فلما حذفت النون بقي آخر الفعل مفتوحا، كقول الشاعر: [الخفيف] # 1638- لا تهين الفقير علك أن تر # كع يوما والدهر قد رفعه # وعليه تخرج قراءة: { ألم نشرح } [الشرح: 1] - بفتح الحاء -. # وقول الآخر: [الرجز] # 1639- من أي يومي من الموت أفر # من يوم لم يقدر أو يوم قدر # قوله: " ويعلم " العامة على فتح الميم، وفيها تخريجان: # أحدهما: وهو الأشهر - أن الفعل منصوب، ثم هل نصبه ب " أن " مقدرة بعد ~~الواو المقتضية للجمع كهي في قولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، أي: لا ms2195 ~~تجمع بينهما - وهو مذهب البصريين - أو بواو الصرف - وهو مذهب الكوفيين - ~~يعنون أنه كان من حق الفعل أن يعرب بإعراب ما قبله، فلما جاءت الواو ~~صرفته إلى وجه آخر من الإعراب. # الثاني: أن الفتحة فتحة التقاء الساكنين، والفعل مجزوم، فلما وقع بعده ~~ساكن آخر، احتيج إلى تحريك آخره، فكانت الفتحة أولى؛ لأنها أخف، ~~وللإتباع لحركة اللام، كما قيل ذلك في أحد التخريجين في قراءة " ولما ~~يعلم الله " بفتح الميم - والأول هو الوجه. # وقرأ الحسن وأبو حيوة وابن يعمر: بكسر الميم؛ عطفا على " ~~يعلم " المجزوم ب " لما ". # وقرأ عبد الوارث - عن أبي عمرو بن العلاء - " ويعلم " ~~بالرفع، وفيها وجهان: # أظهرهما: أنه مستأنف، أخبر - تعالى - بذلك. # وقال الزمخشري: " على أن الواو للحال، كأنه قيل: ولما تجاهدوا ~~وأنتم صابرون ". # قال أبو حيان: " ولا يصح ما قال؛ لأن واو الحال لا تدخل على ~~المضارع، لا يجوز: جاء زيد ويضحك - تريد: جاء زيد يضحك، لأن المضارع واقع ~~موقع اسم الفاعل، فكما لا يجوز: جاء زيد وضاحكا، كذلك لا يجوز: جاء زيد ~~ويضحك فإن أول على أن المضارع خبر لمبتدأ محذوف، أمكن ذلك، التقدير: وهو ~~يعلم الصابرين. # كما أولوا قول الشاعر: [المتقارب] # 1640-.................... # نجوت وأرهنهم مالكا # أي: وأنا أرهنهم ". # قال شهاب الدين: " قوله: لا تدخل على المضارع، هذا ليس على إطلاقه، بل ~~ينبغي أن يقول: على المضارع المثبت، أو المنفي ب " لا "؛ لأنها تدخل على ~~المضارع المنفي ب " لم ولما ". وقد عرف ذلك مرارا ". # ومعنى الآية: أن دخول الجنة، وترك المصابرة على الجهاد مما لا يجتمعان. # قوله تعالى: { ولقد كنتم تمنون الموت } قرأ البزي: ~~بتشديد تاء " تمنون " ، ولا يمكن ذلك إلا في الوصل، وقاعدته: أنه ~~يصل ميم الجمع بواو، وقد تقدم تحرير هذا عند قوله تعالى: # ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون # [البقرة: 267]. # قوله: " من قبل " الجمهور على كسر اللام؛ لأنها معربة؛ لإضافتها ~~إلى " أن " وصلتها. # وقرأ مجاهد وابن جبير: { من قبل } بضم اللام، وقطعها عن الإضافة، ~~كقوله تعالى: # لله الأمر من قبل ومن بعد # [الروم: 4] وعلى هذا ms2196 ف " أن " وصلتها بدل اشتمال من " الموت ~~" في محل نصب، أي: تمنون لقاء الموت، كقولك: رهبت العدو ~~لقاءه، والضمير في " تلقوه " فيه وجهان: # أظهرهما: عوده على " الموت ". # والثاني: عوده على العدو، وإن لم يجر له ذكر - لدلالة الحال عليه. # وقرأ الزهري، والنخعي " تلاقوه " ، ومعناه معنى " تلقوه ~~"؛ لأن " لقي " يستدعي أن يكون بين اثنين - بمادته - وإن لم يكن على ~~المفاعلة. # قوله: { فقد رأيتموه } الظاهر أن الرؤية بصرية، فيكتفى بمفعول ~~واحد. # وجوزوا أن تكون علمية، فتحتاج إلى مفعول ثان، هو محذوف، أي: فقد ~~علمتموه حاضرا - أي: الموت -. # إلا أن حذف أحد المفعولين في باب " ظن " ليس بالسهل، حتى إن بعضهم ~~يخصه بالضرورة، كقول عنترة: [الكامل] # 1641- ولقد نزلت، فلا تظني غيره # مني بمنزلة المحب المكرم # أي: فلا تظني غيره واقعا مني. # قوله: { وأنتم تنظرون } يجوز أن تكون جملة حالية - وهي حال ~~مؤكدة - رفعت ما تحتمله الرؤية من المجاز، أو الاشتراك بينها وبين رؤية ~~القلب، ويجوز أن تكون مستأنفة، بمعنى: وأنتم تنظرون في فعلكم - الآن - ~~بعد انقضاء الحرب، هل وفيتم، أو خالفتم؟ # وقال ابن الأنباري: " رأيتموه " ، أي: قابلتموه { وأنتم ~~تنظرون } بعيونكم، ولهذه العلة ذكر النظر بعد الرؤية حيث اختلف ~~معناهما؛ لأن الأول بمعنى: المقابلة والمواجهة، والثاني بمعنى: رؤية ~~العين. # وهذا - أعني: إطلاق الرؤية على المقابلة والمواجهة - غير معروف عند أهل ~~اللسان، وعلى تقدير صحته، فتكون الجملة من قوله: { وأنتم تنظرون ~~} جملة حالية مبينة - لا مؤكدة - لأنها أفادت معنى زائدا على معنى ~~عاملها. # ويجوز أن يقدر ل " تنظرون " مفعولا، ويجوز أن لا يقدر؛ إذ ~~المعنى: وأنتم من أهل النظر. # فصل # قال المفسرون: إن قوما من المسلمين تمنوا يوما كيوم بدر؛ ~~ليقاتلوا، وليستشهدوا، فأراهم الله يوم أحد. # وقوله: { تمنون الموت } أي: سبب الموت - وهو الجهاد - { من ~~قبل أن تلقوه فقد رأيتموه } يعني: أسبابه، وذكر النظر ~~بعد الرؤية؛ تأكيدا - كما قدمناه -. # وقيل: لأن الرؤية قد تكون بمعنى: العلم، فقال: { وأنتم تنظرون ~~} ليعلم أن المراد بالرؤية: هي البصرية. # وقيل: وأنتم تنظرون إلى محمد صلى الله عليه وسلم. ### || [3.144] ms2197 # " ما " نافية، ولا عمل لها هنا مطلقا - أعني: على لغة الحجازيين ~~والتميميين؛ لأن التميميين لا يعملونها - ألبتة - والحجازيين ~~يعملونها بشروط، منها: ألا ينتقض النفي ب " إلا " إذ يزول السبب ~~الذي عملت لأجله - وهو شبهها ب " ليس " في نفي الحال - فيكون " ~~محمد " مبتدأ، و " رسول " خبر. # هذا - [أعني: إهمالها إذا نقض نفيها] - مذهب الجمهور، وقد أجاز يونس ~~إعمالها منتقضة النفي ب " إلا ". # وأنشد: [الطويل] # 1642- وما الدهر إلا منجنونا بأهله # وما صاحب الحاجات إلا معذبا # فنصب " منجنونا " ، و " معذبا " على خبر " ما " - وهما بعد " إلا ~~" -. # ومثله قول الآخر: [الوافر] # 1643- وما حق الذي يعثو نهارا # ويسرق ليله إلا نكالا # ف " حق " اسم " ما " و " نكالا " خبرها. # وتأول الجمهور هذه الشواهد على أن الخبر محذوف، وهذا المنصوب ~~معمول لذلك الخبر المحذوف، والتقدير: وما الدهر إلا يدور دوران ~~منجنون، فحذف الفعل الناصب ل " دوران " ثم حذف المضاف، ~~وأقيم المضاف إليه مقامه في الإعراب، وكذا: " إلا معذبا " تقديره: ~~يعذب تعذيبا، فحذف الفعل، وأقيم " معذبا " مقام " تعذيب " ~~، كقوله تعالى: # ومزقناهم كل ممزق # [سبأ: 19] أي: كل تمزيق. وكذا: " إلا نكالا " ، وفيه من التكلف ما ~~ترى. # و " محمد " هو المستغرق لجميع المحامد؛ لأن الحمد لا يستوجبه إلا ~~الكامل، والتحميد فوق الحمد، فلا يستحقه إلا المستولي على الأمد في ~~الكمال. وأكرم الله نبيه باسمين مشتقين من اسمه - جل جلاله - وهما ~~محمد وأحمد. # قال أهل اللغة: كل جامع لصفات الخير يسمى " محمدا ". # قوله: { قد خلت } في هذه الجملة وجهان: # أظهرهما: أنها في محل رفع؛ صفة ل " رسول ". # الثاني: أنها في محل نصب على الحال من الضمير المستكن في " رسول " ، ~~وفيه نظر؛ لجريان هذه الصفة مجرى الجوامد، فلا تتحمل ضميرا. # قوله: " من قبله " فيه وجهان - أيضا -: # أظهرهما: أنه معلق ب " خلت ". # والثاني: أنه متعلق بمحذوف؛ حال من " الرسل " مقدما عليها، وهي ~~- حينئذ - حال مؤكدة؛ لأن ذكر الخلو مشعر بالقبلية. # وقرأ ابن عباس " رسل " - بالتنكير -. # قال ابو الفتح: ووجها أنه موضع تيسير لأمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم في أمر الحياة ومكان تسوية ms2198 بينه وبين البشر في ذلك، وكذلك يفعل في ~~أماكن الاقتصاد، كقوله: # وقليل من عبادي الشكور # [سبأ: 13]. # وقوله: # ومآ آمن معه إلا قليل # [هود: 40]. # وقال أبو البقاء: " وهو قريب من معنى " المعرفة ". كأنه يريد أن ~~المراد بالرسل " الجنس " ، فالنكرة قريب منه بهذه الحيثية ". # وقراءة الجمهور أولى؛ لأنها تدل على تفخيم الرسل وتعظيمهم. # قال أبو علي: والرسول جاء على ضربين: # أحدهما: أن يراد به المرسل. # والآخر: الرسالة، وهاهنا المراد منه " المرسل " ، كقوله تعالى: # إنك لمن المرسلين # [يس: 3] وقوله: # يأيها الرسول بلغ # [المائدة: 67] و " فعول " قد يراد به: المفعول، كالركوب والحلوب ~~لما يركب ويحلب، والرسول بمعنى الرسالة. # كقوله: [الطويل] # 1644- لقد كذب الواشون ما بحت عندهم # بسر، ولا أرسلتهم برسول # فصل # قال ابن عباس وأصحاب المغازي: لما رأى خالد بن الوليد ~~الرماة يوم أحد قد اشتغلوا بالغنيمة، ورأى ظهورهم خالية، صاح في ~~خيله من المشركين، ثم حمل على أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم من ~~خلفهم -، فهزموهم، وقتلوهم، ورمى عبد الله بن قمئة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بحجر، فكسر أنفه ورباعيته، وشج في وجهه، فأثقله، وتفرق ~~عنه أصحابه؛ ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صخرة ليعلوها - ~~وكان قد ظاهر بين درعين - فلم يستطع، فجلس تحته طلحة، فنهض حتى ~~استوى عليها فقال صلى الله عليه وسلم أوجب طلحة، ووقعت هند ~~والنسوة معها يمثلن بالقتلى من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~يجدعن الآذان والأنوف، حتى اتخذت هند قلائد من ذلك، وأعطتها وحشيا، ~~ونقرت عن كبد حمزة، فلاكتها، فلم تستسغها، فلفظتها، وأقبل عبد الله ~~بن قمئة يريد قتل النبي صلى الله عليه وسلم فذب مصعب بن عمير وهو ~~صاحب راية النبي صلى الله عليه وسلم عنه، فقتله ابن قمئة، وهو يرى أنه ~~قتل النبي صلى الله عليه وسلم فرجع، وقال: إني قتلت محمدا، وصاح صارخ: ~~ألا إن محمدا قد قتل - قيل: إن ذلك الصارخ كان إبليس - وانكف الناس، ~~وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس: إلي عباد الله، إلي ~~عباد ms2199 الله، فاجتمع إليه ثلاثون رجلا، فحموه حتى كسفوا عنه المشركين، ~~ورمى سعد بن أبي وقاص حتى اندقت سية قوسه، ومثل له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كنانته فقال: ارم فداك أبي وأمي، وكان أبو طلحة رجلا ~~راميا، شديد النزع، كسر يوم أحد قوسين أو ثلاثة، فكان الرجل يمر معه ~~بجعبة من النبل، فيقول: انثرها لأبي طلحة، وكان إذ رمى يشرف ~~النبي صلى الله عليه وسلم فينظر إلى موضع نبله، وأصيبت يد طلحة ~~بن عبيد الله فيبست، وقى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصيبت ~~عين قتادة بن النعمان يومئذ، حتى وقعت على وجنته، فردها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مكانها، فعادت كأحسن ما كانت، فلما انصرف رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أدركه أبي بن خلف الجمحي، وهو يقول: لا ~~نجوت إن نجا، فقال القوم: يا رسول الله، ألا يعطف عليه رجل منا؟ ~~فقال: صلى الله عليه وسلم: دعوه، حتى إذا دنا منه - وكان أبي كلما ~~لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك، قال له: عندي دمكة أعلفها ~~كل يوم فرق ذرة؛ أقتلك عليها، فقال صلى الله عليه وسلم: بل أنا ~~أقتلك إن شاء الله، فلما دنا منه تناول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة، ثم استقبله ~~فطعنه في عنقه، وخدشه خدشة، فتدأدأ عن فرسه - وهو يخور كما يخور الثور - ~~وهو يقول: قتلني محمد، وحمله أصحابه، وقالوا: ليس بك من بأس، فقال: أليس ~~قال لي: أقتلك؟ فلم يلبث إلا يوما حتى مات بموضع يقال له: سرف. # قال ابن عباس: اشتد غضب الله على من قتل نبيه، واشتد غضب الله على من ~~رمى وجه رسول الله قال: وفشا في الناس أن محمدا قد قتل فقال بعض ~~المسلمين: يا ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبي فيأخذ لنا أمانا من ~~أبي سفيان، وبعض الصحابة جلسوا وألقوا بأيديهم. # وقال أناس من أهل النفاق: إن كان محمد قد قتل فالحقوا بدينكم الأول، ~~فقال ms2200 أنس بن النضر - عم أنس بن مالك: يا قوم، إن كان محمد قد قتل فإن ~~رب محمد لم يقتل، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله، قوموا، فقاتلوا ~~على ما قاتل عليه، وموتوا على ما مات عليه، ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك ~~مما يقول هؤلاء - يعني: المسلمين - وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء - يعني: ~~المنافقين - ثم شد بسيفه، فقاتل حتى قتل ثم إن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم انطلق إلى الصخرة وهو يدعو الناس، فأول من عرف رسول الله كعب ~~بن مالك، وقال: عرفت عينيه تحت المغفر تزهران، فناديت بأعلى صوتي: يا ~~معشر المسلمين، أبشروا؛ هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار إلي أن ~~أسكت، فانحازت إليه طائفة من أصحابه، فلامهم النبي على ~~الفرار. فقالوا: يا رسول الله - فديناك بآبائنا وأمهاتنا - أتانا ~~الخبر بأنك قتلت فرعبت قلوبنا، فولينا مدبرين، فأنزل الله ~~قوله: { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله ~~الرسل }. # قوله: { أفإن مات } الهمزة لاستفهام الإنكار، والفاء للعطف، ~~ورتبتها التقديم؛ لأنها حرف عطف، وإنما قدمت الهمزة؛ لأن لها صدر ~~الكلام، وقد تقدم تحقيقه وأن الزمخشري يقدر بينهما فعلا محذوفا تعطف ~~الفاء عليه ما بعدها. # قال ابن الخطيب كمال الدين الزملكاني: " الأوجه: أن يقدر ~~محذوف بعد الهمزة، وقبل الفاء، تكون الفاء عاطفة عليه، ولو صرح به ~~لقيل: أتؤمنون به مدة حياته فإن مات ارتددتم، فتخالفوا سنن أتباع ~~الأنبياء قبلكم في ثباتهم على ملل أنبيائهم بعد وفاتهم. # وهذا هو مذهب الزمخشري، إلا أن الزمخشري - هنا - عبر بعبارة ~~لا تقتضي مذهبه الذي هو حذف جملة بعد الهمزة؛ فإنه قال: الفاء معلقة ~~للجملة الشرطية بالجملة قبلها على معنى " التسبيب " ، والهمزة لإنكار ~~أن يجعلوا خلو الرسل قبله سببا لانقلابهم على أعقابهم بعد هلاكه ~~- بموت أو قتل - مع علمهم أن خلو الرسل قبله، وبقاء دينهم ~~متمسكا به يجب أن يجعل سببا للتمسك بدين محمد صلى الله عليه وسلم لا ~~للانقلاب عنه ". # فظاهر هذا الكلام أن الفاء عطفت هذه الجملة المشتملة على الإنكار على ms2201 ما ~~قبلها من قوله: { قد خلت } من غير تقدير جملة أخرى. # وقال أبو البقاء قريبا من هذا؛ فإنه قال: " الهمزة عند سيبويه في ~~موضعها، والفاء تدل على تعلق الشرط بما قبله ". # لا يقال: إنه جعل الهمزة في موضعها، فيوهم هذا أن الفاء ليست مقدمة ~~عليها؛ لأنه جعل هذا مقابلا لمذهب يونس؛ فإن يونس يزعم أن هذه الهمزة - ~~في مثل هذا التركيب - داخلة على جواب الشرط، فهي في مذهبه في غير موضعها ~~وسيأتي تحريره. # و " إن " شرطية، و " مات " و " انقلبتم " شرط وجزاء، ودخول ~~الهمزة على أداة الشرط لا يغير سببا من حكمها. # وزعم يونس أن الفعل الثاني - الذي هو جزاء الشرط - ليس هو جزاء للشرط، ~~وإنما هو المستفهم عنه، وأن الهمزة داخلة عليه تقديرا، فينوى به ~~التقرير، وحينئذ لا يكون جوابا، بل الجواب محذوف، ولا بد - إذ ذاك - من ~~أن يكون فعل الشرط ماضيا، إذ لا يحذف الجواب إلا والشرط ماض، ولا ~~اعتبار بالشعر؛ فإنه ضرورة، فلا يجوز عنده أن تقول: إن تكرمني أكرمك ولا ~~يجزمهما، ولا بجزم الأول ورفع الثاني، لأن الشرط مضارع. ولا أإن أكرمتني ~~أكرمك - بجزم أكرمك؛ لأنه ليس الجواب، بل دال عليه، والنية به التقديم، ~~فإن رفعت " أكرمك " وقلت: أإن أكرمتني أكرمك، صح عنده. # فالتقدير عند يونس: أانقلبتم على أعقابكم إن مات محمد صلى الله عليه ~~وسلم؛ لأن الغرض إنكار انقلابهم على أعقابهم بعد موته، وبقول يونس قال ~~كثير من المفسرين؛ فإنهم يقولون: ألف الاستفهام دخلت في غير موضعها؛ ~~لأن الغرض إنما هو أتنقلبون إن مات محمد؟ # وقال أبو البقاء: " وقال يونس: الهمزة في مثل هذا حقها أن تدخل على جواب ~~الشرط، تقديره: أتنقلبون إن مات؟ لأن الغرض التنبيه، أو التوبيخ على هذا ~~الفعل المشروط ". # ومذهب سيبويه الحق؛ لوجهين: # أحدهما: أنك لو قدمت الجواب، لم يكن للفاء وجه؛ إذ لا يصح أن تقول: ~~أتزورني فإن زرتك. ومنه قوله: # أفإن مت فهم الخالدون # [الأنبياء: 34]. # والثاني: أن الهمزة لها صدر الكلام، و " إن " لها صدر الكلام، وقد ~~وقعا ms2202 في موضعهما، والمعنى يتم بدخول الهمزة على جملة الشرط والجواب؛ ~~لأنهما كالشيء الواحد. # وقد رد النحويون على يونس بقوله: # أفإن مت فهم الخالدون # [الأنبياء: 34]، فإن الفاء في قوله: " فهم " تعين أن يكون جوابا ~~للشرط، وأتى - هنا - ب " إن " التي تقتضي الشك، والموت أمر محقق، إلا ~~أنه أورده مورد المشكوك فيه؛ للتردد بين الموت والقتل. # فإن قيل: إنه - تعالى - بين في آيات كثيرة أنه صلى الله عليه وسلم لا ~~يقتل، قال: # إنك ميت وإنهم ميتون # [الزمر: 30] وقال: # والله يعصمك من الناس # [المائدة: 67] وقال: # ليظهره على الدين كله # [التوبة: 33]، وإذا علم أنه لا يقتل، فلم قال: (أو قتل)؟ # فالجواب من وجوه: # أحدها: أن صدق القضية الشرطية لا تقتضي صدق جزأيها؛ فإنك تقول: إن ~~كانت الخمسة زوجاص كانت مقسمة بمتساويين، فالشرطية صادقة، وجزآها كاذبان، ~~وقال تعالى: # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا # [الأنبياء: 22] فهذا حق، مع أنه ليس فيهما آلهة، وليس فيهما فساد. # الثاني: أن هذا ورد على سبيل الإلزام؛ فإن موسى - عليه السلام - مات ولم ~~ترجع أمته عن دينه، والنصارى زعموا أن عيسى قتل، ولم يرجعوا عن دينه، ~~فكذا هنا. # وثالثها: أن الموت لا يوجب رجوع الأمة عن دينه، فكذا القتل وجب ألا ~~يوجب الرجوع عن دينه، لأنه لا فارق بين الأمرين، فلما رجع إلى هذا ~~المعنى، كان المقصود منه الرد على أولئك الذين شكوا في صحة الدين، ~~وهموا بالارتداد. # فإن قيل: قوله: { أفإن مات أو قتل } شك، وهو - على الله ~~تعالى - محال. # فالجواب: أن المراد: أنه سواء وقع هذا أو ذاك، فلا تأثير له في ضعف ~~الدين ووجوب الارتداد. # فصل # قوله: { انقلبتم على أعقابكم } أي: صرتم كفارا بعد ~~إيمانكم، يقال لكل من عاد إلى ما كان عليه: رجع وراءه، فانقلب على عقبه، ~~ونكص على عقبيه، وذلك أن المنافقين قالوا لضعفة المسلمين: إن كان ~~محمد قد قتل فالحقوا بدينكم، فقال بعض الأنصار إن كان محمد قد قتل ~~فالحقوا بدينكم، فقال بعض الأنصار إن كان محمد قد قتل، فإن رب محمد ~~لم ms2203 يقتل، فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد صلى الله عليه وسلم. # فقد بين - تعالى - أن قتله لا يوجب ضعفا في دينه بدليلين: # أحدهما: القياس على موت سائر الأنبياء. # والثاني: أن الحاجة إلى الرسول إنما هي لتبليغ الدين، وبعد ذلك لا ~~حاجة إليه، فلم يلزم من قتله فساد الدين. # قوله: { على أعقابكم } فيه وجهان: # أظهرهما: أنه متعلق ب " انقلبتم ". # والثاني: أنه حال من فاعل " انقلبتم " ، كأنه قيل: انقلبتم ~~راجعين. # قوله: { ومن ينقلب على عقبيه }. # قرأ ابن أبي إسحاق " على عقبه " - بالإفراد، و " شيئا " نصب على ~~المصدر أي: شيئا من الضرر، لا قليلا ولا كثيرا. والمراد منه: تأكيد ~~الوعيد، وأن المنقلب بارتداده لا يضر الله شيئا، وإنما يضر نفسه. # ثم قال: { وسيجزي الله الشاكرين } والمعنى: أن تلك الهزيمة ~~لما أوقعت شبهة في قلوب بعضهم، ولم تقع في قلوب العلماء الأقوياء ~~من المؤمنين، فهم شكروا الله على ثباتهم على الإيمان وشدة تمسكهم به ~~فمدحهم الله تعالى. # روى ابن جرير الطبري عن علي - رضي الله عنه - أنه قال المراد ~~بقوله تعالى: { وسيجزي الله الشاكرين }: أبو بكر وأصحابه. ~~وروى عنه أيضا أنه قال: أبو بكر أمين الشاكرين، وأمين الله تعالى. ### || [3.145] # { أن تموت } في محل رفع؛ اسما ل " كان " ، و " لنفس " خبر ~~مقدم فيتعلق بمحذوف، و { إلا بإذن الله } حال من الضمير في " ~~تموت " ، فيتعلق بمحذوف، وهو استثناء مفرغ، والتقدير: وما كان لها ~~أن تموت إلا مأذونا لها، والباء للمصاحبة. # وقال أبو البقاء: { إلا بإذن الله } الخبر، واللام للتبيين، ~~متعلقة ب " كان ". # وقيل: هي متعلقة بمحذوف، تقديره: الموت لنفس، و " أن تموت " تبيين ~~للمحذوف، ولا يجوز أن تتعلق اللام ب " تموت " لما فيه من تقديم الصلة ~~على الموصول. # وقال بعضهم: إن " كان " زائدة، فيكون " أن تموت " مبتدأ، و " لنفس " ~~خبره. # وقال الزجاج: اللام منقولة، تقديره وما كانت نفس لتموت ثم قدمت اللام، ~~فجعل ما كان اسما ل " كان " - وهو (أن تموت) - خبرا لها، وما كان ~~خبرا - وهو " لنفس " - اسما لها، فهذه خمسة أقوال، أظهرها: الأول. ms2204 # أما قول أبي البقاء: واللام للتبيين، فتتعلق بمحذوف، ففيه نظر من وجهين: # أحدهما: أن " كان " الناقصة لا تعمل في غير اسمها وخبرها، ولئن سلم ~~ذلك، فاللام التي للتبيين إنما تتعلق بمحذوف، وقد نصوا على ذلك في ~~نحو: سقيا لك. # وقيل: إن فيه حذف المصدر وإبقاء معموله، وهو لا يجوز. # أما من جعل " لنفس " متعلقة بمحذوف - تقديره: الموت لنفس، ففاسد، ~~لأنه ادعى حذف شيء لا يجوز؛ لأنه إن جعل " كان " تامة، أو ناقصة، ~~امتنع حذف مرفوعها، لأن الفاعل لا يحذف. وكذلك قول من جعل " كان " ~~زائدة. # أما على قول الزجاج فإنه تفسير معنى، لا تفسير إعراب. # فصل # في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه: # أحدها: أن المنافقين حين قالوا: إن محمدا قتل، فقال تعالى: لا تموت ~~نفس إلا بإذن الله، فقتله - أيضا - مثل موته لا يحصل إلا في الوقت ~~المقدر له، فكما أن موته في داره لا يدل على فساد دينه، كذلك إذا قتل ~~لا يؤثر ذلك في فساد دينه. # والمقصود منه إبطال قول المنافقين لضعفة المسلمين: إن كان محمد ~~قتل فارجعوا إلى دينكم الأول. # والثاني: أن المراد: تحريض المسلمين على الجهاد بإعلامهم أن الحذر لا ~~يدفع القدر، وأن أحدا لا يموت قبل الأجل، وإذا جاء الأجل لا يندفع، فلا ~~فائدة في الجبن والخوف. # والثالث: أن المراد حفظ الله للرسول صلى الله عليه وسلم من تلك ~~الواقعة المخوفة؛ فإنه لم يبق سبب من أسباب الهلاك إلا وقد حصل، ولكن ~~لما كان الله حافظه وناصره ما ضره شيء من ذلك، وفيه تنبيه على أن ~~الصحابة قصروا في الذب عنه. # ورابعها: أن المقصود منه الجواب عن كلام المنافقين للصحابة، حين رجعوا ~~وقد قتل منهم من قتل # لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا # [آل عمران: 156] فأخبر - تعالى - أن الموت والقتل لا يكونان إلا بإذن ~~الله. # قوله: { وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله } ~~[آل عمران: 145]، فليس في إرجاف من أرجف بموت النبي صلى الله عليه وسلم ~~ما يحقق ذلك فيه، أو يعين ms2205 في تقوية الكفر، بل يبقيه الله إلى أن ~~يظهر على الدين كله. # فصل # قال القرطبي: " هذا حض على الجهاد، وإعلام بأن الموت، لا بد منه ~~لكل إنسان وأن كل إنسان - مقتولا كان أو غير مقتول - ميت إذا بلغ ~~أجله المتكوب له؛ لأن معنى { مؤجلا } إلى أجل، ومعنى { بإذن ~~الله }: بقضاء الله وقدره ". واختلفوا في الإذن. # قال أبو مسلم: هو الأمر، أي أن الله - تعالى - يأمر ملك الموت بقبض ~~الأرواح. # وقيل: المراد منه: التكوين والإيجاد، لأنه لا يقدر على الإماتة والإحياء ~~إلا الله تعالى. # وقيل: الإذن: هو التخلية والإطلاق، وترك المنع بالقهر والإجبار، كقوله ~~تعالى: # وما هم بضآرين به من أحد إلا بإذن الله # [البقرة: 102] أي: بتخليته بينه وبين قاتله. # وقيل: الإذن بمعنى: العلم، والمعنى: أن نفسا لن تموت إلا في الوقت ~~الذي علم الله - تعالى - موتها فيه. # وقال ابن عباس: الإذن: هو قضاء الله وقدره؛ فإنه لا يحدث شيء ~~إلا بمشيئته وإرادته - سبحانه وتعالى -. # قوله: { كتابا مؤجلا } في نصبه ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة التي قبله، فعامله مضمر، ~~تقديره: كتب الله ذلك كتابا، نحو قوله تعالى: # صنع الله # [النمل: 88] وقوله: # وعد الله # [الروم: 6]، وقوله: # كتاب الله عليكم # [النساء: 24]. # الثاني: أنه منصوب على التمييز، ذكره ابن عطية، وهذا غير مستقيم؛ لأن ~~التمييز منقول وغير منقول، وأقسامه محصورة، وليس هذا شيئا منها، وأيضا ~~فأين الذات المبهمة التي تحتاج إلى تفسير؟ # والثالث: أنه منصوب على الإغراء، والتقدير: الزموا كتابا مؤجلا، ~~وآمنوا بالقدر، وليس المعنى على ذلك. # وقرأ ورش: " موجلا " بالواو بدل الهمزة، وهو قياس تخفيفها. # فصل # الكتاب المؤجل هو الكتاب المشتمل على الآجال، ويقال: إنه اللوح ~~المحفوظ، أي: كتب لكل نفس أجلا لا يقدر أحد على تقديمه وتأخيره، جاء في ~~الحديث # " أنه تعالى قال للقلم: اكتب، فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة ". # فصل # قال القاضي: أما الأجل والرزق، فهما مضافان إلى الله تعالى، وأما ~~الكفر والفسق والإيمان والطاعة، فكل ذلك مضاف إلى العبد، فإذا كتب ~~الله ذلك، فإنما يكتب ms2206 ما يعلمه من اختيار العبد وذلك لا يخرج العبد عن ~~الاختيار. # وجوابه: أنه إذا علم الله من العبد الكفر، وكتب في اللوح المحفوظ منه ~~الكفر، فلو أتى بالإيمان كان ذلك جمعا بين المتنافيين؛ لأن العلم ~~بالكفر، والخبر والصدق عن الكفر - مع عدم الكفر - جمع بين النقيضين، وهو ~~محال، وهذا موضع الإلزام. # فصل # قال المفسرون: أجل الموت هو الوقت الذي في معلوم الله - تعالى - أن روح ~~الحي تفارق جسده فيه، ومتى قتل العبد علمنا أن ذلك أجله، ولا يصح أن ~~يقال: لو لم يقتل لعاش، بدليل قوله تعالى: { كتابا مؤجلا } ~~[آل عمران: 145]، وقوله: # إذا جآء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون # [يونس: 49] وقوله: # إن أجل الله إذا جآء لا يؤخر # [نوح: 4]، وقوله: # لكل أجل كتاب # [الرعد: 38]. # والمعتزلي يقول: يتقدم الأجل ويتأخر، وأن من قتل فإنما يهلك قبل ~~أجله، وكذلك كل ما ذبح من الحيوان كان هلاكه قبل أجله، لأنه يجب على ~~القاتل الضمان والدية، وهذه الآية رد عليهم. # قوله: { ومن يرد ثواب الدنيا } مبتدأ، وهي شرطية. وفي خبر ~~هذا المبتدأ الخلاف المشهور. وأدغم أبو عمرو وحمزة والكسائي وابن عامر ~~بخلاف عنه - دال " يرد " في الثاء. # والباقون بالإظهار. # وقرأ أبو عمرو بالإسكان في هاء " نؤته " في الموضعين وصلا ووقفا. # وهشام - بخلاف عنه - بالاختلاس وصلا. # والباقون بالإشباع وصلا. # فأما السكون فقالوا: إن الهاء لما حلت محل ذلك المحذوف أعطيت ما كان ~~يستحقه من السكون، وأما الاختلاس، فلاستصحاب ما كانت عليه الهاء قبل ~~حذف لام الكلمة؛ فإن الأصل: نؤتيه، فحذفت الياء للجزم، ولم يعتد ~~بهذا العارض، فبقيت الهاء على ما كانت عليه. # وأما الإشباع فنظرا إلى اللفظ؛ لأن الهاء بعد متحرك في اللفظ، وإن ~~كانت في الأصل بعد ساكن - وهو الياء التي حذفت للجزم - والأولى أن ~~يقال: إن الاختلاس والإسكان بعد المتحرك لغة ثابتة عن بني عقيل وبني ~~كلاب. # حكى الكسائي: له مال، وبه داء - بسكون الهاء، واختلاس حركتها - ~~وبهذا يتبين أن من قال: إسكان الهاء واختلاسها - في هذا النحو - ~~لا يجوز إلا ضرورة، ms2207 ليس بشيء، أما غير بني عقيل، وبني كلاب، فنعم لا ~~يوجد ذلك عندهم، إلا في ضرورة. # كقوله: [الوافر] # 1645- له زجل كأنه صوت حاد # إذا طلب الوسيقة أو زمير # باختلاس هاء (كأنه). # ومثله قول الآخر: [البسيط] # 1646- وأشرب الماء ما بي نحوه عطش # إلا لأن عيونه سيل واديها # بسكونها. وجعل ابن عصفور الضرورة في " البيت الثاني " أحسن منها في " ~~البيت الأول " ، قال: لأنه إذهاب للحركة وصلتها، فهي جري على ~~الضرورة [إجراء] كاملا، وإنما ذكرنا هذه التعليلات لكثرة ورود هذه ~~المسالة، نحو: # يرضه لكم # [الزمر: 7]، ونحو: # فبهداهم اقتده # [الأنعام: 90]. # وقرئ: يؤته - بياء الغيبة - والضمير لله تعالى، وكذلك: " وسنجزي ~~الشاكرين " بالنون والياء. # فصل # نزلت في الذين تركوا المركز يوم أحد؛ طلبا للغنيمة، { ومن يرد ~~ثواب الآخرة نؤته منها } يعني: الغنيمة، قوله: { ومن ~~يرد ثواب الآخرة نؤته منها } قيل: أراد الذين ثبتوا مع ~~أميرهم عبد الله بن جبير حتى قتلوا، وهذه الآية - وإن وردت في الجهاد ~~خاصة - عامة في جميع الأعمال؛ لأن المؤثر في جلب الثواب والعقاب هو القصد ~~والدواعي، لا ظواهر الأعمال. # ثم قال: " وسنجزي الشاكرين " أي: المؤمنين المطيعين. # عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من كانت نيته طلب الآخرة جعل الله غناه في ~~قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة. ~~ومن كانت نيته طلب الدنيا جعل الله الفقر بين ~~عينيه، وشتت عليه أمره، ولا يأتيه منها إلا ~~ما كتب له " # وروى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن ~~كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ~~ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ~~ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه ". ### || [3.146] # هذه اللفظة، قيل: هي مركبة من كاف التشبيه، ومن " أي " ، وقد حدث ~~فيهما بعد التركيب معنى التكثير، المفهوم من " كم " الخبرية، ومثلها ~~في التركيب وإفهام التكثير: " كذا " في قولهم: له عندي كذا درهما، ~~والأصل: كاف التشبيه و " ذا " الذي ms2208 هو اسم إشارة، فلما ركبا حدث ~~فيهما معنى التكثير، ف " كم " الخبرية وكأين وكذا كلها بمعنى واحد، ~~وقد عهدنا في التركيب إحداث معنى آخر؛ ألا ترى أن " لولا " حدث لها معنى ~~جديد، وكان من حقها - على هذا - أو يوقف عليها بغير نون؛ لأن التنوين ~~يحذف وقفا، إلا أن الصحابة كتبتها " كأين " - بثبوت النون -، فمن ~~ثم وقف عليها جمهور القراء بالنون؛ اتباعا لرسم المصحف. # ووقف أبو عمرو وسورة بن المبارك عن الكسائي " كأي " - من غير نون - على ~~القياس. # واعتل الفارسي لوقف النون بأشياء، منها: أن الكلمة لما ركبت خرجت ~~عن نظائرها، فجعل التنوين كأنه حرف أصلي من بنية الكلمة. # وفيها لغات خمس. # أحدها: " كأين " - وهي الأصل - وبها قرأ الجماعة، إلا ابن كثير. # وقال الشاعر: [الوافر] # 1647- كأين في المعاشر من أناس # أخوهم فوقهم، وهم كرام # الثانية: " كائن " - بزنة كاعن - وبها قرأ ابن كثير وجماعة، وهي أكثر ~~استعمالا من " كأين " وإن كانت تلك الأصل -. # قال الشاعر: [الوافر] # 1648- وكائن بالأباطح من صديق # يراني لو أصبت هو المصابا # وقال الآخر: [الطويل] # 1649- وكائن رددنا عنكم من مدجج # ................. # وقال آخر: [الطويل] # 1650 # - وكائن ترى في الحي من ذي قرابة # ................. # أنشده المفضل ممدودا، مهموزا، مخففا. # واختلفوا في توجيه هذه القراءة، فنقل عن المبرد أنها اسم فاعل من كان، ~~يكون، فهو كائن، واستبعده مكي، قال: لإتيان " من " بعده، ولبنائه ~~على السكون. وكذلك أبو البقاء، قال: " وهو بعيد الصحة؛ لأنه لو كان كذلك ~~لكان معربا، ولم يكن فيه معنى التكثير ". # لا يقال: هذا تحامل على المبرد؛ فإن هذا لازم له - أيضا - فإن البناء، ~~ومعنى التكثير عارضان - أيضا - لأن التركيب عهد فيه مثل ذلك - كما ~~تقدم في " كذا " ، و " لولا " ، ونحوهما، وأما لفظ مفرد ينقل إلى ~~معنى، ويبنى من غير سبب، فلم يوجد له نظير. # وقيل: هذه القراءة أصلها " كأين " - كقراءة الجماعة - إلا أن الكلمة ~~دخلها القلب، فصارت " كائن " مثل كاعن - واختلفوا في تصييرها بالقلب كذلك ~~على أربعة أوجه: # أحدها: أنه قدمت الياء المشددة على الهمزة، فصار وزنها كعلف، إلا ~~أنك ms2209 قدمت العين والسلام، وهما الياء المشددة - ثم حذفت الياء الثانية ~~لثقلها بالحركة والتضعيف، كما قالوا في: " أيها " ، ثم قلبت الياء ~~الساكنة ألفا، كما قلبوها في نحو آية - والأصل: أية - وكما قالوا: ~~طائي - والأصل: طيئ - فصار اللفظ " كأين " ووزنه كعف، لأن الفاء ~~أخرت إلى موضع اللام، واللام قد حذفت. # الوجه الثاني: أنه حذفت الياء الساكنة - التي هي عين - وقدمت ~~المتحركة - التي هي لام - فتأخرت الهمزة - التي هي فاء - وقلبت الياء ~~ألفا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار " كائن " ووزنه كلف. # الوجه الثالث: ويعزى للخليل - أنه قدمت إحدى الياءين في موضع ~~الهمزة، فتحركت بحركة الهمزة - وهي الفتحة - وصارت الهمزة ساكنة في موضع ~~الياء، فتحركت الياء، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فالتقى ~~الساكنان - الألف المنقلبة عن الياء، والهمزة بعدها ساكنة - فكسرت ~~الهمزة على أصل التقاء الساكنين، وبقيت إحدى الياءين متطرفة، فأذهبها ~~التنوين - بعد سلب حركتها - كياء قاض وغاز. # الوجه الرابع: أنه قدمت الياء المتحركة، فانقلبت ألفا، وبقيت ~~الأخرى ساكنة، فحذفها التنوين - مثل قاض - ووزنه على هذين الوجهين أيضا ~~كلف؛ لما تقدم من حذف العين، وتأخير الفاء، وإنما الأعمال تختلف. # اللغة الثالثة: " كأين " - بياء خفيفة بعد الهمزة - على مثال ~~كعين، وبها قرأ ابن محيصن، والأشهب العقيلي، ووجهها أن الأصل: " ~~كأين " - كقراءة الجماعة - فحذفت الياء الثانية، استثقالا، ~~فالتقى ساكنان - الياء والتنوين - فكسر الياء؛ لالتقاء الساكنين، ثم ~~سكنت الهمزة تخفيفا لثقل الكلمة بالتركيب، فصارت كالكلمة الواحدة كما ~~سكنوا " فهو " و " فهي ". # اللغة الرابعة: " كيإن " بياء ساكنة، بعدها همزة مكسورة، وهذه مقلوب ~~القراءة التي قبلها، وقرأ بها بعضهم. # اللغة الخامسة: " كإن " - على مثال كع - ونقلها الداني قراءة عن ابن ~~محيصن أيضا. # وقال الشاعر: [الطويل] # 1651- كئن من صديق خلته صادق الإخا # ء أبان اختباري أنه لي مداهن # وفيها وجهان: # أحدهما: أنه حذف الياءين دفعة واحدة لامتزاج الكلمتين بالتركيب. # والثاني: أنه حذف إحدى الياءين - على ما تقدم تقريره -، ثم حذف الأخرى ~~لالتقائها ساكنة مع التنوين ووزنه - على هذا - كف؛ لحذف العين واللام ~~منه. # واختلفوا في " أي " هل هي مصدر في ms2210 الأصل، أم لا؟ # فذهب جماعة إلى أنها ليست مصدرا، وهو قول أبي البقاء؛ فإنه قال " ~~كأين " الأصل فيه: " أي " ، التي هي بعض من كل، أدخلت عليها كاف ~~التشبيه. # وفي عبارته عن " أي " بأنها بعض من كل، نظر لأنها ليست بمعنى: بعض من ~~كل، نعم إذا أضيفت إلى معرفة فحكمها حكم " بعض " في مطابقة الجزء، ~~وعود الضمير، نحو: أي الرجلين قائم ولا نقول: قاما، فليست هي التي " ~~بعض " اصلا. # وذهب ابن جني إلى أنها - في الأصل - مصدر أوى يأوي - إذا انضم، ~~واجتمع - والأصل: أوي، نحو طوى يطوي طيا - فاجتمعت الياء والواو، ~~وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء، وكأن ابن ~~جني ينظر إلى أن معنى المادة من الاجتماع الذي يدل عليه " أي " فإنها ~~للعموم، والعموم يستلزم الاجتماع. # وهل هذه الكاف الداخلة على " أي " تتعلق بغيرها من حروف الجر، أم لا؟ # والصحيح أنها لا تتعلق بشيء؛ لأنها مع " أي " صارتا بمنزلة كلمة واحدة - ~~وهي " كم " - فلم تتعلق بشيء، ولذلك هجر معناه الأصلي - وهو التشبيه -. # وزعم الحوفي أنها تتعلق بعامل، فقال: " أما العامل في الكاف، فإن ~~جعلناها على حكم الأصل، فمحمول على المعنى، والمعنى: إصابتكم كإصابة من ~~تقدم من الأنبياء وأصحابهم، وإن حملنا الحكم على الانتقال إلى معنى " ~~كم " ، كان العامل بتقدير الابتداء، وكانت في موضع رفع، و " قاتل " ~~الخبر، و " من " متعلقة بمعنى " الاستقرار " ، والتقدير الأول أوضح؛ ~~لحمل الكلام على اللفظ دون المعنى، بما يجب من الخفض في " أي " ، وإذا ~~كانت " أي " على بابها من معاملة اللفظ، ف " من " متعلقة بما تعلقت به ~~الكاف من المعنى المدلول عليه " اه. وهو كلام غريب. # واختار أبو حيان أن " كأين " كلمة بسيطة - غير مركبة - وأن آخرها نون - ~~هي من نفس الكلمة - لا تنوين؛ لأن هذه الدعاوى المتقدمة لا يقوم عليها ~~دليل، وهذه طريق سهلة، والنحويون ذكروا هذه الأشياء؛ محافظة على أصولهم، ~~مع ما ينضم إلى ذلك من الفوائد، وتمرين الذهن. هذا ما يتعلق بها من حيث ~~التركيب، فموضعها رفع بالابتداء، وفي خبرها أربعة ms2211 أوجه: # أحدها: أنه " قاتل " فإن فيه ضميرا مرفوعا به، يعود على المبتدأ، ~~والتقدير: كثير من الأنبياء قاتل. # قال ابو البقاء: والجيد أن يعود الضمير على لفظ " كأين " ، كما تقول: ~~مائة نبي قتل، فالضمير للمائة؛ إذ هي المبتدأ. # فإن قيل: لو كان كذلك لأنثت، فقلت: قتلت؟ # قيل: هذا محمول على المعنى؛ لأن التقدير: كثير من الرجال قتل. # كأنه يعني بغير الجيد عوده على لفظ " نبي " ، فعلى هذا جملة { معه ~~ربيون } جملة في محل نصب على الحال من الضمير في " قتل ". # ويجوز أن يرتفع " ربيون " على الفاعلية بالظرف، ويكون الظرف هو الواقع ~~حالا، التقدير: استقر معه ربيون. # وهو أولى؛ لأنه من قبيل المفردات، وأصل الحال والخبر والصفة أن تكون ~~مفردة. # ويجوز أن يكون " معه " - وحده - هو الحال، و " ربيون " فاعل ~~به، ولا يحتاج - هنا - إلى واو الحال؛ لأن الضمير هو الرابط - أعني: ~~الضمير في " معه ". # ويجوز أن يكون حالا من " نبي " - وإن كان نكرة - لتخصيصه بالصفة ~~حينئذ؛ ذكره مكي. وعمل الظرف - هنا - لاعتماده على ذي الحال. # قال أبو حيان: وهي حال محكية، فلذلك ارتفع " ربيون " بالظرف - وإن كان ~~العامل ماضيا، لأنه حكى الحال الماضية، كقوله: # وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد # [الكهف: 18]، وذلك على مذهب البصريين، وأما الكسائي فيعمل اسم الفاعل ~~العاري من " أل " مطلقا. # وفيه نظر؛ لأنا لا نسلم أن الظرف يتعلق باسم فاعل، حتى يلزم عليه ما قال ~~من تأويله اسم الفاعل بحال ماضية، بل يدعى تعلقه بفعل، تقديره: استقر ~~معه ربيون. # الوجه الثاني: أن يكون " قاتل " جملة في محل جر؛ صفة ل " نبي " ~~، و { معه ربيون } هو الخبر، لكن الوجهان المتقدمان في جعله ~~حالا - أعني: إن شئت أن تجعل " معه " خبرا مقدما، و " ربيون " ~~مبتدأ مرخرا، والجملة خبر " كأين " ، وأن تجعل " معه " - وحده - ~~هو الخبر، و " ربيون " فاعل به؛ لاعتماد الظرف على ذي خبر. # الوجه الثالث: أن يكون الخبر محذوفا، تقديره: في الدنيا، أو مضى، أو: ~~صابر، وعلى هذا، فقوله: " قاتل " في محل جر؛ صفة ل " نبي " ، و ~~" معه ربيون " حال ms2212 من الضمير في " قاتل " - على ما تقدم ~~تقريره - ويجوز أن يكون " معه ربيون " صفة ثانية ل " نبي " ~~، وصف بصفتين: بكونه قاتل، وبكونه معه ربيون. # الوجه الرابع: أن يكون " قاتل " فارغا من الضمير، مسندا إلى " ~~ربيون " وفي هذه الجملة - حينئذ - احتمالان: # أحدهما: أن تكون خبرا ل " كأين ". # الثاني: ان تكون في محل جر ل " نبي " والخبر محذوف - على ما تقدم - ~~وادعاء حذف الخبر ضعيف لاستقلال الكلام بدونه. # وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون " قاتل " مسندا ل " ربيون " ~~، فلا ضمير فيه على هذا، والجملة صفة " نبي ". # ويجوز أن يكون خبرا، فيصير في الخبر أربعة أوجه، ويجوز أن يكون صفة ~~ل " نبي " والخبر محذوف على ما ذكرنا. # وقوله: صفة ل " ربيون " يعني: أن القتل من صفتهم في المعنى، ~~وقوله: " فيصير في الخبر أربعة أوجه " يعني: ما تقدم له من أوجه ذكرها، ~~وقوله: فلا ضمير فيه - على هذا - والجملة صفة " نبي " غلط؛ لأنه يبقى ~~المبتدأ بلا خبر. # فإن قلت: إنما يزعم هذا لأنه يقدر خبرا محذوفا؟ # قلت: قد ذكر أوجها أخر؛ حيث قال: " ويجوز أن تكون صفة ل " نبي " ~~والخبر محذوف - على ما ذكرنا ". # ورجح كون قاتل مسندا إلى ضمير النبي أن القصة بسبب غزوة أحد، ~~وتخاذل المؤمنين حين قيل: إن محمدا قد مات مقتولا؛ ويؤيد هذا الترجيح ~~قوله: # أفإن مات أو قتل # [آل عمران: 144] وإليه ذهب ابن عباس والطبري وجماعة. وعن ابن عباس ~~- في قوله: # وما كان لنبي أن يغل # [آل عمران: 161] - قال: النبي يقتل فكيف لا يخان؟ # وذهب الحسن وابن جبير وجماعة إلى أن القتل للربيين، قالوا: ~~لأنه لم يقتل نبي في حرب قط ونصر الزمخشري هذا بقراءة قتل - ~~بالتشديد - يعني أن التكثير لا يتأتى في الواحد - وهو النبي - وهذا - ~~الذي ذكره الزمخشري - سبقه إليه ابن جني - وسيأتي تأويله -. # وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: قتل - مبنيا للمفعول - وقتادة ~~كذلك، إلا أنه شدد التاء، وباقي السبعة: قاتل، وكل من هذه الأفعال يصلح ~~أن يرفع ضمير " نبي " وأن يرفع " ربيون " - كما تقدم تفصيله ms2213 ~~-. # وقال ابن جني: إن قراءة: قتل - بالتشديد - يتعين أن يسند الفعل ~~فيها إلى الظاهر - أعني: " ربيون " - قال: لأن الواحد لا تكثير ~~فيه. # قال أبو البقاء: " ولا يمتنع أن يكون فيه ضمير الأول؛ لأنه في معنى ~~الجماعة ". # يعني أن " من نبي " المراد به الجنس، فالتكثير بالنسبة لكثرة ~~الأشخاص؛ لا بالنسبة إلى كل فرد؛ إذ القتل لا يتكثر في كل فرد. # وهذا الجواب - الذي أجاب به أبو البقاء- استشعر به أبو الفتح، وأجاب ~~عنه، قال: فإن قيل: فهلا جاز فعل؛ حملا على معنى " كم "؟ # فالجواب: أن اللفظ قد مشى على جهة الإفراد في قوله: " من نبي " ~~ودل الضمير المفرد " معه " على أن المراد إنما هو التمثيل بواحد ~~واحد، فخرج الكلام على معنى " كم ". قال: في هذه القراءة دلالة على ~~أن من قرأ من السبعة " قتل " أو " قاتل معه ربيون " ~~فإن " ربيون " مرفوع في قراءته ب " قتل " أو " قاتل " وليس ~~مرفوعا بالابتداء، ولا بالظرف، الذي هو " معه ". # قال أبو حيان: " وليس بظاهر؛ لأن " كأين " مثل " كم " وأنت خبير ~~إذا قلت: كم من عان فككته، فأفردت، راعيت لفظ " كم " ومعناها جمع، فإذا ~~قلت: فككتهم، راعيت المعنى، وليس معنى مراعاة اللفظ إلا أنك أفردت ~~الضمير، والمراد به الجمع. فلا فرق من حيث المعنى - بين فككته وفككتهم، ~~كذلك لا فرق بين قتل معه ربيون، وقتل معهم ربيون، وإنما جاز مراعاة اللفظ ~~تارة، ومراعاة المعنى تارة؛ لأن مدلول " كم " و " كأين " كثير، والمعنى: ~~جمع كثير، وإذا أخبرت عن جمع كثير فتارة تفرد؛ مراعاة للفظ، وتارة ~~تجمع؛ مراعاة للمعنى، كما قال تعالى: # أم يقولون نحن جميع منتصر سيهزم الجمع ~~ويولون الدبر # [القمر: 44 و45]، فقال: " منتصر " وقال: " ويولون " فأفرد في ~~" منتصر " وجمع في " يولون ". # ورجح بعضهم قراءة " قاتل " لقوله - بعد ذلك -: { فما وهنوا } ~~قال: وإذا قتلوا، فكيف يوصفون بذلك؟ إنما يوصف بهذا الأحياء؟ # والجواب: أن معناه: قتل بعضهم، كما تقول: قتل بنو فلان في وقعة ~~كذا، ثم انصرفوا. # وقال ابن عطية: قراءة من قرأ " قاتل " أعم في المدح؛ لأنه ms2214 يدخل ~~فيها من قتل ومن بقي، ويحسن عندي - على هذه القراءة - إسناد الفعل إلى ~~الربيين، وعلى قراءة: قتل - إسناده إلى " نبي ". # قال أبو حيان: " قتل " يظهر أنها مدح، وهي أبلغ في مقصود الخطاب؛ لأنها ~~نص في وقوع القتل، ويستلزم المقاتلة. و " قاتل " لا تدل على ~~القتل؛ إذ لا يلزم من المقاتلة وجود القتل؛ فقد تكون مقاتلة ولا يقع قتل. # قوله: { من نبي } تمييز ل " كأين " لأنها مثل " كم " ~~الخبرية. # وزعم بعضهم أنه يلزم جره ب " من " ولهذا لم يجئ في التنزيل إلا كذلك، ~~وهذا هو الأكثر الغالب. قال وقد جاء تمييزها منصوبا، قال الشاعر: ~~[الخفيف] # 1652- أطرد اليأس بالرجاء فكائن # آلما حم يسره بعد عسر # وقال آخر: [الطويل] # 1653- فكائن لنا فضلا عليكم ورحمة # قديما، ولا تدرون ما من منعم # وأما جره فممتنع؛ لأن آخرها تنوين، وهو لا يثبت مع الإضافة. # و " ربيون ": جمع ربي، وهو العالم، منسوب إلى الرب، وإنما كسرت ~~راؤه؛ تغييرا في النسب، نحو: إمسي - في النسبة إلى أمس - وقيل: كسر ~~للإتباع. # وقيل: لا تغيير فيه، وهو منسوب إلى الربة - وهي الجماعة - وقرأ ~~الجمهور بكسر الراء، وقرأ علي، وابن مسعود، وابن عباس، والحسن " ~~ربيون " - بضم الراء - وهو من تغيير النسب، إذا قلنا: هو منسوب ~~إلى الرب، وقيل: لا تغيير، وهو منسوب إلى الربة، وهي الجماعة. # قال القرطبي " واحدهم ربي - بكسر الراء وضمها ". # وقرأ ابن عباس - في رواية قتادة - ربيون، بفتحها على الأصل، إن ~~قلنا: منسوب إلى الرب، وإلا فمن تغيير النسب، إن قلنا: إنه منسوب إلى ~~الربة. # قال ابن جني: والفتح لغة تميم. # وقال النقاش: " هم المكثرون العلم " من قولهم: رب الشيء يربو - إذا ~~كثر - وهذا سهو منه؛ لاختلاف المادتين؛ لأن تلك من راء وياء وواو، ~~وهذه من راء وباء مكررة. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: الجماعات ~~الكثيرة وقال ابن مسعود: والربيون: الألوف. # وقال الكلبي: الربية الواحدة: عشرة آلاف. # وقال الضحاك: الربية الواحدة ألف، وقال الحسن: ربيون: ~~فقهاء وعلماء. # وقيل: هم الأتباع، فالربانيون: الولاة، و الربانيون: الرعية. وحكى ~~الواحدي ms2215 - عن الفراء - الربانيون: الألوف. # قوله: " كثير " صفة ل " ربيون " وإن كان بلفظ الإفراد؛ لأن ~~معناه الجمع. # فصل # معنى الآية - على القراءة الأولى - أن كثيرا من الأنبياء قتلوا، ~~والذين بقوا بعدهم ما وهنوا في دينهم، بل استمروا على نصرة ~~دينهم [وقتال] عدوهم، فينبغي أن يكون حالكم - يا أمة محمد - هكذا. # قال القفال: والوقف - في هذا التأويل - على قوله: " قتل " وقوله { ~~معه ربيون كثير } حال، بمعى: قتل حال ما كان معه ربيون كثير. ~~أو يكون على معنى التقديم والتأخير أي: وكأين من نبي معه ربيون كثير، ~~فما وهن الربيون على كثرتهم. # وقيل: المعنى: وكأين من نبي قتل ممن كان معه وعلى دينه ربيون كثير، ~~فما ضعف الباقون، ولا استكانوا؛ لقتل من قتل من إخوانهم، بل مضوا ~~على جهاد عدوهم، فقد كان ينبغي أن يكون حالكم كذلك. # وحجة هذه القراءة أن المقصود من هذه الآية حكاية ما جرى لسائر ~~الأنبياء؛ لتقتدي هذه الأمة بهم. والمعنى على القراءة الثانية -: وكم من ~~نبي قاتل معه العدد الكثير من أصحابه، فأصابهم من عدوهم قروح، فما ~~وهنوا؛ لأن الذي أصابهم إنما هو في سبيل الله وطاعته، وإقامة دينه، ~~ونصرة رسوله، فكذلك كان ينبغي أن تفعلوا مثل ذلك يا أمة محمد. # وحجة هذه القراءة: أن المراد من هذه الآية ترغيب الذين كانوا مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم في القتال، فوجب أن يكون المذكور هو القتال، وأيضا ~~روي عن سعيد بن جبير أنه قال: ما سمعنا بنبي قتل في القتال. قوله: { ~~فما وهنوا } الضمير في " وهنوا " يعود على الربيين ~~بجملتهم، إن كان قتل مسندا إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم وكذا ~~في قراءة " قاتل " سواء كان مسندا إلى ضمير النبي، أو إلى الربيين، ~~فالضمير يعود على بعضهم وقد تقدم ذلك عند ترجيح قراءة " قاتل ". # والجمهور على " وهنوا " - بفتح الهاء - والأعمش وأبو السمال ~~بكسرها، وهما لغتان: وهن يهن - كوعد يعد - ووهن ~~يوهن - كوجل يوجل - وروي عن أبي السمال - أيضا - ~~وعكرمة: وهنوا - بسكون الهاء - وهو من تخفيف فعل؛ لأنه ms2216 حرف حلق، نحو ~~نعم وشهد - في نعم وشهد -. # قال القرطبي: - عن أبي زيد -: " وهن الشيء يهن وهنا، ~~وأوهنته أنا ووهنته: ضعفته، والواهنة: أسفل الأضلاع وقصاراها، ~~والوهن من الإبل: الكثيف، والوهن: ساعة تمضي من الليل، وكذلك ~~الموهن، وأوهنا: صرنا في تلك الساعة ". # و { لمآ أصابهم } متعلق ب " وهنوا " و " ما " يجوز أن تكون ~~موصولة اسمية، أو مصدرية، أو نكرة موصوفة. # وقرأ الجمهور { وما ضعفوا } - بضم العين - وقرئ: ضعفوا - ~~بفتحها - وحكاها الكسائي لغة. # قوله: { وما استكانوا } فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه " استفعل " من الكون - والكون: الذل - وأصله: استكون، ~~فنقلت حركة الواو على الكاف، ثم قلبت الواو ألفا. # وقال الأزهري وأبو علي: هو من قول العرب: بات فلان بكينة سوء ~~- على وزن جفنة - أي: بحالة سوء، فألفه - على هذا من ياء، والأصل: ~~استكين، ففعل بالياء ما فعل بأختها. [وهو القول الثاني]. # الثالث: قال الفراء: وزنة " افتعل " من السكون، وإنما أشبعت ~~الفتحة، فتولد منها ألف. # كقول الشاعر: [الرجز] # 1654- أعوذ بالله من العقراب # الشائلات عقد الأذناب # يريد: العقرب الشائلة. # ورد على الفراء بأن هذه الألف ثابتة في جميع تصاريف الكلمة، نحو: ~~استكان، يستكين، فهو مستكين ومستكان إليه استكانة. وبأن الإشباع لا ~~يكون إلا في ضرورة. # وكلاهما لا يلزمه؛ أما الإشباع فواقع في القراءات - السبع - كما سيأتي ~~-. # وأما ثبوت الألف في تصاريف الكلمة فلا يدل - أيضا - لأن الزائد قد ~~يلزم؛ ألا ترى أن الميم - في تمندل وتمدرع - زائدة، ومع ذلك ~~ثابتة في جميع تصاريف الكلمة، قالوا: تمندل، يتمندل، ~~تمندلا، فهو متمندل، ومتمندل به. وكذلك تمدرع، وهما ~~من الندل والدرع. # وعبارة أبي البقاء أحسن في الرد؛ فإنه قال: " لأن الكلمة ثبتت ~~عينها في جميع تصاريفها تقول: استكان، يستكين، استكانة، فهو مستكين، ~~ومستكان له والإشباع لا يكون على هذا الحد ". # ولم يذكر متعلق الاستكانة والضعف - فلم يقل: فما ضعفوا عن كذا، ~~وما استكانوا لكذا - للعلم، أو للاقتصار على الفعلين - نحو # كلوا واشربوا # [الحاقة: 24] ليعم كل ما يصلح لهما. # وقال الزمخشري: ما وهنوا عند قتل النبي. # وقيل: ما وهنوا ms2217 لقتل من قتل منهم. # فصل # المعنى: ما جبنوا لما أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا عن الجهاد ~~بما نالهم من الجراح، وما استكانوا للعدو. # وقال مقاتل: وما استسلموا، وما خضعوا لعدوهم. # وقال السدي: وما ذلوا. وهذا تعريض بما أصابهم من الوهن، ~~والانكسار عند الإرجاف بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وبضعفهم عند ~~ذلك عن مجاهدة المشركين، واستكانتهم للكافرين، حتى أرادوا أن يعتضدوا ~~بالمنافق عبد الله بن أبي؛ ليطلب لهم الأمان من أبي سفيان. # ويحتمل - أيضا - أن يفسر الوهن باستيلاء الخوف عليهم، ويفسر ~~الضعف بأن يضعف إيمانهم، وتقع الشكوك والشبهات في قلوبهم، والاستكانة: ~~هي الانتقال من دينهم إلى دين عدوهم. # ثم قال: { والله يحب الصابرين } أي: من صبر على تحمل ~~الشدائد في طريق الله ولم يظهر الجزع والعجز والهلع؛ فإن الله ~~يحبه. ومحبة الله - تعالى - للعبد عبارة عن إرادة إكرامه وإعزازه ~~وتعظيمه، والحكم له بالثواب والجنة. ### || [3.147-148] # الجمهور على نصب { قولهم } خبرا مقدما، والاسم " أن " وما في ~~حيزها، تقديره: وما كان قولهم [إلا هذا الدعاء، أي: هو دأبهم وديدنهم]. # وقرأ ابن كثير وعاصم - في رواية عنهما - برفع " قولهم " على أنه اسم " ~~كان " والخبر " أن " وما في حيزها. وقراءة الجمهور أولى؛ لأنه إذا ~~اجتمع معرفتان فالأولى أن تجعل الأعرف اسما، و " أن " وما في حيزها ~~أعرف؛ قالوا: لأنها تشبه المضمر من حيث إنها لا تضمر، ولا ~~توصف، ولا يوصف بها، و " قولهم " مضاف لمضمر، فهو في ~~رتبة العلم، فهو أقل تعريفا. # ورجح أبو البقاء قراءة الجمهور بوجهين: # أحدهما: هذا، والآخر: أن ما بعد " إلا " مثبت، والمعنى: كان ~~قولهم: ربنا اغفر لنا دأبهم في الدعاء، وهو حسن. # والمعنى: وما كان قولهم شيئا من الأقوال إلا هذا القول الخاص. # فصل # معنى الآية: وما كان قولهم عند قتل نبيهم إلا أن قالوا: ربنا ~~اغفر لنا ذنوبنا، والغرض منه تحريض هذه الأمة بالاقتداء بهم. # قال القاضي: إنما قدموا طلب المغفرة للذنوب والإسراف؛ لأنه - تعالى - ~~لما ضمن النصرة للمؤمنين، فإذا لم تحصل النصرة، وظهر أمارات استيلاء ms2218 ~~العدو، دل ذلك ظاهرا - على صدور ذنب وتقصير من المؤمنين، فلهذا المعنى ~~يجب عليهم تقديم التوبة والاستغفار على طلب النصرة، فبين - ~~تعالى - أنهم بدءوا بالتوبة عن كل المعاصي، فقالوا: { ربنا اغفر ~~لنا ذنوبنا } أي: الصغائر { وإسرافنا في أمرنا } أي: ~~الكبائر؛ لأن الإسراف في كل شيء هو الإفراط فيه؛ قال تعالى: # قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم # [الزمر: 53] وقال # فلا يسرف في القتل # [الإسراء: 33] وقال: # ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين # [الأعراف: 31] ويقال: فلان مسرف - إذا كان مكثرا في النفقة. # قوله: { في أمرنا } يجوز فيه وجهان: # الأول: أنه متعلق بالمصدر قبله، يقال: أسرفت في كذا. # الثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه حال منه، أي: حال كونه مستقرا في ~~أمرنا. والأول أوجه. ثم سألوا - بعد ذلك - أن يثبت أقدامهم، وذلك بإزالة ~~الخوف عن قلوبهم، وهذا يدل على أن فعل العبد مخلوق لله، والمعتزلة ~~يحملونه على الألطاف. ثم سألوا أن ينصرهم على القوم الكافرين، وهذه ~~النصرة لا بد فيها من أمر زائد على ثبات أقدامهم. # قال القاضي: وهذا تأديب من الله - تعالى - في كيفية الطلب بالأدعية عند ~~النوائب والمحن، سواء كان في الجهاد أو غيره. # قوله: " فآتاهم الله " يقتضي أن الله - تعالى - أعطاهم [الأمرين] ~~أما ثواب الدنيا فهو: النصرة و الغنيمة، وقهر العدو، والثناء ~~الجميل، وانشراح الصدر بنور الإيمان، وأما ثواب الآخرة فلا شك أنه ثواب ~~الجنة. # وقرأ الجحدري فأثابهم - من لفظ الثواب - وخص - تعالى - ثواب ~~الآخرة بالحسن؛ تنبيها على جلالة ثوابهم، وذلك لأن ثواب الآخرة ~~كله في غاية الحسن. # ويجوز أن يحمل قوله: " فآتاهم " على أنه سيؤتيهم، كقوله تعالى: # أتى أمر الله فلا تستعجلوه # [النحل: 1] أي: سيأتي أمر الله. # قيل: ولا يمتنع أن تكون هذه الآية مختصة بالشهداء - وقد أخبر - ~~تعالى - عن بعضهم أنهم أحياء، عند ربهم يرزقون - فيكون حال ~~هؤلاء - أيضا - كذلك. # فصل # قال فيما تقدم: # ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب ~~الآخرة نؤته منها # [آل عمران: 145] فأتى بلفظ " من " الدالة على التبعيض، وقال هنا: { ~~فآتاهم الله ثواب ms2219 الدنيا وحسن ثواب الآخرة } ولم ~~يذكر كلمة " من " لأن الذين يريدون ثواب الآخرة إنما اشتغلوا بالعبادة ~~لطلب الثواب، فكانت مرتبتهم في العبودية نازلة عن مرتبة هؤلاء؛ لأنهم ~~لم يذكروا من أنفسهم إلا الذنب والتقصير، ولم يذكروا التدبير والنصرة ~~والإعانة إلا من ربهم، فكان مقامهم في العبودية في غاية الكمال؛ ~~لأنهم أرادوا خدمة مولاهم، وأما أولئك فإنما أرادوا الثواب. ### || [3.149-151] # لما أمر الله تعالى بالاقتداء بأنصار الأنبياء حذر عن طاعة ~~الكفار - يعني مشركي العرب - وذلك أن الكفار لما أرجفوا بقولهم إن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قد قتل ودعا المنافقون بعض ضعفة ~~المسلمين، منع المسلمين بهذه الآية عن الالتفات إلى كلام أولئك ~~المنافقين. # وقيل: المراد - بالذين كفروا - عبد الله بن أبي وأتباعه في قولهم ~~للمؤمنين عند الهزيمة: ارجعوا إلى إخوانكم، وادخلوا في دينهم، وقالوا: لو ~~كان محمد رسول الله ما وقعت له هذه الواقعة، وإنما هو رجل كسائر ~~الناس، يوم له، ويوم عليه. # وقال آخرون: المراد - بالذين كفروا - اليهود الذين كانوا بالمدينة ~~يلقون الشبهات. # وقيل: المراد أبو سفيان؛ لأنه كان شجرة الفتن. # قال ابن الخطيب: " والأقرب أنه يتناول كل الكفار؛ لأن اللفظ ~~عام، وخصوص السبب لا يمنع من عموم اللفظ ". # قوله: { يردوكم } جواب { إن تطيعوا } وقوله: { إن تطيعوا ~~الذين كفروا } لا يمكن حمله على طاعتهم في كل ما يقولونه، بل ~~لا بد من التخصيص. # وقيل: إن تطيعوهم فيما يأمرونكم به يوم أحد من ترك الإسلام. # وقيل: إن تطيعوهم في كل ما يأمرونكم به من الضلال. # وقيل في المشورة. وقيل في ترك المحاربة، وهو قوله: # لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا # [آل عمران: 156] ثم قال: { يردوكم على أعقابكم } يعني ~~يردوكم إلى الكفر بعد الإيمان؛ لأن قبولهم في الدعوة إلى الكفر، ثم ~~قال: { فتنقلبوا خاسرين } فلما كان اللفظ عاما دخل فيه خسران ~~الدنيا وخسران الآخرة. # أما خسران الدنيا فلان أشق الأشياء على العقلاء في الدنيا الانقياد ~~إلى العدو، وإظهار الحاجة إليه. وأما خسران الآخرة فالحرمان من ~~الثواب المؤبد، والوقوع في العقاب المخلد ms2220 و " خاسرين " حال. # قوله: { بل الله مولاكم } مبتدأ وخبر، وقرأ الحسن بنصب ~~الجلالة؛ على إضمار فعل يدل عليه الشرط الأول، والتقدير: لا تطيعوا ~~الذين كفروا، بل أطيعوا الله، و " مولاكم " صفة. # وقال مكي: " وأجاز الفراء: بل الله - بالنصب - " كأنه لم يطلع على ~~أنها قراءة. # فصل # والمعنى: أنكم إن تطيعوا الكفار لينصروكم ويعينوكم فهذا جهل، لأنهم ~~عاجزون متحيرون، والعاقل يطلب النصرة من الله تعالى؛ لأنه هو الذي ~~ينصركم على العدو، ثم بين أنه خير الناصرين، وذلك لوجوه: # أولها: أنه - تعالى - هو القادر على نصرتك في كل ما تريد والعالم ~~الذي لا يخفى عليه دعاؤك وتضرعك، والكريم الذي لا يبخل في جوده ~~ونصرة العبيد بعضهم لبعض بخلاف ذلك في كل هذه الوجوه. # ثانيها: أنه ينصرك في الدنيا والآخرة، وغيره ليس كذلك. # ثالثها: أنه ينصرك قبل سؤالك ومعرفتك بالحاجة، كما قال: # قل من يكلؤكم بالليل والنهار # [الأنبياء: 42] وغيره ليس كذلك. # واعلم أن ظاهر قوله: { وهو خير الناصرين } يقتضي أن يكون من ~~جنس سائر الناصرين، وهو منزه، عن ذلك، وإنما ورد الكلام على حسب ~~تعارفهم، كقوله: # وهو أهون عليه # [الروم: 27]. # قوله: { سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب } هذا من ~~تمام ما تقدم من وجوه الترغيب في الجهاد وعدم المبالاة بالكفار. # قوله: { سنلقي } الجمهور بنون العظمة، وهو التفات من الغيبة - في ~~قوله: { وهو خير الناصرين } وذلك للتنبيه على عظم ما يلقيه - ~~تعالى -. # وقرأ أيوب السختياني " سيلقي " بالغيبة؛ جريا على الأصل. ~~وقدم المجرور على المفعول به؛ اهتماما بذكر المحل قبل ذكر الحال: ~~والإلقاء - هنا - مجاز؛ لأن أصله في الأجرام، فاستعير هنا، كقول ~~الشاعر: [الطويل] # 1655- هما نفثا في في من فمويهما # على النابح العاوي أشد رجام # وقرأ ابن عامر والكسائي، وأبو جعفر، ويعقوب: " الرعب " و " ~~رعبا " - بضم العين - والباقون بالإسكان فقيل: هما لغتان. # وقيل: الأصل الضم، وخفف، وهذا قياس مطرد. # وقيل: الأصل السكون، وضم إتباعا كالصبح والصبح، وهذا عكس المعهود ~~من لغة العرب. # والرعب: الخوف، يقال: رعبته، فهو مرعوب، وأصله من الامتلاء، يقال: ~~رعبت الحوض، أي: ملأته ms2221 وسيل راعب، أي: ملأ الوادي. # فصل # قيل: هذا الوعد مخصوص بيوم أحد؛ لأن الآيات المتقدمة إنما وردت في ~~هذه الواقعة. والقائلون بهذا ذكروا في كيفية إلقاء الرعب في قلوب ~~المشركين وجهين: # الأول: أن الكفار لما هزموا المسلمين أوقع الله الرعب في قلوبهم، ~~فتركوهم، وفروا منهم من غير سبب، حتى روي أن أبا سفيان صعد الجبل، ~~وقال: أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فأجابه ~~عمر، ودارت بينهم كلمات، وما تجاسر أبو سفيان على النزول من الجبل، ~~والذهاب إليهم. # والثاني: أن الكفار لما ذهبوا متوجهين إلى مكة - وكانوا في بعض الطريق ~~- ندموا، وقالوا: ما صنعنا شيئا، قتلنا أكثرهم ولم يبق منهم إلا الشديد، ~~ثم تركناهم ونحن قاهرون، ارجعوا حتى نستأصلهم بالكلية، فلما عزموا على ~~ذلك القى الله الرعب في قلوبهم. # وقيل: إن هذا الوعد غير مختص بيوم أحد، بل هو عام. # قال القفال: كأنه قيل: إنه وإن وقعت لكم هذه الواقعة في يوم أحد، ~~إلا أن الله تعالى - سيلقي الرعب منكم بعد ذلك في قلوب الكفار ~~حتى يقهر الكفار، ويظهر دينكم على سائر الأديان، وقد فعل الله ذلك، ~~حتى صار دين الإسلام قاهرا لجميع الأديان والملل. ونظير هذه الآية قوله: ~~" نصرت بالرعب مسيرة شهر ". # فصل # قال بعض العلماء: إن هذا العموم على ظاهره، لأنه لا أحد يخالف دين ~~الإسلام إلا في قلبه ضرب من الرعب، ولا يقتضي وقوع جميع أنواع ~~الرعب في قلوب الكافرين، إنما يقتضي وقوع هذه الحقيقة في قلوبهم من بعض ~~الوجوه، وذهب جماعة من المفسرين إلى أن مخصوص بأوائل الكفار. # قوله: { في قلوب } متعلق بالإلقاء، وكذلك { بمآ أشركوا } ولا ~~يضر تعلق الحرفين؛ لاختلاف معناهما، فإن " في " للظرفية؛ الباء ~~للسببية. و " ما " مصدرية، و " ما " الثانية مفعول به ل " أشركوا " ~~وهي موصولة بمعنى الذي، أو نكرة موصوفة، والراجع: الهاء في " به " ولا ~~يجوز أن تكون مصدرية - عند الجمهور - لعود الضمير عليها، وتسلط النفي ~~على الإنزال - لفظا - والمقصود نفي السلطان - أي: الحجة - كأنه قيل: لا ~~سلطان ms2222 على الإشراك فينزل. # كقول الشاعر: [السريع] # 1656-.................... # ولا ترى الضب بها ينجحر # أي لا ينجحر الضب بها، فيرى. # ومثله قول الشاعر: [الطويل] # 1657- على لاحب لا يهتدى بمناره # .................... # أي: لا منار فيهتدى به، فالمعنى على نفي السلطان والإنزال معا. و " ~~سلطانا " مفعول به ل " ينزل ". # قوله: { بمآ أشركوا } " ما " مصدرية، والمعنى: بسبب إشراكهم ~~بالله، وتقريره: أن الدعاء إنما يصير في محل الإجابة عند الاضطرار، ~~كقوله: # أمن يجيب المضطر إذا دعاه # [النمل: 62] ومن اعتقد أن لله شريكا لم يحصل له الاضطرار؛ لأنه يقول: ~~إذا كان هذا المعبود لا ينصرني، فالآخر ينصرني، وإذا لم يحصل في قلبه ~~الاضطرار لم تحصل له الأجابة ولا النصرة وإذا لم يحصل ذلك وجب أن يحصل ~~الرعب والخوف في قلبه فثبت أن الشرك بالله يوجب الرعب. # قوله: { ما لم ينزل به سلطانا } السلطان - هنا -: ~~الحجة والبرهان، وفي اشتقاقه وجوه: # فقيل: من سليط السراج الذي يوقد به، شبه لإنارته ووضوحه. قاله ~~الزجاج. # وقال ابن دريد: من السلاطة، وهي الحدة والقهر. # وقال الليث: السلطان: القدرة؛ لأن أصل بنائه من التسليط، فسلطان ~~الملك: قوته وقدرته، ويسمى البرهان سلطانا، لقوته على دفع ~~الباطل. # فإن قيل: إن هذا الكلام يوهم أن فيه سلطانا إلا أن الله - تعالى - ~~ما أنزله؟ # فالجواب: أن تقدير الكلام أنه لو كان لأنزل الله به سلطانا، فلما لم ~~ينزل به سلطانا وجب عدمه. # وحاصل الكلام فيه ما يقوله المتكلمون: إن هذا لا دليل عليه، فلم يجز ~~إثباته. وبالغ بعضهم، فقال: لا دليل عليه، فيجب نفيه. # فصل # استدلوا بهذه الآية على فساد التقليد؛ لأن الآية دلت على أن ~~الشرك لا دليل عليه، فوجب أن يكون القول به باطلا، فكذلك كل قول ~~لا دليل عليه. # وقوله: { ومأواهم النار } بين تعالى أن أحوال المشركين في ~~الدنيا هو وقوع الخوف في قلوبهم وأحوالهم في الآخرة هي أن مأواهم: ~~مسكنهم النار. # قوله: { وبئس مثوى الظالمين } المخصوص بالذم محذوف، ~~أي: مثواهم، أو النار. # المثوى: مفعل، من ثويت - أي: أقمت - فلامه ياء وقدم المأوى - وهو ~~المكان الذي ms2223 يأوي إليه الإنسان - على المثوى - وهو مكان الإقامة - ~~لأن الترتيب الوجودي أن يأوي، ثم يثوي، ولا يلزم المأوى الإقامة، ~~بخلاف عكسه. ### || [3.152] # صدق يتعدى لاثنين، أحدهما بنفسه، والآخر بالحرف، وقد يحذف، كهذه ~~الآية. # والتقدير: صدقكم في وعده، كقولهم: صدقته في الحديث وصدقته الحديث و { ~~إذ تحسونهم } معمول ل " صدقكم " أي: صدقكم في ذلك ~~الوقت، وهو وقت حسهم، أي: قتلهم. # وأجاز أبو البقاء أن يكون معمولا للوعد في قوله: " وعده " - وفيه ~~نظر؛ لأن الوعد متقدم على هذا الوقت. # يقال: حسسته، أحسه، وقرأ عبيد بن عمير: تحسونهم - ~~رباعيا - أي: أذهبتم حسهم بالقتل. # قال أبو عبيدة، والزجاج: الحس: الاستئصال بالقتل. # قال الشاعر: [الطويل] # 1658- حسسناهم بالسيف حسا فأصبحت # بقيتهم قد شردوا وتبددوا # وقال جرير: [الوافر] # 1659- تحسهم السيوف كما تسامى # حريق النار في الأجم الحصيد # ويقال: جراد محسوس - إذ قتله البرد - والبرد محسة للنبت: - أي: محرقة ~~له، ذاهبته. وسنة حسوس: أي: جدبة، تأكل كل شيء. # قال رؤية: [الرجز] # 1660- إذا شكونا سنة حسوسا # تأكل بعد الأخضر اليبيسا # وأصله من الحس - الذي هو الإدراك بالحاسة -. # قال أبو عبيد: الحس: الاستئصال بالقتل واشتقاقه من الحس، حسه - ~~إذا قتله - لأنه يبطل حسه بالقتل، كما يقال: بطنه - إذا أصاب ~~بطنه، ورأسه، إذا أصاب رأسه. # و " بإذنه " متعلق بمحذوف؛ لأنه حال من فاعل " تحسونهم " ، ~~أي: تقتلونهم مأذونا لكم في ذلك. # قال القرطبي: " ومعنى قوله: " بإذنه " أي: بعلمه، أو بقضائه وأمره ". # فصل # وجه النظم: قال محمد بن كعب القرظي: لما رجع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة من أحد - وقد أصابهم ما أصابهم - قال ~~ناس من أصحابه: من أين أصابنا هذا، وقد وعدنا الله بالنصر؟ فأنزل ~~الله هذه الآية؛ لأن النصر كان للمسلمين في الابتداء. # وقيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أنه يذبح كبشا، ~~فصدق الله رؤياه بقتل طلحة بن عثمان - صاحب لواء ~~المشركين يوم أحد - وقتل بعده تسعة نفر على اللواء، فذلك قوله ~~تعالى: { ولقد صدقكم الله وعده } يريد: تصديق الرسول صلى ~~الله عليه ms2224 وسلم. # وقيل: يجوز أن يكون هذا الوعد ما ذكره في قوله تعالى: # إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا ~~يمددكم # [آل عمران: 125] إلا أن هذا مشروطا بشرط الصبر والتقوى. # وقيل: يجوز أن يكون هذا الوعد هو قوله: # سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب # [آل عمران: 151]. # وقيل: الوعد هو قول النبي صلى الله عليه وسلم للرماة: لا تبرحوا عن ~~هذا المكان؛ فإنا لا نزال غالبين ما دمتم في هذا المكان. # قال أبو مسلم: لما وعدهم الله - تعالى - في الآية المتقدمة - بإلقاء ~~الرعب في قلوب الكفار، أكد ذلك بأن ذكرهم ما أنجزهم من الوعد بالصبر في ~~واقعة أحد، فإنه لما وعدهم بالنصر - بشرط أن يتقوا ويصبروا فحين ~~أتوا بذلك الشرط، وفى الله تعالى لهم بالمشروط. # فصل # وقد تقدم في قصة أحد - أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل أحدا ~~خلف ظهره، واستقبل المدينة، وأقام الرماة عند الجبل، وأمرهم أن ~~يثبتوا هناك، ولا يبرحوا - سواء كانت النصرة للمسلمين أو عليهم - ~~فلما أقبل المشركون جعل الرماة يرشقون خيلها، والباقون يضربونهم ~~بالسيوف، حتى انهزموا، والمسلمون على آثارهم يحسونهم، أي: يقتلونهم ~~قتلا كثيرا. # وقوله: { حتى إذا فشلتم } في " حتى " قولان: # أحدهما: أنها حرف جر بمعنى " إلى " وفي متعلقها - حينئذ - ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها متعلقة ب " تحسونهم " اي: تقتلونهم إلى هذا الوقت. # الثاني: أنها متعلقة ب " صدقكم " وهو ظاهر قول الزمخشري، قال: " ~~ويجوز أن يكون المعنى: صدقكم الله وعده إلى وقت فشلكم ". # الثالث: أنها متعلقة بمحذوف، دل عليه السياق. # قال أبو البقاء: " تقديره: دام لكم ذلك إلى وقت فشلكم ". # القول الثاني: أنها حرف ابتداء داخلة على الجملة الشرطية، و " إذا " ~~على بابها - من كونها شرطية - وفي جوابها - حينئذ - ثلاثة أوجه: # أحدها: قال الفراء: جوابها " وتنازعتم " وتكون الواو زائدة، ~~كقوله: # فلما أسلما وتله للجبين وناديناه # [الصافات: 103-104] والمعنى ناديناه، كذا - هنا - الفشل والتنازع صار ~~موجبا للعصيان، فكأن التقدير: حتى إذا فشلتم، وتنازعتم في الأمر ~~عصيتم. # قال: ومذهب العرب إدخال الواو في جواب " حتى " كقوله: # حتى إذا جآءوها وفتحت ms2225 أبوابها # { الزمر: 73] فإن قيل: قوله: { فشلتم وتنازعتم } معصية، فلو ~~جعلنا الفشل والتنازع علة للمعصية لزم كون الشيء علة لنفسه، وذلك ~~فاسد. # فالجواب: أن المراد من العصيان - هنا - خروجهم عن ذلك المكان، فلم يلزم ~~تعليل الشيء بنفسه. ولم يقبل البصريون هذا الجواب؛ لأن مذهبهم أنه ~~لا يجوز جعل الواو زائدة. # قوله: { ثم صرفكم } و " ثم " زائدة. # قال أبو علي: ويجوز أن يكون الجواب { صرفكم عنهم } و " ثم " ~~زائدة، والتقدير: حتى إذا فشلتم وتنازعتم وعصيتم صرفكم عنهم. وقد أنشد ~~بعض النحويين في زيادتها قول الشاعر: [الطويل] # 1661- أراني إذا ما بت بت على هوى # فثم إذا أصبحت أصبحت غاديا # وجوز الأخفش أن تكون زائدة في قوله تعالى: # حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت ~~عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله ~~إلا إليه ثم تاب عليهم # [التوبة: 118] وهذان القولان ضعيفان جدا. # والثالث - وهو الصحيح - أنه محذوف، واختلفت عبارتهم في تقديره، ~~فقدره ابن عطية: انهزمتم وقدره الزمخشري: منعكم نصره. # وقدره ابو البقاء: بأن أمركم. ودل على ذلك قوله تعالى: { منكم من ~~يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة } [آل عمران: 152]. # وقدره غيره: امتحنتم. # وقيل فيه تقديم وتأخير، وتقديره: حتى إذا تنازعتم في الأمر وعصيتم ~~فشلتم. # وقدره أبو حيان: انقسمتم إلى قسمين، ويدل عليه ما بعده، وهو نظير ~~قوله: # فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد # [لقمان: 32] قال أبو حيان: لا يقال: كيف يقال: انقسمتم إلى مريد ~~الدنيا، وإلى مريد الآخرة فيمن فشل وتنازع وعصى؛ لأن هذه الأفعال ~~لم تصدر من كلهم، بل من بعضهم. # واختلفوا في " إذا " - هذه - هل هي على بابها أم بمعنى " إذ "؟ والصحيح ~~الأول، سواء قلنا إنها شرطية أم لا. # فصل # الفشل: هو الضعف. # وقيل: الفشل: الجبن، وليس بصحيح؛ لقوله تعالى: # ولا تنازعوا فتفشلوا # [الأنفال: 46] أي: فتضعفوا، ولا يليق أن يكون المعنى فتجبنوا. # والمراد من التنازع اختلاف الرماة حين انهزم المشركون، فقال بعضهم ~~لبعض: انهزم القوم، فما مقامنا؟ وأقبلوا على الغنيمة. # وقال بعضهم: لا نتجاوز أمر رسول الله وثبت عبد الله ms2226 بن جبير في نفر ~~يسير من أصحابه دون العشرة - فلما رآهم خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي ~~جهل حملوا على الرماة فقتلوهم، وأقبلوا على المسلمين، وحالت الريح، ~~فصارت دبورا بعد أن كانت صبا، وانتقضت صفوف المسلمين، واختلطوا فجعلوا ~~يقتتلون على غير شعار، يضرب بعضهم بعضا ما يشعرون من الدهش، ~~ونادى إبليس: إن محمدا قد قتل، فكان ذلك سبب هزيمة المسلمين. # قوله: { وعصيتم } يعني: أمر الرسول صلى الله عليه وسلم اي خالفتم ~~أمره بملازمة ذلك المكان { من بعد مآ أراكم ما تحبون } ~~من الظفر والغنيمة. # فإن قيل: لم قدم ذكر الفشل على التنازع والمعصية؟ # فالجواب: أن القوم لما رأوا هزيمة الكفار، وطمعوا في الغنيمة، فشلوا ~~في أنفسهم عن الثبات، طمعا من الغنيمة، ثم تنازعوا - بطريق القول في ~~أنا هل نذهب لطلب الغنيمة، أم لا؟ ثم اشتغلوا بطلب الغنيمة. # فإن قيل: إنما عصى البعض بمفارقة ذلك المكان، فلم جاء العقاب عاما؟ # فالجواب: أن اللفظ - وإن كان عاما - قد جاء المخصص بعده، وهو ~~قوله: { منكم من يريد الدنيا }. # قوله: { من بعد مآ أراكم ما تحبون } المقصود منه ~~التنبيه على عظم المعصية؛ لأنهم لما شاهدوا أن الله - تعالى - ~~أكرمهم بإنجاز الوعد كان من حقهم أن يمتنعوا عن المعصية. فلما ~~أقدموا عليها، سلبهم الله ذلك الإكرام، وأذاقهم وبال أمرهم. # قوله: { منكم من يريد الدنيا } يعني: الذين تركوا المركز، ~~وأقبلوا على النهب { ومنكم من يريد الآخرة } يعني: الذين ~~ثبتوا مع عبد الله بن جبير، حتى قتلوا. قال عبد الله بن مسعود: ~~وما شعرت أن أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا، حتى ~~كان يوم أحد، ونزلت هذه الآية. # قوله: { ثم صرفكم } عطف على ما قبله، والجملتان من قوله: { ~~منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة } ~~اعتراض بين المتعاطفين، وقال أبو البقاء: { ثم صرفكم } معطوف على ~~الفعل المحذوف. # يعني الذي قدره جوابا للشرط، ولا حاجة إليه، و " ليبتليكم " ~~متعلق ب " صرفكم " و " أن " مضمرة بعد اللام. # فصل # اختلفوا في تفسير هذه الآية؛ وذلك ms2227 لأن صرفهم عن الكفار معصية، فكيف ~~أضافه إلى نفسه؟ فقال جمهور المفسرين: الخير والشر بإرادة الله ~~تعالى وتخليقه، ومعنى هذا الصرف أن الله تعالى رد المسلمين ~~عن الكفار وألقى الهزيمة عليهم، وسلط الكفار عليهم. # وقالت المعتزلة: هذا التأويل غير جائز؛ للقرآن والعقل، أم القرآن ~~فقوله تعالى: # إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان ~~إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا # [آل عمران: 155] فأضاف ما كان منهم إلى فعل الشيطان فكيف يضيفه بعد هذا ~~إلى نفسه؟ # وأما المعقول فإن الله تعالى عاتبهم على ذلك الانصراف، ولو كان ذلك ~~بفعل الله لم تجز معاتبتهم عليه، كما لا يجوز معاتبتهم على ~~طولهم وقصرهم، ثم ذكروا وجوها من التأويل: # أحدها: قال الجبائي: إن الرماة افترقوا فرقتين، فبعضهم فارق ~~المكان لطلب الغنائم، وبعضهم بقي هناك، فالذين بقوا أحاط بهم ~~العدو، فلو استمروا هناك لقتلهم العدو من غير فائدة أصلا، ~~فلهذا السبب جاز لهم أن يتنحوا عن ذلك إلى موضع يتحرزون فيه عن العدو - ~~كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين ذهب إلى الجبل في جماعة من أصحابه ~~- ولم يكونوا عصاة بذلك، فلما كان ذلك الانصراف جائزا أضافه إلى ~~نفسه، بمعنى أنه كان بأمره وإذنه، ثم قال: { ليبتليكم } ~~والمراد: أنه - تعالى - لما صرفهم إلى ذلك المكان، وتحصنوا به، ~~أمرهم - هناك - بالجهاد، والذب عن بقية المسلمين، ولا شك أن ~~الإقدام على الجهاد بعد الانهزام، وبعد أن شاهدوا قتل أقاربهم ~~وأحبائهم من أعظم أنواع الابتلاء. # فإن قيل: فعلى هذا التأويل، هؤلاء الذين صرفهم الله عن الكفار ما كانوا ~~مذنبين، فلم قال: { ولقد عفا عنكم }. # قلنا: الآية مشتملة على ذكر من كان معذورا في الانصراف، ومن لم ~~يكن معذورا، أو هم الذين بدءوا بالهزيمة، فقوله: { ثم صرفكم ~~عنهم } راجع إلى المعذورين؛ لأن الآية لما اشتملت على قسمين، ~~وعلى حكمين، رجع كل حكم إلى القسم الذي يليق به، ونظيره: # ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه ~~لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته ~~عليه # [التوبة: 40] والمراد الذي ms2228 قال له: لا تحزن إن الله معنا - وهو أبو ~~بكر - لأنه كان خائفا قبل هذا القول، فلما سمع هذا القول سكن، ~~ثم قال: # وأيده بجنود لم تروها # [التوبة: 40] وعنى بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم دون أبي بكر؛ لأنه ~~قد جرى ذكرهما جميعا، هذا قول الجبائي. # الثاني: ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني: وهو أن المراد من قوله: { ثم ~~صرفكم عنهم } أنه - تعالى - أزال ما كان في قلوب الكفار من ~~الرعب من المسلمين؛ عقوبة منه على عصيانهم وفشلهم، ثم قال: { ~~ليبتليكم } أي: ليجعل ذلك الصرف محنة عليكم؛ لتتوبوا إلى ~~الله، وترجعوا إليه، وتستغفروه من مخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~وميلكم إلى الغنيمة، ثم أعلمهم أنه - تعالى - قد عفا عنهم. # الثالث: قال الكعبي: { ثم صرفكم عنهم } بأن لم يأمركم ~~بمعاودتهم من فورهم { ليبتليكم } بكثرة الإنعام عليكم. # قوله: { ولقد عفا عنكم } ظاهره يقتضي تقدم ذنب منهم. # قال القاضي إن كان ذلك الذنب من الصغائر صح أن يصف نفسه بأنه عفا ~~عنهم من غير توبة، فإن كان من الكبائر، فلا بد من إضمار توبتهم؛ ~~[لإقامة] الدلالة على أن أصحاب الكبائر إذا لم يتوبوا لم يكونوا من أهل ~~العفو والمغفرة. # وأجيب بأن هذا الذنب لا شك أنه كان كبيرة، لأنهم خالفوا صريح نص ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وصارت تلك المخالفة سببا لانهزام المسلمين، ~~وقتل جمع كبير من أكابرهم، ومن المعلوم أن ذلك كله من باب ~~الكبائر. # وأيضا ظاهر قوله تعالى: # ومن يولهم يومئذ دبره # [الأنفال: 16] يدل على كونه كبيرة، ويضعف قول من قال: إنه خاص في بدر؛ ~~لأن اللفظ عام، ولا تفاوت في المقصود، فكان التخصيص ممتنعا، ثم إن ~~ظاهر هذه الآية يدل على أنه - تعالى - عفا عنهم من غير توبة؛ لأنه لم ~~يذكر التوبة، فدل على أنه - تعالى - قد يعفو عن أصحاب الكبائر، ثم ~~قال: { والله ذو فضل على المؤمنين } وهو راجع إلى ما ~~تقدم من ذكر النعم؛ فإنه نصرهم - أولا - ثم عفا عنهم - ثانيا - ~~وهذا يدل على أن صاحب الكبيرة ms2229 مؤمن. ### || [3.153] # العامل في " إذ " قيل: مضمر، أي: اذكروا. # وقال الزمخشري: " صرفكم " أو " ليبتليكم ". # وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون ظرفا ل " عصيتم " أو " ~~تنازعتم " أو فشلتم. # وقيل: هو ظرف ل " عفا عنكم " أي: عفا عنكم إذ تصعدون ~~هاربين. # وكل هذه الوجوه سائغة، وكونه ظرفا ل " صرفكم " جيد من جهة ~~المعنى، ول " عفا " جيد من جهة القرب، وعلى بعض هذه الأقوال ~~تكون المسألة من باب التنازع، ويكون على إعمال الأخير منها، لعدم ~~الإضمار في الأول، ويكون التنازع في أكثر من عاملين. # والجمهور على { تصعدون } - بضم التاء وكسر العين - من: أصعد في ~~الأرض، إذا ذهب فيها. والهمزة فيه للدخول، نحو أصبح زيد، أي: دخل في ~~الصباح، فالمعنى: إذ تدخلون في الصعود، ويبين ذلك قراءة أبي " ~~تصعدون في الوادي ". # وقرأ الحسن، والسلمي، وقتادة: " تصعدون " بفتح التاء والعين - ~~من: صعد في الجبل، أي: رقي، والجمع بين القراءتين أنهم - أولا - أصعدوا ~~في الوادي، ثم لما هزمهم العدو - صعدوا في الجبل، وهذا على رأى من ~~يفرق بين صعد وأصعد، وقرأ أبو حيوة: " تصعدون " بالتشديد - ~~وأصله: تتصعدون، حذفت إحدى التاءين، إما تاء المضارعة، أو تاء " ~~تفعل " والجمع بين قراءته وقراءة غيره كما تقدم. # والجمهور { تصعدون } بتاء الخطاب، وابن محيصن - ويروى عن ~~ابن كثير - بياء الغيبة، على الالتفات، وهو حسن. # ويجوز أن يعود الضمير على المؤمنين، أي: { والله ذو فضل على ~~المؤمنين إذ تصعدون } فالعامل في " إذ " " فضل " ~~ويقال: أصعد: أبعد في الذهاب، قال القتبي أصعد: إذا أبعد في ~~الذهاب، وأمعن فيه، فكأن الإصعاد إبعاد في الأرض كإبعاد الارتفاع. # قال الشاعر: [الطويل] # 1662- ألا أيهذا السائلي، أين أصعدت؟ # فإن لها من بطن يثرب موعدا # وقال آخر: [الرجز] # 1663- قد كنت تبكين على الإصعاد # فاليوم سرحت، وصاح الحادي # وقال الفراء وأبو حاتم: الإصعاد: في ابتداء السفر والمخارج، والصعود: ~~مصدر صعد: رقي من سفل إلى علو، ففرق هؤلاء بين صعد وأصعد. # وقال المفضل: صعد وأصعد بمعنى واحد، والصعيد: وجه الأرض. # قال بعض المفسرين: " وكلتا القراءتين صواب، فقد كان يومئذ من ~~المنهزمين ms2230 مصعد وصاعد ". # قوله: { ولا تلوون } الجمهور على { تلوون } - بواوين - ~~وقرئ بإبدال الأولى همزة؛ كراهية اجتماع واوين، وليس بقياس؛ لكون ~~الضمة عارضة، والواو المضمومة تبدل همزة بشروط تقدمت في " البقرة ". # منها: ألا تكون الضمة عارضة، كهذه، وأن لا تكون مزيدة، نحو ترهوك. # وألا يمكن تخفيفها، نحو سور ونور - جمع سوار ونوار - لأنه يمكن ~~تسكينها فتقول: سور ونور، فيخف اللفظ بها. # وألا يدغم فيها، نحو تعوذ - مصدر تعوذ. # ومعنى { ولا تلوون } ولا ترجعون، يقال: لوى به: ذهب به، ولوى ~~عليه: عطف. # قال الشاعر: [الطويل] # 1664-..................... # أخو الجهد لا يلوي على من تعذرا # وأصله أن المعرج على الشيء يلوي عليه عنقه، أو عنان دابته، فإذا مضى ~~- ولم يعرج - قيل: لن يلوي، ثم استعمل في ترك التعريج على الشيء وترك ~~الالتفات إليه، يقال: فلان لا يلوي على كذا أي: لا يلتف إليه، وأصل { ~~تلوون } تلويون، فأعل بحذف اللام، وقد تقدم في قوله: # يلوون ألسنتهم # [آل عمران: 78] وقرأ الأعمش، وأبو بكر بن عياش - ورويت عن عاصم " ~~تلوون " بضم التاء - من ألوى وهي لغة في لوى. # وقرأ الحسن " تلون " - بواو واحدة - وخرجوها على أنه أبدل الواو ~~همزة، ثم نقل حركة الهمزة على اللام، ثم حذف الهمزة، على القاعدة، فلم ~~يبق من الكلمة إلا الفاء - وهي اللام - وقال ابن عطية: " وحذفت إحدى ~~الواوين للساكنين، وكان قد تقدم أن هذه القراءة هي قراءة مركبة على لغة ~~من يهمز الواو، وينقل الحركة ". # وهذا عجيب، بعد أن يجعلها من باب نقل حركة الهمزة، كيف يعود ويقول: ~~حذفت إحدى الواوين للساكنين؟ ويمكن تخريج هذه القراءة على وجهين ~~آخرين: # أحدهما: أن يقال: استثقلت الضمة على الواو؛ لأنها أختها، فكأنه اجتمع ~~ثلاث واوات، فنقلت الضمة إلى اللام، فالتقى ساكنان - الواو التي ~~هي عين الكلمة، والواو التي هي ضمير - فحذفت الأولى؛ لالتقاء ~~الساكنين، ولو قال ابن عطية هكذا لكان أولى. # الثاني: أن يكون " تلون " مضارع ولي - من الولاية - وإنما عدي ~~ب " على " لأنه ضمن معنى العطف. وقرأ حميد بن قيس: " على أحد " - ~~بضمتين - يريد الجبل، ms2231 والمعنى: ولا تلوون على من في جبل أحد، وهو ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن عطية: والقراءة الشهيرة أقوى؛ لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن على الجبل إلا بعدما فر الناس عنه، ~~وهذه الحال - من إصعادهم - إنما كانت وهو يدعوهم. # ومعنى الآية: تعرجون، ولا يلتفت بعض إلى بعض. # قوله: " والرسول يدعوكم " ، مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال، العامل ~~فيها " تلوون ". # أي: والرسول يدعوكم في أخراكم ومن ورائكم، يقول: # " إلي عباد الله؛ فأنا رسول الله، من يكر فله الجنة ". # ويحتمل أنه كان يدعوكم إلى نفسه، حتى تجتمعوا عنده، ولا تتفرقوا. و " ~~أخراهم " آخر الناس كما يقال في أولهم، ويقال: جاء فلان في أخريات ~~الناس. # قوله: { فأثابكم } فيه وجهان: # أحدهما: أنه معطوف على " تصعدون " و " تلوون " ، ولا يضر كونهما ~~مضارعين؛ لأنهما ماضيان في المعنى؛ لأن " إذ " المضافة إليهما صيرتهما ~~ماضيين، فكأن المعنى إذا صعدتم، وألويتم. # الثاني: أنه معطوف على " صرفكم ". # قال الزمخشري { فأثابكم } عطف على صرفكم، وفيه بعد؛ لطول ~~الفصل وفي فاعله قولان: # أحدهما: أنه الباري تعالى. # والثاني: أنه النبي صلى الله عليه وسلم. # قال الزمخشري: ويجوز أن يكون الضمير في { فأثابكم } ~~للرسول أي: فآساكم من الاغتمام، وكما غمكم ما نزل به من كسر رباعيته غمه ~~ما نزل بكم من فوت الغنيمة. # و " غما " مفعول ثان. # وقوله: { فأثابكم } هل هو حقيقة أو مجاز فقيل: مجاز كأنه جعل الغم ~~قائما مقام الثواب الذي كان يحصل لولا الفرار فهو كقوله: [الطويل] # 1665- أخاف زيادا أن يكون عطاؤه # أداهم سودا أو محدرجة سمرا # وقول الآخر: # 1666- تحية بينهم ضرب وجميع # جعل القيود والسياط بمنزلة العطاء، والضرب بمنزلة التحية. # وقال الفراء: " الإثابة - هاهنا - بمعنى المعاقبة " وهو يرجع إلى ~~المجاز؛ لأن الإثابة أصلها في الحسنات. # قوله: { بغم } يجوز في الباء أوجه: # أحدها: أن تكون للسببية، على معنى أن متعلق الغم الأول الصحابة، ~~ومتعلق الغم الثاني قيل المشركين يوم بدر. # قال الحسن: يريد غم يوم أحد للمسلمين بغم يوم بدر للمشركين، ~~والمعنى: فأثابكم غما بالغم الذي ms2232 أوقعه على أيديكم بالكفار يوم بدر. # وقيل متعلق الغم الرسول، والمعنى: أذاقكم الله غما بسبب الغم ~~الذي أدخلتموه على الرسول والمؤمنين بفشلكم ومخالفتكم أمره، أو فأثابكم ~~الرسول غما بسبب غم اغتممتموه لأجله، والمعنى أن الصحابة لما رأوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم شج وجهه وكسرت رباعيته، وقتل عمه، ~~اغتممتموه لأجله، والنبي صلى الله عليه وسلم لما رآهم قد عصوا ~~ربهم لأجل الغنيمة - ثم بقوا محرومين من الغنيمة - وقتل ~~أقاربهم، اغتم لأجلهم. # الثاني: أن تكون الباء للمصاحبة، أي: غما مصاحبا لغم، ويكون الغمان ~~للصحابة، بمعنى غما مع غم أو غما على غم، فالغم الأول: الهزيمة ~~والقتل، والثاني إشراف خالد بخيل الكفار، أو بإرجافهم: قتل الرسول صلى ~~الله عليه وسلم فعلى الأول تتعلق الباء ب { فأثابكم }. # قال أبو البقاء وقيل: المعنى بسبب غم، فيكون مفعولا به. # وعلى الثاني يتعلق بمحذوف؛ لأنه صفة ل " غم " أي: غما مصاحبا ~~لغم، أو ملتبسا بغم، وأجاز أبو البقاء أن تكون الباء بمعنى " بعد " ~~أو بمعنى " بدل " وجعلها - في هذين الوجهين - صفة ل " غما ". وكونها ~~بمعنى " بعد " و " بدل " بعيد، وكأنه يريد تفسير المعنى، وكذا قال ~~الزمخشري غما بعد غم. # واعلم أن الغموم هناك كانت كثيرة: # أولا: غمهم بما نالهم من العدو في الأنفس والأموال. # ثانيا: غمهم بما لحق المسلمين من ذلك. # ثالثا: غمهم بما وصل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. # رابعا: غمهم بما وقع منهم من المعصية وخوف عقابها. # خامسا: غمهم بسبب التوبة التي صارت واجبة عليهم؛ لأنهم إذا تابوا عن ~~تلك المعصية لم تتم توبتهم إلا بترك الهزيمة والعود إلى المحاربة ~~بعد الانهزام، وذلك من أشق الأشياء؛ لأن الإنسان بعد انهزامه - يضعف ~~قلبه ويجبن، فإذا أمر بالمعاودة، فإن فعل خاف القتل، وإن لم يفعل ~~خاف الكفر وعقاب الآخرة - وهذا الغم أعظمها. # سادسها: غمهم حين سمعوا أن محمدا قتل. # سابعها: غمهم حين أشرف خالد بن الوليد عليهم بخيل المشركين. # ثامنها: غمهم حين أشرف أبو سفيان، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم انطلق يومئذ ms2233 يدعو الناس حتى انتهى إلى أصحاب الصخرة، فلما ~~رأوه وضع رجل سهما في قوسه، وأراد أن يرميه، فقال: أنا رسول ~~الله، ففرحوا حين وجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرح رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حين رأى من يمتنع به، فأقبلوا على المشركين، يذكرون ~~الفتح وما فاتهم منه، ويذكرون أصحابهم الذين قتلوا، فأقبل أبو سفيان ~~وأصحابه، حتى وقفوا بباب الشعب، فلما نظر المسلمون إليهم همهم ذلك، ~~وظنوا أنهم يميلون عليهم، فيقتلونهم، فأنساهم هذا ما نالهم، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ليس لهم أن يعلونا، اللهم إن تقتل هذه ~~العصابة لا تعبد في الأرض، ثم بدأ أصحابه، فرموهم بالحجارة حتى ~~أنزلوهم. # وإذا عرفت هذا فكل واحد من المفسرين فسر هذين الغمين بغمين من هذه ~~الغموم وقال القفال: وعندنا أن الله - تعالى - ما أراد بقوله: { غما ~~بغم } اثنين، وإنما أراد مواصلة الغموم وطولها، أي: أن الله عاقبكم ~~بغموم كثيرة، مثل قتل إخوانكم وأقاربكم، ونزول المشركين من فوق الجبل ~~عليكم، بحيث لم تأمنوا أن يهلك أكثركم، ومثل إقدامكم على المعصية، فكأنه ~~- تعالى - قال: أثابكم هذه الغموم المتعاقبة؛ ليصير ذلك زاجرا لكم عن ~~الإقدام على المعصية، والاشتغال بما يخالف أمر الله تعالى. # والغم: التغطية، يقال: يوم غم، وليلة غمة - إذا كانا ~~مظلمين - ومنه: غم الهلال - إذا لم ير، وغم الأمر، ~~يغمى - إذا لم يتبين. # قوله: { لكيلا تحزنوا } هذه لام " كي " وهي لام جر، والنصب ~~- هنا - ب " كي " لئلا يلزم دخول حرف جر على مثله، وفي متعلق هذه ~~اللام قولان: # أحدهما: أنه { فأثابكم } وفي " لا " على هذا وجهان: # الأول: أنها زائدة؛ لأنه لا يترتب على الاغتمام انتفاء الحزن، ~~والمعنى: أنه غمهم ليحزنهم؛ عقوبة لهم على تركهم مواقفهم، قاله أبو ~~البقاء. # الثاني: أنها ليست زائدة، فقال الزمخشري: معنى { لكيلا ~~تحزنوا } لتتمرنوا على تجرع الغموم، وتتضرروا باحتمال الشدائد، ~~فلا تحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع، ولا على مصيب من المضار. # وقال ابن عطية: " المعنى: لتعلموا أن ما وقع بكم إنما هو بجنايتكم، ms2234 ~~فأنتم ورطتم أنفسكم، وعادة البشر أن جاني الذنب يصبر للعقوبة، وأكثر ~~قلق المعاقب وحزنه إذا ظن البراءة من نفسه ". # ثانيهما: أن اللام تتعلق ب " عفا " لأن عفوه يذهب كل حزن، ~~وفيه بعد؛ لطول الفصل. # ثم قال: { والله خبير بما تعملون } أي: عالم بجميع ~~أعمالكم وقصودكم ودواعيكم، قادر على مجازاتها، وهذا زجر للبعد ~~عن الإقدام على المعصية. ### || [3.154] # في نصب " أمنة " أربعة أوجه: # الأول: أنها مفعول " أنزل ". # الثاني: أنها حال من " نعاسا " لأنها في الأصل - صفة، فلما ~~قدمت نصبت حالا. # الثالث: أنها مفعول من أجله، وهو فاسد؛ لاختلال شرطه - وهو ~~اتحاد الفاعل - فإن فاعل " أنزل " غير فاعل الأمنة. # الرابع: أنه حال من المخاطبين في " عليكم " وفيه حينئذ - ~~تأويلان: # إما على حذف مضاف - أي ذوي أمنة - وإما أن يكون " أمنة " جمع ~~آمن، نحو بار وبررة، وكافر وكفرة. # وألأما " نعاسا " فإن أعربنا " أمنة " مفعولا به كان بدلا، ~~وهو بدل اشتمال؛ لأن كلا من الأمنة والنعاس يشتمل على الآخر، ~~أو عطف بيان عند غير الجمهور؛ فإنهم لا يشترطون جريانه في المعارف، أو ~~مفعولا من أجله، وهو فاسد؛ لما تقدم وإن أعربنا " أمنة " حالا، ~~كان " نعاسا " مفعولا ب " أنزل " و " أنزل " عطف على " ~~فأثابكم " وفاعله ضمير الله تعالى، و " أل " في " الغم " ~~للعهد؛ لتقدم ذكره ورد أبو حيان على الزمخشري كون " أمنة " ~~مفعولا به بما تقدم، وفيه نظر، فإن الزمخشري قال أو مفعولا له بمعنى ~~نعستم أمنة. فقدر له عاملا يتحد فاعله مع فاعل " أمنة " فكأنه استشعر ~~السؤال، فلذلك قدر عاملا على أنه قد يقال: إن الأمنة من الله ~~تعالى، بمعنى أنه أوقعها بهم، كأنه قيل: أنزل عليكم النعاس ~~ليؤمنكم به. # و " أمنة " كما يكون مصدرا لمن وقع به الأمن يكون مصدرا لمن أوقع ~~به. # وقرأ الجمهور: أمنة - بفتح الميم - إما مصدرا بمعنى الأمن، أو جمع ~~آمن، على ما تقدم تفصيله. والنخعي وابن محيصن - بسكون الميم وهو ~~مصدر فقط، والأمن والأمنة بمعنى واحد، وقيل الأمن يكون مع زوال ~~سبب الخوف، والأمنة مع بقاء سبب الخوف. ms2235 # فصل في بيان كيفية النظم # في كيفية النظم وجهان: # أحدهما: أنه لما وعد المؤمنين بالنصر، فالنصر لا بد وأن يسبق بإزالة ~~الخوف عنهم؛ ليصير ذلك كالدلالة على أنه تعالى منجز وعده في نصر ~~المؤمنين. # الثاني: أنه - تعالى - بين نصر المؤمنين - أولا - فلما عصى بعضهم ~~سلط عليهم الخوف. # ثم ذكر أنه أزال ذلك الخوف عن قلوب من كان صادقا في إيمانه، ~~مستقرا على دينه بحيث غلب النعاس عنه. # واعلم أن الذين كانوا مع رسول الله يوم أحد فريقان: # أحدهما: الجازمون بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم فهؤلاء كانوا ~~قاطعين بأن الله ينصر هذا الدين، وأن هذه الواقعة لا تؤدي إلى ~~الاستئصال، فلا جرم كانوا مؤمنين، وبلغ ذلك الأمن إلى حيث غشيهم ~~النعاس فإن النوم لا يجيء مع الخوف، فقال - هاهنا - في قصة أحد: ~~{ ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا } ~~وقال في قصة بدر: # إذ يغشيكم النعاس أمنة منه # [الأنفال: 11]. # وأما الفريق الثاني فهم المنافقون، فكانوا شاكين في نبوته صلى ~~الله عليه وسلم وما حضروا إلا لطلب الغنيمة، فهؤلاء اشتد جزعهم، وعظم ~~خوفهم. # فإن قيل: لم قدم ذكر الأمنة على النعاس في قصة أحد، وأخرها في ~~قصة بدر؟ # فالجواب: أنه لما وعدهم بالنصر، فالأمن وزوال الخوف إشارة ودليل على ~~إنجاز الوعد. # قوله: { يغشى } قراءة حمزة والكسائي بالتاء من فوق، والباقون ~~بالياء؛ ردا إلى النعاس، وخرجوا قراءة حمزة والكسائي على أنها ~~صفة ل " امنة "؛ مراعاة لها، ولا بد من تفصيل، وهو إن أعربوا " ~~نعاسا " بدلا، أو عطف بيان، أشكل قولهم من وجهين: # الأول: أن النحاة نصوا على أنه إذا اجتمع الصفة والبدل أو عطف ~~البيان، قدمت الصفة، وأخر غيرها، وهنا قد قدموا البدل، أو عطف ~~البيان عليها. # الثاني: أن المعروف في لغة العرب أن يحدث عن البدل، لا عن المبدل ~~منه، تقول: هند حسنها فاتن، ولا يجوز فاتنة - إلا قليلا - ~~فجعلهم " نعاسا " بدلا من " أمنة " يضعف لهذا. # فإن قيل: قد جاء مراعاة المبدل منه في قول الشاعر: [الكامل] # 1667- وكأنه لهق السراة ms2236 كأنه # ما حاجبينه معين بسواد # فقال: " معين "؛ مراعاة للهاء في " كأنه " ولم يراع البدل - ~~حاجبيه - ومثله قول الآخر: [الكامل] # 1668- إن السيوف غدوها ورواحها # تركت هوازن مثل قرن الأعضب # فقال: تركت؛ مراعاة للسيوف، ولو راعى البدل لقال: تركا. # فالجواب: أن هذا - وإن كان قد قال به بعض النحويين؛ مستندا إلى ~~هذين البيتين - مؤول بأن " معين " خبر ل " حاجبيه " لجريانهما ~~مجرى الشيء الواحد في كلام العرب، وأن نصب " غدوها ~~ورواحها " على الظرف، لا على البدل. وقد تقدم شيء من هذا عند قوله: # على الملكين ببابل هاروت وماروت # [البقرة: 102]. # وإن اعربوا " نعاسا " مفعولا من أجله لزم الفصل بين الصفة والموصوف ~~بالمفعول له, وكذا إن أعربوا " نعاسا " مفعولا به و " أمنة " ~~حال يلزم الفصل - أيضا - وفي جوازه نظر، والأحسن - حينئذ - أن تكون ~~هذه جملة استئنافية جوابا لسؤال مقدر، كأنه قيل: ما حكم هذه الأمنة؟ ~~فأخبر بقوله: " تغشى ". # ومن قرأ بالياء أعاد الضمير على " نعاسا " وتكون الجملة صفة له، و " ~~منكم " متعلق بمحذوف، صفة ل " طائفة ". # فصل # قال أبو طلحة: غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد، فكان السيف ~~يسقط من أحدنا فيأخذه، ثم يسقط فيأخذه، وقال ثابت: عن أنس عن أبي ~~طلحة قال: رفعت رأسي يوم أحد، فجعلت ما أرى أحدا من القوم إلا وهو ~~يميل تحت جحفته من النعاس. # وقال الزبير: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد الخوف، ~~فأنزل الله علينا النوم، والله إن لأسمع قول معتب بن قشير - ~~ما أسمعه إلا كالحلم - يقول: { لو كان لنا من الأمر شيء ما ~~قتلنا ههنا }. # فصل # قال ابن مسعود: النعاس في القتال أمنة، والنعاس في الصلاة من ~~الشيطان، وذلك أنه في القتال لا يكون إلا من الوثوق بالله، والفراغ ~~عن الدنيا، ولا يكون في الصلاة إلا من غاية البعد عن الله تعالى. ~~واعلم أن ذلك النعاس فيه فوائد: # الأولى: أنه وقع على كافة المؤمنين - لا على الحد المعتاد - فكان ~~معجزة ظاهرة للنبي صلى الله عليه وسلم ولا شك أن المؤمنين متى ms2237 شاهدوا ~~تلك المعجزة الجديدة ازدادوا إيمانا مع إيمانهم، ومتى صاروا كذلك ازداد ~~أحدهم في محاربة العدو. # الثانية: أن الأرق والسهر يوجبان الضعف والكلال، والنوم يفيد عود القوة ~~والنشاط، واشتداد القوة والقدرة. # الثالثة: أن الكفار لما اشتغلوا بقتل المسلمين ألقى الله النوم ~~على عين من بقي منهم؛ لئلا يشاهدوا قتل أعزتهم فيشتد الخوف والجبن ~~في قلوبهم. # الرابعة: أن الأعداء كانوا في غاية الحرص على قتلهم، فبقاؤهم في ~~النوم مع السلامة في مثل تلك المعركة - من أدل الدلائل على ~~أن حفظ الله وعصمته معهم، وذلك مما يزيل الخوف عن قلوبهم، ~~ويورثهم مزيد الوثوق بوعد الله تعالى. # قوله: { وطآئفة قد أهمتهم أنفسهم } في هذه الواو ~~ثلاثة أوجه: # الأول: أنها واو الحال، وما بعدها في محل نصب على الحال، والعامل ~~فيها " يغشى ". # الثاني: أنها واو الاستئناف، وهي التي عبر عنها مكي بواو الابتداء. # الثالث: أنها بمعنى " إذ " ذكره مكي، وأبو البقاء، وهو ضعيف. # و " طائفة " مبتدأ، والخبر { قد أهمتهم أنفسهم } وجاز ~~الابتداء بالنكرة لأحد شيئين: إما للاعتماد على واو الحال، وقد عده ~~بعضهم مسوغا - وإن كان الأكثر لم يذكره -. # وأنشدوا: [الطويل] # 1669- سرينا ونجم قد أضاء فمذ بدا # محياك أخفى ضوءه كل شارق # وإما لأن الموضع تفصيل؛ فإن المعنى: يغشى طائفة، وطائفة لم يغشهم. # فهو كقوله: # 1670- إذا ما بكى من خلفها انصرفت له # بشق وشق عندنا لم يحول # ولو قرئ بنصب " طائفة " - على أن تكون المسألة من باب الاشتغال - ~~لم يكن ممتنعا إلا من جهة النقل؛ فإنه لم يحفظ قراءة، وفي خبر هذا ~~المبتدأ أربعة أوجه: # أحدها: أنه { أهمتهم أنفسهم } كما تقدم. # الثاني: أنه " يظنون " والجملة قبله صفة ل " طائفة ". # الثالث: أنه محذوف، أي: ومنكم طائفة وهذا يقوي أن معناه التفصيل، ~~والجملتان صفة ل " طائفة " أو يكون " يظنون " حالا من مفعول ~~" أهمتهم " أو من " طائفة " لتخصصه بالوصف، أو خبرا بعد ~~خبر إن قلنا: { قد أهمتهم } خبر أول. وفيه من الخلاف ما تقدم. # الرابع: أن الخبر { يقولون } والجملتان قبله على ما تقدم من كونهما ~~صفتين، أو ms2238 خبرين، أو إحداهما خبر، والأخرى حال. # ويجوز أن يكون { يقولون } صفة أو حالا - أيضا - إن قلنا: إن ~~الخبر هو الجملة التي قبله، أو قلنا: إن الخبر مضمر. # قوله: { يظنون } له مفعولان، فقال أبو البقاء: { غير الحق ~~} المفعول الأول، أي أمرا غير الحق، و " بالله " هو المفعول الثاني. # وقال الزمخشري: { غير الحق } في حكم المصدر، ومعناه: يظنون ~~بالله غير الظن الحق الذي يجب أي يظن به. و { ظن الجاهلية ~~} بدل منه. # ويجوز أن يكون المعنى: يظنون بالله ظن الجاهلية و { غير الحق } ~~تأكيدا ل { يظنون } كقولك: هذا القول غير ما يقول. # فعلى ما قال لا يتعدى " ظن " إلى مفعولين، بل تكون الباء ظرفية، كقولك: ~~ظننت بزيد، أي: جعلته مكان ظني، وعلى هذا المعنى حمل النحويون قول ~~الشاعر: [الطويل] # 1671- فقلت لهم: ظنوا بألفي مدجج # سراتهم في الفارسي المسرد # أي قلت لهم: اجعلوا ظنكم في الفي مدجج. # ويحصل في نصب { غير الحق } وجهان: # أحدهما: أنه مفعول أول ل " يظنون ". # والثاني: أنه مصدر مؤكد للجملة التي قبله بالمعنيين اللذين ذكرهما ~~الزمخشري. # وفي نصب { ظن الجاهلية } وجهان - أيضا -: البدل من { غير ~~الحق } أو أنه مصدر مؤكد ل { يظنون }. # و " بالله " إما متعلق بمحذوف على جعله مفعولا ثانيا، وإما بفعل ~~الظن - على ما تقدم - وإضافة الظن إلى الجاهلية، قال الزمخشري: " ~~كقولك: حاتم الجود، ورجل صدق، يريد: الظن المختص بالملة الجاهلية، ~~ويجوز أن يراد ظن أهل الجاهلية ". # وقال غيره: المعنى: المدة الجاهلية، أي: القديمة قبل الإسلام، نحو # حمية الجاهلية # [الفتح: 26] # فصل # هؤلاء هم المنافقون - عبد الله بن أبي، ومعتب بن قشير، ~~وأصحابهما - كان همتهم خلاص أنفسهم، يقال: همني الشيء - إذا كان من همي ~~وقصدي - وذلك أن الإنسان إذا اشتد انشغاله بالشيء صار غافلا عما سواه، ~~فلما كان أحب الأشياء إلى الإنسان نفسه، فعند الخوف على النفس يصير ~~ذاهلا عن كل ما سواها، فهذا هو المراد من قوله: { أهمتهم ~~أنفسهم } ، وفي هذا الظن احتمالان: # أحدهما - وهو الأظهر -: أنهم كانوا يقولون في أنفسهم: لو كان محمد ~~محقا في دعواه ms2239 لما سلط الكفار عليه - وهذا ظن فاسد، أما على ~~قول أهل السنة فلأنه - تعالى - يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا ~~اعتراض عليه. # وأما على قول من يعتبر المصالح في أفعال الله وأحكامه، فلا يبعد أن ~~يكون لله حكم خفية، وألطاف مرعية في تخلية الكافر بحيث ~~يقهر المسلم، فإن الدنيا دار امتحان وابتلاء، ووجوه المصالح مستورة ~~عن العقول. # قال القفال: لو كان كون المؤمن محقا يوجب زوال هذه المعاني لوجب أن ~~يضطر الناس إلى معرفة كون المحق محقا، وذلك ينافي التكليف، ~~واستحقاق الثواب والعقاب، والمحق إنما يعرف بما معه من ~~الدلائل والبينات، فأما القهر فقد يكون من المبطل للمحق ~~ومن المحق للمبطل. # الاحتمال الثاني: أن ذلك الظن هو أنهم كانوا ينكرون إله ~~العالم، وينكرون النبوة والبعث - فلا جرم - ما وثقوا بقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم في أن الله تعالى يقويهم ~~وينصرهم. # وقيل: ظنوا أن محمدا قد قتل. و { ظن الجاهلية } بدل من ~~قوله: { غير الحق } وفائدة هذا الترتيب أن غير الحق أديان ~~كثيرة، وأقبحها مقالة أهل الجاهلية، فذكر أنهم يظنون بالله غير الحق ~~ثم بين أنهم اختاروا من أقسام الأديان التي هي غير حقة أقبحها ~~وأكثرها بطلانا، وهو ظن أهل الجاهلية. # قوله: { يقولون هل لنا من الأمر من شيء } " من " - في ~~{ من شيء } - زائدة في المبتدأ، وفي الخبر وجهان: # أحدهما - وهو الأصح -: أنه " لنا " فيكون { من الأمر } في محل ~~نصب على الحال من " شيء " لأنه نعت نكرة، قدم عليها، فنصب حالا، ~~وتعلق بمحذوف. # الثاني: - أجازه أبو البقاء - أن يكون { من الأمر } هو الخبر، و " ~~لنا " تبيين، وبه تتم الفائدة كقوله: # ولم يكن له كفوا أحد # [الإخلاص: 4]. # وهذا ليس بشيء؛ لأنه إذا جعله للتبيين فحينئذ يتعلق بمحذوف، وإذا كان ~~كذلك فيصير " لنا " من جملة أخرى، فتبقى الجملة من المبتدأ والخبر غير ~~مستقلة بالفائدة، وليس نظيرا لقوله: # ولم يكن له كفوا أحد # [الإخلاص: 4] فإن " له " فيها متعلق بنفس " كفوا " لا بمحذوف، وهو ~~نظير قولك: لم يكن أحد قاتلا لبكر. ف " لبكر ms2240 " متعلق بنفس الخبر. ~~وهل هنا الاستفهام عن حقيقته، أم لا؟ فيه وجهان: # أظهرهما: نعم، ويعنون بالأمر: النصر والغلبة. # والثاني: أنه بمعنى النفي، كأنهم قالوا: ليس لنا من الأمر - أي النصر - ~~شيء، وإليه ذهب قتادة وابن جريج. # ولكن يضعف هذا بقوله: { قل إن الأمر كله لله } فإن من ~~نفى عن نفسه شيئا لا يجاب بأنه ثبت لغيره؛ لأنه يقر بذلك، اللهم ~~إلا أن يقدر جملة أخرى ثبوتية مع هذه الجملة، فكأنهم قالوا: ليس لنا ~~من الأمر شيء، بل لمن أكرهنا على الخروج وحملنا عليه، فحينئذ ~~يحسن الجواب بقوله: { قل إن الأمر كله لله } لقولهم ~~هذا، وهذه الجملة الجوابية اعتراض بين الجمل التي جاءت بعد قوله: " ~~وطائفة " فإن قوله: { يخفون في أنفسهم } وكذا { يقولون } ~~- الثانية - إما خبر عن " طائفة " أو حال مما قبلها. # فصل # اعلم أن قوله: { هل لنا من الأمر من شيء } حكاية ~~للشبهة التي تمسك بها المنافقون، وهي تحتمل وجوها: # الأول: أن عبد الله بن أبي لما شاوره النبي صلى الله عليه وسلم في ~~هذه الواقعة أشار عليه بأن لا يخرج من المدينة، ثم إن الصحابة ~~ألحوا على النبي صلى الله عليه وسلم في أن يخرج إليهم، فغضب عبد الله ~~بن أبي من ذلك، فقال: عصاني وأطاع الولدان، فلما كثر القتل في بني ~~الخزرج، ورجع عبد الله بن أبي قيل له: قتل بنو الخزرج!! فقال: " هل ~~لنا من الأمر من شيء "؟ يعني: أن محمدا لم يقبل قولي حين أمرته بأن لا ~~يخرج من " المدينة ". # والمعنى: هل لنا أمر يطاع؟ وهو استفهام على سبيل الإنكار. # الثاني: ما تقدم في الإعراب أن معناه النفي، أي: هل لنا من الشيء ~~الذي كان يعدنا به محمد صلى الله عليه وسلم وهو النصر والقوة - شيء؟ ~~وهذا استفهام على سبيل الإنكار. # الثالث: أن التقدير: أنطمع أن تكون لنا الغلبة على هؤلاء؟ ويكون المراد ~~منه الطعن في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن يكون قائله من ~~المؤمنين، ويكون المراد منه إظهار الشفقة، أنه متى يكون ms2241 الفرج ~~والنصرة؟ وهو المراد - أيضا - بقوله: { يخفون في أنفسهم ~~ما لا يبدون لك }. # وقوله: { قل إن الأمر كله لله } قرأ أبو عمرو " كله ~~" - رفعا - وفيه وجهان: # الأول: - وهو الأشهر - أنه رفع بالابتداء، و " لله " خبره والجملة خبر " ~~إن " نحو: إن مال زيد كله عنده. # الثاني: أنه توكيد على المحل، فإن اسمها - في الأصل - مرفوع بالابتداء، ~~وهذا مذهب الزجاج والجرمي، يجرون التوابع كلها مجرى عطف ~~النسق، فيكون " لله " خبرا ل " إن " أيضا. # وقرأ الباقون بالنصب، فيكون تأكيدا لاسم " إن " وحكى مكي عن الأخفش ~~أنه بدل منه - وليس بواضح - و " لله " خبر " إن ". # وقيل على النعت؛ لأن لفظة " كل " للتأكيد، فكانت كلفظة " أجمع ". # فصل # هذه الآية تدل على أن جميع المحدثات خلق لله تعالى بقضائه وقدره؛ لأن ~~المنافقين قالوا: إن محمدا لو قبل منا رأينا ونصحنا، لما وقع ~~في هذه المحنة، فأجابهم الله تعالى بأن الأمر كله لله، وهذا ~~[الجواب] إنما ينتظم إذا كانت أفعال العباد بقضاء الله وقدره؛ إذ ~~لو كانت خارجة عن مشيئته لم يكن هذا الجواب دافعا لشبهة المنافقين. # قوله: { يخفون } إما خبر ل { طآئفة } وإما حال مما قبله - كما ~~تقدم - وقوله: { يقولون } يحتمل هذين الوجهين، ويحتمل أن يكون ~~تفسيرا لقوله: { يخفون } فلا محل له حينئذ. # قوله: { لو كان لنا من الأمر شيء } كقوله: { هل لنا ~~من الأمر من شيء } وقد عرف الصحيح من الوجهين. # وقوله: { ما قتلنا ههنا } جواب " لو " وجاء على الأفصح، فإن ~~جوابها إذا كان منفيا ب " ما " فالأكثر عدم اللام، وفي الإيجاب بالعكس، ~~وقد أعرب الزمخشري هذه الجمل الواقعة بعد قوله: " وطائفة " إعرابا ~~أفضى إلى خروج المبتدأ بلا خبر فقال: " فإن قلت: كيف مواقع هذه ~~الجمل الواقعة بعد قوله: " وطائفة ". # قلت: { قد أهمتهم } صفة ل { طآئفة } و { يظنون } ~~صفة أخرى، أو حال، بمعنى: قد أهمتهم أنفسهم ظانين، أو استئناف على ~~وجه البيان للجملة قبلها و { يقولون } بدل من { يظنون }. # فإن قلت: كيف صح أن يقع ما هو مسألة عن الأمر بدلا من الإخبار ~~بالظن؟ # قلت: ms2242 كانت مسألتهم صادرة عن الظن، فلذلك جاز إبداله منه، و { يخفون ~~} حال من { يقولون } و { قل إن الأمر كله لله } ~~اعتراض بين الحال وذي الحال، و { يقولون } بدل من { يخفون } ~~والأجود أن يكون استئنافا ". انتهى. # وهذا من أبي القاسم بناء على أن الخبر محذوف، كما تقدم تقريره في ~~قوله: { وطآئفة } أي: ومنكم طائفة، فإنه موضع تفصيل. # فإن قيل: ما الفرق بين قوله: { هل لنا من الأمر من شيء } ~~وبين قوله: { لو كان لنا من الأمر شيء } وقد أجاب عن الأول ~~بقوله: { قل إن الأمر كله لله } وأجاب ههنا بغير ذلك؟ ~~فالجواب من وجهين: # الأول: أن المنافقين قال بعضهم لبعض: لو كان لنا عقول لم نخرج مع ~~محمد إلى قتال أهل مكة، وما قتلنا هاهنا، وهذا يدل على أن ~~الأمر ليس كما قلتم من أن الأمر كله لله، وهذا كالمناظرة الدائرة ~~بين أهل السنة والمعتزلة؛ فإن السني يقول: الأمر ~~كله - في الطاعة والمعصية، والإيمان والكفر بيد الله، ~~والمعتزلي يقول: ليس الأمر كذلك؛ فإن الإنسان مختار، ومستقل بالفعل، ~~إن شاء آمن وإن شاء كفر، فعلى هذا الوجه لا يكون هذا الكلام شبهة ~~مستقلة بنفسها، بل يكون الغرض منه الطعن فيما جعله الله تعالى جوابا عن ~~الشبهة الأولى. # الثاني: أن المراد من قوله: { هل لنا من الأمر من شيء } ~~أي: هل لنا من النصرة التي وعدنا بها محمد صلى الله عليه وسلم ~~شيء؟ ويكون المراد من قوله: { لو كان لنا من الأمر شيء ما ~~قتلنا ههنا } هو ما كان يقوله عبد الله بن أبي من أن محمدا لو ~~أطاعني ما خرج عن " المدينة " ، وما قتلنا ههنا. # واعلم أنه - تعالى - أجاب عن هذه [الشبهة] من ثلاثة أوجه: # الأول: قوله: { قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين ~~كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم } ومعناه: أن الحذر ~~لا يدفع القدر، فالذين قدر الله عليهم القتل، لا بد وأن ~~يقتلوا على كل تقدير؛ لأن الله تعالى لما أخبره أنه يقتل، فلو ~~لم يقتل، لانقلب علمه جهلا. # وقال المفسرون: ms2243 لو جلستم في بيوتكم لخرج منكم من كتب الله عليهم ~~القتل إلى مضاجعهم ومصارعهم، حتى يوجد ما علم الله أنه يوجد وقيل: ~~تقدير الكلام: كأنه قيل للمنافقين: لو جلستم في بيوتكم، وتخلفتم ~~عن الجهاد، لخرج المؤمنون الذين كتب عليهم قتال الكفار إلى مضاجعهم، ~~ولم يتخلفوا عن هذه الطاعة بسبب تخلفكم. # قوله: { لبرز } جاء على الأفصح، وهو ثبوت اللام في جواب " لو " ~~مثبتا. وقراءة الجمهور { لبرز } مخففا مبنيا للفاعل، وقرأ أبو ~~حيوة " لبرز " مشددا، مبنيا للمفعول، عداه بالتضعيف. وقرئ ~~" كتب " مبنيا للفاعل، و " القتل " مفعول به. # وقرأ الحسن: { كتب عليهم القتال } رفعا. # الجواب الثاني عن هذه الشبهة قوله: " وليبتلي " فيه خمسة أوجه: # فقيل: إنه متعلق بفعل قبله، وتقديره: فرض الله عليكم القتال، ولم ~~ينصركم يوم أحد، ليبتلي ما في صدوركم، أي: ضمائركم. # وقيل: بفعل بعده، أي: ليبتلي فعل هذه الأشياء. # وقيل: الواو زائدة، واللام متعلقة بما قبلها. # وقيل: " وليبتلي " عطف على " ليبتلي " الأول وإنما كررت لطول الكلام، ~~فعطف عليه { وليمحص } قاله ابن بحر. # وقيل: هو عطف على علة محذوفة تقديره: ليقضي الله أمره وليبتلي. # الجواب الثالث عن هذه الشبهة قوله: { وليمحص ما في ~~قلوبكم } فيه وجهان: # أحدهما: أن هذه الواقعة تخرج ما في قلوبكم من الوساوس والشبهات، ~~وتطهرها. # الثاني: أنها تصيره كفارة لذنوبكم، فتمحصكم عن تبعات المعاصي ~~والسيئات. # فإن قيل: قد سبق ذكر الابتلاء في قوله: # ثم صرفكم عنهم ليبتليكم # [آل عمران: 152] فلم أعاده؟ # فالجواب: أنه أعاده؛ لطول الكلام بينهما، ولأن الابتلاء الأول هزيمة ~~المؤمنين، والابتلاء الثاني سائر الأحوال. # فإن قيل: قوله: { وليبتلي الله ما في صدوركم } المراد ~~منه القلب؛ لقوله: # القلوب التي في الصدور # [الحج: 46] فجعل متعلق الابتلاء ما انطوى عليه الصدر - وهو ما في ~~القلب من النية - وجعل متعلق التمحيص ما في القلب - وهو النيات ~~والعقائد - فلم خالف بين اللفظين في المتعلق؟ # فالجواب: أنه لما اختلف المتعلقان حسن اختلاف لفظيهما. ثم قال: { ~~والله عليم بذات الصدور } أي: الأسرار والضمائر؛ لأنها ~~حالة فيها، مصاحبة لها، وذكر ذلك ليدل به على ms2244 أن ابتلاءه لم يكن لأنه ~~يخفى عليه ما في الصدور وغيره - لأنه عالم بجميع المعلومات - وإنما ~~ابتلاهم لمحض الإلهية. ### || [3.155] # إنما ثني " الجمعان " - وإن كان اسم جمع - وقد نص النحاة ~~على أنه لا يثنى ولا يجمع إلا شذوذا- لأنه أريد به النوع؛ فإن ~~المعنى جمع المؤمنين وجمع المشركين، فلما أريد به ذلك ثني، كقوله: ~~[الطويل] # 1672- وكل رفيقي كل رحل وإن هما # تعاطى القنا قوما هما أخوان # فصل # { تولوا } انهزموا { يوم التقى الجمعان } جمع المسلمين ~~وجمع المشركين يوم أحد، وكان قد انهزم أكثر المسلمين، ولم يبق ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا ثلاثة عشر رجلا، ستة من ~~المهاجرين: أبو بكر، وأبو عبيدة بن الجراح وعلي، وطلحة، ~~وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص - وسبعة من الأنصار - حباب ~~بن المنذر وأبو دجانة، وعاصم بن ثابت، والحارث بن الصمة، وسهل بن ~~حنيف، وأسيد بن حضير، وسعد بن معاذ- وقيل: أربعة عشر؛ ~~سبعة من المهاجرين، فذكر الزبير بن العوام معهم، وسبعة من الأنصار. # وقيل: إن ثمانية من هؤلاء كانوا بايعوه يومئذ على الموت: ثلاثة من ~~المهاجرين: طلحة، والزبير، وعلي، وخمسة من الأنصار: أبو دجانة، والحارث ~~بن الصمة، وحباب بن المنذر، وعاصم بن ثابت، وسهل بن حنيف، ثم لم ~~يقتل منهم أحد. # وروي أنه أصيب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو ثلاثين، كلهم ~~يجيء، ويجثو بين يديه، ويقول: وجهي لوجهك الفداء، ونفسي لنفسك الفداء، ~~وعليك السلام غير مودع. # قوله: { إنما استزلهم الشيطان } السين في { ~~استزلهم } للطلب، والظاهر أن استفعل ها هنا - بمعنى أفعل؛ لأن ~~القصة تدل عليه، فالمعنى: حمله على الزلة، فيكون ك " استل " و ~~" أبل ". و " أزل " واستزل بمعنى واحد، قال تعالى: # فأزلهما الشيطان # [البقرة: 36]. # وقال ابن قتيبة: { استزلهم } طلب زلتهم، كما يقال: ~~استعجلته: أي: طلبت عجلته، واستعملته طلبت عمله. # فصل # قال الكعبي: الآية تدل على أن المعاصي لا تنسب إلى الله؛ فإنه ~~-تعالى- نسبها هنا إلى الشيطان، فهو كقوله تعالى - حكاية عن موسى -: # هذا من عمل الشيطان # [القصص: 15] وكقوله - حكاية عن ms2245 يوسف -: # من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي # [يوسف: 100] وقوله - حكاية عن صاحب موسى -: # ومآ أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره # [الكهف: 63]. # قوله: { ببعض ما كسبوا } فيه وجهان: # الأول: أن الباء للإلصاق، كقولك: كتبت بالقلم، وقطعت بالسكين، ~~والمعنى: أنه قد صدرت عنهم جنايات، فبواسطتها قدر الشيطان على استزلالهم، ~~وعلى هذا التقدير اختلفوا: # فقال الزجاج: إنهم لم يتولوا عنادا، ولا فرارا من الزحف، ~~رغبة منهم في الدنيا، وإنما ذكرهم الشيطان ذنوبا - كانت لهم - فكرهوا ~~البقاء إلا على حال يرضونها. # وقيل: لما أذنبوا - بمفارقة المركز، أو برغبتهم في الغنيمة، أو بفشلهم ~~عن الجهاد - أزلهم الشيطان بهذه المعصية، وأوقعهم في الهزيمة. # الثاني: أن تكون الباء للتبعيض، والمعنى: أن هذه الزلة وقعت لهم ~~في بعض أعمالهم. # قوله: { ولقد عفا الله عنهم } هذه الآية تدل على أن تلك ~~الزلة ما كانت بسبب الكفر؛ فإن العفو عن الكفر لا يجوز؛ لقوله ~~تعالى: # إن الله لا يغفر أن يشرك به # [النساء: 48] فالعفو عن الصغائر والكبائر جائز. # قالت المعتزلة: ذلك الذنب إن كان من الصغائر، جاء العفو عنه من غير ~~توبة، وإن كان من الكبائر لم يجز العفو عنه من غيب توبة - وإن كان ذلك ~~غير مذكور في الآية. # قال القاضي: والأقرب أن ذلك الذنب كان من الصغائر، لوجهين: # أحدهما: أنه لا يكاد - في الكبائر - يقال: [إنها زلة]، إنما يقال ذلك ~~في الصغائر. # الثاني: أن القوم ظنوا أن الهزيمة لما وقعت على المشركين، لم يبق ~~إلى ثباتهم في ذلك المكان حاجة فلا جرم -انقلبوا عنه، وتحولوا لطلب ~~الغنيمة، ومثل هذا لا يبعد أن يكون من باب الصغائر لأن للاجتهاد في مثله ~~مدخلا. # قال ابن الخطيب: وهذه تكلفات لا حاجة إليها، وقد بينا كونها من ~~الكبائر، والاجتهاد لا مدخل له مع النص الصريح بلزوم المركز، سواء كانت ~~الغلبة لهم، أو عليهم. # ثم قال: { إن الله غفور حليم } أي { غفور } لمن تاب، { ~~حليم } لا يعجل بالعقوبة، وهذا يدل على أن ذلك الذنب كان من الكبائر؛ ~~لأن لو كان من الصغائر ms2246 لوجب أن يعفو عنه - على قول المعتزلة - ولو كان ~~العفو واجبا لما حسن التمدح به؛ لأن من يظلم إنسانا لا يحسن ان ~~يتمدح بأنه عفا عنه، وغفر له. ### || [3.156-158] # وجه النظم أن المنافقين كانوا يعيرون المؤمنين في الجهاد مع الكفار، ~~بقولهم: { لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا } ثم ~~إنه ظهر عند بعض المؤمنين فتور وفشل في الجهاد، حتى وقع يوم أحد ما ~~وقع، وعفا الله بفضله عنهم، فنهاهم في هذه الآية عن القول بمثل مقالة ~~المنافقين، لمن يريد الخروج إلى الجهاد، فقال: لا تقولوا - لمن يريد ~~الخروج إلى الجهاد -: لو لم تخرجوا لما متم، وما قتلتم، فإن الله هو ~~المحيي والمميت، فمن قدر له البقاء لم يقتل في الجهاد، ومن ~~قدر له الموت مات وإن لم يجاهد، وهو المراد بقوله: { والله ~~يحيي ويميت }. # وأيضا فالذي يقتل في الجهاد، لو لم يخرج إلى الجهاد، لكان يموت لا ~~محالة، فإذا كان لا بد من الموت فلأن يقتل في الجهاد - حتى يستوجب ~~الثواب العظيم - خير له من أي يموت من غير فائدة، وهو المراد بقوله: ~~{ ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة ~~من الله ورحمة خير مما يجمعون }. # واختلفوا في { الذين كفروا } فقيل: هل هو كافر يقول هكذا. # وقيل: إنه مخصوص بالمنافقين؛ لأن هذه الآيات في شرح أحوالهم. # وقيل: مختصة بعبد الله بن أبي ابن سلول ومعتب بن قشير، وسائر ~~أصحابهما. # قوله: { لإخوانهم } قال الزمخشري: " لأجل إخوانكم ". وهذا يدل ~~على أن أولئك الإخوان كانوا ميتين عند هذا القول ويحتمل أن يكون ~~المراد منه الأخوة في النسب، كقوله تعالى: # وإلى عاد أخاهم هودا # [الأعراف: 65] ويكون المقتولون من المسلمين كانوا من أقارب المنافقين، ~~فقال المنافقون هذا الكلام ويحتمل أن يكون المراد: الأخوة في الدين، ~~فقال المنافقون هذا الكلام، بعد أن قتل بعضهم في بعض الغزوات. # قوله: { إذا ضربوا } " إذا " ظرف مستقبل، فلذلك اضطربت أقوال ~~المعربين - هنا - من حيث إن العامل فيها { قالوا } - وهو ماض - فقال ~~الزمخشري: " فإن قلت: كيف قيل: { إذا ضربوا } مع ms2247 " قالوا "؟ ~~قلت: هو حكاية حال ماضية، كقولك: حين يضربون في الأرض ". # وقال أبو البقاء بعد قول قريب من قول الزمخشري: " ويجوز أن يكون { ~~كفروا } و { قالوا } ماضيين، يراد بهما المستقبل المحكي به الحال ~~فعلى هذا يكون التقدير: يكفرون، ويقولون لإخوانهم ". انتهى. # ففي كلا الوجهين حكاية حال، لكن في الأول حكاية حال ماضية، وفي الثاني ~~مستقبلة، وهو - من هذه الحيثية - كقوله تعالى: # حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه # [البقرة: 214]. ويجوز أن يراد بها الاستقبال، لا على سبيل الحكاية، بل ~~لوقوعه صلة لموصول، وقد نص بعضهم على أن الماضي - إذا وقع صلة لموصول - ~~صلح للاستقبال، كقوله: # إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم # [المائدة: 34]. وإلى هذا نحا ابن عطية، وقال: " دخلت " إذا " وهي حرف ~~استقبال - من حيث " الذين " اسم فيه إبهام، يعم من قال في الماضي، ~~ومن يقول في الاستقبال، ومن حيث هذه النازلة تتصور في مستقبل الزمان " ~~يعني: فتكون حكاية حال مستقبلة. # قال ابن الخطيب: " إنما عبر عن المستقبل بلفظ الماضي لفائدتين: # إحداهما: أن الشيء الذي يكون لازم الحصول في المستقبل، قد يعبر عنه ~~بأنه حدث، أو هو حادث، قال تعالى: # أتى أمر الله # [النحل: 1] وقال: # إنك ميت # [الزمر: 30] فهنا لو وقع التعبير عنه بلفظ المستقبل لم يكن فيه ذلك ~~المعنى، فلما وقع التعبير عنه بلفظ الماضي، دل على أن جدهم ~~واجتهادهم في تقرير الشبهة قد بلغ الغاية، فصار بسبب ذلك الجد، هذا ~~المستقبل كالواقع. # الثانية: أنه - تعالى - لما عبر عن المستقبل بلفظ الماضي، دل ذلك على ~~أنه ليس المقصود الإخبار عن صدور هذا الكلام، بل المقصود الإخبار عن ~~جدهم واجتهادهم في تقرير هذه الشبهة ". # وقدر أبو حيان: مضافا محذوفا وهو عامل في " إذا " تقديره: وقالوا ~~لهلاك إخوانهم، أي: مخافة أن يهلك إخوانهم إذا سافروا، أو غزوا، ~~فقدر العامل مصدرا منحلا ل " أن " والمضارع، حتى يكون ~~مستقبلا، قال: لكن يكون الضمير في قوله: { لو كانوا عندنا } ~~عائدا على { لإخوانهم } لفظا، وعلى غيرهم معنى - أي: يعود على ~~إخوان آخرين، وهم الذين ms2248 تقدم موتهم بسبب سفر، أو غزو، وقصدهم ~~بذلك تثبيط الباقين - وهو مثل قوله تعالى: # وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره # [فاطر: 11] وقول العرب: عندي درهم ونصفه. # وقول الشاعر: [البسيط] # 1673- قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا # إلى حمامتنا، أو نصفه فقد # المعنى: من معمر آخر، ونصف درهم آخر، ونصف حمام آخر. # وقال قطرب: كلة " إذ " و " إذا " يجوز إقامة كل واحد منهما مقام ~~الأخرى، فيكون " إذا " هنا بمعنى " إذ ". # قال بعضهم: وهذا ليس بشيء. # قال ابن الخطيب: " أقول: هذا - الذي قاله قطرب - كلام حسن، ~~وذلك لأنا جوزنا إثبات اللغة بشعر مجهول، فنقول عن قائل مجهول، ~~فلأن يجوز إثباتها بالقرآن العظيم كان ذلك أولى، أقصى ما في الباب ~~أن يقال: " إذا " حقيقة في المستقبل، ولكن لم لا يجوز استعماله في الماضي ~~على سبيل المجاز، لما بينه وبين كلمة " إذ " من المشابهة الشديدة، ~~وكثيرا أرى النحويين يتحيرون في تقرير الألفاظ الواردة في القرآن، ~~فإذا استشهدوا في تقريره ببيت مجهول فرحوا به، وأنا شديد التعجب ~~منهم؛ فإنهم إذا جعلوا ورود ذلك البيت المجهول دليلا على صحته، فلأن ~~يجعلوا ورود القرآن به دليلا على صحته كان أولى ". # قوله: { أو كانوا غزى } - بالتشديد - جمع غاز - كالركع ~~والسجد - جمع راكع وساجد - وقياسه: غزاة كرام ورماة - ولكنهم ~~جملوا المعتل على الصحيح، في نحو ضارب وضرب، وصائم وصوم. # وقال الزهري والحسن " غزى " - بالتخفيف - وفيها وجهان: # الأول: أنه خفف الزاي، كراهية التثقيل في الجمع. # الثاني: أن أصله: غزاة - كقضاة ورماة - ولكنه حذف تاء التأنيث؛ لأن ~~نفس الصيغة دالة على الجمع فالتاء مستغنى عنها. # قال ابن عطية: " وهذا الحذف كثير في كلامهم. # ومنه قول الشاعر يمدح الكسائي: [الطويل] # 1674- أبى الذم أخلاق الكسائي، وانتحى # به المجد أخلاق الأبو السوابق # يريد: الأبوة - جمع أب - كما أن العمومة جمع عم، والبنوة جمع ابن ~~وقد قالوا: ابن، وبنو ". # ورد عليه أبو حيان بأن الحذف ليس بكثير، وأن قوله: حذف التاء من عمومة، ~~ليس كذلك، بل الأصل: عموم - من غير تاء - ثم أدخلوا عليها ms2249 التاء لتأكيد ~~الجمع، فما جاء على " فعول " - من غير تاء - هو الأصل، نحو: عموم وفحول، ~~وما جاء فيه التاء، فهو الذي يحتاج إلى تأويله بالجمع، والجمع لم يبن ~~على هذه التاء، حتى يدعى حذفها، وهذا بخلاف قضاة وبابه؛ فإنه ~~بني عليها، فيمكن ادعاء الحذف فيه، وأما أبوة وبنوة فليسا جمعين، بل ~~مصدرين، وأما أبو - في البيت - فهو شاذ عند النحاة من جهة أنه من ~~حقه أن يعله، فيقول: " أبي " بقلب الواوين ياءين، نحو: عصي، ~~ويقال غزاء بالمد أيضا، وهو شاذ. # فتحصل في غاز ثلاثة جموع في التكسير: غزاة كقضاة، وغزى كصوم، ~~وغزاء كصوام، وجمع رابع، وهو جمع سلامة، والجملة كلها في محل نصب ~~بالقول. # قال القرطبي: " والمغزية: المرأة التي غزا زوجها، وأتان مغزية: ~~متأخرة النتاج، ثم تنتج وأغزت الناقة إذا عسر لقاحها، ~~والغزو: قصد الشيء، والمغزى: المقصد، ويقال: - في النسب إلى ~~الغزو: غزوي ". # قال الواحدي: " في الآية محذوف، يدل عليه الكلام، والتقدير: { إذا ~~ضربوا في الأرض } فماتوا { أو كانوا غزى } فقتلوا، { ~~لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا } فقوله: { ما ~~ماتوا وما قتلوا } يدل على قتلهم وموتهم ". # فصل # المراد بالضرب: السفر البعيد، وقوله: " غزى " هم الغزاة ~~الخارجون للجهاد، فكان المنافقون يقولون - إذا رأوا من مات في سفر ~~أو غزو -: إنما ماتوا، أو قتلوا بسبب السفر والغزو، وقصدهم بذلك تنفير ~~الناس. # فإن قيل: لم ذكر الغزو بعد الضرب في الأرض - وهو داخل فيه؟ # فالجواب: أن الضرب في الأرض يراد به السفر البعيد، لا القريب، إذ ~~الخارج من المدينة إلى جبل أحد لا يوصف بأنه ضارب في الأرض، وفي الغزو ~~لا فرق بينه وبين قريبه وبعيده، فلذلك أورد الغزو عن الضرب في الأرض. # قوله: { ليجعل الله } في هذه اللام قولان: # قيل: إنها لام " كي ". # وقيل: إنها لام العاقبة والصيرورة، فعلى القول الأول في تعلق هذه ~~اللام وجهان: # فقيل: التقدير: أوقع ذلك - أي: القول، أو المعتقد - ليجعله حسرة، أو ~~ندمهم، كذا قدره أبو البقاء وأجاز الزمخشري أن تتعلق بجملة النفي، ~~وذلك على معنيين ms2250 - باعتبار ما يراد باسم الإشارة. # أما الاعتبار الأول، فإنه قال: " يعني لا تكونوا مثلهم في النطق بذلك ~~القول واعتقاده، ليجعله الله حسرة في قلوبكم خاصة، ويصون منها ~~قلوبكم " ، فجعل ذلك إشارة إلى القول والاعتقاد. # وأما الاعتبار الثاني فإنه قال: " ويجوز أن يكون ذلك إشارة إلى ما دل ~~عليه النهي، أي: لا تكونوا مثلهم؛ ليجعل الله انتفاء كونكم ~~مثلهم حسرة في قلوبهم؛ لأن مخالفتهم فيما يقولون ويعتقدون مما يغمهم ~~ويغيظهم ". # ورد عليه أبو حيان المعنى الأول بالمعنى الثاني الذي ذكره هو، فقال - ~~بعد ما حكى عنه المعنى الأول -: " وهو كلام شيخ لا تحقيق فيه؛ لأن جعل ~~الحسرة لا يكون سببا للنهي، إنما يكون سببا لحصول امتثال النهي، وهو ~~انتفاء المماثلة، فحصول ذلك الانتفاء والمخالفة فيما يقولون ويعتقدون، ~~يحصل عنه ما يغيظهم ويغمهم، إذ لم توافقهم فيما قالوه واعتقدوه، فلا ~~تضربوا في الأرض ولا تغزو، فالتبس على الزمخشري استدعاء انتفاء ~~المماثلة لحصول الانتفاء، وفهم هذا فيه خفاء ودقة ". # قال شهاب الدين: ولا أدري ما وجه تفنيد كلام أبي القاسم، وكيف رد عليه ~~على زعمه بكلامه؟ # وقال أبو حيان - أيضا -: " وقال ابن عيسى وغيره، اللام ~~متعلقة بالكون، أي: لا تكونوا كهؤلاء، ليجعل الله ذلك حسرة في ~~قلوبهم دونكم، ومنه أخذ الزمخشري قوله، لكن ابن عيسى نص على ما ~~تتعلق به اللام، وذاك لم ينص، وقد بينا فساد هذا القول ". # وقوله: وذاك لم ينص، بل قد نص، فإنه قال: فإن قلت: ما متعلق { ~~ليجعل }؟ قلت: { قالوا } أو { لا تكونوا }. وأي نص ~~أظهر من هذا؟ ولا يجوز تعلق اللام - ومعناها التعليل - ب { قالوا } ~~لفساد المعنى؛ لأنهم لم يقولوه لذلك، بل لتثبيط المؤمنين عن الجهاد. # وعلى القول الثاني - أعني: كونها للعاقبة تتعلق ب { قالوا } ~~والمعنى: أنهم قالوا ذلك لغرض من أغراضهم، فكان عاقبة قولهم، ومصيره إلى ~~الحسرة، والندامة، كقوله تعالى: # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا # [القصص: 8] وهم لم يلتقطوه لذلك، ولكن كان مآله لذلك. ولكن كونها ~~للصيرورة لم يعرفه أكثر النحويين، وإنما هو شيء ms2251 ينسبونه للأخفش، وما ورد ~~من ذلك يؤولونه على العكس من الكلام، نحو: # فبشرهم # [آل عمران: 21] وهذا رأي الزمخشري؛ فإنه شبه هذه اللام باللام في # ليكون لهم عدوا وحزنا # [القصص: 8] ومذهبه في تلك أنها للعلة - بالتأويل المذكور والجعل - ~~هنا - بمعنى التصيير. # فصل # اختلفوا في المشار إليه ب " ذلك ": فعن الزجاج هو الظن، ظنوا ~~أنهم لو لم يحضروا لم يقتلوا. # وقال الزمخشري ما معناه: الإشارة إلى النطق والاعتقاد بالقول. # وقريب منه قول ابن عطية: " الإشارة بذلك إلى هذا المعتقد الذي لهم ". # وقال ابن عطية - أيضا -: " ويحتمل عندي - أن تكون الإشارة إلى ~~النهي والانتهاء معا، فتأمله ". # وقيل: هو المصدر المفهوم من { قالوا } ، و { حسرة } مفعول ثان، ~~و { في قلوبهم } يجوز أن يتعلق بالجعل - وهو أبلغ - أو بمحذوف ~~على أنه صفة للنكرة قبله. # فصل # ذكروا - في بيان كون ذلك القول حسرة في قلوبهم - وجوها: # الأول: أن أقارب ذلك المقتول إذا سمعوا هذا الكلام ازدادت الحسرة في ~~قلوبهم؛ لأن أحدهم يعتقد أنه لو بالغ في منعه عن ذلك السفر، او الغزو، ~~لبقي، فذلك الشخص إنما مات، أو قتل بسبب أن هذا الإنسان قصر في ~~منعه، فيعتقد السامع لهذا الكلام أنه هو الذي تسبب في موت ذلك الشخص ~~العزيز عليه، أو قتله، ومتى اعتقد في نفسه ذلك، فلا شك أنه يزداد حسرته ~~وتلهفه، أما المسلم المعتقد أن الحياة والموت بتقدير الله وقضائه، ~~لم يحصل في قلبه شيء من هذا النوع من الحسرة ألبتة. # الثاني: أن المنافقين إذا ألقوا هذه الشبهة إلى إخوانهم، تثبطوا، ~~وتخلفوا عن الجهاد، فإذا اشتغل المسلمون بالجهاد، ووصلوا بسببه إلى ~~الغنائم العظيمة، والاستيلاء على الأعداء، والفوز بالأماني، بقي المتخلف ~~عن ذلك في الحسد، والحسرة. # الثالث: أن هذه الحسرة، إنما تحصل يوم القيامة في قلوب المنافقين، ~~إذا رأوا تخصيص الله للمجاهدين بمزيد من الكرامات وعلو الدرجات، ~~وتخصيص هؤلاء المنافقين بمزيد الخزي واللعن والعقاب. # الرابع: أن المنافقين إذا أوردوا هذه الشبهة على ضعفة المسلمين، ~~ووجدوا منهم قبولا لها، فرحوا بذلك؛ لرواج كيدهم، ومكرهم على ~~الضعفة، ms2252 فالله - تعالى - يقول: إنه يصير ذلك حسرة في قلوبهم إذا ~~علموا أنهم كانوا على الباطل. # الخامس: أن اجتهادهم في تكثير الشبهات، وإلقاء الضلالات يعمي ~~قلوبهم، فيقعون عند ذلك في الحسرة، والخيبة، وضيق الصدر، وهو المراد ~~بقوله تعالى: # ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا # [الأنعام: 125]. # السادس: أنهم إذا ألقوا هذه الشبهة على الأقوياء، لم يلتفتوا إليهم، ~~فيضيع سعيهم ويبطل كيدهم، فتحصل الحسرة في قلوبهم. # قوله: { والله يحيي ويميت } فيه وجهان: # الأول: أن المقصود منه بيان الجواب عن شبهة المنافقين، وتقريره: إن ~~المحيي والمميت هو الله تعالى، ولا تأثير لشيء آخر في الحياة ~~والموت، وأن علم الله لا يتغير، وأن حكمه لا ينقلب، وأن قضاءه لا ~~يتبدل، فكيف ينفع الجلوس في البيت من الموت؟ # فإن قيل: أن كان القول بأن قضاء الله لا يتبدل يمنع من كون ~~الجد والاجتهاد مفيدا في الحذر عن القتل والموت، فكذا القول بأن ~~قضاء الله يتبدل، وجب أن يمنع من كون العمل مفيدا في الاحتراز عن ~~عقاب الآخرة، وهذا يمنع من لزوم التكليف. # والمقصود من الآيات تقرير الأمر بالجهاد والتكليف، وإذا كان كذلك، كان ~~هذا الكلام يفضي ثبوته إلى نفيه. # فالجواب: أن حسن التكليف - عندنا - غير معلل بعلة ورعاية ~~[مصلحة]، بل الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. # الثاني: أن [المقصود] بقوله: { والله يحيي ويميت } أنه ~~يحيي قلوب أوليائه وأهل طاعته بالنور والفرقان، ويميت قلوب أعدائه ~~من المنافقين بالضلال. # قوله: { والله بما تعملون بصير } قرأ ابن كثير وحمزة ~~والكسائي " يعملون " بالغيبة؛ ردا على { الذين كفروا } ~~والباقون بالخطاب؛ ردا على قوله: و { لا تكونوا } وهو خطاب ~~للمؤمنين. # فإن قيل: الصادر منهم كان قولا مسموعا، لا فعلا مرئيا، فلم ~~علقه بالبصر دون السمع؟ # فالجواب: قال الراغب: لما كان ذلك القول من الكفار قصدا منهم إلى عمل ~~يحاولونه، خص البصر بذلك، كقولك - لمن يقول شيئا، وهو يقصد فعلا يحاوله ~~-: أنا أرى ما تفعله. # قوله: { ولئن قتلتم } اللام هي الموطئة لقسم محذوف، وجوابه ~~قوله: { لمغفرة من الله ورحمة خير ms2253 مما ~~يجمعون } وحذف جواب الشرط؛ لسد جواب القسم مسده؛ لكونه دالا ~~عليه وهذا ما عناه الزمخشري بقوله: وهو ساد مسد جواب الشرط. ولا يعني ~~بذلك أنه من غير حذف. # قوله: { أو متم } قرأ نافع وحمزة والكسائي " متم " - بكسر ~~الميم - والباقون بضمها، فالضم من مات يموت مت - مثل: ~~قال يقول قلت، ومن كسر، فهو من مات يمات مت، مثل: هاب ~~يهاب هبت، وخاف يخاف خفت. روى المبرد هذه اللغة. # قال شهاب الدين: وهو الصحيح من قول أهل العربية، والأصل: موت - ~~بكسر العين - كخوف، فجاء مضارعه على يفعل - بفتح العين -. # قال الشاعر: [الرجز] # 1675- بنيتي يا أسعد البنات # عيشي، ولا نأمن أن تماتي # فجاء بمضارعه على يفعل - بالفتح - فعلى هذه اللغة يلزم أن يقال في ~~الماضي المسند إلى التاء، أو إحدى أخواتها: مت -بالكسر ليس إلا- وهو ~~أنا نقلنا حركة الواو غلى الفاء بعد سلب حركتها، دلالة على بنية الكلمة ~~في الأصل، هذا أولى من قول من يقول: إن مت - بالكسر - مأخوذة من لغة ~~من يقول يموت - بالضم في المضارع - وجعلوا ذلك شاذا في القياس كثيرا في ~~الاستعمال، كالمازني وأبي علي الفارسي - ونقله بعضهم عن سيبويه ~~صريحا، وإذا ثبت ذلك لغة، فلا معنى إلى ادعاء الشذوذ فيه. # قوله: { لمغفرة } اللام لام الابتداء، وهي ما بعدها جواب القسم ~~- كما تقدم - وفيها وجهان: # الأول - وهو الأظهر -: أنها مرفوعة بالابتداء، والمسوغات - هنا - ~~كثيرة: لام الابتداء، والعطف عليها في قوله: { ورحمة } ووصفها، فإن ~~قوله { من الله } صفة لها، ويتعلق - حينئذ - و " خير " خبر عنها. # والثاني: أن تكون مرفوعة على خبر ابتداء مضمر - إذا أريد ~~بالمغفرة والرحمة القتل، أو الموت في سبيل الله؛ لأنهما مقترنان بالموت ~~في سبيل الله - فيكون التقدير: فذلك، أي: الموت أو القتل في سبيل الله - ~~مغفرة ورحمة خير، ويكون " خير " صفة لا خبرا، وإلى هذا نحا ابن عطية؛ ~~فإنه قال: وتحتمل الآية أن يكون قوله: { لمغفرة } إشارة إلى الموت، ~~أو القتل في سبيل الله، فسمى ذلك مغفرة ورحمة؛ إذ هما مقترنان به، ويجيء ~~التقدير: لذلك ms2254 مغفرة ورحمة، وترتفع المغفرة على خبر الابتداء المقدر، ~~وقوله: " خير " صفة لا خبر ابتداء انتهى، والأول أظهر. و " خير " - هنا - ~~على بابها من كونها للتفضيل وعن ابن عباس: خير من طلاع الأرض ذهبة ~~حمراء. # قال ابن الخطيب: " والأصوب - عندي - أن يقال: إن هذه اللام في " ~~المغفرة " للتأكيد، فيكون المعنى: إن وجب أن تموتوا، أو تقتلوا، في ~~سفركم أو غزوكم، فكذلك وجب أن تفوزوا بالمغفرة - أيضا - فلماذا ~~تحترزون عنه؟ كأنه قيل: إن الموت والقتل غير لازم الحصول، ثم ~~بتقدير أن يكون لازما، فإنه يستعقب لزوم المغفرة، فكيف يليق بالعاقل أن ~~يحترز عنه "؟ # قوله: { ورحمة } أي: ورحمة من الله، فحذف صفتها لدلالة الأولى ~~عليها، ولا بد من حذف آخر، مصحح للمعنى، وتقديره: لمغفرة لكم من ~~الله، ورحمة منه لكم. # فإن قيل: المغفرة هي الرحمة، فلم كررها، ونكرها؟ # فالجواب: أما التنكير فإن ذلك إيذان بأن أدنى خير أقل شيء خير من ~~الدنيا وما فيها، وهو المراد بقوله: " مما تجمعون " ونظيره قوله تعالى: # ورضوان من الله أكبر # [التوبة: 72] والتنكير قد يشعر بالتقليل، وأما التكرير فلا نسلمه؛ لأن ~~المغفرة مرتبة على الرحمة، فيرحم، ثم يغفر. # قوله: " مما يجمعون " " ما " موصولة اسمية، والعائد محذوف، ويجوز أن ~~تكون مصدرية. # وعلى هذا فالمفعول به محذوف، أي: من جمعكم المال ونحو. # وقراءة الجماعة " تجمعون " - بالخطاب - جريا على قوله: " ولئن قتلتم " ~~وحفص - بالغيبة - إما على الرجوع على الكفار المتقدمين، وإما على ~~الالتفات من خطاب المؤمنين. # فإن قيل: ههنا ثلاثة مواضع، تقدم الموت على القتل في الأول والأخير، ~~وقدم القتل على الموت في المتوسط فما الحكمة في ذلك؟ # فالجواب: ان الأول لمناسبة ما قبله، من قوله: { إذا ضربوا في ~~الأرض أو كانوا غزى } فرجع الموت لمن ضرب في الأرض، والقتل ~~لمن غزا، وأما الثاني فلأنه محل تحريض على الجهاد، فقدم الأهم ~~الأشرف، وأما الأخير فلأن الموت أغلب. # فإن قيل: كيف تكون المغفرة موصوفة بأنها خير مما يجمعون ولا خير فيما ~~يجمعونه أصلا. # فالجواب: أن الذي يجمعونه في الدنيا قد يكون من ms2255 الحلال الذي ~~يعد خيرا، وأيضا هذا وارد على حسب قولهم ومعتقدهم أن تلك ~~الأموال خيرات. # فقيل: المغفرة خير من هذه الأشياء التي تظنونها خيرات. # قوله: { ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون } ~~هذا الترتيب في غاية الحسن؛ فإنه قال في الآية الأولى: { لمغفرة ~~من الله } وهذه إشارة إلى من عبده خوفا من عقابه، ثم قال: { ~~ورحمة } وهو إشارة إلى من عبده لطلب ثوابه، ثم ختمها بقوله: { ~~لإلى الله تحشرون } وهو إشارة إلى من عبده لمجرد لمجرد ~~العبودية والربوبية، وهذا أعلى المقامات، يروى أن عيسى -عليه ~~السلام - مر بأقوام نحفت أبدانهم، واصفرت ~~وجوههم، ورأى عليهم آثار العبادة، فقال: ماذا تطلبون؟ فقالوا: ~~نخشى عذاب الله، فقال: هو أكرم من لا يخلصكم من عذابه. ثم مر ~~بأقوام آخرين، فرأى عليهم تلك الآثار، فسألهم، ماذا تطلبون؟ ~~فقالوا: نطلب الجنة والرحمة، فقال: هو أكرم من أن يمنعكم رحمته. ~~ثم مر بقوم، فرأى آثار العبودية عليهم أكثر، فسألهم: فقالوا: نعبده ~~لأنه إلهنا، ونحن عبيده، لا لرغبة ولا لرهبة، فقال: أنتم العبيد ~~المخلصون، والمتعبدون المحقون. # قوله: { لإلى الله } اللام جواب القسم، فهي داخلة على { تحشرون } ~~و { وإلى الله } متعلق به، وإنما قدم للاختصاص، أي: إلى الله - ~~لا إلى غيره - يكون حشركم، أو للاهتمام به، وحسنه كونه فاصلة، ولولا ~~الفصل لوجب توكيد الفعل بالنون؛ لأن المضارع المثبت إذا كان مستقبلا وجب ~~توكيده [بالنون]، مع اللام، خلافا للكوفيين؛ حيث يجيزون التعاقب ~~بينهما. # كقول الشاعر: [الكامل] # 1676- وقتيل مرة أثأرن... # ............................. # فجاء بالنون دون اللام. # وقول الآخر: [الطويل] # 1677- لئن يك قد ضاقت عليكم بيوتكم # ليعلم ربي أن بيتي واسع # فجاء باللام دون النون، والبصريون يجعلونه ضرورة. # فإن فصل بين اللام بالمعمول - كهذه الآية - أو بقد، نحو: والله لقد ~~أقوم. # وقوله: [الطويل] # 1678- كذبت لقد أصبي على المرء عرسه # ............................... # أو بحرف التنفيس، كقوله تعالى: # ولسوف يعطيك ربك فترضى # [الضحى: 5] فلا يجوز توكيده - حينئذ - بالنون، قال الفارسي: " الأصل ~~دخول النون، فرقا بين لام اليمين، ولام الابتداء، ولام الابتداء ~~لا تدخل على الفضلات، فبدخول لام اليمين ms2256 على الفضلة حصل الفرق، فلم ~~يحتج إلى النون وبدخولها على " سوف " حصل الفرق - أيضا - فلا حاجة ~~إلى النون ولام الابتداء لا تدخل على الفعل إلا إذا كان حالا، أما ~~مستقبلا فلا ". # وأتى بالفعل مبنيا لما لم يسم فاعله - مع أن فاعل الحشر هو الله - ~~وإنما لم يصرح به، تعظيما. ### || [3.159] # في " ما " وجهان: أحدهما: أنها زائدة للتوكيد، والدلالة على أن لينه ~~لهم ما كان إلا برحمة من الله، نظيره قوله: # فبما نقضهم ميثاقهم # [المائدة: 13] وقوله: # عما قليل # [المؤمنون: 40] وقوله: # جند ما هنالك # [ص: 11] وقوله: # مما خطيئاتهم أغرقوا # [نوح: 25]. والعرب قد تريد في الكلام - للتأكيد - ما يستغنى عنه، قال ~~تعالى: # فلمآ أن جآء البشير ألقاه على وجهه # [يوسف: 96] فزاد " أن " للتأكيد. # وقال المحققون: دخول اللفظ المهمل الوضع في كلام أحكم الحاكمين - غير ~~جائز، بل تكون غير مزيدة، وإنما هي نكرة، وفيها وجهان: # الأول: أنها موصوفة ب " رحمة " أي: فبشيء رحمة. # الثاني: أنها غير موصوفة، و " رحمة " بدل منها، نقله مكي عن ابن ~~كيسان. # ونقل أبو البقاء عن الأخفش وغيره: أنها نكرة موصوفة، " رحمة " بدل ~~منها، كأنه أبهم، ثم بين بالإبدال. # وقال ابن الخطيب: " يجوز أن تكون " ما " استفهاما للتعجب، تقديره: ~~فبأي رحمة من الله لنت لهم، وذلك؛ لأن جنايتهم لما كانت ~~عظيمة - ثم إنه ما أظهر - ألبتة - تغليظا في القول، ولا خشونة في الكلام ~~- علموا أن هذا لا يتأتى إلا بتأييد رباني وتسديد إلهي فكان ذلك ~~موضع التعجب ". # ورد عليه أبو حيان بأنه لا يخلو إما أن يجعل " ما " مضافة إلى " ~~رحمة " - وهو ظاهر تقديره - فيلزم إضافة " ما " الاستفهامية، وقد ~~نصوا على أنه لا يضاف من أسماء الاستفهام إلا " أي " اتفاقا و " كم " ~~عند الزجاج - وإما أن لا يجعلها مضافة، فتكون " رحمة " بدلا ~~منها، وحينئذ يلزم إعادة حرف الاستفهام في البدل - كما قرره النحويون. ~~ثم قال: " وهذا الرجل لحظ المعنى، ولم يلتفت إلى ما تقرر في علم النحو ~~من أحكام الألفاظ، وكان يغنيه عن هذا الارتباك، والتسلق إلى ما لا يحسنه ms2257 ~~والتصور عليه قول الزجاج - في " ما " هذه: إنها صلة، فيها معنى ~~التأكيد بإجماع النحويين. # وليس لقائل أن يقول: له أن يجعلها غير مضافة، ولا يجعل " رحمة " ~~بدلا - حتى يلزم إعادة حرف الاستفهام - بل يجعلها صفة، لأن " ما " ~~الاستفهامية لا توصف وكأن من يدعي فيها أنها غير مزيدة يفر من هذه ~~العبارة في كلام الله تعالى، وإليه ذهب أبو بكر الزبيدي، فكان لا ~~يجوز أن يقال - في القرآن -: هذا زائد أصلا. # وهذا فيه نظر؛ لأن القائلين يكون هذا زائدا لا يعنون أنه يجوز ~~سقوطه، ولا أنه مهمل لا معنى له بل يقولون: زائد للتوكيد، فله أسوة ~~بشائر ألفاظ التوكيد الواقعة في القرآن. # و " ما " كما تزاد بين الباء ومجرورها، تزاد أيضا بين " من " و " عن ~~" والكاف ومجرورها. # قال مكي: " ويجوز رفع " رحمة " على أن تجعل " ما " بمعنى الذي، وتضمر ~~" هو " في الصلة وتحذفها، كما قرئ: # تماما على الذي أحسن # [الأنعام: 154]. فقوله: ويجوز يعني من حيث الصناعة، وأما كونها قراءة، ~~فلا نحفظها. # فصل # اللين: الرفق. ومعنى الكلام. فبرحمة من الله لنت لهم، أي: سهلت لهم ~~أخلاقك، وكثر احتمالك، ولم تسرع إليهم فيما كان منهم يوم أحد. واحتجوا ~~- بهذه الآية - على مسألة القضاء والقدر، لأن الله بين أن حسن الخلق ~~إنما كان بسبب رحمة الله تعالى. # قوله: { ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من ~~حولك } الفظاظة: الجفوة في المعاشرة قولا وفعلا، قال الشاعر: ~~[البسيط] # 1679- أخشى فظاظة عم، أو جفاء أخ # وكنت أخشى عليها من أذى الكلم # والغلظ: كبر الأجرام، ثم تجوز به في عدم الشفقة، وكثرة القسوة في ~~القلب. # قال الشاعر: [البسيط] # 1680- يبكى علينا ولا نبكي على أحد # ونحن أغلظ أكبادا من الإبل # وقال الراغب: الفظ: هو الكريه الخلق، وقال الواحدي: الفظ: ~~الغليظ الجانب، السيىء الخلق وهو مستعار من الفظ، وهو ماء ~~الكرش، وهو مكروه شربه إلا في ضرورة. # وقال الراغب: الغلظ: ضد الرقة، ويقال: غلظ بالكسر والضم وعن ~~الغلظة تنشأ الفظاظة. # فإن قيل: إذا كانت الفظاظة تنشأ عن الغلظة، فلم قدمت عليها؟ ms2258 # فالجواب: قدم ما هو ظاهر للحس على ما خاف في القلب؛ لأن الفظاظة: ~~الجفوة في العشرة قولا وفعلا - كما تقدم - والغلظة: قساوة القلب، ~~وهذا أحسن من قول من جعلهما بمعنى، وجمع بينهما تأكيدا. وأما الانفضاض ~~والغض فهو تفرق الأجزاء وانتشارها. ومنه فض ختم الكتاب، ثم استعير ~~منه انفضاض الناس، قال تعالى: # وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها # [الجمعة: 11] ومنه يقال: لا يفضض الله فاك. # فصل في معنى الآية # ومعنى الكلام: لو كنت جافيا، سيىء الخلق، قليل الاحتمال. # وقال الكلبي: فظا في القول، غليظ القلب في الفعل، لانفضوا من حولك ~~تفرقوا عنك وذلك أن المقصود من البعثة أن يبلغ الرسول تكاليف ~~الله تعالى إلى الخلق، وذلك لا يتم إلا بميل قلوبهم إليه، وسكون ~~نفوسهم لديه، وهذا المقصود لا يتم إلا إذا كان رحيما بهم، كريما، ~~يتجاوز عن ذنوبهم، ويعفو عن سيئاتهم، ويخصهم بالبر والشفقة، فلهذه ~~الأسباب وجب أن يكون الرسول مبرءا عن سوء الخلق، وغلظة القلب، ~~ويكون كثير الميل إلى إعانة الضعفاء، وكثير القيام بإعانة الفقراء. # وحمل القفال هذه الاية على واقعة أحد، فقال: { فبما رحمة ~~من الله لنت لهم } يوم أحد، حين عادوا إليك يعد الانهزام { ~~ولو كنت فظا غليظ القلب } فشافهتهم بالملامة على ~~ذلك الانهزام { لانفضوا من حولك } هيبة منك وحياء، بسبب ما ~~كان منهم من الانهزام، فكان ذلك مما يطمع العدو فيك وفيهم. # قوله: { فاعف عنهم } جاء على أحسن النسق، وذلك أنه - أولا - ~~أمر بالعفو عنهم فيما يتعلق بخاصة نفسه، فإذا انتهوا إلى هذا ~~المقام أمر أن يستغفر لهم ما بينهم وبين الله تعالى، لتنزاح عنهم ~~التبعات، فلما صاروا إلى هنا أمر بأن يشاورهم في الأمر إذا صاروا ~~خالصين من التبعتين، مصفين منهما. # والأمر هنا - وإن كان عاما - المراد به الخصوص. قال أبو البقاء: الأمر ~~- هنا - جنس، وهو عام يراد به الخاص؛ لأنه لم يؤمر بمشاورتهم في ~~الفرائض، ولذلك قرأ ابن عباس: في بعض الأمر وهذا تفسير لا تلاوة. # فصل # ظاهر الأمر الوجوب، و " الفاء " في قوله: ms2259 { فاعف عنهم } تدل على ~~التعقيب، وهذا يدل على أنه - تعالى - أوجب عليه صلى الله عليه وسلم أن ~~يعفو عنهم في الحال، ولما آل الأمر إلى الأمة لم يوجبه عليهم، بل ندبهم ~~إليه، فقال: # والعافين عن الناس والله يحب المحسنين # [آل عمران: 134] وقوله: { واستغفر لهم } يدل على دلالة قوية ~~على أنه - تعالى - يعفو عن أصحاب الكبائر، لأن الانهزام في وقت المحاربة ~~كبيرة، لقوله تعالى: # ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال ~~أو متحيزا إلى فئة فقد بآء بغضب من الله ~~ومأواه جهنم وبئس المصير # [الأنفال: 16] وقوله صلى الله عليه وسلم حين عد الكبائر-: # " والتولي يوم الزحف " # وإذا ثبت أنه كبيرة، فالله تعالى - حض - في هذه الآية - على العفو ~~عنهم، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستفغار لهم، وإذا أمره ~~بالاستغفار لهم لا يجوز أن لا يجيبه إليه؛ لأن ذلك لا يليق بالكريم، وإذا ~~دلت الآية على أنه - تعالى - شفع محمدا في أصحاب الكبائر في الدنيا فلأن ~~يشفعه يوم القيامة كان أولى. # قوله: { وشاورهم في الأمر } يقال شاورهم مشاورة وشوارا ~~ومشورة، والقوم شورى، وهي مصدر، سمي القوم بها، كقوله: # وإذ هم نجوى # [الإسراء: 47] قيل: المشاورة: مأخوذة من قولهم: شرت العسل، أشوره: ~~إذا أخذته من موضعه واستخرجته. # وقيل: مأخوذة من قولهم: شرت الدابة، شورا - إذا عرضتها والمكان الذي ~~يعرض فيه الدواب يسمى مشوارا، كأنه بالعرض - يعلم خيره وشره، فكذلك ~~بالمشاورة يعلم خير الأمور وشرها. # الفائدة في أمر الله لرسوله بالمشاورة من وجوه: # الأول: أن مشاورة الرسول صلى الله عليه وسلم إياهم توجب علو شأنهم، ~~ورفعة درجتهم، وذلك يقتضي شدة محبتهم له، فلو لم يفعل ذلك لكان ذلك إهانة ~~بهم، فيحصل سوء الخلق والفظاظة. # الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم وإن كان أكمل الناس عقلا، إلا أن ~~[عقول] الخلق غير متناهية، فقد يخطر ببال إنسان من وجوه المصالح - ما لا ~~يخطر ببال آخر، لا سيما فيما يتعلق بأمور الدنيا، قال: " أنتم أعرف ~~بأمور دنياكم " ولهذا السبب قال: # " ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد ms2260 أمورهم ". # الثالث: قال الحسن وسفيان بن عيينة إنما أمر بذلك ليقتدي به غيره في ~~المشاورة ويصير ذلك سنة في أمته. # الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم شاورهم في واقعة أحد، فأشاروا ~~عليه بالخروج، وكان ميله إلى ألا يخرج، فلما خرج وقع ما وقع، فلو ترك ~~مشاورتهم بعد ذلك لكان ذلك يدل على أنه بقي في قلبه منهم - بسبب مشاورتهم ~~- بقية أثر، فأمره الله - تعالى - بمشاورتهم بعد تلك الواقعة، ليدل على ~~أنه لم يبق في قلبه أثر من تلك الواقعة. # الخامس: أنه صلى الله عليه وسلم أمر بمشاورتهم، لا ليستفيد منهم رأيا ~~وعلما، بل ليعلم مقادير عقولهم، ومحبتهم له. # وقيل: أمر بالمشاورة [ليعلم] مقدار عقولهم وعلمهم، فينزلهم منازلهم على ~~قدر عقولهم وعلمهم. وذكروا - أيضا - وجوها أخر، وهذا كاف. # فصل # اتفقوا على أن كل ما نزل فيه وحي من عند الله لم يجز للرسول صلى ~~الله عليه وسلم أن يشاور الأمة فيه، لأن النص إذا جاء بطل الرأي ~~والقياس، أما ما لا نص فيه، فهل يجوز المشاورة فيه في جميع الأشياء، ~~أم لا؟ قال الكلبي وأكثر العلماء: الأمر بالمشاورة إنما هو في الحروب، ~~قالوا: لأن الألف واللام - في لفظ " الأمر " ليسا للاستغراق؛ لما بينا ~~أن الذي نزل فيه الوحي لا تجوز المشاورة فيه، فوجب حمل الألف واللام - ~~هنا - على المعهود السابق، والمعهود السابق في هذه الآية ما يتعلق ~~بالحرب ولقاء العدو، فكان قوله: { وشاورهم في الأمر } مختصا ~~بذلك وقد أشار الحباب بن المنذر يوم أحد - على النبي بالنزول على ~~الماء، فقبل منه. وأشار عليه السعدان - سعد بن معاذ وسعد بن عبادة - ~~يوم الخندق بترك مصالحة غطفان على بعض ثمار المدينة لينصرفوا، فقبل ~~منهما، وخرق الصحيفة. # وقال بعضهم: اللفظ عام، خص منه ما نزل فيه وحي، فتبقى حجته في الباقي. # قال بعضهم: هذه الآية تدل على أن القياس حجة. # فصل # روى الواحدي في " البسيط " عن عمرو بن دينار عن ابن عباس أنه قال: ~~الذي أمر النبي بمشاورته في هذه الآية أبو بكر ms2261 وعمر - رضي الله عنهما - ~~واستشكلته ابن الخطيب، قال: " وعندي فيه إشكال؛ لأن الذين أمر الله ~~رسوله بمشاورتهم في هذه الآية هم الذين أمره بأن يعفو عنهم ويستغفر لهم ~~- وهم المنهزمون - فهب أن عمر كان من المنهزمين فدخل تحت الآية إلا ~~أن أبا بكر ما كان منهم، فكيف يدخل تحت هذه الآية؟ ". # قوله: { فإذا عزمت } الجمهور على فتح التاء؛ خطابا له صلى ~~الله عليه وسلم وقرأ عكرمة وجعفر الصادق - ورويت عن جابر بن زيد - ~~بضمها. على أنها لله تعالى، على معنى: فإذا أرشدتك إليه، وجعلتك ~~تقصده. # وجاء قوله: { على الله } من الالتفات؛ إذ لو جاء على نسق هذا ~~الكلام لقيل: فتوكل علي. # فقد نسب العزم إليه تعالى في قول أم سلمة: " ثم عزم الله لي " وذلك ~~على سبيل المجاز. # فصل # معنى الكلام: فإذا عزمت على الله لا على مشاورتهم، أي: قم بأمر ~~الله، وثق به، { إن الله يحب المتوكلين } وهذا جار ~~مجرى العلة الباعثة على التوكل عند الأخذ في كل الأمور، وهذه الآية ~~تدل على أنه ليس التوكل أن يهمل نفسه - كقول بعض الجهال - وإلا ~~لكان الأمر بالمشاورة منافيا [للأمر بالتوكل]، بل التوكل هو أن يراعي ~~الإنسان الأسباب الظاهرة، ولكن لا يعول بقلبه عليها، بل يعول على ~~عصمة الحق. # فصل # التوكل: الاعتماد على الله تعالى مع إظهار العجز، والاسم: التكلان، ~~يقال منه: اتكلت عليه في أمري وأصله، اوتكلت، قلبت الواو ياء، ~~لانكسار ما قبلها، ثم أبدلت منها التاء، وأدغمت في تاء الافتعال، ~~ويقال: وكلته بأمري توكيلا، والاسم: الوكالة - بكسر الواو وفتحها -. ### || [3.160] # قوله: { إن ينصركم الله فلا غالب لكم } شرط وجوابه، ~~وكذلك قوله: { وإن يخذلكم فمن ذا الذي } وهذا التفات من ~~الغيبة إلى الخطاب - كذا قاله أبو حيان. يعني من الغيبة في قوله: { لنت ~~لهم } وقوله: { لانفضوا من حولك } وقوله: { فاعف ~~عنهم واستغفر لهم وشاورهم } قال شهاب الدين: وفيه ~~نظر. وجاء قوله: { فلا غالب لكم } جوابا للشرط، وهو نفي ~~صريح، وقوله: { فمن ذا الذي } - وهو متضمن للنفي - جواب للشرط ~~الثاني، تلطفا ms2262 بالمؤمنين، حيث صرح لهم بعدم الغلبة في الأول، ولم يصرح ~~لهم بأنه لا ناصر لهم في الثاني بل أتى به في صورة الاستفهام - وإن كان ~~معناه نفيا. # وقوله: { فمن ذا الذي } قد تقدم مثله في البقرة. # والهاء - في قوله: { من بعده } - فيها وجهان: # أحدهما - وهو الأظهر -: أنها تعود على " الله " تعالى، وفيه ~~احتمالان: # الأول: أن يكون ذلك على حذف مضاف، أي: من بعد خذلانه. # الثاني: إنه يحتاج إلى ذلك، ويكون معنى الكلام: إنكم إذا جاوزتموه إلى ~~غيره - وقد خذلكم - فمن يجاوزه إليه وينصركم؟ # ثانيهما: أن يعود على الخذلان المفهوم من الفعلن وهو نظير قوله: # اعدلوا هو أقرب للتقوى # [المائدة: 8]. # قوله: { إن ينصركم الله } يعنكم ويمنعكم من عدوكم { فلا ~~غالب لكم } مثل يوم بدر { وإن يخذلكم } يترككم كما أن ~~بأحد - لم ينصركم أحد. والخذلان: القعود عن النصرة. قراءة الجمهور { ~~يخذلكم } - بفتح الياء - من خذله - ثلاثيا -. # وقرأ عمرو بن عبيد: " يخذلكم " - بضم الياء - من أخذل - رباعيا ~~- والهمزة فيه لجعل الشيء، أي: إن يجعلكم مخذولين، والخذل والخذلان - ~~ضد النصر - وهو ترك من يظن به النصرة، وأصله من خذلت الظبية ولدها ~~- إذا تركته منفردا - ولهذا قيل لها: خاذل ويقال للولد المتروك - أيضا ~~-: خاذل، وهذا النسب، والمعنى: أنها مخذولة. # قال الشاعر: [البسيط] # 1681- بجيد مغزلة أدماء خاذلة # من الظباء تراعي شادنا خرقا # ويقال له - أيضا -: خذول، فعول بمعنى مفعول. # قال الشاعر: [الطويل] # 1682- خذول تراعي ربربا بخميلة # تناول أطراف البرير وترتدي # ومنه يقال: تخاذلت رجلا فلان. # قال الأعشى: [الرمل] # 1683- بين مغلوب كريم جده # وخذول الرجل من غير كسح # ثم قال: { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } فقدم ~~الجار إيذانا بالاختصاص، أي: ليخص المؤمنون ربهم بالتوكل عليه ~~والتفويض له؛ لعلمهم أنه لا ناصر لهم سواه. وهو معنى حسن، ذكره ~~الزمخشري. # فصل # احتجوا - بهذه الآية - على الإيمان لا يحصل إلا بإعانة الله، والكفر لا ~~يحصل إلا بخذلانه؛ لأن الآية دالة على أن الأمر كله لله. ### || [3.161] # { أن يغل } في محل رفع، اسم كان و " لنبي " خبر مقدم، أي: ما ~~كان له ms2263 غلول أو إغلال على حسب القراءتين. # وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، بفتح الياء وضم الغين - من غل - ~~مبنيا للفاعل، ومعناه: أنه لا يصح أن يقع من النبي غلول؛ لتنافيهما، فلا ~~يجوز أن يتوهم ذلك فيه ألبتة. # وقرأ الباقون " يغل " مبنيا للمفعول، وهذه القراءة فيها احتمالان: # أحدهما: أن يكون من " غل " ثلاثيا، والمعنى: ما صح لنبي أن يخونه ~~غيره ويغله، فهو نفي في معنى النهي، أي: لا يغله أحد. # ثانيهما: أن يكون من " أغل " رباعيا، وفيها وجهان: # أحدهما: أن يكون من " أغله " أي: نسبه إلى الغلول، كقولهم: ~~أكذبته - إذا نسبته إلى الكذب - وهذا في المعنى كالذي قبله، أي: نفي في ~~معنى النهي، أي: لا ينسبه أحد إلى الغلول. # قال ابن قتيبة: ولو كان المراد هذا المعنى لقيل: يغلل كما يقال: ~~يفسق، ويخون، ويفجر، والأولى أن يقال: إنه من " أغللته " أي: ~~وجدته غالا، كما يقال: " أبخلته ". # الثاني: أن يكون من " أغله " أي: وجده غالا، كقولهم: أحمدت ~~الرجل وأبخلته، أي: وجدته محمودا وبخيلا. # والظاهر أن قراءة " يغل " بالبناء للفاعل - لا يقدر فيها مفعول ~~محذوف؛ لأن الغرض نفي هذه الصفة عن النبي من غير نظر إلى تعلق بمفعول، ~~كقولك: وهو يعطي ويمنع - تريد إثبات هاتين الصفتين، وقدر له أبو ~~البقاء مفعولا، فقال: تقديره أن يغل المال أو الغنيمة. # واختار أبو عبيدة والفارسي قراءة البناء للفاعل قالا: لأن الفعل الوارد ~~بعد " ما كان لكذا أن يفعل " أكثر ما يجيء منسوبا إلى الفاعل نحو: # وما كان لنفس أن تموت # [آل عمران: 145]، # ما كان الله ليذر # [آل عمران: 179] و # ما كان لنآ أن نشرك بالله # [يوسف: 38] # ما كان ليأخذ أخاه # [يوسف: 76] # وما كان الله ليضل قوما # [التوبة: 115] # وما كان الله ليطلعكم على الغيب # [آل عمران: 179] ويقال: ما كان ليضرب، فوجب إلحاق هذه الآية بالأعم ~~الأغلب ويأكده ما حكى أبو عبيدة عن يونس أنه كان يختار هذه القراءة، ~~وقال: ليس في الكلام ما كان لك أن تقرب - بضم التاء، وأيضا فهذه ~~القرءة اختيار ابن عباس، فقيل له: ms2264 إن ابن مسعود يقرأ: يغل فقال ابن ~~عباس: كان النبي يقصدون قتله فكيف لا ينسبونه إلى الخيانة. # قال شهاب الدين: ورجحها بعضهم بقوله: { ومن يغلل يأت بما ~~غل } فهذا يوافق هذه القراءة. ولا حجة في ذلك؛ لأنها موافقة للأخرى. # و " الغلول " في الأصل تدرع الخيانة وتوسطها و " الغلل " تدرع الشيء ~~وتوسطه، ومنه " الغلل " للماء الجاري بين الشجر. # والغل الحقد؛ لكمونه في الصدر، وتغلغل في كذا إذا دخل فيه وتوسطه، ~~قال: [الوافر] # 1684- تغلغل حيث لم يبلغ سراب # ولا حزن ولم يبلغ سرور # قيل: تغلغل الشيء إذا تخلل بخفية. # قال: [الوافر] # 1685- تغلغل حب مية في فؤادي # والغلالة: الثوب الذي يلبس تحت الثياب، والغلول الذي هو الأخذ في خفية ~~مأخوذة من هذا المعنى. # ومنه: أغل الجازر - إذا سرق، وترك في الإهاب شيئا من اللحم. وفرقت ~~العرب بين الأفعال والمصادر، فقالوا: غل يغل غلولا - بالضم في ~~المصدر والمضارع - إذا خان. وغل يغل غلا - بالكسر فيهما - ~~الحقد قال تعالى: # ونزعنا ما في صدورهم من غل # [الأعراف: 43] أي: حقد. # قال القرطبي: " والغال: أرض مطمئنة، ذات شجر، ومنابت الساج والطلح، ~~يقال لها: غال. والغال: - أيضا: نبت، والجمع: غلان - بالضم ". # فصل # اختلفوا في أسباب النزول: # " فروي أنه صلى الله عليه وسلم غنم في بعض الغزوات، وجمع الغنائم، ~~وتأخرت القسمة؛ لبعض الموانع، وقالوا: ألا تقسم غنائمنا؟ فقال صلى الله ~~عليه وسلم:لو كان لكم مثل أحد ذهبا ما حبست عنكم ~~درهما، أتحسبون أني أغلكم مغنمكم " # فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وقيل: الآية نزلت في أداء الوحي، كان صلى الله يقرأ القرآن، وفيه عيب ~~دينهم وسب آلهتهم، فسألوه أن يترك ذلك، فنزلت. # وروى عكرمة وسعيد بن جبير: أن الآية نزلت في قطيفة حمراء، فقدت يوم بدر، ~~فقال بعض الناس: لعل النبي صلى الله عليه وسلم أخذها، فنزلت الآية. # وروي - من طريق آخر - عن ابن عباس: أن أشراف الناس طمعوا أن يخصهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم من الغنائم بشيء زائد، فنزلت الآية. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم بعث طلائع، فغنموا ms2265 غنائم، فقسمها ولم ~~يقسم للطلائع، فنزلت الآية. # وقال الكلبي ومقاتل: # " نزلت هذه الآية في غنائم أحد، حين ترك الرماة المركز؛ طلبا ~~للغنيمة، وقالوا: نخشى أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم: من أخذ شيئا ~~فهو له، وأن لا يقسم الغنائم - كما لم يقسمها يوم بدر - فتركوا ~~المركز ووقعوا في الغنائم، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ألم أقل ~~لكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري؟ قالوا: تركنا بقية إخواننا ~~وقوفا، فقال صلى الله عليه وسلم: بل ظننتم أن نغل، فلا نقسم " # فنزلت الآية. # وقيل: إن الأقرباء ألحوا عليه يسألونه من المغنم، فأنزل الله ~~تعالى: { وما كان لنبي أن يغل } فيعطي قوما، ويمنع ~~آخرين، بل عليه أن يقسم بينهم بالسوية. # هذه الأقوال موافقة للقراءة الأولى. # وأما ما يوافق القراءة الثانية فروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~وقعت غنائم هوازن في يده يوم حنين، غل رجل بمخيط، فنزلت هذه ~~الآية. # وقال قتادة: ذكر لنا أنها نزلت في طائفة غلت من أصحابه. # قوله: { ومن يغلل } الظاهر أن هذه الجملة الشرطية مستأنفة لا محل ~~لها من الإعراب، وإنما هي للردع عن الإغلال، وزعم أبو البقاء أنها يجوز ~~أن تكون حالا، ويكون التقدير: في حال علم الغال بعقوبة الغلول. # وهذا - وإن كان محتملا - بعيد. # و " ما " موصولة بمعنى الذي، فالعائد محذوف أي: غله، ويدل على ذلك ~~الحديث، أن أحدهم يأتي بالشيء الذي أخذه على رقبته. # ويجوز أن تكون مصدرية، ويكون على حذف مضاف، أي: بإثم غلوله. # فصل # قال أكثر المفسرين: إن هذه الآية على ظاهرها، قالوا: وهو نظير قوله في ~~مانع الزكاة: # يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها ~~جباههم وجنوبهم وظهورهم # [التوبة: 35] ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: # " لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على ~~رقبته بعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة ~~لها ثغاء، فينادي يا محمد، يا محمد، فأقول: لا ~~أملك لك من الله شيئا، قد بلغتك ". # وعن ابن عباس أنه قال: يمثل له ms2266 ذلك الشيء في قعر جهنم، ثم يقال ~~له: أنزل إليه فخذه، فينزل إليه، فإذا انتهى إليه حمله على ظهره، فلا ~~يقبل منه. # قال المحققون: وفائدته أنه إذا جاء يوم القيامة، وعلى رقبته ذلك ~~الغلول ازدادت فضيحته. # وقال أبو مسلم: ليس المقصود من الآية ظاهرها، بل المقصود تشديد ~~الوعيد على سبيل التمثيل، كقوله تعالى: # إنهآ إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في ~~صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله # [لقمان: 16] فإنه ليس المقصود نفس هذا الظاهر، بل المقصود إثبات أن ~~الله لا يغرب عن علمه وعن حفظه مثقال ذرة في الأرض، ولا في ~~السماء، فكذا هنا المقصود تشديد الوعيد، والمعنى: أن الله يحفظ عليه ~~هذا الغلول، ويعزره عليه يوم القيامة ويجازيه؛ لأنه لا تخفى عليه خافية. # وقال الكعبي: المراد أنه يشتهر بذلك مثل اشتهار من يحمل ذلك الشيء. # قال ابن الخطيب: والأول أولى؛ لأنه حمل الكلام على حقيقته. # وقيل: معنى: { يأت بما غل } أي: يشهد عليه يوم القيامة بتلك ~~الخيانة والغلول. # فصل # قال القرطبي: دلت هذه الآية على أن الغلول من الغنيمة كبيرة من ~~الكبائر، ويؤيده ما ورد من قوله صلى الله عليه وسلم: - في مدعم -: # " والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذ يوم ~~خيبر من المغانم ولم تصبها المقاسم - لتشتعل ~~عليه نارا " # فلما سمع الناس ذلك جاء رجل بشراك أو شراكين إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقال: # " شراك أو شراكان من نار " # وامتناعه من الصلاة على من غل دليل على تعظيم الغلول، وتعظيم ~~الذنب فيه، وأنه من الكبائر، وهو من حقوق الآدميين، ولا بد فيه من ~~القصاص بالحسنات والسيئات، ثم صاحبه في المشيئة وقوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " شراك أو شراكان من نار " # مثل قوله: # " أدوا الخياط والمخيط " # وهذا يدل على أن القليل والكثير لا يحل أخذه في الغزو قبل المقاسم، ~~إلا ما أجمعوا عليه من أكل المطاعم في أرض الغزو والاحتطاب والاصطياد. # فصل # قال القرطبي: أجمع العلماء على أنه يجب على الغال أن ms2267 يرد ما غله ~~إلى صاحب المقاسم قبل أن ينصرف الناس - إذا أمكنه - فذلك توبته. ~~واختلفوا فيما يفعل به إذا افترق أهل العسكر ولم يصل إليه، فقال ~~جماعة من أهل العلم: يدفع إلى الإمام خمسه ويتصدق بالباقي - وكذا كل مال ~~لا يعرف صاحبه فإنه يتصدق به - وقال الشافعي: ليس له الصدقة بمال ~~غيره. # فصل # اختلفوا هل يعاقب الغال بإحراق متاعه؟ قال مالك والشافعي وأبو حنيفة ~~وأصحابهم والليث: لا يحرق متاعه. # وقال الشافعي: إن كان عالما بالنهي عوقب. # وقال الأوزاعي: يحرق متاع الغال كله إلا سلاحه وثيابه التي عليه ~~وسرجه، ولا ينزع منه دابته، ولا يحرق الشيء الذي غل، وهذا ~~قول أحمد وإسحاق، وقال الحسن: إلا أن يكون حيوانا أو مصحفا. # فصل # في العقوبة بالمال، قال مالك - في الذمي الذي يبيع الخمر من ~~المسلم - يراق الخمر على المسلم، وينزع الثمن من الذمي؛ ~~عقوبة له؛ لئلا يبيع الخمر بين المسلمين، وقد أراق عمر - رضي الله عنه ~~- لبنا شيب بماء. # فصل # من الغلول هدايا العمال؛ # " لقوله صلى الله عليه وسلم للذي أهدي إليه، وكان بعثه على الصدقة، ~~فأهدي إليه فقال: هذا لكم، وهذا أهدي إلي فقال عليه السلام: ما ~~بال العامل نبعثه، فيجيء، فيقول: هذا لكم، هذا ~~لكم، وهذا أهدي إلي، ألا جلس في بيت أمه وأبيه، ~~فينظر أيهدى إليه أم لا ". # فصل # ومن الغلول - أيضا - حبس الكتب عن أصحابها، وما في معناها. # قال الزهري: إياك وغلول الكتب، فقيل له: وما غلول الكتب؟ قال حبسها ~~عن أصحابها. وقد قيل - في تأويل قوله تعالى: { وما كان لنبي ~~أن يغل } أي: يكتم شيئا من الوحي؛ رغبة، أو رهبة، أو ~~مداهنة. # قوله: { ثم توفى } هذه الجملة معطوفة على الجملة الشرطية، وفيها ~~إعلام أن الغال وغيره من جميع الكاسبين لا بد وأن يجازوا، فيندرج ~~الغال تحت هذا العموم - أيضا - فكأنه ذكر مرتين. # قال الزمخشري: فإن قلت: هلا قيل: ثم يوفى ما كسب؛ ليتصل به؟ # قلت: جيء بعام دخل تحته كل كاسب من الغال وغيره، فاتصل به من حيث ms2268 ~~المعنى، وهو أثبت وأبلغ. # فصل # تمسك المعتزلة بهذا في إثبات كون العبد فاعلا، وفي إثبات وعيد الفساق. # أما الأول: فلأنه - تعالى - أثبت الجزاء على كسبه، فلو كان كسبه خلقا ~~لله لكان الله تعالى يجازيه على ما خلقه فيه. # وأما الثاني: فلأنه - تعالى - قال - في القاتل المتعمد -: # فجزآؤه جهنم خالدا فيها # [النساء: 93] وأثبت في هذه الآية أن كل عامل يصل إليه جزاؤه، فيحصل - ~~من مجموع الآيتين - القطع بوعيد الفساق. # والجواب عن الأول: المعارضة بالعلم، وعن الثاني: أن هذا العموم مخصوص في ~~صورة التوبة فكذلك يجب أن يكون مخصوصا في صورة العفو، للدلائل الدالة ~~على العفو. ثم قال تعالى: { وهم لا يظلمون }. ### || [3.162] # لما قال - في الآية الأولى -: # ثم توفى كل نفس ما كسبت # [آل عمران:161] أتبعه بتفصيل هذه الجملة، فقال: { أفمن اتبع ~~رضوان الله } والكلام [في] مثله قد تقدم من أن الفاء النية بها ~~التقديم على الهمزة، وأن مذهب الزمخشري تقدير فعل بينهما. # قال أبو حيان: وتقديره - في هذا التركيب - متكلف جدا. # والذي يظهر من التقديرات: أجعل لكم تمييزا بين الضال والمهتدي، فمن ~~اتبع رضوان الله واهتدى ليس كمن باء بسخطه؛ وغل؛ لأن الاستفهام - ~~هنا - للنفي. # و " من " - هنا - موصولة بمعنى الذي في محل بالابتداء، والجار ~~والمجرور الخبر، قال أبو البقاء: " ولا يجوز أن يكون شرطا؛ لأن " ~~كمن " لا يصلح أن يكون جوابا ". يعني: لأنه كان يجب اقترانه بالفاء؛ ~~لأن المعنى يأباه. و " بسخط " يجوز أن يتعلق بنفس الفعل، أي: رجع ~~بسخطه، ويجوز أن يكون حالا، فيتعلق بمحذوف، أي رجع مصاحبا لسخطه، أو ~~ملتبسا به، و { من الله } صفته. # والسخط: الغضب الشديد، ويقال: سخط - بفتحتين - وهو مصدر قياسي، ~~ويقال: سخط - بضم السين، وسكون الخاء - وهو غير مقيس. ويقال: هو ~~سخطة الملك - بالتاء - أي في كرهه منه له. # وقرأ عاصم - في إحدى الروايتين عنه - رضوان - بضم الراء - والباقون ~~بكسرها، وهما مصدران، فالضم كالكفران، والكسر كالحسبان. # فصل # { أفمن اتبع } الهمزة فيه للإنكار، والفاء، للعطف على محذوف، ~~والتقدير: أفمن اتقى فاتبع رضوان الله وقوله: ms2269 " باء " أي: رجع، وقد ~~تقدم. # واختلف المفسرون، فقال الكلبي والضحاك: { أفمن اتبع ~~رضوان الله } في ترك الغلول { كمن بآء بسخط من الله ~~} في فعل الغلول؟. # وقيل: { أفمن اتبع رضوان الله } بالإيمان به والعمل ~~بطاعة { كمن بآء بسخط من الله } بالكفر به والاشتغال ~~بمعصيته؟ وقيل: { أفمن اتبع رضوان الله } وهم المهاجرون { ~~كمن بآء بسخط من الله } وهم المنافقون؟. # وقال الزجاج: لما حمل المشركون على المسلمين دعا النبي صلى ~~الله عليه وسلم أصحابه إلى أن يحملوا على المشركين، ففعله بعضهم، وتركه ~~آخرون، فقوله: { أفمن اتبع رضوان الله } وهم الذين ~~امتثلوا أمره { كمن بآء بسخط من الله } وهم الذين لم ~~يقبلوا قوله؟ # قال القاضي: كل واحد من هذه الوجوه صحيح، ولكن لا يجوز قصر ~~اللفظ عليه؛ لأن اللفظ عام؛ فيجب أن يتناول الكل، وإن كانت الآية ~~نزلت في واقعة معينة لكن عموم اللفظ لا يبطل بخصوص السبب. # وقوله: { ومأواه جهنم } في هذه الجملة احتمالان: # أحدهما: أن تكون مستأنفة، أخبر أن من باء بسخطه أوى إلى جهنم، ~~وتفهم منه مقابله، وهو أن من اتبع الرضوان كان مأواه الجنة، وإنما سكت ~~عن هذا، ونص على ذلك ليكون أبلغ في الزجر، ولا بد من حذف في هذه ~~الجمل، تقديره: أفمن أتبع ما يؤول به إلى رضا الله فباء برضاه كمن ~~اتبع ما يؤول به إلى سخطه؟ # الثاني: أنها داخلة في حيز الموصول، فتكون معطوفة على " باء ~~بسخط من الله " فيكون قد وصل الموصول بجملتين: اسمية وفعلية، وعلى ~~الاحتمالين، لا محل لها من الإعراب. # قوله: { وبئس المصير } المخصوص بالذم محذوف، أي وبئس المصير ~~جهنم. # واشتملت الآية على الطباق في قوله: { ينصركم } و { يخذلكم } ~~وقوله: { رضوان الله } و " بسخطه " والتجنيس المماثل في قوله: { ~~يغل } و { بما غل }. ### || [3.163] # { هم درجات } مبتدأ وخبر، ولا بد من تأويل [بالإخبار] بالدرجات عن ~~" هم " لأنها ليست إياهم، فيجوز أن يكون جعلوا نفس الدرجات مبالغة، ~~والمعنى: أنهم متفاوتون في الجزاء على كسبهم، كما أن الدرجات متفاوتة ~~والأصل على التشبيه، أي: هم مثل الدرجات ms2270 في التفاوت. # ومنه قوله: [الوافر] # 1686- أنصب للمنية تعتريهم # رجالي أم هم درج السيول # ويجوز أن يكون على حذف مضاف، أي: هم ذوو درجات، أي: أصحاب منازل ~~ورتب في الثواب والعقاب وأجاز ابن الخطيب أن يكون في الأصل: لهم ~~درجات - فحذفت اللام - وعلى هذا يكون " درجات " مبتدأ، وما قبلها ~~الخبر، ورده بعضهم، وقال: هذا من جهله وجهل متبوعيه - من المفسرين - ~~بلسان العرب، وقال: لا مساغ لحذف اللام ألبتة؛ لأنها إنما تحذف في ~~مواضع يضطر إليها، وهنا المعنى واضح، مستقيم من غير تقدير حذف. # قال شهاب الدين: " وادعاء حذف اللام خطأ، والمخطئ معذور؛ وقد ~~نقل عن المفسرين هذا، ونقل عن ابن عباس والحسن لكل درجات من الجنة ~~والنار، فإن كان هذا القائل أخذ من هذا الكلام بأن اللام محذوفة فهو ~~مخطئ؛ لأن هؤلاء - رضي الله عنهم - يفسرون المعنى لا الإعراب اللفظي ~~". # وقرأ النخعي " هم درجة " بالإفراد على الجنس. # قوله: { عند الله } فيه وجهان: # أحدهما: أن يتعلق ب " درجات " على المعنى؛ لما تضمنت من معنى الفعل، ~~كأنه قيل: هم متفاضلون عند الله. # ثانيهما: أن يتعلق بمحذوف صفة ل " درجات " فيكون في محل رفع. # فصل # " هم " عائد إلى لفظ " من " في قوله: # أفمن اتبع رضوان الله # [آل عمران:162] ولفظ " من " معناه الجمع. ونظيره قوله تعالى: # أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا # [السجدة: 18]. ثم قال: " لا يستوون " بصيغة الجمع، وهو عائد إلى " من ". # واعلم أنه لما عاد إلى المتقدم ذكره، والذي تقدم ذكره نوعان: من اتبع ~~رضوان الله، ومن باء بسخط من الله - يحتمل أن يعود إلى الأول، ويحتمل ~~أن يعود إلى الثاني، ويحتمل أن يعود إليهما، فإن عاد إلى الأول صح - ~~ويكون التقدير: إن أهل الثواب درجات على حسب أعمالهم - لوجوه: # الأول: أن الغالب - في العرف - استعمال الدرجات في أهل الثواب ~~والدركات في أهل العقاب. # الثاني: أن ما كان من الثواب والرحمة فإن الله يضيفه إلى نفسه وما كان ~~من العقاب لا يضيفه إلى نفسه قال تعالى: # كتب ربكم على نفسه الرحمة # [الأنعام: 54] فلما ms2271 أضاف هذه الدرجات إلى نفسه - حيث قال: " عند الله " ~~- علمنا أن المراد أهل الثواب ويؤكده هذا قوله تعالى: # انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة ~~أكبر درجات وأكبر تفضيلا # [الإسراء: 21]. # الثالث: أنه - تعالى - وصف من باء بسخط من الله - وهو أن مأواهم ~~جهنم وبئس المصير - فوجب أن يكون قوله: " هم درجات " وصفا لمن اتبع ~~رضوان الله. # وإن أعدنا الضمير إلى من باء بسخط فلأنه أقرب، وهو قول الحسن، قال: إن ~~المراد به أن أهل النار متفاوتون في مراتب العذاب، كقوله: # ولكل درجات مما عملوا # [الأحقاف: 19] وقال صلى الله عليه وسلم # " إن فيها ضحضاحا وغمرا، وأنا أرجو أن يكون أبو ~~طالب في ضحضاحها ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " إن أهون أهل النار رجل له نعلان من نار يغلي ~~من حرهما دماغه ". # وإذا أعدنا الضمير إليهما فلأن درجات أهل الثواب متفاوتة، وكذلك درجات ~~أهل العقاب، قال تعالى: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # [الزلزلة: 7، 8]. وقوله: " عند الله " أي: في حكم الله وعلمه، كما ~~يقال: هذه المسألة عند الشافعي كذا، وعند أبي حنيفة كذا. ثم قال: { ~~والله بصير بما يعملون } أي: عالم بجميع أفعال العباد على ~~التفصيل. # فصل # ذكر محمد بن إسحاق - في تأويل قوله تعالى: # وما كان لنبي أن يغل # [آل عمران: 161] - وجها آخر، فقال: أي: ما كان لنبي ان يكتم الناس ما ~~بعثه الله به إليهم، رغبة أو رهبة، ثم قال: { أفمن اتبع ~~رضوان الله } يعني: رجح رضوان الله على رضوان الخلق وسخط ~~الله على الخلق { كمن بآء بسخط من الله } فرجح سخط ~~الخلق على سخط الله، ورضوان الخلق على رضوان الله؟ # ووجه النظم - على هذا التقدير - أنه تعالى لما قال: # فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر # [آل عمران: 159] بين أن ذلك إنما يكون معتبرا إذا كان على وفق ~~الدين، فأما إذا كان على خلاف الدين فإنه غير جائز، فكيف يمكن ~~التسوية بين من اتبع رضوان الله وطاعته وبين من اتبع رضوان ~~الخلق؟ # قال ms2272 ابن الخطيب: " وهذا الذي ذكره محتمل، لأنا بينا أن ~~الغلول عبارة عن الخيانة على سبيل الخفية، فأما اختصاص هذا اللفظ ~~بالخيانة في الغنيمة، فهو عرف حادث ". ### || [3.164] # { لقد من الله } جواب لقسم محذوف، وقرئ: لمن من الله - ب " ~~من " الجارة، و " من " - بالتشديد مجرورها - وخرجه الزمخشري على ~~وجهين: # أحدهما: أن يكون هذا الجار خبرا مقدما والمبتدأ محذوف، تقديره: لمن ~~من الله على المؤمنين منه، أو بعثه إذ بعث فيهم، فحذف لقيام ~~الدلالة. # الثاني: أنه جعل المبتدأ نفس " إذ " بمعنى: وقت: وخبرها الجار قبلها، ~~وتقديره: لمن من الله على المؤمنين وقت بعثه، ونظره بقولهم: أخطب ما ~~يكون الأمير إذا كان قائما. # وهذان وجهان - في هذه القراءة - مما يدلان على رسوخ قدمه في هذا ~~العلم. # قال شهاب الدين: إلا أن أبا حيان قد رد عليه الوجه الثاني بأن " إذ ~~" غير متصرفة، لا تكون إلا ظرفا، أو مضافا إليها اسم زمان أو مفعولة ~~ب " اذكر " - على قول - ونقل قول أبي علي - فيها وفي " إذا " أنهما لم ~~يردا في كلام العرب إلا ظرفين، ولا يكونان فاعلين، ولا مفعولين، ولا ~~مبتدأين. # قال: ولا يحفظ من كلامهم: إذ قام زيد طويل - يريد: وقت قيامه طويل - ~~وبأن تنظيره القراءة بقولهم: أخطب ما يكون الأمير إذا كان قائما، خطأ؛ ~~من حيث أن المشبه مبتدأ، والمشبه به ظرف في موضع الخبر - عند من ~~يعرب هذا الإعراب - ومن حيث إن هذا الخبر - الذي قد أبرزه ظاهرا ~~- واجب الحذف؛ لسد الحال مسده، نص عليه النحويون الذين يعربونه ~~هكذا، فكيف يبرزه في اللفظ؟ # قال شهاب الدين: " وجواب هذا الرد واضح وليت أبا القاسم لم يذكر ~~تخريج هذه القراءة؛ لكي نسمع ما يقول هو ". # والجمهور على ضم الفاء - من أنفسهم - أي: من جملتهم وجنسهم، وقرأت ~~عائشة، وفاطمة والضحاك، ورواها أنس عنه صلى الله عليه وسلم بفتح ~~الفاء، من النفاسة - وهي الشرف - أي: من أشرفهم نسبا, وخلقا، ~~وخلقا. # وعن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أنا أنفسكم نسبا، وحسبا، وصهرا " # وهذا الجار ms2273 يحتمل وجهين: # الأول: أن يتعلق بنفس " بعث ". # الثاني: أن يتعلق بمحذوف، على أنه وصف ل " رسولا " فيكون منصوب المحل، ~~ويقوي هذا الوجه قراءة فتح الفاء. # فصل في المراد ب " أنفسهم " # قيل: أراد به العرب؛ لأنه ليس حي من أحياء العرب إلا وقد ولد صلى الله ~~عليه وسلم ولد فيهم نسب، إلا بني تغلب، لقوله تعالى: # هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم # [الجمعة: 2]. # وقال آخرون: أراد به جميع المؤمنين. # ومعنى قوله: " من أنفسهم " أي: بالإيمان والشفقة، لا بالنسب، كقوله ~~تعالى: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم # [التوبة: 128]. # ووجه هذه المنة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى ما ~~يخلصهم من عقاب الله، ويوصلهم إلى ثواب الله، كقوله تعالى: # ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين # [الأنبياء: 107] وأيضا كونه من أنفسهم لأنه لو كان من غير جنسهم لم ~~يركنوا إليه. # وخص هذه المنة بالمؤمنين لأنهم المنتفعون بها، كقوله: # هدى للمتقين # [البقرة: 2]. # فصل # قال الواحدي: المن - في كلام العرب - بإزاء معان: # أحدها: الذي يسقط من السماء، قال تعالى: # وأنزلنا عليكم المن والسلوى # [البقرة: 57]. # ثانيها: أن تمن بما أعطيت كقوله: # لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى # [البقرة: 264]. # ثالثها: القطع، كقوله: # لهم أجر غير ممنون # [الانشقاق: 25] وقوله: # وإن لك لأجرا غير ممنون # [القلم: 3]. # رابعها: الإنعام والإحسان إلى من يطلب الجزاء منه، ومنه قوله: # هذا عطآؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب # [ص: 39]. وقوله: # ولا تمنن تستكثر # [المدثر: 6]. والمنان - في صفة الله تعالى -: المعطي ابتداء من ~~غير طلب عوض، ومنه الآية: # لقد من الله على المؤمنين # [آل عمران: 164] أي: أنعم عليهم، وأحسن إليهم ببعثه هذا الرسول. # قوله: { يتلو عليهم آياته } في محل نصب حال، أو مستأنف. # وقال القرطبي: " يتلو " في موضع نصب، نعت ل " رسولا " - وقد تقدم ~~نظيرها في البقرة. # ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة # [آل عمران: 164] معنى الآية: يبلغهم الوحي، ويطهرهم، ويعلمهم الكتاب - ~~أي: معرفة الأحكام الشرعية - والحكمة - أي: أسرارها وعللها ومنافعها - ~~ثم قال: { وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين } وهذا وجه ~~النعمة؛ لأن ورود العلم عقيب الجهل ms2274 من أعظم النعم. # قوله: { وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين } هي " إن " ~~المخففة، واللام فارقة - وقد تقدم تحقيقه - إلا أن الزمخخشري ومكيا - ~~هنا - حين جعلاها مخففة قدرا لها اسما محذوفا. # فقال الزمخشري: " وتقديره: إن الشأن، وإن الحديث كانوا من قبل ". وقال ~~مكي: " وأما سيبويه فإنه قال " إن " مخففة من الثقيلة، واسمها مضمر، ~~والتقدير - على قوله -: وإنهم كانوا من قبل لفي ضلال مبين ". وهذا ليس ~~بجيد؛ لأن " إن " المخففة إنما تعمل في الظاهر - على غير الأفصح - ولا ~~عمل لها في المضمر ولا يقدر لها اسم محذوف ألبتة، بل تهمل، أو ~~تعمل - على ما تقدم - مع أن الزمخشري لم يصرح بأن اسمها محذوف، بل ~~قال: " إن " هي المخففة من الثقيلة، واللام فارقة بينها وبين ~~النافية، وتقديره: وإن الشأن والحديث كانوا؛ وهذا تفسير معنى لا إعراب. # وفي هذه الجملة وجهان: # أحدهما: أنها استئنافية، لا محل لها من الأعراب. # والثاني أنها محل نصب على الحال من المفعول به - في: " يعلمهم " وهو ~~الأظهر. ### || [3.165] # الهمزة للإنكار، وجعلها ابن عطية للتقرير، والواو عاطفة، والنية بها ~~التقديم على الهمزة. # وقال الزمخشري: و " لما " نصب ب " قلتم " و " أصابتكم " في محل الجر، ~~بإضافة " لما " إليه، وتقديره: أقلتم حين أصابتكم. و " أنى هذا " نصب؛ ~~لأنه مقول، والهمزة للتقرير والتقريع. # فإن قلت: علام عطفت الواو هذه الجملة؟ قلت: على ما مضى من قصة أحد - ~~من قوله: # ولقد صدقكم الله وعده # [آل عمران:152] - ويجوز أن تكون معطوفة على محذوف، [كأنه قيل]: أفعلتم ~~كذا، وقلتم حينئذ كذا؟ انتهى. # أما جعله " لما " بمعنى " حين " - أي ظرفا - فهو مذهب الفارسي وقد ~~تقدم تقرير المذهبين وأما قوله: " عطف على قصة أحد " فهذا غير مذهبه، لأن ~~الجاري من مذهبه إنما هو تقدير جملة، يعطف ما بعد الواو عليها - أو ~~الفاء، أو " ثم " - كما قرره هو في الوجه الثاني. # و " أنى هذا " " أنى " بمعنى من أين - كما تقدم في قوله: # أنى لك هذا # [آل عمران: 37] - ويدل عليه قوله: { من عند أنفسكم } وقوله: { ~~من عند الله } قاله ms2275 الزمخشري. # ورد عيله أبو حيان بأن الظرف إذا وقع خبرا للمبتدأ لا يقدر داخلا ~~عليه حرف جر، غير " في ". أما أن يقدر داخلا عليه " من " فلا؛ لأنه إنما ~~انتصب على إسقاط " في " ولذلك إذا أضمر الظرف تعدى إليه الفعل بواسطة " ~~في " إلا أن يتسع في الفعل فينصبه نصب التشبيه بالمفعول به، فتقدير ~~الزمخشري غير سائغ، واستدلاله بقوله تعالى: { من عند ~~أنفسكم } وقوله: # من عند الله # [آل عمران:37] وقوف مع مطابقة الجواب للسؤال في اللفظ، وذهول عن هذه ~~القاعدة التي ذكرناها. # واختار أبو حيان أن " أنى " بمعنى " كيف " قال: و " أنى " سؤال عن ~~الحال - هنا - ولا يناسب أن يكون - هنا - بمعنى " أين " أو " متى " لأن ~~الاستفهام لم يقع عن المكان، ولا عن الزمان، إنما وقع عن الحال التي ~~اقتضت لهم ذلك، سألوا عنها على سبيل التعجب - وجاء الجواب من حيث ~~المعنى لا من حيث اللفظ - في قوله: { قل هو من عند أنفسكم ~~} - والسؤال ب " أنى " سؤال عن تعيين كيفية حصول هذا الأمر، والجواب ~~بقوله: { قل هو من عند أنفسكم } يتضمن تعيين الكيفية؛ لأنه ~~بتعيين السبب تتعين الكيفية من حيث المعنى لو قيل - على سبيل التعجب ~~والإنكار -: كيف لا يحج زيد الصالح؟ وأجيب ذلك بأن يقال: لعدم ~~استطاعته، لحصل الجواب، وانتظم من المعنى أنه لا يحج وهو غير مستطيع. # قال شهاب الدين: " أما قوله: لا يقدر الظرف بحرف جر غير " في " ~~فالزمخشري لم يقدر " في " مع " أن " حتى يلزمه ما قال، إنما جعل " أنى ~~" بمنزلة " من أين " في المعنى. وأما عدوله عن الجواب المطابق لفظا ~~فالعكس أولى ". # قوله: { قد أصبتم } في محل رفع؛ صفة ل " مصيبة ". و " قلتم " - ~~على مذهب سيبوبه - جواب " لما " وعلى مذهب الفارسي ناصب لها على حسب ما ~~تقدم من مذهبيهما. # قوله: { قل هو } هذا الضمير راجع على " المصيبة " من حيث المعنى، ~~ويجوز أن يكون حذف مضاف مراعى - أي: سببها - وكذلك الإشارة لقوله: { ~~أنى هذا } لأن المراد المصيبة. # فصل # وجه النظم: أنه - تعالى - لما أخبر عن المنافقين بأنهم نسبوا ms2276 الرسول صلى ~~الله عليه وسلم إلى الغلول حكى عنهم شبهة أخرى في هذه الآية، وهي ~~قولهم: لو كان رسولا من عند الله لما انهزم عسكره من الكفار في يوم ~~أحد، وهو المراد من قولهم: أنى هذا؟ # وأجاب الله تعالى عنه بقوله: { قل هو من عند أنفسكم } أي: ~~هذا الانهزام إنما حصل بشؤم عصيانكم. # فصل # ومعنى: { قد أصبتم مثليها } أن المشركين قتلوا من المسلمين ~~- يوم أحد - سبعين، وقتل المسلمون منهم - يوم بدر - سبعين، وأسروا ~~سبعين، والأسير في حكم القتيل، لأن الآسر يقتل أسيره إن أراد. { ~~قلتم أنى هذا }: من أين لنا هذا القتل والهزيمة، ونحن ~~مسلمون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فينا؟ { قل هو من عند ~~أنفسكم } # روى عبيدة السلماني عن علي قال: # " جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر، فقال: يا محمد، ~~إن الله قد كره ما صنع قومك - من أخذهم الفداء من الأسارى - وقد ~~أمرك أن تخيرهم بين أن يقدموا الأسارى، فتضرب أعناقهم، وبين أن يأخذوا ~~الفداء على أن يقتل منهم عدتهم، فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم للناس، فقالوا: يا رسول الله، عشائرنا، وإخواننا، لا، بل نأخذ ~~منهم الفداء، فتتقوى به على قتال العدو، ونرضى أن يستشهد منا عدتهم، ~~فقتل منهم - يوم أحد - سبعون، عدد أسارى أهل بدر " # فهذا معنى قوله: { قل هو من عند أنفسكم } أي: بأخذ ~~الفداء، واختياركم القتل. # وقيل: إنما وقعتم في هذه المصيبة بشؤم معصيتكم في الأمور المتقدم ~~ذكرها. # فصل # استدل المعتزلة بقوله: { قل هو من عند أنفسكم } على أن ~~أفعال العبد غير مخلوقة لله تعالى من وجوه: # أحدها: أنه لو كان ذلك حاصلا بخلق الله تعالى - ولا تأثير للعبد فيه ~~- كان قوله: { هو من عند أنفسكم } كذبا. # ثانيها: أنهم تعجبوا كيف سلط الله الكافر على المؤمن؟ فأزال الله ذلك ~~التعجب بقوله: إنما وقعتم في هذا المكروه بشؤم فعلكم، فلو كان خلقا لله ~~لم يصح الجواب. # ثالثها: أن القوم قالوا: { أنى هذا } أي: من أين هذا؟ وهذا ~~طلب ms2277 لسبب الحدوث، فلو لم يكن المحدث لها هو العبد لم يكن الجواب ~~مطابقا للسؤال. # وأجيبوا عن الأولين بالمعارضة بالآيات الدالة على كون أفعال العبد ~~بإيجاد الله تعالى، وعن الثالث بأنه لو كانوا هم الذين أوجدوا الفعل لم ~~يحسن منهم السؤال عن سببه. # ثم قال: { إن الله على كل شيء قدير } أي: قادر على ~~نصركم - لو صبرتم وثبتم - كما قدر على التخلية - إذ خالفتم وعصيتم - ~~وهذا يدل على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى، قالوا: لأن فعل العبد شيء، ~~فيكون الله قادرا على إيجاده، فلو أوجده العبد امتنع كونه - تعالى - ~~قادرا على إيجاده؛ لأنه لما أوجده العبد امتنع من الله إيجاده، لأن ~~إيجاد الموجود محال، والمفضي إلى المحال محال. ### || [3.166-167] # " ما " موصولة بمعنى الذي، في محل رفع بالابتداء، و " بإذن الله " ~~الخبر، وهو على إضمار مبتدأ، تقديره: فهو بإذن الله، ودخلت الفاء في ~~الخبر؛ لشبه المبتدأ بالشرط، نحو: الذي يأتيني فله درهم، وهذا - على ما ~~قرره الجمهور - مشكل؛ وذلك أنهم قرروا أنه لا يجوز دخول هذه الفاء ~~زائدة في الخبر إلا بشروط. # منها: أن تكون الصلة مستقبلة في المعنى؛ وذلك لأن الفاء إنما دخلت ~~للشبه بالشرط، والشرط إنما يكون في الاستقبال، لا في الماضي، لو ~~قلت: الذي أتاني أمس فله درهم، لم يصح، " وأصابكم " - هنا - ماض في ~~المعنى؛ لأن القصة ماضية، فكيف جاز دخول هذه الفاء؟ # أجابوا عنه بأنه يحمل على التبين - أي: وما تبين إصابته إياكم - كما ~~تأولوا قوله: # وإن كان قميصه قد من دبر # [يوسف: 27] - أي تبين - وهذا شرط صريح، وإذا صح هذا التأويل ~~فلنجعل " ما " - هنا - شرطا صريحا، وتكون الفاء داخلة وجوبا؛ ~~لكونها واقعة جوابا للشرط. # وقال ابن عطية: " يحسن دخول الفاء إذا كان سبب الإعطاء، وكذلك ترتيب ~~هذه، فالمعنى إنما هو: وما أذن الله فيه فهو الذي أصابكم، لكن قدم الأهم ~~في نفوسهم، والأقرب إلى حسهم. والإذن: التمكين من الشيء مع العلم به ". # وهذا حسن من حيث المعنى؛ فإن الإصابة مرتبة على الإذن من حيث المعنى، ~~وأشار ms2278 بقوله: الأهم والأقرب، إلى ما أصابهم يوم التقى الجمعان. # فصل # ذكر في الآية الأولى أن الذي أصابهم كان من عند أنفسهم، وذكر هذه الآية ~~وجها آخر، وهو أن يتميز المؤمن عن المنافق، والمراد بالجمعين هو ~~جمع المؤمنين، وجمع المشركين في يوم أحد. # واختلفوا في المراد بقوله: { فبإذن الله } فقيل: الإذن - هنا - ~~عبارة عن التخلية، وترك المدافعة استعار الإذن لتخلية الكفار؛ لأن ~~الآذن في الشيء لا يدفع المأذون له عن مراده. # وقيل: فبعلم الله، كقوله: # وأذان من الله # [التوبة: 3] وقوله: # آذناك ما منا من شهيد # [فصلت: 47] وقوله: # فأذنوا بحرب من الله ورسوله # [البقرة: 279] وطعن الواحدي في هذا بأن الآية إنما هي لتسلية المؤمنين ~~مما أصابهم، ولا تحصل التسلية إذا كان ذلك واقعا بعلة؛ لأن علمه عام في ~~جميع المعلومات. # وقيل: فبأمر الله؛ لقوله: # ثم صرفكم عنهم ليبتليكم # [آل عمران: 152] والمعنى: أنه - تعالى - لما أمر بالمحاربة، ثم أدت تلك ~~المحاربة إلى ذلك الانهزام صح - على سبيل المجاز - أن يقال: حصل ذلك ~~بأمره. # ونقل - عن ابن عباس - أن المراد من الإذن قضاء الله بذلك وحكمه به. # وهذا أولى؛ لأن الآية تسلية للمؤمنين مما أصابهم، وبهذا تحصل التسلية. # قوله: { وليعلم المؤمنين } في هذه اللام قولان: # أحدهما: أنها معطوفة على معنى قوله: { فبإذن الله } عطف سبب على ~~سبب، فتتعلق بما تتعلق به الباء. # الثاني: أنها متعلقة بمحذوف، أي: وليعلم فعل ذلك - أي: أصابكم - والأول ~~أولى - وقد تقدم أن معنى: وليعلم الله كذا: أي يبين، أو يظهر للناس ~~ما كان في علمه، وزعم بعضهم أن ثم مضافا، أي: ليعلم إيمان المؤمنين، ~~ونفاق المنافقين، ولا حاجة إليه. # قوله: { وليعلم الذين نافقوا } قال الواحدي: " يقال: ~~نافق الرجل - فهو منافق - إذا أظهر كلمة الإيمان، وأضمر ~~خلافها، والنفاق اسم إسلامي، اختلف في اشتقاقه على وجوه: # أحدها: قال أبو عبيد: من نافقاء اليربوع؛ لأن حجر اليربوع لها بابان: ~~القاصعاء، والنافقاء، فإذا طلب من أيهما خرج من الآخر، فقيل للمنافق: إنه ~~منافق لأنه وضع لنفسه طريقين: إظهار الإسلام، وإضمار الكفر، فمن أيهما ms2279 ~~طلب خرج من الآخر. # الثاني: قال ابن الأنباري: المنافق من النفق، وهو السرب، ومعناه: ~~أنه يتستر بالإسلام كما يتستر الرجل في السرب. # الثالث: أنه مأخوذ من النافقاء، ولكن على غير الوجه الذي ذكره أبو ~~عبيد، وهو أن النافقاء جحر يحفره اليربوع في داخل الأرض، ثم إنه ~~يرقق ما فوق الجحر، حتى إذا رابه ريب، رفع التراب برأسه وخرج، ~~فقيل للمنافق: منافق؛ لأنه أضمر الكفر في باطنه، فإذا فتشته رمى عنه ~~ذلك الكفر، وتمسك بالإسلام ". # قوله: { وقيل لهم تعالوا قاتلوا } هذه الجملة تحتمل ~~وجهين: # الأول: أن تكون استئنافية، أخبر الله أنهم مأمورون إما بالقتال، وإما ~~بالدفع، أي: تكثير سواد المسلمين. # الثاني: أن تكون معطوفة على " نافقوا " فتكون داخلة في صلة الموصول، أي: ~~ليعلم الذين حصل منهم النفاق والقول بكذا و " تعالوا " و " قاتلوا " ~~كلاهما قام مقام الفاعل ل " قيل " لأنه هو المقول. قال أبو البقاء: إنما ~~لم يأتي بحرف العطف - يعني بين " تعالوا " و " قاتلوا " - لأنه أراد أن ~~يجعل كل واحدة من الجملتين مقصودة بنفسها، ويجوز أن يقال: إن المقصود ~~هو الأمر بالقتال، و " تعالوا " ذكر ما لو سكت عنه لكان في الكلام دليل ~~عليه. # وقيل: الأمر الثاني حال. # يعني بقوله: " تعالوا " ذكر ما لو سكت، أن المقصود إنما هو أمرهم ~~بالقتال، لا مجيئهم وحده، وجعله " قاتلوا " حالا من " تعالوا " فاسد؛ ~~لأن الجملة الحالية يشترط أن تكون خبرية، وهذه طلبية. # قوله: " أو ادفعوا " " أو " - هنا - على بابها من التخيير والإباحة. # وقيل: بمعنى الواو؛ لأنه طلب منهم القتال والدفع، والأول أصح. # فصل # اختلفوا في القائل، فقال الأصم: إنه الرسول صلى الله عليه وسلم كان ~~يدعوهم إلى القتال. وقيل: إن عبد الله بن أبي ابن أبي سلول لما خرج ~~بعسكره إلى أحد قال: لم نلقي أنفسنا في القتل؟ فرجعوا، وكانوا ~~ثلاثمائة من جملة الألف الذين خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال لهم عبد الله بن عمرو بن حرام - أبو جابر بن عبد الله الأنصاري -: ~~أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم ms2280 عند حضور العدو. # فصل # معنى { قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا } يعني: إن كان ~~في قلوبكم حب الدين والإسلام فقاتلوا للدين والإسلام، وإن لم تكونوا ~~كذلك، فقاتلوا دفعا عن أنفسكم وأهليكم وأموالكم. # وقال السدي: وابن جريج: ادفعوا عنا العدو بتكثير سوادنا - إن ~~لم تقاتلوا معنا - لأن الكثرة أحد أسباب الهيبة. # وقوله: { قالوا لو نعلم قتالا } إنما لم يأت - في هذه ~~الجملة - بحرف عطف؛ لأنها جواب لسؤال سائل كأنه قيل: فما قالوا - لما ~~قيل لهم ذلك -؟ فأجيب بأنهم قالوا ذلك. و " نعلم " - وإن كان مضارعا - ~~معناه المضي؛ لأن " لو " تخص المضارع، إذا كانت لما سيقع لوقوع غيره، ~~ونكر " قتالا " للتقليل، أي: لو علمنا بعض قتال ما. وهذا جواب ~~المنافقين حين قيل لهم: { تعالوا قاتلوا في سبيل الله ~~أو ادفعوا } فقال تعالى: { هم للكفر يومئذ أقرب ~~منهم للإيمان }. # " هم " مبتدأ، و " أقرب " خبره، وهو أفعل تفضيل، و " للكفر " متعلق به، ~~وكذلك " للإيمان ". # فإن قيل: لا يتعلق حرفا جر - متحدان لفظا ومعنى - بعامل واحد، إلا أن ~~يكون أحدهما معطوفا على الآخر، أو بدلا منه، فكيف تعلقا ب " أقرب "؟ # فالجواب: أن هذا خاص بأفعل التفضيل، قالوا: لأنه في قوة عاملين، فإن ~~قوة قولك زيد أفضل من عمرو، معناه: يزيد فضله على فضل عمرو. # وقال أبو البقاء: " وجاز أن يعمل " أقرب " فيهما؛ لأنهما يشبهان الظرف، ~~وكما عمل " أطيب " في قولهم: هذا بسرا أطيب منه رطبا، في الظرفين ~~المقدرين لأن " أفعل " يدل على معنيين - على أصل الفعل وزيادته - ~~فيعمل في كل واحد منهما بمعنى غير الأخر، فتقديره: يزيد قربهم إلى ~~الكفر على قربهم إلى الإيمان ". # ولا حاجة إلى تشبيه الجارين بالظرفين؛ لأن ظاهره أن المسوغ لتعلقهما ~~بعامل واحد تشبيههما بالظرفين وليس كذلك، وقوله: الظرفين المقدرين، ~~يعني أن المعنى: هذا في أوان بسريته أطيب منه. # و " أقرب " - هنا - من القرب - الذي هو ضد البعد - ويتعدى بثلاثة ~~حروف: اللام، و " إلى " و " من ". تقول: قربت لك ومنك إليك، فإذا قلت: ~~زيد أقرب من العلم من عمرو، ف " من ms2281 " الولى المعدية لأصل معنى القرب، ~~والثانية هي الجارة للمفضول، وإذا تقرر هذا فلا حاجة إلى ادعاء أن اللام ~~بمعنى " إلى ". # و " يومئذ " متعلق ب " أقرب " وكذا " منهم " و " من " هذه هي الجارة ~~للمفضول بعد " أفعل " وليست هي المعدية لأصل الفعل. # ومعنى: { هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان } ~~أنهم كانوا - قبل هذا الوقت - كاتمين للنفاق، فكانوا في الظاهر أبعد من ~~الكفر، فلما ظهر منهم ما كانوا يكتمونه صاروا أقرب للكفر؛ لأن رجوعهم عن ~~معاونة المسلمين دل على أنهم ليسوا من المسلمين. # وقيل: المعنى أنهم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان؛ لأن ~~تقليلهم سواد المسلمين يؤدي إلى تقوية المشركين. # و " إذ " مضافة لجملة محذوفة، عوض منها التنوين، وتقدير هذه ~~الجملة: هم للكفر يوم إذ قالوا: لو نعلم قتالا لاتبعناكم. # وقيل: المعنى على حذف مضاف، أي: هم لأهل الكفر أقرب منهم لأهل الإيمان، ~~وفضلوا - هنا - على أنفسهم باعتبار حالين ووقتين، ولولا ذلك لم ~~يجز، تقول: زيد قاعدا أفضل منه قائما، أو زيد قاعدا اليوم أفضل ~~منه قاعدا غدا. ولو قلت: زيد اليوم قاعدا أفضل منه اليوم قاعدا. لم ~~يجز. # وحكى النقاش - عن بعض المفسرين - أن " أقرب " - هنا - ليست من معنى ~~القرب - الذي هو ضد البعد - وإنما هي من القرب - بفتح القاف والراء ~~- وهو طلب الماء، ومنه قارب الماء، وليلة القرب: ليلة الورود، ~~فالمعنى: هم أطلب للكفر، وعلى هذا تتعين التعدية باللام - على حد ~~قولك: زيد أضرب لعمرو. # فصل # قال أكثر العلماء: هذا تنصيص من الله تعالى على أنهم كفار. # قال الحسن: إذا قال الله تعالى: " أقرب " فهو اليقين بأنهم مشركون، ~~وهو مثل قوله: # مئة ألف أو يزيدون # [الصافات: 147] فهذه الزيادة لا شك فيها، وأيضا فالمكلف لا يمكن أن ~~ينفك عن الإيمان والكفر فلما دلت الآية على القرب من الكفر لزم ~~حصول الكفر. وقال الواحدي - في " البسيط ": هذه الآية دليل على أن ~~من اتى بكلمة التوحيد لم يكفر، ولم يطلق القول بتكفيره؛ لأنه - تعالى - ~~لم يطلق القول بتكفيرهم - مع أنهم كانوا كافرين - لإظهارهم ms2282 كلمة التوحيد. # قوله: { يقولون بأفواههم } في هذه الجملة وجهان: # أحدهما: أنها مستأنفة، لا محل لها من الإعراب. # الثاني: أنها في محل نصب على الحال من الضمير في " أقرب " أي: قربوا ~~للكفر قائلين هذه المقالة - وقوله: { بأفواههم } قيل: تأكيد، ~~كقوله: # ولا طائر يطير بجناحيه # [الأنعام: 38]. والظاهر أن القول يطلق على اللساني والنفساني، ~~فتقييده بقوله: { بأفواههم } تقييد لأحد محتمليه، اللهم إلا ~~أن يقال: إن إطلاقه على النفساني مجاز، قال الزمخشري: " وذكر الأفواه ~~مع القلوب؛ تصويرا لنفاقهم، وأن إيمانهم موجود في أفواههم، معدوم في ~~قلوبهم ". # وبهذا - الذي قاله الزمخشري - ينتفي كونه للتأكيد؛ لتحصيله هذه ~~الفائدة - ومعنى الآية: أن لسانهم مخالف لقلوبهم، فهم وإن كانوا ~~يظهرون الإيمان باللسان، لكنهم يضمرون في قلوبهم الكفر. # قوله تعالى: { والله أعلم بما يكتمون } أي: عالم بما في ~~ضمائرهم. # فإن قيل: المعلوم إذا علمه عالمان لم يكن أحدهما أعلم به من الآخر، ~~فما معنى قوله: { والله أعلم بما يكتمون }؟ # فالجواب: أن الله - تعالى - يعلم من تفاصيل تلك الأحوال ما لا يعلمه ~~غيره. ### || [3.168] # جوزوا في موضع " الذين " الألقاب الثلاثة: الرفع والنصب والجر، ~~فالرفع من ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون مرفوعا على خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هم الذين. # ثانيها: أنه بدل من واو " يكتمون ". # ثالثها: أنه مبتدأ، والخبر قوله: " قل فادرءوا " ولا بد من حذف ~~عائد، تقديره: قل لهم. # والنصب من ثلاثة أوجه - أيضا -: # أحدها: النصب على الذم، أي: أذم الذين قالوا. # ثانيها: أنه بدل من " الذين نافقوا ". # ثالثها: أنه صفة. # والجر من وجهين: البدل من الضمير في " بأفواهم " أو من الضمير في " ~~قلوبهم " كقول الفرزدق: [الطويل] # 1687- على حالة لو أن في القوم حاتما # على جوده لضن بالماء حاتم # بجر " حاتم " على أنه بدل من الهاء في " جوده " - وقد تقدم الخلاف في ~~هذه المسألة وقال أبو حيان: وجوزوا في إعراب " الذين " وجوها: # الرفع، على النعت ل " الذين نافقوا " أو على أنه خبر لمبتدأ محذوف ~~والنصب... فذكره إلى آخره. # قال شهاب الدين: وهذا عجيب منه؛ لأن " الذين نافقوا " منصوب بقوله: ~~" وليعلم ms2283 " وهم - في الحقيقة - عطف على " المؤمنين " وإنما كرر ~~العامل توكيدا، والشيخ لا يخفى عليه ما هو أشكل من هذا فيحتمل أن ~~يكون تبع غيره في هذا السهو - وهو الظاهر من كلامه - ولم ينظر في الآية، ~~اتكالا على ما رآه منقولا، وكثيرا ما يقع الناس فيه، وأن يعتقد ~~أن " الذين " فاعل بقوله: " وليعلم " أي: فعل الله ذلك ليعلم هو ~~المؤمنين، وليعلم المنافقون، ولكن مثل هذا لا ينبغي أن يجوز ألبتة. # قوله: " وقعدوا " يجوز في هذه الجملة وجهان: # أحدهما: أن تكون حالية من فاعل " قالوا " و " قد " مرادة أي: وقد قعدوا، ~~ومجيء الماضي حالا بالواو و " قد " أو بأحدهما، أو بدونهما، ثابت من ~~لسان العرب. # الثاني: أنها معطوفة على الصلة، فتكون معترضة بين " قالوا " ومعمولها، ~~وهو " لو أطاعونا ". # فصل في المراد ب " الذين " # قال المفسرون المراد ب " الذين " عبد بن أبي وأصحابه. وقال ~~الأصم: هذا لا يجوز؛ لأن عبد الله بن أبي خرج مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الجهاد يوم أحد، وهذا القول واقع ممن تخلف، لأنه قال: { ~~الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا } أي في ~~القعود " ما قتلوا " فهو كلام متأخر عن الجهاد قاله لمن خرج إلى ~~الجهاد ولمن هو قوي النية في ذلك؛ ليجعله شبهة فيما بعد، صارفا لهم ~~عن الجهاد. # وهذا فيه نظر؛ لأنه يحتمل أنه أراد بقوله: " وقعدوا " القعود عن ~~القتال، لا عن الخروج إلى القتال؛ فإن عبد الله بن أبي خرج إلى ~~القتال، ولم يقاتل، بل هرب بمن معه، ويطلق عليه أنه قعد ~~عن القتال وهو القائل هذا الكلام. # وقوله: { لإخوانهم } أي: لأجل إخوانهم - وقد تقدم: هل المراد - ~~من هذه الأخوة - الأخوة في النسب، أو الأخوة بسبب المشاركة في الدار، ~~أو في عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم أو في عبادة الأوثان؟ # قوله: { قل فادرءوا } ادفعوا { عن أنفسكم الموت إن ~~كنتم صادقين } ذكر ذلك على سبيل الجواب لقولهم: { لو ~~أطاعونا ما قتلوا }. # فإن قيل: ما وجه هذا الاستدلال مع أن الفرق ظاهر؛ فإن التحرز عن ms2284 ~~القتل ممكن، وأما التحرز عن الموت فغير ممكن ألبته؟ # فالجواب: أن هذا الدليل لا يتمشى إلا إذا قلنا: إن الكل بقضاء ~~الله وقدره، فحينئذ لا يبقى بين القتل وبين الموت فرق، فيصح ~~الاستدلال، أما إذا قلنا: بأن فعل العبد ليس بتقدير الله وقضائه، كان ~~الفرق بين القتل والموت ظاهرا. # وقوله: { إن كنتم صادقين } أي: في كونكم مشتغلين بالحذر عن ~~المكاره، والوصول إلى المطالب. ### || [3.169-170] # " الذين " مفعول أول، و " أمواتا " مفعول ثان، والفاعل إما ضمير كل ~~مخاطب، أو ضمير الرسول صلى الله عليه وسلم كما تقدم في نظائره وقرأ ~~حميد بن قيس وهشام - بخلاف عنه - " يحسبن " بياء الغيبة، وفي الفاعل ~~وجهان: # أحدهما: أنه مضمر، إما ضمير الرسول صلى الله عليه وسلم أو ضمير من ~~يصلح للحسبان - أي: حاسب. # الثاني: قاله الزمخشري: وهو أن يكون " الذين قتلوا " قال: ويجوز أن يكون ~~" الذين قتلوا " فاعلا والتقدير: ولا يحسبنهم الذين قتلوا أمواتا، أي: ~~ولا يحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتا. # فإن قلت: كيف جاز حذف المفعول الأول؟ قلت: هو - في الأصل - مبتدأ، ~~فحذف كما حذف المبتدأ في قوله: " بل أحياء " أي: هم أحياء؛ لدلالة ~~الكلام عليهما. # ورد عليه أبو حيان بأن هذا التقدير يؤدي إلى تقديم الضمير على مفسره، ~~وذلك لا يجوز إلا في أبواب محصورة، وعد منه باب ربه رجلا، نعم ~~رجلا زيد، والتنازع عند إعمال الثاني في رأيه سيبويه، والبدل على خلاف ~~فيه، وضمير الأمر، قال: " وزاد بعض أصحابنا أن يكون المفسر ~~خبرا للضمير " وبأن حذف أحد مفعولي " ظن " اختصارا إنما يتمشى له عند ~~الجمهور مع أنه قليل جدا، نص عليه الفارسي، ومنعه ابن ملكون ألبتة. # قال شهاب الدين: وهذا من تحملاته عليه، أما قوله: يؤدي إلى تقديم ~~المضمر... إلى آخره، فالزمخشري لم يقدره صناعة، بل إيرادا للمعنى ~~المقصود، ولذلك لما أراد أن يقدر الصناعة النحوية قدره بلفظ " أنفسهم ~~" المنصوبة وهي المفعول الأول، وأظن الشيخ يتوهم أنها مرفوعة، تأكيدا ~~للضمير في " قتلوا " ولم يتنبه أنه إنما قدرها مفعولا أول منصوبة، وأما ~~تمشية قوله ms2285 على مذهب الجمهور فيكفيه ذلك وما عليه من ابن ملكون، ~~وستأتي مواضع يضطر هو وغيره إلى حذف أحد المفعولين، كما ستقف عليه ~~قريبا. # وتقدم الكلام على مادة " حسب " ولغاتها، وقراءاتها، وقرئ " تحسبن " ~~- بفتح السين - قاله الزمخشري وقرأ ابن عامر " قتلوا " - بالتشديد - ~~وهشام وحده في " ما ماتوا وما قتلوا " والباقون بالتخفيف، فالتشديد ~~للتكثير، والتخفيف صالح لذلك، وقرأ الجمهور " أحياء " رفعا، على ~~تقدير: بل هم أحياء، وقرأ ابن ابي عبلة " أحياء " وخرجها أبو ~~البقاء على وجهين: # أحدهما: أن يكون عطفا على " أمواتا " قال: " كما تقول: ما ظننت زيدا ~~قائما بل قاعدا ". # الثاني: - وإليه ذهب الزمخشري - أيضا - أن يكون بإضمار فعل، تقديره: ~~بل احسبهم أحياء، وهذا الوجه سبق إليه أبو إسحاق، الزجاج، إلا أن ~~الفارسي رده عليه - في الإغفال - وقال، لأن الأمر يقين، فلا يجوز أن ~~يؤمر فيه بمحسبة، ولا يصح أن يضمر فيه إلا فعل المحسبة، فوجه قراءة ~~ابن أبي عبلة أن يضمر فعلا غير المحسبة، اعتقدهم، أو اجعلهم، وذلك ~~ضعيف؛ إذ لا دلالة في الكلام على ما يضمر. # قال شهاب الدين: وهذا تحامل من أبي علي أما قوله: إن الأمر يقين، ~~يعني أن كونهم أحياء أمر متيقن، فكيف يقال فيه: أحسبهم - بفعل يقتضي الشك ~~- وهذا غير لازم؛ لأن " حسب " قد تأتي لليقين. # قال الشاعر: [الطويل] # 1688- حسبت التقى والمجد خير تجارة # رباحا إذا ما المرء أصبح ثاقلا # وقال آخر: [الطويل] # 1689- شهدت وفاتوني وكنت حسبتني # فقيرا إلى أن يشهدوا وتغيبي # ف " حسب " - في هذين البيتين - لليقين؛ لأن المعنى على ذلك. وقوله: ~~لذلك ضعيف، يعني من حيث عدم الدلالة اللفظية، وليس كذلك، بل إذا أرشد ~~المعنى إلى شيء يقدر ذلك الشيء - لدلالة المعنى عليه - من غير ~~ضعف - وإن كان دلالة اللفظ أحسن - وأما تقديره هو: اعتقدهم أو ~~جعلهم، قال الشيخ: هذا لا يصح ألبتة سواء جعلت: اجعلهم بمعنى اخلقهم، أو ~~صيرهم أو سمهم، أو القهم. # قوله: { عند ربهم } فيه خمسة أوجه: # أحدها: أن يكون خبرا ثانيا ل " أحياء " على قراءة الجمهور. # الثاني: أن يكون ms2286 ظرفا ل " أحياء " لأن المعنى: يحيون عند ربهم. # الثالث: أن يكون ظرفا ل " يرزقون " أي: يقع رزقهم في هذا المكان ~~الشريف. # الرابع: أن يون صفة ل " أحياء " فيكون في محل رفع على قراءة الجمهور، ~~ونصب على قراءة ابن أبي عبلة. # الخامس: أن يكون حالا من الضمير المستكن في " أحياء ". أي: يحيون ~~مرزوقين. والمراد بالعندية: المجاز عن قربهم بالتكرمة. # وقيل: { عند ربهم } أي: في حكمه، كما تقول: هذه المسألة عند ~~الشافعي كذا، وعند غيره كذا. # قال ابن عطية " وهو على حذف مضاف، أي: عند كرامة ربهم ". ولا حاجة ~~إليه؛ لأن الأول أليق. # قوله: { يرزقون } فيه أربعة وجه: # أحدها: أن يكون خبرا ثالثا ل " أحياء " أو ثانيا - إذا لم نجعل ~~الظرف خبرا. # الثاني: أنها صفة ل " أحياء: " - بالاعتبارين المتقدمين - فإن أعربنا ~~الظرف وصفا - أيضا - فيكون هذا جاء على الأحسن، وهو أنه إذا وصف بظرف ~~وجملة، فالأحسن تقديم الظرف وعديله؛ لأنه أقرب إلى المفرد. # الثالث: أنه حال من الضمير في " أحياء " أي: يحيون مرزوقين. # الرابع: أن يكون حالا من الضمير المستكن في الظرف، والعامل فيه - في ~~الحقيقة - العامل في الظرف. # قال أبو البقاء - في هذا الوجه -: " ويجوز أن يكون حالا من الضمير في ~~الظرف، إذا جعلته صفة. وليس ذلك مختصا بجعله صفة فقط، بل لو جعلته حالا ~~جاز ذلك - أيضا - وهذه تسمى الحال المتداخلة، ولو جعلته خبرا كان ~~كذلك ". # فصل # هذه الآية نزلت في شهداء بدر، وكانوا أربعة عشر رجلا، ثمانية من ~~الأنصار، وستة من المهاجرين. # وقيل: نزلت في شهداء أحد، وكانو سبعين رجلا، أربعة من المهاجرين - ~~حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير، وعثمان بن شماس، وعبد الله جحش - ~~وباقيهم من الأنصار. # فصل # ظاهر هذه الآية يدل على كون هؤلاء المقتولين أحياء، فإما أن يكون ~~حقيقة، أو مجازا، فإن كان حقيقة، فإما أن يكون بمعنى أنهم سيصيرون في ~~الآخرة أحياء، أو في الحال. وبتقدير أن يكونوا أحياء في الحال، فإما أن ~~يكون المراد الحياة الروحانية، أو الجسمانية، فأما الاحتمال الأول - ~~وهو أنهم ms2287 سيصيرون أحياء في الآخرة - فقد ذهب إليه جماعة من المعتزلة، ~~منهم الكعبي، قال: لأن الله - تعالى - أورده هذه الآية تكذيبا ~~للمنافقين في جحدهم البعث والمعاد، وقولهم: إن أصحاب محمد ~~يعرضون أنفسهم للقتل، فيقتلون، ويخسرون الحياة، ولا يصلون إلى ~~خير. # وهذه الآية ترد هذا القول؛ لأن ظاهرها يدل على كونهم أحياء حال نزول ~~هذه الآية، وأيضا فإنه تعالى قال: # أغرقوا فأدخلوا نارا # [نوح: 25] والفاء للتعقيب، والتعذيب مشروط بالحياة. وقال: # النار يعرضون عليها غدوا وعشيا # [غافر: 46] وإذا جعل الله أهل العذاب أحياء - قبل القيامة لأجل ~~التعذيب، فأن يجعل أهل الثواب أحياء - قبل القيامة - لأجل الثواب أولى؛ ~~لأن جانب الإحسان والرحمة أرجح من جانب العذاب، وأيضا لو كان المراد ~~أنه سيجعلهم أحياء في القيامة لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم { ~~ولا تحسبن } مع علمه بأن جميع المؤمنين كذلك. # فإن قيل: إنه صلى الله عليه وسلم كان عالما بأنهم سيصيرون أحياء عند ~~البعث، لكنه غير عالم أنهم من أهل الجنة، فجاز أن يبشره الله - ~~تعالى - بأنهم سيصيرون أحياء، ويصلون إلى الثواب؟ # فالجواب: أن قوله: { ولا تحسبن } وإنما يتناول الموت؛ لأنه ~~قال: { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله ~~أمواتا } فالذي يزيل هذا الحسبان هو كونهم أحياء في الحال؛ لأنه ~~لا حسبان - هناك - في صيرورتهم أحياء يوم القيامة. # وقوله: { يرزقون } خبر مبتدأ، ولا تعلق له بذلك الحسبان، فزال ~~السؤال، وأيضا فقوله تعالى: { ويستبشرون بالذين لم ~~يلحقوا بهم من خلفهم } فالقوم الذين لم يلحقوا بهم لا بد ~~وأن يكونوا في الدنيا، واستبشارهم بمن يكون في الدنيا ولا بد وأن يكون ~~قبل القيامة، والاستبشار لا يكون إلا مع الحياة، فدل على كونهم أحياء ~~قبل يوم القيامة. # وأيضا روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال - في صفة ~~الشهداء: # " أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار ~~الجنة، وتأكل من ثمارها، وتسرح حيث شاءت، وتأوي ~~إلى قناديل تحت العرش؛ فلمت رأوا طيب مسكنهم ومطعمهم ~~ومشربهم قالوا: يا ليت قومنا يعلمون بما نحن ~~فيه من النعيم، كي ms2288 يرغبوا في الجهاد، فقال الله ~~تعالى أنا مخبر عنكم، ومبلغ إخوانكم، ففرحوا ~~بذلك واستبشروا " # فأنزل الله تعالى هذه الآية. وسئل ابن مسعود عن هذه الآية، ~~فقال: سألنا عنها، فقيل لنا: إن الشهداء على نهر بباب الجنة في قبة ~~خضراء. وفي رواية: في روضة خضراء. # وعن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ألا أبشرك أن أباك -حيث أصيب بأحد - أحياه الله، ~~ثم قال: ما تريد يا عبد الله بن عمرو أن أفعل لك؟ ~~قال: يا رب، أحب أن تردني إلى الدنيا فأقتل فيك ~~مرة أخرى ". # الاحتمال الثاني - وهو أنهم أحياء في الحال - والقائلون بهذا القول، ~~منهم من أثبت الحياة للروح، ومنهم من أثبتها للبدن، فمن أثبتها للروح ~~قال: لقوله تعالى: # يأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك ~~راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي # [الفجر: 27- 30] والمراد: الروح. # " وروي أنه صلى الله عليه وسلم يوم بدر كان ينادي المقتولين، ويقول: { ~~فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا } [الأعراف: 44] فقيل: يا ~~رسول الله، إنهم أموات، فكيف تناديهم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " إنهم ~~أسمع منكم " " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " أنبياء الله لا يموتون ولكن ينتقلون من دار إلى دار ". # الاحتمال الثالث: من أثبت الحياة للأجساد، وهؤلاء اختلفوا، فقال ~~بعضهم: أنه - تعالى - يصعد أجساد الشهداء إلى السموات، وإلى قناديل ~~تحت العرش، ويوصل إليها الكرامات. # وقد طعنوا في هذا، وقالوا: إنا نرى الشهداء تأكلهم السباع، ونرى المقتول ~~يبقى أياما إلى أن تتفسخ وتنفصل أعضاؤه، فعود الحياة إليها ~~مستبعد، وإن جوزنا كونها حية عاقلة، متنعمة عارفة: لزم القول ~~بالسفسطة. # الاحتمال الرابع: إن كونهم أحياء من طريق المجاز. # قال الأصم البلخي: إذا كان الميت عظيم المنزلة في الدين، وكانت ~~عاقبته يوم القيامة إلى السعادة والكرامة، صح أن يقال: أنه حي، ~~وليس بميت، كما يقال - في الجاهل الذي لا ينفع نفسه ولا غيره -: إنه ~~ميت، وكما يقال - للبليد -: إنه حمار، وللمؤذي إنه سبع، كما قال عبد ~~الملك بن مروان - لما رأى الزهري، وعلم ms2289 فقهه وتحقيقه -: ما مات ~~من خلفه مثلك. وإذا مات الإنسان، وخلف ثناء جميلا، وذكرا ~~حسنا، يقال - على سبيل المجاز: أنه ما مات. # وقال آخرون: مجاز هذه الآية أن أجسادهم لا تبلى تحت الأرض، كما ~~روي أن معاوية لما أراد أن يجري العين إلى قبور الشهداء، أمر أن ينادى: ~~من كان له قتيل فليخرجه من هذا الموضع، قال جابر: فخرجنا إليهم، ~~فأخرجناهم رطاب الأبدان فأصاب المسحاة أصبع رجل منهم، فانفطرت ~~دما. # وقيل: المراد - بكونهم أحياء - أنهم لا يغسلون كما يغسل ~~الأموات. # قال القرطبي: إذا كان الشهيد حيا - حكما - فلا يصلى عليه، ~~كالحي حسا. # قوله: { فرحين } فيه خمسة أوجه: # أحدها: أن يكون حالا من الضمير في " أحياء ". # ثانيها: أن يكون حالا من الضمير في الظرف. # ثالثها: أن يكون حالا من الضمير في { يرزقون }. # رابعها: أنه منصوب على المدح. # خامسها: أنه صفة ل " أحياء ". # وهذا مختص بقراءة ابن أبي عبلة و " بما " يتعلق ب " فرحين ". # قوله: { من فضله } في " من " ثلاثة أوجه: # أحدها: أن معناها السببية، أي بسببب فضله، أي: الذي آتاهم الله متسبب عن ~~فضله. # الثاني: أنها لابتداء الغاية، وعلى هذين الوجهين تتعلق ب " آتاهم ". # الثالث: أنها للتبعيض، أي: بعض فضله، وعلى هذا فتتعلق بمحذوف، على أنه ~~حال من الضمير العائد على الموصول ولكنه حذف، والتقدير: بما آتاهموه ~~كائنا من فضله. # قوله: " ويستبشرون " فيه أربعة أوجه: # أحدها: أن يكون من باب عطف الفعل على الاسم؛ لكون الفعل في تأويله، ~~فيكون عطفا على " فرحين " كأنه قيل: فرحين ومستبشرين، ونظروه ~~بقوله تعالى: # فوقهم صافات ويقبضن # [الملك: 19]. # الثاني: أنه - أيضا - يكون من باب عطف الفعل على الاسم، ولكن لا لأن ~~الاسم في تأويل الفعل، قال أبو البقاء هو معطوف على " فرحين " لأن اسم ~~الفاعل - هنا - يشبه الفعل المضارع يعني أن " فرحين " بمنزلة يفرحون، ~~وكأنه جعله من باب قوله: # إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله # [الحديد: 18] والتقدير الأول أولى، لأن الاسم - وهو " فرحين " لا ~~ضرورة بنا إلى أن نجعله في محل فعل مضارع - حتى يتأول الاسم به ms2290 - والفعل ~~فرع عليه، فينبغي أن يرد إليه. # وإنما فعلنا ذلك في الآية؛ لأن " أل " الموصولة بمعنى: الذي و " الذي " ~~لا يوصل إلا بجملة أو شبهها، وذلك الشبه - في الحقيقة - يتأول بجملة. # الثالث: أن يكون مستأنفا، والواو للعطف، عطفت فعلية على اسمية. # الرابع: أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف، أي: وهم يستبشرون، وحينئذ يجوز ~~وجهان: # أحدهما: أن تكون الجملة حالية من الضمير المستكن في " فرحين " أو من ~~العائد المحذوف من " آتاهم " وإنما احتجنا إلى تقدير مبتدأ عند جعلنا ~~إياها حالا؛ لأن المضارع المثبت لا يجوز اقترانه بواو الحال لما تقدم ~~مرارا. # الثاني من هذين الوجهين: أن تكون استئنافية، عطف جملة اسمية على مثلها. # و " استفعل " - هنا - ليست للطلب، بل تكون بمعنى المجرد، نحو: استغنى ~~الله - بمعنى: غني، وقد سمع بشر الرجل - بكسر العين - فيكون ~~استبشر بمعناه، قاله ابن عطية. ويجوز أن يكون مطاوع أبشر، نحو: ~~أكانه فاستكان، وأراحه فاستراح، وأشلاه فاستشلى، وأحكمه فاستحكم - وهو ~~كثير - وجعله أبو حيان أظهر؛ من حيث إن المطاوعة تدل على الاستفعال عن ~~الغير، فحصلت لهم البشرى بإبشار الله تعالى، وهذا لا يلزم إذا كان ~~بمعنى المجرد. # قوله: { من خلفهم } في هذا الجار وجهان: # أحدهما: أنه متعلق ب " لم يلحقوا " على معنى أنهم قد بقوا بعدهم، ~~وهم قد تقدموهم. # الثاني: أن يكون متعلقا بمحذوف على أنه حال من فاعل " يلحقوا بهم " ، ~~أي: لم يلحقوا بهم حال كونهم متخلفين عنهم - أي: في الحياة -. # فصل # معنى الكلام: ويستبشرون: ويفرحون بالذين لم يلحقوا بهم، من إخوانهم ~~الذين تركوهم أحياء في الدنيا على مناهج الإيمان والجهاد؛ ليعلمهم ~~انهم إذا استشهدوا لحقوا بهم، ونالوا من الكرامة ما نالوا هم؛ فلذلك ~~يستبشرون. # وقال الزجاج وابن فورك: الإشارة - بالاستبشار للذين لم يلحقوا بهم - ~~إلى جميع المؤمنين - وإن لم يقتلوا - ولكنهم لما عاينوا ثواب الله وقع ~~اليقين بأن دين الإسلام هو الحق الذي يثيب الله عليه، فهم فرحون ~~لأنفسهم بما آتاهم الله من فضله، مستبشرون للمؤمنين بأن لا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون. # قوله: { ألا خوف ms2291 عليهم } فيه وجهان: # أحدهما: أن " أن " وما في حيزها في محل جر، بدلا من " بالذين " ~~بدل اشتمال، أي: يستبشرون بعد خوفهم وحزنهم، فهو المستبشر به في ~~الحقيقة، لأن الذوات لا يستبشر بها. # الثاني: أنها في محل نصب؛ على أنها مفعول من أجله، أي: لأنهم لا خوف ~~عليهم. # و " أن " - هذه - هي المخففة، واسمها ضمير الشأن، وجملة النفي بعدها ~~في محل الخبر. فإن قيل: الذوات لا يستبشر بها - كما تقدم - فكيف قال: { ~~ويستبشرون بالذين لم يلحقوا }؟. # فالجواب أن ذلك على حذف مضاف مناسب، تقديره: ويستبشرون بسلامة ~~الذين، أو لحوقهم بهم في الدرجة. # وقال مكي - بعد أن حكى أنها بدل اشتمال -: ويجوز أن يكون في موضع ~~نصب، على معنى: بأن لا وهذا - هو بعينه - وجه البدل المتقدم، غاية ما ~~في الباب أنه أعاد مع البدل العامل في تقديره اللهم إلا أن يعني أنها - ~~وإن كانت بدلا من " الذين " - ليست في محل جر، بل في محل نصب، ~~لأنها سقطت منها الباء؛ فإن الأصل: بأن لا، وإذا حذف منها حرف الجر ~~كانت في محل نصب - على رأي سيبويه والفراء - وهو بعيد. ### || [3.171-172] # لما بين - تعالى - أنهم يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم، بين - هنا ~~- أنهم يستبشرون لأنفسهم بما رزقوا من النعيم، ولذلك أعاد لفظ ~~لاستبشار. # فإن قيل: أليس الذي ذكر فرحهم بأحوال أنفسهم - والفرح عين ~~الاستبشار - فلزم التكرار؟ فالجواب من وجهين: # أحدهما: أن الاستبشار هو الفرح التام، فلا يلزم التكرار. # الثاني: لعل المراد حصول الفرح بما حصل في الحال، وحصول ~~الاستبشار بما عرفوا أن النعمة العظيمة تحصل لهم في الآخرة. # فإن قيل: ما الفرق بين النعمة والفضل، فإن العطف يقتضي ~~المغايرة؟ # فالجواب: أن النعمة هي الثواب، والفضل: هو التفضل الزائد. # وقيل: النعمة: المغفرة، والفضل: الثواب الزائد. # وقيل: للتأكيد. # روى الترمذي عن المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له، ويرى ~~مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن ~~الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج ms2292 الوقار، ~~الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج ~~اثنين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في ~~سبعين من أقاربه " # قال: هذا حديث حسن، صحيح، غريب، وهذا تفسير النعمة والفضل، ~~وهذا في الترمذي وابن ماجه ست، وهي في العدد سبعة. # فصل # وهذه الآية تدل على أن الإنسان يكون فرحه واستبشاره - بصلاح ~~حال إخوانه - أتم من استبشاره بسعادة نفسه، لأنه - تعالى - ~~مدحهم على ذلك بكونهم أول ما استبشروا فرحوا بإخوانهم، ثم ذكر - ~~بعده - استبشارهم بأنفسهم، فقال: { يستبشرون بنعمة من ~~الله وفضل }. # قوله: { وأن الله لا يضيع } قرأ الكسائي بكسر " أن " ~~على الاستئناف. # وقال الزمخشري: إن قراءة الكسر اعتراض. # واستشكل كونها اعتراضا؛ لأنها لم تقع بين شيئين متلازمين. # ويمكن أن يجاب عنه بأن " الذين استجابوا " يجوز أن يكون تابعا ل " ~~الذين لم يلحقوا " - نعتا، أو بدلا، على ما سيأتي - فعلى هذا لا يتصور ~~الاعتراض. # ويؤيد كونها للاستئناف قراءة عبد الله ومصحفه: والله لا يضيع، وقرأ ~~باقي السبعة بالفتح؛ عطفا على قوله: " بنعمة " لأنها بتأويل مصدر، ~~أي: يستبشرون بنعمة من الله وفضل منه وعدم إضاعة الله أجر المؤمنين. # فإن قيل: لم قال: " يستبشرون " من غير عطف؟ # فالجواب فيه أوجه: # أحدها: أنه استئناف متعلق بهم أنفسهم، دون { الذين لم يلحقوا بهم } ~~لاختلاف متعلق البشارتين. # الثاني: أنه تأكيد للأول؛ لأنه قصد بالنعمة والفضل بيان متعلق ~~الاستبشار الأول، وإليه ذهب الزمخشري. # الثالث: انه بدل من الفعل الأول، ومعنى كونه بدلا: أنه لما كان ~~متعلقه بيانا لمتعلق الأول حسن أن يقال: بدل منه، وإلا فكيف يبدل فعل ~~من فعل موافق له لفظا ومعنى؟ وهذا في المعنى يئول إلى وجه التأكيد. # الرابع: أنه حال من فاعل " يحزنون " و " يحزنون " عامل فيه، أي: ولا ~~هم يحزنون حال كونهم مستبشرين بنعمة. وهو بعيد، لوجهين: # أحدهما: أن الظاهر اختلاف من نفي عنه الحزن ومن استبشر. # الثاني: أن نفي الحزن ليس مقيدا ليكون أبلغ في البشارة، والحال ~~قيد فيه، فيفوت هذا المعنى. # فصل # والمقصود - من هذا الكلام - أن إيصال الثواب العظيم إلى ms2293 الشهداء ليس ~~مخصوصا بهم، بل كل مؤمن يستحق شيئا من الأجر والثواب، فإن الله تعالى ~~يوصل ثوابه إليه، ولا يضيعه. # قوله: " الذين استجابوا " فيه ستة أوجه: # أحدها: أنه مبتدأ، وخبره قوله: { للذين أحسنوا منهم ~~واتقوا أجر عظيم }. # وقال مكي: ابتداء وخبره " من بعدما أصابهم القرح " وهذا غلط؛ لأن ~~هذا ليس بمفيد ألبتة، بل " من بعد " متعلق ب " استجابوا ". # الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: هم الذين. # الثالث: أنه منصوب بإضمار " أعني " وهذان الوجهان يشملهما قولك: ~~القطع. # الرابع: أنه بدل من " المؤمنين ". # الخامس: أنه بدل من { الذين لم يلحقوا } قاله مكي. # السادس: أنه نعت ل " المؤمنين " ويجوز فيه وجه سابع، وهو أن يكون ~~نعتا لقوله: { الذين لم يلحقوا } قياسا على جعله بدلا منهم عند ~~مكي. # و " ما " في قوله: { من بعد مآ أصابهم } مصدرية، و " الذين ~~أحسنوا " خبر مقدم، و " منهم " فيه وجهان: # أحدهما: أنه حال من الضمير في " أحسنوا " وعلى هذا ف " من " تكون ~~تبعيضية. # الثاني: أنها لبيان الجنس. # قال الزمخشري: " مثلها في قوله تعالى: # وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم ~~مغفرة # [الفتح: 29] لأن الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا كلهم لا بعضهم ~~". و " أجر " مبتدأ مؤخر، والجملة من هذا المبتدأ وخبره، إما مستأنفة، ~~أو حال - إن لم يعرب " الذين استجابوا " مبتدأ - وإما خبر - إن ~~أعربناه مبتدأ - كما تقدم تقريره. # والمراد: أحسنوا فما أتوا به من طاعة الرسول صلى الله واتقوا ارتكاب ~~شيء من المنهيات. # فصل في بيان سبب النزول # في سبب نزول هذه الآية وجهان: # أحدهما - وهو الأصح -: # " أن أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا من أحد، فلما بلغوا الروحاء ~~ندموا وتلاوموا، وقالوا: لا محمدا قتلتم، ولا الكواعب أردفتم، ~~قتلتموهم حتى لم يبق منهم إلا الشريد تركتموهم، ارجعوا فاستأصلوهم، ~~فهموا بالرجوع فبلغ ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم فأراد أن يرهب ~~الكفار، ويريهم من نفسه وأصحابه قوة، فندب أصحابه للخروج في طلب ~~أبي سفيان، وقال: لا أريد أن يخرج الآن معي إلا من كان معي في القتال، ~~فانتدب عصابة ms2294 منهم - مع ما بهم من ألم الجراح والقرح الذي أصابهم ~~يوم أحد - ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا لا يخرجن ~~معنا أحد، إلا من حضر يومنا بالأمس، فكلمه جابر بن عبد الله، فقال: ~~يا رسول الله إن أبي كان قد خلفني على أخوات لي سبع، وقال: يا ~~بني لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة ولا رجل ~~فيهن، ولست بالذي أوثرك على نفسي بالجهاد مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فتخلف على أخواتك فتخلفت عليهن. فأذن له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فخرج معه، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مرهبا للعدو، وليبلغهم أنه خرج في طلبهم، فيظنوا به قوة، وأن ~~الذي أصابهم لم يوهنهم، فينصرفوا. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~سبعين رجلا، منهم أبو بكر وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، ~~والزبير، وسعد، وسعيد، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن مسعود، ~~وحذيفة بن اليمان، وأبو عبيدة بن الجراح، حتى بلغوا حمراء الأسد - ~~وهي من المدينة على ثمانية أميال " # - روي عن عائشة أنها قالت- لعبد الله بن الزبير: ابن أختي، ~~أما - والله - إن أباك وجدك - تعني أبا بكر والزبير - لمن الذين ~~قال الله - عز وجل - فيهم: { الذين استجابوا لله ~~والرسول }. # " وروي أنه كان فيهم من يحمل صاحبه على عنقه ساعة، ثم كان المحمول ~~يحمل الحامل ساعة أخرى، وذلك لكثرة الجراحات فيهم، وكان منهم من ~~يتوكأ على صاحبه ساعة، ويتوكأ عليه صاحبه ساعة أخرى فمر برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم معبد الخزاعي بحمراء الأسد، وكانت خزاعة - ~~مسلمهم وكافرهم - عيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بتهامة، ~~صفقتهم معه، لا يخفون عنه شيئا كان بها، ومعبد - يومئذ - مشرك، ~~فقال: يا محمد والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك، ولوددنا أن ~~الله قد أعفاك منهم. # ثم خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لقي أبا سفيان ومن ~~معه - بالروحاء - قد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ms2295 ~~وقالوا: قد أصبنا جل أصحابه وقادتهم، لنكرن على بقيتهم، فلنفرغن ~~منهم فلما رأى أبو سفيان معبدا قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد ~~خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقا، قد ~~اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم، وندموا على صنيعهم وفيهم من ~~الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط، قال ويلك ما تقول؟ قال: والله ما ~~أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل. قال: والله لقد أجمعنا الكرة عليهم ~~لنستأصل بقيتهم. قال: فإني أنهاك عن ذلك، فوالله لقد حملني ما رأيت على ~~أن قلت فيه أبياتا: [البسيط] " # 1690- كادت تهد من الأصوات راحلتي # إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل # " وذكر أبياتا. ففتر ذلك أبا سفيان ومن معه. ومر به ركب من ~~بني عبد القيس، فقالوا: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة قالوا: ولم؟ ~~قالوا: نريد الميرة، قال فهل أنتم مبلغون محمدا عني رسالة وأحمل ~~لكم إبلكم زبيبا ب " عكاظ " غدا إذا وافيتمونا؟ قالوا: نعم، قال ~~فإذا جئتموه فأخبروه أنا قد جمعنا إليه وإلى أصحابه؛ لنستأصل ~~بقيتهم، وانصرف أبو سفيان إلى مكة. ومر الركب برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو ب " حمراء الأسد " فأخبروه بالذي قال أبو سفيان، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: حسبنا الله ونعم الوكيل، ثم ~~انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. " # هذا قول أكثر المفسرين. # الثاني: # " قال الأصم: نزلت هذه الآية في يوم أحد، لما رجع الناس إليه صلى ~~الله عليه وسلم بعد الهزيمة، فشد بهم على المشركين حتى كشفهم وكانوا قد ~~هموا هم بالمثلة، فدفعهم عنها بعد أن مثلوا بحمزة، فقذف في قلوبهم ~~الرعب، فانهزموا، وصلى عليهم صلى الله عليه وسلم ودفنهم بدمائهم. ~~وذكروا أن صفية جاءت لتنظر إلى أخيها حمزة، فقال صلى الله عليه وسلم ~~للزبير: ردها؛ لئلا تجزع من مثلة أخيها، فقالت: قد بلغني ما ~~فعل به، وذلك يسير في جنب طاعة الله تعالى، فقال صلى الله عليه ~~وسلم للزبير: فدعها، لتنظر إليه، فقالت ms2296 خيرا، واستغفرت له. ~~وجاءت امرأة - قتل زوجها وأبوها وأخوها وابنها - فلما رأت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهو حي قالت: كل مصيبة بعدك هدر. " ### || [3.173-174] # في قوله: " الذين " ما تقدم في: " الذين " قبله، إلا في رفعه بالابتداء. # وهذه الآية نزلت في غزوة بدر الصغرى، # " روى ابن عباس أن أبا سفيان لما عزم على أن ينصرف من المدينة إلى ~~مكة - قال: يا محمد موعدنا موسم بدر الصغرى، فنقتتل بها - إن شئت ~~- فقال صلى الله عليه وسلم لعمر: قل: بيننا وبينك ذلك - ~~إن شاء الله - فلما كان العام المقبل، خرج أبو سفيان في أهل مكة، حتى ~~نزل " مجنة " من ناحية " مر الظهران " فألقى الله تعالى الرعب في ~~قلبه، فبدا له أن يرجع فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي - وقد قدم ~~معتمرا - فقال أبو سفيان: يا نعيم، إني واعدت محمدا وأصحابه أن نلتقي ~~بموسم بدر، وإن هذا عام جدب، ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه ~~الشجر ونشرب فيه اللبن، وقد بدا لي أن لا أخرج إليها، ولكن إن خرج ~~محمد - ولم أخرج - زاد بذلك جرأة، ولأن يكون الخلف من ~~قبلهم أحب إلي من أن يكون من قبلي، فالحق بالمدينة ~~فثبطهم، ولك عندي عشرة من الإبل، أضعها على يد سهيل بن ~~عمرو ويضمنها. قال: فجاء سهيل، فقال له نعيم: يا أبا يزيد أتضمن لي ~~هذه القلائص، فأنطلق إلى محمد فأثبطه؟ قال: نعم، فخرج نعيم، ~~حتى أتى المدينة، فوجد المسلمين يتجهزون لميعاد أبي سفيان، فقال: أين ~~تريدون؟ فقالوا: واعدنا أبو سفيان لموسم بدر الصغرى أن نقتتل بها، ~~فقال: بئس الذي رأيتم، أتوكم في دياركم وقراركم، فلم يفلت منكم إلا ~~الشريد، أفتريدون أن تخرجوا إليهم؟ فإن ذهبتم إليهم لم يرجع منكم أحد، ~~وقد جمعوا لكم عند الموسم. # فوقع هذا الكلام في قلوب بعضهم، فلما عرفوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ذلك قال: " والذي نفس محمد بيده لأخرجن إليهم ولو وحدي ". فأما ~~الجبان فإنه رجع، وأما الشجاع فإنه تأهب للقتال، وقالوا " حسبنا ~~الله ونعم الوكيل ". ثم ms2297 خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نحو سبعين ~~رجلا - فيهم ابن مسعود حتى وافوا بدر الصغرى - وهي ماء لبني ~~كنانة، وكانت موضع سوق لهم، يجتمعون فيه كل عام ثمانية أيام - ولم ~~يلق رسول الله - وأصحابه أحدا من المشركين ووافقوا السوق، وكانت ~~معهم نفقات وتجارات، فباعوا واشتروا أدما وزبيبا، وأصابوا بالدرهم ~~درهمين، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين. ورجع أبو سفيان إلى مكة، ~~وسمى أهل مكة جيشه جيش السويق، وقالوا: إنما خرجتم لتشربوا السويق. " # هذا سبب نزول الآية. # والمراد ب " الناس " نعيم بن مسعود - في قول مجاهد وعكرمة - فهو من ~~العام الذي أريد به الخاص، كقوله تعالى: # أم يحسدون الناس # [النساء: 54] يعني محمدا وحده، وإنما جاز إطلاق لفظ " الناس " على ~~الواحد؛ لأن الإنسان الواحد إذا كان له أتباع يقولون مثل قوله، أو ~~يرضون بقوله فإنه يحسن - حينئذ - إضافة ذلك الفعل إلى الكل، قال ~~تعالى: # وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها # [البقرة: 72] وقال: # وإذ قلتم ياموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله ~~جهرة # [البقرة: 55] وهم لم يفعلوا ذلك، وإنما فعله أسلافهم، إلا أنهم لما ~~تابعوهم وصوبوا فعلهم، حسن إضافة ذلك إليهم. # وقال ابن عباس، ومحمد بن إسحاق، وجماعة: أراد بالناس: الركب ~~من بني عبد القيس " قد جمعوا لكم " يعني أبا سفيان وأصحابه. # وقال السدي: هم المنافقون، قالوا للمسلمين - حين تجهزوا للمسير ~~إلى بدر لميعاد أبي سفيان -: القوم قد أتوكم في دياركم، فقتلوا ~~أكثركم، فإن ذهبتم إليهم لم يبق منكم أحد، لا سيما وقد جمعوا ~~لكم جمعا عظيما " فاخشوهم " أي: فخافوهم. # قوله: { فزادهم إيمانا } في فاعل " فزادهم " ثلاثة أوجه: # الأول - وهو الأظهر -: أنه ضمير يعود على المصدر المفهوم من " قال " ~~أي فزادهم القول بكيت وكيت إيمانا، كقوله: # اعدلوا هو أقرب للتقوى # [المائدة: 8]. # الثاني: أنه يعود على المقول - الذي هو { إن الناس قد جمعوا ~~لكم فاخشوهم } كأنه قيل: قالوا لهم هذا الكلام فزادهم إيمانا. # الثالث: أنه يعود على " الناس " إذا أريد به فرد واحد - كما نقل في ~~سبب النزول - وهو نعيم بن مسعود الأشجعي. ms2298 # واستضعف أبو حيان الوجهين الأخيرين، قال: " وهما ضعيفان؛ من حيث ~~إن الأول لا يزيد إيمانا إلا النطق به، لا هو في نفسه، ومن حيث إن ~~الثاني إذا أطلق على المفرد لفظ الجمع مجازا فإن الضمائر تجري على ذلك ~~الجمع، لا على المفرد. تقول: مفارقه شابت - باعتبار الإخبار عن الجمع - ~~ولا يجوز: مفارقة شاب - باعتبار: مفرقه شاب ". # قال شهاب الدين: وفيما قاله نظر؛ لأن المقول هو الذي في الحقيقة ~~حصل به زيادة الإيمان - وأما قوله: تجري على الجمع، لا على المفرد، ~~فغير مسلم، ويعضده أنهم نصوا على أنه يجوز اعتبار لفظ الجمع ~~الواقع موقع المثنى تارة، ومعناه تارة أخرى، فأجازوا: رؤوس ~~الكبشين قطعتهن، وقطعتهما، وإذا ثبت ذلك في الجمع الواقع موقع المثنى، ~~فليجز في الواقع موقع المفرد. ولقائل أن يفرق بينهما، وهو أنه إنما جاز ~~أن يراعى معنى التثنية - المعبر عنها بلفظ الجمع - لقربها منه؛ من حيث ~~إن كلا منهما فيه ضم شيء إلى مثله. بخلاف المفرد، فإنه بعيد من الجمع؛ ~~لعدم الضم، فلا يلزم من مراعاة معنى التثنية في ذلك مراعاة معنى ~~المفرد. # فصل # قال أبو العباس المقرئ: لفظ " الوكيل " في القرآن على وجهين: # الأول: بمعنى المانع - كهذه الآية - ومثله قوله: # فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من ~~يكون عليهم وكيلا # [النساء: 109] أي: مانعا. # الثاني: بمعنى: الشاهد، قال تعالى: # وكفى بالله وكيلا # [النساء: 81، 132، 171] أي: شهيدا، ومثله قوله: # إنمآ أنت نذير والله على كل شيء وكيل # [هود: 12]. أي: شاهد، ومثله: # فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل # [القصص: 28] أي: شهيد. # قوله: { وقالوا حسبنا الله } [آل عمران: 173] عطف " قالوا " ~~على " فزادهم " والجملة بعد القول في محل نصب به. # قوله: { ونعم الوكيل } المخصوص بالمدح، أي: الله تعالى. # قوله: { فانقلبوا بنعمة } في متعلق باء " بنعمة " وجهان: # أحدهما: أنها متعلقة بنفس الفعل على أنها باء التعدية. # الثاني: أنها تتعلق بمحذوف، على أنها حال من الضمير في " انقلبوا " ~~والباء على هذه المصاحبة، كأنه قيل: فانقلبوا ملتبسين بنعمة ومصاحبين ~~لها. والتقدير: وخرجوا فانقلبوا، وحذف الخروج؛ ms2299 لأن الانقلاب يدل عليه، ~~كقول: # أن اضرب بعصاك البحر فانفلق # [الشعراء: 63] أي: فضرب فانفلق ومعنى الآية: " فانقلبوا " بعافية، لم ~~يلقوا عدوا " وفضل " تجارة وربح، وهو ما أصابوا من السوق. # قوله: { لم يمسسهم سوء } هذه الجملة في محل نصب على الحال - ~~أيضا - وفي ذي الحال وجهان: # أحدهما: أنه فاعل " انقلبوا " أي: انقلبوا سالمين من السوء. # الثاني: أنه الضمير المستكن في " بنعمة " إذا كانت حالا، والتقدير: ~~فانقلبوا منعمين بريئين من السوء. والعامل فيها: العامل في بنعمة ~~فهما حالان متداخلتان، والحال إذا وقعت مضارعا منفيا ب " لم " وفيها ~~ضمير ذي الحال جاز دخول الواو وعدمه فمن الأول قوله تعالى: # أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء # [الأنعام: 93] وقول كعب: [البسيط] # 1691- لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم # أذنب ولو كثرت في الأقاويل # ومن الثاني هذه الآية، وقوله: # ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا ~~خيرا # [الأحزاب: 25] وقول [قيس] بن الأسلت: # 1692- وأضرب القونس يوم الوغى # بالسيف لم يقصر به باعي # وبهذا يعرف غلط الأستاذ ابن خروف؛ حيث زعم أن الواو لازمة في ~~مثل هذا، سواء كان في الجملة ضمير، أو لم يكن. # قوله: { واتبعوا } يجوز في هذه الجملة وجهان: # الأول: أنها عطف على " انقلبوا ". # الثاني: أنها حال من فاعل " انقلبوا " - أيضا - ويكون على إضمار " قد " ~~أي: وقد اتبعوا. # فصل # قال القرطبي: " وقد اختلف العلماء في زيادة الإيمان ونقصانه على ~~أقوال، والعقيدة في هذا على أن نفس الإيمان - الذي هو تاج - واحد، ~~وتصديق واحد بشيء ما إنما هو معنى مفرد، لا يدخل معه زيادة إذا حصل، ولا ~~يبقى منه شيء إذا زال، فلم يبق إلا أن تكون الزيادة والنقصان في ~~متعلقاته، دون ذاته. # ومعنى الآية: زادهم قول الناس إيمانا ونصرة ويقينا في دينهم، ~~وإقامة على نصرته، وقوة وجرأة واستعدادا، فزيادة الإيمان - على هذا ~~- هي في الأعمال ". قال ابن الخطيب: المراد بالزيادة في الإيمان أنهم ~~لما سمعوا هذا الكلام المخوف لم يلتفتوا إليه، بل حدث في قلوبهم ~~عزم متأكد على محاربة الكفار وعلى طاعة الرسول صلى الله ms2300 عليه وسلم في ~~كل ما يأمر به وينهى عنه - ثقل ذلك أو خف - لأنه قد كان فيهم من به ~~جراحات عظيمة، وكانوا محتاجين إلى المداواة، وحدث في قلوبهم وثوق ~~بأن الله ينصره على أعدائهم ويؤيدهم في هذه المحاربة، فهذا هو المراد ~~من قوله: { فزادهم إيمانا }. # فصل # هذه الواقعة تدل دلالة ظاهرة على أن الكل بقضاء وقدره؛ وذلك لأن ~~المسلمين كانوا قد انهزموا من المشركين يوم أحد، والعادة جارية بأنه ~~إذا انهزم أحد الخصمين عن الآخر، فإنه يحصل في قلب الغالب قوة وشدة ~~استيلاء، وفي قلب المغلوب انكسار وضعف، ثم إنه - سبحانه وتعالى - قلب ~~القضية ها هنا، فأودع قلوب الغالبين - وهم المشركون - الخوف والرعب، ~~وأودع قلوب المغلوبين القوة والحمية والصلابة، وذلك يدل على أن ~~الدواعي والصوارف من الله تعالى، وأنها متى حدثت في القلوب وقعت ~~الأفعال على وفقها. ثم قال تعالى: { وقالوا حسبنا الله ~~ونعم الوكيل } والمعنى: أنهم كلما ازدادوا إيمانا في قلوبهم ~~أظهروا ما يطابقه، فقالوا: { حسبنا الله ونعم الوكيل } ~~قال ابن الأنباري: { حسبنا الله } أي: كافينا الله. # ومثله قوله امرئ القيس: [الوافر] # 1693- فتملأ بيتنا أقطا وسمنا # وحسبك من غنى شبع وري # أي: يكفيك الشبع والري. # وأما " الوكيل " ففيه أقوال: # أحدها: أنه الكفيل. # قال الشاعر: [الطويل] # 1694- ذكرت أبا أروى فبت كأنني # برد الأمور الماضيات وكيل # الثاني: قال الفراء: الوكيل: الكافي، والذي يدل على صحة هذا القول أن " ~~نعم " سبيلها أن يكون الذي بعدها موافقا قبلها، تقول: رازقنا الله ~~ونعم الرازق، وخالقنا الله ونعم الخالق، وهذا أحسن من قول من يقول: ~~خالقنا الله ونعم الرازق، فكذا ههنا تقدير الآية: يكفينا الله ونعم ~~الكافي. # الثالث: " الوكيل " فعيل بمعنى مفعول، وهو الموكول إليه. والكافي ~~والكفيل يجوز أن يسمى وكيلا؛ لأن الكافي يكون الأمر موكولا إليه، ~~وكذا الكفيل يكون الأمر موكولا إليه. # ثم قال: { فانقلبوا بنعمة من الله وفضل } قال ~~مجاهد: النعمة - هنا - العافية، والفضل: التجارة. # وقيل: النعمة: منافع الدنيا، والفضل: ثواب الآخرة. # قوله: { لم يمسسهم سوء } أي: لم يصبهم قتل ولا جراح - ~~في ms2301 قول الجميع - { واتبعوا رضوان الله } طاعة الله، وطاعة ~~رسوله، { والله ذو فضل عظيم } قد تفضل عليهم بالتوفيق فيما ~~فعلوا. # روي أنهم قالوا: هل يكون هذا غزوا؟ فأعطاهم الله ثواب الغزو. # واختلف أهل المغازي، فذهب الواقدي إلى تخصيص الآية الأولى ب " ~~حمراء الأسد " والثانية ب " بدر الصغرى ". # ومنهم من جعل الآيتين في واقعة بدر الصغرى، والأول أولى؛ لأن ~~قوله تعالى: # من بعد مآ أصابهم القرح # [آل عمران: 172] يدل على قرب عهدهم بالقرح. ### || [3.175-176] # " إنما " حرف مكفوف ب " ما " عن العمل وقد تقدم الكلام فيها أول ~~الكتاب. وفي إعراب هذه الجملة خمسة أوجه: # الأول: أن يكون " ذلكم " مبتدأ، " والشيطان " خبره، و " يخوف أولياءه " ~~حال؛ بدليل وقوع الحال الصريحة في مثل هذا التركيب، نحو قوله: # وهذا بعلي شيخا # [هود: 72] وقوله: # فتلك بيوتهم خاوية # [النمل: 52]. # الثاني: أن يكون " الشيطان " بدلا، أو عطف بيان، و " يخوف " الخبر، ~~ذكره أبو البقاء. # الثالث: أن يكون " الشيطان " نعتا لاسم الإشارة، و " يخوف " على أن ~~يراد ب " الشيطان " نعيم، أو أبو سفيان - ذكره الزمخشري قال أبو حيان: ~~" وإنما قال: والمراد ب " الشيطان " نعيم، أو أبو سفيان؛ لأنه لا يكون ~~نعتا - والمراد به إبليس - لأنه إذ ذاك - يكون علما بالغلبة، إذ أصله ~~صفة - كالعيوق - ثم غلب على إبليس كما غلب العيوق على النجم ~~الذي ينطلق عليه " وفيه نظر. # الرابع: أن يكون " ذلكم " ابتداء، و " الشيطان " خبر، و " يخوف " جملة ~~مستأنفة، بيان لشيطنته، والمراد بالشيطان هو المثبط للمؤمنين. # الخامس: أن يكون " ذلكم " مبتدأ، و " الشيطان " مبتدأ ثان، و " يخوف " ~~خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول؛ قاله ابن عطية، وقال: " وهذا ~~الإعراب خير - في تناسق المعنى - من أن يكون " الشيطان " خبر " ذلكم " ~~لأنه يجيء في المعنى استعارة بعيدة ". # ورد عليه أبو حيان هذا الإعراب - إن كان الضمير في " أولياءه " ~~عائدا على " الشيطان " لخلو الجملة الواقعة خبرا عن رابط يربطها ~~بالمبتدأ - وليست نفس المبتدأ في المعنى، نحو: هجيرى أبي بكر لا ~~إله إلا الله وإن كان عائدا على " ذلكم " - ويراد ب " ذلكم " غير ms2302 ~~الشيطان جاز، وصار نظير: إنما هند زيد [يضرب غلامها]، والمعنى: إنما ذلكم ~~الركب، أو أبو سفيان الشيطان يخوفكم أنتم أولياؤه، أي: أولياء الركب، أو ~~أولياء أبي سفيان - والمشار إليه ب " ذلكم " هل هو عين أو معنى؟ فيه ~~احتمالان: # أحدهما: أنه إشارة إلى ناس مخصوصين - كنعيم وأبي سفيان ~~وأشياعهما - على ما تقدم. # الثاني: إشارة إلى جميع ما جرى من أخبار الركب وإرسال أبي سفيان وجزع ~~من جزع - وعلى هذا التقدير فلا بد من حذف مضاف، أي: فعل الشيطان، ~~وقدره الزمخشري: قول الشيطان، أي: قوله السابق، وهو: # إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم # [آل عمران: 173] وعلى كلا التقديرين - أعني كون الإشارة لأعيان أو معان ~~- فالإخبار ب " الشيطان " عن " ذلكم " مجاز؛ لأن الأعيان المذكورين ~~والمعاني من الأقوال والأفعال الصادرة من الكفار - ليست نفس الشيطان، ~~وإنما لما كانت بسببه ووسوسته جاز ذلك. # قوله: { يخوف أولياءه } قد تقدم ما محله من الإعراب. ~~والتضعيف فيه للتعدية، فإنه قبل التضعيف متعد إلى واحد، ~~وبالتضعيف يكتسب ثانيا، وهو من باب " أعطى " ، فيجوز حذف مفعوليه، أو ~~أحدهما اقتصارا واختصارا، وهو في الآية الكريمة يحتمل أوجها: # أحدها: أن يكون المفعول الأول محذوفا، تقديره: يخوفكم أولياءه، ~~ويقوي هذا التقدير قراءة ابن عباس وابن مسعود هذه الآية كذلك، ~~والمراد ب " أولياءه " - هنا - الكفار، ولا بد من حذف مضاف، أي: شر ~~أوليائه؛ لأن الذوات لا يخاف منها. # الثاني: أن يكون المفعول الثاني هو المحذوف، و " أولياءه " هو الأول، ~~والتقدير: يخوف أولياءه شر الكفار، ويكون المراد ب " أولياءه " - على ~~هذا الوجه - المنافقين ومن في قلبه مرض ممن تخلف عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في الخروج. # والمعنى: أن تخويفه بالكفار إنما يحصل للمنافقين الذين هم أولياؤه، وأما ~~أنتم فلا يصل إليكم تخويفه قاله الحسن والسدي. # الثالث: أن المفعولين محذوفان، و " أولياءه " نعت - على إسقاط حرف الجر ~~- والتقدير: يخوفكم الشر بأوليائه. والباء للسبب، أي: بسبب أوليائه ~~فيكونون هم كآلة التخويف لكم. # قالوا: ومثل حذف المفعول الثاني قوله تعالى: # فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ms2303 # [القصص: 7] أي: فإذا خفت عليه فرعون. ومثال حذف الجار قوله تعالى: # لينذر بأسا شديدا من لدنه # [الكهف: 2] معناه لينذركم ببأس، وقوله: # لينذر يوم التلاق # [غافر: 15]. وهذا قول الفراء والزجاج وأبي علي، قالوا: ويدل عليه ~~قراءة أبي والنخعي: يخوفكم بأوليائه. # قال شهاب الدين: فكأن هذا القائل رأى قراءة أبي والنخعي " يخوف ~~بأوليائه " فظن أن قراءة الجمهور مثلها في الأصل، ثم حذفت الباء، ~~وليس كذلك، بل تخرج قراءة الجمهور على ما تقدم؛ إذ لا حاجة إلى ~~ادعاء ما لا ضرورة له. # وأما قراءة أبي فيحتمل أن تكون الباء زائدة، كقوله: [البسيط] # 1695-................................... # سود المحاجر لا يقرأن بالسور # فتكون كقراءة الجمهور في المعنى. # ويحتمل أن تكون للسبب، والمفعولان محذوفان - كما تقدم. # قوله: { فلا تخافوهم } في الضمير المنصوب ثلاثة أوجه: # الأول - وهو الأظهر -: أنه يعود على " أولياءه " أي: فلا تخافوا أولياء ~~الشيطان، هذا إن أريد بالأولياء كفار قريش. # الثاني: أنه يعود على " الناس " من قوله: # إن الناس قد جمعوا لكم # [آل عمران: 173] إن كان المراد ب " أولياءه " المنافقين. # الثالث: أنه يعود على " الشيطان " قال أبو البقاء: " إنما جمع الضمير؛ ~~لأن الشيطان جنس " والياء في قوله: " وخافوني " من الزوائد، فإثبتها أبو ~~عمرو وصلا، وحذفها وقفا - على قاعدته - والباقون يحذفونها مطلقا. # فصل في ورود الخوف في القرآن الكريم # ورد الخوف على ثلاثة أوجه: # الأول: الخوف بعينه، كهذه الآية. # الثاني: الخوف: القتال، قال تعالى: # فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد # [الأحزاب: 19] أي: إذا ذهب القتال. # الثالث: الخوف: العلم، قال تعالى: # فمن خاف من موص جنفا # [البقرة:182] أي علم، ومثله قوله: # فإن خفتم ألا يقيما حدود الله # [البقرة: 229] وقوله: # وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم # [الأنعام: 51]. أي: يعلمون وقوله: # وإن خفتم شقاق بينهما # [النساء: 35] أي: علمتم. # وقوله: { إن كنتم مؤمنين } جوابه محذوف، أو متقدم - عند من ~~يرى ذلك - وهذا من باب الإلهاب والتهييج. إلا فهم ملتبسون بالإيمان. # قوله: { ولا يحزنك الذين } قرأ نافع " يحزنك " - بضم حرف ~~المضارعة - من " أحزن " - رباعيا - في سائر القرآن إلا التي في قوله: ms2304 # لا يحزنهم الفزع الأكبر # [الأنبياء: 103] فإنه كالجماعة. والباقون بفتح الباء - من " حزنه " ~~ثلاثيا - فقيل: هما من باب ما جاء فيه فعل وأفعل بمعنى. # وقيل: باختلاف معنى، فحزنه: جعل فيه حزنا - نحو: دهنه وكحله، ~~أي: جعل فيه دهنا وكحلا -وأحزنته: إذا جعلته حزينا. ومثل حزنه ~~وأحزنه فتنه وأفتنه، قال سيبويه: " وقال بعض العرب: أحزنت ~~الرجل وأفتنته: أرادوا: جعلته حزينا وفاتنا ". # وقيل: حزنته: أحدثت له الحزن، وأحزنته: عرضته للحزن. قاله أبو ~~البقاء وقد تقدم اشتقاق هذه اللفظة في " البقرة ". # قال شهاب الدين: " والحق أن حزنه وأحزنه لغتان فاشيتان، لثبوتهما ~~متواترتين - وإن كان أبو البقاء قال: إن أحزن لغة قليلة، ومن عجيب ما ~~اتفق أن نافعا - رحمه الله - يقرأ هذه المادة من " أحزن " إلا التي في ~~الأنبياء - كما تقدم - وأن شيخه أبا جعفر يزيد بن القعقاع يقرأها من " ~~حزنه " - ثلاثيا - إلا التي في الأنبياء، وهذا من الجمع بين اللغتين، ~~والقراءة سنة متبعة ". # وقرأ الجماعة: " يسارعون " بالفتح والإمالة، وقرأ النحوي " يسرعون " - ~~من أسرع - في جميع القرآن، قال ابن عطية: " وقراءة الجماعة أبلغ؛ لأن ~~من يسارع غيره أشد اجتهادا من الذي يسرع وحده ". # قوله: { إنهم لن يضروا الله شيئا } في نصب " شيئا " ~~وجهان: # أحدهما: أنه مصدر، أي: لا يضرونه شيئا من الضرر. # الثاني: أنه منصوب على إسقاط الخافض، أي: لن يضروه بشيء. وهكذا كل موضع ~~أشبهه ففيه الوجهان. # فصل # اختلفوا في هؤلاء المسارعين فقال الضحاك: هم كفار قريش، وقال غيره: ~~هم المنافقون؛ يسارعون في الكفر مظاهرة للكفار { إنهم لن يضروا الله } ~~بمسارعتهم في الكفر. # وقيل: إن قوما من الكفار أسلموا، ثم ارتدوا؛ خوفا من قريش، فوقع ~~الغم في قلب الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك السبب فإنه صلى الله ~~عليه وسلم ظن أنهم بسبب تلك الردة يلحقون به مضرة، فبين - ~~تعالى - أن ردتهم لا تؤثر في لحوق ضرر بك. # قال القاضي: ويقوى هذا الوجه بأن المستمر على الكفر لا يوصف بأنه ~~يسارع في الكفر، وإنما يوصف بذلك من يكفر بعد الإيمان. وأيضا فإن ~~إرادته ألا ms2305 يجعل لهم حظا في الآخرة لا تليق إلا بمن قد آمن واستوجب ~~ذلك، ثم أحبط. # وأيضا فإن الحزن إنما يكون على فوات أمر مقصود، فلما قدر النبي ~~صلى الله عليه وسلم الانتفاع بإيمانهم - ثم كفروا - حزن صلى الله عليه ~~وسلم عند ذلك؛ لفوات التكثير بهم، فآمنه الله من ذلك، وعرفه أن وجود ~~إيمانهم كعدمه في أن أحواله لا تتغير. # وقيل: المراد رؤساء اليهود - كعب بن الأشرف وأصحابه - كتموا صفة محمد ~~صلى الله عليه وسلم لمتاع الدنيا. قال القفال ولا يبعد حمل الآية على ~~جميع أصناف الكفار؛ لقوله تعالى: # يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في ~~الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم ~~تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا # [المائدة: 41]. فإن قيل: الحزن على كفر الكافر، ومعصية العاصي طاعة، ~~فكيف نهاه الله عن الطاعة؟ # فالجواب من وجهين: # الأول: أنه كان يفرط في الحزن على كفر قومه، حتى كاد يؤدي ذلك إلى ~~لحوق الضرر به، فنهاه الله تعالى عن الإسراف فيه، كما قال: # فلا تذهب نفسك عليهم حسرات # [فاطر: 8]. # الثاني: أن المعنى لا يحزنوك بخوف أن يضروك، ويعينوا عليك؛ ألا ترى ~~إلى قوله: { إنهم لن يضروا الله شيئا } يعني: أنهم لا ~~يضرون - بمسارعتهم في الكفر - غير أنفسهم، ولا يعود وبال ذلك على غيرهم ~~ألبتة. # ثم قال: { يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ~~} وهذا تنصيص ورد على المعتزلة بأن الخير والشر بإرادة الله تعالى، ~~وتدل الآية - أيضا - على أن النكرة في سياق النفي تعم؛ إذ لو لم ~~يحصل العموم لم يحصل في تهديد الكفار بهذه الآية، ثم قال: { ولهم ~~عذاب عظيم } وهذا كلام مبتدأ والمعنى: أنه كما لا حظ لهم ألبتة ~~من منافع الآخرة، فلهم الحظ العظيم من [مضارها]. ### || [3.177] # اعلم أنه لا يبعد حمل الآية الأولى على المرتدين، وحمل هذه الآية على ~~اليهود. ومعنى: { اشتروا الكفر بالإيمان } أنهم كانوا ~~يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم ويؤمنون به قبل مبعثه، فلما بعث ~~كفروا به، وتركوا ما كانوا عليه، فكأنهم أعطوا الإيمان، وأخذوا ms2306 الكفر ~~بدلا عنه، كما يفعل المشتري من إعطاء شيء وأخذ غيره بدلا عنه. # ولا يبعد أيضا - حمل هذه الآية على المنافقين؛ لأنهم متى كانوا مع ~~المؤمنين أظهروا الإيمان، فإذا خلوا إلى شياطينهم كفروا، وتركوا الإيمان، ~~فكان ذلك كأنهم اشتروا الكفر بالإيمان. # فإن قيل: ما فائدة التكرار في الآيتين في قوله: { لن يضروا ~~الله شيئا }؟ # فالجواب: أن فائدة التكرار أمور: # أحدهما: أن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لا شك أنهم كانوا كافرين ~~أولا، ثم آمنوا، ثم كفروا بعد ذلك، وهذا يدل على شدة الاضطراب، ~~وضعف الرأي، وقلة الثبات، ومثل هذا الإنسان لا خوف منه، ولا ~~هيبة له، ولا قدرة له على إلحاق الضرر بالغير. # ثانيها: أن أمر [الدين] أهم الأمور وأعظمها، ومثل هذا مما لا يقدم ~~الإنسان فيه - على الفعل، أو على الترك - إلا بعد إمعان النظر، ~~وكثرة الفكر، وهؤلاء يقدمون على الفعل، أو على الترك في هذا المهم ~~بأهون الأسباب وأضعف الموجبات، وهذا يدل على قلة عقولهم، وشدة ~~حماقتهم، وأمثال هؤلاء لا يلتفت العاقل إليهم. # ثالثها: أن أكثرهم إنما ينازعونك في الدين لا بناء على الشبهات، ~~بل بناء على الحسد والمنازعة في منصب الدنيا، ومن كان عقله ~~بهذا القدر - وهو بيع السعادة العظيمة الأخروية بالقليل الفاني من ~~سعادة الدنيا - كان في غاية الحماقة، ومثله لا يقدر على إلحاق ضرر ~~بالغير، والله أعلم. ### || [3.178] # قرأ الجمهور " يحسبن " بالغيبة، وحمزة بالخطاب، وحكى الزجاج عن خلق ~~كثير كقراءة حمزة إلا أنهم كسروا " أنما " ونصبوا " خير " وأنكرها ابن ~~مجاهد - وسيأتي إيضاح ذلك - وقرأ يحيى بن وثاب بالغيبة وكسر " إنما ". ~~وحكى عنه الزمخشري - أيضا - أنه قرأ بكسر " أنما " الأولى وفتح الثانية ~~مع الغيبة، فهذه خمس قراءات. # فأما قراءة الجمهور، فتخريجها واضح، وهو أنه يجوز أن يكون الفعل مسندا ~~إلى " الذين " و " أن " وما اتصل بها سادة مسد المفعولين - عند سيبويه ~~- أو مسد أحدهما، والآخر محذوف - عند الأخفش - ويجوز أن يكون مسندا ~~إلى ضمير غائب، يراد به النبي صلى الله عليه وسلم أي لا يحسبن النبي صلى ms2307 ~~الله عليه وسلم. فعلى هذا أن يكون " الذين كفروا " مفعولا أول، وأما ~~الثاني فسيأتي الكلام عليه في قراءة حمزة، لتتحد هذه القراءة - على هذا ~~الوجه - مع قراءة حمزة رحمه الله، وسيأتي تخريجها. # و " ما " يجوز أن تكون موصولة اسمية، فيكون العائد محذوفا، لاستكمال ~~الشروط، أي: الذي نمليه ويجوز أن تكون مصدرية - أي: إملاءنا - وهي اسم " ~~إن " و " خير " خبرها. # قال أبو البقاء: " ولا يجوز أن تكون كافة، وزائدة؛ إذ لو كان كذلك ~~لانتصب " خير " ب " نملي " واحتاجت " أن " إلى خبر، إذا كانت " ما " ~~زائدة، أو قدر الفعل يليها، وكلاهما ممتنع " انتهى. وهي من الواضحات. ~~وكتبوا " أنما " - في الموضعين - متصلة، وكان من حق الأولى الفصل؛ لأنها ~~موصولة. # وأما قراءة حمزة فاضطربت فيها أقوال الناس وتخاريجهم، حتى أنه نقل عن ~~أبي حاتم أنها لحن. # قال النحاس: وتابعه على ذلك [جماعة] وهذا لا يلتفت إليه، لتواترها، ~~وفي تخريجها ستة أوجه: # أحدها: أن يكون فاعل " تحسبن " ضمير النبي صلى الله عليه وسلم و " الذين ~~كفروا " مفعول أول، و { أنما نملي لهم خير } مفعول ثان، ولا بد - على ~~هذا التخريج - من حذف مضاف، إما من الأول، تقديره: ولا تحسبن شأن ~~الذين، وإما من الثاني، تقديره: أصحاب أن إملاءنا خير لهم. # وإنما احتجنا إلى هذا التأويل؛ لأن " أنما نملي " بتأويل مصدر، ~~والمصدر معنى من المعاني لا يصدق على " الذين كفروا " والمفعول ~~الثاني في هذا الباب هو الأول في المعنى. # الثاني: أن يكون " أنما نملي لهم " بدلا من " الذين كفروا ". # وإلى هذا ذهب الكسائي، والفراء، وتبعهما جماعة، منهم الزجاج ~~والزمخشري، وابن الباذش، قال الكسائي والفراء: وجه هذه القراءة ~~التكرير والتأكيد، والتقدير: ولا تحسبن الذين كفروا، ولا تحسبن أنما ~~نملي. قال الفراء: ومثله: # هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم # [الزخرف: 66] أي: ما ينظرون إلا أن تأتيهم. انتهى. # ورد بعضهم قول الكسائي والفراء، بأن حذف المفعول الثاني - في ~~هذه الأفعال - لا يجوز عند أحد. وهذا الرد ليس بشيء؛ لأن الممنوع ~~إنما هو حذف الاقتصار - وقد تقدم تحقيق ذلك. # وقال ms2308 ابن الباذش: ويكون المفعول الثاني قد حذف؛ لدلالة الكلام عليه، ~~ويكون التقدير: ولا تحسبن الذين كفروا خيرية إملائنا لهم ثابتة، أو ~~واقعة. # قال الزمخشري: فإن قلت: كيف صح مجيء البدل، ولم يذكر إلا أحد ~~المفعولين، ولا يجوز الاقتصار بفعل الحسبان على مفعول واحد؟ # قلت: صح ذلك من حيث إن التعويل على البدل والمبدل منه في حكم ~~المنحى، ألا تراك تقول: جعلت متاعك بعضه فوق بعض، مع ~~امتناع سكوتك على: متاعك. # وهذا البدل بدل اشتمال - وهو الظاهر - أو يدل كل من كل، ويكون ~~على حذف مضاف، تقديره: ولا تحسبن إملاء الذين، فحذف " إملاء " وأبدل ~~منه: " أنما نملي " قولان مشهوران. # الثالث - وهو أغربها -: أن يكون " الذين كفروا " فاعلا ب " تحسبن " ~~على تأويل أن تكون التاء في الفعل للتأنيث، كقوله: # كذبت قوم نوح المرسلين # [الشعراء: 105] أي: ولا تحسبن القوم الذين كفروا، و " الذين " وصف ~~للقوم، كقوله تعالى: # وأورثنا القوم الذين كانوا # [الأعراف: 137]. فعلى هذا تتحد هذه القراءة مع قراءة الغيبة، وتخريجها ~~كتخريجها، ذكر ذلك أبو القاسم الكرماني في تفسيره المسمى ب " ~~اللباب ". وفيه نظر؛ من حيث إن " الذين " جار مجرى جمع المذكر ~~السالم، والجمع المذكر السالم لا يجوز تأنيث فعله - عند البصريين - لا ~~يجوز: قامت الزيدون، ولا: تقوم الزيدون. وأما اعتذاره عن ذلك بأن " ~~الذين " صفة للقوم - الجائز تأنيث فعلهم - وإنما حذف، فلا ينفعه؛ لأن ~~الاعتبار إنما هو بالملفوظ لا بالمقدر، لا يجيز أحد من البصريين: ~~قامت المسلمون - على إرادة: القوم المسلمون - ألبتة. # وقال أبو الحسن الحوفي: " أن " وما عملت فيه من موضع نصب على البدل، و ~~" الذين " المفعول الأول، والثاني محذوف. # وهو معنى قول الزمخشري المتقدم. # الرابع: أن يكون: { أنما نملي لهم } بدلا من: " الذين كفروا " بدل ~~اشتمال - أي: إملاءنا - و " خير " بالرفع - خبر مبتدأ محذوف، أي: هو خير ~~لأنفسهم، والجملة هي المفعول الثاني، نقل ذلك أبو شامة عن بعضهم، ثم ~~وقال: قلت: ومثل هذه القراءة بيت الحماسة. # 1696- فينا الأناة، وبعض القوم يحسبنا # أنا بطاء، وفي إبطائنا سرع # كذا جاءت الرواية بفتح ms2309 " أنا " بعد ذكر المفعول الأول، فعلى هذا يجوز أن ~~تقول: حسبت زيدا أنه قائم، أي: حسبته ذا قيام. # فوجه الفتح أنها وقعت مفعولا، وهي ما عملت فيه من موضع مفرد، وهو ~~المفعول الثاني ل " حسبت " انتهى. # وفيما قاله نظر؛ لأن النحاة نصوا على وجوب كسر " إن " إذا وقعت ~~مفعولا ثانيا، والأول اسم عين، وأنشدوا البيت المذكور على ذلك، ~~وعللوا وجوب الكسر بأنا لو فتحنا لكانت في محل مصدر، فيلزم منه الاخبار ~~بالمعنى عن العين. # الخامس: أن يكون " الذين كفروا " مفعولا أول، و { إنما نملي ~~لهم ليزدادوا إثما } في موضع المفعول الثاني، و { أنما ~~نملي لهم خير } مبتدأ وخبر اعترض به بين مفعولي " تحسبن " ففي ~~الكلام تقديم وتأخير، نقل ذلك عن الأخفش. # قال أبو حاتم: وسمعت الأخفش يذكر فتح " أن " - يحتج به لأهل القدر؛ ~~لأنه كان منهم - ويجعله على التقديم والتأخير، [أي]: ولا تحسبن الذين ~~كفروا أنما نملي لهم ليزدادوا إثما، إنما نملي لهم إلا ما هو خير ~~لأنفسهم. انتهى. # وإنما جاز أن تكون " أن " المفتوحة مبتدأ بها أول الكلام؛ لأن مذهب ~~الأخفش ذلك، وغيره يمنع ذلك، فإن تقدم خبرها عليها - نحو: ظني أنك منطلق، ~~أو " أما " التفصيلية، نحو أما أنك منطلق فعندي، جاز ذلك إجماعا. وقول ~~أبي حاتم: يذكر فتح " أن " يعني بها التي في قوله: { أنما نملي لهم خير ~~}. ووجه تمسك القدرية أن الله تعالى لا يجوز أن يملي لهم إلا ما هو ~~خير لأنفسهم، لأنه يجب - عندهم - رعاية الأصلح. # السادس: قال المهدوي: وقال قوم: قدم " الذين كفروا " توكيدا، ثم ~~حالهم، من قوله: { أنما نملي لهم } ردا عليهم، والتقدير: ولا تحسبن أن ~~إملاءنا للذين كفروا خير لأنفسهم. # وأما قراءة يحيى - بكسر " إنما " مع الغيبة - فلا تخلو إما أن يجعل ~~الفعل مسندا إلى " الذين " أو إلى ضمير غائب، فإن كانت الأولى كانت " ~~أنما " وما في حيزها معلقة ل " تحسبن " وإن لم تكن اللام في خبرها ~~لفظا، فهي مقدرة، فيكون " إنما " - بالكسر - في موضع نصب؛ لأنها ~~معلقة لفعل الحسبان من نية ms2310 اللام، ونظير ذلك تعليق أفعال القلوب عن ~~المفعولين الصريحين - بتقدير لام الابتداء - في قوله [البسيط]: # 1697- كذاك أدبت حتى صار من خلقي # أني وجدت ملاك الشيمة الأدب # فلولا تقدير اللام لوجب نصب " ملاك " و " الأدب ". وكذلك في الآية لولا ~~تقدير اللام لوجب فتح " إنما ". # ويجوز أن يكون المفعول الأول قد حذف - وهو ضمير الأمر والشأن - وقد ~~قيل بذلك في البيت، وهو الأحسن فيه. # والأصل: لا تحسبنه - أي الأمر - و { إنما نملي لهم } في موضع المفعول ~~الثاني، وهي المفسرة للضمير وإن كان الثاني كان " الذين " مفعولا أول، و ~~" أنما نملي " في موضع المفعول الثاني. # وأما قراءته التي حكاها عنه الزمخشري، فقد خرجها هو، فقال: على ~~معنى: ولا تحسبن الذين كفروا أن إملاءنا لازدياد الإثم - كما يفعلون - ~~وإنما هو ليتوبوا، ويدخلوا في الإيمان، وقوله: { أنما نملي لهم ~~خير لأنفسهم } اعتراض بين الفعل ومعموله، ومعناه: إن إملاءنا ~~خير لأنفسهم إن عملوا فيه، وعرفوا إنعام الله عليهم، بتفسيح المدة، ~~وترك المعاجلة بالعقوبة. انتهى. # فعلى هذا يكون " الذين " فاعلا، و " أنما " - المفتوحة - سادة مسد ~~المفعولين، أحدهما - على الخلاف - واعترض بهذه الجملة بين الفعل ومعموله. ~~قال النحاس: قراءة يحيى بن وثاب - بكسر " إن " فيهما جميعا - ~~حسنة، كما تقول: حسبت عمرا أبوه خارج. # وأما ما حكاه الزجاج - قراءة - عن خلق كثير، وهو نصب " خير " على ~~الظاهر من كلامه، فقد ذكر تخريجها، على أن { أنما نملي لهم ~~خير لأنفسهم } بدل من " الذين كفروا " و " خيرا " مفعول ثان، ~~ولا بد من إيراد نصه، قال - رحمه الله -: من قرأ: " ولا يحسبن " ~~بالياء، لم يجز عند البصريين إلا كسر " إن " والمعنى: لا يجسبن الذين ~~كفروا إملاءنا خير لهم، ودخلت " إن " مؤكدة، فإذا فتحت صار المعنى: ~~ولا يحسبن الذين كفروا إملاءنا خير لهم، قال: وهو عندي يجوز في هذا ~~الموضع على البدل من " الذين " والمعنى: ولا يحسبن إملاءنا للذين كفروا ~~خيرا لهم، وقد قرأ بها خلق كثير، ومثل هذه القراءة من الشعر قول ~~الشاعر: [الطويل] # 1698- فما كان قيس هلكه هلك واحد # ولكنه بنيان ms2311 قوم تهدما # جعل " هلكه " بدلا من " قيس " والمعنى: فما كان هلك قيس هلك واحد، ~~1ه. # يعني: " هلك " - الأول - بدل من المرفوع، فبقي " هلك واحد " منصوبا، ~~خبرا ل " ما كان " كذلك: { أنما نملي لهم } " أن " واسمها - ~~وهي " ما " الموصولة - وصلتها، والخبر - وهو " لهم " في محل نصب، بدلا ~~من " الذين كفروا " فبقي " خيرا " منصوبا على أنه مفعول ثان ~~ل " تحسبن ". إلا أن الفارسي قد رد هذا على أبي إسحاق بأن هذه ~~القراءة لم يقرأ بها أحد - أعني نصب " خيرا " - قال أبو علي الفارسي: ~~لا يصح البدل، إلا بنصب " خير " من حيث كان المفعول الثاني ل " حسبت ~~" فكما انتصب " هلك واحد " في البيت - لما أبدل الأول من " قيس " - ~~بأنه خبر ل " كان " كذلك ينتصب " خير لهم " إذا أبدل الاملاء ~~من " الذين كفروا " بأنه مفعول ثان ل " تحسبن ". # قال: وسألت أحمد بن موسى عنها، فزعم أن أحدا لم يقرأ بها يعني ب " ~~أحمد " هذا أبا بكر بن مجاهد الإمام المشهور، وقال - في الحجة -: " ~~الذين كفروا " في موضع نصب؛ بأنها المفعول الأول، والمفعول الثاني ~~هو الأول - في هذا الباب - في المعنى، فلا يجوز - إذن - فتح " إن " في ~~قوله: { أنما نملي لهم } لأن إملاءهم لا يكون إياهم. فإن ~~قلت: لم لا يجوز الفتح في " أن " وجعلها بدلا من " الذين ~~كفروا " كقوله تعالى: # ومآ أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره # [الكهف: 63] وكما كان " أن " من قوله تعالى: # وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم # [الأنفال: 7]؟ # قيل: لا يجوز ذلك؛ لأنك إذا أبدلت " أن " من " الذين كفروا " كما أبدلت ~~" أن " من " إحدى الطائفتين " لزمك أن تنصب " خيرا " على ~~تقدير: لا تحسبن إملاء الذين كفروا خيرا لأنفسهم، من حيث كان ~~المفعول ل " تحسبن ". # وقيل: إنه لم ينصبه أحد، فإذا لم ينصب علم أن البدل فيه لا يصح، ~~فإذا لم يصح البدل، لم يجز فيه إلا كسر " إن " على أن تكون " إن " ~~وخبرها في موضع المفعول الثاني من " تحسبن ". # انتهى ما رد به عليه، فلم يبق إلا الترجيح بين نقل الزجاج ms2312 وابن ~~مجاهد. # قال شهاب الدين: " ولا شك أن ابن مجاهد أعنى بالقراءات، إلا أن ~~الزجاج ثقة، ويقول: قرأ به خلق كثير وهذا يبعد غلطه فيه، ~~والإثبات مقدم على النفي، وما ذكره أبو علي - من قوله: وإذا لم يجز إلا ~~كسر " إن ".... الخ - هذا - أيضا مما لم يقرأ به أحد ". # قال مكي: " وجه القراءة لمن قرأ بالتاء - يعني بتاء الخطاب - أن يكسر ~~" إنما " فتكون الجملة في موضع المفعول الثاني، ولم يقرأ به أحد علمته ~~". وقد نقل أبو البقاء أن نصب " خيرا " قراءة شاذة قال: وقد قرئ ~~شاذا بالنصب، على أن يكون " لأنفسهم " خبر " أن " و " لهم " ~~تبيين، أو حال من " خير ". # يعني: أنه لما جعل " لأنفسهم " الخبر، جعل " لهم " إما تبيينا، ~~تقديره: أعني لهم وإما حالا من النكرة المتأخرة، لأنه كان في الأصل صفة ~~لها. والظاهر - على هذه القراءة - ما تقدم من كون " لهم " هو الخبر، ~~ويكون " لأنفسهم " في محل نصب؛ صفة ل " خير " - كما كان صفة له ~~في قراءة الجمهور. # ونقل - أيضا - قراءة كسر " أن " وهي قراءة يحيى، وخرجها على أنها جواب ~~قسم محذوف، والقسم وجوابه يسد مسد المفعولين، ولا حاجة إلى ذلك، بل ~~تخريجها على ما تقدم أولى؛ لأن الأصل عدم الحذف. # والإملاء: الأمهال والمد في العمر ومنه ملاوة الدهر - للمدة ~~الطويلة - قال الواحدي واشتقاقه من الملوة - وهي المدة من الزمان - ~~يقال: ملوت من الدهر ملوة وملوة وملوة وملاوة ~~وملاوة وملاوة بمعنى واحد. # قال الأصمعي: يقال أملى عليه الزمان - أي: طال - وأملى له - أي: طول ~~له وأمهله - قال أبو عبيدة: ومنه: الملا - للأرض الواسعة - والملوان: ~~الليل والنهار، وقولهم: ملاك الله بنعمه أي: منحكها عمرا ~~طويلا -. # وقيل: الملوان: تكرر الليل والنهار وامتدادهما، بدليل إضافتهما ~~إليهما في قول الشاعر: [الطويل] # 1699- نهار وليل دائم ملواهما # على كل حل المرء يختلفان # فلو كانا الليل والنهار لما أضيفا إليهما؛ إذ الشيء لا يضاف إلى ~~نفسه. فقوله: { أنما نملي لهم } أصل الياء واو، ثم قلبت لوقوعها ~~رابعة. # قوله: { إنما نملي لهم ليزدادوا إثما } قد تقدم ms2313 أن ~~يحيى بن وثاب قرأ بكسر الأولى وفتح هذا فيما نقله الزمخشري وتقدم ~~تخريجها، إلا أن أبا حيان قال: إنه لم يحكها عنه غير الزمخشري بل ~~الذين نقلوا قراءة يحيى إنما نقلوا كسر الأولى فقط، قال: وإنما ~~الزمخشري - لولوعه بنصرة مذهبه - يروم رد كل شيء إليه. # قل شهاب الدين: وهذا تحامل عليه؛ لأنه ثقة، لا ينقل ما لم ~~يرو. وأما على قراءة كسرها ففيها وجهان: # الأول: أنها جملة مستأنفة، تعليل للجملة قبلها، كأنه قيل: ما بالهم ~~يحسبون الإملاء خيرا؟ فقيل: { إنما نملي لهم ليزدادوا ~~إثما } و " إن " - هنا مكفوفة ب " ما " ولذلك كتبت متصلة - على ~~الأصل ولا يجوز أن تكون موصولة - اسمية ولا حرفية - لأن لام " كي " لا ~~يصح وقوعها خبرا للمبتدأ ولا لنواسخه. # الثاني: أن هذه الجملة تكرير للأولى. # قال أبو البقاء: وقيل: { أنما نملي لهم } تكرير لهم " ~~تكرير للأول، و " ليزدادوا " هو المفعول الثاني ل " تحسبن " ~~على قراءة التاء، والتقدير: ولا تحسبن يا محمد إملاء الذين كفروا ~~ليزدادوا إيمانا، بل ليزدادوا إثما. # ويروى عن بعض الصحابة أنه قرأها كذلك. # قال شهاب الدين: وفي هذا نظر، من حيث إنه جعل " ليزدادوا " هو ~~المفعول الثاني، وقد تقدم أن لام " كي " لا تقع خبرا للمبتدأ ولا ~~لنواسخه، ولأن هذا إنما يتم له على تقدير فتح الثانية، وقد تقدم أن ~~أحدا لم ينقلها عن يحيى إلا الزمخشري والذي يقرأ " تحسبن " - ~~بتاء الخطاب - لا يفتحها ألبتة. # واللام في " ليزدادوا " فيها وجهان: # أحدهما: أنها لام " كي ". # والثاني: أنها لام الصيرورة. # قوله: { ولهم عذاب مهين } في هذه الواو قولان: # أحدهما: أنها للعطف. # والثاني: أنها للحال، وظاهر قول الزمخشري أنها للحال في قراءة ~~يحيى بن وثاب فقط؛ فإنه قال: فإن قلت: ما معنى القراءة - يعني: قراءة ~~يحيى التي نقلها هو عنه؟ # قلت: معناه: ولا تحسبوا أن إملاءه لزيادة الإثم والتعذيب، والواو ~~للحال، كأنه قيل: ليزدادوا إثما معدا لهم عذاب مهين. # قال أبو حيان - بعد ما ذكر من إنكاره عليه نقل فتح الثانية عن ~~يحيى كما تقدم ms2314 -: ولما قرر في هذه القراءة أن المعنى على نهي ~~الكافر أن يحسب أنما يملي الله لزيادة الإثم، وأنه إنما يملي ~~[لزيادة] الخير، كان قوله: { ولهم عذاب مهين } يدفع هذا ~~التفسير، فخرج ذلك على أن الواو للحال، حتى يزول هذا التدافع الذي بين ~~هذه القراءة، وبين ظاهر آخر الآية. # فصل # أصل " ليزدادوا ": ليزتادوا - بالتاء - لأنه افتعال من الزيادة، ولكن ~~تاء الافتعال تقلب دالا بعد ثلاثة أحرف - الزاي، والذال، والدال - نحو ~~ادكروا والفعل هنا - متعد لواحد، وكان - في الأصل - متعديا لاثنين، - ~~كقوله تعالى: # فزادهم الله مرضا # [البقرة: 10] ولكنه بالافتعال ينقص أبدا مفعولا، فإن كان الفعل - ~~قبل بنائه على " افتعل " للمطاوعة - متعديا لواحد، صار قاصرا بعد ~~المطاوعة، نحو مددت الحبل فامتد، وإن كان متعديا لاثنين صار - بعد ~~الافتعال - متعديا لواحد، كهذه الآية. # وختمت كل واحدة من هذه الآيات الثلاث بصفة للعذاب غير ما ختمت ~~به الأخرى؛ لمعنى مناسب، وهو أن الأولى تضمنت الإخبار عنهم بالمسارعة ~~في الكفر، والمسارعة في الشيء والمبادرة في تحصيله تقتضي جلالته ~~وعظمته، فجعل جزاؤه { عذاب عظيم } مقابلا لهم، ويدل ذلك على ~~خساسة ما سارعوا فيه. وأما الثانية فتضمنت اشتراءهم الكفر بالإيمان، ~~والعادة سرور المشتري واغتباطه بما اشتراه، فإذا خسر تألم، فختمت ~~هذه الآية بألم العذاب، كما يجد المشتري المغبون ألم خسارته. # وأما الثالثة فتضمنت الإملاء - وهو الإمتاع بالمال وزينة الدنيا - وذلك ~~يقتضي التعزز والتكبر والجبروت فختمت هذه الآية بما يقتضي ~~إهانتهم وذلتهم بعد عزهم وتكبرهم. # فصل # قال ابن الخطيب: احتج أصحابنا - بهذه الآية - في إثبات القضاء ~~والقدر؛ لأن الإملاء عبارة عن تأخيره مدة - والتأخير من فعل الله ~~تعالى - والآية دلت على أن هذا الإملاء ليس بخير لهم، فهو سبحانه ~~خالق الخير والشر. # ودلت على أن المقصود من هذا الإملاء هو أن يزدادوا إثما، فدل على ~~أن المعاصي والكفر بإرادته وأكده بقوله: { ولهم عذاب ~~مهين }. # وأيضا أخبر عنهم بأنهم لا خير لهم في هذا الإملاء؛ لأنهم لا يحصلون إلا ~~زيادة البغي والطغيان، والإتيان بخلاف خبر الله - مع بقاء ذلك الخبر ms2315 - ~~جمع بين النقيضين، وهو محال. وإذا لم يكونوا قادرين - مع ذلك الإملاء - ~~على الخير والطاعة - مع أنهم مكلفون بذلك - لزم في نفسه بطلان مذهب ~~المعتزلة. # وأجب المعتزلة عن الأول بأن المراد: ليس خيرا لهم بأن يموتوا كما مات ~~الشهداء يوم أحد؛ لأن هذه الآيات في شأن أحد، ولا يلزم من ~~كونه ليس خيرا من القتل يوم أحد إلا أن يكون في نفسه خيرا. # وعن الثاني بأنه ليس المراد ليقدموا على الكفر والعصيان؛ لقوله ~~تعالى: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56] فيحتمل أن تكون اللام للعاقبة - كقوله: # ليكون لهم عدوا وحزنا # [القصص: 8] - أو يكون فيه تقديم وتأخير، تقديره: لا يحسبن الذين كفروا ~~أنما نملي لهم ليزدادوا إثما، إنما نملي لهم خير لأنفسهم. أو لأنهم ~~لما ازدادوا طغيانا - بإمهاله - أشبه حال من فعل الإملاء لهذا الغرض. ~~أو تقول: اللام - هنا - ليست للتعليل بالإجماع، أما على مذهب أهل ~~السنة فلأنهم يحيلون تعليل أفعاله تعالى بالأغراض، وأما على ~~قولنا فلأنا إنما نعلل بغرض الإحسان، لا بالتعب فسقط ما ذكروه. # وقول القائل: ما المراد بهذه الآية؟ لا يلتفت إليه؛ لأن ~~المستدل نفى الاستدلال على أن اللام للتعليل، فإذا بطل ذلك سقط ~~استدلاله. # وعن الثالث، وهو مسألة العلم والخبر، أنه معارض بأنه يلزم أنه تعالى ~~موجب لا مختار، وهو باطل. # والجواب عن الأول أن المنفي هو الخير في نفس الأمر لا بمعنى ~~المفاضلة؛ لأن الذي للمفاضلة لا بد وأن يذكر مقابله، فلما يذكر ~~دل على المنفي هو الخير مطلقا. وتمسكهم بقوله تعالى: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56] وقوله: # ومآ أرسلنا من رسول ألا ليطاع # [النساء: 64] جوابه: أن ما تمسكوا به عام، ودليلنا خاص. وقولهم: ~~اللام للعاقبة، قلنا: خلاف الظاهر - مع أن البرهان العقلي يبطله؛ لأنه ~~تعالى لما علم ذلك وجب حصوله؛ لأن حصول معلومه واجب، وعدم حصوله ~~محال، وإرادة المحال محال فوجب أن يرد ما هو الواقع، فثبت أن ~~المقصود هو التعليل. وأما التقديم والتأخير، فجوابه: أن ذلك على ~~خلاف الأصل؛ لأن ذلك ms2316 إنما يتم لو كانت " أنما " الأولى مكسورة ~~والثانية مفتوحة وقولهم: لا يمكن حمل اللام على التعليل، قلنا: الممتنع ~~- عندنا - تعليل أفعاله - تعالى - بغرض يصدر عن العباد، فأما أنه يفعل ~~فعلا ليحصل منه شيء آخر، فغير ممتنع. # وأيضا فالآية نص على أنه ليس المقصود من الإملاء إيصال الخير لهم، ~~والقوم لا يقولون به، فهي حجة عليهم، وأما المعارضة فجوابها: أن تأثير ~~قدرة الله تعالى - في إيجاد المحدثات - متقدم على تعلق علمه ~~بعدمه، فلم يكن أن يكون العلم مانعا من القدرة، وأما العبد فتأثير ~~قدرته في إيجاد الفعل متأخر عن تعلق علم الله تعالى بعدمه، فصح ~~كون هذا العلم مانعا للعبد عن الفعل. # قال ابن الخطيب: اتفق أصحابنا، على أنه ليس لله تعالى على الكافر ~~نعمة دينية، واختلفوا في الدنيوية فتمسك النافون بهذه الآية، وقالوا: ~~دلت على إطالة عمره ليست بخير له، والعقل يقرره لك؛ لأن من أطعم ~~إنسانا طعاما مسموما لا يعد ذلك إنعاما، فإذا كان القصد من نعم ~~الدنيا عذاب الآخرة فليست بنعمة، ومما ورد من النعم في حق الكافر ~~محمول على ما هو نعمة في الظاهر لكنه نقم في محض الحقيقة. ### || [3.179] # اللام في " ليذر " تسمى لام الجحود، وينصب بعدها المضارع بإضمار ~~" أن " ولا يجوز إظهارها. والفرق بينها لام " كي " أن هذه - على المشهور ~~- شرطها أن تكون بعد كون منفي، ومنهم من يشترط مضي الكون، ومنهم من لم ~~يشترط الكون. # وفي خبر " كان " - هنا - وما أشبهه قولان: # أحدهما: قول البصريين - أنه محذوف، وأن اللام مقوية لتعدية ذلك ~~الخبر المقدر لضعفه، والتقدير: ما كان الله مريدا لأن يذر، ~~و " أن يذر " هو مفعول " مريدا " والتقدير: ما كان الله مريدا ترك ~~المؤمنين. # الثاني: - قول الكوفيين - أن اللام زائدة لتأكيد النفي، وأن الفعل ~~بعدها هو خبر كان واللام عندهم هي العاملة النصب في الفعل بنفسها، ~~لا بإضمار " أن " والتقدير عندهم: ما كان الله ليذر المؤمنين. # وضعف أبو البقاء مذهب الكوفيين بأن النصب قد وجد بعد هذه اللام، ~~فإن كان النصب بها نفسها ms2317 فليست زائدة، وإن كان النصب بإضمار " أن " ~~فسد من جهة المعنى لأن " أن " وما في حيزها بتأويل مصدر، والخبر في باب ~~" كان " هو الاسم في المعنى، فيلزم أن يكون المصدر - الذي هو معنى من ~~المعاني - صادقا على اسمها، وهو محال. # وجوابه: أما قوله: إن كان النصب بها فليست زائدة ممنوع؛ لأن العمل لا ~~يمنع الزيادة، ألا ترى أن حروف الجر تزاد، وهي عاملة وكذلك " أن " ~~عند الأخفش، و " كان " في قول الشاعر: [الوافر] # 1700-......................... # وجيران لنا كانوا كرام # كما تقدم تحقيقه و " يذر " فعل لا يتصرف - كيدع - استغناء عنه ~~بتصرف [مرادفه] - وحذفت الواو من " يذر " من غير موجب تصريفي، وإنما ~~حملت على " يدع " لأنها بمعناها، و " يدع " حذفت منه الواو لموجب، ~~وهو وقوع الواو بين ياء وكسرة مقدرة وأما الواو في " يذر " فوقعت بين ~~ياء وفتحة أصلية. وقد تقدم تحقيقه عند قوله تعالى: # وذروا ما بقي من الربا # [البقرة: 278]. # فصل # وجه النظم: أن هذه الآية من بقية أحد، فأخبر - تعالى - أن الأحوال ~~التي وقعت في تلك الحادثة - من القتل والهزيمة، ثم دعا النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى الخروج إلى العدو مع ما كان بهم من الجراحات، ثم دعاهم ~~مرة أخرى إلى بدر الصغرى، لموعد أبي سفيان - دليل على امتياز ~~المؤمنين من المنافقين، فأخبر - تعالى - بأنه لا يجوز - في حكمته - أن ~~يترككم على ما أنتم عليه من اختلاط المنافقين بكم، وإظهارهم أنهم منكم - ~~بل يجب في حكمته أن يميز الخبيث - وهو المنافق - من الطيب - وهو ~~المؤمن -. # فصل في سبب النزول # قال الكلبي: قالت قريش: يا محمد، تزعم أن من خالفك، فهو في ~~النار، والله عليه غضبان، وأن من اتبعك، وهو على دينك، فهو في ~~الجنة، والله عنه راض. فأخبرنا بمن يؤمن بك، ومن لا ~~يؤمن؛ فأنزل الله هذه الآية. # وقال السدي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " عرضت علي أمتي في صورتها في العليين، كما ~~عرضت على آدم وأعلمت من يؤمن ومن يكفر " فبلغ ذلك ~~المنافقين، فقالوا: استهزاء -: زعم محمد ms2318 أنه يعلم من يؤمن به، ومن ~~يكفر، ممن لم يخلق بعد، ونحن معه، وما يعرفنا، فبلغ ذلك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقام على المنبر فحمد الله، وأثنى عليه، ~~ثم قال: " ما بال أقوام طعنوا في علمي، لا تسألوني عن ~~شيء - فيما بينكم وبين الساعة - إلا نبأتكم به ~~" فقام عبد الله بن حذافة السهمي، وقال: من أبي، يا رسول الله؟ ~~فقال: " حذافة " فقام عمر، فقال: يا رسول الله، رضينا بالله ~~ربا، وبالإسلام دينا، وبالقرآن إماما، وبك نبيا، فاعف عنا، عفا ~~الله عنك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " فهل أنتم منتهون " ~~- مرتين - ثم نزل عن المنبر " # فأنزل الله هذه الآية. # قوله: { حتى يميز } حتى - هنا - قيل: هي الغائية المجردة، ~~بمعنى " إلى " والفعل بعدها منصوب بإضمار " أن " وقد تقدم تحقيقه في " ~~البقرة ". # فإن قيل الغاية - هنا - مشكلة - على ظاهر اللفظ - لأنه يصير المعنى: أنه ~~تعالى لا يترك المؤمنين على ما أنتم عليه إلى هذه الغاية - وهي التمييز ~~بين الخبيث والطيب - ومفهومه أنه إذا وجدت الغاية ترك المؤمنين ~~على ما أنتم عليه. # هذا ظاهر ما قالوه من كونها للغاية، وليس المعنى على ذلك قطعا، ~~ويصير هذا نظير قولك: لا أكلم زيدا حتى يقدم عمرو، فالكلام منتف ~~إلى قدوم عمرو. # فالجواب عنه: " حتى " غاية لمن يفهم من معنى هذا الكلام، ومعناه: أنه ~~- تعالى - يخلص ما بينكم بالابتلاء والامتحان إلى أن يميز الخبيث من ~~الطيب. # وقرأ حمزة [والكسائي] - هنا وفي الأنفال - " يميز " بالتشديد - ~~والباقون بالتخفيف، وعن ابن كثير - أيضا - " يميز " من " أماز " فهذه ~~ثلاث لغات، يقال: مازه وميزه وأمازه. والتشديد والهمزة ليسا للنقل؛ ~~لأن الفعل - قبلهما - متعد، وإنما " فعل " - بالتشديد - و " أفعل ~~" بمعنى: المجرد. # وهل " ماز " و " ميز " بمعنى واحد، أو بمعنيين مختلفين؟ قولان. ثم ~~القائلون بالفرق اختلفوا، فقال بعضهم: لا يقال: ماز، إلا في كثير، فأما ~~واحد من واحد فميزت، ولذلك قال أبو معاذ: يقال ميزت بين الشيئين ~~تمييزا، ومزت بين الأشياء ميزا. وقال بعضهم عكس هذا - مزت بين ~~الشيئين ميزا، وميزت ms2319 بين الأشياء تمييزا - وهذا هو القياس، فإن ~~التضعيف يؤذن بالتكثير، وهو لائق بالمتعددات، وكذلك إذا جعلت الواحد ~~شيئين قلت: فرقت - بالتخفيف - ومنه: فرق الشعر، وإن جعلته أشياء، قلت: ~~فرقتها تفريقا. # ورجح بعضهم " ميز " - بالتشديد - بأنه أكثر استعمالا، ولذلك لم ~~يستعملوا المصدر إلا منه، قالوا: التمييز، ولم يقولوا: الميز - يعني لم ~~يقولوه سماعا، وإلا فهو جائز قياسا. # فصل # ومعنى الآية: حتى يميز المنافق من المخلص، وقد ميزهم يوم أحد؛ ~~حيث أظهروا النفاق، وتخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # فإن قيل: إن التمييز إن ظهر وانكشف، فقد ظهر كفر المنافقين، ~~وظهور كفرهم ينفي كونهم منافقين، وإن لم يظهر لم يحصل الوعد. # فالجواب: أنه ظهر بحيث يفيد الامتياز الظني، لا الامتياز ~~القطعي. # قال قتادة: حتى يميز المؤمن من الكافر بالهجرة والجهاد. # قال الضحاك: " ما كان الله ليذر المؤمنين على ما ~~أنتم عليه " في أصلاب الرجال، وأرحام النساء، يا معشر ~~المنافقين، حتى يفرق بينكم وبين من في أصلابكم، وأرحام نسائكم من ~~المؤمنين. # وقيل: " حتى يميز الخبيث " وهو الذنب " من الطيب " وهو ~~المؤمن، يعني يحط الأوزار عن المؤمنين بما يصيبهم من نكبة ومحنة ~~ومصيبة. # وقيل: الخبيث: هو الكفر: أذله الله وأخمده، وأعلى الإسلام ~~وأظهره، فهذا هو التمييز. # قوله: { وما كان الله ليطلعكم على الغيب } ومعناه: ~~أنه لا يجوز أن يطلعكم على أصل ذلك التمييز، فيقول: إن فلانا منافق، ~~وإن فلانا مؤمن؛ فإن سنة الله جارية بأنه لا يطلع عوام ~~الناس على غيبه، ولا سبيل لكم إلى معرفة ذلك الامتياز إلا ~~بالامتحانات ووقوع المحن والآفات - كما ذكرنا - وأما معرفة ذلك على ~~سبيل الاطلاع على الغيب، فذلك من خواص الأنبياء، فلهذا قال: { ~~ولكن الله يجتبي من رسله من يشآء } فيخصهم بإعلام ~~أن هذا مؤمن، وهذا منافق، نظيره قوله تعالى: # عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ~~ارتضى من رسول # [الجن: 26، 27]. # ويحتمل أن يكون المعنى: وما كان الله ليجعلكم كلكم عالمين ~~بالغيب كعلم الرسول، فتنشغلوا عن الرسول، بل الله يخص من يشاء من ~~عباده، ms2320 ثم يكلف الباقين طاعة هذا الرسول. # قوله: " ولكن " هذا استدراك من معنى الكلام المتقدم؛ لأنه تعالى ~~- لما قال: { وما كان الله ليطلعكم } أوهم ذلك أنه لا ~~يطلع أحدا على غيبه؛ لعموم الخطاب - فاستدرك الرسل. # والمعنى: { ولكن الله يجتبي } أي يصطفي { من رسله من ~~يشآء } فيطلعه على الغيب، فهو ضد لما قبله في المعنى، وقد ~~تقدم أنها بين ضدين ونقيضين، وفي الخلافين خلاف. # يجتبي: يصطفي ويختار، من: جبوت المال والماء، وجبيتهما - لغتان - ~~فالياء في يجتبي يحتمل أن تكون على أصلها، ويحتمل أن تكون منقلبة ~~عن واو؛ لانكسار ما قبلها. ومفعول " يشاء " محذوف، وينبغي أن يقدر ~~ما يليق بالمعنى، والتقدير: يشاء إطلاعه على الغيب. # قوله: { فآمنوا بالله ورسله } يعني أن هذه الشبهة الذي ~~ذكرتموها في الطعن في نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - من وقوع الحوادث ~~المكروهة في قصة أحد، وقد أجبنا عنها، فلم يبق إلا أن تؤمنوا ~~بالله ورسله. وإنما قال: " ورسله " ولم يقل: ورسوله؛ لأن ~~الطريقة الموصلة إلى الإقرار بنبوة الأنبياء ليس إلا المعجز، وهو ~~حاصل في حق محمد - صلى الله عليه وسلم - فوجب الإقرار بنبوة ~~الأنبياء، فلهذا قال: " ورسله " لأن طريق إثبات نبوة جميع الأنبياء ~~واحد، فمن أقر بنبوة واحد لزمه الإقرار بنبوة الكل، ثم لما ~~أمرهم بذلك وعدهم بالثواب فقال: { وإن تؤمنوا وتتقوا ~~فلكم أجر عظيم }. ### || [3.180] # لما حرضهم على بذل النفس في الجهاد - فيما تقدم - حرضهم على بذل ~~المال في الجهاد، وبين الوعيد لمن يبخل. # قرأ حمزة بالخطاب في " تحسبن " والباقون بالغيبة فأما قراءة حمزة ~~ف " الذين " مفعول أول، و " خيرا " هو المفعول الثاني، ولا بد من ~~حذف مضاف؛ ليصدق الخبر على المبتدأ، وتقديره: ولا تحسبن بخل ~~الذين يبخلون. # قال أبو البقاء: " وهو ضعيف؛ لأن فيه إضمار البخل قبل ذكر ما يدل ~~عليه ". # وفيه نظر؛ لأن دلالة المحذوف قد تكون متقدمة، وقد تكون متأخرة، وليس ~~هذا من باب الإضمار في شيء، حتى يشترط فيه تقدم ما يدل على ذلك ~~الضمير. # و " هو " فيه وجهان: # الأول: أنه فصل ms2321 بين مفعولي " يحسبن ". # والثاني - قاله أبو البقاء -: أنه توكيد، وهو خطأ؛ لأن المضمر لا ~~يؤكد المظهر. والمفعول الأول اسم مظهر، ولكنه حذف - كما تقدم - ~~وبعضهم يعبر عنه، فيقول: أضمر المفعول الأول - يعني حذف فلا ~~يعبر عنه بهذه العبارة. # و " هو " - في هذه المسألة - تتعين فصيلته لأنه لا يخلو إما أن يكون ~~مبتدأ، أو بدلا، أو توكيدا، والأول منتف؛ لنصب ما بعده - وهو ~~خير - وكذلك الثاني؛ لأنه كان يلزم أن يوافق ما قبله في الإعراب، فكان ~~ينبغي أن يقال: إياه، لا " هو " وكذلك الثالث - كما تقدم. # أما قراءة الجماعة، فيجوز أن يكون الفعل مسندا إلى ضمير غائب - ~~إما الرسول، أو حاسب ما - ويجوز أن يكون مسندا إلى الذين فإن كان ~~مسندا إلى ضمير غائب، ف " الذين " مفعول أول، على حذف مضاف، ما ~~تقدم في قراءة حمزة، أي: بخل الذين، والتقدير: ولا يحسبن الرسول - ~~أو أحد - بخل الذين يبخلون خيرا لأنفسهم. و " هو " فصل - كما ~~تقدم - فتتحد القراءتان معنى وتخريجا. وإن كان مسندا إلى " الذين " ~~ففي المفعول الأول وجهان: # أحدهما: أنه محذوف؛ لدلالة " يبخلون " عليه، كأنه قيل: ولا يحسبن ~~الباخلون بخلهم هو خيرا لهم و " هو " فصل. # قال ابن عطية: ودل على هذا البخل " يبخلون " كما دل " السفيه ~~" على السفه في قول الشاعر: # 1701- إذا نهي السفيه جرى إليه # وخالف والسفيه إلى خلاف # أي: جرى إلى السفه. # قال أبو حيان: وليست الدلالة فيهما سواء، لوجهين: # أحدهما: أن الدال في الآية هو الفعل، وفي البيت هو اسم الفاعل، ~~ودلالة الفعل على المصدر أقوى من دلالة اسم الفاعل، ولذلك كثر إضمار ~~المصدر؛ لدلالة الفعل عليه - في القرآن وكلام العرب - ولم يؤثر دلالة ~~اسم الفاعل على المصدر، إنما جاء في هذا البيت، أو في غيره أن وجد أن ~~في الآية حذفا لظاهر؛ إذ قدروا المحذوف " بخلهم " وأما فهو إضمار ~~لا حذف. # الوجه الثاني: أن المفعول نفس " هو " وهو ضمير البخل الذي دل عليه " ~~يبخلون " - كقوله: # اعدلوا هو أقرب للتقوى # [المائدة: 8] - قاله أبو البقاء. وهو غلط أيضا، ms2322 لأنه كان ينبغي أن ~~يأتي به بصيغة المنصوب، فيقول: " إياه " لكونه منصوبا ب " يحسبن " ~~ولا ضرورة بنا إلى أن ندعي أنه من باب استعارة ضمير الرفع مكان ~~النصب كقولهم: ما أنا كأنت، ولا أنت كأنا. # وفي الآية وجه غريب، خرجه أبو حيان، قال: وهو أن تكون المسألة من ~~باب الإعمال، إذا جعلنا الفعل مسندا ل " الذين " وذلك أن " ~~يحسبن " يطلب مفعولين، و " يبخلون " يطلب مفعولا بحرف جر ~~فقوله " ما أتاهم " يطلبه " يحسبن " على أن يكون المفعول الأول، ~~ويكون " هو " فصلا، و " خيرا " المفعول الثاني، ويطلبه " ~~يبخلون " بتوسط حرف الجر، فأعمل الثاني - على الأفصح في لسان ~~العرب، وعلى ما جاء في القرآن - وهو " يبخلون " فعدي بحرف الجر، ~~وأخذ معموله، وحذف معمول " يحسبن " الأول، وبقي معموله الثاني؛ ~~لأنه لم يتنازع فيه، إنما جاء التنازع بالنسبة إلى المفعول الأول، وساغ ~~حذفه - وحده - كما ساغ حذف المفعولين في مسألة سيبويه: متى رأيت أو قلت: ~~زيد منطلق؟ لأن رأيت وقلت - في هذه المسألة - تنازعا في زيد منطلق، ~~وفي الآية لم يتنازعا إلا في الأول، وتقدير المعنى: ولا يحسبن ما آتاهم ~~الله من فضله هو خيرا لهم الناس الذين يبخلون به، فعلى هذا ~~التقدير يكون " هو " فصلا ل " ما آتاهم " المحذوف، لا لبخلهم ~~المقدر في قول الجماعة. # ونظير هذا التركيب: ظن الذي مر بهند هي المنطلقة، المعنى: ظن هند ~~الشخص الذي مر بها هي المنطلقة، فالذي تنازعه الفعلان هو المفعول الأول، ~~فأعمل الفعل الثاني فيه، وبقي الأول يطلب محذوفا، ويطلب الثاني مثبتا، ~~إذ لم يقع فيه التنازع. # ومع غرابة هذا التخريج، وتطويله بالتنظير والتقدير، فيه نظر؛ وذلك أن ~~النحويين نصوا على أنه إذا أعملنا الفعل الثاني، واحتاج الأول إلى ضمير ~~المتنازع فيه، فإن كان يطلبه مرفوعا أضمر فيه، وإن كان يطلبه غير ~~مرفوع حذف، إلا أن يكون أحد مفعولي " ظن " فلا يحذف، بل يضمر ويؤخر ~~وعللوا ذلك بأنه لو حذف لبقي خبر دون مخبر عنه - أو بالعكس - وهذا مذهب ~~البصريين، وفيه بحث، لأن لقائل أن يقول: ms2323 حذف اختصارا، لا اقتصارا، ~~وأنتم تجيزون حذف أحدهما اختصارا في غير التنازع، فليجز في التنازع؛ ~~إذ لا فارق، وحينئذ يقوى تخريج الشيخ بهذا البحث، أو يلتزم ~~القول بمذهب الكوفيين، فإنهم يجيزون الحذف فيما نحن فيه. # وذكر مكي ترجيح كل من القراءتين، فقال: " فأما القراءة بالتاء - ~~وهي قراءة حمزة - فإنه جعل المخاطب هو الفاعل، وهو النبي صلى الله عليه ~~وسلم و " الذين " مفعول أول - على تقدير حذف مضاف، وإقامة المضاف ~~إليه - الذين - مقامه - و " هو " فصل، و " خيرا " مفعول ثان، ~~تقديره: ولا تحسبن يا محمد بخل الذين يبخلون خيرا لهم، ولا بد ~~من هذا الإضمار، ليكون المفعول الثاني هو الأول في المعنى، وفيها نظر؛ ~~لجواز ما في الصلة تفسير ما قبل الصلة، على أن في هذه مزية على القراءة ~~بالياء؛ لأنك إذا حذفت المفعول أبقيت المضاف إليه يقوم مقامه، ولو ~~حذفت المفعول في قراءة الياء لم يبق ما يقوم مقامه. وفي القراءة ~~بالياء - أيضا - مزية على القراءة بالتاء، وذلك أنك حذفت البخل بعد ~~تقدم " يبخلون " وفي القراءة بالتاء حذفت البخل قبل إتيان " ~~يبخلون " وجعلت ما في صلة " الذين " تفسير من قبل الصلة، ~~فالقراءتان متوازيتان في القوة والضعف ". # والميراث: مصدر كالميعاد، وياؤه منقلبة عن واو، لانكسار ما قبلها - وهي ~~ساكنة - لأنها من الوراثة كالميقات والميزان - من الوقت والوزن - وقرأ ~~أبو عمرو وابن كثير " يعملون " بالغيبة، جريا على قوله: { ~~الذين يبخلون } - والباقون بالخطاب، وفيها وجهان: # أحدهما: أنه التفات، فالمراد: الذين يبخلون. # الثاني: أنه رد على قوله: { وإن تؤمنوا وتتقوا }. # فصل # الآية دالة على ذم البخل بشيء من الخيرات سواء كان مالا أو ~~علما. # فإن كان على البخل بالمال فالمعنى: لا يحسبن البخلاء أن بخلهم هو ~~خير لهم، بل هو شر لهم، لأن المال يزول، ويبقى عقاب بخلهم عليهم، ~~كما قال: { سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة } ~~وهذا هو المراد من قوله: { ولله ميراث السماوات والأرض } ~~قال ابن مسعود وابن عباس، وأبو وائل والشعبي والسدي: يجعل ما ~~منعه من الزكاة حية يطوق بها في ms2324 عنقه يوم القيامة تنهشه من رأسه ~~إلى قدمه. # وإن كان المراد البخل بالعلم؛ فلأن اليهود كانوا يكتمون نعت محمد ~~صلى الله عليه وسلم فكان ذلك الكتمان بخلا، ولا شك أن العلم فضل من ~~الله. # والقول الأول أولى؛ لقوله تعالى: { سيطوقون ما بخلوا به ~~يوم القيامة } وإذا فسرنا الآية بالعلم احتجنا إلى تحمل ~~المجاز، وإذا فسرناها بالمال لم نحتج إلى المجاز. # وأيضا فالحمل على البخل بالمال تكون الآية ترغيبا في بذل المال ~~في الجهاد، فيحسن نظم الآية مع ما قبلها، وبحملها على البخل ~~بالعلم ينقطع النظم إلا بتكلف بعيد. # فصل في اختلافهم في البخل في الآيات # اختلفوا في هذا البخل، فقال أكثر العلماء: المراد به منع الواجب، ~~واستدلوا بوجوه: # أحدها: أن الآية دالة على الوعيد الشديد في البخل، وذلك الوعيد لا ~~يليق إلا بالواجب. # ثانيها: أن الله - تعالى - ذم البخل وعابه، ومنع التطوع ~~لا يجوز أن يذم فاعله وأن يعاب به. # ثالثها: أنه لو كان تارك التفضل بخيلا لوجب على من ملك المال ~~العظيم أن يخرج الكل، وإلا لم يتخلص من الذم. # رابعها: أنه صلى الله عليه وسلم قال: # " وأي داء أدوأ من البخل " # ومعلوم أن تارك التطوع لا يليق به هذا الوصف. # خامسها: أنه - تعالى - لا ينفك عن ترك التفضل؛ لأنه لا نهاية ~~لمقدوراته في التفضل، وكل ما يدخل في الوجود، فهو متناه، فيكون لا ~~محالة - تاركا للتفضل فلو كان ترك التفضل بخلا لزم أن يكون ~~الله موصوفا بالبخل، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # فصل # اعلم أن إنفاق الواجب أقسام: # منها: إنفاقه على نفسه، وعلى أقاربه الذين تلزمه نفقتهم. # ومنها: الزكوات، ومنها: ما إذا احتاج المسلمون إلى دفع عدو يقصد ~~قتلهم ومالهم، فيجب عليهم إنفاق المال على من يدفع عنهم. # ومنها: دفع ما يسد رمق المضطر، فهذه الاتفاقات واجبة. # قوله: { سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة } ~~اختلفوا في هذا الوعيد، فقال ابن مسعود وابن عباس: إن هذه الأموال ~~تصير حيات يطوقون بها - كما تقدم - وعن أبي هريرة قال: قال ms2325 رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " من آتاه الله مالا، فلم يؤد زكاته مثل له ~~يوم القيامة شجاعا أقرع، له زبيبتان، يطوقه يوم ~~القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه - يعني: شدقيه - ثم يقول: ~~أنا مالك، أنا كنزك " # ثم تلا قوله تعالى: { ولا يحسبن الذين يبخلون }. # وقال مجاهد: معنى " سيطوقون " سيكلفون أن يأتوا بما ~~بخلوا به يوم القيامة، أي: يؤمرون بأداء ما منعوا، فلا يمكنهم ~~الإتيان به، فيكون توبيخا. # وقيل: سيلزمون إثمه في الآخرة، وهذا على طريق التمثيل، يقال: فلان ~~كالطوق في رقبة فلان، كما يقال: قلدتك هذا الأمر، وجعلت هذا الأمر في ~~عنقك، قال تعالى: # وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه # [الإسراء: 13]. # وإن حملنا البخل على البخل بالعلم كان معناه: أن الله تعالى يجعل ~~في أعناقهم طوقا من نار، قال صلى الله عليه وسلم: # " من سئل عن علم يعلمه، فكتمه، ألجم يوم ~~القيامة بلجام من نار ". # قوله: { ولله ميراث السماوات والأرض } فيه وجهان: # أحدهما: أن له ما فيهما مما يتوارثه أهلهما من مال وغيره، فما لهم ~~يبخلون عليه بملكه، كقوله: # وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه # [الحديد: 7]. # ثانيهما: - وهو قول الأكثرين -: أنه يفنى أهل السموات والأرض، ويبقى ~~الأملاك، ولا مالك لها إلا الله، فجرى هذا مجرى الوراثة. # قال ابن الأنباري: يقال: ورث فلان علم فلان، إذا انفرد به ~~بعد أن كان مشاركا فيه، وقال تعالى: # وورث سليمان داوود # [النمل: 16] لأنه انفرد بذلك الأمر بعد أن كان داود مشاركا له فيه. # قال القرطبي: أخبر - تعالى - ببقائه ودوام ملكه، وأنه في الأبد كهو ~~في الأزل، غني عن العالمين، فيرث الأرض بعد فناء خلقه، وزوال ~~أملاكهم، فتبقى الأملاك والأموال لا مدعى فيها، فجرى هذا مجرى ~~الوراثة في عادة الخلق، وليس بميراث في الحقيقة؛ لأن الوارث في الحقيقة ~~هو الذي يرث شيئا لم يكن ملكه من قبل، والله - سبحانه وتعالى - مالك ~~السموات والأرض وما بينهما، وكانت السموات وما فيها له، وأن ~~الأموال كانت عارية عند أربابها، فإذا ماتوا ردت العارية إلى صاحبها ~~الذي كانت له في الأصل ms2326 ثم قال: { والله بما تعملون خبير }. ### || [3.181-182] # في كيفية النظم وجهان: # الأول: أنه - تعالى - لما أمر المكلفين ببذل النفس والمال في ~~سبيل الله - فيما تقدم - وبالغ في تقرير ذلك، قالت الكفار: إنه - ~~تعالى - لما طلب الإنفاق في تحصيل مطلوبه كان فقيرا عاجزا، والفقر ~~على الله محال، فطلبه للمال من عبيده محال، وذلك يدل على ~~كذب محمد في إسناد هذا الطلب إلى الله. # الثاني: أن أمة موسى كانوا إذا أرادوا التقرب إلى الله تعالى ~~بأموالهم، كانت تجيء نار من السماء فتحرقها، فلما طلب النبي صلى الله ~~عليه وسلم منهم بذل المال في سبيل الله قالوا له: لو كنت نبيا لما ~~طلبت الأموال لهذا الغرض؛ فإنه - تعالى - ليس بفقير حتى يحتاج - في ~~إصلاح دينه - إلى أموالنا، فلو كان يطلب أموالنا لجاءت نار من السماء ~~فتحرقها، فلما لم تفعل ذلك عرفنا أنك لست بنبي. # قوله: { قالوا إن } العامل في " إن هو " قالوا " ف " إن " ~~وما في حيزها منصوب المحل ب " قالوا " لا بالقول، وأجاز أبو البقاء ~~أن تكون المسألة من باب التنازع، أعني بين المصدر، وهو " قول " وبين ~~الفعل وهو " قالوا " تنازعا في " إن " وما في حيزها، قال: " ~~ويجوز أن يكون معمولا ل " قول " المضاف؛ لأنه مصدر، وهذا يخرج ~~على قول الكوفيين في إعمال الأول، وهو قول ضعيف، ويزداد هنا ضعفا ~~بأن الثاني فعل، والأول مصدر، وإعمال الفعل أقوى ". # وظاهر كلامه أن المسألة من التنازع، وإنما الضعف عنده من جهة إعمال ~~الأول، فلو قدرنا إعمال الثاني لكان ينبغي أن يجوز عنده، لكنه يمنع ~~من ذلك مانع آخر، وهو أنه إذا احتاج الثاني إلى ضمير المتنازع فيه أخذه، ~~ولا يجوز حذفه، وهو - هنا - غير مذكور، فدل على أنها ليست عنده من ~~التنازع إلا على قول الكوفيين، وهو ضعيف كما ذكر. # وانظر كيف أكدوا الجملة المشتملة على ما أسندوه إليه - تعالى - وإلى ~~عدم ذلك فيما أسندوه لأنفسهم كأنه عند الناس أمر معروف. # فصل # قال الحسن ومجاهد: لما نزل قوله: # من ذا الذي يقرض الله قرضا ms2327 حسنا # [البقرة: 245]. قالت اليهود: إن الله فقير يستقرض منا، ونحن ~~أغنياء. وذكر الحسن أن قائل هذه المقالة هو حيي بن أخطب. # " وقال عكرمة والسدي ومقاتل ومحمد بن إسحاق: كتب النبي صلى ~~الله عليه وسلم مع أبي بكر الصديق إلى يهود بني قينقاع؛ يدعوهم إلى ~~الإسلام، وإلى إقام الصلاة, وإيتاء الزكاة، وأن يقرضوا الله ~~قرضا حسنا، فدخل أبو بكر - ذات يوم - بيت مدراسهم، فوجد كثيرا ~~من اليهود قد اجتمعوا إلى رجل منهم، يقال له: فنحاص بن عازوراء، وكان من ~~علمائهم، ومعه حبر آخر، يقال له: أشيع، فقال أبو بكر لفنحاص: ~~اتق الله وأسلم؛ فوالله إنك لتعلم أن محمدا رسول الله، قد ~~جاءكم بالحق من عند الله، تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة، فآمن ~~وصدق، وأقرض الله قرضا حسنا يدخلك الجنة، ~~ويضاعف لك الثواب، فقال فنحاص: يا أبا بكر، تزعم أن ربنا يستقرض من ~~أموالنا، وما يستقرض إلا الفقير من الغني، فإن كان كما تقول حقا فإن ~~الله - إذن - فقير ونحن أغنياء، وأنه ينهاكم عن الربا ويعطينا، ~~ولو كان غنيا ما أعطانا الربا - يعني في قوله: { فيضاعفه له ~~أضعافا كثيرة } [البقرة: 245] فغضب أبو بكر، وضرب وجه فنحاص ~~ضربة شديدة، وقال: والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت ~~عنقك يا عدو الله. فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: يا محمد، انظر ما صنع بي صاحبك. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يا أبا بكر، ما حملك ما صنعت؟ قال يا رسول الله، إن عدو الله ~~قال قولا عظيما، زعم أن الله فقير وهم أغنياء، فغضبت لله، وضربت وجهه، ~~فجحد ذلك فنحاص، فأنزل الله - عز وجل - هذه الآية ردا على فنحاص، ~~وتصديقا لأبي بكر ". # واعلم أن ظاهر الآية يدل على أن قائل هذا القول كانوا جماعة؛ لقوله ~~تعالى: { الذين قالوا } وأما ما روي عن فنحاص فلا يدل على أن ~~غيره لم يقل ذلك، والكتاب يشهد بأن القائلين جماعة، فيجب القطع بذلك. # قوله: { سنكتب } قرأ حمزة بالياء، مبنيا لما ms2328 لم يسم فاعله، و ~~" ما " وصلتها قائم مقام الفاعل، و " قتلهم " - بالرفع - عطفا على ~~الموصول، و " يقول " - بياء الغيبة - والمعنى: سيحفظ عليهم. والباقون ~~بالنون للمتكلم العظيم، ف " ما " منصوبة المحل، و " قتلهم " بالنصب ~~عطفا عليها، و " نقول " بالنون - أيضا - والمعنى: سنأمر الحفظة ~~بالكتابة. # وقرأ طلحة بن مصرف " ستكتب " - بتاء التأنيث - على تأويل " ~~ما قالوا " ب " مقالتهم ". وقرأ ابن مسعود - وكذلك هي في مصحفه ~~- سنكتب ما يقولون ويقال. والحسن والأعرج " سيكتب " - بالغيبة - ~~مبنيا للفاعل، أي: الله تعالى: أو الملك. # و " ما " - في جميع ذلك - يجوز أن تكون موصولة اسمية - وهو الظاهر - ~~وحذف العائد لاستكمال شروط الحذف، تقديره: سنكتب الذي يقولونه - ~~ويجوز أن تكون مصدرية، أي: قولهم - ويراد به - إذ ذاك - المفعول به، أي: ~~مقولهم، كقولهم: ضرب الأمير. # قوله: { وقتلهم الأنبياء بغير حق } أي: ونكتب قتلهم، ~~أي: رضاهم بالقتل، والمراد قتل أسلافهم الأنبياء، ولكن لما رضوا بذلك صحت ~~الإضافة إليهم، حسن رجل عند الشعبي قتل عثمان، فقال الشعبي: قد شركت ~~في دمه، فجعل الرضا بالقتل قتلا، قال القرطبي: وهذه مسألة عظمى، حيث ~~يكون الرضا بالمعصية معصية، وقد روى أبو داود عن العرس ابن عميرة ~~الكندي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها ~~فكرهها - أو فأنكرها - كمن غاب عنها، ومن غاب ~~فرضيها كان كمن شهدها " # وتقدم الكلام على إضافة قتل الأنبياء إلى هؤلاء الحاضرين. # والفائدة في ضم أنهم قتلوا الأنبياء إلى وصفهم الله تعالى بالفقر ~~بيان أن جهلهم ليس مخصوصا بهذا الوقت، بل هم - منذ كانوا - مصرون ~~على الجهالات والحماقات. # ثم قال: { ونقول ذوقوا عذاب الحريق } أي: النار، وهو ~~بمعنى المحرق - كالأليم بمعنى المؤلم - وهذا القول يحتمل أن يقال لهم ~~عند الموت، أو عند الحشر، وإن لم يكن هناك قول. # فإن قيل: إنهم أوردوا سؤالا، وهو أن من طلب المال من غيره كان فقيرا، ~~فلو طلب الله المال من عبيده لكان فقيرا، وذلك محال، فوجب أن ~~يقال: إنه لم يطلب المال من وعبيده، وذلك قادح ms2329 في كونه صلى الله عليه ~~وسلم صادقا في ادعاء النبوة، فهذا هو شبهتهم، فأين الجواب؟ ~~وكيف يحسن ذكر الوعيد قبل ذلك الجواب عنها؟. # فالجواب: إن فرعنا على قول أهل السنة والجماعة قلنا: يفعل الله ~~ما يشاء، ويحكم ما يريد، فلا يبعد أن يأمر الله عبيده ببذل الأموال، ~~مع كونه تعالى أغنى الأغنياء. وأما على قول المعتزلة - فإنه تعالى يراعي ~~المصالح - فلا يبعد أن يكون في هذا التكليف أنواع من المصالح العائدة ~~إلى العباد؛ فإن إنفاق المال يوجب زوال حب المال عن القلب، وذلك من ~~أعظم المنافع، وتتفرع عليه مصالح كثيرة: # منها: أن إنفاقه سبب للبقاء المخلد في دار الثواب. # ومنها: أن يصير القلب - بذلك الإنفاق - فارغا من حب ما سوى ~~الله تعالى. # ومنها: أنه لو ترك الإنفاق لبقي حب المال في قلبه، فتتألم روحه ~~لمفارقته. # قوله: { ذلك بما قدمت } مبتدأ وخبر، تقديره: ذلك مستحق بما ~~قدمت، كذا قدره أبو البقاء، وفيه نظر. و " ما " يجوز أن تكون موصولة، ~~وموصوفة، و " ذلك " إشارة إلى ما قدم من عقابهم، وهذه الجملة تحتمل ~~وجهين: # أحدهما: أن تكون في محل نصب بالقول؛ عطفا على " ذوقوا " كأنه ~~قيل: ونقول لهم - أيضا - ذلك بما قدمت أيديكم، وبخوا بذلك، وذكر لهم ~~السبب الذي أوجب العقاب. # الثاني: أن لا تكون داخلة في حكاية القول، بل تكون خطابا لمعاصري ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم نزول الآية. وذكرت الأيدي؛ لأن أكثر ~~الأعمال تزاول بها، قال القرطبي: وخص الأيدي بالذكر؛ ليدل على تولي ~~الفعل ومباشرته؛ إذ قد يضاف الفعل إلى الإنسان بمعنى أنه أمر به، كقوله: # يذبح أبنآءهم # [القصص: 4] وأصل " أيديكم " أيديكم، فحذفت الضمة؛ لثقلها. # قوله: { وأن الله ليس بظلام للعبيد } عطف على " ما ~~" المجرورة بالباء، أي: ذلك العقاب حاصل بسبب كسبكم، وعدم ظلمه لكم. # فإن قيل: إن " ظلاما " صيغة مبالغة، تقتضي التكثير، فهي أخص من " ظالم ~~" ، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، فإذا قلت: زيد ليس بظلام، أي: ليس ~~كثير الظلم - مع جواز أن يكون ظالما - وإذا ms2330 قلت: ليس بظالم، انتفى ~~الظلم من أصله فكيف قال تعالى: { ليس بظلام للعبيد }؟ ~~فالجواب من وجوه: # الأول: أن " فعالا " قد لا يراد به [التكثير]، كقول طرفة: ~~[الطويل] # 1702- ولست بحلال التلاع مخافة # ولكن متى يسترفد القوم أرفد # لا يريد - هنا - أنه قد يحل التلاع قليلا؛ لأن ذلك يدفعه آخر البيت ~~الذي يدل على نفي البخل على كل حال، وأيضا تمام المدح لا يحصل بإرادة ~~الكثرة. # الثاني: أنه للكثرة، ولكنه لما كان مقابلا بالعباد - وهم كثيرون - ناسب ~~أن يقابل الكثير بالكثير. # الثالث: أنه إذا نفي الظلم الكثير انتفى الظلم القليل ضرورة؛ لأن الذي ~~يظلم إنما يظلم إنما يظلم لانتفاعه بالظلم فإذا ترك الظلم الكثير مع ~~زيادة نفعه في حق من يجوز عليه النفع والضر - كان للظلم القليل المنفعة ~~أترك. # الرابع: أن يكون على النسب، أي: لا ينسب إليه ظلم، فيكون من باب ~~بزاز وعطار، كأنه قيل: ليس بذي ظلم ألبتة. ذكر هذه الأربعة أبو ~~البقاء. # وقال القاضي أبو بكر: العذاب الذي توعد أن يفعله بهم، لو كان ظلما ~~لكان عظيما، فنفاه على حد عظمه لو كان ثابتا. # وقال الراغب: " العبيد - إذا أضيف إلى الله تعالى - أعم من ~~العباد، ولهذا قال: # ومآ أنا بظلام للعبيد # [ق: 29] فنبه على أنه لا يظلم من تخصص بعبادته، ومن انتسب إلى غيره من ~~الذين يسمون بعبد الشمس وعبد اللات ونحو ذلك ". # وكأن الراغب قد قدم الفرق بين " عبيد " و " عباد " فقال: وجمع العبد ~~- الذي هو مسترق - عبيد وقيل: عبدى وجمع العبد - الذي هو العابد - ~~عباد، وقد تقدم اشتقاق هذه اللفظة وجموعها وبقية الوجوه مذكورة في ~~سورة " ق ". # فصل # قالت المعتزلة: هذه الآية تدل على أن أفعال العباد مخلوقة لهم، ~~وإلا لم تكن مما قدمت أيديهم، وأجيبوا بمسألة العلم والداعي على ما ~~تقدم. ### || [3.183] # يجوز في حل " الذين " الألقاب الثلاثة، فالجر من ثلاثة أوجه: # الأول: أنه صفة للفريق المخصوصين بإضافة " قول " إليه - في قوله: { ~~قول الذين قالوا }. # الثاني: أنه بدل منه. # الثالث: أنه صفة ل " العبيد " أي: ليس ms2331 بظلام للعبيد الذين قالوا ~~كيت وكيت، قاله الزجاج قال ابن عطية: " وهذا مفسد للمعنى ~~والوصف ". # والرفع على القطع - بإضمار مبتدأ - أي: هم الذين، وكذلك النصب على ~~القطع - أيضا - بإضمار فعل لائق، أي: أذم الذين. # قوله: " أن لا نؤمن " في " أن " وجهان: # أحدهما: أنها على حذف حرف الجر، والأصل: في أن لا نؤمن، وحينئذ ~~يجيء فيها المذهبان المشهوران أهي في محل جر، أو نصب. # الثاني: أنها مفعول بها، على تضمين " عهد " معنى ألزم، تقول: عهدت ~~إليه كذا - أي: ألزمته إياه - فهي - على هذا - في محل نصب فقط. # و " أن " تكتب متصلة، ومنفصلة، اعتبارا بالأصل، أو بالإدغام. ونقل ~~أبو البقاء أن منهم من يحذفها في الخط، اكتفاء بالتشديد، وحكى مكي - ~~عن المبرد - أنها إن أدغمت بغير غنة كتبت متصلة، إلا فمنفصلة. ~~ونقل عن بعضهم أنها كانت مخففة كتبت منفصلة، وإن كانت ناصبة كتبت ~~متصلة. # والفرق أن المخففة معها ضمير مقدر، فكأنه فاصل بينهما، بخلاف ~~الناصبة، وقول أهل الخط - في مثل هذا -: تكتب متصلة، عبارة عن حذفها في ~~الخط بالكلية؛ اعتبارا بلفظ الإدغام، لا أنهم يكتبون [متصلة]، ويثبتون ~~لها بعض صورتها، فيكتبون: أنلا، والدليل على ذلك أنهم لما قالوا في " ~~أم من " و " أم ما " ونحوه بالاتصال، إنما يعنون به كتابة حرف واحد، ~~فيكتبون أمن، وأما، وفهم أبو البقاء أن الاتصال في ذلك عبارة عن ~~كتابتهم لها في بعض صورتها ملتصقة ب " لا " ، والدليل على أنه فهم ذلك ~~أنه قال: ومنهم من يحذفها في الخط؛ اكتفاء بالتشديد. # فجعل الحذف قسيما للفصل والوصل، ولا يقول أحد بهذا. # وتعدى " نؤمن " باللام؛ لتضمنه معنى الاعتراف. وقد تقدم في أول " ~~البقرة ". # وقرأ عيسى بن عمر " بقربان " - بضمتين -. # قال القرطبي: " كما قيل - في جمع ظلمة - ظلمات وفي حجرة - حجرات ". # قال ابن عطية: إتباعا لضمة القاف، وليس بلغة؛ لأنه ليس في الكلام ~~فعلان - بضم الفاء والعين -. # وحكى سيبويه: السلطان - بضم اللام - وقال: إن ذلك على الإتباع. # قال أبو حيان: " ولم يقل سيبويه: إن ذلك على الإتباع، بل قال: ولا ms2332 نعلم ~~في الكلام فعلان ولا فعلان، ولا شيئا من هذا النحو، ولكنه جاء ~~فعلان - وهو قليل - قالوا: السلطان، وهو اسم، وقتل الشارح لكلام ~~سيبويه: صاحب هذه اللغة لا يسكن ولا يتبع، وكذا ذكر التصريفيون أنه ~~بناء مستقل، قالوا - فيما لحقه زيادتان بعد اللام، وعلى فعلان - ولم ~~يجيء فعلان إلا اسما، وهو قليل، نحو سلطان ". # قال شهاب الدين: " أما ابن عطية فمسلم أنه وهم في النقل عن ~~سيبويه في " سلطان " خاصة، ولكن قوله في " قربان " صحيح ولأن أهل ~~التصريف لم يستثنوا إلا السلطان ". # والقربان - في الأصل - مصدر، ثم سمي به المفعول، كالرهن، فإنه ~~في الأصل مصدر، ولا حاجة إلى حذف مضاف، وزعم أبو البقاء أنه على حذف ~~مضاف - أي: تقريب قربان - قال: " أي: يشرع لنا ذلك ". # وقوله: { تأكله النار } صفة ل " قربان " وإسناد الأكل ~~إليها مجاز، عبر عن إفنائها الأشياء بالأكل. # قوله: { من قبلي بالبينات } كلاهما متعلق ب " جاءكم " ~~والباء تحتمل المعية والتعدية، أي: مصاحبين للآيات. # فصل في رد شبهة الطاعنين في النبوة # هذه شبهة ثانية طعن بها الكفار في نبوته صلى الله عليه وسلم وتقريرها: ~~أنك يا محمد - لم تفعل كذلك، فوجب ألا تكون نبيا، قال ابن عباس: نزلت ~~هذه الآية في كعب بن الأشرف، ومالك بن الصيف وكعب بن أسد، ووهب بن ~~يهوذا وزيد بن التابوت، وفنحاص بن عازوراء، وحيي بن أخطب، أتوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد تزعم أن الله بعثك إلينا رسولا، ~~وأنزل عليك كتابا، وقد عهد الله إلينا في التوراة أن لا نؤمن لرسول ~~يزعم أنه جاء من عند الله، حتى يأتينا بقربان تأكله النار، فإن ~~جئتنا به صدقناك، فأنزل الله هذه الآية. # والقربان: كل ما يتقرب به العبد إلى الله - تعالى - من نسيكة، ~~وصدقة، وعمل صالح. # قال الواحدي: وأصله المصدر من قولك: قرب قربانا - كالكفران ~~والرجحان والخسران - ثم سمي به نفس المتقرب به ومنه قوله صلى الله ~~عليه وسلم لكعب بن عجرة -: # " يا كعب، الصوم جنة، والصلاة قربان ". # قال القرطبي: " وهو فعلان ms2333 - من القربة - ويكون اسما، ومصدرا. ~~فمثال الاسم: السلطان والبرهان ومثال المصدر: العدوان والخسران ~~". # فصل في بيان ادعاء اليهود # واختلفوا فيما ادعاه اليهود. # فقال السدي: إن هذا الشرط جاء في التوراة، ولكنه مع شرط، وذلك ~~أنه - تعالى - قال في التوراة: من جاءكم يزعم أنه رسول الله، فلا تصدقوه، ~~حتى يأتيكم بقربان تأكله النار، إلا المسيح ومحمد، فإنهما إذا أتيا ~~فآمنوا بهما؛ فإنهما يأتيان بقربان لا تأكله النار، قال: وكانت هذه ~~العادة باقية إلى مبعث المسيح - عليه السلام - فلما بعث المسيح ~~ارتفعت وزالت. # وقال آخرون: إن ادعاء هذا الشرط كذب على التوراة، لأن القربان لم ~~يكن في معجزات موسى وعيسى - عليهما السلام - وأيضا فإنه إذا كانت هذه ~~معجزة، فلا فرق بينها وبين باقي المعجزات، فلم يكن لتخصيصها بالذكر ~~فائدة. # واعلم أنه - تعالى - أجاب عن هذه الشبهة، فقال: { قد جآءكم ~~رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم ~~قتلتموهم إن كنتم صادقين }؟ والمراد أسلافهم، فبين - ~~بهذا الكلام - أنهم إنما يطلبون ذلك على سبيل التعنت، لا على وجه ~~الاسترشاد، إذ لو لم يكن كذلك لما سعوا في قتلهم. # فإن قيل: لم قال: { قد جآءكم رسل } ولم يقل: جاءتكم رسل؟ # فالجواب: أن فعل المؤنث يذكر إذا تقدمه جمع تكسير. # والمراد بقوله: { وبالذي قلتم } هو ما طلبوه منه، وهو ~~القربان. # فإن قيل: إن القوم إنما طالبوه بالقربان، فما الحكمة في أنه أجابهم ~~بقوله: { قد جآءكم رسل من قبلي بالبينات } ثم أضاف ~~إلى قوله: { وبالذي قلتم } وهو القربان؟ # فالجواب: أن النبي صلى الله عليه وسلم لو قال لهم: إن الأنبياء ~~المتقدمين أتوا بالقربان لم يلزم من ذلك وجوب الاعتراف بنبوتهم؛ لاحتمال ~~أن الإتيان بهذا القربان شرط للنبوة، لا موجب لها، والشرط هو الذي ~~يلزم من عدمه عدم المشروط لكن لا يلزم من وجوده وجود المشروط، فثبت أنه ~~لو اكتفى بهذا القدر لما كان الإلزام واردا عليهم، فلما قال: { قد ~~جآءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم } ~~كان الإلزام واردا عليهم؛ لأنهم لما أتوا بالبينات فقد أتوا بالموجب ~~للصدق، ms2334 ولما أتوا بالقربان فقد أتوا بالشرط، فعند الإتيان بهما وجب ~~الإقرار بالنبوة. # قال القرطبي - في معنى الآية -: " قل " يا محمد " قد جاءكم " ~~يا معشر اليهود { رسل من قبلي بالبينات وبالذي ~~قلتم } من القربان " فلم قتلتموهم " يعني زكريا ويحيى وشعيبا ~~وسائر من قتلوا من الأنبياء - عليهم السلام - ولم يؤمنوا بهم. # أراد بذلك أسلافهم. وهذه الآية هي التي تلاها عامر الشعبي، واحتج بها ~~على الذي حسن قتل عثمان - رضي الله عنه - وأن الله تعالى سمي ~~اليهود - لرضاهم بفعل أسلافهم - وإن كان بينهم نحو من سبعمائة سنة. ### || [3.184] # قوله: { فقد كذب رسل } ليس جوابا، بل الجواب محذوف، أي: ~~فقل، ونحوه؛ لأن هذا قد مضى وتحقق، والجملة من " جاءوا " في محل ~~رفع، صفة ل " رسل " و " من قبلك " متعلق ب " كذب " ~~والباء في " بالبينات " تحتمل الوجهين، كنظيرتها. # ومعنى الآية: فإن كذبوك في قولك: إن الأنبياء المتقدمين أتوا ~~بالقربان. # ويحتمل أن يكون المعنى: فإن كذبوك في أصل النبوة - وهو أولى - والمراد ~~بالبينات المعجزات. # وقرأ الجمهور: " والزبر والكتاب " - من غير باء الجر - وقرأ ابن عامر ~~" وبالزبر " - بإعادتها - وهشام وحده عنه " وبالكتاب " - ~~بإعادتها أيضا - وهي في مصاحف الشاميين كقراءة ابن عامر، فمن لم ~~يأت بها اكتفى بالعطف، ومن أتى بها كان ذلك تأكيدا. # والزبر: جمع زبور - بالفتح - ويقال: زبور - بالضم أيضا - وهل هما ~~بمعنى واحد أو مختلفان؟ سيأتي الكلام عليهما - إن شاء الله تعالى - في ~~النساء في قوله: # وآتينا داوود زبورا # [النساء: 163]. واشتقاقه من زبرت: أي: كتبت وزبرته: قرأته، ~~وزبرته: حسنت كتابته، وزبرته: زجرته. فزبور - بالفتح - ~~فعول بمعنى مفعول - كالركوب بمعنى: المركوب - والحلوب - بمعنى المحلوب ~~- والمعنى: الكتب المزبورة، أي: المكتوبة، والزبر: جمع زبور، وهو ~~الكتاب. # قال امرؤ القيس: [الطويل] # 1703- لمن طلل أبصرته فشجاني # كخط زبور في عسيب يماني # وقيل: اشتقاق اللفظة من الزبرة، وهي قطعة الحديد المتروكة بحالها. # وقيل: الزبور من الزبر - بمعنى: الزجر - تقول: زبرت الرجل: أي: ~~نهرته. وزبرت البئر: أي: طويتها بالحجارة. # فإن قيل: لم عطف " الكتاب المنير " على " الزبر " مع أن ~~الكتاب المنير من ms2335 الزبر؟ # فالجواب: لأن الكتاب المنير أشرف الكتب، وأحسن الزبر، فحسن العطف، ~~كقوله: # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن ~~نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم # [الأحزاب: 7]. وقوله: # وملائكته ورسله وجبريل وميكال # [البقرة: 98]. ووجه شرفه: كونه مشتملا على جميع الشريعة، أو كونه ~~باقيا على وجه الدهر. # وقيل: المراد ب " الزبر " الصحف، والمراد ب " الكتاب ~~المنير " التوراة والإنجيل والزبور. # و " المنير " اسم فاعل من أنار، أي: أضاء، وهو الواضح. والمراد بهذه ~~الآية - تسلية قلب الرسول - صلى الله عليه وسلم بما جرى على الأنبياء ~~قبله. ### || [3.185] # والمراد بهذه الآية - زيادة تأكيد التسلية والمبالغة في إزالة ~~الحزن عن قلبه؛ لأن من علم أن عاقبته الموت زالت عن قلبه الغموم ~~والأحزان، ولأن بعد هذه الدار دارا يتميز فيها المحسن من المسيء، ~~[والمحق من المبطل]. # قوله: { كل نفس ذآئقة الموت } مبتدأ وخبر، وسوغ ~~الابتداء بالنكرة العموم والإضافة. # والجمهور على " ذائقة الموت " - بخفض " الموت " - ~~بالإضافة، وهي إضافة غير محضة؛ لأنها في نية الانفصال. # وقرأ اليزيدي " ذائقة الموت " بالتنوين والنصب في " ~~الموت " على الأصل. # وقرأ الأعمش بعدم التنوين ونصب " الموت " وذلك على حذف التنوين؛ ~~لالتقاء الساكنين وإرادته وهو كقول الشاعر: [المتقارب] # 1704- فألقيته غير مستعتب # ولا ذاكر الله إلا قليلا # - بنصب الجلالة - وقراءة من قرأ # قل هو الله أحد الله # [الإخلاص: 1، 2] - بحذف التنوين من " أحد " لالتقاء الساكنين. # [ونقل] أبو البقاء - فيها - قراءة غريبة، وتخريجا غريبا، قال: وتقرأ ~~شاذا - أيضا - ذائقه الموت على جعل الهاء ضمير " كل " على ~~اللفظ، وهو مبتدأ وخبر، وإذا صحت هذه قراءة فتكون " كل " مبتدأ، و " ~~ذائقه " خبر مقدم، و " الموت " مبتدأ مؤخر، والجملة خبر " ~~كل " وأضيف " ذائق " إلى ضمير " كل " باعتبار لفظها، ويكون هذا من باب ~~القلب في الكلام؛ لأن النفس هي التي تذوق الموت وليس الموت يذوقها، وهنا ~~جعل الموت هو الذي يذوق النفس، قلبا للكلام؛ لفهم المعنى، كقولهم: ~~عرضت الناقة على الحوض، ومنه قوله: # ويوم يعرض الذين كفروا على النار # [الأحقاف: 34] وقولك: أدخلت القلنسوة في رأسي. # وقول الشاعر: [البسيط] # 1705- مثل القنافذ هداجون قد ms2336 بلغت # نجران، أو بلغت سوآتهم هجر # الأصل: عرضت الحوض على الناقة، ويوم تعرض النار على الذين كفروا، ~~وأدخلت رأسي في القلنسوة، وبلغت سوآتهم هجر، فقلبت. وسيأتي خلاف ~~الناس في القلب في موضعه إن شاء الله - تعالى -. # وكان أبو البقاء قد قدم قبل هذا التأنيث في " ذائقة " إنما هو ~~باعتبار معنى " كل " قال: " لأن كل نفس نفوس، فلو ذكر على لفظ " كل " ~~جاز، يعني أنه لو قيل: { كل نفس ذآئقة } جاز، وقد تقدم ~~أول البقرة أنه يجب [اعتبار] لفظ ما يضاف إليه إذا كان نكرة ولا يجوز ~~أن يعتبر " كل " وتحقيق هذه المسألة هناك. # فصل # قال ابن الخطيب: هذه الآية من تمام التسلية لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إما بأن غموم الدنيا يقطعها الموت، وما كان كذلك لا ينبغي للعاقل ~~أن يلتفت إليه. # وإما لأن بعد هذه الدار دارا يتميز فيها المحسن من المسيء، فلا ~~يلتفت إلى غم الدنيا وبؤسها. # فإن قيل: قوله تعالى: # تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك # [المائدة: 116] يقتضي الاندراج، وأيضا فالنفس والذات واحد، فتدخل ~~الجمادات لأنهم ذوات، ويقتضي موت أهل الجنة؛ لأنهم نفوس. # فالجواب: أن المراد: المكلفون في دار التكليف، لقوله، عقبيها: { ~~فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز } وذلك ~~لا يتأتى إلا فيهم. # فصل # قالت الفلاسفة: الموت واجب للأجسام؛ لأن الحياة الجسمانية إنما تحصل ~~بالرطوبة والحرارة الغريزيتين، ثم إن الحرارة تستمد من الرطوبة إلى أن ~~تفنى، فيحصل الموت قالوا: والآية تدل على أن النفوس لا تموت؛ لأنه جعلها ~~ذائقة، والذائق لا بد أن يبقى حال الذوق والمعنى: ذائقة موت البدن، ويدل ~~ذلك - أيضا - على أن النفس غير البدن. # قوله: { وإنما توفون } " ما " كافة ل " إن " عن العمل، قال ~~مكي: " ولا يحسبن أن تكون " ما " بمعنى الذي، لأنه يلزم رفع " أجوركم ~~" ولم يقرأ به أحد، ولأنه يصير التقدير: وأن الذي توفونه أجوركم، ~~كقولك: إن الذي أكرمته عمرو، وأيضا فإنك تفرق بين الصلة والموصول بخبر ~~الابتداء ". # يعني لو كانت " ما " موصولة لكانت اسم ms2337 " إن " فيلزم - حينئذ - رفع " ~~أجوركم " على أنه خبرها، كقوله تعالى: # إنما صنعوا كيد ساحر # [طه: 69] ف " ما " - هنا - يجوز أن تكون بمعنى الذي، أو مصدرية، ~~تقديره: إن الذي صنعوه، أو إن صنعهم، ولذلك رفع " كيد " ، خبرها. ~~وقوله: وأيضا فإنك تفرق...، يعني أن " يوم القيامة " متعلق ب " ~~توفون " فهو من تمام الصلة فلو كانت " ما " موصولة لفصلت بالخبر - ~~الذي هو " أجوركم " - بين أبعاض الصلة - التي هي الفعل ومعموله - ولا ~~يخبر عن موصول إلا بعد تمام صلته، وهذا وإن كان من الواضحات، إلا أن ~~فيه تنبيها على أصول العلم. # فصل # قال المفسرون: أجر المؤمن الثواب، وأجر الكافر العقاب، ولم يعتد ~~بالنعمة في الدنيا - أجرا وجزاء - لأنها عرضة للفناء. # قوله: { فمن زحزح عن النار } أدغم أبو عمرو الحاء في العين، ~~قالوا: لطول الكلمة، وتكرير الحاء، دون قوله: # ذبح على النصب # [المائدة: 3] وقوله: # المسيح عيسى # [آل عمران: 45] ونقل عنه الإدغام مطلقا، وعدمه مطلقا والنحويون ~~يمنعون ذلك، ولا يجيزونه إلا بعد أن يقلبوا العين حاء ويدغموا الحاء ~~فيها، قالوا: لأن الأقوى لا يدغم في الأضعف، وهذا عكس الإدغام، أن ~~تقلب فيه الأول للثاني إلا في مسألتين: إحداهما: هذه، والثانية: الحاء في ~~الهاء، نحو: امدح حلالا - بقلب الهاء حاء أيضا - ولذلك طعن بعضهم على ~~قراءة أبي عمرو، ولا يلتفت إليه. # . ومعنى الكلام، { فمن زحزح } أي: نحي وأزيل عن النار وأدخل ~~الجنة فقد فاز. # قوله: { وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور } ~~المتاع: ما يتمتع به، وينتفع [به الناس - كالقدر] والقصعة - ثم ~~يزول ولا يبقى قاله أكثر المفسرين. # وقال الحسن: هو كخضرة النبات، ولعب البنات، ولا حاصل له. # وقال قتادة: هي متاع متروك: يوشك أن يضمحل، فينبغي للإنسان أن يأخذ ~~من هذا المتاع بطاعة الله - تعالى - ما استطاع. # وقوله: " الغرور " يجوز أن يكون مصدرا من قولك: غررت فلانا ~~غرورا، شبه بالمتاع الذي يدلس به على المستام، ويغر عليه حتى ~~يشتريه، ثم يظهر فساده له، ومنه الحديث: # " نهى عن بيع الغرر " # ويجوز أن يكون جمعا. # وقرأ عبد الله لفتح ms2338 الغين وفسرها بالشيطان أن يكون فعولا بمعنى ~~مفعول، أي: متاع الغرور، أي: المخدوع: وأصل الغرر: الخدع. # قال سعيد بن جبير: هذا في حق من آثر الدنيا على الآخرة، وأما من ~~طلب الآخرة بها فإنها متاع بلاغ. ### || [3.186] # وهذه الآية زيادة في تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه بين له ~~أن الكفار بعد أن آذوا الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين يوم ~~أحد، فسيؤذونهم - أيضا - في المستقبل في النفس والمال. # والمراد منه أن يوطنوا أنفسهم على الصبر؛ فإن العالم بنزول ~~البلاء عليه لا يعظم وقعه في قلبه بخلاف غير العالم فإنه يعظم ~~عنده ويشق عليه. # قوله: { لتبلون } هذا جواب قسم محذوف، تقديره: والله ~~لتبلون، وهذه الواو هي واو الضمير، والواو التي هي لام الكلمة ~~حذفت لأمر تصريفي، وذلك أن أصله: لتبلونن، فالنون الأولى ~~للرفع، حذفت لأجل نون التوكيد، وتحركت الواو [الأولى] - التي هي ~~لام الكلمة - وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، فالتقى ساكنان - ~~الألف وواو الضمير - فحذفت الألف؛ لئلا يلتقيا، وضمت الواو؛ ~~دلالة على المحذوف. # وإن شئت قلت: استثقلت الضمة على الواو الأولى، فحذفت، فالتقى ~~ساكنان، فحذفت الواو الأولى وحركت الثانية بحركة مجانسة، ~~دلالة على المحذوف. ولا يجوز قلب مثل هذه الواو همزة؛ [لأن حركتها ~~عارضة] ولذلك لم [تقلب] ألفا، وإن تحركت وانفتح ما قبلها. # ويقال للواحد من المذكر: لتبلون يا رجل وللاثنين: لتبليان ~~يا رجلان، ولجماعة الرجال: لتبلون. وأصل " لتسمعن ": ~~لتسمعونن، ففعل فيه ما تقدم، إلا أن هنا حذفت واو الضمير؛ ~~لأن قبلها حرفا صحيحا. # فصل في المراد بالابتلاء # معنى الابتلاء: الاختبار وطلب المعرفة، ومعناه في وصف الله تعالى به ~~معاملة العبد معاملة المختبر، واختلفوا في هذا الابتلاء، فقيل: المراد ~~ما نالهم من الشدة والفقر والقتل والجرح من الكفار، ومن حيث ألزموا ~~الصبر في الجهاد. # وقيل: الابتلاء في الأموال بالمصائب، وبالإنفاق في سبيل الله وسائر ~~تكاليف الشرع، والابتلاء في الأنفس بالموت والأمراض وفقد الأحباب. ~~وبدأ بذكر الأموال لكثرة المصائب بها. # وقال الحسن: التكاليف الشديدة المتعلقة بالدين والمال، كالصلاة ~~والزكاة والجهاد. ms2339 # وقال القاضي: والظاهر يحتمل الكل. # قوله: { ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا } المراد منه ~~أنواع الأذى الحاصلة من اليهود والنصارى والمشركين للمسلمين، وذلك أنهم ~~كانوا يقولون: # عزير ابن الله # [التوبة: 30] و # المسيح ابن الله # [التوبة: 30] و " ثالث ثلاثة " وكانوا يطعنون في الرسول بكل ما يقدرون ~~عليه، وهجاه كعب بن الأشرف، وكانوا يحرضون الناس على مخالفة ~~الرسول، ويجمعون الناس لمحاربته، ويثبطون المسلمين عن نصرته، ثم ~~قال: { وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم ~~الأمور }. # قال المفسرون: # " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر إلى فنحاص اليهودي، ~~يستمده، فقال فنحاص: قد احتاج ربكم إلى أن نمده فهم أبو بكر أن ~~يضربه بالسيف، وكان صلى الله عليه وسلم قال له - حين أرسله -: لا ~~تغلبن على شيء حتى ترجع إلي، فتذكر أبو بكر ذلك، وكف عن الضرب " # فنزلت الآية. # فصل # في الآية تأويلان: # أحدهما: أن المراد منه أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالمصابرة على ~~الابتلاء في النفس والمال، وتحمل الأذى، وترك المعارضة والمقابلة، ~~وذلك لأنه أقرب إلى دخول المخالف في الدين، كقوله تعالى: # فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى # [طه: 44] وقوله: # قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون ~~أيام # [الجاثية: 14] وقوله: # وإذا مروا باللغو مروا كراما # [الفرقان: 72] وقوله: # فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل # [الأحقاف: 35] وقوله: # ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه ~~عداوة كأنه ولي حميم # [فصلت: 34]. # قال الواحدي: كان هذا قبل نزول آية السيف. # قال القفال: والذي عندي أن هذا ليس بمنسوخ، والظاهر أنها نزلت عقب ~~قصة أحد، والمعنى: أنهم أمروا بالصبر على ما يؤذون به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم على طريق الأقوال الجارية فيما بينهم، واستعمال ~~مداراتهم في كثير من الأحوال، والأمر بالقتال لا ينافي الأمر ~~بالمصابرة. # التأويل الثاني: أن يكون المراد من الصبر والتقوى: الصبر على ~~مجاهدة الكفار ومنابذتهم والإنكار عليهم. فالصبر عبارة عن احتمال الأذى ~~والمكروه، والتقوى عبارة عن الاحتراز عما لا ينبغي. وقوله: { فإن ms2340 ~~ذلك من عزم الأمور } أي: من صواب التدبير والرشد الذي ينبغي ~~لكل عاقل أن يقدم عليه. # وقيل: { من عزم الأمور } أي: من حق الأمور وخيرها. # وقال عطاء: من حقيقة الإيمان. ### || [3.187] # في كيفية النظم وجهان: # أحدهما: أنه - تعالى - لما حكى عنهم الطعن في نبوته صلى الله ~~عليه وسلم وأجاب عن ذلك، بين في هذه الآية التعجب من حالهم. # والمعنى: كيف يليق بكم الطعن في نبوته صلى الله عليه وسلم وكتبكم ~~ناطقة بأنه يجب عليكم ذكر الدلائل الدالة على صدقه ونبوته؟ # ثانيهما: أنه لما أوجب عليه احتمال الأذى من أهل الكتاب - وكان من ~~جملة أذاهم كتمان ما في التوراة والإنجيل من الدلائل الدالة على ~~نبوته، وتحريفها - بين أن هذا من تلك الجملة التي يجب فيها الصبر. # قوله: { لتبيننه للناس } هذا جواب لما تضمنه الميثاق من ~~القسم. وقرأ أبو عمرو، وابن كثير، وأبو بكر بالياء، جريا على الاسم ~~الظاهر - وهو كالغائب - وحسن ذلك قوله - بعده -: " فنبذوه " ~~والباقون بالتاء؛ خطابا على الحكاية، تقديره: وقلنا لهم، وهذا كقوله: # وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون # [البقرة: 83] بالتاء والياء كما تقدم تحريره. # قوله: { ولا تكتمونه } يحتمل وجهين: # أحدهما: واو الحال، والجملة بعدها نصب على الحال، أي: لتبيننه غير ~~كاتمين. الثاني: أنها للعطف، والفعل بعدها مقسم عليه - أيضا - ~~وإنما لم يؤكد بالنون؛ لأنه منفي، كما تقول: والله لا يقوم زيد ~~- من غير نون - وقال أبو البقاء: " ولم يأت بها في " تكتمون " ~~اكتفاء بالتوكيد في الأول؛ " تكتمونه " توكيد ". # وظاهر عبارته أنه لو لم يكن بعد مؤكد بالنون لزم توكيده، وليس كذلك؛ ~~لما تقدم. وقوله: لأنه توكيد، يعني أن نفي الكتمان فهم من قوله: { ~~لتبيننه للناس } فجاء قوله: { ولا تكتمونه } ~~توكيدا في المعنى. # واستحسن أبو حيان هذا الوجه - أعني: جعل الواو عاطفة لا حالية - ~~قال: " وهذا الوجه - عندي - أعرب وأفصح؛ لأن الأول يحتاج إلى إضمار ~~مبتدأ قبل " لا " حتى تصير الجملة اسمية في موضع الحال؛ إذ المضارع ~~المنفي ب " لا " لا تدخل عليه واو الحال ". # وغيره يقول: إنه ms2341 يمتنع إذا كان مضارعا مثبتا، فيفهم من هذا أن ~~المضارع المنفي بكل ناف لا يمتنع دخولها عليه. # وقرأ عبد الله: ليبينونه - من غير توكيد - قال ابن عطية: " وقد ~~لا تلزم هذه النون لام التوكيد قال سيبويه ". # والمعروف - من مذهب البصريين - لزومهما معا، والكوفيون يجيزون ~~تعاقبهما في سعة الكلام. # وأنشدوا: [الطويل] # 1706- وعيشك - يا سلمى - لأوقن أنني # لما شئت مستحل، ولو أنه القتل # وقال الآخر: [المتقارب] # 1707- يمينا لأبغض كل امرئ # يزخرف قولا ولا يفعل # فأتى باللام وحدها. وقد تقدم تحقيق هذا. # وقرأ ابن عباس: ميثاق النبيين لتبيننه للناس، فالضمير في قوله: { ~~فنبذوه } يعود على { الناس } المبين لهم؛ لاستحالة عوده ~~على النبيين، وكان قد تقدم في قوله تعالى: # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم من ~~كتاب وحكمة # [آل عمران: 81] أنه - في أحد الأوجه - على حذف مضاف، أي: أولاد النبيين، ~~فلا بعد في تقديره هنا - أعني: قراءة ابن عباس -. والهاء في { ~~لتبيننه للناس ولا تكتمونه } قال سعيد بن جبير ~~والسدي تعود إلى محمد صلى الله عليه وسلم وعلى هذا يكون الضمير ~~عائدا إلى معلوم غير مذكور. # وقال الحسن وقتادة: تعود على " الكتاب " أي: يبينون للناس ما في ~~التوراة والإنجيل من الدلالة على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. # فإن قيل: البيان يضاد الكتمان، فلما أمر بالبيان كان الأمر به ~~نهيا عن الكتمان فما الفائدة في ذكر النهي عن الكتمان؟ # فالجواب: أن المراد من البيان ذكر الآيات الدالة على نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم من التوراة والإنجيل والمراد من النهي عن الكتمان أن ~~لا يلقوا فيها التأويلات الفاسدة، والشبهات المعطلة. # قال قتادة: هذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم، فمن علم شيئا ~~فليعلمه، وإياكم وكتمان العلم، فإنه هلكه. قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجم يوم ~~القيامة بلجام من نار ". # قوله: { فنبذوه ورآء ظهورهم } طرحوه، وضيعوه، ولم ~~يراعوه، ولم يلتفتوا إليه. والنبذ وراء الظهر مثل للطرح، ونقيضه: ~~جعله نصب عينيه. # وقوله: { واشتروا به ثمنا قليلا } معناه: أنهم ms2342 أخفوا ~~الحق؛ ليتوسلوا بذلك إلى وجدان شيء من الدنيا، ثم قال: { فبئس ما ~~يشترون }. ### || [3.188] # هذا أيضا من جملة أذاهم؛ لأنهم يفرحون بما أتوا به من أنواع الخبث ~~والتلبيس على ضعفة المسلمين ويحبون أن يحمدوا ~~بأنهم أهل البر والصدقة والتقوى، ولا شك أن الإنسان يتأذى ~~بمشاهدة مثل هذه الأحوال، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالمصابرة ~~عليها. # قوله: و { لا تحسبن } قرأ ابن كثير وأبو عمر " يحسبن " و ~~" فلا يحسبنهم " - بالياء فيهما، ورفع ياء " تحسبنهم " ~~وقرأ الكوفيون بتاء الخطاب، وفتح الباء فيهما معا، ونافع وابن عامر ~~بياء الغيبة في الأول، وتاء الخطاب في الثاني، وفتح الباء فيهما معا، ~~وقرئ شاذا بتاء الخطاب وضم الباء فيهما معا، وقرئ فيه أيضا بياء ~~الغيبة فيهما، وفتح الباء فيهما أيضا فهذه خمس قراءات، فأما قراءة ~~ابن كثير وأبي عمرو ففيها خمسة أوجه، وذلك: لأنه لا يخلو إما أن ~~يجعل الفعل الأول مسندا إلى ضمير غائب، أو إلى الموصول، فإن ~~جعلناه مسندا إلى ضمير غائب، الرسول صلى الله عليه وسلم أو غيره - ففي ~~المسألة وجهان: # أحدهما: أن " الذين " مفعول أول، والثاني محذوف؛ لدلالة المفعول ~~الثاني للفعل الذي بعده عليه، وهو " بمفازة " والتقدير: لا يحسبن ~~الرسول - أو حاسب - الذين يفرحون بمفازة، فأسند الفعل الثاني لضمير " ~~الذين " ومفعولاه الضمير المنصوب، و " بمفازة ". # الثاني: أن " الذين " مفعول أول - أيضا - ومفعوله الثاني هو " ~~بمفازة " الملفوظ به بعد الفعل الثاني، ومفعول الفعل الثاني محذوف؛ ~~لدلالة مفعول الأول عليه، والتقدير: لا يحسبن الرسول الذين يفرحون بمفازة ~~فلا يحسبنهم كذلك، والعمل كما تقدم، وهذا بعيد جدا، للفصل بين المفعول ~~الثاني للفعل الأول بكلام طويل من غير حاجة، والفاء - على هذين ~~الوجهين - عاطفة؛ والسببية فيها ظاهرة. # وإن جعلناه مسندا إلى الموصول ففيه ثلاثة أوجه: # أولها: أن الفعل الأول حذف مفعولاه، اختصارا؛ لدلالة مفعولي الفعل ~~الثاني عليهما، تقديره: ولا يحسبن الفارحون أنفسهم فائزين فلا يحسبنهم ~~فائزين. # كقول الآخر: [الطويل] # 1708- بأي كتاب، أم بأية سنة # ترى حبهم عارا علي وتحسب # أي: وتحسب حبهم عارا، فحذفت ms2343 مفعولي الفعل الثاني؛ لدلالة مفعولي الأول ~~عليهما، وهو عكس الآية الكريمة، حيث حذف فيها من الفعل الأول. # ثانيها: أن الفعل الأول لم يحتج إلى مفعولين هنا. # قال أبو علي " تحسبن " لم يقع على شيء و " الذين " رفع به، ~~وقد تجيء هذه الأفعال لغوا، لا في حكم الجمل المفيدة، نحو قوله: ~~[الطويل] # 1709- وما خلت أبقى بيننا من مودة # عراض المذاكي المسنفات القلائصا # المذاكي: الخيل التي قد أتى عليها بعد قروحها سنة أو سنتان، الواحد: ~~مذك مثل المخلف من الإبل وفي المثل: جري المذكيات غلاب. # والمسنفات: اسم مفعول، يقال: سنفت البعير أسنفه، سنفا، إذا كففته ~~بزمامه وأنت راكبه وأسنف البعير لغة في سنفه وأسنف البعير بنفسه إذا رفع ~~رأسه، يتعدى ولا يتعدى وكانت العرب تركب الإبل، وتجنب الخيل، تقول: ~~الحرب لا تبقى مودة وقال الخليل: العرب تقول: ما رأيته يقول ذلك إلا ~~زيد، وما ظننته يقول ذلك إلا زيد. # يعني أبو علي أنها في هذه الأماكن ملغاة، لا مفعول لها. # ثالثها: أن يكون المفعول الأول للفعل الأول محذوفا، والثاني هو نفس " ~~بمفازة " ويكون " فلا يحسبنهم " توكيدا للفعل الأول، وهذا ~~رأي الزمخشري؛ فإنه قال بعد ما حكى هذه القراءة -: " على أن الفعل ل ~~{ الذين يفرحون } والمفعول الأول محذوف، على معنى: لا يحسبنهم ~~الذين يفرحون بمفازة بمعنى: لا يحسبنهم أنفسهم الذين يفرحون فائزين، و " ~~فلا يحسبنهم " تأكيد ". # قال أبو حيان: " وتقدم لنا الرد على الزمخشري في تقديره: لا ~~يحسبنهم الذين في قوله تعالى: # ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي # [آل عمران: 178] وأن هذا التقدير لا يصح ". # قال شهاب الدين: قد تقدم ذلك والجواب عنه، لكن ليس هو في قوله: # ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي # [آل عمران: 178] بل في قوله: { ولا يحسبن الذين قتلوا في سبيل الله } ~~من قراءة من قرأ بياء الغيبة، فهناك رد عليه بما قال، وقد أجيب عنه ~~والحمد لله، وإنما نبهت على ذلك لئلا يطلب هذا البحث من المكان الذي ذكره ~~فلم يوجد. # ويجوز أن يقال - في تقرير هذا الوجه ms2344 الثالث -: أنه حذف من إحدى الفعلين ~~ما أثبت نظيره في الآخر وذلك أن " بمفازة " مفعول ثان للفعل الأول، ~~حذفت من الفعل الثاني، و " هم " في " فلا يحسبنهم " مفعول أول للفعل ~~الثاني، وهو محذوف من الأول. # وإذا عرفت ذلك فالفعل الثاني - على هذه الأوجه الثلاثة - تأكيد للأول. # وقال مكي: إن الفعل الثاني بدل من الأول. # وفي تسمية مثل هذا بدلا نظر لا يخفى، وكأنه يريد أنه في حكم المكرر، ~~فهو يرجع إلى معنى التأكيد. وكذلك قال بعضهم: والثاني معاد على طريق ~~البدل، مشوبا بمعنى التأكيد. # وعلى هذين القولين - أعني كونه تأكيدا، أو بدلا - فالفاء زائدة، ليست ~~عاطفة ولا جوابا. # قوله: { فلا تحسبنهم } أصله: تحسبوننهم، بنونين - الأولى ~~نون الرفع، والثانية للتوكيد - وتصريفه لا يخفى من القواعد المتقدمة. ~~وتعدى هنا فعل المضمر المنفصل إلى ضميره المتصل، وهو خاص بباب الظن، ~~وبعدم وفقد دون سائر الأفعال. لو قلت: " أكرمتني " ، أي: " أكرمت أنا ~~نفسي " لم يجز. # وأما قراءة الكوفيين فالفعلان فيها مسندان إلى ضمير المخاطب إما الرسول ~~صلى الله عليه وسلم أو كل من يصلح للخطاب - والكلام في المفعولين للفعلين ~~كالكلام فيهما في قراءة أبي عمرو وابن كثير، على قولنا إن الفعل الأول ~~مسند لضمير غائب، والفعل الثاني تأكيد للأول، أو بدل منه، والفاء ~~زائدة، كما تقدم في توجيه قراءة أبي عمرو وابن كثير، على قولنا: إن ~~الفعلين مسندان للموصول؛ لأن الفاعل فيهما واحد، واستدلوا على أن الفاء ~~زائدة بقول الشاعر: [الكامل] # 1710- لا تجزعي إن منفسا أهلكته # فإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي # وقول الآخر: [الكامل] # 1711- لما اتقى بيد عظيم جرمها # فتركت ضاحي جلدها يتذبذب # وقول الآخر: [الكامل] # 1712- حتى تركت العائدات يعدنه # فيقلن: لا تبعد، وقلت له: ابعد # إلا أن زيادة الفاء ليس رأي الجمهور، إنما قال به الأخفش. # وأما قراءة نافع وابن عامر - بالغيبة في الأول، والخطاب في الثاني - ~~فوجهها أنهما غايرا بين الفاعلين، والكلام فيهما يؤخذ مما تقدم، فيؤخذ ~~الكلام في الفعل الأول من الكلام على قراءة أبي عمرو وابن كثير، وفي ~~الثاني من ms2345 الكلام على قراءة الكوفيين بما يليق به، إلا أنه ممتنع - هنا - ~~أن يكون الفعل الثاني تأكيدا للأول، أو بدلا منه؛ لاختلاف فاعليهما، ~~فتكون الفاء - هنا - عاطفة ليس إلا، وقال أبو علي في الحجة -: إن ~~الفاء زائدة، والثاني بدل من الأول، قال: " وليس هذا موضع العطف لأن ~~الكلام لم يتم، ألا ترى أن المفعول الثاني لم يذكر بعد ". # وفيه نظر؛ لاختلاف الفعلين باختلاف فاعليهما. # وأما قراءة الخطاب فيهما مع ضم الباء فيهما فالفعلان مسندان لضمير ~~المؤمنين المخاطبين، والكلام في المفعولين كالكلام فيهما في قراءة ~~الكوفيين. # وأما قراءة الغيبة وفتح الباء فيهما فالفعلان مسندان إلى ضمير ~~غائب، أي: لا يحسبن الرسول، أو حاسب. # والكلام في المفعولين للفعلين، كالكلام في القراءة التي قبلها، ~~والثاني من الفعلين تأكيد، أو بدل، والفاء زائدة -على هاتين ~~القراءتين - لاتحاد الفاعل. # وقرأ النخعي، ومروان بن الحكم " بما آتوا " ممدودا، أي: أعطوا، ~~وقرأ علي بن أبي طالب " أوتوا " مبنيا للمفعول. # فصل # قال ابن عباس: قوله: { يفرحون بمآ أتوا } هم اليهود، ~~حرفوا التوراة، وفرحوا بذلك، وأحبوا أن يوصفوا بالديانة والفضل. # وقيل: سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم اليهود عن شيء من ~~التوراة، فأخبروه بخلافه، وفرحوا بذلك التلبيس وطلبوا أن يثنى عليهم ~~بذلك. # وقيل: فرحوا بكتمان النصوص الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~وأحبوا أن يحمدوا بأنهم متبعون دين إبراهيم. # وقيل: هم المنافقون، فرحوا بنفاقهم للمسلمين، وأحبوا أن ~~يحمدهم النبي صلى الله عليه وسلم على الإيمان. # وقيل: هم بعض المنافقين، تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الغزو، وفرحوا بقعودهم، واعتذروا، وطمعوا أن يثنى عليهم، كما ~~يثنى على المجاهدين. # وقيل المراد كتم اليهود الميثاق المأخوذ عليهم بالاعتراف بنبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم وفرحوا بذلك الكتمان، وزعموا أنهم أبناء الله ~~وأحباؤه. # فصل # قال الفراء: " يفرحون بما أتوا " أي: بما فعلوا، كقوله: # لقد جئت شيئا فريا # [مريم: 27] أي: فعلت، وقوله: # واللذان يأتيانها منكم # [النساء: 16]. قال الزمخشري: " أتى وجاء تستعملان بمعنى فعل قال ~~تعالى: # إنه كان وعده مأتيا ms2346 # [مريم: 61] ويدل عليه قراءة أبي يفرحون بما فعلوا ". # قوله: { ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا } قد ~~تقدم معناه في كيفية النظم { فلا تحسبنهم بمفازة } أي: ~~بمنجاة من العذاب، من قولهم: فاز فلان - إذا نجا - أي: ليسوا بفائزين. # وقيل: لأنها موضع تفويز ومظنة هلاك، تقول العرب: فوز الرجل - إذا مات ~~-. # وقال الفراء: أي: ببعيد من العذاب؛ لأن الفوز معناه التباعد من ~~المكروه، ثم حقق ذلك بقوله: { ولهم عذاب أليم }. # قوله: { من العذاب } فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق بمحذوف، على أنه صفة ل " مفازة " أي: بمفازة ~~كائنة من العذاب على جعلنا " مفازة " مكانا، أي بموضع فوز. # قال أبو البقاء: " لأن المفازة مكان، والمكان لا يعمل ". # يعني فلا يكون متعلقا بها، بل بمحذوف، على أنه صفة لها، إلا أن جعله ~~صفة مشكل؛ لأن المفازة لا تتصف بكونها { من العذاب } اللهم إلا أن ~~يقدر ذلك المحذوف الذي يتعلق به الجار شيئا خاصا حتى يصبح ~~المعنى تقديره: بمفازة منجية من العذاب، وفيه الإشكال المعروف، وهو ~~أنه لا يقدر المحذوف - في مثله - إلا كونا مطلقا. # الثاني: أن يتعلق بنفس " مفازة " على أنها مصدر بمعنى الفوز، تقول: ~~فزت منه أي: نجوت، ولا يضر كونها مؤنثة بالتاء؛ لأنها مبنية عليها، ~~وليست الدالة على التوحيد. # كقوله: [الطويل] # 1713- فلولا رجاء النصر منك ورهبة # عقابك قد كانوا لنا كالموارد # فأعمل " رهبة " في " عقابك " وهو مفعول صريح، فهذا أولى. # قال أبو البقاء: " ويكون التقدير: فلا تحسبنهم فائزين، فالمصدر في موضع ~~اسم الفاعل ". # فإن أراد تفسير المعنى فذاك، وإن أراد أنه بهذا التقدير - يصح التعلق، ~~فلا حاجة إليه؛ إذ المصدر مستقل بذلك لفظا ومعنى. ### || [3.189] # قال القرطبي: " هذا احتجاج على الذين قالوا: إن الله فقير ونحن ~~أغنياء، وتكذيب لهم ". # وقيل: المعنى: لا تظنن الفرحين ينجون من العذاب، فإن لله كل ~~شيء، وهم في قبضة القدير، فيكون معطوفا على الكلام الأول، أي: إنهم لا ~~ينجون من عذابه، يأخذهم متى شاء. # { والله على كل شيء قدير } أي: لهم عذاب أليم ممن له ~~ملك السموات والأرض، ms2347 فكيف يرجو النجاة من كان معذبه هذا المالك القادر؟ ### || [3.190-192] # اعلم أنه - تعالى - لما قرر الأحكام، وأجاب عن شبه المبطلين، عاد ~~إلى ذكر ما يدل على التوحيد فذكر هذه الآية. # قال ابن عبيد قلت لعائشة - رضي الله عنها -: أخبريني بأعجب ما رأيت من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكت وأطالت، ثم قالت: # " كل أمره عجب، أتاني في ليلتي، فدخل في لحافي، حتى ألصق جلده ~~بجلدي، ثم قال لي: يا عائشة، هل لك أن تأذني لي الليلة ~~في عبادة ربي؟ فقلت: يا رسول الله، إني لأحبك وأحب ~~مرادك، فقد أذنت لك، فقام إلى قربة من ماء في ~~البيت، فتوضأ، ولم يكثر من صب الماء، ثم قام ~~يصلي، فقرأ من القرآن، وجعل يبكي، ثم رفع ~~يديه، فجعل يبكي حتى رأيت دموعه قد بلت ~~الأرض فأتاه بلال يؤذنه بصلاة الغداة، فرآه يبكي، ~~فقال: يا رسول الله، أتبكي وقد غفر الله لك ما ~~تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: يا بلال، أفلا ~~أكون عبدا شكورا، ثم قال: ما لي لا أبكي وقد أنزل ~~الله في هذه الليلة: { إن في خلق السماوات ~~والأرض } الآيات، ثم قال: ويل لمن قرأها ولم ~~يتفكر فيها " # وروي: # " ويل لمن لاكها بين فكيه ولم يتأمل فيها ". # وروي عن علي - رضي الله عنه - # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يتسوك، ثم ينظر ~~إلى السماء ويقول: { إن في خلق السماوات والأرض ~~واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب } ". # واعلم أنه - تعالى - ذكر هذه الآية في سورة البقرة، وختمها بقوله: # لآيات لقوم يعقلون # [البقرة: 164] وختمها هنا - بقوله: { لآيات لأولي الألباب } ~~وذكر في سورة البقرة - مع هذه الدلائل الثلاثة - خمسة أنواع أخر حتى كان ~~المجموع ثمانية أنواع من الدلائل، وهنا اكتفى بذكر ثلاثة - وهي السموات ~~والأرض والليل والنهار - فأما الأول فلأن العقل له ظاهر، وله لب، ~~ففي أول الأمر يكون عقلا، وفي كمال الحال يكون لبا، ففي حالة ~~كماله لا يحتاج إلى كثرة الدلائل، فلذلك ذكر له ثلاثة أنواع ms2348 من ~~الدلائل، وأسقط الخمسة، واكتفى بذكر هذه الثلاثة؛ لأن الدلائل السماوية ~~أقهر وأبهر، والعجائب فيها أكثر. # قوله: { الذين يذكرون الله } فيه خمسة أوجه: # أحدها: أنه نعت ل { لأولي الألباب } فهو مجرور. # ثانيها: أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هم الذين. # ثالثها: أنه منصوب بإضمار أعني. وهذان الوجهان يسميان بالقطع كما ~~تقدم. # رابعها: أنه مبتدأ، وخبره محذوف، تقديره: يقولون: ربنا. قاله أبو ~~البقاء. # خامسها: أنه بدل من { لأولي الألباب } ذكره مكي، والأول ~~أحسنها. # و { قياما وقعودا } حالان من فاعل { يذكرون } و { ~~وعلى جنوبهم } حال - أيضا - فيتعلق بمحذوف، والمعنى: يذكرونه ~~قياما وقعودا ومضطجعين، فعطف الحال المؤولة على الصريحة، عكس الآية ~~الأخرى - وهي قوله تعالى: # دعانا لجنبه أو قاعدا أو قآئما # [يونس: 12] - حيث عطف الصريحة على المؤولة. # و { قياما وقعودا } جمعان لقائم وقاعد، وأجيز أن يكونا ~~مصدرين، وحينئذ يتأولان على معنى: ذوي قيام وقعود، ولا حاجة إلى هذا. # فصل # قال علي بن أبي طالب، وابن عباس، والنخعي، وقتادة: هذا في ~~الصلاة، يصلي قائما، فإن لم يستطع فعلى جنب. # وقال سائر المفسرين: أراد به المداومة على الذكر في جميع الأحوال، لأن ~~الإنسان قلما يخلو من إحدى هذه الحالات. # قوله: { ويتفكرون } فيه وجهان: # أظهرهما: أنها عطف على الصلة، فلا محل لها. # والثاني: أنها في محل نصب على الحال، عطفا على { قياما } أي: ~~يذكرونه متفكرين. # فإن قيل: هذا مضارع مثبت، فكيف دخلت عليه الواو؟. # فالجواب: أن هذه واو العطف، والممنوع إنما هو واو الحال. # و " خلق " فيه وجهان: # أحدهما: أنه مصدر على أصله، أي يتفكرون في صفة هذه المخلوقات العجيبة، ~~ويكون مصدرا مضافا لمفعوله. # الثاني: أنه بمعنى المفعول، أي: في مخلوق السموات والأرض وتكون إضافته ~~في المعنى إلى الظرف، أي: يتفكرون فيما أودع الله هذين الظرفين من ~~الكواكب وغيرها. # وقال أبو البقاء: " وأن يكون بمعنى المخلوق، ويكون من إضافة الشيء إلى ~~ما هو في المعنى ". # قال شهاب الدين: " وهذا كلام متهافت؛ إذ لا يضاف الشيء إلى ~~نفسه، وما أوهم بذلك يؤول ". # فصل # { ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ms2349 } وما أبدع ~~فيهما؛ ليدلهم ذلك على قدرة الصانع، [ويعرفوا] أن لها مدبرا ~~حكيما. # وقال بعض العلماء: الفكرة تذهب الغفلة، وتحدث للقلب خشية، كما ~~يحدث الماء للزرع والنبات، ولا أجليت القلوب بمثل الأحزان، ولا ~~استنارت بمثل الفكرة. # واعلم أن دلائل التوحيد محصورة في قسمين: # دلائل الآفاق، ودلائل الأنفس، ولا شك أن دلائل الآفاق أجل وأعظم، ~~كما قال تعالى: # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس # [غافر: 57] فلذلك أمر بالتفكر في خلق السموات والأرض؛ لأن دلالتها أعجب، ~~وكيف لا تكون كذلك لو أن الإنسان نظر إلى ورقة صغيرة من أوراق ~~شجرة رأى في تلك الورقة عرقا واحدا ممتدا في وسطها، ثم ~~يتشعب من ذلك العرق عروق كثيرة من الجانبين، ثم بتشعب منها عروق ~~دقيقة، ولا يزال يتشعب من كل عرق عروق أخرى، حتى تصير في الورقة ~~بحيث لا يراها البصر، وعند هذا يعلم أن للحق في تدبير هذه الورقة على ~~هذه الخلقة حكما بالغة، وأسرارا عجيبة، وأن الله تعالى أودع ~~فيها قوة جاذبة لغذائها من قعر الأرض، ثم إن ذلك الغذاء يجري في ~~تلك العروق حتى يتوزع على كل جزء من أجزاء تلك الورقة جزء من ~~أجزاء ذلك الغذاء - بتقدير العزيز العليم - ولو أراد الإنسان أن يعرف ~~كيفية خلقه على تلك الورقة، وكيفية التدبير في إيجادها، وإيداع القوى ~~الغذائية والنامية فيها لعجز عنه، فإذا عرف أن عقله قاصر عن الوقوف على ~~كيفية خلقه تلك الورقة الصغيرة، فحينئذ يقيس تلك الورقة إلى السموات - مع ~~ما فيها من الشمس والقمر والنجوم - وإلى الأرض - مع ما فيها من البحار ~~والجبال والمعادن والنبات والحيوان - عرف أن تلك الورقة - بالنسبة إلى ~~هذه الأشياء - كالعدم، فإذا اعترف بقصور عقله عن معرفة ذلك الشيء الحقير، ~~عرف أنه لا سبيل له - ألبتة - إلى الاطلاع على عجائب حكمته في خلق ~~السموات والأرض فلم يبق - مع هذا - إلا الاعتراف بأن الخالق ~~أجل وأعظم من أن يحيط به وصف الواصفين ومعارف العارفين، بل ~~يسلم أن كل ما خلق ففيه حكم بالغة -وإن كان ms2350 لا سبيل له إلى معرفتها ~~- فعند ذلك يقول: { سبحانك } والمراد منه الاشتغال بالتهليل ~~والتسبيح والتحميد، ويشتغل بالدعاء، فيقول: { فقنا عذاب النار ~~}. # قوله: { ربنآ } هذه الجملة في محل نصب بقول محذوف، تقديره: يقولون، ~~والجملة القولية فيها وجهان: # أظهرهما: أنها حال من فاعل " يتفكرون " أي: يتفكرون قائلين ~~قائلين ربنا، وإذا أعربنا " يتفكرون " حالا - كما تقدم - فيكون ~~الحالان متداخلين. # والوجه الثاني: أنها في محل رفع؛ خبرا ل " الذين " على قولنا ~~بأنه مبتدأ، كما تقدم نقله عن أبي البقاء. # قوله: " هذا " إشارة إلى الخلق، إن أريد به المخلوق، وأجاز أبو البقاء ~~- حال الإشارة إليه ب " هذا " - أن يكون مصدرا على حاله، لا بمعنى ~~المخلوق، وفيه نظر. # أو إلى السموات والأرض - وإن كانا شيئين، كل منهما جمع - لأنهما ~~بتأويل هذا المخلوق العجيب، أو لأنهما في معنى الجمع، فأشير إليهما ~~كما يشار إلى لفظ الجمع. # قوله: " باطلا " في نصبه خمسة أوجه: # أحدها: أنه نعت لمصدر محذوف، أي: خلقا باطلا، وقد تقدم أن سيبويه ~~يجعل مثل هذا حالا من ضمير ذلك المصدر. # الثاني: أنه حال من المفعول به، وهو " هذا ". # الثالث: أنه على إسقاط حرف خافض - وهو الباء - والمعنى: ما خلقتهما ~~بباطل، بل بحق وقدرة. # الرابع: أنه مفعول من أجله، و " فاعل " قد يجيء مصدرا، كالعاقبة، ~~والعافية. # الخامس: أنه مفعول ثان ل " خلق " قالوا: و " خلق " إذا كانت بمعنى " ~~جعل " التي تتعدى لاثنين، تعدت لاثنين. وهذا غير معروف عند أهل ~~العربية، بل المعروف أن " جعل " إذا كانت بمعنى " خلق " تعدت لواحد ~~فقط. # وأحسن هذه الأعاريب أن تكون حالا من " هذا " وهي حال لا يستغنى ~~عنها؛ لأنها لو حذفت لاختل الكلام، وهي كقوله تعالى: # وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين # [الدخان: 38]. # قوله: { سبحانك } تقدم إعرابه، وهو معترض بين قوله: { ربنآ } ~~وبين قوله: { فقنا }. # وقال أبو البقاء: " دخلت الفاء لمعنى الجزاء، والتقدير: إذا نزهناك، أو ~~وحدناك فقنا ". # وهذا لا حاجة إليه، بل التسبب فيها ظاهر؛ تسبب عن قولهم: { ربنآ ~~ما خلقت هذا باطلا سبحانك } طلبهم وقاية النار. # وقيل: ms2351 هي لترتيب السؤال على ما تضمنه { سبحانك } من معنى الفعل، ~~أي: سبحانك فقنا. وأبعد من ذهب إلى أنها للترتيب على ما تضمنه ~~النداء. # فصل # قالت المعتزلة: دلت هذه الآية على أن كل ما يفعله الله تعالى، ~~فهو إنما يفعله لغرض الإحسان إلى العبيد، ولأجل الحكمة، والمراد منها ~~رعاية مصالح العباد، قالوا: لأنه لو لم يخلق السموات والأرض لغرض كان ~~قد خلقهما باطلا، وذلك ضد هذه الآية، قالوا: وقوله: { سبحانك } ~~تنزيه له عن خلقه لهما باطلا. # وأجاب الواحدي: بأن الباطل هو الذاهب الزائل؛ الذي لا يكون له قوة ~~ولا صلابة ولا بقاء، وخلق السموات والأرض محكم، متقن، ألا ~~ترى إلى قوله تعالى: # ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع ~~البصر هل ترى من فطور # [الملك: 3]؟ وقوله تعالى: # وبنينا فوقكم سبعا شدادا # [النبأ: 12]. فكان المراد من قوله: { ربنآ ما خلقت هذا ~~باطلا } هذا المعنى، لا ما ذكره المعتزلة. # فإن قيل: هذا الوجه مدفوع بوجوه: # الأول: لو كان المراد بالباطل: الرخو، المتلاشي؛ لكان قوله: { ~~سبحانك } تنزيها له أن يخلق مثل الخلق، وذلك باطل. # الثاني: أنه إنما يحسن وصل قوله: { فقنا عذاب النار } به إذا ~~حملناه على المعنى الذي ذكرناه؛ لأن التقدير: ما خلقته باطلا بغير ~~حكمة، بل خلقته بحكمة عظيمة. فعلى قولنا يحسن النظم، وعلى قولكم بشدة ~~التركيب لم يحسن النظم. # الثالث: أنه - تعالى - ذكر هذا في آية أخرى، فقال: # وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما باطلا ~~ذلك ظن الذين كفروا # [ص: 27] وقال في آية أخرى: # وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ~~ما خلقناهمآ إلا بالحق # [الدخان: 38- 39] وقال: # أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا ~~لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق # [المؤمنون: 115 و 116]. أي: فتعالى الملك الحق على أن يكون خلقه ~~عبثا، وإذا لم يكن عبثا فامتناع كونه باطلا أولى. # فالجواب: أن بديهة العقل شاهدة بأن الموجود إما واجب لذاته، وإما ~~ممكن لذاته، وشاهدة بأن كل ممكن لذاته فإنه لا بد وأن ينتهي في ~~رجحانه إلى الواجب لذاته، وإذا كان كذلك ms2352 وجب أن يكون الخير والشر بقضاء ~~الله، وإذا كان كذلك امتنع أن يكون المراد من الآية تعليل أفعال ~~الله - تعالى - بالمصالح وأما قوله: لو كان كذلك لكان قوله: { ~~سبحانك } تنزيها عن فعل ما لا شدة فيه ولا صلابة، وذلك باطل، ~~فجوابه: لم لا يجوز أن يكون المراد: ربنا ما خلقت هذا رخوا فاسد ~~التركيب، بل خلقته صلبا محكما؟ وقوله: { سبحانك } معناه: أنك إن ~~خلقت السموات والأرض صلبة، شديدة، باقية، فأنت منزه عن الاحتياج ~~إليه والانتفاع به. # وأما قولهم: إنما يحسن وصل قوله: { فقنا عذاب النار } به إذا ~~فسرناه بقولنا، فالجواب: لا نسلم بل وجه النظم أن قوله: { ~~سبحانك } اعتراف بكونه غنيا عن كل ما سواه، وإذا وصفه بالغنى يكون ~~قد اعترف لنفسه بالعجز والحاجة إليه في الدنيا والآخرة، فقال: { فقنا ~~عذاب النار } وهذا الوجه أحسن في النظم. # وأما سائر الآيات التي ذكروها فهي دالة على أن أفعاله منزهة عن اتصافها ~~بالعبث، واللعب، والبطلان ونحن نقول بموجبه، وأن أفعاله كلها ~~حكمة وصواب. # وقوله: { سبحانك } إقرار بعجز العقول عن الإحاطة بآثار الله ~~في خلق السموات والأرض. يعني أن الخلق إذا تفكروا في هذه الأجسام ~~العظيمة لم يعرفوا منها إلا هذا القدر. # والمقصود منه تعليم العباد كيفية الدعاء وآدابه، وذلك أن من أراد ~~الدعاء فليقدم الثناء، ثم يذكر بعده الدعاء، كهذه الآية. # قوله: { ربنآ إنك من تدخل النار } " من " شرطية، مفعول ~~مقدم، واجب التقديم، لأن له صدر الكلام، و " تدخل " مجزوم بها، و { ~~فقد أخزيته } جواب لها. # وحكى أبو البقاء عن بعضهم قولين غريبين: # الأول: أن تكون " من " منصوبة بفعل مقدر، يفسره قوله: { فقد ~~أخزيته }. وهذا غلط؛ لأن من شرط الاشتغال صحة تسلط ما يفسر ~~على ما هو منصوب، والجواب لا يعمل فيما قبل فعل الشرط؛ لأنه لا يتقدم ~~على الشرط. # الثاني: أن تكون " من " مبتدأ، والشرط وجوابه خبر هذا المبتدأ. ~~وهذان الوجهان غلط، والله أعلم. وعلى الأقوال كلها فهذه الجملة ~~الشرطية في محل رفع؛ خبرا ل " إن ". ويقال: خزيته وأخزيته ثلاثيا ~~ورباعيا ms2353 - والأكثر الرباعي، وخزي الرجل يخزى خزيا - إذا افتضح ~~- وخزاية - إذا استحيا - فالفعل واحد، وإنما يتميز بالمصدر. # قال الواحدي: الإخزاء - في اللغة - يرد على معان يقرب بعضها من ~~بعض. # قال الزجاج: أخزى الله العدو: أي: أبعده. # وقال غيره: أخزاه الله: أي: أهانه. # وقال شمر: أخزاه الله: أي: فضحه، وفي القرآن: # ولا تخزون في ضيفي # [هود: 78]. # وقال المفضل: أخزاه الله: أي: أهلكه. # وقال ابن الأنباري: الخزي - في اللغة - الهلاك بتلف أو انقطاع حجة، ~~أو وقوع في بلاء، وكل هذه الوجوه متقاربة. # وقال الزمخشري: " فقد أخزيته " أي: أبلغت في إخزائه. # فصل # قالت المعتزلة: هذه الآية دالة على أن صاحب الكبيرة - من أهل ~~الصلاة - ليس بمؤمن؛ لأن صاحب الكبيرة إذا دخل النار فقد أخزاه ~~الله؛ لدلالة هذه الآية، والمؤمن لا يخزى؛ لقوله تعالى: # يوم لا يخزى الله النبي والذين آمنوا معه # [التحريم: 8] فوجب من [مجموع هاتين] الآيتين ألا يكون صاحب الكبيرة ~~مؤمنا. # والجواب أن قوله: # يوم لا يخزى الله النبي والذين آمنوا معه # [التحريم:8] لا يقتضي نفي الإخزاء مطلقا، وإنما يقتضي ألا يحصل ~~الإجزاء حال ما يكونون مع النبي، وهذا النفي لا يناقضه إثبات الإخزاء ~~في الجملة؛ لاحتمال أن يحصل الإخزاء في وقت آخر. # وأجاب الواحدي في " البسيط " بثلاثة أجوبة أخر. # أحدها: أنه نقل عن سعيد بن المسيب، والثوري، وقتادة، أن قوله: " ~~فقد أخزيته " مخصوص بمن يدخل النار للخلود. وهذا الجواب ~~ضعيف؛ لأن مذهب المعتزلة أن كل فاسق دخل النار، فإنما ~~يدخلها للخلود فيها. # وثانيها: أن المدخل في النار مخزى في حال دخوله، وإن كان عاقبته أن ~~يخرج منها. وهذا -أيضا - ضعيف؛ لأن موضع الاستدلال أن قوله: # يوم لا يخزى الله النبي والذين آمنوا معه # [التحريم:8] يدل على نفي الخزي عن المؤمنين على الإطلاق، وهذه الآية ~~دلت على حصول الخزي لكل من دخل النار، فحصل بحكم هاتين الآيتين - ~~بين كونه مؤمنا، وبين كونه كافرا - من يدخل النار - منافاة. # وثالثها: أن الإخزاء يحتمل وجهين ": # أحدهما: الإهانة والإهلاك. وثانيهما: التخجيل، يقال: خزي خزاية: ~~إذا استحيا، وأخزاه ms2354 غيره: إذا عمل به عملا يخجله ويستحيي منه. # قال ابن الخطيب: " واعلم أن حاصل هذا الجواب: أن لفظ الإخزاء ~~مشترك بين التخجيل وبين الإهلاك، واللفظ لا يمكن حمله في طرفي ~~النفي والإثبات على معنييه جميعا، وإذا كان كذلك جاز أن يكون المنفي ~~بقوله: # يوم لا يخزى الله النبي والذين آمنوا معه # [التحريم: 8] غير المثبت في قوله: { إنك من تدخل النار ~~فقد أخزيته } وعلى هذا يسقط الاستدلال، إلا أن هذا الجواب ~~إنما يتمشى إذا كان لفظ الإخزاء مشتركا بين هذين المفهومين، أما إذا ~~كان لفظا متواطئا، مفيدا لمعنى واحد وكان المعنيان اللذان ذكرهما ~~الواحدي نوعين تحت جنس واحد، سقط هذا الجواب؛ لأن قوله: # لا يخزى الله النبي والذين آمنوا معه # [التحريم: 8] لنفي الجنس، وقوله: " فقد أخزيته " لإثبات النوع، وحينئذ ~~تحصل المنافاة بينهما ". # قال القرطبي: " وقال أهل المعاني: الخزي أن يكون بمعنى الحياء، يقال: ~~خزي يخزى خزاية إذا استحيا، فهو خزيان. # قال ذو الرمة: [البسيط] # 1714- خزاية أدركته عند جرأته # من جانب الحبل مخلوطا بها الغضب # فخزي المؤمنين - يومئذ - استحياؤهم في دخول النار من سائر أهل ~~الأديان إلى أن يخرجوا منها، والخزي للكافرين هو إهلاكهم فيها من ~~غير موت، والمؤمنون يموتون، فافترقوا، كذا ثبت في صحيح السنة، من حديث ~~أبي سعيد الخدري، أخرجه مسلم ". # فصل # احتجت المرجئة بهذه الآية في القطع بأن صاحب الكبيرة لا يخزى، ~~وكل من دخل النار فإنه يخزى، فيلزم القطع بأن صاحب الكبيرة لا ~~يدخل النار، وإنما قلنا: صاحب الكبيرة لا يخزى؛ لأن صاحب ~~الكبيرة مؤمن، والمؤمن لا يخزى، وإنما قلنا: إنه مؤمن؛ لقوله ~~تعالى: # وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا ~~بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا ~~التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله # [الحجرات: 9] سمي الباغي - حال كونه باغيا - مؤمنا، والبغي من ~~الكبائر بالإجماع، وأيضا قال تعالى: # يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في ~~القتلى # [البقرة: 178] سمى القاتل - بالعمد العدوان - مؤمنا، فثبت أن صاحب ~~الكبيرة مؤمن، وإنما قلنا: إن المؤمن لا يخزى؛ لقوله تعالى: # يوم لا يخزى ms2355 الله النبي والذين آمنوا معه # [التحريم: 8] ولقوله: # ولا تخزنا يوم القيامة # [آل عمران: 194]، ثم قال: # فاستجاب لهم ربهم # [آل عمران: 195] وهذه الاستجابة تدل على أنه - تعالى - لا يخزي ~~المؤمنين، فثبت أن صاحب الكبير لا يخزى وكل من دخل النار فإنه ~~يخزى؛ لقوله تعالى: { إنك من تدخل النار فقد ~~أخزيته } فثبت - بهاتين المقدمتين - أن صاحب الكبيرة لا يدخل ~~النار. # والجواب: ما تقدم من أن قوله: # يوم لا يخزى الله النبي والذين آمنوا معه # [التحريم: 8] إنما يدل على نفي الإخزاء حال كونهم مع النبي، وذلك ~~لا ينافي حصول الإخزاء في وقت آخر. # فصل # عموم هذه الآية مخصوص في مواضع، منها قوله تعالى: # وإن منكم إلا واردها # [مريم: 71] ثم قال: # ثم ننجي الذين اتقوا # [مريم: 72] وأهل الثواب مصونون عن الخزي. # ومنها: أن الملائكة - الذين هم خزنة جهنم يكونون في ~~النار، وهم - أيضا - مصونون عن الخزي، قال تعالى: # عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله مآ ~~أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # [التحريم: 6]. # قوله: { وما للظالمين من أنصار } " من " زائدة، لوجود ~~الشرطين، وفي مجرورها وجهان: # أحدهما: أنه مبتدأ، وخبره في الجار قبله، وتقديمه - هنا - جائز لا ~~واجب؛ لأن النفي مسوغ وحسن تقديمه كون مبتدئه فاصلة. # الثاني: أنه فاعل بالجار قبله، لاعتماده على النفي، وهذا جائز عند ~~الجميع. # فصل # تمسك المعتزلة بهذه الآية في نفي الشفاعة للفساق؛ وذلك لأن ~~الشفاعة، نوع نصرة، ونفي الجنس يقتضي نفي النوع، والجواب من ~~وجوه: # أحدها: أن القرآن دل على أن الظالمين - بالإطلاق - هم الكفار، ~~قال تعالى: # والكافرون هم الظالمون # [البقرة: 254] ويؤكده ما حكى عن الكفار من نفيهم الشفعاء والأنصار في ~~قولهم: # فما لنا من شافعين ولا صديق حميم # [الشعراء: 100- 101]. # ثانيها: أن الشفيع لا يمكنه أن يشفع إلا بإذن الله تعالى، قال ~~تعالى: # من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه # [البقرة: 255] وإذا كان كذلك لم يكن الشفيع قادرا على النصرة إلا ~~بعد الإذن، وإذا حصل الإذن ففي الحقيقة إنما ظهر العفو من الله ~~تعالى، فقوله: { وما للظالمين من أنصار } يفيد أنه لا ms2356 ~~حكم إلا لله، كما قال: # ألا له الحكم # [الأنعام: 62] وقال: # والأمر يومئذ لله # [الانفطار: 19]. # فإن قيل: فعلى هذا التقدير لا يبقى لتخصيص الظالمين - بهذا الحكم - ~~فائدة. # فالجواب: بل فيه فائدة، لأنه وعد المؤمنين المتقين في الدنيا ~~بالفوز بالثواب، والنجاة من العقاب، فلهم يوم القيامة هذه ~~المنزلة، وأما الفساق فليس لهم ذلك، فصح تخصيصهم بنفي الأنصار ~~على الإطلاق. # ثالثها: أن هذه الآية عامة، والأحاديث الواردة بثبوت الشفاعة ~~خاصة، والخاص مقدم على العام. ### || [3.193-194] # " سمع " إن دخلت على ما يصح أن يسمع - نحو: سمعت كلامك وقراءتك - ~~تعدت لواحد، فإن دخلت على ما يصح سماعه - بأن كان ذاتا - فلا ~~يصح الاقتصار عليه وحده، بل لا بد من الدلالة على شيء يسمع، نحو ~~سمعت رجلا يقول كذا، وسمعت زيدا يتكلم، وللنحويين - في هذه المسألة - ~~قولان: # أحدهما: أنها تتعدى فيه - أيضا - إلى مفعول واحد، والجملة الواقعة ~~بعد المنصوب صفة إن كان قبلها نكرة، أو حالا، إن كان معرفة. # والثاني: - قول الفارسي وجماعة -: أنها تتعدى لاثنين، والجملة في ~~محل الثاني منهما، فعلى قول الجمهور يكون " ينادي " في محل نصب، ~~لأنه صفة لمنصوب قبله، وعلى قول الفارسي يكون في محل نصب على ~~أنه مفعول ثان. # وقال الزمخشري: " تقول: سمعت رجلا يقول كذا، وسمعت زيدا يتكلم، ~~فتوقع الفعل على الرجل، وتحذف المسموع؛ لأنك وصفته بما يسمع، أو جعلته ~~حالا منه، فأغناك عن ذكره، ولولا الوصف أو الحال لم يكن منه بد، ~~وأن تقول: سمعت كلام فلان أو قوله ". # وهذا قول الجمهور المتقدم ذكره. # إلا أن أبا حيان اعترض عليه، فقال " وقوله: ولولا الوصف أو الحال... ~~إلى آخره، ليس كذلك، بل لا يكون وصف ولا حال، ويدخل " سمع " على ~~ذات على مسموع، وذلك إذا كان في الكلام ما يشعر بالمسموع - وإن لم يكن ~~وصفا ولا حالا - ومنه قوله تعالى: # قال هل يسمعونكم إذ تدعون # [الشعراء: 72] فأغنى ذكر ظرف الدعاء عن ذكر المسموع ". # وأجاز أبو البقاء في " ينادي " أن تكون في محل نصب على الحال من ~~الضمير المستكن في " مناديا ms2357 ". فإن قيل: ما الفائدة في الجمع بين " ~~مناديا " و " ينادي "؟ # فأجاب الزمخشري بأنه ذكر النداء مطلقا، ثم مقيدا بالإيمان، ~~تفخيما لشأن المنادي؛ لأنه لا منادي أعظم من مناد ينادي للإيمان، ~~ونحوه قولك: مررت بهاد يهدي للإسلام، وذلك أن المنادي إذا أطلق ذهب ~~الوهم إلى مناد للحرب، أو لإطفاء الثائرة، أو لإغاثة المكروب، أو ~~لكفاية بعض النوازل، أو لبعض المنافع وكذلك الهادي يطلق على من ~~يهدي للطريق، ويهدي لسداد الرأي، وغير ذلك فإذا قلت: ينادي للإيمان، ~~ويهدي للإسلام فقد رفعت من شأن المنادي والهادي وفخمته. # وأجاب أبو البقاء بثلاثة أجوبة: # أحدها: التوكيد، نحو: قم قائما. # الثاني: أنه وصل به ما حسن التكرير، وهو الإيمان. # الثالث: أنه لو اقتصر على الاسم لجاز أن يكون " سمع " مقرونا ~~بالنداء بذكر ما ليس بنداء، فلما قال: " ينادي " محذوف، أي: ينادي ~~في الناس، ويجوز ألا يراد مفعول، نحو: أمات وأحيا. # ونادى ودعا يتعديان باللام تارة، وب " إلى " أخرى، وكذلك ندب. # قال الزمخشري: وذلك أن معنى انتهاء الغاية ومعنى الاختصاص واقعان ~~جميعا، فاللام في موضعها ولا حاجة إلى أن يقال: إنها بمعنى " إلى " ~~ولا أنها بمعنى الباء، ولا أنها لام العلة - أي: لأجل الإيمان - كما ذهب ~~إليه بعضهم ووجه المجاز فيه أنه لما كان مشتملا على الرشد وكان كل من ~~تأمله وصل به إلى الهدى - إذا وفقه الله لذلك - صار كأن يدعو إلى ~~الهدى، وينادي بما فيه من أنواع الدلائل، كما قيل - في جهنم -: # تدعو من أدبر وتولى # [المعارج: 17] إذ كان مصيرهم إليها. # فصل # اختلفوا في المراد بالمنادي: فقال ابن مسعود، وابن عباس، وأكثر ~~المفسرين: يعني محمدا صلى الله عليه وسلم وقال القرطبي: يعني القرآن؛ ~~إذ ليس كلهم سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ودليل هذا القول ما ~~أخبر الله - تعالى - عن مؤمني الجن إذ قالوا: # إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا ~~به # [الجن: 1- 2]. قوله: " أن آمنوا " في " أن " قولان: # أحدهما: أنها تفسيرية؛ لأنها وقعت بعد فعل بمعنى القول لا حروفه، وعلى ~~هذا فلا ms2358 موضع لها من الإعراب. # ثانيهما: أنها مصدرية، وصلت بفعل الأمر، وفي وصلها به نظر، من ~~حيث إنها إذا انسبك منها وما بعدها مصدر تفوت الدلالة على الأمرية، ~~واستدلوا على وصلها بالأمر بقولهم: كتبت إليه بأن قم فهي - هنا - ~~مصدرية [ليس إلا، وإلا يلزم عدم تعلق حرف الجر، وإذا قيل بأنها مصدرية] ~~فالأصل التعدي إليها بالباء، أي: بأن آمنوا، فيكون فيها المذهبان ~~المشهوران - الجر والنصب. # قوله: " فآمنا " عطف على ما " سمعنا " والعطف بالفاء مؤذن بتعجيل ~~القبول وتسبب الإيمان على السماع من غير مهلة، والمعنى: فآمنا ~~بربنا. # قوله: { ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا ~~سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار } اعلم أنهم قد طلبوا من ~~الله في هذا الدعاء ثلاثة أشياء: # أحدها: غفران الذنوب، والغفران: هو الستر والتغطية. # ثانيها: التكفير، وهو التغطية - أيضا - يقال: رجل مكفر بالسلاح ~~- أي: مغطى - ومنه الكفر - أيضا - # قال الشاعر: [الكامل] # 1715-.................... # في ليلة كفر النجوم ظلامها # فالمغفرة والتكفير - بحسب اللغة - معناهما شيء واحد، وأما المفسرون فقال ~~بعضهم: المراد بهما شيء واحد، وإنما أعيد ذلك للتأكيد؛ لأن الإلحاح ~~والمبالغة في الدعاء أمر مطلوب. # وقيل: المراد بالأول ما تقدم من الذنوب، وبالثاني المستأنف. # وقيل: المراد بالغفران ما يزول بالتوبة، وبالتكفير ما تكفره ~~الطاعة العظيمة. # وقيل: المراد بالأول: ما أتى به الإنسان مع العلم بكونه معصية، ~~وبالثاني ما أتى به مع الجهل. # ثالثها: قوله: { وتوفنا مع الأبرار } أي: توفنا معدودين ~~في صحبتهم، فيكون الظرف متعلقا بما قبله، وقيل: تجوز به ~~عن الزمان ويجوز أن يكون حالا من المفعول، فيتعلق بمحذوف. وأجاز ~~مكي، وأبو البقاء: أن يكون صفة لموصوف محذوف، أي: أبرارا مع ~~الأبرار، كقوله: [الوافر] # 1716- كأنك من جمال بني أقيش # يقعقع خلف رجليه بشن # أي: كأنك جمل من جمال. # قال أبو البقاء: " [تقديره] أبرارا مع الأبرار، وأبرارا - على هذا - ~~حال ". والأبرار يجوز أن يكون جمع بار - كصاحب وأصحاب، ويجوز أن يكون ~~جمع بر، بزنة: كتف وأكتاف، ورب وأرباب. # قال القفال: في تفسير هذه المعية وجهان: # أحدهما: أن وفاتهم معهم: هي أن يموتوا على ms2359 مثل أعمالهم، حتى يكونوا في ~~درجاتهم يوم القيامة، كما تقول: أنا مع الشافعي في هذه المسألة، أي: ~~مساو له في ذلك الاعتقاد. # ثانيهما: أن المراد منه كونهم في جملة أتباع الأبرار، كقوله: # فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين # [النساء: 69]. # فصل # احتجوا بهذه الآية على حصول العفو بدون التوبة من وجهين: # الأول: أنهم طلبوا المغفرة مطلقا، ثم أجابهم الله تعالى بقوله: # فاستجاب لهم ربهم # [آل عمران: 195] وهذا صريح في أنه - تعالى - قد يغفر الذنب وإن لم ~~توجد التوبة. # الثاني: أنه - تعالى - حكى عنهم إخبارهم بإيمانهم، ثم قالوا: { ~~فاغفر لنا ذنوبنا } فأتى بفاء الجزاء وهذا يدل على أن مجرد ~~الإيمان سبب لحسن طلب المغفرة من الله تعالى، ثم إن الله ~~تعالى أجابهم بقوله: # فاستجاب لهم ربهم # [آل عمران: 195] فدلت هذه الآية على أن مجرد الإيمان سبب لحصول ~~الغفران، إما ابتداء - بأن يعفو عنهم، ولا يدخلهم النار - أو بأن ~~يعذبهم مدة، ثم يعفو عنهم، ويخرجهم من النار. # قوله تعالى: { ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك } في ~~هذا الجار ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه متعلق ب " وعدتنا ". # قال الزمخشري: " على - هذه - صلة للوعد، كما في قولك: وعد الله ~~الجنة على الطاعة، والمعنى: ما وعدتنا على تصديق رسلك ". # ثانيها: أنه متعلق بمحذوف، على أنه حال من المفعول، وقدره ~~الزمخشري بقوله: ما وعدتنا منزلا على رسلك، أو محمولا على رسلك؛ ~~لأن الرسل محملون ذلك قال تعالى: # فإنما عليه ما حمل # [النور: 54]. # ورد عليه أبو حيان: بأن الذي قدره محذوفا كون مقيد، وقد علم ~~من القواعد أن الظرف والجار إذا وقعا حالين، أو وصفين، أو ~~خبرين، أو صلتين تعلقا بكون مطلق، والجار - هنا - وقع حالا، ~~فكيف يقدر متعلقه كونا مقيدا، وهو منزل، أو محمول؟ # ثالثها: - ذكره أبو البقاء - أن يتعلق " على " ب " آتنا " وقدر ~~مضافا محذوفا، فقال: على ألسنة رسلك وهو حسن. # وقرأ الأعمش: على رسلك - بسكون السين. # فإن قيل: إن الخلف في وعد الله - تعالى - محال، فكيف طلبوا ما ~~علموا أنه واقع لا محالة؟ ms2360 # فالجواب من وجوه: # الأول: أنه ليس المقصود من الدعاء طلب الفعل، بل المقصود منه إظهار ~~الخضوع والذلة والعبودية، وقد أمرنا بالدعاء بأشياء نقطع بوجودها ~~لا محالة, كقوله: # قال رب احكم بالحق # [الأنبياء: 112] وقوله: # فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك # [غافر: 7]. # الثاني: أن وعد الله لا يتناول آحاد الأمة بأعيانهم، بل بحسب ~~أوصافهم، فإنه - تعالى - وعد المتقين بالثواب، ووعد الفساق بالعقاب، ~~فقوله: { وآتنا ما وعدتنا } معناه: وفقنا للأعمال التي نصير ~~بها أهلا لوعدك، واعصمنا من الأعمال التي نصير بها أهلا للعقاب ~~والخزي. # الثالث: أن الله - تعالى - وعد المؤمنين بأن ينصرهم في ~~الدنيا على أعدائهم، فهم طلبوا تعجيل ذلك. # فصل # دلت الآية على أنهم إنما طلبوا منافع الآخرة بحكم الوعد لا ~~بحكم الاستحقاق؛ لقولهم: { وآتنا ما وعدتنا على رسلك } ~~ثم قالوا: { إنك لا تخلف الميعاد } وهذا يدل على أن ~~المقتضي لحصول منافع الآخرة هو الوعد لا الاستحقاق. # فإن قيل: متى حصل الثواب لزم اندفاع العقاب لا محالة، فلما طلبوا ~~الثواب بقولهم: { وآتنا ما وعدتنا } كيف طلبوا ترك العقاب ~~بقولهم: { ولا تخزنا يوم القيامة } بل لو طلب ترك العقاب - ~~أولا - ثم طلب الثواب بعده لاستقام الكلام؟ # فالجواب من وجهين: # الأول: أن الثواب شرطه أن يكون منفعة مرونة بالتعظيم والسرور، فقوله: ~~{ وآتنا ما وعدتنا } المراد منه المنافع وقوله: { ولا ~~تخزنا } المراد منه التعظيم. # الثاني: ما تقدم من أن المقصود طلب التوفيق إلى الطاعة، والعصمة عن ~~المعصية، كأنه قيل: وفقنا للطاعات، وإذا وفقتنا فاعصمنا عما يبطلها، ~~ويوقعنا في الخزي. وعلى هذا يحسن النظم. و " الميعاد " مصدر بمعنى ~~الوعد. # قوله: { يوم القيامة } فيه وجهان: # الأول: أنه منصوب ب { ولا تخزنا }. # والثاني: أنه أجاز أبو حيان أن يكون من باب الإعمال؛ إذ يصلح أن ~~يكون منصوبا ب { ولا تخزنا } وب { وآتنا ما وعدتنا } ~~إذا كان الموعود به الجنة. ### || [3.195] # { فاستجاب } بمعنى: أجاب ويتعدى بنفسه وباللام، وتقدم تحقيقه في ~~قوله: { فليستجيبوا لي }. # ونقل تاج القراء أن " أجاب " عام، و " استجاب " خاص في حصول ~~المطلوب. # قال الحسن: ما زالوا يقولون ms2361 ربنا ربنا حتى استجاب لهم. وقال جعفر ~~الصادق: من حزبه أمر فقال خمس مرات " ربنا " نجاه مما يخاف، وأعطاه ما ~~أراد، قيل: وكيف ذلك؟ قال اقرءوا: # الذين يذكرون الله قياما وقعودا # [آل عمران: 191] إلى قوله: # إنك لا تخلف الميعاد # [آل عمران: 194]. # قوله تعالى: { أني لا أضيع } الجمهور على فتح " أن " والأصل: ~~بأني، فيجيء فيها المذهبان، وقل أن يأتي على هذا الأصل، وقرأ عيسى بن عمر ~~بالكسر، وفيها وجهان: # أحدهما: على إضمار القول أي: فقال: إني. # والثاني: أنه على الحكاية ب " استجاب "؛ لأن فيه معنى القول، وهو رأي ~~الكوفيين. # قوله: " لا أضيع " الجمهور على " أضيع " من أضاع، وقرئ بالتشديد ~~والتضعيف، والهمزة فيه للنقل كقوله: [الطويل] # 1717- كمرضعة أولاد أخرى وضيعت # بني بطنها هذا الضلال عن القصد # قوله: " منكم " في موضع جر صفة ل: " عامل " ، أي: كائنا منكم. # قوله: { من ذكر وأنثى } فيه خمسة أوجه: # أحدها: أن " من " لبيان الجنس، بين جنس العامل، والتقدير: الذي هو ~~ذكر أو أنثى، وإن كان بعضهم قد اشترط في البيانية أن تدخل على ~~معرف بلام الجنس. # ثانيها: أنها زائدة، لتقدم النفي في الكلام، وعلى هذا فيكون { من ~~ذكر } بدلا من نفس " عامل " ، كأنه قيل: عامل ذكر أو أنثى، ولكن ~~فيه نظر؛ من حيث إن البدل لا يزاد فيه " من ". # ثالثها: أنها متعلقة بمحذوف؛ لأنها حال من الضمير المستكن في " ~~منكم "؛ لأنه لما وقع صفة تحمل ضميرا، والعامل في الحال العامل في ~~" منكم " أي: عامل كائن منكم كائنا من ذكر. # رابعها: أن يكون " من ذكر " بدلا من " منكم " قال أبو البقاء: " ~~وهو بدل الشيء من الشيء، وهما لعين واحدة ". # يعني فيكون بدلا تفصيليا بإعادة العامل، كقوله: # للذين استضعفوا لمن آمن منهم # [الأعراف: 75] وقوله: # لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم # [الزخرف: 33] وفيه إشكال من وجهين: # الأول: أنه بدل ظاهر من حاضر في بدل كل من كل، وهو لا يجوز إلا عند ~~الأخفش، وقيد بعضهم جوازه بأن يفيد إحاطة، كقوله: [الطويل] # 1718- فما برحت أقدامنا في مكاننا # ثلاثتنا حتى أرينا المنائيا # وقوله ms2362 تعالى: # تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا # [المائدة: 114] فلما أفاد الإحاطة والتأكيد جاز، واستدل الأخفش بقول ~~الشاعر: [البسيط] # 1719- بكم قريش كفينا كل معضلة # وأم نهج الهدى من كان ضليلا # وقول الآخر: [الطويل] # 1720- وشوهاء تعدو بي إلى صارخ الوغى # بمستلئم مثل الفنيق المدجل # ف " قريش " بدل من " كم " و " بمستلئم " بدل من " بي " بإعادة حرف ~~الجر، وليس ثم إحاطة ولا تأكيد، فمذهبه يتمشى على رأي الأخفش دون ~~الجمهور. # الثاني: أن البدل التفصيلي لا يكون ب " أو " إنما يكون بالواو؛ لأنها ~~للجمع. # كقول الشاعر: [الطويل] # 1721- وكنت كذي رجلين رجل صحيحة # ورجل رمى فيها الزمان فشلت # ويمكن أن يجاب عنه بأن " أو " قد تأتي بمعنى الواو. # كما في قول الشاعر: [الكامل] # 1722- قوم إذا سمعوا الصريخ رأتهم # ما بين ملجم مهره أو سافع # ف " أو " بمعنى الواو، لأن " بين " لا تدخل إلا على متعدد، وكذلك هنا ~~لما كان " عامل " عاما أبدل منه على سبيل التوكيد، وعطف على أحد ~~الجزأين ما لا بد له منه؛ لأنه لا يؤكد العموم إلا بعموم مثله. # خامسها: أن يكون { من ذكر } صفة ثانية ل " عامل " قصد بها ~~التوضيح، فيتعلق بمحذوف كالتي قبلها. # قوله: { بعضكم من بعض } مبتدأ وخبر، وفيه ثلاثة أوجه: # الأول: أن هذه الجملة استئنافية، جيء بها لتبيين شركة النساء مع ~~الرجال في الثواب الذي وعد الله به عباده العاملين؛ لأنه روي في ~~سبب النزول، أن أم سلمة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله ~~إني لأسمع الله يذكر الرجال في الهجرة، ولا يذكر النساء، ~~فنزلت الآية. # والمعنى: كما أنكم من أصل واحد، وأن بعضكم مأخوذ من بعض، كذلك أنتم ~~في ثواب العمل، لا يثاب عامل دون امرأة عاملة. وعبر الزمخشري عن ~~هذا بأنها جملة معترضة، قال: " وهذه جملة معترضة ثبت بها شركة النساء ~~مع الرجال فيما وعد الله عباده العاملين ". # ويعني بالاعتراض أنها جيء بها بين قوله: { عمل عامل } وبين ما ~~فصل به عمل العامل من قوله: { فالذين هاجروا } ولذا قال ~~الزمخشري: { فالذين هاجروا } تفصيل لعمل العامل منهم ms2363 على ~~سبيل التعظيم له. # الثاني: أن هذه الجملة صفة. # الثالث: أنها حال، ذكرهما أبو البقاء، ولم يعين الموصوف ولا ذا ~~الحال، وفيه نظر. # قال الكلبي: { بعضكم من بعض } في الدين والنصرة والموالاة. # وقيل: كلكم من آدم وحواء، وقال الضحاك: [رجالكم] شكب نسائكم، ~~ونساؤكم شكل رجالكم في الطاعات؛ لقوله: # والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء بعض # [التوبة: 71]. # وقيل: " من " بمعنى اللام، أي: بعضكم لبعض ومثل بعض في الثواب على ~~الطاعة والعقاب على المعصية. # قال القفال: هذا من قولكم: فلان مني، أي: على خلقي وسيرتي. قال ~~تعالى: # فمن شرب منه فليس مني # [البقرة: 249] وقال - عليه السلام: # " من غشنا فليس منا " # فقوله: { بعضكم من بعض } أي: بعضكم شبه بعض في استحقاق الثواب ~~على الطاعة والعقاب على المعصية. # فصل # ليس المراد أنه لا يضيع نفس العمل؛ لأن العمل - كما وجد - تلاشى ~~وفني، بل المراد أنه لا يضيع ثواب العمل، والإضاعة: عبارة عن ترك ~~الإثابة، " لا أضيع " نفي للنفي، فيكون إثباتا، فيصير المعنى: إني ~~أوصل ثواب أعمالكم إليكم، وإذا ثبت ذلك فالآية دالة على أن ~~أحدا من المؤمنين لا يخلد في النار؛ لأنه بعمله الصالح استحق ~~ثوابا، وبمعصيته استحق عقابا، فلا بد من وصولهما إليه - بحكم هذه الآية ~~- والجمع بينهما محال، فإما أن يقدم الثواب، ثم يعاقب، وهو باطل ~~بالإجماع، أو يقدم العقاب، ثم ينقل إلى الثواب. وهو المطلوب. # فإن قيل: القوم طلبوا - أولا - غفران الذنوب، وثانيا: إعطاء الثواب، ~~فقوله: { أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو ~~أنثى } إجابة لهم في إعطاء الثواب، فأين الجواب في طلب غفران ~~الذنوب. # فالجواب أنه لا يلزم من إسقاط العذاب حصول الثواب، لكن يلزم من حصول ~~الثواب إسقاط العذاب فصار قوله: { أني لا أضيع عمل عامل ~~منكم } إجابة لدعائهم في المطلوبين. # قال ابن الخطيب: " وعندي - في الآية - وجه آخر، وهو أن المراد من ~~قوله: { أني لا أضيع عمل عامل منكم } أي لا أضيع ~~دعاءكم. وعدم إضاعة الدعاء عبارة عن إجابة الدعاء، فكان المراد منه أنه ~~حصلت إجابة دعائكم في ms2364 كل ما طلبتموه وسألتموه ". # قوله: { فالذين هاجروا } مبتدأ، وقوله: { لأكفرن } جواب ~~قسم محذوف، تقديره: والله لأكفرن، وهذا القسم وجوابه خبر لهذا ~~المبتدأ. وفي هذه الآية ونظائرها من قوله تعالى: # والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا # [العنكبوت: 69] وقول الشاعر: [الكامل] # 1723- جشأت فقلت اللذ جشأت ليأتين # وإذا أتاك فلات حين مناص # رد على ثعلب؛ حيث زعم أن الجملة القسمية لا تقع خبرا، وله أن ~~يقول: هذه معمولة لقول مضمر هو الخبر - وله نظائر. # والظاهر أن هذه الجمل - التي بعد الموصول - كلها صلات له، فلا ~~يكون الخبر إلا لمن جمع بين هذه الصفات: المهاجرة، والقتل، والقتال. # ويجوز أن يكون ذلك على التنويع، ويكون قد حذف الموصولات لفهم المعنى ~~وهو مذهب الكوفيين كما تقدم، والتقدير: فالذين هاجروا والذين أخرجوا، ~~والذين قاتلوا، فيكون الخبر بقوله: { لأكفرن } عمن اتصف بواحدة ~~من هذه. وقرأ جمهور السبعة: " وقاتلوا وقتلوا " ببناء للفاعل من ~~المفاعلة، والثاني للمفعول، وهي قراءة واضحة. وابن عامر، وابن كثير ~~كذلك، إلا أنهما شددا التاء من " قتلوا " للتكثير، وحمزة والكسائي ~~بعكس هذا، ببناء الأول للمفعول، والثاني للفاعل، وتوجيه هذه القراءة ~~بأحد معنيين: # الأول: أن الواو لا تقتضي الترتيب، كقوله: # واسجدي واركعي # [آل عمران: 43] فلذلك قدم معها ما هو متأخر عنها في المعنى، هذا إن ~~حملنا ذلك على اتحاد الأشخاص الذين صدر منهم هذان الفعلان. # الثاني: أن تحمل ذلك على التوزيع، أي: منهم من قتل، ومنهم من قاتل ~~كقولهم: قتلنا ورب الكعبة إذا ظهرت أمارات القتل فيهم وهذه ~~الآية في المعنى كقوله: # قاتل معه ربيون كثير # [آل عمران: 146] والخلاف في هذه كالخلاف في قوله: # فيقتلون ويقتلون # [التوبة: 111] والتوجيه هناك كالتوجيه هنا. وقرأ عمر بن عبد العزيز ~~وقتلوا وقتلوا - ببناء الأول للفاعل، والثاني للمفعول - من " فعل " ~~ثلاثيا، وهي كقراءة الجماعة، وقرأ محارب بن دثار: وقتلوا وقاتلوا - ~~ببنائهما للفاعل - وقرأ طلحة بن مصرف: وقتلوا وقاتلوا، كقراءة حمزة ~~والكسائي، إلا أنه شدد التاء، والتخريج كتخريج قراءتهما. ونقل أبو حيان ~~- عن الحسن وأبي رجاء - قاتلوا وقتلوا، بتشديد التاء من " قتلوا " ~~وهذه هي ms2365 قراءة ابن كثير وابن عامر - كما تقدم - وكأنه لم يعرف أنها ~~قراءتهما. # فصل # هذه في المهاجرين الذين أخرجهم المشركون من ديارهم، فقوله: { ~~وأوذوا في سبيلي } أي: في طاعتي وديني. # { لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار ثوابا } قوله: " ثوابا " في نصبه ~~ثمانية أوجه: # أحدها: أنه نصب على المصدر المؤكد؛ لأن معنى الجملة قبله تقتضيه، ~~والتقدير: لأثيبنهم إثابة أو تثويبا، فوضع " ثوابا " موضع أحد ~~هذين المصدرين؛ لأن الثواب - في الأصل - اسم لما يثاب به، كالعطاء ~~- اسم لما يعطى - ثم قد يقعان موضع المصدر، وهو نظير قوله: # صنع الله # [النمل: 88] و # وعد الله # [القصص: 13] في كونهما مؤكدين. # ثانيهما: أن يكون حالا من " جنات " أي: مثابا بها - وجاز ذلك وإن ~~كانت نكرة؛ لتخصصها بالصفة. # ثالثها: أنها حال من ضمير المفعول، أي: مثابين. # رابعها: أنه حال من الضمير في " تجري " العائد على " جنات " ~~وخصص أبو البقاء كونه حالا بجعله بمعنى الشيء المثاب به، قال: ~~وقد يقع بمعنى الشيء المثاب به، كقولك: هذا الدرهم ثوابك، فعلى هذا يجوز ~~أن يكون حالا من [ضمير الجنات، أي: مثابا بها، ويجوز أن يكون حالا ~~من] ضمير المفعول به في " لأدخلنهم ". # خامسها: نصبه بفعل محذوف، أي: نعطيهم ثوابا. # سادسها: أنه بدل من " جنات " وقالوا: على تضمين " لأدخلنهم " ~~لأعطينهم، لما رأوا أن الثواب لا يصح أن ينسب إليه الدخول ~~فيه، احتاجوا إلى ذلك. # ولقائل أن يقول: جعل الثواب ظرفا لهم، مبالغة، كما قيل في قوله: # تبوءوا الدار والإيمان # [الحشر: 9]. # سابعها: أنه نصب على التمييز، وهو مذهب الفراء. # ثامنها: أنه منصوب على القطع، وهو مذهب الكسائي، إلا أن مكيا ~~لما نقل هذا عن الكسائي فسر القطع بكونه على الحال، وعلى الجملة ~~فهذان وجهان غريبان. # وقوله: { من عند الله } صفة له، وهذا يدل على كون ذلك الثواب ~~في غاية الشرف، كقول السلطان العظيم: أخلع عليك خلعة من عندي. # قوله: { والله عنده حسن الثواب } الأحسن أن يرتفع { ~~حسن الثواب } على الفاعلية بالظرف قبله؛ لاعتماده على المبتدأ ~~قبله، والتقدير: والله استقر عنده ms2366 حسن الثواب. # ويجوز أن يكون مبتدأ، والظرف قبله خبره، والجملة خبر الأول. # وإنما كان الوجه الأول أحسن؛ لأن فيه الإخبار بمفرد - وهو الأصل - ~~بخلاف الثاني، فإن الإخبار فيه بجملة وهذا تأكيد لكونه ذلك الثواب ~~في غاية الشرف. ### || [3.196-197] # الغرور: مصدر قولك: غررت الرجل بما يستحسنه في الظاهر، ثم يجده - عند ~~التفتيش - على خلاف ما يجب. # نزلت في المشركين، وذلك أنهم كانوا في رخاء ولين من العيش وتنعم، ~~فقال بعض المؤمنين: إن أعداء الله فيما نرى من الخير، ونحن في ~~الجهد، فأنزل الله هذه الآية: { لا يغرنك تقلب ~~الذين كفروا } في ضربهم " في البلاد " وتصرفهم في الأرض ~~للتجارات وأنواع المكاسب. فالخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد ~~منه غيره. # قال قتادة: والله ما غروا نبي الله قط، حتى قبضه الله ~~تعالى، ويمكن أن يقال: سبب عدم إغراره هو تواتر الآيات عليه، ~~لقوله: # ولولا أن ثبتناك # [الإسراء: 74] فسقط قول قتادة. # قوله: " متاع " خبر مبتدأ محذوف، دل عليه الكلام، تقديره: تقلبهم، ~~أو تصرفهم متاع قليل. والمخصوص بالذم محذوف، أي: بئس المهاد جهنم. ومعنى ~~" متاع قليل " أي: بلغة فانية، ومتعة زائلة. # وإنما وصفه بالقلة؛ لأن نعيم الدنيا مشوب بالآفات ثم ينقطع، وكيف لا ~~يكون قليلا وقد كان معدوما من الأزل إلى الآن، وسيصير معدوما من الأزل ~~وإلى الأبد فإذا قابلت زمان الوجود بما مضى وما يأتي - وهو الأزل والأبد ~~- كان أقل من أن يجوز وصفه بأنه قليل ثم قال بعده: { ثم مأواهم ~~جهنم وبئس المهاد } يعني أنه مع قلته يؤول إلى المضرة ~~العظيمة، ومثل ها لا يعد نعمة. ### || [3.198] # قرأ الجمهور بتخفيف " لكن " وأبو جعفر بتشديدها، فعلى القراءة الأولى ~~الموصول رفع بالابتداء، وعند يونس يجوز إعمال المخففة، وعلى الثانية في ~~محل نصب. # ووقعت " لكن " هنا أحسن موقع؛ فإنها وقعت بين ضدين، وذلك أن معنى ~~الجملتين - التي بعدها والتي قبلها - آيل إلى تعذيب الكفار، وتنعيم ~~المؤمنين المتقين. ووجه الاستدراك أنه لما وصف الكفار بقلة نفع تقلبهم ~~في التجارة، وتصرفهم في البلاد لأجلها، جاز أن ms2367 يتوهم ~~متوهم أن التجارة - من حيث هي - متصفة بذلك، فاستدرك أن المتقين ~~- وإن أخذوا في التجارة - لا يضرهم ذلك، وأن لهم ما وعدهم به. # قوله: { تجري من تحتها الأنهار } هذه الجملة أجاز مكي ~~فيها وجهين: # أحدهما: الرفع، على النعت ل " جنات ". # والثاني: النصب، على الحال من الضمير المستكن في " لهم " قال: " وإن ~~شئت في موضع نصب على الحال من المضمر المرفوع في " لهم " إذ هو ~~كالفعل المتأخر بعد الفاعل إن رفعت " جنات " بالابتداء، فإن رفعتها ~~بالاستقرار لم يكن في " لهم " ضمير مرفوع؛ إذ هو كالفعل المتقدم ~~على فاعله ". يعني أن " جنات " يجوز فيها رفعها من وجهين: # أحدهما: الابتداء، والجار قبلها خبرها، والجملة خبر " الذين اتقوا ~~". # ثانيهما: الفاعلية؛ لأن الجار قبلها اعتمد بكونه خبرا ل " ~~الذين اتقوا ". وقد تقدم أن هذا أولى، لقربه من المفرد. # فإن جعلنا رفعها بالابتداء جاز في { تجري من تحتها الأنهار ~~} وجهان: الرفع على النعت، والنصب على الحال من الضمير المرفوع في " ~~لهم " لتحمله - حينئذ - ضميرا. # وإن جعلنا رفعها بالفاعلية تعين أن يكون الجملة بعدها في موضع رفع؛ ~~نعتا لها، ولا يجوز النصب على الحال، لأن " لهم " ليس فيه - حينئذ ~~- ضمير؛ لرفعه الظاهر. # و " خالدين " نصب على الحال من الضمير في " لهم " والعامل ~~فيه معنى الاستقرار. # قوله: " نزلا " النزل: ما يهيأ للنزيل - وهو الضيف. # قال أبو العشراء الضبي: [الطويل] # 1724- وكفا إذا الجبار بالجيش ضافنا # جعلنا القنا والمرهفات له نزلا # هذا أصله، ثم اتسع فيه، فأطلق على الرزق والغذاء - وإن لم يكن لضيف - ~~ومنه قوله تعالى: # فنزل من حميم # [الواقعة: 93] وفيه قولان، هل هو مصدر أو جمع نازل، كقول الأعشى: ~~[البسيط] # 1725-........................... # أو تنزلون فإنا معشر نزل # إذا تقرر هذا ففي نصبه ستة أوجه: # أحدهما: أنه منصوب على المصدر المؤكد، لأنه معنى " لهم جنات ": ~~ننزلهم جنات نزلا، وقدره الزمخشري بقوله: " كأنه قيل: رزقا، أو ~~عطاء من عند الله ". # ثانيها: نصبه بفعل مضمر، أي: جعلنا لهم نزلا. # ثالثها: نصبه على الحال من " جنات " لأنها تخصصت بالوصف. # رابعها: أن يكون حالا ms2368 من الضمير في " فيها " أي منزلة - إذا قيل ~~بأن " نزلا " مصدر بمعنى المفعول نقله أبو البقاء. # خامسها: أنه حال من الضمير المستكن في " خالدين " - إذا قلنا: ~~إنه جمع نازل - قاله الفارسي في التذكرة. # سادسها - وهو قول الفراء - نصبه على التفسير - أي التمييز - كما تقول: ~~هو لك هبة، أو صدقة وهذا هو القول بكونه حالا. # والجمهور على ضم الزاي، وقرأ الحسن، والأعمش، والنخعي، بسكونها، ~~وهي لغة، وعليها البيت المتقدم. وقد تقدم أن مثل هذا يكون فيه المسكن ~~مخففا من المثقل أو بالعكس، والحق الأول. # قوله: { من عند الله } فيه ثلاثة أوجه، لأنك إن جعلت " نزلا ~~" مصدرا، كان الظرف صفة له، فيتعلق بمحذوف، أي: نزلا كائنا من عند ~~الله, أي: على سبيل التكريم، وإن جعلته جمعا كان في الظرف وجهان: # أحدهما: جعله حالا من الضمير المحذوف، تقديره: نزلا إياها. # ثانيهما: أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: ذلك من عند الله؛ نقل ذلك أبو ~~البقاء. # قوله: { وما عند الله خير } " ما " موصولة، وموضعها رفع ~~بالابتداء والخبر " خير " و " للأبرار " صفة ل " خير " فهو في ~~محل رفع، ويتعلق بمحذوف، وظاهر عبارة أبي حيان أنه يتعلق بنفس " خير ~~" فإنه قال: و " للأبرار " متعلق ب " خير ". # وأجاز بعضهم أن يكون " للأبرار " هو الخبر، و " خير " خبر ثان، ~~قال أبو البقاء: " والثاني - أي: الوجه الثاني -: أن يكون الخبر " ~~للأبرار " والنية به التقديم، أي: والذي عند الله مستقر ~~للأبرار، و " خير " - على هذا - خبر ثان ". # وفي ادعاء التقديم والتأخير نظر؛ لأن الأصل في الإخبار أن يكون ~~بالاسم الصريح، فإذا اجتمع خبر مفرد صريح، وخبر مؤول به بدئ ~~بالصريح من غير عكس - كالصفة - فإذا وقعا في الآية على الترتيب ~~المذكور، فكيف يدعى فيها التقديم والتأخير؟. # ونقل أبو البقاء - عن بعضهم - أنه جعل " للأبرار " حالا من الضمير ~~في الظرف، " خير " خبر المبتدأ، قال: " وهذا بعيد؛ لأن فيه الفصل بين ~~المبتدأ والخبر بحال لغيره، والفصل بين الحال وصاحب الحال بخبر ~~المبتدأ، وذلك لا يجوز في الاختيار ". # قال أبو حيان: " وقيل: فيه تقديم ms2369 وتأخير، أي: الذي عند الله ~~للأبرار خير لهم، وهذا ذهول عن قاعدة العربية من أن المجرور - إذ ذاك - ~~يتعلق بما تعلق به الظرف الواقع صلة للموصول، فيكون المجرور داخلا في ~~حيز الصلة، ولا يخبر عن الموصول إلا بعد استيفائه صلته ~~ومتعلقاتها ". # فإن عنى الشيخ بالتقديم والتأخير على الوجه - أعني جعل " للأبرار " ~~حالا من الضمير في الظرف فصحيح، لأن العامل في الحال - حينئذ - ~~الاستقرار الذي هو عامل في الظرف الواقع صلة، فيلزم ما قاله، وإن ~~عنى به الوجه الأول - أعني: جعل " للأبرار " خبرا، والنية به ~~التقديم وب " خير " التأخير كما ذكر أبو البقاء، فلا يلزم ما قال؛ ~~لأن " للأبرار " - حينئذ - يتعلق بمحذوف آخر غير الذي تعلق ~~به الظرف. # و " خير " - هنا - يجوز أن يكون للتفضيل، وأن لا يكون، فإن كان ~~للتفضيل كان المعنى: وما عند الله خير للأبرار مما لهم في الدنيا، أو ~~خير لهم مما يتقلب فيه الكفار من المتاع القليل الزائل. ### || [3.199] # قال جابر، وابن عباس، وقتادة، وأنس: # " نزلت في النجاشي - ملك الحبشة - واسمه أصحمة، وهو - بالعربية - ~~عطية، وذلك أنه لما مات نعاه جبريل - عليه السلام - لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في اليوم الذي مات فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لأصحابه: اخرجوا، فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم، فقالوا: ~~من هو؟ قال النجاشي، فخرج إلى البقيع، وكشف له إلى أرض الحبشة، ~~فأبصر سرير النجاشي، وصلى عليه أربع تكبيرات، واستغفر له، فقال ~~المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على علج حبشي، نصراني، لم يره ~~قط، وليس على دينه. " # فأنزل الله هذه الآية. # قال عطاء: نزلت في أربعين رجلا من أهل نجران، واثنين وثلاثين من ~~الحبشة، وثمانية من الروم، كانوا على دين عيسى فآمنوا بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم. # قال ابن جريح: نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه. وقال مجاهد: ~~نزلت في مؤمني أهل الكتاب كلهم. # قوله: { لمن يؤمن } اللام لام الابتداء، دخلت على اسم " إن " ~~لتأخره عنها، و " من أهل " خبر مقدم و " من " يجوز ms2370 أن تكون ~~موصولة - وهو الأظهر - وموصوفة، أي: ل " قوما " ، و " يؤمن " صلة - ~~على الأول - فلا محل له، وصفة - على الثاني - فمحله النصب، وأتى - هنا ~~- بالصلة مستقبلة - وإن كان ذلك قد مضى - دلالة على الاستمرار ~~والديمومة. # والمعنى: إن من أهل الكتاب من يؤمن بالله وما أنزل إليكم، ~~وهو القرآن، وما أنزل إليهم، وهو التوراة والإنجيل. # قوله: { خاشعين } فيه أربعة أوجه: # أحدها: أنه حال من الضمير في " يؤمن " وجمعه، حملا على معنى " ~~من " كما جمع في قوله: " إليهم " وبدأ بالحمل على اللفظ في " ~~يؤمن " ثم بالحمل على المعنى؛ لأنه الأولى. # ثانيها: أنه حال من الضمير في " إليهم " فالعامل فيه " أنزل ". # ثالثها: أنه حال من الضمير في " يشترون " وتقديم ما في حيز " لا " ~~عليها جائز على الصحيح وتقدم شيء من ذلك في الفاتحة. # رابعها: أنه صفة ل " من " إذا قيل بأنها نكرة موصوفة. وأما الأوجه ~~الثلاثة السابقة فجائزة، سواء كانت موصولة، أو نكرة موصوفة. # قوله: " لله " فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق ب " خاشعين " أي: لأجل الله. # ثانيهما: أنه متعلق ب " لا يشترون " ذكره أبو البقاء، قال: " وهو ~~في نية التأخير، أي: لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا لأجل الله ". # قوله: { لا يشترون } كقوله: { خاشعين } إلا في الوجه الثالث، ~~لتعذره، ويزيد عليها وجها آخر، وهو أن يكون حالا من الضمير المستكن في ~~" خاشعين " أي: غير مشترين. وتقدم معنى الخشوع والاشتراء وما قيل فيه ~~في البقرة. # ومعناه: أنهم لا يحرفون كتبهم، ولا يكتمون صفة محمد صلى الله ~~عليه وسلم لأجل الرياسة والمأكلة، كفعل غيرهم من رؤساء اليهود. # واعلم أنه - تعالى - لما بين أن مصير الكفار إلى العقاب، بين - ~~هنا - أن من آمن منهم فإن مصيره إلى الثواب. # وقد وصفهم بصفات: # أولها: الإيمان بالله. # ثانيها: الإيمان بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم. # وثالثها: الإيمان بما أنزل على الأنبياء قبله. # ورابعها: كونهم خاشعين لله. # وخامسها: أنهم لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا، كما يفعله أهل ~~الكتاب ممن كان يكتم أمر الرسول صلى الله عليه وسلم. ms2371 # قوله: { أولئك لهم أجرهم } " أولئك " مبتدأ، وأما " ~~لهم أجرهم " ففيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون " لهم " خبرا مقدما، و " أجرهم " مبتدأ مؤخر، ~~والجملة خبر الأول، وعلى هذا فالظرف فيه وجهان: # الأول: أنه متعلق ب " أجرهم ". # الثاني: أنه حال من الضمير في " لهم " وهو ضمير الأجر، لأنه واقع ~~خبرا. # ثانيها: أن يرتفع " أجرهم " بالجار قبله، وفي الظرف الوجهان، إلا ~~أن الحال من " أجرهم " الظاهر؛ لأن " لهم " لا ضمير فيه حينئذ. # ثالثها: أن الظرف هو خبر " أجرهم " و " لهم " متعلق بما تعلق ~~به من هذا الظرف من الثبوت والاستقرار. ومن هنا إلى آخر السورة تقدم ~~إعراب نظائره. ### || [3.200] # قال ابن الخطيب: " ختم هذه السورة بهذه الآية المشتملة على جميع ~~الآداب، وذلك لأن أحوال الإنسان قسمان: منها ما يتعلق به وحده، ومنها ما ~~يكون مشتركا بينه وبين غيره، أما القسم الأول فلا بد فيه من ~~الصبر، وأما القسم الثاني فلا بد فيه من المصابرة ". # قال الحسن: اصبروا على دينكم، فلا تدعوه لشدة لا رخاء. # وقال قتادة: اصبروا على طاعة الله، وصابروا أهل الضلالة، ورابطوا في ~~سبيل الله. # وقال الضحاك، ومقاتل بن سليمان: على أمر الله. وقال مقاتل بن ~~حيان: على فرائض الله. وقال زيد بن أسلم: على الجهاد. وقال الكلبي على ~~البلاء. # واعلم أن الصبر يدخل تحته أنواع: الصبر على مشقة النظر والاستدلال على ~~الطاعات، وعلى الاحتراز عن المنهيات، وعلى شدائد الدنيا من الفقر، ~~والقحط والخوف، وأما المصابرة فهي تحمل المكاره الواقعة بينه وبين ~~غيره، كتحمل الأخلاق الردئية من أهله وجيرانه وترك الانتقام كقوله ~~تعالى: # وأعرض عن الجاهلين # [الأعراف: 199] وإيثار الغير على نفسه، والأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر. # وقوله: { اصبروا وصابروا } من الجناس اللفظي، وكذلك قوله: # اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم # [التوبة: 38] " وصابروا " يعني الكفار، " ورابطوا " يعني المشركين. # قال أبو عبيدة: " أي: اثبتوا وداوموا " والربط: الشد، وأصل ~~المرابطة: أن يربط هؤلاء خيولهم وهؤلاء خيولهم بحيث يكون كل من الخصمين ~~مستعدا لقتال الآخر ثم قيل لكل مقيم في ثغر يدفع عمن وراءه: ~~مرابط، وإن لم ms2372 يكن له مركوب مربوط. # قال - عليه السلام -: # " رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها وما عليها، وموضع ~~سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما فيها وما عليها، والروحة ~~يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها ". # { واتقوا الله لعلكم تفلحون } قال بعضهم: اصبروا على ~~النعماء، وصابروا على البأساء والضراء، ورابطوا في دار الأعداء، ~~واتقوا إله الأرض والسماء، لعلكم تفلحون في دار البقاء. # وقيل: المرابطة: انتظار الصلاة بعد الصلاة لما روى أبو سلمة بن عبد ~~الرحمن، قال: لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزو يرابط ~~فيه، وإنما نزلت هذه الآية في انتظار الصلاة بعد الصلاة. واحتج أبو سلمة ~~بقوله صلى الله عليه وسلم: # " ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع ~~به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة ~~الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ~~ثم قال: فذلكم الرباط " # ثلاث مرات - وقيل الرباط: اللزوم والثبات، وهذا المعنى يعم ما تقدم. # روى ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ السورة التي يذكر فيها آل عمران يوم ~~الجمعة صلى الله عليه وملائكته حتى تحجب ~~الشمس ". # وعن أبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ آل عمران أعطي بكل آية منها أمانا على جسر جهنم ~~" # وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ آل عمران فهو غني ". # وعن العرس بن عميرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " تعلموا البقرة وآل عمران؛ فإنهما ~~الزهراوان، وإنهما يأتيان يوم القيامة في صورة ~~ملكين يشفعان لصاحبهما حتى يدخلاه الجنة ". # قيل: سميت البقرة وآل عمران بالزهراوين؛ لأنهما نوران، ~~مأخوذ من الزهر والزهرة. # وقيل: لهدايتهما قارئهما بما يزهر له من نورهما، أي ~~معانيهما. # وقيل: لما يثيب على قراءتها من النور التام يوم القيامة. # وقيل: لما تضمنتاه من اسم الله الأعظم، كما # " روى أبو داود وغيره عن أسماء بنت يزيد؛ أن رسول ms2373 الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: ~~{ وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو ~~الرحمن الرحيم } [البقرة: 163]، والتي في آل عمران: { الله ~~لا إله إلا هو } [آل عمران: 2]. " ### | [4 - سورة النساء] ### || [4.1] # قال بعض المفسرين: " ابتدأ الله سبحانه وتعالى هذه السورة بالعطف على ~~النساء والأيتام، ذكر فيها أحكاما كثيرة، وبذلك ختمها، ولما كانت هذه ~~التكاليف شاقة على النفوس والطباع، افتتحها بالأمر بالتقوى المشتملة ~~على كل خير ". # فصل # روى الواحدي عن ابن عباس في قوله: { يأيها الناس } أن هذا ~~الخطاب لأهل مكة. # وأما الأصوليون من المفسرين فاتفقوا على أن الخطاب عام لجميع المكلفين، ~~وهذا هو الأصح؛ لأن لفظ الناس جمع دخله الألف واللام فيفيد الاستغراق، ~~ولأنه علل الأمر بالاتقاء لكونه تعالى خالق لهم من نفس واحدة، وهذه ~~العلة موجودة في جميع المكلفين. # وأيضا فالتكليف بالتقوى غير مختص بأهل مكة، بل هو عام، وإذا كان لفظ ~~الناس عاما، والأمر بالتقوى عاما، وعلة هذا التكليف عامة، فلا وجه ~~للتخصيص، وحجة ابن عباس أن قوله: { واتقوا الله الذي ~~تسآءلون به والأرحام } [النساء: 1] مختص بالعرب؛ لأن ~~المناشدة بالله وبالرحم عادة مختصة بهم، فيقولون: " أسألك بالله وبالرحم، ~~أنشدك الله والرحم " ، وإذا كان كذلك، كان قوله: { واتقوا الله ~~الذي تسآءلون به والأرحام } [النساء: 1] مختصا بالعرب، ~~فيكون قوله: { يأيها الناس } مختصا بهم، لأن الخطابين متوجهان ~~إلى مخاطب واحد. # ويمكن الجواب عنه بأن خصوص آخر الآية لا يمنع من عموم الآية. # فصل # اعلم أنه تعالى جعل الافتتاح لسورتين في القرآن: # أحدهما: هذه وهي السورة الرابعة من النصف الأول من القرآن، وعلل الأمر ~~بالتقوى فيهما بما يدل على معرفة المبدأ بأنه خلق الخلق من نفس واحدة، ~~وهذا يدل على كمال قدرة الخالق وكمال علمه وحكمته. # والثانية: سورة الحج وهي الرابعة أيضا من النصف الثاني من القرآن ~~وعلل الأمر بالتقوى فيها بما يدل على معرفة المعاد. # فجعل صدر هاتين السورتين دليلا على معرفة المبدأ والمعاد، وقدم ~~السورة الدالة على المبدأ على السورة الدالة على المعاد، وهذا ms2374 سر عظيم. # { من نفس } متعلق ب " خلقكم " فهو في محل نصب، و " من " لابتداء ~~الغاية، وكذلك " منها زوجها وبت منهما " والجمهور على واحدة بتاء ~~التأنيث، وأجمع المسلمون على أن المراد بالنفس الواحدة [هاهنا] آدم ~~عليه السلام، إلا أنه أنث الوصف على لفظ النفس لقوله تعالى: # أقتلت نفسا زكية بغير نفس # [الكهف: 74]. # وابن أبي عبلة واحد من غير [تاء] تأنيث وله وجهان: # أحدهما: مراعاة المعنى؛ لأنه المراد بالنفس آدم عليه السلام. # والثاني: أن النفس تذكر وتؤنث. وعليه قوله: [الوافر] # 1726- ثلاثة أنفس وثلاث ذود # لقد جار الزمان على عيالي # قوله: { وخلق } فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه عطف على معنى " واحدة " لما فيه من معنى الفعل، كأنه قيل: " ~~من نفس وحدت " أي: انفردت، يقال: " رجل وحد يحد وحدا وحدة " ~~انفرد. # الثاني: أنه عطف على محذوف. # قال الزمخشري: " كأنه قيل: من نفس واحدة أنشأها أو ابتدأها ~~وخلق منها، وإنما حذف لدلالة المعنى عليه، والمعنى شعبكم من نفس ~~واحدة هذه صفتها " بصفة هي بيان وتفصيل لكيفية خلقكم منها، وإنما حمل ~~الزمخشري رحمه الله تعالى والقائل الذي قبله على ذلك مراعاة الترتيب ~~الوجودي؛ لأن خلق حواء - وهي المعبر عنها بالزوج - قبل خلقنا ولا حاجة ~~إلى ذلك، لأن الواو لا تقتضي ترتيبا على الصحيح. # الثالث: أنه عطف على " خلقكم " ، فهو داخل في حيز الصلة والواو ولا ~~يبالى بها، إذ لا تقتضي ترتيبا؛ إلا أن الزمخشري رحمه الله ~~تعالى خص هذا الوجه بكون الخطاب [للمؤمنين] في { يأيها الناس ~~} لمعاصري الرسول عليه السلام فإنه قال: والثاني أنه يعطف على " ~~خلقكم " ويكون الخطاب للذين بعث إليهم الرسول، والمعنى: خلقكم من نفس ~~آدم؛ لأنه من جملة الجنس المفرع [منه] وخلق منها أمكم حواء. # فظاهر هذا خصوصية الوجه الثاني أن يكون الخطاب للمعاصرين، وفيه نظر، ~~وقدر بعضهم مضافا في " منها " أي: " من جنسها زوجها " ، وهو ~~قول أبي مسلم، قال: وهو كقوله: # والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا # [النحل: 72] وقال # إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم # [آل عمران: 164] وقوله: # لقد جآءكم ms2375 رسول من أنفسكم عزيز # [التوبة:128]. # قال: وحواء لم تخلق من آدم، وإنما خلقت من طينة فضلت من طينة آدم. # قال القاضي: والأول أقوى لقوله: { خلقكم من نفس واحدة ~~}. # قال ابن الخطيب: " يمكن أن يجاب بأن كلمة " من " لابتداء الغاية، ~~فلما كان ابتداء الغاية وهو ابتداء التخليق والإيجاد وقع بآدم صح أن ~~يقال: { خلقكم من نفس واحدة } وأيضا فالقادر على خلق ~~آدم من التراب، [كان قادرا أيضا على خلق حواء من التراب]، وإذا كان ~~كذلك فأي فائدة في خلقها من ضلع من أضلاعه ". # وقرئ " وخالق وباث " بلفظ اسم الفاعل، وخرجه الزمخشري على ~~أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: وهو خالق وباث. # ويقال: بث وأبث ومعناه " فرق " ثلاثيا ورباعيا. # قال ابن المظفر: " البث تفريقك الأشياء ". # يقال: بث الخيل في الغارة، وبث الصياد كلابه، وخلق الله ~~الخلق: بثهم في الأرض، وبثثت البسطة إذا نشرتها. قال تعالى: # وزرابي مبثوثة # [الغاشية: 16]. # فإن قيل: ما المناسبة بين الأمر بالتقوى وما ذكر معه من الوصف؟ ~~فالجواب: لما ذكر أنه خلقنا من نفس واحدة، وذلك علة لوجوب ~~الانقياد علينا لتكاليفه؛ لأنا عبيده وهو مولانا، ويجب على العبد ~~الانقياد لمولاه؛ ولأنه أنعم ومن بوجوه الإنعام والامتنان، فأوجد ~~وأحيا وعلم وهدى، فعلى العبد أن يقابل تلك النعم بأنواع ~~الخضوع والانقياد؛ ولأنه بكونه موجدا وخالقا وربا يجب علينا ~~عبادته، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ويلزم من ذلك ألا نوجب لتلك ~~الأفعال ثوابا؛ لأن أداء الحق لمستحقه لا يوجب، وثواب هذا إن سلمنا ~~أن العبد أتى بتلك الطاعات من عند نفسه، فكيف وهذا محال؛ لأن الطاعات لا ~~تحصل إلا بخلق الله - تعالى - القدرة عليها، والداعية إليها [ومتى حصلت ~~القدرة والداعي كان] مجموعهما موجبا لصدور الطاعة، فتكون تلك الطاعة ~~إنعاما آخر. # وأيضا أنه خلقنا من نفس واحدة، ذلك أيضا يوجب علينا ~~طاعته لأن ذلك يدل على كمال القدرة؛ لأن ذلك لو كان بالطبيعة ~~لما تولد عن الإنسان إلا إنسان يشاكله ويشابهه في الخلقة ~~والطبيعة، ولما اختلف الناس في الصفات والألوان، دل على أن الخالق ~~قادر ms2376 مختار عالم، يجب الانقياد لتكاليفه؛ ولأن الله تعالى ~~عقب الأمر بالتقوى بالأمر بالإحسان إلى اليتامى والنساء ~~والضعفاء وكونهم من نفس واحدة باعث على ذلك بكونه [وذلك لأن الأقارب ~~لا بد أن] يكون بينهم مواصلة وقرابة، وذلك يزيد في المحبة، ولذلك يفرح ~~الإنسان بمدح أقاربه ويحزن بذمهم فقدم ذكرهم، فقال: { من نفس ~~واحدة } ليؤكد شفقة بعضنا على بعض. # فإن قيل: لم لم يقل: وبث منها الرجال والنساء. # فالجواب: لأن ذلك يقتضي كونهما مبثوثين من نفسيهما، وذلك محال، فلهذا ~~عدل إلى قوله: { وبث منهما رجالا كثيرا ونسآء }. # وقوله: " كثيرا " فيه وجهان: # أظهرهما: أنه نعت ل " رجالا ". # قال أبو البقاء: ولم يؤنثه حملا على المعنى؛ لأن " رجالا " بمعنى ~~عدد أو جمع أو جنس كما ذكر الفعل المسند إلى جماعة المؤنث لقوله ~~تعالى: # وقال نسوة في المدينة # [يوسف: 30]. # والثاني: أنه نعت لمصدر تقديره: وبث منهم بثا كثيرا؛ وقد تقدم أن مذهب ~~سيبويه في مثله النصب على الحال. # فإن قيل: لم خص الرجال بوصف الكثرة دون النساء؟ ففيه جوابان: # أحدهما: أنه حذف صفتهن لدلالة ما قبلها عليها تقديره: ونساء ~~كثيرة. # والثاني: أن الرجال لشهرتهم [وبروزهم] يناسبهم ذلك بخلاف ~~النساء، فإن الأليق بهن الخمول والإخفاء. # قوله: { تسآءلون } قرأ الكوفيون " تساءلون " بتخفيف السين على ~~حذف إحدى التاءين تخفيفا، والأصل: " تتساءلون " به، وقد تقدم ~~الخلاف: هل المحذوف الأولى أو الثانية وقرأ الباقون بالتشديد على ~~إدغام تاء التفاعل في السين؛ لأن مقاربتها في الهمس، ولهذا تبدل من ~~السين، قالوا: " ست " والأصل " سدس " وقرأ عبد الله: " تسألون " من ~~سأل الثلاثي، وقرئ " تسلون " بنقل حركة الهمزة على السين، و " ~~تساءلون " على التفاعل فيه وجهان: # أحدهما: المشاركة في السؤال. # والثاني: أنه بمعنى فعل، ويدل عليه قراءة عبد الله. # قال أبو البقاء: " ودخل حرف الجر في المفعول؛ لأن المعنى: ~~" تتخالفون " يعني أن الأصل تعدية " تسألون " إلى الضمير بنفسه، فلما ~~ضمن " تتحالفون " عدي تعديته ". # قوله: { والأرحام } الجمهور نصبوا الميم، وفيه وجهان: # أحدهما: أنه عطف على لفظ الجلالة، أي: واتقوا الأرحام أي: لا تقطعوها، ~~وقدر ms2377 بعضهم مضافا أي: قطع الأرحام. # ويقال: إن هذا في الحقيقة من عطف الخاص علا العام، وذلك أن معنى ~~اتقوا الله؛ اتقوا مخالفته، وقطع لأرحام مندرج فيها، وهذا قول ~~مجاهد وقتادة والسدي والضحاك والفراء والزجاج. # قال الواحدي: ويجوز أن يكون منصوبا بالإغراء، أي: والأرحام احفظوها ~~وصلوها كقولك: الأسد الأسد، وهذا يدل على تحريم قطيعة الرحم ووجوب ~~صلتها. # والثاني: أنه معطوف على محل المجرور في " به " ، نحو: مررت بزيد وعمرا، ~~ولما لم يشركه في الإتباع على اللفظ تبعه على الموضع، وهذا يؤيده ~~قراءة عبد الله " وبالأرحام ". # وقال أبو البقاء: تعظمونه والأرحام، لأن الحلف به تعظيم ~~له. # وقرأ حمزة " والأرحام " بالجر، قال القفال: وقد رويت هذه القراءة عن ~~مجاهد وغيره، وفيها قولان. # أحدهما: أنه عطف على الضمير المجرور في " به " من غير إعادة الجار، ~~وهذا لا يجيزه البصريون، وقد تقدم تحقيق ذلك، وأن فيها ثلاثة ~~مذاهب، واحتجاج كل فريق في قوله تعالى: # وكفر به والمسجد الحرام # [البقرة: 217] وقد طعن جماعة في هذه القراءة، كالزجاج وغيره، حتى ~~يحكى عن الفراء الذي مذهبه جواز ذلك أنه قال: حدثني شريك بن عبد الله عن ~~الأعمش عن إبراهيم، قال: { والأرحام } بخفض [الأرحام] هو كقولهم: " ~~أسألك بالله والرحم " قال: وهذا قبيح؛ لأن العرب لا ترد مخفوضا ~~على مخفوض قد كني به، وضعفه بعضهم بأنه عطف للمظهر على ~~المضمر، وهو لا يجوز. # قال ابن عيس: إنهم لم يستحسنوا عطف المظهر على المضمر المرفوع، فلا يجوز ~~أن يقال: " اذهب وزيد " و " ذهبت وزيد " ، بل يقولون: اذهب أنت وزيد ~~وذهبت أنا وزيد، قال تعالى: # فاذهب أنت وربك # [المائدة: 24] مع أن المضمر المرفوع قد ينفصل، فإذا لم يجز عطف المظهر ~~على المضمر المرفوع مع أنه أقوى من المضمر المجرور، بسبب أنه قد ينفصل؛ ~~فلأن لا يجوز عطف المظهر على المضمر المجرور، مع أنه [لا] ينفصل ~~ألبتة أولى. # والثاني: أنه ليس معطوفا على الضمير المجرور، بل الواو للقسم وهو خفض ~~بحرف القسم مقسم به، وجواب القسم { إن الله كان عليكم ~~رقيبا } ، وضعف هذا ms2378 بوجهين: # أحدهما: أن قراءتي النصب وإظهار حرف الجر في ب " الأرحام " يمنعان من ~~ذلك، والأصل توافق القراءات. # والثاني: أنه نهي أن يحلف بغير الله تعالى، والأحاديث ~~مصرحة بذلك. # وقدر بعضهم مضافا فرارا من ذلك فقال: تقديره: " ورب الأرحام ~~". # قال أبو البقاء: " وهذا قد أغنى عنه ما قبله " يعني: الحلف بالله تعالى. # ويمكن الجواب عن هذا بأن لله تعالى أن يقسم بما يشاء من مخلوقاته ~~[كما أقسم] بالشمس والنجم والليل، وإن كنا نحن منهيين عن ذلك، إلا ~~أن المقصود من حيث المعنى، ليس على القسم، فالأولى حمل هذه القراءات ~~على العطف على الضمير، ولا التفات إلى طعن من طعن فيها. # وأجاب آخرون بأن هذا حكاية عن فعل كانوا يفعلونه في الجاهلية؛ لأنهم ~~كانوا يقولون: أسألك بالله وبالرحم، فمجيء هذا الفعل عنهم في الماضي لا ~~ينافي ورود النهي عنه في المستقبل؛ وأيضا فالنهي ورد عن الحلف بالآباء ~~فقط، وهاهنا ليس كذلك، بل هو حلف بالله أولا، ثم قرن به بعد ~~ذكر لرحم، وهذا لا ينافي مدلول الحديث. # أيضا فحمزة أحد القراء السبعة، الظاهر أنه لم يأت بهذه القراءة من ~~عند نفسه، بل رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك يوجب القطع ~~بصحة هذه اللغة، ولا التفات إلى أقيسة النحاة عند وجود السماع، وأيضا ~~فلهذه القراءة وجهان: # أحدهما: ما تقدم من تقدير تكرير الجار، وإن لم يجزه البصريون فقد أجازه ~~غيرهم. # والثاني: فقد ورد في الشعر وأنشد سيبويه: [البسيط] # 1727- فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا # فاذهب فما بك والأيام من عجب # وقال الآخر [الطويل] # 1728- تعلق في مثل السواري سيوفنا # وما بينها والكعب غوط نفانف # وقال آخر [الوافر] # 1729- أكر على الكتيبة لا أبالي # أفيها كان حتفي أم سواها # وحمزة بالرتبة السنية المانعة له من نقل قراءة ضعيفة. # قال بن الخطيب: " والعجب من هؤلاء [النحاة] أنهم يستحسنون إثبات ~~هذه اللغة بهذين البيتين المجهولين، ولا يستحسنوها بقراءة حمزة ومجاهد، ~~مع أنهما كانا من أكابر علماء السلف في علم القرآن ". # وقرأ عبد الله أيضا " والأرحام " رفعا على ms2379 الابتداء، والخبر محذوف ~~فقدره ابن عطية: أهل أن توصل، وقدره الزمخشري: " والأرحام ~~مما يتقي " أو " مما يتساءل به ". # وهذا أحسن للدلالة اللفظية، والمعنوية، بخلاف الأول فإنه للدلالة ~~المعنوية فقط، وقدره أبو البقاء: والأرحام محترمة، أي: واجب ~~حرمتها. # فإن قيل: ما فائدة هذا التكرير في قوله أولا: # { اتقوا ربكم الذي خلقكم }. ثم قال بعده: " واتقوا الله ". # فالجواب فائدته من وجوه: # الأول: فائدته تأكيد الأمر والحث عليه. # والثاني: أن الأمر الأول عام في التقوى بناء على الترتيب. والأمر ~~الثاني خاص فيما يلتمس البعض من البعض، ويقع التساؤل به. # الثالث: قوله أولا: { اتقوا ربكم } ولفظ " الرب " يدل ~~على التربية والإحسان، وقوله ثانيا { واتقوا الله } ولفظ " ~~الإله " يدل على الغلبة والقهر، فالأمر الأول بالتقوى بناء على الترغيب، ~~والأمر الثاني يدل على الترهيب، فكأنه قيل: اتق الله إنه رباك، ~~وأحسن إليك، واتق مخالفته؛ لأنه شديد العقاب عظيم السطوة. # وقوله تعالى: { إن الله كان عليكم رقيبا }. # جار مجرى التعليل والرقيب: فعيل للمبالغة من رقب يرقب رقبا، ~~ورقوبا، ورقبانا إذا أحد النظر [لأمر يريد تحقيقه]، والرقيب ~~هو المراقب الذي يحفظ جميع أفعالك، واستعماله في صفات الله تعالى بمعنى ~~الحفيظ قال: [مجزوء الكامل] # 1730- كمقاعد الرقباء للض # ضرباء أيديهم نواهد # وقال: [الكامل] # 1731- ومع الحبيب بها لقد نلت المنى # لي عقله الحساد والرقباء # والمرقب: المكان العالي المشرف يقف عليه الرقيب، والرقيب أيضا ~~[ضرب] من الحيات، والرقيب السهم الثالث من سهام الميسر، وقد تقدمت في ~~البقرة، والارتقاب: الانتظار. # فصل # دلت الآية على تعظيم حق الرحم وتأكيد النهي عن قطعه. # قال تعالى: # فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض ~~وتقطعوا أرحامكم # [محمد: 22]. # وقال تعالى: # لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة # [التوبة: 10] قيل: إن الإل القرابة، قال: # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا # [الإسراء: 23] وقال عليه السلام: قال الله تعالى: # " أنا الرحمن وهي الرحم اشتققت لها اسما من اسمي، من وصلها ~~وصلته، ومن قطعها قطعته ". # فصل # قال القرطبي: الرحم: اسم لكافة الأقارب من غير فرق بين المحرم وغيره. ~~وأبو ms2380 حنيفة يعتبر الرحم المحرم في منع الرجوع في الهبة، ويجوز ~~الرجوع في حق بني الأعمام، مع أن القطيعة موجودة، والقرابة حاصلة ولذلك ~~تعلق بها الإرث، والولاية، وغيرهما من الأحكام، فاعتبار المحرم زيادة ~~على نص القرآن من غير دليل، وهم يرون ذلك [نسخا]، سيما وفيه إشارة ~~بالتعليل إلى القطيعة قد جوزها في حق بني الأعمام، وبني الأخوال ~~والخالات. # فصل # أجمعت الأمة على أن صلة الرحم واجبة، وأن قطيعتها محرمة، # " وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأسماء وقد سألته: ~~أأصل أمي؟ " صلي أمك " # فأمرها بصلتها وهي كافرة فلتأكيدها دخل الفضل في صلة الكافرة حتى انتهى ~~الحال بأبي حنيفة وأصحابه ومن وافقهم إلى توارث ذوي الأرحام، إذا لم يكن ~~عصبة، ولا ذو فرض ويعتقون على من اشتراهم من ذوي رحمهم لحرمة الرحم، ~~ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام # " من ملك ذا رحم محرم فهو حر " # وهذا قول أكثر أهل العلم، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود ~~رضي الله عنهما ولا يعرف لهما من الصحابة مخالف. # فصل # واختلفوا في ذوي المحارم من الرضاعة، فقال أكثر أهل ~~العلم: لا يدخلون في مقتضى الحديث. # وقال شريك القاضي: يعتقون. # وذهب أهل الظاهر وبعض المتكلمين إلى أن الأب [لا] يعتق على الابن إذا ~~ملكه. ### || [4.2] # لما وصى في الآية السابقة بالأرحام وصى في هذه الآية بالأيتام؛ ~~لأنهم قد صاروا بحيث لا كافل لهم ولا مشفق فيهم - أسوأ حالا ~~ممن له رحم، فإنه عطفه عليه، وهذا خطاب الأولياء والأوصياء. قالوا: إن ~~اليتيم من لا أب له ولا جد، والإيتاء: الإعطاء قال أبو زيد: أتوت ~~الرجل آتوه إتاوة، وهي الرشوة. # وقال الزمخشري: الأيتام الذين مات آباؤهم، واليتم: الانفراد، ومنه ~~الرملة اليتيمة، والدرة اليتيمة. # وقيل: [اليتيم] في الأناسي من قبل الآباء وفي البهائم من قبل الأمهات. # قال: وحق هذا الاسم أن يقع على الضعفاء والكبار لمن يبقى معنى الانفراد ~~عن الآباء، إلا أن في العرف اختص هذا الاسم بمن لم يبلغ، فإذا صار ~~مستعينا ms2381 بنفسه في تحصيل مصالحه عن كافله، زال عنه هذا الاسم؛ وكانت قريش ~~تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يتيم أبي طالب، إما على ~~القياس، وإما حكاية للحال التي كان عليها حين صغره ناشئا في حجر عمه ~~توضيعا له. # وأما على قوله عليه السلام: # " لا يتم بعد بلوغ " # فهو تعليم للشريعة لا تعليم للغة. # وروى أبو بكر الرازي في أحكام القرآن أن جده كتب إلى ابن عباس يسأله عن ~~اليتيم متى ينقطع يتمه؟ فكتب إليه: إذا أونس منه الرشد انقطع يتمه. # وفي بعض الروايات: إن الرجل ليقبض على لحيته ولم ينقطع عنه يتمه بعد ~~[فأخبر ابن عباس] أن اسم اليتيم يلزمه بعد البلوغ، إذا لم يؤنس منه ~~الرشد، ثم قال أبو بكر: " واسم اليتم قد يقع على المرأة المفردة عن ~~زوجها ". # قال عليه السلام: # " تستأمر اليتيمة في نفسها " # وهي لا تستأمر إلا وهي بالغة. # قال الشاعر: [الرجز] # 1732- إن القبور تنكح الأيامى # النسوة والأرامل اليتامى # فالحاصل أن اسم اليتيم بحسب اللغة يتناول الصغير والكبير. # فإن قيل: كيف جمع اليتيم على يتامى؟ واليتيم فعيل: فيجمع على فعلى، ~~كمريض ومرضى وقتيل وقتلى، وجريح وجرحى؟ فقال الزمخشري: فيه ~~وجهان. # أحدهما: أن يقال: إن جمع اليتيم، يتامى، ثم يجمع فعلى على فعالى ~~كأسير وأسارى. # والثاني:أن نقول: جمع اليتيم يتائم؛ لأن اليتيم جار مجرى الاسم نحو " ~~صاحب " و " فارس " ثم تنقلب " اليتائم " " يتامى ". # قال القفال: " ويجوز يتيم ويتامى كنديم وندامى، ويجوز أيضا يتيم ~~وأيتام كشريف وأشراف ". # فإن قيل: إن اسم اليتيم مختص بالصغير فما دام يتيما لا يجوز دفع ماله ~~إليه، وإذا صار كبيرا بحيث يجوز دفع ماله إليه لم يبق يتيما، فكيف قال: ~~{ وآتوا اليتامى أموالهم }. # فالجواب من وجهين: # الأول: أن يقال: المراد من اليتامى الذين بلغوا وكبروا، وسماهم الله - ~~تعلى - يتامى، إما على أصل اللغة، وإما لقرب عهدهم باليتم، وإن كان قد ~~زال من هذا الوقت كقوله تعالى: # وألقي السحرة ساجدين # [الأعراف: 120]. # أي: الذين كانوا سحرة قبل السجود، وأيضا سمى الله تعالى مقاربة ~~انقضاء ms2382 العدة بلوغ الأجل في قوله: # فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن # [الطلاق: 2] والمعنى مقاربة الأجل، ويدل على أن المراد من اليتامى في ~~هذه الآية البالغون قوله تعالى: # فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم # [النساء: 6] والإشهاد عليهم لا يصح قبل البلوغ. # الوجه الثاني: أن يقال: المراد باليتامى الصغار، وعلى هذا ففي الآية ~~وجهان: # أحدهما: أن قوله " وآتوا " أمر، والأمر يتناول المستقبل فيكون المعنى: ~~أن هؤلاء الذين هم يتامى في الحال آتوهم بعد زوال صفة اليتم عنهم ~~أموالهم. فتزول المناقضة. # والثاني: أن المراد: وآتوا اليتامى حال كونهم يتامى ما يحتاجونه ~~من نفقتهم وكسوتهم، والفائدة فيه: أنه كان يجوز أن يظن أنه لا يجوز ~~إنفاق ماله عليه حال صغره، فأباح الله - تعالى - ذلك، وفيه إشكال وهو: ~~أنه لو كان المراد ذلك لقال: وآتوهم من أموالهم، والآية تدل على ~~إيتائهم كل مالهم. # فصل # نقل أبو بكر الرازي في أحكام القرآن عن الحسن أنه قال: لما نزلت هذه ~~الآية في أموال اليتامى كرهوا أن يخالطوهم، وعزلوا أموالهم عن أموال ~~اليتامى، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزل الله تعالى # ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير ~~وإن تخالطوهم فإخوانكم # [البقرة: 220]. فخلطوا عند ذلك طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم. # قال المفسرون: الصحيح أنها # " نزلت في رجل من غطفان، كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ ~~اليتيم طلب ماله فمنعه عمه فترافعا إلى النبي صلى لله عليه وسلم ~~فنزلت هذه الآية، فلما علمها العم قال: أطعنا الله وأطعنا ~~الرسول، نعوذ بالله من الحوب الكبير، ودفع إليه ماله فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم " ومن يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا ~~فإنه يحل داره " أي: جنته، فلما قبض الصبي ماله أنفقه ~~في سبيل الله فقال النبي صلى لله عليه وسلم " ثبت الأجر وبقي ~~الوزر " فقالوا: يا رسول الله: لقد عرفنا أنه ثبت الأجر، فكيف بقي ~~الوزر وهو ينفق في سبيل الله فقال: " ثبت الأجر للغلام، وبقي ~~على والده الوزر " ". # قال القرطبي: وإيتاء اليتامى أموالهم يكون من ms2383 وجهين: # أحدهما: إجراء الطعام والكسوة ما دامت الولاية، إذ لا يمكن إلا ذلك ~~لمن لا يستحق الأخذ الكلي كالصغير والسفيه الكبير. # والثاني: الإيتاء بالتمكين وتسليم المال إليه، وذلك عند ابتلاء والإرشاد ~~وتكون تسميته حينئذ يتيما مجازا بمعنى: الذي كان يتيما استصحابا ~~للاسم، كقوله # فألقي السحرة ساجدين # [الشعراء: 46] أي الذين كانوا سحرة، وكان يقال للنبي صلى الله عليه وسلم ~~" يتيم أبي طالب " فإذا تحقق الولي رشده حرم عليه إمساك ماله عنه. # قال أبو حنيفة: إذا بلغ خمسا وعشرين سنة، أعطي ماله على كل حال؛ لأنه ~~يصير جدا. # قوله: { ولا تتبدلوا } وقد تقدم في البقرة قوله: # فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم # [البقرة: 59] أن المجرور بالباء هو المتروك، والمنصوب هو الحاصل، ~~وتفعل هنا بمعنى استفعل، وهو كثير، نحو تعجل وتأخر بمعنى ~~استعجل واستأخر ومن مجيء تبدل بمعنى استبدل قول ذي الرمة: ~~[الطويل] # 1733- فيا كرم السكن الذين تحملوا # عن الدار والمستخلف المتبدل # أي: المستبدل. # قل الواحدي: " تبدل الشيء بالشيء إذا أخذ مكانه ". # قوله: " بالطيب ". # هو المفعول الثاني ل " تتبدلوا ". # وفي معنى هذا التبدل وجوه: # الأول: قال الفراء والزجاج: لا تستبدلوا الحرام، وهو مال اليتامى ~~بالحلال وهو مالكم الذي لأبيح لكم. # الثاني: قل سعيد بن المسيب والنخعي والزهري والسدي: وكان ~~أولياء اليتامى يأخذون الجيد من مال اليتم، ويجعلون مكانه الرديء، وربما ~~كان أحدهم أخذ الشاة السمينة، ويضع من مال اليتم ويجعل مكانها ~~المهزولة، ويأخذ الدرهم الجيد، ويجعل مكانه الزيف، يقول: درهم بدرهم، ~~فنهوا عن ذلك. # وطعن الزمخشري: في هذا الوجه فقال: ليس هذا تبدلا، إنما هو ~~تبديل. # الثالث: أن يكون صديقه فيأخذ منه نعجة عجفاء مكان سمينة من مال الصبي. # الرابع: معناه لا تأكلوا مال اليتيم سلفا مع التزام بدله بعد ذلك. # فصل # قل أبو العباس المقرئ: ورد لفظ " الطيب " في القرآن على أربعة أوجه: # الأول: الحلال كهذه الآية. # الثاني: بمعنى الظاهر كقوله تعالى: # صعيدا طيبا # [النساء: 43] أي: ظاهرا. # الثالث: بمعنى الحسن قال تعالى: # إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه # [فاطر: ms2384 10] أي: الحسن، ومثله # والطيبات للطيبين # [النور: 26] أي: الكلام الحسن للمؤمنين. # الرابع: الطيب: المؤمن قال تعالى: # حتى يميز الخبيث من الطيب # [آل عمران: 179] يعني: الكافر من المؤمن. # قوله: { ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } في ~~قوله ثلاثة أوجه: # أحدها: أن " إلى " بمعنى " مع " كقوله: # إلى المرافق # [المائدة: 6]، وهذا رأي الكوفيين. # الثاني: أنها على بابها وهي ومجرورها متعلقة بمحذوف على أنه حال، أي: ~~مضمومة، أو مضافة إلى أموالكم. # الثالث: أن يضمن " تأكلوا " بمعنى " تضموا " كأنه قيل: ولا تضموها ~~إلى أموالكم آكلين. # قال الزمخشري: فإن قلت: قد حرم عليهم أكل مال اليتامى، فدخل فيه ~~أكله وحده ومع أموالهم، فلم ورد النهي عن أكلها معها؟ # قلت: " لأنهم إذا كانوا مستغنين عن أموال اليتامى بما رزقهم الله - ~~تعالى - من الحلال، وهم مع ذلك يطعمون منها، كان القبح أبلغ والذم ~~ألحق، ولأنهم كانوا يفعلون كذلك فنعى عليهم فعلهم، وشنع بهم ليكون ~~أزجر لهم ". # واعلم أنه تعالى، وإن ذكر الأكل، فالمراد به سائر التصرفات المملكة ~~للمال، وإنما ذكر الأكل لأنه معظم ما يقع التصرف لأجله. # قوله: { إنه كان حوبا } في الهاء ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها تعود على الأكل المفهوم، من " لا تأكلوا ". # الثاني: على التبدل المفهوم من " لا تتبدلوا الخبيث ". # الثالث: عليهما ذهابا به مذهب اسم الإشارة نحو: # عوان بين ذلك # [البقرة: 68] ومنه: [الرجز] # 1734- كأنه في الجلد توليع البهق # وقد تقدم ذلك في البقرة، والأول أولى لأنه أقرب مذكور. # وقرأ الجمهور " حوبا " بضم الحاء، والحسن بفتحها، وبعضهم: " حابا " ~~بالألف، وهي لغت في المصدر، والفتح لغة تميم. # ونظير الحوب والحاب، والقول والقال، والطرد والطرد - وهو الإثم - ~~وقيل: المضموم اسم مصدر، [والمفتوح مصدر] وأصله من حوب الأبل، وهو زجرها ~~فسمي به لإثم؛ لأنه يزجر به، ويطلق على الذنب أيضا؛ لأنه يزجر عنه، ~~ومنه قول عليه السلام: # " إن طلاق أم أيوب لحوب " # أي: لذنب عظيم. وقل القرطبي: والحوب الوحشة، ومنه قوله عليه السلام ~~أبي أيوب # " إن طلاق أم أيوب لحوب ". # قال القفال: وكأن أصل الكلمة من التحوب وهو التوجع، فالحوب ~~هو ms2385 ارتكاب ما يتوجع المرتكب منه، يقال: حاب يحوب، حوبا، ~~وحابا وحيابة. # قال المخبل السعدي: [الطويل] # 1735- فلا يدخلن الدهر قبرك حوب # فإنك تلقاه عليك حسيب # وقال آخر [الوافر] # 1736- وإن مهاجرين تكنفاه # غداتئذ لقد خطئا وحابا # والحوبة: المرة الواحدة، والحوبة: الحاجة، ومنه في الدعاء " ~~إليك أرفع حوبتي " ، وأوقع الله الحوبة، و " تحوب فلان " ~~إذا خرج من الحوب كتحرج وتأثم، والتضعيف للسلب، و " ~~الحوأب " بهمزة بعد الواو المكان الواسع والحوب الحاجة، يقال: ألحق ~~الله به الحوبة، أي: [المسألة] والحاجة، والمسكنة ومنه قولهم باب ~~بحيبة سوء، وأصل الياء الواو، وتحوب فلان أي: تعبد وألقى الحوب عن ~~نفسه، والتحوب أيضا التحزن، وهو أيضا الصياح الشديد كالزجر. ### || [4.3] # قوله: { وإن خفتم } شرط، وفي جوابه وجهان: # أحدهما: أنه قوله: { فانكحوا } وذلك أنهم كانوا يتزوجون الثمان، ~~والعشر، ولا يقومون بحقوقهن، فلما نزلت { ولا تأكلوا ~~أموالهم } أخذوا يتحرجون من ولاية اليتامى، فقيل لهم: إن خفتم ~~من الجور في حقوق اليتامى فخافوا أيضا من الجور في حقوق النساء، ~~فانكحوا هذا العدد؛ لأن الكثرة تفضي إلى الجور، ولا تنفع التوبة ~~من ذنب مع ارتكاب مثله. # والثاني: أن جوابه قوله: " فواحدة " ، والمعنى أن الرجل منهم كان ~~يتزوج اليتيمة التي في ولايته، فلما نزلت الآية المتضمنة للوعيد على أكل ~~مال اليتيم تحرجوا من ذلك، فقيل لهم: إن خفتم من نكاح النساء اليتامى ~~فانكحوا ما طاب لكم من [النساء مثنى وثلاث ورباع من] الأجنبيات أي: ~~اللاتي لسن تحت ولايتكم، فعلى هذا يحتاج إلى تقدير مضاف، أي: في نكاح ~~يتامى النساء. # فإن قيل: " فواحدة " جواب لقوله: { فإن خفتم ألا تعدلوا ~~فواحدة } فكيف يكون جوابا للأول؛ فالجواب: أنه أعاد الشرط ~~الثاني لأنه كالأول في المعنى، لما طال الفصل بين الأول وجوابه وفيه نظر ~~لا يخفى. والخوف هنا على بابه فالمراد به الحذر. # وقال أبو عبيدة إنه بمعنى اليقين وأنشد الشاعر: [الطويل] # 1737- فقلت لهم خافوا بألفي مدجج # سراتهم في الفارسي المسرد # أي: أيقنوا، وقد تقدم تحقيق ذلك والرد عليه عند قوله ~~تعالى: # إلا أن يخافآ ألا يقيما ms2386 حدود الله # [البقرة: 229]. # قوله: { ألا تقسطوا } إن قدرت أنها على حذف حرف الجر، أي: ~~" من أن لا " ففيها الخلاف المشهور أي: في محل نصب [أو جر، وإن لم ~~تقدر ذلك بل وصل الفعل إليها بنفسه، كأنك قلت: " فإن حذرتم " فهي ~~في محل نصب] فقط كما تقدم في البقرة. # وقرا الجمهور: " تقسطوا " بضم التاء، من أقسط: إذا عدل، فتكون لا على ~~هذه القراءة نافية، والتقدير: وإن خفتم عدم الإقساط أي: العدل. # وقرأ إبراهيم النخعي: ويحيى بن وثاب بفتحها من " قسط " وفيها تأويلان: # أحدهما: أن " قسط " بمعنى " جار " ، وهذا هو المشهور في اللغة، أعني ~~أن الرباعي بمعنى عدل، والثلاثي بمعنى جار، وكأن الهمزة فيه ~~للسلب بمعنى " أقسط " أي: أزال القسط وهو الجور، و " لا " على هذا ~~القول زائدة ليس إلا، وإلا يفسد المعنى كهي في قوله: # لئلا يعلم أهل الكتاب # [الحديد:29]. # والثاني: حكى الزجاج أن " قسط " الثلاثي يستعمل استعمال " أقسط " ~~الرباعي، فعلى هذا تكون " لا " غير زائدة، كهي في القراءة الشهيرة؛ إلا ~~أن التفرقة هي المعروفة لغة. # قالوا: قاسطته إذا غلبته على قسطه، فبنوا " قسط " على بناء ~~ظلم وجار وغلب. # وقال الراغب: " القسط " أن يأخذ قسط غيره، وذلك جور، وأقسط ~~غيره، والإقساط أن يعطي قسط غيره، وذلك إنصاف، ولذلك يقال: ~~قسط الرجل إذا جار، وأقسط إذا عدل، قال تعالى: # وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا # [الجن: 15]. # [وقال تعالى: # وأقسطوا إن الله يحب المقسطين # [الحجرات: 9]. # وحكي أن الحجاج لما أحضر سعيد بن جبير، قال له: ما تقول في؟ ~~قال: " قاسط عادل " فأعجب الحاضرون، فقال لهم الحجاج: ويلكم لم تفهموا ~~عنه إنه جعلني جائرا كافرا، ألم تسمعوا قوله تعالى: # وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا # [الجن: 15]. وقال تعالى: # ثم الذين كفروا بربهم يعدلون # [الأنعام:1] وقد تقدم الكلام على هذه المادة من قوله: # قآئما بالقسط # [آل عمران: 18]. # قوله: { ما طاب } في " ما " هذه أوجه: # أحدها: أنها بمعنى الذي وذلك عند من يرى أن " ما " تكون للعاقل، وهي ~~مسألة مشهورة، وذلك أن " ما " و " من " وهما يتعاقبان، قال ms2387 تعالى: # والسمآء وما بناها # [الشمس: 5] وقال: # ولا أنتم عابدون مآ أعبد # [الكافرون: 3] وقال # فمنهم من يمشي على بطنه # [النور: 45]. # وحكى أبو عمرو بن العلاء: سبحان من سبح الرعد بحمده. # وقال بعضهم: نزل الإناث منزلة غير العقلاء كقوله: # إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم # [المؤمنون: 6]. # قال بعضهم: وحسن وقوعها هنا أنها واقعة على النساء، وهن ناقصات ~~العقول. وبعضهم يقول: هي لصفات من يعقل. # وبعضهم يقول: لنوع من يعقل كأنه قيل: النوع الطيب من النساء، وهي عبارات ~~متقاربة. فلذلك لم نعدها أوجها. # الثاني: أنها نكرة موصوفة، أي: أنكحوا جنسا طيبا أو عددا ~~طيبا. # الثالث: أنها مصدرية، وذلك المصدر واقع موقع اسم الفاعل، تقديره: ~~فانحكوا [الطيب. # وقال أبو حيان: والمصدر مقدر هنا باسم الفاعل، والمعنى فانكحوا] النكاح ~~الذي طاب لكم. والأول أظهر. # الرابع: أنها ظرفية تستلزم المصدرية، والتقدير: فانحكوا ما طاب مدة ~~يطيب فيها النكاح لكم. إذا تقرر هذا، فإن قلنا: إنها موصولة اسمية أو ~~نكرة موصوفة، أو مصدرية، والمصدر واقع اسم الفاعل كانت " ما " مفعولا ~~ب " انكحوا " ويكون " من النساء " فيه وجهان: # أحدهما: أنها لبيان الجنس المبهم في " ما " عند من يثبت لها ذلك. # والثاني: أنها تبغيضية، أي: بعض النساء، وتتعلق بمحذوف على أنها حال من ~~" ما طاب " وإن قلنا: إنها مصدرية ظرفية محضة، ولم يوقع المصدر موقع اسم ~~فاعل كما قال أبو حيان كان مفعول " فانكحوا " قوله " من النساء " نحو ~~قولك: أكلت من الرغيف، وشربت من العسل أي: شيئا من الرغيف وشيئا من ~~العسل. # فإن قيل: لم لا يجعل على هذا " مثنى " وما بعدها هو مفعول " فانكحوا " ~~أي: فانكحوا هذا العدد؟. # فالجواب أن هذه الألفاظ المعدولة لا تلي العوامل. # وقرأ ابن أبي عبلة " من طاب " وهو يرجح كون " ما " بمعنى الذي ~~للعاقل، وفي مصحف أبي بن كعب بالياء، وهذا ليس بمبني للمفعول؛ لأنه قاصر، ~~وإنما كتب كذلك دلالة على الإمالة وهي قراءة حمزة. # فصل # اختلف المفسرون في كيفية تعلق هذا الجزاء بهذا الشرط فروى عروة قال: قلت ~~لعائشة: ما معنى ms2388 قول الله تعالى { فانكحوا ما طاب لكم من ~~النسآء } { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى }. ~~فقالت: يا ابن أخي هي اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في مالها ~~وجمالها، إلا أنه يريد أن ينكحها بأدنى من صداقها، ثم إذا تزوج بها ~~عاملها معاملة رديئة لعلمه بأنه ليس لها من يذب عنها ويدفع شر ذلك ~~الزوج عنها، فقال تعالى: { وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى } فانكحوا ~~من غيرهن ما طاب لكم من النساء، قالت عائشة - رضي الله عنها - ثم إن ~~الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فيهن، فأنزل ~~الله تعالى: # ويستفتونك في النسآء قل الله يفتيكم فيهن ~~وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النسآء ~~اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن # [النساء: 127] فالمراد منه هذه الآية، وهن قوله { وإن خفتم ألا تقسطوا ~~في اليتامى }. # وقيل: لما نزلت هذه الآية المتقدمة في اليتامى وأكل أموالهم خاف ~~الأولياء من لحوق الحوب بترك الإقساط في حقوق اليتامى فتحرجوا من ~~أموالهم، وكان الرجل منهم ربما كان عنده العشرة من الأزواج أو أكثر، ولا ~~يقوم بحقوقهن في العدل. فقيل لهم: إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى ~~فتحرجتم منها، فكونوا خائفين من ترك العدل في النساء، فقللوا عدد ~~المنكوحات؛ لأن من تحرج من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكب مثله، فكأنه لم ~~يتحرج، وهذا قول سعيد بن جبير، وقتادة والضحاك والسدي. # وقيل: لما تحرجوا من ولاية اليتامى فقيل: إن خفتم في حق اليتامى فكونوا ~~خائفين من الزنا، فانكحوا ما حل لكم من النساء ولا تحوموا حول المحرمات، ~~قاله مجاهد. # وقال عكرمة: هو الرجل عنده النسوة ويكون عند الأيتام، فإذا أنفق ماله ~~على النسوة، وصار محتاجا أخذ في إنفاق أموال اليتامى عليهن، فقال تعالى: ~~{ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى } عند كثرة ~~الزوجات فقد حرمت عليكم [نكاح] أكثر من أربع ليزول هذا الخوف، وهذه رواية ~~لطاوس عن ابن عباس. # فصل # قال الواحدي والزمخشري: قوله: { ما طاب لكم } أي ما حل لكم ms2389 من ~~النساء لأن منهن من يحرم نكاحها وهي الأنواع المذكورة في قوله: # حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم # [النساء: 23]. # قال ابن الخطيب: وهذا فيه نظر؛ لأن قوله: { فانكحوا ما طاب ~~لكم } هو أمر إباحة، فلو كان المراد ما حل لكم لنزلت الآية منزلة ~~قوله، أبحنا لكم نكاح من يكون نكاحها مباحا لكم، وذلك يخرج ~~الآية من الفائدة، وأيضا على التقدير الذي ذكره تصير الآية مجملة؛ لأن ~~أسباب الحل والإباحة لما لم تذكر في هذه الآية صارت مجملة ~~لا محالة، وإذا حملنا الطيب على استطابة النفس وميل القلب كانت الآية ~~عامة دخلها التخصيص، وقد ثبت في أصول الفقه أنه متى وقع التعارض بين ~~التخصيص والإجمال كان رفع الإجمال أولى؛ لأن العام المخصوص حجة في غير ~~محل التخصيص، والمجمل لا يكون حجة أصلا. # قوله " مثنى " منصوب على الحال من " طاب " وجعله أبو البقاء حالا ~~من " النساء " فأجاز هو وابن عطية أن يكون بدلا من " ما " وهذان الوجهان ~~[ضعيفان]. # أما الأول: فلأن المحدث عنه إنما هو الموصول وأتى بقوله { ~~النسآء } كالتبيين. # وأما الثاني: فلأن البدل على نية تكرار العامل، وقد تقدم أن هذه ~~الألفاظ لا تباشر العوامل. # واعلم أن هذه الألفاظ المعدولة فيها خلاف، وهل يجوز فيها القياس أم ~~يقتصر فيها على السماع؟ قولان: # قول البصريين: عدم القياس. # وقول الكوفيين وأبي إسحاق: جوازه. # والمسموع [من ذلك] أحد عشر لفظا: أحاد، وموحد، وثناء، ~~ومثنى، وثلاث، ومثلث، ورباع، ومربع، ولم يسمع خماس ~~ومخمس، وعشار ومعشر. # واختلفوا أيضا في صرفها وعدمه، وجمهور النحاة على منعه، وأجاز ~~الفراء صرفها، وإن كان المنع عنده أولى. # واختلفوا أيضا في سبب منع الصرف فيها على أربعة مذاهب: # أحدها: مذهب سيبويه، وهو أنها منعت من الصرف للعدل والوصف أما ~~الوصف فظاهر، وأما العدل فلكونها معدولة من صيغة إلى صيغة وذلك أنها ~~معدولة عن عدد مكرر. # فإذا قلت: جاء القوم أحاد أو موحد أو ثلاث أو مثلث، كان ~~بمنزلة قولك: جاءوا واحدا واحدا وثلاثة ثلاثة، ولا يراد ~~بالمعدول عنه التوكيد، إنما يراد به تكرار ms2390 العدد لقولهم: علمته الحساب ~~بابا بابا. # والثاني: مذهب الفراء، وهو العدل والتعريف بنية الألف واللام ولذلك ~~يمتنع إضافتها عنده لتقدير الألف واللام، وامتنع ظهور الألف واللام عنده ~~لأنها في نية الإضافة. # الثالث: مذهب أبي إسحاق: وهو عدلها عن عدد مكرر وعدلها عن التأنيث. # والرابع: نقله الأخفش عن بعضهم، أنه تكرار العدل، وذلك أنه عدل ~~عن لفظ اثنين اثنين، وعن معناه؛ لأنه قد لا يستعمل في موضع تستعمل فيه ~~الأعداد في المعدولة بقوله: جاءني اثنان وثلاثة، ولا تقول: " جاءني ~~مثنى وثلاث " حتى يتقدم قبله جمع؛ لأن هذا الباب جعل بيانا لترتيب ~~الفعل، فإذا قلت: " جاء القوم مثنى " ، أفاد أن مجيئهم وقع ~~من اثنين اثنين، بخلاف غير المعدولة، فإنها تفيد الإخبار عن مقدار ~~المعدود دون غيره؛ فقد بان بما ذكرنا اختلافهما في المعنى فلذلك جاز ~~أن تقوم العلة مقام العلتين لإيجابهما حكمين مختلفين - انتهى. # وقال الزمخشري: " إنما منعت الصرف لما فيها من العدلين؛ عدلها من ~~صيغتها، وعدلها عن تكررها، وهن نكرات يعرفن بلام التعريف، يقال: ~~فلان ينكح المثنى والثلاث ". # قال أبو حيان: " ما ذهب إليه من امتناعها لذلك لا أعلم أحدا قاله، بل ~~المذهب فيه أربعة " ذكرها كما تقدم، وقد يقال: إن هذا هو المذهب الرابع ~~وعبر عن العدل في المعنى بعدلها عن تكررها وناقشه [أبو حيان] أيضا في ~~مثاله بقوله: ينكح المثنى من وجهين: # أحدهما: دخول " أل " عليها، قال: " وهذا لم يذهب إليه أحد بل لم ~~تستعمل في لسان العرب إلا نكرات " , # الثاني: أنه أولاها العوامل، ولا تلي العوامل بل يتقدمها شيء يلي ~~العوامل، ولا تقع إلا أخبارا كقوله عليه السلام: # " صلاة الليل مثنى مثنى " # أو أحوالا كهذه الآية الكريمة أو صفات نحو قوله تعالى: # أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع # [فاطر: 1] وقوله: [الطويل] # 1738-........................... # ذئاب تبغى الناس مثنى وموحد # وقد وقعت إضافتها قليلا كقوله: [الطويل] # 1739-........................ # بمثنى الزقاق المترعات وبالجزر # وقد استدل بعضهم على إيلائها العوامل على قلة بقوله: [الوافر] # 1740- ضربت خماس ضربة عبشمي # أذار سداس ألا يستقيما # ويمكن تأويله على حذف المفعول ms2391 لفهم المعنى تقديره: ضربتهم خماس. # ومن أحكام هذه الألفاظ ألا تؤنث بالتاء، لا تقول: " مثناة " ولا " ~~ثلاثة " بل تجري على المذكر والمؤنث جريانا واحدا. # وقرأ النخعي وابن وثاب " وربع " من غير ألف، وزاد الزمخشري عن ~~النخعي: " وثلث " أيضا، وغيره عنه " ثنى " مقصورا من " ثناء " ~~حذفوا الألف من ذلك كله تحقيقا، كما حذفها الآخر في قوله: [الرجز] # 1741-..................... # يريد باردا وصليانا بردا # فصل # معنى قوله: { مثنى وثلاث ورباع } أي اثنين اثنين وثلاثا ~~ثلاثا وأربعا أربعا، والواو بمعنى " أو " للتخيير كقوله تعالى: # أن تقوموا لله مثنى وفرادى # [سبأ: 46] وقوله: # أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع # [فاطر: 1] وأجمعت الأمة على أنه لا يجوز لأحد أن يتزوج أكثر من أربع ~~نسوة، وكانت الزيادة من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم. # فصل # ذهب أكثر الفقهاء إلى أن قوله تعالى: { فانكحوا ما طاب لكم ~~} لا يتناول العبد؛ لأن الخطاب إنما يتناول إنسانا متى طلب امرأة قدر ~~على نكاحها، والعبد ليس كذلك؛ لأنه لا يتمكن من النكاح إلا بإذن مولاه ~~لقوله تعالى: # عبدا مملوكا لا يقدر على شيء # [النحل: 75]، فينفي كونه مستقلا بالنكاح. # وقال عليه السلام: # " أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر ". # وقال مالك: يجوز للعبد أن يتزوج أربعا لظاهر الآية. # وأجيب بأن قوله تعالى بعد هذه الآية: { فإن خفتم ألا ~~تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم } مختص ~~بالأحرار؛ لأن العبد لا ملك له، وبقوله تعالى: # فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا ~~مريئا # [النساء: 4] والعبد لا يأكل ما طابت عنه نفس امرأته من المهر، بل يكون ~~لسيده. # قال مالك: إذا ورد عمومان مستقلان فدخول التقييد في الآخر لا يوجب دخوله ~~في السابق. # وأجيب بأن هذه الخطابات وردت متوالية على نسق واحد، فلما ذكر في بعضها ~~الأحرار علم أن الكل كذلك. # فصل # ذهبت طائفة فقالوا: يجوز التزويج بأي عدد شاء، واحتجوا بالقرآن والخبر، ~~أما القرآن فتمسكوا بهذه الآية من ثلاثة أوجه: # الأول: أن قوله { فانكحوا ما طاب لكم من النسآء } ~~إطلاق في جميع الأعداد، بدليل ms2392 أنه لا عدد إلا ويصح استثناؤه منه. # وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل. # الثاني: أن قوله: { مثنى وثلاث ورباع } لا يصلح مخصصا لذلك العموم؛ لأن ~~تخصيص بعض الأعداد يدخل على رفع الحرج؛ والحجر مطلقا، فإن الإنسان إذا ~~قال لولده: افعل ما شئت، اذهب إلى السوق وإلى المدرسة، وإلى البستان، لم ~~يكن تنصيصا للإذن بتلك الأشياء المذكورة فقط، بل يكون ذلك إذنا في ~~المذكور، وغيره، هكذا هنا. # الثالث: أن الواو للجمع المطلق، فقوله تعالى: { مثنى وثلاث ~~ورباع } لا يدخل هذا المجموع، وهو تسعة، بل يفيد ثمانية عشر؛ لأن ~~قوله مثنى ليس عبارة عن اثنين فقط، بل عن اثنين اثنين، وكذا البقية. # وأما الخبر فمن وجهين: # الأول: أنه ثبت بالتواتر أنه عليه الصلاة والسلام مات عن تسع، وأمرنا ~~الله باتباعه بقوله تعالى: # فاتبعوه # [الأنعام: 153] وأقل [مراتب] الأمر الإباحة. # الثاني: أن التزويج بأكثر من أربع طريقه عليه الصلاة والسلام، فيكون ~~سنة له. # وقال عليه الصلاة والسلام: # " النكاح سنتي وسنة الأنبياء من قبلي، فمن ~~رغب عن سنتي فليس مني " # وهذا يقتضي الذم لمن ترك التزويج بأكثر من أربع، فلا أقل من أن يثبت أصل ~~الجواز. # أجاب القدماء بما روي # " أن غيلان أسلم وتحته عشر نسوة فقال له عليه الصلاة والسلام: " ~~أمسك أربعا وفارق باقيهن " # وهذا ضعيف من وجهين: # الأول: أن هذا نسخ للقرآن بخبر الواحد، وذلك لا يجوز. # الثاني: أن هذه واقعة حال، فلعله عليه الصلاة والسلام إنما أمره ~~بإرسال أربع ومفارقة البواقي؛ لأن الجمع بين الأربع وبين البواقي غير ~~جائز، إما لنسب أو رضاع، أو اختلاف دين محرم، وإذا قام الاحتمال فلا ~~يمكن نسخ القرآن إلا بمثله. # واستدلوا أيضا بإجماع فقهاء الأمصار على أنه لا يجوز الزيادة على ~~الأربع، وهذا أيضا فيه نظر من وجهين: # أحدهما: أن الإجماع لا ينسخ به فكيف يقال: الإجماع نسخ هذه ~~الآية؟ # الثاني: أن هؤلاء الذين قالوا بجواز الزيادة على الأربع من جملة فقهاء ~~الأمصار، والإجماع لا ينعقد مع مخالفة الواحد والاثنين. # وأجيب عن الأول بأن الإجماع يكشف ms2393 عن حصول الناسخ في زمن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وعن الثاني أن هذا المخالف من أهل البدعة، فلا عبرة بمخالفته. # فإن قيل: إذا كان الأمر على ما قلتم فكان الأولى أن يقال: " مثنى أو ~~ثلاث أو رباع " فلم جاء بواو العطف [دون " أو " ]. # فالجواب: أنه لو جاء بالعطف ب " أو " لكان يقتضي أنه يجوز ذلك إلا أحد ~~هذه الأقسام، وألا يجوز لهم أن يجمعوا بين هذه الأقسام، بمعنى أن بعضهم ~~يأتي بالتثنية، وبعضهم بالتثليث، والفريق الثالث بالتربيع، فلما ذكره ~~بحرف الواو أفاد ذلك أنه يجوز لكل طائفة أن يختاروا قسما من هذه ~~الأقسام، ونظيره أن يقال للجماعة: اقتسموا هذا المال وهو ألف، درهمين ~~درهمين، وثلاثة ثلاثة، ولطائفة ثالثة أن يأخذوا أربعة أربعة، فكذا هاهنا ~~في ترك " أو " وذكر الواو. # فصل # قال مالك والشافعي - رحمهما الله تعالى - " إذا تزوج خامسة وعنده أربع ~~عليه الحد إن كان عالما ". # وقال الزهري: " يرجم إذا كان عالما، وإذا كان جاهلا عليه أدنى ~~الحدين، الذي هو الجلد وهو مهرها، ويفرق بينهما ولا يجتمعان أبدا ". # وقال النعمان: " لا حد عيه في شيء من ذلك ". # وقالت طائفة: " يحد في ذات المحرم، ولا يحد في غير ذلك من النكاح، ~~مثل أن يتزوج مجوسية، أو خمسا في عقد، أو تزوج معتدة، أو بغير شهود، أو ~~[تزوج] أمة بغير إذن مولاها ". # قوله: { فإن خفتم } شرط، جوابه " فواحدة " ، وقد تقدم أن منهم ~~من جعل " فواحدة " جوابا للأول وكرر الثاني لما طال الفصل، وجعل قوله: ~~{ فانكحوا } جملة اعتراض، ويعزى لأبي علي، ولعله لا يصح عنه. # قال أبو حيان: إذا أنتج من الآيتين هذه وقوله: # ولن تستطيعوا # [النساء: 129] ما أنتج [من] الدلالة اقتضى أنه لا يجوز أن يتزوج غير ~~واحدة، أو يتسرى بما ملكت يمينه، ويبقى الفصل بجملة الاعتراض لا فائدة ~~له، بل يكون لغوا على زعمه. # والجمهور على نصب " فواحدة " بإضمار فعل أي: فانكحوا واحدة وطؤوا ما ~~ملكت أيمانكم، وإنما قدرنا ناصبا آخر لملك اليمين؛ لأن النكاح لا يقع ~~في ملك اليمين، ms2394 إلا أن يريد به الوطء في هذا، والتزويج في الأول، فيلزم ~~استعمال المشترك في معنيين أو الجمع بين الحقيقة والمجاز، وكلاهما مقول ~~به، وهذا قريب من قوله: [الرجز] # 1742- علفتها تبنا وماء باردا # .............................. # وبابه. # وقرأ الحسن وأبو جعفر: " فواحدة " بالرفع، وفيه ثلاثة أوجه: # أحدها: الرفع بالابتداء، وسوغ الابتداء بالنكرة اعتمادها على فاء ~~الجزاء، والخبر محذوف أي: فواحدة كافية. # الثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف أي فالمقنع واحدة. # الثالث: أنه فاعل بفعل مقدر أي: فيكفي واحدة. # و " أو " على بابها من كونها للإباحة أو التخيير. و " ما ملكت " كهي [في ~~قوله]: " ما طاب " [فإن قيل: المالك هو نفسه لا يمينه، فلم] أضاف ~~الملك لليمين [فالجواب] لأنها محل المحاسن، وبها تتلقى رايات ~~المجد. # وروي عن أبي عمرو: " فما ملكت أيمانكم " ، والمعنى: إن لم يعدل في ~~عشرة واحدة فما ملكت يمينه. # وقرأ ابن أبي عبلة " أو من ملكت أيمانكم ". # ومعنى الآية: إن خفتم ألا تعدلوا بين هذه الأعداد كما خفتم ترك العدل ~~فيما فوقها فاكتفوا بزوجة واحدة، أو بالمملوكة. # قوله: " ذلك أدنى " مبتدأ وخبر، و " ذلك " إشارة إلى اختيار الواحدة أو ~~التسري. # و " أدنى " أفعل تفضيل من دنا يدنو أي: قرب إلى عدم العول. # قال أبو العباس المقرئ: " ورد لفظ أدنى في القرآن على وجهين: # الأول: بمعنى أحرى قال تعالى: { ذلك أدنى ألا تعولوا }. # والثاني: بمعنى " دون " قال تعالى: # أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير # [البقرة: 61] يعني الرديء بالجيد ". # قوله تعالى: { ألا تعولوا } في محل نصب أو جر على الخلاف ~~المشهور في " أن " بعد حذف حرف الجر، وفي ذلك الحرف المحذوف ثلاثة أوجه: # أحدها: " إلى " أي: أدنى إلى ألا تعولوا. # والثاني: " اللام " والتقدير: أدنى لئلا تعولوا. # والثالث: وقدره الزمخشري من ألا تميلوا؛ لأن أفعل التفضيل يجري مجرى ~~فعله، فما تعدى به فعله [تعدى] هو به، وأدنى من " دنا " و " دنا " يتعدى ~~ب " إلى " و " اللام " ، و " من " تقول: دنوت إليه، وله، ومنه. # وقرأ الجمهور: " تعولوا " من عال يعول إذا مال وجار، والمصدر العول ~~والعيالة، ms2395 وعال الحاكم أي: جار. # حكي أن أعرابيا حكم عليه حاكم فقال له: أتعول علي. # وقال أبو طالب في النبي عليه السلام [الطويل] # 1743-............................ # له حاكم من نفسه غير عائل # وروي عن عائشة - رضي الله عنها - مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~في قوله: { ذلك أدنى ألا تعولوا } [النساء: 3] قال: # " لا تجوروا ". # وفي رواية أخرى # " ألا تميلوا ". # قال الواحدي رحمه الله: " كلا اللفظين مروي؛ وعال الرجل عياله ~~يعولهم إذا مانهم من المؤونة ومنه أبدأ بنفسك ثم بمن ~~تعول ". # وحكى ابن الأعرابي: عال الرجل يعول: كثر عياله، وعال يعيل افتقر ~~وصار له عائلة، والحاصل أن " عال " يكون لازما ومتعديا، فاللازم يكون ~~بمعنى: مال وجار، والمتعدي ومنه " عال الميزان ". # قال أبو طالب: [الطويل] # 1744- بميزان قسط لا يغل شعيرة # ووزان صدق وزنه غير عائل # وعالت الفريضة إذا زادت سهامها، ومعنى كثر عياله، وبمعنى تفاقم الأمر، ~~والمضارع من هذا كله يعول، وعال الرجل افتقر، وعال في الأرض: ذهب ~~فيها، والمضارع من هذين يعيل، والمتعدي يكون بمعنى أثقل، وبمعنى مان ~~من المؤونة، وبمعنى غلب ومنه " عيل صبري " ، ومضارع هذا كله يعول، ~~وبمعنى أعجز، تقول: أعجزني الأمر، ومضارع هذا يعيل، والمصدر " عيل " ~~و " معيل " ، فقد تلخص من هذا أن " عال " اللازم يكون تارة من ذوات ~~الواو، وتارة من ذوات الياء، باختلاف المعنى، وكذلك عال المتعدي أيضا. ~~ومنه: [الطويل] # 1745- ووزان صدق وزنه غير عائل # وفسر الشافعي رحمه الله { تعولوا } بمعنى يكثر عيالكم. # ورد هذا القول جماعة كأبي بكر بن داود الرازي والزجاج وصاحب النظم. # قال الرازي: " هذا غلط من جهة المعنى واللفظ، أما المعنى فلإباحة ~~السراري صح أنه مظنة كثرة العيال كالتزويج، وأما اللفظ؛ فلأن مادة عال ~~بمعنى كثر عياله من ذوات الياء؛ لأنه من العيلة، وأما عال بمعنى " ~~جار " فمن ذوات الواو، واختلفت المادتان، وأيضا فقد خالف المفسرين ". # وقال صاحب النظم: قال أولا " ألا تعدلوا " فوجب أن يكون ضده الجور. # وأجيب عن الأول وهو أن التسري أيضا يكثر معه العيال، مع أنه مباح ~~ممنوع؛ لأن الأمة ليست ms2396 كالزوجة؛ لأنه يعزل عنها بغير إذنها، ويؤجرها ~~ويأخذ أجرتها ينفقها عليه وعلى أولاده وعليها. # قال الزمخشري: " وجهه أن يجعل من قولك: عال الرجل عياله يعولهم ~~كقولك: مانهم يمونهم أي: أنفق عليهم؛ لأن من كثر عياله لزمه أن ~~يعولهم، وفي ذلك ما يصعب عليه المحافظة من كسب الحلال والأخذ من طيب ~~الرزق " ثم أثنى على الشافعي ثناء جميلا، وقال: ولكن للعلماء طرق ~~وأساليب، فسلك في تفسير هذه الآية مسلك الكنايات، انتهى. # وأما قولهم: " خالف المفسرين " فليس بصحيح، بل قاله زيد بن أسلم وابن ~~زيد. # وأما قولهم: " اختلفت المادتان " فليس بصحيح أيضا؛ لأنه قد تقدم ~~حكاية ابن الأعرابي عن العرب: عال الرجل يعول كثر عياله، وحكاها ~~الكسائي أيضا قال: يقال: عال الرجل يعول، وأعال يعيل كثر ~~عياله. # قال أبو حاتم: كان الشافعي أعلم بلسان العرب منا، ولعله ~~لغة، ويقال: هي لغة " حمير " ونقلها أيضا الدوري المقرئ لغة ~~عن حمير وأنشد [الوافر]: # 1746- وإن الموت يأخذ كل حي # بلا شك وإن أمشى وعالا # أمشى: كثرت ماشيته، وعال كثر عياله، ولا حجة في هذا؛ لاحتمال أن ~~يكون " عال " من ذوات الياء، وهم لا ينكرون أن " عال " يكون ~~بمعنى كثر عياله، وروي عنه أيضا أنه فسر تعولوا بمعنى ~~تفتقروا، ولا يريد به أن " تعولوا " وتعيلوا بمعنى، بل قصد ~~الكناية أيضا؛ لأن كثرة العيال سبب للفقر. # وقرأ طلحة: " تعيلوا " بفتح تاء المضارعة من عال يعيل افتقر قال: ~~[الوافر] # 1747- فما يدري الفقير متى غناه # وما يدري الغني متى يعيل # وقرأ طاوس: " تعيلوا " بضمها من أعال: كثر عياله، وهي تعضد ~~تفسير الشافعي المتقدم من حيث المعنى. # وقال الراغب: عاله، وغاله يتقاربان، لكن الغول: فيما يهلك ~~والعول فيما يثقل. ### || [4.4] # مفعول ثان، وهي جمع " صدقة " بفتح الصاد وضم الدال بزنة " ~~سمرة " ، والمراد بها: المهر وهذه هي القراءة المشهورة، وهي لغة ~~الحجاز. # وقرأ قتادة: " صدقاتهن " بضم الصاد وإسكان الدال، جمع ~~صدقة بزنة غرفة. # وقرأ مجاهد وابن أبي عبلة بضمهما وهي جمع صدقة بضم الصاد والدال، وهي ~~تثقيل الساكنة الدال للاتباع. # وقرأ ms2397 ابن وثاب والنخعي " صدقتهن " بضمهما مع الإفراد. # قال الزمخشري وهي تثقيل صدقة كقولهم في " ظلمة " " ظلمة " ، ~~وقد تقدم الخلاف، هل يجوز تثقيل الساكن المضموم الفاء؟ # وقرئ: " صدقاتهن " بفتح الصاد وإسكان الدال وهي تخفيف القراءة ~~المشهورة، كقولهم في عضد: عضد. # قال الواحدي: ولفظ الصاد والدال والقاف موضوع للكمال والصحة، ~~يسمى المهر صداقا وصدقة وذلك لأن عقد النكاح به يتم. # وفي نصب " نحلة " أربعة أوجه: # أحدها: أنها منصوبة على المصدر، والعامل فيها الفعل قبلها؛ لأن " ~~آتوهن " بمعنى انحلوهن، فهي مصدر على غير الصدر نحو: " قعدت جلوسا ~~". # الثاني: أنها مصدر واقع موقع الحال، وفي صاحب الحال ثلاثة احتمالات: # أحدها: أنه الفاعل من " فآتوهن " أي: فآتوهن ناحلين. # الثاني: أنه المفعول الأول وهو: النساء. # الثالث: أنه المفعول الثاني وهو " صدقاتهن ". أي: منحولات. # الوجه الثالث: أنها مفعول من أجله، إذا فسرت بمعنى: شرعة. # الوجه الرابع: انتصابها بإضمار فعل بمعنى: شرع أي: نحل الله ذلك ~~نحلة، أي: شرعة شرعة ودينا. # والنحلة العطية عن طيب النفس، والنحلة: ~~الشرعة، ومنه: نحلة الإسلام خير النحل، وفلان ينتحل بكذا: أي ~~يدين به، والنحلة: الفريضة. # قال الراغب: والنحلة والنحلة: العطية على سبيل التبرع، ~~وهي أخص من الهبة، إذ كل هبة نحلة من غير عكس، واشتقاقه فيما أرى ~~من النحل، نظرا منه إلى فعله، فكأن " نحلته " أعطيته ~~عطية النحل، ثم قال: ويجوز أن تكون النحلة أصلا فسمى ~~النحل بذلك اعتبارا بفعله. # وقال الزمخشري: من نحله كذا أي: أعطاه إياه ووهبه له عن طيب ~~نفسه، نحلة ونحلا، ومنه حديث أبي بكر - رضي الله عنه -: " ~~إني نحلتك جداد عشرين وسقا ". # قال القفال: وأصله إضافة الشيء إلى غير من هو له، يقال: هذا شعر ~~منحول، أي: مضاف إلى غير قائله، وانتحلت كذا إذا ادعيته ~~وأضفته إلى نفسك. # فصل من المقصود بالخطاب في الآية # في هذا الخطاب قولان: # أحدهما: أنه " لأولياء " [النساء]؛ لأن العرب كانت في الجاهلية لا ~~تعطي النساء من مهورهن شيئا، وكذلك كانوا يقولون لمن ولدت له بنت: ~~هنيئا لك النافجة، ومعناه: أنك تأخذ مهرها ms2398 إبلا فتضمها إلى ~~إبلك فتنفج مالك أي: تعظمه، وقال ابن الأعرابي: النافجة ما يأخذه ~~الرجل من الحلوان إذا زوج ابنته، فنهى الله عن ذلك، وأمر بدفع ~~الحق إلى أهله، وهذا قول الكلبي وأبي صالح واختيار الفراء وابن ~~قتيبة. # وقال الحضرمي: وكان أولياء النساء يعطى هذا أخته على أن يعطيه ~~الآخر أخته، ولا مهر بينهما، فنهوا عن ذلك، # " ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشغار " # وهو أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته، ولا صداق ~~بينهما. # الثاني: أن الخطاب للأزواج، أمروا بإيفاء مهور النساء، وهذا قول ~~علقمة، والنخعي وقتادة، واختيار الزجاج، لأنه لا ذكر للأولياء ها ~~هنا، والخطاب قبله للأزواج. # قال قتادة: نحله فريضة. # وقال ابن جريج: فريضة مسماة. # قال أبو عبيدة: لا تكون النحلة إلا مسماة ومعلومة. قال ~~القفال: يحتمل أن يكون المراد من الإيتاء المناولة، ويحتمل أن يكون ~~المراد منه الالتزام كقوله تعالى: # حتى يعطوا الجزية عن يد # [التوبة: 29] أي: يضمنوها ويلتزموها، فعلى الأول المراد دفع المسمى، ~~وعلى الثاني أن المراد بيان أن الفروج لا تستباح إلا بعوض يلتزم سواء ~~سمي أو لم يسم، إلا ما خص به النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الموهوبة. # قوله: { فإن طبن لكم منه } " منه " في محل جر؛ لأنه صفة ل " شيء " ~~فيتعلق بمحذوف أي: عن شيء كائن منه. # و " من " فيها وجهان: # أحدهما: أنها للتبعيض، ولذلك لا يجوز لها أن تهبه كل الصداق، ~~وإليه ذهب الليث. # والثاني: أنها للبيان، ولذلك يجوز أن تهبه كل الصداق. # قال ابن عطية: و " من " لبيان الجنس ها هنا ولذلك يجوز أن تهب المهر ~~كله، ولو [وقعت] على التبعيض لما جاز ذلك انتهى. # وقد تقدم أن الليث يمنع ذلك، ولا يشكل كونها للتبعيض، وفي هذا ~~الضمير أقوال: # أحدها: أنه يعود على الصداق المدلول عليه ب { صدقاتهن }. # الثاني: أنه يعود على " الصدقات " لسد الواحد مسدها، لو قيل: ~~صداقهن لم يختل المعنى، وهو شبيه بقولهم: هو أحسن الفتيان ~~وأجمله؛ ولأنه لو قيل: " هو أحسن فتى ms2399 " لصح المعنى. # ومثله: [الرجز] # 1748- وطاب ألبان اللقاح وبرد # في " برد " ضمير يعود على " ألبان " لسد " لبن " مسدها. الثالث: أنه ~~يعود على " الصدقات " أيضا، لكن ذهابا بالضمير مذهب الإشارة فإن ~~اسم الإشارة قد يشار به مفردا مذكرا إلى أشياء تقدمت، كقوله: # قل أؤنبئكم بخير من ذلكم # [آل عمران: 15] بعد ذكر أشياء قبله، وقد تقدم ما روي في البقرة ما حكي ~~عن رؤية لما قيل له في قوله: [الرجز] # 1749- فيها خطوط من سواد وبلق # كأنه في الجلد توليع البهق # فقال: أردت ذلك فأجرى الضمير مجرى اسم الإشارة. # الرابع: أنه يعود على المال، وإن لم يجر له ذكر؛ لأن ~~الصدقات تدل عليه. # الخامس: أنه يعود على الإيتاء المدلول عليه ب " آتوا " ، قاله الراغب ~~وابن عطية. # السادس: قال الزمخشري " ويجوز أن يذكر الضمير؛ لينصرف إلى ~~الصداق الواحد، فيكون متناولا بعضه، ولو أنث لتناول ظاهرة هبة ~~الصداق كله؛ لأن بعض الصدقات واحد منها فصاعدا ". # وقال أبو حيان: وأقول حسن تذكير الضمير أن معنى " فإن طبن " ~~فإن طابت كل واحدة فلذلك قال: " منه " أي: من صداقها، وهو نظير ~~قوله: # وأعتدت لهن متكئا # [يوسف: 31]؛ أي لكل واحدة منهن، ولذلك أفرد " متكأ ". # قوله: " نفسا " منصوب على التمييز، وهو هنا منقول من الفاعل؛ إذ ~~الأصل: فإن طابت أنفسهن، ومثله # واشتعل الرأس شيبا # [مريم: 4]. # وهذا منصوب عن تمام الكلام، وجيء بالتمييز هنا مفردا، وإن كان قبله ~~جمع لعدم اللبس، إذ من المعلوم أن الكل لسن مشتركات في ~~نفس واحدة، ومثله: قر الزيدون عينا، كقوله: # وضاق بهم ذرعا # [هود: 77] وقيل: لفظها واحد ومعناها جمع، ويجوز " أنفسا " " ~~وأعينا " ولا بد من التعرض لقاعدة يعم نفعها، وهي أنه ~~إذا وقع تمييز بعد جمع منتصب عن تمام الكلام فلا يخلو: إما أن يكون ~~موافقا لما قبله في المعنى، أو مخالفا له، فإن كان الأول وجبت ~~مطابقة التمييز لما قبله نحو: كرم الزيدون رجالا، كما يطابقه ~~خبرا وصفة وحالا. # وإن كان الثاني: فإما أن يكون مفرد المدلول أو مختلفة، فإن كان مفرد ~~المدلول وجب إفراد ms2400 التمييز كقولك في أبناء رجل واحد: كرم بنو زيد ~~أبا أو أصلا، أي: إن لهم جميعهم أبا واحدا متصفا بالكرم، ومثله " ~~كرم الأتقياء سعيا " ، إذا لم تقصد بالمصدر اختلاف الأنواع ~~لاختلاف محاله، وإن كان مختلف المدلول: فإما أن يلبس إفراد ~~التمييز لو أفرد أولا، فإن ألبس وجبت المطابق نحو: كرم ~~الزيدون آباء، أي: أن لكل واحد أبا غير أب الآخر يتصف بالكرم، ولو ~~أفردت هنا لتوهم أنهم كلهم بنو أب واحد، والغرض خلافه، وإن لم ~~يلبس جاز الأمران المطابقة والإفراد، وهو الأولى، ولذلك جاءت عليه ~~الآية الكريمة، وحكم التثنية في ذلك كالجمع، وحسن الإفراد هاهنا ~~أيضا ما تقدم من محسن تذكير الضمير وإفراده في " منه " ، وهو ~~أن المعنى: فإن طابت كل واحدة نفسا. # وقال بعض البصريين: " إنما أفرد؛ لأن المراد بالنفس هنا الهوى، والهوى ~~مصدر، والمصادر لا تثنى ولا تجمع ". # وقال الزمخشري: و " نفسا " تمييز، وتوحيدها؛ لأن الغرض بيان ~~الجنس والواحد يدل عليه. ونحا أبو البقاء نحوه، وشبهه ب " ~~درهما " في قولك: عشرون درهما. # واختلف النحاة في جواز تقديم التمييز على عامله إذا كان متصرفا ~~فمنعه سيبويه، وأجازه المبرد وجماعة مستدلين بقوله: [الطويل] # 1750- أتهجر ليلى بالفراق حبيبها # وما كان نفسا بالفراق تطيب # وقوله: [الطويل] # 1751- رددت بمثل السيد نهد مقلص # كميش إذا عطفاه ماء تحلبا # والأصل تطيب نفسا، وتحلبا ماء، وفي البيتين كلام طويل ليس هذا ~~محله، وحجة سيبويه في منع ذلك أن التمييز فاعل في الأصل، ~~والفاعل لا يتقدم، فكذلك ما في قوته، واعترض على هذا بنحو: زيدا، ~~من قولك أخرجت زيدا، فإن زيدا في الأصل فاعل قبل النقل، إذ الأصل: ~~خرج زيد والفرق لائح فالتمييز أقسام كثيرة مذكورة في كتب القوم. ~~والجاران في قوله { فإن طبن لكم عن شيء } متعلقان بالفعل ~~قبلهما متضمنا معنى الإعراض، ولذلك عدي ب " عن " كأنه قيل: فإن ~~أعرضن لكم عن شيء منه طيبات النفوس، والفاء في " فكلوه " جواب ~~الشرط وهي واجبة، والفاء في " فكلوه " عائدة على " شيء ". # فإن قيل: لم قال: { فإن طبن لكم ms2401 } ولم يقل: وهبن لكم ~~أو سمحن لكم؟ # فالجواب أن المراعى وهو تجافي نفسها عن بالموهوب طيبة]. # قوله: { فكلوه هنيئا مريئا }. # في نصب " هنيئا " أربعة أقوال: # أحدها: أنه منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف تقديره: أكلا هنيئا. # الثاني: أنه منصوب على الحال من الهاء في " فكلوه " أي: مهنئا، ~~أي سهلا. # والثالث: أنه منصوب على الحال بفعل لا يجوز إظهاره ألبتة؛ لأنه قصد ~~بهذه الحال النيابة عن فعلها نحو: " أقائما وقد قعد الناس " ، ~~كما ينوب المصدر عن فعله نحو " سقيا له ورعيا ". # الرابع: أنهما صفتان قامتا مقام المصدر المقصود به الدعاء النائب عن ~~فعله. # قال الزمخشري: وقد يوقف على " فكلوه " ويبتدأ ب " هنيئا ~~مريئا " على الدعاء وعلى أنهما صفتان أقيمتا مقام المصدرين، كأنه قيل: " ~~هنئا مرءا ". # قال أبو حيان: وهذا تحريف لكلام النحاة، وتحريفه هو جعلهما أقيما ~~مقام المصدر، فانتصابهما انتصاب المصدر، ولذلك قال: كأنه قيل: " ~~هنئا مرءا " ، فصار كقولك " سقيا لك " و " رعيا لك " ، ~~ويدل على تحريفه وصحة قول النحاة أن المصادر المقصود بها ~~الدعاء لا ترفع الظاهر، لا تقول: " سقيا الله لك " ، ولا: " رعيا ~~الله لك " ، وإن كان ذلك جائزا في أفعالها، و " هنيئا مرئيا " ، ~~يرفعان الظاهر بدليل قوله: [الطويل] # 1752- هنيئا مريئا غير داء مخامر # لعزة من أعراضنا ما استحلت # ف " ما " مرفوع ب " هنيئا " أو " مريئا " على الإعمال، وجاز ذلك ~~وإن لم يكن بين العاملين ربط بعطف ولا غيره؛ لأن " ~~مريئا " لا يستعمل إلا تابعا ل " هنيئا " فكأنهما عامل واحد. # ولو قلت: " قام قعد زيد " لم يكن من الإعمال إلا على نية حرف ~~العطف. انتهى. # إلا أن عبارة سيبويه فيها ما يرشد لما قاله الزمخشري، فإنه ~~قال: هنيئا مريئا صفتان نصبهما نصب المصادر المدعو بها بالفعل ~~المذكور غير المستعمل إظهاره المختزل لدلالة الكلام عليه، كأنهم قالوا: ~~ثبت ذلك هنيئا مريئا، فأول العبارة يساعد الزمخشري، وآخرها وهو ~~تقديره بقوله: كأنهم قالوا: ثبت هنيئا، يعكر عليه، فعلى القولين ~~الأولين يكون " هنيئا مريئا " متعلقين بالجملة قبلهما لفظا ~~ومعنى، وعلى الآخرين مقتطعين لفظا؛ ms2402 لأن عاملهما مقدر من جملة ~~أخرى كما تقدم تقريره. # واختلف النحويون في قولك لمن قال: أصاب فلان خيرا هنيئا مريئا له ~~ذلك. هل " ذلك " مرفوع بالفعل المقدر، وتقديره: ثبت له ذلك هنيئا، فحذف ~~" ثبت " وقام " هنيئا " مقامه الذي هو حال أو مرفوع ب " هنيئا " نفسه؛ ~~لأنه لما قام مقام الفعل رفع ما كان الفعل يرفعه، كما أن قولك: " ~~زيد في الدار " " في الدار " ضمير كان مستترا في الاستقرار فلما ~~حذف الاستقرار، وقام الجار مقامه رفع الضمير [المستتر] الذي كان فيه، وقد ~~ذهب إلى الأول السيرافي وجعل في " هنيئا " ضميرا عائدا على " ذلك " ، ~~وذهب إلى الثاني أبو علي، وجعل " هنيئا " فارغا من الضمير لرفعه الاسم ~~الظاهر، وإذا قلت: " هنيئا " ولم تقل " ذلك " فعلى مذهب ~~السيرافي يكون في " هنيئا " ضمير عائد على ذي الحال، وهو ضمير ~~الفاعل الذي استتر في " ثبت " المحذوف، وعلى مذهب الفارسي يكون في " ~~هنيئا " ضمير فاعل بها، وهو الضمير المستتر الذي كان فاعلا ل " ثبت " ~~، ويكون " هنيئا " قد قام مقام الفعل المحذوف فارغا من الضمير. # وأما نصب " مريئا " ففيه خمسة أوجه: أحدها: أنه صفة ل " هنيئا ~~" وإليه ذهب الحوفي. # والثاني: أنه انتصب انتصاب " هنيئا " ، وقد تقدم ما فيه من الأوجه، ~~ومنع الفارسي كونه صفة ل " هنيئا " قال: لأن هنيئا قام مقام الفعل، ~~والفعل لا يوصف، فكذا ما قام مقامه، ويؤيد ما قاله الفارسي أن ~~اسم الفاعل واسم المفعول وأمثلة المبالغة والمصادر إذا وصفت لم تعمل ~~عمل الفعل، ولم تستعمل " مريئا " إلا تابعا ل " هنيئا " ، ونقل بعضهم ~~أنه قد يجيء [غير] تابع وهو مردود؛ لأن العرب لم تستعمله إلا ~~تابعا، وهل " هنيئا مريئا " في الأصل اسما فاعل على زنة ~~المبالغة؟ أم هما مصدران جاءا على وزن فعيل، كالصهيل والهدير؟ ~~خلاف. # نقل أبو حيان القول الثاني عن أبي البقاء قال: وأجاز أبو البقاء ~~أن يكونا مصدرين جاءا على خلاف وزن " فعيل " ، كالصهيل والهدير، وليسا ~~من باب ما يطرد فيه فعيل في المصدر. انتهى. # وأبو البقاء في عبارته إشكال، فلا بد ms2403 من التعرض إليها ليعرف ما ~~فيها، قال: " هنيئا " مصدر جاء على وزن " فعيل " ، وهو نعت لمصدر ~~محذوف، أي: أكلا هنيئا، وقيل: هو مصدر في موضع الحال من الهاء، ~~والتقدير مهنأ، و " مريئا " مثله، والمريء فعيل بمعنى مفعل، ~~لأنك تقول: " أمرأني الشيء " ، ووجه الإشكال: أنه بعد الحكم ~~عليهما بالمصدرية كيف يجعلهما [حالا] وصفين لمصدر محذوف؟ وكيف يفسر " ~~مريئا " المصدر بمعنى اسم الفاعل؟ # ذهب الزمخشري إلى انهما وصفان قال: " فإن الهنيء والمريء ~~صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ إذا كان سائغا لا تنغيص فيه ". انتهى. # وهنا يهنا بغير همز - لغة ثانية أيضا، وقرأ أبو جعفر: " هنيا ~~مريا " ، بتشديد الياء فيهما من غير همزة، كذلك " بري " و " بريون " و ~~" بريا " ، ويقال: هنأني الطعام ومرأني، وإن أفردت " مرأني " لم ~~يستعمل إلا رباعيا فتقول: " أمرأني " ، وإنما استعمل ثلاثيا ~~للتشاكل مع " هنأني " ، وهذا كما قالوا: أخذه ما قدم وما ~~حدث، بضم الدال من " حدث " مشاكلة ل " قدم " ، ولو أفرد لم ~~يستعمل إلا مفتوح الدال، وله نظائر أخر، ويقال: هنأت الرجل ~~أهنئه بكسر العين في المضارع أي: أعطيته. واشتقاق الهنيء من الهناء، ~~وهو ما يطلى به البعير للجرب كالقطران قال: [الطويل] # 1753- متبذلا تبدو محاسنه # يضع الهناء مواضع النقب # والمريء ما ساغ وسهل من الحق، ومنه قيل لمجرى الطعام من ~~الحلقوم إلى فم المعدة: مريء. # فصل في دلالة الآية على أمور # دلت الآية الكريمة على أمور: # منها أن المهر لها ولا حق للولي فيه. # ومنها جواز هبتها للمهر قبل القبض؛ لأن الله تعالى لم يفرق بين ~~الحالين. # فإن قيل: قوله: { فكلوه هنيئا مريئا } يتناول ما إذا كان المهر عينا، ~~أما إذا كان دينا فالآية غير متناولة له لأنه لا يقال لما في الذمة ~~كله هنيئا مريئا. # فالجواب أن المراد بقوله " هنيئا مريئا " ليس نفس الأكل، بل المراد ~~منه كل التصرفات، وإنما خص الأكل بالذكر، لأنه معظم المقصود من ~~المال لقوله # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما # بالنساء: 10] وقوله: # لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل # [النساء: 29]. # فصل # قال بعض العلماء: إن ms2404 وهبت ثم طلبت بعد الهبة، علم أنها لم تطب عنه ~~نفسا، وعن الشعبي: أن امرأة جاءت مع زوجها إلى شريح في عطية ~~أعطتها إياه، وهي تطلب الرجوع، فقال شريح: رد عليها، ~~فقال الرجل: أليس قد قال الله تعالى { فإن طبن لكم عن شيء } ~~، فقال: لو طابت نفسها عنه ما رجعت فيه. # وروي عنه أيضا: أقيلها فيما وهبت ولا أقيله؛ لأنهن يخدعن. # وروي أن رجلا من آل أبي معيط أعطته امرأته ألف دينار صداقا كان ~~لها عليه، فلبثت شهرا ثم طلقها، فخاصمته إلى عبد الملك بن مروان، فقال ~~الرجل: أعطتني طيبة به نفسها، فقال عبد الملك: فإن الآية التي ~~بعدها # فلا تأخذوا منه شيئا # [النساء: 20] أردد عليها. # وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه كتب إلى قضاته: إن النساء ~~يعطين رغبة ورهبة، وأيما امرأة أعطته ثم أرادت أن ترجع فذلك ~~لها. ### || [4.5] # أصل تؤتوا تؤتيوا: تكرموا فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت ~~الضمة، فالتقى ساكنان: الياء وواو الضمير فحذفت الياء لئلا يلتقي ساكنان. # والسفهاء جمع: سفيه، وعن مجاهد: " المراد بالسفهاء " النساء ~~من كن أزواجا، أو بنات، أو أمهات، وضعفه بعضهم بأن ~~فعيلة إنما تجمع على فعائل أو فعيلات، قاله [أبو البقاء] ~~وابن عطية، وقد نقل بعضهم أن سفيهة تجمع: على " سفهاء " ~~كالمذكر، وعلى هذا لا يضعف قول مجاهد. وجمع فعيلة ~~الصفة على فعلاء وإن كان نادرا، إلا أنه قد نقل في هذا ~~اللفظ خصوصا، وتخصيص ابن عطية جمع فعيلة بفعائل، أو ~~فعيلات ليس بظاهر، لأنها يطرد فيها أيضا " فعال " نحو: ~~كريمة، وكرام، وظريفة، وظراف، وكذلك إطلاقه فعيلة، وكان من ~~حقه أن يقيدها بألا تكون بمعنى: مفعولة، تحرزا من ~~قتيلة فإنها لا تجمع على فعائل. # والجمهور قرؤوا (التي) بلفظ الإفراد صفة للأموال، وإن كانت ~~جمعا؛ لأنه تقدم أن جمع ما لا يعقل من الكثرة، أو لم يكن له ~~إلا جمع واحد، الأحسن فيه أن يعامل معاملة الواحدة ~~المؤنثة، والأموال من هذا القبيل، لأنها جمع ما لا يعقل، ولم ~~تجمع إلا على أفعال، ms2405 وإن كانت بلفظ القلة؛ لأن المراد بها ~~الكثرة. # وقرأ الحسن والنخعي " اللاتي " مطابقة للفظ الجمع، وكان القياس ألا ~~يوصف ب " اللاتي " إلا ما يوصف مفرده ب " التي " والأموال لا يوصف ~~مفردها وهو " مال " ب " التي ". # وقال الفراء: العرب تقول في النساء " اللاتي " أكثر مما تقول " التي ~~" ، وفي الأموال: " التي " أكثر مما تقول " اللاتي " وكلاهما جائز. # وقرئ " اللواتي " فيه جمع الجمع وهي جمع اللاتي أو جمع " التي " ~~نفسها. # قوله: " قياما " إن قلنا: أن " جعل " بمعنى صير ف " قياما " ~~مفعول ثان، والأول محذوف، وهو عائد الموصول والتقدير: التي جعلها ~~الله، أي: صيرها لكم قياما، وإن قلنا: إنها بمعنى " خلق " ~~ف " قياما " حال، من ذلك العائد على المحذوف، والتقدير: جعلها أي: ~~خلقها وأوجدها في حال كونها قياما. # وقرأ نافع وابن عامر " قيما " ، وباقي السبعة " قياما " وابن عمر " ~~قواما " بكسر القاف، والحسن وعيسى بن عمر " قواما " بفتحها ويروى ~~عن أبي عمرو، وقرئ " قوما " بزنة " عنب ". # فأما قراءة نافع وابن عامر ففيها ثلاثة أوجه: # أحدها: أن " قيما " مصدر كالقيام وليس مقصورا منه قال الكسائي ~~والأخفش والفراء. # فهو مصدر بمعنى القيام الذي يراد به الثبات والدوام، وقد رد ~~هذا القول بأنه كان ينبغي أن تصح الواو لتحضنها بتوسطها، ~~كما صحت واو " عوض " " وحول " ، وقد أجيب عنه بأنه تبع فعله من ~~الإعلال وكما أعل فعله أعل هو، ولأنه بمعنى القيام فحمل ~~عليه في الإعلال. # وحكى الأخفش: " قيما " و " قوما " قال: والقياس تصحيح الواو، ~~وإنما اعتلت على وجه الشذوذ كقولهم: " ثيرة " وقول بني ضبة " طيال ~~" في جمع طويل، وقول الجميع " جياد " في جمع جواد، وإذا أعلوا " ~~ديما " لإعلال " ديمة " ، فاعتلال المصدر لاعتلال فعله أولى، ألا ~~ترى إلى صحة الجمع مع اعتلال مفرده في معيشة، ومعايش، ومقامة، ~~ومقاوم، ولم يصححوا مصدرا أعلوا فعله. # الثاني: أنه مقصور من " قيام " فحذفوا الألف تخفيفا كما قالوا: " خيم ~~" في " خيام " و " مخيط " و " مقول " في " مخياط " و " مقوال ". # الثالث: أنه جمع " قيمة " ك " ديم " في جمع " ديمة " ، والمعنى: ~~أن الأموال كالقيم للنفوس؛ لأن ms2406 بقاءها بها، وقد رد الفارسي هذا ~~الوجه، وإن كان هو قول البصريين غير الأخفش، بأنه قد قرئ قوله تعالى: # دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا # [الأنعام: 161] وقوله: # البيت الحرام قياما للناس # [المائدة: 97]. ولا يصح معنى القيمة فيهما، وقد رد عليه الناس ~~بأنه لا يلزم من عدم صحة معناه في الآيتين المذكورتين ألا يصح هنا، ~~إذ معناه لائق، وهناك معنى آخر يليق بالآيتين المذكورتين كما سيأتي إن ~~شاء الله تعالى. # وأما قراءة باقي السبعة فهو مصدر " قام " والأصل " قوام " ، فأبدلت ~~الواو ياء للقاعدة المعروفة، والمعنى: التي جعلها الله سبب قيام ~~أبدانكم أي: بقائها. # وقال الزمخشري: " أي: تقومون بها وتنتعشون بها ". # وأما قراءة عبد الله بن عمر ففيها وجهان: # أحدهما: أنه مصدر قاوم ك " لاوذ، لواذا " صحت الواو في ~~المصدر كما صحت في الفعل. # الثاني: أنه اسم لما يقوم به الشيء، وليس بمصدر كقولهم: " هذا ملاك ~~الأمر " أي: ما يملك به الأمر. # وأما قراءة الحسن ففيها وجهان: # أحدهما: أنه اسم مصدر كالكلام، والدوام، والسلام. # والثاني: أنه لغة من القوام المراد به القامة، والمعنى: التي جعلها ~~الله سبب بقاء قاماتكم، يقال: جارية حسنة القوام، والقوام، ~~والقامة كله بمعنى واحد. # وقال أبو حاتم قوام بالفتح خطأ، قال: لأن القوام امتداد القامة، وقد ~~تقدم تأويل ذلك على أن الكسائي قال: هو بمعنى القوام أي بالكسر، ~~يعني أنه مصدر، وأما " قوما " فهو مصدر جاء على الأصل، أعني: ~~الصحيح العين كالعوض، والحول. # فصل # لما أمر في الآية الأولى بإيتاء اليتامى أموالهم، وبدفع صدقات النساء ~~إليهن فكأنه قال: إنما أمرتكم بذلك إذا كانوا عاقلين بالغين، ~~متمكنين من حفظ أموالهم، فأما إذا كانوا غير بالغين، أو غير عقلاء، أو ~~كانوا بالغين عقلاء؛ إلا أنهم سفهاء، فلا تدفعوا إليهم أموالهم، ~~والمقصود منه الاحتياط في حفظ أموال الضعفاء العاجزين. # واختلفوا في السفهاء: # فقال مجاهد والضحاك: هم النساء كما قدمنا، وهذا مذهب ابن ~~عمر ويدل عليه ما روى أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ألا إنما خلقت النار للسفهاء، يقولها ms2407 [ثلاثا] ألا وإن ~~السفهاء النساء، [إلا امرأة أطاعت قيمها " # ]. # وقال الزمخشري وابن زيد: والسفهاء ههنا السفهاء عن من الأولاد، ~~ويقول: لا تعط مالك [الذي هو قيامك] ولدك السفيه فيفسده. وقال ابن عباس ~~والحسن وقتادة وسعيد بن جبير: هم النساء [والصبيان] إذا علم الرجل أن ~~امرأته سفيهة مفسدة، وأن ولده سفيه مفسد، فلا يسلط واحدا منهما ~~على ماله. # وقيل: المراد بالسفهاء كل من لم يحفظ المال للمصلحة من النساء ~~والصبيان والأيتام، وكل من اتصف بهذه الصفة؛ لأن التخصيص بغير ~~دليل لا يجوز، وقد تقدم في " البقرة " أن السفه خفة العقل ولذلك ~~سمي الفاسق سفيها، لأنه لا وزن له عند أهل العلم والدين، ويسمى ~~الناقص العقل سفيها لخفة عقله. # فصل في دلالة الآية في الحجر على السفيه # قال القرطبي: دلت هذه على جواز الحجر على السفيه لقوله تعالى: { ~~ولا تؤتوا السفهآء أموالكم } ، وقوله: # فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا # [البقرة: 282] فأثبت الولاية على السفيه كما أثبتها على الضعيف، ~~والمراد بالضعيف في الآية الضعيف العقل لصغر أو مرض. # فصل في حال السفيه قبل الحجر عليه # [قال القرطبي]: واختلفوا في حال السفيه قبل الحجر عليه، ~~فقال مالك وأكثر أصحابه: إن فعل السفيه وأمره كله جائز، حتى يحجر ~~عليه الإمام، وهو مذهب الشافعي وأبي يوسف. # وقال ابن القاسم: أفعاله غير جائزة، وإن لم يضرب الإمام على يده. # فصل: في الحجر على الكبير # واختلفوا في الحجر على الكبير، فقال مالك وجمهور الفقهاء: يحجر عليه. # وقال أبو حنيفة: لا يحجر على من بلغ عاقلا إلا ان يكون مفسدا ~~لماله، فإذا كان كذلك منع من تسلميهم المال حتى يبلغ [خمسا وعشرين سنة، ~~فإذا بلغها]، سلم إليه المال بكل حال، سواء كان مفسدا، أو غير ~~مفسد؛ لأنه يحبل منه لاثنتي عشرة سنة، ثم يولد له لستة أشهر ~~فيصير جدا وأبا، وأنا أستحي أن أحجر على من يصلح أن يكون جدا. # فصل في الخطاب في الآية # في هذا الخطاب قولان: # الأول: أنه خطاب الأولياء بأن يؤتوا السفهاء الذين ms2408 تحت ~~ولايتهم أموالهم لقوله تعالى: { وارزقوهم فيها واكسوهم } ~~[النساء: 5] وبه يصلح نظم الآية مع ما قبلها. # فإن قيل: فكان ينبغي على هذا أن يقال: ولا يؤتوا السفهاء أموالهم. # فالجواب من وجهين: # أحدهما: أنه تعالى أضاف المال إليهم، لا لأنهم ملكوه، لكن من حيث ~~ملكوا التصرف فيه، ويكفي في الإضافة الملابسة بأدنى سبب. # وثانيهما: إنما حسنت هذه الإضافة إجراءا للوحدة بالنوع مجرى ~~الوحدة بالشخص كقوله تعالى: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم # [التوبة: 128] # فمن ما ملكت أيمانكم # [النساء: 25] # فاقتلوا أنفسكم # [البقرة: 54] وقوله: # ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم # [البقرة: 85] ومعلوم أن الرجل منهم ما كان يقتل نفسه، وإنما كان ~~يقتل بعضهم بعضا، وكان الكل من نوع واحد، فكذا هاهنا لما كان المال ~~ينتفع به نوع الإنسان، ويحتاج إليه، فلأجل هذه الوحدة النوعية ~~حسنت إضافة أموال السفهاء إلى الأولياء. # القول الثاني: أنه خطاب للآباء بألا يدفعوا مالهم إلى أولادهم إذا ~~كانوا لا يحفظون المال سفهاء، وعلى هذا فإضافة الأموال إليهم حقيقة، ~~والقول الأول أرجح؛ لأن ظاهر النهي التحريم، وأجمعوا على أنه ~~لا يحرم عليه أن يهب من أولاده الصغار، ومن النسوان ما شاء من ماله، ~~وأجمعوا على أنه يحرم على الولي أن يدفع إلى السفهاء أموالهم؛ لأنه قال ~~في آخر الآية: { وقولوا لهم قولا معروفا } وهذه الوصية ~~بالأيتام أشبه، لأن المرء مشفق بطبعه على ولده، فلا يقول له إلا ~~المعروف، وإنما يحتاج إلى هذه الوصية مع الأيتام الأجانب. # قال ابن الخطيب: " ولا يمتنع [أيضا] حمل الآية على كلا الوجهين ". # قال القاضي: هذا بعيد؛ لأنه يقتضي حمل قوله: " أموالكم " على الحقيقة ~~والمجاز جميعا، ويمكن الجواب عنه بأن قوله: { أموالكم } يفيد ~~كون تلك الأموال مختصة بهم، اختصاصا يمكنه التصرف فيها، ثم إن هذا ~~الاختصاص حاصل في المال المملوك له وفي المال المملوك للصبي، إلا ~~أنه تحت تصرفه، فهذا التفاوت واقع في مفهوم خارج من المفهوم ~~المستفاد من قوله { أموالكم } وإذا كان كذلك لم يبعد حمل اللفظ ~~عليهما من حيث إن اللفظ [أفاد] معنى واحدا مشتركا بينهما. ms2409 # قوله: { وارزقوهم فيها واكسوهم }. # ومعنى الرزق: أن أنفقوا عليهم. وقوله " فيها " فيه وجهان: # أحدهما: أن " في " على بابها من الظرفية، أي اجعلوا رزقهم فيها. # والثاني: أنها بمعنى " من " ، أي: بعضها والمراد: [من] أرباحها ~~بالتجارة. # قال ابن الخطيب: " وإنما قال " فيها " ولم يقل: منها، لئلا يكون ~~ذلك أمرا بأن يجعلوا بعض أموالهم رزقا [لهم]، بل أمرهم أن يجعلوا ~~أموالهم مكانا لرزقهم، بأن يتجروا فيها، فيجعلوا أرزاقهم من ~~الأرباح لا من أصول الأموال ". والأمر بالكسوة ظاهر. # فصل في تفسير القول المعروف # قوله تعالى: { وقولوا لهم قولا معروفا }. # اختلف المفسرون في القول المعروف: # قال ابن جريج ومجاهد: إنه العدة الجميلة من البر والصلة. # وقال ابن عباس: هو مثل أن يقول: إذا ربحت في سفرتي هذه فعلت بك ما ~~أنت أهله، وإن غنمت في غزاتي جعلت لك حظا. # وقال ابن زيد: إن لم يكن ممن يجب عليك نفقته، فقل له: عافانا الله ~~وإياك، وبارك الله فيك. # وقيل: قولا لينا تطيب به أنفسهم. # وقال الزجاج: " علموهم مع إطعامهم وكسوتهم أمر دينهم ". # وقال القفال: " هو أنه إن كان المولى عليه صبيا فيعرفه الولي أن ~~المال ماله، وهو خازن له، وأنه إذا زال صباه يرد إليه المال، ونظيره ~~قوله تعالى: # فأما اليتيم فلا تقهر # [الضحى: 9] [و] لا تعاشره بالتسلط عليه كمعاشرة العبيد، وكذا قوله: # وإما تعرضن عنهم ابتغآء رحمة من ربك ~~ترجوها فقل لهم قولا ميسورا # [الإسراء: 28] وإن كان المولى عليه سفيها، وعظه ونصحه وحثه على ~~الصلاة، ورغبه في ترك التبذير والإسراف، وعرفه عاقبة التبذير ~~الفقر والاحتياج إلى الخلق، إلى ما يشبه هذا النوع من الكلام ". # وقال ابن الخطيب: وهذا أحسن من سائر الوجوه. ### || [4.6] # لما أمر بدفع مال اليتيم إليه، بين هنا متى يؤتيهم أموالهم، وشرط في ~~دفع أموالهم إليهم شرطين: # أحدهما: بلوغ النكاح. # والثاني: إيناس الرشد. # في " حتى " هذه وما أشبهها أعني الداخلة على " إذا " قولان: # أشهرهما: أنها حرف غاية، دخلت على الجملة الشرطية وجوابها، ~~والمعنى: وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم، واستحقاقهم دفع أموالهم إليهم، ms2410 ~~بشرط إيناس الرشد، فهي حرف ابتداء كالداخلة على سائر الجمل كقوله: ~~[الطويل] # 1754- فما زالت القتلى تمج دماءها # بدجلة حتى ماء دجلة أشكل # وقول امرئ القيس: [الطويل] # 1755- سريت بهم حتى تكل مطيهم # وحتى الجياد ما يقدن بأرسان # والثاني: وهو قول جماعة منهم الزجاج وابن درستويه: أنها حرف ~~جر، وما بعدها مجرور بها، وعلى هذا ف " إذا " تتمحض للظرفية، ~~ولا يكون فيه معنى الشرط، وعلى القول الأول يكون العامل في " إذا " ~~ما تخلص من معنى جوابها تقديره: إذا بلغوا النكاح راشدين فادفعوا. ~~وظاهر العبارة لبعضهم أن " إذا " ليست بشرطية، لحصول ما بعدها، ~~وأجاز سيبويه أن يجازي بها في الشعر، وقال: " فعلوا ذلك مضطرين " ، ~~وإنما جوزي بها لأنها تحتاج إلى جواب، وبأنه يليها الفعل ظاهرا، ~~أو مضمرا، واحتج الخليل على عدم شرطيتها بحصول ما بعدها، ألا ~~ترى أنك تقول: أجيئك إذا احمر البسر، ولا تقول: إن احمر. # قال أبو حيان: وكلامه يدل على أنها تكون ظرفا مجردا، ليس فيها ~~معنى الشرط، وهو مخالف للنحويين، فإنهم كالمجمعين على أنها [ظرف] ~~فيها معنى الشرط غالبا، وإن وجد في عبارة بعضهم ما ينفى كونها ~~أداة شرط، فإنما أنها لا يجزم بها، إلا أنها لا تكون شرطا، ~~وقدر بعضهم مضافا قال: تقديره يبلغوا حد النكاح أو وقته، ~~والظاهر أنها لا تحتاج إليه، والمعنى: صلحوا للنكاح. # فصل في معنى الابتلاء وكيفيته # والابتلاء: الاختيار، أي اختبروهم في عقولهم وإدراكهم، وحفظهم ~~أموالهم. نزلت في ثابت بن رفاعة، مات أبوه رفاعة وتركه صغيرا عند ~~عمه، فجاء عمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إن ابن أخي ~~يتيم في حجري، فما يحل لي من ماله، ومتى أدفع إليه ماله؟ فنزلت هذه ~~الآية. # قال سعيد بن جبير ومجاهد والشعبي: " لا يدفع إليه ماله، وإن كان ~~شيخا حتى يؤنس رشده " ، فالابتلاء يختلف باختلاف أحوالهم، فإن كان ~~ممن يتصرف في السوق فيدفع الولي إليه شيئا كبيرا من المال، وينظر ~~في تصرفه، وإن كان ممن لا يتصرف فيختبره في نفقة داره، والإنفاق ~~على عبيده ms2411 وأجرائه وتختبر المرأة في أمر بيتها وحفظ متاعها وغزلها ~~واستغزالها فإذا رأى حسن تصرفه وتدبيره مرارا حيث يغلب على الظن رشده ~~دفع إليه المال. # فصل فيما إذا عاد إلى السفه بعد أخذ المال # قال القرطبي: " إذا سلم إليه المال لوجود الرشد، ثم عاد إلى ~~السفه عاد الحجر عليه ". # وقال أبو حنيفة: لا يعود عليه الحجر؛ لأنه بالغ عاقل، يجوز إقراره في ~~الحدود والقصاص. دليلنا قوله تعالى: # ولا تؤتوا السفهآء أموالكم # [النساء: 5]. # ويجوز للوصي أن يصنع في مال اليتيم ما كان للأب أن يصنعه من تجارة ~~وإبضاع وشراء وبيع، وعليه أن يؤدى الزكاة من سائر أمواله عين وحرث ~~وماشية وفطرة، ويؤدي عنه أروش الجنايات، وقيم المتلفات، ونفقة ~~الوالدين، وسائر الحقوق اللازمة، ويجوز أن يزوجه، ويؤدي عنه الصداق، ~~ويشتري له جارية يتسرى بها، ويصالح له وعليه على وجه النظر. # فصل المراد من بلوغ النكاح # والمراد من بلوغ النكاح هو الاحتلام، لقوله تعالى: # وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم # [النور: 59] وعند هذا الحد يجري على صاحبه قلم التكليف، وإنما سمي ~~الاحتلام بلوغ النكاح، لأنه إنزال الماء الدافق الذي يكون في ~~الجماع، وهذه الآية دالة على ورود لفظ النكاح بمعنى الجماع. # واعلم أن للبلوغ خمس علامات ثلاثة منها مشتركة بين الذكور ~~والإناث وهي: الاحتلام، والسن المخصوص، ونبات الشعر الخشن على ~~العانة. # وقيل: إنبات الشعر الخشن بلوغ في أولاد المشركين، ولا يكون لأولاد ~~المسلمين؛ لأن أولاد المسلمين يمكن الوقوف على مواليدهم بالرجوع إلى ~~آبائهم، وأولاد الكفار لا يوقف على مواليدهم، ولا يقبل قول آبائهم ~~فيه لكفرهم، فجعل الإنبات الذي هو أمارة البلوغ بلوغا في حقهم. # واثنان منها تختص بالنساء وهما: الحيض والحبل. # فصل # قال أبو حنيفة: " تصرفات [الصبي] العاقل المميز بإذن الولي صحيحة ~~لهذه الآية، ولأنه يصح الاستثناء فيه فيقال: ابتلوا اليتامى إلا في ~~البيع والشراء ". # قال الشافعي: لا تصح تصرفاته؛ لأنه إنما أمر بدفع ماله إليه بعد ~~البلوغ وإيناس الرشد، وإذا كان لا يجوز دفع المال حال الصغر، فلا ~~يجوز تصرفه حال الصغر؛ لأنه لا ms2412 قائل بالفرق. # والمراد بالابتلاء: اختبار عقله في أنه هل له فهم وعقل في معرفة ~~المصالح والمفاسد؟ بأن يبيع الولي ويشتري له بحضوره، ثم يستكشف من ~~الصبي أحوال ذلك البيع والشراء، وما فيها من المصالح والمفاسد، وبهذا ~~القدر يحصل الابتلاء والاختبار، وأيضا هب أنا سلمنا أنه يدفع ~~إليه شيئا ليبيع أو يشتري، فلم قلت: إن هذا القدر يدل على صحة ~~ذلك البيع والشراء؟ بل إذا باع واشترى، وحصل به اختبار عقله فالولي ~~بعد ذلك يتمم ذلك البيع والشراء. # قوله: { فإن آنستم }. # والفاء جواب " إذا " وفي قوله: { فادفعوا } جواب " إن ". # وقرأ ابن مسعود " فإن أحستم " والأصل أحسستم فحذف إحدى السينين، ~~ويحتمل أن تكون العين أو اللام، ومثله قول أبي زبيد: [الوافر] # 1756- سوى أن العتاق من المطايا # حسين به فهن إليه شوس # وهذا خلاف لا ينقاس، ونقل بعضهم أنها لغة سليم، وأنها مطردة ~~في عين كل فعل مضاعفة اتصل به تاء الضمير أو نونه ونكر " رشدا ~~" دلالة على التنويع، والمعنى أي نوع حصل من الرشد كان كافيا. # وقرأ الجمهور " رشدا " بضمة وسكون، وابن مسعود والسلمي بفتحتين، ~~وبعضهم بضمتين، وسيأتي الكلام على ذلك في الأعراف إن شاء الله تعالى. ~~وآنس كذا أحس به وشعر، قال: [الخفيف] # 1757- آنسن نبأة وأفزعها القن # ناص عصرا وقد دنا الإمساء # وقد قيل: " وجد " عن الفراء. # وقيل: أبصر. # وقيل: رأيتم. # وقيل: آنست وأحسست ووجدت بمعنى واحد. # وقال القرطبي: وأصل الإيناس في اللغة الإبصار، ومنه قوله # آنس من جانب الطور نارا # [القصص: 29]. # قال أهل اللغة: هو إصابة الخير، قال تعالى: # قد تبين الرشد من الغي # [البقرة: 256]، والغي: هو العصيان: قال تعالى: # وعصى ءادم ربه فغوى # [طه: 121] فيكون نقيضه هو الرشد، وقال تعالى: # ومآ أمر فرعون برشيد # [هود: 97]. # وقال أبو حنيفة: " لا يعتبر هنا الصلاح في المال فقط " ، وينبني على ~~هذا أن أبا حنيفة لا يرى الحجر على الفاسق، والشافعي يراه. # فصل # إذا بلغ الرشد زال عنه الحجر، ودفع إليه، رجلا كان أو امرأة، تزوج ~~أو لم يتزوج. # وعند مالك إن كانت ms2413 امرأة لا يدفع المال إليها ما لم تتزوج، فإذا تزوجت ~~دفع المال إليها، ولكن لا ينفذ تصرفها إلا بإذن الزوج ما لم تكبر ~~وتجرب، فإذا بلغ الصبي رشيدا وزال الحجر عنه ثم عاد سفيها ~~[نظر] إن عاد مبذرا لماله حجر عليه، وإن عاد مفسدا في دينه ~~فقيل: يعاد الحجر عليه، كما يستدام الحجر عليه إذا بلغ بهذه ~~الصفة، وقيل: لا يعاد؛ لأن حكم الدوام أقوى من حكم الابتداء، وعند ~~أبي حنيفة لا حجر على البالغ العاقل بحال. # قوله: { ولا تأكلوهآ إسرافا وبدارا }. # في نصبهما وجهان: # أحدهما: أنهما منصوبان على المفعول من أجله أي: لأجل الإسراف ~~والبدار. # ونقل عن ابن عباس أنه قال: " كان الأولياء يستغنمون أكل مال اليتيم، ~~لئلا يكبر فينزع المال منهم ". # والثاني: أنهما مصدران في موضع الحال أي: مسرفين ~~ومبادرين. # وبدارا مصدر بادر والمفاعلة هنا يجوز أن تكون من اثنين على بابها، ~~بمعنى أن الولي يبادر اليتيم إلى أخذ ماله، واليتيم يبادر إلى ~~الكبر، ويجوز أن يكون من واحد بمعنى: أن فاعل بمعنى فعل نحو: سافر ~~وطارق. # قوله: " أن تكبروا ". فيه وجهان: # أحدهما: أنه مفعول بالمصدر أي: وبدارا كبرهم، كقوله: # أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما # [البلد: 14،15] وفي إعمال المصدر المنون الخلاف المشهور. # والثاني: أنه مفعول من أجله على حذف أي: مخافة أن يكبروا، وعلى هذا ~~فمفعول " بدارا " محذوف، وهذه الجملة النهيية فيها وجهان: # أصحهما: أنها استئنافية، وليست معطوفة على ما قبلها. # والثاني: أنها عطف على ما قبلها، وهو جواب الشرط ب " إن " أي: ~~فادفعوا ولا تأكلوها، وهذا فاسد؛ لأن الشرط وجوابه، مترتبان على بلوغ ~~النكاح وهو معارض لقوله: { وبدارا أن يكبروا } فيلزم ~~منه سبقه على ما ترتب عليه، وذلك ممتنع. # والمعنى: ولا تأكلوها يا معشر الأولياء " إسرافا " أي: بغير حق، " ~~وبدارا " أي: ومبادرة، ثم بين ما يحل لهم من مالهم فقال: { ~~ومن كان غنيا فليستعفف } أي: فليمتنع من مال اليتيم فلا ~~يرزؤه قليلا ولا كثيرا، والعفة الامتناع مما لا يحل. # قال الواحدي: استعفف عن الشيء ms2414 وعف: إذا امتنع منه وتركه. # قال الزمخشري: " استعفف أبلغ من عف كأنه طالب زيادة العفة ~~". # قوله: { ومن كان فقيرا }. # محتاجا إلى مال اليتيم، وهو يحفظه ويتعمده { فليأكل ~~بالمعروف }. # روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا أتى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: # " إني فقير وليس لي شيء ولي يتيم، فقال: كل من ~~مال يتيمك غير مسرف ولا مبذر ولا متأثل ". # واختلفوا، هل يلزمه القضاء؟ فقال مجاهد وسعيد بن جبير: يقضي إذا ~~أيسر لقوله: { فليأكل بالمعروف } والمعروف: هو أن يقترض من ~~مال اليتيم إذا احتاج إليه، فإذا أيسر قضاه. # قال عمر بن الخطاب: " إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة مال ~~اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افترقت أكلت بالمعروف، فإذا ~~أيسرت قضيت ". # وأكثر الروايات عن ابن عباس، وبعض العلماء أن القرض مخصوص بأصول ~~الأموال من الذهب والفضة وغيرهما، فأما التناول من ألبان ~~المواشي، واستخدام العبيد، وركوب الدواب، فمباح له إذا لم يضر ~~بالمال، وهذا قول أبي العالية؛ لأنه أمر بدفع أموالهم إليهم. # قال الشعبي: " لا يأكله إلا أن يضطر كما يضطر إلى الميتة ". # وقال قوم: لا قضاء عليه لقوله تعالى: { ولا تأكلوهآ إسرافا ~~وبدارا } وهذا يشعر بأن له أن يأكل بقدر الحاجة، وقوله { ~~فليأكل بالمعروف } أن للوصي أن ينتفع بمقدار الحاجة، وقوله # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما # [النساء: 10] يدل على أن مال اليتيم قد يؤكل ظلما وغير ظلم، وإلا لم ~~يكن لقوله { ظلما } معنى. # وأيضا الحديث المتقدم، وأيضا فيقاس على الساعي فإنه يضرب له ~~من الصدقات على قدر عمله، فكذا ها هنا. # وقال أبو بكر الرازي: الذي نعرفه من مذهب أصحابنا أنه لا يأخذ على ~~سبيل القرض، ولا على سبيل الابتداء سواء كان غنيا أو فقيرا، لقوله ~~تعالى: # وآتوا اليتامى أموالهم # [النساء: 2] إلى قوله # حوبا كبيرا # [النساء: 2]، وقوله: # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما # [النساء: 10] إلى قوله # سعيرا # [النساء: 10] وقوله: # وأن تقوموا لليتامى بالقسط # [النساء: 127]. # فصل # قال القرطبي: كما على الوصي والكفيل حفظ مال يتيمه ms2415 كذلك عليه حفظ ~~الصبي في بدنه وتأديبه، # " روي أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم إن في حجري ~~يتيما أآكل من ماله؟ قال: " نعم " غير متأثل مالا ولا واق مالك بماله ~~" قال: يا رسول الله أفأضربه، قال: " ما كنت ضاربا منه ولدك ~~". # { فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا ~~عليهم }. # وهذا أمر رشاد، وليس بواجب، أمر الولي بالإشهاد على دفع المال إلى ~~اليتيم بعد البلوغ ليزول عنه التهمة وتنقطع الخصومة. # واختلفوا فيما إذا ادعى الوصي بعد بلوغ اليتيم أنه دفع المال إليه ~~هل يصدق؟ # أو قال أنفقت عليه المال في صغره؟ فقال مالك والشافعي: لا ~~يصدق. # وقال أبو حنيفة: " يصدق ". # قوله: { وكفى بالله حسيبا }. # في " كفى " قولان: # أحدهما: أنها اسم فعل. # والثاني - وهو الصحيح - إنها فعل، وفي فاعلها قولان: # الأول: وهو الصحيح أنه المجرور بالباء، والباء زائدة فيه وفي فاعل ~~مضارعه نحو: # أولم يكف بربك # [فصلت: 53] باطراد فقال أبو البقاء: زيدت لتدل على معنى الأمر إذ ~~التقدير: اكتف بالله، وهذا القول سبقه إليه مكي والزجاج فإنه قال: ~~دخلت الباء في الفاعل؛ لأن معنى الكلام الأمر أي: الباء ليست ~~بزائدة، وهو كلام غير صحيح؛ لأنه من حيث المعنى الذي قدره يكون ~~الفاعل هم المخاطبين، و " بالله " متعلق به، ومن حيث كون " الباء " دخلت ~~في الفاعل يكون الفاعل هو الله تعالى، فيتناقض. وفي كلام ابن عطية نحو ~~من قوله أيضا فإنه قال: " بالله " في موضع رفع بتقدير زيادة الخافض، ~~وفائدة زيادته تبين معنى الأمر في صورة الخبر أي: اكتفوا بالله، " ~~فالباء " تدل على المراد من ذلك، وفي هذا ما رد به على الزجاج، ~~وزيادة جعل الحرف زائدا وغير زائد. # والثاني: أنه مضمر والتقدير: كفى الاكتفاء و " بالله " على هذا في ~~موضع نصب؛ لأنه مفعول به في المعنى، وهذا رأي ابن السراج، ورد هذا ~~بأن إعمال المصدر المحذوف لا يجوز عند البصريين إلا ضرورة كقوله: ~~[البسيط] # 1758- هل تذكرون إلى الديرين هجرتكم # ومسحكم صلبكم رحمان قربانا # أي قولكم: يا رحمان قربانا، وقال أبو حيان: وقيل: ms2416 الفاعل مضمر، وهو ~~ضمير الاكتفاء أي: كفى هو أي: الاكتفاء، و " الباء " ليست زائدة، فيكون ~~في موضع نصب ويتعلق أنذاك بالفاعل، وهذا الوجه لا يسوغ على مذهب ~~البصريين، لأنه لا يجوز عندهم إعمال المصدر مضمرا، وإن عني بالإضمار ~~الحذف امتنع عندهم أيضا لوجهين: حذف الفاعل، وإعمال المصدر محذوفا ~~وإبقاء معموله، وفيه نظر؛ إذ لقائل أن يقول: إذا قلنا بأن فاعل " كفى " ~~مضمر لا نعلق " بالله " بالفاعل حتى يلزم ما ذكر بل نعلقه بنفس الفعل ~~كما تقدم. # وقال ابن عيسى: إنما دخلت الباء في " كفى بالله "؛ لأنه كان ~~يتصل اتصال الفاعل [وبدخول الباء اتصل] اتصال المضاف، واتصال ~~الفاعل، لأن الكفاية منه ليست كالكفاية من غيره فضوعف لفظها لمضاعفة ~~معناها، ويحتاج إلى فكر. # قوله: { حسيبا } فيه وجهان: # أصحهما: أنه تمييز يدل على ذلك صلاحية دخول " من " عليه، وهي ~~علامة التمييز. # والثاني: أنه حال. # و " كفى " هاهنا متعدية لواحد، وهو محذوف تقديره: " وكفاكم الله ". # وقال أبو البقاء: " وكفى " يتعدى إلى مفعولين حذفا هنا تقديره: ~~كفاك الله شرهم بدليل قوله: # فسيكفيكهم الله # [البقرة: 137] والظاهر أن معناها غير معنى هذه. # قال أبو حيان بعد أن ذكر أنها متعدية لواحد: وتأتي بغير هذا المعنى ~~متعدية إلى اثنين كقوله: # فسيكفيكهم الله # [البقرة: 137] وهو محل نظر. # قال ابن الأنباري والأزهري: يحتمل أن يكون الحسيب بمعنى المحاسب، وأن ~~يكون بمعنى الكافي، فمن الأول قولهم للرجل تهديدا: حسبه الله، ~~[ومعناه: يحاسبه] الله على ما يفعل من الظلم، ومن الثاني قولهم: حسبك ~~الله، أي: كافيك الله وهذا وعيد سواء فسرنا الحسيب بالمحاسب، أو ~~بالكافي. ### || [4.7] # لما ذكر تعالى أمر اليتامى، وصله بذكر المواريث، وهذا هو النوع ~~الرابع من الأحكام المذكورة في هذه السورة، ويكون ما يتعلق بالمواريث. # قال ابن عباس: سبب نزول هذه الآية # " أن أوس بن ثابت الأنصاري توفي عن ثلاث بنات وامرأة، فجاء رجلان من ~~بني عمه وهما وصيان له يقال لهما: سويد وعرفجة فأخذا ماله، ولم ~~يعطيا امرأته ولا بناته شيئا وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ~~ولا ms2417 الصغار، وإن كان الصغير ذكرا إنما كانوا يورثون الرجال، ويقولون ~~لا يعطى إلا من قاتل، وطاعن بالرمح، وحاز القسمة وذب عن الحوزة، ~~فجأت أم كحة فقالت: يا رسول الله إن أوس بن ثابت مات، وترك علي ~~بنات، وأنا امرأته ليس عندي ما أنفق عليهن وقد ترك أبوهن مالا حسنا، ~~وهو عند سويد وعرفجة، ولكم يعطياني ولا بناتي شيئا وهن في حجري لا ~~يطعمن ولا يسقين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ارجعي إلى بيتك ~~حتى أنظر فيما يحدث الله في أمرك ". فدعاهما رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فقالا: يا رسول الله ولدها لا يركب فرسا، ولا يحمل كلا، ~~ولا ينكأ عدوا فأنزل الله تعالى: { للرجال نصيب مما ~~ترك الوالدان والأقربون } يعني للذكور مما ترك أولاد ~~الميت وأقربائه { نصيب } حظ { مما ترك الوالدان ~~والأقربون } من الميراث، { وللنسآء } نصيب، ولكنه تعالى لم ~~يبين المقدار في هذه الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا ~~تفرقا من مال أوس بن ثابت شيئا فإن الله عز ~~وجل جعل لبناته نصيبا مما ترك، ولم يبين كم ~~هو حتى أنظر ما ينزل فيهن " فأنزل الله - عز وجل -: ~~{ يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ ~~الأنثيين } [النساء: 11] فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~سويد وعرفجة أن ادفعا إلى أم كحة الثمن وإلى بناته الثلثين، ~~ولكما باقي المال، " # فهذا هو الكلام في سبب نزول هذه الآية. # بين الله تعالى أن للنساء حقا في الميراث خلافا لعادة العرب في ~~الجاهلية وذكره مجملا أولا ثم بينه بعد ذلك على سبيل ~~التدريج؛ لأن النقل عن العادة يشق، فقال لهما: " ادفعا إليها نصيب ~~بناتها الثلثين ولكما باقي المال ". # قوله: { مما ترك } هذا الجار في محل رفع؛ لأنه صفة للمرفوع ~~قبله أي: نصيب كائن أو مستقر، ويجوز أن يكون في محل نصب متعلقا ~~بلفظ " نصيب " لأنه من تمامه. وقوله { مما قل } [و] في هذا الجار ~~أيضا وجهان: # أحدهما: أنه بدل من " ما " الأخيرة في " مما ترك " بإعادة حرف ms2418 الجر في ~~البدل، والضمير في " منه " عائد على " ما " الأخيرة، وهذا البدل مراد ~~أيضا في الجملة الأولى حذف للدلالة عليه، ولأن المقصود بذلك التأكيد؛ ~~لأنه تفصيل للعموم المفهوم من قوله { مما ترك } فجاء هذا البدل ~~مفصلا لحالتيه من الكثرة والقلة. # والثاني: أنه حال من الضمير المحذوف من " ترك " أي: مما تركه ~~قليلا، أو كثيرا، أو مستقرا مما قل. # فصل # قال القرطبي: استدل علماؤنا بهذه الآية على قسم المتروك على ~~الفرائض، فإن كانت القسمة لغير المتروك عن حاله كالحمام الصغير، ~~والدار التي تبطل منافعها بإقرار أهل السهام فيها فقال مالك: يقسم ذلك، ~~وإن لم ينتفع أحدهم بنصيبه لقوله تعالى { مما قل منه أو ~~كثر نصيبا مفروضا } [النساء: 7] وبه قال الشافعي وأبو ~~حنيفة. # قال أبو حنيفة: في الدار الصغيرة يكون بين اثنين فطلب أحدهما ~~القسمة، وأبى صاحبه قسمت له. # وقال ابن أبي ليلى: إن كان فيهم من لا ينتفع بقسمه، فلا يقسم، وكل ~~قسم يدخل فيه الضرر على أحدهما، دون الآخر فإنه لا يقسم، وهو قول أبي ~~ثور. # وقال ابن المنذر: وهو أصح القولين. # قوله: { نصيبا مفروضا } فيه أوجه: # أحدها: أن " نصيبا " ينتصب على أنه واقع موقع المصدر، والعامل فيه ~~معنى ما تقدم إذ التقدير عطاء أو استحقاقا، وهذا معنى قول من ~~يقول منصوب على المصدر المؤكد. # قال الزمخشري: كقوله: # فريضة من الله # [النساء: 11] كأنه قيل: قسمة مفروضة، وقد سبقه الفراء إلى هذا، ~~قال: نصب؛ لأنه أخرج مخرج المصدر؛ ولذلك وحده كقولك: له ~~علي كذا حقا لازما، ونحوه # فريضة من الله # [النساء: 11]، ولو كان اسما صحيحا لم ينصب، لا تقول: لك علي حق ~~درهما. # الثاني: أنه منصوب على الحال ويحتمل أن يكون صاحب الحال الفاعل في ~~" قل " أو " كثر " ، ويحتمل أن يكون " نصيب " ، وإن كان نكرة ~~لتخصصه إما بالوصف، وإما بالعمل والعامل في الحال الاستقرار ~~الذي في قوله: { للرجال نصيب } ، وإلى نصبه حالا ذهب ~~الزجاج ومكي قالا: المعنى لهؤلاء أنصباء على ما ذكرناها في حال ~~الفرض. # الثالث: أنه منصوب على الاختصاص بمعنى: ms2419 أعني نصيبا، قاله ~~الزمخشري. # قال أبو حيان: إن عنى الاختصاص المصطلح عليه فهو مردود بكونه ~~نكرة، وقد نصوا على اشتراط تعريفه. # الرابع: النصب بإضمار فعل أي: أوجبت أو جعلت لهم نصيبا. # الخامس: أنه مصدر صريح أي نصبته نصيبا. # فصل دلالة الآية على توريث ذوي الأرحام # قال أبو بكر الرازي: هذه الآية تدل على توريث ذوي الأرحام: ~~لأن العمات والأخوال، والخالات، وأولاد البنات من القربين، فوجب ~~دخولهم تحت قوله { للرجال نصيب مما ترك ~~الوالدان والأقربون } أقصى ما في الباب أن قدر ذلك النصيب ~~غير مذكور في هذه الآية إلا أنا نثبت كونهم مستحقين لأصل النصيب ~~بهذه الآية، وأما المقدار فنستفيده من سائر الدلائل. # فصل # معنى " مفروضا " أي: مقطوعا واجبا وأصل الفرض: الحز والتأثير، ~~ولذلك سمي الحز الذي في سية القوس، فرضا، والحز الذي في ~~القداح يسمى أيضا فرضا، وهو علامة لتميز بينها وبين غيرها، والفرضة ~~علامة في مقسم الماء يعرف بها كل ذي حق حقه من الشرب، فهذا أصل ~~الفرض في اللغة، ولهذا سمى أصحاب أبي حنيفة الفرض [به] ما ثبت ~~بدليل قطعي، والواجب ما ثبت بدليل ظني، قالوا إن الفرض عبارة ~~عن الحز والقطع، والواجب عبارة عن السقوط يقال: وجبت الشمس: إذا ~~سقطت وسمعت وجبة يعني: سقطة، قال تعالى: # فإذا وجبت جنوبها # [الحج: 36] أي: سقطت، وتأثير القطع أقوى من تأثير السقوط. # قال ابن الخطيب: وهذا التقرير يقضي عليهم بأن الآية ما تناولت ذوي ~~الأرحام [لأن توريث ذوي الأرحام ليس من باب ما عرف بدليل] قاطع بإجماع ~~الأمة، فلم يكن توريثهم فرضا، والآية إنما تناولت التوريث ~~المفروض فلزم القطع بأن هذه الآية ما تناولت ذوي الأرحام. ### || [4.8] # اختلفوا في المراد بهذه القسمة على ثلاثة أقوال: # القول الأول: أن المراد بها في قسمة الميراث، واختلف القائلون ~~بهذا القول، هل المراد به لوجوب أو الندب؟ فالقائلون بالوجوب ~~اختلفوا، فقال سعيد بن المسيب والضحاك: كانت هذه قبل آية ~~المواريث، فلما نزلت آية المواريث جعلت المواريث لأهلها ~~ونسخت هذه الآية, وقال ابن عباس والشعبي والنخعي ms2420 ~~والزهري: وهي محكمة. # قل مجاهد: وهي واجبة على أهل الميراث ما طالت به أنفسهم. # قال الحسن: كانوا يعطون التابوت والأواني ورث الثياب والمتاع ~~والشيء الذي يستحيا من قسمته، وإن كان بعض الورثة صغارا فقد ~~اختلفوا فيه، قل ابن عباس وغيره: إن كانت الورثة كبارا رضخوا لهم، ~~وإن كانت الورثة صغارا اعتذروا إليهم، فيقول الولي: إني لا أملك ~~هذا المال إنما هو الصغار، ولو كان لي منه شيء لأعطيتكم. # وقال بعضهم: ذلك حق واجب في أموال الصغار والكبار، فإن كانوا ~~كبارا تولوا إعطاءهم وإن كانوا صغارا أعطى وليهم، وروى محمد ~~بن سيرين أن عبيدة السلماني قسم أموال أيتام، وأمر بشاة فذبحت ~~فصنع لهم طعاما لأجل هذه الآية، وقال: لولا هذه الآية لكان هذا من مالي. # وقال قتادة عن يحيى بن معمر: ثلاث آيات محكمات مذنيات تركهن ~~الناس، هذه الآية، وآية الاستئذان # يأيها الذين ءامنوا ليستأذنكم الذين ملكت ~~أيمنكم # [النور: 58] وقوله: # يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى # [الحجرات: 13]. # وقال آخرون: ذلك على سبيل الندب إذا كان الورثة كبارا، فإن كانوا ~~صغارا فليس إلا القول المعروف، وهذا هو الذي عليه فقهاء الأمصار ~~لأنه لو كان لهم حق معين لبينه الله - تعالى - كسائر الحقوق، ولو ~~كان واجبا لتوفرت الدواعي على نقله لشدة حرص الفقراء والمساكين على ~~تقريره، ولو كان كذلك لنقل على سبيل التواتر. # القول الثاني: أن المراد بالقسمة الوصية فإذا [حضرها من لا يرث] ~~من الأقرباء اليتامى والمساكين أمر الله تعالى الوصي أن يجعل لهم ~~نصيبا من تلك الوصية ويقول لهم مع ذلك قولا معروفا. # القول الثالث: أن قوله: { وإذا حضر القسمة أولوا ~~القربى } بين الذين يرثون والمراد من اليتامى والمساكين أي: ~~الذين لا يرثون ثم قال: { فارزقوهم منه } أنه راجع إلى أولي ~~القربى الذين يرثون. [وقوله: { وقولوا لهم قولا معروفا } ~~راجع إلى اليتامى والمساكين الذين لا يرثون]. وهذا القول محكي عن ~~سعيد بن جبير، وقدم اليتامى على المساكين، لأن ضعفهم أكثر وحاجتهم ~~أشد فكان وضع الصدقات أفضل وأعظم في الأجر. # قوله: ms2421 { فارزقوهم منه }. # في هذا الضمير ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه يعود على المال، لأن القسمة تدل عليه بطريق الالتزام. # الثاني: أنه يعود على " ما " في قوله: { مما ترك }. # الثالث: أنه يعود على نفس القسمة، وإن كان مذكرا مراعاة ~~للمعنى إذ المراد بالقسمة الشيء المقسوم، وهذا على رأي من يرى ذلك، ~~وأما من يقول: القسمة من الاقتسام كالخبرة من الاختبار أو بمعنى ~~القسم فلا يتأتى ذلك. ### || [4.9] # قرأ الجمهور بسكون اللام في الأفعال الثلاثة وهي لام الأمر، ~~والفعل بعدها مجزوم بها، وقرأ الحسن وعيسى بن عمر بكسر اللام ~~في الأفعال الثلاثة وهو الأصل، والإسكان تخفيف إجراء للمنفصل ~~مجرى المتصل، فإنهم شبهوا " وليخش " ب " كيف " وهذا ما تقدم ~~الكلام في نحو: " وهي " و " لهي " في أول البقرة. # قال القرطبي: حذفت الأولف من { وليخش } للجزم بالأمر، ولا يجوز عند ~~سيبويه إضمار لام الأمر قياسا على حروف الجر إلا ضرورة شعر، وأجاز ~~الكوفيون حذف اللام مع الجزم. # وأنشدوا: [الوافر] # 1759- محمد تفد نفسك كل نفس # إذا ما خفت من شيء تبالا # أراد لتفد وهو مفعل " يخشى " محذوف لدلالة الكلام عليه، و " لو " هذه ~~فيها احتمالان: # أحدهما: أنها على بابها من كونها حرفا لما كان سيقع لوقوع غيره أو ~~حرف امتناع لامتناع على اختلاف العبارتين. # والثاني: أنها بمعنى " إن " الشرطية وإلى الاحتمال الأول ذهب ~~ابن عطية والزمخشري. # قال الزمخشري: فإن قلت ما معنى وقوع { لو تركوا } وجوابه صلة ~~ل " الذين " قلت: معناه: وليخش الذين صفتهم وحالهم أنهم لو ~~شارفوا أن يتركوا خلفهم ذرية ضعافا، وذلك عند احتضارهم خافوا ~~عليهم الضياع بعدهم لذهاب كافلهم وكاسبهم كما قال القائل: [الوافر] # 1760- لقد زاد الحياة إلي حبا # بناتي إنهن من الضعاف # أحاذر أن يرين البؤس بعدي # وأن يشربن رنقا بعد صافي # وقال ابن عطية تقديره: لو تركوا لخافوا، ويجوز حذف اللام من جواب " ~~لو " ووجه التمسك بهذه العبارة أنه جعل اللام مقدرة في جوابها، ~~ولو كانت " لو " بمعنى " إن " الشرطية لما جاز ذلك، وقد صرح ~~غيرهما بذلك فقال: { لو تركوا } " لو ms2422 " يمتنع بها الشيء ~~لامتناع غيره، و " خافوا " جواب " لو ". # وإلى الاحتمال الثاني ذهب أبو البقاء وابن مالك، قال ابن ~~مالك: " لو " هنا شرطية بمعنى " إن " فتقلب الماضي إلى معنى ~~الاستقبال، والتقدير: وليخش الذين إن تركوا ولو وقع بعد " لو " هذه ~~مضارع كان مستقبلا كما يكون بعد " إن " وأنشد: [الكامل] # 1761- لا يلفك الراجوك إلا مظهرا # خلق الكرام ولو تكون عديما # أي: وإن تكن عديما، ومثل هذا البيت قول الآخر: [البسيط] # 1762- قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم # دون النساء ولو باتت بأطهار # والذي ينبغي أن تكون على بابها كونها تعليقا في الماضي، وإنما ~~حمل ابن مالك، وأبا البقاء على جعلها بمعنى " إن " توهم أنه ~~لما أمر بالخشية - والأمر مستقبل ومتعلق الأمر موصول لم يصح أن ~~تكون الصلة ماضية على تقدير دلالته على العدم الذي ينافي امتثال ~~الأمر، وحسن مكان " لو " لفظ " إن " ولأجل هذا التوهم لم يدخل ~~الزمخشري " لو " على فعل مستقبل، بل أتى بفعل ماض مسند للموصول حالة ~~الأمر فقال: " وليخش الذين صفتهم وحالهم أنهم لو شارفوا أن يتركوا ". # قال أبو حيان: " وهو الذي توهموه لا يلزم، إلا إن كانت ~~الصلة ماضية في المعنى واقعة بالفعل، إذا معنى { لو تركوا من خلفهم ~~} أي: ماتوا فتركوا من خلفهم، فلو كان كذلك للزم التأويل في " لو " ~~أن تكون بمعنى " إن " إذ لا يجامع الأمر بإيقاع فعل من مات بالفعل، ~~فإذا كان ماضيا على تقدير فيصح أن يقع صلة وأن يكون ~~العامل في الموصول الفعل المستقبل نحو قولك: ليزرنا الذي لو مات أمس ~~لبكيناه ". انتهى. # وأما البيتان المتقدمان فلا يلزم من صحة جعلها فيهما بمعنى ~~" إن " أن تكن في الآية كذلك؛ لأنا في البيتين نضطر إلى ذلك، أما ~~البيت الأول فلأن جواب " لو " محذوف مدلول عليه بقوله: " لا يلفك " ~~وهو نهي، والنهي مستقبل فلذلك كانت " لو " تعليقا في ~~المستقبل. # وأما البيت الثاني فلدخول ما بعدها في حيز " إذا " ، و " إذا " ~~للمستقبل. ومفعول { وليخش } محذوف أي: وليخش الله. # ويجوز أن تكون المسألة من باب التنازع فإن ms2423 { وليخش } يطلب ~~الجلالة، وكذلك { فليتقوا } فيكون من إعمال الثاني للحذف من ~~الأول. # قوله: { من خلفهم } فيه وجهان: # أظهرهما: أنه متعلق ب " تركوا " ظرفا له. # والثاني: أنه متعلق بمحذوف؛ لأنه حال من " ذرية "؛ لأنه ~~في الأصل صفة نكرة قدمت عليها فجعلت حالا. # قوله: { ضعافا } ، أمال حمزة: ألف { ضعافا } ولم يبال بحرف ~~الاستعلاء لانكساره ففيه انحدار فلم ينافر الإمالة. # وقرأ ابن محيصن " ضعفا " بضم الضاد والعين وتنوين الفاء، ~~والسلمي وعائشة " ضعفاء " بضم الضاد وفتح العين والمد، وهو جمع مقيس ~~في فعيل صفة نحو: ظريف وظرفاء وكريم وكرماء، وقرئ " ضعافى " ~~بالفتح والإمالة نحو: سكارى، وظاهر عبارة الزمخشري أنه قرئ " ~~ضعافى " بضم الضاد مثل سكارى فإنه قال: " وقرئ ضعفاء، ~~وضعافى وضعافى نحو سكارى وسكارى " , فيحتمل أن يريد أنه قرئ ~~بضم الضاد وفتحها، ويحتمل أن يريد أنه قرئ " ضعافى " بفتح ~~الضاد دون إمالة، و " ضعافى " بفتحها مع الإمالة [كسكارى بفتح ~~اسلين دون إمالة، وسكارى بفتحها مع الإمالة]، والظاهر الأول، ~~والغالب على الظن أنها لم تنقل قراءة. # قوله: { خافوا عليهم }. أمال حمزة ألف " خافوا " للكسرة ~~المقدرة في الألف، إذ الأصل " خوف " بكسر العين؛ بدليل فتحها في ~~المضارع نحو: " يخاف ". # وعلل أبو البقاء وغيره ذلك بأن الكسر قد يعرض في حال من ~~الأحوال وذلك إذا أسند الفعل إلى ضمير المتكلم، أو إحدى ~~أخواته نحو: خفت وخفنا، والجملة من " لو " وجوابها صلة " ~~الذين ". # فصل # اختلفوا في المعني على أقوال: # أحدها: أنها في الرجل يحضره الموت فيقول من في حضرته: انظر ~~لنفسك فإن أولادك ورثتك لا يغنون عنك من الله شيئا. قدم لنفسك، ~~أعتق، وتصدق، وأعط فلانا كذا، وفلانا كذا، حتى يأتي على ~~عامة ماله، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، وأمرهم أن يأمروه بأن ينظر ~~لولده ولا يزيد في وصيته على الثلث فيكون خطابا للحاضرين عند ~~الميت. فقيل لهم: كما أنكم تكرهون بقاء أولادكم في الضعف، والجوع ~~فاخشوا الله، ولا تحملوا المريض على أن يحرم أولاده الضعفاء ~~ماله، ومعناه كما أنك لا ترضى لنفسك مثل هذا الفعل فلا ترضاه ms2424 لأخيك ~~المسلم. # وثانيها: أنه خطاب للمريض بحضرة الموت ويريد الوصية للأجانب، ~~فيقول له من يحضره: اتق الله وأمسك مالك على ولدك مع أن القائل ~~له يجب أن يوصي له. # وثالثها: أنه خطاب لمن قرب أجله ويكون المقصود نهيه عن تكثير ~~الوصية، لئلا تضيع ورثته بعد موته، فإن كانت هذه الآية نزلت قبل ~~تقدير الوصية بالثلث، كان المراد بها ألا يستغرق التركة ~~بالوصية، وإن كانت نزلت بعد تقدير الوصية بالثلث كان المراد ~~منها ألا يوصي أيضا بالثلث بل ينقص إذا خاف على ذريته، وهذا ~~مروي عن كثير من الصحابة. # رابعها: أن هذا خطاب لأولياء اليتيم، قال الكلبي: كأنه ~~يقول من كان في حجره فليحسن إليه بما يجب أن يفعل بذريته من ~~بعده. # قال القاضي: وهذا أليق بما تقدم وتأخر من الآيات الواردة في ~~الأيتام. # قوله: { فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا }. # أي فليتقوا الله في الأمر الذي تقدم ذكره، والاحتياط فيه، وليقولوا ~~قولا سديدا، والقول السديد هو العدل والصواب من القول. # قال الزمخشري: القول السديد من الأوصياء أن لا يؤذوا اليتامى ~~ويكلموهم كما يكلمون أولادهم بالترحيب ويخاطبوهم: يا بني، ويا ولدي، ~~والقول السديد من الجالسين إلى المريض أن يقولوا: لا تسرف في وصيتك ولا ~~تجحف بأولادك [مثل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد] والقول ~~السديد من الورثة حال قسمة الميراث للحاضرين الذين لا يرثون أن ~~يلطفوا إليهم القول ويخصوهم بالإكرام. ### || [4.10] # قال مقاتل بن حيان: نزلت في رجل من غطفان يقال له مرثد بن ~~زيد ولي مال ابن أخيه وهو يتيم صغير، فأكله فأنزل الله ~~هذه الآية. # قوله: { ظلما } فيه وجهان: # أحدهما: أنه مفعول من أجله، وشروط النصب موجودة. # الثاني: أنه مصدر في محل نصب على الحال أي: يأكلونه ~~ظالمين والجملة من قوله: { إنما يأكلون } هذه الجملة في محل رفع ~~ل " إن " ، وفي ذلك خلاف. # قال أبو حيان: وحسنه هنا وقوع [اسم] " أن " موصولا فطال الكلام ~~بصلة الموصول فلما تباعد ما بينهما لم يبال بذلك، وهذا أحسن من ~~قولك: " إن ms2425 زيدا إن أباه منطلق " ، ولقائل أن يقول: ليس فيها ~~دلالة على ذلك؛ لأنها مكفوفة ب " ما " ومعناها الحصر فصارت مثل قولك، ~~في المعنى: " إن زيدا ما انطلق إلا أبوه " وهو محل نظر. # قوله: { في بطونهم } فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلق ب { ~~يأكلون } أي: بطونهم أوعية للنار، إما حقيقة: بأن ~~يخلق الله لهم نارا يأكلونها في بطونهم، أو مجازا بأن ~~أطلق المسبب وأراد السبب لكونه يفضي إليه ويستلزمه، كما ~~يطلق اسم أحد المتلازمين على الآخر كقوله: # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40]. # قال القاضي: وهذا أولى؛ لأن الإشارة فيه إلى كل واحد. # والثاني: أنه متعلق بمحذوف؛ لأنه حال من " نارا " وكان ~~في الأصل صفة للنكرة فلما قدمت انتصبت حالا. # وذكر أبو البقاء هذا الوجه عن أبي علي في " تذكرته " ، ~~وحكى عنه أنه منع أن يكون ظرفا ل { يأكلون } فإنه قال: { ~~في بطونهم نارا } حال من نار، أي: نار كائنة في ~~بطونهم، وليس بظرف ل { يأكلون } ذكره في " التذكرة ~~". # وفي قوله: " والذي يخص هذا الموضع " فيه نظر، فإنه كما ~~يجوز أن يكون { في بطونهم } حالا من " نار " هنا يجوز أن يكون ~~حالا من " النار " في البقرة، وفي [إبداء] الفرق عسر، ولم يظهر ~~[منع أبي علي كون { في بطونهم } ظرفا للأكل وجه ظاهر فإن ~~قيل: الأكل لا يكون إلا] في البطن فما فائدة قوله: { إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا }؟. # فالجواب أن المراد به التأكيد والمبالغة كقوله: # يقولون بأفواههم # [آل عمران: 167] والقول لا يكون إلا بالفم، وقوله: # ولكن تعمى القلوب التي في الصدور # [الحج: 46] والقلب لا يكون إلا في الصدر، وقوله: # ولا طائر يطير بجناحيه # [الأنعام: 38] والطيران لا يكون إلا بالجناح. # فصل في جواز الأكل من مال اليتيم # هذه الآية توكيد للوعيد المتقدم لأكل مال اليتيم، وخص الأكل ~~بالظلم، فأخرج الأكل بغير الظلم مثل أكل الولي بالمعروف من مال ~~اليتيم، وإلا لم يكن لهذا التخصيص فائدة. # فصل في حرمة جميع الإتلافات لمال اليتيم # ذكر تعالى الأكل إلا أن المراد منه كل أنواع الإتلافات فإن ضرر ms2426 ~~اليتيم لا يختلف بأن يكون إتلاف مال بالأكل، أو بطريق آخر، ~~وإنما ذكر الأكل، وأراد به كل التصرفات المتلفة ~~لوجوه: # أحدها: أن عامة أموال اليتامى في ذلك الوقت هو الأنعام التي ~~يؤكل لحومها ويشرب ألبانها فخرج الكلام على عاداتهم. # وثانيها: أنه جرت العادة فيمن أنفق ماله في وجوه مراداته ~~خيرا كانت أو شرا أنه يقال: إنه أكل ماله. # وثالثها: أن الأكل هو المعظم فما يبتغي من التصرفات. # قوله: { وسيصلون سعيرا } ، قرأ الجمهور بفتح الياء واللام، ~~وابن عامر وأبو بكر بضم الياء مبنيا من الثلاثي، ~~ويحتمل أن يكون من أصلي فلما بني للمفعول قام الأول ~~مقام الفاعل، وابن أبي عبلة بضمهما مبنيا للفاعل الرباعي، والأصل ~~على هذه القراءة: سيصلون من أصلي مثل يكرمون من أكرم، فاستثقلت ~~الضمة على الياء فحذفت، فالتقى الساكنان فحذف أولهما وهو ~~الياء وضم ما قبل الواو ليصح و " أصلى " يحتمل أن تكون الهمزة ~~فيه للدخول في الشيء، فيتعدى لواحد وهو { سعيرا } ، وأن ~~تكون للتعدية، فالمفعول محذوف أي: يصلون أنفسهم سعيرا. # وأبو حيوة بضم الياء وفتح الصاد واللام مشددة مبنيا ~~للمفعول من صلى مضعفا. # قال أبو البقاء: والتضعيف للتكثير. # والصلي: الإيقاد بالنار، يقال: صلي بكذا - بكسر العين - وقوله ~~{ لا يصلاهآ } أي: يصلى بها. # وقال الخليل: صلي الكافر النار أي: قاسى حرها وصلاه ~~النار وأصلاه غيره، هكذا قال الراغب. وظاهر العبارة ~~أن فعل وأفعل [بمعنى]، يتعديان إلى اثنين ثانيهما بحرف الجر، ~~وقد يحذف. # وقال غيره: " صلي بالنار أي: تسخن بقربها " ف { سعيرا } ~~على هذا منصوب على إسقاط الخافض. ويدل على أن أصل " يصلاها ~~" يصلى بها قول الشاعر: [الطويل] # 1763- إذا أوقدوا نارا لحرب عدوهم # فقد خاب من يصلى بها وسعيرها # وقيل: صليته النار: أدنيته منها، فيجوز أن يكون منصوبا ~~من غير إسقاط خافض. # قال الفراء: الصلى: اسم الوقود وهو الصلاء إذا كسرت مدت، وإذا ~~فتحت قصرت، ومن ضم الياء فهو من قولهم: أصلاه الله حر ~~النار إصلاء، قال: # فسوف نصليه نارا # [النساء: 30] وقال: # سأصليه سقر # [المدثر: 26]. # وقال أبو زيد: يقال: ms2427 صلي الرجل النار يصلاها صلى ~~وصلاء، وهو صالي النار، وقوم صالون وصلاء، قال تعالى: # إلا من هو صال الجحيم # [الصافات: 163] وقال: # أولى بها صليا # [مريم: 70] والسعير في الأصل الجمر المشتعل، وسعرت النار ~~أوقدتها، ومنه: مسعر حرب، على التشبيه، والمسعر: الآلة ~~التي تحرك بها النار. # فصل # روي أنه لما أنزلت هذه الآية ثقل ذلك على الناس فاحترزوا عن ~~مخالطة اليتامى بالكلية، فصعب الأمر على اليتامى، فنزل قوله تعالى: # وإن تخالطوهم فإخوانكم # [البقرة: 220] وزعم بعضهم أن هذه الآية صارت منسوخة بتلك وهو بعيد؛ ~~لأن هذه الآية في المنع من الظلم وهذا لا يصير منسوخا، بل المقصود ~~أن مخالطة أموال اليتامى إن كان على وجه الظلم فهو إثم عظيم كما في ~~هذه الآية، وإن كان على وجه الإحسان والتربية فهو من أعظم [أبواب] ~~البر، لقوله: # وإن تخالطوهم فإخوانكم # [البقرة: 220]. ### || [4.11] # في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان: # الأول: أنه تعالى لما بين الحكم في مال الأيتام وما على ~~الأولياء فيه، بين في هذه الآية كيفية تملك الأيتام المال بالإرث. # الثاني: أنه لما بين حكم الميراث مجملا في قوله: # للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون # [النساء:7] فذكر هنا تفصيل ذلك المجمل. # فصل # اعلم أن الوراثة كانت في الجاهلية بالذكورة والقوة، وكانوا ~~يورثون الرجال دون النساء والصبيان، فأبطل الله ذلك بقوله: # للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ~~وللنسآء نصيب # [النساء: 7] الآية. وكانت أيضا في الجاهلية وابتداء الإسلام ~~بالمخالطة، قال تعالى: # والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم # [النساء: 33]. # ثم صارت الوراثة بالهجرة، قال تعالى: # والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم ~~من شيء # [الأنفال: 72] فنسخ الله ذلك كله بقوله: # وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب ~~الله # [الأنفال: 75] وصارت الوراثة بأحد الأمور الثلاثة: النسب، أو النكاح، ~~أو الولاء. # وقيل: كانت الوراثة أيضا بالتبني، فإن الرجل منهم كان يتبنى ~~ابن غيره فينسب إليه دون أبيه من النسب فيرثه، وهو نوع من ~~المعاهدة المتقدمة، وكذلك بالمؤاخاة. # وقال بعض العلماء: لم ينسخ شيء من ذلك بل قررهم الله عليه ms2428 فقوله: # ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان ~~والأقربون # [النساء: 33] المراد التوارث بالنسب ثم قال: # والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم # [النساء:33] [ ليس المراد منه النصيب من المال، بل المراد فآتوهم نصيبهم ~~من النصرة] والنصيحة وحسن العشرة. # فصل: سبب نزول الآية # " روى عطاء قال: استشهد سعد بن الربيع النقيب، وترك ابنتين ~~وامرأة وأخا، فأخذ الأخ المال كله، فأتت المرأة إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد، وإن سعدا ~~قتل، وأن عمهما أخذ مالهما، فقال عليه السلام: " ارجعي فلعل ~~الله سيقضي [فيه] " ثم إنها عادت إليه بعد مدة وبكت، فأنزل ~~الله هذه الآية، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمهما، وقال له: ~~" أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن وما ~~بقي فهو لك " # فهذا أول ميراث قسم في الإسلام. # وقال مقاتل والكلبي: نزلت في أم كحة امرأة أوس بن ثابت ~~وبناته. # " وروى جابر قال: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريض لا ~~أعقل فتوضأ فصب علي من وضوئه فقلت: يا رسول الله لمن ~~الميراث، وإنما يرثني كلالة " # فنزلت آية الفرائض. # فصل # قال القفال: قوله تعالى: { يوصيكم الله في أولادكم } ~~أي: يقول لكم قولا يوصلكم إلى إيفاء حقوق أولادكم بعد موتكم، وأصل ~~الإيصاء هو الإيصال يقال: وصى يصي إذا وصل، فإذا قيل: أوصاني، ~~فمعناه: أوصلني إلى علم ما أحتاج إلى علمه، وكذلك وصى وهو على ~~المبالغة. # وقال الزجاج: معنى قوله هاهنا { يوصيكم } أي: يفرض عليكم؛ ~~لأن الوصية من الله إيجاب لقوله بعد نصه على المحرمات # ذلكم وصاكم به # [الأنعام: 151]. # وقرأ الحسن وأبي عبلة { يوصيكم } بالتشديد، وقد تقدم أن ~~أوصى ووصى لغتان. # قوله: { في أولادكم } قيل: ثم مضاف محذوف أي: في أولاد ~~موتاكم. # قالوا: لأنه لا يجوز أن يخاطب الحي بقسمة الميراث في ~~أولاده، ويفرض عليه ذلك. # وقال بعضهم: إن قلنا إن معنى { يوصيكم } " يبين لكم " لم يحتج إلى ~~هذا التقدير، وقدر بعضهم قبل: { أولادكم } مضافا، أي: في ~~شأن أولادكم، أو في أمر أولادكم. # قوله: { للذكر ms2429 مثل } هذه الجملة من مبتدأ وخبر، يحتمل أن ~~تكون في محل نصب ب " يوصي "؛ لأن المعنى: يفرض لكم، أو ~~يشرع في أولادكم، كذا قاله أبو البقاء، وهذا يقرب من مذهب ~~الفراء، فإنه يجري ما كان بمعنى القول مجراه في حكاية الجمل، ~~فالجملة في موضع نصب ب " يوصيكم ". # وقال مكي: { للذكر مثل حظ } ابتداء وخبر في موضع نصب ~~تبيين للوصية وتفسير لها. # وقال الكسائي: ارتفع " مثل " على حذف " أن " تقديره: أن للذكر ~~مثل حظ، وبه قرأ ابن ابيب عبلة، ويحتمل ألا يكون لها محل من ~~الإعراب، بل جيء بها للبيان والتفسير فهي جملة مفسرة للوصية، ~~وهذا أحسن وجار على مذهب البصريين، وهو ظاهر عبارة الزمخشري، فإنه ~~قال: وهذا إجمال تفصيله { للذكر مثل حظ الأنثيين }. # وقوله: { للذكر } لا بد من ضمير يعود على { أولادكم } من ~~هذه الجملة، فيحتمل أن يكون مجذوفا أي: للذكر منهم نحو: " السمن ~~منوان بدرهم " قاله الزمخشري، ويحتمل أن يكون قام مقام الألف واللام ~~عند من يرى ذلك، والأصل: لذكرهم و " مثل " صفة لموصوف محذوف أي: ~~للذكر منهم حظ مثل حظ الأنثيين. # فإن قيل: لا يقال في اللغة: أوصيك لكذا، فكيف قال هنا: { يوصيكم ~~الله في أولادكم للذكر }؟. # فالجواب: أنه لما كانت الوصية قولا، فلهذا قال بعد قوله: { ~~يوصيكم الله } قولا مستأنفا وهو قوله: { للذكر مثل ~~حظ الأنثيين } ونظيره قوله تعالى: # وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم ~~مغفرة # [الفتح: 29] أي: قال لهم مغفرة؛ لأن الوعد قول. # فصل # اعلم أنه تعالى بدأ بذكر ميراث الأولاد؛ لأن تعلق الإنسان بولده ~~أشد التعلقات، وللأولاد حال من انفراد وحال اجتماع مع الوالدين. # فحال الانفراد [ثلاثة] إما أن يكونوا ذكورا و إناثا، أو ذكورا ~~فقط، أو إناثا فقط، فإن كانوا ذكورا وإناثا فقد بين الله ~~تعالى حكمهم بقوله: { للذكر مثل حظ الأنثيين } فبين ~~تعالى أن للذكر مثل ما للأنثى مرتين. # قوله: { فإن كن نسآء } الضمير في " كن " يعود على الإناث ~~اللاتي شملهن قوله: { في أولادكم }. # فإن التقدير: في أولادكم الذكور والإناث، فعاد الضمير ms2430 على ~~أحد قسمي الأولاد، وإذا عاد الضمير على جمع التكسير العاقل المراد ~~به محض الذكور، وفي قوله عليه السلام # " ورب الشياطين ومن أضللن " # لعوده على جماعة الإناث، فلأن يعود كذلك على جمع التكسير المشتمل على ~~الإناث بطريق الأولى [والأحرى]، وهذا معنى قول أبي حيان: وفيه نظر ~~لأن عوده هناك كضمير الإناث إنما كان لمعنى مفقود هنا وهو طلب المشاكلة ~~لأن قبله " اللهم رب السموات ومن أضللن ورب الأرضين وما أقللن " ذكر ~~ذلك النحويون. # وقيل: الضمير يعود على المتروكات أي: فإن كانت المتروكات، ودل ~~ذكر الأولاد عليه، قاله أبو البقاء ومكي وقدره الزمخشري: فإن ~~كانت البنات أو المولودات. # فإذا تقرر هذا ف " كن " كان واسمها و " نساء " خبرها، و " فوق ~~اثنتين " ظرف في محل نصب صفة ل " نساء " وبهذه الصفة تحصل فائدة ~~الخبر، ولو اقتصر عليه لم تحصل فائدة، ألا ترى أنه لو قيل: " ~~إن كان الزيدون رجالا كان كذا " لم يكن فيه فائدة. # وأجاز الزمخشري في هذه الآية وجهين غريبين: # أحدهما: أن يكون الضمير في " كن " ضميرا مبهما، و " نساء " منصوب ~~على أنه تفسير له يعني: تمييزا، وكذلك قال في الضمير الذي في " ~~كانت " من قوله: { وإن كانت واحدة } على أن " كن " ~~تامة. والوجه الآخر: أن يكون " فوق اثنتين " خبرا ثانيا ل " كن ~~" وردهما عليه أبو حيان: أما الأول: فلأن " كان " ليست من ~~الأفعال التي يكون فاعلها مضمرا يفسره ما بعده بل هذا ~~مختص من الأفعال ب " نعم " و " بئس " وما جرى مجراهما وباب ~~التنازع عند إعمال الثاني، وأما الثاني: فلما تقدم من ~~الاحتياج إلى هذه الصفة؛ لأن الخبر لا بد أن تستقل به ~~فائدة الإسناد، وقد تقدم أنه لو اقتصر على قوله " فإن كن ~~نساء " لم يفد شيئا؛ لأنه معلوم. # قوله: { فلهن ثلثا ما ترك } قرأ الجمهور " ثلثا " بضم ~~اللام، وهي لغة الحجاز وبني أسد. # قال النحاس: من الثلث إلى العشر. # وقرأ الحسن ونعيم بن ميسرة " ثلثا " و " الثلث " و " النصف ~~" و " الربع " و " الثمن " كل ذلك بإسكان الوسط. ms2431 # وقال الزجاج: هي لغة واحدة، والسكون تخفيف. # فصل # بين في هذه الآية ما إذا كانوا إناثا فقط، فقال: { فإن كن ~~نسآء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت ~~واحدة فلها النصف } ، إلا أنه تعالى لم يبين حكم ~~البنتين تصريحا، واختلفوا فيه: فعن ابن عباس أنه قال: ~~الثلثان فرض الثلاث من البنات فصاعدا، وأما فرض البنتين فهو النصف؛ ~~لهذه الآية؛ لأن لفظة " إن " في اللغة للاشتراط، وذلك يدل على أن ~~أخذ الثلثين مشروط بكونهن فوق الاثنتين وهو الثلاث فصاعدا. # والجواب من وجوه: # الأول: قوله تعالى: { وإن كانت واحدة فلها النصف } فجعل ~~حصول النصف مشروطا بكونها واحدة، وذلك ينفي حصول النصف نصيبا ~~للبنتين وقد جعل النصف نصيب البنتين، فهذا لازم له. # الثاني: لا نسلم أن كلمة " إن " تدل على انتفاء الحكم عند ~~انتفاء الوصف، لأنه لو كان الآمر كذلك لزم التناقض بين هاتين الآيتين؛ ~~لأن الإجماع دل على أن نصيب البنتين إما النصف، وإما ~~الثلثان، وبتقدير أن تكون كلمة " إن " للاشتراط وجب القول بفسادهما، ~~فثبت أن القول بكلمة الاشتراط يفضي إلى الباطل فيكون باطلا ولأنه ~~تعالى قال: # ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة # [البقرة: 283] وقال: # فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن ~~خفتم # [النساء: 101] ولا يمكن أن يفيد معنى الاشتراط في هذه الآيات. # الثالث: أن في الآية تقديما وتأخيرا والتقدير: فإن كن نساء ~~اثنتين فما فوقهما فلهن الثلثان. # وأما سائر الأمة، فأجمعوا على أن فرض البنتين الثلثان. # قال أبو مسلم الأصفهاني: عرفناه من قوله تعالى: { للذكر مثل ~~حظ الأنثيين } فإذا كان نصيب الذكر مثل حظ الأنثيين، ونصيب ~~الذكر هاهنا الثلثان وجب لا محالة أن يكون نصيب البنتين الثلثين. # وقال أبو بكر الرازي: إذا مات وخلف ابنا وبنتا فهاهنا نصيب البنت ~~الثلث لقوله: { للذكر مثل حظ الأنثيين } فإذا كان نصيب ~~البنت مع الولد الذكر هو الثلث، فأن يكون نصيبها مع ولد آخر أنثى هو ~~الثلث كان أولى؛ لأن الذكر أقوى من الأنثى، وإذا كان حظ البنتين أزيد ~~من حظ الواحدة، وجب أن ms2432 يكون ذلك هو الثلثان؛ لأنه لا قائل ~~بالفرق، وأيضا فلما ذكرنا من سبب النزول أنه عليه السلام أعطى بنتي ~~سعد بن الربيع الثلثين، ولأنه تعالى ذكر في هذه الآية حكم الواحدة ~~من البنات وحكم الثلاث فما فوقهن، ولم يذكر حكم البنتين، وقال في ميراث ~~الأخوات # إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ~~ما ترك وهو يرثهآ إن لم يكن لهآ ولد فإن ~~كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك # [النساء: 176] فذكر ميراث الأخت الواحدة والأختين، ولم يذكر ميراث ~~الكثير فصار كل واحدة من هاتين الآيتين مجملا من وجه ومبينا من وجه، ~~فنقول: لما كان نصيب الأختين الثلثين كانت البنتان أولى بذلك؛ ~~لأنهما أقرب إلى الميت من الأختين، ولما كان نصيب البنات ~~الكثيرة لا يزيد على الثلثين، وجب ألا يزيد نصيب الأخوات الكثيرة ~~على ذلك؛ لأن البنت لما كانت أشد اتصالا بالميت؛ امتنع جعل ~~الأضعف زائدا على الأقوى. # وأما القسم الثالث: وهو أن يكون الأولاد ذكورا فقط، فللواحد ~~المنفرد أخذ المال كله، لقوله تعالى { للذكر مثل حظ ~~الأنثيين } ثم قال في البنات { وإن كانت واحدة فلها ~~النصف } فلزم من مجموع الآيتين أن نصيب الابن المنفرد جميع المال، ~~وقال عليه السلام: # " ما أبقت السهام فللأولى عصبة ذكر " # وإذا أخذ كل ما يبقى بعد السهام، وجب أن يأخذ الكل إذا لم يكن ~~سهام. # فإن قيل: حظ الأنثيين الثلثان فقوله { للذكر مثل حظ ~~الأنثيين } يقتضي أن يكون حظ الذكر مطلقا هو الثلث، وذلك ~~ينفي أن يأخذ المال كله. # فالجواب: أن المراد منه حال الاجتماع لا حال الانفراد؛ لأن قوله { ~~يوصيكم الله في أولادكم } يقتضي حصول الأولاد، وقوله: { ~~للذكر مثل حظ الأنثيين } يقتضي حصول الذكر والأنثى ~~هناك، هذا كله إذا كان ابنا واحدا فقط، فلو كان أكثر من واحد ~~تشاركوا في جهة الاستحقاق؛ ولا رجحان، فوجب قسم المال بينهم ~~بالسوية، والله أعلم. # فإن قيل: إن المرأة أكثر عجزا من الرجل، وأقل اقتدارا من الرجل ~~لعجزها عن الخروج والبروز، فإن زوجها وأقاربها يمنعونها من ms2433 ذلك، ~~ولنقصان عقلها وكثرة اختداعها واغترارها، وإذا ثبت أن عجزها أكمل، وجب ~~أن يكون نصيبها من الميراث أكثر، فإن لم يكن أكثر فلا أقل من المساواة، ~~فما الحكمة في أنه تعالى جعل نصيبها نصف نصيب الرجل؟. # فالجواب: لأن خرج المرأة أقل، لأن زوجها ينفق عليها وخرج الرجل أكثر، ~~لأنه هو المنفق على زوجته، ومن كان خرجه أكثر فهو إلى المال أحوج؛ ~~ولأن الرجل أكمل حالا من المرأة في الخلقة وفي العقل والمناصب ~~الدينية، مثل صلاحية القضاء والإمامة، وأيضا شهادة المرأة نصف ~~شهادة الرجل، ومن كان كذلك؛ وجب أن يكون الإنعام إليه أكثر؛ ولأن ~~المرأة قليلة العقل كثيرة الشهوة، فإذا انضاف إليها المال الكثير ~~عظم الفساد، ولهذا قال الشاعر: [الرجز] # 1764- إن الفراغ والشباب والجده # مفسدة للمرء أي مفسده # وروي أن جعفر الصادق سئل عن هذه الآية فقال: " إن حواء أخذت حفنة ~~من الحنطة وأكلتها وأخذت حفنة أخرى وخبأتها ثم أخذت حفنة أخرى ودفعتها ~~إلى آدم، فلما جعلت نصيبها ضعف نصيب الرجل أقلب الله الأمر عليها فجعل ~~نصيب المرأة نصف نصيب الرجل ". # فإن قيل: لم لم يقل للأنثيين مثل حظ الذكر، أو للأنثى مثلا حظ ~~الذكر؟ # فالجواب أنه لما كان الذكر أفضل من الأنثى قدم ذكره على كر ~~الأنثى كما جعل نصيبه ضعف نصيب الأنثى، ولأن قوله { للذكر مثل ~~حظ الأنثيين } يدل على فضل الذكر بالمطابقة، وعلى نقص الأنثى ~~بالالتزام، ولو قال كما ذكرتم لدل على نقص الأنثى بالمطابقة وفضل ~~الذكر بالالتزام، فرجح الطريق فترجح الطرف الأول تنبيها على أن ~~السعي في تشهير الفضائل يجب أن يكون راجحا على السعي في تشهير ~~الرذائل، ولهذا قال # إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم ~~فلها # [الإسراء: 7] فذكر الإحسان مرتين والإساءة مرة واحدة، وأيضا فلأنهم ~~كانوا يورثون دون الإناث، وهو سبب نزول الآية، فقيل: كفى للذكر أن جعل ~~نصيبه ضعف نصيب الأنثى، فلا ينبغي أن يطمع في حرمان الأنثى ~~بالكلية. # فإن قيل: قوله: { فإن كن نسآء } جمع، وأقل الجمع ثلاثة فما ~~فائدة قوله: { فوق اثنتين }؟. # فالجواب: ms2434 للتأكيد كقوله: # إنما يأكلون في بطونهم نارا # [النساء: 10] وقوله: # لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد # [النحل: 51]. # فصل # اسم الولد يقع على ولد الصلب حقيقة، وهل يستعمل في ولد الابن حقيقة أو ~~مجازا؟ خلاف. # فإن قلنا: إنه مجاز، فنقول: ثبت في أصول الفقه أن اللفظ الواحد ~~لا يجوز أن يستعمل دفعة واحدة في حقيقته وفي مجازه معا، فحينئذ يمتنع ~~أن يكون المراد بقوله { يوصيكم الله في أولادكم } ولد ~~الصلب، وولد الابن معا، ويدفع هذا الإشكال بأن يقال: إنا لا ~~نستفيد حكم ولد الابن من هذه الآية، [بل] من دليل آخر، وذلك أن ~~أولاد الابن لا يرثون إلا عند عدم الولد، وإذا لم يستغرق ولد الصلب كل ~~الميراث، وإن ثبت أنه حقيقة فيهما فيكون مشتركا بينهما فيعود الإشكال، ~~لأنه ثبت أنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك لإفادة معنييه معا، ~~بل الواجب أن اللفظ يكون متواطئا فيهما كالحيوان بالنسبة إلى ~~الإنسان، والفرس، [والذي] يدل على صحة ذلك قوله # وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم # [النساء: 23] وأجمعوا على أنه يدخل فيه ابن الصلب، وأولاد الابن، ~~فعلمنا أن لفظ الابن يتواطأ بالنسبة إلى ولد الصلب وولد الابن وعلى ~~هذا التقدير يزول الإشكال ويدخل في هذا البحث هل يتناول اسم الأب ~~الأجداد والجدات. وقد وقع ذلك في قوله تعالى: # نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق # [البقرة: 133] والأظهر أنه ليس على سبيل الحقيقة، فإن الصحابة ~~اتفقوا على أنه ليس للجد حكم مذكور في القرآن، ولو كان اسم الأب ~~يتناول الجد لما صح ذلك. # فصل # قالوا إن عموم قوله تعالى: { يوصيكم الله في أولادكم } ~~مخصوص بأربع صور: # أحدها: لا يتوارث الحر والعبد. # وثانيها: أنه إذا قتل مورثه عمدا لا يرث. # وثالثها: اختلاف الدين. # ورابعها: أن الأنبياء عليهم السلام لا يورثون، وروي أن فاطمة - ~~رضي الله عنها - لما طلبت الميراث ومنعوها، احتجوا عليها بقوله عليه ~~السلام: # " نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة " # فعند هذا احتجت فاطمة - عليها السلام - بعموم قوله تعالى: { للذكر ~~مثل حظ الأنثيين ms2435 } وكأنها أشارت إلى أن عموم القرآن لا يجوز ~~تخصيصه بخبر الواحد. # وقوله: { وإن كانت واحدة } قرأ نافع " واحدة " رفعا على أن " كان ~~" تامة أي: وإن وجدت واحدة، والباقون " واحدة " نصبا على أن " ~~كان " ناقصة واسمها مستتر فيها يعود على الوارثة أو المتروكة و " ~~واحدة " نصب على خبر " كان " ، وقد تقدم أن الزمخشري ~~أجاز أن يكون في " كان " ضمير مبهم مفسر بالمنصوب بعد. # وقرأ السلمي: " النصف " بضم النون، وهي قراءة علي وزيد بن ثابت - ~~رضي الله عنهما - وقد تقدم شيء من ذلك في البقرة في قوله: # فنصف ما فرضتم # [البقرة: 237] ويعني: كون البنت الواحدة لها النصف؛ لأن الابن الواحد ~~له جميع المال إذا انفرد، فكذلك البنت إذا انفردت لها نصف ما للذكر إذا ~~انفرد؛ لأن الذكر له مثل حظ الأنثيين. # قوله: { ولأبويه لكل واحد منهما السدس }. # { السدس } مبتدأ و { ولأبويه } خبر مقدم، و { لكل ~~واحد } بدل من { ولأبويه } ، وهذا نص الزمخشري فإنه قال: { ~~لكل واحد منهما } بدل من { ولأبويه } بتكرير العامل، ~~وفائدة هذا البدل أنه لو قيل: " ولأبويه السدس " لكان ظاهره ~~اشتراكهما فيه، ولو قيل: " لأبويه السدسان " لأوهم قسمة السدسين ~~عليهما بالسوية وعلى خلافهما. # فإن قلت: فهلا قيل: " ولكل واحد من أبويه السدس " وأي فائدة في ~~ذكر الأبوين أولا ثم في الإبدال منهما؟. # قلت: لأن في الإبدال والتفصيل بعد الإجمال تأكيدا وتشديدا كالذي ~~تراه في الجمع بين المفسر والتفسير. # و { السدس } مبتدأ، وخبره { لأبويه } والبدل متوسط بينهما ~~للبيان. انتهى. # وناقشه أبو حيان في جعله { لأبويه } الخبر دون قوله: { ~~لكل واحد } قال: " لأنه ينبغي أن يكون البدل هو الخبر دون المبدل ~~منه " يعني: أن البدل هو المعتمد عليه، والمبدل منه صار في حكم ~~المطرح، ونظره بقولك: " إن زيدا عينه حسنة " فكما أن " ~~حسنة " خبر عن " عينه " دون " زيد " في حكم المطرح فكذلك هذا، ~~ونظره أيضا بقولك: [أبواك لكل واحد منهما يصنع كذا ف " يصنع " خبر ~~عن كل واحد منهما. # ولو قلت:] " أبواك كل واحد منهما يصنعان كذا " لم يجز. # وفي هذه المناقشة ms2436 نظر، لأنه إذا قيل لك: ما محل لأبويه من ~~الإعراب؟ تضطر إلى أن تقول: في محل رفع خبرا مقدما، ولكنه نقل ~~نسبة الخيرية إلى { لكل واحد منهما } دون { لأبويه } ~~قال: وقال بعضهم: { السدس } رفع بالابتداء، و { لكل واحد } ~~الخبر و { لكل } بدل من الأبوين، و " منهما " نعت لواحد، وهذا ~~البدل هو بدل بعض من كل، ولذلك أتى معه بالضمير، ولا ~~يتوهم أنه بدل شيء من شيء وهما لعين واحدة لجواز أبواك ~~يصنعان كذا وامتناع أبواك كل واحد منهما يصنعان كذا، بل تقول: يصنع. ~~انتهى. # والضمير في " لأبويه " عائد على ما عاد عليه الضمير في " ترك " ، ~~وهو الميت المدلول عليه بقوة الكلام، والتثنية في " أبويه " من ~~التغليب، والأصل: لأبيه وأمه وإنما غلب المذكر على المؤنث ~~كقولهم: " القمران، والعمران " وهي تثنية لا تنقاس. # وقيل: إن الأصل في الأم أن يقال لها: " أبة " والتثنية على الأصل. # فصل # إذا كان مع الأبوين ولد أو أكثر كان لكل واحد منهما السدس وسوى ~~الله بين الأب والأم في هذا الموضع؛ لأن الأب وإن كان يستوجب ~~التفضيل لما كان ينفقه على الابن، وبنصرته له والذب عنه صغيرا، فالأم ~~أيضا حملته كرها ووضعته كرها؛ وكان بطنها له وعاء، وثديها له ~~سقاء، وحجرها له فناء, فتكافأت الحجتان، فلذلك سوى بينهما، فإن ~~كانت بنتا واحدة وبنت ابن فللبنت النصف وللأم السدس وللأب ما بقي، ~~وهو الثلث [نصف بفرضه، وهو السدس] وباقيه بالتعصيب فإن قيل: حق ~~الأبوين على الإنسان أعظم من حق ولده عليه، لأن الله تعالى قرن ~~طاعته بطاعتهما فما الحكمة في جعل نصيب الأولاد أكبر؟. # فالجواب: أن الوالدين ما بقي من عمرهما إلا القليل، فكان احتياجهما ~~إلى المال قليلا، وأما الأولاد فهم في زمن الصبا، فكان احتياجهم ~~إلى المال أكثر [فظهر الفرق]. # قوله: { فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه ~~فلأمه الثلث } # قرأ الجمهور { فلأمه } وقوله: # في أم الكتاب # [الزخرف: 4]. # وقوله: # حتى يبعث في أمها # في القصص [آية: 59]. # وقوله: # من بطون أمهاتكم # [النحل: 78]. # وقوله: # أو بيوت أمهاتكم # [النور: 61] و ms2437 # في بطون أمهاتكم # [النجم: 32] بضم الهمزة من " أم " وهو الأصل. # وقرأ حمزة والكسائي جميع ذلك بكسر الهمزة. # وانفرد حمزة بزيادة كسر الميم من " إمهات " في الأماكن المذكورة، هذا ~~كله في الدرج. # أما في الابتداء بهمزة " الأم " و " الأمهات " فإنه لا خلاف في ~~ضمها. # أما وجه قراءة الجمهور فظاهر، لأنه الأصل كما تقدم. # وأما قراءة حمزة والكسائي بكسر الهمزة فقالوا: لمناسبة الكسرة أو ~~الياء التي قبل الهمزة، فكسرت الهمزة إتباعا لما قبلها، ~~ولاستثقالهم الخروج من كسر أو شبهه إلى ضم. # قال الزجاج: وليس في كلام العرب " فعل " بكسر الفاء وضم العين، ~~فلا جرم جعلت الضمة كسرة، ولذلك إذا ابتدآ بالهمزة ضماها ~~لزوال الكسر أو الياء، وأما كسر حمزة الميم من " إمهات " في المواضع ~~المذكورة فللإتباع، أتبع حركة الميم لحركة الهمزة، فكسرة الميم ~~تبع التبع، ولذلك إذا ابتدأ بها ضم الهمزة وفتح الميم؛ لما تقدم ~~من زوال موجب ذلك. # وكسر همزة " أم " بعد الكسرة أو الياء حكاه سببويه لغة عن ~~العرب، ونسبها الكسائي والفراء إلى " هوازن " و " هذيل ". # فصل # ذكر هاهنا أن الأبوين إذا لم يكن معهما وارث غيرهما، فإن ~~الأم تأخذ الثلث، ويأخذ الأب ما بقي وهو الثلثان، وإذا ثبت أنه ~~يأخذ الباقي بالتعصيب، وجب أن يأخذ المال كله إذا انفرد؛ لأن ~~هذا شأن التعصيب، فإن كان مع الأبوين أحد الزوجين، فذهب أكثر ~~الصحابة إلى أن الزوج يأخذ فرضه، ثم تأخذ الأم ثلث ما ~~بقي، ويأخذ الأب ما بقي. # وقال ابن عباس: يأخذ الزوج فرضه، وتأخذ الأم الثلث كاملا، ويأخذ ~~الأب ما بقي. # وقال: لا أجد في كتاب الله - تعالى - ثلث ما بقي. # وعن ابن سيرين أنه وافق ابن عباس في الزوجة والأبوين، ~~وخالفه في الزوج والأبوين، لأنه يفضي إلى أن يكون للأنثى ~~مثل حظ الذكرين. # وأما الزوجة، فلا يفضي إلى ذلك. # وحجة الجمهور أن قاعدة الميراث متى اجتمع ذكر وأنثى من جنس واحد، ~~كان للذكر مثل حظ الأنثيين، كالأبوين مع البنت، والأخ مع الأخت، ~~وابن الابن مع بنت الابن، والأم ms2438 مع الأب كذلك إذا لم يكن للميت وارث ~~سواهما كما تقدم. # وإن كان كذلك، فإن الزوج يأخذ نصيبه، ويقسم الباقي بين الأبوين ~~للذكر مثل حظ الأنثيين؛ ولأن الزوج يأخذ نصيبه بحكم عقد ~~النكاح لا بحكم القرابة، فأشبه الوصية في قسمة الباقي. # وأيضا فإن الزوج إذا أخذ النصف، فلو دفعنا ثلث جميع المال للأم ~~والسدس إلى الأب، يلزم منه أن يكون للأنثى مثل حظ الذكرين، وهذا خلاف ~~قوله: { للذكر مثل حظ الأنثيين }. # قوله: { فإن كان له إخوة فلأمه السدس }. # " إخوة " أعم من أن يكونوا ذكورا أو إناثا، أو بعضهم ذكورا وبعضهم ~~إناثا، ويكون هذا من باب التغليب، وزعم قوم أن الإخوة خاص بالذكور، ~~وأن الأخوات لا يحجبن الأم من الثلث إلى السدس، فقالوا: لأن ~~" إخوة " جمع " أخ " ، والجمهور على أن الإخوة وإن كانوا بلفظ الجمع ~~يقعون على الاثنين، فيحجب الأخوان أيضا الأم من الثلث إلى السدس ~~خلافا لابن عباس، فإنه لا يحجب بهما والظاهر معه. # روي أن ابن عباس قال لعثمان بم صار الأخوان يردان الأم من ~~الثلث إلى السدس، وإنما قال الله تعالى: { فإن كان له ~~إخوة } والأخوان في لسان قومك ليس بإخوة؟ فقال عثمان: لا أستطيع أن ~~أرد قضاء قضي به قبلي، ومضى في الأمصار. # وهذه المسألة مبنية على أن أقل الجمع ثلاثة، والموجب لذلك هو ~~القياس يخص هذه المسألة بأن الأختين ميراثهما ميراث الثلاث، كما أن ~~ميراث البنتين مثل ميراث الثلاثة فكذلك نصيب الأختين من الأم مثل نصيب ~~الثلاثة، وإذا كان كذلك؛ وجب أن يحصل الحجب بالأختين، وإذا وجب ~~الحجب بالأختين لزم ثبوته في الأخوين؛ لأنه لا قائل بالفرق ~~[فهذا أحسن ما يمكن أن يقال في هذا الموضع وفيه إشكال لأن] إجراء القياس ~~في التقديرات صعب لأنه غير معقول، فيكون ذلك مجرد تشبيه من غير ~~جامع. # فالجواب أن يقال: لا يتمسك به على طريقة القياس بل على طريقة ~~الاستقراء، لأن الكثرة أمارة العموم. # فصل # [والأخوة] إذا حجبوا الأم من الثلث إلى السدس، فلا يرثون مع ~~الأب شيئا [ألبتة] ms2439 بل يأخذ الأب باقي المال، وهو خمسة أسداس، سدس ~~بالفرض، والباقي بالتعصيب، وقال ابن عباس: الإخوة يأخذون السدس ~~الذي حجبوا الأم عنه، وما بقي فللأب، وحجته الاستقراء دل على أن من ~~لا يرث لا يحجب، فهؤلاء الإخوة لما حجبوا وجب أن يرثوا، وهذا يختص ~~بالإخوة للأم إذا اجتمعوا مع الأبوين فإنهم يحجبون الأم من الثلث ~~إلى السدس، ولا يرثون شيئا؛ لأن الأب يسقطهم. # قوله: { من بعد وصية } فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه متعلق بما تقدمه من قسمة المواريث كلها لا بما يليه ~~وحده، كأنه قيل: قسمة هذه الأنصباء من بعد وصية قاله ~~الزمخشري، يعني أنه متعلق بقوله: { يوصيكم الله } وما ~~بعده. # والثاني: قاله أبو حيان أنه متعلق بمحذوف، أي: ~~يستحقون ذلك كما فصل من بعد وصية. # [والثالث: أنه حال من السدس، تقديره: مستحقا من بعد وصية]، ~~والعامل الظرف قاله أبو البقاء، وجوز فيه وجها آخر، قال: ~~[ويجوز أن يكون ظرفا] أي: يستقر لهم ذلك بعد إخراج الوصية، ولا بد ~~من تقدير حذف المضاف لأن الوصية هنا المال الموصى به، وقد تكون " ~~الوصية " مصدرا مثل " الفريضة " ، وهذان الوجهان لا يظهر ~~لهما وجه. # وقوله: والعامل الظرف، يعني بالظرف: الجار والمجرور في قوله ~~تعالى: { فلأمه السدس } فإنه شبيه بالظرفية، وعمل في الحال لما ~~تضمنه من الفعل لوقوعه خبرا، و " يوصي " فعل مضارع المراد به المضمر، ~~أي: وصية أوصى بها و " بها " متعلق به، والجملة في محل جر صفة ل ~~" وصية ". # وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر " يوصى " مبنيا للمفعول في ~~الموضعين، ووافقهم حفص في الأخير، والباقون مبنيا للفاعل. # وقرئ شاذا " يوصى " بالتشديد مبنيا للمفعول، ف " بها " في ~~قراءة البناء للفاعل في محل نصب، وفي قراءة البناء للمفعول في ~~محل رفع لقيامه مقام الفاعل. # قوله: " أو دين " ، " أو " هنا لأحد الشيئين، قال أبو البقاء: " ولا ~~تدل على ترتيب، إذ لا فرق بين قولك: " جاءني زيد أو عمرو " ، وبين ~~قولك: " جاءني عمرو أو زيد "؛ لأن " أو " لأحد الشيئين، والواحد لا ~~ترتيب فيه، وبهذا يفسد ms2440 قول من قال: " من بعد دين أو وصية " وإنما ~~يقع الترتيب فيما إذا اجتمعا، فيقدم الدين على الوصية ~~". # وقال الزمخشري: " فإن قلت: فما معنى أو؟ قلت: معناها الإباحة، ~~وأنه إن كان أحدهما، أو كلاهما قدم على قسمة الميراث، كقولك: ~~" جالس الحسن أو ابن سيرين " ، فإن قلت: لم قدمت الوصية على ~~الدين والدين مقدم عليها في الشريعة؟. # قلت: لما كانت الوصية مشبهة للميراث في كونها مأخوذة من ~~غير عوض، كان إخراجها مما يشق على الورثة، بخلاف الدين، ~~فإن نفوسهم مطمئنة إلى أدائه، فلذلك قدمت على الدين بعثا ~~على وجوبها، والمسارعة إلى إخراجها مع الدين، ولذلك جيء بكلمة " أو ~~" للتسوية بينهما في الوجوب ". وقال ابن الخطيب: إن كلمة " أو ~~" إذا دخلت على النفي صارت في معنى الواو، كقوله: # ولا تطع منهم آثما أو كفورا # [الإنسان: 24] وقوله: # حرمنا عليهم شحومهمآ إلا ما حملت ظهورهما ~~أو الحوايآ أو ما اختلط بعظم # [الأنعام: 146] فكانت " أو " هاهنا بمعنى الواو، وكذلك قوله تعالى: { ~~من بعد وصية يوصي بهآ أو دين } لما كان في معنى ~~الاستثناء صار كأنه قال: إلا أن يكون هناك وصية أو دين فيكون المراد ~~بعدهما جميعا. # قوله: { آبآؤكم وأبناؤكم } مبتدأ، و { لا تدرون } وما في ~~حيزه في محل الرفع خبرا له. # و { أيهم } فيه وجهان: # أشهرهما: [عند المعربين] أني يكون { أيهم } مبتدأ وهو اسم ~~استفهام، و " أقرب " خبره، والجملة من هذا لمبتدأ وخبره في محل ~~نصب ب " تدرون "؛ لأنها من أفعال القلوب، فعلقها اسم ~~الاستفهام عن أن تعمل في لفظه؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ~~ما قبله في غير الاستثبات. # والثاني: أنه يجوز أن يكون { أيهم } موصولة بمعنى { الذي ~~} و # والأقربون # [النساء:7] خبر مبتدأ مضمر، وهو عائد الموصول، وجاز حذفه؛ لأنه يجوز ~~ذلك مع " أي " مطلقا: أي: أطالت الصلة أم لم تطل، والتقدير: ~~أيهم هو أقرب، وهذا الموصول وصلته في محل نصب على أنه مفعول ~~به، نصبه { تدرون } ، وإنما بني لوجود شرطي البناء، ~~وهما: أن تضاف " أي " لفظا، وأن يحذف صدر صلتها، وصارت ~~الآية ms2441 نظير قوله تعالى: # ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد # [مريم: 69]، فصار التقدير: لا تدرون الذي هو أقرب. # قال أبو حيان: " ولم أرهم ذكروه " ، يعني هذا الوجه، ولا مانع منه لا ~~من جهة المعنى، ولا من جهة الصناعة. # فعلى القول الأول تكون الجملة سادة مسد المفعولين، ولا ~~حاجة إلى تقدير حذف. # وعلى الثاني يكون الموصول في محل نصب مفعولا أول، ويكون ~~الثاني محذوفا، وبعدم الاحتياج إلى حذف المفعول الثاني، يترجح ~~الوجه الأول. # ثم هذه الجملة، أعني قوله: { آبآؤكم وأبناؤكم لا تدرون } ~~لا محل لها من الإعراب، لأنها جملة اعتراضية. # قال الزمخشري، بعد أن حكى في معانيها أقوالا اختار منها الأول: ~~لأن هذه الجملة اعتراضية، ومن حق الاعتراض أن يؤكد ما اعترض ~~بينه وبين ما يناسبه. # يعني بالاعتراض: أنها واقعة بين قصة المواريث، إلا أن هذا ~~الاعتراض غير مراد النحويين، لأنهم لا يعنون بالاعتراض في ~~اصطلاحهم إلا ما كان بين شيئين متلازمين كالاعتراض بين ~~المبتدأ وخبره، والشرط وجزائه والقسم وجوابه، والصلة وموصولها. # فصل في معاني { آبآؤكم وأبناؤكم لا تدرون } # ذكر الزمخشري في معانيها أقوالا: # أحدها: - وهو الذي اختاره - أن جعلها متعلقة بالوصية، فقال: ~~ثم أكد ذلك - يعني الاهتمام بالوصية - ورغب فيه بقوله: { ~~آبآؤكم وأبناؤكم } أي: لا تدرون من أنفع لكم من آبائكم ~~وأبنائكم الذين يموتون، أمن أوصى منهم أم من لم يوص، يعني: أن ~~من أوصى ببعض ماله فعرضكم لثواب الآخرة بإمضاء وصيته فهو أقرب لكم ~~نفعا وأحضر جدوى ممن ترك الوصية فوفر عليكم عرض الدنيا، وجعل ~~ثواب الآخرة أقرب وأحضر من عرض الدنيا ذهابا إلى حقيقة الأمر؛ ~~لأن عرض الدنيا، وإن كان قريبا عاجلا في الصورة إلا ~~أنه فان، فهو في الحقيقة الأبعد الأقصى، وثواب الآخرة، وإن كان ~~آجلا، إلا أنه باق،وفي الحقيقة الأقرب الأدنى. # وقيل: إن الله - تعالى - لما ذكر أنصباء الأولاد، وأنصباء الأبوين، ~~وكانت العقول لا تدرك معاني تلك التقديرات، فربما خطر ببال الإنسان ~~أن القسمة لو وقعت على غير هذا الوجه كانت أنفع له وأصلح لا سيما ms2442 ~~وقد كانت قسمة المواريث عند العرب على غير هذا الوجه فأزال الله - ~~تعالى - هذه الشبهة بأن قال: إن عقولكم لا تحيط بمصالحكم، ~~فربما اعتقدتم في شيء أنه صالح لكم، وهو عين المضرة، وربما ~~اعتقدتم في شيء أنه مضرة، ويكون عين المصلحة، وأما الإله الرحيم ~~فهو يعلم مغيبات الأمور وعواقبها، وكأنه قال: اتركوا تقديرات ~~المواريث بالمقادير التي تستحسنها عقولكم وانقادوا للمقادير التي ~~قدرها الله تعالى عليكم بقوله { آبآؤكم وأبناؤكم لا ~~تدرون أيهم أقرب لكم نفعا } إشارة إلى ترك ما يميل ~~الطبع إليه من قسمة المواريث. # قوله: { فريضة من الله } إشارة إلى وجوب الانقياد إلى ~~المقادير الشرعية. # وقال ابن عباس: { لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا } أي: أطوعهم الله - ~~عز وجل - من الآباء والأبناء أرفع درجة يوم القيامة [والله تعالى ~~يشفع المؤمنين بعضهم في بعض، فإذا كان الوالد أرفع درجة يوم القيامة ~~في الجنة رفع إليه ولده وإن كان الولد أرفع درجة] رفع إليه والده لتقر ~~بذلك أعينهم. # قوله: { نفعا } نصب على التمييز من " أقرب " ، وهو منقول من ~~الفاعلية، واجب النصب؛ لأنه متى وقع تمييز بعد " أفعل " ~~التفضيل، فإن صح أن يصاغ منها فعل مسند إلى ذلك التمييز ~~على جهة الفاعلية وجل النصب كهذه الآية، إذ يصح أن يقال: ~~أيهم أقرب لكم نفعه، وإن لم يصح ذلك وجب جره نحو: " زيد ~~أحسن فقيه " بخلاف " زيد أحسن فقها " ، وهذه قاعدة مفيدة و " لكم " ~~متعلق ب " أقرب ". # قوله: { فريضة } فيها ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنها مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة من الوصية؛ لأن معنى ~~" يوصيكم ": فرض عليكم ذلك، فصار المعنى: " يوصيكم الله وصية فرض " ، ~~فهو مصدر على غير الصدر. # والثاني: أنها مصدر [منصوب بفعل] محذوف من لفظها. # قال أبو البقاء: و { فريضة } مصدر لفعل محذوف، أي: فرض الله ~~ذلك فريضة. # والثالث: قاله مكي وغيره: أنها حال؛ لأنها ليست مصدرا، وكلام ~~الزمخشري محتمل للوجهين الأولين، فإنه قال: " فريضة " نصبت ~~نصب المصدر المؤكد، أي: " فرض الله ذلك فرضا ". ثم قال: { إن الله ~~كان عليما } أي: بأمور العباد ms2443 " حكيما " بنصب الأحكام. # فإن قيل: لم قال كان عليما حكيما مع أنه لم يزل كذلك؟. # فالجواب قال الخليل: الخبر عن الله تعالى بهذه الألفاظ، كالخبر ~~بالحال والاستقبال؛ لأنه تعالى منزه عن الدخول تحت الزمان. # قال سيبويه: القوم لما شاهدوا علما وحكمة وفضلا وإحسانا تعجبوا، ~~فقيل لهم: إن الله كذلك، ولم يزل موصوفا بهذه الصفات. ### || [4.12] # اعلم أن أقسام الوراثة ثلاثة: # قسم لا يسقط بحال وهم: الآباء والأولاد والأزواج قسمان، والثالث هو ~~المسمى بالكلالة وهذا القسم متأخر عن القسمين الأولين لأنه قد يعرض لهم ~~السقوط بالكلية، ولأنهم يدلون إلى الميت بواسطة، والقسمان ~~الأولان يدلون بأنفسهم فقدم الله تعالى الوارث بالنسب؛ لأنه ~~أعلاها ثم ثنى بذكر الوارث بالسبب الذي لا يسقط بحال، لأنه دون ~~الأول وهو الزوجان ثم ذكر القسم الثالث بعدهما؛ لأنه دونهما، ~~ولما جعل نصيب الذكر مثل حظ الأنثيين في الوارث النسبي كذلك جعل حظ ~~الرجل مثل حظ الأنثيين في الوارث السببي فقال { ولكم نصف ~~ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان ~~لهن ولد فلكم الربع مما تركن } وسواء كان الولد من ~~الزوج، أو من غيره وسواء كان الولد ذكرا أو أنثى، ولا فرق بين ~~الأولاد وأولاد الأولاد. # فصل: الخلاف في غسل الزوج زوجته بعد موتها # ذهب الشافعي وأحمد إلى أنه يجوز للرجل أن يغسل زوجته لقوله ~~{ ولكم نصف ما ترك أزواجكم } فسماها زوجة بعد الموت. # قال أبو حنيفة: لا يجوز؛ لأنها ليست زوجة؛ لأنه لا يحل وطؤها ~~بعد الموت. # وأجيب بأنها لو لم تكن زوجة لكان قوله { ولكم نصف ما ترك ~~أزواجكم } مجازا، وقد ثبت أن التخصيص اولى من المجاز عند ~~التعارض، وأيضا فقد حرم الوطء في صور كثيرة مع وجود ~~الزوجية كزمن الحيض والنفاس نهار رمضان، وعند الصلوات المفروضة، والحج ~~المفروض. # ثم قال: { فلهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد ~~فلهن الثمن } وسواء كانت واحدة أو أربعا فهم فيه سواء، وهذه الآية تدل ~~على فضل الرجل على المرأة لتفضيلهم ms2444 في النصيب، ولأنه ذكر ~~الرجال على سبيل المخاطبة وذكر النساء على سبيل المغايبة. # قوله: { وإن كان رجل يورثه كلالة } اضطربت أقوال العلماء في هذه ~~ولا بد قبل التعرض للإعراب من ذكر معنى { الكلالة } واشتقاقها، ~~فإن الإعراب متوقف على ذلك، فتقول: اختلف الناس في معنى { الكلالة ~~} # فقال جمهور اللغويين وغيرهم: إنه الميت الذي لا ولد له ولا ~~والد، وهو قول علي وابن مسعود. # وقيل: الذي لا والد له فقط، وهو قول عمر. # وقيل: الذي لا ولد له فقط. # وقيل: هو من لا يرثه أب ولا أم، وعلى هذه الأقوال كلها قالكلالة ~~واقعة على الميت. # وقيل: الكلالة: الورثة ما عدا الأبوين والولد، قاله قطرب، وهو ~~اختيار أبي بكر - رضي الله عنه - وسموا بذلك؛ لأن الميت بذهاب ~~طرفيه تكلله الورثة، أي: أحاطوا به من جميع نواحيه، ويؤيد هذا ~~القول بأن الآية نزلت في جابر، ولم يكن له يوم نزلت أب ولا ~~ابن. # وأيضا يقال: كلت الرحم بين فلان وفلان إذا تباعدت القرابة وحمل فلان ~~على فلان ثم كل عنه إذا تباعد، فسميت القرابة البعيدة كلالة من ~~هذا الوجه. # وأيضا يقال: كل الرجل يكل كلا وكلالة: إذا أعيا ~~وذهبت قوته، فاستعاروا هذا اللفظ عن القرابة الحاصلة، من غير أولاد ~~لبعدها. # وأيضا فإنه تعالى قال # قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس ~~له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثهآ ~~إن لم يكن لهآ ولد # [النساء: 176] وهذه الآية تدل على أن الكلالة من لا ولد له ولا ~~والد؛ لأنه شرط عدم الولد وورث الأخت والأخ، وهما لا يرثان مع ~~وجود الأب. # " وروى جابر قال: مرضت مرضا شديدا أشرفت منه على الموت، فأتاني ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إني رجل لا يرثني ~~إلا كلالة " # وأراد به أنه ليس له والد ولا ولد، وهو قول سعيد بن جبير ~~وإليه ذهب أكثر الصحابة. # وروي عن عمر أيضا أنه قال: # " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكلالة فما أغلظ ms2445 في شيء ما ~~أغلظ لي فيها، ضرب بيده صدري وقال " يكفيك آية الصيف " # وهي الآية الأخيرة من سورة النساء سميت بذلك؛ لأنها نزلت في الصيف، ~~ومات ولم يفهمها ولم يقل فيها شيئا. # وقيل: { الكلالة }: المال الموروث، وهو قول النضر بن ~~شميل. # وقيل: { الكلالة } القرابة، وقيل: الوراثة. # فقد تلخص مما تقدم أنها [إما] الميت الموروث أو الوارث، أو ~~المال الموروث، أو الإرث، أو القرابة. # وأما اشتقاقها: فقيل: هي مشتقة من تكلله الشيء، أي: أحاط به، ~~وذلك أنه إذا لم يترك ولدا ولا والدا فقط انقطع طرفاه، وهما ~~عمودا نسبه وبقي مال الموروث لمن يتكلله نسبه، أي: ~~يحيط به كالإكليل. # ومنه " الروضة المكللة " أي: بالزهر، وعليه قول الفرزدق: [الطويل] # 1765- ورثتم قناة المجد لا عن كلالة # عن ابني مناف عبد شمس وهاشم # وقيل: اشتقاقها من " الكلال " وهو الإعياء، فكأنه يصير الميراث إلى ~~الوارث من بعد إعياء. # وقال الزمخشري: و " الكلالة " في الأصل: مصدر بمعنى الكلال وهو ~~ذهاب القوة من الإعياء. # قال الأعشى: [الطويل] # 1766- فآليت لا أرثي لها من كلالة # ولا من وحى حتى تلاقي محمدا # فاستعير للقرابة من غير جهة الولد والوالد، ولأنها بالإضافة إلى ~~قرابتهما كأنها كالة ضعيفة، وأجاز فيها أيضا أن تكون صفة على وزن " ~~فعالة " ، قال: " كالهجاجة والفقاقة للأحمق ". # ويقال: رجل كلالة، وامرأة كلالة، وقوم كلالة، لا يثنى ولا يجمع؛ ~~لأنه مصدر كالدلالة والوكالة. # إذا تقرر هذا فلنعد إلى الإعراب بعون الله، فتقول: يجوز في " ~~كان " وجهان: # أحدهما: أن تكون ناقصة و " رجل " اسمها، وفي الخبر احتمالان: # أحدهما: أنه " كلالة " إن قيل: إنها الميت، وإن قيل: إنها الوارث، أو ~~غير ذلك، فتقدر حذف مضاف، أي: ذا كلالة، و " يورث " حينئذ في ~~محل رفع صفة ل " رجل " وهو فعل مبني للمفعول، ويتعدى في الأصل ~~لاثنين أقيم الأول مقام الفاعل، وهو ضمير الرجل. # والثاني: محذوف تقديره: يورث هو ماله، وهل هذا الفعل من " ورث ~~" الثلاثي أو " أورث " الرباعي؟. # فيه خلاف، إلا أن الزمخشري لما جعله من ~~الثلاثي جعله يتعدى إلى [المفعول] الأول ms2446 من المفعولين ب " من " ~~فإنه قال [وإن كان رجل يورث من كلالة] و " يورث " من ورث أي: يورث ~~فيه يعني أنه في الأصل يتعدى ب " من ". [قال:] وقد تحذف، ~~تقول: " ورثت زيدا ماله " أي: من زيد، ولما جعله من ~~" أورث " جعل الرجل وارثا لا موروثا، فإنه قال: " فإن قلت: ~~فإن جعلت تورث على البناء للمفعول من " أورث " فما وجهه ". # قلت: الرجل حينئذ الوارث لا الموروث ". # وقال أبو حيان: إنه من " أورث " الرباعي المبني للمفعول، ~~ولم يقيده بالمعنى الذي قيده به الزمخشري. # الاحتمال الثاني: أن يكون الخبر الجملة من " يورث ". # وفي نصب { كلالة } أربعة أوجه: # أحدها: أنه حال من الضمير في " يورث " ، إن أريد بها الميت، ~~أو الوارث، إلا أنه يحتاج في جعلها بمعنى الوارث إلى تقدير ~~مضاف، أي: يورث ذا كلالة؛ لأن الكلالة حينئذ ليست نفس الضمير ~~المستكن في { يورث }. # قال أبو البقاء: على جعلها بمعنى الميت ولو قرئ " كلالة " ~~بالرفع على أنها صفة أو بدل من الضمير في { يورث } لجاز، ~~غير أني لم أعرف أحدا قرأ به، فلا يقرأن إلا بما نقل. يعني ~~بكونها صفة: أنها صفة ل " رجل ". # الثاني: أنها مفعول من أجله، إن قيل: إنها بمعنى القرابة، أي: ~~يورث لأجل الكلالة. # الثالث: أنه مفعول ثان ل { يورث } إن قيل: إنها بمعنى ~~المال الموروث. # الرابع: أنها نعت لمصدر محذوف، إن قيل: إنها بمعنى ~~الوراثة، أي: يورث وراثة كلالة. # وقدر مكي في هذا الوجه حذف مضاف تقديره: " ذات كلالة ~~". # الوجه الثاني من وجهي " كان " أن تكون تامة، فيكتفى بالمرفوع، ~~أي: وإن وجد رجل. و { يورث } في محل رفع صفة ل " رجل " و ~~{ كلالة } منصوبة على ما تقدم من الحال، أو المفعول من أجله أو ~~المفعول به، أو النعت لمصدر محذوف على ما قرر من معانيها، ~~ويخص هذا وجه آخر ذكره مكي، وهو أن تكون { كلالة } منصوبة ~~على التمييز. # [قال مكي: " كان " أي: وقع، و { يورث } نعت للرجل و " رجل " ~~رفع ب " كان " و { كلالة } نصب على التفسير]. # وقيل: هو ms2447 نصب على الحال على أن الكلالة هو الميت على هذين ~~الوجهين، وفي جعلها تفسيرا - أي: تمييزا - نظر لا يخفى. # وقرأ الجمهور: { يورث } مبنيا للمفعول كما تقدم توجيهه. # وقرأ الحسن: يورث مبنيا للفاعل، ونقل عنه أيضا، وعن أبي رجاء ~~كذلك، إلا أنهما شددا الراء، وتوجيه القراءتين واضح مما تقدم، ~~وذلك أنه إن أريد بالكلالة الميت، فيكون المفعولان محذوفين، و { ~~كلالة } نصب على الحال، أي: وإن كان رجل يورث وارثه، أو ~~أهله ماله في حال كونه كلالة. # وإن أريد بها القرابة، فتكون منصوبة على المفعول من أجله، ~~والمفعولان أيضا محذوفان على ما تقدم تقريره، وإن أريد بها ~~المال كانت مفعولا ثانيا، والأول محذوف أي: يورث أهله ~~ماله، وإن أريد بها الوارث فبالعكس، أي: يورث ماله أهله. # قوله: { أو امرأة } عطف على { رجل } وحذف منها ما أثبت ~~في المعطوف عليه للدلالة على ذلك، التقدير: أو امرأة تورث ~~كلالة، وإن كان لا يلزم من تقييد المعطوف عليه تقييد المعطوف ~~ولا العكس، إلا أنه هو الظاهر. # وقوله: { وله أخ } جملة من مبتدأ وخبر في محل نصب على ~~الحال، والواو الداخلة عليها واو الحال، وصاحب الحال إما { رجل ~~} أي: إن كان { يورث } صفة له، وإما الضمير المستتر في { ~~يورث } ووحد الضمير في قوله: " وله "؛ لأن العطف ب " أو " وما ~~ورد على خلاف ذلك أول عند الجمهور كقوله: # إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما # [النساء: 135]. # فإن قيل: قوله تعالى: { وإن كان رجل يورث كلالة أو ~~امرأة } ثم قال { وله أخ } فهي عن الرجل، وما هي عن المرأة، ~~فما السبب فيه؟. # فالجواب: قال النحاة: إذا تقدم متعاطفان ب " أو " مذكر ومؤنث ~~كنت بالخيار، بين أن تراعي المتقدم أو المتأخر، فتقول: " زيد أو ~~هند قام " وإن شئت: " قامت ". # وأجاب أبو البقاء عن تذكيره بثلاثة أوجه: # أحدها: أنه يعود على الرجل وهو مذكر مبدوء به. # الثاني: أنه يعود على أحدهما، ولفظ " أحد " مفرد مذكر. # والثالث: أنه يعود على الميت، أو الموروث لتقدم ما ~~يدل عليه، والضمير في قوله: ms2448 { فلكل واحد منهما } فيه ~~وجهان: # أحدهما: أنه يعود على الأخ والأخت. # والثاني: أنه يعود على الرجل، وعلى أخيه وأخته، إذا أريد ~~بالرجل في قوله: { وإن كان رجل يورث كلالة } أنه ~~وارث لا موروث، كما تقدمت حكايته في قول الزمخشري. # قال الزمخشري - بعد ما حكيناه عنه -: " فإن قلت: فالضمير في ~~قوله: { فلكل واحد منهما } إلى من يرجع حينئذ؟. # قلت: على الرجل، وعلى أخيه، أو أخته، وعلى الأول إليهما. # فإن قلت: إذا رجع الضمير إليهما أفاد استواءهما في حيازة ~~السدس من غير مفاضلة الذكر للأنثى، فهل تبقى هذ الفائدة ~~قائمة في هذا الوجه؟. # قلت: نعم، لأنك إذا قلت: السدس له أو لواحد من الأخ أو الأخت ~~على التخيير، فقد سويت بين الذكر والأنثى ". انتهى. # وأجمع المفسرون على أن المراد بالأخ والأخت هاهنا الإخوة من ~~الأم؛ لأن ما في آخر السورة يدل على ذلك، وهو كون للأخت النصف، ~~وللأختين الثلثان وللإخوة الذكور والإناث للذكر مثل حظ ~~الأنثيين، ولقراءة أبي سعيد. وقرأ أبي " أخ أو أخت من الأم ". # وقرأ سعد بن أبي وقاص " من أم " بغير أداة التعريف. # قوله: { فإن كانوا } الواو ضمير الإخوة من الأم المدلول عليهم ~~بقوله: { أخ أو أخت } والمراد الذكور والإناث، وأتى بضمير ~~الذكور في قوله: { كانوا } وقوله: { خلفهم } تغليبا للمذكر ~~على المؤنث، و " ذلك " إشارة إلى الواحد، أي: أكثر من الواحد، يعني: ~~فإن كان من يرث زائدا على الواحد؛ لأنه لا يصح أن يقال: " ~~هذا أكثر من واحد " بهذا المعنى لتنافي معنى كثير وواحد، وإلا ~~فالواحد لا كثرة فيه، وتقدم إعراب { من بعد وصية يوصى بها }. # فصل: في أثر عن أبي بكر - رضي الله عنه - # قال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - في خطبته: ألا إن الآية التي ~~أنزل الله - تعالى - في أول سورة النساء في بيان الفرائض ~~أنزلها في الولد، والوالد والأم، والآية الثانية في الزوج ~~والزوجة والإخوة من الأم، والآية التي ختم بها سورة النساء في ~~الإخوة، والأخوات من الأب والأم، والآية التي ختم بها سورة الأنفال ms2449 ~~أنزلها في أولي الأرحام # بعضهم أولى ببعض في كتاب الله # [الأنفال: 75]. # قوله: { غير مضآر } " غير " نصب على الحال من الفاعل في " ~~يوصى " ، وهو ضمير يعود على الرجل في قوله: { وإن كان رجل } ، ~~هذا إن أريد بالرجل الموروث، وإن أريد به الوارث كما تقدم، ~~فيعود على الميت الموروث المدلول عليه بالوارث من طريق الالتزام، ~~كما دل عليه في قوله: # فلهن ثلثا ما ترك # [النساء:11]، أي: تركه الموروث، فصار التقدير: يوصى بها الموروث، ~~وهكذا أعربه الناس فجعلوه حالا: الزمخشري وغيره. # ورده أبو حيان، بأنه يؤدي إلى الفصل بين هذه الحال ~~وعاملها بأجنبي منهما، وذلك أن العامل فيها { يوصى } كما ~~تقرر. # وقوله: { أو دين } أجنبي؛ لأنه معطوف على { وصية } ~~الموصوفة بالعامل في الحال. # قال: ولو كان على ما قالوه من الإعراب لكان التركيب: { من بعد وصية ~~يوصى بها غير مضار أو دين }. # وهذا الوجه مانع في كلتا القراءتين: أعني ناء الفعل للفاعل، أو ~~المفعول، وتزيد عليه قراءة البناء للمفعول وجها آخر، وهو أن صاحب ~~الحال غير مذكور؛ لأنه فاعل في الأصل، حذف وأقيم المفعول ~~مقامه، ألا ترى أنك لو قلت: " ترسل الرياح مبشرا بها " بكسر الشين ~~يعني " يرسل الله الرياح مبشرا بها " فحذفت الفاعل، وأقمت المفعول ~~مقامه، وجئت بالحال من الفاعل لم يجز، فكذلك هذا، ثم خرجه على ~~أحد وجهين: # إما بفعل يدل عليه ما قبله من المعنى؛ ويكون عاما لمعنى ما يتسلط ~~على المال بالوصية أو الدين، وتقديره: يلزم ذلك ماله، أو يوجبه ~~[فيه] غير مضار بورثته بذلك الإلزام أو الإيجاب. # وإما بفعل مبني للفاعل لدلالة المبني للمفعول عليه، أي: يوصي غير ~~مضار، فيصير نظير قوله: # يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال # [النور: 36، 37] على قراءة من قرأ بفتح الباء. # فصل # اعلم أن الضرار في الوصية يقع على وجوه: # منها: أن يوصي بأكثر من الثلث، أو يقر بكل ماله، أو ببعضه ~~لآخر، أو يقر على نفسه بدين لا حقيقة له دفعا للميراث عن الورثة، ~~أو يقر بأن الدين الذي كان له على فلان ms2450 قد استوفاه ووصل إليه، أو ~~يبيع شيئا بثمن رخيص، أو يشتري شيئا بثمن غال، كل ذلك لغرض ألا ~~يصل المال إلى الورثة، أو يوصي بالثلث لا لوجه الله ولكن لغرض ~~تنقيص حقوق الورثة، فهذا هو [وجه] الإضرار في الوصية. # روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " الإضرار في الوصية من الكبائر " # ، وعن شهر بن حوشب عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة سبعين سنة ~~فإذا أوصى وجار في وصيته ختم الله له بشر ~~عمله؛ فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل ~~النار سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم ~~الله له بخير عمله فيدخل الجنة " # وقال عليه الصلاة والسلام: # " من قطع ميراثا فرضه الله - تعالى - قطع الله - ~~تعالى - ميراثه من الجنة " # ويدل على ذلك قوله تعالى بعد هذه الآية: # تلك حدود الله # [النساء: 13] قال ابن عباس: في الوصية # ومن يعص الله ورسوله # [النساء: 14] قال: في الوصية. # فصل هل يجب إخراج الزكاة والحج من التركة؟ # قال الشافعي: إذا أخر الزكاة والحج حتى مات يجب إخراجهما ~~من التركة. # وقال أبو حنيفة: " لا تجب ". # حجة الوجوب أنها دين، وقال تعالى: { من بعد وصية ~~يوصى بهآ أو دين }. # وقال عليه الصلاة والسلام: # " أرأيت لو كان على أبيك دين " # وقال عليه السلام: # " دين الله أحق أن يقضى ". # قوله: { وصية } في نصبها أربعة أوجه: # أحدها: أنه مصدر مؤكد، أي: يوصيكم الله [بذلك] وصية. # الثاني: أنها مصدر في موضع الحال، والعامل فيها { يوصيكم الله ~~} قاله ابن عطية. # والثالث: أنها منصوبة على الخروج إما من قوله: { فلكل ~~واحد منهما السدس } ، أو من قوله: { لك فهم شركآء ~~في الثلث } ، وهذه عبارة تشبه عبارة الكوفيين. # والرابع: أنها منصوبة باسم الفاعل وهو { مضآر } والمضارة ~~لا تقع بالوصية بل بالورثة، لكنه لما وصى الله - تعالى - ~~بالورثة جعل المضارة الواقعة بهم كأنها واقعة بنفس الوصية ~~مبالغة في ذلك، ويؤيد هذا التخريج قراءة الحسن: { غير ms2451 ~~مضآر وصية من الله والله } بإضافة اسم الفاعل إليها ~~على ما ذكرناه من المجاز، وصار نظير قولهم: " يا سارق الليلة " ، ~~التقدير: يا سارقا في الليلة، ولكنه أضاف اسم الفاعل إلى ظرفه ~~مجازا واتساعا، فكذلك هذا أصله: " غير مضار في وصية من الله " ، ~~فاتسع في هذا إلى أن عدي بنفسه من غير واسطة، لما ذكرنا من ~~قصد المبالغة، وهذا أحسن تخريجا من تخريج أبي البقاء فإنه ~~ذكر في تخريج قراءة الحسن وجهين: # أحدهما: أنه على حذف " أهل " أو " ذي " أي: غير مضار أهل وصية، ~~أو ذي وصية. # والثاني: على حذف وقت، أي: وقت وصية، قال وهو من إضافة الصفة ~~إلى الزمان، ويقرب من ذلك قولهم: هو فارس حرب، أي: فارس في الحرب، ~~وتقول: هو فارس زمانه، أي: فارس في زمانه، كذلك تقدير القراءة: غير ~~مضار في وقت الوصية. # ومفعول { مضآر } محذوف إذا لم تجعل { وصية } مفعولة، أي: ~~غير مضار ورثته بوصية. # فإن قيل: ما الحكمة في أنه ختم الآية الأولى بقوله: " فريضة من ~~الله والله عليم حليم " وختم هذه الآية بقوله: " وصية من الله "؟ ~~فالجواب: أن لفظ الفرض أقوى وأؤكد من لفظ الوصية، فختم شرح ميراث ~~الأولاد بذكر الفريضة، وختم شرح ميراث الكلالة بالوصية ليدل بذلك ~~على أن الكل، وإن كان واجب الرعاية، إلا أن رعاية حال الأولاد ~~أولى وأقوى، ثم قال: { والله عليم حليم } عليم بمن جار أو عدل في وصيته " ~~حليم " على الجائر لا يعالجه بالعقوبة وهذا وعيد. ### || [4.13-14] # لما بين سهام المواريث ذكر الوعد والوعيد، ترغيبا في الطاعة ~~وترهيبا عن المعصية. # وقوله تعالى: { تلك } إشارة إلى ما ذكر من المواريث؛ لأن الضمير ~~يعود إلى أقرب مذكور. # وقيل: إشارة إلى كل ما ذكر من أول السورة إلى هنا من أحكام ~~أموال اليتامى، والأنكحة، وأحكام المواريث، قاله الأصم؛ لأن الأقرب ~~إذا لم يمنع من عوده إلى الأبعد وجب عوده إلى الكل؛ ولأن المراد ~~بحدود الله: الأحكام التي ذكرها وبينها، ومنه حدود الدار؛ لأنها ~~تميزها من غيرها. # قوله: { ومن يطع الله ms2452 ورسوله } وقوله: { ومن يعص ~~الله ورسوله }. # قيل: مختص بمن أطاع أو عصى في هذه التكاليف المذكورة في هذه ~~السورة. # وقال المحققون: بل هو عام؛ لأن اللفظ عام فيتناول الكل. # قوله: { يدخله } حمل على لفظ " من " ، فأفرد الضمير في ~~قوله: { يطع الله } و { يدخله } وعلى معناها، فجمع في قوله: { ~~خالدين } وهذا أحسن الحملين، أعني: الحمل على اللفظ، ثم على ~~المعنى، ويجوز العكس، وإن كان ابن عطية قد منعه وليس بشيء لثبوته عن ~~العرب، وقد تقدم ذلك مرارا، وفيه تفصيل، وله شروط مذكورة في ~~كتب النحو. # قوله: { خالدين } في نصبه وجهان: # أظهرهما: أنه حال من الضمير المنصوب في { يدخله } ولا يضر ~~تغاير الحال وصاحبها من حيث كانت جمعا وصاحبها مفردا، لما تقدم ~~من اعتبار اللفظ والمعنى وهي مقدرة؛ لأن الخلود بعد الدخول. # والثاني: أن يكون نعتا ل { جنات } من باب ما جرى على موصوفه ~~لفظا، وهو لغيره معنى، نحو: مررت برجل قائمة أمه، وبامرأة ~~حسن غلامها، ف " قائمة " وحسن وإن كانا جاريين على ما قبلهما ~~لفظا فهما لما بعدهما معنى، وأجاز ذلك في الآية الكريمة ~~الزجاج وتبعه التبريزي، إلا أن الصفة إذا جرت على غير ~~من هي له وجب إبراز الضمير مطلقا على مذهب البصريين ألبس أو لم ~~يلبس. # وأما الكوفيون فيفصلون، فيقولون: إذا جرت الصفة على غير من هي ~~له، فإن ألبس وجب إبراز الضمير، كما هو مذهب البصريين؛ نحو: " ~~زيد عمرو ضاربه هو " ، إذا كان الضرب واقعا من زيد على عمرو، فإن لم ~~يلبس لم يجب الإبراز، نحو: " زيد هند ضاربها " ، إذا تقرر ~~هذا فمذهب الزجاج في الآية إنما يتمشى على رأي الكوفيين، ~~وهو مذهب حسن. # واستدل من نصر مذهب الكوفيين بالسماع، فمنه قراءة من قرأ # إلى طعام غير ناظرين إناه # [الأحزاب:53] بجر " غير " مع عدم بروز الضمير، ولو أبرزه لقال: غير ~~ناظرين إناه أنتم. # ومنه قول الآخر: [البسيط] # 1767- قومي ذرا المجد بانوها وقد علمت # بكنه ذلك عدنان وقحطان # ولم يقل: بانوها هم. # وقد خرج بعضهم البيت على حذف مبتدأ، ms2453 تقديره: هم بانوها ف " قومي " ~~مبتدأ أول، و " ذرا " مبتدأ ثان، و " هم مبتدأ ثالث، و " بانوها " ~~خبر الثالث والثالث وخبره خبر الثاني والثاني وخبره خبر الأول. # وقد منع الزمخشري كون " خالدين " و " خالدا " صفة ل " ~~جنات " و " نارا ". فقال: فإن قلت: هل يجوز أن يكونا صفتين ل " ~~جنات " و " نارا "؟ قلت: لا لأنهما جريا على غير من هما له، ~~فلا بد من الضمير في قولك: " خالدين هم فيها " ، و " خالدا هو ~~فيها ". # ومنع أبو البقاء ذلك أيضا بعدم إبراز الضمير لكن مع " خالدا " ولم ~~يتعرض لذلك مع " خالدين " ولا فرق بينهما، ثم حكى جواز ذلك عن ~~الكوفيين، وهذا المنع على مذهب البصريين كما تقدم. # وقرأ نافع وابن عامر هنا " ندخله " في الموضعين، وفي سورة ~~الفتح [الآية 17] وفي سورة التغابن [الآية 9] والطلاق [الآية 11] بنون ~~العظمة، والباقون بالياء، والضمير لله تعالى. # فإن قيل: كيف جمع { خالدين } في الطائعين، وأفرد خالدا في ~~العاصين؟. # فالجواب: قالوا: لأن أهل الطاعة أهل الشفاعة، فلما كانوا ~~يدخلون هو والمشفوع لهم ناسب ذلك الجمع، والعاصي لا يدخل به ~~غيره النار، فناسب ذلك الإفراد. # قوله: { تجري من تحتها الأنهار } هذه الجملة في محل نصب ~~صفة ل " جنات " ، وقد تقدم مرارا أن المنصوب بعد " دخل " من الظروف هل ~~نصبه نصب الظروف، أو نصب المفعول به؟ # الأول: قول الجمهور. # والثاني: قول الأخفش، فكذلك { جنات } ، و { نارا }. # فصل # قالت المعتزلة: هذه الآية دلت على أن العصاة من أهل الصلاة ~~يخلدون في النار؛ لأن قوله { ومن يعص الله ورسوله ~~ويتعد حدوده } إما أن يختص بمن تعدى الحدود المتقدمة، وهي ~~حدود المواريث أو يدخل فيها ذلك وغيره، وعلى هذا يلزم دخول من تعدى ~~في المواريث في هذا الوعيد، وذلك عام فيمن تعدى، وهو من أهل ~~الصلاة، أو ليس من أهل الصلاة فدلت هذه الآية على القطع بالوعيد ~~وعلى الخلود، ولا يقال على هذا الوعيد مختص بمن تعدى حدود الله، ~~وذلك لا يتحقق إلا في حق الكافر، فإنه هو الذي تعدى جميع ~~حدود الله، ms2454 فإنا نقول: هذا مدفوع من وجهين: # الأول: أنا لو حملنا هذه الآية على تعدي جميع حدود الله خرجت ~~الآية عن الفائدة، لأن الله تعالى نهى عن اليهودية والنصرانية، ~~والمجوسية، فتعدي جميع هذه النواهي وتركها إنما يكون بأن يأتي ~~اليهودية والنصرانية والمجوسية معا، وذلك محال، فثبت أن تعدي جميع حدود ~~الله محال، وإذا كان كذلك علمنا أن المراد منه أي حد كان من حدود ~~الله. # الثاني: أن هذه الآية مذكورة عقيب قسمة المواريث فيكون المراد فيها ~~التعدي في الحدود المذكورة في قسمة الموارث. # وأجيب بأنا أجمعنا على أن هذا الوعيد مختص بعدم التوبة؛ ~~لأن الدليل دل على أنه إذا تاب لم يبق هذا الوعيد فكذلك يجوز ~~أن يكون مشروطا بعدم العفو، فإن بتقدير قيام الدلالة على حصول ~~العفو يمتنع بقاء هذا الوعيد عند حصول العفو، ونحن قد ذكرنا ~~الدلائل الدالة على حصول العفو، ثم نقول: هذا العموم مخصوص بالكافر ~~لوجهين: # الأول: أنا إذا قلنا لكم: ما الدليل على أن كلمة " من " في معرض ~~الشرط تفيد العموم؟ قلتم: لأنه يصح الاستثناء، [منه، والاستثناء] ~~يخرج من الكلام ما لولاه لدخل فيه، فنقول: إن صح هذا الدليل فهو ~~يدل على أن قوله { ومن يعص الله ورسوله } يختص ~~بالكافر؛ لأن جميع المعاصي يصح استثناؤها من هذا اللفظ، فيقال: ~~ومن يعص الله ورسوله إلا في الكفر، وإلا في الفسق، وحكم ~~الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل، فهذا يقتضي أن قوله: { ومن يعص ~~الله ورسوله } في جميع أنواع المعاصي والقبائح، وذلك لا يتحقق ~~إلا في حق الكافر، وقوله: الإتيان بجميع المعاصي محال قال: وذلك ~~لأن الإتيان باليهودية والنصرانية والمجوسية معا محال، فنقول: ~~ظاهر اللفظ يقتضي العموم إلا إذا قام مخصص عقلي أو شرعي، ~~وعلى هذا التقدير يسقط سؤالهم. # والوجه الثاني: في بيان تخصيص العموم بالكافر، أن قوله: { ومن ~~يعص الله ورسوله } يفيد كونه فاعلا للمعصية والذنب، فقوله: ~~" ويتعد حدوده " لو كان المراد منه عين ذلك للزم التكرار، وهو خلاف ~~الأصل فوجب حمله على الكفر، وقولهم: تحمل هذه الآية ms2455 على تعدي الحدود ~~المذكورة في المواريث. # قلنا: هب أن الأمر كذلك إلا أنه يسقط ما ذكرناه من السؤال ~~بهذا الكلام؛ لأن التعدي في حدود المواريث تارة [يكون] بأن يعتقد ~~أن تلك التكاليف، والأحكام حق وواجبة القبول، إلا أنه يتركها، ~~وتارة [يكون] بأن يعتقد أنها واقعة لا على وجه الحكمة والصواب، ~~فيكون هذا هو الغاية من تعدي الحدود وأما الأول فلا يكاد يطلق في ~~حقه أنه تعدى حدود الله، وإلا لزم وقوع التكرار، فعلمنا أن ~~هذا الوعيد مختص بالكافر الذي لا يرضى بما قسمه الله من المواريث. # فصل # قال ابن عباس: الإضرار في الوصية من الكبائر؛ لأنه عقب هذه ~~الآية بالوعيد. # وفي الحديث # " إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة سبعين سنة ~~فيحيف في وصيته فيختم له [الله] بشر عمله فيدخل النار، ~~وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار سبعين سنة فيعدل في وصيته ~~فيختم له بخير فيدخل الجنة ". # وفي الحديث: # " من قطع ميراثا فرضه الله قطع الله ميراثه من الجنة " # والزيادة في الوصية تدل على الحسرة الشديدة وذلك من أكبر الكبائر. ### || [4.15] # لما أمر تعالى في الآية المتقدمة بالإحسان إلى النساء أمر هنا ~~بالتغليظ عليهن فيما يأتينه من الفاحشة فإن ذلك إحسان إليهن في ~~الحقيقة. # وأيضا وكما يستوفى لخلقه فكذلك يستوفي عليهم وليس في أحكامه محاباة. # وأيضا فلا يجعل أمر الله بالإحسان إليهن سببا لترك إقامة الحدود ~~عليهن فيصير ذلك سببا لوقوعهن في أنواع المفاسد. # قوله: { واللاتي } جمع " التي " في المعنى لا في اللفظ، لأن ~~هذه صيغ [موضوعة للتثنية والجمع، وليس بتثنية ولا جمع حقيقة. # وقال أبو البقاء: " اللاتي " جمع " التي " على غير قياس. # وقيل: هي صيغة] موضوعة للجمع، ومثل هذا لا ينبغي أن يعده خلافا، ~~ولها جموع كثيرة: ثلاث عشرة لفظة، وهي: اللاتي واللواتي، واللائي، ~~وبلا ياءات فهذه ست، واللاي بالياء من غير همز، واللا من غير ياء ولا ~~همز، واللواء، بالمد، واللوا بالقصر و " الألى " كقوله: ~~[الطويل] # 1768- فأما الألى يسكن غور تهامة # فكل فتاة تترك الحجل أفصما # إلا أن الكثير ms2456 أن تكون جمع " الذي " و " اللاءات " مكسورا ~~مطلقا أو معربا إعراب جمع المؤنث السالم كقوله: [الطويل] # 1769- أولئك إخواني الذين عرفتهم # وأخدانك اللاءات زين بالكتم # برفع اللاءات. # قال ابن الأنباري: العرب تقول في الجمع من غير الحيوان، التي، ومن ~~الحيوان: اللاتي، كقوله: # أموالكم التي جعل الله لكم قياما # [النساء: 5]. # وقال في هذه الآية: اللاتي، واللائي، والفرق هو أن الجمع من غير الحيوان ~~سبيله سبيل الشيء الواحد وأما جمع الحيوان ليس كذلك بل كل واحدة ~~منهما غير متميزة عن غيرها بخواص وصفات فافترقا، ومن العرب من يسوي ~~بين البابين، فيقول: كما فعلت الهندات التي من أمرها كذا، وما فعلت ~~الأثواب التي من قصتهن كذا، والأول هو المختار وفي محل " اللاتي " ~~قولان: # أحدهما: أنه رفع بالابتداء، وفي الخبر حينئذ وجهان: # أحدهما: الجملة من قوله: { فاستشهدوا عليهن } وجاز دخول ~~الفاء زائدة في الخبر، وإن لم يجز زيادتها في نحو: " زيد فاضرب " ~~على رأي الجمهور؛ لأن المبتدأ أشبه الشرط في كونه موصولا عاما صلته ~~فعل مستقبل، والخبر مستحق بالصلة. # الوجه الثاني: أن الخبر محذوف، والتقدير: " فيما يتلى عليكم حكم ~~اللاتي " فحذف الخبر والمضاف إلى المبتدأ للدلالة عليهما، وأقيم المضاف ~~إلى مقامه، وهذا نظير ما فعله سيبويه في نحو: # الزانية والزاني فاجلدوا # [النور: 2] # والسارق والسارقة فاقطعوا # [المائدة: 38]، أي فيما يتلى عليكم حكم الزانية، ويكون قوله: " ~~فاستشهدوا عليهن " " فاجلدوا " دالا على ذلك الحكم المحذوف لأنه بيان ~~له. # والقول الثاني: أن محله نصب، وفيه وجهان: # أحدهما: أنه منصوب بفعل مقدر لدلالة السياق عليه لا على جهة ~~الاشتغال لما سنذكره، والتقدير: اقصدوا اللاتي يأتين، أو تعمدوا ولا ~~يجوز أن ينتصب بفعل مضمر يفسره قوله: " فاستشهدوا " فتكون المسألة من ~~باب الاشتغال؛ لأن هذا الموصول أشبه اسم الشرط، كما تقدم ~~تقديره، واسم الشرط ولا يجوز أن ينتصب على الاشتغال، لأنه لا يعمل فيه ~~ما قبله فلو نصبناه بفعل فقد لزم أن يعمل فيه ما قبله هذا ما قاله ~~بعضهم، ويقرب منه ما قاله أبو البقاء فإنه قال: وإذا كان كذلك، ~~أي: ms2457 كونه في حكم الشرط لم يحسن النصب، لأن تقدير الفعل قبل ~~أداء الشرط لا يجوز، وتقديره بعد الصلة يحتاج إلى إضمار فعل غير ~~قوله " فاستشهدوا "؛ لأن " استشهدوا " لا يصح أن يعمل النصب في " ~~اللاتي " ، وفي عبارته مناقشة يطول ذكرها. # والثاني: أنه منصوب على الاشتغال، ومنعهم ذلك بأنه يلزم ~~أن يعمل فيه ما قبله جوابه أنا نقدر الفعل لا قبله، وهذا ~~خلاف مشهور في أسماء الشرط والاستفهام، هل يجري فيها الاشتغال ~~أم لا؟. # فمنعه قوم لما تقدم وأجازه آخرون مقدرين الفعل بعد الشرط ~~والاستفهام. وكونه منصوبا على الاشتغال هو ظاهر كلام مكي، ~~فإنه ذكر ذلك في قوله: # واللذان يأتيانها منكم فآذوهما # [النساء: 16] فالآيتان من واد واحد ولا بد من إيراد نصه ~~ليتضح لك قوله؛ قال - رحمه الله -: # واللذان يأتيانها # [النساء: 16] الاختيار عند سيبويه في " اللذان " الرفع، وإن كان معنى ~~الكلام الأمر؛ لأنه لما وصل بالفعل تمكن معنى الشرط فيه، ~~إذ لا يقع على شيء بعينه، فلما تمكن معنى الشرط والإبهام جرى ~~مجرى الشرط في كونه لم يعمل فيه ما قبله، كما لا يعمل في ~~الشرط ما قبله من مضمر أو مظهر، ثم قال: " والنصب جائز على ~~إضمار فعل؛ لأنه إنما أشبه الشرط، وليس الشبيه بالشيء كالشيء في ~~حكمه " انتهى. # وليس لقائل أن يقول: مراده النصب بإضمار فعل النصب على ~~الاشتغال، بل بفعل مدلول عليه كما تقدم نقله عن بعضهم، لأنه لم ~~يكن لتعليله بقوله: " لأنه إنما أشبه الشرط إلى آخره " فائدة، إذ ~~النصب كذلك لا يحتاج إلى هذا الاعتذار. # فصل # قال القرطبي: الفاحشة في هذا الموضع الزنا، فالمراد بالفاحشة: الفعلة ~~القبيحة وهي مصدر كالعاقبة والعافية، وقرأ ابن مسعود " بالفاحشة ~~" بباء الجر وقوله: " من نسائكم " في محل النصب على الحال من الفاعل ~~في " يأتين " ، فهو يتعلق بمحذوف أي: يأتين كائنات من نسائكم. # وأما قوله: " منكم " ففيه وجهان: # أحدهما: أن يتعلق بقوله: " فاستشهدوا ". # والثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة ل " أربعة " فيكون في ~~محل نصب تقديره: فاستشهدوا عليهن أربعة كائنة منكم. # فصل ms2458 # معنى يأتين الفاحشة أي يفعلنها يقال: أتيت أمرا قبيحا، أي: فعلته قال ~~تعالى: # لقد جئت شيئا فريا # [مريم: 27] وقوله تعالى: # لقد جئتم شيئا إدا # [مريم: 89] وقال ابن مسعود " بالفاحشة " هي الفعلة القبيحة. # قال أهل اللغة هي مصدر كالعاقبة والعافية، ويقال: فحش الرجل ~~بمعنى تفحش فحشا وفاحشة وأفحش إذا جاء بالقبيح من القول والفعل، ~~وأجمعوا على أن المراد بالفاحشة هنا الزنا، وإنما تطلق الفاحشة على ~~الزنا لزيادتها في القبح على كثير من القبائح. # فإن قيل: الكفر أقبح منه، وقتل النفس أقبح منه، ولا يسمى ذلك ~~فاحشة؟ # فالجواب من وجهين: # الأول: أن الكفر لا يستحقه الكافر من نفسه ولا يعتقده قبحا، بل ~~يعتقده صوابا، وكذلك المقبل على الشجاعة يقدم عليها من يراها حسنة ~~وأما الزنا ففاعله يعلم قبحه [ويقدم عليه] ويوافق ~~على فحشه. # الثاني: قال ابن الخطيب: إن القوى المدبرة لقوى الإنسان ثلاثة ~~القوى الناطقة، والقوة الغضبية، والقوة الشهوانية وفساد ~~القوة الناطقة هو الكفر والبدعة وما يشبههما، وفساد القوة الغضبية ~~هو القتل وما يشبهه وأخس هذه القوى الثلاثة القوة الشهوانية فلا جرم ~~كان فسادها أخس أنواع الفساد، فلهذا السبب خص هذا العمل ~~بالفاحشة. # فصل في شهود الزنا # قوله: { فاستشهدوا عليهن أربعة منكم } أي: من ~~المسلمين فجعل الله الشهادة على الزنا خاصة بأربعة تغليظا على ~~المدعي وسترا على العباد. # وقال القرطبي: وتعديل الشهود بأربعة في الزنا حكم ثابت في التوراة ~~والإنجيل والقرآن؛ قال الله تعالى: # والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهدآء فاجلدوهم # [النور: 4] وقال هنا: { فاستشهدوا عليهن أربعة ~~منكم } وروى أبو داود عن جابر بن عبد الله: جاءت اليهود برجل ~~وامرأة زنيا، فقال عليه السلام: # " ائتوني بأعلم رجلين منكم " ، فأتوه يابني ~~صوريا فنشدهما: كيف تجدان أمر هذين في ~~التوراة؟ قالا: نجد في التوراة إذا شهد أربعة ~~أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رجما ~~قال: فما يمنعكما أن ترجموهما؟ قالا: ذهب ~~سلطاننا فكرهنا القتل؛ فدعا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الشهود فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها ~~مثل ms2459 الميل في المكحلة فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~برجمهما ". # وقال قوم: إنما كان الشهود في الزنا أربعة ليترتب شاهدان على كل ~~واحد من الزانيين كسائر الحقوق؛ إذ هو حق يؤخذ من كل واحد منهما، ~~وهذا ضعيف؛ فإن اليمين تدخل من الأموال واللوث في القسامة ولا ~~يدخل لواحد منهما هنا. # فصل # قال جمهور المفسرين: المراد من هذه الآية أن المرأة إذا أتت ~~الزنا فإن شهد عليها أربعة رجال أحرار عدول أنها زنت؟ ~~أمسكت في بيت محبوسة، إلى أن تموت أو يجعل الله لها سبيلا، وقال ~~أبو مسلم: المراد من هذه الفاحشة السحاقات وحدهن الحبس إلى ~~الموت، والمراد من قوله: # واللذان يأتيانها منكم # [النساء: 16] أهل اللواط وحدها الأذى بالقول والفعل، والمراد ~~بالآية المذكورة في سورة النور: الزنا بين الرجل والمرأة وحده في ~~البكر الجلد، وفي المحصن الرجم، ويدل على ذلك وجوه: # أحدها: أن قوله: { واللاتي يأتين الفاحشة من نسآئكم ~~} مخصوص بالنسوان وقوله: # واللذان يأتيانها منكم # [النساء: 16] مخصوص بالرجال؛ لأن قوله " اللذان " تثنية المذكر. # فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد من قوله: { واللذان } ~~الذكر والأنثى إلا أنه غلب لفظ الذكر. # فالجواب: لو كان كذلك لما أفرد ذكر النساء من قبل فلما أفرد ذكرهن ثم ~~ذكر بعده قوله: # واللذان يأتيانها منكم # [النساء: 16] سقط هذا الاحتمال. # وثانيها: أن على هذا التقدير لا يحتاج إلى التزام النسخ في شيء من ~~الآيات بل يكون حكم كل واحد مهما باقيا مقررا وعلى ما ذكر ثم يلزم ~~النسخ في هاتين الآيتين والنسخ خلاف الأصل. # ثالثها: أن على التقدير الذي ذكرتم يكون قوله: { واللاتي ~~يأتين الفاحشة } في الزنا، وقوله: # واللذان يأتيانها منكم # [النساء: 16] في الزنا أيضا فيفضي إلى تكرار الشيء الواحد في الموضع ~~الواحد مرتين، وإنه قبيح، وعلى قولنا لا يفضي إلى ذلك فكان أولى. # رابعها: أن القائلين بأن هذه الآية نزلت في الزنا فسروا قوله: { ~~أو يجعل الله لهن سبيلا } بالجلد والتغريب والرجم، وهذا ~~لا يصح؛ لأن هذه الأشياء تكون عليهن لا لهن، قال تعالى: ms2460 # لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت # [البقرة: 286] وأما نحن فنفسر ذلك بتسهيل الله لها قضاء الشهوة ~~بطريق النكاح. # قال أبو مسلم: يدل على صحة ما ذكرنا قوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان، وإذا أتت ~~المرأة المرأة فهما زانيتان " # واحتجوا على إبطال كلام أبي مسلم بوجوه: # الأول: أن هذا قول لم يقله أحد من المفسرين المتقدمين. # الثاني: أنه روي في الحديث أنه عليه السلام قال: # " قد جعل الله لهن سبيلا الثيب ترجم ~~والبكر تجلد " # وهذا يدل على أن هذه الآية نازلة في حق الزناة. # الثالث: أن الصحابة اختلفوا في حكم اللواط، ولم يتمسك أحد منهم ~~بهذه الآية، فعدم تمسكهم بها مع شدة احتياجهم إلى نص يدل على هذا ~~الحكم من أقوى الدلائل على أن هذه الآية ليست في اللواطة. # وأجاب أبو مسلم عن الأول بأن هذا الإجماع ممنوع، فلقد قال بهذا ~~القول مجاهد، وهو من أكابر المفسرين، وقد ثبت في أصول الفقه أن ~~استنباط تأويل جديد في الآية لم يذكره المتقدمون جائز. # والجواب عن الثاني أن هذا يفضي إلى نسخ القرآن بخبر الواحد، ~~وإنه غير جائز. # وعن الثالث أن مطلوب الصحابة أنه هل يقام الحد على اللوطي، ~~وليس في هذه الآية دلالة على نفي ولا إثبات فلهذا لم يرجعوا إليها. # فصل # المراد من قوله: { من نسآئكم } أي: زوجاتكم لقوله: # والذين يظاهرون من نسآئهم # [المجادلة: 3] وقوله: # فإن لم تكونوا دخلتم بهن # [النساء: 23] [من نسائكم] وقيل: أي: من الثيب. وقوله: " فأمسكوهن " أي ~~احبسوهن في بيوتكم، والحكمة فيه أن المرأة إنما تقع في الزنا ~~عند الخروج والبروز، فإذا حبست في البيت لم تقدر على الزنا، ~~وتعتاد العفاف عن الزنا. # قل عبادة بن الصامت والحسن ومجاهد: كان هذا في ابتداء الإسلام حتى نسخ ~~بالإذى الذي بعده، ثم نسخ ذلك بالرجم في الثيب. # وقيل: بل كان الإيذاء أولا ثم نسخ بالإمساك، ولكن التلاوة أخرت. # وقال ابن فورك: هذا الإمساك والحبس في البيوت كان في صدر الإسلام قبل ~~أن يكثر الجناة. فلما ms2461 كثروا وخشي قوتهم اتخذوا لهم سجنا، قال ابن العربي ~~فإن قيل: التوفي والموت بمعنى واحد، فيصير التقدير: أو يميتهن الموت. # فالجواب، يجوز أن يريد يتوفاهن ملائكة الموت لقوله: # الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي # [النحل: 28] أو حتى يأخذهن الموت. # فإن قيل: إنكم تفسرون قوله تعالى: { أو يجعل الله لهن ~~سبيلا } الثيب ترجم والبكر تجلد، وهذا بعيد؛ لأن هذا ~~السبيل عليها لا لها، فإن الرجم أغلظ من الحبس. # فالجواب: أن النبي - عليه السلام - فسر السبيل بذلك في قوله: # " خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا، الثيب بالثيب ~~جلد مائة ورجم بالحجارة، والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام " # فلما فسر الرسول عليه السلام السبيل بذلك وجب القطع بصحته. # وأيضا فله وجه في اللغة، لأن المخلص من الشيء هو سبيله، سواء كان ~~أخف أو أثقل. # قوله: " حتى يتوفاهن الموت " " حتى " بمعنى " إلى " فالفعل بعدها ~~منصوب بإضمار " أن " وهي متعلقة بقوله " فأمسكوهن " غاية له. # وقوله: { أو يجعل الله } فيه وجهان: # أحدهما: أن تكون " أو " عاطفة، فيكون الجعل غاية لإمساكهن أيضا، ~~فينتصب " يجعل " بالعطف على { يتوفاهن }. # والثاني: أن تكون " أو " بمعنى " إلا " كالتي في قولهم: " ~~لألزمنك أو تقضيني حقي " على أحد المعنيين، والفعل بعدها منصوب أيضا ~~بإضمار " أن " كقوله: [الطويل] # 1770- فسر في بلاد الله والتمس الغنى # تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا # أي: إلا أن تموت، والفرق بين هذا الوجه والذي قبله أن الجعل ليس ~~غاية لإمساكهن في البيوت. # قوله: { لهن } فيه وجهان: # أظهرهما: أنه متعلق ب { يجعل }. # والثاني: أنه متعلق بمحذوف، لأنه حال من { سبيلا } إذ هو ~~في الأصل صفة نكرة قدم عليها فنصب حالا، هذا إن جعل ~~الجعل بمعنى الشرع أو الخلق، وإن جعل بمعنى التصيير، فيكون { ~~لهن } مفعولا ثانيا قدم على الأول وهو { سبيلا } ، ~~وتقديمه هنا واجب؛ لأنهما لو انحلا لمبتدأ وخبر وجب تقديم هذا ~~الخبر لكونه جارا، والمبتدأ نكرة لا مسوغ لها غير ذلك. # فصل # روي عن علي أنه جلد شراحة الهمدانية يوم الخميس مائة ثم ~~رجمها يوم الجمعة، وقال: جلدتها ms2462 بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وعامة العلماء على أن الثيب لا تجلد ~~مع الرجم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا والغامدية ولم ~~يجلدهما، وقال: # " يا أنيس امض إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها " # ولم يأمره بالجلد، وعند أبي حنيفة التغريب أيضا منسوخ في حق البكر، ~~وأكثر أهل العلم على أنه ثابت، وروى نافع عن ابن عمر أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ضرب وغرب وأن أبا بكر ضرب وغرب. # واختلفوا في الإمساك في البيت هل كان حدا فنسخ أم كان حبسا ليظهر ~~الحد؟ على قولين: # فقيل: هو توعد بالحد. # وقال ابن عباس والحسن: إنه حد، وزاد ابن زيد أنهم منعوا من ~~النكاح حتى يموتوا عقوبة لهم، لأنهم طلبوا النكاح من غير وجهه، وهذا ~~يدل على أنه كان حدا، بل أشد غير أن ذلك الحكم ثابت محدود إلى ~~غاية، وهو الأذى في الآية الأخرى على اختلاف التأوليين في أيهما قبل، ~~وكلاهما ممدود إلى غاية، وهو قول عليه السلام: # " خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا " # الحديث وهذا كقوله تعالى: # ثم أتموا الصيام إلى الليل # [البقرة: 187] فإذا جاء الليل ارتفع حكم الصيام إلى غايته لا ~~لنسخه، هذا قول المحققين المتأخرين، فإن النسخ إنما يكون بين ~~القولين المتعارضين اللذين لا يمكن الجمع بينهما والجمع ممكن بين ~~الحبس والتغريب والجلد والرجم. # وقد قال بعض العلماء: إن الأذى والتغريب باق مع الجلد؛ لأنهما لا ~~يتعارضان فيحملان على شخص واحد فأما الحبس فمنسوخ بالإجماع، وإطلاق ~~المتقدمين النسخ على مثل هذا لا يجوز. # [وقيل: إن المراد بقوله تعالى: { فأمسكوهن في البيوت ~~حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن ~~سبيلا } المراد أن يحبس كل من الرجل والمرأة في مكانه حتى يدركهن ~~الأجل بالموت، أو يتبين الحمل فيجري عليهما حينئذ القصاص انتهى. والله ~~أعلم]. ### || [4.16] # { واللذان } الكلام عليه كالكلام على " اللاتي " إلا أن في كلام ~~أبي البقاء ما يوهم جواز الاشتغال فيه فإنه قال: الكلام في " اللذان " ~~كالكلام في " اللاتي ms2463 " إلا أن من أجاز النصب يصح أن يقدر ~~فعلا من جنس المذكور، تقديره: أذوا اللذين ولا يجوز أن يعمل ما بعد ~~الفاء فيما قبلها هاهنا، ولو عري من الضمير، لأن الفاء هنا في حكم ~~الفاء الواقعة في جواب الشرط، وتلك يقطع ما بعدها عما قبلها، فقوله: " من ~~أجاز النصب " يحتمل من أجازه النصب المتقدم في " اللاتي " بإضمار ~~فعل لا على سبيل الاشتغال كما قدره هو بنحو " اقصدوا " ويحتمل من أجاز ~~النصب على الاشتغال من حيث الجملة، إلا ان هذا بعيد؛ لأن الآيتين ~~من واد واحد، فلا يظن به أنه يمنع في إحداهما ويجيز في ~~الأخرى، ولا ينفع كون الآية فيها الفعل الذي يفسر متعد بحرف جر ~~والفعل الذي في هذه الآية متعد بنفسه، فيكون أقوى، إذ لا أثر ~~لذلك في باب الاشتغال. والضمير المنصوب في " يأتيانهما " للفاحشة. # وقرأ عبد الله " يأتين بالفاحشة " ، أي: يجئن، ومعنى قراءة الجمهور " ~~يغشينها ويخالطنها ". # وقرأ الجمهور " واللذان " بتخفيف النون. # وقرأ ابن كثير " واللذان " هنا " واللذين " في السجدة [آية 29] ~~بتشديد النون، ووجهها جعل إحدى النونين عوضا من الياء المحذوفة التي ~~كان ينبغي أن تبقى، وذلك أن " الذي " مثل " القاضي " ، و " القاضي " ~~تثبت ياؤه في التثنية فكان حق [ " ياء " ] " الذي " و " التي " أن ~~تثبت في التثنية، ولكنهم حذفوها، إما لأن هذه تثنية على غير ~~القياس؛ لأن المبهمات لا تثنى حقيقة، إذ لا يثنى ما ينكر، ~~والمبهمات لا تنكر، فجعلوا الحذف منبهة على هذا، وإما لطول الكلام ~~بالصلة. # وزعم ابن عصفور أن تشديد النون لا يجوز إلا مع الألف كهذه ~~الآية، ولا يجوز مع الياء في الجر والنصب. # وقراءة ابن كثير في " حم " السجدة # أرنا اللذين أضلانا # [فصلت: 29] حجة عليه. # قال ابن مقسم: إنما شدد ابن كثير هذه النونات لأمرين: # أحدهما: الفرق بين تثنية الأسماء المتمكنة وغير المتمكنة، والآخر: أن " ~~الذي وهذا " مبنيان على حرف واحد وهو الذال، فأرادوا تقوية كل واحد ~~منهما، بأن زادوا على نونها نونا أخرى من جنسها. # وقيل: سبب التشديد فيها أن النون فيها ms2464 ليست نون التثنية فأرادوا أن ~~يفرقوا بينها وبين نون التثنية. # وقيل: زادوا النون تأكيدا كما زادوا اللام. # وقرئ: " اللذأن " بهمزة وتشديد النون، ووجهها أنه لما ~~شدد النون التقى ساكنان، ففر من ذلك بإبدال الألف همزة، وقد ~~تقدم تحقيق ذلك في الفاتحة [الآية: 7]. # وقرأ عبد الله: { والذين يفعلونه منكم } وهذه قراءة مشكلة؛ لأنها ~~بصيغة الجمع، وبعدها ضمير تثنية وقد يتكلف تخريج لها، وهو أن ~~" الذين " لما كان شاملا لصنفي الذكور والإناث عاد الضمير ~~عليه مثنى اعتبارا بما اندرج تحته، وهذا كما عاج ضمير الجمع على ~~المثنى الشامل لأفراد كثيرة مندرجة تحته، كقوله تعالى: # وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا # [الحجرات: 9]، و # هذان خصمان اختصموا # [الحج: 19] كذا قاله أبو حيان. # قال شهاب الدين: وفيه نظر، فإن الفرق ثابت، وذلك لأن " ~~الطائفة " اسم لجماعة، وكذلك " خصم "؛ لأنه في الأصل مصدر ~~فأطلق على الجمع. # وأصل " فآذوهما " فآذيوهما، فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت، ~~فالتقى ساكنان، فحذفت الياء التي هي لام الكلمة وضم ما قبل ~~الواو لتصح. # فصل # اختلفوا في وجه هذا التكرير، فقال مجاهد: الآية الأولى في النساء ~~وهذه في الرجال، وخص الحبس في البيت بالمرأة، وخص الإيذاء ~~بالرجال؛ لأن المرأة إنما تقع في الزنا عند الخروج والبروز، وإذا ~~حبست في البيت انقطعت مادة هذه المعصية، وأما الرجل فلا يمكن حبسه ~~في البيت؛ لأنه يحتاج إلى الخروج لإصلاح معاشه، ومهماته، وقوت عياله. # وقيل: إن الإيذاء مشترك بين الرجل والمرأة، والحبس كان من خواص ~~المرأة. # وقال السدي: المراد بهذه الآية البكر من الرجال والنساء ~~وبالآية الأولى للثيب لوجوه: # الأول: قوله: { واللاتي يأتين الفاحشة من نسآئكم ~~} فأضافهن إلى الأزواج. # الثاني: أنه سماهن نساء، وهذا الاسم أليق بالثيب. # الثالث: أن الإيذاء أحق من الحبس في البيت، والأخف للبكر دون الثيب. # وقال أبو مسلم: الآية الأولى في السحاقات، وهذه في أهل اللواط، وقد ~~تقدم. # وقيل: إنه بين في الآية الأولى أن الشهداء على الزنا لا بد ~~وأن يكونوا أربعة، وبين في هذه الآية أنهم لو كانوا شاهدين فآذوهما ~~بالرفع إلى ms2465 الإمام والحد، فإن تابا قبل الرفع إلى الإمام فاتركوهما. # فصل # قال عطاء وقتادة: قوله " فآذوهما " يعني فعيروهما باللسان: أما خفت ~~الله؟ أما استحييت من الله حين زنيت. # وقال مجاهد: سبوهما واشتموهما. # وقيل: يقال لهما: " بئس ما فعلتما " وخالفتما أمر الله. # وقال ابن عباس: هو باللسان واليد يؤذي بالتعيير وضرب النعال. # قوله تعالى: { فإن تابا } أي: من الفاحشة { وأصلحا } العمل ~~فيما بعد { فأعرضوا عنهمآ } ، فاتركوهما ولا تؤذوهما، { إن ~~الله كان توابا رحيما } ومعنى التواب أنه يعود على عبده ~~بفضله ومغفرته إذا تاب إليه من ذنبه. والله أعلم. ### || [4.17] # قد تقدم الكلام على { إنما } في أول البقرة [آية 11] وما قيل ~~فيها. # و " التوبة " ، مبتدأ وفي خبرها وجهان: # أظهرهما: أنه " على الله " ، أي: إنما التوبة مستقرة على ~~فضل الله، ويكون " للذين " متعلقا بما تعلق به الخبر. # وأجاز أبو البقاء: عند ذكره هذا الوجه أن يكون " للذين " متعلقا ~~بمحذوف على أنه حال، قال: فعلى أن يكون { للذين يعملون ~~السوء } حالا من الضمير في الظرف وهو " على الله " ، والعامل ~~فيها الظرف أو الاستقرار، أي: كائنة للذين، ولا يجوز أن يكون ~~العامل في الحال " التوبة "؛ لأنه قد فصل بينهما بالخبر، ~~وهذا فيه تكلف لا حاجة إليه. # الثاني: أن يكون الخبر " للذين " و " على الله " متعلق بمحذوف على ~~أنه حال من شيء محذوف، والتقدير: إنما التوبة إذا كانت - أو إذ ~~كانت - على الله للذين يعملون ف " إذا " و " إذ " معمولان ل " ~~الذين " لأن الظرف يتقدم على عامله المعنوي و " كان " هذه هي ~~التامة، وفاعلها هو صاحب الحال، ولا يجوز أن يكون { على الله } ~~حالا من الضمير المستتر في { للذين } والعامل فيها { للذين ~~}؛ لأنه عامل معنوي، والحال لا تتقدم على عاملها المعنوي، هذا ~~ما قاله أبو البقاء ونظر هذه المسألة بقولهم: " هذا بسرا ~~أطيب منه رطبا " يعني: أن التقدير: إذا كان بسرا أطيب منه ~~إذا كان رطبا. # وفي هذه المسألة أقوال كثيرة مضطربة لا يحتملها هذا الكتاب وقدر أبو ~~حيان مضافين حذفا من المبتدأ والخبر، فقال: التقدير: إنما ms2466 ~~قبول التوبة مترتب على [فضل] الله ف " على " باقية على بابها يعني ~~من الاستعلاء # قوله: { بجهالة } فيه وجهان: # أحدهما: أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من فاعل { يعملون } ، ~~ومعناها المصاحبة أي: يعملون السوء متلبسين بجهالة، أي: مصاحبين لها، ~~ويجوز أن يكون حالا من المفعول، أي: ملتبسا بجهالة، وفيه بعد ~~وتجوز. # والثاني: أن يتعلق ب { يعملون } على أنها باء السببية. # قال أبو حيان: أي الحامل لهم على عمل السوء هو الجهالة، إذ لو ~~كانوا عالمين بما يترتب على المعصية متذكرين له حال عملها لم ~~يقدموا عليها كقوله: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " لأن ~~العقل حينئذ يكون مغلوبا أو مسلوبا. # فصل # لما ذكر في الآية الأولى أن المرتكبين للفاحشة إذا تابا وأصلحا زال ~~عنهما الإيذاء، وأخبر على الإطلاق أنه تواب رحيم، ذكر هنا وقت التوبة ~~وشرطها بشرطين: # أحدهما: قوله { للذين يعملون السوء بجهالة } وفيه ~~إشكالان: # الإشكال الأول: أن من عمل ذنبا ولم يعلم أنه ذنب لم يستحق ~~عقابا؛ لأن الخطأ مرفوع عن الأمة، فعلى هذا الذين يعملون السوء ~~بجهالة لا حاجة بهم إلى التوبة. # الإشكال الثاني: أن كلمة " إنما " للحصر، فظاهره يقتضي أن من ~~أقدم على السوء مع العلم بكونه سوءا لا يقبل توبته، وذلك باطل بالإجماع. # فالجواب عن الأول أن اليهودي اختار اليهودية وهو لا يعلم كونها ~~ذنبا مع أنه يستحق العقاب عليها. # والجواب عن الثاني: أن من أتى معصية مع الجهل بكونها معصية يكون ~~حاله أخف ممن أتى بها مع العلم بكونها معصية، فلا جرم خص ~~الأول بوجوب قبول التوبة وجوبا على سبيل الوعد والكرم، وأما القسم ~~الثاني فلما كان ذنبهم أغلظ لا جرم لم يذكر فيهم هذا التأكيد في قبول ~~التوبة فتكون هذه الآية دالة من هذا الوجه على أن قبول التوبة غير ~~واجب على الله تعالى. # ومعنى الآية يحتمل وجهين: # الأول: أن قوله: { على الله } إعلام، فإنه يجب على الله ~~قبولها لزوم الكرم والفضل والإحسان وإخبار بأنه سيفعل ذلك. # والثاني: إنما الهداية إلى التوبة والإعانة عليها ms2467 على الله ~~في حق من أتى بالذنب على سبيل الجهالة، ثم تاب قريبا، وترك ~~الإصرار، وأتى بالاستغفار. # فصل # قال الحسن: معنى الآية: التوبة التي يقبلها الله، فيكون " على " ~~بمعنى عند، وقيل: من الله { للذين يعملون السوء ~~بجهالة }. # قال قتادة: أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ما عصي ~~الله به فهو جهالة عمدا كان أو لم يكن، وكل من عصى الله فهو جاهل. # قال تعالى إخبارا عن يوسف - عليه السلام -: # أصب إليهن وأكن من الجاهلين فاستجاب له ~~ربه # [يوسف: 33، 34]. # وقال: # هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم ~~جاهلون # [يوسف: 89] وقال لنوح - عليه السلام -: # إني أعظك أن تكون من الجاهلين # [هود: 46] # وقال موسى لبني إسرائيل حين قالوا: # أتتخذنا هزوا # [البقرة: 67] # أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين # [البقرة: 67] والسبب في إطلاق اسم الجاهل على العاصي؛ لأنه لو ~~استعمل ما معه من العلم بالثواب والعقاب لما أقدم على المعصية، فصار ~~كأنه لا علم له. # وقال مجاهد: المراد من الآية العمد. # وقيل: أن يأتي بالمعصية مع العلم بكونها معصية، إلا أنه يكون جاهلا ~~بقدر عقابه. # وقيل: أن يأتي بالمعصية مع أنه لا يعلم كونها معصية لكنه يتمكن من العلم ~~بكونها معصية، كاليهودي يستحق العقاب على يهوديته، وإن كان لا يعلم كون ~~اليهودية معصية إلا أنه كان متمكنا من تحصيل العلم يكون اليهودية ~~ذنبا ومعصية، وكفى ذلك في ثبوت استحقاق العذاب، ويخرج من هذا النائم ~~والساهي، فإنه لو أتى بالقبيح لكنه [ما كان متمكنا] من العلم بكونه ~~قبيحا. # فصل # استدل القاضي بهذه الآية على أنه يجب على الله عقلا قبول ~~التوبة؛ لأن كلمة " على " للوجوب؛ ولأنا لو حملنا قوله: { ~~إنما التوبة على الله } على مجرد القبول لم يبق بينه وبين ~~قوله: { فأولئك يتوب الله عليهم } فرق؛ لأن قوله هذا ~~أيضا إخبار عن الوقوع، [فإذا جعلنا الأول إخبارا عن الوجوب، ~~والثاني إخبارا عن الوقوع] ظهر الفرق بين الآيتين وزال التكرار. # والجواب أن القول بالوجوب على الله تعالى باطل لوجوه: # الأول: أن لازم الوجوب ms2468 استحقاق الذم عند الترك، فهذه الملازمة ~~إما أن تكون ممتنعة الثبوت في حق الله تعالى أو غير ممتنعة ~~الثبوت في حقه، والأول باطل، لأن ترك الواجب لما كان ~~مستلزما هذا الذم محال الثبوت في حق الله تعالى وجب أن يكون ذلك ~~الترك ممتنع الثبوت في حق الله تعالى، وإذا كان الترك ممتنع الثبوت ~~عقلا كان الفعل واجب الثبوت، فحينئذ يكون الله تعالى موجبا ~~بالذات لا فاعلا بالاختيار وذلك باطل، وإن كان استحقاق الذم غير ~~ممتنع الحصول في حق الله تعالى، فكل ما كان ممكنا لا يلزم من ~~فرضه محال، فيلزم أن يكون الإله مع كونه إلها يكون موصوفا باستحقاق ~~الذم وذلك محال لا يقوله عاقل، فثبت أن القول بالوجوب على الله ~~تعالى محال. # وثانيها: أن قادرية العبد بالنسبة إلى فعل التوبة وتركها إما ~~أن يكون على السوية، أو لا، فإن كان على السوية لم يترجح فعل ~~التوبة على تركها إلا بمرجح، وذلك المرجح إن حدث لا عن محدث لزم نفي ~~الصانع، وإن حدث علىلا العبد عاد التقسيم، وإن حدث عن الله تعالى ~~فحينئذ إنما أقبل العبد على التوبة بمعونة الله وتقويته، فتكون ~~تلك العقوبة إنعاما من الله تعالى على عبده، وإنعام المولى على ~~عبده لا يوجب أن ينعم عليه مرة أخرى فثبت أن صدور التوبة عن العبد لا ~~يوجب على الله القبول، وإن كانت قادرية العبد لا تصلح للترك وللفعل، ~~فيكون القول بالوجوب أظهر بطلانا. # ثالثها: التوبة عبارة عن الندم على ما مضى، والعزم على الترك في ~~المستقبل والندم والعزم من باب الكراهات والإرادات وهما لا يحصلان ~~باختيار العبد وإلا افتقر في تحصيلهما إلى إرادة أخرى ولزم التسلسل، ~~وإذا كان كذلك كان حصول هذا الندم، وهذا العزم بمحض تخليق الله تعالى، ~~وفعل الله لا يوجب على الله فعلا آخر فكان القول بالوجوب باطلا. # ورابعها: أن التوبة فعل يحصل باختيار العبد على قولهم، فلو صار ذلك ~~علة للوجوب على الله تعالى وفعل الله تعالى، لصار فعل العبد مؤثرا ~~في ذات الله ms2469 تعالى وفي صفاته، وذلك لا يقوله عاقل. # والجواب عن حجتهم: أن الله تعالى وعد قبول التوبة من المؤمنين، وإذا ~~وعد الله بشيء، وكان الخلف في وعده محالا كان ذلك شبيها بالواجب، ~~فبهذا التأويل صح إطلاق كلمة { على } وبهذا يظهر الفرق بين قوله { ~~إنما التوبة على الله } وبين قوله { فأولئك ~~يتوب الله عليهم }. # فإن قيل: لما أخبر عن قبول التوبة وكان ما أخبر الله تعالى وقوعه ~~واجب الوقوع لزم منه ألا يكون فاعلا مختارا. # فالجواب: أن الإخبار عن الوقوع تبع للوقوع والوقوع تبع للإيقاع، ~~والتبع لا يغير الأصل، فكان فاعلا مختارا في ذلك الإيقاع، وأما قولكم ~~بأن وقوع التوبة من حيث إنها هي مؤثرة في وجوب القبول على الله ~~وذلك لا يقوله عاقل فظهر الفرق. # قوله: { ثم يتوبون من قريب فأولئك } فهذا هو الشرط ~~الثاني. # قال السدي والكلبي: القريب أن يتوب في صحته قبل مرض موته. # وقال عكرمة: قبل الموت. # وقيل: قبل أن يحيط السوء بحسناته فيحبطها. وقال الضحاك: قبل ~~معاينة ملك الموت. قوله: { من قريب } فيه وجهان: # أحدهما: أن تكون " من " لابتداء الغاية، أي: تبتدئ التوبة من زمان ~~قريب من زمان المعصية لئلا يقع في الإصرار، وهذا إنما يتأتى على ~~قول الكوفيين، وأما البصريون فلا يجيزون أن تكون " من " لابتداء الغاية ~~في الزمان، ويتأولون ما جاء منه، ويكون مفهوم الآية أنه لو تاب ~~من زمان بعيد لم يدخل في من خص بكرامة قبول التوبة على ~~الله المذكورة في هذه الآية، بل يكون داخلا فيمن قال فيهم # عسى الله أن يتوب عليهم # [التوبة: 102]. # والثاني: أنها للتبعيض أي: بعض زمان قريب يعني أي جزء من أجزاء ~~هذا الزمان أتى بالتوبة فيه، فهو تائب من قريب. # وعلى الوجهين ف " من " متعلقة ب " يتوبون " ، و " قريب " صفة ~~لزمان محذوف، كما تقدم تقريره، إلا أن حذف هذا الموصوف وإقامة ~~هذه الصفة مقامه ليس بقياس، إذ لا ينقاس الحذف إلا في صور: # منها أن تكون الصفة جرت مجرى الأسماء الجوامد، كالأبطح ~~والأبرق، أو كانت خاصة بجنس ms2470 الموصوف، نحو: مررت بكاتب، أو تقدم ~~ذكر موصوفها، نحو: اسقني ماء ولو باردا، وما نحن فيه ليس شيئا ~~من ذلك. # وفي قوله: { ثم يتوبون } إعلام بسعة عفوه، حيث أتى ~~بحرف التراخي والفاء في قوله: { فأولئك } مؤذنة بتسبب ~~قبول الله توبتهم إذا تابوا من قريب، وضمن { يتوبون } معنى ~~يعطف فلذلك [عدى] ب " على ". # وأما قوله: { إنما التوبة على الله } فراعى المضاف ~~المحذوف، إذا التقدير: إنما قبول التوبة على الله، كذا قال ~~الشيخ وفيه نظر. # فصل # معنى قوله: { فأولئك يتوب الله عليهم } يعني أن ~~العبد الذي هذا شأنه إذا أتى بالتوبة قبلها منه، فالمراد بالأول ~~التوفيق إلى التوبة، وبالثاني قبول التوبة. # وقوله: { وكان الله عليما حكيما } أي: أنه إنما أتى ~~بتلك المعصية لاستيلاء الشهوة والغضب والجهالة عليه " حكيما " بأن ~~العبد لما كان من صفته ذلك ثم إنه تاب عنها من قريب فإنه يقبل ~~توبته. ### || [4.18] # قوله: { وليست التوبة للذين يعملون السيئات } ~~يعني: المعاصي، لما ذكر شرائط التوبة المقبولة، أردفها ~~بشرح التوبة التي لا تكون مقبولة، قوله: { حتى إذا حضر ~~أحدهم الموت } " حتى " حرف ابتداء، والجملة الشرطية ~~بعدها غاية لما قبلها، أي: ليست التوبة لقوم يعملون ~~السيئات، وغاية عملهم إذا حضر أحدهم الموت قالوا " كيت ~~وكيت " هذا وجه حسن، ولا يجوز أن تكون " حتى " جارة ل " إذا " ~~أي: يعملون السيئات إلى وقت حضور الموت من حيث إنها شرطية، ~~والشرط لا يعمل فيه ما قبله، وإذا جعلنا " حتى " جارة تعلقت ~~ب " يعملون " وأدوات الشرط لا يعمل فيها ما قبلها، ألا ترى ~~أنه يجوز " بمن تمرر أمرر " ، ولا يجوز: مررت بمن يقم ~~أكرمه، لأن له صدر الكلام، ولأن " إذا " لا تتصرف على ~~المشهور كما تقدم في أول البقرة؛ واستدل ابن مالك ~~على تصرفها بوجوه: # منها جرها ب " حتى " نحو: # حتى إذا جآءوها # [الزمر: 71] # حتى إذا كنتم # [يونس: 22] وفيه من الإشكال [ما ذكرته لك] وقد تقدم تقرير ذلك عند ~~قوله، # حتى إذا بلغوا # [النساء: 6]. # فصل # دلت هذه الآية على أن من حضره الموت وشاهد أهواله لا ms2471 تقبل ~~توبته، ويؤيده أيضا قوله تعالى: # فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا # [غافر: 85]. # وقال في صفة فرعون # حتى إذآ أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله ~~إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من ~~المسلمين آلآن وقد عصيت قبل وكنت من ~~المفسدين # [يونس: 90، 91] وقوله: # حتى إذا جآء أحدهم الموت قال رب ارجعون ~~لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة ~~هو قآئلها # [المؤمنون: 99- 100] وقوله # وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي ~~أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى ~~أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ولن ~~يؤخر الله نفسا إذا جآء أجلهآ # [المنافقون: 10، 11]. # وقال عليه السلام # " إن الله - تعالى - يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ~~" # وعن عطاء: ولو قبل موته بفواق الناقة. # وعن الحسن: أن إبليس قال حين أهبط إلى الأرض وعزتك لا أفارق ~~ابن آدم ما دام روحه في جسده. # فقال: وعزتي لا أغلق عليه باب التوبة ما لم يغرغر. # فصل # قال المحققون: قرب الموت لا يمنع من قبول التوبة، بل ~~المانع من قبول التوبة مشاهدة الأهوال التي عندها يحصل العلم ~~بالله تعالى على سبيل الاضطرار. وقالوا: لأن جماعة أماتهم الله ~~تعالى ثم أحياهم مثل قوم من بني إسرائيل، وأولاد أيوب - عليه ~~السلام - ثم إنه تعالى كلفهم بعد ذلك الإحياء، فدل ذلك ~~على أن مشاهدة الموت لا تخل بالتكليف ولأن الشدائد التي ~~يلقاها من يقرب موته تكون مثل الشدائد الحاصلة عند القولنج ومثل ~~الشدائد التي تلقاها المرأة عند الولادة أو أزيد، فلما لم تكن ~~هذه الشدائد مانعة من بقاء التكاليف فكذا القول في تلك الشدائد. # وأيضا فالقرب من الموت إذا عظمت الآلام [صار اضطرار العبد ~~أشد، والله تعالى يقول # أمن يجيب المضطر إذا دعاه # [النمل: 62] فتزايد الآلام] في ذلك الوقت بأن يكون سببا لقبول ~~التوبة أولى من أن يكون سببا لعدم قبول التوبة. # فصل # لما بين تعالى أنه يقبل التوبة من القسم الأول، وهم الذين ~~يعملون السوء بجهالة، وبين في هذا القسم الثاني يعملون ~~السيئات أنه لا يقبل ms2472 توبتهم فبقي بحكم التقسيم العقلي قسم ~~ثالث متوسط بين هذين القسمين، وهم الذين يعملون السوء على ~~سبيل العمد ثم يتوبون فلم يخبر عنهم أنه يرد توبتهم، بل ~~تركهم في المشيئة حيث قال: # ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء # [النساء: 48]. # قوله: { ولا الذين يموتون وهم كفار } " الذين " مجرور ~~المحل عطفا على قوله { للذين يعملون السيئات } أي: ~~ليست التوبة لهؤلاء، ولا لهؤلاء، فسوى بين من مات كافرا ~~وبين من لم يتب إلا عند معاينة الموت في عدم قبول توبته، ~~والمراد بالعاملين السيئات المنافقون. # وأجاز أبو البقاء في { الذين } أن يكون مرفوع المحل على ~~الابتداء وخبره " أولئك " وما بعده معتقدا أن اللام لام ~~الابتداء وليست ب " لا " النافية، وهذا الذي قاله من كون اللام لام ~~الابتداء لا يصح أن يكون قد رسمت في المصحف لام داخلة على { ~~الذين } فيصير " وللذين " وليس المرسوم كذلك، وإنما هو لام وألف، ~~وألف لام التعريف الداخلة على الموصول وصورته: ولا الذين. # فصل # قيل: المراد ب { الذين يعملون السيئات } العصاة وب { الذين يموتون وهم ~~كفار } الذي يموت كافرا؛ لأن المعطوف يكون مغايرا للمعطوف عليه. ~~وقيل: المراد بالأول: المنافقون، وبالثاني: الكفار. # قال ابن الخطيب: وهذا لا يصح؛ لأن المنافق كافر فيدخل في ~~الثاني ويمكن أن يجاب بأن المنافق لما أظهر الإيمان فمن لم ~~يعلم حاله يعتقد أن حكمه حكم المؤمن، # والله يشهد إن المنافقين لكاذبون # [المنافقون: 1] و " أولئك " يجوز أن تكون إشارة إلى { ولا الذين ~~يموتون } وهم كفار؛ لأن اسم الإشارة يجري مجرى الضمير فيعود ~~إلى أقرب مذكور، ويجوز أن يشار به إلى الصنفين الذين يعملون ~~السيئات، والذين يموتون وهم كفار. { أعتدنا } أي: أحضرنا ~~وهذا يدل على أن النار مخلوقة؛ لأن العذاب الأليم ليس إلا ~~جهنم وقد أخبر عنه بصيغة الماضي، والله أعلم. ### || [4.19] # هذا متصل بما تقدم ذكره في الزوجات. # قال المفسرون: نزلت في أهل المدينة كانوا في الجاهلية، وفي ~~أول الإسلام إذا مات الرجل وله امرأة جاء ابنه من غيرها أو ~~قريبه من عصبته فألقى ثوبه على تلك ms2473 المرأة وقال: ورثت امرأته ~~كما ورثت ماله، فصار أحق بها من سائر الناس ومن نفسها فإن ~~شاء تزوجها بغير صداق، إلا الصداق الأول الذي أصدقها ~~الميت، وإن شاء زوجها من إنسان آخر، وأخذ صداقها، ولم يعطها منه ~~شيئا، وإن شاء عضلها ومنعها من الأزواج يضارها لتفتدي منه بما ~~أخذت من الميت أو تموت هي فيرثها، وإن ذهبت المرأة إلى أهلها قبل أن ~~يلقي عليها ولي زوجها ثوبه فهي أحق بنفسها فكانوا على هذا حتى # " مات أبو قيس الأسلت الأنصاري وترك امرأته كبيشة بنت معن ~~الأنصارية فقام ابن له من غيرها يقال له محصن، وقال مقاتل بن ~~حيان: اسمه قيس بن أبي قيس، وطرح ثوبه عليها فورث نكاحها ~~وتركها فلم يقربها ولم ينفق عليها يضارها لتفتدي منه بما ورثت، فأتت ~~كبيشة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ~~إن أبا قيس توفي وورث نكاحي ابنه فلا هو ينفق علي ~~ولا يدخل بي ولا يخلي سبيلي فقال لها: اقعدي في بيتك حتى ~~يأتي فيك أمر الله، " # فأنزل هذه الآية. # وقيل: كان يكون عند الرجل عجوز ولها مال ونفسه تتشوق إلى الشابة ~~فيكره فراق العجوز لمالها، فيمسكها، ولا يقربها حتى تفتدي منه بمالها ~~أو تموت فيرث مالها فنزلت الآية تأمر الزوج أن يطلقها إن كره ~~صحبتها، ولا يرثها كرها فذلك قوله { لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها } ~~والمقصود إذهاب ما كانوا عليه في الجاهلية وإلا يجعل النساء ~~كالمال يورثن عن الرجال. قوله: أن ترثوا [النساء] في محل رفع على ~~الفاعلية ب " يحل " أي: لا يحل لكم إرث النساء. # وقرئ: " لا تحل " بالتاء من فوق على تأويل " أن ترثوا ": بالوراثة، وهي ~~مؤنثة، وهي كقراءة # ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا # [الأنعام: 23] بتأنيث " تكن " ونصب فتنتهم " بتأويل ثم لم تكن فتنتهم ~~إلا مقالتهم، إلا أن في آية الأنعام مسوغا، وهي الإخبار عنه ~~بمؤنث كما سيأتي، و { النسآء } مفعول به، إما على حذف مضاف أي: أن ~~ترثوا مال النساء إن كان ms2474 الخطاب للأزواج، لأنه روي أن ~~الرجل منهم كان إذا لم يكن له غرض في المرأة أمسكها حتى تموت؛ ~~فيرثها، أو تفتدي منه بمالها إن لم تمت، وإما من غير حذف على ~~أن يكون بمعنى الشيء الموروث إن كان الخطاب للأولياء، أو لأقرباء ~~الميت، وقد تقدم المعنيان في سبب النزول على ما تقدم؛ ~~فلا يحتاج إلى حذف أحد المفعولين إما الأول أو الثاني على ~~جعل { أن ترثوا } متعديا لاثنين كما فعل أبو البقاء. # قال: { النسآء } فيه وجهان: # أحدهما: هن المفعول الأول، والنساء على هذا هن الموروثات، ~~وكانت الجاهلية ترث نساء آبائهم ويقولون: نحن أحق بنكاحهن. # والثاني: أنه المفعول الثاني، والتقدير: أن ترثوا من النساء المال. ~~انتهى. قوله: " هن المفعول الأول " يعني: والثاني محذوف تقديره: { أن ~~ترثوا من آبائكم النساء }. # و " كرها " مصدر في موضع نصب على الحال من النساء أي: أن ترثوهن ~~كارهات، أو مكروهات، وقرأ الأخوان " كرها " هنا وفي " براءة " و " ~~الأحقاف " بضم الكاف، وافقهما عاصم وابن عامر في رواية ابن ذكوان عنه ~~على ما يأتي في الأحقاف، والباقون بالفتح. # وقد تقدم في الكره والكره بمعنى واحد أم لا؟ في أول ~~البقرة. ولا مفهوم لقوله { كرها } يعني فيجوز أن يرثوهن إذا لم ~~يكرهن ذلك لخروجه مخرج الغالب. # قوله: { ولا تعضلوهن } فيه وجهان: # أظهرهما: أنه مجزوم ب " لا " الناهية عطف جملة نهي على جملة ~~خبرية فإن لم تشترط المناسبة بين الجمل كما هو مذهب سيبويه - ~~فواضح، وإن اشترطنا ذلك - كما هو رأي بعضهم - فلأن الجملة قبلها في ~~معنى النهي إذ التقدير: (ولا ترثوا النساء كرها) فإنه غير حلال ~~لكم. وجعله أبو البقاء على هذا الوجه مستأنفا يعني أنه ليس بمعطوف ~~على الفعل قبله. # والثاني: أجازه ابن عطية وأبو البقاء أن يكون منصوبا عطفا على ~~الفعل قبله. # وقال ابن عطية: ويحتمل أن يكون { تعضلوهن } نصبا عطف ~~على { ترثوا } فتكون الواو مشتركة عاطفة فعلا على فعل. # وقرأ ابن مسعود: " ولا تعضلوهن " فهذه القراءة تقوي احتمال ~~النصب، وأن العضل مما لا يحل بالنص. # ورد ms2475 أبو حيان هذا الوجه بأنك إذا عطفت فعلا منفيا ب " لا " ~~على مثبت وكانا منصوبين فإن الناصب لا يقدر إلا بعد حرف ~~العطف لا بعد " لا " ، فإذا قلت: أريد أن أتوب ولا أدخل النار، قال ~~التقدير: " أريد أن أتوب و [أن] لا أدخل النار "؛ لأن الفعل يطلب للأول ~~على سبيل الثبوت، والثاني على سبيل النفي والمعنى: أريد التوبة انتفاء ~~دخولي النار، فلو كان المتسلط على المتعاطفين منفيا فكذلك، ولو قدرت ~~هذا التقدير في الآية لم يصح لو قلت: " لا يحل أن لا تعضلوهن " ، لم يصح ~~إلا أن تجعل " لا " زائدة لا نافية، وهو خلاف الظاهر، وأما أن تقدر ~~" أن " بعد " لا " النافية فلا يصح، وإذا قدرت " أن " بعد " لا ~~" كان من عطف المصدر المقدر على المصدر المقدر، لا من باب عطف الفعل على ~~الفعل، فالتبس على ابن عطية العطفان، وظن أنه بصلاحية تقدير ~~" أن " بعد " لا " يكون من عطف الفعل على الفعل وفرق بين قولك ~~" لا أريد أن تقوم ألا تخرج " وقولك: أريد أن تقوم ولا أن ~~تخرج، ففي الأول نفى إرادة وجود قيامه، وإرادة انتفاء خروجه، فقد ~~أراد خروجه، وفي الثانية نفى إرادة وجود قيامه ووجود خروجه، فلا ~~يريد لا القيام، ولا الخروج. # وهذا في فهمه بعض غموض على من تمرن في علم العربية؛ انتهى ~~ما رد به. # قال شهاب الدين: وفيه نظر من حيث إن المثال الذي ذكره في قوله: " ~~أريد أن أتوب ولا أدخل النار " فإن تقدير الناصب فيه قبل " لا " ~~واجب من حيث إنه لو قدر بعدها لفسد التركيب، وأما في الآية ~~فتقدير " أن " بعد " لا " صحيح، فإن التقدير يصير: لا يحل لكم إرث ~~النساء كرها ولا عضلهن، ويؤيد ما قلته، وما ذهب إليه ابن ~~عطية قول الزمخشري فإنه قال: فإن قلت: تعضلوهن ما وجه ~~إعرابه؟ قلت: النصب عطفا على { أن ترثوا } و " لا " لتأكيد ~~النفي أي: " لا يحل لكم أن ترثوا النساء ولا أن تعضلوهن " فقد ~~صرح الزمخشري بهذا االمعنى وصرح بزيادة " لا " التي جعلها ms2476 ~~الشيخ خلاف الظاهر، وفي الكلام حذف تقديره: " ولا تعضلوهن من النكاح " إن ~~كان الخطاب للأولياء: أو: لا تعضلوهن من الطلاق، إن كان الخطاب للأزواج. # وهو قول أكثر المفسرين. # وقيل: [هو] خطاب الوارث الزوج بحبس الزوجة حتى ترد الميراث. # قال ابن عطية: هذا في الرجل تكون له المرأة وهو كاره ~~لصحبتها، ولها عليه مهر فيضارها لتفتدي وترد إليه ما ساق إليها من المهر ~~فنهاه الله عن ذلك. # وقيل: الخطاب عام في الكل. # قوله: { لتذهبوا } اللام متعلقة ب { تعضلوهن } والباء ~~في " ببعض " فيها وجهان: # أحدهما: أنها باء التعدية المرادفة لهمزتها أي: لتذهبوا بما ~~آتيتموهن. # والثاني: أنها للمصاحبة، فيكون الجار في محل نصب على الحال، ~~ويتعلق بمحذوف أي: لتذهبوا مصحوبين ببعض، و " ما " موصولة بمعنى ~~الذي، أو نكرة موصوفة، وعلى التقديرين فالعائد محذوف، وفي تقديره ~~إشكال تقدم الكلام عليه في البقرة عند قوله: # ومما رزقناهم ينفقون # [البقرة: 3]. # قوله: { إلا أن يأتين } في هذا الاستثناء قولان: # أحدهما: أنه منقطع فيكون { إلا أن يأتين } في محل نصب. # والثاني: أنه متصل وفيه حينئذ ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه مستثنى من ظرف زمان عام تقديره: " ولا تعضلوهن في وقت من ~~الأوقات إلا وقت إتيانهن بفاحشة ". # والثاني أنه مستثنى من الأحوال العامة، تقديره: ولا تعضلوهن في ~~وقت من الأوقات إلا في حال إتيانهن بفاحشة، والمعنى لا يحل له أن ~~يحبسها ضرارا حتى تفتدي منه إلا إذا زنت، والقائلون بهذا منهم من ~~قال بقي هذا الحكم ولم ينسخ ومنهم من قال: نسخ بآية الجلد. # الثالث: أنه مستثنى من العلة العامة تقديره: لا تعضلوهن لعلة من العلل ~~إلا لإتيانهن بفاحشة. # وقال أبو البقاء بعد أن حكى فيه وجه الانقطاع: " والثاني: هو في موضع ~~الحال تقديره: إلا في حال [إتيانهن بفاحشة، وقيل: هو استثناء متصل، ~~تقديره: ولا تعضلوهن في حال إلا في حال] إتيان الفاحشة " انتهى. # وهذان الوجهان هما في الحقيقة وجه واحد، لأن القائل بكونه منصوبا ~~على الحال لا بد أن يقدر شيئا عاما يجعل هذا الحال مستثناة منه. # وقرأ ابن ms2477 كثير وأبو بكر عن عاصم: " مبينة " اسم لمفعول بفتح الياء في ~~جميع القرآن، أي بينها في قوله: # رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني # [إبراهيم: 36] والباقون بكسر الياء من اسم الفاعل وفيه وجهان: # أحدهما: أنه من بين المتعدي، فعلى هذا [يكون] المفعول محذوفا ~~تقديره [مبينة حال مرتكبها. # والثاني: أنها من بين اللازم، فإن بين يكون متعديا ولازما ~~يقال:] بان الشيء وأبان واستبان، وبين وتبين، بمعنى واحد أي: أظهر، ~~وإذا ظهرت صارت أسبابا للبيان، وإذا صارت سببا للبيان جاز إسناد ~~البيان إليها، كما أن الأصنام لما كانت سببا للضلال حسن إسناد ~~الإضلال إليها لأن الفاحشة لا فعل لها في الحقيقة. وأيضا الفاحشة ~~تتبين فإن يشهد عليها أربعة صارت مبينة. # وقرأ بعضهم " مبينة " بكسر الياء وسكون الياء اسم فاعل من " أبان " ~~وهذان الوجهان [هما] المتقدمان في المشددة المكسورة، لأن " أبان " أيضا ~~يكون متعديا ولازما وأما " مبينات " جمعا فقرأهن الاخوان وابن عامر ~~وحفص عن عاصم بكسر الياء اسم فاعل، والباقون بفتحها اسم مفعول، ~~وتقدم وجه ذلك. # فصل # قال ابن مسعود وقتادة: الفاحشة هي النشوز، وإيذاء الزوج، ~~والمعنى إذا كان سوء العشرة من جهتهن فقد عذرتم في طلب الخلع ~~ويؤيده قول أبي بن كعب، إلا أن يفحشن عليكم. # وقال الحسن، وأبو قلابة والسدي: هي الزنى والمعنى، إذا ~~نشزت المرأة، أو زنت حل للزوج أن يسألها الخلع. # وقال عطاء: كان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ منها ما ساق ~~إليها وأخرجها فنسخ الله ذلك. # قوله: { وعاشروهن بالمعروف }. # وقال الزجاج: وهو النصفة في المبيت والنفقة والإجمال في القول. # وقيل: أن يتصنع لها كما تتصنع له. # [قوله:] { بالمعروف } لها وجهان: # أظهرهما: أنها باء الحال، أي: من الفاعل مصاحبين لهن بالمعروف، ~~أو من المفعول أي مصحوبات بالمعروف. # والثاني: أنها باء التعدية. # قال أبو البقاء: بالمعروف مفعول، أو حال. # فصل # قال القرطبي: استدل علماؤنا بقوله تعالى: { وعاشروهن ~~بالمعروف } أن المرأة إذا لم يكفيها خادم واحد أن عليه أن ~~يكفيها قدر كفايتها كابنة الخليفة والملك وشبههما ممن لا يكفيها ms2478 خادم ~~واحد، وأن ذلك هو المعاشرة بالمعروف. # وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يلزمه إلا خادم واحد، وذلك ~~يكفيها خدمة نفسها وليس في العالم امرأة إلا ويكفيها خادم واحد، وهذا ~~كالمقاتل تكون له أفراس فلا يسهم له إلا بفرس واحد؛ لأنه لا يقاتل ~~إلا على فرس واحد، قال علماؤنا: وهنا التشبيه غلط؛ لأن مثل بنات الملوك ~~اللاتي لهن خدمة كثيرة لا يكفيها خادم واحد، لأن إصلاح شأنها ومطبخها، ~~وغسيل ثيابها لا يكفيها خادم واحد يقوم بذلك. # قوله: { فإن كرهتموهن [فعسى } ] أي إن كرهتم عشرتهن ~~بالمعروف وآثرتم فراقهن. # قوله: { فعسى } الفاء جواب الشرط، وإنما اقترنت بها عسى؛ لأنها ~~جامدة. # قال الزمخشري: فإن قلت من أي وجه صح أن يكون فعسى جزاء للشرط؟ # قلت: من حيث المعنى فإن كرهتموهن فاصبروا عليهن مع الكراهة، فلعل لكم ~~فيما تكرهون خيرا كثيرا ليس فيما تحبون. # ولهذا قال قتادة: فإنه فسر الخير الكثير بود يحصل فتنقلب الكراهة ~~محبة، والنفرة رغبة. # وقيل: ولد صالح. # وقرئ ويجعل برفع اللام. # قال الزمخشري على أنه حال يعني: ويكون خبر المبتدأ محذوف لئلا ~~يلزم دخول الواو على مضارع مثبت، و " عسى " هنا تامة؛ لأنها رفعت أن ~~وما بعدها، والتقدير: فقد قربت كراهيتكم فاستغنت عن تقدير خبر، والضمير ~~في " فيه " يعود على شيء، أي: في ذلك الشيء المكروه. # وقيل: يعود على الكره المدلول عليه بالفعل، والمعنى { فإن ~~كرهتموهن } ورغبتم في مفارقتهن، فربما جعل في تلك المفارقة لهن ~~خيرا كثيرا، وذلك بأن تتزوج غيره خيرا منه. # ونظيره قوله: # وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته # [النساء: 130] وهذا قول الأصم، قال القاضي، وهذا بعيد؛ لأنه تعالى حث ~~بما ذكر على استمرار الصحبة فكيف يريد المفارقة. # وقيل: الضمير يعود على الصبر، وإن لم يجر له ذكر. ### || [4.20-21] # لما أذن في مضارة الزوجات إذا أتين بفاحشة مبينة بين في هذه الآية ~~تحريم المضارة في غير حال الإتيان بالفاحشة؛ وذلك لأن الرجل إذا مال إلى ~~التزوج بامرأة أخرى، رمى زوجته بنفسه بالفاحشة حتى يلجئها إلى ~~الافتداء منه بما ms2479 أعطاها ليصرفه في تزوج المرأة التي يريدها، فقال ~~تعالى { وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج }. ~~قوله: { مكان زوج } ظرف منصوب بالاستبدال، والمراد بالزوج هنا ~~الجمع، أي: فإن أردتم استبدال أزواج مكان أزواج وجاز ذلك [لدلالة] جمع ~~المستبدلين، إذ لا يتوهم اشتراك المخاطبين في زوج واحد مكان زوج واحد، ~~ولإرادة معنى الجمع عاد الضمير من قوله { إحداهن } على " زوج " ~~جمعا. [و] التي نهى عن الأخذ منها في المستبدل مكانها؛ لأنها آخذة منه ~~بدليل قوله تعالى: { وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم ~~إلى بعض } وهذا إنما هو في القديمة لا في المستحدثة، وقال: { ~~إحداهن } ليدل على أنه قوله { وآتيتم إحداهن قنطارا ~~} المراد منه: وآتى كل واحد منكم إحداهن أي: إحدى الأزواج [ولم يقل: " ~~آتيتموهن قنطارا " لئلا يتوهم أن جميع المخاطبين آتوا الأزواج] قنطارا، ~~والمراد آتى كل واحد زوجته قنطارا، فدل [على] لفظ إحداهن ". على أن ~~الضمير في أتيتم المراد منه كل واحد واحد، كما دل لفظ { وإن ~~أردتم استبدال زوج مكان زوج } على أن المراد ~~استبدال أزواج مكان أزواج فأريد بالمفرد هنا الجمع، لدلالة { وإن ~~أردتم } ، واريد بقوله: " وآتيتم كل واحد واحد " لدلالة إحداهن ~~- وهي مفردة - على ذلك، ولا يدل على هذا المعنى البليغ بأوجز، ولا ~~أفصح من هذا التركيب، وقد تقدم معنى القنطار واشتقاقه في " آل عمران " ، ~~والضمير في " منه " عائد على قنطار. # وقرأ ابن محيصن " آتيتم إحداهن " بوصل ألف إحدى، كما قرأ " ~~إنها لإحدى الكبر " ، حذف الهمزة تحقيقا كقوله: [الرجز] # 1771- إن لم أقاتل فالبسوني برقعا # وقد طول أبو البقاء هنا، ولم يأت بطائل فقال: وفي قوله: { ~~وآتيتم إحداهن قنطارا } إشكالان: # أحدهما: أنه جمع الضمير والمتقدم زوجان. # والثاني: أن التي يريد أن يستبدل بها هي التي تكون قد أعطاها مالا، ~~فنهاه عن أخذه، فأما التي يريد أن يستحدث بها فلم يكن أعطاها ~~شيئا حتى ينهى عن أخذه، ويتأيد ذلك بقوله { وكيف تأخذونه ~~وقد أفضى بعضكم إلى بعض }. # والجواب عن الأول: أن المراد بالزوج الجمع؛ لأن الخطاب لجماعة الرجال، ~~وكل منهم [قد] يريد ms2480 الاستبدال، ويجوز أن يكون جمع؛ لأن التي يريد أن ~~يستحدثها يفضي حالها إلى أن تكون زوجا و [أن] يريد أن يستبدل بها كما ~~استبدل بالأولى فجمع على هذا المعنى. # وأما الإشكال الثاني ففيه جوابان: # أحدهما: أنه وضع الظاهر موضع المضمر، والأصل " وآتيتموهن ". # والثاني: أن المستبدل بها مبهمة فقال " إحداهن " إذ لم يتعين حتى يرجع ~~الضمير إليها، وقد ذكرنا نحوا من هذا في قوله " فتذكر إحداهما الأخرى " ~~انتهى. # قال شهاب الدين: وفي قوله " وضع الظاهر موضع المضمر " نظر؛ لأنه ~~لو كان الأصل كذلك لأوهم أن الجميع آتوا الأزواج قنطارا كما لم ~~تقدم وليس كذلك. # فصل [حكم المغالاة في المهر] # قالوا: دلت الآية على جواز المغالاة في المهر. # روي أن عمر بن الخطاب قال على المنبر: " ألا لا تغالوا في ~~مهور نسائكم " فقامت امرأة فقالت: يا ابن الخطاب الله يعطينا ~~وأنت تمنع، وتلت الآية فقال عمر: كل الناس أفقه منك يا عمر، ~~ورجع عن ذلك. # قال ابن الخطيب: وعندي أن الآية لا دلالة فيها على جواز المغالاة؛ لأن ~~قوله { إحداهن قنطارا } لا يدل على جواز إيتاء القنطار، كما أن ~~قوله # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا # [الأنبياء: 22] لا يدل على حصول الآلهة فالحاصل أنه لا يلزم من جعل ~~الشيء شرطا لشيء آخر كون ذلك الشرط في نفسه جائز الوقوع. # قال عليه الصلاة والسلام: # " من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين " # ولم يلزم منه جواز القتل، وقد يقول الرجل: لو كان الإله جسما لكان ~~محدثا، وهذا حق، ولا يلزم منه أن [قولنا] الإله جسم حق. # فصل # يدخل في الآية ما إذا كان آتاها مهرها، وما إذا لم يؤتها؛ لأنه إذا ~~أوقع العقد على الصداق فقد آتاها ذلك الصداق في حكم الله فلا فرق بين ما ~~إذا آتاها الصداق حسا، وبين ما إذا لم يؤتها. # فصل [في الخلوة الصحيحة هل تقرر المهر؟] # احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على أن الخلوة الصحيحة تقرر المهر. # قال: لأن الله تعالى منع الزوج من أن يأخذ ms2481 منها شيئا من المهر، ~~وهذا المنع مطلق ترك العمل قبل الخلوة؛ فوجب أن يكون معمولا به بعد ~~الخلوة. # قال: ولا يجوز أن يقال إنه مخصوص بقوله تعالى: # وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد ~~فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم # [البقرة: 237] لأن الصحابة اختلفوا في تفسير المسيس. # فقال عمر وعلي - رضي الله عنهما -: المراد من المسيس: الخلوة. # وقال عبد الله: هو الجماع إذا صار مختلفا فيه امتنع جعله مخصصا لعموم ~~الآية. # وأجيب أن هذه الآية هنا مختصة بعد الجماع لقوله: { وكيف ~~تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض } وإفضاء بعضهم ~~إلى بعض، هو الجماع على ما سيأتي. # فصل [سوء العشرة هل يوجب العوض] # سوء العشرة إن كان من قبل الزوجة حل أخذ بدل الخلع؛ لقوله: ~~{ ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض مآ آتيتموهن ~~إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } وإن كان من قبل الزوج، ~~كره له أن يأخذ من مهرها شيئا؛ لأنه نهى في هذه الآية عن الأخذ، ثم ~~إن خالف وفعل ملك بدل الخلع كما أن البيع وقت النداء منهي عنه، ثم ~~إنه يفيد الملك. # قوله: { أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا } استفهام ~~إنكاري أي: أتفعلونه مع قبحه، وفي نصب { بهتانا وإثما مبينا ~~} وجهان: # أحدهما: أنها منصوبان على المفعول من أجله أي لبهتانكم وإثمكم. # قال الزمخشري: فإن لم يكن عرضا كقولك: قعد عن القتال جبنا. # وقيل: انتصب ينزع الخافض أي ببهتان. # والثاني: أنهما مصدران في موضع الحال، وفي صاحبهما وجهان: # أظهرهما: أنه الفاعل في أتأخذونه أي: باهتين وآثمين. # والثاني: أنه المفعول أي: أتأخذونه مبهتا محيرا لشنعته، وقبح ~~الأحدوثة عنه، والتقدير: تصيبون في أخذه بهتانا، والبهتان فعلان ~~من البهت، وهو في اللغة: الكذب الذي يواجه به الإنسان صاحبه على وجه ~~المكابرة، وأصله من بهت الرجل إذا تحير فالبهتان كذب يحير الإنسان ~~لعظمه ثم جعل كل باطل يتحير من بطلانه بهتانا، ومنه الحديث: # " إذا واجهت أخاك بما ليس فيه فقد بهته " # ولقد تقدم الكلام عليه في البقرة. # وفي تسمية هذا الأخذ " بهتانا " وجوه: # أحدها: أنه تعالى لما ms2482 فرض لها ذلك المهر فأخذه؛ كأنه يقول: ~~ليس ذلك بفرض فيكون بهتانا. # وثانيها: أن العقد يستلزم مهرا وتكفل بالعقد تسليم ذلك المهر إليها ~~وألا يأخذه منها، فإذا أخذه منها، صار ذلك القول الذي عقد به العقد ~~بهتانا. # وثالثها: أنا ذكرنا أنه كان من عادتهم إذا أرادوا تطليق الزوجة رموها ~~بفاحشة، حتى تخاف وتشتري نفسها منه بذلك المهر، فلما كان ذلك واقعا على ~~هذا الوجه في الأغلب جعل كأنه أخذه بهتانا [وإثما]. # [رابعها: أنه عقاب البهتان والإثم المبين كأنه كان معلوما عندهم ~~مقولة " أتأخذونه بهتانا " ] معناه أتأخذونه عقاب البهتان فهو كقوله: # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا # [النساء: 10]. # وقوله: { وكيف تأخذونه } تقدم الكلام في كيف عند قوله: # كيف تكفرون بالله # [البقرة: 28]. # قوله: { وقد أفضى بعضكم } الواو للحال، والجملة بعدها: في ~~محل نصب، وأتى ب " قد " ليقرب الماضي من الحال، وكذلك " أخذن " وقد ~~مقدرة معه لتقدم ذكرها، وأصل أفضى ذهب إلى فضاه أي ناحية سعته، يقال: ~~فضى يفضو فضوا، وأفضى: عن ياء أصلها واو. # وقال الليث: أفضى فلان إلى فلان أي: وصل إليه، وأصله أنه صار في ~~فضائه وفرجته. # وقال غيره: أصل الإفضاء الوصول إلى الشيء من غير واسطة. # وللمفسرين في هذا الإفضاء قولان: # أحدهما: قال ابن عباس، ومجاهد، والسدي أنه كناية عن الجماع وهو ~~اختيار الزجاج، وابن قتيبة، ومذهب الشافعي؛ لأن عنده أن الزوج إذا ~~أطلق قبل المسيس فله أن يرجع في نصف المهر، وإن خلا بها. # والثاني: أن الإفضاء هو الخلوة وإن لم يجامعها. # وقال الكلبي: الإفضاء أن يكون معها في لحاف واحد، جامعها أو لم يجامعها، ~~وهذا اختيار الفراء، ومذهب أبي حنيفة؛ لأن الخلوة في الأنكحة الصحيحة ~~تقرر المهر، واستدلوا على القول الأول بوجوه: # أحدها: ما تقدم عن الليث: أنه يصير في فرجته وفضائه، وهذا المعنى ~~إنما يحصل في الحقيقة عند الجماع. # وثانيها: أنه تعالى ذكر في معرض التعجب فقال { وكيف تأخذونه ~~وقد أفضى بعضكم إلى بعض } والتعجب إنما يتم إذا كان ~~هذا الإفضاء ms2483 سببا قويا في حصول الألفة والمحبة، وذلك لا يحصل بمجرد ~~الخلوة وإنما يحصل بالجماع، فيحمل عليه. # وثالثها: أن الإفضاء إليها لا بد وأن يكون مفسرا بفعل منه ينتهي ~~إليه؛ لأن كلمة " إلى " لانتهاء الغاية، ومجرد الخلوة ليبس كذلك؛ لأن عند ~~الخلوة المحضة لم يصل كل واحد منهما إلى الآخر فامتنع تفسير قوله: { ~~أفضى بعضكم إلى بعض } بمجرد الخلوة. # وإن قيل: إذا اضطجعها في لحاف واحد ملامسا فقد الإفضاء من بعضهم ~~إلى بعض؛ فوجب أن يكون ذلك كافيا وأنتم لا تقولون به. # فالجواب أن القائل بذلك قائلان: قائل يقول: المهر لا يتقرر إلا ~~بالجماع، وآخر يقول: يتقرر بمجرد الخلوة ولا يقول أحد إنه يتقرر ~~بالملامسة والمضاجعة فبطل هذا القول بالإجماع، ولم يبق في تفسير ~~الإفضاء إلا أحد أمرين: إما الجماع، وإما الخلوة، وقد أبطلنا ~~القول بالخلوة بما بيناه فلم يبق إلا أن المراد بالإفضاء الجماع. # ورابعها: أن المهر قبل الخلوة ما كان متقررا، وقدو علق ~~الشرع تقريره على إفضاء البعض إلى البعض، وقد اشتبه في المراد بهذا ~~الإفضاء هل هو الخلوة، أو الجماع، وإذا وقع الشك وجب بقاء ما كان على ~~ما كان والأصل براءة الذمة. # احتج من قال: بأن الخلوة الصحيحة تقرر المهر وتوجب العدة دخل بها ~~أو لم يدخل بها بما روى الدارقطني عن [ابن] ثوبان، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " من كشف خمار امرأة ونظر إليها وجب الصداق " # وقال عمر: إذا أغلق بابا وأرخى سترا؛ وجب الصداق وعليها العدة ~~ولها الميراث، وعن علي: إذا أغلق بابا وأرخى سترا ورأى عورة فقد وجب ~~الصداق، وقضى الخلفاء الراشدون أن من أغلق بابا، وأرخى سترا فقد وجب ~~الصداق وعليها العدة. # قوله { وأخذن منكم } في منكم وجهان: # أظهرهما: أنه متعلق ب " أخذن " ، وأجاز فيه أبو البقاء أن يكون ~~حالا من ميثاقا قدم عليه كأنه لما رأى أنه يجوز أن يكون صفة لو تأخر ~~أجاز ذلك وهو ضعيف. # قال الحسن، وابن سيرين، والضحاك، وقتادة، والسدي، وعكرمة، والفراء: ~~المراد بالميثاق هو قول ms2484 الولي عند العقد: زوجتكها على ما أخذ للنساء ~~على الرجال من إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان. # وقال الشعبي وعكرمة ومجاهد: في كلمة النكاح المعقود ~~عليها على الصداق وقال عليه الصلاة والسلام: # " اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة ~~الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ". # وقيل المراد بالميثاق الغليظ هو: إفضاء بعضهم إلى بعض وصفه بالغلظة ~~لعظمة ما يحدث بين الزوجين من الاتحاد والألفة والامتزاج. ### || [4.22] # قوله تعالى: { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النسآء ~~إلا ما قد سلف } إلى قوله: [سبيلا]. # قال الأشعث بن سوار توفي أبو قيس وكان من صالحي الأنصار فخطب ابنه ~~امرأة أبيه فقالت إني أعدك ولدا وأنت من صالحي قومك، ولكني آتي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أستأمره، فأتته فأخبرته فأنزل الله هذه الآية. # قال ابن عباس وجمهور المفسرين: كان أهل الجاهلية يتزوجون بأزواج آبائهم ~~فنهوا بهذه الآية عن [ذلك. قوله " ما نكح " في " ما " هذه قولان]: # أحدهما: أنها موصولة اسمية واقعة على أنواع من يعقل كما تقدم في قوله # ما طاب لكم من النسآء # [النساء: 3] هذا عند من لا يجيز وقوعها على آحاد العقلاء فأما من يجيز ~~ذلك فيقول: إنها واقعة موقع من ف " ما " مفعول به بقوله " ولا تنكحوا " ~~والتقدير: ولا تتزوجوا من تزوج آباؤكم. # والثاني: أنها مصدرية أي: ولا تنكحوا مثل نكاح آبائكم الذي كان من ~~الجاهلية وهو النكاح الفاسد كنكاح الشغار وغيره، واختار هذا القول ~~جماعة منهم ابن جرير الطبري وقال: ولو كان معناه: ولا تنكحوا النساء التي ~~نكح آباؤكم لوجب أن يكون موضع " ما " " من " انتهى. وتبين كونه حراما، ~~أو فاسدا من قوله { إنه كان فاحشة ومقتا }. قوله: { من ~~النسآء }. تقدم نظيره أول السورة. # فصل [حكم نكاح مزنية الأب] # قال أبو حنيفة وأحمد: يحرم على الرجل أن يتزوج بمزنية أبيه وقال ~~الشافعي: لا يحرم، واحتج الأولون بهذه الآية، لأنه تعالى نهى الرجل أن ~~ينكح منكوحة أبيه، والنكاح عبارة عن الوطء لوجوه: # أحدها: قوله تعالى # فلا تحل له من بعد حتى تنكح ms2485 زوجا غيره # [البقرة: 230] فأضاف النكاح إلى الزوج، والنكاح المضاف إلى الزوج هو ~~الوطء لا العقد؛ لأن الإنسان لا يتزوج من [زوجة] نفسه؛ لأن ذلك في تحصيل ~~الحاصل؛ ولأنه لو كان المراد به في هذه الآية العقد لحصل التحليل ~~بمجرد العقد وحيث لم يحصل علمنا أن المراد من النكاح في هذه الآية ليس هو ~~العقد، فتعين أن يكون هو الوطء؛ لأنه لا قائل بالفرق. وثانيها: قوله # وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح # [النساء: 6] والمراد به الوطء لا العقد؛ لأن أهلية العقد كانت حاصلة. # وثالثها: قوله: # الزاني لا ينكح إلا زانية # [النور:3] ولو كان المراد العقد لزم الكذب. # ورابعها: قوله عليه [الصلاة] والسلام # " ناكح اليد ملعون " # وليس المراد العقد فثبت بهذه الوجوه أن النكاح عبارة عن الوطء فلزم أن ~~يكون المراد من قوله " ما نكح آباؤكم " أي: وطئن آباؤكم، فيدخل فيه ~~المنكوحة والمزني بها. # فإن قيل قد ورد أيضا لفظ " النكاح " بمعنى العقد، قال تعالى # وأنكحوا الأيامى منكم # [النور: 32] # فانكحوا ما طاب لكم من النسآء # [النساء: 3]. إذا نكحتم المؤمنات. # وقال عليه [الصلاة] والسلام: # " ولدت من نكاح ولم أولد من سفاح " # فلم كان حمل اللفظ على الوطء أولى من حمله على العقد؟ # فالجواب أن لفظ " النكاح " حقيقة في الوطء مجاز في العقد. لأن لفظ ~~النكاح في أصل اللغة عبارة عن الضم، ومعنى حاصل في الوطء لا في ~~العقد، فكان حقيقة في الوطء وإنما سمي العقد بهذا الاسم؛ لأنه سبب ~~الوطء، فيكون من باب إطلاق اسم المسبب على السبب كما أن العقيقة: اسم ~~للشعر الذي يكون على رأس الصغير حال ما يولد ثم تسمى الشاة التي ~~تذبح عند خلق ذلك الشعر عقيقة [فكذا هاهنا. هذا على قول من يقول: لا ~~يجوز استعمال اللفظ الواحد بالاعتبار الواحد في حقيقته] ومجازه فلا جرم ~~نقول: المستفاد من هذه الآية حكم الوطء أما حكم العقد فإنه يستفاد ~~من دليل آخر، فأما [من] ذهب إلى اللفظ المشترك يجوز استعماله في ~~مفهوميه معا، فإنه يقول دلت الآية على لفظ النكاح ms2486 حقيقة الوطء، وفي ~~العقد معا، فكان قوله: { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من ~~النسآء } نهي عن الوطء وعن العقد معا حملا للفظ على مفهوميه ولو ~~سلمنا أنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه معا، لكن ثبت ~~بالدلائل المذكورة أن لفظ النكاح قد استعمل في الوطء تارة، وفي ~~العقد أخرى، والقول بالاشتراك والمجاز خلاف الأصل، فلا بد من جعله ~~حقيقة في القدر المشترك بينهما، وهو معنى الضم حتى يندفع الاشتراك ~~والمجاز، فإذا كان كذلك كان قوله: { ولا تنكحوا ما نكح أباؤكم من النساء ~~} نهيا عن القدر المشترك بين هذين القسمين والنهي عند القدر المشترك بين ~~القسمين يكون نهيا عن كل واحد من القسمين لا محالة، فإن النهي عن ~~التزويج يكون نهيا عن العقد، وعن الوطء معا، وأجيبوا عن هذا الاحتجاج ~~بوجوه: # الأول: لا نسلم أن النكاح يقع على الوطء، والوجوه التي احتجوا بها ~~معارضة بوجوه: # الأول: قوله عليه الصلاة والسلام # " النكاح سنتي " # ولا شك أن الوطء من حيث كونه وطئا ليس سنة [له] وإلا لزم أن ~~يكون الوطء بالسفاح سنة فلما ثبت أن النكاح سنة، وثبت أن الوطء ~~ليس بسنة ثبت أن النكاح ليس عبارة عن الوطء وكذلك قوله عليه الصلاة ~~والسلام: # " تناكحوا تكاثروا " # ولو كان الوطء مسمى بالنكاح لكان هذا إذنا في مطلق الوطء، وكذا التمسك ~~بقوله # وأنكحوا الأيامى منكم # [النور: 32] # فانكحوا ما طاب لكم من النسآء # [النساء: 3]. # لا يقال: لما وقع التعارض بين هذه الدلائل فالترجيح معنا، وذلك لأنا ~~لو قلنا الوطء مسمى بالنكاح على سبيل الحقيقة لزم دخول المجاز في دليلنا، ~~ومتى وقع التعارض بين المجاز والتخصيص كان التزام التخصيص أولى. # لأنا نقول: أنتم تساعدونا على أن لفظ النكاح مستعمل في ~~العقد، فلو قلنا: إن النكاح حقيقة في الوطء لزم دخول التخصيص في الآيات ~~التي ذكرناها ولزم القول بالمجاز في الآيات التي ذكر النكاح فيها ~~بمعنى الوطء ولا يلزمنا التخصيص فقولكم: يوجب المجاز والتخصيص معا ~~وقولنا: يوجب المجاز فقط، فكان قولنا أولى. # الوجه الثاني من الوجوه الدالة ms2487 على أن النكاح ليس حقيقة في ~~الوطء قوله عليه [الصلاة] والسلام # " ولدت من نكاح ولم أولد من سفاح " # وهذا يقتضي أن لا يكون الوطء نكاحا. # الوجه الثالث: من حلف في أولاد الزنا أنهم ليسوا أولاد نكاح لم ~~يحنث، ولو كان الوطء نكاحا لوجب أن يحنث. # سلمنا أن الوطء يسمى نكاحا لكن العقد أيضا يسمى نكاحا فلم كان حمل ~~الآية على ما [ذكرتم أولى من حملها على ما ذكرنا]. # وأما قولهم إن الوطء مسبب للعقد، فكما يحسن إطلاق المسبب مجازا, ~~فكذا يحتمل أن يقال النكاح اسم للعقد ثم أطلق هذا الاسم على ~~الوطء لكون الوطء مسببا له، فلم كان أحدهما أولى من الآخر، بل ما ~~ذكرناه أولى؛ لأن استلزام السبب للمسبب أولى وأتم من استلزام المسبب ~~للسبب المعين، فإنه لا يمنع حصول الحقيقة الواحدة بأسباب كثيرة ~~كالملك، فإنه يحصل بالبيع والهبة والوصية والإرث، ولا شك أن ~~الملازمة شرط لجواز المجاز، فثبت أن القول بأن اسم النكاح ~~حقيقة في الوطء مجاز في العقد أولى من عكسه. # والوجه الثاني: أنه ثبت في أصول الفقه أنه يجوز استعمال اللفظ ~~الواحد في حقيقته ومجازه معا فحينئذ يلزم ألا تكون الآية دالة على حكم ~~العقد، وهذا وإن كانوا قد التزموه لكنه مدفوع بإجماع المفسرين على سبب ~~نزول هذه الآية هو أنهم كانوا يتزوجون بأزواج آبائهم، وأجمع ~~المسلمون على أن سبب نزول تلك الآية لا بد وأن يكون داخلا [تحت ~~الآية، بل اختلفوا في أن غيره هل يدخل تحت الآية أم لا؟ فأما أن ~~سبب النزول يكون] داخلا فيها فذلك مجمع عليه، وإذا ثبت أن سبب ~~النزول لا بد وأن يكون مرادا ثبت بالإجماع أن النهي عن العقد مراد من ~~هذه الآية فيكون قولهم مضاد للدليل القاطع، فيكون مردودا. # وأما استدلالهم بالضم فضعيف؛ لأن الضم الحاصل في الوطء عبارة عن ~~اتحاد الأجسام وتلاصقها، والضم الحاصل في العقد ليس كذلك؛ لأن الإيجاب ~~والقبول أصوات غير باقية، فمعنى الضم والتلاقي والتجاور فيها محال، ~~وإذا كان كذلك فليس بين الوطء ms2488 والعقد مفهوم مشترك حتى [يقال إن لفظ ~~النكاح حقيقة فيه، فإذا بطل ذلك لم يبق إلا أن يقال لفظ النكاح مشترك ~~بين الوطء والعقد] ويقال: إنه حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر، ويرجع ~~الكلام إلى الوجهين الأولين. # الوجه الثالث: سلمنا أن النكاح بمعنى الوطء ولكن لم قلتم إن قوله ~~{ ما نكح آباؤكم } المراد منه المنكوحة بل المراد منه المصدر ~~لإجماعهم على أن لفظ " ما " حقيقة في غير العقلاء، فلو كان المراد منه ~~المنكوحة لزم هذا المجاز، وهو خلاف الأصل، بل أهل العربية اتفقوا على أن ~~ما " ما " مع ما بعدها في تقدير المصدر فتقدير الآية: { ولا تنكحوا نكاح ~~آبائكم } ، ويكون المراد منه النهي على أن ينكحوا نكاحا مثل نكاح ~~آبائهم فإن أنكحتم كانت بغير ولي ولا شهود، وكانت مؤقتة، وكان على سبيل ~~القهر والإلجاء، فنهاهم الله تعالى عن مثل هذه الأنكحة بهذه الآية؛ ~~وهذا الوجه منقول عن ابن جرير وغيره كما تقدم. # الوجه الرابع: سلمنا أن المراد المنكوحة، والتقدير: ولا تنكحوا ~~ما نكح آباؤكم، ولكن قوله { ما نكح آباؤكم } ليس صريحا في ~~العموم بدليل أنه يصح إدخال لفظ الكل في البعض عليه، فيقال: ولا ~~تنكحوا بعض ما نكح آباؤكم، [ولو كان هذا صريحا في العموم لكان إدخال ~~لفظ الكل عليه تكرارا، وإدخال لفظ البعض عليه نقصا، ومعلوم أنه ~~ليس كذلك، وإذا ثبت أنه لا يفيد العموم لم يتناول محل النزاع، لا يقال: ~~لو لم يفد يصير مجملا غير مفيد والأصل ألا يكون كذلك؛ لأنا نقول: لا ~~نسلم أن التقدير لا يفيد العموم لم يكن صرفه إلى البعض أولى من صرفه ~~إلى غيره، وذلك لأن المفسرين أجمعوا على أن سبب نزوله إنما هو التزوج ~~بزوجات الآباء، فكان صرفه إلى هذا القسم أولى، وبهذا التقدير يزول ~~الإجمال]. # الوجه الخامس: سلمنا أن هذا النهي يتناول محل النزاع لكن لم ~~قلتم: إنه يفيد التحريم، أليس أن كثيرا من أقسام النهي لا ~~يفيد التحريم، بل يفيد التنزيه، أقصى ما في الباب أن يقال: هذا ~~على ms2489 خلاف الأصل، ولكن يجب المصير إذا دل الدليل على صحة [هذا] النكاح ~~[وسنذكره. # الوجه السادس: هب أن ما ذكرتم يدل على فساد هذا النكاح] إلا أن ههنا ما ~~يدل على صحة هذا النكاح وهو من وجوه: # الأول: هذا النكاح منعقد؛ فوجب أن يكون صحيحا، بيان أنه منعقد ~~لأنه منهي عنه بهذه الآية، ومذهب أبي حنيفة أن النهي عن ~~الشيء يدل على كونه في نفسه منعقدا، وهذا أصل مذهبه في ~~مسألة البيع الفاسد وصوم يوم النحر، فيلزم من مجموع هاتين ~~المقدمتين، أن يكون هذا النكاح منعقدا على أصل أبي حنيفة، ~~وإذا كان منعقدا في هذه الصورة؛ وجب القول بالصحة؛ لأنه لا ~~قائل بالفرق. # وثانيها: [أن] قوله # ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن # [البقرة: 221] وهذا نهي إلى غاية إيمانهن والحكم المدود إلى غاية ~~ينتهي عند حصول تلك الغاية، وإذا انتهى [المنع] حصل الجواز، فهذا ~~يقتضي جواز إنكاحهن على الإطلاق، ويدخل في هذا العموم مزنية الأب ~~وغيرها، أقصى ما في هذا الباب أن هذا العموم خص في مواضع، فيبقى ~~حجة في غير محل التخصيص، ولذلك يستدل بجميع المعلومات الواردة في باب ~~النكاح كقوله تعالى: # وأنكحوا الأيامى منكم # [النور: 32] وقوله # فانكحوا ما طاب لكم من النسآء # [النساء: 3] وكذلك قوله: # وأحل لكم ما وراء ذلكم # [النساء: 24] وليس لأحد أن يقول إن قوله # ما وراء ذلكم # [النساء: 24] ضمير عائد إلى المذكور السابق، ومن جملة المذكور السابق ~~قوله: { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النسآء } ، ~~لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات إليه هو قوله: # حرمت عليكم أمهاتكم # [النساء: 23] وكان قوله # ما وراء ذلكم # [النساء:24] عائدا إليه، ولا يدخل فيه قوله { ولا تنكحوا ما ~~نكح آباؤكم من النسآء } وكذلك عموم الأحاديث كقوله عليه ~~السلام # " إذا جاءكم من ترضون دينه فزوجوه " # وقوله # " زوجوا بناتكم [الأكفاء] " # وهذه العمومات تتناول محل النزاع، والترجيح يكون بكثرة الأدلة، وبتقدير ~~أن يثبت لهم أن النكاح حقيقة في الوطء مجاز في العقد، فيكون حملنا الآية ~~على العقد لم يلزمنا إلا مجاز واحد، وبتقدير أن تحمل ms2490 تلك الآية على ~~حرمة الوطء تلزمنا هذه التخصيصات الكثيرة، فكان الترجيح من جانبنا لكثرة ~~الدلائل. # وثالثها: الحديث المشهور وهو قوله عليه السلام # " الحرام لا يحرم الحلال " # أقصى ما في هذا الباب أن يقال: إن قطرة من الخمر إذا وقعت في كوز ماء، ~~فههنا الحرام حرم الحلال، [وإذا اختلطت المنكوحة بالأجنبيات واشتبهت بهن ~~فههنا الحرام حرم الحلال] إلا أنا نقول: دخول التخصيص فيه في بعض ~~الصور، ولا يمنع من الاستدلال به. # ورابعها: أن يقول: المقتضي لجواز النكاح قائم، والفارق بين ~~محل الإجماع وبين محل النزاع ظاهر؛ فوجب القول بالجواز ~~أما المقتضي فهو أن يقيس نكاح هذه المرأة على نكاح سائر النسوان عند ~~حصول الشرائط المتفق عليها؛ بجامع ما في النكاح من المصالح، ~~وأما الفارق: فهو أن هذه الحرمة إنما حكم الشارع بثبوتها سعيا ~~في إبقاء الوصلة الحاصلة بسبب النكاح، ومعلوم أن هذا لا يليق ~~بالزنا. # بيان المقام الأول: من تزوج بامرأة فلم يدخل على المرأة أبو الرجل ~~وابنه، ولم تدخل على الرجل أم المرأة وبنتها، لبقيت المرأة كالمحبوسة في ~~البيت، ولتعطل على الزوج والزوجة أكثر المصالح، ولو أذنا في هذا ~~الدخول، ولم نحكم بالمحرمية فربما امتد على البعض إلى البعض، وحصل الميل ~~والرغبة، وعند حصول التزوج بأمها وابنتها تحصل النفرة الشديدة بينهن؛ ~~لأن صدور الإيذاء عن الأقارب أقوى وقعا، وأشد إيلاما وتأثيرا، وعند ~~حصول النفرة الشديدة يحصل التطليق والفراق، أما إذا حصلت ~~المحرمية انقطعت الأطماع وانحبست الشهوة، فلا يحصل ذلك الضرر فيبقى ~~النكاح بين الزوجين سليما عن هذه المفسدة، فثبت أن المقصود من حكم ~~الشرع بهذه المحرمية السعي في تقرير الاتصال الحاصل بين الزوجين، ~~وإذا كان المقصود من المحرمية إبقاء ذلك الاتصال، فمعلوم أن الاتصال ~~الحاصل عند النكاح مطلوب البقاء، فناسب حكم الشرع بإثبات هذه المحرمية ~~[وأما الاتصال الحاصل بالزنا فهو غير مطلوب البقاء، فلم يتناسب] حكم ~~الشرع بإثبات هذه المحرمية، وهذا وجه مقبول. # قوله { إلا ما قد سلف } في هذا الاستثناء قولان: # أحدهما: أنه منقطع؛ إذ الماضي لا يجامع الاستقبال، ms2491 والمعنى أنه لما ~~حرم عليهم نكاح ما نكح آباؤهم [من النساء] تطرق الوهم إلى ما مضى في ~~الجاهلية ما حكمه؟ فقيل: إلا ما قد سلف، فلا إثم عليه. # وقال ابن زيد في معنى ذلك أيضا: إن المراد بالنكاح ~~العقد بالنكاح العقد الصحيح، وحمل { إلا ما قد سلف ~~} على ما كان يتعاطاه بعضهم من الزنا [فقال: إلا ما سلف من الآباء ~~في الجاهلية من الزنا] بالنساء، فذلك جائز لكم زواجكم في ~~الإسلام، وكأنه قيل: ولا تعقدوا على من عقد آباؤكم عليه ~~إلا ما قد سلف من زناهم، فإنه يجوز لكم أن تتزوجوهم، ~~فهو استثناء منقطع أيضا. # والثاني: أنه استثناء متصل وفيه معنيان: # أحدهما: أن يحمل النكاح على الوطء، والمعنى: أنه نهى أن ~~يطأ الرجل امرأة وطئها أبوه، إلا ما قد سلف من الأب ~~في الجاهلية من الزنا بالمرأة، فإنه يجوز للابن تزويجها نقل ~~هذا المعنى عن ابن زيد أيضا إلا أنه لا بد من التخصيص ~~[أيضا] في شيئين: # أحدهما: قوله: { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم } أي: ولا ~~تطئوا وطئا مباحا بالتزويج. # والثاني: التخصيص في قوله: { إلا ما قد سلف } بوطء ~~الزنا وإلا فالوطء فيما قد سلف قد يكون [وطئا] غير زنا، ~~وقد يكون زنا فيصير التقدير: ولا تطئوا ما وطئ آباؤكم وطئا مباحا ~~بالتزويج إلا من كان وطؤها فيما مضى وطء زنا في الجاهلية. # والمعنى الثاني: ولا تنكحوا مثل نكاح آبائكم في الجاهلية ~~إلا ما تقدم منكم من تلك العقود الفاسدة فيباح لكم ~~الإقامة عليها في الإسلام، إذا كان مما يقرر الإسلام عليه، وهذا على ~~رأي من يجعل " ما " مصدرية، وقد تقدم مثل ذلك. وقال ~~الزمخشري: فإن قلت: كيف استثنى { ما قد سلف } مما نكح ~~آباؤكم؟ قلت: كما استثنى " غير أن سيوفهم " من قوله " ولا عيب فيهم " ~~يعني: إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوه، فلا يحل لكم غيره، وذلك ~~غير ممكن، والغرض المبالغة في تحريمه، وسد الطريق إلى إباحته كما ~~تعلق بالمحال في التأبيد في نحو قولهم: " حتى يبيض ms2492 القار " و # حتى يلج الجمل في سم الخياط # [الأعراف: 40] انتهى. # أشار رحمه الله إلى بيت النابغة في قوله: [الطويل] # 1772- ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم # بهن فلول من قراع الكتائب # يعني إن وجد فيهم عيبا فهو هذا، وهذا لا يعده أحد عيبا فانتفى ~~العيب عنهم بدليل، ولكن هذا الاستثناء على هذا المعنى الذي أباه ~~الزمخشري، من قبيل المنقطع، أو المتصل؟ والحق أنه متصل لأن ~~المعنى: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم [إلا] اللاتي مضين وفنين، ~~وهذا محال، وكونه محالا لا يخرجه عن الاتصال، وأما البيت ففيه ~~نظر؛ والظاهر أن الاستثناء فيه متصل أيضا لأنه جعل العيب ~~شاملا لقوله: " غير أن سيوفهم [بهن فلول من قراع] " بالمعنى الذي ~~أراده وللبحث فيه مجال، فتلخص مما تقدم أن المراد ~~بالنكاح في هذه الآية العقد الصحيح، أو الفاسد أو الوطء، أو ~~يراد بالأول العقد، وبالثاني الوطء وقد تقدم الكلام ~~على ذلك في البقرة. وزعم بعضهم أن في الآية تقديما وتأخيرا، ~~والأصل: " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إنه كان فاحشة ومقتا وساء ~~سبيلا إلا ما قد سلف " ، وهذا فاسد من حيث الإعراب ومن حيث المعنى، ~~أما الأول فلأن ما في حيز " إن " لا يتقدم عليها، وأيضا ~~فالمستثنى يتقدم على الجملة التي هو من متعلقاتها سواء كان ~~متصلا أو منقطعا وإن كان في هذا خلاف ضعيف. # وأما الثاني فلأنه أخبر أنه فاحشة ومقت في الزمان الماضي ~~[بقوله " كان " ، فلا يصح أن يستثنى منه الماضي؛ إذ يصير المعنى هو ~~فاحشة في الزمان الماضي] إلا ما وقع منه في الزمان الماضي فليس ~~بفاحشة. وقيل: إن " إلا " هاهنا بمعنى " بعد " كقوله تعالى # لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ~~ووقاهم # [الدخان: 56] أي بعد الموتة الأولى وقيل { إلا ما قد سلف ~~} قيل نزول آية التحرير وقيل { إلا ما قد سلف } فإنكم مقرون ~~عليه، قالوا: لأنه عليه السلام أقر بما عليهن مدة ثم أمر ~~بمفارقتهن وإنما فعل ذلك ليكون إخراجهم عن العادة الرديئة على سبيل ~~التدرج. # وقيل: إن هذا خطأ؛ ms2493 لأنه عليه السلام ما أقر أحدا على نكاح ~~امرأة أبيه، وإن كان في الجاهلية، لما روى البراء بن عازب قال: ~~مر بي خالي أبو بردة [ابن نيار] ومعه لواء قلت أين تذهب؟ ~~قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج ~~امرأة أبيه من بعده آتيه برأسه وآخذ ماله. # فصل # قال القرطبي، وقد كان في العرب قبائل [قد اعتادت] أن يخلف ~~[ابن] الرجل على امرأة أبيه، وكانت هذه السيرة في الأنصار لازمة، ~~وكانت في قريش مباحة مع التراضي، ألا ترى أن عمرو بن أمية خلف ~~على امرأة أبيه بعد موته فولدت له مسافرا وأبا معيط، وكان لها من أمية ~~أبو العيص وغيره؛ فكان بنو أمية إخوة [مسافر وأبي معيط] وأعمامها، ~~وأيضا صفوان بن أمية تزوج بعد أبيه امرأته، فاختة بنت الأسود بن ~~المطلب بن أسد، وكان أمية قتل عنها ومن ذلك منظور بن زبان خلف على ~~مليكة بنت خارجة، وكان تحت أبيه زبان بن سيار ومن ذلك حصن ~~بن أبي قيس تزوج امرأة أبيه [كبيشة] بنت معن، والأسود بن ~~خلف تزوج امرأة أبيه. # قوله: { إنه } إن هذا الضمير يعود على النكاح المفهوم من قوله: { ~~ولا تنكحوا } ويجوز أن يعود على الزنا إذا أريد بقوله { ~~إلا ما قد سلف } من الزنا و " كان " هنا تدل على الماضي ~~فقط؛ لأن معناها هنا: لم يزل، أي في حكم الله وعلمه موصوفا بهذا ~~الوصف، وهذا المعنى هو الذي حمل المبرد على قوله: " إنها زائدة " ، ~~ورد عليه [أبو حيان] بوجود الخبر والزائدة لا خبر لها، وكأنه ~~يعني بزيادتها ما ذكرناه من قوله لا تدل على الماضي فقط، فعبر ~~عن ذلك بالزيادة. # فصل # وصف تعالى هذا النكاح بأمور ثلاثة: # الأول: أنه فاحشة، والفاحشة أقبح المعاصي، وذلك أن زوجة ~~[الأب] تشبه الأم، فكان مباشرتها من أفحش الفواحش لأن نكاح ~~الأمهات من أقبح الأشياء عند العرب قال أبو العباس سألت ابن ~~الأعرابي عن نكاح المقت فقال: هو أن يتزوج الرجل امرأة أبيه إذا ~~طلقها أو مات ms2494 عنها ويقال لهذا الرجل: الضيزن وقال ابن ~~عرفة: كانت العرب إذا تزوج الرجل امرأة أبيه فأولدها، قيل ~~للولد: المقتي. # والثاني: المقت هو بغض مقرون باستحقار، فهو أخص منه، وهو من ~~الله تعالى في حق العبد يدل على غاية الخزي والخسار، وكان لذلك ~~أخص قبل النهي منكرا في قلوبهم، ممقوتا عندهم، وكانت العرب تقول ~~لولد الرجل من امرأة أبيه: " مقيت " وكان منهم الأشعث بن ~~قيس، أبو معيط بن أبي عمرو بن أمية. # والثالث: قوله: { وسآء سبيلا } وأعلم أن مراتب القبح ~~ثلاثة: # القبح العقلي، والقبح الشرعي، والقبح العادي، فقوله: ~~" فاحشة " إشارة إلى القبح العقلي، وقوله { ومقتا } إشارة إلى ~~القبح الشرعي، وقوله { وسآء سبيلا } إشارة إلى القبح في العرف ~~والعادة، ومن اجتمع فيه هذه الوجوه فقد بلغ الغاية في القبح. # قوله { وسآء سبيلا } في " ساء " قولان: # أحدهما: أنها جارية مجرى بئس في الذم والعمل، ففيها ضمير مبهم ~~يفسره ما بعده وهو { سبيلا } والمخصوص بالذم محذوف تقديره " ~~وساء سبيل هذا النكاح " كقوله: " بئس الشراب " أي: ذلك الماء. # قال الليث: " ساء " فعل لازم وفاعله [مضمر، و] " سبيلا " منصوب ~~تفسيرا لذلك الفاعل المحذوف كما قال # وحسن أولئك رفيقا # [النساء: 69]. # الثاني: أنها لا تجري مجرى بئس في العمل، بل هي كسائر الأفعال، ~~فيكون فيها ضمير يعود على ما عاد الضمير في { إنه }؛ و { ~~سبيلا } على كلا التقديرين تمييز وفي هذه الجملة وجهان: # أحدهما: أنها لا محل لها من الإعراب بل هي مستأنفة ويكون الوقف ~~على قوله: ومقتا، ثم يستأنف { وسآء سبيلا } أي: وساء هذا ~~السبيل من نكاح من نكحهن من الآباء. # والثاني: أن يكون معطوفا على خبر كان، على أنه يجعل محكيا بقول ~~مضمر، ذلك القول هو المعطوف على الخبر، والتقدير: ومقولا فيه { وسآء ~~سبيلا } فهكذا قدره أبو البقاء. ولقائل أن يقول يجوز أن يكون ~~عطفا على خبر كان من غير إضمار قول؛ لأن هذه الجملة في قوة المفرد، ~~ألا ترى أنه يقع خبرا بنفسه، بقول: زيد ساء رجلا، فغاية ما في ~~الباب أنك أتيت بأخبار كان ms2495 أحدها مفرد والآخر جملة، ~~اللهم إلا أن يقال: إن هذه الجملة إنشائية، والإنشائية لا ~~تقع خبرا ل " كان " فاحتاج إلى إضمار القول، وفيه بحث. ### || [4.23] # أمهات جمع أم والهاء زائدة في الجمع، فرقا بين العقلاء ~~وغيرهم، يقال في العقلاء أمهات، وفي غيرهم أمات كقوله: # 1773- وأمات أطلاء صغار # هذا هو المشهور، وقد يقال: " أمات " في العقلاء و " أمهات " في غيرهم، ~~وقد جمع الشاعر بين الاستعمالين في العقلاء فقال: [المتقارب] # 1774- إذا الأمهات قبحن الوجوه # فرجت الظلام بأماتكا # وقد سمع " أمهة " في " أم " بزيادة هاء بعدها تاء تأنيث، قال: ~~[الرجز] # 1775- أمهتي خندف والياس أبي # فعلى هذا يجوز أن تكون أمهات جمع " أمهة " المزيد فيها الهاء، ~~والهاء قد أتت زائدة في مواضع قالوا: هبلع، وهجزع من ~~البلع والجزع. # قوله: { وبناتكم } عطف على { أمهاتكم } وبنات جمع ~~بنت، وبنت: تأنيث ابن، وتقدم الكلام عليه وعلى اشتقاقه ووزنه ~~في البقرة في قوله: # يابني إسرائيل # [البقرة: 40] إلا أن أبا البقاء حكى [عن] الفراء أن " بنات " ~~ليس جمعا ل " بنت " ، يعني: بكسر الباء بل جمع " بنة " يعني: ~~بفتحها قال: وكسرت الباء تنبيها على المحذوف. # قال شهاب الدين: هذا إنما يجيء على اعتقاد أن لامها ياء، ~~وقد تقدم الخلاف في ذلك، وأن الصحيح أنها واو، وحكى عن ~~غيره أن أصلها: " بنوة " وعلى ذلك جاء جمعها ومذكرها، وهو بنون، ~~قال: وهو مذهب البصريين. # قال شهاب الدين: لا خلاف بين القولين في التحقيق؛ لأن من ~~قال بنات جمع " بنة " ، بفتح الباء، لا بد وأن يعتقد أن أصلها ~~" بنوة " ، حذفت لامها وعوض عنها تاء التأنيث، والذي قال: بنات جمع " ~~بنوة " لفظ بالأصل فلا خلاف. # واعلم أن تاء " بنت " و " أخت " تاء تعويض عن اللام ~~المحذوفة، كما تقدم تقريره، وليست للتأنيث؛ لوجهين: # أحدهما: أن تاء التأنيث يلزم فتح ما قبلها لفظا أو ~~تقديرا: نحو: تمرة وفتاة، وهذه ساكن ما قبلها. # والثاني: أن تاء التأنيث تبدل في الوقف هاء، وهذه لا تبدل، بل ~~تقر على حالها. # قال أبو البقاء: " فإن قيل: لم رد المحذوف في ms2496 " أخوات " ولم ~~يرد في " بنات "؟ قيل: [حمل] كل واحد من الجمعين على ~~مذكره، فمذكر " بنات " لم يرد إليه المحذوف بل قالوا فيه " ~~بنون " ، ومذكر " أخوات " رد فيه محذوفه قالوا في جمع أخ، إخوة ~~وإخوان ". # قال شهاب الدين: وهذا الذي قاله ليس بشيء؛ لأنه أخذ جمع ~~التكسير وهو إخوة وإخوان مقابلا ل " أخوات " جمع التصحيح، فقال: ~~رد في أخوات كما رد في إخوة، وهذا أيضا موجود في بنات؛ لأن ~~مذكره في التكسير رد إليه المحذوف قالوا: ابن وأبناء، ولما ~~جمعوا أخا جمع السلامة قالوا فيه " أخون " بالحذف، فردوا في تكسير ~~ابن وأخ محذوفهما، ولم يردوا في تصحيحهما، [فبان] فساد ما قال. # فصل: # اعلم أن الله تعالى نص على تحريم أربعة عشر صنفا من ~~النسوان، سبعة من جهة النسب، وهن الأمهات [والبنات، ~~والأخوات، والعمات، والخالات، وبنات الأخ وبنات الأخت، وسبعة من غير ~~النسب، وهن الأمهات المرضعات] والأخوات من الرضاعة وأمهات النساء، ~~وبنات النساء المدخول بأمهاتهن، وأزواج الأبناء، وأزواج ~~الآباء، وقد ذكروا في الآية المتقدمة، والجمع بين الأختين. # فصل # قال الكرخي: هذه الآية مجملة؛ لأنه أضيف التحريم فيها إلى ~~الأمهات والبنات، والتحريم لا يمكن إضافته إلى الأعيان، وإنما ~~يضاف إلى الأفعال، وذلك الفعل غير مذكور في الآية فليس إضافة هذا ~~التحريم إلى بعض الأفعال التي لا يمكن إيقاعها في ذوات الأمهات والبنات ~~أولى من بعض، فصارت الآية مجملة على هذا الوجه. # قال ابن الخطيب: والجواب من وجهين: # الأول: أن تقديم قوله { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم } ~~يدل على أن المراد من قوله: { حرمت عليكم أمهاتكم } تحريم نكاحهن. ~~الثاني: أن من المعلوم بالضرورة من دين محمد صلى الله عليه ~~وسلم أن المراد منه تحريم نكاحهن، والأصل فيه أن الحرمة والإباحة ~~إذا أضيفتا إلى الأعيان فالمراد تحريم الفعل المطلوب منها في العرف فإذا ~~قيل { حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم } فهم كل أحد ~~أن المراد تحريم نكاحهن، ولما قال عليه السلام # " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث " # فهم كل أحد أن المراد لا يحل إراقة ms2497 دمه وإذا كان ذلك معلوما ~~بالضرورة، كان إلقاء الشبهات فيها جاريا مجرى القدح في ~~البديهيات وشبه السفسطائية. # بلى عندي فيه بحث من وجوه أخرى: # أحدها: أن قوله: { حرمت عليكم أمهاتكم } مذكور على ما ~~لم يسم فاعله، فليس فيه تصريح بأن فاعل هذا التحريم هو ~~الله تعالى، وما لم يثبت ذلك لم تفد الآية شيئا آخر، ولا سبيل ~~إليه إلا بإجماع، فهذه الآية وحدها لا تفيد شيئا، بل لا بد معها من ~~الإجماع على هذه المقدمة. # وثانيها: أن قوله تعالى { حرمت عليكم } [ليس] نصا في ثبوت ~~التحريم على سبيل التأبيد فإن القدر المذكور في الآية يمكن تقسيمه إلى ~~المؤقت، فإنه يقال تارة { حرمت عليكم أمهاتكم } ~~مؤقتا " وحرمت عليكم [أمهاتكم] " مؤبدا، وإذا كان ذلك صالحا ~~للتقسيم لم يكن نصا في التأبيد فإذن لا يستفاد التأبيد إلا ~~من دليل منفصل. # وثالثها: أن قوله: { حرمت عليكم أمهاتكم ~~وبناتكم } إخبار عن ثبوت هذا التحريم في الماضي، وظاهر اللفظ غير ~~متناول للحاضر والمستقبل، فلا يعرف ذلك إلا بدليل منفصل. # ورابعها: أن هذه ظاهر قوله { حرمت عليكم [أمهاتكم] } يقتضي أنه قد ~~حرم على كل أحد جميع أمهاتهم، وجميع بناتهم، ومعلوم أنه ~~ليس كذلك، بل المقصود أنه تعالى قابل الدمع بالجمع، فيقتضي مقابلة ~~الفرد بالفرد، فهذا يقتضي أن الله تعالى قد حرم على كل ~~أحد أمه خاصة، وأخته خاصة، وهذا فيه نوع عدول عن الظاهر. # خامسها: أن قوله: { حرمت عليكم } يشعر ظاهره بسبق الحل، إذ ~~لو كان أبدا موصوفا بالحرمة، لكان قوله { حرمت } تحريما لما هو ~~في نفسه حرام، فيكون ذلك إيجاد الموجود، وهو محال؛ فثبت أن المراد ~~من قوله: { حرمت } ليس تجديد التحريم، حتى يلزم الإشكال، بل المراد ~~الإخبار عن حصول التحريم فثبت بهذه الوجوه أن ظاهر الآية وحده غير ~~كاف في ثبوت المطلوب. # فصل [حرمة الأمهات ثابتة من زمن آدم] # حرمة الأمهات والبنات كانت ثابتة من زمن آدم - عليه السلام - إلى زماننا ~~ولم يثبت حل نكاحهن في شيء من الأديان الإلهية إلا ما نقل عن زرادشت ms2498 ~~رسول المجوس أنه قال بحله، وأكثر المسلمين اتفقوا على أنه كان ~~كذابا، وأما نكاح الأخوات فقد نقل: أنه كان مباحا في زمن ~~آدم عليه السلام، وإنما أباحه الله للضرورة، وأنكر بعضهم ~~ذلك، وقال: إنه تعالى كان يبعث الجواري من الجنة ليتزوج بهن ~~أبناء آدم عليه السلام، ويبعث أيضا لبنات آدم من يتزوج بهن من الحور، ~~وهذا بعيد؛ لأنه إذا كان زوجات أبنائه وأزواج بناته من الجنة فحينئذ ~~لا يكون هذا النسل من أولاد آدم فقط، وذلك باطل بالإجماع. # فصل [سبب التحريم] # ذكر العلماء أن سبب التحريم منه أن الوطء إذلال وإهانة، فإن ~~الإنسان يستحي من ذكره، ولا يقدم عليه إلا في الموضع الخالي، وأكثر ~~أنواع الشتم لا يكون إلا بذكره، وإذا كان الأمر كذلك؛ وجب صون ~~الأمهات [عنه؛ لأن إنعام الأم] على الولد أعظم وجوه الإنعام؛ فوجب ~~صونها عن هذا الإذلال، والبنت بمنزلة جزء من الإنسان وبعض منه، قال ~~عليه السلام: # " فاطمة بضعة مني " # فيجب صونها عن هذا الإذلال، وكذا القول في البقية. # فصل # كل امرأة يرجع نسبك إليها بالولادة من جهة أبيك أو من جهة أمك ~~بدرجة أو درجات سواء رجعت إليها بذكور، أو بإناث فهي أمك، ثم هنا ~~بحث، وهو أن لفظ الأم إن كان حقيقة في الأم الأصلية وفي الجدات، ~~فإما أن يكون لفظ الأم متواطئا أو مشتركا فإن كان متواطئا أعني ~~أن يكون موضوعا بإزاء قدر مشترك بين الأم الأصلية، وبين ~~سائر الجدات، فتكون الآية نصا في تحريم الأم الأصلية وفي ~~الجدات، وأما إن كان لفظ " الأم " مشتركا في الأم الأصلية وفي ~~الجدات فهذا تفريع على أن اللفظ المشترك بين أمرين هل يجوز ~~استعماله فيهما معا أم لا؟ فمن جوزه حمل اللفظ هنا على الكل، ~~[وحينئذ يكون تحريم الجدات منصوصا عليه، ومنهم] من لم يجوزه، والقائلون ~~بذلك لهم طريقان في هذا الوضع: # أحدهما: أن لفظ الأم إن أريد به ههنا الأم الأصلية فتحريم ~~نكاحها هنا مستفاد بالنص، وأما تحريم نكاح الجدات فمستفاد ~~من الإجماع. # الثاني: أنه ms2499 تعالى تكلم بهذه الآية مرتين، يريد في كل مرة ~~مفهوما آخر. # وإن كان لفظ " الأم " حقيقة في الأم الأصلية، مجازا في ~~الجدات، فقد ثبت أنه لا يجوز استعمال اللفظ الواحد دفعة ~~واحدة في حقيقته ومجازه معا، وحينئذ يرجع الطريقان المذكوران [للأول]، ~~وكل أنثى رجع نسبها إليك بالولادة بدرجة أو بدرجات، بإناث، أو ~~بذكور، فهي بنتك، وهل بنت الابن وبنت البنت تسمى هنا ~~حقيقة أو مجازا؟ فيه البحث كما في الأم. # فصل هل زواج الرجل بأمه يوجب الحد # قال الشافعي: إذا تزوج الرجل بأمه ودخل بها، لزمه الحد. # وقال أبو حنيفة: لا يلزم، حجة الشافعي أن وجود هذا النكاح ~~وعدمه سواء، فكان هذا الوطء زنا، فيلزمه الحد، وإنما قلنا: ~~إن وجوده وعدمه سواء؛ لأنه تعالى قال { حرمت عليكم ~~أمهاتكم } وقد علم من دين محمد صلى الله عليه وسلم أن المراد من ~~هذه الآية تحريم نكاحها، وإذا ثبت ذلك فنقول: الموجود ليس إلا صيغة ~~الإيجاب والقبول، فلو حصل هذا الانعقاد، لكان هذا الانعقاد ~~إما أن يقال: إنه حصل في الحقيقة أو في حكم الشرع، والأول ~~باطل؛ لأن صيغة الإيجاب والقبول كلام وهو عرض لا يبقى، والقبول لا ~~يوجد إلا بعد الإيجاب، وحصول الانعقاد بين الموجود والمعدوم محال. # والثاني باطل؛ لأن الله - تعالى - بين في هذه الآية بطلان هذا ~~العقد [قطعا]، وإذا كان هذا العقد باطلا قطعا في حكم الشرع، ~~فكيف يمكن القول بأنه منعقد شرعا؟ فثبت أن وجود هذا ~~العقد وعدمه بمثابة واحدة. # فصل [حكم نكاح البنت من الزنا] # قال الشافعي - رضي الله عنه -: البنت المخلوقة من ماء الزنا لا ~~تحرم على الزاني. # وقال أبو حنيفة وأحمد: تحرم. حجة الشافعي أنها ليست بنتا ~~فلا تحرم، وإنما قلنا: ليست بنتا لوجوه: # أحدها: أن أبا حنيفة - رضي الله عنه - إما أن يثبت كونها بنتا له ~~بناء على الحقيقة، وهي كونها مخلوقة من مائه أو [بناء] على حكم الشرع ~~بثبوت هذا النسب، والأول باطل على مذهبه طردا أو عكسا، وأما ~~الطرد فهو أنه إذا اشترى ms2500 جارية بكرا، وافتضها وحبسها في داره، وأتت ~~بولد فهذا الولد معلوم أنه مخلوق من مائه، مع أن أبا حنيفة قال: ~~لا يثبت ولدها إلا عند الاستلحاق، ولو كان النسب هو كون الولد ~~مخلوقا من مائه، لما توقف [أبو حنيفة في] ثبوت هذا النسب على ~~الاستلحاق. # وأما العكس فهو أن المشرقي إذا تزوج بالمغربية، وحصل هناك ولد ~~فأبو حنيفة أثبت النسب ههنا مع القطع بأنه غير مخلوق من ~~مائه، فثبت أن القول بجعله التخليق من مائه سببا للنسب باطل، ~~طردا أو عكسا على قول أبي حنيفة، وأما إذا قلنا: إن النسب ~~إنما يثبت بحكم الشرع فههنا أجمع المسلمون أنه لا نسب لولد الزنى ~~من الزاني، ولو انتسب إلى الزاني لوجب على القاضي منعه من ذلك ~~الانتساب، فثبت أن انتسابها إليه غير ممكن، لا على الحقيقة، ولا ~~على حكم الشرع. # وثانيها: قوله عليه السلام: # " الولد للفراش وللعاهر الحجر " # فحصر النسب في الفراش. # وثالثها: أنه لا ولاية له عليها، ولا يرثها ولا ترثه، ولا يجب ~~لها عليه نفقة ولا حضانة، ولا يحل له الخلوة بها، ولما لم يثبت ~~شيء من ذلك علمنا انتفاء النسب بينهما، وإذا انتفى النسب ~~بينهما حل التزوج بها. # قوله { وأخواتكم } ويدخل فيه الأخوات للأبوين والأب وللأم. # قوله { وعماتكم وخالاتكم }. # قال الواحدي: كل ذكر رجع نسبك إليه فأخته عمتك، وقد تكون ~~العمة من جهة الأم، وهي أخت أبي أمك، وكل أنثى رجع نسبك إليها ~~بالولادة فأختها خالتك، وقد تكون الخالة من جهة الأب، وهي أخت أم ~~أبيك، فألف " خالة " و " خال " منقلبة عن واو بدليل جمعه على " ~~أخوال " قال تعالى: { وبنات الأخ وبنات الأخت } وقوله ~~وبنات الأخ والأخت، والقول فيهن كالقول في بنات الصلب. # قال المفسرون كل امرأة حرم الله نكاحها ابتداء فهن ~~المذكورات في الآية الأولى وكل امرأة كانت حلالا ثم طرأ تحريمها ~~فهن اللاتي ذكرن في باقي الآية. # قوله { وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من ~~الرضاعة }. # قال الواحدي: سماهن أمهات لأجل الحرمة، كما أنه تعالى سمى ~~أزواج النبي صلى ms2501 الله عليه وسلم أمهات المؤمنين [في قوله:] # وأزواجه أمهاتهم # [الأحزاب: 6]. # قوله: { من الرضاعة } في موضع نصب على الحال، يتعلق بمحذوف ~~تقديره: وأخواتكم كائنات من الرضاعة. # وقرأ أبو حيوة من الرضاعة بكسر الراء. # فصل: [حرمة الأمهات والأخوات من الرضاعة] # نص في هذه الآية على حرمة الأمهات والأخوات من الرضاعة كما ~~يحرمن من النسب، وقد نبه الله تعالى في الآية على ذلك بتسميته ~~المرضعة أما والمرضعة أختا فأجرى الرضاع مجرى النسب، [وذلك ~~لأنه تعالى حرم بسبب النسب] سبعا اثنان بطريق الولادة وهما الأمهات ~~والبنات، وخمس بطريق الأخوة؛ وهن: الأخوات والعمات والخالات وبنات ~~الأخ، وبنات الأخت، ثم لما شرع في أحوال الرضاعة ذكر من كل واحد من ~~هذين القسمين صورة واحدة تنبيها بها على الباقي، فذكر من قسم قرابة ~~الولادة الأمهات، ومن قسم قرابة الأخوة الأخوات، ونبه بذكر هذين ~~المثالين من هذين القسمين على أن الحال في باب الرضاع، كما هو في باب ~~النسب، ثم إنه عليه الصلاة والسلام أكد ذلك البيان بقوله # " يحرم من الرضاع ما يحرم بالنسب ". # فصل: [من هي الأم من الرضاع؟] # الأم من الرضاع هي المرضعة، وكذلك كل امرأة انتسبت إليها ~~بالأمومة إما من جهة النسب، أو من جهة الرضاع، وكذلك القول في ~~الأب وإذا عرفت الأم والأب عرفت البنت أيضا بذلك الطريق. وأما ~~الأخوات فالأخت للأبوين هي الصغيرة الأجنبية التي أرضعتها أمك بلبن أبيك ~~سواء أرضعتها معك، أو مع ولد قبلك أو بعدك، والأخت للأب: هي التي ~~أرضعتها زوجة أبيك بلبن أبيك، والأخت للأم: هي التي أرضعتها أمك بلبن ~~رجل آخر، وكذلك تعرف العمات والخالات، وبنات الأخ وبنات الأخت. # فصل: [شرطا حرمة الرضاع] # إنما تثبت حرمة الرضاعة بشرطين: # أحدهما: أن يكون قبل استكمال المولود حولين، لقوله تعالى # والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين # [البقرة: 233] وقالت أم سلمة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا يحرم الرضاع إلا ما فتق الأمعاء " # وعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم # " لا رضاع إلا ما أنشز العظم وأنبت اللحم " # وإنما ms2502 يكون هذا في حال الصغر [لا في حال الكبر]. # وعند أبي حنيفة مدة الرضاع ثلاثون شهرا؛ لقوله تعالى # وحمله وفصاله ثلاثون شهرا # [الأحقاف: 15] [وهو عند الأكثرين لأقل هذه الحمل وأكثر مدة الرضاع، ~~وأقل مدة الحمل ستة أشهر]. # الشرط الثاني: أن توجد خمس رضعات متفرقات، يروى ذلك عن عائشة، ~~وبه قال عبد الله بن الزبير؛ وإليه ذهب الشافعي ~~وأحمد، قالت عائشة رضي الله عنها: أنزل في القرآن عشر رضعات يحرمن ~~فنسخ من ذلك خمس، وصار إلى خمس رضعات معلومات يحرمن وتوفي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والأمر على ذلك. # وقال عليه الصلاة والسلام # " لا تحرم المصة من الرضاع ولا المصتان " # [وذهب ابن عباس وابن عمر إلى أن قليله وكثيره محرم، وبه قال سعيد بن ~~المسيب] وإليه ذهب سفيان الثوري ومالك والأوزاعي، وعبد ~~الله بن المبارك وأصحاب الرأي. # قوله تعالى: { وأمهات نسآئكم } فيدخل فيه أمها الأصلية وجميع ~~جداتها من قبل الأب والأم كما بينا في النسب ومذهب أكثر الصحابة ~~والتابعين أن أم الزوجة تحرم على زوج بنتها سواء دخل بالبنت ~~أو لم يدخل، وذهب بعض الصحابة إلى أن أم المرأة لا تحرم إلا ~~بالدخول بالبنت، كما أن الربيبة لا تحرم إلا بالدخول ~~بأمها، وهو قول علي وزيد وابن عمر وابن الزبير وجابر، وأظهر الروايات ~~عن ابن عباس والسبب في هذه الاستعارة أن من ربي طفلا أجلسه في ~~حجره فصار الحجر عبارة عن التربية كما يقال: فلان في حضانة فلان، ~~وأصله من الحضن: الذي هو الإبط، وقال أبو عبيدة: { في ~~حجوركم } أي: في بيوتكم. # قوله: { وربائبكم } الربائب: جمع ربيبة، وهي: بنت الزوج أو ~~الزوجة، والمذكر: ربيب. # سميا بذلك؛ لأن أحد الزوجين يربيه كما يربي ابنه. # قوله: { اللاتي في حجوركم } لا مفهوم له لخروجه مخرج الغالب، ~~والحجور: جمع حجر بفتح الحاء، وكسرها، وهو مقدم ثوب الإنسان ثم ~~استعملت اللفظة في الحفظ والستر. # وروى قتادة عن سعيد بن المسيب أن زيد بن ثابت قال: إذا طلق ~~الرجل امرأته قبل الدخول [بها] تزوج بأمها، وإذا ms2503 ماتت لم ~~يتزوج بأمها، والفرق بينهما أن الطلاق قبل الدخول لم يتعلق به ~~شيء؛ لأنه لا يجب عليها عدة، والموت في حكم الدخول في وجوب العدة. # قوله: { من نسآئكم } فيه وجهان: # أحدهما: أنه حال من ربائبكم تقديره: وربائبكم كائنات من نسائكم. # والثاني: أنه حال من الضمير المستكن في قوله: { في حجوركم ~~} لأنه لما وقع صلة تحمل ضميرا أي: اللاتي استقررن في حجوركم. # فصل # قوله: { اللاتي دخلتم بهن } صفة لنسائكم المجرور ب " من " ~~اشترط في تحريم الربيبة أن يدخل بأمها، ولا جائز أن تكون صفة ل " ~~نسائكم " الأولى والثانية لوجهين: # أحدهما: من جهة الصناعة، وهو أن نسائكم الأولى مجرورة بالإضافة، ~~والثانية مجرورة بمن فقد احتمل العاملان، وإذا اختلفا امتنع النعت لا ~~تقول: رأيت زيدا، ومررت بعمرو العاقلين، على أن يكون العاقلين ~~صفة لهما. # والثاني: من جهة المعنى، وهو أن أم المرأة تحرم بمجرد العقد على ~~البنت دخل بها أو لم يدخل بها عند الجمهور، والربيبة لا تحرم إلا ~~بالدخول على أمها، وفي كلام الزمخشري ما يلزم منه أنه يجوز ~~أن يكون هذا الوصف راجعا إلى الأولى في المعنى، فإنه قال: من ~~نسائكم متعلق ب { ربائبكم } ومعناه: أن الربيبة من ~~المرأة المدخول بها محرمة على الرجل حلال له إذا لم يدخل بها. # فإن قلت: هل يصح أن يتعلق بقوله { وأمهات نسآئكم } ~~قلت: لا يخلو إما أن يتعلق بهن، وبالربائب فتكون حرمتهن، ~~وحرمة الربائب غير مبهمتين جميعا، وإما أن يتعلق بهن دون ~~الربائب، فتكون حرمتهن غير مبهمة وحرمة الربائب مبهمة، فلا يجوز ~~الأول؛ لأن معنى " من " مع أحد المتعلقين خلاف معناها مع الآخر، ~~ألا ترى أنك إذا قلت: وأمهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن، فقد ~~جعلت " من " لبيان النساء، وتمييزا للمدخول بهن [من غير ~~المدخول بهن] وإذا قلت: وربائبكم من نسائكم التي دخلتم بهن، فإنك ~~جاعل " من " لابتداء الغاية، كما تقول بنات رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم [من خديجة]، وليس بصحيح أن يعنى بالكلمة الواحدة في خطاب واحد ~~معنيين مختلفين، ولا ms2504 يجوز الثاني؛ لأن الذي يليه هو الذي يستوجب ~~التعليق [به]، ما لم يعرض أمر لا يرد إلا أن تقول أعلقه ~~بالنساء والربائب، وأجعل " من " للاتصال كقوله تعالى # المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض # [التوبة: 67] وقال: [الوافر] # 1776-............................ # فإني لست منك ولست مني # وقوله: # " ما أنا من الدد ولا الدد مني " # وأمهات النساء متصلات بالنساء؛ لأنهن أمهاتهن كما أن ~~الربائب متصلات بأمهاتن؛ لأنهن بناتهن، هذا وقد اتفقوا على ~~أن التحريم لأمهات النساء مبهم، انتهى. # ثم قال: إلا ما روي عن علي، وابن عباس، وزيد بن عمر، وابن ~~الزبير أنهم قرؤوا { وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن } ، وكان ابن ~~عباس يقول: والله ما أنزل إلا هكذا، فقوله أعلقه بالنساء ~~والربائب إلى آخره، يقتضي أن القيد الذي في الربائب، وهو الدخول ~~في أمهات نسائكم كما تقدم حكايته عن علي وابن عباس. قال أبو ~~حيان: ولا نعلم أحدا أثبت ل " من " معنى الاتصال، وأما الآية ~~والبيت والحديث فمؤول. # فصل # روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: الربيبة إذا لم تكن في ~~حجر الزوج؛ وكان في بلد آخر ثم فارق الأم بعد الدخول فإنه ~~يجوز له أن يتزوج الربيبة، واحتج على ذلك بقوله { اللاتي في ~~حجوركم } شرط في تحريمها كونها ربيبة في حجره فإذا لم تكن في ~~تربيته، ولا في حجره فقد فات الشرطان. وأما سائر العلماء ~~فإنهم قالوا: إذا دخل بالأم حرمت بنتها عليه سواء كانت في تربيتها ~~أو لم تكن لقوله تعالى { فإن لم تكونوا دخلتم بهن ~~فلا جناح عليكم } علق رفع الجناح بمجرد عدم الدخول، ~~وهذا يقتضي أن المقتضي لحصول الجناح هو مجرد الدخول، وإنما ~~ذكر التربية والحجر حملا على الأعم الأغلب لا أن تفيد شرطا في ~~التحريم. # قوله: { وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم } ~~الحلائل جمع حليلة، وهي الزوجة سميت بذلك؛ لأنها تحل مع زوجها حيث كان ~~فهي فعيلة بمعنى فاعلة، والزوج حليل كذلك قال الشاعر: [الكامل] # 1778- أغشى فتاة الحي عند حليلها # وإذا غزا في الجيش لا أغشاها # وقيل: إنه لشدة اتصال كل واحد ms2505 منهما بالآخر كأنهما يحلان في ~~ثواب واحد وفي لحاف واحد، وفي منزل واحد، وعلى هذا فالجارية كذلك فلا ~~يجوز للأب أن يتزوج بجارية ابنه. # وقيل: لأن كل واحد منهما كأنه حال في قلب صاحبه وفي روحه ~~لشدة ما بينهما من المحبة والألفة. وقيل اشتقاقها من لفظ الحلال ~~إذ كل واحد منهما حلال لصاحبه. # فالحليلة تكون بمعنى المحلة أي المحللة، والجارية كذلك؛ ~~فوجب كونها حليلة، ففعيل بمعنى: مفعول، أي: محللة، وهو ~~محلل لها، إلا أن هذا يضعفه دخول تاء التأنيث اللهم ~~إلا أن يقال: إنه جرى مجرى الجوامد كالنطيحة، والذبيحة. # وقيل: مأخوذ من الحلول، فالحليلة: عبارة عن الشيء الذي يكون ~~محل الحلول، والجارية موضع حلول السيد فكانت حليلة له. # وقيل: هما من لفظ " الحل " ضد العقد؛ لأن كلا منهما يحل إزار ~~صاحبه. # و { الذين من أصلابكم } صفة مبنية؛ لأن الابن قد يطلق على المتبنى به، ~~وليست امرأته حرام على من تبنى، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نكح ~~زينب بنت جحش الأسدية، وهي بنت أميمة بنت عبد المطلب فكانت زينب ابنة ~~عمة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان زوجها زيد بن حارثة وكان زيد ~~تبناه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال المشركون إنه تزوج امرأة ~~ابنه فأنزل الله تعالى: # وما جعل أدعيآءكم أبنآءكم # [الأحزاب:4] وقال # لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج ~~أدعيآئهم # [الأحزاب: 37]، وأما الابن من الرضاع فإنه وإن كان حكمه حكم ابن ~~الصلب في ذلك فمبين بالسنة، فلا يرد على الآية الكريمة. ~~وأصلاب: جمع صلب، وهو الظهر، سمي بذلك لقوته اشتقاقا من ~~الصلابة، وأفصح لغتيه " صلب " بضم الفاء وسكون العين، وهي لغة ~~الحجاز، وبنو تميم وأسد يقولون " صلبا " بفتحها حكى ذلك الفراء عنهم ~~في كتاب " لغات القرآن " وأنشد عن بعضهم: [الرجز] # 1779- في صلب مثل العنان المؤدم # وحكى عنهم: إذ أقوم أشتكي صلبي، وصلب بضم الصاد واللام وصالب ~~ومنه قول العباس رضي الله عنه ينقل من صالب إلى رحم. # فصل [الخلاف في حل جارية الابن للأب] # قال الشافعي ms2506 - رحمه الله تعالى - لا يجوز للأب أن يتزوج جارية ~~ابنه وقال أبو حنيفة: يجوز استدل الشافعي بما تقدم من الاشتقاق ~~فمن قال: إنه ليس كذلك فهو شهادة على النفي ب " لا " فلا يلتفت ~~إليه. انتهى. # فصل [حرمة حليلة الابن بالعقد] # اتفقوا على أن حرمة حليلة الابن تحصل بنفس العقد كما ~~تحصل حرمة حليلة الأب بنفس العقد، لأن عموم الآية يقتضي ذلك سواء كان ~~مدخولا بها أو لم يكن. # سئل ابن عباس عن قوله { وحلائل أبنائكم الذين من ~~أصلابكم } أنه تعالى لم يبين أن هذا الحكم مخصوص بما إذا دخل ~~الابن بها أو غير مخصوص، فقال ابن عباس: أبهموا ما أبهمه الله، فليس ~~المراد من هذا الإبهام كونها مجملة مشتبهة، بل المراد من هذا الإبهام ~~التأبيد، ألا ترى أنه قال في السبعة المحرمة من النسب إنها من ~~المبهمات [أي] اللواتي تثبت حرمتهن على سبيل التأييد فكذا هنا. # فصل [هل يحرم النكاح باللواط؟] # [قال القرطبي]: اختلفوا في اللائط فقال مالك والشافعي ~~وأبو حنيفة وأصحابهم لا يحرم النكاح باللواط، وقال الثوري: إذا ~~لعب بالصبي حرمت عليه أمه وقال الإمام أحمد: إذا ~~تلوط بابن امرأته أو أخيها، أو أبيها حرمت عليه امرأته وقال ~~الأوزاعي: إذا لاط بغلام وولد للمفجور به بنت لم يجز ~~للفاجر أن يتزوجها، لأنها بنت من قد دخل به. # فصل # اتفقوا على أن هذه الآية تقتضي تحريم حليلة ولد الولد على الجد، ~~وهذا يدل على أن ولد الولد يطلق أنه من صلب الجد، وكذلك ولد ~~الولد منسوب إلى الجد بالولادة. # قوله { وأن تجمعوا } في محل رفع عطف على مرفوع { حرمت } ~~أي: وحرم عليكم الجمع بين الأختين، والمراد الجمع بينهما في النكاح. # أما في الملك فجائز اتفاقا، وأما الوطء بملك اليمين ففيه خلاف. # قوله { إلا ما قد سلف } استثناء منقطع فهو منصوب المحل كما ~~تقدم في نظيره، أي: لكن ما مضى في الجاهلية فإن الله ~~يغفره، وقيل: المعنى إلا ما عقد عليه قبل الإسلام، فإنه بعد ~~الإسلام يبقى النكاح على صحته، ولكن ms2507 يختار واحدة منهما ويفارق ~~الأخرى، وتقدم قريب من هذا المعنى في { إلا ما قد سلف } ~~الأول، ويكون الاستثناء عليه متصلا، وهنا لا يتأتى الاتصال عليه ~~ألبتة لفساد المعنى. # وقال عطاء والسدي: إلا ما قد سلف، إلا ما كان من يعقوب عليه ~~السلام فإنه جمع بين ليا أم يهوذا، وراحيل أم يوسف عليهما ~~السلام وكانتا أختين { إن الله كان غفورا رحيما }. # فصل # لا يجوز أن يجمع بين أختين في عقد النكاح، ولا في عقدين، ويجوز أن ~~يجمع بينهما بالملك، فإذا وطئ إحداهما لم تبح له الأخرى ~~حتى تحرم الموطوءة بتزويج، أو إخراج عن ملكه ويعلم أنها غير حامل. # قال القرطبي: وشذ أهل الظاهر فقالوا: يجوز الجمع بين ~~الأختين بملك اليمين في الوطء، كما يجوز الجمع بينهما في الملك، ~~واحتجوا بما روي عن عثمان في الأختين بملك [اليمين في الوطء]، قال: ~~حرمتهما آية وأحلتهما آية فلا آمرك ولا أنهاك فخرج السائل ~~فلقي رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليهما وسلم، قال معمر ~~أحسبه قال علي قال ما سألت عنه عثمان فأخبره بما سأله وبما أفتاه فقال ~~له: لكني أنهاك، ولو كان لي عليك سبيل ثم فعلت لجعلتك نكالا. # فصل # ويحرم الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها لقوله عليه الصلاة ~~والسلام: # " لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بينها ~~وبين خالتها " # ولا يجوز للحر أن يجمع بين أكثر من أربع ~~نسوة، ولا للعبد أن يجمع إلا بين اثنتين فإن ~~جمع بين من لا يجوز الجمع بينه في عقد واحد ~~فسد وإن كان في عقدين لم يصح الثاني منهما ~~والله أعلم. ### || [4.24] # قوله تعالى { والمحصنات من النسآء إلا ما ملكت } ~~قرأ الجمهور { والمحصنات } بفتح الصاد سواء كانت معرفة بأل أم ~~نكرة والكسائي بكسرها في الجميع إلا في قوله { والمحصنات } في ~~هذه الآية فإنه وافق الجمهور فأما الفتح ففيه وجهان: # أشهرهما: أنه أسند الإحصان إلى غيرهن، وهو إما الأزواج أو ~~الأولياء، فإن الزوج يحصن امرأته أي يعفها، والولي يحصنها ~~بالتزويج أيضا والله يحصنها بذلك. # والثاني: ms2508 أن هذا المفتوح الصاد بمنزلة المكسور منها، يعني: أنه ~~اسم فاعل، وإنما شذ فتح عين اسم الفاعل في ثلاثة ألفاظ أحصن، فهو ~~محصن، وألقح فهو ملقح، وأسهب فهو مسهب، وأما الكسر ~~فإنه أسند الإحصان إليهن؛ لأنهن يحصن أنفسهن بعفافهن، أو يحصن ~~فروجهن بالحفظ، أو يحصن أزواجهن، وأما استثناء الكسائي الآية لتي هنا ~~قال: لأن المراد بهن المزوجات، [فالمعنى أن أزواجهن أحصنوهن فهن ~~مفعولات، وهذا على أحد الأقوال في المحصنات هنا منهن على أنه قد ~~قرئ شاذا بالكسر في هذا أيضا قال: وإن أريد بهن المزوجات]؛ ~~لأن المراد أحصن أزواجهن، و فروجهن وهو ظاهر. # وقرأ يزيد بن قطيب: " والمحصنات " بضم الصاد كأنه لم يعتد ~~بالساكن فأتبع الصاد للميم كقولهم: " منتن " ، وأصل هذه المادة ~~الدلالة على المنع ومنه الحصن؛ لأنه يمنع به، و " حصان " بالكسر ~~للفرس من ذلك، ومدينة حصينة ودرع حصينة أي: مانعة صاحبها من الجراح، ~~قال تعالى # وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم # [الأنبياء: 80] أي: لتمنعكم، والحصان: بالفتح المرأة العفيفة؛ لمنعها ~~فرجها من الفساد، قال تعالى: # التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه # [التحريم: 12]، ويقال: أحصنت المرأة وحصنت، ومصدر حصنت: " ~~حصن " عن سيبويه، و " حصانة " عن الكسائي، وأبي عبيدة، واسم ~~الفاعل من أحصنت محصنة، ومن حصنت حاصن، قال الشاعر: ~~[الرجز] # 1780- حاصن من حاصنات ملس # من الأذى ومن قراف الوقس # ويقال لها " حصان " كما تقدم [بفتح الحاء] قال [حسان] يصف عائشة رضي ~~الله عنها: [الطويل] # 1781- حصان رزان ما تزن بريبة # وتصبح غرثى من لحوم الغوافل # فصل [معنى الإحصان] # والإحصان ورد في القرآن [بإزاء] أربعة معان: التزوج كهذه الآية ~~لأنه عطفت المحصنات على المحرمات، فلا بد وأن يكون الإحصان سببا ~~للحرمة، ومعلوم أن الحرية والعفاف، والإسلام لها تأثير لها في ذلك، ~~والمرأة المزوجة محرمة على الغير. # الثاني: العفة قال تعالى: # محصنات غير مسافحات # [النساء: 25] وقوله # محصنين غير مسافحين # [المائدة: 5] # والتي أحصنت فرجها # [الأنبياء: 91] أي: أعفته. # الثالث: الحرية في قوله: # والذين يرمون المحصنات # [النور: 4] يعني الحرائر؛ لأنه لو قذف غير حرة لم يجلد ~~ثمانين جلدة. وكذا ms2509 قوله # فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب # [النساء: 25] وقوله: # ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات ~~المؤمنات # [النساء: 25]. # الرابع: الإسلام قال تعالى: { فإذآ أحصن } قيل في تفسيره ~~فإذا أسلمن، وهذا يقع معرفته في الاستثناء الواقع بعده، وهو قول بعض ~~العلماء، فإن أريد به هنا التزوج كان المعنى: وحرمت عليكم المحصنات ~~أي المتزوجات، قال أبو سعيد الخدري نزلت في نساء كن يهاجرن ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهن أزواج فيتزوجن بعض المسلمين، ~~ثم يقدم أزواجهن مهاجرين فنهى الله عن نكاحهن [ثم استثنى] فقال: { ~~إلا ما ملكت أيمانكم } يعني بالسبي، [ولهن أزواج في دار ~~الحرب يحل لمالكهن وطؤهن بعد الاستبراء؛ لأن بالسبي] يرتفع النكاح ~~بينها وبين زوجها. # قال أبو سعيد الخدري: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ~~حنين جيشا إلى أوطاس فأصابوا سبايا لهن أزواج من المشركين فكرهوا ~~غشيانهن وتحرجوا، فأنزل الله هذه الآية. # وقال عطاء: يريد أن تكون أمته في نكاح عبده يجوز أن ينزعها منه. # وقال ابن مسعود: أراد أن يبيع الجارية المزوجة فتقع الفرقة بينها ~~وبين زوجها، ويكون بيعها طلاقا فيحل للمشتري وطؤها وهذا قول أبي بن كعب ~~وابن مسعود، وابن عباس، وجابر، وأنس - رضي الله عنهم - وقال علي، ~~وعمر، وعبد الرحمن بن عوف: إن الأمة المزوجة إذا بيعت لا يقع عليها ~~الطلاق، وعليه إجماع الفقهاء اليوم؛ لأن عائشة - رضي الله عنها - ~~لما اشترت بريرة وأعتقتها خيرها النبي صلى الله عليه وسلم وكانت متزوجة ~~فلو وقع الطلاق بالبيع لما كان في ذلك فائدة، وحجة الأولين ما روي في ~~قصة بريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال: # " بيع الأمة طلاقها " # قالوا: فإذا ملكت الأمة حل وطؤها سواء ملكت بشراء، أو هبة أو إرث ~~ويدل على أن مجرد السبي يحل الأمة قول الفرزدق: [الطويل] # 1782- وذات حليل أنكحتها رماحنا # حلال لمن يبني بها لم تطلق # يعني: أن مجرد سبائها أحلها بعد الاستبراء، وإن أريد به ~~الإسلام، أو العفة فالمعنى: أن المسلمات العفيفات حرام كلهن، [يعني] ~~فلا يزنى ms2510 بهن إلا ما ملك منهن بتزويج نكاح جديد بعد وقوعه ~~البينونة بينهن وبين أزواجهم أو ما ملكت يمين إن كانت المرأة ~~مملوكة، فيكون المراد بما ملكت أيمانكم التسلط عليهن، وهو قدر مشترك، ~~وعلى هذه الأوجه الثلاثة يكون الاستثناء متصلا، وإذا أريد الحرائر، ~~فالمراد إلا بما ملكت [أيمانكم] بملك اليمين ويدل عليه قوله بعد ذلك # ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات ~~المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم # [النساء: 25] فكان المراد [بالمحصنات هنا هو المراد] هناك، وعلى هذا ففي ~~قوله { إلا ما ملكت أيمانكم } وجهان: # الأول: أن المراد منه إلا العقد الذي جعله الله تعالى ملكا ~~لكم وهو الأربع. # والثاني: أن الحرائر محرمات عليكم إلا ما أثبت الله لكم ملكا ~~عليهن بحضور الولي والشهود والشروط المعتبرة في النكاح، وعلى هذا ~~[فإن] الاستثناء منقطع. # قوله { من النسآء } في محل نصب على الحال كنظيره المتقدم. # وقال مكي: فائدة [قوله] { من النسآء } أن المحصنات يقع ~~على الأنفس فقوله: { من النسآء } يرفع ذلك الاحتمال، والدليل ~~على أنه يراد ب " المحصنات " الأنفس قوله # والذين يرمون المحصنات # [النور: 4] فلو أريد به النساء خاصة لما حد من قذف رجلا ~~بنص القرآن، وقد أجمعوا على أن حده بهذا النص. انتهى. # قال شهاب الدين: وهذا كلام عجيب؛ لأنه بعد تسليم ما قاله في ~~آية النور كيف يتوهم ذلك هنا أحد من الناس. # فصل [في سبي أحد الزوجين] # اتفقوا على أنه إذا سبي أحد الزوجين قبل الآخر وأخرج إلى ~~دار الإسلام وقعت الفرقة بينهما، فإن سبيا معا، قال الشافعي: ~~تزول الزوجية ويستبرئها المالك. # وقال أبو حنيفة لا تزول الزوجية. # واستدل الشافعي بقوله { والمحصنات من النسآء } فيقتضي ~~تحريم ذوات الأزواج ثم قال { إلا ما ملكت أيمانكم } يقتضي ~~أن عند طريان الملك ترتفع الحرمة ويحصل الحل. # قال أبو بكر الرازي: إن حصلت الفرقة بمجرد طريان الملك ~~فوجب أن تقع الفرقة بشراء الأمة واتهابها [وإرثها] وليس ذلك واجب، فإن ~~العام بعد التخصيص حجة في الباقي، وأيضا فالحاصل عن السبي إحداث ~~الملك، وعند البيع نقل ms2511 الملك من شخص إلى شخص، فكان الأول أقوى. # قوله [ { كتاب الله } ] في نصبه ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنه منصوب على أنه مصدر مؤكد بمضمون الجملة المتقدمة ~~قبله، وهي قوله { حرمت عليكم } ونصبه بفعل مقدر [تقديره] كتب ~~الله ذلك عليكم كتابا، والمعنى: كتب الله عليكم تحريم ما تقدم ~~ذكره من المحرمات كتابا من الله، ومجيء المصدر من غير لفظ الفعل ~~كثير. قال تعالى # وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر ~~السحاب صنع الله # [النمل: 88]، وأبعد عبيدة السلماني في جعله هذا المصدر مؤكدا لمضمون ~~الجملة من قوله تعالى { فانكحوا ما طاب لكم [من النساء } ]. # الثاني: أنه منصوب على الأغراء ب " عليكم " والتقدير: عليكم كتاب الله، ~~أي: الزموه كقوله تعالى # عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل # [المائدة: 105] وهذا رأي الكسائي ومن تابعه أجازوا تقديم المنصوب ~~في باب الإغراء مستدلين بهذه الآية، وبقول الشاعر: [الرجز] # 1783- يأيها المائح دلوي دونكا # إني رأيت الناس يحمدونكا # ف " دلوي " منصوب بدونك تقدم، والبصريون يمنعون ذلك، قالوا: ~~لأن العامل ضعيف، وتأولوا الآية [على ما تقدم] والبيت على ~~أن " دلوي " منصوب بالمائح أي: الذي ماح دلوي. # والثالث: أنه منصوب بإضمار فعل أي: الزموا كتاب الله ~~[وهذا قريب من الآخر. # وقال أبو البقاء: هذا الوجه تقديره: الزموا كتاب الله] ~~وعليكم: إغراء يعني: أن مفعوله قد حذف للدلالة ب { كتاب ~~الله } عليه. أي عليكم ذلك فيكون أكثر تأكيدا، وأما عليكم فقال ~~أبو البقاء: إنها على القول بأن كتاب الله مصدر ~~يتعلق بذلك الفعل المقدر الناصب لكتاب، ولا يتعلق بالمصدر وقال: ~~لأنه هنا فضلة، قال: وقيل: يتعلق بنفس المصدر؛ لأنه ناب عن ~~الفعل حيث لم يذكر معه فهو كقولك: مرورا بزيد، قلت وأما على ~~القول بأنه [إغراء فلا محل له من الإعراب لأنه واقع موقع فعل الأمر ~~وأما على القول بأنه] منصوب بإضمار فعل أي الزموا فعليكم ~~متعلق بنفس كتاب، أو محذوف على أنه حال منه. # وقرأ أبو حيوة " كتب الله " على أن " كتب " فعل ماض و " الله " ~~فاعل به، وهو يؤيد كونه منصوبا ms2512 على المصدر المؤكد. # وقرأ ابن السميفع اليماني " كتب الله " جعله جمعا مرفوعا ~~مضافا لله تعالى على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذه كتب ~~الله عليكم. # قوله: { وأحل لكم } قرأ الأخوان وحفص عن عاصم { وأحل } ~~، مبنيا للمفعول والباقون مبنيا للفاعل، وكلتا القراءتين ~~الفعل فيما معطوف على الجملة الفعلية من قوله { حرمت } ، ~~والمحرم والمحلل: هو الله - تعالى - في الموضعين سواء صرح ~~بإسناد الفعل إلى ضميره، أو حذف الفاعل للعلم به، وادعى ~~الزمخشري أن قراءة { وأحل } مبنيا للمفعول [عطف على { ~~حرمت } ليعطف فعلا مبنيا للمفعول] على مثله، [أي حرمت المبني ~~للمفعول] وأما على قراءة بنائه للفاعل فجعله معطوفا على الفعل ~~المقدر الناصب لكتاب [كأنه قيل: كتب الله عليكم تحريم ذلك، ~~وأحل لكم ما وراء ذلكم. # قال أبو حيان: وما اختاره يعني من التفرقة بين ~~القراءتين غير مختار؛ لأن الناصب لكتاب الله] جملة مؤكدة ~~لمضمون الجملة من قوله { حرمت } إلى آخره، وقوله { وأحل ~~لكم } جملة تأسيسية، [فلا يناسب أن تعطف إلا على تأسيسية مثلها لا ~~على] جملة مؤكدة، والجملتان هنا متقابلتان إذ إحداهما للتحريم، ~~والأخرى للتحليل فالمناسب أن تعطف إحداهما على الأخرى لا على جملة ~~أخرى غير الأولى، وقد فعل هو مثل ذلك في قراءة البناء للمفعول، فليكن هذا ~~مثله. # قال شهاب الدين: وفي هذا الرد نظر [لأن تحليل ما سوى ذلك مؤكد ~~لتحريمه معنى وما ذكره أمر استحساني رعاية لمناسبة ظاهره وقد تبع ~~البيضاوي الزمخشري في التفرقة فتأمل. # قوله] { ما وراء ذلكم } مفعول به إما منصوب المحل أو مرفوع على حسب ~~القراءتين في " أحل ". # فصل # ظاهر قوله { وأحل لكم ما وراء ذلكم } يقتضي حل كل ~~من سوى الأصناف المذكورة إلا أنه دل الدليل على تحريم أصناف ~~أخرى سوى [الأصناف] المذكورين، لقوله عليه السلام: # " لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها " # وزعم الخوارج أن هذا خبر واحد، فلا يجوز أن يخص به القرآن لوجوه: # أحدها: أن عموم الكتاب مقطوع وخبر الواحد مظنون المتن، فكان ~~أضعف فترجيحه يقتضي تقديم الأضعف على الأقوى، وهو لا ms2513 يجوز. # وثانيها: حديث معاذ حين قال عليه السلام: # " بم تحكم؟ قال: بكتاب الله قال فإن لم تجد قال ~~بسنة رسول الله " # فقدم التمسك بالكتاب على التمسك بالسنة [وعلق جواز ~~التمسك بالسنة على عدم الكتاب بكلمة " إن " والمتعلق على شرط عدم ~~عند عدم الشرط. # وثالثها: قوله عليه السلام: # " إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله ~~فإن وافق فاقبلوه وإلا فردوه ". # هذا يقتضي ألا يقبل خبر الواحد إلا عمد موافقة الكتاب. # ورابعها: أن قوله تعالى { وأحل لكم ما وراء ذلكم } مع ~~قوله عليه السلام # " لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها " # لا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن تكون الآية نزلت بعد الخبر فتكون ~~الآية ناسخة له؛ لأن العام إذا ورد بعد الخاص ينسخ الخاص، وإما أن ~~يكون الخبر ورد بعد الكتاب فيقتضي نسخ القرآن بخبر الواحد، وإنه ~~لا يجوز وإما أن يردا معا، وهذا أيضا باطل؛ لأن [على] هذا ~~التقدير تكون الآية وحدها غير مبنية، وتكون الحجة ~~مجموع الآية والخبر. ولا يجوز للرسول أن يسعى في تشهير ~~الشبهة، ولا يسعى في تشهير الحجة، فكان يجب عليه ألا يسمع أحد ~~هذه الآية إلا مع [هذا] الخبر، ويوجب على الأمة ألا يبلغوا هذه ~~الآية أحدا إلا مع هذا الخبر، ولو كان كذلك لزم أن يكون اشتهار هذا ~~الخبر مساويا لاشتهار هذه الآية، ولما لم يكن كذلك علم فساد هذا ~~القسم. # وخامسها: أن بتقدير صحة هذا الخبر قطعا إلا أن التمسك ~~بالآية راجح عليه لوجهين: # الأول: أن قوله { وأحل لكم ما وراء ذلكم } نص صريح ~~في التحليل كما أن قوله: { حرمت عليكم أمهاتكم } نص ~~صريح في التحريم. # وأما قوله: # " لا تنكح المرأة على عمتها [ولا على خالتها] " # فليس نصا صريحا؛ لأن ظاهره إخبار، وحمل الإخبار على النهي مجاز، ~~وإن سلمنا كونه نهيا فدلالة النهي على التحريم أضعف من دلالة لفظ ~~[الإحلال] على معنى الإباحة. # الثاني: أن الآية صريحة في تحليل كل ما سوى المذكورات والحديث ~~ليس صريحا في العموم بل احتماله ms2514 للمعهود السابق أظهر. # وسادسها: أنه تعالى استقصى في هذه الآية شرح أصناف ~~المحرمات فعد منها خمسة عشر صنفا، ثم بعد هذا التفصيل ~~التام والاستقصاء الشديد قال { وأحل لكم ما وراء ذلكم ~~} فلو لم يثبت الحل في كل من سوى هذه الأصناف المذكورة، لكان ~~هذا الاستقصاء عبثا، ولغوا، وذلك لا يليق بالحكيم. والجواب من ~~وجوه: # الأول: قال الحسن وأبو بكر الأصم إن قوله { وأحل لكم ~~ما وراء ذلكم } لا يقتضي إثبات الحل على التأبيد؛ لأنه يصح ~~[تقسيم] هذا المفهوم إلى المؤبد، وإلى غير المؤبد، فيقال { وأحل ~~لكم ما وراء ذلكم } أبدا، ويقال { وأحل لكم ما ~~وراء ذلكم } إلى الوقت الفلاني، ولو كان صريحا في التأبيد ~~لما كان هذا التقسيم ممكنا في الآية، فالآية لا تفيد [إلا] إحلال ~~من سوى المذكورات، والعقل يشهد بأن الإحلال أعم من الإحلال المؤبد، ~~ومن الإحلال المؤقت، فالآية لا تفيد إلا حل من عدا المذكورات في ذلك ~~الوقت، فأما ثبوت حكمهم في سائر الأوقات فمسكوت عنه، وقد كان ~~حل من سوى المذكورات ثابتا في ذلك الوقت، وطريان حرمة بعضهم ~~بعد ذلك لا يكون تخصيصا لذلك النص ولا نسخا له، وبهذا ~~الطريق يظهر أن قوله # حرمت عليكم أمهاتكم # [النساء: 23] ليس نصا في تأبيد هذا التحريم، وإنما عرفنا ذلك ~~التأبيد بالتواتر من دين محمد - عليه الصلاة والسلام -. # الثاني: أن حرمة الجمع بين الأختين لكونهما أختين ~~يناسب هذه الحرمة؛ لأن الأختية قريبة فناسبت مزيد الوصلة ~~والشفقة والكرامة، فكون إحداهما ضرة الأخرى موجب الوحشة ~~العظيمة والنفرة الشديدة كالأختية تناسب حرمة الجمع بينهما في ~~النكاح لما ثبت في أصول الفقه: أن ذكر الحكم مع ~~الوصف المناسب مشعر بالعلية، وهذا المعنى موجود في ~~المرأة وعمتها، وخالتها، بل أولى؛ لأن العمة [والخالة] ~~تشبهان الأم. # والثالث: أنه تعالى نص على تحريم أمهات النساء، ~~ولفظ الأم قد ينطلق على العمة والخالة، أما العمة فلقوله ~~تعالى مخبرا عن أولاد يعقوب عليه السلام # نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق # [البقرة: 133] فأطلق لفظ الأب على " إسماعيل " مع أنه ms2515 كان عما ~~وإذا كان العم أبا لزم أن تكون العمة أما، وأما إطلاق لفظ " ~~الأم " على الخالة فقوله تعالى # ورفع أبويه على العرش # [يوسف: 100] والمراد أبوه وخالته، فإن أمه كانت متوفاة في ذلك ~~الوقت فثبت أن قوله { وأمهات نسآئكم } يتناول العمة ~~والخالة من بعض الوجوه وإذا كان كذلك فلم يكن قوله { وأحل ~~لكم ما وراء ذلكم } متناولا له، وإنما تناولتهم آية ~~التحريم في قوله { وأمهات نسآئكم } إما بالدلالة الصريحة، ~~أو الجلية، أو الخفية. # الرابع: أن تقول: يجوز تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد الصنف ~~الثاني من المحرمات، والخارجة من هذا العموم: المطلقة ثلاثا، ونكاح ~~المعتدة، ومن كان متزوجا بحرة لم يجز له أن يتزوج أمة، ~~وتحريم الخامسة، وتحريم الملاعنة لقوله عليه الصلاة والسلام: # " المتلاعنان لا يجتمعان أبدا ". # قوله { أن تبتغوا } في محله ثلاثة أوجه: # الرفع، والنصب، والجر فالرفع على أنه بدل من { ما ~~وراء ذلكم } على قراءة أحل مبنيا للمفعول [لأن " ما " ~~حينئذ قائمة مقام الفاعل؛ وهذا بدل منها بدل اشتمال، وأما ~~النصب فالأجود أن يكون على أنه بدل من " ما " المتقدمة على ~~قراءة " أحل " مبنيا للفاعل] كأنه قال: وأحل لكم ابتغاء أموالكم من ~~تزويج أو ملك يمين، وأجاز الزمخشري أن يكون نصبه على المفعول من ~~أجله، قال: بمعنى بين لكم [ما يحل مما] يحرم إرادة أن ~~يكون ابتغاؤكم بأموالكم التي جعل الله لكم قياما في حال ~~كونكم محصنين، وأنحى عليه أبو حيان وجعله إنما قصد ~~بذلك دسيسة الاعتزال ثم قال: فظاهر الآية غير ما فهمه إذ ~~الظاهر أنه تعالى أحل لنا ابتغاء ما سوى المحرمات ~~السابق ذكرها بأموالنا حالة الإحصان؛ لا حالة السفاح، ~~وعلى هذا الظاهر لا يجوز أن يعرب { أن تبتغوا } مفعولا له، ~~لأنه فات شرط من شروط المفعول له، وهو اتحاد الفاعل في العامل ~~والمفعول له؛ لأن الفاعل ب " أحل " هو الله - تعالى -، والفاعل ~~في { تبتغوا } ضمير المخاطبين، فقد اختلفا ولما أحس الزمخشري ~~إن كان أحس جعل " أن تبتغوا " على حذف إرادة حتى يتحد الفاعل في قوله { ~~وأحل ms2516 } في المفعول له، ولم يجعل { أن تبتغوا } مفعولا له ~~إلا على حذف مضاف، وإقامته مقامه، وهذا كله خروج عن الظاهر ~~انتهى. # قال شهاب الدين: ولا أدري ما هذا التحمل، ولا كيف يخفى على ~~أبي القاسم شرط اتحاد الفاعل في المفعول له حتى يقول: إن كان أحس، ~~وأجاز أبو البقاء فيه النصب على حذف حرف الجر. قال أبو ~~البقاء: في " ما " من قوله { وأحل لكم ما وراء ذلكم ~~} وجهان: # أحدهما: هي بمعنى " من " فعلى هذا يكون قوله { أن تبتغوا ~~[بأموالكم محصنين } ] في موضع جر أو نصب على تقدير بأن ~~تبتغوا؛ أو لأن تبتغوا، أي أبيح لكم غير ما ذكرنا من النساء ~~بالمهور. # والثاني: أن " ما " بمعنى الذي، والذي كناية عن الفعل، أي: وأحل ~~لكم تحصيل ما وراء ذلك الفعل المحرم، و { أن تبتغوا } بدل منه، ~~ويجوز أن يكون " أن تبتغوا " في هذا الوجه مثله في الوجه الأول، ~~يعني: فيكون أصله بأن تبتغوا، أو لأن تبتغوا، وفيما قاله نظر لا ~~يخفى، وأما الجر فعلى ما قاله أبو البقاء، وقد تقدم ما فيه. # و { محصنين } حال من فاعل تبتغوا، و { غير مسافحين } حال ~~ثانية، ويجوز أن يكون حالا من الضمير في { محصنين } ، ومفعول ~~محصنين ومسافحين محذوف، أي: محصنين فروجكم غير مسافحين ~~الزواني، وكأنها في الحقيقة حال مؤكدة؛ لأن المحصن غير مسافح، ~~ولم يقرأ أحد بفتح الصاد من محصنين فيما نعلم. والسفاح الزنا. # قال الليث: السفاح والمسافحة: الفجور، وأصله الصب، يقال: ~~دموع سوافح ومسفوحة. # قال تعالى: # أو دما مسفوحا # [الأنعام: 145] وفلان سفاح للدماء، وسمي الزنا سفاحا؛ ~~لأنه لا غرض للزاني إلا صب منيه، وكانوا يقولون صافحني وما ~~ذمني والمسافح من يظاهر بالزنا، ومتخذ الأخدان من تستر ~~فاتخذ واحدة خفية. # فصل [الخلاف في قدر المهر] # قال أبو حنيفة: لا مهر أقل من عشرة دراهم، وقال غيره: يجوز بالقليل ~~والكثير، واحتج أبو حنيفة بهذه الآية؛ لأنه تعالى قيد التحليل ~~بالابتغاء بالأموال و [الدرهم] والدرهمان لا يسمى أموالا، فلا يصح ~~جعلها مهرا. # فإن قيل: ومن عنده عشرة ms2517 دراهم، لا يقال عنده أموال مع أنكم ~~تجوزونها مهرا قلنا: ظاهر الآية يقتضي ألا يكون العشرة كافية، إلا ~~أنا أنزلنا العمل بظاهر هذه الآية للإجماع على جوازه، ويتمسك في ~~الأقل من العشرة بظاهر الآية وهذا استدلال ضعيف؛ لأن الآية دلت ~~على أن الابتغاء بالأموال غير جائز، وليس فيها دلالة على أن الابتغاء ~~بغير الأموال غير جائز، إلا على سبيل المفهوم وأنتم لا تقولون به، ~~واستدل المخالف بوجوه: # أحدها: قوله { أن تبتغوا بأموالكم } فقابل الجمع ~~بالجمع فيقتضي توزع الفرد على الفرد، وهذا يقتضي أن يتمكن ~~كل واحد من ابتغاء النكاح بما يسمى مالا، والقليل والكثير في هذه ~~الحقيقة، وفي هذا الاسم سواء. # وثانيها: قوله تعالى # وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد ~~فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم # [البقرة: 237] فدلت الآية على سقوط النصف من المذكور، وهذا يقتضي ~~أنه لو وقع العقد في أول الأمر بدرهم: لم يجب إلا نصف ~~درهم، وأنتم لا تقولون به. # وثالثها: # " ما روي أن امرأة جيء بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقد تزوج بها رجل على نعلين فقال عليه السلام " رضيت من نفسك ~~بنعلين " ، فقالت: نعم؛ فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم " # والظاهر أن قيمة النعلين أقل من عشرة دراهم، فإن مثل هذا ~~الرجل والمرأة اللذين تزوجا على نعلين يكونان في غاية الفقر ~~فنعلهما تكون قليلة القيمة جدا. # وروى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من أعطى امرأة من نكاح كف دقيق، أو سويق، أو طعاما فقد ~~استحل " # وحديث الواهبة نفسها أنه -عليه السلام- # " قال للذي أراد أن يتزوجها التمس ولو خاتما من ~~حديد " # وذلك لا يساوي عشرة دراهم. # فصل [في الخلاف في المهر بالمنافع] # قال أبو حنيفة: لو تزوجها على تعليم سورة من القرآن لم يكن ~~ذلك مهرا، ولها مهر مثلها ولو تزوجها على خدمة سنة، فإن كان ~~حرا فلها مهر مثلها، وإن كان عبدا فلها خدمة سنة وقال غيره: يجوز ~~جعل ذلك مهرا، واحتج أبو حنيفة بهذه الآية. # قال: لأنه ms2518 تعالى شرط في حصول الحل ذلك الابتغاء بالمال، والمال اسم ~~للأعيان لا للمنافع وأيضا قال: { فآتوهن أجورهن } وذلك صفة ~~للأعيان لا للمنافع، وأيضا قال # فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا ~~مريئا # [النساء: 4]. # وأجيب عن الأول بأن الآية دلت على أن الابتغاء بالمال جائز، وليس ~~فيه بيان أن الابتغاء بغير المال جائز أم لا. # وعن الثاني: بأن لفظ الايتاء كما يتناول الأعيان يتناول المنافع ~~الملتزمة. # وعن الثالث: أنه خرج الخطاب على الأعم الأغلب. # واستدل المخالف بوجهين: # أحدهما: قصة شعيب في قوله لموسى # إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على ~~أن تأجرني ثماني حجج # [القصص: 27] وشرعهم شرع لنا ما لم يرد ناسخ. # وثانيهما: قوله عليه السلام # " زوجتك بما معك من القرآن ". # فصل [في تفسير قوله { محصنين } ] # في قوله محصنين وجهان: # أحدهما:- أن المراد أن يصيروا محصنين بسبب عقد النكاح. # الثاني:- أن يكون الاحصان شرطا في الإحلال المذكور في قوله { ~~وأحل لكم ما وراء ذلكم } والأول أولى؛ لأن الآية ~~تبقى عامة معلومة المعنى. # وعلى الثاني: تكون الآية مجملة؛ لأن الإحصان المذكور فيها غير ~~مبين، والمعلق على المجمل يكون مجملا، وحمل الآية على وجه معلوم ~~أولى من حملها على وجه مجمل. # قوله: { فما استمتعتم به } يجوز في " ما " وجهان أحدهما: ~~أن تكون شرطية. # والثاني: أن تكون موصولة، وعلى كلا التقديرين فيجوز أن يكون ~~المراد بها النساء المستمتع بهن، أي النوع المستمتع به، وأن ~~يراد بها الاستمتاع الذي هو الحدث، وعلى جميع الأوجه المتقدمة، ~~فهي في محل رفع بالابتداء، فإن كانت شرطية ففي خبرها الخلاف ~~المشهور هل هو فعل الشرط وجوابه، أو كلاهما وقد تقدم تحقيقه في ~~البقرة، وإن كانت موصولة؛ فالخبر قوله " فآتوهن " ودخلت الفاء لشبه ~~الموصول باسم الشرط كما تقدم، ثم إن أريد بها النوع المستمتع به ~~فالعائد على المبتد سواء كانت ما شرطية أو موصولة الضمير [المنصوب] في ~~" فآتوهن " ويكون قد راعى لفظ " ما " تارة فأفرد في قوله " به " ، ~~ومعناها أخرى، فجمع في قوله " منهن " " فآتوهن " فيصير المعنى: أي نوع ms2519 ~~من النساء استمتعم به فآتوهن، أو النوع الذي استمتعم به من النساء، ~~فآتوهن، وإن أريد بها الاستمتاع، فالعائد حينئذ محذوف، تقديره: ~~فأي نوع من الاستمتاع استمتعم به من النساء فآتوهن أجورهن لأجله. و " ~~من " في " منهن " تحتمل وجهين: # أحدهما: أن تكون للبيان. # والثاني: أن تكون للتبعيض، ومحلها النص على الحال، من الهاء في " به ~~" ، ولا يجوز في " ما " أن تكون مصدرية لفساد المعنى ولعود الضمير ~~في " به " عليها. # فصل [في تفسير الاستمتاع] # الاستمتاع في اللغة: الانتفاع، وكل ما انتفع به فهو ~~متاع، يقال: استمتع الرجل بولده، ويقال فيمن مات شابا: لم ~~يتمتع بشبابه، قال تعالى # ربنا استمتع بعضنا ببعض # [الأنعام: 128] وقال # فاستمتعوا بخلاقهم # [التوبة: 69] يعني: بحظكم عليهن؛ فآتوهن أجورهن عليه، أو مهورهن ~~عليه، وإنما سمي المهر أجرا؛ لأنه بدل المنافع كما ~~سمي بدل منافع الدار والدابة أجرا. # فصل [في الخلاف في تقرير المهر بالخلوة] # قال الشافعي: الخلوة الصحيحة لا تقرر المهر. # وقال أبو حنيفة وأحمد: تقرره، واحتج الشافعي بقوله تعالى { ~~فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن } فجعل ~~وجوب إتيانهن لأجل الاستمتاع بهن، فلو تقرر بالخلوة قبل ~~الاستمتاع لمنع من تعلق النقود بالاستمتاع وهو خلاف ~~الآية. # فصل # قال الحسن ومجاهد وأكثر العلماء: والمراد بهذه الآية ابتغاء ~~النساء بالأموال على طريق النكاح الصحيح. # وقوله { فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن ~~} فجعل وجوب إتيانهن بالدخول أي { فآتوهن أجورهن } أي ~~مهورهن بالتمام. # قال القرطبي: اختلف الناس في المعقود عليه في النكاح هل هو ~~بدن المرأة، أو منفعة البضع، أو الحل على ثلاثة أقوال، قال: ~~والظاهر المجموع؛ لأن العقد يقتضي كل ذلك فإن عقد النكاح ~~آتاها نصف المهر، وقال آخرون: هو نكاح المتعة، وهو أن يستأجر ~~امرأة بمال معلوم إلى أجل معين، فإذا انقضت تلك المدة باتت منه ~~بلا طلاق وتستبرئ رحمها، وليس بينهما ميراث، وكان ذلك مباحا في ابتداء ~~الإسلام ثم نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، روى الربيع بن ~~سبرة الجهني أن أباه حدثه أنه كان مع رسول الله صلى الله ms2520 عليه ~~وسلم فقال: # " يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء فإن الله ~~قد حرم ذلك إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهن شيء فليخل ~~سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا " # وروى علي بن أبي طالب # " أن رسول الله عليه الصلاة والسلام نهى عن متعة النساء يوم ~~خيبر وعن أكل لحوم الحمر الإنسية " # وعامة أهل العلم على أن نكاح المتعة حرام منسوخ وذهب ابن عباس إلى ~~أن الآية محكمة، ويرخص في نكاح [المتعة]. # روى أبو نضرة قال: سألت ابن عباس عن متعة النساء فقال: أما ~~تقرأ سورة النساء: { فما استمتعتم به منهن } إلى أجل ~~مسمى { فآتوهن أجورهن } قلت: لا أقرؤها هكذا، فقال ابن ~~عباس: هكذا أنزل الله ثلاث مرات، وروي # " أن النبي صلى الله عليه لما قدم مكة في عمرته تزين نساء أهل ~~مكة فشكى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم طول العزوبة فقال " ~~استمتعوا من هذه النساء " # وهذا القول مروي عن ابن عباس وعمران بن الحصين، أما ابن ~~عباس فعنه ثلاث روايات أحدها أنها مباحة مطلقا، وقال عمارة سألت ~~ابن عباس عن المتعة أسفاح هي أم نكاح قال: لا سفاح ولا نكاح، ~~قلت: فما هي قال: متعة كما قال الله تعالى قلت: هل لها عدة؟ ~~قال: نعم حيضة، قلت: هل يتوارثان، قال: لا. الثانية أن الناس لما ~~ذكروا الأسفار في المتعة، قال ابن عباس: قاتلهم الله ما أفتيت ~~بإباحتها على الإطلاق، لكني قلت إنها تحل للمضطر كما تحل الميتة، ~~والدم، ولحم الخنزير له. # الثالثة: أنه أقر بأنها صارت منسوخة. # روى عطاء الخراساني: عن ابن عباس في قوله تعالى { فما ~~استمتعتم به منهن } قال صارت هذه الآية منسوخة بقوله ~~تعالى # يأيها النبي إذا طلقتم النسآء فطلقوهن ~~لعدتهن # [الطلاق: 1] وروى أيضا أنه قال عند موته: اللهم إني أتوب إليك ~~من قولي في المتعة والصرف، وأما عمران بن الحصين فإنه قال ~~نزلت هذه المتعة في كتاب الله ولم ينزل بعدها آية تنسخها، وأمرنا بها ~~رسول الله صلى الله عليه ms2521 وسلم وتمتعنا بها، ومات ولم ينهنا عنه، ثم ~~قال رجل برأيه ما شاء، وروى محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن ~~علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال: لولا أن عمر نهى عن ~~المتعة [ما زنا إلا شقي. والجمهور على تحريم نكاح المتعة لما روى سالم بن ~~عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال في خطبته ~~ما بال رجال ينكحون هذه المتعة] وقد نهى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عنها لا أجد أحدا نكحها إلا رجمته بالحجارة، وقال: هذه ~~المتعة النكاح والطلاق والعدة والميراث فذكر هذا الكلام في ~~مجمع من الصحابة، ولم ينكروا عليه، فالحال لا يخلو من أن ~~يكونوا عالمين بحرمة المتعة فسكتوا، أو كانوا عالمين بإباحتها ~~فسكتوا مداهنة، أو ما عرفوا حكمها فسكتوا توقفا. # والأول: هو المطلوب. # والثاني: يوجب تكفير عمر وتكفير الصحابة، لأن من علم أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم بإباحة المتعة ثم قال: ~~إنها محرمة من غير نسخ لها فهو كافر، ومن صدقه مع علمه بكونه مخطئا ~~كافر، وهذا يقتضي تكفير الأمة. وإن لم يكونوا عالمين بالإباحة ~~ولا بالحرمة، فهذا أيضا باطل؛ لأن كون المتعة مباحة يقتضي كونها ~~كالنكاح، واحتياج الناس إلى معرفة حكمها عام في حق الكل، ومثل ~~هذا يمتنع خفاؤه بل يجب أن يشتهر العلم بحكمه كاشتهار علمهم بحل ~~النكاح، ولما بطل هذان القسمان ثبت أن الصحابة إنما ~~سكتوا عن الإنكار على عمر لعلمهم بأن المتعة صارت منسوخة في ~~الإسلام. # فإن قيل: الرجم غير جائز مع أن الصحابة ما أنكروا عليه حين ذكر ~~ذلك، ولما سكت ابن عباس عنه في مسألة المباهلة ثم ذكرها بعد موت ~~عمر وقال: من شاء باهلته فقيل له: هلا قلت هذا في زمن عمر، فقال: ~~هبته، وكان أمرأ مهابا. # فالجواب لعله ذكر ذلك على سبيل الزجر والتهديد والسياسة، ~~ومثل هذا جائز [للإمام] عند المصلحة كقوله عليه السلام # " من منع الزكاة فإنا نأخذها منه وشطر ماله " # وأخذ شطر المال ms2522 غير جائز لكنه قال ذلك للزجر فكذا ههنا، وأما ~~سكوت ابن عباس، فكان سكوت رجل واحد في خلائق عظيمة، فلا يشبه سكوت ~~الخلائق العظيمة عند رجل واحد، ويدل على التحريم حديث الربيع ~~بن سبرة، وحديث علي المذكوران أول الفصل قال الربيع بن ~~سليمان: سمعت الشافعي يقول: لا أعلم في الإسلام شيئا ~~أحل ثم حرم غير المتعة. # واحتج من قال بإباحة المتعة بوجوه: # أحدها قراءة أبي بن كعب وابن عباس " فما استمتعتم به منهن إلى ~~أجل مسمى فآتوهن أجورهن " ولم ينكر عليهما هذه القراءة فكان إجماعا، ~~فيقابل الإجماع الذي كان حاضرا عند خطبة عمر. # الثاني: أن المذكور في الآية إنما هو مجرد الابتغاء ~~بالمال، ثم إنه تعالى أمر بإتيانهن أجورهن بعد الاستمتاع ~~بهن، وذلك يدل على أن مجرد الابتغاء بالمال يجوز الوطء، ~~ومجرد الابتغاء بالمال لا يكون إلا في نكاح المتعة، فأما ~~في النكاح المطلق، فالحل إنما يحصل بالعقد والولي والشهود، ~~ولا يفيد فيه مجرد الابتغاء بالمال. # الثالث: أنه واجب إيتاء الأجور بمجرد الاستمتاع، ~~والاستمتاع عبارة عن التلذذ والانتفاع، وأما في النكاح ~~المطلق فإيتاء الأجور لا يتوقف على الاستمتاع ألبتة بل على ~~العقد. ألا ترى أن بمجرد النكاح يلزم نصف المهر. # الرابع: أن الأمة مجمعة على أن نكاح المتعة كان جائزا ~~في الإسلام، وإنما الخلاف في النسخ، فنقول لو كان ~~الناسخ موجودا، لكان إما معلوما بالتواتر أو الآحاد، ولم ~~يعلم بالتواتر؛ لأنه كان يلزم منه كون علي، وابن عباس، وعمران ~~بن الحصين منكرين لما عرف ثبوته بالتواتر في دين محمد عليه ~~السلام، وذلك يوجب تكفيرهم، ويكون باطلا قطعا، وإن كان ثابتا ~~بالآحاد لزم نسخ الثابت المتواتر المقطوع به بخبر الواحد المظنون، ~~وهذا أيضا باطل، ومما يدل على بطلان هذا النسخ أيضا أن أكثر ~~الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المتعة يوم خيبر، ~~وأكثر الروايات أنه عليه السلام أباح المتعة في حجة الوداع وفي ~~يوم الفتح، وهذان اليومان متأخران عن يوم خيبر، وذلك يدل على فساد ~~ما روي أنه ms2523 عليه السلام نسخ المتعة يوم خيبر، لأن الناسخ يمتنع ~~تقدمه على المنسوخ، [وقول] من قال إنه حصل التحليل مرارا [والنسخ ~~مرارا] قول ضعيف لم يقل به أحد من [المتقدمين] المعتبرين، إلا ~~الذين أرادوا إزالة التناقض عن هذه الروايات. # الخامس: أن عمر - رضي الله عنه - قال على المنبر متعتان كانتا ~~مشروعتين في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا أنهى عنهما: ~~متعة الحج، ومتعة النكاح وهذا تنصيص منه على أن متعة ~~النكاح كانت موجودة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله # " وأنا أنهى " # يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نسخة، وإنما عمر هو ~~الذي نسخه وإذا كانت كذلك؛ وجب أن لا يصير منسوخا بنسخ عمر، وهذا ~~هو الحجة التي احتج بها عمران بن الحصين حيث قال: ولم تنزل آية بنسخ ~~آية المتعة، ولم ينهنا عنها حتى مات، ثم قال رجل برأيه ما شاء، يريد ~~أن عمر نهى عنها. # والجواب أن يقال: إن هذه الآية مشتملة على أن المراد منها تحريم ~~نكاح المتعة من ثلاثة أوجه: الأول: أنه تعالى ذكر المحرمات ~~بالنكاح أولا في قوله { حرمت عليكم أمهاتكم } ثم قال ~~في آخر الآية { وأحل لكم ما وراء ذلكم } فكان المراد ~~بهذا التحليل ههنا ما هو المراد هناك بالتحريم هو النكاح، فالمراد ~~بالتحليل هنا أيضا يجب أن يكون هو النكاح. # الثاني: قوله تعالى { محصنين } والإحصان لا يكون إلا في ~~نكاح صحيح. # الثالث: قوله { غير مسافحين } سمى الزنا سفاحا؛ ~~لأنه لا مقصود فيه إلا سفح الماء ولا يطلب فيه الولد وسائر مصالح ~~النكاح، والمتعة لا يراد منها إلا سفح الماء فكان سفاحا، هذا قول ~~أبي بكر الرازي، وفيه مناقشة. # أما الأول: فإنه تعالى ذكر أصنافا ممن يحرم وطؤهن ~~ثم قال { وأحل لكم ما وراء ذلكم } أي وأحل لكم وطء ~~ما وراء هذه الأصناف، فأي فساد في هذا الكلام. # وأما الثاني: وهو أن الإحصان لا يكون إلا في نكاح صحيح ~~فالمخالف يقول بصحة هذا النكاح. # وأما الثالث: وهو ms2524 أن الزنا إنما سمي سفاحا؛ لأنه لا ~~يراد منه إلا سفح الماء فالمتعة ليست كذلك فإن المقصود منها سفح الماء ~~بطريق مشروع مأذون فيه من قبل الله، فلم قلتم إن المتعة محرمة. # قال ابن الخطيب: وإنما الجواب المعتمد أن نقول: إنا لا ~~ننكر أن المتعة كانت مباحة إنما الذي نقوله: إنها صارت ~~منسوخة، وعلى هذا التقدير، فلو كانت [هذه الآية دالة على أنها مشروعة] ~~[لم يكن ذلك قادحا في غرضنا، وهذا هو الجواب أيضا عن تمسكهم بقراءة ~~أبي وابن عباس، فإن تلك القراءة بتقدير ثبوتها لا تدل إلا على أن المتعة ~~كانت مشروعة، ونحن لا ننازع] لكن نقول: إن النسخ طرأ عليه، وما ذكرتم ~~من الدلائل لا يدفع قولنا، وقولهم إن الناسخ إما أن يكون ~~متواترا، أو آحادا قلنا: لعل بعضهم سمعه ثم نسيه [ثم إن عمر - رضي ~~لله عنه - لما ذكر في الجمع العظيم تذكروه وعرفوا صدقه فيه وسلموا الأمر ~~له. # وقولهم:] إن عمر أضاف النهي عن المتعة إلى نفسه. # قلنا: قد بينا أنه لو كان مراده أن المتعة كانت مباحة في شرع ~~محمد صلى الله عليه وسلم، وأنا أنهى عنه؛ لزم تكفيره، وتكفير كل ~~من لا يحاربه وينازعه، ويفضي ذلك إلى تكفير جميع المؤمنين، وكل ذلك ~~باطل فلم يبق إلا أن يقال: كان مراده أن المتعة كانت مباحة في زمن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنا أنهى عنها لما ثبت أنه صلى الله ~~عليه وسلم نسخها، فهو ناقل للنسخ، لا أنه نسخ من عنده. # فصل # قال القرطبي: اختلف العلماء كم مرة أبيحت ونسخت؛ ففي " صحيح مسلم " ~~عن [عبد] الله قال: # " كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس لنا نساء، ~~فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا أن ~~ننكح المرأة بالثوب إلى أجل " # قال أبو حاتم البستي في صحيحه: قولهم للنبي صلى الله عليه ~~وسلم " ألا نستخصي " دليل على أن المتعة كانت محظورة قبل ~~أن يبيح لهم الاستمتاع، ولو لم تكن محظورة لم يكن ms2525 لسؤالهم عن هذا معنى، ~~ثم رخص لهم في الغزو أن ينكحوا المرأة بالثوب إلى أجل ثم نهى ~~عنها عام خيبر ثم أذن فيها عام الفتح ثم حرمها بعد ثلاث فهي محرمة إلى ~~يوم القيامة. # وقال ابن العربي: وأما متعة النساء فهي من غرائب الشريعة؛ ~~لأنها أبيحت في صدر الإسلام ثم حرمت يوم خيبر، ثم أبيحت في ~~غزوة أوطاس ثم حرمت بعد ذلك، واستقر الأمر على التحريم، وليس ~~لها أخت في الشريعة إلا مسألة القبلة، فإن النسخ طرأ عليها ~~[مرتين] ثم استقرت بعد ذلك. وقال غيره ممن جمع طرق الأحاديث فيها: ~~إنها تقتضي التحليل والتحريم سبع مرات فروى ابن أبي عمرة: ~~أنها كانت في صدر الإسلام. # وروى سلمة بن الأكوع: أنها كانت عام أوطاس، ومن رواية علي ~~تحريمها يوم خيبر، ومن رواية الربيع بن سبرة إباحتها يوم ~~الفتح. # قال القرطبي وهذه الطرق كلها في " صحيح مسلم " وغيره عن علي ~~نهيه عنها في غزوة تبوك وفي مصنف أبي داود من حديث الربيع بن ~~سبرة النهي عنها في حجة الوداع. # وروى الحسن عن [ابن] سبرة أيضا: ما حلت المتعة قط إلا ثلاثا في ~~عمرة القضاء ما حلت قبلها، ولا بعدها. # فهذه سبعة مواطن أحلت فيها المتعة وحرمت. # قوله " فريضة " حال من أجورهن، أو مصدر مؤكد أي فرض الله ذلك فريضة ~~[أو فرضا] أو مصدر على غير المصدر؛ لأن الإيتاء مفروض فكأنه قال ~~" فآتوهن أجورهن إيتاء مفروضا ". قوله { ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به ~~من بعد الفريضة } من حمل الآية على النكاح الصحيح قال المراد منه ~~الإبراء من المهر، أو الحط عنه، أو الافتداء، أو الاعتياض وهو كقوله ~~تعالى # فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا ~~مريئا # [النساء: 4] [فإن قبضها ملكت بالقبض] وقوله # إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة ~~النكاح # [البقرة: 237] من حمل الآية على نكاح المتعة قال: أراد إذا انقطع ~~زمان المتعة لم يبق للرجل على المرأة سبيل، فإن شاءت المرأة زادت ~~في الأجل وزاد الرجل في الأجر وإن ms2526 لم يتراضيا تفارقا. # فصل [حكم إلحاق الزيادة بالصداق] # قال أبو حنيفة: إلحاق الزيادة بالصداق جائز، وهي ثابتة إن ~~دخل بها، أو مات عنها وإن طلقها قبل الدخول بطلت الزيادة، وكانت ~~بمنزلة الهبة فإن قبضتها ملكتها بالقبض، وإن لم تقبضها بطلت، واحتجوا ~~بقوله { ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد ~~الفريضة } وهذا بعمومه يدل على جواز إلحاق الزيادة [بالصداق، ~~قال: بل هذه بالزيادة أخص منها بالنقصان؛ لأنه تعالى علقه بتراضيهما ~~والبراءة والحط لا يحتاج إلى رضا الزوج، والزيادة لا تصح إلا بقبوله، ~~فإذا علق ذلك بتراضيهما جميعا، دل على أن المراد هو الزيادة. # الجواب أنه لا يجوز أن تكون الزيادة عبارة] عما ذكره الزجاج، وهو ~~أنه إذا طلقها قبل الدخول، فإن شاءت أبرأته من النصف، وإن شاء ~~الزوج سلم إليها كل المال، فيكون قد زادها على ما وجب عليه؛ ~~ولأن هذه الزيادة لو التحقت بالأصل لكان إما مع العقد الأول، أو ~~بعد زواله، والأول باطل؛ لأن العقد لما انعقد على القدر الأول، ~~فلو انعقد مرة أخرى على القدر الثاني؛ لكان ذلك تكوينا لذلك العقد ~~بعد ثبوته، وهو تحصيل الحاصل. # والثاني باطل؛ لانعقاد الإجماع على أن عند إلحاق الزيادة لا ~~يرتفع العقد الأول، ففسد قولهم. # فصل [في استحباب قلة المهر] # اعلم أنه لا تقدير لأكثر الصداق لقوله تعالى # وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا # [النساء: 20] والمستحب أن لا يغالي فيه. قال عمر بن الخطاب: " ~~ألا لا تغالوا في صدقة النساء، فإنها لو كانت مكرمة في ~~الدنيا وتقوى عند الله، لكان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ما علمت رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح شيئا من نسائه، ~~ولا أنكح شيئا من بناته بأكثر من اثني عشر أوقية. # وعن أبي سلمة قال: سألت عائشة كم كان صداق النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: كان صداقه لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ~~ونشا وقالت: أتدري ما النش؟ قلت: لا قالت: نصف أوقية فتلك خمسمائة ~~درهم، وأما أقل الصداق فذهب بعضهم إلى ms2527 أنه لا تقدير فيه، بل ما ~~جاز أن يكون مبيعا أو ثمنا جاز أن يكون صداقا، وهو قول ربيعة، ~~وسفيان الثوري، والشافعي، وأحمد وإسحاق. # وقال عمر بن الخطاب: " في ثلاث قبضات مهر زينب " ، وقال سعيد بن ~~المسيب: " لو أصدقها سوطا جاز " ، وقال قوم: تقدر بنصاب السرقة، وهو ~~قول مالك، وأبي حنيفة، غير أن نصاب السرقة عند مالك ثلاثة ~~دراهم، وحجة الشافعي وأحمد قوله عليه السلام # " التمس ولو خاتما من حديد، زوجتك بما معك من القرآن " # وزوج امرأة على نعلين. # فصل [في حكم جعل القرآن ونحوه صداقا] # قال الشافعي، وأحمد: " يجوز أن يجعل تعليم القرآن صداقا للحديث " ~~، وقال أصحاب الرأي لا يجوز، وكذلك كل عمل يجوز الاستئجار عليه ~~مثل البناء، والخياطة وغيرهما يجوز أن يجعل صداقا للحديث، ولقول ~~شعيب لموسى عليه السلام # إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على ~~أن تأجرني ثماني حجج # [القصص: 27]. وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يجعل منفعة الحر صداقا. ### || [4.25] # قوله تعالى { ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح ~~المحصنات المؤمنات } الآية " من " شرطية وهو الظاهر، ~~ويجوز أن تكون موصولة، وقوله { فمن ما ملكت أيمانكم } إما ~~جواب الشرط، وإما خبر الموصول، وشروط دخول الفاء في الخبر موجودة و { ~~منكم } في محل نصب على الحال من فاعل { يستطع } وفي نصب { ~~طولا } ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنه مفعول ب " يستطيع " وفي قوله " أن ينكح " على هذا ~~ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه في محل نصب ب " طولا " على أنه مفعول بالمصدر ~~المنون؛ لأنه مصدر؛ وطلت الشيء أي: نلته، والتقدير: ومن لم يستطع ~~أن ينال نكاح المحصنات [المؤمنات]، ومثله قول الفرزدق: [الكامل] # 1784- إن الفرزدق صخرة ملمومة # طالت فليس ينالها الأوعالا # أي: طالت الأوعال فلم تنلها، وإعمال المصدر المنون كثير قال ~~الشاعر: [الوافر] # 1785- بضرب بالسيوف رؤوس قوم # أزلنا هامهن عن المقيل # وقول الله تعالى # أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا # [البلد: 14، 15] وهذا الوجه ذهب إليه الفارسي. # الثاني: { أن ينكح } بدل من { طولا } بدل الشيء من ~~الشيء؛ لأن الطول هو القدرة، ms2528 أو الفضل، والنكاح قدرة وفضل. # الثالث: أنه على حذف حرف الجر، ثم اختلف هؤلاء، فمنهم من ~~قدره ب " إلى " أي: طولا إلى أن ينكح المحصنات، ومنهم من ~~قدره باللام أي: لأن ينكح، وعلى هذين التقديرين، فالجار في ~~محل الصفة لطولا، فيتعلق بمحذوف، ثم لما حذف حرف الجر ~~فالخلاف المشهور في محل " أن " أنصب هو أم جر؟. # وقيل: اللام المقدرة مع " أن " هي لام المفعول من أجله، أي: لأجل ~~نكاحهن. # الوجه الثاني من نصب { طولا }: أن يكون مفعولا له على حذف [مضاف] ~~أي: ومن لم يستطع منكم لعدم طول نكاح المحصنات، وعلى هذا ف " أن ينكح " ~~مفعول " يستطع " أي: ومن لم يستطع نكاح المحصنات لعدم الطول. # الوجه الثالث: أن يكون منصوبا على المصدر. # قال ابن عطية: ويصح أن يكون طولا نصبا على المصدر، ~~والعامل فيه الاستطاعة [لأنهما بمعنى و { أن ينكح } ، على هذا ~~مفعول بالاستطاعة، أو] بالمصدر يعني أن الطول هو استطاعة في المعنى، ~~فكأنه قيل: ومن لم يستطع منكم استطاعة، والطول: [الفضل ومنه] ~~التطول وهو التفضل قال تعالى # ذي الطول # [غافر: 3] ويقال: تطاول لهذا الشيء أي تناوله كما يقال: يد فلان ~~مبسوطة، وأصل هذه الكلمة من الطول الذي هو ضد القصر؛ لأنه إذا ~~كان طويلا ففيه كمال وزيادة [كما أنه إذا كان قصيرا ففيه قصور ونقصان، ~~فسمى الغنى طولا لأنه ينال به المراد ما لا ينال عند الفقر] كما أن ~~بالطول ينال ما لا ينال بالقصر. # قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والسدي وابن زيد، ~~ومالك: " الطول هو السعة، والغنى " قيل: والطول: الحرة، ومعناه: ~~أن من عنده حرة لا يجوز له نكاح [أمة]، وإن عدم السعة، وخاف ~~العنت؛ لأنه طالب شهوة وعنده امرأة، وهو قول أبي حنيفة [وبه قال ~~الطبري]. # وقال أبو يوسف: الطول هو وجود الحرة تحته، وقيل: الطول هو ~~التجلد والصبر كمن أحب أمة، وهويها حتى صار لذلك لا يستطيع أن ~~يتزوج [عليها] غيرها، فإن له أن يتزوج الأمة إذا لم يملك مهرها، ~~وخاف أن يبغي بها، ms2529 وإن كان يجد سعة في المال لنكاح حرة. وهذا ~~قول قتادة والنخعي وعطاء، وسفيان والثوري نقله ~~القرطبي. # فصل: [تفسير المراد بالمحصنات] # والمراد بالمحصنات ههنا الحرائر [لأنه تعالى أثبت نكاح الإماء عند تعذر ~~نكاح المحصنات، فلا بد أن يكون المراد بهن الحرائر]؛ لأنه ذكرهن كالضد ~~للإماء ووجه تسميتهن بالمحصنات على قراءة من فتح الصاد أنهن أحصن ~~بحريتهن عن أحوال الإماء فإن الأمة تكون خراجة ممتهنة ~~مبتذلة في الظاهر، والحرة مصونة عن هذه القضايا، وأما ~~على قراءة كسر الصاد فالمعنى أنهن أحصن أنفسهن بحريتهن. # فصل [في شرط نكاح الأمة] # دلت الآية على أنه لا يجوز للحر نكاح الأمة إلا بشرطين؛ ~~وهما ألا يجد مهر حرة، ولا ثمن أمة، وأن يخاف العنت، وهو قول ~~جائز، وبه قال طاوس وعمرو بن دينار، وإليه ذهب مالك والشافعي ~~وأحمد، وجوز أصحاب الرأي للحر نكاح الأمة. # فإن قيل: أي تفاوت بين ثمن الأمة، أو مهرها وبين نكاح الحرة ~~الفقيرة. # فالجواب: أن العادة كانت في الإماء التخفيف لاشتغالهن بخدمة ~~السيد فظهر التفاوت. # فصل [في حكم نكاح الأمة الكتابية] # دلت الآية على أنه لا يجوز للمسلم نكاح الأمة الكتابية ~~لقوله: { فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم ~~المؤمنات } ولقوله: # والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم # [المائدة: 5] ولأن الأمة الكافرة ناقصة من وجهين: # نقص الرق، ونقص الكفر، والولد تابع للأم في الحرية ~~والرق، فيتعلق الولد رقيقا على ملك الكافر وجوز أبو حنيفة ذلك ~~لعموم قوله: # فانكحوا ما طاب لكم من النسآء # [النساء: 3] وقوله: # وأنكحوا الأيامى منكم # [النور: 32] وقوله: { وأحل لكم ما وراء ذلكم } وقوله: # والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب # [المائدة: 5] والمراد بهذا الإحصان العفة. # والجواب أن آيتنا خاصة، والخاص مقدم على العام؛ ولأنها دخلها ~~التخصيص فيما إذا كان تحته حرة، واتفقوا على أنه [لا] يجوز ~~وطؤها بملك اليمين. انتهى. # فصل [في شرط الإيمان] # ظاهر قوله { ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح ~~المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من ~~فتياتكم المؤمنات } يقتضي كون الإيمان معتبرا من الحرة ~~فعلى هذا لو ms2530 قدر على طول حرة كتابية، ولم يقدر على طول أمة مسلمة ~~فإنه يجوز له أن يتزوج بالأمة، وأكثر العلماء على أن ذكر ~~الإيمان نذب في الحرائر، ولا فرق بين [الأمة] المؤمنة والكتابية في ~~كثرة المؤمنة وقلتها. # فصل # في التحذير من نكاح الأماء وجوه منها:- الولد ينبع الأم في ~~الحرية والرق فيصير الولد رقيقا. # قال عمر - رضي الله عنه -: أي حر تزوج بأمة، فقد رق ~~نصفه، يعني: يصير ولده رقيقا. # وقال سعيد بن جبير: ما نكاح الأمة من الزنا إلا قريب، قال الله ~~تعالى: { وأن تصبروا خير لكم } أي عن نكاح الإماء. # ومنها أن الأمة تكون قد تعودت الخروج، والبروز والمخالطة ~~للرجال وصارت في غاية الوقاحة، وربما تعودت الفجور. # ومنها أن حق المولى عليهم أعظم من حق الزوج، ولا تخلص للزوج ~~كخلوص الحرة، وربما احتاج الزوج إليها جدا، ولا يجد إليها ~~سبيلا [لحبس السيد لها]. # ومنها أن المولى قد يبيعها من إنسان آخر، فعلى قول من يقول بيع ~~الأمة يوجب طلاقها تصير مطلقة شاء الزوج أم أبى، وعلى قول من ~~لا يرى ذلك فقد يسافر المولى بها وبولدها، وذلك من أعظم المضار. # ومنها أن مهرها ملك لمولاها، فلا تقدر على هبته لزوجها، ولا ~~إبرائه بخلاف الحرة، فلهذه الوجوه لم يؤذن في نكاح الأمة إلا ~~على سبيل الرخصة. # وروى أبو هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~[الحرائر] صلاح البيت والإماء هلاك البيت أو قال فساد " فساد البيت " ~~ذكره القرطبي. # قوله: " فمما " الفاء قد تقدم أنها إما جواب الشرط، وإما ~~زائدة في الخبر على حسب القولين في " من " وفي هذه الآية سبعة ~~أوجه: # أحدها: أنها متعلقة بفعل مقدر بعد الفاء تقديره: فينكح مما ~~ملكت أيمانكم و " ما " على هذا موصولة بمعنى الذي أي: نوع الذي ملكته، ~~ومفعول ذلك الفعل المقدر محذوف تقديره: فينكح امرأة، أو أمة ~~مما ملكته أيمانكم؛ ف " مما " في الحقيقة متعلق بمحذوف لأنه صفة ~~لذلك المفعول المحذوف و " من " للتبعيض، نحو: أكلت من ~~الرغيف، و { من فتياتكم ms2531 } في محل نصب على الحال من الضمير ~~المقدر في " ملكت " العائد على [ " ما " ] الموصولة و { المؤمنات ~~} صفة لفتياتكم. # الثاني: أن تكون " من " زائدة و " ما " هي المفعولة بذلك الفعل ~~المقدر أي: فلينكح ما ملكته أيمانكم. # الثالث: أن " من " في { من فتياتكم } زائدة و { ~~فتياتكم } هو مفعول ذلك الفعل المقدر أي: فلينكح فتياتكم، و " ~~مما ملكت " متعلق بنفس الفعل و " من " لابتداء الغاية، أو بمحذوف على ~~أنه حال من " فتياتكم " قدم عليها و " من " للتبعيض. # الرابع: أن مفعول " فلينكح " [هو المؤمنات أي: فلينكح] المؤمنات ~~الفتيات و " مما ملكت " على ما تقدم في الوجه قبله و " من فتياتكم " ~~حال من ذلك العائد المحذوف. # الخامس: أن مما في محل رفع خبرا لمبتدأ محذوف تقديره: ~~فالمنكوحة مما ملكت [أيمانكم]. # السادس: أن " ما " في " مما " مصدرية أي: فلينكح من ملك ~~أيمانكم، ولا بد أن يكون هذا المصدر واقعا موقع المفعول نحو: # هذا خلق الله # [لقمان: 11] ليصح [وقوع] النكاح [عليه]. # السابع: وهو أغربها ونقل عن جماعة منهم ابن جرير أن في الآية ~~تقديما وتأخيرا وأن التقدير: ومن لم يستطع منكم [طولا] أن ~~ينكح المحصنات المؤمنات فلينكح بعضكم من بعض الفتيات، فبعضكم ~~فاعل ذلك [الفعل] المقدر، فعلى هذا يكون قوله { والله أعلم ~~بإيمانكم } معترضا بين ذلك الفعل المقدر وفاعله، ومثل هذا لا ~~ينبغي أن يقال. # فصل # قال ابن عباس: يريد بقوله { فمن ما ملكت أيمانكم } أي: ~~فليتزوج جارية أخيه، فإن الإنسان لا يجوز له أن يتزوج بجارية نفسه، ~~والفتيات المملوكات جمع فتاة تقول العرب للأمة: فتاة، وللعبد: فتى، ~~قال عليه السلام: # " لا يقولن أحدكم عبدي، ولا أمتي، ولكن ليقل فتاي ~~وفتاتي " # ويقال للجارية الحديثة: فتاة، والغلام، فتى، والغلام، فتى، والأمة تسمى ~~فتاة. # قوله: { والله أعلم بإيمانكم } جملة من مبتدأ وخبر جيء بها بعد قوله { ~~من فتياتكم المؤمنات } لتفيد أن الإيمان الظاهر كاف ~~في نكاح الأمة المؤمنة ظاهرا ولا يشترط في ذلك أن يعلم إيمانها ~~يقينا، فإن ذلك لا يطلع عليه إلا الله تعالى، وفيه تأنيس أيضا ~~بنكاح ms2532 الإماء، فإنهم كانوا يفرون من ذلك. # قال الزجاج: " المعنى: احملوا فتياتكم على ظاهر الإيمان، والله ~~أعلم بالسرائر ". # قوله تعالى: { بعضكم من بعض } مبتدأ وخبر أيضا، جيء بهذه ~~الجملة أيضا تأنيسا بنكاح الأمة [كما تقدم، والمعنى: أن بعضكم من ~~جنس بعض في النسب والدين، فلا يدفع الحر عن نكاح الأمة، عند الحاجة ~~إليه، وما أحسن قول أمير المؤمنين علي رضي الله عنه]: [البسيط] # 1786- والناس من جهة التمثيل أكفاء # أبوهم آدم والأم حواء # والحكمة في ذكر هذه الكلمة أن العرب كانوا يتفاخرون ~~بالأنساب، فأخبر تعالى أن ذلك لا يلتفت إليه؛ لأن الإيمان أعظم ~~الفضائل، وإذا حصل الاشتراك فيه فلا يلتفت إلى ما وراء ذلك. # قال تعالى: # والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء بعض # [التوبة: 71] وقال: # إن أكرمكم عند الله أتقاكم # [الحجرات: 13] وكان أهل الجاهلية يضعون من أين الهجين فذكر تعالى هذه ~~الكلمة زجرا لهم من أخلاق أهل الجاهلية. # قوله " بإذن أهلهن " متعلق ب " انكحوهن " وقدر بعضهم مضافا محذوفا ~~أي: بإذن أهل ولايتهن، وأهل ولاية نكاحهن هم الملاك. # فصل في نكاح الأمة بإذن سيدها # اتفقوا على أن نكاح الأمة بدون إذن سيدها باطل بهذه الآية، ~~فإنها تقتضي كون الإذن شرطا في جواز النكاح، وإن لم يكن النكاح ~~واجبا كقوله عليه [الصلاة و] السلام: # " من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى ~~أجل معلوم " # فالسلم ليس بواجب، ولكنه إذا اختار أن يسلم فعليه استيفاء هذه ~~الشرائط، ولأن الأمة ملك للسيد، وبالتزوج تبطل عليه أكثر ~~منافعها؛ فوجب ألا يجوز ذلك إلا بإذنه، وأما العبد فلقوله عليه ~~السلام: # " إذا تزوج العبد بغير إذن السيد فهو عاهر ". # فصل في اشتراط إذن الولي في النكاح # استدلوا بهذه الآية على أنه لا يصح نكاح الحرة البالغة ~~العاقلة إلا بإذن الولي، قالوا: لأن الضمير في قوله { ~~فانكحوهن بإذن أهلهن } عائد إلى الإماء والأمة ذات ~~موصوفة بالرق، وصفة الرق صفة زائلة لا تتناول الإشارة بتلك ~~الصفة، إلا ترى أنه لو حلف لا يتكلم مع هذا الشاب فصار شيخا ~~ثم تكلم معه حنث؛ ms2533 فثبت أن الإشارة إلى الذات الموصوفة بصفة، ~~عرضية زائلة باقية بعد زوال تلك الصفة العرضية، وإذا كان كذلك، فوجب ~~أن تكون الإشارة إلى الإماء باقية بعد زوال الرق، وحصول صفة ~~الحرية لهن، وإذا ثبت أن ذلك في الصورة الباقية؛ وجب ثبوته في ~~سائر الصور، لأنه لا قائل بالفرق. # قال الرازي: هذه الآية ترد على الشافعي، فإنه يقول: لا عبارة ~~للمرأة في النكاح، فإذا ملكت المرأة جارية وكلت من يزوجها، ~~والله تعالى شرط إذن أهلهن مطلقا فقد ترك [الظاهر] والجواب من ~~وجوه: # الأول: المراد بالإذن الرضا ولا بد منه. # الثاني: أن المراد بأهلهن من يقدر على نكاحهن، فإن كانت امرأة ~~فمولاها. # الثالث: أن الأهل يتناول الذكور والإناث، لكنه عام ~~والأدلة الدالة على المرأة لا تنكح نفسها خاصة، والخاص ~~مقدم وفي الحديث: # " العاهر هي التي تنكح نفسها " # ولذا كانت مسلوبة العبارة في [حق] نفسها، فهي في حق مملوكها أولى. # قوله تعالى { فآتوهن أجورهن } قال بعضهم: هو المهر، قال: والمراد به ~~مهر المثل لقوله تعالى: { بالمعروف } وهذا إنما ينطلق فيما كان ~~مبنيا على الاجتهاد وغالب الظن في المعتاد والمتعارف كقوله: " وعلى ~~الوارث مثل ذلك " # وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف # [البقرة: 233]. # وقال القاضي: " المراد من [الأجور:] النفقة عليهن قال: لأن ~~المهر مقدر، فلا معنى لاشتراط المعروف فيه، فكأنه تعالى بين أن ~~كونها أمة لا يقدح في وجوب نفقتها، وكفايتها كما في حق الحرة، ~~وأكثر المفسرين حملوا قوله: { بالمعروف } على ترك المطل، ~~والتأخير عند المطالبة على العادة الجميلة. # فصل في من المستحق لقبض مهر الأمة؟ # نقل أبو بكر الرازي في أحكام القرآن عن بعض أصحاب مالك، أن ~~الأمة هي المستحقة لقبض مهرها بهذه الآية. # والجواب من وجوه: # أحدها: أنا إذا حملنا [قوله] الأجور على النفقة، زال تمسكهم. # وثانيها: إنما أضاف إيتاء المهور إليهن، لأنه ثمن بعضهن، وليس في ~~قوله " وآتوهن " ما يوجب كون المهر ملكا لهن. # وثالثها: ثبت أنها تقتضي كون المهر ملكا لهن، ولكنه ~~عليه السلام قال: # " العبد وما في يده [ملك] لمولاه ms2534 " # وقال تعالى: # ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على ~~شيء # [النحل: 75] فنفى الملك عنه. # ورابعها: أن المهر عوض عن منافع البضع، وهي مملوكة ~~للسيد. # قوله: " بالمعروف " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه متعلق ب { وآتوهن } أي: آتوهن مهورهن بالمعروف. # الثاني: أنه حال من أجورهن أي: ملتبسات بالمعروف، يعني: غير ~~ممطولة. # الثالث: - أنه متعلق بقوله { فانكحوهن } أي: فانكحوهن ~~بالمعروف [بإذن أهلهن ومهر مثلهن، والإشهاد عليه، وهذا هو المعروف] ~~وقيل: في الكلام حذف تقديره: وآتوهن أجورهن بإذن أهلهن فحذف من ~~الثاني لدلالة الأول عليه، نحو # والذاكرين الله كثيرا والذاكرات # [الأحزاب: 35]. أي الذاكرات الله. # وقيل: ثم مضاف مقدر أي: وآتوا مواليهن أجورهن؛ لأن الأمة لا ~~يسلم لها شيء من المهر. # قوله تعالى { محصنات غير مسافحات } حالان من مفعول { ~~فآتوهن } ومحصنات على هذا، بمعنى مزوجات. # وقيل: { محصنات } حال من مفعول { فانكحوهن } ، ومحصنات على ~~هذا بمعنى عفائف، أو مسلمات، والمعنى: فانكحوهن حال كونهن محصنات لا حال ~~سفاحهن واتخاذهن للأخدان، وقد تقدم أن " محصنات " بكسر الصاد ~~وفتحها وما معناها، وأن { غير مسافحين } حال مؤكدة. و { ولا ~~متخذات } عطف على الحال قبله، والأخدان مفعول بمتخذات، لأنه اسم ~~فاعل، وأخدان جمع " خدن " كعدل وأعدال. والخدن: الصاحب. # قال أبو زيد: الأخدان: الأصدقاء على الفاحشة، واحدهم خدن وخدين ~~وهو الذي يخادنك، ورجل خدنة: إذا اتخذ أخدانا أي: أصحابا وقد ~~تقدم أن المسافح هو المجاهر بالزنا، ومتخذ الأخدان هو ~~المستتر [به]، وكان الزنا في الجاهلية منقسما إلى هذين القسمين، ~~ولم يحكموا على ذات الخدن بكونها زانية. # قوله: " فإذا أحصن " قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن ~~عاصم { أحصن } بضم الهمزة وكسر الصاد على البناء للمفعول ~~والباقون بفتحها على البناء للفاعل، فمعنى الأول أحصن بالتزويج ~~فالمحصن بهن هو الزوج، هكذا قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير ~~والحسن ومجاهد. # ومعنى الثانية: " وأحصن فروجهن أو أزواجهن ". # وقال عمر وابن مسعود والشعبي والنخعي والسدي: أسلمن. وطعنوا ~~في هذا الوجه بأنه تعالى وصف الإماء بالإيمان في قوله { ~~فتياتكم المؤمنات } ويبعد أن يقال: فتياتكم ms2535 المؤمنات، ثم ~~يقال: فإذا آمن فإن حالهن كذا وكذا، ويمكن جوابه بأنه تعالى حكم ~~حكمين: # الأول: حال نكاح الإماء فاعتبر الإيمان فيه بقوله: { فتياتكم ~~المؤمنات }. # والثاني: ما يجب عليهن عند إقدامهن على الفاحشة، فذكر [حال] ~~إيمانهن أيضا في هذا الحكم وهو قوله تعالى { فإذآ أحصن }. # قوله: " فإن أتين بفاحشة فعليهن " الفاء في " فإن " جواب " إذا " وفي ~~" فعليهن " جواب " إن " فالشرط الثاني وجوابه مترتب على وجود ~~الأول، ونظيره: إن أكلت فإن ضربت عمرا فأنت حر، لا يعتق حتى ~~يأكل أولا، ثم يضرب عمرا ثانيا ولو أسقطت الفاء الداخلة على " إن " ~~في مثل هذا التركيب انعكس الحكم، ولزم أن يضرب أولا ثم يأكل ~~ثانيا، وهذا يعرف من قواعد النحو، وهو أن الشرط الثاني ~~يجعل حالا، فيجب التلبس به أولا. # قوله: " من العذاب " متعلق بمحذوف؛ لأنه حال من الضمير المستكن ~~في صلة " ما " وهو " على " ، فالعامل فيها معنوي، وهو في الحقيقة ما ~~تعلق به هذا الجار، ولا يجوز أن يكون حالا من " ما " المجرورة بإضافة ~~" نصف " إليها؛ لأن الحال لا بد أن يعمل فيها [ما يعمل] في صاحبها ~~[إن] و " نصف " هو العامل في صاحبها الخفض بالإضافة، ولكنه لا يعمل في ~~الحال، لأنه [ليس] من الأسماء العاملة إلا أن بعضهم يرى أنه إذا ~~كان جزءا من المضاف جاز ذلك فيه، والنصف جزء فيجوز ذلك. # فصل # في الآية إشكال، وهو أن المحصنات في قوله: { فعليهن نصف ما ~~على المحصنات } إما أن يكون المراد منه الحرائر المتزوجات، ~~أو الحرائر الأبكار، والسبب في إطلاق اسم المحصنات عليهن حريتهن، ~~والأول مشكل؛ لأن الواجب على الحرائر المتزوجات في الزنا ~~الرجم، فهذا يقتضي أن يجب في زنا الإماء نصف الرجم وذلك باطل. # والثاني وهو أن يكون المراد الحرائر الأبكار، فنصف ما عليهن خمسون ~~جلدة وهذا القدر واجب في زنا الأمة، سواء كانت محصنة أو لم ~~تكن، فحينئذ يكون هذا الحكم معلقا بمجرد صدور الزنا عنهن، ~~وظاهر الآية يقتضي كونه معلقا بمجموع الأمرين: الإحصان والزنا، لأن ~~قوله { فإذآ أحصن فإن ms2536 أتين بفاحشة } شرط بعد شرط. ~~فيقتضي كون الحكم مشروطا بهما نصا. # فالجواب أن يختار القسم الثاني، وقوله: { فإذآ أحصن } ليس ~~المراد منه جعل هذا الإحصان شرطا لأن يجب في زناها خمسون ~~جلدة، بل المعنى أن حد الزنا يغلظ عند التزوج فهذه إذا ~~زنت، وقد تزوجت فحدها خمسون جلدة، لا يزيد عليه فبأن يكون قبل ~~التزوج هذا القدر [أيضا] أولى، وهذا مما يجري [فيه مجرى] ~~المفهوم بالنص لأنه لما خفف الحد لمكان الرق عند حصول ما ~~يوجب التغليظ فبأن يجب هذا القدر عندما لا يوجد المغلظ أولى، وذهب ~~بعضهم إلى أنه لا جلد على من لم يتزوج من المماليك إذا زنا لقوله ~~تعالى: { فإذآ أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن ~~نصف ما على المحصنات من العذاب } وهذا مروي عن ابن ~~عباس وبه قال طاووس. # ومعنى الإحصان عند الآخرين الإسلام، وإن كان المراد منه التزويج، فليس ~~المراد منه أن التزويج شرط لوجوب الحد عليه، بل المراد منه التنبيه ~~على أن المملوك إذا كان محصنا بالتزويج؛ فلا رجم عليه، إنما ~~حده الجلد بخلاف الحر، فحد الأمة ثابت بهذه الآية، وبيان أنه الجلد ~~قوله عليه السلام # " إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ثم إن زنت ~~فليجلدها ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة؛ ~~فليبعها ولو بحبل من شعر ". # فصل في من يقيم الحد على الإماء؟ # اختلفوا فيمن يقيم الحد على العبد والأمة إذا زنيا، قال بن ~~شهاب: مضت السنة أن يحد العبد والأمة أهلوهم في ~~الزنا، إلا أن يرفع أمرهم إلى السلطان، فليس لأحد أن ~~يفتات عليه قوله عليه السلام # " إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد " # وقال عليه السلام: # " أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم من أحصن ~~منهم، ومن لم يحصن ". # قال مالك: يحد المولى عبده في الزنا وشرب الخمر، والقذف ~~إذا شهد عنده الشهود، ولا يقطعه في السرقة إلا الإمام. # وقال أبو حنيفة: " لا يقيم الحدود عليهم إلا السلطان ". # فصل متى يحد الأمة السلطان؟ # قال القرطبي: إذا زنت الأمة ثم عتقت قبل أن يحدها ~~سيدها ms2537 لم يحدها إلا السلطان، فإن زنت ثم تزوجت لم ~~يكن لسيدها أن يجلدها لحق الزوج؛ إذ قد يضره ذلك، ~~إذا لم يكن الزوج ملكا للسيد، فلو كان ملكا للسيد؛ جاز ~~ذلك لأن حقهما حقه. # فصل # إذا أقر العبد بالزنا، وأنكره المولى فالحد يجب على ~~العبد لإقراره، ولا يلتفت لإنكار السيد، فلو عفا السيد عن ~~عبده، أو أمته إذا زنيا، فقال الحسن: له أن يغفر وقال غيره: ~~لا ينفعه إلا إقامة الحد، كما لا يسع السلطان أن يعفو عن ~~حد إذا علمه. # قوله: { ذلك لمن خشي العنت منكم } " ذلك ": مبتدأ ولمن ~~خشي: جار ومجرور [خبره]، والمشار إليه ب " ذلك " إلى نكاح الأمة ~~المؤمنة لمن عدم الطول، والعنت في الأصل انكسار العظم ~~بعد الجبر؛ فاستعير لكل مشقة. # قال تعالى: # ولو شآء الله لأعنتكم # [البقرة: 220] أي: لشدد الأمر عليكم، وأريد به به هنا ما ~~يجر إليه الزنا من العذاب الدنيوي، والأخروي. # وقال بعض المفسرين: إن الشبق الشديد في حق النساء قد ~~يؤدي إلى اختناق الرحم، وأما في حق الرجال فقد يؤدي إلى ~~أوجاع الوركين والظهر والأول هو اللائق ببيان القرآن. # و " منكم " حال من الضمير في " خشي " أي: في حال كونه ~~منكم، ويجوز أن تكون " من " للبيان. # قوله: { وأن تصبروا خير لكم }. مبتدأ وخبر لتأوله ~~بالمصدر وهو كقوله # وأن تعفوا أقرب للتقوى # [البقرة: 237] والمعنى وأن تصبروا عن نكاح الإماء متعففين خير ~~لكم لما بينا من المفاسد الحاصلة في هذا النكاح. # قال عليه الصلاة والسلام: # " الحرائر صلاح البيت، والإماء هلاكه ". # وقال الشاعر: # 1787- ومن لم يكن في بيته قهرمانة # فذلك بيت لا أبالك ضائع # وقال الآخر: [الطويل] # 1788- إذا لم يكن في منزل المرء حرة # تدبره ضاعت مصالح داره # فصل # مذهب أبي حنيفة وأحمد: أن الاشتغال بالنكاح أفضل من الاشتغال ~~بالنافلة، فإن قالوا بهذا سواء كان نكاح حرة أو نكاح أمة فهذه ~~الآية نص في بطلان قولهم، وإن قالوا: إنا لا نرجح نكاح الأمة على ~~النافلة، فحينئذ يسقط استدلالهم. # ثم قال: { والله غفور رحيم } وهذا كالمؤكد ms2538 لما ذكره؛ لأن ~~الأولى ترك هذا النكاح يعني أنه وإن حصل ما يقتضي المنع من هذا ~~النكاح إلا أنه تعالى أباحه لاحتياجكم إليه، فكان ذلك من باب ~~المغفرة والرحمة. ### || [4.26] # للناس في مثل التركيب مذاهب، فمذهب البصريين أن مفعول " يريد " ~~محذوف تقديره يريد الله تحريم ما حرم [عليكم] وتحليل ما حلل، ~~وتشريع ما تقدم لأجل التبيين لكم، ونسبه بعضهم لسيبويه، فتملق ~~الإرادة غير التبيين وما عطف عليه، وإنما تأولوه بذلك؛ لئلا ~~يلزم تعدي الفعل إلى مفعوله المتأخر عنه باللام، وهو ممتنع وإلى ~~إضمار " إن " بعد اللام الزائدة. # والمذهب الثاني - ويعزى أيضا لبعض البصريين -: أن يقدر ~~الفعل الذي قبل اللام بمصدر في محل رفع بالابتداء، والجار بعده ~~خبره، فيقدر: يريد الله ليبين إرادة الله تعالى للتبيين وقوله: ~~[شعر] [الطويل] # 1789- أريد لأنسى ذكرها [فكأنما # تمثل لي ليلى بكل سبيل] # أي: إرادتي، وقوله تعالى # وأمرنا لنسلم # [الأنعام: 71] أي: أمرنا بما أمرنا لنسلم، وفي هذا القول تأويل ~~الفعل بمصدر، من غير حرف مصدر، وهو ضعيف نحو: " تسمع بالمعيدي ~~خير من أن تراه " قالوا: تقديره: أن تسمع فلما حذف " أن " رفع الفعل ~~وهو من تأويل المصدر لأجل الحرف المقدر [فكذلك هذا] فلام الجر على ~~الأول في محل نصب لتعلقها ب " يريد " وعلى الثاني في محل رفع ~~لوقوعها خبرا. # الثالث: وهو مذهب الكوفيين أن اللام هي الناصبة بنفسها من غير ~~إضمار " أن " ، وما بعدها مفعول الإرادة، لأنها قد تقام اللام ~~مقام " أن " في: أردت وأمرت، فيقال: أردت أن تذهب، وأردت لتذهب، وأمرتك ~~لتقوم، وأمرتك أن تقوم، قال تعالى: # يريدون ليطفئوا نور الله # [الصف: 8]، وقال في موضع آخر:[ # يريدون أن يطفئوا نور الله # ] [التوبة: 32]. وقال: # وأمرنا لنسلم لرب العالمين # [الأنعام: 71] وفي موضع آخر: # وأمرت أن أسلم # [غافر: 66] وقال: # وأمرت لأعدل بينكم # [الشورى: 15] أي: أن أعدل بينكم، ومنع البصريون ذلك؛ لأن اللام ثبت ~~بها الجر في الأسماء، فلا يجوز أن ينصب بها فالنصب عندهم بإضمار " ~~أن " كما تقدم. # الرابع، وإليه ذهب الزمخشري، وأبو البقاء: أن اللام ~~زائدة، و ms2539 " أن " مضمرة بعدها، والتبيين مفعول [الإرادة. # قال الزمخشري: { يريد الله } يريد الله أن يبين، فزيدت ~~اللام مؤكدة لإرادة التبيين، كما] زيدت في " لا أبا لك " لتأكيد إضافة ~~الأب وهذا خارج عن أقوال البصريين، والكوفيين، وفيه أن " أن " ~~تضمر بعد اللام الزائدة، وهي لا تضمر فيما نص النحويون بعد لام إلا ~~وتلك اللام للتعليل، أو للجحود. # وقال بعضهم: اللام " لام " العاقبة كهي في قوله تعالى # ليكون لهم عدوا وحزنا # ] [القصص: 8] ولم يذكر مفعل التبيين، بل حذفه للعلم به فقدره بعضهم: ~~ليبين لكم ما يقر ربكم، ومنه قول بعضهم إن الصبر عن نكاح الإماء ~~خير. # فالأول قاله عطاء. # والثاني قاله الكلبي. وبعضهم: ما فصل من الشرائع، وبعضهم أمر ~~دينكم، وهي متقاربة، ويجوز في الآية وجه آخر [حسن]؛ وهو أن تكون ~~المسألة من باب الإعمال تنازع: " يبين " و " يهدي " في { سنن الذين ~~من قبلكم } ، لأن كلا منهما يطلبه من جهة المعنى، وتكون المسألة من ~~إعمال الثاني، وحذف الضمير من الأول تقديره: ليبينها لكم ويهديكم ~~سنن الذين من قبلكم. # والسنة: الطريقة؛ لأن المفسرين نقلوا أن كل ما بين ~~لنا تحريمه وتحليله من النساء في الآيات المتقدمة فقد كان الحكم كذلك ~~أيضا في الأمم السالفة، أو أنه بين لكم المصالح؛ لأن ~~الشرائع، وإن كانت مختلفة في نفسها إلا أنها متفقة في ~~المصلحة. # فصل # قال بعض المفسرين { ليبين لكم ويهديكم } معناهما ~~واحد وقال آخرون هذا ضعيف. # والحق أن قوله: { ليبين لكم } أي: يميز الحلال من ~~الحرام، والحسن من القبيح. # وقوله تعالى: { ويهديكم سنن الذين من قبلكم } أي: ~~أن الذي بين تحريمه، وتحليله لنا في الآيات المتقدمة وقد كان كذلك في ~~شرائع [الإسلام] من قبلنا، أو يكون المراد منه { ويهديكم سنن ~~الذين من قبلكم } [في] بيان ما لكم فيه من المصلحة [فإن ~~الشرائع، وإن اختلفت في نفسها إلا أنها متفقة في المصالح]. # قوله: { ويتوب عليكم } قال القاضي: معناه أنه تعالى كما ~~أراد منا نفس الطاعة، فلا جرم بينها وأزال الشبهة عنها وإذا ~~وقع التقصير والتفريط منا؛ فيريد ms2540 أن يتوب علينا؛ لأن المكلف قد ~~يطيع فيستحق الثواب، وقد يعصي فيحتاج إلى التلافي في التوبة وفي ~~التوبة وفي الآية إشكال، وهو أن الحق إما أن يكون قول أهل ~~السنة [من أن فعل العبد] مخلوق لله [وإما أن الحق قول ~~المعتزلة: من أن فعل العبد ليس مخلوق الله تعالى؛ والآية ~~مشكلة على القولين] أما على الأول [فلأن] كل ما يريده ~~الله تعالى [فإنه] يحصل، فإذا أراد أن يتوب علينا وأحب أن ~~تحصل التوبة لكلنا، ومعلوم أنه ليس لذلك، وأما على القول ~~الثاني: فهو تعالى يريد منا أن نتوب باختيارنا، وفعلنا وقوله { ~~ويتوب عليكم } [ظاهره] مشعر بأنه تعالى هو الذي يخلق ~~التوبة فينا. # فالجواب أن قوله { ويتوب عليكم } صريح في أنه تعالى هو ~~الذي يقبل التوبة فينا والعقل يؤكده؛ لأن التوبة عبارة ~~عن الندم في الماضي، والعزم على الترك في المستقبل، والندم ~~والعزم من باب الإرادات، والإرادة لا يمكن إرادتها وإلا لزم ~~التسلسل؛ فإذن الإرادة يمتنع أن تكون فعل الإنسان فعلمنا أن هذا ~~الندم والعزم لا يحصلان إلا بتخليق الله تعالى فدل البرهان ~~العقلي على صحة ما أشعر به القرآن، وهو أنه تعالى [هو] الذي ~~يتوب علينا. # وإن قالوا: لو تاب علينا لحصلت هذه التوبة [لهم فزاد هذا ~~الإشكال والله أعلم]. # فنقول: قوله تعالى: { ويتوب عليكم } خطاب مع الأمة، وقد ~~تاب عليهم في نكاح الأمهات والبنات وسائر المنهيات المذكورة في هذه ~~الآيات وحصلت هذه التوبة لهم فزال الإشكال والله أعلم. # [ثم قال { والله عليم حكيم } أي:] [عليم] بمصالح عبادة حكيم ~~في أمر دينهم ودنياهم وحكيم فيما دبر من أمورهم. ### || [4.27] # قوله تعالى: { والله يريد أن يتوب عليكم } زعم بعضهم ~~أن [في] قوله { والله يريد أن يتوب عليكم } تكريرا ~~لقوله { ويتوب عليكم } المعطوف على التبيين. # قال عطية: وتكرار إرادة الله تعالى التوبة على عباده تقوية ~~للإخبار الأول وليس القصد في الآية إلا الإخبار عن إرادة الذين يتبعون ~~الشهوات فقدمت إرادة الله توطئة مظهرة لفساد إرادة مبتغي ~~الشهوات، وهذا الذي قاله إنما يتمشى ms2541 على أن المجرور باللام ~~في قوله { ليبين } مفعول به للإرادة لا على كونه علة، وقد ~~تقدم أن ذلك قول الكوفيين، وهو ضعيف، وقد ضعفه هو أيضا، إذا ~~تقرر هذا فنقول: لا تكرار في الآية؛ لأن تعلق الإرادة بالتوبة في ~~الأول على جهة العلية، وفي الثاني على جهة المفعولية، فقد ~~اختلف المتعلقان. # وقوله { ويريد الذين } بالرفع عطفا على { والله يريد ~~} عطف جملة على جملة اسمية، ولا يجوز أن ينصب لفساد المعنى؛ إذ يصير ~~التقدير: والله يريد أن يتوب، ويريد أن يريد الذين، واختار ~~الراغب: أن الواو للحال تنبيها على أنه يريد التوبة ~~عليكم في حال ما تريدون أن تميلوا فخالف بين الإخبارين في تقديم ~~المخبر عنه في الجملة الأولى، وتأخيره في الثانية؛ ليبين أن ~~الثاني ليس على العطف، وقد رد عليه بأن إرادة الله التوبة ~~ليست مقيدة بإرادة غيره الميل، و [بأن] الواو باشرت المضارع المثبت، ~~وأتى بالجملة الأولى اسمية دلالة على الثبوت، وبالثانية فعلية دلالة ~~على الحدوث. # فصل في تحليل المجوس لما حرم الله تعالى # قيل: إن المجوس كانوا يحلون الأخوات، وبنات الإخوة والأخوات، فلما ~~حرمهن الله تعالى قالوا إنك تحلون بنت الخالة والعمة، ~~والخالة والعمة حرام عليكم فانكحوا بنات الأخ والأخت فنزلت هذه الآية. # وقال السدي: المراد بالذين يتبعون الشهوات هم اليهود ~~والنصارى. # وقال مجاهد هم الزناة يريدون أن يميلوا عن الحق فيزنون كما يزنون. # وقيل: هم جميع أهل الباطل. # فصل # قالت المعتزلة قوله { والله يريد أن يتوب عليكم } يدل ~~على أنه تعالى يريد التوبة من الكل والطاعة من الكل. # وقال أهل السنة، هذا محال؛ لأنه تعالى علم من الفاسق أنه لا ~~يتوب، وعلمه بأنه لا يتوب مع توبته ضدان، وذلك العلم ممتنع الزوال ~~مع وجود أحد الضدين، وكانت إرادة ضد الآخر إرادة لما علم كونه ~~محالا، وذلك محال، وأيضا فإنه إذا كان يريد التوبة من ~~الكل، ويريد الشيطان أن تميلوا ميلا عظيما، ثم يحصل مراد ~~الشيطان لا مراد الرحمن، فحينئذ نفاذ الشيطان في ملك الرحمن أتم من ~~نفاذ ms2542 الرحمن في ملك نفسه، وذلك محال؛ فثبت أن قوله { والله ~~يريد أن يتوب عليكم } خطاب مع قوم معنيين حصلت هذه التوبة ~~لهم. ### || [4.28] # في هذه الجملة احتمالان: # أصحهما: أنها مستأنفة لا محل لها من الإعراب. # والثاني: أنها حال من قوله # والله يريد أن يتوب عليكم # [النساء:27] العامل فيها يريد أي: والله يريد أن يتوب عليكم يريد أن ~~يخفف عنكم، وفي هذا الإعراب نظر من وجهين: # أحدهما: أنه يؤدي إلى الفصل بين الحال، وبين عاملها بجملة معطوفة ~~على جملة العامل في الحال ضمير تلك الجملة المعطوف عليها، والجملة ~~المعطوفة وهي # ويريد الذين يتبعون # [النساء:27]جملة أجنبية من الحال وعاملها. # والثاني: أن الفعل الذي وقع حالا رفع الاسم الظاهر فوقع الربط ~~بالظاهر؛ لأن { يريد } رفع اسم الله، وكان من حقه أن يرفع ضميره، ~~والربط بالظاهر إنما وقع بالجملة الواقعة خبرا أو وصلة، ~~أما الواقعة حالا وصفة فلا، إلا أن يرد به سماع، ويصير هذا الإعراب ~~نظير: " بكر يخرج يضرب بكر خالدا " ولم يذكر مفعول التخفيف فهو محذوف، ~~فقيل تقديره: يخفف عنكم تكليف النظر، وإزال الحيرة، وقيل: إثم ما ~~يرتكبون، وقيل: عام في جميع أحكام الشرع وقد سهل علينا كما قال تعالى # ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم # [الأعراف:157] وقال عليه السلام: # " بعثت بالحنفية السمحة " # وقال # يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر # [البقرة: 185] وقال # وما جعل عليكم في الدين من حرج # [الحج: 78] وقال مجاهد ومقاتل: المراد به [إباحة] نكاح الأمة عند ~~الضرورة. # قوله تعالى: { وخلق الإنسان ضعيفا } والمعنى أنه لضعفه خفف ~~تكليف، والأقرب أن يحمل هذا الضعف على كثرة الدواعي إلى اتباع الشهوة ~~واللذة لا على ضعيف الخلقة [لأن ضعيف الخلقة] لو قوى الله داعيته إلى ~~الطاعة كان في حكم القوي والقوي في الخلقة إذا كان ضعيف الدواعي إلى ~~الطاعة صار في حكم الضعيف، فالتأثير في هذا الباب لضعف الداعية وقوتها لا ~~لضعف البدن. # قال طاوس والكلبي وغيرهما: في أمر النساء لا يصبر عنهن. # وقال ابن كيسان: خلق الله الإنسان ضعيفا ms2543 أي بأن تستميله شهوته. # وقال الحسن: المراد ضعيف الخلقة وهو أنه [خلقه] من ماء مهين. وقال تعالى # الله الذي خلقكم من ضعف # [الروم: 54]. فصل # وفي نصب ضعيفا أربعة أوجه: # أظهرها: أنه حال من الإنسان وهي حال مؤكدة. # والثاني: - كأنه تمييز قالوا: لأنه يصلح لدخول " من " وهذا غلط. # الثالث:- أنه على حذف حرف الجر، والأصل: خلق من شيء ضعيف، أي: من ماء ~~مهين، أو من نطفة، فلما حذف الموصوف وحرف الجر وصل الفعل إليه ~~بنفسه فنصبه. # الرابع:- وإليه أشار ابن عطية، أنه منصوب على أنه مفعول ثان ب " خلق " ~~قالوا: ويصح أن يكون خلق بمعنى " جعل " فيكسبها ذلك قوة التعدي إلى ~~المفعولين فيكون قوله " ضعيفا " مفعولا ثانيا، وهذا الذي ذكره غريب لم ~~نرهم نصوا على أن خلق يكون ك " جعل " فيتعدى لاثنين مع حصرهم الأفعال ~~المتعدية للاثنين، ورأيناها يقولون: إن " جعل " إذا كان بمعنى " ~~خلق " تعدت لواحد. # فصل # روي عن ابن عباس أنه قال: ثماني آيات في سورة النساء خير لهذه الأمة مما ~~طلعت عليه الشمس وغربت قوله تعالى # يريد الله ليبين لكم # [النساء: 26] # والله يريد أن يتوب عليكم # [بالنساء:27] { يريد الله أن يخفف عنكم } و # إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه # [النساء: 31] # إن الله لا يغفر أن يشرك به # [النساء: 48] # إن الله لا يظلم مثقال ذرة # [النساء: 40]، # ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه # [النساء: 110] و # ما يفعل الله بعذابكم # [النساء: 147]. ### || [4.29] # في كيفية النظم وجهان: # أحدهما: أنه تعالى لما ذكر كيفية التصرف في النفوس بسبب النكاح ذكر ~~كيفية التصرف في الأموال. # الثاني: لما ذكر ابتغاء النكاح بالأموال وأمر بإبقاء المهور بين بعد ~~ذلك كيفية التصرف في الأموال، وخص الأكل بالذكر دون غيره من التصرفات ~~لأنه المقصود الأعظم من الأموال؛ لقوله تعالى # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما # [النساء: 10]، واختلفوا في تفسير الباطل فقيل هو الربا والغصب والقمار ~~والسرقة والخيانة وشهادة الزور وأخذ المال باليمين الكاذبة، وعلى هذا ~~تكون الآية مجملة لأنه يصير التقدير: لا تأكلوا أموالكم التي حصلتموها ~~بطريق غير مشروع، ولم ms2544 يذكر ههنا الطريقة المشروعة على التفصيل فصارت ~~الآية مجملة. # وروي عن ابن عباس والحسن أن الباطل هو ما يؤخذ من الإنسان بغير عوض وعلى ~~هذا لا تكون الآية مجملة لكن قال بعضهم: إنها منسوخة: قال لما نزلت هذه ~~الآية تحرج الناس من أن يأكلوا عند أحد شيئا وشق ذلك على الخلق. فنسخ ~~الله تعالى ذلك بقوله في سورة النور # ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا ~~على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من ~~بيوتكم أو بيوت آبآئكم أو بيوت أمهاتكم # [النور: 61] وأيضا إنما هو تخصيص ولهذا روى الشعبي عن علقمة عن ابن ~~مسعود رضي الله عنه أنه قال: هذه الآية محكمة ما نسخت ولا تنسخ إلى يوم ~~القيامة. # وقيل: المراد بالباطل [هو] العقود الفاسدة، وقوله { لا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل } [يدخل فيه أكل مال الغير ~~بالباطل] وأكل مال نفسه بالباطل فيدخل فيه القسمان معا كقوله: { ولا ~~تقتلوا أنفسكم } يدل على النهي عن قتل غيره وقتل نفسه أما أكل ~~مال نفسه بالباطل فهو إنفاقه في معاصي الله تعالى، وأما أكل مال غيره ~~بالباطل فقد عددناه. # قوله: { إلا أن تكون تجارة } في هذا الاستثناء قولان: # أصحهما: أنه استثناء منقطع لوجهين: # أحدهما: أن التجارة لم تندرج في الأموال المأكولة بالباطل حتى يستثنى ~~عنها سواء فسرنا الباطل بغير عوض، أو بغير طريق شرعي. # والثاني: أن المستثنى كون، والكون ليس مالا من الأموال. # الثالث: أنه متصل قيل: لأن المعنى لا تأكلوها بسبب إلا أن تكون تجارة. # قال أبو البقاء: وهو ضعيف؛ لأنه قال: بالباطل، والتجارة ليست من جنس ~~الباطل، وفي الكلام حذف مضاف تقديره؛ إلا في حال كونها تجارة، أو في وقت ~~كونها تجارة انتهى. ف " أن " تكون في محل نصب على الاستثناء وقد تقدم ~~تحقيقه. # وقرأ الكوفيون تجارة نصبا على أن كان ناقصة، واسمها مستتر فيها يعود ~~على الأموال، ولا بد من حذف مضاف من " تجارة " تقديره: إلا أن تكون ~~الأموال أموال تجارة، ويجوز أن يفسر الضمير بالتجارة بعدها أي: ms2545 إلا أن ~~تكون التجارة تجارة كقوله: [الطويل] # 1790-..................... # إذا كان يوما ذا كواكب أشنعا # أي إذا كان اليوم يوما، واختار أبو عبيدة قراءة الكوفيين، وقرأ ~~الباقون " تجارة " رفعا على أنها " كان " التامة قال مكي: وأكثر كلام ~~العرب أن قولهم " إلا أن تكون " في هذا الاستثناء بغير ضمير فيها يعود ~~على معنى: يحدث ويقع، وقد تقدم الكلام على ذلك في البقرة. # وقوله: { عن تراض } متعلق بمحذوف لأنه صفة ل " تجارة " فموضعه رفع ~~أو نصب على حسب القراءتين، وأصل " تراض " " تراضو " بالواو؛ [لأنه مصدر ~~تراضي تفاعل من رضي، ورضي من ذوات الواو بدليل الرضوان، ~~وإنما تطرفت الواو بعد كسرة] فقلبت ياء فقلت: تراضيا، و " منكم " صفة ~~لتراض، فهو محل جر و " من " لابتداء الغاية. # فصل # والتجارة في اللغة عبارة عن المعاوضة ومنه الأجر الذي يعطيه الله تعالى ~~للعبد عوضا من الأعمال الصالحة. # قال تعالى: # يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة ~~تنجيكم من عذاب أليم # [الصف: 10] وقال # يرجون تجارة لن تبور # [فاطر: 29] وقال # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم # [التوبة: 111]، فسمى ذلك كله بيعا وشراء على وجه المجاز، ~~تشبيها بعقود المبيعات التي تحصل بها الأغرار. # فصل: كل معاوضة تجارة # اعلم أن كل معاوضة تجارة على أي وجه كان العوض، إلا أن ~~قوله تعالى { بالباطل } أخرج منها كل عوض لا يجوز شرعا من ~~ربا وغيره أو عوض فاسد كالخمر، والخنزير، وغير ذلك، ويخرج ~~أيضا كل عقد جائز لا عوض فيه كالقرض والصدقة، والهبة، لا ~~للثواب، وجازت عقود التبرعات بأدلة أخر، وخرج منها ~~دعاء أخيك إياك إلى طعامه، بآية النور، على ما سيأتي إن ~~شاء الله - تعالى -. # فصل # قال القرطبي: لو اشتريت في السوق شيئا فقال لك ~~صاحبه قبل الشراء ذقه، وأنت في حل، فلا تأكل منه؛ لأن ~~إذنه في الأكل لأجل الشراء، فربما لا يقع بينكم بيع، فيكون ~~ذلك شبهة، لكن لو وصف لك صفة فاشتريت، فلم تجده على تلك الصفة ~~فأنت بالخيار. # فصل # قوله { عن تراض منكم } أي: بطيبة نفس كل واحد ms2546 منكم على ~~الوجه المشروع. # وقيل هو أن يخير كل واحد من المتابعين صاحبه بعد ~~البيع، فيلزم وإلا فلهما الخيار ما لم يتفرقا لقوله عليه ~~السلام: # " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا " # أو يخير كل واحد منهما صاحبه متبايعا على ذلك، فقد وجب ~~البيع، واعلم: أنه كما يحل المستفاد من التجارة، فقد ~~يحل أيضا المال المستفاد من الهبة، والوصية والإرث، ~~والصدقة، والمهر، وأروش الجنايات، فإن أسباب المال كثيرة ~~سوى التجارة. # فإن قلنا: الاستثناء منقطع، فلا إشكال؛ لأنه تعالى ذكر ~~هاهنا شيئا واحدا، من أسباب الملك، ولم يذكره غيره بنفي، ولا ~~إثبات. # وإن قلنا: الاستثناء متصل كان ذلك حكما بأن غير التجارة ~~لا يفيد الحل، وعلى هذا لا بد من النسخ، والتخصيص. # فصل # ذهب بعض العلماء إلى أن النهي في المعاملات يقتضي ~~البطلان، وقال أبو حنيفة: لا يدل عليه واحتج الأولون ~~بوجوه: # أحدها: أن جميع الأموال مملوكة لله تعالى، فإذا أذن لبعض ~~عبيده في بعض التصرفات، كان ذلك جاريا مجرى ما إذا وكل ~~الإنسان وكيلا في بعض التصرفات، ثم إن الوكيل تصرف على ~~خلاف قول الموكل، فذلك غير منعقد، فإذا كان التصرف الواقع على ~~خلاف قول المالك المجازي لا ينعقد، فالتصرف الواقع على خلاف ~~قول المالك الحقيقي غير منعقد بطريق الأولى. # وثانيها: أن التصرفات الفاسدة؛ إما أن تكون مستلزمة ~~لدخول المحرم المنهي في الوجود أو لا، فإن كان الأول وجب ~~القول ببطلانها قياسا على التصرفات الفاسدة، والجامع السعي في ألا ~~يدخل منشأ النهي في الوجود، وإن كان الثاني؛ وجب ~~القول بصحتها قياسا على التصرفات الصحيحة، والجامع كونها ~~تصرفات خالية عن المفسدة، فثبت أنه لا بد من وقوع ~~التصرف على هذين الوجهين، فأما القول بتصرف لا يكون ~~صحيحا، ولا باطلا، فهو محال. # وثالثها: أن قوله: # " لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين " # كقوله: " لا تبيعوا الحر بالعبد " فكما أن هذا نهي في اللفظ، لكنه ~~نسخ للشرعية [فكذا الأول، وإذا كان نسخا للشرعية]، بطل ~~كونه مفيدا للحكم. # قوله { ولا تقتلوا أنفسكم } قرأ علي - رضي الله عنه ~~-: " تقتلوا " بالتشديد ms2547 على التكثير، والمعنى لا يقتل ~~بعضكم بعضا، وإنما قال { أنفسكم } لقوله عليه الصلاة ~~والسلام: # " المؤمنون كنفس واحدة " # ولأن العرب يقولون " قتلنا ورب الكعبة " إذا قتل ~~بعضهم؛ لأن قتل بعضهم، يجري مجرى قتلهم. # فإن قيل: المؤمن مع إيمانه لا يجوز أن ينهى عن قتل ~~نفسه، لأنه ملجأ إلى ألا يقتل نفسه، لأن الصارف عنه ~~قائم، وهو الألم الشديد، والذم العظيم، والصارف عنه في ~~الآخرة قائم وهو استحقاق العذاب العظيم. # إذا كان كذلك، لم يكن للنهي عنه فائدة، وإنما يمكن ~~هذا النهي، فيمن يعتقد في قتل نفسه ما يعتقده أهل ~~الهند، وذلك لا يتأتى من المؤمن. # فالجواب: أن المؤمن مع إيمانه، قد يلحقه من الغم، ~~والأذية ما يكون القتل عليه أسهل من ذلك، ولذلك نرى ~~كثيرا من المسلمين يقتلون أنفسهم، بمثل السبب ~~الذي ذكرناه، ويحتمل أن معناه لا تفعلوا ما ~~تستحقون به القتل كالزنا بعد الإحصان والردة، وقتل ~~النفس المعصومة، ثم بين تعالى أنه رحيم بعباده، ولأجل ~~رحمته نهاهم هم كل ما يستوجبون به مشقة، أو محنة حيث لم ~~يأمرهم بقتلهم أنفسهم كما أمر به بني إسرائيل ليكون توبة لهم ~~وكان بكم يا أمة محمد رحيما، حيث لم يكلفكم تلك التكاليف ~~الصعبة. ### || [4.30] # قوله: { ومن يفعل ذلك } " من " شرطية [مبتدأ]، والخبر " ~~فسوف " والفاء هنا واجبة لعدم صلاحية الجواب للشرط، و ~~" ذلك " إشارة إلى قتل الأنفس قال الزجاج: يعود إلى قتل ~~الأنفس، وأكل المال بالباطل؛ لأنهما مذكوران في آية واحدة. # وقال ابن عباس: إنه يعود على كل ما نهى الله عنه من ~~أول السورة إلى هذا الموضع، وقال الطبري: " ذلك " عائد على ~~ما نهي عنه من آخر وعيد وذلك قوله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا ~~النسآء كرها # [النساء: 19]؛ لأن كل ما ينهى عنه من أول السورة قرن به وعيد، ~~إلا من قوله: # يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا ~~النسآء كرها # [النساء: 19] فإنه لا وعيد بعده إلا قوله: { ومن يفعل ~~ذلك عدوانا } [النساء: 30] الآية. وقيل الوعيد ms2548 بذكر العدوان ~~والظلم، ليخرج منه فعل السهو والغلط، وذكر العدوان، ~~والظلم مع تقارب معناهما لاختلاف ألفاظهما كقوله: " بعدا " و " ~~سحقا " وقوله يعقوب عليه السلام: # إنمآ أشكو بثي وحزني إلى الله # [يوسف: 86] وقوله: [الوافر] # 1791- أ-........................... # وألفى قولها كذبا ومينا # و " عدوانا وظلما " حالان أي: متعديا ظالما أو مفعول من أجلها وشروط ~~النصب متوفرة وقرئ: " عدوانا " بكسر العين. و " العدوان ": ~~مجاورة الحد، والظلم: وضع الشيء في غير محله، ومعنى { ~~نصليه نارا } ، أي: يمسه حرها. وقرأ الجمهور: { نصليه } ~~من أصلى، والنون للتعظيم. وقرأ الأعمش: " نصليه " مشددا. # وقرئ: " نصليه " بفتح النون من صليته النار. ومنه: " شاة ~~مصلية ". # و " يصليه " بياء الغيبة. وفي الفاعل احتمالان: # أحدهما: أنه ضمير الباري تعالى. # والثاني: أنه ضمير عائد على ما أشير به إليه من القتل؛ ~~لأنه سبب في ذلك ونكر " نارا " تعظيما. # { وكان ذلك على الله يسيرا } أي: هينا. ### || [4.31] # قرأ ابن جبير، وابن مسعود: " كبير " بالإفراد والمراد به ~~الكفر وقرأ المفضل: " يكفر " ، " ويدخلكم " بياء الغيبة ~~لله تعالى. # وقرأ ابن عباس: " من سيئاتكم " بزيادة " من ". وقرأ نافع ~~وحده هنا وفي الحج: " مدخلا " بفتح الميم، والباقون بضمها، ولم ~~يختلفوا في ضم التي في الإسراء. فأما مضموم الميم، فإنه ~~يحتمل وجهين: # أحدهما: أنه مصدر وقد تقرر أن اسم المصدر من ~~الرباعي فما فوقه كاسم المفعول، والمدخول فيه على هذا ~~محذوف أي: " ويدخلكم الجنة إدخالا ". # والثاني: أنه اسم مكان الدخول، وفي نصبه حينئذ ~~احتمالان " # أحدهما: أنه منصوب على الظرف، وهو مذهب سيبويه. # والثاني: أنه مفعول به، وهو مذهب الأخفش، وهكذا كل مكان ~~مختص بعد " دخل " فإن فيه هذين المذهبين، وهذه القراءة ~~واضحة، لأن اسم المصدر، والمكان جاريان على فعليهما. # وأما قراءة نافع، فتحتاج إلى تأويل، وذلك لأن الميم المفتوحة ~~إنما هو من الثلاثي، والفعل السابق لهذا رباعي فقيل: إنه ~~منصوب بفعل مقدر مطاوع لهذا الفعل، والتقدير: يدخلكم، فتدخلون ~~مدخلا. # و " مدخلا " منصوب على ما تقدم: إما المصدرية، وإما ~~المكانية بوجهيها. # وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد نحو: # أنبتكم من الأرض نباتا # [نوح: ms2549 17] على أحد القولين. # فصل # روى ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أكبر الكبائر الإشراك بالله عز وجل وعقوق ~~الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس ". # وقال عليه السلام: # " " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ " ثلاثا. فقالوا: بلى يا ~~رسول الله. قال: " الإشراك بالله، وعقوق الوالدين - ~~وكان متكئا فجلس - وقال: ألا وقول الزور " # فما زال يكررها، حتى قلنا ليته سكت. # " وعن عمر بن شراحيل عن عبد الله قال: قلت يا رسول ~~الله: أي الذنب أعظم. قال: " أن تجعل لله ندا ~~وهو خالقك " قال: ثم أي. قال: " أن تقتل ولدك ~~مخافة أن يأكل معك ". قلت: ثم أي. قال " أن تزاني ~~حليلة جارك " # فأنزل الله - تعالى - تصديق قول النبي صلى الله عليه وسلم في ~~قوله تعالى: # والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا ~~يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا ~~يزنون # [الفرقان: 68] وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " اجتنبوا السبع الموبقات قالوا يا رسول الله، وما ~~هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي ~~حرم الله إلا بالحق وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، ~~والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات ". # وقال عبد الله بن مسعود: أكبر الكبائر الشرك بالله، ~~والأمن من مكر الله والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح ~~الله. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه: قال وكيف ~~يسب الرجل والديه قال: [يسب الرجل أبا الرجل وأمه] ~~فيسب أباه ويسب أمه ". # وعن سعيد بن جبير أن رجلا سأل ابن عباس عن الكبائر ~~أسبع هي قال: هي إلى السبعمائة أقرب [غير] أنه لا كبيرة مع ~~الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار، وقال: كل شيء عصي الله ~~به، فهو كبيرة، فمن عمل شيئا منها، فليستغفر الله فإن ~~الله لا يخلد في النار من هذه الأمة إلا من كان راجعا عن ~~الإسلام، أو جاحدا فريضته، أو مكذبا بقدره. قال ابن الخطيب: وهذا ~~القول ضعيف؛ لأنه لا فرق بينهما كقوله: يكفر، وما لا يكفرون ms2550 في ~~الحديث: تعيين أشياء من الكبائر منها: الشرك، واليمين الغموس ~~[والربا] وعقوق الوالدين، والقتل، وغيرهما ولقوله تعالى: # وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان # [الحجرات: 7] فالكبائر هي الفسوق والصغائر هي العصيان حتى يصح ~~العطف. احتج ابن عباس ما إذا اعتبر المعاصي بالنسبة إلى جلال ~~الله تعالى، وعظمته كانت كبائر بالنسبة لكثرة نعمه تعالى، فذلك ~~لعدم تناهيها، فكل ذنب كبيرة. # والجواب كما أنه سبحانه وتعالى أجل الموجودات، وأشرفهم، وهو أرحم ~~الراحمين، وأغنى الأغنياء عن الطاعات وذلك يوجب خفة الذنب ثم ~~إنها وإن كان كبيرة فبعضها أكبر من بعض. # فصل # قال بعضهم: لتمييز الكبيرة عن الصغيرة بذاتها، وقيل: إنما تتميز ~~بحسب [حال فاعليها] فالأولون لهم أقوال، أولها: قال ابن عباس: ~~كل ما قرن بذكر الوعيد، فهو كبيرة كالقتل، والقذف. # الثاني: عن ابن مسعود: كل ما نهي عنه من أول النساء إلى ~~ثلاثة وثلاثين آية فهو كبيرة لقوله: { إن تجتنبوا كبآئر ما ~~تنهون عنه }. # الثالث: قتل كل عمد فهو كبيرة على الأول لأن كل ذن لا بد أن ~~يكون متعلق الذم عاجلا، والعقاب آجلا وهذا يقتضي أن كل ذنب ~~كبيرة، وعلى الثاني أن الكبائر مذكورة في سائر السور، فلا معنى ~~لتخصيصها بهذه السورة، وعن الثالث إن أراد بالعمد أنه ليس ~~بساه فهذا هو الذي نهي عنه، فيكون كل ذنب كبيرة، وإن أراد انه ~~يفعله مع العلم به، فإنه معصية فمعلوم أن اليهود ~~والنصارى يكفرون بمحمد صلى الله عليه وسلم ولا يعلمون أنه ~~معصية، وذلك كفر وكبيرة، فبطلت هذه الوجوه الثلاثة. # وأما القول الثاني أن الكبائر تمتاز عن الصغائر باعتبار ~~فاعلها، فهو قول من يقول للطاعة قدر من الثواب وللمعصية قدر من ~~العقاب فالقسمة العقلية تقتضي أقسام التساوي والتعادل، ~~ورجحان الثواب، ورجحان العقاب فالأول ممكن عقلا إلا أن ~~الدليل السمعي دل على أنه لا يوجد لقوله تعالى: # فريق في الجنة وفريق في السعير # [الشورى: 7] ولو وجد ذلك لم يكن في الجنة، ولا في السعير. # والثاني: ينحبط العقاب بما يساويه من الثواب، والمعصية هي ~~الصغيرة تسمى الانحباط ms2551 بالتكفير. # والثالث: ينحبط الثواب بما يساويه من العقاب، ويسمى الكبيرة، ~~وسمي الانحباط بالإحباط، فظهر الفرق بين الكبيرة والصغيرة، وهذا ~~قول جمهور المعتزلة، وهو مبني على أصول باطلة: # الأول: أن الطاعة توجب ثوابا والمعصية توجب عقابا، وهو باطل ~~لما تقدم من أن الفعل يتوقف على داعية من الله تعالى، وذلك ~~يمنع الإيجاب. # ولأن من اشتغل بالعبادة والتوحيد ثمانين سنة، ثم شرب ~~قطرة خمر، فإن قالوا بالإحباط خالف الضرورة والإجماع، وإن خالف ~~وقالوا بترجيح الثواب نقضوا أصلهم من التحسين والتقبيح ~~العقليين فتبطل قواعدهم. # ولأنه سمى الله تعالى كبيرة لسابقه [على الطاعة] وموجبة لها [فأول ~~واجب] لا يستحق ثوابا، فيكون عقاب كل معصية أن لا بد من ثواب ~~فاعلها، فتكون جميع المعاصي كبائر، وهو باطل، وقد تقدم القول بإبطال ~~القول بالإحباط. # فصل # قال ابن الخطيب: الأكثرون على أن الله تعالى لم يميز ~~الكبائر، ولم يعينها، قالوا: لأن تمييزها وتعيينها مع إخباره ~~بأن اجتنابها يكفر الصغائر إغراء بالإقدام على الصغائر، وذلك ~~قبيح لا يليق بالحكمة، أما إذا لم يميزها، كتحرير كون ~~المعصية كبيرة زاجرا عن الإقدام عليها كإخفاء ليلة القدر وساعة ~~الجمعة والصلاة الوسطى ووقت الموت مع تجوز تعيين بعض الكبائر كما ورد في ~~الحديث والآيات كما ذكر عن ابن عباس أنها سبعة فقال هي إلى ~~السبعمائة أقرب. # فصل # احتج الكعبي بهذه الآية على القطع بوعيد أصحاب الكبائر قال: ~~لأنه تعالى بين أن من اجتنب الكبائر يكفر عنه سيئاته، فدل ~~على أن من لم يجتنبها لم تكفر عنه، ولو جاز أن يغفر ~~الكبائر، والصغائر، لم يصح هذا الكلام. # والجواب من وجوه: # الأول: إنكم إما أن تستدلوا بأن تخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي ~~الحكم عما عداه، فذلك باطل عند المعتزلة، وعندنا دلالته ~~ظنية ضعيفة. # وإما أن تستدلوا به من حيث أن المعلق على الشيء بكلمة " إن " عدم عند ~~عدم ذلك، فهذا أيضا ضعيف لقوله تعالى: # واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون # [النحل: 114] والشكر واجب مطلقا ولقوله تعالى # فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي ms2552 اؤتمن ~~أمانته # [البقرة: 283] وأداء الأمانة واجب مطلقا ولقوله تعالى # فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان # [البقرة: 282] يجوز شهادتهم مع وجود الرجال وقوله: # ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة # [البقرة: 283]، # ولا تكرهوا فتياتكم على البغآء إن أردن ~~تحصنا # [النور: 33]، # وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما ~~طاب لكم من النسآء # [النساء: 3]. # وقوله # أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم ~~الذين كفروا إن الكافرين # [النساء: 101]. # فإن كن نسآء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك # [النساء: 11] # إن يريدآ إصلاحا يوفق الله بينهمآ # [النساء: 35]، # وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته # [النساء: 130]. # وهذا كله يدل على العدم بهذا الكلام، والعجب أن القاضي ~~عبد الجبار لا يرى أن المعلق على الشيء كلمة " إن " عدم ~~عنه العدم، واستحسن في التفسير استدلاله على الكفر بهذه الآية. # الجواب الثاني: قال أبو مسلم: جاءت هذه الآية عقيب نكاح ~~المحرمات، وعضل النساء، وأخذ أموال اليتامى [وأكل المال بالباطل ~~و] غير ذلك فالمراد إن تجتنبوا هذه الكبائر التي نهيناكم عنها، ~~كفرنا عنكم سيئاتكم [أي: ما سلف] من ارتكابها وإذا احتمل هذا؛ ~~لم يتعين ما ذكره المعتزلة، واعترضه القاضي بوجهين: # أحدهما: أن الآية عامة، فلا تخصيص بذلك. # الثاني: أن اجتنابهم إما أن يكون مع التوبة، والتوبة قد ~~أزالت العقاب أو بدونها، فمن أين أن اجتناب هذه الكبائر، توجب ~~تكفير تلك السيئات. # والجواب عن الأول: أنا لا ندفع القطع بذلك، بل نقول: هو ~~يحتمل، فلا يتعين ما ذكرتموه. # وعن الثاني: أن ما ذكروه لا يقدح في الاحتمال المذكور [هنا]. # الجواب الثاني: أن المعاصي: قد تكون كبيرة بالنسبة إلى ~~شيء، صغيرة بالنسبة إلى شيء آخر، وكذلك العكس، فليس ثمة ما يكون ~~كبيرة مطلقا، إلا الكفر، وأنواعه [كثيرة]، فلما لم يكن المراد إن ~~تجتنبوا الكفر بأنواعه، يغفر لكم ما وراءه، وهذا احتمال ~~ظاهر مطابق لقوله تعالى: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء: 48]، سقط استدلالهم بذلك. # فصل # قال القرطبي: قال الأصوليون: لا يجب القطع بتكفير ~~الصغائر باجتناب ms2553 الكبائر، وإنما محمل ذلك على غلبة الظن، ~~وقوة الرجاء، والمشيئة ثابتة، ودل على ذلك: أنا لو قطعنا ~~لمجتنب الكبائر، وممتثل الفرائض، تكفير صغائره قطعا؛ لكانت ~~له في حكم المباح الذي يقطع بأن أتباعه عليه، وذلك نقض لعرى ~~الشريعة، ولا صغيرة عندنا. # قال القشيري: والصحيح أنها كبائر ولكن بعضها أعظم وقعا ~~من بعض، والحكمة في عدم التمييز أن يجتنب العبد جميع المعاصي. # قال القرطبي: وأيضا من نظر إلى بعض المخالفة كما قال بعضهم: لا ~~تنظر إلى صغر الذنب، ولكن انظر من عصيت [فإن كان الأمر ~~كذلك] كانت الذنوب بهذه النسبة كلها كبائر، وعلى هذا النحو ~~يخرج كلام القشيري، وأبي إسحاق الإسفراييني والقاضي أبي ~~بكر بن الطيب قالوا: وإنما يقال لبعضها صغيرة بالإضافة ~~إلى ما هو أكبر منها كما يقال: الزنا صغيرة بإضافته إلى الكفر، ~~والقبلة المحرمة صغيرة بالنسبة إلى الزنا، ولا ذنب ~~عندنا يغفر باجتناب ذنب آخر، بل كل ذنب كبيرة ~~ومرتكبه في المشيئة، غير الكفر لقوله تعالى # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء: 48] قالوا: هذه الآية يرد إليها جميع الآيات المطلقة، ~~يزيد عليها قوله عليه السلام: # " من اقتطع حق امرىء مسلم بيمينه فقد أوجب الله له ~~النار وحرم عليه الجنة فقال رجل: يا رسول الله، وإن ~~كان شيئا يسيرا فقال: وإن كان قضيبا من أراك " # فقد جاء الوعيد الشديد على اليسير، كما جاء على الكثير. # وقال عبد الله بن [مسعود: " ما نهى الله عنه في تلك ~~السورة إلى قوله: { إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون ~~عنه } فهو كبيرة. # وقال [علي] بن] أبي طلحة: الكبيرة: كل ذنب ختمه الله بنار، أو ~~غضب، أو لعنة، أو عذاب [أو آثام] ". # وقال الضحاك: " الكبيرة ما أوعد الله عليه حدا في الدنيا، ~~وعذابا في الآخرة ". # وقال الحسين [بن الفضل]: ما سماه الله في القرآن كبيرا، أو ~~عظيما نحو قوله تعالى: # إنه كان حوبا كبيرا # [النساء: 2]، # إن قتلهم كان خطئا كبيرا # [الإسراء: 31]، # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]، # سبحانك هذا ms2554 بهتان عظيم # [النور: 16]، # إن ذلكم كان عند الله عظيما # [الأحزاب: 53]. # وقال سفيان الثوري: " الكبائر هي المظالم بينك وبين ~~العباد، والصغائر: ما كان بينك وبين الله، إن الله ~~كريم يعفو [ويصفح] ". # وقال مالك بن مغول: " الكبائر: ذنوب أهل البدع، والسيئات: ~~ذنوب أهل السنة [الصغائر] ". # وقيل: " الكبائر ذنوب العمد، والسيئات الخطأ والنسيان، وما ~~أكره عليه، وحديث النفس المرفوعة عن هذه الأمة ". # وقال السدي: الكبائر ما نهى الله عنه من [الذنوب] ~~الكبائر والسيئات مقدماتها وتوابعها، وما يجتمع فيه الصالح ~~والفاسق مثل النظرة، واللمسة، والقبلة، وأشباهها. قال عليه ~~السلام: # " العينان تزنيان، واليدان تزنيان، والرجلان ~~تزنيان، ويصدق ذلك الفرج، أو يكذبه ". # وقيل: الكبائر الشرك، وما يؤدي إليه، وما دون الشرك، ~~فهو من السيئات. قال تعالى: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء: 48]. # قوله: { نكفر عنكم سيئاتكم }. # قال المفسرون: أي من الصلاة إلى الصلاة، ومن الجمعة إلى ~~الجمعة، ومن رمضان إلى رمضان، لقوله عليه السلام: # " [الصلوات] الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان ~~مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر ". # { وندخلكم مدخلا كريما } أي حسنا وهو الجنة. ### || [4.32] # في كيفية النظم وجهان: # أحدهما: قال القفال: " لما نهاهم في الآية المتقدمة عن أكل ~~الأموال بالباطل، وعن قتل النفوس، أمرهم في هذه الآية بما ~~سهل عليهم ترك هذه المنهيات، وهو أن يرضى كل واحد بما ~~قسم الله، فإنه إذا لم يرض، وقع في الحسد، وإذا وقع في ~~الحسد وقع لا محالة في أخذ الأموال بالباطل، وفي قتل ~~النفوس ". # الثاني: أن أخذ الأموال بالباطل، وقتل النفوس من أعمال ~~الجوارح، فأمر أولا بتركها ليصير الظاهر طاهرا عن الأفعال ~~القبيحة، ثم أمره بعدها بترك التعرض لنفوس الناس، ~~وأموالهم بالقلب على سبيل الحسد، ليصير الباطن أيضا طاهرا ~~عن الأخلاق الذميمة. # فصل في سبب نزول الآية # قال مجاهد: " قالت أم سلمة: يا رسول الله، إن الرجال ~~يغزون ولا نغزو، ولهم ضعف ما لنا من الميراث، فلو ~~كنا رجالا غزونا كما غزوا، وأخذنا من الميراث مثلما ~~أخذوا؟ فنزلت ms2555 هذه الآية ". # وقيل: لما جعل الله للذكر مثل حظ الانثيين في الميراث، ~~قالت النساء: نحن أحوج إلى الزيادة من الرجال؛ لأنا ~~ضعفاء، وهم أقوياء، وأقدر منا على المعاش فنزلت الآية. # وقال قتادة والسدي: لما نزل قوله تعالى: # للذكر مثل حظ الأنثيين # [النساء: 11]؛ قال الرجال: إن لنرجو أن نفضل على النساء ~~بحسناتنا في الآخرة، فيكون أجرنا على الضعف من أجر النساء كما ~~فضلنا عليهن في الميراث في الدنيا، فقال الله تعالى: { ~~للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنسآء نصيب ~~مما اكتسبن } [النساء: 32]. # وقيل: أتت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: رب ~~الرجال والنساء واحد، وأنت الرسول إلينا، وإليهم، وأبونا ~~آدم، وأمنا حواء، فما السبب في أن الله يذكر ~~الرجال، ولا يذكرنا؛ فنزلت الآية، فقالت: وقد سبقنا ~~الرجال بالجهاد فما لنا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: # " إن للحامل منكن أجر الصائم القائم، فإذا ~~ضربها الطلق لم يدر أحد ما لها من الأجر، فإذا ~~أرضعت كان لها بكل مصة أجر إحياء نفس ". # قوله: { ما فضل الله } " ما " موصولة، أو نكرة موصوفة، والعائد ~~الهاء في " به " ، و " بعضكم " مفعول ب " فضل " ، و " على ~~بعض " متعلق به. # فصل # قال القرطبي: التمني نوع من الإرادة يتعلق بالمستقبل، ~~واعلم أن الإنسان إذا شاهد أنواع الفضائل حاصلة لإنسان، ووجد ~~نفسه خاليا عن جملتها، أو عن أكثرها، فحينئذ يتألم قلبه، ثم ~~يعرض هاهنا حالتان: # إحداهما: [أن يتمنى] زوال تلك السعادات عن ذلك الإنسان. # والأخرى: لا يتمنى ذلك، بل يتمنى حصول مثلها له. # فالأول هو الحسد المذموم، والثاني هو الغبطة، فأما كون ~~الحسد مذموما؛ فلأن الله تعالى لما دبر هذا العالم، وأفاض أنواع ~~الكرم عليهم، فمن تمنى زوال ذلك؛ فكأنه اعترض على الله في فعله، ~~وفي حكمته، وربما اعتقد في نفسه، أنه أحق بتلك ~~النعم من ذلك الإنسان، وهذا اعتراض على الله، فيما يلقيه ~~من الكفر، وفساد الدين، وقطع المودة، والمحبة، ~~وينقلب ذلك إلى أضداده. # وأما سبب المنع من الحسد، فعلى مذهب أهل السنة، فلأنه تعالى # فعال لما يريد # [البروج: ms2556 16]، # لا يسأل عما يفعل وهم يسألون # [الأنبياء: 23]، ولا اعتراض عليه في فعله، وعلى مذهب ~~المعتزلة، فلأنه تعالى علام الغيوب، فهو أعرف من خلقه بوجوه ~~المصالح، ولهذا [المعنى] قال تعالى: # ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ~~ولكن ينزل بقدر ما يشآء # [الشورى: 27]، فلا بد لكل عاقل من الرضا بقضاء الله، ومما ~~يؤكد ذلك، قوله عليه السلام: # " لا يخطب الرجل على خطبة أخيه، ولا يسوم على سوم ~~أخيه، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتلقي ما في إنائها، ~~فإن الله - تعالى - هو رازقها " # والمقصود من كل ذلك المبالغة في المنع من الحسد. # وأما الثاني، وهو الغبطة، فمن الناس من جوزه، ومنعه ~~آخرون قالوا: لأنه ربما كانت تلك النعمة مفسدة في دينه، ~~ومضرة عليه في الدنيا، ولذلك لا يجوز للإنسان أن يقول: " ~~اللهم أعطني دارا مثل دار فلان، وزوجة مثل زوجة ~~فلان، بل ينبغي أن يقول: اللهم أعطني ما يكون صلاحا ~~في ديني ودنياي، ومعادي ومعاشي " وإذا تأمل الإنسان لم يجد ~~دعاء أحسن مما ذكره الله في القرآن تعليما لعباده، ~~وهو قوله تعالى: # ربنآ آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ~~وقنا عذاب النار # [البقرة: 201]، ولهذا قال: { واسألوا الله من فضله } ~~[النساء: 32]. # وأما من جوزه فاستدل بقوله عليه السلام: # " لا حسد إلا في اثنتين، رجل آتاه الله القرآن، ~~فهو يقوم به آناء الليل، وأطراف النهار، ورجل ~~آتاه الله مالا، فهو ينفق منه آناء الليل، وأطراف ~~النهار " # فمعنى قوله: " لا حسد " ، أي: لا غبطة أعظم وأفضل من الغبطة في ~~هذين الأمرين. # قال بعض العلماء: " النهي [عن] التمني المذكور في هذه ~~الآية، هو ما لا يجوز تمنيه من عرض الدنيا، وأشباهها، وأما ~~التمني في الأعمال الصالحة، فحسن قال عليه السلام: # " اللهم وددت أني أحيى، ثم أقتل [ثم أحيى ثم أقتل " # ]، وذلك يدل على فضل الشهادة على سائر أعمال البر؛ ~~لأنه - عليه السلام - تمناها دون غيرها فرزقه الله إياها ~~لقوله عليه السلام: # " ما زالت أكلة خيبر تعاودني [كل عام، حتى كان هذا] أوان ~~انقطاع أبهري ms2557 ". # وفي الصحيح: # " إن الشهيد يقال له: تمن، فيقول: أتمنى أن أرجع ~~إلى الدنيا، فأقتل في سبيلك مرة أخرى " # وكان عليه السلام يتمنى إيمان أبي طالب وأبي لهب، وصناديد ~~قريش، مع علمه بأنه لا يكون. # قوله: { للرجال نصيب } قيل: من الجهاد. # { وللنسآء نصيب مما اكتسبن } ، أي: من طاعة ~~أزواجهن [وحفظ فروجهن]. # وقيل: ما قدر لهن من الميراث، يجب أن يرضوا به، ويتركوا الاعتراض نهى ~~الله - عز وجل - عن التمني على هذا الوجه لما فيه من دواعي ~~الحسد، ولأن الله - عز وجل - أعلم بمصالحهم منهم؛ فوضع ~~القسمة بينهم متفاوتة على حسب ما علم من مصالحهم ~~ويكون الاكتساب بمعنى: الإصابة. # وقيل: ما يستحقوه من الثواب في الآخرة. # وقيل: [المراد] الكل؛ لأن اللفظة محتملة ولا منافاة. # فصل: إثبات الهمزة في الأمر من السؤال # الجمهور على إثبات الهمزة في الأمر من السؤال الموجه نحو ~~المخاطب، إذا تقدمه واو، أو فاء نحو: # فاسأل الذين يقرءون # [يونس: 94]، { واسألوا الله من فضله } [النساء: 32]، وابن ~~كثير، والكسائي بنقل حركة الهمزة إلى السين تخفيفا لكثرة ~~استعماله. فإن لم تتقدمه واو، ولا فاء، فالكل على النقل نحو: # سل بني إسرائيل # [البقرة: 211]، وإن كان لغائب، فالكل على الهمز نحو: # وليسألوا مآ أنفقوا # [الممتحنة: 10]. # ووهم ابن عطية، فنقل اتفاق القراء على الهمز في ~~نحو: # واسألوا مآ أنفقتم # [الممتحنة: 10]، وليس اتفاقهم في هذا، بل في { وليسألوا ما أنفقوا } كما ~~تقدم. # وتخفيف الهمزة لغة الحجاز، ويحتمل أن يكون ذلك من لغة من ~~يقول " سال يسال " بألف محضة، وقد تقدم تحقيق ذلك، وهذا ~~إنما يتأتى في " سل " ، و " فسل " وأما " وسألوا " ، فلا ~~يتأتى فيه ذلك؛ لأنه كان ينبغي أن يقال: سالوا كخافوا، وقد ~~يقال: إنه التزم الحذف لكثرة الورود، وقد تقدم في البقرة عند # سل بني إسرائيل # [البقرة: 211]. # وهو يتعدى لاثنين، والجلالة مفعول أول، وفي الثاني قولان: # أحدهما: أنه محذوف، فقدره ابن عطية: " أمانيكم " وقدره ~~أبو علي الفارسي وغيره: شيئا من فضله، فحذف الموصوف، ~~وأبقى صفته نحو: " أطعمته من اللحم " ، أي: شيئا منه، و " من " ~~تبعيضية. ms2558 # والثاني: أن " من " زائدة، والتقدير: " واسألوا الله فضله " ~~، وهذا إنما يتمشى على رأي الأخفش لفقدان الشرطين، وهما ~~تنكير المجرور، وكون الكلام [غير موجب]. # فصل # قال عليه السلام: # " سلوا الله من فضله، فإنه يحب أن يسأل، وأفضل ~~العبادة انتظار الفرج " # وقال - عليه السلام -: # " من لم يسأل الله يغضب عليه ". # وقال القرطبي: " وهذا يدل على أن الأمر بالسؤال لله ~~تعالى واجب، وهذه الآية تدل على أن الإنسان لا يجوز له أن ~~يعين شيئا في الدعاء، والطلب، ولكن يطلب من فضل ~~الله - تعالى - ما يكون سببا لصلاح دينه ودنياه ". ثم ~~قال { إن الله كان بكل شيء عليما } ومعناه: أنه ~~العالم بما يكون صلاحا للسائلين. ### || [4.33] # " جعلنا " فيه ستة أوجه، وذلك يستدعي مقدمة قبله، ~~وهو أن " كل " لا بد لها من شيء تضاف إليه. # قال القرطبي: " كل " في كلام العرب معناها: الإحاطة ~~والعموم، فإذا جاءت مفردة، فلا بد وأن يكون في الكلام ~~حذف عند جميع النحويين ". # واختلفوا في تقديره: فقيل تقديره: ولكل إنسان. # وقيل: لكل مال، وقيل: لكل قوم، فإن كان التقدير: لكل ~~إنسان، ففيه ثلاثة أوجه: # أحدها: ولكل إنسان موروث جعلنا موالي، أي: وراثا مما ~~ترك، ففي " ترك " ضمير عائد على " كل " ، وهنا تم الكلام. # وقيل: تقديره: ويتعلق " مما ترك " ب " موالي " لما فيه من ~~معنى الوراثة، و " موالي ": مفعول أو ل " جعل " ، و " جعل " ~~بمعنى: " صير " ، و " لكل " جار ومجرور هو المفعول الثاني، ~~قدم على عامله، ويرتفع " الولدان " على خبر مبتدأ محذوف، أو ~~بفعل مقدر، أي: يرثون مما [ترك]، كأنه قيل: ومن الوارث؟ فقيل: هم ~~الوالدان والأقربون، والأصل: " وجعلنا لكل ميت وراثا يرثون مما ~~تركه هم الوالدان والأقربون ". # والثاني: أن التقدير: ولكل إنسان موروث، جعلنا وراثا مما ~~ترك ذلك الإنسان. ثم بين الإنسان المضاف إليه " كل " بقوله: { ~~الوالدان } ، كأنه قيل: ومن هو هذا الإنسان الموروث؟ فقيل: ~~الوالدان والأقربون، والإعراب كما تقدم في الوجه قبله، ~~إنما الفرق بينهما أن الوالدين في الأول وارثون، وفي ~~الثاني مورثون، وعلى هذين الوجهين فالكلام جملتان، ولا ~~ضمير، ms2559 محذوف في " جعلنا " ، و " موالي " مفعول أول، و " لكل " مفعول ~~ثان. # الثالث: أن يكون التقدير: ولكل إنسان وارث ممن ترك ~~الولدان والأقربون جعلنا موالي، أي: موروثين، فيراد بالمولى: ~~الموروث، ويرتفع " الوالدان " ب: " ترك " ، وتكون " ما " بمعنى " ~~من " ، والجار، والمجرور صفة للمضاف إليه " كل " ، والكلام على ~~هذا جملة واحدة، وفي هذا بعد كبير. # الرابع: إذا كان التقدير ولكل قوم، فالمعنى: ولكل قوم ~~جعلنهم موالي نصيب مما تركه والدهم وأقربوهم، ف " لكل " خبر ~~مقدم، و " نصيب " مبتدأ مؤخر، و " جعلناهم " صفة لقوم، ~~والضمير العائد عليهم مفعول: " جعل " ، و " موالي ": إما ثان ~~وإما حال، على أنها بمعنى " خلقنا " ، و " مما ترك " صفة للمبتدأ، ~~ثم حذف المبتدأ، وبقيت صفته، [وحذف المضاف إليه " كل " ~~وبقيت صفته أيضا]، وحذف العائد على الموصوف. # ونظيره: لكل خلقه الله إنسانا من رزق الله، أي: ~~لكل أحد خلقه الله إنسانا نصيب من رزق الله. # الخامس: إن كان التقدير: ولكل مال، فقالوا: يكون المعنى: ~~ولكل مال مما تركه الوالدان والأقربون جعلنا موالي، أي: وراثا ~~يلونه، ويحوزونه، وجعلوا " لكل " متعلقة: ب " جعل " ، و " مما ~~ترك " صفة ل " كل " ، والوالدان فاعل ب " ترك " ، فيكون ~~الكلام على هذا، وعلى الوجهين قبله كلاما واحدا، وهذا وإن كان ~~حسنا، إلا أن فيه الفصل بين الصفة والموصوف بجملة ~~عاملة في الموصوف. # قاتل أبو حيان: " وهو نظير قولك: بكل رجل مررت تميمي ~~وفي جواز ذلك نظر ". # قال شهاب الدين: " ولا يحتاج إلى نظر؛ لأنه قد وجد ~~الفصل بين الموصوف والصفة بالجملة العاملة في المضاف ~~إلى الموصوف، كقوله تعالى: # قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات ~~والأرض # [الأنعام: 14] ف { فاطر } صفة ل { الله } ، وقد فصل [بينهما] ~~ب { أتخذ } العامل في { أغير } فهذا أولى ". # السادس: أن يكون لكل [مال] مفعولا ثانيا ل " جعل " على ~~أنها تصييرية، و " موالي " مفعول أول، والإعراب على ما تقدم. # فصل # " المولى " لفظ مشترك بين معان: # أحدها: المعتق؛ لأنه ولي نعمة من أعتقه، ولذلك سمي مولى النعمة. ~~ثانيها: العبد المعتق لاتصال ولاية مولاه به في ~~إنعامه ms2560 عليه، وهذا كما سمي الطالب غريما؛ لأن له ~~اللزوم والمطالبة بحقه، ويسمى المطلوب غريما، لكون الدين ~~لازما له. # وثالثها: الحليف؛ لأن المحالف يلي أمره بعقد اليمين. # ورابعها: ابن العم؛ لأنه يليه بالنصرة. # وخامسها: المولى لأن يليه بالنصرة، قال تعالى: # ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن ~~الكافرين لا مولى لهم # [محمد: 11]. # سادسها: العصبة، وهو المراد بهذه الآية؛ لقوله عليه السلام: # " أنا أولى بالمؤمنين، من مات وترك مالا، فماله لموالي ~~العصبة، ومن ترك دينا؛ فأنا وليه ". # وقال عليه السلام: # " ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فللأولى عصبة ذكر ~~". # قوله { والذين عقدت } في محله أربعة أوجه: # أحدها: أنه مبتدأ والخبر قوله: " فآتوهم " [ودخلت الفاء في الحيز ~~لتضمن الذي معنى الشرط]. # الثاني: أنه منصوب على الاشتغال بإضمار فعل، وهذا أرجح من ~~حيث إن بعده طلبا. # والثالث: أنه مرفوع عطفا على { الوالدان والأقربون ~~} ، فإن أريد بالوالدين أنهم موروثون، عاد الضمير من " فآتوهم " ~~على " موالي " وإن أريد أنهم وارثون جاز عوده على " موالي " ~~وعلى الوالدين وما عطف عليهم. # الرابع: أنه منصوب عطفا على " موالي ". # قال أبو البقاء: [أي:] " وجعلنا الذين عاقدت وراثا؛ وكان ذلك ~~ونسخ " ، ورد عليه أبو حيان بفساد العطف، قال: فإن جعل من ~~عطف الجمل، وحذف المفعول الثاني لدلالة المعنى عليه أمكن ذلك ~~أي: جعلنا وراثا لكل شيء من المال، أو لكل إنسان، وجعلنا ~~الذين عاقدت أيمانكم وراثا وفيه بعد ذلك تكلف. # انتهى. # وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: " عقدت " والباقون: " عاقدت " بألف ~~وروي عن حمزة التشديد في " عقدت " ، والمفاعلة هنا ظاهرة؛ لأن ~~المراد المخالفة. # والمفعول محذوف على كل من القراءات، أي: عاقدتهم أو عقدت ~~حلفهم، ونسبة المعاقدة، أو العقد إلى الأيمان مجاز، سواء ~~أريد بالأيمان الجارحة، أم القسم. # وقيل: ثم مضاف محذوف، أي: عقدت ذوو أيمانكم. # فصل في: " معنى المعاقدة والأيمان " # المعاقدة المحالفة، والأيمان جمع يمين من اليد والقسم، ~~وذلك أنهم كانوا عند المحالفة يأخذ بعضهم يد بعض، على ~~الوفاء [والتمسك] بالعهد. # فصل الخلاف في نسخ الآية # قال بعضهم: إن هذه الآية منسوخة، واستدلوا على ms2561 ذلك بوجوه: # أحدها: أن الرجل كان في الجاهلية يعاقد غيره، فيقول: ~~" دمي دمك وسلمي سلمك، وحربي حربك، وترثني وأرثك، ~~وتعقل عني، وأعقل عنك " ، فيكون لهذا الحليف السدس [من] ~~الميراث، فذلك قوله: " فآتوهم نصيبهم " ، فنسخ ذلك بقوله: # وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب ~~الله # [الأنفال: 75]، وبقوله: # يوصيكم الله في أولادكم # [النساء: 11]. # وثانيها: أن الرجل كان يتخذ أجنبيا فيجعله ابنا له، ~~وهم المسمون بالأدعياء في قوله تعالى: { أدعيآءكم ~~أبنآءكم } ، وكانوا يتوارثون بذلك، ثم نسخ. # وثالثها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يثبت المؤاخاة ~~بين الرجلين من أصحابه، وكان ذلك سببا للتوارث، ثم نسخ. # وقال آخرون: الآية غير منسوخة. # وقال إبراهيم ومجاهد: أراد: " فآتوهم نصيبهم من النصر والرفادة ~~ولا ميراث ". # وقال الجبائي: تقدير الآية: " ولكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون ~~" ، { والذين عاقدت أيمانكم } معطوف على قوله: { الوالدان والأقربون } ، ~~وسمى الله تعالى الوارث مولى، والمعنى: لا تدفعوا المال إلى ~~الحليف، بل للمولى، والوارث. # وقال آخرون: المراد ب { الذين عاقدت أيمانكم } الزوج، ~~والزوجة، فأراد عقد النكاح قال تعالى # ولا تعزموا عقدة النكاح # [البقرة: 235] وهو قول أبي مسلم الأصفهاني قال: ونظيره آية ~~المواريث، لما بين آية ميراث الوالدين، ذكر معهم ميراث ~~الزوج، والزوجة. # وقيل: أراد بقوله: { الذين عقدت أيمانكم }: الميراث بسبب [الولاء] ~~وقيل: " نزلت الآية في أبي بكر الصديق، وابنه عبد الرحمن، ~~أمره الله أن يؤتيه نصيبه ". # وقال الأصم: المراد بهذا النصيب على سبيل الهبة، والهدية ~~بالشيء القليل كأمره تعالى لمن حضر القسمة أن يجعل له نصيبا ~~كما تقدم. # فصل الخلاف في إرث المولى الأسفل من الأعلى # قال جمهور الفقهاء: " لا يرث المولى الأسفل من الأعلى ". # وحكى الطحاوي عن الحسن بن زياد أنه قال: " يرث " ، لما ~~روى ابن عباس - رضي الله عنه - أن رجلا أعتق عبدا له؛ فمات ~~المعتق، ولم يترك إلا المعتق، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ميراثه للغلام المعتق ولأنه داخل في عموم قوله: { والذين عقدت ~~أيمانكم فآتوهم نصيبهم }. # وأجيب بأنه لعل ذلك لما صار لبيت المال دفعه النبي صلى ms2562 الله عليه ~~وسلم إلى الغلام لحاجته، وفقره؛ لأنه كان مالا لا وارث له، ~~فسبيله أن يصرف إلى الفقراء. # ثم قال تعالى[ # إن الله لا يغفر أن يشرك به # [النساء: 48] ثم قال] { إن الله كان على كل شيء ~~شهيدا } ، وهذه كلمة وعد للمطيعين، ووعيد للعصاة، والشهيد ~~الشاهد، والمراد إما علمه تعالى بجميع المعلومات، فيكون ~~المراد بالشهيد العالم، وإما شهادته على الخلق يوم القيامة، ~~فالمراد بالشهيد المخبر. ### || [4.34] # وجه النظم: أن النساء لما تكلمن في تفضيل [الله] ~~الرجال عليهن في الميراث؛ بين في هذه الآية أنه إنما فضل ~~الرجال على النساء في الميراث؛ لأن الرجال قوامون على ~~النساء؛ فهم وإن اشتركوا في استمتاع كل واحد منهم بالآخر، ~~فالله أمر الرجال بالقيام عليهن والنفقة، ودفع المهر ~~إليهن. # والقوام، والقيم بمعنى واحد، والقوام أبلغ، وهو القيم ~~بالمصالح، والتدبير، والتأديب، والاهتمام بالحفظ. # قال مقاتل: " نزلت في سعد بن الربيع، وكان من النقباء وفي ~~امرأته حبيبة بنت [زيد ابن خارجة بن أبي زهير]. # وقال ابن عباس، والكلبي: # " امرأته عميرة بنت محمد بن مسلمة، وذلك أنها نشزت ~~عليه، فلطمها, فانطلق أبوها معها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: أفرشته كريمتي فلطمها، وإن أثر اللطمة باق في ~~وجهها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اقتصي منه ثم قال: اصبري ~~حتى أنظر، فنزلت هذه الآية، فقال النبي عليه السلام: أردنا أمرا، ~~وأراد الله أمرا، والذي أراد الله خير، ورفع ~~القصاص ". # قوله: { على النسآء } متعلق ب { قوامون } وكذا " بما " ~~والباء للسببية، ويجوز أن تكون للحال، فتتعلق بمحذوف؛ ~~لأنها حال من الضمير في { قوامون } تقديره: مستحقين ~~بتفضيل الله إياهم، و " ما " مصدرية، وقيل: بمعنى الذي، ~~وهو ضعيف لحذف العائد من غير مسوغ. # والبعض الأول المراد به الرجال، والبعض الثاني: النساء، ~~وعدل عن الضميرين فلم يقل: بما فضلهم الله عليهن، ~~للإبهام الذي في بعض. # فصل في دلالة الآية على تأديب النساء # دلت الآية على تأديب الرجال نساءهم، فإذا حفظن حقوق ~~الرجال، فلا ينبغي أن يسيء الرجل عشرتها. # فصل # اعلم أن فضل ms2563 الرجال على النساء من وجوه كثيرة؛ بعضها ~~صفات حقيقية، وبعضها أحكام شرعية، فالصفات الحقيقية [أن] ~~عقول الرجال وعلومهم أكثر، وقدرتهم على الأعمال ~~الشاقة أكمل، وفيهم كذلك من العقل والقوة والكتابة ~~في الغالب والفروسية، والرمي، وفيهم العلماء، والإمامة ~~الكبرى [والصغرى]، والجهاد والأذان، والخطبة، والجمعة، ~~والاعتكاف، والشهادة على الحدود والقصاص، وفي الأنكحة عند ~~بعضهم، وزيادة نصيب الميراث، والتعصيب، وتحمل الدية في قتل ~~الخطأ، وفي القسامة، وفي ولاية النكاح، والطلاق، ~~والرجعة، وعدد الأزواج، وإليهم الانتساب. # وأما الصفات الشرعية فقوله تعالى: { وبمآ أنفقوا من ~~أموالهم } والمراد: عطية المهر، والنفقة عليها، وكل ذلك ~~يدل على فضل الرجال على النساء. # قوله تعالى: { وبمآ أنفقوا } يتعلق بما تعلق به ~~الأول، و " ما " يجوز أن تكون بمعنى " الذي " من غير ضعف؛ ~~لأن للحذف مسوغا، أي: { وبما أنفقوه من أموالهم }. # { من أموالهم } متعلق ب { أنفقوا } ، أو بمحذوف على ~~أنه حال من الضمير المحذوف. # فصل # قال القرطبي: قوله: { وبمآ أنفقوا من أموالهم } ~~يدل على أنه متى عجز عن نفقتها، لم يكن قواما عليها [وإذا ~~لم يكن قواما] كان لها فسخ العقد؛ لزوال المقصود الذي شرع ~~لأجله النكاح، فدل ذلك على ثبوت فسخ النكاح عند الإعسار ~~بالنفقة، والكسوة، وهذا مذهب مالك والشافعي، وأحمد. # وقال أبو حنيفة: لا يفسخ لقوله تعالى: # وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة # [البقرة: 280]. # قوله: { فالصالحات قانتات حافظات [للغيب بما ~~حفظ الله } ] " الصالحات " مبتدأ، وما يعده خبران له، و " ~~للغيب " متعلق ب " حافظات " و " أل " في " الغيب " عوض من ~~الضمير عند الكوفيين كقوله: # واشتعل الرأس شيبا # [مريم: 4]، أي: رأسي وقوله: [البسيط] # 1791- ب- لمياء في شفتيها حوة لعس # وفي اللثات وفي أنيابها شنب # أي: لثاتها. # والجمهور على رفع الجلالة من { حفظ الله } وفي " ما " على هذه ~~القراءة ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها مصدرية، والمعنى: بحظ الله إياهن أي: ~~بتوفيقه لهن، أو بالوصية منه تعالى عليهن. # والثاني: أن تكون بمعنى الذي، والعائد محذوف، أي: بالذي حفظه ~~الله لهن من مهور أزواجهن، والنفقة عليهن، قاله ~~الزجاج. # والثالث: أن تكون " ما " نكرة موصوفة، ms2564 والعائد محذوف أيضا، ~~كما تقرر في الموصولة، بمعنى الذي. # وقرأ أبو جعفر بنصب الجلالة. وفي " ما " ثلاثة أوجه أيضا: # أحدها: أنها بمعنى الذي. # والثاني: [أنها] نكرة موصوفة، وفي { حفظ } ضمير يعود على [ ~~" ما " ] أي: بما حفظ من البر والطاعة، ولا بد من حذف مضاف ~~تقديره: بما حفظ دين الله، أو أمر الله؛ لأن الذات المقدسة ~~لا يحفظها أحد. # والثالث: أن تكون " ما " مصدرية، والمعنى: بما حفظن الله ~~في امتثال أمره، وساغ عود الضمير مفردا على جمع ~~الإناث؛ لأنهن في معنى الجنس كأنه قيل: " فمن صلح " فعاد ~~الضمير مفردا بهذا الاعتبار، ورد هذا الوجه بعدم ~~مطابقة الضمير لما يعود عليه وهذا جوابه، وجعله ابن جني مثل ~~قول الشاعر: [المتقارب] # 1792-................................... # فإن الحوادث أودى بها # أي: أودين، وينبغي أن يقال: الأصل بما حفظت الله، ~~والحوادث أودت، لأنها يجوز أن يعود الضمير على [جمع] ~~الإناث كعوده على الواحدة منهن، تقول: النساء ~~قامت، إلا أنه شذ حذف تاء التأنيث من الفعل ~~المسند إلى ضمير المؤنث. # وقرأ عبد الله بن مسعود - وهي في مصحفه كذلك - " ~~فالصوالح قوانت حوافظ " بالتكسير. # قال ابن جني: وهي أشبه بالمعنى لإعطائها الكثرة، وهي ~~المقصودة هنا، يعني: أن " فواعل " من جموع الكثرة، وجمع ~~التصحيح جمع قلة، ما لم تقترن بالألف واللام. وظاهر ~~عبارة أبي البقاء أنه للقلة، وإن اقترن ب " أل " ~~فإنه قال: وجمع التصحيح لا يدل على الكثرة بوضعه، وقد استعمل ~~فيها كقوله تعالى: # وهم في الغرفات آمنون # [سبأ: 37]. # وفيما قاله [أبو الفتح] وأبو البقاء نظر، فإن " الصالحات " ~~في القراءة المشهورة معرفة بأل، وقد تقدم أنه ~~تكون للعموم، إلا أن العموم المفيد للكثرة، ليس من صيغة ~~الجمع، بل من " أل " ، وإذا ثبت أن " الصالحات " جمع ~~كثرة، لزم أن يكون " قانتات " و " حافظات " للكثرة؛ ~~لأنه خبر عن الجميع، فيفييد الكثرة، ألا ترى أنك إذا ~~قلت: الرجال قائمون، لزم أن يكون كل واحد من ~~الرجال قائما، ولا يجوز أن يكون بعضهم قاعدا، فإذا القراءة ~~الشهيرة وافية بالمعنى [المقصود]. # فصل # قال الواحدي: لفظ القنوت ms2565 يفيد: الطاعة، وهو عام في ~~طاعة الله، وطاعة الأزواج، وما حال المرأة عند غيبة ~~الزوج فقد وصفها الله بقوله: { قانتات حافظات للغيب ~~} ، واعلم أن الغيب، خلاف الشهادة، والمعنى: كونهن ~~حافظات بموجب الغيب، وهو أن تحفظ نفسها عن الزنا؛ لئلا ~~يلحق الزوج الغائب عار الزنا، ويلحق به الولد المتكون من ~~نطفة غيره، وتحفظ ماله لئلا يضيع، وتحفظ منزله عما لا ~~ينبغي، قال عليه السلام: # " خير النساء امرأة إن نظرت إليها سرتك، وإن ~~أمرتها أطاعتك، وإن غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها " # وتلا هذه الآية. # قوله: { واللاتي تخافون نشوزهن } لما ذكر الصالحات ذكر ~~بعده غير الصالحات فقال: { واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن } والخوف ~~عبارة عن حالة تحصل في القلب، عند حدوث أمر مكروه ~~في المستقبل. # قال الشافعي - رضي الله عنه -: دلالة النشوز قد تكون ~~قولا، وقد تكون فعلا، فالقول مثل أن تلبيه إذا دعاها، ~~وتخضع له بالقول إذا خاطبها ثم تغيرت، والفعل إن ~~كانت تقوم إليه إذا دخل عليها، أو تسارع إلى أمره ~~وتبادر إلى فراشه باستبشار إذا التمسها، ثم [إنها] تغيرت عن كل ذلك، ~~فهذه إمارات دالة على النشوز، فحينئذ ظن نشوزها، فهذه ~~المقدمات توجب خوف النشوز، وأما النشوز فهو معصية الزوج، ~~ومخالفته، وأصله من قولهم: نشز الشيء إذا ارتفع، ومنه ~~يقال للأرض المرتفعة: " نشز " ، يقال: نشز الرجل ينشز ~~[وينشز] إذا كان قاعدا فنهض قائما، ومنه قوله تعالى: # وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله # [المجادلة: 11] ارتفعوا أو انهضوا إلى حرب أو أمر من أمور الله ~~تعالى. # وقال أبو منصور اللغوي: " النشوز كراهية كل واحد من ~~الزوجين صاحبه، يقال: نشزت تنشز، فهي ناشز بغير هاء، ~~وهي السيئة العشرة ". # وقال ابن دريد: " نشزت المرأة، ونشست، ونشصت بمعنى ~~واحد ". # قوله: " فعظوهن " ، أي: بالتخويف من الله تعالى، فيقال: اتقي ~~الله فإن عليك حقا لي، وارجعي عما أنت عليه، واعلمي أن طاعتي ~~فرض عليك، فإن أصرت على النشوز، فيهجرها في المضجع. # قال ابن عباس: يوليها ظهره في الفراش، ولا يكلمها ". # وقال غيره: " يعتزل عنها إلى فراش آخر ms2566 ". # قال الشافعي: " ولا يزيد في هجره في الكلام على ثلاث، فإذا هجرها ~~في المضجع، فإن كانت تبغضه، وافقها ذلك الهجران، فيكون ذلك ~~دليلا على كمال النشوز ". # ومنهم من حمل الهجران في المضاجع على ترك المباشرة. # وقال القرطبي: وقيل: اهجروهن من الهجر، وهو القبيح من ~~الكلام، أي: غلظوا عليهن في القول، وضاجعوهن للجماع وغيره و ~~[قال] معناه سفيان [الثوري]، وروي عن ابن عباس. # وقيل: شدوهن [وثاقا] في بيوتهن، من قولهم: هجر البعير، أي: ربطه ~~بالهجار، وهو حبل يشد به البعير، وهذا اختيار الطبري، وقدح ~~في سائر الأقوال، ورد عليه القاضي أبو بكر بن العربي ~~وقال: " يا لها من هفوة عالم بالقرآن والسنة، والذي حمله ~~على [هذا] التأويل حديث غريب، رواه ابن وهب عن مالك: أن أسماء ~~بنت أبي بكر الصديق امرأة الزبير بن العوام كانت قد نشزت ~~على زوجها فقد شعر واحدة بالأخرى ثم ضربها " الحديث. # فرأى الربط والعقد، مع احتمال اللفظ، مع فعل الزبير، ~~فأقدم على هذا التفسير ". # قال القرطبي: وهذا الهجر غايته عند العلماء شهر، كما ~~فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين أسر إلى حفصة حديثا، فأفشته ~~إلى عائشة - رضي الله عنها -. # قوله: { في المضاجع } فيه وجهان: # أحدها: أن " في " على بابها من الظرفية متعلق ب { اهجروهن ~~} أي: اتركوا مضاجعتهن، أي: النوم معهن دون كلامهن ~~ومؤاكلتهن. # والثاني: أنها للسبب. قال أبو البقاء: { واهجروهن } ~~بسبب المضاجع، كما تقول: في هذه الجناية عقوبة، وجعل مكي هذا ~~الوجه متعينا، ومنع الأول، قال: ليس { في المضاجع } ظرفا ~~للهجران، وإنما هو سبب لهجران التخلف، ومعناه: ~~فاهجروهن من أجل تخلفهن عن المضاجعة معكم، وفيه نظر لا يخفى. # وكلام الوحدي يفهم أنه يجوز تعلقه ب { نشوزهن } ، ~~فإنه قال - بعدما حكى عن ابن عباس كلاما -: والمعنى على هذا: " ~~واللاتي تخافون نشوزهن في المضاجع " ، والكلام الذي حكاه عن ابن عباس ~~هو قوله: هذا كله في المضجع، إذا هي عصت أن تضطجع ~~معه، ولكن لا يجوز ذلك؛ لئلا يلزم الفصل بين المصدر ومعموله ~~بأجنبي. # وقدر بعضهم معطوفا بعد ms2567 قوله: " واللاتي تخافون " ، أي: واللاتي ~~تخافون نشوزهن، ونشزن، كأنه يريد أنه لا يجوز الإقدام على ~~الوعظ، وما بعده بمجرد الخوف. # وقيل: لا حاجة إلى ذلك؛ لأن الخوف بمعنى اليقين [قال تعالى # فمن خاف من موص جنفا # [البقرة: 182]، قال ابن عباس: تخافون بمعنى تتيقنون]، وقيل: غلبة ~~الظن في ذلك كافية. # قوله: { واضربوهن } يعني: أنهن [إن] لم ينزعن مع الهجران ~~فاضربوهن، يعني ضربا غير مبرح، ولا شائن. # قال عطاء: " [هو] ضرب بالسواك ". # وقال عليه السلام في حق المرأة: # " أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب ~~الوجه، ولا تهجر إلا في البيت ". # قال الشافعي: يكون دون الأربعين. # وقال بعضهم: لا يبلغ به عشرين، لأنه حد كامل في حق ~~العبد، ويكون بحيث لا يفضي إلى الهلاك، ويكون مفرقا على بدنها، ~~ولا تجوز الموالاة في موضع واحد، ويتقي الوجه. # قال بعض العلماء: يكون الضرب بمنديل ملفوف، أو ~~بيده، ولا يضربها بالسياط، ولا بالعصا، وبالجملة ~~فالتخفيف مراعى في هذا الباب. # قال الشافعي: " الضرب مباح وتركه أفضل ". # واختلفوا: هل هذا الحكم على الترتيب، أم لا؟ قال علي بن أبي ~~طالب - رضي الله عنه -: يعظها بلسانه، فإن أبت هجرها ~~في المضجع [فإن أبت ضربها]، فإن لم تتعظ بالضرب ~~بعث الحكم [من أهله]. # وقال آخرون: هذا الترتيب مراعى عند خوف النشوز أما عند تحقق ~~النشوز، فلا بأس بالجمع بين الكل. # قوله: " [فإن أطعنكم] فلا تبغوا عليهن سبيلا " في نصب " سبيلا " ~~وجهان: # أحدهما: أنه مفعول به. # والثاني: أنه على إسقاط الخافض، وهذان الوجهان مبنيان ~~على تفسير البغي هنا ما هو؟ فقيل: هو الظلم من قوله: # فبغى عليهم # [القصص: 76]، فعلى هذا يكون لازما، و " سبيلا " منصوب بإسقاط ~~الخافض أي: كسبيل. # وقيل: هو الطلب، من قولهم: بغيته، أي: طلبته، وفي { عليهن } ~~وجهان: # أحدهما: أنه متعلق ب { تبغوا }. # والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من { سبيلا } ~~، لأنه في الأصل صفة النكرة قدم عليها. # فصل # قال بعضهم: معناه: لا تتجنوا عليهن بقول، أو فعل. قال ابن ~~عيينة لا تكلفوهن محبتكم، فإن ms2568 القلب ليس بأيديهن، ثم قال تعالى: ~~{ إن الله كان عليا كبيرا } متعاليا عن أن يكلف ~~العباد ما لا يطيقونه، فلذلك لا تكلفوهن محبتكم، فإنهن لا ~~يطقن ذلك. # وقيل: إنه مع علوه، وكبريائه لا يؤاخذ العاصي إذا تاب، ~~فأنتم أولى إذا تابت المرأة من نشوزها بأن تقبلوا توبتها، ~~وقيل: إنهن إن وضعفن عن دفع ظلمكم فالله سبحانه كبير علي ~~قاهر ينتصف لهن منكم. ### || [4.35] # لما ذكر الضرب ذكر هذه المحاكمة؛ لأن بها يتبين المظلوم من ~~الظالم. # قال ابن عباس: { خفتم } أي: علمتم قال: وهذا بخلاف قوله ~~تعالى: { واللاتي تخافون نشوزهن } ، فإن ذلك محمول على ~~الظن، والفرق بين الموضعين في الابتداء يظهر له أمارات ~~النشوز، فعند ذلك يحصل الخوف، وأما بعد الوعظ، والهجر ~~والضرب إن أصرت على النشوز، فقد حصل العلم بالنشوز، ~~فوجب حمل الخوف ههنا على العلم. # وقال الزجاج: القول بأن الخوف هاهنا بمعنى اليقين خطأ، ~~فإنا لو علمنا الشقاق على الحقيقة لم يحتج إلى الحكم، ~~وأجيب بأن وجود الشقاق وإن كان معلوما، إلا أنا لا نعلم أن ~~ذلك الشقاق صدر عن هذا، أو عن، ذلك، فالحاجة إلى الحكمين ~~لمعرفة هذا المعنى. # قال ابن الخطيب: ويمكن أن يقال: وجود الشقاق في الحال ~~معلوم، ومثل هذا لا يحصل منه خوف، إنما الخوف في أنه ~~هل يبقى ذلك الشقاق أم لا، فالفائدة في بعث الحكمين ليست ~~إزالة الشقاق الثابت، فإن ذلك محال، بل الفائدة إزالة ذلك ~~الشقاق في المستقبل. # قوله: { شقاق بينهما } فيه وجهان: # أحدهما: أن الشقاق مضاف إلى " بين " ومعناها الظرفية، ~~والأصل: " شقاقا بينهما " ، ولكنه اتسع فيه، فأضيف الحدث إلى ~~ظرفه وإضافة المصدر إلى الظرف جائزة لحصوله فيه، وظرفيته باقية نحو: ~~سرني مسير الليلة، ويعجبني صوم يوم عرفة، ومنه: # بل مكر الليل والنهار # [سبأ: 33]. # والثاني: أنه خرج عن الظرفية، وبقي كسائر الأسماء، ~~كأنه أريد به المعاشرة، والمصاحبة بين الزوجين، وإلى ميل أبي ~~البقاء قال:والبين هنا الوصل الكائن بين الزوجين " وللشقاق ~~تأويلان: # أحدهما: أن كل واحد منهما يفعل ما يشق على صاحبه. # والثاني: ms2569 أن كل واحد منهما صار في شق بالعداوة والمباينة. # فصل [معاني الشقاق] # وقد ورد الشقاق على أربعة أوجه: # الأول: بمعنى الخلاف كهذه الآية، أي: خلاف بينهما. # الثاني: الضلال، قال تعالى: # وإن الظالمين لفي شقاق بعيد # [الحج: 53] أي: في ضلال. # الثالث: أن الشقاق: العداوة قال تعالى: # ويقوم لا يجرمنكم شقاقي # [هود: 89] أي: عداوتي، و [العداوة] ومما يشق على صاحبه. # الرابع: أن كل واحد منها صار في شق بالعداوة، والمباينة. # فصل [هل البعث خطاب للإمام أم لآحاد الناس] # قوله { فابعثوا } قال بعضهم: هذا خطاب للإمام، أو نائبة وقال ~~آخرون: هذا خطاب عام للجميع، وليس حمله على البعض أولى من ~~حمله على البقية، فوجب حمله على الكل، فعلى هذا ~~يكون أمرا لآحاد الأمة سواء وجد الإمام، أم لم يوجد، فللصالحين ~~أن يبعثوا حكما من أهله، وحكما من أهلها للإصلاح، ولأن هذا ~~يجري مجرى دفع الضرر، ولكل أحد أن يقوم به. # قوله: { من أهله } فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق ب { فابعثوا } فهي لابتداء الغاية. # والثاني: أن يتعلق بمحذوف؛ لأنها صفة للنكرة، أي: كائنا من ~~أهله فهي للتبغيض. # فصل # شرط الحكمين أن يكونا عدلين، ويجعلهما الحاكم ~~حكمين، والأولى أن يكون [واحد من أهله، وواحد من أهلها، ~~لأن أقاربهما أعرف بحالهما من الأجانب، وأشد طلبا للصلاح، فإن ~~كانا] أجنبيين [جاز]. # وفائدة الحكمين أن يخلو كل واحد منهما بصاحبه، ويستكشف منه حقيقة ~~الحال، ليعرف رغبته في الإقامة معه على النكاح، أو ~~المفارقة، ثم يجتمع الحكمان، فيفعلان ما هو المصلحة ~~من طلاق، أو خلع. # وهل للحكمين تنفيذ أمر يلزم الزوجين دون إذنهما، ~~مثل: أن يطلق حكم الرجل، أو يفتدي حكم المرأة بشيء من ~~مالها؟ # قال أبو حنيفة: لا يجوز. # وقال غيره: يجوز. # قوله: { إن يريدآ } يجوز أن يعود الضميران في { إن يريدآ ~~} و { بينهمآ } على الزوجين، أي: إن يرد الزوجان إصلاحا ~~يوفق الله بين الزوجين، وأن يعودا على الحكمين، وأن ~~يعود الأول على الحكمين، والثاني على الزوجين، وأن ~~يكون بالعكس وأضمر الزوجان وإن لم يجر لهما ذكر لدلالة ms2570 ~~ذكر الرجال والنساء عليهما. وجعل أبو البقاء الضمير في { ~~بينهمآ } عائدا على الزوجين فقط، سواء قيل بأن ضمير { ~~يريد الله } عائدا على الحكمين، او الزوجين. # فصل # قال القرطبي: ويجزي إرسال الواحد قال: لأن الله - تعالى - ~~حكم في الزنا بأربعة شهود، ثم أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المرأة ~~الزانية أنيسا وحده، وقال له: " إن اعترفت فارجمها " ~~قال: وإذا جاز إرسال الواحد فلو حكم الزوجان واحدا أجزأ إذا ~~رضيا بذلك، وإنما خاطب الله الحكام دون الزوجين، فإن أرسل الزوجان ~~حكمين وحكما نفذ حكمهما؛ لأن التحكيم عندنا جائز، وينفذ فعل الحكم ~~في كل مسألة، إذا كان كل واحد منهما عدلا. # وأصل التوفيق الموافقة، وهي المساواة في أمر من الأمور، ~~فالتوفيق اللطف الذي يتفق عنده فعل الطاعة. ثم قال: { إن ~~الله كان عليما خبيرا } والمراد: الوعيد للزوجين ~~والحكمين في طريق سلوك المخالف الحق. ### || [4.36] # لما أرشد كل واحد من الزوجين إلى المعاملة الحسنة [مع ~~الآخر، أرشد في هذه الآية إلى سائر الأخلاق الحسنة] وذكر منها ~~[ههنا] عشرة أنواع: # الأول: قوله - تعالى -: { واعبدوا الله } قال ابن عباس: ~~وحدوه، واعلم أن العبادة عبارة عن كل عمل يؤتى به لمجرد ~~أمر الله - تعالى - بذلك، ولما أمر بالعبادة، أمر بالإخلاص فيها: ~~فقال { ولا تشركوا به شيئا }. # قال القرطبي: ذكر العلماء أن من تطهر [تبردا] أو صام ~~[حمية] لمعدته، ويرى مع ذلك التقرب لم يجزه؛ لأنه مزج ~~[نية] التقرب بنية دنيوية، ولذا إذا أحس الإمام بداخل وهو ~~راكع لم ينتظره، لأنه يخرج ذكر [الله] بانتظاره عن كونه ~~خالصا - لله - تعالى. # ثم قال { وبالوالدين إحسانا } وتقدم الكلام على نظير هذا في ~~البقرة، واتفقوا على أن ههنا محذوفا، والتقدير: " وأحسنوا ~~بالوالدين إحسانا "؛ كقوله: " فضرب الرقاب " أي: فاضربوها، وقرأ ابن ~~أبي عبلة: " إحسان " بالرفع على أنه مبتدأ، وخبره الجار ~~[والمجرور] قبله. # والمراد بهذه الجملة: الأمر بالإحسان وإن كانت خبرية؛ كقوله - تعالى ~~-: # فصبر جميل # [يوسف: 18]. # قوله: { وبذي القربى } فأعاد الباء، وذلك لأنها في حق هذه ~~الأمة، فالاعتناء بها أكثر، وإعادة الباء ms2571 تدل على زيادة تأكيد فناسب ~~ذلك هنا، بخلاف آية البقرة، فإنها في حق بني إسرائيل، والمراد ~~الأمر بصلة الرحم، كما ذكر في أول السورة بقوله: # والأرحام # [النساء: 1]. # واعلم أن الوالدين من القرابة أيضا، إلا أنهما لما ~~تخصصت قرابتهما بكونهما أقرب القرابات، لا جرم خصهما ~~بالذكر. # { واليتامى } فاليتيم مخصوص بنوعين من العجز: # أحدهما: الصغر. # والثاني: عدم المنفق، ومن هذا حاله كان في غاية العجز ~~واستحقاق الرحمة. # قوله { والمساكين } فالمسكين وإن كان عديم المال، إلا أنه ~~لكبره يمكنه أن يعرض حال نفسه على الغير؛ فيجتلب به نفعا أو ~~يدفع به ضررا، وأما اليتيم، فلا قدرة له؛ فلهذا المعنى قدم الله ~~اليتيم في الذكر على المسكين، والإحسان إلى المسكين إما ~~بالإجمال إليه، وإما بالرد الجميل، لقوله: # وأما السآئل فلا تنهر # [الضحى: 10]. # وقوله: { والجار ذي القربى } الجمهور على خفض الجار، والمراد ~~به القريب النسيب، وبالجار الجنب: لبعيد النسيب. # وعن ميمون بن مهران: والجار ذي القربى، أريد به الجار ~~القريب، قال ابن عطية: وهذا خطأ؛ لأنه على تأويله جمع بين أل ~~والإضافة، إذ كان وجه الكلام: وجار ذي القربى [الجار القريب]، ~~ويمكن جوابه على أن ذي القربى، بدل من الجار على حذف مضاف، ~~أي: والجار ذي القربى؛ كقوله: [الخفيف]. # 1793- نصر الله أعظما دفنوها # بسجستان طلحة الطلحات # أي: أعظم طلحة، [ومن كلامهم]: لو يعلمون العلم الكبيرة سنة، أي: ~~علم الكبيرة سنه، فحذف البدل لدلالة الكلام عليه. # وقرأ بعضهم: " والجار ذا القربى " نصبا، وخرجه الزمخشري على ~~الاختصاص لقوله - تعالى -: # حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى # [البقرة: 238] والجنب صفة على فعل، نحو: " ناقة سرح " ، ~~ويستوي فيه المفرد والمثنى والجموع، مذكرا أو مؤنثا، ~~نحو: " رجال جنب " وقال - تعالى -: # وإن كنتم جنبا # [المائدة: 6]، وبعضهم يثنيه ويجمعه، ومثله: شلل، وعن عاصم: والجار ~~الجنب، بفتح الجيم وسكون النون وهو وصف أيضا بمعنى المجانب، ~~كقولهم: رجل عدل، وألف الجار عن واو؛ لقولهم: تجاوروا، وجاورته، ~~ويجمع على جيرة وجيران، والجنابة البعد؛ قال [الطويل] # 1794- فلا تحرمني نائلا عن جنابة # فإني امرؤ وسط القباب غريب # لأن الإنسان ms2572 يترك جانبا، ومنه # واجنبني وبني أن نعبد الأصنام # [إبراهيم: 35]، وأصله من الجنابة، ضدها القرابة، وهو البعد، ~~يقال: رجل جنب، إذا كان غريبا متباعدا عن أهله، ورجل ~~أجنبي، وهو البعيد منك في القرابة، ومنه الجنابة من الجماع؛ ~~لتباعده عن الطهارة وعن الصلاة حتى يغتسل، وهذان الجنبان؛ ~~لبعد كل واحد منهما عن الآخر. # فصل: في الإحسان إلى الجار # قالت عائشة - رضي الله عنها -: # " يا رسول الله، إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي، قال: إلى ~~أقربهما منك بابا " # وعن ابن عمر؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه ~~سيورثه " # وقال - عليه السلام -: # " لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه، ألا وإن ~~الجوار أربعون " # وكان الزهري يقول: أربعون يمنة، وأربعون يسرة، وأربعون ~~أمامه، وأربعون خلفه. # وعن بي هريرة - رضي الله عنه -: # " قيل: يا رسول الله، إن فلانة تصوم النهار وتصلي باليل، وفي ~~لسانها شيء يؤذي جيرانها، [فقال: " لا يحفظ] حق الجار إلا ~~من رحم الله، وقليل ما هم، أتدرون ما حق الجار: إن افتقر ~~أغنيته، وإن استقرض أقرضته، وإن أصابه خير هنيته، وإن ~~أصابه شر عزيته، وإن مرض عدته، وإن مات شيعت جنازته ~~". # وقال نوف الشامي: { والجار ذي القربى } المسلم، ~~[والجار] الجنب: اليهودي والنصراني. # قال القرطبي: وعلى هذه فالوصاية بالجار، مأمور بها مندوب إليها، ~~مسلما كان أو كافرا، وهو الصحيح، والإحسان قد يكون بمعنى ~~المواساة، وقد يكون بمعنى حسن العشرة، وكف الأذى، ~~والمحاماة دونه. # وقال - عليه الصلاة والسلام -: # " الجيران [ثلاثة:] فجار له ثلاثة حقوق، وجار له حقان وجار له ~~حق واحد ". # فأما الجار الذي له ثلاثة حقوق: فالجار القريب المسلم، له ~~حق الجوار، وحق القرابة، وحق الإسلام. # والجار الذي له حقان: فهو الجار المسلم فله حق الإسلام، وحق ~~الجوار. # والجار الذي له حق واحد: هو الكافر، له حق الجوار. # وقال بعض العلماء: { والجار ذي القربى } هو القريب ~~المسكن منك، { والجار الجنب } هو البعيد المسكن منك. # قال القرطبي: وأحاديث إكرام الجار جاءت مطلقة غير ~~مقيدة، ms2573 حتى الكافر وفي الخبر # " قالوا: يا رسول الله، أنطعمهم من لحوم النسك؟ # قال: " لا تطعم المشركين من نسك المسلمين " # فنهيه - عليه السلام - عن إطعام المشركين من نسك المسلم، ~~يحتمل النسك لواجب الذي لا يجوز للناسك أن يأكل منه، ولا ~~أن يطعمه الأغنياء، فأما غير الواجب الذي يجزيه إطعام ~~الأغنياء، فيجوز أن يطعمه أهل الذمة # " قال - عليه الصلاة والسلام - لعائشة - رضي الله عنها - عند ~~تفريق لحم الأضحية: " أهدي جارنا اليهودي " ". # قوله: { والصاحب بالجنب } قال مجاهد، وابن عباس، وعكرمة، ~~وقتادة: يعني: الرفيق في السفر، وقال علي وعبد الله، والنخعي: ~~وهو المرأة تكون إلى جنبه. # وقال ابن جريج، وابن زيد: هو الذي يصحبك رجاء نفعك، وقيل: هو ~~الذي صحبك إما رفيقا في سفر، وإما جارا ملاصقا، وإما شريكا ~~في تعلم أو حرفة، وإما قاعدا إلى جنبك في مجلس واحد أو ~~مسجد أو غير ذلك، من أدنى صحبة التأمت بينك وبينه. # وقوله: { بالجنب } في الباء وجهان: # أحدهما: أن تكون بمعنى " في ". # والثاني: أن تكون على بابها وهو الأولى، وعلى كلا التقديرين ~~تتعلق بمحذوف؛ لأنها حال من الصاحب. # قوله: { وابن السبيل } قيل: هو المسافر الذي انقطع عن بلده، ~~وقيل: هو الضيف، قال - عليه السلام -: # " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ". # وقوله: # أو ما ملكت أيمانكم # [النساء: 3] يجوز أن يراد ب " ما " غير العبيد والإماء حملا ~~على الأنواع؛ لقوله - تعالى - # ما طاب لكم # [النساء: 3] وأن يكون أريد جميع ما ملكه [الإنسان] من الحيوانات، ~~فاختلط العاقل بغيره، فأتى ب " ما ". # فصل # روت أم سلمة - رضي الله عنها -: # " قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في مرضه: " ~~الصلاة وما ملكت أيمانكم " # وقال - عليه السلام -: # " هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن جعل الله أخاه ~~تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا ~~يكلفه من العمل ما يغلبه [فإن كلفه من العمل ما يغلبه] ~~فليعنه عليه ". # ثم قال: { إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا }: ~~المختال هو ذو الخيلاء والكبر. # قال أهل اللغة: هو ms2574 التياه، والمختال اسم فاعل من اختال ~~يختال، أي: تكبر وأعجب بنفسه، وألفه عن ياء؛ كقولهم: ~~الخيلاء والمخيلة، وسمع أيضا: خال الرجل يخال خولا ~~بالمعنى الأول، فيكون لهذا المعنى مادتان خيل وخول. # قال ابن عباس: " يريد المختال العظيم في نفسه، الذي لا ~~يقوم بحقوق أحد ". # والفخور صيغة المبالغة، وهو الذي يعد مناقب نفسه ~~ومحاسنه، وقال ابن عباس: الفخور الذي يفخر على عباد الله بما ~~أعطاه من أنواع نعمه. # وقال - عليه السلام -: # " بينما رجل يتبختر في بردين، وفد أعجبته نفسه، خسف الله به ~~الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة ". # وقال - عليه السلام -: # " لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء يوم القيامة ~~". ### || [4.37] # في: { الذين يبخلون } سبعة أوجه: # أحدها: أن يكون منصوبا بدلا من " من " ، وجمع حملا على ~~المعنى. # الثاني: أنه نصب على البدل من { مختالا } وجمع أيضا لما ~~تقدم. # الثالث: أنه نصب على الذم. # قال القرطبي: ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار " أعني " ، وقال: ~~ولا يجوز أن يكون صفة؛ لأن " من " و " ما " لا يوصفان ولا يوصف ~~بهما. # الرابع: أنه مبتدأ وفي خبره قولان: # أحدهما: محذوف فقدره بعضهم: " مبغضون " لدلالة { إن الله لا يحب ~~} [وبعضهم:] " معذبون "؛ لقوله: { وأعتدنا للكافرين عذابا }. # وقدره الزمخشري " أحقاء بكل ملامة " ، وقدره أبو البقاء: ~~أولئك أولياؤهم الشيطان. # والثاني: أن قوله: # إن الله لا يظلم مثقال ذرة # [النساء: 40] ويكون قوله: [ # والذين ينفقون أموالهم رئآء الناس # ] [النساء: 38] عطفا على المبتدأ والعائد محذوف، والتقدير: ~~الذين يبخلون، والذين ينفقون أموالهم، [رئاء الناس] # إن الله لا يظلم مثقال ذرة # [النساء: 40]، [أو مثقال ذرة] لهم، وإليه ذهب الزجاج وهذا ~~متكلف جدا؛ لكثرة الفواصل ولقلق المعنى أيضا. # الخامس: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: هم الذين. # السادس: أنه بدل من الضمير المستكن في { فخورا } ذكره أبو ~~البقاء، وهو قلق. # السابع: أنه صفة ل " من "؛ كأنه قيل: لا يحب المختال الفخور ~~البخيل. # وفي البخل أربع لغات: # فتح الخاء والباء مثل الكرم، وبها قرأ حمزة والكسائي، ~~وبضمها ذكره المبرد، وبها قرأ الحسن وعيسى بن عمر، وبفتح ~~الباء ms2575 وسكون الخاء، وبها قرأ قتادة وابن الزبير، وبضم الباء وسكون ~~الخاء، وبها قرأ الجمهور. والبخل والبخل؛ كالحزن والحزن، ~~والعرب والعرب. # قوله: { بالبخل } فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق ب " يأمرون " ، فالباء للتعدية على ~~حد أمرتك بكذا. # والثاني: أنها باء الحالية والمأمور محذوف، والتقدير: ويأمرون ~~الناس بشكرهم مع التباسهم بالبخل، فيكون في المعنى؛ لقول ~~الشاعر: [البسيط] # 1795- أجمعت أمرين ضاع الحزم بينهما # تيه الملوك وأفعال المماليك # فصل # قال الواحدي: البخل في كلام العرب عبارة عن منع الإحسان، وفي ~~الشريعة عبارة عن منع الواجب. # قال ابن عباس: نزلت في اليهود، بخلوا ببيان صفة محمد صلى ~~الله عليه وسلم وكتموها. وقال سعيد بن جبير: هذا في كتمان ~~العلم. # وقال ابن عباس وابن زيد: نزلت في كردم بن يزيد، وحيي بن ~~أخطب، ورفاعة بن التابوت وأسامة بن حبيب، ونافع بن أبي ~~نافع، وبحري بن عمرو، وكانوا يأتون رجالا من الأنصار ~~يخالطونهم، فيقولون: لا تنفقوا أموالكم، فإنا نخشى عليكم ~~الفقر ولا تدرون ما يكون، فأنزل هذه الآية. # وقيل: إنها عامة في البخل بالعلم والدين والمال: لأن البخل ~~مذموم واللفظ عام. # قال القرطبي: والمراد بهذه الآية في قول ابن عباس وغيره: ~~اليهود؛ لأنهم جمعوا بين الاختيال والتفاخر، والبخل بالمال، ~~وكتمان ما أنزل الله في التوراة من صفة محمد صلى الله ~~عليه وسلم، وقيل المراد: المنافقون الذي كان إنفاقهم وإيمانهم تقية. # قوله: { ويكتمون مآ آتاهم الله من فضله } يعني المال، ~~وقيل: يبخلون بالصدقة، وقوله: { من فضله } ، يجوز أن ~~يتعلق ب { آتاهم } أو بمحذوف على أنه حال من " ما " ، أو من ~~العائد عليها. # قال تعالى { وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا } فصل ~~الله - تعالى - توعد المؤمنين الباخلين من توعد الكافرين، ~~بأن جعل الأول عدم المحبة، والثاني عذابا مهينا. ### || [4.38] # قوله: { والذين ينفقون } فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون مرفوعا عطفا على { الذين يبخلون } ، ~~والخبر: أن الله لا يظلم كما تقدم وصفه. # والثاني: مجرور عطفا على { االكفرين } أي: أعتدنا ~~للكافرين، والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس، قاله ابن جرير. # الثالث: أنه مبتدأ، وخبره محذوف، ms2576 أي: معذبون أو قرينهم ~~الشيطان، فعلى الأولين يكون من عطف المفردات، وعلى الثالث من ~~عطف الجمل. # قوله: { رئآء الناس } فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه مفعول من أجله، وشروط النصب متوفرة. # الثاني: أنه حال من فاعل " ينفقون " يعني: مصدرا واقعا موقع ~~الحال، أي: مرائين. # والثالث: أنه حال من نفس الموصول، ذكره المهدوي، و " رئاء " ~~مصدر مضاف إلى المفعول. # فصل # قال الواحدي: نزلت في المنافقين وهو الوجه لذكر الرياء، وهو ~~ضرب من الإنفاق، وهو قول السدي، وقيل: نزلت في اليهود وقيل: ~~نزلت في مشركي مكة المنفقين على عداوة الرسول - عليه ~~السلام -. # قال ابن الخطيب: والأولى أن يقال: إنه - تعالى - لما أمر ~~بالإحسان إلى المحتاجين، بين أن الممتنع من ذلك قسمان: # إما بألا يعطي شيئا، وهو البخل فذكره. # وإما بأن يعطي رياء وسمعة؛ فهذا أيضا مذموم، فلم يبق إلا ~~الإنفاق للإحسان. # وقوله: { ولا يؤمنون بالله } فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه مستأنف. # والثاني: أنه عطف على الصلة، وعلى هذين الوجهين، فلا محل له ~~من الإعراب. # والثالث: أنه حال من فاعل ينفقون، إلا أن هذين الوجهين ~~الأخيرين، أعني: العطف على الصلة، والحالية ممتنعان على الوجه ~~المحكي عن المهدوي، وهو كون " رئاء " حالا من نفس الموصول؛ ~~لئلا يلزم الفصل بين أبعاض الصلة، أو بين الصلة ومعمولها ~~بأجنبي، وهو " رئاء "؛ لأنه حال من الموصول لا تعلق له ~~بالصلة، بخلاف ما إذا جعلناه مفعولا [له] أو حالا من فاعل ~~{ ينفقون } فإنه على الوجهين معمول ل { ينفقون } فليس ~~أجنبيا، فلم يبال بالفصل به، وفي جعل { ولا يؤمنون } ~~حالا نظر؛ من حيث أن بعضهم نص على أن المضارع المنفي ب ~~" لا " كالمثبت؛ في أنه لا يدخل عليه واو الحال، وهو محل ~~توقف، وكررت لا في قوله - تعالى -: { ولا يؤمنون [بالله ~~ولا] باليوم الآخر }؛ وكذا الباء إشعارا بأن الإيمان منتف ~~عن كل على حدته [كما] لو قلت: لا أضرب زيدا أو عمرا، احتمل في ~~الضرب عن المجموع، ولا يلزم منه نفي الضرب عن كل واحد ~~على انفراده، [واحتمل نفيه عن كل ms2577 واحد بالقران]. # وإذا قلت ولا عمرا، تعين هذا الثاني. # قوله - تعالى -: { ومن يكن الشيطان له قرينا فسآء ~~قرينا }: # قوله: { ومن يكن الشيطان له قرينا فسآء قرينا } ~~أي: صاحبا وخليلا، والمعنى: أن الشيطان قرين لأصحاب هذه ~~الأفعال. # قال القرطبي: في الكلام إضمار، تقديره: { ولا يؤمنون بالله ~~ولا باليوم الآخر } فقرينهم الشيطان { ومن يكن ~~الشيطان له قرينا فسآء قرينا }. # قوله: { فسآء قرينا } وفي " فساء " هذه احتمالان: # أحدهما: أنها نقلت إلى الذم، فجرت مجرى " بئس " ، ففيها ~~ضمير فاعل لها مفسر بالنكرة بعده، وهو { قرينا } والمخصوص ~~بالذم محذوف، أي: فساء قرينا هو، وهو عائد [إما] على ~~الشيطان، وهو الظاهر، وإما على " من " ، وقد تقدم حكم ~~نعم وبئس. # الثاني: على بابها، فهي متعدية، ومفعولها محذوف، و " قرينا ~~" على هذا منصوب على الحال أو على القطع، والتقدير: فساءه، ~~أي: فساء الشيطان مصاحبة؟ # قال القرطبي: { قرينا } منصوب على التمييز، واحتجوا ~~للوجه الأول بأنه كان ينبغي أن يحذف الفاء من " فساء " ، ~~أو تقترن به " قد " ، لأنه حينئذ فعل متصرف ماض، وما كان ~~كذلك ووقع جوابا للشرط، تجرد من الفاء أو اقترن ب " قد " ~~، هذا معنى كلام أبي حيان. # قال شهاب الدين: وفيه نظر؛ لقوله - تعالى -: # ومن جآء بالسيئة فكبت وجوههم # [النمل: 90] # وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت # [يوسف: 27] مما يؤول به هذا ونحوه يتأول به هذا، وممن ذهب إلى ~~أن { قرينا } منصوب على الحال ابن عطية، ولكن يحتمل أن يكون ~~قائلا بأن " ساء " متعدية، وأن يكون قائلا برأي الكوفيين، ~~فإنهم ينصبون ما بعد [نعم] و " بئس " على الحال. # والقرين: المصاحب [الملازم] وهو فعيل بمعنى مفاعل: ~~كالخليط والجليس، والقرن: الحبل؛ لأنه يقرن به بين ~~البعيرين قال: [البسيط] # 1796-......................... # وابن اللبون إذا ما لز في قرن ### || [4.39] # قوله: " وماذا عليهم ". # قد تقدم الكلام على نظيرتها، و " ماذا عليهم " استفهام بمعنى ~~الإنكار. # قال القرطبي: " ما ": في موضع رفع بالابتداء، و " ذا " خبره، و " ذا " ~~بمعنى الذي، وهذا يحتمل أن يكون الكلام قد تم هنا، ويجوز أن يكون ~~" وماذا " اسما واحدا، ويكون ms2578 المعنى أي: وأي شيء عليهم في الإيمان ~~بالله، أو ماذا عليهم من الوبال والعذاب يوم القيامة. # ثم استأنف بقوله: { لو آمنوا } ويكون جوابها محذوفا، أي: ~~حصلت لهم السعادة، ويحتمل أن يكون [تمام] الكلام ب " لو " وما ~~بعدها، وذلك على جعل " لو " مصدرية عند من يثبت لها ذلك، أي: ~~وماذا عليهم في الإيمان، ولا جواب لها حينئذ، وأجاز ابن عطية أن ~~يكون { وماذا عليهم } جوابا ل " لو " ، فإن أراد من جهة ~~المعنى فمسلم وإن أراد من جهة الصناعة ففاسد؛ لأن الجواب ~~الصناعي لا يتقدم عند البصريين، وأيضا فالاستفهام لا يجاب ~~ب " لو " ، وأجاز أبو البقاء في " لو " أن تكون بمعنى " إن " ~~الشرطية؛ كما جاء في قوله: # ولو أعجبتكم # [البقرة: 221] أي: وأي شيء عليهم إن آمنوا. # قال الجبائي: ولو كانوا غير قادرين، لم يجز أن يقول الله ذلك؛ ~~كما لا يقال لمن هو في النار معذب: ماذا عليهم لو خرجوا ~~منها، وصاروا إلى الجنة، وكما لا يقال للجائع الذي لا يقدر ~~على الطعام: ماذا عليه لو أكل. # [وقال الكعبي] لا يجوز أن يمنعه القدرة، ثم يقول: ماذا عليه ~~لو آمن، كما [لا] يقال لمن به مرض: ماذا عليه لو كان صحيحا، ~~ولا يقال للمرأة: ماذا عليها لو كانت رجلا، وللقبيح: ماذا ~~عليه لو كان جميلا كما لا يحسن هذا القول من العاقل، كذلك ~~لا يحسن من الله - تعالى -. # وقال القاضي عبد الجبار: لا يجوز أن يأمر العاقل وكيله ~~بالتصرف في الصفقة، ويحبسه بحيث لا يتمكن من مفارقة ~~الحبس، ثم يقول له: ماذا عليك لو تصرفت، وإذا كان من يذكر ~~مثل هذا الكلام [سفيها] دل ذلك على أنه على الله - تعالى - غير ~~جائز واعلم أن مما تمسك به المعتزلة من المدح والذم ~~والثواب والعقاب، معارضتهم بمسألة العلم والداعي. # قال ابن الخطيب: قد يحسن منه ما من غيره؛ لأن الملك ملكه. # ثم قال: { وكان الله بهم عليما } أي: عليم ببواطن الأمور ~~كما هو عليم بظاهرها، وهذا كالردع للمكلف عن القبائح من ~~أفعال القلوب؛ مثل ms2579 النفاق والرياء والسمعة. ### || [4.40] # لما بين أنه عليم ببواطنهم وظواهرهم، بين أنه كما علمها، ~~لا يظلم مثقال ذرة منها. # قوله: { مثقال ذرة } فيها وجهان: # أحدهما: أنه منصوب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: لا يظلم ~~أحدا ظلما وزن ذرة، فحذف المفعول والمصدر، وأقام نعته ~~مقامه، ولما ذكر أبو البقاء هذا الوجه، قدر قبله مضافا ~~محذوفا، قال تقديره: ظلما قدر مثقال ذرة، فحذف المصدر ~~وصفته، وأقام المضاف إليه مقامه، ولا حاجة إلى ذلك؛ لأن ~~المثقال نفسه هو قدر من الأقدار، جعل معيارا لهذا القدر ~~المخصوص. # والثاني: أنه منصوب على أنه مفعول ثان ل " يظلم " ، والأول، ~~محذوف؛ كأنهم ضمنوا " يظلم " معنى " يغصب " أو " ينقص " فعدوه ~~لاثنين، والأصل أن الله لا يظلم أحدا مثقال ذرة. # والمثقال مفعال من الثقل، يقال: هذا على مثال هذا، أي: ~~وزنه، ومعنى الآية: أنه - تعالى - لا يظلم أحدا لا قليلا ولا ~~كثيرا، وإنما أخرجه على أصغر ما يتعارفه الناس، ويؤيده ~~قوله - تعالى -: # إن الله لا يظلم الناس شيئا # [يونس: 44] والذرة، قال أهل اللغة: هي النملة الحمراء، وقيل: ~~رأسها، وقيل: الذرة جزء من أجزاء الهباء في الكوة، ولا ~~يكون لها وزن. # وروي أن ابن عباس أدخل يده في التراب، ثم رفعها، ثم نفخ ~~فيها، ثم قال: كل واحد من هذه الأشياء. # والأول هو المشهور: لأن النملة يضرب بها المثل في القلة، ~~وأصغر ما يكون إذا مر عليها حول، وقالوا: لأنها حينئذ تصغر ~~جدا. # قال حسان: [الخفيف] # 1797- لو يدب الحولي من ولد الذر # ر عليها لأندبتها الكلوم # وقال امرؤ القيس: [الطويل] # 1798- من القاصرات الطرف لو دب محول # من الذر فوق الإتب منها لأثرا # فصل # روي مسلم عن أنس؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يظلم الله مؤمنا حسنة، يعطى بها [في الدنيا] ~~ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيعطى حسنات ما عامل الله ~~بها في الدنيا، حتى إذا مضى إلى الآخرة، لم يكن له حسنة ~~يجزى عليها ". # فصل: دليل أهل السنة على خروج المؤمنين من النار # واحتج ms2580 أهل السنة بهذه الآية، على أن المؤمنين يخرجون من ~~النار إلى الجنة؛ قالوا: لأن ثواب الإيمان والمداومة على ~~التوحيد، والإقرار بالعبودية مائة سنة، أعظم ثوابا من ~~عقاب شرب جرعة من الخمر، فإذا حضر هذا الشارب القيامة ~~وأسقط [عنه] قدر عقاب هذه المعصية من ذلك الثواب العظيم، فضل ~~له من الثواب قدر عظيم، فإذا دخل النار بسبب القدر من العقاب، ~~فلو بقي هناك، لكان ذلك ظلما، فوجب القطع بأنه يخرج إلى ~~الجنة. # وقوله: { وإن تك حسنة } حذفت النون تخفيفا، لكثرة ~~الاستعمال، وهذه قاعدة كلية، وهو أنه يجوز حذف نون " تكون " ~~مجزومة، بشرط ألا يليها ضمير متصل؛ نحو لم يكنه، وألا ~~تحرك النون لالتقاء الساكنين، نحو: # لم يكن الذين كفروا # [البينة: 1] خلافا ليونس؛ فإنه أجاز ذلك مستدلا بقوله: [الطويل] # 1799- فإن لم تك المرآة أبدت وسامة # فقد أبدت [المرآة] جبهة ضيغم # وهذا عند سيبويه ضرورة، وإنما حذفت النون لغنتها وسكونها، ~~فأشبهت الواو، وهذا بخلاف سائر الأفعال، نحو: لم يضن، ولم ~~يهن؛ لكثرة استعمال " كان " ، وكان ينبغي أن تعود الواو عند ~~حذف هذه النون؛ لأنها إنما حذفت لالتقاء الساكنين، وقد زال ~~ثانيهما وهو النون؛ إلا أنها كالملفوظ بها. # واعلم أن النون الساكنة، إذا وقعت طرفا تشبه حروف اللين، ~~وحروف اللين إذا وقعت طرفا سقطت للجزم، وقد جاء القرآن بالحذف ~~والاثبات: # أما الحذف: فهذه الآية. # [وأما الإثبات] فكقوله: # إن يكن غنيا أو فقيرا # [النساء:135]. # وقرأ الجمهور { حسنة } نصبا على خبر كان الناقصة، واسمها ~~مستتر فيها يعود على مثقال، وإنما أنث ضميره حملا على ~~المعنى؛ لأنه بمعنى: وإن تكن زنة ذرة حسنة، أو لإضافته إلى ~~مؤنث، فاكتسب منه التأنيث. # وقرأ ابن كثير ونافع: " حسنة " رفعا على أنها التامة، أي: ~~وإن تقع أو توجد حسنة وقرأ ابن كثير وابن عامر " يضعفها " بالتضعيف، ~~والباقون: " يضاعفها " قال أبو عبيدة ضاعفه يقتضي مرارا كثيرة، ~~وضعف يقتضي مرتين، وهذا عكس كلام العرب، لأن المضاعفة ~~تقتضي زيادة المثل، فإذا شددت، دلت البنية على التكثير، ~~فيقتضي ذلك تكرير المضاعفة، بحسب ما يكون من ms2581 العدد. # وقال الفارسي: فيها لغتان بمعنى يدل عليه قوله: # يضاعف لها العذاب ضعفين # [الأحزاب: 30] # فيضاعفه له أضعافا كثيرة # [البقرة: 245] وقد تقدم ذلك، وقرأ ابن هرمز: " نضاعفها " [بالنون، ~~وقرئ " يضعفها " ] بالتخفيف من أضعفه مثل أكرم. # فصل # قال أبو عثمان النهدي: بلغني عن أبي هريرة؛ أنه قال: إن الله ~~يعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة، فقدره ~~الله أن ذهبت إلى مكة حاجا أو معتمرا فلقيته فقلت: بلغني أنك ~~تقول إن الله يعطي عبده المؤمن بالحسنة ألف ألف حسنة، قال أبو ~~هريرة: لم أقل ذلك، ولكن قلت: إن الحسنة تضاعف بألفي ألفي ~~ضعف، ثم تلا هذه الآية؛ وقال: قال الله - تعالى: { ويؤت من ~~لدنه أجرا عظيما } لمن يقدر قدره. # قوله: { من لدنه } فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق ب " يؤت " و " من " للابتداء مجازا. # والثاني: متعلق بمحذوف على أنه حال من " أجرا " ، فإنه صفة ~~نكرة في الأصل، قدم عليها فانتصب حالا. # و " لدن " بمعنى عند، إلا أن " لدن " أكثر تمكينا، يقول الرجل: ~~عندي مال، إذا كان [ماله] ببلد آخر، ولا يقال: لدي مال في ~~حال، ولا لدي إلا لما كان حاضرا. ### || [4.41] # " فكيف " فيها ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها في محل رفع خبرا لمبتدأ محذوف، أي: فكيف ~~[تكون] حالهم أو صنعهم، والعامل في " إذا " هو هذا المقدر. # والثاني: أنها في محل نصب بفعل محذوف، أي: فكيف تكونون أو ~~تصنعون، ويجري فيها الوجهان النصب على التشبيه ~~بالحال؛ كما هو مذهب سيبويه، أو على التشبيه بالظرفية؛ كما ~~هو مذهب الأخفش، وهو العامل في " إذا " أيضا. # والثالث: حكاه ابن عطية عن مكي أنها معمولة ل { جئنا } ، وهذا ~~غلط فاحش. # قوله { من كل } فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق ب { جئنا }. # والثاني: [أنه متعلق] بمحذوف على أنه حال من { شهيدا } ، ~~وذلك على رأي من يجوز تقديم حال المجرور بالحرف عليه، كما ~~تقدم، والمشهود محذوف، أي: شهيد على أمته. # فصل: معنى { فكيف إذا جئنا } # من عادة العرب أنهم يقولون في الشيء الذي يتوقعونه: كيف بك ~~إذا كان كذا وكذا، ms2582 ومعنى الكلام: كيف يرون [يوم] القيامة: إذا ~~استشهد الله على كل أمة برسولها يشهد عليهم بما عملوا، { ~~وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } أي: شاهدا على جميع ~~الأمم. # روى أبو مسعود؛ # " قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " اقرأ علي ". فقلت: يا ~~رسول الله، أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ قال: " نعم، أحب ~~أن أسمعه من غيري " ، فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه ~~الآية، قال: حسبك الآن، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان ~~". # قوله { وجئنا بك } في هذه الجملة ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنها في محل جر عطفا على { جئنا } الأولى، أي: فكيف ~~تصنعون في وقت المجيئين. # والثاني: أنها في محل نصب على الحال و " قد " مرادة معها، ~~والعامل فيها { جئنا } [الأولى، أي: جئنا] من كل أمة بشهيد ~~وقد جئنا؛ وفيه نظر. # الثالث: أنها مستأنفة فلا محل لها قال أبو البقاء ويجوز أن ~~تكون مستأنفة، ويكون الماضي بمعنى المستقبل انتهى. # وإنما احتاج [إلى ذلك]؛ لأن المجيء بعد لم يقع فادعى ذلك، ~~والله أعلم. # قوله: { على هؤلاء } متعلق ب { شهيدا } و " على " على ~~بابها، وقيل: بمعنى اللام، وفيه بعد [وأجيز أن يكون " على " ~~متعلقة بمحذوف على أنها حال من { شهيدا } وفيه بعد]، و { ~~شهيدا } حال من الكاف في " بك ". ### || [4.42] # قوله: { يومئذ } فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه معمول ل { يود } أي: يود الذين كفروا يوم ~~إذ جئنا. # والثاني: أنه معمول ل { شهيدا } ، قاله أبو البقاء؛ قال وعلى ~~هذا يكون " يود " صفة ل " يوم " ، والعائد محذوف، تقديره: فيه، وقد ~~ذكر ذلك في قوله: # واتقوا يوما لا تجزي # [البقرة: 48]، وفيما قاله نظر. # والثالث: أن " يوم " مبني، لإضافته إلى " إذ " قاله الحوفي، ~~قال: لأن الظرف إذا أضيف إلى غير متمكن، جاز بناؤه معه، و " ~~إذ " هنا اسم؛ لأن الظروف إذا أضيف إليها، خرجت إلى معنى ~~الاسمية، من أجل تخصيص المضاف إليها، كما تخصص الأسماء مع ~~استحقاقها الجر، والجر ليس من علامات الظروف، والتنوين في " ~~إذ " تنوين عوض على الصحيح، فقيل: عوض من الجملة الأولى، في ~~قوله: { جئنا من ms2583 كل } أي: يومئذ جئنا من كل أمة بشهيد، ~~وجئنا بك على هؤلاء شهيدا، و " الرسول " على هذا اسم جنس، وقيل: ~~عوض عن الجملة الأخيرة وهي { وجئنا بك } ، ويكون المراد ب ~~" الرسول ": محمد صلى الله عليه وسلم، وكأن النظم وعصوك، ولكن أبرز ~~ظاهرا بضفة الرسالة تنويها بقدره وشرفه. # وقوله: { وعصوا } فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها جملة معطوفة على { كفروا } فتكون صلة، فيكونون ~~جامعين بين كفر ومعصية؛ لأن العطف يقتضي المغايرة، وإذا ~~كان ذلك، فيجمل عصيان الرسول على المعاصي المغايرة للكفر، ~~وإذا ثبت ذلك، فالآية دالة على أن الكفار مخاطبون بفروع ~~الإسلام. # وقيل: هي صلة لموصول أخر، فيكون طائفتين، وقيل: إنها في ~~محل نصب على الحال من { كفروا } ، و " قد " مرادة، أي: وقد ~~عصوا. # وقرأ يحيى وأبو السمال: " وعصوا الرسول " بكسر الواو على الأصل. # قوله: { لو تسوى } إن قيل إن " لو " على بابها كما هو قول ~~الجمهور، فمفعول { يود } محذوف، أي: يود الذين كفروا ~~تسوية الأرض بهم، ويدل عليه { لو تسوى بهم الأرض } ، ~~وجوابها حينئذ محذوف، أي: لسروا بذلك. # وإن قيل: إنها مصدرية، كانت وهي وما بعدها في محل مفعول { ~~يود } ، ولا جواب لها حينئذ، وقد تقدم تحقيق ذلك في # يود أحدهم لو يعمر ألف سنة # [البقرة: 96]. # قال أبو البقاء: " وعصوا الرسول " في موضع الحال، و " قد " مرادة، ~~وهي معترضة بين " يود " وبين مفعولها، وهي " لو تسوى " و " لو " ~~بمعنى المصدرية انتهى. # وفي جعل الجنلة الحالية معترضة بين المفعول وعامله نظر لا ~~يخفى؛ لأنها من جملة متعلقات العامل الذي هو صلة للموصول؛ ~~وهذا نظير قولك: ضرب الذين جاءوا مسرعين زيدا، فكما لا يقال: ~~إن مسرعين معترض به، فكذلك هذه الجملة. # وقرأ أبو عمرو وابن كثير وعاصم: تسوى [بضم التاء، وتخفيف السين ~~مبنيا للمفعول، وقرأ حمزة والكسائي: " تسوى " ] بفتح التاء ~~والتخفيف، ونافع وابن عامر: بالتثقيل. # فأما القراءة الأولى، فمعناها: أنهم يودون أن الله - سبحانه وتعالى ~~- يسوي بهم الأرض: إما على أن الأرض تنشق وتبتلعهم، وتكون ~~الباء بمعنى " على " ، وإما على أنهم يودون أن ms2584 لو صاروا ~~ترابا كالبهائم، والأصل يودون أن الله - تعالى - يسوي بهم ~~الأرض، فقلبت إلى هذا؛ كقولهم: أدخلت القلنسوة في ~~رأسي، وإما على أنهم يودون لو يدفنون فيها، وهو كالقول ~~الأول. وقيل: لو تعدل بهم الأرض، أي: يؤخذ ما عليها منهم ~~فدية. # وأما القراءة الثانية: فأصلها " تتسوى " [بتاءين]، فحذفت إحداهما، ~~وأدغمت في السين لقربها منها. # وفي الثالثة حذفت إحداهما، ومعنى القراءتين ظاهر مما تقدم؛ فإن ~~الأقوال الجارية في القراءة الأولى، جارية في القراءتين الأخيرتين ~~غاية ما في الباب أنه نسب الفعل إلى الأرض ظاهرا. # قوله: { ولا يكتمون الله }: فيه ستة أوجه: وذلك أن هذه الواو ~~تحتمل أن تكون للعطف، وأن تكون للحال. # فإن كانت للعطف، احتمل أن تكون من عطف المفردات، [وأن تكون من عطف ~~الجمل، إذا تقرر هذا]، فقوله: { ولا يكتمون الله } يجوز أن ~~يكون عطفا على مفعول { يود } أي: يودون تسوية الأرض بهم، ~~وانتفاء كتمان الحديث، و " لو " على هذا مصدرية، ويبعد جعلها حرفا ~~لما سيقع لوقوع غيره، ويكون و " لا يكتمون " عطفا على مفعول " ~~يود " المحذوف، فهذان وجهان على تقدير كونه من عطف المفردات. # ويجوز أن يكون عطفا على جملة " يود " أخبر - تعالى - عنهم بخبرين: # أحدهما: الودادة لكذا. # والثاني: أنهم لا يقدرون على الكتم في مواطن دون [مواطن]، و " ~~لو " على هذا مصدرية، ويجوز أن تكون [لو] حرفا لما سيقع لوقوع ~~غيره، وجوابها محذوف، ومفعول " يود " أيضا محذوف، ويكون " ولا ~~يكتمون " عطفا على " يود " وما في حيزها، ويكون - تعالى - قد أخبر ~~عنهم بثلاث [جمل]: الودادة، وجملة الشرط ب " لو " ، وانتفاء ~~الكتمان، فهذان أيضا وجهان على تقدير كونه من عطفة الجمل، وإن ~~كانت للحال، جاز أن تكون حالا من الضمير في " بهم " ، والعامل فيها " ~~تسوى " ، ويجوز في " لو " حينئذ أن تكون مصدرية، وأن تكون امتناعية، ~~والتقدير: يريدون تسوية الأرض بهم غير كاتمين، أو لو تسوى ~~بهم غير كاتمين لكان ذلك بغيتهم، ويجوز أن تكون حالا من " الذين ~~كفروا " ، والعامل فيها " يود " ويكون الحال قيدا في الودادة، و " ~~لو " على ms2585 هذا مصدرية في [محل] مفعول الودادة، والمعنى [يومئذ] ~~يود الذين كفروا تسوية الأرض بهم غير كاتمين الله حديثا، ويبعد ~~أن تكون " لو " على هذا الوجه امتناعية، للزوم الفصل بين الحال ~~وعاملها بالجملة، و " يكتمون " يتعدى لاثنين، والظاهر أنه ~~يصل إلى أحدهما بالحرف، والأصل: ولا يكتمون من الله حديثا. # فصل # قال عطاء: ودوا لو تسوى بهم الأرض، وأنهم لم يكونوا كتموا ~~أمر محمد صلى الله عليه وسلم ولا نعته، وقال آخرون: بل هو كلام ~~مستأنف، يعني: ولا يكتمون الله حديثا؛ لأن جوارحهم تشهد ~~عليهم. # قال سعيد بن جبير: قال رجل لابن عباس: إني أجد في القرآن أشياء ~~تختلف علي، قال: هات ما اختلف عليك، قال: قال تعالى: # فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتسآءلون # [المؤمنون: 101] # وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون # [الصافات: 27] وقال: { ولا يكتمون الله حديثا } ، و # قالوا والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23] فقد كتموا، وقال: # أم السمآء بناها # [النازعات: 27] إلى قوله: # والأرض بعد ذلك دحاها # [النازعات: 30]، فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض، ثم قال # أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين # [فصلت: 9] إلى " طائعين ". فذكر في هذه الآية خلق الأرض قبل خلق ~~السماء، وقال: { وكان الله غفورا رحيما } و " عزيزا حكيما " فكأنه ~~كان ثم مضى. # فقال ابن عباس: فلا أنساب بينهم في النفخة الأولى، وقال - ~~تعالى -: " ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض [إلا من شاء ~~الله] " فلا أنساب عند ذلك ولا يتساءلون، ثم في النفخة الأخيرة ~~أقبل بعضهم على بعض يتساءلون. # وأما في قوله: ما كنا مشركين و { لا يكتمون الله حديثا } فإن الله ~~يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم فيقول المشركون: تعالوا نقل: ما ~~كنا مشركين، فيختم على أفواههم، وتنطق أيديهم وأرجلهم، فعند ذلك ~~عرفوا أن الله لا يكتم حديثا، وعنده { يود الذين كفروا وعصوا ~~الرسول لو تسوى بهم الأرض }. # وخلق الله الأرض في يومين ثم خلق السماء، ثم استوى إلى السماء ~~فسواهن في يومين آخرين، ثم دحى الأرض، ودحيها أن أخرج ~~منها الماء والمرعى، وخلق الجبال ms2586 والآكام، وما بينهما في ~~يومين آخرين؛ فقال " خلق الأرض في يومين [ثم دحى الأرض في يومين؛ ~~فخلقت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام، وخلقت السماوات في يومين] ~~{ وكان الله غفورا رحيما } أي: لم يزل كذلك، فلا يختلف عليك ~~القرآن؛ فإن كلا من عند الله ". # وقال الحسن: إنها مواطن: ففي موطن لا يتكلمون، ولا تسمع إلا ~~همسا، وفي موطن [يعترفون على أنفسهم فهو قوله: # فاعترفوا بذنبهم # [الملك: 11]، و [في موطن يتكلمون ويكذبون، ويقولون: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23]، و # ما كنا نعمل من سوء # ] [النحل: 28]، وفي مواطن لا يتساءلون الرجعة، [وفي موطن ~~يتساءلون الرجعة] وآخر تلك المواطن، أن يختم على أفواههم، ~~وتتكلم جوارحهم، وهو قوله: { ولا يكتمون الله حديثا }. # وقال آخرون: [قولهم]: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23] أي: على حسب ما توهمنا في أنفسنا، بل كنا ~~مصيبين في ظنوننا حتى تحققنا الآن. ### || [4.43] # وجه اتصال هذه الآية بما قبلها: أنه - تعالى - لما قال: { واعبدوا ~~الله ولا تشركوا به شيئا } ذكر بعض الإيمان الصلاة التي هي رأس ~~العبادات، ولذلك يقتل تاركها، ولا يسقط فرضها. # قال ابن عباس: نزلت في جماعة من أكابر الصحابة، قبل تحريم ~~الخمر، كانوا يشربونها ثم يأتون المسجد للصلاة مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم فنهوا لهذه الآية. # وقال جماعة من المفسرين: إن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاما ~~وشرابا - حين كانت الخمر مباحة - ودعا من أكابر الصحابة، ~~فأكلوا وشربوا، فلما ثملوا، جاء وقت صلاة المغرب، فقدموا ~~أحدهم ليصلي بهم، فقرأ: { قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون } ~~وحذف " لا " هكذا، إلى أخر السورة، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية، ~~فكانوا يجتنبون السكر أوقات الصلوات، فإذا صلوا العشاء، ~~[شربوها]، فلا يصبحون إلا وقد ذهب عنهم السكر، حتى نزل ~~تحريم الخمر على الإطلاق في سورة المائدة. # وعن عمر [بن الخطاب - رضي الله عنه -]؛ أنه لما بلغه ذلك قال: " اللهم ~~إن الخمر تضر بالعقول والأموال، فأنزل فيها أمرك " قال: ~~فصبحهم الوحي بآية المائدة. # قوله: { لا تقربوا الصلاة } فيه ms2587 وجهان: # أحدهما: أن في الكلام حذف مضاف، تقديره: مواضع الصلاة والمراد ~~بمواضعها المساجد، ويؤيده قوله بعد ذلك: { إلا عابري سبيل } في أحد ~~التأويلين. # والثاني: أنه لا حذف، والنهي عن قربان نفس الصلاة في هذه ~~الحالة. # فصل # قال بعضهم: إن هذا يكون من باب إطلاق اسم الحال على المحل، ~~وعلى الأول: لمنع السكران [والجنب] من المسجد إلا عابري سبيل، ~~فيجوز للجنب العبور في المسجد. # وعلى الثاني: أنه نهي للجنب عن الصلاة، إلا إذا كان عابر سبيل ~~وهو المسافر عند العجز عن الماء. # ورجح أصحاب الشافعي الأول؛ بأن القرب والبعد حقيقة في المسجد، ~~مجاز في الصلاة، والحقيقة أولى من المجاز؛ لأن الاستثناء ~~يصح عليه، ولا يصح على الثاني؛ لأن غير العابري سبيل ~~والعاجز عن الماء، كالمريض يجوز له الصلاة بالتيمم، ولأن ~~الجنب المسافر لا يجوز له قربان الصلاة إذا كان واجدا للماء، ~~وإذا لم يكن واجدا للماء لم يجز له الصلاة إلا بشرط ~~التيمم، فيحتاج إلى إضمارها، وعلى الأول لا يحتاج إلى إضمار، ~~ولأنه - تعالى - ذكر حكم السفر وعدم الماء، والتيمم عقيبها، ~~وقد استحب القراء الوقوف عند قوله - تعالى -: " حتى تغتسلوا " ثم ~~يستأنف { وإن كنتم مرضى } لأنه حكم آخر. # ورجح الثاني: بأن قوله { حتى تعلموا ما تقولون } يناسب نفس ~~الصلاة، لأن المسجد ليس فيه قول مشروع يمنع الشكر، وأيضا سبب ~~النزول يرجحه. # قوله: " وأنتم سكارى " مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال من ~~فاعل " تقربوا " ، وقرأ الجمهور " سكارى " بضم السين وألف بعد ~~الكاف، وفيه قولان: # أصحهما: أنه جمع تكسير نص عليه سيبويه: قال: وقد يكسرون ~~بعض هذا " فعالى "؛ وذلك كقول بعضهم سكارى وعجالى. # والثاني: أنه اسم جمع، وزعم ابن الباذش أنه مذهب سيبويه؛ قال: وهو ~~القياس؛ لأنه لم يأت من أبنية الجمع شيء على هذا الوزن، وذكر ~~السيرافي الخلاف، ورجح كونه تكسيرا. # وقرأ الأعمش: " سكرى " بضم السين وسكون الكاف، وتوجيهها ~~أنها صفة على " فعلى "؛ كحبلى، وقعت صفة لجماعة، أي: وأنتم ~~جماعة سكرى، وحكى جناح بن حبيش كسلى وكسلى، بضم الكاف ~~وفتحها؛ قاله ms2588 الزمخشري. # وقرأ النخعي " سكرى " بفتح السين وسكون الكاف، وهذه تحتمل ~~وجهين: # أحدهما: ما تقدم في القراءة قبلها، وهو أنها صفة مفردة على " ~~فعلى "؛ كامرأة سكرى، وصف بها الجماعة. # والثاني: أنها جمع تكسير؛ كجرحى، وموتى، وهلكى، وإنما جمع ~~سكران على " فعلى " حملا على هذه؛ لما فيه من الآفة اللاحقة ~~للفعل، وقد تقدم شيء من هذا في قوله: # وإن يأتوكم أسارى # [البقرة: 85]. # وقرئ: " سكارى " بفتح السين والألف، وهذا جمع تكسير، نحو: ندمان ~~وندامى، وعطشان، وعطاشى، والسكر: لغة السد، ومنه قيل ~~لما يعرض للمرء من شرب المسكر، لأنه يسد ما بين المرء ~~وعقله، وأكثر ما يقال ذلك لإزالة العقل [بالمسكر] وهو المراد ~~بالآية في قول عامة المفسرين، وقد يقال ذلك لإزالته بغضب ونحوه، ~~من عشق وغيره قال: [الكامل] # 1800- سكران سكر هوى وسكر مدامة # أنى يفيق فتى به سكران # و " السكر " بالفتح وسكون الكاف: حبس الماء، وبكسر السين: نفس ~~الموضع السدود، وأما " السكر " بفتحهما فما يسكر به من المشروب، ~~ومنه: # سكرا ورزقا حسنا # [النحل: 67] وقيل السكر: بضم السين وسكون الكاف [السد] أي: ~~الحاجز بين الشيئين، قال: [الهزج] # 1801- فما زلنا على السكر # نداوي السكر بالسكر # والحاصل: أن أصل المادة الدلالة على الانسداد، ومنه: سكرت عين ~~البازي، إذا خالطها نوم، وسكر النهر؛ إذا لم يجر، وسكرته ~~أنا، وقال - تعالى -: # إنما سكرت أبصارنا # [الحجر: 15]، أي: غشيت، والسكر من الشراب، وهو أن ينقطع عما ~~عليه من النفاذ حال الصحو، فلا ينفذ رأيه كنفاذه حال ~~الصحو، وقال الضحاك: أراد به سكر النوم نهى عن الصلاة عند ~~غلبة النوم، قال - عليه الصلاة والسلام -: # " إذا نعس أحدكم وهو يصلي، فليرقد حتى يذهب ~~عنه النوم؛ فإن أحدكم إذا صلى وهو ينعس، لعله ~~يذهب يستغفر فيسب نفسه ". # والصحيح الأول؛ لأن السكر حقيقة هو من شرب الخمر، فأما السكر ~~من الغضب أو العشق أو النوم فمجاز، إنما استعمل ~~مقيدا؛ قال - تعالى -: # وجاءت سكرة الموت بالحق # [ق: 9]، # وترى الناس سكارى وما هم بسكارى # الحج: 2] قال الفرزدق: [الطويل] # 1802- من السير والإسآد حتى كأنما # سقاه الكرى في ms2589 منزلة خمرا # ولأن عند النوم تمتلئ مجاري الروح من الأبخرة الغليظة، فلا ينفذ ~~الروح للباصر. # قوله - تعالى -: " حتى تعلموا " " حتى " جارة بمعنى إلى، فهي ~~متعلقة بفعل النهي، والفعل بعدها منصوب بإضمار " أن " ~~وتقدم تحقيقه، وقال بعضهم: إن حتى هنا بمعنى [ " كي " ] فهي ~~" تعليلية " ، والمعنى: كي تعلموا ما تقولون. # و " ما " يجوز فيها ثلاثة أوجه: أن تكون بمعنى الذي، أو ~~نكرة موصوفة، والعائد على هذين القولين محذوف، أي: ~~يقولونه، أو مصدرية، فلا حذف إلا على رأي ابن السراج ومن ~~تبعه. # فصل قول البعض بنسخ الآية # قال بعضهم: هذه الآية منسوخة بآية المائدة. # قال ابن الخطيب: والذي يمكن النسخ فيه، أنه - تعالى - نهى ~~عن قربان الصلاة حال السكر ممدودا إلى غاية أن يصير ~~بحيث يعلم ما يقول، والحكم الممدود إلى غاية، يقتضي ~~انتهاء ذلك الحكم عند تلك الغاية، وهذا يقتضي جواز قربان ~~الصلاة مع السكر الذي يعلم منه ما يقول، ومعلوم أن ~~الله - تعالى - لما حرم الخمر بآية المائدة، فقد رفع هذا ~~الجواز، فثبت أن آية المائدة ناسخة مدلولات هذه الآية. # والجواب: أن هذا نهي عن قربان الصلاة حال السكر، وتخصيص ~~الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه، إلا على سبيل ~~الظن الضعيف، ومثل هذا لا يكون نسخا. # فصل: التكليف بما لا يطاق # قال بعضهم: هذه الآية تدل على جواز التكليف بما لا يطاق؛ ~~لأنه - تعالى - قال: { ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } ، وهذه جملة ~~حالية، فكأنه - تعالى - قال للسكران: لا تصل وأنت سكران، ~~وهذا خطاب للسكران. # والجواب عنه: بأن هذا ليس خطابا للسكران، بل هو خطاب ~~للذين آمنوا؛ فكأنه قال: يأيها الذين آمنوا لا تسكروا، فقد ~~نهى عن السكر؛ ونظيره قوله - تعالى -: # ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون # [آل عمران: 102] وهو ليس نهيا عن الموت، وإنما هو أمر ~~بالمداومة على الإسلام، حتى يأتيه الموت وهو في تلك ~~الحال. # قوله: " ولا جنبا " نصب على أنه معطوف على الحال قبله، وهو قوله: ~~" وأنتم سكارى " عطف المفرد على الجملة لما كانت في تأويله، ~~وأعاد ms2590 معها " لا " تنبيها على أن النهي عن قربان الصلاة مع ~~كل واحد من هذين الحالين على انفرادهما، فالنهي عنها مع ~~اجتماع الحالين آكد وأولى، والجنب مشتق من الجنابة وهو ~~البعد؛ قال: [الطويل] # 1803- فلا تحرمني نائلا عن جنابة # فإني امرؤ وسط القباب غريب # وسمي الرجل جنبا: لبعده عن الطهارة؛ أو لأنه ضاجع ~~بجنبه ومس به، والمشهور أنه يستعمل بلفظ واحد كالمفرد ~~والمثنى والمجموع، والمذكر والمؤنث، ومنه الآية الكريمة. # قال الزمخشري: لجريانه مجرى المصدر الذي هو الإجناب، ومن ~~العرب من يثنيه فيقول جنبان ويجمعه جمع سلامة فيقول: ~~جنبون، وتكسيرا فيقول: أجناب، ومثله في ذلك شلل، وقد تقدم ~~تحقيق ذلك. # قوله: { إلا عابري سبيل } فيه وجهان: # أحدهما: أنه منصوب على الحال فهو استثناء مفرغ، والعامل ~~فيها فعل النهي، والتقدير: " لا تقربوا الصلاة في حالة [الجنابة ~~إلا في حال السفر] أو عبور المسجد على حسب القولين. # وقال الزمخشري: { إلا عابري سبيل } استثناء من عامة أحوال ~~المخاطبين، وانتصابه على الحال. # فإن قلت " كيف جمع بين هذه الحال، والحال التي قبلها. # قلت: كأنه قيل: لا تقربوا الصلاة في حال الجنابة: إلا ومعكم ~~حال أخرى تعتذرون فيها: السفر وعبور السبيل عبارة عنه. # والثاني: أنه منصوب على أنه صفة لقوله " جنبا " ب " إلا " ~~بمعنى " غير " ، فظهر الإعراب فيما بعدها، وسيأتي لهذا مزيد ~~بيان عند قوله - تعالى -: # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا # [الأنبياء: 22] كأن قيل: " لا تقربوها جنبا غير عابري سبيل " ، أي: ~~جنبا مقيمين غير معذورين، وهذا معنى واضح على تفسير ~~العبور بالسفر، وهذا قول علي وابن عباس، وسعيد بن جبير، ~~ومجاهد قالوا: معناه إلا أن تكونوا مسافرين ولا تجدون ~~الماء فتيمموا؛ منع الجنب من الصلاة [حتى يغتسل، إلا ~~أن يكون في سفر ولا يجدها فيصلي بالتيمم وأما من قدر ~~مواضع الصلاة] فالمعنى عنده: لا تقربوا المساجد جنبا إلا ~~مجتازين؛ لكونه لا ممر سواه، وهو قول عبد الله بن مسعود، وسعيد ~~بن المسيب، والحسن، وعكرمة، والنخعي، والزهري، وذلك أن ~~قوما من الأنصار، كانت أبوابهم في المسجد، فتصيبهم ms2591 الجنابة، ~~ولا ماء عندهم، ولا ممر لهم إلا في المسجد، فرخص لهم في ~~العبور، قالوا: والمراد من الصلاة هنا: موضع الصلاة؛ لقوله - ~~تعالى -: # وبيع وصلوات # [الحج: 40] والمعنى: لا تقربوا المسجد وأنتم جنب، إلا مجتازين ~~فيه للخروج منه، مثل أن ينام في المسجد، فيجنب أو تصيبه ~~جنابة والماء في المسجد، والعبور الجواز؛ ومنه: " ناقة ~~عبر الهواجر " قال: [الكامل] # 1804- عيرانة سبح اليدين شملة # عبر الهواجر كالهزف الخاضب # وقوله: " حتى تغتسلوا "؛ كقوله: " حتى تعلموا " فهي متعلقة بفعل ~~النهي. # فصل: حكم عبور المسجد للجنب # اختلفوا في عبور المسجد للجنب، فأباح الحسن ومالك ~~والشافعي المرور فيه على الإطلاق، وهو قول أصحاب الرأي، وقال ~~بعضهم: يتيمم للمرور فيه، وأما المكث فلا يجوز عند أكثر ~~العلماء؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم # " وجهوا [هذه البيوت عن المسجد] فإني لا أحل المسجد ~~لحائض ولا جنب " # وجوز أحمد المكث فيه، وضعف الحديث؛ لأن راويه مجهول. # قوله: { وإن كنتم مرضى } جمع مريض، وأراد به مرضا يضره أساس ~~الماء كالجدري والقروح العظيمة، أو كان على موضع طهارته ~~جراح يخاف من استعمال الماء التلف، أو زيادة المرض، فإنه ~~يصلي بالتيمم وإن كان موجودا، وإن كان بعض أعضاء طهارته ~~صحيحا والبعض جريحا، غسل الصحيح، وتيمم عن الجريح؛ # " لما روى جابر؛ قال: خرجنا في سفر، فأصاب رجلا منا ~~حجر، فشجه في رأسه فاحتلم، فسأل أصحابه هل تجدون ~~رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة في التيمم، ~~وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على ~~النبي صلى الله عليه وسلم أخبرناه بذلك، فقال: قتلوه قتلهم ~~الله إلا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال، ~~إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصر أو يعصب - شك الراوي - على جرحه ~~خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده " # ولم يجوز أصحاب الرأي الجمع بين التيمم والغسل، وقالوا: إن ~~كان أكثر أعضائه وصحيحا، غسل الصحيح وكفاه، وإن كان ~~الأكثر جريحا، اقتصر على التيمم، والحديث حجة عليهم. # قوله: { أو على سفر } في محل نصب عطفا على خبر كان، وهو ms2592 ~~المرضى؛ وكذلك قوله: { أو جاء أحد منكم } { أو لامستم النساء } ، ~~وفيه دليل على مجيء [خبر] كان فعلا ماضيا من غير " قد " ، ~~وادعاء حذفها تكلف لا حاجة إليه؛ كذا استدل به أبو حيان، ~~ولا دليل فيه؛ لاحتمال أن يكون " أو جاء " عطفا على " كنتم " ~~تقديره: وإن جاء أحد، وإليه ذهب أبو البقاء، وهو أظهر من ~~الأول والله أعلم. # فصل # أراد مطلق السفر طويلا كان أو قصيرا، إذا عدم الماء فإنه ~~يصلي بالتيمم، ولا إعادة عليه؛ لما روي عن أبي ذر؛ قال:قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء ~~عشر سنين، فإذا وجد الماء، فليمسه بشرته فإن لم يكن ~~مريضا ولا في سفر، ولكنه عدم الماء في موضع لا يعدم فيه ~~الماء غالبا: كقرية انقطع ماؤها فقال بعضهم يصلي ~~بالتيمم، ويعيد إذا قدر على الماء " # وقال آخرون: لا إعادة [عليه] وهو قول الأوزاعي ومالك، وقال ~~أبو حنيفة: يؤخر الصلاة حتى يجد الماء. وقوله: { أو جاء أحد منكم ~~من الغائط } أراد به: إذا أحدث، وقوله: " أو جاء أحد " يدل على ~~الانتقال من مكان الغائط والانتقال عنه. # و " منكم " في محل رفع؛ لأنه صفة لأحد فيتعلق بمحذوف، و " من ~~الغائط " متعلق ب " جاء " فهو مفعوله، وقرأ الجمهور: " الغائط ~~" بزنة " فاعل " وهو المكان المطمئن من الأرض [وجمعه الغيطان ~~ثم عبر عن الحدث كناية؛ للاستحياء من ذكره، وفرقت] العرب ~~بين الفعلين منه، فقالت: غاط في الأرض، أي: ذهب وأبعد إلى ~~مكان لا يراه فيه إلا من وقف عليه، وتغوط: إذا أحدث. # وقرأ ابن مسعود: " من الغيط " وفيه قولان: # أحدهما: وإليه ذهب ابن جني: أنه مخفف من " فيعل "؛ كهين، ~~وميت [في هين وميت]. # والثاني: أنه مصدر على وزن " فعل " قالوا: غاط يغيط غيطا، ~~وغاط يغوط غوطا. # وقال أبو البقاء: هو مصدر " يغوط " فكان القياس " غوطا " فقلبت ~~الواو ياء، و [إن] سكنت وانفتح ما قبلها لخفتها كأنه لم ~~يطلع على أن فيه لغة أخرى من ذوات الياء حتى ادعى ذلك. # قوله: ms2593 { أو لامستم النساء } قرأ الأخوان هنا، وفي المائدة: " لمستم " ~~، والباقون: " لامستم " [فقيل] فاعل بمعنى فعل، وقيل لمس: جامع، ~~ولامس: لما دون الجماع. # قال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة: كني باللمس عن الجماع؛ ~~لأن اللمس يوصل إلى الجماع، ولأن اللمس والمس وردا في ~~القرآن كناية عن الجماع [في] قوله: # من قبل أن يتمآسا # [المجادلة: 3]، و # من قبل أن تمسوهن # [البقرة: 237] ولأن الحدث الأصغر مذكور في قوله: { أو جاء أحد ~~منكم من الغائط } فلو حمل اللمس على الأصغر، لم يبق للحدث الأكبر ~~ذكر، وقال ابن مسعود، وابن عمر، والشعبي، والنخعي، هما التقاء ~~البشرتين سواء كان بجماع أو غير جماع؛ لأن حكم الجنابة ~~تقدم في قوله: " ولا جنبا " فلو حملنا اللمس على الجنابة، ~~لزم التكرار. # قوله: " فلم تجدوا " الفاء عطفت ما بعدها على الشرط، وقال أبو ~~البقاء: على " جاء " لأنه جعل " جاء " عطفا على " كنتم " ، فهو ~~شرط عنده، والفاء في قوله: " فتيمموا " هي جواب الشرط، ~~والضمير في " تيمموا " لكل من تقدم؛ من مريض ومسافر ~~ومتغوط وملامس أو لامس، وفيه تغليب للخطاب على الغيبة؛ وذلك ~~أنه تقدم غيبة في قوله: " أو جاء أحد " وخطاب في " كنتم " ، و " ~~لمستم " فغلب الخطاب، في قوله: " كنتم " وما بعده عليه، وما أحسن ~~ما أتي هنا بالغيبة، لأنه كناية عما يستحيا منه فلم ~~يخاطبهم به، وهذا من محاسن الكلام؛ ونحوه قوله: # وإذا مرضت فهو يشفين # [الشعراء: 80] [و " وجد " هنا بمعنى " لقي " ] فتعدت لواحد و " ~~صعيدا " مفعول به لقوله " تيمموا " أي: اقصدوا. # وقيل: هو على إسقاط حرف، اي: بصعيد، وليس بشيء لعدم اقتياسه، ~~والصعيد " فعيل " بمعنى الصاعد، [قيل: الصعيد]: وجه الأرض ~~ترابا كان أو غيره. # فصل: الخلاف في وجوب تكرار طلب الماء في الصلاة الثانية # قال الشافعي: إذا دخل وقت الصلاة فطلب الماء ولم يجد ~~الماء، وتيمم وصلى، ثم دخل وقت الصلاة الثانية، يجب عليه ~~الطلب ثانيا؛ لقوله " فلم تجدوا " وهذا يشعر بسبق الطلب. # وقال أبو حنيفة: لا يجب، واعترض على الآية بأن قوله: " فلم تجدوا " ~~لا يشعر بسبق الطلب؛ ms2594 قال - تعالى -: # وما وجدنا لأكثرهم من عهد # [الأعراف: 102] # ووجدك ضآلا فهدى ووجدك عآئلا # [الضحى: 7، 8]، # ولم نجد له عزما # [طه: 115] وهذا لا يسبقه طلب؛ لاستحالته على الله - تعالى -. # فصل # قال أبو حنيفة: التيمم هو القصد، والصعيد وهو ما يصعد من ~~الأرض؛ فقوله { فتيمموا صعيدا طيبا } أي: اقصدوا أرضا، وقال ~~الشافعي: هذه الآية مطلقة، وآية المائدة مقيدة بقوله: # منه # [المائدة: 6] وكلمة " من " للتبعيض، وهذا لا يتأتى في الصخر ~~الذي لا تراب عليه، فوجب حمل المطلق على المقيد. # فإن قيل: إن كلمة " من " لابتداء الغاية، قال صاحب الكشاف ~~لا يفهم أحد من العرب من قول القائل: مسحت برأسه من ~~الدهن ومن الماء ومن التراب، إلا معنى التبعيض. # ثم قال: والإذعان للحق أحق من المراء. # وقال الواحدي: إنه - تعالى - قال: " صعيدا طيبا " والأرض ~~الطيبة التي تنبت؛ لقوله - تعالى -: # والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه # [الأعراف: 58]، وقال -عليه الصلاة والسلام-: # " التراب طهور المسلم إذا لم يجد الماء ". # قوله: { فامحسوا بوجوهكم } هذا الجار متعلق ب " امسحوا " وهذه ~~الباء يحتمل أن تكون زائدة، وبه قال أبو البقاء، ويحتمل أن ~~تكون متعدية؛ لأن سيبويه حكى: مسحت رأسه وبرأسه، فيكون من ~~باب نصحته ونصحت له، وحذف الممسوح به، وقد ظهر في آية ~~المائدة، في قوله: # منه # [المائدة: 6] فحمل عليه هذا. # ثم قال - تعالى -: { إن الله كان غفورا رحيما } وهو كناية عن ~~الترخيص والتيسير لأن من غفر للمذنبين، فبأن يرخص ~~للعاجزين أولى. # فصل # قال القرطبي: أجمع العلماء على أن التيمم لا يرفع ~~الجنابة، ولا الحدث، وأن المتيمم لهما إذا وجد الماء، عاد ~~جنبا أو محدثا كما كان؛ لقوله عليه السلام لأبي ذر: # " إذا وجدت الماء، فأمسه جلدك ". # فصل # قال القرطبي: والمسح لفظ مشترك يكون بمعنى الجماع، يقال: مسح ~~الرجل المرأة، إذا جامعها، والمسح: مسح الشيء بالسيف ~~وقطعه به، ومسحت الإبل يومها إذا سارت، والمسحاء المرأة ~~الرسماء التي لا است لها، ولفلان مسحة من جمال، والمراد هنا ~~بالمسح: عبارة عن مر اليد على الممسوح. ### || [4.44-45] # لما ذكر - تعالى - أنواع التكاليف من ms2595 أول السورة إلى هنا، ذكر ~~أقاصيص المتقدمين؛ لأن الانتقال من نوع من العلوم إلى نوع ~~آخر كأنه ينشط الخاطر، وقد تقدم الكلام في قوله - تعالى - # ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم # [البقرة: 258] والمراد ب { الذين أوتوا نصيبا من الكتاب } هم اليهود ~~". # وقال ابن عباس: نزلت هذه الآية في حبر من أحبار اليهود، كانا ~~يأتيان رأس المنافقين عبد الله أبي [ابن سلول] ورهطه، ~~يثبطونهم عن الإسلام. # وعن ابن عباس أيضا؛ قال: نزلت في رفاعة بن زيد، ومالك بن دخشم، ~~كانا إذا تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لويا لسانهما، ~~وعاباه، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية. # قوله: " من الكتاب " فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق بمحذوف، إذ هو صفة ل " نصيبا " فهو في ~~محل نصب. # والثاني: متعلق ب " أوتوا " أي أوتوا من الكتاب نصيبا، و " ~~يشترون ": حال، وفي صاحبها وجهان: # أحدهما: أنه واو " [أوتوا] ". # والثاني: أنه الموصول وهي على هذا حال مقدرة، والمشتري به ~~محذوف، أي: بالهدى، كما صرح به في مواضع، ومعنى " يشترون ": ~~يستبدلون الضلالة بالهدى. # قوله: " ويريدون " عطف على " يشترون ". # وقال النخعي: { وتريدون أن تضلوا } بتاء الخطاب، والمعنى: ~~تريدون أيها المؤمنون أن تدعوا الصواب، وقرأ الحسن: " أن ~~تضلوا " من أضل. وقرئ " أن تضلوا السبيل " بضم التاء وفتح ~~الضاد على ما لم يسم فاعله، والسبيل مفعول به؛ كقولك: أخطأ ~~الطريق، وليس بظرف، وقيل: يتعدى ب " عن "؛ تقول: ضللت السبيل، ~~وعن السبيل، ثم قال: { والله أعلم بأعدائكم } أي: أعلم بما في ~~قلوبهم وصدورهم من العداوة والبغضاء. # قوله: { وكفى بالله وليا } تقدم الكلام عليه أول السورة، وكذا ~~الكلام في المنصوب بعده، والمعنى: أنه - تعالى - لما بين شدة ~~عداوتهم للمسلمين، بين أنه - تعالى - ولي المؤمنين وناصرهم. # فإن قيل: ولاية الله لعبده عبارة عن نصرته، فذكر النصير بعد ~~ذكر الولي تكرار. # فالجواب: أن الولي هو المتصرف في الشيء، والمتصرف في ~~الشيء يجب أن يكون ناصرا. # فإن قيل: ما الفائدة من تكرار قوله: " وكفى بالله ". # فالجواب: أن التكرا في مثل هذا المقام يكون أشد تأثيرا في ms2596 ~~القلب، وأكثر مبالغة. # فإن قيل: ما فائدة تكرار الباء في قوله: " بالله " فذكروا وجوها: # أحدها: لو قيل: كفى الله، يتصل الفعل بالفاعل ثم ههنا زيدت ~~الباء إيذانا بأن الكفاية من الله ليست كالكفاية من غيره. # وثانيها: قال ابن السراج: تقديره: كفى اكتفاؤه بالله ~~وليا، ولما ذكرت " كفى " دل على الاكتفاء؛ كما تقول: من كذب كان ~~شرا له، أي: كان الكذب شرا له، فأضمرته لدلالة الفعل عليه. # وثالثها: قال ابن الخطيب: الباء في الأصل للإلصاق، وإنما يحسن ~~في المؤثر لذي لا واسطة بينه وبين التأثير، فلو قيل: كفى ~~الله، دل ذلك على كونه فاعلا لهذه الكفاية، ولكن لا ~~يدل [ذلك على أنه فعل] بواسطة أو غير واسطة، فإذا ذكرت ~~الباء، دل على أنه - تعالى - يفعل بغير واسطة، بل هو - تعالى - ~~يتكفل به ابتداء من غير واسطة؛ كقوله: # ونحن أقرب إليه من حبل الوريد # [ق: 16]. ### || [4.46] # قوله تعالى: [ { من الذين هادوا يحرفون الكلم عن ~~مواضعه } ] الآية. # لما حكى عنهم أنهم يشترون الضلالة، بين تلك الضلالة ما هي. # قوله: { من الذين هادوا } فيه سبعة أوجه: # أحدها: أن يكون " من الذين " خبر مقدم، و " يحرفون " جملة في محل ~~رفع صفة لموصوف محذوف هو مبتدأ، تقديره: من الذين هادوا ~~قوم يحرفون، وحذف الموصوف بعد " من " التبعيضية ~~جائز، وإن كانت الصفة فعلا؛ كقولهم " منا ظعن، ومنا ~~أقام " ، أي: فريق أقام، وهذا مذهب سيبويه والفارسي؛ ومثله: ~~[الطويل] # 1805- وما الدهر إلا تارتان فمنهما # أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح # أي: فمنهما تارة أموت فيها. # الثاني: قول الفراء، وهو أن الجار والمجرور خبر مقدم أيضا، ~~ولكن المبتدأ المحذوف يقدره موصولا، تقديره: " من الذين هادوا من ~~يحرفون " ، ويكون قد حمل على المعنى في " يحرفون " قال الفراء: ~~ومثله [قول ذي الرمة] [الطويل] # 1806- فظلوا ومنهم دمعه سابق له # وآخر يثني دمعه العين باليد # قال: تقديره، ومنهم [من] دمعه سابق له، والبصريون لا ~~يجوزون حذف الموصول؛ لأنه جزء كلمة، وهذا عندهم مؤول على ~~حذف موصوف كما تقدم، وتأويلهم أولى لعطف النكرة عليه، وهو: ~~آخر ms2597 وأخرى في البيت قبله، فيكون في ذلك دلالة على المحذوف، ~~والتقدير: فمنهم عاشق سابق دمعه له وآخر. # الثالث: أن " من الذين " خبر مبتدأ محذوف، أي: " هم الذين هادوا ~~" ، و " يحرفون " على هذا حال من ضمير " هادوا " وعلى هذه الأوجه ~~الثلاثة يكون الكلام قم تم عند قوله: " نصيرا ". # الرابع: أن يكون " من الذين " حالا [من فاعل " يريدون " قاله أبو ~~البقاء، ومنع أن يكون حالا] من الضمير في " أوتوا " ومن " الذين " ~~أعني: في قوله - تعالى -: { ألم تر إلى الذين أوتوا } قال: لأن الحال ~~لا تكون لشيء واحد، إلا بعطف بعضها على بعض. # قال شهاب الدين: في هذه المسألة خلاف بين النحويين: منهم من منع، ~~ومنهم من جوز، وهو الصحيح. # الخامس: أن { من الذين } بيان للموصول في قوله: # ألم تر إلى الذين أوتوا # [آل عمران:23] لأنهم يهود ونصارى، فبينهم باليهود، قاله ~~الزمخشري، وفيه نظر من حيث إنه قد فصل بينهما بثلاثة جمل هي: { ~~والله أعلم } ، { وكفى بالله } ، { وكفى بالله ~~}. # وإذا كان الفارسي قد منع الاعتراض بجملتين، فما بالك بثلاث، ~~قاله أبو حيان، وفيه نظر؛ فإن الجمل هنا متعاطفة، والعطف ~~يصير الشيئين شيئا واحدا. # السادس: أنه بيان لأعدائكم، وما بينهما اعتراض أيضا، وقد ~~عرف ما فيه. # السابع: أنه متعلق ب { نصيرا } وهذه المادة تتعدى ب " من ~~"؛ قال - تعالى -: # ونصرناه من القوم # [الأنبياء: 77] # فمن ينصرنا من بأس الله # [غافر: 29] على أحد تأويلين: # إما على تضمين النصر معنى المنع، أي: منعناه من القوم، ~~وكذلك: كفى بالله مانعا بنصره من الذين هادوا. # وإما: على جعل " من " بمعنى " على " ، والأول مذهب ~~البصريين، فإذا جعلنا { من الذين } بيانا لما قبله، ~~فبم يتعلق والظاهر [أنه يتعلق بمحذوف؛ ويدل على ذلك أنهم ~~قالوا في سقيا لك]، إنه متعلق بمحذوف لأنه بيان له، وقال أبو ~~البقاء: [وقيل] وهو حال من أعدائكم، أي: [والله أعلم بأعدائكم] ~~كائنين من الذين هادوا، والفصل بينهما مسدد، فلم يمنع من الحال، ~~فقوله هذا يعطي أنه بيان لأعدائكم مع إعرابه له حالا، ~~فيتعلق أيضا بمحذوف، لكن لا على ms2598 ذلك الحذف المقصود في ~~البيان، وقد ظهر مما تقدم أن { يحرفون } ، إما لا محل ~~له، أو له محل رفع أو نصب على حسب ما تقدم وقال أبو ~~رجاء والنخعي: " الكلام " وقرئ: " الكلم " بكسر الكاف وسكون ~~اللام، جمع " كلم " مخففة من كلمة، ومعانيها متقاربة. # قوله: { عن مواضعه } متعلق ب { يحرفون } وذكر الضمير في ~~{ مواضعه } حملا على { الكلم } ، لأنها جنس. # وقال الواحدي: هذا جمع حروفه أقل من حروف واحده، وكل جمع ~~يكون كذلك، فإنه يجوز تذكيره. # وقال غيره: يمكن أن يقال: كون هذا الجمع مؤنثا ليس أمرا ~~حقيقيا، بل هو أمر لفظي، فكان التذكير والتأنيث فيه ~~جائزا. وجاء هنا " عن مواضعه " وفي المائدة: # من بعد مواضعه # [المائدة: 41]. # قال الزمخشري: أما { عن مواضعه } فعلى ما فسرناه من ~~إزالته عن مواضعه، التي أوجبت حكمة الله وضعه فيها بما ~~اقتضت شهواتهم من إبدال غيره مكانه، وأما { من بعد مواضعه } ~~، فالمعنى: أنه كانت له مواضع هو قمن بأن يكون فيها فحين ~~حرفوه، تركوه كالغريب الذي لا موضع له بعد مواضعه ~~ومقاره والمعنيان متقاربان. # قال أبو حيان: وقد يقال: إنهما سيان لكنه حذف هنا وفي أول ~~المائدة [الآية 13] من بعد مواضعه؛ لأن قوله { عن مواضعه } يدل ~~على استقرار مواضع له، وحذف في ثاني المائدة " من مواضعه "؛ لأن ~~التحريف " من بعد مواضعه " يدل على أنه تحريف عن مواضعه، ~~فالأصل: يحرفون الكلم من بعد مواضعه عنها. فحذف هنا ~~البعدية، وهناك توسعا في العبارة، وكانت البدأة هنا ~~بقوله: " عن مواضعه "؛ لأنه أخصر، وفيه تنصيص باللفظ على " ~~عن " وعلى المواضع، وإشارة إلى البعدية. # وقال أيضا: والظاهر أنهم حيث وصفوا بشدة التمرد ~~والطغيان، وإظهار العداوة، واشتراء الضلالة، ونقص ~~الميثاق، جاء { يحرفون الكلم عن مواضعه } كأنهم حرفوها من أول ~~وهلة قبل استقرارها في مواضعها، وبادروا إلى ذلك، ولذلك جاء ~~أول المائدة كهذه الآية؛ حيث وصفهم بنقض الميثاق، وقسوة ~~القلوب، وحيث وصفوا باللين وترديد الحكم إلى الرسول، جاء { من ~~بعد مواضعه } كأنهم لم يبادروا إلى التحريف، بل عرض لهم بعد ~~استقرار الكلم في مواضعها، ms2599 فهما سياقان مختلفان. # [وقوله:] { ويقولون } عطف على { يحرفون } وقد تقدم، ~~وما بعده في محل نصب به. # فصل: الخلاف في كيفية التحريف # اختلفوا في كيفية التحريف، فقيل: كانوا يبدلون اللفظ ~~بلفظ آخر؛ كتحريفهم الرجم [ووضعوا] موضعه الجلد؛ ونظيره # فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم ~~يقولون هذا من عند الله # [البقرة: 79]. # فإن قيل: كيف يمكن هذا في الكتاب الذي بلغت آحاد حروفه، ~~وكلماته مبلغ التواتر، واشتهر في الشرق والغرب. # فالجواب: لعل القوم كانوا قليلين، والعلماء بالكتاب كانوا في ~~غاية من القلة فقدروا على ذلك. # وقيل: المراد بالتحريف: إلقاء الشبه والتأويلات ~~الفاسدة لتلك النصوص، وأما الآية التي في المائدة: فهي دالة ~~على الجمع بين الأمرين، فكانوا يذكرون التأويلات ~~الفاسدة، وكانوا يحرفون اللفظ أيضا من الكتاب. # فقوله: { يحرفون الكلم } إشارة إلى التأويل الباطل. # وقوله: { من بعد مواضعه } إشارة إلى إخراجه عن هذا الكتاب. # وقيل: المراد بالتحريف: تغيير صفة محمد صلى الله عليه وسلم. # قال ابن عباس: كانت اليهود يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ويسألونه عن الأمر، فيخبرهم، فيرى أنهم يأخذون بقوله، ~~فإذا انصرفوا من عنده، حرفوا كلامه { ويقولون سمعنا } منك ~~قولك { وعصينا } أمرك، وهو المراد بقوله: { سمعنا ~~وعصينا }. # قوله: { واسمع غير مسمع } ، في نصب " غير " وجهان: # أحدهما: أنه حال. # والثاني: أنه مفعول به، والمعنى، اسمع غير مسمع كلاما ترضاه، ~~فسمعك عنه ناب. # قال الزمخشري، بعد حكايته نصبه على الحال، وذكره المعنى ~~المتقدم: ويجوز على هذا أن يكون " غير مسمع " مفعول اسمع، أي: ~~اسمع كلاما غير مسمع إياك؛ لأن أذنك لا تعيه نبوا عنه، وهذا ~~الكلام ذو وجهين، يعني أنه يحتمل المدح والذم: # فبإرادة المدح تقدر غير مسمع مكروها، فيكون قد حذف ~~المفعول الثاني؛ لأن الأول قام مقام الفاعل. # وبإرادة الذم تقدر " غير مسمع خيرا " وحذف المفعول الثاني: أيضا ~~[والمعنى: كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم اسمع، ويقولون ~~في أنفسهم: لا سمعت]. # وقال أبو البقاء: وقيل: أرادوا غير مسموع منك، وهذا القول نقله ~~ابن عطية عن الطبري، وقال: إنه حكاية عن الحسن ms2600 ومجاهد. # وقال ابن عطية: ولا يساعده التصريف، يعني: أن العرب لا ~~تقول أسمعتك بمعنى قبلت منك، [وإنما تقول أسمعته بمعنى: ~~سببته، وسمعت منه بمعنى قبلت ويعبرون بالسماع لا بالإسماع عن ~~القبول مجازا، وتقدم القول في # راعنا # [البقرة: 104]، وفيها وجوه: # أحدها: أن هذه كلمة كانت تجري بينهم على جهة الهزء والسخرية، وقيل ~~معناها: أرعنا سمعك، أي: اصرف سمعك إلى كلامنا، وقيل: كانوا ~~يقولون: راعنا، ويوهمونه في ظاهر الأمر أنهم يريدون ~~راعنا سمعك، ومرادهم التشبيه بالرعونة في لغتهم. # وقيل: كانوا يلوون ألسنتهم، حتى يصير قولهم: { وراعنا }: ~~راعينا، ويريدون: أنك كنت ترعى أغناما لنا. # قال الفراء: كانوا يقولون: راعنا [ويوهمونه في ظاهر الأمر ~~أنهم يريدون راعنا سمعك، ومرادهم التشبيه بالرعونة] ويريدون ~~الشتم، فذاك هو اللي، وكذلك قولهم: { غير مسمع } أرادوا ~~به، لا سمعت فهذا هو اللي. # فإن قيل: كيف جاءوا بقول يحتمل الوجهين بعد تصريحهم بقولهم: ~~سمعنا وعصينا؟ فالجواب: أنه قال بعض المفسرين: إنهم كانوا ~~يقولون " وعصينا " سرا في نفوسهم. وقيل: كان بعضهم يقوله سرا، ~~وبعضهم يقول جهرا. # قوله { ليا بألسنتهم وطعنا } فيهما وجهان: # أحدهما: أنهما مفعول من أجله ناصبهما " ويقولون ". # والثاني: أنهما مصدران في موضع الحال، أي: لاوين ~~وطاعنين، وأصل ليا [ " لوي] " من لوى يلوي، فأدغمت ~~الواو في الياء بعد قلبها ياء، فهو مثل " طي " مصدر طوى، ~~يطوي. # و " بألسنتهم " ، و " في الدين " متعلقان بالمصدرين قبلهما، ~~وتقدم في البقرة على قوله: { ولو أنهم قالوا }. # قوله: { لكان خيرا لهم } فيه قولان: # أظهرهما: أن يكون بمعنى أفعل، ويكون المفضل عليه [محذوفا، ~~أي: لو قالوا هذا الكلام، لكان خيرا من ذلك الكلام. # والثاني: أنه لا تفضيل فيه] بل يكون بمعنى جيد وفاضل، فلا حذف ~~حينئذ، والباء في " بكفرهم " للسببية. # قوله: " إلا قليلا " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه منصوب على الاستثناء من { لعنهم } ، أي: لعنهم ~~الله إلا قليلا منهم، فإنهم آمنوا فلم يلعنهم. # والثاني: أنه مستثنى من الضمير في " فلا يؤمنون " ، والمراد ~~بالقليل عبد الله بن سلام وأضرابه، ولم يستحسن مكي هذين ~~الوجهين: # أما الأول: قال: ms2601 لأن من كفر ملعون لا يستثنى منهم أحد. # وأما الثاني: فلأن الوجه الرفع على البدل؛ لأن الكلام غير ~~موجب. # والثالث: أنه صفة لمصدر محذوف، أي: إلا إيمانا قليلا؛ وتعليله ~~هو أنهم آمنوا بالتوحيد وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~وشريعته. # وعبر الزمخشري وابن عطية عن هذا التقليل بالعدم، يعني: ~~أنهم لا يؤمنون ألبتة كقوله: [الطويل] # 1807- قليل التشكي للمهم يصيبه # كثير الهوى شتى النوى والمسالك # قال أبو حيان: وما ذكراه من أن التقليل يراد به العدم صحيح، ~~غير أن هذا التركيب الاستثنائي يأباه، فإذا قلت: لم أقم إلا ~~قليلا، فالمعنى انتفاء القيام إلا القليل، فيوجد منك إلا ~~أنه دال على انتفاء القيام ألبتة]، بخلاف: قلما يقول ~~ذلك أحد إلا زيد، وقل رجل يفعل ذلك، فإنه يحتمل ~~التقليل المقابل للتكثير، ويحتمل النفي المحض، أما أنك ~~تنفي ثم توجب، ثم تريد بالإيجاب بعد النفي نفيا فلا؛ لأنه ~~يلزم أن تجيء " إلا " وما بعدها لغوا من غير فائدة؛ لأن ~~انتفاء القيام قد فهم من قولك: لم أقم، فأي فائدة ~~في استثناء مثبت يراد به انتفاء مفهوم من الجملة ~~السابقة، وأيضا فإنه يؤدي إلى أن يكون ما بعد " إلا " ~~موافقا لما قبلها في المعنى، والاستثناء يلزم أن يكون ما بعد ~~إلا مخالفا لما قبلها فيه. # فصل: الخلاف في القليل الوارد في الآية # معنى الكلام: فلا يؤمن إلا أقوام قليلون، واختلفوا في ~~ذلك القليل: # فقال بعضهم: هو عبد الله بن سلام، ومن أسلم معه منهم. # وقليل: القليل صفة للإيمان، والتقدير: فلا يؤمنون إلا إيمانا ~~قليلا، فإنهم كانوا يؤمنون بالله والتوراة [موسى]، ~~والتقدير: فلا يؤمنون إلا بموسى، ولكنهم كانوا يكفرون ~~بسائر الأنبياء، ورجح أبو علي الفارسي هذا القول؛ قال: ~~لأن { قليلا } لفظ مفرد، والمراد به الجمع، قال - تعالى -: # وحسن أولئك رفيقا # [النساء: 69]، وقال: # ولا يسأل حميم حميما يبصرونهم # [المعارج:10، 11] فدل عود الذكر مجموعا إلى الآيتين على أنه ~~أريد بهما الكثرة. # فصل: الاستدلال بالآية على جواز تكليف ما لا يطاق # استدل بعض العلماء بهذه الآية مع الآية التي ms2602 بعدها، على ~~جواز تكليف ما لا يطاق؛ لأنه - تعالى - أخبر عنهم في هذه ~~الآية بأنهم لا يؤمنون، وخبره - تعالى - صدق وحق، ثم أمرهم ~~في الآية التي بعدها بالإيمان، فقال: # يا أيهآ الذين أوتوا الكتاب آمنوا # [النساء: 47] فأمرهم بالإيمان مع إخباره بأنهم لا يؤمنون. ### || [4.47] # " وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كلم أحبار اليهود: عبد ~~الله بن صوريا، وكعب بن الأشرف، فقال: يا معشر اليهود، ~~اتقوا الله وأسلموا، والله إنكم تعلمون أن الذي جئتم ~~به الحق، قالوا: ما نعرف ذلك، وأصروا على الكفر؛ " # فنزلت هذه الآية. # فإن قيل: كان يجب أن يأمرهم بالنظر والتفكر في الدلائل، ~~حتى يكون إيمانهم استدلاليا، فلما أمرهم بالإيمان ابتداء؛ ~~فكأنه - تعالى - أمرهم بالإيمان على سبيل التقليد. # فالجواب: أن هذا خطاب مع أهل الكتاب، وكانوا عالمين بها في ~~التوراة؛ ولهذا قال: { مصدقا لما معكم } أي: من الآيات ~~الموجودة في التوراة الدالة على نبوة محمد - عليه الصلاة ~~والسلام -. # قوله: { من قبل أن نطمس } متعلق بالأمر في قوله: { ~~آمنوا } ونطمس يكون متعديا ومنه هذه الآية؛ ومثلها: # فإذا النجوم طمست # [المرسلات: 8] لبنائه للمفعول من غير [حرف] جر، ويكون لازما، ~~يقال: طمس المطر الأعلام، وطمست الأعلام. # قال كعب: [البسيط]> # 1808- من كل نضاخة الذفرى إذا عرقت # عرضتها طامس الأعلام مجهول # وقرأ الجمهور: { نطمس } بكسر الميم، وأبو رجاء بضمها، ~~وهما لغتان في المضارع، وقدر بعضهم مضافا أي: " عيون وجوه " ~~ويقويه أن الطمس للأعين؛ قال - تعالى -: # لطمسنا على أعينهم # [يس: 66]. # فصل في معنى الطمس والخلاف فيه # الطمس: المحو؛ تقول العرب في وصف المفازة: إنها طامسة ~~الأعلام، وطمس الطريق إذا درس، وقد طمس الله على بصره؛ ~~إذا أزاله، وطمست الريح الأثر: إذا محته، وطمست ~~الكتاب: إذا محوته، واختلفوا في المراد بالطمس هنا. # فقال ابن عباس: نجعلها كخف البعير. # وقال قتادة والضحاك: نعميها. # وقيل: نمحو آثارها وما فيها من أعين، وأنف، وفم، وحاجب. # وقيل: نجعل الوجوه منابت الشعر، كوجوه القردة، وقيل: ~~يجعل عينيه في القفا؛ فيمشي القهقرى، وقيل: المراد ب ~~" الوجوه ": الوجهاء، والرؤساء. # وروي: أن ms2603 عبد الله بن سلام، ولما سمع هذه الآية؛ جاء إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتي أهله، ويده على وجهه، ~~وأسلم، وقال: يا رسول الله، ما كنت أرى أن أصل إليك؛ حتى ~~يتحول وجهي إلى قفاي؛ وكذلك كعب الأحبار، لما سمع هذه ~~الآية، أسلم في زمن عمر، فقال: يا رب، آمنت، يا رب، ~~أسلمت؛ مخافة أن يصيبه - وعيد هذه - الآية. # فإن قيل: قد أوعدهم بالطمس إن لم يؤمنوا، ولم يفعل ذلك ~~بهم؟ # فالجواب: أن الوعيد باق، ويكون طمس، ومسخ في اليهود، ~~قبل قيام الساعة، وقيل: إنه جعل الوعيد: إما الطمس، ~~وإما اللعن، وقد فعل أحدهما، وهو اللعن. # وقيل: كان هذا وعيدا بشرط فلما أسلم عبد الله بن سلام، وأصحابه، ~~رفع ذلك عن الباقين، وقيل: أراد به في القيامة. # وقال مجاهد: أراد بقوله { نطمس وجوها } ، أي: يتركهم في ~~الضلالة، فيكون المراد طمس وجه القلب، والرد عن الهدى. # وقال ابن زيد: نمحو آثارهم من وجوههم، ونواصيهم التي ~~هم بها وقد لحق اليهود، ومضى، وتأويل ذلك في إجلاء قريظة ~~والنضير إلى الشام، فرد الله وجوههم على أدبارهم، حين ~~عادوا إلى أذرعات، وأريحاء من الشام. # قوله: { على أدبارهآ } فيه وجهان: # أظهرهما: أنه متعلق ب { فنردها }. # والثاني: أن يتعلق بمحذوف؛ لأنه حال من المفعول في { ~~فنردها }؛ قاله أبو البقاء. # قوله: { أو نلعنهم } عطف على نطمس، والضمير في " نلعنهم " ~~يعود على الوجوه، على حذف مضاف إليه: أي: وجوه قوم، ~~أو على أن يراد بهم: الوجهاء والرؤساء، أو يعود على ~~الذين أوتوا الكتاب، ويكون ذلك التفاتا من خطاب إلى ~~غيبة، وفيه استدعاؤهم للإيمان؛ حيث لم يواجههم ~~باللعنة بعد أن شرفهم بكونهم من أهل الكتاب. # فصل في المراد باللعن # قال مقاتل، وغيره: المراد باللعن: مسخهم قردة، ~~وخنازير، فإن قيل: قد كان اللعن حاصلا قبل هذا الوعيد. # فالجواب: أن هذه اللعنة بعد الوعيد، أزيد تأثيرا في الخزي، ~~وقيل: المراد بهذا اللعن، الطرد، والإبعاد [و] قوله { ~~وكان أمر الله }: أمر واحد أريد به الأمور، وقيل: هو ~~مصدر واقع ms2604 موقع المفعول به، أي: مأموره، أي: ما أوجده كائن ~~لا محالة. # قال ابن عباس: يريد لا راد لحكمه، ولا ناقض لأمره، وعلى ~~[معنى] أنه لا يبعد عليه شيء [يريد] أن يفعله، وإنما ~~قال: { وكان } إخبارا عن جريان عادة الله في الأنبياء ~~المتقدمين، أنه متى أخبرهم بإنزال العذاب عليهم فعل ذلك ~~لا محالة. # فصل: دفع شبهة الجبائي # احتج الجبائي بهذه الآية على أن كلام الله محدث؛ ~~لأن المفعول مخلوق. # فالجواب: أن الأمر في اللغة، جاء بمعنى الشأن، ~~والطريقة، والفعل؛ قال تعالى: # ومآ أمر فرعون برشيد # [هود: 97]. ### || [4.48] # لما توعد الكفر، وبين أن ذلك التقدير لا بد من وقوعه، ~~يعني: أن ذلك إنما هو من خواص الكفر، أما سائر ~~الذنوب غير الشرك، فإنه يغفرها، إن شاء. # قال الكلبي: # " نزلت في وحشي بن حرب، وأصحابه؛ وذلك أنه لما قتل ~~حمزة، كان قد جعل له على قتله أن يعتق، فلم يوف له ~~بذلك، فلما قدم مكة، ندم على صنعه، هو، وأصحابه؛ ~~فكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا قد ندمنا على ~~الذي صنعنا، وإنه ليس يمنعنا عن الإسلام إلا أنا ~~سمعناك تقول بمكة: { والذين لا يدعون مع الله ~~إلها آخر } [الفرقان: 68] الآيات، وقد دعونا مع الله إلها أخر، ~~وقتلنا النفس التي حرم الله قتلها وزنينا، فلولا هذه الآيات، ~~لاتبعناك؛ فنزلت: { إلا من تاب وآمن وعمل عملا ~~صالحا } [الفرقان: 70]، الآيتين، فبعث بهما [رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم] إليهم فلما قرءوا، كتبوا إليه: إن هذا شرط شديد نخاف ~~ألا نعمل عملا صالحا فنزل: { إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء } ، فبعث ~~بها إليهم، فبعثوا إليه: إنا نخاف ألا نكون من أهل ~~المشيئة؛ فنزلت: { يعبادي الذين أسرفوا على ~~أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله } [الزمر: 53] فبعث ~~بها إليهم؛ فدخلوا في الإسلام، ورجعوا إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقبل منهم، ثم قال [عليه الصلاة والسلام] لوحشي: " ~~أخبرني: كيف قتلت حمزة "؟ فلما أخبره، قال: " ~~ويحك! غيب وجهك عني " # فلحق ms2605 وحشي بالشام، وكان بها إلى أن مات. # وروى أبو مجلز، عن ابن عمر: " لما نزلت: { يا عبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم } الآية، قام رجل، فقال: والشرك يا رسول الله، ~~فسكت، ثم قام إليه مرتين، أو ثلاثا؛ فنزلت: " إن الله لا ~~يغفر أن يشرك به " الآية، قال مطرف بن الشخير: قال ابن ~~عمر: كنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مات الرجل ~~على كبيرة، شهدنا أنه من أهل النار، حتى نزلت هذه ~~الآية، فأمسكنا عن الشهادات. # حكي عن علي - رضي الله عنه - أن هذه الآية أرجى آية في ~~القرآن. # قوله: { ويغفر ما دون ذلك } ، كلام مستأنف، وليس ~~عطفا على { يغفر } الأول؛ لفساد المعنى، والفاعل في { ~~يشآء } ضمير عائد على الله تعالى، ويفهم من كلام ~~الزمخشري: أنه ضمير عائد على من في " لمن " لأن المعنى ~~عنده: إن الله لا يغفر الشرك لمن لا يشاء أن يغفر له؛ ~~لكونه مات على الشرك، غير تائب منه، ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء أن يغفر له، بكونه مات تائبا من الشرك، و ~~{ لمن يشآء } متعلق ب { يغفر }. # قوله: { ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما } ~~أي: اختلق ذنبا غير مغفور. # يقال: افترى فلان الكذب، إذا اعتمله، واختلقه، ~~وأصله: من الفري، بمعنى القطع. # روى جابر قال: # " أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل، فقال: يا رسول الله، ما ~~الموجبتان؟ قال من مات لا يشرك بالله شيئا، دخل الجنة، ~~ومن مات يشرك بالله شيئا، دخل النار ". # وقال ابن عباس: إني لأرجو، كما لا ينفع مع الشرك ~~عمل؛ كذلك لا يضر مع التوحيد ذنب، ذكر ذلك عند ~~عمر بن الخطاب؛ فسكت عمر. # وروى أبو ذر، # " قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، وعليه ثوب أبيض، وهو ~~نائم، ثم أتيته، وقد استيقظ؛ فقال: " ما من عبد ~~قال لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك؛ إلا دخل الجنة # ". قلت: وإن زنا، وإن سرق! قال: " وإن زنا، وإن سرق ~~". # [قلت: وإن زنا، وإن سرق! قال: " وإن زنا، ms2606 وإن سرق " ~~، قلت: وإن زنا، وإن سرق! قال: " وإن زنا، وإن سرق]، ~~على [أنف] أبي ذر " # وكان أبو ذر إذا حدث بهذا، قال: وإن رغم أنف أبي ذر. # فصل # قال القرطبي: قوله تعالى: { إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به } من المحكم المتفق عليه، الذي لا خلاف فيه بين ~~الأمة، وقوله: { ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء } ، من ~~المتشابه، الذي قد تكلم العلماء فيه. # فقال محمد بن جرير الطبري: قد أبانت هذه الآية كل ~~صاحب كبيرة، ففي مشيئة الله عز وجل إن شاء [عفا له، وإن ~~شاء]، عاقبه، ما لم تكن كبيرته شركا، وقال بعضهم: قد ~~بين الله تعالى، بقوله عز وجل: # إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئاتكم # [النساء: 31]. # فأعلم أنه: يكفر الصغائر لمن اجتنب الكبائر، ~~لمن يشاء، ولا يغفر الصغائر لمن أتى الكبائر. # وقال بعضهم: هذه الآية ناسخة للتي في آخر الفرقان. # قال زيد بن ثابت: نزلت سورة النساء بعد سورة ~~الفرقان بستة أشهر. # قال القرطبي: والصحيح أنه لا نسخ، لأن النسخ في ~~الأخبار مستحيل، وسيأتي الجمع بين الآي، في هذه السورة؛ ~~وفي الفرقان، إن شاء الله تعالى. # فصل هل يسمى اليهودي مشركا في الشرع؟ # قال ابن الخطيب: دلت هذه الآية على أن اليهودي يسمى ~~مشركا في الشرع؛ لأنها دالة على أن ما سوى الشرك من ~~الكبائر يغفر، فلو كانت اليهودية مغايرة للشرك، ~~كانت] مغفورة بحكم الآية، وهو خلاف الإجماع، ولأن هذه ~~الآية متصلة بوعيد اليهود، فلولا دخول اليهودية ~~تحت اسم الشرك، لم يحصل الالتئام. # فإن قيل: عطف " الذين أشركوا " على " الذين هادوا " في قوله: # إن الذين آمنوا والذين هادوا # [الحج: 17] ثم قال [بعده]: " والذين أشركوا " يقتضي ~~المغايرة. # قلنا: المغايرة في المفهوم اللغوي، والاتحاد في الشرعي؛ ~~دفعا للتناقض، ويتفرع عليه أن المسلم لا يقتل ~~بالذمي؛ لأن المشرك مباح الدم؛ لقوله تعالى: # فاقتلوا المشركين # [التوبة: 5]، ومباح الدم لا يقتص من قاتله، ولا ~~يتوجه النهي عن قتله، ترك العمل بهذا الدليل في حق النهي ~~فبقي معمولا به في ms2607 سقوط القصاص عن قاتله. # فصل في دلالة الآية على العفو عن أصحاب الكبائر # هذه الآية أقوى الدلائل على صحة العفو عن أصحاب ~~الكبائر، من وجوه: # الأول: أن قوله تعالى: { إن الله لا يغفر أن يشرك ~~به } أي لا يغفره فضلا مع عدم التوبة؛ لأنه يغفر ~~وجوبا عند التوبة بالإجماع؛ فيكون قوله: { ويغفر ما دون ~~ذلك } على سبيل الفضل، حتى يتوارد النفي والإثبات على ~~معنى واحد؛ كما لو قال: إن فلانا شاء لا يعطي على سبيل ~~فضل الوجوب، كان ركيكا، وحينئذ: يجب أن يكون المراد ~~أصحاب الكبائر، قبل التوبة؛ لأن عند المعتزلة، ~~غفران الصغائر، والكبائر بعد التوبة - واجب ~~عقلا، فلا يمكن حمل الآية عليه، فلم يبق إلا ~~الكبائر قبل التوبة. # الثاني: أن ما سوى الشرك، يدخل فيه الكبائر قبل ~~التوبة، وبعدها، ثم حكم على الشرك بأنه غير مغفور، ~~وعلى غير الشرك بأنه مغفور لمن يشاء، فوجب أن ~~تكون الكبيرة قبل التوبة مغفورة. # الثالث: أنه علق الغفران بالمشيئة، وغفران الكبيرة ~~بعد التوبة والصغيرة مقطوع به، فوجب أن يكون المعلق ~~الكبيرة قبل التوبة. # فإن قيل: إن تعليقه على المشيئة، لا ينافي وجوبه، ~~كقوله تعالى: # بل الله يزكي من يشآء # [النساء:49]، ثم إنا نعلم أنه لا يزكي إلا من يكون ~~أهلا للتزكية، وإلا فكانت كذبا. # واعلم: أنه ليس للمعتزلة في مقابلة هذه الوجوه كلام يلتفت ~~إليه، [إلا المعارضة بآيات الوعيد]. ### || [4.49] # قد تقدم الكلام على مثل قوله: " ألم تر " ، وقوله: " بل " ، ~~إضراب عن تزكيتهم أنفسهم، وقدر أبو البقاء قبل هذا الإضراب ~~جملة؛ قال: تقديره: أخطؤوا، { بل الله يزكي من يشآء ~~}. # [وقوله: " ولا يظلمون " ، يجوز أن يكون حالا مما تقدم، وأن ~~يكون مستأنفا، والضمير في " يظلمون " يجوز أن يعود على " من يشاء ~~" ] أي: لا ينقص من تزكيتهم شيئا، وإنما جمع الضمير؛ ~~حملا على معنى " من " وأن يعود على الذين يزكون، وأن يعود ~~على القبيلين من زكى نفسه، ومن زكاه الله، فذاك ~~لا ينقص من عقابه شيئا، وهذا لا ينقص من ثوابه ~~شيئا، والأول أظهر؛ لأن ms2608 " من " أقرب مذكور، ولأن " بل ~~" إضراب منقطع ما بعدها عما قبلها. # وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون مستأنفا، أي: من زكى ~~نفسه، ومن زكاه الله. انتهى. # فجعل عود الضمير على الفريقين؛ بناء على وجه الاستئناف، ~~وهذا غير لازم [بل] يجوز عوده عليهما، والجملة حالية. # و { فتيلا } مفعول ثان؛ لأن الأول قام مقام الفاعل، ~~ويجوز أن يكون نعت مصدر محذوف، كما تقدم تقديره في: # مثقال ذرة # [النساء: 40]، والفتيل: خيط رقيق في شق النواة [يضرب ~~به المثل في القلة، قاله ابن السكيت، وغيره. # وقيل: هو ما خرج من بين إصبعيك، أو كفيك من الوسخ] ~~حين تفتلهما، فهو فعيل بمعنى مفعول، وقد ضرب العرب ~~المثل في القلة التافهة بأربعة أشياء، اجتمعت في النواة، ~~وهي: الفتيل، والنقير: وهو النقرة التي في ظهر النواة، ~~والقطمير: هو القشر [الرقيق] فوقها [وهذه الثلاثة واردة في ~~الكتاب العزيز، والثفروق: وهو ما بين النواة والقمع] الذي ~~يكون في رأس التمرة كالعلاقة بينهما. # فصل # لما هدد اليهود بأنه تعالى لا يغفر أن يشرك به، قالوا: لسنا من ~~المشركين، بل نحن من خواص الله. # قال الكلبي: # " نزلت هذه الآية في رجال من اليهود: منهم " بحرى بن عمر " ~~، و " النعمان بن أوفى " ، و " مرحب بن زيد " أتوا ~~بأطفالهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد [هل] على ~~هؤلاء من ذنب؟ فقال: لا، قالوا: ما نحن إلا كهيئتهم، ما ~~عملنا بالنهار، يكفر عنا بالليل، وما عملنا بالليل، يكفر عنا ~~بالنهار، " # ، فنزلت هذه الآية. # وقال مجاهد، وعكرمة: كانوا يقدمون أطفالهم في الصلاة، ~~يزعمون أنهم لا ذنوب لهم، فتلك التزكية. # وقال الحسن، والضحاك، وقتادة، ومقاتل: نزلت في اليهود، والنصارى، ~~حين قالوا: # نحن أبناء الله وأحباؤه # [المائدة: 18] # وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو ~~نصارى # [البقرة: 111]. # قال عبد الله بن مسعود: هو تزكية بعضهم لبعض. # فصل # التزكية - ها هنا - عبارة عن مدح الإنسان نفسه. # قال تعالى: # فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى # [النجم:32] والتقوى: لا يعلم حقيقتها إلا الله تعالى. # فإن ms2609 قيل: أليس قد قال - عليه الصلاة والسلام -: # " والله، إني لأمين في السماء، وأمين في الأرض ". # فالجواب: إنما قال ذلك حين قال المنافقون له: اعدل في القسمة؛ ~~ولأن الله تعالى لما زكاه أولا بقيام المعجزة، جاز له ~~ذلك، بخلاف غيره. ### || [4.50] # { كيف } منصوب ب { يفترون } وتقدم الخلاف فيه، والجملة في ~~محل نصب، بعد إسقاط الخافض؛ لأنها معلقة ل " انظر " يتعدى ~~ب " في "؛ لأنها - هنا - ليست بصرية، و " على الله " متعلق ب ~~{ يفترون } ، وأجاز أبو البقاء: أن يتعلق بمحذوف، على أنه ~~حال من الكذب، قدم عليه، قال: " ولا يجوز أن يتعلق بالكذب؛ لأن ~~معمول المصدر لا يتقدم عليه، فإن جعل على التبيين جاز " ، ~~وجوز ابن عطية: أن يكون " كيف " مبتدأ، والجملة من قوله { ~~يفترون } الخبر، وهذا فاسد، لأن " كيف " لا ترفع ~~بالابتداء، وعلى تقدير ذلك، فأين الرابط بينها وبين الجملة ~~الواقعة خبرا عنها ولم تكن نفس المبتدأ، حتى تستغني عن ~~رابط، و { إثما } تمييز، والضمير في " به " عائد على الكذب، ~~وقيل: على الافتراء وجعله الزمخشري عائدا على زعمهم، ~~يعني: من حيث التقدير. # فصل في تعجيب النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود # هذا تعجيب للنبي صلى الله عليه وسلم من فريتهم على الله، وهو ~~تزكيتهم أنفسهم وافتراؤهم، وهو قولهم: # نحن أبناء الله وأحباؤه # [المائدة: 18]. # فصل في معنى الكذب # الكذب: هو الإخبار عن الشيء على خلاف المخبر عنه، سواء ~~علم قائله كونه كذلك، أو لا يعلم، وقال الجاحظ: شرط ~~كونه كذبا، أن يعلم القائل كونه بخلاف ذلك، وهذه الآية ~~دليل عليه؛ لأنهم كانوا يعتقدون في أنفسهم الزكاء، ~~والطهارة: وكذبهم الله فيه. # وقوله: { وكفى به إثما مبينا } يقال في المدح، وفي ~~الذم، أما في المدح، فكقوله # والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا ~~وكفى بالله نصيرا # [النساء: 45] وأما في الذم، فكما في هذا الموضع. ### || [4.51] # قال المفسرون: خرج كعب بن الأشرف، وحيي بن أخطب، في ~~سبعين راكبا من اليهود إلى مكة بعد وقعة أحد؛ ~~ليحالفوا قريشا، على محاربة الرسول - عليه الصلاة ~~والسلام - وينقضوا العهد الذي ms2610 كان بينهم وبين النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فنزل كعب على أبي سفيان؛ فأحسن مثواه، ونزلت ~~اليهود في دور قريش، فقال أهل " مكة ": إنكم أهل كتاب، ~~ومحمد صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكرا منكم، فإن ~~أردت أن نخرج معك، فاسجد لهذين الصنمين وآمنوا بهما، ~~ففعلوا ذلك؛ فذلك قوله تعالى: { يؤمنون بالجبت ~~والطاغوت }. # ثم قال كعب لأهل مكة: ليجيء منكم [الآن] ثلاثون ومنا ~~ثلاثون فنلزق أكبادنا بالكعبة؛ فنعاهد رب هذا البيت، لنجهدن ~~على قتال محمد؛ ففعلوا، ثم قال أبو سفيان لكعب: ~~إنك امرؤ تقرأ الكتاب، وتعلم، ونحن أميون، ولا ~~نعلم، فأينا أهدى طريقا: نحن أم محمد؟ # فقال كعب لأبي سفيان: اعرضوا علي دينكم، فقال أبو سفيان: ~~نحن ننحر للحجيج الكوماء، ونسقيهم [الماء] ونقري الضيف، ~~ونقل العاني، ونصل الرحم، ونعمر بين ربنا، ونطوف ~~به، ونحن أهل الحرم، ومحمد فارق دين آبائه، وقطع الرحم، ~~وفارق الحرم، وديننا القديم، ودين محمد الحديث، فقال كعب: ~~أنتم والله أهدى سبيلا مما عليه محمد؛ فنزلت هذه الآية. # قوله: { يؤمنون } فيه وجهان: # أحدهما: أنه حال إما من: " الذين " وإما من واو " أوتوا " ، ~~و " بالجبت " متعلق به، و " يقولون " عطف عليه، و " الذين " ~~متعلق ب " يقولون " ، واللام؛ إما للتبيلغ، وإما للعلة؛ ~~كنظائرها، و " هؤلاء أهدى " مبتدأ وخبر في محل نصب بالقول و " ~~سبيلا " تمييز. # والثاني: أن " يؤمنون " مستأنف، وكأنه تعجب من حالهم؛ ~~إذ كان ينبغي لمن أوتي نصيبا من الكتاب؛ ألا يفعل ~~شيئا مما ذكر، فيكون جوابا لسؤال مقدر؛ كأنه ~~قيل: ألا تعجب من حال الذين أوتوا نصيبا من الكتاب؟ فقيل: ~~وما حالهم؟ فقال: يؤمنون [ويقولون، وهذان] منافيان لحالهم. # والجبت: حكى القفال، وغيره، عن بعض أهل اللغة: وهو ~~الجبس، بالسين المهملة، أبدلت تاء، كالنات، ~~والأكيات، وست؛ في الناس، والأكياس، وسدس، قال [الرجز المشطور] # 1809-................شرار النات # ليسوا بأجواد ولا أكيات # والجبس: هو الذي لا خير عنده. # يقال رجل جبس، وجبت، أي: رذل، قيل: وإنما ادعى قلب ~~السين تاء؛ لأن مادة (ج ب ت) مهملة. قال قطرب: وغيره ~~يجعلها ms2611 مادة مستقلة، وقيل: الجبت: الساحر بلغة ~~الحبشة، والطاغوت: الكاهن، قاله سعيد بن جبير، وأبو ~~العالية، وقال عكرمة: هما صنمان، وقال أبو عبيدة: هما ~~كل معبود يعبد من دون الله. # وقال عمر: الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان؛ وهو قول ~~الشعبي، ومجاهد، وقال محمد بن سيرين، ومكحول: ~~الجبت: الكاهن، والطاغوت: الساحر، وروي عن عكرمة: ~~الجبت: - بلسان الحبشة -: شيطان، وقال الضحاك: الجبت: ~~حيي بن أخطب، والطاغوت: كعب بن الأشرف، وقيل: الجبت ~~كل ما حرم الله، والطاغوت: كل ما يطغي الإنسان. # وروى قبيصة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: العيافة: ~~والطرق، والطيرة: من الجبت. # الطرق: الزجر، والعيافة: الحط. ### || [4.52] # بين أن عليهم اللعن من الله، وهو الخذلان، والإبعاد، ~~لقوله: # ملعونين أينما ثقفوا # [الأحزاب: 61] وإنما استحقوا هذا اللعن، لتفضيلهم عبدة ~~الأوثان على المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم. ### || [4.53-55] # لما وصف [تعالى] اليهود بالجهل في الآية المتقدمة؛ لتفضيلهم ~~عبادة الأوثان على عبادة الله تعالى، وصفهم في هذه الآية ~~بالبخل والحسد، وهذا على سبيل الإنكار. # والبخل: ألا يدفع إلى أحد شيئا مما أوتي من النعمة، ~~[والحسد: أن يتمنى ألا يعطي الله غيره شيئا من ~~النعم] فها يشتركان في إرادة منع النعمة من الغير، ~~وإنما قدم وصف الجهل على وصف البخل، والحسد؛ لأن الجهل ~~سببها؛ وذلك لأن البخيل، والحاسد يجهلان أن الله تعالى هو ~~الذي أعطى هذا، ومنع هذا. # واعلم أنه تعالى جعل بخلهم كالمانع من حصول الملك ~~لهم، وهذا يدل على أن الملك والبخل لا يجتمعان؛ وذلك ~~لأن الانقياد [للغير مكروه لذاته، وإنما يحمل الإنسان على ~~الانقياد للغير] بالإحسان الحسن؛ كما قيل: " بالبر يستعبد الحر " ، ~~فمتى لم يوجد الإحسان، لم يوجد الانقياد، ثم قد يكون ~~الملك على الظاهر فقط؛ وهو ملك الملوك، وقد يكون الملك ~~على الباطن فقط؛ وهو ملك العلماء وقد يكون الملك عليهما؛ ~~وهو ملك الأنبياء، فوجب في الأنبياء أن يكونوا في غاية ~~الجود، والكرم، والرحمة، والشفقة؛ حتى يحصل الانقياد ~~بالباطن والظاهر، وكمال هذه الصفات كان حاصلا لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم. # و " أم ms2612 " منقطعة؛ لفوات شرط الاتصال، كما تقدم أول البقرة ~~فتقدر ب " بل " ، والهمزة التي يراد بها الإنكار، وكذلك هو في ~~قوله: { أم يحسدون الناس } وقال بعضهم: الميم صلة، وتقديره: ~~ألهم؛ لأن حرف " أم " إذا لم يسبقه استفهام، كانت ~~الميم صلة فيه، وقيل: " أم " هنا متصلة، وقد سبقه - هاهنا - ~~استفهام على سبيل المعنى؛ لأنه لما حكى قولهم ~~للمشركين بأنهم أهدى سبيلا من المؤمنين عطف عليه قوله { ~~أم لهم نصيب } فكأنه قال: أمن ذلك يتعجب؟ أم من ~~كونهم لهم نصيب من الملك؛ مع أنه لو كان لهم ملك، ~~لبخلوا بأقل القليل؟. # فصل في معنى " الملك " # اختلفوا في هذا { الملك } ، فقيل: إن اليهود كانوا يقولون: ~~نحن أولى بالملك، والنبوة؛ فكيف نتبع العرب؟ فأبطل ~~الله ذلك، بهذه الآية. # وقيل: كانوا يزعمون أن الملك يعود إليهم، في آخر الزمان، ~~فيخرج من اليهود من يجدد ملكهم؛ فكذبهم الله [تعالى] ~~بهذه الآية. # وقيل [المراد] بالملك - هاهنا - التمليك: يعني: أنهم ~~إنما يقدرون على دفع نبوتك؛ لو كان التمليك إليهم، [و] لو ~~كان التمليك إليهم؛ لبخلوا بالنقير، والقطمير. فكيف ~~يقدرون على النفي والإثبات. # قال أبو بكر الأصم: كانوا أصحاب بساتين وأموال، ~~وكانوا في عزة، ومنعة، وكانوا يبخلون على الفقراء بأقل ~~القليل؛ فنزلت هذه الآية. # قوله: " فإذن " حرف جواب، [وجزاء] ونونها أصلية، قال مكي ~~[وحذاق النحويين على كتب نونها نونا] وأجاز الفراء أن تكتب ~~ألفا، وما قاله الفراء هو قياس الخط؛ لأنه مبني على ~~الوقف [والوقف على نونها بالألف، وهي حرف ينصب المضارع ~~بشروط تقدمت]، ولكن إذا وقعت بعد عاطف، فالأحسن ~~الإهمال وقد قرأ ابن مسعود، وابن عباس -هنا- بإعمالها، ~~فحذف النون من قوله: { لا يؤتون }. # وقال أبو البقاء: ولم يعمل - هنا - من أجل حرف العطف ~~وهو الفاء، ويجوز في غير القرآن، أن يعمل مع الفاء، وليس ~~المبطل لا؛ لأن " لا " يتخطاها العامل، فظاهر هذه العبارة: ~~أن المانع حرف العطف، وليس كذلك، بل المانع التلاوة، ولذلك ~~قال آخرا: ويجوز في غير القرآن. # قال سيبويه: " إذن " في أصل الأفعال بمنزلة " أظن " في ~~عوامل ms2613 الأسماء، وتقريره: أن الظن إذا وقع أول الكلام ~~- نصب، لا غير؛ كقولك: أظن زيدا قائما، وإن توسط ~~جاز إلغاؤه، وإعماله تقول: زيد ظننت منطلق، ومنطلقا، ~~وإن تأخر، ألغي. # والسبب في ذلك؛ أن " ظن " وأخواتها، نحو: علم، وحسب، ضعيفة ~~في العمل؛ لأنها لا تؤثر في مفعولاتها، فإذا تقدمت دل ~~تقدمها على شدة العناية، فقوي على التأثير، وإذا تأخرت، ~~دل على عدم العناية فلغى، [وإن توسطت، لا يكون في محل ~~العناية من كل الوجوه، ولا في محل الإهمال من كل الوجوه، ~~فلا جرم أوجب توسطها الإعمال]، والإعمال في حال التوسط ~~أحسن والإلغاء حال التأخر، أحسن، وإذا عرفت [ذلك] فنقول: " ~~إذن " على هذا الترتيب، [فإن تقدمت نصبت الفعل، وإن توسطت، ~~أو تأخرت جاز الإلغاء]. # والنقير: قال أهل اللغة: النقير: نقطة في ظهر النواة، ~~ومنها تنبت النخلة، وقال أبو العالية: هو نقد الرجل ~~الشيء بطرف إصبعه، كما ينقر الدرهم، وأصله: أنه ~~فعل من النقر، يقال للخشب الذي ينقر فيه: إنه ~~نقير؛ لأنه ينقر، والنقر: ضرب الحجر وغيره ~~بالمنقار، يقال: فلان كريم النقير، أي: الأصل، ~~والمنقار: حديدة كالفأس تقطع بها الحجارة، ومنه: ~~منقار الطائر؛ لأنه ينقر به، وذكر النقير هنا ~~تمثيل، والغرض منه، أنهم يبخلون بأقل القليل. # قوله: { أم يحسدون الناس }. # قال قتادة: المراد أن اليهود يحسدون العرب على ~~النبوة، وما أكرمهم الله تعالى بمحمد - عليه الصلاة ~~والسلام -. # وقال ابن عباس، والحسن، ومجاهد { وجماعة]: المراد ب " ~~الناس " رسول الله صلى الله عليه وسلم حسدوه على ما أحل الله ~~له من النساء، وقالوا: " ما له هم إلا النكاح " وهو المراد بقوله: { ~~على ما آتاهم الله من فضله } ، وقيل حسدوه على النبوة، والشرف ~~في الدين والدنيا، وهذا أقرب، وأولى. # وقيل: المراد ب { الناس } محمد وأصحابه، ولما بين [الله] ~~تعالى أن كثرة نعم الله [عليه] صار سببا لحسد هؤلاء ~~اليهود، بين ما يدفع ذلك الحسد، [فقال] { فقد آتينآ آل ~~إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما ~~} ، أي أنه جعل في أولاد [إبراهيم] جماعة كثيرين، جمعوا ~~بين النبوة، والملك والحكمة، ms2614 وأنتم لا تعجبون من ذلك، ولا ~~تحسدونهم، فلم تتعجبون من حال محمد ولم تحسدونه؟ ~~والمراد ب { آل إبراهيم } داود، وسليمان - عليهما السلام ~~- وب { الكتاب } ما أنزل عليهم وب { الحكمة } النبوة. # فمن فسر { الفضل }: بكثرة النساء، والملك العظيم، ~~والمعنى: أن داود وسليمان أوتيا ملكا عظيما، وكان ~~لسليمان صلوات الله وسلامه عليه ألف امرأة: ثلاثمائة مهرية، ~~وسبعمائة سرية، وكان لداود - عليه السلام - مائة امرأة، ولم ~~يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تسع نسوة، فلما ~~قال لهم ذلك، سكتوا. # وقوله: { فمنهم من آمن به } ، الضمير في به عائد على " إبراهيم " ~~أو على " القرآن " أو على الرسول - عليه الصلاة والسلام -، أو ~~على ما أوتيه إبراهيم - عليه السلام - فإن عاد إلى محمد، ~~فالمراد بالذين آمنوا به، الذين أوتوا الكتاب؛ آمن بعضهم كعبد ~~الله بن سلام، وأصحابه، وبقي بعضهم على الكفر والإنكار، ~~وكذلك إن عاد إلى ما أوتيه إبراهيم - عليه السلام - قال السدي: ~~الهاء في " به " و " عنه " راجعة إلى إبراهيم، وذلك أنه ~~زرع ذات سنة، وزرع الناس [في تلك السنة] فهلك زرع ~~الناس، وزكا زرع إبراهيم - عليه السلام - فاحتاج الناس ~~إليه، فكان يقول: " من آمن بي أعطيته " فمن آمن، أعطاه منه، ~~[ومن لم يؤمن، منعه منه]، وإن عاد إلى القرآن، فالمعنى: ~~أن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وأتباعهم معهم، صدقوا ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، وقال آخرون: المراد [أن] ~~أولئك الأنبياء مع ما خصوا به من النبوة، والملك، جرت ~~عادة أممهم: أن آمن بعضهم، وكفر بعضهم، فلا تتعجب يا ~~محمد، من أمتك، فإن أحوال جميع الأمم هكذا، وذلك تسلية ~~له - عليه السلام -. # قوله: { ومنهم من صد عنه } قرأ الجمهور " صد " بفتح الصاد، ~~وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، وعكرمة: " صد " بضمها، وقرأ أبو ~~رجاء، وأبو الجوزاء: بكسرها، وكلتا القراءتين على البناء ~~للمفعول، إلا أن المضاعف الثلاثي، كالمعتل العين منه، ~~فيجوز في أوله ثلاث لغات، إخلاص الضم، وإخلاص الكسر، ~~والإشمام. # قوله: { وكفى بجهنم سعيرا } ، أي: كفى بجهنم [في] ~~عذاب الكفار سعيرا والسعير: الوقود، ms2615 وهو تمييز، فإن كان ~~بمعنى التهاب واحتراق، فلا بد من حذف مضاف، أي: ~~كفى بسعير جهنم سعيرا؛ لأن توقدها، والتهابها ~~ليس إياها، وإن كان بمعنى: مسعر، فلا يحتاج إلى حذف. ### || [4.56] # قرأ الجمهور: " نصليهم " بضم النون من أصلى، وحميد: ~~بفتحها من صليت ثلاثيا. قال القرطبي: ونصب: " ~~نارا " على هذه القراءة، بنزع الخافض تقديره: بنار. وقرأ ~~سلام، ويعقوب: " نصليهم " بضم الهاء، وهي لغة ~~الحجاز، وقد تقدم تقريره. # وقال سيبويه: " سوف " [كلمة] تذكر للتهديد، والوعيد: ~~يقال: سوف أفعل، وينوب عنها حرف السين؛ كقوله: # سأصليه سقر # [المدثر: 26] وقد يرد " سوف " و " السين ": في الوعد أيضا: قال ~~تعالى: # ولسوف يعطيك ربك فترضى # [الضحى: 5]، وقال: # سلام عليك سأستغفر لك ربي # [مريم: 47]، وقال: # سوف أستغفر لكم ربي # [يوسف: 98]، قيل، أخره إلى وقت السحر؛ تحقيقا للدعاء، ~~وبالجملة، فالسين، وسوف: مخصوصتان بالاستقبال. # فصل في معنى قوله " بآياتنا " # يدخل في الآيات كل ما يدل على ذات الله تعالى وصفاته، ~~وأفعاله، [وأسمائه]، والملائكة، والكتب، والرسل؛ وكفرهم ~~قد يكون بالجحد، وقد يكون بعدم النظر فيها، وقد يكون ~~بإلقاء الشكوك والشبهات فيها، وقد يكون بإنكارها؛ ~~عنادا، أو حسدا. # وقوله: " نصليهم " أي: ندخلهم النار، لكن قوله: { نصليهم ~~} فيه زيادة على ذلك، فإنه بمنزلة شويته بالنار، يقال ~~شاة مصلية، أي: مشوية. # قوله: { كلما نضجت جلودهم } ، { كلما }: ظرف ~~زمان، والعامل فيها { بدلناهم } ، والجملة في محل نصب ~~على الحال، من الضمير المنصوب في { نصليهم } ، ويجوز أن ~~يكون صفة ل " نارا " والعائد محذوف، وليس بالقوي، و " ~~ليذوقوا " متعلق ب " بدلناهم ". # قال القرطبي: يقال: نضج الشيء نضجا ونضجا، وفلان ~~نضيج الرأي: أي: محكمه. # فصل في معنى قوله { كلما نضجت جلودهم } # { كلما نضجت [جلودهم } أي:] كلما احترقت جلودهم، ~~بدلناهم جلودا غير الجلود المحترقة. # قال ابن عباس: يبدلون جلودا بيضا، كأمثال ~~القراطيس. روي أن هذه الآية قرئت عند عمر - رضي الله عنه ~~- فقال عمر للقارئ: أعدها، فأعادها، وكان عنده معاذ ابن ~~جبل، فقال معاذ بن جبل - رضي الله عنه - عندي تفسيرها: ~~تبدل في الساعة مائة مرة، فقال عمر: هكذا سمعت ms2616 رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. # قال الحسن: تأكلهم النار كل يوم سبعين ألف مرة، ~~كلما أكلتهم، قيل لهم: عودوا، فيعودون كما كانوا. # روى أبو هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما بين منكبي الكافر مسيرة ثلاثة أيام، للراكب ~~المسرع ". # وعن أبي هريرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ضرس الكافر، أو ناب الكافر، مثل أحد وغلظ [جلده] ~~مسيرة ثلاثة أيام ". # فإن قيل: إنه تعالى قادر على إبقائهم أحياء في النار ~~أبد الآباد فلم لم يبق أبدانهم في النار مصونة عن ~~النضج، مع إيصال الألم الشديد إليها، من غير تبديل لها؟ ~~فالجواب: أنه لا يسأل عما يفعل، بل نقول: إنه قادر على ~~أن يوصل إلى أبدانهم آلاما عظيمة، من غير إدخال النار، مع ~~أنه تعالى أدخلهم النار، فإن قيل: كيف يعذب جلودا لم ~~تكن في الدنيا ولم تعصه؟ فالجواب من وجوه: # الأول: أنه يعاد الأول في كل مرة، وإنما قال غيرها، ~~لتبدل صفتها، كما تقول: صنعت من خاتمي خاتما غيره، ~~فالخاتم الثاني هو الأول؛ إلا أن الصناعة، والصفة ~~تبدلت. # الثاني: المعذب هو الإنسان في الجلد، لا الجلد، بل الجلد ~~كالشيء الملتصق به، الزائد على ذاته، فإذا جدد ~~الجلد، صار ذلك الجلد الجديد سببا لوصول العذاب إليه، ~~فالمعذب ليس إلا العاصي؛ يدل عليه قوله تعالى: { ليذوقوا ~~العذاب } ولم يقل: ليذوق. # الثالث: قال السدي: يبدل الجلد جلدا غيره من ~~لحم الكافر. # الرابع: قال عبد العزيز بن يحيى: إن الله - تعالى - ~~يلبس أهل النار جلودا لا تألم، بل هي تؤلمهم: وهي ~~السرابيل فكلما [احترق] جلد بدلهم جلدا غيره. طعن ~~القاضي في هذا فقال: إنه ترك للظاهر، وأيضا السرابيل من ~~القطران لا توصف بالنضج، وإنما توصف بالاحتراق. # الخامس: يمكن أن يكون هذا استعارة عن الدوام، وعدم ~~الانقطاع؛ يقال للموصوف بالدوام: كلما انتهى فقد ~~ابتدأ، وكلما وصل [إلى آخره] فقد ابتدأ من أوله، فكذلك قوله: ~~{ كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها } ~~يعني: أنهم كلما ظنوا أنهم نضجوا واحترقوا وانتهوا ms2617 إلى ~~الهلاك، أعطيناهم قوة جديدة من الحياة؛ بحيث ظنوا أنهم ~~الآن وجدوا، فيكون المقصود بيان دوام العذاب. # فإن قيل: قوله: " ليذوقوا العذاب " إنما يقال: فلان ذاق الشيء، ~~إذا أدرك شيئا قليلا منه، والله تعالى قد وصفهم بأنهم ~~كانوا في أشد العذاب، فكيف يحسن أن يذكر بعد ذلك أنهم ~~ذاقوا العذاب؟. # فالجواب: المقصود من ذكر الذوق، الإخبار بأن إحساسهم ~~بذلك العذاب، في كل حال، يكون كإحساس الذائق بالمذوق من ~~حيث إنه لا يدخل فيه نقصان، ولا زوال، بسبب ذلك ~~الاحتراق. # ثم قال تعالى: { إن الله كان عزيزا حكيما } ، ~~فالعزيز: القادر الغالب، والحكيم: الذي لا يفعل إلا ~~الصواب، وما تقتضيه الحكمة؛ لأنه قد يقع في القلب ~~تعجب من كون الكريم الرحيم يعذب هذا الشخص الضعيف ~~إلى هذا الحد العظيم أبد الآباد. # فقيل: ليس هذا [بعجب]؛ لأنه القادر الغالب، فكما أنه رحيم فهو ~~أيضا حكيم، والحكمة تقتضي ذلك. ### || [4.57] # قوله تعالى: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيهآ أبدا لهم فيهآ أزواج مطهرة وندخلهم ~~ظلا ظليلا }. # اعلم أن الوعد والوعيد متلازمان في الذكر غالبا، ~~فإن عادة القرآن إذا ذكر الوعيد أن يذكر معه الوعد. # قوله: { والذين آمنوا } فيه ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنه مبتدأ، وخبره { سندخلهم }. # والثاني: أنه في محل نصب؛ عطفا على اسم " إن " وهو { ~~الذين كفروا } ، والخبر أيضا: { سندخلهم جنات } ~~ويصير هذا نظير قولك: إن زيدا قائم وعمرا قاعد، فعطفت ~~المنصوب على المنصوب، والمرفوع على المرفوع. # والثالث: أن يكون في محل رفع؛ عطفا على موضع اسم " إن "؛ ~~لأن محله الرفع، قاله أبو البقاء؛ وفيه نظر، من حيث ~~الصناعة اللفظية، حيث يقال: { والذين آمنوا } في ~~موضع نصب؛ عطفا على { الذين كفروا } ، وأتى بجملة ~~الوعيد مؤكدة ب " إن "؛ تنبيها على شدة ذلك، وبجملة الوعد ~~حالية منه؛ لتحققها وأنه لا إنكار لذلك، وأتى فيها بحرف ~~التنفيس القريب المدة تنبيها على قرب الوعد. # فصل في أن الإيمان غير العمل # دلت هذه الآية، على أن الإيمان غير العمل؛ لأنه تعالى عطف ~~العمل ms2618 على الإيمان، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه. # قال القاضي: متى ذكر لفظ الإيمان وحده، دخل فيه العمل، ~~ومتى ذكر معه العمل، كان الإيمان هو التصديق، وهذا بعيد، ~~لأن الأصل عدم الاشتراك، وعدم التغيير ولولا أن الأمر ~~كذلك، لخرج القرآن عن كونه مفيدا، فلعل هذه الألفاظ التي ~~تسمعها في القرآن، يكون لكل واحد منها معنى سوى ما ~~نعلم، ويكون مراد الله [تعالى] ذلك المعنى. # قوله: " سندخلهم " قرأ النخعي: سيدخلهم، وكذلك: " ويدخلهم ~~ظلا " بياء الغيبة؛ ردا على قوله: { إن الله كان عزيزا } ، ~~والجمهور بالنون ردا على قوله: " سوف نصليهم " ، وتقدم الكلام ~~على قوله: { جنات تجري من تحتها الأنهار }. # وقوله: { خالدين } يجوز فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه حال من الضمير المنصوب في { سندخلهم }. # والثاني: وأجازه أبو البقاء: أن يكون حالا من { جنات }. # [قال: لأن فيها ضميرا لكل واحد منهما، يعني: أنه يجوز أن ~~يكون حالا من] مفعول { سندخلهم } كما تقدم، أو " من جنات "؛ ~~لأن في الحال ضميرين: # أحدهما: المستتر في { خالدين } العائد على { والذين ~~آمنوا }. # والآخر: مجرور ب " في " العائد على { جنات } فصح أن ~~يجعل حالا من كل واحد؛ لوجود الرابط، وهو الضمير، وهذا ~~الذي قال فيه نظر من وجهين: # أحدهما: أنه يصير المعنى: أن الجنات خالدات في أنفسها؛ ~~لأن الضمير في فيها عائذ عليها. فكأنه قيل: جنات خالدات ~~في الجنات أنفسها. # والثاني: أن هذا الجمع شرطه العقل، ولد أريد ذلك، لقيل: ~~خالدات. # والثالث: أن يكون صفة ل { جنات } أيضا. قال أبو ~~البقاء: على رأي الكوفيين يعني أنه جرت الصفة على ~~غير من هي له في المعنى، ولم يبرز الضمير، وهذا ~~مذهب الكوفيين، وهو أنه إذا جرت على غير من هي له، ~~وأمن اللبس، لم يجب بروز الضمير كهذه الآية. # ومذهب البصريين: وجوب بروزه مطلقا، فكان ينبغي ~~أن يقال على مذهبهم: { خالدين هم فيها } ، ولما لم يقل ~~كذلك، دل على فساد القول، وقد تقدم تحقيق ذلك. # [فإن قلت:] فلتكن المسألة الأولى كذلك، أعني: أنك إذا ~~جعلت { خالدين } حالا من { جنات } ، فيكون حالا منها ~~لفظا، ms2619 وهي لغيرها معنى، ولم يبرز الضمير على رأي ~~الكوفيين، ويصح قول أبي البقاء. # فالجواب: أن هذا، لو قيل به لكان جيدا، ولكن لا يدفع ~~الرد عن أبي البقاء، فإنه خصص مذهب الكوفيين بوجه ~~الصفة، دون الحال. # فصل # ذكر الخلود والتأبيد: فيه رد على جهم بن صفوان، حيث ~~يقول: إن نعيم الجنة وعذاب الآخرة ينقطعان، ~~وأيضا فذكره الخلود مع التأبيد؛ يدل على أن الخلود ~~غير التأبيد وإلا لزم التكرار، وهو غير جائز؛ فدل على أن ~~الخلود ليس عبارة عن التأبيد، بل هو عبارة عن طول ~~المكث من غير بيان أنه منقطع، أو غير منقطع، وإذا ثبت ~~هذا بطل استدلال المعتزلة بقوله تعالى: # ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه جهنم خالدا ~~فيها # [النساء: 93] على أن صاحب الكبيرة يبقى في النار أبدا، لأن ~~هذه الآية دلت على أن الخلود طول المكث لا التأبيد. # قوله: { لهم فيهآ أزواج [مطهرة } ] مبتدأ وخبر، ~~ومحل هذه الجملة، إما النصب أو الرفع. # فالنصب إما على الحال من { جنات } ، أو من الضمير في ~~{ سندخلهم } وإما على كونها صفة ل { جنات } بعد ~~صفة. # والرفع على أنه خبر بعد خبر. # فصل # المراد: طهارتهن من الحيض والنفاس، وجميع أقذار ~~الدنيا، كما تقدم في سورة البقرة. # وقوله { وندخلهم ظلا ظليلا }. # قال الواحدي: الظليل ليس ينبئ عن الفعل، حتى يقال: ~~إنه بمعنى: فاعل، أو مفعول، بل هو مبالغة في نعت ~~الظل، مثل قولهم: " ليل أليل ". # قال المفسرون: الظليل: الكثيف الذي لا تنسخه ~~الشمس، ولا يؤذيهم برد، ولا حر. # قال ابن الخطيب: واعلم أن بلاد العرب كانت في غاية ~~الحرارة، وكان الظل عندهم من أعظم أسباب الراحة، ~~ولها المعنى؛ جعلوه كناية عن الراحة. # قال عليه الصلاة والسلام: # " السلطان ظل الله في الأرض ". # وإذا كان الظل عبارة عن الراحة؛ كان كناية عن ~~المبالغة العظيمة في الراحة، وبهذا يندفع سؤال من ~~يقول: إذا لم يكن في الجنة شمس تؤذي بحرها، فما ~~فائدة وصفها بالظل الظليل؟ # وأيضا نرى في الدنيا أن المواضع التي يدوم الظل ~~فيها، ولا يصل نور ms2620 الشمس إليها، يكون هوواؤها فاسدا ~~مؤذيا فما معنى وصف الجنة بذلك، فعلى هذا الوجه الذي ~~لخصناه تندفع هذه الشبهات. ### || [4.58] # لما شرح أحوال الكفار، وشرح وعيدهم؛ عاد إلى التكليف، ~~وأيضا لما حكى عن أهل الكتاب أنهم كتموا الحق، حيث ~~قالوا للذين كفروا # هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا # [النساء: 51] أمر المؤمنين في هذه الآية بأداء الأمانات في جميع ~~الأمور، سواء كانت دينية، أو دنيوية. # قوله: { أن تؤدوا } منصوب المحل، إما على إسقاط حرف ~~الجر؛ لأن حذفه يطرد مع " أن " ، إذا أمن اللبس؛ لطولهما ~~بالصلة، وإما لأن " أمر " يتعدى إلى الثاني بنفسه، نحو: ~~أمرتك الخير، فعلى الأول يجري [الخلاف في محلها، أهي في ~~محل نصب، أم جر، وعلى الثاني هي في محل نصب فقط، وقرئ " الأمانة " ~~]. # فصل: فيمن نزلت الآية؟ # نزلت في عثمان بن طلحة بن أبي طلحة الحجبي من بني ~~عبد الدار، وكان سادن الكعبة، فلما دخل النبي صلى الله ~~عليه وسلم مكة يوم الفتح أغلق عثمان بن طلحة ~~باب الكعبة، وصعد السطح، فطلب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم المفتاح فقيل: إنه مع عثمان، فطلبه منه فأبى، وقال: لو ~~علمت أنه رسول الله [صلى الله عليه وسلم] لم أمنعه ~~المفتاح، فلوى علي بن أبي طالب يده، وأخذ منه المفتاح، وفتح ~~الباب، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت، وصلى فيه ~~ركعتين، فلما خرج سأله العباس [المفتاح] أن يعطيه، ويجمع له ~~بين السقاية، والسدانة، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية، ~~فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عليا أن يرد المفتاح إلى ~~عثمان، ويعتذر إليه، ففعل ذلك علي، فقال عثمان: أكرهت، ~~وآذيت، ثم جئت ترفق، فقال: لقد أنزل الله في شأنك، ~~وقرأ عليه الآية، فقال عثمان: " أشهد [ألا إله إلا الله و] ~~أن محمدا رسول الله، وأسلم، وكان المفتاح معه، فلما ~~مات دفعه إلى أخيه شيبة، فالمفتاح والسدانة في أولادهم ~~إلى يوم القيامة. # وقيل: المراد من الآية جميع الأمانات. # واعلم أن معاملة الإنسان إما أن تكون مع ربه، أو مع ~~العباد، ms2621 أو مع نفسه. فمعاملة الرب فهو: فعل المأمورات، وترك ~~المنهيات. # قال ابن مسعود: الأمانة في كل شيء لازمة؛ في الوضوء، ~~والجنابة، والصلاة، والزكاة، والصوم. # [قال أبو نعيم الحافظ في " الحلية ": وممن قال إن ~~الآية عامة في الجميع: البراء ابن عازب، وابن مسعود، ~~وابن عباس، وأبي بن كعب. # قالوا: الأمانة في كل شيء لازمة، في الوضوء، والجنابة، ~~والصلاة، والزكاة، والصوم، والكيل، والوزن، والودائع. # قال ابن عباس: لم يرخص الله لمعسر، ولا لمؤمن أن ~~يمسك الأمانة]. # وقال ابن عمر: " إنه - تعالى - خلق فرج الإنسان، قال: " ~~هذا أمانة [خبأتها] عندك، فاحفظها إلا بحقها ". # فأمانة اللسان ألا يستعمله في الكذب، والغيبة، والنميمة، ~~والكفر، والبدعة، والفحش، وغيرها. # وأمانة العين ألا يستعملها في النظر الحرام، ~~وأمانة السمع ألا يستعمله في سماع الملاهي، ~~والمناهي، وسماع الفحش، والأكاذيب، وغيرها. # وكذا جميع الأعضاء، وأما الأمانة مع سائر الخلق فلرد ~~الودائع، وترك التطفيف في الكيل، والوزن، وعدل الأمراء ~~في الرعية، وعدل العلماء في العوام: بأن يرشدوهم إلى ~~الاعتقادات، والأعمال التي تنفعهم في دنياهم وأخراهم، ولا ~~يحملوهم على التعصبات الباطلة، وأمانة الزوجة ~~للزوج في حفظ فرجها، وألا تلحق به ولدا من غيره، وفي ~~إخبارها عن انقضاء عدتها، ونهي اليهود عن كتمان أمر محمد - ~~عليه الصلاة والسلام - وأما أمانته مع نفسه، فهو ألا يختار ~~[لنفسه] إلا الأنفع، والأصلح، في الدين والدنيا، وألا ~~يقدم بسبب الشهوة، والغضب على ما يضره في الآخرة ~~قال أنس - رضي الله عنه -: قل ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلا قال # " لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد ~~له " # وقال تعالى # لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم # [الأنفال: 27]، وقد عظم الله أمر الأمانة فقال: # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان # [الأحزاب: 72]. # [ويروي أن الله - تعالى - خلق الدنيا كالبستان، وزينها ~~بخمسة أشياء: # علم العلماء، وعدل الأمراء، وعبادة العلماء، ~~ونصيحة المستشار، ودفع الخيانة]. # فصل في الخلاف في ضمان الوديعة # الأكثرون على أن الوديعة غير مضمونة عند ms2622 عدم التفريط، ~~وعن بعض السلف أنها مضمونة. # روى الشعبي عن أنس قال: استحملني رجل بضاعة، فضاعت من ~~بين ثيابي. فضمنني عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. # وعن أنس قال: كان لإنسان عندي وديعة ستة ألاف درهم، فذهبت فقال ~~عمر: " ذهب لك معها شيء "؟ [قلت: لا] فألزمني الضمان. # وحجة الجمهور ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " لا ضمان على داع، ولا [على] مؤتمن " # وأما فعل عمر - رضي الله عنه - [فهو] محمول على أن المودع اعترف ~~بفعل يوجب الضمان. # فصل في الخلاف في ضمان العارية # قال الشافعي وأحمد: العارية مضمونة بعد الهلاك لقوله تعالى ~~{ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات [إلى ~~أهلها } ] والأمر للوجوب، وقوله - عليه الصلاة والسلام: # " على اليد ما أخذت حتى تؤديه " # وخصت منه الوديعة، فيبقى العام بعد التخصيص حجة، وأيضا ~~فإنا أجمعنا على أن المستام مضمون، وأن المودع غيره ~~مضمون والعارية وقعت في البين، ومشابهتها للمستام أكثر؛ ~~لأن كلا منهما أخذه الأجنبي لغرض نفسه، والوديعة أخذها لغرض ~~المالك، فظهر الفرق بين العارية والوديعة. # وقال أبو حنيفة: [العارية] ليست مضمونة كقوله عليه السلام # " لا ضمان على مؤتمن " # وجوابه أنه مخصوص بالمستام، فكذا في العارية، ودليلنا ظاهر ~~القرآن. # قوله: { وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا ~~بالعدل } [فيكون] قوله { أن تحكموا } معطوف على { أن ~~تؤدوا } أي: يأمركم بتأدية الأمانات والحكم بالعدل، ~~فيكون قد فصل بين حرف العطف، والمعطوف بالظرف. وهي مسألة خلاف ~~ذهب الفارسي إلى منعها إلا في الشعر. # وذهب غيره إلى جوازها مطلقا، ولنصحح محل الخلاف أولا: ~~فنقول: إن حرف العطف إذا كان على حرف واحد كالواو، والفاء هل يجوز ~~أن يفصل بينه، وبين ما عطفه بالظرف وشبهه أم لا؟ # فذهب الفارسي إلى منعه مستدلا بأنه إذا كان على حرف ~~واحد، فقد ضعف، فلا يتوسط بينه، وبين ما عطفه إلا في ضرورة ~~كقوله: [المنسرح] # 1810- يوما تراها كشبه أردية ال # عصب ويوما أديمها نغلا # تقديره: وترى أديمها نغلا يوما، [ففصل ب " يوما " ]، وذهب ms2623 ~~غيره إلى جوازه مستدلا بقوله: # ربنآ آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة # [البقرة: 201]، # فبشرناها بإسحاق ومن ورآء إسحاق يعقوب # [هود: 71]، # وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا ~~فأغشيناهم # [يس: 9] # الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن # [الطلاق: 12]. { أن تؤدوا الأمانات } [الآية]، وقال صاحب ~~هذا القول: إن المعطوف عليه إذا كان مجرورا بحرف، أعيد ~~ذلك الحرف المعطوف نحو: امرر بزيد وغدا بعمرو، وهذه الشواهد ~~لا دليل فيها. # أما # في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة # [البقرة: 201]، وقوله # وجعلنا من بين أيديهم # [يس: 9]، فلأنه عطف شيئين على شيئين: عطف الآخرة على الدنيا ~~بإعادة الخافض وعطف حسنة الثانية على حسنة الأولى، وكذلك عطف " من ~~خلفهم " على { من بين أيديهم } و " سدا " على " سدا " ، وكذلك البيت ~~عطف فيه " أديمها " على المفعول الأول ل " تراها " ، و " نغلا " ~~على الثاني وهو كشبه و " يوما " الثاني على " يوما " الأول، فلا ~~فصل فيه حينئذ، [وحينئذ] يقال: [ينبغي] لأبي علي أن يمنع مطلقا، ~~ولا يستثنى الضرورة، فإن ما استشهده به مؤول على ما ذكرناه. # فإن قيل: إنما لم يجعله أبو علي من ذلك؛ لأنه يؤدي إلى ~~تخصيص الظرف الثاني بما وقع في الأول، وهو أنه تراها كشبه ~~أردية العصب في اليوم الأول والثاني؛ لأن حكم [المعطوف حكم] ~~المعطوف عليه، فهو نظير قولك: ضربت زيدا يوم الجمعة، ~~ويوم السبت، ف " يوم " السبت مقيد بضرب [زيد كما يقيد ~~به يوم الجمعة، لكن الغرض أن اليوم الثاني في البيت ~~مقيد بقيد آخر] وهو رؤية أديمها نغلا. # فالجواب: أنه لو تركنا [و] الظاهر من غير تقييد الظرف الثاني ~~بمعنى آخر كان الحكم كما ذكرت [لأن الظاهر كما ذكرت] في مثالك: ضربت ~~زيدا يوم الجمعة [وعمرا] يوم السبت [أما إذا قيدته بشيء ~~آخر، فقد تركت ذلك الظاهر لهذا النص، ألا تراك تقول: ضربت ~~زيدا يوم الجمعة، وعمرا يوم السبت]، فكذلك هذا، وهو موضع ~~يحتاج لتأمل. # وأما " فبشرناها بإسحاق " ، فيعقوب ليس مجرورا عطفا على إسحاق، بل ~~منصوبا بإضمار فعل أي: ووهبنا لها يعقوب، ms2624 ويدل عليه قراءة ~~الرفع، فإنها مؤذنة بانقطاعه من البشارة [به]، كيف وقد ~~تقدم أن هذا القائل يقول: إنه متى كان المعطوف عليه ~~مجرورا، أعيد مع المعطوف الجار. [و] أما { أن يؤدوا الأمانات } ، ~~فلا دلالة فيها أيضا؛ لأن " إذا " ظرف لا بد من عامل، وعامله إما { ~~أن تحكموا } وهو الظاهر من حيث المعنى، وإما { يأمركم } ~~فالأول ممتنع، وإن كان المعنى عليه؛ لأن ما في حيز الموصول لا ~~يتقدم عليه عند البصريين، وأما الكوفيون فيجوزون ذلك، ومنه ~~الآية عندهم، واستدلوا بقوله: [الرجز] # 1811-............................ # كان جزائي بالعصا أن أجلدا # وقد جاء ذلك في المفعول الصريح في قوله: [الكامل] # 1812-............................ # وشفاء غيك خابرا أن تسألي # فكيف بالظرف وشبهه. # والثاني ممتنع أيضا؛ لأن الأمر ليس واقعا وقت الحكم، كذا قاله ~~أبو حيان وفيه نظر وإذا بطل هذا فالعامل فيه مقدر ~~يفسره ما بعده تقديره: " وأن تحكموا إذا حكمتم " ، و " أن ~~تحكموا " الأخيرة دالة على الأولى. # قوله " بالعدل " يجوز فيه وجهان: # أحدهما: أن يتعلق ب " تحكموا " ، فتكون الباء للتعدية، ~~والثانية: أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من فاعل تحكموا، فتكون ~~الباء للمصاحبة، أي: ملتبسين بالعدل مصاحبين له. # والمعنيان متقاربان. # فصل # اعلم أن الأمانة عبارة عن أداء ما وجب عليك لغيرك، والحكم ~~بالحق عما إذا وجب لإنسان على غيره حق، فأمر من وجب عليه ذلك الحق ~~بأن يدفعه إلى من له ذلك الحق. # ولما كان الترتيب الصحيح أن يبدأ الإنسان بنفسه في جلب ~~المنافع، ودفع المضار، ثم يشتغل بغيره، لا جرم أمر تعالى بأداء ~~الأمانة أولا، ثم ذكر بعد الأمر الحكم بالحق، وهذا من اللطائف ~~المودعة في ترتيب القرآن. # فصل في وجوب حكم الإمام بالعدل # أجمعوا على أنه يجب على الحاكم أن يحكم بالعدل، لهذه ~~الآية، ولقوله تعالى # إن الله يأمر بالعدل والإحسان # [النحل: 90] وقوله # وإذا قلتم فاعدلوا # [الأنعام: 152] وقوله # يداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين ~~الناس بالحق # [ص: 26]، وقال - عليه الصلاة والسلام: # " لا تزال هذه الأمة بخير ما إذا قالت صدقت، وإذا ~~حكمت عدلت وإذا استرحمت ms2625 رحمت " # وقال عليه الصلاة والسلام # " المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين ~~الرحمان، وكلتا يديه يمين؛ هم الذين يعدلون في ~~حكمهم وأهليهم ما ولوا " # وقال عليه الصلاة والسلام # " إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة، وأقربهم ~~منه مجلسا إمام عادل وإن أبغض الناس إلى الله ~~يوم القيامة وأشدهم عذابا إمام جائر " # وقال عليه الصلاة والسلام # " ينادي مناد يوم القيامة أين الظلمة، ~~فيجمعون عليه فيلقون في النار ". # يحقق ذلك قوله تعالى # احشروا الذين ظلموا وأزواجهم # [الصافات: 22] وقوله # ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون # [إبراهيم: 42]. # فصل فيما يجب على القاضي نحو الخصمين # يجب على القاضي أن يسوي بين الخصمين في الدخول عليه، والجلوس ~~بين يديه، والإقبال عليهما، والاستماع منهما، والحكم ~~بينهما، وينبغي إلا يلقن أحدهما حجة، ولا شاهدا شهادته، ~~ولا يلقن المدعي الدعوى، والاستخلاف، ولا يلقن المدعى عليه ~~الإقرار، ولا الإنكار، ولا يضيف أحد الخصمين دون الآخر، ~~ولا يجيب هو إضافة أحدهما، ولا إلى إضافتهما ما داما ~~متخاصمين، وعليه التسوية بينهما في الأفعال دون القلب؛ ~~لأنه لا يمكن أن يتحرز من ميل قلبه. # قوله: { إن الله نعما يعظكم به } قد تقدم الكلام ~~على ما المتصلة ب " نعم " ، و " بئس " إلا أن ابن عطية نقل هنا ~~نقلا لا يبعد من وهم!. قال: و " ما " المردفة على نعم، ~~وبئس إنما هي المهيئة لاتصال الفعل كما هي في ربما، ومما ~~في قوله: وكان رسول الله مما يحرك شفتيه وكقول الشاعر: ~~[الطويل] # 1813- وإنا لمما نضرب الكبش ضربة # على رأسه تلقي اللسان من الفم # وفي هذا بمنزلة ربما، ومنزلتها مخالفة في المعنى؛ لأن ~~ربما للتعليل، ومما للتكثير ومع إنما هي موطئة، فهي ~~بمعنى الذي، وما وطأت إلا وهي اسم. ولكن المقصد إنما هو لا يليها ~~من المعنى الذي في الفعل. # قال أبو حيان وهذا متهافت؛ لأنه من حيث جعلها موطئة ~~مهيئة، لا تكون أسماء، ومن حيث جعلها بمعنى الذي يلزم ~~أن يكون اسما، فتدافعا. # فصل: في معنى قوله " نعما يعظكم " # المعنى: نعم شيئا يعظكم ms2626 به، أو نعم الشيء الذي يعظكم به. # والمخصوص بالمدح محذوف، أي: نعم ما يعظكم به ذلك، وهو ~~المأمور به: من أداء الأمانات والحكم بالعدل، أي: بالقسط، ثم ~~قال: { إن الله كان سميعا بصيرا } ، أي: إذا حكمت بالعدل، ~~فهو يسمع ذلك، لأنه سميع لكل المسموعات، وإن أديت ~~الأمانة، فهو بصير بكل المبصرات يبصر ذلك، وهذا أعظم ~~أسباب الوعد للمطيع، وأعظم أسباب الوعيد للعاصي. وإليه الإشارة ~~بقوله - عليه الصلاة والسلام - # " اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه ~~يراك ". ### || [4.59] # اعلم أنه تعالى لما أمر الولاة بالعدل، أمر الرعية بطاعة ~~الولاة. # قال ابن عباس وجابر: أولو الأمر: [هم] الفقهاء، ~~والعلماء الذين يعلمون الناس دينهم. # وهو قول الحسن، والضحاك ومجاهد. لقوله تعالى { ولو ردوه إلى ~~الرسول [وإلى] أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم }. # وقال أبو هريرة: هم الأمراء والولاة، وقال علي بن أبي ~~طالب: حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، ويؤدي ~~الأمانة، فإذا فعل ذلك؛ حق علي الرعية أن يسمعوا، ~~ويطيعوا. # وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من أطاعني؛ فقد أطاع الله، ومن يعصني، فقد ~~عصى الله، ومن يطع الأمير؛ فقد أطاعني ومن يعصي ~~الأمير، فقد عصاني " # وقال عليه الصلاة والسلام # " السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ~~ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية، فلا سمع ~~ولا طاعة ". # وروى عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على السمع والطاعة في اليسر، والعسر، ~~والمنشط، والمكره، وألا ننازع الأمر أهله، وأن ~~نقوم، أو نقول بالحق، حيث ما كنا، لا نخاف في ~~الله لومة لائم. # وعن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر: # " اسمع، وأطع ولو لعبد حبشي كأن رأسه زبيبة ". # وروى أبو أمامة قال: # " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة ~~الوداع فقال: " اتقوا الله، وصلوا خمسكم، وصوموا ~~شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا إذا أمركم؛ ~~تدخلوا جنة ربكم " ". # وقال سعيد بن جبير عن ابن ms2627 عباس المراد أمراء السرايا ~~قال: نزلت هذه الآية في عبيد الله بن أبي حذافة بن قيس بن عدي ~~السهمي إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم [في سرية، وعن ابن عباس ~~أنها نزلت في خالد بن الوليد بعثه] النبي صلى الله عليه ~~وسلم على سرية، وفيها عمار بن ياسر فجرى بينهما ~~اختلاف في شيء، فنزلت هذه الآية. # [و] قال عكرمة: أولو الأمر أبو بكر وعمر؛ لقوله - عليه الصلاة ~~والسلام - # " [اقتدوا] باللذين من بعدي أبي بكر وعمر " # وقيل: هم الخلفاء الراشدون. # وقال عطاء: هم المهاجرون والأنصار، والتابعون لهم ~~بإحسان؛ لقوله - تعالى -: # والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار # [التوبة: 100] الآية، ولقوله- عليه السلام -: # " مثل أصحابي في أمتي كالملح في الطعام، ولا يصلح ~~الطعام إلا بالملح " # وقال الحسن: قد [ذهب] ملحنا، فكيف نصلح. # ونقل عن الروافض أن المراد بأولي الأمر: الأئمة ~~المعصومون. # فإن قيل: طاعة الرسول هي طاعة الله، فالمعنى العطف. # فالجواب: قال القاضي: الفائدة في ذلك بيان الدلالتين، ~~فلكتاب يدل على أمر الله، ثم يعلم منه أمر الرسول لا ~~محالة، والسنة تدل على أمر الرسول، ثم يعلم منه أمر ~~الله لا محالة، فدل قوله: { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } على ~~وجوب متابعة الكتاب والسنة. # فصل في معنى " الطاعة " # قالت المعتزلة: الطاعة موافقة الإرادة، وقال أهل السنة: ~~الطاعة موافقة الأمر لا موافقة الإرادة؛ لأن الله قد ~~يأمر ولا يريد؛ كما أمر أبا لهب بالإيمان مع أنه لم يرده ~~منه، إذ لو أراده لا محالة. # فصل # استدلوا بقوله - تعالى -: { أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول } على أن الأمر للوجوب، [واعترض عليه المتكلمون؛ ~~فقالوا: هذه الآية لا تدل على الوجوب إلا إذا ثبت أن الأمر ~~للوجوب]، وهذا يقتضي افتقار الدليل إلى المدلول. # وأجيب بوجهين: # الأول: أن الأمر الوارد في الوقائع المخصوصة دال على ~~الندبية، فقوله: { أطيعوا الله } لو اقتضى الندب، لم ~~يبق لهذه الآية فائدة. # الثاني: أنه ختم الآية بقوله: { إن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر } وهذا وعيد. # قوله: " منكم " في محل نصب على الحال من " أولي الأمر " ~~فيتعلق بمحذوف، ms2628 أي: وأولي الأمر كائنين منكم، و " من ~~" تبعيضية. # قوله: { فإن تنازعتم } [اختلفتم]، { في شيء } [أي:] من ~~أمر دينكم، والتنازع: اختلاف الآراء. # قال الزجاج: اشتقاق المنازعة من النزع الذي هو ~~الجذب، والمنازعة: عبارة عن مجاذبة كل واحد من ~~الخصمين، يجذب بحجة صحيحة. # قوله: { فردوه إلى الله والرسول } [أي: إلى الكتاب ~~والسنة]. # وقيل: الرد إلى الله والرسول؛ أن يقول لما لا يعلم: " الله ~~ورسوله أعلم ". # فصل في دلالة الآية على حجية القياس # دلت هذه الآية على أن القياس حجة؛ لأن قوله: { فإن ~~تنازعتم } إما أن يكون المراد منه " فإن اختلفتم في شيء " أي: ~~حكم منصوص عليه [في الكتاب أو السنة أو الإجماع]، [أو يكون ~~المراد: " فإن اختلفتم في شيء " حكمه غير منصوص عليه في شيء من ~~هذه الثلاثة]. # والأول باطل؛ لأن الطاعة واجبة، لقوله: { أطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم } فيصير ~~قوله: { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول } إعادة لعين ما مضى، وذلك غير جائز، فيتعين أن ~~يكون المراد: { فإن تنازعتم في شيء } حكمه غير مذكور ~~في الكتاب والسنة والإجماع، فيجب أن يرد حكمه إلى ~~الأحكام المنصوصة المشابهة له، وذلك هو القياس. # فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد بقوله: { فردوه } ~~أي: فوضوا حكمه إلى الله ولا تتعرضوا له، أو يكون ~~المراد: ردوا غير المنصوص إلى المنصوص؛ في أنه لا ~~يحكم فيه إلا بالنص، أو فردوا هذه الأحكام إلى البراءة ~~الأصلية. # والجواب عن الأول والثاني: أنه - تعالى - جعل الوقائع ~~قسمين: منها ما هو منصوص عليه، ومنها ما لا يكون كذلك، ثم ~~أمر في القسم الأول بالطاعة والانقياد، وأمر في الثاني ~~برده إلى الله وإلى الرسول، ولا يجوز أن يكون المراد بهذا ~~الرد السكوت؛ لأن الواقعة ربما كانت لا يحل السكوت ~~فيها، بل لا بد من قطع الخصومة فيها، إما بنفي أو إثبات، ~~فامتنع حمل الرد إلى الله على السكوت. # وأما الثالث: فإن البراءة الأصلية معلومة بحكم العقل، ~~فالرد إليها ليس ردا إلى الله، وإذا رددنا حكم ~~الواقعة إلى ms2629 الأحكام المنصوص عليها، كان ذلك ردا إلى أحكام ~~الله - تعالى -. # فصل في تقديم الكتاب والسنة على القياس # دلت هذه الآية على أن الكتاب والسنة مقدمان على ~~القياس مطلقا، فلا نترك العمل بهما بسبب القياس، ولا ~~يجوز تخصيصها ألبتة، سواء كان القياس جليا أو خفيا، ~~وسواء كان ذلك النص مخصوصا قبل ذلك أم لا؛ لأن الله - ~~تعالى - أمر بطاعة الكتاب والسنة في قوله: { أطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول } سواء حصل قياس يعارضهما أو ~~يخصصهما، أو لم يوجد؛ ولأن قوله: { فإن تنازعتم في ~~شيء فردوه إلى الله } صريح بأنه لا يجوز العدول إلى ~~القياس، إلا عند فقدان الأصول الثلاثة، وأيضا فإنه أخر ذلك ~~القياس عن ذكر الأصول الثلاثة، وذلك يدل على أن العمل به ~~مؤخر عن الأصول الثلاثة؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~اعتبر هذا الترتيب في قصة معاذ، وأخر الاجتهاد عن ~~الكتاب والسنة، وعلق جوازه على عدم وجدانهما، ~~ولما عارض إبليس عموم الأمر بالسجود بقياسه في قوله: { ~~خلقتني من نار وخلقته من طين } فخص العموم بالقياس، وقدمه على ~~النص، فصار بهذا السبب ملعونا، وأيضا فغن القرآن مقطوع ~~بمتنه، والقياس مظنون من جميع الجهات، والمقطوع راجح على ~~المظنون، وأيضا العمل بالظن من صفات الكفار في قولهم: # مآ أشركنا ولا آباؤنا # [الأنعام: 148]. ثم قال # إن يتبعون إلا الظن # [النجم: 23] وقال - عليه السلام -: # " إذا روي عني حديث، فاعرضوه على كتاب الله، فإن ~~وافقه فاقبلوه، وإلا فردوه " # فهذه النصوص تقتضي، أن لا يجوز العمل بالقياس ~~البتة، وإنما عملنا بالقياس فيما لا نص فيه، ولا دلالة ~~دلت على وجوب العمل بالقياس، جمعا بينها وبين هذه ~~الأدلة. انتهى. # فصل في دلالة الآية على أكثر علم الأصول # دلت هذه الآية على أكثر أصول الفقه؛ لأن أصول الشريعة هي ~~الكتاب والسنة والإجماع والقياس، فقوله: [تعالى] { أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول } إشارة للكتاب والسنة، وقوله: { وأولي الأمر ~~منكم } يدل على الإجماع؛ لأنه - تعالى - أوجب طاعة أولي الأمر، ~~وذلك يستلزم عصمتهم عن الخطأ، وإلا لوجب طاعته عند ~~كونه مخطئا، واتباع الخطأ منهي ms2630 عنه، فيجتمع الأمر ~~والنهي [وهو محال]؛ فثبتت العصمة لأولي الأمر، إما أن ~~يكونوا جميع الأمراء، أو بعضهم، ولا يمكن أن يكونوا ~~بعضهم؛ لأن الأمر بطاعتهم مشروط بمعرفتهم، والقدرة ~~على الاستفادة منهم، ونحن عاجزون قطعا عن معرفة الإمام ~~المعصوم والوصول إليه؛ فوجب أن يكون المراد من { أولي ~~الأمر } أولي الحل والعقد من هذه [الأمة] وهو الإجماع. # فإن قيل: المراد ب { أولي الأمر } الخلفاء الراشدون، ~~أو أمراء السرايا أو العلماء المفتون في الأحكام ~~الشرعية، أو الأئمة المعصومون عند الروافض، فالقول الذي ~~اخترتموه خارج عن أقوال الأمة فيكون باطلا، أو تحمل ~~الآية على الأمراء والسلاطين؛ لنفوذ أمرهم في الخلق، بخلاف أهل ~~الإجماع؛ ولقوله -عليه السلام -: # " من أطاعني فقد أطاع الله، [ومن أطاع أميري فقد ~~أطاعني]، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصى أميري ~~فقد عصاني ". # فالجواب عن الأول: أن جماعة من الصحابة والتابعين حملوا " ~~أولي الأمر " على العلماء، فليس قولنا خارجا عنهم. # وعن الثاني: أن الوجوه التي ذكروها ضعيفة، لا تعارض ~~بالبرهان القاطع الذي ذكرناه مع أنها معارضة ~~بوجوه: # الأول: أن طاعة الأمراء إنما تجب فيما علم بالدليل ~~أنه حق، وذلك الدليل هو الكتاب والسنة؛ ليكون هذا ~~داخلا في طاعة الله [ورسوله] كما أن الوالدين والزوج، ~~والأستاذ داخل في ذلك، وإذا حملناه على الإجماع، لم ~~يدخل في ذلك؛ لأنه ربما ثبت بالإجماع حكم ولا دليل في الكتاب ~~والسنة عليه فكان أولى. # الثاني: أن طاعة الأمراء إنما تجب إذا كانوا على الحق ~~فطاعتهم مشروعة بالاستقامة. # الثالث: قوله: { فإن تنازعتم } يشعر بإجماع تقدم، ~~وحدث بعده التنازع. # الرابع: أن طاعة [أهل] الإجماع واجبة قطعا، [وأما طاعة] ~~الأمراء والسلاطين فغير واجبة قطعا، بل الأكثر تكون ~~محرمة؛ لأنهم لا يأمرون إلا بالظلم، وفي الأقل تكون واجبة ~~[لهذا كان حمل الآية على الإجماع أولى]. # الخامس: أوامر السلاطين موقوفة على فتاوى العلماء؛ ~~فالعلماء في الحقيقة أمراء، فحمل أولي الأمر عليهم ~~أولى، وأما حمل الروافض الآية على الإمام المعصوم، ~~فيقيد بما ذكر من أن طاعتهم تتوقف على معرفتهم، ~~والقدرة على الوصول ms2631 إليهم، فوجوبها قبل ذلك تكليف ما ~~لا يطاق، وأيضا فطاعتهم مشروطة وظاهر قوله: { أطيعوا } ~~يقتضي الإطلاق، وأيضا فقوله: { فردوه إلى الله ~~والرسول } لو كان المراد منه الإمام المعصوم، لقيل: فردوه ~~إلى الإمام. # فصل: من المعتبر في الإجماع؟ # إذا ثبت أن الإجماع حجة، فاعلم: أن المعتبر إجماعهم هم ~~الذين يمكنهم استنباط الأحكام الشرعية من الكتاب ~~والسنة، و [هم] المسمون بأهل الحل والعقد، فهم الذين ~~يمتثل أمرهم ونهيهم بخلاف المتكلم، والمقرئ ~~والمحدث والعوام الذين لا يمكنهم الاستنباط. # فصل: لا عبرة في الإجماع بالفرق الضالة # دلت الآية على أن العبرة بإجماع المؤمنين، فأما من يشك ~~في إيمانه من سائر الفرق فلا عبرة بهم. # فصل: حصر الأدلة أربعة # دلت [هذه] الآية على أن ما سوى هذه الأصول الأربعة، أعني: ~~الكتاب والسنة والإجماع والقياس باطل؛ لأنه -تعالى - جعل ~~الوقائع قسمين: # أحدهما: منصوص عليه فأمر فيه بالطاعة، بقوله [- تعالى -]: { ~~أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر }. # والثاني: غير منصوص عليه [وأمر فيه بالاجتهاد بقوله - تعالى -: { ~~فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول } ~~]، ولم يزد على ذلك؛ فدل على أنه ليس للمكلف أن يتمسك ~~بشيء سوى هذه الأربعة، فالقول بالاستحسان الذي تقول ~~به الحنفية، والقول بالاستصحاب الذي تقول به المالكية ~~قو باطل لهذه الآية. # فصل: في الاقتداء بقول الرسول صلى الله عليه وسلم وفعله # المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم إن كان قولا، وجب ~~طاعته؛ لقوله - تعالى -: { أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول } وإن كان فعلا، وجب الاقتداء به إلا ما خصه ~~الدليل؛ لقوله - تعالى -: # واتبعوه # [الأعراف: 158]، والمتابعة عبارة عن الإتيان بمثل فعل ~~الغير؛ لأجل أن ذلك الغير فعله. # فصل: الأمر في الشرع يدل على التكرار # ظاهر الأمر في عرف الشرع يدل على التكرار لوجوه: # الأول: أن قوله: { أطيعوا الله } يصح منه استثناء أي ~~وقت كان، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل؛ فوجب ~~أن يكون قوله: { أطيعوا الله } متناولا لكل الأوقات، ~~وذلك يقتضي التكرار. # والقول الثاني: لو لم يفد ذلك، لصارت الآية مجملة؛ لأن ~~الوقت المخصوص والكيفية المخصوصة ms2632 غير مذكورة، فإذا ~~حملناه على العموم كانت مبينة، وهو أولى من الإجمال، ~~أقصى ما في الباب أنه يدخل التخصيص، والتخصيص خير من ~~الإجمال. # الثالث: أنه أضاف لفظ الطاعة إلى لفظ الله، [وهذا] ~~يقتضي أن منشأ وجوب الطاعة هو العبودية ~~والربوبية، وذلك يقتضي دوام وجوب الطاعة على ~~المكلفين إلى يوم القيامة. # فصل # قال - [تعالى] -: " أطيعوا الله " فأفرده بالذكر [ثم] قال: { ~~وأطيعوا الرسول وأولي الأمر } وهذا تعليم من الله لنا الأدب، ولذلك # " روي أن رجلا قال بحضرة الرسول - عليه الصلاة والسلام -: " ~~من أطاع الله والرسول فقد رشد ومن يعصهما فقد ~~غوى " ، فقال - عليه السلام -: # " بئس الخطيب أنت هلا قلت: من عصى الله وعصى ~~رسوله " # أو لفظ هذا معناه؛ وذلك لأن الجمع بينهما في اللفظ ~~يوهم نوع مناسبة ومجانسة، والله - تعالى - منزه عن ذلك. # فصل: في فروع تتعلق بالإجماع # دل قوله - تعالى -: { وأولي الأمر منكم } على أن الإجماع ~~حجة، وههنا فروع: # الأول: أن الإجماع لا ينعقد إلا بقول العلماء، الذين ~~يمكنهم استنباط أحكام الله - تعالى - من نصوص الكتاب ~~والسنة، وهؤلاء هم المسمون بأهل الحل والعقد. # الثاني: اختلفوا في الإجماع الحاصل عقيب الخلاف، هل هو ~~حجة أم لا، وهذه الآية تدل على أنه حجة، لأنه قول ~~جميع أهل الحل والعقد من الأمة، فيدخل في الآية سواء وجد ~~قبله خلاف، أم لا. # الثالث: اختلفوا في انقراض أهل العصر، هل هو شرط أم لا، وهذه ~~الآية تدل على أنه ليس بشرط؛ لأنها تدل على وجوب ~~طاعة المجمعين، سواء انقرض [أهل] العصر أم لم ينقرض. # الرابع: دلت الآية على أن العبرة بإجماع المؤمنين؛ لقوله ~~- [تعالى] - { يا أيها [الذين آمنوا] } ثم قال: { وأولي الأمر منكم }. # قوله: " إن كنتم " شرط، جوابه محذوف عند جمهور البصريين، ~~أي: فردوه إلى الله، وهو متقدم عند غيرهم. # وهذا الوعيد يحتمل أن يكون مخصوصا بقوله: { فردوه } ، ~~ويحتمل أن يكون عائدا إلى قوله: { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول }. # فصل # ظاهر قوله: { إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر } ~~يقتضي أن من لم يطع الله والرسول لا يكون ms2633 مؤمنا، ~~فيخرج المذنب عن الإيمان، لكنه محمول على التهديد، وقوله: ~~{ ذلك خير } أي: الذي أصدقكم في هذه الآيات من الأحكام، ~~والطاعة، والرد إلى الله والرسول خير لكم، " وأحسن ~~تأويلا " ، أي: مآلا؛ لأن التأويل عبارة عن الشيء ومرجعه ~~وعاقبته و { تأويلا } نصب على التمييز. # فصل # قال أبو العباس المقري: ورد التأويل في القرآن على ~~أربعة أوجه: # الأول: بمعنى العاقبة كهذه الآية. # الثاني: بمعنى المنتهى؛ قال - تعالى -: # فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ~~وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله # [آل عمران: 7] أي: ما يعلم منتهى تأويله إلا الله. # الثالث: بمعنى تعبير الرؤيا؛ قال - تعالى -: # أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون # [يوسف: 45] أي: بعبارته؛ ومثله: # ويعلمك من تأويل الأحاديث # [يوسف: 6] أي: تعبير الرؤيا. # الرابع: بمعنى التحقيق؛ قال - تعالى -: # هذا تأويل رؤياي من قبل # [يوسف: 100] أي: تحقيق رؤياي؛ ومثل الوجه الأول: # هل ينظرون إلا تأويله # [الأعراف: 53] أي: عاقبته، [ومثله: # بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم ~~تأويله # [يونس: 39] أي: عاقبته. ### || [4.60] # لما أوجب الطاعة على جميع المكلفين في الآية الأولى، ذكر في ~~هذه الآية أن المنافقين والذين في قلوبهم مرض لا يطيعون ~~الرسول، ولا يرضون بحكمه، وإنما يريدون حكم غيره، و " ~~الزعم " بفتح الزاي وضمها وكسرها مصدر زعم، وهو قول يقترن ~~به اعتقاد ظني؛ قال: [الطويل] # 1814- فإن تزعميني كنت أجهل فيكم # فإني شريت الحلم بعدك بالجهل # قال ابن دريد: أكثر ما يقع على الباطل، وقال - عليه الصلاة ~~والسلام -: # " بئس مطية الرجل زعموا ". # وقال الأعشى: [المتقارب] # 1815- ونبئت قيسا ولم أبله # كما زعموا خير أهل اليمن # فقال الممدوح: وما هو إلا الزعم، وحرمه ولم يعطه شيئا، ~~وذكر صاحب العين أنها تقع غالبا [على " أن " ] وقد تقع في ~~الشعر على الاسم، وأنشد بيت أبي ذؤيب، وقول الآخر: [الخفيف] # 1816- زعمتني شيخا ولست بشيخ # إنما الشيخ من يدب دبيبا # قيل: ولا يستعمل في الأكثر إلا في القول الذي لا ~~يتحقق. # قال الليث: أهل العربية يقولون: زعم فلان؛ إذا شكوا فيه ~~فلم يعرفوا أكذب أم صدق؛ وكذلك تفسير قوله: # هذا ms2634 لله بزعمهم # [الأنعام: 136] أي: بقولهم الكذب. # قال الأصمعي: الزعوم من الغنم الذي لا يعرف أبها شحم أم ~~لا وقال ابن الأعرابي: الزعم قد يستعمل في الحق، وأنشد ~~لأمية بن أبي الصلت: [المتقارب] # 1817- وإني أدين لكم أنه # سيجزيكم ربكم ما زعم # وزعم [تكون] بمعنى: ظن وأخواتها، فيتعدى لاثنين في هذه ~~الآية، و " أن " سادة مسد مفعوليها، وتكون بمعنى " " ~~كفل " فتتعدى لواحد؛ ومنه: # وأنا به زعيم # [يوسف: 72]، وبمعنى رأس، وكذب وسمن، وهزل، فلا تتعدى، وقرأ ~~الجمهور: { أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك } مبنيا ~~للمفعول، وقرئا مبنيين للفاعل، وهو الله - تعالى -. # فصل: سبب نزول الآية # روي في سبب النزول وجوه: # أحدها: قال الشعبي: كان بين رجل من اليهود ورجل من ~~المنافقين خصومة، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد؛ لأنه ~~عرف أنه عرف أنه لا يأخذ الرشوة، ولا يميل في ~~الحكم، وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود؛ لعلمه أنهم ~~يأخذون الرشوة ويميلون في الحكم، فاتفقا على أن يأتيا ~~كاهنا في جهينة، فيتحاكما إليه، فنزلت هذه ~~الآية. # قال جابر: كانت الطواغيت التي يتحاكمون إليها واحد في ~~جهينة، وواحد في أسلم، وفي كل حي واحد كهان. # وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: نزلت في رجل من ~~المنافقين يقال له: بشر، كان بينه وبين يهودي ~~خصومة، فقال اليهودي: ننطلق إلى محمد، وقال المنافق: ~~بل إلى كعب بن الأشرف، وهو الذي سماه الله طاغوتا، فأبى ~~اليهودي أن يخاصمه إلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فلما رأى المنافق ذلك، أتى معه إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لليهودي، فلما ~~خرجا من عنده، قال المنافق: لا أرضى [بهذا الحكم] فانطلق ~~بنا إلى أبي بكر، فحكم لليهودي، فلم يرض، ذكره الزجاج. # فلزمه المنافق وقال: انطلق بنا إلى عمر، فصار إلى ~~عمر، فقال اليهودي [لعمر] اختصمت أنا وهذا إلى محمد، ~~فقضى [لي] عليه، فلم يرض بقضائه، وزعم أنه يخاصم إليك، ~~فقال عمر: [للمنافق] أكذلك؟ قال: نعم؛ فقال لهما: رويدكما ~~حتى أخرج إليكما. ms2635 فدخل عمر البيت وأخذ السيف واشتمل ~~عليه، ثم خرج، فضرب به المنافق حتى برد، وقال: هكذا ~~أقضي بين من لم يرض بقضاء الله ورسوله، فنزلت هذه ~~الآية. # وقال جبريل - عليه السلام -: إن عمر فرق بين الحق والباطل، ~~فسمي الفاروق. # وقال السدي: كان ناس من اليهود [قد] أسلموا ونافق ~~بعضهم، وكانت قريظة والنضير في الجاهلية، إذا قتل ~~رجل من بني قريظة [رجلا من بني النضير قتل به، أو ~~أخذ ديته مئة وسق من تمر، وإذا قتل رجل من بني النضير رجلا ~~من قريظة لم يقتل به] وأعطى ديته ستين وسقا، وكانت ~~النضير وهم حلفاء الأوس أشرف وأكثر من قريظة، وهم ~~حلفاء الخزرج، فلما جاء الإسلام، وهاجر النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى المدينة قتل رجل من النضير رجلا من ~~قريظة، فاختصموا في ذلك، فقال بنو النضير: كنا وأنتم ~~اصطلحنا على أن نقتل منكم ولا تقتلون منا، وديتكم ~~ستون وسقا، وديتنا مئة وسق، فنحن نعطيكم ذلك. # فقالت الخزرج: هذا شيء كنتم فعلتموه في الجاهلية؛ ~~لكثرتكم وقلتنا فقهرتمونا، ونحن وأنتم اليوم إخوة، ~~وديننا ودينكم واحد، فلا فضل لكم علينا، فقال ~~المنافقون منهم: انطلقوا بنا إلى أبي بردة الكاهن ~~الأسلمي، وقال المسلمون من الفريقين: لا بل إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فأبى المنافقون فانطلقوا إلى أبي بردة ~~ليحكم بينهم، فقال: أعطوا اللقمة، يعني: الخطر، فقالوا: ~~لك عشرة أوسق، فقال: لا بل مئة وسق ديتي، فأبوا أن ~~يعطوه فوق عشرة أوسق، فأبى أن يحكم بينهم، فأنزل ~~الله - تعالى - آيتي القصاص، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم ~~الكاهن إلى الإسلام فأسلم، وعلى هذه الرواية فالطاغوت هو ~~الكاهن. # وقال الحسن: إن رجلا من المسلمين كان له على رجل من ~~المنافقين حق، فدعاه المنافق إلى وثن كان أهل ~~الجاهلية يتحاكمون إليه، ورجل قائم يترجم ~~الأباطيل عن الوثن، فالمراد بالطاغوت؛ هو ذلك الرجل، ~~وقيل: كانوا يتحاكمون إلى الأوثان، وكان طريقهم [أنهم] ~~يضربون القداح بحضرة الوثن، فما خرج على القداح ~~حكموا به، وعلى هذا فالطاغوت الوثن. # قال أبو مسلم: ms2636 ظاهر الآية يدل على أنه كان المخاصم ~~منافقا من أهل الكتاب، كان يظهر الإسلام على سبيل النفاق، ~~لأن قوله - تعالى -: { يزعمون أنهم آمنوا بمآ أنزل ~~إليك ومآ أنزل من قبلك } إنما يليق بمثل هذا المنافق. # قوله: { يريدون } حال من فاعل [ { يزعمون } أو من { ~~الذين يزعمون }. # وقوله: { وقد أمروا } حال من فاعل] { يريدون } فهما حالان ~~متداخلان، { أن يكفروا } في محل نصب فقط إن قدرت ~~تعدية " أمر " إلى الثاني بنفسه، وإلا ففيها الخلاف ~~المشهور، والضمير في [به] عائد على الطاغوت، وقد تقدم ~~أنه يذكر ويؤنث، والكلام عليه في البقرة. # وقرأ عباس بن الفضل: " أن يكفروا بهن " ، بضمير جمع التأنيث. # فصل # قال القاضي: يجب أن يكون التحاكم إلى الطاغوت كالكفر، ~~وعدم الرضى [بحكم] محمد - عليه السلام - كفر؛ لوجوه: # أحدها: قوله: { يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ~~وقد أمروا أن يكفروا به } فجعل التحاكم [إلى ~~لطاغوت] مقابلا للكفر به، وهذا يقتضي أن التحاكم إلى ~~الطاغوت كفر بالله، كما أن الكفر بالطاغون إيمان بالله. # ثانيها: قوله - [تعالى] -: # فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما ~~قضيت ويسلموا تسليما # [النساء: 65] وهذا نص في تكفير من لم يرض بحكم الرسول - ~~عليه الصلاة والسلام -. # وثالثها: قوله - تعالى -: # فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم ~~فتنة أو يصيبهم عذاب أليم # [النور: 63] وهذه الآيات تدل على أن من رد شيئا من أوامر ~~الله والرسول فهو خارج عن الإسلام، سواء رده من جهة ~~الشرك أو من جهة التمرد، وذلك يوجب صحة ما ذهبت ~~إليه الصحابة - رضي الله عنهم - من الحكم بارتداد مانعي ~~الزكاة، وقتلهم، وسبي ذراريهم. # قوله: { أن يضلهم ضلالا بعيدا } في { ضلالا } ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنه مصدر على غير المصدر، نحو: # أنبتكم من الأرض نباتا # [نوح: 17]، والأصل " إضلالا " و " إنباتا " فهو [اسم] مصدر لا ~~مصدر. # والثاني: أنه مصدر لمطاوع { أضل } أي: أضلهم فضلوا ~~ضلالا. # والثالث: أن يكون من وضع أحد المصدرين موضع الآخر. # فصل # قالت المعتزلة: قوله - تعالى -: { ويريد الشيطان أن ~~يضلهم ضلالا ms2637 بعيدا } يدل على أن كفر الكافر ليس ~~بخلق [الله - تعالى -] ولا بإرادته؛ لأنه لو خلق الكفر في ~~الكافر وأراده منه، فأي تأثير للشيطان فيه، وأيضا فإنه ~~ذم للشيطان؛ بسبب أنه يريد هذه الضلالة، فلو كان - تعالى - ~~مريدا لها، لكان هو بالذم أولى، لأن [كل] من عاب شيئا ~~ثم فعله، كان بالذم أولى به؛ قال - تعالى -: # كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون # [الصف: 3] وأيضا فإنه تعجب من تحاكمهم إلى الطاغوت، مع ~~أنهم أمروا أن يكفروا به، ولو كان ذلك التحاكم بخلق ~~الله، لما بقي التعجب، فإنه يقال: إنك خلقت ذلك الفعل ~~فيهم، وأردته منهم، بل التعجب من هذا التعجب [هو] أولى. ~~وجوابهم المعارضة بالعلم والداعي. ### || [4.61] # لما بين - [تعالى] - رغبتهم في التحاكم إلى الطاغوت [بين] ~~نفرتهم عن التحاكم إلى الرسول، وقد تقدم الكلام على { ~~تعالوا } في آل عمران. # قوله: { رأيت } فيها وجهان: # أحدهما: [أنها من رؤية البصر، أي: مجاهرة وتصريحا]. # [والثاني: ] أنها من رؤية القلب، أي علمت؛ ف { يصدون } ~~في محل نصب على الحال على القول الأول، وفي محل ~~المفعول الثاني على الثاني. # وقوله: { صدودا } فيه وجهان: # أحدهما: أنه اسم مصدر، والمصدر إنما هو الصد، وهذا ~~اختيار ابن عطية، وعزاه مكي للخليل بن أحمد. # والثاني: أنه مصدر بنفسه؛ يقال: صد صدا وصدودا، وقال ~~بعضهم: الصدود مصدر صد اللازم، والصد مصدر صد ~~المتعدي، نحو: # فصدهم عن السبيل # [النمل: 24] والفعل هنا متعد بالحرف لا بنفسه، فلذلك جاء ~~مصدره على " فعول "؛ لأن " فعولا " غالبا اللازم، وهذا فيه ~~نظر؛ إذا لقائل أن يقول: هو هنا متعد، غاية ما فيه أنه ~~حذف المفعول، أي: يصدون غيرهم، أو المتحاكمين عنك ~~صدودا، وأما " فعول " فجاء في المتعدي، نحو: لزمه ~~لزوما، وفتنه فتونا. # ومعنى الآية: يعرضون عنك، وذكر المصدر للتأكيد والمبالغة؛ كأنه ~~قال: صدودا أي صدود. ### || [4.62-63] # في اتصال هذه الآية بما قبلها وجهان: # الأول أنه اعتراض، وما قبل الآية متصل بما بعدها، ~~والتقدير: وإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى ~~الرسول رأيت المنافقين ms2638 يصدون عنك صدودا، ثم جاءوك ~~يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا، يعني: أنهم ~~في أول الأمر يصدون عنك، ثم بعد ذلك يجيئونك، ويحلفون ~~بالله كذبا أنهم ما أرادوا بذلك إلا الإحسان ~~والتوفيق، وشرط الاعتراض أن يكون له تعلق بذلك الكلام من ~~بعض الوجوه؛ كقوله: [السريع] # 1818- إن الثمانين وبلغتها # قد أحوجت سمعي إلى ترجمان # فقوله: " وبلغتها " [كلام] أجنبي اعترض به، لكنه دعاء ~~للمخاطب، وتلطف في القول معه، وكذلك الآية؛ لأن أول ~~الآية وآخرها في شرح قبائح المنافقين وكيدهم ومكرهم، فإنه ~~- تعالى - حكى عنهم أنهم يتحاكمون إلى الطاغوت، مع أنهم ~~أمروا بالكفر به، ويصدون عن الرسول، مع أنهم أمروا ~~بطاعته، فذكر هنا ما يدل على شدة الأهوال عليهم؛ بسبب ~~هذه الأعمال القبيحة في الدنيا والآخرة، فقال: { فكيف ~~إذآ أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم } أي: ~~فكيف حال تلك الشدة وحال تلك المصيبة، قاله الحسن ~~البصري، وهو اختيار الواحدي. # الثاني: أنه - تعالى - لما حكى عنهم تحاكمهم إلى الطاغوت، ~~وفرارهم من الرسول - عليه الصلاة والسلام - دل ذلك على شدة ~~نفرتهم من الحضور عند رسول الله والقرب منه، فلما ذكر ~~ذلك، قال: { فكيف إذآ أصابتهم مصيبة بما قدمت ~~أيديهم } يعني: إذا كانت نفرتهم من الحضور عند الرسول في ~~أوقات السلامة هكذا، فكيف يكون حالهم في النفرة في ~~شدة الغم والحزن، إذا أتوا بجناية خافوا بسببها منك، ~~ثم جاءوك شاءوا أم أبوا، ويحلفون بالله كذبا ما أردنا ~~بتلك الجناية إلا الخير والمصلحة، والغرض من هذا الكلام: ~~بيان أن نفرتهم عن الرسول لا غاية لها سواء غابوا أم ~~حضروا، ثم إنه - تعالى - أكد هذا المعنى بقوله: { أولئك ~~الذين يعلم الله ما في قلوبهم } ومعناه: أن من أراد ~~المبالغة في شيء، قال: هذا شيء لا يعلمه إلا الله يعني: ~~لكثرته وقوته لا يقدر أحد على معرفته إلا الله - ~~[تعالى] -. # قوله: { فكيف } يجوز فيها وجهان: # أحدهما: أنها في محل نصب، وهو قول الزجاج؛ قال: تقديره: ~~فكيف تراهم؟ # والثاني: أنها في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، أي: فكيف ~~صنيعهم في ms2639 وقت إصابة المصيبة إياهم؛ وإذا معمولة لذلك ~~المقدر بعد كيف، والباء في " بها " للسببية، و " ما " ~~يجوز أن تكون مصدرية أو اسمية، والعائد محذوف. # فصل في المقصود بالمصيبة في الآية # قال الزجاج: [المراد] بالمصيبة: قتل صاحبهم الذي أقر ~~أنه لا يرضى بحكم الرسول - عليه الصلاة والسلام -، جاءوا ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم وطالبوا عمر به، وحلفوا أنهم ~~ما أرادوا بالذهاب إلى غير الرسول إلا الخير والمصلحة. # وقال الجبائي: المراد ب " المصيبة " هنا: ما أمر الله - ~~تعالى - نبيه من أنه لا يستصحبهم في الغزوات، وأنه ~~يخصهم بمزيد الإذلال والطرد عن حضرته، وهو قوله -تعالى -: # لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم ~~مرض # [الأحزاب: 60]، إلى قوله: # وقتلوا تقتيلا # [الأحزاب: 61]، وقوله: # لن تخرجوا معي أبدا # [التوبة: 83]، وهذا يوجب لهم الذل العظيم، وإنما أصابهم ذلك ~~لأجل نفاقهم. # وقوله: " ثم جاءوك " أي: وقت المصيبة يحلفون ويعتذرون، وأنا ~~ما أردنا بما كان منا إلا الإصلاح، وكانوا كاذبين؛ لأنهم ~~أضمروا خلاف ما أظهروه. # وقال أبو مسلم: إنه - تعالى - لما أخبر عن المنافقين، ~~ورغبتهم في حكم الطاغوت، وكراهتهم في حكم الرسول - عليه ~~الصلاة والسلام - أنه سيصيبهم مصائب تلجئهم إليه وإلى أن ~~يظهروا الإيمان له، ويحلفون أن مرادهم الإحسان ~~والتوفيق، قال: ومن عادة العرب عند التبشير والإنذار أن ~~يقولوا: كيف أنت إذا كان كذا وكذا؛ ومثله قوله - تعالى -: # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد # [النساء: 41] وقوله: # فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه # [آل عمران: 25]، ثم أمره - تعالى - إذا كان منهم ذلك، أن يعرض ~~عنهم ويعظهم. # وقال غيره: المراد ب " المصيبة ": كل مصيبة تصيب المنافقين ~~في الدنيا والآخرة. # قال القرطبي: وقيل: إن قوله - تعالى -: { فكيف إذآ ~~أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم } نزل في شأن ~~الذين بنوا مسجد الضرار، فلما أظهر الله - تعالى - ~~نفاقهم، وأمرهم بهدم المسجد - حلفوا للرسول صلى الله ~~عليه وسلم دفاعا عن أنفسهم: ما أردنا ببناء المسجد إلا طاعة ~~الله وموافقة الكتاب. # قوله: " يحلفون " حال من فاعل جاءوك، و " إن " نافية، أي: ما ~~أردنا و ms2640 " إحسانا " مفعول به، أو استثناء على حسب ~~القولين في المسألة. # فصل في تفسير الإحسان # والمراد ب " الإحسان " قيل: ما أردنا بالتحاكم إلى غير ~~الرسول إلا الإحسان إلى خصومنا، واستدامة الاتفاق ~~والائتلاف بيننا. # وقيل: ما أردنا بالتحاكم إلى عمر، إلا أنه يحسن إلى ~~صاحبنا بالحكم والعدل، والتوفيق بينه وبين خصمه، وما ~~خطر ببالنا أنه يحكم له بما حكم. وقيل: ما أردنا ~~بالتحاكم إلى غيرك، إلا أنك لا تحكم إلا بالحق، وغيرك ~~يوفق بين الخصمين، ويأمر كل واحد بما ذكرنا ويقرب ~~مراده من مراد صاحبه حتى تحصل الموافقة بينهما. # وقال الكلبي: " إلا إحسانا " في القول " وتوفيقا " صوابا. # وقال ابن كيسان: حقا وعدلا؛ نظيره: # وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى # [التوبة: 107]، وقيل: هو تقريب الأمر من الحق، لا القضاء على ~~أمر الحكم. # ثم قال: { أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم } أي: من النفاق ~~والغيظ والعداوة. ثم قال: " فأعرض عنهم " وهذا يفيد أمرين: # الأول: أن لا يقبل منهم العذر ويصبر على سخطه، فإن من ~~لا يقبل العذر فقد يوصف بأنه معرض عنه، غير ملتفت ~~إليه. # الثاني: أن هذا يجري مجرى قوله: اكتف بالإعراض ولا تهتك ~~سترهم، ولا تظهر لهم علمك بما في بواطنهم، فإن من هتك ~~ستر عدوه وأظهر علمه بما في قلبه، فربما يجرئه ألا ~~يبالي بإظهار العداوة، فيزداد الشر، وإذا تركه على ~~حاله، بقي في خوف ووجل فيقل الشر. # ثم قال: " وعظهم " أي: ازجرهم عن النفاق والمكر والمكيدة ~~والحسد والكذب، وخوفهم بعقاب الله - تعالى - في الآخرة، ~~كما قال - تعالى -: # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ~~الحسنة # [النحل: 125]. # ثم قال - تعالى -: { فقل لهم في أنفسهم قولا بليغا }. # قوله تعالى: " في أنفسهم " فيه أوجه: # الأول: أن يتعلق ب " قل " ، وفيه معنيان: # الأول: قل لهم خاليا لا يكون معهم أحد؛ لأن ذلك أدعى إلى قبول ~~النصيحة. # الثاني: قل لهم في معنى أنفسهم المنطوية على النفاق قولا يبلغ بهم ما ~~يزجرهم عن العود إلى النفاق. # الثالث من الأوجه: أن يتعلق ب " بليغا " ، أي قولا مؤثرا في ms2641 قلوبهم ~~يغتمون به اغتماما، ويستشعرون به استشعارا. قال معناه الزمخشري، ورد ~~عليه أبو حيان بأن هذا مذهب الكوفيين؛ إذ فيه تقديم معمول ~~الصفة على الموصوف، لو قلت: " جاء زيدا رجل يضرب " ، ~~لم يجز عند البصريين لأنه لا يتقدم المعمول إلا حيث يجوز ~~تقديم العامل، والعامل هنا لا يجوز تقديمه؛ لأن الصفة ~~لا تتقدم على الموصوف، والكوفيون يجيزون تقديم معمول ~~الصفة على الموصوف، وأما قول البصريين: إنه لا يتقدم ~~المعمول إلا حيث يتقدم العامل فيه بحث؛ وذلك أنا وجدنا ~~هذه القاعدة منخرمة في نحو قوله: # فأما اليتيم فلا تقهر وأما السآئل فلا تنهر # [الضحى: 9، 10] ف " اليتيم " معمول ل " تقهر " و " السائل " ~~معمول ل " تنهر " ، وقد تقدما على " لا " الناهية والعامل ~~فيهما لا يجوز تقديمه عليهما؛ إذا المجزوم لا يتقدم على ~~جازمه، فقد تقدم المعمول حيث لا يتقدم العامل. # وكذلك قالوا في قوله: [الطويل] # 1819- قنافذ هداجون حول بيوتهم # بما كان إياهم عطية عودا # خرجوا هذا البيت على أن في " كان " ضمير الشأن، و " ~~عطية " مبتدأ و " عود " خبره حتى لا يلي " كان " معمول ~~خبرها، وهو غير ظرف ولا شبهه، فلزمهم من ذلك تقديم ~~المعمول، وهو " إياهم " حيث لا يتقدم العامل؛ لأن الخبر ~~متى كان فعلا رافعا لضمير مستتر، امتنع تقديمه على ~~المبتدأ، لئلا يلتبس بالفاعل، نحو: زيد ضرب عمرا، وأصل ~~منشأ هذا البحث تقديم خبر " ليس " عليها، أجازه الجمهور؛ ~~لقوله - تعالى -: # ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم # [هود: 8] ووجه الدليل أن " يوم " معمول ل " مصروفا " وقد ~~تقدم على " ليس " ، وتقديم المعمول يؤذن بتقديم العامل، ~~فعورضوا بما ذكرنا. # فصل في تفسير القول البليغ # قيل المراد ب " القول البليغ ": التخويف بالله - عز وجل ~~-، وقيل: توعدهم بالقتل إن لم يتوبوا. # وقال الحسن: القول البليغ أن يقول لهم: إن أظهرتم ما في ~~قلوبكم من النفاق، قتلتم؛ لأنه يبلغ في نفوسهم كل ~~مبلغ. # وقال الضحاك: " فأعرض عنهم وعظهم " في الملأ [الأعلى]، { ~~وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا } في السر والخلاء. # وقيل: هذا منسوخ بآية القتال. ### || [4.64] # لما ms2642 أمر - [تعالى] - بطاعة الرسول في الآية الأولى، رغب في هذه ~~الآية مرة أخرى. # قال الزجاج: كلمة " من " ههنا صلة زائدة، والتقدير: ~~وما أرسلنا رسولا. # قوله: " ليطاع " هذه لام كي، والفعل بعدها منصوب بإضمار " ~~أن " ، وهذا استثناء مفرغ من المفعول له، والتقدير: ~~وما أرسلنا من رسول لشيء من الأشياء إلا للطاعة. # و " بإذن الله ". فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه يتعلق ب { ليطاع } والباء للسببية، وإليه ~~ذهب أبو البقاء؛ قال: وقيل: مفعول به، أي: بسبب أمر ~~الله. # الثاني: أن يتعلق ب " أرسلنا " أي: وما أرسلنا بأمر الله، أي: ~~بشريعته. # الثالث: أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من الضمير في " يطاع " ~~وبه بدأ أبو البقاء. # وقال ابن عطية: وعلى التعليقين؛ أي: تعليقه ب " يطاع " أو ~~ب " أرسلنا " ، فالكلام عام واللفظ خاص، المعنى لأنا نقطع ~~أن الله قد أراد من بعضهم ألا يطيعوه، ولذلك تأول ~~بعضهم الإذن بالعلم، وبعضهم بالإرشاد. # قال أبو حيان: ولا يحتاج لذلك؛ لأن قوله عام اللفظ ~~ممنوع؛ وذلك أن " يطاع " مبني للمفعول فيقدر ذلك الفاعل ~~المحذوف خاصا، وتقديره: إلا ليطيعه من أراد [الله] طاعته. # فصل # قال الجبائي: معنى الآية: وما أرسلنا من رسول إلا وأنا ~~مريد، أن يطاع ويصدق، ولم أرسله ليعصى، [و] وهذا يدل ~~على بطلان مذهب المجبرة؛ لأنهم يقولون: إنه - تعالى - ~~أرسل رسلا لتعصى، والعاصي من المعلوم أنه يبقى على ~~الكفر، وقد نص الله - تعالى - على كذبهم في هذه الآية، وكان ~~يجب على قولهم أن يكون قد أرسل الرسل ليطاعوا ~~وليعصوا جميعا، فدل ذلك على أن معصيتهم للرسل غير ~~مرادة لله - تعالى -، وأنه ما أراد إلا أن يطاع. # والجواب من وجوه: # الأول: أن قوله: " إلا ليطاع " يكفي في تحقيق مفهومه أن يطيعه ~~مطيع واحد، لا أن يطيعه جميع الناس في جميع الأوقات، وعلى ~~هذا فنحن نقول بموجبه؛ وهو [أن] كل ما أرسله الله - تعالى، ~~فقد أطاعه بعض الناس في بعض الأوقات، اللهم إلا أن ~~يقال: تخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي الحكم هما ~~عداه، والجبائي لا يقول بذلك، ms2643 فسقط هذا الإشكال. # الثاني: يجوز أن يكون المراد به: أن كل كافر لا بد وأن ~~يقر [به] عند موته؛ لقوله - تعالى -: # وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل ~~موته # [النساء: 159] أو يحمل ذلك على إيمان الكل بهم يوم القيامة، ~~ومن المعلوم أن الوصف في جانب الثبوت، يكفي في حصول ~~مسماه في بعض الصور وفي بعض الأحوال. # الثالث: أن العلم بعدم الطاعة مع وجود الطاعة ~~متضادان، [والضدان] لا يجتمعان، وذلك العلم ممتنع ~~العدم، فكانت ممتنعة الوجود، والله عالم بجميع ~~المعلومات، فكان عالما بكون الطاعة ممتنعة الوجود، ~~والعالم بكون الشيء ممتنع الوجود لا يكون مريدا له؛ فثبت ~~بهذا البرهان القاطع أن يستحيل أن يريد الله من الكافر ~~كونه مطيعا، فوجب تأويل هذه اللفظة؛ بأن يكون المراد من ~~الكلام ليس الإرادة بل الأمر، والتقدير: وما أرسلنا من ~~رسول إلا ليؤمر الناس بطاعته. # فصل # استدلوا بهذه الآية على أنه لا يوجد شيء من الخير ~~والشر؛ والكفر والإيمان، والطاعة والعصيان، إلا بإرادة ~~الله؛ لقوله: { إلا ليطاع بإذن الله } ولا يمكن أن يكون المراد من ~~هذا الإذن: الأمر والتكليف؛ لأنه لا معنى لكونه رسولا ~~إلا أن الله - تعالى - أمر بطاعته، فلو كان [المراد] من الإذن ~~هذا لصار التقدير: وما أذنا في طاعة من أرسلناه إلا ~~بإذننا، وهو تكرار قبيح؛ فوجب حمل الإذن على التوفيق ~~والإعانة، فيصير التقدير: وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع ~~بتوفيقنا وإعانتنا، وهذا تصريح بأنه - تعالى - ما أراد من ~~الكل طاعة الرسول، بل لا يريد ذلك [إلا من الذي وفقه ~~الله لذلك وهم المؤمنون، فما من لم يوفقه، فلله - تعالى - ~~ما أراد ذلك منهم]. # فصل # دلت هذه الآية على أن الأنبياء - [عليهم الصلاة والسلام] - ~~معصومون عن الذنوب؛ لأنها دلت على وجوب طاعتهم مطلقا، ~~فلو أتوا بمعصية، لوجب الاقتداء بهم في تلك المعصية، ~~فتصير واجبة علينا، وكونها معصية يجب كونها محرمة ~~علينا، فيلزم توارد الإيجاب والتحريم على الشيء ~~الواحد، وهو محال. # فإن قيل: ألستم في الاعتراض على الجبائي ذكرتم أن قوله: " ~~إلا ليطاع ms2644 " لا يفيد العموم، فكيف تمسكتم به في هذه ~~المسألة، مع أن [هذا] الاستدلال لا يتم إلا مع القول ~~بأنها تفيد العموم. # فالجواب: ظاهر [هذا] اللفظ يوهم العموم، وإنما تركناه في ~~تلك المسألة؛ للدليل القاطع الذي ذكرناه، على أنه ~~يستحيل منه - تعالى - أن يريد الإيمان من الكافر، فلأجل ذلك ~~المعارض القاطع صرفنا الظاهر عن العموم، وليس ههنا ~~برهان قاطع عقلي يوجب القدح في عصمة الأنبياء - عليهم ~~السلام -، فظهر الفرق. # قوله: " ولو أنهم " قد تقدم الكلام على " أن " الواقعة بعد " لو ~~" ، و " إذ " ظرف معمول لخبر " أن " وهو " جاءك " ، وقال: { ~~واستغفر لهم الرسول } ، ولم يقل: واستغفرت، خروجا من الخطاب ~~إلى الغيبة، لما في هذا الاسم الظاهر من التشريف بوصف ~~الرسالة، إجلالا للرسول - عليه السلام - و " وجد " هنا ~~يحتمل أن تكون العلمية، فتتعدى لاثنين والثاني: " ~~توابا " ، وأن تكون غير العلمية، فتتعدى لواحد، ويكون " توابا ~~" حالا، وأما " رحيما " فيحتمل أن يكون حالا من ضمير " توابا ~~" [وأن يكون بدلا من توابا] ويحتمل أن يكون خبرا ثانيا في ~~الأصل، بناء على تعدد الخبر وهو الصحيح، فلما دخل ~~الناسخ، نصب الخبر المتعدد، تقول: زيد فاضل شاعر ~~فقيه عالم، ثم تقول: علمت زيدا فاضلا شاعرا فقيها ~~عالما، إلا أنه لا يحسن أن يقال هنا: شاعرا: مفعول ثالث، ~~وفقيها [مفعول] رابع، وعالما: خامس. # فصل: سبب نزول الآية # في سبب النزول وجهان: # الأول: أن من تقدم ذكره مع المنافقين، عندما ظلموا ~~أنفسهم بالتحاكم إلى الطاغوت، والفرار من التحاكم إلى ~~رسول الله - [صلى الله عليه وسلم]، [لو جاءوا] للرسول، وأظهروا ~~الندم على ما فعلوه، وتابوا عنه واستغفروا عنه، ~~واستغفر لهم الرسول بأن يسأل الله أن يغفر لهم، وجدوا ~~الله توابا رحيما. # الثاني: قال الأصم: # " إن قوما من المنافقين اتفقوا على كيد الرسول - عليه ~~الصلاة والسلام -، ثم دخلوا عليه لأجل [ذلك الغرض، فأتاه ~~جبريل - عليه السلام - فأخبره به، فقال صلى الله عليه وسلم: إن ~~قوما] دخلوا يريدون أمرا لا ينالونه، فليقوموا ~~وليستغفروا الله حتى أستغفر لهم، فلم يقوموا، فقال: ~~ألا تقومون؛ فلم ms2645 يفعلوا، فقال صلى الله عليه وسلم: قم يا ~~فلان، قم يا فلان، حتى عد اثني عشر رجلا منهم، ~~فقاموا وقالوا: كنا عزمنا على ما قلت، ونحن نتوب إلى ~~الله من ظلمنا أنفسنا، فاستغفر لنا. # فقال: الآن اخرجوا، أنا كنت في بدء الأمر أقرب إلى ~~الاستغفار، وكان الله أقرب إلى الإجابة، اخرجوا عني ~~". # فإن قيل: أليس لو استغفروا الله وتابوا على وجه ~~[صحيح]، لكانت توبتهم مقبولة، فما فائدة ضم ~~استغفار الرسول إلى استغفارهم؟ # فالجواب من وجوه: # أحدها: أن ذلك التحاكم إلى الطاغوت كان مخالفة لحكم ~~الله - تعالى -، وكان إساءة للرسول - عليه السلام - وإدخالا ~~للغم في قلبه، ومن كان ذنبه كذلك، وجب عليه ~~الاعتذار عن ذلك لغيره؛ فلهذا المعنى وجب عليهم إظهار ~~طلب الاستغفار [من الرسول]. # ثانيها: أنهم لما لم يرضوا بحكم الرسول - عليه السلام -، ~~ظهر منهم التمرد، فإذا نابوا، وجب عليهم أن يفعلوا ما ~~يزيل عنهم ذلك التمرد؛ بأن يذهبوا إلى الرسول ويطلبوا ~~منه الاستغفار. # وثالثها: أنهم إذا أتوا بالتوبة أتوا بها على وجه خلل، فإذا ~~انضم إليها استغفار الرسول، صارت محققة القبول، ~~وهذه الآية تدل على أن الله - تعالى - يقبل التوبة؛ ~~لقوله: { لوجدوا الله توابا رحيما }. ### || [4.65] # في سبب النزول قولان: # الأول: قال عطاء ومجاهد والشعبي: نزلت في قصة المنافق ~~واليهودي اللذين اختصما إلى عمر. # الثاني: روي عن عروة بن الزبير؛ # " أنه خاصم رجلا من الأنصار قد شهد بدرا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في شراج من الحرة، وكانا يسقيان به كلاهما، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير: اسق يا زبير، ثم ~~أرسل إلى جارك، فغضب الأنصاري، وقال: أن كان ابن ~~عمتك؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال ~~للزبير: اسق ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر " # واعلم [أن الحكم] أن من كان أرضه أقرب إلى فم الوادي، فهو ~~أولى [بأول] الماء، وحقه تمام السقي، فالرسول عليه ~~الصلاة والسلام أذن للزبير في السقي على وجه المسامحة ~~[ابتداء]، فلما أساء خصمه الأدب، ولم ms2646 يعرف حق ما أمره به ~~الرسول - عليه الصلاة والسلام - من المسامحة لأجله، أمره ~~النبي - عليه السلام - باستيفاء حقه على التمام، وحمل ~~خصمه على مر الحق. # قال عروة بن الزبير: [أحسب هذه الآية نزلت في ذلك، وروي أن ~~الأنصاري الذي خاصم الزبير] كان اسمه حاطب بن [أبي] ~~بلتعة، فلما خرجا مر على المقداد. فقال: لمن كان القضاء ~~فقال الأنصاري: قضى لابن عمته، ولوى شدقيه، ففطن ~~له يهودي كان مع المقداد، فقال: قاتل الله هؤلاء، ~~يشهدون أنه رسول الله ثم يتهمونه في قضاء يقضي ~~بينهم، وأيم الله لقد أذنبنا ذنبا مرة في حياة ~~موسى - عليه الصلاة والسلام - فدعانا موسى إلى التوبة منه، ~~فقال: فاقتلوا أنفسكم ففعلنا، فبلغ قتلانا سبعين ألفا في ~~طاعة ربنا، حتى رضي عنا. فقال ثابت بن قيس بن شماس: ~~أما والله إن الله ليعلم مني الصدق، ولو أمرني محمد ~~أن أقتل نفسي، لفعلت، فأنزل الله في شأن حاطب بن أبي ~~بلتعة هذه الآية. # قوله: { فلا وربك لا يؤمنون } فيه أربعة أقوال: # أحدها: وهو قول ابن جرير: أن " لا " الأولى رد لكلام ~~تقدمها، تقديره: فلا تعقلون، أو ليس الأمر كما يزعمون ~~من أنهم آمنوا بما أنزل إليك، وهم يخالفون حكمك، ثم ~~استأنف قسما بعد ذلك، فعلى هذا يكون الوقف على " لا " ~~تاما. # الثاني: أن " لا " الأولى قدمت على القسم اهتماما بالنفي، ~~ثم [كررت] توكيدا للنفي، وكان يصح إسقاط الأولى، ويبقى ~~معنى النفي، ولكن تفوت الدلالة على الاهتمام المذكور، ~~[وكان يصح إسقاط الثانية ويبقى معنى الاهتمام، ولكن] ~~تفوت الدلالة على النفي، فجمع بينهما لذلك. # الثالث: أن الثانية زائدة، والقسم معترض بين حرفي ~~النفي والمنفي، وكان التقدير: فلا يؤمنون وربك. # الرابع: أن الأولى زائدة، والثانية غير زائدة، وهو اختيار ~~الزمخشري؛ فإنه قال: " لا " مزيدة لتأكيد معنى القسم؛ كما ~~زيدت في # لئلا يعلم # [الحديد: 29] لتأكيد وجوب العلم، و " لا يؤمنون " جواب القسم. # فإن قلت: هلا زعمت أنها زائدة لتظاهر لا في لا يؤمنون؟. # قلت: يأبى ذلك استواء النفي والإثبات فيه؛ [وذلك لقوله: # فلا ms2647 أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون إنه ~~لقول رسول كريم # [الحاقة: 38-40] يعني: أنه قد جاءت " لا " قبل القسم؛ حيث لم ~~تكن " لا " موجودة في الجواب]، فالزمخشري يرى: أن " لا " في ~~قوله - تعالى -: # فلا أقسم بما تبصرون # [الحاقة: 38] أنها زائدة أيضا لتأكيد معنى القسم، وهو أحد ~~القولين. # والقول الآخر: كقول الطبري المتقدم؛ ومثل الآية في ~~التخاريج المذكورة قول الآخر: [الوافر] # 1820- فلا والله لا يلفى لما بي # ولا للما بهم أبدا دواء # قوله: " حتى يحكموك " غاية متعلقة بقوله: " لا يؤمنون " أي: ~~ينتفي عنهم الإيمان إلى هذه الغاية، وهي تحكيمك وعدم ~~وجدانهم الحرج، وتسليمهم لأمرك، والتفت في قوله: " وربك " من ~~الغيبة في قوله: واستغفر لهم [الرسول] رجوعا إلى قوله: # ثم جآءوك # [النساء: 62]. # قوله: { شجر } قرأ أبو السمال: " شجر " بسكون الجيم هربا ~~من توالي الحركات، وهي ضعيفة؛ لأن الفتح أخو السكون، و " ~~بينهم " ظرف منصوب ب { شجر } ، هذا هو الصحيح. # وأجاز أبو البقاء فيه: أن يكون حالا، وجعل في صاحب هذه الحال ~~احتمالين: # أحدهما: أن يكون حالا من " ما " الموصولة. # والثاني: أنه حال من فاعل { شجر } وهو نفس الموصول أيضا في ~~المعنى، فعلى هذا يتعلق بمحذوف. # فصل في معنى التشاجر # يقال: شجر يشجر شجورا وشجرا: إذا اختلف واختلط، ~~وشاجره: إذا نازعه، وذلك لتداخل [الكلام بعضه في بعض عند ~~المنازعة، ومنه يقال لخشبات الهودج: شجار]، لتداخل بعضها في بعض. # قال أبو مسلم: وهو مأخوذ عندي من التفاف الشجر؛ فإن الشجر ~~يتداخل بعض أغصانه في بعض. # قوله { ثم لا يجدوا } عطف على ما بعد " حتى " ، و " يجدوا " ~~يحتمل أن تكون المتعدية لاثنين [فيكون الأول: " حرجا " ، ~~والثاني: الجار قبله، فيتعلق بمحذوف، وأن تكون المتعدية ~~لواحد] فيجوز في { في أنفسهم } وجهان: # أحدهما: أنه متعلق ب { يجدوا } تعلق الفضلات. # والثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من { حرجا }؛ لأن ~~صفة النكرة لما قدمت عليها انتصبت حالا. # قوله { مما قضيت } فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق بنفس { حرجا }؛ لأنك تقول: خرجت من ~~كذا. # والثاني: أنه متعلق بمحذوف فهو في محل ms2648 نصب؛ لأنه صفة ل ~~{ حرجا } ، و " ما " يجوز أن تكون مصدرية [وأن تكون بمعنى ~~الذي، أي: حرجا من قضائك، أو من الذي قضيته]، وأن تكون ~~[نكرة] موصوفة، فالعائد على هذين القولين محذوف. # فصل # أقسم الله - تعالى - على أنهم لا يصيرون مؤمنين إلا عند ~~شرائط: # أولها: { حتى يحكموك فيما شجر بينهم } ، وهذا ~~يدل على أن من لم يرض بحكم الرسول، - [عليه الصلاة ~~والسلام] - لا يكون مؤمنا. # وثانيها: قوله: { ثم لا يجدوا [في أنفسهم] حرجا ~~مما قضيت }. # قال الزجاج: لا تضيق صدورهم من أقضيتك، وقال مجاهد: شكا، ~~وقال الضحاك: إثما، أي: يأثمون بإنكارهم. # وثالثها: قوله: { ويسلموا تسليما } أي: ينقادوا للأمر ~~كحال الانقياد، واعلم أن قوله: { ثم لا يجدوا في ~~أنفسهم حرجا مما قضيت } المراد منه: الانقياد في ~~الباطن، وقوله { ويسلموا تسليما } المراد منه: ~~الانقياد في الظاهر، والحرج على ثلاثة أوجه: # الأول: بمعنى الشك؛ كهذه الآية، [و] مثله: # فلا يكن في صدرك حرج # [الأعراف: 2] أي: شك. # والثاني: بمعنى الضيق؛ قال - تعالى -: # وما جعل عليكم في الدين من حرج # [الحج: 78] أي ضيق. # الثالث: بمعنى الإثم؛ قال: - تعالى -: # ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ~~ينفقون حرج # [التوبة: 91] أي: إثم. # فصل في عصمة الأنبياء # دلت هذه الآية على عصمة الأنبياء - عليهم السلام - عن الخطإ ~~في الفتاوى والأحكام؛ لأنه - تعالى - أوجب الانقياد ~~لحكمهم، وبالغ في ذلك الإيجاب، وبين أنه لا بد من حصول ~~الانقياد في الظاهر والقلب، وذلك ينفي صدور الخطإ ~~عنهم، فدل ذلك على أن قوله: # عفا الله عنك لم أذنت لهم # [التوبة: 43]، وفتواه في أسرى بدر، وقوله: # لم تحرم مآ أحل الله لك # [التحريم: 1]، وقوله: # عبس وتولى # [عبس: 1] كل ذلك محمول على التأويل. # فصل # قالت المعتزلة: لو كانت الطاعات والمعاصي بقضاء الله - تعالى ~~- لزم التناقض؛ لأن الرسول إذا حكم على إنسان بأنه لا ~~يفعل كذا، وجب على جميع المكلفين الرضا بذلك؛ لأنه قضاء ~~الرسول، والرضى بقضاء الرسول واجب [لهذه الآية، ثم إن ذلك ~~المكلف فعل ذلك بقضاء الله، والرضا بقضاء الله واجب] ms2649 ~~فيلزم أن يجب على جميع المكلفين الرضا بذلك الفعل، ~~لأنه قضاء الله، فوجب أن يلزمهم الرضا بالفعل والترك ~~معا، وذلك محال. # والجواب: أن المراد من قضاء الرسول: الفتوى بالإيجاب ~~والمراد من قضاء الله: التكوين والإيجاد، وهما مفهومان ~~متغايران، فالجمع بينهما لا يفضي إلى التناقض. ### || [4.66-68] # هذه الآية متصلة بما تقدم من المنافقين، وترغيب لهم في ~~ترك النفاق، والمعنى: أنا لو شددنا التكليف على ~~الناس؛ نحو أن نأمرهم بالقتل، والخروج عن الأوطان، ~~لصعب ذلك عليهم ولما فعله إلا قليل، وحينئذ يظهر كفرهم، ~~فلم نفعل ذلك رحمة منا على عبادنا، بل اكتفينا ~~بتكليفهم في الأمور السهلة، فليقبلوها وليتركوا ~~التمرد. # نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، ناظر يهوديا. فقال ~~اليهودي: إن موسى أمرنا بقتل أنفسنا ففعلنا ذلك، ~~ومحمد يأمركم بالقتال فتكرهونه. فقال ثابت بن قيس: لو أن ~~محمدا أمرني بقتل نفسي، لفعلت ذلك فنزلت الآية، وهو من ~~القليل الذي استثنى الله. # وقال الحسن ومقاتل: لما نزلت هذه الآية، # " قال عمر، وعمار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود، وناس من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم القليل: والله لو أمرنا ~~لفعلنا، فالحمد لله الذي عافانا الله فبلغ ذلك النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فقال " إن من أمتي لرجالا، الإيمان أثبت ~~في قلوبهم من الجبال الرواسي " ". # والضمير في قوله: { كتبنا عليهم } فيه قولان: # الأول: قال ابن عباس ومجاهد: إنه عائد إلى المنافقين لأنه - ~~تعالى - كتب على بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، وكتب على ~~المهاجرين أن يخرجوا من ديارهم، فقال: { ولو أنا ~~كتبنا } على هؤلاء المنافقين القتل والخروج، ما فعله إلا ~~قليل رياء وسمعة، وهذا اختيار الأصم والقفال. # [القول] الثاني: المراد: لو كتب الله على الناس ما ذكر، لم ~~يفعله إلا قليل منهم، فيدخل فيه المؤمن والمنافق. # قوله: { أن اقتلوا } " أن " فيها وجهان: # أحدهما: أنها المفسرة؛ لأنها أتت بعد ما هو بمعنى القول لا ~~حروفه، وهو أظهر. # الثاني: أنها مصدرية، وما بعدها من فعل الأمر صلتها، ~~وفيه إشكال؛ من حيث إنه إذا سبك منها ms2650 ومما بعدها مصدر، ~~فأتت للدلالة [على الأمر، ألا ترى أنك إذا قلت: كتبت إليه ~~أن قم فيه من الدلالة] على طلب القيام بطريق الأمر، ما لا ~~في قولك: كتبت إليه القيام، ولكنهم جوزوا ذلك ~~واستدلوا بقولهم: كتبت إليه بأن قم. ووجه الدلالة: أن ~~حرف الجر لا يعلق. # وقرأ أبو عمرو: بكسر نون " أن " وضم واو " أو " ، قال الزجاج: ~~ولست أعرف لفصل أبي عمرو بين هذين الحرفين خاصية إلا ~~أن يكون رواية. # وقال غيره: أما كسر النون؛ فلأن الكسر هو الأصل في التقاء ~~الساكنين، وأما ضم الواو فللإتباع؛ لأن الضمة في الواو ~~أحسن؛ لأنها تشبه واو الضمير، نحو: # اشتروا الضلالة # [البقرة: 16] # ولا تنسوا الفضل # [البقرة: 237] وكسرهما حمزة وعاصم؛ لالتقاء الساكنين، ~~وضمهما ابن كثير، ونافع [وابن عامر] والكسائي؛ للاتباع فيهما. # قوله { ما فعلوه }. الهاء يحتمل أن تكون ضمير مصدر { ~~اقتلوا } ، أو { اخرجوا } أي: ما فعلوا القتل؛ أو ما ~~فعلوا الخروج. # وقال فخر الدين الرازي: تعود إلى القتل والخروج معا؛ لأنه ~~الفعل جنس واحد وإن اختلفت ضروبه. # قال شهاب الدين: وهذا بعيد لنبو الصناعة عنه، وأجاز أبو ~~البقاء أن يعود على المكتوب ويدل عليه: { كتبنا }. # قوله: " إلا قليل " رفعه من وجهين: # أحدهما: أنه بدل من فاعل { فعلوه } وهو المختار على ~~النصب؛ لأن الكلام غير موجب. # الثاني: أنه معطوف على ذلك الضمير المرفوع، و " إلا " ~~حرف عطف، وهذا رأي الكوفيين. # وقرأ ابن عامر وجماعة: { إلا قليلا } بالنصب، وكذا هو في ~~مصاحف أهل الشام، ومصحف أنس بن مالك، وفيه وجهان: # أشهرهما: أنه نصب على الاستثناء وإن كان الاختيار الرفع؛ ~~لأن المعنى موجود [معه كما هو موجود] مع النصب، ويزيد عليه ~~بموافقة اللفظ. # والثاني: أنه صفة لمصدر محذوف، تقديره: إلا فعلا ~~قليلا، قاله الزمخشري وفيه نظر؛ إذ الظاهر أن " منهم " ~~صفة ل { قليلا } ، ومتى حمل القليل على غير الأشخاص، ~~يقلق هذا التركيب؛ إذ لا فائدة حينئذ في ذكر " منهم ". # قال أبو علي الفارسي: الرفع أقيس، فإن معنى ما أتى أحد إلا ~~زيد، [وما أتاني إلا زيد] ms2651 واحد؛ فكما اتفقوا في قولهم: ~~ما أتاني إلا زيد، على الرفع، وجب أن يكون قولهم: ما أتاني ~~أحد إلا زيد بمنزلته. # قوله: { ولو أنهم فعلوا } تقدم الكلام على نظيره، و " ~~ما " في { ما يوعظون } [موصولة] اسمية. # والباء في: " به " يحتمل أن تكون المعدية دخلت على ~~الموعوظ به [والموعوظ به] على هذا هو التكاليف من الأوامر ~~والنواهي، وتسمى أوامر الله [تعالى] ونواهيه مواعظ؛ ~~لأنها مقترنة بالوعد والوعيد، وأن تكون السببية، والتقدير: ~~ما يوعظون بسببه أي: بسبب تركه، ودل على الترك المحذوف قوله ~~تعالى: { ولو أنهم فعلوا } [واسم " كان " ضمير عائد على ~~الفعل المفهوم من قوله: { ولو أنهم فعلوا } ] أي: لكان ~~فعل ما يوعظون به، و " خيرا " خبرها، و " شيئا " تمييز ل " ~~أشد " ، والمعنى: أشد تحقيقا وتصديقا لإيمانهم. # قوله: " وإذن ": حرف جواب وجزاء، وهل هذان المعنيان لازمان ~~لها، أو تكون جوابا فقط؟ قولان: # الأول: قول الشلوبين تبعا لظاهر قول سيبويه. # والثاني: قول الفارسي؛ فإذا قال القائل: أزورك غدا، فقلت: ~~إذن أكرمك، فهي عنده جواب وجزاء، وإذا قلت: إذن أظنك ~~صادقا، كانت حرف جواب فقط، وكأنه أخذ هذا من قرينة الحال، ~~وقد تقدم أنها من النواصب للمضارع بشروط ذكرت. # وقال أبو البقاء: و " إذن " جواب ملغاة، فظاهر هذه العبارة ~~موافق لقول الفارسي [وفيه نظر؛ لأن الفارسي] لا يقول في ~~مثل هذه الآية إنها جواب فقط، وكونها جوابا يحتاج إلى ~~شيء مقدر. # قال الزمخشري: " وإذن " - جواب لسؤال مقدر؛ كأنه قيل: ~~وماذا يكون لهم بعد التثبيت أيضا؟ فقيل: لو تثبتوا ~~لآتيناهم؛ لأن " إذن " جواب وجزاء. # و { من لدنآ }: فيه وجهان: # أظهرهما: أنه متعلق [ب { وءاتيناهم }. # والثاني: أنه متعلق] بمحذوف؛ لأنه حال من " أجرا " لأنه في ~~الأصل صفة نكرة قدمت عليها. و " أجرا " مفعول ثان ل " ~~ءاتيناهم " ، و { صراطا } مفعول ثان ل { لهديناهم }. # فصل # قال الجبائي: دلت هذه الآية على أنه - تعالى - لما لم ~~يكلفهم ما يثقل عليهم، فبأن لا يكلفهم ما لا ~~يطيقون أولى. # والجواب: إنما لم يكلفهم بهذه الأشياء الشاقة؛ لأنه لو ~~كلفهم بها ms2652 لما فعلوها، ولو لم يفعلوها، لوقعوا في ~~العذاب، ثم إنه - تعالى - علم من أبي جهل وأبي لهب عدم ~~الإيمان، وأنهم لا يستفيدون من التكليف إلا العقاب ~~الدائم، ومع ذلك فإنه كلفهم الإيمان فلم كان جوابا عن ~~هذا، فهو جواب عما ذكرت. # فصل: دلالة الآية على عظم الآجر # دلت هذه الآية على عظم هذا الأجر من وجوه: # أحدها: أنه ذكر نفسه بصيغة العظمة، وهو قوله: { لآتيناهم ~~من لدنآ } والمعطي الحكيم إذا ذكر نفسه (باللفظ ~~الدال على) العظمة، وهو قوله: { وءاتيناهم } عند الوعد ~~بالعطية - دل على عظم تلك العطية. # وثانيها: قوله: { من لدنآ } هذا التخصيص يدل على ~~المبالغة، كما في قوله: # وعلمناه من لدنا علما # [الكهف: 65]. # وثالثها: أنه وصف الأجر بكونه عظيما، والذي وصفه أعظم ~~العظماء بالعظمة، لا بد وأن يكون في نهاية العظم، قال - عليه ~~الصلاة والسلام -: # " [فيها] ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على ~~قلب بشر ". # والمراد ب " الصراط المستقيم ": هو الدين الحق؛ لقوله: { وإنك ~~لتهدي إلى صراط مستقيم }. # وقيل: الصراط هو الطريق من عرصة القيامة إلى الجنة؛ لأنه - ~~تعالى - ذكره بعد الثواب والأجر، وأما الدين الحق فهو ~~متقدم على الثواب والأجر، وصراط القيامة يكون بعد ~~استحقاق الأجر، فكان حمله عليه في هذا الموضع أولى. ### || [4.69-70] # لما أمر الله بطاعة الله وطاعة رسوله بقوله: # أطيعوا الله وأطيعوا الرسول # [النساء: 59] ثم زيف طريقة المنافقين، ثم أعاد الأمر ~~بطاعة الرسول بقوله - [تعالى] -: # ومآ أرسلنا من رسول ألا ليطاع # [النساء:64] ورغب في تلك الطاعة بإيتاء الأجر العظيم، ~~وهداية الصراط المستقيم، أكد الأمر بالطاعة في هذه ~~الآية مرة أخرى، فقال: { ومن يطع الله والرسول } ~~الآية، وقال القرطبي: لما ذكر الله - تعالى - الأمر الذي لو ~~فعله المنافقون حين وعظوا به وأنابوا إليه، لأنعم عليهم، ~~ذكر بعد ذلك ثواب من يفعله. # فصل: سبب نزول الآية # قال جماعة من المفسرين: # " إن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شديد ~~الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم قليل الصبر عن فراقه، ~~فأتاه يوما ms2653 وقد تغير لونه، ونحل جسمه، وعرف الحزن في ~~وجهه، فقال [له] رسول الله صلى الله عليه وسلم [ما غير لونك؟ ~~فقال: يا رسول الله] ما بي من وجع غير أني إذا لم أرك، ~~استوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، فذكرت الآخرة ~~فخفت ألا أراك هناك؛ لأنك ترفع مع النبيين ~~[والصديقين]، وإني إن أدخلت الجنة، كنت في منزلة أدنى من ~~منزلتك، وإن لم أدخل الجنة، فلا أراك أبدا " # فنزلت [هذه] الآية. # وقال قتادة: إن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: ~~كيف يكون الحال في الجنة وأنت في الدرجات العلى ونحن ~~أسفل منك فكيف نراك، فنزلت هذه الآية. # وقال مقاتل: نزلت في رجل من الأنصار، قال للنبي صلى الله ~~عليه وسلم يا رسول الله، إذا خرجنا من عندك إلى أهلينا ~~اشتقنا إليك، فما ينفعنا شيء حتى نرجع إليك، ثم ذكرت ~~درجتك في الجنة، فكيف لنا برؤيتك إن دخلنا الجنة، ~~فنزلت هذه الآية، فلما توفي النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~اللهم أعمني حتى لا أرى شيئا بعده إلى أن ألقاه؛ ~~فعمي مكانه، فكان يجب النبي حبا شديدا، فجعله الله معه ~~في الجنة. # قال المحققون: لا تنكر صحة هذه الروايات؛ إلا [أن] ~~سبب النزول يجب أن يكون شيئا أعظم من ذلك، وهو الحث على ~~الطاعة والترغيب فيها، فإن خصوص السبب لا يقدح في ~~عموم اللفظ، فالآية عامة في حق جميع المكلفين، ~~والمعنى: ومن يطع الله في أداء الفرائض، والرسول في ~~السنن. # فصل # ظاهر قوله: { ومن يطع الله والرسول } يوجب الأكثر ~~بالطاعة الواحدة، لأن اللفظ الدال على الصفة يكفي في ~~جانب الثبوت حصول ذلك المسمى مرة واحدة. # قال القاضي: لا بد من حمل هذا على غير ظاهره، وأن تحمل ~~الطاعة على فعل المأمورات وترك جميع المنهيات؛ إذ لو ~~حملناه على الطاعة الواحدة، لدخل فيه الفساق والكفار؛ ~~لأنهم قد يأتون الطاعة الواحدة. # قال ابن الخطيب: وعندي فيه وجه آخر، وهو أنه ثبت في ~~أصول الفقه، أن الحكم المذكور عقيب الصفة يشعر ~~بكون ذلك الحكم ms2654 معللا بذلك الوصف، وإذا ثبت هذا ~~فنقول: قوله: { ومن يطع الله } [أي: ومن يطع الله] في ~~كونه إلها، وذلك هو معرفته والإقرار بجلاله وعزته ~~وكبريائه [وقدرته]، ففيها تنبيه على أمرين عظيمين من ~~أمور المعاد: # الأول: منشأ جميع السعادات يوم القيامة وهو إشراق الروح ~~بأنوار معرفته تعالى، وكل من كانت هذه الأنوار في قلبه أكثر، ~~وصفاؤها أقوى، وبعدها عن التكدر بعالم الأجسام، كان إلى ~~الفوز بالنجاة أقرب. # الثاني: قال ابن الخطيب: إنه - تعالى - وعد المطيعين في الآية ~~المتقدمة بالأجر العظيم والهداية، ووعدهم هنا بكونهم مع ~~النبيين [كما ذكر في] الآية، وهذا الذي ختم به أشرف مما ~~قبله، فليس المراد من أطاع الله وأطاع الرسول مع ~~النبيين والصديقين - كون الكل في درجة واحدة؛ لأن هذا ~~يقتضي التسوية في الدرجة بين الفاضل والمفضول، وإنه لا ~~يجوز، بل المراد: كونهم في الجنة بحيث يتمكن كل واحد ~~منهم من رؤية الأخر، وإن بعد المكان؛ لأن الحجاب إذا ~~زال، شاهد بعضهم بعضا، وإذا أرادوا الزيارة والتلاقي ~~قدروا عليه، فهذا هو المراد من هذه المعية. # قوله: { من النبيين } فيه أربعة أوجه: # أظهرها: أنه بيان ل { الذين أنعم الله عليهم }. # الثاني: أنه حال من لضمير في " عليهم ". # الثالث: أنه حل من الموصول، وهو في المعنى كالأول، وعلى ~~هذين الوجهين فيتعلق بمحذوف، لأي: كائنين من النبيين. # الرابع: أن يتعلق ب " يطع " قال الراغب: [أي]: ومن يطع ~~الله والرسول من النبيين ومن بعدهم، ويكون قوله: { ~~فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم } إشارة إلى ~~الملإ الأعلى. # ثم قال: { وحسن أولئك رفيقا } ويبيين ذلك قوله - عليه ~~السلام - عند الموت: # " اللهم ألحقني بالرفيق الأعلى " # وهذا ظاهر، وقد أفسده أبو حيان من جهة المعنى، ومن جهة ~~الصناعة: # أما من جهة المعنى: فلأن الرسول هنا هو محمد صلى الله ~~عليه وسلم، وقد أخبر- تعالى - أنه من يطع الله ورسوله، فهو مع ~~من ذكره، ولو جعل " مع النبيين " متعلقا ب " يطع " ، لكان ~~" من النبيين " تفسيرا ل " من " الشرطية، فيلزم أن يكون ~~في زمانه - عليه الصلاة والسلام - [أو ms2655 بعده أنبياء]. # وأما من جهة الصناعة؛ فلأن ما قبل الفاء [يطيعونه، ~~وهذا غير ممكن؛ لقوله تعالى: { وخاتم النبيين } وقوله] - ~~عليه السلام -: # " ولا نبي بعدي " # الواقعة جوابا للشرط لا يعمل فيما بعدها، لو قلت، إن ~~تضرب يقم عمرو وزيدا لم يجز: وهل هذه الأوصاف الأربعة ~~لصنف واحد أو لأصناف مختلفة؟ قولان. # فصل في تفسير المراد بالنبي والصديق والشهيد # قيل: المراد بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين: ~~صنف واحد من الناس، وقيل: المراد أصناف مختلفة؛ لأن ~~المعطوف يجب أن يكون مغايرا للمعطوف عليه، وقيل: ~~الاختلاف في الأصناف الثلاثة غير النبيين، فالصديقون ~~هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والصديق: هو اسم ~~للمبالغ في الصدق، ومن عادته الصدق. # وقيل: الصديق: هو اسم لمن سبق إلى تصديق النبي صلى الله ~~عليه وسلم، [وعلى هذا فأبو بكر أولى الخلق بهذا الاسم؛ لأنه أول ~~من سبق إلى تصديق النبي صلى الله عليه وسلم]؛ واشتهرت ~~الرواية بذلك، وكان علي صغيرا واتفقوا على أن أبا بكر ~~لما آمن، جاء بعد ذلك بمدة قليلة بعثمان بن عفان ~~- رضي الله عنه -، وطلحة بن الزبير، وسعد بن أبي وقاص، ~~وعثمان بن مظعون - رضي الله عنهم - حتى أسلموا، فكان إسلامه ~~سببا لاقتداء هؤلاء الأكابر به؛ فثبت أنه - رضوان الله ~~عليه - كان أسبق الناس إسلاما، وإن كان إسلامه صار سببا ~~لاقتداء الصحابة في ذلك، فكان أحق الأمة بهذا الاسم ~~أبو بكر، وإذا كان كذلك، كان أفضل الخلق بعد الرسول [عليه ~~الصلاة والسلام]، وجاهد في إسلام أعيان الصحابة - رضي الله ~~عنهم - في أول الإسلام، حين كان النبي صلى الله عليه وسلم في ~~غاية الضعف، وعلي - رضي الله عنه - إنما جاهد يوم أحد ~~ويوم الأحزاب، وكان الإسلام قويا، والجهاد وقت الضعف ~~أفضل من الجهاد وقت القوة؛ لقوله - تعالى -: # لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ~~أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد ~~وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى # [الحديد: 10]، ودل تفسير الصديق بما ذكرنا، على أنه لا ~~مرتبة بعد النبوة [أشرف] في الفضل إلا الصديق، ms2656 فإنه ~~أينما ذكر النبي والصديق لم يجعل بينهما واسطة، قال ~~- تعالى - في صفة اسماعيل: # إنه كان صادق الوعد # [مريم: 54]، وفي صفة إدريس: # إنه كان صديقا نبيا # [مريم: 41]، وقال هنا، { من النبيين والصديقين } ~~وقال: # والذي جآء بالصدق وصدق به # [الزمر: 33]، فلم يجعل بينهما واسطة، وقد وفق الله الأمة ~~التي هي خير أمة، حتى جعلوا الإمام بعد الرسول - عليه الصلاة ~~والسلام - أبا بكر على سبيل الإجماع، ولما توفي - رضي الله عنه - ~~دفن إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا دليل على ~~أن الله - تعالى- رفع الواسطة بين النبيين والصديقين. # وأما " الشهداء " قيل: هم الذين استشهدوا يوم أحد، وقيل: ~~الذين استشهدوا في سبيل الله. # وقال عكرمة - رضي الله عنه -: النبيون ههنا محمد صلى الله ~~عليه وسلم، والصديقون أبو بكر، والشهداء، عمر وعثمان ~~وعلي، والصالحون: سائر الصحابة - رضي الله عنهم [أجمعين]. # قال ابن الخطيب: لا يجوز أن تكون الشهادة مقيدة بكون ~~الإنسان مقتول الكافر؛ [لأن مرتبة الشهادة مرتبة ~~عظيمة في الدين، وكون الإنسان مقتول الكافر] ليس زيادة ~~شرف، لأن هذا القتل قد يحصل في الفساق، وفيمن لا ~~منزلة له عند الله. # وأيضا فإن المؤمن قد يقول: اللهم ارزقني الشهادة فلو ~~كانت الشهادة عبارة عن قتل الكافر إياه، لكان قد طلب ~~من الله ذلك القتل، وهو غير جائز؛ لأن صدور [ذلك] ~~القتل من الكافر كفر، فكيف يجوز أن يطلب من الله ما هو ~~كفر، وأيضا قال - عليه الصلاة والسلام -: # " المبطون شهيد، والغريق شهيد " # فعلمنا أن الشهادة ليست عبارة عن القتل، بل نقول: ~~الشهيد: " فعيل " بمعنى " الفاعل " ، وهو الذي يشهد ~~بصحة دين الله تارة بالحجة والبيان، وأخرى بالسيف ~~والسنان، فالشهداء هم القائمون بالقسط، وهم الذين ~~ذكرهم الله - تعالى - في قوله: # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولوا العلم قآئما بالقسط # [آل عمران: 18] ويقال للمقتول في سبيل الله: شهيد؛ من حيث ~~إنه بذل نفسه في نصرة دين الله، وشهادته له بأنه هو ~~الحق، وما سواه هو الباطل. # وأما الصالحون: فقد تقدم قول عكرمة: إنهم ms2657 بقية الصحابة ~~وقيل: الصالح من كان صالحا في اعتقاده وفي علمه. # قوله: { وحسن أولئك رفيقا } في نصب رفيقا قولان: # أحدهما: أنه تمييز. # والثاني: أنه حال، وعلى تقدير كونه تمييزا، فيه ~~احتمالان: # أحدهما: أن يكون منقولا من الفاعلية، وتقديره: وحسن ~~رفيق أولئك، فالرفيق على هذا هذا غير المميز، ولا يجوز ~~دخول " من " عليه. # والثاني: ألا يكون منقولا، فيكون نفس المميز، وتدخل عليه ~~" من " ، وإنما أتى به هنا مفردا؛ لأحد معنيين: # إما لأن الرفيق كالخليط والصديق والرسول والبريد، تذهب به ~~العرب إلى الواحد والمثنى والمجموع؛ قال - تعالى -: # إنا رسول رب العالمين # [الشعراء: 16] وهذا إنما يجوز في الاسم الذي يكون صفة، أما ~~إذا كان اسما مصرحا كرجل وامرأة لم يجز، وجوز ~~الزجاج ذلك في الاسم أيضا، وزعم أنه مذهب سيبويه. # والمعنى الثاني: أن يكون اكتفى بالواحد عن الجمع لفهم ~~المعنى، وحسن ذلك كونه فاصلة، ويجوز في " أولئك " أن يكون ~~إشارة إلى [النبيين ومن بعدهم، وأن يكون إشارة إلى] من يطع ~~الله ورسوله، وإنما جمع على معناها؛ كقوله [تعالى]: # نخرجكم طفلا # [الحج: 5] وعلى هذا فيحتمل أن يقال: إنه راعى لفظ [ " من " ~~] فأفرد في قوله: " رفيقا " ، ومعناها فجمع في قوله: " أولئك " إلا ~~أن البداءة في ذلك بالحمل على اللفظ أحسن، وعلى هذا فيكون قد ~~جمع فيها بين الحمل على اللفظ في " يطع " ثم على المعنى ~~في " أولئك " والجمهور على فتح الحاء وضم السين من " حسن ". # وقرأ أبو السمال: بفتحها وسكون السين تخفيفا، نحو: عضد ~~في: عضد، وهي لغة تميم، ويجوز " حس " ، بضم الحاء وسكون ~~السين، كأنهم نقلوا حركة العين إلى الفاء بعد سلبها ~~حركتها، وهذه لغة بعض " قيس " ، وجعل الزمخشري هذا من ~~باب التعجب؛ فإنه قال: فيه معنى التعجب، كأنه قيل: وما ~~أحسن أولئك رفيقا، ولاستقلاله بمعنى التعجب. # وقرئ: " وحسن " بسكون السين؛ يقول المتعجب: حسن الوجه ~~وجهك، وحسن الوجه وجهك بالفتح والضم مع التسكين. # قال أبو حيان: وهو تخليط وتركيب مذهب على مذهب، فنقول ~~اختلفوا في فعل المراد به المدح. فذهب [الفارسي] وأكثر ~~النحاة: إلى ms2658 جواز إلحاقه بباب " نعم " و " بئس " [فقط، ~~فلا يكون فاعله إلا ما يكون فاعلا لهما. # وذهب الأخفش والمبرد إلى جواز إلحاقه بباب " نعم " و " ~~بئس " ]، فيجعل فاعله كفاعلهما، وذلك إذا [لم] يدخله ~~معنى التعجب [وإلى جواز إلحاقه بفعل التعجب] فلا ~~يجري مجرى " نعم " و " بئس " في الفاعل، ولا في بقية ~~أحكامهما، فتقول: لضربت يدك ولضربت اليد، فأخذ ~~التعجب من مذهب الأخفش، والتمثيل من مذهب الفارسي، فلم ~~يتبع مذهبا من المذهبين، وأما جعله [التسكين] ~~والنقل دليلا على كونه مستقلا بالتعجب، فغير ~~مسلم؛ لأن الفراء حكى في ذلك لغة في غير ما يراد به ~~التعجب. # و " الرفيق " في اللغة مأخوذ من الرفق، وهو لين الجانب ~~ولطافة الفعل، وصاحبه رفيق، ثم الصاحب يسمى رفيقا؛ ~~لارتفاقك به وبصحبته، ومن هذا قيل للجماعة في السفر: ~~رفقة؛ لارتفاق بعضهم ببعض، والمعنى: أن هؤلاء رفقاء ~~في الجنة. # " روى أنس؛ أن رجلا قال يا رسول الله: " الرجل يحب ~~قوما ولما يلحق بهم " قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~المرء مع من أحب ". # وعن أنس بن مالك قال: # " قال رجل: يا رسول الله متى الساعة؟ قال وما أعددت ~~لها؛ فلم يذكر كثيرا إلا أنه يحب الله ورسوله. قال: ~~فأنت مع من أحببت ". # قوله: { ذلك الفضل من الله } " ذلك " مبتدأ، وفي ~~الخبر وجهان: # أحدهما: أنه " الفضل " والجار والمجرور في محل نصب على ~~الحال، والعامل فيها معنى الإشارة. # والثاني: أنه الجار، و " الفضل " صفة لاسم الإشارة، ويجوز أن ~~يكون " الفضل " والجار بعده خبرين [ل " ذلك " ] على رأي من ~~يجيزه. # فصل: في دفع شبه المعتزلة القائلين بوجوب الثواب # " ذلك " [اسم] إشارة إلى ما تقدم ذكره من الثواب، وقد حكم ~~عليه بأنه فضل من الله، وهذا يدل على أن الثواب غير واجب ~~على الله - تعالى -، ويدل عليه من جهة العقل أيضا وجوه: # أحدها: أن القدرة على الطاعة إن كانت لا تصلح إلا ~~للطاعة، فخالق تلك القدرة هو الذي أعطى الطاعة، فلا ~~يكون فعله موجبا شيئا، وإن كانت صالحة للمعصية أيضا، لم ~~يترجح جانب ms2659 الطاعة [لله] على جانب المعصية إلا بخلق ~~الداعي إلى الطاعة، ويصير مجموع القدرة والداعي ~~موجبا للفعل، فخالق هذا المجموع، هو الذي أعطى الطاعة، ~~فلا يكون فعله موجبا عليه شيئا. # وثانيها: أن نعم الله على العبد لا تحصى، وهي موجبة ~~للطاعة والشكر، فإذا وقعت في مقابلة النعم السالفة، ~~امتنع كونها موجبة للثواب في المستقبل. # وثالثها: أن الوجوب يستلزم [استحقاق] الذم عند الترك، ~~وهذا الاستحقاق ينافي الإلهية، فيمتنع حصوله في حق ~~الإله - [سبحانه وتعالى] -؛ فثبت أن ظاهر الآية كما دل على ~~أن الثواب فضل من الله - تعالى - فالبراهين العقلية ~~القاطعة دالة على ذلك أيضا. # فصل # يحتمل أن يكون معنى الآية: ذلك الثواب لكمال درجته هو ~~الفضل من الله، وأن ما سواه ليس بشيء، ويحتمل أن يكون ~~ذلك الفضل المذكور والثواب المذكور هو من الله لا من ~~غيره. # { وكفى بالله } أي: بثواب الآخرة، وقيل: لمن أطاع الله ~~ورسوله وأحبه وفيه بيان أنهم لم ينالوا تلك الدرجة بطاعتهم، ~~إنما نالوها بفضل الله - عز وجل -. # روى أبو هريرة - رضي الله عنه -. قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " قاربوا وسددوا واعلموا أنه لا ينجو أحد منكم ~~بعمله " قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: " ولا أنا إلا ~~أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل ". ### || [4.71-73] # قال القرطبي: إنه - تعالى - لما ذكر طاعة الله وطاعة رسوله، ~~أمر أهل الطاعة بالقيام بإحياء دينه وإعلاء دعوته، ~~وأمرهم ألا يقتحموا على عدوهم على جهالة، حتى ~~يتحسسوا إلى ما عندهم ويعلمون كيف يردون عليهم، لأن ~~ذلك أثبت لهم. # وقال ابن الخطيب: لما رغب في طاعة الله وطاعة رسوله، عاد إلى ~~ذكر الجهاد؛ لأنه أشق الطاعات، وأعظم الأمور التي بها ~~يحصل تقوية الدين، والحذر والحذر بمعنى؛ كالأثر والإثر؛ ~~والمثل والمثل، والشبه والشبه. # قيل: ولم يسمع في هذا التركيب إلا خذ بالكسر لا حذرك. # يقال: أخذ حذره؛ إذا تيقظ واحترز من المخوف؛ كأنه ~~جعل الحذر آلته التي يقي بها نفسه، والمعنى: احذروا ~~واحتذروا من العدو، ولا تمكنوه من أنفسكم. # وقال الواحدي: فيه ms2660 قولان: # أحدهما: المراد بالحذر [ها] هنا السلاح، والمعنى: خذوا ~~سلاحكم، والسلاح يسمى حذرا؛ لأنه يتقى ويحذر. # والثاني: " خذوا حذركم " بمعنى: احذروا عدوكم، فعلى الأول: ~~الأمر بأخذ السلاح مصرح به، وعلى الثاني: أخذ السلاح ~~مدلول عليه بفحوى الكلام. # فإن قيل: إن الذي أمر الله - تعالى - بالحذر عنه إن كان ~~يفضي إلى الوجود، لم ينعدم، وإن كان الحذر يفضي إلى ~~العدم، فلا حاجة إلى الحذر، فعلى التقديرين الأمر بالحذر ~~عبث، قال - عليه السلام -: # " المقدور كائن " # وقيل: الحذر لا يغني عن القدر. # فالجواب: أن هذا الكلام يبطل القول بالشرائع؛ فإنه يقال: ~~إن كان الإنسان من أهل السعادة في قضاء الله وقدره، فلا ~~حاجة إلى الإيمان، وإن كان من أهل الشقاء، لم ينفعه ~~[الإيمان و] الطاعة، فهذا يفضي إلى سقوط التكليف بالكلية. # واعلم أنه لما كان الكل بقضاء الله - تعالى - كان الأمر ~~بالحذر أيضا داخلا بالقدر، وكان قول القائل: أي فائدة ~~بالحذر كلاما متناقضا؛ لأنه لما كان هذا الحذر مقدرا، ~~فأي فائدة في هذا السؤال الطاعن في الحذر. # قوله: " فانفروا [ثبات] " يقال: نفر القوم ينفرون نفرا ~~ونفيرا، إذا نهضوا لقتال عدو، وخرجوا للحرب، ~~واستنفر الإمام الناس لجهاد العدو، فنفروا ينفرون: ~~إذا حثهم على النفير ودعاهم إليه؛ ومنه قوله - عليه السلام ~~-: # " [و] إذا استنفرتم فانفروا " # والنفير: اسم للقوم الذين ينفرون؛ ومنه يقال: فلان لا ~~في العير ولا في النفير. # وقال النحاة: أصل هذا الحرف من النفور والنفار؛ وهو ~~الفزع، يقال: [نفر] إليه؛ ونفر منه؛ إذا فزع منه وكرهه، وفي ~~مضارعه لغتان: ضم العين وكسرها، وقيل: يقال: نفر ~~الرجل ينفر بالكسر، ونفرت الدابة تنفر بالضم ~~[ففرقوا بينهما في المضارع، وهذا الفرق يرده قراءة ~~الأعمش: " فانفروا " " أو انفروا " بالضم] فيهما، والمصدر ~~النفير، والنفور، والنفر: الجماعة كالقوم والرهط. # [قوله]: " ثبات " نصب على الحال، وكذا " جميعا " والمعنى " ~~انفروا جماعات [متفرقة] [أي] سرية بعد سرية، أو ~~مجتمعين كوكبة واحدة، وهذا المعنى الذي أراد الشاعر ~~في قوله: [البسيط] # 1821-......................... # طاروا إليه زرافات ووحدانا # ومثله قوله: # فإن خفتم فرجالا أو ركبانا # أي: على ms2661 أي الحالتين كنتم فصلوا. # قال أبو حيان: ولم يقرأ " ثبات " فيما علمت إلا بكسر ~~التاء. انتهى. # وهذه هي اللغة الفصيحة، وبعض العرب ينصب جمع المؤنث ~~السالم إذا كان معتل اللام معوضا منها تاء التأنيث بالفتحة، ~~وأنشد الفراء: [الطويل] # 1822- فلما جلاها بالأيام تحيزت # ثباتا عليها ذلها واكتئابها # وقرئ شاذا: { ويجعلون لله البنات } [النحل: 57] ~~[بالفتحة]، وحكي: سمعت لغاتهم، وزعم الفارسي أن الوارد من ذلك ~~مفرد لامه؛ لأن الأصل " لغوة "؛ فلما ردت اللام، قلبت ~~ألفا، وقد رد على الفارسي: بأنه يلزمه الجمع بين العوض ~~والمعوض منه، ويرد عليه أيضا القراءة المتقدمة في ~~الثبات؛ لأن المفرد منه مكسور الفاء. # [ " وثبات " جمع ثبة، ووزنها في الأصل: فعلة، كحطمة، و] ~~إنما حذفت لامها وعوض عنها تاء التأنيث، وهل لامها واوا أو ~~ياء؟ قولان: # حجة القول الأول: أنها مشتقة من [ثبا يثبو؛ كخلا ~~يخلو، أي: اجتمع. # وحجة القول الثاني: أنها مشتقة من] ثبيت على الرجل إذا أثنيت ~~عليه؛ كأنك جمعت محاسنه، وتجمع بالألف والتاء، وبالواو والنون، ~~ويجوز في فائها حين تجمع على " ثبين " الضم والكسر، وكذا ما ~~أشبهها، نحو: قلة، وبرة، ما لم يجمع جمع تكسير. # والثبة: الجماعة من الرجال تكون فوق العشرة، وقيل: ~~الاثنان والثلاثة، وتصغر على " ثبية " ، برد المحذوف، ~~وأما " ثبة الحوض " وهي وسطه، فالمحذوف عينها، لأنها من ~~باب الماء، أي: يرجع، تصغر على " ثويبة "؛ كقولك في ~~تصغير سنة: سنيهة. # فصل # قال القرطبي: قيل إن هذه الآية منسوخة بقوله: # انفروا خفافا وثقالا # [التوبة: 41] وبقوله # إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما # [التوبة: 39] [ولأن يكون] # انفروا خفافا وثقالا # [التوبة: 41] منسوخا بقوله: { فانفروا ثبات أو انفروا ~~جميعا } ، وبقوله: # وما كان المؤمنون لينفروا كآفة # [التوبة: 122] اولى؛ لأن فرض الجهاد على الكفاية، فمتى سد ~~الثغور بعض المسلمين، أسقط الفرض عن الباقين. # قال: والصحيح أن الآيتين محكمتان، إحداهما: في الوقت ~~الذي يحتاج فيه إلى تعين الجميع، والأخرى: عند الاكتفاء ~~بطائفة دون غيرها. # قوله: { وإن منكم لمن ليبطئن } " منكم " خبر ~~مقدم ل " إن " واسمها، و " لمن " دخلت اللام على الاسم ~~تأكيدا لما فصل ms2662 بينه وبينها بالخبر، و " من " يجوز أن ~~تكون موصولة، [أو نكرة موصوفة] واللام في " ليبطئن " فيها ~~قولان: # أصحهما: أنها جواب قسم محذوف، تقديره أقسم بالله ~~ليبطئن، والجملتان - أعني: القسم وجوابه - صلة ل " ~~من " ، أو صفة لها على حسب القولين المتقدمين، ~~والعائد على كلا التقديرين هو الضمير المرفوع ب " ليبطئن ~~" ، والتقدير: وإن منكم للذي، أو لفريقا والله ~~ليبطئن. # واستدل بعض النحاة بهذه الآية على أنه يجوز وصل ~~الموصول بجملة القسم وجوابه [إذا عريت جملة القسم من ~~ضمير عائد على الموصول نحو: " جاء الذي أحلف بالله لقد قام أبوه ~~" وجعله] ردا على قدماء النحاة، حيث زعموا منع ذلك [ولا دلالة ~~على ذلك]، إذ لقائل أن يقول: ذلك القسم المحذوف لا أقدره إلا ~~مشتملا على ضمير يعود على الموصول. # والقول الثاني: نقله ابن عطية عن بعضهم: أنها لام التأكيد ~~بعد تأكيد، وهذا خطأ من قائله، والجمهور على " ليبطئن " بتشديد ~~الطاء. # ومجاهد بالتخفيف. و [على] كلتا القراءتين يحتمل أن يكون ~~الفعل لازما ومتعديا، يقال: أبطأ وبطأ أي تكاسل ~~وتثبط، والتبطئة: التأخر عن الأمر، فهذان لزمان، وإن ~~قدر أنهما متعديان، فمعمولهما محذوف، أي: ~~ليبطئن غيره، أي: يثبطه ويجبنه عن القتال، و " إذ ~~لم أكن " ظرف، ناصبه: " أنعم الله ". # فصل في تفسير " منكم " # قوله: " منكم " اختلفوا فيه: # فقيل: المراد منه: المنافقون وهم عبد الله بن أبي وأصحابه، ~~كانوا يثبطون الناس عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # فإن قيل: تقدير الكلام يأيها الذين آمنوا خذوا ~~حذركم وأن منكم لمن ليبطئن، فإذا كان عذا المبطئ ~~منافقا، فكيف يجعل قسما من المؤمن في قوله " إن منكم ". # فالجواب: أنه جعل المنافقين من المؤمنين من حيث الجنس ~~والنسب والاختلاط، أو من حيث الظاهر؛ لتشبههم بالمؤمنين، أو ~~من حيث زعمهم ودعواهم، كقوله: # يأيها الذي نزل عليه الذكر # [الحجر: 6]. # وقيل: المراد ضعفه المؤمنين، وهو اختيار جماعة من ~~المفسرين، قالوا: والتبطئة بمعنى الإبطاء، وفائدة هذا ~~التشديد تكرر الفعل منه. # حكى أهل اللغة أن العرب تقول: ما بطأ بك يا فلان عنا، ms2663 ~~وإدخالهم الباء يدل على أنه في نفسه غير متعد، فعلى ~~هذا معنى الآية: أن فيهم من يبطئ عن هذا الفرض ويتثاقل عن ~~الجهاد، وإذا ظفر المسلمون، تمنوا أن يكونوا معهم ~~ليأخذوا الغنيمة. # قال: هؤلاء هم الذين أراد الله بقوله: # يأيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا ~~في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم # [التوبة: 38]، قال: ويدل على أن المراد بقوله: " ليبطئن " ~~الإبطاء منهم لا تثبيط غيرهم قوله: { يليتني كنت معهم ~~} عند الغنيمة، ولو كان المراد: تثبيط الغير، لم يكن لهذا ~~الكلام معنى. # وطعن القاضي في هذا القول: بأنه - تعالى - حكى أن هؤلاء ~~المبطئين، يقولون عن مصيبة المؤمنين: { قد أنعم الله ~~علي إذ لم أكن معهم شهيدا } فيعد قعوده على ~~القتال نعمة من الله - تعالى -، وهذا إنما يليق بالمنافقين، ~~وأيضا لا يليق بالمؤمنين أن يقال لهم: { كأن لم تكن ~~بينكم وبينه } ، يعني الرسول " مودة " ، ثم قال: وإن حمل ~~" ليبطئن " على أنه من الإبطاء والتثاقل، صح في المنافقين، ~~لأنهم كانوا يثاقلون. # قوله: { فإن أصابتكم [مصيبة] } أي: قتل وهزيمة " قال قد أنعم الله ~~علي " بالقعود، و { إذ لم أكن معهم شهيدا } ، أي: شاهدا حاضرا في ~~تلك الغزوة، فيصيبني ما أصابهم، و " إذا لم أكن " طرف ~~ناصبه: " أنعم الله " ، { ولئن أصابكم فضل من الله } أي: ظفر ~~وغنيمة، " ليقولن " هذا المنافق { كأن لم تكن بينكم ~~وبينه مودة } [الآية] الجمهور على فتح لام " ليقولن " ~~لأنه فعل مسند إلى ضمير " من " مبني على الفتح لأجل نون ~~التوكيد، وقرأ الحسن بضمها، فأسند الفعل إلى ضمير " من " ~~أيضا [لكن] حملا له على معناها؛ لأن قوله: " لمن ليبطئن " في معنى ~~الجماعة والأصل: ليقولونن وقد تقدم تصريفه. # قوله: { كأن لم تكن } هذه " كأن " المخففة [من ~~الثقيلة] وعملها باق عند البصريين، [وزعم الكوفيون أنها حين ~~تخفيفها لا تعمل كما لا تعمل " لكن " مخففة عند الجمهور، ~~وإعمالها عند البصريين] غالبا في ضمير الأمر والشأن، وهو ~~واجب الحذف، ولا تعمل عندهم في ضمير غيره؛ ولا في اسم ~~ظاهر إلا ضرورة، كقوله: [الهزج] ms2664 # 1823- وصدر مشرق النحر # كأن ثدييه حقان # وقول الآخر: [الطويل] # 1824- ويوما توافينا بوجه مقسم # كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم # في إحدى الروايات، وظاهر كلام سيبويه: أنها تعمل في غير ~~ضمير الشأن في غير الضرورة، والجملة المنفية بعدها في ~~محل رفع خبرا لها، والجملة بعدها إن كانت فعلية فتكون ~~مبدوءة ب " قد "؛ كقوله: [الخفيف] # 1825- لا يهولنك اصطلاؤك للحر # ب فمحذورها كأن قد ألما # أو ب " لم " كهذه الآية، وقوله: # كأن لم تغن بالأمس # [يونس: 24] وقد تلقيت ب " لما " في قول عمار الكلبي: [الرمل] # 1826- بددت منها الليالي شملهم # فكأن لما يكونوا قبل ثم # قال أبو حيان: ويحتاج مثل هذا إلى سماع من العرب، وقال ابن ~~عطية: " وكأن " مضمنة معنى التشبيه، ولكنها ليست ~~كالثقيلة في الإحتياج إلى الاسم والخبر، وإنما تجيء بعدها ~~الجمل، وظاهر هذه العبارة: أنها لا تعمل عند تخفيفها، وقد ~~تقدم أن ذلك قول الكوفيين لا البصريين، ويحتمل أنه أراد ~~بذلك أن الجملة بعدها لا تتأثر بها لفظا؛ لأن اسمها ~~محذوف، والجملة خبرها. # وقرأ ابن كثير، وحفص من عاصم، ويعقوب: [يكن] بالياء؛ لأن المودة ~~في معنى الود [و] لأنه قد فصل بينها وبين فعلها، ~~والباقون: بالتاء اعتبارا بلفظها. # قال الواحدي: وكلتا القراءتين قد جاء التنزيل به؛ قال # قد جآءتكم موعظة من ربكم # [يونس: 57] وقال: # فمن جآءه موعظة من ربه # [البقرة: 275] فالتأنيث هو الأصل، والتذكير يحسن إذا كان ~~التأنيث غير حقيقي، لا سيما إذا وقع فاصل بين الفعل ~~والفاعل، و " يكون " يحتمل أن تكون تامة، فيتعلق الظرف بها، ~~أو بمحذوف، لأنه حال من " مودة " إذ هو في الأصل صفة نكرة ~~قدم عليها، وأن تكون ناقصة، فيتعلق الظرف بمحذوف على أنه ~~خبرها، واختلفوا في هذه الجملة على ثلاثة أقوال: # الأول: أنها اعتراضية لا محل لها من الإعراب، وعلى هذا ~~فما المعترض بينهما؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنها معترضة بين جملة الشرط التي هي { فإن ~~أصابتكم } وبين جملة القسم التي هي " ولئن أصابكم " ، ~~والتقدير: { فإن أصابتكم مصيبة } قال { قد أنعم ~~الله علي إذ لم أكن ms2665 معهم شهيدا } كأن لم تكن بينكم ~~[وبينه مودة، ولئن أصابكم فضل. فأخرت الجملة المعترض بها أعني ~~قوله] { كأن لم تكن بينكم } والنية بها التوسط، وهذا قول ~~الزجاج وتبعه الماتريدي، ورد الراغب الأصبهاني هذا القول ~~بأنه مستقبح، لأنه لا يفصل بين بعض الجملة [وبعض] ما ~~يتعلق بجملة أخرى. # قال شهاب الدين: وهذا من الزجاج كأنه تفسير معنى لا ~~إعراب، على ما يأتي ذكره عنه في تفسير الإعراب. # الوجه الثاني: أنها معترضة بين القول ومفعوله، والأصل: ~~ليقولن يا ليتني كنت معهم كأن لم يكن، وعلى هذا أكثر ~~الناس، وقد اختلفت عباراتهم في ذلك، ولا يظهر المعنى ~~إلا بنقل نصوصهم فلننقلها. # فقال الزمخشري: اعتراض بين الفعل الذي هو " ليقولن " وبين ~~مفعوله وهو " يا ليتني " والمعنى: كأنه لم يتقدم له معكم ~~مودة؛ لأن المنافقين كانوا يوادون المؤمنين في الظاهر، ~~وإن كانوا يبغون لهم الغوائل في الباطن، والظاهر أنه ~~تهكم؛ لأنهم كانوا أعدى عدو للمؤمنين، وأشدهم حسدا ~~لهم، فكيف يوصفون بالمودة إلا على وجه العكس والتهكم. # وقال الزجاج: هذه الجملة اعتراض، أخبر - تعالى - بذلك؛ ~~لأنهم كانوا يوادون المؤمنين. # وقال ابن عطية: المنافق يعاطي المؤمنين المودة، ويعاهد على ~~التزام حلف الإسلام، ثم يتحلف نفاقا وشكا وكفرا ~~بالله ورسوله، ثم يتمنى عندما ينكشف الغيب الظفر ~~للمؤمنينن فعلى هذا يجيء قوله: " كأن لم يكن " التفاتة بليغة، ~~واعتراضا بين القول والمقول بلفظ يظهر زيادة في قبح ~~فعلهم. # وقال الرازي: هو اعتراض في غاية الحسن؛ لأن من أحب إنسانا ~~فرح لفرحه، وحزن لحزنه، فإذا قلب القضية فذلك ~~إظهار للعداوة، فحكى - تعالى - سرور المنافق عند نكبة ~~المسلمين، ثم أراد أن يحكي حزنه عند دولة المسلمين ~~بسبب فواته الغنيمة فقبل أن يذكر الكلام بتمامه، ~~ألقى قوله: { كأن لم تكن } والمراد التعجب؛ كأنه يقول: ~~انظروا إلى ما يقوله هذا المنافق كأن لم تكن بينكم ~~وبينه مودة ولا مخالطة أصلا، والذي حسن الاعتراض بهذه ~~الجملة وإن كان محلها التأخير، كون ما بعدها فاصلة وهي ~~ليست بفاصلة. # وقال الفارسي: وهذه الجملة من قول المنافقين للذين ms2666 ~~أقعدوهم عن الجهاد؛ وخرجوا هم كأن لم تكن بينكم ~~وبينه أي: وبين الرسول - عليه الصلاة والسلام - مودة، فيخرجكم ~~معه لتأخذوا من الغنيمة ليبغضوا بذلك الرسول إليهم، فأعاد ~~الضمير في " بينه " على النبي - عليه الصلاة والسلام -. # وتبع الفارسي في ذلك مقاتلا؛ معناه: كأنه ليس من أهل ~~[ملتكم]، ولا مودة بينكم يريد: أن المبطئ قال لمن تخلف ~~عن الغزو من المنافقين وضعفة المؤمنين: ومن تخلف بإذن ~~كأن لم تكن بينكم وبين محمد مودة، فيخرجكم إلى ~~الجهاد، فتفوزوا بما فاز. # [القول الثاني: إنها في محل نصب بالقول، فيكون - تعالى - قد ~~حكى بالقول جملتين: جملة التشبيه، وجملة التمني، وهذا ~~ظاهر على قول مقاتل والفارسي: حيث زعما أن الضمير في " ~~بينه " للرسول - عليه الصلاة والسلام -]. # القول الثالث: أنها في محل نصب على الحال من الضمير ~~المستتر في " ليقولن " كما تقول: مررت بزيد وكأن لم يكن بينك وبينه ~~معرفة فضلا عن مودة، ونقل هذا عن الزجاج، وتبعه أبو البقاء ~~في ذلك. # و " يا " فيها قولان: # أحدهما: وهو قول الفارسي إنها لمجرد، التنبيه، فلا يقدر ~~منادى محذوف، ولذلك باشرت الحرف. # والثاني: أن المنادى محذوف، تقديره: يا هؤلاء، ليتني، وهذا ~~الخلاف جار فيها إذا باشرت حرفا أو فعلا؛ كقراء الكسائي # ألا يسجدوا # [النمل: 25] وقوله: [الطويل] # 1827- ألا يا اسقياني قبل غارة سنجال # ................................ # وقوله: [البسيط] # 1828- يا حبذا جبل الريان من جبل # ............................. # على القول بفعلية " حبذا " ولا يفعل ذلك إلا ب " يا " ~~خاصة، دون سائر حروف النداء، لأنها أم الباب، وقد كثرت ~~مباشرتها ل " ليت " دون سائر الحروف. # قوله: " فأفوز " الجمهور على نصبه في جواب التمني، ~~والكوفيون يزعمون نصبه بالخلاف، والجرمي يزعم نصبه بنفس الفاء. # والصحيح الأول، لأن الفاء تعطف هذا المصدر المؤول من " أن " ~~والفعل على مصدر متوهم، لأن التقدير: يا ليت لي كونا ~~معهم - أو مصاحبتهم - ففوزا. # وقرأ الحسن: فأفوز رفعا على [أحد وجهين: # إما] الاستئناف، أي: فأنا أفوز. # أو عطفا على " كنت " فيكون داخلا في حيز التمني أيضا، ~~فيكون الكون معهم، والفوز العظيم متمنين جميعا، والمراد ~~بالفوز العظيم: ms2667 النصيب الوافر من الغنيمة. ### || [4.74] # فقوله: { الذين يشرون الحياة } فاعل، " فليقاتل " و " يشرون ~~" يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون بمعنى: يشترون. # فإن قيل: قد تقرر أن الباء إنما تدخل على المتروك، والظاهر ~~هنا أنها دخلت على المأخوذ: فالجواب: أن المراد ب " الذين يشترون " ~~المنافقون المبطئون عن الجهاد أمروا بأن يغيروا ما بهم من ~~النفاق، ويخلصوا الإيمان بالله ورسوله ويجاهدوا في سبيل ~~الله، فلم ندخل إلا على المتروك؛ لأن المنافقين تاركون ~~للآخرة آخذون للدنيا، وتقدير الكلام: فليقاتل الذين ~~يختارون الحياة الدنيا، وعلى هذا التقدير فلا، بل حذف تقديره: ~~آمنوا ثم قاتلوا؛ لاستحالة حصول الأمر بشرائع الإسلام قبل ~~حصول الإسلام. # الثاني: أن " يشرون " بمعنى: يبيعون. # قال ابن مفرع: [مجزوء الكامل] # 1829- وشريت بردا ليتني # من بعد برد كنت هامه # قالوا: وبرد هو غلامه، وشريته بمعنى: بعته، وتمنى الموت بعد ~~[بيعه] فيكون المراد بالذين يشرون: المؤمنون المتخلفون عن ~~الجهاد؛ المؤثرون الآجلة على العاجلة، وتصير هذه الآية في ~~كون شرى تحتمل الاشتراء والبيع باعتبارين؛ قوله - تعالى ~~-: # وشروه بثمن بخس # [يوسف: 20] على ما سيأتي - إن شاء الله تعالى - وقد تقدم شيء من هذا ~~أول البقرة [الآية 16] والجمهور على سكون لام " فليقاتل " لأنها ~~وقعت بعد الفاء [والواو] فأشبهت اللفظة اكتفاء، وقرئ بكسرها، وهو ~~الأصل وأجاز إسكانها وكسرها كهذه الآية، وقوله - تعالى -: # وليطوفوا بالبيت العتيق # [الحج: 29] وقد قرئ بهما. والجمهور على بناء " فيقتل " للمفعول، ومحارب ~~بن دثار ببنائه للفاعل. # والأول أظهر؛ لقوله: { أو يغلب } [ " ويقتل " ] " ويغلب " عطف ~~على شرط، والفاء في " فسوف " جوابه لا يجوز حذفها والمشهور ~~[إظهار] هذه الباء عند الفاء، وأدغمها أبو عمرو والكسائي، وهشام ~~وخلاد بخلاف عنه. # والجمهور على " نؤتيه " بنون العظمة، وطلحة بن مصرف والأعمش: بياء ~~الغيبة، وهما ظاهرتان. # وقدم قوله " فيقتل " لأنها درجة شهادة وهي أعظم من غيرها، ~~وثنى بالغلبة، وهي تشمل نوعين: قتل أعداء الله، والظفر ~~بالغنيمة، والأولى أعظم من الثانية. انتهى. # فصل # المعنى: أن من قاتل في سبيل الله سواء صار مقتولا ~~للكفار، أو غالبا، فسوف نؤتيه أجرا عظيما، ولا واسطة بين ms2668 ~~هاتين الحالتين. [و] إذا كان الأجر حاصلا على كل تقدير، ~~لم يكن عمل أشرف من الجهاد، وهذا يدل على أن المجاهد لا ~~بد وأن يوطن نفسه على أنه لا بد من أحد أمرين: ~~إما أن يقتله العدو، وإما أن يغلب، فإذا عزم على ذلك، لم ~~يفر عن خصمه، ولم يحجم عن المحاربة، وإن دخل على غير هذا ~~[العزم] فما أسرع فراره. # روى أبو هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " تكفل الله لمن جاهد في سبيل الله [لا يخرجه إلا ~~جهاد في سبيله] وتصديق كلمته، بأن يدخله الجنة، أو يرجعه ~~إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة ". # وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " مثل المجاهد في سبيل الله؛ كمثل القانت الصائم الذي لا ~~يفتر من صلاة ولا صيام، حتى يرجعه الله إلى أهله بما يرجعه من ~~غنيمة وأجر، أو يتوفاه فيدخل الجنة ". ### || [4.75] # هذا استفهام يراد به التحريض، والأمر بالجهاد على سبيل ~~الوجوب، ومعناه: أنه لا عذر لكم في ترك المقاتلة، وقد ~~بلغ حال المستضعفين من الرجال والنساء والولدان من ~~المسلمين إلى ما بلغ في الضعف، فهذا الحث شديد، وبيان ~~العلة التي صار القتال لها واجبا، وهو ما في القتال من ~~تخليص هؤلاء المؤمنين من أيدي الكفرة؛ لأن هذا يجمع مع ~~الجهاد ما يجري مجرى فكاك الأسير. # و " ما ": مبتدأ، و " لكم " خبره، أي: أي شيء استقر لكم، ~~وجملة قوله: " لا تقاتلون " فيها وجهان: # أظهرهما: أنها في محل نصب على الحال، أي: ما لكم غير ~~مقاتلين، أنكر عليهم أن يكونوا على غير هذه الحالة، وقد صرح ~~بالحال بعد هذا التركيب في قوله: # فما لهم عن التذكرة معرضين # [المدثر: 49] وقال في مثل هذه الحال: إنها لازمة؛ لأن الكلام لا ~~يتم دونها، وفيه نظر، والعامل في هذه الحال، الاستقرار ~~المقدر؛ كقولك: ما لك ضاحكا. # والوجه الثاني: أن الأصل: " وما لكم في ألا تقاتلوا " فحذفت " في " ~~فبقي " ألا ms2669 تقاتلوا " فجرى فيها الخلاف المشهور، ثم حذفت " أن " ~~الناصبة، فارتفع الفعل بعدها؛ كقولهم: تسمع ~~بالمعيدي خير من أن تراه، وقوله: [الطويل] # 1830- أيهذا الزاجري أحضر الوغى # ............................ # في إحدى الروايتين، وهذا يؤيد كون الحال ليست بلازمة. # فصل # قالت المعتزلة: قوله: { وما لكم لا تقاتلون في سبيل ~~الله } إنكار عليهم في ترك القتال، وبيان أن لا عذر ~~ألبتة في تركه، ولو كان فعل العبد، بخلق الله - تعالى -، لبطل ~~هذا الكلام؛ لأن من أعظم العذر أن الله ما خلقه وما أراده، ~~وما قضى به، وجوابه مذكور. # قوله: " والمستضعفين " فيه ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنه مجرور عطفا [على اسم الله، أي: وفي سبيل ~~المستضعفين. # والثاني: وإليه ذهب الزجاج والمبرد أن يكون مجرورا عطفا] على ~~نفس " سبيل ". قال أبو البقاء بعد أن حكاه عن المبرد وحده: ~~وليس بشيء كأنه لم يظهر لأبي البقاء وجه ذلك، ووجهه أن ~~تقديره: وفي خلاص المستضعفين. # والثالث: وإليه ذهب الزمخشري، أن يكون منصوبا على ~~الاختصاص، تقديره: وأخص من سبيل الله خلاص المستضعفين؛ ~~لأن سبيل الله عام في كل خير؛ وخلاص المستضعفين من ~~المسلمين من أيدي الكفار من أعظم الخيور. والجمهور على: " ~~والمستضعفين " بواو العطف. # وقرأ ابن شهاب: { في سبيل الله المستضعفين } وفيها تخريجان: # أحدهما: أن يكون حرف العطف مقدرا؛ كقولهم: " أكلت لحما ~~تمرا سمكا ". # والثاني: أن يكون بدلا من " سبيل الله " أي: في سبيل الله سبيل ~~المستضعفين؛ لأن سبيلهم سبيل الله - تعالى -. # قوله: { من الرجال } فيه وجهان: # أحدهما: أنه حال من المستضعفين. # والثاني: أن " من " لبيان الجنس، و " الولدان ": قيل: جمع " وليد ~~"؛ وهم المسلمون الذين بقوا بمكة لصد المشركين، أو ضعفهم ~~عن الهجرة مستنزلين ممتنعين. انتهى بيضاوي. # فيكون المراد بهم: العبيد والإماء؛ لأن العبد والأمة يقال ~~لهما: الوليد والوليدة، وجمعهما: الولدان والولائد، إلا ~~أنه ههنا غلب الذكور، ويكون المراد بالرجال والنساء: ~~الأحرار، والحرائر. # وقيل: جمع ولد؛ كورل وورلان وحرب وحربان والمراد بهم: ~~الصبيان، [وقيل: العبيد والإماء، يقال للعبد: " وليد " ، وللأمة: ~~" وليدة " ، فغلب المذكر على المؤنث؛ لاندراجه فيه]. # و " الذين يقولون " فيه وجهان: ms2670 # أحدهما: أن يكون مجرورا على أنه صفة: إما للمستضعفين، وإما ~~للرجال ومن بعدهم، وغلب المذكر على المؤنث. # وقال أبو البقاء: " الذين يقولون " في موضع جر صفة لمن عقل ~~من المذكورين ". كأنه توهم أن الولدان الصبيان، والصبيان لا ~~يعقلون؛ فجعله نعتا لمن عقل من المذكورين وهم الرجال ~~والنساء دون الولدان، لأن جمع السلامة في المذكر يشترط ~~فيه العقل، و " الذين " جار مجراه. # قال شهاب الدين: وهذه غفلة؛ لأن مراد النحويين بالعاقل: ما ~~كان من جنس العقلاء وإن كان مسلوب العقل؛ ويدل عليه قوله - ~~تعالى -: # أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النسآء # [النور: 31] فالمراد بالطفل هنا: الصبيان الصغار، ومع ذلك ~~وصفهم بالذين. # والثاني: أن يكون منصوبا على الاختصاص. # فصل # المراد بالمستضعفين من الرجال والنساء والولدان: قوم من ~~المسلمين بقوا بمكة، عجزوا عن الهجرة إلى المدينة، ~~وكانوا يلقون من كفار مكة أذى شديدا. # قال ابن عباس: كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء ~~والولدان، وكانوا يدعون ويقولون في دعائهم: " ربنا أخرجنا من هذه ~~القرية الظالم أهلها " وكانوا يشركون معهم صغارهم في الدعاء؛ ~~لأن الصغار لم يذنبوا؛ كما وردت السنة في إخراجهم في ~~الاستسقاء، إنما ذكر الولدان؛ مبالغة في شرح ظلمهم. حيث ~~بلغ أذاهم غير المكلفين، وأجمعوا على أن المراد من هذه ~~القرية الظالم أهلها [مكة] وكون أهلها موصوفين بالظلم: ~~يحتمل أن يكون لأجل لأنهم مشركون؛ قال - تعالى -: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13] ويحتمل أن يكون لأجل أنهم كانوا يؤذون المسلمين. # قوله: " الظالم أهلها " " الظالم ": صفة للقرية، و " أهلها ": مرفوع ~~به على الفاعلية. و " أل " في " الظالم " موصولة بمعنى التي، أي: التي ~~ظلم أهلها. فالظلم جار على القرية لفظا، وهو لما بعدها ~~معنى، ومثله: " مررت برجل حسن غلامه ". # قال الزمخشري: فإن قلت: لم ذكر " الظالم " وموصوفه مؤنث؟ قلت: هو ~~وصف للقرية إلا أنه مستند إلى أهلها، فأعطي إعراب " القرية ~~" لأنها صفتها، وذكر لإسناده إلى الأهل؛ كما تقول: من هذه القرية ~~التي ظلم أهلها، ولو أنث فقيل: " الظالمة أهلها " لجاز، لا ~~لتأنيث الموصوف؛ بل ms2671 لأن الأهل يذكر ويؤنث. # فإن قلت: هل يجوز: من هذه القرية الظالمين أهلها؟. # قلت: نعم، كما تقول: " التي ظلموا أهلها " على لغة: " أكلوني ~~البراغيث " ومنه: # وأسروا النجوى الذين ظلموا # [الأنبياء: 3] انتهى. # وهذه قاعدة كلية: أن الصفة إذا جرت على غير من هي له ~~سواء كانت خبرا، أم نعتا، أم حالا ينعت ما قبلها في اثنين ~~من خمسة: واحد من ألقاب الإعراب، وواحد من التنكير ~~والتعريف، وأما بالنسبة إلى التذكير، والتأنيث، ~~والإفراد، وضديه فيحسب المرفوع بها كالفعل، وقد تقدم ~~تحقيقه، ويجب أيضا إبراز الضمير منها مطلقا - أعني: سواء ~~ألبس أم لم يلبس - وأما إذا كان المرفوع بها اسما ظاهرا، ~~فلا حاجة إلى رفعها الضمير، إلا أنه لا بد من راجع يرجع إلى ~~الاسم الموصوف بها لفظا كهذه الآية، وهذا بخلاف الفعل إذا ~~وصف به، أو أخبر به، أو وقع حالا لشيء لفظا وهو لغيره ~~معنى، فإن الضمير لا يبرز منه بل يستتر، نحو: " زيد ~~هند يضربها " و " هند زيد تضربه " من غير ضمير بارز، لقوة ~~الفعل وضعف الاسم في العمل، وسواء لم يلبس - كما تقدم ~~تمثيله - أو ألبس، نحو: " زيد عمرو يضربه " إذا قصدت أن زيدا ~~هو الضارب لعمرو، هذا مقتضى مذهب البصريين، نص عليه مكي ~~وغيره، إلا أنه قال قبل ذلك: " إلا أن اسم الفاعل إذا كان ~~خبرا أو صفة لغير من هو له، لم يستتر فيه ضمير، ولا بد ~~من إظهاره، وكذلك إن عطف على غير من هو له ". # قال شهاب الدين: هذه الزيادة لم يذكرها النحويون وتمثيلها ~~عسر، وأما ابن مالك: فإنه سوى بين الفعل والوصف، يعني: ~~إن ألبس، وجب الإبراز حتى في الفعل، نحو: زيد عمرو يضربه ~~هو " وإن لم يلبس جاز، نحو: " زيد هند يضربها " وهذا مقتضى ~~مذهب الكوفيين؛ فإنهم عللوا باللبس، وفي الجملة ففي المسألة ~~خلاف. # قوله: { واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من ~~لدنك نصيرا } قال ابن عباس: يريدون: اجهل علينا رجلا من ~~المؤمنين يوالينا، ويقوم بمصالحنا، ويحفظ علينا ديننا ~~وشرعنا؛ فأجاب الله ms2672 دعاءهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~لما فتح مكة، جعل عتاب بن أسيد واليا عليهم، فكان ينصف ~~الضعيف من القوي، والمظلوم من الظالم. # وقيل: المراد: واجعل لنا من لدنك ولاية ونصرة، أي: كن ~~أنت لنا وليا. ### || [4.76] # لما بين وجوب الجهاد، بين أنه لا عبرة بصورة الجهاد، بل ~~العبرة بالقصد والداعي، فالمؤمنون يقاتلون في سبيل الله، أي: ~~في طاعة الله ونصرة دينه، والذين كفروا يقاتلون في سبيل ~~الطاغوت، أي: في طاعة الشيطان. # قال أبو عبيدة والكسائي: الطاغوت يذكر ويؤنث، قال أبو ~~عبيد: وإنما ذكر وأنث؛ لأنهم [كانوا يسمون الكاهن والكاهنة ~~طاغوتا. # قال جابر بن عبد الله وقد سئل عن الطاغوت التي] كانوا يتحاكمون ~~إليها -قال: كان في جهينة واحدة، وفي أسلم واحدة، وفي كل حي ~~واحدة. # قال أبو إسحاق: والدليل على أنه الشيطان، قوله - تعالى -: { ~~فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ~~ضعيفا } أي: مكره و [مكر] من اتبعه، وهذه الآية ~~كالدالة على أن كل من كان غرضه في فعل رضى [غير] الله - ~~تعالى - [فهو في سبيل الطاغوت، لأنه - تعالى - ذكر هذه القسمة؛ وهي ~~أن القتال إما أن يكون في سبيل الله]، أو في سبيل الطاغوت، وجب ~~أن يكون ما سوى الله طاغوتا، ثم إنه - تعالى - أمر المقاتلين ~~في سبيل الله أن يقاتلوا أولياء الشيطان؛ فقال: " فقاتلوا ~~أيها المؤمنون أولياء الشيطان ": حزبه وجنوده؛ وهم الكفار، ثم ~~بين أن كيد الشيطان [كان ضعيفا لأن الله ينصر أولياءه، ~~والشيطان ينصر أولياءه، ولا شك أن نصرة الشيطان لأوليائه] ~~أضعف من نصرة الله، وكيد الشيطان: مكره، " كان ضعيفا ": كما فعل ~~يوم بدر لما رأى الملائكة، خاف أن يأخذوه فهرب وخذلهم، ~~وفائدة إدخال " كان " في قوله: " كان ضعيفا " التأكيد لضعف ~~كيده، يعني: أنه منذ كان موصوفا بالضعف والذلة. ### || [4.77] # قال الكلبي: # " نزلت في عبد الرحمن بن عوف الزهري، والمقداد بن الأسود ~~الكندي، وقدامة بن مظعون الجمحي، وسعد بن أبي وقاص، ~~وجماعة كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يهاجروا ~~إلى المدينة، ويلقون ms2673 من المشركين أذى شديدا، فيشكون ~~ذلك إلى الرسول، ويقولون: ائذن لنا في قتالهم، ويقول لهم ~~الرسول: كفوا أيديكم، فإني لم أومر بقتالهم، واشتغلوا ~~بإقامة دينكم من الصلاة والزكاة، فلما هاجر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى المدينة، وأمر بقتالهم في وقعة بدر، كرهه ~~بعضهم وشق عليه، " # فأنزل الله - تعالى - هذه الآية. فذهب بعضهم إلى أنها ~~نزلت في المؤمنين، واحتجوا: بأن الذين يحتاج الرسول ~~إلى أن يقول لهم كفوا عن القتال، هم الراغبون في القتال؛ ~~وهم المؤمنون. # ويمكن الجواب عنه: بأن المنافقين كانوا يظهرون أنهم ~~مؤمنون، وأنهم يريدون قتال الكفار، فلما أمر الله بقتالهم ~~الكفار، أحجم المنافقون عنه، وظهر منهم خلاف ما كانوا ~~يقولونه. # وقيل: نزلت في المنافقين، واحتجوا بأن الله - تعالى - وصفهم ~~بأنهم { يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية ~~} ، وهذا الوصف لا يليق إلا بالمنافق؛ لأن المؤمن لا يخاف من ~~الناس أشد من خوفه من الله، وأيضا قولهم: " ربنا لم كتبت ~~علينا القتال " اعتراض على الله - تعالى -، وذلك من صفة الكفار ~~والمنافقين، وأيضا قوله - تعالى - للرسول: { قل متاع ~~الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى } وهذا الكلام ~~إنما يذكر لمن كانت رغبته في الدنيا أكثر من رغبته في ~~الآخرة، وذلك من صفات المنافقين. # وأجاب القائلون بالقول الأول: بأن حب الحياة والنفرة عن ~~القتل من لوازم الطبع؛ فهذه الخشية محمولة على هذا ~~المعنى، وقولهم: " لم كتبت علينا القتال " محمولة على التمني ~~بتخفيف التكليف، لا على وجه إنكار [لإيجاب] الله - تعالى -. # وقوله [- تعالى -]: { قل متاع الدنيا قليل } ذكره ليهون ~~على القلب أمر هذه الحياة؛ لكي تزول عن قلبه نفرة القتال ~~وحب الحياة، ويقدمون على الجهاد بقلب قوي، لا لأجل ~~الإنكار. # وقيل: قاله جماعة من المؤمنين لم يكونوا راسخين في العلم، قالوه ~~خوفا وجبنا لا اعتقادا ثم تابوا، وأهل الإيمان يتفاضلون في ~~الإيمان. # وقيل: كانوا مؤمنين، فلما كتب [عليهم]، أي: فرض عليهم القتال، ~~تلفقوا من الجبن، وتخلفوا عن الجهاد، والأولى حمل الآية على ~~المنافقين، لأنه - تعالى - ذكر بعد هذه الآية قوله: # وإن ms2674 تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك # [النساء: 78] ولا شك أن هذا من كلام المنافقين. # فصل # دلت الآية على أن إيجاب الصلاة والزكاة، كان مقدما على ~~إيجاب الجهاد. # قوله { إذا فريق }: " إذا " هنا فجائية، وقد تقدم أن فيها ~~ثلاثة مذاهب: # أحدها - وهو الأصح: أنها ظرف مكان. # والثاني: أنها زمان. # والثالث: أنها حرف. # قيل في " إذا " هذه: إنها فجائية مكانية، وأنها جواب ل " ~~لما " في قوله: { فلما كتب عليهم } ، وعلى هذا ففيها ~~وجهان: # أحدهما: أنها خبر مقدم، و " فريق ": مبتدأ، و " منهم ": صفة ل ~~" فريق " ، وكذلك " يخشون " ، ويجوز أن يكون " يخشون " حالا ~~من " فريق " لاختصاصه بالوصف، والتقدير: " فبالحضرة فريق [فهو] ~~كائن منهم خاشون أو خاشين ". # والثاني: أن يكون " فريق " مبتدأ، و " منهم ": صفته، وهو ~~المسوغ للابتداء به، و " يخشون ": جملة خبرية وهو العامل ~~في " إذا " ، وعلى القول الأول: العامل فيها محذوف على ~~قاعدة الظروف الواقعة خبرا. # وقيل: إنها هنا ظرف زمان، وهذا فاسد؛ لأنها إذ ذاك لا بد ~~لها من عامل، وعاملها إما ما قبلها، وإما ما بعدها، لا ~~جائز أن يكون ما قبلها لأن ما قبلها وهو " كتب " ماض لفظا ومعنى، ~~وهي للاستقبال، فاستحال ذلك. # فإن قيل: تجعل هنا للمضي بمعنى " إذا ". # قيل: لا يجوز ذلك؛ لأنه يصير التقدير: فلما كتب عليهم القتال ~~في وقت خشية فريق منهم، وهذا يفتقر إلى جواب " لما " ~~ولا جواب لها، ولا جائز أن يكون ما بعدها؛ لأن العامل فيها ~~إذا كان بعدها، كان جوابا لها، ولا جواب لها هنا، وكان قد تقدم ~~أول البقرة أن في " لما " قولين: قول سيبويه: إنها حرف وجوب ~~لوجوب، وقول الفارسي: إنها ظرف زمان بمعنى " حين " وتقدم ~~الرد عليه، بأنها أجيبت ب " ما " النافية وإذا الفجائية، ~~وأن ما بعدها لا يعمل فيما قبلها، فأغنى عن إعادته، ولا ~~يجوز أن يعمل ما يليها فيها؛ لأنه في محل خفض بالإضافة على ~~زعمه، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف. # وقد أجاب بعضهم، بأن العامل فيها هنا معنى " يخشون "؛ كأنه قيل: ~~جزعوا، قال: " وجزعوا ms2675 هو العامل في " إذا " ، وهذا الآية مشكلة؛ ~~لأن فيها ظرفين: أحدهما لما مضى، والآخر لما يستقبل ". # قوله: " كخشية الله " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها - وهو المشهور عند المعربين: أنها نعت مصدر محذوف، ~~أي: خشية كخشية الله. # والثاني: - وهو المقرر من مذهب سيبويه غير مرة -: أنها في ~~محل نصب على الحال من ضمير الخشية المحذوف، أي: يخشونها ~~الناس، أي: يخشون الخشية الناس مشبهة خشية الله. # والثالث: أنها في محل نصب على الحال من الضمير في " يخشون " أي: ~~يخشون الناس مثل أهل خشية الله، أي: مشبهين لأهل خشية ~~الله أو أشد خشية، أي: أشد خشية من أهل خشية الله. # و " أشد " معطوف على الحال؛ قاله الزمخشري، ثم قال: " فإن ~~قلت: لم عدلت عن الظاهر، وهو كونه صفة للمصدر ولم ~~تقدره: يخشون خشية مثل خشية الله، بمعنى: مثل ما يخشى ~~الله. # قلت: أبى ذلك قوله: " وأشد خشية "؛ لأنه وما عطف عليه في حكم ~~واحد، ولو قلت: " يخشون الناس أشد خشية " لم يكن إلا حالا من ضمير ~~الفريق، ولم ينتصب انتصاب المصدر؛ لأنك لا تقول: " خشي ~~فلان أشد خشية " فتنصب " خشية " وأنت تريد المصدر، إنما ~~تقول: " أشد خشية " فتجرها، وإذا نصبتها لم يكن " أشد ~~خشية " إلا عبارة عن الفاعل حالا منه، اللهم إلا أن تجعل ~~الخشية خاشية على حد قولهم: " جد جده " فتزعم أن ~~معناه: يخشون الناس خشية مثل خشية أشد خشية من خشية ~~الله، ويجوز على هذا أن يكون محل " أشد " مجرورا، عطفا على ~~" خشية الله " تريد: كخشية الله، أو كخشية أشد منها ". انتهى. # ويجوز نصب " خشية " على وجه آخر؛ وهو العطف على محل الكاف، ~~وينتصب " أشد " حينئذ على الحال من " خشية "؛ لأنه في الأصل ~~نعت نكرة قدم عليها، والأصل: يخشون الناس مثل خشية الله ~~أو خشية أشد منها، فلا ينتصب " خشية " تمييزا، حتى يلزم منه ~~ما ذكره الزمخشري ويعتذر عنه، وقد تقدم نحو من هذا عند قوله: # أو أشد ذكرا # [البقرة: 200]. والمصدر مضاف إلى المفعول والفاعل محذوف، أي: ~~كخشيتهم الله. # فإن قيل: ظاهر ms2676 قوله: { أو أشد } يوهم الشك، وذلك محال على ~~الله - تعالى -. # فالجواب: يحتمل الأوجه المذكورة في قوله { أو أشد قسوة } ~~ويجوز أن تكون للتنويع، يعني: أن منهم من يخشاهم كخشية الله، ومنهم من ~~يخشاهم أشد خشية من خشية الله. # قال ابن الخطيب: وفي تأويله وجوه: # الأول: المراد منه: الإبهام على المخاطب، بمعنى أنهم على ~~أحد الصفتين من المساواة والشدة؛ وذلك لأن كل خوفين ~~فأحدهما بالنسبة إلى الآخر: إما أن يكون مساويا، أو أنقص، ~~وأزيد، فبين - تعالى - بهذه الآية أن خوفهم من الناس ليس أنقص ~~من خوفهم من الله - تعالى -، بل إما أن يكون مساويا أو أزيد، ~~وذلك لا يوجب كونه - تعالى - شاكا، بل يوجب إبقاء الإبهام في ~~هذين القسمين على المخاطب. # والثاني: أن يكون " أو " بمعنى الواو، والتقدير: يخشونهم ~~كخشية الله وأشد خشية، وليس بين هذين القسمين منافاة؛ ~~لأن من هو أشد خشية، فمعه من الخشية مثل خشية الله ~~[وزيادة]. # الثالث: أن هذا نظير قوله: # وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون # [الصافات: 147] يعني: أن من يبصرهم يقول هذا الكلام؛ فكذا ههنا. # قوله: { لولا أخرتنا } أي: هلا أخرتنا إلى أجل ~~قريب، يعني: الموت أي: هلا تركتنا حتى نموت بآجالنا، وهذا ~~كالعلة لكراهتهم إيجاب القتال عليهم، ثم إنه -تعالى - ~~أجابهم بقوله: قل يا محمد: { متاع الدنيا قليل } أي: ~~منفعتها والاستمتاع بها قليل، " والآخرة " أي: وثواب الآخرة ~~خير وأفضل لمن اتقى الشرك ومعصية الرسول، وإنما كانت ~~الآخرة خير؛ لأن نعم الدنيا قليلة [فانية] ونعم الآخرة ~~كثيرة باقية ونعم الدنيا منقطعة، ونعم الآخرة ~~مؤبدة، ونعم الدنيا مشوبة بالهموم والمكاره، ونعم ~~الآخرة صافية من الكدورات. # روى المستورد بن شداد؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم ~~أصبعه في اليم، فلينظر بم يرجع ". # ثم قال: { ولا تظلمون فتيلا }. # قرأ ابن كثير، وأبو جعفر، وحمزة، والكسائي: بالياء رجوعا إلى ~~قوله - تعالى -: { ألم تر إلى الذين قيل لهم } ~~والباقون: بتاء الخطاب؛ كقوله: { قل متاع الدنيا قليل } ~~والمعنى # ولا يظلمون ms2677 فتيلا # [النساء: 49]، أي: لا ينقصون من ثواب أعمالهم مثل فتيل ~~النواة، وهو ما تفتله بيدك ثم تلقيه احتقارا. ### || [4.78] # لما حكى عنهم أنهم يخشون الناس عند فرض القتال ~~بكتهم ههنا؛ فقال: { أينما تكونوا يدرككم الموت ~~} أي: لا خلاص لكم من الموت، والجهاد موت يستعقبه سعادة ~~أخروية، فإذا كان لا بد من الموت، فبأن يقع على وجه ~~يستعقب السعادة الأبدية، أولى من ألا يكون كذلك. # قوله: { أينما تكونوا }: " أين " اسم شرط يجزم فعلين، و " ~~ما " زائدة على سبيل الجواز مؤكدة لها، و " أين " ظرف مكان، و ~~" تكونوا " مجزوم بها، و " يدرككم ": جوابه. # والجمهور على جزمه؛ لأنه جواب الشرط، وطلحة بن سليمان: " يدرككم " ~~برفعه، فخرجه المبرد، على حذف الفاء، أي: فيدرككم الموت. # ومثله قول الآخر: [الرجز] # 1831- يا أقرع بن حابس يا أقرع # إنك إن يصرع أخوك تصرع # وهذا تخريج المبرد، وسيبويه يزعم أنه ليس بجواب، إنما هو ~~دال على الجواب والنية به التقديم. # وفي البيت تخريج آخر: وهو أن يكون " يصرع " المرفوع خبرا ~~ل " إنك " ، والشرط معترض بينهما، وجوابه ما دل عليه قوله: " ~~إنك تصرع "؛ كقوله: # وإنآ إن شآء الله لمهتدون # [البقرة: 70] وخرجه الزمخشري على التوهم؛ فإنه قال: ويجوز أن ~~يقال: حمل على ما يقع موقع " أينما تكونوا " وهو " أينما ~~كنتم " كما حمل على ما يقع موقع " ليسوا مصلحين " وهو " ليسوا ~~بمصلحين " فرفع كما رفع زهير " ولا ناعب ": [البسيط] # 1832-................................ # يقول لا غائب مالي ولا حرم # وهو قول نحوي سيبي، يعني منسوب لسيبويه، فكأنه قال: " أينما كنتم " ~~، وفعل الشرط إذا كان ماضيا لفظا جاز في جوابه المضارع الرفع ~~والجزم كقول زهير: [البسيط] # 1833- وإن أتاه خليل يوم مسألة # يقول................................... # وفي رفعه الوجهان المذكوران عن سيبويه والمبرد. ورد ~~عليه أبو حيان: بأن العطف على التوهم لا ينقاس؛ ولأن قوله ~~يؤدي إلى حذف جواب الشرط، ولا يحذف إلا إذا كان فعل ~~الشرط ماضيا، لو قلت: " أنت ظالم إن تفعل " لم يجز. وهذا - ~~كما رأيت - مضارع، وفي هذا الرد نظر لا يخفى. # " ولو كنتم " قالوا: هي بمعنى: ms2678 " إن " وجوابها محذوف، أي: ~~لأدرككم، وذكر الزمخشري فيه قولا غريبا عن عند ~~نفسه، فقال: " ويجوز أن يتصل بقوله: { ولا تظلمون ~~فتيلا } أي: لا تنقصون شيئا مما كتب من آجالكم أينما ~~تكونوا في ملاحم حروب أو غيرها، ثم ابتدأ بقوله: { يدرككم ~~الموت ولو كنتم في بروج مشيدة } ، والوقف على ~~هذا الوجه على { أينما تكونوا } انتهى. # ورد عليه أبو حيان، فقال: هذا تخريج ليس بمستقيم، لا من ~~حيث المعنى ولا من حيث الصناعة النحوية: # أما من حيث المعنى: فإنه لا يناسب أن يكون متصلا بقوله: { ~~لا تظلمون فتيلا }؛ لأن انتفاء الظلم ظاهرا إنما هو في ~~الآخرة؛ لقوله - تعالى -: { قل متاع الدنيا قليل والآخرة ~~خير لمن اتقى }. # وأما من حيث الصناعة النحوية: فإن ظاهر كلامه يدل على ~~أن " أينما تكونوا " متعلق بقوله: { ولا تظلمون } بمعنى ما ~~فسره، وهذا لا يجوز؛ لأن أسماء الشرط لها صدر الكلام، فلا ~~يتقدم عاملها عليها، فإن ورد مثل: " اضرب زيدا متى جاء ~~" قدر له عامل يدل عليه " اضرب " لا نفس " اضرب " المتقدم. # فإن قيل: فكذلك يقدر الزمخشري عاملا يدل عليه { ولا ~~تظلمون } تقديره: " أينما تكونوا فلا تظلمون " فحذف " فلا تظلمون " ~~، لدلالة ما قبله عليه، فيخلص من الإشكال المذكور. # قيل: لا يمكن ذلك؛ لأنه حينئذ يحذف جواب الشرط وفعل الشرط ~~مضارع، وقد تقدم أنه لا يكون إلا ماضيا. وفي هذا الرد نظر؛ ~~لأنه أراد تفسير المعنى. قوله: ولا يناسب أن يكون متصلا ~~بقوله: { ولا تظلمون } ممنوع، بل هو مناسب، وقد أوضحه ~~الزمخشري بما تقدم أحسن إيضاح. # والجملة الامتناعية في محل نصب على الحال، أي: أينما ~~تكونوا من الأمكنة، يدرككم الموت، ولو كانت حالكم أنكم في هذه ~~البروج، فيفهم أن إدراكه لهم في غيرها بطريق الأولى والأخرى، ~~وقريب منه: " أعطوا السائل ولو على فرس ". والجملة ~~الشرطية تحتمل وجهين: # أحدهما: أنها لا محل لها من الإعراب؛ لأنها استئناف إخبار؛ ~~اخبر - تعالى - أنه لا يفوت الموت أحد، ومنه قول زهير: ~~[الطويل] # 1834- ومن هاب أسباب المنايا ينلنه # ولو رام أسباب السماء بسلم # والثاني: ms2679 أنها في محل نصب بالقول قبلها أي: قل متاع ~~الدنيا قليل، وقل أيضا: أينما تكونوا. # والجمهور على " مشيدة " بفتح الياء اسم مفعول. ونعيم بن ميسرة ~~بكسرها، نسب الفعل إليها مجازا؛ كقولهم: " قصيدة شاعرة ~~" ، والموصوف بذلك أهلها، وإنما عدل إلى ذلك مبالغة في ~~الوصف. # والبروج: الحصون مأخوذة من " التبرج " وهو الإظهار، ~~ومنه: { غير متبرجات بزينة } ، والبرج في العين: ~~سعتها، ومنه قول ذي الرمة: [البسيط] # 1835- بيضاء في برج صفراء في غنج # كأنها فضة قد مسها ذهب # وقولهم: " ثوب مبرج " أي: عليه صور البروج؛ كقولهم: " ~~مرط مرجل " أي: عليه صور الرجال، يروى بالجيم والحاء، ~~والمشيدة: المصنوعة بالشيد؛ وهو الجص، ويقال: " شاد ~~البناء وشيده " كرر العين للتكثير؛ ومن مجيء " شاد " قول ~~الأسود: [الخفيف] # 1836- شاده مرمرا وجلله كل # سا فللطير في ذراه وكور # ويقال: " أشاد " أيضا، فيكون فعل وأفعل بمعنى. # قال الزمخشري: شاد القصر إذا رفعه أو طلاه بالشيد، ~~وهو الجص وهذا قول عكرمة، وقال قتادة [معناه:] في قصور ~~محصنة، وقال السدي في بروج في سماء الدنيا مبنية، ~~وهي بروج الفلك الاثني عشر، وهذا القول محكي عن مالك، ومعنى ~~مشيدة، [أي] مادة من الرفع؛ وهي الكواكب العظام. # وقيل: للكواكب: بروج، لظهورها من برج يبرج إذا ظهر ~~وارتفع، ومنه: # ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى # [الأحزاب:33]. # وخلقها الله - تعالى - في منازل للشمس والقمر، وقدره ~~فيها، ورتب الأزمنة عليها. # قوله: { وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند ~~الله } نزلت في المنافقين واليهود؛ وذلك أنهم قالوا لما ~~قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة: ما زلنا نعرف ~~النقص في ثمارنا ومزارعنا مذ قدم هذا الرجل ~~وأصحابه. # قال الله - تعالى - " وإن تصبهم " يعني: اليهود " حسنة " أي: خصب ~~ورخص في السعر، { يقولوا هذه من عند الله } لنا { وإن تصبهم ~~سيئة } يعني: الجدب وغلاء الأسعار، " يقولوا هذه من عندك " ~~أي: من شؤم محمد وأصحابه، وكيفية النظم: أنه - تعالى - ~~لما حكى [عنهم] كونهم [متثاقلين عن الجهاد خائفين من الموت راغبين في ~~متاع الدنيا، حكى عنهم] في هذه الآية خصلة أخرى أقبح من ms2680 الأولى. # وفي النظم وجه آخر؛ وهو أن الخائفين من الموت، ~~المتثاقلين في الجهاد من عادتهم أنهم إذا جاهدوا ~~وقاتلوا، فإن أصابوا ظفرا أو غنيمة، قالوا: هذه من عند ~~الله، وإن أصابهم مكروه، قالوا: هذه من شؤم مصاحبة محمد ~~صلى الله عليه وسلم. # فعلى هذا يكون المراد ب " الحسنة ": الظفر والغنيمة يوم بدر، ~~وب " السيئة ": القتل والهزيمة يوم أحد، وهذا نظير قوله: # فإذا جآءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن ~~تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه # [الأعراف: 131]. # قال القاضي: القول بأن الحسنة هي الخصب، وأن السيئة هي الغلاء، ~~[هذا] هو المعتبر، لأن إضافة الخصب والغلاء وكثرة النعم وقلتها إلى ~~الله جائزة وأما إضافة النصر والهزيمة إلى الله - تعالى ~~-، فغير جائزة، [لأن السيئة إذا كانت بمعنى الهزيمة والقتل، ~~لم يجز إضافتها إلى الله - تعالى -، وهذا على مذهبه] أما ~~على مذهب أهل السنة، فالكل بقضاء الله وقدره. # فصل في تفسير الحسنة والسيئة # اعلم أن السيئة تقع على البلية والمعصية، والحسنة على ~~النعمة والطاعة؛ قال تعالى: # وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم ~~يرجعون # [الأعراف: 168] وقال - تعالى -: # إن الحسنات يذهبن السيئات # [هود: 114]، وإذا ثبت هذا؛ فنقول: قوله: { وإن تصبهم حسنة ~~} ، وقوله: { وإن تصبهم سيئة } يفيد العموم في كل ~~الحسنات والسيئات، ثم قال بعده: { قل كل من عند ~~الله }. # فهنا تصريح بأن جميع الحسنات والسيئات من الله - تعالى -، ~~ولما ثبت بما ذكرنا أن الطاعات والمعاصي داخلتان تحت ~~اسم الحسنة والسيئة، كانت [الآية] دالة على [أن] جميع ~~الطاعات والمعاصي من الله تعالى، وهو المطلوب. # [فإن قيل]: المراد من الحسنة والسيئة هنا: ليس هو الطاعة ~~والمعصية؛ لاتفاق الكل على أن هذه الآية نزلت في الخصب ~~والجدب، فاختصت بهما، وأيضا فالحسنة التي يراد بها ~~الخير والطاعة [لا يقال فيها: أصابتني، إنما يقال: أصبتها، ~~وليس في كلام العرب أصاب فلان حسنة]، [بمعنى: عمل خير أو ~~أصابته سيئة] بمعنى: عمل معصية، فلو كان المراد ما ~~ذكرتم، لقال: إن أصبتم حسنة. # وأيضا: لفظ الحسنة واقع بالاشتراك على الطاعة وعلى ~~المنفعة، وههنا أجمع المفسرون على أن ms2681 المنفعة مرادة، ~~[فيمتنع كون الطاعة مرادة]، لأنه لا يجوز استعمال المشترك ~~في مفهوميه معا. # والجواب عن الأول: [أن] خصوص السبب لا يقدح في عموم ~~اللفظ. # وعن الثاني: أنه يصح أن يقال: أصابني توفيق من الله، ~~وعون من الله، وأصابه خذلان من الله، ويكون المراد [من ذلك ~~التوفيق والعون: تلك الطاعة، ومن الخذلان: تلك المعصية. # وعن الثالث: أن كل] ما كان منتفعا به فهو حسنة، فإن كان ~~نفعه في الآخرة، فهو في الطاعة، وإن كان نفعه في الدنيا فهو ~~السعادة الحاضرة، فاسم الحسنة بالنسبة إلى هذين ~~القسمين متواطئ الاشتراك، فزال السؤال، ويؤيد ذلك: أن ~~البديهة قاطعة بأن كل موجود ممكن لذاته، مستند للحق ~~بذاته وهو الله - تعالى -، فلو استغنى الممكن بذاته [عن ~~الحق]، لزم نفي الصانع، وهذا الحكم لا يختلف كيف كان ~~الممكن؛ حيوانا، أو جمادا، أو فعلا، أو صفة، وهذا برهان ~~كالشمس، مصرح بأن الكل من عند الله؛ كما قال - تعالى -: { ~~قل كل من عند الله }. # قوله: { فما لهؤلاء القوم } # وقف أبو عمرو والكسائي - بخلاف عنه - على " ما " في قوله: " فما ~~لهؤلاء " وفي قوله: # مال هذا الرسول # [الفرقان: 7] وفي قوله: # ما لهذا الكتاب # [الكهف: 49] وفي قوله: # فمال الذين كفروا # [المعارج: 36]. والباقون: على اللام التي للجر دون مجرورها ~~اتباعا للرسم، وهذا ينبغي إلا يجوز - أعني: الوقفين - لأن ~~الأول يوقف فيه على المبتدأ دون خبره، والثاني يوقف فيه على ~~حرف الجر دون مجروره، وإنما يجوز ذلك؛ لضرورة قطع ~~النفس أو ابتلاء. # قال الفراء: كثرت في الكلام هذه الكلمة، حتى توهموا أن ~~اللام متصلة بها، وأنهما حرف واحد، ففصلوا اللام بما ~~بعدها في بعضه، ووصلوها في بعضه، والقراءة الاتصال، ولا ~~يجوز الوقف على اللام؛ لأنها لام خافضة. # لما دل الدليل على أن كل ما سوى الله مستند إلى ~~الله، وكان ذلك الدليل في غاية الظهور، قال - تعالى -: { ~~فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا } ~~وهذا يجري مجرى التعجب؛ لعدم وقوفهم على صحة هذا ~~الكلام مع ظهوره. # قالت المعتزلة: هذه الآية تدل على صحة ms2682 قولنا؛ لأنه لو ~~كان حصول الفهم والمعرفة بتخليق الله - تعالى -، لم يبق ~~لهذا التعجب معنى ألبتة؛ لأن السبب في عدم حصول هذه ~~المعرفة، هو أن الله - تعالى - لم يخلق ذلك فيهم. # وهذا تمسك بطريقة المدح والذم؛ وهي معارضة بالعلم ~~والداعي. # والمراد ب " هؤلاء القوم ": المنافقون واليهود، " لا يكادون يفقهون ~~حديثا " أي: قولا. # وقيلأ: الحديث هاهنا: القرآن: أي: لا يفقهون معاني القرآن، ~~والفقه: الفهم، يقال: فقه بكسر القاف؛ إذا فهم، وفقه ~~بفتح القاف: إذا غلب غيره، وفقه بضم القاف، ومنه ما ~~قال عليه السلام لابن عباس # " اللهم فقهه في التأويل " # أي: فهمه تأويله، فعلى هذا التأويل قالت المعتزلة: ~~هذه الآية تقتضي وصف القرآن بأنه حادث، والحديث: فعيل ~~بمعنى مفعول، فيلزم منه أن يكون القرآن محدثا. # والجواب: إن كان مرادكم بالقرآن هذه العبارات، فنحن ~~نسلم كونها محدثة. ### || [4.79] # في " ما " هذه قولان: # أحدهما: قال أبو البقاء: إنها شرطية: وضعف أن تكون موصولة ~~قال: " ولا يحسن أن تكون بمعنى الذي؛ لأن ذلك يقتضي أن ~~يكون المصيب لهم ماضيا مخصصا، والمعنى على العموم ~~والشرطية أشبه، والمراد بالآية: الخصب والجدب، ولذلك لم ~~يقل:ما أصبت ". انتهى، يعني أن بعضهم يقول: إن المراد ~~بالحسنة الطاعة، وبالسيئة المعصية، ولو كان هذا ~~مرادا، لقال: " ما أصبت "؛ لأنه الفاعل للحسنة والسيئة ~~جميعا، فلا تضاف إليه إلا بفعله لهما. # والثاني: أنها موصولة بمعنى الذي، وإليه ذهب مكي، ومنع أن ~~تكون شرطية، قال: وليست للشرط؛ لأنها نزلت في شيء ~~بعينه، وهو الجدب والخصب، والشرط لا يكون إلا مبهما، يجوز ~~أن يقع وألا يقع، وإنما دخلت الفاء للإبهام الذي في " ~~الذي " مع أن صلته فعل، فدل على أن الآية ليست في ~~المعاصي والطاعات كما قال أهل الزيغ، وأيضا فإن ~~اللفظ " ما أصابك " ، ولم يقل: " ما أصبت ". انتهى. # والأول أظهر؛ لأن الشرطية أصل في الإبهام كنما ذكره أبو ~~البقاء، والموصولة فبالحمل عليها، وقول مكي: " لأنها نزلت ~~في شيء بعينه " هذا يقتضي ألا يشبه الموصول بالشرط؛ لأنه لا ~~يشبه به حتى يراد الإبهام لا شيء ms2683 بعينه، وإلا فمتى ~~أريد به شيء بعينه، لم يشبه بالشرط فلم تدخل الفاء في ~~خبره، نص النحويون على ذلك، وفي المسألة خلاف: فعلى ~~الأول: " أصابك " في محل جزم بالشرط، وعلى الثاني: لا ~~محل له؛ لأنه صلة. # و " من حسنة " الكلام فيه كالكلام في قوله: # ما ننسخ من آية # [البقرة: 106] وقد تقدم، والفاء في " فمن الله " جواب الشرط ~~على الأول وزائدة على الثاني، والجار بعدها خبر لمبتدأ ~~محذوف، تقديره: فهو من الله، والجملة: إما في محل جزم ~~أو رفع على حسب القولين. # واختلف في كاف الخطاب: فقيل: المراد كل أحد، وقيل: الرسول ~~والمراد أمته، وقيل: الفريق في قوله: { إذا فريق } ، وذلك ~~لأن " فريقا " اسم جمع فله لفظ ومعنى، فراعى لفظه ~~فأفرد؛ كقوله: [الطويل] # 1837- تفرق أهلانا ببين فمنهم # فريق أقام واستقل فريق # وقيل في قوله: { فمن نفسك }: إن همزة الاستفهام محذوفة، ~~تقديره: أفمن نفسك، وهو كثير؛ كقوله - تعالى -: # وتلك نعمة تمنها # [الشعراء: 22] وقوله - تعالى -: # بازغا قال هذا ربي # [الأنعام: 77]. ومنه: [الطويل] # 1838- رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع # فقلت وأنكرت الوجوه هم هم # وقوله: [المنسرح] # 1839- أفرح أن أرزأ الكرام وأن # أورث ذودا شصائصا نبلا # تقديره: وأتلك، وأهذا ربي، وأهم هم، وأفرح، وهذا لم يجزه من ~~النحاة إلا الأخفش، وأما غيره فلم يجزه إلا قبل " أم "؛ ~~كقوله: [الطويل] # 1840- لعمرك ما أدري وإن كنت داريا # بسبع رمين الجمر أم بثمان # وقيل: ثم قول مقدر، أي: لا يكادون يفقهون حديثا يقولون: ~~ما أصابك. # وقرأت عائشة: " فمن نفسك " بفتح ميم " من " ورفع السين، على ~~الابتداء والخبر، أي شيء نفسك حتى ينسب إليها فعل؟. # قوله: " رسولا " فيه وجهان: # أحدهما: أنه حال مؤكدة. # والثاني: أنه مصدر مؤكد بمعنى إرسال، ومن مجيء " رسول ~~" مصدرا قوله: [الطويل] # 1841- لقد كذب الواشون ما بحت عندهم # بسر ولا أرسلتهم برسول # أي: بإرسال، بمعنى رسالة. و " للناس " يتعلق ب " أرسلناك " ، ~~واللام للعلة، وأجاز أبو البقاء أن يكون حالا من " رسولا " كأنه ~~جعله في الأصل صفة للنكرة، فقدم عليها، وفيه نظر. # فصل # قال الجبائي: قد ثبت ms2684 أن لفظ السيئة يقع على ~~البلية والمحنة، وتارة يقع على الذنب والمعصية، ثم إنه ~~- تعالى - أضاف السيئة إلى نفسه في الآية الأولى بقوله: # قل كل من عند الله # [النساء:78]، وأضافها في هذه الآية إلى العبد بقوله: { ومآ ~~أصابك من سيئة فمن نفسك } ولا بد من التوفيق ~~بين الآيتين؛ فنقول: لما كانت السيئة بمعنى البلاء ~~والشدة مضافة إلى الله، وجب أن تكون السيئة بمعنى ~~المصيبة مضافة إلى العبد؛ ليزول التناقض بين هاتين ~~الآيتين المتجاورتين، وقد حمل المخالفون أنفسهم على ~~تغيير الآية، وقرأوا: " فمن نفسك " فغيروا القرآن، وسلكوا ~~مثل طريقة الرافضة في ادعاء التغيير في القرآن. # فإن قيل: فلم فصل - تعالى - بين الحسنة والسيئة في هذه ~~الآية؛ فأضاف الحسنة التي هي الطاعة إلى نفسه دون ~~السيئة، وكلاهما فعل العبد عندكم؟. # قلنا: إن الحسنة وإن كانت من فعل العبد، فإنما وصل إليها ~~بتسهيله وألطافه، فصحت الإضافة إليه، وأما السيئة، ~~فهي غير مضافة إلى الله - تعالى - بأنه [ما] فعلها، ولا ~~أرادها، ولا أمر بها، ولا رغب فيها. فلا جرم انقطعت ~~هذه النسبة إلى الله تعالى من جميع الوجوه. # قال ابن الخطيب: والجواب: أن هذه الآية دلت على أن الإيمان ~~حصل بتخليق الله - تعالى -: لأن الإيمان حسنة [والحسنة] هي ~~الغبطة الخالية عن جميع جهات القبح، والإيمان كذلك؛ ~~فوجب أن تكون حسنة؛ لأنهم اتفقوا على أن قوله # ومن أحسن قولا ممن دعآ إلى الله # [فصلت: 33] أن المراد به: كلمة الشهادة، وقيل في قوله: # إن الله يأمر بالعدل والإحسان # [النحل: 90] قيل: هو قول لا إله إلا الله؛ فثبت أن الإيمان ~~حسنة، وإنما قلنا: إن كل حسنة من الله؛ لقوله - تعالى -: { ~~مآ أصابك من حسنة فمن الله } وهذا يفيد العموم في ~~جميع الحسنات، وإذا ثبت أن الإيمان حسنة، وكل حسنة من ~~الله، وجب القطع بأن الإيمان من الله. # فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد من قوله: " من الله " هو أن ~~الله قدره عليه، وهداه إلى معرفة حسنه، وإلى معرفة ~~قبح ضده الذي هو الكفر. # قلنا: جميع ms2685 الشرائط مشتركة بالنسبة إلى الإيمان ~~والكفر عندكم ثم إن العبد باختيار نفسه أوجد الإيمان، ولا ~~مدخل لقدرة الله وإعانته في نفس الإيمان، فكان الإيمان ~~منقطعا عن الله - [تعالى] - من كل الوجوه، فكذا هذا مناقضا ~~لقوله: { مآ أصابك من حسنة فمن الله }؛ فثبت بدلالة ~~هذه الآية أن الإيمان من الله، والخصوم لا يقولون به، وأما بيان ~~أن الكفر أيضا من الله فلوجوه: # أحدها: أن كل من قال: الإيمان من الله قال الكفر من ~~الله؛ فالقول بأحدهما من الله - تعالى - دون الآخر - مخالف ~~لإجماع الأمة. # وثانيها: أن العبد لو قدر على تحصيل الكفر، فالقدرة ~~الصالحة لإيجاد الكفر: إما أن تكون صالحة لإيجاد الإيمان، ~~أو لا، فإن كانت صالحة لإيجاد الإيمان، [فحينئذ] يعود القول في ~~أن إيمان العبد منه، [وإن لم تكن صالحة لإيجاد ~~الإيمان، فيكون القادر على الشيء غير قادر على ضده، وذلك ~~عندهم محال؛ فثبت أنه لم يكن الإيمان منه، وجب ألا ~~يكون الكفر منه]. # وثالثها: أنه لما يكن العبد موجدا للإيمان فبأن لا يكون ~~موجدا للكفر أولى؛ وذلك لأن المستقل بإيجاد الشيء هو ~~الذي يمكنه تحصيل مراده، ولا نرى في الدنيا ~~عاقلا، إلا يريد أن يكون الحاصل في قلبه هو [الإيمان ~~والمعرفة والحق، وإن أحدا من العقلاء لا يريد أن يكون ~~الحاصل في قلبه هو] الجهل والضلال والاعتقاد الخطأ، فإذا كان ~~العبد موجدا لأفعال نفسه، وهو لا يقصد إلا تحصيل العلم ~~الحق المطابق، وجب ألا يتحصل في قلبه إلا الحق، وإذا ~~كان الإيمان الذي هو مقصوده ومطلوبه ومراده، لم يقع ~~بإيجاده، فبأن يكون الجهل الذي لم يرده وما قصد تحصيله، ~~وهو في غاية النفرة [عنه] غير واقع بإيجاده أولى، وأما ~~الجواب عن احتجاجه بقوله: { مآ أصابك من حسنة فمن ~~الله ومآ أصابك من سيئة فمن نفسك } فمن ~~وجهين: # الأول: أنه - تعالى - قال حكاية عن إبراهيم - عليه السلام -: # وإذا مرضت فهو يشفين # [الشعراء: 80]، أضاف المرض إلى نفسه، والشفاء إلى الله - ~~تعالى -، ولم يقدح ذلك في كونه - تعالى - خالقا للمرض ~~والشفاء، وإنما ms2686 فصل بينهما رعاية للأدب، فكذا ههنا؛ فإنه ~~يقال: يا مدبر السموات والأرض؛ ولا يقال: " يا مدبر ~~القمل والصبيان والخنافس.. " فكذا ههنا. # الثاني: قال أكثر المفسرين في قول إبراهيم - عليه السلام -: " ~~هذا ربي " إنه ذكر هذا استفهاما على سبيل الإنكار؛ كما ~~قدمناه فكذا ههنا؛ كأنه قيل: الإيمان الذي وقع على وفق ~~قصده، قد بينا أنه ليس واقعا منه، بل من الله - تعالى ~~- فهذا الكفر [ما] قصده، وما أراده، وما رضي به ألبتة، ~~فكيف يدخل في العقل أن يقال إنه وقع به. # وأما قراءة: " فمن نفسك " فنقول: إن صح أنه قرأ بها أحد من ~~الصحابة والتابعين، فلا طعن فيه، وإن لم يصح ذلك، فالمراد أن ~~من حمل الآية على أنها وردت على سبيل الاستفهام على وجه ~~الإنكار، قال: لأنه لما أضاف السيئة إليهم في معرض الاستفهام ~~على سبيل الإنكار، كان المراد أنها غير مضافة إليهم، فذكر ~~[قوله]: " فمن نفسك " كقولنا: إنه استفهام على سبيل الإنكار. # [فصل] # قوله: { ما أصابك من حسنة } أي: من خير ونعمة، { فمن الله وما ~~أصابك من سيئة } أي: بلية أو أمر " تكرهه " فمن نفسك " أي: ~~بذنوبك، الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره، ~~نظيره قوله - تعالى -: # ومآ أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم # [الشورى: 30]. # قال البغوي: وتعلق أهل القدر بظاهر هذه الآية؛ فقالوا: ~~نفى الله - عز وجل - السيئة عن نفسه، ونسبها إلى ~~العبد؛ فقال: { وما أصابك من سيئة فمن نفسك } ولا متعلق لهم فيه؛ ~~لأنه ليس المراد من الآية حسنات الكسب ولا سيئاته من ~~الطاعات والمعاصي، بل المراد منه: ما يصيبهم من النعم ~~والمحن، وذلك ليس من فعلهم؛ بدليل أنه نسبها إلى غيرهم ~~ولم ينسبها إليهم، فقال " ما أصابك " ولا يقال في الطاعة ~~والمعصية: أصابني، إنما يقال: أصبتها، ويقال في المحن: ~~أصابني؛ بدليل أنه لم يذكر عليه ثوابا ولا عقابا؛ فهو ~~كقوله - تعالى -: # فإذا جآءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن ~~تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه # [الأعراف: 131] ولما ذكر حسنات الكسب وسيئاته نسبها إليه، ~~ووعد عليها الثواب ms2687 والعقاب؛ فقال # من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جآء ~~بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها # [الأنعام: 160]. # وقيل: معنى الآية: { ما أصابك من حسنة }: من النصر والظفر يوم ~~بدر، " فمن الله " أي: من فضل الله، و { ما أصابك من سيئة }: من ~~القتل والهزيمة يوم أحد، " فمن نفسك " أي: يعني: فبذنوب ~~أصحابك وهو مخالفتهم لك. # فإن قيل: كيف وجه الجمع بين قوله: { قل كل من عند الله } [وبين ~~قوله: " فمن نفسك ". # قيل: قوله: # قل كل من عند الله # ] [النساء:78] أي: الخصب والجدب، والنصر والهزيمة كلها من ~~عند الله، وقوله " فمن نفسك " أي: ما أصابك من سيئة فمن الله بذنب ~~نفسك؛ عقوبة لك كما قال: # ومآ أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم # [الشورى: 30]؛ يدل عليه ما روى مجاهد عن ابن عباس؛ أنه قرأ: " ~~وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأنا كتبتها عليك ". # ثم قال [- تعالى -]: { وأرسلناك للناس رسولا }. # قوله: " رسولا " فيه وجهان: # أحدهما: أنه حال مؤكدة. # والثاني: أنه مصدر مؤكد بمعنى إرسال، ومن مجيء " رسول " مصدرا قوله: ~~[الطويل] # 1842 أ- لقد كذب الواشون ما بحت عندهم # بسر ولا أرسلتهم برسول # أي بإرسال، بمعنى رسالة. و " للناس " يتعلق ب " أرسلناك " ، واللام ~~للعلة. وأجاز أبو البقاء أن يكون حالا من " رسولا " كأنه جعله في الأصل ~~صفة للنكرة فقدم عليها، وفيه نظر. # فصل # وهذا يدل على أن المراد من هذه الآيات إسناد جميع الأمور إلى ~~الله - تعالى -؛ لأن المعنى: ليس لك إلا الرسالة ~~والتبليغ، وقد فعلت وما قصرت، { وكفى بالله شهيدا } على جدك ~~وعدم تقصيرك في أداء الرسالة وتبليغ الوحي، فأما حصول ~~الهداية فليس إليك، بل إلى الله؛ ونظيره قوله - تعالى -: # ليس لك من الأمر شيء # [آل عمران: 128]، وقوله: # إنك لا تهدي من أحببت # [القصص: 56]. # وقيل المعنى: وكفى بالله شهيدا على إرسالك وصدقك، وقيل: ~~وكفى بالله شهيدا على أن الحسنة والسيئة كلها من الله. ### || [4.80] # وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: # " من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أحبني فقد أحب الله " # فقال بعض المنافقين: ms2688 ما يريد هذا الرجل إلا أن نتخذه ~~ربا؛ كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم ربا؛ فأنزل الله ~~- عز وجل -: " من يطع الرسول " فيما أمره [الله] " فقد أطاع الله " ، ~~" ومن تولى ": عن طاعته " فما أرسلناك " يا محمد " عليهم حفيظا " أي: ~~حافظا ورقيبا، بل كل أمورهم إلى الله - تعالى -، ولا تغتم بسبب ~~توليهم ولا تحزن، والمراد: تسلية الرسول - عليه الصلاة ~~والسلام -. # قيل: نسخ الله - عز وجل - هذه الآية بآية السيف، وأمره بقتال ~~من خالف الله ورسوله. # قوله: " حفيظا ": حال من كاف " أرسلناك " و " عليهم " متعلق ب " ~~حفيظا " ، وأجاز فيه أبو البقاء ما تقدم في " للناس ". ### || [4.81] # في رفع " طاعة ": وجهان: # أحدهما: أنه خبر مبتدأ مضمر، تقديره: " أمر طاعة " ولا يجوز ~~إظهار هذا المبتدأ؛ لأن الخبر مصدر بدل من اللفظ بفعله. # والثاني: أنه مبتدأ والخبر محذوف، أي: منا طاعة، أو: ~~عندنا طاعة، قال مكي: " ويجوز في الكلام النصب على المصدر ~~". # قوله: " فإذا برزوا " [وأخرجوا]، من عندك بيت طائفة منهم غير ~~الذي تقول. # أدغم أبو عمرو وحمزة: تاء " بيت " في طاء " طائفة " لتقاربهما، ~~ولم يلحق الفعل علامة تأنيث؛ لكونه مجازيا، و " منهم ": ~~صفة ل " طائفة " ، والضمير في " تقول " يحتمل أن يكون ضمير ~~خطاب للرسول - عليه السلام -، أي: غير الذي تقوله وترسم به يا ~~محمد، ويؤيده قراءة عبد الله: " بيت مبيت منهم " ، ~~وأن يكون غيبة للطائفة، أي: تقول هي. # وقرأ يحيى بن يعمر: " يقول " بياء الغيبة، فيحتمل أن يعود ~~الضمير على الرسول بالمعنى المتقدم، وأن يعود على ~~الطائفة، ولم يؤنث الضمير؛ لأن الطائفة في معنى الفريق ~~والقوم. # قال الزمخشري: " بيت طائفة " أي: زورت وسوت " غير الذي تقول ~~": خلاف ما قلت وما أمرت به، أو خلاف ما قالت وما ضمنت من ~~الطاعة؛ لأنهم أضمروا الرد لا القبول. # قال الزجاج: كل أمر تفكر فيه وتؤول في مصالحه ومفاسده كثيرا، ~~قيل: هذا أمر مبيت؛ قال - تعالى -: # إذ يبيتون ما لا يرضى من القول # [النساء: 108]، وقال قتادة والكلبي: بيت، أي: غير وبدل ~~الذي عهد إليهم النبي صلى الله عليه ms2689 وسلم، ويكون التبييت ~~بمعنى: التبديل. # وقال أبو عبيدة: والتبييت معناه: قالوا وقدروا ليلا ما ~~أعطوك نهارا، وكل ما قدر بليل فهو مبيت. # وقال أبو الحسن الأخفش: تقول العرب للشيء إذا قدر: ~~بيت، يشبهونه بتقدير بيوت الشعر، وفي اشتقاقه ~~وجهان: # أحدهما: أن أصلح الأوقات للفكر أن يجلس الإنسان في بيته ~~بالليل، فهناك تكون الخواطر أجلى والشواغل أقل، فلما كان ~~الغالب أن الإنسان وقت الليل يكون في البيت، والغالب أنه ~~إنما يستقصي في الأفكار في الليل، فلا جرم سمي ذلك ~~فيس الفكر مبيتا. # والثاني: أن التبييت والبيات: أن يأتي العدو ليلا، وبات ~~يفعل كذا: إذا فعله ليلا؛ كما يقال: ظل بالنهار، وبيت ~~بالشيء، قدره، وإنما خص هذه الطائفة من جملة المنافقين ~~لوجهين: # أحدهما: أنه - تعالى - ذكر من علم أنه يبقى على كفره ~~ونفاقه، فأما من علم أنه يرجع عن ذلك فإنه لم يذكرهم. # والثاني: أن هذه الطائفة كانوا قد سهروا ليلهم في ~~التبييت، وغيرهم سمعوا وسكتوا ولم يبيتوا، فلا جرم لم ~~يذكروا. # وفي الآية دليل على أن مجرد القول لا يفيد شيئا، فإنهم ~~قالوا " طائفة " ولفظوا بها، ولم يحقق الله طاعتهم. # ثم قال: { والله يكتب ما يبيتون } ذكر الزجاج [فيه] ~~وجهين: # أحدهما: [معناه]: ينزل إليك في كتابه. # والثاني: يكتب ذلك في صحائف أعمالهم؛ ليجازوا به. # وقال الضحاك عن ابن عباس، يعني: ما يسرون من النفاق. # و " ما " في " ما يبيتون " يجوز أن تكون موصولة أو موصوفة أو ~~مصدرية. " فأعرض عنهم " يا محمد، ولا تفضحهم ولا تعاقبهم ~~ولا تخبر بأسمائهم؛ فأمر الله - تعالى - بستر [أحوال] ~~المنافقين إلى أن يستقيم أمر الإسلام. # ثم قال: { وتوكل على الله } في شأنهم، فإن الله يكفيك [شرهم] ~~وينتقم [لك] منهم، { وكفى بالله وكيلا } لمن توكل عليه. # قال المفسرون: كان الأمر بالإعراض عن المنافقين في ابتداء ~~الإسلام، ثم نسخ ذلك بقوله: # جاهد الكفار والمنافقين # [التوبة: 73]. وهذا فيه نظر؛ لأن الأمر بالصفح مطلق، فلا يفيد ~~إلا المرة الواحدة، فورود الأمر بعد ذلك بالجهاد لا يكون ~~ناسخا له. ### || [4.82] # قرأ ابن ms2690 محيصن: " يدبرون ": بإدغام التاء في الدال، والأصل: ~~يتدبرون، وهي مخالفة للسواد والتدبير والتدبر عبارة عن ~~النظر في عواقب الأمور وأدبارها، ودبر الشيء آخره، ومنه ~~قوله: إلام تدبروا أعجاز أمور قد ولت صدورها، ويقال في ~~فصيح الكلام: لو استقبلت من أمري ما استدبرت، أي: لو عرفت ~~في صدري ما عرفت [من] عاقبته، لامتنعت. # فصل: وجه النظم في الآية # ووجه النظم أنه - تعالى - [لما] حكى أنواع مكر المنافقين ~~وكيدهم؛ لأجل عدم اعتقادهم صحة دعوى النبي صلى الله عليه ~~وسلم للرسالة، فلا جرم أمرهم [الله] تعالى بأن ينظروا ويتفكروا ~~في الدلائل [الدالة] على صحة النبوة؛ فقال [- تعالى -] { ~~أفلا يتدبرون القرآن } والعلماء قالوا: دلالة القرآن على صدق ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من ثلاثة أوجه: # أحدها: فصاحته. # وثانيها: اشتماله على الإخبار عن الغيوب. # والثالث: سلامته عن الاختلاف، وهاذ هو المذكور في هذه الآية، ~~وذكروا في تفسير سلامته عن الاختلاف ثلاثة أوجه: # الأول: قال أبو بكر الأصم: معناه أن هؤلاء المنافقين كانوا ~~يتواطئون في السر على أنواع كثيرة من الكيد والمكر، والله ~~- تعالى - [كان] يطلع الرسول - عليه الصلاة والسلام - على تلك ~~الأحوال، ويخبره عنها مفصلة، فقيل لهم: إن ذلك لو لم يحصل ~~بإخبار الله - تعالى -، وإلا لما اطرد الصدق فيه، ولظهر ~~الاختلاف والتفاوت في قول محمد - [عليه السلام] -، فلما لم ~~يظهر ذلك علمنا أن ذلك بإعلام الله - تعالى -. # الثاني: قال أكثر المتكلمين: إن القرآن كتاب كبير مشتمل على ~~أنواع كثيرة من العلوم، فلو كان ذلك من عند غير الله، ~~لوقع فيه أنواع من الكلمات المتناقضة؛ لأن الكتاب الكبير ~~لا ينفك من ذلك، ولما لم يوجد فيه ذلك، علمنا: أنه ليس من ~~عند غير الله؛ قاله ابن عباس. # فإن قيل: أليس أن قوله: # وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة # [القيامة: 22- 23] كالمناقض لقوله: # لا تدركه الأبصار # [الأنعام: 103]، وآيات الجبر كالمناقضة لآيات القدر، وقوله: # فوربك لنسألنهم أجمعين # [الحجر: 92] كالمناقض لقوله: # فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن # [الرحمن: 39]. # فالجواب أنا بينا أنه لا منافاة ولا مناقضة ms2691 بين شيء ~~منها. # الثالث: قال [أبو] مسلم الأصفهاني: المراد منه عدم الاختلاف في ~~رتب الفصاحة فيه من أوله إلى آخره على نهج واحد، ومن ~~المعلوم أن الإنسان وإن كان في غاية البلاغة ونهاية ~~الفصاحة، إذا كتب كتابا طويلا مشتملا على المعاني ~~الكثيرة، فلا بد وأن يقع التفاوت في كلامه، بحيث يكون بعضه ~~قريبا مبينا وبعضه سخيفا نازلا. # ولما لم يكن القرآن كذلك، علمنا أنه معجز من عند الله - تعالى ~~-. # والضمير في " فيه " يحتمل أن يعود على القرآن، وهو الظاهر، وأن ~~يعود على ما يخبره الله - تعالى - به مما يبيتون ويسرون، ~~يعني: أنه يخبرهم به على حد ما يقع. # فصل في دلالة الآية # دلت الآية على أن القرآن معلوم المعنى، خلافا لمن يقول: ~~إنه لا يعلم معناه إلا النبي والإمام المعصوم؛ [لأنه] لو ~~كان كذلك، لما تهيأ للمنافقين معرفة ذلك بالتدبر، ودلت ~~الآية أيضا على إثبات القياس، وعلى وجوب النظر والاستدلال، ~~وعلى فساد التقليد، [و] لأنه - تعالى - أمر المنافقين ~~بالاستدلال بهذا الدليل على صحة نبوته فيه، فبأن يحتاج ~~إلى معرفة ذات الله - تعالى - وصفاته إلى الاستدلال أولى. # فصل # قال أبو علي الجبائي: دلت الآية على أن أفعال العباد [غير] ~~مخلوقة لله تعالى لأن قوله - تعالى -: { ولو كان من عند ~~غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } يقتضي أن فعل ~~العبد لا ينفك عن التفاوت والاختلاف وفعل الله - تعالى - ~~لا يوجد فيه التفاوت؛ لقوله - تعالى -: # ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت # [الملك: 3]، فهذا يقتضي أن فعل العبد لا يكون فعلا لله - ~~[عز وجل] -. # والجواب: أن قوله - تعالى -: # ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت # [الملك:3] معنى التفاوت في أنه يقع على وفق مشيئته بخلاف غيره، ~~فإن فعل غيره لا يقع على وفق مشيئته على الإطلاق. ### || [4.83] # وهذا نوع آخر من أعمال المنافقين الفاسدة، وذلك أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث السرايا فإذا غلبوا أو ~~غلبوا بادر المنافقون يستخبرون عن حالهم، فيفشون ~~ويحدثون به قبل أن يحدث به رسول الله صلى ms2692 الله عليه وسلم ~~فيضعفون به قلوب المؤمنين، فأنزل الله - تعالى - { وإذا ~~جآءهم } يعني: المنافقين " أمر من الأمن " أي: الفتح ~~والغنيمة " أو الخوف " أي: القتل والهزيمة " أذاعوا به " أشاعوه ~~وأفشوه، وذلك سبب للضرر من وجوه: # أحدها: أن مثل هذه الإرجافات لا تنفك عن الكذب. # وثانيها: إن كان ذلك الخبر من جانب الأمن زادوا فيه زيادات ~~كثيرة، [فإذا لم توجد تلك الزيادات، أورث ذلك شبهة ~~للضعفاء في صدق الرسول - عليه السلام-]؛ لأن المنافقين كانوا ~~يروون تلك الإرجافات عن الرسول، وإن كان ذلك الخبر خوفا، ~~تشوش الأمر على ضعفاء المسلمين بسببه، ووقعوا في الحيرة ~~والاضطراب، فكان ذلك سببا للفتنة. # وثالثها: أن العداوة الشديدة كانت قائمة بين المسلمين وبين ~~الكفار، فكان كل واحد من الفريقين مجدا في إعداد آلات الحرب ~~وانتهاز الفرصة، فكل ما كان [أمنا] لأحد الفريقين، كان ~~خوفا للفريق الثاني، وإن [وقع خبر الأمن للمسلمين، أرجف ~~بذلك المنافقون، فوصل الخبر في أسرع مدة إلى الكفار؛ ~~فاحترزوا وتحصنوا من المسلمين، وإن] وقع خبر الخوف ~~للمسلمين بالغوا في ذلك وزادوا فيه، وألقوا الرعب في قلوب ~~الضعفة، فظهر أن الإرجاف منشأ الفتن والآفات. # قوله: { أذاعوا به }: جواب إذا، وعين أذاع ياء؛ لقولهم: ذاع ~~الشيء يذيع، ويقال: أذاع الشيء، أيضا بمعنى المجرد، ويكون ~~متعديا بنفسه وبالباء، وعليه الآية الكريمة، وقيل: ضمن " أذاع " ~~معنى " تحدث " فعداه تعديته، أي: تحدثوا به مذيعين له، ~~والإذاعة: الإشاعة، قال أبو الأسود: [الطويل] # 1842- ب- أذاعوا به في الناس حتى كأنه # بعلياء نار أوقدت بثقوب # والضمير في " به " يجوز أن يعود على الأمر، وأن يعود على ~~الأمن أو الخوف؛ لأن العطف ب " أو " والضمير في " ردوه " ~~للأمر. # قوله: " لو ردوه " أي الأمر، " إلى الرسول " أي: [لم] يحدثوا به ~~حتى يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يحدث به، و " إلى ~~أولي الأمر [منهم] " أي: ذوي الرأي من الصحابة؛ مثل أبي بكر وعمر ~~وعثمان وعلي، وقيل: أمراء السرايا؛ لأنهم الذين لهم أمر ~~على الناس، وأهل العلم ليسوا كذلك. # وأجيب عن هذا: بأن العلماء يجب ms2693 على غيرهم قبول قولهم؛ ~~لقوله - تعالى -: # ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا ~~رجعوا إليهم لعلهم يحذرون # [التوبة: 122] فأوجب الحذر بإنذارهم، وألزم المنذرين قبول ~~قولهم، فجاز لهذا المعنى إطلاق اسم أولي الأمر عليهم. # قوله: { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } أي: ~~يستخرجونه، وهم العلماء علموا ما ينبغي أن يكتم، وما ~~ينبغي أن يفشى، والاستنباط في اللغة: الاستخراج، وكذا " ~~الإنباط " يقال: استنبط الفقيه: إذا استخرج الفقه ~~الباطن باجتهاده وفهمه، وأصله من النبط وهو الماء الذي يخرج ~~من البئر أول حفرها قال: [الطويل] # 1843- نعم صادقا والفاعل القائل الذي # إذا قال قولا أنبط الماء في الثرى # ويقال: نبط الماء ينبط بفتح الباء وضمها. # والنبط أيضا: جيل من الناس سموا بذلك؛ لأنهم يستخرجون المياه ~~والنبات. ويقال في الرجل الذي يكون بعيد العز والمنعة: " ما ~~يجد عدوه له نبطا ". قال كعب: [الطويل] # 1844- قريب ثراه ما ينال عدوه # له نبطا، آبي الهوان قطوب # و " منهم " حال: إما من الذين، أو من الضمير في " ~~يستنبطونه " فيتعلق بمحذوف. # وقرأ أبو السمال: " لعلمه " بسكون اللام، قال ابن عطية: هو ~~كتسكين # فيما شجر بينهم # [النساء: 65] وليس مثله؛ لأن تسكين فعل بكسر العين مقيس، ~~وتسكين مفتوحها شاذ؛ ومثل تسكين " لعلمه " قوله: [الطويل] # 1845- فإن تبله يضجر كما ضجر بازل # من الأدم دبرت صفحتاه وغاربه # أي: دبرت، فسكن. # فصل معنى " يستنبطونه " # [قيل المراد ب " يستنبطونه ": يستخرجونه، وقال عكرمة: ~~يحرصون عليه ويسألون عنه]، وقال الضحاك: يتتبعونه، يريد: الذين ~~سمعوا تلك الأخبار من المؤمنين والمنافقين، لو ردوه إلى ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى ذوي الرأي والعلم، لعلمه الذين ~~يستنبطونه، أي: يحبون أي يعلموه على حقيقته كما هو. # وقيل: المراد ب " الذين يستنبوطه " أولئك المنافقون المذيعون، ~~والتقدير: ولو أن هؤلاء المنافقين المذيعين ردوا أمر الأمن ~~والخوف إلى الرسول وإلى أولي الأمر، وطلبوا معرفة الحال ~~[فيه] من جهتهم، لعلمه الذين يستنبطونه منهم و [هم] هؤلاء ~~المنافقون المذيعون منهم، أي: من جانب الرسول، ومن جانب أولي ~~الأمر [منهم]. # فإن قيل: إذا كان الذين أمرهم الله - تعالى - برد هذه ~~الأخبار إلى ms2694 الرسول وإلى أولي [الأمر منهم وهم المنافقون، ~~فكيف جعل أولي الأمر منهم في قوله: { وإلى أولي الأمر ~~منهم }. # الجواب: إنما جعل أولي] الأمر منهم على حسب الظاهر؛ لأن ~~المنافقين يظهرون من أنفسهم أنهم مؤمنون، ونظيره: # وإن منكم لمن ليبطئن # [النساء: 72] وقوله: # ما فعلوه إلا قليل منهم # [النساء: 66]. # قوله: { ولولا فضل الله عليكم ورحمته ~~لاتبعتم الشيطان إلا قليلا } # قال أبو العباس [المقرئ]: وردت الرحمة [في القرآن] على ~~سبعة أوجه: # الأول: القرآن، قال - تعالى -: { ولولا فضل الله ~~عليكم ورحمته } أراد بالفضل الإسلام، وبالرحمة ~~القرآن. # الثاني: بمعنى الإسلام؛ قال - تعالى -: # يدخل من يشآء في رحمته # [الإنسان: 31] أي: في الإسلام [ومثله # ولكن يدخل من يشآء في رحمته # [الشورى: 8] أي: في دين الإسلام]. # الثالث: [بمعنى]: الجنة؛ قال - تعالى -: # أولئك يئسوا من رحمتي # [العنكبوت: 23] أي: من جنتي. # الرابع: المطر؛ قال - تعالى -: # يرسل الرياح بشرى بين يدي رحمته # [الأعراف: 57]. # الخامس: النعمة؛ قال - تعالى -: { ولولا فضل الله ~~عليكم ورحمته }. # السادس: النبوة؛ قال - تعالى -: # أهم يقسمون رحمة ربك # [الزخرف: 32]، أي: النبوة. # السابع: الرزق؛ قال - تعالى -: # ما يفتح الله للناس من رحمة # [فاطر: 2]: من الرزق؛ ومثله # وإما تعرضن عنهم ابتغآء رحمة من ربك ~~ترجوها # [الإسراء: 28] أي: رزقا. # فصل # اعلم: أن ظاهر هذا الاستثناء يوهم أن ذلك القليل وقع لا ~~بفضل الله ولا برحمته، وذلك محال. # قوله: " إلا قليلا " ذكر المفسرون فيها عشرة أوجه: # الأول: قال بعضهم: إنه مستثنى من فاعل " اتبعتم " أي: لاتبعتم ~~الشيطان إلا قليلا منكم، فإنه لم يتبع الشيطان، على تقدير كون ~~فضل الله لم يأته، ويكون أراد بفضل الله الإسلام وإرسال محمد صلى ~~الله عليه وسلم، ويكون قوله: { ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته لاتبعتم الشيطان } كلام تام، [وذلك ~~القليل؛ كقس بن ساعدة الإيادي، وزيد بن عمرو بن نفيل، ~~وورقة بن نوفل، وجماعة سواهم ممن كان على دين المسيح قبل ~~بعثة الرسول]. # وقال أبو مسلم: المراج بفضل الله ورحمته في هذه الآية: هو ~~نصرته ومعونته اللذان تمناهما المنافقون؛ بقولهم: # فأفوز فوزا عظيما # [النساء: 73] بين - تعالى - أنه لولا حصول ms2695 النصر والظفر على ~~سبيل التتابع، لاتبعتم الشيطان وتركتم الدين إلا قليلا ~~منكم، وهم أهل البصائر النافذة، والنيات القوية، ~~والعزائم المتمكنة من أفاضل المؤمنين، الذين يعلمون أنه ~~ليس من شرط كونه حقا هو الدولة في الدنيا، فلأجل ~~تواتر الفتح والظفر في الدنيا يدل على كونه حقا؛ ولأجل ~~تواتر الهزيمة والانكسار يدل على كونه باطلا، بل الأمر في ~~كونه حقا وباطلا على الدليل، وهو أحسن الوجوه. # [وقيل: المراد من من لم يبلغ التكليف، وعلى ذها التأويل ~~قيل: فالاستثناء منقطع؛ لأن المستثنى لم يدخل تحت ~~الخطاب، وفيه نظر يظهر في الوجه العاشر. # الثاني: أنه مستثنى من فاعل " أذاعوا " أي: أظهروا أمر الأمن ~~أو الخوف إلا قليلا فأخرج بعض المناققين من هذه الإذاعة. # الثالث: أنه مستثنى من فاعل " علمه " أي: لعلمه ~~المستنبطون منهم إلا قليلا]. # قال الفراء والمبرد: [وأما] القول بأنه مستثنى من فاعل " أذاعوا ~~" أولى من هذا؛ لأن ما يعلم بالاستنباط؛ فالأقل يعلمه ~~والأكثر يجهله، وصرف الاستثناء إلى المستنبطين يقتضي ~~ضد ذلك. # قال الزجاج: هذا غلط؛ لأنه ليس المراد من هذا الاستثناء ~~شيئا يستخرجه بنظر دقيق وفكر غامض، إنما هو استنباط ~~خبر، وإذا كان كذلك فالأكثرون يعرفونه إنما البالغ في ~~البلادة والجهالة هو الذي لا يعرفه، ويمكن أن يقال: كلام ~~الزجاج إنما يصح لو حملنا الاستنباط على مجرد تعرف ~~الأخبار والأراجيف، [أما] إذا حملناه على الاستنباط في جميع ~~الأحكام، كان الحق ما ذكره الفراء والمبرد. # الرابع: أنه مستثنى من فاعل " لوجدوا " أي: لوجدوا فيما هو من ~~عند غير الله التناقض إلا قليلا منهم، وهو من لم يمعن ~~النظر، فيظن الباطل حقا والمتناقض موافقا. # الخامس: أنه مستثنى من الضمير المجرور في " عليكم " ، ~~وتأويله كتأويل الوجه الأول. # السادس: أنه مستثنى من فاعل " يستنبطونه " ، وتأويله كتأويل الوجه ~~الثالث. # السابع: أنه مستثنى من المصدر الدال عليه الفعل، والتقدير: ~~لاتبعتم الشيطان إلا اتباعا قليلا؛ ذكر ذلك الزمخشري. # الثامن: أنه مستثنى من المتبع فيه، والتقدير: لاتبعتم ~~الشيطان كلكم إلا قليلا من الأمور كنتم لا تتبعون ~~الشيطان فيها، فالمعنى: لاتبعتم ms2696 الشيطان في كل شيء إلا في ~~قليل من الأمور، فإنكم كنتم لا تتبعونه فيها، وعلى هذا فهو ~~استثناء مفرغ؛ ذكر ذلك ابن عطية، إلا أن في كلامه مناقشة: وهو ~~أنه قال " أي: لاتبعتم الشيطان كلكم إلا قليلا من الأمور ~~كنتم لا تتبعون الشيطان فيها " ، فجعله هنا مستثنى من المتبع فيه ~~المحذوف على ما تقدم تقريره، وكان تقدم أنه مستثنى من ~~الاتباع، فتقديره يؤدي إلى استثنائه من المتبع فيه، ~~وادعاؤه أنه استثناء من الاتباع، وهما غيران. # التاسع: أن المراد بالقلة العدم، يريد: لاتبعتم الشيطان كلكم ~~وعدم تخلف أحد منكم؛ نقله ابن عطية عن جماعة وعن الطبري، ~~ورده بأن اقتران القلة بالاستثناء يقتضي دخولها؛ قال: " ~~وهذا كلام قلق ولا يشبه ما حكى سيبويه من قولهم: " هذه ~~أرض قل ما تنبت كذا " أي: لا تنبت شيئا ". # وهذا الذي قاله صحيح، إلا أنه كان تقدم له في البقرة في قوله ~~- تعالى -: # بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون # [البقرة: 88] أن التقليل هنا بمعنى العدم، وتقدم الرد عليه ~~هناك، فتنبه لهذا المعنى هنا ولم ينتبه له هناك. # العاشر: أن المخاطب بقوله: " لاتبعتم " جميع الناس على العموم، ~~والمراد بالقليل: أمة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، وأيد ~~صاحب هذا القول قوله بقوله - عليه السلام -: # " ما أنتم في سواكم من الأمم إلا كالرقمة البيضاء في ~~الثور الأسود ". # فصل دلالة الآية على حجية القياس # دلت هذه الآية على أن القياس حجة؛ لأن قوله: { الذين ~~يستنبطونه منهم } صفة لأولي الأمر، وقد أوجب الله على ~~الذين يجيئهم أمرين: الأمن، أو الخوف أن يرجعوا في معرفته ~~إليهم ولا يخلو إما أن يرجعوا إليهم في معرفة هذه ~~الوقائع مع حصول النص فيها أو لا، والأول باطل؛ لأن من ~~استدل بالنص في واقعة لا يقال: إنه استنبط الحكم؛ فثبت أنه - ~~تعالى - أمر المكلف برد الواقعة إلى من يستنبط الحكم ~~فيها، ولولا أن الاستنباط حجة، لما أمر المكلف بذلك؛ ~~فثبت أن الاستنباط حجة، وإذا ثبت ذلك فنقول: دلت الآية على ~~أمور: # منها: أن في ms2697 الأحكام ما لا يعرف بالنص، بل بالاستنباط. # ومنها: أن الاستنباط حجة. # ومنها: أن العامي يجب عليه تقليد العلماء في أحكام ~~الحوادث. # ومنها: أن النبي - عليه الصلاة والسلام - كان مكلفا ~~باستنباط الأحكام؛ لأن الله - تعالى - أمر بالرد إلى أولي ~~الأمر، ثم قال: { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } ~~ولم يخصص أولي الأمر دون الرسول، وذلك يوجب الرسول وأولي ~~الأمر كلهم مكلفون بالاستنباط. # فإن قيل: لا نسلم أن المراد ب { الذين يستنبطونه ~~منهم } أولي الأمر، لكن هذه الآية إنما نزلت في بيان الوقائع ~~المتعلقة بالحروب والجهاد، فهب أن الرجوع إلى الاستنباط ~~جائز فيها، فلم قلتم بجوازه في الوقائع الشرعية؛ فإن ~~قيس أحد البابين على الآخر، كان ذلك إثباتا للقياس ~~الشرعي بالقياس، وأنه لا يجوز أن الاستنباط في الأحكام ~~الشرعية داخل تحت الآية فلما قلتم يلزم أن يكون القياس ~~حجة، فإنه يمكن أن يكون المراد بالاستنباط: استخراج ~~الأحكام من النصوص الخفية، أو من تركيبات النصوص، أو ~~المراد منه استخراج الأحكام من البراءة، الأصلية، أو مما ثبت بحكم ~~العقل، كما يقول الأكثرون إن الأصل في المنافع الإباحة، وفي ~~المضار الحرمة. # سلمنا أن القياس الشرعي داخل في الآية، لكن بشرط أن يكون ~~القياس مفيدا للعلم؛ لقوله - تعالى -: { لعلمه الذين ~~يستنبطونه منهم }. فاعتبر حصول العلم من هذا ~~الاستنباط، ونزاع في مثل هذا القياس، إنما النزاع في القياس ~~الذي يفيد الظن: هل هو حجة في الشرع، أم لا. # والجواب: أما الأول فلا يصح؛ لأنه يصير التقدير: أو ردوه ~~إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلموه، وعطف المظهر على ~~المضمر، وهو قوله: " ولو ردوه " قبيح مستكره. # وأما الثاني فمدفوع من وجهين: # أحدهما: أن قوله: { وإذا جآءهم أمر من الأمن أو ~~الخوف } حاصل في كل ما يتعلق بباب التكليف، فليس في الآية ~~ما يوجب تخصيصها بأمر الحروب. # وثانيها: هب أن الأمر كما ذكرتم، لكن لما ثبت تعرف أحكام ~~الحروب بالقياس الشرعي، وجب أن يتمسك بالقياس الشرعي في ~~سائر لوقائع، لأنه لا قائل بالفرق. # وأما الثالث: وهو حمل الاستنباط على استخراج النصوص ms2698 ~~الخفية أو على تركيبات النصوص فكل ذلك لا يخرجه عن كونه ~~منصوصا، والتمسك بالنص لا يسمى استنباطا. # وأما قوله: لا يجوز حمله على التمسك بالبراءة الأصلية. # قلنا: ليس هذا استنباطا، بل هذا إبقاء لما كان على ما كان، ومثل ~~هذا لا يسمى استنباطا. # وأما الرابع: وهو أن هذا الاستنباط إنما يجوز عند حصول العلم، ~~والقياس الشرعي لا يفيد العلم. # فنقول: جوابه من وجهين: # أحدهما: أنه عندنا يفيد العلم؛ أن ثبوت إن القياس حجة ~~يقطع بأنه مهما غلب على الظن أن حكم الله في الأصل ~~معلل بكذا، ثم غلب على الظن أن ذلك المعنى قائم في ~~الفرع، فهنا يحصل ظن أن حكم الله في الفرع مساو لحكمه ~~في الأصل، وعند هذا الظن يقطع بأنه مكلف بأن يعمل على ~~وفق هذا الظن؛ فالحاصل: أن الظن واقع في طريق الحكم، وأما ~~الحكم فمقطوع به، وهو يجري مجرى ما إذا قال الله - تعالى -: مهما ~~غلب على ظنك كذا، فاعلم أن حكمي في الواقعة كذا، فإذا ~~غلب الظن قطعنا بثبوت ذلك الحكم. # وثانيهما: أن العلم قد يطلق ويراد به الظن؛ وقال - عليه الصلاة ~~والسلام -: # " إذا علمت مثل الشمس فاشهد " # شرط العلم في جواز الشهادة، وأجمعنا على أن عند ~~الظن تجوز الشهادة؛ فثبت أن الظن قد يسمى بالعلم. # فصل في رد شبهة للمعتزلة # دلت [هذه] الآية على أن الذين اتبعوا الشيطان، قد منعهم ~~الله فضله ورحمته وإلا ما كان يتبع، وهذا يدل على فساد قول ~~المعتزلة: في أنه يجب على الله رعاية الأصلح في الدين. # أجابوا: بأن فضل الله ورحمته [عامات في حق الكل، لكن ~~المؤمنين انتفعوا به، والكافرين لم ينتفعوا به فصح ~~على سبيل المجاز أنه لم يحصل للكافرين فضل الله ورحمته] في ~~الدين. # والجواب: أن حمل اللفظ على المجاز خلاف الأصل. ### || [4.84] # قوله - تعالى -: " فقاتل ": في هذه الفاء خمسة أوجه: # أحدها: أنها عاطفة هذه الجملة على جملة قوله: # فليقاتل في سبيل الله # [النساء: 74]. # الثاني: أنها عاطفتها على جملة قوله: # فقاتلوا أولياء الشيطان # [النساء: 76]. # الثالث: ms2699 أنها عاطفتها على جملة قوله: # وما لكم لا تقاتلون # [النساء: 75]. # الرابع: أنها عاطفتها على جملة قوله: # فسوف نؤتيه أجرا عظيما # [النساء: 74]. # الخامس: أنها جواب شرط مقدر، أي: إن أردت فقاتل، وأول هذه ~~الأقوال هو الأظهر. # فصل # لما أمر بالجهاد في الآيات المتقدمة ورغب فيه، وذكر قلة رغبة ~~المنافقين في الجهاد، عاد [إلى] الأمر بالجهاد في هذه الآية. # قوله: { لا تكلف إلا نفسك } في هذه الجملة قولان: # أحدهما: أنها في محل نصب على الحال من فاعل " فقاتل " أي: ~~فقاتل غير مكلف إلا نفسك وحدها. # والثاني: أنها مستأنفة أخبره - تعالى - أنه لا يكلف غير ~~نفسه. # والجمهور على " تكلف " بتاء الخطاب ورفع الفعل مبنيا ~~للمفعول، و " نفسك " هو المفعول الثاني، وقرأ عبد الله بن عمر: " لا ~~تكلف " كالجماعة إلا أنه جزمه، فقيل: على جواب الأمر، وفيه ~~نظر، والذي ينبغي أن يكون نهيا، وهي جملة مستأنفة، ولا يجوز ~~أن تكون حالا في قراءة عبد الله؛ لأن الطلب لا يكون حالا، وقرئ " ~~لا نكلف " بنون العظمة ورفع الفعل، وهو يحتمل الحال ~~والاستئناف المتقدمين. # فصل في سبب نزول الآية # روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم واعد أبا سفيان بعد حرب أحد ~~موسم بدر الصغرى في ذي القعدة، فلما بلغ الميعاد دعا الناس ~~إلى الخروج فكرهه بعضهم؛ فأنزل الله: { فقاتل في سبيل ~~الله لا تكلف } أي: لا تدع جهاد العدو ولو وحدك، فإن ~~الله قد وعدك بالنصرة، و # حرض المؤمنين على القتال # [الأنفال: 65] أي: حثهم ورغبهم في الثواب، فخرج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في سبعين راكبا فكفاهم الله القتال. # والتحريض: الحث على الشيء، قال الراغب: كأنه في الأصل ~~إزالة الحرض، نحو: " قذيته " أي: أزلت قذاه وأحرضته: ~~أفسدته كأقذيته، أي: جعلت فيه القذى، والحرض في الأصل: ما ~~لا يعتد به ولا خير فيه، ولذلك يقال للمشرف على الهلاك؛ " ~~حرض "؛ قال - تعالى -: # حتى تكون حرضا # [يوسف: 85] وأحرصه كذا، قال: [البسيط] # 1846- إني امرؤ هم فأحرضني # حتى بليت وحتى شفني السقم # فصل # دلت الآية على أنه لو ms2700 لم يساعده على القتال غيره، لم يجز له ~~التخلف عن الجهاد ألبتة، والمعنى: لا تؤاخذ [إلا] بفعلك دون ~~فعل غيرك، فإذا أديت فرضك لا تكلف بفرض غيرك، واعلم: ~~أن الجهاد في حق الرسول صلى الله عليه وسلم واجب، فإنه على ~~ثقة من النصر والظفر؛ لقوله - [تعالى] -: # والله يعصمك من الناس # [المائدة: 67]، وقوله ههنا: { عسى الله أن يكف بأس ~~الذين كفروا } وعسى من الله: جزم واجب فلزمه الجهاد وإن ~~كان وحده بخلاف أمته، فإنه فرض كفاية، فما لم يغلب على ~~الظن أنه يفيد، لم يجب. # وقوله: { عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا } أي: ~~قتال المشركين والبأس أصله المكروه، يقال: ما عليك من هذا ~~الأمر بأس، أي: مكروه، ويقال: بئس الشيء هذا إذا وصف ~~بالرداءة: قال - تعالى -: # بعذاب بئيس # [الأعراف:165] والعذاب قد يسمى بأسا؛ لكونه مكروها؛ قال - ~~تعالى -: # فمن ينصرنا من بأس الله إن جآءنا # [غافر: 29]، # فلمآ أحسوا بأسنآ # [الأنبياء: 12] # فلما رأوا بأسنا # [غافر: 84] # قوله: { والله أشد بأسا وأشد تنكيلا } " بأسا " و " ~~تنكيلا ": تمييز، والتنكيل تفعيل من النكل وهو القيد، ثم ~~استعمل في كل عذاب يقال: نكلت فلانا؛ إذا عاقبته عقوبة ~~تنكل غيره عن ارتكاب مثله، من قولهم: نكل الرجل عن ~~الشيء، إذا جبن عنه وامتنع منه؛ يقال: نكل فلان عن ~~اليمين؛ إذا خافه ولم يقدم عليه، قال - تعالى -: # فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها # [البقرة: 66] وقال في حد السرقة: # جزآء بما كسبا نكالا من الله # [المائدة: 38]، فقوله: { والله أشد بأسا } أي: أشد صولة ~~وأعظم سلطانا، { وأشد تنكيلا } أي: عقوبة، وبيان هذا ~~التفاوت أن عذاب الله دائم، وعذاب غيره لا يدوم، وعذاب الله ~~لا يقدر أحد على التخلص منه، وعذاب غيره يتخلص منه. ### || [4.85] # في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه: # أحدها: أنه - تعالى - لما أمر الرسول - [عليه الصلاة والسلام] - ~~بأن يحرض الأمة على الجهاد، وهو طاعة حسنة، بين في هذه ~~الآية أن من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها، ~~والغرض منه: أنه - عليه الصلاة والسلام - يستحق بالتحريض ~~على ms2701 الجهاد أجرا عظيما. # وثانيها: أنه - عليه الصلاة والسلام - كان يوصيهم بالقتال، ويبالغ ~~في تحريضهم عليه، فكان بعض المنافقين يشفع إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم في أن يأذن لهم في التخلف عن الغزو، فنهى ~~[الله] عن مثل هذه الشفاعة، وبين أن [هذه] الشفاعة إذا ~~كانت وسيلة إلى معصية، كانت محرمة. # وثالثها: أنه يجوز أن يكون بعض المؤمنين راغبا في الجهاد، ~~ولا يجد أهبة الجهاد، فصار غيره من المؤمنين شفيعا له إلى ~~مؤمن آخر؛ ليعينه على الجهاد، والشفاعة مأخوذد من الشفع ~~وهو الزوج من العدد، ومنه الشفيع، [وهو] أن يصير الإنسان ~~[نفسه] شفعا لصاحب الحاجة؛ حتى يجتمع معه على المسألة فيها، ~~[ومنه ناقة شفوع: إذا جمعت بين محلبين في حلبة واحدة، ~~وناقة شفيع: إذا اجتمع لها حمل وولد يتبعها، والشفعة: ~~ضم ملك الشريك إلى ملكك، والشفاعة إذا ضم غيرك إلى جاهك، ~~فهي على التحقيق إظهار لمنزلة الشفيع عند المشفع، وإيصال ~~المنفعة إلى المشفوع له] فيكون المراد: تحريض النبي - ~~عليه الصلاة والسلام - إياهم على الجهاد؛ لأنه إذا أمرهم بالغدو، ~~فقد جعل نفسه شفعا لهم في تحصيل الأغراض المتعلقة ~~بالجهاد، والتحريض على الشيء عبارة عن الأمر به على وجه ~~الرفق والتلطف، وذلك يجري مجرى الشفاعة. # وقي: المراد ما تقدم من شفاعة بعض المنافقين النبي - ~~عليه الصلاة والسلام - في أن يأذن لبعضهم في التخلف. # ونقل الواحدي عن ابن عباس؛ ما معناه: أن الشفاعة الحسنة ~~ههنا، وهي أن يشفع إيمانه بالله بقتال الكفار، والشفاعة ~~السيئة: أن يشفع كفره بموالاة الكفار، وقيل: الشفاعة ~~الحسنة: ما تقدم في أن يشفع مؤمن لمؤمن [عند مؤمن] آخر؛ ~~في أن يحصل له آلات الجهاد، وروي عن ابن عباس؛ أن الشفاعة ~~الحسنة [هي الإصلاح بين الناس، والشفاعة السيئة، هي ~~النميمة بين الناس. # وقيل]: هي حسن القول في الناس ينال به الثواب والخير، ~~والسيئة هي الغيبة والقول السيئ في الناس ينال به ~~الشر. والمراد بالكفل: الوزر. # قال الحسن مجاهد والكلبي وابن زيد: المراد شفاعة الناس ~~بعضهم لبعض، فإن كان في ما يجوز، ms2702 فهو شفاعة حسنة، وإن كان ~~فيما لا يجوز، فهو شفاعة سيئة. # قال ابن الخطيب: هذه الشفاعة لا بد وأن يكون لها تعلق ~~بالجهاد، وإلا صارت الآية منقطعة عما قبلها، فإن ~~أرادوا دخول هذه الوجوه في اللفظ العام فيجوز؛ لأن خصوص ~~السبب لا يقدح في عموم اللفظ. # " والكفل ": النصيب، إلا أن استعماله في الشر أكثر، عكس ~~النصيب، وإن كان قد استعمل الكفل في الخير، قال تعالى: # يؤتكم كفلين من رحمته # [الحديد: 28] وأصله قالوا: مستعار من كفل البعير، وهو كساء ~~يدار حول سنامه ليركب، سمي بذلك؛ لأنه لم يعم ~~ظهره كله بل نصيبا منه، ولغلبة استعماله في الشر، ~~واستعمال النصيب في الخير، غاير بينهما في هذه الآية الكريمة؛ إذ ~~أتى بالكفل مع السيئة، والنصيب مع الحسنة، و " منها " ~~الظاهر أن " من " هنا سببية، أي: كفل بسببها [ونصيب ~~بسببها]، ويجوز أن تكون ابتدائية، والمقيت: المقتدر [قال: ابن ~~عباس: مقتدرا مجازيا]، قال: [الوافر] # 1847- وذي ضغن كففت الود عنه # وكنت على إساءته مقيتا # أي: مقتدرا، ومنه: [الخفيف] # 1848- ليت شعري وأشعرن إذا ما # قربوها منشورة ودعيت # ألي الفضل أم علي إذا حو # سبت؟ أني على الحساب مقيت # وأنشد نضر بن شميل: [الطويل] # 1849- تجلد ولا تعجز وكن ذا حفيظة # فإني على ما ساءهم لمقيت # قال النحاس: " هو مشتق من القوت، وهو مقدار ما يحفظ به ~~بدن الإنسان من الهلاك " فأصل مقيت: مقوت كمقيم. # [و] يقال: قت الرجل؛ إذا حفظت عليه نفسه " وكفى بالمرء ~~إثما أن يضيع من يقيت " وفي رواية من رواه هكذا، أي: من هو تحت ~~قدرته وفي قبضته من عيال وغيره؛ ذكره ابن عطية: يقول: ~~[منه: قته] أقوته قوتا، وأقته أقيته إقاتة، فأنا قائت ~~ومقيت. # وأما قول الشاعر: [الخفيف] # 1850- ....................... # إني على الحساب مقيت # فقال الطبري: إنه من غير هذا [المعنى المتقدم، فإنه بمعنى ~~الموقوف،] فأصل مقيت: مقوت كمقيم. # وقال مجاهد: معنى مقيتا: شاهدا وقال قتادة: حفيظا، وقيل ~~معناه: على كل حيوان مقيتا، أي: يوصل القوت إليه. # قال القفال: وأي هذين المعنيين كان فالتأويل صحيح، وهو ms2703 أنه ~~- تعالى - قادر على إيصال النصيب والكفيل من الجزاء إلى ~~الشافع؛ مثل ما يوصله إلى المشفوع، إن خيرا فخير، وإن ~~شرا فشر، ولا ينتقص بسبب ما يصل إلى الشافع [شيء] من ~~جزاء المشفوع، وعلى الوجه الآخر: أنه تعالى - حافظ الأشياء ~~شاهد عليها، لا يخفى عليه شيء من أحوالها، فهو عالم بأن ~~الشافع يشفع في حق [أو في] باطل، حفيظ عليهم فيجازي ~~كلا بما علمه منه. # وقوله: { وكان الله على كل شيء مقيتا } ولم يقتيه ~~بوقت، والحال يدل على أن هذه الصفة كانت ثابتة له من الأزل ~~إلى الأبد وليست محدثة. ### || [4.86] # في النظم وجهان: # أحدهما: أنه لما أمر المؤمنين بالجهاد، أمرهم أيضا بأن ~~الأعداء لو رضوا بالمسالمة فكونوا أنتم [أيضا] راضين بها، ~~فقوله: { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منهآ } ~~كقوله - تعالى -: # وإن جنحوا للسلم فاجنح لها # [الأنفال: 61]. # والثاني: أن الرجل [في الجهاد] كان يلقاه الرجل في دار ~~الحرب أو ما يقاربها، فيسلم عليه فقد لا يلتفت إلى ~~سلامه [ويقتله]، وربما ظهر أنه كان مسلما، فأمرهم بأن ~~يسلم عليهم أو يكرمهم، فإنهم يقابلونه بمثل ذلك الإكرام أو ~~أزيد، فإن كان كافرا، لم يضر المسلم مقابلة إكرام ذلك ~~الكافر بنوع من الإكرام، وإن كان مسلما فقتله، ففيه أعظم ~~المضار والمفاسد، ويقال: التحية [في الأصل]: البقاء ~~والملك. # قال القرطبي: قال عبد الله بن صالح العجلي: سألت الكسائي ~~عن قوله: " التحيات لله " ما معناها؟ فقال: التحيات مثل ~~البركات، قلت: ما معنى " البركات "؟ فقال: ما سمعت فيها شيئا، ~~وسألت عنها محمد بن الحسن [فقال]: هو شيء تعبد الله به ~~عباده، فقدمت الكوفة فلقيت عبد الله بن إدريس، فقلت: إني ~~سألت الكسائي، ومحمد عن قوله: " التحيات لله " فأجابني بكذا ~~وكذا، فقال عبد الله بن إدريس: إنه لا علم لهما بالشعر وبهذه ~~الأشياء، التحية: الملك وأنشده: [الوافر] # 1851- أؤم بها أبا قابوس حتى # أنيخ على تحيته بجندي # وقال آخر: [مجزوء الكامل] # 1852- ولكل ما نال الفتى # قد نلته إلا التحيه # ويقال: التحية: البقاء والملك، ومنه: " التحيات لله " ، ثم ~~استعملت ms2704 في السلام مجازا، ووزنها، تفعلة من حييت، وكان في ~~الأصل:تحيية؛ مثل: توصية وتسمية، والعرب تؤثر التفعلة على ~~التفعيل [في] ذوات الأربع؛ نحو قوله: # وتصلية جحيم # [الواقعة: 94]. # والأصل: تحيية فأدغمت، وهذا الإدغام واجب خلافا للمازني، ~~وأصل الأصل تحيي؛ لأنه مصدر حيا، وحيا: فعل، وفعل ~~مصدره على التفعيل، إلا أن يكون معتل اللام؛ نحو: زكى ~~وغطى، فإنه تحذف إحدى الياءين ويعوض منها تاء التأنيث؛ ~~فيقال: تزكيه وتغطية، إلا ما شذ من قوله: [الرجز] # 1853- باتت تنزي دلوها تنزيا # كما تنزي شهلة صبيا # إلا أن هذا الشذوذ لا يجوز مثله في نحو: " حيا " لاعتلال ~~عينه ولامه بالياء، وألحق بعضهم ما لامه همزة بالمعتلها، ~~نحو: " نبأ تنبئة " و " خبأ تخبئة "؛ ومثلها: أعيية ~~وأعية، جمع عيي. # وقال الراغب: وأصل التحية من الحياة، ثم جعل كل دعاء ~~تحية؛ لكون جميعه غير خارج عن حصول الحياة أو سبب الحياة، ~~وأصل التحية أن تقول: " حياك الله " ثم استعمل في الشرع في ~~دعاء مخصوص. # وجعل التحية اسما للسلام؛ قال: - تعالى -: # تحيتهم يوم يلقونه سلام # [الأحزاب: 44]، ومنه قول المصلي: " التحيات لله " أي: السلامة من ~~الآفات لله. # قال [الكامل] # 1854أ- حييت من طلل تقادم عهده # ........................... # وقال آخر: [البسيط] # 1854ب- إنا محيوك يا سلمى فحيينا # ....................... # فصل في أفضلية " السلام عليكم " # واعلم أن قول القائل لغيره: السلام عليك، أتم من قوله: حياك ~~الله؛ لأن الحي إذا كان حليما كان حيا لا محالة، وليس إذا كان ~~حيا كان سليما؛ لأنه قد تكون حياته مقرونة بالآفات، وأيضا ~~فإن السلام اسم من أسماء الله - تعالى -، فالابتداء بذكر الله - ~~تعالى - أجمل من قوله: حياك الله، وأيضا: فقول الإنسان لغيره: ~~السلام عليك، بشارة له بالسلام، وقوله حياك الله لا يفيد ~~ذلك، قالوا: ومعنى قوله: السلام عليك، أي: أنت سليم مني ~~فاجعلني سليما منك، ولهذا كانت العرب إيضا أساء بعضهم لم ~~يردوا السلام، فإن ردوا عليهم السلام، أمنوا من شرهم، وإن لم ~~يردوا عليهم السلام، لم يؤمنوا شرهم. # فصل في الوجوه الدالة على أفضلية السلام # ومما يدل على أفضلية السلام: أنه من ms2705 أسماء الله - تعالى -، ~~وقوله - [تعالى] - # ينوح اهبط بسلام منا # [هود: 48]، وقوله: # سلام هي # [القدر: 5]، وقوله: # والسلام على من اتبع الهدى # [طه: 47]، وقوله: # قل الحمد لله وسلام على عباده # [النمل: 59] وقوله: # وإذا جآءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام ~~عليكم # [الأنعام: 54]، وقوله: # الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام ~~عليكم # [النحل: 32]، وقوله: # وأمآ إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من ~~أصحاب اليمين # [الواقعة: 90، 91]، [وقوله]: # وقال لهم خزنتها سلام عليكم # [الزمر: 73]، وقوله: # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام ~~عليكم # [الرعد: 23] وقوله: # تحيتهم يوم يلقونه سلام # [الأحزاب: 44]، وقوله: # سلام قولا من رب رحيم # [يس: 58]. # وأما الأخبار: فروي أن عبد الله بن سلام قال: # " لما سمعت بقدوم الرسول - عليه الصلاة والسلام -، دخلت في ~~غمار الناس، فأول ما سمعت منه: " يا أيها الذين آمنوا، ~~أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا ~~بالليل والناس نيام تدخلون الجنة بسلام ". # وأما المعقول: قال القتبي: إنما قال: " التحيات " على الجمع؛ ~~لأنه كان في الأرض ملوك يحيون بتحيات مختلفات، [فيقال] ~~لبعضهم: أبيت اللعن، ولبعضهم: اسلم وانعم، ولبعضهم: عش ألف ~~سنة، فقيل لنا: قولوا: التحيات لله، أي: الألفاظ التي ~~[تدل] على الملك، ويكنى بها عن الله - تعالى -: # قالوا: تحية النصارى وضع اليد على الفم، وتحية اليهود ~~بعضهم لبعض: الإشارة بالأصابع، وتحية المجوس: الانحناء، وتحية ~~العرب بعضهم لبعض قولهم حياك الله، وللملوك أن يقولوا: ~~انعم صباحا، وتحية المسلمين أن يقولوا: السلام عليكم ~~ورحمة الله وبركاته؛ وهذه أشرف التحيات، ولأن السلام مشعر ~~بالسلامة من الآفات، والسعي في تحصيل الصون عن الضرر ~~أولى من السعي في تحصيل النفع. # وأيضا فإن الوعد بالنفع قد يقدر الإنسان على الوفاء به وقد ~~لا يقدر، وأما الوعد بترك الضرر، فإنه يكون قادرا عليه لا ~~محالة، والسلام يدل عليه. # فصل # من الناس من قال: السلام واجب؛ كقوله - تعالى -: # فإذا دخلتم بيوتا فسلموا [على أنفسكم # ] [النور: 61]، ولقوله - عليه السلام -: # " أفشوا السلام " # والأمر للوجوب والمشهور أنه سنة. قال بعضهم: السلام سنة على ~~الكفاية. # قوله: " فحيوا " أصل حيوا: حييوا فاستثقلت الضمة على ms2706 الياء، ~~فحذفت الضمة فالتقى ساكنان: الياء والواو، فحذفت الياء، ~~وضم ما قبل الواو. # وقوله: { بأحسن منهآ } أي: بتحية أحسن من تلك ~~التحية الأولى. # وقوله: { أو ردوهآ } أي ردوا مثلها؛ لأن رد عينها محال ~~فحذف المضاف، نحو: # واسأل القرية # [يوسف: 82]. # فصل في كيفية السلام # منتهى الأمر في السلام أن يقال: السلام عليكم ورحمة الله ~~وبركاته؛ بدليل أن هذا القدر هو الوارد في التشهد. # قال العلماء: الأحسن أن المسلم إذا قال: السلام عليك، رد في ~~جوابه بالرحمة، وإذا ذكر السلام والرحمة في الابتداء، زيد ~~في جوابه البركة وإذا ذكر الثلاثة في الابتداء، أعادها في الجواب. # روي: # " أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم السلام عليك يا رسول ~~الله، فقال عليه الصلاة والسلام: وعليك السلام ورحمة الله ~~وبركاته، وآخر قال: السلام عليك ورحمة الله، فقال: وعليك السلام ~~ورحمة الله وبركاته، وجاء ثالث وقال: السلام عليك ورحمة ~~الله وبركاته: فقال - عليه الصلاة والسلام -: " وعليك السلام ~~ورحمة الله وبركاته " فقال الرجل: نقصتني فأين قول الله: { ~~فحيوا بأحسن منهآ } فقال - عليه الصلاة والسلام -: " ما ~~تركت لي فضلا فرددنا عليك ما ذكرت ". # وقيل: معنى قوله: { فحيوا بأحسن منهآ } إذا كان الذي ~~يسلم مسلما، " أو ردوها " ردوا مثلها إذا كان غير مسلم. # فصل # يقول المبتدئ: السلام عليكم، والمجيب يقول: وعليكم السلام، وإن ~~شاء المبتدئ قال: سلام عليكم؛ لأن التعريف والتنكير ورد ~~في ألفاظ القرآن كما تقدم، لكن التنكير أكثر والكل جائز، ~~وأما في التحليل من الصلاة، فلا بد من الألف واللام ~~بالاتفاق. # فصل # قال - عليه الصلاة والسلام -: # " السنة أن يسلم الراكب على الماشي، وراكب الفرس على ~~راكب الحمار، والصغير على الكبير، والأقل على الأكثر، ~~والقائم على القاعد " # والسنة الجهر بالسلام؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام -: # " أفشوا السلام " # قال أبو يوسف: من قال لأخر: أقرئ فلانا مني السلام وجب عليه ~~أن يفعل. # فصل # السنة: إذا استقبلك رجل واحد فقل: سلام عليكم، واقصد ~~الرجل والملكين؛ فإنهما يردان السلام عليك، ومن سلم عليه ~~الملك فقد سلم من عذاب الله - تعالى -، وإذا ms2707 دخلت بيتا ~~خاليا، فسلم على من فيه من مؤمني الجن، والسنة أن ~~يكون المبتدئ بالسلام على طهارة وكذلك المجيب. # روي أن رجلا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو على قضاء ~~الحاجة، فقام وتيمم ثم رد السلام، والسنة إذا التقى ~~الرجلان المبادرة بالسلام. # فصل: المواضع التي لا يسلم فيها # فأما المواضع التي لا يسلم فيها ثمانية: # الأول: قال - عليه الصلاة والسلام -: # " لا تبدءوا اليهود بالسلام " # ورخص بعض العلماء في ذلك إذا دعت إليه حاجة، وأما إذا ~~سلموا علينا، فقال أكثر العلماء: ينبغي أن يقال: وعليك؛ ~~لأنهم كانوا يقولون عند الدخول على الرسول - عليه الصلاة ~~والسلام - السام عليك، فكان - عليه السلام - يقول: وعليكم، ~~فجرت السنة بذلك، فإذا قلنا: وعليكم السلام، فهل يجوز ذكر ~~الرحمة؟ قال الحسن: يجوز أن يقال للكافر: وعليكم السلام، ~~ولكن لا يقال: ورحمة الله؛ لأنها استغفار. # وعن الشعبي؛ أنه قال لنصراني وعليك السلام ورحمة الله، ~~فقيل له فيه، فقال: أليس في رحمة الله [يعيش]. # الثاني: إذا دخل يوم الجمعة والإمام يخطب، فلا ينبغي أن ~~يسلم؛ لاشتغال الناس بالاستماع، فإن سلم فرد بعضهم فلا ~~بأس، ولو اقتصروا على الإشارة، كان أحسن. # الثالث: إذا دخل الحمام [فرأى] الناس متزرين يسلم عليهم، وإن ~~لم يكونوا متزرين، لم يسلم عليهم. # الرابع: ترك السلام على القارئ؛ لأنه يقطع عليه التلاوة؛ وكذلك ~~رواية الحديث. # الخامس: لا يسلم على المشتغل بالأذان والإقامة. # السادس: لا يسلم [على] لاعب النرد، ولا المغني، ولا مطير ~~الحمام، ولا المشتغل بمعصية الله. # السابع: لا يسلم على المشتغل بقضاء الحاجة؛ لما تقدم من ~~الحديث، وقال في آخره: # " لولا أني خشيت أن يقول: سلمت عليه فلم يرد ~~الجواب، وإلا لما أجبتك، إذا رأيتني على هذه الحالة، فلا ~~تسلم، فإنك إن سلمت لم أرد عليك ". # الثامن: إذا دخل الرجل بيته فيسلم على امرأته، وإن حضرت ~~أجنبية، [لم] يسلم عليهما. # قال القرطبي: ولا يسلم على النساء الشابات الأجانب؛ خوف ~~الفتنة من مكالمتهن بنزعة شيطان أو خائنة عين، وأما ~~المحارم والعجائز فحسن. # فصل # والرد ms2708 فرض كفاية؛ إذا قام به البعض سقط عن الباقين، ~~والأولى للكل أن يحيوا؛ إذ الرد واجب [على الفور] فإن أخر ~~حتى انقضى الوقت، وأجابه بعد فوت [الوقت]، كان ابتداء سلام ~~ولا جوابا، وإذا ورد السلام في كتاب، فجوابه واجب بالكتاب ~~أيضا للآية، وإذا سلمت المرأة الأجنبية عليه، وكان في رد ~~الجواب عليها تهمة أو فتنة، لم يجب الرد، بل الأولى ألا ~~يفعل وحيث قلنا: لا يسلم، فلو سلم لم يجب الرد؛ لأنه أتى ~~بفعل منهي عنه، فكان وجوده كعدمه. # قوله: { إن الله كان على كل شيء حسيبا } # قيل: الحسيب بمعنى المحاسب على العمل؛ كالأكيل والشريب ~~والجليس، بمعنى: المؤاكل والمشارب والمجالس، أي: على كل شيء ~~من رد السلام بمثله وبأحسن منه، " حسيبا ": أي: محاسبا ~~ومجازيا، وقيل: بمعنى الكافي من قولهم: حسبي كذا، أي: ~~كافيا، قاله أبو عبيدة؛ ومنه قوله تعالى: # حسبي الله # [التوبة: 129]، وقال مجاهد: حفيظا. ### || [4.87] # وجه النظم أنه - تعالى - يقول: من سلم عليكم وحياكم، ~~فاقبلوا سلامه وأكرموه وعاملوه بناء على الظاهر، وأما ~~البواطن فلا يعلمها إلا الله الذي لا إله إلا هو، وإنما ~~تنكشف بواطن الخلق في يوم القيامة. قوله: " ليجمعنكم " جواب ~~قسم محذوف. # [قال القرطبي: اللام في قوله: " ليجمعنكم " ] لام قسم، نزلت في ~~الذين شكوا في البعث، فأقسم الله - تعالى - بنفسه، وكل ~~لام بعدها نون مشددة فهي لام القسم وفي جملة هذا القسم مع ~~جوابه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها قي محل رفع خبرا ثانيا لقوله: " الله " ، و " لا ~~إله إلا هو ": جملة خبر أول. # والثاني: أنها خبر لقوله: " الله " أيضا، و " لا إله إلا هو ": جملة ~~اعتراض بين المبتدأ وخبره. # والثالث: أنها مستأنفة لا محل لها من الإعراب، وقد تقدم ~~إعراب # الله لا إله إلا هو # [البقرة: 255] و # لا ريب فيه # [البقرة: 2] في البقرة. # قوله: { إلى يوم القيامة } فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها على بابها من انتهاء الغاية، قال أبو حيان: ويكون ~~الجمع في القبور، أو تضمن " ليجمعنكم " معنى " ليحشركم " ~~فيعدى ب " إلى " ، يعني: أنه إذا ضمن الجمع ms2709 معنى الحشر لم ~~يحتج إلى تقدير مجموع فيه. # وقال أبو البقاء - بعد أن جوز فيها أن تكون بمعنى " في " -: " ~~وقيل: هي على بابها، أي: ليجمعنكم في القبور؛ فعلى هذا يجوز أن ~~يكون مفعولا به، ويجوز أن يكون حالا، أي: ليجمعنكم مفضين ~~إلى حساب يوم القيامة " يريد بقوله " مفعولا به ": أنه فضلة ~~كسائر الفضلات، نحو: " سرت إلى الكوفة " ولكن لا يصح ذلك إلا ~~بأن يضمن الجمع معنى الحشر كما تقدم، وأما تقديره ~~الحال ب " مفضين " فغير جائز؛ لأنه كون مقيد. # والثاني: أنها بمعنى " في " أي: في يوم القيامة، ونظيره قول ~~النابغة: [الطويل] # 1885- فلا تتركني بالوعيد كأنني # إلى الناس مطلي به القار أجرب # أي: في الناس. # والثالث: أنها بمعنى " مع " ، وهذا غير واضح المعنى. # قال القرطبي: وقيل: " إلى " وصلة في الكلام، والمعنى: " ليجمعنكم ~~" يوم القيامة والقيامة بمعنى القيام كالطلابة والطلاب؛ قالوا: ~~ودخلت التاء فيه للمبالغة، كعلامة ونسابة؛ لشدة ما يقع ~~فيه من الهول، وسمي بذلك لقيام الناس فيه للحساب؛ قال تعالى: # يوم يقوم الناس لرب العالمين # [المطففين: 6]. # وقال الزجاج: يجوز أن يقال: سميت القيامة قيامة؛ لقيام ~~الناس من قبورهم؛ قال - تعالى -: # يوم يخرجون من الأجداث # [المعارج: 43]. # والجملة من قوله: { لا ريب فيه } فيها وجهان: # أحدهما: أنها في محل نصب على الحال من " يوم " ، فالضمير في " ~~فيه " يعود عليه. # والثاني: أنها في محل نصب نعتا لمصدر محذوف دل عليه " ~~ليجمعنكم " أي: جمعا لا ريب فيه، والضمير يعود عليه والأول أظهر، ~~" ومن أصدق " ، تقدم نظير هذه الجملة، و " حديثا " نصب على ~~التمييز. وقرأ الحمهور: " أصدق " بصاد خالصة، وحمزة والكسائي: ~~بإشمامها زايا، وهكذا كل صاد ساكنة بعدها دال، نحو: " تصدقون " ~~و " تصدية " ، وهذا كما فعل حمزة في { الصراط } [الفاتحة: 6] و # لست عليهم بمسيطر # [الغاشية: 22]، للمجانسة قصد الخفة. # فصل # قوله: { ومن أصدق من الله حديثا } أي: قولا ووعدا، ~~وهذا استفهام على سبيل الإنكار، والمقصود منه: وجوب كونه - ~~تعالى - صادقا، وأن الكذب والخلف في قوله محال. # قال ابن الخطيب: ظاهر الآية يدل على أنه - تعالى - أثبت أن ms2710 ~~القيامة ستوجد لا محالة، وجعل الدليل على ذلك مجرد إخبار ~~الله - تعالى - عنه، وهذا حق؛ لأن المسائل الأصولية على ~~قسمين: منها ما العلم بصحة النبوة يحتاج إلى العلم ~~بصحته، ومنها ما لا يكون كذلك. # فالأول: مثل علمنا بافتقار العالم إلى صانع عالم بالمعلومات ~~قادر على كل الممكنات، فإنا ما لم نعلم ذلك، لا يمكننا ~~العلم بصدق الأنبياء، فكل مسألة، هذا شأنها، فإنه يمتنع ~~إثباتها بالقرآن وإخبار الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وإلا ~~وقع الدور. # وأما القسم الثاني: وهو جملة المسائل التي لا يتوقف العلم ~~بصحة النبوة على العلم بصحتها، فكل ذلك مما يمكن ~~إثباته بكلام الله - تعالى - وإخباره، ومعلوم أن قيام ~~الساعة كذلك، فلا جرم أمكن إثباته بالقرآن وبكلام الله - ~~تعالى -، فثبت أن الاستدلال على قيام القيامة بإخبار الله - ~~تعالى - عنه استدلال صحيح. انتهى. # فصل # استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن كلام الله - تعالى - ~~محدث، قالوا: لأنه تعالى وصفه بكونه حديثا في هذه الآية ~~وفي قوله - تعالى -: # الله نزل أحسن الحديث كتابا # [الزمر: 23]، والحديث: هو الحادث والمحدث. # والجواب: أنكم تحكمون بحدوث الكلام الذي هو الحرف والصوت، ~~ونحن لا ننازع في حدوثه، إنما [الذي] ندعي قدمه شيء آخر ~~غير هذه الحروف والأصوات، والآية لا تدل على حدوث ذلك الشيء ~~ألبتة بالاتفاق منا ومنكم؛ أما منا: فظاهر، وأما ~~منكم: فإنكم تنكرون وجود كلام سوى هذه الحروف والأصوات، ~~فكيف يمكنكم أن تقولوا بدلالة هذه الآية على حدوثه. ### || [4.88-90] # قوله - تعالى -: " فما لكم ": مبتدأ وخبر، و " في المنافقين " فيه ~~ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه متعلق بما تعلق الخبر، وهو " لكم " ، أي: أي ~~شيء كائن لكم - أو مستقر لكم - في أمر المنافقين. # والثاني: أنه متعلق بمعنى فئتين، فإنه في قوة " مالكم تفترقون ~~في أمور المنافقين " فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. # والثالث: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من " فئتين "؛ لأنه ~~في الأصل صفة لها، تقديره: فئتين مفترقتين في المنافقين، ~~وصفة النكرة إذا قدمت عليها، انتصبت حالا. # وفي " فئتين " وجهان: # أحدهما: أنها حال من الكاف والميم في ms2711 " لكم " ، والعامل فيها ~~الاستقرار الذي تعلق به " لكم "؛ ومثله: # فما لهم عن التذكرة معرضين # [المدثر: 49] وقد تقدم أن هذه الحال لازمة؛ لأن الكلام لا ~~يتم دونها، وهذا مذهب البصريين في كل ما جاء من هذا ~~التركيب. # والثاني - وهو مذهب الكوفيين -: أنه نصب على خبر " كان " ~~مضمرة، والتقدير: ما لكم في المنافقين كنتم فئتين، وأجازوا: ~~" ما لك الشاتم " أي: ما لك كنت الشاتم، والبصريون لا ~~يجيزون ذلك؛ لأنه حال والحال لا تتعرف، ويدل على كونه حالا ~~التزام مجيئه في هذا التركيب نكرة، وهذا كما قالوا في " ~~ضربي زيدا قائما ": إن " قائما " لا يجوز نصبه على خبر " ~~كان " المقدرة، بل على الحال؛ لالتزام تنكيره. وقد تقدم ~~اشتقاق " الفئة " في البقرة. # فصل # قال قوم: نزلت في الذين تخلفوا يوم أحد من المنافقين، ~~وقالوا: # لو نعلم قتالا لاتبعناكم # [آل عمران: 167]. فاختلف أصحاب الرسول - عليه الصلاة والسلام -: ~~فقالت منهم فرقة: كفروا، وآخرون قالوا: لم يكفروا، فنزلت ~~الآية؛ وهو قول زيد بن ثابت وطعن في هذا الوجه: بأن في نسق ~~الآية ما يقدح فيه وأنهم من أهل مكة؛ وهو قوله: { فلا ~~تتخذوا منهم أوليآء حتى يهاجروا }. # وقال مجاهد: هم قوم خرجوا إلى المدينة، وأسلموا ثم ~~ارتدوا، واستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة؛ ~~ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها، فخرجوا وأقاموا بمكة، ~~فاختلف المسلمون فيهم: فقائل يقول: هم منافقون، وقائل يقول: هم ~~مؤمنون. # وقيل: نزلت في ناس من قريش قدموا المدينة، وأسلموا ثم ~~ندموا على ذلك، فخرجوا كهيئة المتنزهين حتى بعدوا عن ~~المدينة، فكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا على ~~الذي وافقناك عليه من الإيمان، ولكنا اجتوينا المدينة ~~واشتقنا إلى أرضنا، ثم إنهم خرجوا في تجارة لهم نحو الشام ~~فبلغ ذلك المسلمين، فقال بعضهم: نخرج إليهم فنقتلهم ونأخذ ~~ما معهم؛ لأنهم رغبوا عن ديننا، وقالت طائفة: كيف تقتلون ~~قوما على دينكم إن لم يذروا ديارهم، وكان هذا بعين ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ساكت لا ينهى واحدا من ~~الفريقين؛ فنزلت الآية. ms2712 # وقيل: هم العرنيون: وقال ابن زيد: نزلت في أهل الإفك، وقال ابن ~~عباس وقتادة: هم قوم أسلموا بمكة ثم لم يهاجروا وكانوا ~~يظاهرون المشركين، فاختلف المسلمون فيهم وتشاجروا، فنزلت: " ~~فما لكم " يا معشر المؤمنين { في المنافقين فئتين } أي: صرتم ~~فيهم فئتين، { والله أركسهم } أي: نكسهم وردهم إلى ~~الكفر وأحكامه من الذل والصغار والسبي والقتل. # قال الحسن: وإنما سماهم منافقين وإن أظهروا الكفر؛ لأنهم ~~وصفوا بالصفة التي كانوا عليها من قبل. # قوله: { والله أركسهم } مبتدأ وخبر، وفيها وجهان: # أظهرهما: أنها حال، إما من المنافقين - وهو الظاهر -، وإما ~~من المخاطبين، والرابط الواو، كأنه أنكر عليهم اختلافهم في هؤلاء، ~~والحال أن الله قد ردهم إلى الكفر. # والثاني: أنها مستأنفة أخبر - تعالى - عنهم بذلك. و " بما كسبوا " ~~متعلق ب " أركسهم " والباء سببية، أي: بسبب كسبهم، و " ~~ما " مصدرية أو بمعنى الذي، والعائد محذوف على الثاني، لا ~~على الأول على الصحيح. # والإركاس: الرد والرجع، ومنه الركس، قال - عليه السلام - في ~~الروثة لما أتي بها: " إنها ركس ". وقال أمية بن أبي ~~الصلت: [البسيط] # 1856- فأركسوا في جحيم النار إنهم # كانوا عصاة وقالوا الإفك والزورا # أي: ردوا، وقال الراغب: " الركس والنكس: الرذل، إلا ~~أن الركس أبلغ؛ لأن النكس: ما جعل أعلاه أسفله، ~~والركس: ما صار رجيعا بعد أن كان طعاما ". # وقال النضر بن شميل والكسائي: الركس والنكس: قلب الشيء ~~على رأسه، أو رد أوله على آخره، والمركوس والمنكوس ~~واحد. # وقيل: أركسه أوبقه، قال: [المتقارب] # 1857- بشؤمك أركستني في الخنا # وأرميتني بضروب العنا # وقيل: الإركاس: الإضلال، ومنه: [المتقارب] # 1858- وأركستني عن طريق الهدى # وصيرتني مثلا للعدى # وقيل: هو التنكيس، ومنه: [الرمل] # 1859- ركسوا في فتنة مظلمة # كسواد الليل يتلوها فتن # وارتكس فلان في أمر كان، أي: نجا منه والركوسية: ~~قوم بين النصارى والصابئين، والراكس: الثور وسط البيدر ~~والثيران حواليه وقت الدياس. # ويقال: أركس وركس بالتشديد وركس بالتخفيف: ثلاث لغات ~~بمعنى واحد، وارتكس هو، أي: رجع. # وقرأ عبد الله: " ركسهم " ثلاثيا، وقرئ " ركسهم -ركسوا " بالتشديد ~~فيهما. # وقال أبو البقاء: " وفيه لغة أخرى: " ركسه ms2713 الله " من غير همز ولا ~~تشديد، ولا أعلم أحدا قرأ به ". # قلت: قد تقدم أن عبد الله قرأ " والله ركسهم " من غير همز ولا تشديد ~~[ونقل ابن الخطيب أنها قراءة أبي أيضا] وكلام أبي البقاء ~~مخلص؛ فإنه إنما ادعى عدم العلم بأنها قراءة، لا عدم ~~القراءة بها. # قال الراغب:: " إلا أن " أركسه " أبلغ من " ركسه "؛ كما أن ~~أسفله أبلغ من سفله " وفيه نظر. # فصل # قوله: { أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن ~~يضلل الله فلن تجد له سبيلا } قالت المعتزلة: ~~المراد من قوله: " أضل الله " ليس أنه هو خلق الضلال فيه للوجوه ~~المشهورة؛ لأنه قال قبل هذه الآية: { والله أركسهم بما ~~كسبوا } فبين - تعالى - [أنه] إنما ردهم وطردهم بسبب ~~كسبهم وفعلهم، وذلك ينفي القول بأن ضلالهم حصل بخلق ~~الله، وعند هذا حملوا قوله: " ومن أضل [الله] " على وجوه: # أحدها: المراد أن الله حكم بضلالهم وكفرهم؛ كما يقال: فلان ~~يكفر فلانا ويضلله، بمعنى: أنه حكم به وأخبر عنه. # وثانيها: أن المعنى: أتريدون أن تهدوا إلى الجنة من أضله ~~الله عن طريق الجنة؛ وذلك لأنه - تعالى - يضل الكفار يوم ~~القيامة عن الاهتداء إلى طريق الجنة. # وثالثها: أن يفسر الإضلال بمعنى الألطاف، وقد تقدم ضعف هذه ~~الوجوه، ثم نقول: هب أنها صحيحة، ولكنه - تعالى - أخبر عن ~~كفرهم وضلالهم، وأنهم لا يدخلون الجنة، فقد توجه ~~الإشكال؛ لأن انقلاب علم الله - تعالى - جهلا محال، والمفضي ~~إلى المحال محال، ويدل على أن المراد أنه - تعالى - أضلهم ~~عن الدين - قوله - تعالى-: { ومن يضلل الله فلن تجد له ~~سبيلا } والمعنى: أنه - تعالى - لما أضلهم عن الإيمان امتنع ~~أن يجد المخلوق سبيلا إلى إدخاله في الإيمان. # قوله - تعالى -: { ودوا لو تكفرون كما كفروا } الآية. # يجوز في " لو " وجهان: # أحدهما: أن تكون مصدرية. # والثاني: أنها على بابها من كونها حرفا لما كان سيقع لوقوع غيره. # فعلى الأول: تتقدر مع ما بعدها بمصدر، وذلك المصدر في محل المفعول ~~ل " ودوا " وحينئذ فلا جواب لها، والتقدير: ودوا كفركم. # وعلى الثاني: يكون مفعول ms2714 " ود " محذوفا، وجواب " لو " ~~أيضا محذوف؛ لدلالة المعنى عليهما، والتقدير: ودوا كفركم، لو ~~تكفرون كما كفروا لسروا بذلك. # و " كما كفروا ": نعت لمصدر محذوف، تقديره: كفرا مثل كفرهم، أو ~~حال من ضمير ذلك المصدر كما هو مذهب سيبويه. # و " فتكونوا ": عطف على " تكفرون " والتقدير: ودوا كفركم، وكونكم ~~مستوين معهم في شرعهم؛ كقوله: # ودوا لو تدهن فيدهنون # [القلم: 9]، أي: ودوا لو تدهنون، والفاء عاطفة. # قال الزمخشري: " ولو نصب على جواب التمني؛ لجاز " قال أبو ~~حيان: فيه نظر: من حيث إن النصب في جواب التمني إذا كان ~~التمني بلفظ الفعل، يحتاج إلى سماع من العرب، بل لو جاء، لم ~~تتحقق فيه الجوابية، لأن " ود " التي بمعنى التمني، ~~متعلقها لا الذوات، فإذا نصب الفعل بعد الفاء، لم ~~يتعين أن تكون فاء جواب؛ لاحتمال أن يكون من باب عطف ~~المصدر المقدر على المصدر الملفوظ به، فيكون من باب: ~~[الوافر] # 1860- للبس عباءة وتقر عيني # .................................. # يعني: كأن المصدر المفعول ب " يود " ملفوظ به، والمصدر ~~المقدر ب " أن " والفعل، وإلا فالمصدر المحذوف ليس ~~ملفوظا به، إلا بهذا التأويل المذكور، بل المنقول أن ~~الفعل ينتصب على جواب التمني، إذا كان بالحرف، نحو: " ~~ليت " ، و " لو " و " ألا " إذا أشربتا معنى التمني. # وفيما قاله أبو حيان نظر؛ لأن الزمخشري لم يعن ب " ~~التمني " المفهوم من فعل الودادة، بل المفهوم من لفظ " لو " ~~المشعرة بالتمني، وقد جاء النصب في جوابها؛ كقوله: # فلو أن لنا كرة فنكون # [الشعراء: 102]، وقد قدمت تحقيق هذه المسألة، فظهر قول ~~الزمخشري من غير توقف، و " سواء ": خبر " تكونون " وهو في ~~الأصل مصدر واقع موقع اسم الفاعل، بمعنى مستوين؛ ولذلك ~~وحد، نحو: " رجال عدل ". # لما استعظم قولهم: { أتريدون أن تهدوا من أضل ~~الله } على سبيل الإنكار عقب ذكر الاستبعاد، بأن قال: إنهم ~~بلغوا في الكفر إلى أنهم يتمنون أن تصيروا أيها ~~المسلمون كفارا، فلما بلغوا في تعصبهم في الكفر إلى هذا ~~الحد، فكيف تطمعون في إيمانهم. # ثم قال: { فلا تتخذوا منهم أوليآء حتى ~~يهاجروا في سبيل الله ms2715 } معكم. # قال عكرمة: هي هجرة أخرى والهجرة على ثلاثة أوجه: # هجرة المؤمنين في أول الإسلام، وهي قوله: # للفقرآء المهاجرين # [الحشر: 8] وقوله: # ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله # [النساء: 100] ونحوهما. # وهجرة المؤمنين وهي الخروج في سبيل الله مع رسول الله ~~صابرا محتسبا، كما حكى ههنا، منع من موالاتهم حتى ~~يهاجروا في سبيل الله. # وهجرة سائر المؤمنين: وهي ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " المهاجر من هجر ما نهى الله عنه ". # قال أبو بكر الرازي: التقدير: حتى يسلموا ويهاجروا؛ لأن ~~الهجرة في سبيل الله لا تكون إلا بعد الإسلام، فدلت الآية ~~على إيجاب الهجرة بعد الإسلام، وأنهم وإن أسلموا لم يكن ~~بيننا وبينهم موالاة إلا بعد الهجرة؛ لقوله - [تعالى] -: # ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا # [الأنفال: 72] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أنا بريء من كل مسلم أقام بين أظهر المشركين " # وهذا التكليف إنما كان لازما حيث كانت الهجرة واجبة ~~مفروضة، فلما فتحت مكة، نسخ ذلك، قال رسول الله صلى الله يوم ~~فتح مكة: # " لا هجرة [واجبة مفروضة] بعد الفتح، ولكن جهاد ~~ونية ". # وروي عن الحسن: أن حكم الآية ثابت [في كل] من أقام في ~~دار الحرب. # قال ابن الخطيب: الهجرة تحصل تارة بالانتقال من دار ~~الكفر إلى دار الإسلام، وأخرى تحصل بالانتقال عن أعمال ~~الكفار إلى أعمال المسلمين، قال - عليه الصلاة والسلام -: # " المهاجر من هجر ما نهى الله عنه " # وقال المحققون: الهجرة في سبيل الله عبارة عن الهجرة عن ~~ترك منهياته وفعل مأموراته، والآية عامة في الكل، وقيد ~~الهجرة بكونها في سبيل الله؛ لأنه ربما كانت الهجرة ~~لغرض من أغراض الدنيا فلا تكون معتبرة. # قال القرطبي: والهجرة أنواع: منها الهجرة إلى المدينة؛ ~~لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم في الغزوات، وكانت هذه واجبة ~~أول الإسلام، حتى قال: # " لا هجرة بعد الفتح " # وكذلك هجرة المنافقين مع النبي صلى الله عليه وسلم [وهجرة من ~~أسلم في دار الحرب فإنها واجبة، وهجرة المسلم ما حرم الله ~~عليه] كما ms2716 قال - عليه السلام -: # " والمهاجر من هجر ما حرم الله عليه " # وهاتان الهجرتان ثابتتان الآن، وهجرة أهل المعاصي؛ ليرجعوا ~~عما هم عليه تأديبا لهم، فلا يكلمون ولا يخاطبون ولا ~~يخالطون حتى يتوبوا؛ كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع ~~كعب وصاحبيه. # قوله: { فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث ~~وجدتموهم } أي: فإن أعرضوا عن التوحيد والهجرة " فخذوهم " ~~إذا قدرتم عليهم أسارى، ومنه يقال للأسير: أخيذ، { ~~واقتلوهم حيث وجدتموهم } في الحل والحرم { ولا ~~تتخذوا منهم } في هذه الحال " وليا " يتولى شيئا من ~~مهماتكم " ولا نصيرا " لينصركم على أعدائكم، ثم استثنى منهم وهو ~~قوله: { إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم ~~وبينهم ميثاق أو جآءوكم حصرت صدورهم أن ~~يقاتلونكم أو يقاتلوا قومهم ولو شآء الله ~~لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم ~~يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله ~~لكم عليهم سبيلا }. # قوله: { إلا الذين يصلون }: في هذه الاستثناء قولان: # أظهرهما: أنه استثناء متصل، والمستثنى منه قوله: { فخذوهم ~~واقتلوهم } في الأخذ والقتل لا في الموالاة؛ لأن موالاة الكفار ~~والمنافقين لا يجوز بحال. # والمستثنون على هذا قوم كفار، ومعنى الوصلة هنا ~~الوصلة بالمعاهدة والمهادنة. وقال أبو عبيد: " هو ~~اتصال النسب " ، وغلطه النحاس بأن النسب كان ثابتا بين ~~النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، وبين المشركين، ومع ذلك لم ~~يمنعهم ذلك من قتالهم. # وقال ابن عباس: يريد: ويلجئون إلى قوم { بينكم وبينهم ~~ميثاق } أي: عهد، وهم الأسلميون، وذلك أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وادع هلال بن عويمر الأسلمي عند خروجه إلى مكة، ~~على ألا يعينه ولا يعين عليه، ومن وصل إلى هلال من قومه ~~وغيرهم ولجأ إليه، فلهم من الجواز مثل ما لهلال. # وقال الضحاك عن ابن عباس: أراد بالقوم الذين بالقوم ~~الذين بينكم وبينهم ميثاق: بني بكر بن زيد بن مناة، ~~وكانوا في الصلح والهدنة، وقال مقاتل: هم خزاعة. # والقول الثاني: أنه منقطع - وهو قول أبي مسلم الأصفهاني، ~~واختيار الراغب -. # قال أبو مسلم: " لما أوجب الله الهجرة على كل من ~~أسلم، استثنى من له عذر ms2717 فقال: { إلا الذين يصلون } وهم ~~قوم قصدوا الهجرة إلى الرسول - عليه الصلاة والسلام - ونصرته، ~~وكان [بينهم وبينه في الطريق كفار يخافونهم، فعهدوا إلى ~~كفار كان] بينهم وبين المسلمين عهد، فأقاموا عندهم إلى أن ~~يمكنهم الخلاص، واستثنى بعد ذلك من صار إلى الرسول ~~وأصحابه؛ لأنه يخاف الله فيه، ولا يقاتل الكفار أيضا لأنهم ~~أقاربه؛ أو لأنه يخاف على أولاده الذين هم في أيديهم " ، فعلى هذا ~~القول يكون استثناء منقطعا؛ لأن هؤلاء المستثنين لم يدخلوا ~~تحت قوله: { فما لكم في المنافقين فئتين } ~~والمستثنون على هذا مؤمنون. # قوله: { بينكم وبينهم ميثاق } يجوز أن يكون جملة من ~~مبتدأ وخبر في محل جر صفة ل " قوم " ، ويجوز أن يكون " ~~بينكم " وحده صفة ل " قوم " ، فيكون في محل جر ويتعلق ~~بمحذوف، و " ميثاق " على هذا رفع بالفاعلية؛ لأن الظرف ~~اعتمد على موصوف، وهذا الوجه أقرب؛ لأن الوصف بالمفرد ~~أصل للوصف بالجملة. # قوله: " أو جاءوكم " فيه وجهان: # أظهرهما: أنه عطف على الصلة؛ كأنه قيل: أو إلا الذين جاءوكم ~~حصرت صدورهم، فيكون التقدير: " إلا الذين يصلون بالمعاهدين، أو ~~الذين حصرت صدورهم فليقاتلوكم " فيكون المستثنى صنفين من ~~الناس: أحدهما: واصل إلى قوم معاهدين، والآخر من جاء غير ~~مقاتل للمسلمين ولا لقومه. # والثاني: أنه عطف على صفة " قوم " وهي قوله: { بينكم ~~وبينهم ميثاق } ، فيكون المستثنى صنفا واحدا يختلف ~~باختلاف من يصل إليه من معاهد وكافر، واختار الأول ~~الزمخشري وابن عطية. # قال الزمخشري: " الوجه العطف على الصلة؛ لقوله: { فإن ~~اعتزلوكم فلم يقاتلوكم } بعد قوله: { فخذوهم ~~واقتلوهم } فقرر أن كفهم عن القتال أحد سببي ~~استحقاقهم لنفي التعرض لهم، وترك الإيقاع بهم، فإن قلت: كل ~~واحد من الاتصالين له تأثير في صحة الاستثناء، واستحقاق ترك ~~التعرض للاتصال بالمعاهدين والاتصال بالكافين، فهلا جوزت أن ~~يكون العطف على صفة " قوم " ، ويكون قوله: " فإن اعتزلوكم " ~~تقريرا لحكم اتصالهم بالكافين واختلاطهم بهم، وجريهم على ~~سننهم؟ قلت: هو جائز، ولكن الأول أظهر وأجرى على أسلوب الكلام ~~". انتهى. # وإنما كان أظهر لوجهين: # أحدهما: من جهة الصناعة، والثاني: من جهة ms2718 المعنى. # أما الأول: فلأن عطفه على الصلة لكون النسبة فيه ~~إسنادية، وذلك أن المستثنى محدث عنه محكوم له، بخلاف ~~حكم المستثنى منه، فإذا قدرت العطف على الصلة، كان ~~محدثا عنه بما عطفته، بخلاف ما إذا عطفته على الصفة، ~~فإنه يكون تقييدا في " قوم " الذين هم قيد في الصلة ~~المحدث عن صاحبها، ومتى دار الأمر بين أن تكون النسبة ~~إسنادية وبين أن تكون تقييدية، كان جعلها إسنادية أولى ~~لاستقلالها. # والثاني من جهة المعنى: وذلك أن العطف على الصلة يؤدي أن ~~سبب ترك التعرض لهم تركهم القتال ونهيهم عنه، وهذا ~~سبب قريب، والعطف على الصفة يؤدي إلى أن سبب ترك ~~التعرض لهم، وصولهم إلى قوم كافين عن القتال، وهذا سبب ~~بعيد، وإذا دار الأمر بين سبب قريب وآخر بعيد، فاعتبار ~~القريب أولى. # والجمهور على إثبات " أو " ، وفي مصحف أبي: " جاءوكم " من غير " ~~أو " ، وخرجها الزمخشري على أحد أربعة أوجه: إما ~~البيان ل " يصلون " ، أو البدل منه، أو الصفة لقوم بعد صفة، أو ~~الاستئناف. # قال أبو حيان: " وهي وجوه محتملة وفي بعضها ضعف، وهو البيان ~~والبدل؛ لأن البيان لا يكون في الأفعال؛ ولأن البدل لا يتأتى ~~لكونه ليس إياه، ولا بعضه، ولا مشتملا عليه ". انتهى، ويحتاج ~~الجواب عنه [إلى] تأمل ونظر. # قوله: { حصرت صدورهم } فيه سبعة أوجه: # أحدها: أنه لا محل لهذه الجملة، بل جيء بها للدعاء عليهم ~~بضيق صدورهم عن القتال، وهذا منقول عن المبرد، إلا أن ~~الفارسي رد عيله بأنا مأمورون بأن ندعو على الكفار ~~بإلقاء العداوة بينهم، فنقول: " اللهم أوقع العداوة ~~بين الكفار " لكن يكون قوله: { أو يقاتلوا قومهم } ~~نفيا لما اقتضاه دعاء المسلمين عليهم. # وقد أجاب عن هذا الرد بعض الناس؛ فقال بن عطية: " يخرج ~~قول المبرد على أن الدعاء عليهم بألا يقاتلوا المسلمين ~~تعجيز لهم، والدعاء عليهم بألا يقاتلوا قومهم تحقير لهم، ~~أي: هم أقل وأحقر ومستغنى عنهم، كما تقول إذا أردت هذا ~~المعنى: " لا جعل الله فلانا علي ولا معي " بمعنى: أستغني ~~عنه وأستقل دونه ". # وأجاب غيره ms2719 بأنه يجوز أن يكون سؤالا لقومهم، على أن قوله: " ~~قومهم " قد يحتمل أن يعبر به عمن ليسوا منهم، [بل عن ~~معاديهم ". # الثاني: أن " حصرت " حال من فاعل " جاءوكم " وإذا وقعت الحال ~~فعلا ماضيا ففيها] خلاف: هل يحتاج إلى اقترانه ب " قد " أم ~~لا؟ والراجح عدم الاحتياج؛ لكثرة ما جاء منه، فعلى هذا لا ~~تضمر " قد " قبل " حصرت " ، ومن اشترط ذلك، قدرها هنا. # والثالث: أن " حصرت " صفة لحال محذوفة، تقديره: أو جاءوكم قوما ~~حصرت صدورهم رجالا حصرت صدورهم، فنصب لأنه صفة موصوف ~~منصوب على الحال، إلا أنه حذف الموصوف المنتصب على الحال، ~~وأقيمت صفته مقامه وسماها أبو البقاء حالا موطئة، وهذا ~~الوجه يعزى للمبرد أيضا. # الرابع: أن يكون في محل جر صفة لقوم بعد صفة، و " أو ~~جاءوكم " معترض. # قال أبو البقاء: يدل عليه قراءة من أسقط " أو " وهو ~~أبي، كذا نقله عنه أبو حيان والذي في إعرابه إسقاط " أو ~~جاءوكم " جميعه، وهذا نصه قال: " أحدهما: هو جر صفة لقوم، ~~وما بينهما صفة أيضا، و " جاءوكم " معترض، وقد قرأ بعض ~~الصحابة: " بينكم وبينهم ميثاق حصرت صدورهم " ، بحذف " أو جاءوكم " ~~هذا نصه، وهو أوفق لهذا الوجه. # الخامس: أن يكون بدلا من " جاءوكم " بدل اشتمال؛ لأن المجيء ~~مشتمل على الحصر وغيره، نقله أبو حيان عن أبي البقاء أيضا. # السادس: أنه حبر بعد خبر، وهذه عبارة الزجاج، يعني: أنها جملة ~~مستأنفة، أخبر بها عن ضيق صدور هؤلاء عن القتال بعد ~~الإخبار عنهم بما تقدم. # قال ابن عطية بعد حكاية قول الزجاج: " يفرق بين الحال وبين ~~خبر مستأنف في قولك: " جاء زيد ركب الفرس " أنك إذا أردت ~~الحال بقولك: " ركب الفرس " قدرت " قد " ، وإن أردت خبرا ~~بعد خبر، لم تحتج إلى تقديرها ". # السابع: أنه جواب شرط مقدر، تقديره: إن جاءوكم حصرت ~~[صدورهم]، وهو رأي الجرجاني، وفيه ضعف؛ لعدم الدلالة على ~~ذلك. # وقرأ الجمهور: " حصرت " فعلا ماضيا، وقرأ الحسن، وقتادة، ويعقوب: ~~" حصرة " نصبا على الحال بوزن " نبقة " ، وهي تؤيد كون " حصرت " ~~حالا، ونقلها المهدوي عن عاصم ms2720 في رواية حفص، وروي عن الحسن ~~أيضا: " حصرات " و " حاصرات ". # وهاتان القراءتان تحتملان أن تكون " حصرات " و " حاصرات " نصبا ~~على الحال، أو جرا على الصفة ل " قوم "؛ لأن جمع المؤنث ~~السالم يستوي جره ونصبه، إلا أن فيهما ضعفا؛ من حيث إن ~~الوصف الرافع لظاهر الفصيح فيه أن يوحد كالفعل، أو يجمع ~~جمع تكسير ويقل جمعه تصحيحا، تقول: مررت بقوم ذاهب ~~جواريهم، أو قيام جواريهم، ويقل: " قائمات جواريهم ". # وقرئ: " حصرة " بالرفع على أنه خبر مقدم، و " صدورهم " مبتدأ، ~~والجملة حال أيضا. وقال أبو البقاء: " وإن كان قد قرئ: " حصرة " ~~بالرفع، فعلى أنه خبر، و " صدورهم " ، مبتدأ، والجملة حال ~~". # قوله: " أن يقاتلوكم " أصله: عن أن: فلما حذف حرف الجر، جرى ~~الخلاف المشهور، أهي في محل جر أو نصب؟ والحصر: الضيق، ~~وأصله في المكان، ثم توسع فيه [فأطلق على حصر القول: وهو ~~الضيق في الكلام على المتكلم والحصر: المكتوم] قال: [الكامل] # 1861- ولقد تسقطني الوشاة فصادفوا # حصرا بسرك يا أميم ضنينا # فصل # اختلفوا في الذين استثناهم الله - تعالى -: # فقال الجمهور [هم] من الكفار والمعنى: أنه - تعالى - أوجب ~~قتل الكافر، إلا إذا كان معاهدا أو تاركا للقتال، فإنه ~~لا يجوز قتلهم، وعلى هذا التقدير فالقول بالنسخ لازم؛ لأن ~~الكافر وإن ترك القتال؛ فإنه يجوز قتله. # وقال أبو مسلم الأصفهاني: هم قوم من المؤمنين، وذكر ما تقدم ~~عنه في كون الاستثناء منقطعا. # قوله: { ولو شآء الله لسلطهم عليكم } التسليط في ~~اللغة مأخوذ من السلاطة؛ وهي الحدة، والمقصود: أن الله تعالى من ~~على المسلمين بكف بأس المعاهدين. # قال [بعض] المفسرين: معنى الآية: أن القوم الذين جاءوكم بنو ~~مدلج، كانوا عاهدوا ألا يقاتلوا المسلمين، وعاهدوا ~~قريشا ألا يقاتلوهم وحصرت: ضاقت صدورهم، { أن ~~يقاتلونكم } أي: عن قتالكم للعهد الذي بينكم، { أو ~~يقاتلوا قومهم } يعني: من أمن منهم، ويجوز أن يكون ~~معناه: أنهم لا يقاتلونكم مع قومهم، ولا يقاتلون ~~قومهم معكم، يعني: قريشا قد ضاقت صدورهم لذلك. # وقال بعضهم: " أو " الواو؛ كأنه قال: إلى قوم بينكم ~~وبينهم ميثاق، جاءوكم حصرت ms2721 صدورهم عن قتالكم والقتال ~~معكم وهم - قوم هلال - الأسلميون وبنو بكر، نهى الله - ~~سبحانه - عن قتل هؤلاء المرتدين إذا اتصلوا بأهل عهد ~~للمؤمنين؛ لأن من انضم إلى قوم ذوي عهد فله حكمهم في حقن ~~الدم. # فصل # المعنى: أن ضيق صدورهم عن قتالكم؛ إنما هو لأن الله - تعالى - ~~قذف الرعب في قلوبهم، ولو أنه - تعالى - قوى قلوبهم على ~~قتال المسلمين، لتسلطوا عليهم، وهذا يدل على أنه لا ~~يصح من الله تسليط الكافر على المؤمن وتقويته [عليه]. # وأجاب المعتزلة بوجهين: # الأول: قال الجبائي: قد بينا أن الذين استثناهم الله - ~~تعالى - قوم مؤمنون لا كافرون، وعلى هذا فمعنى الآية: ولو ~~شاء الله لسلطهم عليكم بتقوية [قلوبهم] ليدفعوا عن ~~أنفسهم، إن أقدمتم على مقاتلتهم على سبيل الظلم. # الثاني: قال الكلبي: إنه - تعالى - أخبر أنه لو شاء لفعل، ~~وهذا لا يفيد إلا أنه - تعالى - قادر على الظلم، وهذا ~~مذهبنا، إلا أنا نقول: إنه - تعالى - لا يفعل الظلم. # قوله: " فلقاتلوكم " اللام جواب " لو " على التكرير أو ~~البدلية، تقديره: ولو شاء الله لسلطهم عليكم، ولو شاء ~~الله لقاتلوكم. # وقال ابن عطية: هي لام المحاذاة والازدواج بمثابة الأولى، ~~لو لم تكن الأولى كنت تقول: " لقاتلوكم ". وهي تسمية غريبة، وقد ~~سبقه إليها مكي، والجمهور على: " فلقاتلوكم " من المفاعلة. # ومجاهد، وجماعة: " فلقتلوكم " ثلاثيا، والحسن والجحدري: " ~~فلقتلوكم " بالتشديد. # قوله: " فإن اعتزلوكم " أي: فإن لم يتعرضوا لكم لقتالكم، وألقوا ~~إليكم السلم، أي: الانقياد والاستسلام وقرأ الجحدري: " ~~السلم " بفتح السين وسكون اللام، وقرأ الحسن بكسر السين ~~وسكون اللام { فما جعل الله لكم عليهم سبيلا } أي: ~~طريقا بالقتل والقتال. # [قوله: { لكم عليهم سبيلا } " لكم " متعلق ب " جعل " ، و ~~" سبيلا " مفعول " جعل " ، و " عليهم " حال من " سبيلا "؛ لأنه في ~~الأصل صفة نكرة قدم عليها، ويجوز أن تكون " جعل " بمعنى " صير " ~~، فيكون " سبيلا " مفعولا أول، و " عليهم " مفعول ثان ~~قدم]. # قال بعضهم: هذه الآية منسوخة بآية السيف، وهي قوله: # فاقتلوا المشركين # [التوبة: 5]، وقال آخرون: إنها غير منسوخة، أما الذين حملوا ~~الاستثناء على المسلمين، فهو ظاهر على ms2722 قولهم، وأما الذين ~~حملوه على الكافرين؛ فقال الأصم: إذا حملنا الآية على ~~المعاهدين، فكيف يمكن أن يقال إنها منسوخة. ### || [4.91] # السين في " ستجدون " للاستقبال على أصلها، قالوا: وليست هنا ~~للاستقبال، بل للدلالة على الاستمرار، وليس بظاهر. # قال الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس: هم أسد وغطفان كانوا ~~حاضري المدينة، تكلموا بالإسلام رياء، وهم غير مسلمين، ~~فكان الرجل منهم يقول له قومه: بماذا أسلمت؟ فيقول: آمنت ~~برب القرد، وبرب العقرب والخنفساء، وإذا لقوا أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم قالوا: إنا على دينكم، يريدون بذلك الأمن في ~~الفريقين، وقال الضحاك عن ابن عباس: هم بنو عبد الدار، ~~كانوا بهذه الصفة. # { يريدون أن يأمنوكم } فلا تتعرضوا لهم، { ~~ويأمنوا قومهم } فلا يتعرضوا لهم، { كل ما ردوا ~~إلى الفتنة } دعوا إلى الشرك، { أركسوا فيها } أي: ~~رجعوا وعادوا إلى الشرك. # وقرأ عبد الله: " ركسوا فيها " ثلاثيا مخففا، ونقل ابن جني ~~عنه: " ركسوا " بالتشديد. وقرأ ابن وثاب والأعمش: " ردوا " ~~بكسر الراء؛ لأن الأصل: " رددوا " فأدغم، وقلبت الكسرة على ~~الراء. وقوله: " إلى الفتنة " إلى الكفر { أركسوا فيها فإن ~~لم يعتزلوكم } أي: فإن لم يكفوا عن قتالكم حتى ~~تسيروا إلى مكة: { ويلقوا إليكم السلم } أي: المفاداة ~~والصلح، " ويكفوا أيديهم " ولم يقبضوا أيديهم من قتالكم، " فخذوهم " ~~، أسرى { واقتلوهم حيث ثقفتموهم } أي: وجدتموهم، " ~~وأولئكم " أي: أهل هذه الصفة { جعلنا لكم عليهم سلطانا ~~مبينا } أي: حجة بينة ظاهرة بالقتل والقتال، وهذه الآية ~~تدل على أنهم إذا اعتزلوا قتالنا وطلبوا الصلح منا، ~~وكفوا أيديهم عن إيذائنا، لم يجز لنا قتالهم، ونظيره قوله ~~تعالى: # لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في ~~الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم # [الممتحنة: 8]، وقوله: # وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم # [البقرة: 190]. ### || [4.92] # كما رغب في مقاتلة الكفار، ذكر بعدها ما يتعلق ~~بالمحاربة، ولا شك أنه قد يتفق أن يرمي الرجل رجلا ~~يظنه كافرا حربيا فيقتله، ثم يتبين أنه مسلم، فذكر ~~الله - تعالى - حكم هذه الواقعة. # قوله - تعالى -: { وما كان لمؤمن أن }. # قد تقدم الكلام في ms2723 نظير هذا التركيب عند قوله - تعالى -: # ما كان لهم أن يدخلوهآ إلا خآئفين # [البقرة: 114]. # وقوله: { إلا خطئا } فيه أربعة أوجه: # أحدها: أنه استثناء منقطع - وهو قول الجمهور - إن أريد ~~بالنفي معناه، ولا يجوز أن يكون متصلا، إذ يصير المعنى: ~~إلا خطأ فله قتله. # والثاني: أنه متصل إن أريد بالنفي التحريم، ويصير المعنى: ~~إلا خطأ بأن عرفه أنه كافر فقتله، ثم كشف الغيب أنه كان ~~مؤمنا. # الثالث: أنه استثناء مفرغ، ثم في نصبه ثلاثة احتمالات: # الأول: أنه مفعول له، أي: ما ينبغي له أن يقتله [لعلة من ~~الأحوال، إلا للخطأ وحده. # الثاني: أنه حال، أي: ما ينبغي له أن يقتله] في حال من ~~الأحوال، إلا في حال الخطأ. # الثالث: أنه نعت مصدر محذوف، أي: إلا قتلا خطأ، ذكر هذه ~~الاحتمالات الزمخشري. # الرابع: من الأوجه: أن تكون " إلا " بمعنى " ولا " والتقدير: وما كان ~~لمؤمن أن يقتل مؤمنا عمدا ولا خطأ، ذكره بعض أهل ~~العلم، حكى أبو عبيدة عن يونس قال: سألت رؤبة بن العجاج عن ~~هذه الآية، فقال: " ليس أن يقتله عمدا ولا خطأ " فأقام " ~~إلا " مقام الواو؛ وهو كقول الشاعر: [الوافر] # 1862- وكل أخ مفارقه أخوه # لعمر أبيك إلا الفرقدان # إلا أن الفراء رد هذا القول؛ بأن مثل ذلك لا يجوز، إلا إذا ~~تقدمه استثناء آخر، فيكون الثاني عطفا عليه: كقوله: [البسيط] # 1863- ما بالمدينة دار غير واحدة # دار الخليفة إلا دار مروانا # وهذا رأي الفراء، وأما غيره، فيزعم أن " إلا " تكون عاطفة ~~بمعنى الواو من غير شرط، وقد تقدم تحقيق هذا في قوله: # لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ~~ظلموا # [البقرة: 150]. # وقرأ الجمهور: " خطأ " مهموزا بوزن " نبأ " ، والزهري: " خطا " ~~بوزن " عصا " ، وفيها تخريجان: # أحدهما: أنه حذف لام الكلمة تخفيفا، كما حذفوا لام دم، ~~ويد أخ وبابها. # والثاني: أنه خفف الهمزة بإبدالها ألفا، فالتقت مع التنوين؛ ~~فحذفت لالتقاء الساكنين، كما يفعل ذلك بسائر المقصور، ~~والحسن قرأ: " خطاء " بوزن " سماء ". # فصل # ذكر المفسرون في سبب النزول وجوها: # أحدها: روى عروة بن الزبير: أن ms2724 حذيفة بن اليمان قاتل مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد فأخطأ المسلمون، ~~وظنوا أن أباه اليمان واحدا من الكفار، فضربوه ~~بأسيافهم، وحذيفة يقول: إنه أبي، فلم يفهموا قوله إلا ~~بعد أن قتلوه، فقال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم ~~الراحمين، فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، ازداد ~~وقع حذيفة عنده، فنزلت هذه الآية. # وثانيها: أن أبا الدرداء كان في سرية، فعدل إلى شعب لحاجة ~~[فوجد] رجلا في غنم له، فحمل [عليه] بالسيف، فقال الرجل لا ~~إله إلا الله، فقتله وساق غنمه، ثم وجد في نفسه شيئا ~~فذكر الواقعة للرسول - عليه الصلاة والسلام - فقال النبي - ~~عليه الصلاة والسلام -: # " هلا شققت عن قلبه " # وندم أبو الدرداء، فنزلت الآية. # ثالثها: نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي، وكان أخا ~~أبي جهل من أمه: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة ~~فأسلم ثم خاف أن يظهر إسلامه لأهله فخرج هاربا إلى المدينة، وتحصن في ~~أطم من آطامها، فجزعت أمه لذلك جزعا شديدا وقالت لابنها الحارث وأبي ~~جهل بن هشام وهما أخواه لأمه: والله لا يظلني سقف ولا أذوق طعاما ولا ~~شرابا حتى تأتوني به، فخرجا في طلبه وخرج معهما الحارث بن زيد بن أبي ~~أنيسة حتى أتوا المدينة، فأتوا عياشا وهو في الأطم، قالا له: إنزل فإن ~~أمك لم يؤوها سقف بيت بعدك، وقد حلفت ألا تأكل طعاما ولا تشرب شرابا ~~حتى ترجع إليها ولك عهد الله علينا أن لا نكرهك على شيء ولا نحول بينك ~~وبين دينك، فلما ذكروا له جزع أمه وأوثقوا له بالله نزل إليهم فأخرجوه من ~~المدينة ثم أوثقوه بنسعة فجلده كل منهم مائة جلدة، ثم قدموا به على أمه ~~فلما أتاها قالت: والله لا أحلك من وثاقك حتى تكفر بالذي آمنت به، ثم ~~تركوه موثقا مطروحا في الشمس ما شاء الله فأعطاهم الذي أرادوا فأتاه ~~الحارث بن زيد فقال: يا عياش أهذا الذي كنت عليه فوالله لئن كان هدى لقد ~~تركت الهدى، ms2725 ولئن كان ضلالة لقد كنت عليها، فغضب عياش من مقالته، وقال: ~~والله لا ألقاك خاليا أبدا إلا قتلتك، ثم إن عياشا ألم بعد ذلك وهاجر ~~ثم أسلم الحارث بن زيد بعده وهاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس ~~عياش حاضرا يومئذ ولم يشعر بإسلامه فبينما عياش يسير بظهر قباء إذ لقي ~~الحارث فقتله، فقال الناس: ويحك أي شيء قد صنعت؟! إنه قد أسلم، فرجع عياش ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله قد كان من أمري وأمر ~~الحارث ما قد علمت، وإني لم أشعر بإسلامه حتى قتلته فنزلت الآية. # فصل تفسير قوله - تعالى -: { وما كان لمؤمن } # قوله: { وما كان [لمؤمن } ] قيل: معناه: ما كان له فيما ~~أتاه من ربه وعهد إليه، وقيل: ما كان له في شيء من الأزمنة ~~ذلك، والمقصود: بيان أن حرمة القتل كانت ثابتة من أول ~~زمان التكليف. # وقوله: " إلا خطأ " فعلى القول بأنه متصل؛ ذكروا وجوها: # أحدها: أن هذا الاستثناء معناه: أن الإنسان يؤاخذ عن القتل، ~~إلا إذا كان القتل قتل خطأ، فإنه لا يؤاخذ به. # وثانيها: أنه استثناء صحيح على ظاهر اللفظ، والمعنى: ليس ~~لمؤمن أن يقتل مؤمنا ألبتة إلا عند الخطأ، وهو ما إذا ~~رأى عليه شعار الكفار، أو وجده في عسكرهم فظنه مشركا. ~~فحينئذ يجوز قتله. # ثالثها: أن في الكلام تقديما وتأخيرا، والتقدير: وما كان ~~لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ؛ كقوله - [تعالى] -: # ما كان لله أن يتخذ من ولد # [مريم: 35] أي: وما كان الله ليتخذ من ولد؛ لأنه - تعالى - ~~لا يحرم عليه شيء، إنما ينفى عنه ما لا يليق به. # قال القرطبي: قوله: { وما كان } ليس على النفي، وإنما هو ~~على التحريم والنهي؛ كقوله: # وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله # [الأحزاب: 53] ولو كانت على النفي، لما وجد مؤمن قتل مؤمنا ~~[قط]؛ لأن ما نفاه الله لا يجوز وجوده؛ كقوله # ما كان لكم أن تنبتوا شجرها # [النمل: 60]، معناه: ما كنتم لتنبتوا؛ لأنه - تعالى - لم ~~يحرم عليهم أن ms2726 ينبتوا الشجر، إنما نفى عنهم أن يمكنهم ~~إنباتها، فإنه - تعالى - هو القادر على إنبات الشجر. # ورابعها: أن وجه الإشكال في اتصال هذا الاستثناء أن يقال: ~~الاستثناء من النفي إثبات، وهذا يقتضي الإطلاق في قتل ~~المؤمن في بعض الأحوال، وذلك محال؛ لأن ذلك الإشكال إنما ~~يلزم إذا سلمنا أن الاستثناء من النفي إثبات، وذلك ~~مختلف فيه بين الأصوليين، والصحيح أنه لا يقتضيه؛ لأن ~~الاستثناء يقتضي نفي الحكم عن المستثنى، لا صرف ~~المحكوم به عنه، وإذا كان تأثير الاستثناء في صرف الحكم فقط، بقي ~~المستثنى غير محكوم عليه، لا بالنفي ولا بإثبات، وحينئذ ~~يندفع الإشكال، ومما يدل على أن الاستثناء في المنفي ~~ليس بإثبات، قوله - عليه الصلاة والسلام -: # " لا صلاة إلا بطهور ولا نكاح إلا بولي " # ويقال: لا ملك إلا بالرجال، ولا رجال إلا بالمال، ~~والاستثناء في هذه الصور لا يفيد أن يكون الحكم المستثنى من ~~النفي إثباتا. # وخامسها: قال أبو هاشم: وتقدير الآية: وما كان لمؤمن أن ~~يقتل مؤمنا [إلا] أن يقتله خطأ فيبقى حينئذ مؤمنا، فإن ~~قتل المؤمن يخرجه عن كونه مؤمنا إلا يكون خطأ، فإنه ~~لا يخرجه عن كونه مؤمنا، وهذا بناء على أصلهم، وهو أن ~~الفاسق عند المعتزلة ليس بمؤمن، وهو أصل [فاسد] وباطل. # وإن قلنا: إنه استثناء منقطع، فهو لمعنى لكن، ونظائره كثيرة، قال ~~- تعالى -: # لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن ~~تكون تجارة # [النساء: 29]. وقال: # الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا ~~اللمم # [النجم: 32] وقال: # لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا ~~سلاما سلاما # [الواقعة: 25، 26]. # فصل # قال القرطبي: ذهب داود إلى وجوب القصاص بين الحر ~~والعبد، في النفس وفي الأعضاء، لقوله - تعالى -: # وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس # [المائدة: 45] إلى قوله: # والجروح قصاص # [المائدة: 45] ولقوله - عليه الصلاة والسلام -: # " المؤمنون تتكافأ دماؤهم " # ولم يفرق بين حر وعبد. # قال أبو حنيفة [وأصحابه]: لا قصاص بين الأحرار والعبيد إلا ~~[في] النفس، فيقتل الحر بالعبد كما يقتل العبد بالحر، ~~ولا قصاص بينهما في الجراح والأعضاء، وأجمع العلماء على أن ~~قوله ms2727 - تعالى -: { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا ~~خطأ } أنه لم يدخل فيه العبيد، وإنما أريد به: الأحرار؛ ~~فكذلك قوله - عليه السلام -: # " المؤمنون تتكافأ دماؤهم " # أريد به الأحرار خاصة، والجمهور على ذلك، وإذا لم يكن قصاص ~~بين العبيد والأحرار فيما دون النفس، فالنفس أحرى بذلك، وقد ~~مضى هذا في البقرة. # قوله: { ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة } " خطأ " ~~إما منصوب على المصدر، أي: قتلا خطأ، وإما على [أنه] مصدر في ~~موضع [الحال] أي ذا خطأ أو خاطئا والفاء في قوله: " فتحرير " ~~جواب الشرط، أو زائدة في الخبر إن كانت " من " بمعنى ~~الذي، وارتفاع " تحرير ": إما على الفاعلية، أي: فيجب ~~عليه تحرير، وإما على الابتدائية، والخبر محذوف أي: فعليه ~~تحرير أو بالعكس، أي: فالواجب تحرير، والتحرير عبارة عن جعله ~~حرا والحر هو الخالص، ولما كان الإنسان في أصل الخلقة ~~خلق ليكون مالكا للأشياء، لقوله تعالى: # خلق لكم ما في الأرض جميعا # [البقرة: 29] فكونه مملوكا صفة تكدر مقتضى الإنسانية، ~~فسميت إزالة الملك تحريرا، أي: تخليصا لذلك الإنسان عما ~~يكدر إنسانيته، والرقبة عبارة عن النسمة في قولهم: " ~~فلان يملك كذا رأسا من الرقيق ". # والدية في الأصل مصدر، ثم أطلق على المال المأخوذ في ~~القتل، ولذلك قال: { مسلمة إلى أهله } ، والفعل لا ~~يسلم بل الأعيان، تقول: ودى يدي دية ووديا، كوشى يشي ~~شية، فحذفت فاء الكلمة، ونظيره في الصحيح اللام: " زنة " و ~~" عدة " ، و " إلى أهله " متعلق ب " مسلمة " تقول: سلمت إليه ~~كذا، ويجوز أن يكون صفة ل " مسلمة " وفيه ضعف. # فصل الخلاف في القصاص للقتل العمد # معنى [الآية] فعلية إعتاق رقبة مؤمنة كفارة ودية كاملة { ~~مسلمة إلى أهله } أي: إلى أهل القتيل الذين يرثونه، " ~~إلا أن [يصدقوا ". أي:] يتصدقوا بالدية فيعفوا ويتركوا ~~الدية، واختلفوا في قتل العمد: # فقال أبو حنيفة: لا يوجب الكفارة؛ لهذه الآية فقال: " ومن قتل ~~مؤمنا خطأ فتحرير [رقبة " ] شرط لوجوب الكفارة كونه خطأ، وعند ~~انتفاء الشرط لا يحصل المشروط. # وقال الشافعي: تجب الكفارة؛ لما روى واثلة بن الأسقع، قال: ms2728 ~~أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صاحب لنا أوجب النار ~~بالقتل، فقال: أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه ~~عضوا منه [من النار] ولأن الكفارة في قتل الصيد في الحرم ~~والإحرام، يستوي فيه العامد والخاطئ [إلا] في الإثم فكذا في ~~قتل المؤمن. # فصل # قال ابن عباس، والحسن، والشعبي، والنخعي: لا تجزئ الدية ~~إلا إذا صام وصلى، لأنه وصفها بالإيمان، والإيمان: إما ~~التصديق، وإما العمل، وإما المجموع والكل فائت عن ~~الصبي. # وقال الشافعي ومالك والأوزاعي وأبو حنيفة: يجزئ الصبي إذا ~~كان أحد أبويه مسلما، لأن قوله: " ومن قتل مؤمنا [خطأ] " ~~يدخل فيه الصغير فكذا قوله: { فتحرير رقبة مؤمنة ~~} يدخل فيه الصغير. # فصل # قال أبو بكر الأصم: وجمهور الخوارج: الدية واجبة على القاتل ~~لوجوه: # الأول: لأن قوله: " فتحرير رقبة " والمراد: إيجابها على القاتل ~~لا على غيره بإجماع فكذا الدية؛ لأن اللفظ في الموضعين ~~واحد. # الثاني: أن الجناية إنما صدرت منه، والضمان لا يجب ~~إلا على المتلف، أقصى ما في الباب أن هذا الفعل صدر عنه على ~~سبيل الخطأ، والفعل الخطأ في قيم المتلفات وأروش ~~الجنايات، قائم مقام العمد، وتلك لا تجب إلا على المتلف فكذا ~~ههنا. # الثالث: أن العاقلة لم يصدر عنهم خيانة، فلا يجب عليهم شيء؛ ~~لقوله - تعالى -: # ولا تزر وازرة وزر أخرى # [الأنعام:164] وقال: # ولا تكسب كل نفس إلا عليها # [الأنعام: 164] وقال: # لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت # [البقرة: 286] # " وروي أن أبا رمثة دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ~~ومعه ابنه، فقال - عليه الصلاة والسلام - من هذا؟ فقال ابني، فقال: ~~" إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه " # ومعلوم أنه ليس المقصود الإخبار عن نفس الجناية، إنما ~~المقصود: بيان [أن] أثر جنايتك [لا] يتعدى إلى ولدك ~~وبالعكس. # الرابع: إن النصوص تدل على أن مال الإنسان معصوم [وأنه] لا ~~سبيل لأحد أن يأخذه منه، قال - تعالى -: # لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن ~~تكون تجارة عن تراض منكم # [النساء: 29]. # وقال عليه الصلاة والسلام: # " كل امرئ أحق بكسبه " # وقال: # " حرمة ms2729 مال المسلم كحرمة دمه " # وقال: # " لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس " # تركنا هذه النصوص في الأشياء التي عرفنا بنص القرآن ~~كونها موجبة لجواز الأخذ كالذكوات، وأخذ الضمانات، وأما ~~الدية على العاقلة، فالمعتمد فيه على خبر الواحد، ~~وتخصيص عموم القرآن بخير الواحد لا يجوز؛ لأن القرآن ~~معلوم وخبر الواحد مظنون، ولا يجوز تقديم المظنون على ~~المعلوم؛ ولأن هذا خبر وأحد ورد فيما تعم به البلوى؛ ~~ولأنه خبر واحد ورد على مخالفة أصول الشريعة فوجب رده، ~~واحتج الفقهاء بما # " روي [عن] المغيرة أن امرأة ضربت بطن امرأة، فالقت ~~جنينا ميتا، فقض رسول الله صلى الله عليه وسلم على عاقلة ~~الضاربة بالغرة، فقام حمل بن مالك فقال: كيف ندي من لا ~~شرب ولا أكل، ولا صاح ولا استهل، ومثل ذلك يطل، فقال - ~~عليه الصلاة والسلام -: هذا من سجع الجاهلية ". # وعن عمر- رضي الله عنه - قضي على علي - رضي الله عنه - بأن ~~يعقل عن مولى صفية بنت عبد المطلب حين جنى مولاها، ~~وعلي كان ابن أخي صفية وقضى للزبير بمييراثها، وهذا ~~يدل على أن الدية إنما تجب على العاقلة. # فصل # مذهب الفقهاء أن دية المرأة نصف دية الرجل، وقال الأصم ~~وابن عطية: ديتها على مثل دية الرجل، واحتج الفقهاء ~~بأن عليا، وعمر، وابن مسعود قضوا بذلك؛ ولأن المرأة في ~~الميراث والشهادة على النصف من الرجل، فكذلك في الدية، ~~واستدل الأصم بهذه الآية قوله - تعالى -: { ومن قتل مؤمنا ~~خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى ~~أهله } وأجمعوا على أن هذه الآية دخل فيها حكم الرجل ~~والمرأة فوجب أن يكون الحكم ثابتا فيها بالسوية. # قوله: { إلا أن يصدقوا } فيه قولان: # أحدهما: أنه استثناء منقطع. # والثاني: أنه متصل. # قال الزمخشري: " فإن قلت: بم تعلق " أن تصدقوا " وما محله؟ ~~قلت: تعلق ب " عليه " أو ب " مسلمة " كأنه قيل: وتجب عليه ~~الدية أو يسلمها إلا حين يتصدقون عليه، ومحلها النصب ~~على الظرف، بتقدير حذف الزمان، كقولهم: " اجلس ما دام زيد ~~جالسا " ، ويجوز أن يكون حالا من " أهله ms2730 " بمعنى إلا ~~متصدقين ". وخطأه أبو حيان في هذين التخريجين. # أما الأول: فلأن النحويين نصوا على منع قيام " أن " وما ~~بعدها مقام الظرف، وأن ذلك ما تختص به " ما " المصدرية، ~~لو قلت: " آتيك أن يصيح الديك " أي: وقت صياحه، لم يجز. # وأما الثاني: فنص سيبويه على منعه أيضا، قال في قول ~~العرب: " أنت الرجل أن تنازل، أو أن تخاصم " أي: أنت ~~الرجل نزالا ومخاصمة: " إن انتصاب هذا انتصاب ~~المفعول من أجله، لأن المستقبل لا يكون حالا " فكونه ~~منقطعا هو الصواب. # وقال أبو البقاء: " وقيل: هو متصل، والمعنى: فعليه دية في ~~كل حال، إلا في حال التصدق عليه بها ". # والجمهور على " يصدقوا " بتشديد الصاد، والأصل: يتصدقوا، فأدغمت ~~التاء في الصاد، ونقل عن أبي هذا الأصل قراءة، وقرأ أبو عمرو ~~في رواية عبد الوارث - وتعزى للحسن وأبي عبد الرحمن -: ~~" تصدقوا " بتاء الخطاب، والأصل: تتصدقوا بتاءين، فأدغمت ~~الثانية، وقرئ: " تصدقوا " بتاء الخطاب وتخفيف الصاد، وهي ~~كالتي قبلها، إلا أن تخفيف هذه بحذف إحدى التاءين: ~~الأولى أو الثانية على خلاف في ذلك، وتخفيف الأولى بالإدغام. # قوله [- تعالى -]: { فإن كان من قوم عدو لكم وهو ~~مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة } لما ذكر أولا أن قتل ~~المؤمن خطأ [فيه] تحرير رقبة، وتسليم الدية، ذكر هنا ~~أن من قتل خطأ من قوم عدو لنا فعليه تحرير الرقبة، ~~وسكت عن الدية، ثم ذكر بعده إن كان من قوم بينكم ~~وبينهم ميثاق، وجبت الدية، فالسكوت عن إيجاب الدية هنا ~~وإيجابها فيما [قبل هذه الآية] وفيما بعد يدل على أن الدية ~~غير واجبة في هذه الصورة، وإذا ثبت هذا، فنقول: قوله - تعالى ~~-: { من قوم عدو لكم } إما أن يكون المراد منه ~~كون هذا المقتول من سكان دار الحرب، أو كونه ذا نسب ~~منهم. # والثاني باطل؛ لانعقاد الإجماع على أن المسلم الساكن في ~~دار الإسلام، وجميع أقاربه كفار، فإذا قتل خطأ، وجبت ~~الدية في قتله، فتعين الأول، وهو كون المقتول خطأ من ~~سكان دار الحرب وهو مؤمن، فتجب [فيه] كفارة بلا دية. # قال ms2731 الشافعي: كما دلت هذه الآية على هذا المعنى، فالقياس ~~يقويه فأما أنه لا تجب الدية، فلأنا لو أوجبنا ~~الدية في قتل المسلم الساكن في دار الحرب، لاحتاج من ~~يريد غزو دار الحرب، إلى أن يبحث عن كل أحد أنه هل ~~هو من المسلمين أم لا، وذلك مما يصعب ويشق، فيفضي إلى ~~احتراز الناس عن الغزو، فالأولى سقوط الدية عن قاتله؛ ~~لأنه الذي أهدر دم نفسه باختيار السكنى في دار ~~الحرب، وأما الكفارة فإنها حق الله - تعالى -؛ لأنه قتل ~~إنسانا مؤمنا مواظبا على عبادة الله - تعالى -، وقيل: ~~المراد منه: إذا كان المقتول مسلما في دار الإسلام، وهو من ~~نسب قوم كفار، [وأقاربه] في دار الحرب - حرب للمسلمين - ففيه ~~الكفارة بلا دية [لأهله]، وكان الحارث بن زيد من قوم كفار ~~حرب للمسلمين، وكان فيه تحرير رقبة، ولم يكن فيه دية؛ لأنه ~~لم يكن بين قومه وبين المسلمين عهد. # قوله: { وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ~~فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة ~~} فيه قولان: # أحدهما: أن المراد منه: المسلم؛ لأنه - تعالى - ذكر أولا حال ~~المسلم القاتل خطأ، ثم ذكر حال المسلم المقتول خطأ إذا ~~كان بين أهل الحرب، ثم ذكر حال المسلم [المقتول خطأ] إذا ~~كان بين أهل العهد وأهل الذمة، ويؤكده قوله: " وإن كان " فلا ~~بد من إسناده إلى شيء تقدم ذكره وهو المؤمن المنقول ~~خطأ. # الثاني: أن المراد منه: الذمي أو المعاهد، وهؤلاء طعنوا في ~~القول الأول من وجوه: # أحدها: أن المسلم المقتول خطأ سواء كان من أهل الحرب أو ~~من أهل الذمة، فهو داخل تحت قوله: " ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير ~~رقبة [مؤمنة] ودية مسلمة إلى أهله " فلو كان المراد من هذه الآية هو ~~المؤمن، لكان هذا عطفا للشيء على نفسه، وهو لا يجوز، ~~بخلاف ما إذا كان المؤمن المقتول من سكان دار الحرب، ~~فإنه - تعالى - إنما أعاده لبيان أنه لا تجب الدية في ~~قتله، فأما ههنا فقد أوجب الدية والكفارة، فلو كان ~~المراد هو المؤمن، لكان تكرارا ms2732 من غير فائدة، وأنه لا ~~يجوز. # ثانيها: لو كان المراد ما ذكرتم لما كانت الدية مسلمة إلى ~~أهله؛ لأن أهله كفار لا يرثونه. # ثالثها: أن قوله: [ " وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق " ] يقتضي أن ~~يكونوا من ذلك القوم في الوصف الذي وقع التنصيص عليه، وهو ~~حصول الميثاق بينهما، فإن كونه منهم مجمل، لا يدري ~~أنه منهم في أي الأمور، وإذا حملناه على كونه منهم في ذلك ~~الوصف، زال الإجمال فكان ذلك أولى، وإذا دلت الآية على ~~أنه منهم في كونه معاهدا، [وجب أن يكون معاهدا أو ذميا] ~~مثلهم، ويمكن أن يجاب عن هذه الأوجه: # أما الأول: فلأن الله - تعالى - ذكر حكم المؤمن المقتول ~~خطأ الساكن في دار الحرب، وبين أن الدية لا تجب في ~~قتله، وذكر القسم الثاني، وهو المؤمن المقتول خطأ ~~الساكن بين أهل الذمة، وبين وجوب الدية، والكفارة في ~~قتله، والغرض منه: إظهار الفرق بينه وبين القسم الذي ~~قبله. # والجواب عن الثاني: أن أهله هم المسلمون الذين تصرف ~~الدية إليهم. # وأما الثالث: فإن كلمة " من " صارت مفسرة في الآية السابقة؛ ~~بمعنى " في " ، يعني: في قوم عدو لكم، فكذا ههنا، وفائدة هذا ~~البحث تظهر في مسألة شرعية، وهي أن أبا حنيفة يرى أن ~~دية الذمي مثل دية المسلم. # وقال الشافعي: دية اليهودي والنصراني ثلث دية المجوسي، وقال ~~غيره: نصف دية المسلم. # واحتج أبو حنيفة بقوله: { وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق } ~~والمراد به: الذمي، ثم قال: " فدية " فأوجب فيهم تمام الدية. # وجوابه: أن نقول: هذه الآية نزلت في المؤمنين كما بينا ~~فسقط استدلاله، وبتقدير أن تكون نزلت في أهل الذمة، فإنما ~~وجب [فيها] مسمى دية، ولكن لم يبين مقدارها، فلم قلتم ~~بأن الدية التي أوجبها في حق المسلم، بل لكل دية ~~مقدار معين، فإن الدية هي المال المأخوذ الذي يؤدى في ~~مقابلة النفس. # فإن قيل: لم قدم تحرير الرقبة على الدية في الأولى، ~~وههنا عكس؟ # الجواب: أن الواو لا تفيد الترتيب، فتصير كقوله: # وادخلوا الباب سجدا [وقولوا ms2733 حطة # ] [البقرة: 58]، وفي آية أخرى: # وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا # [الأعراف: 161]. # فصل # والكفارة تكون بإعتاق رقبة مؤمنة سواء كان المقتول ~~مسلما أو معاهدا، رجلا كان أو امرأة، حرا كان أو عبدا، ~~وتكون في مال القاتل. # قوله - تعالى -: { فمن لم يجد فصيام شهرين ~~متتابعين توبة من الله وكان الله عليما ~~حكيما }. # قوله: { فمن لم يجد } مفعوله محذوف: أي: فمن لم يجد ~~رقبة، وهي بمعنى وجدان الضال، فلذلك تعدت لواحد، ~~وقوله: { فصيام شهرين } ارتفاعه على أحد الأوجه المذكورة في ~~قوله: { فتحرير رقبة } وقد مر، أي: فعليه صيام، أو: فيجب ~~عليه صيام، أو فواجبه صيام. # قال أبو البقاء، ويجوز في غير القرآن النصب على " فليصم ~~صوم شهرين ". وفيه نظر؛ لأن الاستعمال المعروف في ذلك أن ~~يقال: " صمت شهرين ويومين " ، ولا يقولون: صمت صوم - ولا صيام ~~- شهرين. # فصل # إذا كان واجدا للرقبة، أو قادرا على تحصيلها بثمنها، ~~فاضلا عن نفقته ونفقة عياله وحاجته من مسكن ونحوه، فعليه ~~الإعتاق، ولا يجوز له الصوم، فإن عجز عن ذلك فعليه صوم ~~شهرين متتابعين، فإن أفطر يوما متعمدا في خلال الصوم، ~~أو نوى صوما أخر، وجب عليه الاستئناف، فإن أفطر بعذر ~~مرخص، أو سفر، أو حيض: فقال النخعي، والشافعي في أظهر ~~قوليه: ينقطع التتابع، وعليه الاستئناف. # وقال سعيد بن المسيب، والحسن، والشعبي: لا ينقطع، ولو ~~حاضت المرأة، لم ينقطع التتابع، لأنه لا يمكن الاحتراز ~~عنه؛ قال مسروق: فإن الصوم بدل من مجموع الكفارة ~~والدية. # فصل: فيما إذا عجز عن الصوم هل يطعم؟ # إذا عجز عن الصوم هل يطعم ستين مسكينا فيه قولان: # أحدهما: يطعم كالظهار. # والثاني: لا؛ لأن المشرع لم يذكر له بدلا. # قوله: " توبة " في نصبه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه مفعول من أجله، تقديره: شرع ذلك توبة منه. # قال أبو البقاء: ولا يجوز أن يكون العامل: " صوم " إلا على ~~حذف مضاف، أي: لوقوع توبة [من الله] أو لحصول توبة [من الله]. ~~يعني: أنه إنما احتاج إلى تقدير ذلك المضاف، ولم يقل إن العامل ~~هو الصيام؛ لأنه اختل ms2734 شرط من شروط نصبه؛ لأن فاعل ~~الصيام غير فاعل التوبة. # الثاني: أنها منصوبة على المصدر أي: رجوعا منه إلى ~~التسهيل، حيث نقلكم من الأثقل إلى الأخف، أو توبة منه، أي: ~~قبولا منه، من تاب عليه، إذا قبل توبته، فالتقدير: تاب عليكم ~~توبة [منه]. # الثالث: أنها منصوبة على الحال، ولكن على حذف مضاف، تقديره: ~~فعليه كذا حال كونه صاحب توبة، ولا يجوز ذلك من غير ~~تقدير هذا المضاف؛ لأنك لو قلت: " فعليه صيام شهرين تائبا ~~من الله " لم يجز، و " من الله " في محل نصب؛ لأنه صفة ل " ~~توبة " فيتعلق بمحذوف. # فإن قيل: الخطأ لا يكون معصية، فما معنى قوله: { توبة ~~من الله }. # فالجواب من وجوه: # الأول: أن فيه نوعا من التقصير، فإن الظاهر أنه لو ~~بالغ في الاحتياط والاستكشاف لما تعذر عليه الفعل، ألا ترى ~~أن من قتل مسلما يظنه حربيا، فلو بالغ في الاستكشاف، ~~فالظاهر أنه لم يقع فيه، ومن رمى صيدا فأصاب إنسانا، فلو ~~احتاط ولم يرم إلا في موضع يقطع بأنه ليس هناك إنسان، ~~فإنه لا يقع في تلك الواقعة؛ فقوله: { توبة من الله } تنبيه ~~على أنه كان مقصرا في ترك الاحتياط. # وثانيها: أن قوله: { توبة من الله } راجع إلى أنه - تعالى ~~- أذن له في إقامة الصوم مقام الإعتاق عند العجز عنه؛ لأن ~~الله - تعالى - إذا تاب على المذنب، فقد خفف عنه، فلما كان ~~التخفيف من لوازم التوبة، أطلف لفظ " التوبة " لإرادة ~~التخفيف؛ إطلاقا لاسم الملزوم على اللازم. # وثالثها: أن المؤمن إذا اتفق له مثل هذا الخطأ، فإنه يندم ~~ويتمنى ألا يكون ذلك مما وقع، فسمى الله ذلك الندم ~~والتمني توبة. # ثم قال - تعالى -: { وكان الله عليما } بأنه لن يقصد " ~~خطأ " لما حكم به عليه، ولم يؤاخذه بذلك الفعل الخطأ، فإن ~~الحكمة تقتضي ألا يؤاخذ الإنسان إلا بما يتعمد. # قال أهل السنة: أفعال الله - تعالى - غير معللة برعاية ~~المصالح، ومعنى كونه " حكيما ": كونه عالما بعواقب الأمور. # قال المعتزلة: هذا باطل؛ لأنه - تعالى - عطف الحكيم على العليم، ~~فلو ms2735 كان الحكيم هو العليم، لكان عطفا للشيء على نفسه، وهو ~~محال. # الجواب: أن كل موضع في القرآن [ورد فيه] الحكيم معطوفا على ~~العليم - كان المراد من الحكيم: كونه محكما في الفعل، ~~فالإتقان، والإحكام، عائد إلى كيفية الفعل. ### || [4.93] # لما ذكر القتل الخطأ، ذكر بعده بيان حكم قتل العمد، وله أحكام ~~مثل وجوب القصاص والدية، وقد ذكر في سورة البقرة عند قوله - ~~[تعالى] - # يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في ~~القتلى # [البقرة: 178] لا جرم اقتصر ههنا على بيان الإثم والوعيد. # وقوله: " معتمدا ": حال من فاعل " يقتل " ، وروي عن الكسائي ~~سكون التاء؛ كأنه فر من توالي الحركات، و " خالدا " نصب على ~~الحال من محذوف، وفيه تقديران: # أحدهما: " يجزاها خالدا فيها " ، فإن شئت جعلته حالا من ~~الضمير المنصوب أو المرفوع. # والثاني: " جازاه " ، بدليل { وغضب الله عليه ولعنه } ~~فعطف الماضي عليه، فعلى هذا هي حال من الضمير المنصوب لا غير، ~~ولا يجوز أن تكون حالا من الهاء في " جزاؤه " لوجهين: # أحدهما: أنه مضاف إليه، [ومجيء الحال من المضاف إليه] ضعيف ~~أو ممتنع. # والثاني: أنه يؤدي إلى الفصل بين الحال وصاحبها بأجنبي، ~~وهو خبر المبتدأ الذي هو " جهنم ". # فصل: سبب نزول الآية # نزلت [هذه الآية] في مقيس بن ضبابة الكندي، وكان قد أسلم هو ~~وأخوه هشام، فوجد أخاه هشاما قتيلا في بني النجار، فأتى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له [ذلك]، فأرسل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم معه رجلا من بني فهر إلى بني النجار، أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يأمركم إن علمتم قاتل هشام بن ضبابة [أن ~~تدفعوه] إلى مقيس فيقتص منه، وإن لم تعلموه أن تدفعوا إليه ~~ديته، فأبلغهم الفهري ذلك: فقالوا: سمعا وطاعة لله ولرسوله، ما ~~نعلم له قاتلا ولكنا نؤدي ديته، فأعطوه مائة من الإبل، ثم ~~انصرفا راجعين إلى المدينة، فأتى الشيطان مقيسا فوسوس ~~إليه، فقال: تقبل دية أخيك فتكون عليك مسبة، اقتل الذي ركب ~~بعيرا منها وساق بقيتها راجعا إلى مكة [كافرا] فنزل فيه: ~~{ ومن ms2736 يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها } بكفره وارتداده، ~~وهو الذي استثناه النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة ~~عمن أمنه، فقتل وهو متعلق بأستار الكعبة، { وغضب ~~الله عليه ولعنه } [أي: طرده عن الرحمة] { وأعد ~~له عذابا عظيما }. # فصل: اختلاف العلماء في شبه العمد # قال القرطبي: ذكر الله - عز وجل - في كتابه العمد والخطأ، ولم يذكر ~~شبه العمد، وقد اختلف العلماء في القول به: # فقال ابن المنذر: وأنكر ذلك مالك؛ وقال: ليس في كتاب الله ~~إلا العمد والخطأ وذكره الخطابي أيضا عن مالك، وزاد: أما شبه ~~العمد فلا نعرفه. # قال أبو عمرو: أنكر مالك والليث بن سعد شبه العمد، فمن قتل ~~عندهما بما لا يقتل مثله غالبا؛ كالعضة واللطمة، وضرب ~~السوط ونحوه؛ فإنه عمد وفيه القود، قال: وهو قول جماعة من ~~الصحابة والتابعين، وذهب جمهور فقهاء الأمصار إلى أن هذا ~~كله شبع العمد. # قال ابن المنذر: شبه العمد يعمل به عندنا، وممن أثبت شبه ~~العمد الشعبي، والحكم، وحماد، والنخعي، وقتادة، ~~وسفيان الثوري، وأهل العراق والشافعي وأحمد، وذكر عن مالك، ~~وروي عن عمر بن الخطاب، وعن علي بن أبي طالب - رضي الله ~~عنهم أجمعين -. # فصل فيمن تلزمه دية شبه العمد # أجمعوا على أن دية العمد في مال الجاني، ودية الخطأ على ~~عاقلته، واختلفوا في دية شبه العمد: # فقال الحارث العكلي، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وقتادة، ~~وأبو ثور [هي] في مال الجاني. # وقال الشعبي، والنخعي، والحكم، والشافعي، والثوري، ~~وأحمد، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي: [هي] على العاقلة. # قال ابن المنذر: وهو الصحيح: لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ~~دية الجنين على عاقلة الضاربة. # فصل # اختلفوا في حكم هذه الآية: # [فروي] عن ابن عباس أن قاتل المؤمن عمدا لا توبة له، فقيل ~~له: أليس قد قال الله - تعالى - في سورة الفرقان: # ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق # [الفرقان: 68] إلى قوله # ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب ~~يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب # [الفرقان: 68- 70] فقال: كانت ms2737 هذه الآية في الجاهلية وذلك أن أناسا ~~من أهل الشرك [كانوا] قد قتلوا وزنوا، فأتوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقالوا: إن الذي تدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما ~~عملنا كفارة، فنزلت: # والذين لا يدعون مع الله إلها آخر # [الفرقان: 68]، إلى قوله # إلا من تاب وآمن # [الفرقان: 70] فهذه لأولئك، وأما التي في النساء؛ فالرجل الذي ~~إذا عرف الإسلام وشرائعه، ثم قتل مسلما متعمدا فجزاؤه جهنم. # وقال زيد بن ثابت: لما نزلت الآية التي في الفرقان # والذين لا يدعون مع الله إلها آخر # [الفرقان: 68]، عجبنا من لينها، فلبثنا سبعة أشهر ثم نزلت ~~الغليظة بعد اللينة، [فنزلت] فنسخت اللينة، وأراد ~~بالغليظة هذه الآية، وباللينة أية الفرقان. # وقال ابن عباس: تلك آية مكية، وهذه مدنية نزلت ولم ~~ينسخها شيء. # وذهب أهل السنة إلى أن قاتل المسلم عمدا توبته مقبولة؛ ~~لقوله - تعالى -: # وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا # [طه: 82]، وقال: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء: 48]، وما روي عن ابن عباس؛ فهو تشديد ومبالغة في ~~الزجر عن القتل، وليس في الآية متعلق لمن يقول بالتخليد ~~في النار بارتكاب الكبائر؛ لأن الآية نزلت في قاتل [وهو] كافر، ~~وهو مقيس ابن صبابة، وقيل: إنه وعيد لمن قتل مؤمنا مستحلا ~~[لقتله] بسبب إيمانه، ومن استحل قتل أهل الإيمان لإيمانهم، ~~كان كافرا مخلدا في النار. # حكي أن عمرو بن عبيد جاء إلى عمرو بن العلاء، فقال: هل يخلف ~~الله وعده؟ فقال: لا، فقال: أليس قد قال - تعالى -: { ومن ~~يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه جهنم خالدا فيها ~~} فقال أبو عمرو: من العجم أتيت يا أبا عثمان: إن العرب لا ~~تعد الإخلاف في الوعيد خلفا وذما وإنما تعد إخلاف ~~الوعد خلفا، وأنشد [شعرا]: [الطويل] # 1864- وإني متى أوعدته أو وعدته # لمخلف إيعادي ومنجز موعدي # والدليل على أن غير الشرك لا يوجب التخليد في النار، قوله ~~عليه الصلاة والسلام # " من مات لا يشرك بالله شيئا، دخل الجنة " # وروي [عن] عبادة بن الصامت ms2738 - رضي الله عنه -؛ # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليلة العقبة - وحوله ~~عصابة من أصحابه -: " بايعوني على ألا تشركوا بالله ~~شيئا، ولا تسرقوا ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا ~~تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا ~~في معروف، فمن وفى منكم، فأجره على الله، ومن أصاب من ~~ذلك [شيئا] فعوقب في الدنيا، فهو كفارة له، ومن أصاب من ~~ذلك شيئا ثم ستره الله عليه، فهو إلى الله إن شاء عفا عنه، ~~وإن شاء عاقبه " # فبايعناه على ذلك. # وذكر الواحدي: أن الأصحاب سلكوا في الجواب عن هذه الآية ~~طرقا كثيرة، قال: وأنا لا أرتضي شيئا منها؛ لأن الذي ~~ذكروا إما تخصيص، وإما معارضة، وإما إضمار، واللفظ لا ~~يدل على شيء من ذلك، قال: والذي اعتمدوه وجهان: # الأول: إجماع المفسرين على أن الآية نزلت في كافر قتل مؤمنا، ~~ثم ذكر تلك القصة. # والثاني: أن قوله: { فجزآؤه جهنم } معناه الاستقبال، ~~والتقدير: إنه سيجزى بجهنم، وهذا وعيد، قال: وخلف الوعيد كرم. # قال ابن الخطيب: والوجه الأول ضعيف؛ لأن العبرة بعموم ~~اللفظ لا بخصوص السبب، وأيضا ثبت في أصول الفقه؛ أن ~~[ترتيب] الحكم على الوصف المناسب، يدل على كون ذلك الحكم ~~علة لذلك؛ كقوله: # والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما # [المائدة: 38]، و # الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما # [النور: 2]، دل ذلك على أن الموجب لقطع السارق هو ~~السرقة، وجلد الزاني هو الزنى، فكذا ههنا يدل على أن ~~الموجب لهذا الوعيد هو القتل العمد، لأنه الوصف المناسب ~~للحكم، وإذا كان كذلك، لم يبق لكون الآية مخصوصة بالكافر ~~وجه، وأيضا فإنه لا يخلو إما أن يكون الموجب لهذا الوعيد ~~هو الكفر دون القتل العمد، وإن كان الموجب هو الكفر، وكان ~~الكفر حاصلا قبل هذا القتل، فحينئذ لا يكون للقتل أثرا ~~ألبتة في هذا الوعيد، ويكون هذا الكلام جاريا مجرى قوله من ~~[يتعمد قتل] نفس فجزاؤه جهنم خالدا فيها؛ لأن القتل العمد ما ~~لم يكن له أثر في الوعيد، جرى مجرى النفس، وسائر الأمور التي ~~لا تأثير ms2739 لها في هذا الوعيد، وذلك باطل، وإن كان الموجب لهذا ~~الوعيد [كونه] قتلا عمدا، فلزم أن يقال: أينما حصل القتل ~~العمد، حصل هذا الوعيد؛ فثبت أن هذا الوجه الذي ارتضاه الواحدي ~~ليس بشيء. # وأما الوجه الثاني: فهو في غاية الفساد؛ لأن الوعيد قسم من ~~أقسام الخبر، فإذا جوزنا الخلف فيه على الله، فقد جوزنا ~~الكذب على الله - تعالى -، وهذا خطأ عظيم، بل يقرب من الكفر؛ ~~لإجماع العقلاء على أنه - تعالى - منزه عن الكذب. # وحكى القفال في تفسيره وجها آخر في الجواب، فقال: الآية تدل ~~على أن جزاء القتل هو ما ذكر، لكن ليس فيها أنه - تعالى - ~~يوصل هذا الجزاء إليه أم لا، وقد يقول الرجل لعبده: ~~جزاؤك أن أفعل بك كذا وكذا، إلا أني لا أفعل، وهذا الجواب ~~أيضا ضعيف، لأنه ثبت بهذه الآية أن جزاء القتل العمد هو ما ~~ذكر، وثبت بسائر الآيات أنه - تعالى - يوصل الجزاء إلى ~~المستحقين؛ قال - تعالى -: # من يعمل سوءا يجز به # [النساء: 123]، وقال: # ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره # [الزلزلة: 8]. # قال ابن الخطيب: واعلم أنا نقول [أن] هذه الآية مخصوصة في ~~موضعين: # أحدهما: أن يكون القتل [العمد] غير عدوان؛ كما في القصاص، فإنه ~~لا يحصل فيه هذا الوعيد ألبتة. # والثاني: القتل العمد العدوان إذا تاب عنه لا يحصل فيه هذا ~~الوعيد، وإذا ثبت دخول التخصيص فيه في هاتين الصورتين فيدخله ~~التخصيص فيما إذا حصل العفو فيه؛ بدليل قوله: # ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء # [النساء: 48]. ### || [4.94] # لما نهى عن قتل المؤمن، أمر المجاهدين بالتثبت في القتل؛ ~~لئلا يسفكوا دما حراما بتأويل ضعيف، والضرب في الأرض ~~معناه: السير فيها بالسفر للتجارة والجهاد، وأصله من ~~الضرب باليد، وهو كناية عن الإسراع في السير، فإن من ضرب ~~إنسانا، كانت حركة يده عند ذلك الضرب سريعة. # قال الزجاج: معنى { ضربتم في سبيل الله }: إذا غزوتم وسرتم ~~إلى الجهاد. # قال القرطبي: تقول العرب: ضربت في الأرض، إذا سرت ~~لتجارة أو غزو أو غيره مقترنة بفي، وتقول: ضربت الأرض دون ms2740 ~~" في " إذا قصدت قضاء حاجة الإنسان؛ ومنه قوله - عليه الصلاة ~~والسلام -: # " لا يخرج الرجلان يضربان الغائط يتحدثان، كاشفين عن ~~فرجيهما، فإن الله يمقت على ذلك " # وفي " إذا " معنى الشرط، فلذلك دخلت الفاء في قوله: " ~~فتبينوا " وقد يجازى بها كقوله: [الكامل]. # 1865أ-.................... # وإذا تصبك خصاصة فتجمل # والجيد ألا يجازى بها لقول الشاعر: [الكامل] # 1865ب- والنفس راغبة إذا رغبتها # وإذا ترد إلى قليل تقنع # قوله: " فتبينوا ": قرأ الأخوان من التثبت، والباقون من البيان، ~~هما متقاربان؛ لأن من تثبت في الشيء تبينه، قاله أبو عبيد، ~~وصححه ابن عطية. # وقال الفارسي: " التثبت هو خلاف الإقدام والمراد التأني، ~~والتثبت أشد اختصاصا بهذا الموضع؛ بدل عليه قوله: # وأشد تثبيتا # [النساء: 66] أي: أشد وقعا لهم عما وعظوا به بألا ~~يقدموا عليه " فاختار قراءة الأخوين. # وعكس قوم فرجحوا قراءة الجماعة، قالوا: لأن المتثبت قد لا ~~يتبين، وقال الراغب: لأنه قل ما يكون إلا بعد تثبت، وقد ~~يكون التثبت ولا تبين، وقد قوبل بالعجلة في قوله - عليه ~~الصلاة والسلام -: # " التبين من الله والعجلة من الشيطان " # وهذا يقوي قراءة الأخوين أيضا، و " تفعل " في كلتا ~~القراءتين بمعنى استفعل الدال على الطلب، أي: اطلبوا التثبت أو ~~البيان. # وقوله: " لمن ألقى " اللام للتبليغ هنا، و " من " موصولة أو ~~موصوفة، و " ألقى " هنا ماضي اللفظ، إلا أنه بمعنى المستقبل، ~~أي: لمن يلقي، لأن النهي لا يكون عما وقع وانقضى، والماضي ~~إذا وقع صلة، صلح للمضي والاستقبال. # وقرأ نافع وابن عامر وحمزة: " السلم " بفتح السين واللام من ~~غير ألف، وباقي السبعة: " السلام " بألف، وروي عن عاصم: " ~~السلم " بكسر السين وسكون اللام، فأما " السلام " فالظاهر أنه ~~التحية. # والمعنى: لا تقولوا لمن حياكم بهذه التحية إنه إنما قالها ~~تعوذا فتقدموا عليه بالسيف لتأخذوا ماله، ولكن كفوا ~~عنه، واقبلوا منه ما أظهره. # وقيل: معناه: الاستسلام والانقياد، والمعنى: لا تقولوا لمن ~~اعتزلكم ولم يقاتلكم: لست مؤمنا، وأصل هذا من السلامة؛ لأن ~~المعتزل عن الناس طالب للسلامة. # والسلامة والسلم - بفتحهما - الانقياد فقط، وكذا " السلم " ~~بالكسر والسكون، وقرأ الجحدري بفتحها وسكون ms2741 اللام، وقد تقدم ~~[القول فيها] في البقرة، والجملة من قوله: " لست مؤمنا " في محل ~~نصب بالقول؛ والجمهور على كسر الميم الثانية من " مؤمنا " ~~اسم فاعل، وأبو جعفر بفتحها اسم مفعول، أي: لا نؤمنك في نفسك، ~~وتروى هذه القراءة عن علي وابن عباس ويحيى ابن يعمر. # قوله: " تبتغون " في محل نصب على الحال من فاعل " يقولوا " أي: ~~لا تقولوا ذلك مبتغين. # فصل # ذكروا في سبب النزول روايتين: # الأولى: أن الآية نزلت في # " رجل من بني مرة بن عوف، يقال له: مرداس بن نهيك رجل من ~~أهل فدك، أسلم ولم يسلم من قومه غيره، فسمعوا [بسرية] رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم تريدهم، وكان على السرية رجل يقال له: ~~غالب بن فضالة الليثي، فهربوا وأقام الرجل؛ لأنه كان ~~مسلما، فلما رأى الخيل خاف أن يكونوا من غير أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم [فألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل وصعد هو ~~الجبل، فلما تلاحقوا وكثروا، سمعهم يكبرون، فلما سمع التكبير، ~~عرف أنهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبر ونزل] ~~وهو يقول: لا إله إلا الله [محمد رسول الله]، السلام عليكم، فتغشاه ~~أسامة بن زيد فقتله واستاق غنمه، ثم رجعوا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأخبروه، فوجد عليه وجدا شديدا، وقد [كان] ~~سبقهم قبل ذلك الخبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قتلتموه ~~إرادة ما معه؟ " ثم قرأ الآية على أسامة بن زيد، فقال: يا رسول ~~الله، استغفر لي، فقال: فكيف تصنع بلا إله إلا الله؟ # قال أسامة: فما زال يعيدها حتى وددت أني لم أكن أسلمت إلا ~~يومئذ، ثم استغفر لي وقال: " أعتق رقبة ". # وروى أبو ظبيان # " عن أسامة؛ قال: قلت يا رسول الله؛ إنما قالها خوفا من ~~السلاح، قال: " أفلا شققت عن قلبه، حتى تعلم أقالها ~~أم لا ". # الثانية: روى عكرمة عن ابن عباس؛ قال: مر رجل من بني سليم على ~~نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه غنم له فسلم ms2742 ~~عليهم، قالوا: ما سلم عليكم إلا ليتعوذ منكم، فقاموا فقتلوه ~~وأخذوا غنمه، فأتوا بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأنزل الله هذه الآية: # الثالثة: # " أن المقداد بن الأسود وقعت له واقعة مثل واقعة أسامة، ~~قال: فقلت يا رسول الله، أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار ~~يقاتلني، فضرب إحدى يدي بالسيف، ثم لازمني بشجرة، ثم ~~قال: أسلمت لله - تعالى -، أفأقاتله يا رسول الله بعد ذلك؟ ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقتله، فقال: يا رسول ~~الله إنه قطع يدي، فقال - عليه الصلاة والسلام -: لا تقتله، فإن ~~قتلته، فإنه بمنزلتك بعد أن تقتله، وأنت بمنزلته قبل ~~أن يقول كلمته التي قالها ". # فصل # قال أكثر الفقهاء: لو قال اليهودي والنصراني: أنا مؤمن أو ~~أنا مسلم، لا يحكم بإسلامه بهذا القدر، لأن مذهبه أن الذي ~~هو عليه هو الإسلام وهو الإيمان، ولو قال: لا إله إلا الله محمد ~~رسول الله، فعند قوم [لا يحكم بإسلامه]؛ لأن فيهم من يقول: إنه ~~رسول الله إلى العرب لا إلى الكل، وفيهم من يقول: إن محمدا ~~الذي هو الرسول الحق لم يجىء بعد وسيجيء بعد ذلك؛ بل لا بد ~~بأن يعترف بأن الذي كان عليه باطل، وأن الدين الموجود ~~بين المسلمين هو الحق والفرض. # قال أبو عبيدة جميع متاع الدنيا عرض بفتح الراء، يقال: إن ~~الدنيا عرض حاضر يأخذ منها البر والفاجر، والعرض ~~بسكون الراء ما سوى الدراهم والدنانير، وإنما سمي ~~متاع الدنيا عرضا؛ لأنه عارض زائل باق، ومنه سمى ~~المتكلمون ما خالف الجوهر من الحوادث عرضا؛ لقلة لبثه. # قوله - تعالى -: { فعند الله مغانم كثيرة } يعني: ثوابا ~~كثيرا، وقيل: مغانم كثيرة لمن اتقى قتل المؤمن، والمغانم: ~~جمع مغنم، وهو يصلح للمصدر والزمان والمكان، ثم يطلق على ~~ما يؤخذ من مال العدو في الغزو؛ إطلاقا للمصدر على اسم ~~المفعول، نحو: " ضرب الأمير ". # قوله: " كذلك " هذا خبر ل " كان " قدم عليها وعلى اسمها، أي: ~~كنتم من قبل الإسلام مثل من أقدم ولم يتثبت، وهذا يقتضي ~~تشبيه ms2743 هؤلاء المخاطبين بأولئك الذين ألقوا السلم، وليس فيه ~~بيان للمشبه فيما إذا قيل: المراد أنكم أول ما دخلتم ~~في الإسلام، فبمجرد ما سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة، حقنت ~~دماؤكم وأموالكم من غير توقيف ذلك على حصول العلم بأن ~~قلبكم موافق لما في ضمائركم فعليكم بأن تفعلوا بالداخلين في ~~الإسلام كما فعل بكم، وأن تعتبروا ظاهر القول، وألا تقولوا ~~إن إقدامهم على الإسلام لأجل الخوف من السيف، هذا إخبار أكثر ~~المفسرين، وفيه إشكال؛ لأن لهم أن يقولوا: ما كان إيماننا مثل ~~إيمان هؤلاء؛ لأنا آمنا عن الطواعية والاختيار، وهؤلاء ~~أظهروا الإيمان تحت ظلال السيوف، فكيف يمكن تشبيه أحدهما ~~بالآخر!. # قال سعيد بن جبير: المراد أنكم كنتم تكتمون إيمانكم عن ~~قومكم؛ كما أخفى هذا الداعي إيمانه عن قومه، ثم من الله ~~عليكم بإعزازكم حتى أظهرتم دينكم، فأنتم عاملوهم بمثل هذه ~~المعاملة، وهذا أيضا فيه إشكال؛ لأن إخفاء الإيمان ما كان ~~عاما فيهم. # قال مقاتل: المراد كذلك كنتم من قبل الهجرة حين كنتم فيما بين ~~الكفار، تأمنون من أصحاب رسول الله بكلمة " لا إله إلا الله " ~~فأقبلوا منهم مثل ذلك. وهذا يتوجه عليه الإشكال الأول. [قال ابن ~~الخطيب] والأقرب أن يقال: إن من ينتقل من دين إلى دين، ~~ففي أول الأمر يحدث ميل قليل بسبب ضعيف، ثم لا يزال ذلك ~~الميل يتأكد ويتقوى إلى أن يكمل ويستحكم ويحصل الانتقال؛ ~~فكأنه قيل لهم: كنتم في أول الأمر إنما حدث فيكم ميل ضعيف ~~بأسباب ضعيفة إلى الإسلام، ثم من الله عليكم بالإسلام ~~بتقوية ذلك الميل وتأكيد النفرة عن الكفر؛ فكذلك هؤلاء كما ~~حدث فيهم ميل ضعيف إلى الإسلام بسبب هذا الخوف، فاقبلوا منهم ~~هذا الإيمان، فإن الله - تعالى - يؤكد حلاوة الإيمان في قلوبهم، ~~ويقوي تلك الرغبة في صدورهم. # قوله - تعالى -: { قبل فمن الله عليكم } الظاهر أن ~~هذه الجملة من تتمة قوله: { كذلك كنتم من قبل } فهي معطوفة على ~~الجملة قبلها، والمعنى: إيمانكم كان مثل إيمانهم، في أنه ~~إنما عرف منكم بمجرد القول اللساني، دون ما ms2744 في القلب، أو ~~[في] أنه كان في ابتداء الأمر حاصلا بسبب ضعيف، ثم من ~~الله عليكم: حيث قوى نور الإيمان في قلوبكم، وحببه لكم ~~وأثابكم على العمل به. # وقلي: بل هي من تتمة قوله: " تبتغون " عرض الحياة الدنيا؛ ~~وذلك لأن القوم لما قتلوا من تكلم بلا إله إلا الله، ثم إنه ~~- تعالى - نهاهم عن هذا الفعل وبين أنه من العزائم؛ قال بعده: ~~" فمن الله عليكم " أي: من عليكم بأن قبل توبتكم من ذلك ~~الفعل المنكر، ثم أعاد الأمر بالتبيين؛ مبالغة في التحذير، ~~فقال: " فتبينوا " قرئت كالتي قبلها، فقيل: هي تأكيد لفظي ~~للأولى. # وقيل: ليست للتأكيد؛ لاختلاف متعلقهما، فإن تقدير الأول: " ~~فتبينوا في أمر من تقتلونه " ، وتقدير الثاني: فتبينوا ~~نعمة الله أو تثبتوا فيها، والسياق يدل على ذلك، ولأن الأصل ~~عدم التأكيد. # قوله: { إن الله كان بما تعملون خبيرا } والجمهور على كسر همزة ~~" إن الله " ، وقرئ بفتحها على أنها معمولة ل " تبينوا " ، أو على ~~حذف لام العلة، وإن كان قد قرئ بالفتح مع التثبت، فيكون ~~على لام العلة لا غير. # والمراد منه: الوعيد والزجر عن إظهار خلاف ما في الضمير. # فصل: فيما إذا دخل الغزاة بلدا ووجدوا شعار الإسلام # إذا رأى الغزاة في بلد أو قرية شعار الإسلام، فعليهم أن يكفوا ~~عنهم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا قوما، فإن سمع ~~أذانا كف عنهم، وإن لم يسمع، أغار عليهم. # وروي عن ابن عصام عن أبيه؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ~~بعث سرية قال: # " إذا رأيتم مسجدا أو سمعتم أذانا، فلا تقتلوا أحدا ". ### || [4.95-96] # كما رغب في الجهاد، أتبع ذلك ببيان أحكام الجهاد، ومن ~~أحكامه: التحذير عن قتل المسلمين على سبيل العمد والخطأ ~~وعلى تأويل الخطأ، ثم أتبعه بحكم آخر؛ وهو بيان فضل ~~المجاهد على غيره. # وقيل: لما عاتبهم على قتل المتكلم بالشهادة، فلعله وقع في ~~قلوبهم أن الأولى الاحتراز عن الجهاد؛ للوقوع في مثل هذا ~~المحذور فذكر عقبه فضل المجاهد على غيره؛ إزالة لهذه ~~الشبهة. ms2745 # قوله { غير أولي الضرر } قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم: " ~~غير " بالرفع، والباقون: بالنصب، والأعمش: بالجر. # والرفع على وجهين: # أظهرهما: أنه على البدل من " القاعدون " وإنما كان هذا أظهر؛ لأن ~~الكلام نفي، والبدل معه أرجح؛ لما قرر في علم النحو. # والثاني: أنه رفع على الصفة ل " القاعدون " ، ولا بد من تأويل ~~ذلك؛ لأن " غير " لا تتعرف بالإضافة، ولا يجوز اختلاف النعت ~~والمنعوت تعريفا وتنكيرا، وتأويله: إما بأن القاعدين لما لم ~~يكونوا ناسا بأعيانهم، بل أريد بهم الجنس، أشبهوا ~~النكرة فوصفوا كما توصف، وإما بأن " غير " قد تتعرف إذا ~~وقعت بين ضدين، وهذا كما تقدم في إعراب # غير المغضوب عليهم # [الفاتحة: 7] في أحد الأوجه، وهذا كله خروج عن الأصول ~~المقررة، فلذلك اختير الأول؛ ومثله: [الرمل] # 1866- وإذا أقرضت قرضا فاجزه # إنما يجزي الفتى غير الجمل # برفع " غير " كذا ذكره أبو علي، والرواية: " ليس الجمل " ~~عند غيره. # وقال الزجاج: ويجوز أن يكون " غير " رفعا على جهة ~~الاستثناء، والمعنى: لا يستوي القاعدون من المؤمنين ~~والمجاهدون، إلا أولي الضرر فإنهم يساوون المجاهدين، أي: ~~الذين أقعدهم عن الجهاد الضرر، والكلام في رفع المستثنى بعد ~~النفي قد تقدم عند قوله: # ما فعلوه إلا قليل منهم # [النساء: 66]. # والنصب على [أحد] ثلاثة أوجه: # [الأول]: النصب على الاستثناء من " القاعدون " [وهو الأظهر؛ ~~لأنه المحدث عنه، والمعنى: لا يستوي القاعدون] إلا أولي ~~الضرر، وهو اختيار الأخفش. # والثاني: من " المؤمنين " وليس بواضح. # والثالث: على الحال من " القاعدون " [والمعنى: لا يستوي القاعدون] في ~~حال صحتهم والمجاهدون؛ كما يقال: جاءني زيد غير مريض، أيك ~~جاءني زيد صحيحا، قاله الزجاج والفراء؛ وهو كقوله: # أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم ~~غير محلي الصيد # [المائدة: 1]. # والجر على الصفة للمؤمنين وتأويله كما تقدم في وجه الرفع على الصفة. # قال الأخفش القراءة بالنصب على الاستثناء أولى؛ لأن المقصود ~~منه استثناء قوم لم يقدروا على الخروج؛ كما روي في التفسير أنه ~~لما ذكر الله - تعالى - فضيلة المجاهدين، جاء قوم من أولي ~~الضرر، فقالوا للنبي صلى الله عليه ms2746 وسلم: حالتنا كما ترى، ونحن ~~نشتهي الجهاد، فهل لنا من طريق؟ فنزل { غير أولي ~~الضرر } فاستثناهم الله - تعالى -. # وقال آخرون: القراءة بالرفع أولى؛ لأن الأصل في كلمة " غير " أن ~~تكون صفة، ثم إنها وإن كانت صفة، فالمقصود والمطلوب من الاستثناء ~~حاصل؛ لأنها في كلتا الحالتين أخرجت أولي الضرر من تلك ~~المفضولية، وإذا كان هذا المقصود حاصلا على كلا التقديرين، ~~وكان الأصل في كلمة " غير " أن تكون صفة، كانت القراءة بالرفع ~~أولى. فالضرر النقصان، سواء كان بالعمى أو العرج أو المرض، ~~أو بسبب عدم الأهبة. # فصل # روى ابن شهاب عن سهل بن سعد الساعدي - رضي الله عنه -؛ أنه قال: # " رأيت مروان بن الحكم جالسا في المسجد، فأقبلت حتى جلست ~~إلى جنبه، فأخبرنا أن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - أخبره؛ أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى عليه " لا يستوي القاعدون من ~~المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله " ، قال: فجاء ابن أم مكتوم وهو ~~يمليها علي، فقال: يا رسول الله، لو أستطيع الجهاد لجاهدت، ~~وكان رجلا أعمى، فأنزل الله - تعالى - عليه وفخذه على فخذي، ~~فثقلت علي حتى خفت أن ترض فخذي، ثم سري عنه " # ، فأنزل الله: { غير أولي الضرر } في فضل الجهاد والحث عليه. # روى أنس - رضي الله عنه -؛ # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة تبوك، ~~فدنا من المدينة فقال: " إن في المدينة لأقواما ما سرتم من ~~مسير ولا قطعتم من واد وإلا كانوا معكم فيه، قالوا: يا ~~رسول الله وهم بالمدينة؟ قال: نعم وهم بالمدينة حبسهم العذر " # ، وروى مقسم عن ابن عباس؛ قال: { لا يستوي القاعدون من المؤمنين } عن ~~بدر، والخارجون إلى بدر. # وقوله: { في سبيل الله بأموالكم } كلا الجارين متعلق ب " ~~المجاهدون " و " المجاهدون " عطف على القاعدون. # فصل # اختلفوا في هذه الآية: هل تدل على أن المؤمنين القاعدين ~~الضراء، يساوون المجاهدين أم لا؟. # قال بعضهم: لا تدل؛ لأنا إن حملنا لفظ " غير " على الصفة، وقلنا: ~~[إن] التخصيص بالصفة لا يدل على نفي الحكم عما ms2747 عداه، لم ~~يلزم ذلك، وإن حملناه على الاستثناء، وقلنا: [إن] الاستثناء من ~~النفي ليس بإثبات، لم يلزم أيضا ذلك، أما إذا حملناه على ~~الاستثناء وقلنا: الاستثناء من النفي إثبات، لزم القول ~~بالمساواة. # واعلم أن هذه المساواة في حق الأضراء، عند من يقول بها مشروطة ~~بشرط آخر ذكره الله - تعالى - في سورة التوبة، وهو قوله: # ليس على الضعفآء ولا على المرضى # [التوبة: 91] إلى قوله: # إذا نصحوا لله ورسوله # [التوبة: 91]، ويدل على المساواة ما تقدم في حديث غزوة تبوك. # وتقرير ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: # " إن بالمدينة قوما ما سلكتم واديا إلا كانوا معكم " # وقال عليه السلام: # " إذا مرض العبد قال الله - تعالى -: اكتبوا لعبدي ما كان يعمله في ~~الصحة إلى أن يبرأ ". # وقال المفسرون في قوله - تعالى -: # ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات # [التين: 5، 6]؛ أن من صار هرما، كتب له أجر عمله قبل هرمه غير ~~منقوص، وقالوا في تفسير قوله - عليه الصلاة والسلام - # " نية المؤمن خير من أجر عمله " # إن المؤمن ينوي الإيمان والعمل الصالح، لو عاش لهذا لا يحصل ~~له ثواب تلك النية أبدا. # قوله - تعالى -: { فضل الله المجاهدين بأموالهم ~~وأنفسهم على القاعدين درجة } لما بين [تعالى] أن ~~المجاهدين والقاعدين لا يستويان، ثم إن عدم الاستواء يحتمل ~~الزيادة والنقصان، لا جرم بينه الله - تعالى -. # قوله: " درجة " في نصبه أربعة [أوجه:] # أحدها: أنها منصوبة على المصدر؛ لوقوع " درجة " موقع المرة من ~~التفضيل؛ كأنه قيل: فضلهم تفضيلة، نحو: " ضربته سوطا " ~~وفائدة التنكير التفخيم. # الثاني: أنها حال من " المجاهدين " أي: ذوي درجة. # الثالث: منصوبة انتصاب الظرف، أي: في درجة ومنزلة. # الرابع: انتصابها على إسقاط الجار أي: بدرجة. # فلما حذف الجار، وصل الفعل فعمل، وقيل: نصب على ~~التميييز. # قوله: { وكلا وعد الله الحسنى } " كلا " مفعول أول ل " وعد " ~~مقدما عليه، و " الحسنى " مفعول ثان، وقرئ: " وكل " على ~~الرفع بالابتداء، والجملة بعده خبره، والعائد محذوف، أي: ~~وعده؛ وهذه كقراءة ابن عامر في سورة الحديد: # وكلا وعد الله الحسنى # [الحديد: 10]. # والمعنى: كلا من ms2748 القاعدين والمجاهدين، فقد وعده الله ~~الحسنى. # قال الفقهاء: وهذا يدل على أن الجهاد فرض كفاية، وليس على ~~كل واحد بعينه؛ لأنه - تعالى - وعد القاعدين الحسنى كما ~~وعد المجاهدين، ولو كان الجهاد واجبا على كل أحد على ~~التعيين، لما كان القاعد أهلا لوعد الله إياه الحسنى. # وقيل: أراد ب " القاعدين " هنا: أولي الضرر، فضل الله ~~المجاهدين عليهم درجة؛ لأن المجاهد باشر الجهاد مع ~~النية، وأولو الضرر لهم نية بلا مباشرة، فنزلوا عنهم ~~درجة وعلى هذا نزول الدلالة. # قوله - تعالى -: { وفضل الله المجاهدين على ~~القاعدين أجرا عظيما } في انتصاب " أجرا " أربعة أوجه: # أحدها: النصب على المصدر من معنى الفعل الذي قبله لا من ~~لفظه؛ لأن معنى " فضل الله ": آجر؛ فهو كقوله: أجرهم ~~أجر، ثم قوله - تعالى -: { درجات منه [ومغفرة ورحمة ~~} بدل من قوله: " أجرا ". # الثاني: أنه انتصب على إسقاط الخافض، أي: فضلهم بأجر. # الثالث: النصب على أنه مفعول ثاني؛ لأنه ضمن فضل معنى ~~أعطى، أي: أعطاهم أجرا تفضلا منه. # الرابع: أنه حال من درجات]. # قال الزمخشري: " وانتصب " أجرا " على الحال من النكرة التي هي " ~~درجات " مقدمة عليها " وهو غير ظاهر؛ لأنه لو تأخر عن " ~~درجات " لم يجز أن يكون نعتا ل " درجات " لعدم المطابقة؛ ~~لأن " درجات " جمع، و " أجرا " مفرد، كذا رده بعضهم، وهي ~~غفلة؛ فإن " أجرا " مصدر، والأفصح فيه يوحد ويذكر ~~مطلقا، [وقيل: انتصب على التمييز، و " درجات " عطف بيان]. # قوله - تعالى - " درجات " فيه ستة أوجه: # الأربعة المذكورة في " درجة ". # والخامس: أنه بدل من " أجرا ". # السادس ذكره ابن عطية أنه منصوب بإضمار فعل، على أن يكون ~~تأكيدا للأجر، كما تقول: " لك علي ألف درهم عرفا " كأنك ~~قلت: أعرفها عرفا، وفيه نظر، و " مغفرة ورحمة " عطف على " ~~درجات " ، ويجوز فيهما النصب بإضمار فعلهما [تعظيما]، ~~أي: وغفر لهم مغفرة، ورحمهم رحمة. # فأن قيل: إنه - تعالى - لم ذكر أولا " درجة " وههنا " ~~درجات "؟ # فالجواب من وجوه: # أحدها: ليس المراد بالدرجة الواحدة بالعدد، بل الواحد ~~بالجنس، فيدخل تحته الكثير بالنوع. # وثانيها: أن المجاهد أفضل [بالضرورة] من ms2749 القاعد المضرور ~~[بدرجة] ومن القاعد الصحيح [بدرجات] وهذا على القول بعدم ~~المساواة بين المجاهدين والأضراء. # وثالثها: فضل المجاهدين في الدنيا بدرجة واحدة، وهي ~~الغنيمة، وفي الآخرة بدرجات كثيرة في الجنة. # ورابعها: أن المراد ب " المجاهدين " في الأولى: المجاهدين ~~بأموالهم وأنفسهم، وههنا المراد ب " المجاهدين ": من كان ~~مجاهدا على الإطلاق في كل الأمور، وأعني: في عمل الظاهر؛ ~~كالجهاد بالنفس والمال والحج، وعلى العبادات كلها، وفي أعمال ~~القلوب وهو أشرف أنواع الجهاد؛ لأنه صرف القلب من الالتفات ~~إلى غير الله إلى الاستغراق في طاعة الله. # فصل # ذكر المفسرون معنى " الدرجات ". # قال ابن جبير في هذه الآية هي سبعون درجة، ما بين كل ~~درجتين عدو الفرس الجواد المضمر سبعين خريفا. # وقيل: الدرجات هي الإسلام والهجرة والجهاد والشهادة، ~~فاز بها المجاهدون. # فصل: في حكم الجهاد # والجهاد في الجملة فرض، غير أنه ينقسم إلى فرض العين ~~وفرض الكفاية، ففرض العين أن يدخل العدو دار قوم من ~~المؤمنين، فيجب على كل مكلف من الرجال ممن لا عذر له ~~من أهل تلك البلدة الخروج إلى عدوهم، حرا كان أو عبدا، ~~غنيا كان أو فقيرا، دفعا عن أنفسهم وعن جيرانهم، وهو في حق من ~~بعد منهم من المسلمين فرض على الكفاية، فإن لم يقع ~~الكفاية بمن نزل بهم، يجب على من بعد منهم من المسلمين ~~عونهم، وإن وقعت الكفاية بالنازلين بهم، فلا فرض على ~~الأبعدين، ولا يدخل في هذا القسم العبيد والفقراء، فإذا كان ~~الكفار قادرين في بلادهم، فعلى الإمام ألا يخلي كل سنة ~~عن غزوة يغزوها بنفسه أو بسراياه، حتى لا يكون الجهاد معطلا. # فصل: رد شبهة الشيعة # قال الشيعة: علي كان من المجاهدين، وأبو بكر من القاعدين، ~~فيكون علي أفضل، للآية، فيقال لهم: مباشرة علي للقتال أكثر ~~مباشرة من النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون أفضل منه، وهذا ~~لا يقوله عاقل، فإن قالوا: جهاد النبي صلى الله عليه وسلم ~~لأنه في إظهار الدين بتقرير [الأدلة] قلنا: وكذلك أبو بكر، ~~سعى في إظهار الدين في أول الإسلام، ms2750 حتى أسلم على يده ~~جماعة، وبالغ في الذب عن النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه وماله، ~~وكان علي حينئذ صبيا لا يسلم أحد بقوله، وما كان ~~قادرا على الدين، وجهاد أبي بكر في أول الإسلام وضعفه، ~~وجهاد علي كان وهو في الدين بعد ظهور الإسلام وقوته، ~~والأول أفضل، وأيضا: فجهاد أبي بكر كان بالدعوة إلى الدين، ~~وأكثر أفاضل العشرة أسلموا على يده، وذلك حرفة النبي صلى ~~الله عليه وسلم وجهاد علي كان بالقتل، والأول أفضل. # فصل: رد شبهة المعتزلة # [قالت المعتزلة] لما كان التفاوت في الثواب بحسب التفاوت في ~~العمل، دل على أن علة الثواب هو العمل، وأيضا لو لم يكن ~~العمل موجبا للثواب، لكان الثواب هبة لا أجرا، والله - ~~تعالى - سماه أجرا. # فالجواب: أن العمل علة الثواب، بجعل الشارع لا بذاته. # فصل: الاشتغال بالنوافل أفضل من النكاح # قال الشافعية: دلت الآية على أن الاشتغال بالنوافل، أفضل ~~من الاشتغال بالنكاح، لأن من أقام بالجهاد، سقط الفرض عن ~~الباقين، فلو أقيموا عليه كان من النوافل، والآية تقتضي ~~تفضيل جميع المجاهدين من مفترض و [من] متنفل على ~~القاعدين والمتنقل بالنكاح قاعد عن الجهاد، فثبت أن الاشتغال ~~بالمندوب إليه من الجهاد أفضل من الاشتغال بالنكاح. ### || [4.97-99] # لما ذكر - [تعالى] - ثواب من أقدم على الجهاد، أتبعه بعقاب ~~من قعد عنه ورضي بالسكون في دار الحرب. # قوله: " توفاهم " يجوز أن يكون ماضيا، وإنما لم تلحق علامة ~~التأنيث للفعل؛ لأن التأنيث مجازي؛ ويدل على كونه فعلا ماضيا ~~قراءة " توفتهم " بتاء التأنيث. # قال الفراء: ويكون مثل قوله: # إن البقر تشابه علينا # [البقرة: 70] فيكون إخبارا عن حال أقوام معينين، انقرضوا ~~ومضوا ويجوز أن يكون مضارعا حذفت إحدى التاءين تخفيفا ~~منه، والأصل: تتوفاهم، وعلى هذا تكون الآية عامة في حق كل ~~من كان بهذه الصفة. # و " ظالمي " حال من ضمير " توفاهم " ، والإضافة غير محضة؛ إذ ~~الأصل: ظالمين أنفسهم؛ لأنه وإن أضيف إلى المعرفة، إلا أنه ~~نكرة في الحقيقة؛ لأن المعنى على الانفصال؛ كأنه قيل: ~~الظالمين أنفسهم، إلا أنهم لما ms2751 حذفوا [النون] طلبا للخفة، ~~واسم الفاعل سواء أريد به الحال أو الاستقبال، فقد يكون ~~مفصولا في المعنى وإن كان موصولا في اللفظ؛ فهو كقوله - ~~تعالى -: # هذا عارض ممطرنا # [الأحقاف: 24]، و # هديا بالغ الكعبة # [المائدة: 95]، # ثاني عطفه # [الحج: 9] والتقدير: ممطر لنا وبالغا للكعبة وثانيا ~~عطفه، والإضافة في هذه المواضع لفظية لا معنوية. # وفي خبر " إن " هذه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه محذوف، تقديره: إن الذين توفاهم الملائكة ~~هلكوا، ويكون قوله: " قالوا: فيم كنتم " مبينا لتلك الجملة ~~المحذوفة. # الثاني: أنه { فأولئك مأواهم جهنم } ودخلت الفاء زائدة في الخبر؛ ~~تشبيها للموصول باسم الشرط، ولم تمنع " إن " من ذلك، والأخفش ~~يمنعه، وعلى هذا فيكون قوله: " قالوا: فيم كنتم " إما صفة ل " ~~ظالمي " ، أو حالا للملائكة، و " قد " معه مقدرة عند من ~~يشترط ذلك، وعلى القول بالصفة، فالعائد محذوف، أي: ظالمين ~~أنفسهم قائلا لهم الملائكة. # والثالث: أنه { قالوا فيم كنتم } ، ولا بد من تقدير العائد ~~أيضا، أي: قالوا لهم كذا، و " فيم " خبر " كنتم " ، وهي " ما " ~~الاستفهامية حذفت ألفها حين جرت، وقد تقدم تحقيق ذلك ~~عند قوله: # فلم تقتلون أنبيآء الله # [البقرة: 91]، والجملة من قوله: " فيم كنتم " في محل نصب ~~بالقول، و " في الأرض " متعلق ب " مستضعفين " ، ولا يجوز أن ~~يكون " في الأرض " هو الخبر، و " مستضعفين " حالا، كما ~~يجوز ذلك في نحو: " كان زيد قائما في الدار " لعدم الفائدة ~~في هذا الخبر. # فصل في معنى التوفي # في هذا التوفي قولان: # الأول: قول الجمهور، معناه تقبض أرواحهم عند الموت. # فإن قيل: كيف الجمع بينه وبين قوله - تعالى -: # الله يتوفى الأنفس حين موتها # [الزمر: 42]، # كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ~~ثم يميتكم ثم يحييكم # [البقرة: 28] وبين قوله # قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم # [السجدة: 11]. # فالجواب: خالق الموت هو الله - تعالى -، والمفوض إليه هذا العمل هو ~~ملك الموت وسائر الملائكة أعوانه. # الثاني: توفاهم الملائكة، يعني: يحشرونهم إلى النار، قاله ~~الحسن. # فصل # الظلم قد يراد به الكفر؛ كقوله - تعالى -: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]، وقد يراد به المعصية؛ ms2752 كقوله: # فمنهم ظالم لنفسه # [فاطر: 32]، وفي المراد بالظلم ههنا قولان: # الأول: قال بعض المفسرين: نزلت في ناس من أهل مكة، ~~تكلموا بالإسلام ولم يهاجروا منهم: قيس بن الفاكه بن ~~المغيرة، وقيس بن الوليد وأشباههما، فلما خرج المشركون ~~إلى بدر، خرجوا معهم، فقاتلوا مع الكفار وعلى هذا أراد ~~بظلمهم أنفسهم: إقامتهم في دار الكفر، وقوله - تعالى -: ~~{ إن الذين توفاهم الملائكة } أي: ملك الموت ~~وأعوانه، أو أراد ملك الموت وحده؛ لقوله - تعالى -: # قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم # [السجدة: 11] والعرب قد تخاطب الواحد بلفظ الجمع. # الثاني: أنها نزلت في قوم من المنافقين، كانوا يظهرون ~~الإيمان للمؤمنين خوفا، فإذا رجعوا إلى قومهم، أظهروا لهم ~~الكفر، ولا يهاجرون إلى المدينة. # وقوله: { قالوا فيم كنتم } من أمر دينكم، وقيل: فيم كنتم من حرب ~~أعدائه، وقيل: لما تركتم الجهاد ورضيتم بالسكون دار ~~الكفار؛ لأن الله - تعالى - لم يكن يقبل الإسلام بعد هجرة ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلا بالهجرة، ثم نسخ ذلك بعد فتح ~~مكة بقوله " لا هجرة بعد الفتح " وهؤلاء قتلوا يوم ~~بدر، وضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم، وقالوا لهم: فيم ~~كنتم؟ [ " قالوا كنا " ] أي: في ماذا كنتم أو في أي ~~الفريقين كنتم؟ أفي المسلمين أو في المشركين؟ سؤال توبيخ ~~وتقريع، فاعتذروا بالضعف عن مقاومة المشركين، { وقالوا كنا ~~مستضعفين } عاجزين، " في الأرض " يعني: أرض مكة. # فإن قيل: كان حق الجواب أن يقولوا: كنا في كذا وكذا، ولم نكن ~~في شيء. # فالجواب: أن معنى " فيم كنتم ": التوبيخ، بأنهم لم ~~يكونوا في شيء من الدين، حيث قدروا على المهاجرة ولم ~~يهاجروا فقالوا: كنا مستضعفين اعتذارا عما وبخوا ~~به، واعتلالا بأنهم ما كانوا قادرين على المهاجرة، ثم إن ~~الملائكة لم يقبلوا منهم هذا العذر؛ بل ردوه عليهم، ~~فقالوا: { ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ~~} يعني أنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد ~~التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم، فبقيتم بين الكفار لا ~~للعجز عن مفارقتهم، بل مع القدرة على المفارقة. # فصل # وقد ورد ms2753 لفظ الأرض على ثمانية أوجه: # الأول: الأرض المعروفة. # الثاني: أرض المدينة، قال الله - تعالى -: { ألم تكن أرض ~~الله واسعة فتهاجروا فيها }. # الثالث: أرض مكة؛ قال - تعالى - [ { قالوا] كنا ~~مستضعفين في الأرض } أي: بمكة. # الرابع: أرض مصر؛ قال - تعالى - # فأراد أن يستفزهم من الأرض # [الإسراء: 103]. # الخامس: أرض الجنة؛ قال تعالى # وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشآء # [الزمر: 74]. # السادس: بطون النساء؛ قال - تعالى -: # وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا ~~لم تطئوها # [الأحزاب: 27] يعني: النساء. # السابع: الرحمة؛ قال - تعالى -: # للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض ~~الله واسعة # [الزمر: 10]، وقوله - تعالى -: # يعبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة # [العنكبوت: 56] أي رحمتي. # الثامن: القلب؛ قال - تعالى -: # اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها # [الحديد: 17]، أي: يحيى القلوب بعد قسوتها. # قوله: " فتهاجروا " منصوب في جواب الاستفهام. # وقال أبو البقاء: " ألم تكن " استفهام بمعنى التوبيخ، " ~~فتهاجروا " منصوب على جواب الاستفهام؛ لأن النفي صار ~~إثباتا بالاستفهام. انتهى. # قوله: " لأن النفي " إلى آخره لا يظهر تعليلا لقوله: " ~~منصوب على جواب الاستفهام "؛ لأن ذلك لا يصح، وكذا لا يصح ~~جعله علة لقوله: " بمعنى التوبيخ " ، و [ " ساءت " ]: قد ~~تقدم القول في " ساء " ، وأنها تجري مجرى " بئس " فيشترط ~~في فاعلها ما يشترط فاعل تيك، و " مصيرا ": تمييز. # وكما بين عدم عذرهم، ذكر وعيدهم، فقال: { فأولئك مأواهم جهنم ~~وساءت مصيرا } [أي:] بئس المصير إلى جهنم، ثم استثنى فقال: " ~~إلا المستضعفين ": في هذا الاستثناء قولان: # أحدهما: أنه متصل، والمستثنى منه قوله: { فأولئك مأواهم جهنم } ، ~~والضمير يعود على المتوفين ظالمي أنفسهم، قال هذا القائل: ~~كأنه قيل: فأولئك في جهنم إلا المستضعفين، فعلى هذا يكون هذا ~~استثناء متصلا. # والثاني - وهو الصحيح -: أنه منقطع؛ لأن الضمير في " مأواهم ~~" عائد على قوله: { إن الذين توفاهم } ، وهؤلاء المتوفون: إما ~~كفار أو عصاة بالتخلف، على ما قال المفسرون، [وهم] قادرون ~~على الهجرة، فلم يندرج فيهم المستضعفون فكان منقطعا، و " ~~من الرجال " حال من المستضعفين، أو من الضمير المستتر ~~فيهم، فيتعلق بمحذوف. # قوله: { لا يستطيعون حيلة } في هذه الجملة أربعة أوجه: ms2754 # أحدها: أنها مستأنفة جواب لسؤال مقدر، كأنه قيل: ما وجه ~~استضعافهم؟ فقيل: كذا. # والثاني: أنها حال. # قال أبو البقاء: " حال مبينة عن معنى الاستضعاف " ، قال شهاب ~~الدين: كأنه يشير إلى المعنى المتقدم في كونها جوابا لسؤال ~~مقدر. # الثالث: أنها مفسرة لنفس المستضعفين؛ لأن وجوه الاستضعاف ~~كثيرة، فبين بأحد محتملاته، كأنه قيل: إلا الذين استضعفوا بسبب ~~عجزهم عن كذا وكذا. # الرابع: أنها صفة للمستضعفين أو للرجال ومن بعدهم، ذكره ~~الزمخشري، وعبارة البيضاوي أنه صفة للمستضعفين؛ إذ لا ترقية ~~فيه، أي: لا تعين فيه، فكأنه نكرة، فصح وصفه بالجملة. # انتهى ما ذكرنا. واعتذر عن وصف ما عرف بالألف واللام بالجمل التي ~~في حكم النكرات، بأن المعرف بهما لما لم يكن معينا، ~~جاز ذلك فيه، كقوله: [الكامل] # 1867- ولقد أمر على اللئيم يسبني # .................... # وقد قدمت تقرير المسألة. # فصل في معنى الآية # المعنى: لا يقدرون على حيلة ولا نفقة، إذا كان بهم مرض، أو ~~كانوا تحت قهر قاهر يمنعهم من المهاجرة. # وقوله: " [و] لا يهتدون سبيلا " أي: لا يعرفون طريق الحق، ولا ~~يجدون من يدلهم على الطريق. # قال مجاهد والسدي وغيرهما: المراد بالسبيل [هنا:] سبيل ~~المدينة. # قال القرطبي: والصحيح إنه عام في جميع السبل. # روى أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث بهذه الآية [إلى] مسلمي ~~مكة، فقال جندب بن ضمرة لبنيه: احملوني فإني لست من ~~المستضعفين، ولا أني لا أهتدي الطريق، والله لا أبيت ~~الليلة بمكة، فحملوه على سرير متوجها [إلى ] المدينة، وكان ~~شيخا كبيرا فمات في الطريق. # فإن قيل: كيف أدخل الولدان في جملة المستثنين من أهل ~~الوعيد، فإن الاستثناء إنما يحسن لو كانوا مستحقين ~~للوعيد على بعض الوجوه. # قلنا: سقوط الوعيد إذا كان بسبب العجز، والعجز تارة ~~يحصل بسبب عدم الأهبة، وتارة [يحصل] بسبب الصبا، فلا ~~جرم حسن هذا الاستثناء، هذا إذا أريد بالولدان الأطفال، ~~ويجوز أن يراد المراهقون منهم، الذين كملت عقولهم، ~~فتوجه التكليف نحوهم فيما بينهم [وبين الله]، وإن أريد ~~العبيد والإماء البالغون، فلا سؤال. # قوله: { فأولئك عسى الله أن ms2755 يعفو عنهم } وفيه سؤالان: # أحدهما: أن القوم [لما] كانوا عاجزين عن الهجرة، والعاجز عن ~~الشيء غير مكلف له، وإذا لم يكن مكلفا، لم يكن عليه في ~~تركه عقوبة، فلم قال: { عسى الله أن يعفو عنهم } والعفو لا يتصور ~~إلا مع الذنب، وأيضا: " عسى " كلمة إطماع، وهذا يقتضي عدم ~~القطع بحصول العفو. # فالجواب عن الأول: أن المستضعف قد يكون قادرا على ذلك ~~الشيء مع ضرب من المشقة، وتمييز الضعف الذي يحصل عنده ~~الرخصة عند الحد الذي لا يحصل عنده الرخصة شاق، فربما ~~ظن الإنسان أنه عاجز عن المهاجرة، ولا يكون كذلك، ولا ~~سيما في الهجرة عن الوطن؛ فإنها شاقة على النفس، وبسبب ~~شدة النفرة قد يظن الإنسان كونه عاجزا، مع أنه لا يكون ~~كذلك، فلهذا المعنى كانت الحاجة في العفو شديدة في هذا ~~المقام. # السؤال الثاني: ما فائدة ذكر لفظة " عسى " ههنا؟ # فالجواب: لأن فيها دلالة على [أن] ترك الهجرة أمر مضيق لا ~~توسعة فيه، حتى أن المضطر البين الاضطرار من حقه أن ~~يقول: عسى الله أن يعفو عني، فكيف الحال في غيره، ذكره ~~الزمخشري. # قال ابن الخطيب: والأولى أن يكون الجواب ما تقدم من أن ~~الإنسان لشدة نفرته عن مفارقة الوطن، ربما ظن نفسه ~~عاجزا عنها مع أنه لا يكون كذلك، فلهذا المعنى ذكر العفو ~~بكلمة " عسى " لا بالكلمة الدالة على القطع. # قال المفسرون: وكلمة " عسى " من الله واجب؛ لأنه للإطماع، ~~والله - تعالى - إذا أطمع عبده أوصله إليه. # ثم قال: { وكان الله غفورا رحيما }. # ذكر الزجاج في كان ثلاثة أوجه: # الأول: " كان " قبل أن خلق الخلق موصوفا بهذه الصفة. # الثاني: كان مع جميع العباد بهذه الصفة، والمقصود بيان أن هذا ~~عادة الله أجراها في حق خلقه. # الثالث: أنه - تعالى - لو قال: " عفو غفور " كان هذا إخبارا عن ~~كونه كذلك فقط، ولما قال: إنه كان كذلك، فهذا إخبار وقع ~~بخبره على وقفه، فكان ذلك أدل على كونه صدقا [وحقا] ~~ومبرأ عن الكذب. # وقال ابن عباس: كنت أنا وأمي ممن عذر الله ms2756 [يعني]: من ~~المستضعفين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو لهؤلاء ~~المستضعفين. # " روى أبو هريرة؛ قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال: ~~سمع الله لمن حمده في الركعة الأخيرة [من صلاة العشاء] ~~قنت: اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة، اللهم أنج الوليد بن ~~الوليد، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد ~~وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف ". ### || [4.100] # لما رغب في الهجرة، ذكر السبب الذي يمنع الإنسان من ~~الهجرة ثم أجاب عنه، وذلك المانع أمران: # الأول: أن يكون في وطنه في راحة ورفاهية فيظن لأنه ~~بمفارقته للوطن يقع في الشدة وضيق العيش، فأجاب الله عن ~~ذلك بقوله: { ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض ~~مراغما كثيرا وسعة }. # قال القرطبي: قوله: { ومن يهاجر في سبيل الله } شرط، ~~وجوابه: { يجد في الأرض }. # واشتقاق المراغم من الرغام وهو التراب؛ يقولون: رغم أنفه، ~~ويريدون أنه وصل إلى شيء يكرهه؛ لأن الأنف عضو في غاية ~~العزة، والتراب في غاية الذلة، فجعلوا قولهم: رغم أنفه ~~كناية عن الذل، إذا عرف هذا، [فنقول] المشهور أن هذه المراغمة ~~إنما حصلت بسبب فراقهم، وخروجهم عن ديارهم، وعن ابن عباس: " ~~مراغما " [أي]: متحولا [يتحول إليه]. # وقال مجاهد: متزحزحا عما يكره، سميت المهاجرة مراغمة؛ لأن ~~من يهاجر يراغم قومه؛ لأنه لا يجد ذلك [البلد] من النعمة ~~والخير، ما يكون سببا لرغم أنف أعدائه الذين كانوا معه في ~~بلدته الأصلية، فإنه إذا استقام حاله في تلك البلد ~~الأجنبية، ووصل خبره إلى أهل بلدته، خجلوا من سوء ~~معاملتهم له، ورغمت أنوفهم بذلك وهذا أولى الوجوه. # وأما المانع الثاني عن الهجرة: فهو أن الإنسان يقول: إن ~~خرجت عن بلدي لطلب هذا الغرض، فربما وصلت إليه، وربما لم ~~أصل إليه، فالأولى ألا أضيع الرفاهية الحاضرة بسبب طلب ~~شيء قد يحصل، فأجاب الله - تعالى - عن ذلك بقوله: { ومن ~~يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم ~~يدركه الموت فقد وقع أجره على الله }. # والمراد ب " السعة ": سعة الرزق، ms2757 وقيل: سعة من الضلال إلى ~~الهدى. # قوله - تعالى -: { ومن يخرج [من بيته مهاجرا إلى ~~الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره ~~على الله وكان الله غفورا رحيما } ]. # روي أنه لما نزلت هذه الآية، سمعها رجل من بني ليث شيخ ~~كبير مريض يقال له: جندع بن ضمرة، فقال: والله ما أنا ممن ~~استثنى الله - عز وجل -، وإني لأجد حيلة، ولي من المال ما ~~يبلغني المدينة وأبعد منها، والله لا أبيت الليلة ~~بمكة، أخرجوني، فخرجوا به يحملونه على سرير حتى أتوا به ~~التنعيم، فأدركه الموت، فصفق بيمينه على شماله، فقال: ~~اللهم هذه لك وهذه لرسولك، أبايعك على ما بايعك عليه ~~رسولك، فمات فبلغ خبره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقالوا: لو وافى المدينة لكان أتم أجرا. وضحك المشركون ~~وقالوا: ما أدرك هذا ما طلب، فأنزل الله - تعالى -: { ومن ~~يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم ~~يدركه الموت [فقد وقع أجره على الله } ] أي: قبل ~~بلوغه إلى مهاجره، " فقد وقع أجره على الله ". # أي: وجب بإيجابه على نفسه فضلا منه. # و " مهاجرا " نصب على الحال من فاعل " يخرج ". # فصل # قال بعضهم: إن من قصد طاعة وعجز عن إتمامها، كتب الله ~~ثواب تلك الطاعة؛ كالمريض يعجز عما كان يعمله في حال ~~صحته من الطاعة، فيكتب الله [له] ثواب ذلك العمل؛ هكذا روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وقال آخرون: يكتب له: أجر قصده، وأجر القدر الذي أتى به من ~~ذلك العمل، أما أجر تمام العمل، فذلك محال. # والقول الأول أولى؛ لأنه - تعالى - ذكر هذه الآية في معرض ~~الترغيب في الهجرة، وهو أن من خرج للرغبة في الهجرة، فقد ~~وجد ثواب الهجرة، والترغيب إنما يحصل بهذا المعنى، فأما ~~القول بأن معنى الآية هو أن يصل إليه ثواب ذلك القدر من ~~العمل، فلا يصلح مرغبا؛ لأنه من المعلوم أن كل من أتى ~~بعمل فإنه يجد الثواب المرتب على قدر ذلك العمل. # فصل: شبه المعتزلة في وجوب الثواب على الله والرد عليها ms2758 # قالت المعتزلة: هذه الآية تدل على أن العمل يوجب الثواب ~~على الله - تعالى -؛ لقوله: { فقد وقع أجره على الله } ، ~~وذلك يدل على قولنا من ثلاثة أوجه: # الأول: حقيقة الوجوب هو الوقوع والسقوط؛ قال - تعالى -: # فإذا وجبت جنوبها # [الحج: 36] أي وقعت وسقطت. وثانيها: أنه ذكره بلفظ الأجر، ~~والأجر عبارة عن المنفعة المستحقة، فأما الذي لا يكون ~~مستحقا، فلا يسمى أجرا، بل يسمى هبة. # وثالثها: قوله: " على الله " وكلمة " على " للوجوب؛ قال - تعالى -: # ولله على الناس حج البيت [من استطاع إليه ~~سبيلا # ] [آل عمران: 97]. # والجواب: أنا لا ننازع في الوجوب، لكن بحكم الوعد ~~والتفضل والكرم، لا بحكم الاستحقاق الذي لو لم يفعل لخرج عن ~~الإلهية. # فصل # نقل القرطبي عن مالك؛ أنه قال: هذه الآية تدل على أنه ليس ~~لأحد المقام بأرض يسب فيها السلف ويعمل فيها بغير ~~الحق. # فصل # استدلوا بهذه الآية على أن الغازي إذا مات في الطريق، ~~وجب سهمه في الغنيمة، كما وجب أجره، وفيه ضعف؛ لأن ~~لفظ الآية مخصوص بالأجر، وأيضا فاستحقاق السهم من ~~الغنيمة مستحق بحيازتها، إذ لا يكون ذلك إلا بعد ~~حيازتها. # قوله - تعالى -: { ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى ~~الله ورسوله } قال عكرمة مولى ابن عباس: طلبت اسم ~~هذا الرجل أربع عشرة سنة حتى وجدته، وفي قول عكرمة [هذا] ~~دليل على شرف هذا العلم، وأن الاعتناء به حسن ~~والمعرفة به فضل؛ ونحوه قول [ابن عباس]: مكثت سنين أريد أن ~~أسأل عمر - رضي الله عنه - عن المرأتين اللتين تظاهرتا على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فما يمنعني إلا مهابته، والذي ~~ذكره عكرمة هو قول ضمرة بن العيص، أو العيص بن ضمرة بن ~~زنباع، حكاه الطبري عن سعيد بن جبير، ويقال فيه ضميرة ~~أيضا، وذكر أبو عمرو أنه قد قيل فيه: خالد بن حزام بن ~~خويلد ابن أخي خديجة [خرج] مهاجرا إلى أرض الحبشة، ~~فهتفته حية في الطريق، فمات قبل أن يبلغ أرض الحبشة؛ ~~فأنزل الله فيه الآية، وحكى ابن الحوزي أنه حبيب بن ضمرة. # وقال السدي: ms2759 ضمرة بن جندب الضمري. # وحكى المهدوي أنه ضمرة بن ضمرة بن نعيم، وقيل ضمرة بن خزاعة. # وروى معمر عن قتادة: لما نزل قوله - تعالى -: # إن الذين توفاهم الملائكة # [النساء: 97] قال رجل من المسلمين وهو مريض: والله - تعالى - ~~ما لي عذر: إني لدليل في الطريق وإني لموسر، فاحملوني ~~فأدركه الموت في الطريق، فقال أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم: لو بلغ إلينا لتم أجره، وقد مات بالتنعيم، وجاء ~~بنوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروه بالقصة، فنزل قوله: ~~{ ومن يخرج من بيته مهاجرا [إلى الله ورسوله } ~~] الآية. # قوله: " ثم يدركه " الجمهور على جزم " يدركه " عطفا على ~~الشرط قبله، وجوابه: " فقد وقع " وقرأ الحسن البصري بالنصب. # قال ابن جني: " وهذا ليس بالسهل، وإنما بابه الشعر لا ~~القرآن، وأنشد [الوافر] # 1868- سأترك منزلي لبني تميم # وألحق بالحجاز فأستريحا # والآية أقوى من هذا؛ لتقدم الشرط قبل المعطوف " ، يعني: أن ~~النصب بإضمار " أن " إنما يقع بعد الواو والفاء في جواب ~~الأشياء الثمانية أو عاطف، على تفصيل في كتب النحو، ~~والنصب بإضمار " أن " في غير تلك المواضع ضرورة؛ كالبيت ~~المتقدم؛ وكقول الآخر: [الطويل] # 1869-............................. # ويأوي إليها المستجير فيعصما # وتبع الزمخشري أبا الفتح في ذلك، وأنشد البيت الأول. وهذه ~~المسألة جوزها الكوفيون لمدرك أخر، وهو أن الفعل الواقع ~~بين الشرط والجزاء، يجوز فيه الرفع والنصب والجزم إذا ~~وقع بعد الواو والفاء؛ واستدلوا بقول الشاعر: [الطويل] # 1870- ومن لا يقدم رجله مطمئنة # فيثبتها في مستوى القاع يزلق # وقول الآخر: [الطويل] # 1871- ومن يقترب منا ويخضع نؤوه # ولا يخش ظلما ما أقام ولا هضما # وإذا ثبت ذلك في الواو والفاء، فليجز في " ثم "؛ لأنها ~~حرف عطف. # وقرأ النخعي، وطلحة بن مصرف برفع الكاف، وخرجها ابن ~~جني على إضمار مبتدأ، أي: " ثم هو يدركه الموت " فعطف ~~جملة اسمية على فعلية، وهي جملة الشرط: الفعل ~~المجزوم وفاعله، وعلى ذلك حمل يونس قول الأعشى: [البسيط] # 1872- إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا # أو تنزلون فإنا معشر نزل # أي: وأنتم تنزلون، ومثله قول الآخر: [البسيط] # 1873- إن تذنبوا ثم ms2760 تأتيني بقيتكم # فما علي بذنب عندكم حوب # أي: ثم أنتم تأتيني، وهذا أوجه من أن يحمل على أن يأتيني. قلت: ~~يريد أنه لا يحمل على إهمال الجازم، فيرفع الفعل بعده، ~~كما رفع في: # 1874- ألم يأتيك والأنباء تنمي # بما لاقت لبون بني زياد # فلم يحذف الياء، وهذا البيت أنشده النحويون على أن ~~علامة الجزم، حذف الحركة المقدرة في حرف العلة، ~~وضموا إليه أبياتا أخر، أما أنهم يزعمون: أن حرف ~~الجزم يهمل، ويستدلون بهذا البيت فلا. ومنهم من خرجها ~~على وجه أخر؛ وهو أنه أراد الوقف على الكلمة، فنقل حركة هاء ~~الضمير إلى الكاف الساكنة للجزم، كقول الآخر: [الرجز] # 1875- عجبت والدهر كثير عجبه # من عنزي سبني لم أضربه # يريد: " لم أضربه " بسكون الباء للجازم، ثم نقل إليها حركة ~~الهاء، فصار اللفظ " ثم يدركه " ثم أجرى الوصل مجرى ~~الوقف، التقى ساكنان، فاحتاج إلى تحريك الأول وهو الهاء، ~~فحركها بالضم؛ لأنه الأصل، وللإتباع أيضا. # ثم قال الله - تعالى -: { وكان الله غفورا رحيما } ~~أي: ويغفر [الله] ما كان منه [من القعود] إلى أن خرج. # فصل # قال ابن العربي: قسم العلماء الذهاب في الأرض [إلى] ~~قسمين: هربا، وطلبا. # والأول ينقسم ستة أقسام: # أحدها: الهجرة: وهي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، وكانت ~~فرضا في أيام النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الهجرة ~~باقية مفروضة إلى يوم القيامة، والتي انقطعت بالفتح: هي ~~القصد إلى النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان، فإن بقي في ~~دار الحرب، عصى ويختلف في حاله. # وثانيها: الخروج من أرض البدعة؛ كما تقدم نقله عن مالك؛ ~~فإنه إذا لم يقدر على إزالة المنكر يزول عنه، قال [الله] - ~~تعالى -: # وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض ~~عنهم # [الأنعام: 68]. # وثالثها: الخروج من أرض غلب عليها الحرام؛ لأن طلب فرض على ~~كل مسلم. # ورابعها: الفرار من الأذية في البدن، وذلك فضل من الله ~~ورخصة؛ كما فعل إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - لما خاف من ~~قومه وقال: # إني مهاجر إلى ربي # [العنكبوت: 26]، وقال: # وقال إني ذاهب إلى ms2761 ربي سيهدين # [الصافات: 99]، وقال - تعالى - حكاية عن موسى - عليه الصلاة والسلام: # فخرج منها خآئفا يترقب # [القصص: 21]. # وخامسها: خوف المرض في البلاد الوخمة، فيخرج إلى أرض النزهة؛ ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن للرعاة حين استوخموا المدينة، ~~أن يخرجوا إلى المسرح فيكونوا فيه؛ حتى ما يصحوا، وقد استثني ~~من ذلك الخروج من الطاعون، بما في الحديث الصحيح. # وسادسها: الفرار خوف الأذية في المال، فإن حرمة مال ~~المسلم؛ كحرمة دمه. # وأما الطلب فينقسم قسمين: # طلب دين وطلب دنيا. # فأما طلب الدين فينقسم إلى تسعة أقسام: # الأول: سفر العبرة، قال تعالى: # أولم يسيروا في الأرض فينظروا [كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم # ] [الروم: 9]. # يقال: إن ذا القرنين إنما طاف الأرض؛ ليرى عجائبها، ~~وقيل: لينفذ الحق فيها. # الثاني: سفر الحج، فالأول ندب، وهذا فرض. # الثالث: الجهاد [وله أحكامه]. # الرابع: سفر المعاش؛ إذا تعذر على الرجل معاشه مع الإقامة، ~~فيخرج في طلبه لا يزيد عليه؛ من صيد، أو احتطاب، أو احتشاس، ~~فهو فرض عليه. # الخامس: سفر التجارة والكسب الزائد على القوت، وذلك جائز ~~بفضل الله تعالى؛ قال - تعالى -: # ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم # [البقرة: 198] يعني: التجارة، وهو نعمة من الله بها في سفر ~~الحج، [فكيف إذا انفردت]. # السادس: طلب العلم. # السابع: قصد البقاع الشريفة؛ قال - عليه الصلاة والسلام - # " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ". # الثامن: الثغور للرباط بها. # التاسع: زيارة الإخوان في الله - تعالى -؛ قال - عليه الصلاة والسلام: # " زار رجل أخا له في قرية، [فأرصد الله له ملكا على ~~مدرجته، فقال: أين تريد، قال: أريد أخا لي في هذه القرية]، ~~فقال: هل له عليك من نعمة تربها عليه، قال: إني أحببته ~~في الله، قال: فإني رسول الله إليك، بأن الله قد أحبك كما ~~أحببته فيه " # [رواه مسلم، وغيره]. ### || [4.101] # لما ذكر الجهاد ذكر أحد الأمور التي يحتاج إليها ~~المجاهد، وهو معرفة كيفية أداء الصلاة في الخوف، ~~والاشتغال بمحاربة العدو. # " أن تقصروا ": هذا على حذف الخافض، أي: في أن تقصروا، فيكون ms2762 ~~في محل " أن " الوجهان المشهوران، وهذا الجار يتعلق ~~بلفظ " جناح " أي: فليس عليكم جناح في قصر الصلاة. # قال الواحدي: يقال: قصر فلان صلاته، وأقصرها وقصرها، ~~وكل جائز. # والجمهور على " تقصروا " من " قصر " ثلاثيا، وقرأ ابن عباس: " ~~تقصروا " من " أقصر " ، وهما لغتان: قصر وأقصر، حكاهما ~~الأزهري، وقرأ الضبي عن رجاله بقراءة ابن عباس، وقرأ ~~الزهري: " تقصروا " مشددا على التكثير. # قوله: " من الصلاة " في " من " وجهان: # أظهرهما: إنها تبعيضية، وهذا معنى قول أبي البقاء، وزعم أنه ~~مذهب سيبويه، وأنها صفة لمحذوف، تقديره: شيئا من الصلاة. # والثاني: أنها زائدة، وهذا رأي الأخفش فإنه لا يشترط في ~~زيادتها شيئا، و " أن يفتنكم ": مفعول " خفتم ". # وقرأ عبد الله بن مسعود، وأبي: " من الصلاة أن يفتنكم " بإسقاط ~~الجملة الشرطية، و " أن يفتنكم " على هذه القراءة، مفعول من ~~أجله، ولغة الحجاز: " فتن " ثلاثيا، وتميم وقيس: " أفتن " ~~رباعيا. # فصل # لفظ القصر مشعر بالتخفيف؛ لأنه ليس صريحا في أن ~~المراد: هو القصر في عدد الركعات، أي: في كيفية أدائها، فلا ~~جرم حصل في الآية قولان: # الأول: قول الجمهور أن المراد منه: القصر في عدد ~~الركعات والقائلون بهذا القول اختلفوا على قولين: # الأول: أن المراد منه: صلاة المسافر؛ وهو أن كل صلاة ~~تكون في الحضر أربع ركعات، فإنها تصير في السفر ~~ركعتين، وعلى هذا إنما يدخل القصر في الرباعية ~~خاصة. # الثاني: أن المراد: صلاة الخوف في السفر، وهو قول ابن ~~عباس، وجابر بن عبد الله، وجماعة، قال ابن عباس: فرض الله ~~صلاة الحضر أربعا، وصلاة [السفر ركعتين]، وصلاة الخوف ~~ركعة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم. # القول الثاني: أن المراد من القصر: التخفيف في كيفية أداء ~~الركعات، وهو أن يكتفى في الصلاة بالإيماء والإشارة بدل ~~الركوع والسجود، وأن يجوز المشي في الصلاة، وأن تجوز ~~الصلاة عند تلطخ الثوب بالدم وهو الصلاة حال التحام ~~القتال، [وهو مروي عن ابن عباس وطاووس، واحتجوا: بأن ~~خوف فتنة العدو لا تزول فيما يؤتى بركعتين على تمام ~~أوصافها، وإنما عين ذلك فيما يشتد فيه ms2763 الخوف حال ~~التحام القتال]، وهذا ضعيف؛ لأنه يمكن إن يقال: إن المسافر ~~إذا كانت الصلاة قليلة الركعات، فيمكنه أن يأتي بها على ~~وجه لا يكون خصمه عالما بكونه مصليا أما إذا كثرت ~~الركعات، طالت الصلاة، ولا يمكنه أن يأتي بها على حين ~~غفلة مع العدو، وحمل لفظ القصر على إسقاط [بعض] ~~الركعات أولى لوجوه: أحدها: ما روي عن يعلى بن أمية أنه ~~قال: # " قلت لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: كيف نقصر وقد أمنا، ~~وقد قال الله - تعالى -: { فليس عليكم جناح أن تقصروا ~~من الصلاة إن خفتم } فقال: عجبت مما عجبت منه؛ ~~فسألت الرسول - عليه الصلاة والسلام - فقال: " صدقة ~~تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته " # وهذا يدل على أن القصر المذكور في الآية، وهو القصر في عدد ~~الركعات. # الثاني: أن القصر عبارة عن أن يؤتى ببعض الشيء ويقتصر عليه، ~~فإما أن يؤتى بشي آخر، فذلك لا يسمى قصرا، ومعلوم: أن ~~إقامة الإيماء [مقام] الركوع والسجود، وتجويز المشي في ~~الصلاة، وتجويز الصلاة مع الثوب الملطخ بالدم، ليس شيء من ~~ذلك قصرا؛ بل كلها إثبات لأحكام جديدة، وإقامة لشيء ~~مقام شيء آخر. # الثالث: أن " من " في قوله: " من الصلاة " للتبعيض، وذلك ~~يوجب جواز الاقتصار على بعض الصلاة. # الرابع: أن لفظ القصر كان في عرفهم مخصوصا بتنقيص عدد ~~الركعات، ولهذا لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر ~~ركعتين، قال ذو اليدين: " أقصرت الصلاة أم نسيت؟ ". # الخامس: القصر بمعنى: تغير هيئة [الصلاة] المذكورة في الآية ~~التي بعدها توجب أن يكون المراد من هذه الآية بيان القصر، ~~بمعنى حذف بعض الركعات، لئلا يلزم التكرار. # فصل هل الأفضل الإتمام أم القصر؟ # قصر الصلاة في السفر جائز بالإجماع، واختلفوا في جواز ~~الإتمام. # فذهب أكثرهم إلى أن القصر واجب، وهو قول عمر وعلي، ~~وابن عمر، وجابر، وابن عباس، وبه قال الحسن وعمر بن عبد ~~العزيز، وقتادة، وهو قول مالك وأصحاب الرأي بما روت عائشة - رضي ~~الله عنها -، قالت: " الصلاة أول ما فرضت [ركعتين في الحضر ~~والسفر فأقرت] ms2764 صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر ". # وذهب قوم إلى جواز الإتمام، روي ذلك عن عثمان [وسعد] بن ~~أبي وقاص، وبه قال الشافعي إن شاء أتم، وإن شاء قصر، ~~والقصر أفضل. # فصل # قال أهل الظاهر: قليل السفر وكثيره سواء؛ لظاهر الآية، ~~فإن الآية مرتبة من شرط وجزاء، فإذا وجد الشرط وهو ~~الضرب في الأرض، ترتب عليه [الجزاء] سواء كان طويلا أو ~~قصيرا، وذلك مروي عن أنس، وقال عمرو بن دينار: قال لي ~~جابر بن زيد: أقصر بعرفة. # فإن قيل: هذا يقتضي حصول الرخصة عند انتقال الإنسان من ~~محلة إلى محلة. فالجواب: لا نسلم أن هذا ضرب في الأرض، ~~وإن سلم، فنقول: الإجماع منعقد على أنه غير معتبر، ~~فهذا تخصيص بالإجماع، والعام بعد التخصيص حجة. # وقال الجمهور: إن السفر مات لم يتقدر بمقدار مخصوص، لم ~~تحصل فيه الرخصة، وقالوا: أجمع السلف على أن أقل السفر ~~مقدر، لأنه روي عن عمر أنه يقصر في يوم تام؛ وبه قال ~~الزهري والأوزاعي. # وقال ابن عباس: يقصر إذا زاد علي يوم وليلة. # قال أنس: المعتبر خمسة فراسخ، وقال الحسن: مسيرة ~~ليلتين. # وقال الشعبي، والنخعي، وسعيد بن جبير: من الكوفة إلى ~~المدائن مسيرة ثلاثة أيام، وهو قول أبي حنيفة، وروى الحسن بن ~~زياد، عن أبي حنيفة: أنه إذا سافر إلى موضع يكون مسيرة ~~يومين، وأكثر اليوم الثالث، جاز القصر، وهكذا رواه ابن ~~سماعة، عن أبي يوسف ومحمد. # وقال مالك: أميال بأميال هاشم جد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وهو الذي قدر أميال البادية؛ كل ميل اثنا عشر ألف قدم، ~~وهي أربعة آلاف خطوة، فإن كل ثلاثة أقدام خطوة، قالوا: ~~واختلاف الناس يدل على انعقاد الإجماع، على أن الحكم غير ~~مربوط بمطلق السفر. # قال أهل الظاهر: اضطرابهم يدل على أنهم لم يجدوا دليلا ~~في تقدير المدة، إذ لو وجدوه لما حصل الاضطراب، وأما ~~سكوت [سائر] الصحابة؛ فلعله كان لاعتقادهم أن الآية ~~دالة على ارتباط الحكم بمطلق السفر، وإذا كان الحكم ~~مذكورا في نص القرآن، لم يكن بهم حاجة ms2765 إلى الاجتهاد ~~والاستنباط؛ فلهذا سكتوا فاستدل الحنفية على تقدير المدة ~~بقوله - عليه الصلاة والسلام: # " يمسح المسافر ثلاثة أيام " # وهو يدل على أنه إذا لم يحصل المسح ثلاثة أيام، لا يسمى ~~مسافرا. # واستدل الشافعية بما روى مجاهد وعطاء، عن ابن عباس، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يا أهل مكة، لا تقصروا في أدنى من أربعة برد من مكة ~~إلى عسفان " # قال أهل الظاهر: وهذا تخصيص لعموم القرآن بخير الواحد، ~~وهو لا يجوز؛ لأن القرآن مقطوع به والخبر مظنون، وقال عليه ~~الصلاة والسلام: # " إذا روي عني حديث فاعرضوه على كتاب الله - [تعالى] -، ~~فإن وافق، فاقبلوه، وإلا فردوه " # وهذا مخالف لعموم الكتاب، وأيضا فإنها أخبار وردت في ~~واقعة تعم الحاجة إلى معرفتها؛ لأن الصحابة - رضي الله ~~عنهم - كانوا في أكثر الأوقات في السفر والغزو، فلو كانت ~~الرخصة مخصوصة بسفر، مقدر، لعرفوها ونقلوها نقلا ~~متواترا، لا سيما وهو على خلاف ظاهر القرآن، وأيضا: فدلائل ~~الشافعية ودلائل الحنفية متقابلة متدافعة فسقطت ووجب ~~الرجوع لظاهر القرآن. # فصل # خص أهل الظاهر جواز القصر بحال الخوف؛ لقوله - تعالى -: { ~~فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن ~~خفتم } والمشروط بالشيء عدم، عند عدم ذلك الشيء، ولا ~~يجوز دفع هذا الشرط بأخبار الآحاد؛ لأن نسخ القرآن بخبر ~~الواحد لا يجوز. # قوله: { إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } فقيل: ~~إن يفتنوكم عن إتمام الركوع [والسجود]، وقيل: " أن يفتنكم " ~~أي يغلبكم الذين كفروا في الصلاة، ونظيره قوله: [تعالى]: { ~~فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن ~~خفتم } عن الصلاة؛ لأن كل محنة، وبلية، وشدة فهي ~~فتنة، وجواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله. # وقيل: الكلام تم [عند قوله: " من الصلاة " ] والجملة ~~الشرطية مستأنفة حتى قيل: إنها نزلت بعد سنة عن نزول ~~ما قبلها، وجوابه حينئذ أيضا محذوف، ولكن يقدر من جنس ~~ما بعده، وهذا قول ضعيف، وتأخير نزولها لا يقتضي ~~استئنافها. # فصل # اختلفوا متى يقصر: # فالجمهور على أن المسافر لا يقصر حتى يخرج من بيوت ~~القرية [وحينئذ] هو ضارب في ms2766 الأرض، وهو قول مالك في ~~المدونة، وروي عنه: أنه إذا كانت قرية تجمع أهلها لا ~~يقصر حتى يجاوزها بثلاثة أميال، وكذلك في الرجوع، وعن ~~الحارث بن أبي ربيعة: إذا أراد السفر، يقصر في منزله؛ ~~فيكون معنى قوله - [تعالى] -: { إذا ضربتم [في الأرض } ~~معناه]: إذا أردتم السفر. وعن مجاهد: لا يقصر يومه الأول ~~حتى الليل، وهذا شاذ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ~~الظهر بالمدينة [أربعا]، وصلى العصر بذي الحليفة ~~ركعتين، وبين المدينة وذي الحليفة ستة أميال، أو ~~سبعة. # فصل # وعلى المسافر أن ينوي القصر حين الإحرام، فإن افتتح ~~الصلاة بنية القصر، ثم عزم على المقام في أثناء الصلاة، جعلها ~~نافلة، فإن كان ذلك بعد أن صلى منها ركعة [واحدة]، ~~أضاف إليها أخرى [وسلم] ثم صلى صلاة مقيم، وقال الأبهري، وابن ~~الجلاب: هذا - والله أعلم - استحباب، ولو بنى على صلاته ~~وأتمها، أجزأته. # قوله: { إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا } [و] ~~المعنى: إن العداوة بينكم وبين الكافرين قديمة، والآن قد ~~أظهرتم خلافهم في الدين فازدادت عداوتهم لكم، فمن شدة ~~العداوة، حاربوكم وقصدوا إتلافكم إن قدروا، فإن طالت ~~صلاتكم، فربما وجدوا الفرصة في قتلكم؛ فلهذا رخصت ~~لكم في قصر الصلاة. # قوله " لكم " متعلق بمحذوف: لأنه حال من " عدوا " ، فإنه في ~~الأصل صفة نكرة، ثم قدم عليها، وأجاز أبو البقاء أن ~~يتعلق ب " كان " ، [وفي المسألة] كلام مر تفصيله. وأفرد ~~" عدوا " وإن كان المراد به الجمع لأن العدو يستوي ~~فيه الواحد والجمع؛ قال - تعالى -: # فإنهم عدو لي # [الشعراء: 77] وقد تقدم تحقيقه في البقرة. # فصل في معنى الآية # قوله: { إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } متصل ~~بما بعده من صلاة الخوف، منفصل عما قبله، روي عن أبي ~~أيوب الأنصاري، أنه قال: نزل قوله: { فليس عليكم ~~جناح أن تقصروا من الصلاة } هذا القدر، ثم بعد حول ~~سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الخوف؛ فنزل: " إن ~~خفتم " أي: وإن خفتم { أن يفتنكم الذين كفروا إن ~~الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا، وإذا كنت ~~فيهم ms2767 }. # ومثله في القرآن كثير [أن] يجيء الخبر بتمامه، ثم ينسق ~~عليه خبر آخر، وهو في الظاهر كالمتصل به، وهو منفصل ~~عنه؛ كقوله - تعالى -: # الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه ~~لمن الصادقين # [يوسف: 51] هذه حكاية عن امرأة العزيز، وقوله: # ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب # [يوسف: 52]، إخبار عن يوسف - عليه الصلاة والسلام -. ### || [4.102] # كما بين قصر الصلاة يحسب الكمية في العدد، بين في هذه ~~الآية كيفيتها، والضمير في " فيهم " يعود الضاربين في ~~الأرض، وقيل على الخائفين. # روى الكلبي، عن أبي صالح؛ عن ابن عباس، وجابر - رضي الله عنهم ~~-: أن المشركين لما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه قاموا في الظهر يصلون جميعا، ندموا ألا كانوا ~~أكبوا عليهم، فقال بعضهم لبعض: دعهم فإن لهم بعدها صلاة هي ~~أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم، يعني: صلاة العصر، فإذا ~~قاموا فيها فشدوا عليهم، فاقتلوهم؛ فنزل جبريل فقال: يا ~~محمد إنها صلاة الخوف، وإن الله - عز وجل - يقول: { وإذا ~~كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة } فعلمه صلاة الخوف. # فصل: هل صلاة الخوف خاصة بالرسول صلى الله عليه وسلم # قال أبو يوسف، والحسن بن زياد: صلاة الخوف كانت خاصة للرسول ~~- عليه الصلاة والسلام -، ولا تجوز لغيره؛ لقوله - تعالى -: { وإذا ~~كنت فيهم }. # وقال المزني: كانت ثابتة ثم نسخت، ومذهب الجمهور: ثبوتها ~~في حق كل الأمة؛ لقوله - تعالى -: # واتبعوه # [الأعراف: 158] وأن حكمها باق، وقد ورد كيفية صلاة الخوف على ~~ستة أوجه مذكورة في كتب الفقه. # قال أحمد بن حنبل: كل حديث روي في أبواب صلاة الخوف، ~~فالعمل به جائز، روي فيه ستة أوجه، أو سبعة أوجه. # قوله: { وإذا كنت فيهم } أي: شهيدا معهم في غزواتهم، { ~~فأقمت لهم الصلاة فلتقم طآئفة منهم معك } ~~أي: فلتقف؛ كقوله - تعالى -: # وإذآ أظلم عليهم قاموا # [البقرة: 20] أي: وقفوا، والمعنى: فاجعلهم طائفتين، ~~فلتقم طائفة منهم معك، فصل بهم. # وقرأ الحسن " فلتقم " بكسر لام الأمر وهو الأصل، " وليأخذوا ~~أسلحتهم " والضمير: إما للمصلين، أو لغيرهم، فإن كان ~~للمصلين، [فقالوا]: يأخذون من السلاح ما لا ms2768 يشغلهم عن ~~الصلاة؛ كالسيف والخنجر؛ لأن ذلك أقرب إلى الإحتياط، وأمنع ~~للعدو من الإقدام عليهم، وإن كان لغير المصلين، وهم ~~الطائفة الأخرى التي تحرس المصلين، فلا كلام. # واحتار الزجاج عوده على الجميع، قال: " لأنه أهيب للعدو ~~". والسلاح: ما يقاتل به، وجمعه أسلحة وهو مذكر، وقد يؤنث ~~باعتبار الشوكة، قال الطرماح: [الطويل] # 1876- يهز سلاحا لم يرثها كلالة # يشك بها منها غموض المغابن # فأعاد الضمير عليه كضمير المؤنثة، ويقال: سلاح كحمار، وسلح ~~كضلع، وسلح كصرد، وسلحان كسلطان؛ نقله أبو بكر دريد. ~~والسليح: نبت إذا رعته الإبل، سمنت وغزر لبنها، وما ~~يلقيه البعير من جوفه، يقال له: " سلاح " بزنة غلام، ثم ~~عبر عن كل عذرة، حتى قيل في الحبارى، " سلاحه [سلاحه] ". # ثم قال - تعالى -: { فإذا سجدوا فليكونوا من ورآئكم ~~} يعني: غير المصلين من ورائكم يحرسونكم يريد: مكان الذين ~~هم تجاه العدو، ثم قال - [تعالى] -: { ولتأت طآئفة أخرى ~~لم يصلوا فليصلوا معك } وهم الذين كانوا في تجاه ~~العدو، وقرأ أبو حيوة: " وليأت " بناء على تذكير الطائفة، ~~وروي عن أبي عمرو: الإظهار والإدغام في " ولتأت طائفة ~~". # قوله: " لم يصلوا " الجملة في محل رفع؛ لأنها [صفة ل " طائفة " ~~بعد صفة، ويجوز أن يكون في محل نصب على الحال؛ لأن ~~النكرة] قبلها تخصصت بالوصف بأخرى. ثم قال { ~~وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم } والمعنى: أنه - تعالى - ~~جعل الحذر: الذي هو التحذر والتيقظ آلة يستعملها ~~الغازي؛ فلذلك جمع بينه وبين الأسلحة في الأخذ؛ وجعلا ~~مأخوذين، وهذا مجاز؛ كقوله: # تبوءوا الدار والإيمان # [الحشر: 9] في أحد الأوجه. # قال الواحدي رحمه الله تعالى: وفيه رخصة للخائف في الصلاة، ~~بأن يجعل بعض فكره في غير الصلاة. # فإن قيل: لم ذكر في الآية الأولى: " أسلحتهم " فقط، وفي هذه ~~الآية ذكر " حذرهم وأسلحتهم "؟ فالجواب: أن في أول الصلاة قلما ~~ينتبه العدو: لكون المسلمين في الصلاة، بل يظنون ~~كونهم قائمين لأجل المحاربة، وأما في الركعة الثانية، فقد ~~يظهر للعدو كونهم في الصلاة، فههنا يتنهزون الفرصة في ~~الهجوم عليهم، فلذلك خص الله [- تعالى -] هذا الموضع بزيادة ~~تحذير. # ثم قال: ms2769 { ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم } قد تقدم ~~الكلام في [ " لو " ] الواقعة بعد " ود " في البقرة [آية: 109]. # وقرئ: " وأمتعاتكم " وهو في الشذوذ من حيث إنه جمع الجمع، ~~كقولهم: أسقيات وأعطيات. { فيميلون عليكم ميلة ~~واحدة } أي: بالقتال، أي: يتمنون لو وجدوكم عافلين عن ~~أسلحتكم، فيقصدونكم ويحملون عليكم حملة واحدة. # روي عن ابن عباس: وجابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ~~بأصحابه الظهر، ورأى المشركون ذلك، فقالوا بعد ذلك: ~~بئس ما صنعنا، حيث ما أقدمنا عليهم، وعزموا على ذلك عند ~~الصلاة الأخرى، فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ~~أسرارهم بهذه الآية. # فصل # قال الإمام أحمد - رحمه الله تعالى -: صح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم صلاة الخوف من خمسة أوجه أو ستة [أوجه]، كل ذلك ~~جائز. # الأول: إذا كان العدو من جهة القبلة، صف الإمام المسلمين ~~خلفه صفين، فصلى بهم جميعا إلى أن يسجد؛ فيسجد معه ~~الصف الذي يليه، ويحرس الآخر، فإذا قام الإمام إلى ~~الثانية سجد الآخر ولحقه، فإذا سجد للثانية، سجد معه ~~الصف الذي حرس، وحرس الأول، فإذا جلس للتشهد، سجد ~~الأول، ولحقه في التشهد ويسلم بهم. # الثاني: إذا كان العدو في غير جهة القبلة جعل طائفة [تجاه ~~العدو، وطائفة] تصلي معه ركعة، فإذا قام إلى ~~الثانية ثبت قائما وأتمت لأنفسها أخرى، [وسلمت ومضت إلى ~~العدو، وجاءت الأخرى، فصلت معه الثانية، فإذا جلس، أنهت ~~لأنفسها أخرى]. # وتشهدت ثم سلم بهم، وإن كانت الصلاة مغربا، صلى بالأولى ~~ركعتين وبالثانية ركعة، وإن كانت رباعية، صلى بكل طائفة ~~ركعتين وأتمت الأولى، بالحمد لله في كل ركعة، والأخرى تتم ~~بالحمد لله وسورة، وهل تفارقه الأولى في التشهد، أو في ~~الثانية على وجهين، وإن فرقهم أربعا، فصلى بكل ~~طائفة ركعة، صحت صلاة الأولى وبطلت صلاة الإمام ~~والآخرين وإن علموا بطلان صلاته، أما بطلان صلاة الإمام؛ فلأجل ~~انتظاره؛ لأنه لم يرد الشرع به، وأما بطلان صلاة الآخرين؛ ~~فلأنهم ائتموا بمن صلاته باطلة، فأما إذا لم يعلموا، فهم ~~معذورون. # الثالث: أن يصلي ms2770 بطائفة ركعة، ثم تمضي إلى العدو، وتأتي ~~الأخرى، فيصلي بها ركعة ويسلم وحده وتمضي، ثم تأتي الأخرى فتتم ~~صلاتها وتمضي هي: ثم تأتي الأولى فتتم صلاتها. # الرابع: أن يصلي بكل طائفة صلاة، ويسلم بها. # الخامس: أن يصلي [بكل] الرباعية تامة، وتصلي معه كل ~~طائفة ركعتين ولا يقضي شيئا، فتكون له تامة ولهم ~~مقصورة. # فصل # إذا اشتد الخوف عند التحام الحرب، يصلي كيفما أمكن ~~رجالا وركبانا إلى القبلة وإلى غيرها يومئون إيماء بالركوع ~~والسجود، وكذلك كل خائف على نفسه فإن لم يقدر على ~~الإيماء أخروا الصلاة إلى انكشاف الحالة. # قال مالك وجماعة: يصلي الطالب والمطلوب كل واحد منهما على ~~دابته؛ كالخائف سواء. # وقال الأوزاعي، والشافعي، وفقهاء المحدثين، وابن عبد ~~الحكم: ولا يصلي الطالب إلا بالأرض. # قال القرطبي: وهو الصحيح؛ لأن الطلب تطوع، والمكتوبة ~~فرض، والفرض إنما يصلى بالأرض حيث ما أمكن. # [ثم] قال - تعالى -: { ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى ~~من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم } ~~فقوله: " أن تضعوا "؛ كقوله " أن تقصروا " وقد تقدم، " وخذوا ~~حذركم " رخص في وضع السلاح في حال المطر والمرض؛ لأن ~~السلاح [يثقل حمله في هاتين الحالتين، أو لأن حدته تفسد ~~بالبلل، ولما رخص في وضع السلاح] حال المطر والمرض، ~~أمر بالتيقظ والحذر؛ لئلا يهجم العدو عليهم. # " روى الكلبي: عن أبي صالح، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ~~نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه غزا محاربا ~~وبني أنمار، فنزلوا ولا يرون من العدو أحدا، فوضع الناس ~~أسلحتهم، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجة له قد وضع ~~سلاحه، حتى قطع الوادي والسماء ترش، فحال الوادي بين ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أصحابه؛ فجلس رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في ظل شجرة، فبصر به غورث بن الحارث المحاربي، ~~فقال: قتلني الله إن لم أقتله، ثم انحدر من الجبل ومعه ~~السيف، فلم يشعر به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو قائم ~~على رأسه، ومعه السيف قد ms2771 سله من غمده، فقال: يا محمد من يعصمك ~~مني الآن؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله، ثم قال: اللهم ~~اكفني غورث بن الحارث بما شئت، ثم أهوى بالسيف إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ليضربه، فانكب لوجهه من زلخة زلخها بين ~~كتفيه، وندر سيفه، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذه، ثم ~~قال: يا غورث، من يمنعك مني الآن؟ قال: لا أحد، قال: تشهد ~~ألا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأعطيك سيفك؟ قال: لا ~~ولكن أشهد ألا أقاتلك أبدا ولا أعين عليك عدوا، فأعطاه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم سيفه، فقال غورث: والله أنت خير مني، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجل أنا أحق بذلك منك، فرجع ~~غورث إلى أصحابه، فقالوا: ويلك ما منعك منه، قال: لقد ~~أهويت إليه بالسيف لأضربه فوالله ما أدري من زلخني بين كتفي ~~فخررت لوجهي، وذكر حاله قال: وسكن الوادي، فقطع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الوادي وأصحابه فأخبرهم الخبر، وقرأ هذه الآية: { ولا ~~جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم ~~مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم } " # أي: من عدوكم، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية: كان ~~عبد الرحمن بن عوف جريحا. # فصل # أمر أولا بأخذ الحذر والأسلحة، فدل على وجوبه، ويؤكده قوله ~~ههنا: لا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى ~~[أن تضعوا أسلحتكم] فخص رفع الجناح في وضع السلاح بهاتين ~~الحالتين، وذلك يدل على أن ما عدا هاتين الحالتين، يكون ~~الإثم والجناح حاصلا بسبب وضع السلاح. وقال بعضهم: إنه سنة ~~مؤكدة، ثم الشرط: ألا يحمل سلاحا نجسا إن أمكنة ولا يحمل ~~الرمح إلا في طرف الصف، بحيث لا يتأذى به أحد. # فصل # دلت الآية على وجوب الحذر من العدو، فتدل على وجوب ~~الحذر عن جميع المضار المظنونة؛ كالعلاج بالدواء ~~والاحتراز عن الوباء وعن الجلوس تحت الجدار المائل. # فصل # قالت المعتزلة: الأمر بالحذر يدل ms2772 على كون العبد قادرا على ~~الفعل والترك، وعلى جميع وجوه الحذر، وذلك يدل على أن فعل ~~العبد ليس مخلوقا لله - تعالى -. # وجوابه: المعارضة بمسألة العلم والداعي. # ثم قال - تعالى -: { إن الله أعد للكافرين عذابا ~~مهينا } أخبر [- تعالى -] بأنه يهينهم ويخذلهم؛ تقوية لقلوب ~~المسلمين. ### || [4.103] # أي: وإذا فرغتم، قضيتم صلاة الخوف أي: فرغتم من الصلاة، وهذا ~~يدل على أن القضاء، يستعمل فيما فعل في وقته، ومنه ~~قوله: [- تعالى -]: # فإذا قضيتم مناسككم # [البقرة: 200]، ثم قال: { فاذكروا الله } أي: صلوا لله " ~~قياما " في حال الصحة و " قعودا " في حال المرض " وعلى ~~جنوبكم " عند الجروح والزمانة، وقيل: قياما: حال المسايفة، ~~وقعودا: حال اشتغالكم بالرمي وعلى جنوبكم: حال سقوطكم على ~~الأرض مجروحين فقوله " قياما [وقعودا] " حالان من فاعل " اذكروا ~~" وكذلك " وعلى جنوبكم " فإنه في قوة: مضطجعين؛ فيتعلق ~~بمحذوف. # " فإذا أطمأننتم " أي: أمنتم، فالطمأنينة: سكون النفس من ~~الخوف حين تضع الحرب أوزارها، " فأقيموا الصلاة " أي: أتموها ~~بأركانها وقد تقدم الكلام في البقرة [آية: 260] على قوله ~~اطمأننتم، وهل هي مقلوبة أم لا؟ # وصرح أبو البقاء هنا بأن الهمزة أصل وأن وزن الطمأنينة: ~~فعليلية، وأن " طأمن " أصل أخر برأسه، وهذا مذهب الجرمي. # واعلم أنه قد تقدم حكمان: # أحدهما: قصر صلاة المسافر. # والثاني: صلاة الخوف؛ فقوله: { فإذا اطمأننتم ~~فأقيموا الصلاة } [يحتمل أنكم إذا صرتم مقمين غير مسافرين ~~من الاطمئنان فأقيموا الصلاة] أي: أتموها أربعا، ويحتمل أن ~~يكون المراد من الاطمئنان ألا يبقى الإنسان مضطرب ~~القلب، بل يصير ساكن القلب؛ بسبب زوال الخوف، فعلى هذا ~~فالمراد بإقامة الصلاة: فعلها في حالة الأمن. # ثم قال { إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا ~~موقوتا } أي: فرضا موقوتا، قال مجاهد: وقته الله ~~عليهم، وقيل: واجبا مفروضا مقدرا في الحضر أربع ركعات، ~~وفي السفر ركعتين، والمراد بالكتاب ههنا: المكتوب؛ كأنه قيل: ~~مكتوبة مؤقتة و " موقوتا ": صفة ل " كتابا " بمعنى: ~~محدودا بأوقات، فهو من: وقت مخففا؛ كمضروب من ضرب، ولم ~~يقل: " موقوتة " بالتاء مراعاة ل " كتاب " فإنه في الأصل ~~مصدر، والمصدر مذكر، ومعنى الموقوت: أنها كتبت ms2773 ~~عليهم في أوقات مؤقتة، يقال: وقته ووقته مخففا، وقرئ: # وإذا الرسل وقتت # [المرسلات: 11] بالتخفيف. # فصل # دلت هذه الآية على أن وجوب الصلوات مقدر بأوقات ~~مخصوصة، إلا أنه - تعالى - أجمل الأوقات ههنا وبينها ~~في مواضع أخر، وهي خمسة. # أحدها: قوله [- تعالى -] # حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى # [البقرة: 238] فقوله: " الصلوات " يدل على ثلاث صلوات، وقوله: ~~" [و] الصلاة الوسطى " يمنع أن يكون أحد تلك الثلاث، وإلا ~~يلزم التكرار، فلا بد وأن تكون زائدة على الثلاث ولا ~~يمكن أن يكون الواجب أربعة؛ لعدم حصول الوسطى فيها، فلا ~~بد من جعلها خمسة؛ لتحصل الوسطى، وكما دلت هذه الآية ~~على وجوب خمس صلوات، دلت على عدم وجوب الوتر، وإلا لصارت ~~الصلوات الواجبة ستة، وحينئذ لا تحصل الوسطى، فهذه الآية ~~دلت على وجوب الصلوات، لا على بيان الأوقات، وأما الآيات ~~الأربع الباقية، فمذكورة [في البقرة] عند قوله: # حافظوا على الصلوات # [البقرة: 238]. ### || [4.104] # لما ذكر بعض الأحكام التي يحتاج المجاهد إلى معرفتها، عاد ~~مرة أخرى إلى الحث على الجهاد، فقال: " ولا تهنوا " أي: ولا ~~تضعفوا، ولا تتوانوا، الجمهور: على كسر الهاء، والحسن: على ~~فتحها من " وهن " بالكسر في الماضي، أو من " وهن " بالفتح، ~~وإنما فتحت العين؛ لكونها حلقية، فهو نحو: يدع. # وقرأ عبيد بن عمير: " تهانوا " من الإهانة مبنيا ~~للمفعول، ومعناه: لا تتعاطوا من الجبن والخور، ما يكون ~~سببا في إهانتكم؛ كقولهم: " لا أرينك ههنا ". # وقوله: { في ابتغآء القوم } أي: في طلبهم، وسبب نزولها: ~~أن أبا سفيان وأصحابه لما رجعوا يوم أحد، بعث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم [طائفة] في آثارهم، فشكوا ألم الجراح، فقال ~~- تعالى -: { ولا تهنوا في ابتغآء القوم } أي لا ~~تضعفوا في طلب أبي سفيان وأصحابه، { إن تكونوا ~~تألمون }: تتوجعون من الجراح، " فإنهم يألمون " أي: ~~يتوجعون كما تألمون، والمعنى: أن حصول الألم قدر مشترك ~~بينكم وبينهم، فلما لم يكن خوف الألم مانعا لهم عن ~~قتالكم، فكيف يصير مانعا لكم عن قتالهم. # قرأ يحيى بن وثاب، ومنصور بن المعتمر: " تئلمون فإنهم ~~يئلمون كما تئلمون " بكسر ms2774 حرف المضارعة، وابن السميفع: ~~بكسر تاء الخطاب فقط، وهذه لغة ثابتة، وقد تقدم في الفاتحة ~~أن من يكسر حرف المضارعة يستثني التاء، وتقدم شذوذ " ~~تيجل " ووجهه، وزاد أبو البقاء في قراءة كسر حرف المضارعة ~~قلب الهمزة ياء، وغيره أطلق ذلك. # وقرأ الأعرج: " أن تكونوا تألمون " بفتح همزة " أن " والمعنى: ~~ولا تهنوا لأن تكونوا تألمون. # وقوله: { فإنهم يألمون كما تألمون } تعليل قوله: { ~~وترجون من الله ما لا يرجون } [أي: وأنتم مع ذلك ~~تأملون من الأجر والثواب في الآخرة، والنصر في الدنيا ما لا ~~يرجون]، فأنتم أولى بالمصابرة على القتال من المشركين؛ لأن ~~المؤمنين مقرون بالثواب والعقاب، والحشر والنشر، ~~والمشركون لا يقرون بذلك، فإذا كانوا مع إنكارهم ذلك مجدين ~~في القتال، فأنتم أيها المؤمنون المقرون بأن لكم في ~~الجهاد ثوابا، وعليكم في تركه عقابا أولى بالجد في ~~الجهاد. # وقال بعض المفسرين: المراد بالرجاء: الخوف؛ لأن كل راج ~~خائف ألا يدرك مأموله، ومعنى الآية وترجون، أي: تخافون ~~من عذاب اله ما لا يخافون. قال الفراء: ولا يكون الرجاء بمعنى ~~الخوف إلا مع الجد؛ كقوله - تعالى -: # قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون ~~أيام الله # [الجاثية: 14]، [أي: لا يخافون]، وقال - تعالى -: # ما لكم لا ترجون لله وقارا # [نوح: 13] أي: لا تخافون لله عظة، ولا يجوز: رجوتك، ~~يعني: خفتك، وأنت تريد: رجوتك. # قال ابن الخطيب: ويحتمل أنكم تعبدون الإله، العالم ~~القادر، السميع، البصير، فيصح منكم أن ترجوا ثوابه، وأما ~~المشركون: فإنهم يعبدون الأصنام وهي جمادات؛ فلا يصح منهم ~~أن يرجوا منها ثوابا، أو يخافوا منها عقابا. # ثم قال: { وكان الله عليما حكيما } أي: لا يكلفكم ~~إلا ما يعلم أنه سبب لصلاح دينكم ودنياكم، وقد تقدم ~~[أنه إذا] ذكر " الحكيم " بعد قوله: " العليم " فالمراد بالحكيم: ~~أنه العالم بعواقب الأمور، وقالت المعتزلة: المراد ~~بالحكيم: هو الذي يضع الأسباب للمصالح. ### || [4.105-107] # في كيفية النظم وجوه: # أحدها: أنه - تعالى - لما شرح أحوال المنافقين وأمر ~~بالمحاربة، وما يتصل بها من الأحكام الشرعية، مثل قتل ~~المسلم خطأ وصلاة المسافر، وصلاة الخوف، ms2775 رجع بعد ذلك إلى ~~بيان أحوال المنافقين؛ لأنهم كانوا يحاولون [حمل] ~~الرسول - عليه الصلاة والسلام - على أن يحكم بالباطل ويترك ~~الحكم بالحق، فأمره الله - تعالى - بألا يلتفت إليهم في هذا ~~الباب. # وثانيها: أنه - تعالى - لما بين الأحكام الكثيرة في هذه ~~السورة، بين أنها كلها إنما عرفت بإنزال الله - تعالى -، ~~وأنه ليس للرسول أن يحيد عن شيء منها؛ طلبا لرضا ~~القوم. # وثالثها: أنه - تعالى - لما أمر بالمجاهدة مع الكفار، بين أن ~~الأمر وإن كان كذلك، لكنه لا يجوز الخيانة معهم ولا ~~إلحاق ما لم يفعلوا بهم، وأن كفر الكافر لا يصح ~~المسامحة له، بل الواجب في الدين: أن يحكم له وعليه بما ~~أنزل الله على رسوله، وإن كان لا يلحق الكافر حيف؛ لأجل ~~رضى المنافق # [قول: " بالحق ": في محل نصب على الحال المؤكدة، فيتعلق ~~بمحذوف، وصاحب الحال هو الكتاب، أي: أنزلناه ملتبسا بالحق، ~~و " لتحكم ": متعلق ب " أنزلنا " ، و " أراك " متعد لاثنين: ~~أحدهما: العائد المحذوف، والثاني: كاف الخطاب، أي: بما أراكه ~~الله. والإراءة هنا: يجوز أن تكون من الرأي؛ كقولك: " رأيت رأي ~~الشافعي " ، أو من المعرفة، وعلى كلا التقدرين؛ فالفعل قبل ~~النقل بالهمزة متعد لواحد، وبعده متعد لاثنين]. # وقال أبو علي الفارسي: [قوله] " أراك الله " إما أن يكون ~~منقولا بالهمزة من " رأيت " ، التي يراد بها رؤية ~~البصر، أو من " رأيت " [التي] تتعدى إلى مفعولين، أو من " ~~رأيت " التي يراد بها الاعتقاد. # والأول: باطل؛ لأن الحكم في الحادثة لا يرى بالبصر. # والثاني: أيضا باطل؛ لأنه يلزم أن يتعدى إلى ثلاثة ~~مفاعيل بسبب التعدية ومعلوم: أن هذا اللفظ لم يتعد إلا ~~إلى مفعولين: أحدهما: كاف الخطاب، والآخر المفعول المقدر، ~~وتقديره: بما أراكه الله، ولما بطل القسمان، بقي الثالث، ~~وهو أن المراد منه: " رأيت " بمعنى: الاعتقاد. # فصل في معنى الآية # معنى الآية: بما أعلمك الله، وسمي ذلك العلم بالرؤية؛ ~~لأن العلم اليقيني المبرأ عن الريب يكون جاريا مجرى ~~الرؤية في القوة والظهور، وكان عمر يقول: لا يقولن ~~أحدكم قضيت بما أراني [الله]، فإن الله ms2776 - تعالى - لم يجعل ~~ذلك إلا لنبيه صلى الله عليه وسلم، وأما الواحد منا فرأيه ~~يكون ظنا، ولا يكون علما. # وإذا ثبت ذلك قال المحققون: دلت هذه الآية على أنه - عليه ~~الصلاة والسلام - ما كان يحكم إلا بالوحي والنص، وإذا كان ~~كذلك، فيتفرع عليه مسألتان: # الأولى: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجز له الاجتهاد. # والثانية: أنه - عليه الصلاة والسلام - إذا لم يجز له أن يحكم إلا ~~بالنص، وجب أن تكون أمته كذلك؛ لقوله - تعالى - # واتبعوه # [الأعراف: 158] وإذا كان كذلك، حرم العمل بالقياس. # والجواب: أنه لما قامت الدلالة على أن القياس حجة، كان ~~العمل بالقياس عملا بالنص في الحقيقة؛ لأنه يصير ~~التقدير: أنه - تعالى - قال: متى غلب على ظنك أن حكم الصورة ~~المسكوت عنها، مثل حكم الصورة المنصوص عليها، بسبب أمر ~~جامع [فاعلم: أنه تكليفي في حقك أن تعمل] بموجب ذلك ~~الظن، وإذا كان كذلك، كان العمل بالقياس عملا بالنص. # قوله: " للخائنين " متعلق ب " خصيما " واللام: للتعليل، على ~~بابها، وقيل: هي بمعنى: " عن " ، وليس بشيء؛ لصحة المعنى ~~بدون ذلك، ومفعول " خصيما ": محذوف، تقديره: " خصيما البرآء ~~" ، وخصيم: يجو أن يكون مثال مبالغة، كضريب، وأن يكون بمعنى: ~~مفاعل، نحو: خليط وجليس بمعنى: مخاصم ومخالط ومجالس. # قال الواحدي: خصمك الذي يخاصمك، وجمعه: الخصماء، وأصله ~~من الخصم: وهو ناحية الشيء، والخصم: طرف الزاوية، وطرف ~~الأشفار، وقيل للخصمين: خصمان؛ لأن كل واحد منهما في ~~ناحية من الحجة والدعوى، وخصوم السحابة: جوانبها. # فصل: في سبب نزول الآية # روى الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: نزلت هذه الآية في ~~رجل من الأنصار، يقال له: طعمة بن أبيرق من بني ظفر بن الحارث، ~~سرق درعا من جار له يقال له: قتادة بن النعمان، وكانت ~~الدرع في جراب له فيه دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرق في ~~الجراب، حتى انتهى إلى الدار، ثم خبأها عند رجل من ~~اليهود، يقال له: زيد ابن السمين، فالتمست الدرع عند ~~طعمة، فحلف بالله ما أخذها وما له بها من علم، فقال ms2777 أصحاب ~~الدرع: لقد رأينا أثر الدقيق حتى دخل داره، فلما حلف، تركوه ~~واتبعوا أثر الدقيق إلى منزل اليهودي؛ فأخذوه منه، فقال ~~اليهودي: دفعها إلي طعمة بن أبيرق، فجاء بنو ظفر وهم قوم ~~طعمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسألوه أن يجادل عن ~~صاحبهم، وقالوا له: إنك إن لم تفعل، افتضح صاحبنا، فهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعاقب اليهودي. # ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما في رواية أخرى: أن طعمة سرق ~~الدرع في جراب فيه نخالة، فخرق الجراب حتى كان يتناثر منه ~~النخالة طول الطريق، فجاء به إلى دار زيد السمين وتركه على ~~بابه، وحمل الدرع إلى بيته، فلما أصبح صاحب الدرع، جاء ~~على أثر النخالة إلى دار زيد السمين، فأخذه وحمله إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع يد زيد ~~اليهودي. # وقال مقاتل: إن زيدا السمين أودع درعا عند طعمة فجحدها طعمة، ~~فأنزل الله تعالى قوله: { إنآ أنزلنا إليك الكتاب ~~بالحق } بالأمر، والنهي، والفصل، { لتحكم بين ~~الناس بمآ أراك الله }: بما علمك الله وأوحى إليك، { ~~ولا تكن للخآئنين }: طعمة، " خصيما ": معينا مدافعا ~~عنه. # وهذه القصة تدل على أن طعمة وقومه كانوا منافقين؛ لأنهم ~~طلبوا الباطل، ويؤكده قوله - تعالى -: # وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء # [النساء: 113]. ثم روي: أن طعمة هرب إلى مكة وارتد، وثقب ~~حائطا؛ ليسرق، فسقط الحائط عليه فمات. # فصل # قال الطاعنون في عصمة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -: ~~دلت هذه الآية على صدور الذنب من الرسول - عليه الصلاة ~~والسلام - فإنه لولا أن الرسول - [عليه الصلاة والسلام] أراد أن ~~يخاصم لأجل الخائن ويذب عنه، وإلا لما ورد النهي عنه. # والجواب: أنه لما ثبت في الرواية: أن قوم طعمة لما التمسوا ~~من الرسول - عليه الصلاة والسلام - أن يذب عن طعمة، وأن يلحق ~~السرقة باليهودي توقف وانتظر الوحي، فنزلت الآية، وكان ~~الغرض من هذا النهي: تنبيه النبي - عليه الصلاة والسلام - على ~~أن طعمة كذاب، وأن اليهودي بريء ms2778 من ذلك الجرم. # فإن قيل: الدليل على أن الجرم قد وقع من النبي - عليه ~~الصلاة والسلام - قوله بعد ذلك: { واستغفر الله إن الله ~~كان غفورا رحيما } والأمر بالاستغفار، يدل على صدور ~~الذنب. # فالجواب: من وجوه: # الأول: لعله مال طبعه، إلى نصرة طعمة؛ بسبب أنه كان في ~~الظاهر من المسلمين؛ فأمر بالاستغفار لهذا القدر، ~~وحسنات الأبرار سيئات المقربين. # الثاني: أن القوم لما شهدوا ببراءة طعمة، وعلى اليهودي ~~بالسرقة، ولم يظهر للرسول - عليه الصلاة والسلام - ما يوجب ~~القدح في شهادتهم، هم بأن يقضي بالسرقة على اليهودي، ~~ثم لما أطلعه الله على كذب أولئك الشهود، عرف أن ذلك ~~القضاء لو وقع، لكان خطأ في نفسه، وإن كان معذورا عند ~~الله [- تعالى -] [فيه]. # الثالث: قوله: " واستغفر الله " يحتمل أن يكون المراد: واستغفر ~~الله لأولئك الذين يذبون عن طعمة، ويريدون أن يظهروا ~~براءته. # الرابع: قيل: الاستغفار في حق الأنبياء بعد النبوة على ~~أحد الوجوه الثلاثة: إما لذنب تقدم قبل النبوة، أو ~~لذنوب أمته وقرابته، أو لمباح جاء الشرع بتحريمه، فيتركه ~~بالاستغفار، والاستغفار يكون معناه: السمع والطاعة ~~لحكم الشرع. # ثم قال: { ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم } ~~أي: يظلمون أنفسهم بالخيانة والسرقة وقبلها. # أمر بالاستغفار على طريق التسبيح؛ كالرجل يقول: أستغفر ~~الله، على وجه التسبيح من غير أن يقصد توبة من ذنب. # وقيل: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد: ابن أبيرق؛ ~~كقوله: # يا أيها النبي اتق الله # [الأحزاب: 1] [وقوله: # فإن كنت في شك # [يونس: 94] والمراد بالذين يختانون طعمة ومن عاونه من قومه، ~~والاختيان: كالخيانة؛ يقال: خانه واختانه، وقد تقدم ~~عند قوله: # علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم # [البقرة: 187]، [وإنما قال لطعمة وللذابين عنه: إنهم يختانون ~~أنفسهم]؛ لأن من قدم على المعصية، فقد حرم نفسه الثواب، ~~وأوصلها إلى العقاب، فكان ذلك منه خيانة لنفسه؛ ولهذا ~~المعنى، قيل لمن ظلم غيره: إنه ظلم نفسه، وفي الآية تهديد ~~شديد على إعانة الظالم؛ لأن الله - تعالى - عاتب النبي صلى ~~الله عليه وسلم على همه بإعانة طعمة، مع أنه لم ms2779 يكن عالما ~~بظلمه، فكيف حال من يعلم ظلم الظالم، ويعينه عليه. # ثم قال: { إن الله لا يحب } أي: لا يرضى عن { من كان ~~خوانا أثيما } يريد: خوانا في الدرع، أثيما في رميه ~~اليهودي. # وقيل: إنه خطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد به: غيره؛ ~~كقوله: # فإن كنت في شك ممآ أنزلنآ إليك # [يونس: 94]. # فإن قيل: قوله - تعالى -: { من كان خوانا أثيما } صيغة ~~مبالغة تدل على تكرار ذلك [الفعل مع أن الصادر عنه ~~خيانة واحدة، وإثم واحد. # فالجواب: أن الله - تعالى - علم أنه] كان في طبع ذلك ~~الرجل الخيانة الكثيرة والإثم الكبير، فذكر اللفظ الدال ~~على المبالغة؛ بسبب ما كان في طبعه من الميل إلى ذلك، ~~ويدل عليه: ما ذكر [أنه] بعد هذه الواقعة هرب إلى مكة، ~~وارتد ونقب حائط إنسان، لأجل السرقة، فسقط الحائط عليه ~~ومات، ومن كانت خاتمته كذلك، لم يشك في حاله، وأيضا: فإنه ~~طلب من النبي - عليه الصلاة والسلام - أن يرفع السرقة عنه، ~~ويلحقها باليهودي، وهذا يبطل رسالة الرسول، ومن حاول ~~إبطال رسالة الرسول وأراد كذبه، فقد كفر؛ فلهذا المعنى ~~وصفه الله [- تعالى -] بالمبالغة في الخيانة والإثم. # وقد قيل: إذا عثرت من رجل على سيئة، فاعلم أن لها أخوات. # وعن عمر - رضي الله عنه -: أنه أخذ يقطع يد سارق، فجاءته ~~أمه تبكي وتقول هذه أول سرقة سرقها فاعف عنه، فقال: كذبت ~~إن الله لا يؤاخذ عبده في أول الأمر. ### || [4.108] # في " يستخفون ": وجهان: أظهرهما: أنها مستأنفة لمجرد الإخبار ~~بأنهم يطلبون التستر من الله - تعالى - بجهلهم. # والثاني: أنها في محل نصب صفة ل " من " { لا يحب من كان ~~خوانا } وجمع الضمير اعتبارا بمعناها إن جعلت " من " نكرة ~~موصوفة، أو في محل نصب على الحال من " من " إن جعلتها ~~موصولة، وجمع الضمير باعتبار معناها أيضا. # والاستخفاء الاستتار، يقال استخفيت من فلان: أي: تواريت منه ~~واستترت؛ قال الله - تعالى -: # ومن هو مستخف بالليل # [الرعد: 10] أي: مستتر، ومعنى الآية: يستترون من الناس، ولا ~~يستترون من الله. # قال ابن عباس: يستحيون ms2780 من الناس، ولا يستحيون من الله. ~~قال الواحدي: هذا معنى وليس بتفسير؛ وذلك أن الاستحياء من ~~الناس هو نفس الاستخفاء، فليس الأمر كذلك. قوله: " وهو ~~معهم " جملة حالية إما من الله - تعالى -، أو من المستخفين، ~~وقوله: " معهم " أي: بالعلم، والقدرة، والرؤية، وكفى هذا زاجرا ~~للإنسان، و " إذ " منصوب [بالعامل - في] الظرف - الواقع ~~خبرا، وهو " معهم " ومعنى: يبيتون: يتقولون، ويؤلفون، ~~ويضمرون في أذهانهم، والتبييت: تدبير الفعل ليلا، والذي لا ~~يرضاه الله من القول؛ هو أن طعمة قال: أرمي اليهودي بأنه هو ~~الذي سرق الدرع، وأحلف أني لم أسرقها، ويقبل الرسول ~~يميني؛ [لأني] على دينه، ولا يقبل يمين اليهودي. # فإن قيل: لم سمى التبييت قولا، وهو معنى في النفس؟. # فالجواب: أن الكلام الحقيقي هو المعنى القائم بالنفس، وعلى ~~هذا فلا إشكال، ومن أنكر كلام النفس، قال: إن طعمة وأصحابه ~~أجمعوا في الليل، ورتبوا كيفية الحيلة والمكر؛ فسمى ~~الله - تعالى - كلامهم ذلك بالقول المبيت الذي لا يرضاه، ثم ~~قال: { وكان الله بما يعملون محيطا } والمراد به: ~~الوعيد؛ لأنهم وإن كانوا يخفون كيفية المكر والخداع عن ~~الناس، فإنها ظاهرة في علم الله؛ لأنه - تعالى - محيط ~~بجميع المعلومات لا يخفى عليه منها شيء. ### || [4.109] # " ها " للتنبيه في " أنتم " ، و " هؤلاء ": مبتدأ وخبر " ~~جادلتم " جملة مبينة لوقوع " أولاء " خبرا؛ كما تقول ~~لبعض الأسخياء: أنت حاتم تجود بمالك، وتؤثر على نفسك، ~~ويجوز أن يكون " أولاء " اسما موصولا، بمعنى: الذين، و " ~~جادلتم " صلة وتقدم الكلام على نحو { ها أنتم هؤلاء } ~~، والجدال في اللغة [عبارة] عن شدة المخاصمة من الجدل ~~وهو شدة الفتل، وجدل الحبل: شدة فتله، ورجل مجدول كأنه فتل، ~~والأجدل: الصقر؛ لأنه [من] أشد الطيور قوة؛ هذا قول ~~الزجاج، والمعنى: أن كل واحد [من الخصمين] يريد فتل ~~خصمه عن مذهبه، وصرفه عن رأيه بطريق الحجاج، وقيل: الجدال ~~من الجدالة، وهذا خطاب مع قوم من المؤمنين، كانوا يذبون عن ~~طعمة وعن قومه: بسبب أنهم كانوا في الظاهر مسلمين، والمعنى: ~~هبوا أنكم خاصمتم عن طعمة وقومه في الدنيا، فمن ms2781 يخاصم ~~عنهم في الآخرة إذا أخذهم الله بعذابه. # وقرأ أبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود: " وجادلتم عنه " ~~يعني: طعمة. # وقوله: { فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة }: ~~استفهام توبيخ وتقريع، و " من " استفهامية في محل رفع ~~بالابتداء، و " يجادل ": خبره، وقوله: { أم من يكون ~~عليهم وكيلا } أم: منقطعة وليست بعاطفة، وظاهر عبارة ~~مكي: أنها عاطفة، فإنه قال: و " أمن يكون " مثلها [عطف عليها، ~~أي: مثل " من " في قوله: " فمن يجادل " وهو في محل نظر؛ لأن ~~في المنقطعة خلافا، هل تسمى عاطفة أم لا]، والوكيل الكفيل الذي ~~وكل إليه الأمر في الحفظ والحماية و " على " هنا بمعنى اللام ~~والمعنى: أمن يكون لهم وكيلا، أي من النبي يذب عنهم، ويتولى أمرهم، ~~ويحميهم من عذاب الله يوم القيامة. ### || [4.110] # لما ذكر الوعيد أتبعه بالدعوة إلى التوبة فقال: { ومن يعمل ~~سوءا } يعني: السرقة، { أو يظلم نفسه } برميه ~~البريء، وقيل: السوء: الشرك، وظلم النفس: ما دون الشرك، ~~وقيل: المراد بالسوء: ما يتعدى إلى الغير، وظلم النفس: ما ~~يختص به الإنسان؛ كالحلف الكاذب، وإنما خص ما يتعدى إلى ~~الغير باسم السوء؛ لأن ذلك يكون في الأكثر إيصالا للضرر إلى ~~الغير، والضرر سوء حاضر. # فأما الذنب الذي يخص الإنسان: فذلك لا يكون في الأكثر ~~ضررا حاضرا. # وقوله: { ثم يستغفر الله } أي: يتب إلى الله ويستغفره ~~{ يجد الله غفورا رحيما } وهذه الآية دلت على أن ~~التوبة مقبولة عن جميع الذنوب سواء كانت كفرا، أو ~~قتلا عمدا، أو غصبا للأموال؛ لأن السوء [و] ظلم النفس ~~يعم الكل، وظاهر الآية يقتضي أن مجرد الاستغفار كاف. # وقال بعضهم: إنه مقيد بالتوبة؛ لأنه لا ينفع ~~الاستغفار مع الإصرار. # وقوله: { غفورا رحيما } معناه: غفورا رحيما له، وحذف هذا ~~القيد؛ لدلالة الكلام عليه. # قال الضحاك: نزلت هذه الآية في وحشي قاتل حمزة، أشرك ~~بالله، وقتل حمزة، ثم جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: ~~إني لنادم، فهل لي من توبة؟. فنزلت هذه الآية. # وروى سفيان عن ابن مسعود، قال: من قرأ هاتين الآيتين ms2782 من ~~سورة النساء، ثم استغفر، غفر له وقرأ: { ومن يعمل ~~سوءا أو يظلم نفسه } [النساء: 110] الآية، # ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جآءوك ~~فاستغفروا الله # [النساء: 64] الآية. # وعن علي - رضي الله عنه - قال: حدثني أبو بكر، وصدق أبو بكر ~~قال: ما من عبد يذنب ذنبا، ثم يتوضأ، ويصلي ~~ركعتين، ويستغفر الله، إلا غفر له، ثم تلا هذه الآية [ { ومن ~~يعمل سوءا أو يظلم نفسه } الآية قال ابن عطية: قوله: " يجد الله ~~" أي: يجد عنده المغفرة والرحمة، فجعل المغفرة كالمورد ~~يرده التائب] المستغفر. ### || [4.111] # والكسب عبارة عما يفيد جر منفعة، أو دفع مضرة، ~~ولذلك لم يجز وصف الباري - تعالى - بذلك، وقيل: المراد ~~بالإثم: يعني يمين طعمة بالباطل، أي: ما سرقته، إنما سرقه ~~اليهودي، { فإنما يكسبه على نفسه } فإنما يضر به ~~نفسه، { وكان الله عليما } بما في قلب التائب عند ~~إقدامه على التوبة [ " حكيما " ] تقتضي حكمته ورحمته أن ~~يتجاوز عن التائب، والمقصود منه: ترغيب العاصي في ~~الاستغفار، وألا ييأس من قبول التوبة والاستغفار. ### || [4.112] # قيل: المراد بالخطيئة: سرقة الدرع، وبالإثم: يمينه ~~الكاذبة. # وقيل: الخطيئة: الصغيرة، والإثم: الكبيرة. # وقيل: الخطيئة: ما لا ينبغي فعله سواء كان بالعمد أو ~~بالخطأ، والإثم: ما يحصل بسبب العمد؛ لقوله في التي قبلها: # ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه # [النساء: 111] فبين أن الإثم ما يستحق به العقوبة. # وقيل: هما بمعنى واحد، كرر لاختلاف اللفظ تأكيدا. # وقال الطبري: الخطيئة تكون عن عمد، وعن غير عمد، والإثم ~~لا يكون إلا عن عمد، وقيل: الخطيئة ما لم يتعمد خاصة؛ ~~كالقتل الخطأ. # قوله: { ثم يرم به }: في هذه الهاء أقوال: # أحدها: أنها تعود على " إثما " لأنه الأقرب، والمتعاطفان ب " أو ": ~~يجوز أن يعود الضمير على المعطوف كهذه الآية، وعلى المعطوف عليه؛ ~~كقوله: # وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها # [الجمعة: 11]. # والثاني: أنها تعود على الكسب المدلول عليه بالفعل، نحو: # اعدلوا هو أقرب # [المائدة: 8] أي العدل. # الثالث: أنها تعود على أحد المذكورين الدال عليه العطف ب " ~~أو " فإنه في قوة " ثم يرم بأحد ms2783 المذكورين ". # الرابع: أن في الكلام حذفا، والأصل: " ومن يكسب خطيئة ثم يرم ~~بها "؛ وهذا كما قيل في قوله: # والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها # [التوبة: 34] أي: يكنزون الذهب، ولا ينفقونه. # الخامس: أن يعود على معنى الخطيئة، فكأنه قال: ومن يكسب ذنبا ~~ثم يرم به، وقيل: جعل الخطيئة والإثم كالشيء الواحد، و " ~~أو " هنا لتفصيل المبهم، وتقدم له نظائر. # وقرأ معاذ بن جبل: " يكسب " بكسر الكاف وتشديد السين، ~~وأصلها: يكتسب، فأدغمت تاء الافتعال في السين، وكسرت ~~الكاف إتباعا، وهذا شبيه ب " يخطف " [البقرة:20]، وقد تقدم ~~توجيهه في البقرة، وقرأ الزهري: " خطية " بالتشديد، وهو قياس ~~تخفيفها. # وقوله: { يرم به بريئا } أي: يقذف بما جنى " بريئا " منه ~~كما نسبت السرقة إلى اليهودي. [قوله]: { فقد احتمل ~~بهتانا } البهتان: هو البهت، وهو الكذب الذي يتحير في عظمه؛ ~~لأنه إذا قيل للإنسان، بهت وتحير. # روى مسلم، عن أبي هريرة، # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ~~ورسوله أعلم، قال: " ذكرك أخاك بما يكره ". قيل: أفرأيت ~~إن كان في أخي ما أقول؟ قال: " إن كان فيه ما تقول، فقد ~~اغتبته، وإن لم يكن فيه، فقد بهته " " # ؛ فرمي البريء بهت له، يقال: بهته بهتا وبهتانا، ~~إذا قال عنه ما لم يقل، وهو بهات، والمفعول له: مبهوت، ~~ويقال: بهت الرجل بالكسر، إذا دهش وتحير، وبهت ~~بالضم مثله، وأفصح منها: بهت؛ كقوله - تعالى -: # فبهت الذي كفر # [البقرة: 258] لأنه يقال: رجل مبهوت، ولا يقال: باهت، ولا ~~بهيت؛ قال الكسائي، و " إثما مبينا " أي: ذنبا بينا. ### || [4.113] # قال القرطبي: ما بعد " لولا " مرفوع بالابتداء عند ~~سيبويه، والخبر محذوف لا يظهر، والمعنى: ولولا فضل ~~الله عليك ورحمته بأن نبهك على الحق، وقيل: بالنبوءة ~~والعصمة، { لهمت طآئفة منهم أن يضلوك } عن الحق. # قال شهاب الدين: في جواب " لولا " وجهان: # أظهرهما: أنه مذكور، وهو قوله: " لهمت ". # والثاني: أنه محذوف، أي: لأضلوك، ثم استأنف جملة فقال: " ~~لهمت " أي: لقد همت. # قال أبو البقاء في هذا الوجه، ومثل حذف الجواب هنا حذفه ms2784 في ~~قوله: # ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله ~~تواب حكيم # [النور: 10] وكأن الذي قدر الجواب محذوفا، استشكل كون ~~قوله: " لهمت " جوابا؛ لأن اللفظ يقتضي انتفاء همهم بذلك، ~~والغرض: أن الواقع كونهم هموا على ما يروى في القصة؛ فلذلك ~~قدره محذوفا، والذي جعله مثبتا، أجاب عن ذلك بأحد ~~وجهين: # إما بتخصيص الهم، أي: لهمت هما يؤثر عندك. # وإما بتخصيص الإضلال، أي: يضلوك عن دينك وشريعتك، وكلا هذين ~~الهمين لم يقع. # و " أن يضلوك " على حذف الباء، أي: بأن يضلوك، ففي محلها ~~الخلاف المشهور، و " من " في " من شيء " زائدة، و " شيء " ~~يراد به المصدر، أي: وما يضرونك ضررا قليلا، ولا كثيرا. # فصل # هذا قول للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لولا أن خصك الله ~~بالنبوة والرحمة، " لهمت طائفة ": لقد همت طائفة، أي: ~~أضمرت طائفة منهم، يعني: قوم طعمة، " أن يضلوك " أي: ~~يخطئوك في الحكم، ويلبسوا عليك الأمر؛ حتى تدافع عن طعمة، ~~{ وما يضلون إلا أنفسهم } يعني: يرجع وباله عليهم، { ~~وما يضرونك من شيء } فيه وجهان: # الأول: قال القفال - رحمه الله تعالى - وما يضرونك في ~~المستقبل، فوعده - تعالى - بإدامة العصمة لما يريدون من ~~إيقاعه في الباطل. # الثاني: المعنى: أنهم وإن سعوا في إلقائك فأنت ما وقعت ~~في الباطل: لأنك بنيت الأمر على ظاهر الحال، وأنت ما أمرت إلا ~~ببناء الأحكام على الظاهر. # ثم قال: { وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة } وهذا مؤكد لذلك الوعد إن ~~فسرنا قوله: { وما يضرونك من شيء } بالوعد والعصمة ~~في المستقبل، يعني: لما أنزل عليك الكتاب والحكمة، وأمر بتبليغ ~~الشريعة إلى الخلق، فكيف يليق بحكمته ألا يعصمك عن ~~الوقوع في الشبهات، وإن فسرنا الآية بأنه - عليه الصلاة ~~والسلام - كان معذورا في بناء الحكم على الظاهر، كان المعنى: ~~وأنزل عليك الكتاب والحكمة، وأوجب فيها بناء أحكام [الشرع] على ~~الظاهر، فكيف يضرك بناء الأمر على الظاهر. # قال القرطبي: قوله [تعالى]: { وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة } ~~ابتداء كلام. # وقيل: " الواو " للحال؛ كقوله " جئتك والشمس طالعة " ، والكلام ~~متصل، أي: [ما يضرونك من شيء ms2785 مع إنزال الله عليك] ~~القرآن، " والحكمة ": القضاء بالوحي. # ثم قال: { وعلمك ما لم تكن تعلم }. # قال القفال: هذه الآية تحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون المراد [ما يتعلق] بالدين؛ كما قال: # ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان # [الشورى: 52] فيكون تقدير الآية: أنزل عليك الكتاب والحكمة، ~~وأطلعك على أسرارها، مع أنك قبل ذلك لم تكن عالما بشيء ~~منهما، فكذلك يفعل بك في مستأنف أيامك، لا يقدر أحد من ~~المنافقين على إضلالك. # الثاني: أن المراد: وعلمك ما لم تكن تعلم من أخبار الأولين؛ ~~فكذلك يعلمك من حيل المنافقين ووجوه كيدهم، ما تقدر ~~[به] على الاحتراز عن كيدهم ومكرهم. # { وكان فضل الله عليك عظيما }. وهذا يدل على أن ~~العلم أشرف الفضائل والمناقب؛ لأن الله - تعالى - ما أعطى ~~الخلق من العلم إلا القليل؛ لقوله - تعالى -: # ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا # [الإسراء: 85] ثم إنه سمى ذلك القليل عظيما، وسمى جميع ~~الدنيا قليلا، لقوله [- تعالى -]: # قل متاع الدنيا قليل # [النساء: 77] وذلك يدل على شرف العلم. ### || [4.114] # قال الواحدي: النجوى في اللغة سر بين اثنين، يقال: ~~ناجيت الرجل مناجاة ونجاء، ويقال: نجوت الرجل أنجو ~~بمعنى: ناجيته، والنجوى قد تكون مصدرا بمنزلة ~~المناجاة، قال - تعالى -: # ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم # [المجادلة: 7] وقد يطلق على الأشخاص مجازا، قال - تعالى -: # وإذ هم نجوى # [الإسراء: 47] ومعناها: المسارة، ولا تكون إلا من اثنين ~~فأكثر. # وقال الزجاج: [النجوى] ما تفرد به الاثنان فأكثر، سرا ~~كان أو ظاهرا. # وقيل: النجوى جمع نجي؛ نقله الكرماني، والنجوى مشتقة من ~~نجوت الشيء، أنجوه، إذا خلصته وأفردته، والنجوة ~~المرتفع من الأرض؛ لانفراده بارتفاعه عما حوله. # فصل فيمن المقصود بالآية؟ # والمراد بالآية: قوم طعمة. # وقال مجاهد: الآية عامة في حق جميع الناس، والنجوى: هي ~~الإسرار في التدبير. # وقيل: النجوى: ما ينفرد بتدبيره قوم، سرا كان أو ~~علانية، ومعنى الآية: لا خير في كثير مما يدبرونه ~~بينهم، إلا من أمر بصدقة، أو معروف، أو إصلاح بين ~~الناس فالاستثناء يكون متصلا، وقيل: هو استثناء منقطع ~~بمعنى: لكن ms2786 من أمر بصدقة، وهذان القولان مبنيان على أن النجوى ~~يجوز أن يراد بها: المصدر كالدعوى؛ فتكون بمعنى: التناجي، وأن ~~يراد بها: القوم المتناجون إطلاقا للمصدر على الواقع منه ~~مجازا، نحو: " رجل عدل وصوم ". فعلى الأول يكون منقطعا؛ ~~لأن من أمر ليس تناجيا؛ فكأنه قيل: لكن من أمر بصدقة، ~~ففي نجواه الخير، والكوفيون يقدرون المنقطع ب " بل " ، وجعل ~~بعضهم الاستثناء متصلا، وإن أريد بالنجوى: المصدر، وذلك على ~~حذف مضاف؛ كأنه قيل: إلا نجوى من أمر وعلى هذا يجوز في ~~محل " من " وجهان: # أحدهما: الخفض بدل من " نجواهم "؛ كما تقول: " ما مررت بأحد ~~إلا زيد ". # والثاني: النصب على الاستثناء [كما تقول: ما جاءني أحد إلا ~~زيد، على الاستثناء؛] لأن هذا استثناء الجنس من الجنس وإن ~~جعلنا النجوى بمعنى: المتناجين، كان متصلا، وقد عرفت ~~مما تقدم أن المنقطع منصوب أبدا في لغة الحجاز، وأن بني ~~تميم يجرونه مجرى المتصل، بشرط توجه العامل عليه، وأن ~~الكلام إذا كان نفيا أو شبهه، جاز في المستثنى الإتباع بدلا، ~~وهو المختار، والنصب على أصل الاستثناء، فقوله " إلا من أمر ~~": إما منصوب على الاستثناء المنقطع، إن جعلته منقطعا ~~في لغة الحجاز، أو على أصل الاستثناء إن جعلته متصلا، وإما ~~مجرور على البدل من " كثير " ، أو من " نجواهم " ، أو صفة ~~لأحدهما؛ كما تقول: " لا تمر بجماعة من القوم إلا زيد " إن [شئت] ~~جعلت زيدا تابعا للجماعة أو للقوم، ولم يجعله الزمخشري ~~تابعا إلا " لكثير " قال: إلا نجوى من أمر، على أنه ~~مجرور بدل من " كثير "؛ كما تقول: " لا خير في قيامهم إلا ~~قيام زيد " وفي التنظير بالمثال نظر لا تخفى مباينته للآية، هذا ~~كله إن جعلنا الاستثناء متصلا بالتأويلين المذكورين، أو ~~منقطعا على لغة تميم، وتلخص فيه ستة أوجه: النصب على ~~الانقطاع في لغة الحجاز، أو على أصل الاستثناء، والجر على البدل ~~من " كثير " ، أو من " نجواهم " ، أو على الصفة لأحدهما. # و " من نجواهم " متعلق بمحذوف؛ لأنه صفة ل " كثير " في ~~محل جر. # فصل # إنما ذكر - تعالى - هذه الأقسام ms2787 الثلاثة؛ لأن عمل الخير، ~~إما أن يكون بإيصال المنفعة، أو بدفع المضرة، وإيصال ~~الخير: # إما أن يكون من الخيرات الجسمانية، وهو إعطاء المال، ~~وإليه الإشارة بقوله: { إلا من أمر بصدقة }. # وإما أن يكون من الخيرات الروحانية، وإليه الإشارة بقوله: " ~~أو معروف ". # وإما إزالة الضرر وإليه الإشارة بقوله: { أو إصلاح بين ~~الناس }. # قوله " بين " يجوز أن يكون منصوبا بنفس إصلاح، تقول: ~~أصلحت بين القوم، قال - تعالى -: # فأصلحوا بين أخويكم # [الحجرات:10]، وأن يتعلق بمحذوف على أنه صفة لإصلاح. # [و] قوله: { ومن يفعل ذلك } أي: هذه الأشياء، { ابتغاء ~~مرضات الله } أي: طلب رضاه، و " ابتغاء " مفعول من أجله، ~~وألف " مرضات " عن واو، وقد تقدم تحقيقه. # فإن قيل: كيف قال: { إلا من أمر } ثم قال: { ومن يفعل ~~ذلك }. # فالجواب: أنه ذكر الأمر بالخير، ليدل به على فاعله؛ لأن ~~الآمر بالخير لما دخل في زمرة الخيرين، فبأن يدخل فاعل ~~الخير فيهم أولى، ويجوز أن يراد: ومن يأمر بذلك، فعبر عن الأمر ~~بالفعل؛ لأن الأمر أيضا فعل من الأفعال. # ثم قال: " فسوف يؤتيه " بالياء نظرا إلى الاسم الظاهر في قوله: " ~~مرضات الله " ، وقرئ بالنون؛ نظرا لقوله بعد: " نوله، ~~ونصله " وهو أوقع للتعظيم. ### || [4.115-116] # تقدم في آل عمران أن المضارع المجزوم، والأمر من نحو: " لم ~~يردد " و " رد " يجوز فيه الإدغام وتركه، على تفصيل في ذلك ~~وما فيه من اللغات وتقدم الكلام في المشاقة والشقاق في ~~البقرة، وكذلك حكم الهاء في قوله: " نؤته " و " نصله ". # وهذه الآية [نزلت] في طعمة بن أبيرق، وذلك أنه لما ظهرت ~~عليه السرقة، خاف على نفسه من قطع اليد والفضيحة، فهرب ~~مرتدا إلى مكة. # فقال - تعالى -: { ومن يشاقق الرسول } أي: يخالفه، { من ~~بعد ما تبين له الهدى }: من التوحيد والحدود، { ويتبع ~~غير سبيل المؤمنين } أي: غير طريق المؤمنين، { [نوله ] ~~ما تولى } أي: نكله [في الآخرة] إلى ما تولى في الدنيا { ~~ونصله جهنم وسآءت مصيرا } فانتصب مصيرا على ~~التمييز؛ كقولهم: " فلان طاب نفسا ". # روي أن طعمة نزل على رجل من بني سليم من ms2788 أهل مكة، يقال له: ~~الحجاج بن علاط، فنقب [بيت الحجاج، ليسرقه،] فسقط عليه ~~حجر فلم يستطع أن يدخل، ولا أن يخرج، فأخذ ليقتل، فقال ~~بعضهم: دعوه، فقد لجأ إليكم، فتركوه، وأخرجوه من مكة، ~~فخرج مع تجار من قضاعة نحو الشام، فنزلوا منزلا، فسرق ~~بعض متاعهم وهرب، فطلبوه، وأخذوه ورموه بالحجارة؛ حتى ~~قتلوه، فصار قبره تلك الحجارة، وقيل: إنه ركب سفينة إلى جدة، ~~فسرق فيها كيسا فيه دنانير فأخذ، وألقي في البحر، وقيل: إنه ~~نزل في حرة بني سليم، وكان يعبد صنما لهم إلى أن مات، فأنزل ~~الله - تعالى -: { إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء ومن يشرك بالله ~~فقد ضل ضلالا بعيدا } أي: ذهب عن الطريق، وحرم ~~الخير كله. # وقال الضحاك عن ابن عباس: إن هذه الآية نزلت في شيخ من ~~الأعراب، جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا نبي ~~الله، إني شيخ منهمك في الذنوب، إلا أني لم أشرك ~~بالله شيئا منذ عرفته وآمنت به، ولم أتخذ من دونه وليا، ~~ولم أواقع المعاصي جرأة على الله، وما توهمت طرفة عين ~~أني أعجز الله هربا، وإني لنادم تائب، مستغفر، فما ~~حالي؟ فأنزل الله هذه الآية. # فصل في استدلال الشافعي رضي الله عنه بهذه الآية على حجية الاجماع # روي أن الشافعي - رضي الله عنه - سئل عن آية في كتاب ~~الله - تعالى - تدل على أن الإجماع حجة، فقرأ القرآن ~~ثلاثمائة مرة، حتى وجد هذه الآية، وتقرير الاستدلال، أن ~~اتباع غير سبيل المؤمنين حرام [فوجب أن يكون اتباع سبيل ~~المؤمنين واجبا] بيان المقدمة الأولى: أنه - تعالى - ألحق الوعيد ~~بمن يشاقق الرسول، ويتبع غير سبيل المؤمنين، ولو لم يكن ~~ذلك موجبا، لكان ذلك ضما لما لا أثر له في الوعيد إلى ما هو ~~مستقل باقتضاء ذلك الوعيد، وإنه غير جائز، وإذا كان ~~اتباع غير سبيل المؤمنين حراما، لزم أن يكون اتباع سبيل ~~المؤمنين واجبا، وإذا كان عدم اتباعهم حراما، كان اتباعهم ~~واجبا، لأنه لا خروج ms2789 عن طرفي النقيض. # فإن قيل: لا نسلم أن عدم اتباع سبيل المؤمنين، يصدق عليه ~~أنه اتباع لغير سبيل المؤمنين، فإنه [لا يمتنع ألا] يتبع ~~لا سبيل [المؤمنين] ولا غير سبيل المؤمنين. # الجواب: أن المتابعة عبارة عن الإتيان بمثل ما فعل الغير، ~~وإذا كان من شأن غير المؤمنين ألا يتبعوا سبيل المؤمنين، ~~فكل من لم يتبع سبيل المؤمنين، فقد أتى بمثل ما فعل غير ~~المؤمنين؛ فوجب كونه متبعا لهم. # ولقائل أن يقول: الاتباع ليس عبارة عن الإتيان بمثل فعل ~~الغير، وإلا لزم أن يقال: الأنبياء والملائكة يتبعون لآحاد ~~الخلق من حيث إنهم يوحدون الله [- تعالى -] لما أن كل ~~واحد من آحاد الأمة يوحد الله - تعالى -، ومعلوم أن ذلك لا ~~يقال، بل الاتباع عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير، لأجل ~~أنه فعل ذلك الغير، ومن كان كذلك فمن ترك متابعة سبيل المؤمنين؛ ~~لأجل أنه ما وجد على وجوب متابعتهم دليلا، فلا جرم لم ~~يتبعهم، فهذا شخص لا يكون متبعا لغير سبيل المؤمنين. # وقال ابن الخطيب: وهذا سؤال قوي على هذا الدليل، وفيه أبحاث ~~أخر دقيقة ذكرناها في كتاب المحصول. # فصل # قوله - تعالى -: { إن الله لا يغفر أن يشرك به } ~~الآية قد تقدم بيان سبب نزولها، والفائدة في تكرارها؛ أن ~~الله - تعالى - ما أعاد آية من آيات الوعيد بلفظ واحد ~~مرتين، وقد أعاد هذه الآية بلفظ واحد، وهي من آيات الوعد، ~~فدل ذلك على أنه - تعالى - خص جانب الوعد والرحمة بمزيد ~~التأكيد. # فإن قيل: لم ختم تلك الآية بقوله: " فقد افترى " وهذه بقوله: " ~~فقد ضل ". # فالجواب: أن ذلك في غاية المناسبة، فإن الأولى في شأن أهل ~~الكتاب من أنهم عندهم علم بصحة نبوته - عليه الصلاة والسلام ~~-، وأن شريعته ناسخة لجميع الشرائع، ومع ذلك فقد كابروا في ~~ذلك، فافتروا على الله - تعالى -، وهذه في شأن قوم مشركين غير ~~أهل كتاب ولا علم، فناسب وصفهم بالضلال، وايضا: فقد ~~تقدم ذكر الهدى، وهو ضد الضلال. ### || [4.117-121] # " إن " هنا معناها: النفي؛ كقوله - تعالى -: # وإن من أهل الكتاب ms2790 إلا ليؤمنن به قبل ~~موته # [النساء: 159] " ويدعون ": بمعنى: يعبدون، نزلت في أهل مكة، ~~أي: يعبدون، كقوله [- تعالى -]: # وقال ربكم ادعوني # [غافر: 60] فإن من عبد شيئا، فإنه يدعوه عند احتياجه ~~إليه، وقوله: " من دونه " أي: من دون الله. # قوله: " إلا إناثا ": في هذه اللفظة تسع قراءات. # المشهورة: وهي جمع أنثى، نحو: رباب جمع ربى. # والثانية: وبها قرأ الحسن: " أنثى " بالإفراد، والمراد به ~~الجمع. # والثالثة: - وبها قرأ ابن عباس، وأبو حيوة، وعطاء، والحسن ~~أيضا، ومعاذ القارئ، وأبو العالية، وأبو نهيك -: " إلا أنثا ~~" كرسل، وفيها ثلاثة أوجه: # أحدها: - [وبه] قال ابن جرير - أنه جمع " إناث "؛ كثمار وثمر، ~~وإناث جمع أنثى، فهو جمع الجمع، وهو شاذ عند النحويين. # والثاني: أنه جمع " أنيث " كقليب وقلب، وغدير وغدر، ~~والأنيث من الرجال: المخنث الضعيف، ومنه " سيف أنيث، ~~ومئناث، ومئناثة " أي: غير قاطع قال صخر: [الوافر] # 1877- فتخبره بأن العقل عندي # جراز لا أفل ولا أنيث # والثالث: أنه مفرد أي: يكون من الصفات التي جاءت على فعل، ~~نحو: امرأة حنث. # والرابعة: وبها قرأ سعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وأبو ~~الجوزاء - " وثنا " بفتح الواو والثاء على أنه مفرد يراد به ~~الجمع. # والخامسة - وبها قرأ سعيد بن المسيب، ومسلم بن جندب، وابن ~~عباس أيضا - " أثنا " بضم الهمزة والثاء، وفيها وجهان: # أظهرهما: أنه جمع وثن، نحو: " أسد وأسد " ثم قلب الواو همزة؛ ~~لضمها ضما لازما، والأصل: " وثن " ثم أثن. # والثاني: أن " وثنا " المفرد جمع على " وثان " نحو: جمل ~~وجمال، وجبل وجبال، ثم جمع " وثان " على " وثن " نحو: حمار ~~وحمر، ثم قلبت الواو همزة لما تقدم؛ فهو جمع الجمع. وقد رد ~~ابن عطية هذا الوجه بأن فعالا جمع كثرة، وجموع الكثرة لا ~~تجمع ثانيا، إنما يجمع من الجموع ما كان من جموع القلة. ~~وفيه مناقشة من حيث إن الجمع لا يجمع إلا شاذا، سواء ~~كان من جموع القلة، أم من غيرها. # والسادسة - وبها قرأ أيوب السختياني -: " وثنا " وهي أصل ~~القراءة التي قبلها. # والسابعة والثامنة: " أثنا ووثنا " بسكون الثاء مع ~~الهمزة والواو، وهي ms2791 تخفيف فعل؛ كسقف. # والتاسعة - وبها قرأ أبو السوار، وكذا وجدت في مصحف عائشة - ~~رضي الله عنها -: " إلا أوثانا " جمع " وثن " نحو: جمل ~~وأجمال، وجبل وأجبال. # فصل # وسميت أصنامهم إناثا؛ لأنهم كانوا يلبسونها أنواع الحلي، ~~ويسمونها بأسماء المؤنثات، نحو: اللات، والعزى، ومناة، وقد ~~رد هذا بعضهم بأنهم كانوا يسمون بأسماء الذكور، نحو: ~~هبل، وذي الخلصة، وفيه نظر؛ لأن الغالب تسميتهم بأسماء ~~الإناث، و " مريدا ": فعيل من " مرد " أي: تجرد للشر، ~~ومنه " شجرة مرداء " أي: تناثر ورقها، ومنه: الأمرد؛ لتجرد ~~وجهه من الشعر، والصرح الممرد: الذي لا يعلوه غبار من ~~ذلك فاللات: تأنيث الله والعزى: تأنيث العزيز. # قال الحسن: لم يكن حي من أحياء العرب إلا ولهم صنم ~~يعبدونه، ويسمى أنثى بني فلان، ويدل عليه قراءة عائشة. # وقال الضحاك: كان بعضهم يعبد الملائكة، وكانوا يقولون: ~~الملائكة بنات الله، قال - تعالى -: # الذين لا يؤمنون بالأخرة ليسمون الملائكة ~~تسمية الأنثى # [النجم: 27]. # وقال الحسن: قوله " إلا إناثا " أي: إلا موتا، وفي تسمية ~~الأموات إناثا وجهان: # الأول: إن الإخبار عن الموات يكون على صيغة الإخبار عن ~~الأنثى، تقول: هذه الأحجار تعجبني، كما تقول: هذه المرأة ~~تعجبني. # الثاني: الأنثى أخس من الذكر، والميت أخس من الحي، ~~فلهذه المناسبة أطلقوا اسم الأنثى على الجمادات الموات، ~~والمقصود هل إنسان أجهل ممن أشرك. # قوله: { وإن يدعون إلا شيطانا مريدا } فعيل من مرد ~~إذا عتا، ومنه: شجرة مرداء، أي: تناثر ورقها، ومنه: ~~الأمرد؛ لتجرد وجهه من الشعر، والصرح الممرد: الذي لا ~~يعلوه غبار، وقرأ أبو رجاء ويروى عن عاصم " تدعون " ~~بالخطاب. # فصل # قال المفسرون: كان [في] كل واحد من تلك الأوثان شيطان ~~يتراءى للسدنة والكهنة يكلمهم. # وقل الزجاج: المراد بالشيطان هاهنا: إبليس؛ لقوله - ~~تعالى -: بعد ذلك: { لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ~~}. # وهذا قول إبليس، ولا يبعد أن الذي يتراءى للسدنة، هو إبليس. # قوله: " لعنه الله " فيه وجهان: # أظهرهما: أن الجملة صفة ل " شيطانا " ، فهي في محل نصب. # والثاني: أنها مستأنفة: إما إخبار بذلك، وإما دعاء عليه، ~~وقوله: " وقال " فيه ثلاثة أوجه: ms2792 # قال الزمخشري: قوله لعنه " وقال لأتخذن " صفتان، ~~يعني: شيطانا مريدا جامعا بين لعنة الله، وهذا القول ~~الشنيع. # الثاني: الحال على إضمار " قد " أي: وقد قال. # الثالث: الاستئناف. و " لأتخذن " جواب قسم محذوف، و " من ~~عبادك " يجوز أن يتعلق بالفعل قبله، أو بمحذوف على أنه حال من " ~~نصيبا "؛ لأنه في الأصل صفة نكرة قدم عليها. # فصل # النصيب المفروض: أي: حظا معلوما، وهم الذين يتبعون ~~خطواته، والفرض في اللغة، التأثير، ومنه: فرض القوس للجزء ~~الذي يشد فيه الوتر، والفريضة: ما فرضه الله على عباده ~~حتما عليهم. # روي عنه النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من كل ألف واحد لله، والباقي للشيطان ". # فإن قيل: العقل والنقل يدلان على أن حزب الله أقل من ~~حزب الشيطان. # أما النقل: فقوله - تعالى -: # فشربوا منه إلا قليلا منهم # [البقرة: 249]، وحكي عن الشيطان قوله # لأحتنكن ذريته إلا قليلا # [الإسراء: 62]، وقوله: # ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم ~~المخلصين # [الحجر: 39، 40]، ولا شك أن المخلصين قليلون. # وأما العقل: فهو أن الفساق والكفار كلهم حزب إبليس. إذا ~~ثبت هذا، فلفظ النصيب إنما يتناول القسم الأول. # فالجواب: أن هذا التفاوت إنما يحصل في نوع من البشر، ~~أما إذا ضممت زمرة الملائكة مع غاية كثرتهم إلى ~~المؤمنين، كانت الغلبة للمؤمنين. # وأيضا: فالمؤمنون وإن كانوا قليلين في العدد، إلا أن ~~منصبهم عظيم عند الله، والكفار، والفساق وإن كانوا أكثر ~~في العدد، فهم كالعدم؛ فلهذا وقع اسم النصيب على قوم إبليس. # قوله: " ولأضلنهم " يعني: عن الحق، أو عن الهدى، وأراد ~~به: التزيين، وإلا فليس إليه من الإضلال شيء. # ولأمنينهم: بالباطل، ولآمرنهم: بالضلال، كذا قدره أبو ~~البقاء، والأحسن أن يقدر المحذوف، من جنس الملفوظ به، أي: ~~ولآمرنهم بالبتك، ولآمرنهم بالتغيير. # وقرأ أبو عمرو فيما نقل عنه ابن عطية: " ولأمرنهم " بغير ~~ألف، وهو قصر شاذ لا يقاس عليه، ويجوز ألا يقدر شيء من ~~ذلك؛ لأن القصد: الإخبار بوقوع هذه الأفعال من غير نظر ~~إلى متعلقاتها، نحو: # كلوا واشربوا # [الطور: 19]. # فصل # قالت المعتزلة: قوله: " ولأضلنهم " يدل على أصلين عظيمين: ms2793 # أحدهما: أن المضل هو الشيطان، وليس المضل هو الله - تعالى ~~-؛ لأن الشيطان ادعى ذلك، والله - سبحانه وتعالى - ما كذبه ~~فيه، فهو كقوله: # ولأغوينهم أجمعين # [الحجر: 39] وقوله: # لأحتنكن ذريته إلا قليلا # [الإسراء: 62] وقوله: # لأقعدن لهم صراطك المستقيم # [الأعراف: 16]، وأيضا: فإنه - تعالى - وصفه بكونه مضلا ~~[للناس] في معرض الذم له، وذلك يمنع من كون الإله موصوفا ~~بذلك. # [الثاني: أن أهل السنة يقولون: الإضلال عبارة عن خلق ~~الكفر والضلال، ونحن نقول: ليس الإضلال عبارة عن خلق ~~الكفر والضلال]؛ لأن إبليس وصف نفسه بأنه مضل، مع أنه ~~بالإجماع لا يقدر على خلق الضلال. # والجواب: أن هذا كلام إبليس، فلا يكون حجة، وأيضا: فكلامه في هذه ~~المسألة مضطرب جدا. فتارة يميل إلى القدر المحض، وهو ~~قوله: " لأغوينهم " وأخرى إلى الجبر المحض، وهو قوله: # رب بمآ أغويتني # [الحجر: 39] وتارة يظهر التردد فيهن حيث قال: # ربنا هؤلاء الذين أغوينآ أغويناهم كما ~~غوينا # [القصص:63] يعني: أنه قال هؤلاء الكفار: نحن أغوينا، فمن الذي ~~أغوانا عن الدين؟ فلا بد من انتهاء الكل في الآخرة إلى ~~الله. # قوله: " ولأمنينهم " قيل: أمنينهم ركوب الأهواء. # وقيل: أمنينهم إدراك الآخرة مع ركوب المعاصي. # قوله: { ولآمرنهم فليبتكن ءاذان الأنعام } أي: يقطعونها، ~~ويشقونها، وهي البحيرة، والبتك: القطع والشق، والبتكة: ~~القطعة من الشيء، جمعها: بتك، قال: [البسيط] # 1878- حتى إذا ما هوت كف الغلام لها # طارت وفي كفه من ريشها بتك # ومعنى ذلك: أن الجاهلية كانوا يشقون أذن الناقة إذا ولدت ~~خمسة أبطن، آخرها ذكر، وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها، ~~وقال آخرون: كانوا يقطعون آذان الأنعام نسكا في عبادة ~~الأوثان، ويظنون أن ذلك عبادة، مع أنه في نفسه كفر ~~وفسق. # قوله: { ولأمرنهم فليغيرن خلق الله } هذه ~~اللامات كلها للقسم. # قال ابن عباس: والحسن [ومجاهد] وسعيد بن جبير، وسعيد بن ~~المسيب والسدي، والضحاك، والنخعي: دين الله، كقوله # لا تبديل لخلق الله # [الروم: 30] أي: لدين الله، وفي تفسير هذا القول وجهان: # الأول: أن الله - تعالى - فطر الخلق على الإسلام يوم أخرجهم ~~من ظهر آدم كالذر، وأشهدهم على أنفسهم، ألست ms2794 بربكم؛ ~~قالوا بلى، فمن كفر به، فقد غير فطرة الله تعالى؛ يؤيده قوله ~~- عليه الصلاة والسلام - # " كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، وينصرانه، ~~ويمجسانه ". # والثاني: أن التغيير: تبديل الحلال حراما، والحرام حلالا. # وقال الحسن، وعكرمة، وجماعة من المفسرين: التغيير: ما روى عبد ~~الله [بن مسعود] عن النبي صلى الله عليه وسلم [أنه] قال: # " لعن الله الواشمات والمستوشمات ". # قالوا: لأن المرأة تتوصل بهذه الأفعال إلى الزنا، و # " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم النامصة والمتنمصة، ~~والواصلة والمتوصلة، والواشمة والمتوشمة ". # قال القرطبي، قال مالك، وجماعة: إن الوصل بكل شيء، من الصوف ~~والخرق وغير ذلك في معنى وصله بالشعر، وأجازه الليث بن ~~سعد، وأباح بعضهم وضع الشعر على الرأس من غير وصل، قالوا: ~~لأن النهي إنما جاء في الوصل، والمتنمصة: هي التي تقطع ~~الشعر من وجهها بالنماص، وهو الذي يقلع الشعر. # قال ابن العربي: وأهل مصر ينتفون شعر العانة، وهو منه، فإن ~~السنة حلق العانة، ونتف الإبط، فأما نتف الفرج فإنه ~~يرخيه ويؤذيه ويبطل كثيرا من المنفعة فيه. # وأما الواشمة والمستوشمة، فهي التي تغرز ظهر كفها ~~ومعصمها، ووجهها بإبرة، ثم يحشى ذلك المكان بالكحل أو ~~بالنؤر، فيخضر، وفي بعض الروايات " الواشية، والمستوشية " ~~بالياء مكان الميم، والوشي: التزين، مأخوذ من نسج الثوب ~~على لونين، وثور موشى: في وجهه وقوائمه سواد، وأما الوشم ~~فجائز في كل الأعضاء غير الوجه؛ لأن النبي - عليه الصلاة والسلام - # " نهى عن الضرب في الوجه وعن الوشم في الوجه " # ، وروي عن أنس، وشهر بن حوشب، وعكرمة، وأبي صالح: التغيير ~~ههنا هو الإخصاء، وقطع الآذان، وفقأ العيون؛ لأن فيه تعذيب ~~للحيوان، وتحريم وتحليل بغير دليل، والآذان في الأنعام جمال ~~ومنفعة، وكذلك غيرها من الأعضاء، فحرم عليهم الشيطان ما ~~أحله الله لهم، وأمرهم أن يشركوا بالله ما لم ينزل به ~~سلطانا، ولما كان هذا من فعل الشيطان، أمرنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن، ولا نضحي بعوراء، ولا ~~مقابلة، ولا مدابرة؛ ولهذا كان أنس يكره إخصاء الغنم، ms2795 وحرمه ~~بعضهم. # قال القرطبي: فأما خصاء الآدمي، فمصيبة، فإنه إذا خصي، ~~بطل قلبه وقوته، عكس الحيوان، وانقطع نسله المأمور به في ~~قوله - عليه الصلاة والسلام -: # " تناكحوا تناسلوا " # ثم إن فيه ألما عظيما، ربما يفضي بصاحبه إلى الهلاك، فيكون ~~[فيه] تضييع مال، وإذهاب نفس، وكل ذلك منهي عنه، ثم هذه ~~مثلة، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المثلة، ~~وجوز بعضهم في البهائم؛ لأن فيه غرضا، وكانت العرب إذا ~~بلغت إبل أحدهم ألفا عوروا عين فحلها. # وحكى الزجاج عن بعضهم: التغيير هو أن الله - تعالى - خلق ~~الأنعام للركوب والأكل، فحربوها، وخلق الشمس، والقمر، ~~والنجوم، والأحجار لمنفعة العباد، فعبدوها من دون الله. # وقيل: التغيير هو التخنث؛ وهو عبارة عن الذكر يشبه ~~الأنثى والسحق؛ عبارة عن تشبه الأنثى بالذكر. # ثم قال: { ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله } ~~أي: ربا يطيعه، { فقد خسر خسرانا مبينا } لأن طاعة الله ~~تعالى تفيد المنافع العظيمة، الدائمة، الخالصة عن شوائب ~~الضرر، وطاعة الشيطان تفيد المنافع القليلة، المنقطعة، ~~المشوبة بالغموم والأحزان، ويعمها العذاب الدائم، وهذا هو الخسار ~~المطلق. # قال أبو العباس المقري: ورد لفظ الخسران [قي القرآن] على ~~أربعة أوجه: # الأول: بمعنى الضلالة؛ كهذه الآية. # الثاني: بمعنى العجز؛ قال - تعالى -: # لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنآ إذا ~~لخاسرون # [يوسف: 14] أي: عاجزون ومثله: # لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون # [الأعراف: 90]. # الثالث: بمعنى الغبن؛ قال - تعالى -: # الذين خسروا أنفسهم # [المؤمنون: 103] أي: غبنوا أنفسهم. # الرابع: بمعنى: المخسرون؛ قال - تعالى -: # خسر الدنيا والأخرة ذلك هو الخسران [المبين] # [الحج: 11]. # قوله: " يعدهم ويمنيهم " ، قرئ: " يعدهم " بسكون ~~الدال تخفيفا؛ لتوالي الحركات، ومفعول الوعد محذوف، ~~أي: يعدهم الباطل أو السلامة والعافية ووعده وتمنيته: ما ~~يوقعه في قلب الإنسان من طول العمر، ونيل الدنيا، وقد يكون ~~بالتخويف بالفقر، فيمنعه من الإنفاق، وصلة الرحم؛ كما ~~قال - تعالى -: # الشيطان يعدكم الفقر # [البقرة: 268] و " يمنيهم " بأن لا بعث، ولا جنة، { وما ~~يعدهم الشيطان إلا غرورا } أي: باطلا؛ لأن تلك ~~الأماني لا تفيد إلا المغرور؛ وهو أن يظن الإنسان بالشيء ms2796 ~~أنه نافع لدينه، ثم يتبين اشتماله على أعظم المضار. # قوله " إلا غرورا " يحتمل أن يكون مفعولا ثانيا، وأن ~~يكون مفعولا من أجله، وأن يكون نعت مصدر محذوف، أي: وعدا ذا ~~غرور، وأن يكون مصدرا على غير الصدر؛ لأن " يعدهم " في ~~قوة يغرهم بوعده. # ف { أولئك مأواهم جهنم } " أولئك ": مبتدأ، و " ~~مأواهم ": مبتدأ ثان، و " جهنم ": خبر الثاني، [والجملة خبر ~~الأول] وإنما قال: " مأواهم جهنم "؛ لأن الغرور عبارة عن ~~الحالة التي يستحسن ظاهرها، ويحصل الندم عند ~~انكشاف الحال فيها، والاستغراق في طيبات الدنيا، وفي ~~معاصي الله - تعالى -، وإن كان في الحال لذيذ، إلا أن ~~عاقبته جهنم، وسخط الله [- تعالى -]، وهذا معنى الغرور. # ثم قال { ولا يجدون عنها محيصا } ، فقوله " عنها ": ~~يجوز أن يتعلق بمحذوف: # إما على الحال من " محيصا " لأنه في الأصل صفة نكرة ~~قدمت عليها، وإما على التبيين أي: أعني عنها، ولا يجوز ~~تعلقه بمحذوف؛ لأنه لا يتعدى ب " عن " ولا ب " محيصا " ، ~~وإن كان المعنى عليه لأن المصدر لا يتقدم معموله عليه، ~~ومن يجوز ذلك، يجوز تعلق " عن " به، والمحيص: اسم ~~مصدر من حاص يحيص: إذا خلص ونجا، وقيل: هو الزوغان بنفور، ~~ومنه قوله: [الطويل] # 1879- ولم ندر إن حصنا من الموت حيصة # كم العمر باق والمدى متطاول # ويروي: " جضنا " بالجيم والضاد المعجمة، ومنه: " وقعوا في حيص ~~بيص " ، وحاص باص، أي: وقعوا في أمر يعسر التخلص منه، ~~ويقال: محيص ومحاص، قال: [الكامل] # 1880- أتحيص من حكم المنية جاهدا # ما للرجال عن المنون محاص # ويقال: حاص يحوص حوصا وحياصا أي: زايل المكان الذي كان فيه، ~~والحوص: ضيق مؤخر العين، ومنه: الأحوص. # قال الواحدي: الآية تحتمل وجهين: # أحدهما: أنه لا بد لهم من ورود النار. # والثاني: الخلود الذي هو نصيب الكفار. # ولما فرغ من الوعيد، أتبعه بذكر الوعد. ### || [4.122] # يجوز في { والذين آمنوا }: وجهان: # الرفع على الابتداء، والخبر: " سندخلهم ". # والنصب على الاشتغال، أي: سندخل الذين آمنوا سندخلهم، ~~وقرئ: " سيدخلهم " بياء الغيبة. # واعلم: أنه - تعالى - في أكثر آيات الوعد ذكر { خالدين ~~فيهآ أبدا } ولو ms2797 كان الخلود يفيد التأبيد والدوام، لزم التكرار ~~وهو خلاف الأصل، فعلمنا أن الخلود عبارة عن طول المكث لا عن ~~الدوام، وأما في آيات الوعيد، فإنه يذكر الخلود، ولم يذكر ~~التأبيد إلا في حق الكفار، وذلك يدل على أن عقاب الفساق ~~منقطع. # قوله: { وعد الله حقا } هما مصدران، الأول مؤكد لنفسه؛ ~~كأنه قال وعد وعدا، وهو قوله: " سندخلهم " و " حقا ": مصدر ~~مؤكد لغيره، وهو قوله: " وعد الله " أي: حق ذلك حقا. # قوله: { ومن أصدق من الله قيلا } وهو توكيد ثالث، و " ~~قيلا ": نصب على التمييز، والقيل، والقول، والقال، ~~مصادر بمعنى واحد؛ ومنه قوله - تعالى -: # وقيله يرب # [الزخرف: 88]. # وقال ابن السكيت: القيل والقال: اسمان لا مصدران، وفائدة ~~هذه التوكيدات: معارضة ما ذكره الشيطان من المواعيد ~~الكاذبة والأماني الباطلة، والتنبيه على أن وعد الله أولى ~~بالقبول، وأحق بالتصديق من قول الشيطان. # وقرأ حمزة، والكسائي: بإشمام الصاد، وكل صاد ساكنة ~~بعدها دال في القرآن. ### || [4.123-124] # قرأ أبو جعفر المدني { [ليس] بأمانيكم ولا ~~أماني } بتخفيف الياء فيهما جميعا، واعلم: أن " ليس " فعل، ~~فلا بد من اسم يكون هو مسندا إليه، وفيه خلاف: # فقيل: يعود ضميرها على ملفوظ به، وقيل: يعود على ما دل ~~عليه اللفظ من الفعل وقيل: يدل عليه سبب الآية. # فأما عوده على ملفوظ به فقيل: هو الوعد المتقدم في ~~قوله: " وعد الله " وهذا اختيار الزمخشري؛ قال: " في ليس ضمير ~~وعد الله أي: ليس ينال ما وعد الله من الثواب بأمانيكم ولا ~~بأماني أهل الكتاب، والخطاب للمسلمين؛ لأنه لا يؤمن بوعد ~~الله إلا من آمن به ". # وأما عوده على ما يدل عليه اللفظ، فقيل: هو الإيمان ~~المفهوم من قوله: " والذين آمنوا " وهو قول الحسن، وعنه: " ليس ~~الإيمان بالتمني ". # وأما عوده على ما يدل عليه السبب، فقيل: يعود على مجاورة ~~المسلمين مع أهل الكتاب، وذلك أن بعضهم قال: " ديننا قبل ~~دينكم، ونبينا قبل نبيكم؛ فنحن أفضل " ، وقال المسلمون: " ~~كتابنا يقضي على كتابكم، ونبينا خاتم الأنبياء " فنزلت. # وقيل: يعود على الثواب والعقاب، أي: ليس الثواب ms2798 على ~~الحسنات، ولا العقاب على السيئات بأمانيكم. # وقيل: قالت اليهود # نحن أبناء الله وأحباؤه # [المائدة: 18]، ونحن أصحاب الجنة، وكذلك النصارى، وقالت كفار ~~قريش: لا نبعث؛ فنزلت، أي: ليس ما ادعيتموه يا كفار ~~قريش بأمانيكم. # وقرأ الحسن، وأبو جعفر، وشيبة بن نصاح، والحكم، والأعرج: " ~~أمانيكم " ، " ولا أماني " بالتخفيف كأنهم جمعوه على فعالل ~~دون فعاليل؛ كما قالوا: قرقور وقراقير وقراقر، والعرب تنقص من ~~فعاليل الياء، كما تزيدها في فعالل، نحو قوله: # 1881-............................ # ............... تنقاد الصياريف # فصل # قال مسروق، وقتادة، والضحاك: أراد: ليس بأمانيكم أيها ~~المسلمون ولا أماني أهل الكتاب، يعني: اليهود والنصارى؛ ~~وذلك أنهم افتخروا، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل ~~نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، فنحن أولى بالله منكم. # وقال المسلمون: نبينا خاتم الأنبياء، وكتابنا يقضي على ~~الكتب وقد آمنا بكتابكم، ولم تؤمنوا بكتابنا؛ فنحن أولى. # وقال مجاهد: الآية خطاب لعبدة الأوثان، يعني: مشركي أهل ~~مكة، وذلك أنهم قالوا: لا بعث ولا حساب، وقال أهل الكتاب: # لن تمسنا النار إلا أياما معدودة # [البقرة: 80]، و # لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى # [البقرة:111]، فأنزل الله الآية، وإنما الأمر بالعمل الصالح. # قوله: { من يعمل سوءا يجز به }: جملة مستأنفة مؤكدة ~~لحكم الجملة قبلها. # قالت المعتزلة: هذه الآية دالة على أنه [- تعالى -] لا يعفو ~~عن شيء من السيئات. # وليس لقائل أن يقول: هذا يشكل بالصغائر، فإنها مغفورة. # فالجواب عنه من وجهين: # الأول: أن العام بعد التخصيص حجة. # والثاني: أن صاحب الصغيرة قد حبط من ثواب طاعته بمقدار ~~عقاب تلك المعصية، فههنا قد وصل خبر تلك المعصية إليه. # وأجابوا بأنه لم لا يجوز أن يكون المراد من هذا الجزاء ما ~~يصل إلى الإنسان [في الدنيا] من الهموم والآلام والأسقام؛ ~~ويدل على ذلك قوله: # والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزآء بما ~~كسبا # [المائدة: 38] سمى القطع جزاء. # وروي: # " أنه لما نزلت هذه الآية قال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - ~~كيف الصلاح بعد هذه الآية؟، فقال - [عليه الصلاة والسلام] - غفر ~~الله لك يا أبا بكر، ألست تمرض؟ أليس تصيبك الآلام؟ ms2799 فهو ~~ما تجزون به ". # وعن عائشة - رضي الله عنها -[أن] # " رجلا لما قرأ هذه الآية. فقال: [إن كان] الجزاء بكل ما ~~نعمل، لقد هلكنا، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم كلامه؛ ~~فقال: يجزى المؤمن في الدنيا بمصيبة في جسده وما يؤذيه ~~". # وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: # " لما نزلت هذه الآية بكينا، وحزنا، وقلنا: يا رسول الله، ما ~~أبقت هذه [الآية] لنا شيئا، فقال - عليه الصلاة والسلام -: " أبشروا ~~فإنه لا يصيب أحدا منكم مصيبة في الدنيا، إلا جعلها ~~الله له كفارة؛ حتى الشوكة التي تقع في قدمه " ". # وأيضا: هب أن ذلك الجزاء إنما يصل إليهم يوم القيامة، لكن ~~لم لا يجوز أن يصل الجزاء بتنقيص ثواب إيمانه، وسائر ~~طاعاته؛ كقوله - تعالى -: # إن الحسنات يذهبن السيئات # [هود: 114]. # ولما روى الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، أنه قال: # " لما نزلت هذه الآية شقت على المؤمنين مشقة شديدة، ~~قالوا: يا رسول الله، وأينا لم يعمل سوءا، فكيف الجزاء؟ فقال - ~~عليه الصلاة والسلام -: إنه - تعالى - وعد على الطاعة عشر ~~حسنات، وعلى المعصية الواحدة عقوبة واحدة، فمن جوزي ~~بالسيئة، نقصت واحدة من عشرة، وبقيت له تسع حسنات، فويل ~~لمن غلب آحاده أعشاره ". # وأيضا: فهذه الآية إنما نزلت في الكفار؛ لقوله [- تعالى -] ~~بعدها: { ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى ~~وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة }. # فالمؤمن الذي أطاع الله سبعين سنة، ثم شرب قطرة من ~~الخمر، فهو مؤمن قد عمل الصالحات؛ فوجب القطع بأنه يدخل ~~الجنة. # وقولهم: خرج عن كونه مؤمنا، فهو باطل؛ للدلالة الدالة على أن ~~صاحب الكبيرة مؤمن؛ لقوله - تعالى -: # وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا # [الحجرات: 9] إلى قوله: # فإن بغت إحداهما على الأخرى # [الحجرات: 9] سمى الباغي حال كونه باغيا: مؤمنا، وقوله # يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في ~~القتلى # [البقرة: 178] سمى [قاتل العمد العدوان مؤمنا]، وقوله # يأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة ~~نصوحا # [التحريم: 8] سماه مؤمنا حال ما أمره بالتوبة، وإذا ثبت ~~أن صاحب الكبيرة مؤمن، كان قوله [- تعالى -] { ومن يعمل ms2800 ~~من الصالحات } حجة في أن المؤمن صاحب الكبيرة من أهل ~~الجنة؛ فوجب أن يكون قوله: { من يعمل سوءا يجز به } ~~مخصوصا بأهل الكفر. # وأيضا: فهب أن النص يعم المؤمن والكافر، لكن قوله: # ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء # [النساء: 48] أخص منه، والخاص مقدم على العام، والكلام على ~~العمومات قد تقدم في قوله: # بلى من كسب سيئة # [البقرة: 81]. # فصل في دلالة الآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة # دلت الآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الإسلام؛ لأن قوله - ~~تعالى -: { ومن يعمل سوءا } يتناول جميع المحرمات، ~~فيدخل فيه ما صدر عن الكفار مما هو محرم في دين الإسلام، ~~وقوله: " يجز به " يدل على وصول جزاء كل ذلك إليهم. # فإن قيل: لم [لا] يجوز أن يكون ذلك الجزاء، عبارة عما ~~يصل إليهم من الهموم والغموم في الدنيا. # فالجواب أنه لا بد وأن يصل جزاء أعمالهم الحسنة ~~إليهم في الآخرة، وإذا كان كذلك، اقتضى أن يكون تنعمهم ~~في الدنيا أكثر؛ ولذلك قال - عليه الصلاة والسلام - # " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر " # ؛ فامتنع القول بأن جزاء أفعالهم المحظورة تصل إليهم ~~في الدنيا؛ فوجب القول بوصول ذلك الجزاء [إليهم] في الآخرة. # فصل في شبهة المعتزلة وردها # قالت المعتزلة: دلت [هذه] الآية على أن العبد فاعل، وعلى ~~أنه بعمل السوء يستحق الجزاء، وإذا كان كذلك، دلت على ~~أن الله غير خالق لأفعال العباد من وجهين: # أحدهما: أنه لما كان عملا للعبد، امتنع كونه عملا لله؛ ~~لامتناع حصول مقدور واحد بقادرين. # والثاني: أنه لو حصل بخلق الله، لما استحق العبد جزاء ~~ألبتة، وذلك باطل؛ لأن الآية دلت على أن العبد يستحق ~~الجزاء على عمله، وقد تقدم الجواب عن هذا الاستدلال. # قوله: { ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا } ~~قرأ الجمهور بجزم " يجد " ، عطفا على جواب الشرط، وروي عن ابن عامر ~~رفعه، وهو على القطع عن النسق. ثم يحتمل أن يكون مستأنفا وأن يكون ~~حالا، كذا قيل، وفيه نظر من حيث إن المضارع المنفي ب " لا " لا ~~يقترن ms2801 بالواو إذا وقع حالا. # فصل في شبهة المعتزلة بنفي الشفاعة وردها # قالت المعتزلة: [دلت] الآية على نفي الشفاعة، وأجابوا ~~بوجهين: # أحدهما: أنا بينا أن هذه الآية في حق الكفار. # والثاني: أن شفاعة الأنبياء والملائكة في حق العصاة، ~~إنما تكون بإذن الله - تعالى -، وإذا كان كذلك، فلا ولي لأحد ~~ولا نصير، إلا الله - سبحانه وتعالى -. # قوله: { [ومن يعمل] من الصالحات من ذكر } " من " الأولى: للتبعيض؛ ~~لأن المكلف لا يطيق عمل كل الصالحات. # وقال الطبري: " هي زائدة عند قوم " وفيه ضعف، لعدم ~~الشرطين، و " من " الثانية للتبيين، وأجاز أبو البقاء أن تكون ~~حالا، وفي صاحبها وجهان: # أحدهما: أنه الضمير المرفوع ب " يعمل ". # والثاني: أنه الصالحات، أي: الصالحات كائنة من ذكر أو أنثى، وقد ~~تقدم إيضاح هذا في قوله: # لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى # [آل عمران: 195] والكلام على " أو " أيضا، وقوله: " وهو مؤمن ~~" جملة حالية من فاعل " يعمل ". # [قوله " يدخلون " ] قرأ أبو عمرو، وابن كثير، وأبو بكر عن عاصم: ~~" يدخلون " هنا، وفي مريم، وأول غافر بضم حرف المضارعة، ~~وفتح الخاء مبنيا للمفعول، وانفرد ابن كثير وأبو بكر بثانية ~~غافر، وأبو عمرو بالتي في فاطر، والباقون: بفتح حرف ~~المضارعة، وضم الخاء مبنيا للفاعل، وذلك للتفنن في البلاغة. ~~والأول أحسن؛ لأنه أفخم، ولكونه موافقا لقوله: { ولا ~~يظلمون فتيلا }. # وأما القراءة الثانية: فهي مطابقة لقوله: # ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم # [الزخرف: 70]، ولقوله # ادخلوها بسلام # [الحجر: 46]. # والنقير: النقرة في ظهر النواة، منها تنبت النخلة، ~~والمعنى: أنهم لا ينقصون قدر منبت النواة. # فإن قيل: لم خص الله الصالحين بأنهم لا يظلمون، مع أن ~~غيرهم كذلك؛ كما قال: # وما ربك بظلام للعبيد # [فصلت: 46]، وقوله # وما الله يريد ظلما للعالمين # [آل عمران: 108]. # فالجواب: من وجهين: # الأول: أن يكون الراجع في قوله: " ولا يظلمون " عائدا إلى ~~عمال السوء، وعمال الصالحات جميعا. # والثاني: أن من لا ينقص من الثواب، أولى بأن لا يزيد في ~~العقاب. # روى الأعمش، عن أبي الضحى عن مسروق، قال: لما نزل { ~~ليس بأمانيكم ولا أماني ms2802 أهل الكتاب من ~~يعمل سوءا يجز به } قال أهل الكتاب: نحن وأنتم ~~سواء، فنزلت: { ومن يعمل من الصالحات } الآية، ونزل ~~أيضا: # ومن أحسن دينا ممن أسلم # [النساء: 125]. # فصل: صاحب الكبيرة لا يخلد في النار # وهذه الآية من أدل الدلائل على أن صاحب الكبيرة لا يخلد ~~[في النار] بل ينقل إلى الجنة؛ لأنا بينا أن صاحب الكبيرة ~~مؤمن، وإذا ثبت ذلك، وكان قد عمل الصالحات، وجب أن يدخل ~~الجنة، لهذه الآية، ولزم بحكم الآيات الدالة على وعيد ~~الفساق أن يدخل النار، فإما أن يدخل النار، ثم ينتقل ~~إلى النار، وذلك باطل بالإجماع، أو يدخل النار، ثم ينتقل إلى ~~الجنة، وذلك هو المطلوب. ### || [4.125] # لما شرط في حصول النجاة والفوز بالجنة كون الإنسان مؤمنا، ~~شرح ههنا الإيمان، وبين فضله من وجهين: # أحدهما: أنه الدين المشتمل على العبودية والانقياد لله - ~~تعالى -. # والثاني: أنه دين إبراهيم - عليه السلام -، وكل واحد من هذين ~~الوجهين سبب مستقل في الترغيب في دين الإسلام. # أما الأول: فإن دين الإسلام مبني على الاعتقاد والعمل. # أما الاعتقاد: فإليه الإشارة بقوله: { أسلم وجهه لله } لأن ~~الإسلام هو الانقياد، والاستسلام، والخضوع، وذكر الوجه؛ لأنه ~~أحسن الأعضاء الظاهرة، فإذا عرف ربه بقلبه، وأقر ~~بربوبيته، وبعبودية نفسه، فقد أسلم وجهه لله. # وأما العمل فإليه الإشارة بقوله: " وهو محسن " فيدخل فيه ~~فعل الحسنات وترك السيئات، فاحتوت هذه اللفظة على ~~جميع الأغراض، وفيها تنبيه على فساد طريقة من استعان ~~بغير الله؛ فإن المشركين يستعينون بالأصنام، ويقولون: ~~هؤلاء شفعاؤنا عند الله، والدهرية والطبيعيون ~~يستعينون بالأفلاك، [والكواكب]، والطبائع، وغيرها، واليهود ~~يستعينون في دفع عقاب الآخرة عنهم بكونهم من أولاد ~~الأنبياء، والنصارى يقولون: ثالث ثلاثة، وأما ~~المعتزلة: فهم في الحقيقة ما أسلمت وجوههم لله؛ لأنهم ~~يرون [أن] الطاعة الموجبة لثوابهم من أنفسهم، والمعصية ~~الموجبة لعقابهم من أنفسهم، فهم في الحقيقة لا يرجون إلا ~~أنفسهم، ولا يخافون إلا أنفسهم، وأهل السنة: فوضوا ~~التدبير، والتكوين والخلق، والإبداع إلى الله - تعالى -، ~~واعتقدوا أن لا موجد ولا مؤثر إلا الله [تعالى] فهم الذين ms2803 ~~أسلموا وجوههم لله. # وأما الوجه الثاني: وهو أن محمدا - عليه الصلاة والسلام - إنما ~~دعى الخلق إلى دين إبراهيم -[عليه الصلاة والسلام -، وإبراهيم - ~~عليه الصلاة والسلام -] إنما كان يدعو إلى الله - تعالى -، لا إلى ~~[عبادة] فلك ولا طاعة كوكب، ولا سجود لصنم، ولا ~~استعانة بطبيعة؛ بل كانت دعوته إلى الله - تعالى - كما قال: # إني بريء مما تشركون # [الأنعام: 78] ودعوة محمد - عليه الصلاة والسلام - كانت قريبة من ~~شرع إبراهيم - عليه السلام - في الختان، وفي الأعمال ~~المتعلقة بالكعبة؛ كالصلاة إليها، والطواف [والسعي] ~~والرمي، والوقوف، والحلق، والكلمات العشر المذكورة في ~~قوله: # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات # [البقرة: 124]. # وإذا ثبت أن شرع محمد - عليه الصلاة والسلام - كان قريبا من ~~شرع إبراهيم [ثم إن شرع إبراهيم] مقبول عند الكل لأن ~~العرب لا يفتخرون بشيء كافتخارهم بالانتساب إلى إبراهيم - ~~[عليه الصلاة والسلام] -، وأما اليهود والنصارى فلا شك في ~~كونهم مفتخرين به، وإذا ثبت هذا، لزم أن يكون شرع ~~محمد -[صلى الله عليه وسلم] - مقبولا عند الكل. # قوله: { ممن أسلم }: متعلق ب " أحسن " فهي " من " ~~الجارة للمفضول، و " لله " متعلق ب " أسلم " ، وأجاز أبو ~~البقاء أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من " وجهه " وفيه ~~نظر لا يخفى، " وهو محسن " ، حال من فاعل " أسلم ". # ومعنى { أسلم وجهه لله }: أخلص عمله لله، وقيل: فوض ~~أمره إلى الله، " وهو محسن " أي: موحد. و " اتبع " يجوز ~~أن يكون عطفا على " أسلم " وهو الظاهر، وأن يكون حالا ثانية من ~~فاعل " أسلم " بإضمار " قد " عند من يشترط ذلك، وقد تقدم ~~الكلام على " حنيفا " في البقرة، إلا أنه يجوز هنا أن يكون ~~حالا من فاعل " اتبع ". # فصل # " ملة إبراهيم " دين إبراهيم، " حنيفا " أي: مسلما مخلصا. # فإن قيل ظاهر هذه الآية يقتضي أن شرع محمد - عليه الصلاة ~~والسلام - نفس شرع إبراهيم، وعلى هذا لم يكن لمحمد - عليه ~~الصلاة والسلام - شريعة مستقلة، وأنتم لا تقولون بذلك. # فالجواب: أن شريعة محمد - عليه الصلاة والسلام - تشبه أكثر ~~شريعة إبراهيم. # قال ابن عباس: ومن دين إبراهيم: الصلاة إلى الكعبة، والطواف ms2804 ~~بها، ومناسك الحج، وإنما خص بها إبراهيم - [عليه والصلاة ~~والسلام] -؛ لأنه كان مقبولا عند جميع الأمم، وقيل: إنه بعث ~~على ملة إبراهيم، وزيدت له أشياء. # قوله: { واتخذ الله إبراهيم خليلا } فيه وجهان وذلك ~~أن " اتخذ " إن عديناها لاثنين، كان مفعولا ثانيا، وإلا كان ~~حالا، وهذه الجملة عطف على الجملة الاستفهامية التي ~~معناها الخبر، نبهت على شرف المتبوع وأنه جدير بأن ~~يتبع لاصطفاء الله له بالخلة، ولا يجوز عطفها على ما ~~قبلها لعدم صلاحيتها صلة للموصول. # وجعلها الزمخشري جملة معترضة، قال: " فإن قلت ما محل ~~هذه الجملة؟ قلت: لا محل لها من الإعراب؛ لأنها من جمل ~~الاعتراضات، نحو ما يجيء في الشعر من قولهم: " والحوادث ~~جمة " فائدتها تأكيد وجوب اتباع ملته؛ لأن من بلغ من ~~الزلفى عند الله أن اتخذه خليلا، كان جديرا بأن يتبع " ~~فإن عنى بالاعتراض المصطلح عليه، فليس ثم اعتراض؛ إذ ~~الاعتراض بين متلازمين؛ كفعل وفاعل، ومبتدأ وخبر ~~وشرط وجزاء، وقسم وجواب، وإن عنى غير ذلك احتمل، إلا أن ~~تنظيره بقولهم: " والحوادث جمة " يشعر بالاعتراض ~~المصطلح عليه؛ فإن قولهم: " والحوادث جمة " ورد في ~~بيتين: # أحدهما: بين فعل وفاعل؛ كقوله: [الطويل] # 1822- وقد أدركتني والحوادث جمة # أسنة قوم لا ضعاف ولا عزل # والآخر يحتمل ذلك، على أن تكون الباء زائدة في الفاعل؛ كقوله: ~~[الطويل] # 1883- ألا هل أتاها والحوادث جمة # بأن امرأ القيس بن تملك بيقرا # ويحتمل أن يكون الفاعل ضميرا دل عليه السياق، أي: هل أتاها ~~الخبر بان امرأ القيس، فيكون اعتراضا بين الفعل ومعموله. # والخليل: مشتق من الخلة بالفتح، وهي الحاجة، أو من الخلة ~~بالضم، وهي المودة الخالصة. وسمي إبراهيم عليه الصلاة والسلام ~~خليلا أي: فقيرا إلى الله؛ لأنه لم يجعل فقره وفاقته ~~إلا إلى الله. # قال القرطبي: الخليل فعيل، بمعنى: فاعل؛ كالعليم، بمعنى: ~~عالم، وقيل: هو بمعنى المفعول؛ كالحبيب بمعنى: المحبوب، ~~وإبراهيم - عليه الصلاة والسلام - كان محبا لله، وكان محبوبا ~~لله. أو من الخلل. قال ثعلب: " سمي خليلا؛ لأن مودته ~~تتخلل القلب " وأنشد: [الخفيف] # 1884- قد تخللت مسلك الروح ms2805 مني # وبه سمي الخليل خليلا # وقال الراغب: " الخلة - أي بالفتح - الاختلال العارض ~~للنفس: إما لشهوتها لشيء، أو لحاجتها إليه، ولهذا فسر ~~الخلة بالحاجة، والخلة - أي بالضم -: المودة: إما لأنها ~~تتخلل النفس، أي: تتوسطها، وإما لأنها تخل النفس؛ ~~فتؤثر فيها تأثير السهم في الرمية، وإما لفرط الحاجة ~~إليها ". # وقال الزجاج: معنى الخليل: الذي ليس في محبته خلل، وقيل: ~~الخليل هو الذي يوافقك في خلالك. قال - عليه الصلاة والسلام -: # " تخلقوا بأخلاق الله " # فلما بلغ إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - في هذا الباب مبلغا لم ~~يبلغه أحد ممن تقدمه، لا جرم خصه الله بهذا الاسم. # قال الزمخشري: الخليل: [هو] الذي يسايرك في طريقك، من ~~الخل: وهو الطريق في الرمل، وهذا قريب من الذي قبله، وقيل: ~~الخليل: هو الذي يسد خللك كما تسد خلله، وهذا ضعيف؛ لأن ~~إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - لا يقال: إنه يسد الخلل. # وأما المفسرون: فقال الكلبي: عن أبي صالح، عن ابن عباس: كان ~~إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - أبا الضيفان، وكان منزله على ~~ظهر الطريق يضيف من مر به، فأصاب الناس سنة فحشروا إلى ~~باب إبراهيم يطلبون الطعام، وكانت الميرة له كل سنة من صديق ~~له ب " مصر " ، فبعث غلمانه بالإبل إلى خليله ب " مصر " ، فقال ~~خليله لغلمانه: لو كان إبراهيم إنما يريده لنفسه، لاحتملنا ~~ذلك له؛ فقد دخل علينا ما دخل على الناس من الشدة، فرجع ~~رسل إبراهيم - عليه السلام - فمروا ببطحاء [سهلة] فقالوا: لو ~~أنا حملنا من هذه البطحاء؛ ليرى الناس أنا قد جئنا بميرة، ~~فإنا نستحي أن نمر بهم، وإبلنا فارغة، فملأوا لتك الغرائر ~~سهلة ثم أتوا إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - فأعلموه [بذلك] ~~و[سارة نائمة]، فاهتم إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - لمكان ~~الناس ببابه، فغلبته عيناه فنام، واستيقظت سارة و[قد] ~~ارتفع النهار، فقالت: سبحان الله! ما جاء الغلمان؟ قالوا: ~~بلى، [قالت: فما جاؤا بشيء؟ قالوا: بلى،] فقامت إلى ~~الغرائر. # ففتحتها، [فإذا] هي ملأى بأجود دقيق حوار يكون، فأمرت ~~الخبازين، فخبزوا وأطعموا الناس، فاستيقظ إبراهيم، ~~فوجد ريح الطعام، فقال: يا سارة ms2806 من أين هذا؟ فقالت: من عند ~~خليلك المصري، فقال: هذا من عند خليلي الله، قال: ~~فيومئذ اتخذه [الله] خليلا. # وقال شهر بن حوشب: هبط ملك في صورة رجل، وذكر اسم الله ~~بصوت رخيم شجي، فقال إبراهيم - عليه السلام -: اذكره مرة ~~أخرى، فقال: لا أذكره مجانا، فقال: لك مالي كله، فذكره ~~الملك بصوت أشجى من الأول، فقال: اذكره مرة ثالثة ولك ~~أولادي، فقال الملك: أبشر، فإني ملك لا أحتاج إلى مالك ~~وولدك، وإنما كان المقصود امتحانك؛ فلما بذل المال ~~والولد على سماع ذكر الله [- تعالى -] لا جرم اتخذه الله ~~خليلا. # وروى طاوس، عن ابن عباس: أن جبريل - عليه السلام - والملائكة، ~~لما دخلوا على إبراهيم - عليه [الصلاة و] السلام - في صورة غلمان ~~حسان الوجوه، ظن الخليل - عليه السلام - أنهم أضيافه، وذبح ~~لهم عجلا سمينا، وقربه إليهم، وقال: كلوا على شرط أن ~~تسموا الله - تعالى - في أوله، وتحمدونه في آخره، فقال ~~جبريل: أنت خليل الله. # قال ابن الخطيب: وعندي فيه وجه آخر، ومعناه: إنما سمي ~~خليلا، لأن محبة الله تخللت في جميع قواه؛ فصار بحيث لا ~~يرى إلا الله، ولا يتحرك إلا لله، [ولا يسكن إلا لله]، ~~ولا يسمع إلا بالله، ولا يمشي إلا لله، فكان نور [جلال] الله ~~قد سرى في جميع قواه الجسمانية، وتخلل وغاص في ~~جواهرها، وتوغل في ماهياتها، ومثل هذا الإنسان يوصف بأنه ~~خليل، وإليه أشار - عليه الصلاة والسلام - بقوله [في دعائه]: # " اللهم اجعل في قلبي نورا، [وفي سمعي نورا]، وفي بصري ~~نورا، وفي عصبي نورا ". # فصل # قال بعض النصارى: لما جاز إطلاق اسم الخليل على إنسان معين ~~على سبيل الإعزاز والتشريف فلم لا يجوز إطلاق الابن في حق ~~عيسى - عليه السلام - على سبيل الإعزاز والتشريف؟ # وجوابهم: أن الفرق بينهما: بأن الخليل عبارة عن المحبة ~~المفرطة، وذلك لا يقتضي الجنسية، وأما الابن: فإنه ~~يشعر بالجنسية، وجل الإله عن مجانسة الممكنات، ~~ومشابهة المحدثات. ### || [4.126] # في تعلق الآية بما قبلها وجوه: # أحدها: [أن المعنى] أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا لاحتياجه ms2807 ~~إليه في شيء كخلة الآدميين، وكيف يعقل ذلك، وله ملك ~~السموات والأرض، وإنما اتخذه خليلا لمحض الكرم. # وثانيها: أنه - تعالى - ذكر من أول السورة إلى هذا الموضع ~~أنواعا كثيرة من الأمر والنهي، والوعد والوعيد، وذكر في هذه ~~الآية أنه إله المحدثات، وموجد الكائنات، ومن كان ملكا ~~مطاعا، وجب على كل عاقل أن يخضع لتكاليفه، وينقاد لأمره. # وثالثها: أنه - تعالى - لما ذكر الوعد والوعيد، ولا يمكن ~~الوفاء بهما إلا بأمرين: # أحدهما: القدرة التامة [المتعلقة] بجميع الكائنات ~~والممكنات. # والثاني: [العلم] المتعلق بجميع الجزئيات والكليات؛ حتى لا ~~يشتبه عليه المطيع، والعاصي، والمحسن والمسيء؛ فدل على ~~كمال قدرته بقوله: { ولله ما في السماوات وما في ~~الأرض } ، وعلى كمال علمه بقوله: { وكان الله بكل ~~شيء محيطا }. # ورابعها: أنه - تعالى - لما وصف إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - ~~بأنه خليله، بين أنه مع هذه الخلة عبد له، وذلك أن له ~~ما في السموات وما في الأرض، ونظيره قوله تعالى: # إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن ~~عبدا # [مريم: 93] ويجري مجرى قوله: # لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا ~~الملائكة المقربون # [النساء: 172] يعني: أن الملائكة مع كمالهم في صفة القدرة، ~~والقوة في صفة العلم والحكمة، لم يستنكفوا عن عبادة ~~الله؛ كذا ههنا، يعني: إذا كان كل من في السموات والأرض ملكه ~~في تسخيره، فكيف يعقل أن يقال: إن اتخاذ الله إبراهيم ~~خليلا، يخرجه عن عبودية الله. # فصل # إنما قال: { ما في السماوات وما في الأرض } ولم يقل " من ~~" لأنه ذهب به مذهب الجنس، والذي يعقل إذا ذكر وأريد به ~~الجنس، ذكر ب " ما ". # قوله: { وكان الله بكل شيء محيطا } فيه وجهان: # أحدهما: المراد منه: الإحاطة في العلم. # والثاني: الإحاطة بالقدرة؛ كقوله: # وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها # [الفتح: 21]. # قال القائلون بهذا القول: وليس لقائل أن يقول: لما دل ~~قوله: { ولله ما في السماوات وما في الأرض } على كمال ~~القدرة، لزم التكرار؛ لأنا نقول إن قوله { ولله ما في ~~السماوات وما في الأرض } [لا يفيد ms2808 ظاهره] إلا كونه قادرا ~~على ما يكون خارجا عنهما، ومغايرا [لهما]، فلما قال: { ~~وكان الله بكل شيء محيطا } دل ذلك على كونه ~~قادرا على ما لا نهاية له من المقدورات خارج هذه السموات ~~والأرض. ### || [4.127] # أي: يستخبرونك في النساء. # قال الواحدي - رحمه الله -: الاستفتاء: طلب الفتوى، يقال: ~~استفتيت الرجل في المسألة؛ فأفتاني إفتاءا وفتيا ~~وفتوى، [وهما] اسمان وضعا موضع الإفتاء، ويقال: أفتيت ~~فلانا في رؤيا رآها إذا عبرها، قال - تعالى -: # يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات # [يوسف: 46]، ومعنى: أفتنا: إظهار المشكل، وأصله: من الفتى: وهو ~~الشاب القوي، فالمعنى: كأنه يقوى بفتيانه، والمشكل إذا ~~زال إشكاله ببيانه ما أشكل، يصير قويا فتيا. # واعلم: أن عادة الله في ترتيب هذا الكتاب الكريم، أن ~~يذكر الأحكام، ثم يذكر عقيبه آيات الوعد والوعيد، ~~والترغيب والترهيب، ويخلط بها آيات دالة على كبرياء الله - ~~تعالى - وجلال قدرته، ثم يعود إلى بيان الأحكام، وهذا أحسن ~~أنواع الترتيب، وأقوى تأثيرا في القلوب؛ لأن التكليف ~~بالأعمال الشاقة لا يقع موقع القبول، إلا إذا اقترن ~~بالوعد والوعيد، وذلك لا يؤثر إلا عند القطع بغاية كمال ~~من صدر عنه الوعد والوعيد. # قوله [تعالى]: { قل الله يفتيكم فيهن } الآية اعلم: أن ~~الاستفتاء لا يقع عن ذوات النساء، وإنما يقع عن حالة من ~~أحوالهن، وصفة من صفاتهن، وتلك الحالة غير مذكورة في الآية، ~~فكانت مجملة غير دالة على الأمر الذي وقع عنه الاستفتاء. # فصل في سبب نزول الآية # قال القرطبي: هذه الآية نزلت بسبب قوم من الصحابة، سألوا عن ~~أمر النساء وأحكامهن في الميراث وغير ذلك، فأمر الله ~~نبيه - عليه الصلاة والسلام - أن يقول لهم: { الله يفتيكم ~~فيهن } أي: يبين لكم حكم ما سألتم عنه، وهذه الآية رجوع ~~إلى ما افتتحت به السورة من أمر النساء، وكان قد بقيت ~~لهم أحكام لم يعرفوها، فسألوا؛ فقيل لهم: [إن] الله يفتيكم ~~فيهن. # [وروي عن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل فلا ~~يجيب حتى ينزل عليه الوحي، وذلك في كتاب الله: ms2809 { ويستفتونك ~~في النسآء قل الله يفتيكم فيهن } ] # ويسألونك عن اليتامى # [البقرة: 220] # يسألونك عن الخمر والميسر # [البقرة: 219] # ويسألونك عن الجبال # [طه: 105] و # يسألونك ماذآ أحل لهم # [المائدة: 4]. # " وما يتلى ": فيه سبعة أوجه، وذلك أن موضع " ما " يحتمل أن ~~يكون رفعا، أو نصبا، أو جرا، فالرفع من ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون مرفوعا، عطفا على الضمير المستكن في " يفتيكم ~~" العائد على الله - تعالى -، وجاز ذلك للفصل بالمفعول والجار ~~والمجرور، مع أن الفصل بأحدهما كاف. # والثاني: أنه معطوف على لفظ الجلالة فقط؛ ذكره أبو البقاء ~~وغيره، وفيه نظر؛ لأنه: إما أن يجعل من عطف مفرد على ~~مفرد، فكان يجب أن يثنى الخبر، وإن توسط بين ~~المتعاطفين، فيقال: " يفتيانكم " ، إلا أن ذلك لا يجوز، ~~ومن ادعى جوازه، يحتاج إلى سماع من العرب، فيقال: " زيد ~~قائمان وعمرو " ، ومثل هذا لا يجوز، وإما أن يجعل من عطف ~~الجمل، بمعنى: أن خبر الثاني محذوف، أي: وما يتلى ~~عليكم، يفتيكم، فيكون هذا هو الوجه الثالث - وقد ذكروه - ~~فيلزم التكرار. # والثالث من أوجه الرفع: أنه رفع بالابتداء، وفي الخبر ~~احتمالان: # أحدهما: أنه الجار بعده، وهو " في الكتاب " والمراد ب " ما ~~يتلى " القرآن، وب " الكتاب ": اللوح المحفوظ، وتكون هذه الجملة ~~معترضة بين البدل والمبدل منه، على ما سيأتي بيانه، وفائدة ~~الإخبار بذلك: تعظيم المتلو، ورفع شأنه؛ كقوله: # وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم # [الزخرف: 4]. # والاحتمال الثاني: أن الخبر محذوف، أي: والمتلو عليكم في ~~الكتاب يفتيكم، أو يبين لكم أحكامهن. # وذلك المتلو في الكتاب هو قوله: # وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى # [النساء: 3] وحاصل الكلام: أنهم قد سألوا عن أحوال كثيرة من ~~أحوال النساء، فما كان منها غير مبين الحكم، ذكر أن ~~الله يفتيهم فيها، وما كان فيها مبين الحكم في الآيات ~~المتقدمة، ذكر أن تلك الآيات المتلوة تفتيهم فيها، وجعل ~~دلالة الكتاب على الحكم إفتاء من الكتاب؛ كما يقال في المجاز ~~المشهور: كتاب الله يبين لنا هذا الحكم، وكلام الزمخشري ~~يحتمل جميع الأوجه، فإنه قال: " ما يتلى " في محل ms2810 الرفع، أي: ~~الله يفتيكم، والمتلو في الكتاب في معنى: اليتامى، يعني ~~قوله: # وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى # [النساء: 3]. وهو من قولك: " أعجبني زيد وكرمه " انتهى، ~~يعني: أنه من باب التجريد؛ إذ المقصود الإخبار بإعجاب كرم ~~زيد، وإنما ذكر زيد؛ ليفيد هذا المعنى الخاص لذلك ~~المقصود أن الذي يفتيهم هو المتلو في الكتاب، وذكرت ~~الجلالة للمعنى المشار، وقد تقدم تحقيق التجريد في أول ~~البقرة، عند قوله: # يخادعون الله # [البقرة: 9]. # والجر من وجهين: # أحدهما: أن تكون الواو للقسم، وأقسم الله بالمتلو في شأن ~~النساء؛ تعظيما له، كأنه قيل: وأقسم بما يتلى عليكم في ~~الكتاب؛ ذكره الزمخشري. # والثاني: أنه عطف على الضمير المجرور ب " في " أي: يفتيكم ~~فيهن وفيما يتلى، وهذا منقول عن محمد بن أبي موسى، قال: " ~~أفتاهم الله فيما سألوا عنه، وفيما لم يسألوا " ، إلا أن هذا ~~ضعيف من حيث الصناعة؛ لأنه عطف على الضمير المجرور من غير ~~إعادة الجار؛ وهو رأي الكوفيين، وقد تقدم مذاهب الناس فيه ~~عند قوله: # وكفر به والمسجد الحرام # [البقرة: 217]. # قال الزمخشري: " ليس بسديد أن يعطف على المجرور في " ~~فيهن "؛ لاختلاله من حيث اللفظ والمعنى " وهذا سبقه إليه ~~أبو إسحاق. # قال [الزجاج]: وهذا بعيد بالنسبة إلى اللفظ وإلى المعنى: ~~أما اللفظ؛ فإنه يقتضي عطف المظهر على المضمر، وأما ~~المعنى: فلأنه ليس المراد أن الله يفتيكم في شأن ما ~~يتلى عليكم في الكتاب، وذلك غير جائز؛ كما لم يجز في قوله # تسآءلون به والأرحام # [النساء: 1] يعني: من غير إعادة الجار. # وقد أجاب أبو حيان عما رد به الزمخشري والزجاج؛ بأن ~~التقدير: يفتيكم في متلوهن، وفيما يتلى عليكم في ~~الكتاب في يتامى النساء، وحذف لدلالة قوله: { وما يتلى ~~عليكم } ، وإضافة " متلو " إلى ضمير " هن " سائغة، إذ ~~الإضافة إليهن، كقوله: # مكر الليل والنهار # [سبأ: 33] لما كان المكر يقع فيهما، صحت إضافته إليهما، ~~ومثله قول الآخر: [الطويل] # 1885- إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة # سهيل أذاعت غزلها في الغرائب # [قال شهاب الدين]: وفي هذا الجواب نظر. # والنصب بإضمار فعل، أي: ويبين ms2811 لكم ما يتلى [عليكم]؛ لأن " ~~يفتيكم " بمعنى يبين لكم، واختار أبو حيان وجه الجر على ~~العطف على الضمير، مختارا لمذهب الكوفيين قال: لأن الأوجه ~~كلها تؤدي إلى التأكيد، وأما وجه العطف على الضمير ~~[المجرور]، فيجعله تأسيسا، قال: " وإذا دار الأمر بينهما؛ ~~فالتأسيس أولى " ، وفي إفراد هذا الوجه بالتأسيس دون ~~بقية الأوجه نظر لا يخفى. # قوله: " في الكتاب " يجوز فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه متعلق ب " يتلى ". # والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من الضمير ~~المستكن في " يتلى ". # والثالث: أنه خبر " ما يتلى " على الوجه الصائر إلى أن " ~~ما يتلى " مبتدأ، فيتعلق بمحذوف أيضا، إلا أن محله على ~~هذا الوجه رفع، وعلى ما قبله نصب. قوله: { في يتامى النسآء ~~} فيه خمسة أوجه: # أحدها: أنه بدل من " الكتاب " وهو بدل اشتمال، ولا بد من ~~حذف مضاف، أي: في حكم يتامى، ولا شك أن الكتاب مشتمل على ~~ذكر أحكامهن. # والثاني: أن يتعلق ب " يتلى ". # فإن قيل: كيف يجوز تعلق حرفي جر بلفظ واحد، ومعنى واحد؟ # فالجواب أن معناهما مختلف، لأن الأولى للظرفية على بابها، ~~والثانية بمعنى الباء، للسببية مجازا، أو حقيقة عند من يقول ~~بالاشتراك. # وقال أبو البقاء: كما تقول: " جئتك في يوم الجمعة في أمر ~~زيد ". # والثالث: أنه بدل من " فيهن " بإعادة العامل، ويكون هذا بدل ~~بعض من كل. # قال الزمخشري: " فإن قلت: بم تعلق قوله: " في يتامى ~~النساء؟ " قلت: في الوجه الأول هو صلة " يتلى " أي: يتلى ~~عليكم في معناهن، ويجوز أن يكون " في يتامى " بدلا من " ~~فيهن " ، وأما في الوجهين الأخيرين فبدل لا غير " انتهى، ~~يعني بالوجه الأول: أن يكون " ما يتلى " مرفوع المحل. # قال أبو حيان: " أما ما أجازه في وجه الرفع من كونه صلة " يتلى " ~~فلا يجوز إلا أن يكون بدلا من " في الكتاب " أو تكون " في ~~" للسببية، لئلا يتعلق حرفا جر بلفظ واحد، ومعنى واحد، بعامل ~~واحد، وهو ممتنع إلا في البدل والعطف، وأما تجويزه أن يكون ~~بدلا من " فيهن " فالظاهر أنه لا يجوز؛ للفصل بين ms2812 البدل ~~والمبدل منه بالمعطوف، ويصير هذا نظير قولك: " زيد يقيم في ~~الدار، وعمرو في كسر منها " ففصلت بين " في الدار " ~~وبين " في كسر " ب " عمرو " ، والمعهود في مثل هذا التركيب: " ~~زيد يقيم في الدار في كسر منها وعمرو ". # الرابع: أن يتعلق بنفس الكتاب أي: فيما كتب في حكم اليتامى. # الخامس: أنه حال فيتعلق بمحذوف، وصاحب الحال هو المرفوع ب ~~" يتلى " أي: كائنا في حكم يتامى النساء، وإضافة " يتامى " ~~إلى النساء من باب إضافة الخاص إلى العام؛ لأنهن ينقسمن إلى ~~يتامى وغيرهن. # وقال الكوفيون: هو من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ إذا الأصل: في ~~النساء اليتامى كقولك: يوم الجمعة وحق اليقين، وهذا عند البصريين ~~لا يجوز، ويؤولون ما ورد من ذلك؛ ولأن الصفة والموصوف شيء ~~واحد، وإضافة الشيء إلى نفسه محال. # وقال الزمخشري: فإن قلت: إضافة اليتامى إلى النساء ما ~~هي؟ قلت: هي إضافة، بمعنى: " من " نحو: سحق عمامة. # قال أبو حيان: " والذي ذكره النحويون من ذلك [إنما هو] إضافة ~~الشيء إلى جنسه، نحو: " خاتم حديد " ويجوز الفصل: إما ~~بإتباع، نحو: " خاتم حديد " ، أو تنصبه تمييزا، نحو: " خاتم ~~حديدا " ، أو بجره ب " من " نحو: خاتم من حديد " ، قال: " ~~والظاهر أن إضافة " سحق عمامة " و " يتامى النساء " بمعنى: ~~اللام، ومعنى اللام: الاختصاص ". وهذا الرد ليس بشيء، فإنهم ~~ذكروا [في] ضابط الإضافة التي بمعنى " من " أن تكون إضافة ~~جزء إلى كل، بشرط صدق اسم الكل على البعض، ولا شك أن " ~~يتامى " بعض من النساء، والنساء يصدق عليهن، ~~وتحرزنا بقولنا: " بشرط صدق الكل على البعض " من نحو: " يد ~~زيد " فإن زيدا لا يصدق على اليد وحدها. # وقال أبو البقاء: { في يتامى النساء } [أي:] في اليتامى منهن " ~~وهذا تفسير معنى لا إعراب. # والجمهور على " يتامى " جمع: يتيمة. # وقرأ أبو عبد الله المدني: " ييامى " بياءين من تحت، وخرجه ~~ابن جني: على أن الأصل " أيامى " فأبدل من الهمزة ياء، كما ~~قالوا: " فلان ابن أعصر ويعصر " ، والهمزة أصل، سمي ~~بذلك لقوله: [الكامل] # 1886- أبني إن أباك غير لونه # كر الليالي ms2813 واختلاف الأعصر # وهم يبدلون الهمزة من الياء، كقولهم: " قطع الله أده " ~~يريدون: يده، فلذلك يبدلون منها الياء، و " أيامى ": جمع " ~~أيم " بوزن: فيعل، ثم كسر على أيايم، كسيد وسيايد، ثم ~~قلبت اللام إلى موضع العين، والعين إلى موضع اللام، ~~فصار اللفظ " أيامى " ثم قلبت الكسرة فتحة؛ لخفتها، فتحركت ~~الياء وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا؛ فصار: " أيامى " فوزنه ~~فيالع. # وقال أبو الفتح أيضا: ولو قيل إنه كسر أيم على فعلى، ~~كسكرى، ثم كسر ثانيا على " أيامى " لكان وجها حسنا، وسيأتي ~~تحقيق هذه اللفظة [إن شاء الله تعالى] عند قوله: # وأنكحوا الأيامى منكم # [النور: 32]. # وقرئ: " ما كتب الله لهن " بتسمية الفاعل. # فصل في سبب نزول الآية # ذكروا في سبب نزول الآية قولين: # الأول: أن العرب كانت لا تورث النساء والصبيان شيئا من ~~الميراث؛ كما ذكرنا في أول السورة، فنزلت هذه الآية في ~~توريثهم، قال ابن عباس: يريد ما فرض لهن من الميراث. # الثاني: أن الآية نزلت في توفية الصداق لهن، وكانت اليتيمة ~~تكون عند الرجل، فإن كانت جميلة ومال إليها، تزوج بها ~~وأكل مالها، وإن كانت ذميمة، منعها الأزواج حتى تموت، فأنزل ~~الله هذه الآية. # قوله: " وترغبون " فيه أوجه: # أحدها: - وهو الظاهر - أنه معطوف على الصلة، عطف جملة ~~مثبتة على جملة منفية، أي: اللاتي لا تؤتونهن، واللاتي ~~ترغبون أن تنكحوهن؛ كقولك: " جاء الذي لا يبخل، ويكرم ~~الضيفان ". # والثاني: أنه معطوف على الفعل المنفي ب " لا " أي: لا ~~تؤتونهن ولا ترغبون. # والثالث: أنه حال من فاعل " تؤتونهن " أي: لا تؤتونهن، وأنتم ~~راغبون في نكاحهن، ذكر هذين الوجهين أبو البقاء، وفيهما ~~نظر: أما الأول: فلخلاف الظاهر، وأما الثاني: فلأنه مضارع ~~فلا تدخل عليه الواو إلا بتأويل لا حاجة لنا به ههنا. # و " أن تنكحوهن " على حذف حرف الجر، ففيه الخلاف ~~المشهور: أهي في محل نصب أم جر؟ واختلف في تقدير حرف الجر. # فقيل: هو " في " أي: ترغبون في نكاحهن؛ لقبحهن وفقرهن، ~~وكان الأولياء كذلك: إن رأوها جميلة موسرة، تزوجها وليها، ~~وإلا رغب عنها، والقول ms2814 الأول مروي عن عائشة وطائفة ~~كبيرة. # قال أبو عبيدة: هذه الآية [تحتمل] الرغبة والنفرة. # فإن حملته على الرغبة، كان المعنى: وترغبون أن تنكحوهن. # وإن حملته على النفرة، كان المعنى: وترغبون عن أن تنكحوهن؛ ~~لدمامتهن. # فإن قيل: إن النحاة ذكروا أن حرف الجر يجوز حذفه باطراد مع " ~~أن " و " أن " بشرط أمن اللبس، يعني: أن يكون الحرف ~~متعينا، نحو: " عجبت أن تقوم " أي: من أن تقوم، بخلاف " ملت ~~إلى أن تقوم " أو " عن أن تقوم " والآية من هذا القبيل. # فالجواب: أن المعنيين هنا صالحان؛ يدل عليه ما ذكرت لك من ~~سبب النزول، فصار كل من الحرفين مرادا على سبيل البدل. # فصل مذهب الأحناف فيمن له ولاية الإجبار # استدل الحنفية بهذه الآية، على أنه يجوز لغير الأب والجد ~~تزويج الصغيرة، ولا حجة لهم فيها؛ لاحتمال أن يكون المراد: ~~وترغبون أن تنكحوهن إذا بلغن، ويدل على صحة قولنا: # " إن قدامة بن مظعون زوج ابنة أخيه عثمان بن مظعون من ~~عبد الله بن عمر، فخطبها المغيرة بن شعبة، ورغب أمها في ~~المال، فجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال قدامة: أنا ~~عمها ووصي أبيها، فقال النبي - عليه الصلاة والسلام -: ~~إنها صغيرة ولا تزوج إلا بإذنها " # وفرق بينها وبين ابن عمر، وليس في الآية أكثر من رغبة ~~الأولياء في نكاح اليتيمة، وذلك لا يدل على الجواز. # [قوله: " والمستضعفين " فيه ثلاثة أوجه: # أظهرها: - أنه معطوف على " يتامى النساء " أي: ما يتلى ~~عليكم في يتامى النساء وفي المستضعفين، والذي تلي ~~عليهم فيهم قوله: # يوصيكم الله في أولادكم # [النساء: 11]، وذلك أنهم كانوا يقولون: لا نورث إلا من ~~يحمي الحوزة، ويذب عن الحرم، فيحرمون المرأة ~~والصغير؛ فنزلت]. # { والمستضعفين من الولدان } وهم الصغار، أن تعطوهم ~~حقوقهم؛ لأنهم كانوا لا يورثون الصغار، يريد ما يتلى عليكم ~~في باب " اليتامى " من قوله: # وآتوا اليتامى أموالهم # [النساء: 2]، يعني: إعطاء حقوق الصغار. # والثاني: أنه في محل جر، عطفا على الضمير في " فيهن "؛ ~~وهذا رأي كوفي. # والثالث: أنه منصوب عطفا على موضع " فيهن ms2815 " أي: ويبين حال ~~المستضعفين. # قال أبو البقاء: " وهذا التقدير يدخل في مذهب البصريين ~~من غير كلفة " يعني: أنه خير من مذهب الكوفيين، حيث ~~يعطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار. # قوله: " وأن تقوموا " فيه خمسة أوجه: # الثلاثة المتقدمة قبله، فيكون هو كذلك لعطفه على ما قبله، ~~والمتلو عليهم في هذا المعنى قوله: # ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم # [النساء: 2]. # والرابع: النصب بإضمار فعل. # قال الزمخشري: " ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار " ~~يأمركم " ، بمعنى: ويأمركم أن تقوموا، وهو خطاب للأئمة بأن ~~ينظروا إليهم، ويستوفوا لهم حقوقهم، ولا يدعوا أحدا ~~يهتضم جانبهم " ، فهذا الوجه من النصب غير الوجه ~~المذكور قبله. # والخامس: أنه مبتدأ، وخبره محذوف، أي: وقيامكم لليتامى ~~بالقسط خير لكم، وأول الأوجه أوجه، والمعنى: أن تقوموا ~~لليتامى بالقسط، أي: بالعدل في مهورهن، ومواريثهن. # ثم قال: { وما تفعلوا من خير فإن الله كان به ~~عليما } يجازيكم به. ### || [4.128] # وقوله: " وإن امرأة ": " امرأة " فاعل بفعل مضمر واجب ~~الإضمار، وهذه من باب الاشتغال، ولا يجوز رفعها بالابتداء، ~~لأن أداة الشرط لا يليها إلا الفعل عند جمهور ~~البصريين، خلافا للأخفش، والكوفيين، والتقدير: " وإن خافت ~~امرأة خافت " ، ونحوه: # وإن أحد من المشركين استجارك # [التوبة: 6]، واستدل البصريون على مذهبهم: بأن الفعل قد جاء ~~مجزوما بعد الاسم الواقع بعد أداة الشرط في قول عدي: ~~[الخفيف] # 1887- ومتى واغل ينبهم يحيو # ه وتعطف عليه كأس الساقي # قال بعضهم: خافت، أي: علمت، وقيل: ظنت. قال ابن الخطيب: ولا ~~حاجة لترك الظاهر؛ لأن الخوف إنما يكون عند ظهور أمارات ~~[تدل عليه] من جهة الزوج، إما قولية أو فعلية. # قوله " من بعلها " يجوز أن يتعلق ب " خافت " وهو ~~الظاهر، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من: " نشوزا " إذ هو ~~في الأصل صفة نكرة، فلما قدم عليها، تعذر جعله صفة، ~~فنصب حالا، و " فلا " جواب الشرط، والبعل: يطلق على ~~الزوج، وعلى السيد. # قوله " أن يصلحا " قرأ الكوفيون: " يصلحا " من أصلح، وباقي ~~السبعة " يصالحا " بتشديد الصاد بعدها ألف، وقرأ عثمان البتي ~~والجحدري: " يصلحا " بتشديد الصاد من ms2816 غير ألف، وعبيدة ~~السلماني: " يصالحا " بضم الياء، وتخفيف الصاد، وبعدها ~~ألف من المفاعلة، وابن مسعود، والأعمش: " أن اصالحا ". # فأما قراءة الكوفيين فواضحة. # وقراءة باقي السبعة، أصلها: " يتصالحا " ، فأريد الإدغام ~~تخفيفا؛ فأبدلت التاء صادا وأدغمت، كقوله: " اداركوا ". ~~وأما قراءة عثمان، فأصلها: " يصطلحا " فخفف بإبدال ~~الطاء المبدلة من تاء الافتعال صادا، وإدغامها فيما ~~بعدها. # وقال أبو البقاء: " وأصله: " يصتلحا " فأبدلت التاء صادا ~~وأدغمت فيها الأولى " وهذا ليس بجيد، لأن تاء الافتعال ~~يجب قلبها طاء بعد الأحرف الأربعة؛ كما تقدم تحقيقه في ~~البقرة، فلا حاجة إلى تقديرها تاء؛ لأنه لو لفظ بالفعل ~~مظهرا لم يلفظ فيه بالتاء إلا بيانا لأصله. # وأما قراءة عبيدة فواضحة؛ لأنها من المصالحة. # وأما قراءة: " يصطلحا " فأوضح، ولم يختلف في " صلحا " ~~مع اختلافهم في فعله. # وفي نصبه أوجه: # فإنه على قراءة الكوفيين: يحتمل أن يكون مصدرا، وناصبه: ~~إما الفعل المتقدم وهو مصدر على حذف الزوائد، وبعضهم ~~يعبر عنه بأنه اسم مصدر كالعطاء والنبات، وإما فعل ~~مقدر أي: فيصلح حالهما صلحا. وفي المفعول على هذين ~~التقديرين وجهان: # أحدهما: أنه " بينهما " اتسع في الظرف فجعل مفعولا ~~به. # والثاني: أنه محذوف و " بينهما " ظرف أو حال من " صلحا " فإنه ~~صفة له في الأصل، ويحتمل أن يكون نصب " صلحا " على ~~المفعول به، إن جعلته اسما للشيء المصطلح عليه؛ كالعطاء ~~بمعنى: المعطى، والثبات بمعنى: المثبت. # وأما على بقية القراءات: فيجوز أن يكون مصدرا على أحد ~~التقديرين المتقدمين: أعني: كونه اسم المصدر، أو كونه على حذف ~~الزوائد، فيكون واقعا موقع " تصالحا، أو اصطلاحا، أو ~~مصالحة " حسب القراءات المتقدمة، ويجوز أن يكون منصوبا ~~على إسقاط حرف الجر، أي: بصلح، أي: بشيء يقع بسبب ~~المصالحة، إذا جعلناه اسما للشيء المصطلح عليه. # والحاصل أنه في بقية القراءات ينتفي عنه وجه المفعول به ~~المذكور في قراءة الكوفيين، وتبقى الأوجه الباقية ~~جائزة في سائر القراءات. # قوله: " والصلح خير ": مبتدأ وخبر، وهذه الجملة قال الزمخشري ~~فيها وفي التي بعدها: " إنهما اعتراض " ولم يبين ذلك، وكأنه يريد ~~أن قوله: " وإن يتفرقا " معطوف ms2817 على قوله: " فلا جناح " ~~فجاءت الجملتان بينهما اعتراضا؛ هكذا قال أبو حيان. # قال شهاب الدين: وفيه نظر، فإن بعدهما جملا أخر، فكان ينبغي أن ~~يقول الزمخشري في الجميع: إنها اعتراض، ولا يخص: " ~~والصلح خير " ، وأحضرت الأنفس [الشح] بذلك، وإنما يريد ~~الزمخشري بذلك: الاعتراض بين قوله: " وإن امرأة " وقوله: " ~~وإن تحسنوا " فإنهما شرطان متعاطفان، ويدل عليه ~~تفسيره له بما يفيد هذا المعنى، فإنه قال: " وإن تحسنوا ~~بالأقامة على نسائكم، وإن كرهتموهن وأحببتم غيرهن، وتتقوا ~~النشوز والإعراض " انتهى. # فصل # والألف واللام في الصلح يجوز أن تكون للجنس، وأن تكون للعهد؛ ~~لتقدم ذكره، نحو: # فعصى فرعون الرسول # [المزمل: 16]. # فعلى الأول وهو أنه مفرد محلى بالألف واللام فهل يفيد ~~العموم، أم لا؟ فإن قلنا: يفيد العموم؛ فإذا حصل هناك ~~معهود سابق، فهل يحمل على العموم، أم على المعهود ~~السابق؟ [و] الأولى: حمله على المعهود السابق، لأنا إنما ~~حملناه على الاستغراق ضرورة أنا لو لم نقل ذلك لخرج عن ~~الإفادة، وصار مجملا، فإذا حصل معهود سابق، اندفع هذا ~~المحذور، فوجب حمله عليه. # وإذا عرفت هذه المقدمة: فمن حمله على المعهود السابق، ~~قال: الصلح بين الزوجين خير من الفرقة، ومن حمله على ~~الاستغراق، تمسك به في أن الصلح على الإنكار جائز، وهم ~~الحنفية و " خير ": يحتمل أن تكون للتفضيل على بابها، ~~والمفضل عليه محذوف، فقيل: تقديره: من النشوز، والإعراض، ~~وقيل: خير من الفرقة، والتقدير الأول أولى؛ للدلالة ~~اللفظية، ويحتمل أن تكون صفة مجردة، أي: والصلح خير ~~من الخيور؛ كما أن الخصومة شر من الشرور. # فصل في سبب نزول الآية # هذه الآية نزلت في عمرة ويقال: خولة بنت محمد بن مسلمة، وفي ~~زوجها سعد ابن الربيع، ويقال: رافع بن خديج تزوجها وهي ~~شابة، فلما علاها الكبر، تزوج عليها امرأة شابة، فآثرها ~~عليها، وجفا ابنه محمد بن مسلمة، فأتت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فشكت ذلك إليه، فنزلت الآية. # وقيل: نزلت في سودة بنت زمعة، حين أراد النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يطلقها، فالتمست أن يمسكها ms2818 وتجعل نوبتها ~~لعائشة، فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يطلقها. # وروي عن عائشة، أنها قالت: نزلت في المرأة تكون عند الرجل، ~~ويريد أن يستبدل [بها] غيرها، فتقول: أمسكني، وتزوج ~~بغيري، وأنت في حل من النفقة [والقسم]. # وقال سعيد بن جبير: نزلت في أبي السائب، كان له امرأة قد ~~كبرت، وله منها أولاد، فأراد أن يطلقها ويتزوج بغيرها، ~~فقالت: لا تطلقني، ودعني على ولدي، فاقسم لي من كل ~~شهرين إن شئت، وإن شئت فلا تقسم لي، فقال: إن كان يصلح ~~ذلك؛ فهو أحب إلي، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ~~ذلك. فأنزل الله { وإن امرأة خافت } أي: علمت قيل: وظنت، وقيل: ~~مجرد الخوف عند [ظهور] أمارات النشوز، وهو البغض ~~والشقاق، من النشز: وهو ما ارتفع عن الأرض. # قال الكلبي: نشوز الرجل: ترك مجامعتها، وإعراضه بوجهه ~~عنها، وقلة مجالستها، { فلا جناح عليهما } أي: على الزوج ~~والمرأة أن يتصالحا، والصلح إنما يحصل في شيء يكون حقا ~~له، وحق المرأة على الزوج: إما المهر، أو النفقة، أو القسم. ~~فهذه الثلاثة هي التي تقدر المرأة على طلبها من الزوج، شاء أم ~~أبى، وأما الوطء فلا يجبر عليه إلا في بعض الصور، وإذا كان ~~كذلك، فإذا بذلت المرأة ما تسحقه، أو بعضه للزوج، وتصالحا ~~على ذلك جاز، فإن رضيت، كانت هي المحسنة، ولا تجبر على ~~ذلك، وإن لم ترض، كان على الزوج أن يوفيها حقها من القسم ~~والنفقة [أو يسرحها بإحسان، فإن أمسكها ووفاها حقها مع ~~كراهيته، فهو المحسن. # وروى سليمان بن يسار، عن ابن عباس: فإن صالحته عن بعض ~~حقها من القسم والنفقة،] فذلك جائز ما رضيت، فإن أنكرت بعد ~~الصلح، فذلك لها، ولها حقها. # ثم قال: " والصلح خير " [يعني: إقامتها] بعد تخييره ~~إياها، والمصالحة على ترك بعض حقها، خير من الفرقة. # كما روي أن سودة كانت امرأة كبيرة، أراد النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن يفارقها، فقالت: لا تطلقني، وكفاني أن أبعث في ~~نسائك، وقد جعلت نوبتي لعائشة، فأمسكها رسول ms2819 الله صلى ~~الله عليه وسلم، وكان يقسم لعائشة يومها ويوم سودة. # فصل # قال - تعالى -: { فلا جناح عليهمآ أن يصلحا } ، وذلك ~~يوهم أنه رخصة، والغاية فيه: ارتفاع الإثم، فبين - تعالى - ~~أن هذا الصلح كما أنه لا جناح فيه ولا إثم، ففيه خير عظيم. # قوله: { وأحضرت الأنفس الشح } " حضر " يتعدى إلى ~~مفعول، واكتسب بالهمزة مفعولا ثانيا، فلما بني للمفعول، قام ~~أحدهما مقام الفاعل، فانتصب الآخر، والقائم مقام الفاعل هنا يحتمل ~~وجهين: # أظهرهما - وهو المشهور من مذاهب النحاة -: أنه الأول وهو " ~~الأنفس " فإنه الفاعل في الأصل، إذ الأصل: " حضرت الأنفس ~~الشح ". # والثاني: أنه المفعول الثاني، والأصل: وحضر الشح الأنفس، ثم ~~أحضر الله الشح الأنفس، فلما بني الفعل للمفعول أقيم ~~الثاني - وهو الأنفس - مقام الفاعل، فأخر الأول وبقي ~~منصوبا، وعلى هذا يجوز أن يقال: " أعطي درهم زيدا " و " ~~كسي جبة عمرا " ، والعكس هو المشهور كما تقدم، وكلام ~~الزمخشري يحتمل كون الثاني هو القائم مقام الفاعل؛ فإنه ~~قال: " ومعنى إحضار الأنفس الشح: أن الشح جعل حاضرا ~~لها، لا يغيب عنها أبدا ولا ينفك " يعني: أنها مطبوعة عليه، ~~فأسند الحضور إلى الشح كما ترى، ويحتمل أنه جعله من باب القلب، ~~فنسب الحضور إلى الشح، وهو في الحقيقة منسوب إلى الأنفس. وقرأ ~~العدوي: " الشح " بكسر الشين وهي لغة، والشح: البخل مع ~~حرص؛ فهو أخص من البخل. # قال القرطبي: وهذه الآية إخبار في كل أحد، وأن الإنسان لا بد ~~أن يشح بحكم خلقته، وجبلته، حتى يحمل صاحبه على بعض ما ~~يكره، ويقال: الشح: هو البخل، وحقيقته: الحرص على منع ~~الخير. والمراد به ههنا: شح كل واحد من الزوجين بنصيبه من ~~الآخر، فتشح المرأة: ببذل حقها، ويشح الزوج: بأن ~~ينقضي عمره معها مع دمامة وجهها، وكبر سنها، وعدم حصول ~~اللذة بمجالستها. # فصل # قال القرطبي: والشح: الضبط على المعتقدات والإرادة، وفي ~~الهمم والأموال، ونحو ذلك، فما أفرط منه على الدين، فهو محمود، ~~وما أفرط منه في غيره، ففيه بعض المذمة. وهو قوله - تعالى -: # ومن يوق شح نفسه # [التغابن: 16] الآية، وما ms2820 صار منه إلى حيز منع الحقوق ~~[الشرعية] أو التي تقتضيها المروءة، فهو البخل؛ [و] هي ~~رذيلة، وإذا آل البخل إلى هذه الأخلاق المذمومة، لم يبق ~~[معه] خير ولا صلاح. # روى الماوردي: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار: من سيدكم؟ ~~قالوا: الجد بن قيس على بخل فيهه؛ فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " وأي داء أدوى من البخل " قالوا: وكيف ذاك يا رسول ~~الله؟ قال: إن قوما نزلوا بساحل، فكرهوا لبخلهم نزول ~~الأضياف بهم، فقالوا: ليبعد [الرجال] منا عن النساء؛ حتى ~~يعتذر الرجال إلى الأضياف ببعد النساء، ويعتذر النساء ~~ببعد الرجال، ففعلوا وطال ذلك فيهم، فاشتغل الرجال ~~بالرجال، والنساء بالنساء ". # ثم قال: " وإن تحسنوا " أي: تصلحوا " وتتقوا ": الجور. # وقيل: هذا خطاب مع الأزواج، أي: وإن تحسنوا بالإقامة معها مع ~~الكراهة، وتتقوا ظلمها بالنشوز والإعراض. # وقيل [هو] خطاب لغيرهما، أي: تحسنوا في الصلح بينهما، ~~وتتقوا الميل إلى واحد منهما، فإن الله كان بما ~~تعملون خبيرا، فيجزيكم بأعمالكم. # حكى صاحب الكشاف: أن عمران بن حطان الخارجي كان من أذم ~~بني آدم، وامرأته من أجملهم، فنظرت إليه يوما، ثم قالت: ~~الحمد لله، فقال: ما لك؟ فقالت حمدت الله على أني ~~وإياك من أهل الجنة؛ لأنك رزقت مثلي، فشكرت، ورزقت ~~مثلك؛ فصبرت، وقد وعد الله بالجنة الشاكرين والصابرين. ### || [4.129-130] # وفيه قولان: # الأول: لن تقدروا في التسوية بينهن في ميل الطباع، ~~من الحب وميل القلب، وإذا لم تقدروا عليه، لم تكونوا ~~مكلفين به. # قالت المعتزلة: هذا يدل على أن تكليف ما لا يطاق، غير ~~واقع ولا جائز الوقوع، وقد تقدم إلزامهم في العلم والداعي، ~~وقد يجاب أيضا: بأنه - تعالى - إنما نفى الاستطاعة التي هي من ~~جهة المكلف، ولم ينف التكليف الذي هو من جهة الشارع، ~~فالآية لا تدل على نفي التكليف، وإنما تدل على نفي ~~استطاعة المكلف. # الثاني: لا يستطيعون التسوية بينهن في الأقوال والأفعال؛ لأن ~~التفاوت في الحب، يوجب التفاوت في نتائج الحب؛ لأن ~~الفعل بدون الداعي، [و] مع قيام الصارف محال. # ثم ms2821 قال: " فلا تميلوا " أي: إلى التي تحبونها، " كل ~~الميل " في القسمة، واللفظ والمعنى: أنكم لستم تحترزون ~~عن حصول التفاوت في الميل القلبي؛ لأن ذلك خارج عن ~~وسعكم، ولكنكم منهيون عن إظهار ذلك [التفاوت] في القول ~~والفعل. # " روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: [أنه] كان يقسم، ويقول: " ~~هذا قسمي فيما أملك، وأنت أعلم بما لا أملك " ". # قوله: " كل الميل ": نصب على المصدرية، وقد تقرر أن " كل " ~~بحسب ما تضاف إليه، إن أضيفت إلى مصدر - كانت مصدرا - أو ~~ظرف، أو غيره؛ فكذلك. # قوله: " فتذروها " فيه وجهان: # أحدهما: أنه منصوب بإضمار " أن " في جواب النهي. # والثاني: أنه مجزوم عطفا على الفعل قبله، أي: فلا تذروها، ففي ~~الأول نهي عن الجمع بينهما، وفي الثاني نهي عن كل على حدته ~~وهو أبلغ، والضمير في " تذروها " يعود على المميل عنها؛ لدلالة ~~السياق عليها. # قوله: " كالمعلقة ": حال من " ها " في " تذروها " فيتعلق ~~بمحذوف، أي: فتذروها مشبهة المعلقة، ويجوز عندي: أن يكون ~~مفعولا ثانيا؛ لأن قولك: " تذر " بمعنى: تترك، و " ترك " يتعدى ~~لاثنين إذا كان بمعنى: صير. # والمعنى: لا تتبعوا هواكم، فتدعوا الأخرى كالمعلقة لا ~~أيما، ولا ذات بعل؛ كما أن الشيء المعلق لا [يكون] على ~~الأرض، ولا على السماء، وفي قراءة أبي: " فتذروها ~~كالمسجونة " ، وفي الحديث: # " من كانت له امرأتان يميل مع إحداهما، جاء يوم القيامة ~~وأحد شقيه مائل ". # قوله: " وإن تصلحوا " بالعدل في القسم، و " تتقوا ": الجور { ~~فإن الله كان غفورا رحيما } لما حصل في القلب من الميل ~~إلى بعضهن دون بعض. # وقيل المعنى: وإن تصلحوا ما مضى من ميلكم، وتتداركوه ~~بالتوبة، وتتقوا في المستقبل عن مثله، غفر الله لكم ~~ذلك، وهذا أولى؛ لأن التفاوت في الميل القلبي ليس في ~~الوسع، فلا يحتاج إلى المغفرة. # قوله " وإن يتفرقا " يعني: الزوج والمرأة بالطلاق، { ~~يغن الله كلا من سعته }: من رزقه، يعني: المرأة بزوج ~~آخر، والزوج بامرأة أخرى. # وقيل: يغني الله كل واحد منهما عن صاحبه بعد الطلاق، { ~~وكان الله واسعا حكيما } وصف نفسه بكونه واسعا؛ ms2822 ولم يضفه ~~إلى شيء؛ لأنه - تعالى - واسع الفضل، واسع الرزق، واسع ~~النعمة، واسع الرحمة، واسع القدرة، واسع العلم، واسع ~~في جميع الكمالات، فلو قال: واسع في كذا، لاختص بذلك المذكور، ~~وقوله: " حكيما " قال ابن عباس: يريد فيما أمر ونهى، وقال ~~الكلبي: فيما حكم على الزوج من إمساكها بمعروف، أو تسريح ~~بإحسان. # فصل # حكم الرجل إذا كان تحته امرأتان أو أكثر، يجب عليه ~~التسوية بينهن في القسم، فإن ترك التسوية بينهن ~~في القسم، عصى الله - تعالى -، وعليه القضاء للمظلومة، ~~والتسوية شرط في البينونة أما في الجماع فلا؛ لأنه ~~يدور على النشاط وليس ذلك إليه، ولو كانت تحته حرة ~~وأمة فإنه يبيت عند الحرة ليلتين، وعند الأمة ليلة، ~~وإذا تزوج جديدة على قديمة، يخص الجديدة بأن يبيت ~~عندها سبع ليال على التوالي إن كانت بكرا، وإن كانت ~~ثيبا، فثلاث ليال، ثم يسوي بعد ذلك بين الكل، ولا يجب ~~قضاء هذه الثلاث للقديمات؛ لقول أنس: من السنة إذا تزوج ~~البكر على الثيب أن يقيم عندها سبعة، وإذا تزوج الثيب ~~على البكر، أن يقيم عندها ثلاثا، فإن أحبت الثيب أن يقيم ~~عندها سبعا، فعل، ثم قضاه للبواقي؛ لأن # " النبي صلى الله عليه وسلم لما تزوج أم سلمة أقام عندها ~~سبعا، ثم قال: ليس بك هوان على أهلك، إن شئت سبعت لك، ~~وإن سبعت لك سبعت لنسائي " # ، وإذا أراد الرجل سفر حاجة، فيجوز له أن يحمل بعض ~~نسائه [معه بالقرعة بينهن]، ولا يجب عليه [أن] يقضي ~~للباقيات مدة سفره وإن طالت إذا لم يزد مقامه في ~~بلدة على مدة المسافرين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~إذا أراد سفرا، أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها، خرج ~~بها معه، أما إذا أراد سفر نقلة، فليس له تخصيص ~~بعضهن، لا بقرعة ولا بغيرها. ### || [4.131-132] # في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان: # الأول [أنه - تعالى - لما] قال: # يغن الله كلا من سعته # [النساء: 130] أشار إلى ما هو كالتفسير لكونه واسعا؛ فقال: { ~~ولله ما في السماوات وما في ms2823 الأرض } يعني: من كان ~~كذلك، [فإنه] يكون واسع العلم، والقدرة، والجود، والفضل، ~~والرحمة. # الثاني: أنه - تعالى - لما أمر بالعدل، والإحسان إلى اليتامي ~~والنساء، بين أنه ما أمر بهذه الأشياء لاحتياجه لأعمال ~~العباد، لأن من كان له ما في السموات وما في الأرض، كيف ~~يكون محتاجا إلى عمل الإنسان مع ضعفه وقصوره، وإنما أمر ~~بها رعاية لما هو الأحسن لهم في دنياهم وأخراهم. # ثم قال { ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم } يعني: أهل التوراة، والإنجيل، وسائر الأمم ~~المتقدمة في كتبهم، والكتاب: اسم جنس يتناول الكتب ~~السماوية، " وإياكم ": يا أهل القرآن في كتابكم، { أن اتقوا ~~الله } أي: وحدوه وأطيعوه، وتقوى الله مطلوبة من جميع ~~الأمم، في سائر الشرائع لم تنسخ، وهي وصية الله في ~~الأولين والآخرين. # قوله: " من قبلكم " فيه وجهان: # الأول: أنه متعلق ب " وصينا " يعني: ولقد وصينا من ~~قبلكم [الذين أوتوا الكتاب. # والثاني: أنه متعلق ب " أوتوا " يعني: الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم]، وصيناهم بذلك، والأول أظهر. # قوله: " وإياكم ": عطف على { الذين أوتوا الكتاب } وهو واجب ~~الفصل هنا؛ لتعذر الاتصال، واستدل بعضهم على أنه إذا ~~قدر على الضمير المتصل يجوز أن يعدل إلى المنفصل بهذه ~~الآية؛ لأنه كان يمكن أن يقال: " ولقد وصيناكم والذين ~~أوتوا الكتاب " ، وكذلك استدل بقوله - تعالى -: # يخرجون الرسول وإياكم # [الممتحنة: 1]، إذ يمكن أن يقال: يخرجونكم والرسول، وهذا ليس ~~يدل له: # أما الآية الأولى: فلأن الكلام فيها جاء على الترتيب ~~الوجودي، فإن وصية من قبلنا قبل وصيتنا، فلما قصد ~~هذا المعنى، استحال - والحالة هذه - أن يقدر عليه متصلا. # وأما الآية الثانية: فلأنه قصد فيها تقدم ذكر الرسول؛ ~~تشريفا له، وتشنيعا على من تجاسر على مثل ذلك الفعل الفظيع، ~~فاستحال - والحالة هذه - أن يجاء به متصلا، و " من قبلكم ": ~~يجوز أن يتعلق ب " أوتوا " ، ويجوز أن يتعلق ب " وصينا ~~"؛ والأول أظهر. # قوله: " أن اتقوا " يجوز في " أن " وجهان: # أحدهما: أن تكون مصدرية على حذف حرف الخفض، تقديره: بأن ~~اتقوا، فلما حذف الحرف جرى فيها الخلاف المشهور. # والثاني: ms2824 أن تكون المفسرة؛ لأنها بعد ما هو بمعنى القول، ~~لا حروفه وهو الوصية، والظاهر أن قوله: " وإن تكفروا " جملة ~~مستأنفة؛ للإخبار بأن هذه الحال ليست داخلة في معمول الوصية. # وقال الزمخشري: { وإن تكفروا فإن لله } عطف على " ~~اتقوا " لأن المعنى: أمرناهم، وأمرناكم بالتقوى، وقلنا ~~لهم ولكم: " إن تكفروا " وفي كلامه نظر، لأن تقديره القول، ~~ينفي كون الجملة الشرطية مندرجة في حيز الوصية بالنسبة ~~إلى الصناعة النحوية، وهو لم يقصد تفسير المعنى فقط، بل قصده هو ~~وتفسير الإعراب؛ بدليل قوله: عطف على " اتقوا " ، و " اتقوا " ~~داخل في حيز الوصية، سواء أجعلت " أن " مصدرية أم مفسرة. # فصل # ومعنى [قوله:] { أن اتقوا الله }؛ كقولك: أمرتك الخير، قال ~~الكسائي: يقال: أوصيتك أن افعل كذا، وأن تفعل كذا، ويقال: ~~ألم آمرك أن ائت زيدا، وأن تأتي زيدا؛ كقوله - تعالى -: [و] # أمرت أن أكون أول من أسلم # [الأنعام: 14]، وقوله: # إنمآ أمرت أن أعبد رب هذه البلدة # [النمل: 91] وتقدم الكلام على " وإن تكفروا ". # قوله: { فإن لله ما في السماوات وما في الأرض } في ~~تعلقه وجهان: # الأول: أنه - تعالى - خالقهم ومالكهم، والمنعم عليهم بأصناف ~~النعم كلها، فحق على كل عاقل أن ينقاد لأوامره ~~ونواهيه، ويرجو ثوابه، ويخاف عقابه. # والثاني: { وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات ~~وما في الأرض } من أصناف المخلوقات من الملائكة وغيرها أطوع ~~منكم يعبدوه ويتقوه، وهو مع ذلك غني عن عبادتهم، و " ~~حميدا " مستحق للحمد؛ لكثرة نعمه، وإن لم يحمده أحد منهم؛ ~~لأنه في ذاته محمود، سواء حمدوه أو لم يحمدوه. # قوله: { ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى ~~بالله وكيلا } ، قال عكرمة، عن ابن عباس: يعني: شهيدا أن ~~فيها عبيدا. # وقيل: دافعا ومجيرا. # فإن قيل: ما فائدة التكرار في قوله: { ولله ما في ~~السماوات وما في الأرض }. # فالجواب: أن لكل منها وجه: # أما الأول: معناه: لله ما في السماوات وما في الأرض، وهو يوصيكم ~~بالتقوى، فاقبلوا وصيته. # والثاني: [يقول:] لله ما في السماوات وما في الأرض، وكان الله غنيا، ~~أي: هو الغني، ms2825 وله الملك، فاطلبوا منه ما تطلبون. # والثالث: يقول { ولله ما في السماوات وما في الأرض ~~وكفى بالله وكيلا } ، أي: له الملك؛ فاتخذوه وكيلا، ~~ولا تتوكلوا على غيره. # [و] قال القرطبي: وفائدة التكرار من وجهين: # الأول: أنه كرر تأكيدا؛ لتنبيه العباد، ولينظروا في ملكه ~~وملكوته، أنه غني عن خلقه. # والثاني: أنه كرر لفوائد: فأخبر في الأول، أن الله يغني كلا ~~من سعته؛ لأن له ما في السماوات وما في الأرض، [فلا تنفد ~~خزائنه، ثم قال: أوصيناكم وأهل الكتاب بالتقوى، وإن ~~تكفروا، فإنه غني عنكم؛ لأن له ما في السماوات وما في الأرض] ~~ثم أعلم في الثالث: بحفظ خلقه، وتدبيره إياهم بقوله: { وكفى ~~بالله وكيلا }؛ لأن له ما في السماوات وما في الأرض، ولم يقل: ~~من في السموات؛ لأن في السموات والأرض من يعقل، ومن لا ~~يعقل. ### || [4.133] # والمعنى: أنه تعالى قادر على الإفناء والإيجاد، فإن عصيتموه ~~فإنه قادر على إفنائكم [وإعدامكم] بالكلية، وعلى أن يوجد قوما ~~آخرين، يشتغلون بعبادته وتعظيمه، وكان الله على ذلك ~~قديرا. # قوله: " بآخرين ": آخرين صفة لموصوف محذوف من جنس ما تقدمه ~~تقديره: بناس آخرين يعبدون الله، ويجوز أن يكون المحذوف من غير ~~جنس ما تقدمه. # قال ابن عطية: " يحتمل أن يكون وعيدا لجميع بني آدم، ويكون ~~الآخرون من غير نوعهم، كما روي: أنه كان ملائكة في الأرض ~~يعبدون الله ". # وقال الزمخشري: " أو خلقا آخرين غير الإنس " وكذلك قال غيرهما. # ورد أبو حيان هذا الوجه: بأن مدلول آخر، وأخرى، وتثنيتهما، ~~وجمعهما، نحو مدلول " غير " إلا أنه خاص بجنس ما تقدمه. فإذا ~~قلت: " اشتريت فرسا وأخر، أو: ثوبا وآخر، أو: جارية وأخرى، أو: ~~جاريتين وأخريين، أو جواري وأخر " لم يكن ذلك كله إلا من جنس ما ~~تقدم، حتى لو عنيت " وحمارا آخر " في الأمثلة السابقة لم يجز، وهذا ~~بخلاف " غير " فإنها تكون من جنس ما تقدم ومن غيره، تقول " ~~اشتريت ثوبا وغيره " لو عنيت: " وفرسا غيره " جاز. # قال: " وقل من يعرف هذا الفرق ". وهذا الفرق الذي ذكره ورد ~~به ms2826 على هؤلاء الأكابر غير موافق عليه، لم يستند فيه إلى نقل، ولكن قد ~~يرد عليهم ذلك من طريق أخرى، وهو أن " آخرين " صفة لموصوف ~~محذوف، والصفة لا تقوم مقام موصوفها، إلا إذا كانت خاصة بالموصوف، ~~نحو: " مررت بكاتب " ، أو يدل عليه دليل، وهنا ليست بخاصة، فلا ~~بد وأن تكون من جنس الأول؛ لتحصل بذلك الدلالة على الموصوف ~~المحذوف. # وقال القرطبي: وهذا كقوله في آية أخرى: # وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا ~~يكونوا أمثالكم # [محمد: 38] وفي الآية تخويف، وتنبيه لمن كان له ولاية وإمارة، أو ~~رياسة فلا يعدل في رعيته، أو كان عالما فلا يعمل بعلمه، ولا ~~ينصح الناس، { وكان الله على ذلك قديرا } ، والقدرة: صفة ~~أزلية لا تتناهى مقدوراته، كما لا تتناهى معلوماته، ~~والماضي والمستقبل في صفاته بمعنى واحد، وإنما خص الماضي ~~بالذكر؛ لئلا يتوهم أنه يحدث في صفاته وذاته، والقدرة: هي ~~التي يكون بها الفعل، ولا يجوز وجود العجز معها. ### || [4.134] # يجوز في " من " وجهان: # أظهرهما: أنها شرطية، وجوابها قوله: " فعند الله " ، ولا بد من ضمير ~~مقدر في هذا الجواب يعود على اسم الشرط؛ لما تقرر قبل ذلك، ~~والتقدير: فعند الله ثواب الدنيا والآخرة له إن أراده، وهذا تقدير ~~الزمخشري، قال [الزمخشري] " حتى يتعلق الجزاء بالشرط ". # وأورده ابن الخطيب على وجه السؤال قال: # فإن قيل: كيف دخلت الفاء في جواب الشرط، وعنده - تعالى - ثواب ~~الدنيا والآخرة، سواء حصلت هذه الإرادة أم لا. # قلنا: تقدير الكلام: فعند الله ثواب الدنيا والآخرة له إن ~~أراده، وعلى هذا التقدير يتعلق الجزاء بالشرط. # وجوز أبو حيان - وجعله الظاهر - أن الجواب محذوف، تقديره: ~~من كان يريد ثواب الدنيا فلا يقتصر عليه، وليطلب الثوابين، ~~فعند الله ثواب الدارين. # والثاني: أنها موصولة ودخلت الفاء في الخبر؛ تشبيها له باسم ~~الشرط، ويبعده مضي الفعل بعده، والعائد محذوف؛ كما ~~تقرر تمثيله. # فصل # ومعنى الآية: أن هؤلاء الذين يريدون بجهادهم الغنيمة فقط ~~مخطئون؛ لأن عند الله [ثواب] الدنيا والآخرة، فلم اكتفى ~~بطلب ثواب الدنيا، مع أنه كان كالعدم ms2827 بالنسبة إلى ~~ثواب الآخرة، ولو كان عاقلا، لطلب ثواب الآخرة؛ حتى يحصل له ~~ذلك، ويحصل له ثواب الدنيا تبعا. # قال القرطبي: من عمل بما افترضه [الله] عليه طلبا ~~للآخرة، آتاه الله ذلك في الآخرة، ومن عمل طلبا للدنيا، ~~آتاه ما كتب له في الدنيا، وليس له في الآخرة من نصيب؛ لأنه ~~عمل لغير الله لقوله - تعالى -: # أولئك الذين ليس لهم في الأخرة إلا النار # [هود: 16] وهذا على أن يكون المراد بالآية: المنافقون والكفار، ~~{ وكان الله سميعا بصيرا }: يسمع كلامهم أنهم لا يطلبون من ~~الجهاد سوى الغنيمة، ويرى أنهم لا يسعون في الجهاد، ولا ~~يجتهدون فيه، إلا عند توقع الفوز بالغنيمة، وهذا ~~كالزجر عن هذه الأعمال. ### || [4.135] # في اتصال [هذه] الآية وجوه: # أحدها: لما تقدم ذكر النساء والنشوز، والمصالحة بينهن ~~وبين الأزواج عقبه بقيام أداء حقوق الله - تعالى-، وفي ~~الشهادة إحياء حقوق الله؛ فكأنه قيل: وإن اشتغلت بتحصيل ~~شهواتك، كنت لنفسك، لا لله، [وإن اشتغلت بتحصيل ~~مأمورات الله كنت لله، لا لنفسك]، وهذا المقام أعلى وأشرف، ~~فكانت هذه الآية تأكيدا لما تقدم من التكاليف. # الثاني: أن الله - تعالى - لما منع الناس عن اقتصارهم على ~~ثواب الدنيا، وأمرهم أن يطلبوا ثواب الآخرة، عقبه بهذه ~~الآية، وبين أن كمال سعادة الإنسان، في أن يكون قوله ~~وفعله لله، وحركته لله، وسكونه لله؛ حتى يصير من الذين ~~يكونون في آخر مراتب الإنسانية، وأول مراتب الملائكة، فإذا ~~عكس القضية، كان مثل البهيمة التي منتهى أمرها وجدان ~~علفها والشبع. # الثالث: أنه تقدم في هذه السورة تكاليف كثيرة، فأمر ~~الناس بالقسط بقوله: # وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى # [النساء: 3]، وأمرهم بالإشهاد عند دفع أموال اليتامى ~~إليهم، وأمرهم ببذل النفس والمال في سبيل الله، وذكر ~~قصة طعمة بن الأبيرق، واجتماع قومه على الذب عنه [بالكذب] ~~والشهادة على اليهودي بالباطل، وأمر بالمصالحة مع الزوجة، ~~وكل ذلك أمر من الله لعباده بالقيام بالقسط، والشهادة ~~[فيه] [لله] على كل أحد، فكانت هذه الآية كالمؤكد لما تقدم ~~من التكاليف. # القوام: مبالغة من قائم، ms2828 والقسط: العدل، وهذا أمر منه - ~~تعالى - لجميع المكلفين، بأن يبالغوا في العدل، والاحتراز ~~عن الجور والميل. # قوله: " شهداء لله " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه خبر ثان لكان، وفيه خلاف تقدم ذكره. # والثاني: أنه حال من الضمير المستكن في: " قوامين " ~~فالعامل فيها: " قوامين ". # وقد رد أبو حيان [هذا الوجه: بأنه يلزم منه تقييد كونهم ~~قوامين بحال الشهادة، وهم مأمورون بذلك مطلقا]. # وهذا الرد ليس بشيء؛ فإن هذا المعنى نحا إليه ابن عباس ~~- رضي الله عنه - قال: كونوا قوامين بالعدل في الشهادة على من ~~كانت، وهذا هو معنى الوجه الصائر إلى جعل شهداء حالا. # الثالث: أن يكون صفة ل " قوامين " ، ومعنى قوله: " لله " أي: ~~لذات الله، ولوجهه ولمرضاته، وثوابه. # قوله: { ولو على أنفسكم } " لو " هذه تحتمل أن تكون على ~~بابها من كونها حرفا لما كان سيقع لوقوع غيره، وجوابها ~~محذوف، أي: ولو كنتم شهداء على أنفسكم، لوجب عليكم أن ~~تشهدوا عليها. # وأجاز أبو حيان أن تكون بمعنى: " إن " الشرطية، ويتعلق قوله: ~~" على أنفسكم " بمحذوف، تقديره: وإن كنتم شهداء على ~~أنفسكم، فكونوا شهداء لله، هذا تقدير الكلام، وحذف " كان " ~~بعد " لو " كثير، تقول: ائتني بتمر، ولو حشفا، أي: وإن كان ~~التمر حشفا، فأتني به. # انتهى. # وهذا لا ضرورة تدعوا إليه، ومجيء " لو " بمعنى: " إن " شيء ~~أثبته بعضهم على قلة، فلا ينبغي أن يحمل القرآن عليه. # وقال ابن عطية: " على أنفسكم " متعلق ب " شهداء ". # قال أبو حيان " فإن عنى ب " شهداء " الملفوظ به، فلا ~~يصح، وإن عنى به ما قدرناه نحن، فيصح " يعني: تقديره: " ~~لو " بمعنى: " إن " وحذف " كان " ، واسمها، وخبرها بعد " لو " ، ~~وقد تقدم أن ذلك قليل، فلم يبق إلا ان ابن عطية يريد " ~~شهداء " محذوفة؛ كما قدرته لك أولا، نحو: " ولو كنتم ~~شهداء " على أنفسكم، لوجب عليكم أن تشهدوا. # وقال الزمخشري: " ولو كانت الشهادة على أنفسكم " فجعل ~~" كان " مقدرة وهي تحتمل في تقديره التمام والنقصان: ~~فإن قدرتها تامة، كان قوله " على أنفسكم " متعلقا بنفس ~~الشهادة، ويكون المعنى: " ولو وجدت الشهادة على أنفسكم ms2829 " ~~وإن قدرتها ناقصة، فيجوز أن يكون " على أنفسكم " متعلقا ~~بمحذوف على أنه خبرها، ويجوز أن يكون متعلقا بنفس ~~الشهادة، وحينئذ يكون الخبر مقدرا، والمعنى: " ولو كانت ~~الشهادة على أنفسكم موجودة " إلا أنه يلزم من جعلنا " ~~على أنفسكم " متعلقا بالشهادة، حذف المصدر وإبقاء ~~معموله، وهو قليل أو ممتنع، وقال أيضا: " ويجوز أن يكون ~~المعنى: وإن كانت الشهادة على أنفسكم ". # ورد عليه [أبو حيان] هذين الوجهين فقال: " وتقديره: ولو ~~كانت الشهادة على أنفسكم ليس بجيد؛ لأن المحذوف إنما يكون من ~~جنس الملفوظ به؛ ليدل عليه، فإذا قلت: " كن محسنا، ولو ~~لمن أساء إليك " ، فالتقدير: ولو كنت محسنا لمن أساء، ولو ~~قدرته: " ولو كان إحسانك " لم يكن جيدا؛ لأنك تحذف ما لا ~~دلالة عليه بلفظ مطابق ". # وهذا الرد ليس بشيء، فإن الدلالة اللفظية موجودة؛ لاشتراك ~~المحذوف والملفوظ به في المادة، ولا يضر اختلافهما في ~~النوع. # وقال في الوجه الثاني: " وهذا لا يجوز؛ لأن ما تعلق به الظرف كون ~~مقيد، والكون المقيد لا يجوز حذفه، بل المطلق، لو قلت: ~~كان زيد فيك، تعني: محبا فيك، لم يجز ". # وهذا الرد أيضا ليس بشيء؛ لأنه قصد تفسير المعنى، ~~ومبادئ النحو لا تخفى على آحاد الطلبة، فكيف بشيخ ~~الصناعة. # فصل # شهادة الإنسان على نفسه لها تفسيران: # أحدهما: أن يقر على نفسه؛ لأن الإقرار كالشهادة في كونه ~~موجبا إلزام الحق. # الثاني: أن يكون المراد: ولو كانت الشهادة وبالا على ~~أنفسكم، أو على الوالدين والأقربين، فأقيموها عليهم، ولا ~~تحابوا غنيا لغناه، ولا ترحموا فقيرا لفقره، وهو قوله: { ~~إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما } أي: ~~أقيموا على المشهود عليه وإن كان غنيا وللمشهود له وإن كان ~~فقيرا، فالله أولى بهما منكم، أي: كلوا أمرهم إلى الله - ~~تعالى -. # وقال الحسن: الله أعلم بهما. # قال القرطبي: " قوامين " بناء مبالغة، أي: ليتكرر منكم ~~القيام بالقسط وهو العدل في شهادتكم على أنفسكم، وشهادة ~~المرء على نفسه: إقراره بالحقوق عليها، ثم ذكر الوالدين؛ ~~لوجوب برهما، وعظم قدرهما، ثم أتى بالأقربين؛ إذ هم ~~مظنة ms2830 المودة والتعصب، وجاء الأجنبي الآخر؛ لأنه أحرى ~~أن يقوم [عليه] بالقسط. # فصل # إنما قدم الأمر بالقيام بالقسط على [الأمر] بالشهادة لوجوه: # أحدها: أن أكثر الناس عادتهم أنهم يأمرون غيرهم ~~بالمعروف، فإذا آل الأمر إلى أنفسهم، تركوه حتى إن قبح ~~القبيح إذا صدر عنهم، كان في محل المسامحة وأحسن ~~الحسن، إذا صدر عن غيرهم، كان في محل المنازعة، فالله - ~~تعالى - نبه في هذه الآية على سوء الطريقة، بأن أمره بالقيام ~~[بالقسط] أولا، ثم أمره بالشهادة على غيره ثانيا، ~~تنبيها على أن الطريقة الحسنة هي أن تكون مضايقة الإنسان ~~مع نفسه [فوق] مضايقته مع الغير. # وثانيها: أن القيام بالقسط: هو دفع ضرر العقاب عن النفس، ~~وإقامة الشهادة، سعي في دفع ضرر العقاب عن الغير، وهو ~~الذي عليه الحق، ودفع الضرر عن النفس مقدم على دفع ~~الضرر عن الغير. # وثالثها: أن القيام بالقسط فعل، والشهادة قول [والفعل أقوى من ~~القول]. # فإن قيل: فقد قدم الشهادة على القيام بالقسط في قوله: # شهد الله [أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولوا العلم قآئما بالقسط # [آل عمران: 18]. # فالجواب: أن شهادة الله عبارة عن كونه مراعيا للعدل، ~~ومباينا للجور، ومعلوم: أنه ما لم يكن الإنسان كذلك، لم ~~يقبل شهادته على الغير؛ فلهذا كان الواجب في قوله: " شهد ~~الله " ] أن يقدم تلك الشهادة على القيام بالقسط، والواجب ~~هنا: أن تكون الشهادة متأخرة عن القيام بالقسط. # قوله: { إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما ~~} إذا عطف ب " أو " كان الحكم في عود الضمير، والإخبار، ~~وغيرهما لأحد الشيئين أو الأشياء، ولا يجوز المطابقة، تقول: ~~" زيد أو عمرو أكرمته " ولو قلت: أكرمتهما، لم يجز، وعلى ~~هذا يقال: كيف ثنى الضمير في الآية الكريمة، والعطف ب " أو ~~"؟ لا جرم أن النحويين اختلفوا في الجواب عن ذلك على خمسة ~~أوجه: # أحدها: أن الضمير في " بهما " ليس عائدا على الغني والفقير ~~المذكورين أولا، بل على جنسي الغني والفقير المدلول عليهما ~~بالمذكورين، تقديره: وإن يكن المشهود عليه غنيا أو فقيرا، ~~فليشهد عليه، فالله أولى ms2831 بجنسي الغني والفقير؛ ويدل على ~~هذا قراءة أبي: " فالله أولى بهم " أي: بالأغنياء والفقراء ~~مراعاة للجنس على ما قررته لك، ويكون قوله: { فالله أولى بهما } ~~ليس جوابا للشرط، بل جوابه محذوف كما قد عرفته، وهذا دال ~~عليه. # الثاني: أن " أو " بمعنى: الواو؛ ويعزى هذا للأخفش، وكنت قدمت ~~أول البقرة: أنه قول الكوفيين، وأنه ضعيف. # الثالث: أن " أو ": للتفصيل أي: لتفصيل ما أبهم، وقد أوضح ذلك ~~أبو البقاء، فقال: " وذلك أن كل واحد من المشهود عليه والمشهود ~~له، قد يكون غنيا، وقد يكون فقيرا، وقد يكونان غنيين، وقد ~~يكونان فقيرين، وقد يكون أحدهما غنيا والآخر فقيرا؛ فلما ~~كانت الأقسام عند التفصيل على ذلك، أتي ب " أو " ، لتدل على ~~التفصيل؛ فعلى هذا يكون الضمير في " بهما " عائدا على ~~المشهود له والمشهود عليه، على أي وصف كانا عليه " انتهى؛ إلا أن ~~قوله: " وقد يكون أحدهما غنيا والآخر فقيرا " مكرر؛ لأنه ~~يغني عنه قوله: " وذلك أن كل واحد " إلى آخره. # الرابع: أن الضمير يعود على الخصمين، تقديره: إن يكن الخصمان ~~غنيا أو فقيرا، فالله أولى بذينك الخصمين. # الخامس: أن الضمير يعود على الغني والفقير المدلول عليهما بلفظ ~~الغني والفقير، والتقدير: فالله أولى بغنى الغني وفقر الفقير، وقد ~~أساء ابن عصفور العبارة هنا بما يوقف عليه في كلامه، وعلى أربعة ~~الأوجه الأخيرة يكون جواب الشرط ملفوظا به، وهو قوله: { فالله ~~أولى بهما } بخلاف الأول؛ فإنه محذوف. # وقرأ عبد الله بن مسعود: " إن يكن غني أو فقير " برفعهما، ~~والظاهر أن " كان " في قراءته تامة، أي: وإن وجد غني أو ~~فقير، نحو: # وإن كان ذو عسرة # [البقرة: 280]. # قوله: { فلا تتبعوا الهوى } أي: اتركوا متابعة الهوى؛ ~~حتى توصفوا بالعدل؛ لأن العدل عبارة عن ترك متابعة الهوى، ~~ومن ترك أحد النقيضين، فقد حصل له الآخر. # قوله: " أن تعدلوا " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه مفعول من أجله على حذف مضاف، تقديره: فلا ~~تتبعوا الهوى محبة أن تعدلوا، أو إرادة أن تعدلوا، أي: ~~تعدلوا عن الحق وتجوروا. # وقال أبو البقاء في ms2832 المضاف المحذوف: " تقديره: مخافة أن تعدلوا عن ~~الحق ". وقال ابن عطية: " يحتمل أن يكون معناه: مخافة أن ~~تعدلوا، ويكون العدل هنا بمعنى: العدول عن الحق، ويحتمل ~~أن يكون معناه: محبة أن تعدلوا، ويكون العدل بمعنى: ~~القسط؛ كأنه يقول: انتهوا؛ خوف أن تجوروا، أو محبة أن ~~تقسطوا، فإن جعلت العامل " تتبعوا " فيحتمل أن يكون ~~المعنى: محبة أن تجوروا " انتهى؛ فتحصل لنا في العامل وجهان: # الظاهر منهما: أنه نفس " تتبعوا ". # والثاني: أنه مضمر، وهو فعل من معنى النهي؛ كما قدره ابن ~~عطية، كأنه يزعم أن الكلام قد تم عند قوله: { فلا تتبعوا ~~الهوى } ثم أضمر عاملا، وهذا ما لا حاجة إليه. # الثاني: أنه على إسقاط حرف الجر، وحذف " لا " النافية، ~~والأصل: فلا تتبعوا الهوى في ألا تعدلوا، أي: في ترك ~~العدل، فحذف " لا " لدلالة المعنى عليها، ولما حذف حرف ~~الجر من " أن " جرى القولان الشهيران. # الثالث: أنه على حذف لام العلة، تقديره: فلا تتبعوا الهوى؛ ~~لأن تعدلوا. # قال صاحب هذا القول: " والمعنى: لا تتبعوا الهوى؛ لتكونوا في ~~اتباعكموه عدولا، تنبيها على أن اتباع الهوى وتحري العدالة ~~متنافيان لا يجتمعان " وهو ضعيف في المعنى. # قوله: " وإن تلووا " قرأ ابن عامر، وحمزة: " تلوا " بلام ~~مضمومة وواو ساكنة، والباقون: بلام ساكنة وواوين بعدها، ~~أولاهما مضمومة. # فأما قراءة الواوين، فظاهرة؛ لأنه من لوى يلوي، والمعنى: ~~وإن تلووا ألسنتكم عن شهادة الحق أو حكومة العدل، ~~والأصل: تلويون كتضربون، فاستثقلت الضمة على الياء ~~فحذفت، فالتقى ساكنان: الياء وواو الضمير، فحذف أولهما - ~~وهو الياء - وضمت الواو المكسورة التي هي عين لأجل واو ~~الضمير، فصار: تلوون، وتصريفه كتصريف " ترمون ". # فإن كان عن الشهادة، فالمعنى: يحرفوا الشهادة؛ ليبطلوا ~~الحق، من قولهم: لوى الشيء، إذا فتله، ومنه يقال: التوى هذا ~~الأمر، إذا تعقد وتعسر، تشبيها بالشيء المنفتل، أو ~~تعرضوا عنها فتكتموها، أو يقال: تلووا في إقامة ~~الشهادة إذا تدافعوا، يقال: لويته حقه؛ إذا دفعته ~~وأبطلته. # وإن كان عنى الحكم بالعدل، فهو خطاب للحكام في ليهم ~~الأشداق، يقول: " وإن تلووا " أي: تميلوا إلى ms2833 أحد الخصمين، ~~أو تعرضوا عنه. # وأما قراءة حمزة وابن عامر، ففيها ثلاثة أقوال: # أحدها: وهو قول الزجاج، والفراء، والفارسي في إحدى الروايتين ~~عنه - أنه من لوى يلوي؛ كقراءة الجماعة، إلا أن الواو ~~المضمومة قلبت همزة؛ كقلبها في " أجوه " و " أقتت " ، ~~ثم نقلت حركة هذه الهمزة إلى الساكن قبلها وحذفت، فصار: " ~~تلون " كما ترى. # الثاني: أنه من لوى يلوي أيضا، إلا أن الضمة استثقلت على ~~الواو الأولى فنقلت إلى اللام الساكنة تخفيفا، فالتقى ساكنان ~~وهما الواوان، فحذف الأول منهما، ويعزى هذا للنحاس، وفي ~~هذين التخريجين نظر؛ وهو أن لام الكلمة قد حذفت أولا ~~كما قررته، فصار وزنه: تفعوا، بحذف اللام، ثم حذفت ~~العين ثانيا، فصار وزنه: تفوا، وذلك إجحاف بالكلمة. # الثالث: ويعزى لجماعة منهم الفارسي - أن هذه القراءة مأخوذة ~~من الولاية، بمعنى، وإن وليتم إقامة الشهادة أو وليتم ~~الأمر، فتعدلوا عنه، والأصل: " توليوا " فحذفت الواو الأولى ~~لوقوعها بين حرف المضارعة وكسرة، فصار: " تليوا " ~~كتعدوا وبابه، فاستثقلت الضمة على الياء، ففعل بها ما ~~تقدم في " تلووا " ، وقد طعن قوم على قراءة حمزة وابن ~~عامر - منهم أبو عبيد - قالوا: لأن معنى الولاية غير لائق بهذا ~~الموضع. # قال أبو عبيد: " القراءة عندنا بواوين مأخوذة من: " لويت " ~~وتحقيقه في تفسير ابن عباس: هو القاضي، يكون ليه وإعراضه عن ~~أحد الخصمين للآخر " وهذا الطعن ليس بشيء؛ لأنها قراءة ~~متواترة ومعناها صحيح؛ لأنه إن أخذناها من الولاية كان ~~المعنى على ما تقدم، وإن أخذناها من اللي، فالأصل: " تلووا ~~" كالقراءة الأخرى، وإنما فعل بها ما تقدم من قلب الواو ~~همزة ونقل حركتها، أو من نقل حركتها من غير قلب، ~~فتتفق القراءتان في المعنى. # ثم قال: { فإن الله كان بما تعملون خبيرا } وهذا ~~تهديد ووعيد للمذنبين، ووعد بالإحسان للمطيعين. ### || [4.136] # في اتصال هذه الآية بما قبلها وجهان: # أحدهما: أنها متصلة بقوله: # كونوا قوامين بالقسط # [النساء: 135] لأن الإنسان لا يكون قائما بالقسط، إلا إذا كان ~~راسخا في الإيمان بالأشياء المذكورة في هذه الآية. # الثاني: أنه - تعالى - لما بين الأحكام الكثيرة ms2834 في هذه ~~السورة، ذكر عقيبها الأمر بالإيمان، وفي هذا الأمر وجوه: # أحدها: قال الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: نزلت هذه ~~الآية في عبد الله ابن سلام، وأسد وأسيد ابني كعب، ~~وثعلبة بن قيس، وسلام ابن أخت عبد الله بن سلام، وسلمة ابن ~~أخيه، ويامين بن يامين، فهؤلاء مؤمنو أهل الكتاب أتوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إنا نؤمن بك، وبكتابك، ~~وبموسى، [والتوراة] وبعزير، ونكفر بما سواه من الكتب ~~والرسل، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: " بل آمنوا بالله، ~~ورسوله محمد، والقرآن، وبكل كتاب قبله " فقالوا: لا نفعل، ~~فأنزل الله: { يا أيها الذين آمنوا } يعني: بمحمد [والقرآن] وبموسى ~~والتوراة، { آمنوا بالله ورسوله }: محمد { والكتاب الذي ~~أنزل من قبل }: من التوراة، والإنجيل، والزبور، وسائر ~~الكتب؛ لأن المراد بالكتاب الجنس. # وقيل: الخطاب مع المنافقين، والتقدير: يأيها الذين آمنوا ~~باللسان، آمنوا بالقلب، ويؤيده قوله - تعالى -: # من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن ~~قلوبهم # [المائدة: 41]. # وقيل: خطاب مع الذين آمنوا وجه النهار، وكفروا آخره، ~~والتقدير: يأيها الذين آمنوا وجه النهار، آمنوا آخره. # وقيل: الخطاب للمشركين، تقديره: يأيها الذين آمنوا باللات ~~والعزى، آمنوا. # وقيل: المعنى: يأيها الذين آمنوا، دوموا على الإيمان، واثبتوا ~~عليه، أي: يأيها الذين آمنوا في الماضي والحاضر، آمنوا في ~~المستقبل؛ كقوله: # فاعلم أنه لا إله إلا الله # [محمد: 19] مع أنه كان عالما بذلك. # وقيل: المراد ب " الذين آمنوا ": جميع الناس، وذلك يوم أخذ ~~عليهم الميثاق. # وقيل: يا أيها الذين آمنوا على سبيل التقليد، آمنوا على ~~سبيل الاستدلال. # وقيل: يا أيها الذين آمنوا بحسب الاستدلالات ~~الإجمالية، آمنوا بحسب الدلائل التفصيلية. # وقرأ نافع والكوفيون: { والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب ~~الذي أنزل من قبل } على بناء الفعلين للفاعل، وهو الله - تعالى -، ~~[وابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو:] على بنائهما للمفعول، والقائم ~~مقام الفاعل ضمير الكتاب. # وحجة الأولين: قوله - تعالى -: # إنا نحن نزلنا الذكر # [الحجر: 9]، وقوله # وأنزلنا إليك الذكر # [النحل: 44]، وحجة الضم: قوله - تعالى -: # لتبين للناس ما نزل إليهم # [النحل: 44]، وقوله: ms2835 # يعلمون أنه منزل [من ربك بالحق] # [الأنعام: 114]. # قال بعض العلماء: كلاهما حسن، إلا أن الضم أفخم، كقوله: # وقيل يأرض ابلعي مآءك # [هود: 44]. # وقال الزمخشري: فإن قلت [لم] قال: { نزل على رسوله } ، ~~و { أنزل من قبل }؟. # قلت: " لأن القرآن نزل منجما مفرقا في عشرين سنة، ~~بخلاف الكتب قبله " ، وقد تقدم البحث معه في ذلك، عند قوله ~~- تعالى -: # نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين ~~يديه وأنزل التوراة # [آل عمران: 3] وأن التضعيف في " نزل " للتعدية، مرادف ~~للهمزة لا للتكثير. # فصل # اعلم: أنه [تعالى] أمر في هذه الآية بالإيمان بأربعة أشياء: # أولها: بالله. # وثانيها: برسوله. # وثالثها: بالكتاب الذي نزل على رسوله. # ورابعها: [بالكتاب الذي أنزل من قبل. وذكر في الكفر أمورا ~~خمسة: # أولها: الكفر بالله. # وثانيها: الكفر بملائكته. # وثالثها: الكفر بكتبه]. # ورابعها: الكفر برسله. # وخامسها: الكفر باليوم الآخر. # ثم قال: { فقد ضل ضلالا بعيدا } وهاهنا سؤالات: # السوال الأول: لم قدم في مراتب الإيمان ذكر الرسول على ذكر ~~الكتاب، وفي مراتب الكفر قلب القضية؟. # والجواب: لأن في مرتبة النزول من الخالق إلى الخلق كان الكتاب ~~مقدما على الرسول، وفي مرتبه العروج من الخلق إلى الخالق، يكون ~~الرسول مقدما على الكتاب. # السؤال الثاني: لم ذكر في مراتب الإيمان أمورا ثلاثة: الإيمان ~~بالله، وبالرسل، وبالكتب، وذكر في مراتب الكفر [أمورا خمسة: ~~الكفر] بالله، وبالملائكة، وبالرسل، [وبالكتب]، وباليوم ~~الآخر؟. # والجواب: لأن الإيمان [بالله و] بالرسل، وبالكتب متى حصل، ~~فقد حصل الإيمان بالملائكة، وباليوم الآخر لا محالة، إذ ربما ~~ادعى الإنسان أنه يؤمن بالله، وبالرسل، وبالكتب، ثم إنه ~~ينكر الملائكة، وينكر اليوم الآخر، ويزعم أن الآيات الواردة ~~في الملائكة وفي اليوم الآخر، محمولة على التأويل. # فلما احتمل هذا؛ لا جرم نص على أن منكر الملائكة، ومنكر ~~اليوم الآخر، كافر بالله. # السؤال الثالث: كيف قيل لأهل الكتاب: { والكتاب الذي ~~أنزل من قبل } مع أنهم كانوا مؤمنين بالتوراة والإنجيل؟. # والجواب: ما تقدم من أن المراد بالكتاب: الجنس، فأمروا أن ~~يؤمنوا بكل الكتب؛ لأنهم لم يؤمنوا بكلها؛ كما قالوا: ~~نؤمن ببعض ms2836 ونكفر ببعض، وأما قوله: { فقد ضل ضلالا ~~بعيدا } ليس جوابا للأشياء المذكورة، بل المعنى: ومن يكفر ~~بواحد منها. ### || [4.137-139] # لما أمر بالإيمان، ورغب فيه، بين فساد طريقة من يكفر بعد ~~الإيمان. # قال قتادة: هم اليهود؛ آمنوا بموسى، ثم كفروا من بعد بعبادتهم ~~العجل، [ثم آمنوا بالتوراة]، ثم كفروا بعيسى - عليه السلام -، ثم ~~ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم. # وقيل: هو في جميع أهل الكتاب آمنوا بنبيهم، ثم كفروا به، ~~وآمنوا بالكتاب الذي نزل عليه، ثم كفروا به، وكفرهم به: تركهم ~~إياه، أي: ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم. # وقيل: هذا في قوم مرتدين، آمنوا ثم ارتدوا، ومثل هذا هل ~~تقبل توبته؟ حكي عن علي: أنه لا تقبل توبته، بل يقتل؛ ~~لقوله - تعالى -: { لم يكن الله ليغفر لهم } وذلك لأن ~~تكرار الكفر منهم بعد الإيمان مرات، يدل على أنه لا وقع ~~للإيمان في قلوبهم، إذ لو كان للإيمان وقع في قلوبهم، لما ~~تركوه بأدنى سبب، ومن كان كذلك، فالظاهر أنه لا يؤمن ~~إيمانا صحيحا، فهذا هو المراد بقوله: { لم يكن الله ~~ليغفر لهم } وليس المراد، أنه لو أتى بالإيمان الصحيح، لم ~~يكن معتبرا، بل المراد منه: الاستبعاد، وأكثر أهل العلم ~~على قبول توبته. # وقال مجاهد: { ثم ازدادوا كفرا } أي: ماتوا عليه، { لم يكن الله ~~ليغفر لهم }: ما أقاموا على ذلك، { ولا ليهديهم سبيلا } أي: طريقا إلى ~~الحق. # وقيل: المراد طائفة من أهل الكتاب، قصدوا تشكيك المسلمين، ~~فكانوا يظهرون الإيمان تارة والكفر تارة أخرى، على ما أخبر ~~الله - تعالى - عنهم قولهم: # آمنوا [بالذي أنزل على الذين آمنوا] وجه ~~النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون # [آل عمران: 72] وقوله: { ثم ازدادوا كفرا } أن بلغوا في ~~ذلك إلى حد الاستهزاء، والسخرية بالإسلام. # فصل # دلت الآية على أن الكفر يقبل الزيادة والنقصان؛ فوجب أن ~~يكون الإيمان كذلك؛ لأنهما ضدان متنافيان؛ فإذا قبل ~~أحدهما التفاوت، فكذلك الآخر. # فإن قيل: الحكم المذكور في هذه الآية: إما أن يكون مشروطا ~~بما قبل التوبة، أو بما بعدها. # والأول: ms2837 باطل؛ لأن الكفر قبل التوبة غير مغفور على ~~الإطلاق، وحينئذ تضيع الشروط المذكورة. # والثاني: باطل؛ لأن الكفر [يغفر] بعد التوبة، ولو كان بعد ~~ألف مرة، فعلى التقديرين يلزم السؤال. # والجواب من وجوه: # أحدها: ألا نحمل قوله: " إن الذين " على الاستغراق، بل على ~~المعهود السابق، وهم أقوام معينون علم الله أنهم يموتون ~~على الكفر، ولا يتوبون عنه، فقوله: { لم يكن الله ~~ليغفر لهم } إخبار عن موتهم على الكفر. # وثانيها: أن الكلام خرج على الغالب المعتاد، فإن كان كثير ~~الانتقال من الإسلام إلى الكفر، لم يكن للإيمان في قلبه ~~وقع، ولا وجد حلاوة الإيمان كما تقدم، والظاهر ممن حاله هذا ~~أنه يموت كافرا. # وثالثها: أن الحكم على المذكور في الآية مشروط بعدم التوبة ~~عن الكفر، وقول السائل إنه على هذا التقدير تضييع الصفات ~~المذكورة. # قلنا: إن إفراده بالذكر يدل على أن كفرهم أفحش، ~~وخيانتهم أعظم، وعقوبتهم في القيامة أولى، فجرى مجرى قوله: # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن ~~نوح # [الأحزاب: 7] خصهما بالذكر لأجل التشريف، وكقوله: # وملائكته ورسله وجبريل وميكال # [البقرة: 98]. # فإن قيل: اللام في قوله: " ليغفر لهم ": للتأكيد، وهو غير ~~لائق بهذا الموضع، وإنما اللائق به تأكيد النفي. # فالجواب: إن نفي التأكيد على سبيل التهكم مبالغة في تأكيد ~~النفي، وهذه اللام تشبه اللام في قوله: # ما كان الله ليذر المؤمنين # [آل عمران: 179]، تقدم الكلام فيه، ومذاهب الناس، وأن لام ~~الجحود تفيد التوكيد، والفرق بين قولك: " ما كان زيد ~~يقوم " ، و " ما كان ليقوم ". # قوله: { ولا ليهديهم سبيلا } يدل على أنه - تعالى - لم [يهد] ~~الكافرين إلى الإيمان. # وقالت المعتزلة: هذا محمول على زيادة الألطاف، أو على ~~أنه لا يهديهم إلى الجنة في الآخرة. # قوله { بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما } البشارة: كل خبر ~~تتغير به بشرة الوجه، سارا كان أو غير سار. # وقال الزجاج: معناه: اجعل في موضع بشارتك لهم العذاب، ~~كما تقول العرب: " تحيتك الضرب وعتابك السيف " ، أي: بدلا ~~لكم من التحية، ثم وصف المنافقين، فقال: { الذين يتخذون ~~الكافرين أولياء من ms2838 دون المؤمنين } يعني: يتخذون اليهود والنصارى ~~أولياء، وأنصارا، وبطانة من دون المؤمنين، كان المنافقون ~~يوادونهم، ويقول بعضهم لبعض: إن أمر محمد لا يتم. # قوله: " الذين " يجوز فيه النصب والرفع، فالنصب من وجهين: # أحدهما: كونه نعتا للمنافقين. # والثاني: أنه نصب بفعل مضمر، أي أذم الذين، والرفع على ~~خبر مبتدأ محذوف، أي: هم الذين. # فصل # قال القرطبي: وفي الآية دليل على أن من عمل معصية من ~~الموحدين، ليس بمنافق؛ لأنه لا يتولى الكفار، وتضمنت المنع من ~~موالاة الكفار، وأن يتخذوا أعوانا على الأعمال المتعلقة ~~بالدين، وفي الصحيح عن عائشة - رضي الله عنها -: # " أن رجلا من المشركين لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم يقاتل ~~معه، فقال: ارجع، فإننا لا نستعين بمشرك ". # قوله: { أيبتغون عندهم العزة } أي: المعونة، والظهور على محمد صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه، وقيل: أيطلبون عندهم القوة، والغلبة، ~~والقدرة. # قال الواحدي: أصل العزة في اللغة: الشدة، ومنه: قيل: ~~للأرض [الصلبة] الشديدة: عزاز ويقال: قد استعز المرض على ~~المريض: إذا اشتد مرضه وكاد أن يهلك وعز الهم إذا ~~اشتد، ومنه: [عز] علي أن يكون كذا بمعنى: اشتد، وعز ~~الشيء: إذا قل حتى لا يكاد يوجد؛ لأنه اشتد مطلبه، واعتز ~~فلان بفلان: إذا اشتد ظهره به، وشاة عزوز: إذا اشتد ~~حلبها، والعزة: القوة، منقولة عن الشدة؛ لتقارب ~~معنيهما، والعزيز: القوي المنيع بخلاف الذليل، فالمنافقون ~~كانوا يطلبون العزة والقوة، بسبب اتصالهم باليهود، فأبطل ~~الله عليهم هذا الرأي بقوله: { فإن العزة لله جميعا }. # والثاني: قوله: " فإن العزة " لما في الكلام من معنى الشرط، إذ ~~المعنى: إن تبتغوا من هؤلاء عزة { فإن العزة لله جميعا } ، ~~" جميعا ": حال من الضمير المستكن في قوله: " لله " ~~لوقوعه خبرا، [والمعنى: أن العزة ثبتت لله - تعالى - ~~حالة كونها جميعا]. # فإن قيل: هذا كالمناقض لقوله: # ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين # [المنافقون: 8]. # فالجواب: أن القدرة الكاملة لله، وكل من سواه فبإقداره صار ~~قادرا، وبإعزازه صار عزيزا، فالعزة الحاصلة للرسول ~~وللمؤمنين لم تحصل إلا من الله - تعالى -، فكان الأمر عند ~~التحقيق: أن العزة لله جميعا. ms2839 ### || [4.140] # قرأ الجماعة: " نزل " مبنيا للمفعول، وعاصم ويعقوب قرآه " نزل ~~" مبنيا للفاعل، وأبو حيوة وحميد: " نزل " مخففا مبنيا ~~للفاعل، والنخعي: " أنزل " بالهمزة مبنيا للمفعول. # والقائم مقام الفاعل في قراءة الجماعة والنخعي، هو " أن " وما ~~في حيزها، أي: وقد نزل عليكم المنع من مجالستهم عند ~~سماعكم الكفر بالآيات، والاستهزاء بها. # وأما في قراءة عاصم: ف " أن " مع ما بعدها في محل نصب مفعولا ~~به ب " نزل " ، والفاعل ضمير الله - تعالى - كما تقدم. # وأما في قراءة أبي حيوة وحميد: فمحلها رفع بالفاعلية ل " ~~نزل " مخففا، فمحلها: إما نصب على قراءة عاصم، أو رفع على ~~قراءة غيره، ولكن الرفع مختلف. # فصل # قال المفسرون: المعنى: وقد نزل عليكم يا معشر المؤمنين، { أن ~~إذا سمعتم آيات الله } يعني: القرآن { يكفر بها ويستهزأ ~~بها فلا تقعدوا معهم } يعني: مع المستهزئين { حتى يخوضوا في حديث ~~غيره } ، وذلك أن المشركين كانوا يخوضون في مجالستهم في ~~ذكر القرآن، يستهزئون به، فأنزل الله - تعالى - # وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض ~~عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره # [الأنعام: 68] وهذه الآية نزلت في مكة. # ثم إن أحبار اليهود بالمدينة، كانوا يفعلون فعل المشركين، ~~وكان المنافقون يقعدون معهم، ويوافقونهم على ذلك، فقال - تعالى ~~- مخاطبا لهم: { وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله ~~يكفر بها ويستهزأ بها } والمعنى: إذا سمعتم الكفر بآيات الله ~~والاستهزاء بها، لكنه أوقع فعل السماع على الآية، والمراد بها: ~~سماع الاستهزاء. # قال الكسائي: هو كما يقال: سمعت عبد الله يلام. # قال ابن الخطيب: وعندي فيه وجه آخر: وهو أن يكون المعنى: إذا ~~سمعتم آيات الله حال ما يكفر بها ويستهزأ بها، وعلى هذا فلا ~~حاجة لما قاله الكسائي. # قوله: " أن إذا " " أن " هذه هي المخففة من الثقيلة، واسمها: ~~ضمير الأمر والشأن، أي: أن الأمر والشأن إذا سمعتم الكفر ~~والاستهزاء، فلا تقعدوا. # قال أبو حيان: وما قدره أبو البقاء من قوله: " أنكم إذا سمعتم ~~" ليس بجيد، لأن " أن " المخففة لا تعمل إلا في ضمير الشأن، ~~إلا في ms2840 ضرورة؛ كقوله: [الطويل] # 1888- فلو أنك في يوم الرخاء سألتني # طلاقك لم أبخل وأنت صديق # قال شهاب الدين: هكذا قال، ولم أره أنا في إعراب أبي البقاء إلا ~~أنه بالهاء دون الكاف والميم، والجملة الشرطية المنعقدة ~~من " إذا " وجوابها في محل رفع، خبرا ل " أن " ، ومن مجيء ~~الجملة الشرطية خبرا ل " أن " المخففة: قوله: [الكامل] # 1889- فعلمت أن ما تتقوه فإنه # جزر لخامعة وفرخ عقاب # ف " ما " شرطية، و " فإنه " جوابها، والجملة خبر ل " أن " ~~المخففة. # قوله: " يكفر بها " في محل نصب على الحال من الآيات، و " ~~بها " في محل رفع؛ لقيامه مقام الفاعل، وكذلك في قوله: " ~~يستهزأ بها " والأصل: يكفر بها أحد، فلما حذف الفاعل، قام ~~الجار والمجرور مقامه، ولذلك روعي هذا الفاعل المحذوف، ~~فعاد عليه الضمير من قوله: { معهم حتى يخوضوا } كأنه قيل: إذا ~~سمعتم آيات الله يكفر بها المشركون، ويستهزئ بها ~~المنافقون، فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره، أي: ~~غير حديث الكفر والاستهزاء، فعاد الضمير في " غيره " على ما دل ~~عليه المعنى. # وقيل: الضمير في " غيره " يجوز أن يعود على الكفر والاستهزاء ~~المفهومين من قوله: " يكفر بها " و " ويستهزأ بها " ، ~~[وإنما أفرد الضمير وإن كان المراد به شيئين؛ لأحد أمرين:] # إما لأن الكفر والاستهزاء شيء واحد في المعنى: # وإما لإجراء الضمير مجرى اسم الإشارة، نحو: # عوان بين ذلك # [البقرة: 68]. وقوله: [الرجز] # 1890- كأنه في الجلد توليع البهق # وقد تقدم تحقيقه في البقرة، و " حتى ": غاية للنهي، والمعنى: ~~أنه يجوز مجالستهم عند خوضهم في غير الكفر والاستهزاء. # قال الضحاك: عن ابن عباس: دخل في هذه الآية كل محدث في ~~الدين، وكل مبتدع إلى يوم القيامة. # قوله: { إنكم إذا مثلهم } " إذا " هنا: ملغاة؛ لوقوعها بين ~~مبتدأ وخبر، والجمهور على رفع اللام في " مثلهم " على خبر ~~الابتداء، وقرئ شاذا بفتحها، وفيها تخريجان: # أحدهما: - وهو قول البصريين - أنه خبر أيضا، وإنما فتح لإضافته ~~إلى غير متمكن؛ كقوله - تعالى -: # إنه لحق مثل مآ أنكم تنطقون # [الذاريات: 23] بفتح اللام، وقول الفرزدق: [البسيط] # 1891-............................. # ..... وإذ ما ms2841 مثلهم بشر # في أحد الأوجه. # والثاني: - وهو قول الكوفيين - إن " مثل " يجوز نصبها على ~~المحل، أي: الظرف، ويجيزون: " زيد مثلك " بالنصب على المحل ~~أي: زيد في مثل حالك، وأفرد " مثل " هنا، وإن أخبر به عن جمع ولم ~~يطابق به كما طابق ما قبله في قوله: # ثم لا يكونوا أمثالكم # [محمد: 38]، وقوله: # وحور عين كأمثال # [الواقعة: 22، 23]. # قال أبو البقاء وغيره: لأنه قصد به هنا المصدر، فوحد كما وحد في ~~قوله: # أنؤمن لبشرين مثلنا # [المؤمنون: 47]. وتحرير المعنى: أن التقدير: إن عصيانكم مثل ~~عصيانهم، إلا أن تقدير المصدرية في قوله: " لبشرين مثلنا " ~~قلق. # فصل في معنى الآية # والمعنى: أنكم إذا مثلهم، إن قعدتم عندهم وهم يخوضون ~~ويستهزئون، ورضيتم به، فأنتم كفار مثلهم، وإن خاضوا في ~~حديث غيره، فلا بأس بالقعود معهم مع الكراهة. # قال الحسن: لا يجوز القعود معهم وإن خاضوا في حديث غيره؛ ~~لقوله - تعالى -: # وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى ~~مع القوم الظالمين # [الأنعام: 68] والأكثرون على الأول، وآية الأنعام مكية وهذه ~~مدنية، والمتأخر أولى. # فصل # قال بعض العلماء: هذا يدل على أن من رضي بالكفر، فهو كافر، ~~ومن رضي بمنكر يراه، وخالط أهله وإن لم يباشر ذلك، كان في ~~الإثم بمنزلة المباشر لهذه الآية، وإن لم يرض وحضر خوفا ~~وتقية، فلا. # قوله: { إن الله جامع المنافقين والكافرين في ~~جهنم جميعا } أي: كما اجتمعوا على الاستهزاء بآيات الله ~~في الدنيا، فكذلك يجتمعون في العذاب يوم القيامة، وأراد: ~~جامع بالتنوين؛ لأنه بعدما جمعهم حذف التنوين؛ استخفافا من ~~اللفظ، وهو مراد في الحقيقة. ### || [4.141] # في: " الذين يتربصون ": ستة أوجه: # أحدها: أنه بدل من قوله: " الذين يتخذون " ، فيجيء فيه الأوجه ~~المذكورة هناك. # الثاني: أنه نعت للمنافقين على اللفظ، فيكون مجرور ~~المحل. # الثالث: أنه تابع لهم على الموضع، فيكون منصوب المحل، وقد ~~تقرر أن اسم الفاعل العامل إذا أضيف إلى معموله، جاز أن ~~يتبع معموله لفظا وموضعا، تقول: " هذا ضارب هند العاقلة ~~والعاقلة " بجر العاقلة ونصبها. # الرابع: أنه منصوب على الشتم. # الخامس: أنه خبر مبتدأ ms2842 مضمر، أي: هم الذين. # السادس: - وذكره أبو البقاء - أنه مبتدأ، والخبر قوله: { فإن كان ~~لكم فتح } ، وهذا ضعيف؛ لنبو المعنى عنه ولزيادة الفاء في ~~غير محلها؛ لأن هذا الموصول غير ظاهر الشبه باسم الشرط. # فصل في معنى الآية # ومعنى " يتربصون بكم ": ينتظرون بكم الدوائر، يعنى: ~~المنافقين، ينتظرون ما يحدث من خير وشر، { فإن كان لكم ~~فتح من الله } أي: ظهور على اليهود، وظفر، وغنيمة، { ~~قالوا ألم نكن معكم } على دينكم وفي الجهاد كنا معكم، ~~فأعطونا قسما من الغنيمة، { وإن كان للكافرين نصيب } ~~يعني: ظفر على المسلمين، " قالوا ": يعني: المنافقين ~~للكافرين: { ألم نستحوذ عليكم } والاستحواذ: الاستيلاء ~~والغلبة على الشيء، ومنه: # استحوذ عليهم الشيطان # [المجادلة: 19]، ويقال: حاذ وأحاذ بمعنى؛ والمصدر: الحوذ، وفي ~~المعنى وجوه: # الأول: أن المعنى: ألم نغلبكم، ونتمكن من قتلكم وأسركم، ~~ثم لم نفعل شيئا من ذلك، { ونمنعكم من المؤمنين } ~~أي: ندفع عنكم صولة المؤمنين بتخذيلهم، وتوانينا في ~~مظاهرتهم، فأعطونا نصيبا مما أصبتم. # الثاني: قال المبرد: يقول المنافقون للكفار: ألم نغلبكم؛ ~~فإن المنافقين بالغوا في تنفير الكافرين، وأطمعوهم أنه ~~سيضعف أمر محمد، وسيقوى أمركم، فإذا اتفقت للكفار ~~دولة على المسلمين، قال المنافقون: ألسنا غلبناكم على ~~رأيكم في الدخول في الإسلام، ومنعناكم منه، فلما شاهدتم ~~صدق قولنا، فأعطونا نصيبنا مما أخذتم، ومراد ~~المنافقين: إظهار المنة على الكافرين بهذا الكلام. # الثالث: ألم نخبركم بعزيمة محمد وأصحابه، ونطلعكم على ~~سرهم. # فإن قيل: لم سمى ظفر المسلمين فتحا، وظفر الكفار نصيبا. # فالجواب: أنه تعظيم لشأن المؤمنين، وتحقير لحظ الكافرين؛ لأن ظفر ~~المسلمين أمر عظيم، يفتح الله له أبواب السماء؛ حتى تنزل ~~الرحمة على أولياء الله، وأما ظفر الكافرين: فما هو إلا ~~حظ دنيوي ينقضي، ولا يبقى منه إلا اللوم في الدنيا، ~~والعقوبة في الأخرى. # قوله: " ونمنعكم " الجمهور على جزمه، عطفا على ما قبله. # وقرأ ابن بي عبلة بنصب العين وهي ظاهرة؛ فإنه على إضمار " ~~أن " بعد الواو المقتضية للجمع في جواب الاستفهام؛ كقول ~~الحطيئة: [الوافر] # 1892- ألم أك جاركم ويكون بيني # وبينكم المودة والإخاء # وعبر ms2843 ابن عطية بعبارة الكوفيين، فقال: " بفتح العين على ~~الصرف " ويعنون بالصرف: عدم تشريك الفعل مع ما قبله في ~~الإعراب. # وقرأ أبي: " ومنعناكم " فعلا ماضيا، وهي ظاهرة أيضا؛ لأنه حمل ~~على المعنى، فإن معنى " ألم نستحوذ ": إنا قد ~~استحوذنا، لأن الاستفهام إذا دخل على نفي قرره، ومثله: # ألم نشرح لك صدرك ووضعنا # [الشرح:1، 2] لما كان " ألم نشرح " في معنى: " قد شرحنا " ~~عطف عليه " ووضعنا ". # ونستحوذ واستحوذ مما شذ قياسا، وفصح استعمالا؛ لأنه ~~من حقه نقل حركة حرف علته إلى الساكن قبلها، وقلبها ~~ألفا؛ كاستقام واستبان وبابه، وقد قدمت تحقيق هذا في قوله - ~~تعالى - في الفاتحة: " نستعين " ، وقد شذت معه ألفاظ أخر، نحو: " ~~أغيمت وأغيلت المرأة وأخيلت السماء " قصرها النحويون على ~~السماع، وقاسها أبو زيد. # قوله: { فالله يحكم بينكم } قيل: هنا معطوف محذوف، أي: ~~وبينهم؛ كقوله: [الطويل] # 1893- فما كان بين الخير لو جاء سالما # أبو حجر إلا ليال قلائل # أي: وبيني، والظاهر أنه لا يحتاج لذلك؛ لأن الخطاب في " بينكم ~~" شامل للجميع، والمراد: المخاطبون والغائبون، وإنما غلب ~~الخطاب؛ لما عرفت من لغة العرب. # فالمعنى: أن الله يحكم بين المؤمنين والمنافقين يوم القيامة، ~~ولم يضع السيف في الدنيا عن المنافقين، بل أخر ~~عقابهم إلى يوم القيامة. # قوله: { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا }. # قال علي - رضي الله عنه -: في الآخرة، قال يسيع الحضرمي: ~~كنت عند علي - رضي الله عنه -، فقال [له] رجل يا أمير ~~المؤمنين: أرأيت قوله - تبارك وتعالى -: { ولن يجعل الله للكافرين على ~~المؤمنين سبيلا }. كيف ذلك، وهم يقاتلوننا ويظهرون علينا ~~أحيانا. # فقال علي - رضي الله عنه -: معنى ذلك: يوم القيامة؛ وهو مروي ~~عن ابن عباس، وقيل: لا يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا، ~~إلا أن يتواصوا بالباطل، ولا يتناهوا عن المنكر، ويتقاعدوا ~~عن التوبة، فيكون تسليط العدو من قبلهم؛ كما قال: # ومآ أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم # [الشورى: 30]. # قال ابن العربي: وهذا نفيس. # وقيل: ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ~~شرعا، فإن وجد، فبخلاف الشرع. # وقال عكرمة، عن ms2844 ابن عباس: حجة في الدنيا، وقيل: ظهورا ~~على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: عام في الكل، ~~إلا ما خصه الدليل. # قوله: على المؤمنين يجوز أن يتعلق بالجعل، ويجوز أن يتعلق ~~بمحذوف،؛ لأنه في الأصل صفة ل " سبيلا " ، فلما قدم عليه، ~~انتصب حالا عنه. # فصل # استدلوا بهذه الآية على مسائل: # منها: استيلاء الكافر على مال المسلم بدار الحرب، لم ~~يملكه. # ومنها: أن الكافر ليس له أن يشتري عبدا مسلما. # ومنها: أن المسلم لا يقتل بالذمي. ### || [4.142-143] # قد تقدم تفسير الخداع واشتقاقه أول البقرة، ومعنى المفاعلة فيه. # قال الزجاج: معناه: يخادعون الرسول، أي: يظهرون له ~~الإيمان ويبطنون الكفر؛ كقوله: # إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله # [الفتح: 10]، وسمي المنافق منافقا؛ أخذا من: نافقاء ~~اليربوع؛ وهي جحره؛ فإنه يجعل له بابين، يدخل من أحدهما ~~ويخرج من الآخر؛ كذلك المنافق، يدخل مع المؤمنين بقوله: أنا ~~مؤمن، [ويدخل مع الكافر بقوله: أنا كافر]، وجحر اليربوع ~~يسمى النافقاء، والسامياء والدامياء، [فالسامياء]: هو ~~الجحر الذي تلد فيه الأنثى، [والدامياء: هو الذي يكون] فيه. # قوله: " وهو خادعهم " فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: ذكره أبو البقاء: أنه نصب على الحال. # والثاني: أنها في محل رفع عطفا على خبر " إن ". # الثالث: أنها استئناف إخبار بذلك. # قال الزمخشري: " وخادع: اسم فاعل من خادعته، فخدعته ~~إذا غلبته، وكنت أخدع منه ". قوله: " وهو خادعهم " أي: ~~مجازيهم بالعقاب على خداعهم. # قال ابن عباس: إنهم يعطون نورا يوم القيامة كالمؤمنين، ~~فيمضي المؤمنون بنورهم على الصراط، ويطفأ نور المنافقين، ~~يدل عليه قوله: # مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلمآ أضاءت ما ~~حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا ~~يبصرون # [البقرة: 17]. # قوله: " وإذا قاموا " عطف على خبر " إن " أخبر عنهم بهذه ~~الصفات الذميمة، و " كسالى ": نصب على الحال من ضمير " ~~قاموا " الواقع جوابا، والجمهور على ضم الكاف، وهي لغة أهل ~~الحجاز [جمع كسلان: كسكارى]، وقرأ الأعرج بفتحها، وهي لغة تميم ~~وأسد، وقرأ ابن السميفع: " كسلى " وصفهم بما توصف به ~~المؤنثة المفردة، اعتبارا بمعنى الجماعة؛ كقوله: " وترى ~~الناس ms2845 سكرى " ، والكسل: الفتور والتواني، وأكسل: إذا جامع ~~وفتر ولم ينزل. والمعنى: أن المنافقين إذا قاموا إلى الصلاة، ~~قاموا متثاقلين، لا يريدون بها الله - تعالى-، فإن رآهم أحد، ~~صلوا، وإلا انصرفوا فلم يصلوا. # قوله: " يراؤون [الناس] " في هذه الجملة ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها حال من الضمير المستتر في " كسالى ". # الثاني: أنها بدل من " كسالى "؛ ذكره أبو البقاء، فيكون حالا من ~~فاعل " قاموا " وفيه نظر، لأن الثاني ليس الأول ولا بعضه ولا ~~مشتملا عليه. # الثالث: أنها مستأنفة أخبر عنهم بذلك، وأصل يراؤون: يرائيون، ~~فأعل كنظائره، والجمهور على: " يراؤون " من المفاعلة. # قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى المراءاة، وهي مفاعلة من ~~الرؤية؟ قلت: لها وجهان: # أحدهما: أن المرائي يريهم عمله، وهم يرونه الاستحسان. # والثاني: أن تكون من المفاعلة بمعنى: التفعيل، يقال: نعمه ~~وناعمه، وفنقه وفانقه، وعيش مفانق، وروى أبو زيد: " رأت ~~المرأة المرآة [الرجل] " إذا أمسكتها له ليرى وجهه؛ ويدل ~~عليه قراءة ابن أبي إسحاق: " يرؤونهم " بهمزة مشددة مثل: ~~يدعونهم، أي: يبصرونهم ويراؤونهم كذلك، يعني: أن قراءة: " ~~يرؤنهم " من غير ألف، بل بهمزة مضمومة مشددة توضح أن ~~المفاعلة هنا بمعنى التفعيل. # قال ابن عطية: " وهي - يعني هذه القراءة - أقوى من " يراؤون " ~~في المعنى؛ لأن معناها يحملون الناس على أن يروهم، ~~ويتظاهرون لهم بالصلاة ويبطنون النفاق " وهذا منه ليس بجيد؛ ~~لأن المفاعلة إن كانت على بابها، فهي أبلغ لما عرف غير ~~مرة، وإن كانت بمعنى التفعيل، فهي وافية بالمعنى الذي ~~أراده، وكأنه لم يعرف أن المفاعلة قد تجيء بمعنى التفعيل. ~~ومتعلق المراءاة محذوف؛ ليعم كل ما يراءى به، والأحسن ~~أن تقدر: يراؤون الناس بأعمالهم. # قوله: { ولا يذكرون الله إلا قليلا } " ولا يذكرون ~~" ، يجوز أن يكون عطفا على " يراؤون " ، وأن يكون حالا من فاعل " ~~يراؤون " وهو ضعيف؛ لأن المضارع المنفي ب " لا " كالمثبت، ~~والمثبت إذا وقع حالا، لا يقترن بالواو، فإن جعلها ~~عاطفة، جاز. # وقوله: " قليلا ": نعت لمصدر محذوف، أو لزمان محذوف، أي: ذكرا ~~قليلا أو زمنا قليلا، والقلة هنا على بابها، وجوز ~~الزمخشري وابن ms2846 عطية: أن تكون بمعنى العدم، ويأباه ~~كونه مستثنى، وقد تقدم الرد عليهما في ذلك. # فصل # قال ابن عباس، والحسن: إنما قال ذلك؛ لأنهم يفعلونها ~~رياء وسمعة، ولو أرادوا بذلك القليل وجه الله، لكان ~~كثيرا، وقال قتادة: إنما قل ذكر المنافقين؛ لأن الله لم ~~يقبله، وكل ما قبل الله، فهو كثير. # وقيل: المعنى: لا يصلون إلا قليلا، [والمراد ب " الذكر " ~~الصلاة]، وقيل: لا يذكرون الله في جميع الأوقات، سواء كان ~~وقت الصلاة أو لم يكن إلا قليلا نادرا. # قال الزمخشري: [وترى] كثيرا من المتظاهرين بالإسلام، لو ~~صحبته الأيام والليالي، لم تسمع منه تهليلة، ولكن ~~حديث الدنيا يستغرق به أوقاته، لا يفتر عنه. # قوله: " مذبذبين ": فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه [حال] من فاعل " يراءون ". # الثاني: أنه حال من فاعل " ولا يذكرون ". # الثالث: أنه منصوب على الذم، والجمهور على " مذبذبين " بميم ~~مضمومة وذالين معجمتين، ثانيتهما مفتوحة على أنه اسم مفعول، من ~~ذبذبته، فهو مذبذب، أي: متحير، وقرأ ابن عباس ~~وعمرو بن فائد بكسر الذال الثانية اسم فاعل، وفيه احتمالان: # أحدهما: أنه من " ذبذب " متعديا، فيكون مفعوله محذوفا، أي: ~~مذبذبين أنفسهم أو دينهم، أو نحو ذلك. # الثاني: أنه بمعنى تفعلل، نحو: " صلصل " فيكون قاصرا؛ ويدل ~~على هذا الثاني قراءة أبي، وما في مصحف عبد الله " متذبذبين " ~~فلذلك يحتمل أن تكون قراءة ابن عباس بمعنى متذبذبين، وقرأ ~~الحسن البصري " مذبذبين " بفتح الميم. # قال ابن عطية: " وهي مردودة " وقال غيره: لا ينبغي أن تصح عنه، ~~واعتذر أبو حيان عنها لأجل فصاحة الحسن، واحتجاج الناس بكلامه بأن ~~فتح الميم لأجل إتباعها بحركة الذال؛ قال: " وإذا كانوا قد أتبعوا في " ~~منتن " حركة الميم بحركة التاء، مع الحاجز بينهما، وفي نحو " ~~منحدر " أتبعوا حركة الدال بحركة الراء حالة الرفع، مع أن حركة ~~الإعراب غير لازمة؛ فلأن يتبعوا في نحو " مذبذبين " أولى ~~". [قال شهاب الدين:] وهذا فاسد؛ لأن الإتباع في الأمثلة التي أوردها ~~ونظائرها إنما هو إذا كانت الحركة قوية، وهي الضمة والكسرة، وأما ~~الفتحة فخفيفة، فلم يتبعوا لأجلها، وقرأ ms2847 ابن القعقاع بدالين ~~مهملتين من الدبة، وهي الطريقة [التي يدب فيها] يقال: " ~~خلني ودبتي " أي: طريقتي؛ قال: [الطويل] # 1894- طها هذربان قل تغميض عينه # على دبة مثل الخنيف المرعبل # وفي حديث ابن عباس: " اتبعوا دبة قريش " ، أي: طريقها، ~~فالمعنى على هذه القراءة: أن يأخذ بهم تارة دبة، وتارة دبة ~~أخرى، فيتبعون متحيرين غير ماضين على طريق واحد. # ومذبذب وشبهه نحو: مكبكب ومكفكف؛ مما ضعف ~~أوله وثانيه، وصح المعنى بإسقاط ثالثه - فيه مذاهب: # أحدها: - وهو قول جمهور البصريين -: أن الكل أصول؛ لأن أقل ~~البنية ثلاثة أصول، وليس أحد المكررين أولى بالزيادة من الآخر. # الثاني - ويعزى للزجاج -: أن ما صح إسقاطه زائد. # الثالث - وهو قول الكوفيين -: أن الثالث بدل من تضعيف الثاني، ~~ويزعمون أن أصل كفكف: كفف بثلاث فاءات، وذبذب: ذبب ~~بثلاث ياءات، فاستثقل توالي ثلاثة أمثال، فأبدلوا الثالث من ~~جنس الأول، أما إذا لم يصح المعنى بحذف الثالث، نحو: سمسم ~~ويؤيو ووعوع؛ فإن الكل يزعمون أصالة الجميع، ~~والذبذبة في الأصل: الاضطراب والحركة ومنه سمي الذباب؛ ~~لكثرة حركته. # قال - عليه السلام -: # " من وقي شر قبقبه وذبذبه ولقلقه وجبت له الجنة " # يعني: الذكر يسمى بذلك لتذبذبه، أي: حركته، وقيل التذبذب: ~~التردد بين حالين. # قال النابغة: [الطويل] # 1895- ألم تر أن الله أعطاك سورة # ترى كل ملك دونها يتذبذب # وقال آخر: [الطويل] # 1896- خيال لأم السلسبيل ودونها # مسيرة شهر للبعير المذبذب # بكسر الذال الثانية، قال ابن جني: " أي: القلق الذي لا يستقر "؛ ~~قال الزمخشري: " وحقيقة المذبذب الذي يذب عن كلا الجانبين، أي: ~~يذاد ويدفع، فلا يقر في جانب واحد، كما يقال: " فلان يرمى به ~~الرحوان " ، إلا أن الذبذبة فيها تكرير ليس في الذب، كأن ~~المعنى: كلما مال إلى جانب ذب عنه ". # قال ابن الأثير في " النهاية ": وأصله من الذب وهو الطرد؛ ~~ومنه قوله - عليه الصلاة والسلام: # " تزوج وإلا فأنت من المذبذبين " # أي: المطرودين عن المؤمنين لأنك لم تقتد بهم، وعن ~~الرهبان؛ لأنك تركت طريقتهم، ويجوز أن يكون من الأول. # و " بين " معمول لقوله: " مذبذبين " و " ذلك " إشارة ms2848 إلى ~~الكفر والإيمان المدلول عليهما بذكر الكافرين والمؤمنين، ونحو: ~~[الوافر] # 1897- إذا نهي السفيه جرى إليه # ................................ # أي: إلى السفه؛ لدلالة لفظ السفيه عليه، وقال ابن عطية: " أشير ~~إليه، وإن لم يجر له ذكر؛ لتضمن الكلام له؛ نحو: # حتى توارت بالحجاب # [ص: 32] # كل من عليها فان # [الرحمن: 26] يعني توارت الشمس، وكل من على الأرض؛ قال أبو حيان ~~" وليس كذلك، بل تقدم ما يدل عليه " وذكر ما قدمته، وأشير ب " ~~ذلك " وهو مفرد لاثنين؛ لما تقدم في قوله # عوان بين ذلك # [البقرة: 68]. # قوله: { لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء } " إلى " في ~~الموضعين متعلقة بمحذوف، وذلك المحذوف هو حال حذف؛ لدلالة ~~المعنى عليه، والتقدير: مذبذبين لا منسوبين إلى هؤلاء ولا ~~منسوبين إلى هؤلاء، فالعامل في الحال نفس " مذبذبين " ، قال أبو ~~البقاء: " وموضع { لا إلى هؤلاء } نصب على الحال من الضمير في ~~مذبذبين، أي: يتذبذبون متلونين " وهذا تفسير معنى، لا إعراب. # فصل # قال قتادة: معنى الآية: ليسوا مؤمنين مخلصين، فيجب لهم ~~ما يجب للمؤمنين، ولا مشركين مصرحين بالشرك. # وروى نافع عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " مثل المنافق كمثل [الشاة] العائرة بين الغنمين ~~تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة ". # فصل في أن الحيرة في الدين بإيجاد الله تعالى # استدلوا بهذه الآية على أن الحيرة في الدين إنما تحصل ~~بإيجاد الله - تعالى -؛ لأن قوله: " مذبذبين " يقتضي فاعلا ~~قد ذبذبهم، وصيرهم مترددين، وذلك ليس باختيار ~~العبد، فإن الإنسان إذا وقع في قلبه الدواعي المتعارضة، ~~الموجبة للتحير والتردد، فلو أراد أن يدفع ذلك ~~التردد عن نفسه، لم يقدر عليه أصلا، ومن تأمل في ~~أحواله علم ذلك، وإذا ثبت أن تلك الذبذبة لا بد ~~لها من فاعل، وأن فاعلها ليس هو العبد؛ ثبت أن فاعلها هو ~~الله - تعالى -. # فإن قيل: قوله - تعالى -: { لا إلى هؤلاء ولا إلى ~~هؤلاء } يقتضي ذمهم على ترك طريقة المؤمنين، وطريقة ~~الكفار؛ والذم على ترك طريق الكفار غير جائز. # فالجواب: أن طريقة الكفار وإن كانت خبيثة، إلا أن طريقة ~~النفاق ms2849 أخبث منها؛ ولذلك فإن الله - تعالى - ذم الكفار في ~~أول سورة البقرة في آيتين، وذم المنافقين في تسع ~~عشرة آية، وما ذلك إلا لأن طريقة النفاق أخبث من طريقة ~~الكفار، فهو - تعالى - لم يذمهم على ترك الكفر، بل ~~لأنهم عدلوا عن الكفر إلى ما هو أخبث من الكفر. # قوله: { ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا } أي: ~~طريقا إلى الهدى. # واستدلوا بهذه الآية على مسألتين: # الأولى: أن تلك الذبذبة من الله - تعالى -، وإلا لم يتصل ~~هذا الكلام بما قبله. # الثانية: أنه صريح في أن الله - تعالى - أضلهم عن الدين. # قالت المعتزلة: فمعنى هذا الإضلال: أنه عبارة عن حكم الله - ~~تعالى - عليه بالضلال، أو أنه - تعالى - يضله يوم القيامة ~~عن طريق الجنة، وقد تقدم مثل ذلك. ### || [4.144] # لما ذم المنافقين بأنهم لم يستقروا مع أحد الطريقين، ~~نهى المسلمين أن يفعلوا فعل المنافقين؛ فقال: { يا أيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين } والسبب فيه: # " أن الأنصار بالمدينة كانت لهم [في قريظة] رضاع وحلف ~~ومودة، فقالوا: يا رسول الله، من نتولى؟ فقال: " ~~المهاجرين " " # ، فنزلت هذه الآية. # وقال القفال - رحمه الله تعالى -: هذا نهي للمسلمين عن ~~موالاة المنافقين، يقول: قد بينت لكم أحوال هؤلاء ~~المنافقين ومذاهبهم، فلا تتخذوا منهم أولياء. # ثم قال: { أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا ~~مبينا } ، [فإن حملناه على الأول وهو نهي المؤمنين عن ~~موالاة الكفار، كان المعنى: أتريدون أن تجعلوا لله ~~عليكم سلطانا مبينا] على كونكم منافقين، المراد ~~أتريدون أن تجعلوا لأهل دين الله وهم الرسول وأمته، وإن ~~حملناه على المنافقين، كان المعنى: أتريدون أن تجعلوا ~~لله عليكم في عقابكم حجة؛ بسبب موالاتكم مع المنافقين. # قوله: " سلطانا ": السلطان يذكر ويؤنث، فتذكيره باعتبار ~~البرهان، وتأنيثه باعتبار الحجة، إلا أن التأنيث أكثر عند ~~الفصحاء، كذا قاله الفراء، وحكى: " قضت عليك السلطان " و " ~~أخذت فلانا السلطان " وعلى هذا فكيف ذكرت صفته، فقيل: مبينا ~~دون: مبينة؟ والجواب: أن الصفة هنا رأس فاصلة، فلذلك عدل إلى التذكير، ~~دون التأنيث، وقال ابن عطية ms2850 ما يخالف ما حكاه الفراء؛ فإنه قال: " ~~والتذكير أشهر، وهي لغة القرآن؛ حيث وقع ". و " عليكم " يجوز ~~تعلقه بالجعل، أو بمحذوف على أنه حال من " سلطانا " لأنه صفة ~~له في الأصل، وقد تقدم نظيره. ### || [4.145-146] # الدرك: قرأ الكوفيون - بخلاف عن عاصم - بسكون الراء، والباقون ~~بفتحها، وفي ذلك قولان: # أحدهما: أن الدرك والدرك لغتان بمعنى واحد، كالشمع ~~والشمع، والقدر والقدر. # والثاني: أن الدرك بالفتح جمع " دركة " على حد بقر وبقرة. # وقال أبو حاتم: جمع الدرك: أدراك؛ مثل حمل وأحمال، وفرس ~~وأفراس وجمع الدرك: أدرك؛ مثل أفلس وأكلب. # واختار أبو عبيد الفتح، قال: لأنه لم يجىء في الآثار ذكر " ~~الدرك " إلا بالفتح، وهذا غير لازم لمجيء الأحاديث بإحدى اللغتين، ~~واختار بعضهم الفتح؛ لجمعه على أفعال قال الزمخشري: " والوجه ~~التحريك؛ لقولهم: أدراك جهنم " ، يعني أن أفعالا منقاس في ~~" فعل " بالفتح، دون فعل بالسكون، على أنه قد جاء أفعال في فعل ~~بالسكون؛ نحو: فرخ وأفراخ، وزند وأزناد، وفرد وأفراد، وقال ~~أبو عبد الله الفاسي في شرح القصيد: " وقال غيره - يعني غير عاصم ~~-؛ محتجا لقراءة الفتح؛ قولهم في جمعه: " أدراك " يدل على أنه " ~~درك " بالفتح، ولا يلزم ما قال أيضا؛ لأن فعلا بالتحريك قد جمع ~~على أفعال، كقلم وأقلام، وجبل وأجبال " انتهى، وهذه غفلة ~~منه؛ لن المتنازع فيه إنما هو فعل بالتسكين: هل يجمع على أفعال، أم ~~لا؟ وأما فعل بالتحريك فأفعال قياسه، وكأنه قصد الرد على الزمخشري، ~~فوقع في الغلط، وكان ينبغي له أن يقول: وقد جمع فعل بالسكون على ~~أفعال نحو: فرخ وأفراخ، كما ذكرته لك، وحكي عن عاصم أنه قال: " ~~لو كان " الدرك " بالفتح، لكان ينبغي أن يقال السفلى لا الأسفل " ~~قال بعض النحويين: يعني أن الدرك بالفتح جمع " دركة "؛ كبقر ~~جمع بقرة، والجمع يعامل معاملة المؤنثة، وهذا غير لازم؛ لأن ~~اسم الجنس الفارق بين واحده وجمعه تاء التأنيث يجوز تذكيره وتأنيثه، ~~إلا ما استثني وجوب تذكيره أو تأنيثه، والدرك ليس منه، فيجوز فيه ~~الوجهان، هذا بعد تسليم كون " الدرك " جمع " دركة ms2851 " بالسكون كما ~~تقدم، والدرك مأخوذ من المداركة، وهي المتابعة، وسميت طبقات ~~النار " دركات "؛ لأن بعضها مدارك لبعض، أي: متتابعة. # قوله: " من النار " في محل نصب على الحال، وفي صاحبها وجهان: # أحدهما: أنه " الدرك " ، والعامل فيها الاستقرار. # والثاني: أنه الضمير المستتر في " الأسفل "؛ لأنه صفة، فيتحمل ~~ضميرا. # قال الليث: الدرك أقصى قعر الشيء؛ كالبحر ونحوه، فعلى هذا ~~المراد بالدرك الأسفل: أقصى قعر جهنم، وأصل هذا من ~~الإدراك بمعنى اللحوق، ومنه إدراك الطعام وإدراك الغلام، ~~قال الضحاك: [الدرج] إذا كان بعضها فوق بعض، والدرك إذا كان ~~بعضها أسفل من بعض. # فصل في معنى الدرك # قال ابن مسعود: الدرك الأسفل من النار: توابيت من حديد ~~مقفلة في النار، وقال أبو هريرة: بيت يقفل عليهم، ~~تتوقد فيه النار من فوقهم ومن تحتهم. # فصل # قال ابن الأنباري: قال - تعالى - في صفة المنافقين: إنهم ~~في الدرك الأسفل من النار، وقال في آل فرعون: # أدخلوا آل فرعون أشد العذاب # [غافر: 46] فأيهما أشد عذابا: المنافقون، أم آل ~~فرعون؟. # وأجاب: بأنه يحتمل أن أشد العذاب إنما يكون في الدرك ~~الأسفل، وقد اجتمع فيه الفريقان. # فصل لماذا كان المنافقون أشد عذابا من الكفار؟ # إنما كان المنافقون أشد عذابا من الكفار؛ لأنهم ~~مثلهم في الكفر، وضموا إليه نوعا آخر من الكفر، وهو ~~الاستهزاء بالإسلام [وأهله أيضا فإنهم يظهرون الإسلام]؛ ~~ليتمكنوا من الاطلاع على أسرار المسلمين، ثم يخبرون ~~الكفار بذلك فتتضاعف المحنة. # قوله: { ولن تجد لهم نصيرا } مانعا من العذاب. # واحتجوا بهذه الآية على إثبات الشفاعة للفساق من ~~المسلمين؛ لأنه - تعالى - خص المنافقين بهذا التهديد، ~~ولو كان ذلك حاصلا لغير المنافقين، لم يكن ذلك زجرا عن ~~النفاق من حيث إنه نفاق، وليس هذا استدلالا بدليل ~~الخطاب، بل وجه الاستدلال فيه؛ أنه - تعالى - ذكره في معرض ~~الزجر عن النفاق، فلو حصل ذلك مع عدمه، لم يبق زجرا ~~عنه من حيث إنه نفاق. # قوله: { إلا الذين تابوا }: فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه منصوب على الاستثناء من قوله: " إن المنافقين ". # الثاني: أنه مستثنى من الضمير ms2852 المجرور في " لهم ". # الثالث: أنه مبتدأ، وخبره الجملة من قوله: { فأولئك مع المؤمنين ~~} ، قيل: ودخلت الفاء في الخبر؛ لشبه المبتدأ باسم الشرط، قال أبو ~~البقاء ومكي وغيرهما: " مع المؤمنين " خبر " أولئك " ، والجملة ~~خبر " إلا الذين " ، والتقدير: فأولئك مؤمنون مع المؤمنين، ~~وهذا التقدير لا تقتضيه الصناعة، بل الذي تقتضيه الصناعة: أن يقدر ~~الخبر الذي يتعلق به هذا الظرف شيئا يليق به، وهو " فأولئك ~~مصاحبون أو كائنون أو مستقرون " ونحوه، فتقدره كونا مطلقا، ~~أو ما يقاربه. # فصل # معنى الآية { إلا الذين تابوا }: من النفاق وآمنوا، " ~~وأصلحوا " أعمالهم، " واعتصموا بالله " ووثقوا ~~بالله، { وأخلصوا دينهم لله } وأراد الإخلاص بالقلب؛ ~~لأن النفاق كفر القلب، فزواله يكون بإخلاص القلب، ~~فإذا حصلت هذه الشروط، فعندها قال: { فأولئك مع ~~المؤمنين } ، ولم يقل: فأولئك مؤمنون. # قال الفراء: معناه: فأولئك من المؤمنين. # قوله: { وسوف يؤت الله [المؤمنين أجرا عظيما] } رسمت ~~" يؤت " دون " ياء " وهو مضارع مرفوع، فحق يائه أن تثبت لفظا ~~وخطا، إلا أنها حذفت لفظا في الوصل؛ لالتقاء الساكنين [وهما ~~الياء في اللفظ واللام في الجلالة] فجاء الرسم تابعا للفظ، وله ~~نظائر تقدم بعضها، والقراء يقفون عليه دون ياء اتباعا للرسم، ~~إلا يعقوب، فإنه يقف بالياء؛ نظرا إلى الأصل، وروي ذلك أيضا عن ~~الكسائي وحمزة، وقال أبو عمرو: " ينبغي ألا يوقف عليها؛ لأنه ~~إن وقف عليها كما في الرسم دون ياء خالف النحويين، وإن وقف ~~بالياء خالف رسم المصحف " ، ولا بأس بما قال؛ لأن الوقف ليس ~~ضروريا، فإن اضطر إليه واقف؛ لقطع نفس ونحوه، فينبغي أن ~~يتابع الرسم؛ لأن الأطراف قد كثر حذفها، ومما يشبه هذا ~~الموضع قوله: # ومن تق السيئات يومئذ # [غافر: 9] فإنه رسم " تق " بقاف، دون هاء سكت، وعند النحويين: أنه ~~أنه إذا حذف من الفعل شيء؛ حتى لم يبق منه إلا حرف واحد، ~~ووقف عليه، وجب الإتيان بهاء السكت في آخره؛ جبرا له؛ نحو: " ~~قه " و " لم يقه " و " عه " و " لم يعه " ، ولا يعتد ~~بحرف المضارعة؛ لزيادته على بنية الكلمة، فإذا تقرر هذا، فنقول: ينبغي ms2853 ~~ألا يوقف عليه؛ لأنه إن وقف بغير هاء سكت، خالف الصناعة ~~النحوية، وإن وقف بهاء خالف رسم المصحف. # والمراد: " يؤت الله المؤمنين " في الآخرة، " أجرا عظيما " ~~[يعني: الجنة]. ### || [4.147] # في " ما " وجهان: # أحدهما: أنها استفهامية، فتكون في محل نصب ب " يفعل " وإنما قدم؛ ~~لكونه له صدر الكلام، والباء على هذا سببية متعلقة ب " يفعل " ، ~~والاستفهام هنا معناه النفي، والمعنى: أن الله لا يفعل بعذابكم ~~شيئا؛ لأنه لا يجلب لنفسه بعذابكم نفعا، ولا يدفع عنها به ضرا، ~~فأي حاجة له في عذابكم؟ [والمقصود منه حمل المكلفين على فعل ~~الحسن والاحتراز عن القبيح]. # والثاني: أن " ما " نافية؛ كأنه قيل: لا يعذبكم الله، وعلى هذا: ~~فالباء زائدة، ولا تتعلق بشيء. [قال شهاب الدين:] وعندي أن هذين ~~الوجهين في المعنى شيء واحد، فينبغي أن تكون سبيية في الموضعين أو ~~زائدة فيهما؛ لأن الاستفهام بمعنى النفي، فلا فرق. # وقال البغوي: هذا استفهام بمعنى التقرير معناه: إنه لا ~~يعذب المؤمن الشاكر، فإن تعذيبه عباده لا يزيد في ~~ملكه، وتركه عقوبتهم على فعلهم لا ينقص من سلطانه ~~[والشكر ضد الكفر، والكفر ستر النعمة والشكر ~~إظهارها]، والمصدر هنا مضاف لمفعوله. # وقوله " إن شكرتم " جوابه محذوف؛ لدلالة ما قبله عليه، أي: ~~إن شكرتم وآمنتم فما يفعل بعذابكم. # فصل لم قدم الشكر على الإيمان في الآية؟ # وفي تقديم الشكر على الإيمان وجوه: # الأول: على التقديم والتأخير، أي: آمنتم وشكرتم؛ لأن الإيمان ~~مقدم على سائر الطاعات، ولا ينفع الشكر مع عدم ~~الإيمان. # الثاني: أن الواو لا توجب الترتيب. # الثالث: أن الإنسان إذا نظر إلى نفسه، رأى النعمة ~~العظيمة في تخليقها وترتيبها، فيشكر شكرا مجملا بها، ~~ثم إذا تمم النظر في معرفة المنعم، آمن به ثم شكر ~~شكرا مفصلا، فكان ذلك الشكر المجمل مقدما على ~~الإيمان؛ فلهذا قدم عليه في الذكر. # فصل # استدلوا بهذه الآية على أنه لا يعذب أصحاب الكبائر؛ ~~لأنا نفرض الكلام فيمن شكر وآمن، ثم أقدم على الشرب أو الزنا، ~~فهذا يجب ألا يعاقب؛ لقوله - تعالى -: { ما يفعل الله ms2854 ~~بعذابكم إن شكرتم وآمنتم } وقد تقدم الاستدلال ~~على أن صاحب الكبيرة مؤمن. # فصل # قالت المعتزلة: دلت هذه الآية على أنه - سبحانه [وتعالى] - ~~ما خلق خلقا ابتداء لأجل التعذيب والعقاب؛ لأن قوله: { ~~ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم } صريح ~~في أنه - تعالى - لم يخلق أحدا لغرض التعذيب. # ودلت أيضا على أن فاعل الشكر والإيمان هو العبد، وليس ذلك ~~فعلا لله تعالى وإلا لصار التقدير: ما يفعل الله ~~بعذابكم بعد أن خلق الشكر والإيمان فيكم، وذلك غير ~~منتظم. # وتقدم الجواب عن مثل ذلك. ثم قال { وكان الله شاكرا ~~عليما } أمرهم بالشكر، وسمى الجزاء شكرا، على سبيل ~~الاستعارة، فالشكر من الله هو الرضا بالقليل من ~~عباده، وإضعاف الثواب عليه، والشكر من العبد ~~الطاعة، والمراد من كونه عليما: أنه عالم بجميع ~~الجزئيات، فلا يقع له الغلط ألبتة، فلا جرم يوصل ~~الثواب إلى الشاكر، والعقاب إلى المعرض. ### || [4.148] # في كيفية النظم وجهان: # أحدهما: أنه - تعالى - لما فضح المنافقين وهتك سترهم، ~~وكان هتك الستر غير لائق بالرحيم الكريم، ذكر - تعالى - ما ~~يجري مجرى العذر من ذلك؛ فقال: { لا يحب الله ~~الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم } يعني: لا ~~يحب إظهار الفضائح، إلا في حق من عظم ضرره وكثر ~~كيده ومكره، فعند ذلك يجوز إظهار فضائحه؛ ولهذا قال - ~~عليه الصلاة والسلام -: # " اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره الناس " # والمنافقون قد كثر كيدهم ومكرهم وظلمهم، وضررهم على ~~المسلمين؛ فلهذا ذكر الله فضائحهم وكشف أسرارهم. # وثانيهما: أنه - تعالى - قال في الآية الأولى: أن المنافقين إذا ~~تابوا وأخلصوا، صاروا من المؤمنين، فيحتمل أن يتوب ~~بعضهم ويخلص توبته، ثم لا يسلم من التغير والذم من ~~بعض المسلمين؛ بسبب ما صدر عنه في الماضي من النفاق، ~~فبين - تعالى - في هذه الآية أنه لا يحب الجهر بالسوء من ~~القول، إلا من ظلم نفسه وأقام على نفاقه، فإنه لا يكره. # قوله: " بالسوء " متعلق ب " الجهر " ، وهو مصدر معرف ب " أل " ~~استدل به الفارسي على جواز إعمال المصدر المعرف ب " أل ". قيل: ~~ولا ms2855 دليل فيه؛ لأن الظرف والجار يعمل فيهما روائح الأفعال، وفاعل ~~هذا المصدر محذوف، أي: الجهر أحد، وقد تقدم أن الفاعل يطرد حذفه ~~في صور منها المصدر، ويجوز أن يكون الجهر مأخوذا من فعل مبني ~~للمفعول على خلاف في ذلك، فيكون الجار بعده في محل رفع لقيامه مقام ~~الفاعل؛ لأنك لو قلت: لا يحب الله أن يجهر بالسوء، كان " ~~بالسوء " قائما مقام الفاعل، ولا تعلق له حينئذ به، و " من ~~القول " حال من " السوء ". # قوله: { إلا من ظلم } في هذا الاستثناء قولان: # أحدهما: أنه متصل. # والثاني: أنه منقطع، وإذا قيل بأنه متصل، فقيل: هو مستثنى من " أحد " ~~المقدر الذي هو فاعل للمصدر، فيجوز أن تكون " من " في محل نصب ~~على أصل الاستثناء، أو رفع على البدل من " أحد " ، وهو المختار، ولو ~~صرح به، لقيل: لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء إلا ~~المظلوم، أو المظلوم رفعا ونصبا، ذكر ذلك مكي وأبو البقاء ~~وغيرهما، قال أبو حيان: " وهذا مذهب الفراء، أجاز في " ما قام إلا ~~زيد " أن يكون " زيد " بدلا من " أحد " ، وأما على مذهب الجمهور، ~~فإنه يكون من المستثنى الذي فرغ له العامل، فيكون مرفوعا على ~~الفاعلية بالمصدر، وحسن ذلك كون الجهر في حيز النفي، كأنه قيل: ~~لا يجهر بالسوء من القول إلا المظلوم " انتهى، والفرق ظاهر ~~بين مذهب الفراء وبين هذه الآية؛ فإن النحويين إنما لم يروا بمذهب ~~الفراء، قالوا: لأن المحذوف صار نسيا منسيا، وأما فاعل المصدر ~~هنا، فإنه كالمنطوق به ليس منسيا، فلا يلزم من تجويزهم الاستثناء من ~~هذا الفاعل المقدر أن يكونوا تابعين لمذهب الفراء؛ لما ظهر من ~~الفرق، وقيل: هو مستثنى مفرغ، فتكون " من " في محل رفع بالفاعلية؛ ~~كما تقدم في كلام أبي حيان، والتفريغ لا يكون إلا في نفي أو شبهه، ~~ولكن لما وقع الجهر متعلقا للحب الواقع في حيز النفي ساغ ~~ذلك، وقيل: هو مستثنى من الجهر؛ على حذف مضاف، تقديره: إلا جهر ~~من ظلم، فهذه ثلاثة أوجه على تقدير كونه متصلا، تحصل منها ms2856 في ~~محل " من " أربعة أوجه: الرفع من وجهين، وهما البدل من " أحد " ~~المقدر، أو الفاعلية؛ على كونه مفرغا، والنصب؛ على أصل ~~الاستثناء من " أحد " المقدر، أو من الجهر؛ على حذف مضاف. # والثاني: أنه استثناء منقطع، تقديره: لكن من ظلم له أن ينتصف ~~من ظالمه بما يوازي ظلامته، فتكون " من " في محل نصب فقط على ~~الاستثناء المنقطع. # والجمهور على { إلا من ظلم } مبنيا للمفعول قال القرطبي: ويجوز ~~إسكان اللام، وقرأ جماعة كثيرة منهم ابن عباس وابن عمر وابن جبير ~~والضحاك وزيد بن أسلم والحسن: " ظلم " مبنيا للفاعل، وهو استثناء ~~منقطع، فهو في محل نصب على أصل الاستثناء المنقطع، واختلفت عبارات ~~العلماء في تقدير هذا الاستثناء، وحاصل ذلك يرجع إلى أحد تقديرات ~~ثلاثة: إما أن يكون راجعا إلى [الجملة الأولى؛ كأنه قيل: لا يحب ~~الله الجهر بالسوء، لكن الظالم يحبه، فهو يفعله، وإما ~~أن يكون راجعا] إلى فاعل الجهر، أي: لا يحب الله أن يجهر ~~أحد بالسوء [لأحد]، لكن الظالم يجهر به، [وإما أن يكون ~~راجعا إلى متعلق الجهر، وهو " من يجاهر ويواجه بالسوء " ، ~~أي: لا يحب الله أن يجهر بالسوء لأحد، لكن الظالم يجهر ~~له به]، أي: يذكر ما فيه من المساوىء في وجهه، لعله أن يرتدع، وكون ~~هذا المستثنى في هذه القراءة منصوب المحل على الانقطاع هو الصحيح، ~~وأجاز ابن عطية والزمخشري أن يكون في محل رفع على البدلية، ولكن ~~اختلف مدركهما. # فقال ابن عطية: " وإعراب " من " يحتمل في بعض هذه التأويلات ~~النصب، ويحتمل الرفع على البدل من " أحد " المقدر " يعني أحدا ~~المقدر في المصدر؛ كما تقدم تحقيقه. # وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون " من " مرفوعا؛ كأنه قيل: لا يحب ~~الله الجهر بالسوء إلا الظالم، على لغة من يقول: " ما ~~جاءني زيد إلا عمرو " بمعنى: ما جاءني إلا عمرو " ومنه # لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا ~~الله # [النمل: 65]، ورد أبو حيان عليهما فقال: " وما ذكره - يعني ابن عطية - ~~من جواز الرفع على البدل لا يصح؛ وذلك أن المنقطع قسمان: ms2857 قسم ~~يتوجه إليه العامل؛ نحو: " ما فيها أحد إلا حمار " فهذا فيه ~~لغتان: لغة الحجاز وجوب النصب، ولغة تميم جواز البدل، وإن لم يتوجه ~~عليه العامل، وجب نصبه عند الجميع؛ نحو: " المال ما زاد إلا ~~النقص " ، أي: لكن حصل له النقص، ولا يجوز فيه البدل؛ لأنك لو وجهت ~~إليه العامل، لم يصح " ، قال: والآية من هذا القسم؛ لأنك لو قلت: " لا ~~يحب الله أن يجهر بالسوء إلا الظالم " - فتسلط " يجهر ~~" على " الظالم " [فتسليط يجهر على الظالم يصح]. قال: " وهذا الذي ~~جوزه - يعني الزمخشري - لا يجوز؛ لأنه لا يمكن أن يكون الفاعل ~~لغوا، ولا يمكن أن يكون الظالم بدلا من " الله " ، ولا " عمرو " ~~بدلا من " زيد "؛ لأن البدل في هذا الباب يرجع إلى بدل بعض من ~~كل حقيقة؛ نحو: " ما قام القوم إلا زيد " ، أو مجازا؛ نحو: ~~" ما فيها أحد إلا حمار " ، والآية لا يجوز فيها البدل ~~حقيقة، ولا مجازا، وكذا المثال المذكور؛ لأن الله تعالى علم، وكذا ~~زيد، فلا عموم فيهما؛ ليتوهم دخول شيء فيهما فيستثنى، وأما ما ~~يجوز فيه البدل من الاستثناء المنقطع؛ فلأن ما قبله عام يتوهم ~~دخوله فيه، فيبدل ما قبله مجازا، وأما قوله على لغة من يقول: " ~~ما جاءني زيد إلا عمرو " ، فلا نعلم هذه لغة إلا في كتاب سيبويه، ~~بعد أن أنشد أبياتا في الاستثناء المنقطع آخرها: [الطويل] # 1898- عشية ما تغني الرماح مكانها # ولا النبل إلا المشرفي المصمم # [ما نصه:] " وهذا يقوي: " ما أتاني زيد إلا عمرو، وما ~~أعانه إخوانكم إلا إخوانه "؛ لأنها معارف ليست الأسماء الآخرة ~~بها ولا بعضها " ولم يصرح، ولا لوح أن " ما أتاني زيد إلا ~~عمرو " من كلام العرب، قال من شرح كلام سيبويه: فهذا يقوي " ما ~~أتاني زيد إلا عمرو " ، أي: ينبغي أن يثبت هذا من كلام العرب؛ ~~لأن النبل معرفة ليس بالمشرفي، كما أن زيدا ليس بعمرو، كما أن إخوة ~~زيد ليسوا إخوتك، قال أبو حيان: " وليس " ما أتاني زيد إلا ~~عمرو " نظير البيت؛ لأنه قد يتخيل عموم في ms2858 البيت؛ إذ المعنى: ~~لا يغني السلاح، وأما " زيد " فلا يتوهم فيه عموم؛ على أنه لو ~~ورد من كلامهم: " ما أتاني زيد إلا عمرو " ، لأمكن أن يصح على ~~" ما أتاني زيد ولا غيره إلا عمرو " ، فحذف المعطوف؛ لدلالة ~~الاستثناء عليه، أما أن يكون على إلغاء الفاعل، أو على كون " عمرو " ~~بدلا من " زيد " ، فإنه لا يجوز، وأما الآية فليست مما ذكر؛ لأنه ~~يحتمل أن تكون " من " مفعولا بها، و " الغيب " بدل منها بدل ~~اشتمال، والتقدير: لا يعلم غيب من في السماوات والأرض إلا الله، ~~أي: سرهم وعلانيتهم لا يعلمهم إلا الله، ولو سلم أن " ~~من " مرفوعة المحل، فيتخيل فيها عموم، فيبدل منها " الله " ~~مجازا؛ كأنه قيل: لا يعلم الموجودون الغيب إلا الله، أو ~~يكون على سبيل المجاز في الظرفية بالنسبة إلى الله تعالى؛ إذ جاء ذلك ~~عنه في القرآن والسنة نحو: # وهو الله في السماوات وفي الأرض # [الأنعام: 3] # وهو الذي في السمآء إله وفي الأرض إله # [الزخرف: 84]، قال " أين الله " قالت: " في السماء " ، ومن كلام ~~العرب: " لا وذو في السماء بيته " يعنون الله، وإذ احتملت ~~الآية هذه الوجوه، لم يتعين حملها على ما ذكره " انتهى ما رد به ~~عليهما. # [وقال شهاب الدين:] أما رده على ابن عطية، فواضح، وأما رده على ~~الزمخشري، ففي بعضه نظر، أما قوله: " لا نعلمها لغة إلا في كتاب ~~سيبويه " ، فكفى به دليلا على صحة استعمال مثله، ولذلك شرح ~~الشراح لكتاب سيبويه هذا الكلام؛ بأنه قياس كلام العرب لما أنشد من ~~الأبيات، وأما تأويله " ما أتاني زيد إلا عمرو " ب " ما ~~أتاني ولا غيره " ، فلا يتعين ما قاله، وتصحيح الاستثناء فيه ~~أن قول القائل: " ما أتاني زيد " قد يوهم أن عمرا أيضا لم ~~يجئه، فنفى هذا التوهم، وهذا القدر كاف في الاستثناء المنقطع، ~~ولو كان تأويل " ما أتاني زيد إلا عمرو " على ما قال، لم يكن ~~استثناء منقطعا بل متصلا، وقد اتفق النحويون على أن ذلك من ~~المنقطع، وأما تأويل الآية بما ذكره، فالتجوز في ذلك أمر ms2859 ~~خطر، فلا ينبغي أن يقدم على مثله. # فصل # قال المفسرون: معنى { لا يحب الله الجهر بالسوء }: ~~القول القبيح، { إلا من ظلم } فيجوز للمظلوم أن يخبر عن ~~ظلم الظالم، وأن يدعو عليه؛ قال - [تعالى] -: # ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من ~~سبيل # [الشورى: 41]. # قال الحسن دعاؤه عليه أن يقول: " اللهم أعني عليه، اللهم ~~استخرج حقي [اللهم حل بيني وبين ما يريد ونحوه من الدعاء]. # وقيل: إن شتم جاز أن يشتم بمثله، ولا يزيد عليه. # قال ابن عباس وقتادة: لا يحب الله رفع الصوت بما يسوء ~~غيره، إلا المظلوم فإن له أن يرفع صوته بالدعاء على ~~ظالمه. # وقال مجاهد: إلا أن يجهر بظلم ظالمه له. # وقال الأصم: لا يجوز إظهار الأحوال المستورة؛ لأن ذلك ~~يصير سببا لوقوع الناس في الغيبة؛ ووقوع ذلك الإنسان في ~~الريبة، ولكن من ظلم فيجوز إظهار ظلمه؛ بأن يذكر أنه ~~سرق أو غصب. # وقيل: # " نزلت في أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فإن رجلا ~~شتمه، فسكت مرارا ثم رد عليه، فقام النبي صلى الله عليه ~~وسلم. فقال أبو بكر: شتمني وأنت جالس، فلما رددت عليه ~~قمت. قال: إن ملكا كان يرد عنك، فلما رددت [عليه] ذهب ~~الملك وجاء الشيطان، فلم أجلس عند مجيء الشيطان " # ، فنزلت الآية. # وقيل: نزلت في الضيف؛ روى عقبة بن عامر قال: # " قلنا يا رسول الله: إنك تبعثنا فننزل على قوم لا ~~يقرونا فما ترى؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن نزلتم ~~بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف، فاقبلوه، فإن لم ~~يفعلوا، فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم ". # وقيل: معنى الآية إلا من أكره [على] أن يجهر بسوء من القول ~~كفرا كان أو نحوه، فذلك مباح، فالآية على ذلك في الإكراه. # قال قطرب: { إلا من ظلم } يريد: المكره؛ لأنه مظلوم، قال: ~~ويجوز أن يكون المعنى إلا من ظلم على البدل؛ كأنه قال: لا ~~يحب الله إلا من ظلم، أي: لا يحب الظالم؛ كأنه يقول: ~~يحب من ظلم [أي: يأجر من ظلم]، والتقدير ms2860 على هذا القول: ~~لا يحب الله ذا الجهر بالسوء إلا من ظلم على البدل. # قال القرطبي: وظاهر الآية يقتضي أن للمظلوم أن ~~ينتصر من ظالمه ولكن مع اقتصاد إن كان مؤمنا، كما قال ~~الحسن، فأما أن يقابل القذف بالقذف ونحوه فلا، وإن كان كافرا ~~فأرسل لسانك وادع بما شئت؛ كما فعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم حيث قال: # " اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين ~~كسني يوسف ". # فصل: لا يحب الله الجهر بالسوء ولا غير الجهر # قال العلماء: إنه - تعالى - لا يحب الجهر بالسوء من ~~القول ولا غير الجهر، وإنما ذكر هذا الوصف؛ لأن كيفية الواقعة ~~أوجبت ذلك؛ كقوله - تعالى -: # إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا # [النساء: 94] والتبين واجب في الظعن والإقامة، فكذا ~~ههنا. # فصل شبهة المعتزلة وردها # قالت المعتزلة: دلت الآية على أنه لا يريد من عباده فعل ~~القبائح ولا يخلقها؛ لأن محبة الله عبارة عن إرادته، فلما ~~قال: { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول }. ~~علمنا أنه لا يريد ذلك، وأيضا لو كان خالقا لأفعال ~~العباد، لكان مريدا لها؛ ولو كان مريدا لها، لكان قد ~~أحب إيجاد الجهر بالسوء من القول، وهو خلاف الآية. # والجواب: المحبة عبارة عن إعطاء الثواب على القول، وعلى ~~هذا يصح أن يقال: إنه - تعالى - أراده ولكنه ما أحبه. # ثم قال: { وكان الله سميعا عليما } وهو تحذير من ~~التعدي في الجهر المأذون فيه، يعني: فليتق الله ولا ~~يقل إلا الحق، فإنه سميع لما تقوله، عليم بما تضمره، وقيل: ~~سميع لدعاء المظلوم، عليم بعقاب الظالم. ### || [4.149] # قيل: " تبدوا خيرا " أي: حسنة فيعمل بها، كتبت ~~عشرة، وإن هم بها ولم يعملها، كتبت له حسنة واحدة، ~~وهو قوله: " أو تخفوه ". # وقيل: المراد من الخير: المال؛ لقوله: { إن تبدوا خيرا } ~~والمعنى: إن تبدوا صدقة تعطونها جهرا، أو تخفوها ~~فتعطوها سرا، { أو تعفوا عن سوء } أي: عن مظلمة والظاهر ~~أن الضمير المنصوب في " تخفوه " عائد على " خيرا " ، ~~والمراد به: أعمال البر كلها، وأجاز بعضهم أن يعود على " ~~السوء ms2861 " أي: أو تخفوا السوء، وهو بعيد. # ثم قال: { فإن الله كان عفوا قديرا }. # قال الحسن: يعفو عن الجانبين مع قدرته على الانتقام، ~~فعليكم أن تقتدوا بسنة الله، وقال الكلبي: الله ~~أقدر على عفو ذنوبكم منك على عفو صاحبك، وقيل: ~~عفوا لمن عفى، قديرا على إيصال الثواب إليه. ### || [4.150-152] # لما تكلم على طريقة المنافقين، أخذ يتكلم على مذاهب ~~اليهود والنصارى ومناقضاتهم، وذكر في آخر هذه السورة من هذا ~~الجنس أنواعا: # أولها: إيمانهم ببعض الأنبياء دون بعض؛ لأنهم كفروا بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم، فبين أن الكفر به كفر بالكل؛ لأن ما من ~~نبي إلا وقد أمر قومه بالإيمان بمحمد - عليه الصلاة والسلام ~~- وبجميع الأنبياء. # قال المفسرون: نزلت هذه الآية في اليهود، وذلك أنهم آمنوا ~~بموسى، والتوراة، وعزير، وكفروا بعيسى، والإنجيل، ~~وبمحمد - عليه الصلاة والسلام -، والقرآن، { ويريدون أن ~~يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ~~ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك ~~سبيلا } أي: بين الإيمان بالكل وبين الكفر بالكل ~~سبيلا، أي: واسطة، وهي الإيمان بالبعض دون البعض، وأشير ب ~~" ذلك " وهو للمفرد، والمراد به: البينة، أي: بين الكفر ~~والإيمان، وقد تقدم نظيرها في البقرة، وفي خبر " إن " ~~قولان: # الأول: أنه محذوف، تقديره: جمعوا المخازي. # والثاني: هو قوله: { أولئك هم الكافرون } والأول أحسن ~~لوجهين: # أحدهما: أنه أبلغ؛ لأن الجواب إذا حذف ذهب الوهم كل ~~مذهب، فإذا ذكر بقي مقتصرا على المذكور. # والثاني: أنه رأس آية، والأحسن ألا يكون الخبر منفصلا عن ~~المبتدأ، و " بين " يجوز أن يكون منصوبا ب " يتخذوا " ~~، وأن يكون منصوبا بمحذوف؛ إذ هو حال من " سبيلا ". # قوله: " حقا " فيه أوجه: # أحدها: أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة [قبله]، فيجب إضمار ~~عامله وتأخيره عن الجملة المؤكد لها، والتقدير: أحق ذلك ~~حقا، وهكذا كل مصدر مؤكد لغيره أو لنفسه. # قال بعضهم: انتصب " حقا " على مثل قولك: " زيد أخوك ~~حقا " ، تقديره: أخبرتك بهذا المعنى إخبارا حقا. # والثاني: أنه حال من قوله: " هم الكافرون " قال أبو البقاء: أي: ~~" كافرون غير شك " وهذا يشبه أن ms2862 يكون تفسيرا للمصدر المؤكد، وقد ~~طعن الواحدي على هذا التوجيه؛ فقال: " الكفر لا يكون حقا ~~بوجه من الوجوه " ، والجواب: أن الحق هنا ليس يراد به ما يقابل ~~الباطل، بل المراد به أنه ثابت لا محالة، وأن كفرهم مقطوع به. # الثالث: أنه نعت لمصدر محذوف، أي: الكافرون كفرا حقا، وهو أيضا ~~مصدر مؤكد، ولكن الفرق بينه وبين الوجه الأول، أن هذا عامله مذكور، ~~وهو اسم الفاعل، وذاك عامله محذوف. # فصل # أي: كانوا كافرين حقا لوجهين: # الأول: أن الدليل الذي يدل على نبوة البعض، ألزم منه ~~القطع بأنه حيث حصلت المعجزة حصلت النبوة، فإن جوزنا ~~في بعض المواضع حصول المعجز بدون الصدق، تعذر الاستدلال ~~بالمعجز على الصدق، وحينئذ يلزم الكفر بجميع ~~الأنبياء، فثبت أن من لم يقبل نبوة أحد من الأنبياء، ~~لزمه الكفر بجميع الأنبياء. # فإن قيل: هب أنه يلزم الكفر بكل الأنبياء، ولكن ليس إذا ~~توجه بعض الإلزامات على إنسان، لزم أن يكون ذلك الإنسان ~~قائلا به، فإلزام الكفر غير [والتزام الكفر غير] فالقوم ~~لما لم يلتزموا ذلك، فكيف يقضي عليهم بالكفر. # فالجواب: [الإلزام] إذا كان خفيا بحيث يحتاج فيه إلى فكر ~~وتأمل، كان الأمر كما ذكرتم، أما إذا كان جليا واضحا، ~~لم يبق بين الإلزام والالتزام فرق. # الوجه الثاني: هو أن قبول البعض دون الكل إن كان لطلب ~~الرياسة، كان ذلك في الحقيقة كفرا بكل الأنبياء [عليهم السلام]. # { وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا } [ " وأعتدنا " أي: ~~هيأنا] { للكافرين عذابا مهينا } ولما ذكر الوعيد، ~~أتبعه بذكر الوعد؛ فقال: { والذين آمنوا بالله ~~ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم } الآية. # قد تقدم الكلام على دخول " بين " على " أحد " في البقرة فأغنى ~~عن إعادته، وقرأ الجمهور: " سوف نؤتيهم " بنون العظمة؛ على ~~الالتفات، ولموافقة قوله: " وأعتدنا " ، وقرأ حفص عن عاصم بالياء، ~~أعاد الضمير على اسم الله تعالى في قوله: { والذين آمنوا ~~بالله }. وقول بعضهم: قراءة النون أولى؛ لأنها أفخم، ولمقابلة " ~~وأعتدنا " ليس بجيد لتواتر القراءتين. # والمعنى: آمنوا بالله ورسله كلهم، ولم يفرقوا بين ~~أحد من الرسل، يقولون: ms2863 لا نفرق بين أحد من رسله، { أولئك سوف ~~نؤتيهم أجورهم } بإيمانهم بالله وكتبه ورسله، { وكان ~~الله غفورا }: يغفر سيئاتهم، " رحيما " بهم. ### || [4.153-158] # وذلك أن كعب بن الأشرف، وفنحاص بن عازوراء من اليهود قالا ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن كنت نبيا فأتنا بكتاب ~~جملة من السماء؛ كما أتى [به] موسى - عليه السلام -، فأنزل الله ~~- تعالى -: { يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم ~~كتابا من السمآء }. وكان هذا السؤال منهم تحكما ~~واقتراحا، لا سؤال انقياد، والله - تعالى - لا ينزل ~~الآيات على اقتراح العباد، والمقصود من الآية: بيان ما ~~جبلوا عليه من التعنت؛ كأنه قيل: إن موسى لما نزل عليه ~~كتاب من السماء، لم يكتفوا بذلك القدر، بل طلبوا منه ~~الرؤية على سبيل المعاينة، فكان طلب هؤلاء الكتاب ليس ~~لأجل الاسترشاد، بل لمحض العناد. # قوله: " فقد سألوا ": في هذه الفاء قولان: أحدهما: أنها عاطفة ~~على جملة محذوفة، قال ابن عطية: " تقديره: فلا تبال، يا محمد، ~~بسؤالهم، وتشطيطهم، فإنها عادتهم، فقد سألوا موسى أكبر من ذلك. # والثاني: أنها جواب شرط مقدر، قاله الزمخشري أي: إن استكبرت ~~ما سألوه منك، فقد سألوا " ، و " أكبر " صفة لمحذوف، أي: سؤالا ~~أكبر من ذلك، والجمهور: " أكبر " بالباء الموحدة، والحسن " ~~أكثر " بالثاء المثلثة. # ومعنى " أكبر " أي: أعظم من ذلك، يعني: السبعين الذين ~~خرج بهم [موسى] إلى الجبل، { فقالوا: أرنا الله جهرة ~~} أي: عيانا، فقولهم: " أرنا " جملة مفسرة لكبر السؤال، ~~وعظمه. [و " جهرة " تقدم الكلام عليها، إلا أنه هنا يجوز أن ~~تكون " جهرة " من صفة القول، أو السؤال، أو من صفة السائلين، ~~أي: فقالوا مجاهرين، أو: سألوا مجاهرين، فيكون في محل نصب على ~~الحال، أو على المصدر، وقرأ الجمهور " الصاعقة ". وقرأ ~~النخعي: " الصعقة " وقد تقدم تحقيقه في البقرة والباء في " ~~بظلمهم " سببية، وتتعلق بالأخذ]. # قوله: { ثم اتخذوا العجل } يعنى: إلها، { من بعد ما ~~جآءتهم البينات } وهي الصاعقة، وسماها بينات - وإن ~~كانت شيئا واحدا؛ لأنها دالة على قدرة الله - تعالى -، ~~وعلى علمه وعلى قدمه، وعلى كونه مخالفا للأجسام ~~والأعراض، وعلى ms2864 صدق موسى. وقيل: " البينات " إنزال ~~الصاعقة وإحياؤهم بعد إماتتهم. وقيل: المعجزات التي ~~أظهرها لفرعون، وهي العصا، واليد البيضاء، وفلق ~~البحر، وغيرها من المعجزات القاهرة. # ثم قال: { فعفونا عن ذلك } ولم نستأصلهم. قيل: هذا ~~استدعاء إلى التوبة، معناه: أن أولئك الذين أجرموا ~~تابوا، فعفونا عنهم، فتوبوا أنتم حتى نعفوا عنكم. ~~وقيل: معناه: أن قوم موسى - وإن كانوا قد بالغوا في ~~اللجاج والعناد، لكنا نصرناه وقربناه فعظم أمره ~~وضعف خصمه، وفيه بشارة للرسول - عليه الصلاة والسلام - على ~~سبيل التنبيه والرمز، وهو أن هؤلاء الكفار وإن كانوا ~~يعاندونه - فإنه بالآخرة يستولي عليهم ويقهرهم. # ثم قال [- تعالى -]: { وآتينا موسى سلطانا مبينا } أي: ~~حجة بينة، وهي الآيات السبع. قوله: { ورفعنا فوقهم ~~الطور بميثاقهم } [في " فوقهم ": وجهان: أظهرهما أنه متعلق ب " ~~رفعنا " ، وأجاز أبو البقاء وجها ثانيا وهو أن يكون متعلقا ~~بمحذوف لأنه حال من الطور. و " بميثاقهم " متعلق أيضا بالرفع، ~~والباء للسببية، قالوا: وفي الكلام حذف مضاف تقديره: بنقض ميثاقهم]. ~~[و] قال بعض المفسرين: إنهم امتنعوا من قبول شريعة ~~التوراة، ورفع الله الجبل فوقهم حتى قبلوا، والمعنى: ~~ورفعنا فوقهم الطور؛ لأجل أن يعطوا الميثاق بقبول ~~الدين. # وقال الزمخشري: " بميثاقهم: بسبب ميثاقهم؛ ليخافوا فلا ينقضوه ~~" وظاهر هذه العبارة: أنه لا يحتاج إلى حذف مضاف، بل أقول: لا ~~يجوز تقدير هذا المضاف؛ لأنه يقتضي أنهم نقضوا الميثاق، فرفع ~~الله الطور عليهم؛ عقوبة على فعلهم النقض، والقصة تقتضي ~~أنهم هموا بنقض الميثاق، فرفع الله عليهم الطور، فخافوا فلم ~~ينقضوه، [وإن كانوا قد نقضوه] بعد ذلك، وقد صرح أبو البقاء ~~بأنهم نقضوا الميثاق، وأنه تعالى رفع الطور عقوبة لهم فقال: " ~~تقديره: بنقض ميثاقهم، والمعنى: ورفعنا فوقهم الطور؛ ~~تخويفا لهم بسبب نقضهم الميثاق " ، وفيه ذلك النظر المتقدم، ~~ولقائل أن يقول: لما هموا بنقضه وقاربوه، صح أن يقال: رفعنا ~~الطور فوقهم؛ لنقضهم الميثاق، أي: لمقاربتهم نقضه، لأن ما قارب ~~الشيء أعطي حكمه؛ فتصح عبارة من قدر مضافا؛ كأبي البقاء ~~وغيره. # وقال بعض المفسرين: إنهم أعطوا الميثاق على أنهم إن ~~هموا بالرجوع ms2865 عن الدين، فالله - تعالى - يعذبهم بأي ~~أنواع العذاب، أراد: فلما هموا بترك الدين، أظل ~~الله الطور عليهم. والميثاق مصدر مضاف لمفعوله، وقد تقدم في ~~البقرة الكلام على قوله { ادخلوا الباب سجدا } ، و " سجدا ~~" حال من فاعل " ادخلوا ". # قوله: " لا تعدوا " قرأ الجمهور: " تعدوا " بسكون العين، وتخفيف ~~الدال من عدا يعدو، كغزا يغزو، والأصل: " تعدووا " ~~بواوين: الأولى لام الكلمة والثانية ضمير الفاعلين، فاستثقلت الضمة على ~~لام الكلمة، فحذفت، فالتقى بحذفها ساكنان، فحذف الأول، وهو ~~الواو الأولى، وبقيت واو الفاعلين، فوزنه: تفعوا ومعناه: لا ~~تعتدوا ولا تظلموا باصطياد الحيتان فيه. # قال الواحدي: يقال: عدا عليه أشد العداء [والعدو] ~~والعدوان، أي: ظلمه، وجاوز الحد؛ ومنه قوله: # فيسبوا الله عدوا بغير علم # [الأنعام: 108] وقيل: { لا تعدوا في السبت } من العدو ~~بمعنى الحضر، والمراد به النهي عن العمل والكسب يوم ~~السبت؛ كأنه قيل: اسكنوا عن العمل في هذا اليوم ~~واقعدوا في منازلكم [فأنا الرزاق]. # وقرأ نافع بفتح العين وتشديد الدال، إلا أن الرواة اختلفوا عن قالون عن ~~نافع: فرووا عنه تارة بسكون العين سكونا محضا، وتارة إخفاء فتحة ~~العين، فأما قراءة نافع، فأصلها: تعتدوا، ويدل على ذلك إجماعهم ~~على: # اعتدوا منكم في السبت # [البقرة: 65] كونه من الاعتداء، وهو افتعال من العدوان، فأريد إدغام ~~تاء الافتعال في الدال، فنقلت حركتها إلى العين، وقلبت دالا ~~وأدغمت. وهذه قراءة واضحة، وأما ما يروى عن قالون من السكون ~~المحض، فشيء لا يراه النحويون؛ لأنه جمع بين ساكنين على غير ~~حدهما، وأما الاختلاس فهو قريب للإتيان بحركة ما، وإن كانت ~~خفية، إلا أن الفتحة ضعيفة في نفسها، فلا ينبغي أن تخفى ~~لتزاد ضعفا؛ ولذلك لم يجز القراء رومها وقفا لضعفها، وقرأ ~~الأعمش: " تعتدوا " بالأصل الذي أدغمه نافع. # ثم قال { وأخذنا منهم ميثاقا غليظا } قال القفال: ~~الميثاق الغليظ: هو العهد المؤكد غاية التوكيد. # قوله: { فبما نقضهم ميثاقهم }: في " ما " هذه وجهان: # أحدهما: أنها زائدة بين الجار ومجروره تأكيدا. # والثاني: أنها نكرة تامة، و " نقضهم " بدل منه، وهذا كما تقدم ~~في [قوله] ms2866 # فبما رحمة من الله # [آل عمران: 159]. و " نقض " مصدر مضاف لفاعله، و " ميثاقهم " ~~مفعوله، وفي متعلق الباء الجارة ل " ما " هذه وجهان: # أحدهما: أنه " حرمنا " المتأخر في قوله: # فبظلم من الذين هادوا حرمنا # [النساء: 160] وعلى هذا، فيقال: " فبظلم " متعلق ب " حرمنا ~~" أيضا، فيلزم أن يتعلق حرفا جر متحدان لفظا ومعنى بعامل واحد؛ ~~وذلك لا يجوز إلا مع العطف أو البدل، وأجابوا عنه بأن قوله " فبظلم ~~" بدل من قوله " فبما " بإعادة العامل، فيقال: لو كان بدلا لما دخلت ~~عليه فاء العطف؛ لأن البدل تابع بنفسه من غير توسط حرف عطف، ~~وأجيب عنه بأنه لما طال الكلام بين البدل والمبدل منه، أعاد ~~الفاء للطول، ذكر ذلك أبو البقاء والزجاج والزمخشري وأبو ~~بكر وغيرهم. # ورده أبو حيان بما معناه أن ذلك لا يجوز لطول الفصل بين المبدل ~~والبدل، وبأن المعطوف على السبب سبب، فيلزم تأخر بعض أجزاء ~~السبب الذي للتحريم في الوقت عن وقت التحريم؛ فلا يمكن أن يكون سببا ~~أو جزء سبب إلا بتأويل بعيد، وذلك أن قولهم: { إنا قتلنا ~~المسيح } وقولهم على مريم البهتان إنما كان بعد تحريم الطيبات، قال: ~~" فالأولى أن يكون التقدير: لعناهم، وقد جاء مصرحا به في ~~قوله: فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم ". # والثاني: أنه متعلق بمحذوف، فقدره ابن عطية: لعناهم ~~وأذللناهم وختمنا على قلوبهم، قال: " وحذف جواب مثل هذا ~~الكلام بليغ " ، وتسمية مثل هذا " جواب " غير معروف لغة وصناعة، ~~وقدره أبو البقاء: " فبما نقضهم ميثاقهم طبع على ~~قلوبهم، أو لعنوا، وقيل: تقديره: فبما نقضهم لا يؤمنون، ~~والفاء زائدة ". # [أي: في قوله تعالى { فلا يؤمنون إلا قليلا } ]. انتهى. ~~وهذا الذي أجازه أبو البقاء تعرض له الزمخشري، ورده، فقال: " ~~فإن قلت: فهلا زعمت أن المحذوف الذي تعلقت به الباء ما ~~دل عليه قوله " بل طبع الله، فيكون التقدير: فبما نقضهم ~~طبع الله على قلوبهم، بل طبع الله عليها بكفرهم ~~قلت: لم يصح لأن قوله: { بل طبع الله عليها بكفرهم } رد وإنكار ~~لقولهم: " قلوبنا غلف " ، " فكان متعلقا به " ، قال أبو حيان: ms2867 ~~" وهو جواب حسن، ويمتنع من وجه آخر، وهو أن العطف ب " بل " ~~للإضراب، والإضراب إبطال، أو انتقال، وفي كتاب الله في الإخبار لا ~~يكون إلا للانتقال، ويستفاد من الجملة الثانية ما لا يستفاد من ~~الأولى، والذي قدره الزمخشري لا يسوغ فيه الذي قررناه؛ لأن ~~قوله: فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقولهم ~~قلوبنا غلف بل طبع الله عليها هو مدلول الجملة التي ~~صحبتها " بل " ، فأفادت الثانية ما أفادت الأولى، ولو قلت: ~~مر زيد بعمرو، بل مر زيد بعمرو، لم يجز ". وقدره ~~الزمخشري: فعلنا بهم ما فعلنا، وتقدم الكلام على ~~الكفر بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق في ~~البقرة. # وأما قولهم: { قلوبنا غلف } جمع غلاف، والأصل " غلف " ~~بتحريك اللام، وخفف كما قيل بالتسكين؛ ككتب ورسل ~~بتسكين التاء والسين والمعنى على هذا: أنهم قالوا: قلوبنا ~~غلف، أي: أوعية للعلم، فلا حاجة بنا إلى علم سوى ما ~~عندنا، فكذبوا الأنبياء بهذا القول. # وقيل: إن غلفا جمع أغلف وهو المغطى بالغلاف، أي: بالغطاء، ~~والمعنى على هذا: أنهم قالوا: قلوبنا في أغطية، [فهي] لا ~~تفقه ما تقولون؛ نظيره قولهم: # قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا ~~وقر ومن بيننا وبينك حجاب # [فصلت: 5]. # قوله: { بل طبع الله عليها } هذا إضراب عن الكلام ~~المتقدم، أي: ليس الأمر كما قالوا من قولهم: " قلوبنا غلف " ، ~~وأظهر القراء لام بل في " طبع " إلا الكسائي، فأدغم من غير ~~خلاف، وعن حمزة خلاف، والباء في " بكفرهم " يحتمل أن تكون للسببية، ~~وأن تكون للآلة؛ كالباء في " طبعت بالطين على الكيس " يعني أنه ~~جعل الكفر كالشيء المطبوع به، أي: مغطيا عليها، فيكون كالطابع، ~~وقوله: " إلا قليلا " يحتمل النصب على نعت مصدر محذوف، أي: إلا ~~إيمانا قليلا وهو إيمانهم بموسى والتوراة فقط، وقد تقدم أن ~~الإيمان بالبعض دون البعض كفر، ويحتمل كونه نعتا ~~لزمان محذوف، أي: زمانا قليلا، ولا يجوز أن يكون ~~منصوبا على الاستثناء من فاعل " يؤمنون " أي: إلا ~~قليلا منهم فإنهم يؤمنون؛ لأن الضمير في " لا ~~يؤمنون " عائد على المطبوع على قلوبهم، ms2868 ومن طبع على قلبه ~~بالكفر، فلا يقع منه الإيمان. # [والجواب أنه من إسناد ما للبعض للكل، أي: في قوله: { بل ~~طبع الله عليها بكفرهم } فتأمل]. # وقال البغوي: " إلا قليلا " يعني: ممن كذب الرسل [لا] من ~~طبع على قلبه؛ لأن من طبع الله على قلبه، لا يؤمن ~~أبدا، وأراد بالقليل: عبد الله بن سلام وأصحابه. # قوله: " وبكفرهم ": فيه وجهان: # أحدهما: أنه معطوف على " ما " في قوله: " فبما نقضهم " فيكون ~~متعلقا بما تعلق به الأول. # الثاني: أنه عطف على " بكفرهم " الذي بعد " طبع " ، وقد أوضح ~~الزمخشري ذلك غاية الإيضاح، واعترض وأجاب بأحسن جواب، فقال: " فإن ~~قلت: علام عطف قوله " وبكفرهم "؟ قلت: الوجه أن يعطف ~~على " فبما نقضهم " ، ويجعل قوله: { بل طبع الله ~~عليها بكفرهم } كلاما يتبع قوله: { وقولهم ~~قلوبنا غلف } على وجه الاستطراد، ويجوز عطفه على ما يليه من قوله ~~" بكفرهم " ، فإن قلت: فما معنى المجيء بالكفر معطوفا على ما ~~فيه ذكره؟ سواء عطف على ما قبل الإضراب، أو على ما بعده، وهو قوله: ~~{ وكفرهم بآيات الله } ، وقوله " بكفرهم "؟ قلت: قد تكرر ~~منهم الكفر؛ لأنهم كفروا بموسى، ثم بعيسى، ثم بمحمد، فعطف بعض ~~كفرهم على بعض، أو عطف مجموع المعطوف على مجموع المعطوف عليه؛ ~~كأنه قيل: فبجمعهم بين نقض الميثاق، والكفر بآيات الله، وقتل ~~الأنبياء، وقولهم: قلوبنا غلف، وجمعهم بين كفرهم وبهتهم ~~مريم وافتخارهم بقتل عيسى؛ عاقبناهم، أو بل طبع الله عليها بكفرهم ~~وجمعهم بين كفرهم كذا وكذا ". # قوله: [ { وبكفرهم وقولهم على مريم } ] " بهتانا ~~[عظيما] " في نصب [ " بهتانا " ] خمسة أوجه: # أظهرها: أنه مفعول به؛ فإنه مضمن معنى " كلام "؛ نحو: قلت ~~خطبة وشعرا. # الثاني: أنه منصوب على نوع المصدر، كقولهم: " قعد القرفصاء " ~~يعني: أن القول يكون بهتانا وغير بهتان. # الثالث: أن ينتصب نعتا لمصدر محذوف، أي: قولا بهتانا، وهو قريب ~~من معنى الأول. # الرابع: أنه منصوب بفعل مقدر من لفظه، أي: بهتوا بهتانا. # الخامس: أنه حال من الضمير المجرور في قولهم، أي: مباهتين، وجاز ~~مجيء الحال من المضاف إليه؛ لأنه فاعل معنى، والتقدير: ms2869 وبأن قالوا ~~ذلك مباهتين. # فصل في المقصود بالبهتان # والمراد بالبهتان: أنهم رموا مريم بالزنا، لأنهم ~~أنكروا قدرة الله - تعالى - على خلق الولد من غير أب، ~~ومنكر قدرة الله على ذلك كافر؛ لأنه يلزم أن يقول: كل ~~ولد مسبوق بوالد لا إلى أول، وذلك يوجب القول بقدم ~~العالم والدهر، والقدح في وجود الصانع المختار، ~~فالقوم أولا أنكروا قدرة الله - تعالى - على خلق الولد ~~من غير أب، وثانيا: نسبوا مريم إلى الزنا. # فالمراد بقوله: " وبكفرهم " هو إنكارهم قدرة الله - تعالى ~~-، وبقوله: { وقولهم على مريم بهتانا عظيما } ~~نسبتهم إياها إلى الزنا، ولما حصل التغير حسن العطف، ~~وإنما صار هذا الطعن بهتانا عظيما؛ لأنه ظهر عند ولادة ~~عيسى - عليه السلام - [من] الكرامات والمعجزات، ما دل على ~~براءتها من كل عيب، نحو قوله: # وهزى إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا ~~جنيا # [مريم: 25] وكلام عيسى - [عليه السلام] - طفلا منفصلا عن أمه، ~~فإن كل ذلك دلائل قاطعة على براءة مريم - [عليها السلام] ~~- من كل ريبة، فلا جرم وصف الله - [تعالى] - [طعن] اليهود ~~فيها بأنه بهتان عظيم. # واعلم أنه لما وصف طعن اليهود في مريم بأنه بهتان ~~عظيم، ووصف طعن المنافقين في عائشة بأنه بهتان ~~عظيم، حيث قال: # سبحانك هذا بهتان عظيم # [النور: 16]؛ دل ذلك على أن الروافض الذين يطعنون في ~~عائشة، بمنزلة اليهود الذين يطعنون في مريم - عليها ~~السلام -. # قوله: " وقولهم " عطف على " وكفرهم " ، وكسرت " إن " ~~لأنها مبتدأ بعد القول وفتحها لغة. # و " عيسى " بدل من " المسيح " ، أو عطف بيان، وكذلك " ابن مريم ~~" ، ويجوز أن يكون صفة أيضا، وأجاز أبو البقاء في " رسول الله " هذه ~~الأوجه الثلاثة، إلا أن البدل بالمشتقات قليل، وقد يقال: إن " ~~رسول الله " جرى مجرى الجوامد، وأجاز فيه أن ينتصب بإضمار " ~~أعني " ، ولا حاجة إليه. قوله " شبه لهم ": " شبه " مبني ~~للمفعول، وفيه وجهان: # أحدهما: أنه مسند للجار بعده؛ كقولك: " خيل إليه، ولبس ~~عليه " [كأنه قيل: ولكن وقع لهم التشبيه]. # والثاني: أنه مسند لضمير المقتول الذي دل عليه قولهم: " إنا ~~قتلنا " أي: ولكن شبه ms2870 لهم من قتلوه، فإن قيل: لم لا يجوز أن ~~يعود على المسيح؟ فالجواب: أن المسيح مشبه به [لا مشبه]. # فصل # وهذا القول منهم يدل على كفر عظيم منهم؛ لأن ~~قولهم، فعلنا ذلك، يدل على رغبتهم في قتله [بجد ~~واجتهاد]، وهذا القدر كفر عظيم. # فإن قيل: اليهود كانوا كافرين بعيسى - عليه السلام - أعداء ~~له، عامدين لقتله، يسمونه الساحر ابن الساحرة؛ ~~والفاعل ابن الفاعلة، فكيف قالوا: إنا قتلنا المسيح [عيسى] ~~ابن مريم رسول الله؟. # فالجواب من وجهين: # الأول: أنهم قالوه على وجه الاستهزاء؛ كقول فرعون: # إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون # [الشعراء: 27] وقول كفار قريش لمحمد - عليه السلام -: # يأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون # [الحجر: 6]. # الثاني: أنه يجوز أن يضع الله الذكر الحسن مكان ذكرهم ~~القبيح في الحكاية عنهم؛ رفعا لعيسى ابن مريم - عليه ~~السلام - عما كانوا يذكرونه به. # ثم قال - تعالى -: { وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه ~~لهم }. # واعلم أن اليهود لما زعموا أنهم قتلوا المسيح، كذبهم الله ~~في هذه الدعوى، فقال... الآية. # فإن قيل: إذا جاز أن يلقي الله - تعالى - شبه إنسان على ~~إنسان آخر، فهذا يفتح باب السفسطة، فإذا رأينا زيدا ~~فلعله ليس بزيد، ولكنه ألقى شبه زيد عليه، وعند ~~ذلك لا يبقى الطلاق والنكاح والملك موثوقا به، وأيضا ~~يفضي إلى القدح في التواتر؛ لأن خبر التواتر إنما ~~يفيد العلم بشرط انتهائه إلى المحسوس، فإذا جوزنا ~~حصول مثل هذا الشبه في المحسوسات، يوجه الطعن في ~~التواتر، وذلك يوجب القدح في جميع الشرائع، وليس ~~لمجيب أن يجيب عنه؛ بأن ذلك مختص بزمان الأنبياء - ~~[عليهم الصلاة والسلام] -؛ لأنا نقول: لو صح ما ذكرتم، فذلك ~~إنما يعرف بالدليل والبرهان، فمن لم يعلم ذلك ~~الدليل وذلك البرهان، وجب ألا يقطع بشيء من ~~المحسوسات، فتوجه الطعن في التواتر، ووجب ألا ~~يعتمد على شيء من الأخبار المتواترة. # وأيضا: ففي زماننا إن انسدت المعجزات، فطريق الكرامات ~~مفتوح، وحينئذ يعود الاحتمال المذكور في جميع ~~الأزمنة، وبالجملة ففتح هذا الباب يوجب الطعن في ~~التواتر، والطعن في التواتر ms2871 يوجب الطعن في نبوة ~~[جميع] الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -، وإذا كان هذا يوجب ~~الطعن في الأصول، كان مردودا. # فالجواب: قال كثير من المتكلمين: إن اليهود لما قصدوا ~~قتله، رفعه الله إلى السماء، فخاف رؤساء اليهود من ~~وقوع الفتنة بين عوامهم، فأخذوا إنسانا وقتلوه ~~وصلبوه، وألبسوا على الناس أنه هو المسيح، والناس ما ~~كانوا يعرفون المسيح إلا بالاسم؛ لأنه كان قليل ~~المخالطة للناس، وإذا كان اليهود هم الذين ألبسوا على ~~الناس، زال السؤال، ولا يقال: إن النصارى ينقلون عن ~~أسلافهم أنهم شاهدوه مقتولا؛ لأن تواتر النصارى ~~ينتهي إلى أقوام قليلين، لا يبعد اتفاقهم على الكذب، ~~وقيل غير ذلك، وقد تقدم بقية الكلام على الأسئلة الواردة ~~هنا عند قوله: # إني متوفيك ورافعك إلي # في سورة آل عمران [الآية: 55]. # ثم قال: { وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه } ~~هذا الاختلاف فيه قولان: # الأول: أنهم هم النصارى كلهم متفقون على أن اليهود ~~قتلوه، إلا أنهم ثلاث فرق: نسطورية، وملكانية، ويعقوبية: # فالنسطورية: زعموا أن المسيح صلب من جهة ناسوته، لا ~~من جهة لاهوته، وهو قول أكثر الحكماء؛ لأن الإنسان ليس ~~عبارة عن هذا الهيكل، بل هو إما جسم شريف في هذا ~~البدن، وإما جوهر روحاني مجرد في ذاته، وهو ~~مدبر لهذا البدن، والقتل إنما ورد هلى هذا الهيكل، ~~وأما حقيقة نفس عيسى، فالقتل ما ورد عليها، ولا ~~يقال: كل إنسان كذلك، فما وجه هذا التخصيص؟ لأنا ~~نقول إن نفسه كانت قدسية علوية سماوية، شديدة ~~الإشراق بالأنوار الإلهية، وإذا كانت كذلك، لم يعظم ~~تألمها بسبب القتل وتخريب البدن، ثم إنها بعد ~~الانفصال عن ظلمة البدن، تتخلص إلى فسحة السموات ~~وأنوار عالم الجلال، فتعظم بهجتها وسعادتها هناك، ~~وهذه الأحوال غير حاصلة لكل الناس، وإنما حصلت ~~لأشخاص قليلين من مبدإ خلق آدم إلى قيام القيامة، ~~فهذا فائدة التخصيص. # وأما الملكانية فقالوا: القتل والصلب وصلا إلى ~~اللاهوت بالإحساس والشعور، لا بالمباشرة. # وقالت اليعقوبية: القتل والصلب وقعا بالمسيح الذي هو جوهر ~~متولد من جوهرين. # فهذا شرح مذاهب النصارى في هذا ms2872 الباب، وهو المراد من قوله: { ~~وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه }. # والمنزل الثاني: أن المراد ب " الذين اختلفوا فيه " اليهود، ~~وفيه وجهان: # الأول: أنهم لما قتلوا الشخص المشبه به، كان المشبه ~~قد ألقي على وجهه، ولم يلق على جسده شبه جسد عيسى، ~~فلما قتلوه ونظروا إلى بدنه، قالوا: الوجه وجه عيسى ~~والجسد جسد غيره. # والثاني: قال السدي: إن اليهود حبسوا عيسى - عليه السلام - مع ~~عشرة من الحواريين في بيت، فدخل عليه رجل من ~~اليهود ليخرجه ويقتله، فألقى الله شبه عيسى - عليه السلام ~~- على ذلك الرجل، ورفع عيسى إلى السماء، فأخذوا ذلك الرجل ~~فقتلوه على أنه عيسى - عليه السلام -، ثم قالوا [إن كان هذا ~~عيسى فأين صاحبنا، وإن كان صاحبنا فأين عيسى]، فذلك ~~اختلافهم فيه. # قوله: { لفي شك منه }: " منه " في محل جر صفة ل " شك ~~" يتعلق بمحذوف، ولا يجوز أن تتعلق فضلة بنفس " شك "؛ لأن ~~الشك إنما يتعدى ب " في " لا ب " من " ، ولا يقال: إن " من " ~~بمعنى " في "؛ فإن ذلك قول مرجوح، ولا ضرورة لنا به هنا. # وقوله: { ما لهم به من علم } يجوز في " من علم " وجهان: # أحدهما: أنه مرفوع بالفاعلية، والعامل أحد الجارين: إما " ~~لهم " وإما " به " ، وإذا جعل أحدهما رافعا له، تعلق الآخر ~~بما تعلق به الرافع من الاستقرار المقدر، و " من " زائدة لوجود ~~شرطي الزيادة. # والوجه الثاني: أن يكون " من علم " مبتدأ زيدت فيه " من " أيضا ~~وفي الخبر احتمالان: # أحدهما: أن يكون " لهم " فيكون: " به ": إما حالا من الضمير ~~المستكن في الخبر، والعامل فيها الاستقرار المقدر، وإما حالا من ~~" علم " ، وإن كان نكرة؛ لتقدمها عليه، ولاعتماده على نفي، فإن ~~قيل: يلزم تقدم حال المجرور بالحرف عليه، وهو ضرورة، لا يجوز في ~~سعة الكلام. # فالجواب: أنا لا نسلم ذلك، بل نقل أبو البقاء وغيره؛ أن مذهب ~~أكثر البصريين جواز ذلك، ولئن سلمنا أنه لا يجوز إلا ضرورة، لكن ~~المجرور هنا مجرور بحرف جر زائد، والزائد في حكم المطرح، ~~وأما أن يتعلق بمحذوف على سبيل البيان، ms2873 أي: أعني به، ذكره أبو ~~البقاء، ولا حاجة إليه، ولا يجوز أن يتعلق بنفس " علم "؛ لأن معمول ~~المصدر لا يتقدم عليه. # والاحتمال الثاني: أن يكون " به " هو الخبر، و " لهم " متعلق ~~بالاستقرار؛ كما تقدم، ويجوز أن تكون اللام مبينة مخصصة كالتي في ~~قوله: # ولم يكن له كفوا أحد # [الإخلاص: 4]. وهذه الجملة المنفية تحتمل ثلاثة أوجه: الجر على أنها ~~صفة ثانية ل " شك " أي: غير معلوم. # الثاني: النصب على الحال من " شك " ، وجاز ذلك، وإن كان نكرة ~~لتخصصه بالوصف بقوله " منه ". # الثالث: الاستئناف، ذكره أبو البقاء، وهو بعيد. # قوله: { إلا اتباع الظن } في هذا الاستثناء قولان: # أصحهما: ولم يذكر الجمهور غيره: أنه منقطع؛ لأن اتباع الظن ليس من جنس ~~العلم، [قال شهاب الدين:]، ولم يقرأ فيما علمت إلا بنصب " اتباع " ~~على أصل الاستثناء المنقطع، وهي لغة الحجاز، ويجوز في تميم الإبدال ~~من " علم " لفظا، فيجر، أو على الموضع، فيرفع؛ لأنه مرفوع ~~المحل؛ كما قدمته لك، و " من " زائدة فيه. # والثاني - قال ابن عطية -: أنه متصل، قال: " إذ العلم والظن ~~يضمهما جنس أنهما من معتقدات اليقين، يقول الظان على طريق التجوز: " ~~علمي في هذا الأمر كذا " إنما يريد ظني " انتهى، وهذا غير ~~موافق عليه؛ لأن الظن ما ترجح فيه أحد الطرفين، واليقين ما ~~جزم فيه بأحدهما، وعلى تقدير التسليم فاتباع الظن ليس من جنس العلم، ~~بل هو غيره، فهو منقطع أيضا، أي: ولكن اتباع الظن حاصل لهم. # ويمكن أن يجاب شهاب الدين عما رد به على ابن عطية: ~~بأن العلم قد يطلق على الظن، فيكون من جنسه؛ كقوله - ~~تعالى - # الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم # [البقرة: 46] وأراد: يعلمون، وقوله: # حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد ~~كذبوا # [يوسف: 110] أي: تيقنوا، وقوله: # ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها # [الكهف: 53] وإذا كان يصح إطلاقه عليه، صار الاستثناء ~~متصلا. # فصل في دفع شبهة لمنكري القياس # احتج نفاة القياس بهذه الآية، وقالوا: العمل بالقياس من ~~اتباع الظن، وهو مذموم؛ لأن الله - تعالى - ذكر اتباع ~~الظن في معرض ms2874 الذم ههنا، وذم الكفار في سورة ~~الأنعام بقوله: # إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون # [الأنعام: 116] وقال: # إن الظن لا يغني من الحق شيئا # [يونس: 36] فدل ذلك على أن اتباع الظن مذموم. # والجواب: لا نسلم أن العمل بالقياس [من اتباع الظن؛ ~~فإن الدليل القاطع لما دل على العمل بالقياس]، كان ~~الحكم المستفاد من القياس معلوما لا مظنونا. # قوله: { وما قتلوه يقينا } الضمير في " قتلوه " فيه أقوال: # أظهرها: أنه ل " عيسى " ، وعليه جمهور المفسرين. # والثاني - وبه قال ابن قتيبة والفراء -: أنه يعود على العلم، أي: ما ~~قتلوا العلم يقينا، على حد قولهم: " قتلت العلم والرأي يقيينا ~~" و " قتلته علما " ، ووجه المجاز فيه: أن القتل للشيء يكون عن ~~قهر واستعلاء؛ فكأنه قيل: وما كان علمهم علما أحيط به، إنما ~~كان عن ظن وتخمين. # الثالث - وبه قال ابن عباس والسدي وطائفة كبيرة -: أنه يعود ~~للظن تقول: " قتلت هذا علما ويقينا " ، أي: تحققت، ~~فكأنه قيل: وما صح ظنهم عندهم وما تحققوه يقينا، ولا قطعوا ~~الظن باليقين. # قوله: " يقينا " فيه خمسة أوجه: # أحدها: أنه نعت مصدر محذوف، أي: قتلا يقينا. # الثاني: أنه مصدر من معنى العامل قبله؛ كما تقدم مجازه؛ لأنه في معناه، ~~أي: وما تيقنوه يقينا. # الثالث: أنه حال من فاعل " قتلوه " ، أي: وما قتلوه متيقنين لقتله. # الرابع: أنه منصوب بفعل من لفظه حذف للدلالة عليه، أي: ما تيقنوه ~~يقينا، ويكون مؤكدا لمضمون الجملة المنفية قبله، وقدر أبو ~~البقاء العامل على هذا الوجه مثبتا، فقال: " تقديره: تيقنوا ذلك ~~يقينا " ، وفيه نظر. # الخامس - وينقل عن أبي بكر بن الأنباري -: أنه منصوب بما بعد " ~~بل " من قوله: " رفعه الله " ، وأن في الكلام تقديما وتأخيرا، ~~أي: بل رفعه الله إليه يقينا، وهذا قد نص الخليل، فمن دونه على ~~منعه، أي: أن " بل " لا يعمل ما بعدها فيما قبلها؛ فينبغي ألا يصح ~~عنه، وقوله: { بل رفعه الله إليه } رد لما ادعوه من ~~قتله وصلبه، والضمير في " إليه " عائد على " الله " على حذف مضاف، ~~أي: إلى أسمائه ومحل ms2875 أمره ونهيه. # فصل: إثبات المشبهة للجهة ودفع ذلك # احتج المشبهة بقوله - تعالى -: { بل رفعه الله ~~إليه } في إثبات الجهة. # والجواب: أن المراد الرفع إلى موضع لا يجري فيه حكم غير ~~الله - تعالى -؛ كقوله تعالى # وإلى الله ترجع الأمور # [آل عمران: 109] وقوله - تعالى -: # ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله # [النساء: 100]، وكانت الهجرة في ذلك الوقت، إلى المدينة. # وقال إبراهيم: # إني ذاهب إلى ربي # [الصافات: 99]. # فصل: دلالة الآية على رفع عيسى عليه السلام # دلت [هذه] الآية على رفع عيسى - عليه السلام - إلى السماء، وكذلك ~~قوله: # إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين ~~كفروا # [آل عمران: 55]. # ثم قال: { وكان الله عزيزا حكيما } ، والمراد بالعزة: ~~كمال القدرة، ومن الحكمة: كمال العلم، نبه بهذا على أن ~~رفع عيسى - عليه السلام - إلى السموات وإن [كان] كالمتعذر على ~~البشر، لكنه لا بد فيه من النسبة إلى قدرتي ~~وحكمتي؛ كقوله - تعالى -: # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا # [الإسراء: 1] فإن الإسراء وإن كان متعذرا بالنسبة إلى ~~قدرة محمد، إلا أنه سهل بالنسبة إلى قدرة الله - تعالى -. ### || [4.159] # لما ذكر فضائح اليهود وقبح أفعالهم، وأنهم قصدوا قتل ~~عيسى عليه الصلاة والسلام، وأنه لم يحصل لهم ذلك المقصود، ~~وأن عيسى - عليه السلام - حصل له أعظم المناصب، بين أن ~~هؤلاء اليهود الذين بالغوا في عداوته، لا يخرج أحد ~~منهم من الدنيا إلا بعد أن يؤمن به، فقال: { وإن من ~~أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } ، " إن ~~" هنا نافية بمعنى " ما " ، و " من أهل " يجوز فيه وجهان: # أحدهما: أنه صفة لمبتدأ محذوف، والخبر الجملة القسمية المحذوفة ~~وجوابها، والتقدير: وما أحد من أهل الكتاب إلا والله ليؤمنن ~~به، فهو كقوله: # وما منآ إلا له مقام معلوم # [الصافات: 164]، أي: ما أحد منا، وكقوله: # وإن منكم إلا واردها # [مريم: 71] أي: ما أحد منكم إلا واردها، هذا هو الظاهر. # والثاني - وبه قال الزمخشري وأبو البقاء -: أنه في محل الخبر، قال ~~الزمخشري: " وجملة " ليؤمنن به " جملة قسمية واقعة صفة لموصوف ~~محذوف، تقديره: وإن من أهل الكتاب ms2876 أحد إلا ليؤمنن به، ~~ونحوه: { وما منا إلا له مقام معلوم } { وإن منكم إلا واردها } ، ~~والمعنى: " وما من اليهود أحد إلا ليؤمنن " ، قال أبو حيان: " ~~وهو غلط فاحش؛ إذ زعم أن " ليؤمنن به " جملة قسمية واقعة صفة ~~لموصوف محذوف إلى آخره، وصفة " أحد " المحذوف إنما الجار والمجرور؛ كما ~~قدرناه، وأما قوله: " ليؤمنن به " ، فليست صفة لموصوف، ~~ولا هي جملة قسمية، إنما هي جملة جواب القسم، والقسم محذوف، والقسم ~~وجوابه خبر للمبتدأ، إذ لا ينتظم من " أحد " ، والمجرور إسناد؛ لأنه لا ~~يفيد، وإنما ينتظم الإسناد بالجملة القسمية وجوابها، فذلك هو محط ~~الفائدة، وكذلك أيضا الخبر هو { إلا له مقام } ، وكذلك " ~~إلا واردها "؛ إذ لا ينتظم مما قبل " إلا " تركيب إسنادي ". ~~[قال شهاب الدين] وهذا - كما ترى - قد أساء العبارة في حق الزمخشري؛ ~~بما زعم أنه غلط، وهو صحيح مستقيم، وليت شعري كيف لا ينتظم الإسناد من " ~~أحد " الموصوف بالجملة التي بعده، ومن الجار قبله؟ ونظيره أن تقول: ~~" ما في الدار رجل إلا صالح " فكما أن " في الدار " خبر ~~مقدم، و " رجل " مبتدأ مؤخر، و " إلا صالح " صفته، وهو كلام ~~مفيد مستقيم، فكذلك هذا، غاية ما في الباب أن " إلا " دخلت على ~~الصفة؛ لتفيد الحصر، وأما رده عليه حيث قال: جملة قسمية، وإنما هي ~~جواب القسم، فلا يحتاج إلى الاعتذار عنه، ويكفيه مثل هذه ~~الاعتراضات. # واللام في " ليؤمنن " جواب قسم محذوف، كما تقدم. وقال أبو ~~البقاء: " ليؤمنن جواب قسم محذوف، وقيل: أكد بها في غير ~~القسم؛ كما جاء في النفي والاستفهام " ، فقوله: " وقيل... إلى آخره " ~~إنما يستقيم ذلك، إذا أعدنا الخلاف إلى نون التوكيد؛ لأن نون ~~التوكيد قد عهد التأكيد بها في الاستفهام باطراد، وفي النفي على ~~خلاف فيه، وأما التأكيد بلام الابتداء في النفي والاستفهام، فلم يعهد ~~ألبتة، وقال أيضا قبل ذلك: " وما من أهل الكتاب أحد، وقيل: ~~المحذوف " من " وقد مر نظيره، إلا أن تقدير " من " هنا بعيد، ~~لأن الاستثناء يكون بعد تمام الاسم، و " من " الموصولة والموصوفة ~~غير تامة ms2877 " ، يعني أن بعضهم جعل ذلك المحذوف لفظ " من " ، ~~فيقدر: وإن من أهل من إلا ليؤمنن، فجعل موضع " أحد " ~~لفظ " من " ، وقوله: " وقد مر نظيره " ، يعني قوله تعالى: # وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله # [آل عمران: 199] ومعنى التنظير فيه أنه قد صرح بلفظ " من " المقدرة ~~ههنا. # وقرأ أبي: " ليؤمنن به قبل موتهم " بضم النون الأولى ~~مراعاة لمعنى " أحد " المحذوف، وهو وإن كان لفظه مفردا، فمعناه جمع، ~~والضمير في " به " لعيسى - عليه السلام -، وقيل: لله تعالى، وقيل: ~~لمحمد - عليه السلام -، وفي " موته " لعيسى، ويروى في التفسير؛ أنه ~~حين ينزل إلى الأرض يؤمن به كل أحد، حتى تصير الملة كلها ~~إسلامية وهو قول قتادة، وابن زيد وغيرهما، وهو اختيار ~~الطبري. # وقيل: يعود على " أحد " المقدر، أي: لا يموت كتابي حتى ~~يؤمن بعيسى قبل موته عند المعاينة حين لا ينفعه. # ونقل عن ابن عباس ذلك، فقال له عكرمة، أفرأيت إن خر ~~بيت أو احترق أو أكله سبع؟ قال: لا يموت حتى يحرك ~~بها شفتيه، أي: بالإيمان بعيسى. # وروى شهر بن حوشب [عن الحجاج؛ أنه] قال يا شهر آية في كتاب الله ~~ما قرأتها إلا في نفسي منها شيء، يعني: هذه الآية؛ فإني ~~أضرب عنق اليهودي، ولا أسمع منه ذلك، فقلت: إن ~~اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة وجهه ~~ودبره، وقالوا: يا عدو الله، أتاك عيسى نبيا فكذبت ~~[به، فيقول:] آمنت أنه عبد الله، وتقول للنصراني: أتاك ~~عيسى نبيا فزعمت أنه الله وابن الله، فيقول: آمنت ~~أنه عبد الله، فأهل الكتاب [يؤمنون] به، ولكن حيث لا ~~ينفعهم ذلك الإيمان، فاستوى الحجاج جالسا فقال: ممن ~~نقلت هذا؟ فقال: حدثني [به] محمد بن علي ابن الحنفية، ~~فأخذ ينكت في الأرض بقضيب، ثم قال: أخذتها من عين ~~صافية. # وقرأ الفياض بن غزوان " وإن من أهل الكتاب " بتشديد " ~~إن " ، وهي قراءة مردودة لإشكالها. # فصل # روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا، يكسر ~~الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ms2878 ويفيض المال ~~حتى لا يقبله أحد، وتميل في زمانه الملل كلها إلى ~~الإسلام، ويقتل الدجال، فيمكث في الأرض أربعين سنة، ثم ~~يتوفى فيصلي عليه المسلمون " # وقال أبو هريرة اقرءوا إن شئتم: { وإن من أهل الكتاب ~~إلا ليؤمنن به قبل موته } أي: قبل موت عيسى ابن ~~مريم - [عليه السلام] - ثم ليعيدها أبو هريرة ثلاث مرات. # قال الزمخشري: والفائدة في إخبار الله - تعالى - ~~بإيمانهم بعيسى قبل موتهم - أنهم متى علموا أنه لا ~~بد لهم من الإيمان به لا محالة، مع كونه لا ينفعهم ~~الإيمان في ذلك الوقت، فلا يؤمنوا به حال ما ينفعهم ذلك ~~الإيمان. # قوله سبحانه { ويوم القيامة } العالم فيه " شهيدا " وفيه ~~دليل على جواز تقدم خبر " كان " عليها؛ لأن تقديم المعمول يؤذن ~~بتقديم العامل، وأجاز أبو البقاء أن يكون منصوبا ب " يكون " وهذا على ~~رأي من يجيز ل " كان " أن تعمل في الظرف وشبهه، والضمير في " يكون ~~" لعيسى يعني: يكون عيسى عليهم شهيدا: أنه قد بلغهم رسالة ~~ربه، وأقر بالعبودية على نفسه مخبرا عنهم # وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم # [المائدة: 117] وكل نبي شاهد على أمته، وقيل: الضمير في " ~~يكون " لمحمد - عليه السلام -. ### || [4.160-162] # قوله - تعالى -: { فبظلم من الذين هادوا } الآية لما ~~ذكر قبائح أفعال اليهود، ذكر عقيبه تشديده - تعالى - ~~عليهم في الدنيا والآخرة، أما تشديده في الدنيا، فهو ~~تحريم الطيبات عليهم وكانت محللة لهم قبل ذلك؛ لقوله ~~- تعالى -: # وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر # [الأنعام: 146] إلى قوله [- تعالى -]: # ذلك جزيناهم ببغيهم # [الأنعام: 146] وقيل: لمحمد عليه السلام. # قوله سبحانه: " فبظلم ": هذا الجار متعلق ب " حرمنا " ~~والباء سببية، وإنما قدم على عامله؛ تنبيها على قبح سبب التحريم، ~~وقد تقدم أن قوله: " فبظلم " بدل من قوله: { فبما ~~نقضهم ميثاقهم } ، وتقدم الرد على قائله أيضا فأغنى عن ~~إعادته، و " من الذين " صفة ل " ظلم " أي: ظلم صادر عن الذين ~~هادوا، وقيل: ثم صفة للظلم محذوفة للعلم بها، أي: فبظلم أي ~~ظلم، أو فبظلم عظيم؛ كقوله: [الطويل] # 1900- فلا وأبي الطير المربة بالضحى # على ms2879 خالد لقد وقعت على لحم # أي: لحم عظيم. # قوله جل وعلا: " أحلت لهم " هذه الجملة صفة ل " طيبات ~~" فمحلها نصب، ومعنى وصفها بذلك، أي: بما كانت عليه من الحل، ~~ويوضحه قراءة ابن عباس: " كانت أحلت لهم " والمراد من ~~ظلمهم: ما تقدم ذكره من نقض الميثاق، وكفرهم بآيات ~~الله، وبهتانهم على مريم، وقولهم: " إنا قتلنا المسيح " { ~~حرمنا عليهم طيبات } وهو ما ذكر في سورة الأنعام ~~[الأنعام: 146] " وبصدهم " وبصرفهم أنفسهم وغيرهم { عن ~~سبيل الله } عن دين الله. # قوله: " كثيرا " فيه ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنه مفعول به، أي: بصدهم ناسا، أو فريقا، أو جمعا كثيرا، ~~وقيل: نصبه على المصدرية، أي: صدا كثيرا، وقيل: على ظرفية الزمان، ~~أي: زمانا كثيرا، والأول أولى؛ لأن المصادر بعدها ناصبة ~~لمفاعليها، فيجري الباب على سنن واحد، وإنما أعيدت الباء في قوله: ~~" وبصدهم " ولم تعد في قوله: " وأخذهم " وما بعده؛ لأنه قد ~~فصل بين المعطوف والمعطوف عليه بما ليس معمولا للمعطوف عليه، بل ~~بالعامل فيه وهو " حرمنا " وما تعلق به، فلما بعد المعطوف من ~~المعطوف عليه بالفصل بما ليس معمولا للمعطوف عليه، أعيدت الباء ~~لذلك، وأما ما بعده، فلم يفصل فيه إلا بما هو معمول للمعطوف ~~عليه وهو " الربا ". { وأخذهم الربا وقد نهوا عنه } ~~في التوراة. # والجملة من قوله تعالى: { وقد نهوا عنه }: في محل نصب؛ لأنها ~~حالية، ونظير ذلك في إعادة الحرف وعدم إعادته ما تقدم في قوله: # فبما نقضهم ميثاقهم # [النساء: 155] الآية. " وبالباطل " يجوز أن يتعلق ب " أكلهم " ~~على أنها سببية أو بمحذوف على أنها حال من " هم " في " أكلهم " ، ~~أي: ملتبسين بالباطل. # وأما التشديد في الآخرة، وهو قوله: { وأعتدنا ~~للكافرين منهم عذابا أليما } لما وصف طريقة ~~الكفار والجهال من اليهود، وصف طريقة المؤمنين ~~المحقين منهم، فقال: { لكن الراسخون في العلم } ~~جيء هنا ب " لكن " لأنها بين نقيضين، وهما الكفار والمؤمنون، و " ~~الراسخون " مبتدأ، وفي الخبر احتمالان: # أظهرهما: أنه " يؤمنون ". # والثاني: أنه الجملة من قوله: " أولئك سنؤتيهم " ، و " في العلم ~~" متعلق ب " الراسخون ". و " منهم " متعلق بمحذوف؛ ms2880 لأنه ~~حال من الضمير المستكن في " الراسخون ". # فصل # معنى الكلام: ليس أهل الكتاب كلهم بهذه الصفة، لكن ~~الراسخون المبالغون في العلم منهم أولو البصائر، وأراد ~~به: الذين أسلموا؛ كعبد الله بن سلام وأصحابه. # قوله تعالى: { والمؤمنون } عطف على " الراسخون " ، وفي ~~خبره الوجهان المذكوران في خبر " الراسخون " ولكن إذا جعلنا ~~الخبر " أولئك سنؤتيهم " ، فيكون يؤمنون ما محله؟ والذي ~~يظهر أنه جملة اعتراض؛ لأن فيه تأكيدا وتسديدا للكلام، ويكون ~~الضمير في " يؤمنون " يعود على " الراسخون " و " المؤمنون ~~" جميعا، ويجوز أن تكون حالا منهما؛ وحينئذ لا يقال: إنها حال ~~مؤكدة لتقدم عامل مشارك لها لفظا؛ لأن الإيمان فيها مقيد، ~~والإيمان الأول مطلق، فصار فيها فائدة، لم تكن في عاملها، وقد ~~يقال: إنها مؤكدة بالنسبة لقوله: " يؤمنون " ، وغير مؤكدة ~~بالنسبة لقوله: " الراسخون " ، والمراد ب " المؤمنون " ~~المهاجرون والأنصار. # قوله سبحانه: " والمقيمين الصلاة " قرأ الجمهور بالياء، وقرأ ~~جماعة كثيرة: " والمقيمون " بالواو؛ منهم ابن جبير وأبو عمرو بن ~~العلاء في رواية يونس وهارون عنه، ومالك بن دينار وعصمة عن الأعمش، ~~وعمرو بن عبيد، والجحدري وعيسى بن عمر وخلائق. فأما قراءة الياء، ~~فقد اضطربت فيها أقوال النحاة، وفيها ستة أقوال: # أظهرها - وعزاه مكي لسيبويه، وأبو البقاء، للبصريين -: أنه منصوب على ~~القطع، يعني المفيد للمدح؛ كما في قطع النعوت، وهذا القطع مفيد ~~لبيان فضل الصلاة، فكثر الكلام في الوصف بأن جعل في جملة أخرى، ~~وكذلك القطع في قوله " والمؤتون الزكاة " على ما سيأتي هو لبيان ~~فضلها أيضا، لكن على هذا الوجه يجب أن يكون الخبر قوله: " ~~يؤمنون " ، ولا يجوز قوله " أولئك سنؤتيهم " ، لأن القطع ~~إنما يكون بعد تمام الكلام، قال مكي: " ومن جعل نصب " ~~المقيمين " على المدح جعل خبر " الراسخين ": " يؤمنون " ، ~~فإن جعل الخبر " أولئك سنؤتيهم " لم يجز نصب " المقيمين " ~~على المدح، لأنه لا يكون إلا بعد تمام الكلام ". # وقال أبو حيان: " ومن جعل الخبر: أولئك سنؤتيهم فقوله ضعيف ~~" قال شهاب الدين: وهذا غير لازم؛ لأن هذا القائل لا يجعل نصب " ~~المقيمين " حينئذ منصوبا على القطع، لكنه ضعيف بالنسبة ms2881 إلى أنه ~~ارتكب وجها ضعيفا في تخريج " المقيمين " كما سيأتي. وحكى ابن ~~عطية عن قوم منع نصبه على القطع من أجل حرف العطف، والقطع لا ~~يكون في العطف، إنما ذلك في النعوت، ولما استدل الناس بقول الخرنق: ~~[الكامل] # 1901- لا يبعدن قومي الذين هم # سم العداة وآفة الجزر # النازلين بكل معترك # والطيبون معاقد الأزر # على جواز القطع، فرق هذا القائل بأن البيت لا عطف فيه؛ ~~لأنها قطعت " النازلين " فنصبته، و " الطيبون " فرفعته عن ~~قولها " قومي " ، وهذا الفرق لا أثر له؛ لأنه في غير هذا البيت ~~ثبت القطع مع حرف العطف، أنشد سيبويه: [المتقارب] # 1902- ويأوي إلى نسوة عطل # وشعثا مراضيع مثل السعالي # فنصب " شعثا " وهو معطوف. # الثاني: أن يكون معطوفا على الضمير في " منهم " ، أي: لكن ~~الراسخون في العلم منهم، ومن المقيمين الصلاة. # الثالث: أن يكون معطوفا على الكاف في " إليك " ، أي: يؤمنون بما ~~أنزل إليك، وإلى المقيمين الصلاة، وهم الأنبياء. # الرابع: أن يكون معطوفا على " ما " في " بما أنزل " ، أي: ~~يؤمنون بما أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم وبالمقيمين، ~~ويعزى هذا للكسائي، واختلفت عبارة هؤلاء في " المقيمين " ، فقيل: ~~هم الملائكة، قال مكي: ويؤمنون بالملائكة الذين صفتهم إقامة الصلاة؛ ~~كقوله: # يسبحون الليل والنهار لا يفترون # [الأنبياء: 20]، وقيل: هم الأنبياء، وقيل: هم المسلمون، ويكون على ~~حذف مضاف، أي: وبدين المقيمين: # الخامس: أن يكون معطوفا على الكاف في " قبلك " أي: ومن قبل ~~المقيمين، ويعني بهم الأنبياء أيضا. # السادس: أن يكون معطوفا على نفس الظرف، ويكون على حذف مضاف، ~~أي: ومن قبل المقيمين، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، ~~فهذا نهاية القول في تخريج هذه القراءة. # وقد زعم قوم أنها لحن، ونقلوا عن عائشة وأبان بن عثمان أنها ~~خطأ من جهة غلط كاتب المصحف. # قالوا: وحكي عن عائشة وأبان بن عثمان؛ أنه من غلط الكاتب، ~~وهذا يعني أن يكتب: " والمقيمون الصلاة " ، وكذلك في سورة " ~~المائدة ": # إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون # [المائدة: 69]، وقوله: # إن هذان لساحران # [طه: 63]، قالوا: هذا خطأ من الكاتب. # وقال عثمان: ms2882 " إن في المصحف لحنا ستقيمه العرب ~~بألسنتها " فقيل له: إلا تغيره، فقال: دعوه؛ فإنه لا ~~يحل حراما، ولا يحرم حلالا. # وقالوا: وأيضا فهي في مصحف ابن مسعود بالواو فقط نقله الفراء، وفي ~~مصحف أبي كذلك وهي قراءة مالك بن دينار والجحدري وعيسى الثقفي، ~~وهذا لا يصح عن عائشة ولا أبان، وما أحسن قول الزمخشري رحمه ~~الله: " ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحنا في خط المصحف، ~~وربما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب، ومن لم يعرف مذاهب العرب ~~وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتنان، وغبي عليه أن ~~السابقين الأولين الذين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل، كانوا ~~أبعد همة في الغيرة عن الإسلام وذب المطاعن عنه من أن يقولوا ~~ثلمة في كتاب الله؛ ليسدها من بعدهم، وخرقا يرفوه من ~~يلحق بهم ". وأما قراءة الرفع، فواضحة. # قوله تعالى: { والمؤتون } فيه سبعة أوجه أيضا: # أظهرها: أنه على إضمار مبتدأ، ويكون من باب المدح المذكور في النصب ~~وهذا أول الأوجه. # الثاني: أنه معطوف على " الراسخون " ، وفي هذا ضعف؛ لأنه إذا ~~قطع التابع عن متبوعه، لم يجز أن يعود ما بعده إلى إعراب ~~المتبوع، فلا يقال: " مررت بزيد العاقل الفاضل " بنصب " ~~العاقل " ، وجر " الفاضل " ، فكذلك هذا. # الثالث: أنه عطف على الضمير المستكن في " الراسخون " ، وجاز ذلك ~~للفصل. # الرابع: أنه معطوف على الضمير في " المؤمنون ". # الخامس: أنه معطوف على الضمير في " يؤمنون ". # السادس: أنه معطوف على " المؤمنون ". # السابع: أنه مبتدأ وخبره " أولئك سنؤتيهم " ، فيكون " أولئك " مبتدأ، ~~و " سنؤتيهم " خبره، والجملة خبر الأول، ويجوز في " أولئك " ~~أن ينتصب بفعل محذوف يفسره ما بعده، فيكون من باب الاشتغال، إلا ~~أن هذا الوجه مرجوح من جهة أن " زيد ضربته " بالرفع أجود ~~من نصبه؛ لأنه لا يحوج إلى إضمار؛ ولأن لنا خلافا في تقديم معمول ~~الفعل المقترن بحرف التنفيس في نحو " سأضرب زيدا " منع بعضهم " ~~زيدا سأضرب " ، وشرط الاشتغال جواز تسلط العامل على ما قبله، ~~فالأولى أن نحمله على ما لا خلاف فيه، وقرأ حمزة: ms2883 " سيؤتيهم " ~~بالياء؛ مراعاة للظاهر في قوله: " والمؤمنون بالله " ، والباقون ~~بالنون على الالتفات تعظيما، ولمناسبة قوله: " وأعتدنا ". # فصل # والعلماء على ثلاثة أقسام: # [الأول]: علماء بأحكام الله فقط. # [الثاني]: علماء بذات الله وصفاته فقط. # [الثالث]: علماء بأحكام الله، وبذات الله. # والله [- تعالى -] وصف العلماء أولا: بكونهم راسخين في ~~العلم، ثم شرح ذلك مبينا: # أولا: كونهم عالمين بأحكام الله، وعاملين بها. # أما علمهم بأحكام الله، فهو قوله [- تعالى -]: { ~~والمؤمنون يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من ~~قبلك }. # وأما عملهم بها، فهو قوله: { والمقيمين الصلاة ~~والمؤتون الزكاة } وخصهما بالذكر؛ لكونهما أشرف ~~الطاعات البدنية والمالية. # ولما شرح كونهم عالمين بالأحكام وعاملين بها، شرح ~~بعده كونهم عالمين بالله. # وأشرف المعارف العلم بالمبدأ، والمعاد؛ فالعلم بالمبدأ قوله - تعالى ~~-: { والمؤمنون بالله } ، والعلم بالمعاد قوله: { واليوم ~~الأخر }. ### || [4.163-165] # لما حكى أن اليهود يسألون الرسول صلى الله عليه وسلم أن ~~ينزل عليهم كتابا من السماء؛ وذكر - تعالى - بعده ~~أنهم لا يطلبون ذلك استرشادا، ولكن عنادا، وحكى أنواع ~~فضائحهم وقبائحهم، فلما وصل إلى هذا المقام، شرع الآن في ~~الجواب عن تلك الشبهة؛ فقال: { إنآ أوحينآ إليك كمآ ~~أوحينآ إلى نوح والنبيين من بعده }. والمعنى: ~~أنا توافقنا على نبوة نوح وإبراهيم وإسماعيل وجميع ~~المذكورين، على أن الله - تعالى - أوحى إليهم، ولا طريق إلى ~~العلم بكونهم أنبياء الله ورسله إلا المعجزات، ~~ولكل واحد منهم نوع من المعجزة معينة، وأما أنزل ~~الله على كل واحد من هؤلاء المذكورين [كتابا بتمامه؛ مثل ما ~~أنزل على موسى، فلما لم يكن عدم إنزال الكتاب على هؤلاء] ~~دفعة واحدة قادحا في نبوتهم، بل كفى في ظهور ~~نبوتهم نوع واحد من أنواع المعجزات، علمنا أن هذه ~~الشبهة زائلة، وأن إصرار اليهود على طلب المعجزة ~~باطل؛ لأن إثبات المدلول يتوقف على إثبات الدليل، فإذا ~~حصل الدليل وتم، فالمطالبة بدليل آخر يكون تعنتا ~~ولجاجا. # قوله سبحانه: { كمآ أوحينآ }: الكاف نعت لمصدر محذوف، أي: ~~إيحاء مثل إيحائنا، أو على أنه حال من ذلك المصدر المحذوف ~~المقدر معرفا، أي: أوحيناه، أي: الإيحاء حال ms2884 كونه مشبها ~~لإيحائنا إلى من ذكر، وهذا مذهب سيبويه، وقد تقدم تحقيقه، وفي " ~~ما " وجهان: أن تكون مصدرية؛ فلا تفتقر إلى عائد على الصحيح، وأن تكون ~~بمعنى " الذي " ، فيكون العائد محذوفا، أي: كالذي أوحيناه إلى نوح، و ~~" من بعده " متعلق ب " أوحينا " ، ولا يجوز أن تكون " من " ~~للتبيين؛ لأن الحال خبر في المعنى، ولا يخبر بظرف الزمان عن ~~الجثة إلا بتأويل، وأجاز أبو البقاء أن يتعلق بنفس " النبيين " ~~، يعني أنه في معنى الفعل؛ كأنه قيل: " والذين تنبئوا من ~~بعده " وهو معنى حسن. # فصل لماذا ذكر نوح - عليه السلام - أولا # قالوا: إنما بدأ - تعالى - بذكر نوح؛ لأنه كان أبا البشر ~~مثل آدم - عليه السلام -، قال: # وجعلنا ذريته هم الباقين # [الصافات: 77]؛ ولأنه أول نبي شرح الله على لسانه الأحكام، ~~وأول نذير على الشرك، وأول من عذبت أمته لردهم ~~دعوته، وأهلك أهل الأرض بدعائه، وكان أطول الأنبياء ~~عمرا، وجعلت معجزته في نفسه، لأنه عمر ألف سنة، ~~فلم تنقص له سن، ولم تشب له شعرة، ولم تنتقص له قوة، ~~ولم يصبر أحد على أذى قومه مثل ما صبر هو على طول ~~عمره. # فصل # قوله [- تعالى -] { إنآ أوحينآ إليك كمآ أوحينآ ~~إلى نوح والنبيين من بعده } ثم خص بعض النبيين ~~بالذكر؛ لكونهم أفضل من غيرهم؛ كقوله: # وملائكته ورسله وجبريل وميكال # [البقرة: 98]. # واعلم أنه ذكر في هذه الآية اثنا عشرة نبيا، ولم يذكر ~~موسى معهم؛ لأن اليهود قالوا: إن كنت يا محمد نبيا ~~[حقا]، فأتنا بكتاب من السماء دفعة واحدة؛ كما أتى موسى ~~- عليه الصلاة والسلام - بالتوراة دفعة واحدة؛ فأجاب الله ~~عن هذه الشبهة بأن هؤلاء الأنبياء الاثني عشر، كانوا ~~أنبياء ورسلا، مع أن واحدا منهم لم يأت بكتاب مثل التوراة ~~دفعة واحدة. # وإذا كان المقصود من تعديده هؤلاء الأنبياء هذا المعنى، لم ~~يجز ذكر موسى معهم. # وفي " يونس " ست لغات؛ أفصحها: واو خالصة، ونون مضمومة، وهي ~~لغة الحجاز، وحكي كسر النون بعد الواو، وبها قرأ نافع في رواية ~~حبان، وحكي أيضا فتحها مع الواو، وبها ms2885 قرأ النخعي، وهي لغة لبعض ~~عقيل، وهاتان القراءتان جعلهما بعضهم منقولتين من الفعل المبني ~~للفاعل أو للمفعول، جعل هذا الاسم مشتقا من الأنس، وإنما أبدلت ~~الهمزة واوا؛ لسكونها وانضمام ما قبلها؛ ويدل على ذلك مجيئه بالهمزة ~~على الأصل في بعض اللغات؛ كما سيأتي، وفيه نظر، لأن هذا الاسم أعجمي، ~~وحكي تثليث النون مع همز الواو؛ كأنهم قلبوا الواو همزة؛ لانضمام ما ~~قبلها؛ نحو: [الوافر] # 1903- أحب المؤقدين إلي مؤسى # ..................... # قال شهاب الدين: وقد تقدم تقريره، وحكي أن ضم النون مع الهمز ~~لغة بعض بني أسد، إلا أني لا أعلم أنه قرىء بشيء من لغات الهمز، ~~هذا إذا قلنا: إن هذا الاسم ليس منقولا من فعل مبني للفاعل أو ~~للمفعول حالة كسر النون أو فتحها، أما إذا قلنا بذلك، فالهمزة ~~أصلية غير منقلبة من واو؛ لأنه مشتق من الأنس، وأما مع ضم النون، ~~فينبغي أن يقال بأن الهمزة بدل من الواو؛ لانتفاء الفعلية مع ضم النون. # قوله تعالى: { زبورا } قرأ الجمهور بفتح الزاي، وحمزة بضمها، ~~وفيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه جمع " زبر " قال الزمخشري: جمع " زبر " ، وهو ~~الكتاب، ولم يذكر غيره، يعني أنه في الأصل مصدر على فعل، ثم جمع ~~على فعول، نحو: فلس وفلوس، وقلس وقلوس، وهذا القول سبقه ~~إليه أبو علي الفارسي في أحد التخريجين عنه، قال أبو علي: " ~~ويحتمل أن يكون جمع زبر وقع على المزبور، كما قالوا: ضرب ~~الأمير، ونسج اليمن فصار اسما، ثم جمع على زبور كشهود ~~وشهد؛ كما سمي المكتوب كتابا " ، يعني أبو علي؛ أنه مصدر واقع ~~موقع المفعول به؛ كما مثله. # والثاني: أنه جمع " زبور " في قراءة العامة، ولكنه على حذف ~~الزوائد، يعني حذفت الواو منه، فصار اللفظ: زبر، وهذا التخريج ~~الثاني لأبي علي، قال أبو علي: " كما قالوا: ظريف وظروف، ~~وكروان وكروان، وورشان وورشان على تقدير حذف الياء والألف " ~~، وهذا لا بأس به؛ فإن التكسير والتصغير يجريان غالبا مجرى واحدا، ~~وقد رأيناهم يصغرون بحذف الزوائد نحو: " زهير وحميد " في ~~أزهر ومحمود، ويسميه النحويون " تصغير ms2886 الترخيم " ، فكذلك ~~التكسير. # الثالث: أنه اسم مفرد، وهو مصدر جاء على فعول؛ كالدخول، ~~والقعود، والجلوس، قاله أبو البقاء وغيره، وفيه نظر؛ من حيث إن ~~الفعول يكون مصدرا للازم، ولا يكون للمتعدي إلا في ألفاظ محفوظة، ~~نحو: اللزوم والنهوك، وزبر - كما ترى - متعد، فيضعف جعل ~~الفعول مصدرا له. # قال أهل اللغة: الزبور الكتاب، وكل كتاب زبور، وهو " ~~فعول " بمعنى " مفعول "؛ كالرسول والركوب والحلوب، ~~وأصله من زبرت بمعنى كتبت، وقد تقدم معنى هذه المادة في ~~آل عمران [آية 184]. # فصل في معنى الآية # معنى { وآتينا داوود زبورا } أي: صحفا وكتبا ~~مزبورة، أي: مكتوبة، وكان فيها التحميد والتمجيد ~~والثناء على الله تعالى. # قال القرطبي - رحمه الله -: الزبور كتاب داود - عليه السلام ~~- مائة وخمسين سورة، ليس فيها حكم، ولا حلال، ولا حرام، ~~وإنما هي حكم ومواعظ، والأصل في الزبر التوثيق؛ ~~فيقال: بئر مزبورة، أي: مطوية بالحجارة، والكتاب ~~يسمى زبورا؛ لقوة الوثيقة به. # وكان داود - عليه الصلاة والسلام - حسن الصوت؛ وإذا أخذ في ~~قراءة الزبور، اجتمع عليه الإنس والجن والطير والوحش؛ ~~لحسن صوته، وكان متواضعا يأكل من عمل يده في الخوص، ~~فكان يصنع الدروع، فكان أزرق العينين، وجاء في الحديث: # " الزرقة في العين يمن ". # قوله - عز وجل -: { ورسلا قد قصصناهم { [عليك] } ~~الجمهور على نصب " رسلا " ، وفيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه منصوب على الاشتغال؛ لوجود شروطه، أي: ~~وقصصنا رسلا. # قال القرطبي: ومثله مما أنشد سيبويه: [المنسرح] # 1904- أصبحت لا أحمل السلاح ولا # أملك رأس البعير إن نفرا # والذئب أخشاه إن مررت به # وحدي وأخشى الرياح والمطرا # أي: وأخشى الذئب، والمعنى على حذف مضاف، أي: قصصنا أخبارهم، ~~فيكون " قد قصصناهم " لا محل له؛ لأنه مفسر لذلك العامل ~~المضمر، ويقوي هذا الوجه قراءة أبي: " ورسل " بالرفع في ~~الموضعين، والنصب هنا أرجح من الرفع؛ لأن العطف على جملة فعلية، وهي: { ~~وآتينا داوود زبورا }. # الثاني: أنه منصوب عطفا على معنى { أوحينآ إليك كمآ ~~أوحينآ إلى نوح } ، أي: أرسلنا ونبأنا نوحا ~~ورسلا، وعلى هذا فيكون " قد قصصناهم " في محل نصب؛ لأنه ~~صفة ل ms2887 " رسلا ". # الثالث: أنه منصوب بإضمار فعل، أي: وأرسلنا رسلا؛ وذلك أن الآية ~~نزلت رادة على اليهود في إنكارهم إرسال الرسل، وإنزال الوحي، كما ~~حكى الله عنهم في قوله: # مآ أنزل الله على بشر من شيء # [الأنعام: 91] والجملة أيضا في محل الصفة. # وقيل: نصب على حذف حر الجر، والتقدير: كما أوحينا إلى نوح، وإلى ~~رسل. # وقرأ أبي: " ورسل " بالرفع في الموضعين، وفيه تخريجان: # أظهرهما: أنه مبتدأ وما بعده خبره، وجاز الابتداء هنا بالنكرة؛ لأحد ~~شيئين: إما العطف؛ كقوله: [البسيط] # 1905- عندي اصطبار وشكوى عند قاتلتي # فهل بأعجب من هذا امرؤ سمعا # وإما التفصيل؛ كقوله: [المتقارب] # 1906- فأقبلت زحفا على الركبتين # فثوب لبست وثوب أجر # وكقوله: [الطويل] # 1907- إذا ما بكى من خلفها انصرفت له # بشق وشق عندنا لم يحول # والثاني - وإليه ذهب ابن عطية -: أنه ارتفع على خبر ابتداء مضمر، أي: ~~وهم رسل، وهذا غير واضح، والجملة بعد " رسل " على هذا الوجه تكون في ~~محل رفع؛ لوقوعها صفة للنكرة قبلها. # قوله: { ورسلا لم نقصصهم } كالأول. وقوله: { وكلم ~~الله موسى } الجمهور على رفع الجلالة، وهي واضحة. و " تكليما ~~" مصدر مؤكد رافع للمجاز. # قال الفراء: العرب [تسمي] ما يوصل إلى الإنسان كلاما ~~بأي طريق وصل ولكن لا تحققه بالمصدر، فإذا حقق ~~بالمصدر، لم يكن إلا حقيقة الكلام؛ كالإرادة، يقال: أراد ~~فلان إرادة، يريد: حقيقة الإرادة. # قال القرطبي: " تكليما " يقدر معناه بالتأكيد، وهذا ~~يدل على بطلان قول من يقول: خلق [الله] لنفسه كلاما ~~في شجرة، فسمعه موسى - [عليه السلام] -، بل هو الكلام ~~الحقيقي الذي يكون به المتكلم متكلما. # قال النحاس: وأجمع النحويون على أنك إذا أكدت الفعل ~~بالمصدر، لم يكن مجازا، وأنه لا يجوز في قول الشاعر: [الرجز] # 1908- امتلأ الحوض وقال قطني # أن يقول: قال قولا فكذا لما قال: " تكليما " وجب أن يكون ~~كلاما على الحقيقة. # ومعنى الآية: أن الله - تعالى - ذكر هؤلاء الأنبياء والرسل ~~[وخص موسى] بالتكليم معه ولم يلزم من تخصيص موسى عليه ~~السلام بهذا التشريف، الطعن في نبوة الأنبياء - عليهم ~~السلام -، فكذلك لا يلزم ms2888 من إنزال التوراة دفعة واحدة ~~الطعن فيمن أنزل عليه الكتاب مفصلا. # وقرأ إبراهيم ويحيى بن وثاب: بنصب الجلالة. # وقال بعضهم: { وكلم الله [موسى تكليما] } معناه: ~~وجرح الله موسى بأظفار المحن ومخالب الفتن، وهذا تفسير ~~باطل. # وقد جاء التأكيد بالمصدر في ترشيح المجاز؛ كقول هند بنت النعمان بن ~~بشير في زوجها روح بن زنباع وزير عبد الملك بن ~~مروان: [الطويل] # 1909- بكى الخز من روح وأنكر جلده # وعجت عجيجا من جذام المطارف # تقول: إن زوجها روحا قد بكى ثياب الخز من لبسه؛ لأنه ~~ليس من أهل الخز، وكذلك صرخت صراخا من جذام - وهي قبيلة روح ~~- ثياب المطارف، تعني: أنهم ليسوا من أهل تلك الثياب، فقولها: " ~~عجت المطارف " مجاز؛ لأن الثياب لا تعج، ثم رشحته بقوله ~~عجيجا، وقال ثعلب: لولا التأكيد بالمصدر، لجاز أن يكون كما تقول: ~~" كلمت لك فلانا " ، أي: أرسلت إليه، أو كتبت له رقعة. # قوله تعالى: { رسلا مبشرين }: فيه أربعة أوجه: # أحدها: أنه بدل من " رسلا " الأول في قراءة الجمهور، وعبر ~~الزمخشري عن هذا بنصبه على التكرير، كذا فهم عنه أبو حيان. # الثاني: أنه منصوب على الحال الموطئة؛ كقولك: " مررت بزيد ~~رجلا صالحا " ، ومعنى الموطئة، أي: أنها ليست مقصودة، إنما ~~المقصود صفتها؛ ألا ترى أن الرجولية مفهومة من قولك " بزيد " ، ~~وإنما المقصود وصفه بالصلاحية. # الثالث: أنه نصب بإضمار فعل، أي: أرسلنا رسلا. # الرابع: أنه منصوب على المدح، قدره أبو البقاء ب " أعني " ، وكان ~~ينبغي أن يقدره فعلا دالا على المدح، نحو: " أمدح " ، وقد رجح ~~الزمخشري هذا الأخير، فقال: " والأوجه أن ينتصب " رسلا " على ~~المدح ". # قوله: " لئلا " هذه لام كي، وتتعلق ب " منذرين " على ~~المختار عند البصريين، وب " مبشرين " على المختار عند ~~الكوفيين؛ فإن المسألة من التنازع، ولو كان من إعمال الأول، لأضمر ~~في الثاني من غير حذف، فكان يقال: مبشرين ومنذرين [له] لئلا، ~~ولم يقل كذلك، فدل على مذهب البصريين، وله في القرآن نظائر تقدم ~~منها جملة صالحة، وقيل: اللام تتعلق بمحذوف، أي: أرسلناهم لذلك، و ~~" حجة " اسم " كان " ، وفي ms2889 الخبر وجهان: # أحدهما: هو " على الله " و " للناس " حال. # والثاني: أن الخبر " للناس " و " على الله " حال، ويجوز أن يتعلق ~~كل من الجار والمجرور بما تعلق به الآخر، إذا جعلناه خبرا، ولا ~~يجوز أن يتعلق على الله ب " حجة " ، وإن كان المعنى عليه؛ لأن ~~معمول المصدر لا يتقدم عليه، و " بعد الرسل " متعلق ب " حجة ~~" ، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة ل " حجة "؛ لأن ظروف ~~الزمان توصف بها الأحداث؛ كما يخبر بها عنها؛ نحو: " القتال ~~يوم الجمعة ". # فصل في جواب الآية عن شبهة اليهود # هذه الآية جواب عن شبهة اليهود، وتقريره: أن المقصود من ~~بعثة الرسل أن يبشروا وينذروا، وهذا المقصود حاصل ~~سواء كان الكتاب نازلا دفعة واحدة أو منجما، ولا ~~يختلف هذا الغرض بنزول الكتاب منجما أو دفعة واحدة. # بل لو قيل: إن إنزال الكتاب منجما مفرقا أقرب إلى ~~المصلحة، لكان أولى؛ لأن الكتاب إذا نزل دفعة واحدة، ~~كثرت التكاليف على المكلف، فيثقل فعلها؛ ولهذا السبب ~~أخذ قوم موسى - عليه السلام - على التمرد، ولم يقبلوا تلك ~~التكاليف. # أما إذا نزل الكتاب منجما مفرقا، سهل قبوله ~~للتدريج، فحينئذ يحصل الانقياد والطاعة من القوم، فكان ~~اقتراح اليهود إنزال الكتاب دفعة واحدة اقتراحا ~~فاسدا # ثم قال: { وكان الله عزيزا حكيما } يعني: هذا الذي ~~تطلبونه من الرسول أمر هين في القدرة، وإنما طلبتموه ~~على سبيل اللجاج، وهو - تعالى - عزيز، وعزته تقتضي ~~ألا يجاب المتعنت إلى مطلوبه، وكذلك حكمته تقتضي ~~هذا الامتناع؛ لعلمه - تعالى - بأنه لو فعل ذلك لبقوا ~~مصرين على اللجاج؛ لأنه - تعالى - أعطى موسى - [عليه الصلاة ~~والسلام] - هذا التشريف، ومع ذلك أصروا على المكابرة ~~واللجاج. # فصل # احتجوا بهذه الآية على أن معرفة الله - تعالى - لا تثبت إلا ~~بالسمع؛ لأن قوله: { لئلا يكون للناس على الله ~~حجة بعد الرسل } يدل على أن قبل البعثة يكون ~~للناس حجة في ترك الطاعات، ويؤيده قوله - تعالى -: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15]، وقوله: # ولو أنآ أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ~~ربنا لولا أرسلت إلينا ms2890 رسولا فنتبع آيتك ~~من قبل أن نذل ونخزى # [طه: 134]. # فصل شبهة للمعتزلة وردها # قالت المعتزلة: دلت هذه الآية على أن العبد قد يحتج على الرب ~~- سبحانه وتعالى - وأن الذي يقوله أهل السنة من أنه تعالى ~~لا اعتراض عليه في شيء، وأنه يفعل ما يشاء كما شاء ~~ليس بشيء؛ لأن قوله: { لئلا يكون للناس على الله ~~حجة بعد الرسل } يقتضي أن لهم حجة على الله قبل ~~الرسل، وذلك يبطل قول أهل السنة. # والجواب: أن المراد { لئلا يكون للناس على الله } أي: ~~فيما يشبه الحجة فيما بينكم. # فصل شبهة للمعتزلة وردها # قالت المعتزلة: دلت الآية على أن تكليف ما لا يطاق ~~غير جائز؛ لأن عدم إرسال الرسل إذا كان يصلح عذرا، ~~فبأن يكون عدم المكنة والقدرة صالحا لأن يكون عذرا ~~أولى. # والجواب: بالمعارضة بالعلم. ### || [4.166] # قوله تعالى: { لكن الله يشهد } هذه الجملة الاستدراكية لا ~~يبتدأ بها، فلا بد من جملة محذوفة، وتكون هذه الجملة مستدركة عنها، ~~والجملة المحذوفة هي ما روي في سبب النزول؛ أنه لما نزلت: # إنآ أوحينآ إليك # [الآية: 163 النساء]، قالوا: ما نشهد لك بهذا أبدا، فنزلت: { لكن ~~الله يشهد } ، وقد أحسن الزمخشري هنا في تقدير جملة غير ما ~~ذكرت، وهو: " فإن قلت: الاستدراك لا بد له من مستدرك، فأين ~~هو في قوله: { لكن الله يشهد }؟ قلت: لما سأل أهل ~~الكتاب إنزال الكتاب من السماء، وتعنتوا بذلك، واحتج عليهم بقوله: { ~~إنآ أوحينآ إليك } قال: { لكن الله يشهد } ~~بمعنى أنهم لا يشهدون، لكن الله يشهد " ، ثم ذكر الوجه الأول. # وقرأ الجمهور بتخفيف " لكن " ورفع الجلالة، والسلمي والجراح ~~الحكمي بتشديدها ونصب الجلالة، وهما كالقراءتين في # ولكن الشياطين # [البقرة: 102] وقد تقدم، والجمهور على " أنزله " مبينا للفاعل، ~~وهو الله تعالى، والحسن قرأه " أنزل " مبنيا للمفعول، وقرأ ~~السلمي " نزله بعلمه " مشددا، والباء في " بعلمه " ~~للمصاحبة، أي: ملتبسا بعلمه، فالجار والمجرور في محل نصب على الحال، ~~وفي صاحبها وجهان: # أحدهما: الهاء في " أنزله ". # والثاني: الفاعل في " أنزله " أي: أنزله عالما به، و " ~~والملائكة يشهدون " مبتدأ ms2891 وخبر، يجوز أن تكون حالا أيضا من ~~المفعول في " أنزله " ، أي: والملائكة يشهدون بصدقه، ويجوز ~~ألا يكون لها محل، وحكمه حينئذ كحكم الجملة الاستدراكية قبله، ~~وقد تقدم الكلام على مثل قوله: { وكفى بالله شهيدا } ~~[النساء: 166]. # فصل # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: # " إن رؤساء مكة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرف ~~وكرم ومجد وعظم وقالوا: يا محمد، إنا سألنا عنك ~~اليهود، عن صفتك في كتابهم، فزعموا أنهم لا يعرفونك ~~ودخل عليه جماعة من اليهود، فقال لهم: والله إنكم لتعلمن ~~أني رسول الله " # فقالوا: ما نعلم ذلك والله، فأنزل الله - تعالى -: { لكن ~~الله يشهد بمآ أنزل إليك [أنزله بعلمه] } إن ~~جحدوك وكذبوك، وشهادة الله عرفت بإنزال هذا القرآن ~~البالغ في الفصاحة إلى حيث عجز الأولون والآخرون عن ~~معارضته، فكان ذلك معجزا، وإظهار المعجزة شهادة ~~بكون المدعي صادقا، ولما كانت شهادته إنما عرفت ~~بإنزاله بواسطة القرآن، قال: { لكن الله يشهد } لك ~~بالنبوة، بواسطة إنزال هذا القرآن عليك، ثم بين صفة هذا ~~الإنزال، وهو أنه - تعالى - أنزله بعلم تام، وحكمة ~~بالغة. فقوله بغاية الحسن ونهاية الكمال؛ كما يقال في ~~الرجل المشهور بكمال الفضل والعلم، إذا صنف كتابا ~~واستقصى في تحريره: إنه إنما صنف هذا بكمال علمه ~~وفضله، يعني: أنه اتخذ جملة علومه وسيلة إلى تصنيف ~~هذا الكتاب، فيدل ذلك على وصف ذلك التصنيف بغاية ~~الجودة والحسن، فكذا ههنا دلت هذه الآية على أن لله - ~~تعالى - علما؛ لأنها أثبتت العلم لله - تعالى - ولو كان ~~علمه نفس ذاته، لزم إضافة الشيء إلى نفسه، وهو ~~محال. # وقوله - تعالى -: { والملائكة يشهدون } إنما تعرف ~~شهادة الملائكة له بذلك؛ لأن إظهار المعجزة على يده، لما ~~دل على أن الله - تعالى - شهد بذلك، فالملائكة [أيضا] ~~يشهدون لا محالة، لأنهم لا يسبقونه بالقول، فكأنه ~~قيل: يا محمد إن كذبك هؤلاء [اليهود]، فلا تبال بهم، فإن ~~إله العالمين يصدقك، وملائكة السموات يصدقونك في ~~ذلك، ومن صدقه رب العالمين، وملائكة العرش والكرسي، ~~والسموات السبع أجمعين، لم يلتفت إلى تكذيب أخس ~~الناس. ms2892 # ثم قال: { وكفى بالله شهيدا } [وقد تقدم الكلام فيه]. ### || [4.167-169] # قوله - تعالى -: { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل ~~الله } الآية والجمهور على " وصدوا " مبنيا للفاعل، وقرأ عكرمة ~~وابن هرمز: " وصدوا " مبنيا للمفعول، وهما واضحتان، وقد قرئ ~~بهما في المتواتر في قوله: # وصدوا # [الرعد: 33] في الرعد، و # وصد عن السبيل # [غافر: 37] في غافر. # والمراد كفروا بقولهم: لو كان رسولا، لأتى بكتاب دفعة ~~واحدة من السماء؛ كما أنزلت التوراة على موسى؛ وقولهم: إن ~~الله - تعالى - ذكر في التوراة؛ أن شريعة موسى لا تبدل ولا ~~تنسخ إلى يوم القيامة، وقولهم: إن الأنبياء لا يكونون ~~إلا من ولد هارون وداود، وصدهم عن سبيل الله: ~~بكتمان نعت محمد صلى الله عليه وسلم. # { قد ضلوا ضلالا بعيدا } ، إلا أن أشد الناس ضلالا ~~من كان يعتقد في نفسه أنه محق، ثم يتوسل بذلك ~~الضلال إلى اكتساب المال والجاه، ثم يبذل جهده في ~~إلقاء غيره في مثل ذلك الضلال، فهذا قد بلغ في الضلال ~~إلى أقصى الغايات. # ولما وصف الله ضلالهم، ذكر وعيدهم؛ فقال: { إن الذين ~~كفروا وظلموا } بكتمان نعت محمد [صلى الله عليه ~~وسلم]، وظلموا أتباعهم بإلقاء الشبهات { لم يكن ~~الله ليغفر لهم } ، وقد تقدم الكلام على قوله " ليغفر ~~لهم " وأن الفعل مع هذه اللام أبلغ منه دونها. # واعلم أنا إن حملنا قوله: " إن الذين " على المعهود ~~السابق لم يحتج إلى إضمار شرط في هذا الوعيد على ~~أقوام علم الله منهم أنهم يموتون على الكفر. # وإن حملناه على الاستغراق، أضمرنا فيه شرط عدم ~~التوبة. # قوله سبحانه: { ولا ليهديهم طريقا إلا طريق جهنم ~~} في هذا الاستثناء قولان: # أحدهما: أنه استثناء متصل، لأن [المراد] بالطريق ~~الأول: العموم، فالثاني من جنسه. # والثاني: أنه منقطع إن أريد بالطريق شيء مخصوص؛ وهو ~~العمل الصالح الذي يتوصلون به إلى الجنة، وانتصب " ~~خالدين " على الحال، والعامل فيه معنى " لا يهديهم الله "؛ ~~لأنه بمنزلة: يعاقبهم خالدين، وانتصب " أبدا " على ~~الظرف، { وكان ذلك على الله يسيرا } أي: لا يتعذر ~~عليه شيء. ### || [4.170] # قوله - تعالى -: { يأيها الناس ms2893 قد جآءكم الرسول ~~بالحق من ربكم } الآية لما أجاب عن شبهة اليهود، [و] ~~بين فساد طريقهم، ذكر خطابا عاما يعمهم ويعم ~~غيرهم في الدعوة إلى الإسلام. # قوله سبحانه: { بالحق }: فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق بمحذوف، والباء للحال، أي: جاءكم الرسول ~~ملتبسا بالحق، أو متكلما به. # والثاني: أنه متعلق بنفس " جاءكم " ، أي: جاءكم بسبب إقامة ~~الحق، والمراد بهذا الحق القرآن، وقيل: الدعوة إلى عبادة الله، ~~والإعراض عن غيره، و " من ربكم " فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق بمحذوف؛ على أنه حال أيضا من " الحق ". # والثاني: أنه متعلق ب " جاء " ، أي: جاء من عند الله، أي: أنه مبعوث ~~لا متقول. # قوله تعالى: { فآمنوا خيرا لكم } في نصبه أربعة أوجه: # أحدها - وهو مذهب الخليل وسيبويه -: أنه منصوب بفعل محذوف واجب ~~الإضمار، تقديره: وأتوا خيرا لكم؛ لأنه لما أمرهم بالإيمان فهو يريد ~~إخراجهم من أمر، وإدخالهم فيما هو خير منه، ولم يذكر الزمخشري غيره؛ ~~قال: " وذلك أنه لما بعثهم على الإيمان وعلى الانتهاء عن التثليث، ~~علم أنه يحملهم على أمر، فقال: خيرا لكم، أي: اقصدوا وأتوا ~~أمرا خيرا لكم مما أنتم فيه من الكفر والتثليث ". # الثاني - وهو مذهب الفراء -: أنه نعت لمصدر محذوف، أي: فآمنوا إيمانا ~~خيرا لكم، وفيه نظر؛ من حيث أنه يفهم أن الإيمان منقسم إلى خير ~~وغيره، وإلا لم يكن لتقييده بالصفة فائدة، وقد يقال: إنه قد يكون ~~لا يقول بمفهوم الصفة؛ وأيضا: فإن الصفة قد تأتي للتأكيد وغير ذلك. # الثالث - وهو مذهب الكسائي وأبي عبيد -: أنه منصوب على خبر " كان " ~~المضمرة، تقديره: يكن الإيمان خيرا، وقد رد بعضهم هذا المذهب؛ ~~بأن " كان " لا تحذف مع اسمها دون خبرها، إلا فيما لا بد له منه، ~~ويزيد ذلك ضعفا أن " يكن " المقدرة جواب شرط محذوف، فيصير ~~المحذوف الشرط وجوابه، يعني: أن التقدير: إن تؤمنوا، يكن ~~الإيمان خيرا، فحذفت الشرط، وهو " إن تؤمنوا " وجوابه، وهو " ~~يكن الإيمان " وأبقيت معمول الجواب، وهو " خيرا " ، وقد يقال: ~~إنه لا يحتاج إلى إضمار شرط صناعي، وإن كان المعنى ms2894 عليه؛ لأنا ~~ندعي أن الجزم الذي في " يكن " المقدرة، إنما هو بنفس جملة الأمر ~~التي قبله، وهو قوله: " فآمنوا " من غير تقدير حرف شرط، ولا فعل له، ~~وهو الصحيح في الأجوبة الواقعة لأحد الأشياء السبعة، تقول: " قم ~~أكرمك " ، ف " أكرمك " جواب مجزوم بنفس " قم "؛ لتضمن هذا ~~الطلب معنى الشرط من غير تقدير شرط صناعي. # الرابع - والظاهر فساده -: أنه منصوب على الحال، نقله مكي عن بعض ~~الكوفيين، قال: " وهو بعيد " ، ونقله أبو البقاء أيضا، ولم ~~يعزه. # " وإن تكفروا " فإن الله غني عن إيمانكم؛ لأنه مالك ~~السماوات والأرض وخالقها، ومن كان كذلك، لم يكن محتاجا إلى ~~شيء، ويكون التقدير فإن لله ما في السماوات وما في ~~الأرض، ومن كان كذلك، قادرا على إنزال العذاب عليكم لو ~~كفرتم، أو يكون المراد: إن كفرتم، فله ملك السماوات ~~والأرض، ومن كان كذلك فله عبيد يعبدونه وينقادون ~~لأمره، فيجازي كلا بفعله. ### || [4.171] # لما أجاب عن شبهات اليهود، تكلم بعد ذلك مع النصارى، ~~والتقدير: يا أهل الكتاب من النصارى لا [تغلوا في دينكم]، أي: ~~تفرطوا في تعظيم المسيح، والغلو: تجاوز الحد، ومنه: غلوة ~~السهم، وغلاء السعر. # واعلم أنه - تعالى - حكى عن اليهود مبالغتهم في الطعن في ~~المسيح، وهنا حكى عن النصارى مبالغتهم في تعظيمه، وهم ~~أصناف اليعقوبية، والملكانية، والنسطورية ~~والمرقسية. # فقالت اليعقوبية: عيسى هو الله، وكذلك الملكانية. # وقالت النسطورية: عيسى ابن الله. # وقالت المرقسية: ثالث ثلاثة، فأنزل الله هذه الآية. # ويقال: إن الملكانية تقول: عيسى هو الله، واليعقوبية ~~يقولون: ابن الله، والنسطورية يقولون: [ثالث] ثلاثة عليهم ~~رجل من اليهود يقال له: بولص، وسيأتي في سورة التوبة ~~- إن شاء الله تعالى -. # وقال الحسن: يجوز أن تكون نزلت في اليهود والنصارى؛ فإنهم ~~جميعا غلوا في أمر عيسى - عليه السلام - فاليهود بالتقصير، ~~والنصارى بمجاوزة الحد، وهو في الدين حرام. # { ولا تقولوا على الله إلا الحق } وتصفوا الله ~~بالحلول والاتحاد في بدن الإنسان أو روحه. # وقيل: لا تقولوا إن له شريكا أو ولدا، ونزهوه عن ~~هذه الأحوال. # قوله: " إلا الحق " هذا ms2895 استثناء مفرغ، وفي نصبه وجهان: # أحدهما: أنه مفعول به؛ لأنه تضمن معنى القول؛ نحو: " قلت خطبة ~~". # والثاني: أنه نعت مصدر محذوف، أي: إلا القول الحق، وهو قريب في ~~المعنى من الأول. # قوله [- سبحانه -]: { إنما المسيح عيسى ابن مريم ~~رسول الله }. # قرأ جعفر بن محمد: " المسيح " بوزن " السكيت "؛ كأنه جعله مثال ~~مبالغة؛ نحو: " شريب العسل " ، و " المسيح " مبتدأ بعد " إن " ~~المكفوفة، و " عيسى " بدل منه، أو عطف بيان، و " ابن مريم " صفته ~~و " رسول الله " خبر المبتدأ، و " كلمته " عطف عليه. # و " ألقاها " جملة ماضية في موضع الحال، و " قد " معها مقدرة، وفي ~~عامل الحال ثلاثة أوجه نقلها أبو البقاء: # أحدها: أنه معنى " كلمة "؛ لأن معنى وصف عيسى بالكلمة: ~~المكون بالكلمة من غير أب، فكأنه قال: ومنشؤه ومبتدعه. # والثاني: أن يكون التقدير: إذ كان ألقاها، ف " إذ " ظرف زمان ~~مستقبل، و " كان " تامة، وفاعلها ضمير الله تعالى، و " ألقاها " حال ~~من ذلك الفاعل، وهو كقولهم: " ضربي زيدا قائما ". # والثالث: أن يكون حالا من الهاء المجرورة، والعامل فيها معنى الإضافة، ~~تقديره: وكلمة الله ملقيا إياها. انتهى. أما جعله العامل ~~معنى " كلمة " فصحيح، لكنه لم يبين في هذا الوجه من هو صاحب الحال؟ ~~وصاحب الحال الضمير المستتر في كلمته " العائد على عيسى؛ لما ~~تضمنته من معنى المشتق؛ نحو: " منشأ ومبتدع " ، وأما ~~جعله العامل معنى الإضافة، فشيء ضعيف، ذهب إليه بعض النحويين، ~~وأما تقديره الآية بمثل " ضربي زيدا قائما " ، ففاسد من حيث ~~المعنى، والله أعلم. # فصل في تفسير الكلمة # قد تقدم في تفسير " الكلمة " في قوله: # يبشرك بكلمة منه ا # [آل عمران: 45]، والمعنى: أنه وجد بكلمة الله وأمره، ~~من غير واسطة [أب] ولا نطفة؛ لقوله [تعالى]: # إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ~~تراب ثم قال له كن [فيكون] # [آل عمران: 59]. # قوله تعالى { وروح } عطف على " كلمة " ، و " منه " صفة ل " ~~روح " ، و " من " لابتداء الغاية مجازا، وليست تبعيضية، ومن غريب ~~ما يحكى أن بعض النصارى ناظر علي بن الحسين بن واقد ms2896 ~~المروزي، وقال: " في كتاب الله ما يشهد أن عيسى جزء من ~~الله " ، وتلا: " وروح منه " ، فعارضه ابن واقد بقوله تعالى: # وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا ~~منه # [الجاثية: 13]، وقال: " يلزم أن تكون تلك الأشياء جزءا من الله ~~تعالى، وهو محال بالاتفاق " ، فانقطع النصراني وأسلم. # فصل # قيل: معنى " روح منه " [هي] روح كسائر الأرواح، وإنما ~~أضافها الله - تعالى - إلى نفسه تشريفا. # وقيل: الروح هو النفخ الذي نفخه جبريل في درع مريم - ~~[عليها السلام] - فحملت بإذن الله، سمي النفخ " روحا ~~"؛ لأنه ريح يخرج من الروح، وأضافه إلى نفسه؛ لأنه كان ~~بأمره. # والروح والريح متقاربان، فالروح: عبارة عن نفخ ~~جبريل - عليه السلام -، وقوله: " منه " يعني: أن ذلك النفخ ~~من جبريل كان بأمر الله وإذنه، فهو منه؛ وهكذا قوله: # فنفخنا فيه من روحنا # [التحريم: 12]. # وقيل: " روح منه " أي: رحمة منه، فكان - عليه السلام - ~~رحمة لمن تبعه، وآمن به، من قوله - [تعالى] -: # وأيدهم بروح منه # [المجادلة: 22]. أي: برحمة منه وقال - عليه الصلاة والسلام -: # " إنما أنا رحمة مهداة ". # وقيل: الروح الوحي، أوحى إلى مريم بالبشارة، وإلى ~~جبريل بالنفخ، وإلى عيسى أن كن فكان؛ كقوله -[تعالى] -: # ينزل الملائكة بالروح من أمره [على من ~~يشآء من عباده] # [النحل: 2]. يعني: بالوحي؛ وقال - تعالى - في صفة القرآن: # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا # [الشورى: 52]. # وقيل: أراد بالروح: جبريل، معناه: كلمته ألقاها إلى ~~مريم، وألقاها - أيضا - روح منه بأمره، وهو جبريل [- ~~عليه السلام -]؛ كقوله: # تنزل الملائكة [والروح فيها] # [القدر: 4] يعني: جبريل فيها، وقال: # فأرسلنآ إليهآ روحنا # [مريم: 17] يعني: جبريل. # وقيل: لما جرت عادة الناس أنهم إذا وصفوا شيئا بغاية ~~الطهارة والنظافة، قالوا: إنه روح، فلما كان عيسى لم يتكون ~~من نطفة، وإنما من نفخة جبريل - عليه السلام - لا جرم ~~وصف بأنه روح، والمراد من قوله: " منه " التشريف ~~والتفضيل؛ كما يقال: هذه نعمة من الله، أي: تلك النعمة ~~الكاملة الشريفة. # وقيل: إنه كان سببا لحياة الخلق في أديانهم، [فوصف أنه ~~روح؛ كما وصف القرآن في قوله: # وكذلك أوحينآ إليك ms2897 روحا من أمرنا # [الشورى: 52]، سماه روحا؛ لما كان سببا لحياة الخلق في ~~أديانهم]. # وقيل: لما أدخل التنكير في لفظ " روح " أفاد التعظيم، فكان ~~المعنى: روح من الأرواح الشريفة القدسية العالية. # وقوله: " منه " أضاف ذلك الروح إلى نفسه تشريفا، ثم قال: { ~~فآمنوا بالله ورسله } أي: أن عيسى من رسل الله، فآمنوا به ~~كإيمانكم بسائر الرسل، ولا تجعلوه إلها. # قوله - تعالى -: { ولا تقولوا ثلاثة } ، أي: لا تقولوا ~~آلهتنا ثلاثة، ف " ثلاثة " خبر مبتدأ مضمر، والجملة من هذا ~~المبتدأ والخبر في محل نصب بالقول، أي: ولا تقولوا: " آلهتنا ثلاثة " ~~قال الزجاج: ويدل عليه قوله بعد ذلك: { إنما الله إله ~~واحد } ، وقيل: تقديره: الأقانيم ثلاثة، أو المعبود ثلاثة، وقال ~~الفارسي: تقديره: الله ثالث ثلاثة، ثم حذف المضاف، وأقيم المضاف ~~إليه مقامه، يريد بذلك موافقة قوله: # لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة # [المائدة: 73]. # قال الفراء: تقديره: ولا تقولوا هم ثلاثة؛ كقوله: # سيقولون ثلاثة # [الكهف: 22] وكانت النصارى [يقولون:] أب، وابن، وروح القدس. # فصل في بيان تفسير النصارى للتثليث # قال القرطبي: فرق النصارى مجتمعون على التثليث، ويقولون: إن ~~الله جوهر واحد، وله ثلاثة أقانيم، فيجعلون كل أقنوم ~~إلها، ويعنون بالأقانيم: الوجود والحياة والعلم، وربما ~~يعبرون [عن] الأقانيم بالأب، والابن، وروح القدس، فيعنون ~~بالأب الوجود، وبالروح الحياة، وبالابن المسيح، في كلام لهم فيه ~~تخبيط. # ومحصول كلامهم يئول إلى التمسك بأن عيسى إله؛ بما كان ~~يجري الله على يديه من خوارق العادات على حسب دواعيه ~~وإرادته. # قالوا: قد علمنا خروج هذه الأمور من مقدور البشر، ~~فينبغي أن يكون المقتدر عليها موصوف بالإلهية. # فيقال لهم: لو كان ذلك من مقدوراته وكان مستقلا به، كان ~~تخليص نفسه من أعدائه، ودفع شرهم عنه من مقدوراته، وليس ~~كذلك؛ فإن اعترفوا بذل سقط استدلالهم وقولهم: إنه كان ~~يفعلها، وإن لم يسلموا فلا حجة لهم - أيضا -؛ لأنهم ~~معارضون بموسى - عليه السلام -، وما كان يجري الله - تعالى - على ~~يديه من الأمور العظام؛ كفلق البحر، وقلب العصا ثعبانا، ~~واليد البيضاء، وضرب الحجر فانفجرت منه اثنتا ms2898 عشرة ~~عينا، وإنزال المن والسلوى وغير ذلك، وكذلك ما جرى على ~~أيدي الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -، فإن أنكروا ذلك، ~~فينكر ما يدعونه في ظهوره على يد عيسى - عليه السلام -، ولا ~~يمكنهم إثبات شيء من ذلك [لعيسى؛ فإن إثباته عندنا بنص ~~القرآن، وهم ينكرون القرآن ويكذبون من أتى به]، ولا ~~يمكنهم إثبات ذلك بأخبار التواتر. # [و] قوله - عز وجل -: { انتهوا خيرا لكم } نصب " خيرا " ~~لنصبه فيما تقدم في جميع وجوهه، ونسبته إلى قائليه، ثم ~~أكد التوحيد بقوله: { إنما الله إله واحد } ثم ~~نزه نفسه عن الولد بقوله: { سبحانه أن يكون له ولد } ~~وتقديره: من أن يكون، أو: عن أن يكون؛ لأن معنى: " سبحان ~~": التنزيه: فكأنه قيل: نزهوه عن أن يكون، أو من أن ~~يكون له ولد، فيجيء في محل " أن " الوجهان المشهوران، وقد ~~تقدمت دلائل تنزيه الله عن الولد في سورة " آل عمران " و ~~" واحد " نعت على سبيل التوكيد، وظاهر كلام مكي أنه نعت لا على سبيل ~~التوكيد، فإنه قال: و " الله " مبتدأ، و " إله " خبره، و " واحد " نعت، ~~تقديره: " إنما الله منفرد في إلهيته " ، وقيل: " واحد " ~~تأكيد بمنزلة # لا تتخذوا إلهين اثنين # [النحل: 51]، ويجوز أن يكون " إله " بدلا من " الله " ، و " واحد " ~~خبره، تقديره: إنما المعبود واحد، وقوله: { أن يكون له ~~ولد } تقديم نظيره [في الآية 47 آل عمران]. وقرأ الحسن: " إن ~~يكون " بكسر الهمزة ورفع " يكون " على أن " إن " نافية، أي: ما ~~يكون له ولد، فعلى قراءته يكون هذا الكلام جملتين، وعلى قراءة ~~العامة يكون جملة واحدة. # ثم قال - تعالى -: { له ما في السماوات وما في الأرض }. # واعلم أنه - تعالى - في كل موضع نزه نفسه عن الولد ذكر ~~كونه ملكا ومالكا لما في السموات وما في الأرض؛ فقال في " ~~مريم ": # إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن ~~عبدا # [مريم: 93]، والمعنى: أن من كان مالكا لما في السموات وما في ~~الأرض، ولكل ما فيها، كان مالكا لعيسى ولمريم؛ لأنهما كانا ~~في السموات وفي الأرض، ولما هو أعظم منهما ms2899 في الذات ~~والصفات، وإذا كان مالكا لما هو أعظم منهما، فبأن يكون ~~مالكا لهما أولى، وإذا كانا مملوكين له، فكيف ~~يعقل مع هذا توهم كونهما ولدا وزوجة. # ثم قال - تعالى -: { وكفى بالله وكيلا } أي: إن الله - تعالى ~~- كاف في تدبير المخلوقات، وفي حفظ المحدثات، فلا ~~حاجة معه إلى القول بإثبات آله آخر، وهو إشارة إلى ما ~~يذكره المتكلمون؛ من أنه لما كان [- تعالى -] عالما ~~بجميع المعلومات قادرا على كل المقدورات، كان كافيا في ~~الإلهية، فلو فرضنا آلها آخر، كان معطلا لا فائدة فيه، ~~وذلك نقص، والناقص لا يكون إلها. ### || [4.172-173] # قوله: { لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا ~~الملائكة المقربون } الآية لما أقام الحجة القاطعة ~~على أن عيسى عبد الله، لا يجوز أن يكون ابنا له، أشار ~~بعده إلى حكاية شبهتهم، وأجاب عنها؛ لأن الشبهة ~~التي عولوا عليها في إثبات أنه ابن الله؛ هو [أنه] كان ~~يخبر عن الغيبيات، ويأتي بخوارق العادات من الإبراء ~~والإحياء، فكأنه - تعالى - قال: { لن يستنكف المسيح } ~~بسبب القدر من العلم والقدرة عن عبادة الله - [سبحانه] وتعالى ~~-، فإن الملائكة المقربين أعلى حالا منه في القدرة؛ لأن ~~ثمانية منهم حملة العرش على عظمته، ثم [إن] الملائكة مع ~~كمالهم في العلوم، لم يستنكفوا عن عبودية الله، فكيف ~~يستنكف المسيح عن عبوديته بسبب هذا القدر القليل الذي ~~كان معه من العلم والقدرة. # والاستنكاف: استفعال من النكف، والنكف: أن يقال [له] سوء، ~~ومنه: " وما عليه في هذا الأمر نكف ولا وكف " ، قال أبو العباس: ~~" واستفعل هنا بمعنى دفع النكف عنه " ، وقال غيره: " هو ~~الأنفة والترفع " ، ومنه: " نكفت الدمع بإصبعي " ، إذا ~~منعته من الجري على خدك، قال: [الطويل] # 1910- فبانوا فلولا ما تذكر منهم # من الحلف لم ينكف لعينيك مدمع # فصل # روي أن وفد نجران قالوا: يا محمد، إنك تعيب ~~صاحبنا، فتقول: إنه عبد الله، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " ليس بعار لعيسى - عليه السلام - أن يكون عبدا لله " # فنزلت هذه الآية. # وقرأ علي: " عبيدا " على التصغير، وهو مناسب للمقام، ms2900 ~~وقرأ الجمهور " أن يكون عبدا لله " بفتح همزة " أن " ، [فهو ~~في موضع نصب، وقرأ الحسن: " إن " بكسر الهمزة على أنها نفي ~~بمعنى]: ما يكون له ولد، فينبغي رفع " يكون " ، ولم يذكره الرواة؛ نقله ~~القرطبي. # وقوله تعالى: { ولا الملائكة } عطف على " المسيح " ، أي: ~~ولن يستنكف الملائكة أن يكونوا عبيدا لله، وقال أبو حيان ما ~~نصه: " وفي الكلام حذف، التقدير: ولا الملائكة المقربون أن ~~يكونوا عبيدا لله، فإن ضمن " عبدا " معنى " ملكا لله " ، لم ~~يحتج إلى هذا التقدير، ويكون إذ ذاك { ولا الملائكة } من ~~باب عطف المفردات، بخلاف ما إذا لحظ في " عبد " معنى الوحدة، فإن ~~قوله: { ولا الملائكة } يكون [من] عطف الجمل؛ لاختلاف الخبر، ~~وإن لحظ في قوله: { ولا الملائكة } معنى: " ولا كل واحد ~~من الملائكة " كان من باب عطف المفردات " ، وقال الزمخشري: " فإن ~~قلت: علام عطف " والملائكة "؟ قلت: إما أن يعطف على " ~~المسيح " ، أو اسم " يكون " ، أو على المستتر في " عبدا " لما ~~فيه من معنى الوصف؛ لدلالته على العبادة، وقولك: " مررت برجل ~~عبد أبوه " فالعطف على المسيح هو الظاهر؛ لأداء غيره إلى ما فيه ~~بعض انحراف عن الغرض، وهو أن المسيح لا يأنف أن يكون هو ولا من ~~فوقه موصوفين بالعبودية، أو أن يعبد الله هو ومن فوقه " ، قال أبو ~~حيان: " والانحراف عن الغرض الذي أشار إليه كون الاستنكاف يكون ~~مختصا بالمسيح، والمعنى التام إشراك الملائكة مع المسيح في ~~انتفاء الاستنكاف عن العبودية، ويظهر أيضا مرجوحية الوجهين من ~~وجه دخول " لا "؛ إذ لو أريد العطف على الضمير في " يكون " أو في " ~~عبدا " لم تدخل " لا " ، بل كان يكون التركيب بدونها، تقول: " ما ~~يريد زيد أن يكون هو وأبوه قائمين " و " ما يريد زيد أن ~~يصطلح هو وعمرو " ، فهذان التركيبان ليسا من مظنة ~~دخول لا، وإن وجد منه شيء، أول ". # انتهى، فتحصل في رفع " الملائكة " ثلاثة أوجه، أوجهها ~~الأول. # فصل # استدل الجمهور بهذه الآية: على أن الملك أفضل من البشر، ~~وقد تقدم الكلام عليه، في البقرة [آية 34]. # وقال ابن الخطيب: والذي ms2901 نقوله ههنا: إنا نسلم أن اطلاع ~~الملائكة على المغيبات أكثر من اطلاع البشر عليهما، ~~ونسلم أن قدرة الملائكة على التصرف في هذا العالم أشد ~~من قدرة البشر، إنما النزاع في أن ثواب طاعات الملائكة ~~أكثر، أم ثواب طاعات البشر وهذه الآية لا تدل على ذلك؛ ~~وذلك أن النصارى إنما أثبتوا إلهية عيسى؛ لأنه أخبر عن ~~الغيب، وأتى بخوارق العادات، فإيراد الملائكة لأجل إبطال ~~هذه الشبهة، إنما يستقيم إذا كانت الملائكة أقوى حالا في ~~هذا العالم، وفي هذه القدرة من البشر، ونحن نقول بموجبه. # فأما أن يقال: المراد من الآية تفضيل الملائكة على المسيح ~~في كثرة الثواب على الطاعات، فذلك مما لا يناسب هذا ~~الموضع، ولا يليق به. # فظهر أن هذا الاستدلال إنما قوي في الأوهام؛ لأن الناس ما ~~لخصوا محل النزاع. # وأجاب البغوي عن استدلالهم بهذه الآية؛ فقال: ولا حجة لهم فيه؛ ~~لأنه لم يقل ذلك رفعا لمقامهم على مقام البشر، بل ردا ~~على الذين يقولون: الملائكة آلهة، لما رد على النصارى ~~قولهم: المسيح ابن الله، وقال ردا على النصارى بزعمهم؛ ~~فإنهم يقولون بتفضيل الملائكة، وهذه الآية تدل على أن ~~طبقات الملائكة مختلفة؛ لقوله - تعالى -: { ولا الملائكة ~~المقربون }. # قوله تعالى { فسيحشرهم } الفاء يجوز أن تكون جوابا للشرط ~~في قوله: { ومن يستنكف } ، فإن قيل: جواب " إن " الشرطية ~~وأخواتها غير " إذا " لا بد أن يكون محتملا للوقوع وعدمه، وحشرهم ~~إليه جميعا لا بد منه، فكيف وقع جوابا لها؟ فقيل في جوابه وجهان: # أصحهما: أن هذا الكلام تضمن الوعد والوعيد؛ لأن حشرهم يقتضي ~~جزاءهم بالثواب أو العقاب، ويدل عليه التفصيل الذي بعده في قوله: ~~" فأما الذين " إلى آخره، فيكون التقدير: ومن يستنكف عن ~~عبادته ويستكبر، فيعذبه عند حشره إليه، ومن لم يستنكف ولم ~~يستكبر، فيثيبه. # والثاني: أن الجواب محذوف، أي: فيجازيه، ثم أخبر بقوله: { ~~فسيحشرهم إليه جميعا } ، وليس بالبين، وهذا الموضوع ~~محتمل أن يكون مما حمل على لفظة " من " تارة في قوله: " ~~يستنكف " [و " يستكبر " ] فذلك أفرد الضمير، وعلى معناها أخرى ~~في قوله: ms2902 " فسيحشرهم " ولذلك جمعه، ويحتمل أنه أعاد الضمير في " ~~فسيحشرهم " على " من " وغيرها، فيندرج المستنكف في ذلك، ويكون ~~الرابط لهذه الجملة باسم الشرط العموم المشار إليه، وقيل: بل حذف ~~معطوفا لفهم المعنى، والتقدير: فسيحشرهم، أي: المستنكفين ~~وغيرهم، كقوله: # سرابيل تقيكم الحر # [النحل: 81]، أي: والبرد. # و " جميعا " حال، أو تأكيد عند من جعلها ك " كل " وهو الصحيح، ~~وقرأ الحسن: " فسنحشرهم " بنون العظمة، وتخفيف باء " ~~فيعذبهم " ، وقرئ " فسيحشرهم " بكسر الشين، وهي لغة في ~~مضارع " حشر ". # وقوله تعالى: { فأما الذين }: قد تقدم الكلام على نظيرتها، ~~ولكن هنا سؤال حسن قاله الزمخشري وهو: " فإن قلت: التفصيل غير مطابق ~~للمفصل؛ لأنه اشتمل على الفريقين، والمفصل على فريق واحد، قلت: هو ~~مثل قولك: " جمع الإمام الخوارج: فمن لم يخرج عليه، كساه ~~حلة، ومن خرج عليه، نكل به " وصحة ذلك؛ لوجهين: # أحدهما: أن يحذف ذكر أحد الفريقين؛ لدلالة التفصيل عليه؛ ولأن ذكر ~~أحدهما يدل على ذكر الثاني؛ كما حذف أحدهما في التفصيل في قوله عقيب ~~هذا: { فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به }. ~~والثاني: وهو أن الإحسان إلى غيرهم مما يغمهم؛ فكان داخلا في جملة ~~التنكيل بهم، فكأنه قيل: ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر ~~فسيعذبهم بالحسرة، إذا رأوا أجور العاملين، وبما يصيبهم من عذاب ~~الله. انتهى، يعني بالتفصيل قوله: " فأما " و " أما " ، وقد اشتمل ~~على فريقين، أي: المثابين والمعاقبين، وبالمفصل قوله قبل ذلك: " ومن ~~يستنكف " ، ولم يشتمل إلا على فريق واحد هم المعاقبون. # فصل # بين ثواب الذين آمنوا وعملوا الصالحات أنه يوفيهم ~~أجورهم، ويزيدهم من فضله من التضعيف ما لا عين رأت، ولا أذن ~~سمعت، ولا خطر على قلب بشر. # قوله: { وأما الذين استنكفوا واستكبروا } عن عبادته ~~{ فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون ~~الله وليا ولا نصيرا }. # وقدم ثواب المؤمنين على عقاب المستنكف لأنهم إذا رأوا ثواب ~~المطيعين، ثم شاهدوا بعده عقاب أنفسهم، كان ذلك أعظم في الحسرة. ### || [4.174] # لما أورد الحجة على جميع الفرق من المنافقين والكفار ~~واليهود والنصارى، وأجاب عن شبهاتهم عمم الخطاب، ودعا جميع ms2903 ~~الناس إلى الاعتراف برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ~~والمراد بالبرهان: محمد - عليه الصلاة والسلام -، وسمي برهانا؛ ~~لأن حرفته إقامة البرهان على تحقيق الحق، وإبطال ~~الباطل، والنور المبين هو القرآن؛ لأنه سبب لوقوع نور ~~الإيمان في القلب. # قوله تعالى: { من ربكم } فيه وجهان: # أظهرهما: أنه متعلق بمحذوف، لأنه صفة ل " برهان " أي: ~~برهان كائن من ربكم، و " من " يجوز أن تكون لابتداء الغاية ~~مجازا أو تبعيضية، أي: من براهين ربكم. # والثاني: أنه متعلق بنفس " جاء " ، لابتداء الغاية كما ~~تقدم. ### || [4.175] # فالمراد: أنهم امتنعوا به من زيغ الشيطان، { فسيدخلهم ~~في رحمة منه وفضل }. # فصل # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: المراد بالرحمة الجنة، ~~وبالفضل: ما يتفضل به عليهم بما لا عين رأت، ولا أذن ~~سمعت، [ولا خطر على قلب بشر]. # { ويهديهم إليه صراطا مستقيما }. # قوله عز وجل: { صراطا }: مفعول ثان ل " يهدي "؛ لأنه ~~يتعدى لاثنين؛ كما تقدم تحريره، وقال جماعة منهم مكي: إنه مفعول ~~بفعل محذوف دل عليه " يهديهم " ، والتقدير: " يعرفهم ". ~~وقال أبو البقاء قريبا من هذا إلا أنه لم يضمر فعلا، بل جعله ~~منصوبا ب " يهدي " على المعنى؛ لأن المعنى يعرفهم، قال مكي ~~في الوجه الثاني: " ويجوز أن يكون مفعولا ثانيا ل " يهدي " ، أي: ~~يهديهم صراطا مستقيما إلى ثوابه وجزائه " قال شهاب الدين: ولم ~~أدر لم خصصوا هذا الموضع دون الذي في الفاتحة [الآية: 3]، ~~واحتاجوا إلى تقدير فعل، أو تضمينه معنى " يعرفهم "؟ وأجاز أبو ~~علي أن يكون منصوبا على الحال من محذوف؛ فإنه قال: " الهاء في " إليه ~~" راجعة إلى ما تقدم من اسم الله، والمعنى: ويهديهم إلى صراطه، فإذا ~~جعلنا " صراطا مستقيما " نصبا على الحال، كانت الحال من هذا ~~المحذوف ". انتهى، فتحصل في نصبه أربعة أوجه: # أحدها: أنه مفعول ب " يهدي " من غير تضمين معنى فعل آخر. # الثاني: أنه على تضمين معنى " يعرفهم ". # الثالث: أنه منصوب بمحذوف. # الرابع: أنه نصب على الحال، وعلى هذا التقدير الذي قدره الفارسي ~~تقرب من الحال المؤكدة، وليس كقولك: " تبسم ضاحكا "؛ ~~لمخالفتها لصاحبها بزيادة الصفة، ms2904 وإن وافقته لفظا، والهاء في " ~~إليه ": إما عائدة على " الله " بتقدير حذف مضاف؛ كما تقدم من ~~نحو: " ثواب " أو " صراطه " ، وإما على الفضل والرحمة؛ لأنهما في ~~معنى شيء واحد، وإما عائدة على الفضل؛ لأنه يراد به طريق الجنان. ### || [4.176] # قوله - جل وعلا -: { يستفتونك قل الله يفتيكم في ~~الكلالة } إلى آخر السورة لما تكلم [في] أول السورة [في] ~~أحكام الأموال، ختمها بذلك الآخر مشاكلا للأول، ووسط ~~السورة مشتمل على المناظرة مع الفرق المخالفين في ~~الدين. # قال المفسرون: نزلت في جابر بن عبد الله، قال: عادني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم [وشرف وكرم وعظم]، وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ ~~وصب من وضوئه علي، فعقلت، فقلت: يا رسول الله، لمن ~~الميراث، إنهما يرثني كلالة، فنزلت { يستفتونك قل ~~الله يفتيكم في الكلالة }. ومعنى: يستفتونك: ~~يستخبرونك، قال البراء بن عازب: هذه آخر آية نزلت من ~~القرآن. # قال القرطبي: كذا قال في مسلم، وقيل أنزلت في النبي صلى الله ~~عليه وسلم. # قوله سبحانه وتعالى: { في الكلالة }: متعلق ب " يفتيكم "؛ على ~~إعمال الثاني، وهو اختيار البصريين، ولو أعمل الأول، لأضمر في ~~الثاني، وله نظائر في القرآن: # هآؤم اقرءوا كتابيه # [الحاقة: 19]. # آتوني أفرغ عليه قطرا # [الكهف: 96] # وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله # [المنافقون: 5] # والذين كفروا وكذبوا بآياتنآ # [البقرة: 39]، وقد تقدم الكلام فيه في البقرة، وتقدم الكلام في ~~اشتقاق الكلالة في أول هذه السورة [النساء: 12]، وقوله: { إن ~~امرؤا } كقوله: # وإن امرأة # [النساء: 128]. و " هلك " جملة فعلية في محل رفع صفة ل " ~~امرؤ ". # و { ليس له ولد } جملة في محل رفع أيضا صفة ثانية، وأجاز ~~أبو البقاء أن تكون هذه الجملة حالا من الضمير في " هلك " ، ولم ~~يذكر غيره، ومنع الزمخشري أن تكون حالا، ولم يبين العلة في ذلك، ~~ولا بين صاحب الحال أيضا، هل هو " امرؤ " أو الضمير في " هلك ~~"؟ قال أبو حيان: " ومنع الزمخشري أن يكون قوله: { ليس له ولد ~~} جملة حالية من الضمير في " هلك " ، فقال: ومحل { ليس له ولد } ~~الرفع على الصفة، لا ms2905 النصب على الحال ". انتهى، قال شهاب الدين: ~~والزمخشري لم يقل كذلك، أي: لم يمنع كونها حالا من الضمير في " ~~هلك " ، بل منع حاليتها على العموم، كما هو ظاهر قوله، ويحتمل أنه ~~أراد منع حاليتها من " امرؤ "؛ لأنه نكرة، لكن النكرة هنا قد ~~تخصصت بالوصف، وبالجملة فالحال من النكرة أقل منه من المعرفة، ~~والذي ينبغي امتناع حاليتها مطلقا؛ كما هو ظاهر عبارته؛ وذلك أن هذه ~~الجملة المفسرة للفعل المحذوف لا موضع لها من الإعراب؛ فأشبهت الجمل ~~المؤكدة، وأنت إذا أتبعت أو أخبرت، فإنما تريد ذلك الاسم المتقدم في ~~الجملة المؤكدة السابقة، لا ذلك الاسم المكرر في الجملة الثانية ~~التي جاءت تأكيدا؛ لأن الجملة الأولى هي المقصودة بالحديث، فإذا قلت: " ~~ضربت زيدا، ضربت زيدا الفاضل " ، ف " الفاضل " صفة " ~~زيدا " الأول؛ لأنه في الجملة المؤكدة المقصود بالإخبار، ولا ~~يضر الفصل بين النعت والمنعوت بجملة التأكيد، فهذا المعنى ينفي ~~كونها حالا من الضمير في " هلك " ، وأما ما ينفي كونها حالا من " ~~امرؤ " فلما ذكرته لك من قلة مجيء الحال من النكرة في الجملة، وفي ~~هذه الآية على ما اختاروه من كون " ليس له ولد " صفة - دليل ~~على الفصل بين النعت والمنعوت بالجملة المفسرة للمحذوف في باب ~~الاشتغال، ونظيره: " إن رجل قام عاقل فأكرمه " ف " عاقل ~~" صفة ل " رجل " فصل بينهما ب " قام " المفسر ل " قام " ~~المفسر. # فصل # قال القرطبي: معنى قوله - تعالى -: { ليس له ولد } أي: ليس ~~له ولد ولا والد، فاكتفى بذكر أحدهما. # قال الجرجاني: لفظ الولد ينطلق على الوالد والمولود، ~~فالوالد يسمى والدا؛ لأنه ولد، والمولود يسمى ولدا؛ لأنه ~~[ولد]؛ كالذرية [فإنها من ذرأ] ثم تطلق على الولد، وعلى ~~الوالد؛ قال - تعالى -: # وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك ~~المشحون # [يس: 41] وقوله - سبحانه -: { وله أخت }؛ كقوله: { ليس له ~~ولد } ، والفاء في " فلها " جواب " إن ". # فصل في تقييدات ثلاثة ذكرها الرازي في الآية # قال ابن الخطيب: ظاهر هذه الآية فيه تقييدات ثلاثة: # الأول: أن ظاهرها يقتضي أن الأخت إنما تأخذ النصف عند عدم ms2906 ~~الولد فأما عند وجود الولد، فإنها لا تأخذ النصف، وليس الأمر كذلك بل شرط ~~كون الأخت تأخذ النصف ألا يكون للميت ولد ابن، وهذا لا يرد على ظاهر ~~الآية؛ لأن المقصود من الآية بيان أصحاب الفروض ~~ومستحقيها، وفي هذه الصورة إنما تأخذ النصف بالتعصيب لا بكونه ~~مفروضا أصالة، بل لكونه ما بقي بدليل أنه لو كان معها بنتان، فإن ~~لها الثلث الباقي بعد فرض البنتين. # الثاني: ظاهر الآية يقتضي أنه إذا لم يكن للميت ولد ولا والد؛ ~~لأن الأخت لا ترث مع الوالد بالإجماع، وهذا لا يرد - أيضا - على ~~ظاهر الآية في الكلالة، وشرطها عدم الولد والوالد. # الثالث: أن قوله: " وله أخت " المراد منه الأخت من الأبوين، ومن ~~الأب؛ لأن الأخت من الأم، والأخ من الأم قد بين الله حكمه في ~~أول السورة. # وقوله عز وجل: { وهو يرثهآ } لا محل لهذه الجملة من الإعراب؛ ~~لاستئنافها، وهي دالة على جواب الشرط، وليست جوابا؛ خلافا للكوفيين ~~وأبي زيد، وقال أبو البقاء: " وقد سدت هذه الجملة مسد جواب الشرط ~~" ، يريد أنها دالة كما تقدم، وهذا كما يقول النحاة: إذا اجتمع شرط ~~وقسم، أجيب سابقهما، وجعل ذلك الجواب سادا مسد جواب الآخر، ~~والضميران من قوله: " وهو يرثها " عائدان على لفظ امرىء وأخت دون ~~معناهما، فهو من باب قوله: [الطويل] # 1911- وكل أناس قاربوا قيد فحلهم # ونحن خلعنا قيده فهو سارب # وقولهم: " عندي درهم ونصفه " ، وقوله تعالى: # وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره # [فاطر: 11]، وإنما احتيج إلى ذلك؛ لأن الحية لا تورث، والهالك لا ~~يرث، فالمعنى: وامرأ آخر غير الهالك يرث أختا له أخرى. # فصل # المعنى: إن الأخ يستغرق ميراث الأخت، إن لم يكن للأخت ولد، ~~فإن كان لها ابن، فلا شيء للأخ، وإن كان ولدها أنثى، فللأخ ما ~~فضل عن فرض البنات، وهذا في الأخ للأبوين أو [الأخ] للأب، ~~فأما الأخ للأم؛ فإنه [لا يستغرق الميراث، ويسقط بالولد]. # قوله تعالى: { فإن كانتا اثنتين } الألف في " كانتا " فيها ~~أقوال: # أحدها: أنها تعود على الأختين ms2907 يدل على ذلك قوله: " وله أخت " ، أي: ~~فإن كانت الأختان اثنتين، وقد جرت عادة النحويين أن يسألوا هنا ~~سؤالا، وهو أن الخبر لا بد أن يفيد ما لا يفيده المبتدأ، وإلا ~~لم يكن كلاما، ولذلك منعوا: " سيد الجارية مالكها "؛ لأن ~~الخبر لم يزد على ما أفاده المبتدأ، والخبر هنا دل على عدد ذلك ~~العدد مستفاد من الألف في " كانتا " ، وقد أجابوا عن ذلك بأجوبة ~~منها: ما ذكره أبو الحسن الأخفش وهو أن قوله " اثنتين " يدل ~~على مجرد الاثنينية من غير تقييد بصغير أو كبير أو غير ذلك من ~~الأوصاف، يعني أن الثلثين يستحقان بمجرد هذا العدد من غير اعتبار ~~قيد آخر؛ فصار الكلام بذلك مفيدا، وهذا غير واضح؛ لأن الألف في ~~" كانتا " تدل أيضا على مجرد الاثنينية من غير قيد بصغير أو ~~كبير أو غيرهما من الأوصاف، فقد رجع الأمر إلى أن الخبر لم يفد غير ~~ما أفاده المبتدأ، ومنها: ما ذكره مكي عن الأخفش أيضا، وتبعه ~~الزمخشري وغيره؛ وهو الحمل على معنى " من " ، وتقريره ما ذكره ~~الزمخشري؛ قال رحمه الله: " فإن قلت: إلى من يرجع ضمير التثنية ~~والجمع في قوله: " فإن كانتا اثنتين، وإن كانوا إخوة "؟ ~~قلت: أصله: فإن كان من يرث بالأخوة اثنتين، وإن كان من يرث ~~بالأخوة ذكورا وإناثا، وإنما قيل: " فإن كانتا، وإن كانوا " ~~كما قيل: " من كانت أمك " ، فكما أنث ضمير " من " لمكان ~~تأنيث الخبر كذلك ثنى وجمع ضمير من يرث في " كانتا " و " ~~كانوا "؛ لمكان تثنية الخبر وجمعه " ، وهو جواب حسن. # إلا أن أبا حيان اعترضه، فقال: " هذا تخريج لا يصح، وليس نظير " ~~من كانت أمك "؛ لأنه قد صرح ب " من " ، ولها لفظ ومعنى، ~~فمن أنث، راعى المعنى؛ لأن التقدير: أية أم كانت أمك " ومدلول ~~الخبر في هذا مخالف لمدلول الاسم؛ بخلاف الآية؛ فإن المدلولين ~~واحد، ولم يؤنث في " من كانت أمك "؛ لتأنيث الخبر، إنما أنث ~~لمعنى " من "؛ إذ أراد بها مؤنثا؛ ألا ترى أنك تقول: " من قامت ~~" ، فتؤنث مراعاة للمعنى؛ إذ أردت السؤال ms2908 عن مؤنث، ولا خبر هنا؛ ~~فيؤنث " قامت " لأجله ". انتهى. قال شهاب الدين: وهذا تحامل منه ~~على عادته، والزمخشري وغيره لم ينكروا أنه لم يصرح في الآية ~~بلفظ " من "؛ حتى يفرق لهم بهذا الفرق الغامض، وهذا التخريج ~~المذكور هو القول الثاني في الألف. # والظاهر أن الضمير في " كانتا " عائد على الوارثتين، و " ~~اثنتين " خبره، و " له " صفة محذوفة بها حصلت المغايرة بين ~~الاسم والخبر، والتقدير: فإن كانت الوارثتان اثنتين من ~~الأخوات، وهذا جواب حسن، وحذف الصفة لفهم المعنى غير منكر، ~~وإن كان أقل من عكسه، ويجوز أن يكون خبر " كان " محذوفا، والألف ~~تعود على الأختين المدلول عليهما بقوله: " وله أخت "؛ كما ~~تقدم ذكره عن الأخفش وغيره؛ وحينئذ يكون قوله: " اثنتين " حالا ~~مؤكدة، والتقدير: وإن كانت الأختان له، فحذف " له " ، لدلالة ~~قوله: " وله أخت " عليه. فهذه أربعة أقوال. # فصل # أراد اثنتين فصاعدا، وهو أن من مات له أخوات فلهن ~~الثلثان. # قوله تعالى: { وإن كانوا } في هذا الضمير ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه عائد على معنى " من " المقدرة، تقديره: " فإن كان من ~~يرث إخوة "؛ كما تقدم تقريره عن الزمخشري وغيره. # الثاني: أنه يعود على الإخوة، ويكون قد أفاد الخبر بالتفصيل؛ فإن ~~الإخوة يشمل الذكور والإناث، وإن كان ظاهرا في الذكور خاصة، فقد ~~أفاد الخبر ما لم يفده الاسم، وإن عاد على الوارث، فقد أفاد ما لم ~~يفده الاسم إفادة واضحة، وهذا هو الوجه الثالث، وقوله: " ~~فللذكر " ، أي: منهم، فحذف لدلالة المعنى عليه. # فصل # هذه الآية دالة على أن الأخت المذكورة ليست هي الأخت ~~للأم. # روي أن الصديق - رضي الله عنه - قال في خطبته: ألا إن الآية ~~التي أنزلها الله - تعالى - في سورة النساء في الفرائض؛ ~~فأولها: في الولد والوالد، وثانيها: في الزوج والزوجة ~~والإخوة من الأم، والآية التي ختم بها السورة في الإخوة ~~والأخوات، والآية التي ختم بها في سورة الأنفال أنزلها في ~~أولي الأرحام. # قوله - تعالى -: { يبين الله لكم أن تضلوا } فيه ~~ثلاثة أوجه: # أظهرها: أن مفعول البيان محذوف، و " أن تضلوا " مفعول ms2909 من أجله؛ ~~على حذف مضاف، تقديره: يبين الله أمر الكلالة كراهة أن ~~تضلوا فيها، أي: في حكمها، وهذا تقدير المبرد. # والثاني - قول الكسائي والفراء وغيرهما من الكوفيين -: أن " لا " ~~محذوفة بعد " أن " ، والتقدير: لئلا تضلوا، قالوا: وحذف " لا " ~~شائع ذائع؛ كقوله: [الوافر] # 1912- رأينا ما رأى البصراء فيها # فآلينا عليها أن تباعا # أي: ألا تباع، وقال أبو إسحاق الزجاج: " هو مثل قوله تعالى: # إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا # [فاطر: 41] أي: لئلا تزولا، وقال أبو عبيد: " رويت للكسائي حديث ~~ابن عمر وهو: # " لا يدعون أحدكم على ولده أن وافق من الله إجابة " # فاستحسنه، أي: لئلا يوافق. # قال النحاس: المعنى عند أبي عبيد: لئلا يوافق من الله إجابة، ~~وهذا القول عند البصريين خطأ؛ لأنهم لا يجيزون إضمار " لا " ، ~~والمعنى عندهم: يبين الله لكم كراهة أن تضلوا، ثم حذف؛ كما ~~قال: # [واسأل القرية] # [يوسف: 82]، وكذا معنى الحديث، أي كراهة أن يوافق من الله ~~إجابة. # ورجح الفارسي قول المبرد؛ بأن حذف المضاف أشيع من حذف " لا " ~~النافية. # الثالث: أنه مفعول " يبين " ، والمعنى: يبين الله لكم الضلالة، ~~فتجتنبونها؛ لأنه إذا بين الشر اجتنب، وإذا بين الخير ارتكب. # فصل # اعلم أن في هذه السورة [الشريفة] لطيفة عجيبة، وهي أن ~~أولها مشتمل على بيان كمال قدرة الله - تعالى -؛ لقوله: # يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من ~~نفس واحدة # [النساء: 1] وهذا دال على سعة القدرة، وآخرها مشتمل على ~~بيان كمال العلم، وهو قوله تعالى: { والله بكل شيء ~~عليم } وهذا الوصفان؛ أعني: العلم والقدرة بهما تثبت ~~الربوبية والإلهية والجلال والعزة، وبهما يجب على العبد ~~أن يكون مطيعا للأوامر والنواهي، منقادا للتكاليف. # روي عن البراء [بن عازب] قال: آخر سورة [نزلت] كاملة # برآءة من الله # [التوبة: 1] وآخر آية نزلت، آخر سورة النساء: { يستفتونك ~~قل الله يفتيكم في الكلالة }. # وروي [عن] ابن عباس؛ [أن] آخر آية نزلت آية الربا، وآخر سورة ~~نزلت: # إذا جآء نصر الله والفتح # [النصر: 1]. # وروي بعدما نزلت سورة " النصر " عاش رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ms2910 بعدها ستة أشهر، ثم نزلت في طريق حجة الوداع: { ~~يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة } فسميت ~~آية الصيف، لأنها نزلت في الصيف، ثم نزلت وهو واقف ~~بعرفات: # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي [ورضيت لكم الإسلام دينا] # [المائدة: 3]، فعاش بعدها إحدى وعشرين يوما. # عن أبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ النساء فكأنما تصدق على كل من ورث ~~ميراثا، وأعطي من الأجر كمن اشترى محررا، وبرىء من ~~الشرك، وكان في مشيئة الله - تعالى - من الذين ~~يتجاوز عنهم ". ### | [5 - سورة المائدة] ### || [5.1] # { يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } بالعقود أي: ~~بالعهود، ويقال: وفى بالعهد، وأوفى به. قال الزجاج: هي أوكد ~~العهود، ويقال: عاقدت فلانا، وعقدت عليه، أي: ألزمته ذلك باستيثاق، ~~وأصله من عقد الشيء بغيره، ووصله به كما يعقد الحبل بالحبل. # فالعهد إلزام، والعقد التزام على سبيل الإحكام، ولما كان الإيمان هو ~~المعرفة بالله تعالى وصفاته وأحكامه، وكان من جملة أحكامه أنه يجب على ~~الخلق إظهار الانقياد لله تعالى في جميع تكاليفه وأوامره ونواهيه - ~~أمر بالوفاء بالعقود، أي: أنكم التزمتم بإيمكانكم أنواع العقود والطاعة ~~بتلك العقود. # فصل في الكلام على فصاحة الآية # قال القرطبي: هذه الآية مما تلوح فصاحتها وكثرة معانيها على قلة ~~ألفاظها، لكل بصير بالكلام؛ فإنها تضمنت خمسة أحكام: # الأول: الأمر بالوفاء بالعقود. # الثاني: تحليل بهيمة الأنعام. # الثالث: استثناء ما يلي بعد ذلك. # الرابع: استثناء حال الإحرام فيما يصاد. # الخامس: ما تقتضيه الآية من إباحة الصيد لمن ليس بمحرم. # وحكى النقاش أن أصحاب الكندي، قالوا له: أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا ~~القرآن، فقال: نعم أعمل مثل بعضه فاحتجب أياما كثيرة، ثم خرج، فقال: ~~والله ما أقدر، ولا يطيق هذا أحد، إني فتحت المصحف فخرجت سورة " المائدة ~~" ، فنظرت فإذا هو قد نطق بالوفاء، ونهى عن النكث، وحلل تحليلا عاما، ~~ثم استثنى استثناء بعد استثناء، ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين [ولا] ~~يقدر أحد أن يأتي بهذا إلا في أجلاد. # فصل في الخطاب في الآية ms2911 # واختلفوا في هذه العقود، فقال ابن جريج: هذا خطاب لأهل الكتاب، يعني: { ~~يا أيها الذين آمنوا } بالكتب المتقدمة أوفوا بالعهود، التي عهدتها عليكم ~~في شأن محمد - عليه الصلاة والسلام - وهو قوله: # وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ~~لتبيننه للناس # [آل عمران: 187]. # وقال آخرون: هو عام. # وقال قتادة: أراد بها الحلف الذي تعاقدوا عليه في الجاهلية. # وقال ابن عباس: هي عهود الإيمان والقرآن. # قال ابن عباس: " أوفوا بالعقود " أي: بما أحل وبما حرم، وبما فرض، وبما ~~حد في جميع الأشياء كذلك، قاله مجاهد وغيره. # وقال ابن شهاب [الدين]: قرأت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ~~كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى " نجران " ، وفي صدره: هذا بيان للناس ~~من الله ورسوله، { يأيها الذين آمنوا أوفوا ~~بالعقود } الآية، فكتب الآيات فيها، إلى قوله: # إن الله سريع الحساب # ، والمقصود أداء التكاليف فعلا وتركا. # وإنما [سميت التكاليف عقودا لأنه - تعالى - ربطها بعبادته كما يربط ~~الشيء بالشيء بالحبل] الموثق. # وقيل: هي العقود التي يتعاقدها الناس بينهم. # فصل في فقه الآية # قال الشافعي: إذا نذر صوم [يوم] العيد، أو نذر ذبح الولد لغى. # وقال أبو حنيفة رحمه الله: بل يصح، واحتج بقوله: " أوفوا بالعقود " ~~وبقوله: # لم تقولون ما لا تفعلون # [الصف: 2]، وبقوله: # يوفون بالنذر # [الإنسان: 7] # والموفون بعهدهم إذا عاهدوا # [البقرة: 177] ولقوله عليه الصلاة والسلام: # " أوف بنذرك ". # وقال الشافعي: هذا نذر معصية، فيكون لغوا؛ لقوله عليه السلام: # " لا نذر في معصية الله ". # وقال أبو حنيفة: خيار المجلس غير ثابت؛ لأن البيع والشراء قد انعقدا، ~~فحرم الفسخ لقوله تعالى: { أوفوا بالعقود }. # وقال الشافعي: يثبت؛ لأن هذا العموم [قد خص بقوله عليه الصلاة والسلام: # " المتبايعان بالخيار كل واحد منهما ما لم يتفرقا ". # وقال أبو حنيفة: الجمع بين الطلقات] حرام؛ لأن النكاح عقد، فوجب أن يحرم ~~رفعه لقوله تعالى: { أوفوا بالعقود } ترك العمل به في الطلقة ~~الواحدة بالإجماع، فيبقى فيما عداها على الأصل. # وقال الشافعي: ليس بحرام لتخصيص هذا العموم بالقياس، وهو أنه لو حرم ~~الجمع لما ms2912 نفذ، وقد نفذ فلا يحرم. # قوله سبحانه: { أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما ~~يتلى عليكم } لما قرر أولا جميع التكاليف من حيث الجملة، شرع ~~في ذكرها من حيث التفصيل. # والبهيمة كل ذات أربع في البر والبحر [وقيل: ما أبهم من جهة نقص النطق ~~والفهم. # قالوا وأصله: كل حي لا عقل له فهو بهيمة] من قولهم: استبهم الأمر على ~~فلان إذا أشكل، وهذا الباب مبهم، أي: مسدود الطريق، ثم اختص هذا الاسم ~~بذوات الأربع، وكل ما كان على وزن " فعيل " أو " فعيلة " حلقي العين، جاز ~~في فائه الكسر إتباعا لعينه، نحو: بهيمة، وشعيرة، وصغيرة، وبحيرة. # والأنعام هي الإبل والبقر والغنم، قال تعالى: # والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع # [النحل: 5] إلى قوله: # والخيل والبغال والحمير لتركبوها # [النحل: 8] وقال تعالى: # مما عملت أيدينآ أنعاما # [يس: 71] إلى قوله: # فمنها ركوبهم ومنها يأكلون # [يس: 72] وقال: # ومن الأنعام حمولة وفرشا # [الأنعام: 142]. # وقال الواحدي: لا يدخل في اسم الأنعام الحافر؛ لأنه مأخوذ من نعومة ~~الوطء، وقد تقدم في " آل عمران ". # فإن قيل: البهيمة اسم جنس، والأنعام اسم نوع، فقوله: " بهيمة الأنعام " ~~يجري مجرى قول القائل: حيوان الإنسان، فالحيوان إن قلنا إن المراد ~~بالبهيمة وبالأنعام شيء واحد، فإضافة البهيمة إلى الأنعام [إما للبيان] ~~فهو كقولك: خاتم فضة، أي: من فضة، ومعناه [أن] البهيمة من الأنعام، ~~أو للتأكيد كقولنا: نفس الشيء وذاته وعينه. # وإن قلنا: المراد بالبهيمة شيء، والأنعام شيء آخر، ففيه وجهان: # أحدهما: أن المراد من بهيمة الأنعام الظباء وبقر الوحش ونحوها، كأنهم ~~أرادوا ما يماثل الأنعام، ويدانيها من جنس البهائم في الاجترار، فأضيف ~~الاجترار إلى الأنعام لحصول المشابهة. # والثاني: أن المراد ببهيمة الأنعام أجنة الأنعام، روي عن ابن عباس [- ~~رضي الله عنهما -] أن بقرة ذبحت، فوجد في بطنها جنين، فأخذ ابن عباس ~~بذنبه، وقال: هذا من بهيمة الأنعام. # وعن ابن عمر أنها أجنة الأنعام، وذكاته ذكاة أمه، ومثله عن الشعبي. # وذهب أكثر اهل العلم إلى تحليله؛ لما # " روى أبو سعيد، قال: قلنا: يا رسول الله: " ننحر الناقة، ms2913 ونذبح ~~البقرة والشاة، فنجد في بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكله "؟ قال: " كلوه ~~إن شئتم، فإن ذكاته ذكاة أمه " " # وشرط بعضهم الإشعار. # فإن قيل: لو قال: أحلت لكم الأنعام، لكان الكلام تاما؛ كقوله تعالى في ~~آية أخرى: # وأحلت لكم الأنعام # [الحج: 30] فما فائدة زيادة لفظ " البهيمة " هنا؟ # [الجواب: إن قلنا: إن بهيمة الأنعام هي الأجنة] فالجواب: ما تقدم من ~~الإضافة، أعني إضافة بهيمة الأنعام. # فإن قيل: لم أفرد " البهيمة " وجمع لفظ " الأنعام "؟ # فالجواب: إرادة للجنس. # فصل في الرد على شبهة الثنوية # قالت الثنوية: ذبح الحيوان إيلام، والإيلام قبيح، والقبيح لا يرضى به ~~الإله الرحيم الحكيم، فيمتنع أن يكون الذبح حلالا مباحا بحكم الله، ~~وتحقيق ذلك أن هذه الحيوانات ليس لها قدرة على الدفع عن أنفسها، ولا لها ~~لسان تحتج به على من قصد إيلامها، وإيلام من بلغ في العجز إلى هذا الحد ~~أقبح. # وعند هذه الشبهة افترق المسملون فرقا كثيرة: # فقالت المكرمية: لا نسلم أن هذه الحيوانات تتألم عند الذبح، بل لعل ~~تعالى يرفع عنها ألم الذبح، وهذا مكابرة للضروريات. # وقالت المعتزلة: لا نسلم أن الإيلام قبيح مطلقا، بل إنما يقبح إذا لم ~~لم يكن مسبوقا بجناية، ولا ملحوقا بعوض. # وهاهنا الله تعالى عوض هذه الجنايات بأعواض شريفة، فخرج هذا الذبح عن ~~كونه ظلما. # ويدل على صحة ما قلناه أن ما تقرر في العقول أنه يحسن تحمل ألم ~~الفصد والحجامة لطلب الصحة، فإذا حسن تحمل الألم القليل لأجل ~~المنفعة العظيمة، فكذا القول في الذبح. # وقال أهل السنة: إن الإذن في ذبح الحيوانات تصرف من الله تعالى في ~~ملكه والمالك لا اعتراض عليه إذا تصرف في ملك نفسه، والمسألة طويلة. # فصل # قال بعضهم: { أحلت لكم بهيمة الأنعام } مجمل؛ لأن الإحلال إنما يضاف ~~إلى الأفعال، وهاهنا أضيف إلى الذات، فتعذر إجراؤه على ظاهره، فلا بد ~~من إضمار فعل، وليس إضمار الأفعال أولى من بعض، فيحتمل أن يكون المراد ~~إحلال الانتفاع بجلدها، أو بعظمها، أو صوفها، أو لحمها، أو المراد إحلال ~~الانتفاع بالأكل، فصارت ms2914 الآية مجملة، إلا أن قوله تعالى: # والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها ~~تأكلون # [النحل: 5] دل على أن المراد بقوله: { أحلت لكم بهيمة ~~الأنعام } إباحة الانتفاع من كل هذه الوجوه، والله أعلم. # [قوله { إلا ما يتلى عليكم } هذا مستثنى من " بهيمة الأنعام " والمعنى: ~~ما يتلى عليكم تحريمه] وذلك قوله تعالى: # حرمت عليكم الميتة # [المائدة: 3] إلى قوله: # وما ذبح على النصب # [المائدة: 3]. # وفي هذا الاستثناء قولان: # أحدهما: أنه متصل. # والثاني: أنه منقطع حسب ما فسر به المتلو عليهم، كما سيأتي بيانه. # وعلى تقدير كونه [استثناء] متصلا يجوز في محله وجهان: # أظهرهما: أنه منصوب؛ لأنه استثناء متصل من موجب، ويجوز أن يرفع على أنه ~~نعت ل " بهيمة " على ما قرر في علم النحو. # ونقل ابن عطية عن الكوفيين وجهين آخرين # أحدهما: أنه يجوز رفعه على البدل من " بهيمة ". # والثاني: أن " لا " حرف عطف، وما بعدها عطف على ما قبلها، ثم قال: وذلك ~~لا يجوز عند البصريين إلا من نكرة أو ما قاربها من أسماء الأجناس، نحو: ~~جاء الرجال إلا زيد، كأنك قلت: غير زيد، وقوله: وذلك ظاهره أنه مشار به ~~إلى الوجهين: البدل والعطف. # وقوله: إلا من نكرة غير ظاهرة؛ لأن البدل لا يجوز ألبتة من موجب عند أحد ~~من الكوفيين [والبصريين. # ولا يشترط في البدل التوافق تعريفا وتنكيرا وأما العطف فذكره بعض ~~الكوفيين]. # وأما الذي اشترط البصريون فيه التنكير، أو ما قاربه، فإنما اشترطوه في ~~النعت ب " إلا " فيحتمل أنه اختلط على أبي محمد شرط النعت، فجعله ~~شرطا في البدل، هذا كله إذا أريد بالمتلو عليهم تحريمه في قوله تعالى: # حرمت عليكم الميتة # [المائدة: 3] إلى آخره. # وإن أريد به الأنعام والظباء وبقر الوحش وحمره، فيكون منقطعا بمعنى ~~" لكن " عند البصريين، وبمعنى " بل " عند الكوفيين. # وسيأتي بيان هذا المنقطع [بأكثر من هذا] في نصب " غير ". # قوله: " غير " في نصبه خمسة أوجه: # أحدها: أنه حال من الضمير المجرور في " لكم " ، وهذا قول الجمهور، وإليه ~~ذهب الزمخشري، وابن عطية وغيرهما. # وقد ضعف هذا الوجه ms2915 بأنه يلزم منه تقييد إحلال بهيمة الأنعام لهم بحال ~~كونهم غير محلي الصيد، وهم حرم؛ إذ يصير معناه: { أحلت لكم بهيمة ~~الأنعام } [في حال كون انتفاء كونكم تحلون الصيد، وأنتم حرم، والغرض أنهم ~~قد أحلت لهم بهيمة الأنعام] في هذه الحال وفي غيرها، هذا إذا أريد ببهيمة ~~الأنعام نفسها. # وأما إذا عني بها الظباء، وحمر الوحش، وبقره على ما فسره بعضهم، ~~فيظهر للتقييد بهذه الحالة فائدة؛ إذ يصير المعنى " أحلت لكم " هذه ~~الأشياء حال انتفاء كونكم تحلون الصيد وأنتم حرم، فهذا معنى صحيح، ولكن ~~التركيب [الذي قدرته لك] فيه قلق ولو أريد هذا المعنى من الآية ~~الكريمة لجاءت به على أحسن تركيب وأفصحه. # القول الثاني: وهو قول الأخفش وجماعة أنه حال من فاعل " أوفوا " ، ~~والتقدير: أوفوا بالعقود في حال انتفاء كونكم محلين الصيد وأنتم حرم، ~~وقد ضعفوا هذا المذهب من وجهين: # الأول: أنه يلزم [منه] الفصل بين الحال وصاحبها بجملة أجنبية، ولا ~~يجوز الفصل إلا بجمل الاعتراض، وهذه الجملة وهي قوله: { أحلت لكم ~~بهيمة الأنعام } ليست اعتراضية، بل هي منشئة أحكاما ومبينة لها. # وجملة الاعتراض إنما تفيد تأكيدا وتسديدا. # والثاني: أنه يلزم تقييد الأمر بإيفاء العقود بهذه الحالة، ويصير ~~التقدير؛ كما تقدم، فإذا اعتبرنا مفهومه يصير المعنى: فإذا انتفت هذه ~~الحال فلا توفوا بالعقود، والأمر ليس كذلك فإنهم مأمورون بالإيفاء ~~بالعقود على كل حال من إحرام وغيره. # الوجه الثاني: أنه منصوب على الحال من الضمير المجرور في " عليكم " ~~[أي]: لا [ما] يتلى عليكم، حال انتفاء كونكم محلين الصيد، وهو ضعيف ~~أيضا بما تقدم من أن المتلو عليهم لا يتقيد بهذا الحال دون غيرها، بل هو ~~متلو عليهم في هذه الحال، وفي غيرها. # الوجه الرابع: أنه حال من الفاعل المقدر يعني الذي حذف، وأقيم ~~المفعول مقامه في قوله تعالى: { أحلت لكم بهيمة الأنعام } ~~، فإن التقدير عنده: أحل الله لكم بهيمة الأنعام غير محلي لكم الصيد ~~وأنتم حرم، فحذف الفاعل، وأقام المفعول مقامه، وترك الحال من الفاعل ~~باقية. # وهذا الوجه فيه ضعف ms2916 من وجوه: # الأول: أن الفاعل المنوب عنه صار نسيا منسيا غير ملتفت إليه، ~~نصوا على ذلك، لو قلت: أنزل الغيث مجيبا لدعائهم، وتجعل مجيبا حال ~~من الفاعل المنوب عنه؛ فإن التقدير: أنزل الله الغيث حال إجابته لدعائهم، ~~لم يجز، فكذلك هذا، ولا سيما إذا قيل: بأن بنية الفعل المبني للمفعول ~~بنية مستقلة غير محلولة من بنية مبنية للفاعل كما هو قول الكوفيين، ~~وجماعة من البصريين. # الثاني: أنه يلزم منه [التقييد بهذه الحال إذا عني بالأنعام الثمانية ~~الأزواج، وتقييد إحلاله تعالى لهم هذه الثمانية الأزواج بحال انتفاء ~~إحلاله الصيد وهم حرم والله تعالى قد أحل لهم هذه مطلقا]. # الثالث: أنه كتب " محلي " بصيغة الجمع، فكيف يكون حالا من الله ~~تعالى، وكأن هذا القائل زعم أن اللفظ " محل " من غير ياء، وسيأتي ما يشبه ~~هذا القول. # الوجه الخامس: أنه منصوب على الاستثناء المكرر، يعني أنه هو وقوله: " ~~إلا ما يتلى [عليكم] " مستثنيان من شيء واحد، وهو بهيمة الأنعام. # نقل ذلك بعضهم عن البصريين، قال: والتقدير: إلا ما يتلى عليكم إلا ~~الصيد، وأنتم محرمون، بخلاف قوله تعالى: # إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين # [الذاريات: 32] على ما سيأتي بيانه. # قال هذا القائل: ولو كان كذلك لوجب إباحة الصيد في الإحرام؛ لأنه مستثنى ~~من الإباحة، وهذا وجه ساقط، فإذا معناه: أحلت لكم بهيمة الأنعام غير ~~محلي الصيد وأنتم حرم إلا ما يتلى عليكم سوى الصيد. # انتهى. # وقال أبو حيان: إنما عرض الإشكال من جعلهم غير محلي الصيد حالا من ~~المأمورين بإيفاء العقود، أو من المحلل وهو الله تعالى، أو من المتلو ~~عليهم وغرهم في ذلك كونه كتب " محلي " بالياء، وقدروه هم أنه اسم ~~[فاعل] من " أحل " وأنه مضاف إلى " الصيد " إضافة اسم الفاعل المتعدي ~~إلى المفعول، وأنه جمع حذف منه النون للإضافة، وأصله غير محلين الصيد، ~~إلا في قول من جعله [حالا] من الفعل المحذوف، فإنه لا يقدر حذف نون، بل ~~حذف تنوين، وإنما يزول الإشكال ويتضح المعنى بأن يكون قوله: " محلي الصيد ~~" من باب قولهم: ms2917 حسان النساء، والمعنى: النساء الحسان، فكذلك [هذا] ~~أصله غير الصيد المحل، [والمحل] صفة للصيد لا للناس، ولا للفاعل ~~المحذوف. # ووصف الصيد أنه " محل " على وجهين: # أحدهما: أن يكون معناه دخل في الحل، كما تقول: أحل الرجل إذا دخل في ~~الحل، وأحرم إذا دخل في الحرم. # والوجه الثاني: أن يكون معناه صار ذا حل أي: حلالا بتحليل الله ~~تعالى، وذلك أن الصيد على قسمين: حلال وحرام. # ولا يختص الصيد في لغة العرب بالحلال، لكنه يختص به شرعا، وقد تجوزت ~~العرب، فأطلقت الصيد على ما لا يوصف بحل ولا حرمة. # كقوله: [البسيط] # 1913- ليث بعثر يصطاد الرجال إذا # ما الليث كذب عن أقرانه صدقا # وقول الآخر: [الطويل] # 1914- وقد ذهبت سلمى بعقلك كله # فهل غير صيد أحرزته حبائله # وقول امرئ القيس: [المتقارب] # 1915- وهر تصيد قلوب الرجال # وأفلت منها ابن عمرو حجر # ومجيء " أفعل " على الوجهين المذكورين كثير في لسان العرب، ~~فمن مجيء " أفعل " لبلوغ المكان، ودخوله قولهم: أحرم الرجل، ~~وأعرق، وأشأم، وأيمن، وأتهم، وأنجد، إذا بلغ هذه الأماكن، ~~وحل بها. # ومن مجيء " أفعل " بمعنى صار ذا كذا قولهم: أعشبت الأرض ~~وأبقلت، وأغد البعير وألبنت الشاة، وغيرها، وأجرت الكلب، ~~وأصرم النخل، وأتلت الناقة، وأحصد الزرع وأجرب الرجل، ~~وأنجبت المرأة. # وإذا تقرر أن الصيد بوصف بكونه محلا باعتبار أحد الوجهين ~~المذكورين من كونه بلغ الحل أو صار ذا حل، اتضح كونه ~~استثناء ثانيا، ولا يكون استثناء من استثناء؛ إذ لا يمكن ذلك لتناقض ~~الحكم؛ لأن المستثنى من المحلل محرم، [والمستثنى من المحرم محلل] ~~بل إن كان المعني بقوله: بهيمة الأنعام الأنعام أنفسها، فيكون ~~استثناء منقطعا وإن كان المراد الظباء، وبقر الوحش ~~وحمره، فيكون استثناء متصلا على أحد تفسيري المحل، استثنى ~~الصيد الذي بلغ الحل في حال كونهم، محرمين. # فإن قلت: ما فائدة هذا الاستثناء بعد بلوغ الحل، والصيد الذي ~~في الحرم لا يحل أيضا؟ # قلت: الصيد الذي في الحرم لا يحل للمحرم ولا لغير ~~المحرم، وإنما يحل لغير المحرم الصيد الذي في الحل، ~~فنبه بأنه إذا ms2918 كان الصيد [الذي] في الحل يحرم على المحرم ~~- وإن كان حلالا لغيره - فأحرى أن يحرم عليه الصيد الذي هو ~~بالحرم، وعلى هذا التفسير [يكون] قوله: { إلا ما يتلى ~~عليكم } إن كان المراد به ما جاء بعده من قوله: # حرمت عليكم # [المائدة: 3] الآية استثناء منقطعا؛ إذ لا تختص الميتة وما ~~ذكر معها بالظباء، وبقر الوحش وحمره، فيصير التقدير: لكن ~~ما يتلى عليكم أي: تحريمه فهو محرم وإن كان المراد ~~ببهيمة الأنعام [الأنعام] والوحوش، فيكون الاستثناءان راجعين إلى ~~المجموع على التفصيل، فيرجع { ما يتلى عليكم } إلى " ~~ثمانية " الأزواج، ويرجع { غير محلي الصيد } إلى ~~الوحوش؛ إذ لا يمكن أن يكون الثاني استثناء من الاستثناء ~~الأول، وإذا لم يمكن ذلك، وأمكن رجوعه إلى الأول بوجه ما ~~رجع إلى الأول. # وقد نص النحويون: أنه إذا لم يمكن استثناء بعض المستثنيات ~~من بعض جعل الكل مستثنى من الأول، نحو: قام القوم إلا زيدا ~~إلا عمرا إلا بكرا، فإن قلت ما ذكرته من هذا التخريج الغريب، وهو ~~كون المحل من صفة الصيد، لا من صفة الناس، ولا من صفة ~~الفاعل المحذوف يأباه رسمه في المصحف " محلي " بالياء، ولو ~~كان من صفة الصيد دون الناس لكتب " محل " من غير ياء، ~~وكون القراء وقفوا عليه بالياء أيضا يأبى ذلك. # قلت: لا يعكر ذلك على هذا التخريج؛ لأنهم قد رسموا في المصحف ~~الكريم أشياء تخالف النطق بها ككتابتهم: { لأاذبحنه } ~~[النمل: 21]، { ولأوضعوا } [التوبة: 47]، ألفا بعد لام الألف ~~وكتابتهم { بأييد } [الذاريات: 47] بياءين بعد الهمزة وكتابتهم " ~~أولئك " بزيادة واو ونقص ألف بعد اللام، وكتابتهم: " ~~الصالحات " [ونحوه] بسقوط العين إلى غير ذلك. # وأما وقفهم عليه بالياء فلا يجوز؛ إذ لا يوقف على المضاف ~~دون المضاف إليه. # وإن وقف واقف فإنما يكون بقطع نفس واختيار. # على أنه يمكن توجبه كتابته بالياء والوقف عليه بها، وهو أن ~~لغة " الأزد " يقفون فيها على " بزيد، بزيدي " بإبدال التنوين ~~ياء، فكتب " محلي " على الوقف على هذه اللغة - بالياء، وهذا ~~توجيه شذوذ رسمي، ورسم المصحف مما لا يقاس عليه، انتهى. ms2919 # قال شهاب الدين: وهذا الذي ذكره، وأجازه، وغلط الناس فيه ~~ليس بشيء، وما ذكره من توجيه ثبوت الياء خطا ووقفا، ~~فخطأ محض؛ لأنه على تقدير تسليم ذلك في تلك اللغة، فأين ~~التنوين الذي في " محل "؟ وكيف يكون فيه تنوين، وهو مضاف حتى ~~يقول: إنه قد يوجه بلغة " الأزد "؟ # وما ذكره من كونه يحتمل مما يكونون قد كتبوه كما كتبوا تلك ~~الأمثلة المذكورة، فشيء لا يعول عليه؛ لأن خط المصحف سنة ~~متبعة لا يقاس عليها، فكيف يقول: يحتمل أن يقاس هذا على تلك الأشياء؟ # وأيضا فإنهم لم يعربوا [غير] إلا حالا، حتى نقل بعضهم ~~الإجماع على ذلك. # وإنما اختلفوا في صاحب الحال، فقوله: إنه استثناء ثان مع هذه ~~الأوجه الضعيفة خرق للإجماع إلا ما تقدم نقله عن بعضهم من ~~أنه استثناء ثان، وعزاه للبصريين، لكن لا على هذا المدرك ~~الذي ذكره الشيخ. # وقديما وحديثا استشكل الناس هذه الآية. # وقال ابن عطية: وقد خلط الناس في هذا الموضع في نصب " غير " ~~وقدروا تقديمات وتأخيرات، وذلك كله غير مرض؛ لأن ~~الكلام على اطراده، فيمكن استثناء بعد استثناء. # وهذه الآية مما اتضح للفصحاء والبلغاء فصاحتها ~~وبلاغتها، حتى يحكى أنه قيل للكندي: أيها الحكيم، اعمل ~~لنا مثل هذا القرآن، فقال: نعم أعمل لكم مثل بعضه، ~~فاحتجب أياما كثيرة، ثم خرج فقال: والله لا يقدر أحد على ~~ذلك، إنني فتحت [سورة] من المصحف فخرجت سورة " المائدة " ، فإذا هو ~~قد نطق بالوفاء، ونهى عن النكث، وحلل تحليلا عاما، ~~ثم استثنى استثناء بعد استثناء، ثم أخبر عن قدرته ~~وحكمته في سطرين. # والجمهور على نصب " غير " ، وقرأ ابن أبي عبلة برفعه، وفيه ~~وجهان: # أظهرهما: أنه نعت ل " بهيمة الأنعام " والموصوف ب " غير " لا ~~يلزم فيه أن يكون مماثلا لما بعدها [في جنسه] تقول: مررت ~~برجل غير حمار، هكذا قالوه، وفيه نظر، ولكن ظاهر هذه ~~القراءة يدل لهم. # والثاني: أنه نعت للضمير في " يتلى ". # قال ابن عطية: لأن { غير محلي الصيد } في المعنى ~~بمنزلة غير مستحل إذا كان صيدا، وفيه ms2920 تكلف، والصيد في ~~الأصل مصدر: صاد يصيد ويصاد، ويطلق على المصيد، ~~كدرهم ضرب الأمير. # وهو في الآية الكريمة يحتمل الأمرين أي من كونه باقيا على ~~مصدريته، كأنه قيل: أحل لكم بهيمة الأنعام، غير ~~محلين الاصطياد وأنتم محرمون، ومن كونه واقعا ~~موقع المفعول أي: غير محلين الشيء [المصيد] وأنتم محرمون. # وقوله: " وأنتم حرم " مبتدأ وخبر في محل نصب على ~~الحال، وما هو صاحب هذه الحال؟ # فقال الزمخشري: هي حال عن " محلي الصيد " ، كأنه قيل: ~~أحللنا لكم بعض الأنعام في حال امتناعكم من الصيد، وأنتم ~~محرمون، لئلا نتحرج عليكم. # قال أبو حيان: وقد بينا فساد هذا القول بأن الأنعام ~~مباحة، مطلقا لا بالتقييد بهذا الحال. # قال شهاب الدين: وهذا الرد ليس بشيء؛ لأنه [إذا] أحل لهم ~~بعض الأنعام في حال امتناعهم من الصيد، فأن يحلها لهم وهم غير ~~محرمين بطريق الأولى و " حرم " جمع " حرام " بمعنى محرم. # قال: [الطويل] # 1916- فقلت لها: فيئي إليك فإنني # حرام وإني بعد ذاك لبيب # أي: ملب، وأحرم إذا دخل في الحرم، أو في الإحرام. # وقال مكي بن أبي طالب: هو في موضع نصب على الحال [من] المضمر في " ~~محلي " ، وهذا هو الصحيح. # و[أما] ما ذكره الزمخشري، فلا يظهر فيه مجيء الحال من ~~المضاف إليه في غير المواضع المستثناة. # وقرأ يحيى بن وثاب، وإبراهيم والحسن " حرم " بسكون الراء. # وقال أبو الحسن البصري: هي لغة " تميم " يعني يسكنون ضمة " ~~فعل " جمعا، نحو: " رسل ". قد تقدم كلام المعربين في الآية ~~الكريمة. # قال المفسرون: معنى الآية، أحلت لكم الأنعام كلها، إلا ما ~~كان منها وحشيا؛ [فإنه صيد] لا يحل لكم في حال الإحرام، ~~وقوله: { إلا ما يتلى عليكم } استثناء مجمل، واستثناء ~~المجمل من الكلام المفصل يجعل ما بقي بعد الاستثناء مجملا، إلا أن ~~المفسرين أجمعوا على أن المراد من هذا الاستثناء هو قوله: # حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ~~ومآ أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة ~~والمتردية والنطيحة ومآ أكل السبع إلا ما ~~ذكيتم وما ذبح على النصب # [المائدة: 3] ووجه هذا ms2921 أن قوله { أحلت لكم بهيمة ~~الأنعام } يقتضي إحلالها لهم على جميع الوجوه، ثم بين أنها ~~إن كانت ميتة أو موقوذة أو متردية أو نطيحة أو افترسها ~~السبع أو ذبحت على غير اسم الله فهي محرمة. # وقوله: { غير محلي الصيد } معناه: أنه لما أحل بهيمة الأنعام، ~~ذكر الفرق بين صيدها وغيره، فبين أن كل ما كان صيدا، فإنه ~~حلال في الإحلال دون الإحرام، وما لم يكن صيدا فإنه حلال في ~~الحالين جميعا. # وظاهر هذه الآية يقتضي أن الصيد مطلقا حرام على المحرم، ~~[إلا أنه تعالى أباح في آية أخرى أن الصيد المحرم على ~~المحرم] إنما هو صيد البر لا صيد البحر، بقوله تعالى: # أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم ~~وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم ~~حرما # [المائدة: 96] فبين ذلك الإطلاق. # ثم قال تعالى: { إن الله يحكم ما يريد } أي أن الله ~~تعالى أباح الأنعام في جميع الأحوال، وأباح الصيد في بعض الأحوال ~~دون بعض، فلو قال قائل: ما السبب في هذا التفصيل والتخصيص، كان ~~جوابه: أنه تعالى مالك الأشياء وخالقها فلا اعتراض عليه في حكمه. ### || [5.2] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تحلوا شعآئر ~~الله } الآية لما حرم [الله] الصيد على المحرم نهى في هذه الآية ~~عن مخالفة تكاليف الله تعالى. # قال المفسرون: نزلت في الحطم، واسمه: # " شريح بن ضبيعة البكري، أتى المدينة، وخلف خيله ~~خارج المدينة، ودخل وحده على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال [له:] ~~إلام تدعو الناس إليه؟، فقال: " إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة " ، فقال حسن، إلا أن ~~لي أمراء لا أقطع أمرا دونهم، ولعلي أسلم وآتي بهم، وقد كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: " يدخل عليكم رجل من ربيعة ~~يتكلم بلسان شيطان " ثم خرج شريح من عنده، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " لقد دخل بوجه كافر، وخرج بقفا غادر، ~~وما الرجل بمسلم " ، فمر بسرح المدينة فاستاقه وانطلق، ~~فتبعوه ولم يدركوه، فلما ms2922 كان العام المقبل خرج حاجا في ~~حجاج بكر بن وائل من اليمامة، ومعه تجارة عظيمة، وقد ~~قلدوا الهدي، فقال المسلمون للنبي صلى الله عليه وسلم: هذا الحطم ~~قد خرج حاجا، فخل بيننا وبينه، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " إنه قد قلد الهدي " ، فقالوا: يا رسول الله هذا شيء كنا ~~نفعله في الجاهلية، فأبى النبي صلى الله عليه وسلم " # فأنزل الله تعالى { يأيها الذين آمنوا لا تحلوا ~~شعآئر الله } الآية. # قال ابن عباس ومجاهد: هي مناسك الحج، وكان المشركون يحجون ~~فيهدون، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم فناههم الله عن ذلك. # وقال أبو عبيدة: " شعائر الله " هي الهدايا [المشعرة ~~لقوله تعالى: # والبدن جعلناها لكم من شعائر الله # [الحج: 36]، وهذا ضعيف؛ لأنه تعالى ذكر { شعآئر الله } ] ثم ~~عطف عليها الهدايا، والمعطوف يجب أن يكون مغايرا للمعطوف [عليه]، ~~والإشعار من الشعار وهي العلامة، وإشعارها إعلامها بما يعرف ~~أنها هدي، والشعائر جمع، والأكثرون على أنه جمع ~~شعيرة. # وقال ابن فارس: واحدتها شعارة، والشعيرة: فعيلة ~~بمعنى مفعلة والمشعرة: المعلمة، والإشعار: الإعلام، ~~وكل شيء أشعر فقد أعلم، وهو هاهنا أن يطعن في صفحة سنان ~~البعير بحديدة حتى يسيل الدم، فيكون ذلك علامة أنها هدي، ~~وهي سنة في الهدايا إذا كانت من الإبل. # وقاس الشافعي البقر على الإبل في الإشعار، وأما الغنم فلا ~~تشعر بالجرح، فإنها لا تحتمل الجرح لضعفها. # وعند أبي حنيفة لا يشعر الهدي. # وروى عطية عن ابن عباس: { لا تحلوا شعائر الله } في ~~أن تصيد وأنت محرم لقوله تعالى: { وإذا حللتم ~~فاصطادوا }. # وقال السدي: أراد حرم الله، وقيل المراد النهي عن القتل ~~في الحرم. # وقال عطاء: " شعائر الله " حرمات الله. # ثم قال: { ولا الشهر الحرام } أي بالقتال فيه، قال تعالى: # إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في ~~كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منهآ ~~أربعة حرم # [التوبة: 36] فقيل هي: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ~~ورجب، فقوله: { ولا الشهر الحرام } يجوز أن يكون المراد ~~رجب، لأنه أكمل هذه الأشهر الأربعة في هذه الصفة. ms2923 # وقال ابن زيد: هي النسيء؛ لأنهم كانوا يحلونه عاما ~~ويحرمونه عاما. # قال: " ولا الهدي ". # قال الواحدي: الهدي ما أهدي إلى بيت الله الحرام من ~~ناقة أو بقرة أو شاة، واحدها هدية بتسكين ~~الدال، ويقال [أيضا]: هدية، وجمعها هدي قال الشاعر: ~~[الوافر] # 1917- حلفت برب مكة والمصلى # وأعناق الهدي مقلدات # ونظير هذه الآية قوله تعالى: # هديا بالغ الكعبة # [المائدة: 95]، وقوله: # والهدي معكوفا أن يبلغ محله # [الفتح: 25]. # قوله سبحانه: { ولا القلائد } [أي: ولا ذوات ~~القلائد] عطف على الهدي مبالغة في التوصية بها؛ لأنها ~~أشرف الهدي، كقوله تعالى: # وجبريل وميكال # [البقرة: 98] كأنه قيل: وذوات القلائد] كأنه قيل: ~~وذوات القلائد منها خصوصا. # قال القرطبي: فمن قال المراد بالشعائر المناسك، قال: ~~ذكر الهدي تنبيها على تخصيصه، ومن قال: الشعائر ~~الهدي قال: الشعائر ما كان مشعرا، أي: معلما ~~بإسالة الدم من سنامه، والهدي ما لم يشعر، [اكتفى فيه ~~بالتقليد، وقيل: الشعائر هي البدن من الأنعام، والهدي ~~البقر والغنم والثياب وكل ما يهدى]. # وقال الجمهور: الهدي عام في كل ما يتقرب به من ~~الذبائح والصدقات، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: # " المبكر للجمعة كالمهدي بدنة " ، إلى أن قال: " ~~كالمهدي بيضة " # فسماها هديا، وتسمية البيضة هديا إنما يراد به ~~الصدقة وكذلك قال العلماء: إذا قال جعلت ثوبي هديا ~~فعليه أن يتصدق به؛ إلا أن الإطلاق ينصرف إلى ~~أحد الأصناف الثلاثة من الإبل والبقر والغنم، ~~وسوقها إلى الحرم وذبحها فيه، وهذا إنما يلقى من ~~عرف الشرع. # قال تعالى: # فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي # [البقرة: 196] وأراد به الشاة، وقال: # هديا بالغ الكعبة # [المائدة: 95]، وأقله شاة عند الفقهاء. # وقال مالك: " إذا قال: ثوبي هدي، يجعل ثمنه في ~~هدي ". # ويجوز أن يكون المراد " والقلائد " حقيقة، ويكون فيه ~~مبالغة في النهي عن التعرض للهدي المقلد بها، ~~كقوله تعالى: # ولا يبدين زينتهن # [النور: 31]؛ لأنه نهى عن إظهار الزينة، فما بالك ~~بمواضعها من الأعضاء، والقلائد: جمع قلادة وهي ~~التي تشد على عنق البعير. # وقال عطاء: أراد أصحاب القلائد، وذلك أنهم كانوا ~~في الجاهلية إذا أرادوا الخروج ms2924 من الحرم قلدوا ~~أنفسهم وإبلهم بشيء من لحاء شجر الحرم، كيلا ~~يتعرض لهم، فنهى الشرع عن استحلال شيء منها. # قوله تعالى: { ولا آمين البيت الحرام }. # أي: ولا تحلوا قوما آمين، أي: قاصدين، ويجوز أن يكون ~~على حذف مضاف، أي: لا تحلوا قتال قوم [أو أذى] ~~قوم آمين. # وقرأ عبد الله ومن تبعه: " ولا آمي البيت الحرام " ~~بحذف النون، وإضافة اسم الفاعل إلى معموله، ~~والبيت نصب على المفعول به ب " آمين " [أي:] قاصدين ~~البيت، وليس ظرفا. # وقوله: " يبتغون " حال من الضمير في " آمين " ، أي: ~~حال كون " الآمين " مبتغين فضلا، ولا يجوز أن ~~تكون هذه الجملة صفة ل " آمين "؛ لأن اسم الفاعل ~~متى وصف بطل عمله على الصحيح. وخالف الكوفيون في ~~ذلك. # وأعرب مكي هذه الجملة صفة ل " آمين " ، وليس بجيد لما ~~تقدم، وكأنه تبع في ذلك الكوفيين. # وهاهنا سؤال، وهو أنه لم لا قيل بجواز إعماله قبل ~~وصفه كما في هذه الآية قياسا على المصدر، فإنه يعمل ~~قبل أن يوصف، نحو: يعجبني ضرب زيدا شديد. # والجمهور على " يبتغون " بياء الغيبة، وقرأ حميد ~~بن قيس، والأعرج " تبتغون " بتاء الخطاب، على أنه ~~خطاب للمؤمنين، وهي قلقة، لقوله: " من ربهم " ولو أريد ~~خطاب المؤمنين، لكان تمام المناسبة " تبتغون فضلا من ~~ربكم " و " من ربهم " ، يجوز أن يتعلق بنفس الفعل، ~~وأن يتعلق بمحذوف على أنه صفة ل " فضلا " ، أي: ~~فضلا كائنا " من ربهم ". # وقد تقدم الخلاف في ضم راء " رضوان " في آل عمران. # وإذا علقنا " من ربهم " بمحذوف على أنه صفة ل " ~~فضلا " ، فيكون قد حذف صفة " رضوان " لدلالة ما ~~قبله عليه، أي: ورضوانا من ربهم. # وإذا علقناه بنفس الفعل لم يحتج إلى ذلك. # فصل # قيل: المراد ب " الفضل " الرزق بالتجارة و " الرضوان ~~" ، أي: على زعمهم؛ لأن الكافر لا نصيب له في ~~الرضوان. # قال العلماء: المشركون كانوا يقصدون بحجهم رضوان ~~الله، وإن كانوا لا ينالون ذلك فلا يبعد أن يحصل ~~لهم بسبب ذلك القصد نوع من الحرمة. # وقيل: المراد بفضل الله الثواب، وبالرضوان أن ~~يرضى ms2925 الله عنهم؛ وذلك لأن الكافر وإن كان لا ينال ~~الفضل والرضوان لكنه يظن [أنه بفعله طالب لهما] ~~فوصف بذلك بناء على ظنه، كقوله: # وانظر إلى إلهك # [طه: 97]، وقوله: # ذق إنك أنت العزيز الكريم # [الدخان: 49]. # فصل # قال قوم: هذه الآية منسوخة؛ لأن قوله تعالى: { لا ~~تحلوا شعآئر الله ولا الشهر الحرام } يقتضي ~~حرمة القتال [في] الشهر الحرام، وذلك منسوخ ~~يقول الله تعالى: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5]، وقوله: { ولا آمين البيت الحرام } يقتضي ~~حرمة منع المشركين عن المسجد الحرام، وذلك منسوخ ~~بقوله: # فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا # [التوبة: 28] وهو قول ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة. # وقال الشعبي: لم ينسخ من سورة المائدة إلا هذه الآية، ~~وقال آخرون: هذه الآية غير منسوخة، وهؤلاء لهم طريقان: # الأول: أن الله تعالى أمر في هذه الآية ألا نخيف من ~~يقصد بيته من المسلمين، وحرم علينا أخذ الهدي ~~من المهدين إذا كانوا مسلمين لقوله أول الآية: { لا ~~تحلوا شعآئر الله } وهذا إنما يليق بنسك المسلمين ~~لا بنسك الكفار، وقوله آخر الآية: { يبتغون فضلا من ~~ربهم ورضوانا } وهذا إنما يليق بالمسلم لا ~~بالكافر. # والثاني: قال أبو مسلم: المراد بالآية الكفار الذين كانوا في ~~عهد النبي صلى الله عليه وسلم فلما زال [العهد زال] ~~الحظر، ولزم المراد بقوله: # فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا # [التوبة: 28]. # قوله تعالى: { وإذا حللتم فاصطادوا } وقرئ " أحللتم ~~" وهي لغة في " حل " ، يقال: أحل من إحرامه، كما ~~يقال: حل. # وقرأ الحسن بن عمران وأبو واقد والجراح بكسر ~~الفاء العاطفة وهي قراءة ضعيفة مشكلة. # وخرجها الزمخشري على أن الكسر في الفاء بدل ~~من كسر الهمزة [في] الابتداء. # وقال ابن عطية: هي قراءة مشكلة، ومن توجيهها أن ~~يكون راعى كسر ألف الوصل إذا ابتدأ فكسر الفاء ~~مراعاة، وتذكرا لكسر ألف الوصل. # وقال أبو حيان: وليس هو عندي كسرا محضا، بل هو إمالة ~~محضة لتوهم وجود كسر همزة الوصل، كما أمالوا " ~~فإذا " لوجود كسر الهمزة. # فصل # هذا أمر إباحة، أباح للحلال أخذ الصيد، وظاهر ms2926 ~~الأمر وإن كان للوجوب فهو هنا للإباحة، كقوله: # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض # [الجمعة: 10]، وهو كقول القائل: " لا تدخلن هذه الدار حتى ~~تؤدي ثمنها، فإذا أديت فادخلها " أي: فإذا أديت فقد ~~أبيح لك دخولها، وحاصل الكلام أنا إنما عرفنا أن الأمر ~~هنا لم يفد الوجوب بدليل منفصل، وهذه الآية ~~متعلقة بقوله # غير محلي الصيد وأنتم حرم # [المائدة: 1] يعني [إذا كان المانع من] حل الاصطياد هو ~~الإحرام، فإذا زال الإحرام وجب أن يزول المنع. # قوله سبحانه وتعالى: { ولا يجرمنكم } قرأ الجمهور: " ~~يجرمنكم " بفتح الياء من " جرم " ثلاثيا، ومعنى " جرم ~~" عند الكسائي وثعلب " حمل " ، يقال: جرمه على كذا، ~~أي: حمله عليه. # قال الشاعر: [الكامل] # 1918- ولقد طعنت أبا عيينة طعنة # [جرمت فزارة] بعدها أن يغضبوا # فعلى هذا التفسير يتعدى " جرم " لواحد، وهو الكاف ~~والميم، ويكون قوله: " أن تعتدوا " على إسقاط حرف ~~الخفض، وهو " على " أي: ولا يحملنكم بغضكم لقوم ~~على اعتدائكم عليهم، فيجيء في محل " أن " الخلاف ~~المشهور، وإلى هذا المعنى ذهب ابن عباس وقتادة. # ومعناه عند أبي عبيدة والفراء: كسب، ومنه فلان ~~جريمة أهله أي: كاسبهم. # وعن الكسائي - أيضا - أن جرم وأجرم بمعنى: كسب ~~غيره فالجريمة والجارم بمعنى الكاسب، وأجرم ~~فلان أي: اكتسب الإثم، ومنه قوله: [الوافر] # 1919- جريمة ناهض في رأس نيق # ترى العظام ما جمعت صليبا # أي: كاسب قوة، والصليب الودك. # قال ابن فارس: يقال جرم وأجرم، ولا جرم بمنزلة ~~قولك: لا بد ولا محالة [وأصله] من جرم أي: كسب، ~~فعلى هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: أنه متعد لواحد. # والثاني: [أنه] متعد لاثنين، [كما أن " كسب " كذلك، ~~وأما في الآية الكريمة فلا يكون إلا متعديا لاثنين:] ~~أولهما: ضمير الخطاب، والثاني: " أن تعتدوا " أي: لا ~~يكسبنكم بغضكم لقوم الاعتداء عليهم. # وقرأ عبد الله " يجرمنكم " بضم الياء من " أجرم ~~" رباعيا. # وقيل: هو بمعنى " جرم " كما تقدم عن الكسائي. # وقيل: " أجرم " منقول من " جرم " بهمزة التعدية. # قال الزمخشري: " جرم "؛ يجري مجرى " كسب " في ~~تعديته إلى مفعول واحد وإلى اثنين، تقول: جرم ذنبا ~~أي كسبه، ms2927 وجرمته ذنبا، أي كسبته إياه، ويقال ~~أجرمته ذنبا على نقل المتعدي إلى مفعول بالهمزة إلى ~~مفعولين كقولك: أكسبته ذنبا، وعليه قراءة عبد الله " ~~ولا يجرمنكم " وأول المفعولين على القراءتين ضمير ~~المخاطبين. وثانيهما: " أن تعتدوا " اه. # وأصل هذه المادة - كما قال ابن عيسى الرماني - القطع، ~~فجرم حمل على الشيء لقطعه عن غيره، وجرم كسب ~~لانقطاعه إلى الكسب، وجرم بمعنى حق؛ لأن الحق ~~يقطع عليه. # قال الخليل: " لا جرم أن لهم النار " أي: لقد حق ~~[هكذا] قاله الرماني، فجعل بين هذه الألفاظ قدرا مشتركا، وليس ~~عنده من باب الاشتراك اللفظي. # و " شنآن " [معناه]: بغض، وهو مصدر شنىء، أي: أبغض. # وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم " شنآن " بسكون ~~النون، والباقون بفتحها، وجوزوا في كل منهما أن يكون ~~مصدرا، وأن يكون وصفا حتى يحكى عن أبي علي أنه ~~قال: من زعم أن " فعلان " إذا سكنت عينه لم يكن ~~مصدرا فقد أخطأ، لأن " فعلان " بسكون العين قليل ~~في المصادر، نحو: لويته دينه ليانا، بل هو كثير في ~~الصفات نحو: سكران وبابه و " فعلان " بالفتح قليل ~~في الصفات، قالوا: حمار قطوان، أي: عسر السير، وتيس ~~عدوان. # قال: [الطويل] # 1920-........................... # كتيس ظباء الحلب العدوان # ومثله قول الآخر، أنشده أبو زيد: [الطويل] # 1921- وقبلك ما هاب الرجال ظلامتي # وفقأت عين الأشوس الأبيان # بفتح الباء والياء، بل الكثير أن يكون مصدرا، نحو: ~~الغليان والنزوان، فإن أريد ب " الشنأن " الساكن ~~العين الوصف، فالمعنى: ولا يجرمنكم بغيض قوم، وبغيض ~~بمعنى: مبغض، اسم فاعل من " أبغض " ، وهو متعد، ~~ففعيل بمعنى الفاعل كقدير ونصير، وإضافته ل " قوم " على ~~هذا إضافة بيان، أي: إن البغيض من بينهم، وليس مضافا ~~لفاعل ولا مفعول، بخلاف ما إذا قدرته مصدرا فإنه يكون ~~مضافا إلى مفعوله أو فاعله كما سيأتي. # وقال صاحب هذا القول: يقال: رجل شنآن، وآمرأة شنآنة، ~~كندمان، وندمانة، وقياس هذا أن يكون من فعل متعد [وحكي: ~~رجل شنآن، وامرأة شنأى ك " سكران وسكرى " وقياس هذا أن يكون من فعل ~~لازم]، ولا بعد في ذلك، فإنهم قد ms2928 يشتقون من مادة واحدة ~~القاصر والمتعدي، قالوا: فغرت فاه، وفغر فوه أي: فتحته ~~فانفتح، [وإن] أريد به المصدر فواضح، ويكون مضافا إلى ~~مفعوله، أي: بغضكم لقوم، فحذف الفاعل، ويجوز أن يكون مضافا ~~إلى فاعله، أي بغض قوم إياكم، فحذف مفعوله. # والأول أظهر في المعنى، وحكم شنآن بفتح النون ~~مصدرا وصفة حكم إسكانها، وقد تقدم تقرير ذلك، ومن ~~مجيء شنآن الساكن العين مصدرا قول الأحوص: [الطويل] # 1922- وما الحب إلا ما تلذ وتشتهي # وإن لام فيه الشنان وفندا # أراد الشنآن بسكون النون فنقل حركة الهمزة إلى النون ~~الساكنة، وحذف الهمزة [ولولا سكون النون لما جاز النقل ~~ولو قال قائل: إن الأصل الشنآن بفتح النون] وخفض ~~الهمزة بحذفها رأسا، كما قرئ { إنها لاحدى الكبر } ~~[المدثر: 35] بحذف همزة " إحدى " لكان قولا يسقط به الدليل ~~لاحتماله، و " الشنآن " بالفتح عما شذ عن القاعدة الكلية. # قال سبويه: كل بناء من المصادر على وزن " فعلان " ~~بفتح العين لم يتعد فعله إلا أن يشذ شيء ~~كالشنآن، يعني أنه مصدر على " فعلان " بالفتح، ومع ذلك ~~فعله متعد، وفعله أكثر الأفعال مصادر سمع له ستة ~~عشر مصدرا، قالوا: شنئ يشنأ [شنئا] وشنآنا ~~مثلثي الشين، فهي ست لغات. # وقرأ ابن وثاب، والحسن، والوليد عن يعقوب " ~~يجرمنكم " بسكون النون جعلوها نون التوكيد الخفيفة، ~~والنهي في اللفظ للشنآن، وهو في المعنى للمخاطبين نحو: " ~~لا أرينك هاهنا " و { ولا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون } [آل عمران: 102] قاله مكي. # فصل # قال القفال: هذا معطوف على قوله: { لا تحلوا شعآئر ~~الله } إلى قوله: { ولا آمين البيت الحرام } يعني: لا ~~يحملنكم عداؤكم لقوم من أجل أنهم صدوكم عن ~~المسجد الحرام أن [تعتدوا فتمنعوهم] عن المسجد ~~الحرام، فإن الباطل لا يجوز أن يعتدى به. # قال محمد بن جرير: هذه السورة نزلت بعد قصة " الحديبية ~~" ، فكان الصد قد تقدم، وليس للناس أن يعين بعضهم بعضا ~~على العدوان، حتى إذا تعدى واحد منهم على الآخر [تعدى ذلك ~~الآخر] عليه، لكن الواجب أن يعين بعضهم بعضا على ما فيه ~~البر والتقوى. # قوله ms2929 سبحانه وتعالى: { أن صدوكم }. # قرأ أبو عمرو، وابن كثير، بكسر " إن " ، والباقون ~~بفتحها، فمن كسر فعلى أنها شرطية، والفتح على ~~أنها علة للشنآن، أي لا يكسبنكم أو لا يحملنكم ~~بغضكم لقوم لأجل صدهم إياكم عن المسجد الحرام، ~~وهي قراءة واضحة، وقد استشكل [الناس] قراءة الأخوين ~~من حيث إن الشرط يقتضي أن الأمر المشروط لم يقع ~~والغرض أن صدهم عن البيت الحرام كان قد وقع، ونزول هذه ~~الآية متأخر عنه بمدة، فإن الصد وقع عام " الحديبية " ~~وهي سنة ست، والآية نزلت سنة ثمان. # وأيضا، فإن " مكة " كانت عام الفتح في أيديهم، فكيف ~~يصدون عنها. # قال ابن جريج والنحاس وغيرهما: هذه القراءة منكرة، ~~واحتجوا بما تقدم من الإشكال. # قال شهاب الدين رحمه الله: ولا إشكال في ذلك، والجواب عما ~~قالوه من وجهين: # أحدهما: ألا نسلم أن الصد كان قبل نزول الآية؛ فإن ~~نزولها عام الفتح ليس مجمعا عليه. # وذكر اليزيدي أنها نزلت قبل الصد، فصاد الصد أمرا ~~منتظرا. # والثاني: أنه وإن سلمنا أن الصد [كان متقدما على ~~نزولها، فيكون المعنى: إن وقع صد مثل ذلك الصد] الذي وقع ~~زمن " الحديبية " " فلا يجرمنكم ". # قال مكي: ومثله عند سيبويه قول الفرزدق: [الطويل] # 1923- أتغضب إن أذنا قتيبة حزتا # ..................... # [وذلك شيء قد كان وقع، وإنما معناه:] إن وقع مثل ذلك الغضب، ~~وجواب الشرط ما قبله، يعني: وجواب الشرط ما دل عليه ما ~~قبله؛ لأن البصريين يمنعون تقديم الجواب إلا ~~أبا زيد. # وقال مكي - أيضا -: ونظير ذلك أن يقول الرجل لامرأته: أنت ~~طالق إن دخلت الدار، بكسر " إن " لم تطلق ~~بدخولها الأول؛ لأنه أمر ينتظر، ولو فتح ~~لطلقت عليه؛ لأنه أمر كان ووقع، ففتح " أن " لما ~~هو علة لما كان ووقع، وكسرها إنما هو لأمر منتظر، والوجهان ~~حسنان على معنييهما وهذا الذي قاله مكي فصل فيه الفقهاء بين ~~من يعرف النحو، وبين من لا يعرفه، ويؤيد هذه القراءة ~~قراءة عبد الله بن مسعود: " إن يصدوكم ". # قال أبو عبيدة: حدثنا حجاج عن هارون، قال: قرأ ابن ~~مسعود فذكرها ms2930 قال: وهذا لا يكون إلا على استئناف ~~الصد، يعني إن وقع صد آخر، مثل ما تقدم في عام " ~~الحديبية ". # ونظم هذه الآيات على ما هي عليه من أبلغ ما يكون ~~وأفصحه، وليس فيها تقديم ولا تأخير كما زعم بعضهم، فقال: أصل تركيب ~~الآية الأولى # غير محلي الصيد وأنتم حرم # [المائدة: 1] فإذا حللتم فاصطادوا. # وأصل تركيب الثانية: { ولا آمين البيت الحرام ~~يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا } { ولا ~~يجرمنكم }. # ونظره بآية البقرة يعني: # إن الله يأمركم # [البقرة: 67]، وهذا لا حاجة إليه مع أن التقديم والتأخير عند ~~الجمهور من ضرائر الشعر، فيجب تنزيه القرآن عنه، ~~وليست الجملة - أيضا - من قوله: { وإذا حللتم ~~فاصطادوا } معترضة بين قوله: { ولا آمين البيت ~~الحرام } وبين قوله: { ولا يجرمنكم } ، بل هي مؤسسة ~~ومنشئة حكما، وهو حل الاصطياد عند التحلل من ~~الإحرام، والجملة المعترضة إنما تفيد توكيدا وتسديدا، ~~وهذه مفيدة حكما جديدا كما تقدم. # وقوله: " أن تعتدوا " قد تقدم أنه من متعلقات { ولا ~~يجرمنكم } على أنه مفعول ثان، أو على حذف حرف ~~الجر، فمن كسر { إن صدوكم } يكون الشرط وجوابه المقدر ~~في محل جر صفة ل " قوم " ، أي: شنآن قوم هذه ~~صفتهم ومن فتحها فمحلها الجر والنصب، لأنها على حذف ~~لام العلة كما تقدم. # قال الزمخشري: والمعنى: ولا يكسبنكم بغض قوم؛ لأن ~~صدوكم الاعتداء ولا يحملنكم عليه. # قال أبو حيان: وهذا تفسير معنى لا تفسير إعراب؛ لأنه يمتنع أن ~~يكون مدلول " جرم " حمل وكسب في استعمال واحد لاختلاف مقتضاهما، ~~فيمتنع أن يكون [أن تعتدوا] في محل مفعول به، ومحل ~~مفعول على إسقاط حرف الجر. # قال شهاب الدين: هذا الذي قاله لا يتصور أن يتوهمه من له أدنى ~~بصر بالصناعة حتى ينبه عليه. # وقد تقدم قراءة البزي في نحو: " ولا تعاونوا " وأن الأصل: [ " ~~تتعاونوا " فأدغم] وحذف الباقون إحدى التاءين عند قوله تعالى: { ~~ولا تيمموا الخبيث } [البقرة: 267]. # قوله عز وجل: { وتعاونوا على البر والتقوى } أي: ليعن ~~بعضكم بعضا على البر والتقوى. # قيل: البر: متابعة الأمر، والتقوى مجانبة النهي. # وقيل: البر: الإسلام، ms2931 والتقوى: السنة. # { ولا تعاونوا على الإثم والعدوان }. # قيل الإثم: الكفر، والعدوان: الظلم. وقيل: الإثم: المعصية ~~والعدوان: البدعة. # وقال النواس بن سمعان الأنصاري: # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم، فقال: " ~~البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في [صدرك]، وكرهت أن ~~يطلع عليه الناس " " # ، ثم قال تعالى: { واتقوا الله إن الله شديد ~~العقاب } ، والمراد منه التهديد والوعيد. ### || [5.3] # وقوله عز وجلا: { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم ~~الخنزير } الآية. # وهذا هو المستثنى من الإباحة في قوله: # إلا ما يتلى عليكم # [المائدة: 1] وهو أحد عشر نوعا، وقد تقدم إعراب: { حرمت ~~عليكم الميتة } وأصلها. # واعلم أن تحريم الميتة موافق للمعقول؛ لأن الدم جوهر لطيف ~~جدا فإذا مات الحيوان حتف أنفه احتبس الدم في عروقه ~~وتعفن وفسد؛ وحصل من أكله مضرة. # وأما الدم فقال الزمخشري: كانوا يملؤون المعى من ~~الدم ويشوونه ويطعمونه للضيف، فحرم الله ذلك عليهم. # وأما الخنزير فقال العلماء: الغذاء يصير جزءا من جوهر المتغذي ~~ولا بد أن يحصل للمتغذي أخلاق وصفات من جنس ما كان ~~حاصلا في الغذاء، والخنزير مطبوع على حرص عظيم ورغبة شديدة ~~في المشتهيات، فحرم الله أكله على الإنسان لئلا يتكيف ~~بتلك الكيفية؛ وذلك لأن الفرنج لما واظبوا على أكل لحم ~~الخنزير أورثهم الحرص العظيم والرغبة الشديدة في المشتهيات، ~~وأورثهم عدم الغيرة، [فإن الخنزير يرى الذكر من الخنزير ~~ينزو على الأنثى التي له لا يتعرض إليه؛ لعدم الغيرة، وقد] ~~تقدم الكلام على الخنزير واشتقاقه في سورة البقرة. # وأما الشاة فإنها حيوان في غاية السلامة، وكأنها ذات ~~عارية عن جميع الأخلاق، فلذلك لا يحصل للإنسان بسبب ~~أكلها كيفية أجنبية عن أحوال الإنسان. # وأما ما { أهل لغير الله به } ، والإهلال رفع الصوت، ~~ومنه يقال: فلان أهل بالحج إذا لبى، ومنه استهلال ~~الصبي وهو صراخه إذا ولد، وكانوا يقولون عند الذبح باسم ~~اللات والعزى، فحرم الله ذلك، وقدم هنا لفظ الجلالة في ~~قوله: { ومآ أهل لغير الله به } وأخرت في البقرة [آية ~~173]؛ لأنها هناك فاصلة، أو تشبه الفاصلة بخلاف ms2932 هاهنا، فإن ~~بعدها معطوفات. # والمنخنقة وهي التي تموت خنقا، وهو حبس النفس سواء فعل ~~بها ذلك [آدمي أو] اتفق لها ذلك في حبل أو بين عودين أو نحوه. # وذكر قتادة أن أهل الجاهلية كانوا يخنقون الشاة وغيرها، فإذا ~~ماتت أكلوها، وذكر نحوه ابن عباس. # والموقوذة: وهي التي وقذت أي: ضربت حتى ماتت من وقذه أي ~~ضربه حتى استرخى، ومنه وقذه النعاس أي: غلبه ووقذه ~~الحلم: أي: سكنه وكأن المادة دالة على سكون واسترخاء، ويدل ~~في الموقوذة ما رمي بالبندق فمات، وهي - أيضا - في معنى الميتة ~~وفي معنى المنخنقة، فإنها ماتت ولم يسل دمها. # والمتردية: من تردى، أي: سقط من علو فهلك، ~~ويقال: ما يدرى أين " ردى "؟ أي: ذهب، وردى وتردى بمعنى ~~هلك. # قال تعالى: # وما يغني عنه ماله إذا تردى # [الليل: 11]، والمتردي أنواع: فالمتردية هي التي تسقط من ~~جبل أو موضع مشرف أو في بئر فتموت، فهذه ميتة، لأنها ~~ماتت وما سال منها الدم، ويدخل فيه إذا أصابه سهم وهو في الجبل ~~فسقط على الأرض؛ فإنه يحرم أكله؛ لأنه لا يعلم مات ~~بالتردي أو بالسهم. # ودخلت الهاء في هذه الكلمة؛ لأن المنخنقة هي الشاة المنخنقة، ~~كأنه قيل: حرمت عليكم الشاة المنخنقة والموقوذة والمتردية، ~~وخص الشاة؛ لأنها من أعم [ما يأكل] الناس، والكلام ~~يخرج على الأعم الأغلب، ويكون المراد هو الكل. # و " النطيحة " " فعيلة " بمعنى " مفعولة " ، وكان من ~~حقها ألا تدخلها تاء التأنيث كقتيل وجريح، إلا أنها ~~جرت مجرى الأسماء، أو لأنها لم يذكر موصوفها؛ لأنك إن ~~لم تدخل الهاء لم يعرف أرجل هو أم امرأة، ومثله: ~~الذبيحة والنسيكة. كذا قاله أبو البقاء، وفيه نظر؛ لأنهم ~~[إنما] يلحقون التاء إذا لم يذكر الموصوف لأجل اللبس، نحو: ~~مررت بقتيلة بني فلان، لئلا يلتبس بالمؤنث وهنا اللبس ~~منتف، وأيضا فحكم الذكر والأنثى في هذا سواء. # والنطيحة هي التي تنطحها الأخرى فتموت، وهذه - أيضا - لأنها ~~ماتت من غير سيلان الدم. # قوله تعالى: { ومآ أكل السبع إلا ما ذكيتم } " ما " ~~الأولى بمعنى " الذي " ، وعائده محذوف، ms2933 أي: وما أكله ~~السبع، ومحل هذا الموصول الرفع عطفا على ما لم يسم ~~فاعله، وهذا غير ماش على ظاهره؛ لأن ما أكله السبع وفرغ منه لا ~~يذكى، فلا بد من حذف. ولذلك قال الزمخشري: وما أكل ~~بعضه السبع. # وقرأ الحسن والفياض وأبو حيوة: " السبع " بسكون الباء، وهو ~~تسكين المضموم، ونقل فتح السين والباء معا. # والسبع: كل ذي ناب ومخلب كالأسد والنمر، ويطلق على ذي ~~المخلب من الطيور قال: [الخفيف] # 1924- وسباع الطير تغدو بطانا # [تتخطاهم فما تستقل] # فصل # معنى الكلام ما يريد ما بقي مما أكل السبع. قال قتادة: كان أهل ~~الجاهلية إذا جرح السبع شيئا فقتله وأكل بعضه أكلوا ما بقي، ~~فحرمه الله. # قوله تعالى: { إلا ما ذكيتم } فيه قولان: # أحدهما: أنه استثناء متصل، والقائلون بهذا اختلفوا، فقال علي، ~~وابن عباس، والحسن وقتادة: هو مستثنى من قوله: " والمنخنقة ~~" إلى قوله: { وما أكل السبع } وعلى هذا إن أدركت ذكاته ~~بأن وجدت عينا تطرف، أو ذنبا يتحرك، أو رجلا ~~تركض فاذبح فإنه حلال، فإن هذه الحال تدل على بقاء ~~الحياة فيه بتمامها. # وقال أبو البقاء: والاستثناء راجع على المتردية، والنطيحة ~~وأكيلة السبع، وليس إخراجه المنخنقة [منه بجيد]. # ومنهم من قال: هو مستثنى مما أكل السبع خاصة. # والقول الثاني: أنه منقطع، أي: ولكن ما ذكيتم من غيرها ~~فحلال، أو فكلوه، كأن هذا القائل رأى أنها وصلت بهذه ~~الأسباب إلى الموت، أو إلى حالة قريبة فلم تفد تزكيتها ~~عنده شيئا. # والتذكية: الذبح، وذكت النار: ارتفعت، وأصل الذكاة ~~تمام الشيء ومنه الذكاء في الفهم، وهو تمامه [والذكاء] في السن، ~~وهو النهاية في الشباب، ذكى الرجل أي: أسن، قال: [الوافر] # 1925- على أعراقه تجري المذاكي # وليس على تقلبه وجهده # وقيل: الاستثناء من التحريم لا من المحرمات، يعني، حرم ~~عليكم ما مضى إلا ما ذكيتم فإنه لكم حلال، فيكون ~~الاستثناء منقطعا - أيضا -. # وإذا قيل: أصل التذكية الإتمام، فالمراد ههنا إتمام فري ~~الأوداج وإنهار الدم. # قال - عليه الصلاة والسلام -: # " ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه فكل ليس ~~السن ms2934 والظفر ". # قال القرطبي: جمهور العلماء على أن كل ما أفرى الأوداج ~~فأنهر الدم فهو من آلات الذكاة ما خلى السن والظفر ~~والعظم، وعلى هذا تواترت الأخبار. # وقال به فقهاء الأمصار، والسن والظفر المنهي عنهما في التذكية ~~هما غير المنزوعين؛ لأن ذلك يصير خنقا، ولذلك قال ابن ~~عباس: ذلك الخنق. # فأما المنزوعان إذا فريا الأوداج فالذكاة جائزة بهما ~~عندهم. # وكره قوم السن والظفر والعظم على كل حال منزوعان كانا أو ~~غير منزوعين، منهم إبراهيم والحسن والليث بن سعد، وهو ~~مروي عن الشافعي. # وأقل الذكاة في الحيوان المقدور عليه قطع الحلقوم والمري، ~~وكماله أن يقطع الودجين معهما، ويجوز بكل محدد يجرح من حديد أو ~~قصب أو زجاج أو حجر أو غيره إلا السن والظفر للحديث المتقدم. # وإنما يحل ما ذكيته بعدما جرحه السبع فأكل منه شيئا إذا ~~أدركته والحياة فيه مستقرة فذبحته، فأما ما يجرح السبع ~~فيخرجه إلى حالة المذبوح فهو في حكم الميتة فلا يكون حلالا، ~~والمتردية والنطيحة إذا أدركتهما حية، قبل أن تصيد إلى حالة ~~المذبوح فذبحتها تكون حلالا، ولو رمي صيد في الهواء فأصابه ~~فسقط على الأرض [ومات كان حلالا؛ لأن الوقوع على الأرض ~~ضرورته، فإن سقط على شجر أو جبل فتردى منه] فمات فلا يحل؛ ~~لأنه من المتردية، إلا أن يكون السهم ذبحه في الهواء فيحل ~~كيفما وقع؛ لأن الذبح قد حصل قبل التردية. # فصل # واختلفوا [فيمن رفع] [يده] قبل تمام الذكاة ثم رجع [على ~~الفور] وأكمل الذكاة فقيل: يجزئه، وقيل: لا يجزئه. # فالأول أصح؛ لأنه جرحه ثم ذكاه بعد وحياته مستجمعة ~~فيه. # قوله: { وما ذبح على النصب } رفع - أيضا - عطفا على " ~~الميتة ". # واختلفوا في النصب، فقيل: هي حجارة، كانوا يذبحون عليها، ف ~~" على " هنا واضحة. # وقيل: هي الأصنام؛ لأنها تنصب لتعبد، فعلى هذا في " على " ~~وجهان: # أحدهما: أنها بمعنى اللام، أي: وما ذبح لأجل الأصنام، كذا ذكره ~~أبو البقاء وفيه نظر، وهو كونه قدر المتعلق شيئا خاصا. # والجمهور على " النصب " بضمتين، فقيل: هو جمع " نصاب ". # وقيل: هو ms2935 مفرد ويدل له قول الأعشى: [الطويل] # 1926- وذا النصب المنصوب لا تقربنه # ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا # وفيه احتمال. # وقرأ طلحة بن مصرف بضم النون وإسكان الصاد، وهو تخفيف ~~القراءة الأولى. # وقرأ عيسى بن عمر: " النصب " بفتحتين. # قال أبو البقاء: وهو اسم بمعنى: المنصوب، كالقبض والنقص، ~~بمعنى: المقبوض والمنقوص. # والحسن النصب بفتح النون وسكون الصاد، وهو مصدر واقع موقع ~~المفعول به، ولا يجوز أن تكون تخفيفا كقراءة عيسى بن عمر؛ لأن ~~الفتحة لا تخفف. # فصل # " النصب " يحتمل أن يكون جمعا وأن يكون واحدا، فإن كان ~~جمعا ففي واحده وجوه: # أحدها: أن واحده نصاب ونصب، كحمار وحمر. # وثانيها: أن واحده نصب فقولك: نصب ونصب كسقف وسقف، ~~وهو قول لابن الأنباري. # وثالثها: أن واحده النصبة. قال الليث: [النصب] جمع ~~النصبة، وهي علامة تنصب للقوم، وإن قلنا: النصب واحد، ~~فجمعه أنصاب، مثل عنق وأعناق. # قال الأزهري: وقد جعل الأعشى النصب واحدا، وذكر البيت ~~المتقدم لكن رواه على وجه آخر، قال: [الطويل] # 1927- ولا النصب المنصوب لا تعبدنه # لعافية والله ربك فاعبدا # فصل # قال بعضهم: النصب الأوثان، واستبعده قوم؛ لأن هذا ~~معطوف على قوله: { ومآ أهل لغير الله به } وذلك هو ~~الذبح على اسم الأوثان، والمعطوف يجب أن يكون مغايرا ~~للمعطوف عليه. # وقال ابن زيد: { وما ذبح على النصب } ، { ومآ أهل ~~لغير الله به } هما واحد. # وقال مجاهد وقتادة وابن جريح: كانت حول البيت ثلاثمائة ~~وستون [حجرا منصوبة] كان أهل الجاهلية يعبدونها ~~ويعظمونها ويذبحون لها وليست هي بأصنام، إنما الأصنام هي ~~المصورة المنقوشة، وكانوا يلطخونها بتلك الدماء، ويضعون ~~اللحوم عليها. فقال المسلمون يا رسول الله: كان أهل [الجاهلية] يعظمون ~~البيت بالدم، فنحن أحق أن نعظمه، وكأن النبي عليه الصلاة ~~والسلام لم يكره ذلك، فأنزل الله تعالى: # لن ينال الله لحومها ولا دمآؤها # [الحج: 37]. # وقوله: { وما ذبح على النصب }. # [فيه وجهان: # أحدهما: وما ذبح على الاعتقاد وتعظيم النصب]. # والثاني: وما ذبح للنصب، و " اللام " و " على " ~~يتعاقبان. قال تعالى: # فسلام لك من أصحاب اليمين # [الواقعة: 91] [أي: فسلام ms2936 عليك]، وقال: # وإن أسأتم فلها # [الإسراء: 7] أي فعليها. # قوله سبحانه: { وأن تستقسموا بالأزلام } " أن " وما ~~في حيزها في محل رفع عطفا على " الميتة ". # والأزلام: القداح، واحدها: زلم، وزلم بفتح الزاي ~~وضمها ذكره الأخفش. # وإنما سميت القداح بالأزلام؛ لأنها زلمت أي: سويت، ~~ويقال: رجل مزلم، وأمرأة مزلمة إذا كان خفيفا قليل ~~العلائق، ويقال: قدح مزلم وزلم إذا حرر وأجيد قده ~~وصفته، وما أحسن ما زلم سهمه، أي: سواه، ويقال لقوائم ~~البقر: أزلام شبهت بالقداح للطافتها. # وفي الاستقسام بالأزلام قولان: # الأول: كان أحدهم إذا أراد سفرا أو غزوا أو تجارة [أو ~~نكاحا] أو أمرا آخر ضرب بالقداح، وكانوا قد كتبوا على بعضها ~~أمرني ربي، وعلى بعضها نهاني ربي، وتركوا بعضها خاليا ~~عن الكتابة، فإن خرج الأمر أقدم على العمل، وإن خرج ~~النهي أمسك وأعاد، وإن خرج الغفل أعاد العمل مرة أخرى. # وذكر البغوي أن أزلامهم كانت سبعة أقداح مستوية من ~~شوحط يكون عند [سادن] الكعبة، مكتوب على واحد منها: نعم، وعلى واحد: ~~لا، وعلى واحد منها: منكم، وعلى واحد من غيركم، وعلى واحد: ~~ملصق، وعلى واحد: العقل، وواحد غفل ليس عليه شيء، وكانوا إذا ~~أرادوا أمرا أو تداوروا في نسب أو اختلفوا في تحمل عقل ~~جاءوا إلى هبل، وهو أعظم أصنام قريش، وجاءوا بمائة درهم ~~وجزور فأعطوها صاحب القداح حتى يجيل القوم ويقولون: يا ~~إلهنا إنا أردنا كذا وكذا، فإن خرج نعم فعلوا، وإن خرج: لا، ~~لم يفعلوا ذلك، ثم عادوا إلى القداح ثانية، وإذا أجالوا على ~~نسب، فإن خرج منكم [كان وسيطا منهم، وإن خرج من غيركم كان حليفا، ~~وإن خرج ملصق كان على منزلته لا] نسب له ولا حلف، وإذا اختلفوا في ~~عقل فمن خرج عليه قدح العقل حمله، وإن خرج الغفل ~~أجالوا ثانيا حتى يخرج المكتوب فنهى الله تعالى عن ذلك وحرمه. # قال القرطبي: وإنما قيل لهذا الفعل استقسام؛ لأنهم كانوا ~~يستقسمون به [الرزق] فيما يريدون، كما يقال: الاستقسام في ~~الاستدعاء للسقي، ونظير هذا الذي حرمه [الله] قول المنجم: ms2937 لا ~~يخرج من أجل نجم كذا، وأخرج من أجل نجم كذا. # وقال المؤرج وكثير من أهل اللغة: الاستقسام هاهنا هو ~~الميسر والقمار، ووجه ذكرها مع هذه المطاعم أنها كانت تقع ~~عند البيت معها. # وقال سعيد بن جبير: الأزلام حصى بيض يضربون بها، وقال ~~مجاهد هي كعاب فارس والروم التي يتقامرون بها. # وقال الشعبي: الأزلام للعرب والكعاب للعجم. # وقال سفيان بن وكيع: هي الشطرنج، قال عليه الصلاة والسلام: # " من تكهن أو استقسم أو تطير طيرة ترده عن سفره ~~لن يلج الدرجات العلى من الجنة ". # قوله: " ذلكم فسق " مبتدأ وخبر، واسم الإشارة راجع إلى ~~الاستقسام بالأزلام خاصة، وهو مروي عن ابن عباس؛ لأن ~~معناه: حرم عليكم تناول الميتة [وكذا]، فرجع اسم الإشارة إلى ~~هذا المقدر، فإن قيل: لم صار الاستقسام بالأزلام فسقا ~~والنبي صلى الله عليه وسلم كان يحب الفأل [الحسن]؟ # فالجواب: قال الواحدي: إنما حرم ذلك؛ لأنه طلب لمعرفة ~~الغيب، وذلك حرام لقوله تعالى: # وما تدري نفس ماذا تكسب غدا # [لقمان: 34] وقوله تعالى: # لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا ~~الله # [النمل: 65]، والحديث المتقدم. # قوله تعالى: { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم } " ~~اليوم " ظرف منصوب ب " يئس " ، والألف واللام فيه ~~للعهد. # قيل: أراد به يوم " عرفة " وهو يوم " الجمعة " عام حجة ~~الوداع نزلت هذه الآية فيه بعد العصر. # [وقيل: هو يوم] دخوله صلى الله عليه وسلم " مكة " سنة تسع. # وقيل: [سنة] ثمان. # وقال الزجاج - وتبعه الزمخشري -: إنها ليست ~~للعهد، ولم يرد ب " اليوم " [يوما] معينا، وإنما أراد به ~~الزمان الحاضر وما يدانيه من الأزمنة الماضية والآتية ~~كقولك: كنت بالأمس شابا، وأنت اليوم أشيب، لا تريد بالأمس ~~الذي قبل يومك، و[لا] باليوم الزمن الحاضر فقط، ونحوه " ~~الآن " في قول الشاعر: [الكامل] # 1928- الآن لما ابيض مسربتي # وعضضت من نابي على جذم # ومثله أيضا قوله زهير: [الطويل] # 1929- وأعلم ما في اليوم والأمس قبله # ولكنني عن علم ما في غد عم # لم يرد بهذه حقائقها. # والجمهور على " يئس " بالهمزة، وقرأ يزيد بن القعقاع " ييس ms2938 ~~" بياءين من غير همزة. # ورويت - أيضا - عن أبي عمرو، ويقال: يئس ييئس ~~ويئيس بفتح عين المضارع وكسرها، فهو شاذ. # ويقال: أيس [أيضا] مقلوب من " يئس " فوزنه " عفل " ويدل على ~~القلب كونه لم يعل، إذ لو لم يقدر ذلك للزم إلغاء ~~المقتضى، وهو تحرك حرف العلة، وانفتاح ما قبله، لكنه لما ~~كان في معنى ما لم يعل صح. # واليأس: انقطاع الرجاء، وهو ضد الطمع. # " من دينكم " متعلق ب " يئس " ، ومعناها ابتداء الغاية، ~~وهو على حذف مضاف، أي: من إبطال أمر دينكم. # فصل # لما حرم وحلل فيما تقدم، وختم الكلام بقوله: " ذلكم ~~فسق " ثم حرضهم على التمسك بما شرع لهم، فقال: { ~~اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم ~~واخشون } أي: فلا تخافوا المشركين في خلافكم لهم في الشرائع ~~والأديان، فإني أنعمت عليكم بالدولة القاهرة، وصاروا ~~مقهورين لكم ذليلين عندكم، وحصل لهم اليأس من أن يصيروا ~~قاهرين لكم مستولين عليكم، وإذا صار الأمر كذلك فيجب عليكم أن ~~لا تلتفتوا إليهم وأن تقبلوا على طاعة الله تعالى، ~~والعمل بشرائعه. # وفي قوله: { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم } ~~قولان: # الأول: يئسوا من أن يحللوا الخبائث بعد أن جعلها الله ~~محرمة. # والثاني: يئسوا من أن يغلبوكم على دينكم؛ لأن الله تعالى قد ~~وعد بإعلاء هذا الدين على كل الأديان بقوله: # ليظهره على الدين كله # [التوبة: 33] فحقق ذلك النصر، وأزال الخوف. # واستدلوا بهذه الآية على أن التقية جائزة عند الخوف؛ ~~لأن الله تعالى أمرهم بإظهار الشرائع عند زوال الخوف من ~~الكفار، فدل على جواز تركها عند الخوف. # قوله سبحانه وتعالى: { اليوم أكملت لكم دينكم ~~وأتممت عليكم نعمتي } في قوله: " اليوم " [كالكلام في ~~" اليوم " ] قبله. # نزلت هذه الآية يوم الجمعة يوم عرفة بعد العصر في ~~حجة الوداع، والنبي صلى الله عليه وسلم [وشرف وكرم ومجد وعظم] ~~واقف بعرفات على ناقته العضباء فكاد عضد الناقة ~~ينقد من ثقلها، فبركت. # عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلا من اليهود قال له: يا ~~أمير المؤمنين آية في كتابكم ms2939 تقرؤونها، لو علينا معشر يهود ~~نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، قال: أي آية؟ قال: { ~~اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } قال عمر: قد ~~عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي أنزلت فيه على النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهو قائم بعرفة يوم جمعة. # أشار عمر إلى أن ذلك اليوم كان لنا عيدا. # قال ابن عباس: كان ذلك اليوم خمسة أعياد، جمعة وعرفة وعيد ~~اليهود والنصارى والمجوس، ولم يجتمع أعياد أهل الملل ~~في يوم قبله ولا بعده. # وروى هارون بن عنترة عن أبيه قال: # " لما نزلت هذه الآية بكى عمر فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " ~~ما يبكيك يا عمر؟ " فقال: أبكاني أنا كنا في زيادة من ~~ديننا، [فأما إذ] كمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص، قال: " ~~صدقت " " # ، فكانت هذه الآية نعي النبي صلى الله عليه وسلم. # وعاش بعدها إحدى وثمانين يوما، ومات يوم الاثنين بعدما ~~زاغت الشمس لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول سنة إحدى ~~عشر من الهجرة، وقيل: يوم الاثنين يوم الثاني عشر من ربيع ~~الأول، وكانت هجرته في الثاني عشر منه. # فقوله: { اليوم أكملت لكم دينكم } يعني يوم نزول ~~هذه الآية أكملت لكم دينكم الفرائض والسنن، والحدود ~~والجهاد، والحلال والحرام، فلم ينزل بعد هذه الآية حلال ولا حرام ~~ولا شيء من الفرائض، وهذا [معنى] قول ابن عباس. # وروي عنه أن آية الربا نزلت بعدها، وقال سعيد بن جبير ~~وقتادة: { اليوم أكملت لكم دينكم } فلم يحج معكم ~~مشرك، وقيل: أظهرت دينكم وأمنتكم من العدو، وقوله تعالى: { ~~اليوم أكملت لكم دينكم } يقتضي أن الدين كان ~~ناقصا قبل ذلك، وذلك يوجب أن الدين الذي كان عليه محمد صلى ~~الله عليه وسلم مواظبا عليه أكثر عمره كان ناقصا، وإنما وجد ~~الدين الكامل في آخر عمره مدة قليلة. # وأجابوا عنه بوجوه: # أحدها: أن المراد ما تقدم من إزالة الخوف عنهم، كما يقول الملك ~~إذا استولى على عدوه وقهره قهرا كليا: كمل ملكنا، ~~وهذا ضعيف؛ لأن ملك ذلك الملك ms2940 كان قبل قهر العدو ناقصا ~~فينبغي على هذا أن يقال: إن دين محمد صلى الله عليه وسلم كان ناقصا ~~قبل ذلك اليوم. # ثانيها: [أن] المراد أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكاليفكم من ~~تعاليم الحلال والحرام، وهذا - أيضا - ضعيف؛ لأنه لو لم يبين قبل ~~هذا اليوم ما كانوا محتاجين إليه من الشرائع، كان ذلك تأخيرا للبيان ~~عن وقت الحاجة، وأنه لا يجوز. # وثالثها: وهو المختار ما ذكره القفال وهو أن الدين ما كان ناقصا ~~ألبتة، بل كان كاملا أبدا، وكانت الشرائع النازلة من عند ~~الله تعالى في كل وقت كافية في ذلك إلا أنه تعالى كان عالما في أول ~~وقت المبعث في أن هذا اليوم ليس بكامل في الغد، ولا مصلحة فيه، ~~فلا جرم كان ينسخ بعد الثبوت، وكان ينزل بعد العدم، وأما في آخر ~~زمان المبعث فأنزل الله شريعة كاملة، وحكم ببقائها إلى يوم ~~الدين. # فالشرع أبدا [كان] كاملا، إلا أن الأول كمال إلى زمان ~~مخصوص والثاني: كمال إلى يوم القيامة، فلهذا قال: { اليوم ~~أكملت لكم دينكم }. # وأجاب القرطبي: يقال: لم قلت إن كل نقص فهو عيب، أرأيت ~~نقصان الشهر عيبا؟ ونقصان صلاة المسافر أهو عيب ~~ونقصان العمر الذي أراده الله بقوله: # وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره # [فاطر: 11] أهو عيب؟ وكذلك نقصان أيام الحيض عن المعهود؟ ونقصان ~~أيام الحمل؟ ونقصان المال بسرقة أو حريق أو غرق إذا لم يفتقر ~~صاحبه؟ فنقصان الدين في الشرع قبل أن يلحق الله الأجزاء الباقية في ~~علم الله تعالى ليس بعيب، فمعنى قوله: { اليوم أكملت ~~لكم دينكم } يخرج على وجهين: # أحدهما: أن المراد بلغته أقصى الحد الذي كان له عندي فيما قضيته ~~وقدرته، وذلك لا يوجب أن يكون ما قبل ذلك ناقصا عما كان ~~عند الله تعالى لكنه يوصف بنقصان مقيد، فيقال: أكمل الله ناقصا ~~عما كان عند الله تعالى أنه ملحقه به وضامه إليه كالرجل يبلغه الله ~~تعالى مائة سنة، فيقال: أكمل الله عمره [فلا يلزم من ذلك أن ~~يكون ms2941 عمره] ناقصا حين كان ابن ستين سنة نقص قصور وخلل، فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " من عمره الله ستين سنة فقد أعذر إليه في العمر " # وقد بلغ الله بالظهر والعصر والعشاء أربع ركعات، فلو قيل: أكملها كان ~~الكلام صحيحا، ولا يلزم من ذلك أنها حين كانت ركعتين كانت ~~ناقصة نقص قصور وخلل، ولو قيل: كانت ناقصة عما عند الله أنه ~~ضامه إليها وزائده عليها لكان ذلك صحيحا، فهكذا هذا في شرائع الإسلام ~~وما كان شرع منها شيئا فشيئا إلى أن أنهى الله الدين منتهاه ~~الذي كان له عنده. # الثاني: أن المراد بقوله: { اليوم أكملت لكم دينكم } ~~أنه وفقهم إلى الحج الذي لم يكن بقي عليهم من أركان دينهم ~~غيره، فحجوا فاستجمع لهم الدين أداء لأركانه، ولقوله - عليه ~~الصلاة والسلام -: # " بني الإسلام على خمس " # الحديث، وقد كانوا تشهدوا وصلوا وزكوا وصاموا وجاهدوا ~~واعتمروا ولم يكونوا حجوا، فلما حجوا ذلك اليوم أنزل الله تعالى ~~وهم بالموقف هذه الآية. # فصل رد شبه الاستدلال بهذه الآية على بطلان القياس # استدلوا بهذه الآية على بطلان القياس، لأن الآية دلت على أنه ~~تعالى قد نص على الحكم في جميع الوقائع، [إذ لو بقي ~~بعضها غير مبين الحكم لم يكن الدين كاملا، وإذا حصل النص ~~في جميع الوقائع] فالقياس إن كان [على] وفق النص كان عبثا، ~~وإن كان خلافه كان باطلا. # وأجيب بأن المراد بإكمال الدين أنه تعالى بين حكم جميع ~~الوقائع بعضها بالنص، وبعضها بين طريق الحكم فيها بالقياس ~~فإنه تعالى لما جعل الوقائع قسمين: # أحدهما: التي نص على أحكامهما. # والثاني: أنواع يمكن استنباط الحكم فيها بواسطة قياسها على القسم ~~الأول، ثم إنه تعالى أمر بالقياس، وتعبد المكلفين به فكان ذلك ~~في الحقيقة بيانا لكل الأحكام. # قال نفاة القياس: الطريق المقتضية لإلحاق غير المنصوص ~~بالمنصوص، إما أن تكون قطعية أو غير قطعية. # فإن كانت قطعية فلا نزاع في صحته، فإنا نسلم أن القياس المبني ~~على المقدمات اليقينية حجة، وهذا القياس يكون المصيب فيه ~~واحدا، ms2942 ومخالفه يستحق العقاب وينقص به قضاء القاضي، وأنتم ~~لا تقولون بذلك، وإن كانت طريقة ظنية كان كل واحد يمكنه أن ~~يحكم بما غلب على ظنه من غير أن يعلم [هل] هو دين ~~الله أم لا؟ وهل هو الحكم الذي حكم [به الله] أم لا؟ ومثل هذا لا ~~يكون إكمالا للدين، بل يكون ذلك إلقاء للخلق في ورطة الظنون، ~~وأجيب بأنه إذا كان كل مجتهد مكلفا بالعمل بمقتضى ظنه ~~[كان] ذلك إكمالا ويكون كل مكلف قاطعا بأنه عامل بحكم الله ~~تعالى. # قوله سبحانه: { وأتممت عليكم نعمتي } " عليكم " متعلق ~~ب " أتممت " ، فلا يجوز [تعلقه] ب " نعمتي " ، وإن كان فعلها ~~يتعدى ب " على " نحو: # أنعم الله عليه وأنعمت عليه # [الأحزاب: 37]؛ لأن المصدر لا يتقدم عليه معموله، إلا أن ينوب ~~منابه. # قال أبو البقاء: فإن جعلته على التبيين أي: " أتممت " ~~أعني " عليكم " جاز ولا حاجة إلى ما ادعاه. # ومعنى { أتممت عليكم نعمتي } أي: أنجزت وعدي في قوله: { ولأتم ~~نعمتي عليكم } ، وكان من تمام نعمته أن دخلوا مكة ~~آمنين، وعليها ظاهرين، وحجوا آمنين مطمئنين لم ~~يخالطهم أحد من المشركين. # قال ابن الخطيب: وهذا المعنى قد عرف بقوله: { اليوم يئس ~~الذين كفروا من دينكم } فحمله على هذا تكرير، ~~وإنما معنى قوله: { وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم ~~الإسلام دينا } أي: بسبب ذلك الإكمال؛ لأنه لا نعمة أتم من ~~نعمة الإسلام. # قوله سبحانه: { ورضيت لكم الإسلام دينا } في " رضي " ~~وجهان: # أحدهما: أنه متعد لواحد، وهو " الإسلام " ، و " دينا " على هذا ~~حال. # وقيل: هو مضمن معنى صير وجعل، فيتعدى لاثنين؛ أولهما: " ~~الإسلام " والثاني: " دينا ". # " لكم " يجوز فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق ب " رضي ". # والثاني: أنه متعلق بمحذوف؛ لأنه حال من الإسلام، ولكنه قدم ~~عليه. # ومعنى الكلام أن هذا هو الدين المرضي عند الله، ويؤكده قوله ~~تعالى: # ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه # [آل عمران: 85]. # وقوله تعالى: { فمن اضطر في مخمصة غير متجانف ~~لإثم } قد تقدم الكلام عليها في البقرة [آية: 173]. # و " في مخمصة " متعلق ب " اضطر " ، [ومعنى: ms2943 " اضطر " ] ~~أصيب بالضر الذي لا يمكنه الامتناع معه من الميتة. # و " المخمصة ": المجاعة؛ لأنها تخمص [لها] البطون: أي: ~~تضمر. # قال أهل اللغة: الخمص والمخمصة: خلاء البطن من الطعام، ~~وأصله من الخمص الذي هو ضمور البطن. يقال: رجل خميص ~~وخمصان، وامرأة خميصة وخمصانة، والجمع خمائص ~~وخمصانات، وهي صفة محمودة في النساء. # ويقال: رجل خمصان وامرأة خمصانة، ومنه أخمص القدم ~~لدقتها، ويستعمل في الجوع والغرث. # قال: [الطويل] # 1930- تبيتون في المشتى ملاء بطونكم # وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا # وقال آخر: [الوافر] # 1931- كلوا في بعض بطنكم تعفوا # فإن زمانكم زمن خميص # وصف الزمان بذلك مبالغة كقولهم: نهاره صائم، وليله ~~قائم. و " غير " نصب على الحال. # قال بعضهم: ينتصب بمحذوف مقدر على معنى: فيتناول غير ~~متجانف، ويجوز أن ينتصب بقوله: " اضطر " ويكون المقدر ~~متأخرا. # والجمهور على " متجانف " بألف وتخفيف النون من " تجانف ". # وقرأ أبو عبد الرحمن والنخعي " متجنف " بتشديد النون ~~دون ألف. # قال أبو محمد بن عطية: وهي أبلغ من " متجانف " في المعنى؛ لأن ~~شدة العين تدل على مبالغة وتوغل في المعنى. # و " لإثم " متعلق ب " متجانف " ، واللام على بابها. # وقيل: هي بمعنى " إلى " أي غير مائل إلى إثم ولا حاجة إليه. # وقد تقدم معنى هذا واشتقاقها عند قوله: { فمن خاف من موص جنفا ~~}. # قال القرطبي: هو معنى قوله: # غير باغ ولا عاد # [البقرة: 173]، ومعنى " الإثم " هاهنا أن تأكل فوق الشبع تلذذا ~~في قول أهل " العراق ". # وفي قول أهل " الحجاز ": أن تكون عاصيا. # قال قتادة: غير متعرض لمعصية في مقصده. # وقوله: { فإن الله غفور } جملة، إما في محل جزم، أو ~~رفع على حسب ما قيل في " من " ، وكذلك القول في الفاء إما واجبة ~~أو جائزة، والعائد على كلا التقديرين محذوف، أي: " فإن الله ~~غفور " له، [يعني]: يغفر له أكل المحرم عند الاضطرار " ~~رحيم " بعباده، حيث أحل لهم ذلك المحرم عند احتياجهم إلى ~~أكله، وهذا من تمام ما تقدم ذكره في المطاعم التي حرمها الله ~~تعالى، يعني: إنها وإن كانت محرمة إلا أنها تحل في حال الاضطرار، ms2944 ~~ومن قوله: " فسق " إلى هاهنا - اعتراض وقع في النسق، والغرض ~~منه تأكيد ما ذكر من معنى التحريم، فإن تحريم هذه الخبائث من ~~جملة الدين الكامل والنعمة الثابتة والإسلام الذي هو الدين ~~المرضي عند الله تعالى. ### || [5.4] # قوله تعالى: { يسألونك ماذآ أحل لهم } الآية. # وهذا أيضا متصل بما قبله من ذكر المطعومات، وقد تقدم ~~الكلام على " ماذا " [وما قيل فيها فليلتفت إليه]. # وقوله: " لهم " بلفظ الغيبة لتقدم ضمير الغيبة في قوله ~~تعالى: " يسألونك ". # ولو قيل في الكلام: ماذا أحل لنا؟ لكان جائزا على حكاية الجملة، ~~كقولك: أقسم زيد ليضربن ولأضربن، بلفظ الغيبة والتكلم، ~~إلا أن ضمير المتكلم يقتضي حكاية ما قالوا: كما أن " لأضربن " ~~يقتضي حكاية الجملة المقسم عليها، و " ماذا أحل؟ " هذا الاستفهام ~~معلق للسؤال، وإن لم يكن السؤال من أفعال القلوب إلا أنه كان ~~سبب العلم، والعلم يعلق، فكذلك سببه، وقد تقدم تحريره في " البقرة ". # وقال الزمخشري هنا: في السؤال معنى القول، فلذلك وقع بعده ماذا أحل لهم، ~~كأنه قيل: يقولون: ماذا أحل لهم، ولا حاجة إلى تضمين السؤال معنى القول؛ ~~لما تقدم من أن السؤال يعلق بالاستفهام كمسببه. # وقال ابن الخطيب: لو كان حكاية لكلامهم لكانوا قد قالوا: ماذا أحل ~~لهم، ومعلوم أن ذلك باطل لا يقولونه، وإنما يقولون ماذا أحل لنا، بل ~~الصحيح أنه ليس حكاية لكلامهم، بل هو بيان كيفية الواقعة. # قال القرطبي: " ما " في موضع رفع بالابتداء، والخبر " أحل ~~لهم " ، و " ذا " زائدة وإن شئت كانت بمعنى " الذي " ، ويكون ~~الخبر { قل أحل لكم الطيبات }. # فصل في سبب نزولها # قال سعيد بن جبير: نزلت هذه الآية في عدي بن حاتم، وزيد ~~بن المهلهل [الطائيين وهو] زيد الخيل الذي سماه النبي صلى ~~الله عليه وسلم زيد الخير، فقال: " يا رسول الله، إنا قوم نصيد ~~بالكلاب، والبزاة، فماذا يحل لنا منها؟ ". فنزلت هذه الآية. # وقيل: سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بقتل ~~الكلاب، قالوا: يا رسول الله، ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي ms2945 ~~أمرت بقتلها؟ فنزلت هذه الآية، فلما نزلت أذن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في اقتناء الكلاب التي ينتفع بها، ونهى عن إمساك ما ~~لا ينتفع بها. # قوله تعالى: { قل أحل لكم الطيبات } يعني: الذبائح ~~على اسم الله عز وجل. # وقيل: كل ما تستطيبه العرب وتستلذه من غير أن يراد بتحريمه نص من ~~كتاب أو سنة، وكانت العرب في الجاهلية يحرمون أشياء [من الطيبات] ~~كالبحيرة والسائبة والوصيلة، والحام، فهم كانوا يستطيبونها ~~إلا أنهم كانوا يحرمون أكلها لشبهات ضعيفة، فذكر تعالى أن ~~كل ما يستطاب فهو حلال، وأكده بقوله تعالى: # قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق # [الأعراف: 32] وبقوله: # ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبآئث # [الأعراف: 157]، والطيب في لغة العرب هو المستلذ والحلال ~~المأذون، يصير - أيضا - طيبا تشبيها بما هو مستلذ؛ لأنهما ~~اجتمعا في انتفاء الضرورة، ولا يمكن أن يكون المراد بالطيبات هنا ~~المحللات وإلا لصار تقدير الآية: قل [أحل] لكم المحللات، وهذا ركيك، ~~فوجب حمل الطيبات على المستلذ المشتهى. # واعلم أن العبرة في الاستلذاذ والاستطابة بأهل المروءة والأخلاق ~~الجميلة؛ فإن أهل البادية يستطيبون أكل جميع الحيوانات، واعلم أن ~~قوله تعالى: # خلق لكم ما في الأرض جميعا # [البقرة: 29] يقتضي التمكن من الانتفاع بكل ما في الأرض، إلا أنه ~~ورد تخصيصه بقوله: # ويحرم عليهم الخبآئث # [الأعراف: 157]، ونص في هذه الآية على إباحة المستلذات والطيبات، ~~وهذا أصل كبير في معرفة ما يحل وما يحرم من الاطعمة. # قوله سبحانه: { وما علمتم من الجوارح مكلبين } في ~~" ما " هذه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها موصولة بمعنى " الذي " ، والعائد محذوف، أي [ما] علمتموه، ~~ومحلها الرفع عطفا على مرفوع ما لم يسم فاعله أي: وأحل لكم صيد ~~أو أخذ ما علمتم، فلا بد من حذف هذا المضاف. # والثاني: أنها شرطية فمحلها رفع بالابتداء، والجواب قوله: " ~~فكلوا ". # قال أبو حيان: وهذا أظهر؛ لأنه لا إضمار فيه. # والثالث: أنها موصولة - أيضا - ومحلها الرفع بالابتداء، والخبر ~~قوله: " فكلوا " وإنما دخلت الفاء تشبها للموصول باسم ~~الشرط، وقوله: من الجوارح ms2946 في محل نصب، وفي صاحبها وجهان: # أحدهما: أنه الموصول وهو " ما ". # والثاني: أنه الهاء العائدة على الموصول، وهو في المعنى كالأول. # والجوارح: جمع جارحة، والهاء للمبالغة سميت بذلك؛ لأنها تجرح الصيد ~~غالبا، أو لأنها تكسب والجرح الكسب. # ومنه: # ويعلم ما جرحتم بالنهار # [الأنعام: 60] والجارحة صفة جارية مجرى الأسماء؛ لأنها لم تذكر ~~موصوفها غالبا. # وقرأ عبد الله بن عباس، وابن الحنفية " علمتم " مبنيا للمفعول، ~~وتخريجها: أن يكون ثم مضاف محذوف، أي: وما علمكم الله من أمر ~~الجوارح [ " مكلبين ": حال من فاعل " علمتم " ومعنى مكلبين: مؤدبين ~~ومضرين ومعودين، أي: حال تكليبكم] هذه الجوارح، أي: إغرائكم إياها على ~~الصيد. # قال أبو حيان: وفائدة هذه الحال، وإن كانت مؤكدة لقوله: " علمتم " ~~- فكان يستغنى عنها - أن يكون المعلم ماهرا بالتعليم، حاذقا فيه ~~موصوفا به اه. # وفي جعله هذه الحال مؤكدة نظر، بل هي مؤسسة. # واشتقت هذه الحال من لفظ " الكلب " هذا الحيوان المعروف، وإن ~~كانت الجوارح يندرج فيها غيره حتى سباع الطيور تغليبا له؛ لأن ~~الصيد أكثر ما يكون به عند العرب. # أو اشتقت من " الكلب " ، وهو الضراوة، ويقال: هو كلب بكذا أي: ~~حريص، وبه كلب أي حرص، وكأنه - أيضا - مشتق من الكلب هذا ~~الحيوان لحرصه أو اشتقت من الكلب، والكلب: يطلق على السبع - ~~أيضا -. # ومنه الحديث: # " اللهم سلط عليه كلبا من كلابك " # فأكله الأسد. # قال أبو حيان: وهذا الاشتقاق لا يصح؛ لأن كون الأسد كلبا ~~هو وصف فيه، والتكليب من صفة المعلم، والجوارح هي سباع بنفسها، وكلاب ~~بنفسها لا بجعل المعلم، ولا طائل تحت هذا الرد. # وقرئ " مكلبين " بتخفيف اللام، وفعل وأفعل قد يشتركان في معنى ~~واحد، إلا أن " كلب " بالتشديد معناه: علمها وضراها، ~~وأكلب معناه صار ذا كلاب. # على أن الزجاج قال: يقال: رجل مكلب يعني بالتشديد، ومكلب يعني ~~[من] أكلب وكلاب يعني بتضعيف اللام أي: صاحب كلاب. # وجاءت جملة الجواب هنا فعلية، وجملة السؤال هنا اسمية، وهي ماذا أحل؟ ~~فهي جواب لها من حيث المعنى، لا من حيث اللفظ؛ إذ لم يتطابقا ms2947 في الجنس. # والكلاب والمكلب هو الذي يعلم الكلاب الصيد. # فمكلب صاحب الكلاب كمعلم: صاحب التعليم، ومؤدب: صاحب ~~التأديب. # فصل # معنى الآية وأحل لكم صيد ما علمتم من الجوارح. واختلفوا في هذه ~~الجوارح، فقال الضحاك والسدي: [هي] الكلاب دون غيرها، ~~ولا يحل ما صاده غير الكلب إلا أن يدرك ذكاته، ولا عمل على هذا، بل ~~عامة أهل العلم على أن المراد من الجوارح الكواسب من سباع ~~البهائم كالفهد، والنمر، والكلب، ومن سباع الطير كالبازي ~~والعقاب والصقر ونحوها مما يقبل التعليم فيحل صيد جميعها. # قوله سبحانه وتعالى: " تعلمونهن " فيه أربعة أوجه: # أحدها: أنها جملة مستأنفة. # الثاني: أنها جملة في محل نصب على أنها حال ثانية من فاعل " ~~علمتم ". # ومنع أبو البقاء ذلك؛ لأنه لا يجيز للعامل أن يعمل في حالين، ~~وتقدم الكلام في ذلك. # الثالث: أنها حال من الضمير المستكن في " مكلبين " فتكون ~~حالا من حال، وتسمى المتداخلة وعلى كلا التقديرين المتقدمين فهي حال ~~مؤكدة؛ لأن معناها مفهوم من " علمتم " ، ومن " مكلبين ". # الرابع: أن تكون جملة اعتراضية، وهذا على جعل ما شرطية أو موصولة ~~خبرها " فكلوا " فيكون قد اعترض بين الشرط وجوابه، أو بين المبتدأ ~~وخبره. # فإن قيل: هل يجوز وجه خامس، وهو أن تكون هذه الجملة حالا من " ~~الجوارح " ، أو من الجوارح حال كونها تعلمونهن؛ لأن في ~~الجملة ضمير ذي الحلال؟ # فالجواب: أن ذلك لا يجوز لأنه يؤدي إلى الفصل بين هذه الحال ~~وبين صاحبها بأجنبي، وهو مكلبين الذي هو حال من فاعل " علمتم ". # وأنث [الضمير في " تعلمونهن " ] مراعاة للفظ الجوارح؛ إذ هو ~~جمع جارحة، ومعنى " تعلمونهن " تؤدبونهن أدب أخذ الصيد، { ~~مما علمكم الله } أي من العلم الذي " علمكم الله ". # قوله تعالى: { واذكروا اسم الله عليه } في هذه الهاء ~~ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها عائدة على المصدر المفهوم من الفعل وهو الأكل، كأنه ~~قيل: واذكروا اسم الله على الأكل، ويؤيده قوله عليه السلام: # " سم الله وكل مما يليك ". # والثاني: أنه يعود على " ما علمتم " ، أي: اذكروا اسم الله ~~على الجوارح عند إرسالها ms2948 على الصيد، وقوله عليه الصلاة والسلام: # " إذا أرسلت كلبك، وذكرت اسم الله عليه ". # والثالث: أنها تعود على " ما أمسكن " أي: اذكروا اسم الله على ~~ما أدركتم [ذكاته مما أمسكته] عليكم الجوارح، وحتى على هذا الإعراب وجوب ~~اشتراط التسمية في هذه المواضع. # ثم قال: { واتقوا الله إن الله سريع الحساب }. # أي: واحذروا مخالفة أمر الله في تحليل ما حلله وتحريم ما ~~حرمه. # فصل # قال القرطبي: دلت الآية على جواز اتخاذ الكلاب واقتنائها ~~للصيد، وثبت ذلك في صحيح السنة، وزادت الحرث والماشية، ~~وقد كان [في] أول الإسلام أمر بقتل الكلاب، وقال: # " من اقتنى كلبا إلا كلب ماشية، أو صيد نقص من ~~عمله كل يوم قيراطان ". # قال القرطبي: وهذا المنع إما لترويعه المسلمين وتشويشه عليهم ~~بنباحه. # أو لمنع دخول الملائكة البيت، أو لنجاسته على مذهب من يرى ذلك، وإما ~~لاقتحام النهي على اتخاذ ما لا منفعة فيه. # فصل # قال القرطبي: وفي الآية دليل على أن العالم له من الفضيلة ما ليس ~~للجاهل، لأن الكلب المعلم له فضيلة على سائر الكلاب، ~~فالإنسان إذا كان له علم أولى. ### || [5.5] # قوله تعالى: [ { اليوم] أحل لكم الطيبات } الآية. # الكلام فيه كالكلام فيما قبله، وزعم قوم أن المراد بالثلاثة أيام ~~المذكورة هنا وقت واحد، وإنما كرره توكيدا، ولاختلاف الأحداث الواقعة ~~فيه حسن تكريره، وليس بشيء. # وادعى بعضهم أن في الكلام تقديما وتأخيرا، وأن الأصل ف { ~~اذكروا اسم الله عليه } و { كلوا مما أمسكن عليكم } ~~وهذا يشبه [قول] من يعيد الضمير على الجوارح المرسلة. # قوله تعالى: { وطعام الذين أوتوا الكتاب } فيه وجهان: # أصحهما: أنه مبتدأ، وخبره " حل لكم " وأبرز الإخبار بذلك في ~~جملة اسمية اعتناء بالسؤال عنه. # وأجاز أبو البقاء أن يكون مرفوعا عطفا على مرفوع ما لم يسم فاعله ~~وهو " الطيبات " ، وجعل قوله: " حل لكم " خبر مبتدأ محذوف، وهذا ~~ينبغي ألا يجوز البتة لتقدير ما لا يحتاج إليه مع ذهاب بلاغة الكلام. # وقوله: { وطعامكم حل لهم } مبتدأ وخبر، وقياس قول أبي ~~البقاء أن يكون " طعام " عطفا على ما ms2949 قبله، " وحل " خبر مبتدأ ~~محذوف، ولم يذكره، كأنه استشعر الثواب. # فصل # ومعنى { أحل لكم الطيبات } يعني الذبائح على اسم الله ~~عز وجل، وفي المراد ب { طعام الذين أوتوا الكتاب } ثلاثة أقوال: # الأول: الذبائح، يريد ذبائح اليهود والنصارى ومن دخل في دينهم ~~من سائر الأمم قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم. # فأما من دخل في دينهم بعد المبعث فلا تحل ذبيحته، فلو ذبح ~~يهودي أو نصراني على اسم غير الله، كالنصراني يذبح على اسم المسيح، ~~فاختلفوا فيه: فقال ابن عمر: لا يحل، وهو قول ربيعة. وذهب أكثر ~~العلماء إلى أنه يحل، وهو قول الشعبي وعطاء والزهري ومكحول. # وسئل الشعبي وعطاء عن النصراني يذبح باسم المسيح قالا: يحل، فإن ~~الله تعالى قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون. # وقال الحسن: إذا ذبح اليهودي والنصراني فذكر اسم غير الله وأنت ~~تسمع فلا تأكله، وإذا غاب عنك فكل، فقد أحل الله ذلك. # وأما المجوس فقد سن فيهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم ~~دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم. # وعن علي - رضي الله عنه - أنه استثنى نصارى بني تغلب، وقالوا: ~~ليسوا على النصرانية، ولم يأخذوا منها إلا شرب الخمر، وبه أخذ ~~الشافعي - رضي الله عنه - وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل ~~عن ذبائح نصارى العرب، فقال: لا بأس به، وبه أخذ أبو حنيفة. # والقول الثاني: أن المراد بطعامهم الخبز والفاكهة، وما لا يحتاج ~~فيه إلى الزكاة، وهو منقول عن بعض أئمة الزيدية. # القول الثالث: أن المراد جميع المطعومات. # وحجة القول الأول: أن ما سوى الذبائح حلال قبل أن كانت لأهل ~~الكتاب، فلا يبقى للتخصيص بأهل الكتاب فائدة، ولأن ما قبل هذه الآية ~~في بيان الصيد والذبائح [فحمل الآية على الذبائح أولى] وهي التي ~~تصير طعاما بفعل الذبائح [فحمل الآية عليه أولى] وقوله: " وطعامكم ~~" فإن قيل: كيف شرع لهم حل طعامنا وهم كفار ليسوا من أهل ~~الشرع؟ # قال الزجاج: معناه حلال لكم أن تطعموهم، فيكون خطاب الحل مع ~~المسلمين؛ وقيل: لأنه ذكر ms2950 عقيبه حكم النساء، ولم يذكر حل ~~المسلمات لهم، فكأنه قال: حلال لكم أن تطعموهم حرام عليكم أن ~~تزوجوهم. # فصل # قوله: { والمحصنات من المؤمنات } في رفع " المحصنات ~~" وجهان: # أحدهما: أنه مبتدأ خبره محذوف، أي: والمحصنات حل لكم أيضا وهذا ~~هو الظاهر. # واختار أبو البقاء أن يكون معطوفا على " الطيبات " ، فإنه ~~[قال:] " من المؤمنات " حال من الضمير في " المحصنات " أو ~~من نفس " المحصنات " إذا عطفتها على " الطيبات " و " حل " ~~مصدر بمعنى الحلال؛ فلذلك لم يؤنث ولم يثن، [ولم يجمع] لأنه أحسن ~~الاستعمالين في المصادر الواقعة صفة للأعيان، ويقال في الإتباع، حل ~~بل وهو كقولهم: حسن بسن، وعطشان نطشان. # و " من المؤمنات " حال كما تقدم، إما من الضمير في " ~~المحصنات " ، أو من " المحصنات " ، وقد تقدم [الكلام في] ~~اشتقاق هذه اللفظة، واختلاف القراء فيها في سورة النساء. # فصل في معنى المحصنات # هذا منقطع عن قوله: { وطعامكم حل لهم } وراجع إلى ~~الأول. # واختلفوا في معنى " المحصنات " ، فذهب أكثر العلماء إلى أن المراد ~~الحرائر، وأجازوا [نكاح] كل حرة مؤمنة كانت أو كتابية فاجرة كانت ~~أو عفيفة، وهو قول مجاهد. وقال هؤلاء: لا يجوز للمسلم نكاح الأمة ~~الكتابية لقوله: # فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم # [النساء: 25] جوز نكاح الأمة بشرط أن تكون مؤمنة ولقوله: { إذآ ~~آتيتموهن أجورهن } ، ومهر الأمة لا يدفع إليها بل إلى ~~سيدها، وجوز أكثرهم نكاح الأمة الكتابية الحربية لقوله: # فمن ما ملكت أيمانكم # [النساء: 25]. # وقال ابن عباس: لا يجوز، وقرأ: { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله } إلى ~~قوله: # حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون # [التوبة: 29] فمن أعطى الجزية حل لنا نساؤهم، ومن لم يعط لم يحل لنا ~~نساؤه. # وذهب قوم إلى أن المراد من " المحصنات " في الآية العفائف من ~~الفريقين حرائر كن، أو إماء. # وأجازوا نكاح الأمة الكتابية وحرموا البغايا من المؤمنات ~~والكتابيات وهو قول الحسن، وقال الشعبي: إحصان الكتابية أن تستعف ~~عن الزنا، وتغتسل من الجنابة. # وذهب ابن عمر إلى أنه لا يجوز نكاح الذمية لقوله تعالى: # ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن # [البقرة: ms2951 221] ويقول: لا أعلم شركا أعظم من قولها: إن [ربها] ~~عيسى، وأجاب من قال بهذا القول عن التمسك بقوله: { والمحصنات ~~من الذين أوتوا الكتاب } بوجوه: # أحدها: أن المراد الذين آمنوا منهم، فإنه كان يحتمل أن يخطر ببال ~~بعضهم أن الكتابية إذا آمنت هل يجوز للمسلم التزويج بها أم لا؟ فبين ~~الله تعالى بهذه الآية جواز ذلك. # وثانيها: ما روي [عن عطاء] قال: " إنما رخص الله - تعالى - في ~~التزويج بالكتابية في ذلك الوقت؛ لأنه كان في المسلمات قلة، والآن ~~ففيهن كثرة عظيمة فزالت الحاجة، فلا جرم زالت الرخصة ". # وثالثها: الآيات الدالة على وجوب مباينة الكفار، كقوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي ~~وعدوكم أوليآء # [الممتحنة: 1] وقوله # لا تتخذوا بطانة من دونكم # [آل عمران: 118]، ولأن عند حصول الزوجية ربما قويت المحبة فيصير ~~ذلك سببا لميل الزوج إلى دينها. # قوله سبحانه: { إذآ آتيتموهن أجورهن } ظرف العامل فيه ~~أحد شيئين، إما " أحل " وإما " حل " المحذوف على حسب ما قرر، ~~والجملة بعده في محل خفض بإضافته إليها، وهي - هنا - لمجرد الظرفية. # ويجوز أن تكون شرطية، وجوابها محذوف، أي: { إذا أتيتموهن [أجورهن] } ~~حللن لكم. # والأول أظهر. # و " محصنين " حال، وعاملها أحد ثلاثة أشياء: إما " آتيتموهن " ، ~~وصاحب الحال الضمير المرفوع. # وأما " أحل " المبني للمفعول. # وأما " حل " المحذوف كما تقدم. # و " غير " يجوز فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن ينتصب على أنه نعت ل " محصنين ". # والثاني: أن ينصب على الحال، وصاحب الحال الضمير المستتر في " ~~محصنين ". # والثالث: أنه حال من فاعل " آتيتموهن " على أنها حال ثانية ~~منه، وذلك عند من يجوز ذلك. # فصل # تقييد التحليل بإيتاء الأجور يدل على تأكيد وجوها، وأن من تزوج ~~[امرأة] وعزم أن لا يعطي الزوجة صداقها كان في صورة الزاني، فتسمية ~~المهر بالأجرة يدل على أن الصداق لا يتقدر كما أن أقل الأجل في ~~الإجارات لا يتقدر. # وقوله: { محصنين غير مسافحين } أي غير معالنين بالزنا { ~~ولا متخذي أخدان }. # قال الشعبي: الزنا ضربان: # السفاح [وهو الزنا على سبيل الإعلان، واتخاذ الخدن] وهو الزنا في ~~السر ms2952 والله تعالى حرمهما في هذه الآية، وأباح التمتع بالمرأة ~~على جهة الإحصان. # قوله تعالى: { ولا متخذي أخدان } يجوز فيه الجر على أنه ~~[عطف] على " مسافحين " ، وزيدت [ " لا " ] [تأكيدا للنفي] المفهوم ~~من " غير " ، والنصب على أنه عطف على " غير " باعتبار أوجهها ~~الثلاثة، ولا يجوز عطفها على " محصنين "؛ لأنه [مقترن ب " لا " ] ~~المؤكدة للنفي المتقدم، ولا نفي مع " محصنين " ، وتقدم معاني هذه ~~الألفاظ. # وقوله تعالى: { ومن يكفر بالإيمان } تقدم له نظائر. # وقيل: المراد بالإيمان المؤمن به، فهو مصدر واقع موقع المفعول به كدرهم ~~ضرب الأمير. # وقيل: ثم مضاف محذوف، أي بموجب الإيمان، وهو الباري - تبارك وتعالى ~~-. # واعلم أن الكافر إنما يكفر بالله ورسوله. وأما الكفر ~~بالإيمان فهو محال، فلذلك اختلف المفسرون، فقال ابن عباس ومجاهد ~~قوله: { ومن يكفر بالإيمان } أي بالله الذي يجب الإيمان به، ~~وإنما حسن هذا المجاز؛ لأنه يقال: رب الإيمان ورب الشيء قد يسمى ~~باسم ذلك الشيء على سبيل المجاز. # وقال الكلبي: " بالإيمان " بكلمة التوحيد، وهي شهادة أن لا إله ~~إلا الله؛ لأن الإيمان من لوازمها، وإطلاق الشيء على لازمه مجاز ~~مشهور. # وقال قتادة: إن ناسا من المسلمين، قالوا: كيف نتزوج نساءهم مع كونهم ~~على غير ديننا، فأنزل الله هذه الآية: { ومن يكفر } أي بما [نزل] ~~في القرآن، فهو كذا وكذا، فسمى القرآن إيمانا؛ لأنه مشتمل على ~~[بيان] كل ما لا بد منه في الإيمان. وقيل: ومن " يكفر ~~بالإيمان " أن يستحل الحرام ويحرم الحلال { فقد حبط عمله }. # فصل # القائلون بالإحباط، قالوا: المراد بقوله: { ومن يكفر ~~بالإيمان فقد حبط عمله } فقد حبط، أي: عقاب كفره يزيل ما ~~كان حاصلا له من ثواب إيمانه، والذين ينكرون القول بالإحباط قالوا: ~~معناه أن عمله الذي أتى به بعد ذلك الإيمان فقد هلك وضاع، فإنه ~~إنما يأتي بتلك الأعمال بعد الإيمان لاعتقاده أنها خير من الإيمان فإذا ~~لم يكن الأمر كذلك، بل كان ضائعا باطلا كانت تلك الأعمال باطلة في ~~نفسها. # قوله تعالى: { وهو في الأخرة من الخاسرين } الظاهر أن ~~الخبر قوله: " من الخاسرين ms2953 " ، فيتعلق قوله: " في الآخرة " بما ~~تعلق به هذا الخبر. # وقال مكي: العامل في الظرف محذوف تقديره: هو خاسر في الآخرة، ~~ودل على المحذوف قوله: " من الخاسرين " فإن جعلت الألف واللام ~~في " الخاسرين " ليستا بمعنى " الذين " جاز أن يكون العامل في ~~الظرف " من الخاسرين " بمعنى أنه لو كانت موصولة لامتنع أن ~~يعمل ما بعدها فيما قبلها؛ لأن الموصول لا يتقدم عليه ما في حيزه، ~~وهذا كما قالوا في قوله: # إني لعملكم من القالين # [الشعراء: 168]، # وكانوا فيه من الزاهدين # [يوسف: 20]. # وتقدير مكي متعلق هذا الظرف وهو خاسر، وإنما هو بناء على كون " أل ~~" موصولة بدليل قوله: فإن جعلت الألف واللام ليستا بمعنى " الذين " ~~وبالجملة فلا حاجة إلى هذا التقدير، بل العامل فيه كما تقدم العامل ~~في الظرف الواقع خبرا، وهو الكون المطلق، ولا يجوز أن يكون " في ~~الآخرة " هو [الخبر و " من الخاسرين " متعلق بما تعلق به، لأنه لا ~~فائدة في ذلك، فإن جعل] " من الخاسرين " حالا من ضمير الخبر، ويكون ~~حالا لازمة جاز، وهو ضعيف في الإعراب، وقد تقدم نظير هذه الآية في " ~~البقرة " عند قوله: # وإنه في الأخرة لمن الصالحين # [البقرة: 130]. # فصل # قوله: { وهو في الأخرة من الخاسرين } مشروط بشرط غير ~~مذكور في الآية، وهو أن يموت على ذلك الكفر إذ لو تاب عن الكفر لم يكن ~~في الآخرة من الخاسرين، ويدل على أنه لا بد من هذا الشرط قوله: # ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر ~~فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والأخرة # [البقرة: 217]. ### || [5.6] # قوله سبحانه وتعالى: { يأيها الذين آمنوا إذا قمتم ~~إلى الصلاة } الآية اعلم أن الله تعالى افتتح السورة بقوله: # يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود # [المائدة: 1]. فطلب الوفاء بعهد العبودية، فكأن العبد قال: يا ~~إلهي، العهد نوعان: عهد الربوبية منك، وعهد العبودية منا، فأنت أولى ~~بأن تقدم الوفاء بعهد الربوبية والكرم، [نعم أنا أوفي بعهد الربوبية ~~والكرم] ومعلوم أن منافع الدنيا محصورة في نوعين: لذات المطعم، ولذات ~~المنكح، فبين تعالى ما يحل وما يحرم من المطاعم ms2954 والمناكح، ولما كانت ~~الحاجة [إلى] المطعوم فوق الحاجة إلى المنكوح قدم بيان المطعوم ~~على المنكوح، فلما تم هذا البيان فكأنه قال: قد وفيت بعهد الربوبية فيما ~~يطلب من منافع الدنيا، فاشتغل أنت في الدنيا بالوفاء بعهد العبودية، ~~فلما كان أعظم الطاعات بعد الإيمان الصلاة، ولا يمكن إقامتها إلا ~~بالطهارة لا جرم بدأ الله تعالى بذكر شرائط الوضوء. # قوله تعالى: { إذا قمتم إلى الصلاة }. # قالوا: تقديره: إذا أردتم القيام كقوله: # فإذا قرأت القرآن فاستعذ # [النحل: 98]. # وهذا من إقامة المسبب مقام السبب، وذلك أن القيام متسبب عن ~~الإرادة، والإرادة سببه. # قال الزمخشري: فإن قلت: لم جاز أن يعبر عن إرادة الفعل بالفعل؟ ~~قلت: لأن الفعل يوجد بقدرة الفاعل عليه، وإرادته له، وهي قصده إليه ~~وميله، وخلوص داعيته، فكما عبر عن القدرة على الفعل [بالفعل] في قولهم: ~~الإنسان لا يطير، والأعمى لا يبصر، أي: لا يقدران على الطيران ~~والإبصار؛ ومنه قوله تعالى: # نعيده وعدا علينآ إنا كنا فاعلين # [الأنبياء: 104] أي: قادرين على الإعادة، كذلك عبر عن إرادة الفعل ~~بالفعل، وذلك لأن [الفعل] مسبب عن القدرة، فأقيم [المسبب] مقام ~~السبب للملابسة بينهما، ولإيجاز الكلام. # وقيل: تقديره: إذا قصدتم الصلاة؛ لأن من توجه إلى شيء وقام إليه ~~كان قاصدا له، فعبر بالقيام عن القصد. # والجمهور قدروا حالا محذوفة من فاعل " قمتم " ، أي: إذا قمتم إلى ~~الصلاة محدثين؛ إذ لا وضوء على غير المحدث، وإن كان قال به جماعة ~~قالوا: ويدل على هذه الحال المحذوفة مقابلتها بقوله: { وإن ~~كنتم جنبا فاطهروا } ، فكأنه قيل: إن كنتم محدثين الحدث ~~الأصغر فاغسلوا كذا، وامسحوا كذا، وإن كنتم محدثين [الحدث الأكبر] ~~فاغسلوا الجسد كله. # قال شهاب الدين: فيه نظر. # فصل هل الأمر بالوضوء تكليف مستقل؟ # قال قوم: الأمر بالوضوء ليس تكليفا مستقلا بنفسه، لأن قوله: { إذا ~~قمتم إلى الصلاة فاغسلوا } جملة شرطية، الشرط فيها القيام ~~إلى الصلاة، والجزاء الأمر بالغسل، والمعلق على الشيء بحرف الشرط [يعدم ~~عند] عدم الشرط، فاقتضى أن الأمر بالوضوء تبع للأمر بالصلاة. # وقال آخرون: المقصود من ms2955 الوضوء الطهارة، والطهارة مقصودة بذاتها ~~لقوله تعالى في آخر الآية: { ولكن يريد ليطهركم } ، ~~ولقوله عليه الصلاة والسلام: # " [بني] الدين على النظافة " # ، وقال: # " أمتي غر محجلون من أثر الوضوء يوم القيامة ~~". # والأخبار الواردة في كون الوضوء سببا لغفران الذنوب كثيرة. # فصل # قال داود: يجب الوضوء لكل صلاة لظاهر الآية لأن قوله تعالى: { ~~إذا قمتم إلى الصلاة } يقتضي العموم، [وقال أكثر الفقهاء: لا ~~يجب]. # قال الفقهاء كلمة " إذا " لا تفيد العموم؛ لأنه لو قال لامرأته إذا ~~دخلت الدار فأنت طالق، فدخلت مرة طلقت، فلو دخلت ثانية لم تطلق ~~[ثانيا] وإذا قال السيد لعبده: إذا دخلت السوق فادخل على ~~فلان، وقل له كذا وكذا، فهذا لا يفيد الفعل إلا مرة واحدة. # ويمكن أن يجاب بأن التكاليف الواردة في القرآن مبناها على التكرير ~~وليس الأمر كذلك في الصور التي ذكرتم فإن القرائن الظاهرة دلت على أنه ~~ليس مبنى الأمر فيها على التكرير، وأما الفقهاء فاستدلوا على صحة قولهم ~~بأن النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح صلى صلوات كلها بوضوء ~~واحد، وجمع يوم الخندق بين أربع صلوات بوضوء واحد. # وأجاب داود بأن خبر الواحد لا ينسخ القرآن، وقال قوم: هو أمر ~~على طريق الندب، ندب من قام إلى الصلاة أن يجدد الطهارة وإن كان ~~على طهر لما روى عبد الله بن حنظلة بن عامر أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم - أمر بالوضوء عند كل صلاة طاهرا، أو غير ~~طاهر، فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك عند كل صلاة، وقال قوم: هو إعلام ~~من الله تعالى ورسوله أن لا وضوء عليه إلا إذا قام إلى الصلاة دون ~~غيرها من الأعمال، فأذن له أن يفعل بعد الحدث ما بدا له من الأفعال غير ~~الصلاة، كما روى ابن عباس # " قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فرجع من الغائط، فأتي بطعام ~~فقيل: " ألا تتوضأ، فقال: لم أصل فأتوضأ " ". # قوله سبحانه: { فاغسلوا وجوهكم }. # وحد الوجه من [منابت الشعر] إلى منتهى الذقن طولا، وما بين ms2956 ~~الأذنين عرضا يجب غسل جميعه في الوضوء، ويجب إيصال الماء إلى ما تحت ~~الحاجبين، وأهداب العينين، والشارب، والعذار، والعنفقة وإن كان ~~كثيفه. # وأما العارض واللحية وإن كانت كثيفة لا ترى البشرة من تحتها لا ~~يجب غسل باطنها في الوضوء، بل يجب غسل ظاهرها، وهل يجب إمرار الماء ~~لما على ظاهر ما استرسل من اللحية عن الذقن؟. # فقال أبو حنيفة: لا يجب؛ لأن الشعر النازل عن حد الرأس لا يكون ~~حكمه حكم الرأس في جواز المسح؛ كذلك النازل عن حد الوجه لا يكون ~~حكمه حكم الوجه في وجوب غسله، وقال غيره: يجب إمرار الماء على ظاهره؛ ~~لأن الله تعالى أمر بغسل الوجه، والوجه ما يقع به المواجهة، قال ~~ابن عباس: يجب غسل داخل العينين؛ لأنه من الوجه، وقال غيره: لا ~~يجب للحرج. # والمضمضة والاستنشاق يجبان في الوضوء. # والغسل عند أحمد وإسحاق وعند الشافعي لا يجبان بناء على أنهما من ~~الباطن، ولو نبت للمرأة لحية؟ وجب إيصال الماء إلى جلدة الوجه، وإن ~~كانت كثيفة. # قوله [سبحانه]: { وأيديكم إلى المرافق }. # في " إلى " هذه وجهان: # أحدهما: أنها على بابها من انتهاء [الغاية]، وفيها حينئذ خلاف. # فقائل: إن ما بعدها لا يدخل فيما قبلها. # وقائل بعكس ذلك. # وقائل: لا تعرض لها في دخول ولا عدمه، وإنما [يدور] الدخول والخروج ~~مع الدليل وعدمه. # وقائل: إن كان ما بعدها من جنس ما قبلها [دخل] في الحكم، وإلا فلا، ~~ويعزى لأبي العباس. # وقائل: إن كان ما بعدها من غير جنس ما قبلها لم يدخل، وإن كان من جنسه، ~~فيحتمل الدخول وعدمه. # وأول هذه الأقوال هو الأصح عند النحاة. # قال بعضهم: وذلك أنا حيث وجدنا قرينة مع " إلى " ، فإن تلك القرينة ~~تقتضي الإخراج مما قبلها، فإذا ورد كلام مجرد عن القرائن، فينبغي أن يحمل ~~على الأمر الفاشي الكثير، وهو الإخراج، وفرق هذا القائل بين " إلى " و " ~~حتى " فجعل " حتى " تقتضي الإدخال، و " إلى " تقتضي الإخراج بما تقدم ~~من الدليل. # [وهذه الأقوال دلائلها في غير هذا الكتاب، وقد أوضحتها في ms2957 كتابي " شرح ~~التسهيل " ]. # والوجه الثاني: أنها بمعنى " مع " أي: مع المرافق، وقد تقدم ~~الكلام في ذلك عند قوله: " إلى أموالكم ". # و " المرافق " جمع " مرفق " بفتح الميم وكسر الفاء على الفصيح من ~~اللغة، وهو مفصل بين العضد والمعصم. # فصل # ذهب أكثر العلماء إلى وجوب غسل اليدين مع المرفقين والرجلين مع ~~الكعبين. وقال مالك والشعبي ومحمد بن جرير وزفر: لا يجب غسل ~~المرفقين والكعبين في اليد والرجل؛ لأن حرف " إلى " للغاية، والحد لا ~~يدخل في المحدود، وما يكون غاية للحكم يكون خارجا عنه كقوله تعالى: # أتموا الصيام إلى الليل # [البقرة: 187]. # والجواب: أن حد الشيء قد يكون منفصلا عن المحدود بمقطع محسوس، ~~فهاهنا يكون الحد خارجا عن المحدود كقوله: # أتموا الصيام إلى الليل # [البقرة: 187] فإن النهار منفصل عن الليل انفصالا محسوسا، وقد ~~لا يكون منفصلا كقولك: " بعتك هذا الثوب من هذا الطرف إلى ذلك الطرف " ، ~~فإن طرف الثوب غير منفصل عن الثوب بمقطع محسوس فإذا كان كذلك فامتياز ~~المرفق عن الساعد ليس له مفصل معين؛ فوجب غسله. # وثانيا: سلمنا أن المرفق لا يجب غسله، إلا أن المرفق اسم لما ~~جاوز طرف العظم؛ لأنه هو الذي يرتفق به أي يتكىء عليه، ولا نزاع ~~أن ما وراء طرف العظم لا يجب غسله، قاله الزجاج. # فصل في غسل ما أمكن مما هو دون المرفق # فإن قطع ما دون المرفق؛ وجب غسل ما بقي؛ لأن محل التكليف باق وإن كان ~~قطع مما فوق المرفق لم يجب؛ لأن محل التكليف زال، وإن كان قطع من ~~المرفق؛ فقال الشافعي: يجب إمساس [الماء عند ملتقى العظمين؛ وجب مساس] ~~لطرف العظم؛ لأن غسل المرفق كان واجبا، وهو عبارة عن ملتقى ~~العظمين، فوجب إمساس الماء عند ملتقى العظمين، وجب إمساس ~~لطرف العظم الباقي لا محالة. # قوله عز وعلا: { وامسحوا برءوسكم }. # في هذه " الباء " ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها للإلصاق، أي: ألصقوا المسح برؤوسكم. # قال الزمخشري: المراد إلصاق المسح بالرأس، وما مسح بعضه ~~ومستوعبه بالمسح كلاهما ملصق المسح برأسه. # قال أبو حيان: وليس كما ms2958 ذكر، يعني أنه لا يطلق على [الماسح] بعض ~~رأسه، أنه ملصق المسح برأسه، وهذا مشاحة لا طائل تحتها. # والثاني: أنها زائدة كقوله: # ولا تلقوا بأيديكم # [البقرة: 195]. # وقوله: [البسيط] # 1932-......................... # ..... لا يقرأن بالسور # وهو ظاهر كلام سيبويه، فإنه حكى: خشنت صدره وبصدره، ومسحت رأسه ~~وبرأسه، والمعنى واحد. # وقال الفراء: تقول العرب: خذ الخطام، و[خذ] بالخطام. وهزه ~~وهز به، وخذ برأسه ورأسه. # والثالث: أنها للتبعيض، كقوله: [الطويل] # 1933- شربن بماء البحر ثم ترفعت # .................. # وهذا قول ضعيف، وتقدم الكلام في ذلك في أول البسملة. # فصل في ذكر الخلاف في القدر الواجب من مسح الرأس # اختلف العلماء في قدر الواجب من مسح الرأس، فقال مالك وأحمد: ~~يجب مسح جميع [الرأس كما يجب مسح جميع] الوجه في التيمم وقال أبو حنيفة: ~~يجب مسح ربع الرأس. # وقال الشافعي: قدر ما يطلق عليه اسم المسح، واحتج الشافعي بأنه ~~لو قال مسحت بالمنديل، فهذا لا يصدق إلا عند مسحه بكله، ولو قال: ~~مسحت يدي بالمنديل، فهذا يكفي في صدقه مسح اليد بجزء من أجزاء ذلك ~~المنديل. # فقوله [سبحانه]: { وامسحوا برءوسكم } يكفي في العمل به ~~مسح اليد بجزء من أجزاء الرأس وذلك الجزء غير مقدر في الآية، ~~فإن قدرناه بمقدار معين لم يتعين ذلك المقدار إلا بدليل غير الآية، ~~فيلزم صيرورة الآية مجملة، وهو خلاف الأصل، وعلى ما قلناه تكون الآية ~~مبينة مفيدة، فهو أولى، ويؤيده ما روي عن المغيرة بن شعبة " أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته وعلى عمامته وخفيه ". # وأجاز أحمد المسح على العمامة، ووافقه الأوزاعي [والنووي] ~~والثوري، ومنعه غيره. # وحمل الحديث على أن فرض المسح سقط عنه بمسح الناصية. # فصل # قال القرطبي: لو غسل المتوضئ رأسه بدل المسح، قال ابن ~~العربي: لا نعلم خلافا في أن ذلك يجزئه إلا ما نقل عن بعضهم أن ~~ذلك لا يجزئ. # وهذا مذهب أهل الظاهر. # فإن قيل: هذه زيادة خرجت عن اللفظ المتعبد به. # قلنا: ولم يخرج عن معناه في إيصال الفعل إلى المحل، وكذلك لو مسح رأسه ~~ثم ms2959 حلقه لم يكن عليه إعادة المسح. # قوله عز وجل: { وأرجلكم }. # قرأ نافع، وابن عامر، والكسائي، وحفص عن عاصم " أرجلكم " ~~نصبا، وباقي السبعة " وأرجلكم " جرا. # والحسن بن أبي الحسن " وأرجلكم " رفعا. # فأما قراءة النصب ففيها تخريجان: # أحدهما: أنها معطوفة على " أيديكم " ، فإن حكمها الغسل كالأوجه ~~والأيدي. كأنه قيل: واغسلوا أرجلكم، إلا أن هذا التخريج أفسده بعضهم؛ ~~بأنه يلزم منه الفصل بين المتعاطفين بجملة [غير] اعتراضية؛ لأنها ~~منشئة حكما جديدا، فليس [فيها] تأكيد للأول. # وقال ابن عصفور - وقد ذكر الفصل بين المتعاطفين -: وأقبح ما يكون ~~ذلك بالجمل، فدل [قوله] على أنه لا يجوز تخريج الآية على ذلك. # وقال أبو البقاء عكس هذا، فقال: هو معطوف على الوجوه، ثم قال: وذلك ~~جائز في العربية بلا خلاف. # وجعل السنة الواردة بغسل الرجلين مقوية لهذا التخريج، فليس بشيء. # فإن لقائل أن يقول: يجوز أن يكون النصب على محل المجرور [وكان ~~حكمها المسح، ولكنه نسخ ذلك بالسنة، وهو قول مشهور العلماء. # والثاني: أنه منصوب عطفا على قبله] كما تقدم تقريره قبل ذلك. # وأما قراءة الجر ففيها أربعة تخاريج: # أحدها: أنها منصوب في المعنى عطفا على الأيدي المغسولة، وإنما خفض ~~على الجوار، كقولهم: هذا جحر ضب خرب، بجر " خرب " ، وكان حقه ~~الرفع؛ لأنه صفة في المعنى ل " الجحر " لصحة اتصافه به، والضب لا ~~يوصف به، وإنما جره على الجوار. # وهذه المسألة عند النحويين لها شرط، وهو أن يؤمن اللبس كما ~~تقدم تمثيله، بخلاف: قام غلام زيد العاقل، إذا جعلت العاقل نعتا ~~للغلام، امتنع جره على الجوار لأجل اللبس. # وأنشدوا - أيضا - قول الشاعر: [البسيط] # 1934- كأنما ضربت قدام أعينها # قطنا بمستحصد الأوتار محلوج # وقول الآخر: [الوافر] # 1935- فإياكم وحية بطن واد # هموز الناب ليس لكم بسي # وقول الآخر: [الطويل] # 1936- كأن ثبيرا في عرانين وبله # كبير أناس في بجاد مزمل # وقول الآخر: [الرجز] # 1937- كأن نسج العنكبوت المرمل # بجر " محلوج " وهو صفة ل " قطنا " المنصوب وبجر " هموز " ، وهو ~~صفة ل " حية " المنصوب، وبجر " المزمل " وهو صفة " كبير "؛ لأنه ~~بمعنى الملتف، وبجر " المرمل ms2960 " وهو صفة " نسج " ، وإنما جرت هذه ~~لأجل المجاورة. # وقرأ الأعمش: { إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين } بجر " المتين " ~~مجاورة ل " القوة " وهو صفة ل " الرزاق " ، وهذا وإن كان واردا إلا أن ~~التخريج عليه ضعيف لضعف الجوار من حيث الجملة. # وأيضا فإن الخفض على الجوار إنما ورد في النعت لا في العطف، وقد ~~ورد في التوكيد قليلا في ضرورة الشعر. # قال: [البسيط] # 1938- يا صاح بلغ ذوي الزوجات كلهم # أن ليس وصل إذا انحلت عرى الذنب # بجر " كلهم " وهو توكيد ل " ذوي " المنصوب، وإذا لم يردا إلا في ~~النعت، وما شذ من غيره، فلا ينبغي أن يخرج عليه كتاب الله ~~[تعالى، وهذا المسألة قد أوضحتها وذكرت شواهدها في " شرح التسهيل " ]، ~~وممن نص على ضعف تخريج الآية على الجوار مكي ابن أبي طالب وغيره. # قال مكي، وقال الأخفش، وأبو عبيدة: الخفض فيه على الجوار، والمعنى ~~للغسل، وهو بعيد لا يحمل القرآن عليه. # وقال أبو البقاء: وهو الإعراب الذي يقال: هو على الجوار، وليس بممتنع ~~أن يقع في القرآن لكثرته، فقد جاء في القرآن والشعر. # فمن القرآن قوله تعالى: { وحور عين } [الواقعة: 22] على قراءة من ~~جر وهو معطوف على قوله: # بأكواب وأباريق # [الواقعة: 18] وهو مختلف المعنى؛ إذ ليس المعنى يطوف عليهم ولدان ~~مخلدون بحور عين. # وقال النابغة: [البسيط] # 1939- لم يبق إلا أسير غير منفلت # أو موثق في حبال القوم مجنوب # والقوافي مجرورة، والجوار مشهور عندهم في الإعراب [ثم ذكر أشياء ~~كثيرة زعم أنها مقوية لمدعاه منها قلب الإعراب] في الصفات كقوله تعالى: # عذاب يوم محيط # [هود: 84]، واليوم ليس بمحيط، وإنما المحيط هو العذاب. # ومثله قوله تعالى: # في يوم عاصف # [إبراهيم: 18]، وعاصف ليس من صفة اليوم بل من صفة الريح. # ومنها قلب بعض الحروف إلى بعض كقوله عليه السلام: # " ارجعن مأزورات غير مأجورات " # ، والأصل: موزورات، ولكن أريد التواخي. # وكذلك قولهم: [إنه] ليأتينا بالغدايا والعشايا، يعني أن الأصل ~~بالغداوى؛ لأنها من الغدوة، ولكن لأجل ياء العشايا جاءت بالياء ~~دون الواو. # ومنها تأنيث المذكر كقوله تعالى: ms2961 # فله عشر أمثالها # [الأنعام: 160]، فحذف التاء من " عشر " ، وهي مضافة إلى " الأمثال " ~~، وهي مذكرة، ولكن لما جاورت الأمثال ضمير المؤنث أجري عليها حكمه، ~~وكذلك قوله: [الكامل] # 1940- لما أتى خبر الزبير تواضعت # سور المدينة والجبال الخشع # وقولهم: ذهبت بعض أصابعه يعني أن " سور " مذكرة، " وبعض " - أيضا - ~~كذلك، ولكن لما جاوروا المؤنث أعطيا حكمه. # ومنها: قامت هند لما لم يفصلوا، أتوا بالتاء، ولما فصلوا لم ~~يأتوا بها، ولا فرق إلا المجاورة وعدمها. # [ومنها:] استحسانهم النصب في الاشتغال بعد جملة فعلية، في قولهم: ~~قام زيد وعمرا كلمته لمجاورة الفعل. # ومنها: قلبهم الواو المجاورة للظرف همزة نحو: أوائل بخلاف طواويس ~~لبعدها من مجاورة الظرف. # قال: وهذا موضع يحتمل أن يكتب فيه أوراق من الشواهد، قد بوب له ~~النحويون له [بابا] ورتبوا عليه مسائل، وأصلوه بقولهم: هذا جحر ~~ضب خرب. # [حتى] اختلفوا في جواز جر التثنية والجمع، فأجاز الإتباع فيهما جماعة ~~من حذاقهم قياسا على المفرد المسموع، ولو كان لا وجه له بحال ~~لاقتصروا فيه على المسموع فقط، ويتأيد ما ذكرناه أن الجر في الآية ~~قد أجيز غيره وهو الرفع والنصب، والرفع والنصب غير قاطعين ولا ~~ظاهرين، على أن حكم الرجلين المسح، فكذلك الجر يجب أن يكون ~~كالنصب والرفع في الحكم دون الإعراب. انتهى. # قال شهاب الدين: أما قوله: إن # وحور عين # [الواقعة: 22] من هذا الباب فليس بشيء؛ لأنه إما أن يقدر ~~عطفهما على ما [تقدم بتأويل] ذكره الناس كما سيأتي، أو بغير تأويل. # وإما ألا يعطفهما، [فإن عطفهما على ما تقدم، وجب الجر، وإن لم يعطفهما ~~لم يجب الجر، وأما جرهما على ما ذكره الناس فقيل: لعطفهما] على المجرور ~~بالياء قبلهما على تضمين الفعل المتقدم " يتلذذون وينعمون بأكواب وكذا ~~وكذا ". # أو لا يضمن الفعل شيئا، ويكون لطواف الولدان بالحور العين على أهل ~~الجنة لذاذة لهم بذلك، والجوار إنما يكون حيث يستحق الاسم ~~غير الجر، فيجر لمجاورة ما قبله، وهذا كما ترى قد صرح هو أنه معطوف ~~على " بأكواب ". # غاية ما في الباب أنه جعله ms2962 مختلف المعنى، يعني أن عنده لا يجوز عطفهما ~~على " بأكواب " إلا بمعنى آخر، وهو تضمين الفعل، وهذا لا يقدح في ~~العطفية. # وأما البيت فجر " موثق " ليس لجواره ل " منفلت " وإنما هو ~~مراعاة للمجرور ب " غير "؛ لأنهم نصوا على أنك إذا جئت بعد " غير " ~~ومخفوضها يتابع جاز أن يتبع لفظ " غير " ، وأن يتبع المضاف إليه، وأنشدوا ~~البيت، ويروى: [البسيط] # 1941- لم يبق [فيها طريد] غير منفلت # أو موثق في حبال القوم مجنوب # وأما باقي الأمثلة التي أوردها فليس من المجاورة التي تؤثر في التغيير، ~~أي تغيير الإعراب، وقد تقدم أن النحويين خصصوا ذلك بالنعت، ~~وأنه قد جاء في التوكيد ضرورة. # والتخريج الثاني: أنه معطوف على " برءوسكم " لفظا ومعنى، ثم ~~نسخ ذلك بوجوب الغسل، وهو حكم باق، وبه قال جماعة، أو يحمل مسح ~~الأرجل على بعض الأحوال، وهو لبس الخف، ويعزى للشافعي. # التخريج الثالث: أنها جرت منبهة على عدم الإسراف باستعمال ~~الماء؛ لأنها مظنة لصب الماء [كثيرا]، فعطفت على الممسوح، ~~والمراد غسلها كما تقدم. # وإليه ذهب الزمخشري، قال: " وقيل: إلى الكعبين " فجيء بالغاية ~~إماطة لظن ظان يحسبهما ممسوحة؛ لأن المسح لم تضرب له ~~غاية في الشريعة. # وكأنه لم يرتض هذا القول الدافع لهذا الوهم، وهو كما قال. # التخريج الرابع: أنها مجرورة بحرف جر مقدر، دل عليه المعنى، ويتعلق ~~هذا الحرف بفعل محذوف أيضا يليق بالمحل، فيدعى حذف جملة فعلية ~~وحذف حرف جر، قالوا: وتقديره: " وافعلوا بأرجلكم غسلا ". # قال أبو البقاء: وحذف حرف الجر، وإبقاء الجر جائز؛ كقوله: ~~[الطويل] # 1942- مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة # ولا ناعب إلا ببين غرابها # وقال الآخر: [الطويل] # 1943- بدا لي أني لست مدرك ما مضى # ولا سابق شيئا إذا كان جائيا # فجر بتقدير الباء، وليس بموضع ضرورة. # قوله: وإبقاء [الجر] ليس على إطلاقه، وإنما يطرد منه مواضع نص ~~عليها أهل اللسان ليس هذا منها. # وأما البيتان فالجر فيهما عند النحاة يسمى العطف على التوهم ~~يعني كأنه توهم وجود الباء زائدة في خبر " ليس " ، لأنها يكثر ~~زيادتها، ونظروا ذلك بقوله تعالى: # فأصدق ms2963 وأكن من الصالحين # [المنافقون: 10] بجزم " أكن " عطفا على " فأصدق " على توهم ~~سقوط الفاء من " فأصدق " نص عليه سيبويه وغيره، فظهر فساد هذا ~~التخريج. # وأما قراءة الرفع فعلى الابتداء، والخبر محذوف، أي: وأرجلكم ~~مغسولة، أو ممسوحة على ما تقدم في حكمها [والكلام] في قوله " إلى ~~الكعبين " كالكلام في " إلى المرفقين ". # " والكعبان " فيهما قولان [مشهوران]. # أشهرهما: أنهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم في كل ~~رجل كعبان. # والثاني: أنه العظم الناتئ في وجه القدم، حيث يجتمع شراك ~~النعل، ومراد الآية هو الأول. # والكعبة، كل بيت مربع، وسيأتي [بيانه] في موضعه إن شاء الله ~~- تعالى -. # فصل # قد تقدم كلام النحاة في الآية. # وقال المفسرون: من قرأ بالنصب على تقدير: " فاغسلوا وجوهكم، ~~وأيديكم، واغسلوا أرجلكم " ومن قرأ بالجر فذهب بعضهم إلى أنه يمسح ~~على الرجلين. # روي عن ابن عباس أنه قال: " الوضوء غسلتان ومسحتان " ، ~~ويروى ذلك عن عكرمة وقتادة. # قال الشعبي: نزل جبريل بالمسح، وقال: ألا ترى التيمم ما كان ~~غسلا، ويلقى ما كان مسحا. # وقال محمد بن جرير: يتخير المتوضئ بين المسح على الخفين وبين ~~غسل الرجلين، وذهب جماعة من أهل العلم من الصحابة والتابعين وغيرهم ~~إلى وجوب غسل الرجلين، وقالوا: خفض اللام في الأرجل على مجاورة اللفظ لا ~~على موافقة الحكم كقوله: # عذاب يوم أليم # [هود: 26]، فالأليم صفة العذاب، ولكنه جر للمجاورة كقولهم: " جحر ~~ضب خرب ". ويدل على وجوب غسل الرجلين ما روى عبد الله بن عمرو، ~~قال: # " تخلف عنا رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - في سفر ~~سافرناه، فأدركناه وقد راهقتنا صلاة العصر ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح ~~على أرجلنا، فنادانا بأعلى صوته: " ويل للأعقاب من ~~النار " ". # والأحاديث الواردة في صفة وضوء النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ~~كثيرة، وكلهم وصفوا غسل الرجلين. # وقال بعضهم: أراد بقوله " وأرجلكم ": المسح على الخفين، كما # " روي أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - " كان إذا ركع ~~وضع يده على ركبتيه " # وليس المراد منه أنه لم يكن بينهما حائل، ويقال: قبل فلان ms2964 رأس ~~الأمير ويده، وإن كانت العمامة على رأسه ويده في كمه فالواجب في غسل ~~أعضاء الوضوء هذه الأربعة. # فصل: حكم النية في الوضوء # اختلفوا في وجوب النية فذهب أكثر العلماء إلى وجوبها لأن الوضوء عبادة ~~فيفتقر إلى النية كسائر العبادات، ولقوله عليه السلام: # " إنما الأعمال بالنيات " # وذهب النووي وأصحاب الرأي إلى عدم وجوبها. # فصل [حكم الترتيب] # واختلفوا في وجوب الترتيب وهو أن يغسل أعضاءه على الترتيب المذكور ~~في الآية فذهب مالك والشافعي، وأحمد وإسحاق إلى وجوبه، ويروى ذلك عن ~~أبي هريرة، واحتجوا بقول الله تعالى: { إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم } فاقتضى وجوب الابتداء بغسل الوجه؛ لأن الفاء ~~للتعقيب، وإذا أوجب الترتيب في هذا العضو؛ وجب في غيره، إذ لا قائل ~~بالفرق. # [قالوا: فاء التعقيب إنما دخلت] في جملة هذه الأعمال، فجرى [الكلام] ~~مجرى قوله: إذا قمتم إلى الصلاة، فأتوا بمجموع هذه الأفعال. # قلنا: فاء التعقيب إنما دخلت على الوجه لالتصاقها بذكر الوجه، وبواسطة ~~دخولها على الوجه، دخلت على سائر الأفعال، فكان دخولها على الوجه أصل، ~~ودخولها على المجموع تبع لدخولها على غسل الوجه، فنحن اعتبرنا دلالة ~~الفاء في الأصل، واعتبرتموها في التبع، فكان قولنا أولى. # وأيضا فقوله - عليه الصلاة والسلام -: # " ابدءوا بما بدأ الله به " # يقتضي العموم، وأيضا فإهمال الترتيب في الكلام مستقبح فيجب تنزيه كلام ~~الله تعالى عنه، وكونه تعالى أدرج ممسوحا بين مغسولين، وقطع النظير ~~عن النظير، يدل على أن الترتيب مراد. # وأيضا فإن وجوب الوضوء غير معقول المعنى؛ لأن الحدث يخرج من موضع ~~والغسل يجب في موضع آخر، وأعضاء المحدث طاهرة، لأن الميت لا ينجس ~~حيا ولا ميتا، وتطهير الطاهر محال. # وأقيم التيمم مقام الوضوء وهو ضد النظافة والوضاءة، وأقيم المسح على ~~الخفين مقام الغسل، وذلك لا يفيد في نفس العضو نظافة ألبتة. # والماء [العفن] الكدر يفيد الطهارة، وماء الورد لا يفيدها، وإذا ~~كان غير معقول المعنى وجب الاعتماد فيه على مورد النص لاحتمال أن ~~يكون الترتيب المذكور إما لمحض التعبد، أو لحكمة خفية لا نعرفها، ms2965 ولهذا ~~السبب أوجبنا الترتيب في أركان الصلاة، وذهب جماعة منهم أبو حنيفة إلى ~~أن الترتيب ليس بواجب، قالوا: لأن ذلك زيادة على النص فلا يجوز؛ ~~لأنه نسخ. والواوات المذكورة [في الآية للجمع] لا للترتيب كالواوات ~~في قوله: # إنما الصدقات # الآية [التوبة: 60]. # واتفقوا على أنه لا يجب الترتيب في صرف الصدقات، فكذلك هنا. # وأجيبوا بأن قولهم: الزيادة على النص نسخ، ممنوع على قيد في علم ~~الأصول. # وأما الصدقات: فلم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه راعى ~~الترتيب فيها. # وفي الوضوء لم ينقل أنه توضأ إلا مرتبا، وبيان الكتاب يؤخذ من ~~السنة، قال تعالى: # لتبين للناس ما نزل إليهم # [النحل: 44] وقال [الله] تعالى: # يأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا # [الحج: 77]، ولم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - أنه قدم ~~السجود على الركوع، بل راعى الترتيب، فكذلك هاهنا. # فصل حكم المولاة # الموالاة أوجبها مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة والشافعي [في ~~الجديد] ليست شرطا لصحة الوضوء. # فصل # لو كان على وجهه أو بدنه نجاسة فغسلها أو نوى الطهارة عن الحدث بذلك ~~الغسل، فقال بعض العلماء: يكفي لأنه أمر بالغسل، وقد أتى به، فيخرج ~~عن العهدة، لقوله عليه الصلاة والسلام: # " لكل امرئ ما نوى " # فيجب أن يحصل له المنوي. # فصل # لو وقف تحت ميزاب حتى سال عليه الماء، ونوى رفع الحدث، فقيل: لا ~~يصح؛ لأنه أمر بالغسل، والغسل عمل وهو لم يأت بالعمل، وقيل: ~~يصح؛ لأن الغسل عبارة عن الفعل المفضي [إلى الانغسال] ~~ووقوفه تحت الميزاب فعل مفض إلى الاغتسال، فكان غسلا. # فصل # إذا غسل هذه الأعضاء ثم بعد ذلك تقشرت الجلدة عنها، فما ~~ظهر من تحت الجلدة غير مغسول، فالأظهر وجوب غسله؛ لأنه ~~تعالى أمر بغسل هذه الأعضاء، وذلك الموضع غير مغسول، ~~إنما المغسول هو الجلدة التي زالت. # فصل # لو أخذ الثلج وأمره على هذه الأعضاء، فإن كان الهواء ~~حارا يذيب الثلج ويسيله جاز وإلا فلا، خلافا للأوزاعي. # لنا: أن هذا لا يسمى غسلا، فأمر بالغسل. # فصل في التسمية في ms2966 الغسل # التسمية في أول الغسل والوضوء: قال أحمد وإسحاق: ~~واجبة. # وقال غيرهما: هي سنة؛ لأنها ليست مذكورة في الآية، ~~واستدلوا عليه بقوله - عليه الصلاة والسلام -: # " لا صلاة إلا بوضوء، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله ~~عليه ". # قوله - سبحانه -: { وإن كنتم جنبا فاطهروا }. # قال الزجاج: معناه تطهروا؛ لأن " التاء " تدغم في " ~~الطاء "؛ لأنهما من مكان واحد، فإذا أدغمت " التاء " في ~~" الطاء " سكن أول الكلمة فزيد ألف وصل ليبتدأ ~~بها، فقيل: " اطهروا ". # ولما ذكر تعالى كيفية الطهارة الصغرى، ذكر بعدها ~~الطهارة الكبرى، وهي الغسل من الجنابة. ولما كانت ~~الطهارة الصغرى مخصوصة ببعض الأعضاء، لا جرم ذكر تلك ~~الأعضاء على التعيين، ولما كانت الطهارة الكبرى في كل ~~البدن أمر بها على الإطلاق. # روت عائشة أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - كان ~~إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه، ثم توضأ كما ~~يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها ~~أصول شعره، ثم يصب الماء على رأسه ثلاث غرفات بيده، ~~ثم يفيض الماء على جلده كله. # فصل # قال القرطبي: قوله تعالى: { وإن كنتم جنبا فاطهروا } ~~أمر بالاغتسال بالماء، وكذلك رأى عمر وابن مسعود: أن ~~الجنب لا يتيمم ألبتة، بل يدع الصلاة حتى يجد ~~الماء، وهذا يرده قوله - عليه الصلاة والسلام -: # " وجعل لي الأرض مسجدا وترابها طهورا " # وقوله: # " التراب طهور المسلم، ما لم يجد الماء عشر سنين " # ، وحديث عبادة، وحديث عمران بن الحصين أن النبي - صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم - رأى رجلا معه ماء لم يصل في القوم الحديث. # فصل # ولحصول الجنابة سببان: # الأول: نزول المني، قال - عليه الصلاة والسلام -: # " إنما الماء من الماء ". # والثاني: في التقاء الختانين، وقال زيد بن ثابت، ومعاذ [وأبو ~~سعيد الخدري:] لا يجب الغسل إلا عند نزول الماء. # لنا: قوله - عليه الصلاة والسلام -: # " إذا التقى الختانان وجب الغسل وإن لم ينزل " # ، وختان الرجل: هو الموضع الذي يقطع منه جلدة القلفة، ~~وأما ختان المرأة فشفران محيطان بثلاثة أشياء: ~~ثقبة في أسفل الفرج وهو مدخل الذكر ومخرج ms2967 الحيض ~~والولد، وثقبة [أخرى] فوق [هذه] مثل إحليل الذكر وهي ~~مخرج البول لا غير، [وفوق] ثقبة البول موضع ختانها، ~~وهناك جلدة رقيقة قائمة مثل عرف الديك، وقطع هذه ~~الجلدة هو ختانها، فإذا غابت الحشفة حتى حاذى ختانه ~~ختانها، فقد وجب الغسل. # فصل في حكم الدلك # الدلك غير واجب؛ لأنه لم يذكر في الآية، وقال - عليه الصلاة ~~والسلام - لما سئل عن الاغتسال من الجنابة - قال: # " أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات فأنا قد طهرت " # ولم يذكر الدلك. # قال مالك: هو واجب. # فصل # والمضمضة والاستنشاق واجبان في الغسل عند أبي حنيفة ~~وأحمد، وقال الشافعي: لا يجبان؛ لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات " # ولم يذكرهما، واحتج الأولون بقوله: " فاطهروا " فأمر ~~بتطهير جميع الأجزاء وترك العمل به في الأجزاء الباطنة ~~لتعذر تطهيرها، وداخل الأنف والفم يمكن تطهيرها ~~فدخلا تحت النص، وبقوله - عليه الصلاة والسلام -: # " بلوا الشعر وانتفوا البشرة، فإن تحت كل شعرة ~~جنابة " # ، فيدخل الأنف؛ لأن في داخله شعر، وقوله: # " وانتفوا البشرة " # يدخل فيه جلدة داخل الفم؛ لأن حكمها حكم الظاهر ~~بحيث لو وضع في فمه لم يفطر، ولو وضع فيه خمرا لم يحد. # والأكثرون على عدم وجوب الترتيب في الغسل، وقال إسحاق: ~~يجب البداءة على البدن. # قوله تعالى: { وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جآء ~~أحد منكم من الغائط أو لامستم النسآء فلم ~~تجدوا مآء فتيمموا صعيدا طيبا }. # قال مكي: من جعل الصعيد: الأرض، أو وجه الأرض نصب " صعيدا " ~~على الظرف، ومن جعل الصعيد: التراب نصب على أنه ~~مفعول به، حذف منه حرف الجر: بصعيد، و " طيبا " ~~نعته، أي: نظيف. # وقيل: طيبا معناه: حلالا، فيكون نصبه على المصدر، ~~أو على الحال. # فصل # وهذا يدل على جواز التيمم للمريض، ولا يقال: إنه ~~شرط فيه عدم الماء؛ لأن عدم الماء يبيح التيمم ~~بغير مرض، وإنما يرجع قوله: { فلم [تجدوا] مآء } ~~إلى المسافر. # والمرض ثلاثة أقسام: # أحدها: أن يخاف الضرر والتلف باستعمال الماء، فهذا ~~يجوز له ms2968 التيمم بالاتفاق. # والثاني: ألا يخاف الضرر [ولا] التلف، فقال الشافعي: ~~لا يجوز له التيمم، وقال مالك وأبو حنيفة: يجوز ~~لقوله: { وإن كنتم مرضى }. # الثالث: أن يخاف الزيادة في العلة، وبطء البرء، ~~فيجوز له التيمم عند أحمد، وفي أصح القولين ~~للشافعي، وبه قال مالك وأبو حنيفة، فإن خاف بقاء شين في ~~العضو، فقال بعضهم: لا يتيمم، وقال آخرون: يتيمم وهو ~~الصحيح. # فصل # يجوز التيمم في السفر القصير، للآية، وقال بعضهم: لا يجوز؛ ~~إذا كان معه ماء وحيوان مشرف على الهلاك جاز له ~~التيمم، ووجب صرف الماء إلى [ذلك] الحيوان. # فصل # فإن لم يكن معه ماء، وكان مع غيره، ولا يمكنه أن يشتريه ~~إلا بالغبن الفاحش جاز له التيمم، لقوله: # وما جعل عليكم في الدين من حرج # [الحج: 78]، فإن وهب منه ذلك الماء، فقيل: لا يجب قبوله لما ~~فيه من المنة، فإن أعير [منه] الدلو والرشاء، فقال ~~الأكثرون: لا يجوز له التيمم لقلة المنة في هذه ~~العادة. # فصل # إذا جاء من الغائط وجب عليه الاستنجاء، إما بالحجارة، ~~لقوله - عليه الصلاة والسلام - # " فليستنج بثلاثة أحجار ". # وقال أبو حنيفة: لا يجب؛ لأنه تعالى أوجب عند المجيء ~~من الغائط الوضوء والتيمم؛ ولم يوجب غسل موضع ~~الحدث. # [فصل انتقاض وضوء اللامس والملموس # ظاهر قوله { أو لامستم النسآء } يدل على انتقاض وضوء ~~اللامس، وأما انتقاض وضوء الملموس فغير مأخوذ من الآية، ~~وإنما أخذ من الخبر أو من القياس الجلي]. # فصل # يجوز الوضوء بماء البحر، وقال عبد الله بن عمرو بن ~~العاص: " لا يجوز بل يتيمم ". # ولنا: أن التيمم شرطه عدم الماء، ومن وجد ماء ~~البحر فإنه واجد للماء. # فصل # قال أكثر العلماء: لا بد في التيمم من النية؛ لأن ~~التيمم عبارة عن القصد، وقال زفر: لا تجب. # فصل في الخلاف في حد تيمم المرفقين # قال الشافعي وأبو حنيفة: [التيمم] في اليدين إلى ~~المرفقين، وعن علي وابن عباس - رضي الله عنهم - إلى ~~الرسغين، وعن مالك وغيره إلى الكوعين، [وعن] الزهري إلى ~~الآباط. # فصل في وجوب استيعاب العضو بالتراب ms2969 # يجب استيعاب العضوين في التيمم، ونقل الحسن بن زياد ~~عن أبي حنيفة: إذا يمم الأكثر جاز؛ لأن " الباء " في قوله: " ~~برؤوسكم " يقتضي مسح البعض، فكذا هاهنا. # فصل في صفة التراب # إذا لم يكن للتراب غبار يعلق باليد لم يجز ~~التيمم به وهو قول الشافعي وأبي يوسف، وقال أبو حنيفة ~~ومالك: [يجزئه، وقال الشافعي: لا يجوز التيمم إلا بالتراب ~~الخالص، وقال أبو حنيفة]: يجوز بالتراب وبالرمل وبالخزف ~~المدقوق والجص والمدر والزرنيخ. # لنا: ما روى ابن عباس أنه قال: " الصعيد هو التراب ". # فصل # لو وقف في مهب الرياح، فسفت عليه التراب وأمر ~~يده [عليه] أو لم يمرها، فظاهر مذهب الشافعي ~~أنه لا يكفي. وقال بعض المحققين: إنه لا يكفي؛ ~~لأنه قصد استعمال الصعيد في أعضائه. # فصل # قال الشافعي وأحمد: لا يجوز التيمم إلا بعد دخول ~~الوقت، لقوله: { إذا قمتم إلى الصلاة } [والقيام إلى ~~الصلاة] لا يكون إلا بعد دخول وقتها. # فصل # إذا ضرب ثوبا فارتفع منه غبار، فقال أبو حنيفة: يجوز ~~التيمم به، وقال أبو يوسف: لا يجوز. # فصل # لا يجوز التيمم بتراب نجس، لقوله تعالى: { ~~فتيمموا صعيدا طيبا } والنجس لا يكون طيبا. # وفروع [التيمم] كثيرة مذكورة في كتب الفقه. # قوله - سبحانه - " منه " في محل نصب متعلقا ب " ~~امسحوا " ، و " من " فيها وجهان: # أظهرهما: أنها للتبعيض. # والثاني: أنها لابتداء الغاية، ولهذا لا يشترط عند هؤلاء ~~أن يتعلق [باليد] غبار. # وقوله تعالى: " ليجعل ": الكلام في هذه " اللام " كالكلام ~~عليها في قوله # يريد الله ليبين لكم # [النساء: 26]، إلا أن من جعل مفعول الإرادة محذوفا، ~~وعلق به " اللام " من " ليجعل " زاد " من " في الإيجاب في ~~قوله: " من حرج " ، وساغ ذلك؛ لأنه في حيز النفي، ~~وإن لم يكن النفي واقعا على فعل الحرج، و " من حرج " ~~مفعول " ليجعل ". # و " الجعل ": يحتمل أنه بمعنى الإيجاد والخلق، فيتعدى ~~لواحد وهو " من حرج " و " من " مزيدة فيه كما تقدم، ويتعلق " ~~عليكم " حينئذ بالجعل، ويجوز أن يتعلق ب " حرج ". # فإن قيل: هو مصدر، والمصدر لا يتقدم معموله عليه، قيل: ~~ذلك ms2970 في المصدر المؤول بحرف مصدري وفعل، لأنه بمعنى ~~الموصول، وهذا ليس مؤولا بحرف مصدري، [ويجوز أن يكون ~~الجعل بمعنى التصيير]، فيكون " عليكم " هو المفعول ~~الثاني. # فصل في معنى الآية # المعنى { ما يريد الله ليجعل عليكم }: بما فرض من ~~الوضوء والغسل والتيمم، " من حرج ": من ضيق، { ولكن ~~يريد ليطهركم }: من الأحداث والجنابات والذنوب. # فصل # قالت المعتزلة: دلت هذه الآية على أن الأصل في المضار ~~ألا تكون مشروعة، فإنه تعالى ما جعل علينا في الدين من ~~حرج، وقال تعالى: # يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر # [البقرة: 185]، وقال - عليه الصلاة والسلام -: # " لا ضرر ولا ضرار في الإسلام " # وأيضا فدفع الضرر مستحسن في العقول، فوجب أن يكون ~~كذلك في الشرع. # قوله - سبحانه -: { ولكن يريد ليطهركم }. # اختلفوا في تفسير هذا التطهير، قال جمهور الحنفية: ~~إن عند خروج الحدث تنجس الأعضاء نجاسة حكمية، ~~والمقصود من هذا التطهير إزالة [تلك] النجاسة الحكمية، ~~وهذا بعيد لوجوه: # إحداها: قوله تعالى: # إنما المشركون نجس # [التوبة: 28]، وكلمة " إنما " للحصر، وهذا يدل على أن ~~المؤمن لا تنجس أعضاؤه. # وثانيها: قوله - عليه الصلاة والسلام -: # " المؤمن لا تنجس أعضاؤه لا حيا ولا ميتا ". # وثالثها: أجمعت الأمة على أن بدن المحدث لو كان ~~رطبا، فأصابه ثوب لم ينجس الثوب، ولو حمله ~~إنسان وصلى به لم تفسد صلاته. # ورابعها: لو كان الحدث يوجب نجاسة الأعضاء، ثم كان تطهير ~~الأعضاء الأربعة يوجب طهارة كل الأعضاء، لوجب ألا ~~يختلف ذلك باختلاف الشرائع، والأمر ليس كذلك. # وخامسها: أن خروج النجاسة من موضع، كيف يوجب تنجس ~~موضع آخر؟. # وسادسها: أن المسح على الخفين قائم مقام غسل ~~الرجلين، ومعلوم أن هذا لا يزيل شيئا ألبتة عن ~~الرجلين. # وسابعها: أن الذي يراد زواله إن كان جسما، فالحس يشهد ~~ببطلان ذلك، وإن كان عرضا فهو محال، لأن انتقال ~~الأعراض محال. # القول الثاني: أن المراد به التطهير من المعاصي ~~والذنوب، وهو المراد بقوله - عليه الصلاة والسلام -: # " إذا توضأ العبد خرجت خطاياه من وجهه وكذا ~~يديه ورأسه ورجليه ". # وقوله تعالى: { وليتم نعمته عليكم ms2971 }. # قال محمد بن كعب: إتمام النعمة تكفير الخطايا ~~بالوضوء، وهذا الكلام متعلق بما ذكره أول السورة من ~~إباحة الطيبات من المطاعم والمناكح، ثم بين بعده ~~كيفية فرض الوضوء، كأنه قال: إنما ذكرت ذلك لتتم ~~النعمة المذكورة أولا، وهي نعمة الدنيا، وهذه ~~النعمة المذكورة الثانية وهي نعمة الدين. # وقيل: المراد { ليتم نعمته عليكم } بالرخص بالتيمم، ~~والتخفيف في حال المرض والسفر، فاستدلوا بذلك على أنه ~~تعالى يخفف عنكم يوم القيامة، بأن يعفو عن ~~ذنوبكم. ويتجاوز عن سيئاتكم. # قوله - جلا وعلا -: " عليكم " فيه ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنه متعلق ب " يتم ". # والثاني: أنه متعلق ب " نعمته ". # والثالث: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من " نعمته ~~". # ذكر هذين الوجهين الأخيرين أبو البقاء، وهذه الآية ~~بخلاف التي قبلها [في قوله]: # وأتممت عليكم نعمتي # [المائدة: 3]، حيث امتنع تعلق الجار بالنعمة؛ ~~لتقدم معمول المصدر [عليه] كما تقدم بيانه. # قال الزمخشري: وقرىء " فأطهروا " أي: أطهروا ~~[أبدانكم]، وكذلك " ليطهركم " ، يعني: أنه قرىء " ~~أطهروا " أمر من " أطهر " رباعيا ك " أكرم " ، ونسب ~~الناس القراءة الثانية، أعني قوله: " ليطهركم " لسعيد ~~بن المسيب. # ثم قال تعالى: { لعلكم تشكرون } ، والكلام في لعل ~~مذكور في البقرة عند قوله # لعلكم تتقون # [البقرة: 183]. ### || [5.7] # قوله - سبحانه -: { واذكروا نعمة الله عليكم } الآية. # لما ذكر التكاليف أردفه بما يوجب عليهم القبول ~~والانقياد، وذلك من وجهين: # الأول: كثرة نعم الله عليهم؛ لأن كثرة النعم ~~توجب على المنعم عليه الاشتغال بخدمة المنعم، ~~والانقياد لأوامره ونواهيه. # وقال: " نعمة الله " ولم يقل " نعم الله "؛ لأن هذا ~~الجنس لا يقدر عليه غير الله؛ لأن نعمة الحياة، ~~والصحة، والعقل، والهداية، والصون من الآفات، وإيصال ~~الخيرات في الدنيا والآخرة شيء لا يعلمه إلا الله ~~تعالى، وإنما المراد [التأمل] في هذا النوع من حيث إنه ~~ممتاز عن نعمة غيره. # والوجه الثاني في السبب الموجب للانقياد للتكاليف: هو ~~الميثاق الذي واثقكم به. # فإن قيل: [قوله] { واذكروا نعمة الله عليكم } مشعر ~~بسبق النسيان: وكيف يمكن نسيانها [مع أنها] ~~متواترة متوالية [علينا] في جميع الساعات والأوقات؟ ~~فالجواب: أنها لكثرتها وتعاقبها صارت ms2972 كالأمر المعتاد، ~~فصارت غلبة ظهورها وكثرتها سببا لوقوعها محل ~~النسيان. # فصل في تفسير الميثاق # اختلفوا في تفسير هذا الميثاق، فقال أكثر المفسرين: هو ~~العهد الذي عاهد الله عليه المؤمنين حين بايعوا رسول ~~الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم - تحت الشجرة ~~وغيرها على أن يكونوا على السمع والطاعة في [المحبوب ~~والمكروه]؛ وأضاف الميثاق الصادر عن الرسول إلى نفسه، كقوله ~~تعالى: # إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله # [الفتح: 10]، وأكد ذلك بأنهم التزموا وقالوا: " سمعنا ~~وأطعنا " ، ثم حذرهم عن نقض تلك العهود فلا تعزموا ~~بقلوبكم على نقضها، فالله يعلم ذلك، وكفى به مجازيا. # وقال ابن عباس: هو الميثاق الذي أخذه الله على بني ~~إسرائيل حين قالوا: آمنا بالتوراة وبكل ما فيها، وكان من ~~جملة ما في التوراة البشارة بمقدم محمد - عليه الصلاة ~~والسلام -. # وقال مجاهد والكلبي ومقاتل: هو الميثاق الذي أخذه منهم ~~حين أخرجهم من ظهر آدم، وأشهدهم على أنفسهم { ألست ~~بربكم، قالوا: بلى }. # وقال السدي: المراد بالميثاق: الدلائل العقلية ~~والشرعية التي نصبها الله على التوحيد والشرائع. # قوله تعالى: { إذ قلتم[سمعنا] } ، في " إذ " ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنه منصوب ب " واثقكم ". # الثاني: أنه منصوب على الحال من الهاء في " به ". # الثالث: أنه حال من [ " ميثاقه " ]، وعلى هذين الوجهين ~~الأخيرين يتعلق بمحذوف على القاعدة المقررة. # و " قلتم " في محل خفض بالظرف، و " سمعنا " في محل ~~نصب بالقول. ### || [5.8-10] # قوله تعالى: { يأيهآ الذين آمنوا كونوا قوامين ~~لله شهدآء بالقسط } الآية. # لما حثهم على الانقياد للتكاليف، وهي مع كثرتها محصورة ~~في نوعين: التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله. # قوله: { كونوا قوامين لله } إشارة على التعظيم لأمر ~~الله، ومعنى القيام لله: هو أن يقوم لله بالحق في كل ما ~~يلزمه، وقوله: " شهداء بالقسط " إشارة إلى الشفقة على خلق ~~الله، فيه قولان: # الأول: قال عطاء: لا تحاب من شهادتك أهل ودك وقرابتك، ولا ~~تمنع شهادتك أعداءك وأضدادك. # الثاني: أمرهم بالصدق في أفعالهم وأقوالهم، وتقدم نظيرها في " ~~النساء " ، إلا أن هناك قدم لفظة " القسط " وهنا أخرت، ms2973 ~~وكأن الغرض في ذلك - والله أعلم - أن آية " النساء " جيء بها ~~في معرض الإقرار على نفسه ووالديه وأقاربه، فبدئ فيها ~~بالقسط الذي هو العدل من غير محاباة نفس، ولا والد، ولا ~~قرابة، والتي هنا جيء بها في [معرض] ترك العداوة، فبدىء ~~فيها [بالأمر] بالقيام لله، لأنه أردع للمؤمنين، ثم ~~ثني بالشهادة بالعدل، فجيء في كل معرض بما يناسبه. # وقوله: " ولا يجرمنكم " تقدم مثله، وكذلك " شنآن قوم ". # قوله تعالى: { على ألا تعدلوا }. # أي لا يحملنكم بغض قوم على أن لا تعدلوا، وأراد: لا ~~تعدلوا فيهم فحذف للعلم به، وظهور حرف الجر هنا يرجح ~~تقديره. # قيل: والمعنى: ولا يحملنكم [بغض] قوم على أن تجوروا ~~عليهم، وتتجاوزوا الحد، بل اعدلوا فيهم، وإن أساءوا إليكم، ~~وهذا خطاب عام، وقيل: إنها مختصة بالكفار، فإنها نزلت ~~في قريش لما صدوا المسلمين عن المسجد الحرام. # قوله: { اعدلوا هو أقرب للتقوى }. # نهاهم أولا عن أن يحملهم البغضاء على ترك العدل، ثم ~~استأنف فصرح لهم بالأمر بالعدل تأكيدا، ثم ذكر علة الأمر ~~بالعدل وهو قوله: { هو أقرب للتقوى } ، والمعنى: أقرب ~~إلى الاتقاء من معاصي الله، وقيل: أقرب إلى الاتقاء من ~~عذاب الله. # و " هو " ضمير المصدر المفهوم من الفعل أي: العدل، وفيه ~~تنبيه على أن وجوب العدل إذا كان مع الكفار الذين هم ~~أعداء الله بهذه الصفة من القوة، فكيف بوجوبه مع ~~المؤمنين الذين هم أولياؤه وأحباؤه، ثم ذكر كلاما كالوعد ~~للمطعين والوعيد للمذنبين، وهو قوله: { واتقوا الله إن ~~الله خبير بما تعملون } ، يعني: [أنه] عالم بجميع ~~المعلومات، لا يخفى عليه شيء من أحوالكم. # ثم ذكر وعد المؤمنين فقال: " وعد الله.. " الآية. # واعلم أن " وعد " يتعدى لاثنين: # أولهما: الموصول. # والثاني: [محذوف] أي الجنة. # وقد صرح بهذا المفعول في غير هذا الموضع، وعلى هذا فالجملة ~~من قوله: " لهم مغفرة " لا محل لها؛ لأنها مفسرة لذلك ~~المحذوف تفسير السبب للمسبب، فإن الجنة مسببة عن ~~المغفرة، وحصول الأجر العظيم، والكلام قبلها تام بنفسه. # وذكر الزمخشري في الآية احتمالات [أخر]. # أحدها: أن الجملة ms2974 من قوله " لهم مغفرة " [بيان للوعد]، كأنه ~~قال: قدم لهم وعدا، فقيل: أي شيء وعده؟ فقال: { لهم ~~مغفرة وأجر عظيم } ، وعلى هذا فلا محل لها أيضا، وهذا ~~أولى من الأول؛ لأن تفسير الملفوظ به أولى من ادعاء ~~تفسير شيء محذوف. # الثاني: أن الجملة منصوبة بقول محذوف، كأنه قيل: وعدهم، وقال ~~لهم: " مغفرة ". # الثالث: إجراء الوعد مجرى القول؛ لأنه ضرب منه، ويجعل " ~~وعد " واقعا على الجملة التي هي قوله: " لهم مغفرة " ~~، كما وقع " تركنا " على قوله تعالى: # سلم على نوح # [الصافات: 79] كأنه قيل: وعدهم هذا القول، وإذا وعدهم من لا ~~يخلف الميعاد فقد وعدهم مضمونه من المغفرة والأجر ~~العظيم، أي: وعدهم بهذا المجموع، وإجراء الوعد مجرى القول ~~مذهب كوفي. # ثم ذكر وعيد الكفار فقال: { والذين كفروا } الآية. # " الذين كفروا " مبتدأ، و " أولئك " مبتدأ ثان، و " أصحاب " ~~خبره، والجملة خبر الأول، وهذه الجملة مستأنفة، آتي ~~بها اسمية دلالة على الثبوت والاستقرار، ولم يؤت بها في ~~سياق الوعيد، كما أتى بالجملة قبلها في سياق الوعد ~~حسما لرجائهم، وأجاز بعضهم أن تكون هذه الجملة داخلة في ~~حيز الوعد على ما تقدم تقريره في الجملة قبلها. # قال: لأن الوعيد اللاحق بأعدائهم مما يشفي صدورهم، ~~ويذهب ما كانوا يجدونه من أذاهم، ولا شك أن الأذى ~~اللاحق للعدو، مما يسر، ويفرح ما عند عدوه، وفيه نظر، ~~فإن الاستئناف واف بهذا المعنى، فإن الإنسان إذا سمع خبرا ~~يسوء عدوه سر بذلك، وإن لم يوعد به، وقد يتقوى [صاحب] هذا ~~القول المتقدم بأن الزمخشري قد نحا إلى هذا المعنى في ~~سورة { سبحان } [الإسراء: 9، 10]. # قال: فإن قلت، علام عطف # وأن الذين لا يؤمنون # [الإسراء: 10]. # قلت: على # أن لهم أجرا كبيرا # [الإسراء: 9] على أنه بشرى للمؤمنين ببشارتين بثوابهم، وبعقاب ~~أعدائهم، فجعل عقاب أعدائهم داخلا في حيز البشارة فالبشارة ~~هناك كالوعد هنا. # وهذه الآية تدل على أن الخلود في النار ليس إلا للكفار؛ ~~لأن قوله: { أولئك أصحاب الجحيم } يفيد الحصر، ~~والمصاحبة تقتضي الملازمة، كما يقال: أصحاب الصحراء، ~~أي: الملازمون لها. ### || [5.11] # قوله ms2975 سبحانه: { يأيهآ الذين آمنوا اذكروا نعمت ~~الله عليكم } الآية. # قتال قتادة: نزلت هذه الآية ورسول الله صلى الله عليه وسلم ببطن نخل ~~فأراد بنو ثعلبة وبنو محارب أن يفتكوا به وبأصحابه إذا اشتغلوا بالصلاة ~~فأطلع الله تبارك وتعالى نبيه على ذلك، وأنزل الله صلاة الخوف، وقال ~~الحسن: كان النبي صلى الله عليه وسلم محاصرا غطفان بنخل، فقال رجل من ~~المشركين: هل لكم في أن أقتل محمدا؟ قالوا: وكيف تقتله؟ قال: أفتك به، ~~قالوا: وددنا أنك قد فعلت ذلك، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم والنبي ~~صلى الله عليه وسلم متقلد سيفه، فقال: يا محمد أرني سيفك فأعطاه إياه ~~فجعل الرجل يهز السيف وينظر مرة إلى السيف ومرة إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وقال: من يمنعك مني يا محمد؟ قال: الله فتهدده أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فشام السيف ومضى، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقال مجاهد ~~وعكرمة والكلبي وابن يسار عن رجاله: # " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو الساعدي وهو أحد ~~النقباء ليلة العقبة في ثلاثين راكبا من المهاجرين والأنصار إلى بني ~~عامر بن صعصعة فخرجوا فلقوا عامر بن الطفيل على بئر معونة وهي من مياه ~~بني عامر واقتتلوا فقتل المنذر بن عمرو وأصحابه إلا ثلاثة نفر كانوا في ~~طلب ضالة لهم أحدهم عمرو بن أمية الضمري فلم يرعهم إلا الطير يحوم في ~~السماء يسقط من بين خراطيمها علق الدم فقال أحد النفر: قتل أصحابنا ثم ~~تولى يشتد حتى لقي رجلا فاختلفا ضربتين فلما خالطته الضربة رفع رأسه إلى ~~السماء وفتح عينيه وقال الله أكبر الجنة ورب العالمين، فرجع صاحباه ~~فلقيا رجلين من بني سليم وكان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قومهما ~~موادعة، فانتسبا لهما إلى بني عامر فقتلاهما وقدما قومهما إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم يطلبون الدية فخرج ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة ~~وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم، حتى دخلوا على كعب بن الأشرف وبني ms2976 ~~النضير يستعينهم في عقلهما، وكانوا قد عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~على ترك القتال وعلى أن يعينوه في الديات، قالوا: نعم يا أبا القاسم قد ~~آن لك أن تأتينا وتسألنا حاجة اجلس حتى نعطمك ونعطيك الذي سألته، فجلس ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فخلا بعضهم ببعض وقالوا: إنكم لن ~~تجدوا محمدا أقرب منه الآن فمن يظهر على هذا البيت فيطرح عليه صخرة ~~فيريحنا منه؟ فقال عمر بن جحاش: أنا، فجاء إلى رحى عظيمة ليطرحها عليه ~~فأمسك الله تعالى يده وجاء جبريل وأخبره، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم ~~راجعا إلى المدينة ثم دعا عليا فقال: لا تبرح مكانك فمن خرج عليك من ~~أصحابي فسألك عني فقل: توجه إلى المدينة، ففعل ذلك علي رضي الله عنه حتى ~~تناهوا إليه ثم تبعوه " # ، فأنزل الله تعالى هذه الآية وقال: { فكف أيديهم عنكم ~~واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون } ~~[المائدة: 11]. # قوله تعالى: " عليكم " يجوز أن يتعلق ب " نعمة " ، وأن ~~يتعلق بمحذوف على أنه حال منها. # و " إذ [هم] " ظرف ناصبه " النعمة " أيضا، أي: اذكروا نعمته ~~عليكم في وقت همهم [عليكم]. # ويجوز أن يتعلق هذا الظرف بما يتعلق به " عليكم " ، إذا ~~جعلته حالا من " نعمة " ، ولا يجوز أن يكون منصوبا ب " ~~اذكروا " لتنافي زمنيهما، فإن " إذ " للمضي، و " اذكروا " ~~مستقبل، و " أن يبسطوا " على إسقاط الباء أي هموا بأن ~~يبسطوا، ففي موضع " أن " الخلاف المشهور. # ومعنى بسط اليد مدها إلى المبطوش به كقولهم: فلان بسيط ~~الباع، ومديد الباع بمعنى واحد، يقال: بسط إليه لسانه إذا ~~شتمه، وبسط إليه يده إذا بطش به، { فكف أيديهم عنكم } أي: ~~منعها أن تصل إليكم. # ثم قال: { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } أي: كونوا مواظبين على طاعة ~~الله، ولا تخافوا أحدا في إقامة طاعة الله. ### || [5.12] # قوله جلا وعلا: { ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرآئيل ~~} الآية في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه: # أحدها: أنه لما ذكر في الآية الأولى، وهو قوله: # واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي ms2977 ~~واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا # [المائدة: 7]، ذكر بعده أخذ الميثاق من بني إسرائيل لكنهم ~~نقضوه، وتركوا الوفاء به، أي فلا تكونوا مثل أولئك من ~~اليهود في هذا الخلق الذميم، فتصيروا مثلهم فيما نزل بهم. # وثانيها: لما قال تعالى: # اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن ~~يبسطوا إليكم أيديهم # [المائدة: 11]، وقد تقدم في بعض روايات أسباب النزول أنها ~~نزلت في اليهود، وأنهم أرادوا إيقاع الشر برسول الله - صلى الله ~~عليه وآله وسلم - فلما ذكر الله تعالى [ذلك] أتبعه بذكر ~~فضائحهم، وبيان أنهم [أبدا] كانوا مواظبين على نقض ~~المواثيق. # ثالثها: أن الغرض من الآيات المتقدمة ترغيب المكلفين في ~~قبول التكاليف وترك العصيان، فذكر تعالى أنه كلف من كان قبلكم ~~كما كلفكم؛ لتعلموا أن عادة الله في عباده أن يكلفهم، ~~فليس التكليف مخصوصا بكم أيها المؤمنون، بل هي عادة ~~جارية له مع جميع عباده. # قوله سبحانه: { وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا }. # [ " منهم " ] يجوز أن يتعلق ب " بعثنا " ، ويجوز أن يتعلق ~~بمحذوف على أنه حال من " اثني عشر " ، لأنه في الأصل صفة ~~له فلما [قدم نصب] حالا، وقد تقدم الكلام في تركيب " اثني ~~عشر " وبنائه، وحذف نونه في " البقرة " [البقرة 60]. # [ " وميثاق " يجوز أن يكون مضافا إلى المفعول - وهو ظاهر - أي: ~~إن الله - تعالى - واثقهم، وأن يكون مضافا إلى فاعله، أي: ~~إنهم واثقوه تعالى. # والمفاعلة: يجوز نسبة الفعل فيها إلى كل من المذكورين]. # " والنقيب " فعيل، قيل: بمعنى فاعل مشتقا من النقب وهو ~~التفتيش، ومنه: # فنقبوا في البلاد # [ق: 36]، وسمي بذلك؛ لأنه يفتش عن أحوال القوم ~~وأسرارهم. # قال الزجاج: أصله النقب، وهو الثقب الواسع، ومنه ~~المناقب، وهي الفضائل؛ لأنها لا تظهر إلا بالتنقيب عنها، ~~ونقبت الحائط أي: بلغت في النقب إلى آخره، ومنه: النقبة من ~~الجرب؛ لأنه داء شديد الدخول؛ لأن البعير يطلى بالهناء فهو حد ~~طعم القطران في لحمه، والنقبة في السراويل بغير رجلين؛ ~~لأنه قد يولع في فتحها، ونقبها ويقال: كلب نقيب، وهو كلب ~~ينقب حنجرته لئلا يرتفع صوت نباحه، يفعله البخلاء ms2978 من العرب ~~لئلا يظفر بهم ضيف. # وقيل: هو بمعنى مفعول، كأن القوم اختاروه على علم منهم، ~~وتفتيش على أحواله. # وقيل: هو للمبالغة كعليم وخبير. # وقال الأصم: هو المنظور إليه المسند إليه أمور القوم وتدبير ~~مصالحهم. # فصل # قال المفسرون: إن بني إسرائيل كانوا اثني عشر سبطا، واختار ~~الله من كل سبط رجلا يكون نقيبا لهم وحاكما فيهم. # وقال مجاهد: إن النقباء بعثوا إلى مدينة الجبارين الذين أمر موسى ~~بالقتال معهم ليقفوا على أحوالهم، ويرجعوا بذلك إلى نبيهم. # قال القرطبي: ذكر محمد بن حبيب في " المحبر " أسماء نقباء ~~بني إسرائيل، فقال: من سبط روبيل: شموع بن ركوب، ومن سبط شمعون: ~~شوقوط بن حوري، ومن سبط يهوذا: كالب بن يوقنا، ومن سبط الساحر: ~~يوغول بن يوسف، ومن سبط أفرائيم ابن يوسف: يوشع بن النون، ومن ~~سبط بنيامين: يلظى بن روقو، ومن سبط ربالون: كرابيل بن سودا، ومن ~~سبط منشا بن يوسف كدى بن سوشا، ومن سبط دان: عمائيل بن كسل، ومن ~~سبط كاذ كوال بن موخى، ومن سبط نفتال: يوحنا بن قوشا، ومن ~~سبط شير ستور بن ميخائيل، فلما ذهبوا إليهم رأوا أجراما عظيمة ~~وقوة وشوكة فهابوهم ورجعوا، وحدثوا قومهم وقد نهاهم موسى - ~~عليه السلام - أن يحدثوهم، فنكثوا الميثاق إلا كالب ابن يوقنا من ~~سبط يهوذا، ويوشع بن نون من سبط أفرائيم بن يوسف، وهما اللذان قال ~~الله تعالى فيهما: # قال رجلان من الذين يخافون # [المائدة: 23]. # فصل # قال القرطبي: دلت هذه الآية على قبول خبر الواحد فيما ~~يفتقر إليه المرء، ويحتاج إلى اطلاعه من حاجاته الدينية ~~والدنيوية، فترتب عليه الأحكام، ويربط به الحلال والحرام، وفيها ~~- أيضا - دليل على اتخاذ الجاسوس، وقد بعث رسول الله - صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم - بسبسة عينا، أخرجه مسلم. وسيأتي حكم ~~معاني الجاسوس في الممتحنة إن شاء الله تعالى. # قوله سبحانه: { وقال الله إني معكم لئن أقمتم ~~الصلاة } في الكلام حذف، والتقدير: وقال الله لهم إني معكم؛ ~~إلا أنه [حذف] ذلك لاتصال [الكلام] بذكرهم وقوله: " إني ~~معكم " قيل: ms2979 هذا خطاب للنقباء، وقيل: [خطاب] لكل بني ~~إسرائيل، والأول أولى؛ لأنه أقرب إلى الضمير. # قوله تعالى: { لئن أقمتم الصلاة } هذه هي اللام الموطئة ~~للقسم، والقسم معها محذوف، وقد تقدم أنه إذا اجتمع قسم ~~وشرط أجيب سابقهما، إلا أن يتقدم ذو خبر، فيجاب الشرط ~~مطلقا. # واعلم أن الكلام قد تم عند قوله: { وقال الله إني ~~معكم } أي: بالعلم والقدرة، فأسمع كلامكم، وأرى أفعالكم، ~~وأعلم ضمائركم، وهذه مقدمة معتبرة في الترغيب والترهيب، ~~ثم ابتدأ بعدها جملة شرطية، والشرط مركب من خمسة أمور، وهي ~~قوله: { لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم ~~برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا }. # قوله عز وعلا: " لأكفرن " هذه " اللام " هي جواب القسم لسبقه، ~~وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب [القسم] عليه، وهذا معنى قول ~~الزمخشري: أن [معنى] قوله: " لأكفرن " ساد مسد جوابي ~~القسم والشرط، لا كما فهمه بعضهم ورد عليه ذلك. # ويجوز أن يكون " لأكفرن " جوابا لقوله تعالى قبل ذلك: { ~~ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرآئيل } لما تضمنه ~~الميثاق [من] معنى القسم، وعلى هذا فتكون الجملتان، أعني قوله: " ~~وبعثنا " " وقال الله " فيهما وجهان: # أحدهما: أنها في محل نصب على الحال. # الثاني: أن تكونا جملتي اعتراض، والظاهر أن قوله: " لئن أقمتم ~~" جوابه " لأكفرن " كما تقدم، وجملة هذا القسم المشروط وجوابه ~~مفسرة لذلك الميثاق المتقدم. # والتعزير التعظيم. # قال: [الوافر] # 1944- وكم من ماجد لهم كريم # ومن ليث يعزر في الندي # وقيل: هو الثناء بخير قاله يونس، وهو قريب من الأول. # وقال الفراء: هو الرد عن الظلم. # وقال الزجاج: هو الردع والمنع، فعلى القولين الأولين ~~يكون المعنى: وعظمتموهم [وأثنيتم] عليهم خيرا، وعلى الثالث ~~والرابع يكون المعنى: ورددتم وردعتم عنهم سفاءهم. # قال الزجاج: عزرت فلانا فعلت به ما يردعه عن القبيح [مثل ~~نكلت]، فعلى هذا يكون " عزرتموهم " رددتم عنهم أعداءهم. # وقرأ الحسن البصري " برسلي " بسكون السين حيث وقع. # وقرأ الجحدري: " وعزرتموهم " خفيفة الزاي، وهي لغة. # وقرأ في [الفتح: 9] [ " وتعزروه " ] بفتح عين المضارعة، وسكون ~~العين، وضم الزاي، وهي موافقة لقراءته هنا، وتقدم الكلام في نصب " ~~قرضا ms2980 " في [البقرة: 245]. # فإن قيل: لم أخر الإيمان بالرسل عن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ~~مع أنه مقدم عليهما؟. # فالجواب: أن اليهود كانوا مقرين بأنه لا بد في حصول النجاة ~~من إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، إلا أنهم كانوا مصرين على ~~تكذيب بعض الرسل، فذكر بعد إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة أنه لا ~~بد من الإيمان بجميع الرسل حتى يحصل المقصود، وإلا لم يكن ~~لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تأثير في حصول النجاة بدون الإيمان ~~بجميع الرسل. # فإن قيل: قوله: { وأقرضتم الله قرضا حسنا } دخل تحت ~~إيتاء الزكاة، فما فائدة الإعادة؟. # فالجواب: أن المراد بالزكاة الواجبة، وبالقرض الصدقة المندوبة، ~~وخصها بالذكر تنبيها على شرفها. # قال الفراء: ولو قال: وأقرضتم الله إقراضا حسنا، لكان صوابا، إلا ~~أنه قد يقام الاسم مقام المصدر، ومثله # فتقبلها ربها بقبول حسن # [آل عمران: 37]، ولم يقل: يتقبل، وقوله: # وأنبتها نباتا حسنا # [آل عمران: 37] ولم يقل إنباتا. # قوله سبحانه: { فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل ~~سوآء السبيل }. # أي: أخطأ الطريق المستقيم الذي هو الدين المشروع لهم، وقد ~~تقدم الكلام على سواء السبيل. # فإن قيل: من كفر قبل ذلك أيضا فقد ضل سواء السبيل؟ فالجواب: نعم، ~~ولكن الضلال بعده أظهر وأعظم؛ لأن الكفر إنما عظم قبحه ~~لعظم النعمة المكفورة، فإذا زادت النعمة زاد قبح الكفر. ### || [5.13] # قوله تعالى: { فبما نقضهم ميثاقهم } الآية. # قد تقدم الكلام على نظيره. # قال القرطبي: والمعنى: فبنقضهم ميثاقهم، و " ما " زائدة ~~للتوكيد. # قال قتادة وغيره: وذلك أنها تؤكد الكلام بمعنى تمكنه في النفس ~~من جهة حسن النظم، ومن جهة تكثيره [للتوكيد]، كقوله [الوافر] # 1945-................. # لشيء ما يسود من يسود # وقيل: نقض الميثاق تكذيب الرسل، وقيل: الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام، وقيل: كتمانهم صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: ~~المجموع. # وقال عطاء: " لعناهم " أبعدناهم من رحمتنا، وقال الحسن ومقاتل: ~~مسخناهم قردة وخنازير. وقال ابن عباس: ضربنا الجزية عليهم. # قوله تعالى: { وجعلنا قلوبهم قاسية }. # قرأ الجمهور " قاسية " اسم فاعل من قسا يقسو. # وقرأ الأخوان وهي قراءة عبد الله " قسية " بفتح القاف ms2981 وكسر ~~السين وتشديد الياء، واختلف الناس في هذه القراءة. # فقال الفارسي: ليست من ألفاظ العرب [في الأصل]، وإنما هي ~~كلمة أعجمية معربة، يعني أنها مأخوذة من قولهم: درهم ~~قسي، أي: مغشوش، شبه قلوبهم في كونها غير صافية من الكدر ~~بالدراهم المغشوشة غير الخالصة، وأنشدوا قول أبي زبيد: ~~[البسيط] # 1946- لها صواهل في صم السلام كما # صاح القسيات في أيدي الصياريف # وقول الآخر: [الطويل] # 1947- وما زودوني غير سحق عمامة # وخمس مىء منها قسي وزائف # وقال الزمخشري، وقرأ عبد الله " قسية " ، أي: رديئة مغشوشة من ~~قولهم: " درهم قسي " ، وهو من القسوة؛ لأن الذهب والفضة ~~الخالصين فيهما لين، والمغشوش فيه صلابة ويبس والقاسي والقاسح ~~بالحاء المهملة أخوان في الدلالة على اليبس. # وهذا القول سبقه إليه " المبرد " ، فإنه قال: " يسمى الدرهم ~~المغشوش قسيا لصلابته وشدته للغش الذي فيه " ، وهو يرجع ~~للمعنى الأول، والقاسي والقاسح بمعنى واحد. # وعلى هذين القولين تكون اللفظة عربية. # وقيل: بل هذه القراءة توافق قراءة الجماعة في المعنى ~~والاشتقاق؛ لأنه " فعيل " للمبالغة ك " شاهد " ، و " شهيد " ، ~~فكذلك قاس وقسي، وإنما أنث على معنى الجماعة في المعنى ~~والاشتقاق. # وقرأ الهيصم بن شداخ: " قسية " بضم القاف وتشديد الياء. # وقرئ " قسية " بكسر القاف إتباعا، وأصل القراءتين: " ~~قاسوة " ، و " قسيوة " لأن الاشتقاق من القسوة. # فصل # والمعنى أن قلوبهم ليست بخالصة الإيمان، بل إيمانهم مشوب بالكفر ~~والنفاق، وقيل: نائية عن قبول الحق، منصرفة عن الانقياد ~~للدلائل. # وقالت المعتزلة: أخبرنا عنها بأنها صارت قاسية، كما ~~يقال: فلان جعل فلانا قاسيا وعدلا. ثم إنه تعالى ذكر بعض ~~نتائج تلك القسوة، فقال: { يحرفون الكلم عن مواضعه } ~~وهذا التحريف هو تبديلهم نعت النبي - صلى الله عليه وآله ~~وسلم -، وقيل: التأويل الباطل. # والجملة من قوله: " يحرفون " فيها أربعة أوجه: # أحدها: أنها مستأنفة بيان لقسوة قلوبهم؛ لأنه لا قسوة ~~أعظم من الافتراء على الله تعالى. # والثاني: أنها حال من مفعول " لعناهم " أي: لعناهم حال ~~اتصافهم بالتحريف. # والثالث: قال أبو البقاء: أنها حال من الضمير المستتر في " ~~قاسية ". # وقال: ولا يجوز أن يكون حالا ms2982 من " القلوب "؛ لأن الضمير في " ~~يحرفون " لا يرجع إلى " القلوب " ، وفي هذا نظر من حيث جواز أن ~~يكون حالا من الضمير في " قاسية " ، يلزمه أن يجوز أن ~~يكون حالا من " القلوب " ، لأن الضمير المستتر في " قاسية " ~~يعود على " القلوب " ، فكما يمتنع أن يكون حالا من ظاهره [يمتنع ~~أن يكون حالا من ضميره]، وكأن المانع الذي توهمه كون الضمير وهو ~~الواو في " يحرفون " إنما يعود على اليهود بجملتهم لا ~~على قلوبهم خاصة، فإن القلوب لا تحرف، إنما يحرف أصحاب ~~القلوب، وهذا لازم له في تجويزه الحالية من الضمير في " ~~قاسية ". # ولقائل أن يقول: المراد ب " القلوب " نفس الأشخاص، وإنما عبر ~~عنهم بالقلوب؛ لأن هذه الأعضاء هي محل التحريف، أي: إنه صادر ~~عنها بتفكرها فيه، فيجوزعلى هذا أن يكون حالا من " القلوب ~~". # والرابع: أن يكون حالا من " هم " في " قلوبهم ". # قال أبو البقاء: وهو ضعيف يعني: لأن الحال من المضاف إليه لا ~~تجوز، وغيره يجوز ذلك في مثل هذا الموضع؛ لأن المضاف بعض ~~المضاف إليه. # وقرأ الجمهور بفتح الكاف وكسر اللام، وهو جمع " كلمة ". # وقرأ أبو رجاء " الكلم " بكسر الكاف وسكون اللام، وهو ~~تخفيف قراءة الجماعة، وأصلها أنه كسر الكاف إتباعا، ثم ~~سكن العين تخفيفا. # وقرأ السلمي والنخعي: " الكلام " بالألف، و " عن مواضعه " ~~وتقدم مثله في " النساء " [النساء: 46]. # قوله تعالى: { ونسوا حظا مما ذكروا به }. # قال ابن عباس: تركوا نصيبا مما أمروا به من الإيمان ~~بمحمد - عليه الصلاة والسلام -. # قوله - سبحانه -: { ولا تزال تطلع على خآئنة منهم ~~}. # في " خائنة " [ثلاثة أوجه]: # أحدها: أنها اسم فاعل، والهاء للمبالغة ك " راوية وعلامة ~~[ونسابة] " ، أي: على شخص خائن. # قال الشاعر: [الكامل] # 1948- حدثت نفسك بالوفاء ولم تكن # للغدر خائنة مغل الإصبع # الثاني: أن التاء للتأنيث، وأنث على معنى: طائفة أو فرقة أو نفس ~~أو فعلة خائنة. # قال ابن عباس: " على خائنة " ، أي: على معصية، وكانت ~~خيانتهم نقض العهد، ومظاهرتهم المشركين على حرب رسول ~~الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وهمهم بقتله وسمه ~~ونحوها من الخيانات ms2983 التي ظهرت منهم. # الثالث: أنها بمعنى المصدر ك " العافية والعاقبة والكاذبة ~~واللاغية والواقية " ، قال تعالى: # فأهلكوا بالطاغية # [الحاقة: 5] أي: بالطغيان، وقال: # ليس لوقعتها كاذبة # [الواقعة: 2] أي كذب، وقال: # لا تسمع فيها لاغية # [الغاشية: 11] أي: لغوا. # وتقول العرب: سمعت راغية الإبل، وثاغية الشاء، يعنون رغاءها ~~وثغاءها. # قال الزجاج: [ويقال] عافاه الله عافية، ويؤيد هذا الوجه ~~قراءة الأعمش " على خيانة " وأصل " خائنة " خاونة وخيانة وخوانة ~~[لقولهم: تخون، وخوان] وهو [أخون، وإنما أعلا إعلال " قائمة ~~" ، و " قيام " ]. # و " منهم " صفة ل " خائنة " إن أريد بها الصفة، وإن أريد ~~بها المصدر قدر مضاف، أي: من بعض خياناتهم. # قوله تعالى: " إلا قليلا " منصوب على الاستثناء، وفي ~~المستثنى منه أربعة أقوال: # أظهرها، أنه لفظ " خائنة " ، وهم الأشخاص المذكورون في ~~الجملة قبله، أي: لا تزال تطلع على من يخون منهم إلا ~~القليل، فإنه لا يخون فلا تطلع عليه، وهم الذين أسلموا من أهل ~~الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه. # قال أبو البقاء: " ولو قرئ بالجر على البدل لكان مستقيما ~~" ، يعني على البدل من " خائنة " ، فإنه في حيز كلام غير موجب. # والثاني ذكره ابن عطية: أنه الفعل أي: لا تزال تطلع على ~~فعل الخيانة إلا فعلا قليلا، وهذا واضح إن أريد بالخيانة ~~أنها صفة للفعلة المقدرة كما تقدم، ولكن يبعد ما قاله ~~ابن عطية قوله بعده: " منهم " ، وقد تقدم لنا نظير ذلك في ~~قوله: # ما فعلوه إلا قليل منهم # [النساء: 66] من حيث جوز الزمخشري فيه أن يكون صفة ~~لمصدر محذوف. # الثالث: أنه " قلوبهم " في قوله تعالى: { وجعلنا قلوبهم ~~قاسية } ، قال صاحب هذا القول: والمراد بهم: " المؤمنون؛ ~~لأن القسوة زالت عن قلوبهم " ، وهذا بعيد جدا؛ لقوله: " ~~لعناهم ". # الرابع: أنه الضمير في " منهم " من قوله: { على خائنة ~~منهم } قال مكي. # قوله [تعالى]: { فاعف عنهم واصفح }. # قيل: " العفو " نسخ بآية السيف، وقيل: لم ينسخ، وعلى هذا ~~فيه وجهان: # أحدهما: معناه: فاعف عن مؤمنيهم، ولا تؤاخذهم بما سلف منهم. # الثاني: أنا إن حملنا القليل على الكفار [منهم الذين بقوا على ~~الكفر]، فالمعنى: ms2984 أن الله تعالى أمر رسوله بالعفو عنهم في ~~صغائر زلاتهم ما داموا باقين على العهد، وهو قول أبي ~~مسلم. # ثم قال تعالى: { إن الله يحب المحسنين }. # قال ابن عباس: إذا عفوت فأنت محسن، وإذا كنت محسنا ~~فقد أحبك الله. # وقيل: المراد بهؤلاء المحسنين: هم المعنيون بقوله تعالى: { إلا ~~قليلا منهم } وهم الذين ما نقضوا العهد. ### || [5.14] # قوله سبحانه: { ومن الذين قالوا إنا نصارى } الآية. # في قوله: { ومن الذين قالوا } خمسة أوجه: # أظهرها: [أن " من " ] متعلق بقوله: " أخذنا " ، والتقدير ~~الصحيح فيه أن يقال: تقديره: وأخذنا من الذين قالوا: إنا ~~نصارى ميثاقهم، فتوقع " الذين " بعد " أخذنا " وتؤخر عنهم ~~" ميثاقهم " ، ولا يجوز أن تقدر: " وأخذنا ميثاقهم " من " ~~الذين " فيتقدم " ميثاقهم " على " الذين قالوا ". # وإن كان ذلك جائزا من حيث كونهما مفعولين، كل منهما ~~جائز التقديم والتأخير؛ لأنه يلزم عود الضمير على ~~متأخر لفظا ورتبة وهو لا يجوز إلا في مواضع محصورة، نص ~~على ذلك جماعة منهم مكي وأبو البقاء. # والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه خبر لمبتدأ محذوف، ~~قامت صفته مقامه، والتقدير: { ومن الذين قالوا إنا ~~نصارى قوم أخذنا ميثاقهم } ، فالضمير في " ميثاقهم " ~~يعود على ذلك المحذوف. # والثالث: خبر مقدم - أيضا - ولكن قدروا المبتدأ موصولا ~~حذف، وبقيت [صلته] والتقدير: ومن الذين قالوا: إنا نصارى ~~من أخذنا ميثاقهم فالضمير في " ميثاقهم " عائد على " من " ، ~~والكوفيون يجيزون حذف الموصول، وقد تقدم لنا معهم البحث في ~~ذلك، ونقل مكي مذهب الكوفيين هذا، [وقدره عندهم: " ومن الذين ~~قالوا إنا نصارى من أخذنا " ]، وهذا التقدير لا يؤخذ منه أن ~~المحذوف موصول فقط، بل يجوز أن تكون " من " المقدرة نكرة ~~موصوفة حذفت وبقيت صفتها، فيكون كالمذهب الأول. # الرابع: أن تتعلق " من " ب " أخذنا " كالوجه الأول، إلا أنه لا ~~يلزم فيه ذلك التقدير، وهو أن توقع " من الذين " بعد " أخذنا " ~~وقبل: " ميثاقهم " ، بل يجوز أن يكون التقدير على العكس، ~~بمعنى: أن الضمير في " ميثاقهم " يعود على بني إسرائيل، ويكون ~~المصدر من قوله: " ميثاقهم " مصدرا تشبيهيا، والتقدير: ~~أخذنا من النصارى ميثاقا ms2985 مثل ميثاق بني إسرائيل، كقولك: ~~أخذت من زيد ميثاق عمرو، أي [ميثاقا مثل ميثاق عمرو]، وبهذا ~~الوجه بدأ الزمخشري، فإنه قال: أخذنا من النصارى ميثاق ~~من ذكر قبلهم من قوم موسى، أي: مثل ميثاقهم بالإيمان ~~بالله والرسل. # والخامس: أن " من الذين " معطوف على " منهم " في قوله: { ولا ~~تزال تطلع على خائنة منهم } أي: من اليهود [والمعنى: ولا ~~تزال تطلع على خائنة من اليهود]، ومن الذين قالوا إنا ~~نصارى، ويكون قوله: " أخذنا ميثاقهم " على هذا مستأنفا، ~~وهذا ينبغي ألا يجوز لوجهين: # أحدهما: الفصل غير المغتفر. # والثاني: أنه تهيئة للعامل في شيء، وقطعه عنه، وهو لا يجوز. # فصل # إنما قال: { ومن الذين قالوا إنا نصارى } ولم يقل: " ~~ومن النصارى "؛ لأنهم سموا أنفسهم بهذا الاسم ادعاء ~~لنصرة الله، بقولهم لعيسى: # نحن أنصار الله # [آل عمران: 52]، وليسوا موصوفين به. # قال الحسن: فيه دليل على أنهم نصارى بتسميتهم لا ~~بتسمية الله وقيل: أراد بهم اليهود والنصارى، فاكتفى بذكر ~~أحدهما، والصحيح الأول، والمراد ب " ميثاقهم " أنه مكتوب في ~~الإنجيل أن يؤمنوا بمحمد - عليه الصلاة والسلام - { فنسوا ~~حظا مما ذكروا به } وذلك الحظ هو الإيمان بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم وتنكير " الحظ " يدل على أن المراد به حظ واحد، ~~وهو الإيمان بمحمد، وإنما خص هذا الواحد بالذكر مع أنهم ~~تركوا كثيرا مما أمرهم به، لأن هذا هو المهم الأعظم. # وقوله: { فأغرينا بينهم العداوة والبغضآء إلى ~~يوم القيامة } بالأهواء المختلفة والجدال في الدين، فقيل: ~~بين اليهود والنصارى، وقيل: بين فرق النصارى، وأن بعضهم ~~يكفر بعضا إلى يوم القيامة. # وقوله: { وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون } ~~وعيد لهم. # قوله: " بينهم " فيه وجهان: # أحدهما: أنه ظرف ل " أغرينا ". # والثاني: أنه حال من " العداوة " ، فيتعلق بمحذوف، ولا ~~يجوز أن يكون ظرفا للعداوة؛ لأن المصدر لا يتقدم ~~معموله عليه. # و { إلى يوم القيامة } أجاز فيه أبو البقاء أن يتعلق ب " ~~أغرينا " ، أو ب " العداوة " أو ب " البغضاء " أي: أغرينا إلى ~~يوم القيامة [بينهم العداوة والبغضاء، أو أنهم يتعادون إلى يوم ~~القيامة] أو ms2986 يتباغضون إلى يوم القيامة. # وعلى ما أجازه أبو البقاء أن تكون المسألة من باب الإعمال، ~~ويكون قد وجد التنازع بين ثلاثة عوامل، ويكون من إعمال الثالث ~~للحذف من الأول والثاني، وتقدم تحرير ذلك. # و " أغرينا " من أغراه بكذا أي: ألزمه إياه، وأصله من الغراء ~~الذي يلصق به، ولامه واو [فالأصل] أغرونا، وإنما قلبت ~~الواو ياء؛ لوقوعها رابعة [ك " أغوينا " ،]، ومنه قولهم: سهم ~~مغرو أي: معمول بالغراء، يقال: غري بكذا يغرى غرى وغراء، فإذا ~~أريد تعديته عدي بالهمزة، فقيل: أغريته بكذا. # والضمير في " بينهم " يحتمل أن يعود على { الذين قالوا: إنا ~~نصارى } ، وأن يعود على اليهود المتقدمين الذكر، وبكل قال جماعة ~~كما [قدمنا] وهذا الكلام معطوف على الكلام قبله من قوله: ~~{ ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل } أي: ولقد أخذ ~~الله ميثاق بني إسرائيل، وأخذنا من الذين قالوا. ### || [5.15-16] # لما حكى عن اليهود والنصارى نقض العهد، دعاهم بعد ذلك إلى ~~الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، فقال: { يأهل الكتاب } ~~وأراد اليهود والنصارى، ووحد " الكتاب " إرادة للجنس. # ثم قال: { يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون }. # قال ابن عباس: أخفوا آية الرجم من التوراة وبينها ~~الرسول - عليه السلام - لهم، وهو لم يقرأ [كتابا] ولم يتعلم ~~علما من أحد، وهذه معجزة، وأخفوا صفة محمد - عليه الصلاة ~~والسلام - في الإنجيل، وغير ذلك. # قوله: " يبين " في محل نصب على الحال من " رسولنا " ، أي: ~~جاءكم رسولنا في هذه الحالة، و " مما " يتعلق بمحذوف؛ لأنه ~~صفة ل " كثيرا " ، و " ما " موصولة اسمية، و " تخفون " ~~صلتها، والعائد محذوف، أي: من الذين كنتم تخفونه، و " من ~~الكتاب " متعلق بمحذوف على أنه حال من العائد المحذوف. # وقوله: { ويعفوا عن كثير } ، أي: لا يظهر كثيرا مما كنتم ~~تخفون من الكتاب، فلا يتعرض لكم، ولا يؤاخذكم به؛ لأنه لا ~~حاجة له إلى إظهاره، والفائدة في ذلك: أنهم علموا كون ~~الرسول عالما بكل ما يخفونه، فيصير ذلك داعيا لهم إلى ترك ~~الإخفاء، لئلا يفتضح أمرهم. # والضمير في " يبين " و " يعفو " يعود على الرسول. # وقد ms2987 جوز قوم أن يعود على الله تعالى، وعلى هذا فلا محل ~~لقوله: " يبين " من الإعراب، ويمتنع أن يكون حالا من " ~~رسولنا " لعدم الرابط، وصفة " كثير " محذوفة للعلم بها، ~~وتقديره: عن كثير من ذنوبكم، وحذف الصفة قليل. # قوله: { قد جاءكم من الله نور } لا محل له [من الإعراب] ~~لاستئنافه، و " من الله " يجوز أن يتعلق ب " جاء " ، وأن يتعلق ~~بمحذوف على أنه حال من " نور " ، قدمت صفة النكرة عليها، ~~فنصبت حالا. # فصل في معنى الآية # والمراد بالنور: محمد - عليه الصلاة والسلام -، وبالكتاب: القرآن، ~~وقيل: المراد بالنور: الإسلام، وبالكتاب القرآن، وقيل: النور ~~والكتاب والقرآن، وهذا ضعيف؛ لأن العطف يوجب التغاير. # قوله تعالى: " يهدي " فيه خمسة أوجه: # أظهرها: أنه في محل رفع؛ لأنه صفة ثانية ل " كتاب " ، ~~وصفه بالمفرد ثم بالجملة، وهو الأصل. # الثاني: أن يكون صفة أيضا لكن ل " نور " ، وصفه بالمفرد ثم ~~بالجملة، ذكره أبو البقاء وفيه نظر، إذ القاعدة أنه إذا ~~اجتمعت التوابع قدم النعت على عطف النسق، تقول جاء ~~زيد العاقل وعمرو، ولا تقول: جاء زيد وعمرو العاقل؛ لأن ~~فيه إلباسا أيضا. # الثالث: أن يكون حالا من " كتاب " ، لأن النكرة لما تخصصت ~~بالوصف قربت من المعرفة. # وقياس قول أبي البقاء أنه يجوز أن يكون [حالا من " نور " ، كما جاز ~~أن يكون] صفة له. # الرابع: أنه حال من " رسولنا " بدلا من الجملة الواقعة حالا ~~له، وهي قوله: " يبين ". # الخامس: أنه حال من الضمير في " يبين " ذكرهما أبو البقاء، ~~ولا يخفى ما فيهما من الفصل؛ ولأن فيه ما يشبه تهيئة ~~العامل للعمل، وقطعه عنه، والضمير في " به " يعود على من ~~جعل " يهدي " حالا منه، أو صفة له. # قال أبو البقاء: فلذلك أفرد، أي: إن الضمير في " به " أتي ~~به مفردا، وقد تقدمه شيئان وهما: " نور " و " كتاب " ، ولكن ~~لما قصد بالجملة من قوله: " يهدي " الحال، أو الوصف من أحدهما، ~~أفرد الضمير. # وقيل: الضمير في " به " يعود على الرسول [وقيل: يعود على " ~~السلام " ]، وعلى هذين القولين لا تكون الجملة من قوله: " ~~يهدي ms2988 " حالا ولا صفة لعدم الرابط. # و " من " موصولة أو نكرة موصوفة، وراعى لفظها في قوله: " ~~اتبع " فلذلك [أفرد الضمير، ومعناها، فلذلك] جمعه في قوله: " ~~ويخرجهم ". # وقرأ عبيد بن عمير، ومسلم بن جندب، والزهري " به " بضم ~~الهاء حيث وقع، وقد تقدم أنه الأصل. # وقرأ الحسن " سبل " بسكون الباء، وهو تخفيف قياسي به كقولهم في ~~عنق: عنق، وهذا أولى لكونه جمعا، وهو مفعول ثان ل " ~~يهدي " على إسقاط حرف الجر، أي إلى " سبل " ، وتقدم تحقيق ~~نظيره، ويجوز أن ينتصب على أنه بدل من " رضوانه " إما ~~بدل كل من كل لأن سبل السلام [هي رضوان الباري تعالى، وإما بدل ~~اشتمال؛ لأن الرضوان مشتمل على سبل السلام؛ أو لأنها مشتملة على رضوان ~~الله تعالى، وإما بدل] بعض من كل؛ لأن سبل السلام بعض الرضوان. # فصل # معنى { يهدي به الله } أي: بالكتاب المبين { من اتبع ~~رضوانه } أي: كان مطلوبه من طلب الدين اتباع الدين [الذي] ~~يرتضيه الله، " سبل السلام " [أي: طرق السلامة] وقيل: ~~السلام هو الله عز وجل، و " سبله ": دينه الذي شرع لعباده، ~~ويجوز أن يكون على حذف مضاف، أي: سبل دار السلام، ونظيره قوله: # والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم ~~سيهديهم ويصلح بالهم # [محمد: 4 - 5] ومعلوم أنه ليس المراد هداية الاستدلال، بل ~~الهداية إلى طريق الجنة. # ثم قال: { ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه } أي: من ~~ظلمات الكفر إلى نور الإيمان " بإذنه " بتوفيقه و " بإذنه " ~~متعلق ب " يخرجهم " أي: بتيسيره أو بأمره، و " الباء " ~~للحال أي: مصاحبين لتيسيره أو للسببية، أي: بسبب أمره ~~المنزل على رسوله. # وقيل: " الباء " تتعلق بالاتباع، أي: يتبع رضوانه بإذنه. # قال ابن الخطيب: ولا يجوز أن تتعلق بالهداية، [ولا بالإخراج؛ ~~لأنه لا معنى له، فدل ذلك على أنه لا يتبع رضوان الله إلا من ~~أراد الله منه ذلك]. # ثم قال: { يهديهم إلى صراط مستقيم } وهو الدين الحق. ### || [5.17] # وهم اليعقوبية من النصارى، يقولون: المسيح هو الله، وهذا ~~مذهب الحلولية، فإنهم يقولون: إن الله تعالى قد يحل في ms2989 ~~بدن إنسان معين أو في روحه، ثم إنه تعالى احتج على فساد ~~هذا المذهب بقوله تعالى: { قل فمن يملك من الله شيئا ~~}. # قوله تعالى: { قل فمن يملك } [الفاء عاطفة هذه الجملة على ~~جملة مقدرة قبلها، والتقدير: قل كذبوا، أو ليس الأمر كذلك فمن ~~يملك؟] وقوله: " من الله " فيه احتمالان: # أظهرهما: أنه متعلق بالفعل قبله. # والثاني: ذكره أبو البقاء: أنه حال من " شيئا " ، يعني: من حيث ~~إنه كان صفة في الأصل للنكرة، فقدم عليها [فانتصب حالا]، ~~وفيه بعد أو منع. # وقوله " فمن " استفهام توبيخ وتقرير وهو دال على جواب ~~الشرط بعده عند الجمهور. # قوله: { إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ~~ومن في الأرض جميعا } وهذه جملة شرطية قدم فيها ~~الجزاء على الشرط، والتقدير: إن أراد أن يهلك المسيح ابن ~~مريم وأمه ومن في الأرض جميعا فمن الذي يقدر أن يدفعه عن ~~مراده ومقدوره. # وقوله: { فمن يملك من الله شيئا } أي: فمن يملك من ~~أفعال الله شيئا، والملك هو القدرة، أي: فمن الذي يقدر على ~~دفع شيء من أفعال الله. # وقوله { ومن في الأرض جميعا } ، يعني: أن عيسى مشاكل من ~~في الأرض في القدرة والخلقة والتركيب وتغيير الأحوال ~~والصفات، فلما سلمتم كونه تعالى خالقا للكل، وجب أن يكون ~~خالقا لعيسى. # قوله: { ومن في الأرض } من باب عطف التام على الخاص، حتى ~~يبالغ في نفي الإلهية عنهما، فكأنه نص عليهما مرتين؛ مرة ~~بذكرهما مفردين، ومرة باندراجهما في العموم. # و " جميعا ": حال من المسيح وأمه ومن في الأرض، أو من " من " ~~وحدها لعمومها. # ويجوز أن تكون منصوبة على التوكيد مثل " كل " ، وذكرها بعض ~~النحاة من ألفاظ التوكيد. # ثم قال: { ولله ملك السماوات والأرض } ثم قال: " وما ~~بينهما " ، ولم يقل: بينهن؛ لأنه ذهب بذلك مذهب ~~الصنفين والنوعين. # وقوله: { يخلق ما يشاء } جملة لا محل لها من الإعراب ~~لاستئنافها، وفي معناها وجهان: # الأول: يخلق ما يشاء، فتارة يخلق الإنسان من ذكر وأنثى كما هو ~~معتاد، وتارة لا من الأب والأم كما في [حق آدم]، ms2990 وتارة من الأم لا ~~من الأب كما في حق عيسى - عليه السلام -. # والثاني: { يخلق ما يشاء } يعني: أن عيسى إذا قدر صور الطير ~~من الطين، فالله يخلق فيه الحياة والقدرة معجزة لعيسى، ~~وتارة يحيي الموتى، وتارة يبرىء الأكمه والأبرص ~~معجزة له، [ولا اعتراض على الله] في شيء من أفعاله، { ~~والله على كل شيء قدير }. ### || [5.18] # واعلم: أن اليهود والنصارى لا يقولون ذلك؛ فلهذا ذكر ~~المفسرون وجوها: # أحدها: أن هذا من باب حذف المضاف، أي: نحن أبناء رسل الله، ~~كقوله: # إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله # [الفتح: 10]. # الثاني: أن لفظ الابن كما يطلق على ابن الصلب، قد يطلق - ~~أيضا - على من يتخذ أبناء، بمعنى تخصيصه بمزيد الشفقة ~~والمحبة، فالقوم لما ادعوا عناية الله بهم، ادعوا ~~[أنهم أبناء لله]. # الثالث: أن اليهود زعموا أن العزير [ابن الله]، ~~والنصارى زعموا أن المسيح ابن الله، ثم زعموا أن العزير ~~والمسيح كانا منهم كأنهم قالوا: نحن أبناء الله، ألا ترى ~~أن أقارب الملك إذا فاخروا أحدا يقولون: نحن ملوك ~~الدنيا، والمراد: كونهم مختصين بالشخص الذي هو الملك، ~~فكذا ها هنا. # الرابع: قال ابن عباس: إن النبي صلى الله عليه وسلم دعا جماعة ~~من اليهود إلى دين الإسلام، وخوفهم بعقاب الله تعالى، ~~فقالوا كيف تخوفنا بعقاب الله ونحن أبناء الله ~~وأحباؤه، فهذه الرواية [إنما] وقعت عن تلك الطائفة. # وأما النصارى فإنهم يتلون في الإنجيل أن المسيح قال لهم: أذهب ~~إلى أبي وأبيكم، وقيل: أرادوا أن الله تعالى كالأب لنا في ~~الحنو والعطف، ونحن كالأبناء [له] في القرب والمنزلة. # وقال إبراهيم النخعي: إن اليهود وجدوا في التوراة، يا ~~أبناء [أحباري، فبدلوا يا أبناء] أبكاري فمن ذلك قالوا: { ~~نحن أبناء الله وأحباؤه } ، وجملة الكلام أن اليهود ~~والنصارى كانوا يرون لأنفسهم فضلا على سائر الخلق، ~~بسبب أسلافهم الأنبياء إلى أن ادعوا ذلك. # قوله تعالى: " فلم يعذبكم " هذه الفاء جواب شرط مقدر، وهو ~~ظاهر كلام الزمخشري، فإنه قال: فإن صح أنكم أبناء الله ~~وأحباؤه فلم تذنبون وتعذبون؟ ويجوز أن يكون ms2991 الكلام ~~كالفاء قبلها في كونها عاطفة على جملة مقدرة، أي: ~~كذبتم فلم يعذبكم، و " الباء " في " بذنوبكم " سببية، و " ~~ممن خلق " صفة ل " بشر " فهو في محل رفع متعلق ~~بمحذوف. # فإن قيل: القوم إما أن يدعوا أن الله عذبهم في الدنيا أو ~~يدعوا أنه سيعذبهم في الآخرة، فإن كان موضع الإلزام ~~عذاب الدنيا، فهذا لا يقدح في ادعائهم كونهم أحباء ~~الله؛ لأن محمدا صلى الله عليه وسلم كان يدعى هو وأمته ~~أحباء الله، ثم إنهم ما خلوا عن محن الدنيا كما في ~~وقعة أحد وغيرها، وإن كان موضع الإلزام هو أنه تعالى ~~سيعذبهم في الآخرة، فالقوم ينكرون ذلك، ومجرد إخبار ~~محمد - عليه السلام - ليس بكاف في هذا الباب، فكان هذا ~~استدلالا ضائعا. # الجواب: من وجوه: # أحدها: أن موضع الإلزام هو عذاب الدنيا، والمعارضة ~~بيوم أحد غير لازمة؛ لأنا نقول: لو كانوا أبناء الله ~~وأحباءه، لم عذبهم في الدنيا؟ ومحمد - عليه الصلاة والسلام ~~- إنما ادعى أنه من أحباء الله ولم يدع أنه من أبناء ~~الله. # الثاني: أن موضع الإلزام عذاب الآخرة، واليهود والنصارى ~~كانوا معترفين بعذاب الآخرة، كما أخبر الله عنهم ~~أنهم قالوا: # لن تمسنا النار إلا أياما معدودة # [البقرة: 80]. # الثالث: أن قوله: " فلم يعذبكم " أي: لم عذب من ~~قبلكم بذنوبهم فمسخهم قردة وخنازير، إلا أنهم لما ~~كانوا من جنس أولئك المتقدمين، حسنت هذه الإضافة وهذا ~~أولى؛ لأنه تعالى لم يكن ليأمر رسوله - عليه الصلاة والسلام ~~- أن يحتج عليهم بشيء لم يدخل بعد في الوجود. # قال تعالى: { بل أنتم بشر ممن خلق } كسائر بني آدم ~~يجزون بالإحسان والإساءة، { يغفر لمن يشآء }: فضلا، { ~~ويعذب من يشآء }: عدلا، ليس لأحد عليه [حق يوجب عليه] أن ~~يغفر له، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. # ومذهب المعتزلة: أن كل من أطاع الله واحترز عن ~~الكبائر، فإنه يجب على الله عقلا إيصال الرحمة والنعمة إليه ~~أبد الآباد، ولو قطع عنه تلك النعمة لحظة واحدة لبطلت ~~الإلهية، وهذا أعظم من قول اليهود والنصارى نحن أبناء ~~الله وأحباؤه. ms2992 # كما أن قوله: { يغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء } ~~إبطالا لقول اليهود، فبأن يكون إبطالا لقول المعتزلة ~~أولى. # ثم قال تعالى: { ولله ملك السماوات والأرض وما ~~بينهما } يعني: من كان هكذا أو قدرته هكذا، كيف يستحق البشر ~~الضعيف عليه حقا واجبا؟ وكيف يملك عليه الجاهل بعبادته ~~الناقصة دينا لازما؟ # كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا ~~كذبا # [الكهف: 5]. # ثم قال: " وإليه المصير " أي: وإليه يؤول أمر الخلق؛ لأنه ~~لا يملك الضر والنفع هناك إلا هو. ### || [5.19] # قوله: " يبين لكم " فيه وجهان: # أحدهما: إن المبين هو الدين والشرائع، وإنما حسن حذفه؛ لأن ~~كل أحد يعلم أن الرسول إنما أرسل لبيان الشرائع؛ لدلالة ~~اللفظ عليه. # الثاني: أن يكون التقدير: يبين لكم البيان، وحذف ~~المفعول أكمل؛ لأنه يصير أعم فائدة، وتقدم الكلام في " ~~يبين ". # قوله: " على فترة " فيه ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنه متعلق [ب " جاءكم " ] أي: جاءكم على حين فتور من ~~إرسال الرسل، وانقطاع من الوحي ذكره الزمخشري. # والثاني: أنه حال من فاعل " يبين " أي يبين في حال كونه ~~على فترة. # والثالث: أنه حال من الضمير المجرور في " لكم " ، فيتعلق ~~على هذين الوجهين بمحذوف، و " من الرسل " صفة ل " فترة " ~~، على أن معنى " من ": ابتداء الغاية، أي: فترة صادرة من إرسال ~~الرسل. # فصل # قال ابن عباس: يريد على انقطاع من الأنبياء، يقال: فتر ~~الشي يفتر فتورا إذا سكنت حركته، فصار أقل ما كان ~~عليه، وسميت المدة بين الأنبياء فترة؛ لفتور الدواعي في ~~العمل بترك الشرائع. # واختلفوا في مدة الفترة بين عيسى ومحمد - عليهما الصلاة ~~والسلام - قال أبو عثمان النهدي: ستمائة سنة، وقال قتادة: خمسمائة ~~سنة وستون سنة، وقال معمر والكلبي: خمسمائة سنة وأربعون ~~سنة. # وعن الكلبي بين موسى وعيسى ألف وسبعمائة سنة وألفا نبي، وبين ~~عيسى ومحمد أربعة من الأنبياء؛ ثلاثة من بني إسرائيل، وواحد من العرب ~~وهو خالد بن سنان العبسي. # والفائدة في بعثة محمد - عليه الصلاة والسلام - على فترة من ~~الرسل؛ لأن التحريف والتغيير قد تطرق إلى الشرائع ~~المتقدمة، لتقادم ms2993 عهدها وطول أزمانها، ولهذا السبب ~~اختلط الحق بالباطل، والصدق بالكذب، فصار عذرا للخلق في ~~إعراضهم عن العبادات. # وسميت فترة؛ لأن الرسل كانت تترى بعد موسى - عليه السلام - ~~من غير انقطاع إلى عيسى، ولم يكن بعد عيسى سوى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلا ما تقدم عن الكلبي. # قوله: " أن تقولوا " مفعول من أجله، فقدره ~~الزمخشري " كراهة أن تقولوا ". # وأبو البقاء " مخافة أن تقولوا " ، والأول أولى وقوله: " ~~يبين " يجوز ألا يراد له مفعول ألبتة، والمعنى: يبذل لكم ~~البيان، ويجوز أن يكون محذوفا إما لدلالة اللفظ عليه، وهو ما ~~تقدم من قوله: { يبين لكم كثيرا } وإما لدلالة الحال أي: ~~يبين لكم ما كنتم تختلفون فيه. # و " من بشير " فاعل زيدت فيه " من " لوجود الشرطين، و " لا ~~نذير " عطف على لفظه، ولو قرئ برفعه مراعاة لوضعه جاز. # وقوله: " فقد جاءكم " عطف على جملة مقدرة، أي: لا ~~تعتذروا فقد جاءكم، وما بعد هذا من الجمل واضح الإعراب لما ~~تقدم من نظائره. # ثم قال: { والله على كل شيء قدير } ، والمعنى: [أن] ~~حصول الفترة يوجب احتياج الخلق إلى بعثة الرسل عليهم ~~السلام، والله قادر على البعثة؛ لأنه رحيم كريم قادر على ~~البعثة، فوجب في رحمته وكرمه أن يبعث إليهم الرسل. ### || [5.20-25] # الواو في قوله: " وإذ قال " واو عطف، وهو متصل بقوله: # ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرآئيل # [المائدة: 12]، كأنه قيل: أخذ عليهم الميثاق، وذكر موسى نعم ~~الله وأمرهم بمحاربة الجبارين، فخالفوا الميثاق، ~~وخالفوا في محاربة الجبارين. # واعلم: أنه تعالى من عليهم بثلاثة أمور: # أولها: جعل فيهم أنبياء؛ لأنه ما بعث في أمة ما بعث في ~~بني إسرائيل من الأنبياء، فمنهم السبعون الذين اختارهم ~~موسى من قومه فانطلقوا معه إلى الجبل، وكانوا من أولاد ~~يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وهؤلاء الثلاثة من أكابر ~~الأنبياء بالاتفاق، وأولاد يعقوب - أيضا - كانوا أنبياء ~~على قول الأكثرين، والله تعالى أعلم موسى أنه لا يبعث من ~~الأنبياء إلا من ولد يعقوب ومن ولد إسماعيل، [فهذا ~~الشرف] حصل بمن مضى من الأنبياء، ms2994 وبالذين كانوا حاضرين ~~مع موسى، وبالذين أخبر الله موسى أنه يبعثهم من ولد ~~يعقوب وإسماعيل بعد ذلك. # وثانيها: قوله " وجعلكم ملوكا " ، قال ابن عباس: أصحاب خدم ~~وحشم. # قال قتادة: كانوا أول من ملك الخدم، ولم يكن قبلهم خدم، ~~وعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " كان بنو إسرائيل إذا كان لأحد خادم وامرأة ودابة يكتب ~~ملكا ". # وقال أبو عبد الرحمن السلمي: سمعت عبد الله بن عمرو ~~بن العاص، وسأله رجل فقال: ألسنا فقراء المسلمين ~~المهاجرين؟ فقال له عبد الله: " ألك امرأة تأوي ~~إليها؟ قال: نعم، قال: ألك سكن تسكنه؟ قال: نعم، قال: ~~فأنت من الأغنياء، قال: لي خادم، قال: فأنت من الملوك ". # وقال السدي: وجعلكم [ملوكا] أحرارا تملكون أمر ~~أنفسكم، بعدما كنتم في أيدي القبط يستعبدونكم. # وقال الضحاك: كانت منازلهم واسعة، فيها مياه جارية، ~~فمن كان مسكنه واسعا وفيه نهر جار، فهو ملك. # وقيل: إن كل من كان رسولا ونبيا كان ملكا؛ لأنه يملك ~~أمر أمته وكان نافذ الحكم عليهم فكان ملكا، ولهذا قال تعالى: # فقد آتينآ آل إبراهيم الكتاب والحكمة ~~وآتيناهم ملكا عظيما # [النساء: 54]. # وقيل: كان في أسلافهم وأخلافهم الملوك والعظماء، وقد يقال ~~لمن حصل فيهم الملوك: أنتم ملوك على سبيل الاستعارة. # قال الزجاج: الملك من لا يدخل عليه أحد إلا بإذنه. # وثالثها: قوله تعالى: { وآتاكم ما لم يؤت أحدا من ~~العالمين } وذلك لأنه تعالى خصهم بأنواع عظيمة من ~~الإكرام، فلق البحر لهم وأهلك عدوهم وأورثهم أموالهم، ~~وأنزل عليهم المن والسلوى، وأخرج لهم المياه الغزيرة من ~~الحجر، وأظل فوقهم الغمام، ولم يجتمع الملك ~~والنبوة لقوم كما اجتمعا لهم، وكانوا في تلك الأيام ~~هم العلماء بالله، وهم أحباب الله وأنصار دينه. # ولما ذكر هذه النعم وشرحها لهم أمرهم بعد ذلك بجهاد ~~العدو، فقال: { يقوم ادخلوا الأرض المقدسة التي ~~كتب الله لكم }. # وقرأ ابن محيصن هنا وفي جميع القرآن " يا قوم " مضموم الميم. # وتروى قراءة عن ابن كثير [ووجهها أنها] لغة في المنادى ~~المضاف إلى ياء المتكلم كقراءة ms2995 { [قل] رب احكم بالحق ~~} [الأنبياء: 112]، وقد تقدمت هذه [المسألة]. # وقرأ ابن السميفع: { يا قوم ادخلوا } بفتح الياء، وروي أن ~~إبراهيم - عليه السلام - لما صعد [جبل لبنان]، فقال الله تعالى له: ~~" انظر فما أدركه بصرك فهو مقدس، وهو ميراث لذريتك ". # والأرض المقدسة هي الأرض المطهرة من الآفات؛ لأن ~~التقديس هو التطهير، وقال المفسرون طهرت من الشرك، ~~وجعلت مسكنا وقرارا للأنبياء، وفيه نظر؛ لأن تلك الأرض ~~لما أمرهم موسى بدخولها ما كانت مقدسة عن الشرك، وما ~~كانت مقرا للأنبياء، وقد يجاب عنه بأنها كانت كذلك ~~فيما قبل. # واختلفوا في تلك الأرض، فقال عكرمة، والسدي، وابن زيد: هي ~~أريحا. # وقال الكلبي: هي دمشق وفلسطين وبعض الأردن، وقال الضحاك: ~~هي إيليا وبيت المقدس، وقال مجاهد: هي الطور وما حوله. ~~وقال قتادة: هي الشام كلها. وقال كعب: وجدت في كتاب الله ~~المنزل [أن الشام] كنز الله من أرضه، وبها كثرة من ~~عباده. # وقوله: { كتب الله لكم } يعني: في اللوح المحفوظ أنها ~~لكم مساكن. # وقال ابن إسحاق: وهب الله لكم، وقيل: جعلها لكم [قال السدي: ~~أمركم الله بدخولها]. # فإن قيل: لم قال { كتب الله لكم } ، ثم قال # فإنها محرمة عليهم # [المائدة: 26]. # فالجواب: قال ابن عباس: كانت هبة ثم حرمها عليهم بشؤم ~~تمردهم وعصيانهم، وقيل: اللفظ وإن كان عاما لكن المراد ~~به الخصوص، فكأنها كتبت لبعضهم، وحرمت على ~~بعضهم. # وقيل: إن الوعد بقوله: { كتب الله لكم } مشروط بقيد ~~الطاعة، فلما لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط. # وقيل: إنها محرمة عليهم أربعين سنة، فلما مضى الأربعون ~~حصل ما كتب. # وفي قوله: { كتب الله لكم } فائدة، وهي أن القوم وإن ~~كانوا جبارين، إلا أن الله تعالى لما وعد هؤلاء الضعفاء ~~بأن تلك الأرض لهم، فإن كانوا مؤمنين مقربين بصدق الأنبياء، ~~علموا قطعا أن الله ينصرهم عليهم، فلا بد وأن يعزموا ~~على قتالهم من غير خوف ولا جبن. # قوله: { ولا ترتدوا على أدباركم } فالجار والمجرور [حال ~~من فاعل " ترتدوا " أي: لا ترتدوا منقلبين، ويجوز أن] يتعلق ~~بنفس الفعل قبله. # وقوله: ms2996 " فتنقلبوا " فيه وجهان: # أظهرهما: أنه مجزوم عطفا على فعل النهي. # والثاني: أنه منصوب بإضمار " أن " بعد الفاء في جواب النهي. # و " خاسرين " حال. # وفي المعنى وجهان: # أحدهما: لا يرجعوا عن الدين الصحيح في نبوة موسى؛ لأنه ~~- عليه السلام - لما أخبر الله تعالى جعل تلك الأرض لهم، ~~[أو] كان هذا وعدا بأن الله ينصرهم عليهم، فلو لم يقطعوا ~~بهذه النصرة، صاروا شاكين في صدق موسى - عليه الصلاة ~~والسلام - فيصيروا كافرين بالنبوة والإلهية. # والثاني: لا ترجعوا عن الأرض التي أمرتم بدخولها إلى الأرض ~~التي خرجتم عنها، يروى أنهم عزموا على الرجوع إلى ~~مصر. # وقوله: " فتنقلبوا خاسرين " أي: في الآخرة يفوتكم ~~الثواب ويلحقكم العقاب. # وقيل: ترجعون إلى الذلة، وقيل: تمزقون في التيه، ولا ~~تصلون إلى شيء من مطالب الدنيا ومنافع الآخرة. # قوله: { قالوا يموسى إن فيها قوما جبارين } ~~والجبار: فعال من جبره على الأمر، بمعنى: أجبره عليه، وهو ~~الذي يجبر الناس على ما يريد، وهذا اختيار الفراء ~~والزجاج. # قال الفراء: لا أسمع فعالا من أفعل إلا في حرفين وهما: ~~جبار من أجبر، ودراك من أدرك. # وقيل: مأخوذ من قولهم: نخلة جبارة، إذا كانت طويلة ~~مرتفعة لا تصل الأيدي إليها، ويقال: رجل جبار، إذا ~~كان طويلا عظيما قويا تشبيها بالجبار من النخل، ~~والقوم كانوا في غاية القوة وعظم الإجسام، بحيث ما ~~كانت أيدي قوم موسى تصل إليهم، فسموهم جبارين لهذا ~~المعنى. # فصل # قال المفسرون: لما خرج موسى من مصر، وعدهم الله - تعالى - ~~إسكان أرض الشام، وكان بنو إسرائيل يسمون أرض الشام أرض ~~المواعيد، ثم بعث موسى - عليه السلام - اثني عشر نقيبا من ~~الأنبياء، يتجسسون لهم أحوال تلك الأراضي. # فلما دخلوا تلك الأماكن رأوا أجساما عظيمة، قال ~~المفسرون: فأخذهم أحد أولئك الجبارين، وجعلهم في كمه ~~مع فاكهة كان قد حملها من بستانه، وأتى بهم الملك ~~فنثرهم بين يديه، وقال متعجبا للملك: هؤلاء يريدون ~~قتالنا، فقال الملك: ارجعوا إلى صاحبكم، وأخبروه بما ~~شاهدتم. # قال ابن كثير: وهذه هذيانات من وضع جهال بني إسائيل، ولو كان ~~هذا ms2997 صحيحا لكان بنوا إسرائيل معذورين في امتناعهم عن القتال، ~~وقد ذمهم الله تعالى على مخالفتهم وترك جهادهم، ~~وعاقبهم بالتيه، ثم انصرف أولئك النقباء إلى موسى ~~وأخبروه بالواقعة، وأمرهم أن يكتموا ما شاهدوه، فلم ~~يقبلوا قوله إلا رجلان منهم، وهم: يوشع ابن نون، وكالب بن ~~يوقنا فإنهما سهلا الأمر، وقالا: هي بلاد طيبة كثيرة النعم ~~والأقوام، وإن كانت أجسامهم عظيمة، إلا أن قلوبهم ~~ضعيفة. # وأما العشرة الباقية فإنهم أوقعوا الجبن في قلوب الناس ~~حتى أظهروا الامتناع من غزوهم، وقالوا لموسى: { إنا ~~لن ندخلها أبدا ما داموا فيها، فاذهب أنت وربك ~~فقاتلا إنا هاهنا قاعدون } ، فدعا عليهم موسى، ~~فعاقبهم الله تعالى بأن أبقاهم في التيه أربعين سنة. # وقالوا: وكانت مدة غيبة النقباء المتجسسين أربعين ~~يوما، فعوقبوا بالتيه أربعين سنة. # قالوا: ومات أولئك العصاة بالتيه، وأهلك النقباء ~~العشرة في التيه بعقوبة غليظة، وقال بعضهم: إن ~~موسى وهارون ماتا - أيضا - في التيه. # وقال آخرون: إن موسى بقي، وخرج معه يوشع بن نون وكالب، ~~وقاتل الجبارين وغلبهم، ودخلوا تلك البلاد. # وروي أنه لم يخرج من التيه [أحد] ممن دخله، [بل] ماتوا ~~كلهم في مدة أربعين سنة، ولم يبق إلا ذراريهم يوشع بن ~~نون وكالب - عليهما الصلاة والسلام -. # قال المفسرون: إن بني إسرائيل دخلوا البرية عند سيناء في ~~الشهر الثالث من خروجهم من " مصر " ، وكان خروجهم في أول ~~السنة التي شرعت لهم، وهي أول فصل الربيع، فكأنهم ~~دخلوا التيه في أول فصل الصيف. # قوله تعالى: { وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها ~~فإن يخرجوا منها فإنا داخلون }. # قالوا هذا القول على سبيل الاستبعاد، كقوله تعالى: # ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم ~~الخياط # [الأعراف: 40]. # وقوله: " فإنا داخلون " أي: فإنا داخلون الأرض، فحذف ~~المفعول للدلالة عليه. # قوله: { قال رجلان من الذين يخافون } هذا الجار ~~والمجرور في محل رفع صفة ل " رجلان " ، ومفعول " ~~يخافون " محذوف تقديره: " يخافون الله " ، أو يخافون ~~العدو [ولكن ثبتهما الله تعالى] بالإيمان والثقة به، ~~حتى قالوا هذه المقالة، ويؤيد التقدير الأول التصريح ~~بالمفعول في ms2998 قراءة ابن مسعود " يخافون الله " ، وهذان ~~[التأويلان] بناء على ما هو المشهور عند الجمهور، من ~~كون الرجلين القائلين ذلك من قوم موسى، وهما: يوشع بن ~~نون بن أفرائيم بن يوسف فتى موسى، والآخر: كالب بن يوفنا ختن ~~موسى على أخته مريم بنت عمران، وكان من سبط يهوذا. # وقيل: الرجلان من الجبارين، ولكن أنعم الله عليهما ~~بالإيمان حتى قالا هذه المقالة يحرضونهم على قومهم ~~لمعاداتهم لهم في الدين وعلى هذا القول فيحتمل أن يكون ~~المفعول " يخافون " كما تقدم، أي: يخافون الله أو العدو، ~~والمعنى كما تقدم ويحتمل أن في المفعول ضميرا عائدا ~~على الموصول، ويكون الضمير المرفوع في " يخافون " ضمير ~~بني إسرائيل، فالتقدير: [من] الذين يخافهم بنو ~~إسرائيل. # وأيد الزمخشري هذا التأويل بقراءة من قرأ " يخافون " ~~مبنيا للمفعول [وبقوله أيضا] { أنعم الله ~~عليهما } ، فإنه قال: " وقراءة من قرأ " يخافون " بالضم ~~شاهدة له، ولذلك أنعم الله عليهما، كأنه قيل: من المخوفين " ~~انتهى. # والقراءة المذكورة مروية عن ابن عباس، وابن جبير، ~~ومجاهد، وأبدى الزمخشري - أيضا - في هذه القراءة احتمالا ~~آخر، وهو أن تكون من الإضافة ومعناه: من الذين يخوفون من ~~الله بالتذكرة والموعظة، أو يخوفهم وعيد الله بالعقاب. # وتحتمل القراءة - أيضا - وجها آخر، وهو: أن يكون ~~المعنى: يخافون، أي: يهابون [ويوقرون، ويرجع] إليهم ~~لفضلهم وخيرهم. # ومع هذين الاحتمالين الأخيرين، فلا ترجيح في هذه القراءة ~~لكون الرجلين من الجبارين [أما قوله كذلك: { أنعم الله عليهما } ~~، أي: في كونه مرجحا أيضا لكونهما من الجبارين] فغير ظاهر، لكون ~~هذه الصفة مشتركة بين يوشع وكالب، وبين غيرهما ممن ~~أنعم الله عليه. # قوله: { أنعم الله عليهما } في هذه الجملة خمسة أوجه: # أظهرها: أنها صفة ثانية فمحلها الرفع، وجيء هنا بأفصح ~~الاستعمالين من كونه قدم الوصف بالجار على الوصف ~~بالجملة لقربه من المفرد. # والثاني: أنها معترضة وهو - أيضا - ظاهر. # الثالث: أنها حال من الضمير في " يخافون " قاله مكي. # الرابع: أنها حال من " رجلان " ، وجاءت الحال من النكرة، ~~لأنها تخصصت بالوصف. # الخامس: أنها حال من الضمير المستتر في الجار والمجرور، ms2999 ~~وهو " من الذين " لوقوعه صفة لموصوف، وإذا جعلتها حالا ~~فلا بد من إضمار " قد " مع الماضي، على خلاف سلف [في المسألة]. # فصل # قوله: { ادخلوا عليهم الباب } مبالغة في الوعد بالنصر ~~والظفر؛ كأنه قيل: متى دخلتم باب بلدهم انهزموا، ولم ~~يبق منهم أحد، وإنما جزم هذان الرجلان في قولهما: { فإذا ~~دخلتموه فإنكم غالبون }؛ لأنهما كان عارفين صدق ~~موسى - عليه السلام -، فلما أخبرهم موسى بأن الله قال: { ~~ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم } [فقد ~~تبين أنه أوعدهم] بأن النصرة والغلبة لهم، ولذلك ~~ختموا كلامهم بقولهم: { وعلى الله فتوكلوا إن كنتم ~~مؤمنين } ، يعني: توكلوا على الله تعالى في حصول هذا النصر لكم ~~إن كنتم مؤمنين بوجود الإله القادر، ومؤمنين بنبوة ~~موسى - عليه السلام -. # قوله: { قالوا: يا موسى، إنا لن ندخلها أبدا ما ~~داموا فيها } [ " ما " ] مصدرية ظرفية و " داموا " صلتها، ~~وهي " دام " الناقصة، وخبرها الجار بعدها، وهذا الظرف بدل ~~من " أبدا " وهو بدل بعض من كل؛ لأن الأبد يعم الزمن ~~المستقبل كله، ودوام [الجبارين] فيها بعضه، وظاهر عبارة ~~الزمخشري يحتمل أن يكون بدل [كل] من كل أو عطف ~~بيان، والعطف قد يقع بين النكرتين على كلام فيه تقدم. # قال الزمخشري: " وأبدا " تعليق للنفي المؤكد بالدهر ~~المتطاول، { وما داموا فيها }: [بيان الأمر]، فهذه العبارة ~~تحتمل أنه بدل بعض من كل، لأن بدل البعض من ~~الكل مبين للمراد، نحو: " أكلت الرغيف ثلثه " ، ~~ويحتمل أن يكون بدل كل من كل، فإنه بيان أيضا للأول، ~~وإيضاح له، نحو: رأيت زيدا أخاك، ويحتمل أن يكون عطف ~~بيان. # قوله: { فاذهب أنت وربك } [في " وربك " ] أربعة ~~أوجه: # أحدها: أنه مرفوع عطفا على الفاعل المستتر في " اذهب " ، ~~وجاز ذلك للتأكيد بالضمير. # الثاني: أنه مرفوع بفعل محذوف، أي: وليذهب ربك، ويكون ~~من عطف الجمل، وقد تقدم [لي نقل] هذا القول والرد عليه، ~~ومخالفته لنص سيبويه عند قوله تعالى: # اسكن أنت وزوجك الجنة # [البقرة: 35]. # الثالث:أنه مبتدأ، والخبر محذوف، و " الواو " للحال. # الرابع: أن " الواو " للعطف، وما بعدها مبتدأ محذوف ~~والخبر - أيضا - ولا ms3000 محل لهذه الجملة من الإعراب لكونها ~~دعاء، والتقدير: وربك يعينك. # قوله: { هاهنا قاعدون } " هنا " وحده الظرف المكاني ~~الذي لا ينصرف إلا بجره؛ ب " من " و " إلى " ، و " ها " ~~قبله للتنبيه كسائر أسماء [الإشارة] وعامله " قاعدون " ، ~~وقد أجيز أن يكون خبر [ " إن " ] و " قاعدون " خبر ثان، [وهو ~~بعيد]. # وفي غير القرآن إذا اجتمع ظرف يصح الإخبار به مع ~~وصف آخر، ويجوز أن يجعل الظرف خبرا، والوصف حالا، ~~وأن يكون الخبر الوصف، والظرف منصوب به كهذه الآية. # فصل # قولهم: { فاذهب أنت وربك } فيه وجوه: # أحدها: لعل القوم كانوا مجسمة، يجوزون الذهاب ~~والمجيء على الله تعالى. # وثانيها: يحتمل ألا يكون المراد حقيقة الذهاب، بل ~~كما يقال: كلمته فذهب يجيبني، أي: يريد أن يجيبني، ~~فكأنهم قالوا: كن أنت وربك مريدين لقتالهم. # ثالثها: التقدير اذهب أنت وربك معين لك بزعمك ~~فأضمر خبر الابتداء. # فإن قيل: إذا أضمرنا الخبر فكيف يجعل قوله: " فقاتلا ~~" خبرا أيضا. # فالجواب: لا يمتنع خبر بعد خبر. # رابعها: أراد بقوله: " وربك " أخوه هارون، وسموه [ربا] ~~لأنه كان أكبر من موسى. # قال المفسرون: قولهم: { اذهب أنت وربك } ، إن قالوه ~~على وجه الذهاب من مكان إلى مكان فهو كفر، وإن قالوه على ~~وجه التمرد عن الطاعة فهو فسق، ولقد فسقوا بهذا ~~الكلام لقوله تعالى في هذه القصة: { فلا تأس على القوم ~~الفاسقين }. # والمقصود من هذه القصة: شرح حال هؤلاء اليهود، وشدة ~~بغضهم [وغلوهم] في المنازعة مع الأنبياء قديما، ~~ثم إن موسى - عليه السلام - لما سمع منهم هذا الكلام قال: { ~~رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي } في إعراب " أخي " ~~ستة أوجه: # أظهرها: أنه منصوب عطفا على " نفسي " ، والمعنى: لا ~~أملك إلا أخي مع ملكي لنفسي دون غيرنا. # الثاني: أنه منصوب عطفا على اسم " إن " ، وخبرها ~~محذوف للدلالة اللفظية عليه، أي: وإن أخي لا يملك إلا ~~نفسه. # الثالث: أنه مرفوع عطفا على محل اسم " إن "؛ لأنه يعد ~~استكمال الخبر على خلاف في ذلك، وإن كان بعضهم قد ادعى ~~الإجماع على جوازه. # الرابع: أنه مرفوع بالابتداء، ms3001 وخبره محذوف للدلالة ~~المتقدمة، ويكون قد عطف جملة غير مؤكدة على جملة ~~مؤكدة [ب " إن " ]. # الخامس: أنه مرفوع عطفا على الضمير المستكن في " أملك " ~~، والتقدير: ولا يملك أخي إلا نفسه، [وجاز ذلك للفصل بقوله: ~~" إلا نفسي " ] وقال بهذا الزمخشري، ومكي، وابن عطية، ~~وأبو البقاء ورد أبو حيان هذا الوجه، بأنه يلزم منه أن ~~موسى وهارون لا يملكان إلا نفس موسى فقط [وليس ~~المعنى على ذلك]، وهذا الرد ليس بشيء؛ لأن القائل بهذا ~~الوجه صرح بتقدير المفعول بعد الفاعل المعطوف. # وأيضا اللبس مأمون، فإن كل أحد يتبادر إلى ذهنه ~~أنه يملك أمر نفسه. # السادس: أنه مجرور عطفا على " الياء " في " نفسي " ، أي: ~~إلا نفسي ونفس أخي، وهو ضعيف على قواعد البصريين ~~للعطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، وقد ~~تقدم ما فيه. # والحسن البصري يقرأ بفتح [ياء] " نفسي " ، و " أخي ". # وقرأ يوسف بن داود وعبيد بن عمير " فافرق " بكسر ~~الراء، وهي لغة: فرق يفرق ك " يضرب " قال الراجز: [الرجز] # 1949- يا رب فافرق بينه وبيني # أشد ما فرقت بين اثنين # وقرأ ابن السميفع " ففرق " مضعفا، وهي مخالفة ~~للرسم و " بين " معمولة ل " افرق " ، وكان من حقها ألا ~~تكرر في العطف، تقول: المال بين زيد وعمرو، وإنما ~~كررت للاحتياج إلى تكرر الجار في العطف على الضمير ~~المجرور، وهو يؤيد مذهب البصريين. # فإن قيل: لم قال: { لا أملك إلا نفسي وأخي } وكان معه ~~الرجلان المذكوران؟. # فالجواب: كأنه لم يثق بهما كل الوثوق لما رأى [من] ~~إطباق الأكثرين على التمرد، ولعله إنما قال ذلك ~~تقليلا لمن وافقه، أو يكون المراد بالأخ من يؤاخيه في ~~الدين، وعلى هذا يدخل الرجلان. # والمراد بقوله: { فافرق بيننا وبين القوم ~~الفاسقين } أي: افصل بيننا وبينهم، بأن تحكم لنا ~~بما تستحق وتحكم عليهم بما يستحقون، وهو في معنى ~~الدعاء عليهم، أو يكون المعنى: خلصنا من صحبتهم، وهو ~~كقوله: # نجني من القوم الظالمين # [القصص: 21]. ### || [5.26] # قوله: { فإنها محرمة عليهم } أي الأرض المقدسة محرمة ~~عليهم أبدا، لم يرد تحريم تعبد، وقيل تحريم ms3002 منع. [في] ~~قوله: " أربعين سنة " وجهان: # أظهرهما أنه منصوب ل " محرمة " ، فإنه روي في القصة ~~أنهم بعد الأربعين دخلوها، فيكون قد قيد تحريمها عليهم بهذه ~~المدة، وأخبر أنهم " يتيهون " ، ولم يبين كمية التيه، ~~وعلى هذا ففي " يتيهون " احتمالان: # أحدهما: أنه مستأنف. # الثاني: أنه حال من الضمير في " عليهم ". # الوجه الثاني: أن " أربعين " منصوب ب " يتيهون " ، فيكون قيد ~~التيه [ب " الأربعين " ]. # [وأما] التحريم فمطلق، فيحتمل أن يكون مستمرا، أو يكون ~~منقطعا وأنها أحلت لهم. # وقد قيل بكل من الاحتمالين، روي أنه لم يدخلها أحد ممن ~~كان في التيه، ولم يدخلها إلا أبناؤهم [وأما الآباء ~~فماتوا، وما أدري ما الذي حمل أبا محمد بن عطية على ~~تجويزه أن يكون العامل في " أربعين " مضمرا يفسره] " يتيهون " ~~المتأخر، ولا ما اضطره إلى ذلك من مانع صناعي أو معنوي، ~~وجواز الوقف والابتداء بقوله: " عليهم " ، و " يتيهون " ~~[مفهومان مما] تقدم من الإعراب. # والتيه: الحيرة، ومنه: أرض تيهاء [لحيرة سالكها] قال: ~~[الطويل] # 1950- بتيهاء قفر والمطي كأنها # قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها # ويقال: " تاه يتيه وهو أتيه منه، وتاه يتوه وهو أتوه منه ~~" [فقول من قال: يتيه، وتوهته] من التداخل، ومثله: " طاح " في ~~كونه سمع في عينيه الوجهان، وأن فيه التداخل - أيضا - فإن من ~~قال: " يطيح " قال: " طوحته " ، وهو " أطوح منه ". # واختلفوا في التيه، قال [الربيع:] مقدار ستة فراسخ، وقيل: ~~تسعة فراسخ في ثلاثين فرسخا، وقيل: ستة فراسخ في اثني ~~عشر فرسخا. # وقيل: كانوا ستمائة ألف فارس. # فإن قيل: كيف يعقل بقاء هذا الجمع العظيم في هذا القدر ~~الصغير من المفازة أربعين سنة بحيث لا يتفق لأحد منهم أن ~~يجد طريقا إلى الخروج عنها؟ ولو أنهم وضعوا أعينهم على حركة ~~الشمس أو الكواكب لخرجوا منها، ولو كانوا في البحر العظيم فكيف ~~في المفازة الصغيرة؟. # فالجواب فيه وجهان: الأول: أن انخراق العادات في زمن الأنبياء ~~غير مستبعد، إذ لو فتحنا باب الاستبعاد لزم الطعن في جميع ~~المعجزات، وهو باطل. # الثاني: إذا جعلنا ذلك التحريم تحريم تعبد، زال السؤال؛ ms3003 لأن الله ~~تعالى حرم عليهم الرجوع إلى أوطانهم، وأمرهم بالمكث في تلك ~~المفازة أربعين سنة مع المشقة والمحنة جزاء لهم على سوء صنيعهم. # قال القرطبي: [قال] أبو علي: قد يكون ذلك بأن يحول الله الأرض ~~التي هم عليها إذا ناموا فيردهم إلى المكان الذي ابتدؤوا منه، وقد ~~يكون بغير ذلك من الاشتباه والأسباب [المانعة من] الخروج عنها ~~على طريق المعجزة الخارجة عن العادة. # قال بعضهم: إن هارون وموسى لم يكونا فيهم، والصحيح: أنهما كانا ~~فيهم، ولم يكن لهما عقوبة لكن كما كانت النار على إبراهيم ~~بردا وسلاما وإنما كانت العقوبة لأولئك الأقوام، ومات في ~~التيه كل من دخلها ممن جاز عشرين سنة غير يوشع وكالب، ولم يدخل ~~أريحاء أحد ممن قالوا: { إنا لن ندخلها [أبدا] } فلما هلكوا ~~وانقضت الأربعون سنة، ونشأت [النواشئ] من ذراريهم ساروا إلا حرب ~~الجبارين، واختلفوا فيمن تولى الحرب وعلى يدي من كان الفتح ~~فقيل: إنما فتح أريحاء موسى، وكان يوشع على مقدمته، فسار موسى عليه ~~السلام إليهم فيمن بقي من بني إسرائيل فدخلها يوشع، فقاتل الجبابرة ~~ثم دخلها موسى، وأقام فيها ما شاء الله، ثم قبضه الله إليه، ولا ~~يعلم قبره أحد، وهذا أصح الأقوال. وقيل: إنما قاتل الجبارين يوشع، ~~ولم يسر إليهم إلا بعد موت موسى - عليه السلام -، وقالوا: مات موسى ~~وهارون جميعا في التيه. # قال القرطبي: روى مسلم عن أبي هريرة قال: # " أرسل الله ملك الموت إلى موسى - عليه الصلاة والسلام -، ~~فلما جاءه، صكه وفقأ عينه، فرجع إلى ربه فقال: " ~~أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت " ، قال: فرد الله إليه ~~عينه، وقال: ارجع إليه وقل له: يضع يده على متن ثور فله بما غطت ~~يده بكل شعرة سنة. قال: " أي رب ثم مه " ، قال: " ثم الموت " قال: " ~~فالآن "؛ فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر؛ فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب ~~الطريق تحت الكثيب الأحمر " " # فهذا نبينا صلى الله عليه وسلم قد علم قبره ms3004 ووصف موضعه، ورآه فيه قائما ~~يصلي كما في حديث الإسراء، إلا أنه يحتمل أن يكون أخفاه الله عن الخلق ~~سواه ولم يجعله مشهورا عندهم؛ ولعل ذلك لئلا يعبد، والله أعلم. ويعني ~~بالطريق طريق بيت المقدس. ووقع في بعض الروايات إلى جانب الطور مكان ~~الطريق. واختلف العلماء في تأويل لطم موسى عين ملك الموت وفقئها على ~~أقوال؛ منها: أنها كانت عينا متخيلة لا حقيقة، وهذا باطل، لأنه يؤدي ~~إلى أن ما يراه الأنبياء من صور الملائكة لا حقيقة له. # ومنها: أنها كانت عينا معنوية وإنما فقأها بالحجة، وهذا مجاز لا حقيقة. ~~ومنها: أنه عليه السلام لم يعرف ملك الموت، وأنه رأى رجلا دخل منزله ~~بغير إذنه يريد نفسه فدافع عن نفسه فلطم عينه ففقأها؛ وتجب المدافعة في ~~هذا بكل ممكن. # وهذا وجه حسن؛ لأنه حقيقة في العين والصك؛ قاله الإمام أبو بكر بن ~~خزيمة، غير أنه اعترض عليه بما في الحديث؛ وهو أن ملك الموت لما رجع إلى ~~الله تعالى قال: " يا رب أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت " فلو لم يعرفه ~~موسى لما صدق القول من ملك الموت؛ وأيضا قوله في الرواية الأخرى: " أجب ~~ربك " يدل على تعريفه بنفسه. والله أعلم. ومنها: أن موسى عليه الصلاة ~~والسلام كان سريع الغضب، إذا غضب طلع الدخان من قلنسوته ورفع شعر ~~بدنه جبته؛ وسرعة غضبه كانت سببا لصكه ملك الموت. # قال ابن العربي: وهذا كما ترى، فإن الأنبياء معصومون أن يقع منهم ابتداء ~~مثل هذا في الرضا والغضب. ومنها وهو الصحيح من هذه الأقوال: أن موسى عليه ~~الصلاة والسلام عرف ملك الموت، وأنه جاء ليقبض روحه لكنه جاء مجيء الجازم ~~بأنه قد أمر بقبض روحه من غير تخيير، وعند موسى ما قد نص عليه نبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم من # " أن الله لا يقبض روح نبي حتى يخيره " # فلما جاءه على غير الوجه الذي أعلم بادر بشهامته وقوة نفسه إلى أدبه، ~~فلطمه ففقأ عينه امتحانا لملك الموت؛ إذ لم يصرح له بالتخيير. ms3005 ومما يدل ~~على صحة هذا، أنه لما رجع إليه ملك الموت فخيره بين الحياة والموت اختار ~~الموت واستسلم، والله بغيبه أحكم وأعلم. هذا أصح ما قيل في وفاة موسى ~~عليه السلام. وقد ذكر المفسرون في ذلك قصصا وأخبارا الله أعلم بصحتها؛ ~~وفي الصحيح غنية عنها. انتهى. # فصل # وكان عمر موسى مائة وعشرين سنة، فيروى أن يوشع رآه بعد موته في المنام ~~فقال له: كيف وجدت الموت؟ فقال: " كشاة تسلخ وهي حية ". # وقوله: { فلا تأس على القوم الفاسقين } أي لا تحزن. # [والأسى: الحزن، يقال: أسي - بكسر العين - يأسى، بفتحها، ولام ~~الكلمة تحتمل أن تكون من واو، وهو الظاهر لقولهم: " رجل أسوان " بزنة ~~سكران، أي: كثير الحزن، وقالوا في تثنية الأسى: أسوان، وإنما قلبت ~~الواو في " أسي " ياء لانكسار ما قبلها، ويحتمل أن تكون ياء فقد ~~حكي " رجل أسيان " أي كثير الحزن، فتثنيته على هذا " أسيان ". والله ~~أعلم بغيبه]. ### || [5.27-30] # واتل عليهم نبأ ابني آدم الآية. # في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه: # أحدها: أنه تعالى قال فيما تقدم: # يأيهآ الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم ~~إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف ~~أيديهم عنكم # [المائدة: 11] فذكر أن الأعداء يريدون إيقاع البلاء ~~بهم، لكنه تعالى يحفظهم [بفضله] ويمنع أعداءهم من ~~إيصال الشر إليهم، ثم ذكر قصصا تدل في أن كل من ~~خصه الله به - تعالى - من النعم العظيمة في الدين ~~والدنيا فإن الناس يتنازعونه حسدا، فذكر قصة النقباء ~~الاثني عشر، وأخذ الميثاق منهم، ثم إن اليهود نقضوا ذلك الميثاق ~~حتى وقعوا في اللعن والقساوة، وذكر بعد شدة إصرار النصارى على ~~الكفر، وقولهم ب " التثليث " بعد ظهور الدلائل الواضحة القاطعة ~~على فساد اعتقادهم، وما ذلك إلا حسدا لمحمد صلى الله عليه وسلم ~~فيما آتاه الله من الدين الحق ثم ذكر قصه موسى في محاربة ~~الجبارين، وإصرار قمه على التمرد والعصيان، ثم ذكر بعد ~~قصة ابني آدم، وأن أحدهما قتل الآخر حسدا على قبول ~~قربانه، وكل هذه القصص دالة على أن كل ذي ms3006 نعمة محسود، ~~فلما كانت نعم الله على محمد صلى الله عليه وسلم أعظم النعم لم ~~يبعد اتفاق الأعداء على كيده، فكان ذكر هذه القصص تسلية له فيما ~~هدده به اليهود من المكر والكيد. # ثانيها: أنه متعلق بقوله: # يأهل الكتاب قد جآءكم رسولنا يبين لكم ~~كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن ~~كثير # [المائدة: 15]. # وهذه القصص مذكورة في التوراة. # وثالثها: أنها متعلقة بقصة [محاربة] الجبارين، أي: ذكروا ~~اليهود بحديث ابني آدم؛ ليعلموا أن سبيل أسلافهم في الندامة ~~والحسرة الحاصلة بسبب إقدامهم على المعاصي، مثل سبيل ابني آدم في ~~ندامة أحدهما على قتل الآخر. # رابعها: أنه متصل بحكاية قول اليهود والنصارى: # نحن أبناء الله وأحباؤه # [المائدة: 18] أي: لا ينفعهم كونهم أولاد الأنبياء مع كفرهم، ~~كما لم ينتفع ولد آدم بقتل أخيه بكون أبيه نبيا معظما عند ~~الله - تعالى -. # وخامسها: لما كفر أهل الكتاب بمحمد - عليه الصلاة والسلام - ~~حسدا أخبرهم الله - تعالى - بخبر ابني آدم، وأن الحسد ~~أوقعه في سوء الخاتمة، والمقصود منه التحذير عن الحسد. # الضمير في " عليهم " فيه قولان: # أحدهما: واتل على الناس. # والثاني: واتل على أهل الكتاب. # وفي " ابني آدم " قولان: # أحدهما: أنها ابنا آدم لصلبه، وهما: قابيل، وهابيل، وفي سبب ~~[وقوع] المنازعة بينهما قولان: # أحدهما: أن هابيل كان صاحب غنم، وقابيل صاحب زرع فقرب كل ~~واحد منهما قربانا، فطلب هابيل أحسن شاة كانت في غنمه وجعلها ~~قربانا، وطلب قابيل شر حنطة كانت عنده وجعلها قربانا، فنزلت ~~نار من السماء فاحتملت قربان هابيل ولم تحتمل ~~قربان قابيل، فعلم قابيل أن الله تعالى قبل قربان أخيه ولم يقبل ~~قربانه، فحسده وقصد قتله. # قال سعيد بن جبير: ولم يحتمل قربان قابيل، فعلم ~~قابيل أن الله قبل قربان أخيه ولم يقبل قربانه؛ لأنه كان ~~كافرا فقال قابيل لأخيه هابيل - وكان مؤمنا -: أتمشي على الأرض ~~يراك الناس أفضل مني به، فحسده وقصد قتله. # وثانيهما: روي أن آدم - عليه السلام - كان يولد له [في كل بطن] ~~غلام وجارية وكان يزوج [تلك] البنت من البطن ms3007 بالغلام من بطن آخر، ~~فولد له قابيل [وتوأمته،] قال الكلبي: وكان اسمها " ~~إقليمياء " -، وبعدهما هابيل وتوأمته وكانت توأمة قابيل ~~أحسن الناس وجها، فأراد آدم - عليه السلام - أن يزوجها من ~~هابيل، فأبى قابيل وقال: أنا أحق بها وهو أحق بأخته وليس هذا من ~~الله وإنما هو رأيك، فقال آدم - عليه السلام - لهما: قربا ~~قربانا فأيكما قبل قربانه زوجتها منه، فقربا ~~قربانين، فقبل الله قربان هابيل بأن أنزل على ~~قربانه نارا فازداد قابيل حسدا له. # قال القرطبي: وروي عن جعفر الصادق - رضي الله عنه ~~- " أن آدم - عليه السلام - لم يكن يزوج ابنته من ابنه، ولو فعل ~~ذلك ما رغب عنه النبي صلى الله عليه وسلم، ولا كان دين آدم عليه ~~السلام إلا دين النبي صلى الله عليه وسلم... " ، وذكر قصته. قال ~~القرطبي: وهذه القصة عن جعفر ما أظنها تصح، وأنه ~~يزوج غلام هذا البطن إلى البطن الآخر، بدليل قوله تعالى: # يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من ~~نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما ~~رجالا كثيرا ونسآء # [النساء: 1]، وهذا كالنص ثم نسخ ذلك على ما تقدم بيانه في " سورة ~~البقرة " وكان جميع ما ولدته حواء أربعين ولدا ذكرا، وأنثى: ~~عشرين بطنا أولهم قابيل، وتوأمته إقليمياء وآخرهم عبد ~~المغيث، ثم بارك الله في نسل آدم - عليه الصلاة والسلام -. # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما -: لم يمت آدم - عليه السلام - حتى ~~بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفا. # والقول الثاني: وهو قول الحسن والضحاك: أن ابني آدم ~~اللذين قربا القربان ما كانا ابني آدم لصلبه، وإنما كانا ~~رجلين من بني إسرائيل [كانت بينهما خصومة، ولم تكن القرابين إلا في ~~بني إسرائيل]؛ لقوله تعالى في آخر القصة: # من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من ~~قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما ~~قتل الناس جميعا # [المائدة: 32]. # وصدور الذنب من ابني آدم، لا يصلح أن يكون سببا لإيجاب القصاص ~~عليهم زجرا لهم عن المعاودة إلى مثل هذا الذنب، ويدل عليه ~~أيضا أن المقصود من ms3008 هذه القصة: بيان أن اليهود من قديم الدهر ~~مصرون على التمرد والحسد حتى بلغ بهم هذا الحسد إلى أن ~~أحدهما لما قبل الله قربانه حسده الآخر وقتله، ولا شك أن هذا ~~ذنب عظيم. # فإن قبول القربان مما يدل [عليه أن صاحبه] حسن الاعتقاد ~~[وأنه] مقبول عند الله - تعالى - فتجب المبالغة في تعظيمه، ~~فلما أقدم على قتله [وقتله] مع هذه الحالة دل ذلك على أنه ~~قد بلغ في الحسد أقصى الغايات، وإذا كان المراد أن الحسد داء ~~قديم في بني إسرائيل، وجب أن يقال: [هذان الرجلان] كانا من ~~بني إسرائيل، والصحيح الأول؛ لأن القاتل جهل ما يصنع ~~بالمقتول، حتى تعلم ذلك من عمل الغراب ولو كان من بني إسرائيل ~~لما خفي عليه هذا الأمر - والله سبحانه أعلم -. # فصل # قوله تعالى: " بالحق " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه حال من فاعل " اتل " أي: اتل ذلك حال كونك ملتبسا ~~بالحق أي: بالصدق، وموافقا لما في التوراة والإنجيل. # والثاني: أنه حال من مفعوله وهي " نبأ " ، أي: اتل نبأهما ~~ملتبسا بالصدق موافقا لما في كتب الأولين لتثبت عليهم ~~الحجة برسالتك. # الثالث: أنه صفة لمصدر " اتل " ، أي: اتل ذلك تلاوة ملتبسة ~~بالحق والصدق كافة. # والزمخشري به بدأ، وعلى الأوجه الثلاثة ف " الباء " ~~للمصاحبة وهي متعلقة بمحذوف. # وقرأ أبو عمرو بتسكين الميم من " آدم " قبل باء " بالحق " ~~، وكذا كل ميم قبلها متحرك، وبعدها باء، ومعنى الكلام: واتل عليهم ~~نبأ ابني آدم بالغرض [الصحيح]، وهو تقبيح الحسد، والبغي وقيل: ~~ليعتبروا به لا ليحملوه على اللعب، كالأقاصيص التي لا ~~فائدة فيها، وهذا يدل على أن المقصود من ذكر القصص العبرة لا ~~مجرد الحكاية، لقوله تعالى: # لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب # [يوسف: 111]. # قوله تعالى: { إذ قربا [قربانا] } فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: وبه بدأ الزمخشري، وأبو البقاء: أن يكون متعلقا بنفس ~~النبأ، أي: قصتهما، وحديثهما في ذلك الوقت، وهذا واضح. # والثاني: أنه بدل من " نبأ " على حذف مضاف، تقديره: " واتل " ~~عليهم النبأ ذلك الوقت، كذا قدره الزمخشري. # قال أبو حيان: ms3009 " ولا يجوز ما ذكر؛ لأن " إذ " لا يضاف إليها إلا ~~الزمان و " نبأ " ليس بزمان. # الثالث: ذكره أبو البقاء [أنه حال من " نبأ " [وعلى هذا فيتعلق ~~بمحذوف]، لكن هذا الوجه غير واضح]. # قال أبو البقاء: ولا يجوز أن يكون ظرفا ل " اتل "؛ قلت: لأن ~~الفعل مستقبل، و " إذ " وقت ماض، فكيف يتلاقيان؟ و " القربان " ~~فيه احتمالان: # أحدهما: وبه قال الزمخشري: " أنه اسم لما يتقرب به، كما ~~أن الحلوان اسم ما يحلى أو يعطى ". # يقال: " قرب صدقة وتقرب بها "؛ لأن " تقرب " مطواع " قرب ~~". # قال الأصمعي: [تقربوا] " قرف القمع " فيعدى بالباء حتى يكون ~~بمعنى: قرب، أي: فيكون قوله: { إذ قربا قربانا } يطلب ~~مطاوعا له، والتقدير إذ قرباه، فتقربا به وفيه بعد. # قال أبو حيان: " وليس تقرب بصدقة مطاوع " قرب صدقة " لاتحاد ~~فاعل الفعلين، والمطاوعة يختلف فيها الفاعل يكون من أحدهما ~~فعل، ومن الآخر انفعال، نحو: كسرته فانكسر، وفلقته فانفلق، ~~فليس قرب صدقة، وتقرب بها، من هذا الباب، فهو غلط فاحش ~~". # قال شهاب الدين: وفيما قاله الشيخ نظر؛ لأنا نسلم هذه ~~القاعدة. # والاحتمال الثاني: أن يكون في الأصل مصدرا، ثم أطلق على الشيء ~~المتقرب به، كقولهم " نسج اليمن " ، و " ضرب الأمير ". # ويؤيد ذلك أنه لم يثن، والموضع موضع تثنية؛ لأن كلا من ~~قابيل وهابيل له قربان يخصه، فالأصل: إذ قربا قربانين ~~ولأنه لم يثن [لأنه مصدر في الأصل، وللقائل بأنه اسم ما يتقرب به لا ~~مصدر أن يقول: إنما لم يثن]؛ لأن المعنى - كما قاله أبو علي ~~الفارسي -: إذ قرب كل واحد منهما قربانا، كقوله تعالى: # فاجلدوهم ثمانين جلدة # [النور: 4] أي: كل واحد منهم. # قال ابن الخطيب: جمعهما في الفعل، وأفرد الاسم ليستدل بفعلهما ~~على أن لكل واحد منهما قربانا. # وقيل: إن القربان اسم جنس فهو يصلح للواحد والعدد. # وقوله تعالى: { فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من ~~الأخر }. # قال أكثر المفسرين: كان علامة القبول أن تأكله النار، وقال ~~مجاهد: علامة الرد أن تأكله النار. # وقيل: لم يكن في ذلك الوقت فقير يدفع إليه ms3010 ما يتقرب به إلى الله ~~- تعالى -، فكانت تنزل من السماء نار تأكله. # وإنما صار أحد القربانين مقبولا والآخر مردودا؛ لأن [حصول] ~~التقوى شرط في قبول الأعمال لقوله تعالى هاهنا حكاية عن ~~المحق { إنما يتقبل الله من المتقين } ، وقوله تعالى ~~فيما أمرنا به من القربان بالبدن: # لن ينال الله لحومها ولا دمآؤها ولكن يناله ~~التقوى منكم # [الحج: 37] فأخبر أن الذي يصل إليه ليس إلا التقوى، والتقوى ~~من صفات القلوب؛ لقوله - عليه السلام -: # " " التقوى هاهنا " وأشار إلى القلب " # وحقيقة التقوى: أن يكون على خوف ووجل من تقصير نفسه في تلك ~~الطاعة. # وأن يكون في غاية الاحتراز من أن يأتي بتلك الطاعة لغرض سوى ~~مرضاة الله تعالى. # وألا يكون فيه شركة لغير الله تعالى. # قيل: إن قابيل جعل قربانه أردأ ما كان عنده، وأضمر في نفسه ~~ألا يبالي قبل أو لم يقبل، وأنه لا يزوج أخته من أخيه ~~أبدا. # وقيل: كان قابيل ليس من أهل التقوى والطاعة فلذلك لم يقبل ~~الله قربانه. # قوله تعالى: " قال لأقتلنك " ، أي: قال الذي لم يتقبل منه ~~للمقبول منه. # وقرأ الجمهور " لأقتلنك " بالنون الشديدة، وهذا جواب قسم محذوف ~~وقرأه زيد بالخفيفة. # قال أبو حيان: [إنما يتقبل الله مفعوله محذوف]، لدلالة المعنى ~~عليه، أي: قرابينهم وأعمالهم ويجوز ألا يراد له مفعول، كقوله ~~تعالى # فأما من أعطى واتقى # [الليل: 5]، هذه الجملة قال ابن عطية: " قبلها كلام محذوف، ~~تقديره: لم تقتلني وأنا لم أجن شيئا، ولا ذنب لي في ~~تقبل الله قرباني بدون قربانك "؛ وذكر كلاما كثيرا. # وقال غيره: " فيه حذف يطول " وذكر نحوه: ولا حاجة إلى تقدير ذلك ~~كله؛ إذ المعاني مفهومة من فحوى الكلام إذا قدرت قصيرة كان ~~أحسن، والمعنى هنا: لأقتلنك حسدا على تقبل قربانك، ~~فعرض له بأن سبب التقبل التقوى. # وقال الزمخشري: " فإن قلت: كيف [كان] قوله: { إنما يتقبل ~~الله من المتقين } جوابا لقوله: " لأقتلنك "؟. # قلت: لما كان الحسد لأخيه على تقبل قربانه هو الذي حمله ~~على توعده بالقتل، قال: إنما أتيت من قبل نفسك لانسلاخها من ms3011 ~~لباس التقوى " انتهى. # وهذا ونحوه من تفسير المعنى لا الإعراب. # وقيل: إن هذه الجملة اعتراض بين كلام القاتل وكلام المقتول ~~والضمير [في " قال " ] إنما يعود إلى الله تعالى، أي: قال الله ذلك ~~لرسوله، فيكون قد اعترض بقوله { إنما يتقبل الله } بين ~~كلام قابيل وهو: " قال لأقتلنك " ، وبين كلام هابيل وهو: " ~~لئن بسطت " إلى آخره، وهو في غاية البعد لتنافر النظم. # و " اللام " في قوله: " لئن بسطت " هي الموطئة. # وقوله: { ما أنا بباسط } جواب القسم المحذوف، وهذا على ~~القاعدة المقررة من أنه إذا اجتمع شرط وقسم أجيب ~~سابقهما إلا في صورة تقدم التنبيه عليها. # وقال الزمخشري: " فإن قلت: لم جاء الشرط بلفظ الفعل، ~~والجزاء بلفظ اسم الفاعل، وو قوله " لئن بسطت " ، { ما أنا ~~بباسط }؛ قلت: ليفيد أنه لا يفعل هذا الوصف الشنيع، ولذلك ~~أكده ب " الباء " المفيدة لتأكيد النفي ". # وناقشه أبو حيان في قوله: [إن] { ما أنا بباسط } جزاء ~~للشرط. # قال: لأن هذا الجواب للقسم لا للشرط قال: " لأنه لو كان جوابا ~~للشرط للزمته الفاء لكونه منفيا ب " ما " والأداة جازمة، ~~وللزمه أيضا تلك القاعدة، وهو كونه لم يجب الأسبق منهما " وهذا ~~ليس بشيء؛ لأن الزمخشري سماه جزاء للشرط لما كان دالا على ~~جزاء الشرط، ولا نكير في ذلك [ولكنه مغرى بأن يقال: قد اعترض على ~~الزمخشري]. # وقال أيضا: وقد خالف الزمخشري كلامه هنا بما ذكره في " البقرة " في ~~قوله تعالى # ولئن أتيت الذين # [البقرة: 145]، من كونه جعله جوابا للقسم سادا مسد جواب الشرط، ~~وقد تقدم بحثه معه هناك. # فصل في معنى الآية # ومعنى قوله " بسطت " أي: مددت إلي يدك لتقتلني ما أنا ~~بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين " قال ~~عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما -: وايم الله إن كان المقتول ~~أشد الرجلين، ولكن منعه التحرج أن يبسط إلى أخيه يده، ~~وهذا في الشرع جائز لمن أريد قتله أن ينقاد ويستسلم ~~طلبا للأجر، كما فعل عثمان - رضي الله تعالى عنه - و # " قال النبي صلى الله عليه وسلم ms3012 لمحمد بن مسلمة - رضي الله عنه - ألق ~~كمك على وجهك وكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل ". # وقال مجاهد: " كتب عليهم في ذلك الوقت إذا أراد رجل قتل رجل ~~أنه لا يمتنع ويصبر ". # قوله تعالى: { إني أريد أن تبوأ بإثمي } ، فيه ثلاثة ~~تأويلات: # أحدها: على حذف همزة الاستفهام تقديره: أإني أريد؛ وهو استفهام ~~إنكار؛ لأن إرادة المعصية قبيحة، ومن الأنبياء أقبح؛ فهم ~~معصومون عن ذلك، ويؤيد هذا التأويل قراءة من قرأ " أنى أريد " ~~بفتح النون، وهي " أنى " التي بمعنى " كيف " ، أي: كيف أريد ذلك. # والثاني: أن " لا " محذوفة تقديره: إني أريد أن لا تبوء، كقوله ~~تعالى: # يبين الله لكم أن تضلوا # [النساء: 176]، وقوله تعالى: # رواسي أن تميد بكم # [النحل: 15]، أي ألا تضلوا وألا تميد وهو مستفيض وهذا أيضا فرار ~~من إثبات الإرادة له، وضعف بعضهم هذا التأويل بقوله - عليه ~~الصلاة والسلام -: # " لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول ~~كفل من دمها؛ لأنه أول من سن القتل ". # فثبت بهذا أن الإثم حاصل، وهذا الذي ضعفه به غير لازم؛ لأن ~~قائل هذه المقالة يقول: لا يلزم من عدم إرادته الإثم لأخيه عدم ~~الإثم، بل قد يريد عدمه ويقع. # الثالث: أن الإرادة على حالها، وهي: إما إرادة مجازية، أو حقيقية ~~على حسب اختلاف المفسرين في ذلك، وجاءت إرادة ذلك به لمعان ~~ذكروها، من جملتها: # أنه ظهرت له قرائن تدل على قرب أجله، وأن أخاه كافر، وإرادة ~~العقوبة بالكافر حسنة. # وقوله: " بإثمي " في محل نصب على الحال من فاعل " تبوء " أي: ~~ترجع حاملا له وملتبسا به، وقد تقدم نظيره في قوله # فبآءو بغضب # [البقرة: 90] وقالوا: لا بد من مضاف، فقدره الزمخشري " ~~بمثل إثمي " قال: " على الاتساع في الكلام، كما تقول: قرأت قراءة ~~فلان، وكتبت كتابته ". # وقدره بعضهم " بإثم قتلي، وإثم معصيتك التي لم يقبل لأجلها ~~قربانك، وإثم حسدك ". # وقيل: معناه إني أريد أن تبوء بعقاب قتلي فتكون إرادة صحيحة؛ ~~لأنها موافقة لحكم الله - عز وجل-، ولا يكون هذا إرادة ms3013 للقتل، ~~بل لموجب القتل من الإثم والعقاب روي أن الظالم إذا لم يجد ~~يوم القيامة ما يرضي خصمه، أخذ من سيئات المظلوم وحمل على ~~الظالم، فعلى هذا يجوز أن يقال: إني أريد أن تبوء بإثمي في ~~قتلك، وهذا يصلح جوابا. # قوله " فطوعت " الجمهور على " طوعت " بتشديد الواو من غير ~~ألف بمعنى " سهلت وبعثت " أي: جعلته سهلا، تقديره: بعثت له نفسه ~~أن قتل أخيه طوعا سهل عليه. # قال الزمخشري: " وسعته ويسرته من طاع له المرتع إذ ~~اتسع " انتهى. # وقال مجاهد: شجعته. # وقال قتادة: زينت له نفسه، والتضعيف فيه للتعدية؛ لأن ~~الأصل: طاع له قتل أخيه، أي: انقاد من الطواعية، فعدي ~~بالتضعيف، فصار الفاعل مفعولا كحاله مع الهمزة. # وقرأ الحسن، وزيد بن علي وجماعة كثيرة " فطاوعت " ، وأبدى ~~الزمخشري فيها احتمالين: # أحدهما: أن يكون مما جاء فيه " فاعل " لغير مشاركة بين شيئين، ~~بل بمعنى " فعل " نحو: ضاعفته وضعفته، وناعمته ~~ونعمته، وهذان المثالان من أمثلة سيبويه. # قال: " فجاءوا به على مثال عاقبته ". # قال: وقد تجيء: " فاعلت " لا تريد بها عمل اثنين، ولكنهم ~~بنوا عليه الفعل كما بنوه على " أفعلت " ، وذكر أمثلة ~~منها: " عافاه الله " ، وقل من ذكر أن " فاعل " يجيء بمعنى ~~" فعلت ". # والاحتمال الثاني: أن تكون على بابها من المشاركة، وهو أن قتل ~~أخيه كأنه دعا نفسه إلى الإقدام عليه فطاوعته انتهى. # وإيضاح العبارة في ذلك أن يقال: جعل القتل يدعو إلى نفسه لأجل ~~الحسد الذي لحق قابيل، وجعلت النفس تأبى ذلك وتشمئز منه، ~~فكل منهما - أعني القتل والنفس - كأنه يريد من صاحبه أن ~~يطيعه إلى أن غلب القتل النفس فطاوعته، و " له " متعلق ب ~~" طوعت " على القراءتين. # قال الزمخشري: و " له " لزيادة الربط، كقولك: حفظت لزيد ~~ماله. يعني أن الكلام تام بنفسه. # ولو قيل: فطوعت نفسه قتل أخيه، كما كان كذلك في قولك " ~~حفظت مال زيد " فأتى بهذه " اللام " لقوة ربط الكلام. # قال أبو البقاء: وقال قوم: طاوعت تتعدى بغير " لام " ، وهذا ~~خطأ؛ لأن التي تتعدى بغير اللام تتعدى لمفعول واحد، وقد ~~عداه ms3014 هنا إلى قتل أخيه. # وقيل: التقدير: طاوعته نفسه قتل أخيه، فزاد " اللام " وحذف " ~~على " ، أي: زاد اللام في المفعول به وهو " الهاء " ، وحذف [ " على ~~" الجارة ل " قتل أخيه " ]. # قالت المعتزلة: لو كان خالق الكل هو الله لكان ذلك التزيين ~~والتطويع مضافا إلى الله - تعالى - لا إلى النفس. # والجواب: أن الأفعال لما استندت إلى الدواعي، وكان فاعل تلك ~~الدواعي هو الله فكان فاعل الأفعال كلها هو الله - تعالى - ثم قال ~~تعالى " فقتله " ، قيل: لم يدر قابيل كيف يقتل هابيل. # قال ابن جريج: فتمثل له إبليس، فأخذ طائرا ووضع رأسه على ~~حجر، ثم شدخ له حجرا آخر، وقابيل ينظر إليه فعلمه القتل، ~~فرضخ قابيل رأس هابيل بين حجرين، قيل: قتله وهو مستسلم، ~~وقيل: اغتاله وهو نائم. # وكان لهابيل يوم قتل عشرون سنة، واختلفوا في موضع قتله: # قال ابن عباس - رضي الله عنهما - على جبل ثور، وقيل: عند عقبة حراء، ~~وقيل: بالبصرة عند موضع المسجد الأعظم، فلما قتله تركه ~~بالعراء ولم يدر ما يصنع به؛ لأنه كان أول ميت على وجه الأرض ~~من بني آدم، وقصده السباع فحمله في جراب على ظهره أربعين ~~يوما. # وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: سنة حتى أروح، وعكفت عليه ~~الطير والسباع تنظر متى يرمي به فتأكله ثم قال: { فأصبح ~~من الخاسرين }: الحائرين. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما - خسر دنياه وآخرته أما ~~الدنيا: فإنه أسخط والديه، وبقي مذموما إلى يوم القيامة، ~~وأما الآخرة: فهي العقاب الدائم العظيم. # قيل: إن قابيل لما قتل أخاه [هابيل]، هرب إلى عدن من أرض اليمن، ~~فأتاه إبليس فقال له: إنما أكلت النار قربان هابيل؛ لأنه ~~كان يخدم النار ويعبدها، فإن عبدت أنت أيضا النار حصل ~~مقصودك، فبنى بيت نار وهو أول من عبد النار، وروي أنه لما ~~قتله اسود جسده وكان أبيض، فسأله آدم عن أخيه، فقال: ~~ما كنت عليه وكيلا، فقال: بل قتلته، ولذلك اسود جسدك، ومكث ~~آدم بعده مائة سنة لم يضحك قط. # قال الزمخشري: روي أنه رثاه بشعر، وهو ms3015 كذب بحت والأنبياء ~~معصومون عن الشعر روى أنس - رضي الله عنه - قال: # " سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن يوم الثلاثاء فقال: " يوم الدم فيه ~~حاضت حواء، وفيه قتل ابن آدم أخاه " ". ### || [5.31] # قوله تعالى { فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ~~ليريه كيف يواري [سوءة أخيه] }. # هذه " اللام " يجوز فيها وجهان: # أحدهما: أنها متعلقة ب " يبحث " ، أي: ينبش ويثير التراب ~~للإراءة. # الثاني: أنها متعلقة ب " بعث " ، والمعنى: ليريه الله، أو ~~ليريه الغراب، و " كيف " معمولة ل " يواري " ، وجملة الاستفهام ~~معلقة للرؤية البصرية، فهي في محل المفعول الثاني سادة ~~مسده؛ لأن " رأى " البصرية قبل تعديها بالهمزة متعدية لواحد، ~~فاكتسبت بالهمزة آخر، وتقدم نظيرها في قوله تعالى: # أرني كيف تحي الموتى # [البقرة: 260] ومعنى: " يبحث " أي: يفتش في التراب بمنقاره ~~ويثيره، ومنه سميت سورة " براءة " البحوث؛ لأنها فتشت على ~~المنافقين، والسوءة المراد بها: ما لا يجوز أن ينكشف من ~~جسده، وهي الفضيحة أيضا، قال: [الخفيف] # 1951-.......................... # يا لقومي للسوءة السوآء # ويجوز تخفيفها بإلقاء حركة الهمزة على الواو، وهي قراءة الزهري، ~~وحينئذ لا يجوز قلب هذه الواو ألفا، وإن صدق عليها أنها حرف ~~علة متحرك منفتح ما قبله؛ لأن حركتها عارضة، ومثلها " جيل ~~" و " توم " مخففي " جيأل " و " توءم " ، ويجوز أيضا قلب ~~هذه الهمزة واوا، وإدغام ما قبلها فيها تشبيها للأصلي بالزائد ~~[وهي لغة] يقولون في " شيء " و " ضوء ": شي وضو، قال الشاعر: ~~[البسيط] # 1952- وإن يروا سية طاروا بها فرحا # مني وما سمعوا من صالح دفنوا # وبهذا قرأ أبو جعفر. # قوله تعالى: " يا ويلتا " قلب ياء المتكلم ألفا، وهي لغة ~~فاشية في المنادى المضاف إليها، وهي إحدى اللغات الست، وقد تقدم ~~ذكرها. # وقرىء كذلك على الأصل وهي قراءة الحسن البصري. # والنداء وإن كان أصله لمن يتأتى منه الإقبال وهم العقلاء، ~~إلا أن العرب تتجوز فتنادي ما لا يعقل. وهذه كلمة تستعمل ~~عند وقوع الداهية العظيمة ولفظها لفظ النداء، كأن الويل غير ~~حاضر عنده، والمعنى يا ويلتى احضري، فهذا أوان حضورك، ومثله: # يحسرة على العباد # [يس: ms3016 30]، # يحسرتى على ما فرطت # [الزمر: 56]، وأمال حمزة، والكسائي، وأبو عمرو في رواية الدوري ألف ~~" حسرتا " ، والجمهور قرأ " أعجزت " بفتح الجيم، وهي اللغة ~~الفصيحة، يقال: " عجزت " بالفتح في الماضي، " أعجز " بكسرها ~~في المضارع. # وقرأ الحسن، وابن عباس، وابن مسعود، وطلحة بكسرها وهي لغة شاذة، ~~وإنما المشهور أن يقال: " عجزت المرأة " بالكسر أي كبرت ~~عجيزتها، و " أن أكون " على إسقاط الخافض، أي: عن أن أكون، ~~فلما حذف جرى فيها الخلاف المشهور. # قوله تعالى: " فأواري ". # قرأ الجمهور بنصب الياء، وفيها تخريجان: # أصحهما: أنه عطف على " أكون " المنصوبة ب " أن " منتظما في سلكه، ~~أي: أعجزت عن كوني مشبها للغراب فمواريا. # والثاني: قاله الزمخشري، ولم يذكر غيره أنه منصوب على جواب ~~الاستفهام في قوله: " أعجزت " ، يعني: فيكون من باب قوله: # فهل لنا من شفعآء فيشفعوا لنآ # [الأعراف: 53]. # ورده أبو البقاء بعد أن حكاه عن قوم، قال: وذكر بعضهم: أنه يجوز ~~أن ينتصب على جواب الاستفهام؛ وليس بشيء، إذ ليس المعنى: أيكون ~~مني عجز فمواراة، ألا ترى أن قولك: " أين بيتك فأزورك " معناه: ~~لو عرفت لزرت ليس المعنى هنا " لو عجزت لواريت ". # قال شهاب الدين: وهذا الرد على ظاهره صحيح. # وبسط عبارة أبي البقاء: أن النحاة يشترطون في جواز نصب ~~الفعل بإضمار " أن " بعد الأشياء الثمانية - غير النفي - أن ~~ينحل الكلام إلى شرط وجزاء فإن انعقد منه شرط وجزاء صح ~~النصب، وإلا امتنع، ومنه " أين بيتك فأزورك [أي] إن عرفتني ~~بيتك أزورك ". # وفي هذا المقام لو حل منه شرط وجزاء لفسد المعنى؛ إذ يصير ~~التقدير: إن عجزت واريت، وهذا ليس بصحيح؛ لأنه إذا عجز ~~كيف يواري. # ورد أبو حيان على الزمخشري بما تقدم، وجعله غلطا فاحشا ~~وهو مسبوق إليه كما رأيت، فأساء عليه الأدب بشيء نقله عن غيره ~~الله أعلم بصحته. # وقد قرأ الفياض بن غزوان، وطلحة بن مصرف " بسكون الياء " ، ~~وخرجها الزمخشري على أحد وجهين: # إما القطع، أي: فأنا أواري، وإما على التسكين في موضع النصب ~~تخفيفا. # وقال ابن عطية: " هي لغة لتوالي الحركات ". # قال ms3017 أبو حيان: " ولا يصلح أن تعلل القراءة بهذا ما وجد عنه ~~مندوحة؛ إذ التسكين في الفتحة لا يجوز إلا ضرورة، وأيضا ~~فلم تتوال حركات ". # وقوله " فأصبح " بمعنى " صار ". # قال ابن عطية: قوله: " أصبح " عبارة عن جميع أوقاته قيم بعض ~~الزمان مكان كله، وخص الصباح بذلك [لأنه] بدء النهار، ~~والانبعاث إلى الأمور، ومظنة النشاط، ومنه قول الربيع: ~~[المنسرح] # 1953- أصبحت لا أحمل السلاح ولا # .............................. # وقول سعد بن أبي وقاص: ثم أصبحت بنو [أسد تعزرني على] الإسلام إلى ~~غير ذلك. # قال أبو حيان: وهذا التعليل الذي ذكره؛ لكون " أصبح " عبارة عن ~~جميع أوقاته، وإنما خص الصباح لكونه بدء النهار ليس بجيد؛ ~~لأن العرب استعملت " أضحى " و " بات " و " أمسى " بمعنى " ~~صار " ، وليس شيء منها بدء النهار. # قال شهاب الدين: وكيف يحسن أن يرد على أبي محمد بمثل هذا، وهو ~~لم يقل: إنها لما أقيمت مقام أوقاته للعلة التي ذكرها ~~تكون بمعنى " صار " ، حتى يلزم بأخواتها ناقصة عليه، وسيأتي ~~الكلام على ذلك في " الحجرات " عند قوله تعالى # فتصبحوا على ما فعلتم ندمين # [الآية: 6] - إن شاء الله تعالى -. # فصل # فإن قيل: فعل الغراب صار سنة في دفن الخلق فرضا على جميع ~~الناس على الكفاية. # فالجواب: قال بعض المفسرين: لما قتله ولم يدر ما يصنع به ~~بعث الله غرابين فاقتتلا، فقتل أحدهما الآخر فحفر له ~~بمنقاره ورجليه، ثم ألقاه في الحفرة فتعلم قابيل ذلك، وعلم ~~أن الغراب أكثر علما منه، وعلم أنه إنما أقدم على قتل أخيه ~~[بسبب] جهله وقلة معرفته فندم وتلهف. وقال الأصم: لما قتله وتركه ~~فبعث الله غرابا يحثو التراب على المقتول، فلما رأى القاتل ~~أن المقتول كيف يكرمه الله بعد موته ندم وقال: يا ويلتا، ~~وقال أبو مسلم: عادة الغراب دفن الأشياء فجاء غراب ودفن شيئا؛ ~~فتعلم ذلك منه. # وقيل: إنه كان عالما بكيفية الدفن، وأنه يبعد في الإنسان ~~العاقل ألا يهدى إلى هذا القدر من العمل، إلا أنه لما قتله ~~تركه بالعراء، فلما رأى الغراب يدفن الغراب رق قلبه، وقال: إن ms3018 ~~هذا الغراب لما قتل ذلك الآخر فبعد أن قتله أخفاه تحت الأرض، ~~أفأكون أقل شفقة من هذا الغراب؟! فجاء وحثى التراب على ~~المقتول، فلما رأى أن الله تعالى أكرمه حال حياته بقبول قربانه، ~~وأكرمه بعد مماته بأن بعث الغراب ليدفنه تحت الأرض، علم أنه عظيم ~~الدرجة عند الله تعالى؛ فتلهف على فعله، وعلم أن لا قدرة له على ~~التقرب إلى أخيه إلا بأن يدفنه في الأرض فلا جرم قال: { يا ~~ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب }. فإن قيل: لفظ الندم ~~وضع للزوم، ومنه سمي النديم نديما لأنه يلازم المجلس. # فالجواب أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: # " الندم توبة " # وأجابوا عنه بوجوه: # أحدها: أنه لما تعلم الدفن من الغراب صار من [النادمين على ~~كونه حمله على ظهره سنة. # وثانيها: أنه صار من النادمين]؛ لأنه لم ينتفع بقتله، وسخط عليه ~~بسببه أبواه وإخوته، وكان ندمه لهذه الأسباب لا لكونه معصية. # وثالثها: أن ندمه كان لأجل تركه بالعراء استخفافا به بعد ~~قتله، لأن الغراب لما قتل الغراب ودفنه، ندم على قساوة قلبه، ~~وقال: هذا أخي وشقيقي ومن لحمه مختلط بدمي، فإذا ظهرت الشفقة من ~~الغراب ولم تظهر مني على أخي، كنت دون الغراب في الرحمة ~~والشفقة والأخلاق الحميدة، فكان ندمه لهذه الأسباب، لا للخوف من ~~الله - تعالى -، فلذلك لم ينفعه الندم. # قال المطلب بن عبد الله بن حنطب: لما قتل ابن آدم أخاه، ~~وجفت الأرض سبعة أيام بما عليها، ثم شربت الأرض دمه كما ~~تشرب الماء، فناداه [آدم]: أين أخوك هابيل؟ قال: ما أدري ما كنت ~~عليه رقيبا. # فقال آدم: إن دم أخيك ليناديني من الأرض. فلم قتلت أخاك؟ قال: ~~فأين دمه إن كنت قتلته؟ فحرم الله - عز وجل - على الأرض أن ~~تشرب بعده [دما] أبدا، وقيل لقابيل: اذهب طريدا شريدا فزعا ~~مرعوبا لا تأمن من تراه، فأخذ بيد أخته " إقليما " وهرب بها ~~إلى اليمن، فأتاه إبليس فقال له: إنما أكلت النار قربان أخيك ~~هابيل؛ لأنه كان يعبد النار فانصب أنت أيضا نارا، ms3019 وهو أول ~~من عبد النار قال مجاهد: فعلقت إحدى رجلي قابيل إلى فخذها ~~وساقها، وعلقت من يومئذ إلى يوم القيامة، ووجهه إلى الشمس حيث ~~ما دارت عليه، في الصيف حظيرة من نار، وفي الشتاء حظيرة من ~~ثلج، واتخذ أولاد قابيل آلات اللهو، وانهمكوا في اللهو ~~وشرب الخمر وعبادة النار والزنا والفواحش، حتى غرقهم الله ~~بالطوفان أيام نوح - عليه السلام - وبقي نسل شيث. ### || [5.32] # قوله: [ { من أجل ذلك } ] فيه وجهان: # أظهرهما: أنه متعلق ب " كتبنا " وذلك إشارة إلى القتل، و " ~~الأجل " في الأصل هو: الجناية، يقال: " أجل الأمر يأجل [إجلا] ~~وأجلا وإجلاء، وأجلاء " بفتح الهمزة وكسرها إذا جناه وحده، ~~مثل: أخذ يأخذ أخذا. # ومنه قول زهير: [الطويل] # 1954- وأهل خباء صالح ذات بينهم # قد احتربوا في عاجل أنا آجله # أي: جانيه. # ومعنى قول الناس " فعلته من أجلك ولأجلك " أي: بسببك، يعني: ~~من أن جنيت فعله وأوجبته، وكذلك قولهم: " فعلته من ~~جرائك " ، أصله من أن جررته، ثم صار يستعمل بمعنى السبب. # ومنه الحديث " من جراي " أي: من أجلي. # و " من " لابتداء الغاية، أي: نشأ الكتب، وابتدى من جناية ~~القتل. # ويجوز حذف " من " واللام وانتصاب " أجل " على المفعول له ~~إذا استكمل الشروط له. قال: [الرمل] # 1955- أجل أن الله قد فضلكم # .................. # والثاني: أجاز بعض الناس أن يكون متعلقا بقوله: " من النادمين ~~" أي: ندم من أجل ذلك، أي: قتله أخاه قال أبو البقاء: ولا تتعلق ~~ب " النادمين "؛ لأنه لا يحسن الابتداء ب " كتبنا " هنا، وهذا ~~الرد غير واضح، وأين عدم الحسن [بالابتداء] بذلك؛ ابتدأ الله ~~- تعالى - إخبارا بأنه كتب ذلك، والإخبار متعلق بقصة ابني ~~آدم إلا أن الظاهر خلافه كما تقدم. # [والجمهور على فتح همزة " أجل " ، وقرأ أبو جعفر بكسرها، وهي لغة كما ~~تقدم] وروي عنه حذف الهمزة، وإلقاء حركتها وهي الكسرة على نون " من ~~" ، كما ينقل ورش فتحتها إليها، والهاء في " أنه " ضمير الأمر ~~والشأن، و " من " شرطية مبتدأة، وهي وخبرها في محل رفع ~~خبرا ل " أن " ، فإن قيل: قوله { من أجل ذلك } أي: من ms3020 أجل ما ~~مر من قصة قابيل وهابيل كتبنا على بني إسرائيل القصاص ~~وذلك مشكل، لأنه لا مناسبة بين واقعة قابيل وهابيل، وبين ~~وجوب القصاص على بني إسرائيل. # فالجواب من وجهين: # أحدهما: ما تقدم نقله عن الحسن، والضحاك: أن هذا القتل ~~إنما وقع في بني إسرائيل، لا بين ولدي آدم لصلبه. # الثاني: أن " من " في قوله { من أجل ذلك } ليس إشارة إلى قصة ~~قابيل وهابيل بل هو إشارة إلى ما ذكر في القصة من أنواع ~~المفاسد الحاصلة بسبب القتل المحرم، كقوله { فأصبح من ~~الخاسرين } ، و { أصبح من النادمين } ، فقوله " أصبح من ~~الخاسرين " إشارة إلى أنه حصل في قلبه أنواع الندم والحسرة ~~والحزن، مع أنه لا دافع لذلك ألبتة. # فإن قيل: حكم القصاص ثابت في جميع الأمم فما فائدة تخصيصه ~~ببني إسرائيل؟. # فالجواب: أن وجوب القصاص وإن كان عاما في جميع الأمم، إلا أن ~~التشديد المذكور في حق بني إسرائيل غير ثابت في جميع ~~الأديان؛ لأنه - تعالى - حكم هاهنا بأن قتل النفس جار مجرى ~~قتل جميع الناس، فالمقصود منه: المبالغة [في عقاب القتل ~~العمد العدوان، والمقصود من هذه المبالغة: أن اليهود مع علمهم ~~بهذه المبالغة العظيمة] أقدموا على قتل الأنبياء والرسل، وذلك ~~يدل على غاية قساوة قلوبهم ونهاية بعدهم عن طاعة الله، ~~ولما كان الغرض من ذكر هذه القصص، تسلية الرسول في الواقعة التي ~~ذكرنا، من أنهم عزموا على الفتك برسول الله - صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم - وبأكابر الصحابة، [فكان تخصيص] بني إسرائيل في هذه ~~القصة بهذه المبالغة مناسبا للكلام. # فصل # استدل القائلون بالقياس بهذه الآية على أن أحكام الله تعالى قد ~~تكون معللة؛ لأنه قال: { من أجل ذلك كتبنا } وهذا ~~تصريح بأن كتبه تلك الأحكام معلل بتلك المعاني المشار إليها ~~بقوله { من أجل ذلك }. # وقالت المعتزلة: # دلت هذه الآية على أن أحكام الله معللة بمصالح العباد، ~~وإذا ثبت ذلك امتنع كونه خالقا للكفر والقبائح، مريدا ~~وقوعها منهم؛ لأن خلق القبائح وإراداتها يمنع من كونه تعالى ~~مراعيا للمصالح، وذلك يبطل التعليل ms3021 المذكور في هذه الآية. # وأجاب القائلون بأن تعليل أحكام الله محال بوجوه: # أحدها: أن العلة إذا كانت قديمة لزم قدم المعلول، وإن كانت ~~محدثة وجب تعليلها بعلة أخرى ولزم التسلسل. # وثانيها: لو كان معللا بعلة، فوجود تلك [العلة] وعدمها ~~بالنسبة إلى الله تعالى إن كان على السوية امتنع كونه علة، ~~وإن لم يكن فأحدهما به أولى، وذلك يقتضي كونه مستفيدا تلك ~~الأولوية من ذلك الفعل [فيكون ناقصا لذاته مستكملا بغيره ~~وهو محال. # وثالثها: ثبت توقف الفعل] على الدواعي، ويمتنع وقوع التسلسل في ~~الدواعي، بل يجب انتهاؤها إلى الداعية الأولى التي حدثت في ~~العبد، لا من العبد بل من الله تعالى، وثبت أن عند حدوث ~~الداعية يجب الفعل. وعلى هذا التقدير: فالكل من الله تعالى، وهذا ~~يمتنع من تعليل أفعال الله وأحكامه برعاية المصالح، وإذا ثبت ~~امتناع تعليل أفعال الله وأحكامه ثبت خلو ظاهر هذه الآية من ~~المتشابهات، ويؤكده قوله تعالى: # قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك ~~المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا # [المائدة: 17]، وذلك نص صريح في أنه يحسن من الله كل شيء، ~~ولا يتوقف خلقه وحكمه على رعاية المصلحة ألبتة. # قوله تعالى " بغير نفس " فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق بالقتل قبلها. # والثاني: أنه في محل حال من ضمير الفاعل في " قتل " ، أي: قتلها ~~ظالما، ذكره أبو البقاء. # وقوله تعالى " أو فساد " الجمهور على جره عطفا على " نفس " ~~المجرور بإضافة [ " غير " إليها]، وقرأ الحسن بنصبه، وفيه وجهان: # أظهرهما: أنه منصوب على المفعول بعامل مضمر يليق بالمحل، ~~أي: أو أتى أو عمل فسادا. # والثاني: أنه مصدر، والتقدير: أو أفسد فسادا بمعنى إفساد فهو ~~اسم مصدر، كقوله: [الوافر] # 1956- وبعد عطائك المائة الرتاعا # ذكره أبو البقاء. # و " في الأرض " متعلق بنفس " فساد "؛ لأنك تقول: " أفسد في ~~الأرض " إلا في قراءة الحسن بنصبه، وخرجناه على النصب على ~~المصدرية، كما ذكره أبو البقاء، فإنه لا يتعلق به؛ لأنه مصدر ~~مؤكد، وقد نصوا على أن المؤكد لا يعمل، فيكون " في ms3022 الأرض " ~~متعلقا بمحذوف على أنه صفة ل " فسادا " والفاء في " فكأنما ~~" في الموضعين جواب الشرط واجبة الدخول، و " ما " كافة لحرف ~~التشبيه، والأحسن أن تسمى هنا مهيئة لوقوع الفعل بعدها، و ~~" جميعا ": إما حال أو توكيد. # فصل # قال الزجاج: التقدير: من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في ~~الأرض، وإنما قال تعالى ذلك؛ [لأن] القتل يحل لأسباب كالقصاص، ~~والكفر، والزنا بعد الإحصان، وقطع الطريق ونحوه، فجمع تعالى هذه ~~الوجوه كلها في قوله تعالى { أو فساد في الأرض } ثم قال: { ~~فكأنما قتل الناس جميعا }. # فإن قيل: كيف يكون قتل النفس الواحدة مساويا للكل؟ فذكر ~~المفسرون له وجوها، وهي مبنية على مقدمة، وهي أن ~~تشبيه أحد الشيئين بالآخر، لا يقتضي الحكم ~~بمشابهتهما من كل الوجوه، وإذا صحت المقدمة، فنقول: ~~الجواب من وجوه: # أحدها: [المقصود من تشبيه] قتل النفس الواحدة بقتل ~~النفوس: المبالغة في تعظيم أمر القتل العمد العدوان ~~وتفخيم شأنه، يعني: كما أن قتل كل الخلق أمر مستعظم عند ~~كل أحد، فكذلك يجب أن يكون قتل الإنسان الواحد مستعظما ~~منهيا، فالمقصود بيان مشاركتهما في الاستعظام، لا بيان ~~مشاركتهما في مقدار الاستعظام، وكيف لا يكون مستعظما وقد قال ~~- تعالى -: # ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه جهنم خالدا ~~فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا ~~عظيما # [النساء: 93]. # وثانيها: أن جميع الناس لو علموا من إنسان واحد أنه يقصد ~~قتلهم بأجمعهم، فلا شك أنهم يدفعونه دفعا لا يمكن ~~تحصيل مقصوده، فكذلك إذا علموا منه أنه يقصد قتل إنسان ~~واحد [معين يجب أن] يجدوا في دفعه، ويجتهدوا كاجتهادهم ~~في الصورة الأولى. # وثالثها: أنه لما أقدم على القتل العمد العدوان فقد رجح ~~داعية الشهوة والغضب على داعية الطاعة، ومتى كان الأمر ~~[كذلك] كان الترجيح حاصلا بالنسبة إلى كل واحد، فكان في ~~قلبه أن كل أحد نازعه في شيء من مطالبه؛ فإنه لو قدر عليه ~~لقتله، ونية المؤمن في الخيرات خير من عمله، فكذلك [نية ~~المؤمن في الشرور شر من عمله، فيصير المعنى: من يقتل إنسانا ~~قتلا عمدا ms3023 عدوانا فكأنما قتل جميع الناس]. # ورابعها: قال ابن عباس - رضي الله عنهما - في رواية عكرمة # " من قتل نبيا أو إمام عدل، فكأنما قتل الناس جميعا ~~ومن أحياها: من سلم من قتلها، فكان كمن سلم من قتل الناس ~~جميعا ". # وخامسها: قال مجاهد: من قتل نفسا محرمة يصلى النار بقتلها، ~~كما يصلاها لو قتل الناس جميعا، ومن أحياها: من سلم من قتلها، ~~فكان كمن سلم من قتل الناس جميعا. # وسادسها: قال قتادة: أعظم الله أجرها وعظم وزرها، معناه: من ~~استحل قتل مسلم بغير حقه، فكأنما قتل الناس جميعا في ~~الإثم لا يسلمون منه، ومن أحياها وتورع عن قتلها، فكأنما ~~أحيا الناس جميعا في الثواب لسلامتهم منه. # وسابعها: قال الحسن: فكأنما قتل الناس جميعا، يعني: أنه يجب ~~عليه من القصاص بقتلها، مثل الذي يجب عليه لو قتل الناس ~~جميعا، ومن أحياها، أي: عفا عمن وجب عليه القصاص له، ~~فلم يقتله فكأنما أحيا الناس جميعا، قال سليمان بن علي: ~~قلت للحسن: يا أبا سعيد: أهي لنا كما كانت لبني إسرائيل؟ ~~قال: والذي لا إله غيره ما كان دم بني إسرائيل أكرم على الله من ~~دمائنا. # وإحياء النفس: هو تخليصها من المهلكات كالحرق، والغرق، ~~والجوع المفرط، والبرد والحر المفرطين. # ثم قال: { ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا ~~منهم بعد ذلك } ، أي: بعد مجيء الرسل وبعدما كتبنا عليهم ~~تحريم القتل، " لمسرفون " الذي هو خبر " إن " ولا تمنع من ~~ذلك لام الابتداء فاصلة بين العامل ومعموله المتقدم عليه؛ لأن ~~دخولها على الخبر على خلاف الأصل؛ إذ الأصل دخولها على ~~المبتدأ، [وإنما منع منه دخول " إن " و " ذلك " إشارة إلى مجيء ~~الرسل بالبينات]. ### || [5.33-34] # لما ذكر تغليظ الإثم في قتل النفس بغير حق ولا فساد في الأرض ~~أتبعه ببيان الفساد في الأرض. # وقوله تعالى: { إنما جزآء الذين }: مبتدأ وخبره " أن ~~يقتلوا " وما عطف عليه، أي: إنما جزاؤهم التقتيل، أو ~~التصليب، أو النفي. # وقوله: " يحاربون الله " ، أي: يحاربون أولياءه كذا قدره ~~الجمهور. # وقال الزمخشري: " يحاربون رسول الله، ومحاربة ms3024 المسلمين ~~في حكم محاربته ". # يعني: أن المقصود أنهم يحاربون رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وإنما ذكر اسم الله - تبارك وتعالى - تعظيما وتفخيما لمن ~~يحارب، كقوله تعالى: # إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله # [الفتح: 10]، وقد تقدم تحقيق ذلك عند قوله تعالى: # يخادعون الله والذين آمنوا # [البقرة: 9]. # فإن قيل: المحاربة مع الله - عز وجل - غير ممكنة، فيجب ~~حمله على المحاربة مع أولياء الله، والمحاربة مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ممكنة فلفظ { يحاربون الله ورسوله } يلزم أن ~~يكون محمولا على المجاز والحقيقة معا فلفظ المحاربة بما نسبت إلى ~~الرسول فلفظ المحاربة إذا نسبت إلى الله تعالى كان مجازا، لأن ~~المراد منه محاربة أولياء الله، وإذا نسبت إلى الرسول ~~كانت حقيقة، وذلك ممتنع. # فالجواب: إنما تحمل المحاربة على مخالفة الأمر والتكليف. # والتقدير: إنما جزاء الذين يخالفون أحكام الله تعالى وأحكام ~~رسوله، ويسعون في الأرض فسادا كذا وكذا، ومن يجز ذلك لم ~~يحتج إلى شيء من هذه التأويلات بل يقول تحمل محاربتهم لله - ~~تعالى - على معنى يليق بها، وهي المخالفة مجازا، ومحاربتهم ~~لرسوله على المقاتلة حقيقة. قوله: " فسادا " في نصبه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه مفعول من أجله، أي يحاربون ويسعون لأجل الفساد، ~~وشروط النصب موجودة. # الثاني: أنه مصدر واقع موقع الحال: ويسعون في الأرض مفسدين، أو ~~ذوي فساد، أو جعلوا نفس الفساد مبالغة، ثلاثة مذاهب [مشهورة] تقدم ~~تحريرها. # الثالث: أنه منصوب على المصدر، أي: إنه نوع من العامل قبله، فإن ~~معنى " يسعون " هنا: يفسدون وفي الحقيقة، ف " فساد " قائم ~~مقام الإفساد [والتقدير:]، ويفسدون في الأرض بسعيهم إفسادا. # و " في الأرض " الظاهر: أنه متعلق بالفعل قبله، كقوله: # سعى في الأرض ليفسد # [البقرة: 205]. # وقد أجيز أن يكون في محل نصب على الحال؛ لأنه يجوز أن لو ~~تأخر عنه أن يكون صفة له. وأجيز أن يتعلق أيضا بنفس " فسادا " ~~، وهذا إنما يتمشى إذا جعلنا " فسادا " حالا. # أما إذا جعلناه مصدرا امتنع ذلك لتقدمه عليه، ولأن ~~المؤكد لا يعمل. # وقرأ الجمهور " أن يقتلوا " وما بعده من ms3025 الفعلين بالتثقيل، ~~ومعناه: التكثير بالنسبة إلى من تقع به هذه الأفعال. # وقرأ الحسن وابن محيصن بتخفيفها. # قوله تعالى " من خلاف " في محل نصب على الحال من " أيديهم ~~" و " أرجلهم " أي: [تقطع مختلف] بمعنى: أن يقطع يده ~~اليمنى، ورجله اليسرى. # والنفي: الطرد. # و " الأرض " المراد بها هاهنا ما يريدون الإقامة بها، أو يراد من ~~أرضهم. # و " أل " عوض من المضاف إليه عند من يراه. # فصل # قال الضحاك: نزلت في قوم من أهل الكتاب، كان بينهم وبين رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عهد، فنقضوا العهد وقطعوا السبيل ~~وأفسدوا. # وقال الكلبي: نزلت في قوم هلال بن عويمر، وذلك أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم واعد هلال بن عويمر وهو أبو بردة الأسلمي، ~~على ألا يعينه ولا يعين عليه، ومن مر بهلال بن عويمر إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - فهو آمن لا يهاج، فمر ~~قوم من بني كنانة يريدون الإسلام، بناس من أسلم من قوم هلال ~~بن عويمر، ولم يكن هلال شاهدا، فشدوا عليهم فقتلوهم وأخذوا ~~أموالهم، فنزل جبريل بالقصة. # وقال سعيد بن جبير: نزلت في ناس من عرينة وعكل أتوا النبي - ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وبايعوه على الإسلام وهم كذبة، ~~فبعثهم النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - إلى إبل ~~الصدقة فارتدوا، وقتلوا الراعي واستاقوا الإبل، فبعث ~~النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - من ردهم وأمر بقطع ~~أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم بمسامير وكحلهم بها، وطرحهم في ~~الحر يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا. # قال أبو قلابة: هؤلاء قتلوا وسرقوا، وحاربوا الله ورسوله ~~وسعوا في الأرض فسادا، فنزلت هذه نسخا لفعل النبي - ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم - فصارت السنة منسوخة بهذا ~~القرآن العظيم، ومن قال إن السنة لا تنسخ بالقرآن قال: ~~إنما كان الناسخ لتلك السنة سنة أخرى: ونزل هذا القرآن ~~العظيم مطابقا للسنة الناسخة. # وقال بعضهم: حكمهم ثابت إلا السمل والمثلة، وروى قتادة عن ~~ابن سيرين أن ذلك قبل أن تنزل الحدود. # قال أبو الزناد: ms3026 ولما فعل رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم - ذلك بهم أنزل الله الحدود، ونهاه عن المثلة فلم ~~يعد، وعن قتادة قال: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم [بعد ~~ذلك كان يحث على الصدقة وينهى عن المثلة، وقال سليمان ~~التيمي عن أنس: إنما سمل النبي - صلى الله] عليه وعلى آله ~~وسلم - أعين هؤلاء؛ لأنهم سملوا أعين الرعاة. # وقال الليث بن سعد: نزلت هذه الآية معاتبة لرسول الله - ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وتعليما له عقوبتهم وقال: ~~إنما جزاؤهم لا المثلة، ولذلك ما قام النبي - صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم - خطيبا إلا نهى عن المثلة. # وقيل: نزلت هذه الآية في الذين حكي عنهم من بني إسرائيل - أنهم ~~بعد أن غلظ عليهم عقاب القتل العمد العدوان، فهم مسرفون ~~في القتل ويفسدون في الأرض، فمن أتى منهم بالقتل والفساد في ~~الأرض فجزاؤهم كذا وكذا. # وقيل: نزلت هذه الآية في قطاع الطريق من المسلمين [وهذا قول] ~~أكثر الفقهاء قالوا: والذي يدل على أنه لا يجوز حمل الآية على ~~المرتدين من وجوه: # أحدها: أن قطع المرتد لا يقف على المحاربة، ولا على إظهار ~~الفساد في دار الإسلام، والآية تقتضي ذلك. # وثانيها: لا يجوز الاقتصار في المرتد على قطع اليد، ولا على ~~النفي، والآية تقتضي ذلك. # وثالثها: أن الآية تقتضي سقوط الحد بالتوبة قبل القدرة؛ لقوله ~~تعالى { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا ~~عليهم }. # والمرتد يسقط حده بالتوبة قبل القدرة وبعدها، فدل على أن ~~الآية لا تعلق لها بالمرتدين. # ورابعها: أن الصلب غير مشروع في حق المرتد، وهو مشروع هاهنا ~~فوجب ألا تكون الآية مختصة بالمرتدين. # وخامسها: أن قوله تعالى: { الذين يحاربون الله ~~ورسوله ويسعون في الأرض فسادا } يتناول كل من يوصف ~~بهذه سواء كان مسلما أو كافرا، ولا يقال: الآية نزلت في ~~الكفار؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا خصوص السبب، فإن قيل: ~~المحاربون هم الذين يجتمعون ولهم منعة، ويقصدون ~~المسلمين في أرواحهم ودمائهم، واتفقوا على أن هذه الصفة ~~إذا حصلت ms3027 في الصحراء كانوا قطاع الطريق، وأما إن حصلت في ~~الأمصار، فقال الأوزاعي ومالك والليث بن سعد والشافعي: ~~هم أيضا قطاع الطريق، هذا الحد عليهم، قالوا: وإنهم في المدن ~~يكونون أعظم ذنبا فلا أقل من المساواة، واحتجوا بالآية ~~وعمومها، ولأن هذا حد فلا يختلف كسائر الحدود [وقال أبو ~~حنيفة ومحمد: إذا حصل ذلك في المصر لا يقام عليه الحدود] لأنه ~~لا يلحقه الغوث في الغالب فلا يتمكن من المغالبة، فصار في حكم ~~السارق. # فصل # قوله تعالى في الآية { أن يقتلوا أو يصلبوا أو ~~تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من ~~الأرض }. اختلف العلماء في لفظة " أو ": فقال ابن عباس في رواية ~~الحسن، وسعيد بن المسيب، ومجاهد، والنخعي: إنها للتخيير، ~~والمعنى: أن الإمام مخير في المحاربين، إن شاء قتل، وإن شاء ~~صلب، وإن شاء قطع الأيدي والأرجل، وإن شاء نفى، وقال ابن عباس ~~- رضي الله عنهما - في رواية عطاء: " أو " هاهنا [ليست] للتخيير، ~~بل لبيان الأحكام وترتيبها. # قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - في قطاع الطريق إذا قتلوا ~~وأخذوا المال: قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال، ~~قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا؛ قطعت ~~أيديهم وأرجلهم، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ~~ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا؛ قطعت أيديهم ~~وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل، ولم يأخذوا مالا؛ نفوا ~~من الأرض، وهذا قول قتادة [والشافعي، والأوزاعي]، وأصحاب الرأي. # واختلفوا في كيفية القتل والصلب، فظاهر مذهب ~~الشافعي: أنه يقتل ثم يصلب، وقيل: يصلب حيا ثم يطعن حتى ~~يموت مصلوبا، وهو قول الليث بن سعد، وقيل: يصلب ثلاثة أيام، ~~ثم ينزل ثم يقتل، وإذا قتل يقتل حتما، لا يسقط بعفو ولي ~~الدم. # واختلف في النفي: فقال سعيد بن جبير، وعمر بن عبد ~~العزيز: أن الإمام يطلبه ففي كل بلد يوجد ينفى عنه، وقيل: ~~يطلبون ليقام عليهم الحدود، وهو قول ابن عباس، والليث بن ~~سعد، وبه قال الشافعي، وإسحاق. # وقال أبو حنيفة: النفي هو: الحبس، وهو اختيار أهل اللغة. ms3028 # قالوا: لأن قوله { أو ينفوا من الأرض }: إما أن يكون ~~المراد به النفي من جميع الأرض، وذلك غير ممكن مع بقاء ~~الحياة، [وإما] أن يكون المراد إخراجه من تلك البلدة إلى بلدة ~~أخرى وهو غير جائز، لأنه إما أن ينفى من بلاد الإسلام ~~فيؤذيهم، أو إلى بلاد الكفر فيكون تعريضا له بالردة، وذلك ~~غير جائز، فلم يبق إلا أن يكون المراد من النفي نفيه ~~عن جميع الأرض إلى مكان الحبس قالوا: والمحبوس: قد يسمى ~~منفيا من الأرض لأنه لا ينتفع بشيء من طيبات الدنيا ~~ولذاتها، ولا يرى أحدا من أحبابه، فصار منفيا عن اللذات ~~والشهوات والطيبات فكان كالمنفي في الحقيقة، ولما حبسوا ~~صالح بن عبد القدوس على تهمة الزندقة في حبس ضيق وطال لبثه ~~هناك ذكر شعر منه: [الطويل] # 1957- خرجنا من الدنيا ونحن من اهلها # فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا # وقال - سامحه الله وعفا عنه وعنا - قوله: [الطويل] # 1958- إذا [جاءنا] السجان يوما لحاجة # عجبنا وقلنا: جاء هذا من الدنيا # قوله تعالى: { ذلك لهم خزي في الدنيا }. # " ذلك " إشارة إلى الجزاء المتقدم، وهو مبتدأ. # وقوله: " لهم خزي " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون " لهم " خبرا متقدما، و " خزي " مبتدأ ~~مؤخر، و " في الدنيا " صفة له، فيتعلق بمحذوف، أو يتعلق ~~بنفس " خزي " على أنه ظرفية، والجملة في محل رفع خبر ل " ~~ذلك ". # الثاني: أن يكون " خزي " خبرا ل " ذلك " ، و " لهم " متعلق ~~بمحذوف على أنه حال من " خزي "؛ لأنه في الأصل صفة له، فلما ~~قدم انتصب حالا. # وأما " في الدنيا " فيجوز فيه الوجهان المتقدمان من كونه ~~صفة ل " خزي " أو متعلقا به، ويجوز فيه أن يكون متعلقا ~~بالاستقرار الذي تعلق به " لهم ". # الثالث: أن يكون [ " لهم " ] خبرا ل " ذلك " و " خزي " فاعل، ~~ورفع الجار هنا الفاعل لما اعتمد على المبتدأ، و " في الدنيا ~~" على هذا فيه الأوجه الثلاثة. # فصل في شبهة للمعتزلة وردها # المراد بالخزي في الدنيا: الفضيحة والهوان والعذاب، ولهم ~~في الآخرة عذاب عظيم. # قالت المعتزلة: دلت الآية [على القطع ms3029 بوعيد] الفساق من ~~أهل الصلاة وعلى أن عقابهم قد أحبط ثوابهم؛ لأنه تعالى ~~حكم بأن ذلك لهم خزي في الدنيا وذلك يدل على أن ~~استحقاقهم للذم في الحال، وإذا استحقوا الذم في الحال ~~امتنع استحقاقهم للمدح والتعظيم؛ لأن ذلك جمع بين ~~الضدين، وإذا كان كذلك ثبت القطع بوعيد الفساق، وثبت ~~القول بالإحباط. # والجواب: لا نزاع بيننا وبينكم أن هذا إنما يكون واقعا على ~~جهة الخزي والاستحقاق، إذا لم يتقدمه توبة، وإذا جاز ~~لكم [أن تشترطوا هذا الحكم بعدم التوبة] لدليل دل على ~~اعتبار هذا الشرط، فنحن أيضا نشترط لهذا الحكم عدم العفو، ~~وحينئذ لا يبقى الكلام إلا في أنه هل دل الدليل [على أنه ~~- تعالى -] يعفو عن الفساق أم لا؟ وقد تقدمت هذه المسألة في ~~سورة البقرة عند قوله تعالى # بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته # [البقرة: 81]. # قوله تعالى: { إلا الذين تابوا } فيه وجهان: # أحدهما: أنه منصوب على الاستثناء من المحاربين، وللعلماء ~~خلاف في التائب من قطاع الطريق، هل تسقط عنه العقوبات ~~كلها، أو عقوبة قطع الطريق فقط؟. # وأما ما يتعلق بالأموال وقتل الأنفس، فلا تسقط، بل حكمه إلى ~~صاحب المال، وولي الدم، والظاهر الأول. # الثاني: أنه مرفوع بالابتداء، والخبر قوله: " فإن الله غفور ~~رحيم " والعائد محذوف، أي: غفور له؛ ذكر هذا الثاني أبو البقاء. ~~وحينئذ يكون استثناء منقطعا بمعنى: لكن التائب يغفر له. # فصل # من ذهب إلى أن الآية نزلت في الكفار قال: { إلا الذين ~~تابوا }: من شركهم: وأسلموا قبل أن تقدروا عليهم فلا سبيل ~~عليهم بشيء من الحدود ولا تبعة عليهم فيما أصابوا في حال ~~الكفر من دم أو مال. # أما المسلمون المحاربون: فمن تاب منهم قبل القدرة عليه، وهو ~~قبل أن يظفر بهم الإمام تسقط عنه كل عقوبة وجبت حقا لله ~~تعالى، ولا يسقط ما كان من حقوق العباد، فإذا كان قد قتل في ~~قطع الطريق يسقط عنه بالتوبة [قبل القدرة عليه] تحتم ~~القتل، ويبقى عليه القصاص لولي القتيل إن شاء عفا عنه، وإن ~~شاء استوفاه، ms3030 وإن كان قد أخذ المال يسقط عنه القطع، وإن كان ~~جمع بينهما يسقط عنه تحتم القتل والصلب، ويجب ضمان المال. # وقال بعضهم: إذا جاء تائبا قبل القدرة [عليه لا يكون لأحد عليه ~~تبعة في دم ولا مال إلا أن يوجد معه مال بعينه فيرده إلى صاحبه. # روي عن علي رضي الله عنه في حارثة بن زيد كان خرج محاربا فسفك الدماء، ~~وأخذ الأموال ثم جاء تائبا قبل أن يقدر عليه فلم يجعل له عليه تبعة. أما ~~من تاب بعد القدرة] فلا يسقط عنه شيء منها. # وقيل: كل عقوبة تجب حقا لله - تعالى - من عقوبات قطع ~~الطريق، وقطع السرقة، وحد الزنا، والشرب تسقط بالتوبة بكل ~~حال كما تقدم والأكثرون على أنها لا تسقط. ### || [5.35] # في كيفية النظم وجهان: # أحدهما: أنه لما أخبر رسوله صلى الله عليه وسلم أن قوما من ~~اليهود هموا أن يبسطوا أيديهم إلى الرسول وإلى أصحابه بالغدر ~~والمكر، ومنعهم الله تعالى من مرادهم، وشرح للرسول شدة ~~تعصبهم على الأنبياء وإصرارهم على إيذائهم، وامتد الكلام ~~إلى هذا الموضع، فعند هذا رجع إلى المقصود الأول وقال { ~~يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه ~~الوسيلة [وجاهدوا في سبيله] } ، كأنه قيل: قد عرفتم ~~كمال جسارة اليهود على المعاصي والذنوب، وبعدهم عن ~~الطاعات التي هي الوسائل للعبد إلى الرب، فكونوا يا ~~أيها المؤمنون بالضد من ذلك فاتقوا معاصي الله، ~~وتوسلوا إليه بالطاعات. # والثاني: أنهم لما قالوا: # نحن أبناء الله وأحباؤه # [المائدة: 18]. # أي: أبناء أنبياء الله فكان افتخارهم بأعمال آبائهم كأنه تعالى ~~قال: " يا أيها الذين آمنوا [اتقوا الله] ولتكن مفاخرتكم بأعمالكم لا ~~بشرف آبائكم وأسلافكم، فاتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ". # في قوله تعالى: " إليه " ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه متعلق بالفعل قبله. # الثاني: أنه متعلق بنفس " الوسيلة ". # قال أبو البقاء: لأنها بمعنى المتوسل به، فلذلك عملت فيما قبلها. # يعني: أنها ليست بمصدر، حتى يمتنع أن يتقدم معمولها عليها. # الثالث: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من " الوسيلة " ، ~~وليس بالقوي. # و " الوسيلة " أي: القربة، فعيلة ms3031 من توسل إليه فلان بكذا إذا ~~تقرب إليه، وجمعها: وسائل. # قال لبيد: [الطويل] # 1959- أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم # ألا كل ذي لب إلى الله واسل # أي: متوسل، فالوسيلة هي التي يتوسل بها إلى المقصود. # فصل # قال ابن الخطيب: التكليف نوعان: ترك المنهيات: وهو قوله تعالى ~~" اتقوا الله " ، وفعل الطاعات: وهو قوله { وابتغوا إليه ~~الوسيلة } ، والترك مقدم على الفعل بالذات؛ لأنه بقاء على ~~العدم [الأصلي]، والفعل إيجاد وتحصيل، والعدم سابق، ولذلك ~~قدمت التقوى فإن قيل: لم اختصت الوسيلة بالفعل، مع أن ترك ~~المعاصي قد يكون وسيلة؟ # فالجواب: أن الترك بقاء على العدم، وذلك لا يمكن التوسل به، ~~بل من دعته الشهوة [إلى فعل القبيح]، فتركه مرضاة الله حصل ~~التوسل إلى الله بذلك الامتناع، لكنه من باب الأفعال، ولذلك ~~قال المحققون: ترك [الشيء] عبارة عن فعل ضده. # ثم قال - تعالى -: { وجاهدوا في سبيله لعلكم ~~تفلحون } ، لما أمر بترك ما لا ينبغي بقوله: " اتقوا ~~الله " وفعل ما ينبغي بقوله { وابتغوا إليه الوسيلة } وكل ~~واحد منهما شاق ثقيل على النفس فإن النفس تدعو إلى ~~اللذات المحسوسة، والعقل يدعو إلى خدمة الله وطاعته ~~والإعراض عن المحسوسات؛ فكان بين الحالتين تضاد وتناف، وإذا ~~كان الأمر كذلك فالانقياد لقوله تعالى { وابتغوا إليه ~~الوسيلة } من أشق الأشياء على النفس وأشدها ثقلا على ~~الطبع، فلهذا أردف ذلك التكليف بقوله { وجاهدوا في سبيله الله ~~لعلكم تفلحون } ، ولما أرشد المؤمنين في هذه الآية إلى معاقد ~~الخيرات ومفاتح السعادات، أتبعه بشرح حال الكفار. ### || [5.36-37] # قد تقدم الكلام على " أن " الواقعة بعد " لو " على أن فيها ~~مذهبين. # و " لهم " خبر ل " أن " ، و { ما في الأرض } اسمها، و " جميعا ~~" توكيد له، أو حال منه و " مثله " في نصبه وجهان: # أحدهما: عطف على اسم " أن " وهو " ما " الموصولة. # والثاني: أنه منصوب على المعية، وهو رأي الزمخشري، وسيأتي ما ~~يرد على ذلك والجواب عنه. # و " معه " ظرف واقع موقع الحال. # [ " واللام " ] متعلقة بالاستقرار الذي تعلق به الخبر، وهو " ~~لهم ". # و " به " و " من ms3032 عذاب " متعلقان بالافتداء، والضمير في " به ~~" عائد على " ما " الموصولة، وجيء بالضمير مفردا وإن تقدمه ~~شيئان وهما { ما في الأرض } و " مثله " ، إما لتلازمهما فهما ~~في حكم شيء واحد؛ وإما لأنه حذف من الثاني لدلالة ما في الأول ~~عليه، كقوله رحمة الله عليه: [الطويل] # 1960-...................... # فإني وقيار بها لغريب # أي: لو أن لهم ما في الأرض ليفتدوا به، ومثله معه ليفتدوا به ~~وإما لإجراء الضمير مجرى اسم الإشارة، كقوله: [الرجز] # 1961-................... # كأنه في الجلد........... # وقال بعضهم: ليفتدوا بذلك المال. # وقد تقدم في " البقرة ". # و " عذاب " بمعنى: تعذيب بإضافته إلى " يوم " خرج " يوم " عن ~~الظرفية، و " ما " نافية وهي جواب " لو " ، وجاء على الأكثر من ~~كون الجواب النفي بغير " لام " ، والجملة الامتناعية في محل رفع ~~خبرا ل " إن " ، وجعل الزمخشري توحيد الضمير في " به " ~~لمدرك آخر، وهو أن " الواو " في " ومثله " [واو " مع " قال بعد ~~أن ذكر الوجهين المتقدمين: ويجوز أن تكون الواو في " ومثله " ] ~~بمعنى " مع " فيتوحد المرجوع إليه. # فإن قلت: فبم ينصب المفعول معه؟. # قلت: بما تستدعيه " لو " من الفعل؛ لأن التقدير: لو ثبت أن ~~لهم ما في الأرض، يعني: أن حكم ما قبل المفعول معه في الخبر ~~والحال، وعود الضمير حكمه لو لم يكن بعده مفعول معه، تقول: " كنت ~~وزيدا كالأخ " قال الشاعر: [الطويل] # 1962- فكان وإياها كحران لم يفق # عن الماء إذ لاقاه حتى تقددا # فقال: " كحران " بالإفراد ولم يقل: " كحرانين " ، وتقول: " ~~جاء زيد وهندا ضاحكا في داره ". # وقد اختار الأخفش أن يعطى حكم المتعاطفين، يعني: فيطابق ~~الخبر، والحال، والضمير له ولما بعده، فتقول: " كنت وزيدا ~~كالأخوين ". # قال بعضهم: والصحيح جوازه على قلة. # وقد رد أبو حيان على الزمخشري، وطول معه. # قال شهاب الدين: ولا بد من نقل نصه؛ قال: وقول الزمخشري ~~ويجوز أن تكون " الواو " بمعنى " مع " ليس بشيء؛ لأنه يصير ~~التقدير: مع مثله معه، أي: مع مثل ما في الأرض [مع ما في الأرض] إن ~~جعلت الضمير في " معه " عائدا على " ما " يكون معه حالا من " ~~مثله ". # وإذا ms3033 كان ما في الأرض مع مثله كان مثله معه ضرورة، فلا فائدة في ذكر " ~~معه " لملازمة معية كل منهما للآخر. # وإن جعلت الضمير عائدا على " مثله " ، أي: مع مثله مع ذلك المثل، فيكون ~~المعنى مع مثلين، فالتعبير عن هذا المعنى بتلك العبارة ~~عيي؛ إذ الكلام المنتظم أن يكون التركيب إذا أريد ذلك المعنى ~~مع مثليه. # وقول الزمخشري: " فإن قلت " إلى آخر الجواب [هذا السؤال] لا ~~يرد؛ لأنا قد بينا فساد أن يكون " الواو " واو " مع " ، وعلى ~~تقدير وروده فهذا بناء منه على أن [ " أن " ] إذا جاءت بعد " لو " ~~كانت في محل رفع بالفاعلية، فيكون التقدير على هذا لو ثبت كينونة ~~ما في الأرض مع مثله لهم ليفتدوا به، فيكون الضمير عائدا على ~~" ما " فقط. # وهذا الذي ذكره هو تفريع منه على مذهب المبرد في أن " أن " ~~بعد " لو " في محل رفع على الفاعلية، وهو مذهب مرجوح، ومذهب ~~سيبويه: أن " أن " بعد " لو " في محل رفع مبتدأ. # والذي يظهر من كلام الزمخشري هنا وفي تصانيفه أنه ما وقف على ~~مذهب سيبويه في هذه المسألة. # وعلى المفرع على مذهب المبرد لا يجوز أن تكون " الواو " بمعنى " ~~مع " والعامل فيها " ثبت " المقدرة لما تقدم من وجود لفظة " ~~معه " ، وعلى تقديره سقوطها لا يصح؛ لأن " ثبت " ليس رافعا ~~ل " ما " العائد عليها الضمير وإنما هو رافع مصدرا منسبكا من " ~~أن " وما بعدها، وهو كون؛ إذ التقدير لو ثبت كون ما في الأرض ~~جميعا لهم ومثله معه ليفتدوا به، والضمير عائد على [ما] دون ~~الكون، فالرافع الفاعل غير الناصب للمفعول معه، إذ لو كان ~~إياه للزم من ذلك وجود الثبوت مصاحبا للمثل [والمعنى على كينونة ~~ما في الأرض مصاحبا للمثل، لا على ثبوت ذلك مصاحبا للمثل،] وهذا ~~فيه غموض. # وبيانه: أنك إذا قلت: " يعجبني قيام زيد وعمرا " ، جعلت " ~~عمرا " مفعولا معه، والعامل فيه " يعجبني " [لزم] من ذلك أن " ~~عمرا " لم يقم، وأعجبك القيام وعمرو. # وإن جعلت العامل فيه القيام: كان عمرو قائما، وكان الإعجاب ~~قد ms3034 تعلق بالقيام مصاحبا لقيام عمرو. # فإن قلت: هلا كان " ومثله معه " مفعولا معه، والعامل فيه هو ~~العامل في " لهم "؛ إذ المعنى عليه؟. # قلت: لا يصح ذلك لما ذكرناه من وجود " معه " في الجملة، ~~وعلى تقدير سقوطها لا يصح؛ لأنهم نصوا على أن قولك: " ~~هذا لك وأباك " ممنوع في الاختيار. # قال سيبويه: وأما " هذا لك وأباك " فقبيح؛ لأنه لم يذكر ~~فعلا ولا حرفا فيه معنى فعل حتى يصير كأنه قد تكلم بالفعل، ~~فأفصح سيبويه بأن اسم الإشارة وحرف الجر المتضمن [المعنى الاستقرار ~~لا يعملان في المفعول معه وقد أجاز بعض النحويين في حرف الجر والظرف أن ~~يعملا] نحو " هذا لك وأباك ". # فقوله: " وأباك " يكون مفعولا معه، والعامل الاستقرار في " ~~لك ". انتهى. ومع هذا الاعتراض الذي ذكره، فقد يظهر عنه جواب، وهو ~~أنا نقول: نختار أن يكون الضمير في قوله: " معه " عائدا على " ~~مثله " ويصير المعنى: مع مثلين، وهو أبلغ من أن يكون مع مثل ~~واحد. # وقوله: " تركيب عيي " فهم قاصر، ولا بد من جملة ~~محذوفة قبل قوله: { ما تقبل منهم } تقديره: وبذلوه، أو ~~وافتدوا به، ليصح الترتيب المذكور؛ إذ لا يترتب على ~~استقرار ما في الأرض جميعا ومثله معه لهم عدم التقبل، إنما ~~يترتب عدم التقبل على البذل والافتداء والعامة على " ~~تقبل " مبنيا [للمفعول حذف فاعله لعظمته وللعلم به. # وقرأ يزيد بن قطيب: " ما تقبل " مبنيا للفاعل] وهو ضمير الباري ~~تبارك وتعالى. # قوله [تعالى] " ولهم عذاب " مبتدأ وخبره مقدم عليه، و " ~~أليم " صفته بمعنى: مؤلم، وهذه الجملة أجازوا فيها ثلاثة أوجه: # أحدها: أن تكون حالا، وفيه ضعف من حيث المعنى. # المعنى الثاني: أن تكون في محل رفع عطفا على خبر " أن " أخبر ~~عن الذين كفروا بخبرين لو استقر لهم جميع ما في الأرض مع مثله ~~فبذلوه، لم يتقبل منهم وأن لهم عذابا أليما. # الثالث: أن تكون معطوفة على الجملة من قوله: { إن الذين كفروا } ~~، وعلى هذا فلا محل لها؛ لعطفها على ما لا محل له. # وقوله تعالى: { يريدون أن يخرجوا } كقوله ms3035 تعالى: # يريد الله أن يخفف عنكم # [النساء: 28] وقد تقدم. # والجمهور على " أن يخرجوا " مبنيا للفاعل وقرأ يحيى بن ~~وثاب، وإبراهيم النخعي " يخرجوا " مبنيا للمفعول وهما ~~واضحتان، والمقصود من هذا الكلام لزوم العذاب لهم، وأنه لا ~~سبيل لهم إلى الخلاص منه وإرادتهم إلى الخروج تحتمل ~~وجهين: # الأول: أنهم قصدوا وطلبوا المخرج منها، كقوله تعالى # كلمآ أرادوا أن يخرجوا منهآ أعيدوا فيها # [السجدة: 20]. # قيل: إذا [لفحتهم] النار إلى فوق فهناك يتمنون الخروج. # وقيل: يكادون أن يخرجوا من النار؛ لقوة النار ورفعها ~~للمعذبين. # والثاني: أنهم يتمنون ذلك ويريدوه بقلوبهم. # فصل # احتج أهل السنة بهذه الآية على أن الله تعالى يخرج من النار ~~من قال: لا إله إلا الله مخلصا؛ لأنه تعالى جعل هذا المعنى من ~~تهديدات [الكفار، وأنواع ما خوفهم به، ولولا أن هذا المعنى ~~يختص بالكفار وإلا لم يكن لتخصيص] الكفار به معنى، ويؤكده قوله { ~~ولهم عذاب مقيم } ، وهذا يفيد الحصر، فكان المعنى: ولهم عذاب ~~مقيم لا لغيرهم كما أن قوله { لكم دينكم } لا لغيركم، فهاهنا ~~كذلك. ### || [5.38-40] # " و " في اتصالها وجهان: # الأول: أنه لما أوجب في الآية المتقدمة قطع الأيدي والأرجل ~~عند أخذ المال على سبيل [المحاربة، بين في هذه الآية أن أخذ المال على ~~سبيل] السرقة يوجب قطع الأيدي، والأرجل أيضا. # الثاني: أنه لما ذكر تعظيم أمر القتل حيث قال: { من قتل ~~نفسا بغير نفس [أو فساد في الأرض] فكأنما قتل الناس جميعا ~~ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا } ذكره بعد الجنايات التي ~~تبيح القتل والإيلام فذكر: # أولا: قطع الطريق. # وثانيا: من السرقة. # قوله تعالى: " والسارق والسارقة " قرأ الجمهور بالرفع. # وعيسى بن عمر وابن أبي عبلة بالنصب. # ونقل عن أبي: " والسرق والسرقة " بضم السين وفتح الراء ~~مشددتين؛ قال الخفاف: " وجدته في مصحف أبي كذلك ". # وممن ضبطهما بما ذكرت أبو عمرو، إلا أن ابن عطية جعل هذه القراءة ~~تصحيفا [فإنه قال: " ويشبه أن يكون هذا تصحيفا] من الضابط ~~". لأن قراءة الجماعة إذا كتبت: " والسرق ": بغير ألف وافقت في الخط ~~هذه، قلت: ms3036 ويمكن توجيه هذا القراءة بأن " السرق " جمع " سارق " ، ~~فإن فعلا يطرد جمعا لفاعل صفة، نحو ضارب وضرب. # والدليل على أن المراد الجمع قراءة عبد الله " والسارقون ~~والسارقات " بصيغتي جمع السلامة، فدل على أن المراد الجمع، ~~إلا أنه يشكل في أن " فعلا " يكون من جمع: فاعل وفاعلة تقول: ~~نساء ضرب، كما تقول: رجال ضرب، ولا يدخلون عليه تاء ~~التأنيث حيث يراد به الإناث، والسرقة هنا - كما رأيت - في هذه ~~القراءة بتاء التأنيث، حيث أريد ب " فعل " جمع فاعلة، فهو ~~مشكل من هذه الجهة لا يقال: إن هذه التاء يجوز أن تكون ~~لتأكيد الجمع؛ لأن ذلك محفوظ لا يقاس عليه نحو: " حجارة " ~~وأما قراءة الجمهور ففيها وجهان: # أحدهما: هو مذهب سيبويه، والمشهور من أقوال البصريين أن " ~~السارق " مبتدأ محذوف الخبر تقديره: { فيما يتلى ~~عليكم } أو فيما فرض - " السارق " و " السارقة " أي: حكم ~~السارق، وكذا قوله: # الزانية والزاني فاجلدوا # [النور: 2]. # ويكون قوله: " فاقطعوا " بيانا لذلك الحكم المقدر، فما بعد ~~الفاء مرتبط بما قبلها، ولذلك أتى بها فيه؛ لأنه هو ~~المقصود. # ولو لم يأت بالفاء لتوهم أنه أجنبي والكلام على هذا جملتان: ~~الأولى: خبرية، والثانية: أمرية. # والثاني: وهو مذهب الأخفش، ونقل عن المبرد وجماعة كثيرة أنه ~~مبتدأ أيضا، والخبر الجملة الأمرية من قوله: " فاقطعوا " ، ~~وإنما دخلت الفاء في الخبر؛ لأنه يشبه الشرط؛ إذ الألف ~~واللام فيه موصولة، بمعنى " الذي " و " التي " والصفة ~~صلتها، فهي في قوة قولك: " والذي سرق والتي سرقت فاقطعوا " ، ~~وهو اختيار الزجاج. # وما يدل على أن المراد من الآية الشرط والجزاء وجوه: # الأول: أنه تعالى صرح بذلك في قوله تعالى { جزاء بما كسبا }. ~~وهذا يدل على أن القطع جزاء على فعل السرقة، فوجب أن ~~يعم الجزاء لعموم الشرط. # والثاني: أن السرقة جناية، والقطع عقوبة، فربط العقوبة بالجناية ~~مناسب، وذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يدل على أن الوصف ~~علة لذلك الحكم. # الثالث: أنا إذا حملنا الآية على هذا الوجه كانت [الآية] مفيدة، ~~ولو حملناها على سارق معين صارت مجملة غير مفيدة، ~~فالأول ms3037 أولى. # وأجاز الزمخشري الوجهين، ونسب الأول لسيبويه، ولم ينسب ~~الثاني، بل قال: ووجه آخر، وهو أن يرتفعا بالابتداء، والخبر: ~~" فاقطعوا ". # وإنما اختار سيبويه أن خبره محذوف كما تقدم تقديره دون ~~الجملة الطلبية بعده لوجهين: # أحدهما: النصب في مثله هو الوجه في كلام العرب، نحو: " زيدا ~~فاضربه " لأجل الأمر بعده. # قال سيبويه في هذه الآية: الوجه في كلام العرب النصب، كما تقول " ~~زيدا فاضربه " ، ولكن أبت العامة إلا الرفع. # والثاني: دخول الفاء في خبره، وعنده أن " الفاء " لا تدخل إلا في ~~خبر الموصول الصريح ك " الذي " ، و " من " ، بشروط أخر مذكورة في ~~كتب النحو، وذلك لأن الفاء إنما دخلت لشبه المبتدأ ~~بالشرط، واشترطوا أن تصلح لأداة الشرط من كونها جملة ~~فعلية مستقبلة المعنى، أو ما يقوم مقامها من ظرف وشبهه، ولذلك ~~إذا لم تصلح لأداة الشرط، لم يجز دخول الفاء في [الخبر، ~~وصلة " أل " لا تصلح لمباشرة أداة الشرط فلذلك لا تدخل ~~الفاء في] خبرها، وأيضا ف " أل " وصلتها في حكم اسم واحد، ولذلك ~~تخطاها الإعراب. # وأما قراءة عيسى بن عمر، وإبراهيم: فالنصب بفعل مضمر ~~يفسره العامل في سببيهما نحو: " زيدا فأكرم أخاه " ، ~~والتقدير: " فعاقبوا السارق والسارقة " تقدره فعلا من ~~معناه، نحو " زيدا ضربت غلامه " ، أي: " أهنت زيدا ". # ويجوز أن يقدر العامل موافقا لفظا؛ لأنه يساغ أن يقال: ~~قطعت السارق وهذه قراءة واضحة لمكان الأمر بعد الاسم المشتغل ~~عنه. # قال الزمخشري: وفضلها سيبويه على قراءة العامة؛ لأجل ~~الأمر؛ لأن " زيدا فاضربه " أحسن من " زيد فاضربه ". # وفي نقله تفضيل النصب على قراءة العامة نظر، ويظهر ذلك بنص ~~سيبويه. # قال سيبويه: الوجه في كلام العرب النصب، [كما تقول: " زيدا ~~اضربه "؛ ولكن أبت العامة إلا الرفع، وليس في هذا ما يقتضي ~~تفضيل النصب بل معنى] كلامه أن هذه الآية ليست من الاشتغال ~~في شيء؛ إذ لو كان من باب الاشتغال لكان الوجه النصب، ولكن لم ~~يقرأها الجمهور إلا بالرفع، فدل على أن الآية محمولة على ~~كلامين كما تقدم، لا على كلام واحد، وهذا ظاهر. ms3038 # وقد رد ابن الخطيب على سيبويه بخمسة أوجه، وذلك أنه فهم كما ~~فهم الزمخشري من تفضيل النصب، فقال: الذي ذهب إليه سيبويه ليس ~~بشيء، ويدل على فساده وجوه: # الأول: أنه طعن في القراءة المتواترة المنقولة عن الرسول ~~وعن أعلام الأمة، وذلك باطل قطعا، فإن قال سيبويه: لا أقول: ~~إن القراءة بالرفع غير جائزة، ولكني أقول: قراءة النصب ~~أولى، فنقول: رديء أيضا؛ لأن ترجيح قراءة لم يقرأ بها ~~إلا عيسى بن عمر على قراءة الرسول وجميع الأمة في عهد ~~الصحابة والتابعين أمر منكر، وكلام مردود. # الثاني: لو كانت القراءة بالنصب أولى، لوجب أن يكون في ~~القراء من يقرأ: { واللذين يأتيانها منكم فآذوهما } ~~[النساء: 16]، بالنصب، ولما لم يوجد في القراء من يقرأ كذلك، ~~علمنا سقوط هذا القول. # الثالث: أنا إذا جعلنا " السارق والسارقة " مبتدأ، وخبره ~~مضمر وهو الذي يقدره " فيما يتلى عليكم " بقي شيء آخر يتعلق ~~به الفاء في قوله: " فاقطعوا ". # فإن قال: الفاء تتعلق بالفعل الذي دل عليه قوله: { والسارق ~~والسارقة } ، يعني: أنه إذا أتى بالسرقة فاقطعوا يده. # فنقول: إذا احتجت في آخر الأمر أن تقول: السارق والسارقة ~~تقديره: " من سرق " ، فاذكر هذا أولا، حتى لا تحتاج إلى ~~الإضمار الذي ذكرته. # الرابع: أنا إذا اخترنا القراءة [بالنصب لم يدل ذلك على أن ~~السرقة علة لوجوب القطع، وإذا اخترنا القراءة بالرفع] ~~أفادت الآية هذا المعنى ثم إن هذا المعنى متأكد بقوله تعالى: { ~~جزاء بما كسبا } ، فثبت أن القراءة بالرفع أولى. # الخامس: أن سيبويه قال: " وهم يقدمون الأهم، والذي هم ~~ببيانه أعنى " فالقراءة بالرفع تقتضي تقديم ذكر كونه ~~سارقا على ذكر وجوب القطع، وهذا يقتضي أن يكون أكبر ~~العناية مصروفا إلى شرح ما يتعلق بحال السارق من ~~حيث إنه سارق. # وأما قراءة النصب، فإنها تقتضي أن تكون العناية ~~ببيان القطع أتم من العناية بكونه سارقا، ومعلوم أنه ~~ليس كذلك، فإن المقصود في هذه الآية تقبيح السرقة، ~~والمبالغة في الزجر عنها، فثبت أن القراءة بالرفع هي ~~المتعينة. انتهى ما زعم أنه رد على إمام ms3039 الصناعة، والجواب عن ~~الوجه الأول ما تقدم جوابا عما قاله الزمخشري [وقد ~~تقدم]، ويؤيده نص سيبويه، فإنه قال: وقد يحسن ويستقيم: " ~~عبد الله فاضربه " ، إذا كان مبنيا على مبتدأ مظهر أو ~~مضمر. # فأما في المظهر، فقوله: " هذا زيد فاضربه " وإن شئت لم ~~تظهر هذا، ويعمل كعمله إذا كان مظهرا، [وذلك] قولك: " الهلال ~~والله فانظر إليه " ، فكأنك قلت: " هذا الهلال " ، ثم ~~جئت بالأمر. # ومن ذلك قول الشاعر: [الطويل] # 1963- وقائلة: خولان فانكح فتاتهم # وأكرومة الحيين خلو كما هيا # هكذا سمع من العرب تنشده، يعني برفع " خولان " ، فمع ~~قوله: " يحسن ويستقيم " كيف [يكون] طاعنا في الرفع؟. # وقوله: " وإن قال سيبويه... " الخ فسيبويه لا يقول ذلك، وكيف ~~يقوله، وقد رجح الرفع بما أوضحته. # وقوله: " لم يقرأ بها إلا عيسى " ليس كما زعم بل قرأ بها ~~جماعة كإبراهيم بن أبي عبلة. # وأيضا فهؤلاء لم يقرءوها من تلقاء أنفسهم، بل نقلوها ~~إلى أن تتصل بالرسول صلى الله عليه وسلم، غاية ما في الباب ~~أنها ليست في شهرة الأولى. # وعن الثاني: أن سيبويه لم يدع ترجيح النصب حتى يلزم بما ~~قاله، بل خرج قراءة العامة على جملتين، لما ذكرت لك فيما ~~تقدم من دخول الفاء، ولذلك لما مثل سيبويه جملة الأمر ~~والنهي بعد الاسم مثلهما عاريتين من الفاء، قال: وذلك قولك: " ~~زيدا اضربه " و " عمرا امرر به ". # [وعن] الثالث: ما تقدم من الحكمة المقتضية للمجيء بالفاء، ~~وكونها رابطة للحكم بما قبله. # وعن الرابع: بالمنع أن يكون بين الرفع والنصب فرق، بأن ~~الرفع يقتضي العلة، والنصب لا يقتضيه، وذلك أن الآية ~~من باب التعليل بالوصف المرتب عليه الحكم، ألا ترى أن قولك: " ~~اقطع السارق " يفيد العلة، [أي: إنه] جعل علة القطع اتصافه ~~بالسرقة، فهذا يشعر بالعلة مع التصريح بالنصب. # الخامس: أنهم يقدمون الأهم، حيث اختلفت النسبة ~~الإسنادية كالفاعل مع المفعول، ولنسرد نص سيبويه ليتبين ما ذكرناه. # قال سيبويه: فإن قدمت المفعول، وأخرت الفاعل جرى اللفظ ~~كما جرى في " الأول " ، يعني في " ضرب عبد الله زيدا " قال: ~~" وذلك: ضرب ms3040 زيدا عبد الله لأنك إنما أردت به مؤخرا ما ~~أردت به مقدما، ولم ترد أن يشتغل الفعل بأول منه، وإن ~~كان مؤخرا في اللفظ، فمن ثم كان حد اللفظ أن يكون فيه ~~مقدما، وهو عربي جيد كثير، لأنهم يقدمون الذي بيانه أهم ~~لهم، وهم ببيانه أعنى، وإن كانا جميعا يهمانهم ويعنيانهم ". ~~والآية الكريمة ليست من ذلك. # قوله: " أيديهما " جمع واقع موقع التثنية: لأمن اللبس، ~~لأنه معلوم أنه يقطع من كل سارق يمينه، فهو من باب # صغت قلوبكما # [التحريم: 4]، ويدل على ذلك قراءة عبد الله: " فاقطعوا ~~أيمانهما " واشترط النحويون في وقوع الجمع موقع ~~التثنية شروطا، من جملتها: أن يكون ذلك الجزء المضاف ~~مفردا من صاحبه نحو: " قلوبكما " و " روس الكبشين " لأمن ~~الإلباس، بخلاف العينين واليدين والرجلين، لو قلت: " فقأت ~~أعينهما " ، وأنت تعني عينيهما، و " كتفت أيديهما " ، وأنت تعني " ~~يديهما " لم يجز للبس، فلولا أن الدليل دل على أن ~~المراد اليدان اليمنيان لما ساغ ذلك، وهذا مستفيض في ~~لسانهم - أعني وقوع الجمع موقع التثنية بشروطه - قال ~~تعالى: # فقد صغت قلوبكما # [التحريم: 4]، ولنذكر المسألة، فنقول: كل جزأين أضيفا إلى ~~كليهما لفظا أو تقديرا، وكانا مفردين من صاحبيهما جاز ~~فيهما ثلاثة أوجه: # الأحسن: الجمع، ويليه الإفراد عند بعضهم، ويليه التثنية، وقال ~~بعضهم: الأحسن الجمع، ثم التثنية، ثم الإفراد، نحو: " ~~قطعت رءوس الكبشين، ورأس الكبشين ورأسي الكبشين ". # وقال سامحه الله وعفا عنه: [السريع أو الرجز] # 1964- ومهمهين قذفين مرتين # ظهراهما مثل ظهور الترسين # فقولنا: " جزآن " تحرز من الشيئين المنفصلين، لو قلت: " ~~قبضت دراهمكما " تعني: درهميكما لم يجز للبس، فلو ~~أمن جاز، كقوله: " اضرباه بأسيافكما " " إلى مضاجعكما ~~" ، وقولنا: " أضيفا " تحرز من تفرقهما، كقوله: # على لسان داوود وعيسى ابن مريم # [المائدة: 78]، وقولنا: " لفظا " ، تقدم مثاله، فإن الإضافة ~~فيه لفظية. # وقولنا: " أو تقديرا " نحو قوله: [الطويل] # 1965- رأيت بني البكري في حومة الوغى # كفاغري الأفواه عند عرين # فإن تقديره: كفاغرين أفواههما. # وقولنا: " مفردين " تحرز من العينين ونحوهما، وإنما اختير ~~الجمع على التثنية، وإن كان الأصل لاستثقال توالي ~~تثنيتين، وكان الجمع ms3041 أولى من المفرد لمشاركة ~~التثنية في الضم، وبعده المفرد لعدم الثقل، هذا عند ~~بعضهم قال: لأن التثنية لم ترد إلا ضرورة، كقوله - رحمة ~~الله عليه - [الطويل] # 1966- هما نفثا في في من فمويهما # على النابح العاوي أشد رجام # بخلاف الإفراد فإنه ورد في فصيح الكلام، ومنه: " مسح أذنيه ~~ظاهرهما وباطنهما ". # وقال بعضهم: الأحسن الجمع، ثم التثنية، ثم الإفراد كقوله: ~~[الطويل] # 1967- حمامة بطن الواديين ترنمي # سقاك من الغر الغوادي مطيرها # وقال الزمخشري: أيديهما: يديهما، ونحوه: # فقد صغت قلوبكما # [التحريم: 4] اكتفى بتثنية المضاف إليه عن تثنية المضاف، ~~وأريد باليدين اليمنيان بدليل قراءة عبد الله: " والسارقون ~~والسارقات فاقطعوا أيمانهم " ورد عليه أبو حيان بأنهما ~~ليسا بشيئين، فإن النوع الأول مطرد فيه وضع الجمع ~~موضع التثنية، بخلاف الثاني فإنه لا ينقاس، لأن المتبادر ~~إلى الذهن من قولك: " قطعت آذان الزيدين ": " أربعة الآذان ~~" وهذا الرد ليس بشيء؛ لأن الدليل دل على أن المراد اليمنيان. # فصل من أول من قطع في حد السرقة؟ # قال القرطبي: أول من حكم بقطع [اليد] في الجاهلية ابن ~~المغيرة، فأمر الله بقطعه في الإسلام، فكان أول سارق قطعه رسول ~~الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - في الإسلام، من الرجال ~~الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف ومن النساء ~~مرة بنت سفيان من بني مخزوم، وقطع أبو بكر - رضي الله ~~عنه - يد الفتى الذي سرق العقد، وقطع عمر - رضي الله عنه - ~~يد ابن سمرة أخي عبد الرحمن بن سمرة. # فصل لماذا بدأ الله بالسارق في الآية؟ # قال القرطبي: بدأ الله بالسارق في هذه الآية قبل السارقة، ~~وفي الزنا بدأ بالزانية، والحكمة في ذلك أن يقال: لما كان حب ~~المال على الرجال أغلب، وشهوة الاستمتاع على النساء أغلب بدأ ~~بهما في الموضعين. # قوله تعالى: " جزاء " فيه أربعة أوجه: # أحدها: أنه منصوب على المصدر بفعل مقدر، أي: جازوهما جزاء. # الثاني: أنه مصدر [أيضا] لكنه منصوب على معنى نوع المصدر؛ لأن ~~قوله: " فاقطعوا " في قوة: جازوهما بقطع الأيدي جزاء. # الثالث: أنه منصوب على الحال، ms3042 وهذه الحال يحتمل أن تكون من ~~الفاعل، أي: مجازين لهما بالقطع بسبب كسبهما، وأن تكون من المضاف إليه ~~في " أيديهما " ، أي: في حال كونهما مجازين، وجاز مجيء الحال من ~~المضاف إليه، لأن المضاف جزؤه، كقوله: # ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا # [الحجر: 47]. # الرابع: أنه [مفعول] من أجله، أي: لأجل الجزاء، وشروط ~~النصب موجودة. # و " نكالا " منصوب كما نصب " جزاء " ولم يذكر الزمخشري ~~فيهما غير المفعول من أجله. # قال أبو حيان: " تبع في ذلك الزجاج " ، ثم قال: " وليس بجيد ~~إلا إذا كان الجزاء هو النكال، فيكون ذلك على طريق البدل، وأما ~~إذا كانا متباينين، فلا يجوز ذلك إلا بوساطة حرف العطف ". # قال شهاب الدين: النكال: نوع من الجزاء فهو بدل منه، على أن ~~الذي ينبغي أن يقال هنا إن " جزاء " مفعول من أجله، العامل فيه ~~" فاقطعوا " ، فالجزاء علة للأمر بالقطع، و " نكالا " مفعول ~~من أجله أيضا العامل فيه " جزاء " ، والنكال علة للجزاء، ~~فتكون العلة معللة بشيء آخر، فتكون كالحال المتداخلة، كما ~~تقول: " ضربته تأديبا له إحسانا إليه " ، فالتأديب علة ~~للضرب، والإحسان علة للتأديب، وكلام الزمخشري والزجاج لا ينافي ~~ما ذكرنا فإنه لا منافاة بين هذا وبين قولهما: " جزاء " مفعول من ~~أجله، وكذلك " نكالا " فتأمله، فإنه وجه حسن، فطاح الاعتراض على ~~الزمخشري والزجاج، والتفصيل المذكور في قوله: " إلا إذا كان ~~الجزاء هو النكال " ، ثم ظفرت بعد ذلك بأنه يجوز في المفعول له أن ~~ينصب مفعولا آخر يكون علة فيه، وذلك أن المعربين أجازوا في ~~قوله تعالى: # أن يكفروا بمآ أنزل الله بغيا # [البقرة: 90] أن يكون " بغيا " مفعولا له، ثم ذكروا في قوله: { أن ~~ينزل الله } أنه مفعول له ناصبه " بغيا " ، فهو علة له، ~~صرحوا بذلك فظهر ما قلت ولله الحمد. # و " بما " متعلق ب " جزاء " ، و " ما " يجوز أن تكون مصدرية، أي: ~~بكسبهما، وأن تكون بمعنى " الذي " ، والعائد محذوف لاستكمال الشروط ~~أي: بالذي كسباه، والباء سببية. # فصل # قال بعض الأصوليين: هذه الآية مجملة من وجوه: # أحدها: أن الحكم معلق على السرقة، ms3043 ومطلق السرقة غير موجب ~~القطع، بل لا بد أن تكون هذه السرقة سرقة لمقدار مخصوص من ~~المال، وذلك القدر مذكور في الآية، فكانت الآية مجملة. # وثانيها: أنه تعالى أوجب قطع الأيمان والشمائل وبالإجماع لا يجب ~~قطعهما معا فكانت الآية مجملة. # وثالثها: أن اليد اسم يتناول الأصابع وحدها، ويقع على الأصابع مع ~~الكف، والساعد إلى المرفقين، ويقع على كل ذلك إلى ~~المنكبين، وإذا كان لفظ اليد محتملا لكل هذه الأقسام ~~والتعيين غير مذكور في هذه الآية فكانت مجملة. # ورابعها: أن قوله: " فاقطعوا " خطاب مع قوم، فيحتمل أن يكون هذا ~~التكليف واقعا على مجموع الأمة، وأن يكون واقعا على طائفة ~~مخصوصة منهم، وأن يكون على شخص معين منهم، وهو إمام الزمان ~~كما ذهب إليه الأكثرون، ولما لم يكن التعيين مذكورا في الآية ~~كانت مجملة، فثبت بهذه الوجوه أن هذه الآية مجملة على ~~الإطلاق. # وقال قوم من المحققين: إن الآية ليست مجملة ألبتة، وذلك ~~لأنا بينا أن الألف واللام في قوله تعالى " والسارق ~~والسارقة " قائمان مقام " الذي " والفاء في قوله " فاقطعوا " ~~للجزاء، وكما أن التقدير: الذي سرق فاقطعوا يده، ثم ~~تأكد هذا بقوله تعالى: { جزاء بما كسبا } وذلك أن الكسب لا ~~بد وأن يكون المراد به ما تقدم ذكره، وهو السرقة، فصار هذا ~~الدليل على مناط الحكم [ومتعلقه] هو ماهية السرقة، ومقتضاه أن ~~يعم الجزاء أينما حصل الشرط. اللهم إلا إذا قام دليل منفصل ~~يقتضي تخصيص هذا العام، وأما قوله: " الأيدي " عامة، فنقول: ~~مقتضاه قطع الأيدي، لكنه لما انعقد الإجماع على أنه لا يجب ~~قطعهما معا، ولا الابتداء [باليد] اليسرى، أخرجناه من العموم. # وأما قوله: " لفظ اليد دائر بين أشياء ". # فنقول: لا نسلم، بل اليد اسم لهذا العضو إلى المنكب ولهذا ~~السبب قال تعالى: # فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق # [المائدة: 6] ولولا دخول العضدين في هذا الاسم، وإلا لما احتيج ~~إلى التقييد بقوله " إلى المرافق ". فظاهر الآية: يوجب قطع ~~اليدين من المنكبين كما هو قول الخوارج: إلا أنا تركنا ذلك ~~لدليل منفصل وأما قوله ms3044 " رابعا " يحتمل أن يكون الخطاب مع ~~واحد معين. # قلنا: ظاهره أنه خطاب مع [كل أحد]، ترك العمل به، فلما ~~صار مخصوصا بدليل منفصل فيبقى معمولا به في الباقي ~~فالحاصل أنا نقول: الآية عامة صارت مخصوصة بدلائل ~~منفصلة في بعض الصور، فيبقى حجة فيما عداها، وهذا القول ~~أولى من القول بأنها مجملة لا تفيد فائدة أصلا. # فصل لماذا لم يحد الزاني بقطع ذكره؟ # قال القرطبي: جعل الله حد السرقة قطع اليد لتناولها المال، ولم ~~يجعل حد الزنا قطع الذكر مع موافقة الفاحشة به لأمور: # أحدها: أن للسارق مثل يده التي قطعت، فإن انزجر بها اعتاض ~~بالباقية، وليس للزاني مثل ذكره، إذا قطع ولم يعتض بغيره لو ~~انزجر بقطعه. # الثاني: أن الحد زجر للمحدود ولغيره، وقطع يد السارق ظاهر، ~~وقطع الذكر في الزنا باطن. # الثالث: أن قطع الذكر إبطال للنسل وليس في قطع اليد إبطال ~~للنسل. # فصل # قال جمهور الفقهاء: لا يجب القطع إلا بشرطين: قدر النصاب، وأن ~~تكون السرقة من حرز. # قال ابن عباس وابن الزبير والحسن البصري - رضي الله عنهم - ~~القدر غير معتبر، والقطع واجب في القليل والكثير، والحرز أيضا ~~غير معتبر، وهذا قول داود الأصفهاني وقول الخوارج، وتمسكوا ~~بعموم الآية، فإنه لم يذكر فيها النصاب ولا الحرز، وتخصيص ~~عموم القرآن بخبر الواحد، وبالقياس غير جائز، واحتج الجمهور ~~بأنه لا حاجة إلى القول بالتخصيص، بل نقول إن لفظ السرقة لفظ ~~عربي، ونحن بالضرورة، نعلم أن أهل اللغة لا يقولون لمن ~~أخذ حبة من حنطة الغير أو تبنة واحدة أو كسرة صغيرة ~~أنه سرق ماله، فعلمنا أن أخذ مال الغير كيفما كان لا يسمى ~~سرقة، وأيضا فالسرقة مشتقة من مسارقة عين المالك ~~[وإنما يحتاج إلى مسارقة عين المالك] لو كان المسروق ~~أمرا يتعلق به الرغبة في محل الشح والضنة حتى يرغب ~~السارق في أخذه ويتضايق المسروق منه في دفعه إلى الغير، ~~ولهذا الطريق اعتبرنا في وجوب القطع أخذ المال من حرز المثل، ~~لأن ما لا يكون موضوعا في الحرز لا يحتاج ms3045 في أخذه إلى ~~مسارقة الأعين، فلا يسمى أخذه سرقة. # قال داود: نحن لا نوجب القطع في سرقة الجبة الواحدة، بل في ~~أقل شيء يسمى مالا، وفي أقل شيء يجري فيه الشح ~~والضنة، وذلك لأن مقادير القلة والكثرة غير مضبوطة، ~~فربما استحقر الملك الكبير آلافا مؤلفة، وربما استعظم ~~الفقير طسوجا، ولهذا قال الشافعي - رضي الله عنه -: لو قال: ~~لفلان علي مال عظيم، ثم فسره بالحبة، يقبل قوله فيه لاحتمال ~~أنه كان عظيما في نظره، أو كان عظيما عنده لغاية فقره وشدة ~~احتياجه إليه، ولما كانت مقادير القلة والكثرة غير ~~مضبوطة، وجب بناء الحكم على أقل ما يسمى مالا. # وليس لقائل أن يستبعد ويقول: كيف يجوز [القطع في سرقة] ~~الطسوجة الواحدة، فإن الملحد قد جعل هذا طعنا في الشريعة فقال: ~~اليد لما كانت قيمتها خمسمائة دينار من الذهب، فكيف تقطع ~~لأجل القليل من المال؟ ثم إن أجبنا عن هذا الطعن، بأن الشرع ~~إنما قطع يده بسبب أنه تحمل الدناءة والخساسة في سرقة ذلك ~~القدر القليل، فلا يبعد أن يعاقبه الشرع بسبب تلك الدناءة بهذه ~~العقوبة العظيمة، وإذا كان هذا الجواب مقبولا منا في ~~إيجاب القطع في القليل والكثير، قال: ومما يدل على أنه لا ~~يجوز تخصيص عموم القرآن هاهنا بخبر الواحد، وذلك لأن القائلين ~~بتخصيص هذا العموم اختلفوا على وجوه: # قال الشافعي: يجب القطع في ربع دينار، وروى فيه قوله عليه ~~الصلاة والسلام # " لا قطع إلا في ربع دينار " # وقال أبو حنيفة: لا يجب إلا في عشرة دراهم مضروبة، وروى قوله ~~عليه الصلاة والسلام # " لا قطع إلا في ثمن المجن " # قال: والظاهر أن ثمن المجن لا يكون أقل من عشرة دراهم. # وقال مالك وأحمد وإسحاق: يقدر بثلاثة دراهم أو ربع دينار وقال ~~ابن أبي ليلى: مقدر بخمسة دراهم، وكل واحد من هؤلاء ~~المجتهدين يطعن في الخبر الذي يرويه الآخر، فعلى هذا التقدير: فهذه ~~المخصصات صارت متعارضة، فوجب ألا يلتفت إلى شيء منها: ~~ويرجع في معرفة حكم الله تعالى إلى ظاهر القرآن. # قال: ms3046 وليس لأحد أن يقول: إن الصحابة أجمعوا على أنه لا يجب ~~القطع إلا في مقدار معين، قال: لأن الحسن البصري كان يوجب ~~القطع بمجرد السرقة، وكان يقول: احذر من قطع درهم، ولو كان ~~الإجماع منعقدا لما خالف الحسن البصري فيه مع قربه من زمن ~~الصحابة - رضي الله عنهم -، وشدة احتياطه فيما يتعلق بالدين، فهذا ~~تقرير مذهب الحسن البصري ومذهب داود الأصفهاني، وأما ~~الفقهاء فقالوا: لا بد في وجوب القطع من القدر. # فقال الشافعي: القطع في ربع دينار فصاعدا وهو نصاب ~~السرقة، وسائر الأشياء تقوم به، وقال أبو حنيفة ~~والثوري لا يجب القطع في أقل من عشرة دراهم مضروبة. ~~ويقوم غيرها به، وقال مالك وأحمد: ربع دينار [أو] ثلاثة ~~دراهم، وقال ابن أبي ليلى: خمسة دراهم، وحجة الشافعي - رضي ~~الله عنه - ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله صلى الله ~~عليه وعلى وآله وسلم قال: # " القطع في ربع دينار فصاعدا ". # وحجة مالك - رضي الله عنه - ما روي عن نافع عن ابن عمر - ~~رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قطع سارقا ~~في مجن ثمنه ثلاثة دراهم. # وروي عن عثمان - رضي الله عنه - أنه قطع السارق في ~~أترجة قومت بثلاثة دراهم من صرف اثني عشر دينار، واحتج ~~أبو حنيفة - رضي الله عنه - بأنه قول ابن مسعود - رضي الله عنه -، ~~وبأن المجن قيمته عشرة دراهم، واحتج ابن أبي ليلى - رحمه ~~الله - بما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم - قال: # " لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ~~ويسرق الحبل فتقطع يده ". # قال الأعمش: كانوا يرون أنه بيض الحديد والحبل، يرون أنه ~~منها تساوي ثلاثة دراهم، ويحتج بهذا من يرى القطع في الشيء القليل، ~~وعند الأكثرين محمول على ما قاله الأعمش لحديث عائشة - رضي الله ~~تعالى عنها -. # فإن قيل: إذا سرق المال من السارق، فقال الشافعي: لا ~~يقطع لأنه سرق من غير مالك ومن غير حرز. # وقال أصحاب مالك: ms3047 حرمة المالك عليه لم تنقطع عنه، ويد ~~السارق كلا يد كالغاصب إذا سرق منه المال المغصوب قطع، فإن قيل: ~~حرزه كلا حرز. فالجواب: الحرز قائم والمالك قائم، ولم ~~يبطل الملك فيه. # فصل المذاهب فيما إذا كرر السارق السرقة # قال الشافعي: الرجل إذا سرق أولا قطعت يده اليمنى، وفي الثانية رجله ~~اليسرى وإذا سرق في الثالثة تقطع يده اليسرى، وفي الرابعة: رجله ~~اليمنى؛ لأن السرقة علة القطع وقد وجدت وقال أبو حنيفة - رضي ~~الله عنه - وأحمد والثوري - رضي الله عنهم -: لا يقطع في ~~الثالثة والرابعة، بل يحبس. # فصل # قال أبو حنيفة والثوري: لا يجمع بين القطع ~~والغرم، فإن غرم فلا قطع، وإن قطع سقط الغرم، وقال ~~الشافعي وأحمد - رضي الله عنهما - يغرم إن تلف المسروق، وإن كان ~~باقيا رده. # وقال مالك: يقطع بكل حال، ويغرم إن كان غنيا، ولا ~~يلزمه إن كان فقيرا، واستدل الشافعي بقوله عليه الصلاة والسلام # " على اليد ما أخذت حتى تؤديه " # ، ولأن المسروق لو كان باقيا وجب رده بالإجماع، ولأن ~~حق الله لا يمنع حق العباد، بدليل اجتماع الجزاء والقيمة في ~~الصيد المملوك، ولأنه باق على ملك مالكه إلى وقت ~~القطع. # فإن قيل: الحرز عادة ما نصب لحفظ الأموال، وهو يختلف في ~~كل شيء بحسب عادته. # قال ابن المنذر: ليس فيه خبر ثابت. # فالجواب: وإن سرق من غير حرز لا قطع لقوله عليه ~~الصلاة والسلام: # " لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل، وإذا آواها ~~المراح والحرز فالقطع فيما بلغ ثمن المجن " # وقال عليه الصلاة والسلام: # " ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع ". # وإذا سرق من مال فيه شبهة، كالعبد المسروق في مال سيده، ~~والولد من مال والده، والوالد من مال ولده، وأحد الشريكين من ~~مال المشترك لا قطع عليه. # فصل فيما إذا اشترك جماعة في سرقة # إذا اشترك جماعة في سرقة نصاب من حرز، فلا يخلو: إما أن ~~بعضهم يقدر على إخراجه أو لا يقدر إلا بمعاونتهم، فإن كان ~~الأول فقيل: يقطع، وقيل: لا ms3048 يقطع، وهو قول أبي حنيفة ~~والشافعي، فإذا نقب واحد الحرز وأخذ الآخر، فإن كان انفرد ~~كل واحد بفعله دون اتفاق منهما، فلا قطع على واحد منهما، وإن ~~تفاوتا في النقب وانفرد أحدهما بالإخراج خاصة، فإن دخل أحدهما ~~وأخرج المتاع إلى باب الحرز فأدخل الآخر يده فأخذه، فعليه القطع ~~ويعاقب الأول، وقيل: يقطعان وإن وضعه خارج الحرز فعليه القطع ~~لا على الآخذ. # فصل في حكم النباش # والقبر والمسجد حرز فيقطع النباش عند الجمهور، وقال أبو ~~حنيفة: لا يقطع؛ لأنه سرق من غير حرز مالا معرضا ~~للتلف لا مالك له؛ لأن الميت لا يملك. # فصل # قال الشافعي: - رضي الله عنه - للمولى إقامة الحد على ~~مماليكه، وقال أبو حنيفة - رضي الله عنه -: لا يملك ذلك. # فصل في وجوب نصب إمام # احتجوا بهذه الآية على أنه يجب على الأمة أن ينصبوا ~~لأنفسهم إماما معينا، لأنه تعالى أوجب بهذه الآية إقامة ~~الحد على السراق والزناة فلا بد من شخص يكون ~~مخاطبا بهذا الخطاب، وأجمعت الأمة على أنه ليس لآحاد ~~الرعية إقامة الحدود على الأحرار الجناة إلا الإمام، فلما ~~كان هذا تكليفا جازما، ولا يمكن الخروج من عهدته، إلا ~~بوجود الإمام وجب نصبه؛ لأن ما لا يأتي الواجب إلا به، وكان ~~مقدورا للمكلف فهو واجب. # فصل # قالت المعتزلة: قوله تعالى: { جزآء بما كسبا } يدل على ~~تعليل أحكام الله تعالى؛ لأنه صريح في أن القطع إنما وجب ~~معللا بالسرقة. # وجوابه ما تقدم في قوله { من أجل ذلك كتبنا }. # قوله تعالى { والله عزيز حكيم } والمعنى: عزيز في ~~انتقامه، حكيم في شرائعه وتكاليفه، قال الأصمعي: كنت ~~أقرأ سورة المائدة ومعي أعرابي. فقرأت هذه الآية فقلت: والله ~~غفور رحيم، سهوا فقال الأعرابي: كلام من هذا، فقلت: كلام الله، ~~فقال: أعد، فأعدت: والله غفور رحيم ثم تنبهت فقلت: " ~~والله عزيز حكيم " فقال: الآن أصبت. # قلت: كيف عرفت؟ فقال: يا هذا، عز فحكم فأمر بالقطع، فلو غفر ~~ورحم لما أمر بالقطع. # قوله تعالى: { فمن تاب من بعد ظلمه } الجار [والمجرور في ~~قوله: ms3049 { من بعد ظلمه } ] متعلق ب " تاب " و " ظلم " مصدر ~~مضاف إلى فاعله، أي: من بعد أن ظلم غيره بأخذ ماله. # وأجاز بعضهم أن يكون مضافا للمفعول، أي: من بعد أن ظلم ~~نفسه، وفي جواز هذا نظر؛ إذ يصير التقدير: من بعد أن ~~ظلمه، ولو صرح بهذا الأصل لم يجز؛ لأنه يؤدي إلى تعدي فعل ~~المضمر إلى ضميره المتصل، وذلك لا يجوز إلا في باب: " ظن وفقد ~~وعدم " ، كذلك قاله أبو حيان. # وفي نظره نظر؛ لأنا إذا حللنا المصدر لحرف مصدري وفعل، ~~فإنما يأتي بعد الفعل بما يصح تقديره، وهو لفظ النفس، أي: ~~من بعد أن ظلم نفسه. انتهى. # فصل في معنى الآية # المعنى: { فمن تاب من بعد } سرقته " وأصلح " العمل، " فإن ~~الله " تعالى { يتوب عليه إن الله غفور رحيم } ~~هذا فيما بينه وبين الله تعالى، فأما القطع فلا يسقط ~~بالتوبة عند الأكثرين. # قال مجاهد: السارق لا توبة له، فإذا قطع حصلت التوبة، ~~والصحيح: أن القطع جزاء على الجناية لقوله تعالى: { جزآء بما ~~كسبا نكالا من الله } فلا بد من التوبة بعد، ~~وتوبته الندم على ما مضى والعزم على تركه في المستقبل، وهذه ~~الآية تدل على أن من تاب من بعد ظلمه وأصلح، فإن الله تعالى ~~يقبل توبته. # فإن قيل: قوله " وأصلح " يدل على أن مجرد التوبة غير مقبول. ~~فالجواب: المراد وأصلح التوبة بنية صادقة وعزيمة صحيحة خالية عن ~~سائر الأغراض. # فصل في أن قبول التوبة غير واجب على الله تعالى # دلت الآية على أن قبول التوبة غير واجب على الله تعالى، ~~لأنه يمدح بقبول التوبة، والتمدح إنما يكون بفعل التفضل ~~والإحسان لا بأداء الواجبات. # قوله تعالى: { ألم تعلم أن الله له ملك السماوات ~~والأرض } الآية. # لما ذكر عقاب السارق، ثم ذكر أنه يقبل توبته إن تاب ~~أردفه ببيان أنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فيعذب من يشاء، ~~ويغفر لمن يشاء وإنما قدم التعذيب على المغفرة، لأنه في ~~مقابلة السرقة، والسرقة مقدمة على التوبة. # قال السدي والكلبي: يعذب من يشاء ms3050 ممن مات على كفره، ~~وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: يعذب من يشاء على الصغيرة، ~~ويغفر لمن يشاء الكبيرة والله غفور رحيم. # قال القرطبي: هذه الآية خطاب للنبي - صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم - أي: لا قرابة لأحد بينه وبين الله توجب المحاباة حتى يقول ~~قائل: # نحن أبناء الله وأحباؤه # [المائدة: 18]، والحدود تقام على كل من قارف حدا. ### || [5.41] # قد تقدم أن " يحزن " يقرأ بفتح الياء وضمها وأنهما لغتان، ~~وهل هما بمعنى، أو بينهما فرق. # والنهي للنبي في الظاهر، وهو من باب قوله: " لا أرينك ~~هاهنا " ، أي: لا تتعاط أسبابا يحصل لك بها حزن من جهتهم، ~~وتقدم لك تحقيق ذلك مرارا. # وقول أبي البقاء في " يحزنك ": " والجيد فتح الياء وضم ~~الزاي، ويقرأ بضم الياء، وكسر الزاي من: أحزنني وهي ~~لغة " - ليس بجيد؛ لأنها قراءة متواترة، وقد تقدم دليلها في ~~آل عمران [الآية 76]. و " يسارعون " من المسارعة، و " في الكفر " متعلق ~~بالفعل قبله، وقد تقدم نظيرها في آل عمران. واعلم أنه تعالى خاطب ~~النبي عليه الصلاة والسلام بقوله تعالى: { يأيها النبي } ~~في مواضع كثيرة، ولم يخاطبه بقوله: " يا أيها الرسول " إلا في ~~موضعين في هذه السورة. # أحدهما: هاهنا، والثانية: # يأيها الرسول بلغ # [المائدة: 67] وهذا خطاب تشريف وتعظيم. # واعلم أنه تعالى لما بين بعض التكاليف والشرائع، وكان قد علم من ~~بعض الناس المسارعة إلى الكفر لا جرم صبر رسول الله - صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم - على تحمل ذلك، وأمره بأن لا يحزن ~~لأجل ذلك أي: لا تهتم ولا تبال بمسارعة المنافقين في ~~الكفران في موالاة الكفار، فإنهم لن يعجزوا الله شيئا. # قوله تعالى: { من الذين قالوا } يجوز أن يكون [حالا من] ~~الفاعل في " يسارعون " أي: يسارعون حال كونهم بعض الذين قالوا، ~~ويجوز أن يكون حالا من نفس الموصول، وهو قريب من معنى الأول، ~~ويجوز أن يكون " من " بيانا لجنس الموصول الأول، وكذلك " من " ~~الثانية، فتكون تبيينا وتقسيما للذين يسارعون في الكفر، ويكون ~~" سماعون " على هذا خبر مبتدأ محذوف و " آمنا " منصوب ms3051 ب " ~~قالوا " [و " أفواههم " متعلق ب " قالوا " لا ب " آمنا " ] ~~بمعنى أنه لم يجاوز قولهم أفواههم، إنما نطقوا به غير ~~معتقدين له بقلوبهم. وقوله: { ولم تؤمن قلوبهم } جملة ~~حالية. # قال بعض المفسرين: فيه تقديم وتأخير، والتقدير: من الذين ~~قالوا: آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وهؤلاء هم ~~المنافقون. # قوله تعالى: { ومن الذين هادوا } فيه وجهان: # أحدهما: ما تقدم، وهو أن يكون معطوفا على { من الذين قالوا } ~~بيانا وتقسيما. # والثاني: أن يكون خبرا مقدما، و " سماعون " مبتدأ، ~~والتقدير: " ومن الذين هادوا قوم سماعون " ، فتكون جملة ~~مستأنفة، إلا أن الوجه الأول مرجح بقراءة الضحاك: " ~~سماعين " على الذم بفعل محذوف، فهذا يدل على أن الكلام ~~ليس جملة مستقلة، بل قوله: { من الذين قالوا } عطف على ~~{ من الذين قالوا }. # وقوله " سماعون " مثال مبالغة، و " للكذب " فيه وجهان: # أحدهما: أن " اللام " زائدة، و " الكذب " هو المفعول، أي: ~~سماعون الكذب، وزيادة اللام هنا مطردة لكون العامل فرعا، ~~فقوي باللام، ومثله # فعال لما يريد # [البروج: 16]. # والثاني: أنها على بابها من التعليل، ويكون مفعول " سماعون " ~~محذوفا، أي: سماعون أخباركم وأحاديثكم ليكذبوا ~~فيها بالزيادة والنقص والتبديل، بأن يرجفوا بقتل ~~المؤمنين في السرايا كما نقل من مخازيهم. # وقوله تعالى: { سماعون لقوم } يجوز أن تكون هذه تكريرا ~~للأولى، فعلى هذا يجوز أن يتعلق قوله: " لقوم " بنفس الكذب، ~~أي: يسمعون ليكذبوا لأجل قوم [ويجوز أن تتعلق اللام بنفس " ~~سماعون " أي: سماعون لأجل قوم لم يأتوك؛] لأنهم لبغضهم لا ~~يقربون مجلسك، وهم اليهود، و " لم يأتوك " في محل جر؛ ~~لأنها صفة ل " قوم ". # فصل # ذكر الفراء والزجاج هاهنا وجهين. # الأول: أن الكلام إنما يتم عند قوله " ومن الذين " ثم ~~يبتدأ الكلام من قوله: { سماعون للكذب سماعون ~~لقوم آخرين لم يأتوك } [وتقدير الكلام: لا يحزنك ~~الذين يسارعون في الكفر من المنافقين ومن اليهود، ثم بعد ذلك وصف ~~الكل بكونهم سماعين لقوم آخرين]. # الوجه الثاني: أن الكلام تم عند قوله: { ولم تؤمن قلوبهم ~~} ثم ابتدأ فقال: { ومن الذين هادوا سماعون للكذب ~~} وعلى هذا التقدير: فقوله: " سماعون ms3052 " صفة محذوف والتقدير: ومن ~~الذين هادوا قوم سماعون، وقيل: خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هم ~~سماعون. # وحكى الزجاج في قوله تعالى " سماعون للكذب " وجهين: # الأول: معناه: قائلون للكذب، فالسمع يستعمل، والمراد منه ~~القبول كما تقول: لا تسمع من فلان، أي: لا تقبل منه، ومنه: " ~~سمع الله لمن حمده " ، وذلك الكذب الذي يقبلونه هو ما ~~يقوله رؤساؤهم من الأكاذيب في دين الله تعالى، وفي تحريف التوراة، ~~وفي الطعن في سيدنا محمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -. # والوجه الثاني: أن المراد من قوله " سماعون " نفس ~~السماع، واللام في قوله " للكذب " لام كي أي: يسمعون ~~منك لكي يكذبوا عليك، وذلك أنهم كانوا يسمعون من ~~الرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ثم يخرجون ويقولون: ~~سمعنا منه كذا وكذا، ولم يستمعوا ذلك منه، وأما { لقوم آخرين ~~لم يأتوك } والمعنى أنهم أعين وجواسيس لقوم آخرين لم ~~يأتوك، ولم يحضروا عندك ليبلغوا إليهم أخبارك، وهم بنو ~~قريظة والنضير. # قوله تعالى: " يحرفون " يجوز أن يكون صفة ل " سماعون " ~~، أي: سماعون محرفون، ويجوز أن يكون حالا من الضمير في " ~~سماعون " ويجوز أن يكون مستأنفا لا محل له. # ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي: هم محرفون. # ويجوز أن يكون في محل جر صفة ل " قوم " ، أي: لقوم ~~محرفين. # و { من بعد مواضعه } تقدم في النساء [الآية 46]. # و " يقولون " ك " يحرفون " ويجوز أن يكون حالا من ضمير " ~~يحرفون " ، والجملة شرطية من قوله: " إن أوتيتم " ~~[مفعولة بالقول، و " هذا " مفعول ثان ل " أوتيتم " ] فالأول قائم مقام ~~الفاعل، و " الفاء " جواب الشرط، وهي واجبة لعدم صلاحية الجزاء ~~لأن يكون شرطا، وكذلك الجملة من قوله: { وإن لم تؤتوه }. # فصل في معنى الآية # ومعنى { يحرفون الكلم من بعد مواضعه } أي: من بعد أن وضعه الله - ~~عز وجل - في مواضعه، أي فرض دينه، وأحل حلاله وحرم حرامه. قال ~~المفسرون: # " إن رجلا وامرأة من أشراف خيبر زنيا، وكان حد الزنا في ~~التوراة الرجم، فكرهت اليهود رجمهما لشرفهما، فأرسلوا قوما إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه ms3053 وعلى آله وسلم - عن حكمه في الزانيين إذا ~~أحصنا وقالوا: إن أمركم بالجلد فاقبلوا، وإن أمركم بالرجم فلا ~~تقبلوا. فلما سألوا الرسول - عليه الصلاة والسلام - عن ذلك فنزل جبريل ~~بالرجم فأبوا أن يأخذوا به، فقال جبريل: اجعل بينك وبينهم ابن صوريا ~~ووصفه له. فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: [هل] ~~تعرفون شابا أمرد أبيض أعور يسكن فدك يقال له: ابن صوريا؟. # قالوا: نعم، قال: فأي رجل هو فيكم قالوا: هو أعلم ~~يهودي بقي على وجه الأرض بما أنزل الله على موسى بن عمران في ~~التوراة قال: فأرسلوا إليه. ففعلوا فأتاهم، فقال له صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم: أنت ابن صوريا قال: نعم، فقال له عليه ~~الصلاة والسلام: " أنشدك الله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل ~~التوراة على موسى، وأخرجكم من مصر، وفلق لكم البحر، وأنجاكم، ~~وأغرق آل فرعون، وظلل عليكم الغمام، وأنزل عليكم المن ~~والسلوى، ورفع فوقكم الطور، وأنزل عليكم كتابه فيه ~~حلاله وحرامه هل تجدون في كتابكم الرجم على من أحصن. # قال ابن صوريا: نعم، والذي ذكرتني به لولا خشية أن ~~تحرقني التوراة إن كذبت أو غيرت [أو بدلت] ما اعترفت لك، ولكن ~~كيف هي في كتابكم يا محمد؟ قال: إذا شهد أربعة رهط عدول، ~~أنه قد أدخل فيها ذكره كما يدخل الميل في المكحلة وجب ~~عليه الرجم، فقال ابن صوريا: والذي أنزل التوراة على موسى ~~هكذا أنزل الله التوراة على موسى فقال له صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ~~[فماذا كان] أول ما ترخصتم به أمر الله عز وجل قال: كنا ~~إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد: ~~فكثر الزنا في أشرافنا حتى زنى ابن عم [ملك] لنا فلم ~~نرجمه، ثم زنا رجل آخر في أسوة من الناس، فأراد ذلك الملك ~~رجمه، فقام دونه قومه، فقالوا: والله لا نرجمه حتى نرجم ~~فلانا ابن عم الملك. فقلنا: تعالوا نجتمع فنضع شيئا ~~دون الرجم يكون على الشريف والوضيع، فوضعنا الجلد ~~والتحميم؛ وهو ms3054 أن يجلدا أربعين جلدة بحبل مطلي ~~بالقار، ثم يسود وجوههما، ثم يحملا على حمارين ~~وجوههما من قبل دبر الحمار، ويطاف بهما، فجعلوا هذا مكان الرجم. ~~فقال اليهود [لابن صوريا]: ما أسرع ما أخبرته به، وما [كنت لما ~~أثنينا] عليك بأهل، ولكنك كنت غائبا، فكرهنا أن نغتابك، ~~فقال لهم ابن صوريا: إنه قد أنشدني بالتوراة، ولولا خشية التوراة ~~أن تهلكني لما أخبرته، فأمر بهما النبي - صلى الله عليه وعلى وآله ~~وسلم - فرجما عند باب المسجد، وقال: اللهم، إني أول من ~~أحيا أمرك إذ أماتوه " # ، فأنزل الله عز وجل: { يأيها الرسول لا يحزنك ~~الذين يسارعون في الكفر }. # فقوله تعالى: { يحرفون الكلم } جمع كلمة، وذكر الكناية ~~ردا على لفظها الكلم { من بعد مواضعه } أي: وضعوا الجلد ~~مكان الرجم. # وقيل: سبب نزول هذه الآية: أن بني النضير كان لهم فضل على بني ~~قريظة، فقال بنوا قريظة: يا محمد إخواننا بنو النضير وأبونا ~~واحد وديننا واحد ونبينا واحد، وإذا قتلوا منا قتيلا لم ~~يقيدونا، وأعطونا ديته سبعين وسقا من تمر. وإذا قتلنا منهم ~~قتلوا القاتل، وأخذوا منا الضعف مائة وأربعين وسقا من ~~تمر. وإن كان القتيل امرأة قتلوا بها الرجل منا، وبالرجل ~~منهم الرجلين منا، وبالعبد حرا منا، وجراحاتهم على الضعف ~~من جراحاتنا فاقض بيننا وبينهم، فأنزل الله هذه الآية، والأول ~~أصح لأن الآية في الرجم. # فصل # قال القرطبي: الجمهور على رد شهادة الذمي؛ لأنه ليس من ~~أهلها فلا تقبل على مسلم، ولا على كافر وقبل شهادتهم جماعة من ~~الناس إذا لم يوجد مسلم، على ما يأتي في آخر السورة. # فإن قيل: قد حكم بشهادتهم ورجم الزانيين. # فالجواب: أنه إنما تقدم عليهم بما علم أنه حكم التوراة، ~~وألزمهم العمل به على نحو ما عملت به بنو إسرائيل؛ إلزاما ~~للحجة عليهم، وإظهارا لتحريفهم وتغييرهم، فكان منفذا لا حاكما. # قوله تعالى: { إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم ~~تؤتوه فاحذروا } أي: إن أمركم بحد الجلد فاقبلوا، وإن ~~أمركم بالرجم فلا تقبلوا. # قوله تعالى: { ومن يرد الله فتنته } " من ms3055 " مفعول ~~مقدم، وهي شرطية. # وقوله: " فلن تملك " جوابه، و " الفاء " أيضا واجبة لما تقدم. # و " شيئا " مفعول به، أو مصدر، و " من الله " متعلق ب " ~~تملك ". # وقيل: هو حال من " شيئا "؛ لأنه صفته في الأصل. # فصل # قوله تعالى: { ومن يرد الله فتنته } أي: كفره وضلاله، ~~وقال الضحاك: هلاكه. # وقال قتادة: عذابه. # ولما كان لفظ الفتنة محتمل لجميع أنواع المفاسد، وكان هذا ~~اللفظ مذكورا عقيب أنواع كفرهم التي شرحها الله تعالى وجب أن ~~يكون المراد من هذه الفتنة تلك الكفريات المذكورة، ويكون المعنى: ~~ومن يرد الله كفره وضلالته، فلن يقدر أحد على دفع ذلك عنه، ~~ثم أكد ذلك بقوله: { أولئك الذين لم يرد الله ~~أن يطهر قلوبهم }. # قال أهل السنة: دلت هذه الآية على أن الله تعالى غير مريد ~~إسلام الكافر، وأنه لم يطهر قلبه من الشرك، ولو فعل ذلك ~~لآمن. # وذكر المعتزلة في تعبير هذه الفتنة وجوها: # أحدها: أن الفتنة هي العذاب. قال تعالى: # على النار يفتنون # [الذاريات: 13] أي: يعذبون، فالمراد هنا: يريد عذابه ~~لكفره. # وثانيها: ومن يرد الله فضيحته. # وثالثها: المراد الحكم بضلاله، وتسميته ضالا. # ورابعها: الفتنة: الاختبار؛ والمعنى: من يرد الله اختباره ~~[فيما يبتليه] من التكاليف فيتركها ولا يقوم بأدائها، فلن ~~تملك له من الله ثوابا ولا نفعا. # وأما قوله تعالى: { أولئك الذين لم يرد الله أن ~~يطهر قلوبهم } فذكروا فيه وجوها: # أحدها: لم يرد الله أن يهدي قلوبهم بالألطاف؛ [لأنه تعالى علم ~~أنه لا فائدة في تلك الألطاف لأنها لا تنجح في قلوبهم]. # ثانيها: لم يرد الله أن يطهر قلوبهم من الحرج والغم ~~والوحشة الدالة على كفرهم. # وثالثها: أن هذه الاستعارة [عبارة] عن سقوط وقعه عند الله، ~~وأنه غير ملتفت إليه بسبب قبح أفعاله، وقد تقدم [الكلام] ~~على هذه الوجوه. # قوله تعالى: " أولئك ": مبتدأ، و { لم يرد الله } جملة ~~فعلية خبره. # ثم قال تعالى: { لهم في الدنيا خزي } وخزي المنافقين ~~الفضيحة، وهتك الستر بإظهار نفاقهم، وخوفهم من القتل، ~~وخزي اليهود: الجزية، وفضيحتهم، وظهور كذبهم، في كتمان ~~نص ms3056 الله تعالى في إيجاب الرجم. # قوله تعالى { ولهم في الآخرة عذاب عظيم } وهو الخلود في ~~النار. ### || [5.42] # قوله: { سماعون للكذب }: يجوز أن يكون مكررا ~~للتوكيد إن كان من وصف المنافقين، وغير مكرر إن كان ~~من وصف بني إسرائيل. # وإعراب مفرداته تقدم، ورفعه على خبر ابتداء مضمر، أي: ~~هم سماعون. # وكذلك " أكالون للسحت " في " اللام " الوجهان المذكوران ~~في قوله: " للكذب ". # و " السحت " الحرام، سمي بذلك؛ لأنه يذهب البركة ~~ويمحقها، يقال: سحته الله، وأسحته: أي: أهلكه ~~وأذهبه. # قال الزجاج: أصله من: سحته إذ استأصلته، قال تعالى: # فيسحتكم بعذاب # [طه: 62] أي: يستأصلهم، أو لأنه مسحوت البركة. # قال الله تعالى: # يمحق الله الربا # [البقرة: 276]. # وقال الليث بن سعد: إنه حرام يحصل منه العار. # وعن الفراء: " السحت ": شدة الجوع، يقال: رجل مسحوت ~~المعدة إذا كان أكولا، لا يلفى إلا جائعا أبدا وهو راجع إلى ~~الهلكة. # وقد قرئ قوله تعالى: " فيسحتكم " بالوجهين: مهن سحته، ~~وأسحته. # وقال الفرزدق: [الطويل] # 1968- وعض زمان يا بن مروان لم يدع # من المال إلا مسحتا أو مجلف # وقرأ نافع وابن عامر، وعاصم، وحمزة: " السحت " بضم السين ~~وسكون الحاء، والباقون بضمهما، وزيد بن علي، وخارجة بن مصعب عن نافع ~~بالفتح وسكون الحاء، وعبيد بن عمير بالكسر والسكون وقرئ بفتحتين، ~~فالضمتان: اسم للشيء المسحوت، والضمة والسكون تخفيف هذا الأصل، ~~والفتحتان والكسر والسكون اسم له أيضا. # وأما المفتوح السين الساكن الحاء، فمصدر أريد به اسم ~~المفعول، كالصيد بمعنى المصيد، ويجوز أن يكون تخفيفا من ~~المفتوح، وهو ضعيف. # والمراد بالسحت: الرشوة في الحكم، ومهر البغي، ~~وعسيب الفحل، وكسب الحجام، وثمن الكلب، وثمن الخمر، ~~وثمن الميتة، وحلوان الكاهن، والاستعجال في المعصية، روي ~~ذلك عن عمر وعلي وابن عباس وأبي هريرة ومجاهد، وزاد بعضهم، ~~ونقص بعضهم. # وقال الأخفش: السحت كل كسب لا يحق. # فصل # قال الحسن: كان الحاكم منهم إذا أتاه أحد برشوة جعلها في ~~كمه، فيريها إياه، وكان يتكلم بحاجته، فيسمع منه، ~~ولا ينظر إلى خصمه، فيسمع الكذب، ويأكل الرشوة. # وقال أيضا: إنما ذلك في الحكم إذا ms3057 رشوته ليحق لك باطلا، أو ~~يبطل عنك حقا، فأما أن يعطي الرجل الوالي يخاف ظلمه ~~ليدرأ به عن نفسه فلا بأس، والسحت هو الرشوة في الحكم ~~على قول الحسن وسفيان وقتادة والضحاك. # وقال ابن مسعود - رضي الله عنه - هو الرشوة في كل شيء، من ~~يشفع شفاعة ليرد بها حقا أو يدفع بها ظلما، فأهدي له ~~فقبل، فهو سحت. # فقيل له: يا أبا عبد الرحمن، ما كنا نرى ذلك إلا الأخذ ~~على الحكم، فقال: الأخذ على الحكم كفر؛ قال الله تعالى: # ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون # [المائدة: 44]. # وقال بعضهم: كان فقراؤهم يأخذون من أغنيائهم مالا ~~ليقيموا على ما هم عليه من اليهودية، فالفقراء كانوا يسمعون ~~أكاذيب الأغنياء، ويأكلون السحت الذي يأخذوه منهم. # وقيل: سماعون للأكاذيب التي كانوا ينسبونها إلى التوراة، ~~أكالون للربا لقوله تعالى: # وأخذهم الربا وقد نهوا عنه # [النساء: 161]. # وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - رشوة الحاكم من السحت. ~~وعن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: # " كل لحم نبت بالسحت فالنار أولى به " قالوا: يا رسول ~~الله، وما السحت؟ قال: " الرشوة في الحكم ". # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أيضا أنه قال: السحت أن ~~يقضي الرجل لأخيه حاجة، فيهدي إليه هدية فيقبلها. # وقال بعض العلماء: من السحت أن يأكل الرجل بجاهه، بأن يكون ~~للرجل حاجة عند السلطان، فيسأله أن يقضيها له، فلا يقضيها ~~له إلا برشوة يأخذها. انتهى. # وقال أبو حنيفة [- رضي الله عنه -]: إذا ارتشى الحاكم انعزل ~~في الوقت، وإن لم يعزل بطل كل حكم حكم به بعد ذلك. # قال القرطبي: وهذا لا يجوز أن يختلف فيه إن شاء الله؛ لأن أخذ ~~الرشوة فسق والفاسق لا ينفذ حكمه. # قوله تعالى: { فإن جآءوك فاحكم بينهم أو أعرض ~~عنهم }. # خيره تعالى بين الحكم وبين الإعراض عنهم، واختلفوا فيه على ~~قولين: # الأول: أنه في أمر خاص، ثم اختلف هؤلاء. # فقال ابن عباس، والحسن، والزهري - رضي الله عنهم -: إنه في أمر ~~زنا المحصن، وقيل: ms3058 في قتيل قتل من اليهود في بني قريظة ~~والنضير كما تقدم، فتحاكموا إلى النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~- فجعل الدية سواء. # وقيل: هذا التخيير مختص بالمعاهدين الذين لا ذمة لهم، فإن شاء ~~حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم. # والقول الثاني: أن الآية عامة في كل من جاء من الكفار، ثم ~~اختلفوا: فمنهم من قال: إن الحكم ثابت في سائر الأحكام غير ~~منسوخ وهو قول النخعي والشعبي وقتادة، وعطاء، وأبي ~~بكر الأصم، وأبي مسلم. # وحكام المسلمين بالخيار في الحكم بين أهل الكتاب، ومنهم من قال: ~~إنه منسوخ بقوله تعالى: # وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله # [المائدة: 49] وهو قول ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وعكرمة [رضي الله ~~عنهم]، ومذهب الشافعي - رضي الله عنه - أنه يجب على حاكم ~~المسلمين أن يحكم بين أهل الذمة إن تحاكموا إليه، لأن في ~~إمضاء حكم الإسلام عليهم صغارا لهم. # فأما المعاهد إلى مدة، فلا يجب على الحاكم أن يحكم بينهم، بل ~~يتخير في ذلك. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: لم ينسخ من المائدة إلا ~~آيتان: قوله تعالى: # لا تحلوا شعآئر الله # [المائدة: 2] نسخها قوله: # فاقتلوا المشركين # [التوبة: 5]. # وقوله تعالى: { فإن جآءوك فاحكم بينهم أو أعرض ~~عنهم } نسخها قوله تعالى: # وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله # [المائدة: 49] فأما إذا تحاكم مسلم وذمي يجب علينا الحكم ~~بينهما بلا خلاف، لأنه لا يجوز للمسلم الانقياد لحكم أهل ~~الذمة. # ثم قال: { وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا } ~~والمعنى أنهم كانوا لا يتحاكمون إليه إلا لطلب الأسهل والأخف كالجلد مكان ~~الرجم، فإذا لم يحكم بينهم وأعرض عنهم شق عليهم، وصاروا أعداء له، ~~فبين تعالى أنه لا تضره عداوتهم له. # ثم قال تعالى: { وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط } ~~أي بالعدل: { إن الله يحب المقسطين } أي: ~~العادلين. ### || [5.43] # قوله تعالى: { وكيف يحكمونك } كقوله: # كيف تحي الموتى # [البقرة: 260] وقد تقدم. # [قوله:] " وعندهم التوراة " " الواو " للحال، و " التوراة " ~~يجوز أن تكون مبتدأ والظرف خبره، ويجوز أن يكون الظرف حالا، ~~و " التوراة " فاعل به لاعتماده ms3059 على ذي الحال. # والجملة الاسمية أو الفعلية في محل نصب على الحال. # وقوله: { فيها حكم الله } ، " فيها " خبر مقدم، و " حكم ~~" مبتدأ، أو فاعل كما تقدم في " التوراة " ، والجملة حال من " ~~التوراة " ، أو الجار وحده، و " حكم " مصدر مضاف لفاعله. # وأجاز الزمخشري: ألا يكون لها محل من الإعراب، بل هي مبينة؛ ~~لأن عندهم ما يغنيهم عن التحكيم، كما تقول: " عندك زيد ~~ينصحك، ويشير عليك بالصواب، فما تصنع بغيره؟ ". # وقوله تعالى: " ثم يتولون " معطوف على " يحكمونك " ، فهو ~~في سياق التعجب المفهوم من " كيف " وذلك إشارة إلى حكم الله ~~الذي في التوراة، ويجوز أن يعود إلى التحكيم والله أعلم. # فصل # هذا تعجب من الله لنبيه [عليه الصلاة والسلام] من تحكيم ~~اليهود إياه بعد علمهم بما في التوراة من حد الزاني، ثم ~~تركهم قبول ذلك الحكم فيتعدلون عما يعتقدونه حكما [حقا] ~~إلى ما يعتقدونه باطلا طلبا للرخصة فظهر جهلهم وعنادهم من وجوه: # أحدها: عدولهم عن حكم كتابهم. # والثاني: رجوعهم إلى حكم من كانوا يعتقدون أنه مبطل. # والثالث: إعراضهم عن حكمه بعد أن حكموه، فبين الله تعالى حال جهلهم ~~وعنادهم؛ لئلا يغتر مغتر أنهم أهل كتاب الله ومن ~~المحافظين على أمر الله. # ثم قال تعالى: { ومآ أولئك بالمؤمنين } أي ~~بالتوراة وإن كانوا يظهرون الإيمان بها، وقيل: هذا إخبار بأنهم ~~لا يؤمنون أبدا، وهو خبر عن المستأنف لا عن الماضي. # وقيل: إنهم وإن طلبوا الحكم منك فما هم بمؤمنين بك، ولا ~~بالمعتقدين في صحة حكمك. ### || [5.44] # قوله تعالى: { إنآ أنزلنا التوراة فيها هدى ونور } ~~الآية. # قوله سبحانه: { فيها هدى } يحتمل الوجهين المذكورين في قوله: ~~" وعندهم التوراة " ، ف " هدى " مبتدأ أو فاعل، والجملة ~~حال من " التوراة ". # وقوله: " يحكم بها " يجوز أن تكون جملة مستأنفة، ويجوز ~~أن تكون منصوبة المحل على الحال، إما من الضمير في " فيها " ~~، وإما من " التوراة ". # وقوله: " الذين أسلموا " صفة ل " النبيون " ، وصفهم ~~بذلك على سبيل المدح، والثناء، لا على سبيل التفصيل؛ فإن ~~الأنبياء كلهم مسلمون، وإنما أثنى عليهم بذلك، كما تجري ~~الأوصاف ms3060 على أسماء الله تعالى. # قال الزمخشري: أجريت على النبيين على سبيل المدح ~~كالصفات الجارية على القديم - سبحانه - لا للتفصلة والتوضيح، وأريد ~~بإجرائها التعريض باليهود، وأنهم بعداء من ملة الإسلام ~~الذي هو دين الأنبياء كلهم في القديم والحديث، فإن اليهود بمعزل ~~عنها. # وقوله تعالى: { الذين أسلموا للذين هادوا } منار على ~~ذلك، أي: دليل على ما ادعاه. # فإن قلت: " هدى ونور " العطف يقتضي المغايرة، فالهدى ~~محمول على بيان الأحكام والشرائع والتكاليف، والنور بيان ~~التوحيد، والنبوة، والمعاد. # وقال الزجاج: الهدى بيان الحكم الذي يستفتون فيه النبي - ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، والنور بيان أن أمر النبي [صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم] حق. # وقوله: { يحكم بها النبيون } يريد الذين كانوا بعد موسى ~~[عليه السلام]. # وقوله " الذين أسلموا " أي: سلموا وانقادوا لأمر الله كما ~~أخبر عن إبراهيم [عليه السلام]: # إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب ~~العالمين # [البقرة: 131]، وكقوله: # وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها # [آل عمران: 83]. # وأراد بالنبيين الذين بعثوا بعد موسى [عليه وعليهم السلام] ~~ليحكموا بما في التوراة [وقد أسلموا لحكم التوراة وحكموا بها، ~~فإن من النبيين من لم يحكم بحكم التوراة منهم] عيسى [عليه الصلاة ~~والسلام] قال تعالى: # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا # [المائدة: 48]. # وقال الحسن والزهري وعكرمة، وقتادة والسدي: يحتمل أن يكون ~~المراد بالنبيين هم محمد [صلى الله عليه وعلى آله وسلم] حكم ~~على اليهود بالرجم، وكان هذا حكم التوراة، وذكره بلفظ ~~الجمع تعظيما له كقوله تعالى: # إن إبراهيم كان أمة قانتا لله # [النحل: 120] وقوله تعالى: # أم يحسدون الناس # [النساء: 54] لأنه كان قد اجتمع فيه من خصال الخير ما كان ~~حاصلا لأكثر الأنبياء. # قال ابن الأنباري: هذا رد على اليهود والنصارى [لأن بعضهم ~~كانوا يقولون: الأنبياء كلهم يهود أو نصارى، فقال تعالى:] { يحكم ~~بها النبيون الذين أسلموا } يعني: أن الأنبياء ما ~~كانوا موصوفين باليهودية والنصرانية بل كانوا مسلمين لله ~~منقادين لتكاليفه. # وقوله تعالى: { للذين هادوا } فيه وجهان: # أحدهما: أن النبيين إنما يحكمون بالتوراة لأجلهم، وفيما ~~بينهم، ms3061 والمعنى: يحكم بها النبيون الذين أسلموا على الذين ~~هادوا؛ كقوله تعالى: # وإن أسأتم فلها # [الإسراء: 7] أي: فعليها: وكقوله: # أولئك لهم اللعنة # [الرعد: 25] أي: عليهم. # وقيل: فيه حذف كأنه قال: للذين هادوا وعلى الذين هادوا فحذف ~~أحدهما اختصارا. # والثاني: أن المعنى على التقديم والتأخير، أي: إنا أنزلنا ~~التوراة فيها هدى ونور للذين هادوا يحكم بها النبيون الذين ~~أسلموا. # وتقدم تفسير الربانيين، وأما الأحبار فقال ابن عباس وابن مسعود ~~[رضي الله عنهما]: هم الفقهاء. # واختلف أهل اللغة في واحده قال الفراء: إنه " حبر " ~~بكسر الحاء وسمي بذلك لمكان الحبر الذي يكتب به؛ لأنه يكون ~~صاحب كتب، وقال أبو عبيد: " حبر " بفتح الحاء، وقال ~~الليث: هو " حبر " ، و " حبر " بفتح الحاء وكسرها. # ونقل البغوي: أن الكسر أفصح، وهو العالم المحكم ~~للشيء. # وقال الأصمعي: لا أدري أهو الحبر أو الحبر، وأنكر أبو ~~الهيثم الكسر، والفراء " الفتح " ، وأجاز أبو عبيد ~~الوجهين، واختار الفتح. # قال قطرب: هو من الحبر الذي هو بمعنى الجمال بفتح الحاء ~~وكسرها وفي الحديث # " يخرج من النار رجل ذهب حبره وسبره " # أي حسنه وهيئته، ومنه التحبير أي: التحسين قال تعالى: # وأزواجكم تحبرون # [الزخرف: 70] أي: يفرحون ويزينون، وسمي ما يكتب حبرا ~~لتحسينه الخط، وقيل: لتأثيره وقال الكسائي، والفراء، وأبو ~~عبيدة: اشتقاقه من الحبر الذي يكتب به. # وقيل: الربانيون هاهنا من النصارى، والأحبار من ~~اليهود وقيل: كلاهما من اليهود، وهذا يقتضي كون الربانيين ~~أعلى حالا من الأحبار، فيشبه أن يكون الربانيون كالمجتهدين ~~والأحبار كآحاد العلماء. # قوله: " للذين هادوا " في هذه " اللام " ثلاثة أقوال: # أظهرها: أنها متعلقة ب " يحكم " ، فعلى هذا معناها ~~الاختصاص، وتشمل من يحكم له، ومن يحكم عليه، ولهذا ادعى ~~بعضهم أن في الكلام حذفا تقديره: " يحكم بها النبيون ~~للذين هادوا وعليهم " ذكره ابن عطية وغيره. # والثاني: أنها متعلقة ب " أنزلنا " ، أي: أنزلنا التوراة ~~للذين هادوا يحكم بها النبيون. # والثالث: أنها متعلقة بنفس " هدى " أي: هدى ونور للذين ~~هادوا، وهذا فيه الفصل بين المصدر ومعموله، وعلى هذا الوجه ~~يجوز أن يكون " للذين هادوا ms3062 " صفة ل " هدى ونور " ، أي: ~~هدى ونور كائن للذين هادوا وأول هذه الأقوال هو المقصود. # قوله تعالى: " والربانيون " عطف على " النبيون " أي: [إن ~~الربانيين وقد تقدم تفسيرهم في آل عمران] يحكمون أيضا ~~بمقتضى ما في التوراة. # قال أبو البقاء: " وقيل: الربانيون " مرفوع " بفعل ~~محذوف، أي: ويحكم الربانيون والأحبار بما استحفظوا " ~~انتهى. # يعني أنه لما اختلف متعلق الحكم غاير بين الفعلين أيضا، ~~فإن النبيين يحكمون بالتوراة، والأحبار والربانيون يحكمون بما ~~استحفظهم الله تعالى، وهذا بعيد عن الصواب؛ لأن الذي ~~استحفظهم هو مقتضى ما في التوراة، فالنبيون ~~والربانيون حاكمون بشيء واحد، على أنه سيأتي أن الضمير في " ~~استحفظوا " عائد على النبيين فمن بعدهم. # قال ابن عباس وغيره: الربانيون يرشدون الناس بالعلم، ~~ويربونهم للصغار قبل كبار. # وقال أبو رزين: الربانيون العلماء، والحكماء، وأما ~~الأحبار: فقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: هم الفقهاء والحبر ~~والحبر بالفتح والكسر: الرجل العالم، مأخوذ من التحبير، ~~والتحبر؛ فهم يحبرون العلم ويزينونه، فهو محبر في ~~صدورهم. # قال الجوهري: والحبر والحبر واحد أحبار اليهود، وهو بالكسر ~~أفصح؛ لأنه يجمع على أفعال دون الفعول. # قال الفراء: هو حبر بالكسر، يقال ذلك للعالم. # وقال الثوري: سألت الفراء: لم سمي الحبر حبرا؟ ~~فقال: يقال للعالم حبر وحبر، فالمعنى مداد حبرهم، ثم حذف كما قال: # وسأل القرية # [يوسف: 82] [أي أهل القرية]. # قال: فسألت الأصمعي، فقال: ليس هذا بشيء، إنما سمي حبرا ~~لتأثيره، يقال: على أسنانه حبر، أي: صفرة أو سواد. # وقال المبرد: وسمي الحبر الذي يكتب به حبرا؛ لأنه ~~يحبر به، أي: يحقق به. # وقال أبو عبيد: والذي عندي في واحد الأحبار أنه للحبر بالفتح، ~~ومعناه العالم بتحبير الكلام، والعلم تحسينه، والحبر بالكسر: ~~الذي يكتب به. # قوله تعالى: { بما استحفظوا } أجاز أبو البقاء فيه ثلاثة ~~أوجه: # أحدها: أن " بما " بدل من قوله: " بها " بإعادة العامل لطول ~~الفصل، قال: " وهو جائز وإن لم يطل " أي: يجوز إعادة العامل ~~في البدل، وإن لم يطل. # قلت: وإن لم يفصل أيضا. # الثاني: أن يكون متعلقا بفعل محذوف: أي: ms3063 ويحكم الربانيون ~~بما استحفظوا، كما قدمته عنه. # والثالث: أنه مفعول به، أي: يحكمون بالتوراة بسبب ~~استحفاظهم ذلك، وهذا الوجه الأخير هو الذي نحا إليه ~~الزمخشري؛ فإنه قال: " بما استحفظوا بما سألهم أنبياؤهم ~~حفظه من التوراة، أي: بسبب سؤال أنبيائهم إياهم أن يحفظوه ~~من التبديل والتغيير " ، وهذا على أن الضمير يعود على ~~الربانيين، والأحبار، دون النبيين، فإنه قدر الفاعل ~~المحذوف " النبيين " ، وأجاز أن يعود الضمير في " استحفظوا " على ~~النبيين والربانيين والأحبار، وقدر الفاعل المنوب عنه: الباري ~~تعالى، أي: بما استحفظهم الله تعالى، يعني: بما كلفهم ~~حفظه. # وقوله تعالى: { من كتاب الله }؛ قال الزمخشري: و " من " في ~~{ من كتاب الله } للتبيين، يعني أنها لبيان جنس ~~المبهم في " بما " فإن " ما " يجوز أن تكون موصولة ~~اسمية بمعنى " الذي " ، والعائد محذوف، أي: بما ~~استحفظوه، وأن تكون مصدرية، أي: باستحفاظهم. # وجوز أبو البقاء: أن تكون حالا من أحد شيئين: إما ~~من " ما " الموصولة، أو من عائدها المحذوف، وفيه نظر من ~~حيث المعنى. # وقوله: " وكانوا " داخل في حيز الصلة أي: وبكونهم شهداء ~~عليه، أي: رقباء لئلا يبدل، ف " عليه " متعلق ب " ~~شهداء " ، والضمير في " عليه " يعود على " كتاب الله " وقيل: ~~على الرسول عليه الصلاة والسلام، أي: شهداء على نبوته ورسالته. # وقيل: على الحكم، والأول هو الظاهر. # قوله تعالى: { بما استحفظوا من كتاب الله } أي: ~~استودعوا. وحفظ كتاب الله على وجهين: # أحدهما: أن يحفظ فلا ينسى. # والثاني: أن يحفظ فلا يضيع، فإن كان استحفظوا من صلة الأحبار، فالمعنى: ~~العلماء بما استحفظوا. # وقال الزجاج: يحكمون بما استحفظوا. # قوله تعالى { وكانوا عليه شهدآء } أي: هؤلاء النبيون ~~والربانيون والأحبار كانوا شهداء على أن كل ما في التوراة حق وصدق من عند ~~الله تعالى فلا جرم كانوا يمضون أحكام التوراة، ويحفظونها عن التحريف ~~والتغيير. # ثم قال تعالى: { فلا تخشوا الناس واخشون } لما قرر أن ~~النبيين والربانيين والأحبار، كانوا قائمين بإمضاء أحكام التوراة من غير ~~مبالاة، خاطب اليهود الذي كانوا في عصر النبي - صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم -، ومنعهم من التحريف ms3064 والتغيير. # واعلم أن إقدام القوم على التحريف لا بد وأن يكون لخوف أو رهبة أو لطمع ~~ورغبة، ولما كان الخوف أقوى تأثيرا من الطمع قدم تعالى ذكره فقال: { ~~فلا تخشوا الناس واخشون } والمعنى لا تحرفوا كتابي للخوف ~~من الناس، ومن الملوك والأشراف، فتسقطوا عنهم الحدود الواجبة عليهم، ~~وتستخرجوا الحيل في إسقاط تكاليف الله عنهم، ولما ذكر أمر الرهبة أتبعه ~~بالرغبة فقال تعالى: { ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا } أي: كما نهيتكم ~~عن تغيير أحكامي لأجل الخوف والرهبة فكذلك أنهاكم عن التغيير والتبديل ~~لأجل الطمع في الجاه والمال والرشوة، فإن متاع الدنيا قليل. ولما منعهم ~~من الأمرين أتبعه بالوعيد الشديد، فقال تعالى: { ومن لم يحكم بما أنزل ~~الله فأولئك هم الكافرون } وهذا تهديد لليهود في افترائهم على تحريف حكم ~~الله في حد الزاني المحصن، يعني أنهم لما أنكروا حكم الله المنصوص عليه ~~في التوراة، قالوا: إنه غير واجب فهم كافرون على الإطلاق بموسى والتوراة ~~وبمحمد والقرآن وبعيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام. # فصل # قالت الخوارج: من عصى الله فهو كافر، واحتجوا بهذه الآية، وقالوا: إنها ~~نص في أن كل من حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر، وكل من أذنب فقد حكم ~~بغير ما أنزل الله، فوجب أن يكون كافرا، وقال الجمهور: ليس الأمر كذلك، ~~وذكروا عن هذه الشبهة أجوبة منها أن هذه الآية نزلت في اليهود فتكون ~~مختصة بهم. # قال قتادة والضحاك: نزلت هذه الآيات الثلاث في اليهود دون من أساء من ~~هذه الأمة. # وروى البراء بن عازب: أن هذه الثلاثة آيات في الكافرين، وهذا ضعيف؛ لأن ~~الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وقال آخرون: المراد { من لم يحكم ~~بما أنزل الله } كلام أدخل كلمة " من " في معرض الشرط فيكون للعموم، ~~وقولهم: من الذين سبق ذكرهم، زيادة في النص، وذلك غير جائز. وقال عطاء: ~~هو كفر دون كفر. # وقال طاووس: ليس بكفر ينقل عن الملة، ولا بكفر بالله واليوم الآخر. ~~فكأنهم حملوا الآية على كفر النعمة لا على كفر الدين، وهو ms3065 أيضا ضعيف، ~~لأن إطلاق لفظ الكافر إنما ينصرف إلى الكفر في الدين وقال ابن الأنباري: ~~يجوز أن يكون المعنى ومن لم يحكم بما أنزل الله فقد فعل فعلا يضاهي ~~أفعال الكفار، وهذا أيضا ضعيف لأنه عدول عن الظاهر. # وقال عبد العزيز: قوله " بما أنزل " صيغة عموم، ومعنى " أنزل الله " أي: ~~نص الله، حكم الله في كل ما أنزله، والفاسق لم يأت بضد حكم الله إلا في ~~القليل من العمل، أما في الاعتقاد والإقرار فهو موافق، وهذا أيضا ضعيف، ~~لأنه لو كانت هذه الآية [وعيدا مخصوصا] لمن خالف حكم الله تعالى، في كل ~~ما أنزله الله لم يتناول هذا الوعيد اليهود بسبب مخالفتهم حكم الله في ~~الرجم، وأجمع المفسرون أن هذا الوعيد يتناول اليهود بسبب مخالفتهم حكم ~~الله في واقعة الرجم، فدل على سقوط هذا الجواب. # وقال عكرمة: قوله تعالى: { ومن لم يحكم بمآ أنزل الله } ~~إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه، أما من عرف بقلبه كونه حكم الله ~~إلا أنه أتى بما يضاده، فهو حاكم بما أنزل الله، ولكنه تارك له فلا يلزم ~~دخوله تحت هذه الآية. ### || [5.45] # قوله تعالى { وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس ~~بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن ~~بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص }. # أي كتبنا عليهم في التوراة حكم أنواع القصاص وهو أن حكم الزاني المحصن " ~~الرجم " فغيروه وبدلوه، وبين أيضا في التوراة: أن النفس بالنفس ~~فغيروا هذا الحكم ففضلوا بني النضير على بني قريظة، وخصصوا إيجاب القود ~~ببني قريظة دون بني النضير فهذا أوجه النظم، ومعنى " كتبنا " أي: فرضنا، ~~وكان شر القصاص أو العفو، وما كان فيهم الدية والضمير في " عليهم " ل " ~~الذين هادوا ". قوله تعالى: { أن النفس بالنفس }: " أن " ~~واسمها وخبرها في محل نصب على المفعولية ب " كتبنا " ، والتقدير: وكتبنا ~~عليهم أخذ النفس بالنفس. # وقرأ الكسائي " والعين " وما عطف عليها بالرفع، وقرأ نافع وحمزة ~~وعاصم بنصب الجميع. # وقرأ أبو عمرو، وابن كثير، وابن عامر بالنصب فيما عدا " الجروح " ~~فإنهم يرفعونها. # فأما قراءة الكسائي فوجهها ms3066 أبو علي الفارسي بثلاثة أوجه: # أحدها: أن تكون " الواو " عاطفة جملة اسمية على جملة فعلية، فتعطف الجمل ~~كما تعطف المفردات، يعني أن قوله: " والعين " مبتدأ، و " بالعين " خبره، ~~وكذا ما بعدها، والجملة الاسمية عطف على الفعلية من قوله: " وكتبنا ~~" وعلى هذا فيكون ذلك ابتداء تشريع، وبيان حكم جديد غير مندرج فيما كتب ~~في التوراة. # قالوا: وليست مشركة للجملة مع ما قبلها لا في اللفظ ولا في المعنى. # وعبر الزمخشري عن هذا الوجه بالاستئناف قال: " أو " للاستئناف، ~~والمعنى: فرضنا عليهم أن النفس مأخوذة بالنفس مقتولة بها، إذا قتلها بغير ~~حق، وكذلك العين مفقودة بالعين، والأنف مجدوع بالأنف، والأذن ~~مصلومة أو مقطوعة بالأذن والسن مقلوعة بالسن، والجروح قصاص وهو ~~المقاصة، وتقديره: أن النفس مأخوذة بالنفس، سبقه إليه الفارسي، إلا ~~أنه قدر ذلك في جميع المجرورات، أي: والعين مأخوذة بالعين إلى آخره، ~~والذي قدره الزمخشري مناسب جدا، فإنه قدر متعلق كل مجرور بما ~~يناسبه، فالفقء للعين، والقلع للسن، والصلم للأذن، والجدع ~~للأنف، إلا أن أبا حيان [كأنه] غض منه حيث قدر الخبر الذي تعلق به ~~المجرور كونا مقيدا، والقاعدة في ذلك إنما يقدر كونا مطلقا. # قال: " وقال الحوفي: " بالنفس " يتعلق بفعل محذوف تقديره: يجب أو ~~يستقر، وكذا العين بالعين وما بعدها، فقدر الكون المطلق، والمعنى: ~~يستقر قتلها بقتل النفس " ، إلا أنه قال قبل ذلك: " وينبغي أن يحمل ~~قول الزمخشري على تفسير المعنى لا تفسير الإعراب " ثم قال: فقدر - ~~يعني: الزمخشري - ما يقرب من الكون المطلق، وهو: " مأخوذ " ، فإذا قلت: " ~~بعت الشياه شاة بدرهم " ، فالمعنى: مأخوذة بدرهم، وكذلك الحر بالحر أي: ~~مأخوذ. # والوجه الثاني من توجيه الفارسي: أن تكون " الواو " عاطفة جملة اسمية ~~على الجملة من قوله: { أن النفس بالنفس }. [لكن من حيث المعنى لا من حيث ~~اللفظ، فإن معنى " كتبنا عليهم أن النفس بالنفس " قلنا لهم: إن النفس ~~بالنفس] فالجمل مندرجة تحت الكتب من حيث المعنى لا من حيث اللفظ. # وقال ابن عطية: " ويحتمل أن تكون " الواو " عاطفة على المعنى " وذكر ما ~~تقدم، ms3067 ثم قال: ومثله لما كان المعنى في قوله تعالى: # يطاف عليهم بكأس من معين # [الصافات: 45] يمنحون عطف " وحورا عينا " عليه، فنظر هذه الآية ~~بتلك لاشتراكهما في النظر إلى المعنى، دون اللفظ وهو حسن. # قال أبو حيان: وهذا من العطف على التوهم؛ إذ توهم في قوله: { أن النفس ~~بالنفس }: النفس بالنفس، وضعفه بأن العطف على التوهم لا ينقاس. # والزمخشري نحا إلى هذا المعنى، ولكنه عبر بعبارة أخرى فقال: [الرفع ~~للعطف] على محل " أن النفس "؛ لأن المعنى: " وكتبنا عليهم النفس ~~بالنفس " ، إما لإجراء " كتبنا " " مجرى " قلنا، وإما أن معنى الجملة ~~التي هي " النفس بالنفس " مما يقع عليه الكتب، كما تقع عليه القراءة ~~تقول: كتبت: الحمد لله وقرأت: سورة أنزلناها، ولذلك قال الزجاج: ~~" لو قرىء إن النفس بالنفس بالكسر لكان صحيحا ". # قال أبو حيان: هذا الوجه الثاني من توجيه أبي علي، إلا أنه خرج عن ~~المصطلح، حيث جعله من العطف على المحل وليس منه، لأن العطف على المحل ~~هو العطف على الموضع، وهو محصور ليس هذا منه، ألا ترى أنا لا نقول: { أن ~~النفس بالنفس } في محل رفع؛ لأن طالبه مفقود، بل " أن " وما في حيزها ~~بتأويل مصدر لفظه وموضعه نصب؛ إذ التقدير: " كتبنا عليهم أخذ النفس " ، ~~قال شهاب الدين: والزمخشري لم يعن أن " أن " وما في حيزها في محل ~~رفع، فعطف عليها المرفوع حتى يلزمه أبو حيان بأن لفظها ومحلها نصب، ~~إنما عنى أن اسمها محله الرفع قبل دخولها، فراعى العطف عليه كما ~~راعاه في اسم " إن " المكسورة وهذا الرد ليس لأبي حيان، بل سبقه إليه ~~أبو البقاء، فأخذه منه. # قال أبو البقاء: " ولا يجوز أن يكون معطوفا على " أن " وما عملت فيه ~~في موضع نصب " انتهى. # وليس بشيء لما تقدم. # قال أبو شامة: فمعنى الحديث: قلنا لهم: النفس بالنفس، فحمل " العين ~~بالعين " على هذا، لأن " أن " لو حذفت لاستقام المعنى بحذفها كما ~~استقام بثبوتها، وتكون " النفس " مرفوعة، فصارت " أن " هنا ك " إن " ~~المكسورة في أن حذفها لا يخل بالجملة، فجاز العطف ms3068 على محل اسمها، ~~كما يجوز على محل اسم المكسورة، وقد حمل على ذلك: # أن الله بريء من المشركين ورسوله # [التوبة: 3]. # قال ابن الحاجب: " ورسوله " بالرفع معطوف على اسم " أن " وإن كانت ~~مفتوحة لأنها في حكم المكسورة، وهذا موضع لم ينبه عليه النحويون. # قال شهاب الدين: بلى قد نبه النحويون على ذلك، واختلفوا فيه، فجوزه ~~بعضهم، وهو الصحيح، وأكثر ما يكون ذلك بعد " علم " أو ما في معناه ~~كقوله: [الوافر] # 1969- وإلا فاعلموا أنا وأنتم # بغاة ما بقينا في شقاق # وقوله تعالى: # وأذان من الله # [التوبة: 3] الآية؛ لأن " الأذان " بمعنى الإعلام. # الوجه الثالث: أن " العين " عطف على الضمير المرفوع المستتر في الجار ~~الواقع خبرا؛ إذ التقدير أن النفس بالنفس هي والعين، وكذا ما بعدها، ~~والجار والمجرور بعدها في محل نصب على الحال مبنية للمعنى؛ إذ المرفوع ~~هنا مرفوع بالفاعلية لعطفه على الفاعل المستتر وضعف هذا بأن هذه ~~أحوال لازمة، والأصل أن تكون منتقلة، وبأنه يلزم العطف على الضمير ~~المرفوع المتصل من غير فصل بين المتعاطفين، ولا تأكيد ولا فصل ب ~~" لا " بعد حرف العطف كقوله: # مآ أشركنا ولا آباؤنا # [الأنعام: 148] وهذا لا يجوز عند البصريين إلا ضرورة. # قال أبو البقاء: وجاز العطف من غير توكيد كقوله: # مآ أشركنا ولا آباؤنا # [الأنعام: 148] قال شهاب الدين: قام الفصل ب " لا " بين حرف العطف، ~~والمعطوف مقام التوكيد، فليس نظيره. # وللفارسي بحث في قوله: # مآ أشركنا ولا آباؤنا # [الأنعام: 148] مع سيبويه، فإن سيبويه يجعل طول الكلام ب " لا " عوضا ~~عن التوكيد بالمنفصل، كما طال الكلام في قولهم: " حضر القاضي اليوم ~~امرأة ". # قال الفارسي: " هذا يستقيم إذا كان قبل حرف العطف، أما إذا وقع بعده ~~فلا يسد مسد الضمير، ألا ترى أنك لو قلت: " حضر امرأة القاضي اليوم ~~" لم يغن طول الكلام في غير الموضع الذي ينبغي أن يقع فيه ". # قال ابن عطية: وكلام سيبويه متجه على النظر النحوي، وإن كان الطول قبل ~~حرف العطف أتم، فإنه بعد حرف العطف مؤثر، لا سيما في هذه الآية، لأن ms3069 " ~~لا " ربطت المعنى؛ إذ قد تقدمها نفي، ونفت هي أيضا عن " الآباء " فيمكن ~~العطف. # واختار أبو عبيد قراءة رفع الجميع، وهي رواية الكسائي؛ لأن أنسا - رضي ~~الله عنه - رواها قراءة للنبي صلى الله عليه وسلم. # وروى أنس عنه - عليه الصلاة والسلام - أيضا " أن النفس بالنفس " ~~بتخفيف " أن " ورفع " النفس " ، وفيها تأويلان: # أحدهما: أن تكون " أن " مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الأمر والشأن ~~محذوف، و " النفس بالنفس " مبتدأ وخبر، في محل رفع خبرا ل " أن " ~~المخففة، كقوله: # أن الحمد لله رب العالمين # [يونس: 10] فيكون المعنى كمعنى المشددة. # والثاني: أنها " أن " المفسرة؛ لأنها بعد ما هو بمعنى القول لا حروفه ~~وهو " كتبنا " ، والتقدير: أي النفس بالنفس، ورجح هذا على الأول بأنه ~~يلزم من الأول وقوع المخففة بعد غير العلم، وهو قليل أو ممنوع، وقد يقال: ~~إن " كتبنا " لما كان بمعنى " قضينا " قرب من أفعال اليقين. # وأما قراءة نافع ومن معه فالنصب على اسم " أن " لفظا، وهي النفس، ~~والجار بعده خبره. # و " قصاص " خبر " الجروح " ، أي: وأن الجروح قصاص، وهذا من عطف ~~الجمل، عطفت الاسم على الاسم، والخبر على الخبر، كقولك " إن زيدا ~~قائم وعمرا منطلق " عطفت " عمرا " على " زيدا " ، و " منطلق " على " ~~قائم " ، ويكون الكتب شاملا للجميع، إلا أن في كلام ابن عطية ما ~~يقتضي أن يكون " قصاص " خبرا على المنصوبات أجمع، فإنه قال: وقرأ نافع ~~وحمزة وعاصم بنصب ذلك كله، و " قصاص " خبر " أن " ، وهذا وإن كان ~~يصدق أن أخذ النفس بالنفس والعين بالعين قصاص، إلا أنه صار هنا ~~بقرينة المقابلة مختصا بالجروح، وهو محل نظر. # وأما قراءة أبي عمرو ومن معه، فالمنصوب كما تقدم في قراءة نافع، لكنهم ~~لم ينصبوا " الجروح " قطعا له عما قبله، وفيه أربعة أوجه: الثلاثة ~~المذكورة في توجيه قراءة الكسائي، وقد تقدم إيضاحه. # والرابع: أنه مبتدأ وخبره " قصاص " ، يعني: أنه ابتداء تشريع، وتعريف ~~حكم جديد. # قال أبو علي: " فأما " والجروح قصاص " [فمن رفعه يقطعه عما قبله، ~~فإنه يحتمل هذه الوجوه الثلاثة التي ذكرناها في قراءة من ms3070 رفع " والعين ~~بالعين " ، ويجوز أن يستأنف " والجروح قصاص " ] ليس على أنه مما كتب ~~عليهم في التوراة، ولكنه على الاستئناف، وابتداء تشريع " انتهى. # إلا أن أبا شامة قال - قبل أن يحكي عن الفارسي هذا الكلام -: " ولا ~~يستقيم في رفع الجروح الوجه الثالث، وهو أنه عطف على الضمير الذي في خبر ~~" النفس " وإن جاز فيما قبلها، وسببه استقامة المعنى في قولك: مأخوذة ~~هي بالنفس، والعين هي مأخوذة بالعين، ولا يستقيم، والجروح مأخوذة قصاص، ~~وهذا معنى قولي: لما خلا قوله: " الجروح قصاص " عن " الباء " في الخبر ~~خالف الأسماء التي قبلها، فخولف بينهما في الإعراب ". # قال شهاب الدين: وهذا الذي قاله واضح، ولم يتنبه له كثير من المعربين. # وقال بعضهم: " إنما رفع " الجروح " ولم ينصب تبعا لما قبله ~~فرقا بين المجمل والمفسر ". يعني أن قوله: " النفس بالنفس، ~~والعين بالعين " مفسر غير مجمل، بخلاف " الجروح " ، فإنها مجملة؛ إذ ~~ليس كل جرح يجري فيه قصاص؛ بل ما كان يعرف فيه المساواة، وأمكن ذلك فيه، ~~على تفصيل معروف في كتب الفقه. # وقال بعضهم: خولف في الإعراب لاختلاف الجراحات وتفاوتها، فإذن ~~الاختلاف في ذلك كالخلاف المشار إليه، وهذان الوجهان لا معنى لهما، ~~ولا ملازمة بين مخالفة الإعراب، ومخالفة الأحكام المشار إليها ~~بوجه من الوجوه، وإنما ذكرتها تنبيها على ضعفها. # وقرأ نافع: " والأذن بالأذن " سواء كان مفردا أم مثنى، كقوله: { ~~كأن في أذنيه وقرا } [لقمان: 7] بسكون الذال، وهو تخفيف ~~للمضموم ك " عنق " في " عنق " والباقون بضمهما، وهو الأصل، ولا بد ~~من حذف مضاف في قوله: " والجروح قصاص ": إما من الأول، وإما من ~~الثاني، وسواء قرىء برفعه أو بنصبه، تقديره: وحكم الجروح قصاص، أو: ~~والجروح ذات قصاص. # والقصاص: المقاصة، وقد تقدم الكلام عليه في " البقرة " [الآية ~~178]. # وقرأ أبي بنصب " النفس " ، والأربعة بعدها و " أن الجروح " بزيادة " ~~أن " الخفيفة، ورفع " الجروح " ، وعلى هذه القراءة يتعين أن تكون ~~المخففة، ولا يجوز أن تكون المفسرة، بخلاف ما تقدم من قراءة أنس عنه ~~عليه السلام بتخفيف " أن " ورفع " النفس " حيث جوزنا فيها الوجهين، وذلك ms3071 ~~لأنه لو قدرتها التفسيرية [وجعلتها معطوفة على ما قبلها فسد من حيث إن " ~~كتبنا " يقتضي أن يكون عاملا لأجل أن " أن " المشددة غير عامل لأجل " ~~أن " التفسيرية]. فإذا انتفى تسلطه عليها انتفى تشريكها مع ما قبلها؛ ~~لأنه إذا لم يكن عمل فلا تشريك، فإذا جعلتها المخففة تسلط عمله ~~عليها، فاقتضى العمل التشريك في انصباب معنى الكتب عليهما. # فصل # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: أخبر الله تعالى بحكمه في التوراة، ~~وهو أن النفس بالنفس. الخ، فما بالهم يقتلون بالنفس النفسين، ويفقأون ~~بالعين العينين، والمعنى أن من قتل نفسا بغير قود قتله، ولم يجعل الله ~~لهم دية في نفس ولا جرح، إنما هو العفو أو القصاص، وأما الأطراف فكل ~~شخصين جرى القصاص بينهما في النفس جرى القصاص بينهما في جميع الأطراف إذا ~~تماثلا في السلامة، وإذا امتنع القصاص في النفس امتنع أيضا في الأطراف، ~~ولما ذكر حكم بعض الأعضاء ذكر الحكم في كلها فعم بعض التخصيص فقال: " ~~والجروح قصاص " ، وهو كل ما يمكن أن يختص فيه مثل الشفتين والذكر ~~والأنثيين والأليتين والقدمين واليدين وغيرهما، فأما ما لا يمكن ~~القصاص فيه من رض لحم أو كسر عظم أو جرح يخاف منه التلف، ففيه أرش؛ لأنه ~~لا يمكن الوقوف على نهايته. # وقرأ أبي: " فهو كفارته له " ، أي: التصدق كفارة، يعني الكفارة التي ~~يستحقها له لا ينقص منها وهو تعظيم لما فعل كقوله: # فأجره على الله # [الشورى: 40]. # قوله تعالى: { فمن تصدق به } أي: بالقصاص المتعلق بالنفس، أو ~~بالعين أو بما بعدها، فهو أي: فذلك التصدق، عاد الضمير على المصدر ~~لدلالة فعله عليه، وهو كقوله تعالى: # اعدلوا هو أقرب # [المائدة: 8]. # والضمير في " له " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: وهو الظاهر: أنه يعود على الجاني، والمراد به ولي القصاص أي: ~~فالتصدق كفارة لذلك المتصدق بحقه، وإلى هذا ذهب كثير من الصحابة فمن ~~بعدهم [ويؤيده قوله تعالى في آية القصاص في البقرة وأن تعفوا أقرب ~~للتقوى]. # والثاني: أن الضمير [يراد به] الجاني، [والمراد بالمتصدق كما تقدم مستحق ~~القصاص، ms3072 والمعنى أنه إذا تصدق المستحق على الجاني]، كان ذلك التصدق كفارة ~~للجاني حيث لم يؤاخذ به. # قال الزمخشري: " وقيل: فهو كفارة له أي: للجاني إذا تجاوز عنه صاحب الحق ~~سقط عنه ما لزمه في الدنيا والآخرة " فأما أجر العافي فعلى الله قال ~~الله تعالى: # فمن عفا وأصلح فأجره على الله # [الشورى: 40] وقال عليه الصلاة والسلام: # " من تصدق من جسده بشيء كفر الله عنه بقدره ~~من ذنوبه " # وإلى هذا ذهب ابن عباس - رضي الله عنهما - في آخرين. # الثالث: أن الضمير يعود على المتصدق أيضا، لكن المراد الجاني نفسه، ~~ومعنى كونه متصدقا، أنه إذا جنى جناية، ولم يعرف به أحد، فعرف هو بنفسه، ~~كان ذلك الاعتراف بمنزلة التصدق الماحي لذنبه وجنايته قال مجاهد. # ويحكى عن عروة بن الزبير أنه أصاب إنسانا في طوافه، فلم يعرف الرجل ~~من أصابه، فقال له عروة: " أنا أصبتك، وأنا عروة بن الزبير، فإن كان ~~يعنيك شيء فها أنا ذا " وعلى هذا التأويل يحتمل أن يكون " تصدق " ~~من الصدقة، وأن يكون من الصدق. # قال شهاب الدين: فالأول واضح، والثاني معناه أن يتكلف الصدق؛ لأن ذلك ~~مما يشق. # وقوله تعالى: { ومن لم يحكم } يجوز في " من " أن تكون شرطية، ~~وهو الظاهر، وأن تكون موصولة، والفاء في الخبر زائدة لشبهه بالشرط. # و " هم " في قوله: " هم الكافرون " ونظائره فصل أو مبتدأ، وكله ظاهر مما ~~تقدم في نظائره. # فإن قيل: إنه ذكر أولا قوله تعالى: # ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون # [المائدة: 44] وثانيا: " هم الظالمون " والكفر أعظم من الظلم. فلماذا ~~ذكر أعظم التهديدات، ثم ذكر بعده الأخف فأي فائدة في ذلك؟ فالجواب: أن ~~الكفر من حيث إنه إنكار لنعمة المولى وجحود لها، فهو كفر، ومن حيث إنه ~~يقتضي إلقاء النفس في العقاب الدائم الشديد فهو ظلم للنفس في الآية ~~الأولى ذكر ما يتعلق بتقصيره في حق نفسه والله أعلم. ### || [5.46] # قوله تعالى: { وقفينا على آثارهم } الآية، قد تقدم معنى " ~~قفينا " وأنه من قفا يقفو أي: تبع قفاه في ms3073 البقرة [الآية 87] وقوله ~~تعالى: { على آثارهم بعيسى } كلا الجارين متعلق به على تضمينه معنى ~~" جئنا به على آثارهم قافيا لهم ". # وقد تقدم أيضا أن التضعيف فيه ليس للتعدية لعلة ذكرت هناك، ~~وإيضاحها أن " قفا " متعد لواحد قبل التضعيف، قال تعالى: # ولا تقف ما ليس لك به علم # [الإسراء: 36] ف " ما " موصولة بمعنى " الذي " هي مفعول، وتقول العرب: ~~" قفا فلان أثر فلان " أي: تبعه، فلو كان التضعيف للتعدي لتعدى إلى ~~اثنين، فكان التركيب يكون: " ثم قفيناهم عيسى ابن مريم " ف " هم " مفعول ~~ثان، و " عيسى " أول، ولكنه ضمن كما تقدم، فلذلك تعدى بالباء، و " ~~على " قال الزمخشري: " قفيته " مثل: عقبته إذا أتبعته، ثم ~~يقال: " قفيته بفلان " مثل: عقبته به: فتعديه إلى الثاني بزيادة ~~" الباء ". # فإن قلت: فأين المفعول الأول؟ # قلت: هو محذوف، والظرف الذي هو " على آثارهم " كالساد مسده؛ لأنه ~~إذا قفى به على أثره، فقد قفى به إياه، فكلامه هنا ينحو إلى أن " ~~قفيته " مضعفا ك " قفوته " ثلاثيا ثم عداه بالباء، وهذا وإن كان ~~صحيحا من حيث إن " فعل " قد جاء بمعنى " فعل " المجرد ك " قدر ~~وقدر " ، إلا أن بعضهم زعم أن تعدية المتعدي لواحد لا يتعدى إلى ~~ثان بالباء، لا تقول في " طعم زيد اللحم ": " أطعمت زيدا باللحم " ولكن ~~الصواب أنه قليل غير ممتنع، جاءت منه ألفاظ قالوا: " صك الحجر ~~الحجر " ثم يقولون: صككت الحجر بالحجر، و " دفع زيد عمرا " ~~ثم: دفعت زيدا بعمرو: أي: جعلته دافعا له، فكلامه إما ممتنع، أو ~~محمول على القليل، وقد تقدم في البقرة الإشارة إلى منع ادعاء حذف ~~المفعول من نحو " قفينا " في البقرة [الآية 87]. # وناقشه أبو حيان في قوله: " فقد قفى به إياه " من حيث إنه أتى ~~بالضمير المنفصل مع قدرته على المتصل، فيقول: " قفيته به ". # قال: " ولو قلت: " زيد ضربت بسوط إياه " لم يجز إلا في ضرورة شعر، ~~بل ضربته بسوط " ، وهذا ليس بشيء، لأن ذلك من باب قوله: # يخرجون الرسول وإياكم # [الممحنة: 1] # ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ~~وإياكم ms3074 # [النساء: 131] وقد تقدم تحقيقه. # والضمير في " آثارهم ": إما للنبيين؛ لقوله: { يحكم بها النبيون } ~~وإما لمن كتبت عليهم تلك الأحكام، والأول أظهر؛ لقوله في ~~موضع آخر: { برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم }. # و " مصدقا " حال من " عيسى ". # قال ابن عطية: وهي حال مؤكدة، وكذلك قال في " مصدقا " الثانية، وهو ~~ظاهر فإن من لازم الرسول والإنجيل الذي هو كتاب إلهي أن يكونا ~~مصدقين. # و " لما " متعلق به. # وقوله: " من التوراة " حال: إما من الموصول، وهو " ما " المجرورة ~~باللام، وإما من الضمير المستكن في الظرف لوقوعه صلة، ويجوز أن تكون ~~لبيان جنس الموصول. # قوله تعالى: { وآتيناه الإنجيل } يجوز فيها وجهان: # أحدهما: أن تكون عطفا على قوله: " وقفينا " فلا يكون لها ~~محل، كما أن المعطوف عليه لا محل له، ويجوز أن تكون في محل ~~نصب على الحال عطفا على " مصدقا " الأول إذا جعل " مصدقا " الثاني ~~حالا من " عيسى " أيضا كما سيأتي، [ويجوز أن تكون الجملة حالا] وإن لم ~~يكن " مصدقا " الثاني حالا من " عيسى ". # قوله تعالى: " فيه هدى " يجوز أن يكون " فيه " وحده حالا من الإنجيل، و ~~" هدى " فاعل به؛ لأنه لما اعتمد على ذي الحال رفع الفاعل ويجوز أن ~~يكون " فيه " خبرا مقدما، " وهدى " مبتدأ مؤخر، والجملة حال، و " ~~مصدقا " حال عطفا على محل " فيه هدى " بالاعتبارين أعني اعتبار أن ~~يكون " فيه " وحده هو الحال، فعطفت هذه الحال عليه، وأن يكون " فيه ~~هدى " جملة اسمية محلها النصب، و " مصدقا " عطف على محلها، وإلى ~~هذا ذهب ابن عطية، إلا أن هذا مرجوح من وجهين: # أحدهما: أن أصل الحال أن تكون مفردة، والجار أقرب إلى المفرد من الجمل. # الثاني: أن الجملة الاسمية الواقعة حالا، الأكثر أن تأتي فيها بالواو، ~~وإن كان فيها ضمير - حتى زعم الفراء - وتبعه الزمخشري أن ذلك لا يجوز ~~إلا شاذا، وكون " مصدقا " حالا من " الإنجيل " هو الظاهر. # وأجاز مكي بن أبي طالب - وتبعه أبو البقاء - أن يكون " مصدقا " ، ~~الثاني حالا أيضا من " عيسى " كرر توكيدا. # قال ابن عطية: " وهذا فيه قلق من ms3075 جهة اتساق المعاني ". # قال شهاب الدين: إذا جعلنا " وآتيناه " حالا منه، وعطفنا عليها هذه ~~الحال الأخرى، فلا أدري وجه القلق من الحيثية المذكورة؟ # وقوله: " وهدى " الجمهور على النصب، وهو على الحال: إما من " ~~الإنجيل " ، عطفت هذه الحال على ما قبلها، وإما من " عيسى " أي: ذا ~~هدى وموعظة، أو هاديا، أو جعل نفس الهدى مبالغة. # وأجاز الزمخشري أن ينتصبا على المفعول من أجله، وجعل العامل فيه ~~قوله تعالى: " آتيناه " ، قال: وأن ينتصبا مفعولا لهما لقوله: " وليحكم ~~" كأنه قيل وللهدى وللموعظة آتيناه الإنجيل وللحكم. # وجوز أبو البقاء وغيره أن يكون العامل فيه " قفينا " أي: قفينا ~~للهدى والموعظة، وينبغي إذا جعلا مفعولا من أجله أن يقدر إسنادهما ~~إلى الله - تعالى - لا إلى الإنجيل ليصح النصب، فإن شرطه اتحاد المفعول ~~له مع عامله فاعلا وزمانا، ولذلك لما اختلف الفاعل في قوله: { وليحكم ~~أهل الإنجيل } عدي إليه باللام، ولأنه خالفه أيضا في الزمان، فإن زمن ~~الحكم مستقبل وزمن الأنبياء ماض، بخلاف الهداية والموعظة، فإنهما ~~مقارنان في الزمان للإيتاء. # و " للمتقين " يجوز أن يكون صفة ل " موعظة " ، ويجوز أن تكون " اللام " ~~زائدة مقوية، و " المتقين " مفعول ب " موعظة " ، ولم تمنع تاء التأنيث ~~من عمله؛ لأنه مبني عليها؛ كقوله: [الطويل] # 1970-..................ورهبة # عقابك....................... # وقد تقدم الكلام على " الإنجيل " واشتقاقه وقراءة الحسن فيه بما أغنى ~~عن إعادته. # وقرأ الضحاك بن مزاحم: " وهدى وموعظة " بالرفع، ووجهها ~~أنها خبر ابتداء مضمر، أي: وهو هدى وموعظة. # فصل # قال ابن الخطيب: هنا سؤالات: # الأول: أنه - تعالى - وصف عيسى ابن مريم بكونه مصدقا لما بين يديه ~~من التوراة، وإنما يكون كذلك، إذا كان [عمله على شريعة التوراة، ومعلوم ~~أنه لم يكن] كذلك فإن شريعة عيسى كانت مغايرة لشريعة موسى عليهما السلام، ~~ولذلك قال تعالى في آخر هذه الآية: # وليحكم أهل الإنجيل بمآ أنزل الله فيه # [المائدة: 47] فكيف الجمع بينهما؟ # والجواب: كون عيسى عليه الصلاة والسلام مصدقا للتوراة، أقر بأنه كتاب ~~منزل من عند الله تعالى، وأنه كان حقا واجب العمل به قبل ورود ~~النسخ. ms3076 # الثاني: لم كرر كونه مصدقا لما بين يديه؟ # والجواب: ليس فيه تكرار، إلا أن في الأول أن المسيح يصدق ~~التوراة، وفي الثاني: الإنجيل يصدق التوراة. # الثالث: ما معنى وصفه الإنجيل بهذه الصفات الخمسة فقال " [فيه] هدى ~~ونور، ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين "؟ # والجواب: [أن قوله] " هدى " بمعنى أنه اشتمل على الدلائل الدالة على ~~التوحيد والتنزيه، وبراءة الله عن الصاحبة والولد، والمثل والضد، وعلى ~~النبوة والمعاد فهذا هو المراد بكونه هدى. # وأما كونه نورا [فالمراد به كونه بيانا للأحكام الشرعية ولتفاصيل ~~التكاليف]. # وأما كونه هدى مرة أخرى، فلأن اشتماله على البشارة بمحمد - صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم - سبب لاهتداء الناس إلى نبوة محمد صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم، ولما كان أشد وجوه المنازعة بين المسلمين وبين اليهود ~~والنصارى في ذلك لا جرم أعاده الله مرة أخرى تنبيها على أن الإنجيل يدل ~~دلالة ظاهرة على نبوة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فكان هدى في هذه ~~المسألة التي هي أشد المسائل احتياجا إلى البيان والتقرير. # وأما كونه موعظة فلاشتمال الإنجيل على النصائح والمواعظ والزواجر ~~البليغة المتأكدة، وإنما خصها بالمتقين، لأنهم هم الذين ينتفعون بها ~~كقوله # هدى للمتقين # [البقرة: 2]. ### || [5.47] # قوله تعالى: { وليحكم } قرأ الجمهور بسكون " اللام " وجزم الفعل ~~بعدها على أنها لام الأمر سكنت تشبيها ب " كتف " وإن كان أصلها ~~الكسر، وقد قرأ بعضهم بهذا الأصل. # وقرأ حمزة والأعمش، بكسرها ونصب الفعل بعدها، جعلها لام " كي " ، فنصب ~~الفعل بعدها بإضمار " أن " على ما تقرر غير مرة، فعلى قراءة الجمهور ~~والشاذ تكون جملة مستأنفة. # وعلى قراءة حمزة يجوز أن تتعلق " اللام " ب " آتينا " ، أو ب " ~~قفينا " إن جعلنا " هدى وموعظة " مفعولا لهما، أي: قفينا للهدى ~~والموعظة وللحكم، أو آتيناه الهدى والموعظة والحكم، وإن جعلناهما ~~حالين معطوفين على " مصدقا " تعلق " وليحكم " في قراءته بمحذوف دل ~~عليه اللفظ، كأنه قيل: " وللحكم آتيناه ذلك ". # قال الزمخشري: فإن قلت: فإن نظمت " هدى وموعظة " في سلك " مصدقا " ~~فما تصنع بقوله: " وليحكم ms3077 "؟ # قال شهاب الدين: أصنع به ما صنعت ب " هدى وموعظة " حيث جعلتهما ~~مفعولا لهما فأقدر: " وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله آتيناه إياه ~~". # وقال ابن عطية قريبا من الوجه الأول، أعني كون " وليحكم " مفعولا له ~~عطفا على " هدى " والعامل " آتيناه " الملفوظ به، فإنه قال: وآتيناه ~~الإنجيل ليتضمن الهدى والنور والتصديق، وليحكم أهل الإنجيل. # قال أبو حيان: فعطف " وليحكم " على توهم علة، ولذلك قال: " ليتضمن " ~~وذكر أبو حيان قول الزمخشري السابق، وجعله أقرب إلى الصواب من قول ابن ~~عطية. # قال: لأن الهدى الأول، والنور والتصديق لم يؤت بها على أنها علة، ~~إنما جيء بقوله: { فيه هدى ونور } على معنى كائنا فيه ذلك ومصدقا، وهذا ~~معنى الحال، والحال لا تكون علة، فقوله: " ليتضمن كيت وكيت ~~وليحكم " بعيد. # واختلف المفسرون في هذه الخواتم الثلاثة أعني: الكافرون الظالمون ~~الفاسقون. # فقال القفال: صفات لموصوف واحد، وليس في إفراد كل واحد من هذه الثلاثة ~~باللفظ ما يوجب القدح في المعنى، بل كما يقال: من أطاع الله فهو ~~البر، ومن أطاع الله فهو المؤمن، ومن أطاع الله فهو المتقي؛ ~~لأن كل ذلك صفات مختلفة حاصلة لموصوف واحد وقال آخرون: ~~الأول في الجاحد، والثاني والثالث: في المقر التارك، وقال ~~الأصم: الأول والثاني في اليهود، والثالث في النصارى. # وقال الشعبي: الأولى في المسلمين والثانية في اليهود، ~~والثالثة: في النصارى، لأن قبل الأولى " فإن جاءوك فاحكم " ، و ~~" كيف يحكمونك " ، و " يحكم بها النبيون " وقبل ~~الثانية " وكتبنا عليهم " وهم اليهود، وقبل الثالثة " ~~وليحكم أهل الإنجيل " وهم النصارى، فكأنه خص كل ~~واحدة بما يليه وهذا أحسنها. # وقرأ أبي: " وأن ليحكم " بزيادة " أن " وليس موضع ~~زيادتها. # فصل # من قرأ بكسر اللام وفتح الميم جعل اللام متعلقة بقوله: " ~~وآتيناه الإنجيل " فيكون المعنى: آتيناه الإنجيل ليحكم، ومن ~~قرأ بجزم اللام والميم على سبيل الأمر ففيه وجهان: # أحدهما: أن يكون التقدير: وقلنا: ليحكم أهل الإنجيل، فيكون ~~هذا إخبارا عما فرض الله عليهم في ذلك الوقت، وحذف القول كثير ~~كقوله تعالى: # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب ms3078 سلام ~~عليكم # [الرعد:23-24] أي: يقولون سلام عليكم. # والثاني: أن يكون قوله: " وليحكم " ابتدأ الأمر للنصارى ~~بالحكم بما في الإنجيل. # فإن قيل: كيف يجوز أن يؤمروا بالحكم بما في الإنجيل بعد ~~نزول القرآن؟ # فالجواب من وجوه: # [الأول: ليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه من الدلائل الدالة على ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. # الثاني: وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه مما لم يصر منسوخا ~~بالقرآن. # الثالث: المراد وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه] زجرهم عن ~~تحريف ما في الإنجيل وتغييره كما فعله اليهود من إخفاء أحكام ~~التوراة، والمعنى: وليقر أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه على ~~الوجه الذي أنزله من غير تحريف ولا تبديل، ومن لم يحكم بما أنزل ~~الله فأولئك هم الفاسقون الخارجون عن أمر الله عز وجل. ### || [5.48] # وهذا خطاب مع النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - والمراد ~~بالكتاب القرآن العظيم. # والباء [في " بالحق " ] يجوز أن تكون للحال من " الكتاب " ~~أي: ملتبسا بالحق والصدق، وهي حال مؤكدة، ويجوز أن تكون ~~حالا من الفاعل أي: مصاحبين للحق، أو حالا من " الكاف " في " ~~إليك " أي: وأنت ملتبس بالحق. # و " من الكتاب " تقدم نظيره، و " أل " في الكتاب الأول للعهد، ~~وهو القرآن بلا خلاف، وفي الثاني: يحتمل أن تكون للجنس، إذ ~~المراد الكتب السماوية [كما تقدم]. # وجوز أبو حيان: أن تكون للعهد؛ إذ المراد نوع معلوم من ~~الكتاب، لا كل ما يقع عليه هذا الاسم، والفرق بين الوجهين أن ~~الأول يحتاج إلى حذف [صفة] أي: من الكتاب الإلهي، وفي الثاني ~~لا يحتاج إلى ذلك؛ لأن العهد في الاسم يتضمنه بجميع ~~صفاته. # قوله تعالى: " ومهيمنا " الجمهور على كسر الميم الثانية، ~~اسم فاعل، وهو حال من " الكتاب " الأول لعطفه على الحال منه وهو " ~~مصدقا " ، ويجوز في " مصدقا " و " مهيمنا " أن يكونا ~~حالين من كاف " إليك " ، وسيأتي تحقيق ذلك عند قراءة مجاهد ~~رحمه الله. # " وعليه " متعلق ب " مهيمن ". # و " المهيمن ": الرقيب قال حسان: [الكامل] # 1971- إن الكتاب مهيمن لنبينا # والحق يعرفه ذوو ms3079 الألباب # والحافظ أيضا قال: [الطويل] # 1972- مليك على عرش السماء مهيمن # لعزته تعنو الوجوه وتسجد # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - " شاهدا " وهو قول مجاهد وقتادة ~~والسدي والكسائي، وقال عكرمة: دالا، وقال سعيد بن جبير، ~~وأبو عبيدة: مؤتمنا عليه. وقاله الكسائي والحسن. # واختلفوا: هل هو أصل بنفسه، أي: أنه ليس مبدلا من شيء، ~~يقال: " هيمن يهيمن فهو مهيمن " ك " بيطر ~~يبيطر فهو مبيطر ". # وقال أبو عبيدة: لم تجىء في كلام العرب على هذا البناء إلا ~~أربعة ألفاظ: " مبيطر، ومسيطر، ومهيمن، ومحيمر ". # وزاد أبو القاسم الزجاجي في شرحه لخطبة " أدب الكاتب " ~~لفظا خامسا، وهو مبيقر، اسم فاعل من: بيقر يبيقر أي: خرج ~~من أفق إلى أفق، أو لعب البقيرى وهي لعبة معروفة ~~للصبيان. # وقيل: إن هاءه مبدلة من همزة، وأنه اسم فاعل من آمن غيره من ~~الخوف، والأصل " مأأمن " بهمزتين أبدلت الثانية ياء ~~كراهية اجتماع همزتين، ثم أبدلت الأولى هاء ك " هراق وهراح، ~~وهبرت الثوب " في: " أراق وأراح وأبرت الثوب " و " أيهات وهيهات ~~" ونحوها، وهذا ضعيف فيه تكلف لا حاجة إليه، مع أن له أبنية ~~يمكن إلحاقه بها ك " مبيطر " وإخوانه، وأيضا فإن همزة " ~~مأأمن " اسم فاعل من " آمن " قاعدتها الحذف فلا يدعى فيها ~~أنها أثبتت، ثم أبدلت هاء، هذا ما لا نظير له. # وقد سقط ابن قتيبة سقطة فاحشة حيث زعم أن " مهيمنا " ~~مصغر، وأن أصله " مؤيمن " تصغير " مؤمن " اسم فاعل، ثم ~~قلبت همزته هاء ك " هراق " ، ويعزى ذلك لأبي العباس ~~المبرد أيضا، إلا أن الزجاج قال: " وهذا حسن على طريق ~~العربية [وهو موافق لما جاء في التفسير من أن معنى " ~~مهيمن ": مؤمن ". وهذا الذي قاله الزجاج واستحسنه] ~~أنكره الناس عليه، وعلى المبرد، وعلى من تبعهما. # ولما بلغ أبا العباس ثعلبا هذا القول أنكره أشد إنكار، ~~وأنحى على ابن قتيبة، وكتب إليه: أن اتق الله فإن هذا كفر أو ~~ما أشبهه، لأن أسماء الله - تعالى - لا تصغر، وكذلك كل اسم ~~معظم شرعا. # وقال ابن عطية: " إن النقاش حكى أن ذلك لما ms3080 بلغ ثعلبا ~~فقال: إن ما قال ابن قتيبة رديء باطل، والوثوب على القرآن ~~شديد، وهو ما سمع الحديث من قوي ولا ضعيف، وإنما جمع الكتب ~~من هوس غلبه ". # وقرأ ابن محيصن ومجاهد: " ومهيمنا " بفتح الميم الثانية على ~~أنه اسم مفعول. # وقال أبو البقاء: وأصل " مهيمن ": مؤيمن؛ لأنه مشتق من " ~~الأمانة "؛ لأن المهيمن الشاهد، وليس في الكلام " هيمن " حتى ~~تكون " الهاء " أصلا، وهذا الذي قاله ليس بشيء لما تقدم من ~~حكاية أهل اللغة " هيمن " ، وغاية ما في الباب أنهم لم ~~يستعملوه إلا مزيدا فيه الياء ك " بيطر " وبابه، بمعنى ~~أنه حوفظ عليه من التبديل والتغيير، والفاعل هو الله ~~تعالى: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9] أو الحافظ له في كل بلد، حتى إنه إذا غيرت ~~منه الحركة تنبه لها الناس، وردوا على قارئها بالصواب. # والضمير في " عليه " على هذه القراءة عائد على الكتاب الأول، ~~وعلى القراءة المشهورة عائد على الكتاب الثاني. # وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قراءته بالفتح، وقال: " معناه: ~~محمد مؤتمن على القرآن ". # قال الطبري: فعلى هذا يكون " مهيمنا " حالا من " الكاف " ~~في " إليك " ، وطعن على هذا القول لوجود " الواو " [في] " ومهيمنا "؛ ~~لأنها عطف على " مصدقا " ، و " مصدقا " حال من " الكتاب " ~~لا حال من " الكاف "؛ إذ لو كان حالا منها لكان التركيب: " ~~لما بين يديك " بالكاف. # قال أبو حيان: وتأويله على أنه من الالتفات من الخطاب إلى ~~الغيبة بعيد عن نظم القرآن، وتقدير: " وجعلناك يا محمد ~~مهيمنا " أبعد يعني: أن هذين التأويلين يصلحان أن ~~يكونا جوابين عن قول مجاهد، لكن الأول بعيد، والثاني أبعد ~~منه. # وقال ابن عطية هنا بعد أن حكى قراءة مجاهد وتفسيره محمدا ~~- عليه السلام - أنه أمين على القرآن: قال الطبري وقوله: " ~~ومهيمنا " على هذا حال من " الكاف " في قوله: " إليك " قال: ~~" وهذا تأويل بعيد المفهوم " قال: " وغلط الطبري في هذه ~~اللفظة على مجاهد، فإنه فسر تأويله على قراءة الناس " ~~مهيمنا " بفتح الميم الثانية، فبعد التأويل، ومجاهد رحمه ~~الله إنما يقرأ هو وابن محيصن: ms3081 " مهيمنا " بفتح الميم ~~الثانية فهو بناء اسم المفعول، وهو حال من " الكتاب " ~~معطوف على قوله: " مصدقا " ، وعلى هذا يتجه أن المؤتمن عليه ~~هو محمد - عليه السلام - ". # قال: " وكذلك مشى مكي - رحمه الله- ". # قال شهاب الدين: وما قاله أبو محمد ليس فيه ما يرد على ~~الطبري، [فإن الطبري] استشكل كون " مهيمنا " حالا من ~~" الكاف " على قراءة مجاهد، وأيضا فقد قال ابن عطية بعد ذلك: ~~ويحتمل أن يكون " مصدقا ومهيمنا " حالين من " الكاف ~~" في " إليك " ، ولا يخص ذلك قراءة مجاهد وحده كما زعم مكي، ~~فالناس إنما استشكلوا كونهما حالين من كاف " إليك " لقلق ~~التركيب، وقد تقدم ما فيه وما نقله أبو حيان من التأويلين. # وقوله: " ولا يخص ذلك " كلام صحيح، وإن كان مكي التزمه، ~~وهو الظاهر. # و " عليه " في موضع رفع على قراءة ابن محيصن، ومجاهد ~~لقيامه مقام الفاعل، كذا قاله ابن عطية. # قال شهاب الدين: هذا إذا جعلنا " مهيمنا " حالا من " الكتاب " ، ~~أما إذا جعلناه حالا من كاف " إليك " ، فيكون القائم مقام الفاعل ~~ضميرا مستترا يعود على النبي - عليه السلام -، فيكون " عليه " ~~أيضا في محل نصب، كما لو قرىء به اسم الفاعل انتهى. # فصل معنى أمانة القرآن # ومعنى أمانة القرآن ما قال ابن جريج: القرآن أمين على ما قبله من ~~الكتب، فما أخبر أهل الكتاب عن كتابهم، فإن كان في القرآن ~~فصدقوه، وإلا فكذبوه. # قال سعيد بن المسيب والضحاك: قاضيا، وقيل: إنما كان القرآن ~~مهيمنا على الكتب؛ لأنه الكتاب الذي لا يصير منسوخا ~~ألبتة، ولا يتطرق إليه التبديل والتحريف؛ لقوله ~~تعالى: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9]. # وإذا كان كذلك كان شهادة القرآن على التوراة والإنجيل ~~والزبور حق وصدق باقية أبدا، [وكانت حقيقة هذه الكتب معلومة ~~أبدا]. # ومن قرأ بفتح الميم الثانية، فالمعنى أنه مشهود عليه من عند ~~الله تعالى بأنه يصونه عن التحريف والتبديل لقوله تعالى: # لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه # [فصلت: 42]، والآيات المتقدمة. # قوله تعالى { فاحكم بينهم }: يا محمد { بمآ أنزل الله } ~~بين أهل ms3082 الكتاب إذا ترافعوا إليك بالقرآن، والوحي ينزل عليك، { ~~ولا تتبع أهواءهم } ، أي: ولا تتحرف، ولذلك عداه ب " عن ~~" كأنه قيل: ولا تنحرف عما جاءك من الحق متبعا أهواءهم. # روي أن جماعة من اليهود قالوا: تعالوا [نذهب] إلى محمد لعلنا ~~نفتنه عن دينه، ثم دخلوا عليه وقالوا: يا محمد قد عرفت ~~أنا أحبار اليهود وأشرافهم، وأنا إن اتبعناك اتبعك كل ~~اليهود، وإن بيننا وبين خصومنا حكومة فنحاكمهم إليك، ~~فاقض لنا ونحن نؤمن بك فأنزل الله تعالى هذه الآية - والله أعلم ~~-. # فصل # تمسك من طعن في عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بهذه ~~الآية، وقال: لولا جواز المعصية عليهم لما قال الله تعالى: { ولا ~~تتبع أهوآءهم عما جآءك من الحق }. # والجواب: أن ذلك مقدور له، ولكنه لا يفعله لمكان ~~النهي، وقيل: الخطاب له والمراد غيره. # قوله تعالى: " عما جاءك " فيه وجهان: # أحدهما - وبه قال أبو البقاء - أنه حال، أي: عادلا عما جاءك، ~~وهذا فيه نظر من حيث إن " عن " حرف جر ناقص لا يقع خبرا عن ~~الجثة، فكذا لا يقع حالا عنها، وحرف الجر الناقص إنما ~~يتعلق بكون مطلق لا بكون مقيد، لكن المقيد لا يجوز ~~حذفه. # الثاني: أن " عن " على بابها من المجاوزة، لكن بتضمين [ " ~~تتبع " ] معنى " تتزحزح وتنحرف " ، أي: لا تنحرف ~~متبعا كما تقدم. # قوله تعالى: " من الحق " فيه أيضا وجهان: # أحدهما: أنه حال من الضمير المرفوع في " جاءك ". # والثاني: أنه حال من نفس " ما " الموصولة، فيتعلق بمحذوف، ~~ويجوز أن تكون للبيان. # قوله [تعالى]: " لكل ": " كل " مضافة لشيء محذوف، وذلك المحذوف ~~يحتمل أن يكون لفظة " أمة " ، أي: لكل أمة، ويراد بهم: جميع ~~الناس من المسلمين واليهود والنصارى. # ويحتمل أن يكون ذلك المحذوف " الأنبياء " أي: لكل الأنبياء ~~المقدم ذكرهم. # و " جعلنا " يحتمل أن تكون متعدية لاثنين بمعنى صيرنا، ~~فيكون " لكل " مفعولا مقدما، و " شرعة " مفعول ثان. # وقوله: " منكم " متعلق بمحذوف، أي: أعني منكم، ولا يجوز أن ~~يتعلق بمحذوف على أنه صفة ل " كل " لوجهين: # أحدهما: أنه يلزم منه الفصل بين الصفة والموصوف ms3083 بقوله: " ~~جعلنا " ، وهي جملة أجنبية ليس فيها تأكيد ولا تسديد، وما ~~شأنه كذلك لا يجوز الفصل به. # والثاني: أنه يلزم منه الفصل بين " جعلنا " ، وبين ~~معمولها وهو " شرعة " قاله أبو البقاء، وفيه نظر، فإن العامل في " ~~لكل " غير أجنبي، ويدل [على ذلك] قوله: # أغير الله أتخذ وليا فاطر # [الأنعام: 14]، ففصل بين الجلالة وصفتها بالعامل في المفعول ~~الأول، وهذا نظيره. # وقرأ إبراهيم النخعي، ويحيى بن وثاب: " شرعة " بفتح الشين، ~~كأن المكسور للهيئة، والمفتوح مصدر. # والشرعة في الأصل " السنة " ، ومنه: # شرع لكم من الدين # [الشورى: 13]، أي: سن [لكم وبين ووضح]. # والشارع: الطريق، وهو من الشريعة التي هي في الأصل: الطريق ~~الموصل إلى الماء، وقال ابن السكيت: الشرع مصدر شرعت ~~الإهاب، أي: شققته وسلخته، وقيل: مأخوذ من الشروع في ~~الشيء: وهو الدخول فيه. # ومنه قول الشاعر: [البسيط] # 1973- وفي الشرائع من جلان مقتنص # بالي الثياب خفي الصوت منزرب # والشريعة: فعيلة بمعنى المفعولة: وهي الأشياء التي أوجب ~~الله تعالى على المكلفين أن يشرعوا فيها، والمنهاج مشتق من ~~الطريق النهج وهو الواضح. # ومنه قوله: [الرجز] # 1974- من يك ذا شك فهذا فلج # ماء رواء وطريق نهج # أي: واضح، يقال: طريق منهج ونهج. وقال ابن عطية: منهاج مثال ~~مبالغة، يعني قولهم: " إنه لمنحار بوائكها " وهو حسن، [وهل ~~الشرعة] والمنهاج بمعنى كقوله: [الطويل] # 1975-.......................... # وهند أتى من دونها النأي والبعد # [الوافر] # 1976-.......................... # وألفى قولها كذبا ومينا # أو مختلفان؟ # فالشرعة: ابتداء الطريق، والمنهاج الطريق المستمر، قاله ~~المبرد، أو الشرعة: الطريق واضحا كان أو غير واضح، ~~والمنهاج: الطريق الواضح فقط، فالأول أعم. قاله ابن الأنباري، ~~أو الدين والدليل؟ خلاف مشهور. # فصل في معنى الآية # قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن - رضي الله عنهم - معنى قوله: { ~~لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } أي: سبيلا ~~وسنة، وأراد بهذا أن الشرائع مختلفة ولكل أمة شريعة. # قال قتادة: الخطاب للأمم الثلاث: أمة موسى، وأمة عيسى، ~~وأمة محمد - صلوات الله وسلامه عليهم - لتقدم ذكرهم. # فإن قيل: قد وردت آيات تدل على عدم التباين في طريقة الأنبياء - ~~عليهم السلام - كقوله تعالى: ms3084 # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا # [الشورى: 13] إلى قوله تعالى: # أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه # [الشورى: 13] وقال تعالى # أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده # [الأنعام: 90]، وآيات دلت على التباين في هذه الآية فكيف ~~الجمع؟ # فالجواب: أن الأول ينصرف إلى أصول الديانات. # والثاني ينصرف إلى الفروع. # واحتج أكثر العلماء بهذه الآية على أن شرع من قبلنا لا يلزمنا؛ ~~لأنها تدل على أن لكل رسول شريعة خاصة. # قوله تعالى: { ولو شآء الله لجعلكم أمة واحدة } ، ~~أي: جماعة متفقة على شريعة واحدة، أو ذوي أمة واحدة، أو دين ~~واحد لا اختلاف فيه. # قال أهل السنة: وهذا يدل على أن الكل بمشيئة الله - تعالى ~~-، والمعتزلة: حملوه على مشيئة الإلجاء. # قوله تعالى: " ولكن ليبلوكم " متعلق بمحذوف، فقدره ~~أبو البقاء: " ولكن فرقكم ليبلوكم ". # وقدره غيره " ولكن لم يشأ جعلكم أمة واحدة ". # قال شهاب الدين: وهذا أحسن؛ لدلالة اللفظ والمعنى عليه. # ومعنى " ليبلوكم ": ليختبركم، " فيما آتاكم ": من الكتب ~~وبين لكم من الشرائع، فبين المطيع من العاصي، والموافق من ~~المخالف، " فاستبقوا الخيرات " فبادروا إلى الأعمال ~~الصالحة قوله تعالى: { إلى الله مرجعكم جميعا ~~فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } استئناف في معنى ~~التعليل لاستباق الخيرات. # وهذه الجملة تحتمل أن تكون من باب الجملة الفعلية أو الجملة ~~الاسمية، كما تقدم في نظائره. # و " جميعا " حال من " كم " في " مرجعكم " ، والعامل في هذه ~~الحال، إما المصدر المضاف إلى " كم " ، فإن " كم " يحتمل أن ~~تكون فاعلا، والمصدر ينحل لحرف مصدري، وفعل مبني للفاعل، ~~والأصل: " ترجعون جميعا " ، ويحتمل أن تكون مفعولا لم يسم ~~فاعله، على أن المصدر ينحل لفعل مبني للمفعول، أي: " ~~يرجعكم الله " ، وقد صرح بالمعنيين في مواضع. # وإما أن يعمل فيها الاستقرار المقدر في الجار وهو " إليه " [و ~~" إليه مرجعكم " يحتمل أن يكون من باب الجمل الفعلية، أو ~~الجمل الاسمية، وهذا واضح بما تقدم في نظائره] و " فينبئكم ~~" هنا من " نبأ " غير متضمنة معنى " أعلم " ، فلذلك تعدت ~~لواحد بنفسها، وللآخر بحرف الجر. # والمعنى: فيخبركم بما لا تشكون معه من ms3085 الجزاء الفاصل بين ~~محقكم ومبطلكم، والمراد: أن الأمر سيؤول إلى ما يزيل ~~الشكوك. ### || [5.49-50] # قوله تعالى: { وأن احكم }: فيه أربعة أوجه: # أحدها: أن محلها النصب عطفا على " الكتاب " ، أي: " وأنزلنا ~~إليكم الحكم ". # والثاني: أنها في محل جر عطفا على " بالحق " ، أي: " أنزلناه ~~بالحق وبالحكم " وعلى هذا الوجه فيجوز في محل " أن " النصب ~~والجر على الخلاف المشهور. # والثالث: أنها في محل رفع على الابتداء، وفي تقدير خبره ~~احتمالان: # أحدهما: أن تقدره متأخرا، أي: حكمك بما أنزل الله أمرنا أو ~~قولنا. # والآخر: أن تقدره متقدما أي: ومن الواجب أن احكم أي: حكمك. # والرابع: أنها تفسيرية. # قال أبو البقاء: " وهو بعيد؛ لأن " الواو " تمنع من ذلك، والمعنى ~~يفسد ذلك؛ لأن " أن " التفسيرية ينبغي أن يسبقها قول ~~يفسر بها " ، أما ما ذكره من منع " الواو " أن تكون " أن " ~~تفسيرية فواضح. # وأما قوله: " يسبقها قول " إصلاحه أن يقول: " ما هو بمعنى ~~القول لا حروفه " ، ثم قال: ويمكن تصحيح هذا القول بأن يكون ~~التقدير: وأمرناك، ثم فسر هذا الأمر ب " احكم " ، ومنع ~~الشيخ من تصحيح هذا القول بما ذكره أبو البقاء، قال: لأنه لم ~~يحفظ من لسانهم حذف الجملة المفسرة ب " أن " وما بعدها، وهو ~~كما قال. وقراءتا ضم نون " أن " وكسرها واضحتان مما تقدم ~~في البقرة: الضمة للإتباع، والكسر على أصل التقاء ~~الساكنين. # والضمير في " بينهم ": إما لليهود خاصة، وإما لجميع ~~المتحاكمين. # فإن قيل: قالوا: هذه الآية ناسخة للتخيير في قوله: # فاحكم بينهم أو أعرض عنهم # [المائدة: 42]، وأعاد ذكر الأمر بالحكم بعد ذكره أولا: ~~إما للتأكيد، وإما لأنهما حكمان أمر بهما جميعا؛ لأنهم ~~احتكموا إليه في زنا المحصن، ثم احتكموا إليه في قتل ~~كائن فيهم. # قوله تعالى: { واحذرهم أن يفتنوك عن بعض مآ أنزل ~~الله إليك } قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -: يردوك ~~إلى أهوائهم. # وقد ذكرنا أن اليهود اجتمعوا وأرادوا إيقاعه في تحريف ~~دينه فعصمه الله عن ذلك، فإن كل من صرف من الحق إلى الباطل ~~فقد فتن، ومنه قوله تعالى: # وإن كادوا ms3086 ليفتنونك # [الإسراء: 73] والفتنة هاهنا: الميل عن الحق والإلقاء في ~~الباطل، وكان - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - يقول: # " أعوذ بك من فتنة المحيا " # ، قال: هو أن يعدل عن الطريق. # قال العلماء - رضي الله عنهم -: هذه الآية تدل على أن الخطأ ~~والنسيان جائز على الرسل؛ لأن الله قال: { واحذرهم أن ~~يفتنوك عن بعض مآ أنزل الله إليك } ، والتعمد ~~في مثل هذا غير جائز على الرسل فلم يبق إلا الخطأ والنسيان. # قوله تعالى: " أن يفتنوك " فيه وجهان: # أظهرهما: أنه مفعول من أجله، أي: احذرهم مخافة أن ~~يفتنوك. # والثاني: أنها بدل من المفعول على جهة الاشتمال، كأنه [قال]: ~~واحذرهم فتنتهم، كقولك: " أعجبني زيد علمه ". # وقوله تعالى: " فإن تولوا ". # قال ابن عطية: قبله محذوف يدل عليه الظاهر، تقديره: " لا ~~تتبع واحذر، فإن حكموك مع ذلك، واستقاموا لك فنعما ذلك ~~وإن تولوا فاعلم ". # ويحسن أن يقدر هذا المحذوف المعادل بعد قوله: " لفاسقون " ، ~~والذي ينبغي ألا يقال: في هذا النوع ثم حذف؛ لأن ذلك من ~~باب فحوى الخطاب، والأمر فيه واضح. # فصل # المعنى: " فإن تولوا ": أعرضوا عن الإيمان ولم يقبلوا ~~حكمك، { فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم } أي: ~~فاعلم أن إعراضهم من أجل أن يريد الله أن يعجل لهم العقوبة ~~في الدنيا، بأن يسلط عليهم ويعذبهم في الدنيا ~~[بالقتل والجلاء]، وخص تعالى بعض الذنوب؛ لأن القتل ~~جوزوا به في الدنيا ببعض ذنوبهم، وكانت مجازاتهم بالبعض ~~كافيا في إهلاكهم، { وإن كثيرا من الناس } ، يعني: اليهود. " ~~لفاسقون " لمتمردون في الكفر ومعتدون فيه. # قوله تعالى: " أفحكم ": الجمهور على ضم الحاء، وسكون الكاف ~~ونصب الميم، وهي قراءة واضحة. # و " حكم " مفعول مقدم، و " يبغون " فعل وفاعل، وهو ~~المستفهم عنه في المعنى. # و " الفاء " فيها القولان المشهوران: هل هي مؤخرة عن الهمزة ~~وأصلها التقديم، أو قبلها جملة عطفت ما بعدها عليها تقديره: ~~أيعدلون عن حكمك فيبغون حكم الجاهلية؟ # وقرأ ابن وثاب، والأعرج، وأبو رجاء، وأبو عبد الرحمن برفع الميم، ~~وفيها وجهان: # أظهرهما - وهو المشهور عند المعربين -: أنه مبتدأ، و " يبغون ~~" خبره، ms3087 وعائد المبتدأ محذوف تقديره: " يبغونه " حملا للخبر ~~على الصلة، إلا أن بعضهم جعل هذه القراءة خطأ، حتى قال أبو ~~بكر بن مجاهد: " هذه القراءة خطأ " ، وغيره يجعلها ضعيفة، ~~ولا تبلغ درجة الخطأ. # قال ابن جني في قول ابن مجاهد: ليس كذلك، ولكنه وجه غيره ~~أقوى منه، وقد جاء في الشعر، قال أبو النجم: [الرجز] # 1977- قد أصبحت أم الخيار تدعي # علي ذنبا كله لم أصنع # أي: لم أصنعه. # قال ابن عطية: وهكذا الرواية، وبها يتم المعنى الصحيح؛ ~~لأنه أراد التبرؤ من جميع الذنوب، ولو نصب " كل " لكان ~~ظاهر قوله أنه صنع بعضه، وهذا الذي ذكره ابن عطية معنى صحيح ~~نص عليه أهل علم المعاني والبيان، واستشهدوا على ذلك بقوله - عليه ~~السلام - # " حين سأله ذو اليدين، فقال: " أقصرت الصلاة أم نسيت؟ " فقال: ~~" كل ذلك لم يكن " # أراد - عليه السلام - انتفاء كل فرد فرد، وأفاد هذا المعنى ~~تقديم " كل " ، قالوا: ولو قال: " لم يكن كل ذلك " لاحتمل ~~الكلام أن البعض غير منفي، وهذه المسألة تسمى عموم ~~السلب، وعكسها نحو: " لم أصنع كل ذلك " يسمى سلب ~~العموم، وهذه مسألة مفيدة، وإن كان بعض الناس قد فهم عن ~~سيبويه غير ما [ذكرت لك]. # ثم قال ابن عطية: وهو قبيح - يعني: حذف العائد من الخبر - ~~وإنما يحذف الضمير كثيرا من الصلة، ويحذف أقل من ذلك من ~~الصفة، وحذفه من الخبر قبيح. # ولكنه رجح البيت على هذه القراءة بوجهين. # أحدهما: أنه ليس في صدر قوله [ألف] استفهام تطلب الفعل، كما هي ~~في " أفحكم ". # والثاني: أن في البيت عوضا من " الهاء " المحذوفة، وهو حرف ~~الإطلاق أعني " الياء " في " اصنعي " ، فتضعف قراءة من قرأ " ~~أفحكم الجاهلية يبغون " ، وهذا الذي ذكره ابن عطية في الوجه ~~الثاني كلام لا يعبأ به. # وأما الأول فقريب من الصواب، لكنه لم ينهض في المنع ولا ~~في التقبيح، وإنما ينهض دليلا على الأحسنية، أو على أن ~~غيره [أولى]. # وهذه المسألة ذكر بعضهم الخلاف فيها بالنسبة إلى نوع، ونفي ~~الخلاف عنها، بل حكي الإجماع على الجواز ms3088 بالنسبة إلى نوع آخر، ~~فحكي الإجماع فيما إذا كان المبتدأ لفظ " كل " ، أو ما أشبهها في ~~العموم والافتقار، فأما " كل " فنحو: " كل رجل ضربت " ، ~~ويقويه قراءة ابن عامر: { وكل وعد الله الحسنى } ~~[النساء: 95] ويريد بما أشبه " كلا " نحو: " رجل يقول الحق ~~انصر " ، أي: انصره، فإنه عام يفتقر إلى صفة، كما أن " ~~كلا " عامة، وتفتقر إلى مضاف إليه. # قال: " وإذا لم يكن المبتدأ كذلك، فالكوفيون يمنعون حذف ~~العائد، بل ينصبون المتقدم مفعولا به، والبصريون ~~يجيزون: " زيد ضربت " أي: ضربته " ، وذكر القراءة. # وتعالى بعضهم فقال: " لا يجوز ذلك " ، وأطلق، إلا في ضرورة شعر ~~كقوله: [السريع] # 1978- وخالد يحمد ساداتنا # بالحق، لا يحمد بالباطل # قال: " لأنه يؤدي إلى تهيئة العامل للعمل، وقطعه عنه ~~". # والوجه الثاني من التوجيهين المتقدمين: أن يكون " يبغون " ليس ~~خبرا للمبتدأ، بل هو صفة لموصوف محذوف، وذلك المحذوف هو ~~الخبر، والتقدير: " أفحكم الجاهلية حكم يبغون " ، وحذف ~~العائد هنا أكثر، لأنه كما تقدم يكثر حذفه من الصلة، ودونه من ~~الصفة، ودونه من الخبر، وهذا ما اختاره ابن عطية، وهو ~~تخريج ممكن، ونظره بقوله تعالى: # من الذين هادوا يحرفون # [النساء: 46]، أي: " قوم يحرفون " يعني: في حذف موصوف، وإقامة ~~صفته مقامه وإلا فالمحذوف في الآية المنظر بها مبتدأ، ~~ونظرها أيضا بقوله: [الطويل] # 1979- وما الدهر إلا تارتان: فمنهما # أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح # أي: تارة أموت فيها. # وقال الزمخشري: وإسقاط الراجع عنه كإسقاطه في الصلة، ~~كقوله: # أهذا الذي بعث الله رسولا # [الفرقان: 41]، وعن الصفة " في الناس رجلان: [رجل] أهنت، ~~ورجل أكرمت " أي: رجل أهنته ورجل أكرمته. # وعن الحال في نحو: " مررت بهند يضرب زيد ". # قال أبو حيان: " إن عنى التشبيه في الحذف والحسن، فليس كذلك ~~لما تقدم [ذكره]، وإن عنى في مطلق الحذف فمسلم ". # وقرأ الأعمش وقتادة: " أفحكم " بفتح الحاء والكاف، ونصب الميم، وهو ~~مفرد يراد به الجنس؛ لأن المعنى: أحكام الجاهلية، ولا بد ~~من حذف مضاف في هذه القراءة، هو المصرح به في المتواترة تقديره: ~~أفحكم حكام الجاهلية. # والقراء غير ابن عامر على " يبغون ms3089 " بياء الغيبة نسقا ~~على ما تقدم من الأسماء الغائبة، وقرأ هو بتاء الخطاب على ~~الالتفات؛ ليكون أبلغ في زجرهم وردعهم ومباكتته لهم، ~~حيث واجههم بهذا الاستفهام الذي يأنف منه ذوو البصائر. # والمعنى أن هذا الحكم الذي يبغونه إنما يحكم به حكام ~~الجاهلية. # فصل # وفي الآية وجهان: # الأول: قال مقاتل: # " كان بين قريظة والنضير دم في الجاهلية، فلما بعث ~~النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - واحتكموا إليه، فقال ~~بنو قريظة [يا رسول الله إن] بني النضير إخواننا، أبونا ~~واحد وكتابنا واحد ونبينا واحد، فإن قتل بنو النضير منا ~~قتيلا، أعطونا سبعين وسقا من تمر، وإنا إن قتلنا واحدا ~~أخذوا منا مائة وأربعين وسقا، وأروش جراحاتنا على النصف من ~~أروش جراحاتهم، فاقض بيننا وبينهم، فقال - عليه السلام -: " ~~وإني أحكم [أن دماء القرظي] وفاء من دم النضري، والنضري ~~وفاء من دم القرظي، ليس لأحدهما فضل على الآخر في دم ولا عقل ~~ولا جراحة " " # فغضب بنو النضير وقالوا: لا نرضى بحكمك فإنك عدو ~~لنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وقيل: إنهم كانوا إذا وجب الحكم على ضعفائهم ألزموهم ~~إياه، وإذا وجب على أقويائهم لم يأخذوهم به فمنعهم الله ~~من ذلك بهذه الآية. # والثاني: أنهم يبغون حكم الجاهلية، التي هي محض الجهل ~~وصريح الهوى. # ثم قال تعالى: { ومن أحسن من الله حكما لقوم ~~يوقنون } ، فقوله - سبحانه وتعالى -: " حكما " نصب على ~~التمييز، و " اللام " في قوله تعالى: " لقوم " فيها ثلاثة ~~أوجه: # أحدها: أن يتعلق بنفس " حكما "؛ إذ المعنى: أن حكم الله للمؤمن ~~على الكافر. # والثاني: أنها للبيان فتتعلق بمحذوف، كهي في " سقيا لك " و " ~~هيت لك " ، وهو رأي الزمخشري، وابن عطية قال شيئا ~~قريبا منه، وهو أن المعنى: " يبين ذلك ويظهره لقوم ". # الثالث: أنها بمعنى " عند " ، أي: عند [قوم]، وهذا ليس ~~بشيء. ومتعلق " يوقنون " يجوز أن يراد، وتقديره: ~~يوقنون بالله وبحكمه، أو بالقرآن، ويجوز ألا يراد على ~~معنى [وقوع الإيقان]، وإليه ميل الزجاج، فإنه قال: " ~~يوقنون ": " يتبينون عدل الله في حكمه " فإنهم [هم ~~الذين] يعرفون ms3090 أنه لا أحد أعدل من الله حكما، ولا أحسن ~~منه بيانا. # فصل # قال القرطبي: روى سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن ~~طاووس قال: كان إذا سألوه عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض ~~يقرأ هذه الآية { أفحكم الجاهلية يبغون } ، فكان طاووس يقول: ~~ليس لأحد أن يفضل بعض ولده على بعض، فإن فعل لا ينفذ ~~ويفسخ، وبه قال أهل الظاهر، وهو مروي عن أحمد بن حنبل - ~~رضي الله عنه -، وكرهه الثوري، وابن المبارك وإسحاق فإن فعل ~~ذلك أحد نفذ ولم يرد، وأجاز ذلك مالك والثوري والليث ~~والشافعي وأصحاب الرأي، واستدلوا بفعل الصديق - رضي ~~الله عنه - في نخلة عائشة دون سائر ولده، واستدل الأولون # " بقوله - عليه الصلاة والسلام - لبشير: [ألك ولد سوى هذا "؟ ~~قال: نعم، فقال " أكلهم وهبت له مثل هذا " ، فقال: لا، قال] " ~~فلا تشهدني إذن فإني لا أشهد على جور " # ، وفي رواية # " إني لا أشهد إلا على حق ". # قالوا: وما كان جورا وغير حق فهو باطل لا يجوز، وقوله: " ~~أشهد على هذا غيري " ليس إذنا في الشهادة، وإنما هو ~~زجر عنها؛ لأنه - عليه السلام - قد سماها [جورا] وامتنع من ~~الشهادة فيه، فلا يمكن أن يشهد أحد من المسلمين، وأما ~~فعل أبي بكر - رضي الله عنه - فلا يعارض به قول النبي - صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم - ولعله كان [قد] نحل أولاده كلهم مثل ~~ذلك. # فإن قيل: الأصل تصرف الإنسان في ماله مطلقا، قيل له: الأصل ~~الكلي والواقعة المعينة المخالفة لذلك الأصل لا تعارض ~~بينهما كالعموم والخصوص. ### || [5.51] # اختلفوا في نزول هذه الآية، وإن كان حكمها عاما لجميع المؤمنين، ~~فقال قوم: نزلت في عبادة بن الصامت - رضي الله عنه -، وعبد الله بن ~~أبي ابن سلول - لعنه الله -، وذلك أنهما اختصما، # " فقال عبادة: إن لي أولياء من اليهود كثير عددهم شديدة ~~شوكتهم، وإني أبرأ إلى الله - تعالى - وإلى رسوله من ولايتهم ~~وولاية اليهود، ولا مولى لي إلا الله - عز وجل - ورسوله. فقال ~~عبد الله - لعنه الله -: لكني لا أبرأ من ms3091 ولاية اليهود لأني ~~أخاف الدوائر ولا بد لي منهم فقال النبي - صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم -: يا أبا الحباب ما نفذت من ولاية اليهود على ~~عبادة بن الصامت فهو لك دونه قال: إذن أقبل " # فأنزل الله - تعالى - هذه الآية. # وقال السدي: لما كانت وقعة [أحد] اشتدت على طائفة من ~~الناس، وتخوفوا أن يدال عليهم الكفار، فقال [رجل] من ~~المسلمين: أنا ألحق بفلان اليهودي، وآخذ منه أمانا إني ~~أخاف أن يدال علينا اليهود. # وقال رجل آخر: أما أنا فألحق بفلان النصراني من أهل ~~الشام، وآخذ منه أمانا، فأنزل الله هذه الآية نهيا لهما. # وقال عكرمة: نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر بعثه النبي ~~- صلى الله عليه وعلى آله وسلم - إلى بني قريظة حين حاصرهم، ~~فاستشاروه في النزول، وقالوا: ماذا يصنع بنا إذا نزلنا ~~فجعل إصبعه على حلقه أنه الذبح، أي: يقتلكم، فنزلت ~~هذه الآية؛ ومعنى لا تتخذوهم أي: لا تعتمدوا على ~~استنصارهم، ولا تتوددوا إليهم. # قوله: { بعضهم أولياء بعض } مبتدأ وخبر، وهذه الجملة ~~لا محل لها؛ لأنها مستأنفة، سيقت تعليلا للنهي المتقدم. # وزعم الحوفي أنها في محل نصب نعتا ل " أولياء " ، والأول هو ~~الظاهر، والضمير في " بعضهم " يعود على اليهود والنصارى على ~~سبيل الإجمال، والقرينة تبين أن بعض اليهود أولياء بعض، وأن بعض ~~النصارى أولياء بعض [وبهذا التقرير لا يحتاج كما زعم بعضهم إلى تقدير ~~محذوف يصح به المعنى، وهو: بعض اليهود أولياء بعض، وبعض النصارى أولياء ~~بعض]. # قال: لأن اليهود لا يتولون النصارى، والنصارى لا يتولون ~~اليهود، وقد تقدم جوابه. # قوله تعالى: { ومن يتولهم منكم } فيوافقهم ويعينهم، " ~~فإنه منهم " قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -: يعني كانوا ~~مثلهم فهذا تغليظ من الله وتشديد في [وجوب] مجانبة المخالف ~~في الدين، ونظيره قوله تعالى: # ومن لم يطعمه فإنه مني # [البقرة: 249]، وهذه الآية تدل على منع إثبات الميراث للمسلم ~~من المرتد. # ثم قال تعالى: { إن الله لا يهدي القوم الظالمين } ~~روي عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - أنه قال: ms3092 قلت لعمر ~~بن الخطاب - رضي الله عنه - إن [لي كاتبا] نصرانيا. # قال: ما لك قاتلك الله؟ ألا اتخذت حنيفا، أما سمعت قول ~~الله - تعالى -: { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~اليهود والنصارى أوليآء بعضهم أوليآء بعض }. # قلت: له دينه ولي كتابته قال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا ~~أعزهم إذ أذلهم، ولا أدنيهم إذ أبعدهم الله. # قلت: لا يتم النصرة إلا به، فقال: مات النصراني ~~والسلام، يعني: هب أنه مات فما تصنع بعده، فما تعمله ~~بعد موته فاعمله الآن، واستعن عنه بغيره. ### || [5.52-53] # قوله تعالى: { فترى الذين }: الجمهور على " ترى " بتاء ~~الخطاب، و " الذين " مفعول، فإن كانت الرؤية بصرية أو عرفانية ~~- فيما نقله أبو البقاء وفيه نظر - فتكون الجملة من " يسارعون " ~~في محل نصب على الحال من الموصول، وإن كانت قلبية، فيكون " ~~يسارعون " مفعولا ثانيا. # وقرأ النخعي، وابن وثاب " فيرى " بالياء وفيها تأويلان: # أظهرهما: أن الفاعل ضمير يعود على الله تعالى، وقيل: على الرأي ~~من حيث هو: و " يسارعون " بحالتها. # والثاني: أن الفاعل نفس الموصول، والمفعول هو الجملة من قوله: " ~~يسارعون " ، وذلك على تأويل حذف " أن " المصدرية، والتقدير: ويرى ~~القوم الذين في قلوبهم مرض أن يسارعوا، فلما حذفت: " أن " ~~رفع الفعل؛ كقوله: [الطويل] # 1980- ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى # ..................... # فصل # أجاز ابن عطية حذف " أن " المصدرية، إلا أن هذا غير مقيس؛ إذ ~~لا تحذف " أن " عند البصريين إلا في مواضع محفوظة. # وقرأ قتادة والأعمش: " يسرعون " من أسرع. و " يقولون " في ~~محل نصب [على الحال من فاعل " يسارعون " ، و " نخشى " في محل ~~نصب بالقول، و " أن تصيبنا " في محل نصب] بالمفعول أي: " ~~نخشى إصابتنا " ، والدائرة صفة غالبة لا يذكر موصوفها، ~~والأصل: داورة؛ لأنها من دار يدور. # قال الواحدي: الدائرة من دوائر الزمن، كالدولة والدوائل ~~تدول قال الشاعر: [الرجز] # 1981- يرد عنك القدر المقدورا # أو دائرات الدهر أن تدورا # يعني بدور الدهر: هو الدائرة من قوم إلى قوم. # فصل # المراد بقوله تعالى { الذين في قلوبهم مرض } هم ~~المنافقون يعني: عبد الله بن أبي وأصحابه - لعنهم ms3093 الله - " ~~يسارعون [فيهم " أي: في] مودة اليهود ونصارى نجران؛ لأنهم ~~كانوا أهل ثروة، وكانوا يعينونهم على مهماتهم، ~~ويقرضونهم. # ويقول المنافقون: إنما نخالطهم لأنا نخشى أن تصيبنا ~~دائرة قال ابن عباس - رضي الله عنهما - والزجاج: أي: نخشى ألا ~~يتم الأمر - لمحمد - عليه الصلاة والسلام -، فيدور الأمر كما ~~كان قبل ذلك. وقيل: نخشى أن يدور الدهر علينا بمكروه من جدب ~~أو قحط، فلا يعطون الميرة والقرض. # قوله: { فعسى الله أن يأتي بالفتح } ، " أن يأتي " في ~~محل نصب إما [على] الخبر ل " عسى " ، وهو رأي الأخفش، وإما ~~على أنه مفعول به، وهو رأي سيبويه لئلا يلزم الإخبار عن ~~الجثة بالحدث في قولك: " عسى زيد أن يقوم ". # وأجاز أبو البقاء أن يكون " أن يأتي " في محل رفع على البدل من ~~اسم " عسى " ، وفيه نظر. # فصل # قال المفسرون - رحمهم الله -: عسى من الله واجب؛ لأن الكريم ~~إذا طمع في خير فعله، وهو بمنزلة الوعد؛ لتعلق النفس ~~به ورجائها له، قال قتادة ومقاتل: فعسى الله أن يأتي ~~بالقضاء الفصل من نصر محمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ~~على من خالفه. # وقال الكلبي والسدي: فتح " مكة " ، وقال الضحاك: فتح ~~قرى اليهود مثل خيبر وفدك. # { أو أمر من عنده }. # قال السدي: هي الجزية، وقال الحسن: إظهار أمر المنافقين ~~والأحبار بأسمائهم والأمر بقتلهم، وقيل: الخصب والسعة ~~للمسلمين، وقيل: إتمام أمر محمد - صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم -، وقيل: { هذا عذاب أليم }. # وقيل: إجلاء بني النضير، " فيصبحوا " أي: هؤلاء ~~المنافقين { على ما أسروا في أنفسهم } من موالاة ~~اليهود ودس الأخبار إليهم " نادمين " وذلك لأنهم كانوا يشكون ~~في أمر رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، ويقولون: ~~الظاهر أنهم لا يتم لهم أمر، وأن الدولة والغلبة تصير ~~لأعدائه. # قوله تعالى: " فيصبحوا " فيه وجهان: # أظهرهما: أنه منصوب عطفا على " يأتي " المنصوب ب " أن " ، ~~والذي يسوغ ذلك وجود " الفاء " السببية، ولولاها لم ~~يجز ذلك؛ لأن المعطوف على الخبر خبر، و " أن يأتي " خبر " عسى " ~~، وفيه راجع عائد على اسمها. # وقوله: " فيصبحوا ms3094 " ليس فيه ضمير يعود على اسمها، فكان من ~~حق المسألة الامتناع، لكن " الفاء " للسببية، فجعلت ~~الجملتين كالجملة الواحدة، وذلك جار في الصلة نحو: " الذي يطير ~~فيغضب زيد الذباب ". # والصفة نحو: " مررت برجل يبكي فيضحك عمرو " ، والخبر ~~نحو: " زيد يبكي فيضحك خالد " ، ولو كان العاطف غير " الفاء " لم ~~يجز ذلك. # والثاني: أنه منصوب بإضمار " أن " بعد الفاء في جواب التمني ~~قالوا: " لأن " عسى " تمن وترج في حق البشر ". # { على ما أسروا } متعلق ب " نادمين " ، و " نادمين " خبر " ~~أصبح ". # قوله تعالى: " ويقول ": قرأ أبو عمرو، والكوفيون بالواو قبل ~~" يقول " والباقون بإسقاطها، إلا أن أبا عمرو نصب الفعل بعد ~~" الواو " ، وروى عنه علي بن نصر: الرفع كالكوفيين، ~~فتحصل فيه ثلاث قراءات: " يقول " من غير واو [ " ويقول " بالواو ~~والنصب،] " ويقول " بالواو والرفع، فأما قراءة من قرأ " يقول ~~" من غير واو فهي جملة مستأنفة سيقت جوابا لسؤال ~~مقدر، كأنه لما تقدم قوله تعالى: { فعسى الله أن يأتي ~~بالفتح } إلى قوله " نادمين " ، سأل سائل فقال: ماذا قال ~~المؤمنون حينئذ؟ فأجيب بقوله تعالى: { ويقول الذين ~~آمنوا } إلى آخره، وهو واضح، و " الواو " ساقطة في مصاحف " ~~مكة " و " المدينة " و " الشام " ، والقارئ بذلك هو صاحب هذه ~~المصاحف، فإن القارئين بذلك ابن كثير المكي، وابن عامر ~~الشامي، ونافع المدني، فقراءتهم موافقة لمصاحفهم [وليس في ~~هذا أنهم إنما قرأوا كذلك لأجل المصحف فقط، بل وافقت روايتهم مصاحفهم] ~~على ما تبين غير مرة، وأما قراءة " الواو " والرفع فواضحة ~~أيضا؛ لأنها جملة ابتدئ بالإخبار بها، فالواو ~~استئنافية لمجرد عطف جملة على جملة، و " الواو " ~~ثابتة في مصاحف " الكوفة " و " المشرق " ، والقارىء بذلك هو ~~صاحب ذلك المصحف، والكلام كما تقدم أيضا. # قال الواحدي - رحمه الله -: وحذف " الواو " هاهنا كإثباتها، وذلك أن ~~في الجملة المعطوفة ذكرا من المعطوف عليها، فإن الموصوفين ~~بقوله تعالى " يسارعون فيهم " ، هم الذين قال فيهم ~~المؤمنون: { أهولاء الذين أقسموا بالله } ، فلما حصل في كل ~~واحدة من الجملتين ذكر من الأخرى حسن العطف بالواو ~~وبغير الواو، ونظيره قوله تعالى: # سيقولون ثلاثة ms3095 رابعهم كلبهم ويقولون خمسة ~~سادسهم كلبهم # [الكهف: 22] لما كان في كل واحدة من الجملتين ذكر ما تقدم، ~~عنى ذلك أن حذف الواو وذكرها جائز. # وأما قراءة أبي عمرو فهي التي تحتاج إلى فضل نظر. # واختلفوا في ذلك على ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه منصوب عطفا على " فيصبحوا " على أحد الوجهين ~~المذكورين في نصب " فيصبحوا " ، وهو الوجه الثاني، أعني: ~~كونه منصوبا بإضمار في جواب الترجي بعد " الفاء " ، ~~إجراء للترجي مجرى التمني، وفيه خلاف بين البصريين ~~والكوفيين، فالبصريون يمنعونه، والكوفيون يجيزونه ~~مستدلين على ذلك بقراءة نافع { لعله يزكى أو ~~يذكر فتنفعه الذكرى } [عبس: 3، 4] بنصب " تنفعه ~~" وبقراءة عاصم في رواية حفص: { لعلي أبلغ الأسباب ~~أسباب السماوات فأطلع } [غافر: 36، 37] بنصب " فأطلع " ~~، وسيأتي الجواب عن الآيتين في موضعه. # وهذا الوجه - أعني: عطف " ويقول " على " فيصبحوا " - قاله ~~الفارسي وجماعة، ونقله ابن عطية، وذكره أبو عمرو بن الحاجب. # قال شهاب الدين أبو شامة بعد ذكره الوجه المتقدم: " وهذا وجه ~~جيد أفادنيه الشيخ أبو عمرو بن الحاجب، ولم أره لغيره، ~~وذكروا وجوها كلها بعيدة متعسفة " انتهى. # قال شهاب الدين: وهذا - كما رأيت - منقول مشهود عن أبي علي ~~الفارسي، وأما ما استجاد به هذا الوجه فإنما يتمشى على قول ~~الكوفيين، وهو مرجوح كا تقرر في علم النحو. # الثاني: أنه منصوب عطفا على المصدر قبله، وهو الفتح كأنه قيل: ~~{ فعسى الله أن يأتي بالفتح } ، وبأن يقول، أي: { ويقول ~~الذين آمنوا } ، وهذا الوجه ذكره أبو جعفر النحاس، ونظروه ~~بقول الشاعر: [الوافر] # 1982- للبس عباءة وتقر عيني # أحب إلي من لبس الشفوف # وقول الآخر: [الطويل] # 1983- لقد كان في حول ثواء ثويته # تقضي لبانات ويسأم سائم # وهذا مردود من ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه يؤدي ذلك إلى الفصل بين أبعاض الصلة بأجنبي، ~~وذلك لأن الفتح على قول مؤول ب " أن " والفعل تقديره: أن يأتي ~~بأن يفتح، وبأن يقول، فيقع الفصل بقوله " فيصبحوا " وهو أجنبي؛ ~~لأنه معطوف على " يأتي ". # الثاني: أن هذا المصدر - وهو الفتح - ليس يراد به انحلاله لحرف ~~مصدري وفعل، بل المراد به مصدر غير ms3096 مراد به ذلك، نحو: يعجبني ~~ذكاؤك وعلمك. # الثالث: أنه وإن سلم انحلاله لحرف مصدري وفعل، فلا يكون المعنى ~~على: " فعسى الله أن يأتي بأن يقول الذين آمنوا " ، فإنه ناب عنه ~~نبوا ظاهرا. # الثالث - من أوجه نصب " ويقول " -: أنه منصوب عطفا على قوله: " ~~يأتي " أي: فعسى الله أن يأتي ويقول، وإلى هذا ذهب ~~الزمخشري، ولم يعترض عليه بشيء. # وقد رد ذلك بأنه يلزم عطف ما لا يجوز أن يكون خبرا على ما ~~هو خبر، وذلك أن قوله: " أن يأتي " خبر " عسى " وهو صحيح؛ لأن فيه ~~رابطا عائدا على اسم " عسى " [وهو ضمير الباري تعالى، وقوله: " ~~ويقول " ليس فيه ضمير يعود على اسم " عسى " ] فكيف يصح جعله خبرا؟ ~~وقد اعتذر من أجاز ذلك عنه بثلاثة أوجه: # أحدها: أنه من باب العطف على المعنى، والمعنى: فعسى أن يأتي ~~الله بالفتح، وبقول الذين آمنوا، فتكون " عسى " تامة؛ لإسنادها ~~إلى " أن " وما في حيزها، فلا تحتاج حينئذ إلى رابط، وهذا قريب ~~من قولهم: " العطف على التوهم " نحو: # فأصدق وأكن من الصالحين # [المنافقون: 10]. # الثاني: أن " أن يأتي " بدل من اسم الله - تعالى - لا خبر، ~~وتكون " عسى " حينئذ تامة، وكأنه قيل: فعسى أن يقول الذين ~~آمنوا، وهذان الوجهان منقولان عن أبي علي الفارسي، إلا أن ~~الثاني لا يصح؛ لأنهم نصوا على أن " عسى " و " اخلولق " و ~~" أوشك " من بين سائر أخواتها يجوز أن تكون تامة، بشرط أن ~~يكون مرفوعها: " أن يفعل " ، قالوا: ليوجد في الصورة مسند ~~ومسند إليه، كما قالوا ذلك في " ظن " وأخواتها: إن " أن " و ~~" أن " تسد مسد مفعوليها. # والثالث: أن ثم ضميرا محذوفا هو مصحح لوقوع " ويقول " ~~خبرا عن " عسى " ، والتقدير: ويقول الذين آمنوا به، أي: بالله، ~~ثم حذف للعلم به، ذكر ذلك أبو البقاء. # وقال ابن عطية بعد حكايته نصب " ويقول " عطفا على " يأتي ": ~~" وعندي في منع " عسى الله أن يقول المؤمنون " نظر؛ إذ الله - ~~تعالى - يصيرهم يقولون ذلك بنصره وإظهار دينه ". # قال شهاب الدين: قول ابن عطية في ذلك، قول أبي البقاء ms3097 في كونه ~~قدره ضميرا عائدا على اسم " عسى " يصح به الربط، ويعض ~~الناس يكثر هذه الأوجه، ويوصلها إلى سبعة وأكثر، وذلك ~~باعتبار تصحيح كل وجه من الأوجه الثلاثة التي تقدمت، ولكن ~~لا يخرج حاصلها عن ثلاثة، وهو النصب: إما عطفا على " أن يأتي " ~~، وإما على " فيصبحوا " ، وإما على " بالفتح " وقد تقدم ~~تحقيقها. # قوله - تعالى -: { جهد أيمانهم } في انتصابه وجهان: # أظهرهما: أنه مصدر مؤكد ناصبه " أقسموا " فهو من معناه، ~~والمعنى: أقسموا إقسام اجتهاد في اليمين. # والثاني: - أجازه أبو البقاء وغيره - أنه منصوب على الحال كقولهم: ~~" افعل ذلك جهدك " أي: مجتهدا، ولا يبالي بتعريفه لفظا، ~~فإنه مؤول بنكرة على ما تقدم ذكره، والمعنى هنا: " وأقسموا ~~بالله مجتهدين في أيمانهم ". # قوله تعالى: " إنهم لمعكم " هذه الجملة لا محل لها من ~~الإعراب، فإنها تفسير وحكاية لمعنى القسم لا لألفاظهم؛ إذ ~~لو كانت حكاية لألفاظهم لقيل: إنا معكم، وفيه نظر؛ إذ ~~يجوز لك أن تقول: " حلف زيد لأفعلن " أو " ليفعلن " ، فكما ~~جاز أن تقول: ليفعلن جاز أن يقال: " إنهم لمعكم " على ~~الحكاية. # فإن قيل: الفائدة في أن المؤمنين يقولون هذا القول: هو أنهم ~~يتعجبون من حال المنافقين، عندما أظهروا الميل إلى موالاة ~~اليهود والنصارى، وقالوا: إنهم كانوا يقسمون بالله جهد ~~أيمانهم أنهم معنا ومن أنصارنا، والآن كيف صاروا موالين ~~لأعدائنا محبين للاختلاط بهم والاعتضاد بهم؟ # قوله تعالى: { حبطت أعمالهم } فيها أوجه: # أحدها: أنها جملة مستأنفة، والمقصود بها الإخبار من ~~الباري - تعالى - بذلك. # الثاني: أنها دعاء عليهم بذلك، وهو قول الله - تعالى - نحو: # قتل الإنسان مآ أكفره # [عبس: 17]. # الثالث: أنها في محل نصب؛ لأنها من جملة قول المؤمنين، ويحتمل ~~معنيين كالمعنيين في الاستئناف، أعني: كونه إخبارا أو ~~دعاء. # الرابع: أنها في محل رفع على أنها خبر المبتدأ، وهو " هؤلاء " ، ~~وعلى هذا فيحتمل قوله " الذين أقسموا " وجهين: # أحدهما: أنه صفة لاسم الإشارة، والخبر: " حبطت أعمالهم ". # والثاني: أن " الذين " خبر أول، و " حبطت " خبر ثان عند من ~~يجيز ذلك، وجعل الزمخشري " حبطت أعمالهم " مفهمة للتعجب. # قال: وفيه معنى ms3098 التعجب كأنه قيل: " ما أحبط أعمالهم ما ~~أخسرهم " ، وأجاز مع كونه تعجبا أن يكون من قول المؤمنين، فيكون ~~في محل نصب، وأن يكون من قول الباري - تعالى - لكنه أول ~~التعجب في حق الله - تعالى - بأنه تعجيب، قال: " أو من ~~قول الله - عز وجل - شهادة لهم بحبوط الأعمال، وتعجيبا من ~~سوء حالهم " والمعنى: ذهب ما أظهروه من الإيمان، وبطل كل ~~خير عملوه؛ لأجل أنهم الآن أظهروا موالاة اليهود ~~والنصارى فأصبحوا خاسرين في الدنيا والآخرة، [أما في ~~الدنيا فلذهاب ما عملوا ولم يحصل لهم شيء من ثمرته، وأما ~~في الآخرة] فلاستحقاقهم اللعن والعذاب الدائم، وقرأ أبو واقد ~~والجراح " حبطت " بفتح " الباء " ، وهما لغتان، وقد تقدم ذلك. # وقوله تعالى: " فأصبحوا " وجه التسبب في هذه الفاء ظاهر. ### || [5.54] # قوله: " من يرتد " " من " شرطية فقط لظهور أثرها. # وقوله تعالى: " فسوف " جوابها وهي مبتدأة، وفي خبرها الخلاف ~~المشهور وبظاهره يتمسك من لا يشترط عود الضمير على ~~اسم الشرط من جملة الجواب، ومن التزم ذلك قدر ضميرا ~~محذوفا تقديره: " فسوف يأتي الله بقوم غيرهم " ، ف " هم " ~~في " غيرهم " يعود على " من " على معناها. # وقرأ ابن عامر، ونافع: " يرتدد " بدالين. # قال الزمخشري: " وهي في الإمام - يعني رسم المصحف - كذلك " ، ~~ولم يتبين ذلك، ونقل غيره أن كل قارىء وافق مصحفه، ~~فإنها في مصاحف " الشام " و " المدينة ": " يرتدد " بدالين، ~~وفي الباقية: " يرتد " ، وقد تقدم أن الإدغام لغة " تميم " ، ~~والإظهار لغة " الحجاز " ، وأن وجه الإظهار سكون الثاني جزما ~~أو وقفا، ولا يدغم إلا في متحرك، وأن وجه الإدغام ~~تحريك هذا الساكن في بعض الأحوال نحو: ردا، وردوا، ~~وردي، ولم يردا، ولم يردوا، واردد القوم، ثم حمل " لم ~~يرد " ، و " رد " على ذلك، فكأن التميميين اعتبروا هذه ~~الحركة العارضة، والحجازيين لم يعتبروها. # و " منكم " في محل نصب على الحال من فاعل " يرتد " ، و " عن ~~دينه " متعلق ب " يرتد ". # قوله: " يحبهم " في محل جر؛ لأنها صفة ل " قوم " ، و " ~~يحبونه " فيه وجهان: # أظهرهما: أنه معطوف على ما قبله، فيكون في محل جر أيضا، ms3099 ~~فوصفهم بصفتين: وصفهم بكونه تعالى يحبهم، وبكونهم يحبونه. # والثاني: أجازه أبو البقاء أن يكون في محل نصب على الحال من ~~الضمير المنصوب في " يحبهم " ، قال: تقديره: " وهم ~~يحبونه ". # قال شهاب الدين: وإنما قدر أبو البقاء لفظة " هم " ليخرج بذلك ~~من إشكال، وهو أن المضارع المثبت متى وقع حالا، وجب تجرده ~~من " الواو " نحو: " قمت أضحك " ولا يجوز: " وأضحك " وإن ورد ~~شيء أول بما ذكره أبو البقاء، كقولهم: " قمت وأصك عينه ~~". # وقوله: [المتقارب] # 1984-.................. # نجوت وأرهنهم مالكا # أي: وأنا أصك، وأنا أرهنهم، فتؤول الجملة إلى جملة اسمية، ~~فيصح اقترانها بالواو، ولكن لا ضرورة في الآية الكريمة تدعو إلى ~~ذلك حتى يرتكب، فهو قول مرجوح. # وقدمت محبة الله - تعالى - على محبتهم لشرفها وسبقها؛ إذ ~~محبته - تعالى - لهم عبارة عن إلهامهم فعل الطاعة، ~~وإثابته إياهم عليها. # فصل # روى الزمخشري: أنه كان أهل الردة إحدى عشرة فرقة في عهد ~~رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - بنو مدلج [ورئيسهم] ~~وهو " عيهلة بن كعب " لقبه " ذو الخمار " وهو الأسود العنسي ~~وكان كاهنا - ادعى النبوة باليمن، واستولى [على بلادها] وأخرج ~~عمال رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - مثل معاذ بن ~~جبل وسادات اليمن، فأهلكه الله على يد " فيروز الديلمي " ، ~~فقتله وأخبر رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- [بقتله ليلة ~~قتل فسر المسلمون، وقبض رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم -] من الغد، وأتى خبره في آخر ربيع الأول، وبنو حنيفة: ~~قوم " مسيلمة الكذاب " ادعى النبوة، وكتب إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: " من مسيلمة رسول الله إلى محمد ~~رسول الله، أما بعد: فإن الأرض نصفها لك ونصفها لي " ، فأجاب - ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم - من محمد رسول الله إلى مسيلمة ~~الكذاب أما بعد: # إن الأرض لله يورثها من يشآء من عباده ~~والعاقبة للمتقين # [الأعراف: 128] فحاربه أبو بكر - رضي الله عنه - بجنود المسلمين ~~رضي الله عنهم - وقتل على يد وحشي قاتل حمزة وقال: قتلت ~~خير الناس في الجاهلية، وشر ms3100 الناس في الإسلام أراد في ~~جاهليته وفي إسلامه. # وبنو أسد: قوم طليحة بن خويلد ادعى النبوة، فبعث رسول ~~الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - خالدا فانهزم بعد القتال ~~إلى الشام، ثم أسلم، وحسن إسلامه في عهد أبي بكر - رضي الله ~~عنه-، وفزارة: قوم عيينة بن حصن، وغطفان: قوم قرة بن سلمة ~~القشيري، وبنو سليم: قوم فجاءة بن عبد ياليل، وبنو يربوع: ~~قوم مالك بن نويرة، وبعض بني تميم: قوم سجاح بنت المنذر التي ~~ادعت النبوة، وزوجت نفسها من مسيلمة الكذاب، وكندة: قوم ~~الأشعث بن قيس، وبنو بكر بن وائل ب " البحرين " ، وقوم الحطم ابن ~~زيد، وكفي أمرهم على يد أبي بكر - رضي الله عنه - وفرقة واحدة ~~على عهد عمر - رضي الله عنه - غسان قوم جبلة بن الأيهم، وذلك أن ~~جبلة أسلم على يد عمر رضي الله عنه كان يطوف ذات يوم جارا ~~رداءه، فوطئ رجل طرف ردائه فغضب فلطمه، فتظلم إلى عمر ~~- رضي الله عنه -، فقضى بالقصاص عليه، فقال: أنا أشتريها بألف، ~~فأبي الرجل، فلم يزل يزيد في الفداء حتى بلغ عشرة آلاف فأبى ~~الرجل إلا القصاص، فاستنظره [عمر] فأنظره فهرب إلى الروم ~~وارتد. # ومعنى الآية: يا أيها الذين آمنوا من يتول منكم الكفار، ~~فيرتد عن دينه، فليعلم: أن الله تعالى يأتي بقوم آخرين ~~يتدينوا بهذا الدين على أبلغ الوجوه. # وقال الحسن: علم الله أن قوما يرجعون عن الإسلام بعد ~~موت نبيهم، فأخبرهم بأنه سيأتي الله بقوم يحبهم ~~ويحبونه. وعلى هذا التقدير: تكون هذه الآية إخبارا عن ~~الغيب، وقد وقع المخبر على وفقه، فيكون معجزا. # واختلفوا في القوم من هم؟ # فقال علي بن أبي طالب والحسن وقتادة والضحاك وابن جريج: أبو بكر ~~وأصحابه - رضي الله عنهم - الذين قاتلوا أهل الردة، قالت عائشة - ~~رضي الله عنها - مات رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، ~~وارتد من العرب قوم [واشتهر] النفاق، ونزل بأبي ما لو نزل ~~بالجبال الراسيات لهاضها، وذلك بأن النبي - صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم - لما قبض ms3101 ارتد عامة العرب إلا أهل مكة ~~والمدينة. والبحرين من عبد القيس، ومنع بعضهم الزكاة، وهم ~~أبو بكر بقتالهم، فكره ذلك أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم -. # وقال عمر - رضي الله عنه -: كيف نقاتل الناس، وقد قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: # " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد ~~رسول الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه، إلا بحقه، ~~وحسابه على الله " # فقال أبو بكر - رضي الله تعالى عنه -: " والله لأقاتلن من فرق ~~بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو ~~منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، لقاتلتهم على منعها ". # قال أنس - رضي الله عنه -: كرهت الصحابة - رضي الله عنهم - قتال ~~مانعي الزكاة، وقالوا أهل القبلة، فتقلد أبو بكر سيفه، ~~وخرج وحده، فلم يجدوا بدا من الخروج على أثره. # قال ابن مسعود: كرهنا ذلك في الابتداء، ثم حمدناه عليه في ~~الانتهاء، قال أبو بكر ابن عياش: سمعت أبا حصين يقول: ما ولد ~~بعد النبيين مولود أفضل من أبي بكر - رضي الله عنه -، لقد ~~قام مقام نبي من الأنبياء في قتال أهل الردة. # وقال السدي: نزلت الآية في الأنصار؛ لأنهم الذين نصروا ~~الرسول وأعانوه على إظهار الدين. # وقال مجاهد: نزلت في أهل " اليمن ". # وقال الكلبي: هم أحياء من اليمن، ألفان من النخع، وخمسة آلاف ~~من كندة وبجيلة، وثلاثة آلاف من أفناء الناس، فجاهدوا في سبيل ~~الله يوم القادسية في أيام عمر - رضي الله عنه -، وروي مرفوعا ~~أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - # " لما نزلت هذه الآية، أشار إلى أبي موسى الأشعري وقال: " هم ~~قوم هذا " ، وقال آخرون: هم الفرس؛ لأنه روي أن النبي ~~- صلى الله عليه وعلى آله وسلم - لما سئل عن هذه الآية ضرب ~~يده على عاتق سلمان الفارسي وقال: هذا وذووه، ثم قال: لو ~~كان الدين معلقا بالثريا لناله رجال من أبناء فارس ". # وقال قوم: # إنها نزلت في علي - رضي الله ms3102 عنه -؛ لأنه - عليه الصلاة ~~والسلام - # " لما دفع الراية إلى علي قال: لأدفعن الراية إلى رجل ~~يحب الله ورسوله ". # قوله تعالى: { أذلة على المؤمنين أعزة على ~~الكافرين }. # هاتان أيضا صفتان ل " قوم " ، واستدل بعضهم على جواز تقديم ~~الصفة غير الصريحة على الصفة الصريحة بهذه الآية، فإن قوله ~~تعالى: " يحبهم " صفة وهي غير صريحة؛ لأنها جملة مؤولة ~~بمفرد، وقوله: " أذلة - أعزة " صفتان صريحتان؛ لأنهما ~~مفردتان، وأما غيره من النحويين فيقول: متى اجتمعت صفة ~~صريحة، وأخرى مؤولة وجب تقديم الصريحة، إلا في ضرورة شعر، ~~كقول امرىء القيس: [الطويل] # 1985- وفرع يغشي المتن أسود فاحم # أثيث كقنو النخلة المتعثكل # فقدم قوله: " يغشي " - وهو جملة - على " أسود " وما بعده، ~~وهن مفردات، وعند هذا القائل أنه يبدأ بالمفرد، ثم بالظرف ~~أو عديله، ثم بالجملة، وعلى ذلك جاء قوله تعالى: # وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه # [غافر: 28] # وهذا كتاب أنزلناه مبارك # [الأنعام: 155]. # قال أبو حيان: وفيها دليل على بطلان من يعتقد وجوب تقديم ~~الوصف بالاسم على الوصف بالفعل إلا في ضرورة، ثم ذكر الآية ~~الآخرى. # قال شهاب الدين: وليس في هاتين الآيتين الكريمتين ما يرد قول ~~هذا القائل، أما هذه الآية فيحتمل أن يكون قوله تعالى: " يحبهم ~~ويحبونه " جملة اعتراض، لأن فيها تأكيدا وتشديدا للكلام. # وجملة الاعتراض تقع بين الصفة وموصوفها، كقوله تعالى: # وإنه لقسم لو تعلمون عظيم # [الواقعة: 76] ف " عظيم " صفة ل " قسم " ، وقد فصل بينهما بقوله: ~~" لو تعلمون " ، فكذلك فصل هنا بين " بقوم " ، وبين صفتهم وهي " ~~أذلة - أعزة " بقوله: " يحبهم ويحبونه " ، فعلى هذا لا ~~يكون لها محل من الإعراب. # وأما # وهذا كتاب أنزلناه مبارك # [الأنعام: 155] فلا نسلم أن " مبارك " صفة، ويجوز أن يكون [خبر مبتدأ ~~محذوف، أي: هو مبارك] ولو استدل على ذلك بآيتين غير هاتين لكان ~~أقوى، وهما قوله تعالى: # ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث # [الأنبياء: 2]، # وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث # [الشعراء: 5] فقدم الوصف بالجار على الوصف بالصريح، وكذا يحتمل ~~أن يقال: لا نسلم أن " من ربهم " و " من ms3103 الرحمن " صفتان ~~لجواز أن يكونا حالين مقدمين من الضمير المستتر في " محدث ~~" أي: محدث إنزاله حال كونه من ربهم. # و " أذلة " جمع ذليل بمعنى متعطف؛ ولا يراد به الذليل الذي هو ~~ضعيف خاضع مهان: ولا يجوز أن يكون جمع " ذلول "؛ لأن ذلولا ~~يجمع على " ذلل " لا على أذلة، وإن كان كلام بعضهم يوهم ذلك. # قال الزمخشري: ومن زعم أنه من " الذل " الذي هو نقيض ~~الصعوبة، فقد غبي عن أن " ذلولا " لا يجمع على " أذلة ". # و " أذلة " و " أعزة " جمعان ل " ذليل " و " عزيز " وهما مثالا ~~مبالغة، وعدى " أذلة " ب " على " وإن كان أصله أن يتعدى ~~باللام لما ضمن من معنى الحنو والعطف، والمعنى: عاطفين [على ~~المؤمنين] على وجه التذلل والتواضع، ويجوز أن يكون المعنى ~~أنهم مع شرفهم وعلو طبقتهم وفضلهم على المؤمنين خافضون ~~لهم أجنحتهم؛ كقوله تعالى: # أشدآء على الكفار رحمآء بينهم # [الفتح: 29] ذكر هذين الوجهين الزمخشري. # قال أبو حيان: قيل: " أو لأنه على حذف مضاف، التقدير: على ~~فضلهم على المؤمنين، والمعنى: أنهم يذلون، ويخضعون ~~لمن فضل عليه مع شرفهم وعلو مكانتهم ". # وذكر آية الفتح، وهذا هو قول الزمخشري بعينه، إلا أن قوله: ~~" على حذف مضاف " يوهم حذفه، وإقامة المضاف إليه مقامه، ~~وهنا حذف " على " الأولى، وحذف المضاف إليه، والمضاف معا. # قال شهاب الدين: ولا أدري ما حمله على ذلك؟ ووقع الوصف في جانب ~~المحبة بالجملة الفعلية، لأن الفعل يدل على التجدد ~~والحدوث وهو مناسب، فإن محبتهم لله - تعالى - تجدد ~~طاعاته وعبادته كل وقت، ومحبة الله إياهم تجدد ثوابه ~~وإنعامه عليهم كل وقت، ووقع الوصف في جانب التواضع ~~للمؤمنين والغلظة على الكافرين بالاسم الدال على المبالغة، ~~دلالة على ثبوت ذلك واستقراره، وأنه عزيز فيهم، والاسم ~~يدل على الثبوت والاستقرار، وقدم الوصف بالمحبة منهم ولهم ~~على وصفهم ب " أذلة - وأعزة " ، لأنهما ناشئتان عن المحبتين، ~~وقدم وصفهم المتعلق بالمؤمنين على وصفهم المتعلق بالكافرين؛ ~~لأنه آكد وألزم منه، ولشرف المؤمن أيضا، والجمهور على ~~جر " أذلة " - " أعزة " على الوصف كما تقدم. # قال الزمخشري: " وقرىء ms3104 " أذلة وأعزة " بالنصب على ~~الحال ". # قلت: الذي قرأ " أذلة " ، هو عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، ~~إلا أنه قرأ بدل " أعزة ": " غلظاء على الكافرين " وهو ~~تفسير، وهي حال من " قوم " ، وجاز ذلك، وإن كان " قوم " نكرة ~~لقربه من المعرفة؛ إذ قد تخصص بالوصف. # فصل # معنى " أذلة " أي: أرقاء رحماء، كقوله تعالى: # واخفض لهما جناح الذل من الرحمة # [الإسراء: 24] من قولهم دابه ذلول، أي: تنقاد سهلة، وليس ~~من الذل في شيء { أعزة على الكافرين } يعادونهم ~~ويغالبونهم، من قولهم: عزه إذا غلبه. # قال عطاء: { أذلة على المؤمنين } كالولد لوالده والعبد ~~لسيده: أعزة على الكافرين كالسبع على فريسته. # قوله تعالى: " يجاهدون " يحتمل ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون صفة أخرى ل " قوم " ، ولذلك جاء بغير واو، كما ~~جاءت الصفتان قبله بغيرها. # الثاني: أنه في محل نصب على الحال من الضمير المستكن في ~~" أعزة " ، أي: يعزون مجاهدين. # قال أبو البقاء: وعلى هذا فيجوز أن تكون من الضمير في " أذلة " ~~، أي: يتواضعون للمؤمنين حال كونهم مجاهدين، أي: لا يمنعهم ~~الجهاد في سبيل الله من التواضع للمؤمنين، وحاليتها من ~~ضمير " أعزة " أظهر من حاليتها مما ذكرت، وذلك لم يسغ أن ~~يجعل المسألة من التنازع. # الثالث: أن يكون مستأنفا، سيق للإخبار بأنهم يجاهدون في ~~نصرة دين الله تعالى. # قوله تعالى: " ولا يخافون " فيه أوجه: # أحدها: أن يكون معطوفا على " يجاهدون " فتجري فيه الأوجه ~~السابقة فيما قبله. # الثاني: أن تكون " الواو " للحال، وصاحب الحال فاعل " يجاهدون " ~~، قال الزمخشري: " أي: يجاهدون " وحالهم في المجاهدة ~~غير حال المنافقين. # وتبعه أبو حيان ولم ينكر عليه، وفيه نظر؛ لأنهم نصوا ~~على أن المضارع المنفي ب " لا " أو " ما " كالمثبت في ~~أنه [لا يجوز أن] تباشره واو الحال، وهذا كما ترى مضارع ~~منفي ب " لا " ، إلا أن يقال: إن ذلك الشرط غير مجمع ~~عليه، ولكن العلة التي منعوا لها مباشرة " الواو " للمضارع ~~المثبت موجودة في المضارع المنفي ب " لا " و " ما " ، وهي أن ~~المضارع المثبت بمنزلة الاسم الصريح، فإنك إذا قلت: ~~" جاء زيد ms3105 يضحك " كان في قوة " ضاحكا " و " ضاحكا " لا يجوز ~~دخول " الواو " عليه، فكذلك ما أشبهه وهو في قوته، وهذه ~~موجودة في المنفي، فإن قولك: " جاء زيد يضحك " في قوة " ~~غير ضاحك " و " غير ضاحك " لا تدخل عليه الواو [إلا أن هذا ~~يشكل بأنهم نصوا على أن المنفي ب " لم " و " لما " ~~يجوز فيه دخول الواو، مع أنه في قولك: " قام زيد لم يضحك " ~~بمنزلة " غير ضاحك " ] ومن دخول الواو، وقوله تعالى: # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم # [البقرة: 214] ونحوه. # الثالث: أن تكون " الواو " للاستئناف، فيكون ما بعدها جملة ~~مستأنفة مستقلة بالإخبار، وبهذا يحصل الفرق بين هذا ~~الوجه، وبين الوجه الذي جوزت فيه أن تكون " الواو " ~~عاطفة، مع اعتقادنا أن " يجاهدون " مستأنف، وهو واضح. # و " اللومة ": المرة من اللوم. # قال الزمخشري: وفيها وفي التنكير مبالغتان، كأنه قيل: " لا ~~يخافون شيئا قط من لوم أحد من اللوام " ، و " لومة " مصدر مضاف ~~لفاعله في المعنى. # فإن قيل: هل يجوز أن يكون فاعله محذوفا، أي: لا يخافون ~~لومة لائم إياهم؟ # فالجواب أن ذلك لا يجوز عند الجمهور؛ لأن المصدر المحدود ~~بتاء التأنيث لا يعمل، فلو كان مبنيا على التاء عمل، كقوله: ~~[الطويل] # 1986- فلولا رجاء النصر منك ورهبة # عقابك قد كانوا لنا بالموارد # فأعمل " رهبة "؛ لأنه مبني على " التاء " ، ولا يجوز أن يعمل ~~المحدود بالتاء إلا في قليل في كلامهم؛ كقوله: [الطويل] # 1987- يحايي به الجلد الذي هو حازم # بضربة كفيه الملا وهو راكب # يصف رجلا سقى رجلا ماء فأحياه به، وتيمم بالتراب. # والملا: التراب، فنصب " الملا " ب " ضربة " ، وهو مصدر محدود ~~بالتاء وأصل " لائم ": لاوم؛ لأنه من اللوم، فأعل ك " ~~قائم ". # فصل في معنى الآية # المعنى لا يخافون في نصرة دين الله لومة الناس، وذلك [أن] ~~المنافقين يراقبون الكفار ويخافون لومهم. # وروى عبادة بن الصامت، قال: بايعنا رسول الله - صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم - على السمع والطاعة، وأن نقوم لله وأن نقول ~~الحق حيث ما كنا لا نخاف في الله لومة لائم. # قوله ms3106 تعالى: " وذلك " في المشار إليه ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنه جميع ما تقدم من الأوصاف التي وصف بها القوم، ~~من المحبة، والذلة، والعزة، والمجاهدة في سبيل الله، ~~وانتفاء خوف اللائمة من كل أحد، واسم الإشارة يسوغ فيه ~~ذلك، أعني: أنه يقع بلفظ الإفراد مشارا به لأكثر من واحد، ~~وقد تقدم تحقيقه في قوله تعالى: # عوان بين ذلك # [البقرة: 68]. # والثاني: أنه مشار به إلى حب الله لهم، وحبهم له. # والثالث: أنه مشار به إلى قوله: " أذلة " ، أي: لين الجانب، ~~وترك الترفع، وفي هذين تخصيص غير واضح، وكأن الحامل على ~~ذلك من مجيء اسم الإشارة مفردا. # و " ذلك " مبتدأ، و " فضل الله " خبره. # و " يؤتيه " يحتمل ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنه خبر ثان. # والثاني: أنه مستأنف. # والثالث: أنه في محل نصب على الحال، كقوله تعالى: # وهذا بعلي شيخا # [هود: 72]. # فصل # ومعنى الكلام: أن الوصف بالمحبة، والذلة، والعزة، ~~والمجاهدة، وانتفاء خوف اللائمة حصل بفضل الله - تعالى ~~-، وهذا يدل على أن طاعات العباد مخلوقة لله تعالى، ~~والمعتزلة يحملونه على فعل الألطاف وهو بعيد؛ لأن فعل ~~الألطاف عام في حق الكل، فلا بد في التخصيص من مزيد ~~فائدة. # ثم قال - عز وجل -: { والله واسع عليم } ، قالوا: ~~فالواسع إشارة إلى كمال المقدرة. والعليم إشارة إلى كمال ~~العلم، ومن هذا صفته - سبحانه وتعالى -، فلا يعجزه أنه ~~سيجيء بأقوام هذا شأنهم. ### || [5.55] # لما نهى عن موالاة الكفار في الآيات المتقدمة بين ~~هاهنا من يجب موالاته. # قوله { إنما وليكم الله } مبتدأ وخبر. # و " رسوله " و " الذين " عطف على الخبر. # قال الزمخشري: قد ذكرت جماعة فهلا قيل: " إنما ~~أولياؤكم "؟ # وأجاب أن الولاية بطريق الأصالة لله - تعالى - ثم نظم في سلك ~~إثباتها لرسوله وللمؤمنين، ولو جيء به جمعا، فقيل: " إنما ~~أولياؤكم " لم يكن في الكلام أصل وتبع. # قال شهاب الدين: ويحتمل وجها آخر، وهو أن " ولي " بزنة " ~~فعيل " ، و " فعيل " قد نص عليه أهل اللسان أنه يقع ~~للواحد والاثنين والجماعة تذكيرا وتأنيثا بلفظ واحد، يقال: ~~" الزيدون صديق " و " هند صديق " ، وهذا مثله غاية ms3107 ما فيه ~~أنه مقدم في التركيب، وقد أجاب الزمخشري وغيره في قوله ~~تعالى: # وما قوم لوط منكم ببعيد # [هود: 89] وذكر وجه ذلك، وهو شبهه بالمصادر، وسيأتي تحقيقه ~~- إن شاء الله تعالى -. # وقرأ ابن مسعود: " إنما مولاكم الله " ، وهي تفسير لا قراءة. # فصل في سبب نزول الآية # روى ابن عباس - رضي الله عنهما - أنها نزلت في عبادة بن ~~الصامت - رضي الله عنه - وعبد الله بن أبي ابن سلول - لعنه ~~الله -، حين تبرأ عبادة من اليهود وقال: أتولى الله ورسوله ~~والذين آمنوا، فنزل فيهم من قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود ~~والنصارى أوليآء # [المائدة: 51]، إلى قوله تعالى: { إنما وليكم الله ~~ورسوله والذين آمنوا } يعني: عبادة بن الصامت ~~وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، وقال جابر ~~بن عبد الله - رضي الله عنهما -: جاء عبد الله بن سلام - رضي الله عنه ~~- إلى رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - فقال: يا رسول ~~الله: " إن قومنا قريظة والنضير قد هجرونا وفارقونا ~~وأقسموا ألا يجالسونا " فنزلت هذه الآية الكريمة، فقرأها ~~عليه رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - فقال: يا رسول الله ~~رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياء، وعلى هذا التأويل أراد ~~بقوله - تعالى -: " وهم راكعون " صلاة التطوع بالليل ~~والنهار. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما - والسدي - رحمه الله -: قوله تعالى: ~~{ والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون ~~الزكاة وهم راكعون } ، أراد به على بن أبي طالب - رضي الله ~~عنه - مر به سائل وهو راكع في المسجد فأعطاه خاتمه، وقال ~~جويبر عن الضحاك في قوله تعالى: { إنما وليكم الله ~~ورسوله والذين آمنوا } [قال: هم المؤمنون بعضهم ~~أولياء بعض، وقال أبو جعفر محمد بن علي الباقر: { إنما وليكم الله ~~ورسوله والذين آمنوا } نزلت] في المؤمنين، فقيل له: إن ناسا يقولون: ~~إنها نزلت في علي - رضي الله تعالى عنه - قال: هو من المؤمنين. # قوله تعالى: { الذين يقيمون الصلاة } فيه خمسة أوجه: # أحدها: أنه مرفوع على الوصف، لقوله تعالى: " الذين آمنوا ~~". # وصف المؤمنين بإقام ms3108 الصلاة، وإيتاء الزكاة، وذكر هاتين العبادتين ~~دون سائر فروع الإيمان؛ لأنهما أفضلهما. # الثاني: أنه مرفوع على البدل من " الذين آمنوا ". # الثالث: أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هم الذين. # الرابع: أنه عطف بيان لما قبله؛ فإن كل ما جاز أن يكون بدلا ~~جاز أن يكون بيانا، إلا فيما استثني كما تقدم. # الخامس: أنه منصوب بإضمار فعل، وهذا الوجه والذي قبله من باب ~~القطع عن التبعية. # قال أبو حيان - بعد أن نقل عن الزمخشري وجهي البدل، وإضمار ~~المبتدأ فقط -: " ولا أدري ما الذي منعه من الصفة، إذ هو ~~المتبادر إلى الذهن، ولأن المبدل منه على نية الطرح؛ ~~وهو لا يصح هنا؛ لأنه هو الوصف المترتب عليه صحة ما بعده من ~~الأوصاف ". # قال شهاب الدين: لا نسلم أن المتبادر إلى الذهن الوصف، بل ~~البدل هو المتبادر، وأيضا فإن الوصف بالموصول على خلاف الأصل؛ ~~لأنه مؤول بالمشتق وليس بمشتق، ولا نسلم أن المبدل ~~منه على نية الطرح، وهو المنقول عن سيبويه. # قوله: " وهم راكعون " في هذه الجملة وجهان: # أظهرهما: أنها معطوفة على ما قبلها من الجمل، فتكون صلة ~~للموصول، وجاء بهذه الجملة اسمية دون ما قبلها، فلم يقل: " ~~يركعون " اهتماما بهذا الوصف، لأنه أظهر أركان الصلاة. # والثاني: أنها " واو " الحال، وصاحبها هو واو " يؤتون ". # والمراد بالركوع الخضوع أي: يؤتون الصدقة، وهم متواضعون ~~للفقراء الذين يتصدقون عليهم. # ويجوز أن يراد به الركوع حقيقة؛ كما تقدم عن علي - رضي ~~الله عنه -. # وقال أبو مسلم: المراد من الركوع: الخضوع، أي: يصلون ~~ويركعون وهم منقادون خاضعون لجميع أوامر الله ونواهيه. ### || [5.56] # " ومن يتول " " من " شرط في محل رفع بالابتداء. # وقوله تعالى: { فإن حزب الله } جملة واقعة خبر المبتدأ، ~~والعائد غير مذكور لكونه معلوما، والتقدير: فهو غالب ~~لكونه من جند الله، فيحتمل أن يكون جوابا للشرط، وبه يحتج من ~~لا يشترط عود ضمير على اسم الشرط إذا كان مبتدأ. # ولقائل أن يقول: إنما جاز ذلك؛ لأن المراد بحزب الله هو نفس ~~المبتدأ، فيكون من باب تكرار المبتدأ بمعناه، وفيه ms3109 خلاف، ~~فالأخفش يجيزه، فإن التقدير: ومن يتول الله ورسوله والذين ~~آمنوا فإنه غالب، فوضع الظاهر موضع المضمر لفائدة، وهي التشريف ~~بإضافة الحزب إلى الله - تعالى -، ويحتمل أن يكون الجواب ~~محذوفا، لدلالة الكلام عليه، أي: ومن يتول الله ورسوله ~~والذين آمنوا يكن من حزب الله الغالب، أو ينصر ونحوه ويكون ~~قوله: { فإن حزب الله } دالا عليه، وعلى هذين ~~الاحتمالين، فلا دلة في الآية على عدم اشتراط عود ضمير على ~~اسم الشرط. # وقوله: { فإن حزب الله هم الغالبون } في محل جزم ~~إن جعلناه جوابا للشرط، ولا محل له إن جعلناه دالا على ~~الجواب. # وقوله " هم " يحتمل أن يكون فصلا، وأن يكون مبتدأ. # و " الغالبون " خبره والجملة خبر " إن " ، وقد تقدم الكلام على ~~ضمير الفصل. # و " الحزب ": الجماعة فيها غلظة وشدة، فهو جماعة خاصة، وهو ~~في اللغة: أصحاب الرجل الذين يكونون معه على رأيه، وهم ~~القوم الذين يجتمعون لأمر حزبهم، وللمفسرين فيه ~~عبارات، فقال الحسن: جند الله وقال أبو روق: أولياء الله، ~~وقال أبو العالية: شيعته، وقال بعضهم: أنصار الله، وقال الأخفش: ~~حزب الله الذين يدينون بدينه ويطيعونه وينصرونه. ### || [5.57] # لما نهى في الآية الأولى عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء، ~~نهى هنا عن جميع موالاة الكفار على العموم، ف " الذين " ~~وصلته هو المفعول الأول لقوله " لا تتخذوا " ، والمفعول ~~الثاني: هو قوله " أولياء " ، و " دينكم " مفعول ل " اتخذوا ~~" ، و " هزوا " مفعول ثان، وتقدم ما في " هزءا " من القراءات ~~والاشتقاق. # قوله تعالى: { من الذين أوتوا } فيه وجهان: # أحدهما: أنه في محل نصب على الحال، وصاحبها فيه وجهان: # أحدها: أنه الموصول الأول. # والثاني: أنه فاعل " اتخذوا " والثاني من الوجهين الأولين: ~~أنه بيان للموصول الأول، فتكون " من " لبيان الجنس. # وقوله تعالى: " من قبلكم " متعلق ب " أوتوا "؛ لأنهم أوتوا ~~الكتاب قبل المؤمنين، والمراد بالكتاب: الجنس. # فصل # قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - كان رفاعة بن زيد بن ~~التابوت، وسويد بن الحارث قد أظهرا الإسلام ثم نافقا، وكان ~~رجال من المسلمين يوادونهما، فأنزل الله - تعالى - هذه ~~الآية، ومعنى ms3110 تلاعبهم واستهزائهم، إظهار ذلك باللسان مع ~~الإصرار على الكفر في القلب، ونظيره قوله في ذلك في سورة " ~~البقرة ": # وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا # [آية:14] إلى قوله: # إنما نحن مستهزئون # [آية: 14]، والمعنى: أن القوم لما اتخذوا دينكم هزوا ~~ولعبا وسخرية، فلا تتخذوهم أولياء وأنصارا وأحبابا، ~~فإن ذلك الأمر خارج عن العقل والمروءة. # قوله تعالى: " والكفار " قرأ أبو عمرو والكسائي: " والكفار ~~" بالخفض، والباقون بالنصب، وهما واضحتان، فقراءة الخفض ~~عطف على الموصول المجرور ب " من " ، ومعناها: أنه نهاهم ~~أن يتخذوا المستهزئين أولياء، وبين أن المستهزئين ~~صنفان: أهل كتاب متقدم، وهم اليهود والنصارى، وكفار عبدة ~~أوثان، وإن كان اسم الكفر ينطلق على الفريقين، إلا أنه غلب ~~على عبدة الأوثان: الكفار، وعلى اليهود والنصارى: أهل ~~الكتاب. # وقال تعالى: # لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب # [البينة: 1]، وقال تعالى: # ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا ~~المشركين # [البقرة: 105]، اتفقوا على جر " المشركين " عطفا على أهل ~~الكتاب، ولم يعطف على العامل الرافع قاله الواحدي. # يعني [بذلك]: أنه أطلق الكفار على أهل الكتاب، وعلى عبدة ~~الأوثان المشركين، ويدل على أن المراد بالكفار في آية ~~المائدة " المشركون " ، قراءة عبد الله " ومن الذين أشركوا ~~" ورجحت قراءة أبي عمرو أيضا بالقرب، فإن المعطوف عليه ~~قريب، ورجحت أيضا بقراءة أبي " ومن الكفار " بالإتيان ~~ب " من ". # وأما قراءة الباقين، فوجهها أنه عطف على الموصول الأول، ~~أي: لا تتخذوا المستهزئين، ولا الكفار أولياء، فهو كقوله ~~تعالى: # لا يتخذ المؤمنون الكافرين أوليآء من دون ~~المؤمنين # [آل عمران: 28]، إلا أنه ليس في هذه القراءة تعرض للإخبار ~~باستهزاء المشركين، وهم مستهزئون أيضا، قال تعالى: # إنا كفيناك المستهزئين # [الحجر: 95] فالمراد به: مشركو العرب، ولوضوح قراءة الجر قال ~~مكي بن أبي طالب: " ولولا اتفاق الجماعة على النصب، لاخترت ~~الخفض لقوته في المعنى، ولقرب المعطوف من المعطوف عليه ". # ثم قال تعالى: { اتقوا الله إن كنتم مؤمنين } ، والمعنى ~~ظاهر. ### || [5.58] # [الضمير في " اتخذوها " يجوز] أن يعود على الصلاة وهو ~~الظاهر، ويجوز أن يعود على المصدر المفهوم من الفعل، أي: ms3111 ~~اتخذوا المناداة، ذكره الزمخشري، وفيه بعد؛ إذ لا حاجة مع ~~التصريح بما يصلح أن يعود عليه الضمير، بخلاف قوله تعالى: # اعدلوا هو أقرب للتقوى # [المائدة: 8]. # فصل # قال الكلبي: كان منادي رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~-، إذا نادى إلى الصلاة وقام المسلمون إليها، قالت اليهود: ~~قاموا لا قاموا، وصلوا لا صلوا على طريق الاستهزاء وضحكوا، ~~فأنزل الله هذه الآية الشريفة، وقال السدي: نزلت في رجل من ~~النصارى بالمدينة، كان إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن ~~محمدا رسول الله - قال: حرق الكاذب، فدخل [خادمه] ذات ليلة ~~بنار وهو وأهله نيام فتطايرت منها شرارة، فاحترق البيت ~~وأهله. # وقال آخرون: إن الكفار لما سمعوا الأذان حسدوا المسلمين، ~~فدخلوا على رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وقالوا: ~~يا محمد: لقد ابتدعت شيئا لم يسمع به فيما مضى من الأمم، ~~فإن كنت تدعي النبوة فقد خالفت فيما أحدثت الأنبياء قبلك، ~~ولو كان فيه خيرا لكان أولى الناس به الأنبياء، فمن أين لك صياح ~~كصياح العير، فما أقبح من صوت، وما أسمج من أمر، فأنزل الله هذه ~~الآية، ونزل: # ومن أحسن قولا ممن دعآ إلى الله # [فصلت: 33] قالوا: دلت هذه الآية على ثبوت الأذان بنص ~~الكتاب لا بالمنام وحده. # قال القرطبي: قال العلماء - رضي الله عنهم - ولم يكن الأذان ~~بمكة قبل الهجرة، وإنما كانوا ينادون " الصلاة جامعة " ، ~~فلما هاجر النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، وصرفت ~~القبلة إلى الكعبة أمر بالأذان، وبقي " الصلاة جامعة " ~~للأمر، وكان النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - قد أهمه أمر ~~الأذان حتى أريه عبد الله بن زيد، وعمر بن الخطاب وأبو بكر ~~الصديق - رضي الله عنهم - وقد كان النبي - صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم - سمع الأذان ليلة الإسراء إلى السماء، وأما رؤيا عبد ~~الله بن زيد وعمر - رضي الله عنهما - فمشهورة، وأمر النبي - ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم - بلالا فأذن بالصلاة أذان ~~اليوم، وزاد بلال في الصبح " الصلاة خير من النوم " ، ~~فأقرها رسول ms3112 الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، وليست فيما ~~رآه الأنصاري، ذكره ابن سعد عن بن عمر - رضي الله عنهما -، ثم ذكر ~~الدارقطني؛ أن الصديق - رضي الله عنه - أري الأذان، وأنه ~~أخبر النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، وأن النبي - ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم - أمر بلالا بالأذان قبل أن ~~يخبره عبد الله بن زيد، ذكره الدارقطني في كتاب " المدبج " ~~له في حديث النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - عن أبي ~~بكر الصديق - رضي الله عنه. # قوله تعالى: " ذلك بأنهم " مبتدأ وخبر، أي: ذلك ~~الاستهزاء مستقر؛ بسبب عدم عقلهم. ### || [5.59] # لما حكى عنهم أنهم اتخذوا دين الإسلام هزوا ولعبا، فقال: ما ~~الذي تجدون فيه مما يوجب اتخاذه هزوا ولعبا؟ # قوله تعالى: " هل تنقمون ": قراءة الجمهور بكسر القاف، وقراءة ~~النخعي، وابن أبي عبلة، وأبي حيوة بفتحها، وهاتان ~~القراءتان مفرعتان على الماضي، وفيه لغتان: الفصحى، وهي ~~التي حكاها ثعلب في " فصيحه ": نقم بفتح القاف، ينقم ~~بكسرها. # والأخرى: نقم بكسر القاف ينقم بفتحها، وحكاها الكسائي، ولم ~~يقرأ في قوله تعالى: # وما نقموا منهم # [البروج: 8] إلا بالفتح. # قال الكسائي: " نقم " بالكسر لغة، ونقمت الأمر أيضا، ~~ونقمته إذا كرهته، وانتقم الله منه إذا عاقبه، والاسم ~~منه: النقمة، والجمع نقمات ونقم مثل كلمة وكلمات وكلم، ~~وإن شئت سكنت القاف، ونقلت حركتها إلى النون فقلت ~~نقمة، والجمع: نقم، مثل نعمة ونعم، نقله القرطبي وأدغم ~~الكسائي لام " أهل " في تاء " تنقمون " ، ولذلك تدغم ~~لام " هل " في التاء والنون ووافقه حمزة في التاء والثاء ~~وأبو عمرو في " هل ترى " في موضعين. # فصل # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: أتى رسول الله - صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم - نفر من اليهود: أبو ياسر بن أخطب، ورافع بن ~~أبي رافع وغيرهما، فسألوه: عمن يؤمن به من الرسل، فقال: # آمنا بالله ومآ أنزل إلينا ومآ أنزل إلى ~~إبراهيم وإسماعيل # [البقرة: 136]، إلى قوله: # ونحن له مسلمون # [البقرة: 136] فلما ذكر عيسى - عليه الصلاة والسلام - جحدوا ~~نبوته، وقالوا: والله ما نعلم أهل ms3113 دين أكثر خطأ في ~~الدنيا والآخرة منكم، ولا دينا شرا من دينكم، فأنزل ~~الله هذه الآية الكريمة. # قوله تعالى: { إلا أن آمنا بالله } ، مفعول ل " تنقمون " ~~بمعنى: تكرهون وتعيبون، وهو استثناء مفرغ. # و " منا " متعلق به، أي: ما تكرهون من جهتنا، إلا ~~الإيمان وأصل " نقم " أن يتعدى ب " على " ، نقول: " نقمت ~~عليه كذا " وإنما عدي هنا ب " من " لمعنى يأتي. # وقال أبو البقاء: و " منا " مفعول " تنقمون " الثاني، وما ~~بعد " إلا " هو المفعول الأول، ولا يجوز أن يكون " منا " ~~حالا من " أن " والفعل لأمرين: # أحدهما: تقدم الحال على " إلا ". # والثاني: تقدم الصلة على الموصول، والتقدير: هل تكرهون ~~منا إلا إيماننا. انتهى. # وفي قوله: مفعول أول، ومفعول ثان نظر؛ لأن الأفعال التي ~~تتعدى لاثنين إلى أحدهما بنفسها، وإلى الآخر بحرف الجر ~~محصورة ك " أمر " ، و " اختار " ، و " استغفر " ، و " صدق " ~~و " سمى " ، و " دعا " بمعناه، و " زوج " ، و " نبأ " ، و " ~~أنبأ " ، و " خبر " ، و " أخبر " ، و " حدث " غير مضمنة ~~معنى " أعلم " ، وكلها يجوز فيها إسقاط الخافض والنصب، ~~وليس هذا منها. # وقوله: " ولا يجوز أن يكون حالا " يعني: أنه لو تأخر بعد " أن ~~آمنا " لفظة " منا " ، لجاز أن تكون حالا من المصدر المؤول ~~من " أن " وصلتها، ويصير التقدير: هل تكرهون إلا الإيمان في ~~حال كونه " منا " ، لكنه امتنع من تقدمه على " أن آمنا " ~~للوجهين المذكورين. # أحدهما: تقدمه على " إلا " ويعني بذلك: أن الحال لا تتقدم على " ~~إلا ". # قال شهاب الدين: ولا أدري ما يمنع ذلك لأنه إذا جعل " منا " حالا ~~من " أن " و " ما " في حيزها كان حال الحال مقدرا، ويكون صاحب الحال ~~محصورا، وإذا كان صاحب الحال محصورا وجب تقديم الحال عليه، فيقال: " ~~ما جاء راكبا إلا زيد " ، و " ما ضربت مكتوفا إلا ~~عمرا " ، ف " راكبا " و " مكتوفا " حالان مقدمان وجوبا لحصر ~~صاحبيهما فهذا مثله. # وقوله: " [والثاني: تقدم الصلة على الموصول] " لم تتقدم صلة على ~~موصول. # بيانه: أن الموصول هو " أن " ، والصلة " آمنا " ، و " منا " ليس ~~متعلقا بالصلة، بل هو معمول ms3114 لمقدر، ذلك المقدر في الحقيقة منصوب ب " ~~تنقمون " ، فما أدري ما توهمه حتى قال ما قال؟ # على أنه لا يجوز أن يكون حالا، لكن لا لما ذكر؛ بل لأنه يؤدي إلى أنه ~~يصير التقدير: " هل تنقمون إلا إيماننا منا " فمن نفس قوله: " ~~إيماننا " فهم أنه منا، فلا فائدة فيه حينئذ. # فإن قيل: تكون حالا مؤكدة. # قيل: هذا خلاف الأصل، وليس هذا من مظانها، وأيضا فإن هذا شبيه ~~بتهيئة العامل للعمل، وقطعه عنه، فإن " تنقمون " يطلب هذا الجار ~~طلبا ظاهرا. # وقرأ الجمهور " وما أنزل إلينا وما أنزل [من قبل] " بالبناء ~~للمفعول فيهما، وقرأ أبو نهيك: " أنزل، وأنزل " بالبناء للفاعل، ~~وكلتاهما واضحة. # فصل # المعنى: قل لأهل الكتاب: لم اتخذتم هذا الدين هزوا ولعبا، ثم قال ~~على سبيل التعجب: هل تجدون في هذا الدين إلا الإيمان بالله؟! فهو رأس ~~جميع الطاعات، وإلا الإيمان بمحمد، وبجميع الأنبياء فهو الحق والصدق؛ ~~لأنه إذا كان الطريق إلى تصديق بعض الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - في ~~ادعاء الرسالة والنبوة هو المعجزة. # ثم رأينا أن المعجز حصل على يدي محمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~- فوجب الإقرار بكونه رسولا، فأما الإقرار بالبعض وإنكار البعض فذلك ~~تناقض ومذهب باطل. # قوله تعالى: { وأن أكثركم فاسقون } قرأ الجمهور: " أن " ~~مفتوحة الهمزة. # وقرأ نعيم بن ميسرة بكسرها. # فأما قراءة الجمهور فتحتمل " أن " فيها أن تكون في محل رفع، أو نصب، ~~أو جر، فالرفع من وجه واحد، وهو أن تكون مبتدأ، والخبر محذوف. # قال الزمخشري: " والخبر محذوف، أي: فسقكم ثابت معلوم عندكم؛ ~~لأنكم علمتم أنا على الحق، وأنتم على الباطل، إلا أن حب الرئاسة، ~~وجمع الأموال لا يدعكم فتنصفوا ". # فقدر الخبر متأخرا. # قال أبو حيان: ولا ينبغي أن يقدر الخبر إلا مقدما؛ لأنه لا ~~يبتدأ ب " أن " على الأصح إلا بعد " أما " انتهى. # ويمكن أن يقال: يغتفر في الأمور التقديرية ما لا يغتفر في اللفظية، ~~لا سيما أن هذا جار مجرى تفسير المعنى، والمراد إظهار ذلك الخبر [كيف] ~~ينطق به؛ إذ يقال: إنه ms3115 يرى جواز الابتداء ب " أن " مطلقا، فحصل ~~في تقدير الخبر وجهان بالنسبة إلى التقديم والتأخير. # وأما النصب فمن ستة أوجه: # أحدها: أن يعطف على " أن آمنا " واستشكل هذا التخريج من حيث إنه ~~يصير التقدير: هل تكرهون إلا إيماننا، وفسق أكثركم، وهم لا يعترفون بأن ~~أكثرهم فاسقون حتى يكرهونه. # وأجاب الزمخشري وغيره عن ذلك بأن المعنى: " وما تنقمون منا إلا الجمع ~~بين إيماننا، وبين تمردكم، وخروجكم عن الإيمان، كأنه قيل: وما ~~تنكرون منا إلا مخالفتكم حيث دخلنا في دين الإسلام وأنتم خارجون منه ~~". # ونقل الواحدي عن بعضهم أن ذلك من باب المقابلة والازدواج، يعني أنه ~~لما نقم اليهود عليهم الإيمان بجميع الرسل، وهو مما لا ينقم ذكر ~~في مقابلته فسقهم، وهو مما ينقم، ومثل ذلك حسن في الازدواج، ~~يقول القائل: " هل تنقم مني إلا أن عفوت عنك، وأنك فاجر " فيحسن ذلك ~~لإتمام المعنى بالمقابلة. # وقال أبو البقاء: والمعنى على هذا: إنكم كرهتم إيماننا وامتناعكم، أي ~~كرهتم مخالفتنا إياكم وهذا كقولك للرجل: " ما كرهت مني إلا أني محبب ~~للناس، وأنك مبغض " ، وإن كان لا يعترف بأنه مبغض. # وقال ابن عطية: { وأن أكثركم فاسقون } هو عند أكثر المتأولين ~~معطوف على قوله: " أن آمنا " ، فيدخل كونهم فاسقين فيما نقموه ~~وهذا لا يتجه معناه. # ثم قال بعد كلام: " وإنما يتجه على أن يكون معنى المحاورة: هل ~~تنقمون منا إلا مجموع هذه الحال من أنا مؤمنون وأنتم فاسقون، ويكون { ~~وأن أكثركم فاسقون } مما قرره المخاطب لهم، وهذا [كما] يقول لمن ~~يخاصم: " هل تنقم علي إلا أن صدقت أنا، وكذبت أنت " ، وهو لا يقر ~~بأنه كاذب، ولا ينقم ذلك، لكن معنى كلامك: هل تنقم إلا مجموع هذه الحال " ~~وهذا هو مجموع ما أجاب به الزمخشري والواحدي. # الوجه الثاني من أوجه النصب: أن يكون معطوفا على " أن آمنا " أيضا، ~~ولكن في الكلام مضاف محذوف لصحة المعنى، تقديره: " واعتقاد أن أكثركم ~~فاسقون " وهو معنى واضح، فإن الكفار ينقمون اعتقاد المؤمنين أنهم ~~فاسقون. # الثالث: أنه منصوب بفعل مقدر، تقديره: هل ms3116 تنقمون منا إلا إيماننا، ولا ~~تنقمون فسق أكثركم. # الرابع: أنه منصوب على المعية، وتكون " الواو " بمعنى " مع " تقديره: ~~" وما تنقمون منا إلا الإيمان مع أن أكثركم فاسقون ". # ذكر جميع هذه الأوجه أبو القاسم الزمخشري - رحمه الله -. # الخامس: أنه منصوب عطفا على " أن آمنا " ، و " أن آمنا " مفعول ~~من أجله فهو منصوب، فعطف هذا عليه، والأصل: " هل تنقمون إلا لأجل ~~إيماننا، ولأجل أن أكثركم فاسقون " ، فلما حذف حرف الجر من " أن ~~آمنا " بقي منصوبا على أحد الوجهين المشهورين، إلا أنه يقال هنا: ~~النصب هنا ممتنع من حيث إنه فقد شرط من المفعول له، وهو اتحاد ~~الفاعل، والفاعل هنا مختلف، فإن فاعل الانتقام غير فاعل الإيمان، فينبغي ~~أن يقدر هنا محل " أن آمنا " جرا ليس إلا، بعد حذف حرف الجر، ~~ولا يجري فيه الخلاف المشهور بين الخليل وسيبويه في محل " أن " ~~إذا حذف منها حرف الجر، لعدم اتحاد الفاعل. # وأجيب عن ذلك بأنا وإن اشترطنا اتحاد الفاعل فإنا نجوز ~~اعتقاد النصب في " أن " و " أن " إذا وقعا مفعولا من أجله بعد حذف ~~حرف الجر لا لكونهما مفعولا من أجله، بل من حيث اختصاصهما من حيث هما ~~بجواز حذف حرف الجر لطولهما بالصلة وفي هذه المسألة بخصوصها خلاف مذكور ~~في بابه، ويدل على ذلك ما نقله الواحدي عن صاحب " النظم " ، فإن ~~صاحب " النظم " ذكر عن الزجاج معنى، وهو: هل تكرهون إلا إيماننا وفسقكم، ~~أي: إنما كرهتم إيماننا، وأنتم تعلمون أنا على حق؛ لأنكم فسقتم بأن ~~أقمتم على دينكم، وهذا معنى قول الحسن: نقمتم علينا. # قال صاحب " النظم ": فعلى هذا يجب أن يكون موضع " أن " في قوله: { ~~وأن أكثركم فاسقون } نصبا بإضمار " اللام " على تأويل " ~~ولأن أكثركم " ، والواو زائدة، فقد صرح صاحب النظم بما ذكرناه. # الوجه السادس: [أنه] في محل نصب على أنه مفعول من أجله ل " تنقمون " ~~والواو زائدة كما تقدم تقريره عن الزمخشري. # [وهذا الوجه الخامس يحتاج إلى تقرير] ليفهم معناه، قال أبو حيان بعد ~~نقله الأوجه المتقدمة: " ويظهر وجه آخر [لعله] ms3117 يكون الأرجح، وذلك أن " ~~نقم " أصله أن يتعدى ب " على " تقول: " نقمت عليه " ، ثم ~~تبني منه [افتعل إذ ذاك] ب " من " ويضمن معنى الإصابة بالمكروه، قال ~~تعالى: # ومن عاد فينتقم الله منه # [المائدة: 95]، ومناسبة التضمين فيها أن من عاب على شخص فعله، فهو ~~كاره له، ومصيبه عليه بالمكروه، فجاءت هنا " فعل " بمعنى " افتعل " ~~ك " قدر " و " اقتدر " ، ولذلك عديت ب " من " دون " على " التي ~~أصلها أن تتعدى بها، فصار المعنى: وما تنالون منا، وما تصيبوننا بما ~~نكره، إلا أن آمنا، [أي: إلا لأن آمنا،] فيكون " أن آمنا " ~~مفعولا من أجله، ويكون { وأن أكثركم فاسقون } معطوفا على ~~هذه العلة، وهذا - والله أعلم - سبب تعديته ب " من " دون " على " انتهى ~~ما قاله، ولم يصرح بكون حينئذ في محل نصب أو جر، إلا أن ظاهر حاله ~~أن يعتقد كونه في محل جر، فإنه إنما ذكر في أوجه الجر. # وأما الجر فمن ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه عطف على المؤمن به. # قال الزمخشري: " أي: وما تنقمون منا إلا الإيمان بالله، وما ~~أنزل، وبأن أكثركم فاسقون " وهذا معنى واضح، قال ابن عطية: " ~~وهذا مستقيم المعنى؛ لأن إيمان المؤمنين [بأن] أهل الكتاب المستمرين ~~على الكفر بمحمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - فسقة هو مما ~~ينقمونه ". # الثاني: أنه مجرور عطفا على علة محذوفة، تقديرها: ما تنقمون ~~منا إلا الإيمان لقلة إنصافكم وفسقكم، واتباعكم شهواتكم، ويدل عليه ~~تفسير الحسن البصري " لفسقكم نقمتم علينا، ويروى لفسقكم تنقمون علينا ~~الإيمان " ، [ويروى " لفسقهم نقموا علينا الإيمان ". عطفا على محل " أن ~~آمنا " إذا جعلناه مفعولا من أجله، واعتقدنا أن " أن " في محل جر]. # الثالث: أنه في محل جر بعد حذف الحرف وقد تقدم ذلك في الوجه الخامس، ~~فقد تحصل في قوله تعالى: " وأن أكثركم " أحد عشر وجها وجهان في حالة ~~الرفع بالنسبة إلى تقدير الخبر، هل يقدر مقدما وجوبا أو ~~جوازا؟ وقد تقدم ما فيه، وستة أوجه أنها على الاستئناف، أخبر أن أكثرهم ~~فاسقون، ويجوز أن تكون منصوبة المحل لعطفها على معمول ms3118 القول، أمر نبيه ~~- صلى الله عليه وعلى آله وسلم - أن يقول لهم: { هل تنقمون منا } إلى ~~آخره، وأن يقول لهم: إن أكثركم فاسقون، وهي قراءة [جلية] واضحة. # فصل # وتفسير المعنى على وجوه الإعراب المتقدمة. قال ابن الخطيب فإن قيل: ~~كيف تنقم اليهود على المسلمين وكون أكثرهم فاسقين. # فالجواب أنه كالتعريض؛ لأنهم لم يتبعوهم على فسقهم أي: أن آمنا، وما ~~فسقنا مثلكم وهو كقولهم: " ما تنقم مني إلا أني عفيف، وأنت فاجر " ، ~~على وجه المقابلة، أو لأن أحد الخصمين إذا كان متصفا بصفات حميدة وخصمه ~~بضد ذلك كان ذكر صفات الخير الحميدة مع صفات خصمه الذميمة أشد تأثيرا ~~ونكاية من ألا يذكر الذميمة، فتكون الواو بمعنى " مع " أو هو على حذف ~~مضاف أي: واعتقاد أن أكثركم فاسقون، والمعنى: بأن أكثركم فاسقون نقمتم ~~الإيمان علينا. # أو تعليل معطوف على محذوف كأنه قيل: نقمتم لقلة إنصافكم ولأن أكثركم ~~فاسقون. # فصل # اليهود كلهم فساق وكفار فلم خص الأكثر بوصف الفسق؟ ~~فالجواب من وجهين: # الأول: يعني أن أكثركم إنما يقولون [ما يقولون] ويفعلون ما يفعلون ~~طلبا للرياسة، والجاه وأخذ الرشوة، والتقرب إلى الملوك، فإنهم في ~~دينهم فساق لا عدول، فإن الكافر المبتدع قد يكون عادلا في دينه، ~~وفاسقا في دينه، ومعلوم أن كلهم ما كانوا كذلك فلهذا خص أكثرهم بهذا ~~الحكم. # الثاني: ذكر أكثرهم لئلا يظن أن من [آمن منهم داخل في ذلك]. ### || [5.60] # قوله تعالى: { قل هل أنبئكم }: قرأ الجمهور، " أنبئكم " ~~بتشديد الباء من نبأ، وقرأ إبراهيم النخعي ويحيى بن وثاب " أنبئكم " ~~بالتخفيف من أنبأ وهما لغتان فصيحتان والمخاطب في " أنبئكم " فيه قولان: # أحدهما: وهو الذي لا يعرف أهل التفسير غيره - أن المراد به أهل الكتاب ~~الذين تقدم ذكرهم. # والثاني: أنه للمؤمنين. # قال ابن عطية: ومشى المفسرون في هذه الآية على أن الذين أمر أن يقول ~~لهم: " هل أنبئكم " هم اليهود والكفار، والمتخذون ديننا هزوا ولعبا. ~~قال ذلك الطبري، ولم يسند في ذلك [إلى] متقدم شيئا، والآية تحتمل أن ~~يكون القول للمؤمنين. انتهى. # فعلى ms3119 كونه ضمير المؤمنين واضح، وتكون " أفعل " التفضيل أعني " ~~بشر " على بابها؛ إذ يصير التقدير: قل هل أنبئكم يا مؤمنون بشر من حال ~~هؤلاء الفاسقين، أولئك أسلافهم الذين لعنهم الله، وتكون الإشارة بذلك إلى ~~حالهم، كذا قدره ابن عطية، وإنما قدره مضافا، وهو حال ليصح المعنى، ~~فإن ذلك إشارة للواحد، ولو جاء من غير حذف مضاف لقيل: بشر من أولئكم ~~بالجمع. # قال الزمخشري: " ذلك " إشارة إلى المنقوم، ولا بد من حذف مضاف قبله أو ~~قبل " من " تقديره: بشر من أهل ذلك، أو دين من لعنه [الله] انتهى. # ويجوز ألا يقدر مضاف محذوف لا قبل ولا بعد، وذلك على لغة من ~~يشير للمفرد والمثنى والمجموع تذكيرا وتأنيثا بإشارة الواحد المذكر، ~~ويكون " ذلك " إشارة إلى الأشخاص المتقدمين الذين هم أهل الكتاب، كأنه ~~قيل: بشر من أولئك، يعني أن السلف الذي لهم شر من الخلف، وعلى ~~هذا يجيء قوله: " من لعنه " مفسرا [لنفس " ذلك " وإن كان ضمير أهل ~~الكتاب وهو قول عامة المفسرين فيشكل ويحتاج إلى جواب] ووجه الإشكال أنه ~~يصير التقدير: هل أنبئكم يا أهل الكتاب بشر من ذلك، و " ذلك " يراد ~~به المنقوم، وهو الإيمان، وقد علم أنه لا شر في دين الإسلام ألبتة، ~~وقد أجاب الناس عنه، فقال الزمخشري عبارة قرر بها الإشكال المتقدم، ~~وأجاب عنه بعد أن قال: فإن قلت: المثوبة مختصة بالإحسان، فكيف وقعت في ~~الإساءة؟ قلت: وضعت موضع عقوبة، فهو كقوله: [الوافر] # 1988-................. # تحية بينهم ضرب وجيع # ومنه # فبشرهم بعذاب أليم # [آل عمران: 21]، وتلك العبارة التي ذكرتها [لك] هي أن قال: " فإن قلت: ~~المعاقب من الفريقين هم اليهود، فلم شورك بينهم في العقوبة؟ # قلت: كان اليهود - لعنوا - يزعمون أن المسلمين ضالون مستوجبون ~~للعقوبة، فقيل لهم: من لعنه الله شر عقوبة في الحقيقة، فاليقين لأهل ~~الإسلام في زعمكم ودعواكم ". # وفي عبارته بعض علاقة وهي قوله: " فلم شورك بينهم " أي: بين اليهود ~~وبين المؤمنين. # وقوله: " من الفريقين " يعني بهما أهل الكتاب المخاطبين ب " أنبئكم " ، ~~ومن لعنه الله وغضب عليه، وقوله: " في ms3120 العقوبة " ، أي: التي وقعت ~~المثوبة موقعها، ففسرها بالأصل، وفسر غيره المثوبة هنا بالرجوع إلى ~~الله - تعالى - يوم القيامة، ويترتب على التفسيرين فائدة تظهر قريبا. # قال القرطبي: المعنى فبشر من نقمكم علينا، وقيل: من شر ما تريدون لنا ~~من المكروه، وهذا جواب لقولهم: " ما نعرف دينا أشر من دينكم ". # و " مثوبة " نصب على التمييز، ومميزها " شر " ، وقد تقدم ~~في البقرة الكلام على اشتقاقها ووزنها، فليلتفت إليه. قوله ~~تعالى: " عند الله " فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق بنفس " مثوبة " ، إن قلنا: إنها بمعنى الرجوع؛ ~~لأنك تقول: " رجعت عنده " ، والعندية هنا مجازية. # والثاني: أنه متعلق بمحذوف؛ لأنه صفة ل " مثوبة " ، وهو في محل ~~نصب، إن قلنا: إنها اسم محض وليست بمعنى الرجوع، بل بمعنى عقوبة. # وقرأ الجمهور: " أنبئكم " بتشديد الباء من " نبأ " ، وقرأ ~~إبراهيم النخعي ويحيى بن وثاب: " أنبئكم " بتخفيفها من " ~~أنبأ " ، وهما لغتان فصيحتان، والجمهور أيضا على " مثوبة " بضم ~~الثاء وسكون الواو، وقرأ الأعرج وابن بريدة ونبيح وابن عمران: " ~~مثوبة " بسكون الثاء وفتح الواو، وجعلها ابن جني في الشذوذ؛ ~~كقولهم " فاكهة مقودة للأذى " ، بسكون القاف وفتح الواو، يعني: ~~أنه كان من حقها أن تنقل حركة الواو إلى الساكن قبلها، وتقلب ~~الواو ألفا، فيقال: مثابة ومقادة كما يقال: " مقام " والأصل: " ~~مقوم ". # قوله تعالى: " من لعنه " في محل " من " أربعة أوجه: # أحدها: أنه في محل رفع على خبر مبتدأ مضمر، تقديره: هو من ~~لعنه الله فإنه لما قال: { هل أنبئكم بشر من ذلك } ~~، فكأن قائلا قال: من ذلك؟ فقيل: هو من لعنه الله. # ونظيره قوله تعالى: # قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار # [الحج: 72] أي: هو النار. # وقدر مكي قبله مضافا محذوفا، قال: " تقديره: لعن من ~~لعنه الله " ، ثم قال: وقيل: " من " في موضع خفض على البدل من ~~" بشر " بدل الشيء من الشيء، وهو هو، وكان ينبغي له أن يقدر ~~في هذا الوجه مضافا محذوفا؛ كما قدره في حالة الرفع؛ لأنه إن جعل ~~" شرا " مرادا به معنى، لزمه التقدير في الموضعين، وإن جعله مرادا ~~به الأشخاص، ms3121 لزمه ألا يقدر في الموضعين. # الثاني: أنه في محل جر، كما تقدم بيانه عن مكي والمعنى: أنبئكم عن ~~من لعنه الله. # الثالث: أنه في محل نصب على البدل من محل " بشر ". # الرابع: أنه في محل نصب على أنه منصوب بفعل مقدر يدل عليه " ~~أنبئكم " ، تقديره: أعرفكم من لعنه الله، ذكره أبو ~~البقاء، و " من " يحتمل أن تكون موصولة، وهو الظاهر، ونكرة ~~موصوفة، فعلى الأول: لا محل للجملة التي بعدها، وعلى الثاني: لها ~~محل بحسب ما يحكم على " من " بأحد الأوجه السابقة، وقد حمل على ~~لفظها أولا في قوله " لعنه " و " عليه " ، ثم على معناها في ~~قوله: " منهم القردة " ، ثم على لفظها في قوله: " وعبد ~~الطاغوت " ثم على لفظها في قوله: " أولئك " ، فجمع في الحمل ~~عليها أربع مرات. # و " جعل " هنا بمعنى " صير " فيكون " منهم " في محل نصب ~~مفعولا ثانيا، قدم على الأول فيتعلق بمحذوف، أي: صير القردة ~~والخنازير كائنين منهم، وجعلها الفارسي في كتاب " الحجة " له ~~بمعنى " خلق " ، قال ابن عطية: " وهذه منه - رحمه الله - نزعة ~~اعتزالية؛ لأن قوله: " وعبد الطاغوت " ، تقديره: ومن عبد ~~الطاغوت، والمعتزلة لا ترى أن الله تعالى يصير أحدا عابد ~~طاغوت " انتهى، والذي يفر منه في التصيير هو بعينه موجود في ~~الخلق. # وجعل أبو حيان قوله تعالى { من لعنه الله } إلى آخره - من ~~وضع الظاهر موضع المضمر؛ تنبيها على الوصف الذي به حصل كونهم ~~شرا مثوبة، كأنه قيل: قل هل أنبئكم بشر من ذلك عند الله ~~مثوبة؟ أنتم، أي: هم أنتم، ويدل على هذا المعنى قوله بعد: # وإذا جاءوكم قالوا آمنا # [المائدة: 61]، فيكون الضمير واحدا، وجعل هذا هو الذي تقتضيه فصاحة ~~الكلام، وقرأ أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود - رضي الله ~~عنهما -: " من غضب الله عليهم وجعلهم قردة " وهي واضحة. # فصل # المراد { من لعنه الله وغضب عليه } يعني: اليهود، ~~{ وجعل منهم القردة }: وهم أصحاب السبت، و " ~~الخنازير ": وهم كفار مائدة عيسى - عليه الصلاة والسلام -، ~~وروي [عن] علي بن أبي طلحة عن ابن عباس - رضي الله ms3122 تعالى عنهما ~~- أن الممسوخين من أصحاب السبت فشبابهم مسخوا قردة، ~~ومشايخهم مسخوا خنازير. # قوله تعالى: " وعبد الطاغوت " في هذه الآية أربع وعشرون قراءة، ~~اثنتان في السبع، وهما " وعبد الطاغوت " على أن " عبد " ~~فعل ماض مبني للفاعل، وفيه ضمير يعود على " من "؛ كما تقدم، ~~وهي قراءة جمهور السبعة [غير حمزة] أي: جعل منهم من " عبد ~~الطاغوت " أي: أطاع الشيطان فيما سول له، ويؤيده قراءة ابن ~~مسعود " ومن عبدوا الطاغوت ". # والثانية: " وعبد الطاغوت " بضم الباء، وفتح الدال، وخفض ~~الطاغوت، وهي قراءة حمزة - رحمه الله - والأعمش ويحيى بن وثاب؛ ~~وتوجيهها كما قال الفارسي وهو أن " عبدا " واحد يراد به ~~الكثرة، كقوله تعالى: # وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ # [النحل: 18] وليس بجمع " عبد "؛ لأنه ليس في أبنية الجمع ~~مثله، قال: وقد جاء على فعل؛ لأنه بناء يراد به الكثرة ~~والمبالغة في نحو يقظ وندس؛ لأنه قد ذهب في عبادة الطاغوت كل ~~مذهب، وبهذا المعنى أجاب الزمخشري أيضا، قال - رحمه الله تعالى -: ~~معناه الغلو في العبودية؛ كقولهم: " رجل حذر وفطن " للبليغ ~~في الحذر والفطنة؛ وأنشد لطرفة: [الكامل] # 1989- أبني لبينى، إن أمكم # أمة، وإن أباكم عبد # وقد سبقهما إلى هذا التوجيه أبو إسحاق، وأبو بكر بن ~~الأنباري، قال أبو بكر: " وضمت الباء للمبالغة؛ كقولهم ~~للفطن: " فطن " وللحذر: " حذر " ، يضمون العين للمبالغة؛ ~~قال أوس بن حجر: [الكامل] # 1990- أبني لبينى، إن أمكم # أمة، وإن أباكم عبد # بضم الباء ". ونسب البيت لابن حجر، وقد تقدم أنه لطرفة، ~~وممن نسبه لطرفة الشيخ شهاب الدين أبو شامة. # وقال أبو إسحاق: ووجه قراءة حمزة: أن الاسم بني على " فعل "؛ ~~كما تقول: " رجل حذر " ، وتأويله أنه مبالغ في الحذر، فتأويل ~~" عبد ": أنه بلغ الغاية في طاعة الشيطان، وكأن هذا اللفظ لفظ ~~واحد يدل على الجمع؛ كما تقول للقوم " عبد العصا " تريد: ~~عبيد العصا، فأخذ أبو علي هذا، وبسطه. ثم قال " وجاز هذا ~~البناء على عبد؛ لأنه في الأصل صفة، وإن كان قد استعمل ~~استعمال الأسماء، لا يزيله ذلك عن حكم الوصف، كالأبطح ~~والأبرق ms3123 استعملا استعمال الأسماء حتى جمعا جمعها في ~~قولهم: أبارق وأباطح كأجادل، جمع الأجدل، ثم لم يزل ذلك ~~عنهما حكم الصفة؛ يدلك على ذلك منعهم له الصرف؛ كأحمر، ~~وإذا لم يخرج العبد عن الصفة، لم يمتنع أن يبنى بناء الصفات على ~~فعل، نحو: يقظ ". # وقال البغوي: هما لغتان: " عبد " بجزم الباء، و " عبد " ~~بضمها، مثل سبع، وسبع. # وطعن بعض الناس على هذه القراءة، ونسب قارئها إلى الوهم؛ كالفراء، ~~والزجاج، وأبي عبيد، ونصير الرازي النحوي صاحب الكسائي؛ قال ~~الفراء: " إنما يجوز ذلك في ضرورة الشعر - يعني ضم باء " عبد ~~" - فأما في القراءة فلا " ، وقال أيضا: " إن تكن لغة مثل ~~حذر وعجل، جاز ذلك، وهو وجه، وإلا فلا تجوز في القراءة " ، ~~وقال الزجاج: " هذه القراءة ليست بالوجه؛ لأن عبدا على ~~فعل، وهذا ليس من أمثلة الجمع " ، وقال أبو عبيد: " إنما معنى ~~العبد عندهم الأعبد، يريدون خدم الطاغوت، ولم نجد هذا ~~يصح عند أحد من فصحاء العرب أن العبد يقال فيه عبد، وإنما ~~عبد وأعبد " ، وقال نصير الرزاي: " هذا وهم ممن قرأ به، ~~فليتق الله من قرأ به، وليسأل عنه العلماء حتى يوقف على أنه غير ~~جائز ". # قال شهاب الدين: قد سألوا العلماء عن ذلك ووجدوه صحيحا في المعنى بحمد ~~الله تعالى، وإذا تواتر الشيء قرآنا، فلا التفات إلى منكره؛ لأنه ~~خفي عليه ما وضح لغيره. # وقد ذكروا في توجيه هذه القراءة وجوها: منها ما تقدم ~~[من أنهم] ضموا الباء للمبالغة، كقولهم: " حذر " و " فطن ~~" ومنها ما نقله البغوي وغيره: أن " العبد " و[ " العبد " ] لغتان ~~كقولهم سبع، وسبع. # ومنها: أن العبد جمعه عباد، والعباد جمع عبد، كثمار ~~وثمر، فاستثقلوا ضمتين متواليتين فأبدلت الأولى فتحة. # ومنها: يحتمل أنهم أرادوا أعبد الطاغوت، مثل فلس وأفلس ثم ~~[حذفت " الهمزة " ونقلت حركتها إلى " العين ". # ومنها: أنه أراد: وعبدة الطاغوت، ثم] حذفت الهاء وضم الباء لئلا ~~يشبه الفعل. وأما القراءات الشاذة فقرأ أبي: " وعبدوا ~~" بواو الجمع؛ مراعاة لمعنى " من " ، وهي واضحة، وقرأ الحسن ~~البصري في رواية عباد: " وعبد الطاغوت ms3124 " بفتح العين والدال، ~~وسكون الباء، ونصب التاء من " الطاغوت " ، وخرجها ابن عطية على ~~وجهين أحدهما: أنه أراد: " وعبدا الطاغوت " ، فحذف التنوين من ~~" عبدا "؛ لالتقاء الساكنين؛ كقوله: [المتقارب] # 1991-...................... # ولا ذاكر الله إلا قليلا # والثاني: أنه أراد " وعبد " بفتح الباء على أنه فعل ماض؛ كقراءة ~~الجماعة، إلا أنه سكن العين على نحو ما سكنها في قول الآخر: ~~[الطويل] # 1992- وما كل مغبون ولو سلف صفقه # .......................... # بسكون اللام، ومثله قراءة أبي السمال: # ولعنوا بما قالوا # [المائدة: 64] بسكون العين، قال شهاب الدين: ليس ذلك مثل " لعنوا "؛ ~~لأن تخفيف الكسر مقيس؛ بخلاف الفتح؛ ومثل " سلف " قول الآخر: ~~[الرمل] # 1993- إنما شعري ملح # قد خلط بجلجلان # من حيث إنه خفف الفتحة. وقال أبو حيان - بعد أن حكى التخريج ~~الأول عن ابن عطية -: لا يصح؛ لأن عبدا لايمكن أن ينصب ~~الطاغوت؛ إذ ليس بمصدر ولا اسم فاعل، فالتخريج الصحيح أن يكون ~~تخفيفا من " عبد " ك " سلف " في " سلف " ، قال شهاب الدين: لو ~~ذكر التخريجين عن ابن عطية، ثم استشكل الأول، لكان إنصافا؛ لئلا ~~يتوهم أن التخريج الثاني له، ويمكن أن يقال: إن " عبدا " لما ~~في لفظه من معنى التذلل والخضوع دل على ناصب للطاغوت حذف، فكأنه ~~قيل: من يعبد هذا العبد؟ فقيل: يعبد الطاغوت، وإذا تقرر ~~أن " عبد " حذف تنوينه فهو منصوب عطفا على القردة، أي: ~~وجعل منهم عبدا للطاغوت. # وقرأ الحسن أيضا في رواية أخرى كهذه القراءة، إلا أنه جر " ~~الطاغوت " وهي واضحة، فإنه مفرد يراد به الجنس أضيف إلى ما بعده، ~~وقرأ الأعمش والنخعي وأبو جعفر: " وعبد " مبنيا للمفعول، " ~~الطاغوت " رفعا، وقراءة عبد الله كذلك، إلا أنه زاد في الفعل تاء ~~التأنيث، وقرأ: " وعبدت الطاغوت " والطاغوت يذكر ويؤنث؛ قال ~~تعالى: # والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها # [الزمر: 17] وقد تقدم في البقرة [الآية: 25]، قال ابن عطية: " ~~وضعف الطبري هذه القراءة، وهي متجهة " ، يعني: قراءة البناء ~~للمفعول، ولم يبين وجه الضعف، ولا توجيه القراءة، ووجه الضعف: ~~أنه تخلو الجملة المعطوفة على الصلة من رابط يربطها بالموصول؛ إذ ~~ليس في " عبد ms3125 الطاغوت " ضمير يعود على " من لعنه الله " ، ~~لو قلت: " أكرمت الذين أهنتهم وضرب زيد " على أن يكون " ~~وضرب " عطفا على " أكرمت " لم يجز، فكذلك هذا، وأما ~~توجيهها، فهو كما قال الزمخشري: إن العائد محذوف، تقديره: " ~~وعبد الطاغوت فيهم أو بينهم ". # وقرأ ابن مسعود في رواية عبد الغفار عن علقمة عنه: " وعبد ~~الطاغوت " بفتح العين، وضم الباء، وفتح الدال، ورفع " ~~الطاغوت " ، وفيها تخريجان: # أحدهما: - ما ذكره ابن عطية - وهو: أن يصير له أن عبد كالخلق ~~والأمر المعتاد المعروف، فهو في معنى فقه وشرف وظرف، قال ~~شهاب الدين: يريد بكونه في معناه، أي: صار له الفقه والظرف ~~خلقا معتادا معروفا، وإلا فمعناه مغاير لمعاني هذه الأفعال. # والثاني: - ما ذكره الزمخشري - وهو: أن صار معبودا من دون الله ك " ~~أمر " ، أي: صار أميرا، وهو قريب من الأول، وإن كان بينهما ~~فرق لطيف. # وقرأ ابن عباس في رواية عكرمة عنه ومجاهد ويحيى بن وثاب: " ~~وعبد الطاغوت " بضم العين والباء، وفتح الدال وجر " الطاغوت ~~" ، وفيها أقوال: # أحدها: - وهو قول الأخفش -: أن عبدا جمع عبيد، وعبيد جمع ~~عبد، فهو جمع الجمع، وأنشد: [الرمل] # 1994- أنسب العبد إلى آبائه # أسود الجلدة من قوم عبد # وتابعه الزمخشري على ذلك، يعني أن عبيدا جمعا بمنزلة رغيف ~~مفردا فيجمع جمعه؛ كما يقال: رغيف ورغف. # الثاني - وهو قول ثعلب -: أنه جمع عابد كشارف وشرف؛ ~~وأنشد: [الوافر] # 1995- ألا يا حمز للشرف النواء # فهن معقلات بالفناء # والثالث: أنه جمع عبد؛ كسقف وسقف ورهن ورهن. # والرابع: أنه جمع عباد، وعباد جمع " عبد " ، فيكون أيضا جمع ~~الجمع؛ مثل " ثمار " هو جمع " ثمرة " [ثم يجمع على " ثمر ~~" ]، وهذا؛ لأن " عبادا " و " ثمارا " جمعين بمنزلة " كتاب " ~~مفردا، و " كتاب " يجمع على " كتب " فكذلك ما وازنه. # وقرأ الأعمش: " وعبد " بضم العين وتشديد الباء مفتوحة وفتح ~~الدال، " الطاغوت " بالجر، وهو جمع: عابد؛ كضرب في جمع ~~ضارب، وخلص في جمع خالص. # وقرأ ابن مسعود أيضا في رواية علقمة: " وعبد الطاغوت " بضم ~~العين وفتح الباء والدال، و " الطاغوت " جرا؛ وتوجيهها: أنه ~~بناء ms3126 مبالغة، كحطم ولبد، وهو اسم جنس مفرد يراد به ~~الجمع، والقول فيه كالقول في قراءة حمزة، وقد تقدمت. # وقرأ ابن مسعود في رواية علقمة أيضا: " وعبد الطاغوت " ~~بضم العين، وبشد الباء مفتوحة، وفتح الدال، ونصب " الطاغوت "؛ ~~وخرجها ابن عطية على أنها جمع عابد؛ كضرب في جمع ضارب، ~~وحذف التنوين من " عبدا "؛ لالتقاء الساكنين؛ كقوله: [الطويل] # 1996-.................. # ولا ذاكر الله إلا قليلا # قال: " وقد تقدم نظيره " ، يعني قراءة: " وعبد الطاغوت ~~" بفتح العين والدال، وسكون الباء، ونصب التاء، وكان ذكر لها ~~تخريجين، أحدهما هذا، والآخر لا يمكن، وهو تسكين عين الماضي، وقرأ ~~بريدة الأسلمي فيما نقله عنه ابن جرير " وعابد الشيطان " ~~بنصب " عابد " وجر " الشيطان " بدل الطاغوت، وهو تفسير، ~~لا قراءة، وقرأ أبو واقد الأعرابي: " وعباد " بضم العين ~~وتشديد الباء بعدها ألف ونصب الدال، والطاغوت بالجر، وهي جمع ~~عابد؛ كضراب في ضارب. # وقرأ بعض البصريين: " وعباد الطاغوت " بكسر العين، وبعد ~~الباء المخففة ألف، ونصب الدال، وجر " الطاغوت " ، وفيها ~~قولان: # أحدهما: أنه جمع عابد؛ كقائم وقيام، وصائم وصيام. # والثاني: أنها جمع عبد؛ وأنشد سيبويه: [الوافر] # 1997- أتوعدني بقومك يا بن حجل # أشابات يخالون العبادا # قال ابن عطية: " وقد يجوز أن يكون جمع " عبد " ، وقلما يأتي " ~~عباد " مضافا إلى غير الله تعالى، وأنشد سيبويه: " أتوعدني " ~~البيت، قال أبو الفتح: يريد عباد آدم - عليه السلام - ولو أراد ~~عباد [الله] فليس ذلك بشيء يسب به أحد، فالخلق كلهم ~~عباد الله " قال ابن عطية: " وهذا التعليق بآدم شاذ بعيد، ~~والاعتراض باق، وليس هذا مما تخيل الشاعر قصده، وإنما ~~أراد العبيد، فساقته القافية إلى العباد؛ إذ قد يقال لمن ~~يملكه ملكا ما، وقد ذكر أن عرب الحيرة سموا عبادا؛ لدخولهم ~~في طاعة كسرى، فدانتهم مملكته " ، قال شهاب الدين: قد اشتهر ~~في ألسنة الناس أن " عبدا " المضاف إلى الله تعالى يجمع على " ~~عباد " وإلى غيره على " عبيد " ، وهذا هو الغالب، وعليه بنى أبو ~~محمد. # وقرأ عون العقيلي في رواية العباس بن الفضل عنه: " وعابد ~~الطاغوت " بضم الدال، وجر الطاغوت؛ كضارب زيد، ms3127 قال أبو ~~عمرو: تقديره: " وهم عابد الطاغوت " ، قال ابن عطية: " فهو ~~اسم جنس " ، قلت: يعني أنه أراد ب " عابد " جماعة، قلت: وهذه ~~القراءة يجوز أن يكون أصلها " وعابدو الطاغوت " جمع عابد ~~جمع سلامة، فلما لقيت الواو لام التعريف، حذفت لالتقاء ~~الساكنين، فصار اللفظ بدال مضمومة؛ ويؤيد فهم هذا أن أبا ~~عمرو قدر المبتدأ جمعا، فقال: " تقديره: هم عابدو " ، اللهم ~~إلا أن ينقلوا عن العقيلي أنه نص على قراءته أنها بالإفراد، أو ~~سمعوه يقف على " عابد " ، أو رأوا مصحفه بدال دون واو؛ وحينئذ ~~تكون قراءته كقراءة ابن عباس: " وعابدو " [بالواو]، وعلى الجملة، ~~فقراءتهما متحدة لفظا، وإنما يظهر الفرق بينهما على ما ~~قالوه في الوقف أو الخط. # وقرأ ابن عباس في رواية أخرى لعكرمة: " وعابدو " بالجمع، ~~وقد تقدم ذلك، وقرأ ابن بريدة: " وعابد " بنصب الدال؛ ~~كضارب زيد، وهو أيضا مفرد يراد به الجنس، وقرأ ابن عباس ~~وابن أبي عبلة: " وعبد الطاغوت " بفتح العين والباء والدال، ~~وجر " الطاغوت "؛ وتخريجها: أن الأصل: " وعبدة ~~الطاغوت " وفاعل يجمع على فعلة، كفاجر وفجرة، ~~وكافر وكفرة، فحذفت تاء التأنيث للإضافة؛ كقوله: [الرجز] # 1998- قام ولاها فسقوه صرخدا # أي: ولاتها؛ وكقوله: [البسيط] # 1999-...................... # وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا # أي: عدة الأمر، ومنه: # وإقام الصلاة # [الأنبياء:73] أي: إقامة الصلاة، ويجوز أن يكون " عبد " اسم جنس ~~لعابد؛ كخادم وخدم، وحينئذ: فلا حذف تاء تأنيث لإضافة، وقرئ: ~~" وعبدة الطاغوت " بثبوت التاء، وهي دالة على حذف التاء ~~للإضافة في القراءة قبلها، وقد تقدم توجيهها أن فاعلا يجمع ~~على " فعلة " كبار وبررة، وفاجر وفجرة. # وقرأ عبيد بن عمير: " وأعبد الطاغوت " جمع عبد، ~~كفلس وأفلس، وكلب وأكلب، وقرأ ابن عباس: " وعبيد ~~الطاغوت " جمع عبد أيضا، وهو نحو: " كلب وكليب " قال: ~~[الطويل] # 2000- تعفق بالأرطى لها وأرادها # رجال فبذت نبلهم وكليب # وقرىء أيضا: " وعابدي الطاغوت " ، وقرأ عبد الله بن مسعود: " ~~ومن عبدوا " ، فهذه أربع وعشرون قراءة، وكان ينبغي ألا يعد ~~فيها: " وعابد الشيطان "؛ لأنها تفسير، لا قراءة. وقال ابن ~~عطية: " وقد قال بعض الرواة في هذه الآية: إنها تجويز، ms3128 لا قراءة " ~~يعني: لما كثرت الروايات في هذه الآية، ظن بعضهم؛ أنه قيل على ~~سبيل الجواز، لا أنها منقولة عن أحد، وهذا لا ينبغي أن يقال، ولا ~~يعتقد؛ فإن أهلها إنما رووها قراءة تلوها على من ~~أخذوا عنه، وهذا بخلاف و " عابد الشيطان " ، فإنه مخالف ~~للسواد الكريم. # وطريق ضبط القراءة في هذا الحرف بعدما عرف القراء: أن ~~يقال: سبع قراءات مع كون " عبد " فعلا ماضيا، وهي: وعبد، ~~وعبدوا، ومن عبدوا، وعبد، وعبدت، وعبد، وعبد في ~~قولنا: إن الباء سكنت تخفيفا، ك " سلف " في " سلف " ، ~~وتسع قراءات مع كونه جمع تكسير، وهي: وعبد، وعبد، مع ~~جر الطاغوت، وعبد مع نصبه، وعباد، وعبد على حذف التاء ~~للإضافة، وعبدة، وأعبد، وعبيد، وست مع المفرد: وعبد، ~~وعبد، وعابد الطاغوت، وعابد الطاغوت بضم الدال، وعابد ~~الشيطان، وعبد الطاغوت، وثنتان مع كونه جمع سلامة: وعابدو ~~بالواو، وعابدي بالياء، فعلى قراءة الفعل يجوز في الجملة ~~وجهان: # أحدهما: أن تكون معطوفة على الصلة قبلها، والتقدير: من لعنه ~~الله وعبد الطاغوت. # والثاني: أنه ليس داخلا في حيز الصلة، وإنما هو على تقدير " من ~~" ، أي: ومن عبد؛ ويدل له قراءة عبد الله بإظهار " من " ، ~~إلا أن هذا - كما قال الواحدي - يؤدي إلى حذف الموصول ~~وإبقاء صلته، وهو ممنوع عند البصريين، جائز عند الكوفيين، وسيأتي ~~جميع ذلك في قوله تعالى: # وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم # [العنكبوت: 46]، أي: وبالذي أنزل، وعلى قراءة جمع التكسير، فيكون ~~منصوبا عطفا على القردة والخنازير، أي: جعل منهم القردة ~~وعباد وعباد وعبيد، وعلى قراءة الإفراد كذلك أيضا، ويجوز ~~النصب فيها أيضا من وجه آخر، وهو العطف على " من " في { من ~~لعنه الله } ، إذا قلنا بأنه منصوب على ما تقدم تحريره قبل، وهو ~~مراد به الجنس، وفي بعضها قرىء برفعه؛ نحو: " وعابد الطاغوت " ~~، وتقدم أن أبا عمرو يقدر له مبتدأ، أي: هم عابدو وتقدم ما ~~في ذلك. # قال شهاب الدين: وعندي أنه يجوز أن يرتفع على أن معطوف على " من " ~~في قوله تعالى { من لعنه الله ms3129 }؛ ويدل لذلك: أنهم أجازوا في ~~قراءة عبد الله: " وعابدو " بالواو هذين الوجهين، فهذا مثله، ~~وأما قراءة جمع السلامة، فمن قرأ بالياء، فهو منصوب؛ عطفا على القردة، ~~ويجوز فيه وجهان آخران: # أحدهما: أنه منصوب عطفا على " من " في { من لعنه الله } إذا ~~قلنا: إن محلها نصب كما مر. # والثاني: أنه مجرور؛ عطفا على { من لعنه الله } أيضا، إذا ~~قلنا بأنها في محل جر بدلا من " بشر "؛ كما تقدم إيضاحه، ~~وهذه أوجه واضحة عسرة الاستنباط، والله أعلم. # ومن قرأ بالواو فرفعه: إما على إضمار مبتدأ، أي: هم عابدو ~~الطاغوت، وإما نسق على " من " في قوله تعالى: { من لعنه ~~الله } كما تقدم. # فصل # قيل: الطاغوت العجل، وقيل: الأحبار، وكل من أطاع ~~أحدا في معصية فقد عبده. # واحتجوا بهذه الآية على أن الكفر بقضاء الله، قالوا: ~~لأن تقدير الآية: وجعل الله منهم من عبد الطاغوت، ~~وإنما يعقل معنى هذا الجعل، إذا كان هو الذي جعل فيهم تلك ~~العبادة، إذ لو كانوا هم الجاهلون لكان الله تعالى ~~[ما] جعلهم عبدة الطاغوت، بل كانوا هم الذين جعلوا أنفسهم ~~كذلك وذلك خلاف الآية. # قالت المعتزلة: معناه أنه تعالى حكم عليهم بذلك ~~كقوله تعالى: # وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا # [الزخرف: 19] وقد تقدم الكلام فيه. # [قوله تعالى: " أولئك شر " مبتدأ وخبر، و " مكانا " نصب على ~~التمييز، نسب الشر للمكان وهو لأهله، كناية عن نهايتهم في ذلك] ~~كقولهم: فلان طويل النجاد كثير الرماد، وحاصله يرجع ~~إلى الإشارة إلى الشيء بذكر لوازمه وتوابعه و " شر " ~~هنا على بابه من التفضيل، والمفضل عليه فيه احتمالان: # أحدهما: أنهم المؤمنون، فإن قيل: كيف يقال ذلك، والمؤمنون لا شر ~~عندهم ألبتة؟ فالجواب من وجهين: # أحدهما: - ما قاله النحاس - أن مكانهم في الآخرة شر من مكان ~~المؤمنين في الدنيا؛ لما يلحقهم فيه من الشر، يعني: من الهموم ~~الدنيوية، والحاجة، والإعسار، وسماع الأذى، والهضم من جانبهم، ~~قال: " وهذا أحسن ما قيل فيه ". # والثاني: أنه على سبيل التنازل والتسليم للخصم على زعمه؛ إلزاما ~~له بالحجة، كأنه ms3130 قيل: شر من مكانهم في زعمكم، فهو قريب من ~~المقابلة في المعنى. # والثاني من الاحتمالين: أن المفضل عليه هم طائفة من الكفار، أي: ~~أولئك الملعونون المغضوب عليهم المجعول منهم القردة والخنازير ~~العابدون الطاغوت - شر مكانا من غيرهم من الكفرة الذين لم ~~يجمعوا بين هذه الخصال الذميمة. # قوله تعالى: { وأضل عن سوآء السبيل } أي: طريق الحق. # قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية عير المسلمون أهل ~~الكتاب، وقالوا: يا إخوان القردة والخنازير، فافتضحوا ~~ونكسوا رؤوسهم قال الشاعر: [الرجز] # 2001- فلعنة الله على اليهود # إن اليهود إخوة القرود ### || [5.61] # قوله تعالى: { وإذا جآءوكم قالوا آمنا }: الضمير ~~المرفوع لليهود المعاصرين؛ فحينئذ: لا بد من حذف مضاف، أي: وإذا ~~جاءكم ذريتهم، أو نسلهم؛ لأن أولئك المجعول منهم القردة ~~والخنازير، لم يجيئوا، ويجوز ألا يقدر مضاف محذوف؛ وذلك على ~~أن يكون قوله { من لعنه الله } إلى آخره عبارة عن المخاطبين ~~في قوله تعالى: # يأهل الكتاب # [المائدة: 19]، وأنه مما وضع فيه الظاهر موضع المضمر، وكأنه ~~قيل: أنتم، كذا قاله أبو حيان، وفيه نظر؛ فإنه لا بد من تقدير ~~مضاف في قوله تعالى: # وجعل منهم القردة # [المائدة: 60]، تقديره: وجعل من آبائكم أو أسلافكم، أو من ~~جنسكم؛ لأن المعاصرين ليسوا مجعولا منهم بأعيانهم، فسواء ~~جعله مما ذكر أم لا، لا بد من حذف مضاف. # قوله تعالى: { وقد دخلوا بالكفر } هذه جملة حالية، وفي ~~العامل فيها وجهان: # أحدهما - وبه بدأ أبو البقاء -: أنه " قالوا " ، أي: قالوا كذا في ~~حال دخولهم كفرة وخروجهم كفرة، وفيه نظر؛ إذ المعنى يأباه. # والثاني: أنه " آمنا " ، وهذا واضح، أي: قالوا آمنا في هذه ~~الحال، و " قد " في " وقد دخلوا " " وقد خرجوا " لتقريب ~~الماضي من الحال، وقال الزمخشري: " ولمعنى آخر، وهو: أن أمارات ~~النفاق كانت لائحة عليهم؛ فكان الرسول - عليه السلام - متوقعا ~~لإظهار الله تعالى - ما كتموه، فدخل حرف التوقع، وهو متعلق ~~بقوله " قالوا آمنا " ، أي: قالوا ذلك وهذه حالهم " ، يعني بقوله: " ~~وهو متعلق " ، أي: والحال، وقوة كلامه تعطي: أن صاحب الحال ~~وعاملها الجملة المحكية بالقول، و ms3131 " بالكفر " متعلق ~~بمحذوف؛ لأنه حال من فاعل " دخلوا " ، فهي حال من حال، أي: ~~دخلوا ملتبسين بالكفر، أي: ومعهم الكفر؛ كقولهم: " خرج ~~زيد بثيابه " ، وقراءة من قرأ: # تنبت بالدهن # [المؤمنون: 20]، أي: وفيها الدهن؛ ومنه ما أنشد الأصمعي: ~~[الطويل] # 2002- ومستنة كاستنان الخرو # ف قد قطع الحبل بالمرود # أي: ومروده فيه، وكذلك " به " أيضا حال من فاعل " خرجوا ". ~~فالباء في قوله تعالى: { دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا ~~به } ، يفيد أن الكفر معهم حالة الدخول والخروج من ~~غير نقصان، ولا تغيير ألبتة، كما تقول: " دخل زيد ~~بثوبه وخرج " أي: ثوبه حال الخروج، كما كان حال ~~الدخول. وقوله: " وهم " مبتدأ، و " قد خرجوا " خبره، ~~والجملة حال أيضا عطف على الحال قبلها، وإنما جاءت الأولى ~~فعلية والثانية اسمية؛ تنبيها على فرط تهالكهم في الكفر؛ وذلك ~~أنهم كان ينبغي لهم، إذا دخلوا على الرسول - عليه الصلاة والسلام - أن ~~يؤمنوا؛ لما يرون من حسن شيمته وهيبته، وما يظهر على يديه ~~الشريفة من الخوارق والمعجزات؛ ولذلك قال بعض الكفرة: " رأيت ~~وجه من ليس بكذاب " ، فلما لم ينجع فيهم ذلك، أكد ~~كفرهم الثاني بأن أبرز الجملة اسمية صدرها اسم، وخبرها فعل؛ ~~ليكون الإسناد فيها مرتين، وقال ابن عطية: " وقوله: " وهم " تخليص ~~من احتمال العبارة أن يدخل قوم بالكفر، ثم يؤمنوا، ويخرج قوم، ~~وهم كفرة، فكان ينطبق على الجميع، وهم قد دخلوا بالكفر، وقد خرجوا ~~به، فأزال الله الاحتمال بقوله: { وهم قد خرجوا به } ، أي: ~~هم بأعيانهم " ، وهذا المعنى سبقه إليه الواحدي، فبسطه ابن عطية، ~~قال الواحدي: { وهم قد خرجوا به } أكد الكلام بالضمير، ~~تعيينا إياهم بالكفر، وتمييزا لهم عن غيرهم، وقال بعضهم: معنى " ~~هم " التأكيد في إضافة الكفر إليهم، ونفي أن يكون من الرسول ما ~~يوجب كفرهم؛ من سوء معاملته لهم، بل كان يلطف بهم ويعاملهم ~~أحسن معاملة، فالمعنى: أنهم هم الذين خرجوا بالكفر باختيار ~~أنفسهم، لا أنك أنت الذي تسببت لبقائهم في الكفر، وقال ~~أبو البقاء: " ويجوز أن يكون التقدير: وقد كانوا خرجوا به " ، ولا معنى ~~لهذا التأويل، والواو ms3132 في قوله تعالى: { وهم قد خرجوا به } ~~تحتمل وجهين: # أحدهما: أن تكون عاطفة لجملة حال على مثلها. # والثاني: أن تكون هي نفسها واو الحال؛ وعلى هذا: يكون في الآية ~~الكريمة حجة لمن يجيز تعدد الحال لذي حال مفرد من غير عطف، ولا ~~بدل إلا في أفعل التفضيل، نحو: " جاء زيد ضاحكا كاتبا "؛ ~~وعلى الأول: لا يجوز ذلك إلا بالعطف أو البدل، وهذا شبيه بالخلاف في ~~تعدد الخبر. # قوله تعالى: " وإذا جاءوكم " يعني: هؤلاء المنافقين وقيل: هم ~~الذين آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار، ~~دخلوا على النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، وقالوا: ~~آمنا بك وصدقناك فيما قلت، وهم يسرون الكفر. # { وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به } أي: دخلوا كافرين ~~وخرجوا كافرين، والله أعلم بما يكتمون، والغرض منه: ~~المبالغة فيما في قلوبهم من الجد والاجتهاد في المكر ~~بالمسلمين، والكيد والبغض والعداوة لهم. # قالت المعتزلة: إنه تعالى أضاف الكفر إليهم حالتي ~~الدخول والخروج على سبيل الذم، وبالغ في تقرير تلك ~~الإضافة بقوله: { وهم قد خرجوا به } ، فدل هذا على أنه من ~~العبد لا من الله تعالى. # والجواب: المعارضة بالعلم والداعي. ### || [5.62] # قوله: " وترى ": يجوز أن تكون بصرية، فيكون " يسارعون " حالا، ~~وأن تكون العلمية أو الظنية، فينتصب " يسارعون " مفعولا ~~ثانيا، و " منهم " في محل نصب؛ على أنه صفة ل " كثيرا " ~~فيتعلق بمحذوف، أي: كائنا منهم، أو استقر منهم، وقرأ أبو حيوة: " ~~العدوان " بالكسر، و " أكلهم " هذا مصدر مضاف لفاعله، و " ~~السحت " مفعوله، وقد تقدم ما فيه. # فصل # الضمير في " منهم " لليهود، والمسارعة في الشيء ~~الشروع فيه، والمراد بالإثم الكذب، وقيل: المعاصي، ~~والعدوان الظلم، وقيل: الإثم ما يختص بهم، والعدوان ما ~~يتعداهم إلى غيرهم، وقيل: الإثم ما كتموا من التوراة، ~~والعدوان ما زادوا فيها، " وأكلهم السحت " الرشوة. # وقوله تعالى: " كثيرا منهم " لأنهم كلهم ما كانوا ~~يفعلون ذلك، لفظ المسارعة إنما [يستعمل] في أكثر ~~الأمر في الخير، قال تعالى: # ويسارعون في الخيرات # [آل عمران: 114] وقال تعالى: # نسارع لهم في الخيرات # [المؤمنون: ms3133 56] فكان اللائق بهذا الموضع لفظ العجلة. # فإن قيل: إنه تعالى ذكر المسارعة [لفائدة؛ وهي أنهم] كانوا ~~يقدمون على هذه المنكرات [كأنهم محقون] فيها وقد تقدم ~~حكم " ما " مع بئس ونعم. ### || [5.63] # و " لولا ": حرف تحضيض ومعناه التوبيخ أي: هلا، وقرأ الجراح ~~وأبو واقد: " الربيون " مكان الربانيين، قال الحسن - ~~رحمه الله -: " الربانيون علماء أهل الإنجيل، والأحبار ~~علماء أهل التوراة " ، وقال غيره: كلهم في اليهود؛ لأنه ~~متصل بذكرهم، والمعنى: أن الله استبعد من علماء أهل ~~الكتاب أنهم ما نهوا سفلتهم وعوامهم عن المعاصي، وذلك ~~يدل على أن ترك النهي عن المنكر بمنزلة مرتكبه؛ ~~لأنه تعالى ذم الفريقين في هذه الآية على لفظ واحد، ~~بل نقول: أن ذم تارك النهي عن المنكر أقوى؛ لأنه قال في ~~المقدمين على الإثم والعدوان وأكلهم السحت: { لبئس ما كانوا ~~يعملون } وقال في العلماء التاركين للنهي عن المنكر: { ~~لبئس ما كانوا يصنعون } والصنع أقوى من العمل؛ فإنما ~~العمل يسمى صناعة، إذا صار مستقرا راسخا متمكنا، ~~فجعل [حرم] العاملين ذنبا غير راسخ، وذنب التاركين للنهي ~~المنكر ذنبا راسخا، والأمر في الحقيقة راسخا كذلك؛ لأن ~~المعصية مرض الروح، وعلاجه العلم بالله وبصفاته ~~وبأحكامه، فإذا حصل هذا العلم ولم تزل المعصية، كان كالمريض ~~الذي يعالج بأدويته، قل فيها الشفاء، ومثل هذا المرض صعب شديد ~~لا يكاد يزول، وكذلك العالم إذا أقدم على المعصية دل على ~~أن مرض فقد الإيمان في غاية القوة والشدة. # روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: هي أشد آية في ~~القرآن، وعن الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي منها. # وقرأ ابن عباس - رضي الله عنهما - " بئسما " بغير لام قسم، و " ~~قولهم " مصدر مضاف لفاعله، و " الإثم " مفعوله. # والظاهر أن الضمير في " كانوا " عائد على الأحبار والرهبان، ~~ويجوز أن يعود على المتقدمين. ### || [5.64] # في هذه الحكاية قولان: # أحدهما: أنه خبر محض، وزعم بعضهم أنه على تقدير همزة استفهام، تقديره: " ~~أيد الله مغلولة "؟ قالوا ذلك لما قتر عليهم معيشتهم، ولا يحتاج ~~إلى هذا التقدير. # قال ابن الخطيب: ms3134 في هذا الموضع إشكال، وهو أن الله تعالى حكى ~~عن اليهود أنهم قالوا ذلك، ولا شك في أن الله تعالى ~~صادق في كل ما أخبر عنه، ونرى [اليهود] مطبقين متفقين ~~على أنا لا نقول ذلك ولا نعتقده، والقول: بأن { يد الله ~~مغلولة } باطل ببديهة العقل؛ لأن قولنا: الله اسم ~~لموجود قديم، قادر على خلق العالم وإيجاده وتكوينه، وهذا ~~الموجود يمتنع أن تكون يده مغلولة مقيدة قاصرة، وإلا ~~فكيف يمكنه ذلك مع قدرته الناقصة حفظ العالم وتدبيره. ~~إذا ثبت هذا فقد حصل الإشكال في كيفية تصحيح هذا النقل ~~وهذه الرواية فنقول فيه وجوه: # الأول: لعل القوم إنما قالوا هذا القول على سبيل ~~الالتزام؛ فإنهم لما سمعوا قوله تعالى: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا # [البقرة: 245] قالوا: لو احتاج إلى القرض لكان فقيرا عاجزا ~~[فلما حكموا بأن الذي يستقرض من عباده شيئا فقير محتاج ~~مغلول اليدين، لا جرم حكى الله عنهم هذا الكلام]. # الثاني: لعل القوم لما رأوا أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام ~~في غاية الشدة والفقر والحاجة، قالوا ذلك على ذلك سبيل ~~السخرية والاستهزاء. # قالوا: إن إله محمد فقير مغلول اليد، فلما قالوا ذلك ~~حكى الله تعالى عنهم هذا الكلام. # الثالث: قال المفسرون - رحمهم الله -: كانوا أكثر الناس مالا ~~وثروة، فلما بعث الله محمدا - صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~- فكذبوه ضيق الله عليهم المعيشة، فعند ذلك قالت اليهود: ~~{ يد الله مغلولة } أي: مقبوضة من العطاء على جهة ~~الصفة بالبخل، والجاهل إذا وقع في البلاء والشدة والمحنة ~~يقول مثل هذه الألفاظ. # الرابع: لعله كان فيهم ممن كان على مذهب الفلسفة، وهو ~~أنه موجب لذاته، وأن حدوث الحوادث عنه لا يمكن إلا على نهج ~~واحد وهو أنه تعالى غير قادر على إحداث الحوادث على غير الوجوه ~~التي عليها تقع، فعبروا عن عدم الاقتدار على التغيير ~~والتبديل بغل اليد. # الخامس: قال بعضهم: المراد منه - هو قول اليهود أن الله تعالى ~~لا يعذبنا إلا قدر الأيام التي عبدنا فيها العجل - إلا ~~أنهم عبروا ms3135 على كونه تعالى غير معذب لهم إلا هذا القدر من ~~الزمان بهذه العبارة الفاسدة، واستوجبوا اللعن بسبب فساد ~~العبادة، وعدم رعاية الأدب، وهذا قول الحسن. # قال البغوي بعد أن حكى قول المفسرين، ثم بعده قول الحسن: ~~والأول أولى لمعنى قول المفسرين لقوله تعالى بعد ذلك: { ~~ينفق كيف يشآء }. # وقوله: { غلت أيديهم ولعنوا } يحتمل الخبر المحض، ويحتمل ~~أن يراد به الدعاء عليهم أي: أمسكت أيديهم عن الخيرات، ~~والمعنى: أنه - تعالى - يعلمنا الدعاء عليهم، كما علمنا ~~الدعاء على المنافقين في قوله تعالى: # فزادهم الله مرضا # [البقرة: 10] فإن قيل: كان ينبغي أن يقال: " فغلت أيديهم ". # فالجواب: أن حرف العطف وإن كان مضمرا إلا أنه حذف ~~لفائدة، وهي أنه لما حذف كان قوله " غلت أيديهم " كالكلام ~~المبتدأ به ففيه [زيادة] قوة؛ لأن الابتداء بالشيء يدل على ~~شدة الاهتمام به وقوة الاعتناء، ونظيره في الحذف ~~والتعقيب قوله تعالى # وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن ~~تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا # [البقرة: 67] ولم يقل: فقالوا أتتخذنا. # وقيل: هو من الغل يوم القيامة في النار كقوله تعالى: # إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل # [غافر: 71]. # " ولعنوا " عذبوا " بما قالوا " فمن لعنهم - أنه ~~مسخهم قردة وخنازير، وضربت عليهم الذلة والمسكنة في ~~الدنيا، وفي الآخرة بالنار. # قوله تعالى: { بل يداه مبسوطتان }. # وفي مصحف عبد الله: " بسطان " يقال: " يد بسط " على زنة " ~~ناقة سرح " ، و " أحد " و " مشية سجح " ، أي: مبسوطة ~~بالمعروف، وقرأ عبد الله: " بسيطتان " ، يقال: يد بسيطة، أي: ~~مطلقة بالمعروف. # [وغل] اليد وبسطها هنا استعارة للبخل والجود، وإن كان ليس ~~ثم يد ولا جارحة، وكلام العرب ملآن من ذلك، قالت العرب: " فلان ~~ينفق بكلتا يديه "؛ قال: [الطويل] # 2003- يداك يدا مجد، فكف مفيدة، # وكف إذا ما ضن بالمال تنفق # وقال أبو تمام: [الطويل] # 2004- تعود بسط الكف حتى لو أنه # دعاها لقبض لم تطعه أنامله # وقد استعارت العرب ذلك حيث لا يد ألبتة، ومنه قول لبيد: [الكامل] # 2005-................... # إذ أصبحت بيد الشمال زمامها # وقال آخر: [الكامل] # 2006- جاد الحمى بسط اليدين بوابل # شكرت ms3136 نداه تلاعه ووهاده # وقالوا: " بسط اليأس كفيه في صدري " ، واليأس معنى، لا ~~عين، وقد جعلوا له كفين مجازا، قال الزمخشري: " فإن قلت: لم ~~ثنيت اليد في { بل يداه مبسوطتان } ، وهي في { يد ~~الله مغلولة } مفردة؟ قلت: ليكون رد قولهم وإنكاره أبلغ ~~وأدل على إثبات غاية السخاء له، ونفي البخل عنه، وذلك أن ~~غاية ما يبذله السخي من ماله بنفسه: أن يعطيه بيديه جميعا، ~~فبنى المجاز على ذلك ". # فصل # اعلم أنه قد ورد في القرآن آيات كثيرة ناطقة بإثبات اليد، ~~فتارة ذكر اليد من غير بيان عدد كقوله تعالى: # يد الله فوق أيديهم # [الفتح: 10]، وتارة ذكر اليدين كما في هذه الآية، وفي قوله تعالى ~~لإبليس عليه اللعنة # ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي # [ص: 75]، وتارة أثبت الأيدي قال تعالى: # أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ ~~أنعاما # [يس: 71]، وإذا عرف هذا فنقول: اختفت الأمة في تفسير يد ~~الله تعالى. # فقالت المجسمة: إنها عضو جسماني كما في حق كل أحد، ~~واحتجوا بقوله تعالى: # ألهم أرجل يمشون بهآ أم لهم أيد يبطشون ~~بهآ أم لهم أعين يبصرون بهآ أم لهم آذان ~~يسمعون بها # [الأعراف: 195] ذكر ذلك قد جاء في إلاهية الأصنام، لأجل أنه ~~ليس لها شيء من هذه الأعضاء، فلو لم يحصل لله هذه لزم ~~القدح في كونه إلها، فلما بطل ذلك، وجب إثبات هذه الأعضاء ~~له، قالوا: واسم اليد موضوع لهذا العضو، فحمله على شيء آخر ترك ~~للغة، وإنه لا يجوز. # والجواب عنه: أنه تعالى ليس بجسم؛ لأن الجسم لا ينفك عن ~~الحركة والسكون وهما محدثان، وما لا ينفك عن المحدث ~~فهو محدث، ولأن كل جسم فهو متناه في المقدار، وكل ما ~~كان متناهيا في المقدار فهو محدث، ولأن كل جسم فهو مؤلف من ~~الأجزاء، وكل ما كان كذلك افتقر إلى ما يؤلفه ويركبه، وكل ما ~~كان كذلك فهو محدث، فثبت بهذه الوجوه أنه يمتنع كونه تعالى ~~جسما، فيمتنع أن يكون عضوا جسمانيا. # وأما جمهور الموحدين فلهم في لفظ اليد ms3137 قولان: # أحدهما: قول من يقول: إن القرآن لما دل على إثبات اليد لله ~~آمنا بالله، والعقل دل على أنه يمتنع أن يكون يد الله عبارة عن ~~جسم مخصوص وعضو مركب من الأجزاء والأبعاض آمنا به، فأما ~~أن اليد ما هي وما حقيقتها، فقد فوضنا معرفتها إلى الله ~~تعالى، وهذه طريقة السلف. # [وثانيهما: قول المتكلمين فقالوا: اليد تذكر في اللغة على ~~وجوه: # أحدها: الجارحة]. # وثانيها: النعمة: نقول: لفلان يد أشكره عليها. # وثالثها: القوة: قال تعالى: # أولي الأيدي والأبصار # [ص: 45] فسروه بذي القوة والعقول. # وحكى سيبويه أنهم قالوا: " لا يد لك بهذا " والمعنى: سلب ~~كمال القدرة. # رابعها: الملك فقال في هذه الصفة: في يد فلان، أي: في ملكه ~~قال تعالى: # الذي بيده عقدة النكاح # [البقرة: 237] أي: يملك ذلك. # وخامسها: شدة العناية والاختصاص، قال: # لما خلقت بيدي # [ص: 75]، والمراد: تخصيص آدم - عليه الصلاة والسلام - بهذا التشريف، ~~فإنه تعالى الخالق لجميع المخلوقات، ويقال: " يدي رهن لك ~~بالوفاء " إذا ضمنت له شيئا. # وإذا عرف هذا فنقول: اليد في حق الله تعالى ممتنع أن ~~تكون الجارحة، وأما سائر المعاني فكلها حاصلة. # وها هنا قول آخر: وهو أن أبا الحسن الأشعري زعم في بعض ~~أقواله: أن اليد صفة قائمة بذات الله تعالى، وهي صفة ~~سوى القدرة، ومن شأنها التكوين على سبيل الاصطفاء. # قال: ويدل عليه أنه تعالى جعل وقوع خلق آدم بيده علة الكرامة ~~لآدم واصطفائه، فلو كانت اليد [عبارة] عن القدرة لامتنع كونه ~~- عليه الصلاة والسلام - اصطفي؛ لأن ذلك في جميع المخلوقات، ~~فلا بد من إثبات صفة أخرى وراء القدرة يقع بها الخلق ~~والتكوين على سبيل الاصطفاء، وأكثر العلماء زعموا: أن ~~اليد في حق الله تعالى عبارة عن القدرة وهذا مشكل؛ لأن ~~قدرة الله واحدة، ونص القرآن ناطق بإثبات اليدين تارة ~~وبإثبات الأيدي تارة أخرى، وإن فسرتموها بالنعمة، ~~فنص القرآن ناطق بإثبات اليدين، ونعم الله غير محدودة، لقوله ~~تعالى: # وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ # [النحل: 18]. # والجواب: إن اخترنا تفسير اليد بالقدرة، كان الجواب عن ~~الإشكال ms3138 المذكور: أن القوم جعلوا قولهم: { يد الله ~~مغلولة } كناية عن البخل، فأجيبوا على وفق كلامهم، فقيل: { ~~بل يداه مبسوطتان } ، أي: ليس الأمر على ما وصفتموه من ~~البخل، بل هو جواد على سبيل الكمال، وأن من أعطى بيده فقد ~~أعطى عطاء على أكمل الوجوه. # وأما إن اخترنا تفسير اليد بالنعمة، كان الجواب عن الإشكال ~~المذكور من وجهين: # الأول: أن التثنية بحسب الجنس يدخل تحت كل واحد من ~~الجنسين أنواع لا نهاية لها، نعمة الدنيا ونعمة الدين، ~~ونعمة الظاهر ونعمة الباطن، ونعمة النفع ونعمة الدفع، ونعمة الشدة ونعمة ~~الرخاء. # الثاني: أن المراد بالتثنية المبالغة في وصف ~~النعمة، ألا ترى قولك " لبيك " ، معناه: مساعدة بعد مساعدة، ~~وليس المراد [منه طاعتين] ولا مساعدتين، فكذلك الآية معناها: أن ~~النعمة متظاهرة متتابعة، ليست كما ادعى اليهود ~~أنها مقبوضة ممتنعة. # قوله: { ينفق كيف يشآء } في هذه الجملة خمسة أوجه: # أحدها - وهو الظاهر -: أن لا محل لها من الإعراب؛ لأنها مستأنفة. # والثاني: أنها في محل رفع؛ لأنها خبر ثان ل " يداه ". # والثالث: أنها في محل نصب على الحال من الضمير المستكن في " ~~مبسوطتان "؛ وعلى هذين الوجهين؛ فلا بد من ضمير مقدر عائد ~~على المبتدأ، أو على ذي الحال، أي: ينفق بهما، وحذف مثل ذلك قليل، ~~وقال أبو البقاء: { ينفق كيف يشاء } مستأنف، ولا يجوز أن يكون ~~حالا من الهاء - يعني في " يداه " -؛ لشيئين: # أحدهما: أن الهاء مضاف إليها. # والثاني: أن الخبر يفصل بينهما، ولا يجوز أن تكون حالا من اليدين؛ ~~إذ ليس فيها ضمير يعود إليهما. [قال شهاب الدين]: قوله: " أحدهما: أن ~~الهاء مضاف إليها " ليس ذلك بمانع؛ لأن الممنوع إنما هو مجيء الحال من ~~المضاف إليه، إذا لم يكن المضاف جزءا من المضاف إليه، أو كجزئه أو ~~عاملا فيه، وهذا من النوع الأول، فلا مانع فيه، وقوله: " والثاني: أن ~~الخبر يفصل بينهما " هذا أيضا ليس بمانع، ومنه: # وهذا بعلي شيخا # [هود: 72] إذا قلنا: إن " شيخا " حال من اسم الإشارة، والعامل فيه ~~التنبيه. # وقوله: " إذ ليس فيها ضمير ms3139 " قد تقدم أن العائد يقدر، أي: ~~ينفق بهما. # الرابع: أنها حال من " يداه " وفيه خلاف - أعني مجيء الحال من ~~المبتدأ - ووجه المنع: أن العامل في الحال هو العالم في صاحبها، ~~والعامل في صاحبها أمر معنوي لا لفظي، وهو الابتداء، وهذا على ~~أحد الأقوال في العامل في الابتداء. # الخامس: أنها حال من الهاء في " يداه " ، ولا اعتبار بما منعه أبو ~~البقاء؛ لما تقدم من تصحيح ذلك. # و " كيف " في مثل هذا التركيب شرطية؛ نحو: " كيف تكون أكون " ~~ومفعول المشيئة محذوف، وكذلك جواب هذا الشرط أيضا محذوف مدلول عليه ~~بالفعل السابق ل " كيف " ، والمعنى: ينفق كما يشاء أن ينفق ~~ينفق، ويبسط في السماء، كيف يشاء أن يبسطه يبسطه، ~~فحذف مفعول " يشاء " وهو " أن " وما بعدها، وقد تقدم أن مفعول " ~~يشاء " و " يريد " لا يذكران إلا لغرابتهما، وحذف أيضا جواب " ~~كيف " وهو " ينفق " المتأخر و " يبسط " المتأخر؛ لدلالة " ~~ينفق ويبسط " الأولين، وهو نظير قولك: " أقوم إن يقم ~~زيد " ، ولا جائز أن يكون " ينفق " المتقدم عاملا في " كيف " ~~، لأن لها صدر الكلام، وما له صدر الكلام لا يعمل فيه إلا حرف الجر ~~أو المضاف. # وقال الحوفي: " كيف " سؤال عن حال، وهي نصب ب " يشاء " ، قال ~~أبو حيان: " ولا يعقل هنا كونها سؤالا عن حال " ، وقد تقدم ~~الكلام عليها مشبعا عند قوله: # يصوركم في الأرحام كيف يشآء # [آل عمران: 6]. # فصل # ومعنى { ينفق كيف يشاء } أي: يرزق كيف يريد وكيف يشاء، إن ~~شاء قتر، وإن شاء وسع. وقال تعالى: # ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ~~ولكن ينزل بقدر ما يشآء # [الشورى: 27]. # وقال تعالى: # يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر # [الرعد: 26]. # وقال عز وجل: # قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء ~~وتنزع الملك ممن تشآء وتعز من تشآء وتذل من ~~تشآء بيدك الخير # [آل عمران: 26]، وهذه الآية رد على المعتزلة؛ لأنهم قالوا: يجب ~~على الله إعطاء الثواب للمطيع، ويجب عليه ألا يعاقبه، ~~فهذا المنع والقيد يجري مجرى الغل، فهم في الحقيقة ~~[قائلون بأن يد الله ms3140 مغلولة]. # وأما أهل السنة - رضي الله عنهم - [فهم] القائلون: بأن ~~الملك ملكه، وليس لأحد عليه استحقاق ولا اعتراض، كما قال ~~تعالى: # قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك ~~المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا # [المائدة: 17] فقوله تعالى: { بل يداه مبسوطتان ينفق ~~كيف يشآء } لا يستقيم إلا على هذا المذهب. # قوله تعالى: { وليزيدن كثيرا منهم مآ أنزل إليك ~~من ربك طغيانا وكفرا } والمراد بالكثير: علماء اليهود، ~~يعني: ازدادوا عند نزول ما أنزل إليك من ربك من القرآن ~~والحجج غلوا في الكفر والإنكار، كما يقال: " ما زادتك ~~الموعظة إلا شرا " ، وهم كلما نزلت آية كفروا بها ~~فازدادوا طغيانا وكفرا. # وقيل: إقامتهم [على الكفر] زيادة منهم في الكفر. # قوله تعالى: " ما أنزل " " ما " هنا موصولة اسمية في محل رفع؛ ~~لأنها فاعل بقوله: " ليزيدن " ، ولا يجوز أن تكون " ما " مصدرية، ~~و " إليك " قائم مقام الفاعل ل " أنزل " ، ويكون التقدير: " ~~وليزيدن كثيرا الإنزال إليك "؛ لأنه لم يعلم نفس ~~المنزل، والذي يزيدهم إنما هو المنزل، لا نفس الإنزال، ~~وقوله: " منهم " صفة ل " كثيرا " فيتعلق بمحذوف، و " ~~طغيانا " مفعول ثان ل " يزيد ". # فصل # دل هذا الكلام على أنه تعالى لا يراعى مصالح الدين والدنيا؛ ~~لأنه تعالى علم أنهم يزدادون عند إنزال تلك الآيات، ~~[كفرا وضلالا، فلو كانت أفعاله معللة برعاية المصالح ~~للعباد، لامتنع عليه إنزال تلك الآيات] فلما أنزلها علمنا ~~أنه تعالى ما يراعي مصالح العباد، ونظيره قوله تعالى: # فزادتهم رجسا إلى رجسهم # [التوبة: 125]، فإن قالوا: علم الله تعالى من حالهم سواء ~~أنزلها أو لم ينزلها، فإنهم يأتون بتلك الزيادة من ~~الكفر، فلهذا حسن منه تعالى إنزالها. # قلنا: فعلى هذا التقدير لم يكن ذلك الازدياد لأجل تلك الآيات، ~~وهذا يقتضي أن تكون إضافة ازدياد الكفر إلى إنزال تلك الآيات ~~باطلا، وذلك تكذيب لنص القرآن. # قوله تعالى: { وألقينا بينهم العداوة والبغضآء } ~~الضمير في " بينهم " يجوز أن يعود على اليهود والنصارى؛ لتقديم ~~ذكرهم، ولاندراج الصنفين في قوله تعالى: { يا أهل الكتاب } ، ~~ويجوز أن يعود ms3141 على اليهود وحدهم، لأنهم فرق مختلفة، ~~فعلى هذين قال الحسن ومجاهد: يعني بين اليهود والنصارى، لأن ذكرهم ~~جرى في قوله: { لا تتخذوا اليهود والنصارى } ، وقيل: بين ~~فرق اليهود، فإن بعضهم جبرية، وبعضهم قدرية، وبعضهم ~~[موحدة] وبعضهم مشبهة، وكذلك بين فرق النصارى ~~كالملكانية والنسطورية واليعقوبية. # فإن قيل: فهذا المعنى حاصل بين فرق المسلمين، فكيف يمكن جعله ~~عيبا في اليهود والنصارى؟ # فالجواب: أن هذه البدع إنما حدثت بعد عصر الصحابة ~~والتابعين، أما في ذلك الزمان فلم يكن شيء من ذلك، فلا جرم ~~حسن جعل ذلك عيبا في اليهود والنصارى. # ووجه اتصال هذا الكلام بما قبله: أنه تعالى بين أنهم ~~إنما ينكرون نبوته بعد ظهور الدلائل على صحتها لأجل ~~الحسد، ولأجل حب الجاه والمال والسعادة، فلما رجحوا ~~الدنيا على الآخرة لا جرم حرمهم سعادة الدين، فلذلك حرمهم ~~سعادة الدنيا؛ لأن كل فريق منهم مصر على مذهبه، ~~ومبالغ في نصرته، ويطعن في كل ما سواه من المذاهب تعظيما ~~لنفسه وترويجا لمذهبه، فصار ذلك سببا لوقوع الخصومة ~~الشديدة بين فرقهم، انتهى الأمر فيه إلى أن بعضهم يكفر ~~بعضا. # وقوله تعالى: { إلى يوم القيامة } متعلق ب " ألقينا " ~~، ويجوز أن يتعلق بقوله: " والبغضاء " ، أي: إن التباغض بينهم ~~إلى يوم القيامة، ولا يجوز أن يتعلق بالعداوة؛ لئلا يلزم الفصل ~~بين المصدر ومعموله بالأجنبي، وهو المعطوف؛ وعلى هذا: فلا يجوز أن ~~تكون المسألة من التنازع؛ لأن شرطه تسلط كل من العاملين، ~~والعامل الأول هنا لو سلط على المتنازع فيه، لم يجز للمحذور ~~المذكور، وقد نقل بعضهم: أنه يجوز التنازع في فعلي التعجب مع ~~التزام إعمال الثاني؛ لأنه لا يفصل بين فعل التعجب ومعموله، ~~وهذا مثله، أي: يلتزم إعمال العامل الثاني، وهو خارج عن قياس ~~التنازع، وتقدم لك نظيره، والفرق بين العداوة والبغضاء: أن ~~العداوة كل شيء مشتهر يكون عنه عمل وحرب، والبغضاء لا ~~تتجاوز النفوس، قاله ابن عطية وقال أبو حيان: " العداوة أخص من ~~البغضاء؛ لأن كل عدو مبغض، وقد يبغض من ليس بعدو ~~". # قوله تعالى: { كلمآ أوقدوا نارا ms3142 للحرب أطفأها ~~الله } ، وهذا نوع آخر من أنواع المحن في اليهود، وهو أنهم ~~كلما هموا بأمر من الأمور جعلوا فيه خاسرين خائبين ~~مقهورين مغلوبين. # قال المفسرون: يعني اليهود أفسدوا وخالفوا حكم التوراة، فبعث ~~الله عليهم بختنصر ثم أفسدوا فبعث عليهم طيطوس ~~الرومي، ثم أفسدوا فسلط الله عليهم المجوس، ثم أفسدوا ~~فبعث الله عليهم المسلمين. # وقيل: كلما أجمعوا أمرهم ليفسدوا أمر محمد - صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم - وأوقدوا نارا لمحاربته أطفأها ~~الله، فردهم وقهرهم ونصر دينه ونبيه، وهذا قول الحسن ~~وقال قتادة: هذا عام في كل حرب طلبته اليهود، فلا تلقى اليهود ~~في بلد إلا وجدتهم من أذل الناس. # قوله تعالى: " للحرب " فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق ب " أوقدوا " ، أي: أوقدوها لأجل الحرب. # والثاني: أنه صفة ل " نارا " فيتعلق بمحذوف، وهل الإيقاد حقيقة ~~أو مجاز؟ قولان. و " أطفأها الله " جواب " كلما " ، وهو أيضا ~~حقيقة أو مجاز؛ على حسب ما تقدم، والحرب مؤنثة في الأصل مصدر وقد ~~تقدم الكلام عليها في البقرة، وقوله: " فسادا " قد تقدم نظيره ~~[الآية 33 من المائدة]، وأنه يجوز أن يكون مصدرا من المعنى؛ وحينئذ لك ~~اعتباران: أحدهما: رد الفعل لمعنى المصدر، والثاني: رد المصدر لمعنى ~~الفعل، وأن يكون حالا، أي: يسعون سعي فساد، أو: يفسدون ~~بسعيهم فسادا، أو: يسعون مفسدين، وأن يكون مفعولا من أجله، أي: ~~يسعون لأجل الفساد والألف واللام في " الأرض " يجوز أن تكون ~~للجنس وأن تكون للعهد. # ثم قال: { والله لا يحب المفسدين } ، وهذا يدل على ~~أن الساعي في الأرض بالفساد ممقوت عند الله. ### || [5.65-66] # وقد تقدم الكلام على نظير قوله: " ولو أن ". # واعلم أنه تعالى لما بالغ في ذمهم وتهجين طريقهم، بين أنهم ~~لو آمنوا بمحمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - واتقوا ~~لكفرنا عنهم سيئاتهم، ولأدخلناهم جنات النعيم. # فإن قيل: الإيمان وحده سبب مستقل [باقتضاء تكفير] السيئات، ~~وإعطاء الحسنات، فلم ضم إليه شرط آخر وهو التقوى. # فالجواب: أن المراد كونه آتيا الإيمان لغرض التقوى، ~~والطاعة لا لغرض آخر من الأغراض العاجلة ms3143 كما يفعله ~~المنافقون. # قوله تعالى: { ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل } ~~الآية لما بين تعالى في الآية الأولى أنهم لو آمنوا لفازوا ~~بسعادة الآخرة، بين في هذه الآية أيضا، أنهم لو آمنوا ~~لفازوا بسعادة الدنيا ووجدوا طيباتها وخيراتها، وفي ~~إقامة التوراة والإنجيل ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يعملوا بما فيهما من الوفاء بالعهود، ومن الإقرار ~~باشتمالهما على الدلائل الدالة على بعثة محمد - صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم -. # وثانيها: أن المراد إقامة أحكامهما وحدودهما، كما يقال: ~~أقام الصلاة إذا قام بحدودها وحقوقها، ولا يقال لمن لم ~~يوف بشرائطها أنه أقامها. # وثالثها: [أن المراد] جعلوهما نصب أعينهم، لئلا يزلوا في ~~شيء من حدودهما. # وقوله تعالى: { ومآ أنزل إليهم من ربهم } يعني: ~~القرآن وقيل: كتب أنبياء بني إسرائيل مثل كتب شعيب، وكتاب ~~حيقوق، وكتاب دانيال، فإن هذه الكتب مملوءة من البشارة ~~بمبعث محمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -. # قوله تعالى: { لأكلوا من فوقهم }: مفعول الأكل هنا محذوف ~~اقتصارا، أي: لوجد منهم هذا الفعل، و " من فوقهم " متعلق ~~به، أي: لأكلوا من الجهتين، وقال أبو البقاء: " إن " من ~~فوقهم " صفة لمفعول محذوف، أي: لأكلوا رزقا كائنا من ~~فوقهم ". # فصل # اعلم أن اليهود لما أصروا على تكذيب سيدنا محمد - صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم - أصابهم القحط والشدة، وبلغوا ~~إلى حيث قالوا: { يد الله مغلولة } ، فبين الله لهم ~~أنهم لو تركوا ذلك الكفر لانقلب [الأمر] وحصل الخصب ~~والسعة. # قوله تعالى: { لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم }. # قيل: المراد منه المبالغة في شرح السعة والخصب، والمعنى: ~~لأكلوا أكلا متصلا كثيرا، كما يقال: " فلان في الخير من ~~فوقه إلى قدمه " يريد كثرة الخير عنده؛ قاله ~~الفراء. # وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: المراد { من فوقهم } نزول ~~المطر، و { ومن تحت أرجلهم } خروج النبات كقوله تعالى: # ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركات من السمآء والأرض # [الأعراف: 96]، وقيل: الأكل من فوق كثرة الأشجار المثمرة، ~~ومن تحت الأرجل الزروع المغلة، وقيل: يرزقهم الله تعالى ~~الجنان البالغة الثمار ms3144 ما ينزل منها من رؤوس الشجر، ~~ويلتقطون ما تساقط على الأرض من تحت أرجلهم، وهذا إشارة إلى ما ~~جرى على اليهود من بني قريظة وبني النضير، من قطع ~~نخيلهم، وإفساد زروعهم وقوله تعالى: " منهم " خبر مقدم، و " ~~أمة " مبتدأ، و " مقتصدة " صفتها، وعلى رأي الأخفش يجوز أن ~~تكون " أمة " فاعلا بالجار، وقوله: { منهم أمة مقتصدة ~~وكثير منهم } تنويع في التفصيل، فأخبر في الجملة الأولى، ~~بالجار والمجرور، ووصف المبتدأ بالاقتصاد، ووصف المبتدأ في الجملة ~~الثانية ب " منهم " ، وأخبر عنه بجملة قوله: " ساء ما يعملون ~~" ، وذلك لأن الطائفة الأولى ممدوحة، فوصفوا بالاقتصاد، وأخبر عنهم ~~بأنهم من جملة أهل الكتاب؛ فإن الوصف ألزم من الخبر؛ فإنهم إذا ~~أسلموا، زال عنهم هذا الاسم، وأما الطائفة الثانية، فإنهم وصفوا بكونهم ~~من أهل الكتاب؛ فإن الوصف ألزم، وهم كفار فهم منهم، وأخبر عنهم ~~بالجملة الذمية، فإن الخبر ليس بلازم، وقد يسلم منهم ناس، ~~فيزول عنهم الإخبار بذلك. # فصل # المراد بالأمة المقتصدة: مؤمنو أهل الكتاب، كعبد ~~الله بن سلام من اليهود والنجاشي من النصارى، " ~~مقتصدة " أي: عادلة غير غالية ولا مقصرة، والاقتصاد في ~~اللغة: الاعتدال في العمل من غير غلو ولا تقصير. # وقيل: المراد بالأمة المقتصدة: كفار أهل الكتاب الذين ~~يكنون عدولا في دينهم، ولا يكون فيهم عناد شديد ولا غلظة، ~~كما قال تعالى: # ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده ~~إليك # [آل عمران: 75]. # قوله تعالى: { وكثير منهم سآء ما يعملون } ، وفيه معنى ~~التعجب، كأنه قيل [كثير] منهم ما أسوأ عملهم. # والمراد بهم: الأجلاف المبغضون، مثل كعب بن الأشرف وأصحابه و ~~" ساء " هذه يجوز فيها ثلاثة أوجه: # أحدها: أن تكون تعجبا؛ كأنه قيل: ما أسوأ عملهم، ولم يذكر ~~الزمخشري غيره، ولكن النحاة لما ذكروا صيغ التعجب لم يعدوا ~~فيها " ساء " ، فإن أراد من جهة المعنى، لا من جهة التعجب المبوب ~~له في النحو فقريب. # الثاني: أنها بمعنى " بئس " فتدل على الذم؛ كقوله تعالى: # سآء مثلا القوم # [الأعراف: 177]. # وقال البغوي: بئس ما يعملون، بئس شيئا عملهم. # قال ms3145 ابن عباس - رضي الله عنهما -: عملوا بالقبيح مع التكذيب ~~بالنبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -. # وعلى هذين القولين ف " ساء " غير متصرفة، لأن التعجب وباب المدح ~~والذم لا تتصرف أفعالهما. # الثالث: أن تكون " ساء " المتصرفة؛ نحو: ساء يسوء، ومنه: # ليسوءوا وجوهكم # [الإسراء: 7] # سيئت وجوه الذين كفروا # [تبارك: 27]، والمتصرفة متعدية؛ قال تعالى: # ليسوءوا وجوهكم # [الإسراء: 7] فإن قيل فأين مفعول هذه؟ قيل: هو محذوف، تقديره: ساء ~~عملهم المؤمنين، والتي بمعنى " بئس " لا بد لها من مميز، ~~وهو هنا محذوف، تقديره: ساء عملا الذي كانوا يعملونه. ### || [5.67] # قوله تعالى: { يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك ~~من ربك } الآية: ناداه المولى سبحانه بأشرف الصفات البشرية، ~~وقوله: { بلغ مآ أنزل إليك } [وهو قد بلغ!!] فأجاب ~~الزمخشري بأن المعنى: جميع ما أنزل إليك، أي: أي شيء أنزل ~~غير مراقب في تبليغه أحدا، ولا خائف أن ينالك مكروه، ~~وأجاب ابن عطية بقريب منه، قال: " أمر الله رسوله بالتبليغ على ~~الاستيفاء والكمال؛ لأنه كان قد بلغ " ، وأجاب غيرهما بأن ~~المعنى على الديمومة؛ كقوله: # يأيها النبي اتق الله # [الأحزاب: 1] # يأيها الذين آمنوا آمنوا # [النساء: 136]. # وقوله: " ما " يحتمل أن تكون اسمية بمعنى " الذي " ولا يجوز أن ~~تكون نكرة موصوفة؛ لأنه مأمور بتبليغ الجميع كما مر، والنكرة لا ~~تفي بذلك؛ فإن تقديرها: " بلغ شيئا أنزل إليك " ، وفي " ~~أنزل " ضمير مرفوع يعود على ما قام مقام الفاعل، وتحتمل على ~~بعد أن تكون " ما " مصدرية؛ وعلى هذا؛ فلا ضمير في " أنزل "؛ ~~لأن " ما " المصدرية حرف على الصحيح؛ فلا بد من شيء يقوم ~~مقام الفاعل، وهو الجار بعده؛ وعلى هذا: فيكون التقدير: بلغ ~~الإنزال، ولكن الإنزال لا يبلغ فإنه معنى، إلا أن يراد ~~بالمصدر: أنه واقع موقع المفعول به، ويجوز أن يكون المعنى: " اعلم ~~بتبليغ الإنزال " ، فيكون مصدرا على بابه. # والمعنى أظهر تبليغه، كقوله تعالى: # فاصدع بما تؤمر # [الحجر: 94]. # فصل # روي عن مسروق [قال]: قالت عائشة - رضي الله عنها -: " من حدثك ~~أن محمدا - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - كتم شيئا مما ~~أنزل ms3146 الله، فقد كذب " وهو سبحانه وتعالى يقول: { يأيها ~~الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك } الآية. # وروي عن الحسن: أن الله لما بعث رسوله، وعرف أن من ~~الناس من يكذبه، فنزلت هذه الآية، وقيل: نزلت في عيب من ~~اليهود وذلك أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ~~دعاهم إلى الإسلام، فقالوا: أسلمنا قبلك، وجعلوا ~~يستهزئون به فيقولون: تريد أن نتخذك حنانا كما ~~اتخذ النصارى عيسى حنانا، فلما رأى النبي - صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم - ذلك سكت، فنزلت هذه الآية، فأمره أن ~~يقول لأهل الكتاب: { لستم على شيء } الآية. # وقيل: بلغ الإنزال ما أنزل إليك من الرجم والقصاص في ~~قصة اليهود، وقيل: نزلت في أمر زينب بنت جحش ونكاحها. # وقيل: نزلت في الجهاد وذلك أن المنافقين كرهوه، كما قال ~~تعالى: # فإذآ أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال ~~رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر ~~المغشي عليه من الموت # [محمد: 20] فكرهه بعض المؤمنين. # قال تعالى: # ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم # [النساء: 77] الآية، وكان النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~- يمسك في بعض الأحايين عن الحث عن الجهاد لما يعلم من ~~كراهة بعضهم فأنزل الله تعالى هذه الآية، والمعنى: بلغ ~~واصبر على تبليغ ما أنزله إليك من كشف أسرارهم وفضائح ~~أفعالهم، فإن الله تعالى يعصمك من كيدهم ومكرهم، وقيل: ~~نزلت في حجة الوداع، لما بين الشرائع والمناسك قال: هل ~~بلغت؟ قالوا: نعم قال: اللهم فاشهد، وقيل: لما نزلت ~~آية التخيير وهي قوله تعالى: # يأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن ~~الحياة الدنيا وزينتها # [الأحزاب: 28] فلم يعرضها عليهن خوفا من اختيارهن ~~للدنيا فنزلت. # قوله تعالى: { وإن لم تفعل فما بلغت رسالته } ، ~~أي: وإن لم تفعل التبليغ، فحذف المفعول به، ولم يقل: " وإن لم تبلغ ~~فما بلغت " لما تقدم في قوله تعالى: # فإن لم تفعلوا # في البقرة [آية: 24]، والجواب لا بد أن يكون مغايرا للشرط؛ لتحصل ~~الفائدة، ومتى اتحدا، اختل الكلام، لو قلت: " إن أتى زيد، ~~فقد جاء ms3147 " ، لم يجز، وظاهر قوله: " وإن لم تفعل، فما ~~بلغت " اتحاد الشرط والجزاء، فإن المعنى يئول ظاهرا إلى قوله: ~~وإن لم تفعل، لم تفعل، وأجاب الناس عن ذلك بأجوبة؛ أسدها: ما قاله ~~الزمخشري، وقد أجاب بجوابين: # أحدهما: أنه إذا لم يمتثل أمر الله في تبليغ الرسالات وكتمها ~~كلها؛ كأنه لم يبعث رسولا - كان أمرا شنيعا لا خفاء ~~بشناعته، فقيل: إن لم تبلغ أدنى شيء، وإن كلمة واحدة، فكنت ~~كمن ركب الأمر الشنيع الذي هو كتمان كلها، كما عظم قتل ~~النفس في قوله: # فكأنما قتل الناس جميعا # [المائدة: 32]. # والثاني: المراد: وإن لم تفعل ذلك، فلك ما يوجب كتمان ~~الوحي كله من العقاب، فوضع السبب موضع المسبب؛ ~~ويؤيده: " فأوحى الله إلي: إن لم تبلغ رسالاتي، ~~عذبتك ". # وأجاب ابن عطية: أي: وإن تركت شيئا، فقد تركت الكل، وصار ما ~~بلغت غير معتد به، فمعنى " وإن لم تفعل ": " وإن لم ~~تستوف "؛ ونحو هذا قول الشاعر: [الطويل] # 2007- سئلت فلم تبخل، ولم تعط نائلا # فسيان لا حمد عليك ولا ذم # أي: فلم تعط ما يعد نائلا، وإلا يتكاذب البيت، يعني ~~بالتكاذب أنه قد قال: " فلم تبخل " فيتضمن أنه أعطى شيئا، ~~فقوله بعد ذلك: " ولم تعط نائلا " لو لم يقدر نائلا ~~يعتد به، تكاذب، وفيه نظر؛ فإن قوله " لم تبخل ولم ~~تعط " لم يتواردا على محل واحد؛ حتى يتكاذبا، فلا يلزم من عدم ~~التقدير الذي قدره ابن عطية كذب البيت، وبهذا الذي ذكرته يتعين ~~فساد قول من زعم أن هذا البيت مما تنازع فيه ثلاثة عوامل: ~~سئلت وتبخل وتعط، وذلك لأن قوله: " ولم تبخل " على ~~قول هذا القائل متسلط على طائل، فكأنه قيل: فلم تبخل بطائل، ~~وإذا لم يبخل به، فقد بذله وأعطاه، فيناقضه قوله بعد ذلك " ولم ~~تعط نائلا ". # وقد أفسد ابن الخطيب جواب ابن عطية فقال: " أجاب الجمهور ب " ~~إن لم تبلغ واحدا منها، كنت كمن لم يبلغ ~~شيئا " ، وهذا ضعيف؛ لأن من ترك البعض وأتى بالبعض، فإن قيل: ~~إنه ترك الكل، كان كذبا، ولو قيل: ms3148 إن مقدار الجرم في ترك البعض ~~مثل الجرم في ترك الكل، فهذا هو المحال الممتنع؛ فسقط هذا الجواب، ~~والأصح عندي: أن يقال: خرج هذا الجواب على قانون قوله: [الرجز] # 2008- أنا أبو النجم وشعري شعري # ومعناه: أن شعري قد بلغ في الكمال والفصاحة والمتانة إلى ~~حيث متى قيل: إنه شعري، فقد انتهى مدحه إلى الغاية التي لا ~~يزاد عليها، وهذا الكلام يفيد المبالغة التامة من هذا الوجه، ~~فكذا هنا، كأنه قال: فإن لم تبلغ رسالاته، فما بلغت رسالاته، ~~يعني: أنه لا يمكن أن يوصف ترك التبليغ بتهديد أعظم من أنه ترك ~~التبليغ، فكان ذلك تنبيها على غاية التهديد والوعيد ". # قال أبو حيان: " وما ضعف به جواب الجمهور لا يضعف به؛ لأنه ~~قال: " فإن قيل: إنه ترك الكل، كان كذبا " ، ولم يقولوا ذلك، إنما ~~قالوا: إن بعضها ليس أولى بالأداء من بعض، فإن لم تؤد بعضها، ~~فكأنك أغفلت أداءها جميعها، كما أن من لم يؤمن ببعضها كان ~~كمن لم يؤمن بكلها؛ لإدلاء كل منها بما يدلي به غيرها، ~~وكونها كذلك في حكم شيء واحد، والشيء الواحد لا يكون مبلغا غير ~~مبلغ، مؤمنا به غير مؤمن به؛ فصار ذلك التبليغ للبعض غير معتد ~~به " ، قال شهاب الدين: وهذا الكلام الأنيق، أعني: ما وقع به الجواب عن ~~اعتراض الرازي كلام الزمخشري أخذه ونقله إلى هنا، وتمام كلام ~~الزمخشري: أن قال بعد قوله: " غير مؤمن " ، وعن ابن عباس - ~~رضي الله عنه -: " إن كتمت آية لم تبلغ رسالاتي " ، ~~وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " بعثني الله برسالاته، فضقت بها ذرعا، فأوحى الله ~~إلي: إن لم تبلغ رسالاتي، عذبتك وضمن لي ~~العصمة؛ فقويت " # ، قال أبو حيان: " وأما ما ذكر من أن مقدار الجرم في ترك ~~البعض مثل الجرم في ترك الكل محال ممتنع، فلا استحالة فيه؛ لأن ~~الله تعالى أن يرتب على الذنب اليسير العقاب العظيم، وبالعكس، ثم ~~مثل بالسارق الآخذ خفية يقطع ويرد ما أخذ، وبالغاصب ~~يؤخذ منه ما أخذ دون قطع ms3149 ". # وقال الواحدي: أي: إن يترك إبلاغ البعض، كان كمن لم ~~يبلغ؛ لأن تركه البعض محبط لإبلاغ ما بلغ، وجرمه ~~في كتمان البعض كجرمه في كتمان الكل؛ في أنه يستحق العقوبة من ~~ربه، وحاشا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتم شيئا مما ~~أوحى الله تعالى إليه، وقد قالت عائشة - رضي الله عنها -: " من ~~زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من الوحي، ~~فقد أعظم على الله الفرية، والله تعالى يقول: { يا أيها ~~الرسول بلغ } ، ولو كتم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ~~من الوحي، لكتم قوله تعالى: # وتخفي في نفسك ما الله مبديه # [الأحزاب: 37] الآية " ، وهذا قريب من الأجوبة المتقدمة؛ ونظير هذه ~~الآية في السؤال المتقدم الحديث الصحيح عن عمر بن الخطاب - رضي ~~الله تعالى عنه -: # " فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ~~ورسوله " # فإن نفس الجواب هو نفس الشرط، وأجابوا عنه بأنه لا بد من تقدير ~~تحصل به المغايرة، فقالوا: تقديره: فمن كانت هجرته إلى الله ~~ورسوله نية وقصدا فهجرته إلى الله ورسوله حكما وشرعا، ~~ويمكن أن يأتي فيه جواب الرازي الذي اختاره. # وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: " رسالاته " ~~جمعا، والباقون: " رسالته " بالتوحيد، ووجه الجمع: أنه عليه ~~السلام بعث بأنواع شتى من الرسالة؛ كأصول التوحيد، والأحكام على ~~اختلاف أنواعها، والإفراد واضح؛ لأن اسم الجنس المضاف يعم ~~جميع ذلك، وقد قال بعض الرسل: # أبلغكم رسالات ربي # [الأعراف: 62]، وبعضهم قال: # رسالة ربي # [الأعراف: 79]؛ اعتبارا للمعنيين. # قوله تعالى: { والله يعصمك من الناس } أي: يحفظك، ~~ويمنعك من الناس. # " روي أنه - عليه الصلاة والسلام - نزل تحت شجرة في بعض ~~أسفاره وعلق سيفه عليها، فأتاه أعرابي - وهو نائم -، فأخذ ~~سيفه واخترطه، وقال: يا محمد من يمنعك مني؟ فقال: " ~~الله " فرعدت يد الأعرابي، وسقط من يده، وضرب برأسه الشجرة ~~حتى انتثر دماغه " # ، فأنزل الله تعالى { والله يعصمك من الناس }. # فإن قيل: كيف الجمع بين هذه الآية وبين ما روي أنه شج في ~~وجهه يوم أحد ms3150 وكسرت رباعيته، وأوذي بضروب من الأذى. # فالجواب من وجوه: # فقيل: يعصمك من القتل، فلا يصلوا إلى قتلك. # وقيل: نزلت هذه الآية بعدما شج رأسه يوم أحد؛ لأن سورة ~~المائدة من آخر ما نزل من القرآن. # والمراد ب " الناس " هاهنا: الكفار لقوله: { إن الله لا ~~يهدي القوم الكافرين }. # وعن أنس رضي الله عنه: # " كان رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - يحرسه سعد ~~وحذيفة حتى نزلت هذه الآية، فأخرج رأسه من قبة أديم ~~فقال: " انصرفوا أيها الناس فقد عصمني من الناس ". # وقيل: المراد والله يخصك بالعصمة من بين الناس؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - معصوم { إن الله ~~لا يهدي القوم الكافرين }. ### || [5.68] # لما أمره الله بالتبليغ فقال: قل يا أهل الكتاب من اليهود ~~والنصارى لستم على شيء من الدين، ولا في أيديكم شيء من ~~الحق والصواب، كما تقول: هذا ليس بشيء، إذا أردت ~~تحقيره. # وقوله تعالى: { حتى تقيموا التوراة والإنجيل ومآ ~~أنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ~~مآ أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا } ، وقد تقدم ~~الكلام على نظيره، والتكرير للتأكيد. # وقوله: { فلا تأس على القوم الكافرين } فيه وجهان: # أحدهما: لا تأسف عليهم بسبب طغيانهم وكفرهم، فإن ضرر ذلك راجع ~~إليهم، لا إليك ولا إلى المؤمنين. # والثاني: لا تأسف بسبب نزول اللعن والعذاب عليهم فإنهم من ~~الكافرين المستحقين لذلك. # وروى ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - # " أن جماعة من اليهود قالوا: يا محمد ألست تقر أن ~~التوراة حق من عند الله تعالى؟ قال: بلى، قالوا: فإنا ~~مؤمنون بها، ولا نؤمن بغيرها " # ، فنزلت هذه الآية. ### || [5.69] # قرأ الجمهور: " والصابئون " بالواو، وكذلك هو في مصاحف الأمصار، ~~وفي رفعه تسعة أوجه: # أحدها: وهو قول جمهور أهل البصرة: الخليل وسيبويه وأتباعهما أنه ~~مرفوع بالابتداء وخبره محذوف؛ لدلالة خبر الأول عليه، والنية به ~~التأخير، والتقدير: إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن ~~منهم إلى آخره والصابئون كذلك، ونحوه: " إن زيدا وعمرو قائم ~~" ، [أي: إن زيدا قائم وعمرو قائم]، فإذا فعلنا ذلك، ms3151 فهل ~~الحذف من الأول أي: [يكون] خبر الثاني مثبتا، والتقدير: إن ~~زيدا قائم وعمرو قائم، فحذف " قائم " الأول، أو بالعكس؟ قولان ~~مشهوران، وقد ورد كل منهما؛ قال: [المنسرح] # 2009- نحن بما عندنا وأنت بما # عندك راض والرأي مختلف # أي: نحن راضون، وعكسه قوله: [الطويل] # 2010- فمن يك أمسى بالمدينة رحله # فإني وقيار بها لغريب # التقدير: وقيار بها كذلك، فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون الحذف ~~من الأول أيضا؟ فالجواب: أنه يلزم من ذلك دخول اللام في خبر ~~المبتدأ غير المنسوخ ب " إن " ، وهو قليل لا يقع إلا في ضرورة ~~شعر، فالآية يجوز فيها هذان التقديران على هذا التخريج، قال ~~الزمخشري: " والصابئون: رفع على الابتداء، وخبره محذوف، والنية ~~به التأخير عما في حيز " إن " من اسمها وخبرها؛ كأنه قيل: إن ~~الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذلك ~~والصابئون كذلك؛ وأنشد سيبويه شاهدا على ذلك: [الوافر] # 2011- وإلا فاعلموا أنا وأنتم # بغاة ما بقينا في شقاق # أي: فاعلموا أنا بغاة وأنتم كذلك " ثم قال بعد كلام: " فإن ~~قلت: فقوله " والصابئون " معطوف لا بد له من معطوف عليه، فما ~~هو؟ قلت: هو مع خبره المحذوف جملة معطوفة على جملة قوله: { إن الذين ~~آمنوا } إلى آخره، ولا محل لها؛ كما لا محل للتي عطفت عليها، فإن ~~قلت: فالتقديم والتأخير لا يكون إلا لفائدة، فما هي؟ قلت: فائدته ~~التنبيه على أن الصابئين يتاب عليهم، إن صح منهم الإيمان والعمل ~~الصالح، فما الظن بغيرهم؟ وذلك أن الصابئين أبين هؤلاء ~~المعدودين ضلالا وأشدهم عتيا، وما سموا صابئين إلا أنهم ~~صبئوا عن الأديان كلها، أي: خرجوا؛ كما أن الشاعر قدم قوله: " ~~وأنتم "؛ تنبيها على أن المخاطبين أوغل في الوصف بالبغي من ~~قومه، حيث عاجل به قبل الخبر الذي هو " بغاة "؛ لئلا يدخل قومه ~~في البغي قبلهم مع كونهم أوغل فيه منهم وأثبت قدما، فإن قلت: فلو ~~قيل: " والصابئين وإياكم " ، لكان التقديم حاصلا، قلت: لو قيل ~~هكذا لم يكن من التقديم في شيء؛ لأنه لا إزالة فيه عن موضعه، وإنما ~~يقال ms3152 مقدم ومؤخر للمزال لا للقار في مكانه، وتجري هذه ~~الجملة مجرى الاعتراض ". # الوجه الثاني: أن " إن " بمعنى " نعم " فهي حرف جواب، ولا ~~محل لها حينئذ، وعلى هذا فما بعدها مرفوع المحل على الابتداء، وما ~~بعده معطوف عليه بالرفع، وخبر الجميع قوله: " من آمن " إلى آخره، ~~وكونها بمعنى " نعم " قول مرجوح، قال به بعض النحويين، وجعل من ~~ذلك قوله تعالى: # إن هذان لساحران # [طه: 63] في قراءة من قرأه بالألف، وفي الآية كلام طويل يأتي - إن ~~شاء الله تعالى - في موضعه، وجعل منه أيضا قول عبد الله بن ~~الزبير: " إن وصاحبها " جوابا لمن قال له: " لعن الله ناقة ~~حملتني إليك " ، أي: نعم وصاحبها، وجعل منه قول الآخر: ~~[الكامل] # 2012- برز الغواني في الشبا # ب يلمنني وألومهنه # ويقلن شيب قد علا # ك وقد كبرت فقلت إنه # أي: نعم، والهاء للسكت، وأجيب: بأن الاسم والخبر محذوفان في ~~قول ابن الزبير، وبقي المعطوف على الاسم دليلا عليه، والتقدير: ~~إنها وصاحبها ملعونان، وتقدير البيت: إنه كذلك، وعلى تقدير ~~أن تكون بمعنى " نعم " ، فلا يصح هنا جعلها بمعناها؛ لأنها لم ~~يتقدمها شيء تكون جوابا له، و " نعم " لا تقع ابتداء كلام، ~~إنما تقع جوابا لسؤال، فتكون تصديقا له، ولقائل أن يقول: يجوز أن ~~يكون ثم سؤال مقدر، وقد ذكروا ذلك في مواضع كثيرة منها ~~قوله تعالى: # لا أقسم # [القيامة: 1] # لا جرم # [هود: 22]، قالوا: يحتمل أن يكون ردا لقائل كيت وكيت. # الوجه الثالث: أن يكون معطوفا على الضمير المستكن في " هادوا " ~~أي: هادوا هم والصابئون، وهذا قول الكسائي، ورده تلميذه ~~الفراء والزجاج. قال الزجاج: " هو خطأ من جهتين ": # إحداهما: أن الصابئ في هذا القول يشارك اليهودي في اليهودية، وليس ~~كذلك، فإن الصابئ هو غير اليهودي، وإن جعل " هادوا " بمعنى " ~~تابوا " من قوله تعالى: # إنا هدنآ إليك # [الأعراف: 156] لا من اليهودية، ويكون المعنى: تابوا هم والصابئون، ~~فالتفسير قد جاء بغير ذلك؛ لأن معنى " الذين آمنوا " في هذه ~~الآية؛ إنما هو إيمان بأفواههم؛ لأنه يريد به المنافقين؛ لأنه وصف ~~الذين آمنوا ms3153 بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، ثم ذكر اليهود والنصارى، ~~فقال: من آمن منهم بالله، فله كذا، فجعلهم يهودا ونصارى، فلو ~~كانوا مؤمنين، لم يحتج أن يقال: " من آمن، فلهم أجرهم " ، ~~وأجيب بأن هذا على أحد القولين، أعني: أن " الذين آمنوا " ~~مؤمنون نفاقا، ورده أبو البقاء ومكي بن أبي طالب بوجه آخر، وهو ~~عدم تأكيد الضمير المعطوف عليه، قال شهاب الدين: هذا لا يلزم ~~الكسائي؛ لأن مذهبه عدم اشتراط ذلك، وإن كان الصحيح الاشتراط، ~~نعم، يلزم الكسائي من حيث إنه قال بقول ترده الدلائل الصحيحة، ~~والله أعلم، وهذا القول قد نقله مكي عن الفراء، كما نقله غيره عن ~~الكسائي، ورد عليه بما تقدم، فيحتمل أن يكون الفراء كان يوافق ~~الكسائي، ثم رجع، ويحتمل أن يكون مخالفا له، ثم رجع إليه، وعلى ~~الجملة، فيجوز أن يكون له في المسألة قولان. # الوجه الرابع: أنه مرفوع نسقا على محل اسم " إن "؛ لأنه قبل ~~دخولها مرفوع بالابتداء، فلما دخلت عليه، لم تغير معناه، بل ~~أكدته، غاية ما في الباب: أنها عملت فيه لفظا، ولذلك اختصت ~~هي و " أن " بالفتح، ولكن على رأي بذلك، دون سائر أخواتها؛ لبقاء معنى ~~الابتداء فيها، بخلاف " ليت ولعل وكأن " ، فإنه خرج إلى التمني ~~والترجي والتشبيه، وأجرى الفراء الباب مجرى واحدا، فأجاز ذلك في ~~ليت ولعل، وأنشد: [الرجز] # 2013- يا ليتني وأنت يا لميس # في بلد ليس بها أنيس # فأتى ب " أنت " ، وهو ضمير رفع نسقا على الياء في " ليتني " ، ~~وهل يجري غير العطف من التوابع مجراه في ذلك؟ فذهب الفراء ~~ويونس إلى جواز ذلك، وجعلا منه قوله تعالى: # قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب # [سبأ: 48] فرفع " علام " عندهما على النعت ل " ربي " على ~~المحل، وحكوا " إنهم أجمعون ذاهبون " ، وغلط سيبويه من ~~قال من العرب: " إنهم أجمعون ذاهبون " ، فقال: " واعلم أن ~~قوما من العرب يغلطون فيقولون: إنهم أجمعون ذاهبون " ، ~~وأخذ الناس عليه في ذلك من حيث إنه غلط أهل اللسان، وهم الواضعون ~~أو المتلقون من الواضع، وأجيب بأنهم بالنسبة إلى عامة العرب ms3154 ~~غالطون، وفي الجملة: فالناس قد ردوا هذا المذهب، أعني: جواز ~~الرفع عطفا على محل اسم " إن " مطلقا، أعني قبل الخبر وبعده، ~~خفي إعراب الاسم أو ظهر، ونقل بعضهم الإجماع على جواز الرفع على ~~المحل بعد الخبر، وليس بشيء، وفي الجملة: ففي المسألة أربعة ~~مذاهب: مذهب المحققين: المنع مطلقا، ومذهب بعضهم: التفصيل قبل ~~الخبر؛ فيمتنع، وبعده؛ فيجوز، ومذهب الفراء: إن خفي إعراب ~~الاسم، جاز ذلك؛ لزوال الكراهية اللفظية، وحكي من كلامهم: " إنك ~~وزيد ذاهبان " ، الرابع: مذهب الكسائي: وهو الجواز مطلقا؛ ~~ويستدل بظاهر قوله تعالى: { إن الذين آمنوا والذين ~~هادوا } الآية، وبقول ضابىء البرجمي: [الطويل] # 2014- فمن يك أمسى بالمدينة رحله # فإني وقيار بها لغريب # وبقوله: [البسيط] # 2015- يا ليتنا وهما نخلو بمنزلة # حتى يرى بعضنا بعضا ونأتلف # وبقوله: [الوافر] # 2016- وإلا فاعلموا أنا وأنتم # ................... # وبقوله: [الرجز] # 2017- يا ليتني وأنت يا لميس # وبقولهم: " إنك وزيد ذاهبان " ، وكل هذه تصلح أن تكون ~~دليلا للكسائي والفراء معا، وينبغي أن يورد الكسائي دليلا على ~~جواز ذلك مع ظهور إعراب الاسم؛ نحو: " إن زيدا وعمرو قائمان " ~~، ورد الزمخشري الرفع على المحل؛ فقال: " فإن قلت: هلا ~~زعمت أن ارتفاعه للعطف على محل " إن " واسمها، قلت: لا ~~يصح ذلك قبل الفراغ من الخبر، لا تقول: " إن زيدا وعمرو ~~منطلقان " ، فإن قلت: لم لا يصح والنية به التأخير، ~~وكأنك قلت: إن زيدا منطلق وعمرو؟ قلت: لأني إذا رفعته رفعته ~~على محل " إن " واسمها، والعامل في محلهما هو الابتداء، فيجب أن ~~يكون هو العامل في الخبر؛ لأن الابتداء ينتظم الجزأين في عمله، ~~كما تنتظمها " إن " في عملها، فلو رفعت " الصابئون " ~~المنوي به التأخير بالابتداء، وقد رفعت الخبر ب " إن " ، ~~لأعملت فيهما رافعين مختلفين " ، وهو واضح فيما رد به، إلا ~~أنه يفهم كلامه أنه يجيز ذلك بعد استكمال الخبر، وقد تقدم ~~أن بعضهم نقل الاجماع على جوازه. # وضعف ابن الخطيب ما قاله الزمخشري، قال: هذا الكلام ضعيف ~~وبيانه من وجوه: # الأول: أن هذه الأشياء التي يسميها النحويون: رافعة ~~وناصبة، ليس معناه أنها كذلك لذواتها ms3155 ولأعيانها، فإن هذا لا ~~يقوله عاقل، بل المراد أنهما معرفان بحسب الوضع ~~والاصطلاح لهذه الحركات، واجتماع المعرفات الكثيرة على ~~الشيء والواحد غير محال، ألا ترى أن جميع أجزاء ~~المحدثات دالة على وجود الله تعالى؟ # الثاني: أن هذا الجواب بناء على أن كلمة " إن " مؤثرة في ~~نصب الاسم ورفع الخبر، والكوفيون ينكرون ذلك، ويقولون: لا ~~تأثير لهذا الحرف في رفع الخبر ألبتة. # الثالث: أن الأشياء الكثيرة إذا عطفت بعضها على بعض، ~~فالخبر الواحد لا يكون خبرا عنهم؛ لأن الخبر عن الشيء ~~إخبار عن تعريف حاله وبيان صفته، ومن المحال أن يكون حال ~~الشيء وصفته عين حال الآخر وعين صفته، لامتناع قيام ~~الصفة الواحدة للذوات المختلفة، وإذا ثبت هذا ظهر أن ~~الخبر، وإن كان في اللفظ واحدا، لكنه في التقدير متعدد، ~~وإذا حصل التعدد في الحقيقة، لم يمتنع كون البعض مرتفعا ~~بالخبر، وبعض بالابتداء بهذا التقدير، ولم يلزم اجتماع ~~الرافعين على مرفوع واحد. # والذي يحقق ذلك أنه سلم أن بعد ذكر الاسم وخبره ~~جاز الرفع والنصب في المعطوف عليه، ولا شك أن هذا ~~المعطوف إنما جاز ذلك فيه؛ لأنا نضمر له خبرا، ~~وحكمنا بأن ذلك الخبر المضمر مرتفع بالابتداء. # وإذا ثبت هذا فنقول: إن قبل ذكر الخبر إذا عطفنا اسما على ~~اسم، حكم صريح العقل، بأنه لا بد من الحكم بتقدير الخبر، ~~وذلك إنما يحصل بإضمار الأخبار الكثيرة، وعلى هذا التقدير ~~يسقط ما ذكر من الإلزام. # الوجه الخامس: قال الواحدي: " وفي الآية قول رابع لهشام بن معاوية: ~~وهو أن تضمر خبر " إن " ، وتبتدىء " الصابئون " ، والتقدير: ~~" إن الذين آمنوا والذين هادوا يرحمون " على قول من يقول: ~~إنهم مسلمون، و " يعذبون " على قول من يقول: إنهم كفار، ~~فيحذف الخبر؛ إذ عرف موضعه؛ كما حذف من قوله: # إن الذين كفروا بالذكر # [فصلت: 41]، أي: يعاقبون " ثم قال الواحدي: وهذا القول قريب من ~~قول البصريين، غير أنهم يضمرون خبر الابتداء، ويجعلون " ~~من آمن " خبر " إن " ، وهذا على العكس من ذلك؛ لأنه جعل " من ~~آمن " خبر الابتداء، وحذف ms3156 خبر " إن " ، قال شهاب الدين: هو كما قال، ~~وقد نبهت على ذلك في قولي أولا: إن منهم من يقدر ~~الحذف من الأول، ومنهم من يعكس. # الوجه السادس: أن " الصابئون " مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف؛ ~~كمذهب سيبويه والخليل، إلا أنه لا ينوى بهذا المبتدأ التأخير، ~~فالفرق بينه وبين مذهب سيبويه نية التأخير وعدمها، قال أبو البقاء: " ~~وهو ضعيف أيضا؛ لما فيه من لزوم الحذف والفصل " ، أي: لما يلزم ~~من الجمع بين الحذف والفصل، ولا يعني بذلك؛ أن المكان من ~~مواضع الحذف اللازم؛ لأن القرآن يلزم أن يتلى على ما أنزل، ~~وإن كان ذلك المكان في غيره يجوز فيه الذكر والحذف. # الوجه السابع: أن " الصابئون " منصوب، وإنما جاء على لغة بني ~~الحرث وغيرهم الذين يجعلون المثنى بالألف في كل حال؛ نحو: " ~~رأيت الزيدان، ومررت بالزيدان " نقل ذلك مكي بن أبي طالب ~~وأبو البقاء، وكأن شبهة هذا القائل على ضعفها؛ أنه رأى الألف ~~علامة رفع المثنى، وقد جعلت في هذه اللغة نائبة رفعا ونصبا ~~وجرا، وكذا الواو هي علامة رفع المجموع سلامة، فيبقى في حالة ~~النصب والجر؛ كما بقيت الألف، وهذا ضعيف، بل فاسد. # الوجه الثامن: أن علامة النصب في " الصابئون " فتحة النون، ~~والنون حرف الإعراب، كهي في " الزيتون " و " عربون " ، قال ~~أبو البقاء: " فإن قيل: إنما أجاز أبو علي ذلك مع الياء، لا مع ~~الواو، قيل: قد أجازه غيره، والقياس لا يدفعه " ، قال شهاب الدين: ~~يشير إلى مسألة، وهو: أن الفارسي أجاز في بعض جموع السلامة، وهي ~~ما جرت مجرى المكسر كبنين وسنين؛ أن يحل الإعراب نونها؛ ~~بشرط أن يكون ذلك مع الياء خاصة دون الواو، فيقال: " جاء ~~البنين "؛ قال: [الوافر] # 2018- وكان لنا أبو حسن علي # أبا برا ونحن له بنين # وفي الحديث: # " اللهم، اجعلها عليهم سنينا كسنين يوسف " # ؛ وقال: [الطويل] # 2019- دعاني من نجد فإن سنينه # لعبن بنا شيبا وشيبننا مردا # فأثبت النون في الإضافة، فلما جاءت هذه القراءة؛ ووجهت بأن ~~علامة النصب فتحة النون، وكان المشهور بهذا القول إنما هو ~~الفارسي، سأل ms3157 أبو البقاء هذه المسألة، وأجاب بأن غيره يجيزه حتى ~~مع الواو، وجعل أن القياس لا يأباه، قال شهاب الدين: القياس يأباه، ~~والفرق بين حال كونه بالياء وبين كونه بالواو ظاهر قد حققته في " ~~شرح التسهيل " ، نعم، إذا سمي بجمع المذكر السالم، جاز فيه ~~خمسة أوجه: # أحدها: أن يعرب بالحركات مع الواو، ويصير نظير " الذون " ، ~~فيقال: " جاء الزيدون ورأيت الزيدون ومررت ~~بالزيدون " ، ك " جاء الذون ورأيت الذون ومررت بالذون ~~" ، هذا إذا سمي به، أما ما دام جمعا، فلا أحفظ فيه ما ذكره ~~أبو البقاء، ومن أثبت حجة على من نفى، لا سيما مع تقدمه في ~~العلم والزمان. # الوجه التاسع: قال مكي: " وإنما رفع " الصابئون "؛ لأن " إن " ~~لم يظهر لها عمل في " الذين " فبقي المعطوف على رفعه الأصلي قبل ~~دخول " إن " على الجملة " ، قلت: وهذا هو بعينه مذهب الفراء، أعني: ~~أنه يجيز العطف على محل اسم " إن " إذا لم يظهر فيه إعراب، إلا أن ~~عبارة مكي لا توافق هذا ظاهرا. # قال ابن الخطيب معللا قول الفراء: أن " إن " ضعيفة في ~~العمل هاهنا، وبيانه من وجوه: # الأول: أن كلمة " إن " لم تعمل إلا لكونها مشابهة ~~للفعل، ومعلوم أن المشابهة بين الفعل والحرف ضعيفة. # الثاني: أنها، وإن كانت تعمل في الاسم فقط، أما الخبر، ~~فإنه يبقى مرفوعا، لكونه خبر المبتدأ، وليس لهذا الحرف ~~في رفع الخبر تأثير، وهذا مذهب الكوفيين. # والثالث: أنها إنما يظهر أثرها في تغيير الأسماء أما ~~الأسماء التي لا تتغير عند اختلاف العوامل، فلا يظهر أثر هذا ~~الحرف فيها، والأمر هاهنا كذلك؛ لأن الاسم هاهنا هو قوله " ~~الذين " وهذه الكلمة لا يظهر فيها أثر النصب والرفع ~~والخفض. # وإذا ثبت هذا فنقول: إذا كان اسم " إن " بحيث لا يظهر فيه ~~أثر الإعراب، فالذي يعطف عليه يجوز النصب فيه على إعمال ~~هذا الحرف، والرفع على إسقاط عمله، فلا يجوز أن يقال: " ~~إن زيدا وعمرا قائمان " لأن زيدا ظهر فيها أثر الإعراب، ~~ويجوز أن يقال: " إن هؤلاء إخوتك يكرموننا، وإن قطام ~~وهند عندنا " والسبب ms3158 في جواز ذلك أن كلمة " إن " ~~كانت في الأصل ضعيفة العمل، فإذا صارت بحيث لا يظهر ~~لها أثر في اسمها صارت في غاية الضعف، فجاز الرفع ~~بمقتضى الحكم الثابت قبل دخول هذا الحرف عليه، وهو كونه ~~مبتدأ، فهذا تقرير قول الفراء، وهو مذهب حسن، وأولى من ~~مذهب البصريين؛ لأن الذي قالوه يقتضي أن كلام الله على ~~الترتيب الذي ورد عليه ليس بصحيح، وإنما تحصل الصحة عند ~~تفكيك هذا النظم، وعلى قول الفراء فلا حاجة إليه، فكان ~~ذلك أولى. # وقرأ أبي بن كعب، وعثمان بن عفان، وعائشة، والجحدري وسعيد ~~بن جبير، وجماعة: " والصابئين " بالياء، ونقلها صاحب " الكشاف ~~" عن ابن كثير، وهذا غير مشهور عنه، وهذه القراءة واضحة التخريج؛ ~~عطفا على لفظ اسم " إن " ، وإن كان فيها مخالفة لسواد المصحف، ~~فيه مخالفة يسيرة، ولها نظائر كقراءة قنبل عن ابن كثير: { سراط } ~~[الفاتحة: 7] وبابه بالسين، وكقراءة حمزة إياه في رواية بالزاي، ~~وهو مرسوم بالصاد في سائر المصاحف، ونحو قراءة الجميع: { إيلافهم } ~~[قريش: 2] بالياء، والرسم بدونها في الجميع، وقرأ الحسن البصري ~~والزهري: " والصابيون " بكسر الباء بعدها ياء خالصة، وهو تخفيف ~~للهمزة، كقراءة من قرأ: " يستهزيون " [الأنعام: 5] بخلوص الياء، وقد ~~تقدم قراءة نافع في البقرة [الآية 62]. # وأما " النصارى " ، فهو منصوب عطفا على لفظ اسم " إن " ، ولا ~~حاجة إلى ادعاء كونه مرفوعا على ما رفع به " الصابئون "؛ لكلفة ~~ذلك. # قوله تعالى: " من آمن " يجوز في " من " وجهان: # أحدهما: أنها شرطية، وقوله: " فلا خوف " إلى آخره جواب الشرط، وعلى ~~هذا ف " آمن " في محل جزم بالشرط، و " فلا خوف " في محل جزم ~~بكونه جوابه، والفاء لازمة. # والثاني: أن تكون موصولة والخبر " فلا خوف " ، ودخلت الفاء لشبه ~~المبتدأ بالشرط، ف " آمن " على هذا لا محل له؛ لوقوعه صلة، و " ~~فلا خوف " محله الرفع لوقوعه خبرا، والفاء جائزة الدخول، لو ~~كان في غير القرآن، وعلى هذين الوجهين، فمحل " من " رفع بالابتداء، ~~ويجوز على كونها موصولة: أن تكون في محل نصب بدلا من اسم " إن " ~~وما عطف عليه، أو تكون ms3159 بدلا من المعطوف فقط، وهذا على الخلاف في " ~~الذين آمنوا ": هل المراد بهم المؤمنون حقيقة، أو المؤمنون ~~نفاقا؟ وعلى كل تقدير من التقادير المتقدمة، فالعائد من هذه ~~الجملة على " من " محذوف، تقديره: " من آمن منهم "؛ كما صرح ~~به في موضع آخر، وتقدم إعراب باقي الجملة فيما مضى. # فصل في معنى الآية # معنى قوله تعالى: { إن الذين آمنوا } ، أي: باللسان وقوله ~~تعالى: { من آمن } بالقلب، وعلى هذا فالمراد بهم: المنافقون، ~~وقيل: إن الذين على حقيقة الإيمان { من آمن بالله } أي: ثبت ~~على الإيمان بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون. # ولهذا التكرير فائدتان: # الأولى: أن المنافقين كانوا يزعمون أنهم مؤمنون، ~~فأخرجهم بهذا التكرير عن [وعد] عدم الخوف، وعدم الحزن. # والثاني: أنه تعالى ذكر لفظ الإيمان، والإيمان يدخل تحته أقسام: ~~فأشرفها: الإيمان بالله واليوم الآخر، فكرره تنبيها على أن هذين ~~القسمين أشرف أقسام الإيمان. # وقد تقدم في قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا # [المائدة: 35] كلام يناسب هذا الموضع. # واعلم أنه لما بين أن أهل الكتاب ليسوا على شيء ما لم ~~يؤمنوا بين أن هذا الحكم عام في الكل، وأنه لا ~~يحصل لأحد فضيلة إلا إذا آمن بالله واليوم الآخر، ~~وعمل صالحا. # قالت المعتزلة: إنه تعالى شرط عدم الخوف والحزن بالإيمان ~~والعمل الصالح، والمشروط بالشيء عدم عند عدم الشرط، فإن لم ~~يأت مع الإيمان بالعمل الصالح، فإنه يحصل له الخوف والحزن، ~~وذلك يمنع من العفو عن صاحب الكبيرة. # والجواب: أن صاحب الكبيرة لا يقطع بأن الله يعفو عنه لا ~~محالة، فكان الخوف والحزن حاصلا قبل إظهار العفو والله أعلم. ### || [5.70] # والمقصود: بيان عيوب بني إسرائيل، وشدة تمردهم عن الوفاء ~~بعهد الله، وهذا متعلق بأول السورة، وهو قوله تعالى: # أوفوا بالعقود # [المائدة: 1]. # قوله تعالى: { كلما جآءهم رسول }: قد تقدم الكلام [الآية ~~20 من البقرة] على " كلما " مشبعا، فأغنى عن إعادته، وقال ~~الزمخشري: " كلما جاءهم رسول " جملة شرطية وقعت صفة ل " ~~رسلا " ، والراجع محذوف، أي: " رسول منهم " ، ثم قال: " فإن ~~قلت: أين ms3160 جواب الشرط، فإن قوله: { فريقا كذبوا وفريقا ~~يقتلون } ناب عن الجواب؛ لأن الرسول الواحد لا يكون فريقين؛ ~~ولأنه لا يحسن أن تقول: " إن أكرمت أخي، أخاك أكرمت "؟ قلت: ~~هو محذوف؛ يدل عليه قوله: { فريقا كذبوا، وفريقا ~~يقتلون } ، كأنه قيل: كلما جاءهم رسول، ناصبوه، وقوله: " ~~فريقا كذبوا " جواب مستأنف لقائل يقول: كيف فعلوا برسلهم؟ ~~" قال أبو حيان: " وليس " كلما " شرطا، بل " كل " منصوب على ~~الظرف و " ما " مصدرية ظرفية، ولم يجزم العرب ب " كلما " أصلا، ~~ومع تسليم أن " كلما " شرط؛ فلا يمتنع؛ لما ذكر، أما الأول؛ فلأن ~~المراد ب " رسول " الجنس لا واحد بعينه، فيصح انقسامه إلى ~~فريقين؛ نحو: " لا أصحبك ما طلع نجم " أي: جنس النجوم، وأما ~~الثاني؛ فيعني أنه لا يجوز تقديم معمول جواب الشرط عليه ". وهذا الذي ~~منعه إنما منعه الفراء وحده، وأما غيره، فأجاز ذلك، وهذا مع تسليم ~~أن " كلما " شرط، وأما إذا مشينا على أنها ظرفية، فلا حاجة ~~إلى الاعتذار عن ذلك، ولا يمتنع تقديم معمول الفعل العامل في " ~~كلما " تقول: " كلما جئتني أخاك أكرمت " ، قال شهاب ~~الدين: هذا واضح من أنها ليست شرطا، وهذه العبارة تكثر في عبارة ~~الفقهاء دون النحاة، وفي عبارة أبي البقاء ما يشعر بما قاله ~~الزمخشري، فإنه قال: " وكذبوا " جواب " كلما " و " فريقا " ~~مفعول ب " كذبوا " ، و " فريقا " منصوب ب " يقتلون " ، ~~وإنما قدم مفعول " يقتلون " لتواخي رؤوس الآي، وقدم مفعول " ~~كذبوا " مناسبة لما بعده. # قال الزمخشري: " فإن قلت: لم جيء بأحد الفعلين ماضيا، وبالآخر ~~مضارعا؟ قلت: جيء ب " يقتلون " على حكاية الحال الماضية؛ ~~استفظاعا للقتل، واستحضارا لتلك الحال الشنيعة؛ للتعجب منها ". ~~انتهى، وقد يقال: فلم لا حكيت حال التكذيب أيضا، فيجاء ~~بالفعل مضارعا لذلك؟ ويجاب بأن الاستفظاع في القتل وشناعته ~~أكثر من فظاعة التكذيب، وأيضا؛ فإنه لما جيء به مضارعا ناسب رؤوس ~~الآي. ### || [5.71] # قرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو " تكون " برفع النون، والباقون ~~بنصبها، فمن رفع ف " أن " عنده مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير ~~الأمر والشأن محذوف، تقديره، أنه، و " لا ms3161 " نافية، و " تكون " ~~تامة، و " فتنة " فاعلها، والجملة خبر " أن " ، وهي مفسرة لضمير ~~الأمر والشأن، وعلى هذا، ف " حسب " هنا لليقين، لا للشك؛ ومن ~~مجيئها لليقين قول الشاعر: [الطويل] # 2020- حسبت التقى والجود خير تجارة # رباحا إذا ما المرء أصبح ثاقلا # أي: تيقنت؛ لأنه لا يليق الشك بذلك، وإنما اضطررنا إلى ~~جعلها في الآية الكريمة بمعنى اليقين؛ لأن " أن " المخففة لا تقع إلا ~~بعد يقين، فأما قوله: [البسيط] # 2021- أرجو وآمل أن تدنو مودتها # وما إخال لدينا منك تنويل # فظاهره: أنها مخففة؛ لعدم إعمالها، وقد وقعت بعد " أرجو " و " ~~آمل " وليسا بيقين، والجواب من وجهين: # أحدهما: أن " أن " ناصبة، وإنما أهملت؛ حملا على " ما " ~~المصدرية؛ ويدل على ذلك أنها لو كانت مخففة، لفصل بينها وبين ~~الجملة الفعلية بما سنذكره، ويكون هذا مثل قول الله تعالى: # لمن أراد أن يتم الرضاعة # [البقرة: 233]؛ وكقوله: [البسيط] # 2022- يا صاحبي فدت نفسي نفوسكما # وحيثما كنتما لقيتما رشدا # أن تحملا حاجة لي خف محملها # تستوجبا نعمة عندي بها ويدا # أن تقرآن على أسماء ويحكما # مني السلام وألا تشعرا أحدا # فقوله: " أن تقرآن " بدل من " حاجة " ، وقد أهمل " أن "؛ ~~ومثله قوله: [مجزوء الكامل] # 2023- إني زعيم يا نوي # قة إن نجوت من الرزاح # ونجوت من وصب العدو # و من الغدو إلى الرواح # أن تهبطين بلاد قو # م يرتعون من الطلاح # وكيفما قدر فيما ذكرته من الأبيات، يلزم أحد شذوذين قد قيل ~~باحتمال كل منهما: إما إهمال " أن " ، وإما وقوع المخففة بعد ~~غير علم، وعدم الفصل بينها، وبين الجملة الفعلية. # والثاني من وجهي الجواب: أن رجاءه وأمله قويا حتى قربا من ~~اليقين، فأجراهما مجراه في ذلك. # وأما قول الشاعر: [الخفيف] # 2024- علموا أن يؤملون فجادوا # قبل أن يسألوا بأعظم سؤل # فالظاهر أنها المخففة، وشذ عدم الفصل، ويحتمل أن تكون الناصبة ~~شذ وقوعها بعد العلم، وشذ إهمالها، ففي الأول شذوذ واحد، ~~وهو عدم الفصل، وفي الثاني شذوذان: وقوع الناصبة بعد العلم، ~~وإهمالها حملا على " ما " أختها. # وجاء هنا على الواجب - عند بعضهم - أو ms3162 الأحسن - عند آخرين - وهو ~~الفصل بين " أن " الخفيفة وبين خبرها، إذا كان جملة فعلية متصرفة غير ~~دعاء، والفاصل: إما نفي كهذه الآية، وإما حرف تنفيس؛ كقوله تعالى: # علم أن سيكون منكم مرضى # [المزمل: 20]، ومثله: " علمت أن سوف تقوم " ، وإما " قد "؛ ~~كقوله تعالى: # ونعلم أن قد صدقتنا # [المائدة: 113]، وإما " لو " - وهي غريبة -؛ كقوله: # وألو استقاموا # [الجن: 16] # أن لو كانوا يعلمون الغيب # [سبأ: 14]. وتحرزت بالفعلية من الاسمية؛ فإنها لا تحتاج إلى فاصل؛ ~~كقوله تعالى: # وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين # [يونس: 10]، وكقوله: [البسيط] # 2025- في فتية كسيوف الهند قد علموا # أن هالك كل من يحفى وينتعل # وبالمتصرفة من غير المتصرفة؛ فإنه لا تحتاج إلى فاصل؛ كقوله ~~تعالى: # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى # [النجم: 39] # وأن عسى أن يكون # [الأعراف: 185]، وبغير دعاء من الواقعة دعاء؛ كقوله تعالى: " أن ~~غضب الله " [النور: 9] في قراءة نافع. # ومن نصب " تكون " ف " أن " عنده هي الناصبة للمضارع، دخلت على ~~فعل منفي ب " لا " ، و " لا " لا يمنع أن يعمل ما قبلها فيما ~~بعدها من ناصب، ولا جازم، ولا جار، فالناصب كهذه الآية؛ والجازم ~~كقوله تعالى: # إلا تفعلوه تكن فتنة # [الأنفال: 73] # إلا تنصروه فقد نصره الله # [التوبة: 40]، والجار نحو: " جئت بلا زاد ". # و " حسب " هنا على بابها من الظن، فالناصبة لا تقع بعد علم، ~~كما أن المخففة لا تقع بعده غيره، وقد شذ وقوع الناصبة بعد ~~يقين، وهو نص فيه كقوله: [البسيط] # 2026- نرضى عن الناس إن الناس قد علموا # ألا يدانينا من خلقه بشر # وليس لقائل أن يقول: العلم هنا بمعنى الظن؛ إذ لا ضرورة تدعو ~~إليه، والأكثر بعد أفعال الشك النصب ب " أن " ، ولذلك أجمع على ~~النصب في قوله تعالى: # أحسب الناس أن يتركوا # [العنكبوت: 2]، وأما قوله تعالى: # أفلا يرون ألا يرجع إليهم # [طه: 89] فالجمهور على الرفع؛ لأن الرؤية تقع على العلم. # والحاصل أنه متى وقعت بعد علم، وجب أن تكون المخففة، وإذا ~~وقعت بعد ما ليس بعلم ولا شك، وجب أن تكون الناصبة، وإن وقعت بعد ms3163 ~~فعل يحتمل اليقين والشك جاز فيها وجهان باعتبارين: إن جعلناه ~~يقينا، جعلناها المخففة ورفعنا ما بعدها، وإن جعلناه شكا جعلناها ~~الناصبة ونصبنا ما بعدها، والآية الكريمة من هذا الباب، وكذلك قوله ~~تعالى: # أفلا يرون ألا يرجع إليهم # [طه: 89] وقوله: # أحسب الناس أن يتركوا # [العنكبوت: 2] لكن لم يقرأ في الأولى إلا بالرفع، ولا في الثانية إلا ~~بالنصب، لأن القراءة سنة متبعة، وهذا تحرير العبارة فيها، وإنما قلنا ~~ذلك؛ لأن بعضهم يقول: يجوز فيها بعد أفعال الشك وجهان، فيوهم هذا أنه ~~يجوز فيها أن تكون المخففة، والفعل قبلها باق على معناه من ~~الشك، لكن يريد ما ذكرته لك من الصلاحية اللفظية بالاعتبارين ~~المتقدمين، ولهذا قال الزمخشري: " فإن قلت: كيف دخل فعل ~~الحسبان على " أن " التي هي للتحقيق؟ قلت: نزل حسبانهم؛ ~~لقوته في صدورهم منزلة العلم " والسبب المقتضي لوقوع ~~المخففة بعد اليقين، والناصبة بعد غيره، وجواز الوجهين فيما تردد ~~بين الشك واليقين: ما ذكروه، وهو " أن " المخففة تدل على ~~ثبات الأمر واستقراره؛ لأنها للتوكيد كالمشددة، والعلم وبابه كذلك، ~~فناسب أن توقعها بعد اليقين للملاءمة بينهما، ويدل على ذلك ~~وقوعها مشددة بعد اليقين؛ كقوله تعالى: # ويعلمون أن الله هو الحق المبين # [النور: 25] # ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير # [البقرة: 106] # ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض # [البقرة: 107] إلى غير ذلك، والنوع الذي لا يدل على ثبات واستقرار ~~تقع بعده الناصبة؛ كقوله تعالى: # والذي أطمع أن يغفر لي # [الشعراء: 82] # نخشى أن تصيبنا دآئرة # [المائدة: 52] # فخشينآ أن يرهقهما # [الكهف: 80] # ءأشفقتم أن تقدموا # [المجادلة: 13] إلى غير ذلك، والنوع المحتمل للأمرين تقع بعده تارة ~~المخففة، وتارة الناصبة؛ كما تقدم من الاعتبارين، وعلى كلا ~~التقديرين، أعني: كونها المخففة أو الناصبة، فهي سادة مسد ~~المفعولين عند جمهور البصريين، ومسد الأول، والثاني محذوف عند ~~أبي الحسن، أي: حسبوا عدم الفتنة كائنا أو حاصلا، وحكى بعض ~~النحويين أنه ينبغي لمن رفع أن يفصل " أن " من " لا " في ~~الكتابة؛ لأن الهاء المضمرة حائلة في المعنى، ومن نصب، لم يفصل ~~لعدم ms3164 الحائل بينهما، قال أبو عبد الله: " هذا ربما ساغ في غير ~~المصحف، أما المصحف، فلم يرسم إلا على الاتصال ". ~~انتهى، وفي هذه العبارة تجوز؛ إذ لفظ الاتصال يشعر بأن ~~تكتب " أنلا " فتوصل " أن " ب " لا " في الخط، فينبغي أن يقال: ~~لا تثبت لها صورة، أو تثبت لها صورة منفصلة. # فصل # اختلفوا في الفتنة فقيل: هي العذاب أي: وظنوا ألا يكون ~~عذاب، وقيل: هي الابتلاء والاختبار بالقحط، والوباء، ~~والقتل والعداوة، والبغضاء فيما بينهم، وكل ذلك قد ~~وقع بهم، وكل واحد من المفسرين حمل الفتنة على واحد من ~~هذه الوجوه. # واعلم أن حسبانهم ألا تقع فتنة يحتمل وجهين: # إما أنهم كانوا يعتقدون أن الواجب عليهم في كل رسول جاء ~~بشرع آخر؛ أنه يجب عليهم قتله وتكذيبه. # وإما أنهم وإن اعتقدوا في أنفسهم كونهم مخطئين في ذلك ~~التكذيب والقتل، إلا أنهم كانوا يقولون: # نحن أبناء الله وأحباؤه # [المائدة: 18] وكانوا يعتقدون أن نبوة أسلافهم وآبائهم ~~تدفع عنهم العذاب الذي يستحقونه بسبب ذلك القتل ~~والتكذيب. # قوله تعالى: { ثم عموا وصموا كثير منهم } أي: ~~فعموا عن الحق فلم يبصروا " وصموا " بعد موسى { ثم تاب ~~الله عليهم } ببعث عيسى - عليه الصلاة والسلام - وقيل: ~~عموا وصموا في زمان زكريا، ويحيى، وعيسى - عليهم الصلاة ~~والسلام -، ثم تاب الله على بعضهم، حيث آمن بعضهم به ثم عموا ~~وصموا كثير منهم في زمان محمد - صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم -، بأن أنكروا نبوته ورسالته، وإنما قال " كثير ~~منهم "؛ لأن أكثر اليهود وإن أصروا على الكفر بمحمد - ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، إلا أن جمعا آمنوا به ~~كعبد الله بن سلام وأصحابه. # وقيل: عموا حين عبدوا العجل، ثم تابوا عنه فتاب ~~الله عليهم، ثم عموا وصموا كثير منهم بالتعنت، ~~وهو طلبهم رؤية الله جهرة، ونزول الملائكة. # وقال القفال: ذكر الله تعالى في سورة بني إسرائيل ما ~~يجوز أن يكون تفسيرا لهذه الآية، فقال تعالى: # وقضينآ إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن ~~في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا فإذا جآء ~~وعد أولاهما ms3165 بعثنا عليكم عبادا لنآ أولي بأس ~~شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ~~ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم ~~بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا # [الإسراء: 4، 5، 6]، فهذا في معنى " فعموا وصموا " ثم قال تعالى # فإذا جآء وعد الأخرة ليسوءوا وجوهكم ~~وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة ~~وليتبروا ما علوا تتبيرا # [الإسراء: 7] فهذا في معنى قوله " فعموا وصموا ". # قوله تعالى: { ثم عموا وصموا كثير منهم } في هذا ~~التركيب خمسة أوجه: # أحدها: أن الواو علامة جمع الفاعل، كما يلحق الفعل تاء التأنيث؛ ~~ليدل على تأنيث الفاعل، ك " قامت هند " ، وهذه اللغة جارية في ~~المثنى وجمع الإناث أيضا، فيقال: " قاما أخواك، وقمن أخواتك ~~"؛ كقوله: [الطويل] # 2027-................... # وقد أسلماه مبعد وحميم # وقوله: [الطويل] # 2028- ولكن ديافي أبوه وأمه # بحوران يعصرن السليط أقاربه # واستدل بعضهم بقوله - عليه السلام -: # " يتعاقبون فيكم ملائكة " # ، ويعبر النحاة عن هذه اللغة بلغة " أكلوني البراغيث " ، ~~ولكن الأفصح ألا تلحق الفعل علامة، وفرق النحويون بين ~~لحاقه علامة التأنيث، وعلامة التثنية والجمع؛ بأن علامة التأنيث ~~ألزم؛ لأن التأنيث في ذات الفاعل بخلاف التثنية والجمع؛ فإنه غير ~~لازم. # الوجه الثاني: أن الواو ضمير عائد على المذكورين العائد عليهم واو ~~" حسبوا " ، و " كثير " بدل من هذا الضمير، كقولك: " إخوتك ~~قاموا كبيرهم وصغيرهم " ونحوه. والإبدال كثير في ~~القرآن قال تعالى: # الذي أحسن كل شيء خلقه # [السجدة: 7]. # وقال تعالى: # ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا # [آل عمران: 97]. # الوجه الثالث: أن الواو ضمير أيضا، و " كثير " بدل منه، والفرق ~~بين هذا الوجه والذي قبله: أن الضمير في الوجه الأول مفسر بما ~~قبله وهم بنو إسرائيل، وأما في هذا الوجه، فهو مفسر بما بعده، ~~وهذا أحد المواضع التي يفسر فيها الضمير بما بعده، وهو أن يبدل ~~منه ما يفسره، وهي مسألة خلاف، وقد تقدم تحريرها. # الوجه الرابع: أن الضمير عائد على من تقدم، و " كثير " خبر ~~مبتدأ محذوف، وقدره مكي تقديرين: أحدهما: قال: " تقديره العمي ~~والصم كثير منهم " ، والثاني: العمى والصمم كثير منهم؛ ودل ~~على ذلك قوله: { ثم عموا ms3166 وصموا } ، فعلى تقديره الأول: يكون " ~~كثير " صادقا عليهم و " منهم " صفة ل " كثير "؛ وعلى التقدير ~~الثاني: يكون " كثير " صادقا على العمى والصمم لا عليهم، و " ~~منهم " صفة له بمعنى أنه صادر منهم، وهذا الثاني غير ظاهر، ~~وقدره الزمخشري فقال: " أولئك كثير منهم ". # الوجه الخامس: أن " كثير " مبتدأ والجملة الفعلية قبله خبر، ولا ~~يقال: إن الفعل متى وقع خبرا، وجب تأخيره؛ لأن ذلك مشروط ~~بكون الفاعل مستترا؛ نحو: " زيد قام "؛ لأنه لو قدم، فقيل: " ~~قام زيد " ، لألبس بالفاعل، فإن قيل: وهذا أيضا يلبس بالفاعل ~~في لغة " أكلوني البراغيث " ، فالجواب: أنها لغة ضعيفة لا نبالي ~~بها، وضعف أبو البقاء هذا الوجه بمعنى آخر، فقال: " لأن الفعل قد ~~وقع في موضعه، فلا ينوى به غيره " ، وفيه نظر؛ لأنا لا ~~نسلم أنه وقع موقعه، وإنما كان واقعا لو كان مجردا من علامة، ~~ومثل هذه الآية أيضا قوله تعالى: # وأسروا النجوى الذين ظلموا # [الأنبياء: 3]. # والجمهور على " عموا وصموا " بفتح العين والصاد، والأصل: عميوا ~~وصمموا؛ كشربوا، فأعل الأول بالحذف، والثاني بالإدغام، ~~وقرأ يحيى بن وثاب وإبراهيم النخعي بضم العين والصاد وتخفيف الميم من " ~~عموا " ، قال الزمخشري: " على تقدير عماهم الله وصمهم، أي: ~~رماهم وضربهم بالعمى والصمم؛ كما يقال: نزكته إذا ~~ضربته بالنيزك، وركبته إذا ضربته بركبتك " ، ~~ولم يعترض عليه أبو حيان - رحمه الله -، وكان قد قال قبل ذلك بعد أن حكى ~~القراءة: " جرت مجرى زكم الرجل، وأزكمه الله، وحم ~~وأحمه الله، ولا يقال: زكمه الله ولا حمه؛ كما لا يقال: ~~عميته ولا صممته، وهي أفعال جاءت مبنية للمفعول الذي لم ~~يسم فاعله، وهي متعدية ثلاثية، فإذا بنيت للفاعل، صارت ~~قاصرة، فإذا أردت بناءها للفاعل متعدية، أدخلت همزة النقل، ~~وهي نوع غريب في الأفعال ". انتهى، فقوله: " كما لا يقال ~~عميته ولا صممته " يقتضي أن الثلاثي منها لا يتعدى، ~~والزمخشري قد قال على تقدير: " عماهم الله وصمهم " فاستعمل ~~ثلاثية متعديا، فإن كان ما قاله أبو حيان صحيحا، فينبغي أن يكون ~~كلام الزمخشري فاسدا أو بالعكس. # وقرأ ابن أبي ms3167 عبلة " كثيرا " نصبا؛ على أنه نعت لمصدر محذوف، ~~وتقدم غير مرة أنه عند سيبويه حال، وقال مكي: " ولو نصبت " ~~كثيرا " في الكلام، لجاز أن تجعله نعتا لمصدر محذوف، أي: عمى ~~وصمما كثيرا " ، قلت: كأنه لم يطلع عليها قراءة، أو لم تصح ~~عنده؛ لشذوذها. # وقوله: " فعموا " عطفه بالفاء، وقوله: { ثم عموا وصموا } ~~عطفه ب " ثم " ، وهو معنى حسن؛ وذلك أنهم عقيب الحسبان، حصل ~~لهم العمى والصمم من غير تراخ، وأسند الفعلين إليهم، بخلاف قوله: # فأصمهم وأعمى أبصارهم # [محمد: 23]، لأن هذا فيمن لم يسبق له هداية، وأسند الفعل الحسن ~~لنفسه في قوله: { ثم تاب الله عليهم } ، وعطف قوله: " ثم ~~عموا " بحرف التراخي؛ دلالة على أنهم تمادوا في الضلال إلى ~~وقت التوبة. # فصل في معنى العمى والصمم # المراد بهذا العمى والصمم الجهل والكفر، وإذا كان كذلك ~~فنقول: فاعل هذا الجهل إما أن يكون هو الله - تعالى - أو ~~العبد. # فالأول: يبطل قول المعتزلة. # والثاني: باطل؛ لأن الإنسان لا يختار ألبتة تحصيل ~~الجهل والكفر لنفسه. # فإن قيل: إنما اختاروا ذلك؛ لأنهم ظنوا أنه علم. # قلنا: هذا الجهل يسبقه جهل آخر، إلا أن الجهالات لا ~~تتسلسل، بل لا بد من انتهائها إلى الجهل الأول، ولا يجوز ~~أن يكون هو العبد لما ذكرنا فوجب أن يكون فاعله هو الله ~~تعالى. # ثم قال تعالى: { والله بصير بما يعملون } أي: من ~~قتل الأنبياء وتكذيب الرسل المقصود منه التهديد. ### || [5.72] # لما تكلم مع اليهود شرع في الكلام هاهنا مع النصارى. # فحكى عن فريق منهم أنهم قالوا: { إن الله هو المسيح ~~ابن مريم } وهذا قول الملكانية واليعقوبية؛ لأنهم ~~يقولون: إن مريم ولدت إلها، ولعل معنى هذا المذهب أنهم ~~يقولون: إن الله تعالى حل في ذات عيسى واتحد بذات عيسى، ثم حكى ~~- سبحانه وتعالى - عن المسيح أنه قال: { يابني إسرائيل ~~اعبدوا الله ربي وربكم } ، وهذا تنبيه على ما هو ~~الحجة القاطعة على فساد قول النصارى؛ وذلك لأنه - عليه ~~الصلاة والسلام - لم يفرق بينه وبين غيره، في أن دلائل ~~الحدوث ظاهرة عليه، ثم ms3168 قال تعالى: { إنه من يشرك ~~بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه ~~النار وما للظالمين من أنصار } ومعناه ظاهر واحتج ~~أهل السنة بهذا على أن عقاب الفساق لا يكون مخلدا ~~قالوا: لأنه تعالى جعل أعظم أنواع الوعيد والتهديد في حق ~~المشركين، وهو أن الله - تعالى - حرم عليهم الجنة ~~ومأواهم النار، وأنه ليس لهم ناصر ينصرهم، ولا شافع ~~يشفع لهم، فلو كان حال الفساق من المؤمنين كذلك لما بقي ~~لتهديد المشركين على شركهم بهذا الوعيد فائدة. ### || [5.73-74] # معناه أحد الثلاثة، ولذلك منع الجمهور أن ينصب ما بعده، لا ~~تقول: ثالث ثلاثة، ولا رابع أربعة؛ قالوا: لأنه اسم فاعل، ~~ويعمل عمل فعله، وهنا لا يقع موقعه فعل؛ إذ لا يقال: ربعت ~~الأربعة، ولا ثلثت الثلاثة، وأيضا: فإنه أحد الثلاثة؛ فيلزم ~~أن يعمل في نفسه، وأجاز النصب بمثل هذا ثعلب، ورده عليه ~~الجمهور بما ذكر، أما إذا كان من غير لفظ ما بعده، فإنه يجوز ~~فيه الوجهان: النصب، والإضافة؛ نحو: رابع ثلاثة، وإن شئت: ~~ثلاثة، واعلم: أنه يجوز أن يشتق من واحد إلى عشرة صيغة اسم ~~فاعل؛ نحو: " واحد " ، ويجوز قلبه فيقال: حادي وثاني وثالث إلى ~~عاشر، وحينئذ: يجوز أن يستعمل مفردا؛ فيقال: ثالث ورابع؛ كما ~~يقال: ثلاثة وأربعة من غير ذكر مفسر، وأن يستعمل استعمال أسماء ~~الفاعلين؛ إن وقع بعده مغايره لفظا، ولا يكون إلا ما دونه برتبة ~~واحدة؛ نحو عاشر تسعة، وتاسع ثمانية، فلا يجامع ما ~~دونه برتبتين؛ نحو: عاشر ثمانية، ولا ثامن أربعة، ولا ~~يجامع ما فوقه مطلقا، فلا يقال: تاسع عشرة ولا رابع ستة. # إذا تقرر ذلك فيعطى حكم اسم الفاعل؛ فلا يعمل إلا بشروطه، وأما إذا ~~جامع موافقا [له لفظا] وجبت إضافته؛ نحو: ثالث ثلاثة، وثاني ~~اثنين، وتقدم خلاف ثعلب، ويجوز أن يبنى أيضا من أحد عشر، ~~إلى تسعة عشر، فيقال: حادي عشر وثالث عشر، ويجوز أن يستعمل ~~مفردا؛ كما ذكرنا، ويجوز أن يستعمل مجامعا لغيره، ولا يكون إلا ~~موافقا، فيقال: حادي عشر أحد عشر، وثالث عشر ثلاثة ms3169 عشر، ولا ~~يقال: ثالث عشر اثني عشر، وإن كان بعضهم خالف، وحكم المؤنث ~~كحكمه في الصفات الصريحة، فيقال: ثالثة ورابعة، وحادية عشرة، ~~وثالثة عشرة ثلاث عشرة، وله أحكام كثيرة مذكورة في كتب ~~النحو. فصل في تفسير قول النصارى " ثالث ثلاثة " # هذا قول المرقوسية: وفيه طريقان: أحدهما: قول المفسرين: وهو ~~أن النصارى يقولون: الإلهية مشتركة بين الله ومريم ~~وعيسى، وكل واحد من هؤلاء إله. # ويؤكد ذلك قوله تعالى: # ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من ~~دون الله # [المائدة: 116] فقوله: " ثالث ثلاثة " أي: أحد ثلاثة، وواحد من ~~ثلاثة آلهة، يدل عليه قوله تعالى في الرد عليهم: { وما من ~~إله إلا إله واحد }. # قال الواحدي والبغوي: من قال: إن الله تعالى ثالث ثلاثة، ~~هو لم يرد ثالث ثلاثة آلهة، فإنه ما من شيء إلا والله ~~ثالثه بالعلم، قال تعالى: # ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا ~~خمسة إلا هو سادسهم # [المجادلة: 7]. # و # " قال النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - لأبي بكر:ما ~~ظنك باثنين الله ثالثهما ". # الطريق الثاني: أن المتكلمين حكوا عن النصارى أنهم ~~يقولون: جوهر واحد: ثلاثة أقسام: أب، وابن، وروح القدس، ~~وهذه الثلاثة إله واحد، كما أن الشمس اسم يتناول القرص ~~والشعاع والحرارة، وعنوا بالأب الذات، وبالابن الكلمة، ~~وبالروح الحياة، وأثبتوا الذات والكلمة والحياة. # وقالوا: إن الكلمة التي هي كلام الله اختلطت بجسم عيسى ~~اختلاط الماء بالخمر، واختلاط الماء باللبن. # وزعموا أن الأب إله، والابن إله، والروح إله، والكل إله ~~وهذا باطل بيديهة العقل، فإن الإله لا يكون إلا واحدا، ~~والواحد لا يكون ثلاثة، وليس في الدنيا مقالة أشد فسادا، ~~وأظهر بطلانا من مقالة النصارى - لعنهم الله تعالى -. # قوله تعالى: { وما من إله } " من " زائدة في المبتدأ؛ لوجود ~~الشرطين، وهما كون الكلام غير إيجاب، وتنكير ما جرته، و " إله " ~~بدل من محل " إله " المجرور ب " من " الاستغراقية؛ لأن محله ~~رفع كما تقدم، وما إله في الوجود إلا إله متصف ~~بالوحدانية، قال الزمخشري: " من " في قوله: " من إله " ~~للاستغراق، وهي ms3170 المقدرة مع " لا " التي لنفي الجنس في قولك: " لا ~~إله إلا الله " والمعنى: وما من إله قط في الوجود إلا ~~إله متصف بالوحدانية، وهو الله تعالى، فقد تحصل من هذا أن ~~" من إله " مبتدأ، وخبره محذوف، و " إلا إله " بدل على ~~المحل، قال مكي: " ويجوز في الكلام النصب: " إلا إلها " على ~~الاستثناء " ، قال أبو البقاء: " ولو قرىء بالجر بدلا من لفظ " ~~إله " ، لكان جائزا في العربية " ، قال شهاب الدين: ليس كما قال؛ ~~لأنه يلزم زيادة " من " في الواجب؛ لأن النفي انتقض ب " إلا " ، ~~لو قلت: " ما قام إلا من رجل " ، لم يجز فكذا هذا، وإنما ~~يجوز ذلك على رأي الكوفيين والأخفش؛ فإن الكوفيين يشترطون تنكير ~~مجرورها فقط، والأخفش لا يشترط شيئا، قال مكي " واختار الكسائي ~~الخفض على البدل من لفظ " إله " ، وهو بعيد؛ لأن " من " لا تزاد ~~في الواجب " ، قال شهاب الدين: ولو ذهب ذاهب إلى أن قوله " إلا ~~إله " خبر المبتدأ، وتكون المسألة من الاستثناء المفرغ، كأنه قيل: ~~ما إله إلا إله متصف بالواحد، لما ظهر له منع، لكني لم ~~أرهم قالوه، وفيه مجال للنظر. # ثم قال تعالى: { وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن ~~الذين كفروا منهم عذاب أليم }. # قال الزجاج: معناه: ليمسن الذين أقاموا على هذا الدين؛ لأن ~~كثيرا منهم تابوا عن النصرانية، فخص الذين كفروا لعلمه ~~أن بعضهم يؤمن. # قوله: " ليمسن " جواب قسم محذوف، وجواب الشرط محذوف؛ ~~لدلالة هذا عليه، والتقدير: والله، إن لم ينتهوا ~~ليمسن، وجاء هذا على القاعدة التي قررتها: وهو أنه إذا ~~اجتمع شرط وقسم أجيب سابقهما ما لم يسبقهما ذو خبر، وقد ~~يجاب الشرط مطلقا، وقد تقدم أيضا: أن فعل الشرط حينئذ لا يكون ~~إلا ماضيا لفظا ومعنى لا لفظا كهذه الآية، فإن قيل: السابق هنا ~~الشرط؛ إذ القسم مقدر، فيكون تقديره متأخرا، فالجواب أنه لو ~~قصد تأخر القسم في التقدير، لأجيب الشرط، فلما أجيب ~~القسم، علم أنه مقدر التقديم، وعبر بعضهم عن هذا، فقال: لام ~~التوطئة للقسم قد تحذف ويراعى حكمها؛ كهذه ms3171 الآية؛ إذ التقدير: ~~" ولئن لم " كما صرح بهذا في غير موضع؛ كقوله: # لئن لم ينته المنافقون # [الأحزاب: 60]؛ ونظير هذه الآية قوله: # وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن # [الأعراف: 23] # وإن أطعتموهم إنكم لمشركون # [الأنعام: 121]، وتقدم أن هذا النوع من جواب القسم يجب أن ~~يتلقى باللام وإحدى النونين عند البصريين، إلا ما استثني، كما ~~تقدم، قال الزمخشري: " فإن قلت: فهلا قيل: ليمسهم عذاب، ~~قلت: في إقامة الظاهر مقام المضمر فائدة، وهي تكرير الشهادة عليهم ~~بالكفر ". # وقوله: " منهم " في محل نصب على الحال، قال أبو البقاء: إما من ~~" الذين " ، وإما من ضمير الفاعل في " كفروا " ، قلت: لم ~~يتغير الحكم في المعنى؛ لأن الضمير الفاعل هو نفس الموصول، ~~وإنما الخلاف لفظي، وقال الزمخشري: " من " في قوله تعالى: { ~~ليمسن الذين كفروا منهم } للبيان كالتي في قوله: # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # [الحج: 30] قال شهاب الدين: فعلى هذا يتعلق " منهم " بمحذوف، فإن ~~قلت: هو على جعله حالا متعلق أيضا بمحذوف، قلت: الفرق بينهما أن ~~جعله حالا يتعلق بمحذوف، ذلك المحذوف هو الحال في الحقيقة، ~~وعلى هذا الوجه يتعلق بفعل مفسر للموصول الأول، كأنه قيل: أعني ~~منهم، ولا محل ل " أعني "؛ لأنها جملة تفسيرية، وقال أبو حيان: ~~" و " من " في " منهم " للتبعيض، أي: كائنا منهم، والربط حاصل ~~بالضمير، فكأنه قيل: كافرهم، وليسوا كلهم بقوا على الكفر ". ~~انتهى، يعني: هذا تقدير لكونها تبعيضية، وهو معنى كونها في محل نصب ~~على الحال. # وقوله تعالى: " أفلا يتوبون ": تقدم نظيره مرارا، وأن فيه ~~رأيين: رأي الجمهور: تقديم حرف العطف على الهمزة تقديرا، ورأي أبي ~~القاسم: بقاؤه على حاله وحذف جملة معطوف هذا عليها، والتقدير: ~~أيثبتون على كفرهم، فلا يتوبون، والاستفهام فيه قولان: # أظهرهما: أنه للتعجب من حالهم: كيف لا يتوبون ويستغفرون من هذه ~~المقالة الشنعاء؟ # والثاني: أنه بمعنى الأمر، وهو رأي ابن زياد الفراء؛ كأنه قال: ~~توبوا واستغفروا من هاتين المقالتين؛ كقوله تعالى: # فهل أنتم منتهون # [المائدة: 91]. وكلام ابن عطية يفهم أنه للتحضيض، قال: " رفق ~~جل وعلا بهم بتحضيضه إياهم على التوبة ms3172 وطلب المغفرة " ، يعني ~~بذلك من حيث المعنى، وإلا ففهم التحضيض من هذا اللفظ غير ~~مسلم، وكيف يعقل أن حرف العطف فصل بين الهمزة و " لا " ~~المفهمة للتحضيض؟ [فإن قلت]: # هذا إنما يشكل على قولنا: إن " ألا " التحضيضية بسيطة غير ~~مركبة، فلا يدعى فيها الفصل بحرف العطف، أما إذا قلنا: إنها ~~همزة الاستفهام دخلت على " لا " النافية، وصار معناهما التحضيض، ~~فلا يضر الفصل بحرف العطف؛ لأنه عهد في " لا " النافية الداخل ~~عليها همزة الاستفهام، فالجواب: أنه لا يجوز مطلقا؛ لأن ذلك المعنى ~~قد انسلخ وحدث معنى آخر، وهو التحضيض؛ فلا يلزم من الجواز في الأصل ~~الجواز بعد حدوث معنى جديد. ### || [5.75] # وهذا كقوله تعالى: # وما محمد إلا رسول # [آل عمران: 144]. و " قد خلت " صفة له كما في الآية الأخرى، ~~وتقدم معنى الحصر أي: ما هو إلا رسول من جنس الذين مضوا من ~~قبله، وليس بإله، كما أن الرسل الذين مضوا لم يكونوا ~~آلهة، وجاء بالبينات من الله كما أتوا بأمثالها، وإن ~~إبراء عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام الأكمه والأبرص، ~~وإحياء الموتى فبإذن الله على يده من الله، كما أحيا موسى ~~العصا، وجعلها حية تسعى، وفلق له البحر، وضرب الحجر ~~فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، وإن كان خلقه من غير ~~ذكر، فقد خلق الله - تعالى - آدم من غير ذكر ولا أنثى. # وقوله تعالى: " وأمه صديقة " ابتداء وخبر، ولا محل لهذه ~~الجملة من الإعراب، و " صديقة " تأنيث " صديق " ، وهو بناء ~~مبالغة ك " فعال " و " فعول " ، إلا أنه لا يعمل عمل أمثلة ~~المبالغة، فلا يقال: " زيد شريب العسل "؛ كما يقال: " شراب ~~العسل " ، وإن كان القياس إعماله، وهل هو من " صدق " الثلاثي، ~~أو من " صدق " مضعفا؟ القياس يقتضي الأول، لأن أمثلة ~~المبالغة تطرد من الثلاثي دون الرباعي، فإنه لم يجيء منه إلا ~~القليل، وقال الزمخشري: " إنه من التصديق " ، وكذا ابن عطية، إلا ~~أنه جعله محتملا، وهذا واضح لقوله: # وصدقت بكلمات ربها # [التحريم: 12]، فقد صرح بالفعل المسند إليها مضعفا، وعلى الأول ~~معناه أنها كثيرة الصدق. ms3173 # وقوله تعالى: { كانا يأكلان الطعام } لا محل له؛ لأنه استئناف ~~وبيان لكونهما كسائر البشر في احتياجهما إلى ما يحتاج إليه كل جسم ~~مولد، والإله الحق سبحانه وتعالى منزه عن ذلك، وقال بعضهم: " هو ~~كناية عن احتياجهما إلى التغوط " وهو ضعيف من وجوه: # الأول: أنه ليس كل من أكل أحدث، فإن أهل الجنة يأكلون ~~ولا يحدثون. # الثاني: أن الأكل عبارة عن الحاجة إلى الطعام وهذه الحاجة ~~من أقوى الدلائل على أنه ليس بإله، فأي حاجة إلى جعله ~~كناية عن شيء آخر؟ # الثالث: أن الإله هو القادر على الخلق والإيجاد، فلو كان ~~إلها لقدر على دفع ألم الجوع عن نفسه بغير الطعام، ~~فلما لم يقدر على دفع الضرر عن نفسه، كيف يعقل أن يكون ~~إلها للعالمين؟! # والمقصود من هذا: الاستدلال على فساد قول النصارى، فإن ~~من كان له أم فقد حدث بعد أن لم يكن، وكل من كان كذلك كان ~~مخلوقا لا إلها، وكل من احتاج إلى الطعام أشد الحاجة ~~لم يكن إلها؛ لأن الإله هو الذي يكون غنيا عن جميع ~~الأشياء، وبالجملة فساد قول النصارى أظهر من أن يحتاج ~~فيه إلى دليل. # قوله تعالى: " كيف " منصوب بقوله: " نبين " بعده، وتقدم ما فيه ~~في قوله تعالى: # كيف تكفرون # [البقرة: 28] وغيره، ولا يجوز أن يكون معمولا لما قبله؛ لأن له صدر ~~الكلام، وهذه الجملة الاستفهامية في محل نصب؛ لأنها معلقة لفعل ~~قبلها، وقوله: { ثم انظر أنى يؤفكون } كالجملة قبلها، و " ~~أنى " بمعنى " كيف " ، و " يؤفكون " ناصب ل " أنى " ~~ويؤفكون: بمعنى يصرفون. # وفي تكرير الأمر بقوله: " انظر " " ثم انظر " دلالة على ~~الاهتمام بالنظر، وأيضا: فقد اختلف متعلق النظرين؛ فإن الأول ~~أمر بالنظر في كيفية إيضاح الله تعالى لهم الآيات، وبيانها؛ بحيث ~~إنه لا شك فيها ولا ريب، والأمر الثاني بالنظر في كونهم صرفوا ~~عن تدبرها والإيمان بها، أو بكونهم قلبوا عما أريد بهم، قال ~~الزمخشري: " فإن قلت: ما معنى التراخي في قوله: " ثم انظر "؟ ~~قلت: معناه ما بين التعجبين، يعني: أنه بين لهم الآيات ms3174 بيانا ~~عجبا، وأن إعراضهم عنها أعجب منه ". انتهى، يعني: أنه من باب ~~التراخي في الرتب، لا في الأزمنة، ونحوه # ثم الذين كفروا بربهم يعدلون # [الأنعام: 1] وسيأتي. # فصل في معنى الإفك # يقال: أفكه يأفكه إفكا إذا صرفه، والإفك: الكذب؛ ~~لأنه صرف عن الحق، وكل مصروف عن الشيء مأفوك ~~عنه. # وقد أفكت الأرض، إذا صرف عنها المطر. # والمعنى: كيف يصرفون عن الحق؟ # قال أهل السنة: دلت الآية على أنهم مصروفون عن ~~تأمل الحق، والإنسان يمتنع أن يصرف نفسه عن الحق ~~والصدق إلى الباطل والجهل والكذب، لأن العاقل لا يختار ~~لنفسه ذلك، فعلمنا أن الله تعالى صرفهم عن ذلك. ### || [5.76] # وهذا دليل أيضا على فساد قول النصارى وذلك من وجوه: # الأول: أن اليهود كانوا يعادون عيسى - عليه الصلاة والسلام -، ~~ويقصدونه بالسوء، فما قدر على إضرارهم، وكان له أيضا ~~أنصار وصحابة يحبونه، فما قدر على إيصال نفع من ~~منافع الدنيا إليهم، والعاجز عن الإضرار والنفع كيف ~~يعقل أن يكون إلها؟! # الثاني: أن مذهب النصارى - لعنهم الله -: أن اليهود صلبوه ~~ومزقوا أضلاعه، ولما عطش وطلب الماء منهم صبوا الخل ~~في منخريه، ومن كان في الضعف هكذا، كيف يعقل أن يكون ~~إلها؟! # الثالث: أن إله العالم يجب أن يكون غنيا عن كل ما سواه ~~محتاجا إليه، فلو كان عيسى كذلك لامتنع كونه مشغولا ~~بعبادة الله تعالى؛ لأن الإله لا يعبد شيئا، إنما العبد هو ~~الذي يعبد الإله، فلما عرف بالتواتر أنه كان مواظبا ~~على الطاعات والعبادات، علمنا أنه كان يفعلها لكونه ~~محتاجا في تحصيل المنافع، ودفع المضار إلى غيره، ومن كان ~~كذلك كيف يقدر على إيصال المنافع إلى العباد، ودفع ~~المضار عنهم؟! وإذا كان كذلك كان عبدا كسائر العبيد، وهذا ~~هو عين الدليل الذي حكاه الله تعالى عن إبراهيم - عليه ~~السلام - حيث قال: # لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك ~~شيئا # [مريم: 42]. # قوله تعالى: { ما لا يملك }: يجوز أن تكون " ما " بمعنى " ~~الذي " ، وأن تكون نكرة موصوفة، والجملة بعدها صلة، فلا محل ~~لها، ms3175 أو صفة، فمحلها النصب، وفي وقوع " ما " على العاقل هنا؛ لأنه ~~أريد به عيسى وأمه وجوه: # أحدها: أنه أتي ب " ما " مرادا بها العاقل؛ لأنها مبهمة تقع على ~~كل شيء، كذا قاله سيبويه، أو أريد به النوع؛ كقوله: # فانكحوا ما طاب لكم من النسآء # [النساء: 3]، أي: النوع الطيب، أو أريد به العاقل مع غيره؛ ~~لأن أكثر ما عبد من دون الله غير عاقل؛ كالأصنام والأوثان ~~والكواكب والشجر، أو شبهه على أول أحواله؛ لأنه في أول حاله لا ~~يوصف بعقل، فكيف يتخذ إلها معبودا؟ # قوله تعالى: { والله هو السميع العليم } " هو ": يجوز أن ~~يكون مبتدأ ثانيا، و " السميع " خبره، و " العليم " خبر ثان أو ~~صفة، والجملة خبر الأول، ويجوز أن يكون فصلا، وقد عرف ما فيه، ~~ويجوز أن يكون بدلا، وهذه الجملة الظاهر فيها: أنها لا محل لها من ~~الإعراب، ويحتمل أن يكون في محل نصب على الحال من فاعل " ~~تعبدون " ، أي: أتعبدون غير الله، والحال أن الله هو المستحق ~~للعبادة؛ لأنه يسمع كل شيء ويعلمه، وإليه ينحو كلام الزمخشري؛ ~~فإنه قال: { والله هو السميع العليم } متعلق ب " ~~أتعبدون " ، أي: أتشركون بالله ولا تخشونه، وهو الذي يسمع ~~ما تقولون ويعلم ما تعتقدون؟ أتعبدون العاجز، والله هو السميع ~~العليم؟. انتهى، والرابط بين الحال وصاحبها الواو، ومجيء هاتين ~~الصفتين بعد هذا الكلام في غاية المناسبة؛ فإن السميع يسمع ما يشكى ~~إليه من الضر وطلب النفع، ويعلم مواقعهما كيف يكونان؟ ### || [5.77-78] # لما تكلم أولا على أباطيل اليهود، ثم تكلم ثانيا على ~~أباطيل النصارى، وأقام الدلائل على بطلانها وفسادها، فعند ~~هذا خاطب مجموع الفريقين، فقال تعالى: { يأهل الكتاب لا ~~تغلوا في دينكم } ، أي: لا تتجاوزوا الحد، والغلو ~~نقيض التقصير، ومعناه: الخروج عن الحد. # قوله تعالى: " غير الحق ": فيه خمسة أوجه: # أحدها: أنه نعت لمصدر محذوف، أي: لا تغلوا في دينكم غلوا ~~غير الحق، أي: غلوا باطلا، ولم يذكر الزمخشري غيره. # الثاني: أنه منصوب على الحال من ضمير الفاعل في " تغلوا " ، أي: لا ~~تغلوا مجاوزين الحق، ms3176 ذكره أبو البقاء. # الثالث: أنه حال من " دينكم " ، أي: لا تغلوا فيه وهو باطل، بل ~~اغلوا فيه وهو حق؛ ويؤيد هذا ما قاله الزمخشري؛ فإنه قال: " ~~لأن الغلو في الدين غلوان: حق؛ وهو أن يفحص عن حقائقه، ~~ويفتش عن أباعد معانيه، ويجتهد في تحصيله حججه، وغلو ~~باطل؛ وهو أن يتجاوز الحق ويتخطاه بالإعراض عن الأدلة ". # الرابع: أنه منصوب على الاستثناء المتصل. # الخامس: على الاستثناء المنقطع، ذكر هذين الوجهين أبو حيان عن غيره، ~~واستبعدهما؛ فإنه قال: وأبعد من ذهب إلى أنها استثناء متصل، ومن ~~ذهب إلى أنها استثناء منقطع، ويقدره ب " لكن الحق ~~فاتبعوه " قال شهاب الدين: والمستثنى منه يعسر تعيينه، والذي ~~يظهر فيه: أنه قوله تعالى: " في دينكم "؛ كأنه قيل: لا تغلوا في ~~دينكم إلا الدين الحق، فإنه يجوز لكم الغلو فيه، ومعنى الغلو ~~فيه ما تقدم من تقرير الزمخشري له. # وذكر الواحدي فيه الحال والاستثناء، فقال: وانتصاب " غير الحق ~~" من وجهين: # أحدهما: الحال والقطع من الدين؛ كأنه قيل: لا تغلوا في ~~دينكم مخالفين للحق؛ لانهم خالفوا الحق في دينهم، ثم غلوا ~~فيه بالإصرار عليه. # والثاني: أن يكون منصوبا على الاستثناء، فيكون " الحق " مستثنى من ~~المنهي عن الغلو فيه؛ بأن يجوز الغلو فيما هو حق على معنى ~~اتباعه والثبات عليه، وهذا نص كما ذكرنا من أن المستثنى هو " ~~دينكم ". # وتقدم معنى الغلو في سورة النساء [الآية 171] فظاهر هذه الأعاريب ~~المتقدمة: أن " تغلوا " فعل لازم، وكذا نص عليه أبو البقاء، ~~إلا أن أهل اللغة يفسرونه بمعنى متعد؛ فإنهم قالوا: معناه لا ~~تتجاوزوا الحد، قال الراغب: الغلو تجاوز الحد، يقال ذلك إذا ~~كان في السعر " غلاء " ، وإذا كان في القدر والمنزلة " ~~غلوا " ، وفي السهم " غلوا " ، وأفعالها جميعا غلا يغلو؛ ~~فعلى هذا: يجوز أن ينتصب " غير الحق " مفعولا به، أي: لا ~~تتجاوزوا في دينكم غير الحق، فإن فسرنا " تغلوا " بمعنى ~~تتباعدوا من قولهم: " غلا السهم " ، أي: تباعد كان قاصرا، ~~فيحتمل أن يكون من قال بأنه لازم، أخذه من هذا لا من الأول. # فصل ms3177 في معنى الآية # قال بعض المفسرين: معنى قوله " غير الحق " أي: في دينكم ~~المخالف للحق؛ لأنهم خالفوا الحق في دينهم، ثم ~~غلوا فيه بالإصرار عليه. # وقال ابن الخطيب: معنى الغلو الباطل: أن تتكلف ~~الشبه وإخفاء الدلائل، وذلك الغلو أن اليهود - لعنهم ~~الله - نسبوا سيدنا عيسى - عليه الصلاة والسلام - إلى ~~الزنا وإلى أنه كذاب والنصارى - لعنهم الله - ادعوا ~~فيه الإلهية. # قوله تعالى: { ولا تتبعوا أهوآء قوم قد ضلوا من ~~قبل } الآية. # الأهواء: جمع الهوى، وهو ما تدعو إليه شهوة النفس. # والمراد هاهنا: المذاهب التي تدعو إليها الشهوة دون ~~الحجة. # قال الشعبي: ما ذكر الله بلفظ الهوى في القرآن إلا ذمه. # قال تعالى: # ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله # [ص: 26]، # واتبع هواه فتردى # [طه: 16]، # وما ينطق عن الهوى # [النجم: 3]، # أرأيت من اتخذ إلهه هواه # [الفرقان: 43]. # قال أبو عبيد: لم نجد الهوى يوضع إلا في موضع الشر، لا ~~يقال: فلان يهوى الخير، إنما يقال: يريد الخير ويحبه. # وقال بعضهم: الهوى إله يعبدونه من دون الله. # وقيل: سمي الهوى هوى؛ لأنه يهوي بصاحبه في النار ~~وأنشدوا في ذم الهوى قوله: [الكامل] # 2029- إن الهوى لهو الهوان بعينه # فإذا هويت فقد لقيت هوانا # وقال رجل لابن عباس - رضي الله عنهما -: الحمد لله الذي ~~جعل هواي على هواك، فقال ابن عباس: " كل هوى ضلالة ". # قوله تعالى: { وأضلوا كثيرا } في نصب " كثيرا " وجهان: # أحدهما: أنه مفعول به، وعلى هذا أكثر المتأولين؛ فإنهم يفسرونه ~~بمعنى: وأضلوا كثيرا منهم أو من المنافقين. # والثاني: أنه منصوب على المصدرية، أي: نعت لمصدر محذوف، أي: إضلالا ~~كثيرا، وعلى هذا، فالمفعول محذوف، أي: أضلوا غيرهم إضلالا ~~كثيرا. # فصل # اعلم أنه تعالى وصفهم بثلاث درجات في الضلال، فبين ~~أنهم كانوا ضالين من قبل. # والمراد رؤساء الضلالة من فريقي اليهود والنصارى لما ~~تبين، والخطاب للذين في عصر النبي - صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم -، نهوا عن اتباع أسلافهم فيما ابتدعوه ~~بأهوائهم، فتبين أنهم كانوا مضلين لغيرهم، ثم ذكروا أنهم ~~استمروا على تلك الحالة، حتى أنهم ms3178 الآن ضالون كما كانوا، ~~ولا نجد حالة أقرب إلى البعد من الله تعالى، والقرب من ~~عقاب الله من هذه الحالة - نعوذ بالله منها -. # ويحتمل أن يكون المراد أنهم ضلوا وأضلوا، ثم ضلوا ~~بسبب اعتقادهم في ذلك الإضلال أنه إرشاد إلى الحق، ولما ~~خاطبهم بهذا الخطاب وصف أسلافهم، فقال تعالى: { لعن ~~الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود ~~وعيسى ابن مريم }. # قال أكثر المفسرين: يعني أهل " أيلة " لما اعتدوا في ~~السبت قال داود: " اللهم العنهم واجعلهم آية " ~~فمسخوا قردة، وأصحاب المائدة لما أكلوا من المائدة، ولم ~~يؤمنوا، قال عيسى - عليه السلام -: اللهم العنهم كما لعنت ~~أصحاب السبت، فأصبحوا وقد مسخوا خنازير، وكانوا خمسة آلاف ~~رجل ما فيهم امرأة ولا صبي. # قال بعض العلماء: إن اليهود كانوا يفتخرون بأنهم من ~~أولاد الأنبياء، فذكر الله هذه الآية؛ لتدل على أنهم ~~ملعونين على ألسنة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -. # وقيل: إن داود وعيسى - عليهما الصلاة والسلام - بشرا ~~بمحمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، ولعنا من يكذبه ~~وهو قول الأصم. # قوله تعالى: { من بني إسرائيل }: في محل نصب على الحال، ~~وصاحبها: إما " الذين " وإما واو " كفروا " وهما بمعنى واحد، ~~وقوله: { على لسان داوود وعيسى } المراد باللسان الجارحة، لا ~~اللغة، كذا قال أبو حيان، يعني: أن الناطق بلعن هؤلاء لسان هذين ~~النبيين، وجاء قوله " على لسان " بالإفراد دون التثنية ~~والجمع، فلم يقل: " على لساني " ولا " على ألسنة " ~~لقاعدة كلية، وهي: أن كل جزأين مفردين من صاحبيهما، إذا ~~أضيفا إلى كليهما من غير تفريق، جاز فيهما ثلاثة أوجه: لفظ الجمع ~~- وهو المختار -، ويليه التثنية عند بعضهم، وعند بعضهم الإفراد ~~مقدم على التثنية، فيقال: " قطعت رءوس الكبشين " ، وإن ~~شئت: رأسي الكبشين، وإن شئت: رأس الكبشين، ومنه: # فقد صغت قلوبكما # [التحريم: 4]. # فقولي " جزأين ": تحرز من شيئين ليسا بجزأين؛ نحو: " ~~درهميكما " ، وقد جاء: " من بيوتكما وعمائمكما ~~وأسيافكما " لأمن اللبس. # وبقولي: " مفردين ": من نحو: " العينين واليدين " ، ~~فأما قوله تعالى: # فاقطعوا أيديهما # [المائدة: 38] ففهم بالإجماع. # وبقولي: " من غير تفريق ": تحرز من ms3179 نحو: قطعت رأس ~~الكبشين: السمين والكبش الهزيل؛ ومنه هذه الآية، فلا يجوز ~~إلا الإفراد، وقال بعضهم: " هو مختار " ، أي: فيجوز غيره، وقد ~~مضى تحقيق هذه القاعدة. # قال شهاب الدين: وفي النفس من كون المراد باللسان الجارحة شيء، ~~ويؤيد ذلك ما قاله الزمخشري؛ فإنه قال: " نزل الله لعنهم ~~في الزبور على لسان داود، وفي الإنجيل على لسان عيسى " ، وقوة ~~هذا تأبى كونه الجارحة، ثم إني رأيت الواحدي ذكر عن المفسرين ~~قولين، ورجح ما قلته؛ قال - رحمه الله -: " وقال ابن عباس: يريد في ~~الزبور وفي الإنجيل، ومعنى هذا: أن الله تعالى لعن في ~~الزبور من يكفر من بني إسرائيل، وكذلك في الإنجيل، وقيل: على ~~لسان داود وعيسى؛ لأن الزبور لسان داود، والإنجيل لسان عيسى ~~" ، فهذا نص في أن المراد باللسان غير الجارحة، ثم قال: وقال ~~الزجاج: " وجائز أن يكون داود وعيسى علما أن محمدا ~~نبي مبعوث، وأنهما لعنا من يكفر به " ، والقول هو الأول، ~~فتجويز الزجاج لذلك ظاهر أنه يراد باللسان الجارحة، ولكن ليس ~~قولا للمفسرين، و " على لسان " متعلق ب " لعن " قال أبو ~~البقاء: " كما يقال: جاء زيد على فرس " ، وفيه نظر؛ إذ الظاهر ~~أنه حال، وقوله: " ذلك بما عصوا " قد تقدم نظيره، وقوله: " ~~وكانوا يعتدون " في هذه الجملة الناقصة وجهان: # أظهرهما: أن تكون عطفا على صلة " ما " وهو " عصوا " ، أي: ذلك ~~بسبب عصيانهم وكونهم معتدين. # والثاني: أنها استئنافية، أي: أخبر الله تعالى عنهم بذلك، قال أبو ~~حيان: " ويقوي هذا ما جاء بعده كالشرح له، وهو قوله: كانوا لا ~~يتناهون ". ### || [5.79-81] # قوله تعالى: { كانوا لا يتناهون } التناهي هاهنا له ~~معنيان: # أحدهما: الذي عليه الجمهور أنه تفاعل من النهي أي: كان لا ~~ينهى بعضهم بعضا. # روى ابن مسعود - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم - قال: # " كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل إذا عمل ~~العامل بالخطيئة نهاه الناهي تعذيرا، فإذا كان من ~~الغد جاء له وواكله وشاربه، كأنه لم يره على ~~الخطيئة بالأمس، فلما كان ذلك منهم ms3180 ضرب قلوب ~~بعضهم على بعض، وجعل منهم القردة والخنازير، ~~ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما ~~عصوا وكانوا يعتدون والذي نفسي بيده لتأمرن ~~بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد ~~السفيه ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليضربن الله ~~قلوب بعضكم على بعض ويلعنكم كما لعنهم ". # المعنى الثاني: التناهي بمعنى الانتهاء، يقال: انتهى الأمر، ~~وتناهى عنه إذا كف عنه. # وقوله تعالى: { عن منكر فعلوه }: متعلق ب " يتناهون " ~~و " فعلوه " صفة ل " منكر " ، قال الزمخشري: " ما معنى وصف ~~المنكر ب " فعلوه " ، ولا يكون النهي بعد الفعل؟ قلت: ~~معناه لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه، أو عن مثل منكر ~~فعلوه، أو عن منكر أرادوا فعله، كما ترى أمارات الخوض في ~~الفسق وآلاته تسوى وتهيأ، ويجوز أن يراد: لا ينتهون ولا ~~يمتنعون عن منكر فعلوه، بل يصرون عليه ويداومون، يقال: ~~تناهى عن الأمر وانتهى عنه، إذا امتنع منه ". # وقوله تعالى: " لبئسما ": و " بئسما قدمت " قد تقدم ~~إعراب نظير ذلك [الآية 9 في البقرة]؛ فلا حاجة إلى إعادته، وهنا زيادة ~~أخرى؛ لخصوص التركيب يأتي الكلام عليها. # قوله تعالى: و { ترى كثيرا منهم } قيل: من اليهود ~~كعب بن الأشرف، { يتولون الذين كفروا } مشركي ~~مكة حين خرجوا إليهم يجيشون على النبي - صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم -. # وقال ابن عباس والحسن ومجاهد - رضي الله عنهم -: " منهم " ~~يعني المنافقين يقولون لليهود: " لبئس ما قدمت لهم ~~أنفسهم " ، بئس ما قدموا من العمل لمعادهم في الآخرة. # قوله تعالى: { أن سخط الله عليهم } في محله أوجه: # أحدها: أنه مرفوع على البدل من المخصوص بالذم، والمخصوص قد ~~حذف، وأقيمت صفته مقامه، فإنك تعرب " ما " اسما تاما ~~معرفة في محل رفع بالفاعلية بفعل الذم، والمخصوص بالذم محذوف، ~~و { قدمت لهم أنفسهم } جملة في محل رفع صفة له، ~~والتقدير: لبئس الشيء شيء قدمته لهم أنفسهم، ف { ~~أن سخط الله عليهم } بدل من " شيء " المحذوف، وهذا هو ~~مذهب سيبويه؛ كما تقدم تقريره. # الثاني: أنه هو المخصوص بالذم، فيكون فيه الثلاثة أوجه المشهورة: # أحدها: ms3181 أنه مبتدأ، والجملة قبله خبره، والرابط على هذا العموم عند ~~من يجعل ذلك، أو لا يحتاج إلى رابط؛ لأن الجملة عين المبتدأ. # الثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف؛ لأنك لما قلت: " بئس الرجل " ~~قيل لك: من هو؟ فقلت: فلان، أي: هو فلان. # الثالث: أنه مبتدأ، خبره محذوف، وقد تقدم تحرير ذلك، وإلى كونه ~~مخصوصا بالذم ذهب جماعة كالزمخشري، ولم يذكر غيره، قال: { أن سخط ~~الله عليهم } هو المخصوص بالذم؛ كأنه قيل: لبئس زادهم إلى ~~الآخرة سخط الله تعالى عليهم، والمعنى: موجب سخط الله، قال ~~شهاب الدين: وفي تقدير هذا المضاف من المحاسن ما لا يخفى على ~~متأمله؛ فإن نفس السخط المضاف إلى الباري تعالى لا يقال هو ~~المخصوص بالذم، إنما المخصوص بالذم أسبابه، وذهب إليه أيضا ~~الواحدي ومكي وأبو البقاء، إلا أن أبا حيان بعد أن حكى هذا الوجه ~~عن أبي القاسم الزمخشري قال: " ولم يصح هذا الإعراب إلا على ~~مذهب الفراء والفارسي في جعل " ما " موصولة، أو على مذهب من ~~يجعل " ما " تمييزا، و " قدمت لهم " صفتها، وأما على مذهب ~~سيبويه، فلا يتأتى ذلك " ثم ذكر مذهب سيبويه. # والوجه الثالث من أوجه " أن سخط ": أنه في محل رفع على البدل من ~~" ما " ، وإلى ذلك ذهب مكي وابن عطية، إلا أن مكيا حكاه عن غيره، ~~قال: " وقيل: في موضع رفع على البدل من " ما " في " لبئس " على ~~أنها معرفة " ، قال أبو حيان - بعد ما حكى هذا الوجه عن ابن عطية -: " ~~ولا يصح هذا، سواء كانت " ما " تامة أو موصولة؛ لأن البدل ~~يحل محل المبدل منه، و " أن سخط " لا يجوز أن يكون فاعلا ~~ل " بئس "؛ لأن فاعل " بئس " لا يكون أن والفعل " وهو ~~إيراد واضح كما قاله. # الوجه الرابع: أنه في محل نصب على البدل من " ما " ، إذا قيل ~~بأنها تمييز، ذكر ذلك مكي وأبو البقاء، وهذا لا يجوز ألبتة؛ وذلك لأن ~~شرط التمييز عند البصريين أن يكون نكرة، و " أن " وما في حيزها ~~عندهم من قبيل أعرف المعارف؛ لأنها تشبه ms3182 المضمر، وقد تقدم ~~تقرير ذلك، فكيف يقع تمييزا؛ لأن البدل يحل محل المبدل ~~منه؟ وعند الكوفيين أيضا لا يجوز ذلك؛ لأنهم لا يجيزون التمييز ~~بكل المبدل منه؛ وعند الكوفيين أيضا لا يجوز ذلك؛ لأنهم لا ~~يجيزون التمييز بكل معرفة خصوصا أن والفعل. # الخامس: أنه في محل نصب على البدل من الضمير المنصوب ب " قدمت ~~" العائد على " ما " الموصولة أو الموصوفة؛ على حسب ما تقدم، ~~والتقدير: قدمته سخط الله؛ كقولك: " الذي رأيت زيدا ~~أخوك " وفي هذا بحث يذكر في موضعه. # السادس: أنه في موضع نصب على إسقاط الخافض؛ إذ التقدير: لأن سخط، ~~وهذا جار على مذهب سيبويه والفراء؛ لأنهما يزعمان أن محل " أن " ~~بعد حذف الخافض في محل نصب. # السابع: أنه في محل جر بذلك الخافض المقدر، وهذا جار على مذهب ~~الخليل والكسائي؛ لأنهما يزعمان أنها في محل جر، وقد تقدم ~~تحقيق ذلك غير مرة، وعلى هذا، فالمخصوص بالذم محذوف، أي: ~~لبئسما قدمت لهم أنفسهم عملهم أو صنعهم، ولام ~~العلة المقدرة معلقة إما بجملة الذم، أي: سبب ذمهم ~~سخط الله عليهم، أو بمحذوف بعده، أي: لأن سخط الله عليهم ~~كان كيت وكيت. # و " ترى " يجوز أن تكون من رؤية البصر، ويكون الكثير ~~المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأن تكون العلمية، والكثير ~~على هذا أسلافهم، فمعنى " ترى ": تعلم أخبارهم وقصصهم بإخبارنا ~~إياك، فعلى الأول يكون قوله " يتولون " في محل نصب على ~~الحال، وعلى الثاني يكون في محل نصب على المفعول الثاني. # قوله تعالى: " ولو كانوا ": الظاهر أن اسم " كان " وفاعل " ~~اتخذوهم " عائد على " كثيرا " من قوله: { ترى كثيرا ~~منهم } ، والضمير المنصوب في " اتخذوهم " يعود على " ~~الذين كفروا " في قوله: { يتولون الذين كفروا }. # والمعنى: لو كانوا يؤمنون بالله، والنبي، وهو موسى عليه ~~الصلاة والسلام، وما أنزل إليه ما اتخذوا المشركين أولياء؛ ~~لأن تحريم ذلك متأكد في التوراة، وفي شرع موسى صلى الله ~~عليه وسلم، فلما فعلوا ذلك، ظهر أنه ليس مرادهم ~~تقرير دين موسى - عليه الصلاة والسلام - بل مرادهم الرياسة ~~والجاه، ms3183 ويسعون في تحصيله بأي طريق قدروا عليه، وبهذا ~~وصفهم الله بالفسق، فقال تعالى: { ولكن كثيرا ~~منهم فاسقون }. # وأجاز القفال أن يكون اسم " كان " يعود على " الذين كفروا " ~~، وكذلك الضمير المنصوب في " اتخذوهم " ، والضمير المرفوع في " ~~اتخذوهم " يعود على اليهود، والمراد بالنبي [محمد] صلى الله ~~عليه وسلم والتقدير: ولو كان الكافرون المتولون مؤمنين بمحمد ~~والقرآن، ما اتخذهم هؤلاء اليهود أولياء، والأول أولى؛ لأن ~~الحديث عن كثير، لا عن المتولين، وجاء جواب " لو " هنا على ~~الأفصح، وهو عدم دخول اللام عليه؛ لكونه منفيا؛ ومثله قول الآخر: ~~[البسيط] # 2030- لو أن بالعلم تعطى ما تعيش به # لما ظفرت من الدنيا بثفروق # وقوله تعالى: { ولكن كثيرا منهم } هذا الاستدراك واضح بما ~~تقدم، وقوله تعالى: " كثيرا " هو من إقامة الظاهر مقام المضمر؛ ~~لأنه عبارة عن " كثيرا منهم " المتقدم؛ فكأنه قيل: ترى كثيرا ~~منهم، ولكن ذلك الكثير، ولا يريد، ولكن كثيرا من ذلك ~~الكثير فاسقون. ### || [5.82-86] # لما ذكر عداوة اليهود للمسلمين، فلذلك جعلهم قرناء ~~للمشركين في شدة العداوة، بل نبه على أنهم أشد في العداوة ~~من المشركين، لكونه - تعالى - قدم ذكرهم على ذكر المشركين. # وقال - عليه الصلاة والسلام -: # " ما خلا يهوديان بمسلم إلا هما بقتله " # ، وذكر تعالى أن النصارى ألين عريكة من اليهود، وأقرب ~~إلى المسلمين منهم، والمقصود من بيان هذا التفاوت تخفيف ~~أمر اليهود على الرسول - عليه الصلاة والسلام - و " اللام " في ~~قوله: " لتجدن " هي لام القسم. # وقد تقدم إعراب هذا في نحو قوله تعالى: # ولتجدنهم أحرص الناس على حياة # [البقرة: 96]، فأغنى عن إعادته وقال ابن عطية: " اللام للابتداء ~~" ، وليس بشيء، بل هي لام يتلقى بها القسم، و " أشد الناس " ~~مفعول أول، و " عداوة " نصب على التمييز، و " للذين " ~~متعلق بها، قويت باللام؛ لما كانت فرعا في العمل على الفعل، ~~ولا يضر كونها مؤنثة بالتاء؛ لأنها مبنية عليها؛ فهي كقوله: ~~[الطويل] # 2031-................... ورهبة # عقابك................... # ويجوز أن يكون " للذين " صفة ل " عداوة " فيتعلق بمحذوف، ~~و " اليهود " مفعول ثان، وقال أبو البقاء: " ويجوز أن يكون " ~~اليهود " هو الأول، و ms3184 " أشد " هو الثاني " وهذا هو الظاهر؛ إذ ~~المقصود أن يخبر الله تعالى عن اليهود والمشركين بأنهم أشد ~~الناس عداوة للمؤمنين، وعن النصارى بأنهم أقرب الناس مودة لهم، ~~وليس المراد أن يخبر عن أشد الناس وأقربهم بكونهم من ~~اليهود والنصارى، فإن قيل: متى استويا تعريفا وتنكيرا، وجب ~~تقديم المفعول الأول وتأخير الثاني؛ كما يجب في المبتدأ والخبر، وهذا ~~من ذاك، فالجواب: أنه إنما يجب ذلك حيث ألبس، أما إذا دل دليل ~~على ذلك، جاز التقديم والتأخير؛ ومنه قول: [الطويل] # 2032- بنونا بنو أبنائنا، وبناتنا # بنوهن أبناء الرجال الأباعد # ف " بنو أبناء " هو المبتدأ، و " بنونا " خبره؛ لأن المعنى ~~على تشبيه أولاد الأبناء بالأبناء؛ ومثله قول الآخر: [البسيط] # 2033- قبيلة الأم الأحياء أكرمها # وأغدر الناس بالجيران وافيها # " أكرمها " هو المبتدأ و " الأم الأحياء " خبره، وكذا " ~~وافيها " مبتدأ و " أغدر الناس " خبره، والمعنى على هذا، والآية ~~من هذا القبيل فيما ذكرنا وقوله: " والذين أشركوا " عطف على ~~اليهود، والكلام على الجملة الثانية كالكلام على ما قبلها. # فصل # تقدير الكلام قسما: إنك تجد اليهود والمشركين أشد ~~عداوة مع المؤمنين، وقد شرحت لك أن هذا التمرد ~~والمعصية عادة قديمة، ففرغ خاطرك عنهم، ولا تبال ~~بمكرهم وكيدهم. # وقوله تعالى: { ولتجدن أقربهم مودة للذين ~~آمنوا الذين قالوا إنا نصارى }. # قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء والسدي - رضي الله عنهم - ~~المراد به: النجاشي وقومه الذين قدموا من الحبشة، وآمنوا ~~به، ولم يرد جميع النصارى؛ لأنهم في عداوتهم للمسلمين، ~~كاليهود في قتلهم المسلمين وأسرهم، وتخريب بلادهم، ~~وهدم مساجدهم، وإحراق مصاحفهم، ولا كرامة لهم، ~~بل الآية فيمن أسلم منهم. # وقال آخرون: مذهب اليهود الفاسد، أنه يجب إيصال الشر ~~إلى من يخالفهم في الدين بأي طريق كان، فإن قدروا على ~~القتل فذلك، وإلا فنهب المال والسرقة، أو بنوع من المكر ~~والكيد والحيلة، وأما النصارى فليس مذهبهم ذلك، بل الإيذاء ~~في دينهم حرام فهذا وجه التفاوت، ثم ذكر - سبحانه - سبب ~~التفاوت، فقال { ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا }. # فإن قيل: لم أسند تسمية النصارى إليهم، ms3185 بقوله تعالى: { الذين ~~قالوا إنا نصارى }؛ ولما ذكر اليهود سماهم بقوله تعالى: { ~~لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود ~~} ولم يسند التسمية إليهم. # فالجواب: لأن تسميتهم باليهود إن كانت لكونهم من أولاد ~~يهوذا بن يعقوب فهي تسمية حقيقة أيضا، وإن كانت من ~~التحرك في دراستهم، فكذلك أيضا، والنصارى فهم الذين ~~سموا أنفسهم حين قال لهم عيسى - عليه الصلاة والسلام -: # من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن ~~أنصار الله # [الصف: 14]، فلذلك أسند التسمية إليهم، وإن كانوا إنما ~~سموا نصارى؛ لأنهم كانوا يسكنون قرية يقال لها: " ~~ناصرة " ، فكلهم لم يكونوا ساكنين فيها، بل بعضهم أو ~~أكثرهم، فالحقيقة لم توجد فيهم. # وقد تقدم الكلام في تسميتهم عند قوله تعالى: # إن الذين آمنوا والذين هادوا # [الآية: 62] في البقرة. # قوله تعالى: " ذلك بأن " مبتدأ وخبر، وتقدم تقريره، و " منهم ~~" خبر " أن " ، و " قسيسين " اسمها، وأن واسمها وخبرها في محل ~~جر بالباء، والباء ومجرورها ههنا خبر " ذلك " ، والقسيسين ~~جمع " قسيس " على فعيل، وهو مثال مبالغة ك " صديق " ، وقد ~~تقدم، وهو هنا رئيس النصارى وعابدهم، وأصله من تقسس الشيء، ~~إذا تتبعه وطلبه بالليل، يقال: " تقسست أصواتهم " ، ~~أي: تتبعتها بالليل، ويقال لرئيس النصارى: قس وقسيس، ~~وللدليل بالليل: قسقاس وقسقس، قاله الراغب، وقال غيره: ~~القس بفتح القاف تتبع الشيء، ومنه سمي عالم النصارى؛ ~~لتتبعه العلم، قال رؤبة بن العجاج: [الرجز] # 2034- أصبحن عن قس الأذى غوافلا # يمشين هونا خردا بهاللا # ويقال: قس الأثر وقصه بالصاد أيضا، ويقال: قس وقس بفتح ~~القاف وكسرها، وقسيس، وزعم ابن عطية أنه أعجمي معرب، وقال ~~الواحدي: " وقد تكلمت العرب بالقس والقسيس " وأنشد ~~المازني: [الرجز] # 2035- لو عرفت لأيبلي قس # أشعث في هيكله مندس # حن إليها كحنين الطس # وأنشد لأمية بن الصلت: [البسيط] # 2036- لو كان منفلت كانت قساوسة # يحييهم الله في أيديهم الزبر # هذا كلام أهل اللغة في القسيس، ثم قال: " وقال عروة بن ~~الزبير: ضيعت النصارى الإنجيل وما فيه، وبقي منهم رجل ~~يقال له قسيس " يعني: بقي على دينه لم يبدله، فمن بقي ~~على هديه ودينه ms3186 ومذهبه، قيل له: " قسيس " ، وقال قطرب: القس ~~والقسيس: العالم بلغة الروم؛ قال ورقة: [الوافر] # 2037أ- بما خبرتنا من قول قس # من الرهبان أكره أن يبوحا # فعلى هذا: القس والقسيس مما اتفق فيه اللغتان، قلت: وهذا ~~يقوي قول ابن عطية، ولم ينقل أهل اللغة في هذا اللفظ " القس " ~~بضم القاف، لا مصدرا ولا وصفا، فأما قس بن ساعدة ~~الإيادي، فهو علم، فيجوز أن يكون مما غير بطريق العلمية، ~~ويكون أصله " قس " أو " قس " بالفتح أو الكسر؛ كما نقله ابن عطية، ~~وقس بن ساعدة كان أعلم أهل زمانه، وهو الذي قال فيه عليه ~~السلام: # " يبعث أمة وحده " # ، وأما جمع قسيس، فجمع تصحيح؛ كما في الآية الكريمة، قال ~~الفراء: " ولو جمع قسوسا " ، كان صوابا؛ لأنهما في معنى واحد، ~~يعني: " قسا " و " قسيسا " ، قال: ويجمع القسيس على " ~~قساوسة " جمعوه على مثال المهالبة، والأصل: قساسسة، فكثرت ~~السينات فأبدلت إحداهن واوا، وأنشدوا لأمية: [البسيط] # 2037ب- لو كان منفلت كانت قساوسة # ......................... # قال الواحدي: " والقسوسة مصدر القس والقسيس " ، قلت: كأنه ~~جعل هذا المصدر مشتقا من هذا الاسم؛ كالأبوة والأخوة ~~والفتوة من لفظ أب وأخ وفتى، وتقدم أن القس بالفتح في الأصل ~~هو المصدر، وأن العالم سمي به مبالغة، قال شهاب الدين: ولا ~~أدري ما حمل من قال: إنه معرب مع وجود معناه في لغة العرب كما ~~تقدم؟. # والرهبان: جمع راهب؛ كراكب وركبان، وفارس ~~وفرسان، وقال أبو الهيثم: " إن رهبانا يكون واحدا ويكون ~~جمعا "؛ وأنشد على كونه مفردا قول الشاعر: [الرجز] # 2038- لو عاينت رهبان دير في القلل # لأقبل الرهبان يعدو ونزل # ولو كان جمعا، لقال: " يعدون " و " نزلوا " بضمير الجمع، وهذا ~~لا حجة فيه؛ لأنه قد عاد ضمير المفرد على الجمع الصريح؛ ~~لتأوله بواحد؛ كقوله تعالى: # وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في ~~بطونه # [النحل: 66]، فالهاء في " بطونه " تعود على الأنعام؛ وقال: [الرجز] # 2039- وطاب ألبان اللقاح وبرد # في " برد " ضمير يعود على " ألبان " ، وقالوا: " هو أحسن ~~الفتيان وأجمله "؛ وقال الآخر: [الرجز] # 2040- لو أن قومي حين أدعوهم حمل # على الجبال الشم ms3187 لانهد الجبل # إلى غير ذلك مما يطول ذكره، ومن مجيئه جمعا الآية، ولم يرد في ~~القرآن الكريم إلا جمعا؛ وقال كثير: [الكامل] # 2041- رهبان مدين والذين عهدتهم # يبكون من حذر العقاب قعودا # لو يسمعون كما سمعت كلامها # خروا لعزة ركعا وسجودا # قيل: ولا حجة فيه؛ لأنه قال: " والذين " فيحتمل أن الضمير ~~إنما جمع؛ لأجل هذا الجمع، لا لكون " رهبان " جمعا، وأصرح من ~~هذا قول جرير: [الكامل] # 2042- رهبان مدين لو رأوك تنزلوا # والعصم من شعف العقول الفادر # قال أبو الهيثم: وإن جمع الرهبان الواحد " رهابين ورهابنة ~~" ، جاز، وإن قلت: رهبانيون كان صوابا؛ كأنك تنسبه إلى ~~الرهبانية، والرهبانية من الرهبة، وهي المخافة، ~~وقال الراغب، " والرهبان يكون واحدا وجمعا، فمن جعله واحدا، ~~جمعه على رهابين، ورهابنة بالجمع أليق " ، يعني: أن هذه الصيغة ~~غلبت في الجمع كالفرازنة والموازجة والكيالجة، وقال ~~الليث: " الرهبانية مصدر الراهب والترهب: التعبد في ~~صومعة " ، وهذا يشبه الكلام المتقدم في أن القسوسة مصدر من ~~القس والقسيس، ولا حاجة إلى هذا، بل الرهبانية مصدر ~~بنفسها من الترهب، وهو التعبد أو من الرهب، وهو الخوف، ولذلك ~~قال الراغب: " والرهبانية غلو من تحمل التعبد من فرط ~~الرهبة " ، وقد تقدم اشتقاق هذه المادة في قوله: # وإياي فارهبون # [البقرة: 40]. # وعلة هذا التفاوت: أن اليهود مخصوصون بالحرص ~~الشديد على الدنيا، قال: # ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين ~~أشركوا # [البقرة: 96] لقربهم في الحرص بالمشركين المنكرين ~~للمعاد، والحرص معدن الأخلاق الذميمة، لأن من كان ~~حريصا على الدنيا طرح دينه في طلب الدنيا، وأقدم على كل ~~محظور منكر بسبب طلب الدنيا، فلا جرم تشتد عداوته ~~مع كل من نال مالا وجاها، وأما النصارى، فإنهم في ~~أكثر الأمر معرضون عن الدنيا، مقبلون على ~~العبادة، وترك طلب الرياسة والتكبر والترفع، وكل ~~من كان كذلك، فإنه لا يحسد الناس ولا يؤذيهم، بل يكون ~~لين العريكة في طلب الحق، سهل الانقياد له، فهذا هو ~~الفرق بين هذين الفريقين، وهو المراد بقوله تعالى: { ذلك ~~بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا ~~يستكبرون }. # وفيه دقيقة نافعة في ms3188 طلب الدين، وهو أن كفر النصارى ~~أغلظ من كفر اليهود؛ لأن النصارى ينازعون في الإلهيات ~~والنبوات، واليهود: لا ينازعون إلا في النبوات، ولا ~~شك أن الأول أغلظ؛ لأن النصارى مع غلظ كفرهم، لم ~~يشتد حرصهم على طلب الدنيا، بل كان في قلبهم شيء من ~~الميل إلى الآخرة، شرفهم الله بقوله تعالى: { ولتجدن ~~أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا ~~نصارى }. # وأما اليهود مع أن كفرهم أخف من كفر النصارى، طردهم ~~الله وخصهم بمزيد اللعنة، وما ذلك إلا بسبب ~~تهالكهم على الدنيا، ويؤيد ذلك قوله - عليه الصلاة ~~والسلام -: # " حب الدنيا رأس كل خطيئة ". # فإن قيل: كيف مدحهم الله تعالى بذلك، مع قوله تعالى: # ورهبانية ابتدعوها # [الحديد: 27]، وقوله - عليه الصلاة والسلام -: # " لا رهبانية في الإسلام " # ؛ فالجواب: أن ذلك صار ممدوحا في مقابلة اليهود في ~~القساوة، والغلظة، ولا يلزم من هذا كونه ممدوحا على ~~الإطلاق. # قوله تعالى: { وأنهم لا يستكبرون } نسق على " أن " ~~المجرورة بالباء، أي: ذلك بما تقدم، وبأنهم لا يستكبرون. # فصل # المراد بقوله تعالى: { ولتجدن أقربهم مودة ~~للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى } يعني: ~~وفد النجاشي الذين قدموا مع جعفر، وهم السبعون، وكانوا أصحاب ~~الصوامع. # وقال مقاتل والكلبي: كانوا أربعين رجلا، اثنان وثلاثون ~~من الحبشة، وثمانية من الشام. وقال عطاء: كانوا ثمانين ~~رجلا، أربعون من أهل نجران من بني الحارث بن كعب، ~~واثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية روميون من أهل ~~الشام. # وقال قتادة: نزلت في ناس من أهل الكتاب، كانوا على شريعة من ~~الحق مما جاء به عيسى - عليه السلام -، فلما بعث محمد - ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم - صدقوه، وآمنوا به، فأثنى ~~الله عليهم بقوله: تعالى: { ذلك بأن منهم قسيسين ~~ورهبانا } أي: علماء. # قال قطرب: القس والقسيس: العالم بلغة الروم. # قوله تعالى: " وإذا سمعوا " " إذا " شرطية جوابها " ترى " ، ~~وهو العامل فيها، وهذه الجملة الشرطية فيها وجهان: # أظهرهما: أن محلها الرفع؛ نسقا على خبر " أنهم " الثانية، وهو ~~" لا يستكبرون " ، أي: ذلك بأن منهم كذا، وأنهم غير ~~مستكبرين، وأنهم إذا سمعوا: فالواو ms3189 عطفت مفردا على مثله. # والثاني: أن الجملة استئنافية، أي: أنه تعالى أخبر عنهم بذلك، ~~والضمير في " سمعوا " ظاهره: أن يعود على النصارى المتقدمين؛ ~~لعمومهم، وقيل: إنما يعود لبعضهم، وهم من جاء من " الحبشة " إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما - في رواية عطاء: يريد النجاشي ~~وأصحابه، قرأ عليهم جعفر بالحبشة " كهيعص " فأخذ النجاشي ~~نبتة من الأرض، وقال: والله ما زاد على ما قال في الإنجيل ~~مثل هذه مثلا، فما زالوا يبكون، حتى فرغ جعفر من القراءة، ~~واختاره ابن عطية، قال: " لأن كل النصارى ليسوا كذلك ". # و " ما " في " ما أنزل " تحتمل الموصولة، والنكرة الموصوفة، ~~وقوله تعالى: " ترى " بصرية، فيكون قوله { تفيض من الدمع } ~~جملة في محل نصب على الحال. # وقرىء شاذا: " ترى " بالبناء للمفعول، " أعينهم " رفعا، وأسند ~~الفيض إلى الأعين؛ مبالغة، وإن كان الفائض إنما هو دمعها لا هي؛ ~~كقول امرىء القيس: [الطويل] # 2043- ففاضت دموع العين مني صبابة # على النحر حتى بل دمعي محملي # والمراد: المبالغة في وصفهم بالبكاء، أو يكون المعنى أن أعينهم ~~تمتلىء حتى تفيض؛ لأن الفيض ناشىء عن الامتلاء؛ كقوله: [الطويل] # 2044- قوارص تأتيني وتحتقرونها # وقد يملأ الماء الإناء فيفعم # وإلى هذين المعنيين نحا الزمخشري؛ فإنه قال: " فإن قلت: ما معنى { ~~تفيض من الدمع }؟ قلت: معناه تمتلىء من الدمع حتى ~~تفيض؛ لأن الفيض أن يتملىء الإناء حتى يطلع ما فيه من ~~جوانبه، فوضع الفيض الذي هو من الامتلاء موضع الامتلاء، وهو من ~~إقامة المسبب مقام السبب، أو قصدت المبالغة في وصفهم بالبكاء، ~~فجعلت أعينهم، كأنها تفيض بأنفسها، أي: تسيل من الدمع؛ من أجل ~~البكاء، من قولك، دمعت عينه دمعا ". # قوله تعالى " من الدمع " فيه أربعة أوجه: # أحدها: أنه متعلق ب " تفيض " ، ويكون معنى " من " ابتداء ~~الغاية، والمعنى: تفيض من كثرة الدمع. # والثاني: أنه متعلق بمحذوف؛ على أنه حال من الفاعل في " تفيض " ~~قالهما أبو البقاء، وقدر الحال بقولك: " مملوءة من الدمع " ~~، وفيه نظر؛ لأنه كون مقيد، ولا يجوز ذلك، فبقي أن يقدر كونا ms3190 ~~مطلقا، أي: تفيض كائنة من الدمع، وليس المعنى على ذلك، فالقول ~~بالحالية لا ينبغي، فإن قيل: هل يجوز عند الكوفيين أن يكون " من ~~الدمع " تمييزا؛ لأنهم لا يشترطون تنكير التمييز، والأصل: تفيض ~~دمعا؛ كقولك: " تفقأ زيد شحما " ، فهو من المنتصب عن تمام ~~الكلام؟ قيل: إن ذلك لا يجوز، لأن التمييز، إذا كان منقولا من ~~الفاعلية، امتنع دخول " من " عليه، وإن كانت مقدرة معه، فلا يجوز: " ~~تفقأ زيد من شحم " ، وهذا - كما رأيت - مجرور ب " من "؛ ~~فامتنع أن يكون تمييزا، إلا أن الزمخشري في سورة براءة [الآية 92] ~~جعله تمييزا في قوله تعالى: # تولوا وأعينهم تفيض من الدمع # ، ولا بد من نقل نصه لتعرفه؛ قال - رحمه الله تعالى -: { تفيض من ~~الدمع } كقولك: " تفيض دمعا " ، وهو أبلغ من قولك: يفيض ~~دمعها؛ لأن العين جعلت كأنها دمع فائض، و " من " للبيان؛ ~~كقولك: " أفديك من رجل " ، ومحل الجار والمجرور النصب على ~~التمييز؛ وفيه ما قد عرفته من المانعين، وهو كونه معرفة، وكونه ~~جر ب " من " وهو فاعل في الأصل، وسيأتي لهذا مزيد بيان؛ فعلى ~~هذا: تكون هذه الآية الكريمة كتلك عنده، وهو الوجه الثالث. # الرابع: أن " من " بمعنى الباء، أي: تفيض بالدمع، وكونها بمعنى ~~الباء رأي ضعيف، وجعلوا منه أيضا قوله تعالى: # ينظرون من طرف خفي # [الشورى: 45] أي: بطرف؛ كما أن الباء تأتي بمعنى " من "؛ ~~كقوله: [الطويل] # 2045- شربن بماء البحر ثم ترفعت # متى لجج خضر لهن نئيج # أي: من ماء البحر. # قوله: { مما عرفوا من الحق } " من " الأولى لابتداء ~~الغاية، وهي متعلقة ب " تفيض " ، والثانية يحتمل أن تكون ~~لبيان الجنس، أي: بينت جنس الموصول قبلها، ويحتمل أن تكون ~~للتبعيض، وقد أوضح الزمخشري هذا غاية الإيضاح؛ قال - رحمه الله -: " ~~فإن قلت: أي فرق بين " من " و " من " في قوله: { مما ~~عرفوا من الحق }؟ قلت: الأولى لابتداء الغاية؛ على أن ~~الدمع ابتدأ ونشأ من معرفة الحق، وكان من أجله وبسببه، والثانية: ~~لبيان الموصول الذي هو " ما عرفوا " ، وتحتمل معنى التبعيض؛ على أنهم ~~عرفوا بعض الحق، فأبكاهم وبلغ ms3191 منهم، فكيف إذا عرفوه كله، وقرءوا ~~القرآن، وأحاطوا بالسنة ". انتهى، ولم يتعرض لما يتعلق به ~~الجاران، وهو يمكن أن يؤخذ من قوة كلامه، ولنزد ذلك إيضاحا، ~~و " من " الأولى متعلقة بمحذوف؛ على أنها حال من " الدمع " ، أي: ~~في حال كونه ناشئا ومبتدئا من معرفة الحق، وهو معنى قول ~~الزمخشري؛ على أن الدمع ابتدأ ونشأ من معرفة الحق، ولا يجوز أن ~~يتعلق ب " تفيض "؛ لئلا يلزم تعلق حرفين متحدين لفظا ~~ومعنى بعامل واحد؛ فإن " من " في " من الدمع " لابتداء ~~الغاية؛ كما تقدم، اللهم إلا أن يعتقد كون " من " في " من ~~الدمع " للبيان، أو بمعنى الباء، فقد يجوز ذلك، وليس معناه في ~~الوضوح كالأول، وأما " من الحق " فعلى جعله أنها للبيان ~~تتعلق بمحذوف، أي: أعني من كذا، وعلى جعله أنها للتبعيض تتعلق ~~ب " عرفوا " ، وهو معنى قوله: " عرفوا بعض الحق ". # وقال أبو البقاء في " من الحق ": إنه حال من العائد المحذوف على ~~الموصول، أي: مما عرفوه كائنا من الحق، ويجوز أن تكون " من " في ~~قوله تعالى: " مما عرفوا " تعليلية، أي: إن فيض دمعهم بسبب ~~عرفانهم الحق؛ ويؤيده قول الزمخشري: " وكان من أجله وبسببه " ، ~~فقد تحصل في " من " الأولى أربعة أوجه، وفي الثالثة ضعف، أو منع؛ كما ~~تقدم، وفي " من " الثانية أربعة أيضا: وجهان بالنسبة إلى معناها: هل ~~هي ابتدائية أو تعليلية؟ ووجهان بالنسبة إلى ما تتعلق به: هل هو " ~~تفيض " ، أو محذوف؛ على أنها حال من الدمع، وفي الثالثة: خمسة: ~~اثنان بالنسبة إلى معناها: هل هي بيانية أو تبعيضية؟ وثلاثة بالنسبة ~~إلى متعلقها: هل هو محذوف، وهو " أعني " ، أو نفس " عرفوا " ، ~~أو هو حال، فتتعلق بمحذوف أيضا؛ كما ذكره أبو البقاء. # وقوله تعالى: { ترى أعينهم تفيض من الدمع مما ~~عرفوا من الحق } ، يدل على أن الإخلاص والمعرفة ~~بالقلب مع القول تكون إيمانا. # قوله تعالى: " يقولون " الآية. فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه مستأنف، فلا محل له، أخبر الله تعالى عنهم بهذه المقالة ~~الحسنة. # الثاني: أنها حال من الضمير المجرور في " أعينهم " ، وجاز مجيء ms3192 ~~الحال من المضاف إليه؛ لأن المضاف جزؤه؛ فهو كقوله تعالى: # ما في صدورهم من غل إخوانا # [الحجر: 47]. # الثالث: أنه حال من فاعل " عرفوا " ، والعامل فيها " عرفوا " ، ~~قال أبو حيان لما حكى كونه حالا: " كذا قاله ابن عطية وأبو البقاء، ~~ولم يبينا ذا الحال، ولا العامل فيها " ، قال شهاب الدين: أما أبو ~~البقاء، فقد بين ذا الحال، فقال: " يقولون " حال من ضمير الفاعل ~~في " عرفوا " ، فقد صرح به، ومتى عرف ذو الحال، عرف العامل ~~فيها؛ لأن العامل في الحال هو العامل في صاحبها، فالظاهر: أنه اطلع ~~على نسخة مغلوطة من إعراب أبي البقاء سقط منها ما ذكرته لك، ثم ~~إن أبا حيان رد كونها حالا من الضمير في " أعينهم "؛ بما ~~معناه: أن الحال لا تجيء من المضاف إليه، وإن كان المضاف جزأه، ~~وجعله خطأ، وأحال بيانه على بعض مصنفاته، ورد كونها حالا أيضا من ~~فاعل " عرفوا "؛ بأنه يلزم تقييد معرفتهم الحق بهذه الحال، وهم قد ~~عرفوا الحق في هذه الحال وفي غيرها، قال: " فالأولى: أن يكون ~~مستأنفا " ، قال شهاب الدين: أما ما جعله خطأ، فالكلام معه في هذه ~~المسألة في موضوع غير هذا، وأما قوله: " يلزم التقييد " ، ~~فالجواب: أنه إنما ذكرت هذه الحال؛ لأنها أشرف أحوالهم، ~~فخرجت مخرج المدح لهم، وقوله تعالى: " ربنا آمنا " في محل ~~نصب بالقول، وكذلك: " فاكتبنا " إلى قوله سبحانه: " الصالحين ". # فصل # المعنى: يقولون ربنا آمنا بما سمعنا وشهدنا بأنه ~~حق، { فاكتبنا مع الشاهدين } يريد: أمة محمد - ~~عليه الصلاة والسلام - لقوله - تعالى -: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء ~~على الناس # [البقرة: 143]. # وقيل: كل من شهد من أنبيائك ومؤمني عبادك بأنك لا ~~إله غيرك. # قوله تعالى: { وما لنا لا نؤمن بالله وما جآءنا من ~~الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم ~~الصالحين }: " ما " استفهامية في محل رفع بالابتداء، و " ~~لنا " جار ومجرور خبره، تقديره: أي شيء استقر لنا، و " لا ~~نؤمن " جملة حالية، وقد تقدم الكلام على نظير هذه الآية، وأن ~~بعضهم قال: إنها حال لازمة لا يتم المعنى ms3193 إلا بها؛ نحو: # فما لهم عن التذكرة معرضين # [المدثر: 49]، وتقدم ما قلته فيه، فأغنى ذلك عن إعادته، وقال أبو ~~حيان هنا: " وهي المقصود وفي ذكرها فائدة الكلام؛ وذلك كما تقول: " ~~جاء زيد راكبا " لمن قال: هل جاء زيد ماشيا أو ~~راكبا؟ ". # فصل # قوله: " وما جاءنا " في محل " ما " وجهان: # أحدهما: أنه مجرور نسقا على الجلالة، أي: بالله وبما جاءنا، وعلى ~~هذا فقوله: " من الحق " فيه احتمالان: # أحدهما: أنه حال من فاعل " جاءنا " ، أي: جاء في حال كونه من جنس ~~الحق. # والاحتمال الآخر: أن تكون " من " لابتداء الغاية، والمراد بالحق ~~الباري تعالى، وتتعلق " من " حينئذ ب " جاءنا "؛ كقولك: " ~~جاءنا فلان من عند زيد ". # والثاني: أن محله رفع بالابتداء، والخبر قوله: " من الحق " ، ~~والجملة في موضع الحال، كذا قاله أبو البقاء، ويصير التقدير: وما لنا ~~لا نؤمن بالله، والحال أن الذي جاءنا كائن من الحق، و " ~~الحق " يجوز أن يراد به القرآن؛ فإنه حق في نفسه، ويجوز أن ~~يراد به الباري تعالى - كما تقدم - والعامل فيها الاستقرار الذي ~~تضمنه قوله " لنا ". # قوله: " ونطمع " في هذه الجملة ستة أوجه: # أحدها: أنها منصوبة المحل؛ نسقا على المحكي بالقول قبلها، أي: ~~يقولون كذا ويقولون نطمع وهو معنى حسن. # الثاني: أنها في محل نصب على الحال من الضمير المستتر في الجار ~~الواقع خبرا وهو " لنا "؛ لأنه تضمن الاستقرار، فرفع الضمير ~~وعمل في الحال، وإلى هذا ذهب الزمخشري؛ فإنه قال: " والواو في " ~~ونطمع " واو الحال، فإن قلت: ما العامل في الحال الأولى والثانية؟ ~~قلت: العامل في الأولى ما في اللام من معنى الفعل؛ كأنه قيل: أي ~~شيء حصل لنا غير مؤمنين، وفي الثانية معنى هذا الفعل، ولكن ~~مقيدا بالحال الأولى؛ لأنك لو أزلتها، وقلت: " ما لنا ~~ونطمع " ، لم يكن كلاما ". قال شهاب الدين: وفي هذا الكلام نظر، ~~وهو قوله: " لأنك لو أزلته... إلى آخره "؛ لأنا إذا ~~أزلناها وأتينا ب " نطمع " ، لم نأت بها مقترنة بحرف ~~العطف، بل مجردة منه؛ لنحلها محل الأولى؛ ألا ترى أن النحويين ~~إذا ms3194 وضعوا المعطوف موضع المعطوف عليه، وضعوه مجردا من حرف ~~العطف، ورأيت في بعض نسخ الكشاف: " ما لنا نطمع " من غير واو ~~مقترنة ب " نطمع " ولكن أيضا لا يصح؛ لأنك لو قلت: " ما ~~لنا نطمع " كان كلاما؛ كقوله تعالى: # فما لهم عن التذكرة معرضين # [المدثر: 49]، ف " نطمع " واقع موقع مفرد هو حال، كما لو قلت: ~~ما لك طامعا، وما لنا طامعين، ورد عليه أبو حيان هذا الوجه ~~بشيئين: أحدهما: أن العامل لا يقتضي أكثر من حال واحدة، إذا كان صاحبه ~~مفردا دون بدل أو عطف، إلا أفعل التفضيل على الصحيح. # والثاني: أنه يلزم دخول الواو على مضارع مثبت. وذلك لا يجوز إلا ~~بتأويل تقدير مبتدأ، أي: ونحن نطمع. # الثالث: أنها في محل نصب على الحال من فاعل " نؤمن " ، فتكون ~~الحالان متداخلتين، قال الزمخشري: " ويجوز أن يكون " ونطمع " ~~حالا من " لا نؤمن " على معنى: أنهم أنكروا على أنفسهم؛ أنهم لا ~~يوحدون الله، ويطمعون مع ذلك أن يصحبوا الصالحين " ، وهذا فيه ما ~~تقدم من دخول واو الحال على المضارع المثبت، وأبو البقاء لما أجاز ~~هذا الوجه، قدر مبتدأ قبل " نطمع " ، وجعل الجملة حالا من فاعل ~~" نؤمن "؛ ليخلص من هذا الإشكال؛ فقال: ويجوز أن يكون التقدير: " ~~ونحن نطمع " ، فتكون الجملة حالا من فاعل " لا نؤمن ". # الرابع: أنها معطوفة على " لا نؤمن " ، فتكون في محل نصب على ~~الحال من ذلك الضمير المستتر في " لنا " ، والعامل فيها هو العامل ~~في الحال قبلها. # فصل # فإن قيل: هذا هو الوجه الثاني المتقدم، وذكرت عن أبي حيان هناك؛ أنه ~~منع مجيء الحالين لذي حال واحدة، وبأنه يلزم دخول الواو على ~~المضارع، فما الفرق بين هذا وذاك؟ فالجواب: أن الممنوع تعدد ~~الحال دون عاطف، وهذه الواو عاطفة، وأن المضارع إنما يمتنع دخول ~~واو الحال عليه، وهذه عاطفة لا واو حال؛ فحصل الفرق بينهما من ~~جهة الواو؛ حيث كانت في الوجه الثاني واو الحال، وفي هذا الوجه واو ~~عطف، ولما حكى الزمخشري هذا الوجه، أبدى له معنيين حسنين؛ فقال - ~~رحمه الله ms3195 -: " وأن يكون معطوفا على " لا نؤمن " على معنى: وما لنا ~~نجمع بين التثليث وبين الطمع في صحبة الصالحين، أو ~~على معنى: وما لنا لا نجمع بينهما بالدخول في الإسلام؛ لأن ~~الكافر ما ينبغي له أن يطمع في صحبة الصالحين ". # الخامس: أنها جملة استئنافية، قال أبو حيان: الأحسن والأسهل: أن يكون ~~استئناف إخبار منهم؛ بأنهم طامعون في إنعام الله عليهم؛ بإدخالهم مع ~~الصالحين، فالواو عاطفة هذه الجملة على جملة { وما لنا لا ~~نؤمن } ، قال شهاب الدين: وهذا المعنى هو ومعنى كونها معطوفة على ~~المحكي بالقول قبلها - شيء واحد - فإن [فيه] الإخبار عنهم بقولهم ~~كيت وكيت. # السادس: أن يكون " ونطمع " معطوفا على " نؤمن " ، أي: وما لنا ~~لا نطمع، قال أبو حيان هنا: " ويظهر لي وجه غير ما ذكروه، وهو أن ~~يكون معطوفا على " نؤمن " ، التقدير: وما لنا لا نؤمن ولا ~~نطمع، فيكون في ذلك إنكار لانتفاء إيمانهم وانتفاء طمعهم مع ~~قدرتهم على تحصيل الشيئين: الإيمان والطمع في الدخول مع الصالحين " ، ~~قال شهاب الدين: قوله: " غير ما ذكروه " ليس كما ذكره، بل ذكر ~~أبو البقاء فقال: " ونطمع " يجوز أن يكون معطوفا على " نؤمن " ~~، أي: " وما لنا لا نطمع " ، فقد صرح بعطفه على الفعل المنفي ~~ب " لا " ، غاية ما في الباب أن الشيخ زاده بسطا. # والطمع قال الراغب: " هو نزوع النفس إلى الشيء شهوة له ~~" ، ثم قال: " ولما كان أكثر الطمع من جهة الهوى، قيل: ~~الطمع طبع والطمع يدنس الإهاب " ، وقال أبو حيان: " الطمع ~~قريب من الرجاء يقال منه طمع يطمع طمعا "؛ قال تعالى: # خوفا وطمعا # [السجدة: 16] وطماعة وطماعية كالكراهية؛ قال: [الطويل] # 2046-....................... # طماعية أن يغفر الذنب غافره # فالتشديد فيها خطأ، واسم الفاعل منه طمع ك " فرح " و " أشر ~~" ، ولم يحك أبو حيان غيره، وحكى الراغب: طمع وطامع، وينبغي أن ~~يكون ذلك باعتبارين؛ كقولهم " فرح " لمن شأنه ذلك، و " فارح " لمن ~~تجدد له فرح. # قوله: " أن يدخلنا " ، أي: " في أن " فمحلها نصب أو جر؛ على ~~ما تقدم غير مرة. و " مع " على بابها من المصاحبة، ms3196 وقيل: هي بمعنى " ~~في " ولا حاجة إليه؛ لاستقلال المعنى مع بقاء الكلمة على موضوعها. # فصل # قال المفسرون - [رحمهم الله] - إن اليهود عيروهم، وقالوا ~~لهم: لم آمنتم؟ فأجابوهم بهذا. # والمراد: يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين جنته، ودار ~~رضوانه قال - تعالى -: # ليدخلنهم مدخلا يرضونه # [الحج: 59]، إلا أنه حسن الحذف لكونه معلوما. # قوله تعالى: # فأثابهم الله بما قالوا # [المائدة: 85]. # وقرأ الحسن: " فآتاهم الله ": من آتاه كذا، أي: أعطاه، والقراءة ~~الشهيرة أولى؛ لأن الإثابة فيها منبهة على أن ذلك لأجل ~~عمل؛ بخلاف الإيتاء؛ فإنه يكون على عمل وعلى غيره، وقوله تعالى: " ~~جنات " مفعول ثان ل " أثابهم " ، أو ل " آتاهم " على حسب ~~القراءتين. و { تجري من تحتها الأنهار } في محل نصب ~~صفة ل " جنات ". و " خالدين " حال مقدرة. # فإن قيل: ظاهر الآية يدل على أنهم إنما استحقوا ذلك ~~الثواب بمجرد القول؛ لأنه - تعالى - قال: { فأثابهم ~~الله بما قالوا جنات } ، وذلك غير ممكن؛ لأن ~~مجرد القول لا يفيد الثواب. # فالجواب من وجهين: # الأول: أنه قد سبق من وصفهم ما يدل على إخلاصهم فيما ~~قالوا وهو المعرفة، وذلك قوله - تعالى -: { مما عرفوا من ~~الحق } ، وكلما حصلت المعرفة والإخلاص وكمال ~~الانقياد، ثم انضاف إليه القول، لا جرم كمل الإيمان. # الثاني: روى عطاء عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أنه قال: ~~قوله - تعالى -: " بما قالوا " يريد بما سألوا، يعني قولهم: " ~~فاكتبنا مع الشاهدين ". # فصل # دلت الآية على أن المؤمن الفاسق لا يخلد في النار ~~من وجهين: # أحدهما: أنه - تعالى - قال: { وذلك جزآء المحسنين } ، ~~وهذا الإحسان لا بد وأن يكون هو الذي تقدم ذكره من ~~المعرفة، وهو قوله - تعالى -: { مما عرفوا من الحق } ~~، ومن الإقرار به، وهو قوله - تعالى -: { فأثابهم الله ~~بما قالوا } ، وإذا كان كذلك فإما أن يقال: إن هذه ~~الآية دالة على أن المعرفة، وهو إقرار يوجب هذا الثواب، ~~وصاحب الكبيرة له هذه المعرفة وهذا الإقرار، فوجب أن ~~يحصل له هذا الثواب، فإما أن ينقل من الجنة إلى ~~النار، وهذا باطل بالإجماع، أو يقال: يعاقب على ذنبه، ms3197 ~~ثم ينقل إلى الجنة، وهو المطلوب. # الثاني: أنه - تعالى - قال: { والذين كفروا وكذبوا ~~بآياتنآ أولئك أصحاب الجحيم } ، فقوله تعالى: { ~~أولئك أصحاب الجحيم } يفيد الحصر، أي: أولئك ~~أصحاب الجحيم لا غيرهم، والمصاحب للشيء الملازم له الذي ~~لا ينفك عنه، وهذا يقتضي تخصيص الكفار بالدوام. # قوله تعالى: " وذلك جزاء " مبتدأ وخبر، وأشير ب " ذلك " ~~إلى الثواب أو الإيتاء، و " المحسنين " يحتمل أن يكون من باب إقامة ~~الظاهر مقام المضمر، والأصل: " وذلك جزاؤهم " ، وإنما ذكر ~~وصفهم الشريف منبهة على أن هذه الخصلة محصلة جزائهم ~~بالخير، ويحتمل أن يراد كل محسن، فيندرجون اندراجا ~~أوليا. # والمراد بالمحسنين: الموحدين المؤمنين. ### || [5.87-88] # لما استقصى في المناظرة مع اليهود والنصارى، عاد إلى ~~بيان الأحكام، وذكر منها جملة: # أولها: ما يتعلق بالمطاعم والمشارب واللذات، وهي هذه ~~الآية، والمراد بالطيبات: ما تشتهيه النفوس، وتميل ~~إليه القلوب وفيه قولان: # الأول: قال المفسرون -[رحمهم الله]- # " ذكر النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - الناس ~~يوما في بيت عثمان بن مظعون - رضي الله عنه - فوصف ~~القيامة، وبالغ في الإنذار والتحذير، فرق له الناس ~~وبكوا، فاجتمع عشرة من الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين ~~- وهم: أبو بكر، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، ~~وعبد الله بن عمر، وأبو ذر الغفاري، وسالم مولى أبي ~~حذيفة والمقداد بن الأسود، وسلمان الفارسي، ومعقل ~~بن مقرن - رضي الله عنهم -، وتشاوروا على أن يترهبوا، ~~ويلبسوا المسوح، ويجبوا مذاكيرهم، ويصوموا الدهر، ~~ويقوموا الليل، ولا ينامون على الفرش، ولا يأكلون ~~اللحم والودك، ولا يقربون النساء والطيب، ويسيحوا في ~~الأرض، وحلفوا على ذلك، فبلغ النبي - صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم - [ذلك]، فأتى دار عثمان بن مظعون الجمحي، ~~فلم يصادفه، فقال لامرأته أم حكيم بنت أبي أمية - ~~واسمها " الحولاء " ، وكانت عطارة -: أحق ما بلغني عن ~~زوجك وأصحابه؟ فكرهت أن تكذب، وكرهت أن تبدي ~~على زوجها، فقالت: يا رسول الله: إن كان أخبرك ~~عثمان فقد صدق، فانصرف رسول الله - صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم - فلما دخل عثمان أخبرته بذلك، فأتى رسول ~~الله ms3198 - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - هو وأصحابه، فقال لهم ~~رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: ألم أنبأ ~~أنكم اتفقتم على كذا وكذا، قالوا: بلى يا رسول ~~الله، ما أردنا إلا الخير، فقال - عليه الصلاة والسلام -: إني ~~لم أؤمر بذلك، ثم قال: إن لأنفسكم عليكم حقا، ~~فصوموا وأفطروا، وقوموا وناموا، فإني أقوم وأنام، ~~وأصوم وأفطر، وآكل اللحم والدسم، وآتي النساء، فمن ~~رغب عن سنتي فليس مني. ثم جمع إليه الناس وخطبهم ~~فقال: ما بال أقوام حرموا النساء والطعام، والطيب ~~والنوم، وشهوات الدنيا؟! أما إني لست آمركم أن تكونوا ~~قسيسين ورهبانا، فإنه ليس في ديني ترك اللحم، ولا ~~اتخاذ الصوامع، وأن سياحة أمتي الصوم، ~~ورهبانيتهم الجهاد، اعبدوا الله ولا تشركوا به ~~شيئا، وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، ~~وصوموا رمضان، واستقيموا يستقم لكم، فإنما هلك من كان ~~قبلكم بالتشديد، شددوا على أنفسهم، فشدد الله ~~عليهم، فأولئك بقاياهم في الديار والصوامع " # ، فأنزل الله هذه الآية. # وعن عثمان بن مظعون - رضي الله تعالى عنه # " - أنه أتى النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - فقال: ~~ائذن لنا في الاختصاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم: ليس منا من خصى أو اختصا، إن خصاء أمتي الصيام، ~~فقال يا رسول الله: ائذن لنا في السياحة، فقال: إن ~~سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله، قال يا رسول الله: ~~ائذن لنا في الترهب فقال: إن ترهب أمتي الجلوس في ~~المساجد، وانتظار الصلاة ". # وعلى هذا ظهر وجه النظم بين هذه الآية، وبين ما قبلها، وذلك ~~أنه تعالى مدح النصارى، بأن منهم قسيسين ورهبانا، ~~وعادتهم الاحتراز عن طيبات الدنيا ولذاتها، فلما ~~مدحهم أوهم ذلك المدح ترغيب المسلمين في مثل تلك ~~الطريقة، فذكر تعالى عقيبه هذه الآية، إزالة لذلك ~~الوهم؛ ليظهر للمسلمين أنهم ليسوا مأمورين بتلك ~~الطريقة؛ والله أعلم. # فإن قيل: ما الحكمة في هذا النهي؟ ومن المعلوم أن حب ~~الدنيا مستول على الطباع والقلوب، فإذا توسع ~~الإنسان في اللذات والطيبات: اشتد ميله إليها ~~وعظمت رغبته ms3199 فيها، وكلما أكثر التنعيم ودام كان ذلك ~~الميل أقوى وأعظم، وكلما ازداد الميل قوة ورغبة، ~~ازداد حرصه في طلب الدنيا، واستغراقه في تحصيلها، ~~وذلك يمنعه عن الاستغراق في معرفة الله - تعالى - وطاعته، ~~ويمنعه عن طلب سعادات الآخرة، وأما إذا أعرض عن لذات ~~الدنيا وطيباتها، فكلما كان ذلك الإعراض أتم ~~وأدوم، كان ذلك الميل أضعف، وحينئذ تتفرغ النفس لطلب ~~معرفة الله تعالى، والاستغراق في خدمته، وإذا كان الأمر ~~كذلك فما الحكمة في نهي الله تعالى عن الرهبانية؟. # فالجواب من وجوه: # الأول: أن الرهبانية المفرطة، والاحتراز التام عن ~~الطيبات واللذات، مما يوقع الضعف في الأعضاء ~~الرئيسية - التي هي القلب والدماغ -، وإذا وقع الضعف ~~فيهما اختلت الفكرة وتشوش العقل. # ولا شك أن أكمل السعادات وأعظم القربات، إنما هو ~~معرفة الله سبحانه وتعالى، فإذا كانت الرهبانية ~~الشديدة مما يوقع الخلل في ذلك، لا جرم وقع النهي ~~عنه. # الثاني: سلمنا أن اشتغال النفس باللذات يمنعها عن ~~الاشتغال بالسعادات العقلية، ولكن في حق النفوس ~~الضعيفة أما النفوس المستعلية الكاملة، فإنه لا ~~يكون اشتغالها في اللذات الحسية مانعا من الاشتغال ~~بالسعادات العقلية، فإنا نشاهد بعض النفوس قد تكون ~~ضعيفة، بحيث متى اشتغلت بمهم امتنع عليها ~~الاشتغال بمهم آخر، وكلما قويت النفس كانت هذه ~~الحالة أكمل، وإذا كان كذلك، فالمراد الكمال في الوفاء ~~بالجهتين. # الثالث: أن من استوفى اللذات الحسية، وكان غرضه بذلك ~~الاستعانة على استيفاء اللذات العقلية، فإن ~~مجاهدته أتم من مجاهدة من أعرض عن اللذات ~~الحسية. # الرابع: أن الرهبانية التامة توجب خراب الدنيا، ~~وانقطاع الحرث والنسل. # وأما ترك الرهبانية مع المواظبة على المعرفة ~~والمحبة والطاعة، فإنه عمارة الدنيا والآخرة، فكانت ~~هذه الحال أكمل القول. # الثاني في تفسير هذه الآية ذكره القفال -[رحمه الله]- وهو ~~أنه تعالى قال في أول السورة: # أوفوا بالعقود # [المائدة: 1] فبين أنه لا يجوز استحلال المحرم، كذلك لا ~~يجوز تحريم المحلل، وكانت العرب تحرم من الطيبات ما ~~لم يحرمه الله تعالى، وهو: البحيرة، والسائبة، ~~والوصيلة، والحام، وكانوا يحللون الميتة والدم ~~وغيرهما، فأمر الله تعالى ms3200 أن لا يحرموا ما أحله الله، ~~ولا يحللوا ما حرمه الله، حتى تدخلوا تحت قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود # [المائدة: 1]. # فقوله تعالى: { لا تحرموا طيبات مآ أحل الله لكم ~~} يحتمل وجوها: # الأول: ألا تعتقدوا تحريم ما أحل الله لكم. # وثانيها: لا تظهروا باللسان تحريم ما أحل الله لكم. # وثالثها: لا تجتنبوها اجتنابا يشبه الاجتناب عن ~~المحرمات، فهذه الوجوه الثلاثة محمولة على الاعتقاد ~~والقول والعمل. # ورابعها: لا تحرموا على غيركم بالفتوى. # وخامسها: لا تلتزموا تحريمها بنذر أو يمين، ونظيره قوله ~~تعالى: # يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك # [التحريم: 1]. # وسادسها: أن يخلط المغصوب بالمملوك اختلاطا لا يمكنه ~~التمييز، وحينئذ يحرم الكل، ذلك الخلط سبب لتحريم ما ~~كان حلالا، وكذلك إذا خلط النجس بالطاهر، فالآية ~~محتملة لكل هذه الوجوه، ولا يبعد حملها على الكل. # قوله - تعالى -: { ولا تعتدوا إن الله لا يحب ~~المعتدين } فقيل: لا تجاوزوا الحلال إلى الحرام، وقيل: لا ~~تسرفوا وقيل: هو جب المذاكير، وجعل تحريم الطيبات ~~اعتداء وتعد عما أحله الله، فنهى عن الاعتداء؛ ليدخل ~~تحت النهي عن تحريمها. # قوله تعالى: { وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ~~}. # في نصب " حلالا ": ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنه مفعول به، أي: كلوا شيئا حلالا، [وعلى هذا الوجه، ~~ففي الجار، وهو قوله: " مما رزقكم " وجهان: # أحدهما: أنه حال من " حلالا "؛] لأنه في الأصل صفة لنكرة، فلما ~~قدم عليها، انتصب حالا. # والثاني: أن " من " لابتداء الغاية في الأكل، أي: ابتدئوا ~~أكلكم الحلال من الذي رزقه الله لكم. # الوجه الثاني من الأوجه المتقدمة: أنه حال من الموصول أو من عائده ~~المحذوف، أي: " رزقكموه " فالعامل فيه " رزقكم ". # الثالث: أنه نعت لمصدر محذوف، أي: أكلا حلالا، وفيه تجوز. # وقال: { كلوا مما رزقكم الله } ولم يقل: ما رزقكم؛ لأن " من " ~~للتبعيض، فكأنه قال: اقتصروا في الأكل على البعض ~~واصرفوا البقية إلى الصدقات والخيرات، وأيضا إرشاد إلى ~~ترك الإسراف، كقوله: # ولا تسرفوا # [الأعراف: 31]. # قال عبد الله بن المبارك - رضي الله عنه -: الحلال ما أخذته ~~من وجهه، والطيب: ms3201 ما غذي وأنمي. # فأما الجوامد: كالطين والتراب وما لا يغذي، فمكروه ~~إلا على وجه التداوي. # قالت عائشة - رضي الله عنها -: " كان النبي - صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم - يحب الحلواء والعسل ". # قوله تعالى: " اتقوا الله " تأكيد للوصية بما أمر به، ~~وزاده تأكيدا بقوله تعالى: { الذي أنتم به مؤمنون }؛ ~~لأن الإيمان به يوجب التقوى في الانتهاء. ### || [5.89] # وهذا النوع الثاني من الأحكام المذكورة، ووجه ~~المناسبة بين هذا الحكم والذي قبله حتى حسن ذكره ~~عقيبه، أنا ذكرنا أن سبب نزول الآية: أن قوما من الصحابة ~~- رضي الله عنهم أجمعين - حرموا على أنفسهم المطاعم ~~والملاذ، واختاروا الرهبانية، وحلفوا على ذلك، فلما ~~نهاهم الله تعالى عن ذلك قالوا: يا رسول الله، فكيف ~~نصنع بأيماننا؟ فأنزل الله هذه الآية، وقد تقدم إعراب ~~نظيرها في البقرة واشتقاق مفرداتها. # قوله تعالى: { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان }. # قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: " عقدتم " بتخفيف القاف ~~دون ألف بعد العين، وابن ذكوان عن ابن عامر: " عاقدتم " بزنة " ~~فاعلتم " والباقون: " عقدتم " بتشديد القاف، فأما التخفيف، ~~فهو الأصل، وأما التشديد، فيحتمل أوجها: # أحدها: أنه للتكثير؛ لأن المخاطب به جماعة. # والثاني: أنه بمعنى المجرد، فيوافق القراءة الأولى، ونحوه: قدر ~~وقدر. # والثالث: أنه يدل على توكيد اليمين، نحو: " والله الذي لا ~~إله إلا هو ". # والرابع: أنه يدل على تأكيد العزم بالالتزام. # الخامس: أنه عوض من الألف في القراءة الأخرى، وقال شهاب الدين: ولا ~~أدري ما معناه ولا يجوز أن يكون لتكرير اليمين، فإن الكفارة تجب ~~ولو بمرة واحدة. # وقد تجرأ أبو عبيد على هذه القراءة وزيفها، فقال: " ~~التشديد للتكرير مرة من بعد مرة، ولست آمن أن توجب هذه ~~القراءة سقوط الكفارة في اليمين الواحدة؛ لأنها لم تكرر ". ~~وقد وهموه الناس في ذلك، وذكروا تلك المعاني المتقدمة. # وأجاب الواحدي بوجهين: # الأول: أن بعضهم قال: عقدتم بالتخفيف وبالتشديد واحد في ~~المعنى. # والثاني: هب أنها تفيد التكرير، كما في قوله تعالى: # وغلقت الأبواب # [يوسف: 23]، إلا أن هذا التكرير يحصل بأن يعقدها بقلبه ~~ولسانه، ومتى ms3202 جمع بين القلب واللسان فقد حصل ~~التكرير، أما لو عقد اليمين بأحدهما دون الآخر ~~لم يكن منعقدا لها فسلمت القراءة تلاوة ولله ~~الحمد. # وأما " عاقدت " ، فيحتمل أن تكون بمعنى [المجرد نحو]: " ~~جاوزت الشيء وجزته " ، وقال الفارسي: " عاقدتم " يحتمل ~~أمرين: # أحدهما: أن يكون بمعنى " فعل " ، كطارقت النعل، وعاقبت ~~اللص. # والآخر: أن يراد به " فاعلت " التي تقتضي فاعلين؛ كأن المعنى: بما ~~عاقدتم عليه الأيمان، عداه ب " على " لما كان بمعنى ~~عاهد، قال: # بما عاهد عليه الله # [الفتح: 10]؛ كما عدى: # ناديتم إلى الصلاة # [المائدة:58] ب " إلى " ، وبابها أن تقول: ناديت زيدا، نحو: # وناديناه من جانب الطور # [مريم: 52] لما كانت بمعنى دعوت إلى كذا، قال: # ممن دعآ إلى الله # [فصلت: 33] ثم اتسع فحذف الجار، ونقل الفعل إلى المفعول، ~~ثم حذف الضمير العائد من الصلة إلى الموصول؛ إذ صار: " بما ~~عاقدتموه الأيمان " كما من حذف من قوله: # فاصدع بما تؤمر # [الحجر: 94]، قال شهاب الدين: يريد - رحمه الله - أن يبين معنى " ~~المفاعلة " ، فأتى بهذه النظائر للتضمين، ولحذف العائد على ~~التدريج، والمعنى: بما عاقدتم عليه الأيمان، وعاقدتكم ~~الأيمان عليه، فنسب المعاقدة إلى الأيمان مجازا، ولقائل أن ~~يقول: قد لا نحتاج إلى عائد حتى نحتاج إلى هذا التكلف الكثير، ~~وذلك بأن نجعل " ما " مصدرية، والمفعول محذوف، تقديره: بما ~~عاقدتم غيركم الأيمان، أي: بمعاقدتكم غيركم ~~الأيمان، ونخلص من مجاز آخر، وهو نسبة المعاقدة إلى الأيمان؛ ~~فإن في هذا الوجه نسبة المعاقدة للغير، وهي نسبة حقيقية، وقد ~~نص على هذا الوجه - جماعة. # قالوا: " ما " مع الفعل بمنزلة المصدر، ولكن ~~يؤاخذكم بعقدكم، أو بتعقيدكم، أو بمعاقدتكم ~~الأيمان إذا خنتم، فحذف وقتا لمؤاخذة؛ لأنه معلوم، أو ~~ينكث ما عاقدتم، فحذف المضاف. # وقد تعقب أبو حيان على أبي علي كلامه؛ فقال: " قوله: إنه مثل " ~~طارقت النعل " و " عاقبت اللص " ، ليس مثله؛ لأنك لا ~~تقول: طرقت ولا عقبت، وتقول: عاقدت اليمين، وعقدتها " ، ~~وهذا غير لازم لأبي علي؛ لأن مراده أنه مثله من حيث إن " ~~المفاعلة " بمعنى أن المشاركة من اثنين منتفية عنه؛ كانتفائها من ms3203 ~~عاقبت وطارقت، أما كونه يقال فيه أيضا كذا، فلا يضره ذلك ~~في التشبيه، وقال أيضا: " تقديره حذف حرف الجر، ثم الضمير على ~~التدرج - بعيد، وليس بنظير: { فاصدع بما تؤمر }؛ لأن " أمر ~~" بتعدى بنفسه تارة، وبحرف الجر أخرى، وإن كان الأصل الحرف، ~~وأيضا ف " ما " في " فاصدع بما " لا يتعين أن تكون بمعنى " ~~الذي " بل الظاهر أنها مصدرية، [وكذلك ههنا الأحسن: أن تكون ~~مصدرية] لمقابلتها بالمصدر، وهو اللغو ". # قال الواحدي: يقال: عقد فلان اليمين والعهد والحبل ~~عقدا، إذا وكده وأحكمه، ومثل ذلك أيضا " عقد " ~~بالتشديد إذا وكد، ومثله: عاقد بالألف. # وقد تقدم الكلام في سورة النساء عند قوله تعالى: # والذين عقدت أيمانكم # [الآية: 33] و " عاقدت " ، وذكر في هذه ثلاث قراءات في المشهور، ~~وفي تيك قراءتان، وقد تقدم في النساء أنه روي عن حمزة: " عقدت ~~" بالتشديد فيكون فيها أيضا ثلاث قراءات، وهو اتفاق غريب، فإن ~~حمزة من أصحاب التخفيف في هذه السورة، وقد روي عنه التثقيل في ~~النساء. # والمراد بقوله: " عقدتم، وعاقدتم " أي: قصدتم وتعمدتم، ~~وتقدم الكلام على ذلك في سورة البقرة. # قوله تعالى: { فكفارته إطعام } مبتدأ وخبر، والضمير في " ~~فكفارته " فيه أربعة أوجه: # أحدها: أنه يعود على الحنث الدال عليه سياق الكلام، وإن لم ~~يجر له ذكر، أي: فكفارة الحنث. # الثاني: أنه يعود على " ما " إن جعلناها موصولة اسمية، وهو ~~على حذف مضاف، أي: فكفارة نكثه، كذا قدره الزمخشري. # والثالث: أنه يعود على العقد؛ لتقدم الفعل الدال عليه. # الرابع: أنه يعود على اليمين، وإن كانت مؤنثة؛ لأنها بمعنى الحلف، ~~قالهما أبو البقاء، وليسا بظاهرين. # و " إطعام " مصدر مضاف لمفعوله، وهو مقدر بحرف وفعل مبني ~~للفاعل، أي: فكفارته أن يطعم الحانث عشرة، وفاعل المصدر ~~يحذف كثيرا، ولا ضرورة تدعو إلى تقديره بفعل مبني للمفعول، أي: ~~أن يطعم عشرة؛ لأن في ذلك خلافا تقدم التنبيه عليه؛ فعلى ~~الأول: يكون محل " عشرة " نصبا؛ وعلى الثاني: يكون محلها رفعا على ~~ما لم يسم فاعله، ولذلك فائدة تظهر في التابع، فإذا قلت: " ~~يعجبني أكل الخبز " فإن ms3204 قدرته مبنيا للفاعل، فتتبع " ~~الخبز " بالجر على اللفظ، والنصب على المحل، وإن قدرته ~~مبنيا للمفعول، أتبعته جرا ورفعا، فتقول: " يعجبني أكل ~~الخبز والسمن والسمن والسمن " ، وفي الحديث: " نهى عن ~~قتل الأبتر وذو الطفيتين " برفع " ذو " على معنى: أن ~~يقتل الأبتر، قال أبو البقاء: " والجيد أن يقدر - أي ~~المصدر - بفعل قد سمي فاعله؛ لأن ما قبله وما بعده خطاب " ، ~~يعني: فهذه قرينة تقوي ذلك؛ لأن المعنى: فكفارته أن ~~تطعموا أنتم أيها الحالفون، وقد تقدم أن تقديره بالمبني ~~للفاعل هو الراجح، ولو لم توجد قرينة؛ لأنه الأصل. # قوله تعالى: " من أوسط " فيه وجهان: # أحدهما: أنه في محل رفع خبرا لمبتدأ محذوف يبينه ما قبله، ~~تقديره: طعامهم من أوسط، ويكون الكلام قد تم عند قوله: " ~~مساكين " ، وسيأتي له مزيد بيان قريبا إن شاء الله تعالى. # والثاني: أنه في موضع نصب؛ لأنه صفة للمفعول الثاني، والتقدير: ~~قوتا أو طعاما كائنا من أوسط، وأما المفعول الأول فهو " عشرة " ~~المضاف إليه المصدر، و " ما " موصولة اسمية، والعائد محذوف، أي: ~~من أوسط الذي تطعمونه، وقدره أبو البقاء مجرورا ب " من " ، ~~فقال: " الذي تطعمون منه " ، وفيه نظر؛ لأن من شرط العائد ~~المجرور في الحذف: أن يتحد الحرفان والمتعلقان، والحرفان هنا، ~~وإن اتفقا وهما " من " و " من " إلا أن العامل اختلف؛ فإن " من ~~" الثانية متعلقة ب " تطعمون " ، والأولى متعلقة بمحذوف، ~~وهو الكون المطلق؛ لأنها وقعت صفة للمفعول المحذوف، وقد يقال: إن ~~الفعل لما كان منصبا على قوله: " من أوسط " ، فكأنه عامل ~~فيه، وإنما قدرنا مفعولا لضرورة الصناعة، فإن قيل: الموصول لم ~~ينجر ب " من " إنما انجر بالإضافة، فالجواب: أن المضاف إلى ~~الموصول كالموصول في ذلك؛ نحو: " مر بغلام الذي مررت ". # و " أهليكم " مفعول أول ل " تطعمون " ، والثاني محذوف؛ كما ~~تقدم، أي: تطعمونه أهليكم، و " أهليكم " جمع سلامة، ~~ونقصه من الشروط كونه ليس علما ولا صفة، والذي حسن ذلك: أنه ~~كثيرا ما يستعمل استعمال " مستحق لكذا " في قولهم: " هو ~~أهل لكذا " ، أي: مستحق له، فأشبه الصفات، فجمع جمعها، ~~وقال تعالى: ms3205 # شغلتنآ أموالنا وأهلونا # [الفتح: 11] # قوا أنفسكم وأهليكم نارا # [التحريم: 6]، وفي الحديث: # " إن لله أهلين " قيل: يا رسول الله: من هم؟ قال: " قراء ~~القرآن هم أهلو الله وخاصته " # ، فقوله: " أهلو الله " جمع حذفت نونه للإضافة، ويحتمل أن يكون ~~مفردا، فيكتب: " أهل الله " ، فهو في اللفظ واحد. # وقرأ جعفر الصادق: " أهاليكم " بسكون الياء، وفيه ~~تخريجان: # أحدهما: أن " أهالي " جمع تكسير ل " أهلة " ، فهو شاذ في ~~القياس؛ ك " ليلة وليال " ، قال ابن جني: " أهال " بمنزلة " ~~ليال " واحدها أهلاة وليلاة، والعرب تقول: أهل وأهلة؛ قال ~~الشاعر: [الطويل] # 2047- وأهلة ود سررت بودهم # .................... # وقياس قول أبي زيد: أن تجعله جمعا لواحد مقدر؛ نحو: أحاديث ~~وأعاريض، وإليه يشير قول ابن جني: " أهال بمنزلة ليال واحدها ~~أهلاة وليلاة " ، فهذا يحتمل أن يكون [بطريق] السماع، ويحتمل أن ~~يكون بطريق القياس؛ كما يقول [أبو زيد. # والثاني: أن هذا اسم جمع ل " أهل " قال الزمخشري: " كالليالي ~~في جمع ليلة والأراضي في جمع أرض " ]. قوله " في جمع ليلة، ~~وجمع أرض " أراد بالجمع اللغوي؛ لأن اسم الجمع جمع في المعنى، ~~ولا يريد أنه جمع " ليلة " و " أرض " صناعة؛ لانه قد فرضه أنه ~~اسم جمع، فكيف يجعله جمعا اصطلاحا؟. # وكان قياس قراءة جعفر تحريك الياء بالفتحة؛ لخفتها، ولكنه شبه ~~الياء بالألف، فقدر فيها الحركة، وهو كثير في النظم؛ كقول النابغة: ~~[البسيط] # 2048- ردت عليه أقاصيه ولبده # ضرب الوليدة بالمسحاة في الثأد # وقول الآخر: [الرجز] # 2049- كأن أيديهن بالقاع القرق # أيدي جوار يتعاطين الورق # وقد مضى ذلك. # فصل # اختلفوا في قدر هذا الإطعام، فقال قوم: يطعم كل ~~مسكين مدا من طعام بمد النبي - صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم - وهو رطل وثلث من غالب قوت البلدة، وكذلك في ~~جميع الكفارات، وهو قول زيد بن ثابت، وابن عباس، ~~وابن عمر - رضي الله عنهم -، وبه قال سعيد بن المسيب والحسن ~~والقاسم، وسليمان بن يسار، وعطاء، والشافعي - رضي الله ~~تعالى عنهم - وقال أهل العراق: عليه لكل مسكين مدان - ~~وهو نصف صاع، ويروى ذلك عن عمر وعلي - رضي الله عنهما -. # وقال ms3206 أبو حنيفة - رضي الله تعالى عنه -: إن أطعم من الحنطة فنصف ~~صاع، وإن أطعم من غيرها فصاع، وهو قول الشعبي، والنخعي، ~~وسعيد بن جبير، ومجاهد، والحكم - رحمهم الله - ولو غداهم ~~وعشاهم لا يجوز، وجوزه أبو حنيفة - رضي الله عنه -، ويروى ~~ذلك عن علي - رضي الله عنه -، ولا يجوز الدراهم و ~~الدنانير، ولا الخبز، والدقيق، بل يجب إخراج الحب ~~إليهم، وجوز أبو حنيفة - رضي الله عنه - كل ذلك، ولو صرف ~~الكل إلى مسكين واحد لا يجوز، وجوز أبو حنيفة أن يصرف طعام ~~عشرة إلى مسكين واحد في عشرة أيام ولا يجوز أن يصرف إلا إلى ~~مسلم حر محتاج، فإن صرف إلى ذمي أو عبد أو غني ~~لم يجز، وجوز أبو حنيفة صرفه إلى أهل الذمة، ~~واتفقوا على أن صرف الزكاة إلى أهل الذمة لا يجوز. # فصل # واختلفوا في الوسط. # فقيل: من خير قوت عيالكم، والوسط: الخبز [وتقدم في البقرة ~~في] قوله تعالى: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا # [البقرة: 143]. # وقال عبيدة السلماني: الأوسط الخبز والخل، والأعلى ~~الخبز واللحم، والأدنى الخبز البحت، والكل يجزىء. # قوله تعالى: " أو كسوتهم " فيه وجهان: # أحدهما: أنه نسق على " إطعام " ، أي: فكفارته إطعام عشرة أو ~~كسوة تلك العشرة. # والثاني: أنه عطف على محل " من أوسط "؛ كذا قاله الزمخشري، وهذا ~~الذي قاله إنما يتمشى على وجه سبق في قوله " من أوسط " [وهو أن ~~يكون " من أوسط " خبرا لمبتدأ محذوف يدل عليه ما قبله، تقديره: ~~طعامهم من أوسط]، فالكلام عنده تام على قوله " عشرة مساكين ~~" ، ثم ابتدأ إخبارا آخر بأن الطعام يكون من أوسط كذا وأما إذا قلنا: ~~إن " من أوسط " هو المفعول الثاني، فيستحيل عطف " كسوتهم " ~~عليه؛ لتخالفهما إعرابا. # وقرأ الجمهور: " كسوتهم " بكسر الكاف. وقرأ إبراهيم النخعي وأبو ~~عبد الرحمن السلمي وسعيد بن المسيب بضمها، وقد تقدم في ~~البقرة [الآية 233] أنهما لغتان في المصدر، وفي الشيء المكسو، قال ~~الزمخشري: " كالقدوة في القدوة، والإسوة في الأسوة " إلا أن ~~الذي قرأ في البقرة بضمها هو طلحة فلم يذكروه هنا، ولا ذكروا ~~هؤلاء ms3207 هناك. # وقرأ سعيد بن جبير وابن السميفع: " أو كأسوتهم " بكاف الجر ~~الداخلة على " أسوة " قال الزمخشري: " بمعنى: أو مثل ما ~~تطعمون أهليكم، إسرافا أو تقتيرا، لا تنقصونهم عن ~~مقدار نفقتهم، ولكن تواسون بينهم، فإن قلت: ما محل الكاف؟ ~~قلت: الرفع، تقديره: أو طعامهم كأسوتهم، بمعنى: كمثل ~~طعامهم، إن لم يطعموهم الأوسط ". # انتهى، وكان قد تقدم أنه يجعل " من أوسط " مرفوع المحل خبرا ~~لمبتدأ محذوف، فتكون الكاف عنده مرفوعة؛ عطفا على " من أوسط " ، ~~وقال أبو البقاء قريبا من هذا؛ فإنه قال: " فالكاف في موضع رفع أي: أو ~~مثل أسوة أهليكم " ، وقال أبو حيان: " إنه في موضع نصب عطفا ~~على محل: من أوسط "؛ لأنه عنده مفعول ثان، إلا أن هذه القراءة ~~تنفي الكسوة من الكفارة، وقد أجمع الناس على أنها إحدى الخصال ~~الثلاث، لكن لصاحب هذه القراءة أن يقول: " استفيدت الكسوة من ~~السنة " ، أما لو قام الإجماع على أن مستند الكسوة في ~~الكفارة من الآية؛ فإنه يصح الرد على هذا القارىء. # والكسوة في اللغة معناه اللباس، وهو كل ما يكتسى ~~به. # فصل # كل من لزمته كفارة يمين فهو مخير إن شاء ~~أطعم عشرة مساكين، وإن شاء كساهم، وإن شاء أعتق رقبة، فإن ~~اختار الكسوة، فاختلفوا في قدرها، فذهب قوم إلى أنه ~~يكسو كل مسكين ثوبا واحدا مما يقع عليه اسم الكسوة، ~~إزار، أو رداء، أو قميص، أو سراويل، أو عمامة مقنعة، أو ~~كساء أو نحوها، وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وعطاء وطاوس ~~- رضي الله عنهم -، وإليه ذهب الشافعي - رضي الله عنه -. # وقال مالك - رضي الله عنه -: يجب لكل إنسان ما يجوز فيه ~~صلاته، فيكسو الرجل ثوبا والمرأة ثوبين درعا ~~وخمارا. # وقال سعيد بن المسيب: " لكل مسكين ثوبان ". # قوله تعالى: { أو تحرير رقبة } عطف على " إطعام " وهو مصدر ~~مضاف لمفعوله، والكلام عليه كالكلام على [ " إطعام] عشرة " من جواز ~~تقديره بفعل مبني للفاعل أو للمفعول وما قيل في ذلك، [وقوله: { فمن ~~لم يجد فصيام } كقوله في النساء: # فمن لم يجد فصيام شهرين # [النساء: ms3208 92]]، وقد تقدم ذلك. # فصل # المراد بالرقبة الجملة. # قيل: الأصل في هذا المجاز، أن الأسير في العرب كان يجمع إلى ~~رقبته بحبل، فإذا أطلق حل ذلك الحبل، فسمي الإطلاق من ~~الرقبة فك رقبة، وأجاز أبو حنيفة والثوري إعتاق ~~الرقبة الكافرة في جميعها، إلا كفارة القتل؛ لأن ~~الله تعالى قيد الرقبة فيها بالإيمان، قلنا: المطلق ~~يحمل على المقيد، كما أن الله تعالى قيد الشهادة ~~بالعدالة في موضع فقال تعالى: # وأشهدوا ذوي عدل منكم # [الطلاق: 2]، وأطلق في موضع فقال تعالى: # واستشهدوا شهيدين من رجالكم # [البقرة: 282]، ثم العدالة مشروطة في جميعها حملا للمطلق على ~~المقيد، كذلك هذا. # ولا يجوز إعتاق المرتد بالاتفاق عن الكفارة، ~~ويشترط أن يكون سليم الرق، حتى لو أعتق عن كفارته ~~مكاتبا، أو أم ولد، أو عبدا اشتراه بشرط العتق، أو ~~اشترى قريبه الذي يعتق عليه بنية الكفارة يعتق، ولا ~~يجوز عن الكفارة. # وجوز أصحاب الرأي عتق المكاتب إذا لم يكن أدى ~~شيئا من النجوم، وعتق القريب عن الكفارة. # ويشترط أن تكون الرقبة سليمة من كل عيب يضر بالعمل ~~ضررا بينا، حتى لا يجوز مقطوع إحدى اليدين، أو ~~إحدى الرجلين، ولا الأعمى، ولا الزمن، ولا المجنون ~~المطبق، ويجوز الأعور، والأصم والمقطوع الأذنين، ~~والأنف؛ لأن هذه العيوب لا تضر بالعمل إضرارا بينا ~~وعند أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - كل عيب يفوت جنسا ~~من المنفعة يمنع الجواز، حتى جوز مقطوع إحدى ~~اليدين، ولم يجوز مقطوع إحدى الأذنين. # فصل # معنى الواجب المخير: هو أنه لا يجب عليه الإتيان بكل ~~واحد من هذه الثلاثة، ولا يجوز له ترك جميعها، ومتى أتى بأي ~~واحد من هذه الثلاثة خرج عن العهدة، فإذا اجتمعت هذه ~~القيود الثلاثة، فذلك هو الواجب المخير. # وقال بعض الفقهاء: الواجب واحد لا بعينه، وهذا الكلام ~~يحمل أمرين: # الأول: أن يقال: الواجب عليه أن يدخل واحدا من هذه الثلاثة ~~لا بعينه، وهذا محال في العقول؛ لأن الشيء الذي يكون ~~معينا في نفسه يكون ممتنع الوجود لذاته، وما كان ~~كذلك، فإنه لا يرد به ms3209 التكليف. # والثاني: أن يقال: الواجب عليه واحد معين في نفسه وفي ~~علم الله تعالى، إلا أنه مجهول العين عند الفاعل، وذلك ~~أيضا محال؛ لأن كون ذلك الشيء واجبا بعينه في علم الله ~~تعالى هو أنه لا يجوز تركه بحال، واجتمعت الأمة على ~~أنه يجوز له تركه بتقييد الإتيان بغيره، والجمع ~~بين هذين القولين جمع بين النفي والإثبات، وهو محال، ~~وتمام هذا البحث مذكور في أصول الفقه. # فإن قيل: أي فائدة لتقديم الإطعام على العتق مع أن ~~العتق أفضل؟ فالجواب من وجوه: # أحدها: أن المقصود منه التنبيه على أن هذه الكفارة ~~وجبت على التخيير لا على الترتيب، لأنها لو وجبت على ~~الترتيب لوجبت البداية بالأغلظ. # وثانيها: قدم الإطعام؛ لأنه أسهل، ولكون الطعام أعم ~~وجودا، والمقصود منه التنبيه على أنه تعالى يراعي ~~التخفيف والسهيل في التكاليف. # وثالثها: أن الإطعام أفضل؛ لأن الحر الفقير قد لا يجد ~~طعاما، ولا يكون هناك من يعطيه الطعام، فيقع في الضر. # وأما العبد فيجب على مولاه إطعامه وكسوته. # قوله تعالى: { فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام } إذا ~~عجز الذي لزمته كفارة اليمين عن الإطعام، أو ~~الكسوة، أو تحرير رقبة، يجب عليه صوم ثلاثة أيام، ~~والعاجز ألا يفضل من ماله عن قوته، وقوت عياله وحاجته ما ~~يطعم، أو يكسو، أو يعتق، فإنه يصوم ثلاثة أيام، وقال ~~بعضهم: إذا ملك ما يمكنه الإطعام، وإن لم يفضل عن كفايته، ~~فليس له صيام، وهو قول الحسن، وسعيد بن جبير. # واختلفوا في وجوب التتابع في هذا الصيام، فذهب جماعة إلى أنه ~~لا يجب فيه التتابع، بل إن شاء تابع وإن شاء فرق، والتتابع ~~أفضل، وهو أحد قولي الشافعي - رضي الله عنه -. # وذهب قوم إلى وجوب التتابع فيه، قياسا على كفارة القتل ~~والظهار، وهو قول الثوري وأبي حنيفة - رضي الله تعالى عنهما ~~- وتدل عليه قراءة ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - " فصيام ~~ثلاثة أيام متتابعات ". # وأجيب: بأن القراءة الشاذة مردودة، إذ لو كانت ~~قرآنا، لنقلت نقلا متواترا، ولو جوزنا في القرآن ألا ~~ينقل ms3210 متواترا، لزم طعن الروافض والملاحدة في القرآن، وذلك ~~باطل، فعلمنا أن القراءة الشاذة مردودة، فلا تصلح أن ~~تكون حجة. # وأيضا نقل عن أبي بن كعب أنه قرأ: " فعدة من أيام ~~أخر متتابعات " ، مع أن التتابع هناك ما كان شرطا ~~وأجابوا عنه أنه روي عن النبي - صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم - # " أن رجلا قال له: علي أيام رمضان أفأقضيها ~~متفرقات، فقال - عليه الصلاة والسلام -: " أرأيت لو كان ~~عليك دين فقضيت الدرهم بالدرهم أما كان يجزيك؟ ~~قال: بلى قال: فالله تعالى أحق أن يغفر ويصفح " # وهذا الحديث وإن وقع جوابا عن هذا السؤال في صوم رمضان، ~~إلا أن لفظه عام، وتعليله عام في جميع ~~الصيامات، وقد ثبت في الأصول أن العبرة بعموم اللفظ لا ~~بخصوص السبب، فهذا من أقوى الدلائل على جواز التفريق ~~هاهنا. # قوله تعالى: { ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم } ، ~~ذلك إشارة إلى ما تقدم من الإطعام والكسوة، وتحرير ~~الرقبة يكفر عنكم حنث اليمين وقت حلفكم و " إذا ~~حلفتم " قال أبو البقاء: " منصوب على الظرف وناصبه " كفارة ~~" ، أي: ذلك الإطعام، أو ما عطف عليه يكفر عنكم حنث ~~اليمين وقت حلفكم " ، وقال الزمخشري: " ذلك المذكور كفارة، ~~ولو قيل " تلك كفارة " ، لكان صحيحا بمعنى تلك الأشياء، أو ~~التأنيث للكفارة، والمعنى: إذا حلفتم حنثتم، فترك ذكر ~~الحنث؛ لوقوع العلم بأن الكفارة، إنما تجب بالحنث بالحلف ~~لا بنفس الحلف، كقوله تعالى: # فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من ~~أيام أخر # [البقرة: 184] أي: فأفطر ".؟ ولا بد من هذا الذي ذكره الزمخشري، ~~وهو تقدير الحنث، ولذلك عيب على أبي البقاء قوله: " العامل في " ~~إذا " كفارة أيمانكم؛ لأن المعنى: ذلك يكفر أيمانكم ~~وقت حلفكم " ، فقيل له: الكفارة ليست واقعة في وقت ~~الحلف، فكيف يعمل في الظرف ما لا يقع فيه؟ وظاهر الآية أن " ~~إذا " متمحضة للظرفية، وليس فيها معنى الشرط، وهو غير الغالب ~~فيها، وقد يجوز أن تكون شرطا، ويكون جوابها محذوفا على قاعدة ~~البصريين يدل عليه ما تقدم، أو هو نفس المتقدم عند أبي ms3211 زيد ~~والكوفيين، والتقدير: إذا حلفتم وحنثتم، فذلك كفارة إثم ~~أيمانكم؛ كقولهم: " أنت ظالم إن فعلت ". # فصل # اختلفوا في تقديم الكفارة على الحنث؛ فذهب قوم إلى ~~جوازه لقول النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: # " من حلف بيمين، فرأى غيرها خيرا منها، فليكفر ~~عن يمينه، وليفعل الذي هو خير " # وهو قول ابن عمر، وابن عباس وعائشة - رضي الله عنهم - ~~وبه قال الحسن وابن سيرين، وإليه ذهب مالك، والأوزاعي، ~~والشافعي - رضي الله عنهم -، إلا أن الشافعي يقول: إن ~~كفر بالصوم قبل الحنث لا يجوز، لأنه بدني، إنما ~~يجوز الإطعام والكسوة والعتق؛ لأنه مالي، فأشبه ~~تعجيل الزكاة، كما يجوز تقديم الزكاة على الحول، ولا ~~يجوز تعجيل صوم رمضان. # قالوا: وقوله: " إذا حلفتم " فيه دقيقة، وهو التنبيه على ~~أن تقديم الكفارة قبل اليمين لا يجوز، وأما بعد اليمين وقبل ~~الحنث فيجوز، لانعقاد سببها وهو اليمين، فصارت كملك النصاب. # وقال أبو حنيفة - رضي الله عنه -: لا يجوز تقديم الكفارة على ~~الحنث. # قوله تعالى: { واحفظوا أيمانكم } قيل: المراد به ترك الحلف، أي: ~~لا تحلفوا، وقيل: المراد تقليل الأيمان، أي: لا تكثروا ~~منها. # قال الشاعر: [الطويل] # 2050- قليل الألايا حافظ ليمينه # فإن سبقت منه الألية برت # والصحيح: أن المراد: حفظ اليمين على الحنث، هذا إذا لم يكن ~~حلف بيمينه على ترك مندوب أو فعل مكروه، فإن حلف على ~~ترك مندوب أو فعل مكروه، فالأفضل أن يحنث نفسه ~~ويكفر للحديث المتقدم. # قوله تعالى: " كذلك " هذه الكاف نعت لمصدر محذوف عند جماهير ~~المعربين، أي: يبين الله آياته تبيينا مثل ذلك التبيين، وعند سيبويه ~~أنه حال من ضمير ذلك المصدر على ما عرف. ### || [5.90-91] # هذا هو النوع الثالث من الأحكام المذكورة هنا، ووجه ~~اتصاله بما قبله، أنه - تعالى - قال: # يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات مآ ~~أحل الله لكم # [المائدة: 87]، إلى قوله تعالى: # وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا # [المائدة: 88]، ثم كان من جملة الأمور المستطابة للجمهور ~~الخمر والميسر، فبين الله - تعالى - أنهما غير داخلين ~~في المحللات، بل في المحرمات، وقد ms3212 تقدم بيان الخمر ~~والميسر في سورة البقرة [البقرة 219]، وبيان الأنصاب والأزلام في ~~أول هذه السورة [المائدة 3]. # وفي اشتقاق الخمر وجهان: # أحدهما: سمي خمرا لمخامرته العقل، أي: خالطته ~~فسترته. # الثاني: قال ابن الأعرابي: تركت فاختمرت، أي: تغير ~~ريحها. # فصل # قال القرطبي: تحريم الخمر كان بالتدريج ونوازل كثيرة، ~~لأنهم كانوا مولعين بشربها، وأول ما نزل في أمرها: # يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ إثم ~~كبير ومنافع للناس وإثمهمآ أكبر من نفعهما # [البقرة: 219]، أي: في تجارتهم، فلما نزلت هذه الآية تركها ~~بعض الناس، وقالوا: لا حاجة لنا فيما فيه إثم كبير. # وقال بعضهم: نأخذ منفعتها ونترك إثمها، فنزلت # لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى # [النساء:43] فتركها بعضهم، وقالوا لا حاجة لنا فيما ~~يشغلنا عن الصلاة، وشربها بعضهم في غير أوقات ~~الصلاة، حتى نزلت هذه الآية، فصارت حراما عليهم، وذلك في ~~ستة ثلاث من الهجرة بعد وقعة أحد. # قوله تعالى: " رجس ": خبر عن هذه الأشياء المتقدمة، فيقال: كيف أخبر ~~عن جمع بمفرد؟ فأجاب الزمخشري بأنه على حذف مضاف، أي: إنما شأن ~~الخمر، وكذا وكذا، ذكر ذلك عند تعرضه للضمير في " فاجتنبوه ~~" كما سيأتي، وكذا قدره أبو البقاء، فقال: " لأن التقدير: إنما ~~عمل هذه الأشياء ". قال أبو حيان بعد حكايته كلام الزمخشري: ولا ~~حاجة إلى هذا، بل الحكم على هذه الأربعة نفسها أنها رجس أبلغ من ~~تقدير هذا المضاف؛ كقوله: # إنما المشركون نجس # [التوبة: 28]، وهو كلام حسن، وأجاب أبو البقاء أيضا بأنه يجوز أن ~~يكون " رجس " خبرا عن " الخمر " ، وحذف خبر المعطوفات؛ ~~لدلالة خبر الأول عليها، قال شهاب الدين: وعلى هذا: فيجوز أن يكون ~~خبرا عن الآخر، وحذف خبر ما قبله؛ لدلالة خبر ما بعده عليه؛ لأن ~~لنا في نحو قوله تعالى: # والله ورسوله أحق أن يرضوه # [التوبة: 62] هذين التقديرين، وقد تقدم تحقيقهما مرارا. # والرجس قال الراغب: " هو الشيء القذر، رجل رجس، ورجال ~~أرجاس " ، ثم قال: " وقيل: رجس ورجز للصوت الشديد، يقال: ~~بعير رجاس: شديد الهدير، وغمام راجس ورجاس: شديد الرعد " ~~، وقال الزجاج: هو اسم لكل ms3213 ما استقذر من عمل قبيح، يقال: ~~رجس ورجس بكسر الجيم وفتحها يرجس رجسا إذا عمل عملا ~~قبيحا، وأصله من الرجس بفتح الراء، وهو شدة صوت الرعد؛ قال: [الرجز] # 2051- وكل رجاس يسوق الرجسا # وفرق ابن دريد بين الرجس والرجز والركس، فجعل ~~الرجس: الشر، والرجز: العذاب، والركس: العذرة ~~والنتن، ثم قال: " والرجس يقال للاثنين " ، فتحصل من هذا؛ ~~أنه اسم للشيء القذر المنتن، أو أنه في الأصل مصدر. # وقوله تعالى: { من عمل الشيطان } في محل رفع؛ لأنه صفة ل " ~~رجس ". # وهذا أيضا مكمل لكونه رجسا؛ لأن الشيطان نجس خبيث؛ ~~لأنه كافر، والكافر نجس لقوله تعالى # إنما المشركون نجس # [التوبة: 28] والخبيث لا يدعو إلا إلى الخبيث لقوله تعالى: # الخبيثات للخبيثين # [النور: 26] والهاء في " فاجتنبوه " تعود على الرجس، أي: ~~فاجتنبوا الرجس الذي أخبر به مما تقدم من الخمر وما بعدها، ~~وقال أبو البقاء: " إنها تعود على الفعل " ، يعني الذي قدره مضافا ~~إلى الخمر وما بعدها، وإلى ذلك نحا الزمخشري أيضا، قال: " فإن ~~قلت: إلام يرجع الضمير في قوله: فاجتنبوه؟ قلت: إلى المضاف ~~المحذوف، أو تعاطيهما، أو ما أشبه ذلك، ولذلك قال: رجس من عمل ~~الشيطان " ، وقد تقدم أن الأحسن: أن هذه الأشياء جعلت نفس ~~الرجس مبالغة. # قوله تعالى: " في الخمر ": فيه أربعة أوجه: # أحدها: أنه متعلق ب " يوقع " ، أي: يوقع بينكم هذين الشيئين في ~~الخمر، أي: بسبب شربها، و " في " تفيد السببية؛ كقوله عليه السلام: # " إن امرأة دخلت النار في هرة ". # الثاني: أنها متعلقة بالبغضاء؛ لأنه مصدر معرف ب " أل ". # الثالث: أنه متعلق ب " العداوة " ، وقال أبو البقاء: " ويجوز أن ~~تتعلق " في " بالعداوة، أو ب " البغضاء " ، أي: [أن] تتعادوا ~~وأن تتباغضوا بسبب شرب الخمر "؛ وعلى هذا الذي ذكره: تكون ~~المسألة من باب التنازع، وهو الوجه الرابع، إلا أن في ذلك ~~إشكالا، وهو أن من حق المتنازعين؛ أن يصلح كل منهما للعمل، ~~وهذا العامل الأول، وهو العداوة، لو سلط على المتنازع فيه، لزم ~~الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي وهو المعطوف، وقد يقال: إنه في بعض ~~صور ms3214 التنازع يلتزم إعمال الثاني، وذلك في فعلي التعجب، إذا ~~تنازعا معمولا فيه، وقد تقدم مشبعا في البقرة. # فصل في مفاسد الأشياء المذكورة في الآية # اعلم أنه تعالى لما أمر باجتناب هذه الأشياء، ذكر فيها ~~نوعين من المفسدة: # الأول: ما يتعلق بالدنيا وهو قوله تعالى { إنما يريد ~~الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضآء في ~~الخمر والميسر }. # والثاني: المفسدة المتعلقة بالدين، وهو قوله تعالى: { ~~ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة }. # فأما شرح هذه العداوة [والبغضاء أولا في الخمر ثم في ~~الميسر]: وأما الخمر، فاعلم: أن الظاهر فيمن يشرب ~~الخمر، أنه يشربها مع جماعة، ويكون غرضه الاستئناس ~~برفقائه، ويفرح بمحادثتهم، ويكون بذلك الاجتماع تأكيد ~~المحبة والألفة، إلا أن ذلك في الأغلب ينقلب إلى ~~الضد؛ لأن الخمر يزيل العقل، وإذا أزال العقل ~~استولت الشهوة والغضب من غير مدافعة العقل، وعند ~~استلائهما تحصل المنازعة بين أولئك الأحباب، وتلك ~~المنازعة ربما أدت إلى الضرب والقتل، والمشافهة ~~بالفحش، وذلك يورث أشد العداوة والبغضاء، كما فعل ~~الأنصاري الذي شج رأس سعد بن أبي وقاص بلحي الجمل. # وروي أن قبيلتين من الأنصار شربوا الخمر، وانتشوا ~~فعبث بعضهم على بعض، فلما [صحوا رأى بعضهم في وجه] بعض ~~آثار ما فعلوا، وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، فجعل ~~بعضهم يقول: لو كان أخي بي رحيما ما فعل بي هذا، فحدثت ~~بينهم الضغائن، فالشيطان يسول أن الاجتماع على ~~الشرب يوجب تأكيد الألفة والمحبة بين الأخوة، ~~فينقلب الأمر، وتحصل العداوة والبغضاء. # وأما الميسر، ففيه بإزاء التوسعة على المحتاجين من ~~الإجحاف بأرباب الأموال؛ لأن من صار مغلوبا في القمار ~~مرة، دعاه ذلك إلى اللجاح فيه، يرجو بذلك إلى أن ~~يصير غالبا، وقد يتفق أنه لا يحصل له ذلك، إلى أن لا ~~يبقى له شيء من المال، وإلى أن يقامر على لحيته وأهله ~~وولده. # قال قتادة: كان الرجل يقامر على الأهل والمال، ثم يبقى ~~مسلوب الأهل والمال، ولا شك أنه يبقى بعد ذلك فقيرا ~~مسكينا، ويصير من أعدى الأعداء لأولئك الذين غلبوه، فظهر ~~أن الخمر ms3215 والميسر سببان عظيمان في إثارة العداء ~~والبغضاء بين الناس، والعداوة والبغضاء تفضي إلى أحوال ~~مذمومة من الهرج والمرج والفتن، وذلك مضاد لمصالح ~~العباد. # فلو قيل: لما جمع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام، ثم ~~أفردهما في آخر الآية. # قلنا: لأن لهذه الآية خطاب مع المؤمنين، لقوله تعالى: { ~~يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر } ~~والمقصود نهيهم عن الخمر والميسر، وإنما ضم الأنصاب ~~والأزلام إلى الخمر والميسر، إظهارا أن هذه الأربعة ~~متقاربة في القبح والمفسدة، فلما كان المقصود من الآية ~~النهي عن الخمر والميسر، لا جرم أفردهما في آخر الآية ~~بالذكر. # قال شهاب الدين: ويظهر شيء آخر، وهو أنه لم يفرد الخمر ~~والميسر بالذكر [آخرا]، بل ذكر معهما شيئا يلزم منه ~~عدم الأنصاب والأزلام [فكأنه] تكملة ذكر الجميع، بيانه أنه قال: " في ~~الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله " بعبادة الأنصاب أو ~~بالذبح عليها للأصنام على ما علم تفسيره أول السورة، و " عن ~~الصلاة " باشتغالكم بالأزلام، وقد تقدم فذكر الله والصلاة ~~منبهان على الأنصاب والأزلام. # وأما النوع الثاني من المفاسد الموجودة في الخمر والميسر: ~~المفاسد المتعلقة بالدين، وهو قوله تعالى: { ويصدكم عن ~~ذكر الله وعن الصلاة } ، أما كون شرب الخمر ~~يمنع عن ذكر الله وعن الصلاة، فظاهر؛ لأن شرب الخمر ~~يورث الطرب واللذة الجسمانية، والنفس إذا استغرقت ~~في اللذات الجسمانية، غفلت عن ذكر الله وعن الصلاة، ~~وأما كون الميسر مانعا عن ذكر الله وعن الصلاة، إن كان ~~غالبا صار استغراقه في لذة الغلبة من أن يخطر بباله ~~شيء سواه، وإن صار مغلوبا صار شدة اهتمامه بأن يحتال ~~بحيلة، حتى يصير غالبا مانعا من أن يخطر بباله ~~شيء سواه، ولا شك أن هذه الحالة مما يصد عن ذكر الله ~~وعن الصلاة، ولما بين تعالى اشتمال شرب الخمر، واللعب ~~بالميسر على هذه المفاسد العظيمة في الدين، قال تعالى { ~~فهل أنتم منتهون }. # فصل # قال القرطبي: فهم الجمهور من تحريم الخمر، وإطلاق ~~الرجس عليها، والأمر باجتنابها، الحكم بنجاستها، ~~وخالفهم في ذلك ربيعة، والليث بن سعد، والمزني، ~~وبعض المتأخرين ms3216 من البغداديين والقرويين، وقالوا: ~~إنها طاهرة وأن المحرم إنما هو شربها؛ لأن الميسر ~~والأنصاب والأزلام ليسوا بنجس، فكذلك الخمر، ولجواز ~~سكبها [في] طرق المدينة، مع نهي النبي - صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم - عن التخلي في الطريق. # قوله تعالى: { فهل أنتم منتهون } هذا الاستفهام فيه معنى ~~الأمر، أي: انتهوا. # روي أنه لما نزل قول الله تعالى: # لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى # [النساء: 43] قال عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه -: " ~~اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا " فلما نزلت هذه ~~الآية قال عمر - رضي الله عنه -: " انتهينا يا رب، ~~انتهينا يا رب " ويدل على أن المراد منه الأمر أيضا: عطف ~~الأمر الصريح عليه في قوله " وأطيعوا " ، كأنه قيل: انتهوا عن شرب ~~الخمر، وعن كذا، وأطيعوا، فمجيء هذه الجملة الاستفهامية ~~المصدرة باسم مخبر عنه باسم فاعل دال على ثبوت النهي ~~واستقراره - أبلغ من صريح الأمر. # قال ابن الخطيب: وإنما حسن هذا المجاز؛ لأن الله تعالى ذم هذه ~~الأفعال، وأظهر قبحها للمخاطب، فلما استفهم بعد ذلك عن ~~تركها، لم يقدر المخاطب إلا على الإقرار بالترك، ~~وكأنه قيل له: أتفعله وقد ظهر من قبحه ما ظهر؛ فصار { ~~فهل أنتم منتهون }؛ جاريا مجرى تنصيص الله تعالى ~~على وجوب الانتهاء، مقرونا بإقرار المكلف بوجوب ~~الانتهاء. # واعلم: أن هذه الآية دالة على وجوب تحريم شرب الخمر من ~~وجوه: # أحدها: تصدير الجملة ب " إنما " وهي للحصر، فكأنه ~~قال: لا رجس ولا شيء من أعمال الشيطان إلا هذه ~~الأربعة. # وثانيها: أنه تعالى قرن الخمر والميسر بعبادة الأوثان، ~~ومنه قوله - عليه الصلاة والسلام -: # " شارب خمر كعابد وثن ". # وثالثها: قال " لعلكم تفلحون " ، جعل الاجتناب من ~~الفلاح، وإذا كان الاجتناب فلاحا، كان الارتكاب خيبة. # ورابعها: ما تقدم من اشتمال الاستفهام على المنفي. ### || [5.92] # وخامسها: قوله تعالى بعد ذلك: { وأطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول واحذروا } وظاهر الأمر بالطاعة، فيما تقدم ~~ذكره من أمرهم بالاجتناب عن الخمر والميسر. # وقوله " واحذروا " أي: احذروا عن مخالفتهما في هذا ~~التكليف. # وسادسها: قوله تعالى: { فإن توليتم فاعلموا أنما ms3217 ~~على رسولنا البلاغ المبين } ، وهذا تهديد عظيم ~~ووعيد شديد في حق من خالف في هذا التكليف، وأعرض عن ~~حكم الله تعالى؛ لأن معناه إن توليتم فالحجة قد ~~قامت عليكم، والرسول قد خرج عن عهدة التبليغ ~~والإعذار، فأما ما وراء ذلك من عقاب من خالف هذا ~~التكليف وأعرض، فذلك إلى الله تعالى، وهذا تهديد عظيم، ~~وهذا نص صريح في أن كل مسكر حرام؛ لاشتماله على ما ~~تشتمل عليه الخمر. # قال - عليه الصلاة والسلام -: # " كل مسكر حرام وإن حتما على الله أن لا يشربه عبد ~~في الدنيا إلا سقاه الله يوم القيامة من طينة ~~الخبال، هل تدرون ما طينة الخبال؟ " قلنا: لا. قال: " ~~عرق أهل النار " # ، وقال - عليه الصلاة والسلام -: # " من شرب الخمر في الدنيا، ثم لم يتب منها ~~حرمها في الآخرة ". # وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه قال: أشهد أني سمعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وهو يقول: # " لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ~~ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه ~~وآكل ثمنها ". ### || [5.93] # سبب نزول هذه الآية: أن الصحابة - رضي الله عنهم - أجمعين، ~~لما نزل تحريم الخمر، قالوا: يا رسول الله كيف ~~بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر، ويأكلون من ~~مال الميسر؛ فنزلت هذه الآية، والمعنى لا إثم عليهم؛ لأنهم ~~شربوها حال ما كانت محللة، وهذه الآية مشابهة لقوله ~~تعالى في نسخ القبلة من بيت المقدس للكعبة: # وما كان الله ليضيع إيمانكم # [البقرة: 143] أي: أنكم حين استقبلتم بيت المقدس، ~~استقبلتموه بأمري، فلا أضيع ذلك. # قوله تعالى: { إذا ما اتقوا }: ظرف منصوب بما يفهم من ~~الجملة السابقة، وهي: " ليس " وما في حيزها، والتقدير: لا ~~يأثمون، ولا يؤاخذون وقت اتقائهم، ويجوز أن يكون ظرفا ~~محضا، وأن يكون فيه معنى الشرط، وجوابه محذوف، أو متقدم على ما ~~مر. # فصل # الطعام في الأغلب من اللغة خلاف الشراب، ولذلك يقال: ~~الطعم خلاف الشرب، إلا أن اسم الطعام يقع على المشروبات، كقوله ~~تعالى: # ومن لم يطعمه فإنه مني # [البقرة: 249]، وعلى هذا يجوز أن ms3218 يكون قوله: " فيما طعموا " أي: ~~شربوا الخمر، ويجوز أن يكون معنى الطعم راجعا إلى ~~التلذذ بما يؤكل ويشرب. # وقد تقول العرب: تطعم حتى تطعم أي: ذق حتى تشتهي، فإذا كان ~~معنى الكلمة راجعا إلى الذوق، صلح للمأكول والمشروب ~~معا. # فإن قيل: إنه تعالى شرط نفي الجناح بحصول التقوى والإيمان ~~مرتين، وفي المرة الثالثة: بحصول التقوى والإحسان. # وللناس في هذا قولان: # أحدهما: أن هذا من باب التوكيد، ولا يضر حرف العطف في ذلك؛ كقوله ~~تعالى: # كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون # [التكاثر: 3، 4]، حتى إن ابن مالك جعل هذا من التوكيد اللفظي ~~المبوب له في النحو. # والثاني: أنه للتأسيس، إلا أنه جعل التغاير حاصلا بتقدير ~~المتعلقات. # واختلفوا في تفسير هذه المراتب الثلاثة على وجوه: # أحدها: قال الأكثرون: الأول: عمل الاتقاء. # والثاني: دوام الاتقاء والثبات عليه. # والثالث: اتقاء ظلم العباد مع ضم الإحسان إليه. # وثانيها: أن الأول اتقاء جميع المعاصي قبل نزول هذه الآية. # والثاني: اتقاء الخمر والميسر وما في هذه الآية. # والثالث: اتقاء ما يجب تحريمه بعد هذه الآية [وهذا قول ~~الأصم]. # وثالثها: اتقوا الكفر ثم الكبائر، ثم الصغائر. # ورابعها: قال القفال - رحمه الله تعالى -: التقوى الأولى عبارة عن ~~الاتقاء من القدح في صحة النسخ؛ وذلك لأن اليهود يقولون: ~~النسخ يدل على البداء، فأوجب على المؤمنين عند سماع تحريم ~~الخمر، بعد أن كانت مباحة أن يتقوا عن هذه الشبهة ~~الفاسدة. # والتقوى الثانية: الإتيان بالعمل المطابق لهذه الآية وهي ~~الاحتراز عن شرب الخمر. والتقوى الثالثة: عبارة عن المداومة ~~على التقوى المذكورة في الأولى والثانية، ثم يضم إلى هذه ~~التقوى الإحسان إلى الخلق. # وخامسها: أن المقصود من هذا التكرير التأكيد، والمبالغة ~~في الحث على الإيمان، والتقوى. # فإن قيل: لم شرط دفع الجناح عن تناول المطعومات بشرط ~~الإيمان والتقوى؛ مع أن المعلوم أن من لم يؤمن ومن لم ~~يتق، ثم تناول شيئا من المباحات فإنه لا جناح عليه في ~~ذلك التناول، بل إنما عليه جناح في ترك التقوى والإيمان، ~~إلا أن ذلك لا تعلق ms3219 له بتناول ذلك المباح، فذكر هذا ~~الشرط في هذا المعرض غير جائز. # فالجواب: ليس هذا اشتراط، بل لبيان أن أولئك الأقوام ~~الذين نزلت فيهم هذه الآية، كانوا على هذه الصفة ثناء ~~عليهم، وحمدا لأحوالهم في الإيمان والتقوى والإحسان. ~~ومثاله أن يقال لك: " هل على زيد فيما فعل جناح " ، وقد ~~علمت أن ذلك الأمر مباح؛ فتقول: ليس على أحد جناح في ~~المباح إذا اتقى المحارم وكان مؤمنا محسنا، تريد أن ~~زيدا إن بقي مؤمنا محسنا، فإنه غير مؤاخذ بما فعل. # فصل # قال ابن الخطيب: زعم بعض الجهال: أن [الله] تعالى لما ~~بين في الخمر أنها محرمة عندما تكون موقعة ~~للعداوة والبغضاء، وصادة عن ذكر الله وعن الصلاة، ~~بين في هذه الآية أنه لا جناح على من طعمها، إذا لم يحصل ~~معه شيء من تلك المفاسد، بل حصل أنواع المصالح من ~~التقوى والطاعة والإحسان إلى الخلق، قالوا: ولا يمكن ~~حمله على أحوال من شرب الخمر قبل نزول آية التحريم؛ ~~لأنه لو كان المراد ذلك لقال: ما كان جناح على الذين طعموا، ~~كما ذكر مثل ذلك في آية تحويل القبلة، فقال: # وما كان الله ليضيع إيمانكم # [البقرة: 143] ولكنه لم يقل ذلك، بل قال: { ليس على الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات } ، إلى قوله تعالى: { إذا ما ~~اتقوا وآمنوا } ، وهذا للمستقبل لا للماضي، وهذا ~~القول مردود بإجماع الأمةن وقولهم: إن كلمة " إذا " ~~للمستقبل،فجوابه: ما روى أبو بكر الأصم - رحمه الله - أنه ~~لما نزل تحريم الخمر، قال أبو بكر - رضي الله عنه -: يا رسول ~~الله كيف بإخواننا الذين ماتوا، وقد شربوا الخمر، وفعلوا ~~القمار، وكيف بالغائبين عنا في البلدان لا يشعرون أن ~~الله حرم الخمر وهم يطعمونها؛ فأنزل الله هذه ~~الآيات، وعلى هذا التقدير، فالحل قد ثبت في الزمان ~~المستقبل عن وقت نزول هذه الآية، لكن في حق الغائبين ~~الذين لم يبلغهم هذا النص. # قوله تعالى: { والله يحب المحسنين } أي: أنه تعالى ما ~~جعل الإحسان شرطا في نفي الجناح فقط، بل وفي أن يحبه ~~الله، وهذا أشرف ms3220 الدرجات. ### || [5.94] # اللام جواب قسم محذوف، أي: والله، ليبلونكم، وقد تقدم أنه ~~تجب اللام وإحدى النونين في مثل هذا الجواب واللام في " ~~ليبلونكم " مفتوحة لالتقاء الساكنين. قوله تعالى: " بشيء " ~~متعلق ب " ليبلونكم " أي: ليختبرنكم بشيء؛ وقوله ~~تعالى: " من الصيد ": في محل جر صفة ل " شيء " فيتعلق ~~بمحذوف، و " من " الظاهر أنها تبعيضية؛ لأنه لم يحرم صيد الحلال، ~~ولا صيد الحل، ولا صيد البحر، وقيل: إنها لبيان الجنس، وقال ~~مكي: " وقيل " من " لبيان الجنس، فلما قال " بشيء " لم يعلم من ~~أي جنس هو: فبين، فقال: " من الصيد "؛ كما تقول: ~~لأعطينك شيئا من الذهب " ، وبهذا الوجه بدأ أبو البقاء، ثم ~~قال: " وقيل: إنها للتبعيض " ، وكونها للبيان فيه نظر؛ لأن ~~الصحيح أنها لا تكون للبيان، والقائل بأنها للبيان يشترط أن ~~يكون المبين بها معرفا بأل الجنسية؛ كقوله: # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # [الحج: 30]، وبه قال ابن عطية أيضا، والزجاج هو الأصل في ذلك، ~~فإنه قال: وهذا كما تقول: " لأمتحننك بشيء من الرزق " ، ~~وكما قال تعالى: # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # [الحج: 30]. # والمراد بالصيد: المصيد، لقوله تعالى: { تناله أيديكم ~~ورماحكم } والصيد إذا كان بمعنى المصدر يكون حدثا، وإنما ~~يوصف بنيل الأيدي والرماح ما يكون عينا. # قوله تعالى: " تناله " في محل جر؛ لأنه صفة ثانية ل " شيء ~~" ، وأجاز أبو البقاء أن يكون حالا: إما من الصيد، وإما من " ~~شيء " ، وإن كان نكرة؛ لأنه قد وصف فتخصص، واستبعد أبو حيان ~~جعله حالا من الصيد، ووجه الاستبعاد: أنه ليس المقصود بالحديث ~~عنه، وقرأ الجمهور: " تناله " بالمنقوطة فوق؛ لتأنيث الجمع، ~~وابن وثاب والنخعي بالمنقوطة من تحت؛ لأن تأنيثه غير حقيقي. # فإن قيل: نزلت هذه الآية عام " الحديبية " ، وكانوا محرمين ~~ابتلاهم الله بالصيد، وكانت الوحوش تغشى رحالهم من ~~كثرتها، فهموا بأخذها، فنزلت هذه الآية أي: ~~ليختبرنكم. # وفائدة البلوى: إظهار المطيع من العاصي، وإنما بعض ~~الصيد؛ لأنه ابتلاهم بصيد البر خاصة، وقيل: صيد ~~الإحرام دون صيد الإحلال. # وقوله تعالى: " تناله أيديكم " يعني: الفرخ والبيض، وما ~~لا يقدر أن يضر من صغار الصيد، ms3221 و " رماحكم " يعني: ~~الكبار من الصيد " ليعلم الله " قاله الواحدي وغيره، وقال ~~مقاتل بن حيان: كانت الوحوش والطير تغشاهم في رحالهم، ~~حتى يقدرون على أخذها بالأيدي، وصيدها بالرماح. # وقال بعضهم: هذا غير جائز؛ لأن الصيد المتوحش هو الممتنع ~~دون ما لا يمتنع. # " ليعلم الله " قيل: اللام متعلقة ب " ليبلونكم " ، ~~والمعنى: ليتميز أو ليظهر لكم، وقد مضى تحقيقه في البقرة، وأن هذه ~~تسمى لام كي، وقرأ بعضهم: " ليعلم " بضم الياء وكسر اللام من " ~~أعلم " ، والمفعول الأول على هذه القراءة محذوف، أي: ليعلم ~~الله عباده، والمفعول الثاني هو قوله: " من يخافه " ف " ~~أعلم " منقولة بهمزة التعدية لواحد بمعنى " عرف " وهذا مجاز؛ ~~لأنه - تعالى - عالم لم يزل ولا يزال، واختلفوا في ~~معناه، فقيل، يعاملكم معاملة من يطلب أن يعلم، وقيل: ~~ليظهر المعلوم، وهو خوف الخائف، وقيل: هذا بحذف المضاف ~~والتقدير: ليعلم أولياء الله من يخافه بالغيب، ~~وقيل: ليرى الله لأنه قد علمه. # وقوله تعالى: " بالغيب " أي: يخاف الله ولم يره، كقوله ~~تعالى: # الذين يخشون ربهم بالغيب # [الأنبياء: 49] أي: يخافون، فلا يصطادون في حال الإحرام، وكقوله ~~تعالى: # الذين يؤمنون بالغيب # [البقرة: 3]، وقيل: معنى يخافه بالغيب أي: بإخلاص وتحقيق، ~~ولا يختلف الحال بسبب حضور واحد أو غيبته، كما في حق ~~المنافقين الذين # إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا ~~إلى شياطينهم قالوا إنا معكم # [البقرة: 14]. قوله تعالى: " بالغيب " في محل نصب على الحال من ~~فاعل " يخافه " ، أي: يخافه ملتبسا بالغيب، وقد تقدم معناه ~~في البقرة [الآية 3]. # والمعنى: من يخافه حال كونه غائبا عن رؤيته، كقوله تعالى: # من خشي الرحمن بالغيب # [ق: 33]. # وجوز أبو البقاء ثلاثة أوجه: # أحدها: ما ذكرناه. # والثاني: أنه حال من " من " في " من يخافه ". # والثالث: أن الباء بمعنى " في " ، والغيب مصدر واقع موقع غائب، ~~أي: يخافه في المكان الغائب عن الخلق، فعلى هذا يكون متعلقا ~~بنفس الفعل قبله، وعلى الأولين يكون متعلقا بمحذوف على ما ~~عرف. # قوله تعالى: { فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ~~} أي: اصطاد بعد تحريمه، فله عذاب ms3222 أليم، والمراد: عذاب الآخرة، ~~والتعزير في الدنيا. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: هذا العذاب هو أن يضرب ~~ظهره وبطنه ضربا وجيعا، وينتزع ثيابه. # قال القفال: وهذا غير جائز؛ لأن اسم العذاب قد يقع على ~~الضرب، كما سمي جلد الزانيين عذابا # وليشهد عذابهما # [النور: 2]، وقال تعالى: # فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب # [النساء: 25] وقال تعالى حاكيا عن سليمان - عليه السلام - في ~~الهدهد # لأعذبنه عذابا شديدا # [النمل: 21]. ### || [5.95] # في المراد بالصيد قولان: # الأول: الذي توحش، سواء كان مأكولا أو لم يكن، فعلى هذا ~~المحرم إذا قتل سبعا لا يؤكل لحمه ضمن، ولا يجاوز به ~~قيمة شاة، وهو قول أبي حنيفة - رضي الله عنه -. # وقال زفر: [يجب] قيمته بالغا ما بلغ. # الثاني: أن الصيد هو ما يؤكل لحمه، فعلى هذا لا يجب ~~الضمان ألبتة في قتل السبع، وهو قول الشافعي [- رضي ~~الله عنه -] وغيره، وحكم أبو حنيفة - رضي الله عنه - أنه لا يجب ~~الجزاء في قتل الفواسق الخمس، وفي قتل الذئب، ~~واستدل الشافعي بقوله تعالى: # أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم ~~وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم ~~حرما # [المائدة: 96]، فأحل الصيد خارج الإحرام، فثبت أن الصيد ~~هو ما أحل أكله. # وقال - عليه الصلاة والسلام -: # " خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الغراب، والحدأة، ~~والحية، والعقرب، والكلب العقور " # وفي رواية # " والسبع العادي " # ، فوصفوها بكونها فواسق، فدل على أن كونها فواسق علة ~~لحل قتلها. # ومعنى كونها فواسق كونها مؤذية، والأذى في السباع أقوى ~~منها، فوجب جواز قتلها. # قوله تعالى: { وأنتم حرم }: في محل نصب على الحال من فاعل " ~~تقتلوا " ، و " حرم " جمع حرام، وحرام يكون للمحرم، وإن كان ~~في الحل، ولمن في الحرم، وإن كان حلالا، وهما سيان في النهي عن ~~قتل الصيد وهل يدخل فيه المحرم بالعمرة؟ فيه خلاف، وهذه الآية ~~نزلت في رجل يقال له: أبو اليسر شد على حمار ~~وحشي وهو محرم فقتله، وهذا يدل على المنع من القتل ~~ابتداء، والمنع منه تسببا، فليس له أن يتعرض ~~للصيد ما ms3223 دام محرما، لا بالسلاح ولا بالجوارح من الكلاب ~~والطير، سواء كان الصيد صيد الحل أو الحرم، وأما ~~الحلال فله أن يتصيد في الحل وفي الحرم. # قوله تعالى: " منكم " في محل نصب على الحال من فاعل " قتله " ، ~~أي: كائنا منكم، وقيل: " من " للبيان، وليس بشيء؛ لأن كل من ~~قتل صيدا حكمه كذلك، فإن قلت: هذا وارد أيضا على جعله حالا، ~~فالجواب: لم يقصد لذلك مفهوم؛ حتى إنه لو قتله غيركم، لم يكن ~~عليه جزاء؛ لأنه قصد بالخطاب معنى آخر، وهو المبالغة في النهي عن ~~قتل الصيد. # قوله: " متعمدا " حال أيضا من فاعل " قتله " ، فعلى رأي ~~من يجوز تعدد الحال، يجيز ذلك هنا، ومن منع يقول: إن " ~~منكم " للبيان؛ حتى لا تتعدد الحال، و " من " يجوز أن ~~تكون شرطية، وهو الظاهر، وموصولة، والفاء لشبهها بالشرطية، ولا ~~حاجة إليه وإن كانوا فعلوه في مواضع. # قوله تعالى: " فجزاء " الفاء جواب الشرط أو زائدة؛ لشبه المبتدأ ~~بالشرط؛ فعلى الأول: الجملة بعدها في محل جزم؛ وعلى الثاني: في ~~محل رفع، وما بعد " من " على الأول في محل جزم؛ لكونه شرطا؛ ~~وعلى الثاني: لا محل له لكونه صلة، وقرأ الكوفيون: " فجزاء مثل ~~" بتنوين " جزاء " [ورفعه] ورفع " مثل " ، وباقي السبعة برفعه ~~مضافا إلى " مثل " ، ومحمد بن مقاتل بتنوين " جزاء " ، ونصبه، ~~ونصب " مثل " ، والسلمي برفع " جزاء " منونا، ونصب " مثل " ، ~~وقرأ عبد الله " فجزاؤه " برفع " جزاء " مضافا لضمير " مثل " ~~رفعا. # فأما قراءة الكوفيين فواضحة لأن " مثل " صفة ل " جزاء " ، ~~أي: فعليه " جزاء " موصوف بكونه " مثل ما قتله " أي مماثله. # قالوا: ولا ينبغي إضافة جزاء إلى المثل، ألا ترى أنه ليس ~~عليه جزاء مثل ما قتل في الحقيقة، إنما عليه جزاء ~~المقتول لا جزاء مثل المقتول الذي لم يقتله. # وجوز مكي وأبو البقاء وغيرهما أن يرتفع " مثل " على البدل، ~~وذكر الزجاج وجها غريبا، وهو أن يرتفع " مثل " على أنه خبر ل " ~~جزاء " ، ويكون " جزاء " مبتدأ، قال: " والتقدير: فجزاء ذلك ~~الفعل مثل ما قتل "؛ قال شهاب الدين: ويؤيد هذا الوجه قراءة عبد ms3224 ~~الله: " فجزاؤه مثل " ، إلا أن الأحسن أن يقدر ذلك المحذوف ~~ضميرا يعود على المقتول، لا أن يقدره: " فجزاء ذلك الفعل " ~~و " مثل " بمعنى مماثل قال مكي: قاله الزمخشري، وهو معنى ~~اللفظ، فإنها في قوة اسم فاعل، إلا أن مكيا توهم ~~أن " مثلا " قد يكون بمعنى غير مماثل؛ فإنه قال: " ومثل " في هذه ~~القراءة - يعني قراءة الكوفيين - بمعنى مماثل، والتقدير: فجزاء ~~مماثل لما قتل، يعني في القيمة، أو في الخلقة؛ على اختلاف ~~العلماء، ولو قدرت مثلا على لفظه، لصار المعنى: فعليه ~~جزاء مثل المقتول من الصيد، وإنما يلزم جزاء المقتول ~~بعينه لا جزاء مثله؛ لأنه إذا ودى جزاء مثل المقتول، صار ~~إنما ودى جزاء ما لم يقتل؛ لأن مثل المقتول لم يقتله، فصح ~~أن المعنى: فعليه جزاء مماثل للمقتول، ولذلك بعدت القراءة ~~بالإضافة عند جماعة، قال شهاب الدين: " مثل " بمعنى مماثل أبدا، ~~فكيف يقول " ولو قدرت مثلا على لفظه؟ " وأيضا فقوله: " لصار ~~المعنى إلى آخره " هذا الإشكال الذي ذكره لا يتصور مجيئه في هذه ~~القراءة أصلا، وإنما ذكره الناس في قراءة الإضافة؛ كما سيأتي، ~~وكأنه نقل هذا الإشكال من قراءة الإضافة إلى قراءة التنوين. # وأما قراءة باقي السبعة، فاستبعدها جماعة، قال الواحدي: " ~~ولا ينبغي إضافة الجزاء إلى المثل؛ لأن عليه جزاء المقتول لا ~~جزاء مثله، فإنه لا جزاء عليه لما لم يقتله ". # وقال مكي بعد ما تقدم عنه: " ولذلك بعدت القراءة بالإضافة عند ~~جماعة؛ لأنها توجب جزاء مثل الصيد المقتول " ولا التفات إلى ~~هذا الاستبعاد؛ فإن أكثر القراء عليها، وقد أجاب الناس عن ذلك ~~بأجوبة سديدة، لما خفيت على أولئك طعنوا في المتواتر، ~~منها: أن " جزاء " مصدر مضاف لمفعوله؛ تخفيفا، والأصل: فعليه ~~جزاء مثل ما قتل، أي: أن يجزي مثل ما قتل، ثم أضيف، كما ~~تقول: " عجبت من ضرب زيدا " ثم " من ضرب زيد " ذكر ~~ذلك الزمخشري وغيره، وبسط ذلك؛ أن الجزاء هنا بمعنى القضاء، ~~والأصل: فعليه أن يجزى المقتول من الصيد مثله من النعم، ثم ~~حذف المفعول الأول؛ لدلالة الكلام ms3225 عليه، وأضيف المصدر إلى ~~ثانيهما؛ كقولك: " زيد فقير ويعجبني إعطاؤك الدرهم " ، ~~أي: إعطاؤك إياه، ومنها: أن " مثل " مقحم؛ كقولهم: " مثلك ~~لا يفعل ذلك " ، [أي: أنت لا تفعل ذلك] وأنا أكرم مثلك ~~أي: أنا أكرمك، ونحو قوله تعالى: # فإن آمنوا بمثل مآ آمنتم به # [البقرة: 137] أي: بما آمنتم به، وكقوله: # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11]، والتقدير ليس كهو شيء ف " مثل " زائدة. وقوله ~~تعالى: # أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا ~~يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات # [الأنعام: 122]، ومنها أن يكون المعنى " فجزاء من مثل ما ~~قتل من النعم " كقولك: " خاتم فضة " أي: " خاتم من فضة " ، ~~وهذا خلاف الأصل فالجواب ما تقدم و " ما " يجوز أن تكون موصولة ~~اسمية، أو نكرة موصوفة، والعائد محذوف على كلا التقديرين، أي: مثل ~~ما قتله من النعم. # فمن رفع " جزاء " ففيه أربعة أوجه: # أحدها: أنه مرفوع بالابتداء، والخبر محذوف، تقديره: فعليه جزاء. # والثاني: أنه خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: فالواجب جزاء. # والثالث: أنه فاعل بفعل محذوف، أي: فيلزمه الجزاء، أو يجب عليه ~~جزاء. # الرابع: أنه مبتدأ وخبره " مثل " ، وقد تقدم أن ذلك مذهب أبي ~~إسحاق الزجاج، وتقدم أيضا رفع " مثل " في قراءة الكوفيين؛ على ~~أحد ثلاثة أوجه: النعت، والبدل، والخبر؛ حيث قلنا: " جزاء " ~~مبتدأ عند الزجاج. # وأما قراءة " فجزاؤه مثل " ، فظاهرة أيضا، وأما قراءة " ~~فجزاء مثل " برفع " جزاء " وتنوينه، ونصب " مثل " ، فعلى ~~إعمال المصدر المنون في مفعوله، وقد تقدم أن قراءة الإضافة منه، ~~وهو نظير قوله تعالى: # أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما # [البلد: 14-15] وفاعله محذوف، أي: فجزاء أحدكم أو القاتل، أي: أن ~~يجزى القاتل للصيد، وأما قراءة: " فجزاء مثل " بنصبهما ف ~~" جزاء " منصوب على المصدر، أو على المفعول به، و " مثل " صفته ~~بالاعتبارين، والتقدير: فليجز جزاء مثل، أو: فليخرج ~~جزاء، أو فليغرم جزاء مثل. # قوله: " من النعم " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه صفة ل " جزاء " مطلقا، أي: سواء رفع أم نصب، ~~نون أم لم ينون، أي: إن ذلك الجزاء يكون من ms3226 جنس النعم، ~~فهذا الوجه لا يمتنع بحال. # الثاني: أنه متعلق بنفس " جزاء "؛ لأنه مصدر، إلا أن ذلك لا يجوز ~~إلا في قراءة من أضاف " جزاء " إلى " مثل " ، فإنه لا يلزم منه ~~محذور؛ بخلاف ما إذا نونته، وجعلت " مثل " صفته، أو بدلا ~~منه، أو خبرا له؛ فإن ذلك يمتنع حينئذ، لأنك إن جعلته موصوفا ~~ب " مثل " كان ذلك ممنوعا من وجهين: # أحدهما: أن المصدر الموصوف لا يعمل، وهذا قد وصف. # والثاني: أنه مصدر، فهو بمنزلة الموصول، والمعمول من تمام صلته، وقد ~~تقرر أنه لا يتبع الموصول إلا بعد تمام صلته؛ لئلا يلزم الفصل ~~بأجنبي، وإن جعلته بدلا، لزم أن يتبع الموصول قبل تمام ~~صلته، وإن جعلته خبرا، لزم الإخبار عن الموصول قبل تمام صلته، ~~وذلك كله لا يجوز. # الثالث: ذكره أبو البقاء وهو أن يكون حالا من عائد الموصول ~~المحذوف؛ فإن التقدير: فجزاء مثل الذي قتله حال كونه من النعم، ~~وهذا وهم؛ لأن الموصوف بكونه من النعم، إنما هو جزاء الصيد ~~المقتول، وأما الصيد نفسه، فلا يكون من النعم، والجمهور على ~~فتح عين " النعم " ، وقرأ الحسن بسكونها، فقال ابن عطية: " ~~هي لغة " ، وقال الزمخشري: استثقل الحركة على حرف الحلق، كما ~~قالوا: " الشعر " في " الشعر ". # فصل # اختلفوا في هذا العمد: فقال قوم: هو تعمد قتل الصيد ~~مع نسيان الإحرام، أما إذا قتله عمدا وهو ذاكر ~~لإحرامه، فلا حكم عليه، وأمره إلى الله تعالى؛ لأنه ~~أعظم من أن يكون له كفارة، وهو قول مجاهد والحسن. # وقال آخرون: هناك فرق بين أن يعمد المحرم قتل ~~الصيد ذاكرا لإحرامه، فعليه الكفارة، واختلفوا فيما لو ~~قتله خطأ، فذهب أكثر الفقهاء إلى أن العمد والخطأ ~~واحد في لزوم الكفارة. # قال الزهري: على المتعمد بالكتاب، وعلى المخطىء ~~بالسنة وقال سعيد بن جبير: لا تجب كفارة الصيد ~~بقتل الخطأ، وهو قول داود. # فصل # المراد بالمثل ما يقرب من الصيد المقتول شبها من حيث ~~الخلقة، لا من حيث القيمة. # وقال محمد بن الحسن: الصيد ضربان: ما له مثل، وما لا ms3227 ~~مثل له. # فما له مثل يضمن بمثله من النعم، وما لا مثل له ~~يضمن بالقيمة. # وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: المثل الواجب هو القيمة. # فصل # إذا قتل المحرم الصيد وأدى جزاءه، ثم قتل صيدا آخر ~~لزمه جزاء آخر، وقال داود: لا يجب، وحجة الجمهور هذه ~~الآية، فإن ظاهرها يقتضي أن يكون علة وجوب الجزاء هو ~~القتل، فوجب أن يتكرر الحكم بتكرار العلة، فإن قيل: ~~إذا قال الرجل لنسائه من دخلت منكن الدار فهي ~~طالق، فدخلت واحدة مرتين، لم يقع الطلاق مرتين. # فالجواب أن القتل علة لوجوب الجزاء، فيلزم تكرار ~~الوجوب لتكرار العلة، وأما دخول الدار فهو شرط ~~لوقوع الطلاق، فلم يلزم تكرار الحكم عند تكرار ~~الشرط، واحتج داود بقوله تعالى: { ومن عاد فينتقم ~~الله منه } فجزاء العائد الانتقام لا الكفارة. # قوله: { يحكم به ذوا عدل } في موضع نصب على الحال منه، أو ~~على النعت ل " جزاء " فيمن نصبه، وخصص أبو البقاء كونه ~~صفة بقراءة تنوين " جزاء " ، والحال بقراءة إضافته، ولا فرق، بل ~~يجوز أن تكون الجملة نعتا أو حالا بالاعتبارين؛ لأنه أذا أضيف إلى ~~" مثل " ، فهو باق على تنكيره؛ لأن " مثلا " لا يتعرف ~~بالإضافة، وكذا خصص مكي الوصف بقراءة إضافة الجزاء إلى " مثل " ~~فإنه قال: " ومن النعم في قراءة من أضاف الجزاء إلى " مثل " ~~صفة ل " جزاء " ، ويحسن أن تتعلق " من " بالمصدر، فلا تكون ~~صفة، وإنما المصدر معدى إلى " من النعم " ، وإذا جعلته صفة، ~~ف " من " متعلقة بالخبر المحذوف، وهو فعليه " ، وفي هذا ~~الكلام نظر من وجهين: # أحدهما: قد تقدم، وهو التخصيص بقراءة الإضافة. # والثاني: أنه حين جعل " من النعم " صفة علقها بالخبر المحذوف ~~لما تضمنه من الاستقرار؛ وليس كذلك؛ لأن الجار، إذا وقع صفة ~~تعلق بمحذوف، ذلك المحذوف هو الوصف في الحقيقة، وهذا الذي جعله ~~متعلقا لهذه الصفة ليس صفة للموصوف في الحقيقة، بل هو خبر عنه؛ ~~ألا ترى أنك لو قلت: " عندي رجل من بني تميم " أن " من ~~بني " متعلق بوصف محذوف في الحقيقة، لا بقولك " عندي " ، ~~ويمكن ms3228 أن يقال - وهو بعيد جدا - إنه أراد التعلق المعنوي؛ وذلك ~~أن العامل في الموصوف عامل في صفته، و " عليه " عامل في " ~~جزاء " ، فهو عامل في صفته، فالتعلق من هذه الحيثية، ولكن ~~إنما يتأتى ذلك حيث جعلنا الخبر عاملا في المبتدأ، أو قلنا: إن ~~الجار يرفع الفاعل، ولو لم يعتمد وإنما ذكر هنا التوجيهات؛ لأن ~~القائلين بذلك ممن لا يلغى قولهم بالكلية. # والألف في " ذوا " علامة الرفع؛ لأنه مثنى، وقد تقدم الكلام في ~~اشتقاق هذه اللفظة وتصاريفها [الآية 177 البقرة]، وقرأ الجمهور: " ~~ذوا " بالألف، وقرأ محمد بن جعفر الصادق: " ذو " بلفظ الإفراد، ~~قالوا: ولا يريد بذلك الوحدة، بل يريد: يحكم به من هو من أهل ~~العدل، وقال الزمخشري: " وقيل: أراد الإمام " فعلى هذا تكون الوحدة ~~مقصودة، و " منكم " في محل رفع صفة ل " ذوا " ، أي: إنهما ~~يكونان من جنسكم في الدين، ولا يجوز أن تكون صفة ل " عدل "؛ ~~لأنه مصدر قاله أبو البقاء، يعني: أن المصدر ليس من جنسهم، فكيف ~~يوصف بكونه منهم؟ # فصل # المعنى يحكم للجزاء رجلان عدلان قال ابن عباس: يريد ~~يحكم به في جزاء الصيد رجلان صالحان منكم، من أهل ~~قبلتكم ودينكم، فقيهان عدلان، فينظران إلى أشبه ~~الأشياء من النعم، فيحكمان به، وممن ذهب إلى إيجاب ~~المثل من النعم: عمر، وعثمان، وعلي، وعبد الرحمن ~~بن عوف، وابن عمر، وابن عباس، وغيرهم من الصحابة ~~حكموا في بلدان مختلفة، وأزمان شتى بالمثل من النعم، ~~فحكم حاكمهم في النعامة ببدنة، وهي لا تساوي بقرة، وفي ~~الضبع كبش وهو لا يساوي كبشا، فدل على أنهم نظروا إلى ما ~~يقرب من الصيد شبها من حيث الخلقة. # وروي عن عمر، وعثمان، وابن عباس: أنهم قضوا في حمام ~~مكة بشاة. # وروى جابر بن عبد الله: أن عمر بن الخطاب قضى في ~~الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب بعناق، وفي ~~اليربوع بجفرة. # وقال ميمون بن مهران: جاء أعرابي إلى أبي بكر ~~الصديق - رضي الله تعالى عنه - فقال: إني أصيت من الصيد كذا ~~وكذا، فسأل أبو ms3229 بكر أبي بن كعب، فقال الأعرابي: ~~أتيتك أسألك، وأنت تسأل غيرك، فقال أبو بكر: وما ~~أنكرت من ذلك؟ قال تعالى: { يحكم به ذوا عدل منكم } ~~فشاورت صاحبي، فإذا اتفقنا على شيء أمرناك به. # وعن قبيصة بن جابر؛ أنه كان محرما، فضرب ظبيا فمات، فسأل ~~عمر بن الخطاب، وكان إلى جنبه عبد الرحمن بن عوف، ~~فقال عمر لعبد الرحمن: ما ترى، قال: عليه شاة، قال: وأنا أرى ~~ذلك، قال اذهب فأهد شاة، قال قبيصة: فخرجت إلى ~~صاحبي، وقلت: إن أمير المؤمنين لم يدر ما يقول، حتى سأل ~~غيره. # قال ففجأني عمر، وعلاني بالدرة، وقال: أتقتل في الحرم ~~وتسفه الحكم؟ قال تعالى: { يحكم به ذوا عدل منكم ~~} فأنا عمر، وهذا عبد الرحمن بن عوف. # واحتج أبو حنيفة في إيجاب القيمة بأن التقويم هو ~~المحتاج إلى النظر والاجتهاد، وأما الخلقة والصورة ~~فظاهرة لا يحتاج فيها إلى الاجتهاد. # وأجيب: بأن المشابهة بين الصيد وبين النعم مختلفة ~~وكثيرة، فلا بد من الاجتهاد في تمييز الأقوى عن الأضعف. # فصل # الذي له مثل ضربان: فما حكمت فيه الصحابة بحكم، لا يعدل ~~إلى غيره؛ لأنهم شاهدوا التنزيل وحضروا التأويل، وما ~~لم يحكم فيه الصحابة، يرجع إلى اجتهاد عدلين. # وقال مالك: يجب التحكيم فيما حكمت به الصحابة - رضي الله عنهم ~~-، وفيما لم تحكم فيه. # فصل # يجوز أن القاتل أحد العدلين، إن كان أخطأ فيه، فإن ~~تعمد فلا يجوز؛ لأنه يفسق به. # وقال مالك: لا يجوز في تقويم المتلفات، وأجيب: بأن الله ~~تعالى أوجب أن يحكم به ذوا عدل، وإذا صدر عنه القتل ~~خطأ كان عدلا، فإذا حكم هو وغيره، فقد حكم به ذوا عدل. # وقد روي أن بعض الصحابة - رضي الله عنهم - أوطأ فرسه ~~ظبيا، فسأل عمر عنه، فقال عمر: احكم، فقال: أنت أعدل ~~يا أمير المؤمنين، فاحكم، فقال عمر - رضي الله عنه - إنما ~~أمرتك أن تحكم، وما أمرتك أن تزكيني، فقال:أرى فيه ~~جديا جمع الماء والشجر، فقال: افعل ما ترى. # فصل # لو حكم عدلان بمثل، وحكم عدلان آخران ms3230 بمثل آخر ففيه وجهان: # أحدهما: يتخير. # والثاني: يأخذ بالأغلظ. # فصل # استدل بهذه الآية بعض مثبتي القياس، قالوا: لأنه تعالى ~~فرض تعيين المثل إلى اجتهاد الناس وظنهم، وهذا ضعيف؛ لأن ~~الشارع تعبدنا بالعمل بالظن في صور كثيرة: منها الاجتهاد ~~في القبلة، والعمل بتقويم المقومين في قيم ~~المتلفات، وأروش الجنايات، والعمل بحكم الحاكمين في ~~مثل جزاء الصيد، وعمل القاضي بالفتوى، والعمل ~~بمقتضى الظن في مصالح الدنيا، إلا أنا نقول: إذا ~~دعيتم إلى تشبيه صورة بصورة شرعية في الحكم الشرعي، ~~وهو عين هذه المسائل التي عددناها، فذلك باطل في بديهة ~~العقل، فإذا سلمتم المغايرة، ولم يلزم من كون الظن ~~حجة في تلك الصور؛ كونه حجة في مسألة القياس، إلا إذا ~~قسنا هذه المسألة على تلك المسائل، وذلك يقتضي إثبات القياس ~~بالقياس، وهو باطل، وأيضا فالفرق ظاهر بين البابين؛ لأن في ~~جميع الصور المذكورة الحكم إنما ثبت في حق شخص واحد، في ~~زمان واحد، في واقعة واحدة. # وأما الحكم الثابت بالقياس، فإنه شرع عام في جميع ~~المكلفين، باق على وجه الدهر، والتنصيص على أحكام ~~الأشخاص الجزئية متعذر. # أما التنصيص على الأحكام الكلية العامة، الباقية ~~إلى آخر الدهر غير متعذر، فظهر الفرق. # قوله: " هديا " فيه ستة أوجه: # أظهرها: أنه حال من الضمير في " به " قال الزجاج: " هو منصوب على ~~الحال، المعنى: يحكم به مقدرا أن يهدى " يعني أنه حال مقدرة، ~~لا مقارنة، وكذا قال الفارسي كقولك: " معه صقر صائدا به غدا ~~" ، أي مقدرا الصيد. # الثاني: أنه حال من " جزاء " سواء قرىء مرفوعا أم منصوبا، ~~منونا أم مضافا، وقال الزمخشري: " هديا " حال من " جزاء " فيمن ~~وصفه ب " مثل "؛ لأن الصفة خصصته، فقرب من المعرفة، وكذا ~~خصصه أبو حيان، وهذا غير واضح، بل الحالية جائزة مطلقا؛ كما ~~تقدم. # الثالث: أنه منصوب على المصدر، أي: يهديه هديا، ذكره مكي وأبو ~~البقاء. # الرابع: أنه منصوب على التمييز، قال أبو البقاء ومكي، إلا أن ~~مكيا، قال: " على البيان " ، وهو التمييز في المعنى، وكأنهما ~~ظنا أنه تمييز لما أبهم في المثلية؛ ms3231 إذ ليس هنا شيء يصلح ~~للتمييز غيرها، وفيه نظر؛ من حيث إن التمييز إنما يرفع الإبهام ~~عن الذوات، لا عن الصفات، وهذا كما رأيت إنما رفع إبهاما عن صفة؛ ~~لأن الهدي صفة في المعنى؛ إذ المراد به مهدى. # الخامس: أنه منصوب على محل " مثل " فيمن خفضه؛ لأن محله ~~النصب بعمل المصدر فيه تقديرا؛ كما تقدم تحريره. # السادس: أنه بدل من " جزاء " فيمن نصبه. و " بالغ الكعبة " ~~صفة ل " هديا " ، ولم يتعرف بالإضافة؛ لأنه عامل في الكعبة ~~النصب تقديرا، ومثله: # هذا عارض ممطرنا # [الأحقاف:24] وقول الآخر: [البسيط] # 2025- يا رب غابطنا لو كان يطلبكم # لاقى مباعدة منكم وحرمانا # في أن الإضافة فيها غير محضة، وقرأ الأعرج: " هديا " بكسر ~~الدال وتشديد الياء. # فصل # المعنى: يحكمان به هديا يساق إلى الكعبة، فينحر ~~هناك، وهذا يؤيد قول من أوجب المثل من طريق الخلقة؛ لأنه ~~تعالى لم يقل: يحكمان به شيئا يشترى به هدي، وإنما ~~قال: يحكمان به هديا، وهذا صريح في أنهما يحكمان بالهدي ~~لا غير، وأن يكون المعنى يحكمان به شيئا يشترى به هديا ~~وهذا بعيد عن الظاهر. # وسميت الكعبة كعبة لارتفاعها، والعرب تسمي كل بيت ~~مرتفع كعبة، والكعبة هنا إنما أريد بها كل الحرم؛ لأن ~~الذبح والنحر لا يفعلان في الكعبة، ولا عندها ملاصقا لها، ~~ونظيره قوله تعالى: # ثم محلهآ إلى البيت العتيق # [الحج: 33]، والمراد ببلوغه للكعبة: أن يذبح بالحرم، ~~ويتصدق باللحم على مساكين الحرم. # وقال أبو حنيفة - رضي الله عنه -: له أن يتصدق به حيث شاء، كما أن ~~له أن يصوم حيث شاء، وحجة القول الأول:أن الذبح إيلام، ~~فلا يجوز أن يكون قربة، بل القربة إيصال اللحم إلى ~~الفقراء. # قوله: " أو كفارة " عطف على قوله: " فجزاء " ، و " أو " هنا ~~للتخيير، ونقل عن ابن عباس؛ أنها ليست للتخيير، بل للترتيب، وهذا على ~~قراءة من رفع " فجزاء " ، وأما من نصبه، فقال الزمخشري: ~~جعلها خبر مبتدأ محذوف؛ كأنه قيل: أو الواجب عليه كفارة، ويجوز ~~أن تقدر: فعليه أن يجزي جزاء، أو كفارة، فتعطف " كفارة " ~~على ms3232 " أن يجزي " ، يعني أن " عليه " يكون خبرا مقدما، و " أن ~~يجزي " مبتدأ مؤخرا، فعطفت " الكفارة " على هذا المبتدأ، وقرأ ~~نافع وابن عامر بإضافة " كفارة " لما بعدها، والباقون بتنوينها، ~~ورفع ما بعدها. # فأما قراءة الجماعة، فواضحة، ورفع " طعام " على أحد ثلاثة ~~أوجه: # أحدها: أنه بدل من " كفارة "؛ إذ هي من جنسه. # الثاني: أنه بيان لها؛ كما تقدم، قاله الفارسي. ورده أبو حيان؛ ~~بأن مذهب البصريين اختصاص عطف البيان بالمعارف دون النكرات، قال ~~شهاب الدين: أبو علي يخالف في ذلك، ويستدل بأدلة، منها قوله ~~تعالى: # شجرة مباركة زيتونة # [النور: 35]، ف " زيتونة " عنده عطف بيان ل " شجرة " ، وكذا ~~قوله تعالى: # من مآء صديد # [إبراهيم: 16]، ف " صديد " عنده بدل من " ماء " ، والبدل فيهما ~~محتمل؛ فلا حجة له، والبدل قد يجيء للبيان. # الثالث: أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هي طعام، أي: تلك الكفارة. # وأما قراءة نافع وابن عامر، فوجهها: أن الكفارة، لما تنوعت ~~إلى تكفير الطعام، وتكفير بالجزاء المماثل، وتكفير بالصيام، حسن ~~إضافتها لأحد أنواعها تبيينا لذلك، والإضافة تكون بأدنى ملابسة؛ ~~كقوله: [الطويل] # 2053- إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة # سهيل أذاعت غزلها في القرائب # أضاف الكوكب إليها؛ لقيامها عند طلوعه؛ فهذا أولى، ووجهها ~~الزمخشري فقال: " وهذه الإضافة مبينة، كأنه قيل: أو كفارة من ~~طعام مساكين؛ كقولك: " خاتم فضة " بمعنى من فضة " ، قال ~~أبو حيان: " أما ما زعمه، فليس من هذا الباب؛ لأن " خاتم فضة ~~" من باب إضافة الشيء إلى جنسه، والطعام ليس جنسا للكفارة، إلا ~~بتجوز بعيد جدا ". انتهى، قال شهاب الدين: كان من حقه أن ~~يقول: والكفارة ليست جنسا للطعام؛ لأن الكفارة في التركيب ~~نظير " خاتم " في أن كلا منهما هو المضاف إلى ما بعده، فكما أن " ~~خاتما " هو المضاف إلى جنسه ينبغي أن يقال: الكفارة ليست ~~جنسا للطعام؛ لأجل المقابلة، لكن لا يمكن أن يقال ذلك، فإن ~~الكفارة كما تقدم جنس للطعام، والجزاء، والصوم، فالطريق في ~~الرد على الزمخشري أن يقال: شرط الإضافة بمعنى " من ": أن يضاف ~~جزء إلى كل بشرط صدق اسم الكل ms3233 على الجزء؛ نحو: " خاتم فضة ~~" ، و " كفارة طعام " ليس كذلك، بل هي إضافة " كل " إلى جزء، وقد ~~استشكل جماعة هذه القراءة؛ من حيث إن الكفارة ليست للطعام، إنما ~~هي لقتل الصيد، كذا قاله أبو علي الفارسي وغيره، وجوابه ما ~~تقدم. # ولم يختلف السبعة في جمع " مساكين " هنا، وإن اختلفوا في البقرة، ~~قالوا: والفرق بينهما أن قتل الصيد لا يجزىء فيه إطعام ~~مسكين واحد، على أنه قد قرأ عيسى بن عمر والأعرج بتنوين " ~~كفارة " ، ورفع " طعام مسكين " بالتوحيد، قالوا: ومرادهما ~~بيان الجنس، لا التوحيد. # قوله: " أوعدل " نسق على " فجزاء " ، والجمهور على فتح العين، ~~وقرأ ابن عباس وطلحة بن مصرف والجحدري بكسرها. # قال الفراء: " العدل " بالكسر: ما عادل الشيء من جنسه، ~~والعدل: المثل، تقول: عندي عدل غلامك أو شاتك إذا كان غلام ~~بعدل غلامه، أو شاة تعدل شاته، أما إذا أردت قيمته ~~من غير جنسه نصبت العين، فقلت:عدل. # وقال أبو الهيثم: العدل: المثل، والعدل: القيمة، والعدل: ~~اسم معدول بحمل آخر مسوى به، والعدل: تقويمك الشيء بالشيء ~~من غير جنسه. # وقال الزجاج، وابن الأعرابي: العدل والعدل سواء، وقد ~~تقدم الكلام عليه في البقرة: عند قوله: # ولا يؤخذ منها عدل # [الآية: 48]. # قوله: " صياما " نصب على التميز كقولك: " عندي رطلان عسلا " ~~لأن المعنى: أو قدر ذلك صياما، والأصل فيه إدخال حرفين ~~تقول: رطلان من العسل، وعدل ذلك من الصيام. [وأصل " صياما ~~": " صواما " فأعل كما تقدم مرارا]. # فصل # معنى الآية: أنه في جزاء الصيد مخير بين أن يذبح ~~المثل من النعم، فيتصدق باللحم على مساكين الحرم، ~~وبين أن يقوم المثل بدراهم ويشتري بالدراهم ~~طعاما، فيتصدق بالطعام على مساكين الحرم، لكل مسكين ~~مد من طعام، أو يصوم عن كل مد يوما، وله أن يصوم حيث ~~شاء؛ لأنه لا نفع فيه للمساكين. # وقال مالك: إن لم يخرج المثل يقوم الصيد، ثم تجعل ~~القيمة طعاما، فيتصدق به أو يصوم. # وقال أبو حنيفة: لا يجب المثل من النعم، بل يقوم ~~الصيد، فإن شاء صرف تلك القيمة إلى شيء من النعم، ms3234 وإن ~~شاء إلى الطعام فيتصدق به، وإن شاء صام عن كل نصف ~~صاع من بر أو صاع من غيره يوما. # وقال الشعبي، والنخعي: جزاء الصيد على الترتيب، ~~والجمهور على التخيير، وأن قاتل الصيد مخير في ~~تعيين أحد هذه الثلاثة، وقال محمد بن الحسن: التخيير إلى ~~الحكمين، لقوله تعالى: { يحكم به ذوا عدل منكم ~~هديا } أي: كذا، أو كذا. # وجوابه: أن الله أوجب على قاتل الصيد أحد هذه الثلاثة ~~على التخيير، فوجب أن يكون قاتل الصيد مخيرا بين ~~أيها شاء، وأما الذي يحكم به ذوا العدل، فهو تعيين ~~المثل الخلقة أو القيمة. # قوله: " ليذوق " فيه ستة أوجه: # أحدها: أنه متعلق ب " جزاء " قاله الزمخشري، وقال أبو حيان: إنما ~~يتأتى ذلك حيث يضاف إلى " مثل " ، أو ينون " جزاء " ، ~~وينصب " مثل " ، وعلل ذلك بأنه إذا رفع مثلا، كان صفة ~~للمصدر، وإذا وصف المصدر، لم يعمل إلا أن يتقدم المعمول على ~~وصفه؛ نحو: " يعجبني الضرب زيدا الشديد " ، فيجوز: قال ~~شهاب الدين: وكذا لو جعله بدلا أيضا أو خبرا؛ لما تقدم من أنه يلزم ~~أن يتبع الموصول أو يخبر عنه قبل تمام صلته، وهو ممنوع، وقد ~~أفهم كلام الشيخ بصريحه؛ أنه على قراءة إضافة الجزاء إلى " ~~مثل " يجوز ما قاله الزمخشري، وأنا أقول: لا يجوز ذلك أيضا؛ لأن " ~~ليذوق " من تمام صلة المصدر، وقد عطف عليه قوله " أو ~~كفارة أو عدل "؛ فليزم أن يعطف على الموصول قبل تمام ~~صلته؛ وذلك لا يجوز لو قلت: " جاء الذي ضرب وعمرو زيدا " لم ~~يجز للفصل بين الصلة - أو أبعاضها - والموصول بأجنبي، ~~فتأمله. # الثاني: أنه متعلق بفعل محذوف يدل عليه قوة الكلام؛ كأنه ~~قيل: جوزي بذلك ليذوق. # الثالث: أنه متعلق بالاستقرار المقدر قبل قوله: " فجزاء "؛ إذ ~~التقدير: فعليه جزاء ليذوق. # الرابع: أنه متعلق ب " صيام " ، أي: صومه ليذوق. # الخامس: أنه متعلق ب " طعام " ، أي: طعام ليذوق، ذكر هذه ~~الأوجه الثلاثة أبو البقاء، وهي ضعيفة جدا، وأجودها الأول. # السادس: أنها تتعلق ب " عدل ذلك " ، نقله أبو حيان عن بعض ~~المعربين، ms3235 قال: " غلط ". # والوبال: سوء العاقبة وما يخاف ضرره، قال الراغب: ~~والوابل: المطر الثقيل القطر، ولمراعاة الثقل، قيل للأمر ~~الذي يخاف ضرره: وبال، قال تعالى: ف # ذاقوا وبال أمرهم # [الحشر: 15]، ويقال: " طعام وبيل " ، و " كلأ وبيل " يخاف ~~وباله؛ قال تعالى: # فأخذناه أخذا وبيلا # [المزمل: 16]، وقال غيره: " والوبال في اللغة؛ ثقل الشيء في ~~المكروه، يقال: " مرعى وبيل " ، إذا كان يستوخم، و " ماء ~~وبيل " إذا كان لا يستمرأ، واستوبلت الأرض: كرهتها ~~خوفا من وبالها ". والذوق هنا استعارة بليغة. # وإنما سمى الله تعالى ذلك وبالا؛ لأنه خيره بين ثلاثة ~~أشياء، اثنان منها توجب تنقيص المال، وهو ثقيل على ~~الطبع، وهما الجزاء بالمثل والإطعام، والثالث يوجب ~~إيلام البدن وهو الصوم، وذلك أيضا يثقل على الطبع، ~~وذلك حتى يحترز عن قتل الصيد في الحرم، وفي حال ~~الإحرام. # قوله: { عفا الله عما سلف } يعني: قبل التحريم، ~~ونزول الآية وقال السدي: عما سلف في الجاهلية. # وقيل: هذا إبدال على قول من لا يوجب الجزاء، إلا في المرة ~~الأولى، أما في المرة الثانية: فإنه لا يوجب الجزاء ~~عليه، ويقول: إنه أعظم من أن يكفره التصدق بالجزاء، ~~فعلى هذا المراد عفا الله عما سلف في المرة الأولى بسبب ~~أداء الجزاء، ومن عاد إليه مرة ثانية، فلا كفارة لجرمه، ~~بل الله ينتقم منه، وحجة هذا القول: أن " الفاء " في ~~قوله: { فينتقم الله منه } فاء الجزاء، والجزاء هو ~~الكافي، فهذا يقتضي أن هذا الانتقام كما في هذا الذنب، ~~وكونه كافيا يمنع من وجوب شيء آخر، فلا يجب عليه ~~الجزاء. # قوله تعالى: { ومن عاد فينتقم الله منه } " من " يجوز ~~أن تكون شرطية، فالفاء جوابها، و " ينتقم " خبر لمبتدأ محذوف، ~~أي: فهو ينتقم، ولا يجوز الجزم مع الفاء ألبتة، قال: سيبويه: " ~~الفاء " في قوله: { ومن عاد فينتقم الله منه } ، وفي ~~قوله: # ومن كفر فأمتعه # [البقرة: 126]، و # فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا # [الجن: 13] إن في هذه الآيات إضمارا مقدرا، والتقدير: ومن ~~عاد فهو ينتقم الله منه ومن كفر فأنا أمتعه، ومن يؤمن بربه ~~فهو ms3236 لا يخاف، وبالجملة فلا بد من إضمار مبتدأ يكون ذلك ~~الفعل خبرا عنه؛ لان الفعل يصير بنفسه جزاء، فلا ~~حاجة إلى إدخال حرف الجزاء عليه، فيصير إدخال حرف " ~~الفاء " على الفعل لغوا، أما إذا أضمرنا المبتدأ، ~~احتجنا إلى إدخال " الفاء " عليه؛ ليرتبط بالشرط فلا ~~تصير " الفاء " لغوا. # ويجوز أن تكون " من " موصولة، ودخلت الفاء في خبر المبتدأ، ~~لما أشبه الشرط، فالفاء زائدة، والجملة بعدها خبر، ولا حاجة ~~إلى إضمار مبتدأ بعد الفاء؛ بخلاف ما تقدم. قال أبو البقاء: " ~~حسن دخول الفاء كون فعل الشرط ماضيا لفظا ". # فصل # معنى الآية: { ومن عاد فينتقم الله منه }: في الآخرة ~~{ والله عزيز ذو انتقام }. # واعلم: أنه إذا تكرر من المحرم قتل الصيد، فيتكرر ~~عليه الجزاء عند عامة أهل العلم. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: إذا قتل المحرم صيدا ~~متعمدا، يسأل هل قتلت قبلها شيئا من الصيد؟ فإن ~~قال: نعم، لم يحكم عليه، ويقال: اذهب فينتقم الله منك. # وإن قال: لم أقتل قبله شيئا حكم عليه [فإن عاد بعد ذلك، لم ~~يحكم عليه]، ولكن يملأ ظهره وصدره ضربا وجيعا، وكذلك حكم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في صيد " وج " - وهو واد بالطائف ~~-، واختلفوا في المحرم، هل يجوز له أكل لحم ~~الصيد؟ # فذهب قوم إلى أنه لا يحل له بحال، يروى ذلك عن ~~ابن عباس، وهو قول طاوس، وبه قال سفيان الثوري، لما روى ~~عبد الله بن عباس # " عن الصعب بن جثامة الليثي: أنه أهدى لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا، وهو في الأبواء أو بودان، ~~فرده رسول صلى الله عليه وسلم، قال: فلما رأى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ما في وجهي، قال: " إنا لم نرده عليك ~~إلا أنا حرم ". # وذهب الأكثرون إلى أنه يجوز للمحرم أكله، إذا لم ~~يصطد بنفسه، ولا صيد لأجله أو بإشارته، وهو قول عمر، ~~وعثمان، وأبي هريرة، وبه قال عطاء، ومجاهد، وسعيد بن ~~جبير، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب ~~الرأي، وإنما رد النبي ms3237 صلى الله عليه وسلم على الصعب بن ~~جثامة؛ لأنه ظن أنه صيد من أجله. # ويدل على الجواز، ما روى نافع - مولى أبي قتادة بن ربعي ~~الأنصاري: # " أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان ~~ببعض طريق مكة، تخلف مع أصحاب له محرمين - وهو غير ~~محرم -، فرأى حمارا وحشيا، فاستوى على فرسه، فسأل أصحابه ~~أن يناولوه سوطا فأبوا، فسألهم رمحه فأبوا، ~~فأخذه، ثم شد على الحمار فقتله، فأكل منه بعض أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وأبى بعضهم، فلما أدركوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عن ذلك فقال: إنما هي طعمة ~~أطعمكموها الله " # وروى جابر بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " لحم الصيد لكم في الإحرام حلال، ما لم تصيدوه أو ~~يصاد لكم ". # فصل # وإذا أتلف المحرم شيئا من الصيد لا مثل له من ~~النعم، مثل بيض أو طائر دون الحمام، ففيه قيمته يصرفها ~~إلى الطعام، فيتصدق به، أو يصوم عن كل مد يوما، ~~واختلفوا في الجراد: فرخص فيه بعضهم، وقال: هو صيد ~~البحر، والأكثرون على تحريمه، وإن أصابها فعليه صدقة، ~~قال عمر: في الجرادة تمرة. # وروي عنه، وعن ابن عباس: قبضة من طعام. ### || [5.96] # والمراد بالبحر: جميع المياه، قال عمر: صيده ما ~~اصطيد، وجميع ما يصطاد من البحر ثلاثة أجناس: الحيتان ~~وجميع أنواعها حلال، والضفادع وجميع أنواعها حرام، ~~واختلفوا فيما سوى هذين. # فقال أبو حنيفة: إنه حرام، وقال الأكثرون: إنه حلال لعموم ~~هذه الآية. # قوله: " وطعامه ": نسق على " صيد " ، أي: أحل لكم الصيد ~~وطعامه، فالصيد الاصطياد، والطعام بمعنى الإطعام، أي: إنه ~~اسم مصدر، ويقدر المفعول حينئذ محذوفا، أي: إطعامكم إياه ~~أنفسكم، ويجوز أن يكون الصيد بمعنى المصيد، والهاء في " ~~طعامه " تعود على البحر على هذا أي: أحل لكم مصيد ~~البحر وطعام البحر؛ فالطعام على هذا غير الصيد وعلى هذا ~~ففيه وجوه: # أحسنها ما ذكره أبو بكر الصديق، وعمر - رضي الله عنهما -: ~~أن الصيد ما صيد بالحيلة حال حياته - والطعام ms3238 ما ~~رمى به البحر، أو نضب عنه الماء من غير معالجة. # وقال سعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، ومقاتل، ~~والنخعي، وعكرمة، وقتادة: صيد البحر هو الطري، ~~وطعامه هو المملح منه، وهو ضعيف؛ لأن المملح كان ~~طريا وصيدا في أول الأمر فيلزم التكرار. # وأيضا: فإن الاصطياد قد يكون للأكل، وقد يكون لغيره ~~كاصطياد الصدف لأجل اللؤلؤ، واصطياد بعض الحيوانات ~~البحرية لأجل عظامها وأسنانها، فحصل التغاير بين ~~الاصطياد من البحر، وبين الأكل من طعام البحر. # روي عن ابن عباس - وابن عمر، وأبي هريرة: طعامه ما ~~قذفه الماء إلى الساحل ميتا، ويجوز أن تعود الهاء على هذا ~~الوجه أيضا على الصيد بمعنى المصيد، ويجوز أن يكون " طعام " بمعنى ~~مطعوم، ويدل على ذلك قراءة ابن عباس وعبد الله بن الحارث: " ~~وطعمه " بضم الميم وسكون العين. # قوله تعالى: " متاعا لكم " في نصبه وجهان: # أحدهما: أنه منصوب على المصدر، وإليه ذهب مكي وابن عطية وأبو البقاء ~~وغيرهم، والتقدير: متعكم به متاعا تنتفعون وتأتدمون ~~به، وقال مكي: لأن قوله: " أحل لكم " بمعنى أمتعتكم به ~~إمتاعا؛ كقوله: # كتاب الله عليكم # [النساء: 24]. # والثاني: أنه مفعول من أجله، قال الزمخشري: " أي: أحل لكم تمتيعا ~~لكم، وهو في المفعول له بمنزلة قوله تعالى: # ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة # [الأنبياء: 72] في باب الحال؛ لأن قوله " متاعا لكم " مفعول له ~~مختص بالطعام؛ كما أن " نافلة " حال مختص بيعقوب، يعني ~~أحل لكم طعامه تمتيعا لتنائكم تأكلونه طريا ~~ولسيارتكم يتزودونه قديدا ". انتهى، فقد خصص الزمخشري كونه ~~مفعولا له بكون الفعل، وهو " أحل " مسندا لقوله: " طعامه " ، ~~وليس علة لحل الصيد، وإنما هو علة لحل الطعام فقط، وإنما ~~حمله على ذلك مذهبه - وهو مذهب أبي حنيفة -؛ من أن صيد البحر ~~منقسم إلى ما يؤكل، وإلى ما لا يؤكل، وأن طعامه هو المأكول ~~منه، وأنه لا يقع التمثيل إلا بالمأكول منه طريا وقديدا، وقوله " ~~نافلة " ، يعني أن هذه الحال مختصة بيعقوب؛ لأنه ولد ولد؛ ~~بخلاف إسحاق، فإنه ولده لصلبه، والنافلة إنما تطلق على ولد ~~الولد، دون الولد، فكذا ms3239 " متاعا " ، إلا أن هذا يؤدي إلى أن ~~الفعل الواحد يسند لفاعلين متعاطفين [يكون] في إسناده إلى أحدهما ~~معللا وإلى الآخر ليس كذلك، فإذا قلت: " قام زيد وعمرو ~~إجلالا لك " ، فيجوز أن يكون " قيام زيد " هو المختص بالإجلال، ~~أو بالعكس، وهذا فيه إلباس، وأما ما أورده من الحال في الآية ~~الكريمة، فثم قرينة أوجبت صرف الحال إلى أحدهما، دون ما نحن ~~فيه من الآية الكريمة، وأما غير مذهبه؛ فإنه يكون مفعولا له غير ~~مختص بأحد المتعاطفين وهو ظاهر جلي، و " لكم " إن قلنا: " ~~متاعا " مصدر، فيجوز أن يكون صفة له، ويكون مصدرا مبينا لكونه ~~وصف، وإن قلنا: إنه مفعول له، فيتعلق بفعل محذوف، أي: أعني لكم؛ ~~نحو: " قمت إجلالا لك " ، ويجوز أن تكون اللام مقوية لتعدية ~~المصدر؛ إذ التقدير: لأن أمتعكم، ولأن أجلك، وهكذا ما جاء من ~~نظائره. # فصل # معنى " متاعا لكم " أي: منفعة لكم، وللسيارة يعني: ~~المارة، وجملة حيوانات الماء على قسمين: سمك، وغيره، أما ~~السمك فميتته حلال مع اختلاف أنواعها، لقوله - عليه ~~الصلاة والسلام -: # " أحلت لنا ميتتان السمك والجراد " # ، ولا فرق بين أن يموت بسبب أو بغير سبب. # وعند أبي حنيفة: لا يحل إلا أن يموت بسبب من وقوع على ~~حجر، أو انحسار الماء عنه، ونحو ذلك. # وأما غير السمك فقسمان: # قسم يعيش في البر، كالضفدع والسرطان، فلا يحل أكله. # وقال مالك، وأبو مجلز، وعطاء، وسعيد بن جبير، وغيرهم: كل ما ~~يعيش في البر، وله فيه حياة، فهو صيد البر إن قتله ~~المحرم وداه، وزاد أبو مجلز في ذلك الضفدع، والسلاحف، ~~والسرطان. # وقسم يعيش في الماء، ولا يعيش في البر إلا عيش ~~المذبوح، فاختلف فيه، فقيل: لا يحل شيء منه إلا ~~السمك، وهو قول أبي حنيفة. # وقيل: إن ميت الماء كلها حلال، لأن كلها سمك، وإن ~~اختلفت صورتها كالجريث، يقال: إنه حية الماء، وهو على ~~شكل الحية، وأكله مباح بالاتفاق، وهو قول أبي بكر، ~~وعمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وأبي هريرة، وبه قال ~~شريح، والحسن وعطاء، وهو قول ms3240 مالك، وظاهر مذهب الشافعي. # وذهب قوم إلى أن ما له نظير في البر يؤكل، فميتته من ~~حيوانات البحر حلال، مثل بقر الماء ونحوه، وما لا يؤكل ~~نظيره في البر لا تحل ميتته من حيوانات البحر، مثل ~~كلب الماء والخنزير والحمار ونحوها. # وقال الأوزاعي: كل شيء عيشه في الماء فهو حلال قيل: ~~والتمساح؟ قال نعم. # وقال الشعبي: لو أن أهلي أكلوا الضفادع لأطعمتهم. # وقال سفيان الثوري: أرجو ألا يكون بالسرطان بأس، ~~وظاهر الآية حجة لمن أباح جميع حيوانات البحر، ~~وكذلك الحديث، وهو قوله صلى الله عليه وسلم # " هو الطهور ماؤه والحل ميتته ". # وقوله: { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما } ~~ذكر تعالى تحريم الصيد على المحرم في ثلاثة مواضع من هذه ~~السورة، وهي قوله: # غير محلي الصيد وأنتم حرم # [المائدة: 1] إلى قوله: # وإذا حللتم فاصطادوا # [المائدة: 2]، وقوله: # لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم # [المائدة: 95]، وقوله: { وحرم عليكم صيد البر ما ~~دمتم حرما } ، واتفق المسلمون على تحريم الصيد على ~~المحرم، وهو الحيوان الوحشي الذي يحل أكله، فأما ما لا ~~يحل أكله، فلا يحرم بالإحرام، ويحرم أخذه وقتله، ~~ولا جزاء على من قتله، لقوله - عليه الصلاة والسلام -: # " خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: ~~الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور ". # وقال - عليه السلام -: # " يقتل المحرم السبع العادي ". # وقال سفيان بن عيينة: الكلب العقور: كل سبع يعقر ~~ومثله عن مالك، وذهب أصحاب الرأي إلى وجوب الجزاء في ~~قتل ما لا يؤكل لحمه، كالفهد، والنمر، والخنزير، ونحوها ~~إلا الأعيان المذكورة في الخبر، وقاسوا عليها: الذئب، ~~ولم يوجبوا فيه الكفارة. # فأما المتولد من المأكول وغيره، فيحرم أكله، ويجب ~~فيه الجزاء؛ لأن فيه جزاء من الصيد، واختلفوا في ~~الصيد الذي يصيده الحلال هل يحرم على المحرم؟ # فقال علي، وابن عباس، وابن مسعود، وسعيد بن جبير، ~~وطاوس: إنه حرام على المحرم بكل حال، وهو قول الثوري ~~وإسحاق، لظاهر الآية. # وروي: أن الحارث كان خليفة عثمان على الطائف، فصنع ~~لعثمان طعاما وصنع فيه الحجل: واليعاقيب، ولحوم ~~الوحوش، فبعث ms3241 إلى علي بن أبي طالب، فجاءه الرسول فقال ~~علي: أطعمونا قوتا حلالا [فإنا حرم]، ثم قال علي: أنشد ~~الله من كان ها هنا من أشجع، أتعلمون أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أهدى إليه رجل حمارا وحشيا، وهو محرم فأبى ~~أن يأكله، فقالوا: نعم. # وقال الشافعي: لحم الصيد حلال للمحرم بشرط ألا ~~يصطاده المحرم، ولا يصطاد له، كقوله - عليه السلام -: # " صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصاد لكم ". # وقال أبو حنيفة - رضي الله عنه -: إذا صيد للمحرم بغير إعانته ~~وإشارته حل له؛ لأن أ # " با قتادة اصطاد حمارا وحشيا، وهو حلال في أصحاب ~~محرمين، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: فيكم ~~أحد أمر أن يحمل عليها أو أشار إليها، قالوا: لا. قال: ~~فكلوا ما بقي من لحمها ". # وفي رواية: # " " هل بقي معكم منه شيء؟ " قالوا: نعم، فناولته ~~العضد فأكلها " # ، وهذا يدل على تخصيص القرآن بخبر الواحد. # قوله: { ما دمتم حرما } " ما " مصدرية، و " دمتم " صلتها وهي ~~مصدرية ظرفية أي: حرم عليكم صيد البر مدة دوامكم محرمين. ~~والجمهور على ضم دال " دمتم " من لغة من قال: دام يدوم. وقرأ يحيى: " ~~دمتم " بكسرها من لغة من يقول: دام يدام كخاف يخاف، وهما كاللغتين في ~~مات يموت ويمات، وقد تقدم [الآية 57 آل عمران]. والجمهور على " ~~وحرم " مبنيا للمفعول، " صيد " رفعا على قيامه مقام الفاعل، وقرىء: ~~" وحرم " مبنيا للفاعل، " صيد " نصبا على المفعول به. والجمهور ~~أيضا على " حرما " بضم الحاء والراء جمع " حرام " بمعنى محرم ك ~~" قذال " و " قذل ". وقرأ ابن عباس " حرما " بفتحهما، أي: ذوي ~~حرم أي إحرام، وقيل: جعلهم بمنزلة المكان الممنوع منه، والأحسن أن ~~يكون من باب " رجل عدل " جعلهم نفس المصدر فإن " حرما " بمعنى ~~إحرام، وتقدم أن المصدر يقع للواحد فما فوق بلفظ واحد. والبر ~~معروف، قال الليث: " ويستعمل نكرة يقال: جلست برا، وخرجت برا ". ~~قال الأزهري: " وهو من كلام المولدين " وفيه نظر لقول سلمان الفارسي: " ~~إن لكل امرىء جوانيا وبرانيا " أي باطن وظاهر، ms3242 وهو من ~~تغيير النسب، وقد تقدم استيفاء هذه المادة في البقرة [الآية 44] ثم ~~قال: { واتقوا الله الذي إليه تحشرون } والمقصود ~~منه التهديد، ليكون المرء مواظبا على الطاعة محترزا ~~عن المعصية وقدم " إليه " على " تحشرون " للاختصاص أي: تحشرون ~~إليه لا إلى غيره، أو لتناسب رؤوس الآي. ### || [5.97-100] # لما حرم الله تعالى الاصطياد على المحرمين، وبين أن ~~الإحرام سبب لأمن الوحش والطير، بين هاهنا أن ذلك ~~التحريم الذي حرمه الإحرام؛ إنما سببه حرمة هذا البيت ~~الحرام، فكما أنه سبب لأمن الوحش والطير، فكذلك هو ~~سبب لأمن الناس عن الآفات والمخافات. # قوله: " جعل الله ": فيها وجهان: # أحدهما: أنها بمعنى " صير " فتتعدى لاثنين، أولهما " الكعبة " ~~والثاني " قياما ". # والثاني: أن تكون بمعنى " خلق " ، فتتعدى لواحد، وهو " الكعبة " ~~، و " قياما " نصب على الحال، وقال بعضهم: إن " جعل " هنا ~~بمعنى " بين " و " حكم " ، وهذا ينبغي أن يحمل على تفسير ~~المعنى لا تفسير اللغة؛ إذ لم ينقل أهل العربية؛ أنها تكون بمعنى " ~~بين " ولا " حكم " ، ولكن يلزم من الجعل البيان، وأما " ~~البيت " ، فانتصابه على أحد وجهين: إما البدل، وإما عطف البيان، ~~وفائدة ذلك: أن بعض الجاهلية - وهم خثعم - سموا بيتا الكعبة ~~اليمانية، فجيء بهذا البدل، أو البيان، تبيينا له من غيره، وقال ~~الزمخشري: " البيت الحرام " عطف بيان على جهة المدح، لا على ~~جهة التوضيح؛ كما تجيء الصفة كذلك، واعترض عليه أبو حيان بأن شرط ~~البيان الجمود، والجمود لا يشعر بمدح، وإنما يشعر به ~~المشتق، ثم قال: " إلا أن يريد أنه لما وصف البيت بالحرام ~~اقتضى المجموع ذلك فيمكن ". # والكعبة لغة: كل بيت مربع، وسميت الكعبة كعبة ~~لذلك، وأصل اشتقاق ذلك من الكعب الذي هو أحد أعضاء الآدمي، قال ~~الراغب: " كعب الرجل " العظم الذي عند ملتقى الساق والقدم، ~~والكعبة كل بيت على هيئتها في التربيع، والعرب ~~تسمي كل بيت مربع كعبة؛ لانفرادها من البناء. # وقيل: سميت كعبة لارتفاعها من الأرض، وأصلها من الخروج ~~والارتفاع، وسمي الكعب كعبا لنتوئه، وخروجه من جانبي ~~القدم، ومنه قيل للجارية إذا قاربت البلوغ وخرج ms3243 ثدياها ~~تكعبت والكعبة لما ارتفع ذكرها سميت بهذا الاسم، ويقولون ~~لمن عظم أمره " فلان علا كعبه " وذو الكعبات: بيت كان ~~في الجاهلية لبني ربيعة، وتقدم الكلام في هذه المادة أول السورة [آية ~~6]. # فصل # قالوا: بنيت الكعبة الكريمة خمس مرات: # الأولى: بناء الملائكة قبل آدم - عليه السلام -. # والثانية: بناء إبراهيم - عليه السلام -. # والثالثة: بناء قريش في الجاهلية، وحضر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هذا البناء. # والرابعة: بناء ابن الزبير - رضي الله عنه -. # والخامسة: بناء الحجاج وهو البناء الموجود اليوم، وهكذا ~~كانت في زمن الرسول - عليه السلام - قال المارودي في " الأحكام ~~السلطانية ": كانت الكعبة بعد إبراهيم - عليه السلام - مع " ~~جرهم " والعمالقة إلى أن انقرضوا، وخلفتهم فيها قريش بعد ~~استيلائهم على الحرم لكثرتهم بعد القلة، وعزهم بعد ~~الذلة، فكان أول من جدد بناء الكعبة بعد إبراهيم - ~~عليه السلام - قصي بن كلاب، وسقفها بخشب الدوم وجريد ~~النخل، ثم بنتها قريش بعده، ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ابن خمس وعشرين سنة، وشهد بناءها، وكان بابها ~~بالأرض، فقال أبو حذيفة بن المغيرة: يا قوم، ارفعوا باب ~~الكعبة حتى لا يدخل [أحد] إلا بسلم، فإنه لا يدخلها ~~حينئذ الآن إلا ما أردتم، فإن جاء أحد ممن تكرهون، ~~رميتم به فسقط، وصار نكالا لمن يراه، ففعلت قريش ذلك، ~~وكان سبب بنائها أن الكعبة استهدمت وكانت فوق ~~القامة، فأرادوا تعليتها. # قوله: " قياما " [قراءة الجمهور بألف بعد الياء، وابن عامر: " ~~قيما " دون ألف بزنة " عنب " ، والقيام هنا يحتمل أن يكون مصدرا ~~ل " قام - يقوم " ، والمعنى: أن الله جعل الكعبة سببا ~~لقيام الناس إليها، أي: لزيارتها والحج إليها، أو لأنها يصلح ~~عندها أمر دينهم ودنياهم، فيها يقومون، ويجوز أن يكون ~~القيام بمعنى القوام، فقلبت الواو ياء؛ لانكسار ما قبلها، كذا ~~قال الواحدي، وفيه نظر؛ إذ لا موجب لإعلاله؛ إذ هو: " السواك " ~~، فينبغي أن يقال: إن القيام والقوام بمعنى واحد؛ قال: [الرجز] # 2054- قوام دنيا وقوام دين # فأما إذا دخلها تاء التأنيث، لزمت الياء؛ نحو: " القيامة " ، ~~وأما قراءة ابن عامر، فاستشكلها ms3244 بعضهم بأنه لا يخلو: إما أن ~~يكون مصدرا على فعل، وإما أن يكون على فعال، فإن كان الأول، فينبغي ~~أن تصح الواو ك " حول " و " عور " ، وإن كان الثاني، فالقصر لا ~~يأتي إلا في شعر، وقرأ الجحدري: " قيما " بتشديد الياء، وهو ~~اسم دال على ثبوت الصفة، وقد تقدم تحقيقه أول النساء [الآية ~~5]]. # فصل في معنى الآية # معنى كونه قياما للناس أي: سبب لقوام مصالح الناس في أمر ~~دينهم ودنياهم أما الدين؛ فلأن به يقوم الحج والمناسك، ~~وأما الدنيا: فبما يجبى إليه من الثمرات، وكانوا يأمنون ~~فيه من النهب والغارة، فلا يتعرض لهم أحد من الحرم، فكأن ~~أهل الحرم آمنين على أنفسهم وأموالهم، حتى لو لقي ~~الرجل قاتل أبيه وابنه لم يتعرض له، ولو جنى الرجل ~~أعظم الجنايات ثم التجأ إلى الحرم، لم يتعرض له، قال ~~تعالى: # أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف ~~الناس من حولهم # [العنكبوت: 67]. # والمراد بقوله: " قياما للناس " أي: لبعض الناس وهم العرب، ~~وإنما حسن هذا المجاز؛ لأن أهل كل بلد إذا قالوا: ~~الناس فعلوا [وصنعوا] كذا، فهم لا يريدون إلا أهل ~~بلدهم، فلهذا السبب خوطبوا بهذا الخطاب على وفق عادتهم. # قوله: { والشهر الحرام والهدي والقلائد } عطف على " الكعبة " ، ~~والمفعول الثاني أو الحال محذوف، لفهم المعنى، أي: جعل الله أيضا ~~الشهر والهدي والقلائد قياما. # واعلم: أنه تعالى جعل هذه الأربعة أشياء أسبابا لقيام ~~الناس وقوامهم، فأحدها: الكعبة كما تقدم بيانه. ~~وثانيها: الشهر الحرام، ومعنى كونه سببا لقيام الناس: هو ~~أن العرب كان يقتل بعضهم بعضا، ويغير بعضهم على بعض في ~~سائر الأشهر، فإذا دخل الشهر الحرام زال الخوف، وسافروا ~~للتجارات، وأمنوا على أنفسهم وأموالهم، وحصلوا في ~~الشهر الحرام قوتهم طول السنة، فلولا الشهر الحرام ~~لفنوا وهلكوا من الجوع والشدة، فكان الشهر الحرام ~~سببا لقوام معيشتهم. # والمراد بالشهر الحرام: الأشهر الحرم وهي: ذو القعدة ~~وذو الحجة ورجب. # وثالثها: الهدي، ومعنى كونه سببا لقيام الناس: لأن الهدي ~~ما يهدى إلى البيت، ويذبح هناك ويفرق لحمه على ~~الفقراء فيكون ذلك ms3245 نسكا للمهدي، وقواما لمعيشة الفقراء. # ورابعها: القلائد، ومعنى كونها قواما للناس: أن من قصد البيت ~~في الشهر الحرام أو في غير الشهر الحرام، ومعه هدي قد ~~قلده، وقلد نفسه من لحاء شجر الحرم، لم يتعرض له ~~أحد، حتى إن أحدا من العرب يلقى الهدي مقلدا، وهو يموت من ~~الجوع فلا يتعرض له ألبتة، ولم يتعرض لها صاحبها أيضا، ~~وكل ذلك إنما كان؛ لأن الله تعالى أوقع في قلوبهم ~~تعظيم البيت الحرام. # فصل # قال القرطبي: ذكر العلماء في جعل الله تعالى هذه الأشياء ~~قياما للناس، أن الله تعالى خلق الخلق على سليقة ~~الآدميين، من التحاسد، والتنافر، والتقاطع، والتدابر، ~~والسلب، والغارة، والقتل، والثأر، فلم يكن بد في ~~الحكمة الإلهية أن يكون مع الحال وازع يحمد معه المآل، ~~فقال تعالى: # إني جاعل في الأرض خليفة # [البقرة: 30] فأمرهم الله تعالى بالخلافة، وجعل أمورهم إلى واحد ~~يمنعهم من التناوش، ويحملهم على التآلف من التقاطع، ~~ورد المظالم عن المظلوم، ويقرر كل يد على ما تستولي ~~عليه. # واعلم: أن جور السلطان عام واحد أقل أذاه كون الناس ~~فوضى لحظة واحدة، فأنشأ الله تعالى الخليقة لهذه ~~الفائدة، لتجري على رأيه الأمور، ويكف الله تعالى به عادية ~~الأمور فعظم الله تعالى في قلوبهم البيت الحرام، [وأوقع ~~في قلوبهم هيبته] وعظم بينهم حرمته، فكان من لجأ إليه ~~معصوما قال تعالى: # أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف ~~الناس من حولهم # [العنكبوت: 67]. # قوله " ذلك " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: الحكم الذي حكمناه ذلك لا ~~غيره. # والثاني: أنه مبتدأ، وخبره محذوف، أي ذلك الحكم هو الحق لا غيره. # الثالث: أنه منصوب بفعل مقدر يدل عليه السياق، أي: شرع ~~الله ذلك، وهذا أقواها؛ لتعلق لام العلة به، و " تعلموا " ~~منصوب بإضمار " أن " بعد لام كي، لا بها، و " أن الله " وما في ~~حيزها سادة مسد المفعولين أو أحدهما على حسب الخلاف ~~المتقدم، و { أن الله بكل شيء عليم } نسق على " أن " قبلها. # فإن قيل: أي اتصال لهذا الكلام بما ms3246 قبله. # قيل: لما علم في الأزل أن مقتضى طباع العرب الحرص ~~الشديد على القتل والغارة، وعلم أن هذه الحالة لو دامت بهم، ~~لعجزوا عن تحصيل ما يحتاجون إليه، وأدى ذلك إلى فنائهم ~~وانقطاعهم بالكلية، دبر في ذلك تدبيرا لطيفا، وهو ~~أنه تعالى ألقى في قلوبهم تعظيم البيت الحرام وتعظيم ~~مناسكه، فصار ذلك سببا لحصول الأمن في البلد الحرام وفي ~~الشهر الحرام، فلما حصل الأمن في هذا المكان، وفي هذا ~~الزمان، قدروا على تحصيل ما يحتاجون إليه في هذا المكان، ~~فاستقامت مصالح معايشهم، وهذا التدبير لا يمكن إلا إذا ~~كان في الأزل عالما بجميع المعلومات من الكليات ~~والجزئيات، وأنه بكل شيء عليم. # وقيل في الجواب: أن الله جعل الكعبة قياما للناس، لأنه ~~يعلم صلاح العباد، كما يعلم ما في السماء وما في الأرض. # وقال الزجاج: وقد سبق في هذ السورة الإخبار عن الغيوب، ~~والكشف عن الأسرار، مثل قوله تعالى: # سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين # [المائدة: 41]، ومثل إخباره بتحريفهم الكتب فقوله ذلك ~~ليعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض راجع ~~إليه. # وقوله تعالى: { اعلموا أن الله شديد العقاب وأن ~~الله غفور رحيم } ، لما ذكر تعالى أنواع رحمته لعباده، ~~ذكر بعده شدة العقاب؛ لأن الإيمان لا يتم إلا بالرجاء ~~والخوف. # قال - عليه السلام -: # " لو وزن المؤمن ورجاؤه لاعتدلا " # ، ثم ذكر بعده ما يدل على الرحمة، وهو كونه غفورا ~~رحيما، وهذا يدل على أن جانب الرحمة أغلب؛ لأنه ~~تعالى ذكر فيما قبل أنواع رحمته وكرمه، ثم ذكر أنه ~~شديد العقاب، ثم ذكر عقيبه وصفين من أوصاف الرحمة، ~~وهو كونه غفورا رحيما، وهذا يدل على تغليب جانب ~~الرحمة على جانب العذاب. # قوله تعالى: { ما على الرسول إلا البلاغ } لما قدم ~~الترغيب والترهيب بقوله: { أن الله شديد العقاب ~~وأن الله غفور رحيم } ، أتبعه بذكر التكليف، فقال ~~تعالى: { ما على الرسول إلا البلاغ } يعني: أنه ~~مكلف بالتبليغ، فلما بلغ خرج عن العهدة، وبقي الأمر ~~من جانبنا، وإذا علم بما تبدون وما تكتمون فإن ~~خالفتم، ms3247 فاعلموا أن الله شديد العقاب، وإن أطعتم ~~فاعلموا أن الله غفور رحيم. # قوله: " إلا البلاغ ": في رفعه وجهان: # أحدهما: أنه فاعل بالجار قبله؛ لاعتماده على النفي، أي: ما استقر ~~على الرسول إلا البلاغ. # والثاني: أنه مبتدأ، وخبره الجار قبله، وعلى التقديرين، فالاستثناء ~~مفرغ. # والبلاغ يحتمل أن يكون مصدرا [ل " بلغ " مشددا، أي: ما ~~عليه إلا التبليغ، فجاء على حذف الزوائد، ك " نبات " بعد " أنبت ~~" ، ويحتمل أن يكون مصدرا] ل " بلغ " مخففا بمعنى البلوغ، ~~ويكون المعنى: ما عليه إلا البلوغ بتبليغه، فالبلوغ مستلزم ~~للتبليغ، فعبر باللازم عن الملزوم. # قوله تعالى: { قل لا يستوي الخبيث والطيب } لما ~~رغب - سبحانه وتعالى - في الطاعة، والتنزه عن المعصية ~~بقوله: { اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله ~~غفور رحيم } ، ثم أتبعه بالتكليف بقوله تعالى: { ما ~~على الرسول إلا البلاغ } { والله يعلم ما ~~تبدون وما تكتمون } ، أتبعه بنوع آخر من الترغيب ~~في الطاعة وترك المعصية، فقال: { قل لا يستوي ~~الخبيث والطيب }. # قال المفسرون: أي: الحلال والحرام. # وقال السدي: المؤمن والكافر، وقيل: المطيع والعاصي، وقيل: ~~الرديء والجيد. # قال القرطبي: وهذا على ضرب المثال، والصحيح أنه عام، ~~فيتصور في المكاسب، والأعمال، والناس، والمعارف من العلوم ~~وغيرها، فالخبيث [من هذا كله لا يفلح ولا ينجب، ولا تحسن له ~~عاقبة] وإن كثر، والطيب وإن قل نافع. # [قوله تعالى]: { ولو أعجبك كثرة الخبيث }. # نزلت في شريج بن ضبيعة البكري، وحجاج بن بكر بن وائل، " ~~فاتقوا الله " ولا تتعرضوا للحجاج وإن كانوا مشركين، وقد ~~مضت القصة أول السورة { يأولي الألباب لعلكم ~~تفلحون } وجواب { ولو أعجبك كثرة }: محذوف، أي: ولو ~~أعجبك كثرة الخبيث، لما استوى مع الطيب، أو: لما أجدى ~~شيئا في المساواة. ### || [5.101-102] # في اتصال [هذه الآية] بما قبلها وجوه: # أحدها: أنه تعالى لما قال # ما على الرسول إلا البلاغ # [المائدة: 99] كأنه قال: ما بلغه الرسول إليكم، فخذوه ~~وكونوا منقادين له، وما لم يبلغه إليكم، فلا تسألوا عنه، ~~ولا تخوضوا فيه، فإنكم إن خضتم فيما لا تكليف فيه عليكم، ~~فربما جاءكم بسبب ذلك ms3248 الخوض من التكليف ما يثقل عليكم ~~ويشق. # وثانيها: أنه تعالى لما قال # ما على الرسول إلا البلاغ # [المائدة: 99] وهذا ادعاء منه للرسالة، ثم الكفار كانوا ~~يطالبونه بعد ظهور المعجزات بمعجزات أخر على سبيل ~~التعنت، كما حكى عنهم قولهم: # لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا # [الإسراء: 90]، إلى قوله: # قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا # [الإسراء: 93]، والمعنى: أني رسول أمرت بتبليغ الشرائع ~~والأحكام إليكم، والله تعالى قد أقام الدلالة على صحة دعوى ~~الرسالة بإظهار أنواع كثيرة من المعجزات، وطلب الزيادة ~~بعد ذلك من باب التعنت، وذلك ليس في وسعي، ولعل ~~إظهارها يوجب ما يسوؤكم، مثل أنها لو ظهرت فكل من خالف ~~بعد ذلك، استوجب العقاب في الدنيا، ثم إن المسلمين ~~لما سمعوا مطالبة الكفار للرسول بهذه المعجزات، وقع ~~في قلوبهم ميل إلى ظهورها، فعرفوا في هذه الآية أنهم لا ~~ينبغي أن يطالبوا ذلك، فربما كان ظهورها يوجب ما يسوؤهم. # وثالثها: أن هذا متصل بقوله: # والله يعلم ما تبدون وما تكتمون # [المائدة: 99]، فاتركوا الأمور على ظواهرها، ولا تسألوا عن ~~أحوال مخيفة إن تبد لكم تسؤكم. # قوله تعالى: " عن أشياء ": متعلق ب " تسألوا ". واختلف ~~النحويون في " أشياء " على خمسة مذاهب: # أحدها - وهو رأي الخليل وسيبويه والمازني وجمهور البصريين -: أنها ~~اسم جمع من لفظ " شيء " ، فهي مفردة لفظا جمع معنى؛ ك " ~~طرفاء " ، و " قصباء " ، وأصلها: " شيئاء " بهمزتين بينهما ألف، ~~ووزنها فعلاء؛ ك " طرفاء " ، فاستثقلوا اجتماع همزتين بينهما ألف، ~~لا سيما وقد سبقها حرف علة، وهي الياء، وكثر دور هذه اللفظة في ~~لسانهم، فقلبوا الكلمة بأن قدموا لامها، وهي الهمزة الأولى على ~~فائها، وهي الشين؛ فقالوا " أشياء " فصار وزنها " لفعاء " ، ~~ومنعت من الصرف؛ لألف التأنيث الممدودة، ورجح هذا المذهب بأنه لم ~~يلزم منه شيء غير القلب، والقلب في لسانهم كثير ك " الجاه، ~~والحادي، والقسي، وناء، وآدر، وآرام، وضئاء في قراءة قنبل، ~~وأيس " ، والأصل: " وجه، وواحد، وقووس، ونأى، وأدور، ~~وأرام، وضياء، ويئس " ، واعترض بعضهم على هذا بأن القلب على ~~خلاف الأصل، وأنه ms3249 لم يرد إلا ضرورة، أو في قليل من الكلام، وهذا ~~مردود بما قدمته من الأمثلة، ونحن لا ننكر أن القلب غير ~~مطرد؛ وأما الشاذ القليل، فنحو قولهم: " رعملي " في " ~~لعمري " ، و " شواعي " في " شوائع "؛ قال: [الكامل] # 2055- وكأن أولاها كعاب مقامر # ضربت على شزن فهن شواعي # [يريد شوائع]. # وأما المذاهب الآتية، فإنه يرد عليها إشكالات، هذا المذهب سالم ~~منها؛ فلذلك اعتبره الجمهور دون غيره. # وقال ابن الخطيب: منع الصرف لثلاثة أوجه: # أحدها: ما تقدم، وهو أن هذه الكلمة لما كانت في الأصل على ~~وزن " فعلاء " مثل " حمراء " ، فلم يتصرف كحمراء. # وثانيها: لما كانت في الأصل " شيآء " ، ثم جعلت أشياء ~~منع ذلك الصرف. # وثالثها: أنا لما قطعنا الحرف الأخير منه، وجعلناه ~~أوله، والكلمة إذا قطع منها الحرف الأخير صارت كنصف ~~كلمة، ونصف الكلمة لا تقبل الإعراب، ومن حيث إن ذلك ~~الحرف الذي قطعناه، لم نحذفه بالكلية، بل ألصقناه ~~بأول الكلمة، فكأنها باقية بتمامها، فلا جرم ~~منعناه في بعض وجوه الإعراب دون البعض. # الثاني - وبه قال الفراء -: أن " أشياء " جمع ل " شيء " ، والأصل ~~في " شيء ": " شيئ " على " فيعل " ك " لين " ، ثم خفف ~~إلى " شيء "؛ كما خففوا لينا، وهينا، وميتا إلى لين، ~~وهين، وميت، ثم جمعه بعد تخفيفه، وأصله " أشيئاء " بهمزتين بينهما ~~ألف بعد ياء بزنة " أفعلاء " ، فاجتمع همزتان: لام الكلمة والتي ~~للتأنيث، والألف تشبه الهمزة والجمع ثقيل، فخففوا الكلمة؛ بأن ~~قلبوا الهمزة الأولى ياء؛ لانكسار ما قبلها، فيجتمع ياءان، أولاهما ~~مكسورة، فحذفوا الياء التي هي عين الكلمة تخفيفا، فصارت " أشياء " ، ~~ووزنها الآن بعد الحذف " أفلاء " فمنع الصرف؛ لأجل ألف التأنيث، ~~وهذه طريقة بعضهم في تصريف هذا المذهب؛ كمكي بن ابي طالب، وقال بعضهم ~~كأبي البقاء: لما صارت إلى أشيئاء، حذفت الهمزة الثانية التي ~~هي لام الكلمة؛ لأنها بها حصل الثقل، وفتحت الياء المكسورة؛ ~~لتسلم ألف الجمع، فصار وزنها: أفعاء. # المذهب الثالث - وبه قال الأخفش -: أن أشياء جمع " شيء " [بزنة ~~فلس، أي: ليس مخففا من " شيىء " ، كما يقوله الفراء، بل جمع " ~~شيء " ]، وقال: إن ms3250 فعلا يجمع على أفعلاء، فصار أشيئاء ~~بهمزتين بينهما ألف بعد ياء، ثم عمل فيه ما عمل في مذهب ~~الفراء، والطريقان المذكوران عن مكي وأبي البقاء في تصريف هذا ~~المذهب جاريان هنا، وأكثر المصنفين يذكرون مذهب الفراء عنه وعن ~~الأخفش، قال مكي: " وقال الفراء والأخفش؛ والزيادي: " أشياء " ~~وزنها " أفعلاء " ، وأصلها " أشيئاء "؛ ك " هين وأهوناء " ، ~~لكنه خفف ". # ثم ذكر تصريف الكلمة إلى آخره، وقال أبو البقاء: " وقال الأخفش ~~والفراء: أصل الكلمة " شيىء " مثل " هين " ، ثم خفف بالحذف " ~~، وذكر التصريف إلى آخره، فهؤلاء نقلوا مذهبهما شيئا واحدا، والحق ما ~~ذكرته عنهما؛ ويدل على ما قلته ما قاله الواحدي؛ فإنه قال: " وذهب ~~الفراء في هذ الحرف مذهب الأخفش " ، غير أنه خلط حين ادعى أنها ~~كهين ولين حين جمعا على أهوناء وأليناء، وهين تخفيف " ~~هين "؛ فلذلك جاز جمعه على أفعلاء، وشيء ليس مخففا من " ~~شيىء " حتى يجمع على أفعلاء، وهذان المذهبان - أعني مذهب ~~الفراء والأخفش - وإن سلما من منع الصرف بغير علة، فقد ~~ردهما الناس، قال الزجاج: " وهذا القول غلط؛ لأن " شيئا ~~" فعل، وفعل لا يجمع على أفعلاء، فأما هين ولين، فأصله: ~~هيين وليين، فجمع على أفعلاء، كما يجمع فعيل على أفعلاء؛ ~~مثل: نصيب وأنصباء " قال شهاب الدين: وهذا غريب جدا، أعني كونه ~~جعل أن أصل " هين " " هيين " بزنة فعيل، وكذا لين وليين، ~~ولذلك صرح بتشبيههما بنصيب، والناس يقولون: إن هينا أصله ~~هيون، كميت أصله ميوت، ثم أعل الإعلال المعروف، وأصل لين: ~~ليين بياءين، الأولى ساكنة والثانية مكسورة، فأدغمت الأولى، ~~والاشتقاق يساعدهم؛ فإن الهين من هان يهون، ولأنهم حين جمعوه ~~على أفعلاء أظهروا الواو، فقالوا: أهوناء. وقال الزجاج: " إن ~~المازني ناظر الأخفش في هذه المسألة، فقال له: كيف تصغر أشياء؟ ~~قال: أقول فيها أشياء. فقال المازني: لو كانت أفعالا، لردت في ~~التصغير إلى واحدها، وقيل: شييئات، مثل شعيعات، وإجماع ~~البصريين أن تصغير " أصدقاء " إن كان لمؤنث " صديقات " ، وإن كان ~~لمذكر: " صديقون " فانقطع الأخفش " ، وبسط هذا أن الجمع ~~المكسر، إذا صغر: فإما أن يكون من جموع ms3251 القلة، وهي أربع ~~على الصحيح: أفعلة وأفعل وأفعال وفعلة، فيصغر على ~~لفظه، وإن كان من جموع الكثرة فلا يصغر على لفظه على الصحيح، وإن ~~ورد منه شيء، عد شاذا ك " أصيلان " تصغير " أصلان " جمع " ~~أصيل " ، بل يرد إلى واحده؛ فإن كان من غير العقلاء، صغر وجمع ~~بالألف والتاء، فتقول في تصغير حمر جمع حمار: " حميرات " ، وإن ~~كان من العقلاء صغر وجمع بالواو والنون، فتقول في تصغير " رجال ": ~~" رجيلون " ، وإن كان اسم جمع ك " قوم " و " رهط " أو اسم ~~جنس، ك " قمر " و " شجر " صغر على لفظه كسائر المفردات، رجعنا ~~إلى " أشياء " ، فتصغيرهم لها على لفظها يدل على أنها اسم جمع؛ ~~لأن اسم الجمع يصغر على لفظه، نحو: " رهيط " و " قويم " ، ~~وليس بجمع تكسير؛ إذ هي من جموع الكثرة، ولم ترد إلى واحدها، وهذا ~~لازم للأخفش؛ لأنه بصري، والبصري لا بد وأن يفعل ذلك، وأصيلان ~~عنده شاذ، فلا يقاس عليه، وفي عبارة مكي قال: " وأيضا فإنه ~~يلزمهم أن يصغروا " أشياء " على " شويات " ، أو على " ~~شييئات " ، وذلك لم يقله أحد ". # قال شهاب الدين: قوله " شويات " ليس بجيد؛ فإن هذا ليس موضع قلب ~~الياء واوا، ألا ترى أنك إذا صغرت بيتا، قلت: بييتا لا ~~بويتا، إلا أن الكوفيين يجيزون ذلك، فيمكن أن يرى رأيهم، ~~وقد رد مكي أيضا مذهب الفراء والأخفش بشيئين: # أحدهما: أنه يلزم منه عدم النظير؛ إذ لم يقع " أفعلاء " جمعا ل " ~~فيعل " فيكون هذا نظيره، وهين وأهوناء شاذ لا يقاس عليه. # والثاني: أن حذفه واعتلاله مجرى على غير قياس، فهذا القول خارج في ~~جمعه واعتلاله عن القياس والسماع. # المذهب الرابع - وهو قول الكسائي وأبي حاتم -: أنها جمع شيء على ~~أفعال ك " بيت " و " أبيات " و " ضيف " و " أضياف " ، ~~واعترض الناس هذا القول؛ بأنه يلزم منه منع الصرف بغير علته؛ إذ لو كان ~~على " أفعال " ، لانصرف كأبيات، قال الزجاج " أجمع البصريون ~~وأكثر الكوفيين على أن قول الكسائي خطأ، وألزموه ألا يصرف ~~أنباء وأسماء ". قال شهاب الدين: والكسائي قد استشعر بهذا الرد، ms3252 ~~فاعتذر عنه، ولكن بما لا يقبل، قال الكسائي - رحمه الله -: " هي - ~~أي أشياء - على وزن أفعال، ولكنها كثرت في الكلام، فأشبهت فعلاء، ~~فلم تصرف كما لم يصرف حمراء " ، قال: " وجمعوها أشاوى، ~~كما جمعوا عذراء وعذارى، وصحراء وصحارى، وأشياوات كما قيل ~~حمراوات " ، يعني أنهم عاملوا " أشياء " ، وإن كانت على أفعال ~~معاملة حمراء وعذراء في جمعي التكسير والتصحيح، إلا أن الفراء ~~والزجاج اعترضا على هذا الاعتذار، فقال الفراء: " لو كان كما قال، ~~لكان أملك الوجهين أن تجرى؛ لأن الحرف إذا كثر في الكلام، ~~خف وجاز أن يجرى كما كثرت التسمية ب " يزيد " ، وأجروه في ~~النكرة، وفيه ياء زائدة تمنع من الإجراء ". والمراد بالإجراء ~~الصرف، وقال الزجاج: " أجمع البصريون وأكثر الكوفيين " وقد تقدم ~~آنفا، وقال مكي: وقال الكسائي وأبو عبيد: لم تنصرف - أي أشياء ~~-؛ لأنها أشبهت " حمراء "؛ لأن العرب تقول: " أشياوات " كما تقول: ~~" حمراوات " قال: " ويلزمهما ألا يصرفا في الجمع أسماء ~~وأبناء لقول العرب فيهما: أسماوات وأبناوات " ، وقد تقدم شرح ~~هذا، ثم إن مكيا - رحمه الله - بعد أن ذكر عن الكسائي ما ~~تقدم، ونقل مذهب الأخفش والفراء، قال: " قال أبو حاتم: أشياء أفعال ~~جمع شيء كأبيات " فهذا يوهم أن مذهب الكسائي المتقدم غير هذا ~~المذهب، وليس كذلك، بل هو هو، وقد أجاب بعضهم عن الكسائي بأن ~~النحويين قد اعتبروا في باب ما لا ينصرف الشبه اللفظي، دون ~~المعنوي، يدل على ذلك مسألة " سراويل " في لغة من يمنعه؛ ~~فإن فيه تأويلين: أحدهما: أنه مفرد أعجمي، حمل على موازنه في ~~العربية، أي صيغة مصابيح مثلا؛ ويدل له أيضا أنهم أجروا ألف ~~الإلحاق المقصورة مجرى ألف التأنيث المقصورة، ولكن مع العلمية، ~~فاعتبروا مجرد الصورة. # المذهب الخامس: أن وزنها " أفعلاء " أيضا جمعا ل " شييء " ~~بزنة " ظريف " ، وفعيل يجمع على أفعلاء، ك " نصيب وأنصباء " ~~، و " صديق وأصدقاء " ، ثم حذفت الهمزة الأولى التي هي لام ~~الكلمة، وفتحت الياء؛ لتسلم ألف الجمع؛ فصارت أشياء، ووزنها بعد ~~الحذف أفعاء، وجعله مكي في التصريف كتصريف [مذهب] الأخفش؛ من حيث ~~إنه تبدل الهمزة ms3253 ياء، ثم تحذف إحدى الياءين، قال - رحمه الله -: ~~" وحسن الحذف في الجمع حذفها في الواحد، وإنما حذفت من ~~الواحد؛ تخفيفا لكثرة الاستعمال؛ إذ " شيء " يقع على كل مسمى من ~~عرض، أو جوهر، أو جسم، فلم ينصرف لهمزة التأنيث في الجمع " ، قال: ~~" وهذا قول حسن جار في الجمع، وترك الصرف على القياس، لولا ~~أن التصغير يعترضه، كما اعترض الأخفش ". قال شهاب الدين: قوله " ~~هذا قول حسن " ، فيه نظر؛ لكثرة ما يرد عليه، وهو ظاهر مما تقدم، ~~ولما ذكر أبو حيان هذا المذهب، قال في تصريفه: " ثم حذفت الهمزة ~~الأولى، وفتحت ياء المد؛ لكون ما بعدها ألفا " ، قال: وزنها في ~~هذا القول إلى " أفياء " ، وفي القول قبله إلى " أفلاء " ، كذا رأيته ~~" أفياء " ، بالياء، وهذا غلط فاحش، ثم إني جوزت أن يكون هذا ~~غلطا عليه من الكاتب، وإنما كانت " أفعاء " بالعين، فصحفها الكاتب ~~إلى " أفياء " ، وقد رد الناس هذا القول: بأن أصل شيء: " شييء ~~" بزنة " صديق " دعوى من غير دليل، وبأنه كان ينبغي ألا يصغر على ~~لفظه، بل يرد إلى مفرده؛ كما تقدم تحريره. # وقد تلخص القول في " أشياء ": أنها هل هي اسم جمع، وأصلها " ~~شيئاء "؛ كطرفاء، ثم قلبت لامها قبل فائها، فصار وزنها " ~~لفعاء " أو جمع صريح؟ وإذا قيل بأنها جمع صريح، فهل أصلها " ~~أفعلاء " ثم تحذف، فتصير إلى " أفعاء " أو " أفلاء " ، أو أن ~~وزنها " أفعال "؛ كأبيات. # قوله تعالى: " إن تبد " شرط، وجوابه " تسؤكم " ، وهذه الجملة ~~الشرطية في محل جر صفة ل " أشياء " ، وكذا الشرطية المعطوفة ~~أيضا، وقرأ ابن عباس: " إن تبد لكم تسؤكم " ببناء ~~الفعلين للفاعل، مع كون حرف المضارعة تاء مثناة من فوق، والفاعل ~~ضمير " أشياء " ، وقرأ الشعبي - فيما نقله عنه أبو محمد بن عطية: " ~~إن يبد " بفتح الياء من تحت، وضم الدال، " يسؤكم " بفتح الياء ~~من تحت، والفاعل ضمير عائد على ما يليق تقديره بالمعنى، أي: إن ~~يبد لكم جواب سؤالكم أو سؤلكم، يسؤكم، ولا جائز أن تعود ~~على " أشياء "؛ لأنه جار مجرى المؤنث المجازي، ومتى أسند فعل ~~إلى ms3254 ضمير مؤنث مطلقا، وجب لحاق العلامة على الصحيح، ولا يلتفت ~~لضرورة الشعر، ونقل غيره عن الشعبي؛ أنه قرأ: " يبد لكم ~~يسؤكم " بالياء من تحت فيهما، إلا أنه ضم الياء الأولى وفتح ~~الثانية، والمعنى: إن يبد - أي يظهر - السؤال عنها، يسؤكم ~~ذلك السؤال، أي: جوابه، أو هو؛ لأنه سبب في ذلك والمبديه هو ~~الله تعالى، والضمير في " عنها " يحتمل أن يعود على نوع الأشياء ~~المنهي عنها، لا عليها أنفسها، قاله ابن عطية، ونقله الواحدي عن ~~صاحب " النظم " ، ونظره بقوله تعالى: # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين # [المؤمنون: 12] يعني آدم، " ثم جعلناه " قال " يعني ابن آدم " ~~فعاد الضمير على ما دل عليه الأول، ويحتمل أن يعود عليها أنفسها، ~~قاله الزمخشري بمعناه. # قوله: { حين ينزل القرآن } في هذا الظرف احتمالان: # أظهرهما: أنه منصوب ب " تسألوا " ، قال الزمخشري: " وإن ~~تسألوا عنها: عن هذه التكاليف الصعبة، حين ينزل القرآن: في ~~زمان الوحي، وهو ما دام الرسول بين أظهركم يوحى إليه تبد لكم ~~تلك التكاليف التي تسؤكم وتؤمروا بتحملها، فتعرضوا ~~أنفسكم لغضب الله؛ لتفريطكم فيها " ، ومن هنا قلنا: إن الضمير ~~في " عنها " عائد على الأشياء الأول، لا على نوعها. # والثاني: أن الظرف منصوب ب " تبد لكم " ، أي: تظهر لكم ~~تلك الأشياء حين نزول القرآن، قال بعضهم: " في الكلام تقديم ~~وتأخير؛ لأن التقدير: عن أشياء، إن تسألوا عنها، تبد لكم ~~حين نزول القرآن، وإن تبد لكم، تسؤكم " ، ولا شك أن المعنى ~~على هذا الترتيب، لا أنه لا يقال في ذلك تقديم وتأخير، فإن الواو لا ~~تقتضي ترتيبا، فلا فرق، ولكن إنما قدم هذا أولا على قوله: " وإن ~~تسألوا "؛ لفائدة، وهي الزجر عن السؤال؛ فإنه قدم لهم أن ~~سؤالهم عن أشياء متى ظهرت، أساءتهم قبل أن يخبرهم بأنهم إن سألوا ~~عنها، بدت لهم لينزجروا، وهو معنى لائق. # قوله: { عفا الله عنها } فيه وجهان: # أحدهما: أنه في محل جر؛ لأنه صفة أخرى ل " أشياء " ، والضمير على ~~هذا في " عنها " يعود على " أشياء " ، ولا حاجة إلى ادعاء التقديم ~~والتأخير ms3255 في هذا؛ كما قاله بعضهم، قال: " تقديره: لا تسألوا عن ~~أشياء عفا الله عنها إن تبد لكم إلى آخر الآية "؛ لأن ~~كلا من الجملتين الشرطيتين وهذه الجملة صفة ل " أشياء " ، ~~فمن أين أن هذه الجملة مستحقة للتقديم على ما قبلها؟ وكأن هذا ~~القائل إنما قدرها متقدمة؛ ليتضح أنها صفة لا مستأنفة. # والثاني: أنها لا محل لها؛ لاستئنافها، والضمير في " عنها " على ~~هذا يعود على المسألة المدلول عليها ب " لا تسألوا " ، ويجوز ~~أن تعود على " أشياء " ، وإن كان في الوجه الأول يتعين هذا؛ ~~لضرورة الربط بين الصفة والموصوف. # فصل في سبب نزول الآية # في سبب نزول الآية: ما روى [قتادة] عن أنس: # " سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه بالمسئلة، ~~فغضب فصعد المنبر، قال: " لا تسألوني اليوم عن شيء إلا ~~بينته لكم " ، فجعلت أنظر يمينا وشمالا، فإذا كل رجل لاف ~~رأسه في ثوبه يبكي، فإذا [رجل] كان [إذا] لاقى الرجال يدعى ~~لغير أبيه، فقال: يا رسول الله، من أبي؟ قال: " حذافة " ، ثم ~~أنشأ عمر - رضي الله عنه - فقال: رضينا بالله ربا وبالإسلام ~~دينا، وبمحمد رسولا، نعوذ بالله من الفتن، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " ما رأيت في الخير والشر كاليوم ~~قط، إنه صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما وراء ~~الحائط " " # وكان قتادة يذكر عند هذا الحديث هذه الآية. # وقال يونس عن [ابن] شهاب: أخبرني عبيد الله بن عبد الله قال: ~~قالت أم عبد الله بن حذافة لعبد الله بن حذافة: ما سمعت بابن ~~قط أعق منك أأمنت أن تكون أمك قد فارقت بعض ما يفارق نساء ~~الجاهلية، فتفضحها على أعين الناس؟ قال عبد الله بن ~~حذافة: " والله لو ألحقني بعبد أسود [للحقته] ". # وروي أن عمر قال: " يا رسول الله، أنا حديث عهد ~~[بجاهلية]، فاعف عنا يعف الله عنك، فسكن غضبه ". # وروى ابن عباس قال: كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم استهزاء، فيقول الرجل من أبي؟ ويقول الرجل تضل ~~ناقته أين ناقتي؟ فأنزل الله تعالى ms3256 هذه الآية. # وروي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: لما نزلت # ولله على الناس حج البيت # [آل عمران: 97]، قال سراقة بن مالك:- # " ويروى عكاشة بن محصن - يا رسول الله أفي كل عام؟ فأعرض ~~عنه، فعاد مرتين أو ثلاثا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~" ما يؤمنك أن أقول: نعم، والله لو قلت: نعم ~~لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، فاتركوني ما تركتكم، ~~فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، ~~واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ~~ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه " " # فأنزل الله هذه الآية. # فإن من سأل عن الحج لم يأمن أن يؤمر به في كل عام ~~فيسوؤه، ومن سأل عن نسبه لم يأمن أن يلحقه بغيره، ~~فيفتضح. # وقال مجاهد: نزلت حين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، ألا تراه ذكرها ~~بعد ذلك. # وكان عبيد الله بن عمير يقول: إن الله إن أحل ~~أحلوا، وإن حرم اجتنبوا، ولو ترك بين ذلك أشياء لم ~~يحللها ولم يحرمها، فذلك عفو من الله، ثم يتلو هذه ~~الآية. # وقال أبو ثعلبة الخشني: إن الله تعالى بين في الآية الأولى ~~فرض فرائض فلا تضيعوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، ~~وحد حدودا فلا تعتدوها، وعفا عن أشياء من غير نسيان ~~فلا تبحثوا عنها، ثم إن تلك الأشياء التي سألوا عنها ظهر لهم ما ~~يسوؤهم. # وقال - عليه الصلاة والسلام -: # " إن من أعظم المسلمين في المسلمين جرما، من سأل عن شيء ~~لم يحرم فحرم من أجل مسألته ". # وقوله: { وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد ~~لكم } معناه: إن صبرتم حتى [ينزل] القرآن بحكم من فرض أو ~~نهي، وليس في ظاهره شرح ما بكم فيه حاجة، ومست حاجتكم ~~إليه، فإذا سألتم عنها حينئذ تبد لكم { عفا الله ~~عنها والله غفور حليم }. # واعلم أن السؤال على قسمين: # أحدهما: السوال عن شيء لم يجر ذكره في الكتاب والسنة ~~بوجه من الوجوه، فهذا السؤال منهي عنه لهذه الآية. # والقسم الثاني: ms3257 السؤال عن شيء نزل به القرآن، لكن السامع لم ~~يفهمه كما ينبغي، فههنا يجب السؤال عنه، وهو معنى ~~قوله: { وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد ~~لكم }. # والفائدة في ذكر هذا القسم؛ أنه لما منع في الآية الأولى ~~من السؤال، أوهم أن جميع أنواع السؤال ممنوع منه، فذكر ~~ذلك تمييزا لهذا القسم عن ذلك. # فإن قيل: قوله: { وإن تسألوا عنها } ، هذا الضمير عائد ~~إلى الأشياء المذكورة في قوله: { لا تسألوا عن أشيآء } ، ~~فكيف يعقل في " أشياء " بأعيانها أن يكون السؤال عنها ~~ممنوعا وجائزا معا؟. # فالجواب من وجهين: # الأول: جاز أن يكون السؤال عنها ممنوعا قبل نزول القرآن ~~بها، ومأمورا بها بعد نزول القرآن بها. # الثاني: أنهما وإن كانا نوعين مختلفين، إلا أنهما في ~~كون كل منهما واحد مسؤول عنه شيء واحد، فلهذا الوجه حسن ~~اتحاد الضمير، وإن كان في الحقيقة نوعين مختلفين. # فإن قيل: ما ذكر من كراهة السؤال والنهي عنه يعارضه قوله ~~تعالى: # فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون # [الأنبياء: 7] فالجواب: هذا الذي أمر الله به عباده، هو ما ~~تقرر وثبت وجوبه، مما يجب عليهم العمل به، والذي ~~نهى عنه هو ما لم يقصد الله به عباده، ولم يذكره في ~~كتابه. # قوله: " قد سألها ": الضمير في " سألها " ظاهره يعود على " ~~أشياء " ، لكن قال الزمخشري: " فإن قلت: كيف قال: لا تسألوا عن ~~أشياء، ثم قال: " قد سألها " ولم يقل سأل عنها؟ قلت: ليس يعود ~~على أشياء؛ حتى يتعدى إليها ب " عن " ، وإنما يعود على المسألة ~~المدلول عليها بقوله: " لا تسألوا " ، أي: قد سأل المسألة قوم، ~~ثم أصبحوا بها - أي بمرجوعها - كافرين " ، ونحا ابن عطية ~~منحاه، قال أبو حيان: " ولا يتجه قولهما إلا على حذف مضاف، وقد ~~صرح به بعض المفسرين، أي: قد سأل أمثالها، أي: أمثال هذه ~~المسألة، أو أمثال هذه السؤالات " ، وقال الحوفي في " سألها ": ~~" الظاهر عود الضمير على " أشياء " ولا يتجه حمله على ~~ظاهره، لا من جهة اللفظ العربي، ولا من جهة المعنى، أما من جهة ~~اللفظ: ms3258 فلأنه كان ينبغي أن يعدى ب " عن " كما عدي في الأول، ~~وأما من جهة المعنى، فلأن المسئول عنه مختلف قطعا؛ فإن ~~سؤالهم غير سؤال من قبلهم؛ فإن سؤال هؤلاء مثل من سأل: أين ~~ناقتي، وما في بطن ناقتي، وأين أبي، وأين مدخلي؟ ~~وسؤال أولئك غير هذا؛ نحو: # أنزل علينا مآئدة # [المائدة: 114] # أرنا الله جهرة # [النساء: 153] # اجعل لنآ إلها # [الأعراف: 138] وسؤال ثمود الناقة، ونحوه ". وقال الواحدي - ناقلا عن ~~الجرجاني -: وهذا السؤال في هذه الآيات يخالف معنى السؤال في قوله: { ~~لا تسألوا عن أشياء } { وإن تسألوا عنها }؛ ألا ترى ~~أن السؤال في الآية الأولى قد عدي بالجار، وها هنا لم يعد ~~بالجار؛ لأن السؤال ها هنا طلب لعين الشيء؛ نحو: " سألتك ~~درهما " أي طلبته منك، والسؤال في الآية الأولى سؤال عن حال ~~الشيء وكيفيته، وإنما عطف بقوله { قد سألها قوم } على ما ~~قبلها وليست بمثلها في التأويل؛ لأنه إنما نهاهم عن تكليف ما لم ~~يكلفوا، وهو مرفوع عنهم فهما يشتركان في وصف واحد، وهو ~~أنه خوض في الفضول، وفيما لا حاجة إليه. # وقيل: يجوز أن يعود على " أشياء " لفظا لا معنى؛ كما قال النحويون ~~في مسألة: " عندي درهم ونصفه " ، أي: ونصف درهم آخر، ~~ومنه: [الطويل] # 2056- وكل أناس قاربوا قيد فحلهم # ونحن خلعنا قيده فهو سارب # فصل # وقرأ النخعي: " سالها " بالإمالة من غير همز وهما لغتان، ومنه ~~يتساولان فإمالته ل " سأل " كإمالة حمزة " خاف " ، وقد تقدم ~~تحقيق ذلك في البقرة عند قوله # فإن لكم ما سألتم # [البقرة: 61] و # سل بني إسرائيل # [البقرة: 211]. # قال المفسرون: يعني قوم صالح، سألوا الناقة ثم ~~عقروها، وقوم موسى، قالوا: أرنا الله جهرة، فصار ذلك ~~وبالا عليهم، وبنو إسرائيل قالوا لنبي لهم: # ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل ~~عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا ~~قالوا وما لنآ ألا نقاتل في سبيل الله وقد ~~أخرجنا من ديارنا وأبنآئنا فلما كتب عليهم ~~القتال تولوا إلا قليلا منهم # [البقرة: 246] وقالوا: # أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك ms3259 ~~منه # [البقرة: 247] فسألوا ثم كفروا، فكأنه تعالى يقول: أولئك ~~سألوا، فلما أعطوا سؤلهم ساءهم ذلك، فلا تسألوا شيئا ~~فلعلكم إن أعطيتم سؤلكم، ساءكم ذلك. # قوله: " من قبلكم " متعلق بقوله: " سألها " ، فإن قيل: هل ~~يجوز أن يكون صفة ل " قوم "؟ فالجواب: منع من ذلك جماعة معتلين ~~بأن ظرف الزمان لا يقع خبرا، ولا صفة، ولا حالا عن الجثة، ~~وقد تقدم نحو هذا في أول البقرة عند قوله: # والذين من قبلكم # [البقرة: 21]، فإن الصلة كالصفة، و " بها " متعلق ب " كافرين ~~" ، وإنما قدم لأجل الفواصل. ### || [5.103] # لما منع الناس من البحث عن أمور لم يكلفوا بالبحث ~~عنها، كذلك منعهم من التزام أمور لم يكلفوا بالتزامها، ~~ولما كان الكفار يحرمون على أنفسهم الانتفاع بهذه ~~الحيوانات، وإن كانوا في غاية الحاجة إلى الانتفاع بها، بين ~~الله - تعالى - أن ذلك باطل. # " جعل " يجوز أن يكون بمعنى " سمى " ويتعدى لمفعولين، أحدهما ~~محذوف، والتقدير: ما جعل - أي ما سمى - الله حيوانا ~~[بحيرة]. # قاله أبو البقاء. وقال ابن عطية والزمخشري وأبو البقاء: " إنها ~~تكون بمعنى شرع ووضع، أي: ما شرع الله ولا أمر " ، وقال ~~الواحدي - بعد كلام طويل - " فمعنى ما جعل الله من بحيرة: ~~ما أوجبها ولا أمر بها " ، وقال ابن عطية: " وجعل في هذه ~~الآية لا تكون بمعنى " خلق "؛ لأن الله خلق هذه الأشياء ~~كلها، ولا بمعنى " صير "؛ لأن التصيير لا بد له من مفعول ~~ثان، فمعناه: ما سن الله ولا شرع ". ومنع أبو حيان هذه النقولات ~~كلها بأن " جعل " لم يعد اللغويون من معانيها " شرع " ، ~~وخرج الآية على التصيير، ويكون المفعول الثاني محذوفا، أي: ما ~~صير الله بحيرة مشروعة، وفي قوله لم يعد اللغويون في ~~معانيها " شرع " نظر؛ لأن الآية المتقدمة تدل على ذلك وهي قوله: # جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس # [المائدة: 97]. # والبحيرة: فعيلة بمعنى مفعولة، فدخول تاء التأنيث عليها لا ~~ينقاس، ولكن لما جرت مجرى الأسماء الجوامد أنثت، وقد ~~تقدم إيضاح هذا في قوله # والنطيحة # [المائدة: 3]، واشتقاقها من البحر، والبحر: السعة، ومنه " ~~بحر الماء ms3260 " لسعته وهي الناقة المشقوقة الأذن، ~~يقال: بحرت أذن الناقة إذا شققتها شقا واسعا، ~~والناقة بحيرة ومبحورة. # واختلف أهل اللغة في البحيرة عند العرب ما هي اختلافا كثيرا، فقال ~~أبو عبيد: " هي الناقة التي تنتج خمسة أبطن في آخرها ذكر، ~~فتشق أذنها، وتترك فلا تركب ولا تحلب ولا تطرد عن ~~مرعى ولا ماء، وإذا لقيها المعيي لم يركبها " وروي ذلك عن ~~ابن عباس، إلا أنه لم يذكر في آخرها ذكرا، وقال بعضهم: " إذا ~~أنتجت الناقة خمسة أبطن، نظر في الخامس: فإن كان ذكرا، ~~ذبحوه وأكلوه، وإن كان أنثى، شقوا أذنها وتركوها ترعى وترد ~~ولا تركب ولا تحلب فهذه هي البحيرة " ، وروي هذا عن ~~قتادة، وقال بعضهم: " البحيرة: الأنثى التي تكون خامس بطن؛ كما ~~تقدم بيانه، إلا أنها لا يحل للنساء لحمها ولا لبنها، ~~فإن ماتت حلت لهن " ، وقال بعضهم: " البحيرة: بنت ~~السائبة " ، وسيأتي تفسير " السائبة " ، فإذا ولدت السائبة ~~أنثى شقوا أذنها وتركوها مع أمها ترعى وترد ولا تحلب ولا ~~تركب حتى للمعيي، وهذا قول مجاهد، وابن جبير، وقال ~~بعضهم: " هي التي منع درها - أي لبنها - لأجل ~~الطواغيت، فلا يحلبها أحد " وقال بهذا سعيد بن ~~المسيب، وقيل: هي التي تترك في المرعى بلا راع، قاله ابن ~~سيدة، وقيل: إذا ولدت خمس إناث شقوا أذنها وتركوها. # نقل القرطبي عن الشافعي رحمه الله، أنه قال: إذا ~~أنتجت الناقة خمسة أبطن إناث بحرت أذنها، ~~فحرمت، قال: محرمة لا يطعم الناس لحمها وقال بعضهم - ~~ويعزى لمسروق -: " إنها إذا ولدت خمسا، أو سبعا، ~~شقوا أذنها " ، وقيل: " هي الناقة تلد عشرة أبطن، ~~فتشق أذنها طولا بنصفين، وتترك؛ فلا تركب ولا ~~تحلب ولا تطرد عن مرعى ولا ماء، وإذا ماتت، حل لحمها ~~للرجال دون النساء " ، نقله ابن عطية، وكذا قاله أبو القاسم الراغب، ~~وقيل: البحيرة السقب، إذا ولد، نحروا أذنه، وقالوا: ~~اللهم، إن عاش، فقني، وإن مات، فذكي، فإذا مات، أكلوه، ~~ووجه الجمع بين هذه الأقوال الكثيرة: أن العرب كانت تختلف أفعالها ~~في البحيرة. # والسائبة قيل: كان الرجل إذا ms3261 قدم من سفر أو شكر نعمة، ~~سيب بعيرا فلم يركب ويفعل به ما تقدم في البحيرة، وهذا قول ~~أبي عبيد، وقيل: هي الناقة تنتج عشرة إناث، قال القرطبي: ~~ليس بينهن ذكر؛ فلا تركب ولا يشرب لبنها إلا ضيف أو ولد، ~~قاله الفراء، وقيل: ما ترك لآلهتهم، فكان الرجل يجيء بماشيته إلى ~~السدنة فيتركه عندهم ويسيل لبنه، وقيل: هي الناقة تترك ليحج ~~عليها حجة، ونقل ذلك عن الشافعي، وقيل: هو العبد يعتق على ~~ألا يكون عليه ولاء، ولا عقل ولا ميراث قاله علقمة. # والسائبة هنا: فيها قولان: # أحدهما: أنها اسم فاعل على بابه، من ساب يسيب، أي يسرح، ~~كسيب الماء، وهو مطاوع سيبته، يقال: سيبته فساب ~~وانساب. # والثاني: أنه بمعنى مفعول؛ نحو: " عيشة راضية " ، ومجيء فاعل ~~بمعنى مفعول قليل جدا؛ نحو: " ماء دافق " ، والذي ينبغي أن يقال: إنه ~~فاعل بمعنى ذي كذا، أي: بمعنى النسب، نحو قولهم: لابن، أي: صاحب ~~لبن، ومنه في أحد القولين: " عيشة راضية، وماء دافق " ، ~~أي: ذات رضا، وذو دفق، وكذا هذا، أي: ذات سيب. # والوصيلة هنا فعلية بمعنى فاعلة على ما سيأتي تفسيره، فدخول ~~التاء قياس، واختلف أهل اللغة فيها، هل هي من جنس الغنم، أو من ~~جنس الإبل؟ ثم اختلفوا بعد ذلك أيضا، فقال الفراء: " هي الشاة ~~تنتج سبعة أبطن عناقين عناقين، فإذا ولدت في آخرها ~~عناقا وجديا، قيل: وصلت أخاها، فجرت مجرى السائبة " ، ~~وقال الزجاج: " هي الشاة إذا ولدت ذكرا، كان لآلهتهم، وإذا ولدت ~~أنثى، كانت لهم " ، وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: " هي الشاة ~~تنتج سبعة أبطن، فإذا كان السابع أنثى، لم تنتفع النساء ~~منها بشيء، إلا أن تموت فيأكلها الرجال والنساء، وإن كانت ~~ذكرا ذبحوه وأكلوه جميعا، وإن كان ذكرا وأنثى، قالوا: وصلت ~~أخاها، فيتركونها معه لا تذبح ولا ينتفع بها إلا الرجال، دون ~~النساء، فإن ماتت، اشتركن مع الرجال فيها " ، وقال ابن قتيبة: ~~إن كان السابع ذكرا، ذبح وأكله الرجال، دون النساء، وقالوا: # خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا # [الأنعام: 139] وإن كانت ms3262 أنثى، تركت في الغنم، وإن كان ذكرا ~~وأنثى فكقول ابن عباس، وقيل: " هي الشاة تنتج عشر إناث ~~متواليات في خمسة أبطن، ثم ما ولدت [بعد ذلك، فللذكور دون الإناث " ~~وبهذا قال أبو إسحاق، وأبو عبيدة، إلا أن أبا عبيدة قال: " وإذا ~~ولدت] ذكرا وأنثى معا، قالوا: وصلت أخاها، فلم يذبحوه ~~لمكانها " ، وقيل: هي الشاة تنتج خمسة أبطن أو ثلاثة، فإن ~~كان جديا ذبحوه، وإن كان أنثى أبقوها، وإن كان ذكرا وأنثى، ~~قالوا: وصلت أخاها، هذا كله عند من يخصها بجنس الغنم، وأما ~~من قال: إنها من الإبل فقال: " هي الناقة تبتكر، فتلد أنثى، ثم ~~تثني بولادة أنثى أخرى، ليس بينهما ذكر، فيتركونها لآلهتهم، ~~ويقولون: قد وصلت أنثى بأنثى، ليس بينهما ذكر ". # والحامي: اسم فاعل من حمى يحمي أي: منع، واختلف فيه أهل ~~اللغة، فعن الفراء: " هو الفحل يولد لولد ولده، فيقولون: قد ~~حمى ظهره، فلا يركب ولا يستعمل ولا يطرد عن ماء ولا شجر " ~~، وقال بعضهم: " هو الفحل ينتج من بين أولاده ذكورها وإناثها ~~عشر إناث " ، روى ذلك ابن عطية. وقال بعضهم: هو الفحل يولد ~~من صلبه عشرة أبطن، فيقولون قد حمى ظهره، فيتركونه ~~كالسائبة فيما تقدم، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود، وإليه مال ~~أبو عبيدة والزجاج، وروي عن الشافعي: أنه الفحل يضرب ~~في مال صاحبه عشر سنين، وقال ابن زيد: هو الفحل ينتج له ~~سبع إناث متواليات، فيحمي ظهره، فيفعل به ما تقدم، فهذا ~~منشأ خلاف أهل اللغة في هذه الأشياء؛ أنه باعتبار اختلاف مذاهب العرب ~~وآرائهم الفاسدة فيها، وقد أنشد أهل اللغة في كل واحد من هذه ~~الألفاظ معنى يخصه؛ فأنشدوا في البحيرة قوله: [الطويل] # 2057- محرمة لا يطعم الناس لحمها # ولا نحن في شيء كذاك البحائر # وأنشدوا في السائبة قوله: [الطويل] # 2058- وسائبة لله مالي تشكرا # إن الله عافى عامرا أو مجاشعا # ونشدوا في الوصيلة لتأبط شرا: [الطويل] # 2059- أجدك أما كنت في الناس ناعقا # تراعي بأعلى ذي المجاز الوصايلا # وأنشدوا في الحامي قوله: [الطويل] # 2060- حماها أبو قابوس في ms3263 عز ملكه # كما قد حمى أولاد أولاده الفحل # فصل # قال سعيد بن المسيب: البحيرة التي يمنح درها ~~للطواغيت، فلا يحلبها أحد من الناس، والسائبة كانوا ~~يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء. # قال أبو هريرة - رضي الله عنه -، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار؛ وكان ~~أول من سيب السوائب ". # وروى أبو هريرة قال: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأكثم بن الجون الخزاعي يا ~~أكثم، رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في ~~النار؛ فما رأيت من رجل أشبه من رجل منك به، ولا به ~~منك؛ وذلك لأنه أول من غير دين إسماعيل، ونصب ~~الأوثان، وبحر البحائر، وسيب السائبة، ووصل الوصيلة، ~~وحمى الحامي، ولقد رأيته في النار يؤذي أهل النار بريح ~~قصبه " فقال أكثم أيضرني شبهه يا رسول الله؟ قال: " لا. ~~إنك مؤمن وهو كافر ". # فإن قيل: إذا جاز إعتاق العبيد والإماء، فلم لا يجوز إعتاق ~~هذه البهائم من الذبح والإيلام؟ فالجواب من وجهين: # الأول: إن الإنسان مخلوق لخدمة الله وعبوديته، ~~فإذا تمرد عن الطاعة، عوقب بضرب الرق عليه، فإذا ~~أزيل الرق عنه تفرغ لعبادة الله تعالى، وكان ذلك ~~عبادة مستحسنة، وأما هذه الحيوانات، فإنها مخلوقة ~~لمنافع المكلفين، فتركها وإهمالها يقتضي فوات ~~منفعة على مالكها، من غير أن يحصل في مقابلتها ~~فائدة. # والثاني: أن الإنسان إذا أعتق، قدر على تحصيل مصالح ~~نفسه، والبهيمة إذا عتقت وتركت، لم تقدر على تحصيل ~~مصالح نفسها، بل تقع في أنواع من المحنة أشد وأشق مما ~~كانت فيها حال ما كانت مملوكة، فافترقا. # فصل # قال القرطبي: تعلق أبو حنيفة في منعه الأحباس ورد ~~الأوقاف، بأن الله تعالى عاب على العرب أفعالهم في ~~تسييب البهائم وحمايتها، وحبس أنفسها عنها، وقاس ذلك ~~على البحيرة والسائبة. # قال القرطبي: والفرق بين، قال علقمة لمن سأله عن ~~هذه الأشياء، ما تريد إلى شيء كان من عمل الجاهلية؟! وقد ذهب ~~جمهور العلماء على جواز الأحباس والأوقاف، لما روى ms3264 ~~نافع، عن ابن عمر: # " أنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأن يتصدق ~~بسهمه بخيبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " احبس ~~الأصل أو سبل الثمرة ". # ثم قال تعالى { ولكن الذين كفروا يفترون على ~~الله الكذب }. # قال ابن عباس: يريد عمرو بن لحي وأعوانه، { يفترون على الله } ~~هذه الأكاذيب، ويقولون: أمرنا بها، قالوا: وساء ما يفترون على ~~الله الكذب، والأتباع والعوام أكثرهم لا يعقلون. ### || [5.104] # قوله { وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول } أي في تحليل ~~الحرث والأنعام، وبيان الشرائع والأحكام، قالوا: حسبنا ما ~~وجدنا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون وهذا ~~رد على أصحاب التقليد. # قوله تعالى: { حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ } " ~~حسبنا " مبتدأ، وقد تقدم أنه في الأصل مصدر، والمراد به اسم ~~الفاعل، أي: كافينا، وتفسير ابن عطية له ب " كفانا " تفسير ~~معنى، لا إعراب، و " ما وجدنا " هو الخبر، و " ما " ظاهرها أنها ~~موصولة اسمية، ويجوز أن تكون نكرة موصوفة، أي: كافينا الذي وجدنا، ~~و " وجد " يجوز أن يكون بمعنى المصادفة، ف " عليه " يجوز فيه ~~وجهان: # أحدهما: أنه متعلق ب " وجدنا " وأنه متعد لواحد. # والثاني: أنه حال من " آباءنا " ، أي: وجدناهم مستقرين عليه، ~~ويجوز أن يكون بمعنى العلم، فيتعدى لاثنين ثانيهما " عليه ". # وقوله: { أولو كان } قد تقدم إعراب هذا في البقرة [الآية 170]، ~~وأن " لو " هنا معناها الشرط، وأن الواو للحال، وتقدم تفسير ~~ذلك كله؛ فأغنى عن إعادته، إلا أن ابن عطية قال هنا: " ألف ~~التوقيف دخلت على واو العطف " قال شهاب الدين: تسمية هذه الهمزة ~~للتوقيف فيه غرابة في الاصطلاح، وجعل الزمخشري هذه الواو للحال، ~~وابن عطية جعلها عاطفة، وتقدم الجمع بين كلامهما في البقرة، ~~واختلاف الألفاظ في هاتين الآيتين - أعني آية البقرة، وآية ~~المائدة - من نحو قوله هناك: " اتبعوا " وهنا " تعالوا " ~~وهناك " ألفينا " وهنا " وجدنا " من باب التفنن في البلاغة. # واعلم: أن الاقتداء إنما يجوز بالعالم المهتدي، وهو ~~الذي قوله مبني على الحجة والدليل، فإن لم ms3265 يكن كذلك لم ~~يكن عالما مهتديا، فلا يجوز الاقتداء به. ### || [5.105] # لما بين أن هؤلاء الجهال لم ينتفعوا بشيء مما تقدم من ~~الترغيب والترهيب، بل بقوا مصرين على جهلهم وضلالهم، ~~قال: فلا تبالوا أيها المؤمنون بجهالاتهم، بل كونوا ~~منقادين لتكاليف الله تعالى، فلا يضركم ضلالتهم. # قوله: " عليكم أنفسكم ": الجمهور على نصب " أنفسكم " ~~وهو منصوب على الإغراء ب " عليكم "؛ لأن " عليكم " هنا ~~اسم فعل؛ إذ التقدير: الزموا أنفسكم، أي: هدايتها ~~وحفظها مما يؤذيها، ف " عليكم " هنا يرفع فاعلا، ~~تقديره: عليكم أنتم؛ ولذلك يجوز أن يعطف عليه مرفوع؛ نحو: " ~~عليكم أنتم وزيد الخير "؛ كأنك قلت: الزموا أنتم ~~وزيد الخير، واختلف النحاة في الضمير المتصل بها وبأخواتها؛ ~~نحو: إليك ولديك ومكانك، فالصحيح أنه في موضع جر؛ كما كان ~~قبل أن تنقل الكلمة إلى الإغراء، وهذا مذهب سيبويه، واستدل له ~~الأخفش بما حكى عن العرب " على عبد الله " بجر " عبد الله " ~~وهو نص في المسألة، وذهب الكسائي إلى أنه منصوب المحل، وفيه ~~بعد؛ لنصب ما بعدهما، أعني " على " وما بعدها كهذه الآية، وذهب ~~الفراء إلى أنه مرفوعه. # وقال أبو البقاء - بعد أن جعل " كم " في موضع جر ب " على " بخلاف ~~" رويدكم " -: " فإن الكاف هناك للخطاب، ولا موضع لها، فإن " ~~رويد " قد استعملت للأمر المواجه من غير كاف الخطاب، وكذا قوله ~~تعالى: # مكانكم # [يونس: 28] " كم " في محل جر " ، وفي هذه المسألة كلام طويل، ~~صحيحه أن " رويد " تارة يكون ما بعدها مجرور المحل وتارة ~~منصوبه، وقد تقدم في سورة النساء الخلاف في جواز تقديم معمول ~~هذا الباب عليه. # قال ابن الخطيب: قال النحويون: " عليك، وعندك، ودونك " ~~من جملة أسماء الأفعال، فيعدونها إلى المفعول، ~~ويقيمونها مقام الفعل، وينصبون بها، فإذا قال: " عليك ~~[زيدا] " كأنه قال: خذ زيدا [فقد علاك، أي أشرف عليك]، ~~وعندك زيدا، أي: حضرك فخذه، و " دونك " أي: قرب منك ~~فخذه، فهذه الأحرف الثلاثة لا خلاف بين النحاة في جواز ~~النصب بها. # وقرأ نافع بن أبي نعيم: " أنفسكم " رفعا فيما حكاه عنه صاحب ~~" الكشاف " ، وهي ms3266 مشكلة، وتخريجها على أحد وجهين: إما ~~الابتداء، و " عليكم " خبره مقدم عليه، والمعنى على الإغراء ~~أيضا؛ فإن الاغراء قد جاء بالجملة الابتدائية، ومنه قراءة بعضهم # ناقة الله وسقياها # [الشمس: 13]، وهذا تحذير نظير الإغراء. # والثاني من الوجهين: أن تكون توكيدا للضمير المستتر في " عليكم ~~"؛ لأنه كما تقدم تقديره قائم مقام الفعل، إلا أنه شذ توكيده ~~بالنفس من غير تأكيد بضمير منفصل، والمفعول على هذا محذوف، تقديره: ~~عليكم أنتم أنفسكم صلاح حالكم وهدايتكم. # قوله: " لا يضركم " قرأ الجمهور بضم الراء مشددة، وقرأ الحسن ~~البصري: " لا يضركم " بضم الضاد وسكون الراء، وقرأ إبراهيم ~~النخعي: " لا يضركم " بكسر الضاد وسكون الراء، وقرأ ابو ~~حيوة: " لا يضرركم " بسكون الضاد وضم الراء الأولى والثانية. # فأما قراءة الجمهور: فتحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون الفعل فيها مجزوما على جواب الأمر في " ~~عليكم " ، وإنما ضمت الراء إتباعا لضمة الضاد، وضمة ~~الضاد هي حركة الراء الأولى، نقلت للضاد [لأجل] إدغامها في ~~الراء بعدها، والأصل: " لا يضرركم " ، ويجوز أن يكون الجزم لا ~~على وجه الجواب للأمر، بل على وجه أنه نهي مستأنف، والعمل فيه ما ~~تقدم؛ وينصر جواز الجزم هنا على المعنيين المذكورين من الجواب ~~والنهي: قراءة الحسن والنخعي؛ فإنهما نص في الجزم، ولكنهما ~~محتملتان للجزم على الجواب أو النهي. # والوجه الثاني: أن يكون الفعل مرفوعا، وليس جوابا ولا نهيا، بل هو ~~مستأنف سيق للإخبار بذلك، وينصره قراءة أبي حيوة المتقدمة. # وأما قراءة الحسن: فمن " ضاره يضوره " كصانه يصونه، ~~وأما قراءة النخعي فمن " ضاره يضيره " كباعه يبيعه، ~~والجزم فيهما على ما تقدم في قراءة العامة من الوجهين، وحكى أبو ~~البقاء: " لا يضركم " بفتح الراء، ووجهها على الجزم، وأن الفتح ~~للتخفيف، وهو واضح، والجزم على ما تقدم أيضا من الوجهين، وهذه كلها ~~لغات قد تقدم التنبيه عليها في آل عمران [الآية 144]. # و " من ضل " فاعل، و " إذا " ظرف محض ناصبه " يضركم " ، ~~أي: لا يضركم الذي ضل وقت اهتدائكم، ويجوز أن تكون ~~شرطية، وجوابها محذوف؛ لدلالة الكلام عليه، وقال أبو البقاء: " ~~ويبعد أن ms3267 تكون ظرفا ل " ضل "؛ لأن المعنى لا يصح معه " ، ~~قال شهاب الدين: لأنه يصير المعنى على نفي الضرر الحاصل ممن يضل ~~وقت اهتدائهم، فقد يتوهم أنه لا ينتفي عنهم ضرر من ضل في ~~غير وقت اهتدائهم، ولكن هذا لا ينفي صحة المعنى بالكلية كما ~~ذكره. # فصل في سبب نزول الآية # في سبب نزول الآية وجوه: # أحدها: روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما قبل من أهل الكتاب الجزية، ~~من بعض الكفار دون بعض، نزلت هذه الآية، والمعنى: لا يضركم ~~ملامة اللائمين إذا كنتم على الهدى. # وثانيها: أن المؤمنين كان يشتد عليهم بقاء الكفار على ~~كفرهم وضلالتهم، فقيل لهم: عليكم أنفسكم بإصلاحها، ~~والمشي بها في طريق الهدى، لا يضركم ضلال الضالين، ولا ~~جهل الجاهلين. # وثالثها: أنهم كانوا يغتمون لعشائرهم لما ماتوا على ~~الكفر، فنهوا عن ذلك. # قال ابن الخطيب: والأقرب عندي، أنه تعالى لما حكى عن ~~بعضهم أنه إذا قيل لهم: # تعالوا إلى مآ أنزل الله وإلى الرسول قالوا ~~حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ # [المائدة: 104] بين تعالى بهذه الآية، أنه لا ينبغي ~~للمؤمنين أن يتشبهوا بهم في هذه الطريقة الفاسدة، ~~بل ينبغي أن يصبروا على دينهم، وأن يعلموا أنه لا ~~يضرهم جهل أولئك. # فصل # روي عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أنه قال: يا ~~أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية { يأيها ~~الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل ~~إذا اهتديتم } فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " إن الناس إذا رأوا منكرا فلم يغيروه، يوشك أن ~~يعمهم الله بعقابه ". # وفي رواية: # " لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ~~ليسلطن الله عليكم شراركم فليسومونكم سوء ~~العذاب، ثم ليدعون الله خياركم فلا يستجاب لكم ". # قال أبو عبيدة: خاف الصديق أن يتأول الناس الآية غير ~~متأولها، فيدعوهم إلى ترك الأمر بالمعروف، فأعلمهم ~~أنها ليست كذلك، وأن الذي أذن في الإمساك عن تغييره من ~~المنكر، هو الشرك الذي ينطق به المعاهدون من أجل أنهم ms3268 ~~يتدينون به، وقد صولحوا عليه، فأما الفسوق والعصيان ~~والذنب من أهل الإسلام، فلا يدخل فيه. # وعن ابن مسعود قال في هذه الآية: مروا بالمعروف وانهوا عن ~~المنكر ما قبل منكم، فإن رد عليكم فعليكم ~~أنفسكم. # ثم قال: إن القرآن نزل منه آي قد مضى تأويلهن قبل أن ~~ينزلن، ومنه آي: وقع تأويلهن على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ومنه آي: وقع تأويلهن بعد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بيسير، ومنه آي: وقع تأويلهن في آخر الزمان، ومنه ~~آي: وقع تأويلهن يوم القيامة، وهو ما ذكر من الحساب ~~والجنة والنار، فما دامت قلوبكم وأهواؤكم واحدة، ~~ولم تلبسوا شيعا، ولم يذق بعضكم بأس بعض، فأمروا ~~وانهوا، فإن اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شيعا، وذاق ~~بعضكم بأس بعض، فامرؤ ونفسه، فعند ذلك جاءنا تأويل هذه ~~الآية. # قال ابن الخطيب: وهذا التأويل عندي ضعيف؛ لأن الآية ~~خطاب عام للحاضر والغائب، فكيف يخرج الحاضر، ويخص ~~الغائب. وروى أبو أمية الشعباني قال: # " أتيت أبا ثعلبة، فقلت: كيف نصنع في هذه الآية؟ فقال: ~~أي آية؟ قلت: قول الله - عز وجل -: { عليكم أنفسكم ~~لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } ، فقال: أما والله ~~لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى ~~إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، ~~وإعجاب كل ذي رأي برأيه، ورأيت أمرا لا بد لك منه، ~~فعليك نفسك ودع أمر العوام، وإن وراءكم أيام ~~الصبر، فمن صبر فيهن قبض على الجمر للعامل فيهن مثل ~~أجر خمسين رجلا يعملون مثله " # ، قال ابن المبارك: وزادني غيره، قالوا: يا رسول الله أجر خمسين منهم؟ ~~قال: أجر خمسين منكم. # فإن قيل: ظاهر الآية يوهم أن الأمر بالمعروف، والنهي عن ~~المنكر غير واجب. # فالجواب من وجوه: # أحدها: أن الآية لا تدل على ذلك، بل تدل على أن المطيع ~~لا يؤاخذ بذنوب العاصي، وأما وجوب الأمر بالمعروف، ~~فثبت بما تقدم من الدلائل وغيرها. # وثانيها: أن الآية مخصوصة ms3269 بالكفار المصرين على الكفر، ~~ولا يتركون الكفر بسبب الأمر بالمعروف، فههنا يجب على ~~الإنسان مخالفة الأمر بالمعروف. # وثالثها: أن الآية مخصوصة بما إذا خاف الإنسان عند ~~الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر على نفسه وعرضه ~~وماله. # ورابعها: المعنى: لا يضركم إذا اهتديتم، فأمرتم ~~بالمعروف ونهيتم عن المنكر ضلال من ضل، فلم يقبل ~~ذلك. # وخامسها: أنه تعالى قال لرسوله عليه الصلاة والسلام: # فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك # [النساء: 84]، وذلك لم يدل على سقوط الأمر بالمعروف عن ~~الرسول، فكذا هاهنا. # ثم قال تعالى: { إلى الله مرجعكم جميعا } ، أي: الضال ~~والمهتدي { فينبئكم بما كنتم تعملون } أي ~~يجازيكم بأعمالكم. ### || [5.106-108] # لما أمر الله تعالى بحفظ النفس في قوله " عليكم ~~أنفسكم " ، أمر بحفظ المال في هذه الآية. # قال القرطبي: ورد لفظ الشهادة في القرآن على أنواع ~~مختلفة: # الأول: بمعنى الحضور، قال تعالى: # فمن شهد منكم الشهر فليصمه # [البقرة: 185]. # الثاني: بمعنى قضى، أي: أعلم قال تعالى: # شهد الله أنه لا إله إلا هو # [آل عمران: 18]. # قال أبو عبيدة: الثالث: بمعنى أقر، قال تعالى: # والملائكة يشهدون # [النساء: 166]. # الرابع: شهد بمعنى حكم، قال تعالى: # وشهد شاهد من أهلهآ # [يوسف: 26]. # الخامس: شهد بمعنى حلف، قال تعالى # فشهادة أحدهم # [النور: 6] أي: أن يشهد أربع شهادات بالله. # السادس: شهد بمعنى وصى، قال تعالى: { يا أيها الذين ~~آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت } ، ~~وقيل معناها هنا الحضور للوصية، يقال: " شهدت وصية فلان ~~" أي: حضرت، وذهب الطبري إلى أن الشهادة بمعنى اليمين، ~~فيكون المعنى: يمين ما بينكم أن يحلف اثنان، ~~ويدل على ذلك، أنه يعلم لله حكم يجب فيه على ~~الشاهد يمين، وهذا القول اختاره القفال، وسميت ~~اليمين شهادة؛ لأنها يثبت بها الحكم بما يثبت ~~بالشهادة، واختار ابن عطية هنا أنها الشهادة التي ~~تحفظ فتؤدى. # فصل في سبب نزول الآية # وسبب نزولها ما روي: أن تميم بن أوس الداري وعدي ~~بن زيد كانا نصرانيين، خرجا من المدينة إلى الشام ~~للتجارة، ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص، وكان مسلما ~~مهاجرا، فلما ms3270 قدموا إلى الشام مرض بديل، فكتب كتابا ~~فيه جميع ما معه من المتاع، وألقاه في جوالق، ولم يخبر ~~صاحبيه بذلك، فلما اشتد مرضه، أوصى إلى تميم وعدي، ~~وأمرهما أن يدفعا متاعه إذا رجعا إلى أهله، ومات " بديل ~~" ففتشا متاعه، وأخذا منه إناء فضة منقوشا ~~بالذهب، فيه ثلاثمائة مثقال من فضة فغيباه، ثم قضيا ~~حاجتهما وانصرفا إلى المدينة، فدفعا المتاع إلى أهل ~~البيت، ففتشوا وأصابوا الصحيفة، فيها تسمية ما كان ~~معه، فجاءوا تميما وعديا، فقالوا: هل باع صاحبنا ~~شيئا من متاعه؟ قالا: لا، قالوا: فهل اتجر تجارة؟ ~~قالا: لا، قالوا: فهل طال مرضه فأنفق على نفسه؟ ~~قالا: لا، فقالوا: إنا وجدنا في متاعه صحيفة فيها ~~تسمية ما معه، وإنا قد فقدنا منها إناء من فضة ~~مموها بالذهب، فيه ثلاثمائة مثقال فضة فقالا: ما ~~ندري، إنما أوصى لنا بشيء، وأمرنا أن ندفعه إليكم ~~فدفعناه، وما لنا علم بالإناء، فاختصموا إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأصرا على الإنكار، وحلفا فأنزل الله هذه ~~الآية. # قوله تعالى: { شهادة بينكم }: هذه الآية وما بعدها من أشكل ~~القرآن حكما وإعرابا وتفسيرا، ولم يزل العلماء ~~يستشكلونها حتى قال مكي بن أبي طالب في كتابه المسمى ب " الكشف ~~": " هذه الآية في قراءاتها وإعرابها وتفسيرها ومعانيها وأحكامها من ~~أصعب آي في القرآن وأشكلها، قال: ويحتمل أن يبسط ما فيها من ~~العلوم في ثلاثين ورقة أو أكثر "؛ قال: " وقد ذكرناها مشروحة في ~~كتاب مفرد " ، وقال ابن عطية: " وهذا كلام من لم يقع له الثلج ~~في تفسيرها، وذلك بين من كتابه " ، وقال السخاوي: " لم أر ~~أحدا من العلماء تخلص كلامه فيها من أولها إلى آخرها " ، وقال ~~الواحدي: " وهذه الآية وما بعدها من أعوص ما في القرآن معنى وإعرابا ~~وتفسيرا " قال شهاب الدين: وأنا أستعين الله تعالى في توجيه إعرابها ~~واشتقاق مفرداتها وتصريف كلماتها وقراءاتها ومعرفة تأليفها مما ~~يختص بهذا الموضوع، وبالله الحول والقوة. # قرأ الجمهور " شهادة بينكم " برفع " شهادة " مضافة ل " ~~بينكم " ، وقرأ الحسن والأعرج والشعبي برفعها منونة " ~~بينكم " نصبا، والسلمي ms3271 والحسن والأعرج - في رواية عنهما -: ~~" شهادة " منونة منصوبة، " بينكم " نصبا، فأما قراءة ~~الجمهور، ففي تخريجها خمسة أوجه: # أحدها: أنها مرفوعة بالابتداء، وخبرها " اثنان " ، ولا بد على ~~هذا الوجه من حذف مضاف: إما من الأول، وإما من الثاني، فتقديره ~~من الأول: ذوا شهادة بينكم اثنان، أي صاحبا شهادة بينكم ~~اثنان، وتقديره من الثاني: شهادة بينكم شهادة اثنين، وإنما اضطررنا ~~إلى حذف من الأول أو الثاني ليتصادق المبتدأ والخبر على شيء واحد؛ ~~لأن الشهادة معنى، والاثنان جثتان، ولا يجيء التقديران ~~المذكوران في نحو: " زيد عدل " وهما جعله نفس المصدر مبالغة أو ~~وقوعه موقع اسم الفاعل؛ لأن المعنى يأباهما هنا، إلا أن ~~الواحدي نقل عن صاحب " النظم "؛ أنه قال: " شهادة " مصدر وضع ~~موضع الأسماء. يريد بالشهادة الشهود؛ كما يقال: رجل عدل ~~ورضا، ورجال عدل ورضا وزور، وإذا قدرتها بمعنى الشهود، ~~كان على حذف المضاف، ويكون المعنى: عدة شهود بينكم اثنان، واستشهد ~~بقوله: # الحج أشهر # [البقرة: 197]، أي: وقت الحج، ولولا ذلك لنصب أشهرا على تأويل: " ~~الحج في أشهر " ، فعلى ظاهر هذا أنه جعل المصدر نفس الشهود ~~مبالغة، ولذلك مثله ب " رجال عدل " ، وفيه نظر. # الثاني: أن ترتفع على أنها مبتدأ أيضا، وخبرها محذوف يدل عليه ~~سياق الكلام، و " اثنان " على هذا مرتفعان بالمصدر الذي هو " شهادة " ~~، والتقدير: فيما فرض عليكم أن يشهد اثنان، كذا قدره ~~الزمخشري وهو أحد قولي الزجاج، وهو ظاهر جدا، و " إذا " على ~~هذين الوجهين ظرف ل " شهادة " ، أي ليشهد وقت حضور الموت - أي ~~أسبابه - و " حين الوصية " على هذه الأوجه؛ فيه ثلاثة أوجه: # أوجهها: أنه بدل من " إذا " ، ولم يذكر الزمخشري غيره، قال: " وفي ~~إبداله منه دليل على وجوب الوصية ". # الثاني: أنه منصوب بنفس الموت، أي: يقع الموت وقت الوصية، ولا ~~بد من تأويله بأسباب الموت؛ لأن وقت الموت الحقيقي لا وصية ~~فيه. # الثالث: أنه منصوب ب " حضر " ، أي: حضر أسباب الموت حين ~~الوصية. # الثالث: أن " شهادة " مبتدأ، وخبره: " إذا حضر " ، أي: وقوع ~~الشهادة في وقت حضور الموت، و " حين ms3272 " على ما تقدم فيه من الأوجه ~~الثلاثة آنفا، ولا يجوز فيه، والحالة هذه: أن يكون ظرفا للشهادة؛ ~~لئلا يلزم الإخبار عن الموصول قبل تمام صلته، وهو لا يجوز؛ لما مر، ~~ولما ذكر أبو حيان هذا الوجه، لم يستدرك هذا، وهو عجيب منه. # الرابع: أن " شهادة " مبتدأ، وخبرها " حين الوصية " ، و " ~~إذا " على هذا منصوب بالشهادة، ولا يجوز أن ينتصب ب " الوصية " ~~، وإن كان المعنى عليه؛ لأن المصدر المؤول لا يسبقه معموله عند ~~البصريين، ولو كان ظرفا، وأيضا: فإنه يلزم منه تقديم المضاف إليه ~~على المضاف؛ لأن تقديم المعمول يؤذن بتقديم العامل، والعامل لا ~~يتقدم، فكذا معموله، ولم يجوزوا تقديم معمول المضاف إليه على ~~المضاف إلا في مسألة واحدة، وهي: إذا كان المضاف لفظة " غير "؛ ~~وأنشدوا: [البسيط] # 2061- إن امرأ خصني عمدا مودته # على التنائي لعندي غير مكفور # ف " عندي " منصوب ب " مكفور "؛ قالوا: لأن " غير " بمنزلة " ~~لا " ، و " لا " يجوز تقديم معمول ما بعدها عليها، وقد ذكر ~~الزمخشري ذلك آخر الفاتحة، وذكر أنه يجوز " أنا زيدا غير ~~ضارب " دون " أنا زيدا مثل ضارب " ، و " اثنان " على هذين ~~الوجهين الأخيرين يرتفعان على أحد وجهين: إما الفاعلية أي: " يشهد ~~اثنان " يدل عليه لفظ " شهادة " ، وإما على خبر مبتدأ محذوف ~~مدلول عليه ب " شهادة " أيضا أي: الشاهدان اثنان. # الخامس: أن " شهادة " مبتدأ، و " اثنان " فاعل سد مسد ~~الخبر، ذكره أبو البقاء وغيره، وهو مذهب الفراء، إلا أن الفراء ~~قدر الشهادة واقعة موقع فعل الأمر؛ كأنه قال: " ليشهد ~~اثنان " ، فجعله من باب نيابة المصدر عن فعل الطلب، وهو ~~مثل " الحمد لله " و # قال سلام # [هود: 69]؛ من حيث المعنى، وهذا مذهب لبعضهم في نحو: " ضربي زيدا ~~قائما " يدعي أن الياء فاعل سدت مسد الخبر، وهذا مذهب ~~ضعيف رده النحويون، ويخصون ذلك بالوصف المعتمد على نفي ~~أو استفهام؛ نحو: " أقائم أبواك " وعلى هذا المذهب ف " إذا " و " ~~حين " ظرفان منصوبان على ما تقرر فيهما في غير هذا الوجه؛ وقد ~~تحصلنا فيما تقدم أن رفع " شهادة " من وجه ms3273 واحد؛ وهو ~~الابتداء، وفي خبرها خمسة أوجه تقدم ذكرها مفصلة، وأن رفع ~~" اثنان " من خمسة أوجه: # الأول: كونه خبرا ل " شهادة " بالتأويل المذكور. # الثاني: أنه فاعل ب " شهادة ". # الثالث: أنه فاعل ب " يشهد " مقدرا. # الرابع: أنه خبر مبتدأ، أي: الشاهدان اثنان. # الخامس: أنه فاعل سد مسد الخبر، وأن في " إذا " وجهين: إما ~~النصب على الظرفية، وإما الرفع على الخبرية ل " شهادة ~~" ، وكل هذا بين مما لخصته قبل، وقراءة الحسن برفعها منونة ~~تتوجه بما تقدم في قراءة الجمهور من غير فرق. # وأما قراءة النصب، ففيها ثلاثة أوجه: # أحدها - وإليه ذهب ابن جني -: أنها منصوبة بفعل مضمر، و " اثنان " ~~مرفوع بذلك الفعل، والتقدير: ليقم شهادة بينكم اثنان، وتبعه ~~الزمخشري. وقد رد أبو حيان هذا؛ بأن حذف الفعل وإبقاء فاعله، لم ~~يجزه النحويون، إلا أن يشعر به ما قبله؛ كقوله تعالى: # يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال # [النور: 36 - 37] في قراءة ابن عامر وأبي بكر، أي: يسبحه رجال؛ ~~ومثله: [الطويل] # 2062- ليبك يزيد ضارع لخصومة # ومختبط مما تطيح الطوائح # وفيه خلاف: هل ينقاس أو لا؟ أو يجاب به نفي؛ كقوله: [الطويل] # 2063- تجلدت حتى قيل: لم يعر قلبه # من الوجد شيء قلت: بل أعظم الوجد # أي: بل عراه أعظم الوجد، أو يجاب به استفهام؛ كقوله: [الطويل] # 2064- ألا هل أتى أم الحويرث مرسلي # نعم خالد إن لم تعقه العوائق # أي: بل أتاها أو يأتيها، وما نحن فيه ليس من الأشياء الثلاثة. # الثاني: أن " شهادة " بدل من اللفظ بفعل، أي: إنها مصدر ناب مناب ~~الفعل، فيعمل عمله، والتقدير: ليشهد اثنان، ف " اثنان " ~~فاعل بالمصدر، لنيابته مناب الفعل، أو بذلك الفعل المحذوف، على حسب ~~الخلاف في أصل المسألة، وإنما قدرته " ليشهد اثنان " ، ~~فأتيت به فعلا مضارعا مقرونا بلام الأمر، ولم أقدره فعل أمر ~~بصيغة " افعل "؛ كما يقدره النحويون في نحو: " ضربا زيدا ~~" ، أي: " اضرب " لأن هذا قد رفع ظاهرا وهو " اثنان " ، وصيغة " ~~افعل " لا ترفع إلا ضميرا مستترا إن كان المأمور واحدا؛ ومثله ~~قوله: [الطويل] # 2065-................................ # فندلا زريق المال ms3274 ندل الثعالب # ف " زريق " يجوز أن يكون منادى، أي: يا زريق، والثاني: أنه ~~مرفوع ب " ندلا " على أنه واقع " ليندل " ، وإنما حذف ~~تنوينه؛ لالتقاء الساكنين؛ على حد قوله: [الطويل] # 2066-................................ # ولا ذاكر الله إلا قليلا # الثالث: أن " شهادة " بدل من اللفظ بفعل أيضا، إلا أن هذا ~~الفعل خبري، وإن كان أقل من الطلبي، نحو: " حمدا وشكرا لا ~~كفرا " ، و " اثنان " أيضا فاعل به، تقديره: يشهد شهادة ~~اثنان، وهذا أحسن التخاريج المذكورة في قول امرىء القيس: [الطويل] # 2067- وقوفا بها صحبي علي مطيهم # ................................ # " وقوفا " مصدر بدل من فعل خبري رفع " صحبي " ونصب " ~~مطيهم " تقديره: وقف صحبي، وقد تقدم أن الفراء في قراءة ~~الرفع قدر أن " شهادة " واقعة موقع فعل، وارتفع " اثنان " بها، ~~وقد تقدم أن ذلك يجوز أن يكون مما سد فيه الفاعل مسد الخبر، و ~~" بينكم " في قراءة من نون " شهادة " نصب على الظرف، وهي ~~واضحة. # وأما قراءة الجر فيها، فمن باب الاتساع في الظروف، أي: ~~بجعل الظرف كأنه مفعول لذلك الفعل، ومثله: # هذا فراق بيني وبينك # [الكهف: 78] وكقوله تعالى: " لقد تقطع بينكم " [الأنعام: ~~94] فيمن رفع، قال أبو حيان: " وقال الماتريدي - وتبعه الرازي -: ~~إن الأصل " ما بينكم " فحذف " ما " ، قال الرازي: و " ~~بينكم " كناية عن التنازع؛ لأنه إنما يحتاج إلى الشهود عند ~~التنازع، وحذف " ما " جائز عند ظهوره؛ ونظيره كقوله تعالى: { لقد ~~تقطع بينكم } في قراءة من نصب " قال أبو حيان: " وحذف " ~~ما " الموصولة غير جائز عند البصريين، ومع الإضافة لا يصح ~~تقدير " ما " ألبتة، وليس قوله { هذا فراق بيني } نظير { لقد ~~تقطع بينكم } لأن هذا مضاف، وذلك باق على ظرفيته ~~فيتخيل فيه حذف " ما "؛ بخلاف { هذا فراق بيني } و { ~~شهادة بينكم }؛ فإنه لا يتخيل فيه تقدير " ما "؛ لأن ~~الإضافة أخرجته عن الظرفية وصيرته مفعولا به على السعة ~~" ، قال شهاب الدين: هذا الذي نقله الشيخ عنهما قاله أبو علي ~~الجرجاني بعينه، قال - رحمه الله تعالى -: { شهادة بينكم ~~} ، أي: ما بينكم، و " ما بينكم " كناية عن التنازع ~~والتشاجر، ثم أضاف الشهادة إلى التنازع؛ ms3275 لأن الشهود إنما يحتاج ~~إليهم في التنازع الواقع فيما بين القوم، والعرب تضيف الشيء إلى ~~الشيء، إذا كان منه بسبب؛ كقوله تعالى: # ولمن خاف مقام ربه # [الرحمن: 46]، أي: مقامه بين يدي ربه، والعرب تحذف ~~كثيرا ذكر " ما " و " من " في الموضع الذي يحتاج إليهما فيه؛ ~~كقوله: # وإذا رأيت ثم # [الإنسان: 20] أي: ما ثم، وكقوله: # هذا فراق بيني وبينك # [الكهف: 78] و # لقد تقطع بينكم # [الأنعام: 94] أي ما بيني، وما بينكم، وقول أبي حيان " لا ~~يتخيل فيه تقدير " ما " إلى آخره " ممنوع؛ لان حالة الإضافة لا ~~تجعلها صلة للموصول المحذوف، ولا يلزم من ذلك: أن تقدرها ~~من حيث المعنى، لا من حيث الإعراب؛ نظرا إلى الأصل، وأما حذف ~~الموصول، فقد تقدم تحقيقه. # فصل # واختلفوا في هاتين الآيتين، فقال قوم: هما الشاهدان ~~يشهدان على وصية. # وقال غيرهم: هما الوصيان؛ لأن الآية نزلت فيهما؛ ولأنه ~~قال: { تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان } ، ولا ~~يلزم الشاهد يمين، وجعل الوصي اثنين تأكيدا، فعلى ~~هذا تكون الشهادة بمعنى: الحضور، كقولك: " شهدت وصية ~~فلان " ، بمعنى: حضرت وشهدت العين، وقوله تعالى: # وليشهد عذابهما طآئفة من المؤمنين # [النور: 2] يريد الحضور. # فصل # وقوله: " ذوا " صفة لاثنين، أي: صاحبا عدل، وكذلك قوله " منكم ~~" صفة أيضا لاثنين، وقوله: " أو آخران " نسق على اثنين، و " من ~~غيركم " صفة لآخرين، والمراد ب " منكم " من قرابتكم ~~وعترتكم، ومن غيركم من المسلمين الأجانب، وقيل: " منكم " من أهل ~~دينكم، و " من غيركم " من أهل الذمة، ورجح النحاس الأول، ~~فقال: " هذا ينبني على معنى غامض في العربية، وذلك أن معنى " ~~آخر " في العربية من جنس الأول تقول: " مررت بكريم ~~وكريم آخر " ولا يجوز " وخسيس آخر " ولا: " مررت بحمار ~~ورجل آخر " ، فكذا هاهنا يجب أن يكون " أو آخران ": أو عدلان ~~آخران، والكفار لا يكونون عدولا " ورد أبو حيان ذلك؛ فقال: ~~أما ما ذكره من المثل، فصحيح؛ لأنه مثل بتأخير " آخر " ، ~~وجعله صفة لغير جنس الأول، وأما الآية، فمن قبيل ما يقدم فيه " ~~آخر " على الوصف، واندرج " آخر " في الجنس الذي قبله، ms3276 ولا يعتبر ~~وصف جنس الأول، تقول: " مررت برجل مسلم وآخر كافر، ~~واشتريت فرسا سابقا، وآخر بطيئا " ، ولو أخرت " ~~آخر " في هذين المثالين، فقلت: " مررت برجل مسلم كافر ~~آخر " ، لم يجز، وليس الآية من هذا؛ لأن تركيبها { اثنان ذوا ~~عدل منكم أو آخران من غيركم } ف " آخران " من ~~جنس قوله " اثنان " ، ولا سيما إذا قدرته: " رجلان اثنان " ~~ف " آخران " هما من جنس قوله " رجلان اثنان " ، ولا ~~يعتبر وصف قوله: { ذوا عدل منكم } ، وإن كان مغايرا لقوله ~~" من غيركم " ، كما لا يعتبر وصف الجنس في قولك: " عندي ~~رجلان اثنان مسلمان وآخران كافران "؛ إذ ليس من شرط " ~~آخر " إذا تقدم أن يكون من جنس الأول بقيد وصفه، وعلى ما ذكرته جاء ~~لسان العرب؛ قال الشاعر: [البسيط] # 2068- كانوا فريقين يصفون الزجاج على # قعس الكواهل في أشداقها ضخم # وآخرين ترى الماذي فوقهم # من نسج داود أو ما أورثت إرم # التقدير: كانوا فريقين: فريقا - أو ناسا - يصفون الزجاج، ثم قال: ~~" وآخرين ترى الماذي، ف " آخرين " من جنس قولك " فريقا " ، ~~ولم يعتبره بوصفه بقوله " يصفون الزجاج "؛ لأنه قسم من ذكر إلى ~~قسمين متباينين بالوصف متحدين بالجنس " ، قال: " وهذا الفرق قل ~~من يفهمه؛ فضلا عمن يعرفه ". # وقوله: " أو " الظاهر أنها للتخيير، وهو واضح على القول بأن معنى " ~~من غيركم ": من غير أقاربكم من المسلمين، يعني: الموصي ~~مخير بين أن يشهد اثنين من أقاربه، أو من الاجانب ~~المسلمين وقيل: " أو " للترتيب: أي: لا يعدل عن شاهدين منكم إلا ~~عند فقدهما، وهذا لا يجيء إلا إذا قلنا: " من غيركم ": ~~من غير أهل ملتكم. # قوله: " إن أنتم " " أنتم " مرفوع بمحذوف يفسره ما بعده، وهي ~~مسألة الاشتغال، والتقدير: إن ضربتم، فلما حذف الفعل، انفصل ~~الضمير، وهذا مذهب جمهور البصريين، وذهب الأخفش منهم والكوفيون ~~إلى جواز وقوع المبتدأ بعد " إن " الشرطية؛ كما أجازوه بعد " إذا " ~~أيضا، ف " ضربتم " لا محل له عند الجمهور؛ لكونه مفسرا، ~~ومحله الرفع عند الكوفيين والأخفش؛ لكونه خبرا؛ ونحوه: # وإن أحد من المشركين استجارك # [التوبة: 6]، # إذا الشمس كورت # [التكوير: ms3277 1]. وجواب الشرط محذوف يدل عليه قوله تعالى: { اثنان ~~ذوا عدل منكم أو آخران } ، ولكن تقدير هذا الجواب ~~يتوقف على خلاف في هذا الشرط: هل هو قيد في أصل الشهادة، أو قيد ~~في { آخران من غيركم } فقط؟ بمعنى: أنه لا يجوز العدول في ~~الشهادة على الوصية إلى أهل الذمة، إلا بشرط الضرب في الأرض، وهو ~~السفر، فإن قيل: هو شرط في أصل الشهادة، فتقدير الجواب: إن ~~ضربتم في الأرض، فليشهد اثنان منكم أو من غيركم، وإن ~~كان شرطا في العدول إلى آخرين من غير الملة، فالتقدير: ~~فأشهدوا آخرين من غيركم، أو فالشاهد آخران من غيركم، ~~فقد ظهر أن الدال على جواب الشرط: إما مجموع قوله: " اثنان ~~ذوا عدل... إلى آخره " على القول الأول، وإما { أو آخران ~~من غيركم } فقط على القول الثاني. # والفاء في " فأصابتكم " عاطفة هذه الجملة على نفس الشرط، وقوله ~~تعالى: { تحبسونهما من بعد الصلاة } فيه وجهان: # أحدهما: أنها في محل رفع صفة ل " آخران "؛ وعلى هذا: فالجملة ~~الشرطية وما عطف عليها معترضة بين الصفة وموصوفها؛ فإن قوله " ~~تحبسونهما " صفة لقوله " آخران " ، وإلى هذا ذهب الفارسي، ~~ومكي بن أبي طالب، والحوفي، وأبو البقاء، وابن عطية، وقد أوضح ~~الفارسي ذلك بعبارة خاصة، فقال: " تحبسونهما " صفة ل " ~~آخران " واعترض بقوله: { إن أنتم ضربتم في الأرض } ، وأفاد ~~الاعتراض: أن العدول إلى آخرين من غير الملة، أو القرابة حسب ~~اختلاف العلماء فيه؛ إنما يكون مع ضرورة السفر، وحلول الموت ~~فيه، واستغني عن جواب " إن "؛ لما تقدم في قوله { آخران من ~~غيركم } ، فقد ظهر من كلامه: أنه يجعل الشرط قيدا في { آخران ~~من غيركم } فقط لا قيدا في أصل الشهادة، فتقدير الجواب على ~~رأيه؛ كما تقدم: " فاستشهدوا آخرين من غيركم " أو " ~~فالشاهدان آخران من غيركم ". # والثاني: أنه لا محل له؛ لاستئنافه، وإليه ذهب الزمخشري؛ قال: " ~~فإن قلت: ما موقع قوله: " تحبسونهما "؟ قلت: هو استئناف ~~كلام، كأنه قيل بعد اشتراط العدالة فيهما: فكيف نعمل، إن ~~ارتبنا فيهما؟ فقيل: تحبسونهما " ، وهذا الذي ذكره الزمخشري ~~أوفق للصناعة؛ ms3278 لأنه يلزم في الأول الفصل بكلام طويل بين الصفة ~~وموصوفها، وقال: " بعد اشتراط العدالة "؛ بناء على مختاره في قوله: { ~~أو آخران من غيركم } ، أي: أو عدلان آخران من الأجانب. # قال أبو حيان: " في قوله: " إن أنتم ضربتم " إلى آخره التفات ~~من الغيبة إلى الخطاب، إذ لو جرى على لفظ { إذا حضر أحدكم الموت ~~} ، لكان التركيب: إن هو ضرب في الأرض، فأصابته، وإنما جاء ~~الالتفات جمعا؛ لأن " أحدكم " معناه: إذا حضر كل واحد منكم ~~الموت " ، وفيه نظر؛ لأن الخطاب جار على أسلوب الخطاب الأول من ~~قوله: { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم } إلى آخره، ~~وقال ابن عباس: " في الكلام حذف، تقديره: فأصابتكم مصيبة الموت، ~~وقد أشهدتموهما على الإيصاء " ، وعن سعيد بن جبير: تقديره " وقد ~~أوصيتم " ، قال بعضهم: " هذا أولى؛ لأن الوصي يحلف، ~~والشاهد لا يحلف ". والخطاب في " تحبسونهما " لولاة ~~الأمور لا لمن خوطب بإصابته الموت؛ لأنه يتعذر ذلك فيه، و " ~~من بعد " متعلق ب " تحبسونهما " ، ومعنى الحبس: ~~المنع، يقال: حبست وأحبست فرسي في سبيل الله، فهو ~~محبس وحبيس، ويقال لمصنع الماء: " حبس "؛ لأنه يمنعه، ~~ويقال: " حبست " بالتشديد أيضا بمعنى وقفت وسبلت؛ وقد يكون ~~التشديد للتكثير في الفعل؛ نحو: " حبست الرجال " ، والألف ~~واللام في " الصلاة " فيها قولان: # أحدهما: أنها للجنس، أي: بعد أي صلاة كانت. # والثاني - وهو الظاهر - أنها للعهد كما سيأتي - إن شاء الله تعالى -. # فصل # معنى الآية: أن الإنسان إذا حضره الموت، أن يشهد اثنين ~~ذوي عدل أي: أمانة وعقل. # ومعنى قوله: " منكم " أي: أهل دينكم يا معشر المؤمنين، { ~~أو آخران من غيركم } ، من غير دينكم قول أكثر ~~المفسرين، قاله ابن عباس، وأبو موسى الأشعري، وهو قول ~~سعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير [وشريح]، ~~ومجاهد، وعبيدة، ثم اختلف هؤلاء في حكم الآية. # فقال النخعي، وجماعة: هي منسوخة، وكانت شهادة أهل ~~الذمة مقبولة في الابتداء، ثم نسخت، وذهب قوم ~~إلى أنها ثابتة، وقالوا: إذا لم يجد مسلمين يشهد ~~كافرين قال شريح: من كان بأرض غربة، ولم يجد ~~مسلما يشهد ms3279 على وصيته، فأشهد كافرين على أي دين ~~كانا من أهل الكتاب، أو عبدة الأوثان، فشهادتهم ~~جائزة، ولا تجوز شهادة كافر على مسلم إلا على وصية ~~في سفر. # وعن الشعبي: أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة ~~بدقوقا، ولم يجد مسلما يشهده على وصيته، فأشهد ~~رجلين من أهل الكتاب، فقدما الكوفة بتركته وأتيا أبا ~~موسى الأشعري. # فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأحلفهما بالله ما خانا ولا ~~كذبا، ولا بدلا، ولا غيرا، وأنها لوصية الرجل وتركته، ~~وأمضى شهادتهما وقال آخرون: قوله: { ذوا عدل منكم } أي: من ~~حي الموصي، { أو آخران من غيركم } ، أي: من غير ~~حيكم وعشيرتكم، وهو قول الحسن والزهري وعكرمة ~~[وجمهور الفقهاء]، وقالوا: لا يجوز شهادة كافر في شيء من ~~الأحكام. # وقوله تعالى: { إن أنتم ضربتم في الأرض } ، أي: إن ~~وقع الموت في السفر، ولم يكن معكم أحد من ~~المسلمين، أو من أقاربكم، فاستشهدوا أجنبيين على ~~الوصية، إما من ملتكم، أو من غير ملتكم على الخلاف. # واحتج من قال: المراد بقوله: " من غيركم ": الكفار؛ ~~بأنه تعالى قال في أول الآية: { يا أيها الذين آمنوا } ~~فعم بهذا الخطاب جميع المؤمنين، فلما قال بعده " من ~~غيركم " كان المراد غير المؤمنين. # وأيضا كما شرط هذا الاستشهاد بحالة السفر علمنا أن ~~المراد بالآية: الكفار؛ لأن جواز الاستشهاد بالمسلم غير ~~مشروط بالسفر. # وأيضا فالآية تدل على وجوب تحليف الشاهدين بعد الصلاة، ~~والإجماع على أن الشاهد المسلم، لا يجب عليه الحلف، ~~فعلمنا أن هذين الشاهدين ليسا من المسلمين وأيضا بسبب ~~النزول، ما ذكرنا من شهادة النصرانيين، وقصة أبي ~~موسى الأشعري، إذ قضى بشهادة اليهوديين، ولم ينكر ~~عليه أحد من الصحابة، فكان إجماعا، فهذه حالة ضرورة، ~~والضرورات قد تبيح المحظورات، كجواز التيمم، ~~والقصر، والفطر في رمضان، وأكل الميتة في حال الضرورة، ~~والمسلم إذا حضره الموت في السفر، ولم يجد مسلما ~~يشهده على وصيته، ولم تكن شهادة الكافرين مقبولة، ~~فإنه يضيع أكثر مهماته، وربما كان عنده ودائع ms3280 ~~وديون في ذمته. # كما تجوز شهادة النساء فيما يتعلق بأحوالهن، كالحيض ~~والحبل والولادة والاستهلال؛ لعدم إمكان وقوف الرجال ~~على هذه الأحوال، فاكتفي بشهادة النساء فيها للضرورة، فكذا ~~هاهنا، والقول بأن هذا الحكم صار منسوخا بعيد؛ ~~لاتفاق أكثر الأمة على أن سورة المائدة من آخر ما نزل ~~من القرآن، وليس فيها منسوخ، واحتج الآخرون بقوله تعالى: # وأشهدوا ذوي عدل منكم # [الطلاق: 2]، والكافر لا يكون عدلا. # وأجيب بأنه لم لا يجوز أن يكون المراد بالعدل من كان ~~عدلا في الاحتراز عن الكذب، لا من كان عدلا في الدين ~~والاعتقاد؛ لإجماعنا على قبول شهادة أهل الأهواء والبدع، ~~مع أنهم ليسوا عدولا في مذاهبهم عندنا لكفرهم، ~~[ولكنهم] لما كانوا عدولا في الاحتراز عن الكذب، قبلنا ~~شهادتهم، فكذا هاهنا. سلمنا أن الكافر ليس بعدل، ~~إلا أن قوله: " ذوي عدل منكم " عام، وقوله: { أو ~~آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض } ~~خاص؛ فإنه أوجب شهادة العدل منا في الحضر، واكتفى ~~بشهادة من لا يكون منا في السفر، فهذه الآية ~~خاصة، والآية التي ذكروها عامة، والخاص مقدم على العام، ~~لا سيما إذا كان الخاص متأخرا في النزول، والمائدة ~~متأخرة، فكان تقديم هذه الآية الخاصة واجب ~~بالاتفاق. # وقوله: " تحبسونهما " أي: تستوقفونهما من بعد صلاة أهل ~~دينهما. # وقال عامة المفسرين: من بعد صلاة العصر، قاله الشعبي، ~~والنخعي، وسعيد بن جبير، وقتادة وغيرهم؛ لأن جميع أهل ~~الأديان يعظمون ذلك الوقت، ويجتنبون فيه الحلف ~~الكاذب. # وقال الحسن: من بعد صلاة الظهر. # واحتج الجمهور بما تقدم، وبأنه روي أنه لما نزلت ~~هذه الآية، صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر، ودعا ~~ب " عدي " و " تميم " فأستحلفهما عند المنبر. # وقال بعضهم: بعد أداء أي صلاة كانت؛ لأن الصلاة تنهى عن ~~الفحشاء والمنكر. # قال بعض العلماء: الأيمان تغلظ في الدماء، والطلاق، ~~والعتاق، والمال إذا بلغ مائتي درهم بالزمان والمكان، ~~فيحلف بعد صلاة العصر بمكة بين الركن والمقام، وفي ~~المدينة عند المنبر، وفي بيت المقدس عند الصخرة، وفي ~~سائر البلدان في أشرف ms3281 المساجد. # وقال أبو حنيفة: لا يختص الحلف بزمان ولا مكان. # قوله: " فيقسمان " في هذه الفاء وجهان: # أظهرهما: أنها عاطفة هذه الجملة على جملة قوله: " تحبسونهما " ، ~~فتكون في محل رفع، أو لا محل لها حسبما تقدم من الخلاف. # والثاني: أنها فاء الجزاء، أي: جواب شرط مقدر، وقال الفارسي: " ~~وإن شئت، لم تجعل الفاء؛ لعطف جملة، بل تجعله جزاء؛ كقول ذي ~~الرمة: [الطويل] # 2069- وإنسان عيني يحسر الماء تارة # فيبدو، وتارات يجم فيغرق # تقديره عندهم: إذا حسر بدا، وكذا في الآية: إذا حبستموهما ~~أقسما ". [وقال مكي نحوه؛ فإنه قال: " ويجوز أن تكون الفاء جواب ~~جزاء؛ لأن " تحبسونهما " معناه الأمر بذلك، وهو جواب الأمر ~~الذي دل عليه الكلام؛ كأنه قيل: إذا حبستموهما أقسما " ] ~~قال شهاب الدين: ولا حاجة داعية إلى شيء من تقدير شرط محذوف، وأيضا: ~~فإنه يحوج إلى حذف مبتدأ قبل قوله " فيقسمان " ، أي: فهما ~~يقسمان، وأيضا ف " إن تحبسوهما " تقدم أنها صفة، فكيف ~~يجعلها بمعنى الأمر، والطلب لا يقع وصفا؟ وأما البيت الذي ~~أنشده أبو علي، فخرجه النحويون على أن " يحسر الماء ~~تارة " جملة خبرية، وهي وإن لم يكن فيها رابط، فقد عطف عليها ~~جملة فيها رابط بالفاء السببية، وفاء السببية جعلت الجملتين ~~شيئا واحدا. # و " بالله " متعلق بفعل القسم، وقد تقدم أنه لا يجوز إظهار فعل ~~القسم إلا معها؛ لأنها أم الباب، وقوله: { لا نشتري به } جواب ~~القسم المضمر في " يقسمان " ، فتلقي بما يتلقى به، وقوله: ~~" إن ارتبتم " شرط، وجوابه محذوف، تقديره: إن ارتبتم فيهما، ~~فحلفوهما، وهذا الشرط وجوابه المقدر معترض بين القسم وجوابه. # والمعنى: إن ارتبتم في شأنهما فحلفوهما، وهذا الشرط ~~حجة من يقول: الآية نازلة في إشهاد الكفار؛ لأن ~~تحليف الشاهد المسلم غير مشروع. # ومن قال: الآية نازلة في المسلم قال: إنها منسوخة. # وعن علي - رضي الله عنه -: أنه كان يحلف الشاهد ~~والراوي عند التهمة. وليس هذه الآية مما اجتمع فيه شرط ~~وقسم، فأجيب سابقهما، وحذف جواب الآخر؛ لدلالة جوابه عليه؛ ~~لأن تلك المسألة شرطها أن يكون جواب القسم ms3282 صالحا لأن يكون جواب ~~الشرط؛ حتى يسد مسد جوابه؛ نحو: " والله إن تقم ~~لأكرمنك " ، لأنك لو قدرت " إن تقم أكرمتك " ، صح، ~~وهنا لا يقدر جواب الشرط ما هو جواب للقسم، بل يقدر جوابه ~~قسما برأسه؛ ألا ترى أن تقديره هنا: " إن ارتبتم، ~~حلفوهما " ولو قدرته: إن ارتبتم، فلا نشتري، لم يصح، ~~فقد اتفق هنا أنه اجتمع شرط وقسم، وقد أجيب سابقهما، وحذف جواب ~~الآخر، وليس من تيك القاعدة، وقال الجرجاني: " إن ثم ~~قولا محذوفا، تقديره: يقسمان بالله ويقولان هذا القول في ~~أيمانهما، والعرب تضمر القول كثيرا؛ كقوله تعالى: # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام ~~عليكم # [الرعد:23-24] أي: يقولون سلام عليكم " ، قال شهاب الدين: ولا ~~أدري ما حمله على إضمار هذا القول؟. # قوله: " به " في هذه الهاء ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها تعود على الله تعالى. # الثاني: أنها تعود على القسم. # الثالث: وهو قول أبي علي -: أنها تعود على تحريف الشهادة، وهذا قوي ~~من حيث المعنى، وقال أبو البقاء: " تعود على الله، أو القسم، أو ~~الحلف، أو اليمين، أو تحريف الشهادة، أو على الشهادة؛ لأنها قول " ~~، قال شهاب الدين: قوله " أو الحلف أو اليمين " لا فائدة فيه؛ إذ ~~هما شيء واحد، وكذلك قول من قال: إنها تعود على الله تعالى، لا بد أن ~~يقدر مضافا محذوفا، أي: لا نشتري بيمين الله أو قسمه ~~ونحوه؛ لأن الذات المقدسة لا يقال فيها ذلك، وقال مكي: " وقيل: ~~الهاء تعود على الشهادة، لكن ذكرت؛ لأنها قول كما قال تعالى: # فارزقوهم منه # [النساء: 8] فرد الهاء على المقسوم؛ لدلالة القسمة على ذلك " ، ~~والاشتراء هنا، هل هو باق على حقيقته، أو يراد به البيع؟ قولان، ~~أظهرهما الأول، وبيان ذلك مبني على نصب " ثمنا " ، وهو منصوب على ~~المفعولية، قال الفارسي: " وتقديره: لا نشتري به ذا ثمن؛ ألا ~~ترى أن الثمن لا يشترى، وإنما يشترى ذو الثمن " ، قال: " وليس ~~الاشتراء هنا بمعنى البيع، وإن جاء لغة، لأن البيع إبعاد عن ~~البائع، وليس المعنى عليه، إنما معناه التمسك به والإيثار له ms3283 على ~~الحق " ، وقد نقل أبو حيان هذا الكلام بعينه ولم يعزه لأبي علي. # وقال مكي: " معناه ذا ثمن، لأن الثمن لا يشترى، إنما ~~يشترى ذو الثمن، وهو كقوله: # اشتروا بآيات الله ثمنا # [التوبة: 9]، أي ذا ثمن " ، وقال غيره: " إنه لا يحتاج إلى حذف ~~مضاف " ، قال أبو البقاء: " ولا حذف فيه؛ لأن الثمن يشترى كما ~~يشترى به، وقيل: التقدير: ذا ثمن " ، وقال بعضهم: " لا ~~نشتري: لا نبيع بعهد الله بغرض نأخذه؛ كقوله تعالى: # إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا ~~قليلا # [آل عمران: 77]، فمعنى الآية: لا نأخذ بعهد الله ثمنا؛ بأن نبيعه ~~بعرض من الدنيا " قال الواحدي: " ويستغنى بهذا عن كثير من ~~تكلف أبي علي، وهذا معنى قول القتيبي والجرجاني ". # قوله تعالى: { ولو كان ذا قربى } الواو هنا كالتي سبقت ~~في قوله: # أولو كان آباؤهم لا يعقلون # [البقرة: 170] من أنها يحتمل أن يقال عاطفة، أو حالية، وأن جملة ~~الامتناع حال معطوفة على حال مقدرة؛ كقوله: " أعطوا السائل، ~~ولو على فرس " ، فكذا هنا تقديره: لا نشتري به ثمنا في كل حال، ~~ولو كان الحال كذا، واسم " كان " مضمر فيها يعود على المشهود له، ~~أي: ولو كان المشهود له ذا قرابة. # قوله: { ولا نكتم شهادة الله } الجمهور على رفع ميم " ~~نكتم " على أن " لا " نافية، والجملة تحتمل وجهين: # أحدهما - وهو الظاهر -: كونها نسقا على جواب القسم، فتكون أيضا ~~مقسما عليها. # والثاني: أنه إخبار من أنفسهم بأنهم لا يكتمون الشهادة؛ ويتأيد ~~بقراءة الحسن والشعبي: " ولا نكتم " على النهي، وهذه ~~القراءة جاءت على القليل؛ من حيث إن دخول " لا " الناهية على فعل ~~المتكلم قليل؛ ومنه: [الطويل] # 2070- إذا ما خرجنا من دمشق فلا نعد # بها أبدا ما دام فيها الجراضم # والجمهور على " شهادة الله " بالإضافة، وهي مفعول بها، وأضيفت إليه ~~تعالى؛ لأنه هو الآمر بها وبحفظها، وألا تكتم، ولا تضيع، ~~وقرأ علي رضي الله عنه ونعيم بن ميسرة والشعبي في ~~رواية: " شهادة الله " بتنوين شهادة، ونصبها، ونصب الجلالة، وهي واضحة، ~~ف " شهادة " مفعول ثان، والجلالة نصب ms3284 على التعظيم وهي الأول، ~~والأصل: ولا نكتم الله شهادة؛ وهو كقوله: # ولا يكتمون الله حديثا # [النساء: 42] وإنما قدمت هنا للاهتمام بها؛ فإنها المحدث عنها، ~~وفيها وجه ثان - نقله الزهراوي - وهو: أن تكون الجلالة نصبا على ~~إسقاط حرف القسم، والتقدير: ولا نكتم شهادة والله، فلما ~~حذف حرف الجر، نصب المقسم به، ولا حاجة إليه؛ لأنه يستدعي ~~حذف المفعول الأول للكتمان، أي: ولا نكتم أحدا شهادة والله، ~~وفيه تكلف وإليه ذهب أبو البقاء أيضا قال: " على أنه منصوب بفعل ~~القسم محذوفا ". # ويروى عن أبي جعفر " شهادة " منونة " ألله " بقطع ~~الألف وكسر الهاء، من غير استفهام على ابتداء اليمين، أي: ~~والله { إنآ إذا لمن الآثمين } ، أي: إن كتمناها ~~نكون من الآثمين. # وقرأ علي - رضي الله عنه - والسلمي والحسن البصري: " شهادة ~~" بالتنوين والنصب، " آلله " بمد الألف التي للاستفهام، دخلت ~~للتقرير، وتوقيف نفوس الخلق الحالفين، وهي عوض عن حرف القسم ~~المقدر ثم. وهل الجر بها أم بالحرف المحذوف؟ خلاف. وقرأ ~~الشعبي في رواية وغيره: " شهاده " بالهاء ويقف عليها، ثم يبتدىء ~~" آلله " بقطع همزة الوصل وبمد الهمزة على أنها للاستفهام بالمعنى ~~المتقدم، وجر الجلالة، وهمزة القطع تكون عوضا من حرف القسم في ~~هذا الاسم الشريف خاصة، تقول: يا زيد، ألله، لأفعلن، والذي ~~يعوض من حرف القسم في هذا الاسم الشريف خاصة ثلاثة: ألف ~~الاستفهام، وقطع همزة الوصل، وها التي للتنبيه؛ نحو: " ها الله " ، ~~ويجوز مع " ها " قطع همزة الجلالة ووصلها، وهل الجر بالحرف ~~المقدر، أو بالعوض؟ تقدم أن فيه خلافا، ولو قال قائل: إن قولهم " ~~الله، لأفعلن " بالجر وقطع الهمزة؛ بأنها همزة استفهام لم يرد ~~قوله، فإن قيل: همزة الاستفهام، إذا دخلت على همزة الوصل التي مع ~~لام التعريف، أو ايمن في القسم، وجب ثبوت همزة الوصل، وحينئذ إما: ~~أن تسهل، وإما أن تبدل ألفا، وهذه لم تثبت بعدها همزة ~~وصل، فتعين أن تكون همزة وصل قطعت عوضا عن حرف القسم، فالجواب: ~~أنهم إنما أبدلوا ألف الوصل أو سهلوها بعد همزة الاستفهام؛ فرقا ~~بين الاستفهام والخبر، ms3285 وهنا اللبس مأمون فإن الجر في الجلالة ~~يؤذن بذلك؛ فلا حاجة إلى بقاء همزة الوصل مبدلة أو مسهلة، ~~فعلى هذا قراءة: ألله، وآلله بالقصر والمد تحتمل الاستفهام، وهو ~~تخريج حسن، قال ابن جني في هذه القراءة: " الوقف على " شهاده " بسكون ~~الهاء، واستئناف القسم - حسن؛ لأن استئنافه في أول الكلام أوجه ~~له وأشد هيبة من أن يدخل في عرض القول " ، ورويت هذه ~~القراءة - أعني: " ألله " بقطع الألف من غير مد وجر الجلالة - عن ~~أبي بكر عن عاصم وتقدم أيضا أنها رويت عن أبي جعفر، وقرئ: " ~~شهادة الله " بنصب الشهادة منونة، وجر الجلالة موصولة الهمزة، ~~على أن الجر بحرف القسم المقدر من غير عوض منه بقطع، ولا ~~همزة استفهام، وهو مختص بذلك. # وقوله تعالى: { إنآ إذا لمن الأثمين } هذه الجملة لا ~~محل لها؛ لأنها استئنافية، أخبروا عن أنفسهم بأنهم من الآثمين، إن ~~كتموا الشهادة؛ ولذلك أتوا ب " إذن " المؤذنة بالجزاء والجواب، ~~وقرأ الجمهور: " لمن الآثمين " من غير نقل، ولا إدغام، وقرأ ابن ~~محيصن والأعمش: " لملآثمين " بإدغام نون " من " في لام التعريف، ~~بعد أن نقل إليها حركة الهمزة في " آثمين " ، فاعتد بحركة النقل ~~فأدغم، وهي نظير قراءة من قرأ: " عادا لولى " [النجم: 50] ~~بالإدغام، على ما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى. # فصل في معنى الآية # ومعنى الآية: إنكم إذا سافرتم في الأرض، فأصابتكم مصيبة ~~الموت، فأوصيتم إليهما، ودفعتم إليهما مالك، فاتهمهما ~~بعض الورثة، وادعوا عليهما خيانة فما الحكم فيه؟ # " أن تحبسونهما " أي: تستوقفونهما بعد الصلاة. # قال السدي: بعد صلاة أهل دينهما؛ لأنهما لا يباليان ~~بصلاة العصر، ولا صلاة الظهر على ما تقدم، فيحلفان { ~~بالله إن ارتبتم } أي: شككتم ووقعت لكم الريبة في ~~قول الشاهدين وصدقهما، إذا كانا من غير دينكم، فإن كانا ~~مسلمين فلا يمين عليهما { لا نشتري به ثمنا } ، أي: لا ~~نحلف بالله كاذبين على عوض نأخذه، أو حق نجحده { ~~ولو كان ذا قربى } ، ولو كان المشهود له ذا قرابة ~~منا. # وقيل: لو كان ذلك الشيء حبوة في قربى { ولا نكتم شهادة ms3286 ~~الله } وأضاف الشهادة إلى الله تعالى؛ لأنه أمر ~~بإقامتها ونهى عن كتمانها { إنا إذا لمن الآثمين } ، إن ~~كتمنا الشهادة. # روي لما نزلت هذه الآية، صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~صلاة العصر، ودعا تميما وعديا، فاستحلفهما عند ~~المنبر بالله الذي لا إله إلا هو، أنهما لم يختانا ~~شيئا مما دفع إليهما، فحلفا على ذلك، وخلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سبيلهما. # قوله تعالى: " فإن عثر ": مبني للمفعول، والقائم مقام فاعله ~~الجار بعده، أي: فإن اطلع على استحقاقهما الإثم يقال: ~~عثر الرجل يعثر عثورا: إذا هجم على شيء، لم يطلع ~~عليه غيره، وأعثرته على كذا أطلعته عليه؛ ومنه قوله تعالى: # أعثرنا عليهم # [الكهف: 21]، قال أهل اللغة: وأصله من " عثرة الرجل " وهي ~~الوقوع، وذلك أن العاثر إنما يعثر بشيء كان لا يراه، فإن ~~عثر به، اطلع عليه، ونظر ما هو، فقيل لكل أمر كان خفيا، ثم ~~اطلع عليه: " عثر عليه " ، وقال الليث: " عثر يعثر ~~عثورا هجم على أمر لم يهجم عليه غيره، وعثر يعثر عثرة ~~وقع على شيء " ففرق بين الفعلين بمصدريهما، وفرق أبو البقاء ~~بينهما بغير ذلك؛ فقال: " عثر مصدره العثور، ومعناه اطلع، ~~فأما " عثر " في مشيه، ومنطقه، ورأيه، فالعثار " ، ~~والراغب جعل المصدرين على حد سواء؛ فإنه قال: " عثر الرجل ~~بالشيء يعثر عثورا وعثارا: إذا سقط عليه، ويتجوز به ~~فيمن يطلع على أمر من غير طلبه، يقال: " عثرت على كذا " ، ~~وقوله: # وكذلك أعثرنا عليهم # [الكهف: 21]، أي: وقفناهم عليهم من غير أن طلبوا ". # قوله تعالى: " فآخران " فيه أربعة أوجه: # الأول: أن يرتفع على أنه خبر مبتدأ مضمر، تقديره: فالشاهدان آخران، ~~والفاء جواب الشرط، دخلت على الجملة الاسمية، والجملة من قوله: " ~~يقومان " في محل رفع صفة ل " آخران ". # الثاني: أنه مرفوع بفعل مضمر، تقديره: فليشهد آخران، ذكره ~~مكي وأبو البقاء، وقد تقدم أن الفعل لا يحذف وحده إلا في ~~مواضع ذكرتها عند قوله: # حين الوصية اثنان # [المائدة: 106]. # الثالث: أن خبر مقدم، و " الأوليان " مبتدأ مؤخر، والتقدير: ~~فالأوليان بأمر الميت آخران يقومان ms3287 مقامهما، ذكر ذلك ~~أبو علي، قال: " ويكون كقولك: تميمي أنا ". # الرابع: أنه مبتدأ، وفي الخبر حينئذ احتمالات: # أحدها: قوله: { من الذين استحق } ، وجاز الابتداء به؛ ~~لتخصصه بالوصف، وهو الجملة من " يقومان ". # والثاني: أن الخبر " يقومان " و { من الذين استحق } ~~صفة المبتدأ، ولا يضر الفصل بالخبر بين الصفة وموصوفها، ~~والمسوغ أيضا للابتداء به: اعتماده على فاء الجزاء، وقال أبو ~~البقاء، لما حكى رفعه بالابتداء: " وجاز الابتداء هنا بالنكرة؛ ~~لحصول الفائدة " ، فإن عنى أن المسوغ مجرد الفائدة من غير ~~اعتبار مسوغ من المسوغات التي ذكرتها، فغير مسلم. # الثالث: أن الخبر قوله: " الأوليان " نقله أبو البقاء، وقوله " ~~يقومان " و { من الذين استحق } كلاهما في محل رفع صفة ~~ل " آخران " ، ويجوز أن يكون أحدهما صفة، والآخر حالا، وجاءت ~~الحال من النكرة؛ لتخصصها بالوصف، وفي هذا الوجه ضعف؛ من حيث ~~إنه إذا اجتمع معرفة ونكرة، جعلت المعرفة محدثا عنها، والنكرة ~~حديثا، وعكس ذلك قليل جدا أو ضرورة؛ كقوله: [الوافر] # 2071-............................ # يكون مزاجها عسل وماء # وكقوله: [الطويل] # 2072- وإن حراما أن أسب مجاشعا # بآبائي الشم الكرام الخضارم # وقد فهم مما تقدم أن الجملة من قوله " يقومان " والجار ~~من قوله: " من الذين ": إما مرفوع المحل صفة ل " آخران " ~~أو خبر عنه، وإما منصوبه على الحال: إما من نفس " آخران " ~~، أو من الضمير المستكن في " آخران " ، ويجوز في قوله " من ~~الذين " أن يكون حالا من فاعل " يقومان ". # قوله: " استحق " قرأ الجمهور " استحق " مبنيا للمفعول، " ~~الأوليان " رفعا، وقرأ حفص عن عاصم: " استحق " مبنيا للفاعل، ~~" الأوليان " كالجماعة، وهي قراءة عبد الله بن عباس وأمير المؤمنين ~~علي - رضي الله عنهم - ورويت عن ابن كثير أيضا، وحمزة وأبو بكر ~~عن عاصم: " استحق " مبنيا للمفعول كالجماعة، " الأولين " جمع ~~" أول " جمع المذكر السالم، والحسن البصري: " استحق " مبنيا ~~للفاعل، و " الأولان " مرفوعا تثنية " أول " ، وابن سيرين ~~كالجماعة، إلا أنه نصب الأوليين تثنية " أولى " ، وقرىء: " ~~الأولين " بسكون الواو وفتح اللام، وهو جمع " أولى " كالأعلين ~~في جمع " أعلى " ، ولما وصل أبو إسحاق الزجاج إلى هذا الموضوع، قال: " ~~هذا موضع ms3288 من أصعب ما في القرآن إعرابا ". قال شهاب الدين: ~~ولعمري، إن القول ما قالت حذام؛ فإن الناس قد دارت رؤوسهم ~~في فك هذا التركيب، وقد اجتهدت - بحمد الله تعالى - فلخصت ~~الكلام فيها أحسن تلخيص، ولا بد من ذكر شيء من معاني الآية؛ ~~لنستعين به على الإعراب؛ فإنه خادم لها. # فأما قراءة الجمهور، فرفع " الأوليان " فيها أوجه: # أحدها: أنه مبتدأ، وخبره " آخران " ، تقديره: فالأوليان بأمر ~~الميت آخران، وتقدم شرح هذا. # الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: هما الأوليان؛ كأن سائلا يسأل ~~فقال: " من الآخران "؟ فقيل: هما الأوليان. # الثالث: أنه بدل من " آخران " ، وهو بدل في معنى البيان للمبدل ~~منه؛ نحو: " جاء زيد أخوك " وهذا عندهم ضعيف؛ لأن الإبدال ~~بالمشتقات قليل. # الرابع: أنه عطف بيان ل " آخران " بين الآخرين ~~بالأوليين، فإن قلت: شرط عطف البيان: أن يكون التابع والمتبوع ~~متفقين في التعريف والتنكير، على أن الجمهور على عدم جريانه في ~~النكرة؛ خلافا لأبي علي، و " آخران " نكرة، و " الأوليان " ~~معرفة، قلت: هذا سؤال صحيح، ولكن يلزم الأخفش، ويلزم ~~الزمخشري جوازه: أما الأخفش فإنه يجيز أن يكون " الأوليان " ~~صفة ل " آخران " بما سأقرره عنه عند تعرضي لهذا الوجه، والنعت ~~والمنعوت يشترط فيهما التوافق، فإذا جاز في النعت، جاز فيما هو ~~شبيه به؛ إذ لا فرق بينهما إلا اشتراط الاشتقاق في النعت، وأما ~~الزمخشري، فإنه لا يشترط ذلك - أعني التوافق - وقد نص عليه هو في ~~سورة آل عمران على أن قوله تعالى: # مقام إبراهيم # [آل عمران: 97] عطف بيان؛ لقوله { فيه آيات بينات } ، و " ~~آيات بينات " نكرة؛ لكنها لما تخصصت بالوصف، قربت من ~~المعرفة، كما تقدم عنه في موضعه، وكذا " آخران " قد وصف ~~بصفتين، فقربه من المعرفة أشد من " آيات بينات "؛ من حيث ~~وصفت بصفة واحدة. # الخامس: أنه بدل من فاعل " يقومان ". # السادس: أنه صفة ل " آخران " ، أجاز ذلك الأخفش، وقال أبو ~~علي: " وأجاز أبو الحسن فيها شيئا آخر، وهو أن يكون " ~~الأوليان " صفة ل " آخران "؛ لأنه لما وصف، تخصص، ~~فمن أجل وصفه وتخصيصه، وصف ms3289 بوصف المعارف " ، قال أبو حيان: " وهذا ~~ضعيف؛ لاستلزامه هدم ما كادوا أن يجمعوا عليه؛ من أن النكرة لا ~~توصف بالمعرفة، ولا العكس " ، قلت: لا شك أن تخالفهما في ~~التعريف والتنكير ضعيف، وقد ارتكبوا ذلك في مواضع، فمنها ما حكاه ~~الخليل: " مررت بالرجل خير منك " في أحد الأوجه في هذه ~~المسألة، ومنها # غير المغضوب عليهم # [الفاتحة: 7] على القول بأن " غير " صفة { الذين أنعمت ~~عليهم } ، وقوله: [الكامل] # 2073- ولقد أمر على اللئيم يسبني # فمضيت ثمت قلت لا يعنيني # وقوله تعالى: # وآية لهم الليل نسلخ منه النهار # [يس: 73]، على أن " يسبني " و " نسلخ " صفتان لما قبلهما؛ ~~فإن الجمل نكرات، وهذه المثل التي أوردتها عكس ما نحن فيه، فإنها ~~تؤول فيها المعرفة بالنكرة، وما نحن فيه جعلنا النكرة فيه ~~كالمعرفة؛ إلا أن الجامع بينهما التخالف، ويجوز أن يكون ما نحن ~~فيه من هذه المثل؛ فاعتبار أن " الأوليين " لما لم يقصد ~~بهما شخصان معينان، قربا من النكرة، فوقعا صفة لها مع تخصصها هي؛ ~~فصار في ذلك مسوغان: قرب النكرة من المعرفة بالتخصيص، وقرب ~~المعرفة من النكرة بالإبهام؛ ويدل لما قلته ما قال أبو البقاء: " ~~والخامس أن يكون صفة ل " آخران "؛ لأنه وإن كان نكرة، فقد ~~وصف، والأوليان لم يقصد بهما قصد اثنين بأعيانهما ". # السابع: أنه مرفوع على ما لم يسم فاعله ب " استحق " ، إلا ~~أن كل من أعربه كذا، قدر قبله مضافا محذوفا، واختلفت ~~تقديرات المعربين، فقال مكي: " تقديره: استحق عليهم إثم ~~الأوليين " ، وكذا أبو البقاء وقد سبقهما إلى هذا التقدير ابن ~~جرير الطبري، وقدره الزمخشري فقال: " من الذين ~~استحق عليهم انتداب الأوليين منهم للشهادة ~~لاطلاعهم على حقيقة الحال " ، وممن ذهب إلى ارتفاع " ~~الأوليان " ب " استحق " أبو علي الفارسي، ثم منعه؛ قال: " ~~لأن المستحق إنما يكون الوصية أو شيئا منها، وأما ~~الأوليان بالميت، فلا يجوز أن يستحقا، فيسند استحق ~~إليهما " ، قلت: إنما منع أبو علي ذلك على ظاهر اللفظ؛ فإن ~~الأوليين لم يستحقهما أحد كما ذكر، ولكن يجوز أن يسند " ~~استحق " إليهما؛ بتأويل حذف المضاف المتقدم، ms3290 وهذا [الذي] منعه ~~الفارسي ظاهرا هو الذي حمل الناس على إضمار ذلك المضاف، وتقدير ~~الزمخشري ب " انتداب الأوليين " أحسن من تقدير غيره؛ فإن ~~المعنى يساعده، وأما إضمار " الإثم " فلا يظهر إلا بتأويل ~~بعيد. # وأجاز ابن عطية أن يرتفع " الأوليان " ب " استحق " أيضا، ~~ولكن ظاهر عبارته؛ أنه لم يقدر مضافا؛ فإنه استشعر باستشكال ~~الفارسي المتقدم، فاحتال في الجواب عنه، وهذا نصه، قال ما ~~ملخصه: إنه " حمل " استحق " هنا على الاستعارة؛ فإنه ليس ~~استحقاقا حقيقة؛ لقوله: " استحقا إثما " ، وإنما معناه أنهم ~~غلبوا على المال بحكم انفراد هذا الميت وعدمه؛ لقرابته أو أهل ~~دينه؛ فجعل تسورهم عليه استحقاقا - مجازا، والمعنى: من الجماعة ~~التي غابت، وكان من حقها أن تحضر وليها، فلما غابت وانفرد ~~هذا الموصي، استحقت هذه الحال، وهذان الشاهدان من غير أهل الدين ~~والولاية، وأمر الأوليين على هذه الجماعة، فبني الفعل ~~للمفعول على هذا المعنى إيجازا، ويقوي هذا الفرض تعديي الفعل ~~ب " على " لما كان باقتدار وحمل، هيأته الحال، ولا يقال: ~~استحق منه أو فيه إلا في الاستحقاق الحقيقي على وجهه، ~~وأما " استحق عليه " فبالحمل والغلبة والاستحقاق ~~المستعار ". انتهى، فقد أسند " استحق " إلى " الأوليان " من ~~غير تقدير مضاف متأولا له بما ذكر، واحتملت طول عبارته؛ لتتضح. # واعلم أن مرفوع " استحق " في الأوجه المتقدمة - أعني غير هذا ~~الوجه، وهو إسناده إلى " الأوليان " - ضمير يعود على ما تقدم ~~لفظا أو سياقا، واختلفت عباراتهم فيه، فقال الفارسي، والحوفي، ~~وأبو البقاء والزمخشري: إنه ضمير الإثم، والإثم قد تقدم في ~~قوله: " استحقا إثما " ، وقال الفارسي والحوفي أيضا: " ~~استحق هو الإيصاء أو الوصية " قال شهاب الدين: إضمار الوصية ~~مشكل؛ لأنه إذا أسند الفعل إلى ضمير المؤنث مطلقا، وجبت ~~التاء إلا في ضرورة، ويونس لا يخصه بها، ولا جائز أن يقال ~~أضمرا لفظ الوصية؛ لأن ذلك حذف، والفاعل عندهما لا يحذف، ~~وقال النحاس مستحسنا لإضمار الإيصاء: " وهذا أحسن ما قيل فيه؛ ~~لأنه لم يجعل حرف بدلا من حرف " ، يعني أنه لا يقول: إن " ~~على " بمعنى " في " ، ولا بمعنى " من ms3291 " كما قيل بهما، وسيأتي ذلك - ~~إن شاء الله تعالى -. # وقد جمع الزمخشري غالب ما قلته وحكيته من الإعراب والمعنى ~~بأوجز عبارة، فقال: " ف " آخران " ، أي: فشاهدان آخران ~~يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم، أي: استحق ~~عليهم الإثم، ومعناه: من الذين جني عليهم، وهم أهل الميت ~~وعشيرته والأوليان الأحقان بالشهادة لقرابتهما ~~ومعرفتهما، وارتفاعهما على: " هما الأوليان "؛ كأنه قيل: ~~ومن هما؟ فقيل: الأوليان، وقيل: هما بدل من الضمير في " ~~يقومان " أو من " آخران " ، ويجوز أن يرتفعا ب " استحق ~~" ، أي: من الذين استحق عليهم انتداب الأوليين ~~منهم للشهادة؛ لاطلاعهم على حقيقة الحال ". # وقوله " عليهم ": في " على " ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها على بابها، قال أبو البقاء: " كقولك: وجب عليهم الإثم ~~" ، وقد تقدم عن النحاس؛ أنه لما أضمر الإيصاء، بقاها على ~~بابها، واستحسن ذلك. # والثاني: أنها بمعنى " في " أي: استحق فيهم الإثم، فوقعت " ~~على " موقع " في " كما تقع " في " موقعها؛ كقوله تعالى: # ولأصلبنكم في جذوع النخل # [طه: 71] أي: على جذوع، وكقوله: [الكامل] # 2074- بطل كأن ثيابه في سرحة # يحذى نعال السبت ليس بتوءم # أي: على سرحة، وقدره أبو البقاء فقال: " أي: استحق فيهم ~~الوصية ". # والثالث: أنها بمعنى " من " أي: استحق منهم الإثم؛ ومثله ~~قوله تعالى: # إذا اكتالوا على الناس # [المطففين: 2] أي: من الناس، وقدره أبو البقاء فقال: " أي: ~~استحق منهم الأوليان " فحين جعلها بمعنى " في " قدر " ~~استحق " مسندا للوصية؛ وحين جعلها بمعنى " من " ، قدره ~~مسندا ل " الأوليان " ، وكان لما ذكر القائم مقام الفاعل، ~~لم يذكر إلا ضمير الإثم و " الأوليان " ، وأجاز بعضهم أن يسند ~~" استحق " إلى ضمير المال، أي: استحق عليهم المال ~~الموروث، وهو قريب. # فقد تقرر أن في مرفوع " استحق " خمسة أوجه: # أحدها: " الأوليان ". # والثاني: ضمير الإيصاء. # والثالث: ضمير الوصية، وهو في المعنى كالذي قبله وتقدم إشكاله. # والرابع: أنه ضمير الإثم. # والخامس: أنه ضمير المال، ولم أرهم أجازوا أن يكون " عليهم " ~~هو القائم مقام الفاعل؛ نحو: # غير المغضوب عليهم # [الفاتحة: 7] كأنهم لم يروا فيه فائدة. # وأما قراءة حفص ف " الأوليان " مرفوع ب " استحق " ~~ومفعوله محذوف، ms3292 قدره بعضهم " وصيتهما " ، وقدره الزمخشري ~~ب " أن يجردوهما للقيام بالشهادة "؛ فإنه قال: " معناه من ~~الورثة الذين استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة: أن ~~يجردوهما للقيام بالشهادة، ويظهروا بها كذب الكاذبين " ، ~~وقال ابن عطية: " الأوليان " رفع ب " استحق " ، وذلك أن ~~يكون المعنى: من الذين استحق عليهم مالهم وتركتهم ~~شاهدا الزور، فسميا أوليين، أي: صيرهما عدم ~~الناس أوليين بالميت وتركته، فخانا، وجارا فيها، أو ~~يكون المعنى: من الذين حق عليهم أن يكون الأوليان منهم، ~~فاستحق بمعنى: حق، كاستعجب وعجب، أو يكون استحق بمعنى: ~~سعى واستوجب، فالمعنى: من القوم الذين حضر أوليان منهم، ~~فاستحقا عليهم، أي: استحقا لهم وسعيا فيه، واستوجباه ~~بأيمانهما وقربانهما، قال أبو حيان - بعد أن حكى عن ~~الزمخشري، وأبي محمد ما قدمته عنهما -: " وقال بعضهم: المفعول ~~محذوف، تقديره: الذين استحق عليهم الأوليان وصيتهما " ، قال ~~شهاب الدين: وكذا هو محذوف أيضا في قولي الزمخشري وابن عطية، وقد ~~بينتهما ما هما، فهو عند الزمخشري قوله: " أن يجردوهما ~~للقيام بالشهادة " ، وعند ابن عطية هو قوله: " مالهم ~~وتركتهم " ، فقوله: " وقال بعضهم: المفعول محذوف " يوهم أنه لم ~~يدر أنه محذوف فيما تقدم أيضا، وممن ذهب إلى أن " استحق " ~~بمعنى " حق " المجرد - الواحدي فإنه قال: " واستحق هنا ~~بمعنى حق، أي: وجب، والمعنى: فآخران من الذين وجب عليهم ~~الإيصاء بتوصيته بينهم، وهم ورثته " وهذا التفسير الذي ذكره ~~الواحدي أوضح من المعنى الذي ذكره أبو محمد على هذا الوجه، وهو ~~ظاهر. # وأما قراءة حمزة وأبي بكر، فمرفوع " استحق " ضمير الإيصاء، ~~أو الوصية، أو المال، أو الإثم، حسبما تقدم، وأما " ~~الأولين " فجمع " أول " المقابل ل " آخر " ، وفيه أربعة أوجه: # أحدها: أنه مجرور صفة ل " الذين ". # الثاني: أنه بدل منه، وهو قليل؛ لكونه مشتقا. # الثالث: أنه بدل من الضمير في " عليهم " ، وحسنه هنا، وإن كان ~~مشتقا عدم صلاحية ما قبله للوصف، نقل هذين الوجهين الأخيرين ~~مكي. # الرابع: أنه منصوب على المدح، ذكره الزمخشري، قال: " ومعنى ~~الأولية التقدم على الأجانب في الشهادة؛ لكونهم أحق بها " ~~، وإنما فسر الأولية بالتقدم على الأجانب؛ ms3293 جريا على ما ~~مر في تفسيره: أو آخران من غيركم أنهما من الأجانب لا ~~من الكفار # وقال الواحدي: " وتقديره من الأولين الذين استحق عليهم ~~الإيصاء أو الإثم، وإنما قيل لهم " الأولين " من حيث كانوا ~~أولين في الذكر؛ ألا ترى أنه قد تقدم: { يا أيها الذين ~~آمنوا شهادة بينكم } وكذلك { اثنان ذوا عدل منكم ~~} ذكرا في اللفظ قبل قوله: { أو آخران من غيركم } ، وكان ~~ابن عباس يختار هذه القراءة، ويقول: " أرأيت إن كان الأوليان ~~صغيرين، كيف يقومان مقامهما "؟ أراد: أنهما إذا كانا صغيرين لم ~~يقوما في اليمين مقام الحانثين، ونحا ابن عطية هذا المنحى قال: " ~~معناه: من القوم الذين استحق عليهم أمرهم، أي: غلبوا عليه، ~~ثم وصفهم بأنهم أولون، أي: في الذكر في هذه الآية ". # وأما قراءة الحسن فالأولان مرفوعان ب " استحق " فإنه ~~يقرؤه مبنيا للفاعل، قال الزمخشري: " ويحتج به من يرى رد ~~اليمين على المدعي " ، ولم يبين من هما الأولان، والمراد ~~بهما الاثنان المتقدمان في الذكر؛ وهذه القراءة كقراءة ~~حفص، فيقدر فيها ما ذكر، ثم مما يليق من تقدير المفعول. # وأما قراءة ابن سيرين، فانتصابها على المدح، ولا يجوز فيها ~~الجر؛ لأنه: إما على البدل، وإما على الوصف بجمع، ~~والأوليين في قراءته مثنى، فتعذر فيها ذلك، وأما قراءة " ~~الأولين " كالأعلين، فحكاها أبو البقاء قراءة شاذة لم ~~يعزها، قال: " ويقرأ " الأولين " جمع الأولى، وإعرابه كإعراب ~~الأولين " يعني في قراءة حمزة، وقد تقدم أن فيها أربعة أوجه، وهي ~~جارية هنا. # قوله: " فيقسمان " نسق على " يقومان " والسببية ظاهرة، و ~~" لشهادتنا أحق ": هذه الجملة جواب القسم في قوله: " ~~فيقسمان ". # فصل في معنى الآية # ومعنى الآية: فإن حصل العثور، والوقوف على أنهما أتيا بخيانة، ~~استحقا الإثم بسبب اليمين الكاذبة، أو خيانة في المال، ~~قام في اليمين مقامهما رجلان من قرابة الميت، فيحلفان ~~بالله لقد ظهرنا على خبر الذميين، وكذبهما وتبديلهما، ~~وما اعتدينا في ذلك وما كذبنا، وهو المراد بقوله: { فآخران ~~يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم } ، والمراد به موالي الميت، ~~قال ابن الخطيب: وقد أكثر ms3294 الناس في أنه لم وصف موالي الميت ~~بهذا الوصف؟ والأصح عندي فيه وجه: وهو أنهم إنما وصفوا ~~بذلك؛ لأنه لما أخذ منهم مالهم، فقد استحق عليهم ~~مالهم، فإن أخذ مال غيره، فقد حاول أن يكون تعلقه بذلك ~~المال مستعليا على تعلق مالكه به، فصح أن يوصف المالك ~~بأنه قد استحق عليه ذلك المال، وإنما وصفهما بأنهما ~~أوليان لوجهين: # الأول: معنى الأوليان: الأقربان إلى الميت. # الثاني: يجوز أن يكون المعنى الأوليان باليمين؛ لأن ~~الوصيين قد ادعيا أن الميت قد باع الإناء الفضة، ~~فانتقلت اليمين إلى موالي الميت؛ لأن الوصيين قد ~~ادعيا أن مورثهما باع الإناء، وهما أنكرا ذلك، فكان ~~اليمين حقا لهما؛ لأن الوصي إن أخذ شيئا من مال الميت، ~~وقال: إنه أوصى لي به حلف للوارث إذا أنكر ذلك، وكذا لو ~~ادعى رجل سلعة في يد رجل فاعترف، ثم ادعى أنه ~~اشتراها من المدعي، حلف المدعي أنه لم يبعها منه، وهذا كما ~~لو أن إنسانا أقر لآخر بدين، ثم ادعى أنه قضاه، حكم ~~برد اليمين إلى الذي ادعى الدين أولا؛ لأنه صار مدعى ~~عليه أنه قد استوفاه. # فصل # اختلفوا في كيفية ظهور الإناء، فروى سعيد بن جبير عن ~~ابن عباس: أنه وجد بمكة، فقالوا: إنا اشتريناه من ~~تميم وعدي، وقيل: لما طالت المدة أظهروه، فبلغ ذلك بني ~~سهم فطلبوهما، فقالا: إنا كنا قد اشتريناه منه، فقالوا: ~~ألم نقل لكم هل باع صاحبنا شيئا من متاعه، فقلتما: ~~لا، قالا: لم يكن عندنا بينة، فكرهنا أن نقر لكم به، ~~فكتمنا لذلك، فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل ~~الله - عز وجل -: { فإن عثر على أنهما استحقآ ~~إثما فآخران يقومان مقامهما } الآية، فقام عمرو بن ~~العاص والمطلب بن أبي وداعة السهميان، فحلفا بالله بعد ~~العصر، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم الإناء لهما، وإلى ~~أولياء الميت، فكان تميم الداري يقول بعدما أسلم: صدق ~~الله ورسوله أنا أخذت فأنا أتوب إلى الله تعالى. # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه بقيت ms3295 تلك الواقعة ~~مخفية إلى أن أسلم تميم الداري، فلما أسلم أخبر ~~بذلك، فقال: حلفت كاذبا أنا وصاحبي، بعنا الإناء بألف ~~وقسمنا الثمن، ثم دفع خمسمائة درهم من نفسه، ونزع من ~~صاحبه خمسمائة أخرى، ودفع الألف إلى موالي الميت، فكذلك قوله: { ~~ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجههآ } ، أي: ~~ذلك الذي حكمنا به من رد اليمين، أجدر وأحرى أن يأتي ~~الوصيان بالشهادة على وجهها، وأدنى معناه: أقرب إلى الإتيان ~~بالشهادة على ما كانت { أو يخافوا أن ترد أيمان ~~بعد أيمانهم } أي: أقرب إلى أن يخافوا رد اليمين بعد ~~يمينهم على المدعي، فيحلفوا على خيانتهم وكذبهم، ~~فيفتضحوا ويغرموا، فلا يحلفون كاذبين إذا خافوا هذا ~~الحكم، " واتقوا الله ": أن تحلفوا أيمانا كاذبة، أو ~~تخونوا أمانة، " واسمعوا ": الموعظة، { والله لا يهدي ~~القوم الفاسقين } ، وهذا تهديد ووعيد لمن يخالف حكم ~~الله وأوامره. # روى الواحدي - رحمه الله - في " البسيط " ، عن عمر بن الخطاب - ~~رضي الله عنه - أنه قال: هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من ~~الأحكام. # ولنرجع إلى إعراب بقية الآية. # قوله " ذلك أدنى " لا محل لهذه الجملة؛ لاستئنافها، والمشار إليه ~~الحكم السابق بتفصيله، أي: ما تقدم ذكره من الأحكام أقرب إلى ~~حصول إقامة الشهادة على ما ينبغي، وقيل: المشار إليه الحبس بعد ~~الصلاة، وقيل: تحليف الشاهدين، و " أن يأتوا " أصله: " إلى أن ~~يأتوا " ، وقدره أبو البقاء ب " من " أيضا، أي: أدنى من أن ~~يأتوا، وقدره مكي بالباء، أي: بأن يأتوا، قال شهاب الدين: ~~وليسا بواضحين، ثم حذف حرف الجر، فنشأ الخلاف المشهور، و " ~~على وجهها " متعلق ب " يأتوا " ، وقيل: في محل نصب على ~~الحال منها، وقدره أبو البقاء ب " محققة وصحيحة " ، وهو تفسير ~~معنى؛ لما عرفت غير مرة من أن الأكوان المقيدة لا تقدر في ~~مثله. # قوله: " أو يخافوا " في نصبه وجهان: # أحدهما: أنه منصوب؛ عطفا على " يأتوا " ، وفي " أو " على هذا ~~تأويلان: # أحدهما: أنها على بابها من كونها لأحد الشيئين، والمعنى: ذلك الحكم ~~أقرب إلى حصول الشهادة على ما ينبغي، أو خوف رد ms3296 الأيمان إلى غيرهم، ~~فتسقط أيمانهم، والتأويل الآخر: [أن] تكون بمعنى الواو، أي: ذلك ~~الحكم كله أقرب إلى أن يأتوا، وأقرب إلى أن يخافوا، وهذا ~~مفهوم من قول ابن عباس. # الثاني من وجهي النصب: أنه منصوب بإضمار " أن " بعد " أو " ، ومعناها ~~هنا " إلا "؛ كقولهم: " لألزمنك أو تقضيني حقي " ، ~~تقديره: إلا أن تقضيني، ف " أو " حرف عطف على بابها، والفعل ~~بعدها منصوب بإضمار " أن " وجوبا، و " أن " وما في حيزها مؤولة ~~بمصدر، ذلك المصدر معطوف على مصدر متوهم من الفعل قبله، فمعنى: " ~~لألزمنك أو تقضيني حقي ": ليكونن مني لزوم لك ~~أو قضاؤك لحقي، وكذا المعنى هنا أي: ذلك أدنى بأن يأتوا ~~بالشهادة على وجهها؛ وإلا خافوا رد الإيمان، كذا قدره ابن ~~عطية بواو قبل " إلا " ، وهو خلاف تقدير النحاة؛ فإنهم لا ~~يقدرون " أو " إلا بلفظ " ألا " وحدها دون واو، وكأن " إلا " في ~~عبارته على ما فهمه أبو حيان ليست " إلا " الاستئنائية، بل أصلها " ~~إن " شرطية دخلت على " لا " النافية فأدغمت فيها، فإنه قال: " أو ~~تكون " أو " بمعنى " إلا إن " ، وهي التي عبر عنها ابن عطية بتلك ~~العبارة من تقديرها بشرط - محذوف فعله - وجزاء ". # انتهى، وفيه نظر من وجهين: # أحدهما: أنه لم يقل بذلك أحد، أعني كون " أو " بمعنى الشرط. # والثاني: أنه بعد أن حكم عليها بأنها بمعنى " إلا إن " جعلها ~~بمعنى شرط حذف فعله. # و " أن ترد " في محل نصب على المفعول به، أي: أو يخافوا ~~رد أيمانهم. و " بعد أيمانهم ": إما ظرف ل " ترد " ، ~~أو متعلق بمحذوف؛ على أنها صفة ل " أيمان " ، وجمع الضمير في ~~قوله " يأتوا " وما بعده، وإن كان عائدا في المعنى على مثنى، وهو ~~الشاهدان، فقيل: هو عائد على صنفي الشاهدين، وقيل: بل عائد على الشهود ~~من الناس كلهم، معناه: ذلك أولى وأجدر أن يحذر الناس الخيانة، ~~فيتحروا في شهادتهم؛ خوف الشناعة عليهم والفضيحة في رد ~~اليمين على المدعي، وقوله: " واتقوا الله " لم يذكر متعلق ~~التقوى: إما للعلم به، أي: واتقوا الله في شهادتكم وفي ~~الموصين عليهم بأن ms3297 لا تختلسوا لهم شيئا؛ لأن القصة كانت بهذا ~~السبب، وإما قصدا لإيقاع التقوى، فيتناول كل ما يتقى منه، ~~وكذا مفعول " اسمعوا " إن شئت حذفته اقتصارا أو اختصارا، أي: ~~اسمعوا أوامره من نواهيه من الأحكام المتقدمة، وما أفصح ما ~~جيء بهاتين الجملتين الأمريتين، فتبارك الله أصدق ~~القائلين. ### || [5.109] # اعلم: أن عادة الله تعالى في هذا الكتاب الكريم، أنه إذا ~~ذكر أنواعا من الشرائع والتكاليف والأحكام، أتبعها ~~إما بالإلهيات، وإما بشرح أحوال الأنبياء، وإما بشرح ~~أحوال القيامة، ليصير ذلك مؤكدا لما ذكره من التكاليف ~~والشرائع، فلا جرم ذكر هنا بعد ما تقدم من الشرائع أحوال ~~القيامة، ثم ذكر أحوال عيسى - عليه السلام -. # فأما أحوال القيامة، فهو قوله: { يوم يجمع الله ~~الرسل }: في نصب " يوم " أحد عشر وجها: # أحدها: أنه منصوب ب " اتقوا " ، أي: اتقوا الله في يوم ~~جمعه الرسل، قاله الحوفي، وهذا ينبغي ألا يجوز؛ لأن أمرهم ~~بالتقوى في يوم القيامة لا يكون؛ إذ ليس بيوم تكليف وابتلاء، ولذلك ~~قال الواحدي: ولم ينصب اليوم على الظرف للاتقاء؛ لأنهم لم ~~يؤمروا بالتقوى في ذلك اليوم، ولكن على المفعول به؛ كقوله: # واتقوا يوما # [البقرة: 48]. # الثاني: أنه منصوب ب " اتقوا " مضمرا يدل عليه " واتقوا ~~الله " ، قال الزجاج: " وهو محمول على قوله: " واتقوا الله " ، ~~ثم قال: " يوم يجمع " ، أي: واتقوا ذلك اليوم " ، فدل ذكر ~~الاتقاء في الأول على الاتقاء في هذه الآية، ولا يكون منصوبا على ~~الظرف للاتقاء؛ لأنهم لم يؤمروا بالاتقاء في ذلك اليوم، ولكن ~~على المفعول به؛ كقوله تعالى: # واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا # [البقرة: 48]. # الثالث: أنه منصوب بإضمار " اذكروا ". # الرابع: بإضمار " احذروا ". # الخامس: أنه بدل اشتمال من الجلالة، قال الزمخشري: " يوم ~~يجمع " بدل من المنصوب في " واتقوا الله " ، وهو من بدل ~~الاشتمال، كأنه قيل: " واتقوا الله يوم جمعه ". انتهى، ولا بد من ~~حذف مضاف على هذا الوجه؛ حتى تصح له هذه العبارة التي ظاهرها ~~ليس بجيد؛ لأن الاشتمال لا يوصف به الباري تعالى على أي مذهب ~~فسرناه من مذاهب النحويين ms3298 في الاشتمال، والتقدير: واتقوا - عقاب ~~الله - يوم يجمع رسله، فإن العقاب مشتمل على زمانه، أو ~~زمانه مشتمل عليه، أو عاملهما مشتمل عليهما على حسب الخلاف في ~~تفسير البدل الاشتمالي، فقد تبين لك امتناع هذه العبارات بالنسبة ~~إلى الجلالة الشريفة، واستبعد أبو حيان هذا الوجه بطول الفصل ~~بجملتين، ولا بعد؛ فإن هاتين الجملتين من تمام معنى الجملة ~~الأولى. # السادس: أنه منصوب ب " لا يهدي " قاله الزمخشري وأبو البقاء؛ ~~قال الزمخشري: " أي: لا يهديهم طريق الجنة يومئذ كما يفعل ~~بغيرهم " ، وقال أبو البقاء: " أي: لا يهديهم في ذلك اليوم إلى ~~حجة، أو إلى طريق الجنة ". # السابع: أنه مفعول به، وناصبه " اسمعوا " ، ولا بد من حذف مضاف ~~حينئذ، لأن الزمان لا يسمع، فقدره أبو البقاء: " واسمعوا خبر ~~يوم يجمع " ، ولم يذكر أبو البقاء غير هذين الوجهين، وبدأ ~~بأولهما، وفي نصبه ب " لا يهدي " نظر؛ من حيث إنه لا يهديهم مطلقا، ~~لا في ذلك اليوم ولا في الدنيا، أعني المحكوم عليهم بالفسق، وفي ~~تقدير الزمخشري " لا يهديهم إلى طريق الجنة " نحو إلى ~~مذهبه من أن نفي الهداية المطلقة لا يجوز على الله تعالى؛ ولذلك ~~خصص المهدى إليه، ولم يذكر غيره، والذي سهل ذلك عنده أيضا ~~كونه في يوم لا تكليف فيه، وأما في دار التكليف فلا يجيز ~~المعتزلي أن ينسب إلى الله تعالى نفي الهداية مطلقا ألبتة. # الثامن: أنه منصوب ب " اسمعوا " قاله الحوفي، وفيه نظر؛ لأنهم ~~ليسوا مكلفين بالسماع في ذلك اليوم؛ إذ المراد بالسماع السماع ~~التكليفي. # التاسع: أنه منصوب بإضمار فعل متأخر، أي: يوم يجمع الله ~~الرسل كان كيت وكيت، قاله الزمخشري. # العاشر: قال شهاب الدين: يجوز أن تكون المسألة من باب الإعمال؛ فإن ~~كلا من هذه العوامل الثلاثة المتقدمة يصح تسلطه عليه؛ ~~بدليل أن العلماء جوزوا فيه ذلك، وتكون المسألة مما تنازع فيها ~~ثلاثة عوامل، وهي " اتقوا " ، و " اسمعوا " ، و " لا يهدي " ، ~~ويكون من إعمال الأخير؛ لأنه قد حذف من الأولين ولا مانع يمنع ~~من الصناعة، وأما المعنى فقد قدمت أنه ms3299 لا يظهر نصب " يوم " ~~بشيء [من الثلاثة]؛ لأن المعنى يأباه، وإنما أجزت ذلك؛ جريا على ~~ما قالوه وجوزوه، وكذا الحوفي جوز أن ينتصب ب " اتقوا " ~~وب " اسمعوا " أو ب " لا يهدي " ، وكذا الحوفي جوز أن ~~ينتصب ب " اتقوا " وب " اسمعوا ". # الحادي عشر: أنه منصوب ب " قالوا: لا علم لنا " أي: قال ~~الرسل يوم جمعهم، وقول الله لهم ماذا أجبتم، واختاره أبو حيان ~~على جميع ما تقدم، قال: وهو نظير ما قلناه في قوله تعالى: # وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض ~~خليفة قالوا أتجعل # [البقرة: 30]، وهو وجه حسن. # قوله: " ماذا أجبتم " فيه أربعة أقوال: # أحدها: أن " ماذا " بمنزلة اسم واحد، فغلب فيه جانب الاستفهام، ~~ومحله النصب على المصدر بما بعده، والتقدير: أي إجابة أجبتم ~~[قال الزمخشري: " ماذا أجبتم " منتصب انتصاب مصدره على معنى: ~~أي إجابة أجبتم]، ولو أريد الجواب، لقيل: " بماذا أجبتم ~~" ، أي: لو أريد الكلام المجاب، لقيل: بماذا، ومن مجيء " ماذا " ~~كله مصدرا قوله: [البسيط] # 2075- ماذا يغير ابنتي ربع عويلهما # لاترقدان ولا بؤسى لمن رقدا # الثاني: أن " ما " استفهامية في محل رفع بالابتداء، و " ذا " خبره، ~~وهي موصولة بمعنى " الذي "؛ لاستكمال الشرطين المذكورين، و " ~~أجبتم " صلتها، والعائد محذوف، أي: ما الذي أجبتم به، ~~فحذف العائد، قاله الحوفي، وهذا لا يجوز؛ لأنه لا يجوز حذف ~~العائد المجرور، إلا إذا جر الموصول بحرف مثل ذلك الحرف الجار ~~للعائد، وأن يتحد متعلقاهما؛ نحو: " مررت بالذي مررت ~~" ، أي: به: وهذا الموصول غير مجرور، لو قلت: " رأيت الذي ~~مررت " ، أي: مررت به، لم يجز، اللهم إلا أن يدعى حذفه ~~على التدريج بأن يحذف حرف الجر، فيصل الفعل إلى الضمير، فيحذف؛ ~~كقوله: # وخضتم كالذي خاضوا # [التوبة: 69]، أي: في أحد أوجهه، وقوله: # فاصدع بما تؤمر # [الحجر: 94] في أحد وجهيه، وعلى الجملة فهو ضيعف. # الثالث: أن " ما " مجرورة بحرف جر مقدر، لما حذف بقيت ~~في محل نصب، ذكره أبو البقاء وضعف الوجه الذي قبله - أي كون ذا ~~موصولة - فإنه قال: " ماذا في موضع نصب ب " أجبتم ms3300 " ، وحرف ~~الجر محذوف، و " ما " و " ذا " هنا بمنزلة اسم واحد، ويضعف ~~أن تجعل " ما " بمعنى " الذي "؛ لأنه لا عائد هنا، وحذف ~~العائد مع حرف الجر ضعيف ". قال شهاب الدين أما جعله حذف ~~العائد المجرور ضعيفا، فصحيح تقدم شرحه والتنبيه عليه، وأما ~~حذف حرف الجر وانتصاب مجروره، فهو ضيعف أيضا، لا يجوز إلا في ~~ضرورة؛ كقوله: [الطويل] # 2076- فبت كأن العائدات فرشنني # .......................... # وقوله: [الطويل] # 2077-.......................... # وأخفي الذي لولا الأسى لقضاني # وقوله: [الوافر] # 2078- تمرون الديار ولم تعوجوا # .......................... # وقد تقدم تحقيق ذلك، واستثناء المطرد منه، فقد فر من ضعيف، ~~ووقع في أضعف منه. # الرابع: قال ابن عطية - رحمه الله -: " معناه: ماذا أجابت به الأمم ~~" ، فجعل " ماذا " كناية عن المجاب به، لا المصدر، وبعد ذلك، فهذا ~~الكلام منه محتمل أن يكون مثل ما تقدم حكايته عن الحوفي في ~~جعله " ما " مبتدأ استفهامية، و " ذا " خبره؛ على أنها موصولة، وقد ~~تقدم التنبيه على ضعفه، ويحتمل أن يكون " ماذا " كله بمنزلة ~~اسم استفهام في محل رفع بالابتداء، و " أجبتم " خبره، والعائد ~~محذوف؛ كما قدره هو، وهو أيضا ضعيف؛ لأنه لا يحذف عائد ~~المبتدأ، وهو مجرور إلا في مواضع ليس هذا منها، لو قلت: " زيد ~~مررت " لم يجز، وإذا تبين ضعف هذه الأوجه، رجح الأول. # والجمهور على " أجبتم " مبنيا للمفعول، وفي حذف الفاعل هنا ما ~~لا يبلغ كنهه من الفصاحة والبلاغة؛ حيث اقتصر على خطاب رسله غير ~~مذكور معهم غيرهم؛ رفعا من شأنهم وتشريفا واختصاصا، وقرأ ابن ~~عباس وأبو حيوة " أجبتم " مبنيا للفاعل، والمفعول محذوف، أي: ~~ماذا أجبتم أممكم حين كذبوكم وآذوكم، وفيه توبيخ ~~للأمم، وليست في البلاغة كالأولى. # فإن قيل: أي فائدة في هذا السؤال، فالجواب: توبيخ قولهم ~~كقوله: # وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت # [التكوير: 8، 9]، المقصود منه توبيخ من فعل ذلك الفعل. # وقوله تعالى: { إنك أنت علام الغيوب } ، كقوله: # إنك أنت العليم الحكيم # في [البقرة: 32]. والجمهور على رفع " علام الغيوب " ، وقرىء ~~بنصبه، وفيه أوجه ذكرها الزمخشري وهي: الاختصاص، والنداء، وصفة ~~لاسم " إن "؛ قال: وقرىء بالنصب على ms3301 أن الكلام قد تم عند قوله ~~" إنك أنت " ، أي: إنك الموصوف بأوصافك المعروفة من العلم ~~وغيره، ثم انتصب " علام الغيوب " على الاختصاص، أو على النداء، ~~أو هو صفة لاسم " إن " ، قال أبو حيان: " وهو على حذف الخبر لفهم ~~المعنى، فتم الكلام بالمقدر في قوله " إنك أنت " ، أي: إنك ~~الموصوف بأوصافك المعروفة من العلم وغيره " ، ثم قال: " قال ~~الزمخشري: ثم انتصب، فذكره إلى آخره " فزعم أن الزمخشري قدر ل ~~" إنك " خبرا محذوفا، والزمخشري لا يريد ذلك ألبتة ولا يرتضيه، ~~وإنما يريد أن هذا الضمير بكونه لله تعالى هو الدال على تلك الصفات ~~المذكورة، لا انفكاك لها عنه، وهذا المعنى هو الذي تقتضيه البلاغة، ~~والذي غاص [عليه] الزمخشري - رحمه الله - لا ما قدره أبو حيان ~~موهما أنه أتى به من عنده، ويعني بالاختصاص النصب على المدح، لا ~~الاختصاص الذي هو شبيه بالنداء؛ فإن شرطه أن يكون حشوا، ولكن أبا ~~حيان قد رد على أبي القاسم قوله " إنه يجوز أن يكون صفة لاسم إن ~~" بأن اسمها هنا ضمير مخاطب، والضمير لا يوصف مطلقا عند ~~البصريين، ولا يوصف منه عند الكسائي إلا ضمير الغائب؛ لإبهامه في ~~قولهم " مررت به المسكين " ، مع إمكان تأويله بالبدل، وهو ~~رد واضح، على أنه يمكن أن يقال: أراد بالصفة البدل، وهي عبارة ~~سيبويه، [يطلق الصفة ويريد البدل، فله أسوة بإمامه، واللازم ~~مشترك، فما كان جوابا عن سيبويه]، كان جوابا له، لكن يبقى فيه ~~البدل بالمشتق، وهو أسهل من الأول، ولم أرهم خرجوها على لغة ~~من ينصب الجزأين ب " إن " وأخواتها؛ كقوله في ذلك: [الرجز] # 2079- إن العجوز خبة جروزا # وقوله: [الطويل] # 2080-.......................... # .............. إن حراسنا أسدا # وقوله: [الكامل] # 2081- ليت الشباب هو الرجيع على الفتى # .............................. # وقول الآخر: [الرجز] # 2082- كأن أذنيه إذا تشوفا # قادمة أو قلما محرفا # ولو قيل به لكان صوابا. # و " علام " مثال مبالغة، فهو ناصب لما بعده تقديرا، وبهذا أيضا ~~يرد على الزمخشري على تقدير تسليم صحة وصف الضمير من حيث إنه ~~نكرة؛ لأن إضافته غير محضة وموصوفه معرفة. والجمهور على ms3302 ضم ~~العين من " الغيوب " وهو الأصل، وقرأ حمزة وأبو بكر بكسرها، والخلاف ~~جار في ألفاظ أخر نحو: " البيوت والجيوب والعيون والشيوخ " ~~وقد تقدم تحرير هذا كله في البقرة عند ذكر # البيوت # [البقرة: 189]، وستأتي كل لفظة من هذه الألفاظ معزوة لقارئها ~~في سورها - إن شاء الله تعالى - وجمع الغيب هنا، وإن كان مصدرا ~~لاختلاف أنواعه، وإن اريد به الشيء الغائب، أو قلنا: إنه مخفف من ~~فيعل؛ كما تقدم تحقيقه في البقرة [الآية 3]، فواضح. # فصل في معنى الآية # معنى الآية الكريمة: { يوم يجمع الله الرسل } ، وهو ~~يوم القيامة { فيقول ماذآ أجبتم } أممكم، وما الذي ~~رد عليكم قومكم حين دعوتموهم إلى توحيدي وطاعتي؟ ~~فيقولون: { لا علم لنا } بوجه من الحكمة عن سؤالك ~~إيانا عن أمر أنت أعلم به منا. # قال ابن جريج - رحمه الله -: لا علم لنا بعاقبة أمرهم، ~~وبما أحدثوا من بعد يدل عليه قولهم: { إنك أنت علام الغيوب } ~~أي: أنت الذي تعلم ما غاب، ونحن لا نعلم ما غاب إلا ما ~~نشاهد. # فإن قيل: ظاهر قولهم: { لا علم لنا إنك أنت علام ~~الغيوب } يدل على أن الأنبياء لا يشهدون لأممهم، ~~والجمع بين هذا وبين قوله تعالى # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا # [النساء: 41] مشكل، وأيضا قوله تعالى: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء ~~على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا # [البقرة: 143]، فإذا كانت أمتنا تشهد لسائر الأمم، ~~فالأنبياء أولى بأن يشهدوا لأممهم. # فالجواب من وجوه: # أحدها: قال ابن عباس، والحسن، ومجاهد، والسدي: إن القيامة ~~زلازل وأهوال، بحيث تزول القلوب عن مواضعها عند ~~مشاهدتها، والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - عند مشاهدة ~~تلك الأهوال ينسون أكثر الأمور، فهنالك يقولون: لا علم ~~لنا، فإن عادت قلوبهم إليهم، فعند ذلك يشهدون للأمم. # قال ابن الخطيب: وهذا الجواب وإن ذهب إليه جمع عظيم من ~~الأكابر فهو عندي ضعيف؛ لأنه تبارك وتعالى قال في صفة أهل ~~الثواب: # لا يحزنهم الفزع الأكبر # [الأنبياء: 103]، وقال: # وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة # [عبس: 38، 39]، بل إنه تبارك وتعالى ms3303 قال: # إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى ~~والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل ~~صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون # [البقرة: 62]، فكيف يكون حال الأنبياء والرسل أقل من ذلك، ~~ومعلوم أنهم لو خافوا لكانوا أقل من منزلة هؤلاء ~~الذين أخبر الله عنهم أنهم لا يخافون ألبتة. # وثانيها: أن المراد منه المبالغة في تحقيق فضيحتهم، ~~كمن يقول لغيره: ما تقول في فلان؟ فيقول: أنت أعلم به ~~مني، كأنه قيل: لا يحتاج فيه إلى الشهادة لظهوره، وهذا ~~أيضا ليس بقوي؛ لأن السؤال إنما وقع على كل الأمة، ~~وكل الأمة ما كانوا كافرين حتى يريد الرسول بالنفي ~~تبكيتهم وفضيحتهم. # وثالثها: وهو الأصح، وهو اختيار ابن عباس: أنهم إنما ~~قالوا: لا علم لنا؛ لأنك تعلم ما أظهروا وما أضمروا، ~~ونحن لا نعلم إلا ما أظهروا، فعلمك فيهم أقوى من ~~علمنا؛ فلهذا المعنى نفوا العلم عن أنفسهم؛ لأن علمهم ~~عند الله تعالى كلا علم، وهذا يروى عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # ورابعها: ما تقدم أن قولهم: لا علم لنا إلا أنا علمنا ~~جوابهم لنا وقت حياتنا، ولا نعلم ما كان منهم بعد ~~وفاتنا. # وخامسها: قال ابن الخطيب: ثبت في علم الأصول أن العلم غير، ~~والظن غير، فالحاصل أن عند كل أحد من حال الغير ~~إنما هو الظن لا العلم، وكذلك قال - عليه الصلاة والسلام -: # " إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم ألحن ~~بحجته، فمن حكمت له بغير حقه فكأنما قطعت ~~له قطعة من النار " # ، والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - قالوا: لا علم لنا ~~ألبتة بأحوالهم، إنما الحاصل عندنا من أحوالهم هو ~~الظن، والظن كان معتبرا في الدنيا لا في الآخرة، لأن ~~الأحكام في الدنيا كانت مبنية على الظن، أما في ~~الآخرة فلا التفات فيها إلى الظن؛ لأن الأحكام في الآخرة ~~مبنية على حقائق الأشياء وبواطن الأمور، فلهذا السبب ~~قالوا: { لا علم لنا إلا ما علمتنا } ولم يذكروا ألبتة ما ~~عندهم من الظن؛ لأن الظن لا عبرة به في القيامة. # وسادسها: أنهم لما ms3304 علموا أنه تعالى عالم لا يجهل، حكيم لا ~~يسفه، عادل لا يظلم، علموا أن قولهم لا يفيد خيرا ولا ~~يدفع شرا، فرأوا أن الأدب في السكوت، وفي تفويض الأمر إلى ~~العدل الحي الذي لا يموت. # وسابعها: معناه: لا علم لنا إلا ما علمتنا فحذف، وهذا ~~مروي عن ابن عباس، ومجاهد. # فصل # دلت الآية الكريمة على جواز إطلاق لفظ العلام عليه، كما ~~جاز إطلاق لفظ الخلاق عليه، وأما العلامة بالتاء فإنهم ~~أجمعوا على أنه لا يجوز إطلاقها في حقه، ولعل السبب ما ~~فيه من لفظ التأنيث. ### || [5.110] # قوله تعالى: { إذ قال الله } فيها أوجه: # أحدها: أنه بدل من " يوم يجمع " قال الزمخشري: " والمعنى: أنه ~~يوبخ الكافرين يومئذ بسؤال الرسل عن إجابتهم، وبتعديد ما ~~أظهر على أيديهم من الآيات العظام، فكذبهم بعضهم وسموهم ~~سحرة، وتجاوز بعضهم الحد، فجعله وأمه إلهين " ، ولما ~~ذكر أبو البقاء هذا الوجه، تأول فيه " قال " ب " يقول " ، ~~وأن " إذ " ، وإن كانت للماضي، فإنما وقعت هنا [على] حكاية الحال. # يقول الرجل لصاحبه: " كأنك بنا وقد دخلنا بلدة كذا، ~~وصنعنا فيه كذا " ، قال - تبارك وتعالى: # ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت # [سبأ: 51]، وقال غيره: معناه الدلالة على قرب القيامة ~~كأنها قد قامت، وكل ما هو آت آت، كما يقال: الجيش قد ~~أتى، إذا قرب إتيانهم قال - تبارك وتعالى -: # أتى أمر الله # [النحل: 1]. # الثاني: أنه منصوب ب " اذكر " مقدرا، قال أبو البقاء - رحمه ~~الله تعالى -: " ويجوز أن يكون التقدير: اذكر إذ يقول " ، يعني ~~أنه لا بد من تأويل الماضي بالمستقبل، وهذا كما تقرر له في الوجه ~~قبله، وكذا ابن عطية تأوله ب " يقول "؛ فإنه قال: " تقديره: ~~اذكر يا محمد إذ " ، و " قال " هنا بمعنى " يقول "؛ لأن ~~ظاهر هذا القول، إنما هو في يوم القيامة؛ لقوله بعده { أأنت قلت ~~للناس }. # الثالث: أنه في محل رفع خبرا لمبتدأ مضمر، أي: ذلك إذ قال، ذكره ~~الواحدي، وهذا ضعيف؛ لأن " إذ " لا يتصرف فيها، وكذلك القول ~~بأنها مفعول بها بإضمار " اذكر " ، وقد تقدم تحقيق ذلك، ms3305 اللهم إلا ~~أن يريد الواحدي بكون خبرا؛ أنه ظرف قائم مقام خبر، نحو: " زيد ~~عندك " فيجوز. # قوله: { يا عيسى ابن مريم } تقدم الكلام في اشتقاق هذه ~~المفردات ومعانيها، و " ابن مريم " صفة ل " عيسى " نصب؛ لأنه ~~مضاف، وهذه قاعدة كلية مفيدة، وذلك أن المنادى المفرد المعرفة ~~الظاهر الضمة، إذا وصف ب " ابن " أو " ابنة " ، ووقع الابن ~~أو الابنة بين علمين أو اسمين متفقين في اللفظ، ولم يفصل ~~بين الابن وبين موصوفه بشيء، تثبت له أحكام منها: أنه يجوز ~~إتباع المنادى المضموم لحركة نون " ابن "؛ فيفتح؛ نحو: " يا ~~زيد [زيد] ابن عمرو، ويا هند [هند] ابنة بكر " ~~بفتح الدال من " زيد " و " هند " وضمها، فلو كانت الضمة مقدرة ~~نحو ما نحن فيه، فإن الضمة مقدرة على ألف " عيسى " فهل يقدر ~~بناؤه على الفتح إتباعا كما في الضمة الظاهرة؟ فيه خلاف: الجمهور ~~على عدم جوازه؛ إذ لا فائدة في ذلك، فإنه إنما كان للإتباع، وهذا ~~المعنى مفقود في الضمة المقدرة، وأجاز الفراء ذلك؛ إجراء للمقدر ~~مجرى الظاهر، وتبعه أبو البقاء؛ فإنه قال: " يجوز أن يكون على ~~الألف من " عيسى " فتحة؛ لأنه قد وصف ب " ابن " وهو بين ~~علمين، وأن يكون عليها ضمة، وهو مثل قولك: " يا زيد ~~[زيد] بن عمرو " بفتح الدال وضمها " ، وهذا الذي قالاه غير ~~بعيد، ويشهد له مسألة عند الجميع: وهو ما إذا كان المنادى مبنيا ~~على الكسر مثلا؛ نحو: " يا هؤلاء " ، فإنهم أجازوا في صفته ~~الوجهين: الرفع والنصب، فيقولون: " يا هؤلاء العقلاء والعقلاء " ~~بنصب العقلاء ورفعها، قالوا: والرفع مراعاة لتلك الضمة المقدرة على " ~~هؤلاء " ، فإنه مفرد معرفة، والنصب على محله، فقد اعتبروا الضمة ~~المقدرة في الإتباع، وإن كان ذلك فائتا في اللفظ، وقد يفرق ~~بأن " هؤلاء " نحن مضطرون فيه إلى تقدير تلك الحركة؛ لأنه مفرد ~~معرفة، فكأنها ملفوظ بها بخلاف تقدير الفتحة هنا. # وقال الواحدي في " يا عيسى " ويجوز أن [يكون] في محل النصب؛ ~~لأنه في نية الإضافة، ثم جعل الابن توكيدا له، وكل ما كان مثل هذا؛ ms3306 ~~جاز فيه الوجهان؛ نحو: " يا زيد [زيد] بن عمرو "؛ وأنشد: ~~[الرجز] # 2083- يا حكم بن المنذر بن الجارود # أنت الجواد ابن الجواد ابن الجود # سرادق المجد عليك ممدود # بنصب الأول ورفعه على ما بينا، وقال التبريزي: الأظهر عندي أن ~~موضع " عيسى " نصب؛ لأنك تجعل الاسم مع نعته إذا أضفته إلى العلم ~~كالشيء الواحد المضاف، وهذا الذي قالاه لا يشبه كلام النحاة أصلا، ~~بل يقولون: الفتحة للإتباع، ولم يعتد بالساكن؛ لأنه حاجز غير ~~حصين، كذا قال أبو حيان: قال شهاب الدين: الذي قد قاله الزمخشري - ~~وكونه ليس من النحاة مكابرة في الضروريات - عند قوله: { إذ ~~قال الحواريون: يا عيسى ابن مريم }: " عيسى في محل النصب ~~على إتباع حركته حركة الابن؛ كقولك: " يا زيد بن عمرو " ، وهي ~~اللغة الفاشية، ويجوز أن يكون مضموما؛ كقولك " يا زيد بن ~~عمرو " ، والدليل عليه قوله: [المتقارب] # 2084- أحار بن عمرو كأني خمر # ............................ # لأن الترخيم لا يكون إلا في المضموم ". انتهى، فاحتاج إلى الاعتذار ~~عن تقدير الضمة، واستشهد لها بالبيت؛ لمخالفتها اللغة الشهيرة. # وقولنا: " المفرد " تحرز من المطول، وقولنا " المعرفة " ~~تحرز من النكرة؛ نحو: [ " يا رجلا ابن رجل " إذا لم تقصد ~~به واحدا بعينه، وقولنا: " الظاهر الضمة " تحرز من نحو:] " يا ~~موسى بن فلان " ، وكالآية الكريمة، وقولنا ب " ابن " تحرز من ~~الوصف بغيره؛ نحو: " يا زيد صاحبنا " ، وقولنا: " بين علمين ~~أو اسمين متفقين لفظا " تحرز من نحو: " يا زيد [بن أخينا " ~~]، وقولنا: " غير مفصول " تحرز من نحو: " يا زيد العاقل ~~ابن عمرو "؛ فإنه لا يجوز في جميع ذلك إلا الضم، وقولنا [ " ~~وصف " ] تحرز من أن يكون الابن خبرا، لا صفة؛ نحو: " زيد ~~ابن عمرو " ، وهل يجوز إتباع " ابن " له فيضم نحو: " يا زيد ~~بن عمرو " بضم " ابن "؟ فيه خلاف. # وقولنا: " أحكام " ، وقد تقدم منها ما ذكرناه من جواز فتحه ~~إتباعا، ومنها: حذف ألفه خطا، ومنها: حذف تنوينه في غير ~~النداء؛ لأن المنادى لا تنوين فيه وفي قوله: " ابن مريم " ثلاثة ~~أوجه: # أحدها: أنه صفة؛ كما تقدم، والثاني: أنه بدل، ms3307 والثالث: أنه بيان؛ ~~وعلى الوجهين الأخيرين: لا يجوز تقدير الفتحة إتباعا؛ إجماعا، ~~لأن الابن لم يقع صفة، وقد تقدم أن ذلك شرط. # وأراد بالنعمة: الجمع كقوله: # وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ # [النحل: 18]، وإنما جاز ذلك؛ لأنه مضاف يصلح للجنس. # فصل # قال القرطبي: إنما ذكر الله - تبارك وتعالى - عيسى - عليه ~~الصلاة والسلام - نعمته عليه وعلى والدته، وإن كان لهما ~~ذاكرا لأمرين: # أحدهما: ليتلو على الأمم بما خصصها به من الكرامة، وميزها به ~~من علو المنزلة. # والثاني: ليؤكد به حجته، ويرد به جاحده، وفسر ~~نعمته عليه بأمور: # أولها: قوله تعالى: { إذ أيدتك بروح القدس } في " إذ ~~" أربعة أوجه: # أحدها: أنه منصوب ب " نعمتي "؛ كأنه قيل: اذكر إذ أنعمت ~~عليك وعلى أمك في وقت تأييدي لك. # والثاني: أنه بدل من " نعمتي " بدل اشتمال، وكأنه في المعنى ~~يفسر النعمة. # والثالث: أنه حال من " نعمتي " ، قاله أبو البقاء. # والرابع: أن يكون مفعولا به على السعة، قاله أبو البقاء - رحمه الله ~~تعالى - أيضا قال شهاب الدين: هذا هو الوجه الثاني - أعني البدلية -، ~~وقرأ الجمهور " أيدتك " بتشديد الياء، وغيرهم " آيدتك " وقد ~~تقدم الكلام على ذلك في سورة البقرة مشبعا، ومعنى الآية الكريمة: ~~أي: قومك بما يجوز من الأيد، وهو القوة. # فصل # المراد بروح القدس: جبريل - عليه الصلاة والسلام -، والقدس: هو ~~الله تعالى، كأنه أضافه إلى نفسه تعظيما، وقيل: إن ~~الأرواح مختلفة بالماهية: فمنها طاهرة نورانية، ~~ومنها خبيثة ظلمانية، ومنها: مشرقة ومنها كدرة، ومنها ~~خيرة ومنها نذلة؛ ولهذا قال - عليه الصلاة والسلام -: # " الأرواح جنود مجندة " # ، فالله تعالى خص عيسى - عليه الصلاة والسلام - بالروح ~~الطاهرة النورانية المشرقة العلوية الخيرة، ولقائل أن ~~يقول: لما دلت هذه الآية على أن تأييد عيسى إنما حصل من ~~جبريل، أو بسبب روحه المختصة، وهذا يقدح في دلالة ~~المعجزات على صدق الرسل - عليهم الصلاة والسلام -، ولم ~~تعرف عصمة الرسل - عليهم السلام - قبل العلم بعصمة ~~جبريل - عليه الصلاة والسلام - فيلزم الدور. # فالجواب: قال ابن الخطيب: ثبت من أصلنا أن الخالق ليس إلا ~~الله، وبه يندفع ms3308 السؤال. # قوله: { تكلم الناس في المهد وكهلا } معناه: يكلم ~~الناس في المهد صبيا، وكهلا نبيا. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: أرسله الله وهو ابن ثلاثين ~~فمكث في رسالته ثلاثين شهرا، ثم إن الله رفعه إليه. # قال المفسرون: يكلم الناس في المهد وكهلا، في موضع ~~الحال، والمعنى: يكلم الناس طفلا وكهلا من غير أن يتفاوت ~~كلامه في هذين الوقتين، وهذه خاصة شريفة لم تحصل لأحد ~~من الأنبياء، وقد تقدم الكلام في [الآية 46] آل عمران، ما فائدة ~~قوله: { في المهد وكهلا }. # قوله: { وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة ~~والإنجيل } قيل: الكتاب، الشريعة، وقيل: الخط، وأما ~~الكلمة فقيل: هي العلم والفهم، وذكر التوراة والإنجيل بعد ~~الكتاب على سبيل التشريف، كقوله - تبارك وتعالى -: # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن ~~نوح # [الأحزاب: 7]، وقوله: # وملائكته ورسله وجبريل وميكال # [البقرة: 98]، فإنما ذكر التوراة والإنجيل بعد ذكر الكتاب؛ ~~لأن الاطلاع على أسرار الكتب الإلهية لا يحصل إلا لمن ~~كان ثابتا في أصناف العلوم الشرعية والفعلية. # فقوله: " التوراة والإنجيل ": إشارة إلى الأسرار التي لا ~~يطلع عليها أحد إلا الأكابر من الأنبياء. # قوله تعالى: { وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير ~~بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني }. # قرأ ابن عباس - رضي الله عنهما -: " فتنفخها " بحذف حرف الجر ~~اتساعا وقرأ الجمهور: " فتكون " بالتاء منقوطة فوق، وأبو جعفر ~~منقوطة تحت، أي: فيكون المنفوخ فيه، والضمير في " فيها " قال ابن ~~عطية - رحمه الله -: " اضطربت فيه أقوال المفسرين "؛ قال مكي: " ~~هو في آل عمران [الآية 49] عائد على الطائر، وفي المائدة عائد على ~~الهيئة " ، قال: " ويصح عكس هذا " ، وقال غير مكي: " ~~الضمير المذكور عائد على الطين " ، قال ابن عطية: " ولا يصح ~~عود هذا الضمير على الطير، ولا على الطين، ولا على الهيئة؛ لأن ~~الطير أو الطائر الذي يجيء الطين على هيئته، لا ينفخ فيه ألبتة، ~~وكذلك لا نفخ في هيئته الخاصة به، وكذلك الطين إنما هو الطين ~~العام، ولا نفخ في ذلك " ، وقال الزمخشري رحمه الله: " ولا يرجع ~~الضمير إلى الهيئة المضاف إليها؛ لأنها ليست ms3309 من خلقه، ولا من ~~نفخه في شيء، وكذلك الضمير في فتكون " ، ثم قال ابن عطية - رحمه ~~الله -: " والوجه عود ضمير المؤنث على ما تقتضيه الآية ضرورة، أي: ~~صورا، أو أشكالا، أو أجساما، وعود الضمير المذكر على المخلوق ~~المدلول عليه ب " تخلق " ، ثم قال: ولك أن تعيده على ما ~~تدل عليه الكاف من معنى المثل؛ لأن المعنى: وإذ تخلق من ~~الطين مثل هيئته، ولك أن تعيده على الكاف نفسها، فتكون اسما في ~~غير الشعر ". # انتهى، وهذا القول هو عين ما قبله، فإن الكاف أيضا بمعنى مثل، ~~وكونها اسما في غير الشعر، لم يقل به غير الأخفش. # واستشكل الناس قول مكي المتقدم؛ كما قدمت حكايته عن ابن عطية ~~رضي الله عنه. ويمكن أن يجاب عنه بأن قوله " عائد على الطائر " ~~لا يريد به الطائر الذي أضيفت إليه الهيئة، بل الطائر ~~المصور، والتقدير: وإذ تخلق من الطين طائرا صورة الطائر ~~الحقيقي، فتنفخ فيه، فيكون طائرا حقيقيا، وأن قوله " عائد على ~~الهيئة " لا يريد الهيئة المجرورة بالكاف، بل الموصوفة بالكاف، ~~والتقدير: وإذ تخلق من الطين هيئة مثل هيئة الطائر، فتنفخ ~~فيها، أي: في الموصوفة بالكاف التي نسب خلقها إلى عيسى - ~~عليه السلام - وأما كونه كيف يعود ضمير مذكر على هيئة، وضمير ~~مؤنث على الطائر [لأن قوله: " ويجوز عكس هذا " يؤدي إلى ذلك؟ ~~فجوابه أنه جاز بالتأويل؛ لأنه تؤول الهيئة بالشكل، ويؤول ~~الطائر] بالهيئة؛ فاستقام، وهو موضع تأمل، وقال هنا " بإذني " ~~أربع مرات عقيب أربع جمل، وفي آل عمران " بإذن الله " مرتين؛ ~~لأن هناك موضع إخبار، فناسب الإيجاز، وهنا مقام تذكير بالنعمة ~~والامتنان، فناسب الإسهاب؛ وقوله " بإذني " حال: إما من الفاعل، ~~أو من المفعول. # قوله: { وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني } قال ~~الخليلي: من ولد أعمى، ومن ولد بصيرا ثم أعمي. # قوله تعالى: { وإذ تخرج الموتى }: من قبورهم أحياء " ~~بإذني " ، أي: بفعلي ذلك عند دعائك، أي: عند قولك للميت: ~~اخرج بإذن الله، وذلك الإذن في هذه الأفاعيل، إنما هو على ~~معنى إضافة حقيقة الفعل إلى الله - تبارك ms3310 وتعالى - كقوله: # وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله # [آل عمران: 145] أي: إلا بخلق الله الموت فيها. # قوله تعالى: { وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ ~~جئتهم بالبينات } يعني: الواضحة والمعجزات ~~الظاهرة، وقيل: المراد بالبينات الظاهرة هذه البينات ~~التي تقدم ذكرها، فيكون الألف واللام للمعهود. # روي أنه - عليه الصلاة والسلام - لما أظهر هذه المعجزات ~~العجيبة، قصد اليهود قتله، فخلصه الله تعالى منهم، ~~حيث رفعه إلى السماء. # قوله: { فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا ~~سحر مبين }. # قرأ الأخوان هنا وفي هود [الآية 7] وفي الصف [الآية 6] " إلا ~~ساحر " اسم فاعل، والباقون: " إلا سحر " مصدرا في الجميع، ~~والرسم يحتمل القراءتين، فأما قراءة الجماعة، فتحتمل أن تكون ~~الإشارة إلى ما جاء به من البينات، أي: ما هذا الذي جاء به من الآيات ~~الخوارق إلا سحر، ويحتمل أن تكون الإشارة إلى عيسى - عليه الصلاة ~~والسلام - جعلوه نفس السحر مبالغة؛ نحو: " رجل عدل " ، أو على ~~حذف مضاف، أي: إلا ذو سحر، وخص مكي - رحمه الله تعالى - هذا ~~الوجه بكون المراد بالمشار إليه محمدا صلى الله عليه وسلم فقال: " ~~ويجوز أن تكون إشارة إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم على تقدير ~~حذف مضاف، أي: إن هذا إلا ذو سحر ". قال شهاب الدين: وهذا ~~غير جائز، والمراد بالمشار إليه عيسى عليه السلام، وكيف يكون ~~المراد النبي صلى الله عليه وسلم وهو لم يكن في زمن عيسى - عليه ~~الصلاة والسلام - والحواريين؛ حتى يشيروا إليه إلا بتأويل بعيد؟ ~~وأما قراءة الأخوين، فتحتمل أن يكون " ساحر " اسم فاعل، ~~والمشار إليه " عيسى " ، ويحتمل أن يكون المراد به المصدر؛ كقولهم: ~~عائذا بك وعائذا بالله من شرها، والمشار إليه ما جاء به ~~عيسى من البينات والإنجيل، ذكر ذلك مكي، وتبعه أبو البقاء، إلا ~~أن الواحدي منع من ذلك؛ فقال - بعد أن حكى القراءتين -: ~~وكلاهما حسن؛ لاستواء كل واحد منهما في أن ذكره قد ~~تقدم، غير أن الاختيار " سحر "؛ لجواز وقوعه على الحدث ~~والشخص، أما وقوعه على الحدث، فسهل كثير، ووقوعه على الشخص ms3311 ~~يريد ذو سحر؛ كقوله تعالى: # ولكن البر من آمن # [البقرة: 177]، وقالوا: " إنما أنت سير " و " ما أنت إلا سير " ، ~~و[البسيط] # 2085-................................. # فإنما هي إقبال وإدبار # قلت: وهذا يرجح ما قدمته من أنه أطلق المصدر على الشخص؛ ~~مبالغة؛ نحو: " رجل عدل " ، ثم قال: " ولا يجوز أن يراد ~~بساحر السحر، وقد جاء فاعل يراد به المصدر في حروف ليست بالكثير، ~~نحو: " عائذا بالله من شره " ، أي: عياذا، ونحو " العافية " ~~ولم تصر هذه الحروف من الكثرة بحيث يسوغ القياس عليها ". # وإن قيل: إنه - تعالى - عدد هنا نعم الله تعالى على عيسى - ~~عليه السلام -، وقول الكفار في حقه { إن هذا إلا سحر مبين } ، ~~ليس من النعم، فكيف ذكره هنا؟. # فالجواب إن كل ذي نعمة محسود، فطعن الكفار في عيسى ~~- عليه السلام - بهذا الكلام، يدل على أن نعمة الله كانت في ~~حقه عظيمة، فحسن ذكره عند تعديد النعم من هذا الوجه. ### || [5.111] # من قال: إنهم كانوا أنبياء، قال: المراد هذا الوحي الذي ~~يوحى إلى الأنبياء، ومن قال: إنهم ما كانوا أنبياء، قال: ~~المراد بذلك: الوحي والإلهام، كقوله: # وأوحينآ إلى أم موسى # [القصص: 7] وقوله: # وأوحى ربك إلى النحل # [النحل: 68]، وإنما ذكر هذا في معرض تعديد النعم؛ لأن ~~صيرورة الإنسان مقبول القول عند الناس، محبوبا في ~~قلوبهم من أعظم نعم الله - تبارك وتعالى - على الإنسان، وذكر ~~- تبارك وتعالى - إنما ألقى ذلك الوحي في قلوبهم فآمنوا ~~وأسلموا، وإنما قدم ذكر الإيمان على الإسلام؛ لأن الإيمان ~~صفة القلب والإسلام عبارة عن الانقياد والخضوع في ~~الظاهر، يعني: آمنوا بقلوبهم وانقادوا بظواهرهم. # فإن قيل: إنه تعالى ذكر في الآية: # اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك # [المائدة: 110] أن جميع ما ذكر الله - تعالى - من النعم ~~مختص بعيسى - عليه الصلاة والسلام -، وليس لأمه بشيء منها ~~تعلق. # فالجواب: كل ما حصل للولد من النعم الجليلة، ~~والدرجات العالية، فهو حاصل للأم على سبيل التضمن ~~والتبع، قال - تبارك وتعالى -: # وجعلنا ابن مريم وأمه آية # [المؤمنون: 50]، فجعلهما معا آية واحدة؛ لشدة اتصال كل ~~واحد منهما بالآخر. # روي أنه - تعالى ms3312 - لما قال لعيسى: # اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك # [المائدة: 110] من لبس الشعر وأكل الشجر، لم يدخر ~~شيئا لغد، ويقول مع كل يوم رزقه، ولم يكن له بيت ~~فيخرب، ولا ولد فيموت، أينما أمسى بات. # قوله تعالى: { أن آمنوا بي }: في " أن " وجهان: # أظهرهما: أنها تفسيرية؛ لأنها وردت بعد ما هو بمعنى القول، لا حروفه. # والثاني: أنها مصدرية بتأويل متكلف، أي: أوجبت إليهم الأمر ~~بالإيمان، وهنا قالوا " آمنا " ولم يذكر المؤمن به، وهناك # آمنا بالله # [آل عمران: 52] فذكره، والفرق أن هناك تقدم ذكر الله تعالى فقط، ~~فأعيد المؤمن به، فقيل: " بالله " وهنا ذكر شيئان قبل ذلك، وهما: ~~{ أن آمنوا بي وبرسولي } ، فلم يذكر؛ ليشمل المذكورين، وفيه ~~نظر، وهنا قال " بأننا " وهناك قال " بأنا " بحذف " نا " ، وقد ~~تقدم غيره مرة: أن هذا هو الأصل، وإنما جيء هنا بالأصل؛ لأن ~~المؤمن به متعدد، فناسبه التأكيد. ### || [5.112] # في " إذ " وجهان: # أحدهما: أوحيت إلى الحواريين، إذ قال الحواريون. # الثاني: اذكر إذ قال الحواريون. # قرأ الجمهور " يستطيع " بياء الغيبة " ربك " مرفوعا ~~بالفاعلية، والكسائي: " تستطيع " بتاء الخطاب لعيسى، و " ربك ~~" بالنصب على التعظيم، وقاعدته أنه يدغم لام " هل " [في أحرف منها ~~هذا المكان، وبقراءة الكسائي قرأت عائشة، وكانت تقول: " الحواريون ~~أعرف بالله] من أن يقولوا: هل تستطيع ربك " وإنما قالوا: ~~هل تستطيع أن تسأل ربك؛ كأنها - رضي الله عنها - نزهتهم عن ~~هذه المقالة الشنيعة أن تنسب إليهم، وبها قرأ معاذ أيضا وعلي ~~وابن عباس وسعيد بن جبير قال معاذ رضي الله تعالى عنه: أقرأني ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم " هل تستطيع ربك " بالتاء. # وحينئذ فقد اختلفوا في هذه القراءة: هل تحتاج إلى حذف مضاف أم لا؟ ~~فجمهور المعربين يقدرون: هل تستطيع سؤال ربك، وقال الفارسي: ~~" وقد يمكن أن يستغنى عن تقدير " سؤال " على أن يكون المعنى: ~~هل تستطيع أن ينزل ربك بدعائك، فيرد المعنى - ولا بد ~~- إلى مقدر يدل عليه ما ذكر من اللفظ " ، قال أبو حيان: " وما قاله ~~غير ظاهر؛ لأن فعله تعالى، وإن كان ms3313 مسببا عن الدعاء، فهو غير ~~مقدور لعيسى ". واختار أبو عبيد هذه القراءة، قال: " لأن القراءة ~~الأخرى تشبه أن يكون الحواريون شاكين، وهذه لا توهم ذلك " ~~، قال شهاب الدين: وهذا بناء من الناس على أنهم كانوا مؤمنين، وهذا هو ~~الحق. # قال ابن الأنباري: " لا يجوز لأحد أن يتوهم على الحواريين؛ أنهم ~~شكوا في قدرة الله تعالى " ، وبهذا يظهر أن قول الزمخشري ~~أنهم ليسوا مؤمنين ليس بجيد، وكأنه خارق للإجماع، قال ابن عطية: " ~~ولا خلاف أحفظه أنهم كانوا مؤمنين " ، فأما القراءة الأولى، ~~فلا تدل له؛ لأن الناس أجابوا عن ذلك بأجوبة، منها: أن معناه: هل ~~يسهل عليك أن تسأل ربك؛ كقولك لآخر: هل تستطيع أن ~~تقوم؟ وأنت تعلم استطاعته لذلك، ومنها: أنهم سألوه سؤال ~~مستخبر: هل ينزل أم لا، فإن كان ينزل فاسأله لنا، ومنها: ~~أن المعنى هل يفعل ذلك، وهل يقع منه إجابة لذلك؟ ومنه ما قيل لعبد ~~الله بن زيد، هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يتوضأ؟ أي: هل تحب ذلك؟ وقيل المعنى: هل يطلب ~~ربك الطاعة من نزول المائدة؟ قال أبو شامة: مثل ذلك في ~~الإشكال ما رواه الهيثم - وإن كان ضعيفا - عن ثابت عن أنس - رضي ~~الله عنهما - # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد أبا طالب في مرض، فقال: يا ~~ابن أخي، ادع ربك الذي تعبده فيعافيني، فقال: اللهم ~~اشف عمي، فقام أبو طالب، كأنما نشط من عقال، فقال: يا ابن ~~أخي، إن ربك الذي تعبد ليطيعك، قال: وأنت يا عماه، لو ~~أطعته، أو: لئن أطعت الله، ليطيعنك " # ، أي: ليجيبنك إلى مقصودك، قال شهاب الدين: والذي حسن ذلك ~~المقابلة منه صلى الله عليه وسلم للفظ عمه، كقوله: # ومكروا ومكر الله # [آل عمران: 54] وقيل: التقدير: هل يطيع؟ فالسين زائدة؛ كقولهم: ~~استجاب وأجاب، قال: [الطويل] # 2086- وداع دعا يا من يجيب إلى الندى # فلم يستجبه عند ذاك مجيب # وبهذه الأجوبة يستغنى عن قول من قال: " إن " يستطيع " زائدة " ~~، والمعنى: هل ينزل ربك؛ لأنه ms3314 لا يزاد من الأفعال إلا [ " ~~كان " بشرطين، وشذ زيادة غيرها في مواضع عددتها في غير ~~هذا الكتاب، على أن الكوفيين يجيزون زيادة بعض الأفعال] مطلقا، ~~حكوا: " قعد فلان يتهكم بي "؛ وأنشدوا: [الوافر] # 2087- على ما قام يشتمني لئيم # كخنزير تمرغ في رماد # وحكى البصريون على وجه الشذوذ: " ما أصبح أبردها، وما ~~أمسى أدفأها " يعنون الدنيا. # قال ابن الخطيب: وأما القراءة الثانية ففيها إشكال، وهو ~~أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا: " آمنا واشهد بأنا ~~مسلمون " ، وبعد الإيمان كيف يجوز أن يقال: إنهم بقوا شاكين ~~في اقتدار الله على ذلك؟. # والجواب عنه من وجوه: # الأول: أنه - تبارك وتعالى - ما وصفهم بالإيمان والإسلام بل ~~حكى عنهم ادعاءهم لهما، ثم تبع ذلك بقوله - حكاية ~~عنهم - { هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من ~~السماء }؟ فدل ذلك على أنهم كانوا شاكين متوقفين، فإن ~~هذا اللفظ لا يصدر ممن كان كاملا في الإيمان. # وقالوا: { ونعلم أن قد صدقتنا } ، وهذا يدل على مرض ~~في القلب، وكذا قول عيسى - عليه الصلاة والسلام - لهم: { اتقوا ~~الله إن كنتم مؤمنين } ، يدل على أنهم ما كانوا كاملين ~~في الإيمان. # الثاني: أنهم كانوا مؤمنين إلا أنهم طلبوا هذه الآية ~~ليحصل لهم مزيد الطمأنينة، فلهذا السبب قالوا: " وتطمئن ~~قلوبنا ". # الثالث: أن مرادهم استفهام أن ذلك هل هو كاف في الحكمة أم لا؟ ~~وذلك لأن أفعال الله تعالى لما كانت موقوفة على ~~رعاية وجوه الحكمة، ففي الموضع الذي لا يحصل فيه شيء ~~من وجوه الحكمة يكون الفعل ممتنعا، فإن المنافي من ~~جهة الحكمة كالمنافي جهة القدرة، وهذا الجواب يتمشى على ~~قول المعتزلة. # وأما على قولنا فهو محمول على أنه تبارك وتعالى هل قضى ~~بذلك؟ وهل علم وقوعه؟ فإن لم يقض به، ولم يعلم وقوعه كان ~~ذلك محالا غير مقدور؛ لأن خلاف المعلوم غير مقدور. # الرابع: قال السدي: إن السين زائدة، على أن استطاع بمعنى ~~أطاع كما تقدم. # الخامس: لعل المراد بالرب جبريل؛ لأنه كان يربيه ~~ويخصه بأنواع الإعانة، لقوله - تبارك وتعالى - في أول الآية # إذ ms3315 أيدتك بروح القدس # [المائدة: 110]، والمعنى: أنك تدعي أنه يربيك، ويخصك ~~بأنواع الكرامة، فهل يقدر على إنزال مائدة من السماء ~~عليك؟. # السادس: ليس المقصود من هذا السؤال كونهم شاكين فيه، بل ~~المقصود تقرير أن ذلك في غاية الظهور، كمن يأخذ بيد ~~ضعيف، ويقول: هل يقدر السلطان على إشباع هذا، وبكون غرضه ~~أن ذلك أمر واضح لا يجوز للعاقل أن يشك فيه. # قوله " أن ينزل " في قراءة الجماعة في محل نصب مفعولا به، أي: ~~الإنزال، وقال أبو البقاء - رحمه الله تعالى -: والتقدير: على أن ~~ينزل، أو في أن ينزل، ويجوز ألا يحتاج إلى حرف جر على أن ~~يكون " يستطيع " بمعنى " يطيق " [قلت: إنما احتاج إلى تقدير ~~حرفي الجر في الأول؛ لأنه حمل الاستطاعة على الإجابة، وأما قوله ~~أخيرا: إن " يستطيع " بمعنى " يطيق " ] فإنما يظهر كل ~~الظهور على رأي الزمخشري من كونهم ليسوا بمؤمنين، وأما على قراءة ~~الكسائي، فقالوا: هي في محل نصب على المفعولية بالسؤال المقدر، ~~أي: هل تستطيع أنت أن تسأل ربك الإنزال، فيكون المصدر المقدر ~~مضافا لمفعوله الأول، وهو " ربك " ، فلما حذف المصدر، ~~انتصب، وفيه نظر؛ من أنهم أعملوا المصدر مضمرا، وهو لا يجوز عند ~~البصريين، يؤولون ما ورد ظاهره ذلك، ويجوز أن يكون " أن ~~ينزل " بدلا من " ربك " بدل اشتمال، والتقدير: هل تستطيع، ~~أي: هل تطيق إنزال الله تعالى مائدة بسبب دعائك؟ وهو وجه حسن. # و " مائدة " مفعول " ينزل " ، والمائدة: الخوان عليه طعام، ~~فإن لم يكن عليه طعام فليست بمائدة، هذا هو المشهور، إلا أن الراغب ~~قال: " والمائدة: الطبق الذي عليه طعام، ويقال لكل واحد منها ~~مائدة " ، وهو مخالف لما عليه المعظم، وهذه المسألة لها نظائر في ~~اللغة، لا يقال للخوان مائدة إلا وعليه طعام، وإلا فهو خوان، ولا ~~يقال كأس إلا وفيها خمر، وإلا فهي قدح، ولا يقال ذنوب وسجل إلا ~~وفيه ماء، وإلا فهو دلو، ولا يقال جراب إلا وهو مدبوع وإلا فهو ~~إهاب، ولا قلم إلا وهو مبري وإلا فهو أنبوب، واختلف ~~اللغويون في اشتقاقها، فقال ms3316 الزجاج - رحمه الله تعالى -: " هي من ماد ~~يميد إذا تحرك، ومنه قوله: # رواسي أن تميد بهم # [الأنبياء: 31] ومنه: ميد البحر " ، وهو ما يصيب راكبه، ~~فكأنها تميد بما عليها من الطعام. # وقال أهل الكوفة: لأنها تميد بالآكلين، قال الزجاج - رحمه الله ~~تعالى -: " وهي فاعلة على الأصل " ، وقال أبو عبيد: " هي ~~فاعلة بمعنى مفعولة مشتقة من ماده بمعنى أعطاه، وامتاده ~~بمعنى استعطاه، فهي بمعنى مفعولة " ، قال: " كعيشة راضية " ~~وأصلها أنها ميد بها صاحبها، أي: أعطيها، والعرب تقول: مادني ~~فلان يميدني، إذا أدى إلي وأعطاني وقال أبو بكر بن ~~الأنباري: " سميت مائدة؛ لأنها غياث وعطاء، من قول العرب: ماد ~~فلان فلانا إذا أحسن إليه " وأنشد: [السريع] # 2088- إلى أمير المؤمنين الممتاد # أي: المحسن لرعيته، وهي فاعلة من الميد بمعنى معطية، فهو ~~قريب من قول أبي عبيد في الاشتقاق، إلا أنها عنده بمعنى فاعلة ~~على بابها، وابن قتيبة وافق أبا عبيد في كونها بمعنى مفعولة، ~~قال: " لأنها يماد بها الآكلون أي يعطونها " ، وقيل: هي من ~~الميد، وهو الميل، وهذا هو معنى قول الزجاج. قوله تعالى: " من ~~السماء " يجوز أن يتعلق بالفعل قبله، وأن يتعلق بمحذوف؛ على ~~أنه صفة ل " مائدة " ، أي: مائدة كائنة من السماء، أي: ~~نازلة منها. # قوله تعالى: { قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين }: فلا ~~تشكوا في قدرة الله - تعالى -. # وقيل: اتقوا الله أن تسألوه شيئا لم تسأله الأمم ~~السابقة من قبلكم، فنهاهم عن اقتراح الآيات بعد ~~الإيمان. # وقيل: أمرهم بالتقوى سببا لحصول هذا المطلوب، كقوله - ~~تبارك وتعالى -: # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا ~~إليه الوسيلة # [المائدة: 35]. ### || [5.113] # أي: أكل تبرك، لا أكل حاجة، وقال المارودي: لأنهم لما ~~احتاجوا لم ينهوا عن السؤال، وقيل: أرادوا الأكل للحاجة. # وقوله: " وتطمئن قلوبنا " أي: إنا وإن علمنا قدرة ~~الله تعالى بالدليل، ولكنا إن شاهدنا نزول هذه المائدة ازداد ~~اليقين، وقويت الطمأنينة. # وقيل: المعنى إنا وإن علمنا صدقك بسائر المعجزات، ~~ولكن إذا شاهدنا هذه المعجزة ازداد اليقين والعرفان، ~~وهذا معنى قوله: { ونعلم أن قد صدقتنا }: أنك ms3317 رسول ~~الله. # قيل: إن عيسى ابن مريم أمرهم أن يصوموا ثلاثين يوما، ~~فإذا أفطروا لا يسألون الله شيئا إلا أعطاهم، ففعلوا ~~وسألوه المائدة، وقالوا: { نعلم أن قد صدقتنا } في قولك: ~~" إنا إذا صمنا ثلاثين يوما لا نسأل الله شيئا إلا ~~أعطانا ". # وقيل: إن جميع المعجزات التي أوردتها كانت معجزات ~~أرضية، وهذه سماوية، وهي أعجب وأعظم، { ونكون عليها من ~~الشاهدين } نشهد عليها عند الذين لم يحضروها من بني ~~إسرائيل، ويكونوا شاهدين لله تعالى بكمال القدرة. # وقرأ الجمهور: " ونعلم ": و " نكون " بنون المتكلم مبنيا ~~للفاعل، وقرأ ابن جبير - رضي الله عنه - فيما نقله عنه ابن عطية - " ~~وتعلم " بضم التاء على أنه مبني للمفعول، والضمير عائد على ~~القلوب، أي: وتعلم قلوبنا، ونقل عنه " ونعلم " بالنون ~~مبنيا للمفعول، وقرىء: " ويعلم " بالياء مبنيا للمفعول، ~~والقائم مقام الفاعل: { أن قد صدقتنا } أي: ويعلم صدقك ~~لنا، ولا يجوز أن يكون الفعل في هذه القراءة مسندا لضمير القلوب؛ ~~لأنه جار مجرى المؤنث المجازي، ولا يجوز تذكير فعل ضميره، ~~وقرأ الأعمش: [ " وتعلم " ] بتاء والفعل مبني للفاعل، وهو ضمير ~~القلوب، ولا يجوز أن تكون التاء للخطاب؛ لفساد المعنى، وروي: " ~~وتعلم " بكسر حرف المضارعة، والمعنى على ما تقدم، وقرىء: " ~~وتكون " بالتاء والضمير للقلوب. # و " أن " في { أن قد صدقتنا } مخففة، واسمها محذوف، و " ~~قد " فاصلة؛ لأن الجملة الواقعة خبرا لها فعلية متصرفة غير ~~دعاء، وقد عرف ذلك مما تقدم في قوله: # ألا تكون فتنة # [المائدة: 71]، و " أن " وما بعدها سادة مسد المفعولين، أو ~~مسد الأول فقط، والثاني محذوف، و " عليها " متعلق بمحذوف ~~يدل عليه " الشاهدين " ، ولا يتعلق بما بعده؛ لأن " أل " لا ~~يعمل ما بعدها فيما قبلها عند الجمهور، ومن يجيز ذلك يقول: " هو ~~متعلق بالشاهدين، قدم للفواصل ". وأجاز الزمخشري أن تكون " ~~عليها " حالا؛ فإنه قال: " أو نكون من الشاهدين لله ~~بالوحدانية، ولك بالنبوة عاكفين عليها، على أن " عليها " في ~~موضع الحال " فقوله " عاكفين " تفسير معنى؛ لأنه لا يضمر في هذه ~~الأماكن إلا الأكوان المطلقة. وقرأ اليماني: " وإنه " ب " إن " ~~المشددة، ms3318 والضمير: إما للعيد، وإما للإنزال. # وبهذا لا يرد عليه ما قاله أبو حيان - رحمه الله تعالى - فإنه غاب ~~عليه ذلك، وجعله متناقضا؛ من حيث إنه لما علقه ب " عاكفين ~~" كان غير حال؛ لأنه إذا كان حالا، تعلق بكون مطلق ولا أدري ~~ما معنى التناقض. ### || [5.114] # " اللهم ربنا " تقدم الكلام عليه، قوله: " ربنا " نداء ~~ثاني. # قوله تعالى: { تكون لنا عيدا }: [في " تكون " ضمير يعود على " ~~مائدة " هو اسمها، وفي الخبر احتمالان: # أظهرهما: أنه عيد]، و " لنا " فيه وجهان: # أحدهما: أنه حال من " عيدا "؛ لأنها صفة له في الأصل. # والثاني: أنها حال من ضمير " تكون " عند من يجوز إعمالها في ~~الحال. # والوجه الثاني: أن " لنا " هو الخبر، و " عيدا " حال: إما من ~~ضمير " تكون " عند من يرى ذلك، وإما من الضمير في " لنا " ، ~~لأنه وقع خبرا فتحمل ضميرا، والجملة في محل نصب صفة لمائدة. # وقرأ عبد الله: " تكن " بالجزم على جواب الأمر في قوله: " ~~أنزل " ، قال الزمخشري - رحمه الله -: وهما نظير " يرثني ~~[ويرث " ] يريد قوله تعالى: # فهب لي من لدنك وليا يرثني # [مريم: 5، 6] بالرفع صفة، وبالجزم جوابا، ولكن القراءتان هناك ~~متواترتان، والجزم هنا في الشاذ. # والعيد هنا مشتق من العود؛ لأنه يعود كل سنة، قاله ثعلب عن ابن ~~الأعرابي، وقال ابن الأنباري: " النحويون يقولون: يوم العيد؛ ~~لأنه يعود بالفرح والسرور فهو يوم سرور الخلق كلهم، ألا ~~ترى أن المسجونين في ذلك اليوم لا يطالبون ولا يعاقبون، ~~ولا يصاد الوحش ولا الطيور، ولا تغدو الصبيان إلى ~~المكاتب ". وقيل: هو عيد؛ لأن كل إنسان يعود إلى قدر ~~منزلته؛ ألا ترى إلى اختلاف ملابسهم وهيئاتهم ومآكلهم، ~~فمنهم من يضيف ومنهم من يضاف، ومنهم من يرحم ومنهم من يرحم. # وقيل: سمي بذلك؛ لأنه يوم شريف، تشبيها بالعيد وهو فحل ~~كريم مشهور عند العرب وينسبون إليه، فيقال: إبل عيدية. # قال الشاعر: [البسيط] # 2089-........................... # عيد بها أزهرت فيها الدنانير # وقال الخليل: العيد كل يوم يجمع، كأنهم عادوا إليه عند ~~العرب؛ لأنه يعود بالفرح والحزن، وكل ما عاد إليك في ms3319 وقت، فهو عيد؛ ~~حتى قالوا للطيف عيد؛ قال الأعشى: [ الطويل] # 2090- فواكبدي من لاعج الحب والهوى # إذا اعتاد قلبي من أميمة عيدها # أي: طيفها، وقال تأبط شرا: [البسيط] # 2091- يا عيد ما لك من شوق وإيراق # وقال أيضا: [الخفيف] # 2092- عاد قلبي من الطويلة عيد # ......................... # وقال الراغب: والعيد حالة تعاود الإنسان، والعائدة: كل نفع ~~يرجع إلى الإنسان بشيء، ومنه " العود " للبعير المسن: إما ~~لمعاودته السير والعمل فهو بمعنى فاعل، وإما لمعاودة ~~[السنين] إياه [ومرها] عليه، فهو بمعنى مفعول، قال امرؤ القيس: ~~[الطويل] # 2093- على لاحب لا يهتدى بمناره # إذا سافه العود النباطي جرجرا # وصغروه على " عييد " وكسروه على " أعياد " ، وكان القياس ~~عويد وأعواد؛ لزوال موجب قلب الواو ياء؛ لأنها إنما قلبت ~~لسكونها بعد كسرة، ك " ميزان " ، وإنما فعلوا ذلك؛ قالوا: فرقا ~~بينه وبين عود الخشب. # قوله: " لأولنا وآخرنا " فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق بمحذوف؛ لأنه وقع صفة ل " عيدا ". # الثاني: أنه بدل من " نا " في " لنا " ، قال الزمخشري: " ~~لأولنا وآخرنا " بدل من " لنا " بتكرير العامل، ثم قال: " ~~وقرأ زيد بن ثابت، وابن محيصن والجحدري: " لأولانا ~~وأخرانا " بدل " لنا " ، والتأنيث على معنى الأمة " ، وخصص ~~أبو البقاء كل وجه بشيء؛ وذلك أنه قال: " فأما " لأولنا ~~وآخرنا " ، فإذا جعلت " لنا " خبرا أو حالا من فاعل " تكون " ~~فهو صفة ل " عيدا " ، وإن جعلت " لنا " صفة ل " عيد " ، كان " ~~لأولنا " بدلا من الضمير المجرور بإعادة الجار ". قال شهاب ~~الدين: إنما فعل ذلك؛ لأنه إذا جعل " لنا " خبرا، كان " عيدا " ~~حالا، وإن جعله حالا، كان " عيدا " خبرا؛ وعلى التقديرين لا يمكنه ~~جعل " لأولنا " بدلا من " لنا "؛ لئلا يلزم الفصل بين البدل ~~والمبدل منه: إما بالحال، وإما بالخبر، وهو " عيد " ، بخلاف ما إذا ~~جعل " لنا " صفة ل " عيد " ، [ولكن يقال: قوله: فإن جعلت " ~~لنا " صفة ل " عيدا " ] كان " لأولنا " بدلا مشكل أيضا؛ ~~لأن الفصل فيه موجود، لا سيما أن قوله لا يحمل على ظاهره؛ لأن " ~~لنا " ليس صفة بل هو حال مقدمة، ولكنه نظر إلى الأصل، وأن ~~التقدير: عيدا لنا لأولنا؛ ms3320 فكأنه لا فصل، والظاهر جواز ~~البدل، والفصل بالخبر والحال لا يضر؛ لأنه من تمامه، فليس بأجنبي. # واعلم: أن البدل من ضمير الحاضر، سواء كان متكلما أم مخاطبا، لا ~~يجوز عند جمهور البصريين في بدل الكل من الكل، لو قلت: " قمت ~~زيد " تعني نفسك، و " ضربتك عمرا " ، لم يجز، قالوا: ~~لأن البدل إنما يؤتى به للبيان غالبا، والحاضر متميز بنفسه؛ فلا ~~فائدة في البدل منه، وهذا يقرب من تعليلهم في منع وصفه، وأجاز ~~الأخفش ذلك مطلقا مستدلا بظاهر هذه الآية الكريمة؛ لقول القائل: ~~[الوافر] # 2094- أنا سيف العشيرة فاعرفوني # حميدا قد تذريت السناما # ف " حميدا " بدل من ياء " اعرفوني " ، وقول الآخر: [الطويل] # 2095- وشوهاء تغدو بي إلى صارخ الوغى # بمستلئم مثل الفنيق المدجل # وقول الآخر: [البسيط] # 2096- بكم قريش كفينا كل معضلة # وأم نهج الهدى من كان ضليلا # وفي الحديث: " أتينا النبي صلى الله عليه وسلم نفر من ~~الأشعريين " والبصريون يؤولون جميع ذلك، أما الآية الكريمة ~~فعلى ما تقدم في الوجه الأول، وأما " حميدا " ، فمنصوب على ~~الاختصاص، وأما " بمستلئم " ، فمن باب التجريد، وهو شيء يعرفه ~~أهل البيان، يعني أنه جرد من نفسه ذاتا متصفة بكذا، وأما " ~~قريش " فالرواية بالرفع على أنه منادى نون ضرورة؛ كقوله: ~~[الوافر] # 2097- سلام الله يا مطر عليها # وليس عليك يا مطر السلام # وأما " نفر " ، فخبر مبتدأ مضمر، أي: نحن، ومنع ذلك بعضهم، إلا ~~أن يفيد البدل توكيدا، وإحاطة شمول، واستدل بهذه الآية، وبقول ~~الآخر: [الطويل] # 2098- فما برحت أقدامنا في مقامنا # ثلاثتنا حتى أزيروا المنائيا # بجر " ثلاثينا " بدلا من " نا " ، ولا حجة فيه؛ لأن " ~~ثلاثتنا " توكيد جار مجرى " كل ". # قال القرطبي: وقرأ زيد بن ثابت: " لأولينا وأخرينا " ~~على الجمع قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: يأكل منهما آخر ~~الناس كما يأكل أولهم. # قوله: " وآية ": عطف على " عيدا " ، و " منك ". # فصل # روي أن عيسى - عليه السلام - اغتسل ولبس المسح، وصلى ~~ركعتين، فطأطأ رأسه، وغض بصره وبكى وقال: " اللهم ربنا ~~أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا " أي: عائدة ~~من ms3321 الله علينا حجة وبرهانا، والعيد يوم السرور، سمي به ~~للعود من الترح إلى الفرح، وهو اسم لما اعتدته يعود إليك، ~~وقد تقدم. # وقال السدي: معناه يتخذ اليوم الذي أنزلت فيه عيدا ~~لأولنا لأهل زماننا، وآخرنا لمن يجيء بعدنا. # وقال ابن عباس: يأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم. # قوله: " وآية منك " دلالة وحجة. # قيل: نزلت يوم الأحد، فاتخذه النصارى عيدا. وقوله " ~~وارزقنا " أي: طعاما نأكله { وأنت خير الرازقين }. ### || [5.115] # قرأ نافع وابن عامر وعاصم: " منزلها ": بالتشديد، فقيل: إن ~~أنزل ونزل بمعنى، وقد تقدم تحقيق ذلك، وقيل: التشديد للتكثير، ~~فإنها نزلت مرات متعددة. # قوله: " بعد ": متعلق ب " يكفر " ، وبني؛ لقطعه عن ~~الإضافة؛ إذ الأصل: بعد الإنزال، و " منكم " متعلق بمحذوف؛ ~~لأنه حال من فاعل " يكفر " ، وقوله: " عذابا " فيه وجهان: # أظهرهما: أنه اسم مصدر بمعنى التعذيب، أو مصدر على حذف الزوائد؛ ~~نحو: " عطاء ونبات " ل " أعطى " و " أنبت " ، وانتصابه على ~~المصدرية بالتقديرين المذكورين. # والثاني - أجازه أبو البقاء -: أن يكون مفعولا به على السعة، يعني: ~~جعل الحدث مفعولا به على السعة؛ مبالغة، وحينئذ يكون نصبه على ~~التشبيه بالمفعول به، والمنصوب على التشبيه بالمفعول به عند النحاة ~~ثلاثة أنواع: معمول الصفة المشبهة، والمصدر، والظرف المتسع ~~فيهما: # أما المصدر، فكما تقدم، وأما الظرف، فنحو: " يوم الجمعة ~~صمته " ، ومنه قوله في ذلك: [الطويل] # 2099- ويوم شهدناه سليما وعامرا # قليل سوى الطعن النهال نوافله # قال الزمخشري: " ولو أريد بالعذاب ما يعذب به، لكان لا بد ~~من الباء " قال شهاب الدين: إنما قال ذلك؛ لأن إطلاق العذاب على ما ~~يعذب به كثير، فخاف أن يتوهم ذلك، وليس لقائل أن يقول: كان ~~الأصل: بعذاب، ثم حذف الحرف؛ فانتصب المجرور به؛ لأن ذلك لم ~~يطرد إلا مع " أن " و " أن " بشرط أمن اللبس. # قوله: " لا أعذبه " الهاء فيها ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنها عائدة على " عذاب " الذي تقدم أنه بمعنى التعذيب، ~~والتقدير: فإني أعذبه تعذيبا لا أعذب مثل ذلك ~~التعذيب أحدا، والجملة في محل نصب صفة ل " عذابا " ، ~~وهذا وجه سالم من ms3322 تكلف ستراه في غيره، ولما ذكر أبو البقاء ~~هذا لوجه - أعني عودها على " عذابا " المتقدم - قال: " وفيه على ~~هذا وجهان: # أحدهما: على حذف حرف الجر، أي: لا أعذب به أحدا، والثاني: أنه ~~مفعول به على السعة ". قال شهاب الدين: أما قوله " حذف الحرف " ~~، فقد عرفت أنه لا يجوز إلا فيما استثني. # الثاني - من أوجه الهاء -: أنها تعود على " من " المتقدمة في قوله: " ~~فمن يكفر " ، والمعنى: لا أعذب مثل عذاب الكافر ~~أحدا، ولا بد من تقدير هذين المضافين؛ ليصح المعنى، قال أبو ~~البقاء في هذا الوجه: " وفي الكلام حذف أي: لا أعذب الكافر، ~~أي: مثل الكافر، أي: مثل عذاب الكافر ". # الثالث: أنها ضمير المصدر المؤكد؛ نحو: " ظننته زيدا ~~قائما " ، ولما ذكر أبو البقاء هذا الوجه، اعترض على نفسه، فقال: " ~~فإن قلت: " لا أعذبه " صفة ل " عذاب " ، وعلى هذا التقدير لا ~~يعود من الصفة على الموصوف شيء، قيل: إن الثاني لما كان واقعا ~~موقع المصدر والمصدر جنس، و " عذابا " نكرة، كان الأول داخلا ~~في الثاني، والثاني مشتمل على الأول، وهو مثل: زيد نعم ~~الرجل ". انتهى، فجعل الرابط العموم، وهذا الذي ذكره من أن ~~الربط بالعموم، إنما ذكره النحويون في الجملة الواقعة خبرا ~~لمبتدأ، ولذلك نظره أبو البقاء ب " زيد نعم الرجل " ، وهذا ~~لا ينبغي أن يقاس عليه؛ لأن الربط يحصل في الخبر بأشياء لا تجوز في ~~الجملة الواقعة صفة، وهذا منها، ثم هذا الاعتراض الذي ذكره وارد عليه ~~في الوجه الثاني؛ فإن الجملة صفة ل " عذابا " ، وليس فيها ضمير، ~~فإن قيل: ليست هناك بصفة، قيل: يفسد المعنى بتقدير الاستئناف، وعلى ~~تقدير صحته، فلتكن هنا أيضا مستأنفة، و " أحدا " منصوب على ~~المفعول الصريح، و " من العالمين " صفة ل " أحدا " فيتعلق ~~بمحذوف. # فصل في معنى الآية # معنى الآية الكريمة { فمن يكفر بعد منكم } أي: بعد ~~إنزال المائدة، { فإني أعذبه عذابا لا أعذبه ~~أحدا من العالمين } أي: جنس عذاب لا أعذبه أحدا من ~~العالمين - يعني: على زمانه - فجحد القوم وكفروا بعد نزول ~~المائدة. # قال ابن ms3323 عباس - رضي الله عنهما -: مسخوا خنازير، وقيل: ~~قردة، وقيل: جنسا من العذاب، لا يعذب به غيرهم. # قال الزجاج: ويجوز أن يكون ذلك العذاب معجلا في ~~الدنيا، ويجوز أن يكون مؤخرا في الآخرة. # قال عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما -: " أن أشد الناس ~~عذابا يوم القيامة المنافقون، ومن كفر من أصحاب ~~المائدة وآل فرعون ". # واختلف العلماء - رضي الله تعالى عنهم - هل نزلت أم لا؟. # فقال مجاهد، والحسن: لم تنزل، فإن الله تعالى لما أوعد ~~على كفرهم بعد نزول المائدة خافوا أن يكفر بعضهم، ~~فاستعفوا وقالوا: لا نريدها؛ فلم تنزل. وقوله: { إني ~~منزلها عليكم } - يعني: إن سألتم، والصحيح الذي ~~عليه الأكثرون: أنها نزلت لقوله تعالى: { إني ~~منزلها عليكم } ولا خلف في خبره، ولتواتر الأخبار ~~فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها نزلت. # وقيل لهم: إنها مقيمة لكم ما لم تخونوا وتخبؤوا؛ فما مضى ~~يومها حتى خانوا وخبئوا، فمسخوا قردة وخنازير. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: إن عيسى - عليه السلام - قال لهم: ~~صوموا ثلاثين يوما، ثم سلوا الله ما شئتم يعطيكم، ~~فصاموا، فلما فرغوا قالوا: يا عيسى: إنا لو عملنا لأحد ~~قضينا عمله لأطعمنا، وسألوا الله المائدة، ~~فأقبلت الملائكة - عليهم الصلاة والسلام - بمائدة ~~يحملونها، عليها سبعة أرغفة وسبعة أخوان، حتى ~~وضعتها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس كما أكل ~~أولهم. # قال كعب الأحبار: نزلت منكوسة تطير بها الملائكة بين ~~السماء والأرض، عليها كل الطعام إلا اللحم. # وقال سعيد بن جبير - رضي الله عنهما -، عن ابن عباس - رضي ~~الله عنهما -: أنزل على المائدة كل شيء إلا الخبز ~~واللحم. # قال قتادة: كان عليها ثمر من ثمار الجنة. # وقال عطية العوفي: نزلت من السماء سمكة فيها طعم ~~كل شيء. # وقال الكلبي: كان عليها خبز رز، وبقل. # وقال وهب بن منبه: أنزل الله - تبارك وتعالى - قرصة من ~~شعير وحيتانا، فكان قوم يأكلون ثم يخرجون، ثم يجيء ~~آخرون فيأكلون، حتى أكل أجمعهم. # وقال الكلبي ومقاتل: أنزل الله سمكا وخمسة ~~أرغفة، فأكلوا ما شاء الله، ms3324 والناس ألف ونيف، فلما ~~رجعوا إلى قراهم، ونشروا الحديث، ضحك منهم من لم ~~يشهد؛ وقالوا: ويحكم، إنما سحر أعينكم، فمن أراد ~~الله به تعالى الخير ثبته على بصيرته، ومن أراد ~~فتنته رجع إلى كفره، فمسخوا خنازير ليس صبي ولا ~~امرأة، فمكثوا كذلك ثلاثة أيام، ثم هلكوا، ولم ~~يتوالدوا، ولم يأكلوا، ولم يشربوا، وكذلك كل ممسوخ ~~وقال قتادة: كانت تنزل عليهم بكرة وعشيا، كالمن والسلوى ~~لبني إسرائيل. # وروى عطاء بن أبي رباح، عن سلمان الفارسي: لما سأل ~~الحواريون المائدة، لبس عيسى - عليه الصلاة والسلام - صوفا ~~وبكى، وقال: " اللهم أنزل علينا مائدة من السماء " ، فنزلت سفرة ~~حمراء بين غمامتين، غمامة من تحتها، وغمامة من ~~فوقها وهم ينظرون إليها، وهي تهوي خافضة، حتى ~~سقطت بين أيديهم، فبكى عيسى - عليه الصلاة والسلام - وقال: ~~اللهم اجعلني من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة ولا ~~تجعلها عقوبة، واليهود ينظرون إلى شيء لم يروا ~~مثله قط، ولم يجدوا ريحا أطيب من ريحه، فقال عيسى - عليه ~~الصلاة والسلام -: ليقم أحسنكم عملا، فيكشف عنها، ويذكر ~~اسم الله تعالى، فقال شمعون الصفار رأس من الحواريين ~~أنت أولى بذلك منا، فقام عيسى - عليه الصلاة والسلام - ~~فتوضأ وصلى وبكى كثيرا، ثم كشف المنديل، وقال: بسم ~~الله خير الرازقين، فإذا سمكة مشوية ليس عليها فلوسها ولا ~~شوك تسيل من دسمها، وعند رأسها ملح وعند ذنبها خل، ~~وحولها من أنواع البقول ما خلا الكراث، وإذا خمسة ~~أرغفة على واحد زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث ~~سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس: قديد، فقال شمعون: يا ~~روح الله أمن طعام الدنيا هذا أو من طعام الآخرة؟ قال: ~~ليس منهما، ولكنه شيء افتعله الله بالقدرة ~~العالية، كلوا ما سألتم واشكروا الله يمددكم ويزدكم ~~من فضله. # فقال الحواريون: يا روح الله كن أول من يأكل منها، فقال: ~~معاذ الله أن آكل منها، ولكن يأكل منها من سألها، فخافوا أن ~~يأكلوا منها، فدعا أهل الفاقة والمرض وأهل البرص ~~والجذام والمقعدين وقال: كلوا من رزق الله - عز وجل - ~~لكم الهناء، ولغيركم ms3325 البلاء، فأكلوا، وصدر عنها ألف ~~وثلثمائة رجل وامرأة من فقير، وزمن ومريض، ومبتلى كل ~~منهم شبعان، وإذا السمكة كهيئتها حين نزلت، ثم طارت ~~المائدة صعدا وهم ينظرون إليها حتى توارت، فلم يأكل ~~منها زمن ولا مريض ولا مبتلى إلا عوفي، ولا فقير إلا ~~استغنى، وندم من لم يأكل فلبثت أربعين صباحا تنزل ~~ضحى، فإذا نزلت اجتمع الأغنياء والفقراء والصغار ~~والكبار والرجال والنساء، ولا تزال منصوبة يؤكل منها حتى ~~إذا فاء الفيء طارت، وهم ينظرون في ظلها حتى توارت عنهم، ~~فكانت تنزل غبا تنزل يوما ولا تنزل يوما كناقة ~~ثمود، فأوحى الله - تبارك وتعالى - إلى عيسى - عليه الصلاة ~~والسلام -: اجعل مائدتي ورزقي للفقراء دون الأغنياء، ~~فعظم ذلك الأغنياء حتى شكوا وشككوا الناس فيها، وقالوا: ~~ترون المائدة حقا تنزل من السماء؟ فأوحى الله - تبارك ~~وتعالى - إلى عيسى: إني شرطت أن من كفر بعد نزولها، ~~عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، فقال - عليه ~~السلام -: " إن تعذبهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم ~~فإنك أنت العزيز الحكيم " فمسخ الله منهم ثلاثمائة ~~وثلاثين رجلا من ليلتهم على فرشهم مع نسائهم، فأصبحوا ~~خنازير يسعون في الطرقات والكناسات، ويأكلون العذرة في ~~الحشوش، وعاشوا ثلاثة أيام ثم هلكوا والعياذ بالله. ### || [5.116-117] # اختلفوا في هذا القول، هل وقع وانقضى، أو سيقع يوم القيامة؟ ~~على قولين: # الأول: قال بعضهم: لما رفعه إليه، قال له ذلك، وعلى هذا ف " إذ " ~~و " قال " على موضوعهما من المضي، وهو الظاهر، وقال بعضهم: ~~سيقوله له يوم القيامة؛ لقوله - تبارك وتعالى قبله # يوم يجمع الله الرسل # [المائدة: 109] [الآية]، وقوله بعد هذا: # يوم ينفع الصادقين صدقهم # [المائدة: 119] وعلى هذا ف " إذ " ، و " قال " بمعنى " يقول " ، ~~وكونها بمعنى " إذا " أهون من قول أبي عبيد: إنها زائدة؛ لأن ~~زيادة الأسماء ليست بالسهلة. # قوله: " أأنت قلت " دخلت الهمزة على المبتدأ؛ لفائدة ذكرها أهل ~~البيان، وهو: أن الفعل إذا علم وجوده، وشك في نسبته إلى شخص، ~~أولي الاسم المشكوك في نسبة الفعل إليه للهمزة، فيقال: " أأنت ~~ضرب زيدا " ، فضرب زيد ms3326 قد صدر في الوجود، وإنما شك في ~~نسبته إلى المخاطب، وإن شك في أصل وقوع الفعل، أولي الفعل ~~للهمزة، فيقال: " أضربت زيدا " ، لم تقطع بوقوع الضرب، بل ~~شككت فيه، والحاصل: أن الهمزة يليها المشكوك فيه، فالاستفهام ~~في الآية الكريمة يراد به التقريع والتوبيخ لغير عيسى - عليه السلام - ~~وهم المتخذون له ولأمه إلهين، دخل على المبتدأ لهذا المعنى الذي ~~ذكرناه؛ لأن الاتخاذ قد وقع ولا بد، واللام في " للناس " للتبليغ ~~فقط، و " اتخذوني " يجوز أن تكون بمعنى " صير " ، فتتعدى ~~لاثنين، ثانيهما " إلهين " ، وأن تكون المتعدية لواحد ف " ~~إلهين " حال، و { من دون الله } فيه وجهان: # أظهرهما: أنه متعلق بالاتخاذ، وأجاز أبو البقاء - رحمه الله تعالى - ~~وبه بدأ - أن يكون متعلقا بمحذوف؛ على أنه صفة ل " إلهين ". # فإن قيل: كيف يليق الاستفهام بعلام الغيوب؛ وأيضا ~~النصارى لا يقولون بإلهية عيسى [- عليه الصلاة والسلام - ~~ومريم]. # فالجواب عن الأول: أنه على سبيل الإنكار، وقصد هذا السؤال ~~تعريفه أن قومه غيروا بعده، وادعوا عليه ما لم ~~يقله. # والجواب عن الثاني: أن النصارى يعتقدون أن المعجزات ~~التي ظهرت على يد عيسى - عليه الصلاة والسلام - ومريم - ~~عليها السلام - لم يخلقها الله تعالى، بل عيسى ابن مريم - عليهما ~~الصلاة والسلام - فالله ليس خالقهما، فصح أنهم أثبتوا ~~في حق بعض الأشياء كون عيسى - عليه السلام - ومريم إلهين من ~~دون الله، [مع أن الله ليس إلها له]، فصح بهذا التأويل ~~هذه الحكاية. # وقال القرطبي - رحمه الله -: فإن قيل: النصارى لم يتخذوا ~~مريم إلها، فكيف قال ذلك فيهم؟. # فقيل: لما كان من قولهم أنها لم تلد بشرا، وإنما ~~ولدت إلها، لزمهم أن يقولوا: إنها لأجل البعضية ~~بمثابة من ولدته، فصاروا حين لزمهم ذلك بمثابة القائلين له. # فإن قيل: إنه - تبارك وتعالى - إن كان عالما بعيسى - عليه ~~الصلاة والسلام - لم يقل ذلك، فلم خاطبه به؟ فإن قلتم: ~~الغرض منه توبيخ النصارى وتقريعهم، فنقول: إن ~~أحدا من النصارى لم يذهب إلى القول بإلهية عيسى ومريم ~~مع القول بنفي إلهية الله تعالى، فكيف يجوز ms3327 أن ينسب هذا ~~القول إليهم، مع أن أحدا منهم لم يقل به؟. # فالجواب: أن الله تعالى أراد أن عيسى يقر على نفسه ~~بالعبودية فيسمع قومه، ويظهر كذبهم عليه أنه ~~أمرهم بذلك. # قوله: " سبحانك " أي: تنزيها لك، وتقدم الكلام عليه في البقرة ~~[الآية: 32]، ومتعلقه محذوف، فقدره الزمخشري: " سبحانك من ~~أن يكون لك شريك " ، وقدره ابن عطية: " عن أن يقال هذا، ~~وينطق به " ورجحه أبو حيان - رضي الله عنه - لقوله بعد: { ما ~~يكون لي أن أقول }. قوله: " أن أقول " في محل رفع؛ لأنه اسم " ~~يكون " ، والخبر في الجار قبله، أي: ما ينبغي لي قول كذا، و " ~~ما " يجوز أن تكون موصولة أو نكرة موصوفة، والجملة بعدها صلة؛ فلا ~~محل لها، أو صفة، فمحلها النصب، فإن " ما " منصوبة ب " أقول ~~" نصب المفعول به؛ لأنها متضمنة لجملة، فهو نظير " قلت كلاما " ، ~~وعلى هذا فلا يحتاج أن يؤول " أقول " بمعنى " أدعي " أو " أذكر ~~" ، كما فعله أبو البقاء رحمه الله وفي " ليس " ضمير يعود على ما هو ~~اسمها، وفي خبرها وجهان: # أحدهما: أنه " لي " ، أي: ما ليس مستقرا لي وثابتا، وأما " ~~بحق " على هذا، ففيه ثلاثة أوجه، ذكر أبو البقاء منها وجهين: # أحدهما: أنه حال من الضمير في " لي ". # قال: والثاني: أن يكون مفعولا به، تقديره: ما ليس يثبت لي بسبب ~~حق، والباء متعلقة بالفعل المحذوف، لا بنفس الجار؛ لأن ~~المعاني لا تعمل في المفعول به. قال شهاب الدين: وهذا ليس بجيد؛ ~~لأنه قدر متعلق [الخبر كونا مقيدا، ثم حذفه، وأبقى معموله. # الوجه الثالث: أن قوله " بحق " متعلق] بقوله: " علمته " ، ~~ويكون الوقف على هذا على قوله " لي " ، والمعنى: فققد علمته ~~بحق، [وقد رد] هذا بأن الأصل عدم التقديم والتأخير، وهذا لا ~~ينبغي أن يكتفى به في رد هذا، بل الذي منه من ذلك: أن معمول الشرط ~~أو جوابه لا يتقدم على أداة الشرط، لا سيما والمروي عن الأئمة ~~القراء الوقف على " بحق " ، ويبتدئون ب { إن كنت ~~قلته } ، وهذا مروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ms3328 فوجب ~~اتباعه. # والوجه الثاني في خبر " ليس ": أنه " بحق " ، وعلى هذا، ففي " ~~لي " ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه " يتبين "؛ كما في قولهم: " سقيا له " ، أي: ~~فيتعلق بمحذوف. # والثاني: أنه حال من " بحق "؛ لأنه لو تأخر، لكان صفة له، قال ~~أبو البقاء: " وهذا مخرج على قول من يجوز تقديم حال المجرور ~~عليه " [قلت: قد تقدم لك خلاف الناس فيه]، وما أوردوه من الشواهد، ~~وفيه أيضا تقديم الحال على عاملها المعنوي، فإن " بحق " هو ~~العامل؛ إذ " ليس " لا يجوز أن تعمل في شيء، وإن قلنا: إن " كان " ~~أختها قد تعمل لأن " ليس " لا حدث لها بالإجماع. # والثالث: أنه متعلق بنفس " حق "؛ لأن الباء زائدة، و " حق " ~~بمعنى " مستحق " ، أي: ما ليس مستحقا لي. # فصل # اعلم: أنه - تبارك وتعالى - لما سأل عيسى - عليه السلام - أنك ~~هل قلت للناس ذلك؟ لم يقل عيسى بأني قلت، أو: ما قلت، ~~بل قال: ما يكون لي أن أقول هذا الكلام، وبدأ بالتسبيح قبل ~~الجواب لأمرين: # أحدهما: تنزيها له على أن يضيف إليه. # والثاني: خضوعا لعزته، وخوفا من سطوته. # ثم قال: { ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق } أي: أن ~~أدعي لنفسي بما ليس من حقها يعني: أني مربوب ولست ~~برب، وعابد، ولست بمعبود، ولما بين أنه ليس له أن ~~يقول هذا الكلام، شرع في بيان أنه هل وقع منه هذا القول أم ~~لا؟ ولم يقل بأني ما قلته، بل فوضه إلى علمه تعالى المحيط ~~بالكل، فقال: " إن كنت قلته فقد علمته بعلمك " ، وهذا ~~مبالغة في الأدب، وفي إظهار الذلة والمسكنة في حضرة ~~الخلاق، وتفويض الأمر بالكلية إلى الحق - سبحانه ~~وتعالى -. # قوله: { إن كنت قلته }: " كنت " وإن كانت ماضية اللفظ فهي مستقبلة في ~~المعنى، والتقدير: إن تصح دعواي لما ذكر، وقدره الفارسي بقوله: " ~~إن أكن الآن قلته فيما مضى " لأن الشرط والجزاء لا يقعان إلا في ~~المستقبل. وقوله: " فقد علمته " أي: فقد تبين وظهر علمك به كقوله: # فصدقت # [يوسف: 26] و # فكذبت # [يوسف: 27] و # فكبت وجوههم في النار ms3329 # [النمل: 90]. # قوله تعالى: { تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في ~~نفسك إنك أنت علام الغيوب }. # قوله: { تعلم ما في نفسي } هذه لا يجوز أن تكون عرفانية، لأن ~~العرفان كما تقدم يستدعي سبق جهل، أو يقتصر به على معرفة الذات ~~دون أحوالها حسب ما قاله الناس، فالمفعول الثاني محذوف، أي: تعلم ~~ما في نفسي كائنا موجودا على حقيقته لا يخفى عليك منه شيء، وأما: " ~~ولا أعلم " فهي وإن كان يجوز أن تكون عرفانية، إلا أنها لما صارت ~~مقابلة لما قبلها ينبغي أن يكون مثلها، والمراد بالنفس هنا ما قاله ~~الزجاج أنها تطلق ويراد بها حقيقة الشيء، والمعنى في قوله { تعلم ما ~~في نفسي } إلى آخره واضح. # وقال: المعنى: تعلم ما أخفيه من سري وغيبي، أي: ما غاب ولم ~~أظهره، ولا أعلم ما تخفيه أنت ولا تطلعنا عليه، فذكر النفس ~~مقابلة وازدواجا، وهذا منتزع من قول ابن عباس، وعليه حام الزمخشري رحمه ~~الله فإنه قال: " تعلم معلومي ولا أعلم معلومك " ، وأتى بقوله: { ما في ~~نفسك } على جهة المقابلة والتشاكل [لقوله: " ما في نفسي " فهو] كقوله: # ومكروا ومكر الله # [آل عمران: 54]، وكقوله: # إنما نحن مستهزءون الله يستهزئ بهم # [البقرة: 14، 15]. # وقيل: المعنى: تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك. # وقيل: تعلم ما في الدنيا، ولا أعلم ما يكون منك في الآخرة. # وقيل: تعلم بما أقول وأفعل، ولا أعلم بما تقول وتفعل { إنك ~~أنت علام الغيوب } وهذا تأكيد للجملتين المتقدمتين. # وتمسكت المجسمة بقوله " بما في نفسك " ، وقالوا: النفس ~~إنما تكون في الشخص. # وأجيبوا: بأن النفس عبارة عن الذات، يقال: نفس الشيء وذاته ~~بمعنى واحد، وأيضا المراد: تعلم معلومي ولا أعلم معلومك، ولكنه ~~ذكر هذا الكلام على طريق المقابلة والمشاكلة. # قال الزجاج: النفس عبارة عن جملة الشيء وحقيقته. # قوله تعالى: { ما قلت لهم إلا مآ أمرتني به }: هذا ~~استثناء مفرغ فإن " ما " منصوبة بالقول؛ لأنها وما في حيزها في ~~تأويل مقول. وقدر أبو البقاء القول بمعنى الذكر والتأدية. و " ما " ~~يجوز أن تكون موصولة أو ms3330 نكرة موصوفة. # قوله تعالى: " أن اعبدوا " في " أن " سبعة أوجه: # أحدها: أنها مصدرية في محل جر على البدل من الهاء في " به " ~~والتقدير: ما قلت إلا ما أمرتني بأن اعبدوا، وهذا الوجه سيأتي عليه ~~اعتراض. # الثاني: أنها في محل نصب بإضمار " أعني " ، أي: إنه فسر ذلك ~~المأمور به. # الثالث: أنه في محل نصب على البدل من محل " به " في { ما أمرتني به ~~} لأن محل المجرور نصب. # الرابع: أن موضعها رفع على إضمار مبتدأ وهو قريب في المعنى من النصب ~~على البدل. # الخامس: أنها في محل جر لأنها عطف بيان على الهاء في به. # السادس: أنها بدل من " ما " نفسها أي: ما قلت لهم إلا أن اعبدوا. # السابع: أن " أن " تفسيرية، أجازه ابن عطية والحوفي ومكي. وممن ذهب ~~إلى جواز أن " أن " بدل من " ما " فتكون منصوبة المحل أو من ~~الهاء فتكون مجرورته أبو إسحق الزجاج، وأجاز أيضا أن تكون تفسيرية لا ~~محل لها. وهذه الأوجه قد منع بعضها الزمخشري، وأبو البقاء منع منها ~~وجها واحدا وهو أن تكون تفسيرية، أما الزمخشري فإنه منع أن تكون ~~تفسيرية إلا بتأويل ذكره وسيأتي، وبدلا من " ما " أو من الهاء في " به ~~". قال - رحمه الله -: " أن " في قوله: { أن اعبدوا الله } إن جعلتها ~~مفسرة لم يكن لها بد من مفسر، والمفسر: إما أن يكون فعل القول أو ~~فعل الأمر، وكلاهما لا وجه له؛ أما فعل القول فلأنه يحكى بعده الجمل ~~ولا يتوسط بينه وبين محكيه حرف تفسير، وأما فعل الأمر فمستند إلى ~~ضمير الله تعالى، فلو فسرته ب { اعبدوا الله ربي وربكم } لم يستقم ~~لأن الله لا يقول: اعبدوا الله ربي وربكم، وإن جعلتها بدلا لم يخل من ~~أن تجعلها بدلا من " ما " في { ما أمرتني به } ، أو من الهاء في " به " ~~، وكلاهما غير مستقيم؛ لأن البدل هو الذي يقوم مقام المبدل منه، ولا ~~يقال: ما قلت لهم إلا أن اعبدوا الله، أي: ما قلت لهم إلا عبادته ~~لأن العبادة لا تقال، وكذلك لو ms3331 جعلتها بدلا من الهاء، لأنك لو أقمت ~~" أن اعبدوا " مقام الهاء [فقلت: إلا ما أمرتني بأن اعبدوا الله] لبقي ~~الموصول بغير راجع إليه من صلته، فإن قلت: كيف تصنع؟ قلت: يحمل فعل ~~القول على معناه، لأن معنى { ما قلت لهم إلا ما أمرتني به }: ما ~~أمرتهم إلا بما أمرتني به، حتى يستقيم تفسيره ب { أن اعبدوا الله ربي ~~وربكم } ، ويجوز أن تكون " أن " موصولة عطفا على بيان الهاء لا ~~بدلا. # وتعقب عليه أبو حيان كلامه فقال: " أما قوله وأما فعل الأمر إلى ~~آخر المنع [وقوله: " لأن الله لا يقول اعبدوا الله ربي وربكم " فإنما ~~لم يستقم لأنه جعل الجملة وما بعدها مضمومة إلى فعل الأمر، ويستقيم أن ~~يكون فعل الأمر مفسرا بقوله: " اعبدوا الله " ويكون " ربي وربكم " من ~~كلام عيسى على إضمار " أعني " أي: " أعني ربي وربكم " ، لا على الصفة ~~التي فهمها الزمخشري فلم يستقم ذلك عنده، وأما] قوله: " لأن العبادة لا ~~تقال " فصحيح، لكن يصح ذلك على حذف مضاف أي: ما قلت لهم إلا القول ~~الذي أمرتني به قول عبادة الله تبارك وتعالى أي: القول المتضمن عبادة ~~الله تبارك وتعالى، وأما قوله " لبقي الموصول بغير راجع إليه من صلته " ~~فلا يلزم في كل بدل أن يحل محل المبدل منه، ألا ترى إلى تجويز ~~النحويين: " زيد مررت به أبي عبد الله " ولو قلت: " زيد مررت بأبي عبد ~~الله " لم يجز إلا على رأي الأخفش. # وأما قوله: " عطفا على بيان الهاء " ففيه بعد، لأن عطف البيان ~~أكثره بالجوامد الأعلام. وما اختاره الزمخشري وجوزه غيره لا ~~يصح، لأنها جاءت بعد " إلا " ، وكل ما كان بعد " إلا " المستثنى ~~بها فلا بد أن يكون له موضع من الإعراب، و " أن " التفسيرية لا موضع ~~لها من الإعراب ". انتهى. # قال شهاب الدين: أما قوله: " إن ربي وربكم من كلام عيسى " ففي غاية ما ~~يكون من البعد عن الأفهام، وكيف يفهم ذلك الزمخشري والسياق والمعنى ~~يقودان إلى أن " ربي " تابع للجلالة؟ لا يتبادر للذهن - بل لا يقبل ms3332 ~~- إلا ذلك، وهذا أشد من قولهم " يؤدي إلى تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه ~~" فآل قول الشيخ إلى أن " اعبدوا الله " من كلام الله تعالى و " ربي ~~وربكم " من كلام عيسى، وكلاهما مفسر ل " أمرت " المسند للباري ~~تعالى. وأما قوله " يصح ذلك على حذف مضاف " ففيه بعض جودة، وأما ~~قوله: " إن حلول البدل محل المبدل منه غير لازم " واستشهاده بما ذكر ~~فغير مسلم، لأن هذا معارض بنصهم، على أنه لا يجوز " جاء الذي ~~مررت به أبي عبد الله " بجر " عبد الله " بدلا من الهاء، وعللوه ~~بأنه يلزم بقاء الموصول بلا عائد، مع أن لنا أيضا في الربط بالظاهر ~~في الصلة خلافا قدمت التنبيه عليه، ويكفينا كثرة قولهم في مسائل: " ~~لا يجوز هذا لأن البدل يحل محل المبدل منه " فيجعلون ذلك علة ~~مانعة، يعرف ذلك من اطلع على كلامهم، قال شهاب الدين رحمه الله: فلولا ~~خوف الإطالة لأوردت منه مسائل شتى. وأما قوله: " وكل ما كان بعد " ~~إلا " المستثنى به إلى آخره " فكلام صحيح لأنها إيجاب بعد نفي فيستدعي ~~تسلط ما قبلها على ما بعدها. # ويجوز في " أن " الكسر على أصل التقاء الساكنين والضم على الإتباع، ~~وقد تقدم تحقيقه ونسبته إلى من قرأ به في قوله: " فمن اضطر " ~~في البقرة [الآية 173]. و " ربي " نعت أو بدل أو بيان مقطوع عن الإتباع ~~رفعا أو نصبا، فهذه خمسة [أوجه] تقدم إيضاحها. # قوله: " شهيدا " خبر " كان " ، و " عليهم " متعلق به، و " ما " مصدرية ~~ظرفية أي: تتقدر بمصدر مضاف إليه زمان، و " دام " صلتها، ويجوز فيها ~~التمام والنقصان، فإن كانت تامة كان معناها الإقامة، ويكون " فيهم " ~~متعلقا بها، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال، والمعنى: وكنت ~~عليهم شهيدا مدة إقامتي فيهم، فلم يحتج هنا إلى منصوب، وتكون حينئذ ~~متصرفة، وإن كانت الناقصة لزمت لفظ المضي ولم تكتف بمرفوع، فيكون " ~~فيهم " في محل نصب خبرا لها، والتقدير: مدة دوامي مستقرا فيهم، وقد ~~تقدم أنه يقال: " دمت تدام " كخفت تخاف. قوله: { كنت أنت الرقيب ~~عليهم } يجوز في ms3333 " أنت " أن تكون فصلا وأن تكون تأكيدا. وقرىء " ~~الرقيب " بالرفع على أنه خبر ل " أنت " والجملة خبر ل " كان " ، ~~كقول القائل: [الطويل] # 2100-............................. # وكنت عليها بالملا أنت أقدر # وقد تقدم اشتقاق " الرقيب ". و " عليهم " متعلق به. و " على كل ~~شيء " متعلق ب " شهيد " قدم للفاصلة. # فصل # معنى الكلام { وكنت عليهم شهيدا } أي: كنت أشهد على ما ~~يفعلون، ما دمت مقيما فيهم، " فلما توفيتني " والمراد ~~منه: الوفاة بالرفع إلى السماء من قوله: # إني متوفيك ورافعك إلي # [آل عمران: 55]. # و { كنت أنت الرقيب عليهم } ، قال الزجاج: الحافظ عليهم ~~بعد مفارقتي عنهم. # فالشهيد: المشاهد، ويجوز حمله على الرؤية، ويجوز ~~حمله على العلم، ويجوز حمله على الكلام بمعنى الشهادة، ~~فالشهيد من أسماء الصفات الحقيقية على جميع ~~التقديرات. ### || [5.118] # فيه سؤال: وهو أنه كيف طلب المغفرة وهم كفار، والله لا ~~يغفر الشرك؟ والجواب من وجوه: # الأول: أنه تعالى لما قال لعيسى - عليه الصلاة والسلام -: # ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله # [المائدة: 116]، علم أن قوما من النصارى حكوا هذا الكلام ~~عنه والحاكي هذا الكفر لا يكون كافرا، بل مذنبا بكذبه في ~~هذه الحكاية، وغفران الذنب جائز، فلهذا طلب المغفرة. # والثاني: أنه يجوز من الله - تعالى - أن يدخل الكفار الجنة، ~~ويدخل الزهاد النار؛ لأن الملك ملكه، ولا اعتراض لأحد ~~عليه، فكان غرض عيسى - عليه الصلاة والسلام - بهذا الكلام تفويض ~~الأمور كلها إلى الله - تعالى -، وترك الاعتراض بالكلية، ~~ولذلك ختم الكلام بقوله { فإنك أنت العزيز الحكيم } أي: ~~القادر على ما تريد، الحكيم فيما تفعل لا اعتراض لأحد عليك، وما ~~أحسن ما قيل: فإن أتيت ذنبا عظيما فأنت للعفو أهل، فإن ~~غفرت، ففضل، وإن جزيت فعدل. # الثالث: معناه: " إن تعذبهم " بإقامتهم على كفرهم، و { إن ~~تغفر لهم } بعد الإيمان، وهذا مستقيم على قول السدي [رحمه ~~الله]: إن هذا السؤال عند رفعه إلى السماء قبل يوم ~~القيامة؛ لأن الإيمان لا ينفع في القيامة. # الرابع: قيل هذا في فرقتين منهم، معناه: إن تعذب من كفر ~~منهم، وإن تغفر لمن ms3334 آمن منهم. # قال القرطبي -[رحمه الله تعالى]- في الجواب عن هذا السؤال، ~~بأنه قال ذلك على وجه الاستعطاف لهم والرأفة، كعطف ~~السيد لعبده، ولهذا لم يقل: فإن عصوك. # وقيل: قاله على وجه التسليم لأمره، والاستجارة من عذابه، ~~وهو يعلم أنه لا يغفر لكافر. # وأما قول من قال: إن عيسى - عليه السلام - لا يعلم أن ~~الكافر لا يغفر له، فقول من يتجرأ على كتاب الله - تبارك ~~وتعالى-؛ لأن الأخبار من الله - تبارك وتعالى - لا تنسخ. # وقيل: كان عند عيسى - عليه الصلاة والسلام - أنهم أحدثوا معاصي ~~وعملوا بعده بما لم يأمرهم به، إلا أنهم على عمود ~~دينه، فقال: { وإن تغفر لهم } ما أحدثوا بعدي من ~~المعاصي. # قوله: { فإنك أنت العزيز الحكيم }: تقدم نظيره [البقرة 32]، وهي في ~~قراءة الناس ومصاحفهم " العزيز الحكيم " ، وفي مصحف ابن مسعود - رضي ~~الله عنه وقرأ بها جماعة: " الغفور الرحيم " ، وقد عبث بعض من لا يفهم ~~كلام العرب بهذه الآية، وقال: " إنما كان المناسب ما في مصحف ابن مسعود " ~~وخفي عليه أن المعنى متعلق بالشرطين جميعا، ويوضح هذا ما قاله أبو ~~بكر بن الأنباري، فإنه نقل هذه القراءة عن بعض الطاعنين ثم قال: ومتى ~~نقل إلى ما قاله هذا الطاعن ضعف معناه، فإنه ينفرد " الغفور الرحيم ~~" بالشرط الثاني ولا يكون له بالشرط الأول تعلق، وهو على ما أنزل الله ~~وعلى ما أجمع على قراءته المسلمون معروف بالشرطين كليهما: أولهما ~~وآخرهما، إذ تلخيصه: إن تعذبهم فإنك أنت العزيز الحكيم، وإن تغفر لهم ~~فأنت العزيز الحكيم في الأمرين كليهما من التعذيب والغفران، فكأن " ~~العزيز الحكيم " أليق بهذا المكان لعمومه وأنه يجمع الشرطين، ولم يصلح ~~" الغفور الرحيم " أن يحتمل من العموم ما احتمله " العزيز الحكيم ". # قال شهاب الدين رحمه الله تعالى: وكلامه فيه دقة، وذلك أنه لا يريد ~~بقوله " إنه معروف بالشرطين إلى آخره " أنه جواب لهما صناعة، لأن ذلك ~~فاسد من حيث الصناعة العربية؛ فإن الأول قد أخذ جوابه وهو " فإنهم ~~عبادك " وهو جواب مطابق فإن العبد قابل ليصرفه سيده كيف شاء، ms3335 ~~وإنما يريد بذلك أنه متعلق بهما من جهة المعنى. # فصل # قوله: { فإنك أنت العزيز الحكيم } قيل: فيه تقديم ~~وتأخير تقديره: وإن تغفر لهم فإنهم عبادك، وإن تعذبهم، ~~فإنك أنت العزيز في الملك، الحكيم في القضاء، لا ينقص من ~~عزك شيء، ولا يخرج عن حكمك، ويدخل في حكمه، وسعت ~~رحمته مغفرة الكفار، ولكنه أخبر أنه لا يغفر ~~لهم، وهو لا يخلف خبره. # روى عمرو بن العاص: # " أن النبي - عليه الصلاة والسلام - تلا قوله تبارك وتعالى: ~~{ رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني ~~فإنه مني } [إبراهيم: 36] الآية، وقول عيسى - عليه السلام: { ~~إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت ~~العزيز الحكيم } ، فرفع يديه وقال: " اللهم أمتي، ~~اللهم أمتي " فقال الله - عز وجل -: يا جبريل ~~اذهب إلى محمد - عليه الصلاة والسلام - وربك أعلم، ~~فسله ما يبكيه، فأتاه جبريل فسأله، فأخبره رسول الله، ~~فقال الله: يا جبريل اذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأخبره وقل له إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك ". ### || [5.119-120] # قرأ الجمهور " يوم " بالرفع تنوين، ونافع بالنصب من غير تنوين واختاره ~~أبو عبيدة ونقل الزمخشري عن الأعمش " يوما " بنصبه منونا، وابن عطية عن ~~الحسن بن عياش الشامي: " يوم " برفعه منونا، فهذه أربع قراءات. فأما ~~قراءة الجمهور فواضحة على المبتدأ والخبر، والجملة في محل نصب بالقول. ~~وأما قراءة نافع ففيها أوجه، أحدها: أن " هذا " مبتدأ، و " يوم " ~~خبره كالقراءة الأولى، وإنما بني الظرف لإضافته إلى الجملة الفعلية ~~وإن كانت معربة، وهذا مذهب الكوفيين، واستدلوا عليه بهذه القراءة، ~~وأما البصريون فلا يجيزون البناء إلا إذا صدرت الجملة المضاف ~~إليها بفعل ماض، وعليه قول النابغة: [الطويل] # 2101- على حين عاتبت المشيب على الصبا # فقلت: ألما أصح والشيب وازع # وخرجوا هذه القرءاة على أن " يوم " منصوب على الظرف، وهو متعلق في ~~الحقيقة بخبر المبتدأ أي: هذا واقع أو يقع في يوم ينفع، فيستوي هذا مع ~~تخريج القراءة الأولى والثانية أيضا في المعنى. ومنهم من خرجه على ~~أن " هذا " منصوب ب " قال " ، وأشير ms3336 به إلى المصدر فنصبه على المصدر، ~~وقيل: بل أشير به إلى الخبر والقصص المتقدمة فيجري في نصبه خلاف: هل ~~هو منصوب نصب المفعول به أو نصب المصادر؟ لأنه متى وقع بعد القول ما ~~يفهم كلاما نحو: " قلت شعرا وخطبة " جرى فيه هذا الخلاف، وعلى كل ~~تقدير ف " يوم " منصوب على الظرف ب " قال " أي: قال الله هذا القول ~~أو هذه الأخبار في وقت نفع الصادقين، و " ينفع " في محل خفض ~~بالإضافة، وقد تقدم ما يجوز إضافته إلى الجمل وأنه أحد ثلاثة أشياء. ~~وأما قراءة التنوين فرفعه على الخبرية كقراءة الجماعة، ونصبه على ~~الظرف كقراءة نافع، إلا أن الجملة بعده في القراءتين في محل الوصف ~~لما قبلها، والعائد محذوف، وهي نظيرة قوله تعالى: # يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا # [البقرة: 48]، فيكون محل هذه الجملة إما رفعا أو نصبا. # قوله: " صدقهم " مرفوع بالفاعلية، وهذه قراءة العامة، وقرىء شاذا ~~بنصبه وفيه أربعة أوجه، أحدها: أنه منصوب على المفعول من أجله أي: ينفعهم ~~لأجل صدقهم، ذكر ذلك أبو البقاء، وتبعه أبو حيان وهذا لا يجوز لأنه فات ~~شرط من شروط النصب، وهو اتحاد الفاعل، فإن فاعل النفع غير فاعل ~~الصدق، وليس لقائل أن يقول: " ينصب بالصادقين فكأنه قيل: الذين ~~يصدقون لأجل صدقهم فيلزم اتحاد الفاعل " لأنه يؤدي إلى أن الشيء ~~علة لنفسه، وللقول فيه مجال. الثاني: على إسقاط حرف الجر أي: بصدقهم، ~~وهذا فيه ما عرف من أن حذف الحرف لا يطرد. # الثالث: أنه منصوب على المفعول به، والناصب له اسم الفاعل في " الصادقين ~~" أي: الذين صدقوا صدقهم، مبالغة نحو: " صدقت القتال " كأنك وعدت ~~القتال فلم تكذبه، وقد يقوي هذا نصبه على المفعول له، والعامل ~~فيه اسم الفاعل قبله. الرابع: أنه مصدر مؤكد كأنه قيل: الذين يصدقون ~~الصدق كما تقول: " صدق الصدق " ، وعلى هذه الأوجه كلها ففاعل " ~~ينفع " ضمير يعود على الله تعالى. # فصل في معنى الآية # أجمعوا على أن المراد بهذا اليوم هو يوم القيامة، ~~والمعنى: أن صدقهم في الدنيا ينفعهم في ms3337 الآخرة؛ ~~لأن صدق الكفار في القيامة لا ينفعهم، ألا ترى أن ~~إبليس قال: # إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم ~~فأخلفتكم # [إبراهيم: 22]، فلم ينفعه هذا الصدق، وهذا الكلام تصديق ~~من الله تعالى لعيسى في قوله: # ما قلت لهم إلا مآ أمرتني به # [المائدة: 117]. # وقيل: أراد بالصادقين النبيين. # وقال الكلبي: ينفع المؤمنين إيمانهم. # وقال قتادة: متكلمان يخطبان يوم القيامة: عيسى - عليه ~~الصلاة والسلام -، وهو ما قص الله عز وجل - وعدو الله ~~إبليس، وهو قوله: # وقال الشيطان لما قضي الأمر # [إبراهيم: 22] فصدق عدو الله يومئذ، وكان قبل ذلك كاذبا، ~~فلم ينفعه صدقه، فأما عيسى - عليه السلام - فكان صادقا ~~في الدنيا والآخرة فنفعه صدقه. # وقال بعضهم: المراد صدقهم في العمل لله في يوم من ~~أيام الدنيا؛ لأن دار الآخرة دار جزاء لا دار عمل. # وقيل: المراد صدقهم في الآخرة وذلك في الشهادة لأنبيائهم ~~بالبلاغ، وفيما شهدوا به على أنفسهم كالعدم من أعمالهم، ~~ويكون وجه النفع فيه أن يكفوا المؤاخذة بتركهم كتم ~~الشهادة، فيغفر لهم بإقرارهم لأنبيائهم على أنفسهم، ~~ثم بين ثوابهم، فقال: { لهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيهآ أبدا } ، فبين أن ذلك النفع هو ~~الثواب، وهو حقيقة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم. # واعلم: أنه تبارك وتعالى إنما ذكر الثواب، قال: { خالدين ~~فيهآ أبدا } ، فيذكر معه لفظ التأبيد، وإنما ذكر عقاب ~~الفساق من أهل الإيمان، فيذكر معه لفظ الخلود، ولم ~~يذكر معه لفظ التأبيد وقوله: { رضي الله عنهم } معناه ~~الدعاء. # { ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم } الجمهور على أن ~~قوله: { ذلك الفوز العظيم } عائد إلى جملة ما تقدم من قوله: ~~" لهم جنات " ، إلى قوله: " ورضوا عنه ". # قال ابن الخطيب: وعندي أنه يحتمل أن يكون مختصا بقوله: ~~{ رضي الله عنهم ورضوا عنه }؛ لأنه ثبت عند أرباب ~~العقول، أن جملة الجنة بما فيها بالنسبة إلى رضوان الله - ~~تبارك وتعالى - بالنسبة إلى الوجود، وكيف والجنة مرغوب ~~الشهوة، والرضوان صفة الحق، وأي مناسبة بينهما! # ثم قال - تبارك وتعالى - معظما لنفسه: { لله ملك ~~السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل ms3338 شيء ~~قدير }. # قيل: إن هذا جواب عن سؤال مقدر، كأنه قيل: من يعطيهم ~~ذلك الفوز العظيم، فقيل: الذي له ملك السموات والأرض. # قال القرطبي: جاء هذا عقب ما جرى من دعوى النصارى في عيسى أنه إله فأخبر ~~تعالى أن ملك السموات والأرض له دون عيسى ودون سائر المخلوقين، ويجوز أن ~~يكون المعنى أن الذي له ملك السموات والأرض يعطي الجنات المتقدم ذكرها ~~للمطيعين من عباده. # واعلم: أنه - تبارك وتعالى - قال: " وما فيهن " ولم يقل: ~~من فيهن، فغلب غير العقلاء على العقلاء لفائدة ~~وهي: التنبيه على أن كل المخلوقات مسخرون في قبضة ~~قهره وقدرته وقضائه وقدره، وهم في ذلك التسخير ~~كالجمادات التي لا قدرة لها، وكالبهائم التي لا ~~عقل لها، فعلم الكل بالنسبة إلى علمه كلا علم، ~~وقدرة الكل بالنسبة إلى قدرته كلا قدرة. # روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ سورة المائدة في ~~خطبته يوم حجة الوداع، وقال: # " يا أيها الناس: إن سورة المائدة من آخر القرآن ~~نزولا، فأحلوا حلالها وحرموا حرامها ". # وقال عبد الله بن عمر: أنزلت على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سورة المائدة وهو على راحلته، فلم تستطع أن ~~تحمله حتى نزل عنها. # وعن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة المائدة أعطي من الأجر بعدد كل ~~يهودي ونصراني يتنفس في دار الدنيا عشر ~~حسنات، ومحي عنه عشر سيئات، ورفع له عشر ~~درجات " # والله - تبارك وتعالى - أعلم بالصواب. ### | [6 - سورة الأنعام] ### || [6.1] # قال كعب الأحبار - رضي الله عنه -: هذه الآية [الكريمة] أول ~~آية في التوراة، وآخر آية في التوراة قوله تعالى: # الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له ~~شريك في الملك # [الإسراء: 111] الآية الكريمة. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: فتح الله بالحمد، فقال: ~~{ الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض } ، ~~وختمهم بالحمد، فقال: " وقضى بينهم بالحق " ، وقيل: # الحمد لله رب العالمين # [الزمر:75]. # فقوله: " الحمد لله " فحمد الله نفسه تعليما لعباده، أي: ~~احمدوا الله الذي خلق ms3339 السموات والأرض خصهما بالذكر؛ ~~لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد، وفيهما العبرة ~~والمنافع للعباد. # واعلم أن المدح أعم من الحمد، والحمد أعم من الشكر؛ ~~لأن المدح يحصل للعاقل وغير العاقل، فكما يمدح الرجل ~~العاقل بفضله، كذلك يمدح اللؤلؤ لحسن شكله، ولطافة ~~خلقته، ويمدح الياقوت لصفائه وصقالته. # وأما الحمد فلا يحصل إلا للفاعل المختار على ما يصدر عنه ~~من الإنعام، وإنما كون الحمد أعم من الشكر؛ فلأن الحمد ~~عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل ما صدر عنه من الإنعام، سواء كان ذلك الإنعام ~~واصلا إليك أو إلى غيرك. # وأما الشكر فهو عبارة عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك، وإذا ~~عرف ذلك، فإنما لم يقل: المدح لله تبارك وتعالى لأنا ~~بينا أن المدح كما يحصل للفاعل المختار، فقد يحصل ~~لغيره. # وأما الحمد فلا يحصل إلا للفاعل المختار، وإنما لم يقل: " ~~الشكر لله " لما بينا أن الشكر عبارة عن تعظيم بسبب ~~إنعام صدر منه، فيكون المطلوب الأصلي، وقبول النعمة إليه، وهذه درجة ~~حقيرة. # وقوله: " الحمد لله " يدل على أن العبد حمده لأجل ~~كونه مستحقا للحمد، لا لخصوص كونه - تعالى - أوصل النعمة إليه ~~فيكون الإخلاص. # فصل في بيان لفظ الحمد # قوله: " الحمد " لفظ مفرد محلى بالألف واللام، فيفيد أن هذه ~~الماهية لله، وذلك يمنع من ثبوت الحمد لغير الله، وهذا يقتضي ~~أن جميع أقسام الحمد والثناء والتعظيم ليس إلا لله تبارك ~~وتعالى، فإن قيل: إن شكر المنعم واجب مثل شكر الأستاذ ~~على تعليمه، وشكر السلطان على عدله، وشكر المحسن على إحسانه، ~~قال عليه الصلاة والسلام: # " من لم يشكر الناس لم يشكر الله " # فالجواب أن المحمود والمشكور في الحقيقة هو الله تعالى؛ ~~لأن صدور الإحسان من [قلب] العبد يتوقف على حصول داعية الإحسان في ~~قلب العبد، وحصول تلك الداعية في القلب ليس من العبد، وإلا ~~لافتقر في حصولها إلى داعية أخرى، ولزم التسلسل، بل حصولها ~~ليس إلا من الله تعالى، فتلك الداعية عند حصولها يجب الفعل، ~~وعند زوالها يمتنع الفعل فيكون المحسن في الحقيقة ليس إلا ms3340 ~~الله تبارك وتعالى، فيكون المستحق لكل حمد في الحقيقة هو ~~الله تعالى. # وأيضا فإن إحسان العبد إلى الغير لا يكمل إلا بواسطة ~~إحسان الله تعالى؛ لأنه لولا أن الله - تعالى - خلق أنواع ~~النعم، وإلا لم يقدر الإنسان على إيصال تلك الحنطة والفواكه ~~إلى الغير، فظهر أنه لا محسن في الحقيقة إلا الله تعالى، ولا ~~مستحق للحمد في الحقيقة إلا الله، فلهذا قال: " الحمد لله ". # فصل في بيان قوله: " الحمد لله " بالألف واللام # وإنما قال: " الحمد لله " ولم يقل: أحمد الله؛ لأن ~~الحمد صفة القلب، فربما احتاج الإنسان إلى أن يذكر هذه ~~اللفظة حال كونه غافلا عند استحضار معنى الحمد، فلو قال وقت ~~غفلته: أحمد الله [تبارك وتعالى] كان كاذبا، واستحق عليه ~~الذنب والعقاب حيث أخبر عن وجود شيء لم يوجد، فإذا قال: ~~الحمد لله، فمعناه أن ماهية الحمد مستحقة لله عز ~~وجل، وهذا حق وصدق، سواء كان معنى الحمد حاضرا في قلبه، أو ~~لم يكن، وكان الكلام عبادة شريفة وطاعة، وظهر الفرق، ~~والله أعلم. # فصل # هذه الكلمة مذكورة في أوائل خمسة، أولها سورة " الفاتحة " # الحمد لله رب العالمين # [الفاتحة:2]. # وثانيها: هذه السورة { الحمد لله الذي خلق السماوات ~~والأرض } [الأنعام: 1] والأول أعم، لأن العالم عبارة عن كل ~~موجود سوى الله تعالى. # وقوله: { الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض } ~~لا يدخل فيه إلا خلق السماوات والأرض، والظلمات والنور، ولا ~~يدخل فيه سائر الكائنات، فكان هذا بعض الأقسام الداخلة تحت ~~التحميد المذكور في سورة " الفاتحة ". # وثالثها: سورة الكهف: # الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب # [الكهف:1]. # وهذا أيضا تحميد مخصوص بنوع خاص من النعمة وهي نعمة العلم ~~والمعرفة والهداية والقرآن، وبالجملة النعم الحاصلة بسبب ~~بعثة الرسل عليهم الصلاة والسلام. # ورابعها: سورة " سبأ ": # الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في ~~الأرض # [الآية:1]. # وهذا أيضا تحميد على كونه مالكا لكل ما في السموات ~~والأرض، وهو قسم من الأقسام الداخلة في قوله: # الحمد لله رب العالمين # [الفاتحة:2]. # وخامسها: سورة " فاطر " # الحمد لله فاطر السماوات ms3341 والأرض # [الآية: 1]. # وهو أيضا قسم من الأقسام الداخلة تحت قوله تبارك وتعالى: # الحمد لله رب العالمين # [الفاتحة:2]. # فإن قيل: ما الفرق بين الخالق وبين الفاطر والرب؟ وأيضا لم قال ~~هاهنا: " خلق السموات والأرض " بصيغة فعل الماضي، وقال في سورة ~~" فاطر ": " الحمد لله فاطر السموات " بصيغة اسم الفاعل؟. # فالجواب عن الأول، أن الخلق عبارة عن التقدير، وهو في حق الله ~~- تعالى - عبارة عن علمه النافذ في جميع الكليات والجزئيات، ~~وأما كونه فاطرا فهو عبارة عن الإيجاد والإبداع، فكونه تعالى خالقا ~~إشارة إلى صفة العلم، وكونه فاطرا إشارة إلى صفة القدرة، وكونه تعالى ~~ربا ومربيا مشتملا على الأمرين فكان ذلك أكمل. # وأما الجواب عن الثاني، فالحق أن الخلق عبارة عن التقدير، ~~وهو في حق الله - تعالى - عبارة عن علمه بالمعلومات، والعلم ~~بالشيء يصح تقدمه على وجود المعلوم؛ لأنه لا يمكن أن يعلم ~~الشيء قبل وجوده، وأما إيجاد الشيء، فإنه لا يحصل إلا حال ~~وجوده. # فصل في قوله: " الحمد لله " # قوله: " الحمد لله " فيه قولان: # الأول: المراد احمدوا الله، وإنما جاء على صفة الخبر ~~لوجوه: # أحدها: أن قوله: " الحمد لله " يفيد تعظيم اللفظ والمعنى، ولو ~~قال: " احمدوا " لم يحصل مجموع هاتين الفائدتين. # وثانيهما: أنه يفيد كونه - تعالى - مستحقا للحمد سواء ~~حمده حامد أو لم يحمده. # وثالثها: أن المقصود منه ذكر الحجة فذكره بصيغة ~~الخبر أولى. # والقول الثاني: أن المراد منه تعليم العباد، وهو قول أكثره ~~المفسرين. # قوله: { الذي خلق السماوات والأرض } فيه ثلاث سؤالات: # السؤال الأول: قوله: { الحمد لله الذي خلق السماوات ~~والأرض } جار مجرى قولك: " جاءني الرجل الفقيه " فإن هذا ~~يدل على وجود رجل آخر ليس بفقيه، وإلا لم يكن لذكر ذلك ~~فائدة، وكذا هاهنا قوله: { الحمد لله الذي خلق ~~السماوات والأرض } يوهم أن هناك إلها لم يخلق السماوات ~~والأرض، وإلا فأي فائدة في ذكر هذه الصفة. # والجواب: أنا بينا أن قوله: " الله " جار مجرى اسم العلم، فإذا ~~ذكر الوصف لاسم العلم لم يكن المقصود من ذكر الوصف التمييز، بل تعريف ~~كون ms3342 ذلك المسمى موصوفا بتلك الصفة. # مثاله: إذا قلنا: الرجل اسم للماهية، فيتناول الأشخاص ~~الكثيرين، فكان المقصود هاهنا من ذكر الوصف تمييز هذا الرجل عن ~~سائر الرجال بهذه الصفة. # أما إذا قلنا: زيد العالم، فلفظ " زيد " اسم علم، وهو لا يفيد ~~إلا هذه الذات المعينة؛ لأن أسماء الأعلام قائمة مقام ~~الإشارات، فإذا وصفناه بالعلمية امتنع أن يكون المقصود منه ~~تمييز ذلك الشخص عن غيره، بل المقصود منه تعريف كون ذلك المسمى ~~موصوفا بهذه الصفة ولما كان لفظ " الله " من باب أسماء الأعلام لا ~~جرم كان الأمر على ما ذكرناه. # السؤال الثاني: لم قدم " السماء " على " الأرض " مع أن ظاهر ~~التنزيل يدل على أن خلق الأرض مقدم على خلق السماء. # فالجواب: أن السماء كالدائرة، والأرض كالمركز، وحصول ~~الدائرة يوجب تعيين المركز، ولا ينعكس، فإن حصول ~~المركز لا يوجب تعيين الدائرة لإمكان أن يحيط بالمركز ~~الواحد دوائر لا نهاية لها، فلما تقدمت السماء على الأرض ~~بهذا الاعتبار، وجب تقديم ذكر السماء على الأرض، وعلى قوله من قال: ~~إن السموات مخلوقة قبل الأرض، وهو قول قتادة، فالسؤال ~~زائد. # السؤال الثالث لم ذكر السماء بصيغة الجمع، والأرض بصيغة الواحد، مع ~~أن الأرضين أيضا كثيرة لقوله: # ومن الأرض مثلهن # [الطلاق:12]؟. # فالجواب: أن السماء جارية مجرى الفاعل، والأرض مجرى القابل، ~~فلو كانت السماء واحدة لتشابه الأمر، وذلك يخل بمصالح هذا ~~العالم، فإذا كانت كثيرة اختلفت الاتصالات ~~الكوكبية، فحصل بسببها الفصول الأربعة، وسائر الأحوال ~~المختلفة، وحصل بسبب تلك الاختلافات مصالح [هذا] العالم. # أما الأرض فهي قابلة للأثر، والقابل الواحد كاف في القبول. # قوله: { وجعل الظلمات والنور }. # " جعل " هنا تتعدى لمعفول واحد؛ لأنها بمعنى " خلق " ، هكذا ~~عبارة النحويين، ظاهرها أنهما مترادفان، إلا أن ~~الزمخشري فرق بينهما فقال: " والفرق بين الخلق والجعل ~~أن الخلق فيه معنى التقدير، وفي الجعل معنى التصيير كإنشاء ~~شيء من شيء أو تصيير شيء شيئا، أو نقله من مكان إلى مكان، ومن ~~ذلك # وجعل منها زوجها # [الأعراف: 189]، { وجعل الظلمات والنور }؛ لأن ~~الظلمات من الأجرام المتكاثفة، والنور ms3343 من النار ". # وقال الطبري: " جعل " هنا هي التي تتصرف في طرف الكلام، ~~كما تقول: " جعلت أفعل كذا ". # فكأنه قال: " جعل إظلامها وإنارتها " ، وهذا لا يشبه كلام أهل ~~اللسان، ولكونها عند الزمخشري ليست بمعنى " خلق " فسرها هنا ~~بمعنى " أحدث " و " أنشأ ". # وكذا الراغب جعلها بمعنى " أوجد ". # ثم إن أبا حيان اعترض عليه هنا لما استطرد، وذكر أنها ~~تكون بمعنى صير ومثل بقوله: # وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا # [الزخرف:19]. فقال وما ذكر من أن جعل بمعنى صير في قوله # وجعلوا الملائكة # [الزخرف:19] لا يصح؛ لأنهم لم يصيروهم إناثا وإنما ذكر بعض ~~النحويين أنها هنا بمعنى " سمى ". # قال شهاب الدين: ليس المراد بالتصيير التصيير بالفعل، بل المراد ~~التصيير بالقول، وقد نص الزمخشري على ذلك، على ما سيأتي في موضعه إن ~~شاء الله تعالى، وقد ظهر الفرق بين تخصيص السموات والأرض بالخلق، ~~والظلمات والنور بالجعل بما ذكره الزمخشري. # فصل # قال أبو العباس المقري: ورد لفظ الجعل في القرآن على خمسة أوجه: # الأول: بمعنى " خلق " قال تعالى: { وجعل الظلمات والنور } ~~، وقوله # وجعل فيها رواسي من فوقها # [فصلت:10]، وقوله: # جعل الليل والنهار خلفة # [الفرقان:62]. # والثاني: بمعنى " بعث " قال تعالى: # وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا # [الفرقان:35]. # والثالث: بمعنى " قدره " قال تعالى # وجعل لله أندادا # [الزمر:8] وقوله تعالى: # وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا # [الزخرف:19] وقوله تعالى: # أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين ~~وتجعلون له أندادا # [فصلت: 9] أي تقولون. # الرابع: بمعنى " بين " قال تعالى: # إنا جعلناه قرآنا عربيا # [الزخرف:3] أي: بيناه بحلاله وحرامه. # الخامس: بمعنى " صير " قال تعالى: # وجعلنا على قلوبهم أكنة # [الإسراء: 46] أي: صيرنا، وقوله # أجعلتم سقاية الحاج # [التوبة:19]، وقوله # وجعل بين البحرين # [النمل:61]، وقوله: # إنا جعلنا في أعناقهم # [يس:8]. # فإن قيل: لم وحد النور، وجمع الظلمات. فالجواب من وجوه: # أحدها: إن قلنا: إن الظلمات هي الكفر، والنور هو ~~الإيمان فظاهر؛ لأن الحق واحد، والباطل كثير. # وإن قلنا: إن الظلمة الكيفية المحسوسة، فالنور [عبارة] عن تلك ~~الكيفية الكاملة القوية وكذلك الظلمة الكاملة القوية، ms3344 ~~ثم إنها تقبل التناقص قليلا [قليلا] وتلك المراتب كثيرة، ~~فلهذا عبر عن الظلمات بصيغة الجمع. # وثانيها: أن النور من جنس واحد، وهو النار، والظلمات ~~كثيرة، فإن ما من جرم إلا وله ظل وظلمة. # وثالثها: أن الصلة التي قبلها تقدم فيها جمع ثم مفرد، ~~فعطفت هذه عليها كذلك، وقد تقدم في " البقرة " الحكمة في جمع ~~السماوات، وإفراد الأرض. # فإن قيل: لم قدمت الظلمات [على النور] في الذكر؟. # فالجواب: لأنه موافق في الموجود؛ إذا الظلمة قبل النور ~~عند الجمهور. # فصل في المراد بالظلمات والنور # قال الواقدي: كل ما في القرآن من الظلمات والنور هو ~~الكفر والإيمان، إلا في هذه الآية، فإنه يريد به الليل ~~والنهار. # وقال الحسن: المراد الكفر والإيمان. # ونقل الواحدي عن ابن عباس معناه. # وقيل: المراد بالظلمات الجهل، وبالنور العلم. # وقال قتادة: يعني الجنة والنار. # وقيل: معناها خلق السموات والأرض، وقد جعل الظلمات والنور؛ لأنه ~~خلق الظلمة والنور قبل السموات والأرض. # قال قتادة: خلق الله السموات قبل الأرض، وخلق الظلمة ~~قبل النور، والجنة قبل النار. # وروى عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من ~~نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ~~ضل ". # قوله تعالى: { ثم الذين كفروا }. # " ثم " هذه ليست للترتيب الزماني، وإنما هي للتراخي بين ~~الرتبتين، والمراد استبعاد أن يعدلوا به غيره مع ما أوضح ~~من الدلالات، وهذه عطف: إما على قوله: " الحمد لله " ، وإما على ~~قوله: " خلق السموات ". # قال الزمخشري: " فإن قلت فما معنى " ثم "؟ قلت: استبعاد أن يعدلوا ~~به بعد وضوح آيات قدرته، وكذلك " ثم أنتم تمترون " ~~استبعاد لأن يمتروا فيه بعدما ثبت أنه محييهم، ومميتهم ~~وباعثهم ". # وقال ابن عطية: " ثم " دالة على قبح فعل الذين كفروا، ~~فإن خلقه للسموات والأرض وغيرهما قد تقرر، وآياته قد ~~سطعت، وإنعامه بذلك قد تبين، ثم مع هذا كله يعدلون ~~به غيره. # قال أبو حيان: ما قالاه من أنها للتوبيخ والاستبعاد ليس ~~بصحيح؛ لأنها ms3345 لم توضع لذلك، والاستبعاد والتوبيخ مستفاد ~~من السياق لا من " ثم " ، ولم أعلم أحدا من النحويين ذكر ذلك، ~~بل " ثم " هنا للمهلة في الزمان، وهي عاطفة جملة اسمية ~~[على جملة اسمية] يعني على " الحمد لله ". # ثم اعترض على الزمخشري في تجويزه أن تكون معطوفة على " خلق " ~~[لأن " خلق " ] صلة، فالمعطوف عليها يعطى حكمها، ولكن ليس ثم ~~رابط يعود [منها] على الموصول. # ثم قال: " إلا أن يكون على رأي من يرى الربط بالظاهر ~~كقولهم: " أبو سعيد الذي رويت عن الخدري " وهو قليل جدا لا ينبغي ~~أن يحمل عليه كتاب الله ". # قال شهاب الدين: إن الزمخشري إنما يريد العطف ب " ثم " لتراخي ~~ما بين الرتبتين، ولا يريد التراخي في الزمان كما قد صرح به ~~هو، فكيف يلزمه ما ذكر من الخلو عن الرابط؟. # وكيف يتخيل كونها للمهلة في الزمان كما ذكر أبو حيان. # قوله: " بربهم " يجوز أن يتعلق ب " كفروا " ، فيكون " ~~يعدلون " بمعنى يميلون عنه، من العدول، ولا مفعول له حينئذ، ~~ويجوز أن يتعلق ب " يعدلون " وقدم للفواصل، وفي " الباء " ~~حينئذ احتمالان: # أحدهما: أن تكون بمعنى " عن " و " يعدلون " من العدول أي: يعدلون عن ~~ربهم إلى غيره. # والثاني: أنها للتعدية ويعدلون من العدل وهو التسوية بين ~~الشيئين، أي: ثم الذين كفروا يسوون بربهم غيره من ~~المخلوقين، فيكون المفعول محذوفا. # وقيل معنى الآية كقول القائل " أنعمت عليكم بكذا، وتفضلت ~~عليكم بكذا، ثم تكفرون نعمتي ". ### || [6.2] # اعلم أن هذا الكلام يحتمل أن يكون المراد منه ذكر دليل آخر من دلائل ~~إثبات الصانع سبحانه وتعالى، ويحتمل أن يكون المراد منه ذكر الدليل على ~~صحة المعاد وصحة الحشر. # أما الأول فتقريره: أنه - تعالى - لما استدل بخلقه ~~السموات وتعاقب الظلمات والنور على وجود الصانع الحكيم ~~أتبعه الاستدلال بخلقه الإنسان على إثبات هذا المطلوب، فقال: " ~~هو الذي خلقكم من طين " ، والمراد منه خلق آدم [لأن آدم ~~خلق] من طين، وهو أبو البشر، ويحتمل أن [يكون] المراد كون ~~الإنسان مخلوقا من المني، ومن دم الطمث، وهما يتولدان ~~من الدم، ms3346 والدم إنما يتولد من الأغذية [والأغذية] إما ~~حيوانية أو نباتية، فإن كانت حيوانية كان الحال في [كيفية] ~~تولد ذلك [الحيوان كالحال في كيفية تولد الإنسان مخلوفا من ~~الأغذية النباتية، ولا شك أنها متولدة من الطين، فثبت أن كل إنسان متولد ~~من الطين. # إذا عرفت هذا فنقول: هذا الطين قد تولدت النطفة منه بهذا الطريق ~~المذكور. # ثم تولد من النطفة أنواع الأعضاء المختلفة في الصفة، والصورة، ~~واللون، والشكل] مثل القلب والدماغ والكبد، وأنواع الأعضاء البسيطة ~~كالعظام والغضاريف والرباطات والأوتار تولد الصفات المختلفة في ~~المادة المتشابهة، وذلك لا يمكن إلا بتقدير مقدر حكيم. # وإن قلنا: المقصود من هذا الكلام تقرير أمر المعاد، فلأن خلق بدن ~~الإنسان وترتيبه على هذه الصفات المختلفة إنما حصل بقدرة فاعل ~~حكيم، وتلك الحكمة والقدرة باقية بعد موت الحيوان، فيكون قادرا على ~~إعادتها وإعادة الحياة فيها؛ لأن القادر على إيجادها من ~~العدم قادر على إعادتها بطريق الأولى. # قوله: " من طين " فيه وجهان: # أظهرهما: أنه متعلق ب " خلقكم " ، و " من " لابتداء الغاية. # والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال، وهل يحتاج في هذا الكلام ~~إلى حذف مضاف أم لا؟ فيه خلاف. # ذهب [جماعة] كالمهدوي ومكي، إلى أنه لا حذف، وأن الإنسان ~~مخلوق من الطين. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما من مولود يولد إلا ويذر على النطفة من ~~تراب حفرته ". # وقيل: إن النطفة أصلها الطين كما تقدم. # وقال أكثر المفسرين: ثم محذوف، أي: خلق أصلكم أو أباكم ~~من طين، يعنون آدم وقصته مشهورة. # وقال امرؤ القيس: [الوافر] # 2102-إلى عرق الثرى رسخت عروقي # وهذا الموت يسلبني شبابي # قالوا: أراد بعرق الثرى آدم عليه الصلاة والسلام لأنه أصله. # فصل في بيان معنى " خلقكم من طين " # قوله: { خلقكم من طين } [يعني أباكم] آدم خاطبهم به، إذ كانوا ~~من ولده. # قال السدي: بعث الله جبريل إلى الأرض ليأتيه بطائفة ~~منها، فقالت الأرض: إني أعوذ بالله منك أن تنقض مني، فرجع ~~جبريل، ولم يأخذ، قال يا رب: إنها عاذت بك، فبعث ms3347 ميكائيل ~~فاستعاذت، فرجع، فبعث ملك الموت، فعاذت منه بالله، فقال: ~~وأنا أعوذ بالله أن أخالف أمره فأخذ من وجه الأرض فخلط الحمراء والسوداء ~~والبيضاء فلذلك اختلفت ألوان بني آدم، ثم عجنها بالماء العذب ~~والملح والمر، فلذلك اختلفت أخلاقهم، فقال الله لملك الموت: # " رحم جبريل وميكائيل الأرض، ولم ترحمهما لا جرم أجعل أرواح من ~~خلق من هذا الطين بيدك ". # وروي عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: # " خلق الله آدم من تراب، وجعله طينا، ثم تركه ~~حتى كان حمأ مسنونا، ثم خلقه وصوره وتركه حتى كان ~~صلصالا كالفخار، ثم نفخ فيه روحه " # قال القرطبي: عن سعيد بن جبير قال: " خلق الله آدم من أرض ~~يقال لها دجناء ". # قال الحسن: " وخلق جؤجؤه من ضرية " # قال الجوهري: " ضرية " قرية لبني كلاب على طريق " البصرة " ، وهي ~~إلى " مكة " أقرب. # وعن ابن مسعود قال: إن الله بعث إبليس، فأخذ من أديم الأرض ~~عذبها وملحها، فخلق منه آدم عليه الصلاة والسلام فكل شيء خلقه من ~~عذبها، فهو صائر إلى الجنة، وإن كان ابن كافر، وكل شيء ~~خلقه من ملحها فهو صائر إلى النار وإن كان ابن تقي؛ فمن ~~ثم قال إبليس: # أأسجد لمن خلقت طينا # [الإسراء: 61]؛ لأنه جاء بالطينة؛ فسمي آدم، لأنه خلق من أديم ~~الأرض. # وعن عبد الله بن سلام قال: خلق الله آدم في آخر يوم الجمعة. # وعن عبد الله بن عباس قال: " لما خلق الله آدم كان رأسه ~~يمس السماء - قال - فوطده إلى الأرض حتى صار ستين ذراعا في ~~سبعة أذرع عرضا ". # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - في حديث فيه طول: وحج آدم - عليه ~~السلام - من " الهند " أربعين حجة على رجليه، وكان آدم حين ~~أهبط تمسح رأسه السماء فمن ثم صلع، وأورث ولده الصلع، ~~ونفرت من طوله دواب الأرض، فصارت وحشا من يومئذ، ولم يمت حتى ~~بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفا وتوفي على ثور الجبل الذي أنزل؛ ~~فقال شيث لجبريل: " صل على آدم " فقال له جبريل: تقدم أنت ~~فصل على أبيك كبر ms3348 عليه ثلاثين تكبيرة، فأما خمس فهي الصلاة، وخمس ~~وعشرون تفضيلا لآدم. # وقيل: وكبر عليه أربعا، فجعل بنو شيث آدم في مغارة، وجعلوا ~~عليها حافظا لا يقربه أحد من بني قابيل، وكان الذين يأتونه ~~ويستغفرون له " بنو شيث " وكان عمر آدم تسعمائة سنة وستا ~~وثلاثين سنة. # قوله: " ثم قضى " إذا كان " قضى " بمعنى أظهر ف " ثم " ~~للترتيب الزماني على أصلها؛ لأن ذلك متأخر عن خلقنا، وهي صفة ~~فعل، وإن كان بمعنى " كتب " و " قدر " فهي للترتيب في الذكر؛ ~~لأنها صفة ذات، وذلك مقدم على خلقنا. # قوله: { وأجل مسمى عنده } مبتدأ وخبر، وسوغ الابتداء هنا ~~شيئان: # أحدهما: وصفه، كقوله: # ولعبد مؤمن # [البقرة: 221]. # والثاني: عطفه ب " ثم " والعطف من المسوغات. # قال الشاعر: [البسيط] # 2103-عندي اصطبار وشكوى عند قاتلتي # فهل بأعجب من هذا امرؤ سمعا؟ # والتنكير في الأجلين للإبهام، وهنا مسوغ آخر، وهو التفصيل كقوله: ~~[الطويل] # 2104 إذا ما بكى من خلفها انصرفت له # بشق وشق عندنا لم يحول # ولم يجب هنا تقديم الخبر إن كان المبتدأ نكرة، والخبر ظرفا، قال ~~الزمخشري: # " لأنه تخصص بالصفة فقارب المعرفة ". # قال أبو حيان: " وهذا الذي ذكر من كونه مسوغا للابتداء ~~بالنكرة لكونها وصفت لا تتعين، لجواز أن يكون المسوغ ~~التفصيل " ثم أنشد البيت: # - 2105 إذا ما بكى................... # ........................................ # قال شهاب الدين: والزمخشري لم يقل: إنه تعين ذلك حتى ~~يلزمه به، وإنما ذكر أشهر المسوغات فإن العطف والتفصيل ~~قل من يذكرهما في المسوغات. # قال الزمخشري: " فإن قلت: الكلام السائر أن يقال: " عندي ثوب ~~جيد، ولي عبد كيس " فما أوجب التقديم؟. # قلت: أوجبه أن المعنى: وأي أجل مسمى عنده، تعظيما لشأن الساعة، ~~فلما جرى فيها هذا المعنى أوجب التقديم ". # قال أبو حيان: وهذا لا يجوز؛ لأنه إذا كان التقدير: وأي أجل مسمى ~~عنده كانت " أي " صفة لموصوف محذوف تقديره: وأجل أي أجل مسمى عنده ولا ~~يجوز حذف الصفة إذا كانت " أيا " ولا حذف موصوفها وإبقاؤها. # لو قلت: " مررت بأي رجل " تريد برجل أي رجل لم يجز. # قال شهاب الدين: ولم ms3349 أدر كيف يؤاخد من فسر معنى بلفظ لم يدع ~~أن ذلك اللفظ هو أصل كلام المفسر، بل قال: معناه كيت وكيت؟ فكيف ~~يلزمه أن يكون ذلك الكلام الذي فسر به هو أصل ذلك المفسر؟ على ~~أنه قد ورد حذف موصوف " أي " وإبقاؤها كقوله: [المتقارب] # 2106-إذا حارب الحجاج أي منافق # علاه بسيف كلما هز يقطع # قوله: " ثم " أنتم تمترون " قد تقدم الكلام على " ثم " ~~هذه. و " تمترون " تفتعون من المرية، وتقدم معناها في " ~~البقرة " عند قوله: # من الممترين # [البقرة:147]. # وجعل أبو حيان هذا من باب الالتفات، أعني قوله: " خلقكم ثم ~~أنتم تمترون " ، يعني أن قوله: " ثم الذين كفروا " غائب، ~~فالتفت عنه إلى قوله: " خلقكم ثم أنتم " ثم كأنه ~~اعترض على نفسه بأن خلقكم وقضاء الأجل لا يختص به الكفار، ~~بل المؤمنون مثلهم في ذلك. # وأجاب بأنه إنما قصد الكفار تنبيها لهم على خلقه لهم ~~وقدرته وقضائه لآجالهم. # قال: " وإنما جعلته من الالتفات؛ لأن هذا الخطاب، وهو " ثم ~~أنتم تمترون " لا يمكن أن يندرج فيه من اصطفاه الله ~~تعالى بالنبوة والإيمان " وأجل مسمى " مسمو؛ لأنه من مادة ~~الاسم، وقد تقدم ذلك، فقلبت الواو ياء، ثم الياء ألفا ". # وتمترون أصله " تمتريون " فأعل كنظائره. # فصل في معنى " قضى " # والقضاء قد يرد بمعنى الحكم، والأمر قال تعالى: # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه # [الإسراء: 23] وبمعنى [الخبر والإعلام، قال تعالى: # وقضينآ إلى بني إسرائيل في الكتاب # [الإسراء: 4] وبمعنى صفة الفعل إذا تم، قال تعالى:] # فقضاهن سبع سماوات # [فصلت:12] ومنه قولهم: " قضى فلان حاجة فلان ". # وأما الأجل فهو في اللغة عبارة عن الوقت المضروب لإنقضاء ~~المدة، وأجل الإنسان هو المؤقت المضروب؛ لانقضاء عمره. # وأجل الدين: محله لانقضاء التأخير فيه، وأصله من ~~التأخير يقال: أجل الشيء يأجل أجولا وهو آجل إذا تأخر، ~~والآجل نقيض العاجل، وإذا عرف هذا فقوله، " ثم قضى أجلا " ~~معناه: أنه - تعالى - خصص موت كل واحد بوقت معين، " ~~وأجل مسمى عنده " قال الحسن: وقتادة، والضحاك: الأجل ~~الأول من الولادة إلى الموت. والأجل الثاني: من الموت ms3350 إلى ~~البعث، وهو البرزخ وروي عن ابن عباس، وقال: لكل أحد ~~أجلان أجل من الولادة إلى الموت أدنى، وأجل من الموت إلى البعث، فإن ~~كان برا تقيا وصولا للرحم زيد له من أجل البعث في أجل العمر، ~~فإن كان بالعكس قاطعا للرحم نقص من أجل العمر وزيد في أجل ~~البعث مخافة. # [وقال مجاهد] وسعيد بن جبير: الأجل الأول أجل الدنيا، ~~والثاني أجل الآخرة. # وقال عطية عن ابن عباس: الأجل الأول: النوم، والثاني: الموت. ~~وقال أبو مسلم: المراد بالأجل الأول: آجال الماضين من الخلق ~~وقوله: { وأجل مسمى عنده }: # المراد منه آجال الباقين، فخص هذا الأجل الثاني، بكونه مسمى ~~عنده؛ لأن الماضين لما ماتوا صارت آجالهم معلومة، فلهذا المعنى قال: ~~" وأجل مسمى عنده " وقيل: الأجل الأول: الموت، والأجل المسمى ~~عند الله تعالى هو أجل القيامة لأن مدة حياتهم في الآخرة، لا ~~آخر لها ولا انقضاء، ولا يعلم أحد كيفية الحال في هذا الأجل ~~إلا الله تعالى. # وقيل: الأجل الأول مقدار ما يقضى من عمر كل واحد، والثاني: ~~مقدار ما بقي من عمر كل أحد. # وقيل: هما واحد - يعني " جعل لأعماركم مدة تنتهون إليها ". # وقوله: " وأجل مسمى عنده " يعني: وهو أجل مسمى عنده لا يعلمه ~~غيره. قال حكماء الإسلام: إن لكل إنسان أجلين: # أحدهما: الطبيعي. # والثاني: الآجال الاخترامية، فالطبيعي هو الذي لو بقي ذلك ~~المزاج مصونا من العوارض الخارجية، لانتهت مدة بقائه إلى ~~الأوقات الفلانية، وأما الآجال الاخترامية فهي التي تحصل بسبب من ~~الأسباب الخارجية كالغرق، والحرق، ولدغ الحشرات وغيرها من ~~الأمور المعضلة. # وقوله: { ثم أنتم تمترون } أي: تشكون في البعث. # وقيل: تمترون في صحة التوحيد. ### || [6.3] # أعلم أنا إذا قلنا: المراد من الآية المتقدمة إقامة الدليل ~~على وجود الصانع القادر المختار، فالمراد من هذه الآية ~~إقامة الدليل على كونه عالما بجميع المعلومات؛ لأنها تدل ~~على كمال العلم. # وإن قلنا: المراد من الآية المتقدمة إقامة الدليل على صحة ~~المعاد، فالمقصود من هذه الآية تكميل ذلك البيان؛ لأن منكري ~~المعاد إنما ينكرونه لأمرين: # أحدهما: ms3351 أنهم يعتقدون أن المؤثر في حدوث بدن الإنسان هو ~~امتزاج الطبائع، وإن سلموا كون المؤثر فيه قادرا مختارا، ~~فإنهم يقولون: إنه [غير] عالم بالجزئيات، فلا يمكنه تمييز ~~المطيع من العاصي، ولا تمييز أجزاء بدن زيد عن أجزاء بدن ~~عمرو. # قوله: { وهو الله في السماوات } في هذه الآية أقوال ~~كثيرة، وقد لخصت في اثني عشر وجها؛ وذلك أن " هو " فيه قولان: # أحدهما: هو ضمير اسم الله - تعالى - يعود على ما عادت عليه ~~الضمائر قبله. # الثاني: أنه ضمير القصة، قال أبو علي. # قال أبو حيان: وإنما فر إلى هذا؛ لأنه لو أعاده على الله ~~لصار التقدير: الله الله، فتركب الكلام من اسمين ~~متحدين لفظا ومعنى لا نسبة بينهما إسنادية. # قال شهاب الدين: الضمير إنما هو عائد على ما تقدم من ~~الموصوف بتلك الصفات الجليلة، وهي خلق السموات والأرض، وجعل ~~الظلمات والنور، وخلق الناس من طين إلى آخرها، فصار في ~~الإخبار بذلك فائدة من غير شك، فعلى قول الجمهور يكون " هو " ~~مبتدأ، و " الله " خبره، و " في السموات " متعلق بنفس الجلالة ~~لما تضمنته من معنى العبادة، كأنه قيل: وهو المعبود في ~~السموات، وهذا قول الزجاج، وابن عطية، والزمخشري. # قال الزمخشري: " في السموات " متعلق بمعنى اسم الله، ~~كأنه قيل: هو المعبود فيها، ومنه: # وهو الذي في السمآء إله وفي الأرض إله # [لزخرف:84] أو هو المعروف بالإلهية والمتوحد بالإلهية فيها، أو هو الذي ~~يقال له " الله " [لا يشركه في هذا الاسم غيره. # وقال شهاب الدين: إنما قال: أو هو المعروف، أو هو الذي يقال له: ~~الله؛] لأن الاسم الشريف تقدم فيه خلاف، هل هو مشتق أو ~~لا؟ فإن كان مشتقا ظهر تعلق الجار به، وإن كان ليس ~~بمشتق، فإما أن يكون منقولا أو مرتجلا، وعلى كلا التقديرين ~~فلا يعمل؛ لأن الأعلام لا تعمل، فاحتاج أن يتأول ذلك على كل قول ~~من هذه الأقوال الثلاثة. # فقوله: " المعبود " راجع للاشتقاق، وقوله: " المعروف " راجع ~~لكونه علما منقولا، وقوله: " الذي يقال له: الله " راجع إلى ~~كونه مرتجلا، وكأنه - رحمه ms3352 الله - استشعر بالاعتراض المذكور. # والاعتراض منقول عن الفارسي. # قال: " وإذا جعلت الظرف متعلقا باسم الله جاز عندي على ~~قياس من يقول: إن الله أصله " الإله " ومن ذهب بهذا الاسم مذهب ~~الأعلام وجب ألا يتعلق به " عنده " إلا أن تقدر فيه ضربا ~~من معنى الفعل " ، فكأنه الزمخشري - والله أعلم - أخذ هذا من قول ~~الفارسي وبسطه، إلا أن أبا البقاء نقل عن أبي علي أنه لا ~~يتعلق " في " باسم الله؛ لأنه صار بدخول الألف واللام، والتغيير ~~الذي دخله كالعلم، ولهذا قال تعالى: # هل تعلم له سميا # [مريم:65] فظاهر هذا النقل أنه بمنع التعلق به وإن كاني في الأصل ~~مشتقا. # وقال الزجاج: " وهو متعلق بما تضمنه اسم الله من ~~المعاني، كقولك: أمير المؤمنين الخليفة في المشرق والمغرب ". # قال ابن عطية: " هذا عندي أفضل الأقوال، وأكثرها إحرازا ~~لفصاحة اللفظ، وجزالة المعنى. # وإيضاحه أنه أراد أن يدل على خلقه وآثار قدرته ~~وإحاطته واستيلائه، ونحو هذه الصفات، فجمع هذه كلها في قوله: " ~~وهو الله "؛ أي: الذي له هذه كلها في السموات، وفي الأرض ~~كأنه قال: وهو الخالق، والرازق، والمحيي، والمحيط في السموات وفي الأرض ~~كما تقول: زيد السلطان في " الشام " و " العراق " فلو قصدت ذات زيد ~~لكان محالا، فإذا كان مقصد قولك [:زيد] الآمر الناهي الذي ~~يولي ويعزل كان فصيحا صحيحا، فأقمت السلطنة مقام ~~هذه الصفات، كذلك في الآية الكريمة أقمت " الله " مقام تلك ~~الصفات ". # قال أبو حيان: ما ذكره الزجاج، وأوضحه ابن عطية صحيح من حيث ~~المعنى، لكن صناعة النحو لا تساعد عليه؛ لأنهما زعما أن " ~~في السموات " متعلق باسم الله؛ لما تضمنه من تلك المعاني، ولو ~~صرح بتلك المعاني لم تعمل فيه جميعها، بل العمل من حيث ~~اللفظ لواحد منها، وإن كان " في السموات " متعلقا بجميعها من حيث ~~المعنى، بل الأولى أن يتعلق بلفظ " الله " لما تضمنه من معنى ~~الألوهية، وإن كان علما؛ لأن العلم يعمل في الظرف لما ~~يتضمنه من المعنى كقوله: [الرجز] # 2107- # أنا أبو المنهال بعض الأحيان # لأن " بعض " نصب بالعلم؛ لأنه ms3353 في معنى أنا المشهور. # قال شهاب الدين: [قوله]: " لو صرح بها لم تعمل " ممنوع، بل تعمل ~~ويكون عملها على سبيل التنازع، مع أنه لو سكت عن الجواب لكان ~~واضحا. ولما ذكر أبو حيان ما قاله الزمخشري قال: " فانظر كيف ~~قدر العامل فيها واحدا لا جميعها ". # يعني: أنه استنصر به فيما رد على الزجاج، وابن عطية. # الوجه الثاني: أن " في السموات " متعلق بمحذوف هو صفة لله ~~تعالى حذفت لفهم المعنى، فقدرها بعضهم: وهو الله المعبود، وبعضهم: ~~وهو الله المدبر، وحذف الصفة قليل جدا لم يرد منه إلا ~~مواضع يسيره على نظر فيها، فمنها # وكذب به قومك # [الأنعام: 66] أي: المعاندون، # إنه ليس من أهلك # [هود:46] أي: الناجين، فلا ينبغي أن يحمل هذا عليه. # الوجه الثالث: قال النحاس - وهو أحسن ما قيل فيه -: إن الكلام ~~تم عند قوله: " وهو الله " والمجرور متعلق بمفعول " ~~يعلم " ، وهو " سركم وجهركم " أي: يعلم سركم، ~~وجهركم فيهما. وهذا ضعيف جدا لما فيه من تقديم معمول ~~المصدر عليه، وقد عرف ما فيه. # الوجه الرابع: أن الكلام تم أيضا عند الجلالة، ويتعلق الظرف ~~بنفس " يعلم " وهذا ظاهر، و " يعلم " على هذين الوجهين ~~مستأنف. # الوجه الخامس: أن الكلام تم عند قوله: " في السموات " فيتعلق ~~" في السموات " باسم الله على ما تقدم، ويتعلق " في الأرض " ب " ~~يعلم " وهو قول الطبري. # وقال أبو البقاء: " وهو ضعيف؛ لأن الله - تعالى - معبود في ~~السموات وفي الأرض، ويعلم ما في السموات، وما في الأرض، فلا ~~تتخصص إحدى الصفتين بأحد الظرفين ". وهو رد جميل. # الوجه السادس: أن " في السموات " متعلق محذوف على أنه حال ~~من " سركم " ، ثم قدمت الحال على صاحبها، وعلى عاملها. # السابع: أنه متعلق ب " يكسبون " ، وهذا فاسد من جهة أنه ~~يلزم منه تقديم معمول الصلة على الموصول؛ لأن " ما " ~~موصولة اسمية، أو حرفية، وأيضا فالمخاطبون كيف يكسبون في ~~السموات؟ ولو ذهب هذا القائل إلى أن الكلام تم عند قوله: " في ~~السموات " وعلق " في الأرض " ب " يكسبون " لسهل الأمر من حيث ~~المعنى لا من حيث ms3354 الصناعة. # الوجه الثامن: أن " الله " خبر أول، و " في السموات " خبر ثان. # قال الزمخشري: " على معنى: أنه الله، وأنه في السموات وفي الأرض، ~~وعلى معنى: أنه عالم بما فيهما لا يخفى عليه شيء، كأن ذاته ~~فيهما ". # قال أبو حيان: " وهذا ضعيف؛ لأن المجرور ب " في " لا يدل على ~~كون مقيد، إنما يدل على كون مطلق، وتقدم جوابه مرارا ~~". # الوجه التاسع: أن يكون " هو " مبتدأ، و " الله " بدل منه، و " ~~يعلم " خبره و " في السموات " على ما تقدم. # الوجه العاشر: أن يكون " الله " بدلا أيضا، و " في السموات " ~~الخبر بالمعنى الذي قاله الزمخشري. # الحادي عشر: أن " هو " ضمير الشأن في محل رفع بالابتداء، ~~والجلالة مبتدأ ثان، وخبرها " في السموات " بالمعنى المتقدم، أو " ~~يعلم " ، والجملة خبر الأول مفسرة له وهو الثاني عشر. # وأما " يعلم " فقد عرفت من تفاصيل ما تقدم أنه يجوز ~~أن يكون مستأنفا، فلا محل له، أو في محل رفع خبرا، أو في ~~محل نصب على الحال، و " سركم وجهركم ": # يجوز أن يكونا على بابهما من المصدرية، ويكونان مضافين إلى ~~الفاعل. # وأجاز أبو البقاء أن يكونا واقعين موقع المفعول به، أي: ~~مسركم ومجهوركم، واستدل بقوله تعالى: # يعلم ما يسرون وما يعلنون # [البقرة:77] ولا دليل فيه، لأنه يجوز " ما " مصدرية وهو الأليق ~~لمناسبة المصدرين قبلها، وأن تكون بمعنى " الذي ". # فصل في معنى الآية # " وهو الله في السموات والأرض " كقوله: # وهو الذي في السمآء إله وفي الأرض إله # [الزخرف:84]. # وقيل: هو المعبود في السموات والأرض. # وقال محمد بن جرير: معنيان: وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات ~~والأرض، يعلم ما تكسبون من الخير والشر. # فصل في شبه إنكار الفوقية # استدل القائلون بأن الله في السموات بهذه الآية. # قالوا: ولا [يلزمنا] أن يقال: فيلزم أن يكون في الأرض لقوله: " وفي ~~الأرض " وذلك يقتضي حصوله في مكانين معا، وهو محال؛ لأنا ~~نقول: أجمعنا على أنه ليس موجودا في الأرض، ولا يلزم من ترك ~~العمل بأحد الظاهرين ترك العمل بالظاهر الآخر من غير دليل، فوجب ms3355 ~~أن يبقى قوله: { وهو الله في السماوات } على ظاهره ولأن من ~~القراء من وقف عند قوله: { وهو الله في السماوات } ، ثم يبتدئ ~~فيقول: { وفي الأرض يعلم سركم وجهركم } ، والمعنى ~~أنه تعالى يعلم سرائركم الموجودة في الأرض، فيكون قوله: " وفي ~~الأرض " صلة لقوله: " سركم ". # قال ابن الخطيب: والجواب: أنا نقيم الدلالة أولا على أنه لا ~~يمكن حمل هذا الكلام على ظاهره، وذلك من وجوه. # أحدها: أنه قال في هذه السورة: # قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله # [الأنعام: 12] فبين أن كل ما في السموات والأرض، فهو ملك ~~لله تعالى ومملوك له فلو كان أحد الأشياء الموجودة في السموات لزم كونه ~~ملك نفسه، وذلك محال وكذا قوله: في " طه " # له ما في السماوات وما في الأرض # [طه:6]. فإن قالوا: كلمة [ " ما " ] مختصة [بمن لا يعقل] فلا يدخل ~~فيها ذات الله. # قلنا: لا نسلم بدليل قوله: # والسمآء وما بناها والأرض وما طحاها ونفس وما ~~سواها # [الشمس: 5-7]. # وقوله: # ولا أنتم عابدون مآ أعبد # [الكافرون:3] والمراد بكلمة " ما " ها هنا " هو الله تعالى ". # وثانيها: أن قوله: { وهو الله في السماوات } إما أن ~~يكون المراد منه أنه موجود في جميع السموات، أو المراد أنه ~~موجود في سماء واحدة. # والثاني ترك للظاهر، والأول على قسمين، لأنه إما أن يكون ~~الحاصل منه - تعالى - في أحد السموات عين ما حصل منه في سائر ~~السموات أو غيره، والأول يقتضي حصول المتحيز الواحد [في ~~مكانين، وهو باطل ببديهة العقل]. # والثاني يقتضي كونه - تعالى مركبا من الأجزاء والأبعاض، وهو ~~محال. # وثالثها: أنه لو كان موجودا في السموات لكان محدودا ~~متناهيا وكل ما كان كذلك كان قبوله للزيادة والنقصان ~~ممكنا، وكل ما كان كذلك فهو محدث. # ورابعها: أنه لو كان في السموات، فهل يقدر على خلق عالم آخر ~~فوق هذه السموات أو لا يقدر؟ وذلك من وجهين: # والثاني يوجب تعجيزه وهو محال والأول يقتضي أنه - تعالى - لو فعل ~~ذلك لحصل تحت ذلك العالم، والقوم منكرون كونه تحت العالم. # وخامسها: أنه تعالى ms3356 قال: # وهو معكم أين ما كنتم # [الحديد: 4] وقال # ونحن أقرب إليه من حبل الوريد # [ق:16]. # وقال: # وهو الذي في السمآء إله وفي الأرض إله # [الزخرف:84] وقال: # فأينما تولوا فثم وجه الله # [البقرة:115] وكل ذلك يبطل القول بالمكان والجهة، وإذا ثبت ~~بهذه الدلائل أنه لا يمكن حمل هذا الكلام على ظاهره، وجب ~~التأويل، وهو من وجوه: # الأول: أن قوله: { وهو الله في السماوات وفي الأرض } ~~، أي: في تدبير السموات والأرض، كما يقال: " فلان في أمر كذا " أي: ~~في تدبيره، وإصلاح مهماته، كقوله: # وهو الذي في السمآء إله وفي الأرض إله # [الزخرف:84] # الثاني: أن قوله: [تم] عند قوله: " وهو الله " ثم ابتدأ، ~~فقال: { في السماوات وفي الأرض يعلم سركم ~~وجهركم } ، أي: يعلم ما في السموات سرائر الملائكة، وفي ~~الأرض يعلم سرائر البشر الإنس والجن. # الثالث: أن يكون الكلام على التقديم والتأخير، وهو " الله يعلم ~~ما في السموات، وما في الأرض سركم وجهركم ". # فصل في بيان معنى " ما تكسبون " # قوله: " ويعلم ما تكسبون " فيه سؤال، وهو أن الأفعال إما أفعال ~~القلوب، وهو المسمى بالسر، وإما أعمال الجوارح، وهي ~~المسماة بالجهر، فالأفعال لا تخرج عن السر والجهر. # فكان قوله: { ويعلم ما تكسبون } يقتضي عطف الشيء على ~~نفسه، وإنه فاسد. # والجواب يجب حمل قوله: " ما تكسبون " على ما يتسحقه ~~الإنسان على فعله من ثواب وعقاب. # والحاصل أنه محمول على ا لمكتسب كما يقال: " هذا كسب ~~فلان " ، أي: مكتسبه، ولا يجوز حمله على نفس الكسب؛ لأنه ~~يلزم منه عطف الشيء على نفسه والآية تدل على كون الإنسان مكتسبا ~~للفعل، والكسب هو الفعل المفضي إلى اجتلاب نفع، أو دفع ~~ضرر، ولا يوصف فعل الله بأنه كسب لكونه - تعالى - منزه عن ~~جلب النفع، ودفع الضرر. ### || [6.4] # " من آية " فاعل زيدت فيه " من " لوجود الشرطين، فلا تعلق ~~لها. # و " من آيات " صفة ل " آية " ، فهي في محل جر على اللفظ، أو ~~رفع على الموضع. # وقال الواحدي: " من " في قوله: " من آية " صفة ل " آية " أي: ~~آية لاستغراق الجنس الذي ms3357 يقع في النفي، كقولك: ما أتاني من أحد ~~". # والثانية: في قوله: " من آيات ربهم " للتبعيض. # والمعنى: وما يظهر لهم دليل قط من الدلائل التي يجب فيها ~~النظر والاعتبار، إلا كانوا عنها معرضين، والمراد بهم أهل " ~~مكة " ، والمراد بالآيات: إنشقاق القمر وغيره. # وقال عطاء: يريد: من آيات القرآن. # قوله: " إلا كانوا " هذه الجملة الكونية في محل نصب ~~على الحال، وفي صاحبها وجهان: # أحدهما أنه الضمير في " تأتيهم ". # والثاني: أنه " من آية " وذلك لتخصيصها بالوصف. # و " تأتيهم " يحتمل أن يكون ماضي المعنى لقوله: " كانوا " ، ويحتمل ~~أن يكون مستقبل المعنى؛ لقوله " تأتيهم ". # واعلم أن الفعل الماضي لا يقع بعد " إلا " بأحد شرطين: ~~إما وقوعه بعد فعل كهذه الآية، أو يقترن ب " قد " نحو: " ما ~~زيد إلا قد قام " وهنا التفات من خطابه بقوله " خلقكم " إلى آخره ~~إلى الغيبة بقوله: " وما تأتيهم ". ### || [6.5] # " الفاء " هنا للتعقيب، يعني: أن الإعراض عن الآيات أعقبه ~~التكذيب. # وقال الزمخشري: " فقد كذبوا " مردود على كلام محذوف، كأنه قيل: ~~إن كانوا معرضين عن الآيات، فقد كذبوا بما هو أعظم آية وأكبرها. # وقال أبو حيان: ولا ضرورة تدعو إلى هذا في انتظام الكلام وقوله: " بالحق ~~" من إقامة الظاهر مقام المضمر، إذ الأصل: فقد كذبوا بها أي: بالآية. # فصل في بيان المراد " بالحق " # والمراد بالحق ها هنا القرآن. # وقيل: [محمد صلى الله عليه وسلم وقيل:] جميع الآيات. # فصل # واعلم أنه - تعالى - رتب أمور هؤلاء الكفار على ثلاث مراتب: # أولها: كونهم معرضين عن التأمل والتفكر في الدلائل ~~[والبينات]. # والمرتبة الثانية: كونهم مكذبين بها، وهذه أزيد ما قبلها؛ ~~لأن المعرض عن الشيء قد لا يكون مكذبا به، بل قد يكون غفل ~~عنه؛ فإذا صار مكذبا به، فقد زاد على الإعراض. # والمرتبة الثالثة: كونهم مستهزئين بها؛ [لأن المكذب] بالشيء قد لا ~~يبلغ تكذيبه به إلى حد الاستهزاء، فإذا بلغ إلى هذا الحد، فقد ~~بلغ الغاية القصوى في الإنكار، [ثم] بين - تعالى - أن ~~أولئك الكفار وصلوا في هذه المراتب الثلاثة على هذا الترتيب. # قوله تعال: { فسوف ms3358 يأتيهم أنباء ما كانوا به ~~يستهزءون }. # " الأنبياء جمع " نبأ " وهو ما يعظم وقعه من الأخبار، وفي الكلام ~~حذف، أي: يأتيهم مضمون الأنباء، و " به " متعلق بخبر " كانوا ". # و " لما " حرف وجوب أو ظرف زمان، والعامل فيه " كذبوا " # و " ما " يجوز أن تكون موصولة اسمية، والضمير في " به " عائد عليها، ~~ويجوز أن تكون مصدرية. # قال ابن عطية: أي: أنباء كونهم مستهزئين، وعلى هذا فالضمير لا يعود ~~عليها؛ لأنها حرفية؛ بل تعود على الحق، وعند الأخفش يعود عليها؛ لأنها ~~اسم عنده. # ومعنى الآية: وسوف يأتيهم أخبار استهزائهم وجزاؤه، أي: ~~سيعلمون عاقبة استهزائهم إذا عذبوا، فقيل: يوم " بدر " وقيل: ~~يوم القيامة. ### || [6.6] # قوله تعالى: { ألم يروا كم أهلكنا } لما منعهم من ~~الإعراض والتكذيب، والاستهزاء بالتهديد والوعيد، أتبعه بما ~~يجري مجرى الموعظة، فوعظهم بالاعتبار بالقرون الماضية. # و " كم " يجوز أن تكون استفهامية وخبرية، وفي كلا التقديرين ~~فهي معلقة للرؤية عن العمل، لأن الخبرية تجري مجرى ~~الاستفهامية في ذلك، ولذلك أعطيت أحكامها من وجوب التصدير ~~وغيره، والرؤية هنا علمية، ويضعف كونها بصرية، وعلى كلا ~~التقديرين فهي معلقة عن العمل؛ لأن البصرية تجري مجراها، فإن كانت ~~علمية ف " كم " وما في حيزها سادة مسد مفعولين، وإن كانت ~~بصرية فمسد واحد. # و " كم " يجوز أن تكون عبارة عن الأشخاص، فتكون مفعولا بها، ناصبها ~~" أهلكنا " ، و " من قرن " على هذا تمييز لها وأن تكون عبارة ~~عن المصدر فتنتصب انتصابه ب " أهلكنا " أي: إهلاكا، و " من قرن " ~~على هذا صفة لمفعول " أهلكنا " أي: أهلكنا قوما، أو فوجا من ~~القرون؛ لأن قرنا يراد به الجمع، و " من " تبعيضية، ~~والأولى لابتداء الغاية. # وقال الحوفي: " من " الثانية بدل من " من " الأولى، وهذا لا ~~يعقل فهو وهم بين، ويجوز أن تكون " كم " عبارة عن الزمان، ~~فتنتصب على الظرف. # قال أبو حيان: تقديره: كم أزمنة أهلكنا فيها. # وجعل أبو البقاء على هذا الوجه " من قرن " هو المفعول به، و " من " ~~مزيدة فيه، وجاز ذلك؛ لأن الكلام غير موجب، والمجرور نكرة، إلا أن ~~أبا حيان ms3359 منع ذلك بأنه لا يقع إذ ذاك المفرد موقع الجمع لو قلت: ~~" كم أزمانا ضربت رجلا " أو كم مرة ضربت رجلا لم يكن مدلول رجل ~~رجلا، لأن السؤال إنما يقع عن عدد الأزمنة أو المرات التي ضربت ~~فيها، وبأن هذا ليس موضع زيادة " من " لأنها لا تزاد في ~~الاستفهام، إلا وهو استفهام محض أو يكون بمعنى النفي، والاستفهام ~~هنا ليس محضا ولا مرادا به النفي انتهى. # قال شهاب الدين: وجوابه لا يسلم. # و " قرن " الجماعة من الناس وجمعه " قرون ". # وقيل: القرن مدة من الزمان، يقال: ثمانون سنة، [ويقال: ستون ~~سنة] ويقال: أربعون سنة، ويقال: ثلاثون سنة، ويقال: مائة سنة؛ ~~لما روي أنه - عليه السلام - قال لعبد الله بن بشر المازني: " ~~تعيش قرنا " فعاش مائة سنة، فيكون معنى الآية على هذه ~~الأقاويل من أهل قرن؛ لأن القرن الزمان، ولا حاجة إلى ذلك ~~إلا على [اعتقاد] أنه حقيقة فيه مجاز في الناس، وسيأتي بيان أن ~~الراجح خلافه. # وعلى القول الأول: هم القوم المقترنون واشتقاقه من الاقتران، ~~قاله الواحدي - رحمه الله -، وسيأتي بقية الكلام عليه في ~~الصفحة الثانية. # قوله: " مكناهم في الأرض " في موضع جر صفة ل " قرن " ، وعاد ~~الضمير عليه جمعا باعتبار معناه. # قاله أبو البقاء - رضي الله عنه -، والحوفي رحمه الله. وضعفه أبو ~~حيان بأن " من قرن " تمييز ل " كم " ، ف " كم " هي المحدث عنها ~~بالإهلاك، فهي المحدث عنها بالتمكين لا ما بعدها؛ إذ " من ~~قرن " يجري مجرى التبيين، ولم يحدث عنه. # وجوز أبو حيان - رحمه الله تعالى - أن تكون هذه الجملة ~~استئنافا جوابا لسؤال مقدر، قال: كأنه قيل: ما كان من ~~حالهم؟ فقيل: مكناهم، وجعله هو الظاهر، وفيه نظر، فإن ~~النكرة مفتقرة للصفة فجعلها صفة أليق، والفرق بين ~~قوله تبارك وتعالى: { مكناهم في الأرض } وقوله: { ما لم ~~نمكن لكم } [أن " مكنة في كذا] أثبته فيها، ومنه # ولقد مكناهم فيمآ إن مكناكم فيه # [الأحقاف:26] وأما مكنا جعل له مكانا، ومنه: # إنا مكنا له في الأرض # [الكهف:84] # أولم نمكن لهم # [القصص:57]. # ومثله ms3360 " أرض له " أي: جعل له أرضا، هذا قول الزمخشري - رحمه الله ~~تعالى - وأما أبو حيان - رضي الله عنه - فإنه يظهر من كلامه ~~التسوية بينهما، فإنه قال: وتعدي " مكن " هنا للذوات ~~بنفسه وبحرف الجر، والأكثر تعديته باللام [نحو] # مكنا ليوسف # [يوسف:21] # إنا مكنا له # [الكهف:84]، # أولم نمكن لهم # [القصص:57]. # وقال أبو عبيدة: " مكناهم ومكنا لهم: لغتان فصيحتان، ~~نحو: نصحته، ونصحت له " وبهذا قال أبو علي والجرحاني. # قوله: " ما لم نمكن لكم " في " ما " هذه خمسة أوجه: # أحدها: أن تكون موصولة بمعنى " الذي " ، وهي حينئذ صفة لموصوف ~~محذوف، [والتقدير: التميكن الذين لم نمكن لكم، والعائد محذوف ~~أي: ] الذي لم نمكنه لكم. # الثاني: أنها نكرة صفة لمصدر محذوف تقديره: تمكينا ما لم ~~نمكنه لكم، ذكرهما الحوفي رحمه الله تعالى. # ورد أبو حيان - رحمه الله تعالى - الأول بأن " ما " بمعنى " ~~الذي " لا تكون صفة لمعرفة، وإن كان " الذي " يقع صفة لها، لو قلت: ~~" ضربت الضرب ما ضرب زيد " تريد الضرب الذي ضربه زيد، لم ~~يجز، فإن قلت: " الضرب الذي ضربه زيد " جاز. # ورد الثاني بأن " ما " النكرة التي تقع صفة لا يجوز حذف ~~موصوفها، لو قلت: " قمت ما وضربت ما " وأنت تعني: قمت قياما ~~ما وضربت ضربا ما لم يجز. # الثالث: أن تكون مفعولا بها ل " مكن " على المعنى، لأن معنى ~~مكناهم: أعطيناهم ما لم نعطكم، ذكره أبو البقاء - رحمه ~~الله-. # قال أبو حيان - رحمه الله-: " هذا تضمين، والتضمين لا ~~ينقاس ". # الرابع: أن تكون " ما " مصدرية، والزمان محذوف، أي: مدة ما ~~لم نمكن لكم، والمعنى: مدة انتفاء التمكين لكم. # الخامس: أن تكون نكرة موصوفة بالجملة المنفية بعدها، والعائد ~~محذوف، أي: شيئا لم نمكنه لكم، ذكرهما أيضا أبو البقاء قال أبو حيان ~~- رحمه الله تعالى - في الأخير: " وهذا أقرب إلى الصواب ". # قال شهاب الدين - رحمه الله تعالى -: ولو قدره أبو البقاء بخاص ~~لكان أحسن من تقديره بلفظ " شيء " ، فكان يقول: مكناهم ~~تمكينا لم نمكنه لكم. # والضمير في " يروا " قيل: عائد على المستهزئين، والخطاب في " ~~الكم ms3361 " راجع إليهم أيضا، فيكون على هذا التفاتا فائدته التعريض ~~بقلة تمكن هؤلاء، ونقص أحوالهم عن حال أولئك، ومع تمكينهم ~~وكثرتهم فقد حل بهم الهلاك، فكيف وأنتم أقل منهم تمكينا ~~وعددا؟. # وقال ابن عطية - رحمه الله تعالى -: " والمخاطبة في " لكم " هي ~~للمؤمنين ولجميع المعاصرين لهم ولسائر الناس كافة، كأنه قيل: لم ~~نمكن يا أهل هذا العصر لكم، ويحتمل أن يقدر معنى القول لهؤلاء ~~الكفرة، كأنه قال: يا محمد قل لهم: " ألم يروا كم ~~أهلكنا " الآية، فإذا أخبرت أنك قلت - أو أمرت أن يقال - فلك ~~في فصيح كلام العرب أن تحكي الألفاظ المقولة بعينها، فتجيء ~~بلفظ المخاطبة، ولك أن تجيء بالمعنى في الألفاظ بالغيبة دون الخطاب ~~" انتهى. # ومثاله: " قلت لزيد: ما أكرمك، أو ما أكرمه ". # و " القرن " يقع على معان كثيرة، فالقرن: الأمة من الناس، ~~سموا بذلك لاقترانهم في مدة من الزمان، ومنه قوله - عليه ~~الصلاة والسلام-: # " خير القرون قرني " # وقال الشاعر [في ذلك المعنى:] [الطويل] # 2108-أخبر أخبار القرون التي مضت # أدب كأني كلما قمت راكع # وقال قس بن ساعدة: [مجزوء الكامل] # 2109-في الذاهبين الأولي # ن من القرون لنا بصائر # وقيل: أصله الارتفاع، ومنه قرن الثور وغيره، فسموا بذلك ~~لارتفاع السن. # وقيل: لأن بعضهم يقرن ببعض، ويجعل مجتمعا معه، ومنه القرن ~~للحبل يجمع به بين البعيرين، ويطلق على المدة من ~~الزمان أيضا. # وهل إطلاقه على الناس والزمان بطريق الاشتراك، أو الحقيقة ~~والمجاز؟ يرجع الثاني؛ لأن المجاز خير من الاشتراك. # وإذا قلنا بالراجح، فإنها الحقيقة، الظاهر أنه القوم؛ لأن غالب ما ~~يطلق عليهم، والغلبة مؤذنة بالأصالة غالبا. وقال ابن ~~عطية - رحمه الله تعالى:- القرن أن يكون وفاة الأشياخ وولادة ~~الأطفال، ويظهر ذلك من قوله تعالى: { وأنشأنا من بعدهم ~~قرنا آخرين } [الأنعام:6] فجعله معنى، وليس بواضح وقيل: ~~القرن: الناس المجتمعون كما تقدم، قلت السنون أو كثرت، ~~واستدلوا بقوله عليه الصلاة والسلام: # " خير القرون قرني " # وبقوله: [مجزوء الكامل] # 2110- في الذاهبين الأولي # ن من القرون لنا بصائر # وبقول القائل في ذلك: [الطويل] # 2111- إذا ذهب القوم الذي كنت ms3362 فيهم # وخلفت في قرن فأنت غريب # فأطلقوه على الناس ليفيد الاجتماع. # ثم اختلف الناس في كمية القرن حالة إطلاقه على الزمان، ~~فالجمهور على أنه مائة سنة، واستدلوا له بقوله عليه السلام: # " تعيش قرنا " # فعاش مائة سنة، وقيل: مائة وعشرون سنة، قاله إياس معاوية، ~~وزرارة بن أبي أوفى. # وقيل: ثمانون نقله أبو صالح عن ابن عباس. # وقيل: سبعون؛ قاله الفراء. # وقيل: ستون لقوله عليه السلام: # " معترك المنايا ما بين الستين إلى السبعين " # وقيل: أربعون، حكاه محمد بن سيرين، يرفعه إلى النبي عليه الصلاة ~~والسلام، وكذلك الزهراوي أيضا يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقيل: ثلاثون حكاه النقاش عن أبي عبيدة، كانوا يرون أن ما بين ~~القرنين ثلاثون سنة. # وقيل: عشرون سنة، وهو رأي الحسن البصري. # وقيل: ثمانية عشر عاما. # وقيل: المقدار الوسط مثل أعمار أهل ذلك الزمان، واستحسن هذا ~~بأن أهل الزمن القديم كانوا يعيشون أربعمائة سنة، وثلاثمائة ~~سنة، وألفا وأكثر وأقل. # ومعنى الآية: أعطيناهم ما لم نعطكم. # وقال ابن عباس: أمهلناهم في العمر مثل قوم نوح وعاد وثمود. # قوله: { وأرسلنا السمآء عليهم مدرارا } يعني ~~المطر " مفعال " من الدر و " مدرارا " حال من " السماء " ~~إن أريد بها السحاب، فإن السحاب يوصف بكثرة التتابع أيضا. # قال ابن عباس: مدرارا متتابعا في أوقات الحاجات، وإن ~~أريد بها الماء فكذلك، ويدل على أنه يراد به الماء قوله في ~~الحديث: " في أثر سماء كانت من الليل " ويقولون: ما زلنا نطأ ~~السماء حتى أتيناكم، ومنه: [الوافر] # 2112- إذا نزل السماء بأرض قوم # رعيناه وإن كانوا غضابا # أي: رعينا ما ينشأ عنه، وإن أريد بها هذه المظلة، فلا بد ~~من حذف مضاف حينئذ، أي: مطر السماء، ويكون " مدرارا " حالا ~~منه. # و " مدرارا " مفعال للمبالغة كامرأة مذكار ومئناث. # قالوا: وأصله من " در اللبن " وهو كثرة وروده على الحالب. # ومنه: " لا در دره " في الدعاء عليه بقلة الخير. # وفي المثل " سبقت درته غزاره " وهي مثل قولهم: " سبق ~~سيله مطره " و " استدرت المعزى " كناية عن طلبها الفحل. # قالوا: لأنها إذا ms3363 طلبته حملت فولدت فدرت. # قوله: { وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم } إن جعلنا " ~~جعل " تصييرية كان " تجري " مفعولا ثانيا، وإن جعلناها ~~إيجادية كان حالا. # و " من تحتهم " يجوز فيه أوجه: # أن يكون متعلقا ب " تجري " ، وهو أظهرها، وأن يكون حالا، إما من ~~فاعل " تجري " ، أو من " الأنهار " ، وأن يكون مفعولا ثانيا ل " ~~جعلنا " ، و " تجري " على هذا حال من الضمير في الجار، وفيه ~~ضعف لتقدمها على العامل المعنوي، ويجوز أن يكون " من تحتهم " ~~حالا من " الأنهار " كما تقدم، و " تجري حال من الضمير ~~المستكن فيه، الضعف المتقدم. # فصل # المراد من قوله: { وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم } ~~كثرة البساتين، والمعنى أنهم وجدوا من منافع الدنيا أكثر ~~مما وجده أهل " مكة " المشرفة، ثم مع هذه الزيادة في العز، ~~وكثرة العدد والبسطة في المال والجسم لما كفروا فجرى عليهم ما ~~سمعتم من إهلاكهم، وهذا يوجب الاعتبار. # فإن قيل: ليس في هذا الكلام إلا أن الإهلاك غي مختص بهم، بل الأنبياء ~~والمؤمنون كلهم أيضا قد هلكوا فكيف يحسن إيراد هذا الكلام في معرض ~~الزجر عن الكفر مع أنه يشترك فيه الكافر والمؤمن؟. # فالجواب: ليس المقصود منه الزجر بمجرد الموت، والهلاك، بل ~~المراد منه أنهم باعوا الدين بالدنيا؛ فعوقبوا بسبب الامتناع ~~من الإيمان، وهذا المعنى مشترك بين الكافر والمؤمن. # فإن قيل: كيف قال: " أو لم يروا كم أهلكنا " مع أن ~~القوم ماتوا مقرين بصدق محمد صلى الله عليه وسلم فيما يخبر به ~~عنه، وأيضا فهم لم يشاهدوا وقائع الأمم السالفة؟ # فالجواب: أن [أقاصيص المتقدمين مشهورة بين الخلق فيبعد أن يقال ~~إنهم ما سمعوا أخبارهم، ومجرد سماعها يكفي في الاعتبار. # فإن قيل: أي فائدة في ذكر إنشاء قرن آخرين بعدهم؟ # فالجواب: أن] فائدته التنبيه أنه لا يتعاظمه إهلاكهم ~~وإخلاء بلادهم منهم، فإنه قادر على إنشاء آخرين مكانهم ~~يعمر بهم بلاده، كقوله: # ولا يخاف عقباها # [الشمس:15]. # و " من بعدهم " متعلق ب " أنشأنا ". # قال أبو البقاء: ولا يجوز أن يكون حالا من " قرن "؛ لأنه ظرف زمان ~~يعني: أنه لو ms3364 تأخر عن قرن لكان يتوهم جواز كونه صفة له، فلما ~~قدم عليه قد يوهم أن يكون حالا منه؛ لكنه منع ذلك كونه ظرف زمان ~~والزمان لا يخبر به عن الحدث ولا يوصف، وقد تقدم أنه ~~يصح ذلك بتأويل في " البقرة " عند قوله تعالى: # والذين من قبلكم # [البقرة:21] و " آخرين " صفة ل " قرن "؛ لأنه اسم جمع ك " قوم ~~" و " رهط " ، فلذلك اعتبر معناه، ومن قال: إنه الزمان قدر ~~مضافا، أي: أهل قرن آخرين، وقد تقدم أنه مرجوح، والله ~~أعلم. ### || [6.7] # قال الكلبي ومقاتل: نزلت هذه الآية في النضر بن الحرث، وعبد الله ~~بن أبي أمية، ونوفل بن خويلد قالوا: يا محمد لن نؤمن لك ~~حتى تأتينا بكتاب من عند الله، ومعه أربعة من الملائكة ~~يشهدون معه أنه من عند الله، وأنك رسوله، فأنزل الله تعالى: { ~~ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس } مكتوبا من عنده " ~~فلمسوه بأيديهم " أي: عاينوه ومسوه بأيديهم، وذكر اللمس ~~ولم يذكر المعاينة، لأن اللمس أبلغ في إيقاع العلم من ~~الرؤية، ولأن السحر يجري على المرئي، ولا يجري على الملموس. # قوله: " في قرطاس " يجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة ل " ~~كتاب " ، سواء أريد ب " كتاب " المصدر، أم الشيء المكتوب، ومن مجيء ~~الكتاب بمعنى مكتوب قوله: [الطويل] # 2113..................صحيفة # أتتك من الحجاج يتلى كتابها # ومن الناس من جعل " كتابا " في الآية الكريمة مصدرا؛ لأن نفس ~~الكتب لا توصف بالإنزال إلا بتجوز بعيد، ولكنهم قد قالوا هنا ~~ويجوز أن يتعلق " في قرطاس " ب " نزلنا ". # والقرطاس: الصحيفة يكتب فيها تكون من رق وكاغد، بكسر القاف ~~وضمها، والفصيح الكسر، وقرئ بالضم شاذا نقله أبو البقاء - رحمه ~~الله تعالى- والقرطاس: اسم أعجمي معرب، ولا يقال: قرطاس ~~إلا إذا كان مكتوبا، وإلا فهو طرس وكاغد، وقال زهير: [البسيط] # 2114- لها أخاديد من آثار ساكنها # كما تردد في قرطاسه القلم # قوله: " فلمسوه " الضمير المنصوب يجوز أن يعود على " القرطاس ~~" ، وأن يعود على " كتاب " بمعنى مكتوب. # و " بأيديهم " متعلق ب " لمس ". # و " الباء " للاستعانة كعملت بالقدوم. و " لقال " جواب ms3365 " لو " جاء ~~على الأفصح من اقتران جوابها المثبت باللام. # قوله: " إن هذا " [و] " إن " نافية، و " هذا " مبتدأ، و " إلا ~~سحر " خبره، فهو استثناء مفرغ، والجملة المنفية في ~~محل نصب بالقول، وأوقع الظاهر موقع المضمر في قوله: " ~~لقال الذين كفروا " شهادة عليهم بالكفر، والجملة ~~الامتناعية لا محل لها من الإعراب لاستئنافها. # ومعنى الآية الكريمة: أنه لا ينفع معهم شيء لما سبق فيهم من ~~علمي، والله أعلم. ### || [6.8-9] # وهذه شبهة ثالثة من شبه منكري النبوة، فإنهم يقولون: لو ~~بعث الله إلى الخلق رسولا لوجب أن يكون ذلك الرسول من ~~الملائكة؛ لأن الملك أكثر علما وأشد قدرة ومهابة، ~~والشك في رسالته قليل، والحكيم إذا أراد تحصيل مهم، فإنما ~~يستعين في تحصيله بمن هو أقدر على تحصيله، وإذا كان وقوع ~~الشبهات في نبوة الملائكة أقل وجب إن بعث الله رسولا ~~إلى الخلق أن يكون ذلك الرسول من الملائكة. # قوله: " وقالوا: لولا " الظاهر أن هذه الجملة مستأنفة ~~سيقت للإخبار عنهم لفرط تعنتهم وتصلبهم في كفرهم. # قيل: ويجوز أن تكون معطوفة على جواب " لو " ، أي: لو نزلنا عليك ~~كتابا لقالوا كذا وكذا، ولقالوا: لو أنزل عليه ملك. # وجيء بالجواب على أحد الجائزين، أعني حذف " اللام " من المثبت، وفيه ~~بعد؛ لأن قولهم " لولا نزل " ليس مترتبا على قوله: " لولا ~~نزلنا " و " لولا " هنا تحضيضية، والضمير في " عليه " ~~الظاهر عوده على النبي صلى الله عليه وسلم. # وقيل: يجوز أن يعود على الكتاب أو القرطاس. # والمعنى: لولا أنزل مع الكتاب ملك يشهد بصحته، كما يروى ~~في القصة أنه قيل له: لن نؤمن لك حتى تعرج فتأتي بكتاب، ومعه ~~أربعة ملائكة يشهدون، فهذا يظهر على رأي من يقول: إن الجملة من ~~قوله: " وقالوا: لولا أنزل " معطوفة على جواب " لوا " ، فإنه ~~يتعلق به من حيث المعنى حينئذ. # فصل في دحض شبهة منكري النبوة # واعلم أن الله - تبارك وتعالى - أجاب عن هذه الشبهة بوجهين: # أحدهما: قوله: { ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر } ومعنى ~~القضاء: الإتمام والإلزام، والمعنى: ولو أنزلنا ملكا لم يؤمنوا، ms3366 وإذا لم ~~يؤمنوا استؤصلوا بالعذاب، وهذه سنة الله تعالى في الكفار. # والوجه الثاني: أنهم إذا شاهدوا الملك زهقت أرواحهم من هول ~~ما يشاهدون؛ لأن الآدمي إذا رأى الملك، فإما أن يراه على صورته ~~الأصلية، أو على صورة البشر، فإن رآه على صورته الأصلية ~~غشي عليه، وإن رآه على صورة البشر، فحينئذ يكون المرئي شخصا ~~على صورة البشر وذلك لا يتفاوت الحال فيه، سواء كان هو ملكا أو بشرا، ~~ألا ترى أن جميع الرسل عاينوا الملائكة في صورة البشر كأضياف إبراهيم ~~وأضياف لوط، وخصهم داود وجبريل حيث تخيل لمريم بشرا سويا. # واعلم أن عدم إرسال الملك فيه مصالح: # أحدها: إن رؤية إنزال الملك على البشر آية قاهرة فبتقدير نزوله على ~~الكفار، فربما لم يؤمنوا، كما قال الله تبارك وتعالى # ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة # [الأنعام:111] إلى قوله: # ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشآء الله # [الأنعام:111]، وإذا لم يؤمنوا وجب إهلاكهم بعذاب الاستئصال. # وثانيها: ما ذكرنا من عدم قدرتهم على رؤية الملائكة. # وثالثها: إن إنزال الملك معجزة قاهرة جارية مجرى الإلجاء، ~~وإزالة الاختيار، وذلك يخل بمصلحة التكليف. # ورابعها: أن إنزال الملك وإن كان يدفع الشبهات من الوجوه ~~المذكورة، لكنه يقوي الشبهة من هذه الوجوه. # والمراد من قوله تعالى: { ثم لا ينظرون } فالفائدة في " ثم " ~~التنبيه على أن عدم الإنظار أشد من مضي الأمر؛ لأن ~~المفاجئة أشد من نفس الشدة. # قال قتادة: { ولو أنزلنا ملكا } ثم لم يؤمنوا لعجل لهم ~~العذاب ولم يؤخر طرفة عين. # وقال مجاهد: " لقضي الأمر " ، أي: لقامت القيامة. # وقال الضحاك: لو أتاهم ملك في صورته لماتوا. # قوله: { ولو جعلناه ملكا } يعني: لو أرسلناه إليهم ملكا ~~لجعلناه رجلا يعني في صورة رجل آدمي؛ لأنهم لا يستطيعون النظر ~~إلى الملائكة، كان جبريل عليه السلام يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في ~~صورة دحية الكلبي وجاء الملكان إلى داود عليه السلام في صورة ~~رجلين، ولأن الجنس إلى الجنس أميل وأيضا فإن طاعة الملائكة ~~قوية، فيستحقرون طاعات البشر، وربما لا يعذرونهم ~~بالإقدام على ms3367 المعاصي. # قوله تعالى: { وللبسنا عليهم ما يلبسون } في " ما " ~~قولان: # أحدهما: أنها موصولة بمعنى " الذي " ، أي: ولخلطنا عليهم ما يخلطون ~~على أنفسهم، أو على غيرهم، قاله أبو البقاء - رحمه الله تعالى - وتكون " ~~ما " حينئذ مفعولا بها. # الثاني: أنها مصدرية، أي: وللبسنا عليهم مثل ما يلبسون ~~على غيرهم ويسلكونهم، والمعنى شبهوا على ضعفائهم فشبه عليهم. # قال ابن عباس: هم أهل الكتاب، فرقوا دينهم وحرفوا الكلم ~~عن مواضعه، فلبس الله عليهم ما يلبسون. # وقرأ ابن محيصن: " ولبسنا " بلام واحدة هي فاء الفعل، ولم ~~يأت بلام في الجواب اكتفاء بها في المعطوف عليه. # وقرأ الزهري: " وللبسنا " بلامين وتشديد الفعل على التكثير. # قال الواحدي: يقال لبست الأمر على القوم ألبسه إذا ~~شبهته عليهم، وجعلته مشكلا، وأصله من التستر بالثوب، ومنه ~~لبس الثوب، لأنه يفيد ستر النفس، والمعنى: إذا جعلنا الملك ~~في صورة البشر، فهم يظنون أن ذلك الملك بشرا، فيعود سؤالهم ~~أنا لا نرضى برسالة هذا الشخص، والله أعلم. ### || [6.10] # قرأ حمزة، وعاصم، وأبو عمرو بكسر الدال على أصل التقاء ~~الساكنين، والباقون بالضم على الإتباع، ولم يبال بالساكن؛ لأنه ~~حاجز غير حصين وقد تقررت هذه القاعدة بدلائلها في سورة " البقرة ~~" عند قوله تعالى: # فمن اضطر # [الآية:173] و " برسل " متعلق ب " استهزئ " و " من قبلك " صفة ل " ~~رسل " ، وتأويله ما تقدم في وقوع " من قبل " صلة. # والمراد من الآية: التسلية لقلب الرسول صلى الله عليه وسلم أي: ~~أن هذه الأنواع الكثيرة التي يعاملونك بها كانت موجودة في سائر القرون. # قوله: " فحاق بالذين سخروا " ، فاعل " حاق ": " ما كانوا " ، و " ما " ~~يجوز أن تكون موصولة اسمية، والعائد " الهاء " في " به " و " به " ~~يتعلق ب " يستهزئون " ، و " يستهزئون " خبر ل " كان " ، و " منهم " ~~متعلق ب " سخروا " على أن الضمير يعود على الرسل، قال تبارك ~~وتعالى: # إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم # [هود:38]. # ويجوز أن يتعدى بالباء نحو: سخرت به، ويجوز أن يتعلق " منهم " ~~بمحذوف على أنه حال من فاعل " سخروا " والضمير في " منهم " يعود ~~على الساخرين. # وقال أبو ms3368 البقاء: " على المستهزئين ". # وقال: الحوفي: " على أمم الرسل ". # وقد رد أبو حيان على الحوفي بأنه يلزم إعادته على غير مذكور. # وجوابه في قوة المذكور، ورد على أبي البقاء بأنه يصير المعنى: فحاق ~~بالذين سخروا كائنين من المستهزئين، فلا حاجة إلى هذه الحال؛ لأنها ~~مفهومة من قوله: " سخروا " وجوزوا أن تكون " ما " مصدرية، ذكره أبو ~~حيان ولم يتعرض للضمير في " به ". # والذي يظهر أنه يعود على الرسول الذي يتضمنه الجمع، فكأنه ~~قيل: فحاق بهم عاقبة استهزائهم بالرسول المندرج في جملة ~~الرسل، وأما على رأى الأخفش، وابن السراج فتعود على " ما " ~~المصدرية؛ لأنها اسم عندهما. # و " حاق " ألفه منقلبة عن " ياء " بدليل " يحيق " ، ك " باع " ~~" يبيع " ، والمصدر حيق وحيوق وحيقان كالغليان والنزوان. # وزعم بعضهم أنه من " الحوق " ، والمستدير بالشيء، وبعضهم أنه من " ~~الحق " ، فأبدلت إحدى القافين ياء كتظننت، وهذان ليسا بشيء. # أما الأول فلاختلاف المادة، إلا أن يريدوا الاشتقاق الأكبر. # وأما الثاني: فلأنها دعوى مجردة من غير دليل، ومعنى " حاق " ~~أحاط. # وقيل: عاد عليه وبال مكره، قاله الفراء. # وقيل: دار. # وقال الربيع بن أنس: نزل. # وقال عطاء: حل، والمعنى يدور على الإحاطة والشمول، ولا تستعمل إلا في ~~الشر. # قال الشاعر: [الطويل] # 2115- فأوطأ جرد الخيل عقر ديارهم # وحاق بهم من بأس ضبة حائق # وقال الراغب: " قيل: وأصله: حق، فقلب نحو " زل وزال " وقد قرئ " ~~فأزلهما وأزالهما " وعلى هذا ذمه وذامه ". # وقال الأزهري: " جعل أبو إسحاق " حاق " بمعنى " أحاط " ، وكأن ~~مأخذه من " الحوق " وهو ما استدار بالكمرة ". # قال: " وجائز أن يكون الحوق فعلا من " حاق يحيق " ، كأنه في الأصل: ~~حيق، فقلبت الياء واوا لانضمام ما قلبها ". # وهل يحتاج إلى تقدير مضاف قبل " ما كانوا "؟ # نقل الواحدي عن أكثر المفسرين ذلك، أي: عقوبة ما كانوا، أو جزاء ~~ما كانوا، ثم قال: " وهذا إذا جعلت " ما " عبارة عن القرآن والشريعة وما ~~جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وإن جعلت " ما " عبارة عن العذاب ~~الذي كان صلى الله عليه وسلم يوعدهم به إن لم يؤمنوا استغنيت ms3369 عن ~~تقدير المضاف، والمعنى: فحاق بهم العذاب الذي يستهزئون به، وينكرونه ~~". # والسخرية: الاستهزاء والتهكم؛ يقال: سخر منه وبه، ولا ~~يقال إلا استهزاء به فلا يتعدى ب " من ". # وقال الراغب: " سخرته إذا سخرته للهزء منه، يقال: رجل ~~سخرة بفتح الخاء إذا كان يسخر من غيره، وسخرة بسكونها إذا ~~كان يسخر منه ومثله: " ضحكة وضحكة " ، ولا ينقاس ". # وقوله: # فاتخذتموهم سخريا # [المؤمنون: 110] يحتمل أن يكون من التسخير، وأن يكون من السخرية. # وقد قرئ سخريا وسخريا بضم السين وكسرها. # وسيأتي له مزيد بيان في موضعه إن شاء الله تعالى. ### || [6.11] # قوله تعالى: { قل سيروا في الأرض } كما صبر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في الآية الأولى، حذر القوم في هذه الآية، وقال لرسوله: قل ~~لهم: لا تغتروا بما وصلتم إليه من الدنيا ولذاتها، بل سيروا في ~~الأرض لتعرفوا صحة ما أخبركم الرسول عنه من نزول العذاب بمن كذب الرسل ~~من الأمم السالفة قبلكم. يحذر كفار " مكة " ، ويحتمل هذا السير أن ~~يكون بالعقول والفكر، ويحتمل السير في الأرض. # قوله: " ثم انظروا ": عطف على " سيروا " ولم يجئ في القرآن ~~العطف في مثل هذا الموضوع إلا بالفاء، وهنا جاء ب " ثم " فيحتاج إلى ~~فرق. # فذكر الزمخشري الفرق وهو: أن جعل النظر مسببا عن السير ~~في قوله: " فانظروا " كأنه قيل: سيروا لأجل النظر، ولا تسيروا ~~سير الغافلين. # وهنا معناه إباحة السير في الأرض للتجارة وغيرها من المنافع، ~~وإيجاب النظر في آثار الهالكين، ونبه على ذلك ب " ثم " لتباعد ~~ما بين الواجب والمباح. # قال أبو حيان - رضي الله عنه -: وما ذكر أولا متناقض؛ لأنه جعل ~~النظر متسببا عن السير، فكان السير سببا للنظر، ثم ~~قال: فكأنه قيل: سيروا لأجل النظر، فجعل السير معلولا ~~بالنظر، والنظر، سبب له فتناقضا، ودعوى أن " الفاء " ~~سببية دعوى لا دليل عليها وإنما معناها التعقيب فقط، ~~وأما " زنى ماعز فرجم " ففهم السببية من قرينة غيرها. # قال: " وعلى تقدير [تسليم] إفادتها السبب، فلم كان السير هنا ~~سير إباحة، وفي غيره سير إيجاب؟ ". # وهذا اعتراض صحيح ms3370 إلا قوله: " إن " الفاء " لا تفيد السببية ~~" فإنه غير مرض، [ودليله في غير هذا الموضع] ومثل هذا المكان في كون ~~الزمخشري جعل شيئا علة، ثم جعله معلولا، كما سيأتي إن شاء ~~الله - تعالى - في أول " الفتح " ويأتي هناك جوابه. # قوله: " كيف كان عاقبة " كيف " خبر مقدم، و " عاقبة " ~~اسمها، ولم يؤنث فعلها؛ لأن تأنيثها غير حقيقي؛ ولأنها بتأويل ~~المآل والمنتهى، فإن العاقبة مصدر على وزن " فاعلة " وهو ~~محفوظ في ألفاظ تقدم ذكرها وهي منتهى الشيء وما يصير إليه. # والعاقبة إذا أطلقت اختصت بالثواب قال تعالى: # والعاقبة للمتقين # [الأعراف:128] وبالإضافة قد تستعمل في العقوبة كقوله تبارك وتعالى: # ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوءى # [الروم:10]، # فكان عاقبتهمآ أنهما في النار خالدين فيها # [الحشر:17] فصح أن تكون استعارة من ضده كقوله تعالى: # فبشرهم بعذاب أليم # [آل عمران:21]. # و " كيف " معلقة للنظر، فهي في محل نصب على إسقاط الخافض ~~لأن معناه هنا التفكر والتدبر. والله أعلم. ### || [6.12] # " لمن " خبر مقدم واجب التقديم، لاشتماله على ما له ~~صدر الكلام، فإن " من " استفهامية [والمبتدأ " ما " وهي بمعنى " ~~الذي " ]، والمعنى: لمن استقر الذي في السموات. # وقوله: " قل لله " قيل: إنما أمره أن يجيب، وإن كان المقصود ~~أن يجيب غيره؛ ليكون أول من بادر بالاعتراف بذلك. # وقيل: لما سألهم كأنهم قالوا: لمن هو؟ فقال الله: قل ~~لله، ذكره الجرجاني فعلى هذا قوله: " قل لله " جواب للسؤال ~~المضمر الصادر من جهة الكفار، وهذا بعيد؛ لأنهم لم يكونوا ~~يشكون في أنه لله، وإنما هذا سؤال تبكيت وتوبيخ، ولو ~~أجابو الم يسعهم أن يجيبوا إلا بذلك. # وقال ابن الخطيب: إن الله - تبارك وتعالى - أمره بالسؤال ~~أولا، ثم بالجواب ثانيا، وهذا إنما يحسن في الموضع الذي ~~يكون جوابه قد بلغ في الظهور إلى حيث لا يقدر على إنكاره منكر، ~~ولما كانت آثار الحدوث والإمكان ظاهرة في ذوات جميع الأجسام، ~~وفي جميع صفاتها، لا جرم كان الاعتراف بأنها بأسرها لله تعالى، ~~وملك له، ومحل تصرفه وقدرته، لا جرم أمره بالسؤال ~~أولا، ثم بالجواب ms3371 ثانيا ليدل ذلك على الإقرار بهذا المعنى ~~مما لا سبيل إلى دفعه ألبتة، كما قال تعالى: # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله # [لقمان:25] وقوله: " الله " خبر مبتدأ محذوف أي: هو الله. # فصل في المراد بالآية # والمقصود من هذه الآية الكريمة تقرير إثبات الصانع، وتقرير ~~المعاد، وتقرير النبوة، أما تقدير إثبات الصانع، فلأن أحوال ~~العالم العلوي والسفلي تدل على أن جميع هذه الأجسام موصوفة ~~بصفات كان يجوز عليها اتصافها بأضدادها، وإذا كان كذلك كان ~~اختصاص كل جزء منها بصفة معينة لا بد وأن يكون لأجل ~~أن الصانع الحكيم القادر المختار خصه بتلك الصفة ~~المعينة، وهذا يدل على أن العالم مع كل ما فيه مملوك لله ~~تعالى، وإذا ثبت هذا ثبت كونه قادرا على الإعادة ~~والحشر والنشر؛ لأن التركيب الأول إنما حصل لكونه - تبارك ~~تعالى - قادرا على كل الممكنات، عالما بكل المعلومات، وهذه ~~القدرة والعلم ممتنع زوالهما، فوجب صحة الإعادة ثانيا. # وإذا ثبت أنه - تعالى - ملك مطاع، والملك المطاع من له ~~الأمر والنهي على عبيده، لا بد من مبلغ، وذلك يدل على أن ~~بعثة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام من الله إلى ~~الخلق غير ممتنع، فدلت هذه الآية الكريمة على هذه المطالب ~~الثلاثة، ولما سبق ذكر هذه المسائل الثلاثة ذكر الله - ~~تبارك وتعالى - بعدها هذه الآية لتكون مقرونة بمجموع تلك ~~المطالب. # قوله: " كتب على نفسه " أي: قضى وأوجب إيجاب تفضل، ~~لا أنه مستحق عليه تعالى. # وقيل: معناه القسم، وعلى هذا فقوله: " ليجمعنكم " جوابه؛ ~~لما تضمن من معنى القسم، وعلى هذا فلا توقف على قوله: " ~~الرحمة ". # وقال الزجاج: إن الجملة في قوله: ليجمعنكم " في محل نصب على أنها ~~بدل من الرحمة؛ لأنه فسر قوله تعالى: " ليجمعنكم " بأنه ~~أمهلكم وأمد لكم في العمر والرزق مع كفركم، فهو تفسير ~~للرحمة. # وقد ذكر الفراء هذين الوجهين: أعني أن الجملة تمت عن قوله تعالى: ~~" الرحمة " ، أو أن " ليجمعنكم " بدل منها، فقال: إن شئت ~~جعلت الرحمة غاية الكلام، ثم استأنفت بعدها " ~~ليجمعنكم " وإن شئت جعلتها في ms3372 موضع نصب كما قال: # كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل ~~منكم # [الأنعام: 54] قال شهاب الدين - رحمه الله -: واستشهاده بهذه ~~الآية الكريمة حسن جدا. # ورد ابن عطية هذا بأنه يلزم دخول نون التوكيد [في الإيجاب قال: ~~وإنما تدخل على الأمر والنهي، وجواب القسم، ورد أبو حيان حصر ابن ~~عطية ورود نون التوكيد] فيما ذكر وهو صحيح، ورد كون " ليجمعنكم " ~~بدلا من الرحمة بوجه آخر، وهو أن " ليجمعنكم " جواب قسم، ~~وجملة الجواب وحدها لا موضوع لها من الإعراب، إنما يحكم على ~~موضع جملتي القسم والجواب بمحل الإعراب. # قال شهاب الدين: وقد خلط مكي المذهبين، وجعلهما مذهبا ~~واحدا، فقال: " ليجمعنكم " في موضع نصب على البدل من " ~~الرحمة " واللام لام القسم، فهي جواب " كتب "؛ أنه بمعنى: أوجب ~~ذلك على نفسه، ففيه معنى القسم، وقد يظهر جواب عما أورده ~~أبو حيان على غير مكي، وذلك أنهم جعلوا " ليجمعنكم " ~~بدلا من الرحمة - يعني: هي وقسيمها المحذوف، واستغنوا عن ذكر ~~القسم، لا سيما وهو غير مذكور. # وأما مكي فلا يظهر هذا جوابا له، لأنه نص على أنه جواب ل ~~" كتب " ، فمن حيث جعله جوابا ل " كتب " لا محل له، ومن ~~حيث جعله بدلا كان محله النصب، فتنافيا، والذي ينبغي ~~في هذه الآية الكريمة أن يكون الوقف عند قوله: " الرحمة ". # وقوله: " ليجمعنكم " جواب قسم محذوف أي: " والله ليجعنكم " ، ~~والجملة القسمية لا محل لها بما قبلها من حيث الإعراب، ~~وإن تعلقت به من حيث المعنى. # و " إلى " على بابها، أي: ليجمعنكم منتهين إلى يوم القيامة. # وقيل: هي بمعنى " اللام " كقوله تعالى: # إنك جامع الناس ليوم # [آل عمران: 9] وقيل: بمعنى " في " أي: ليجمعنكم في يوم القيامة. # وقيل: هي زائدة، أي: ليجمعنكم يوم القيامة، وقد يشهد له قراءة من قرأ # تهوى إليهم # [إبراهيم:37] بفتح " الواو " إلا أنه لا ضرورة هنا إلى ذلك. # وتقدم الكلام في # لا ريب فيه # في أول " البقرة " [البقرة:2] والجملة حال من " يوم " والضمير في " فيه ~~" يعود على " اليوم ". # وقيل: يعود على الجمع المدلول عليه بالفعل؛ ms3373 لأنه رد على ~~منكري القيامة. # فصل في الكلام على الآية # قال بعضهم: هذا كلام مبتدأ لا تعلق له بما قبله، فيه تصريح بكمال ~~إلهيته سبحانه تعالى بقوله: { قل لمن ما في السماوات ~~والأرض قل لله } ثم بين - تبارك وتعالى - أنه يرحمهم ~~بالإمهال، ورفع عذاب الاستئصال، وبين أنه يجمعهم إلى يوم ~~القيامة. # فقوله: { كتب على نفسه الرحمة } ، أي: يمهلمهم. # وقوله: { ليجمعنكم إلى يوم القيامة } أنه لا ~~يمهلهم بل يحشرهم ويحاسبهم بكل ما فعلوا. # وقال آخرون: إنه متعلق [بما قبله]، والتقدير: " كتب ربكم على ~~نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة ". # وقيل: إنه لما قال: كتب ربكم على نفسه الرحمة، فكأنه قيل: وما تلك ~~الرحمة؟ فقيل: إنه تبارك وتعالى " ليجمعنكم " [إلى يوم القيامة " وذلك ~~لأنه لولا خوف العذاب لحصل الهرج والمرج فصار يوم القيامة من ~~أعظم أسباب الرحمة، فكان قوله: { ليجمعنكم إلى يوم ~~القيامة } ]. كالتفسير لقوله: # كتب ربكم على نفسه الرحمة # [الأنعام:54]. # فصل في المراد بهذه الآية # اختلفوا في المراد بهذه الرحمة، فقيل: إنه - [تبارك وتعالى] - ~~يمهلهم مدة عمرهم، ويدفع عنهم عذاب الاستئصال، ~~ولا يعاجلهم بالعقوبة [ في الدنيا]. # وقيل: المراد " كتب على نفسه الرحمة " لمن ترك ~~التكذيب بالرسل، وقبل شريعتهم وتاب. # فصل في الإخبار عن سعة رحمه الله # ورى أبو هرير - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لما قضى الله الخلق كتب كتابا فهو عنده ~~فوق العرش إن رحمتي غلبت غضبي ". # وروى أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: " إن رحمتي ~~سبقت غضبي ". # وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن لله مائة رحمة واحدة منها بين الجن والإنس ~~والبهائم والطير والهوام فيها يتعاطفون وبها يتراحمون، ~~وبها تعطف الوحوش على أولادها وأخر تسعا وتسعين ~~رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة ". # وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: # " قدم على النبي صلى الله عليه وسلم صبي، فإذا امرأة من ~~السبي قد تحلب ثديها لسقي إذ وجدت صبيا في ~~السبي، فأخذته فألصقته ms3374 ببطنها وأرضعته فقال لنا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم: أترون هذه طارحة ~~ولدها في النار. قلنا: لا وهي تقدر على أن تطرحه، ~~فقال: لله أرحم بعباده من هذه بولدها ". # قوله: " الذين خسروا " فيه ستة أوجه: # أحدها: أنه منصوب بإضمار " أذم " ، وقدره الزمخشري ب " ~~أريد " ، وليس بظاهر. # الثاني: أنه مبتدأ أخبر عنه بقوله: " فهم لا يؤمنون " ، وزيدت ~~الفاء في خبره لما تضمن من معنى الشرط، قاله الزجاج، كأنه ~~قيل: من يخسر نفسه فهو لا يومن. # الثالث: أنه مجرور على أنه نعت للمكذبين. # الرابع: أنه بدل منهم، وهذان الوجهان بعيدان. # الخامس: أنه منصوب على البدل من ضمير المخاطب، [وهذا] قد عرفت ~~ما فيه غير مرة، وهو أنه يبدل من ضمير الحاضر بدل كل من كل ~~في غير إحاطة ولا شمول أم لا؟ # ومذهب الأخفش جوازه، وقد تقدم دليل الفريقين، ورد المبرد ~~عليه مذهبه، بأن البدل من ضمير الخطاب لا يجوز، كما لا يجوز: ~~" مررت بك زيد " وهذا عجيب؛ أنه استشهاد بمحل النزاع، وهو " ~~مررت بك زيد " ، ورد ابن عطية - رحمه الله تعالى - رده فقال: ~~" ما في الآية مخالف للمثال؛ لأن الفائدة في البدل مترتبة من ~~الثاني، فأما في " مررت بك زيد " فلا فائدة في الثاني. # وقوله: " ليجمعنكم " يصلح لمخاطبة الناس كافة، ~~فيفيدنا إبدال " الذين " من الضمير أنهم هم المختصون بالخطاب، ~~وخصوا على جهة الوعيد، ويجيء هذا إبدال البعض من الكل ". # قال أبو حيان: " هذا الرد ليس بجيد؛ لأنه إذا جعلنا " ~~ليجمعنكم " صالحا لخطاب جميع الناس كان " الذين " بدل ~~بعض، ويحتاج إذ ذاك إلى ضمير، تقديره: خسروا أنفسهم فيهم ~~وقوله: " فيفيدنا إبدال الذين من الضمير أنهم هم المختصون ~~بالخطاب، وخصوا على جهة الوعيد " وهذا يقتضي أن يكون بدل كل ~~من كل، فتناقض أول كلامه مع آخره؛ لأنه من حيث الصلاحية بدل ~~بعض، ومن حيث اختصاص الخطاب بهم يكون بدل كل، فتناقضا ". # قال شهاب الدين: ما أبعده عن التناقض، لأن بدل البعض من ~~الكل من جملة المخصصات، كالتخصيص بالصفة والغاية والشرط، نص ~~العلماء- رضي ms3375 الله عنهم - على ذلك فإذا تقرر هذا، فالمبدل منه ~~بالنسبة إلى اللفظ في الظاهر عام، وفي المعنى ليس المراد به ~~إلا ما أراده المتكلم، فإذا ورد: " واقتلوا المشركين بني فلان " ~~مثلا، فالمشركون صالح لكل مشرك من حيث اللفظ، ولكن ~~المراد به بنو فلان، فالعموم في اللفظ والخصوص في المعنى، فكذا ~~قول أبي محمد يصلح لمخاطبة الناس، معناه أنه يعمهم ~~لفظا. # وقوله " فيفيدنا إبدال الضمير إلى آخره " هذا هو المخصص فلا يجيء ~~تناقض ألبتة، وهذا مقرر في " أصول الفقه ". # السادس: أنه مرفوع على الذم، قاله الزمخشري، وعبارته فيه وفي ~~الوجه الأول: " نصب على الذم أو رفع، أي: أريد الذين خسروا ~~أنفسهم، أو أنتم الذين خسروا أنفسهم " انتهى. # قال شهاب الدين- رحمه الله تعالى-: " إنما قدر المبتد " أنتم " ~~ليرتبط مع قوله: " ليجمعنكم " ، وقوله: " خسروا أنفسهم " من مراعاة ~~الموصول، ولو قال: " أنتم الذين خسروا أنفسكم " مراعاة للخطاب ~~لجاز، تقول: أنت الذي قعد وإن شئت: قعدت ". # فإن قيل: ظاهر اللفظ يدل على أن خسرانهم سبب لعدم ~~إيمانهم، والأمر على العكس؟ # فالجواب: أن هذا يدل على أن سبق القضاء بالخسران ~~والخذلان هو الذي حملهم على الامتناع من الإيمان، وهو مذهب أهل ~~السنة. ### || [6.13] # قوله: " وله ما سكن ": جملة من مبتدأ وخبر، وفيها قولان: # أظهرهما: أنها استئناف إخبار بذلك. # والثاني: أنها في محل نصب نسقا على قوله: " الله " ، أي: على ~~الجملة المحكية ب " قل " أي: قل: هو لله، وقل: له ما سكن. # و " ما " موصولة بمعنى " الذي " ، ولا يجوز غير ذلك. # و " سكن " قيل: معناه ثبت واستقر، ولم يذكر الزمخشري غيره. # كقولهم: فلان يسكن بلدة كذا، ومنه قوله تبارك وتعالى # وسكنتم في مسكن الذين ظلموا أنفسهم # [إبراهيم:45]. # وقيل: هو من " سكن " مقابل " تحرك " ، فعلى الأول لا حذف في ~~الآية الكريمة. # قال الزمخشري: وتعديه ب " في " كما في قوله: # وسكنتم في مسكن الذين ظلموا أنفسهم # [إبراهيم:45]، ورجح هذا التفسير ابن عطية. # وعلى الثاني اختلفوا، فمنهم من قال: لا بد من محذوف لفهم ~~المعنى، وقدر ذلك المحذوف معطوفا، فقال: ms3376 تقديره: وله ما سكن وما ~~تحرك، كقوله في موضع آخر: # تقيكم الحر # [النحل:81] أي: والبرد وحذف المعطوف فاش في كلامهم، وأنشد القائل في ~~ذلك: # 2116- كأن الحصى من خلفها وأمامها # وإذا نجلته رجلها خذف أعسرا # وقال الآخر: [الطويل] # 2117- فما كان بين الخير لو جاء سالما # أبو حجر إلا ليال قلائل # يريد: رجلها ويدها، وبين الخير وبيني. # ومنهم من قال: لا حذف؛ لأن كل متحرك قد يسكن. # وقيل: لأن المتحرك أقل، والساكن أكثر، فلذلك أوثر ~~بالذكر. # وقيل: إنما خص السكون بالذكر، لأن النعمة فيه أكثر. # فصل في نظم الآية # قال أبو مسلم: وجه نظم الآية الكريمة أنه - تبارك وتعالى - ذكر في ~~الآية الأولى: السموات والأرض؛ إذ لا مكان سواهما، وفي هذه ~~الآية الكريمة ذكر الليل والنهار، إذ لا زمان سواهما، فالزمان ~~والمكان ظرفان للمحدثات، فأخبر - تبارك وتعالى - أنه مالك للمكان ~~والمكانيات، ومالك للزمان والزمانيات. # قال محمد بن جرير: كل ما طلعت عليه الشمس وغربت، فهو من ~~مساكن الليل والنهار، والمراد جميع ما في الأرض. # وقيل: معناه له ما يمر عليه الليل والنهار، وهو السميع ~~لأصواتهم، العليم بأسرارهم. ### || [6.14] # قوله: " أغير الله " مفعول أول ل " أتخذ " و " وليا " ~~مفعول ثان، وإنما قدم المفعول الأول على فعله لمعنى، وهو إنكار أن ~~يتخذ غير الله وليا لا اتخاذ الولي، ونحوه قولك لمن ~~يهين زيدا وهو مستحق للإكرام: " أزيدا أهنت "؟! أنكرت أن ~~يكون مثله مهانا. # وقد تقدم هذا موضحا في قوله: # أأنت قلت للناس # [المائدة:116]، ومثله: # أغير الله أبغي ربا # [الأنعام: 164]، # أفغير الله تأمروني أعبد # [الزمر:64] # ءآلله أذن لكم # [يونس:59] # ءآلذكرين حرم # [الأنعام:143] وهو كثير، ويجوز أن يكون " أتخذ " متعديا لواحد، ~~فيكون " غير " منصوبا على الحال من " وليا "؛ لأنه في الأصل صفة ~~له، ولا يجوز أن يكون استثناء ألبتة، كذا منعه أبو البقاء، ولم ~~يبين وجهه. # والذي يظهر أن المانع تقدمه على المستثنى منه في المعنى، وهو " ~~وليا ". # وأما المعنى فلا يأبى الاستثناء؛ لأن الاستفهام لا يراد به ~~حقيقته، بل يراد به الإنكار، فكأنه قيل: لا ms3377 أتخذ وليا غير ~~الله، ولو قيل كذا لكان صحيحا، فظهر أن المانع عنده إنما هو ~~التقديم على المستثنى منه، لكن ذلك جائز وإن كان قليلا، ومنه: ~~[الطويل] # 2118- وما لي إلا آل أحمد شيعة # وما لي إلا مشعب الحق مشعب # وقرأ الجمهور " فاطر " بالجر، وفيها تخريجان: # أحدهما- وبه قال الزمخشري والحوفي وابن عطية -: صفة للجلالة المجرورة ~~ب " غير " ، ولا يضر الفصل بين الصفة، والموصوف بهذه الجملة ~~الفعلية ومفعولها؛ لأنها ليست بأجنبية، إذ هي عاملة في عامل الموصوف. # الثاني- وإليه نحا أبو البقاء -: أنه بدل من اسم الله، وكأنه ~~فر من الفصل بين الصفة وموصوفها. # فإن قيل: هذا لازم له في البدل، فإنه فصل بين التابع ومتبوعه ~~أيضا، فيقال: إن الفصل بين البدل والمبدل فيه أسهل؛ لأن البدل ~~على نية تكرار العامل، فهو أقرب إلى الفصل، وقد يرجح ~~تخريجه بوجه آخر، وهو أن " فاطر " اسم فاعل، والمعنى ليس على ~~المضي حتى تكون إضافته غير محضة، فيلزم وصف المعرفة ~~بالنكرة؛ لأنه في نية الانفصال من الإضافة، ولا يقال: الله ~~فاطر السموات والأرض فيما مضى، فلا يراد حال ولا استقبال؛ لأن ~~كلام الله - تبارك وتعالى - قديم متقدم على خلق السموات، فيكون ~~المراد به الاستقبال قطعا، ويدل على جواز كونه في نية ~~التنوين ما يأتي ذكره عن أبي البقاء قريبا. # وقرأ ابن أبي عبلة برفعه، وتخريجه سهل، وهو انه خبر مبتدأ محذوف. # وخرجه ابن عطية على أنه مبتدأ، فيحتاج إلى تقدير خبر، والدلالة ~~عليه خفية بخلاف تقدير المبتدأ، فإنه ضمير الأول، أي: " هو فاطر ". # وقرئ شاذا بنصبه، وخرجه أبو البقاء على وجهين: # أحدهما: أنه بدل من " وليا " قال: " والمعنى على هذا أجعل فاطر ~~السموات والأرض غير الله " ، كذا قدره، وفيه نظر؛ لأنه جعل ~~المفعول الأول، وهو " غير الله " مفعولا ثانيا، وجعل البدل من المفعول ~~الثاني مفعولا أول، فالتقدير عكس التركيب الأصلي. # والثاني: أنه صفة ل " وليا " قال: ويجوز أن يكون صفة ل " ~~وليا " والتنوين مراد. # قال شهاب الدين: يعني بقوله: " التنوين مراد " أن اسم الفاعل عامل ~~تقديرا، ms3378 فهو في نية الانفصال، ولذلك وقع وصفا للنكرة كقوله: # هذا عارض ممطرنا # [الأحقاف: 24]. # وهذا الوجه لا يكاد يصح، إذ يصير المعنى: أأتخد غير الله ~~وليا فاطر السموات إلى آخره، فيصف ذلك الولي بأنه فاطر السموات. # وقرأ الزهري: " فطر " على أنه فعل ماض، وهي جملة في محل نصب ~~على الحال من الجلالة، كما كان " فاطر " صفتها في قراءة الجمهور. # ويجوز على رأي أبي البقاء أن تكون صفة ل " وليا " ، ولا يجوز أن ~~تكون صفة للجلالة؛ لأن الجملة نكرة. # والفطر: الشق مطلقا، وقيده الراغب بالشق طولا، ~~وقيده الواحدي بشق الشيء عند ابتدائه. # والفطر: إبداع وإيجاد شيء على غير مثال، ومنه { فاطر السماوات ~~والأرض } ، أي: أوجدها على غير مثال يجتدى. # وعن ابن عباس: ما كنت أدري ما معنى فطر وفاطر، حتى اختصم ~~إلي أعرابيان في بئر، فقال أحدهما: " إنا فطرتها " ، أي: ~~أنشأتها وابتدأتها. # ويقال: فطرت كذا فطرا وفطر هو فطورا، وانفطر إنفطارا ~~وفطرت الشاة: حلبتها بأصبعين، وفطرت العجين: خبزته ~~في وقته. # وقوله تبارك وتعالى: # فطرت الله التي فطر الناس عليها # [الروم:30] إشارة منه إلى ما فطر، أي: أبدع وركز الناس من معرفته [ما ~~ركز]، ففطرة الله ما ركز من القوة المدركة لمعرفته، وهو ~~المشار إليه بقوله تعالى: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله # [الزخرف:87]. # وعليه: # " كل مولود يولد على الفطرة " # الحديث. # وهذه الآية الكريمة نزلت حين دعا إلى الله آباءه فقال تعالى: يا محمد { ~~قل أغير الله أتخذ وليا } ربا معبودا وناصرا ~~ومعينا. # قوله: { وهو يطعم ولا يطعم } القراءة المشهورة ببناء ~~الأول للفاعل، والثاني للمفعول، والضمير لله تعالى، والمعنى: وهو ~~يرزق ولا يرزق، وهو موافق لقوله تعالى: # مآ أريد منهم من رزق ومآ أريد أن يطعمون # [الذاريات:57]. # وقرأ سعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر، والأعمش، وأبو حيوة، وعمرو بن عبيد، ~~وأبو عمرو بن العلاء في رواية عنه: " ولا يطعم " بفتح الياء ~~والعين، بمعنى: ولا يأكل، والضمير لله تعالى أيضا. # وقرأ ابن أبي عبلة ويمان العماني: " ولا يطعم " بضم الياء، وكسر ~~العين كالأول، فالضميران ms3379 - أعني هو والمستكن في " يطعم " - عائدان ~~على الله تعالى، والضمير في ولا يطعم للولي. # وقرأ يعقوب في رواية أبي المأمون: " وهو يطعم ولا يطعم " ببناء ~~الأول للمفعول، والثاني للفاعل، على عكس القراءة المشهورة، ~~والضمائر الثلاثة أعني هو والمستترين في الفعلين للولي فقط أي: وذلك ~~الولي يطعمه غيره، ولا يطعم هو أحدا لعجزه. # وقرأ الأشهب: " وهو يطعم ولا يطعم " ببنائهما للفاعل. # وذكر الزمخشري فيهما تخريجين ثانيهما لنفسه، فإنه قال بعد أن حكى ~~القراءة: وفسر بأن معناه وهو يطعم ولا يستطعم. # وحكى الأزهري: أطعمت بمعنى استطعمت، ونحوه: أفدت، ويجوز أن يكون ~~المعنى: هو يطعم تارة، ولا يطعم أخرى على حسب المصالح، كقولك: ~~هو يعطي ويمنع، ويقدر ويبسط ويغني ويفقر. # قال شهاب الدين: هكذا ذكر أبو حيان هذه القراءات. # وقراءة الأشهب هي كقراءة ابن أبي عبلة والعماني سواء لا تخالف ~~بينهما، فكان ينبغي أن يذكر هذه القراءة لهؤلاء كلهم، وإلا يوهم هذا ~~أنهما قراءتان متغايرتان، وليس كذلك. # وقرئ شاذا: " يطعم " يفتح الياء والعين، " ولايطعم " بضم الياء ~~وكسر العين، أي: وهو يأكل، ولا يطعم غيره، ذكر هذه القراءة أبو البقاء ~~قال: " والضمير راجع على الولي الذي هو غير الله ". # فهذه ست قراءات، وفي بعضها - وهو تخالف الفعلين - من صناعة البديع ~~تجنيس التشكيل، وهو أن يكون الشكل فارقا بين الكلمتين، وسماه ~~أسامة بن منقذ تجنيس التحريف، وهو تسمية فظيعة، فتسميته ~~بتجنيس التشكيل أولى. # قوله: { قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم } ~~يعني من هذه الأمة، والإسلام بمعنى الاستسلام لأمر الله ~~تعالى. # وقيل: أسلم أخلص، و " من " يجوز أن تكون نكرة موصوفة واقعة ~~موقع اسم جمع أي: أول فريق أسلم، وأن تكون موصولة أي: أول الفريق ~~الذي أسلم، وأفرد الضمير في " أسلم " إما باعتبار " فريق " ~~المقدر وإما باعتبار لفظ " من " ، وقد تقدم الكلام على " ~~أول " وكيف يضاف إلى مفرد بالتأويل المذكور في سورة البقرة. # قوله: " ولا تكونن " فيه تأويلان: # أحدهما: على إضمار القول، أي: وقيل لي: لا تكونن. # قال أبو البقاء: " ولو كان معطوفا على ms3380 ما قبله لفظا لقال: وأن لا ~~أكون " وإليه نحا الزمخشري فإنه قال: " ولا تكونن: وقيل لي لا ~~تكونن، ومعناه: وأمرت بالإسلام، ونهيت عن الشرك ". # والثاني: أنه معطوف على معمول " قل " حملا على المعنى، ~~والمعنى: قل إني قيل لي: كن أول من أسلم، ولا تكونن من ~~المشركين، فهما جميعا محمولان على القول، لكن أتى الأول بغير لفظ ~~القول، وفيه معناه، فحمل الثاني على المعنى. # وقيل: هو عطف على " قل " أمر بأن يقول كذا، ونهي عن كذا. ### || [6.15] # قوله: { قل إني أخاف إن عصيت ربي } فعبدت غيره " عذاب ~~يوم عظيم " أي عذاب يوم القيامة، و " إن عصيت " شرط حذف جوابه لدلالة ~~ما قبله عليه، ولذلك جيء بفعل الشرط ماضيا، وهذه الجملة الشرطية فيها ~~وجهان: # أحدهما: أنه معترض بين الفعل، وهو " أخاف " وبين مفعوله وهو " عذاب ~~". # والثاني: أنها في محل نصب على الحال. # قال أبو حيان: كأنه قيل: " إني أخاف عاصيا ربي " ، وفيه نظر؛ إذ ~~المعنى يأباه. و " أخاف " وما في حيزه خبر ل " إن " ، وإن ~~وما في حيزها في محل نصب ب " قل " وقرأ ابن كثير، ونافع " ~~إني " بفتح الياء، وقرأ أبو عمرو، والباقون بالإرسال. ### || [6.16] # " من " شرطية، ومحلها يحتمل الرفع والنصب، كما سيأتي بيانه. # وقرأ الأخوان، وأبو بكر عن عاصم: " يصرف " بفتح الياء وكسر الراء على ~~تسمية الفاعل. # والباقون بضم الياء وفتح الراء على ما لم يسم فاعله. # فأما في القراءة الأولى، ف " من " فيها تحتمل الرفع والنصب، ~~فالرفع من وجه واحد، وهو الابتداء، وخبرها فعل الشرط أو الجواب أو ~~هما، على حسب الخلاف، وفي مفعول " يصرف " حينئذ احتمالان: # أحدهما: أنه مذكور وهو " يومئذ " ، ولا بد من حذف مضاف، ~~أي: من يصرف الله عنه هول يومئذ أو عذاب يومئذ - فقد رحمه - ~~فالضمير في " يصرف " ، يعود على الله تعالى، ويدل عليه قراءة ~~أبي بن كعب " من يصرف الله " بالتصريح به. # والضميران في " عنه " و " رحمه " ل " من ". # والثاني: أنه محذوف لدلالة ما ذكر عليه قبل ذلك، أي: من يصرف ~~الله عنه العذاب ms3381 " يومئذ " منصوب على الظرف. # وقال مكي: " ولا يحسن أن تقدر هاء؛ لأن الهاء إنما تحذف من ~~الصلات ". # قتل شهاب الدين: يعني أنه لا يقدر المفعول ضميرا عائدا على ~~عذاب يوم؛ لأن الجملة الشرطية عنده صفة ل " عذاب " ، والعائد ~~منها محذوف، لكن الحذف إنما يكون من الصلة لا من الصفة، ~~وهذا معنى قول الواحدي أيضا، إلا أن قول مكي " إنما يحذف ~~من الصلات " يريد في الأحسن، وإلا فيحذف من الصفات والأخبار ~~والأحوال، ولكنه دون الصلة. # والنصب من وجهين: # أحدهما: أنه مفعول مقدم ل " يصرف " والضمير في " عنه على هذا ~~يتعين عوده على العذاب المتقدم، والتقدير: أي شخص يصرف الله ~~عن العذاب. # والثاني: أنه منصوب على الاشتغال بفعل مضمر لا يبرز، يفسره ~~هذا الظاهر من معناه لا من لفظه، والتقدير: من نكرم أو ~~من ننج يصرف الله. # والضمير في " عنه " للشرطية. # وأما مفعول " يصرف " على هذا فيحتمل الوجهين المتقدمين، ~~أعني كونه مذكورا، وهو " يومئذ " على حذف مضاف، أو محذوفا ~~اختصارا. # وأما القراءة الثانية ف " من " تحتمل وجهين: # أحدهما: أنها في محل رفع بالابتداء، وخبره ما بعده على ما تقدم ~~والفاعل المحذوف هو الله - تعالى - يدل عليه قراءة أبي ~~المتقدمة وفي القائم مقامه أربعة أوجه: # أحدهما: أنه ضمير العذاب، والضمير في " عنه " يعود على " من " فقط، ~~والظرف فيه حينئذ ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه منصوب ب " يصرف ". # والثاني: أنه منصوب بالعذاب، أي: الذي قام ضميره مقام الفاعل، قاله أبو ~~البقاء - رضي الله عنه -. ويلزم منه إعمال المصدر مضمرا، وقد يقال: ~~يغتفر ذلك في الظروف. # الثالث: قال أبو البقاء: " إنه حال من الضمير " - يعني الضمير الذي قام ~~مقام الفاعل، وجاز وقوع الحال ظرف زمان؛ لأنها في معنىلا عن جثة. # الثاني من الأوجه الأربعة: أن القائم مقام الفاعل ضميره " من " ~~والضمير في " عنه " يعود على العذاب، والظرف منصوب، إما ب " يصرف ~~" وإما على الحال من هاء " عنه ". # والثالث: من أوجه العامل في " يومئذ " متعذر هنا وهو واضح، ~~والتقدير: أي شخص يصرف هو عن العذاب. # الثالث: أن ms3382 القائم مقام الفاعل " يومئذ " إما على حذف مضاف أي: من ~~يصرف عنه فزع أو هول يومئذ، وإما على قيام الظرف دون مضاف، ~~كقولك: " سير يوم الجمعة " ، وإنما بني " يومئذ " على الفتح ~~لإضافته إلى غير متمكن، ولو قرئ بالرفع لكان جائزا في ~~الكلام، وقد قرئ: # ومن خزي يومئذ # [هود:66] فتحا وجرا بالاعتبارين، وهما اعتباران متغايران. # فإن قيل: يلزم على عدم تقدير حذف المضاف إقامة الظرف غير التام ~~مقام الفاعل، وقد نصوا على أن الظرف المقطوع عن الإضافة لا ~~يخبر به، ولا يقوم مقام فاعل، ولو قلت: " ضرب قبل " لم يجز، ~~والظرف هنا في حكم المقطوع عن الإضافة فلا يجوز هنا قيامه مقام الفاعل، ~~إلا على حذف مضاف، فالجواب أن هذا في قوة الظرف المضاف؛ إذ ~~التنوين عوض عنه، وهذا ينتهض على رأي الجمهور أما الأخفش فلا، لأن ~~التنوين عنده تنوين صرف والكسر كسر إعراب. # والرابع: أن القائم مقامه " عنه " ، والضمير في " عنه " يعود على ~~" من " ، و " يومئذ " منصوب على الظرف، والعامل فيه " يصرف " ~~، ولا يجوز الوجهان الأخيران، أعني نصبه على الحال، لأن الضمير ~~للجثة والزمان لا يقع حالا عنهما، كما لا يقع خبرا، وأعني ~~كونه معمولا للعذاب، إذ ليس هو قائما مقام الفاعل. # والثاني من وجهي " من " أنها في محل نصب بفعل مضمر يفسره ~~الظاهر بعده، وهذا إذا جعلنا " عنه " في محل نصب بأن يجعل ~~القائم مقام الفاعل: إما ضمير العذاب، وإما " يومئذ ". # والتقدير: من يكرم الله، أو من ينج يصرف عنه العذاب أو ~~هول يومئذ، ونظيره: " زيد به مرور حسن " ، أقمت المصدر فبقي " عنه " ~~منصوب المحل. # والتقدير: جاوزت زيدا مر به مرور حسن، وأما جعل " عنه " ~~قائما مقام الفاعل تعين رفعه بالابتداء. # وأعلم أنه متى قلت: منصوب على الاشتغال، فإنما يقدر الفعل بعد " ~~من "؛ لأن لها صدر الكلام، ولذلك لم أظهره إلا مؤخرا، ولهذه ~~العلة منع بعضهم الاشتغال فيما له صدر الكلام كالاستفهام ~~والشرط. # والتنوين في " يومئذ عوض عن جملة محذوفة تضمنها الكلام ~~السابق. # والتقدير: يومئذ يكون الجزاء، وإنما قلنا ms3383 ذلك؛ لأنه لم يتقدم في ~~الكلام جملة مصرح بها يكون التنوين عوضا منها، وقد تقدم خلاف ~~الأخفش. # وهذه الجملة الشرطية يجوز فيها وجهان: الاستئناف، والوصف ل " عذاب ~~يوم " ، فحيث جعلنا فيها ضميرا يعود على عذاب يوم، إما من " يصرف ~~" ، وإما من " عنه " جاز أن تكون صفة وهو الظاهر، وأن تكون ~~مستأنفة، وحيث لم نجعل فيها ضميرا يعود عليه - وقد عرفت كيفية ~~ذلك - تعين أن تكون مستأنفة، ولا يجوز أن تكون صفة لخلوها ~~من الضمير. # ورجح بعضهم إحدى القراءتين على الأخرى، وذلك على عادتهم، ~~فقال أبو علي الفارسي: قراءة " يصرف " يعني المبني للفاعل ~~أحسن لمناسبة قوله: " رحمه " ، يعني: أن كلا منهما مبني ~~للفاعل، ولم يقل: " فقد رحم " واختارها أبو حاتم، وأبو عبيد، ~~ورجح بعضهم قراءة المبنى للمفعول بإجماعهم على قراءة قوله: # ليس مصروفا عنهم # [هود: 8] يعني في كونه أتى بصيغة اسم المفعول المسند إلى ضمير ~~العذاب المذكور أولا. # ورجحها محمد بن جرير بأنها أقل إضمارا، ومكي - رحمه الله - ~~تلعثم في كلامه في ترجيحه لقراءة الأخوين، وأتى بأمثلة فاسدة في ~~كتاب " الهداية " له. # قال ابن عطية: " وقد تقدم أول الكتاب عن ثعلب وغيره من العلماء ~~أن ترجيح إحدى القراءات المتواترة على الأخرى بحيث تضعف الأخرى ~~لا يجوز ". # والجملة من قوله: " فقد رحمه " في محل جزم على جواب الشرط والفاء ~~واجبة. # قوله: " وذلك الفوز " مبتدأ وخبر جيء بهذه الجملة مقررة لما ~~تقدم من مضمون الجملة قبلها، والإشارة ب " ذلك " إلى المصدر ~~المفهوم من قوله: " يصرف " ، أي: ذلك الصرف. # و " المبين " يحتمل أن يكون متعديا، فيكون المفعول محذوفا، ~~أي: المبين غيره، وأن يكون قاصرا بمعنى يبين، وقد تقدم أن " أبان ~~" ، يكون قاصرا بمعنى " ظهر " ، ومتعديا بمعنى " أظهر ". ### || [6.17] # هذا دليل آخر في بيان أنه لا يجوز للعاقل أن يتخذ وليا غير الله. # و " الباء " في قوله: " بضر " للتعدية، وكذلك في " بخير " ، ~~والمعنى: وإن يمسك الله الضر، أي: يجعلك ماسا له، وإذا مسست ~~الضر فقد مسك، إلا أن التعدية بالباء في الفعل المتعدي ~~قليلة جدا، ms3384 ومنه قولهم: " صككت أحد الحجرين بالآخر ". # وقال أبو حيان: ومنها قوله تعالى # ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض # [البقرة:251]. # وقال الواحدي: - رحمه الله -: " إن قيل: إن المس من صفة ~~الأجسام فكيف قال: وإن يمسسك الله؟ # فالجواب " الباء " للتعدية، والباء والألف يتعاقبان في التعدية، ~~والمعنى: إن أمسك الله ضرا، أي: جعله ماسك، فالفعل ~~للضر، وإن كان في الظاهر قد أسند إلى اسم الله تعالى، كقولك: " ~~ذهب زيد بعمرو " ، وكان الذهاب فعلا لعمرو، غير أن زيدا هو ~~المسبب له والحامل عليه، كذلك هنا المس للضر، والله - تعالى - ~~جعله ماسا ". # قوله: " فلا كاشف له ": " له ": خبر " لا " ، وثم محذوف تقديره: ~~فلا كاشف له عنك، وهذا المحذوف لي متعلقا ب " كاشف " ، إذ كان يلزم ~~تنوينه وإعرابه، بل يتعلق بمحذوف، أي: أغني عنه. و " إلا هو " فيه ~~وجهان: # أحدهما: أنه بدل من محل " لا كاشف " فإن محله الرفع على ~~الابتداء. # والثاني: أنه بدل من الضمير المستكن في الخبر، ولا يجوز أن ~~يرتفع باسم الفاعل، وهو " كاشف "؛ لأنه مطولا [ومتى كان مطولا] ~~أعرب نصبا، وكذلك لا يجوز أن يكون بدلا من الضمير المستكن ~~في " كاشف " للعلة المتقدمة؛ إذ البدل يحل محل المبدل منه فإن ~~قيل: المقابل للخير هو الشر، فكيف عدل عن لفظ الشر؟ والجواب أنه ~~أراد تغليب الرحمة على ضدها، فأتى في جانب الشر بأخص منه ~~وهو الضر، وفي جانب الرحمة بالعام الذي هو الخير تغليبا ~~لهذا الجانب. # قال ابن عطية: ناب الضر مناب الشر، وإن كان الشر أعم ~~منه، فقابل الخير. # وهذا من الفصاحة عدول عن قانون التكليف والصيغة، فإن باب التكليف ~~وترصيع الكلام أن يكون الشيء مقترنا [بالذي يختص به بنوع من أنواع ~~الاختصاص موافقة أو مضاهاة فمن ذلك] # إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا ~~تظمأ فيها ولا تضحى # [طه:118-119] فجاء بالجوع مع العري، وبابه أن يكون مع الظمأ. # ومنه قوله امرئ القيس: [الطويل] # 2119- كأني لم أركب جوادا للذة # ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال # ولم أسبإ الزق الروي ولم أقل ms3385 # لخيلي كري كرة بعد إجفال # ولم يوضح ابن عطية ذلك، وإيضاحه في آية " طه " اشتراك الجوع ~~والعري في شيء خاص وهو الخلو، فالجوع خلو وفراغ من الباطن، ~~والعري خلو وفراغ من الظاهر واشتراك الظمأ والضحي في ~~الاحتراق، فالظمأ احتراق في الباطن، ولذلك تقول: " برد الماء ~~حرارة كبدي وأوام عطشي ". # والضحى: احتراق الظاهر. # وأما البيتان، فالجامع بين الركوب للذة وهو الصيد وتبطن ~~الكاعب اشتراكهما في لذة الاستعلاء، والقهر والاقتناص ~~والظفر بمثل هذا المركوب، ألا ترى إلى تسميتهم هن المرأة " ركبا " ~~، بفتح الراء والكاف، وهو فعل بمعنى مفعول كقوله: [الرجز] # 2120- إن لها لركبا إرزبا # كأنه جبهة ذري حبا # وأما البيت الثاني فالجامع بين سبأ الخمر، والرجوع بعد الهزيمة ~~اشتراكهما في البذل، فشراء الخمر بذل المال، والرجوع بعد ~~الانهزام بذل الروح. # وقدم تبارك وتعالى مس الضر على مس الخير لمناسبة اتصال ~~مس الضر بما قبله من الترهيب المدلول عليه بقوله تعالى: " ~~إني أخاف " ، وجاء جواب الشرط الأول بالحصر إشارة إلى ~~استقلاله بكشف الضر دون غيره، وجاء الثاني بقوله تعالى { فهو ~~على كل شيء قدير } إشارة إلى قدرته الباهرة، فيندرج فيها ~~المس بخير وغيره، على أنه لو قيل: إن جواب الثاني محذوف لكان ~~وجها أي: وإن يمسسك بخير فلا راد لفضله، للتصريح بمثله في ~~موضع آخر. # فصل # روى ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: # " أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم بغلة أهداها له ~~كسرى، فركبها بحبل من شعر، ثم أردفني خلفه، ~~ثم صار بي مليا، ثم التفت إلي وقال: يا غلام ~~فقلت: لبيك يا رسول الله فقال احفظ الله يحفظك، ~~احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في ~~الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فأسأل الله، ~~وإن استعنت فاستعن بالله، فقد مضى القلم بما هو ~~كائن، فلو جهد الخلائق على أن ينفعوك بشيء لم يقضه ~~الله سبحانه لك لم يقدروا عليه، ولو جهدوا أن ~~يضروك عما لم يكتب الله عليك ما قدروا عليه، ~~فإن استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين فافعل، فإن ~~لم تستطع، ms3386 فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا، ~~واعلم أن النصر مع الصبر، وأن مع الكرب الفرج، ~~وأن مع العسر يسرا ". ### || [6.18] # والمراد بالقاهر الغالب، وفي " القاهر " زيادة معنى على القدرة ~~وهو منع غيره من بلوغ المراد. # وقيل: المنفرد بالتدبير الذي يجبر الخلق على مراده. # قوله: " فوق " فيه أوجه: # أظهرها: أنه منصوب باسم الفاعل قبله، والفوقية هنا عبارة عن ~~الاستعلاء والغلبة. # والثاني: أنه مرفوع على [أنه] خبر ثان، أخبر عنه بشيئين: # أحدهما: أنه قاهر. # والثاني: أنه فوق عباده بالغلبة. # والثالث: أنه بدل من الخبر. # والرابع: أنه منصوب على الحال من الضمير في " القاهر " كأنه قيل: وهو ~~القاهر مستعليا أو غالبا، ذكره المهدوي وأبو البقاء. # الخامس: أنها زائدة، والتقدير: وهو القاهر عباده. # ومثله: # فاضربوا فوق الأعناق # [الأنفال: 12] وهذا مردود؛ لأن الأسماء لا تزاد. # ثم قال " وهو الحكيم " أي في أمره، " الخبير " بأعمال عباده. ### || [6.19] # قال الكلبي: أتى أهل " مكة " رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقالوا: أرنا من يشهد بأنك رسول الله، فإنا لا نرى أحدا ~~يصدقك، ولقد سالنا عنك اليهود والنصارى، فزعموا أنه ليس لك ~~عندهم ذكر، فأنزل الله تعالى: { قل أي شيء أكبر ~~شهادة } أي: أعظم شهادة، فإن أجابوك، وإلا فقل: { الله ~~شهيد بيني وبينكم } على ما أقول لأني أوحي إلي هذا القرآن ~~معجزا لأنكم أنتم البلغاء والفصحاء، وقد عجزتم عن معارضته، فكان ~~معجزا، وإذا كان معجزا كان إظهار الله - تعالى - له على وفق ~~دعواي شهادة من الله على كوني صادقا في دعواي. # قوله تعالى: { أي شيء أكبر } مبتدأ وخبر، وقد تقدم أن " ~~أيا " بعض ما تضاف إليه، فإذا كانت استفهامية اقتضى الظاهر أن يكون ~~مسمى باسم ما أضيف إليه. # قال أبو البقاء - رحمه الله -: " وهذا يوجب أن يسمى الله تعالى ~~" شيئا " ، فعلى هذا تكون الجلالة خبر مبتدأ محذوف [ والتقدير: الله ~~أكبر شهادة، و " شهيد " على هذين القولين خبر مبتدأ محذوف] أي: ~~ذلك الشيء هو الله تعالى، ويجوز أن تكون الجلالة مبتدأ خبره محذوف أي: هو ~~شهيد بيني وبينكم، ms3387 والجملة من قوله: " قل الله " على الوجهين ~~المتقدمين جواب ل " أي " من حيث اللفظ والمعنى، ويجوز أن تكون ~~الجلالة مبتدأ، و " شهيد " خبرها، والجملة على هذا جواب ل " أي " من ~~حيث المعنى، أي: إنها دالة على الجواب، وليست به. # قوله: " شهادة " نصب على التمييز، وهذا هو الذي لا يعرف ~~النحاة غيره. # وقال ابن عطية - رضي الله عنه -: ويصح على المفعول بأن يحمل " ~~أكثر " على التشبيه بالصفة المشبهة باسم الفاعل وهذا ساقط جدا؛ إذ نص ~~النحويون على أن معنى شبهها باسم الفاعل في كونها تؤنث وتثنى، ~~وتجمع، وأفعل من لا تؤنث ولا تثنى ولا تجمع، فلم ~~يشبه اسم الفاعل، حتى إن أبا حيان نسب هذا الخباط إلى ~~الناسخ دون أبي محمد. # قوله: " بيني وبينكم " متعلق ب " شهيد " ، وكان الأصل: قل الله ~~شهيد بيننا، فكررت " بين " توكيدا، وهو نظير قوله: [الوافر] # 2121- فأيي ما وأيك كان شرا # فسيق إلى المقامة لا يراها # وقوله: [الرجز] # 2122- يا رب موسى أظلمي وأظلمه # أرسل عليه ملكا لا يرحمه # وقوله: [الكامل] # 2123- فلئن لقيتك خاليين لتعلمن # أيي وأيك فارس الأحزاب # والجامع بينهما: أنه لما أضاف إلى " الياء " وحدها احتاج إلى ~~تكرير ذلك المضاف. # ويجوز أبو البقاء أن يكون " بيني " متعلقا بمحذوف على أنه صفة ل ~~" شهيد " ، فيكون في محل رفع، والظاهر خلافه. # قوله: " وأوحي " الجمهور على بنائه للمفعول، وحذف الفاعل للعلم ~~به، وهو الله تبارك وتعالى. # و " القرآن " رفع به. # وقرأ أبو نهيك، والجحدري، وعكرمة، وابن السميفع: " وأوحى " ~~ببنائه للفاعل، " القرآن " نصبا على المفعول به. # و " لأنذركم " متعلق ب " أوحي ". # قيل: وثم معطوف حذف لدلالة الكلام عليه، أي: لأنذركم به ~~وأبشركم به، كقوله تعالى: # تقيكم الحر # [النحل:81]، وتقدم فيه نظائر، وقيل: لا حاجة إليه، لأن المقام مقام ~~تخويف. # فصل في بيان معنى الآية # والمعنى: الله شهيد بيني وبينكم أني قد أبلغكم وصدقت فيما قلته ~~وادعيته من الرسالة، والقرآن أيضا شاهد بنبوتي لأنذركم به يا ~~أهل " مكة " ، ومن بلغه القرآن العظيم. # قوله تعالى: " ومن بلغ " فيه ثلاثة أقوال: # أحدهما: أنه ms3388 في محل نصب عطفا على المنصوب في " لأنذركم " ، ~~وتكون " من " موصولة، والعائد عليها من صلتها محذوف. # أعني: ولأنذر الذي بلغه القرآن الكريم من العرب والعجم. # وقيل: من الثقلين. # وقيل: من بلغه [من القرآن الكريم] إلى يوم القيامة. # وعن سعيد بن جبير: " من بلغه من القرآن، فكأنما رأى محمدا عليه ~~الصلاة والسلام ". # الثاني: أن في " بلغ " ضميرا مرفوعا يعود على " من " ، ~~ويكون المفعول محذوفا، وهو منصوب المحل أيضا نسقا على مفعول " ~~لأنذركم " والتقدير: ولأنذر الذي بلغ الحلم، فالعائد هنا ~~مستتر في الفعل. # الثالث: أن " من " مرفوعة المحل نسقا على الضمير المرفوع في ~~" لأنذركم " ، وجاز ذلك؛ لأن الفصل بالمفعول والجار والمجرور أغنى ~~عن تأكيده، والتقدير: لأنذركم به، ولينذركم الذي بلغه القرآن. # قوله: " أإنكم " الجمهور على القراءة بهمزتين: أولاهما للاستفهام، ~~وهو استفهام تفريع وتوبيخ. # قال الفراء - رحمه الله تعالى -: ولم يقل آخر لأن الآلهة جمع، والجمع ~~يقع عليه التأنيث، كقوله: # ولله الأسمآء الحسنى # [الأعراف: 180] وقوله: # فما بال القرون الأولى # [طه:51] [ولم يقل الأول، ولا الأولين وكل ذلك صواب] وقد تقدم ~~الكلام في قراءات مثل هذا. # قال أبو حيان: " وبتسهيل الثانية، وبإدخال ألف بين الهمزة الأولى ~~والهمزة المسهلة، روى هذه الأخيرة الأصمعي عن أبي عمرو، ونافع " ~~انتهى. # وهذا الكلام يؤذن بأنها قراءة مستغربة، وليس كذلك، بل ~~المروي عن أبي عمرو- رضي الله عنه - المد بين الهمزتين، ~~ولم يختلف عن قالون في ذلك. # وقرئ بهمزة واحدة وهي محتملة للاستفهام، وإنما حذفت لفهم المعنى، ~~ودلالة القراءة الشهيرة عليها، وتحتمل الخبر المحض. # ثم هذه الجملة الاستفهامية، يحتمل أن تكون منصوبة المحل لكونها ~~في حيز القول، وهو الظاهر، كأنه أمر أن يقول: أي شيء أكبر ~~شهادة وأن يقول أإنكم لتشهدون. # ويحتمل أن تكون داخلة في حيزه فلا محل لها حينئذ، و " أخرى " ~~صفة ل " آلهة "؛ لأن ما لا يعقل يعامل جمعه معاملة ~~الوحداة المؤنثة، كقوله: # مآرب أخرى # [طه:18]، و # الأسمآء الحسنى # [الأعراف: 180] كما تقدم. # قوله: " إنما هو إله واحد " [يجوز] في " ما " هذه وجهان: # أظهرهما: أنها كافة ل " إن ms3389 " عن عملها، و " هو " مبتدأ، و " إله " ~~خبر، و " واحد " صفته. # والثاني: أنها موصولة بمعنى " الذي " ، وهو مبتدأ، و " إله " خبره، ~~وهذه الجملة صلة وعائد، والموصول في محل نصب اسما ل " إن " و " ~~واحد " خبرها. # والتقدير: إن الذي هو إله واحد، ذكره أبو البقاء، وهو ضعيف، ويدل ~~على صحة الوجه الأول تعينه في قوله تبارك وتعالى: # إنما الله إله واحد # [النساء:171]، إذ لا يجوز فيه أن تكون موصولة لخلو الجملة عن ~~ضمير الموصول. # وقال أبو البقاء في هذا الوجه: وهو أليق مما قبله. # قال شهاب الدين: - رضي الله عنه -: ولا أدري ما وجه ذلك؟ # فصل فيما تفيده الآية # أعملم أن هذا الكلام دل على إيجاب التوحيد، والبراءة من ~~الشرك من ثلاثة أوجه: # أولها: قوله: " قل لا أشهد " بما تذكرونه من إثبات الشركاء. # وثانيها: قوله: " قل إنما هو إله واحد " ، وكلمة " إنما ~~" تفيد الحصر، ولفظ الواحد صريح في التوحيد، ونفي الشركاء. # وثالثها: قوله تبارك وتعالى: { وإنني بريء مما تشركون ~~} ، وفيه تصريح بالبراءة عن إثبات الشركاء. # قال العلماء: يستحب لمن أسلم ابتداء أن يأتي بالشهادتين، ويبرأ ~~من كل دين سوى دين الإسلام. # ونص الشافعي - رحمه اله تعالى - على استحباب ضم التبري إلى ~~الشهادة، كقوله تبارك وتعالى: { وإنني بريء مما تشركون ~~} عقيب التصريح بالتوحيد. ### || [6.20] # اعلم أن الكفار لما سألوا اليهود والنصارى عن صفة ~~محمد صلى الله عليه وسلم، فأنكروا دلالة التوراة والإنجيل على ~~نبوته بين الله - تعالى - في الآية الأولى أن شهادة ~~الله على صحة نبوته كافية في ثبوتها، ثم بين في هذه ~~الآية أنهم كذبوا في قولهم: لا نعرف محمدا، لأنهم يعرفونه بالنبوة ~~والرسالة، كما يعرفون أبناءهم. # روي أنه لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم " المدينة " قال عمر لعبد ~~الله بن سلام: أنزل الله على نبيه هذه الآية، فكيف هذه المعرفة؟ ~~فقال: يا عمر لقد عرفته فيكم حين رأيته، كما أعرف ابني، ولأنا ~~أشد معرفة بمحمد مني بابني؛ لأني لا أدري ما صنع النساء وأشهد ~~أنه حق من الله ms3390 تعالى. # قوله: { الذين آتيناهم الكتاب } الموصول مبتدأ، و " ~~يعرفونه " خبره، والضمير المنصوب يجوز عوده على الرسول عليه ~~الصلاة والسلام، وعلى القرآن لتقدمه في قوله: " وأوحي إلي هذا ~~القرآن لأنذركم به " أو على التوحيد لدلالة قوله: # إنما هو إله واحد # [الأنعام:19] أو على كتابهم، أو على كتابهم، أو على جميع ذلك، وأفرد ~~الضمير باعتبار المعنى، كأنه قيل: يعرفون ما ذكرنا وقصصنا. # وقد تقدم إعراب هذه الجملة في " البقرة ". # قوله: " الذين خسروا " في محله أربعة أوجه: # أظهرها: أنه مبتدأ، وخبره الجملة من قوله: { فهم لا يؤمنون } ، ~~ودخلت " الفاء " لما تقدم من شبه الموصول بالشرط. # الثاني: أنه نعت للذين آتيناهم الكتاب. قاله الزجاج. # الثالث: أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هم الذين خسروا. # الرابع: أنه منصوب على الذم، وهذان الوجهان فرعان على النعت؛ ~~لأنهما مقطوعان عنه، وعلى الأقوال الثلاثة الأخيرة يكون { فهم لا ~~يؤمنون } من باب عطف جملة اسمية على مثلها، ويجوز أن يكون ~~عطفا على " خسروا " وفيه نظر من حيث إنه يؤدي إلى ترتب عدم ~~الإيمان على خسرانهم، والظاهر أن الخسران هو المترتب على عدم ~~الإيمان وعلى الوجه الأول يكون " الذين خسروا " أعم من أهل الكتاب ~~الجاحدين والمشركين، وعلى غيره يكون خاصا بأهل الكتاب، والتقدير: ~~الذين خسروا أنفسهم منهم، أي: من أهل الكتاب. # واستشكل على كونه نعتا الاستشهاد بهم على كفار قريش وغيرهم ~~من العرب، يعني كيف يستشهد بهم، ويذمون في آية واحدة؟ # فقيل: إن هذا سيق للذم لا للاستشهاد. # وقيل: بل سيق للاستشهاد، وإن كان في بعض الكلام ذم لهم، لأن ذلك ~~بوجهين واعتبارين. # قال ابن عطية: فصح ذلك لاختلاف ما استشهد بهم فيه، وما ذموا فيه، ~~وأن الذم والاستشهاد ليسا من جهة واحدة. # فصل في بيان المراد من ظاهر الآية # ظاهر هذه الآية الكريمة يقتضي أن يكون علمهم بنبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم علمهم بأبنائهم، وهنا سؤال- وهو أن يقال: المكتوب في ~~التوراة والإنجيل مجرد أنه سيخرج نبي في آخر الزمان يدعو ~~الخلق إلى الحق، أو المكتوب فيه هذا االمعنى مع ms3391 تعيين الزمان ~~والمكان والنسب والصفة والحلية والشكل، فإن كان الأول، ~~فذلك القدر لا يدل على أن ذلك الشخص هو محمد صلى الله ~~عليه وسلم فكيف يصح أن يقال: علمهم بنبوته مثل علمهم ببنوة ~~أبنائهم وإن كان الثاني وجب أن يكون [جميع] اليهود والنصارى ~~عالمين بالضرورة بأن محمدا صلى الله عليه وسلم نبي من عند ~~الله، والكذب على الجمع العظيم لا يجوز، ولأنا نعلم بالضرورة ~~أن التوراة والإنجيل ما كانا مشتملين على هذه التفاصيل ~~التامة الكاملة؛ لأن هذا التفصيل إما أن يقال: إنه كان ~~باقيا في التوراة والإنجيل، أو كان معدوما في وقت ظهوره، ~~لأجل أن التحريف قد تطرق إليهما قبل ذلك، والأول باطل؛ لأن ~~إخفاء مثل هذه التفاصيل التامة في كتاب وصل إلى أهل الشرق والغرب ~~ممتنع. # والثاني: أيضا باطل؛ لأن على هذا التقدير لم يكن يهود أهل ذلك ~~الزمان، ونصارى ذلك الزمان عالمين بنبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم علمهم بنبوة أنبيائهم، وحينئد يسقط هذا الكلام. # والجواب ان يقال: المراد ب " الذين آتيناهم الكتاب " اليهود ~~والنصارى، وهم كانوا أهلا للنظر والاستدلال، وكانوا قد شاهدوا ~~ظهور المعجزات على الرسول عليه الصلاة والسلام، فعرفوا بواسطة تلك ~~المعجزات كونه رسولا من عند الله تعالى، والمقصود بمعرفتهم هي ~~المعرفة من طريق النظر، والاستدلال من طريق النقل. # فصل في المراد بالخسران # قال المفسرون: معنى هذا الخسران أن الله - تبارك وتعالى - جعل لكل ~~آدمي منزلا في الجنة ومنزلا في النار، فإذا كان يوم القيامة ~~جعل الله تبارك وتعالى للمؤمنين منازل أهل النار في الجنة ولأهل ~~النار منازل أهل الجنة في النار وذلك هو الخسران. ### || [6.21] # لما بين خسران المنكرين في الآية الأولى بين في هذه الآية ~~الكريمة سبب ذلك الخسران وهو أمران. # أحدهما: الافتراء على الله كذبا، وهذا الافتراء يحتمل وجوها: # أحدها: أن كفار " مكة " المشرفة كانوا يقولون: هذه الأصنام شركاء ~~الله، الله أمرهم بعبادتها، وكانوا يقولون: الملائكة بنات الله. # وثانيها: أن اليهود والنصارى كانوا يقولون: حصل في التوراة ~~والإنجيل أن هاتين الشريعيتين لا يتطرق ms3392 إليهما النسخ ~~والتغيير. # وثالثها: ما حكاه تعالى عنهم بقوله: # وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليهآ آباءنا ~~والله أمرنا بها # [الأعراف:28]. # ورابعها: قول اليهود: # نحن أبناء الله وأحباؤه # [المائدة: 18] وقولهم: # لن تمسنا النار إلا أياما معدودة # [البقرة: 80] وقول جهالهم: # إن الله فقير ونحن أغنيآء # [آل عمران: 181] ونحوه. # الأمر الثاني من أسباب خسارتهم؛ تكذيبهم بآيات الله تعالى: وقدحهم ~~في معجزات محمد - عليه الصلاة والسلام - وإنكارهم كون القرآن العظيم ~~معجزة قاهرة منه، ثم إنه لما حكى عنهم سبب هذين الأمرين قال: { ~~إنه لا يفلح الظالمون } ، أي: الكافرون - أي لا يظفرون ~~بمطالبهم في الدنيا ولا في الآخرة. ### || [6.22] # قوله تعالى: { ويوم نحشرهم } # فيه خمسة أوجه: # أحدهما: أنه منصوب بفعل مضمر بعده، وهو على ظرفيته، أي: يوم ~~نحشرهم كان كيت وكيت، وحذف ليكون أبلغ في التخويف. # والثاني: أنه معطوف على ظرف محذوف، ذلك الظرف معمول لقوله: # لا يفلح الظالمون # [الأنعام:21] والتقدير: أنه لا يفلح الظالمون اليوم في الدنيا، ويوم ~~نحشرهم، قاله محمد ابن جرير. # الثالث: أنه منصوب بقوله: # انظر كيف كذبوا # [الأنعام:24] وفيه بعد لبعده من عامله بكثرة الفواصل. # الرابع: أنه مفعول به ب " اذكر " مقدرا. # الخامس: أنه مفعول به أيضا، وناصبه: احذروا أو اتقوا يوم ~~نحشرهم، كقوله: # واخشوا يوما # [لقمان:33] وهو كالذي قبله فلا يعد خامسا. # وقرأ الجمهور " نحشرهم " بنون العظمة، وكذا " ثم نقول " ، وقرأ حميد، ~~ويعقوب بياء الغيبة فيهما، وهو أنه تبارك وتعالى. # والجمهورعلى ضم الشين من " نحشرهم " ، وأبو هريرة بكسرها، وهما لغتان ~~في المضارع. # والضمير المنصوب في " نحشرهم " يعود على المفترين الكذب. # وقيل: على الناس كلهم، فيندرج هؤلاء فيهم، والتوبيخ مختص بهم. # وقيل: يعود على المشركين وأصنامهم، ويدل عليه قوله: # احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا ~~يعبدون # [الصافات:22]. # و " جميعا " حال من مفعول " نحشرهم " ، ويجوز أن يكون توكيدا عند ~~من أثبته من النحويين ك " أجمعين ". # وعطف هنا ب " ثم " للتراخي الحاصل بين الحشر والقول. # ومفعولا " تزعمون " محذوفان للعلم بهما، أي: تزعمونهم شركاء، أو تزعمون ~~أنهما شفعاؤكم. # وقوله: " ثم نقول للذين " إن جعلنا ms3393 الضمير في " نحشرهم " ~~عائدا على المفترين الكذب، كان ذلك من باب إقامة الظاهر مقام ~~المضمر، إذ الأصل: ثم نقول لهم، وإنما أظهر تنبيها على قبح ~~الشرك. # وقوله: { أين شركاؤكم }؟ سؤال تقريع وتوبيخ وتبكيت. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: " كل زعم في كتاب الله ~~فالمراد به الكذب ". ### || [6.23-24] # قرأ حمزة والكسائي: " يكن " بالياء من تحت، " فتنتهم " نصبا. # وابن كثير، وابن عامر، وحفص عن عاصم: " تكن " بالتاء من فوق، " ~~فتنتهم " رفعا. # والباقون بالتاء من فوق أيضا، " فتنتهم " نصبا. # فأما قراءة الأخوين فهي أفصح هذه القراءات لإجرائها على ~~القواعد من غير تأويل، ووجهها أن " فتنتهم " خبر مقدم، وإن ~~قالوا بتاويل اسم مؤخر. # والتقدير: " ثم لم تكن فتنتهم إلا قولهم ". وإنما كانت أفصح؛ ~~لأنه إذا اجتمع اسمان: أحدهما أعرف، فالأحسن جعله اسما ~~محدثا عنه، والآخر خبرا حديثا عنه. # و " أن قالوا " يشبه المضمر، والمضمر أعرف المعارف، وهذه القراءة جعل ~~الأعرف فيها اسما ل " كان " وغير الأعرف خبرها، ولم يؤنث الفعل ~~لإسناده إلى مذكر. # قال الواحدي: والاختيار قراءة من جعل " أن قالوا " الاسم ذوي الخبر؛ ~~لأنه إذا وصلت بالفعل لم توصف، فأشبهت بامتناع وصفها المضمر، ~~فكما أن المضمر، والمظهر إذا اجتمعا كان جعل المضمر اسما ~~أولى من جعله خبرا، تقول: كنت القائم. # وأما قراءة ابن كثير ومن معه ف " فتنتهم " اسمها، ولذلك أنث ~~الفعل لإسناده إلى مؤنث، و " إلا أن قالوا " خبرها، وفيه أنك ~~جعلت غير الأعرف اسما، والأعرف خبرا، فليست في قوة الأولى. # وأما قراءة الباقين ف " فتنتهم " خبر مقدم، و " إلا أن قالوا " ~~اسم مؤخر، وهذه القراءة وإن كان فيها جعل الأعرف اسما - ~~كالقراءة الأولى، إلا أن فيها لحاق علامة تأنيث في الفعل مع تذكير ~~الفاعل، ولكنه بتأويل. # فقيل: لأنه قوله: " إلا أن قالوا " في قوة مقالتهم. # وقيل: لأنه هو الفتنة في المعنى، وإذا أخبر عن الشيء بمؤنث ~~اكتسب تأنيثا،فعومل معاملته. # وجعل أبو علي منه # فله عشر أمثالها # [الأنعام:160] لما كانت الأمثال هي الحسنات في المعنى عومل ~~معاملة المؤنث، فسقطت " التاء " من ms3394 عدده، ومثل الآية قوله: ~~[الطويل] # 2124- ألم يك غدرا ما فعلتم بسمعل # وقد خاب من كانت سريرته الغدر # ف " كانت " مسند إلى " الغدر " وهو مذكر، لكن لما أخبر عنه ~~بمؤنث أنث فعله. # ومثله قول لبيد: [الكامل] # 2125- فمضى وقدمها وكانت عادة # منه إذا هي عردت إقدامها # قال أبو علي: فأنث الإقدام لما كان كالعادة في المعنى قال: وقد جاء ~~في الكلام: " ما جاءت حاجتك " فأنث ضمير " ما " حيث كانت كالحاجة ~~في المعنى، ولذلك نصب " حاجتك ". # وقال الزمخشري: " وإنما أنث " [أن] قالوا " لوقوع الخبر مؤنثا ~~كقولهم: من كانت أمك ". # قال أبو حيان: وكلام الزمخشري ملفق من كلام أبي علي، وأما " ~~من كانت أمك " فإنه حمل اسم " كان " على معنى " من " ، فإن لها ~~لفظا مفردا مذكرا، ولها معنى بحسب ما تريد من إفراد وتثنية ~~وجمع وتذكير وتأنيث، وليس الحمل على المعنى لمراعاة ~~الخبر، ألا ترى أنه يجيء حيث لا خبر، كقوله: # ومنهم من يستمعون إليك # [يونس:42]. # وقوله: [الطويل] # 2116-.............. # تكن مثل من يا ذئب يصطحبان # قال شهاب الدين - رحمه الله تعالى -: ليت شعري، ولأي معنى خص ~~الزمخشري بهذا الاعتراض، فإنه وارد على أبي علي أيضا؟ إذ لقائل ~~أن يقول: التأنيث في " جاءت " للحمل على معنى " ما " وإن لها هي ~~أيضا لفظا ومعنى مثل " من " ، على أنه يقال: للتأنيث علتان، ~~فذكر [إحداهما، ورجح] أبو عبيدة قراءة الأخوين بقراءة أبي، وابن ~~مسعود: " وما كان فتنتهم إلا أن قالوا " فلم يلحق الفعل علامة ~~تأنيث، ورجحها غيره بإجماعهم على نصب " حجتهم " من قوله تبارك ~~وتعالى: # ما كان حجتهم إلا أن قالوا # [الجاثية:25]. # وقرئ شاذا " ثم لم يكن فتنتهم إلا أنه قالوا " بتذكير " يكن " ، ورفع ~~" فتنتهم ". # ووجه شذوذها سقوط علامة التأنيث، والفاعل مؤنث لفظا، وإن كان ~~غير حقيقي، وجعل غير الأعرف اسما، والأعرف خبرا، فهي خبرا، ~~فهي عكس القراءة الأولى، من الطرفين، و " أن قالوا " مما يجب ~~تأخيره لحصره سواء أجعل اسما أم خبرا. # فصل في معنى الفتنة في الآية # معنى قوله: " فتنتهم " ، أي: قولهم وجوابهم. # وقال ابن عباس، وقتادة: ms3395 معذرتهم، والفتنة التجربة، فلما ~~كان سؤالهم تجربة لإظهار ما في قلوبهم قيل: فتنة. # فصل في بيان لطيفة في الآية # قال الزجاج - رحمه الله - " لم تكن فتنتهم " معنى لطيف، وذلك ~~لأن الله - تبارك وتعالى - بين أن المشركين مفتونون ~~بشركهم متهالكين على حبه، فأعلم في هذه الآية الكريمة أنه لم ~~يكن افتتانهم بشركهم، وإقامتهم عليه إلا أن تبرأوا عنه ~~وتباعدوا، فحلفوا أنهم ما كانوا مشركين، ومثاله أن ترى إنسانا ما ~~يحب طريقة مذمومة، فإذا وقع في فتنة بسببه تبرأ منه، فيقال ~~له: " ما كانت محبتك لفلان إلا أن فررت منه " ، فالمراد بالفتنة ~~هنا افتتانهم بالأوثان، ويتأكد بما روى عطاء عن ابن عباس أنه ~~قال: " لم تكن فتنتهم " معناه: شركهم في الدنيا، وهذا القول راجع إلى ~~حذف المضاف؛ لأن المعنى ثم لم تكن عاقبة أمرهم فتنتهم إلا ~~البراءة. # قوله: " والله ربنا " قرأ الأخوان: " ربنا " نصبا، والباقون ~~جرا. # ونصبه: إما على النداء، وإما على المدح، قاله ابن عطية - ~~رحمه الله - وإما على إضمار " أعني " ، قاله أبو البقاء، والتقدير: ~~يا ربنا. # وعلى كل تقدير فالجملة معترضة بين القسم وجوابه، وهو قوله { ما ~~كنا مشركين } وخفضه من ثلاثة أوجه: النعت، والبدل، وعطف البيان. # وقرأ عكرمة، وسلام بن مسكين: " والله ربنا " برفعهما على المبتدأ ~~والخبر. # قال ابن عطية: " وهذا على تقديم وتأخير، كأنهم قالوا: والله ما ~~كنا مشركين والله ربنا " يعني: أن ثم قسما مضمرا. # فصل في الكلام على الآية # ظاهر الآية الكريمة يقتضي أنهم حلفوا في القيامة أنهم ما كانوا ~~مشركين، وهذا يقتضي إقدامهم على الكذب يوم القيامة، وللناس فيه ~~قولان: # الأول: وهو قول أبي على الجبائي والقاضي -: أنه أهل القيامة لا يجوز ~~إقدامهم على الكذب واحتج عليه بوجوه: # الأول: أن أهل القيامة يعرفون الله بالاضطرار وأنهم لو عرفوه بالاستدلال ~~لصار موقف القيامة دار تكليف، وذلك باطل، وإذا كانوا عارفين بالله ~~على سبيل الاضطرار وجب أن يكونوا ملجئين إلى ألا يفعلوا القبيح، ~~وذلك يقتضي ألا يقدم أحد من أهل القيامة على الكذب، فإن قيل: لم لا ms3396 ~~يجوز أن يقال: إنهم أقدموا على فعل القبيح؛ لأنهم لما عاينوا ~~أهوال يوم القيامة اضطربت عقولهم، فقالوا هذا الكذب عند ~~اختلال عقولهم، أو يقال: إنهم نسوا كونهم مشركين في الدنيا؟ # فالجواب عن الأول: أنه لا يجوز أن يحشرهم ويوبخهم بقوله: # أين شركآؤكم الذين كنتم تزعمون # [الأنعام:22] ثم يحكي اعتذارهم مع أنهم غير عقلاء، هذا لا يليق بحكمة ~~الله تعالى. # وأيضا فلا بد وأن يكونوا عقلاء يوم القيامة ليعلموا أنهم فيما ~~يعاملهم الله به غير مظلومين. والجواب على الثاني: أن ~~نسيانهم لما كانوا عليه طول عمرهم في دار الدنيا مع كمال العقل ~~[بعيد]، وإنما يجوز أن ينسى اليسير من الأمور. # الوجه الثاني: أن هؤلاء الذين أقدموا على الكذب إما أن يقال: ~~إنهم عقلاء أو غيرعقلاء، فالثاني باطل، لأنه لا يليق بحكمة الله ~~تعالى أن يحكي كلام المجانين في معرض تمهيد العذر وإن كانوا عقلاء ~~يعلمون أن الله عالم أحوالهم مطلع على أفعالهم، ويعلمون ~~أن تجويز الكذب على الله - تعالى - محال، وأنهم لا يستفيدون بذلك ~~الكذب إلا زيادة المقت والغضب، وإذا كان كذلك امتنع إقدامهم في ~~مثل هذه الحالة على الكذب. # الوجه الثالث: أنهم لو كذبوا في موقف القيامة، ثم حلفوا على ~~ذلك الكذب لكانوا قد أقدموا على نوعين من القبيح، فإن قلنا: إنهم ~~يستحقون بذلك العقاب، صارت الدار الآخرة دار تكليف، وأجمعوا على ~~أن الأمر ليس كذلك. # وإن قلنا: إنهم لا يستحقون على ذلك الكذب، ولا على ذلك الحلف الكاذب ~~عقابا، فهذا يقتضي حصول الإذن من الله - تعالى - في ارتكاب ~~القبائح، وذلك باطل فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز إقدام أهل ~~القيامة على القبيح والكذب، وإذا ثبت هذا فيحمل قولهم: " والله ~~ربنا ما كنا مشركين " في اعتقادنا وظنوننا؛ لأن القوم يعتقدون ذلك. # فإن قيل: فعلى هذا التقدير يكونون صادقين في قولهم، فلماذا قال تبارك ~~وتعالى { انظر كيف كذبوا } فالجواب أنه ليس يجب من قوله: { ~~انظر كيف كذبوا } انهم كذبوا فيها تقدم ذكره من قولهم: { ~~والله ربنا ما كنا مشركين } ، بل يجوز ms3397 أن يكون المراد { ~~انظر كيف كذبوا على أنفسهم } في دار الدنيا في أمور ~~يخبرون عنها بأن ما هم عليه ليس بشرك، وأنهم على صواب ونحوه، ~~فالمقصود من قوله تعالى: { انظر كيف كذبوا على أنفسهم } ~~اختلاف الحالتين، وأنهم كانوا في دار الدنيا يكذبون، وأنهم في الآخرة ~~يتحرزون عن الكذب، ولكن حيث لا ينفعهم الصدق، فلتعلق أحد الأمرين ~~بالآخر، أظهر الله - تعالى - للرسول ذلك. # القول الثاني: قول جمهور المفسرين-: أن الكفار يكذبون في القيامة ~~واستدلوا بوجوه: # أحدهما: ما حكى الله - تعالى - عنهم أنهم يقولون: # ربنآ أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون # [المؤمنون:107] مع أنه - تعالى - أخبر عنهم بقوله: # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه # [الأنعام:28]. # وثانيها: قوله تبارك وتعالى: # يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما ~~يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا ~~إنهم هم الكاذبون # [المجادلة:18] بعد قوله تعالى: # ويحلفون على الكذب # [ المجادلة:14] فشبه كذبهم في الآخرة بكذبهم في الدينا. # وثالثها: ما حكاه - تعالى - عنهم: # قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما ~~أو بعض يوم # [الكهف:19]. # والجواب عما قاله الجبائي بان يحمل قولهم ما كانوا مشركين في ~~ظنونهم، هذا مخالف للظاهر، ثم قوله بعد ذلك: { انظر كيف ~~كذبوا } بأنه محمول على كذبهم في الدنيا يوجب تفكيك نظم ~~الآية، وصرف أول الآية إلى أحوال القيامة، وصرف آخرها إلى أحوال ~~الدنيا، وهو في غاية البعد. # وقولهم: كذبوا في حال كمال العقل، وحال نقصانه، فنقول: لا ~~يبعد أنهم حال ما عاينوا أهوال القيامة، وشاهدوا موجبات الخوف ~~الشديد أختلت عقولهم، فذكروا هذا الكلام. # قولهم: كيف يليق بحكمة الله - تعالى - أن يحكي عنهم ما ذكروه في ~~حال اضطراب العقول؟ # فالجواب: هذا يوجب الخوف الشديد وذلك في دار الدنيا وأما قولهم: إن ~~المكلفين لا بد وأن يكونوا عقلاء يوم القيامة فنقول: اختلال عقولهم ~~ساعة واحدة حال ما يتكلمون بهذا الكلام لا يمنع من كمال عقولهم في ~~سائر الأوقات. # قوله: { انظر كيف كذبوا } " كيف " منصوب على حد نصبها في ~~قوله: # كيف تكفرون بالله # [البقرة: 28] وقد تقدم. # و ms3398 " كيف " وما بعدها في محل نصب ب " انظر "؛ لأنها معلقة لها عن ~~العمل، و " كذبوا " وإن كان معناه مستقبلا، لأنه في يوم ~~القيامة، فهو لتحققه أبرزه في صورة الماضي. # وقوله: " وضل " يجوز أن يكون نسقا على " كذبوا " ، فيكون داخلا ~~في حيز النظر، ويجوز أن يكون استئناف إخبار، فلا يندرج في ~~حيز المنظور إليه. # قوله: ما كانوا " يجوز في " ما " أن تكون مصدرية، أي: وضل عنهم ~~افتراؤهم، وهو قول ابن عطية ويجوز أن تكون موصولة اسمية أي: وضل عنهم ~~الذي كانوا يفترونه، فعلى الأول يحتاج إلى ضمير عائد على " ما " عند ~~الجمهور، وعلى الثاني لا بد من ضمير عند الجميع. # ومعنى الآية: انظر كيف كذبوا على أنفسهم باعتذارهم بالباطل ~~وتبريهم عن الشرك. # و " ضل عنهم ": زال وذهب ما كانوا يفترون من الأصنام، وذلك أنهم ~~كانوا يرجون شفاعتها ونصرتها، فبطل ذلك كله. ### || [6.25] # قوله تعالى: { ومنهم من يستمع إليك } # راعى لفظ " من " فأفرد، ولو راعى المعنى لجمع، كقوله في موضع آخر: # ومنهم من يستمعون # [يونس:42]. # وقوله: { على قلوبهم أكنة أن يفقهوه } إلى آخره، حمل ~~على معناها قوله: " وجعلنا " " جعل " هنا يحتمل أن يكون للتصيير، ~~فيتعدى لاثنين، أولهما: " أكنه " والثاني: الجار قبله، فيتعلق ~~بمحذوف، أي: صيرنا الأكنة مستقرة على قلوبهم، ويحتمل أن يكون بمعنى ~~" خلق " ، فيتعدى لواحد، ويكون الجار قبله حالا فيتعلق بمحذوف؛ لأنه لو ~~تأخر لوقع صفة ل " أكنة ". # ويحتمل أن يكون بمعنى " ألقى " فتتعلق " على " بها, كقولك: " ألقيت ~~على زيد كذا " # وألقيت عليك محبة مني # [طه:39]. # وهذه الجملة تحتمل وجهين: # أظهرهما: أنها مستأنفة سيقت للإخبار بما تضمنته من الختم ~~على قلوبهم وسمعهم. # ويحتمل أن تكون في محل نصب على الحال, والتقدير ومنهم من يستمع في ~~حال كونه مجعولا على قلبه كنان، وفي أذنه وقر، فعلى الأول يكون قد ~~عطف جملة فعلية على اسمية، وعلى الثاني: تكون الواو للحال، و " قد " ~~مضمرة بعدها عند من يقدرها قبل الماضي الواقع حالا. # والأكنة: جمع " كنان " ، وهو الوعاء الجامع. # قال الشاعر: # 2127- إذا ما انتضوها في ms3399 الوغى من أكنة # حسبت بروق الغيث تأتي غيومها # وقال بعضهم: " الكن " - بالكسر - ما يحفظ فيه الشيء، ~~وبالفتح المصدر. يقال: كننته كنا، أي: جعلته في كن، وجمع على ~~" أكنان " قال تبارك وتعالى: # من الجبال أكنانا # [النحل:81]. # والكنان: الغطاء الساتر، والفعل من هذه المادة يستعمل ~~ثلاثيا ورباعيا، يقال: كننت الشيء، وأكننته كنا ~~وإكنانا، إلا أن الراغب فرق بين " فعل " و " أفعل " ، فقال: " ~~وخص كننت بما يستر من بيت، أو ثوب، أو غير ذلك من الأجسام " ، قال ~~تعالى: # كأنهن بيض مكنون # [الصافات:49] وأكننت بما يستر في النفس، قال تعالى: # أو أكننتم في أنفسكم # [البقرة:235]. # ويشهد لما قال قوله: # إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون # [الواقعة:77-78] وقوله تعالى: # ما تكن صدورهم # [القصص:69]. و " كنان " يجمع على " أكنة " في القلة ~~والكثرة لتضعيفه، وذلك أن فعالا وفعالا بفتح الفاء وكسرها ~~يجمع في القلة على " أفعلة " ك " أحمرة " و " أقذلة " ، ~~وفي الكثرة على فعل ك " حمر " ، و " قذل " ، إلا أن يكون ~~مضاعفا ك " بتات " و " كنان " ، أو معتل اللام ك " خباء " و " ~~قباء " ، فيلتزم جمعه على " أفعلة " ، ولا يجوز على " فعل " إلا في ~~قليل من الكلام كقولهم: " عنن " ، و " حجج " في جمع " عنان " و " ~~حجاج ". # قال القرطبي: والأكنة: الأغطية مثل: الأسنة والسنان، ~~والأعنة والعنان، كننت الشيء في كنة إذا صنته فيه، ~~وأكننت الشيء أخفيته، والكنانة معروفة، والكنة - بفتح ~~الكاف والنون - امرأة أبيك، ويقال: امرأة الابن أو الأخ لأنها في كنة. # قوله: " أن يفقهوه " في محل نصب على المفعول من أجله، ~~وفيه تأويلان سبقا. # أحدهما: كراهة أن يفقهوه، وهو رأي البصريين. # والثاني: حذف " لا " ، أي: أن لا يفقهوه، وهو رأي الكوفيين. # قوله: " وقرا " عطف على " أكنة " فينتصب انتصابه، أي: ~~وجعلنا في آذانهم وقرا و " في آذانهم " كقوله: " على قلوبهم ". # وقد تقدم أن " جعل " يحتمل معاني ثلاثة، فيكون هذا الجار ~~مبنيا عليها من كونه مفعولا ثانيا قدم، أو متعلقا بها نفسها ~~أو حالا. # والجمهور على فتح الواو من " وقرا ". # وقرأ طلحة بن مصرف بكسرها، والفرق بين " الوقر " و " الوقر ms3400 " ~~أن المفتوح هو الثقل في الأذن، يقال منه: وقرت أذنه يفتح ~~القاف وكسرها، والمضارع تقر وتوقر، بحسب الفعلين ك " تعد " و " ~~توجل ". # وحكى أبو زيد: أذن موقورة، وهو جار على القياس، ويكون فيه دليل ~~على أن " وقر " الثلاثي يكون متعديا، وسمع " أذن موقورة " ~~والفعل على هذا " أوقرت " رباعيا ك " أكرم ". # و " الوقر " - بالكسر - الحمل للحمار والبغل ونحوهما، كالوسق ~~للبعير. # قال تعالى: # فالحاملات وقرا # [الذاريات:2] فعلى هذا قراءة الجمهور واضحة، أي: وجعلنا في آذانهم، ~~ثقلا، أي: صمما. # وأما قراءة طلحة، فكأنه جعل آذانهم وقرت من الصمم كما توقر ~~الدابة بالحمل، والحاصل أن المادة تدل على الثقل ~~والررانة، ومنه الوقار للتؤدة، والسكينة، وقوله تعالى: { ~~وفي آذانهم وقرا } فيه الفصل بين حرف العطف وما عطفه ~~بالجار مع كون العاطف [على حرف واحد] وهي مسألة خلاف تقدم ~~تحقيقها في قوله: # أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها # [النساء:58]. # والظاهر: أن هذه الآية ونظائرها مثل قوله تعالى: # ربنآ آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة # [البقرة:201] ليس مما فصل فيه بين العاطف ومعطوفه كما تقدم. # فصل في بيان سبب نزول الآية # قال الكلبي عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: اجتمع أبو سفيان بن ~~حرب، وأبو جهل بن هشام، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث، ~~وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأمية وأبي ابنا خلف والحرث بن ~~عامر يستمعون القرآن العظيم، فقالوا للنضر: يا أبا قتيلة: ما يقول محمد؟ ~~قال ما أدري ما يقول إلا أنه يحرك لسانه وشفتيه ~~ويتكلم بأساطير الأولين مثل ما كنت أحدثكم عن القرون ~~الماضية، وكان النضر كثير الحديث عن القرون وأخبارها، فقال أبو ~~سفيان: أني لأرى بعض ما يقول حقا. # فقال أبو جهل: كلا، لا تقر بشيء من هذا، وفي رواية: للموت أهون ~~علينا من هذا، فأنزل الله تعالى: { ومنهم من يستمع إليك ~~} أي: إلى كلامك، { وجعلنا على قلوبهم أكنة } أغطية ~~جمع " كنان " ، كالأعنة جمع " عنان " { أن يفقهوه وفي ~~آذانهم وقرا } أي: صمما وثقلا. # فصل في بيان الدلالة من الآية # احتج أهل السنة بهذه الآية ms3401 الكريمة على أنه - تعالى - يصرف عن ~~الإيمان، ويمنع منه؛ لأنه - تعالى - جعل القلب في الكنان الذي ~~يمنعه عن الإيمان. # قالت المعتزلة: لا يمكن إجراء هذه الآية على ظاهرها لوجوه. # أحدها: أنه - تبارك وتعالى - وإنما أنزل القرآن العظيم حجة ~~للرسل على الكفار، لا ليكون حجة للكفار على الرسول صلى ~~الله عليه وسلم ولو كان المراد من هذه الآية الكريمة أنه - تعالى - منع ~~الكفار عن الإيمان، لكان لهم أن يقولوا للرسول عليه الصلاة ~~والسلام لما حكم بأنه منعنا من الإيمان فلم يذمنا على ترك ~~الإيمان ولم يدعونا إلى فعل الإيمان. # وثانيها: أنه تبارك وتعالى لو منعهم من الإيمان، ثم دعاهم إليه ~~لكان ذلك تكليفا للعاجز، وهو منفي بصريح العقل، وبقوله ~~تبارك وتعالى: # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # [البقرة:286]. # وثالثها: أنه - تعالى - حكى ذلك الكلام عن الكفار في معرض الذم، ~~فقال تعالى: # وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي ~~آذاننا وقر # [فصلت:5] وقال في آية أخرى: # وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم ~~فقليلا ما يؤمنون # [البقرة:88]. # وإذا كان قد حكى عنهم هذا المذهب في معرض الذم لهم امتنع أن يكون ~~ذكره هنا في معرض التقريع والتوبيخ، وإلا لزم التناقض. # ورابعها: أنه لا نزاع في أن القوم كانوا يفقهون، ~~ويسمعون، ويعقلون. # وخامسها: أن هذه الآية وردت في معرض الذم على ترك الإيمان، ~~وإذا كان هذا الصد، والمنع من قبل الله - تعالى - لما كانوا ~~مذمومين، بل كانوا معذورين. # وسادسها: أن قوله: { حتى إذا جآءوك يجادلونك } يدل ~~على أنهم كانوا يفقهون، ويميزون الحق من الباطل، وعند هذا فلا ~~بد من التأويل وهو من وجوه: # الأول: قال الجبائي: إن القوم كانوا يستمعون قراءة ~~الرسول عليه الصلاة والسلام، ليتوصلوا بسمامع قراءته إلى ~~معرفة مكانه باليل، فيقصدوا قتله وإيذاءه، فكان الله - ~~تبارك وتعالى - يلقي في قلوبهم النوم وهو المراد من الأكنة ويثقل ~~أسماعهم عن استماع تلك القراءة بسبب ذلك النوم، وهو المراد من ~~قوله: { وفي آذانهم وقرا }. # الثاني: أن الإنسان الذي علم الله - تعالى - منه أنه ms3402 لا يؤمن، وأنه ~~يموت على الكفر، فإنه - تبارك وتعالى - يسم قلبه بعلامة ~~مخصوصة يستدل الملائكة برؤيتها على أنهم لا يؤمنون، فلا ~~يبعد تلك العلامة بالكنان والغطاء المانع، وتلك العلامة في ~~نفسها ليست مانعة عن الإيمان. # الثالث: أنهم لما أصروا على الكفر، وصمموا عليه صار ~~عدولهم عن الإيمان، والحالة هذه كالكنان المانع عن الإيمان، فذكر ~~الله تبارك وتعالى الكنان كناية عن هذا المعنى. # الرابع: إنه تعالى لما منعهم الألطاف التي يفعل بمن اهتدى، فأخلاهم ~~منها، وفوض أمورهم إلى أنفسهم لسوء صنيعهم، لم يبعد أن يضيف ~~ذلك إلى نفسه بقوله: { وجعلنا على قلوبهم أكنة }. # الخامس: أن يكون الكلام ورد حكاية لما كانوا يذكرونه من قولهم: " ~~قلوبنا غلف " ، وقالوا: # قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا ~~وقر # [فصلت:5]. # فالجواب: أن العبد الذي أتى بالكفر إن لم يقدر على الإتيان ~~بالإيمان فقد صح قولنا: بأنه - تبارك وتعالى - هو الذي حمله على ~~الكفر [وصده عن الإيمان، وإن كان القادر على الكفر قادرا على ~~الإيمان فيمتنع صيرورة تلك القدرة مصدرا للكفر] دون الإيمان إلا ~~عند انضمام تلك الداعية، وقد تقدم أن مجموع القدرة مع ~~الداعي يوجب الفعل، فيكون الكفر على هذا التقدير من الله ~~تعالى، وتكون الداعية الجارة إلى الكفر كنانا للقلب عن الإيمان، ~~ووقرا للسمع عن استماع دلائل الإيمان، فإذا ثبت في الدليل ~~العقلي صحة ما دل عليه ظاهر الآية الكريمة وجب حملها ~~عليه عملا بالبرهان، وظاهر القرآن. # قوله: { وإن يروا كل آية } أي من المعجزات والدلالات ~~{ لا يؤمنوا بها } وهذا يدل على فساد تأويل الجبائي؛ ~~لأنه لو كان المراد بالأكنة إلقاء النوم على قلوب الكفار لئلا ~~يمكنهم التوصل بسماع صوته إلى وجدان مكانه، لما كان قوله: { وإن ~~يروا كل آية لا يؤمنوا بها } لائقا بذلك الكلام، ولوجب ~~أن يقال: وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يسمعوه؛ لأن المقصود الذي ذكره ~~الجبائي إنما يحصل بالمنع من سماع الصوت، أما المنع من ~~الفقه لكلامه فلا تعلق له بما ذكره الجبائي. # قوله: { حتى إذا جاءوك } قد تقدم ms3403 الكلام في " حتى " الداخلة ~~على " إذا " في أول " النساء ". # وقال: أبو البقاء - رحمه الله تعالى -: هنا " إذا " في موضع نصب ~~بجوابها، وهو " يقول " وليس ل " حتى " هنا عمل وإنما أفادت معنى ~~الغاية, كما لا تعمل في الجمل. # وقال الحوفي: " حتى " غاية و " يجادلونك " حال، " ويقول " جواب " ~~إذا " ، وهو العامل في " إذا ". # وقال الزمخشري: [هي] " حتى " التي تقع بعدها الجمل، والجملة قوله: { ~~إذا جاءوك يجادلونك يقول } ، و " يجادلونك " في موضع ~~الحال، ويجوز أن تكون الجارة، فيكون " إذا جاءوك " في محل الجر، ~~بمعنى " حتى " وقت مجيئهم، و " يجادلونك " حال،. # وقوله: { يقول الذين كفروا } تفسير له، والمعنى أنه بلغ ~~تكذيبهم الآيات إلى أنهم يجادلونك ويناكرونك. # وفسر مجادلتهم بأنهم يقولون: { إن هذآ إلا ~~أساطير الأولين } قال أبو حيان: " وقد وفق الحوفي، وأبو ~~البقاء، وغيرهما للصواب في ذلك " ثم ذكر عبارة أبي البقاء والحوفي، ~~وقال أيضا: و " حتى " إذا وقع بعدهما " إذا " ، يحتمل أن تكون بمعنى " ~~الفاء " ، ويحتمل أن تكون بمعنى " إلى أن " ، فيكون التقدير: فإذا ~~جاءوك يجادلونك يقول، أو يكون التقدير: وجعلنا على قلوبهم ~~أكنة، وكذا إلى أن قالوا: إن هذا إلا أساطير الأولين، وقد تقدم ~~أن " يجادلونك " حال من فاعل " جاءوك " ، و " يقول ": إما ~~جواب: " إذا " وإما مفسرة للمجيء، كما تقدم تقريره. # و " أساطير " فيه أقوال: # أحدها: أنه جمع لواحد مقدر، واختلف في ذلك المقدر، فقيل: ~~أسطورة، وقيل: أسطارة، وقيل أسطور، وقيل: أسطار، وقيل إسطيرة ~~وقال بعضهم: بل لفظ بهذه المفردات. # والثاني: أنه جمع جمع ف " أساطير " جمع " أسطار " ، و " أسطار " ~~جمع " سطر " بفتح الطاء، وأما " سطر " بسكونها فجمعه في ~~القلة على " أسطر " ، وفي الكثرة على " سطور " ك " فلس " و " ~~أفلس " و " فلوس ". # والثالث: أنه جمع جمع الجمع ف " أساطير " جمع " أسطار " ، و ~~" أسطار " جمع " أسطر " ، و " أسطر " جمع " سطر " وهذا مروي عن ~~الزجاج، وليس بشيء فإن " أسطار " ليس جمع " أسطر " ، بل هما ~~مثالا جمع قلة. # الرابع: أنه اسم جمع. # قال: ابن عطية: " هو اسم جمع لا واحد له من لفظه " وهذا ليس ms3404 بشيء؛ ~~لأن النحويين قد نصوا على أنه كان على صيغة تخص الجموع لم ~~يسموه اسم جمع، بل يقولون: هو جمع ك " عباديد " و " شماطيط " ، ~~فظاهر كلام الراغب - رحمه الله تعالى -: أن " أساطير " جمع " سطر " ~~بفتح الطاء، فإنه قال: وجمع " سطر " - يعين بالفتح - " أسطار " و " ~~أساطير ". # وقال المبرد - رحمه الله تعالى -: هي جمع " أسطورة " نحو: " ~~أرجوحة " و " أراجيح " و " أحدوثة " و " أحاديث ". # ومعنى " الأساطير ": الأحاديث الباطلة والترهات مما لا حقيقة ~~له. # وقال الواحدي - رحمه الله تعالى -: أصل " الأساطير " من " السطر " ~~وهو أن يجعل شيئا ممتدا مؤلفا، ومنه سطر الكتاب، وسطر من شجر ~~مفروش. # قال ابن السكيت: يقال سطر وسطر، فمن قال: " سطر " فجمعه في ~~القليل " أسطر " ، والتكثير " سطور " ، ومن قال: " سطر " فجمعه " ~~أسطار " ، و " الأساطير " جمع الجمع. # وقال الجبائي - رحمه الله تعالى -: واحد الأساطير " أسطور " و " ~~أسطورة " و " إسطيرة ". # قال جمهور المفسرين: أساطير الأولين ما سطره الأولون. # وقال ابن عباس: معناه أحاديث الأولين التي كانوا يسطرونها، أي: ~~يكتبونها. ### || [6.26] # قوله: { وهم ينهون عنه } في الضميرين- أعني " هم " وهاء " ~~عنه " - أوجه: # أحدها: أن المرفوع يعود لعى الكفار، والمجرور يعود على القرآن ~~الكريم، وهو أيضا الذي عاد عليه الضمير المنصوب من " يفقهوه ~~" ، والمشار إليه بقولهم: " إن هذا ". # والثاني: أن " هم " يعود على من تقدم ذكرهم من الكفار، وفي " ~~عنه " يعود على الرسول، وعلى هذا ففيه التفات من الخطاب إلى ~~الغيبة، فإن قوله: { جاءوك يجادلونك } خطاب للرسول عليه ~~الصلاة والسلام، فخرج من هذا الخطاب إلى الغيبة. # وقيل: يعود المرفوع على أبي طالب وأتباعه. # وفي قوله: " ينهون " و " ينأون " تجنيس التصريف، وهو ~~عبارة عن انفراد كل كلمة عن الأخرى بحرف ف " ينهون " انفردت بالهاء، ~~و " ينأون " بالهمزة، ومثله قوله تعالى: # وهم يحسبون أنهم يحسنون # [الكهف:104] # بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما ~~كنتم تمرحون # [غافر:75]. # وقوله عليه الصلاة والسلام: # " الخيل معقود في نواصيها الخير " # ، وبعضهم يسميه " تجنيس التحريف " وهو الفرق بين كلمتين بحرف ~~وأنشدوا في ذلك قول القائل: [الكامل] # 2128- إن لم أشن على ابن حرب ms3405 غارة # لم تخل يوما من نهاب نفوس # وذكر غيره أن " تجنيس التحريف " هو أن يكون الشكل، فرقا بين ~~كلمتين، وجعل منه " اللهى تفتح اللهى " وقد تقدم تحقيقه. # وقرأ الحسن " وينون " بإلقاء حركة الهمزة على النون وحذفها، وهو ~~تخفيف قياسي. # و " النأي ": البعد، قال: [الطويل] # 2129- إذا غير النأي المحبين لم يزل # رسيس الهوى من حب مية يبرح # وقال الآخر في ذلك، فأجاد، [الطويل] # 2130- ألا حبذا هند وأرض بها هند # وهند أتى من دونها الناي والبعد # عطف الشيء على نفسه للمغايرة اللفظية يقال: نأى زيد ينأى ~~نأيا، ويتعدى بالهمزة، فيقال: أنأيته، ولا يعدى بالتضعيف، ~~وكذا كل ما كان عينه همزة. # ونقل الواحدي أنه يقال: نأينه بمعنى نأيت عنه. # وأنشد المبرد:[الطويل] # 2131- أعاذل إن يصبح صداي بقفرة # بعيدا نآني صاحبي وقريبى # أي: نأى عني. # وحكى الليث: " نأيت الشيء " ، أي: أبعدته، وأنشد: [الطويل] # 2132- إذا ما التقينا سال من عبراتنا # شآبيب ينأى سيلها بالأصابع # فبناه للمفعول، أي: ينحى ويبعد. # والحاصل أن هذه المادة تدل على البعد، ومنه أتنأى أي: ~~أفعل النأي. والمنأى: الموضع البعيد. # قال النابغة: [الطويل] # 2133- فإنك كالموت الذي هو مدركي # وإن خلت أن المنتأى عنك واسع # و " تناءى " أي: تباعد، ومنه النؤي للحفيرة التي حول ~~الخباء لتبعد عنه الماء. # وقرئ: { وناء بجانبه } [فصلت:51] وهو مقلوب من " نأى " ، ~~ويدل على ذلك أن الأصل هو المصدر وهو " النأي " بتقديم ~~الهمزة على حرف العلة. # فصل في المراد بالآية وسبب نزولها # معنى الآية الكريمة أنهم ينهون الناس عن اتباع محمد صلى ~~الله عليه وسلم وينأون عنه، أي: يبتاعدون عنه بأنفسهم نزلت هذه الآية ~~في كفار " مكة " المشرفة، قال محمد بن الحنفية والسدي ~~والضحاك، وقال قتادة: ينهون عن القرآن، وعن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ويتباعدون عنه. # واعلم أن النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم محال فلا بد أن يكون ~~النهي عن فعل يتعلق به، فذكروا فيه قولين: # الأول: ينهون عن تدبر القرآن واستماعه، وعن التصديق بنبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم والإقرار برسالته. # الثاني: قال ابن عباس ms3406 - رضي الله عنه - ومقاتل: نزلت في أبي طالب كان ~~ينهى الناس عن أذى النبي صلى الله عليه وسلم ويمعنهم وينأى عن ~~الإيمان به أي: يبعد، حتى روي أنه اجتمع إليه رؤوس المشركين، وقالوا: ~~تخير من أصبحنا وجها وادفع إلينا محمدا، فقال أبو طالب: ~~ما أنصفتموني أدفع إليكم ولدي لتقتلوه وأربي ~~ولدكم. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم دعاه إلى الإيمان فقال: لولا أن ~~تعيرني قريش لأقررت بها عينك، ولكن أذب عنك ما حييت، وقال ~~فيه أبياتا: [الكامل] # 2134- والله لن يصلوا إليك بجمعهم # حتى أوسد في التراب دفينا # فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة # وابشر وقر بذاك منك عيونا # ودعوتني وعرفت أنك ناصحي # ولقد صدقت وكنت ثم أمينا # وعرضت دنيا قد علمت بأنه # من خير أديان البرية دينا # لولا الملامة أو حذار مسبة # لوجدتني سمحا بذاك مبينا # واعلم أن القول الأول أشبه لوجهين: # أحدهما: أن جميع الآيات المتقدمة في ذم طريقتهم، فلذلك كان ينبغي ~~أن يكون قولهم: " وهم ينهون عنه " محمولا على أمر مذموم، وإذا ~~حملناه على أن أبا طالب كان ينهى عن إيذائه لما حصل هذا النظم. # وثانيهما: قوله تبارك وتعالى بعد ذلك: { وإن يهلكون إلا ~~أنفسهم } يعني به ما تقدم ذكره، ولا يليق ذلك النهي عن أذيته, ~~لأن ذلك حسن لا يوجب الهلاك. # فإن قيل: إن قوله: { وإن يهلكون إلا أنفسهم } يرجع إلى ~~قوله: " ينأون عنه " لا قوله: " ينهون عنه "؛ لأن المراد بذلك ~~أنهم يبعدون عنه بمفارقة دينه وترك موافقته وذلك ذم. # فالجواب أن ظاهر قوله: { وإن يهلكون إلا أنفسهم } يرجع ~~إلى كل ما تقدم ذكره، كما يقال: " فلان يبعد عن الشيء الفلاني ~~وينفر عنه، ولا يضر بذلك إلا نفسه " ، فلا يكون هذا الضرر متعلقا ~~بأحد الأمرين دون الآخر. # قوله: " وإن يهلكون " " إن " نافية كالتي في قوله: # إن هذآ # [الأنعام:25] و " أنفسهم " مفعول، وهو استثناء مفرغ، ومفعول " ~~يشعرون " محذوف: إما اقتصارا، وإما اختصارا، أي: وما يشعرون أنهم ~~يهلكون أنفسهم بتماديهم في الكفر وغلوهم فيه، قاله ابن عباس. ### || [6.27] # لما ms3407 بين أنهم يهلكون أنفسهم شرح كيفية ذلك الهلاك ~~فقال: { ولو ترى إذ وقفوا على النار } ، وجواب " لو " ~~محذوف لفهم المعنى، والتقدير: " لرأيت شيئا عظيما وهولا مفظعا ~~". # وحذف الجواب كثير في التنزيل، وفي النظم كقوله تعالى: # ولو أن قرآنا # [الرعد:31]. # وقول الآخر [في ذلك:] [الطويل] # 2135- وجدك لو شيء أتانا رسوله # سواك ولكن لم نجد لك مدفعا # وقوله: [الطويل] # 2136- فلو أنها نفس تموت جميعة # ولكنها نفس تساقط أنفسا # وقول الآخر فأجاد: [الكامل] # 2137- كذب العواذل لو رأين مناخا # بحزيز رامة والمطي سوامي # وحذف الجواب أبلغ [قالوا:] لأن السامع تذهب نفسه كل مذهب، ~~ولو صرح له بالجواب وطن نفسه عليه فلم يحسن منه كثيرا، ولذلك قال ~~كثير في ذلك: [الطويل] # 2138-فقلت لها يا عز كل مصيبة # إذا وطنت يوما لها النفس ذلت # وقوله: " ترى " يجوز أن تكون بصرية، ومفعولها محذوف، أي: ولو ترى ~~حالهم، ويجوز أن تكون القلبية، [والمعنى:] ولو صرفت فكرك الصحيح ~~لأن تتدبر حالهم لازددت يقينا. # وفي " لو " [هذه] وجهان: # أظهرهما: أنها الامتناعية، فينصرف المضارع بعدها للمضي، ف " إذا ~~" باقية على أصلها من دلالتها على الزمن الماضي، وهذا وإن كان لم ~~يقع بعد؛ لأنه سيأتي يوم القيامة، إلا أنه أبرز في صورة الماضي ~~لتحقق الوعد. # والثاني: أنها بمعنى " إن " الشرطية، و " إن " هنا تكون بمعنى " ~~إذا " ، والذي حمل [هذا] القائل على ذلك كونه لم يقع بعد وقد تقدم ~~تأويله. # وقرأ الجمهور - رضي الله عنهم -: " وقفوا " مبنيا للمفعول من " وقف ~~" ثلاثيا [و " على " يحتمل أن تكون على بابها وهو الظاهر أي: حبسوا ~~عليها، أو عرضوا عليها، وقيل: يجوز] أن تكون بمعنى " في " ، أي في ~~النار، كقوله: " على ملك سليمان " ، أي: في ملك سليمان. # وقرأ ابن السميفع، وزيد بن علي: " وقفوا " مبينا للفاعل. # و " وقف " يتعدى ولا يتعدى, وفرقت العرب بينهما ~~بالمصدر، فمصدر اللازم على " فعول " ، ومصدر المتعدي على " ~~فعل " ولا يقال: أوقفت. # قال أبو عمرو بن العلاء: " لم أسمع شيئا في كلام العرب: " أوقفت ~~فلانا " ، إلا أني لو رأيت رجلا واقفا فقلت له: ms3408 " ما أوقفك ~~هاهنا " لكان عندي حسنا " وإنما قال كذلك؛ لأن تعدي الفعل ~~بالهمزة مقيس نحو: ضحك زيد وأضحكته أنا، ولكن سمع غيره في " وقف " ~~المتعدي أوقفته. # قال الراغب: " ومنه - يعني من لفظ وقفت القوم - استعير وقفت ~~الدابة إذا سبلتها " فجعل الوقف حقيقة في منع المشي، وفي ~~التسبيل مجازا على سبيل الاستعارة، وذلك أن الشيء ~~المسبل كأنه ممنوع من الحركة, والوقف لفظ مشترك بين ما تقدم ~~وبين سوار من عاج، ومنه: حمار موقف بأرساغه مثل الوقف من ~~البياض. # فصل في معنى الوقوف على النار # وقال الزجاج - رحمه الله تعالى -: ومعنى وقفوا على النار يحتمل ثلاثة ~~أوجه: # الأول: يجوز أن يكون قد وقفوا عندها وهم يعاينوها فهم موقوفون على أن ~~يدخلوا النار. # الثاني: يجوز أن يكون وقفوا عليها وهي تحتهم بمعنى أنهم وقفوا فوق ~~النار على الصراط، وهو جسر فوق جهنم " على النار ". # [الثالث:] معناه: أنهم عرفوا حقيقتها تعريفا من قولك: " وقفت ~~فلانا على كلام فلان " أي: علمته معناه وعرفته، وفيه الوجه ~~المتقدم، وهو أن يكون " على " بمعنى " في " ، والمعنى أنهم يكونون ~~غائصين في النار، وإنما صح على هذا التقدير أن يقول: وقفوا على ~~النار، لأن النار دركات وطبقات بعضها فوق بعض، فيصح هناك ~~معنى الاستعلاء. # قوله: " يا ليتنا " قد تقدم الكلام في " يا " المباشرة للحرف ~~والفعل. # وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن كثير، والكسائي " ولا نكذب " و " نكون ~~" برفعهما وبنصبهما حمزة، وحفص عن عاصم، وبرفع الأول ونصب الثاني ابن ~~عامر، وأبو بكر. # ونقل أبو حيان عن ابن عامر أنه نصب الفعلين، ثم قال بعد كلام ~~طويل: قال ابن عطية - رضي الله عنه -: وقرأ ابن عامر في رواية هشام بن ~~عمار عن أصحابه, عن ابن عامر: " ولا نكذب " بالرفع، و " نكون " ~~بالنصب، فأما قراءة الرفع فيهما، ففيها ثلاثة أوجه: # أحدها: أن الرفع فيهما على العطف على الفعل قبلهما، وهو " نرد ~~" ، ويكونون قد تمنوا ثلاثة أشياء: الرد إلى دار الدنيا، وعدم ~~تكذيبهم بآيات ربهم، وكونهم من المؤمنين. # والثاني: أن " الواو " واو الحال، والمضارع خبر ms3409 مبتدأ مضمر، ~~والجملة الاسمية في محل نصب على الحال من مرفوع " نرد ". # والتقدير: يا ليتنا نرد غير مكذبين وكائنين [من المؤمنين فيكون ~~تمني الرد مقيدا بهاتين الحالين، فيكون الفعلان] أيضا داخلين في ~~التمني. # وقد استشكل الناس هذهين الوجهين، بأن التمني إنشاء, ~~والإنشاء لا يدخله الصدق ولا الكذب، وإنما يدخلان في الأخبار، ~~وهذا قد دخله الكذب لقوله تعالى: # وإنهم لكاذبون # [الأنعام:28] وقد أجابوا عن ذلك بثلاثة أوجه: # أحدها: ذكره الزمخشري - قال: هذا تمن تضمن معنى العدة، فجاز أن ~~يدخله التكذيب كما يقول الرجل: " ليت الله يرزقني مالا ~~فأحسن إليك، وأكافئك على صنيعك " فهذا متمن في معنى ~~الواعد، فلو رزق مالا ولم يحسن إلى صاحبه، ولم يكافئه كذب، ~~وصح أن يقال له كاذب، كأنه قال: إن رزقني الله مالا أحسنت إليك. # والثاني: أن قوله تبارك وتعالى: # وإنهم لكاذبون # [الأنعام:28] ليس متعلقا بالمتمني، بل هو محض إخبار من الله تبارك ~~وتعالى، بأنهم ديدنهم الكذب وهجيراهم ذلك، فلم يدخل الكذب في ~~التمني، وهذان الجوابان واضحان، وثانيهما أوضح. # والثالث: أنا لا نسلم أن التمني لا يدخله الصدق ولا ~~الكذب، بل يدخلانه، وعزي ذلك إلى عيسى بن عمر، واحتج على ذلك بقول ~~الشاعر [حيث قال]: [الطويل] # 2139- منى إن تكن حقا تكن أحسن المنى # وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا # قال: " وإذا جاز أن توصف المنى بكونها حقا جاز أن توصف ~~بكونها باطلا وكذبا ". # وهذا الجواب ساقط جدا، فإن الذي وصف بالحق إنما هو المنى، و ~~" المنى ": جمع " منية " و " المنية " توصف بالصدق والكذب ~~مجازا؛ لأنها كأنها تعد النفس بوقوعها، فيقال لما وقع منها: ~~صادق، ولما لم يقع منها: كاذب، فالصدق والكذب إنما دخلا في ~~المنية لا في التمني. # والثالث من الأوجه المتقدمة: أن قوله: " ولا نكذب " خبر لمبتدأ ~~محذوف، والجملة استئنافية لا تعلق لها بما قبلها، وإنما عطفت ~~هاتان الجملتان الفعليتان على الجملة المشتملة على أداة التمني وما ~~في حيزها، فليست داخلة في التمني أصلا، وإنما أخبر الله - ~~تبارك وتعالى - عنهم أنهم أخبروا عن أنفسهم بأنهم ms3410 لا يكذبون بآيات ~~ربهم، وأنهم يكونون من المؤمنين، فتكون هذه الجملة وما عطف ~~عليها في محل نصب بالقول، كأن التقدير: فقالوا: يا ليتنا ~~نرد وقالوا: نحن لا نكذب ونكون من المؤمنين. # واختار سيبويه هذا الوجه وشبهه بقولهم: " دعني ولا أعود " ، ~~أي: وأنا لا أعود تركتني أو لم تتركني، أي: لا أعود على كل حال، ~~كذلك معنى الآية: أخبروا أنهم لا يكذبون بآيات ربهم، وأنهم ~~يكونون من المؤمنين على كل حال، ردوا أو لم يردوا. # وهذا الوجه وإن كان الناس قد ذكروه ورجحوه، وأختاره سيبويه - ~~رحمه الله - كما مر، فإن بعضهم استشكل عليه إشكالا، وهو: أن ~~الكذب لا يقع في الآخرة، فكيف وصفوا بأنهم كاذبون في الآخرة في ~~قولهم " ولانكذب ونكون "؟ # وقد أجيب عنه بوجهين: # أحدهما: أن قوله # وإنهم لكاذبون # [الأنعام:28] استيثاق لذمهم بالكذب، وأن ذلك شأنهم كما تقدم ~~ذلك آنفا. # والثاني: أنهم صمموا في تلك الحال على أنهم لو ردوا لما عادوا ~~إلى الكفر لما شاهدوا من الأهوال والعقوبات، فأخبر الله - ~~تعالى - أن قولهم في تلك الحال: " ولا نكذب " وإن كان عن اعتقاد ~~وتصميم يتغير على تقدير الرد، ووقوع العود، فيصير قولهم: " ولا ~~نكذب " كذبا، كما يقول اللص عند ألم العقوبة: " لا أعود " ويعتقد ~~ذلك ويصمم عليه، فإذا خلص وعاد كان كاذبا. # وقد أجاب مكي أيضا بجوابين: # أحدهما [قريب] مما تقدم، والثاني لغيره، فقال - أي لكاذبون في ~~الدنيا في تكذيبهم الرسل، فإنكارهم البعث للحال [التي] كانوا ~~عليها في الدنيا، وقد أجاز أبو عمرو وغيره وقوع التكذيب في ~~الآخرة، لأنهم ادعوا أنهم لو ردوا لم يكذبوا بآيات الله، فعلم ~~الله ما لا يكون لو كان كيف يكون، وأنهم لو ردوا لم يؤمنوا ولكذبوا ~~بآيات الله، فأكذبهم الله في دعواهم. # وأما نصبهما فبإضمار " أن " بعد الواو التي بمعنى " مع " ، ~~كقولك: " ليت لي مالا وأنفق منه " فالفعل منصوب بإضمار " أن " ، و " ~~أن " مصدرية ينسبك منها ومن الفعل بعدها مصدر، و " الواو " حرف ~~عطف، فيستدعي معطوفا عليه، وليس قبلها في الآية إلا فعل، فكيف ms3411 ~~يعطف اسم على فعل؟ فلا جرم أن نقدر مصدرا متوهما يعطف ~~هذا المصدر المنسبك من " أن " وما بعدها عليه، والتقدير: يا ليتنا ~~لنا رد، وانتفاء تكذيب بآيات ربنا وكون من المؤمنين أي: ليتنا لنا ~~رد مع هذين الشيئين، فيكون عدم التكذيب والكون من المؤمنين ~~متمنيين أيضا، فهذه ثلاثة أشياء أعني الرد وعدم التكذيب، ~~والكون من المؤمنين متمناة بقيد الاجتماع، لا أن كل واحد ~~متمني وحده؛ لما تقدم من أن هذه " الواو " شرط إضمار " أن ~~" بعدها: أن تصلح " مع " في مكانها، فالنصب يعين أحد ~~محتملاتها في قولك: " لا تأكل السمك وتشرب اللبن " وشبهه، ~~والإشكال المتقدم وهو إدخال التكذيب على التمني وراد هنا، وقد تقدم ~~جوابه إلا أن بعضه يتعذر هنا، وهو كون " لا نكذب، ونكون " ~~مستأنفين سيقا لمجرد الإخبار، فبقي: إما لكون التمني ~~دخله معنى الوعد، وإما أن قوله تبارك وتعالى: # وإنهم لكاذبون # [الأنعام:28] ليس راجعا إلى تمنيهم، وإما لأن التمني ~~يدخله التكذيب، وقد تقدم فساده. # وقال ابن الأنباري - رحمه الله -: " أكذبهم في معنى التمني، لأن ~~تمنيهم راجع إلى معنى: " نحن لا نكذب إذا رددنا " فغلب ~~عز وجل الكلام فأكذبهم، ولم يستعمل لفظ التمني ". وهذا الذي ~~قاله ابن الأنباري - رحمه الله تعالى - تقدم معناه بأوضح من هذا. # قال أبو حيان: وكثيرا ما يوجد في كتب النحو أن هذه " الواو " المنصوب ~~بعدها هو على جواب التمني، كما قال الزمخشري: وقرئ: " ولا نكذب، ~~ونكون " بالنصب بإضمار " أن " على جواب التمني، ومعناه إن رددنا لم ~~نكذب، ونكن من المؤمنين. # قال: وليس كما ذكر، فإن نصب الفعل بعد " الواو " ليس على جهة ~~الجواب؛ لأن " الواو " لا تقع جواب الشرط، فلا ينعقد مما ~~قبلها، ولا مما بعدها شرط وجواب، وإنما هي واو " مع " يعطف ما ~~بعدها على المصدر المتوهم قبلها، وهي واو العطف يتعين مع ~~النصب أحد محاملها الثلاثة: وهي المعية ويميزها من " ~~الفاء " تقدير " مع " موضعها، كما أن فاء الجواب إذا كان بعدها فعل ~~منصوب ميزها تقدير شرط قبلها أو حال مكانها وشبهة من قال: ms3412 ~~إنها جواب أنها تنصب في المواضع التي تنصب فيها " الفاء " ، فتوهم أنها ~~جواب. # وقال سيبويه - رحمه الله تعالى -: والواو تنصب ما بعدها في غير الواجب ~~من حيث انتصب ما بعد " الفاء " ، والواو والفاء معناهما مختلفان، ألا ~~ترى قوله: [الكامل] # 2140- لا تنه عن خلق وتأتي مثله # ........................ # لو دخلت " الفاء " هنا لأفسدت المعنى، وإنما أراد: لا تجمع النهي ~~والإتيان وتقول: " لا تأكل السمك وتشرب اللبن " لو أدخلت الفاء هنا ~~لفسد المعنى. # قال أبو حيان: ويوضح لك أنها ليست بجواب انفراد " الفاء " ~~دونها، فإنها إذا حذفت انجزم الفعل بعدها بما قبلها لما تضمنه ~~من معنى الشرط إلا في النفي، فإن ذلك لا يجوز. # قال شهاب الدين - رحمه الله تعالى -: قد سبق الزمخشري إلى هذه العبارة ~~أبو إسحاق الزجاج، قال أبو إسحاق: نصب على الجواب بالواو في ~~التمني كما تقول: " ليتك تصير إلينا ونكرمك ". # المعنى: ليت مصيرك يقع وإكرامنا، ويكون المعنى: " ليت ردنا وقع وأن ~~لا نكذب ". # وأما كون " الواو " ليست بمعنى " الفاء " فصحيح، على ذلك ~~جمهور النحاة، إلا أني رأيت أبا بكر بن الأنباري خرج ~~النصب على وجهين: # أحدهما: أن " الواو " بمعنى " الفاء ". # قال أبو بكر: في نصب " نكذب " وجهان: # أحدهما: أن " الواو " مبدلة من " الفاء " , والتقدير: يا يلتنا ~~نرد فلا نكذب ونكون، فتكون " الواو " هنا بمنزلة " الفاء " في ~~قوله: # لو أن لي كرة فأكون من المحسنين # [الزمر:58]. يؤكد هذا قراءة ابن مسعود، وابن أبي إسحاق " يا ليتنا ~~نرد فلا نكذب " بالفاء [منصوبا]. # والوجه الآخر: النصب على الصرف، ومعناه الحال، أي: يا ليتنا نرد ~~غير مكذبين. # أما قراءة ابن عامر - برفع الأول ونصب الثاني - فظاهرة بما تقدم؛ ~~لأن الأول يرتفع على حد ما تقدم من التأويلات، وكذلك نصب الثاني يتخرج ~~على ما تقدم ويكون قد أدخل عدم التكذيب في التمني أو إستأنفه، ~~إلا أن المنصوب يحتمل أن يكون من تمام قوله: " نرد " أي: ~~تمنوا الرد مع كونهم من المؤمنين، وهذا ظاهر إذا جعلنا: " ولا ~~نكذب " معطوفا على " نرد " أو حالا منه. # وأما إذا ms3413 جعلنا " ولا نكذب " مستأنفا، فيجوز ذلك أيضا، ولكن على ~~سبيل الاعتراض، ويحتمل أن يكون من تمام " ولا نكذب " أي: لا يكون ~~منا تكذيب مع كوننا من المؤمنين في التمني، أو أستأنفه ويكون قوله: " ~~ولا نكذب " حينئذ على حاله، أعني من احتماله العطف على " نرد ~~" أو الحالية، أو الاستئناف، ولا يخفى حينئذ دخول كونهم مع المؤمنين في ~~التمني وخروجه منه بما تقدم تقريره. # وقرئ شاذا عكس قراءة ابن عامر، بنصب " نكذب " ، ورفع " نكون " ~~، وتخريجها على ما تقدم إلا أنها يضعف فيها جعل " ونكون من ~~المؤمنين " حالا لكونه مضارعا مثبتا إلا بتأويل بعيد، كقوله: ~~[المتقارب] # 2141-.................. # نجوت وأرهنهم مالكا # أي: وأنا أرهنهم، وقولهم: " قمت وأصك عينه " ، ويدل على ~~حذف هذا المبتدأ قراءة أبي: " ونحن نكون من المؤمنين ". # فصل في تحرير معنى الرد # معنى الآية الكريمة: أنهم تمنوا الرد إلى حالة التكليف، لأن ~~لفظ " الرد " إذا استعمل في المستقبل من حال إلى حال، ~~فالمعهود منه الرد إلى الحالة الأولى، فإن الظاهر من صدر عنه ~~تقصير, ثم عاين الشدائد والأهوال من ذلك التقصير أنه يتمنى ~~الرد إلى الحالة الأولى؛ ليسعى في إزالة جميع وجوه التقصيرات ومعلوم ~~أن الكفار قصروا في دار الدنيا, فهم يتمنون العود إلى ~~الدنيا لتدارك تلك التقصيرات، وذلك التدارك لا يحصل بالعود ~~إلى الدنيا فقط ولا بترك التكذيب فقط، ولا بعمل الإيمان، بل إنما ~~يحصل التدارك بمجموع هذه الأمور الثلاثة، فوجب إدخال هذه الثلاثة ~~تحت التمني. # فإن قيل: كيف يحسن تمني الرد مع أنهم يعلمون أن الرد لا يحصل ~~ألبتة؟ # والجواب من وجهين: # أحدهما: لعلهم [لم] يعلموا أن الرد لا يحصل [ألبتة]؟ # والثاني: أنهم وإن علموا أن ذلك لا يحصل إلا أن هذا العلم لا ~~يمنع من حصول إراة الرد، كقوله تبارك وتعالى: # يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين ~~منها # [المائدة:37] وقوله تعالى: # أن أفيضوا علينا من المآء أو مما رزقكم ~~الله # [الأعراف:50] فلما صح أن يريدوا هذه الأشياء مع العلم بأنها لا ~~تحصل، فبأن يتمنونه أقرب, لأن باب التمني ms3414 أوسع. ### || [6.28] # " بل " هنا للانتقال من قصة إلى أخرى، وليست للإبطال، وعبارة ~~بعضهم توهم أن فيها إبطالا لكلام الكفرة، فإنه قال: " بل " ~~رد لما تمنوه أي: ليس الأمر على ما قالوه؛ لأنهم لم يقولوا ذلك ~~رغبة منهم في الإيمان، بل قالوه إشفاقا من العذاب وطمعا في ~~الرحمة. # قال أبو حيان: " ولا أدري ما هذا الكلام ". # قال شهاب الدين: ولا أدري ما وجه عدم الدراية منه؟ وهو كلام ~~صحيح في نفسه, فإنهم لما قالوا: ياليتنا كأنهم قالوا تمنينا، ~~ولكن هذا التمني ليس بصحيح، لأنهم إنما قالوه تقية، فقد يتمنى ~~الإنسان شيئا بلسانه، وقلبه فارغ منه. # وقال الزجاج - رحمه الله تعالى -: " بل " هنا استدراك وإيجاب نفي، ~~كقولهم: " ما قام زيد بل قام عمرو ". # وقال أبو حيان: " ولا أدري ما النفي الذي سبق حتى توجبه بل "؟ ~~قال شهاب الدين - رحمه الله تعالى -: الظاهر أن النفي الذي أراده ~~الزجاج هو الذي في قوله: " ولا نكذب بآيات ربنا " إذا جعلناه ~~مستأنفا على تقدير: ونحن لا نكذب، والمعنى: بل إنهم ~~مكذبون. # وفاعل " بدا " قوله: " ما كانوا " ، و " ما " يجوز أن تكون ~~موصولة اسمية وهو الظاهر، أي: ظهر لهم الذي كانوا يخفونه, ~~والعائد محذوف، ويجوز أن تكون مصدرية، أي: ظهر لهم إخفاؤهم، أي: ~~عاقبته، أو أطلق المصدر على اسم المفعول، وهو بعيد، والظاهر ~~أن الضميرين: أعني المجرور والمرفوع في قوله: { بدا لهم ما كانوا ~~يخفون } عائدان على شيء واحد, وهم الكفار أو اليهود والنصارى ~~خاصة. # وقيل: المجرور للأتباع والمرفوع للرؤساء، أي: بل بدا للأتباع ~~ما كان الوجهاء المتبوعون يخفونه. # فصل في معنى " يخفون " # واختلفوا في ذلك الذي أخفوه, فقال أبو روق: إن المشركين في بعض ~~مواقف القيامة يجحدون الشرك, فيقولون: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام:23] فينطق الله جوارحهم, فتشهد عليهم بالكفر، ~~فذلك حين بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل. # قال الواحدي: وعلى هذا القول أهل التفسير. # وقال المبرد: بدا لهم وبال عقائدهم وأعمالهم وسوء ~~عاقبتها. # وقال الزجاج: بدا للأتباع ما أخفاه الرؤساء عنهم من أمر ms3415 البعث ~~والنشور، قال: ويدل [على ذلك] أنه - تبارك وتعالى - ذكر عقيبه: ~~وقالوا # إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن ~~بمبعوثين # [المؤمنون:37] وهذا قول الحسن. # وقال بعضهم: هذا في المنافقين كانوا يسرون الكفر، ويظهرون ~~الإسلام، وبدا لهم يوم القيامة، وهو ما كانوا يخفون من قبل. # وقيل: بدا لهم ما كان علماؤهم يخفون من جحد نبوة الرسول عليه ~~الصلاة والسلام ونعته والبشارة به، وما كانوا يحرفون من ~~التوراة. # قوله: " ولو ردوا " قرأ الجمهور بضم الراء خالصا. # وقرأ الأعمش، ويحيى بن وثاب، وإبراهيم: " ردوا " بكسرها خالصا. # وقد مر أن الفعل المضاعف العين واللام يحوز في فائه إذا ~~بني للمفعول ثلاثة الأوجه المذكورة في " فاء " الثلاثي المعتل ~~العين إذا بني للمفعول، نحو: قيل وبيع، وقد تقدم [ذلك]. # وقال الشاعر: [الطويل] # 2142-وما حل من جهل حبا حلمائنا # ولا قائل المعروف فينا يعنف # بكسر الحاء. # قوله: " وإنهم لكاذبون " تقدم الكلام على هذه الجملة: هل هي ~~مستأنفة أو راجعة إلى قوله: " يا ليتنا نرد "؟. # فصل # والمعنى أنه - تبارك وتعالى - لو ردهم لم يحصل منهم ترك التكذيب ~~وفعل الإيمان، بل كانوا يستمرون على طريقتهم الأولى. # فإن قيل: إن أهل القيامة قد عرفوا الله بالضرورة [وشاهدو أنواع] ~~العقاب، فمع هذا الأهوال كيف [يمكن] أن يقال: إنهم يعودون إلى ~~الكفرش والمعصية. # فالجواب: قال القاضي: تقديره: ولو ردوا إلى حالة التكليف، وإنما ~~يحصل الرد [إلى] هذه الحالة، إذا لم يحصل في القيامة معرفة ~~الله بالضرورة، ولم يحصل هناك مشاهدة الأهوال وعذاب جهنم، ~~فهذا الشرط يكون مضمرا لا محالة. # وهذا الجواب ضعيف، لأن المقصود من الآية الكريمة بيان غلوهم في ~~الإصرار على الكفر، وعدم رغبتهم في الإيمان، فلو قدرنا عدم ~~معرفة الله في القيامة وعدم مشاهدة الأهوال لم يكون إصرارهم على ~~كفرهم الأول مزيد تعجب، وإذا لم يكن اعتبار هذا الشرط الذي ذكره ~~القاضي. # وقال الواحدي - رحمه الله تعالى -: هذه الآية الكريمة من أظهر ~~الدلائل على فساد قول المعتزلة؛ لأن الله - تبارك وتعالى - بين أنهم ~~لو شاهدوا النار والعذاب، ثم ms3416 سألوا الرجعة وردوا إلى الدنيا ~~لعادوا إلى الشرك، وذلك للقضاء السابق فيهم، وإلا فالعاقل لا ~~يرتاب فيما شاهد. # قال القرطبي: وقد عاين إبليس ما عاين من آيات الله تبارك وتعالى ثم ~~عاند. ### || [6.29] # قوله: { وقالوا } هل هذه الجملة معطوفة على جواب " لو " ~~والتقدير ولو ردوا لعادوا [ولقالوا]، أو هي مستأنفة ليس ~~داخلة في خبر، أو هي معطوفة على قوله: # وإنهم لكاذبون # [الأنعام:28] ثلاثة أوجه: # ذكر الزمخشري الوجهين الأول والأخير، فإنه قال: " وقالوا " عطف على " ~~لعادوا " ، أي لو ردوا لكفروا، ولقالوا: إن هي إلا حياتنا الدنيا، ~~كما كانوا يقولون قبل معاينة القيامة، ويجوز أن يعطف على قوله: " ~~وإنهم لكاذبون " [على معنى: وإنهم لقوم كاذبون] في كل شيء. # والوجه الأول منقول عن ابن زيد، إلا أن ابن عطية رده فقال: ~~وتوقيف الله - تعالى - لهم في الآية بعدها فيه دلالة على البعث ~~والإشارة إليه بقوله: " أليس هذا بالحق " يرد على هذا التأويل، وقد ~~يجاب عن هذا باختلاف حالين: فإن إقرارهم بالبعث حقيقة، إنما هو في ~~الآخرة، وإنكارهم ذلك إنما هو في الدنيا بتقدير عودهم إلى الدنيا، ~~فاعترافهم به في الدار الأخرة غير مناف لإنكارهم إياه في ~~الدينا. # قوله: { إن هي إلا حياتنا الدنيا } " إن " نافية، و " هي ~~" مبتدأ و " حياتنا " خبرها، ولم يكتفوا بمجرد الإخبار بذلك حتى ~~أبرزوها محصورة في نفي وإثبات، و " هي " ضمير مبهم يفسره خبره، ~~أي: ولا نعلم ما يراد به إلا بذكر خبره، وهو من الضمائر التي ~~يفسرها ما بعدها لفظا ورتبة وقد تقدم ذلك عند قوله: # فسواهن سبع سماوات # [البقرة:29] وكون هذا مما يفسره ما بعده لفظا ورتبة فيه نظر، إذ لقائل ~~أن يقول: " هي " تعود على شيء دل على سياق الكلام، كأنهم قالوا: إن ~~العادة المستمرة، أو إن حالتنا وما عهدنا إلا حياتنا الدنيا، ~~واستند هذا القائل إلى قول الزمخشري: " هذا ضمير لا يعلم ما ~~يراد به إلا بذكر ما بعده ". # ومثل الزمخشري بقول العرب " هي النفس تتحمل ما حملت ~~" و " هي العرب تقول ما شاءت ". وليس ms3417 فيما قاله الزمخشري دليل على أن ~~الخبر مفسر للضمير. # ويجوز أن يكون المعنى: إن الحياة إلا حياتنا الدنيا، فقوله " إلا ~~حياتنا الدنيا " دال على ما يفسر الضمير، وهو الحياة مطلقا، ~~فصدق عليه أنه لا يعلم ما يراد به إلا بذكر ما بعده من هذه ~~الحيثية لا من حيثية التفسير، ويدل على ما قلنا قول أبي البقاء ~~- رحمه الله تعالى -: هي كناية عن الحياة، ويجوز أن يكون ضمير ~~القصة. # قال شهاب الدين - رحمه الله تعالى -: أما أول كلامه فصحيح، وأما ~~آخره وهو قوله: " إن هي ضمير القصة " فليس بشيء؛ لأن ضمير القصة لا ~~يفسر إلا بجملة مصرح بجزأيها. # فإن قيل: الكوفي يجوز تفسيره بالمفرد، فيكون نحا نحوهم؟ # فالجواب أن الكوفي إنما يجوزه بمفرد عامل عمل الفعل، نحو: " ~~إنه قائم زيد " و " ظننته قائما زيد " لأنه في صورة الجملة إذ في ~~الكلام مسند ومسند إليه. # أما نحو " هو زيد " فلا يجيزه أحد، على أن يكون " هو " ضمير شأن لا ~~قصة، والدنيا صفة الحياة، وليست صفة مزيلة اشتراكا عارضا، يعني: ~~أن ثم حياة غير دنيا يقرون بها؛ لأنها لا يعرفون إلا هذه، فيه ~~صفة لمجرد التوكيد، كذا قيل، ويعنون بذلك أنها لا مفهوم لها، ~~وإلا قحقيقة التوكيد غير ظاهرة بخلاف # نفخة واحدة # [الحاقة:13]. # و " الباء " في قوله: " بمبعوثين " زائدة لتأكيد الخبر المفني، ويحتمل ~~مجرورها أن يكون منصوب المحل على أن " ما " هاهنا حجازية، أو ~~مرفوعة على أنها تميمية. ### || [6.30] # قوله تعالى: { ولو ترى إذ وقفوا على ربهم } الآية ~~الكريمة [الآية: 30] تمسك بعض المشبهة بهذه الآية، وقال ~~ظاهرها يدل على أن أهل القيامة يققون عند الله - تبارك وتعالى - ~~بالقرب منه، وذلك يدل على أنه تبارك وتعالى [بحيث يحضر في مكان ~~تارة، ويغيب عنه أخرى، وهذا خطاب؛ لأن ظاهر الآية يدل على أن الله تعالى] ~~يوقف عليه، كما يقف أحدنا على الأرض، وذلك كونه مستعليا على ذات ~~الله تعالى، وأنه باطل بالاتفاق، فوجب تأويله، وهو من وجهين: # الأول: أنه من باب الحذف، تقديره: على سؤال ms3418 ربهم أو ملك ربهم، ~~أو جزاء ربهم، أو على ما أخبرهم به من أمر الآخرة. # الثاني: أنه من باب المجاز؛ لأنه كناية عن الحبس للتوبيخ، كما ~~يوقف العبد بين يدي سيده ليعاتبه، ذكر ذلك الزمخشري، أو ~~يكون المراد بالوقوف المعرفة، كما يقول الرجل لغيره: " وقفت على ~~كلامك " أي: عرفته، ورجح الزمخشري المجاز على الحذف؛لأنه بدأ ~~بالمجاز، ثم قال: وقيل وقفوا على على حزاء ربهم وللناس خلاف في ترجيح ~~أحدهما على الآخر وفيه ثلاثة مذاهب: # أشهرها: ترجيح المجاز على الإضمار. # والثاني: عكسه. # والثالث: هاهنا سواء. # قوله: " قال: أليس " في هذه الجملة وجهان: # أحدهما: أنها استفهامية أي: جواب سؤال مقدر، قال الزمخشري: " ~~قال " مردود على قول قائل. # قال: ماذا قال لهم ربهم إذ أوقفوا عليه؟ فقيل: قال لهم: أليس هذا ~~بالحق. # والثاني: أن تكون الجملة حالية، وصاحب الحال " ربهم " كأنه قيل: ~~وقفوا عليه قائلا: أليس هذا بالحق؟ والمشار إليه قيل: هو ما ~~كانوا يكذبون به من البعث. # وقيل: هو العذاب يدل عليه " فذوقوا العذاب ". # وقوله: " بما كنتم " يجوز أن تكون " ما " موصولة اسمية، والتقدير: ~~تكفرونه، والأصل: تكفرون به، فاتصل الضمير بالفعل بعد حذف ~~الواسطة، ولا جائز أن يحذف، وهو مجرور بحاله، وإن كان مجرورا بحرف ~~جر بمثله الموصول لاختلاف المتعلق، وقد تقدم إيضاحه. # والأولى أن تجعل " ما " مصدرية، ويكون متعلق الكفر ~~محذوفا، والتقدير: بما كنتم تكفرون بالبعث، أو بالعذاب، أي: ~~بملاقاته, أي: بكفرهم بذلك. # فإن قيل: قد قال تبارك وتعالى: # ولا يكلمهم # [آل عمران: 77]، وها هنا قد قال [لهم]: " أليس هذا بالحق "؟ فما ~~وجه الجمع؟. # فالجواب: لا يكلمهم بالكلام الطيب النافع. # قال ابن عباس: هذا في موقف، وقولهم: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23] في موقف آخر، والقيامة مواقف، في موقف يقرون، وفي ~~موقف ينكرون. # قوله: { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } خص لفظ ~~الذوق، لأنهم في كل حال يجدونه وجدان الذائق. ### || [6.31] # قوله تعالى: { قد خسر الذين كذبوا بلقآء الله } ~~[الآية:31] وصف أحوال منكري البعث بأمرين: # أحدهما: حصول الخسران، أي: خسروا أنفسهم ms3419 بتكذيبهم المصير إلى ~~الله - تبارك وتعالى - بالبعث بعد الموت. # والثاني: حمل الأوزار العظيمة, فأما خسرانهم فهو حسرتهم على ~~تفريطهم وفوات الثواب وحصول العقاب. # قوله: { حتى إذا جآءتهم الساعة بغتة } في نصب " ~~بغتة " أربعة أوجه: # أحدها: أنها مصدر في موضع الحال من فاعل " جاءتهم " , أي: ~~مباغتة, وإما من مفعوله أي: مبغوتين. # الثاني: أنها مصدر على غير الصدر؛ لأن معنى " جاءتهم " ~~بغتتهم بغتة، فهو كقولهم: " أتيته ركضا ". # الثالث: أنها منصوبة بفعل محذوف من لفظها، أي: تبغتهم بغتة. # الرابع: بفعل [من غير لفظها، أي: أتتهم بغتة، والبغت والبغتة مفاجأة ~~الشيء بسرعة من] غير اعتداد به، ولا جعل بال منه حتى لو استشعر ~~الإنسان به، ثم جاء بسرعة من غير اعتداد به لا يقال فيه: بغتة، ~~وكذلك قول الشاعر في ذلك: [الطويل] # 2144- إذا بغتت أشياء قد كان قبلها # قديما فلا تعتدها بغتات # والألف واللام في " الساعة " للغلبة كالنجم والثريا؛ ~~لأنها غلبت على يوم القيامة، وسميت القيامة ساعة لسرعة الحساب ~~فيها على الباري تبارك وتعالى. # وقيل: لأن الساعة من الوقت الذي تقوم فيه القيامة؛ لأنها تفجأ ~~الناس في ساعة لا يعلمها [أحد] إلا الله تعالى. وقوله: " قالوا " ~~هو جواب " إذا ". # قوله: " يا حسرتنا " هذا مجاز؛ لأن الحسرة لا يتأتى منها ~~الإقبال، وإنما المعنى على المبالغة في شدة التحسر، ~~وكأنهم نادوا التحسر، وقالوا: إن كان لك وقت، فهذا أوان حضورك. # ومثله: " يا ويلتا " والمقصود التنبيه على خطأ المنادي، حيث ترك ما ~~أحوجه تركه إلى نداء هذه الأشياء. # قال سيبويه - رحمه الله -: فيكون المنادى هو نفس الحسرة، والمراد ~~بالحسرة الندامة. # قال الزجاج - رحمه الله تعالى -: هذا النداء ينبه الناس على ~~ما سيحصل لهم من الحسرة، والعرب تعبر عن تعظيم أمثال هذه الأمور ~~باللفظة كقوله تبارك وتعالى: # يحسرة على العباد # [يس:30] # يحسرتى على ما فرطت في جنب الله # [الزمر:56] # يويلتى ءألد # [هود:72] و # يأسفى # [يوسف:84] والمعنى: يا أيها الناس تنبهوا على ما وقع من ~~الأسف، فوقع النداء على غير المنادى في الحقيقة. # قوله: " على ما فرطنا " متعلق بالحسرة ms3420 و " ما " مصدرية، ~~أي: على تفريطنا، والضمير في " فيها " يجوز أن يعود على الساعة، ولا ~~بد من مضاف، أي في شأنها والإيمان بها، وأن يعود على الصفقة ~~المتضمنة في قوله: { قد خسر الذين } ، قاله الحسن، أو يعود على ~~الحياة الدنيا، وإن لم يجر لها ذكر لكونها معلومة، قاله ~~الزمخشري - رحمه الله تعالى -. # وقيل: يعود على منازلهم في الجنة إذا رأوها، وهو بعيد. # والتفريط: التقصير في الشيء مع القدرة على فعله. # وقال أبو عبيد هو التضييع. # وقال ابن بحر: وهو السبق ومنه الفارط، أي: السابق للقوم، فمعنى ~~فرط بالتشديد خلى السبق لغيره، فالتضعيف فيه للسلب، ك " ~~جلدت البعير " ومنه # فتهجد به نافلة لك # [الإسراء:79]. # فصل في تحرير معنى الخسران # اعلم أن [كلمة " حتى " ] غاية [لقوله: " كذبوا " ] لا لقوله: " قد ~~خسر " ، لأن خسرانهم لا غاية له، ومعنى " حتى " ها هنا أن ~~منتهى تكذيبهم الحسرة يوم القيامة والمعنى: أنهم كذبوا بالبعث ~~إلى أن ظهرت الساعة بغتة، فإن قيل: إنما يتحسرون عن موتهم. # فالجواب: بما كان الموت وقوعا في [أحوال الآخرة و] مقدماتها ~~جعل من جنس الساعة، وسمي باسمها، فلذلك قال عليه الصلاة ~~والسلام: # " من مات فقد قامت قيامته " # والمراد بالساعة: القيامة. # قوله: " وهم يحملون " " الواو " للحال، وصاحب الحال " الواو ~~" في " قالوا " أي: قالوا: يا حسرتنا في حالة حملهم ~~أوزارهم. # وصدرت هذه الجملة بصمير مبتدأ؛ ليكون ذكره مرتين فهو أبلغ. # والحمل هنا قيل: مجاز عن مقاساتهم العذاب الذي سببه ~~الأوزار. # [قال الزجاج: كما يقال: " ثقل علي كلام فلان " ] والمعنى: ~~كرهته. # وقيل: هو حقيقة وفي الحديث: # " إنه يمثل له عمله بصورة قبيحة منتنة ~~الريح فيحملها " # وهو قول قتادة، والسدي، وخص الظهر، لأنه يطيق [من الحمل] ~~ما لا يطيقه غيره من الأعضاء كالرأس والكاهل، وهذا كما تقدم في ~~قوله: # فلمسوه بأيديهم # [الأنعام:7] # فنبذوه ورآء ظهورهم # [آل عمران:187] لأن اليد أقوى في الإدراك اللمسي من غيرها. # والأوزار: جمع " وزر " ك " حمل " وأحمال وعدل وأعدال. # والوزر في الأصل الثقل، ومنه،: وزرته، أي: حملته شيئا ~~ثقيلا, ووزير الملك من ms3421 هذا؛ لأنه يتحمل أعباء ما قلده ~~الملك من مئونة رعيته وحشمته ومنه أوزار الحرب لسلاحها ~~وآلاتها، قال [القائل في ذلك]: [المتقارب] # 2145- وأعددت للحرب أوزارها # رماحا طوالا وخيلا ذكورا # وقيل: الأصل في ذلك الوزر بفتح الواو والزاي، وهو الملجأ الذي ~~يلتجأ إليه من الجبل، قال تعالى: # كلا لا وزر # [القيامة:11] ثم قيل للثقل: وزر تشبيها بالجبل، ثم ~~استعير الوزر إلى الذنب تشبيها به في ملاقاة ~~المشقة، والحاصل أن هذه المادة تدل على الرزانة ~~والعظمة. # قوله: { ألا ساء ما يزرون } " ساء " هنا تحتمل أوجها ثلاثة: # أحدها: أنها " ساء " المتصرفة المتعدية، ووزنها حينئذ " ~~فعل " بفتح العين، ومفعولها حينئذ محذوف، وفاعلها " ما ". # و " ما " تحتمل ثلاثة أوجه: # أن تكون موصولة اسمية، أو حرفية، أو نكرة موصوفة، وهو بعيد، [وعلى ~~جعلها اسمية أو نكرة موصوفة تقدر] لها عائدا، والحرفية غير محتاجة إليه ~~عند الجمهور. # والتقدير: ألا ساءهم الذي يزرونه، أو شيء يزرونه، أو وزرهم ~~[وبدأ ابن عطية بهذا الوجه؛ قال: كما تقول: ساءني هذا الأمر، والكلام خبر ~~مجرد كقوله: [البسيط] # 2146 - رضيت خطة خسف غير طائلة # فساء هذا رضى يا قيس عيلانا # قال أبو حيان: ولا يتعين أن تكون " ما " في البيت خبرا مجردا، بل ~~تحتمل الأوجه الثلاثة] وهو ظاهر. # الثاني: أن يكون للتعجب، فتنتقل من " فعل " بفتح العين [إلى] " فعل ~~" بضمها، فتعطى حكم فعل التعجب من عدم التصرف، والخروج من الخبر ~~المحض إلى الإنشاء إن قلنا: إن التعجب إنشاء، وهو الصحيح، والمعنى: ~~ما أسوأ، أي: أقبح الذي يزرونه، أو شيئا يزرونه، أو وزرهم. # الثالث: أنها بمعنى " بئس " فتكون للمبالغة في الذم فتعطى ~~أحكامها أيضا، ويجري الخلاف في " ما " الواقعة بعدها حسبما ذكر في # بئسما اشتروا # [البقرة: 90] وقد ظهر الفرق بين هذه الأوجه الثلاثة، فإنها في ~~الأول متعدية متصرفة، والكلام معها خبر محض، وفي الأخيرين ~~قاصرة جامدة إنشائية. # والفرق بين الوجهين الأخيرين أن التعجبية لا يشترط في فاعلها ~~ما يشترط في فاعل " بئس ". # وقال أبو حيان: والفرق بين هذا الوجه يعني كونها بمعنى " بئس " ، ~~والوجه ms3422 الذي قبله - يعني كونها تعجبية - أنه لا يشترط فيه ما ~~يشترط في فاعل " بئس " من الأحكام، ولا هو جملة منعقدة من مبتدأ وخبر، ~~[إنما هو منعقد من فعل أو فاعل انتهى، وظاهره لا يظهر إلا بتأويل، وهو ~~أن الذم لا بد فيه من مخصوص بالذم، وهو مبتدأ، والجملة الفعلية ~~قبله خبره فانعقد من هذه الجملة مبتدأ وخبر]. # إلا أن لقائل أن يقول: إنما يتأتى هذا على أحد الأعاريب في ~~[المخصوص] وعلى تقدير التسليم، فلا مدخل للمخصوص بالذم في ~~جملة الذم بالنسبة إلى كونها فعلية، فحينئذ لا يظهر فرق ~~بينها وبين التعجبية في أن كلا منهما منعقدة من فعل وفاعل. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: بئس الحمل حملوا ". ### || [6.32] # قوله عز وجل: { وما الحياة الدنيآ إلا لعب } يجوز أن ~~يكون من المبالغة جعل الحياة نفس اللعب واللهو كقول ~~[القائل]: [البسيط] # 2147-.................... # فإنما هي إقبال وإدبار # وهذا أحسن، ويجوز أن يكون في الكلام حذف، أي: وما أعمال الحياة. # وقال الحسن البصري: " وما أهل الحياة الدنيا إلا أهل لعب " ~~فقدر شيئين محذوفين. # واللهو: صرف النفس عن الجد إلى الهزل، ومنه لها ~~يلهو. # وأما لهي عن كذا فمعناه صرف نفسه، والمادة واحدة انقلبت ~~الواو ياء لانكسار ما قبلها، نحو: شقي ورضي. # وقال المهدوي: " الذي معناه الصرف لامه ياء، بدليل قولهم: " ~~لهيان " ، ولام الأول واو ". # قال أبو حيان: " وليس بشيء؛ لأن " الواو " في التثنية انقلبت ~~ياء، فليس أصلها الياء ألا ترى تثنية " شج ": " شجيان " وهو من ~~الشجو " انتهى. # يعني: أنهم يقولون في اسم فاعله: " له " ك " شج " والتثنية ~~مبنية على المفرد، وقد انقلبت في المفرد فلتنقلب في المثنى. # قال شهاب الدين: فلنا فيه بحث حسن أودعناه " التفسير الكبير " ~~ولله الحمد [قال: وبهذا] يظهر فساد رد المهدوي على الرماني، ~~فإن الرماني قال: " اللعب عمل يشغل النفس عما تنتفع ~~به، واللهو صرف النفس من الجد إلى الهزل، يقال: لهيت عنه، ~~أي صرفت نفسي عنه ". # قال المهدوي - رحمه الله -: " وفيه ضعف وبعد، لأن الذي فيه معنى ~~الصرف لامه ms3423 ياء، بدليل قولهم في التثنية لهيان " انتهى. # وقد تقدم فساد هذا الرد. # وقال الراغب: " اللهو ما يشغل الإنسان عما يعنيه ~~ويهمه، يقال: لهوت بكذا أو لهيت عن كذا: استغلت عنه ~~بلهو ". وهذا الذي ذكره الراغب هو الذي حمل المهدوي على ~~التفرقة بين المادتين. # [فصل في ذم الحياة الدنيا # اعلم أن منكري البعث تعظم رغبتهم في الدنيا، فنبه الله - ~~تعالى - في هذه الآية الكريمة على خساستها. # واعلم أن نفس هذه الحياة لا يمكن ذمها؛ لأن اكتساب السعادات الأخروية ~~لا تصح إلا فيها، فلهذا السبب حصل في تفسير الآية قولان: # الأول: قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: يريد حياة أهل الشرك ~~والنفاق؛ لأن حياة المؤمن يحصل فيها أعمال] صالحة. # والثاني: أنه عام في حياة المؤمن والكافر وإنما سماها باللعب ~~واللهو؛ لأن الإنسان حال اشتغاله باللعب واللهو، فإنه يلتذ ~~به، وعند انقضائه لا يبقى منه إلا الندامة, [فكذلك هذه الحياة ~~لا يبقى عند انقضائها إلا الندامة]، وفي تسمية هذه الحياة باللعب ~~واللهو وجوه: # أحدها: أن مدة اللعب واللهو قليلة سريعة الانقضاء، وكذلك ~~هذه الحياة الدنيا. # وثانيها: أن اللعب واللهو إنما يحصل عند الاغترار بظواهر ~~الأمور، وأما عند التأمل التام لا يبقى اللعب واللهو أصلا، ~~وكذلك فإن اللعب واللهو إنما يحصل للصبيان والجهال ~~والمغفلين. # وأما العقلاء والحصفاء فقلما يحصل لهم خوض في اللعب واللهو ~~وكذلك الالتذاد بطيبات الدنيا لا يحصل إلا للمغفلين الجهال ~~بحقائق الأمور. # وأما المحققون فإنهم يعلمون أن كل هذه الخيرات غرور وليس لها في نفس ~~الأمر حقيقة معتبرة. # قوله: " وللدار الآخرة " قرأ الجمهور بلامين، الأولى لام الابتداء، ~~والثانية للتعريف، وقرأوا " الآخرة " رفعا على أنها صفة ل " الدار ~~" و " خير " خبرها. # وقرأ ابن عامر: " ولدار " بلام واحدة هي لام الابتداء، و " الآخرة ~~" جر بالإضافة، وفي هذا القراءة تأويلان: # أحدهما: قول البصريين، وهو [أنه] من باب حذف الموصوف، وإقامة الصفة ~~مقامه، والتقدير: ولدار الساعة الآخرة، أو لدار الحياة ~~الآخرة، يدل عليه { وما الحياة الدنيا } ومثله قولهم: ~~حبة الحمقاء, ومسجد الجامع, وصلاة الأولى, ومكان ms3424 الغربي, ~~[التقدير: حبة البقلة الحمقاء، ومسجد المكان ~~الجامع، وصلاة الساعة الأولى، ومكان الجانب الغربي]. # وحسن ذلك أيضا في الآية الكريمة كون هذه الصفة جرت مجرى الجوامد ~~في إيلائها العوامل كثيرا، وكذلك كل ما جاء مما توهم فيه ~~إضافة الموصوف إلى صفته، وإنما احتاجوا إلى ذلك [كثيرا لئلا يلزم] ~~إضافة الشيء إلى نفسه وهو ممتنع؛ لأن الإضافة إما للتعريف، أو ~~للتخصيص، والشيء [لا يعرف نفسه] ولا يخصصها، وهذا مبني على ~~أن الصفة نفس الموصوف، وهو مشكل, لأنه لا يعقل تصور الموصوف ~~منفكا عن الصفة, ولو كانت الصفة عين الموصوف لكان [ذلك] ~~محالا. # والثاني - وهو قول الكوفيين - أنه إذا اختلف لفظ الموصوف وصفته ~~جازت إضافته إليها، وأوردوا ما قدمته من الأمثلة. # قال الفراء: هي إضافة الشيء إلى نفسه، كقولك: " بارحة الأولى " و ~~" يوم الخميس " و " حق اليقين " ، وإنما يجوز عند اختلاف ~~اللفظين وقراءة ابن عامر موافقة لمصحفه، فإنها رسمت في مصاحف ~~الشاميين بلام واحدة. # واختارها بعضهم لموافقتها لما أجمع عليه في " يوسف " # ولدار الآخرة خير # [يوسف:109]، وفي مصاحف غيرهم بلامين. و " خير " يجوز أن يكون ~~للتفضيل، وحذف المفضل عليه للعلم به، أي: خير من الحياة ~~الدنيا، ويجوز أن يكون لمجرد الوصف بالخيرية كقوله تعالى: # أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا # [الفرقان:24] و " للذين يتقون " متعلق بمحذوف؛ لأنه صفة ل " خير ~~" والذي ينبغي - [أو يتعين] - أن تكون " اللام " للبيان، أي: أعني ~~للذين، وكذا كل ما جاء من نحوه، نحو: # خير لك من الأولى # [الضحى:4]. # فصل في معنى الخيرية # ذكروا في وجه هذه الخيرية وجوها: # أحدها: أن خيرات الدينا [خسيسة وخيرات الآخرة شريفة وبيان ذلك من ~~وجوه: # الأول: أن خيرات الدنيا] ليس إلا قضاء الشهوتين، وهي في ~~نهاية الخساسة؛ لأن الحيوانات الخسيسة تشارك الإنسان فيها، بل ~~ربما [كان] أمر تلك الحيوانات فيها أكمل من أمر الإنسان، فالجمل ~~أكثر أكلا، والديك والعصفور أكثر وقاعا، والذئب أقوى على ~~الفساد والتمزيق، والعقرب أقوى على الإيذاء، ومما يدل ~~على خساستها أنها لو كانت شريفة لكان الإكثار منها يوجب زيادة ms3425 ~~الشرف فكان يجب أن يكون الإنسان الذي أذهب عمره في الوقاع والأكل ~~أشرف الناس وأعلاهم درجة، ومعلوم بالبديهة أنه ليس الأمر ~~كذلك، بل مثل هذا الإنسان يكون [ممقوتا] مستحقرا، يوصف بأنه ~~بهيمة أو كلب، أو أخس، وذلك لأن الناس لا يفتخرون بهذه ~~الأحوال، بل يخفونها، ولذلك عادة العقلاء عند الاشتغال بالوقاع ~~يختفون عن الناس، وأيضا فإن الناس إذا شتم بعضهم بعضا لا يذكرون ~~فيه إلا الألفاظ الدالة على الوقاع، وأيضا فإن هذه [اللذات] ~~سريعة الانقضاء والاستحالة، فثبت بهذه الوجود خساسة هذه ~~الملذات. # وأما السعادات الروحانية، فإنها سعادات عالية شريفة، باقية ~~مقدسة، ولذلك فإن جميع الخلق إذا تخيلوا في إنسان كثرة ~~العلم والدين وشدة الانقباض عن اللذات الجسمانية، فإنهم ~~بالطبع يجيبونه ويخدمونه، ويعدونه [أنفسهم] عبيدا لذلك الإنسان، ~~وأشقياء بالنسبة إليه، وذلك يدل عليه خساسة اللذات الجسمانية، ~~وكمال مرتبة اللذات الروحانية. # الأمر الثاني: في [بيان] أن خيرات الآخرة أفضل من خيرات ~~الدنيا، وهو أن يقال: هب أن هذين النوعين تشاركا في الفضل ~~إلا أن الوصول إلى الخيرات الموعودة في [غد القيامة معلوم قطعا، ~~وأما الوصول إلى الخيرات الموعودة في غد] الدنيا فغير معلوم، بل ولا ~~مظنون، فكم من سلطان قاهر في بكرة اليوم صار تحت التراب في ~~آخر ذلك [اليوم]. # الأمر الثالث: هب أنه وجد الإنسان بعد هذا اليوم يوما آخر في الدنيا ~~إلا أنه لا يدري هل يمكنه الانتفاع بما جمعه من الأموال ~~والطيبات واللذات أم لا؟. أما كل ما جمعه من السعادات، فإنه يعلم ~~قطعا أنه ينتفع به في الآخرة. # الأمر الرابع: هب أنه ينتفع بها إلا أن انتفاعه بخيرات الدنيا لا ~~يخلو عن شوائب المكروهات [والانتفاع بخيرات] الآخرة خال [عن] ~~شوائب المكروهات. # الأمر الخامس: هب أنه ينتفع بتلك الأموال والطيبات من غير شائبه ~~إلا أن ذلك الانتفاع [منقرض] ذاهب والمنافع المنقرضة تحزن ~~الإنسان لمفارقتها، وكلما كانت تلك المنافع أكمل وألذ، كانت [تلك] ~~الأحزان الحاصلة عن انقراضها وانقطاعها أقوى وأكمل. # فصل في المراد بقوله: " وللآخرة خير " # قال ابن عباس: المراد ms3426 بالآخرة الجنة، وأنها خير لمن اتقى الكفر ~~والمعاصي. # وقال الحسن: المراد نفس دار الآخرة خير. # وقال الأصم: التمسك بعمل الآخرة خير. # وقال آخرون: نعيم الآخرة خير من نعيم الدنيا للذين يتقون المعاصي ~~والكبائر، فأما الكافر والفاسق فلا [؛ لأن الدنيا] بالنسبة إليه ~~خير من الآخرة لقوله عليه السلام: # " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ". # قوله: { أفلا تعقلون } قد تقدم الكلام في مثل هذه الهمزة ~~الداخلة على " الفاء " وأختها " الواو " و " ثم ". # وقرأ ابن عامر - رضي الله عنه - ونافع وحفص عن عاصم: " تعقلون " ~~خطابا لمن كان بحضرته - عليه السلام - وفي زمانه. # والباقون بياء الغيبة ردا على ما تقدم من الأسماء الغائبة، ~~وحذف مفعول " تعقلون " للعلم به، أي: فلا تعقلون أن الأمر كما ~~ذكر فتزهدوا في الدنيا، أو أنها خير من الدنيا. ### || [6.33] # قوله تعالى: { قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون } ~~" قد " هنا حرف تحقيق. # وقال الزمخشري والتبريزي: " قد نعلم " بمعنى ربما التي تجيء لزيادة ~~الفعل وكثرته، نحو قوله: [الطويل] # 2148-.................. # [ولكنه] قد يهلك المال نائله # قال أبو حيان: وهذا القول غير مشهور للنحاة، وإن قال به بعضهم ~~مستدلا بقول [القائل]: [البسيط] # 2149- قد أترك القرن مصفرا أنامله # كأن أثوابه مجت بفرصاد # وقال الآخر في ذلك: [الطويل] # 2150- أخي ثقة لا تتلف الخمر ماله # ولكنه قد يهلك المال نائله # والذي يظهر أن التكثير لا يفهم من " قد " ، وإنما فهم من سياق الكلام؛ ~~إذ التمدح بقتل قرن واحد غير طائل، وعلى تقدير ذلك فو متعذر في ~~الآية؛ لآن علمه - تبارك وتعالى - لا يقبل التكثير. # قال شهاب الدين: قد يجاب عنه بأن التكثير في متعلقات العلم ~~لا في العلم، [ثم قال]: وقوله بمعنى " ربما " التي تجيء لزيادة ~~الفعل وكثرته المشهور أن " رب " للتقليل لا للتكثير، وزيادة " ~~ما " عليها لا يخرجها عن ذلك بل هي مهيئة لدخولها على الفعل، و " ~~ما " المهيئة لا تزيل الكلمة عن معناها الأصلي، كما لا تزيل " ~~لعل " ، عن الترجي، ولا " كأن " عن التشبيه، ولا " ليت " عن ~~التمني. # وقال ابن مالك: " قد " ك " ربما " في التقليل ms3427 والصرف إلى معنى ~~المضي، وتكون في حينئذ للتحقيق والتوكيد، نحو { قد نعلم ~~إنه ليحزنك } [الأنعام: 33] # وقد تعلمون أني رسول الله # [الصف:5]. # وقوله: [الطويل] # 2151- وقد تدرك الإنسان رحمة ربه # ولو كان تحت الأرض سبعين واديا # وقد تخلو من التقليل، وهي صارفة لمعنى المضي، نحو قوله: # قد نرى تقلب وجهك # [البقرة:144]. # وقال مكي: و " قد " هنا وشبهه تأتي لتأكيد الشيء، وإيجابه، وتصديقه، و " ~~نعلم " بمعنى علمنا. # وقد تقدم الكلام في هذه الحروف وأنها مترددة بين الحرفية ~~والاسمية. # وقال أبو حيان: هنا " قد " حرف توقع إذا دخلت على ~~مستقبل الزمان كان التوقع من المتكلم؛ كقولك: قد ينزل المطر ~~شهر كذا، وإذا كان ماضيا أو فعل حال بمعنى المضي كان ~~التوقع عند السامع. # وأما المتكلم فهو موجب ما أخبر به، وعبر هنا بالمضارع إذ ~~المراد الاتصاف بالعلم واستمراره، ولم يلحظ فيه ~~الزمان كقولهم: " هو يعطي ويمنع ". # " ليحزنك " ساد مسد المفعولين، فإنها معلقة عن العمل، ~~وكسرت لدخول " اللام " في حيزها، وتقدم الكلام في " ليحزنك ~~" ، وأنه قرئ بفتح الياء وضمها من " حزنه " و " أحزنه " ~~في آل عمران. # و " الذي يقولون " فاعل، وعائده محذوف، أي: الذي يقولونه ~~من نسبتهم له إلى ما لا يليق به، والضمير في " إنه " ضمير ~~الشأن والحديث والجملة بعده خبره مفسرة له، ولا يجوز في ~~هذا المضارع أن يقدر باسم فاعل رافع لفاعل كما يقدر في قولك: " ~~إن زيدا يقوم أبوه " لئلا يلزم تفسير ضمير الشأن بمفرد. # وقد تقدم أنه ممنوع عند البصريين. # فصل في سبب نزول الآية # قال السدي: التقى الأخنس بن شريق، وأبو جهل بن هشام، فسأله ~~الأخنس أبا جهل فقال: يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد أصادق هو أم ~~كاذب، فإنه ليس ها هنا أحد يسمع كلامك غيري؟. # فقال أبو جهل: والله إن محمدا لصادق، وما كذب قط، ولكن إذا ~~ذهبت بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والندوة، ~~والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش، فأنزل الله هذه الآية. # وقال ناجية بن كعب: قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم: ما ~~نتهمك ms3428 ولا نكذبك، ولكنا نكذب الذي جئت به، فأنزل الله ~~- تعالى - هذه الآية. # وقيل: إن الحارث بن عامر من قريش قال: يا محمد، والله إن ~~اتبعناك نتخطف من أرضنا، فنحن لا نؤمن بك لهذا ~~السبب. واعلم أن فرق الكفار كانوا كثيرين، فمنهم من ينكر ~~نبوته؛ لأنه ينكر أن يكون الرسول من البشر، وقد تقدم ~~شبهتهم، وأجاب الله عنها. # ومنهم من ينكر البعث، ويقول: إن محمدا يخبر بالحشر والنشر ~~بعد الموت، وذلك محال، فيطعن في رسالة محمد من هذا الوجه، وقد ~~ذكر الله شبههم في هذه السورة، وأجاب عنها. # ومنهم من كان يشافهه بالسفاهة وهو المذكور في هذه الآية. # واختلفوا في ذلك المحزن. # فقيل: كانوا يقولون: ساحر، وشاعر، وكاهن، ومجنون وهو قول الحسن. # وقيل: كانوا يصرحون بأنهم لا يؤمنون به. # وقيل: كانوا ينسبونه إلى الكذب. # قوله: " فإنهم لا يكذبونك ". # قرأ نافع، والكسائي " لا يكذبونك " مخففا من " أكذب ". # والباقون مثقلا من " كذب " وهي قراءة علي، وابن عباس. # واختلف الناس في ذلك، فقيل: هما بمعنى واحد، مثل: أكثر وكثر ~~وأنزل ونزل، وقيل: بينهما فرق. # قال الكسائي: العرب تقول: كذبت الرجل بالتشديد إذا نسب الكذب ~~إليه، وأكذبته إذا نسبت الكذب إلى ما جاء به دون أن تنسبه ~~إليه، ويقولون أيضا: أكذبت الرجل إذا وجدته كاذبا، ك " ~~أحمدته " إذا وجدته محمودا، فمعنى لا يكذبونك مخففا: لا ~~ينسبون الكذب إليك ولا يجدونك كاذبا وهو واضح. # وأما التشديد فيكون خبرا محضا عن عدم تكذيبهم إياه. # فإن قيل: هذا محال؛ لأن بعضهم قد وجد من تكذيب ضرورة. # فالجواب من وجوه: # الأول: أن وإن كان منسوبا إلى جميعهم أعني عدم التكذيب، فهو ~~إنما يراد بعضهم مجازا، كقولك: # كذبت قوم نوح # [الشعراء:105] # كذبت قوم لوط # [الشعراء:160] وإن كان فيهم من لم يكذبه، فهو عام يراد به الخاص. # والثاني: أنه نفي للتكذيب لانتفاء ما يترتب عليه من ~~المضار، فكأنه قيل: فإنهم لا يكذبونك تكذيبا يبالى به ويضرك؛ ~~لأنك لست بكاذب، فتكذيبهم كلا تكذيب، فهو من نفي السبب ~~لانتفاء مسببه. # وقال الزمخشري: والمعنى ms3429 أن تكذيبك أمر راجع إلى الله تعالى؛ لأنك ~~رسوله المصدق، فهم لا يكذبونك في الحقيقة، إنما يكذبون الله ~~بجحود آياته، فانته عن حزنك، كقول السيد لغلامه وقد ~~أهانه بعض الناس لم يهينوك وإنما أهانوني، فهو نظير قوله: # إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله # [الفتح:10]. # الثالث: أن القوم ما كانوا يكذبون به في السر كما تقدم في ~~سبب النزول، فيكون تقدير الآية: فإنهم لا يكذبونك بقلوبهم، بل ~~بظاهر قولهم. # ونظيره: قوله تعالى: # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم # [النمل:14] في قصة موسى عليه الصلاة والسلام. # الرابع: أنهم لا يقولون: أنت كذاب؛ لأنهم جربوك الدهر ~~الطويل وما وجدوا منك كذبا ألبته، وسموك بالأمين، وإنما ~~جحدوا صحة نبوتك؛ لأنهم اعتقدوا أن محمدا عرض له نوع ~~خبل ونقصان، فلأجله تخيل في نفسه كونه رسولا من عند الله ~~وبهذا التقدير لا ينسبونه إلى الكذب، بل هو أمين في كل الأمور ~~إلا في هذا الوجه الواحد. # الخامس: قال ابن الخطيب: المراد أنهم لا يخصونك بالتكذيب، بل ~~ينكرون دلالة المعجزة الظاهرة على الصدق مطلقا لقوله: { ولكن ~~الظالمين بآيات الله يجحدون }. # والمراد أنهم يقولون في كل معجزة: إنها سحر، فالتقدير: أنهم ~~لا يكذبونك على التعيين، بل القوم يكذبون جميع الأنبياء ~~والرسل. # قوله: " بآيات الله " يجوز في هذا الجار وجهان: # أحدهما: أنه متعلق ب " يجحدون " وهو الظاهر، وجوز أبو ~~البقاء أن يتعلق ب " الظالمين " قال: كقوله تعالى: # وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها # [الإسراء:59] وهذا الذي قال لي بجيد لأن " الباء " هناك سببية، ~~أي: ظلموا بسببها، و " الباء " هنا معناها التعدية، وهنا شيء يتعلق به ~~تعلقا واضحا، فلا ضرورة تدعوا إلى الخروج عنه، وفي هذه ~~الآية إقامة الظاهر مقام المضمر، إذا الأصل: " ولكنهم يجحدون ~~بآيات الله " ، ولكنه نبه على أن الظلم هو الحامل لهم على ~~الجحود. # والجحود والجحد نفي ما في القلب ثباته، وأو إثبات ما في ~~القلب نفيه. # وقيل: الجحد إنكار المعرفة، فليس مرادفا للنفي من كل وجه. ### || [6.34] # لما أزال الحزن عن قلب رسوله - عليه الصلاة والسلام - في الآية ms3430 ~~الأولى بأن بين أن تكذيبهم يجري مجرى تكذيب الله - تعالى - ذكر في ~~هذه الآية طريقا آخر في إزالة الحزن عن قلبه وذلك بأن بين أن ~~سائر الأمم عاملوا أنبياءهم بمثل هذه المعاملة، وأن أولئك صبروا على ~~تكذيبهم وإيذائهم حتى آتاهم الله النصر والفتح والظفر، فوجب أن ~~يقتدي بهم في هذه الطريقة. # قوله: " من قبلك " متعلق ب " كذبت ". # ومنع أبو البقاء يكون صفة ل " رسل "؛ لأنه زمان، والزمان لا ~~توصف به الجثث، وقد تقدم البحث في ذلك في " البقرة " ، وهنا ~~عند قوله: # وأنشأنا من بعدهم قرنا # [الأنعام:6]. # قوله: " وأوذوا " يجوز فيه أربعة أوجه: # أظهرها: أنه عطف على قوله: " كذبت " أي: كذبت الرسل، ~~وأوذوا, فصبروا على ذلك. # والثاني: أنه معطوف على " صبروا " أي: فصبروا وأوذوا. # والثالث، وهو بعيد: أن يكون معطوفا على " كذبوا " ، فيكون ~~داخلا في صلة الحرف المصدري، والتقدير فيه: فصبروا على ~~تكذيبهم وإيذائهم. # والرابع: أن يكون مستأنفا. # قال أبو البقاء: " ويجوز أن يكون الوقف ثم على قوله: " كذبوا " ~~، ثم استأنف فقال: وأوذوا ". # وقرأ الجمهور: " وأوذوا " بواو بعد الهمزة؛ [من " آذى " " يؤذي " ~~رباعيا. # وقرأ ابن عامر في رواية شاذة: " وأذوا " من غير واو بعد الهمزة] وهو ~~من " أذيت " الرجل ثلاثيا لا من " آذيت " رباعيا. # قوله: { حتى أتاهم نصرنا } الظاهر أن هذه الغاية متعلقة ~~بقوله: " فصبروا " ، أي: كان غاية صبرهم نصر الله إياهم، وإن ~~جعلنا " وأوذوا " عطفا عليه كانت غاية لهما؛ وهو أوضح وإن ~~جعلناه مستأنفا كانت غاية له فقط، وإن جعلناه معطوفا على " ~~كذبت " فتكون الغاية للثلاثة، و " النصر " مضافا لفاعله ومفعوله ~~محذوف، أي: نصرنا أتاهم، وفيه التفات من ضمير الغيبة إلى ~~ضمير المتكلم، إذ قبله " بآيات الله " ، فلو جاء على ذلك لقيل " نصره ~~". # وفائدة الالتفات إسناد النصر إلى ضمير المتكلم المشعر بالعظمة. # قوله: " ولا مبدل لكلمات الله " يعني أن وعد الله إياك ~~بالنصر حق وصدق لا يمكن تطرق الخلف والتبديل إليه، كقوله ~~تعالى: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم ~~لهم المنصورون # [الصافات:171، 172] وقوله: # كتب الله لأغلبن # [المجادلة:21] وهذه الآية تدل ms3431 على قول أهل السنة في خلق ~~الأفعال؛ لأن كل كا أخبر الله عن وقوعه، فذلك الخبر ممتنع ~~التغيير، وإذا امتنع تطرق التغيير إلى ذلك الخبر امتنع [تطرق ~~التغيير إلى المخبر عنه] فإذا أخبر الله عن بعضهم بأنه يموت على ~~الكفر كان ترك الكفر منه محالا، فكان تكليفه بالإيمان ~~تكليفا بما لا يطاق، والله أعلم. # قوله: { ولقد جآءك من نبإ المرسلين } أي: خبرهم في ~~القرآن كيف أنجيناهم ودمرنا قومهم. # وفي فاعل " جاء " وجهان: # أحدهما: هو مضمر، واختلفوا فيما يعود عليه هذا الضمير، فقال ابن ~~عطية الصواب عندي أن يقدر " جلاء " أو بيان ". # وقال الرماني: تقديره: " نبأ ". # وقال أبو حيان: " الذي يظهر لي أنه يعود على ما دل عليه المعنى ~~من الجملة السابقة، أي: ولقد جاءك هذا الخبر من تكذيب أتباع ~~الرسل للرسل، والصبر والإيذاء إلى أن نصروا ". # وعلى هذه الأقوال يكون " من نبأ المرسلين " في محل نصب على الحال ~~وعاملها هو " جاء "؛ لأنه عامل في صاحبها. # والثاني: أن " من نبأ " هو الفاعل. ذكر الفارسي، وهذا إنما يتمشى ~~له على رأي الأخفش؛ لأنه لا يشترط في زيادتها شيئا، وهذا - كما رأيت - ~~كلام موجب، والمجرور ب " من " معرفة. # وضعف أيضا من جهة المعنى بأنه لم يجئه كل نبأ للمرسلين؛ لقوله: # منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص ~~عليك # [غافر:78]، وزيادة " من " تؤدي إلى أنه جاءه جميع الأنباء؛ لأنه اسم ~~جنس مضاف، والأمر بخلافه. ولم يتعرض الزمخشري للفاعل إلا أنه قال: ~~" ولقد جاءك من نبأ المرسلين بعض أنبائهم وقصصهم " وهذا تفسير معنى لا ~~تفسير إعراب؛ إذ " من " لا تكون فاعلة، ولا يجوز أن يكون " من نبأ " ~~صفة لمحذوف هو الفاعل، أي: ولقد جاءك نبأ من نبأ المرسلين؛ لأن ~~الفاعل لا يحذف بحال إلا في مواضع ذكرت، كذا قالوا. # قال أبو البقاء: " ولا يجوز عند الجميع أن تكون " من " صفة لمحذوف، لأن ~~الفاعل لا يحذف، وحرف الجر إذا لم يكون زائدا لم يصح أن يكون ~~فاعلا؛ لأن حرف الجر يعدي كل فعل يعمل في ms3432 الفاعل من غير تعد ". # يعني بقوله: " لم يصح أن يكون فاعلا " لم يصح أن يكون المجرور بذلك ~~الحرف، وإلا فالحرف لا يكون فاعلا ألبتة. ### || [6.35] # قوله: { وإن كان كبر }: هذا شرط، جوابه " الفاء " الداخلة على ~~الشرط الثاني، وجواب الثاني محذوف، تقديره: فإن استطعت أن تبتغي ~~فافعل، ثم جعل الشرط الثاني وجوابه جوابا للشرط الأول، وقد ~~تقدم مثل ذلك في قوله: # فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا ~~خوف # [البقرة:38] إلا أن جواب الثاني هناك مظهر. # و " كان " في اسمها وجهان: # أحدهما: أنه " إعراضهم " ، و " كبر " جملة فعلية في محل نصب خبرا ~~مقدما على الاسم، وهي مسألة خلاف: هل يجوز تقديم خبر " كان " على ~~اسمها إذا كان فعلا رافعا لضمير مستتر أم لا؟ # وأما إذا كان خبرا للمبتدأ، فلا يجوز ألبتة لئلا يلتبس ~~بباب الفاعل، واللبس هنا مأمون. # ووجه المنع استصحاب الأصل، و " كبر " إذا قيل: إنه خبر " كان ~~" ، فهل يحتاج إلى إضمار " قد " أم لا؟ # والظاهر أنه لا يحتاج؛ لأنه كثر وقوع الماضي خبرا لها من غير ~~" قد " نظما ونثرا، وبعضهم يخص ذلك ب " كان " ويمنعه في غيرها من ~~أخواتها إلا ب " قد " ظاهرة أو مضمرة، ومن مجيء ذلك في خبر ~~أخواتها قول النابغة: [البسيط] # 2152- أمست خلاء وأمسى أهلها احتملوا # أخنى عليها الذي أخنى على لبد # والثاني: أن يكون اسمها ضمير الأمر والشأن، والجملة الفعلية مفسر ~~له في محل نصب على الخبر، فإعراضهم مرفوع ب " كبر " ، وفي ~~الوجه الأول ب " كان " ، ولا ضمير في " كبر " على الثاني، وفيه ~~ضميرعلى الأول، ومثل ذلك في جواز هذين الوجهين قوله تعالى: # ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه # [الأعراف:137] # وأنه كان يقول سفيهنا # [الجن:4]، ف " فرعون " يحتمل أن يكون اسما، وأن يكون فاعلا، وكذلك " ~~سفيهنا " ، ومثله أيضا قول امرئ القيس: [الطويل] # 2153- وإن تك قد ساءتك مني خليقة # فسلي ثيابي من ثيابك تنسل # ف " خليقة " يحتمل الأمرين، وإظهار " قد " هنا يرجح قول من ~~يشترطها، وهل يجوز في مثل هذا التركيب التنازع، وذلك أن كلا ms3433 من " ~~كان " وما بعدها من الأفعال المذكورة في هذه الأمثلة يطلب المرفوع من ~~جهة المعنى، وشروط الإعمال موجودة. # قال شهاب الدين: وكنت قديما سألت الشيخ - يعني أبا حيان - عن ذلك، ~~فأجاب بالمنع محتجا بأن شرط الإعمال ألا يكون أحد ~~المتنازعين مفتقرا إلى الآخر، وألا يكون من تمام معناه و " ~~كان " مفتقرة إلى خبرها، وهو من تمام معناها، وهذا الذي ذكره من ~~المنع، وترجيحه ظاهر، إلا أن النحويين لم يذكروه في شروط ~~الإعمال. # وقوله: " وإن كان كبر " مؤول بالاستقبال، وهو التبين ~~والظهور فهو كقوله: # إن كان قميصه قد من قبل # [يوسف:26] أي: إن تبين وظهر، وإلا فهذه الأفعال قد ~~وقعت وانقضت فكيف تقع شرطا؟ # وقد تقدم أن المبرد يبقي " كان " خاصة على مضيها في ~~المعنى مع أدوات الشرط، وليس بشيء. # وأما: " فإن استطعت " فهو مستقبل معنى؛ لأنه لم يقع، بخلاف كونه " ~~كبر عليه إعراضهم " ، وقد القميص، و " أن تبتغي " مفعول ~~الاستطاعة. # و " نفقا " مفعول الابتغاء. # والنفق: السرب النافد في الأرض، وأصله من جحرة اليربوع، ~~ومنه: النافقاء، والقاصعاء، وذلك أن اليربوع يحفر في الأرض ~~سربا ويجعل له بابين، وقيل: ثلاثة: النافقاء، والقاصعاء ~~والدابقاء، ثم يرق بالحفر ما تقارب وجه الأرض، فإذا نابه ~~أمر دفع تلك القشرة الرقيقة وخرج، وقد تقدم استيفاء هذه ~~المادة عند قوله: # ينفقون # [البقرة:3]، و # المنافقين # [النساء:61]. # وقوله " في الأرض " ظاهرة أنه متعلق بالفعل قبله، ويجوز أن يكون ~~صفة ل " نفقا " فيتعلق بمحذوف وهو صفة لمجرد التوكيد، إذ ~~النفق لا يكون إلا في الأرض. # وجوز أبو البقاء مع هذين الوجهين أن يكون حالا من فاعل " تبتغي " ، ~~أي: وأنت في الأرض. قال وكذلك في السماء. ويعني من جواز الأوجه الثلاثة، ~~وهذا الوجه الثالث ينبغي ألا يجوز لخلوه عن الفائدة. # والسلم: قيل المصعد، وقيل: الدرج، وقيل: السبب تقول ~~العرب: اتخذني سلما لحاجتك، أي: سببا. # قال كعب بن زهير: [الطويل] # 2154- ولا لكما منجى من الأرض فابغيا # بها نفقا أو السموات سلما # وهو مشتق من السلامة، قالوا: لأنه يسلم به إلى المصعد والسلم ms3434 ~~مذكر، وحكى الفراء تأنيثه. # قال بعضهم: ليس ذلك بالوضع، بل لأنه بمعنى المرقاة، كما أنث ~~بعضهم الصوت في قوله: [البسيط] # 2155-...................... # سائل بني أسد ما هذه الصوت # لما كان في معنى الصرخة. # فصل في نزول الآية # روى ابن عباس أن الحرث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف أتى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في محضر من قريش، فقالوا: يا محمد ائتنا بآية ~~من عند الله، كما كانت الآنبياء تفعل فإنا نصدق بك، فأبى أن يأتيهم بآية ~~من عند الله، كما كانت الأنبياء تفعل فإنا نصدق بك، فأبى الله أن يأتيهم ~~بآية، فأعرضوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فشق ذلك عليه، فنزلت ~~هذه الآ ية. # والمعنى: وإن عظم عليك إعراضهم عن الإيمان وشق ذلك عليك. ~~وكان - عليه الصلاة والسلام - يحرص على إيمان قومه أشد الحرص ~~وكانوا إذا سألوا آية أحب أن يريهم الله ذلك طمعا في إيمانهم، ~~فقال الله عز وجل: " فإن استطعت أن تبتغي " أي: تطلب وتتخذ ~~نفقا - سربا - في الأرض فتذهب فيه، أو سلما درجا ومصعدا ~~في السماء فتصعد فيه فتأتيهم بآية فافعل، ولو شاء الله لجمعهم ~~على الهدى فآمنوا كلهم، وهذا يدل على أنه - تعالى - لا يريد ~~الإيمان من الكافر، بل يريد إبقاءه على الكفر، وتقريره: أن قدرة ~~الكافر على الكفر إما أن تكون صالحة للإيمان، أو غير صالحة له، ~~فإن لم تكن صالحة له فالقدرة على الكفر مستلزمة للكفر ~~وغير صالحة للإيمان، وخالق هذه القدرة يكون قد أراد الكفر منه لا ~~محالة، وأما إن كانت هذه القدرة كما أنها صالحة للكفر، فهي ~~أيضا صالحة للإيمان، فيكون نسبة القدرة إلى الطرفين مستوية، فيمتنع ~~رجحان أحد الطرفين على الآخر إلا لداعية مرجحة، وحصول ~~تلك الداعية ليس من العبد، وإلا لزم التسلسل، فثبت أن خالق تلك ~~الداعية هو الله تعالى، وثبت أن مجموع القدرة مع الداعية الخالصة ~~ويجب الفعل، فثبت أن خالق مجموع تلك القدرة مع تلك الداعية المستلزمة ~~لذلك الكفر مريد لذلك الكفر وغير مريد لذلك ms3435 الإيمان. # قوله: { فلا تكونن من الجاهلين } # نهي له عن هذه الحالة وهو قوله: { ولو شآء الله لجمعهم ~~على الهدى } فإن من يكفر لسابق علم الله فيه، وهذا النهي لا ~~يقتضي إقدامه على مثل مثل هذه الحالة كقوله: # ولا تطع الكافرين والمنافقين # [الأحزاب:1] لا يدل على أنه - عليه الصلاة والسلام - أطاعهم وقبل ~~دينهم، والمقصود أنه لا ينبغي أن يشتد تحسرك على تكذيبهم، ولا ~~تجزع من إعراضهم عنك، فإنك لو فعلت ذلك قرب حالك من حال الجاهل، ~~والمقصود تبعيده عن مثل هذه الحالة. ### || [6.36] # اعلم أنه بين السبب في كونهم بحيث لا يقبلون الإيمان، ولا ~~يتركون الكفر فقال: { إنما يستجيب الذين يسمعون } ، ~~يعني: أن الذين تحرص على أن يصدقوك بمنزلة الموتى الذين لا ~~يسمعون، وإنما يستجيب من يسمع كقوله: # إنك لا تسمع الموتى # [النمل:80]. # وقال علي بن عيسى: الفرق بين " يستجيب " و " يجيب " أن " يستجيب ~~" فيه قبول لما دعي إليه، وليس كذلك " يجيب "؛ لأنه قد يجيب ~~بالمخالفة كقول القائل: أتوافق في هذا المذهب أم تخالف؟ فيقول ~~المجيب: أخالف. # قوله: { والموتى يبعثهم الله } فيه ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنها جملة من مبتدأ وخبر سيقت للإخبار بقدرته، وأن من ~~قدر على بعث الموتى يقدر على إحياء قلوب الكفرة بالإيمان، فلا ~~تتأسف على من كفر. # والثاني: أن الموتى منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر ~~بعده، ورجح هذا الوجه على الرفع بالابتداء لطعف جملة الاشتغال على جملة ~~فعلية قبلها، فهو نظير: # والظالمين أعد لهم عذابا أليما # [الإنسان:31] بعد قوله: # يدخل # [الإنسان:31]. # والثالث: أنه مرفوع على الموصول قبله، والمراد ب " الموتى " ~~الكفار أي: إنما يستجيب المؤمنون السامعون من أول وهلة، ~~والكافرون الذين يجيبهم الله - تعالى - بالإيمان ويوفقهم له، فالكافرون ~~يبعثهم الله ثم إليه يرجعون، وحينئذ يسمعون، وأما قبل ذلك فلا يسمعون ~~ألبتة، وعلى هذا فتكون الجملة من قوله: { يبعثهم الله } في ~~محل نصب على الحال، إلا أن هذا القول يبعده قوله تعالى: { ثم ~~إليه يرجعون } ، إلا أن يكون من ترشيح المجاز، وقد تقدم له ~~نظائر. # وقرئ " يرجعون " من " رجع ms3436 " اللازم. # اعلم أن الجسد الخالي [عن] الروح يظهر منه النتن والصديد، ~~وأصلح أحواله أن يدفن تحت التراب، والروح الخالية عن ~~العقل يكون صاحبها مجنونا يستوجب القيد والحبس، والعقل ~~بالنسبة إلى الروح كالروح بالنسبة إلى الجسد، والعقل بدون ~~معرفة الله وطاعته كالضائع الباطل، فنسبة التوحيد ~~والمعرفة إلى العقل كنسبة العقل إلى الروح، ونسبة الروح إلى ~~الجسد؛ فمعرفة الله ومحبته هي روح الروح، فالنفس ~~الخالية عن هذه المعرفة تكون كصفة الأموات، فلهذا السبب وصف ~~الكفار بأنهم موتى. ### || [6.37] # وهذا من شبهات منكري نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنهم ~~قالوا: لو كان رسولا من عند الله فهلا أنزل عليه آية ~~قاهرة. # روي أن بعض الملحدة طعن فقال: لو كان محمد قد أوتي بآية ~~معجزة لما صح أن يقول أولئك الكفار: لولا نزل عليه آية، ~~ولما قال: { قل إن الله قادر على أن ينزل آية }. # والجواب أن القرآن معجزة قاهرة وبينة باهرة؛ لأنه - عليه ~~الصلاة والسلام - تحداهم به فعجزوا عن معارضته، فدل ~~على كونه معجزا. # فإن قيل: فإذا كان الأمر كذلك، فكيف قالوا: { لولا نزل عليه آية من ~~ربه }. # فالجواب من وجوه: # الأول: لعل القوم طعنوا في كون القرآن معجزة على سبيل ~~اللجاج والعناد، وقالوا: إنه من جنس الكتب، والكتاب لا يكون من ~~جنس المعجزات كالتوراة والإنجيل والزبور، فلأجل هذه ~~الشبهة طلبوا المعجزة. # الثاني: أنهم طلبوا معجزات [قاهرة] من جنس معجزات سائر ~~الأنبياء مثل " فلق البحر " و " إظلال الجبل " و " إحياء الموتى ". # الثالث: أنهم طلبوا مزيد الآيات على سبيل التعنت واللجاج ~~مثل إنزال الملائكة، وإسقاط السماء كسفا. # الرابع: أن يكون المراد ما حكاه الله عن بعضهم في قوله: # وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من ~~عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا ~~بعذاب أليم # [الأنفال:32]. # ثم إنه - تعالى - أجابهم بقوله: { قل إن الله قادر على ~~أن ينزل آية } ، أي: أنه قادر على إيجاد ما طلبتموه، ~~وتحصيل ما اقترحتموه، ولكن أكثرهم لا يعلمون. # قوله: " من ربه " فيها وجهان: # أحدهما: أنها متعلقة ms3437 ب " نزل ". # والثاني: أنها متعلقة بمحذوف؛ لأنها صفة ل " آية " ، أي: آية ~~[كائنة] من ربه. # وتقدم الكلام على " لولا " وأنها تحضيضية. # فصل في المراد بالآية # معنى قوله تعالى: { ولكن أكثرهم لا يعلمون } ، أي: ~~ما عليهم في إنزالها، واختلفوا في تفسيرها على وجوه: # أحدها: أن يكون المراد أنه - تعالى - لما أنزل آية باهرة ومعجزة ~~قاهرة، وهي القرآن كان طلب الزيادة جار مجرى التحكم والتعنت ~~الباطل، وهو أنه سبحانه له الحكم والأمر، فإن شاء فعل، وإن شاء لم ~~يفعل؛ لأن فاعليته لا تكون إلا بحسب محض المشيئة على قول أهل ~~السنة، أو على وفق المصلحة على قول المعتزلة، وعلى التقديرين ~~فإنها لا تكون على وفق اقتراحات الناس ومطالباتهم، فإن شاء ~~أجابهم إليها، وإن شاء لم يجبهم. # الثاني: أنه لما ظهرت المعجزة القاهرة، والدلالة الكافية لم يبق ~~لهم عذر ولا علة، فبعد ذلك لو أجابهم الله - تعالى - إلى ~~اقتراحهم فلعلهم يقترحون اقتراحا ثانيا وثالثا ورابعا إلى ~~ما لا نهاية له، وذلك يفضي إلى ألا يستقر الدليل ولا تتم ~~الحجة، فوجب سد هذا الباب في أول الأمر والاكتفاء بما سبق من ~~المعجزة القاهرة. # الثالث: أنه - تعالى - لو أعطاهم ما طلبوا من المعجزات القاهرة ~~فلو لم يؤمنوا عند ظهورها لاستحقوا عذاب الاستئصال، فاقتضت ~~رحمته صونهم عن هذا البلاء، فما أعطاهم هذا المطلوب رحمة ~~منه - تعالى - لهم، وإن كانوا لا يعلمون كيفية هذه الرحمة. # الرابع: أنه - تعالى - علم منهم أن طلبهم هذه المعجزات لأجل ~~العناد لا لطلب فائدة، وعلم أنه - تعالى - لو أعطاهم مطلوبهم ~~لم يؤمنوا، فلهذا السبب ما أعطاهم؛ لأنه لا فائدة في ذلك. ### || [6.38] # قوله: { وما من دآبة }: " من " زائدة لوجود الشرطين، وهي مبتدأ، ~~و " إلا أمم " خبرها مع ما عطف عليها. # وقوله: " في الأرض " صفة ل " دابة " ، فيجوز لك أن تجعلها في محل ~~جر باعتبار اللفظ، وأن تجعلها في محل رفع باعتبار الموضع. # قوله: " ولا طائر " الجمهور على جره نسقا على لفظ " دابة ". # وقرأ ابن أبي عبلة برفعها نسقا على موضعها. # وقرأ ابن ms3438 عباس " ولا طير " من غير ألف، وقد تقدم الكلام فيه، هل هو ~~جمع أو اسم جمع؟ # وقوله: " يطير " في قراءة الجمهور يحتمل أن يكون في محل جر ~~باعتبار لفظه، ويحتمل أن يكون في محل رفع باعتبار موضعه. # وأما على قراءة ابن أبي عبلة، ففي محل رفع ليس إلا. # وفي قوله: " ولا طائر " ذكر خاص بعد عام؛ لأن الدابة تشتمل ~~على كل ما دب من طائر وغيره، فهو كقوله: # وملائكته ورسله وجبريل # [البقرة:98] وفيه نظر؛ إذ المقابلة هنا تنفي أن تكون الدابة تشمل ~~الطائر. # قوله: " بجناحيه " فيه قولان: # أحدهما: أن " الباء " متعلقة ب " يطير " ، وتكون " الباء " ~~للاستعانة. # والثاني: أن تتعلق بمحذوف على أنها حال، وهي حال مؤكدة كما يقال: " ~~نظرت عيني " ، وفيها رفع مجاز يتوهم؛ لأن الطيران يستعار ~~في السرعة قال: [البسيط] # 2156- قوم إذا الشر أبدى ناجذية لهم # طاروا إليه زرافات ووحدانا # ويطلق الطير على العمل، قال تعالى: # وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه # [الإسراء:13]. # وقوله: " إلا أمم " خبر المبتدأ، وجمع وإن لم يتقدمه إلا ~~شيئان؛ لأن المراد بهما الجنس. # و " أمثالكم " صفة ل " أمم " ، يعني أمثالهم في الأرزاق والآجال، ~~والموت والحياة، والحشر والنشر والاقتصاص لمظلومها من ظالمها. # وقيل: في معرفة الله وعبادته. # وقال مجاهد: أصناف مصنفة تعرف بأسمائها، يريد أن كل جنس من ~~الحيوان أمة: فالطير أمة، والدواب أمة, والسباع أمة, تعرف ~~بأسمائها مثل بني آدم يعرفون بأسمائهم، يقال: الإنس والناس، قال ~~عليه الصلاة والسلام: # " لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها ~~فاقتلوا منها كا أسود بهيم ". # وقيل: أمثالكم يفقه بعضهم عن بعض. # فصل في وجه النظم # وجه النظم أنه - تعالى - بين في الآية أنه لو كان إنزال سائر ~~المعجزات مصلحة لهم لفعلها إلا أنه لما لم يكن إظهارها ~~مصلحة للمكلفين لم يظهرها، وهذا الجواب إنما يتم إذا ثبت أنه ~~تعالى يراعي مصالح المكلفين، ويتفضل عليهم بذلك، فبين ذلك ~~وقرره بأن قال: { وما من دآبة في الأرض ولا طائر ~~يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم } في وصول فضل ~~الله - تعالى ms3439 - وعنايته, ورحمته, وإحسانه إليهم, وذلك كالأمر ~~المشاهد المحسوس, فإذا كانت آثار عنايته واصلة إلى جميع ~~الحيوانات، فلو كان إظهار هذه المعجزات مصلحة للمكلفين لفعلها ~~ولم يبخل بها؛ لأنه لم يبخل على شيء من الحيوانات بمصالحها ~~ومنافعها؛ يدل ذلك على أنه - تعالى - لم يظهر تلك المعجزات؛ ~~لأن إظهارها يخل بمصالح المكلفين. # وقال القاضي: إنه - تعالى - لما قدم ذكر الكفار وبين أنهم ~~يرجعون إلى الله، ويحشرون - بين أيضا بعده - بقوله: { وما من ~~دآبة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا ~~أمم أمثالكم } - في أنهم يحشرون، والمقصود بيان أن الحشر ~~والبعث كما هو حاصل في حقكم، كذلك هو حاصل في حق البهائم. # فصل في أسئلة على الآية والإجابة عنها # حصر الحيوان في هاتين الصفتين، وهما: إما أن يدب، وإما أن يطير. # وفي الآيات سؤالات: # الأول: من الحيوانات ما لا يدخل في هذين القسمين مثل حيتان ~~البحر، وسائر ما يسبح في الماء، ويعيش فيه. # والجواب لا بعد أن يوصف بأنها دابة، من حيث إنها تدب في ~~الماء؛ لأن سبحها في الماء كسبح الطير في الهواء، إلا أن ~~وصفها بالدب أقرب إلى اللغة من وصفها بالطيران. # السؤال الثاني: ما الفائدة في تقييد الدابة بكونها في الأرض؟ # والجواب من وجهين: # أحدهما: أنه خص ما في الأرض بالذكر دون ما في السماء ~~احتجاجا بالأظهر؛ لأن ما في السماء وإن كان مخلوقا مثلنا فغير ~~ظاهر. # والثاني: أن المقصود من ذكر هذا الكلام أن عناية الله لما كانت ~~حاصلة في هذه الحيوانات، فلو كان إظهار المعجزات القاهرة ~~مصلحة لما منع الله من إظهارها، وهذا المقصود إنما يتم ~~بذكر من كان أدون مرتبة من الإنسان، لا بذكر من كان أعلى ~~حالا منه، فلهذا المعنى قيد الدابة بكونها في الأرض. # السؤال الثالث: ما الفائدة في قوله: " يطير بجناحيه " مع أن كل ~~طائر فإنما يطير بجناحيه؟ # والجواب: ما تقدم من ذكر التوكيد أو رفع توهم المجاز. # وقيل: إنه - تعالى - [قال] في صفة الملائكة # رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في ~~الخلق ms3440 ما يشآء # [فاطر:1]، فذكر [هاهنا] قوله: " بجناحيه " ليخرج عنه الملائكة، ~~لما بينا أن المقصود من هذا لاكلام إنما يتم بذكر من كان أدون ~~حالا من الإنسان لا بذكر من كان أعلى منه. # السؤال الرابع: كيف قال: " إلا أمم " مع إفراد الدابة والطائر؟ # والجواب: ما تقدم من إرادة الجنس. # قوله: { ما فرطنا في الكتاب من شيء }: في المراد ب " ~~الكتاب " قولان: # الأول: المراد به اللوح المحفوظ، قال عليه الصلاة والسلام: # " جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة " # ، وعلى هذا فالعموم ظاهر، لأن الله - تعالى - أثبت ما كان وما يكون ~~فيه. # والثاني: المراد به القرآن؛ لأن الألف واللام إذا دخلا على الاسم ~~المفرد انصرف إلى المفهوم السابق، وهو في هذه الآية القرآن. # وعلى هذا فهل العموم باق؟ منهم من قال: نعم إن جميع الأشياء ~~مثبتة في القرآن إما بالصريح، وإما بالإيماء. # فإن قيل: كيف قال الله تعالى: { ما فرطنا في الكتاب من ~~شيء } مع أنه ليس فيه تفاصيل علم الطب وعلم الحساب، ولا ~~تفاصيل كثير من المباحث والعلوم، ولا تفاصيل مذاهب الناس، ~~ودلائلهم في علم الأصول والفروع؟ # والجواب أن قوله { ما فرطنا في الكتاب من شيء } يجب أن ~~يكون مخصوصا ببيان الأشياء التي يجب معرفتها والإحاطة ~~بها، واعلم أن علم الأصول موجود بتمامه في القرآن على أبلغ ~~الوجوه، وأما تفاصيل الأقاويل والمذاهب، فلا حاجة إليها. # وأما تفاصيل الفروع فالعلماء قالوا: إن القرآن دل على أن ~~الإجماع وخبر الواحد والقياس حجة في الشريعة، وإذا كان كذلك فكل ~~ما دل عليه أحد هذه الأصول الثلاثة كان ذلك في الحقيقة موجودا في ~~القرآن قال تعالى: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # [الحشر:7]. # وقال عليه الصلاة والسلام: # " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ~~". # وروي أن ابن مسعود كان يقول: " ما لي لا ألعن من لعنه ~~الله في كتابه " يعني: الواشمة والمستوشمة، ~~والواصلة والمستوصلة، وروي أن امرأة قرأت جميع القرآن ثم ~~أتته فقالت: يا ابن أم عبد، تلوت البارحة ما بين ~~الدفتين، فلم ms3441 أحد فيه لعن الواشمة، والمستوشمة، فقال: لو ~~تلوتيه لوجدتيه، قال تعالى: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # [الحشر:7]، وإن مما أتانا به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال: # " لعن الله الواشمة والمستوشمة ". # وقال ابن الخطيب: يمكن وجدان هذا المعنى في كتاب الله في قوله تعالى في ~~سورة " النساء " حين عدد قبائح الشيطان قال: # ولأمرنهم فليغيرن خلق الله # [النساء:119] فظاهر هذه الآية يقتضي أن تغيير الخلق يوجب ~~اللعن. # وذكر الواحدي أن الشافعي جلس في المسجد الحرام فقال: لا تسألوني عن ~~شيء إلا أجبتكم فيه من كتاب الله، فقال رجل: ما تقول في المحرم ~~إذا قتل الزنبور؟، فقال: لا شيء عليه، فقال: أين هذا في كتاب ~~الله؟، فقال: قال الله تعالى: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه # [الحشر:7]، ثم ذكر سندا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ~~" # ، ثم ذكر إسنادا إلى عمر أنه قال: " للمحرم قتل ~~الزنبور ". # قال الواحدي: فأجابه من كتاب الله مستنبطا بثلاث درجات، وقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم في حديث العسيف: # " والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله " # ثم قضى بالجلد والتغريب على العسيف، وبالرجم على المرأة إذا ~~اعترفت. # قال الواحدي: وليس للجلد والتغريب ذكر في نص الكتاب، وهذا ~~يدل على أن ما جاءكم به النبي صلى الله عليه وسلم فهو عين كتاب ~~الله. قال تعالى: # لتبين للناس ما نزل إليهم # [النحل: 44]، وعند هذا يصح قوله تعالى: { ما فرطنا في ~~الكتاب من شيء } والله أعلم. # وقال بعضهم: إن هذا عام أريد به الخصوص، والمعنى ما فرطنا في ~~الكتاب من شيء يحتاج إليه المكلفون. # قوله: " من شيء " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن " من " زائدة في المفعول به، والتقدير: ما فرطنا ~~شيئا، وتضمن " فرطنا " معنى تركنا وأغفلنا، والمعنى ما أغفلنا، ولا ~~تركنا شيئا. # والثاني: أن " من " تبعيضية، أي: ما تركنا ولا أغفلنا في ~~الكتاب بعض شيء يحتاج إليه المكلف. # الثالث: أن " من شيء " في محل نصب على المصدر، ms3442 و " من " زائدة فيه ~~أيضا. # ولم يجز أبو البقاء غيره، فإنه قال: " من " زائدة، و " شيء " هنا واقع ~~موقع المصدر، أي تفريطا. # وعلى هذا التأويل لا يبقى في الآية حجة لمن ظن أن الكتاب يحتوي ~~على ذكر كل شيء صريحا، ونظير ذلك: # لا يضركم كيدهم شيئا # [آل عمران:120]. # ولا يجوز أن يكون مفعولا به؛ لأن " فرطنا " لا يتعدى بنفسه, بل ~~بحرف الجر, وقد عديت إلى " الكتاب " ب " في " ، فلا يتعدى بحرف ~~آخر، ولا يصح أن يكون المعنى: ما تركنا في الكتاب من شيء؛ لأن ~~المعنى على خلافه، فبان أن التأويل ما ذكرنا. انتهى. # قوله: " يحتوي على ذكر كل شيء صريحا " لم يقل به أحد؛ لأنه ~~مكابرة في الضروريات. # وقرأ الأعرج وعلقمة: " فرطنا " مخففا، فقيل: هما بمعنى وعن ~~النقاش: فرطنا: أخرنا، كما قالوا: " فرط الله عنك المرض " أي: ~~أزاله. # قوله: { ثم إلى ربهم يحشرون }: قال ابن عباس، ~~والضحاك: حشرها موتها. # وقال أبو هريرة: يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة الإنس والجن ~~والبهائم والدواب والطير وكل شيء، فيأخذ للجماء من ~~القرناء، ثم يقول كوني ترابا، فحينئذ يتمنى الكافر ويقول: # يليتني كنت ترابا # [النبأ:40]، ويتأكد هذا بقوله: # وإذا الوحوش حشرت # [التكوير:5]. ### || [6.39] # قوله: { والذين كذبوا بآياتنا } مبتدأ، وما بعده الخبر. # ويجوز أن يكون " صم " خبر مبتدأ محذوف، والجملة خبر الأول، ~~والتقدير: والذين كذبوا بعضهم صم، وبعضهم بكم. # وقال أبو البقاء: " صم وبكم " الخبر مثل: " حلو حامض " ، ~~والواو لا تمنع من ذلك ". # وهذا الذي قاله لا يجوز من وجهين: # أحدهما: أن ذلك إنما يكون إذا كان الخبران في معنى خبر واحد، لأنهما في ~~معنى: " مز " ، وهو " أعسر يسر " بمعنى " أضبط " ، وأما هذان ~~الخبران فكل منهما مستقل بالفائدة. # والثاني: أن " الواو " لا تجوز في مثل هذا إلا عند أبي علي الفارسي ~~وهو وجه ضعيف. # والمراد بالآيات، قيل: جميع الدلائل والحجج. # وقيل: القرآن ومحمد عليه السلام. # قوله: " في الظلمات " فيه أوجه: # أحدها: أن يكون خبرا ثانيا لقوله: " والذين كذبوا " ويكون ذلك ~~عبارة عن العمى ويصير نظير ms3443 الآية الأخرى: # صم بكم عمي # [البقرة:18] فعبر عن العمى بلازمه، والمراد بذلك عمى ~~البصيرة. # الثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من الضمير المستكن في ~~الخبر، تقديره: ضالون حال كونهم مستقرين في الظلمات. # الثالث: أنه صفة ل " بكم " ، فيتعلق أيضا بمحذوف، أي: بكم كائنون ~~في الظلمات. # الرابع: أن يكون ظرفا على حقيقته، وهو ظرف ل " صم " ، أو ل " ~~بكم ". # قال أبو البقاء: أو لما ينوب عنهما من الفعل، أي: لأن الصفتين في قوة ~~التصريح بالفعل. # فصل في بيان نظم الآية # في وجه النظم قولان: # الأول: أنه - تعالى - لما بين من حال الكفار أنهم بلغوا في ~~الكفر إلى حيث كانت قلوبهم قد صارت ميتة عن قبول الإيمان ~~بقوله: # إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم ~~الله # [الأنعام:36] فذكر هذه الآية تقريرا ذلك المعنى. # الثاني: أنه - تعالى - لما ذكر في قوله: # وما من دآبة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه ~~إلا أمم أمثالكم # [الأنعام:38] في كونها دالة على كونها تحت تدبير مدبر قديم, ~~وتحت تقدير مقدر حكيم، وفي أن عناية الله محيطة بهم, ورحمته ~~واصلة إليهم- قال بعده: والمكذبون بهذه الدلائل والمنكرون ~~لهذه العجائب صم لا يسمعون كلاما، بكم لا ينطقون بالحق، ~~خائضون في ظلمات الكفر، غافلون عن تأمل هذه الدلائل. # قوله: { من يشإ الله يضلله } في " من " وجهان: # أحدهما: أنها مبتدأ، وخبرها ما بعدها، وقد عرف غير مرة. # ومفعول " يشأ " محذوف، أي: من يشأ الله إضلاله. # والثاني: أنه منصوب بفعل مضمر يفسره ما بعده من حيث المعنى، ~~ويقدر ذلك الفعل متأخرا عن اسم الشرط لئلا يلزم خروجه عن ~~الصدر. # وقد تقدم التنبيه على ذلك، وأن فيه خلافا، والتقدير: من يشق ~~الله يشأ إضلاله، ومن يسعد يشأ هدايته. # فإن قيل: هل يجوز أن تكون " من " مفعولا مقدما ل " يشاء "؟ # فالجواب: أن ذلك لا يجوز لفساد المعنى. # فإن قيل: أقدر مضافا هو المفعول حذف وأقيمت " من " مقامه, تقديره: ~~إضلال من يشاء, وهداية من يشاء, ودل على هذا المضاف جواب الشرط. # فالجواب أن الأخفش حكى عن ms3444 العرب أن اسم الشرط غير الظرف، ~~والمضاف إلى اسم الشرط لا بد أن يكون في الجزاء ضمير يعود عليه، أو ~~على أضيف إليهن فالضمير في " يضلله " و " يجعله ": إما أن يعود على ~~المضاف المحذوف، ويكون كقوله: # أو كظلمات في بحر لجي يغشاه # [النور:40]. # فالهاء في " يغشاه " تعود على المضاف، أي: كذي ظلمات يغشاه. # وإما أن يعود على اسم الشرط [والأول ممتنع؛ إذ يصير التقدير: إضلال ~~من يشأ الله يضلله، أي: يضل الإضلال، وهو فاسد. # والثاني أيضا ممتنع لخلو الجواب من ضمير يعود على المضاف إلى ~~اسم الشرط]. # فإن قيل: يجوز أن يكون المعنى: من يشأ الله بالإضلال، وتكون " من " ~~مفعولا مقدما؛ لأن " شاء " بمعنى " أراد " ، و " أراد " يتعدى ~~بالباء. # قال الشاعر: [الطويل] # 2157- أرادت عرارا بالهوان ومن يرد # عرارا لعمري بالهوان فقد ظلم # قيل: لا يلزم من كون " شاء " بمعنى " أراد " أن يتعدى تعديته، ~~ولذلك نجد اللفظ الواحد تختلف تعديته باختلاف متعلقة، تقول: دخلت ~~الدار، ودخلت في الأمر، ولا تقول: دخلت الأمر، فإذا كان في اللفظ ~~الواحد فما بالك بلفظين؟ ولم يحفظ عن العرب تعدية " شاء " ~~بالباء، وإن كانت في معنى أراد. # فصل في أن الهداية والضلال من الله تعالى # احتج أهل السنة بهذه الآية على أن الهدى والضلال ليسا إلا من ~~الله - تعالى - لتصريح الآية بذلك. # وأجاب المعتزلة عن ذلك بوجوه: # الأول: قال الجبائي: معناه أنه - تعالى - يجعلهم صما وبكما ~~وعميا يوم القيامة عند الحشر، ويكنون كذلك في الحقيقة بأن يجعلهم ~~في الآخرة صما وبكما في الظلمات ويضلهم بذلك عن الجنة، وعن ~~طريقها، ويصيرهم إلى النار، وأكد القاضي هذا بأنه - تعالى - بين في ~~باقي الآيات أنه يحشرهم على وجوهم عميا وبكما وصما مأواهم ~~جهنم. # الثاني: قال الجبائي أيضا: ويحتمل أنهم يكونون كذلك في الدنيا، فيكون ~~توسعا من حيث أنهم جعلوا بتكذيبهم بآيات الله في الظلمات لا يهتدون إلى ~~منافع الدنيا فشبههم من هذا الوجه بهم وأجرى بهم وأجرى عليهم مثل ~~صفاتهم على سبيل التشبيه. # الثالث: قال الكعبي: قوله " صم وبكم ms3445 " قائم على الشتم ~~والإهانة، لا على أنهم كانوا كذلك في الحقيقة. # أما قوله: { من يشإ الله يضلله } فقال الكعبي: ليس هذا ~~على سبيل المجاز لأنه - تعالى - وإن أجمل القول فيه ها هنا فقد ~~فسره في سائر الآيات، وهو قوله: # ويضل الله الظالمين # [إبراهيم:27] وقوله: # وما يضل به إلا الفاسقين # [البقرة:26]. # وقوله: # والذين اهتدوا زادهم هدى # [محمد:17]، وقوله تعالى: # يهدي به الله من اتبع رضوانه # [المائدة:16]. # وقوله: # يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت # [إبراهيم:27] وقوله: # والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا # [العنكبوت:69]. # فثبت بهذه الآيات أن مشيئة الهدى والضلال، وإن كانت مجملة في هذه ~~الآية، إلا أنها [مخصصة] مفصلة في سائر الآيات، فيحمل هذا المجمل ~~على تلك المفصلات. ثم إن المعتزلة ذكروا في تأويل هذه الآية ~~وجوها: # أحدهما: قوله: { من يشإ الله يضلله } [الآية:39] محمول ~~على منع الألطاف، فصاروا عندها كالصم والبكم. # وثانيها: يضلله يوم القيامة عن طريق الجنة، وعن وجدان الثواب؛ لأنه ~~ثبت بالدليل أنه - تعالى - لا يشاء هذا الإضلال إلا لمن يستحقه عقوبة، ~~كما لم يشأ الهدى إلا للمؤمنين. # واعلم أن هذه الوجوه التي تكلفها المعتزلة إنما تحسن لو ~~ثبت في العقل أنه لا يمكن إجراء هذا الكلام على ظاهرة، وقد دللنا ~~على أن هذا الفعل لا يحصل إلا عند حصول الداعي، وبينا أن ~~خالق ذلك الداعي هو الله تعالى، وبينا أن عند حصوله يجب الفعل في ~~هذه المقدمات الثلاث، فوجب القطع بأن الكفر والإيمان من الله ~~تعالى، وبتخليقه وتقديره وتكوينه، وقد تقدم إبطال هذه الوجوه عند ~~قوله: # ختم الله على قلوبهم # [البقرة:7] وغيرها من الآيات، فلا حاجة إلى الإعادة. ### || [6.40-41] # يجوز نقل همزة حركة الاستفهام إلى لام " قل " ، وتحذف الهمزة ~~تخفيفا وهي قراءة ورش، وهو تسهيل مطرد، و " أرأيتكم " هذه بمعنى ~~" أخبرني " ، ولها أحكام تختص بها، اضطربت أقوال الناس فيها، ~~وانتشر خلافهم، ولا بد من التعرض لذلك، فنقول: أرأيت إن كان ~~البصرية، أو العلمية الباقية على معناها، أو التي لإصابة الرئة كقولهم: " ~~رأيت الطائر " ، أي: أصبت رئته لم يجز ms3446 فيها تخفيف الهمزة ~~التي هي عينها، بل تحقق ليس إلا، أو تسهل بين بين ~~من غير إبدال ولا حذف، ولا يجوز أن تلحقها كاف على أنها حرف خطاب، بل ~~إن لحقها كاف كانت ضميرا مفعولا أول، ويكون مطابقا لما يراد به ~~من تذكير وتأنيث، وإفراد وتثنية وجمع، وإذا اتصلت بها تاء ~~الخطاب لزم مطابقتها لما يراد بها مما ذكر، ويكون ضميرا ~~فاعلا، نحو: أرأيتم، أرأيتما، أرأيتن، ويدخلها التعليق ~~والإلغاء، وإن كانت العلمية التي ضمنت معنى " أخبرني " ~~أختصت بأحكام أخر. # منها: أنه يجوز تسهيل همزتها بإبدالها ألفا، وهي مروية عن ~~نافع من طريق ورش، والنحاة يستضعفون إبدال هذه الهمزة ألفا، ~~بل المشهور عندهم تسهيلها بين بين، وهي الرواية المشهورة عن ~~نافع، لكنه قد نقل الإبدال المحض قطرب وغيره من الللغويين ~~قال بعضهم " هذا غلط غلط عليه " ، أي: على نافع، وسبب ذلك أنه ~~يؤدي إلى الجمع بين ساكنين، فإن " الياء " بعدها ساكنة. # ونقل أبو عبيد القاسم بن سلام عن أبي جعفر ونافع، وغيرهما من أهل " ~~المدينة " أنهم يسقطون الهمزة، ويدعون أن الألف خلف منها. # قال شهاب الدين: وهذه العبارة تشعر بأن هذه الألف ليست بدلا من ~~الهمزة، بل جيء بها عوضا عن الهمزة الساقطة. # وقال مكي بن أبي طالب: " وقد روي عن ورش إبدال الهمزة ~~ألفا؛ لأن الرواية عنه أنه يمد الثانية، والمد لا يتمكن إلا ~~مع البدل، وحسن جواز البدل في الهمزة وبعدها ساكن أن الأول ~~حرف مد ولين، فإن هذا الذي يحدث مع السكون يقوم مقام حركة ~~يتوصل بها إلى النطق بالساكن ". # وقد تقدم شيء من هذا عند قوله: # ءأنذرتهم # [البقرة:6]. # ومنها: أن تحذف الهمزة التي هي عين الكلمة، وبها قرأ الكسائي، ~~وهي فاشية نظما ونثرا فمن النظم قوله: [الرجز] # 2158- أريت ما جاءت به أملودا # مرجلا ويلبس البرودا # أقائلن أحضروا الشهودا # وقال الآخر: [الطويل] # 2159- أريتك إذ هنا عليك ألم تخف # رقيبا وحولي من عدوك حضر # وأنشد الكسائي لأبي الأسود: [المتقارب] # 2160- أريت امرأ كنت لم أبله # أتاني فقال: اتخذني خليلا # وزعم ms3447 الفراء أن هذه اللغة لغة أكثر العرب. # قال: " في أرأيت لغتان ومعنيان: # أحدهما: أن يسأل الرجل: أرأيت زيدا، أي: أعلمت، فهذه مهموزة. # وثانيهما: أن تقول: أرأيت بمعنى " أخبرني " ، فهاهنا تترك الهمزة إن ~~شئت، وهو أكثر كلام العرب تؤمئ إلى ترك الهمزة للفرق بين ~~المعنيين ". انتهى. # وفي كيفية حذف هذه الهمزة ثلاثة أوجه: # أحدها: - وهو الظاهر- أنه استثقل الجمع بين همزتين في فعل ~~اتصل به ضمير، فخففه بإسقاط إحدى الهمزتين، وكانت ~~الثانية أولى، لأنها حصل بها الثقل؛ ولأن حذفها ثابت في مضارع ~~هذا الفعل، نحو: أرى، ويرى، ونرى، وترى، ولأن حذف الأولى يخل ~~بالتفاهم، إذ هي للاستفهام. # والثاني: أنه أبدل الهمزة ألفا، كما فعل نافع في رواية ورش، ~~فالتقى ساكنان، فحذف أولهما وهو الألف. # والثالث: أنه أبدلها ياء، ثم سكنها، ثم حذفها لالتقاء ~~الساكنين، قاله أبو البقاء، وفيه بعد، ثم قال: " وقرب ذلك فيها ~~حذفها في مستقبل هذا الفعل " يعني في يرى وبابه، ورجح بعضهم ~~مذهب الكسائي بأن الهمزة قد اجترىء عليها بالحذف، وأنشد: [الرجز] # 2161- إن لم أقاتل فالبسوني برقعا # وأنشد لأبي الأسود: [الكامل] # 2162- يا با المغيرة رب أمر معضل # فرجته بالمكر مني والدها # [وقولهم: " ويلمه " ]. # وقوله: [البسيط] # 2163- ويلمها خلة قد سيط من دمها # فجع وولع وإخلاف وتبديل # وأنشد أيضا: [الوافر] # 2164- ومن را مثل معدان بن سعد # إذا ما النسع طال على المطيه # أي: ومن رأى. # ومنها: أنه لا يدخلها تعليق، ولا إلغاء؛ لأنها [بمعنى] " ~~أخبرني " و " أخبرني " لا يعلق عند الجمهور. # قال سيبويه: " وتقول: أرأيتك زيدا أبو من هو؟ لا يحسن فيه ~~إلا النصب في " زيد " ، ألا ترى أنك لو قلت: " أرأيت أبو من ~~أنت؟ " لم يحسن؛ لأن فيه معنى أخبرني عن زيد، وصار الاستفهام في ~~موضع المفعول الثاني " وقد خالف سيبويه غيره من النحويين، وقالوا: ~~كثيرا ما تعلق " أرأيت " وفي القرآن من ذلك كثير، واستدلوا ~~بهذه الآية التي نحن فيها، وبقوله: # أرأيت إن كذب وتولى ألم يعلم بأن # [العلق:13، 14]، وبقوله: # 2165- أريت ما جاءت به أملودا # وهذا لا يرد على سيبويه، ms3448 وسيأتي تأويل ذلك قريبا. # ومنها: أنها تلحقها " التاء " فيلتزم إفرادها وتذكيرها، ~~ويستغنى عن لحاق علامة الفروع بها بلحاقها بالكاف، بخلاف ~~التي لم تضمن معنى " أخبرني " فإنها تطابق فيها، كما تقدم ما ~~يراد بها. # ومنها: أنه يلحقها " كاف " هي حرف خطاب تطابق ما يراد بها من ~~إفراد وتذكير وضديهما، وهل هذه " التاء " فاعل، و " الكاف " حرف ~~خطاب [تبين أحوال التاء، كما تبينه إذا كانت ضميرا، أو التاء حرف ~~خطاب] و " الكاف " هي الفاعل, واستعير ضمير النصب في مكان ~~ضمير الرفع, أو " التاء " فاعل أيضا, و " الكاف " ضمير في موضع المفعول ~~الأول؟ # ثلاثة مذاهب مشهورة، الأول: قول البصريين، والثاني: قول الفراء، ~~والثالث: قول الكسائي، ولنقتصر على بعض أدلة كل فريق. # قال أبو علي: " قولهم: " أرأيتك زيدا ما فعل " بفتح " التاء " في ~~جميع الأحوال، فالكاف لا يخلو أن يكون للخطاب مجردا، ومعنى الاسمية ~~مخلوع منه، أو يكون دالا على الاسم مع دلالته على الخطاب، ولو كان ~~اسما لوجب أن يكون الاسم الذي بعده هو هو؛ لأن هذه الأفعال مفعولها ~~الثاني هو الأول في المعنى، لكنه ليس به، فتعين أن يكون مخلوعا ~~منه الاسمية، وإذا ثبت أنه للخطاب معرى من الاسمية ثبت أن " ~~التاء " لا تكون لمجرد الخطاب، ألا ترى أنه لا ينبغي أن يلحق ~~الكلمة علامتا خطاب، كما لا يحلقها علامتا تأنيث ولا علامتا ~~استفهام، فلما لم يجز ذلك أفردت " التاء " في جميع الأحوال ~~لما كان الفعل لا بد من فاعل، وجعل في جميع الأحوال على ~~لفظ واحد استغناء بما يلحق " الكاف " ، ولو لحق " التاء " ~~علامة الفروع علامتان للخطاب مما كان يلحق " التاء " ، ومما كان ~~يلحق " الكاف " ، فلما كان ذلك يؤدي إلى ما لا نظير له رفض، ~~وأجري على ما عليه سائر كلامهم ". # وقال الزجاج بعد حكايته مذهب الفراء: " وهذا القول لم ~~يقبله النحويون القدماء وهو خطأ؛ لأن قولك: " أرأيت ~~زيدا ما شأنه " لو تعدت الرؤية إلى " الكاف " وإلى زيد لصار ~~المعنى: أرأت نفسك زيدا ما شأنه وهذا محال " ثم ذكر مذهب ~~البصريين. ms3449 # وقال مكي بن أبي طالب بعد حكايته مذهب الفراء: " وهذا ~~محال، لأن " التاء " هي " الكاف " في " أرأيتكم " ، فكان يجب أن ~~تظهر علامة جمع " التاء " وكان يجب أن يكون فاعلان لفعل واحد وهما ~~لشيء واحد، ويجب أن يكون معنى قولك: " أرأيتك زيدا ما صنع ": ~~أرأيت نفسك زيدا ما صنع؛ لأن " الكاف " هو المخاطب، وهذا ~~محال في المعنى، ومتناقض في الإعراب والمعنى؛ لأنك تستفهم ~~عن نفسه في صدر السؤال، ثم ترد السؤال إلى غيره في آخره وتخاطبه ~~أولا، ثم تأتي بغائب آخر، أو لأنه يصير ثلاثة مفعولين ل " رأيت " ، ~~وهذا كله لا يجوز. ولو قلت: " أرأيتك عالما بزيد " لكان كلاما ~~صحيحا، وقد تعدى " رأى " إلى مفعولين ". # وقال أبو البقاء بعدما حكا مذهب البصريين: " والدليل على ذلك أنها - ~~أي " الكاف " - لو كانت اسما لكانت: إما مجرورة - وهو باطل إذ ~~لا جار هنا - وإما مرفوعة، وهو باطل أيضا لأمرين: # أحدهما: أن " الكاف " ليست من ضمائر الرفع. # والثاني: أنها لا رافع لها؛ إذا ليست فاعلا؛ لأن " التاء " فاعل، ولا ~~يكون لفعل واحد فاعلان، وإما أن تكون منصوبة، وذلك باطل لثلاثة ~~أوجه: # أحدها: أن هذا الفعل يتعدى إلى مفعولين كقولك: " أرأيت زيدا ~~ما فعل " فلو جعلت " الكاف " مفعولا لكان ثالثا. # والثاني: أنه لو كان مفعولا لكان هو الفاعل في المعنى، وليس ~~المعنى على ذلك، إذ ليس الغرض أرأيت نفسك، بل أرأيت غيرك، ولذلك قلت: ~~أرأيتك زيدا وزيد غير المخاطب، ولا هو بدل منه. # والثالث: أنه لو كان منصوبا على أنه مفعول لظهرت علامة ~~التثنية والجمع والتأنيث في " التاء " فكنت تقول: أرأيتماكما، ~~أرأيتموكم، أرأيتكن ". ثم ذكر مذهب الفراء ثم قال: " وفيما ~~ذكرنا إبطال لمذهبه ". # وقد انتصر أبو بكر بن الأنباري لمذهب الفراء بأن قال: " لو ~~كانت " الكاف " توكيدا لوقعت التثنية والجمع بالتاء، كما ~~يقعان بها عند عدم " الكاف " ، فلما فتحت " التاء " في خطاب ~~الجمع ووقع ميسم الجمع لغيرها كان ذلك دليلا على أن " الكاف " ~~غير توكيد. # ألا ترى أن " الكاف " لو سقطت لم يصلح أن يقال لجماعة: ms3450 أرأيت، ~~فوضح بهذا انصراف الفعل إلى " الكاف " ، وأنها واجبة لازمة ~~مفتقر إليها ". # وهذا الذي قاله أبو بكر باطل بالكاف اللاحقة لاسم الإشارة، ~~فإنها يقع عليها ميسم الجمع، ومع ذلك هي حرف. # وقال الفراء: " موضع " الكاف " نصب، وتأويلها رفع؛ لأن الفعل ~~يتحول عن " التاء " إليها، وهي بمنزلة " الكاف " في " دونك " ~~إذا أغري بها، كما تقول: " دونك زيدا " فتجد " الكاف " في ~~اللفظ خفضا، وفي المعنى رفعا؛ لأنها مأمورة، فكذلك هذه " ~~الكاف " موضعها نصب، وتأويلها رفع ". # قال شهاب الدين: " وهذه الشبهة باطلة لما تقدم، والخلاف في ~~" دونك " و " إليك " وبابهما مشهور تقدم التنبيه عليه مرارا ~~". # وقال الفراء أيضا كلاما حسنا [رأيت أن أذكره فإنه مبين ~~نافع] قال: للعرب في " أرأيت " لغتان ومعنيان: # أحدهما: رؤية العين، فإذا رأيت هذا عديت الرؤية بالضمير إلى ~~المخاطب، ويتصرف تصرف سائر الأفعال، تقول للرجل: " أرأيتك ~~على غير هذه الحال " ، تريد: هل رأيت نفسك، ثم تثني وتجمع ~~فتقول: " أرأيتماكما، أرأيتموكم، أرأيتكن ". # والمعنى الآخر: أن تقول: " أرأيتك " وأنت تريد معنى " أخبرني " ، كقولك: ~~أرأيتك إن فعلت كذا ماذا تفعل، أي: أخبرني، وتترك " التاء " إذا ~~أردت هذا المعنى موحدة على كل حال تقول: " أرأيتكما، أرأيتكم، ~~أرأيتكن " ، وإنما تركت العرب " التاء " واحدة؛ لأنهم لم يريدوا أن ~~يكون الفعل واقعا من المخاطب على نفسه، فاكتفوا من علامة ~~المخاطب بذكره في المكان، وتركوا " التاء " على التذكير والتوحيد إذا ~~لم يكون الفعل واقعا، والرؤية من الأفعال الناقصة التي ~~يعديها المخاطب إلى نفسه بالمكنى مثل: ظننتني ورأيتني، ولا يقولون ~~ذلك في الأفعال التامة، لا يقولون للرجل: قتلتك بمعنى: قتلت ~~نفسك, ولا أحسنت إليك, كما يقولون: نتى تظنك خارجا؟ وذلك أنهم ~~أرادوا الفصل بين الفعل الذي قد يلغى، وبين الفعل الذي لا ~~يجوز إلغاؤه، ألا ترى أنك تقول: " أنا أظن خارج " فتلغي " ~~أظن " وقال الله تعالى # أن رآه استغنى # [العلق:7] ولم يقل: رأى نفسه. # وقد جاء في ضرورة الشعر إجراء الأفعال التامة مجرى النواقص؛ قال ~~جران العود: [الطويل] # 2166- لقد كان لي عن ضرتين عدمتني # وعما ألاقي منهما متزحزح ms3451 # والعرب تقول: " عدمتني ووجدتني وفقدتني " وليس بوجه الكلام. ~~انتهى. # واعلم أن الناس اختلفوا في الجملة الاستفهامية الواقعة ~~بعد المنصوب ب " أرأيتك " [نحو: أرأيتك] زيدا ما صنع؟ # فالجمهور على أن " زيدا " مفعول أول، والجملة بعده في محل نصب ~~سادة مسد المفعول الثاني. # وقد تقدم أنه لا يجوز التعليق في هذه، وإن جاز في غيرها من ~~أخواتها نحو: علمت زيدا أبو من هو. # وقال ابن كيسان: " إن هذه الجملة الا ستفهامية في أرأيت زيدا ما ~~صنع بدل من أرأيتك ". # وقال الأخفش: " إنه لا بد بعد " أرأيت " التي بمعنى " أخبرني " من ~~الاسم المستخبر عنه، ويلزم الجملة التي بعده الاستفهام؛ ~~لأن " أخبرني " موافق لمعنى الاستفهام ". # وزعم أيضا أنها تخرج عن بابها، فتكون بمعنى " أما " أو " تنبه " ، ~~وحينئذ لا يكون لها مفعولان، ولا مفعول واحد، وجعل من ذلك: # أرأيت إذ أوينآ إلى الصخرة فإني نسيت الحوت # [الكهف:63]. # وهذا ينبغي ألا يجوز؛ لأنه إخراج للفظة عن موضوعها من غير ~~داع إلى ذلك. # إذا تقرر هذا فيلرجع إلى الآية الكريمة فنقول، وبالله ~~التوفيق: اختلف الناس في هذه الآية على ثلاثة أقوال: # أحدها: أن المفعول الأول، والجملة الاستفهامية التي سدت مسد الثاني ~~محذوفان لفهم المعنى، والتقدير: أرأيتكم عبادتكم الأصنام هل ~~تنفعكم؟ أو اتخاذكم غير الله إلها هل يكشف ضركم؟ ونحو ~~ذلك، ف " عبادتكم " أو " اتخاذكم " مفعول أول، والجملة ~~الاستفهامية سادة مسد الثاني، و " التاء " هي الفاعل، و " الكاف " ~~حرف خطاب. # الثاني: أن الشرط وجوابه - وسيأتي بيانه - قد سدا مسد ~~المفعولين؛ لأنهما قد حصلا المعنى المقصود، فلم يحتج هذا الفعل ~~إلى مفعول، وليس بشيء؛ لأن الشرط وجوابه لم يعهد فيهما أن ~~يسدا مسد مفعولي " ظن " ، وكون الفاعل غير محتاج لمفعول ~~إخراج له عن وضعه، فإن عنى بقوله: " سدا مسده " أنهما ~~دالان عليه فهو المدعى. # والثالث: أن المفعول الأول محذوف، والمسألة من باب التنازع بين ~~" أرأيتكم وأتاكم " ، والمتنازع فيه لفظ " العذاب " وهذا اختيار أبي ~~حيان، ولنورد كلامه ليظهر فإنه كلام حسن قال: " فنقول: الذي ~~نختاره أنها باقية على حكمها في ms3452 التعدي إلى اثنين، فالأول ~~منصوب، والثاني لم نجده بالاستقراء إلا جملة استفهامية أو ~~قسمية. # فإذا تقرر هذا فنقول: المفعول الأول في هذه الآية محذوف، ~~والمسألة من باب التنازع، تنازع " أرأيتكم " والشرط على " عذاب الله ~~" فأعمل الثاني، وهو " أتاكم " ، فارتفع " عذاب " به، ولو أعمل ~~الأول لكان التركيب: " عذاب " بالنصب، ونظير ذلك " اضرب إن ~~جاءك زيد " على إعمال " جاءك " ، ولو نصب لجاز، وكان من إعمال ~~الأول. # وأما المفعول الثاني، فهو الجملة من الاستفهام " أغير الله ~~تدعون " والرابط لهذه الجملة بالمفعول الأول المحذوف محذوف ~~تقديره: أغير الله تدعون لكشفه، والمعنى: قل: أرأيتكم عذاب الله ~~إن أتاكم - أو الساعة إن أتتكم - أغير الله تدعون لكشفه، أو ~~لكشف نوازلها ". انتهى. # والتقدير الإعرابي الذي ذكره يحتاج إلى بعض إيضاح، وتقديره: ~~قل: أرأيتكموه أو أريتكم إياه إن أتاكم عذاب الله، فذلك الضمير هو ~~ضمير العذاب لما عمل الثاني في ظاهره أعطي الملغى ~~ضميره، وإذا أضمر في الأول حذف ما لم يكن مرفوعا، أو ~~خبرا في الأصل، وهذا الضمير ليس مرفوعا، ولا خبرا في الأصل، ~~فلأجل ذلك حذف ولا يثبت إلا ضرورة. # وأما جواب الشرط ففيه خمسة أوجه: # أحدها: أنه محذوف، فقدره الزمخشري: " إن أتاكم عذاب الله من ~~تدعون ". # قال أبو حيان: " وإصلاحه أن تقول: " فمن تدعون " بالفاء؛ لأن ~~جواب الشرط إذا وقع جملة استفهامية فلا بد فيه من الفاء ~~". # الثاني: أنه " أرأيتكم " ، قاله الحوفي، وهو فاسد لوجهين: # أحدهما: أن جواب الشرط لا يتقدم عند جمهور البصريين، إنما جوزه ~~الكوفيون، وأبو زيد، والمبرد. # والثاني: أن الجملة المصدرة بالهمزة لا تقع جوابا للشرط ~~ألبتة، إنما يقع من الاستفهام ما كان ب " هل " أو اسم من ~~أسماء الاستفهام، وإنما لم تقع الجملة المصدرة بالهمزة ~~جوابا؛ لأنه لا يخلو: أن تأتي معها بالفاء، أو لا تأتي بها، لا جائز ~~ألا تأتي بها؛ لأن كل ما لا يصلح شرطا يجب اقترانه بالفاء ~~إذا وقع جوابا. # ولا جائز أن تأتي بها؛ لأنك: إما أن تأتي بها قبل الهمزة، نحو: ~~" إن قمت فأزيد منطلق ms3453 " ، أو بعدها نحو: " أفزيد منطلق " ، ~~وكلاهما ممتنع، أما الأول فلتصدر " الفاء " على الهمزة. # وأما الثاني، فإنه يؤدي إلى عدم الجواب بالفاء في موضع كان يجب ~~فيه الإتيان بها وهذا بخلاف هل، فإنك تأتي بالفاء قبلها، فنقول: " إن ~~قمت فهل زيد قائم "؛ لأنه ليس لها تمام التصدير الذي تستحقه ~~الهمزة، ولذلك تصدرت على بعض حروف العطف، وقد تقدم [مشروحا] ~~مرارا. # الثالث: أنه " أغير الله " وهو ظاهر عبارة الزمخشري، فإنه قال: " ~~ويجوز أن يتعلق الشرط بقوله: " أغير الله تدعون " ، كأنه قيل: ~~أغير الله تدعون إن أتاكم عذاب الله ". # قال أبو حيان: ولا يجوز أن يتعلق الشرط بقوله: " أغير الله "؛ لأنه ~~لو تعلق به لكان جوابا له، لكنه لا يقع جوابا، لأن جواب الشرط ~~إذا كان استفهاما بالحرف لا يقع إلا ب " هل " وذكر ما قدمته ~~إلى آخره، وعزاه الأخفش عن العرب، ثم قال: " ولا يجوز أيضا من وجه ~~آخر؛ لأنا قد قررنا أن " أرأيتك " متعدية إلى اثنين؛ أحدهما ~~في هذه الآية محذوف، وأنه من باب التنازع، والآخر وقعت الجملة ~~الاستفهامية موقعه، فلو جعلتها جواب الشرط لبقيت " أرأيتكم ~~" متعدية إلى واحد، وذلك لا يجوز ". # قال شهاب الدين: وهذا لا يلزم الزمخشري، فإنه لا يرتضي ما قاله من ~~الإعراب المشار إليه. # قوله: " يلزم تعديها لواحد ". # قلنا: لا نسلم، بل يتعدى لاثنين محذوفين ثانيهما جملة ~~الاستفهام، كما قدره غيره: ب " أرأيتكم عبادتكم هل تنفعكم " ثم ~~قال: " وأيضا التزام العرب في الشرط الجائي بعد " أرأيت " مضي ~~الفعل دليل على أن جواب الشرط محذوف، لأنه لا يحذف جواب ~~الشرط إلا عند مضي فعله، قال تعالى: # قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله # [الأنعام:47] # قل أرأيتم إن أخذ الله # [الأنعام:46] # قل أرأيتم إن جعل الله # [القصص:71] # قل أرأيتم إن أتاكم عذابه # [يونس:50] # أفرأيت إن متعناهم سنين # [الشعراء:205] # أرأيت إن كذب وتولى # [العلق:13] إلى غير ذلك من الآيات. # وقال الشاعر: [الرجز] # 2167- أريت إن جاءت به أملودا # وأيضا مجيء الجملة الاستفهامية مصدرة بهمزة الاستفهام دليل ~~على أنها ليست جواب الشرط، إذ ms3454 لا يصح وقوعها جوابا للشرط " ~~انتهى. # ولما جوز الزمخشري أن الشرط متعلق بقوله: " أغير الله " ~~سأل سؤالا، وأجاب عنه، قال: " فإن قلت: إن علقت الشرط به، فما ~~تصنع بقوله: { فيكشف ما تدعون إليه } مع قوله: { أو ~~أتتكم الساعة } ، وقوارع الساعة لا تكشف عن المشركين؟ # قلت: قد اشترط في الكشف المشيئة وهو قوله: " إن شاء " ~~إيذانا بأنه إن فعل كان له وجه من الحكمة، إلا أنه لا يفعل ~~لوجه آخر من الحكمة أرجح منه ". # قال أبو حيان: " وهذا مبني على أن الشرط متعلق ب " أغير ~~الله " وقد استدللنا على أنه لا يجوز ". # قال شهاب الدين: ترك الشيخ التنبيه على ما هو أهم من ذلك, ~~وهو قوله: " إلا أنه لا يفعل لوجه آخر من الحكمة أرجح منه " ~~وهذا أصل فاسد من أصول المعتزلة يزعمون أن أفعاله - تعالى تابعة ~~لمصالح وحكم، يترجح مع بعضها الفعل، ومع بعضها الترك، ومع بعضها ~~يجب الفعل أو الترك، تعالى الله عن ذلك، بل أفعاله لا تعلل ~~بغرض من الأغراض، # لا يسأل عما يفعل # [الأنبياء:23]، كما تقرر في علم الأصول. # الرابع: أن جواب الشرط محذوف تقديره: إن أتاكم عذاب الله، أو ~~أتتكم الساعة [دعوتم] ودل عليه قوله: " أغير الله تدعون ". # الخامس: أنه محذوف أيضا، ولكنه مقدر من جنس ما تقدم في ~~المعنى، تقديره: إن أتاكم عذاب الله، أو أتتكم الساعة فأخبروني عنه ~~أتدعون غير الله لكشفه، كما تقول: " أخبرني عن زيد إن جاءك ما ~~تصنع به " ، أي إن جاءك فأخبرني عنه، فحذف الجواب لدلالة " أخبرني ~~" عليه، ونظيره: أنت ظالم إن فعلت، أي: فأنت ظالم، فحذف " فأنت ~~ظالم " لدلالة ما تقدم عليه. # وهذا ما اختاره أبو حيان. # قال: " وهو جار على قواعد العربية " وادعى أنه لم يره لغيره. # قوله: { أغير الله تدعون }. # " غير " مفعول مقدم ل " تدعون " ، وتقديمه: إما ~~للاختصاص كما قال الزمخشري: بكتهم بقوله: أغير الله تدعون، ~~بمعنى: أتخصون آلهتكم بالدعوة فيما هو عادتكم إذا ~~أصابكم ضر، أم تدعون الله دونها، وإما للإنكار عليهم في ~~دعائهم للأصنام، لأن ms3455 المنكر إنما هو دعاء الأصنام لا ~~نفس الدعاء، ألا ترى أنك إذا قلت: " أزيدا تضرب " إنما تنكر ~~كون " زيد " محلا للضرب، [ولا تنكر نفس الضرب،] وهذا من ~~قاعدة بيانية قدمت التنبيه عليها عند قوله تعالى: # ءأنت قلت للناس اتخذوني # [المائدة:116]. # قوله: { إن كنتم صادقين } جوابه محذوف لدلالة الكلام عليه، ~~وكذلك معمول " صادقين " ، والتقدير إن كنتم صادقين في ~~دعواكم أن غير الله إله، فهل تدعونه لكشف ما يحل بكم من ~~العذاب؟ # فصل في المراد من الآية # معنى الآية: قال ابن عباس: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: أرأيتكم إن ~~أتاكم عذاب الله قبل الموت، أرأيتكم الساعة يعني العذاب يوم ~~القيامة، أترجعون إلى غير الله في دفع البلاء والضر، أو ترجعون ~~إلى الله في دفع البلاء والمحنة لا إلى الأصنام والأوثان، وأراد ~~الكفار يدعون الله في أحوال الاضطرار كما أخبر الله عنهم # وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين ~~له الدين # [لقمان:32] لا جرم قال: { بل إياه تدعون } " بل " حرف إضراب ~~وانتقال، لا إبطال لما عرف غير مرة من أنها في كلام الله كذلك، ~~و " إياه " مفعول مقدم للاختصاص عند الزمخشري، ولذلك قال: بل ~~تخصونه بالدعاء، وعند غيره للاعتناء، وإن كان ثم حصر ~~واختصاص فمن قرينة أخرى، و " إياه " ضمير منصوب منفصل تقدم ~~الكلام عليه في " الفاتحة ". # وقال ابن عطية: " هنا " إيا " اسم مضمر أجري مجرى المظهرات في أنه ~~مضاف أبدا ". # قال أبو حيان: وهذا خلاف مذهب سيبويه أن ما بعد " إيا " حرف ~~يبين أحوال الضمير، وليس مضافا لما بعده لئلا يلزم ~~تعريف الإضافة، وذلك يستدعي تنكيره، والضمائر لا تقبل ~~التنكير فلا تقبل الإضافة. # قوله: " ما تدعون " يجوز في " ما " أربعة أوجه: # أظهرها: أنها موصولة بمعنى " الذي " ، أي: فيكشف الذي تدعون، ~~والعائد محذوف لاستكمال الشروط، أي: تدعونه. # الثاني: أنها ظرفية، قاله ابن عطية، وعلى هذا فيكون مفعول " ~~يكشف " محذوفا تقديره: فيكشف العذاب مدة دعائكم، أي: ما ~~دمتم داعينه وقال أبو حيان: وهذا ما لا حاجة إليه مع أن فيه ~~وصلها بمضارع، وهو قليل ms3456 جدا تقول: " لا أكلمك ما طلعت الشمس " ~~، ويضعف: " ما تطلع الشمس ". # قال شهاب الدين: قوله: " بمضارع " كان ينبغي أن يقول: " مثبت "؛ لأنه ~~متى كان منفيا ب " لم " كثر وصلها به، نحو قوله: [الطويل] # 2168- ولن يلبث الجهال أن [يتهضموا] # أخا الحلم ما لم يستعن بجهول # ومن وصلها بمضارع مثبت قوله: [الوافر] # 2169- أطوف ما أطوف ثم آوي # إلى أمى ويرويني النقيع # وقول الآخر: [الوافر] # 2170- أطوف ما أطوف ثم آوي # إلى بيت قعيدته لكاع # ف " أطوف " صلة ل " ما " الظرفية. # الثالث: أنها نكرة موصوفة ذكره أبو البقاء، والعائد أيضا ~~محذوف أي: فيكشف شيئا تدعونه، أي: تدعون كشفه ~~والحذف من الصفة أقل منه من الصلة. # الرابع: أنها مصدرية، قال ابن عطية: " ويصح أن تكون ~~مصدرية على حذف في الكلام ". # قال الزجاج: وهو مثل " # وسأل القرية # [يوسف:82]. # قال شهاب الدين: فيكشف سبب دعائكم وموجبه. # قال أبو حيان: وهذه دعوى محذوف غير معين، وهو خلاف الظاهر. # وقال أبو البقاء: " وليست مصدرية إلا أن تجعلها مصدرا ~~بمعنى المفعول " يعني يصير تقديره: فيكشف مدعوكم، أي: الذي ~~تدعون لأجله، وهو الضر ونحوه. # قوله: " إليه " فيما يتعلق به وجهان: # أحدهما: أن تيعلق ب " تدعون " ، والضمير حينئذ يعود على " ما " ~~الموصولة، أي: الذي تدعون إلى كشفه، و " دعا " بالنسبة إلى متعلق ~~الدعاء يتعدى ب " إلى " أو " اللام ". # قال تعالى: # ومن أحسن قولا ممن دعآ إلى الله # [فصلت:33] # وإذا دعوا إلى الله # [النور:48]. # وقال: [الطويل] # 2171- وإن أدع للجلى أكن من حماتها # .......................... # وقال: [البسيط] # 2172- وإن [دعوت] إلى جلى ومكرمة # يوما سراة كرام الناس فادعينا # وقال: [المتقارب] # 2173- دعوت لما نابني مسورا # فلبى فلبي يدي مسور # والثاني: أن يتعلق ب " يكشف ". # قال أبو البقاء: " أي: يرفعه إليه " انتهى. # والضمير على هذا عائد على الله تعالى، وذكر أبو البقاء وجهي ~~التعلق ولم يتعرض للضمير، [وقد عرفته]. # وقال ابن عطية: والضمير في " إليه " يحتمل أن يعود إلى الله، ~~بتقدير: فيكشف ما تدعون فيه إليه. # قال أبو حيان: وهذا ليس بجيد؛ لأن " دعا " يتعدى لمفعول به دون ~~حرف ms3457 جر: # ادعوني أستجب لكم # [غافر:60]، # إذا دعان # [البقرة:186] ومن كلام العرب: " دعوت الله سميعا ". # قلت: ومثله: # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما ~~تدعوا # [الإسراء:110] # ادعوا ربكم تضرعا # [الأعراف:55] قال: " ولا تقول بهذا المعنى: " دعوت إلى الله " بمعنى: ~~دعوت الله، إلا أنه يمكن أن يصحح كلامه بمعنى التضمين، ~~ضمن " تدعون " معنى " تلجؤون فيه إلى الله " إلا أن التضمين ليس ~~بقياس, لا يصار إليه إلا عند الضرورة، ولا ضرورة تدعو إليه ~~هنا ". # قال شهاب الدين: ليس التضمين مقصورا على الضرورة، وهو في القرآن ~~أكثر من أن يحصر، وقد تقدم منه جملة صالحة، وسيأتي إن شاء ~~الله - تعالى - مثلها على أن قد يقال: تجويز أبي محمد عود ~~الضمير إلى الله - تعالى - محمول على أن " إليه " متعلق ب " ~~يكشف " ، كما تقدم نقله عن أبي البقاء، وأن معناه يرفعه إليه، فلا ~~يلزم المحذور المذكور، لولا أنه يعكر عليه تقديره بقوله: " تدعون ~~فيه إليه " ، فتقديره: " فيه " ظاهره أنه يزعم تعلقه ب " ~~تدعون ". # قوله: " إن شاء " جوابه محذوف لفهم المعنى، ودلالة ما قبله ~~عليه، أي: إن شاء أن يكشف كشف، وادعاء تقديم جواب الشرط ~~هنا واضح لاقترانه ب " الفاء " فهو أحسن من قولهم: " أنت ظالم إن ~~فعلت " لكن يمنع من كونها جوابا هنا أنها سببية مرتبة، أي: أنها ~~أفادت ترتب الكشف عن الدعاء، وأن الدعاء سبب فيه، على أن ~~لنا خلافا في " فاء " الجزاء: هل تفيد السببية أو لا؟ # قوله: { وتنسون ما تشركون } الظاهر في " ما " أن تكون ~~موصولة اسمية، والمراد بها ما عبد من دون الله ~~مطلقا: العقلاء وغيرهم، إلا أنه غلب غير العقلاء عليهم ~~كقوله: # ولله يسجد ما في السماوات # [النحل:49] والعائد محذوف، أي: ما تشركونه مع الله في ~~العبادة. # وقال الفارسي: " الأصل: وتنسون دعاء ما تشركون، فحذف المضاف ~~". # ويجوز أن تكون مصدرية، وحينئذ لا تحتاج إلى عائد عند ~~الجمهور. # ثم هل هذا المصدر باق على حقيقته؟ أي: تنسون الإشراك نفسه لما ~~يلحقكم من الدهشة والحيرة، أو هو واقع موقع المعفول به، ~~أي: ms3458 وتنسون المشرك به، وهي الأصنام وغيرها، وعلى هذه فمعناه ~~كالأول، وحينئذ يحتمل أن يكون السياق على بابه من " الغفلة " وأن ~~يكون بمعنى الترك، وإن كانوا [ذاكرين] لها أي: للأصنام وغيرها. # فصل في المراد من الآية # معنى الآية فيكشف الضر الذي من أجله دعوتم إن شاء، وهذه ~~الآية تدل على أنه - تعالى - قد يجيب الدعاء إن شاء، وقد لا ~~يجيبه. # فإن قيل: قوله: # ادعوني أستجب لكم # [غافر:60] يفيد الجزم بالإجابة، وهاهنا علق الإجابة على المشية، ~~فكيف يجمع بين الآيتين؟ # فالجواب أن يقال: تارة يجزم سبحانه بالإجابة، وتارة لا ~~يجيب إما بحسب المشيئة كما يقول أهل السنة، أو بحسب رعاية ~~المصلحة كما يقول المعتزلة، ولما كان كلا الأمرين حاصلا لا جرم ~~وردت الآيتين على هذهين الوجهين. # فصل في أن أصل الدين هو الحجة # وهذه الآية من أقوى الدلائل على أن أصل الدين هو الحجة ~~والدليل، لا يخص التقليد؛ لأنه - تعالى - كان يقول لعبدة الأوثان ~~إذا كنتم ترجعون عند نزول الشدائد إلى الله لا إلى الأصنام والأوثان، ~~فلم تقدمون على الأصنام التي لا تنتفعون بعبادتها ألبتة، ~~وهذا الكلام إنما يفيد لو كان ذكر الدليل والحجة مقبولا، ~~أما لو كان مردودا وكان الواجب التقليد كان هذا الكلام ساقطا. ### || [6.42-43] # في الكلام: حذف تقديره: " أرسلنا رسلا إلى أمم فكذبوا ~~فأخذناهم " وهذا الحذف ظاهر جدا. # و " من قبلك " متعلق ب " أرسلنا " ، وفي جعله صفة ل " أمم ~~" كلام تقدم مرارا، وتقدم تفسير # البأسآء والضراء # [البقرة: 177] ولم يلفظ لهما بمذكر على " أفعل ". # قوله: { فلولا إذ جآءهم بأسنا تضرعوا }. # " إذ " منصوب ب " تضرعوا " فصل به بين حرف التحضيض وما دخل عليه، ~~وهو جائز في المفعول به، تقول: " لولا زيدا ضربت " ، وتقدم أن ~~حرف التحضيض مع الماضي يكون معناه التوبيخ، والتضرع: " ~~تفعل " من الضراعة؛ وهي الذلة والهيبة المسببة عن ~~الانقياد إلى الطاعة، يقال: " ضرع يضرع ضراعة فهو ضارع ~~وضرع ". # قال الشاعر: [الطويل] # 2174- ليبك يزيد ضارع لخصومة # ومختبط مما تطيح الطوائح # وللسهولة والتذلل المفهومة من هذه المادة اشتقوا منها ~~للثدي اسما ms3459 فقالو له: " ضرعا ". # قوله: { ولكن قست قلوبهم } " لكن " هنا واقعة بين ~~ضدين، وهما اللين والقسوة؛ وذلك أن قوله: " تضرعوا " ~~مشعر باللين والسهولة، وكذلك إذا جعلت الضراعة عبارة عن ~~الإيمان، والقسوة عبارة عن الكفر، وعبرت عن السبب بالمسبب، ~~وعن المسبب بالسبب، ألا ترى أنك تقول: " آمن قلبه فتضرع، وقسا ~~قلبه فكفر " وهذا أحسن من قول أبي البقاء: " ولكن " استدراك على المعنى، ~~أي ما تضرعوا ولكن يعني أن التحضيض في معنى النفي، وقد ~~يترجح هذا بما قاله الزمخشري فإنه قال: معناه نفي التضرع ~~كأنه قيل: لم يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا، ولكنه جاء ب " لولا " ليفيد ~~أنه لم يكن لهم عذر في ترك التضرع، إلا قسوة قلوبهم، ~~وإعجابهم بأعمالهم التي زينها الشيطان لهم. # قوله: " وزين لهم " هذه الجملة تحتمل وجهين: # أحدهما: أن تكون استئنافية أخبر تعالى عنهم بذلك. # والثاني: - وهو الظاهر -: أنها داخلة في حيز الاستدراك فهو نسق على ~~قوله: " قست قلوبهم " وهذا رأي الزمخشري فإن قال: " لم يكن لهم ~~عذر في ترك التضرع إلا قسوة قلوبهم وإعجابهم بأعمالهم " ~~كما تقدم و " ما " في قوله: " ما كانوا " يحتمل [أن تكون موصولة اسمية ~~أي: الذي كانوا يعملونه] وأن تكون مصدرية، أي: زين لهم عملهم، ~~كقوله: # زينا لهم أعمالهم # [النمل:4] ويبعد جعلها نكرة موصوفة. # فصل # دلت هذه الآية مع الآية التي قبلها على مذهب أهل السنة، لأنه بين ~~في الآية الأولى أن الكفار يرجعون إلى الله - تعالى - عند نزول ~~الشدائد ثم بين في هذه الآية أنهم لا يرجعون إلى الله - تعالى - ~~عند كل ما كان من جنس الشدائد، بل قد يبقون مصرين على ~~الكفر غير راجعين إلى الله تعالى، وذلك يدل على أن من لم ~~يهده الله لم يهتد سواء شاهد الآيات أو لم يشاهد. # فإن قيل: أليس قوله: # بل إياه تدعون # [الأنعام: 41] يدل على أنهم تضرعوا، وها هنا يقول: " قست ~~قلوبهم ولم يتضرعوا ". # فالجواب: أولئك أقوام وهؤلاء أقوام آخرون، أو نقول: أولئك ~~تضرعوا لطلب إزالة البلية ولم يتضرعوا على سبيل الإخلاص ~~لله تعالى، فلهذا ms3460 الفرق حسن الإثبات والنفي. # فصل # احتج الجبائي بقوله: { لعلهم يتضرعون } على أنه - تعالى ~~- إنما أرسل الرسل إليهم، وإنما سلط البأساء والضراء عليهم ~~لإرادة أن يتضرعوا أو يؤمنوا، وذلك يدل على أنه - تعالى - أراد ~~الإيمان والطاعة من الكل. # والجواب أن كلمة " لعل " للترجي والتمني, وهو في حق الله ~~- تعالى - محال، وأنتم حملتموه على إرادة هذا المطلوب، ونحن نحمله ~~على أنه - تعالى - عاملهم معاملة لو صدرت عن غير الله لكان المقصود ~~منه هذا المعنى، فأما تعليل حكم الله - تعالى - ومشيئته، فذلك محال ~~على ما ثبت بالدليل، ثم نقول: إن دلت هذه الآية على قولكم من هذا ~~الوجه، فإنها تدل على ضد قولكم من وجه آخر، وذلك لأنها ~~تدل على أنهم إنما لم يتضرعوا لقسوة قلوبهم، ولأجل أن ~~الشيطان زين لهم أعمالهم, فنقول: تلك القسوة إن [حصلت ~~بفعلهم احتاجوا في إيجادها إلى سبب آخر ولزم التسلسل وإن] حصلت بفعل الله ~~- تعالى - فالقول قولنا. # وأيضا: هب أن الكفار إنما أقدموا على هذا الفعل القبيح [بسبب ~~تزيين الشيطان، إلا أنا نقول: ولم بقي الشيطان مصرا على هذا الفعل ~~القبيح]، فإن كان ذلك لأجل شيطان آخر تسلسل إلى غير نهاية، وإذا ~~بطلت هذه التقادير وانتهت إلى أن كل أحد إنما يقدم تارة ~~على الخير وأخرى على الشر؛ لأجل الدواعي التي تحصل في قلبه ~~ثم ثبت أن تلك الدواعي لا تحصل إلا بإيجاد الله، فحينئذ يصح ~~قولنا، ويفسد قولهم بالكلية، والله أعلم. ### || [6.44-45] # وهذا من تمام القصة الأولى بين تعالى أنه أخذهم بالبأساء ~~والضراء لعلهم يتضرعوا ثم بين في هذه الآية أنهم لما ~~نسوا ما ذكروا به من البأساء والضراء فتحنا عليهم أبواب ~~كل شيء، ونقلناهم من البأساء والضراء إلى الراحة ~~والرخاء، وأنواع الآلاء والنعماء والمقصود أنه - تعالى - ~~عاملهم بتسليط المكاره والشدائد تارة، فلم ينتفعوا ~~به، فنقلهم من تلك الحالة إلى ضدها، وهو فتح أبواب الخيرات ~~عليهم، فلم ينتفعوا به أيضا، وهذا كما يفعله الأب المشفق ~~بولده يخاشنه تارة ويلاطفه أخرى طلبا لصلاحه. # قوله: " فتحنا ": قرأ الجمهور ms3461 " فتحنا " مخففا، وابن عامر " ~~فتحنا " مثقلا، والتثقيل مؤذن بالتكثير؛ لأن بعده " أبواب " ~~فناسب التكثير والتخفيف هو الأصل. # وقرأ ابن عامر أيضا في " الأعراف " # لفتحنا # [الأعراف: 96] وفي " القمر " # ففتحنآ # [القمر:11] بالتشديد أيضا، وشدد أيضا # فتحت يأجوج # [الأنبياء:96] والخلاف أيضا في # فتحت أبوابها # في " الزمر " في الموضعين [آية 71، 73]، # وفتحت السمآء # في النبأ [آية 19] فإن الجماعة وافقوا ابن عامر على تشديدها، ولم ~~يقرأها بالتخفيف إلا الكوفيون، فقد جرى ابن عامر على نمط واحد ~~في هذا الفعل، والباقون شددوا في المواضع الثلاثة المشار ~~إليها، وخففوا في الباقي جمعا بين اللغتين. # قوله: { فإذا هم مبلسون } " إذا " هي الفجائية، وفيها ~~ثلاثة مذاهب: # مذهب سيبويه أنها ظرف مكان، ومذهب جماعة منهم الرياشي أنها ظرف زمان، ~~ومذهب الكوفيين أنها حرف، فعلى تقدير كونها ظرفا زمانا أو مكانا ~~الناصب لها خبر المبتدأ، أي: أبلسوا في مكان إقامتهم أو في ~~زمانها. # والإبلاس: الإطراق. # وقيل: هو الحزن المعترض من شدة البأس، ومنه اشتق " إبليس " وقد ~~تقدم في موضعه، وأنه هل هو أعجمي أم لا؟ # قال القرطبي: المبلس الباهت الحزين الآيس من الخير الذي لا يحير ~~جوابا لشدة ما نزل به من سوء الحال. # قال العجاج: [الرجز] # 2175- يا صاح هل تعرف رسما مكرسا # قال: نعم أعرفه وأبلسا # أي: تحير لهول ما رأى، ومن ذلك اشتق اسم إبليس، وأبلس ~~الرجل سكت، وأبلست الناقة وهي مبلاس إذا لم ترع من ~~شدة الضبعة يقال: ضبعت الناقة تضبع ضبعة وضبعا إذا ~~أرادت الفحل. # فصل في معنى الآية # المعنى: فتحنا عليهم أبواب كل شيء كان مغلقا عنهم من الخير، ~~أي: لما قست قلوبهم ولم يتفطنوا ونسوا ما ذكروا به من ~~الوعظ فتحنا عليهم أبواب الخير مكان البلاء والشدة حتى إذا ~~فرحوا بما أوتوا، وهذا فرح بطر مثل فرح قارون بما أصاب من ~~الدنيا. # قال الحسن: في هذه الآية مكر بالقوم ورب الكعبة. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " " إذا رأيت الله يعطي العاصي، فإن ذلك استدراج ~~من الله " ثم قرأ هذه الآية. ثم قال " أخذناهم بغتة ": ~~فجاءة أين ms3462 ما كانوا ". # قال أهل المعاني: وإنما أخذوا في حال الراحة والرخاء ليكون ~~أشد لتحسرهم على ما فاتهم من حال السلامة والعافية، " ~~فإذا هم مبلسون " آيسون من كل خير. # قال الفراء: المبلس الذي انقطع رجاؤه, ولذلك قيل للذي سكت عند ~~انقطاع حجته: قد أبلس. # وقال الزجاج: المبلس الشديد الحسرة الحزين. # قوله: " فقطع دابر " الجمهور على " فقطع " مبنيا ~~للمفعول " دابر " مرفوع به. # وقرأ عكرمة: " قطع " مبنيا للفاعل، وهو الله تعالى، " دابر " ~~مفعول به، وفيه التفات، إذ هو خروج من تكلم في قوله: " أخذناهم " ~~إلى غيبة. # و " الدابر " التابع من خلف، يقال: دبر الولد والده، ~~ودبر فلان القوم يدبرهم دبورا ودبرا. # وقيل: الدابر الأصل، يقال: قطع الله دابره، أي: أصله قاله ~~الأصمعي، وقال أبو عبيد: " دابر القوم آخرهم " ، ~~وأنشدوا لأمية بن أبي الصلت: [البسيط] # 2176- فاستؤصلوا بعذاب حص دابرهم # فما استطاعوا له صرفا ولا انتصروا # ومنه دبر السهم الهدف، أي: سقط خلفه. # وفي الحديث عن عبد الله بن مسعود # " من الناس من لا يأتي الصلاة إلا دبريا " # أي: في آخر الوقت. # فصل في المراد بالآية # والمعنى أن الله - تعالى - استأصلهم العذاب، فلم يبق ~~باقية. # و " الحمد لله رب العالمين ". # قيل: على هلاكهم. # وقيل: تعليم للمؤمنين كيف يحمدونه، حمد الله نفسه على ~~أن قطع دابرهم؛ لأنه نعمة على الرسل، فذكر الحمد ~~تعليما لهم، ولمن آمن بهم أن يحمدوا الله على كفايته شر ~~الظالمين، وليحمد محمد وأصحابه ربهم إذا أهلكنا المكذبين. # وتضمنت هذه الآية الحجة على وحوب ترك الظلم لما تعقب من ~~قطع الدابر إلى العذاب الدائم مع استحقاق القاطع للحمد من ~~كل حامد. ### || [6.46] # { أرأيتم إن أخذ الله } المفعول الأول محذوف، تقديره: ~~أرأيتم سمعكم وأبصاركم إن أخذها الله، والجملة ~~الاستفهامية في موضع الثاني، وقد تقدم أن أبا حيان يجعله من ~~التنازع، وجواب الشرط محذوف على نحو ما مر. # وقال الحوفي: وحرف الشرط وما اتصل به في موضع نصب على ~~الحال، والعامل في الحال " أرأيتم " كقولك: " اضربه إن خرج " أي: ~~خارجا، وجواب الشرط ما تقدم مما ms3463 دخلت عليه همزة الاستفهام ~~وهذا إعراب لا يظهر. # ولم يؤت هنا ب " كاف " الخطاب، وأتي به هناك؛ لأن التهديد هناك ~~أعظم فناسب التأكيد بالإتيان ب " كاف " الخطاب ولما لم يؤت ~~بالكاف وجب بروز علامة الجمع في التاء لئلا يلتبس، ولو جيء ~~معها بالكاف لاستغني بها كما تقدم، وتوحيد السمع، ~~وجمع الأبصار مفهوم مما تقدم في " البقرة ". # قوله: " من إله " مبتدأ وخبر، و " من " استفهامية، و " غير ~~الله " صفة ل " إله " و " يأتيكم " صفة ثانية، و " الهاء " في " ~~به " تعود على " سمعكم ". # وقيل: تعود على الجميع، ووحد ذهابا به مذهب اسم الإشارة. # وقيل: تعود على الهدى المدلول عليه بالمعنى. # وقيل: يعود على المأخوذ والمختوم المدلول عليهما والختم، ~~والاستفهام هنا للإنكار. # والجمهور: " به انظر " بكسر الهاء على الأصل، وروى المسيبي عن ~~نافع " به انظر " بضم الهاء [وهي لغة من يقرأ " فخسفنا بهو وبدارهو ~~الأرض " فحذف " الواو " لالتقاء الساكنين، فصار " به انظر " والباقون ~~بكسرها. # وقرأ حمزة، والكسائي " يصدفون " بإشمام الزاي, والباقون ~~بالصاد. # فصل في معنى الآية # قال ابن عباس: المعنى: أيها المشركون إن أخذ الله، أي: أذهب ~~وانتزع سمعكم وأبصاركم، وختم على قلوبكم، أي: طبع على ~~قلوبكم فلم تعقل الهدى. # وقيل: معناه: أزال عقولكم حتى تصيروا كالمجانين. # وقيل: المراد من هذا الختم الأمانة. # فصل في إثبات الصانع # المراد من هذا الكلام الدلالة على وجود الصانع الحكيم ~~المختار؛ لأن أشرف أعضاء الإنسان هو السمع والبصر ~~والقلب، والأذن محل القوة السامعة، والعين محل القوة ~~الباصرة، والقلب محل الحياة والعلم والعقل، فلو زالت ~~هذه الصفات عن هذه الأعضاء اختل أمر الإنسان، وبطلت ~~مصالحه في الدنيا والدين. # ومن المعلوم بالضرورة أن القادر على تحصيل هذه القوى فيها، وصونها ~~عن الآفات ليس إلا الله تعالى، وإذا كان الأمر كذلك كان المنعم ~~بهذه النعم العظيمة هو الله سبحانه وتعالى. # قوله: { انظر كيف نصرف الآيات }. # " كيف " معمول ل " نصرف " ونصبها: إما على التشبيه ~~بالحال، او التشبيه بالظرف، وهي معلقة ل " انظر " فهي في ~~محل نصب بإسقاط حرف الجر، وهذا ظاهر ms3464 مما تقدم. # و " نصرف ": نبين، و " يصدفون " معناه: يعرضون، يقال: ~~صدف عن الشيء صدفا وصدوفا وصدافية، وصادفته مصادفة أي: ~~لقيته عن إعراض من جهته. # قال عدي بن الرقاع: [البسيط] # 2177- إذا ذكرن حديثا قلن أحسنه # وهن عن كل سوء يتقى صدف # " صدف " جمع " صدوف " ك " صبر " في جمع " صبور ". # وقيل: معنى " صدف ": " مال " ، مأخوذة من الصدف في البعير، وهو ~~أن يميل خفه من اليد إلى الرجل من الجانب الوحشي. # و " الصدف " جمع " صدفة " ، وهي المحارة التي تكون فيها ~~الدرة. # قال: [البسيط] # 2178- وزادها عجبا أن رحت في سبل # وما درت دوران الدر في الصدف # و " الصدف " و " الصدف " بفتح الصاد والدال وضمهما, وضم الصاد ~~وسكون الدال ناحية الجبل المرتفع، وسيأتي لهذا مزيد بيان. # فصل في دفع شبهة للمعتزلة # قال الكعبي: دلت هذه الآية على أن الله - تعالى - مكنهم من ~~الفهم، ولم يخلق فيهم الإعراض والصد، ولو كان تعالى هو ~~الخالق للكفر فيهم لم يكن لهذا الكلام معنى. # واحتج أهل السنة بعين هذه الآية قالوا: إنه - تعالى - بين ~~أنه بالغ في إظهار هذه الدلالة وفي تقريرها، وإزالة الشبهات عنها، ثم ~~إنهم مع هذه المبالغة القاطعة للعذر ما زادوا إلا ~~تماديا في الكفر والعناد، وذلك يدل على أن الهدى ~~والإضلال لا يحصلان إلا بهداية الله - تعالى - وإضلاله، ~~فدلالة الآية على قولنا أقوى من دلالتها على قولهم. ### || [6.47] # اعلم أن الدلائل المتقدمة كانت مختصة بأخذ السمع والبصر ~~والقلب، وهذا عام في جميع أنواع العذاب، والمعنى أنه لا دافع لنوع ~~من أنواع العذاب، ولا محصل لخير من الخيرات إلا الله ~~تعالى، فوجب أن يكون هو المعبود دون غيره. # والمراد ب " البغتة " العذاب الذي يأتيهم فجاءة من غير سبق ~~علامة، والمراد ب " الجهرة " العذاب الذي يأتيهم مع سبق علامة ~~تدل عليه. # وقال الحسن: " بغتة " أو " جهرة ": معناه: ليلا أو ~~نهارا. # قال القاضي: والأول أولى؛ لأنه لو جاءهم ذلك العذاب ليلا وقد ~~عاينوا قدومه لم يكن بغتة، ولو جاءهم نهارا وهم لا يشعرون ~~بقدومه لم يكن جهرة. # قوله: ms3465 " هل يهلك " هذا استفهام بمعنى النفي؛ ولذلك دخلت " ~~إلا " وهو استثناء مفرغ، والتقدير: ما يهلك إلا القوم ~~الظالمون، وهذه الجملة الاستفهامية في موضع المفعول الثاني ل " أرأيتكم ~~" والأول محذوف، وهو من التنازع على رأي أبي حيان كما تقدم ~~تقريره. # وقال أبو البقاء: الاستفهام هنا بمعنى التقرير، فلذلك ناب عن ~~جواب الشرط، أي: إن أتاكم هلكتم، والظاهر ما تقدمن ويجيء هنا ~~قول الحوفي المتقدم في الآية قبلها من كون الشرط حالا. # وقرأ ابن محيصن: " هل يهلك " مبنيا للفاعل. # فإن قيل: إن العذاب إذا نزل لم يحصل فيه التمييز بين ~~المطيع والعاصي. فالجواب أن العذاب وإن عم الأبرار والأشرار ~~في الظاهر، إلا أن الهلاك في الحقيقة مختص بالظالمين؛ لأن ~~الأخيار يستوجبون [بسبب نزول تلك] المضار بهم أنواعا عظيمة من ~~الثواب والدرجات الرفيعة عن الله. ### || [6.48-49] # والمقصود من هذه الآية أن الأنبياء إنما بعثوا مبشرين بالثواب ~~على الطاعات، ومنذرين بالعقاب على المعاصي، ولا قدرة لهم ~~على إظهار الآيات والمعجزات، بل ذلك مفوض إلى مشيئة ~~الله وحكمته. # قوله: { إلا مبشرين ومنذرين } حال من " المرسلين " ، وفي ~~هذه الحال معنى الغلبة، أي: لم نرسلهم لأن نقترح عليهم الآيات، بل لأن ~~يبشروا وينذروا. # وقرأ إبراهيم، ويحيى: " مبشرين " بالتخفيف، وقد تقدم أن " ~~أبشر " لغة في " بشر ". # قوله: " فمن آمن " يجوز في " من " أن تكون شرطية، وأن تكون ~~موصولة، وعلى كلا التقديرين فمحلها رفع بالابتداء. # والخبر " فلا خوف " فإن كانت شرطية، فالفاء جواب الشرط، وإن ~~كانت موصولة فالفاء زائدة لشبه الموصول بالشرط، وعلى الأول يكون ~~محل الجملتين الجزم، وعلى الثاني لا محل للأولى ومحل الثانية ~~الرفع، وحمل على اللفظ فأفرد في " آمن " و " أصلح " ، وعلى المعنى ~~فجمع في { فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } ، ويقوي ~~كونها موصولة مقابلتها بالموصول بعدها في قوله: { والذين كذبوا ~~}. # وقرأ علقمة: " نمسهم ": بنون مضمومة من " أمسه كذا " " العذاب " ~~نصبا، والمس في اللغة التقاء الشيئين من غير فصل. # وقرأ الأعمش، ويحيى بن وثاب " يفسقون " بكسر السين، وقد تقدم ~~أنها لغة، و " ما " مصدرية على الأظهر، ms3466 أي بفسقهم. # فصل في رد شبهة للقاضي # قال القاضي: إنه - تعالى - علل عذاب الكفار؛ لأنهم فاسقين، ~~فاقتضى أن يكون كل فاسق كذلك، فيقال له: هذا معارض بما أنه خص الذين ~~كفروا وكذبوا بآيات الله وهذا يدل على أنه من لم يكن مكذبا بآيات ~~الله ألا يلحقه هذا الوعيد أصلا، وأيضا فإن كان هذا الوعيد معللا ~~بفسقهم فلم قلتم: إن فسق من عرف الله، وأقر بالتوحيد والنبوة ~~والمعاد مساو لفسق من أنكر هذه الأشياء؟ ### || [6.50] # هذا بقية الكلام على قوله: " لولا أنزل عليه آية من ربه " فقال الله ~~تعالى: قل لهؤلاء الأقوام: إني بعثت مبشرا ومنذرا وليس لي أن ~~أتحكم على الله. # واعلم أن القوم كانوا يقولون: إن كنت رسولا من عند الله فاطلب ~~من الله حتى يوسع علينا منافع الدنيا وخيراتها، ~~فقال الله تعالى: قل لهم " إني لا أقول لكم عندي خزائن الله " ، فهو - ~~تعالى - يؤتي الملك من يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، ~~لا بيدي. # الخزائن: جمع " خزانة " ، وهو اسم للمكان الذي يخزن فيه الشيء، ~~وخزن الشيء إحرازه بحيث لا تناله الأيدي. # قوله: { ولا أعلم الغيب } في محل هذه الجملة وجهان: # أحدهما: النصب عطفا على قوله: { عندي خزائن الله } لأنه ~~من جملة المقول، كأنه قال: " لا أقول لكم هذا القول، ولا هذا القول ~~". # قال الزمخشري. وفيه نظر من حيث إنه يؤدي إلى أنه يصير التقدير: ~~ولا أقول لكم: لا أعلم الغيب وليس بصحيح. # والثاني: أنه معطوف على " لا أقول " لا معمول له، فهو أمر أن يخبر ~~عن نفسه بهذه الجمل الثلاث فهي معمولة للأمر الذي هو " قل " ، ~~وهذا تخريج أبي حيان قال بعد أن حكى قول الزمخشري: " ولا يتعين ~~ما قاله، بل الظاهر أنه معطوف على لا أقول " إلى آخرة. # فصل في معنى الآية # والمعنى: أن القوم يقولون: إن كنت رسولا من عند الله، فلا بد ~~وأن تخبرنا عما سيقع في المستقبل من المصالح المضار حتى ~~نستعد لتحصيل تلك المنافع، ولدفع تلك المضار، فقال تعالى: " ~~قل: إني لا ms3467 أعلم الغيب ولا أقول: إني ملك " ومعناه: أنهم كانوا يقولون: # مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق # [الفرقان:7] ويتزوج ويخالط الناس، فقال تعالى: قل لهم: إني لست من ~~الملائكة. # فصل في بيان فائدة هذه الأحوال # اختلفوا في الفائدة من ذكر هذه الأحوال الثلاثة، فقيل: المراد منه ~~أن يظهر الرسول من نفسه التواضع لله، والاعتراف ~~بعبوديته حتى لا يعتقد فيه مثل اعتقاد النصارى في المسيح عليه ~~الصلاة والسلام. # وقيل: إن القوم كاوا يقترحون عليه إظهار المعجزات القاهرة، ~~كقولهم: # لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا # [الإسراء:90] فقال تعالى في آخر الآية: # قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا # [الإسراء:93] يعني: أنا لا أدعي إلا الرسالة والنبوة، وهذه ~~الأمور التي طلبتموها، فلا يمكن تحصيلها إلا بقدرة الله. # وقيل: المراد من قوله: { لا أقول لكم عندي خزائن الله } ~~، أي: لا أدعي كوني موصوفا بالقدرة، ولا أعلم الغيب، أي: ~~ولا أدعي كوني موصوفا بعلم الله تعالى، وبمجموع هذين الكلامين ~~حصل أنه لا يدعي الإلهية. # ثم قال: { ولا أقول لكم إني ملك } وذلك؛ لأنه ليس بعد ~~الإلهية درجة أعلى حالا من الملائكة فصار حاصل الكلام كأنه ~~يقول: لا أدعي الإلهية، ولا أدعي الملكية، ولكن أدعي الرسالة، ~~وهذا منصب لا يمتنع حصوله [للبشر] فكيف أطبقتم على استنكار ~~قولي. # فصل في رد شبهة الجبائي في تفضيل الملائكة # قال الجبائي: دلت الآية على أن الملك أفضل من الأنبياء؛ ~~لأن [معنى الكلام] لا أدعي منزلة أقوى من منزلتي، ولولا أن ~~الملك أفضل، وإلا لم يصح. # قال القاضي: إن كان الغرض بها نفي طريقة التواضع، فالأقرب يدل ~~على أن الملك أفضل، وإن كان المراد نفي قدرته عن أفعال لا يقوى ~~عليها إلا الملائكة لم يدل على كونه أفضل. # قوله: { إن أتبع إلا ما يوحى إلي }. # يدل على أنه لا يعمل إلا بالوحي، وأنه لم يكن يحكم من تلقاء ~~نفسه في شيء من الأحكام، وأنه ما كان يجتهد، ويؤكد ذلك قوله تعالى: # وما ينطق عن الهوى إن ms3468 هو إلا وحي يوحى # [النجم:3، 4]. # واستدل نفاة القياس بهذا النص، قالوا: لأنه عليه ~~الصلاة والسلام ما كان يعمل إلا بالوحي النازل، فوجب ~~ألا يجوز لأحد من أمته أن يعمل إلا بالوحي النازل، ولقوله ~~تعالى: # واتبعوه # [الأعراف: 158] وذلك ينفي جواز العمل بالقياس. # ثم أكد ذلك بقوله: { هل يستوي الأعمى والبصير } ، ~~وذلك لأن العمل بغير الوحي يجري مجرى عمل الأعمى، والعمل بمقتضى ~~نزول الوحي يجري مجرى عمل البصير، ثم قال تعالى: { أفلا ~~تتفكرون }. # والمراد منه التنبيه على أنه يجب على العاقل أن يعرف الفرق بين ~~هذين البابين، وألا يكون غافلا عن معرفة الله. ### || [6.51] # لما وصف الرسل بكونهم مبشرين ومنذرين أمر الرسول في هذه ~~الآية بالإنذار، فقال: " وأنذر " أي: خوف به، أي: بالقرآن، قاله ~~ابن عباس، والزجاج لقوله تعالى قبل هذه الآية: # إن أتبع إلا ما يوحى إلي # [الأنعام:50]. # وقال الضحاك: " وأنذر به " أي: بالله # وقوله: { الذين يخافون أن يحشروا } أي: يبعثوا، فقيل: ~~المراد بهم الكافرون الذين تقدم ذكرهم؛ لأنه - عليه الصلاة ~~والسلام - كان يخوفهم من عذاب الآخرة، وكان بعضهم يتأثر من ~~ذلك التخويف، ويقول: ربما كان الذي يقوله محمد حقا، ولا يجوز ~~حمله على المؤمنين، لأن المؤمنين يعلمون أنهم يحشرون إلى ~~ربهم، والعلم خلاف الخوف والظن. # ولقائل أن يقول: إنه لا يمتنع أن يدخل فيه المؤمنون؛ لأنهم وإن ~~[تيقنوا] الحشر فلم يتيقنوا العذاب الذي يخاف منه لتجويزهم ~~ألا يموت أحدهم على الإيمان، وتجويز ألا يموتوا على هذه الحالة، ~~فلهذا السبب كانوا خائفين من الحشر بسبب أنهم كانوا مجوزين لحصول ~~العذاب وخائفين منه. # وقيل: المراد بهم المؤمنون؛ لأنهم المقرون، بصحة الحشر ~~والنشر والقيامة والبعث، فهم الذين يخافون من عذاب ذلك اليوم. # وقيل: إنه يتناول الكل؛ لأنه عاقل إلا وهو يخاف ~~الحشر، سواء قطع بحصوله أو شك فيه، ولأنه عليه الصلاة ~~والسلام كان مبعوثا إلى الكل، وإنما خص الذين يخافون ~~الحشر، لأن انتفاعهم بذلك الإنذار أكمل؛ لأن خوفهم يحملهم ~~على إعداد الزاد ليوم المعاد. # قوله: { ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع } العامل ms3469 فيه ~~" يخافون " وهاهنا بحث، وذلك أنه إذا كان المراد من الذين يخافون ~~أن يحشروا إلى ربهم الكفار، فالكلام ظاهر لأنه ليس بهم عند الله ~~شفعاء، وذلك لأن اليهود والنصارى كانوا يقولون: # نحن أبناء الله وأحباؤه # [المائدة:18] فكذبهم الله فيه. # وقال في آية أخرى # ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع # [غافر:18]، وقال # فما تنفعهم شفاعة الشافعين # [المدثر:48]. # وإن كان المراد المسلمين، فنقول: قوله: { ليس لهم من دونه ~~ولي ولا شفيع } [لا] ينافي مذهب أهل السنة في إثبات ~~الشفاعة للمؤمنين، فنقول: لأن شفاعة الملاكة والرسل للمؤمنين إنما ~~تكون بإذن الله - تعالى - لقوله: # من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه # [البقرة:255] فلما كانت تلك الشفاعة بإذن الله كانت في الحقيقة من ~~الله. # قوله: { لعلهم يتقون }. # قال ابن عباس: وأنذرهم لكي يخافوا في الدنيا، وينتهوا عن الكفر ~~والمعاصي. # قالت المعتزلة: وهذا يدل على أنه - تعالى - أراد من الكفار ~~التقوى والطاعة، وقد سبق الكلام على مثل هذا النوع مرارا. ### || [6.52] # قال سلمان، وخباب بن الأرت: فينا نزلت هذه الآية. # " جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينه بن حصن ~~الفزاري، وذووهم من المؤلفة قلوبهم فوجدوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم قاعدا مع بلال، وصهيب, وعمار، وخباب في ناس من ضعفاء ~~المؤمنين، فلما رأوهم حوله حقروهم، فأتوه فقالوا: يا رسول الله لو جلست ~~في صدر المسجد، ونفيت عنا هؤلاء وأرواح جبابهم، وكان ~~عليهم جباب صوف ولم يكن عليهم غيرها، لجالسناك وأخذنا عنك، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنا بطارد المؤمنين، قالوا: ~~فإنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف به العرب ~~فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك، فنستحيي أن ترانا العرب ~~مع هؤلاء الأعبد، فإذا نحن جئنا فأبعدهم عنا، فإذا نحن ~~فرغنا فاقعد معهم إن شئت، فقال " نعم " طمعا في إيمانهم. # قال: ثم قالوا: اكتب لنا عليك بذلك كتابا. # قال: فدعا بالصحيفة، ودعا عليا ليكتب، قال: ونحن قعود في ~~ناحية، إذ نزل جبريل عليه السلام بقوله: { ولا تطرد الذين ~~يدعون ربهم } إلى قوله: " بالشاكرين " فألقى ms3470 رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الصحيفة من يده، ثم دعانا فأتيناه وهو يقول { سلام ~~عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة } وكنا نقعد معه ~~حتى تمس ركبتنا ركبته، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، ~~فأنزل الله تعالى: { واصبر نفسك مع الذين يدعون ~~ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه } [الكهف: 28] ~~فترك القيام عنا إلى أن نقوم عنه وقال: " الحمد لله الذي ~~أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي معكم المحيا ~~ومعكم الممات ". # فصل في بيان شبهة الطاعنين في العصمة # احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء بهذه الآية من وجوه: # أحدها: أنه - عليه الصلاة والسلام - طردهم، والله - تعالى - ~~نهاه عن ذلك، فكان ذنبا. # وثانيها: أنه - تعالى - قال { فتطردهم فتكون من ~~الظالمين } وقد ثبت أنه طردهم. # وثالثها: أنه - تعالى - حكى عن نوح أنه قال: # ومآ أنا بطارد المؤمنين # [الشعراء:114] ثم إنه - تعالى - أمر محمدا - عليه الصلاة والسلام - ~~بمتابعة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - في جميع الأعمال ~~الحسنة بقوله: # فبهداهم اقتده # [الأنعام:90] فوجب على محمد - عليه الصلاة والسلام- ألا يطردهم ~~[فلما طردهم] كان ذلك ذنبا. # ورابعها: أنه قال: # ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا # [الكهف:28] وقال: # ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا ~~منهم زهرة الحياة الدنيا # [طه:131]. # فنهاه عن الالتفات إلى زينة الحياة الدنيا، فكان ذنبا. # وخامسها: أن أولئك الفقراء كانوا كلما دخلوا إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بعد هذه الواقعة يقول: # " مرحبا بمن عاتبني ربي فيهم " # أو لفظا هذا معناه، وذلك أيضا يدل على الذنب. # فالجواب عن الأول: أنه - عليه الصلاة والسلام - ما طردهم لأجل ~~الاستخفاف بهم والاستنكاف من فقرهم، وإنما عين لجلوسهم ~~وقتا معينا سوى الوقت الذي كان يحضر فيه أكابر قريش، ~~وكان غرضه التلطف بهم في إدخالهم في الإسلام، ولعله - عليه ~~الصلاة والسلام - كان يقول: هؤلاء الفقراء من المسلمين لا يفوتهم [بسبب ~~هذه] المعاملة شيء من أمرهم في الدنيا وفي الدين، وهؤلاء ~~الكفار فإنه يفوتهم الدين والإسلام، فكان ترجيح هذا الجانب ~~أولى، فأقصى ما يقال: إن هذا الاجتهاد ms3471 وقع خطأ، إلا أن الخطأ في ~~الاجتهاد مغفور. # وأما قولهم: إنه - عليه الصلاة والسلام - طردهم، فيلزم كونه من ~~الظالمين؟ # فالجواب: أن الظلم عبارة عن وضع الشيء في غير موضعه، والمعنى أن ~~أولئك الفقراء كانوا يستحقون التعظيم من الرسول - عليه الصلاة ~~والسلام- فلما طردهم عن ذلك المجلس، فكان ذلك ظلما، إلا ~~أنه من باب ترك الأولى أو الأفضل، لا من باب ترك الواجبات، وكذلك ~~الجواب عن سائر الوجوه، فإنا نحمل كل هذه الوجوه على ترك ~~الأفضل والأكمل والأولى, والله أعلم. # قوله: " بالغداة ": قرأ الجمهور " بالغداة " هنا وفي " الكهف " ~~وابن عامر " بالغدوة " بضم الغين وسكون الدال، وفتح الواو في ~~الموضعين، وهي قراءة أبي عبد الرحمن السلمي، والحسن البصري، ومالك ~~بن دينار، وأبي رجاء العطاردي، ونصر بن عاصم الليثي، والأشهر ~~في " الغدوة " أنها معرفة بالعلمية، وهي علمية الجنس ك ~~" أسامة " في الأشخاص، ولذلك منعت من الصرف. # وقال الفراء: " سمعت أبا الجراح يقول: ما رأيت [كغدوة] قط، يريد ~~غداة يومه ". # قال: " ألا ترى أن العرب لا تضيفها، فكذا لا يدخلها الألف واللام، ~~إنما يقولون: جئتك غداة الخميس ". # وقال الفراء في كتاب " المعاني " في " سورة الكهف ": قرأ أبو عبد ~~الرحمن السلمي: " بالغدوة والعشي " ولا أعلم أحدا قرأ بها ~~غيره، والعرب تدخل الألف واللام في " الغدوة "؛ لأنها معرفة بغير ~~ألف ولام " فذكره إلى آخره. # وقد طعن أبو عبيد القاسم بن سلام على هذه القراءة، فقال: " ~~إنما نرى ابن عامر، والسلمي قرءا تلك القراءة اتباعا للخط، وليس في ~~إثبات " الواو " في الكتاب دليل على القراءة بها؛ لأنهم كتبوا " ~~الصلاة " و " الزكاة " بالواو، ولفظهما على تركها، وكذلك " الغدوة " ~~على هذا وجدنا العرب ". # وقال الفارسي: الوجه قراءة العامة " بالغداة "؛ لأنها تستعمل ~~نكرة ومعرفة باللام، فأما " غدوة " فمعرفة، وهو علم وضع ~~للتعريف، وإذا كان كذلك، فلا ينبغي أن تدخل عليه الألف واللام للتعريف، ~~كما لا تدخل على سائر الأعلام، وإن كانت قد كتبت بالواو؛ ~~لأنها تدل على ذلك، ألا ترى " الصلاة " و " الزكاة " بالواو، ولا ~~تقرآن بها، فكذلك " الغداة ". # قال سيبويه: ms3472 " غدوة وبكرة جعل كل واحد منهما اسما للحين، ~~كما جعلوا: " أم حبين " اسما لدابة معروفة " إلا أن هذا ~~الطعن لا يلتفت إليه, وكيف يظن بمن تقدم أنهم ~~يلحنون، والحسن البصري ممن يستشهد بكلامه فضلا عن ~~قراءته، ونصر بن عاصم شيخ النحاة، أخذ هذا العلم عن أبي ~~الأسود ينبوع الصناعة، وابن عامر لا يعرف اللحن؛ لأنه ~~عربي، وقرأ على عثمان بن عفان وغيره من الصحابة، ولكن أبا عبيد - ~~رحمه الله - لم يعرف أن تنكير " غدوة " لغة ثانية عن العرب ~~حكاها سيبويه والخليل. # قال سيبويه: زعم أنه يجوز أن تقول: " أتيتك اليوم غدوة ~~وبكرة " فجعلها مثل " ضحوة ". # قال المهدوي: " حكى سيبويه والخليل أن بعضهم ينكر فيقول: " ~~غدوة " بالتنوين، وبذلك قرأه ابن عامر، كأنه جعله نكرة، فأدخل عليها ~~الألف واللام ". # وقال أبو علي الفارسي: " وجه دخول الألف واللام عليها أنه يجوز وإن ~~كانت معرفة أن تنكر، كما حكى أبو زيد " لقيته فينة " ~~غير مصروفة " والفينة بعد الفينة " أي: الحين بعد الحين، ~~فألحق " لام " التعريف ما استعمل معرفة، ووجه ذلك أنه يقدر فيه ~~التنكير والشيوع، كما يقدر فيه ذلك إذا ثنى ". وقال أبو جعفر ~~النحاس: قرأ أبو عبد الرحمن، ومالك بن دينار، وابن عامر: " بالغدوة " ~~قال: " وباب غدوة أن يكون معرفة إلا أنه يجوز تنكيرها كما ~~تنكر الأسماء الأعلام، فإذا نكرت دخلتها الألف واللام للتعريف ~~". # وقال مكي بن أبي طالب " إنما دخلت الألف واللام على " غداة " لأنها ~~نكرة، وأكثر العرب يجعل " غدوة " معرفة فلا ينونها، وكلهم يجعل " ~~غداة " نكرة فينونها، ومنهم من يجعل " غدوة " نكرة وهم ~~الأقل " فثبت بهذه النقول التي ذكرتها عن هؤلاء الأئمة أن ~~قراءة ابن عامر سالمة من طعن أبي عبيد، وكأنه - رحمه الله - ~~لم يحفظها لغة. # وأما " العشي " فنكرة، وكذلك " عشية ". # وهل العشي مرادف ل " عشية " أي: إن هذا اللفظ فيه لغتان: التذكير ~~والتأنيث، أو أن " عشيا " جمع " عشية " في المعنى على حد " ~~قمح " و " قمحة " ، و " شعير " و " شعيرة " ، فيكون اسم جنس، ~~خلاف مشهور، والظاهر الأول لقوله تعالى: # إذ ms3473 عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد # [ص:31] إذ المراد هنا عشية واحدة، واتفقت مصاحف الأمصار على ~~رسم هذه اللفظة " الغدوة " بالواو وقد تقدم أن قراءة ابن عامر ~~ليست مستندة إلى مجرد الرسم، بل إلى النقل، وثم [ألفاظ ~~اتفق] أيضا على رسمها بالواو، واتفق على قراءتها بالألف، ~~وهي: " الصلاة، والزكاة، ومناة، ومشكاة، [والربا،] والنجاة والحياة ~~" ، وحرف اتفق على رسمه بالواو، واختلف في قراءته بالألف والواو، ~~وهو " الغداة " وأصل غداة: غدوة، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، ~~فقلبت ألفا. # وقرأ ابن أبي عبلة: " بالغدوات والعشيات " ، جمع " غداة " و " ~~عشية " وروي عن أبي عبد الرحمن أيضا " بالغدو " بتشديد الواو من غير ~~هاء. # فصل في المراد بالآية # قال ابن عباس [معنى الآية] يعبدون ربهم بالغداة والعشي ~~يعني صلاة الصبح، وصلاة العصر، وهو قول الحسن ومجاهد. # وروي عنه أن المراد الصلوات الخمس، وذلك " أن ناسا من الفقراء كانوا ~~يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال ناس من الأشراف: " إذا ~~صلينا فأخر هؤلاء فليصلوا خلفنا " فنزلت هذه الآية. # وقال مجاهد: صليت الصبح مع سعيد بن المسيب، فلما سلم ~~الإمام ابتدر الناس القاص، فقال سعيد: ما أسرع الناس إلى هذا ~~المجلس، فقال مجاهد: فقلت: يتأولون قوله تعالى: { يدعون ~~ربهم بالغداة والعشي } فقال: أفي هذا هو؟ إنما ذلك في ~~الصلاة التي انصرفنا عنها الآن. # وقال إبراهيم النخعي: يعني: يذكرون ربهم. # وقيل: المراد حقيقة الدعاء. # قوله: " يريدون " هذه الجملة في محل نصب على الحال من فاعل " ~~يدعون " أو من مفعوله، والأول هو الصحيح، وفي الكلام حذف، أي: ~~يريدون بدعائهم في هذين الوقتين وجهه. # فصل في الرد على شبهة المجسمة # تمسكت المجسمة في إثبات الأعضاء لله - تعالى - بهذه الآية، ~~وسائر الآيات المناسبة، كقوله تعالى: # ويبقى وجه ربك # [الرحمن:27] والجواب: أن قوله تعالى: # قل هو الله أحد # [الإخلاص:1] يقتضي الوحدانية التامة، وذلك ينافي التركيب من ~~الأعضاء والأجزاء، فثبت أنه لا بد من التأويل، وهو من وجهين: # أحدهما: قوله: { يريدون وجهه } ، أي: يريدونه إلا أنهم يذكرون ~~[لفظ الوجه للتعظيم كما يقال: هذا وجه ms3474 الرأي، وهذا وجه الدليل الثاني:] ~~أن من أحب ذاتا أحب أن يرى وجهه، فرؤية الوجه من لوازم ~~المحبة، فلهذا السبب جعل الوجه كناية عن المحبة، وطلب ~~الرضى. # والثاني: أن المراد بالوجه القصد والنية؛ كقول الشاعر: [البسيط] # 2179-أستغفر الله ذنبا لست أحصيه # رب العباد إليه الوجه والعمل # وقد تقدم بيانه عند قوله: # ولله المشرق والمغرب # [البقرة:115] # قوله: { ما عليك من حسابهم من شيء } # " ما " هذه يجوز أن تكون الحجازية الناصبة للخبر، فيكون " عليك " ~~في محل النصب على أنه خبرها، عند من يجوز إعمالها في ~~الخبر المقدم إذا كان ظرفا أو حرف جر، وأما إذا كانت ~~تميمية، أو متعينا إهمالها في الخبر المقدم مطلقا كان " ~~عليك " في محل رفع خبرا مقدما، والمبتدأ هو " من شيء " زيدت ~~فيه " من ". # وقوله: " من حسابهم " قالوا: " من " تبعيضية، وهي في محل ~~نصب على الحال، وصاحب الحال هو " من شيء "؛ لأنها لو تأخرت عنه ~~لكانت صفة له، وصفة النكرة متى قدمت انتصبت على الحال، ~~فعلى هذا تتعلق بمحذوف، والعامل في الحال الاستقرار في " عليك " ~~، ويجوز أن يكون " من شيء " في محل رفع بالفاعلية، ورافعه " ~~عليك " لاعتماده على النفي، و " من حسابهم " حال أيضا من " شيء " ~~العامل فيها الاستقرار والتقدير: ما استقر عليك شيء من حسابهم. # وأجيز أن يكون " من حسابهم " هو الخبر: إما ل " ما " ، ~~وإما للمبتدأ، و " عليك " حال من " شيء " ، والعامل فيها ~~الاستقرار، وعلى هذا فيجوز أن يكون " من حسابهم " هو الرافع ~~للفاعل على ذاك الوجه، و " عليك " حال أيضا كما تقدم تقريره، ~~وكون " من حسابهم " هو الخبر، و " عليك " هو الحال غير واضح؛ ~~لأن محط الفائدة إنما هو " عليك ". # قوله: { وما من حسابك عليهم من شيء } كالذي قبله، ~~إلا أن هنا يمتنع بعض ما كان جائزا هناك، وذلك أن قوله: " ~~من حسابك " لا يجوز أن ينتصب على الحال؛ لأنه يلزم ~~تقدمه على عامله المعنوي، وهو ممتنع، أو ضعيف لا سيما وقد ~~تقدمت هنا على العامل فيها، وعلى صاحبها، وقد تقدم أن الحال إذا ~~كانت ms3475 ظرفا أو حرف جر كان تقديمها على العامل [المعنوي] أحسن منه ~~إذا لم يكن كذلك، فحينئذ لك أن تجعل قوله: " من حسابك " بيانا لا ~~حالا, ولا خبرا حتى تخرج من هذا المحذور, وكون " من " هذه ~~تبعيضية غير ظاهر, وقد تقدم خطابه - عليه الصلاة والسلام - في ~~الجملتين تشريفا له، ولو جاءت الجملة الثانية على نمط الأولى ~~لكان التركيب " وما عليهم من حسابك من شيء " فتقدم المجرور ب " ~~على " كما قدمه في الأولى، لكنه عدل عن ذلك لما تقدم. # وفي هاتين الجملتين ما يسميه أهل البديع: رد الأعجاز على الصدور، ~~كقولهم: " عادات السادات سادات العادات " ومثله في المعنى قول ~~الشاعر: [الطويل] # 2180- وليس الذي حللته بمحلل # وليس الذي حرمته بمحرم # وقال الزمخشري - بعد كلام قدمه في معنى التفسير -: فإن قلت: أما كفى ~~قوله: " ما عليك من حسابهم من شيء " حتى ضم إليه: { وما من ~~حسابك عليهم من شيء }؟ # قلت: قد جعلت الجملتان بمنزلة جملة واحدة، وقصد بها مؤدى واحد، ~~وهو المعنى بقوله: # ولا تزر وازرة وزر أخرى # [الأنعام:164]. # ولا يستقل بهذا المعنى إلا الجملتان جميعا، كأنه قيل: " لاتؤاخد ~~أنت ولا هم بحساب صاحبه " قال أبو حيان: " لا تؤاخذ أنت... إلى ~~آخره تركيب غير عربي، لا يجوز عود الضير هنا غائبا ولا مخاطبا، ~~لأنه إن [عاد] غائبا فلم يتقدم له اسم مفرد غائب يعود عليه، إنما ~~تقدم قوله: " هم " ولا يمكن العود عليه على اعتقاد الاستغناء ~~بالمفرد عن الجمع، لأنه يصير التركيب بحساب صاحبهم، وإن أعيد ~~مخاطبا، فلم يتقدم مخاطب يعود عليه، إنما تقدم قوله: " لا ~~تؤاخذ أنت " ولا يمكن العود إليه، فإنه ضمير [مخاطب]، فلا يعود ~~عليه غائبا ولو أبرزته مخاطبا لم يصح التركيب أيضا، ~~فإصلاح التركيب أن يقال: " لا يؤاخذ كل واحد منك، ولا منهم ~~بحساب صاحبه، أو لا تؤاخذ أنت بحسابهم، ولا هم بحسابك، أو لا تؤاخذ أنت ~~ولا هم بحسابكم " ، فتغلب الخطاب على الغيبة، كما تقول: أنت ~~وزيد تضربان ". # قال شهاب الدين: والذي يظهر أن كلام الزمخشري صحيح ولكن فيه ms3476 حذف، ~~وتقديره: لا يؤاخذ كل واحد: أنت ولا هم بحساب صاحبه، وتكون " أنت ~~ولا هم " بدلا من " كل واحد " ، والضمير في صاحبه عائد على [قوله:] ~~" كل واحد " ، ثم إنه وقع [في] محذور آخر مما أصلح به كلام الزمخشري، ~~وذلك أنه قال: ولا تؤاخذ أنت ولا هم بحسابكم، وهذا التركيب يحتمل أن ~~يكون المراد, بل الظاهر نفي المؤاخذة بحساب كل واحد ~~بالنسبة إلى نفسه هو، لا أن كل واحد غير مؤاخذ بحساب غيره، والمعنى ~~الثاني هو المقصود. # والضمائر الثلاثة، أعني التي في قوله: " من حسابهم " و " عليهم " ~~و " فتطردهم " أيضا عودها على نوع واحد، وهم الذين يدعون ربهم، ~~وبه قال الطبري إلا أنه فسر الحساب بالرزق الدنيوي. # وقال الزمخشري، وابن عطية: " إن الضميرين الأولين يعودان على ~~المشركين، والثالث يعود على الداعين ". # قال أبو حيان: " وقيل: الضمير في " حسابهم " ، و " عليهم " عائد على ~~[المشركين] [وتكون الجملتان اعتراضا بين النهي وجوابه " ، وظاهر ~~عبارته أن الجملتين لا تكونان اعتراضا إلا على اعتقاد كون الضميرين ~~في " حسابهم " ، و " عليهم " عائدين على المشركين]. # وليس الأمر كذلك، بل هما اعتراض بين النهي، وهو " ولا تطرد ~~" وبين جوابه وهو " فتكون " ، وإن كانت الضمائر كلها للمؤمنين. # ويدل على ذلك أنه قال بعد ذلك في " فتكون ": وجوز أن تكون ~~جوابا للنهي في قوله: " ولا تطرد " ، وتكون الجملتان، وجواب الأول ~~اعتراضا بين النهي وجوابه، فجعلهما اعتراضا مطلقا من غير ~~نظر إلى الضميرين، ويعني بالجملتين " ما عليك من حسابهم من شيء " ~~و " من حسابك عليهم من شيء " وبجواب الأول قوله: " فتطردهم ". # قوله: " فتطردهم " فيه وجهان: # أحدهما: منصوب على جواب [النفي] بأحد معنيين فقط، وهو انتفاء ~~الطرد لانتفاء كون حسابهم عليه وحسابه عليهم؛ لأنه ينتفي ~~المسبب بانفاء سببه، ولنوضح ذلك في مثال وهو: " ما تأتينا ~~فنحدثنا " بنصب " فتحدثنا " وهو يحتمل معنيين: # أحدهما: انتفاء الإتيان، وانتفاء الحديث، كأنه قيل [ما يكون منك ~~إتيان، فكيف يقع منك حديث؟ وهذا المعنى هو المقصود بالآية الكريمة، أي: ~~ما يكون مؤاخذة كل واحد بحساب صاحبه، فكيف يقع طرد؟ ms3477 والمعنى الثاني: ~~انتفاء الحديث، وثبوت الإتيان]. # كأنه قيل: ما تأتينا محدثا، بل تأتينا غير محدث، وهذا المعنى ~~لا يليق الآية الكريمة، والعلماء- رحمهم الله - وإن أطلقوا قولهم: إن ~~منصوب على جواب النفي، فإنما يريدون المعنى الأول دون الثاني، ~~والثاني أن يكون منصوبا على جواب النهي قوله: " فتكون " ففي نصبه ~~وجهان: # أظهرهما: أنه منصوب عطفا على " فتطردهم " ، والمعنى: الإخبار ~~بانتفاء حسابهم، والطرد والظلم المسبب عن الطرد. # قال الزمخشري: ويجوز أن تكون عطفا على " فتطردهم " على وجه السبب؛ ~~لأن كونه ظالما مسبب عن طردهم. # والثاني من وجهي النصب: أنه منصوب على جواب النهي في قوله: " ولا ~~تطرد ". # ولم يذكر مكي، ولا الواحدي، ولا أبو البقاء غيره. # قال أبو حيان: " أن يكون " فتكون " جوابا للنهي في قوله: " ولا تطرد ~~" كقوله: # لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب # [طه:61]، وتكون الجملتان وجواب الأول اعتراضا بين النهي وجوابه ". # قال شهاب الدين: قد تقدم أن كونهما اعتراضا لا يتوقف على ~~عود الضمير في قوله: " من حسابهم " و " عليهم " على ~~المشركين كما هو المفهوم من قوله هاهنا، وإن كان كلامه قبل ذلك كما حكينا ~~عنه يشعر بذلك. # فصل في شبهة للكفار # ذكروا في قوله: " ما عليك من حسابهم من شيء " قولين: # الأول: أن الكفار طعنوا في إيمان أولئك الفقراء، وقالوا: يا محمد ~~إنهم [إنما] اجتمعوا عندك، وقبلوا دينك؛ لأنهم يجدون بهذا السبب ~~مأكولا وملبوسا عندك, وإلا فهم فارغون عن دينك, فقال الله ~~تعالى: إن كان الأمر على ما يقول هؤلاء، فما يلزمك إلا اعتبار ~~الظاهر، وإن كان باطنهم غير مرض عند الله، فحسابهم عليه ~~لازم لهم لا يتعدى إليك، كما أن حسابك عليك لا يتعدى إليهم، كقوله: # ولا تزر وازرة وزر أخرى # [الأنعام: 164]. # الثاني: المعنى: ما عليك من حساب رزقهم من شيء فتملهم وتطردهم، ~~فتكون من الظالمين لهم لأنهم لما استوجبوا مزيد التقريب كان ~~طردهم طلما لهم. ### || [6.53] # " الكاف " في محل نصب على أنها نعت لمصدر محذوف، والتقدير: ~~ومثل ذلك الفتون المتقدم الذي فهم من سياق أخبار الأمم ms3478 الماضية ~~فتنا بعض هذه الأمة ببعض، فالإشارة بذلك إلى الفتون ~~المدلول عليه بقوله: " فتنا " ، ولذلك قال الزمخشري: ومثل ذلك ~~الفتن العظيم فتن بعض الناس ببعض فجعل الإشارة لمصدر فتنا. ~~وانظر كيف لم يتلفظ هو بإسناد الفتنة إلى الله - تعالى - في ~~كلامه، وإن كان البارئ - تعالى - قد أسندها، بل قال: فتن بعض الناس ~~فبناه للمفعول على قاعدة المعتزلة. # وجعل ابن عطية الإشارة إلى طلب الطرد، فإنه قال بعد كلام يتعلق ~~بالتفسير: " والإشارة بذلك إلى ما ذكر من طلبهم أن يطرد الضعفة ~~". # قال أبو حيان: ولا ينتظم هذا التشبيه؛ إذ يصير التقدير: مثل طلب ~~الطرد فتنا بعضهم ببعض والمتبادر إلى الذهن من قولك: " ~~ضربت مثل ذلك " المماثلة في الضرب، أي: مثل ذلك الضرب لا أن تقع ~~المماثلة في غير الضرب، وقد تقدم مرارا أن سيبويه يجعل مثل ~~ذلك حالا من ضمير المصدر المقدر. # قوله: " ليقولوا " في هذه " اللام " وجهان: # أظهرهما: - وعليه أكثر المعربين والمفسرين - أنها لام " كي " ، ~~والتقدير: ومثل ذلك الفتون فتنا ليقولوا هذه المقالة ابتلاء ~~منا وامتحانا. # والثاني: أنها " لام " الصيرورة أي: العاقبة كقوله: [الوافر] # 2181- لدوا للموت وابنوا للخراب # ................ # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا # [القصص:8]، ويكون قولهم " أهؤلاء " إلى آخره صادرا على سبيل ~~الاستخفاف. # قوله: " أهؤلاء " يجوز فيه وجهان: # أظهرهما: أنه منصوب المحل على الاشتغال بفعل محذوف ~~يفسره الفعل الظاهر، العامل في ضميره بوساطة " على " ، ويكون ~~المفسر من حيث المعنى لا من حيث اللفظ، والتقدير: أفضل الله هؤلاء ~~من عليهم، أو اختار هؤلاء من عليهم، ولا محل لقوله: " من ~~الله عليهم " لكونها مفسرة، وإنما رجح هنا إضمار الفعل؛ لأنه ~~وقع بعد أداة يغلب إيلاء الفعل لها. # والثاني: أنه مرفوع المحل على أنه مبتدأ، والخبر: من الله ~~عليهم، وهذا وإن كان سالما من الإضمار الموجود في الوجه الذي قبله، ~~إلا أنه مرجوح لما تقدم، و " عليهم " متعلق ب " من ". # و " من بيننا " يجوز أن يتعلق به أيضا. # قال أبو البقاء: " أي ميزهم علينا، ويجوز أن يكون حالا ". # قال أبو البقاء أيضا: ms3479 أي: من عليهم منفردين، وهذان التفسيران تفسيرا ~~معنى لا تفسيرا إعراب، إلا أنه لم يسقهما إلا تفسيري ~~إعراب. # والجملة من قوله: " أهؤلاء من الله " في محل نصب بالقول. # وقوله: " بأعلم بالشاكرين " الفرق بين الباءين أن الأولى لا ~~تعلق لها لكونها زائدة في خبر " ليس " ، والثانية متعلقة ب " أعلم ~~" وتعدي العلم بها لما ضمن من معنى الإحاطة، وكثيرا ما يقع ذلك ~~في عبارة العلماء، فيقولون: علم بكذا والعلم بكذا لما تقدم. # فصل في تحرير معنى الفتنة في الآية # معنى هذه الفتنة أن كل واحد من الفريقين مبتلى بصاحبه، ~~فرؤساء الكفار الأغنياء كانوا يحسدون فقراء الصحابة على ~~كونهم سابقين للإسلام مسارعين إلى قبوله، فقالوا: ولو دخلنا في ~~الإسلام لوجب علينا أن نتقاد لهؤلاء الفقراء المساكين، وأن نعترف ~~لهم بالتبعية، فكأن ذلك يشق عليهم، ونظيره: # أأنزل عليه الذكر من بيننا # [ص:8] # لو كان خيرا ما سبقونآ إليه # [الأحقاف:11]. # وأما فقراء الصحابة فكانوا يرون أولئك الكفار في ~~الراحات والمسرات والطيبات والخصب والسعة، فكانوا يقولون: ~~كيف حصلت هذه الأحوال لهؤلاء الكفار مع أنا بقينا في [هذه] ~~الشدة والضيق، فقال تعالى: { وكذلك فتنا بعضهم } فأحد ~~الفريقين يرى الآخر مقدما [عليه] في المناصب الدينية، ويقولون: أهذا ~~الذي فضله الله علينا؟ # وأما المحققون فهم الذين يعلمون أن كل ما فعله الله - ~~تعالى - فهو حق وحكمة وصواب ولا اعتراض عليه، إما بحكم الملكية كما ~~هو قول أهل السنة, وإما بحسب المصلحة كما هو قول المعتزلة فكانوا ~~صابرين في وقت البلاء، شاكرين في وقت الآلاء والنعماء وهم الذين ~~قال الله في حقهم: { أليس الله بأعلم بالشاكرين }. # فصل # " روى أبو سعيد الخدري قال: جلست في نفر من ضعفاء ~~المهاجرين، وإن بعضهم ليستتر من بعض من العري، وقارئ يقرأ ~~علينا، إذ جاء رسوله الله صلى الله عليه وسلم فقام علينا فلما ~~قام رسول الله صلى الله عليه وسلم سكت القارئ، فسلم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقال: ما كنتم تصنعون؟ قلنا: يا رسول الله: ~~كان قارئ يقرأ وكنا نستمع إلى كتاب ms3480 الله، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " الحمد لله الذي جعل من أمتي من ~~أمرني أن أصبر نفسي معهم " ، قال: ثم جلس وسطنا ~~ليعدل بنفسه فينا، ثم قال بيده هكذا فتحلقوا، وبرزت وجوههم له ~~قال: فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عرف منهم أحدا غيري. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أبشروا يا معشر صعاليك ~~المهاجرين بالنور التام يوم القيامة تدخلون الجنة ~~قبل الأغنياء بنصف يوم، وذلك مقدار خمسمائة سنة ~~" ". # فصل في بيان الدلالة من الآية # احتج أهل السنة بهذه الآية على مسألة خلق الأفعال من ~~وجهين: # الأول: أن قوله: { فتنا بعضهم ببعض } تصريح بأن إلقاء تلك ~~الفتنة من الله تعالى، والمراد من تلك الفتنة ليس إلا ~~اعتراضهم على الله في أن جعل أولئك الفقراء رؤساء في الدين، ~~والاعتراض على الله كفر، وذلك يدل على أنه - تعالى - هو ~~الخالق للكفر. # والثاني: أنه - تعالى - حكى عنهم أنهم قالوا: " أهؤلاء من الله ~~عليهم من بيننا " أي: من عليهم بالإيمان بالله، ومتابعة الرسول، ~~وذلك يدل على أن هذا المعنى إنما حصل من الله تعالى؛ لأنه لو ~~كان الموجد للإيمان هو العبد فالله ما من عليه بهذا الإيمان، بل ~~العبد هو الذي من على نفسه بهذا الإيمان. # أجاب الجبائي عنه بأن الفتنة في التكليف ما توجب التشديد ~~وإنما فعلنا ذلك ليقولوا: أهؤلاء أي: ليقول بعضهم لبعض ~~استفهاما لا إنكارا [أهؤلاء] من الله عليهم من بيننا ~~بالإيمان أجاب الكعبي عنه بأن قال: " وكذلك فتنا بعضهم ببعض ~~ليصبروا أو ليشكروا، فكان عاقبة أمرهم أن قالوا: أهؤلاء من ~~الله عليهم من بيننا " على مثاله قوله تعالى: # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا # [القصص:8]. # والجواب عن الوجهين أنه عدول عن الظاهر من غير دليل، والدليل ~~العقلي قائم على صحة هذا الظاهر؛ لأنه لما كانت مشاهدة ~~هذه الأحوال توجب الأنفة، والأنفة توجب العصيان والإصرار ~~على الكفر، وموجب الموجب موجب، فكان الإلزام واردا، والله ~~أعلم. ### || [6.54] # " إذا " منصوب بجوابه، أي: فقل، سلام عليكم وقت مجيئهم ms3481 أي: أوقع ~~هذا القول كله في وقت مجيئهم إليك، وهذا معنى واضح. # وقال أبو البقاء: " والعامل في " إذا " معنى الجواب، أي: إذا جاءوك ~~سلم عليهم " ولا حاجة تدعو إلى ذلك مع فوات قوة المعنى؛ لأن كونه ~~يبلغهم السلام والإخبار بأنه كتب على نفسه الرحمة، وأنه من ~~عمل سوءا بجهالة غفر له لا يقوم مقامه السلام فقط، وتقديره ~~يفضي إلى ذلك. # وقوله: " سلام " مبتدأ، وجاز الابتداء به وإن كان نكرة؛ لأنه ~~دعاء، والدعاء من المسوغات. # وقال أبو البقاء: " لما فيه من معنى الفعل " وهذا ليس من مذهب جمهور ~~البصريين، وإنما هو شيء نقل عن الأخفش: أنه إذا كانت النكرة في معنى ~~الفعل جاز الابتداء بها ورفعها الفاعل، وذلك نحو: " قائم أبواك " ونقل ~~ابن مالك أن سيبويه أومأ إلى جوازه، واستدلال الأخفش بقوله: [الطويل] # 2182-خبير بنو لهب فلا تك ملغيا # مقالة لهبي إذا الطير مرت # ولا دليل فيه؛ لأن " فعيلا " يقع بلفظ واحد للمفرد وغيره، ف " خبير ~~" خبر مقدم واستدل له أيضا بقول الآخر: [الوافر] # 2183- فخير نحن عند الناس منكم # إذا الداعي المثوب قال: يا لا # ف " خير " مبتدأ، و " نحن " [فاعل] سد مسد الخبر. # فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون " خير " خبرا مقدما, و " نحن " ~~مبتدأ مؤخر؟ # قيل: لئلا يلزم الفصل بين " أفعل " و " من " بأجنبي بخلاف ~~جعله فاعلا، فإن الفاعل كالخبر بخلاف المبتدأ. # و " عليكم " خبره، و " سلام عليكم " أبلغ من " سلاما عليكم " ~~بالنصب، وقد تقرر هذا في أول " الفاتحة " عند قراءة " الحمد " و ~~" الحمد ". # وقوله: " كتب ربكم " في محل نصب بالقول، لأنه كالتفسير ~~لقوله: " سلام عليكم ". # فصل في نزول الآية # قال عكرمة: نزلت في الذين نهى الله - عز وجل - نبيه صلى ~~الله عليه وسلم عن طردهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رآهم ~~بدأهم بالسلام. # وقال عطاء: نزلت في أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وبلال، وسالم، ~~وأبي عبيدة، ومصعب بن عمير، وحمزة، وجعفر، وعثمان بن ~~مظعون، وعمار بن ياسر، والأرقم بن أبي الأرقم وأبي سلمة ~~بن عبد ms3482 الأسد. # قال ابن الخطيب: " وها هنا إشكال، وهو أن الناس اتفقوا على أن هذه ~~السورة نزلت دفعة واحدة، وإذا كان كذلك، فكيف يمكن أن يقال في ~~كل واحد من آيات هذه السورة: إن سبب نزول هذه الآية الأمر ~~الفلاني بعينه، بل الأقرب أن تحمل هذه الآية على عمومها، فكل ~~من آمن بالله دخل تحت هذا التشريف ". # فصل فيما يطلق عليه لفظ " السلام " # قال المبرد: السلام في اللغة على أربعة أشياء: # فمنها سلمت سلاما، وهو معنى الدعاء. # ومنها أنه اسم من أسماء الله تعالى. # ومنها الإسلام. # ومنها الشجر العظيم أحسبه مسمى بذلك لسلامته من الآفات. # ومنها أيضا اسم للحجارة الصلبة، وذلك أيضا لسلامتها من ~~الرخاوة. # ثم قال الزجاج: " سلام عليكم " هاهنا يحتمل أن يكون له تأويلان: # أحدهما: أن يكون مصدر: سلمت تسليما وسلاما، مثل " السراح " من ~~" التسريح " ، ومعنى سلمت عليه سلاما: دعوت بأن يسلم من الآفات ~~في دينه ونفسه، والسلام بمعنى التسليم. # والثاني: أن يكون " السلام " جمع " السلامة " ، فمعنى قولك: ~~السلام عليكم: السلامة عليكم. # وقال ابن الأنباري: قال قوم: السلام هو الله تعالى، فمعنى السلام ~~عليكم [يعني الله عليكم] أي: على حفظكم، وهذا بعيد في هذه الآية ~~لتنكير السلام، ولو كان معرفا لصح هذا الوجه. # فصل في الكلام على " السلام " # قال قوم: إنه - تعالى - لما أمر الرسول - عليه الصلاة والسلام - ~~بأن يقول لهم: { سلام عليكم كتب ربكم على نفسه ~~الرحمة } كان هذا من قول الله فيدل على أنه - تعالى - قال لهم ~~في الدنيا: سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة. # ومنهم من قال: بل هذا كلام الرسول صلى الله عليه وسلم. # فصل في معنى " كتب " # كتب كذا [على فلان] يفيد الإيجاب، أي: بمعنى قضى، وكلمة " على " أيضا ~~تفيد الإيجاب، ومجموعهما مبالغة في الإيجاب، وهذا يقتضي كونه - تعالى ~~- راحما لعباده على سبيل الوجوب، واختلفوا في ذلك الوجوب؟ # فقال أهل السنة: له - سبحانه وتعالى - أن يتصرف في ~~عباده كيف شاء وأراد إلا أنه أوجب الرحمة على نفسه على ~~سبيل الفضل والكرم. # وقالت المعتزلة: ms3483 إن كونه عالما بقبح القبائح، وعالما بكونه ~~غنيا عنها يمنعه من الإقدام على القبائح، ولو فعله كان ~~ظالما، والظلم قبيح، والقبح منه محال. # فصل في الدلالة في الآية # دلت هذه الآية على جواز تسمية ذات الله - تعالى - بالنفس, أيضا ~~قوله تعالى: # تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك # [المائدة:116] يدل عليه، والنفس هنا بمعنى الذات والحقيقة، ~~لا بمعنى الجسم، والدم؛ لأنه - تعالى - مقدس عنه؛ لأنه لو ~~كان جسما لكان مركبا، والمركب ممكن. # وأيضا إنه أحد لا يكون مركبا، وما لا يكون مركبا لا يكون ~~جسما. # وأيضا الأجسام متماثلة في تمام الماهية، فلو كان جسما لحصل له ~~مثل، وذلك باطل؛ لقوله تعالى: # ليس كمثله شيء # [الشورى:11]. # فصل في دحض شبهة المعتزلة # قالت المعتزلة: " كتب ربكم على نفسه الرحمة " ينافي ~~كونه تعالى يخلق الكفر في الكافر، ثم يعذبه عليه أبد ~~الآباد، وينافي أن يقال: إنه يمنعه من الإيمان، ثم يأمره حال ذلك ~~المنع بالإيمان، ثم يعذبه على ذلك. # وأجيب بأنه - تعالى- نافع ضار محيي مميت، فهو - تعالى - فعل تلك ~~الرحمة البالغة، وفعل هذا القهر البالغ ولا منافاة بين ~~الأمرين. # قوله: " أنه، فأنه " قرأ ابن عامر، وعاصم بالفتح فيهما، وابن كثير ~~وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي بالكسر فيهما، ونافع بفتح الأولى، وكسر ~~الثانية، وهذه القراءات الثلاث في المتواتر، والأعرج بكسر الأولى ~~وفتح الثانية عكس قراءة نافع، هذه رواية الزهراوي عنه، وكذا الداني. # وأما سيبويه فروى قراءته كقراءة نافع، فيحتمل أن يكون عنه ~~روايتان. # فأما القراءة الأولى ففتح الأولى فيها من أربعة أوجه: # أحدها: أنها بدل من " الرحمة " بدل شيء من شيء، والتقدير: " كتب على ~~نفسه أنه من عمل " إلى آخره، فإن نفس هذه الجمل المتضمنة للإخبار بذلك ~~رحمة. # والثاني: أنها في محل رفع على أنها مبتدأ، والخبر محذوف، أي: " ~~عليه أنه من عمل " إلى آخره. # والثالث: أنها [فتحت] على تقدير حذف حرف الجر، والتقدير: " لأنه من ~~عمل " ، فلما حذفت " اللام " جرى في محلها الخلاف المشهور. # الرابع: أنها مفعول ب " كتب " ، و " الرحمة " مفعول ms3484 من أجله، أي: ~~أنه كتب أنه من عمل لأجل رحمته إياكم. # قال أبو حيان: وينبغي ألا يجوز؛ لأن فيه تهيئة العامل للعمل، ~~وقطعه عنه. # وأما فتح الثانية فمن خمسة أوجه: # أحدها: أنها في محل رفع على أنها مبتدأ، والخبر محذوف، أي: ~~فغفرانه ورحمته حاصلان أو كائنان، أو فعليه غفرانه ورحمته. # وقد أجمع القراء على فتح ما بعد " فاء " الجزاء في قوله: # ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن ~~له نار جهنم # [التوبة:63] # كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله # [الحج:4] كما أجمعو على كسرها في قوله: # ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم # [الجن:23]. # الثاني: أنها في محل رفع على أنها خبر مبتدأ محذوف، أي: فأمره أو ~~شأنه أنه غفور رحيم. # الثالث: أنها تكرير للأولى كررت لما طال الكلام وعطفت عليها ~~بالفاء، وهذا منقول على أبي جعفر النحاس، وهذا وهم فاحش؛ لأنه ~~يلزم منه أحد محذورين: إما بقاء مبتدأ بلا خبر، أو شرط بلا ~~جواب. # وبيان ذلك أن " من " في قوله: " أنه من عمل " لا تخلو: إما ~~أن تكون موصولة أو شرطية، وعلى كلا التقديرين، فهي في محل رفع ~~بالابتداء، فلو جعلنا " أن " الثانية معطوفة على الأولى لزم عدم ~~خبر المبتدأ، وجواب الشرط، وهو لا يجوز. # وقد ذكر هذا الاعتراض، وأجاب عنه الشيخ شهاب الدين أبو شامة فقال: " ~~ومنهم من جعل الثانية تكريرا للأولى لأجل طول الكلام على حد قوله: # أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما ~~أنكم مخرجون # [المؤمنون:35] ودخلت " الفاء " في " فأنه غفور " على حد دخولها في # فلا تحسبنهم بمفازة # [آل عمران:188] على قول من جعله تكريرا لقوله: # لا تحسبن الذين يفرحون # [آل عمران:188] إلا أنه هذا ليس مثل " أيعدكم "؛ لأن هذه لا شرط ~~فيها، وهذه فيها شرط، فيبقى بغير جواب. # فقيل: الجواب محذوف لدلالة الكلام عليه تقديره: غفر لهم " انتهى. # وفيه بعد، وسيأتي هذا الجواب أيضا في القراءة الثانية منقولا عن ~~أبي البقاء، وكان ينبغي أن يجيب به هنا، لكنه لم يفعل ولم يظهر فرق ms3485 ~~في ذلك. # الرابع: أنها بدل من الأولى، وهو قول الفراء والزجاج وهذا ~~مردود بشيئين: # أحدهما: أن البدل لا يدخل فيه حرف عطف، وهذا مقترن بحرف العطف، ~~فامتنع أن يكون بدلا. # فإن قيل: نجعل " الفاء " زائدة، فالجواب أن زيادتها غير زائدة، وهو شيء ~~قال به الأخفش. # وعلى تقدير التسليم فلا يجوز ذلك من وجه آخر، وهو خلو ~~المبتدأ، أو الشرط عن خبر أو جواب. # والثاني من الشيئين: خلو المبتدأ، أو الشرط عن الخبر، أو الجواب كما ~~تقدم تقريره، فإن قيل: نجعل الجواب محذوفا - كما تقدم نقله عن ~~أبي شامة - قيل: هذا بعيد عن الفهم. # الخامس: أنها مرفوعة بالفاعلية، تقديره: " فاستقر أنه غفور ~~رحيم " أي: استقر وثبت غفرانه، ويجوز أن يقدر في هذا الوجه ~~جارا رافعا لهذا الفاعل عند الأخفش تقديره: فعليه أنه غفور، لأنه ~~يرفع به وإن لم يعتمد، وقد تقدم تحقيقه مرارا. # وأما القراءة الثانية: فكسر الأولى من ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها مستأنفة، وأن الكلام تام قبلها، وجيء بها وبما ~~بعدها كالتفسير لقوله: { كتب ربكم على نفسه الرحمة }. # والثاني: أنها كسرت بعد قول مقدر، أي: قال الله ذلك، وهذا في ~~المعنى كالذي قبله. # والثالث: أنه أجري " كتب " مجرى " قال " ، فكسرت بعده كما ~~تكسر بعد القول الصريح، وهذا لا يتمشى على أصول البصريين. # وأما كسر الثانية فمن وجهين: # أحدهما: أنها على الاستئناف بمعنى أنها في صدر جملة وقعت ~~خبرا ل " من " الموصولة، أو جوابا لها إن كانت شرطا. # والثاني: أنها عطفت على الأولى، وتكرير لها، ويعترض على هذا بأنه ~~يلزم بقاء المبتدأ بلا خبر، والشرط بلا جزاء، كما تقدم ذلك في ~~المفتوحتين. # وأجاب أبو البقاء عن ذلك بأن خبر " من " محذوف دل عليه الكلام، وقد ~~تقدم أنه كان ينبغي أن يجيب بهذا الجواب في المفتوحتين عند من جعل ~~الثانية تكريرا للأولى, أو بدلا منها ثم قال: ويجوز أن يكون ~~العائد محذوفا، أي: فإنه غفور له. # قال شهاب الدين: قوله: " ويجوز " ليس بجيد، بل كان ينبغي أن يقول: ~~ويجب؛ لأنه لا بد ms3486 من ضمير عائد على المبتدأ من الجملة الخبرية، أو ~~ما يقوم مقامه إن لم يكن نفس المبتدأ. # وأما القراءة الثالثة: فيؤخذ فتح الأولى وكسر الثانية مما ~~تقدم من كسرها وفتحها بما يليق من ذلك, وهو ظاهر. # وأما القراءة الرابعة: فكذلك. # وقال أبو شامة: " وأجاز الزجاج كسر الأولى، وفتح الثانية، وإن ~~لم يقرأ به ". # قال شهاب الدين: وقد قدمت أن هذه قراءة الأعرج وأن الزهراوي وأبا ~~عمرو الداني نقلاها عنه، فكأن الشيخ لم يطلع عليها. # وتقدم أن سيبويه لم يرو عن الأعرج إلا كقراءة نافع فهذا مما ~~يصلح أن يكون عذرا للزجاج، وأما أبو شامة فإنه متأخر، ~~فعدم اطلاعه عجيب. # و " الهاء " في " أنه " ضمير الأمر والقصة، و " من " يجوز أن تكون ~~شرطية، وأن تكون موصولة، وعلى كل تقدير فهي مبتدأة، و " الفاء " ~~ما بعدها في محل جزم جوابا إن كانت شرطا، وإلا ففي محل رفع ~~خبرا إن كانت موصولة، والعائد محذوف، أي: غفور له. # و " الهاء " في " بعده " يجوز أن تعود على " السوء " ، وأن تعود على ~~العمل المفهوم من الفعل كقوله: # اعدلوا هو أقرب # [المائدة:8] والأول أولى؛ لأنه أصرح، و " منكم " متعلق ~~بمحذوف إذ هو حال من فاعل " عمل " ، ويجوز أن تكون " من " ~~للبيان، فيعمل فيها " أعني " مقدرا. # وقوله: " بجهالة " فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق ب " عمل " على أن " الباء " للسبية، أي: ~~عمله بسبب الجهل، وعبر أبو البقاء في هذا الوجه عن ذلك بالمفعول به ~~وليس بواضح. # والثاني: وهو الظاهر أنه للحال، أي: عمله مصاحبا للجهالة، " ~~ومن " في " من بعده " لابتداء الغاية. # فصل في تحرير معنى الآية # قال الحسن: كل من عمل معصية فهو جاهل، ثم اختلفوا؛ قال ~~مجاهد: لا يعلم حلالا من حرام فمن جهالته ركب الأمر. وقيل: جاهل بما ~~يورثه ذلك الذنب. # وقيل: جهالته من حيث إنه آثر المعصية على الطاعة، والعاجل ~~القليل على الآجل الكثير، ثم تاب من بعد ورجع عن ذنبه، وأصلح عمله. # قيل: وأخلص توبته فإنه غفور رحيم. ### || [6.55-56] # " الكاف " نعت لمصدر محذوف، أو حال ms3487 من ضمير ذلك المصدر، كما هو رأي ~~سيبويه، والإشارة بذلك إلى التفصيل السابق، تقديره: مثل ~~التفصيل البين، وهو ما سبق من أحوال الأمم نفصل آيات القرآن. # وقال ابن عطية: والإشارة بقوله: " وكذلك " إلى ما تقدم، من النهي ~~عن طرد المؤمنين، وبيان فساده بنزع المعارضين لذلك. # و { نفصل الآيات } نبينها ونشرحها، وهذا شبيه بما ~~تقدم له في قوله: # وكذلك فتنا # [الأنعام: 53] وتقدم أنه غير ظاهر. # قوله: " ولتستبين سبيل " قرأ الأخوان، وأبو بكر: " وليستبين ~~" بالياء من تحت، و " سبيل " بالرفع. # ونافع: " ولتستبين " بالتاء من فوق، " سبيل " بالنصب، ~~والباقون: بالتاء من فوق، و " سبيل " بالرفع. وهذه القراءات دائرة على ~~تذكير " السبيل " وتأنيثه وتعدي " استبان " ولزومه، وإيضاح هذا أن لغة ~~نجد وتميم تذكير " السبيل " وعليه قوله تعالى: # وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا # [الأعراف:146]. # ولغة " الحجاز " التأنيث، وعليه # قل هذه سبيلي # [يوسف:108] وقوله: # لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا # [آل عمران:99]. # وقوله: [البسيط] # 2184- خل السبيل لمن يبني المنار بها # ......................... # وأما " استبان " فيكون متعديا، نحو: " استبنت الشيء " ~~، ويكون لازما نحو: " استبان الصبح " بمعنى " بان " فمن قرأ ~~بالياء من تحت، ورفع فإنه أسند الفعل إلى " السبيل " ، فرفعه على ~~أنه مذكر وعلى أن الفعل لازم. # ومن قرأ بالتاء من فوق، فكذلك ولكن لغة التأنيث، ومن قرأ بالتاء من ~~فوق، ونصب " السبيل " فإنه [أسند الفعل إلى المخاطب، ونصب " السبيل " ~~على] المفعولية وذلك على تعديته أي: ولتستبين أنت سبيل المجرمين، فالتاء ~~في " تستبين " مختلفة المعنى، فإنها في إحدى القراءتين للخطاب، وفي ~~الأخرى للتأنيث وهي في كلا الحالين للمضارعة، و " تستبين " منصوب ~~بإضمار " أن " بعد لام " كي " ، وفيما يتعلق به هذه اللام وجهان: # أحدهما: أنها معطوفة على علة محذوفة، وتلك العلة معمولة لقوله: ~~" نفصل " والمعنى: وكذلك نفصل الآيات لتستبين لكم ولتستبين. # والثاني: أنها متعلقة بمحذوف مقدر بعدها، أي: ولتسبين سبيل ~~المجرمين فصلناها ذلك التفصيل، وفي الكلام حذف معطوف ~~على رأي، أي: وسبيل المؤمنين كقوله تعالى: # سرابيل تقيكم الحر # [النحل:81]. # وقيل: لا يحتاج إلى ذلك لأن المقام ms3488 إنما يقتضي ذكر المجرمين فقط؛ ~~إذ هم الذين أثاروا ما تقدم ذكره وقيل: لأن الضدين إذا كانا بحيث ~~لا يحصل بينما واسطة، فمتى بانت خاصية أحد القسمين بانت ~~خاصية القسم الآخر، والحق والباطل لا واسطة بينهما، فمتى ~~استبانت طريقة المجرمين، فقد استبانت طريقة المحققين أيضا لا ~~محالة. # قوله تعالى: { قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون ~~من دون الله قل لا أتبع أهوآءكم قد ضللت ~~إذا ومآ أنا من المهتدين } " أن أعبد " في محل " أن " ~~الخلاف المشهور، إذ هي على حذف حرف، تقديره: نهيت عن أن أعبد الذين ~~تدعون من دون الله قل: لا أتبع أهواءكم في عبادة الأوثان، ~~وطرد الفقراء. # قوله: " قد ضللت إذن " " إذن " حرف جواب وجزاء, ولا عمل لها هنا ~~لعدم فعل تعمل فيه, والمعنى: " إن اتبعت أهواءكم ضللت وما اهتديت " فهي ~~في قوة شرط وجزاء. # وقرأ الجمهور " ضللت " بفتح " اللام " الأولى. # وقرأ أبو عبد الرحمن، ويحيى، وطلحة: بكسرها وقد تقدم أنها لغة. # وقل صاحب " التحرير " عن يحيى, وابن أبي ليلى أنهما قرءا هنا وفي " ألم ~~السجدة ": " أإذا صللنا " [السجدة:10] بصاد غير معجمة يقال: صل ~~اللحم أي: أنتن، وهذا له بعض مناسبة في آية " السجدة " ، وأما ~~هنا فمعناه بعيد أو ممتنع. # وروى العباس عن ابن مجاهد في " الشواذ " له: " صللنا في الأرض " ، ~~أي: دفنا في الصلة، وهي [الأرض] الصلبة. # وقوله: " وما أنا من المهتدين " تأكيد لقوله: " قد ضللت " ~~وأتى بالأولى جملة فعلية لتدل على تجدد الفعل وحدوثه، ~~وبالثانية اسمية لتدل على الثبوت. والمعنى " وما أنا من المهتدين، يعني ~~إن فعلت ذلك، فقد تركت سبيل الحق، وسلكت غير سبيل الهدى ". ### || [6.57] # قوله: { إني على بينة من ربي } أي: على بيان أو ~~بصيرة وبرهان من ربي. # قوله: " وكذبتم به " في هذه الجملة وجهان: # أحدهما: أنها مستأنفة سيقت للإخبار بذلك. # والثاني: أنها في محل نصب على الحال، وحينئذ هل يحتاج إلى إضمار " ~~قد " أم لا؟ # و " الهاء " في " به " يجوز أن تعود على " ربي " ، وهو الظاهر. # وقيل: على القرآن؛ لأنه ms3489 كالمذكور. # وقيل: على استعجالهم بالعذاب؛ لأنهم كانوا يقولون: # إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة # [الأنفال:32]. # وقيل: على بينة؛ لأنها في معنى البيان. # وقيل: لأن " التاء " فيها للمبالغة، والمعنى على أمر بين من ربي. # و " من ربي " في محل جر صفة ل " بينة ". # قوله: " ما عندي ما تستعجلون به " كان عليه الصلاة ~~والسلام يخوفهم نزول العذاب, فقال تعالى: قال يا محمد: ما عندي ما ~~تستعجلون به، يعني قولهم: # إن كان هذا هو الحق من عندك # [الأنفال:32]. # وقيل: أراد به القيامة؛ لقوله تعالى: # يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها # [الشورى:18]. # قوله: { إن الحكم إلا لله } أي: في تأخير عذابهم. # قوله: " يقص الحق " قرأ نافع، وابن كثير، وعاصم " يقص " [بصاد ~~مهملة مشددة] مرفوعة، وهي قراءة ابن عباس، والباقون بضاد معجمة مخففة ~~مكسورة، وهاتان في المتواتر. # وقرأ عبد الله، وأبي، ويحيى بن وثاب، والنخعي، والأعمش، وطلحة: " ~~يقضي بالحق " من القضاء. # وقرأ سعيد بن جبير، ومجاهد: " يقضي بالحق وهو خير القاضين ". ~~فأما قراءة " يقضي " فمن القضاء. # ويؤيده قوله: " وهو خير الفاصلين " فإن الفصل يناسب القضاء، ~~ولم يرسم إلا بضاد، كأن " الباء " حذفت خطا كما حذفت لفظا ~~لالتقاء الساكنين، كما حذفت من نحو: # فما تغن النذر # [القمر:5]. # وكما حذفت " الواو " في # سندع الزبانية # [العلق:18] # ويمح الله الباطل # [الشورى:24] كما تقدم. # وأما قراءة نصب " الحق " بعده، ففيه أربعة أوجه: # أحدها: أنه منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف، أي: يقضي القضاء ~~الحق. # والثاني: أنه ضمن " يقضي " معنى " ينفذ " ، فلذلك عداه إلى المفعول ~~به. # الثالث: أن " قضى " بمعنى " صنع " فيتعدى بنفسه من غير تضمين، ~~ويدل على ذلك قول الهذلي شعرا: [الكامل] # 2185- وعليهما مسرودتان قضاهما # داود أو صنع السوابغ تبع # [أي: صنعهما] داود. # الرابع: أنه على إسقاط حرف الجر، أي: يقضي بالحق، فلما حذف ~~انتصب مجروره على حد قوله: [الوافر] # 2186- تمرون الديار ولم تعوجوا # ....................... # ويؤيد ذلك القراءة بها الأصل. # وأما قراءة " يقص " فمن " قص الحديث " , أو من " قص ~~الأثر " أي: تتبعه. # قال تعالى: # نحن نقص عليك ms3490 أحسن القصص # [يوسف:3]. # ورجح أبو عمرو بن العلاء القراءة الأولى بقوله: " الفاصلين ~~" وحكي عنه أنه قال: " أهو يقص الحق أو يقضي الحق " ~~فقالوا: " يقص " فقال: لو كان " يقص " لقال: " وهو خير القاصين ~~" أقرأ أحد بهذا؟ وحيث قال: وهو خير الفاصلين فالفصل إنما يكون في ~~القضاء. # وكأن أبا عمرو لم يبلغه " وهو خير القاصين " قراءة، وقد أجاب أبو علي ~~الفارسي عما ذكره أبو العلاء، فقال: " القصص " هنا بمعنى القول، وقد ~~جاء القول في الفصل أيضا، قال تعالى # إنه لقول فصل # [الطارق:13]. # وقال تعالى: # أحكمت آياته ثم فصلت # [هود:1]. # وقال تعالى: " ونفصل الآيات " فقد حمل الفصل على القول، ~~واستعمل معه كما جاء مع القضاء، فلا يلزم من الفاصل أن يكون معينا ل " ~~يقضي ". # فصل في الاحتجاج بالآية لأهل السنة # أحتج أهل السنة بقوله: { إن الحكم إلا لله } على أنه ~~لا يقدر العبد على أمر من الأمور إلا إذا قضاه الله، فيمتنع منه ~~فعل الكفر إلا إذا قضى الله وحكم به، وكذلك في جميع الأفعال؛ لأن ~~قوله: { إن الحكم إلا لله } [يفيد الحصر]. # واحتج المعتزلة بقوله: " يقضي الحق " ، ومعناه: أن كل ما قضى به فهو ~~الحق، وهذا يقتضي ألا يريد الكفر من الكافر، ولا المعصية من العاصي؛ ~~لأن ذلك ليس بحق، والله أعلم. ### || [6.58] # أي: لو أن في قدرتي وإمكاني ما تستعجلون به من العذاب لأهلكتكم ~~عاجلا غضبا لربي واقتصاصا من تكذيبكم به، ولتخلصت سريعا. # قوله: { والله أعلم بالظالمين } من باب إقامة الظاهر مقام المضمر ~~تنبيها على استحقاقهم ذلك بصفة الظلم، إذ لو جاء على الأصل لقال ~~والله أعلم بكم والمعنى أني لا أعلم وقت عقوبة الظالمين، والله - ~~تعالى - يعلم ذلك، فهو يؤخر إلى وقته. والله أعلم. ### || [6.59] # في " مفاتح " ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه جمع " مفتح " بكسر الميم والقصر، وهو الآلة التي ~~يفتح بها نحو: " منجل ومناجل ". # والثاني: أنه جمع " مفتح " بفتح الميم وهو المكان. ويؤيده تفسير ~~ابن عباس: هي خزائن المطر. # قال الفراء: قوله تعالى: # مآ إن مفاتحه لتنوء بالعصبة # [القصص:76] يعني: ms3491 خزائنه. # فعلى الأول فقد جعل للغيب [مفاتيح] على الاستعارة؛ لأن المفاتيح ~~يتوصل بها إلى ما في الخزائن المستوثق منها بالأغلاق ~~والأقفال. # وعلى الثاني: فالمعنى: وعنده خزائن الغيب، والمراد منه القدرة ~~على كل الممكنات. # والثالث: أنه جمع " مفتاح " بكسر الميم والألف، وهو الآلة أيضا إلا ~~أن هذا فيه ضعف من حيث إنه كان ينبغي أن تقلب ألف المفرد ياء، ~~فيقال: مفاتيح ك " دنانير " ولكنه قد نقل في جمع " مصباح " " ~~مصابح " ، وفي جمع " محراب " " محارب " ، وفي جمع " قرقور " " ~~قراقر " ، وهذا كما أتوا بالياء في جمع ما لا مدة في مفرده كقولهم: " ~~دراهيم " و " صياريف " في جمع " درهم " و " صيرف " قال: ~~[البسيط] # 2187- تنفي يداها الحصى في كل هاجرة # نفي الدراهيم تنقاد الصياريف # وقالوا: عيل وعياييل؛ قال: [الرجز] # 2188- فيها عياييل أسود ونمر # الأصل عياييل ونمور [فزاد في] ذلك ونقص. # وقد قرئ " مفاتيح " بالياء، وهي تؤيد أن " مفاتح " جمع " مفتاح " ، ~~وإنما حذفت مدته. # وجوز الواحدي أن يكون " مفاتح " جمع " مفتح " بفتح الميم، ~~على أنه مصدر قال بعد كلام حكاه عن أبي إسحاق: فعلى هذا " مفاتح " جمع ~~" المفتح " بمعنى الفتح كأن المعنى: وعنده فتوح الغيب، أي: هو ~~يفتح الغيب على من يشاء من عباده. وقال أبو البقاء: " مفاتح " ~~جمع " مفتح " ، والمفتح الخزانة. # فأما ما يفتح به فهو " المفتاح " ، وجمعه " مفاتيح " ، وقد قيل: " ~~مفتح " أيضا انتهى يريد جمع " مفتح " أي: بفتح الميم. # وقد قيل: مفتح، يعني أنها لغة قليلة في الآلة، والكثير فيها المد، وكان ~~ينبغي أن يوضح عبارته فإنها موهمة، ولذلك شرحناها. # فصل # روى ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله. لا يعلم ~~ما تفيض الأرحام أحد إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلا ~~الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا ~~تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم متى ~~تقوم الساعة إلا الله ". # وقال الضحاك, ومقاتل: " مفاتح الغيب ": خزائن الله، وعلم نزول ~~العذاب. # وقال عطاء: ما غاب عنكم من الثواب ms3492 والعقاب. # وقيل: انقضاء الآجال وقيل: أحوال العباد من السعادة ~~والشقاوة،وخواتيم أعمالهم. # وقيل: إنه ما لم يكن بعد أنه يكون أم لا يكون وما يكون كيف يكون، وما لا ~~يكون أن لو كان كيف يكون. # وقال ابن مسعود: أوتي نبيكم كل شيء إلا مفاتح الغيب. # [نقل القرطبي عن ابن عبد البر قال في كتاب " الكافي ": من المكاسب ~~المجمع على تحريمها الربا، ومهور البغايا والسحت والرشا ~~وأخذ الأجرة على النياحة وأخذ الأجرة على الغناء وعلى الكهانة ~~وادعاء علم الغيب، وأخبار السماء وعلى الزمر واللعب والباطل ~~كله]. # قوله: " لا يعلمها إلا هو " في محل نصب على الحال من " ~~مفاتح " والعامل فيها الاستقرار الذي تضمنه حرف الجر لوقوعه ~~خبرا. # وقال أبو البقاء: نفس الظرف إن رفعت به " مفاتح " ، أي: إن رفعته به ~~فاعلا، وذلك على رأي الأخفش، وتضمنه الاستقرار لا بد منه ~~على كل قول، فلا فرق بين أن يرفع به الفاعل، أو يجعله خبرا. # قوله: " ويعلم ما في البر والبحر " قال مجاهد: البر والبحر: ~~القرى والأمصار لا يحدث فيها شيء إلا يعلمه. # وقيل: هو البر والبحر المعروف. # قالت الحكماء في تفسير هذه الآية: ثبت أن العلم بالعلة علة للعلم ~~بالمعلول وأن العلم بالمعلول لا يكون علة للعلم بالعلة. # وإذا ثبت هذا فنقول: إن الموجود إما أن يكون واجبا لذاته، أو ممكنا ~~لذاته، والواجب لذاته ليس إلا الله تعالى، وكل ما سواه فهو ممكن لذاته، ~~والممكن لذاته لا يوجد إلا بتأثير الواجب لذاته، فكل ما سوى الحق ~~سبحانه، فهو موجود بإيجاده وتكوينه. # وإذا ثبت ذلك، فنقول: علمه بذاته يوجب علمه بالأثر الأول ~~الصادر منه، ثم علمه بذلك الأثر الأول يوجب علمه بالأثر الثاني؛ ~~لأن الأثر الأول علة قريبة في الأثر الثاني، وقد ذكرنا أن العلم ~~بالعلة يوجب العلم بالمعلول فبدأ أولا بعلم الغيب، وهو ~~علمه بذاته المخصوصة، ثم يحصل له من علمه بذاته علمه بالأثار ~~الصادرة عنه على ترتيبها المعتبر، ولما كان علمه بذاته لم يحصل إلا ~~لذاته لا جرم صح أن يقال: " وعنده ms3493 مفاتح الغيب لا ~~يعلمها إلا هو " ثم إن القضايا العقلية المحضة يصعب ~~تحصيل العلم بها على سبيل التمام والكمال إلا للعقلاء الكاملين ~~الذين ألفوا استحضار المعقولات، ومثل هذا الإنسان يكون كالنادر. # وقوله: { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو } ~~قضية عقلية محضة والإنسان الذي يقوى عقله على الإحاطة ~~بمعنى هذه القضية نادر جدا، والقرآن إنما أنزل لينتفع به جميع ~~الخلق، فلذلك ذكر لهذه القضية العقلية مثالا من الأمور ~~المحسوسة الداخلة تحت هذه القضية العقلية ليصير ذلك المعقول ~~بمعاونة هذا المثال المحسوس معلوما [مفهوما] لكل أحد، فقال: { ~~ويعلم ما في البر والبحر } لأن ذلك أحد أقسام معلومات ~~الله - تعالى - وقد ذكر البر؛ لأن الإنسان قد شاهد أحوال البر، وكثرة ~~ما فيه من المدن والقرى والمفاوز والجبال والتلال، وكثرة ما ~~فيها من الحيوان والنبات والمعادن. # وأما البحر وإحاطة العقل بأحواله أقل إلا أن الحس يدل ~~على أن عجائب البحار في الجملة أكثر، وطولها وعرضها أعظم، وما فيها ~~من الحيوانات وأجناس المخلوقات أعجب. # فإذا استحضر الخيال صورة البر والبحر على هذه الوجوه، ثم عرف ~~أن مجموعها قسم حقير من الأقسام الداخلة تحت قوله: { وعنده ~~مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو } فيصير هذا المثال ~~المحسوس مقويا ومكملا للعظمة الحاصلة تحت قوله: { وعنده ~~مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو } وكذلك قوله: { وما ~~تسقط من ورقة إلا يعلمها } لأن العقل يستحضر جميع ~~ما على وجه الأرض من المدن والقرى والمفاوز والجبال ~~والتلال، ثم يستحضر كم فيها من النجم والشجر، ثم يستحضر أنه لا ~~يتغير حال ورقة إلا والحق - سبحانه - يعلمها، ثم يتجاوز من هذا ~~المثال إلى مثال آخر أشد منه هيئة، وهو قوله: { ولا حبة في ~~ظلمات الأرض } وذلك لأن الحبة تكون في غاية الصغر، و " ~~ظلمات الأرض " موضع يخفي أكبر الأجسام وأعظمها، فإذا سمع أن تلك ~~الحبة الصغيرة الملقاة في ظلمات الأرض على اتساعها وعظمها لا ~~تخرج من علم الله ألبتة صارت هذه الأمثال منبهة على عظم ~~عظمته مقوية للمعنى المشار إليه بقوله: { وعنده مفاتح ms3494 ~~الغيب لا يعلمهآ إلا هو } ثم إنه - تعالى - لما قوى ~~ذلك الأمر المعقول المحض المجرد بذكر هذه الجزئيات المحسوسات ~~عاد إلى ذكر تلك القضية المحضة بعبارة أخرى، فقال: { ولا رطب ~~ولا يابس إلا في كتاب مبين } وهو عين المذكور في قوله: ~~{ وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو }. # قوله: " من ورقة " فاعل " تسقط " ، و " من " زائدة لاستغراق ~~الجنس. # وقوله: " إلا يعلمها " حال من " ورقة " ، وجاءت الحال من النكرة ~~لاعتمادها على النفي، والتقدير: وما تسقط من ورقة إلا عالم هو بها، ~~كقولك: ما أكرمت أحدا إلا صالحا. # قال شهاب الدين: ويجوز عندي أن تكون الجملة نعتا ل " ورقة " ~~وإذا كانوا أجازوا في قوله: # إلا ولها كتاب معلوم # [الحجر:4] أن تكون نعتا ل " قرية " في قوله: # ومآ أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم # [الحجر:4] مع كونها بالواو ويعتذرون عن زيادة " الواو " فبأن يجيزوا ~~ذلك هنا أولى. # وحينئذ فيجوز أن تكون في موضع جر على اللفظ، أو رفع على المحل، ~~[والمعنى: يريد ساقطة أو نائية أي: يعلم عدد ما يسقط من ورق الشجر، ~~وما يبقى عليه. # وقيل: يعلم كم انقلبت ظهرا لبطن إلى أن سقطت على الأرض]. # قوله: " ولا حبة " عطف على لفط " ورقة " ، ولو قرئ بالرفع لكان ~~على الموضع والمراد: الحب المعروف في بطون الأرض. # وقيل: تحت الصخرة في أسفل الأرضين و " في ظلمات " صفة ل " ~~حبة ". # قوله: { ولا رطب ولا يابس } معطوفان أيضا على لفظ " ~~ورقة " ، وقرأهما ابن السميفع، والحسن، وابن أبي إسحاق بالرفع ~~على المحل، وهذا هو الظاهر ويجوز أن يكونا مبتدأين، والخبر قوله: { ~~إلا في كتاب مبين }. # ونقل الزمخشري أن الرفع في الثلاثة أعني قوله " ولا حبة ولا رطب ~~ولا يابس " وذكر وجهي الرفع المتقدمين، ونظر الوجه الثاني بقولك: لا ~~رجل منهم ولا امرأة إلا في الدار. # قال ابن عباس: المراد ب " الرطب " الماء، و " اليابس " البادية. # وقال عطاء: يريد ما نبت وما لا ينبت. # وقيل: ولا حي ولا موات. # وقيل:هو عبارة عن كل شيء. # قوله: { إلا في ms3495 كتاب مبين } في هذه الاستثناء غموض، فقال ~~الزمخشري: وقوله { إلا في كتاب مبين } كالتكرار لقوله: { إلا ~~يعلمها } لأن معنى { إلا يعلمها } ومعنى { إلا في كتاب ~~مبين } واحد. # و " الكتاب " علم الله، أو اللوح، وأبرزه أبو حيان في عبارة قريبة ~~من هذه فقال: " وهذا الاستثناء جار مجرى التوكيد، لأن قوله " ~~ولا حبة " " ولا رطب " " ولا يابس " معطوف على " من ورقة " ، ~~والاستثناء الأول منسحب عليها، كما تقول: ما جاءني من رجل إلا ~~أكرمته، ولا امرأة، فالمعنى إلا أكرمتها، ولكنه لما طال الكلام أعيد ~~الاستثناء على سبيل التوكيد، وحسنه كونه فاصلة " انتهى. # وجعل صاحب " النظم " الكلام تاما عند قوله: " ولا يابس " ، ثم ~~استأنف خبرا آخر بقوله: { إلا في كتاب مبين } بمعنى: وهو في ~~كتاب مبين أيضا، قال: لأنك لو جعلت قوله: { إلا في كتاب مبين } ~~متصلا بالكلام الأول لفسد المعنى، وبيان فساده في فصل طويل مذكور ~~في سورة " يونس " في قوله: # ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين # [يونس:61]. # قال شهاب الدين: إنما كان فاسد المعنى من حيث اعتقد أنه استثناء ~~آخر مستقل، وسيأتي كيف فساده. # أما لو [جعله] استثناء مؤكدا للأول، كما قاله الزمخشري لم ~~يفسد المعنى. # وكيف يتصور تمام الكلام على قوله تعالى: " ولا يابس " ويبتدأ ~~ب " إلا " ، وكيف تقع " إلا " هكذا؟ # وقد نحا أبو البقاء لشيء مما قاله الجرجاني، فقال: { إلا في ~~كتاب مبين } أي: إلا هو في كتاب مبين، ولا يجوز أن يكون ~~استثناء يعمل فيه " يعلمها "؛ لأن المعنى يصير: وما تسقط من ~~ورقة إلا يعلمها إلا في كتاب, فينقلب معناه إلى الإثبات, أي: ~~لا يعلمها في كتاب, وإذا لم يكن إلا في كتاب، وجب أن يعلمها في ~~الكتاب، فإذن يكون الاستثناء الثاني بدلا من الأول، أي: " وما ~~تسقط من ورقة إلا هي في كتاب، وما يعلمها إلا هو " انتهى. # وجوابه ما تقدم من جعل الاستثناء تأكيدا، وسيأتي تقريه إن شاء ~~الله - تعالى - في سورة " يونس ". # فصل في المراد بالكتاب # في الكتاب المبين قولان: # الأول: هو ms3496 علم الله - تعالى - وهو الأصوب. # وقال الزجاج: يجوز أن يكون الله - تعالى - أثبت كيفية ~~المعلومات في كتاب من قبل أن يخلق الخلق، كما قال: # مآ أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا ~~في كتاب من قبل أن نبرأهآ # [الحديد:22]. وقائدة هذا الكتاب أمور: # أحدها: أنه - تعالى - إنما كتب هذه الأحوال في اللوح المحفوظ ~~لتقف الملائكة على إنفاذ علم الله في المعلومات، وأنه لا ~~يغيب عنه مما في السموات والأرض شيء، فيكون في ذلك عبرة تامة كاملة ~~للملائكة الموكلين باللوح المحفوظ؛ لأنهم يقابلون به ما يحدث في هذا ~~العالم فيجدونه موافقا له. # وثانيهما: يجوز أن يقال: إنه - تعالى - ذكر الورقة والحبة ~~تنبيها للمكلفين على أمر الحساب وإعلاما بأنه لا ~~يفوته من كل ما يصنعون في الدنيا شيء؛ لأنه إذا كان لا يهمل من ~~الأحوال التي ليس فيها ثواب وعقاب وتكليف، فبأن لا يهمل الأحوال ~~المشتملة على الثواب والعقاب أولى. # وثالثها: أنه - تعالى - لما أثبت أحوال جميع الموجودات في ذلك ~~على التفصيل التام، امتنع أيضا تغيرها، وإلا لزم الكذب، فيصير ~~[كتبه] جملة الأحوال في ذلك الكتاب موجبا تاما [وسببا ~~كاملا]، في أنه يمتنع تقدم ما تأخرن وتأخر ما تقدم، كما قال ~~عليه الصلاة والسلام: # " جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة " # والله أعلم. ### || [6.60] # لما بين تعالى كمال علمه في الآية الأولى - بين كمال ~~قدرته بهذه الآية، وهو كونه قادرا على نقل الذوات من ~~الموت إلى الحياة، ومن النوم إلى اليقظة، واستقلاله بحفظها ~~في جميع الأحوال، وتدبيرها على أحسن الوجوه في حال النوم واليقظة. # قوله: " بالليل " متعلق بما قبله على أنه ظرف له، و " الباء " ~~تأتي بمعنى " في " ، وقد تقدم منه جملة صالحة. # وقال أبو البقاء هنا: وجاز ذلك؛ لأن " الباء " للإلصاق والملاصق ~~للزمان والمكان حاصل فيهما، يعني في هذه العلاقة المجوزة ~~للتجور، وعلى هذا فلا حاجة إلى أن ينوب حرف مكان آخر، بل ~~نقول: هي هنا للإلصاق مجازا، نحو ما قالوه في " مررت بزيد " ، ~~وأسند التوفي هنا إلى ms3497 ذاته المقدسة، لأنه لا ينفر منه هنا، ~~إذ المراد به الدعة والراحة، وأسند إلى غيره في قوله: # توفته رسلنا # [الأنعام:61] # يتوفاكم ملك الموت # [السجدة:11] لأنه ينفر منه، إذا المراد به الموت. # وهاهنا بحث، وهو أن النائم لا شك أنه حي، ومتى كان حيا لم ~~تكن روحه مقبوضة ألبتة, فلا بد ها هنا من تأويل، وهو ~~أنه حال النوم تغور الأرواح الحساسة من الظاهر في الباطن، فصارت ~~الحواس الظاهرة معطلة عن أعمالها، فعند النوم صار ظاهر ~~الجسد معطلا عن كل الأعمال، فحصل بين النوم وبين الموت ~~مشابهة من هذه الحيثية، فلذلك صح إطلاق لفظ الموت ~~والوفاة على النوم. # قوله: " ما جرحتم " الظاهر أنها مصدرية، وإن كان كونها ~~موصولة اسمية أكثر ويجوز أن تكون نكرة موصوفة بما بعدها، ~~والعائد على كلا التقديرين الآخرين محذوف، وكذا عند الأخفش ~~وابن السراج على القول الأول. # و " بالنهار " كقوله: " بالليل " والضمير في " فيه " عائد على ~~" النهار " وهذا هو الظاهر. # قال أبو حيان: " عاد عليه لفظا، والمعنى: في يوم آخر، كما تقول: ~~عندي درهم ونصفه ". # قال شهاب الدين: ولا حاجة في الظاهر على عوده على نظير ~~المذكور، إذ عوده على المذكور لا محذور فيه. # وأما ما ذكره من نحو " درهم ونصفه " فلضرورة انتفاء العي من ~~الكلام، قالوا: لأنك إذا قلت: " عندي درهم " أن عندك نصفه ضرورة. # فقولك بعد ذلك: " ونصفه " تضطر إلى عوده إلى نظير ما عندك، بخلاف ~~ما نحن فيه. # وقيل: يعود على الليل. # وقيل: يعود على التوفي، وهو النوم أي: يوقظكم في خلال النوم. # وقال الزمخشري: " ثم يبعثكم من القبور في شأن الذي قطعتم به ~~أعماركم من النوم بالليل، وكسب الآثام بالنهار " انتهى. # وهو حسن. # وخص الليل بالتوفي، والنهار بالكسب إن كان قد ~~ينام في هذا ويكسب في الآخر اعتبارا بالحال الأغلب. # وقدم التوفي بالليل؛ لأنه أبلغ في المنة عليهم، ولا سيما ~~عند من يخص الجرح بكسب الشر دون الخير، ومعنى " جرحتم ~~" أي: كسبتم من العمل بالنهار. # قال تعالى: # وما علمتم من الجوارح # [المائدة:4] أي: ms3498 الكواسب من الطير والسباع، واحدتها " جارحة ". # قال تعالى: # الذين اجترحوا السيئات # [الجاثية:21] أي:اكتسبوا. # وبالجملة فالمراد منه أعمال الجوارح. # قوله: " ليقضى أجل " الجمهور على " ليقضى " مبنيا للمفعول، ~~و " أجل " رفع به، وفي الفاعل المحذوف احتمالان: # أحدهما: أنه ضمير البارئ تعالى. # والثاني: أنه ضمير المخاطبين أي: لتقضوا آجالكم. # وقرأ أبو رجاء، وطلحة: " ليقضي " مبنيا للفاعل، وهو الله تعالى، ~~و " أجلا " مفعول به، و " مسمى " صفة، فهو مرفوع على الأول، ومنصوب ~~على الثاني وتيرتب على ذلك خلاف للقراء في إمالة ألفه، و " ~~اللام " في " ليقضي " متعلقة بما قبلها من مجموع الفعلين، أي: ~~يتوفاكم ثم يبعثكم لأجل ذلك. # والمراد: الأجل المسمى، أي: عمركم المكتوب. # والمعنى: يبعثكم من نومكم إلى أن تبلغوا آجالكم. # واعلم أنه - تعالى - لما ذكر أنه ينيمهم أولا، ثم يوقظهم ~~ثانيا كان ذلك جاريا مجرى الإحياء بعد الإماتة، فلذلك ~~استدل به على صحة البعث والقيامة، فقال: # ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم ~~تعملون # [الزمر:7] في ليلكم ونهاركم في جميع أحوالكم. ### || [6.61-62] # قد تقدم الكلام على هذه الآية أول السورة. # قوله: { ويرسل عليكم حفظة }: فيه خمسة أوجه: # أحدها: أنه عطف على اسم الفاعل الواقع صلة ل " أل "؛ لأنه في ~~معنى يفعل، والتقدير: وهو الذي يقهر عبادة ويرسل، فعطف الفعل على ~~الاسم؛ لأنه في تأويله، ومثله عند بعضهم: # إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا # [الحديد:18] [قالوا]: " أقرضوا " عطف على " مصدقين " الواقع ~~صلة ل " أل "؛ لأنه في معنى: إن الذين صدقوا وأقرضوا، وهذا ~~ليس بشيء؛ لأنه يلزم من ذلك الفصل بين أبعاض الصلة بأجنبي، وذلك ~~أن " وأقرضوا " من تمام صلة " أل " في " المصدقين " ، وقد عطف ~~على الموصول قوله " المصدقات " وهو أجنبي، وقد تقرر غير مرة ~~أنه لا يتبع الموصول إلا بعد تمام صلته. # وأما قوله تعالى # فوقهم صافات ويقبضن # [الملك:19] ف " يقبضن " في تأويل اسم، أي: وقابضات. # ومن عطف الاسم على الفعل لكونه في تأويل الاسم قوله تعالى: # يخرج الحي من الميت ومخرج الميت # [الأنعام:95]. # وقوله: [الطويل] # 2189- فألفيته يوما [يبير] عدوه # [ومجر] عطاء يستخف المعابرا # والثاني: ms3499 أنها جملة فعلية على جملة اسمية وهي قوله: " وهو القاهر ~~". # والثالث: أنها معطوفة على الصلة، وما عطف عليها، وهو قوله: " ~~يتوفاكم " و " يعلم " وما بعده، أي: وهو الذي يتوفاكم ويرسل. # الرابع: أنه خبر مبتدأ محذوف، والجملة في محل نصب على الحال، ~~وفي صاحبها وجهان: # أظهرهما: أنه الضمير المستكن في " القاهر ". # والثاني: أنها حال من الضمير المستكن في الظرف، هكذا قال أبو ~~البقاء، ونقله عنه أبو حيان قال: " وهذا الوجه أضعف الأعاريب ". # وقولهما: " الضمير الذي في الظرف " ليس هنا ظرف يتوهم كون هذه ~~الحال من ضمير فيه، إلا قوله: " فوق عباده " ، ولكن بأي طريق ~~يتحمل هذا الظرف ضميرا؟ # والجواب: أنه قد تقدم في الآية المشبهة لهذه أن " فوق عباده " ~~فيه خمسة أوجه: # ثلاثة منها تتحمل فيها ضميرا، وهي: كونه خبرا ثانيا، أو بدلا ~~من الخبر، أو حالا، وإنما اضطررنا إلى تقدير مبتدأ قبل " ~~يرسل "؛ لأن المضارع المثبت إذا وقع حالا لم يقترن بالواو كما ~~تقدم إيضاحه. # والخامس: أنها مستأنفة سيقت للإخبار بذلك، وهذا الوجه هو في ~~المعنى كالثاني. # قوله: " عليكم " يحتمل ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنه متعلق ب " يرسل " ومنه # يرسل عليكما شواظ من نار # [الرحمن:35] # فأرسلنا عليهم # [الأعراف:133] # وأرسل عليهم طيرا # [الفيل:3] إلى غير ذلك. # والثاني: أنه متعلق ب " حفظة " ، يقال: حفظت عليه عمله، فالتقدير: ~~ويرسل حفظة عليكم. # قال أبو حيان: أي: يحفظون عليكم أعمالكم، كما قال: # وإن عليكم لحافظين # [الانفطار:10] كما تقول: حفظت عليك ما تعمل فقوله كما قال تشبيه من حيث ~~المعنى، لا أن " عليكم " تعلق ب " حافظين "؛ لأن " عليكم " ~~هو الخبر ل " أن " ، فيتعلق بمحذوف. # والثالث: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من " حفظة " ، إذ لو ~~تأخر لجاز أن يكون صفة لها. # قال أبو البقاء: " عليكم " فيه وجهان: # أحدهما: هو متعلق ب " يرسل ". # والثاني: أن يكون في نية التأخير، وفيه وجهان: # أحدهما: أن يتعلق بنفس " حفظة " , والمفعول محذوف، أي: يرسل عليكم ~~من يحفظ أعمالكم. # والثاني: أن يكون صفة ل " حفظة " قدمت فصارت حالا. قوله: والمفعول ~~محذوف يعني: مفعول ms3500 " حفظة " ، إلا أنه يوهم أن تقدير المفعول ~~خاص بالوجه الذي ذكره، وليس كذلك، بل لا بد من تقديره على كل ~~وجه، و " حفظة " إنما عمل في ذلك المقدر لكونه صفة لمحذوف ~~تقديره: ويرسل عليكم ملائكة حفظة؛ لأنه لا يعمل إلا بشروط هذا ~~منها، أعني كونه معتمدا على موصوف، و " حفظة " جمع " حافظ " ، وهو ~~منقاس في كل وصف على فاعل صحيح " اللام " لعقل مذكر، ك " ~~بار " و " بررة " ، و " فاجر " و " فجرة " ، و " كامل " و " ~~كمله " ، وينقل في غير العاقل، كقوله: " غراب ناعق " و " ~~غربان نعقة ". # فصل في معنى الحفظة # هؤلاء الحفظة هم المذكورون في قوله تعالى: # له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه ~~من أمر الله # [الرعد:11]. # وقوله: # ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد # [ق:18] وقوله: # وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين # [الانفطار:10، 11]. # والمقصود بهؤلاء الحفظة ضبط الأعمال ثم اختلفوا فقيل: إنهم يكتبون ~~الطاعات والمعاصي والمباحات بأسرها لقوله تعالى: # مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ~~إلا أحصاها # [الكهف:49]. # وعن ابن عباس أن مع كل إنسان ملكين؛ أحدهما: عن يمينه، ~~والآخر عن يساره، فإذا تكلم الإنسان بحسنة كتبها [من] على ~~اليمين، وإذا تكلم بسيئة قال من على اليمين للذي على اليسار: ~~انتظره لعله يتوب منها، فإن لم يتب كتبت عليه. # والأول أقوى؛ لأن قوله: " يرسل عليكم حفظة " يفيد حفظة ~~الكل من غير تخصيص. # والثاني: أن ظاهر هذه الآية يدل على اطلاع هؤلاء الحفظة ~~على الاقوال والأفعال أما على صفات القلوب، وهو العلم ~~والجهل، فليس في هذه الآيات ما يدل على اطلاعهم عليها. # أما في الأقوال، فلقوله تعالى: # ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد # [ق:18]. # وأما في الأفعال، فلقوله تعالى: # وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما ~~تفعلون # [الانفطار:10-12]. # وأما الإيمان والكفر، والإخلاص والإشراك فلم يدل دليل على ~~اطلاع الملائكة عليها. # فصل في فائدة توكيل الملائكة علينا # وفي فائدة جعل الملائكة موكلين على بين آدم وجوه: # أحدها: أن المكلف إذا علم أن الملائكة موكلين به يحصون ms3501 ~~عليه عمله، ويكتبونه في صحيفة تعرض على رءوس الاشهاد في مواقف ~~القيامة كان ذلك أزجر له عن القبائح. # والثاني: يحتمل أن تكون الكتابة لفائدة وزن تلك الصحائف يوم ~~القيامة؛ لأن وزن الأعمال غير ممكن، أما وزن الصحائف ممكن. # وثالثها: يفعل الله ما يشاء، ويحكم ما يريد، ويجب علينا ~~الإيمان بكل ما ورد به الشرع، سواء عقلناه أم لم نعقله. # قوله: { حتى إذا جآء أحدكم الموت } تقدم مثله. # وقوله: " توفته " قرأ الجمهور " توفته " ، ماضيا بتاء ~~التأنيث لتأنيث الجمع. # وقرأ حمزة: " توفاه " من غير تاء تأنيث، وهي تحتمل وجهين. # أظهرهما: أنه ماض، وإنما حذف تاء التأنيث لوجهين: # أحدهما: كونه تأنيثا مجازيا. # والثاني: الفصل بين الفعل وفاعله بالمفعول. # والثاني: أنه مضارع، وأصله: تتوفاه بتاءين، فحذفت إحداهما على ~~خلاف في أيتهما ك " تنزل " وبابه، وحمزة على بابه في إمالة مثل ~~هذه الألف. # وقرأ الأعمش: " يتوفاه " مضارعا بياء الغيبة اعتبارا بكونه ~~مؤنثا مجازيا، أو للفصل، فهو كقراءة حمزة في الوجه الأول ~~من حيث تذكير الفعل وكقراءته فغي الوجه الثاني من حيث إنه أتى به ~~مضارعا. # وقال أبو البقاء: " وقرئ شاذا " " تتوفاه " على الاستقبال، ~~ولم يذكر بياء ولا تاء. # فصل في بيان أن الوفاة من الله # قال الله تعالى: # الله يتوفى الأنفس حين موتها # [الزمر:42] # وقال: # الذي خلق الموت والحياة # [تبارك:2] وهذان النصان يدلان على أن توفي الأرواح ليس إلا ~~من الله. # وقال تعالى: # قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم # [السجدة:11] وهذا يقتضي أن الوفاة لا تحصل إلا من ملك الموت. # وقال في هذه الآية: " توفته رسلنا " ، فهذه النصوص الثلاثة ~~كالمتناقضة. # والجواب: أن التوفي في الحقيقة إنما حصل بقدرة الله ~~تعالى، وهو في الظاهر مفوض إلى ملك الموت، وهو الرئيس المطلق ~~في هذا الباب، وله أعوان وخدم فحسنت إضافة التوفي إلى هذه ~~الثلاثة بحسب الاعتبارات الثلاثة. # وقيل: أراد بالرسل ملك الموت وحده، وذكر الواحد بلفظ الجمع. # وجاء في الأخبار أن الله - تعالى - جعل الدنيا بين يدي ملك ~~الموت كالمائدة الصغيرة، فيقبض من هاهنا، ومن هاهنا، ms3502 فإذا ~~كثرت الأرواح يدعو الأرواح فتجيب له. # فصل في بيان أن الحفظة لا شأن لهم بالموت # قال بعضهم: هؤلاء الرسل الذين يتوفون الخلق هم الحفظة ~~يحفظونه في مدة الحياة، وعند مجيء الموت يتوفونه، والأكثرون ~~على أن الحفظة غير الذين يتولون الوفاة. # قوله: { وهم لا يفرطون } هذه الجملة تحتمل وجهين: # أظهرهما: أنها حال من " رسلنا ". # والثاني: أنها استئنافية سيقت للإخبار عنهم بهذه الصفة، ~~والجمهور على التشديد في " يفرطون " ، ومعناه: لا يقصرون. # وقرأ عمرو بن عبيد والأعرج " يفرطون " مخففا من " أفرط " ، وفيها ~~تأويلان: # أحدهما: أنها بمعنى: لا يجاوزون الحد فيما أمروا به. # قال الزمخشري: " فالتفريط: التواني والتأخير عن الحد، والإفراط ~~مجاوزة الحد أي: لاينقصون مما أمروا به، ولا يزيدون ". # والثاني: أن معناه لا يتقدمون على أمر الله، وهذا يحتاج إلى ~~نقل أن " أفرط " بمعنى " فرط " ، أي: تقدم. # قال الجاحظ قريبا من هذا فإنه قال: " معنى لا يفرطون: لا يدعون ~~أحدا يفرط عنهم، أي: يسبقهم ويفوتهم ". # وقال أبو البقاء: ويقرأ بالتخفيف، أي: لا يزيدون على ما أمروا به، وهو ~~قريب مما تقدم. # قوله: { ثم ردوا إلى الله }. # قيل: المردود: هم الملائكة يعني كما يموت ابن آدم تموت أيضا ~~الملائكة. # وقيل: المراد: البشر يعني: أنهم بعد موتهم يردون إلى الله ~~تعالى. وهذه الآية تدل على أن الإنسان ليس مجرد هذه البنية؛ ~~لأن صريح هذه الآية يدل على حصول الموت للعبد، ويدل ~~على أنه بعد الموت يرد إلى الله، والميت مع كونه ميتا لا ~~يمكن أن يرد إلى الله؛ لأن ذلك الرد ليس بالمكان والجهة لكونه - ~~تعالى- متعاليا عن المكان والجهة، فوجب أن يكون ذلك الرد ~~مفسرا بكونه منقادا لحكم الله. # وما لم يكن حيا لم يصح هذا المعنى فيه. # وقد ثبت أن هاهنا موتا وحياة، أما الموت فنصيب البدن، فبقى أن ~~تكون الحياة نصيب النفس والروح، فلما قال تعالى: { ثم ~~ردوا إلى الله } ثبت أن المردود هو النفس والروح، ~~وثبت أن الإنسان ليس إلا النفس والروح، وهو المطلوب. # فصل في عموم الآية # الآية في المؤمنين ms3503 والكافرين جميعا، وقد قال في آية أخرى # وأن الكافرين لا مولى لهم # [محمد:11] فكيف وجه الجمع؟ # فقيل: المولى في تلك الآية بمعنى الناصر، ولا ناصر ~~للكفار، والمولى هاهنا بمعنى الملك الذي يتولى أمورهم، ~~والله - عز وجل - مالك الكل ومتولي أمورهم. # وقيل: المراد - هاهنا - المؤمنين خاصة يردون إلى مولاهم، ~~والكفار فيه تبع. # قوله: " مولاهم الحق " صفتان لله عز وجل. # وقرأ الحسن، والأعمش: " الحق " نصبا، وفيه تأويلان: # أظهرهما: أنه نعت مقطوع. # والثاني: أنه نعت مصدر محذوف، أي: ردوا الرد الحق لا ~~الباطل، وقرئ ردوا بكسر الراء، وتقدم تخريجها. # والضمير في " مولاهم " فيه ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنه للعباد قوله: " فوق عباده " فقوله: { ويرسل ~~عليكم حفظة } التفات؛ إذ الأصل: ويرسل عليهم، وفائدة هذا ~~الالتفات والتنبيه والايقاظ. # والثاني: أنه يعود على الملائكة المعنيين بقوله: " رسلنا " يعني انهم ~~يموتون كما يموت بنو آدم، ويردون إلى ربهم كما تقدم. # والثالث: أنه يعود على " أحد " في قوله: { جآء أحدكم الموت ~~} [الأنعام:61]؛ إذ المراد به الجمع لا الإفراد. # قوله: { ألا له الحكم } ، أي: لا حكم إلا لله؛ لقوله: # إن الحكم إلا لله # [يوسف:40]، والمراد بالحكم القضاء { وهو أسرع الحاسبين } ، ~~أي: حسابه يرفع لا يحتاج إلى فكر وروية، واختلفوا في كيفية هذا ~~الحساب، فقيل: إنه - تعالى - يحاسب الخلق بنفسه دفعة واحدة لا يشغله ~~كلام عن كلام. # وقيل: بل يأمر الله الملائكة أن يحاسب كل واحد منهم واحدا من ~~العباد؛ لأنه - تعالى - لو حاسب الكفار بنفسه لتكلم معهم، وذلك ~~باطل؛ لقوله تعالى في صفة الكفار: # ولا يكلمهم الله يوم القيامة # [البقرة:174]. # فصل في رد شبهة حدوث الكلام # احتج الجبائي بهذه الآية على حدوث كلام الله. # قال: لو كان كلامه قديما لوجب أن يكون متكلما بالمحاسبة ~~الآن، وقبل خلقه، وذلك محال؛ لأن المحاسبة تقتضي حكاية عمل ~~تقدم. # وأجيب بالمعارضة بالعلم، فإنه تعالى كان قبل المعلوم عالما ~~بأنه سيوجد، وبعد وجوده صار عالما بأنه وجد قبل ذلك، ولم يلزم منه ~~تغير العلم، فلم لا يجوز مثله في الكلام. والله أعلم. ### || [6.63-64] # وهذا نوع ms3504 آخر من الدلالة على كمال القدرة الإلهية، وكمال الرحمة ~~والفضل والإحسان. # وقرأ السبعة هذه مشددة: { قل الله ينجيكم } [الأنعام:64] ~~قرأها الكوفيون وهشام بن عامر عن ابن عامر مشددة كالأولى. وقرأ ~~الثنتين بالتخفيف من " أنجى " حميد بن قيس، ويعقوب، وعلي بن ~~نصر عن أبي عمرو، وتحصل من ذلك أن الكوفيين وهشاما يثقلون في ~~الموضعين، وأن حميدا ومن معه يخففون فيهما، وأن نافعا، وابن ~~كثير، وأبا عمرو، وابن ذكوان عن ابن عامر يثقلون الأولى، ~~ويخففون الثانية، والقراءات واضحة، فإنها من: نجى وأنجى، ~~فالتضعيف والهمزة كلاهما للتعدية. # فالكوفيون وهشام التزموا التعدية بالتضعيف، وحميد وجماعته ~~التزموها بالهمزة. والباقون جمعوا بين التعديتين جمعا بين ~~اللغتين كقوله تعالى: # فمهل الكافرين أمهلهم رويدا # [الطارق:17]. # والاستفهام للتقرير والتوبيخ، وفي الكلام حذف مضاف، أي: من ~~مهالك ظلمات، أو من مخاوفها، والظلمات كناية عن الشدائد والأهوال ~~إذا سافروا في البر والبحر. # قوله: " تدعونه " في محل نصب على الحال، إما من مفعول " ينجيكم ~~" ، وهو الظاهر، أي: ينجيكم داعين إياه، وإما من فاعله، أي: مدعوا ~~من جهتكم. # قوله: { تضرعا وخفية } يجوز فيها وجهان: # أحدهما: أنهما مصدران في موضع الحال، أي: تدعونه متضرعين ~~ومخفين. # والثاني: أنها مصدارن من معنى العامل لا من لفظه كقولك: قعدت جلوسا. # وقرأ الجمهور: " خفية " بضم الخاء، وقرأ أبو بكر بكسرها، وهما ~~لغتان، كالعدوة والعدوة، والأسوة والإسوة. # وقرأ الأعمش: " وخيفة " كالتي في " الأعراف " وهي من الخوف، قلبت ~~" الواو " ياء لانكسار ما قبلها وسكونها، ويظهر على هذه القراءة أن يكون ~~مفعولا من أجله لولا ما يأباه " تضرعا " من المعنى. # قوله: " لئن أنجيتنا " الظاهر أن هذه الجملة القسمية تفسير ~~للدعاء قبلها # ويجوز أن تكون منصوبة المحل على إضمار القول، ويكون ذلك القول ~~في محل نصب على الحال من فاعل " تدعونه " أي: تدعونه قائلين ذلك، وقد ~~عرف مما تقدم غير مرة كيفية اجتماع الشرط والقسم. # وقرأ الكوفيون " أنجانا " بلفظ الغيبة مراعاة لقوله " ~~تدعونه " والباقون " أنجيتنا " بالخطاب حكاية لخطابهم في حالة ~~الدعاء، وقد قرأ كل بما رسم في مصحفه، فإن في مصاحف " الكوفة ms3505 ": ~~أنجانا " ، وفي غيرها: " أنجيتنا ". # قوله: " من هذه " متعلق بالفعل قبله، و " من " لابتداء ~~الغاية، و " هذه " اشارة إلى الظلمات، لأنها تجري مجرى المؤنثة ~~الواحدة، وكذلك في " منها " تعود على الظلمات. # وقوله: { ومن كل كرب } عطف على الضمير المجرور بإعادة حرف ~~الجر، وهو واجب عند البصريين، وقد تقدم. # و " الكرب " غاية الغم الذي يأخذ النفس. # قوله: " ثم أنتم تشركون " يريد أنهم يقرون أن الذي ~~يدعونه عند الشدة هو الذي ينجيهم، ثم يشركون معه الأصنام التي علموا ~~أنها لا تضر ولا تنفع. ### || [6.65-67] # وهذا نوع آخر من دلائل التوحيد ممزوج بالتخويف فبين كونه - تعالى - ~~قادرا على إيصال العذاب إليهم من هذه الطرق المختلفة تارة من فوقهم، ~~وتارة من تحت أرجلهم، فقيل: هذا حقيقة. # فأما العذاب من فوقهم كالمطر النازل عليهم في قصة نوح، ~~والصاعقة، والريح، والصيحة، ورمي أصحاب الفيل. # وأما الذي من تحت أرجلهم: كالرجفة والخسف، وقيل: حبس المطر ~~والنبات. وقيل: هذا مجاز. # قال مجاهد وابن عباس في رواية عكرمة: " من فوقكم " أي: من ~~الأمراء، أو من تحت أرجلكم من العبيد والسفلة. # قوله: { عذابا من فوقكم } يجوز أن يكون الظرف معلقا ب " ~~نبعث " وأن يكون متعلقا بمحذوف على أنه صفة ل " عذابا " أي: عذابا ~~كائنا من هاتين الجهتين. قوله: { أو يلبسكم شيعا } عطف على ~~" يبعث ". # والجمهور على فتح الياء من " يلبسكم " وفيه وجهان: # أحدهما: أنه بمعنى يخلطكم فرقا مختلفين على أهواء شتى كل فرقة ~~مشايعة لإمام، ومعنى خلطهم: إنشاب القتال بينهم، فيختلطون في ~~ملاحم القتال كقول الحماسي: [الكامل] # 2190- وكتيبة لبستها بكتيبة # حتى إذا التبست نفضت لها يدي # فتركتهم تقص الرماح ظهورهم # ما بين منعفر وآخر مسند # وهذه عبارة الزمخشري: فجعله من اللبس الذي هو الخلط، وبهذا ~~التفسير الحسن ظهر تعدي " يلبس " إلى المفعول، و " شيعا " نصب على ~~الحال، وهي جمع " شيعة " ك " سدرة " و " سدر ". # وقيل: " شيعا " منصوب على المصدر من معنى الفعل الأول, أي: إنه مصدر ~~على غير الصدر كقعدت جلوسا. # قال أبو حيان: " ويحتاج في جعله مصدرا إلى نقل من ms3506 اللغة ". # ويجوز على هذا أيضا أن يكون حالا ك " أتيته ركضا " أي: ~~راكضا، أو ذا ركض. # وقال أبو البقاء: والجمهور على فتح الياء، أي: يلبس عليكم أموركم، ~~فحذف حرف الجر والمفعول، والأجود أن يكون التقدير: أو يلبس أموركم، ~~فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. # فصل في معنى الآية # قال المفسرون: معناه: أن يجعلكم فرقا، ويثبت فيكم الأهواء ~~المختلفة. # وروى عمرو بن دينار عن جابر، قال: # " لما نزلت هذه الآية { قل هو القادر على أن يبعث ~~عليكم عذابا من فوقكم } قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " أعوذ بوجهك " قال: { أو من تحت أرجلكم } قال: ~~" أعوذ بوجهك ". قال: { أو يلبسكم شيعا ويذيق ~~بعضكم بأس بعض } قال رسوله الله صلى الله عليه وسلم: " هذا ~~أهون أو هذا أيسر " # وعن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: # " أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مررنا على مسجد بني ~~معاوية، فدخل وصلى ركعتين، وصلينا معه فناجى ربه طويلا، ثم قال: " ~~سألت ربي ثلاثا: ألا يهلك أمتي فأعطانيها، وسألته ~~ألا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته ألا ~~يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها " # وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا في مسجد، فسأله الله ~~ثلاثا فأعطاه اثنتين، ومنعه واحدة، سأله ألا يسلط على أمته عدوا ~~من غيرهم يظهر عليهم، فأعطاه ذلك، وسأله ألا يهلكهم بالسنين، فأعطاه ~~ذلك، وسأله ألا يجعل بأس بعضهم على بعض فمنعه ذلك. # فصل في مزيد بيان عن الآية # ظاهر قوله تعالى: { أو يلبسكم شيعا } أنه يجعلهم على ~~الأهواء المختلفة، والمذاهب المتنافية، والحق منها ليس إلا لواحد، ~~وما سواه فهو باطل، وهذا يقتضي أنه - تعالى - قد يحمل المكلف على ~~اعتقاد الباطل. # وقوله: { ويذيق بعضكم بأس بعض } لا شك أن أكثرها ظلم ~~ومعصية، وهذا يدل على كونه - تعالى - خالقا للخير والشر. # وأجاب الخصم عنه بأن الآية تدل على أنه - تعالى - قادر عليه، ~~وعندنا أن الله - تعالى - قادر على القبح، إنما النزاع في أنه - ~~تعالى - هل يفعل ذلك أم لا؟ ms3507 # وأجيب بأن وجه التمسك بالآية شيء آخر، فإنه قال: " هو ~~القادر " على ذلك، وهذا يفيد الحصر، فوجب أن يكون غير الله غير ~~قادر على ذلك، وقد حصل الاختلاف بين الناس، فثبت بمقتضى الحصر ~~المذكور ألا يكون ذلك صادرا عن غير الله، فوجب أن يكون صادرا عن ~~الله، وهو المطلوب. # فصل في إثبات النظر والاستدلال # قالت المعتزلة والحشوية: هذه الآية من أدل الدلائل على المنع ~~من النظر والاستدلال؛ لأن فتح تلك الأبواب يفيد وقوع الاختلاف، ~~والمنازعة في الأديان، وتفريق الخلائق إلى هذه المذاهب والأديان، وذلك ~~مذموم بهذه الآية، والمفضي إلى المذموم مذموم، فوجب أن يكون ~~فتح باب النظر والاستدلال مذموما. # وأجيبوا بالآيات الدالة على وجوب النظر والاستدلال كما تقدم ~~مرارا. # فصل في قراءة " يلبسكم " # قرأ أبو عبد الله المدني: " يلبسكم " بضم الياء من " ألبس " ~~رباعيا، وفيه وجهان: # أحدهما: أن يكون المفعول الثاني محذوفا، تقديره أو يلبسكم ~~الفتنة، و " شيعا " على هذا حال، أي: يلبسكم الفتنة في حال ~~تفرقكم وشتاتكم. # الثاني: أن يكون " شيعا " هو المفعول الثاني، كأنه جعل الناس يلبسون ~~بعضهم مجازا كقوله: [المتقارب] # 2191- لبست أناسا فأفنيتهم # وأفنيت بعد أناس أناسا # والشيعة: من يتقوى بهم الإنسان، والجمع: " شيع " كما تقدم، و " ~~أشياع " ، كذا قاله الراغب، والظاهر أن " أشياعا " جمع " شيع " ك ~~" عنب " و " أعناب " ، و " ضلع " و " أضلاع " و " شيع " جمع " ~~شيعة " فهو جمع الجمع. # قوله: " ويذيق " نسق على " يبعث " ، والإذاقة استعارة، ~~وهي فاشية: # ذوقوا مس سقر # [القمر:48] # ذق إنك # [الدخان:49]، # فذوقوا العذاب # [الأنعام:30]. # وقال: [الوافر] # 2192- أذقناهم كئوس الموت صرفا # وذاقوا من أسنتنا كئوسا # وقرأ الأعمش: " ونذيق " بنون العظمة، وهو التفات، فائدته تعظيم ~~الأمر، والتحذير من سطوته. # قوله: { انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون }. # قال القاضي: هذا يدل على أنه - تعالى - أراد بتصريف الآيات، وتقرير ~~هذه البينات أن يفهم الكل تلك الدلائل، ويفقه الكل تلك البينات. # وأجيب بأن ظاهر الآية يدل على أنه - تعالى - ما صرف هذه الآيات ~~إلا لمن فقه وفهم، فأما من أعرض وتمرد فهو تعالى ما صرف هذه ms3508 ~~الآيات لهم. # قوله تعالى: { وكذب به قومك وهو الحق قل لست ~~عليكم بوكيل } # قوله: " وكذب به " " الهاء " في " به " تعود على العذاب ~~المتقدم في قوله: { عذابا من فوقكم } قاله الزمخشري. # وقيل: تعود على القرآن. # وقيل: تعود على الوعيد المتضمن في هذه الآيات المتقدمة. # وقيل: على النبي صلى الله عليه وسلم وهذا بعيد؛ لأنه خوطب بالكاف ~~عقيبه، فلو كان كذلك لقال: وكذب به قومك، وادعاء الالتفات فيه ~~أبعد. # وقيل: لا بد من حذف صفة هنا، أي: وكذب به قومك المعاندون، أو ~~الكافرون؛ لأن قومه كلهم لم يكذبوه، كقوله: # إنه ليس من أهلك # [هود:46] أي الناجين، وحذف الصفة وبقاء الموصوف قليل جدا، بخلاف العكس. # وقرأ ابن أبي عبلة: " وكذبت " بتاء التأنيث، كقوله تعالى: # كذبت قوم نوح # [الشعراء:105] # كذبت قوم لوط # [الشعراء:160] باعتبار الجماعة. # قوله: { وهو الحق } في هذه الجملة وجهان: # الظاهر منهما: أنها استئناف. # والثاني: أنها حال من " الهاء " في " به " ، أي: كذبوا به في حال كونه ~~حقا، وهو أعظم في القبح. # والمعنى أن الضمير في " به " للعذاب، فمعنى كونه حقا لا بد أن ينزل ~~بهم، وإن عاد إلى القرآن، فمعنى كونه حقا، أي: كتاب منزل من عند الله، ~~وإن عاد إلى تصريف الآيات أي: أنهم كذبوا كون هذه الأشياء دلالات، ~~وهو حق. # قوله: " عليكم " متعلق بما بعده، وهو توكيد، وقدم لأجل ~~الفواصل، ويجوز أن يكون حالا من قوله: " بوكيل "؛ لأنه لو ~~تأخر لجاز أن يكون صفة له، وهذا عند من يجيز تقديم الحال على ~~صاحبها المجرور بالحرف، وهو اختيار جماعة، وأنشدوا عليه: [الخفيف] # 2193- غافلا تعرض المنية للمر # ء فيدعى ولات حين إباء # فقدم " غافلا " على صاحبها، وهو " المرء " ، وعلى عاملها وهو " ~~تعرض " فهذا أولى. # ومنه [الطويل] # 2194- لئن كان برد الماء هيمان صاديا # إلي حبيبا إنها لحبيب # أي: إلي هيمان صاديا، ومثله: [الطويل] # 2195- فإن يك أذواد أصبن ونسوة # فلن يذهبوا فرغا بقتل حبال # " فرغا " حال من " يقتل " ، و " حبال " بالمهملة اسم رجل مع أن ~~حرف الجر هنا زائد، فجوازه أولى مما ذكرناه. ms3509 # فصل في المراد بالآية # معنى الآية: قل لهم يا محمد: لست عليكم برقيب, وقيل: بمسلط ألزمكم ~~الإيمان شئتم أو أبيتم، وأجازيكم على تكذيبكم، وإعراضكم عن ~~قبول الدلائل، إنما أنا رسول ومنذر، والله المجازي لكم ~~بأعمالكم. # قال ابن عباس والمفسرون: نسختها آية القتال، وهو بعيد. # قوله: { لكل نبإ مستقر } [الأنعام:67] يجوز رفع " نبأ " ~~بالابتدائية، وخبره الجار قبله، وبالفاعلية عند الأخفش بالجار قبله، ~~ويجوز أن يكون " مستقر " اسم مصدر أي: استقرار [مكان، أو زمان؛] لأن ما ~~زاد على الثلاثي كان المصدر منه على زنة اسم المفعول؛ نحو: " المدخل ~~" و " المخرج " بمعنى " الإدخال " و " الإخراج " ، والمعنى أن لك وعد ~~ووعيد من الله استقرار، ولا بد وأن يعلموا [أن الأمر كما أخبر الله ~~تعالى] ويجوز أن يكون مكان الاستقرار أو زمانه [وأن] لكل خبر يخبره الله ~~وقتا أو مكانا يحصل فيه من غير خلف ولا تأخير، وهذا الذي خوف ~~الكفار به يجوز أن يكون المراد به عذاب الآخرة، ويجوز أن يكون المراد ~~منه الاستيلاء عليهم بالحرب والقتل في الدنيا. ### || [6.68] # قال تعالى في الآية الأولى # وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم ~~بوكيل # [الأنعام:66] فتبين به أنه لا يجب على الرسول ملازمة المكذبين ~~بهذا الدين. # وبين في هذه الآية أن أولئك المكذبين إن ضموا إلى كفرهم ~~وتكذيبهم الاستهزاء بالدين والطعن في الرسول، فإنه يجب الإعراض ~~عنهم، وترك مجالستهم. # قوله: { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ~~فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره } فقيل: ~~الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره. # وقيل: الخطاب لغيره، أي: إذا رأيت أيها السامع الذين يخوضون في ~~آياتنا. # نقل الواحدي أن المشركين كانوا إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن فشتموا واستعهزءوا فأمرهم ~~ألا يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره. # والخوض في اللغة عبارة عن المفاوضة على وجه اللعب والعبث. # قال تعالى حكاية عن الكفار: # وكنا نخوض مع الخآئضين # [المدثر:45] وإذا قال الرجل: تركت القوم يخوضون أفاد أنهم شرعوا ~~في كلمات ms3510 لا ينبغي ذكرها. # قوله: " إذا " منصوب بجوابها، وهو " فأعرض "؛ أي: فأعرض عنهم في هذا ~~الوقت و " رأيت " هنا تحتمل أن تكون البصرية، وهو الظاهر، ولذلك ~~تعدت لواحد. # قال أبو حيان: " ولابد من تقدير حال محذوفة، أي: وإذا رأيت ~~الذين يخوضون في آياتنا، وهو خائضون فيها، أي: وإذا رأيتهم ملتبسين ~~بالخوض فيها ". انتهى. # قال شهاب الدين: ولا حاجة إلى ذلك؛ لأن قوله: " يخوضون " ~~مضارع، والراجح حاليته وأيضا فإن " الذين يخوضون " في ~~قوة الخائضين، واسم الفاعل حقيقة في الحال بلا خلاف، فيحمل هذا ~~على حقيقته، فيستغنى عن حذف هذه الحال التي قدرها وهي حال مؤكدة. # ويحتمل أن تكون علمية، وضعفه أبو حيان بأنه يلزم منه حذف ~~المفعول الثاني، وحذفه إما اقتصار، وإما اختصار، فإن كان الأول: ~~فممنوع اتفاقا وإن كان الثاني: فالصحيح المنع حتى منع ذلك بعض ~~النحويين. # قوله: " غيره " " الهاء " فيها وجهان: # أحدهما: أنها تعود على الآيات، وعاد مفردا مذكرا؛ لأن الآيات في معنى ~~الحديث والقرآن. # وقيل: إنها تعود على الخوض، أي: المدلول عليه بالفعل كقوله: ~~[الوافر] # 2196- إذا نهي السفيه جرى إليه # وخالف والسفيه إلى خلاف # أي: جرى إلى السفه، دل عليه الصفة كما دل الفعل على ~~مصدره؛ أي: حتى يخوضوا في حديث غير الخوض. # وقوله: " وإما ينسينك " قراءة العامة " ينسينك " ~~بتخفيف السين من " أنساه " كقوله: # ومآ أنسانيه إلا الشيطان # [الكهف:63] # فأنساه الشيطان # [يوسف:42]. # وقرأ ابن عامر: بتشديدها من " نساه " ، والتعدي جاء في هذا الفعل ~~بالهمزة مرة، وبالتضعيف أخرى، كما تقدم في " أنجى " و " نجى " و " ~~أمهل " و " مهل ". # والمفعول الثاني محذوف في القراءتين؛ تقديره: وإما ينسينك ~~الشيطان الذكر أو الحق. # والأحسن أن يقدر ما يليق بالمعنى، أي: وإما نيسينك الشيطان ما أمرت به ~~من ترك مجالسة الخائضين بعد تذكيرك، فلا تقعد بعد ذلك معهم، وإنما ~~أبرزهم ظاهرين تسجيلا عليهم بصفة الظلم، وجاء الشرط الأول ب " إذا ~~"؛ لأن خوضهم في الآيات محقق، وفي الشرط الثاني ب " إن " لأن ~~إنساء الشيطان له ليس أمرا محققا، بل قد يقع وقد لا يقع, وهو ms3511 ~~معصوم منه. # ولم يجئ مصدر على " فعلى " غير " ذكرى ". # وقال ابن عطية: " وإما " شرط, ويلزمها في الأغلب النون الثقيلة، وقد ~~لا تلزم كقوله: [البسيط] # 2197- إما يصبك عدو في مناوأة # .................... # وهذا الذي ذكره من لزوم التوكيد هو مذهب الزجاج، والناس على ~~خلافه، وأنشدوا ما أنشده ابن عطية وأبياتا أخر منها: [الرجز] # 2198- إما تريني اليوم أم حمز # وقد تقدم طرف من هذه المسألة أول البقرة، إلا أن أحدا لم يقل: ~~يلزم توكيده بالثقيلة دون الخفيفة، وإن كان ظاهر كلام ابن عطية ذلك. ### || [6.69] # يجوز أن تقدر " ما " حجازية، فيكون " من شيء " اسمها، و " من " مزيدة ~~فيه لتأكيد الاستغراق، و { على الذين يتقون } خبرها عند من ~~يجيز إعمالها مقدمة الخبر مطلقا، أو يرى ذلك في الظرف وعديله. # و " من حسابهم " حال من " شيء " لأنه لو تأخر لكان صفة، ~~ويجوز أن تكون مهملة إما على لغة " تميم " وإما على لغة " الحجاز ~~" لفوات شرط، وهو تقديم خبرها وإن كان ظرفا، وتحقيق ذلك مما تقدم ~~في قوله: # ما عليك من حسابهم من شيء # [الأنعام:52] # قوله: " ولكن ذكرى " فيه أربعة أوجه: # أحدها: أنها منصوبة على المصدر بفعل مضمر، فقدره ~~بعضهم أمرا؛ أي: ولكن ذكروهم ذكرى، وبعضهم قدره خبرا؛ أي: ~~ولكن يذكرونهم ذكرى. # الثاني: أنه مبتدأ خبره محذوف؛ أي: ولكن عليهم ذكرى؛ أو عليكم ذكرى؛ ~~أي: تذكيرهم. # الثالث: أنه خبر امبتدأ محذوف؛ أي هو ذكرى؛ أي: النهي عن ~~مجالستهم والامتناع منها ذكرى. # الرابع: أنه عطف على موضع " شيء " المجرور ب " من "؛ أي: ما على ~~المتقين من حسابهم شيء، ولكن عليهم ذكرى، فيكون من عطف المفردات، ~~وأما على الأوجه السابقة فمن عطف الجمل. # وقد رد الزمخشري هذا الوجه الرابع، ورده عليه أبو حيان. # فأما رد الزمخشري فقال: " ولا يجوز أن يكون عطفا على محل من ~~شيء؛ كقولك: " ما في الدار من أحد ولكن زيد "؛ لأن قوله: " من ~~حسابهم " يأبى ذلك ". # قال أبو حيان: كأنه تخيل أن في العطف يلزم القيد الذي في ~~المعطوف عليه، وهو " من حسابهم " فهو قيد ms3512 في " شيء " فلا يجوز عنده ~~أن يكون من عطف المفردات عطفا على " من شيء " على الموضع؛ لأنه يصير ~~التقدير عنده: ولكن ذكرى من حسابهم، وليس المعنى على هذا، وهذا الذي ~~تخيله ليس بشيء، ولا يلزم في العطف ب " لكن " ما ذكر؛ تقول: ما ~~عندنا رجل سوء ولكن رجل صدق، وما عندما رجل من تميم ولكن ~~رجل من قريش، وما قام من رجل عالم ولكن رجل جاهل، فعلى هذا الذي ~~قررناه يجوز أن يكون من عطف الجمل كما تقدم، وأن يكون من عطف ~~المفرادات والعطف بالواو، ولكن جيء بها للاستدراك. # قال شهاب الدين: قوله: " تقول: ما عندنا رجل سوء ولكن رجل صدق " إلى ~~آخر الأمثلة التي ذكرها لا يرد على الزمخشري؛ لأن الزمخشري وغيره من ~~أهل اللسان والأصوليين يقولون: إن العطف ظاهر في التشريك، فإن ~~كان في المعطوف عليه قيد فالظاهر تقييد المعطوف بذلك القيد؛ ~~إلا أن تجيء قرينة صارفة، فيحال الأمر عليها. # فإذا قلت: ضربت زيدا يوم الجمعة وعمرا، فالظاهر اشتراك عمرو مع زيد في ~~الضرب مقيدا بيوم الجمعة، فإن قلت: وعمرا يوم السبت لم يشاركه في ~~قيده، والآية الكريمة من قبيل النوع الأول؛ أي: لم يؤت مع المعطوف ~~بقرينه تخرجه، فالظاهر مشاركته للأول في قيده، ولو شاركه في ~~قيده لزم منه ما ذكر الزمخشري، وأما الأمثلة التي أوردها فالمعطوف ~~مقيد بغير القيد الذي قيد به الأول، وإنما كان نبغي أن يمثل ~~بقوله: " ما عندنا رجل سوء ولكن امرأة وما عندنا رجل من تميم ولكن صبي " ~~، فالظاهر من هذا أن المعنى: ولكن امرأة سوء، ولكن صبي من قريش. # وقول الزمخشري: " عطفا على محل: من شيء " ولم يقل: عطفا على لفظه ~~لفائدة حسنة يعسر معرفتها، وهو أن " لكن " حرف إيجاب، فلو ~~عطفت ما بعدها على المجرور ب " من " لفظا لزم زيادة " من " في ~~الواجب، وجمهور البصريين على عدم زيادتها فيه، ويدل على اعتبار ~~الإيجاب في " لكن " أنهم إذا عطفوا بعد خبر " ما " الحجازية أبطلوا ~~النصب؛ لأنها لا تعمل في المنتقض النفي، ms3513 و " بل " ك " لكن " فيما ~~ذكرنا. # فصل في النزول # روى عن ابن عباس أنه قال: لما نزلت هذه الآية # وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض ~~عنهم # [الأنعام:68] قال المسلمون: لئن كنا كلما استهزأ المشركون بالقرآن، ~~وخاضوا فيه قمنا عنهم لما قدرنا على أن نجلس في المسجد الحرام، ~~وأن نطوف بالبيت، وهم يخوضون أبدا. # وفي رواية: قال المسلمون: فإنا نخاف الإثم حين نتركهم، ولا ننهاهم، ~~فأنزل الله { وما على الذين يتقون من حسابهم } أي: من ~~آثام الخائفين من شيء " ولكن ذكرى " أي: ذكروهم وعظوهم ~~بالقرآن، والذكر والذكرى واحد، يريد ذكروهم ذكرى لعلهم يتقون ~~الخوض إذا وعظتموهم، فرخص في مجالستهم على الوعظ لعلهم يمنعهم ~~ذلك من الخوض. # وقيل: لعلهم يستحيون. ### || [6.70] # " اتخذوا " فيها وجهان: # أحدهما: أنها متعدية لواحد، على أنها بمعنى " اكتسبوا " و " ~~عملوا " ، و " لهوا ولعبا " على هذا مفعول من أجله؛ أي: اكتسبوه لأجل ~~اللهو واللعب. # والثاني: أنها المتعدية إلى اثنين: أولهما " دينهم " وثانيهما " ~~لعبا ولهوا ". # قال أبو حيان: ويظهر من بعض كلام الزمخشري، وكلام ابن عطية أن " ~~لعبا ولهوا " هو المفعول الأول، و " دينهم " هو المفعول الثاني. # قال الزمخشري: أي دينهم الذي كان يجب أن يأخذوا به لعبا ولهوا، وذلك ~~أن عبادتهم وما كانوا عليه من تبحير البحائر وتسييب السوائب من ~~باب اللهو واللعب, واتباع هوى النفسن وما هو من جنس الهزل ~~لا الجد، أو اتخذوا ما هولعب ولهو من عبادة الأصنام دينا لهم، أو ~~اتخذوا دينهم الذي كلفوه، وهو دين الإسلام لعبا ولهوا حيث سخروا ~~به؛ قال: " فظاهر تقديره الثاني يدل على ما ذكرنا ". # وقال ابن عطية: " وأضاف الذبن إليهم على معنى أنهم جعلوا ~~اللعب واللهو دينا, ويختمل أن يكون المعنر: اتخذوا دينهم الذي ~~كان ينبغي لهم لعبا ولهوا, فتفسيره الأول هو ما ذكرناه عنه ". ~~انتهى. # قال شهاب الدين: وهذا الذي ذكراه إنما ذكراه تفسير معنى لا ~~تفسير إعراب، وكيف يجعلان النكرة مفعولا أول، والمعرفة مفعولا ~~ثانيا من غير داعية إلى ذلك، مع أنهما من أكابر أهل هذا ms3514 اللسان، وانظر ~~كيف أبرزا ما جعلاه مفعولا أول معرفة، وما جعلاه ثانيا نكرة في ~~تركيب كلامها [يخرج] على كلام العرب، فكيف يظن بهما أن يجعلا النكرة ~~محدثا عنها، والمعرفة حديثا في كلام الله تعالى؟ # قوله تعالى: و { وغرتهم الحياة الدنيا } تحتمل وجهين: # أحدهما: أنها مستأنفة. # والثاني: أنها عطف على صلة " الذين " ، أي: الذين اتخذوا ~~وغرتهم، وقد تقدم معنى " الغرور " في آخر آل عمران. # وقيل: هنا: غرتهم من " الغر " بفتح الغين، أي: ملأت أفواههم ~~وأشبعتهم، وعليه قول الشاعر: [الطويل] # 2199- ولما التقينا بالحليبة غرني # بمعروفه حتى خرجت أفوق # فصل في معنى الآية # المراد من هولاء الذي اتخذوا دينهم لعبا ولهوا، يعني الكفار ~~الذين إذا سمعوا آيات الله استهزءوا بها وتلاعبوا. # وقيل: إن الله - تعالى - جعل لكل قوم عيدا واتخذ كل قوم دينهم؛ أي ~~عيدهم لعبا ولهوا، وعيد المسلمين الصلاة والتكبير، وفعل الخير مثل ~~الجمعة والفطر والنحر. # وقيل: إن الكفار كانوا يحكمون في دين الله بمجرد [التشهي ~~والتمني مثل تحريم] السوائب والبحائر. # وقيل: اتخاذهم الأصنام وغيرها دينا لهم. # وقيل: هم الذين ينصرون الدين ليتوسلوا به إلى أخذ المناصب ~~والرياسة، وغلبة الخصم، وجمع الأموال، فهولاء الذين [نصروا ~~الدين] لأجل الدنيا، وقد حكم الله على الدنيا في سائر الآيات بأنها ~~لعب ولهو. # ويؤكد هذا الوجه قوله تعالى: { وغرتهم الحياة ~~الدنيا }. # قوله: " وذكر به " أي: بالقرآن، يدل له قوله: # فذكر بالقرآن من يخاف وعيد # [ق:45] وقيل: يعود على " حسابهم ". # وقيل: على " الدين " أي: الذي يجب عليهم أن يتداينوا، ويعتقدوا ~~بصحته. # وقيل: هذا ضمير يفسره ما بعده، وسيأتي إيضاحه. # قوله: " أن تبسل " في هذا وجهان: # المشهور - بل الإجماع - على أنه مفعول من أجله، وتقديره: مخافة أن ~~تبسل، أو كراهة أن تبسل أو ألا تبسل. # والثاني: قال أبو حيان بعد أن نقل الاتفاق على المفعول من أجله: " ~~ويجوز عندي أن يكون في موضع جر على البدل من الضمير، والضمير مفسر ~~بالبدل، ويضمر الإبسال لما في الإضمار من التفخيم، كما أضمروا ~~ضمير الأمر والشأن، والتقدير: وذكر بارتهان النفوسن وحبسها ms3515 بما ~~كسبت، كما قالوا: " اللهم صل عليه الرءوف الرحيم " ، وقد أجاز ذلك ~~سيبويه؛ قال: فإن قلت: ضربت وضربوني قومك، نصبت إلا في قول من قال: " ~~أكلوني البراغيث " أو تحمله على البدل من المضمر. # وقال أيضا: فإن قلت: " ضربني وضربتهم قومك، رفعت على التقديم والتأخير ~~إلا أن تجعل هاهنا البدل, كما جعلته في الرفع ". انتهى. # وقد روي قوله: [الطويل] # 2200-....................... # ...... فاستاكت به عود إسحل # بجر " عود " على البدل من الضمير. # قال شهاب الدين: أما تفسير الضمير غير المرفوع بالبدل، فهو قول الأخفش، ~~وأنشد عليه هذا العجز وأوله: [الطويل] # 2201- إذا هي لم تستك بعود أراكة # تنخل فاستاكت به عود إسحل # والبيت لطفيل الغنوي، يروى برفع " عود " ، وهذا هو المشهور عند ~~النحاة، ورفعه على إعمال الأول، وهو " تنخل " ، وإهمال الثاني ~~وهو " فاستاكت " ، فأعطاه ضميره، ولو أعمله لقال: " فاستاكت بعود ~~إسحل " ، ولا يكن لانكسار البيت، والرواية الأخرى التي استشهد بها ضعيفة ~~جدا لا يعرفها أكثر المعربين، ولو استشهد بما لا خلاف عليه فيه ~~كقوله: [الطويل] # 2202 - على حالة لو أن في القوم حاتما # على جوده لضن بالماء حاتم # بجر " حاتم " بدلا من الهاء في " جوده " ، والقوافي مجرور لكان أولى. # والإبسال: الارتهان، ويقال: أبسلت ولدي وأهلي، أي ~~أرتهنتهم؛ قال: [الوافر] # 2203- وإبسالي بني بغير جرم # بعوناه ولا بدم مراق # بعونا: جنينا والبعو: الجناية. # وقيل: الإبسال أن يسلم الرجل نفسه للهلكة وقال الراغب: " ~~البسل: ضم الشيء ومنعه، ولتضمنه معنى الضم استعير ~~لتقطب الوجه، فقيل: هو باسل ومبتسل الوجه، ولتضمينه معنى ~~المنع قيل للمحرم والمرتهن: بسل " ، ثم قال: والفرق بين الحرام ~~والبسل أن الحرام عام فيما كان ممنوعا منه بالقهر والحكم، ~~والبسل هو الممنوع بالقهر، وقيل للشجاعة: بسالة؛ إما لما يوصف ~~به الشجاع من عبوس وجهه، ولأنه شديد البسورة يقال بسر الرجل ~~إذا اشتد عبوسه، وقال تعالى: # ثم عبس وبسر # [المدثر:22] فإذا زاد قالوا بسل، أو لكونه محرما على أقرانه، أو ~~لأنه يمنع ما في حوزته، وما تحت يده من أعدائه والبسلة، ~~أجرة الراقي مأخوذة من قول الراقي: أبسلت ms3516 زيدا؛ أي: ~~جعلته محرما على الشيطان، أو جعلته شجاعا قويا على ~~مدافعته، و " بسل " في معنى " أجل " و " بس ". أي: فيكون حرف ~~جواب ك " أجل " ، واسم فعل بمعنى اكتف ك " بس ". # وقوله " بما " متعلق ب " تبسل " ، أي بسبب، و " ما " مصدرية، أو ~~بمعنى " الذي " ، أو نكرة وأمرها واضح. # فصل في معنى التبسل # قال مجاهد وعكرمة والسدي: قال ابن عباس: " تبسل ": تهلك، وروي ~~عن ابن عباس ترتهن في جهنم بما كسبت في الدنيا، وهو قول الفراء. # وقال قتادة: تحبس في جهنم. # وقال الضحاك: تحرق. # وقال الأخفش: تجازى. # وروي عن ابن عباس: تفضح وقال ابن زيد: تؤخذ. # قوله: " ليس لها " هذه الجملة فيها ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها مستأنفة سيقت للإخبار بذلك. # والثاني: أنها في محل رفع صفة ل " نفس ". # والثالث: أنها في محل نصب حالا من الضمير في " كسبت ". # قوله: " من دون " في " من " وجهان: # أظهرهما: أنها لابتداء الغاية. # والثاني: أنها زائدة نقله ابن عطية، وليس بشيء, وإذا كانت لابتداء ~~الغاية، ففيما يتعلق به وجهان: # أحدهما: أنها حال من " ولي "؛ لأنها لو تأخرت لكانت صفة له ~~فتتعلق بمحذوف هو حال. # الثاني: أنها خبر " ليس " فتتعلق بمحذوف أيضا وهو خبر ل " ليس " ، ~~وعلى هذا فيكون " لها " متعلقا بمحذوف على البيان، كما تقدم نظيره، و " ~~من دون الله " فيه حذف مضاف أي: من دون عذابه وجزائه ولي ولا شفيع ~~يشفع لها في الآخرة. # قوله: " وإن تعدل " أي: تفتدي " كل عدل ": كل فداء، و " ~~كل " منصوب على المصدرية؛ لأن " كل " بحسب ما تضاف إليه هذا هو المشهور، ~~ويجوز نصبه على المفعول به؛ أي: وإن تفد يداها كل ما تفدي ~~به لايؤخذ، فالضمير في " لا يؤخذ " على الأول، قال أبو حيان: " ~~عائد على المعدول به المفهوم من سياق الكلام، ولا يعود إلى المصدر؛ ~~لأنه لا يسند إليه الأخذ، وأما في # ولا يؤخذ منها عدل # [البقرة:48] فبمعنى المفدي به فيصح " انتهى. أي: إنه إنما أسند ~~الأخذ إلى العدل صريحا في " البقرة "؛ لأنه ليس المراد المصدر، بل ~~الشيء ms3517 المفدي به، وعلى الثاني يعود على " كل عدل "؛ لأنه ليس ~~مصدرا فهو كآية البقرة. # وقال ابن الخطيب: ويكن حمل الأخذ هنا بمعنى القبول؛ قال تعالى # ويأخذ الصدقات # [التوبة:104] أي: يقبلها وإذا [ثبت هذا فيحمل] الأخذ هاهنا على ~~القبول ويزول المحذور، وفي إسناد الأخذ إلى المصدر عبارة عن الفعل يعني ~~يؤخذ مسندا " إلى " منها لا إلى ضميره أي: لأن العدل بالمعنى المصدري لا ~~يؤخذ، بخلاف قوله: # ولا يؤخذ منها عدل # [البقرة:48] فإنه المفدي به. # قوله: { أولئك الذين أبسلوا } يجوز أن يكون " الذين ~~" خبرا، و " لهم شراب " خبرا ثانيا، وأن يكون " لهم شراب " حالا؛ إما ~~من الضمير في " أبسلوا " وإما من الموصول نفسه، و " شراب " فاعل ~~لاعتماد الجار قبله على ذي الحال، ويجوز أن يكون " لهم شراب " ~~مستأنفا، فهذه ثلاثة أوجه، ويجوز أن يكون " الذين " بدلا من " أولئك ~~" أو نعتا فيتعين أن يكون الجملة من " لهم شراب " خبرا للمبتدأ، فيحصل ~~في الموصول أيضا ثلاثة أوجه؛ كونه خبرا، أو بدلا، أو نعتا فجاءت مع ~~ما قبلها ستة أوجه ستة أوجه في هذه الآية، و " شراب " يجوز رفعه من ~~وجهين؛ الابتدائية والفاعلية عند الأخفش، وعند سيبويه أيضا على أن يكون ~~" لهم " هو خبر المبتدأ أو حالا، حيث جعلناه حالا، و " شراب " مرتفع ~~به لاعتماده على ما تقدم، و " من حميم " صفة ل " شراب " فهو في ~~محل رفع، ويتعلق بمحذوف. # و " شراب " فعال بمعنى مفعول ك " طعام " بمعنى " مطعوم " ، و " شراب " ~~بمعنى " مشروب " لا ينقاس ولا يقال: " أكال " بمعنى " مأكول " ولا " ~~ضراب " بمعنى " مضروب ". # والإشارة بذلك إلى الذين اتخذوا في قول الزمخشري والحوفي، فلذلك أتى ~~بصيغة الجمع، وفي قول ابن عطية وأبي البقاء إلى الجنس المفهوم من قوله ~~{ أن تبسل نفس } إذ المراد به عموم الأنفس، فلذلك أشير إليه ~~بالجمع، ومعنى الآية: أولئك الذين أبسلوا أسلموا للهلاك بما كسبوا " ~~لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون ". ### || [6.71-72] # المقصود من هذه الآية الرد على عبدة الأصنام، وهي مؤكدة لقوله ~~تعالى قبل ذلك: # قل إني ms3518 نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون ~~الله # [الأنعام:56]. # فقوله: { أندعوا من دون الله } أي: أنعبد من دون الله ~~النافع الضار ما لا يقدر على نفعنا إن عبدناه، ولا على ~~ضرنا إن تركناه. # قوله: " أندعوا " استفهام توبيخ وإنكار, والجملة في محل نصب ~~بالقول، و " ما " مفعولة ب " ندعوا " ، وهي موصولة أو نكرة موصوفة، و { ~~من دون الله } متعلق ب " ندعوا ". # قال أبو البقاء: " ولا يجوز أن يكون حالا من الضمير في " ينفعنا " ~~ولا معمولا ل " ينفعنا " لتقدمه على " ما " ، والصلة والصفة لا ~~تعمل فيما قبل الموصول والموصوف. # قوله: " من الضمير في ينفعنا " يعني به المرفوع العائد على " ما " ~~وقوله: " لا تعمل فيما قبل الموصول والموصوف " يعني: أن " ما " لا تخرج ~~عن هذين القسمين ولكن يجوز أن يكون " من دون " حالا من " ما " نفسها على ~~قوله؛ إذ لم يجعل المانع من جعله حالا من ضميره الذي في " ينفعنا " ~~إلا صناعيا لا معنويا، ولا فرق بين الظاهر وضميره بمعنى أنه إذا ~~جاز أن يكون حالا من ظاهره، جاز أن يكون حالا من ضميره، إلا أن يمنع ~~مانع. # قوله: " ونرد " فيه وجهان: # أظهرهما: أنه نسق على " ندعوا " فهو داخل في حيز الاستفهام ~~المتسلط عليه القول. # الثاني: أنه حال على إضمار مبتدأ؛ أي: ونحن نرد. # قال أبو حيان بعد نقله هنا عن أبي البقاء: " وهو ضعيف لإضمار المبتدأ، ~~ولأنها تكون حالا مؤكدة " ، وفي كونها مؤكدة نظر؛ لأن المؤكدة ما فهم ~~معناها من الأول، وكأنه يقول: من لازم الدعاء " من دون الله " ~~الارتداد على العقب. # قوله: " على أعقابنا " فيه وجهان: # أحدهما: أنه معلق ب " نرد ". # والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من مرفوع " نرد " أي: نرد ~~راجعين على أعقابنا، أو منقلبين، أو متأخرين كذا قدروه، وهو تفسير ~~معنى؛ إذا المقدر في مثله كون مطلق، وهذا يحتمل أن يقال فيه: إنه ~~حال مؤكدة، و " بعد إذ " متعلق ب " نرد ". # [ومعنى الآية: ونرد على أعقابنا إلى الشرك مرتدين بعد إذ هدانا الله ~~إلى الإسلام. # يقال لكل ms3519 من أعرض عن الحق إلى الباطل: إنه رجع إلى خلف، ورجع على ~~عقبيه، ورجع القهقرى؛ لأن الأصل في الإنسان الجهل ثم يترقى ~~ويتعلم حتى يتكاملن ويحصل له العلم. # قال تعالى: # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة # [النحل:78] فإذا رجع من العلم إلى الجهل مرة أخرى، فكأنه رجع إلى ~~أول أمره، فلهذا السبب يقال: فلان رد على عقبيه]. # قوله { كالذي استهوته } في هذه الكاف وجهان: # أحدهما: أنه نعت مصدر محذوف؛ أي: نرد ردا مثل رد الذين. # الثاني: في محل نصب على الحال من مرفوع " نرد " ، أي: نرد مشبهين ~~الذي استهوته الشياطين، فمن جوز تعدد الحال جعلها حالا ثانية، إن ~~جعل " على أعقابنا " حالا، ومن لم يجوز ذلك جعل هذه الحال بدلا من ~~الحال الأولى، أو لم يجعل على أعقابنا حالا، بل معلقا ب " نرد ". ~~الجمهور على " استهوته " بتاء التأنيث، وحمزة " استهواه " وهو ~~على قاعدته من الإمالة، والوجهان معروفان مما تقدم في # توفته رسلنا # [الأنعام:61] وقرأ أبو عبد الرحمن والأعمش: " استهوته الشيطان ~~" بتأنيث الفعل، والشيطان مفردا. # قال الكسائي: " وهي كذلك في مصحف ابن مسعود " ، وتوجيه هذه القراءة ~~أنا نؤول المذكربمؤنث كقولهم: " أتته كتابي فاحتقرها "؛ أي: صحيفتي، ~~وتقدم له نظائر. # وقرأ الحسن البصري: " الشياطون " وجعلوها لحنا، ولا تصل إلى ~~اللحن، إلا أنها لغية رديئة، سمع: حول بستان فلان بساتون وله ~~سلاطون، ويحكى أنه لما حكيت قراءة الحسن لحنه بعضهم، فقال ~~الفراء: " أي والله يلحنون الشيخ، ويستشهدون بقول رؤبة ". ولعمري لقد ~~صدق الفراء في إنكار ذلك. # والمراد ب " الذي " الجنس، ويحتمل أن يراد به الواحد الفذ. # قوله: " في الأرض " فيه أربعة أوجه: # أحدها: أنه متعلق بقوله: " استهوته ". # الثاني: أنه حال من مفعول " استهوته ". # الثالث: أنه حال من " حيران ". # الرابع: أنه حال من الضمير المستكن في " حيران " ، و " حيران " ~~حال إما من " هاء " " استهوته " على أنها بدل من الأولى، وعند من يجيز ~~تعددها، وإما من " الذي " ، وإما من الضمير المستكن في الظرف، و " ~~حيران " مؤنثة " حيرى " ، فلذلك لم ms3520 ينصرف، والفعل حار يحار ~~حيرة وحيرانا وحيرورة، و " الحيران " المتردد في الأمر لا ~~يهتدي إلى مخرج. # وفي اشتقاق " استهوته " قولان: # الأول: أنه مشتق من الهوي في الأرض، وهو النزول من الموضع العالي ~~إلى الوهدة [السافلة] العميقة [في قعر الأرض] فشبه الله تعالى حال هذا ~~الضال به، كقوله: # ومن يشرك بالله فكأنما خر من السمآء # [الحج:31] ولا شك أن الإنسان حال هويه من المكان العالي إلى ~~الوهدة العميقة يكون في غاية الاضطراب والدهشة والحيرة. # والثاني: أنه مشتق من اتباع الهوى والميل، فإنه من كان كذلك، ~~فإنه ربما بلغ النهاية في الحيرة. # واعلم أن هذا المثل في غاية الحسن؛ لأن الذي يهوي من المكان ~~العالي إلى الوهدة العميقة، يحصل له كمال التردد والدهشة ~~والحيرة؛ لأنه لا يعرف أي موضع يزداد بلاؤه بسبب سقوطه عليه أو ~~يقل. # قوله " له أصحاب " جملة في محل نصب صفة ل " حيران " ، ويجوز أن ~~يكون حالا من الضمير في " حيران " ، وأن تكون مستأنفة، و " إلى الهدى " ~~متعلقة ب " يدعونه " ، وفي مصحف ابن مسعود وقراءته: " أتينا " بصيغة ~~الماضي, و " إلى الهدى " على هذه القراءة متعلق به، وعلى قراءة الجمهور، ~~فالجملة الأمرية في محل نصب بقول مضمر أي يقولون: ائتنا والقول المضمر في ~~محل صفة لأصحاب وكذلك " يدعونه ". قالوا: نزلت هذه الآية في عبد الرحمن ~~بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه فإنه كان يدعو أباه إلى الكفر، ~~وأبوه يدعوه إلى الإيمان. # وقيل: المراد أن لذلك الكافر الضال أصحابا يدعونه إلى ذلك ~~الضلال، ويسمونه بأنه هو الهدى، والصحيح الأول. # ثم قال تعالى: { إن هدى الله هو الهدى } يزجر بذلك عن ~~عبادة الأصنام، كأنه يقول: لا تفعل ذلك, فإن الهدى هدى الله لا هادي ~~غيره. قوله: " وأمرنا لنسلم " في هذه " اللام " أقوال: # أحدها: وهو مذهب سيبويه أن هذه اللام بعد الإرادة والأمر وشبههما ~~متعلقة بمحذوف على أنها خبر للمبتدأ, وذلك المبتدأ هو مصدر من ذلك ~~الفعل المتقدم, فإذا قلت: أردت لتقوم وأمرت زيدا ليذهب, كان التقدير: ~~الإرادة للقيام، والأمر للذهاب، كذا ms3521 نقل أبو حيان ذلك عن سيبويه ~~وأصحابه، وفيه ضعف تقدم في سورة النساء عند قوله: # يريد الله ليبين لكم # [النساء:26]. # الثاني: أن مفعول الأمر والإرادة محذوف، وتقديره: وأمرنا بالإخلاص ~~لنسلم. # الثالث: قال الزمخشري: هي تعليل للأمر بمعنى أمرنا وقيل لنا أسلموا ~~لأجل أن نسلم. # الرابع: أن " اللام " زائدة؛ أي: أمرنا أن نسلم. # الخامس: أنها بمعنى " الباء " أي بأن نسلم. # السادس: أن " اللام " وما بعدها مفعول الأمر واقعة موقع " أن " أي: ~~أنهما متعاقبان، فتقول: أمرتك لتقوم، وأن تقوم، وهذا مذهب الكوفيين. # وقال ابن عطية: ومذهب سبيويه أن " لنسلم " في موضع المفعول، وأن ~~قولك: أمرت لأقوم وأن أقوم بيجريان سواء وقال الشاعر: [الطويل] # 2204- أريد لأنسى حبها فكأنما # تمثل لي ليلى بكل طريق # وهذا ليس مذهب سيبويه، إنما مذهبه ما تقدم تحقيقه في " سورة النساء ". # قوله " وأن أقيموا " فيه أقوال: # أحدها: أنها في محل نصب بالقول نسقا على قوله: { إن هدى ~~الله هو الهدى } أي: قل هذين الشيئين. # والثاني: أنه نسق على " لنسلم " أي: وأمرنا بكذا للإسلام، ولنقيم ~~الصلاة، و " أن " توصل بالأمر كقولهم: كتب إليه بأن قم، حكاه سيبويه ~~وهذا رأي الزجاج. # والثالث: أنه نسق على " ائتنا " قال مكي: لأن معناه: " أن ائتنا " ~~، وهو غير ظاهر. # والرابع: أنه معطوف على مفعول الأمر المقدر، والتقدير: وأمرنا ~~بالإيمان، وبإقامة الصلاة قاله ابن عطية. # قال أبو حيان: وهذا لا بأس به، إذ لا بد من تقدير المفعول الثاني ~~ل " أمرنا " ويجوز حذف المعطوف عليه لفهم المعنى؛ تقول: أضربت ~~زيدا؟ فتجيب نعم وعمرا؛ التقدير: ضربته وعمرا. # وقد أجاز الفراء: " جاءني الذي وزيد قائمان " ، التقدير: الذي هو وزيد ~~قائمان، فحذف " هو " لدلالة المعنى عليه، وهذا الذي قاله أنه لا بأس به ~~ليس من أصول البصريين. # و " أما نعم وعمرا " فلا دلالة فيه؛ لأن " نعم " قامت مقام الجملة ~~المحذوفة. # وقال مكي قريبا من هذا القول، إلا أنه لم يصرح بحذف المعطوف ~~عليه، فإنه قال: و " أن " في موضع نصب بحذف الجار، تقديره: وبأن ~~أقيموا، فقوله: وبأن أقيموا هو ms3522 معنى قول ابن عطية، إلا أن ذلك [أوضحه] ~~بحذف المعطوف عليه. # وقال الزمخشري: فإن قلت: علام عطف قوله: " وأن أقيموا "؟ قلت: على موضع ~~" لنسلم " كأنه قيل: وأمرنا أن نسلم، وأن أقيموا. # قال أبو حيان: وظاهر هذا التقدير أن " لنسلم " في موضع المفعول ~~الثاني ل " أمرنا " وعطف عليه: " وأن أقيموا " فتكون اللام على هذا ~~زائدة، وكان قد تقدم قبل هذا أن " اللام " تعليل للأمر، فتناقض ~~كلامه؛ لأن ما يكون علة يستحيل أن يكون مفعولا، ويدل على أنه أراد ~~بقوله: " أن نسلم " في موضع المفعول الثاني قوله بعد ذلك: ويجوز أن يكون ~~التقدير: وأمرنا لأن نسلم، ولأن أقيموا، أي للإسلام ولإقامة الصلاة، وهذا ~~قول الزجاج، فلو لم يكن هذا القول مغايرا لقوله الأول لاتحد ~~قولاه، وذلك خلف. # قال الزجاج: " أن أقيموا " عطف على قوله: " لنسلم " ، تقديره: ~~وأمرنا لأن نسلم، وأن أقيموا. # قال ابن عطية: واللفظ يمانعه، لأن " نسلم " معرب، و " أقيموا " ~~مبني، وعطف المبني على المعرب لا يجوز، لأن العطف يقتضي التشريك في ~~العامل. # قال أبو حيان: وما ذكر من أنه لا يعطف المبني على المعرب ليس كما ذكر، ~~بل يجوز ذلك نحو: " قام زيد وهذا " ، وقال تعالى: # يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار # [هود:98] غاية ما في الباب أن العامل يؤثر في المعرب، ولا ~~يؤثر في المبني، وتقول: " إن قام زيد ويقصدني أكرمه " ، ف " إن " لم ~~تؤثر في " قام "؛ لأنه مبني، وأثرت في " يقصدني "؛ لأنه معرب ثم قال ~~ابن عطية: " اللهم إلا أن تجعل العطف في " إن " وحدها، وذلك قلق، وإنما ~~يتخرج على أن يقدر قوله: " وأن أقيموا " بمعنى " ولنقم " ، ثم خرجت ~~بلفظ الأمر لما في ذلك من جزالة اللفظ، فجاز العطف على أن يلغى حكم ~~اللفظ، ويعول على المعنى، ويشبه هذا من جهة ما حكاه يونس عن العرب: ~~ادخلوا الأول فالأول، وإلا فلا يجوز إلا الأول فالأول بالنصب ". # قال أبو حيان: وهذا الذي استدركه بقوله: " اللهم إلا " إلى آخره هو ~~الذي أراده الزجاج بعينه، وهو " أن أقيموا " معطوف على " أن ms3523 نسلم " ، ~~وأن كليهما علة للمأمور به المحذوف، وإنما قلق عند ابن عطية؛ لأنه ~~أراد بقاء " أن أقيموا " على معناها من موضوع الأمر، وليس كذلك؛ لأن " ~~أن " إذا دخلت على فعل الأمر، وكانت المصدرية انسبك منها ومن ~~الأمر مصدر، وإذا انسبك منهما مصدر زال معنى الأمر، وقد أجاز ~~النحويون سيبويه وغيره أن توصل " أن " المصدرية الناصبة للمضارع ~~بالماضي والأمر. # قال سيبويه: وتقول: كتبت إليه بأن قم، أي بالقيام، فإذا كان الحكم كذا ~~كان قوله: " لنسلم " و " أن أقيموا " في تقدير الإسلام ولإقامة الصلاة، ~~وأما تشبيه ابن عطية له بقوله: ادخلوا الأول فالأول: بالرفع، فليس ~~بتشبيه؛ لأن ادخلوا لايمكن لو أزيل عنه الضمير أن يتسلط على ما بعده، ~~بخلاف " أن " فإنها توصل بالأمر، فإذن لا شبه بينهما انتهى. # أما قول أبي حيان: " وإنما قلق عند ابن عطية؛ لأنه أراد بقاء " أن ~~أقيموا " على معناها من موضوع الأمر " ، فليس القلق عنده لذلك فقط كما ~~حصره الشيخ، بل لأمر آخر من جهة اللفظ، وهو أن السياق ~~التركيبي يقتضي لعى ما قاله الزجاج أن يكون " لنسلم وأن نقيم " ، ~~فتأتي في الفعل الثاني بضمير المتكلم، فلما لم يقل ذلك قلق عنده، ويدل ~~على [ما ذكرته] قول ابن عطية: " بمعنى: ولنقم ثم خرجت بلفظ الأمر " إلى ~~آخره. # والخامس: أنه محمول على المعنى؛ إذا المعنى قيل لنا: أسلموا وأن ~~أقيموا. # وقال الزجاج: فإن قيل: كيف حسن عطف قوله: { وأن أقيموا ~~الصلاة واتقوه } على قوله { وأمرنا لنسلم لرب ~~العالمين }؟ # فالجواب من وجهين: # الأول: أن يكون التقدير: وأمرنا لنسلم لرب العالمين، ولأن نقيم الصلاة. # الثاني: أن يكون التقدير: وأمرنا فقيل لنا أسلموا لرب العالمين، ~~وأقيموا الصلاة. # فإن قيل: هب أن المراد ما ذكرتم، لكن ما الحكمة في العدول ~~عن هذا اللفظ الظاهر، والتركيب الموافق للعقل إلى ذلك اللفظ الذي ~~لا يهتدي العقل إلى معناه، إلا بالتأويل؟!. # فالجواب: لأن الكافر ما دام [يبقى] على كفره كان كالغائب الأجنبي، ~~فلا جرم خوطب بخطاب الغائبين، فيقال له: { وأمرنا لنسلم ~~لرب العالمين } فإذا أسلم ms3524 [وآمن] ودخل في الإيمان صار كالقريب ~~الحاضرن فلا جرم خوطب بخطاب الحاضرين، ويقال له { وأن أقيموا ~~الصلاة واتقوه } فالمقصود من ذكر هذين النوعين من الخطاب ~~للتنبيه على الفرق بين حالتي الكفر والإيمان، وتقريره أن الكافر ~~بعيد غائب، والمؤمن قريب حاضر. # فصل في أنه لا هدى إلا هدى الله # اعلم أن الله - تعالى - لما بين أولا أن الهدى النافع هو هدى ~~الله, أردف ذلك الكلام الكلي بذكر أشرف أقسامه على ~~الترتيب, وهو الإسلام، وهو رئيس الطاعات الروحانية، والصلاة التي هي ~~رئيسة الطاعات الجسمانية، والتقوى التي هي رئيسة باب التروك ~~والاحتراز عن كل ما لا ينبغي، ثم بين منافع هذه الأعمال, فقال: { ~~وهو الذي إليه تحشرون } يعني أن منافع هذه الأعمال إنما ~~تظهر في يوم الحشر. ### || [6.73] # لما بين في الآيات المتقدمة فساد طريقة عبادة الأصنام ذكر هاهنا ما ~~يدل على أن لا معبود إلا الله، وذكرها هاهنا أنواعا من الدلائل: # أحدها: قوله: { وهو الذي خلق السماوات والأرض ~~بالحق } تقدم أول السورة. # وقوله: " بالحق " قيل: الباء بمعنى اللام، أي إظهار للحق؛ لأنه جعل ~~صنعه دليلا على وحدانيته، فهو نظير قوله: # ربنآ ما خلقت هذا باطلا # [آل عمران:191]، وقوله: # وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين # [الدخان:38]. # وثانيها: قوله: { ويوم يقول كن فيكون } في " يوم " ثمانية ~~أوجه: # أحدهما: - وهو قول الزجاج - أنه مفعول به لا ظرف، وهو معطوف على ~~الهاء في " اتقوه " أي: واتقوا يوما أي: عقاب يوم يقول، أو هوله أو ~~فزعه، فهو كقوله تعالى في موضع آخر: # واتقوا يوما لا تجزي # [البقرة:48] على المشهور في إعرابه. # والثاني: أنه مفعول به أيضا، ولكنه نسق على السموات والأرض، أي: وهو ~~الذي خلق يوم يقول. # الثالث: أنه مفعول ل " اذكر " مقدرا. # الرابع: أنه منصوب بعامل مقدر، وذلك العامل المقدر مفعول فعل مقدر ~~أيضا، والتقدير: واذكروا الإعادة يوم يقول: كن، أي يوم يقول الله ~~للأجساد: كوني معادة. # الخامس: أنه عطف على موضع قوله: " بالحق " فإن موضعه نصب، ويكون " ~~يقول " بمعنى قال ماضيا, كأنه قيل: وهو ms3525 اذي خلق السموات والأرض بالحق ~~ويوم قال لها: كن. # السادس: أن يكون " يوم يقول: كن فيكون، وإليه نحا الزمخشري، فإنه قال: " ~~قوله الحق " مبتدأ، و " يوم يقول " خبره مقدما عليه، وانتصابه ~~بمعنى الاستقرار، كقولك: " يوم الجمعة القتال " واليوم بمعنى الحين، ~~والمعنى: أنه خلق السموات والأرض قائما بالحكم، وحين يقول لشيء من ~~الأشياء: كن فيكون ذلك الشيء قوله الحق والحكمة. # فإن قيل: قول الله حق في كل وقت، فما الفائدة في تخصيص هذا اليوم ~~بهذين الوصفين؟ فالجواب: لأن هذا اليوم لا يظهر فيه من أحد نفع ~~ولا ضر، كما قال تعالى: # يوم لا تملك نفس لنفس شيئا # والأمر يومئذ لله # [الانفطار:19] فلهذا السبب حسن هذا التخصيص. # السابع: أنه منصوب على الظرف، والناصب له معنى الجملة التي هي " ~~قوله الحق " أي: حق قوله في يوم يقول: كن. # الثامن: أنه منصوب بمحذوف دل عليه بالحق. # قال الزمخشري: وانتصاب اليوم بمحذوف دل عليه قوله: " بالحق " ، ~~كأنه قيل: " وحين يكون ويقدر يقوم بالحق " قال أبو حيان: " وهذا إعراب ~~متكلف ". # قوله: " فيكون " هي هنا تامة، وكذلك قوله: " كن " فتكتفي هنا ~~بمرفوع، ولا تحتاج إلى منصوب، وفي فاعلها أربعة أوجه: # أحدها: أنه ضمير جميع ما يخلقه الله - تعالى - يوم القيامة، كذا ~~قيده أبو البقاء بيوم القيامة. # وقال مكي: " وقيل: تقدير المضمر في " فيكون " جميع ما أراد " ، فأطلق ~~ولم يقيده وهذا أولى وكأن أبا البقاء أخذ ذلك من قرينة الحال. # الثاني: أنه ضمير الصور المنفوخ فيها، ودل عليه قوله: # يوم ينفخ في الصور # [طه:102]. # الثالث: هو ضمير اليوم؛ أي: فيكون ذلك اليوم العظيم. # الرابع: أن الفاعل هو " قوله " و " الحق " صفته؛ أي: فيوجد قوله الحق، ~~ويكون الكلام على هذا تاما على " الحق ". # قوله " قوله الحق " فيه أربعة أوجه: # أحدها: أنه مبتدأ، و " الحق " نعته، وخبره قوله: " يوم يقول ". # والثاني: أنه فاعل لقوله: " فيكون " و " الحق " نعته أيضا، وقد تقدم ~~هذان الوجهان. # الثالث: أن " قوله " مبتدأ، و " الحق " خبره أخبر عن قوله بأنه لا يكون ~~إلا حقا. # والرابع: أنه ms3526 مبتدأ أيضا، و " الحق " نعته، و " يوم ينفخ " خبره ~~وعلى هذا ففي قوله: " وله الملك " ثلاثة أوجه: # أحدها: تكون جملة من مبتدأ وخبر معترضة بين المبتدأ وخبره، فلا محل ~~لها حينئذ من الإعراب. # والثاني: أن يكون " الملك " عطفا على " قوله " و " أل " فيه عوض عن ~~الضمير، و " له " في محل نصب على الحال من " الملك " العامل فيه ~~الاستقرار، والتقدير: قوله الحق، وملكه كائنا له يوم ينفخ، فأخبر ~~عن القول الحق والملك الذي لله بأنهما كائنان في يوم ينفخ في الصور. # الثالث: أن الجملة من " وله الملك " في محل نصب على الحال، وهذا الوجه ~~ضعيف لشيئين: # أحدهما: أنها تكون حالا مؤكدة، والأصل أن تكون مؤسسة. # الثاني: أن العامل فيها معنوي؛ لأنه الاستقرار المقدر في الظرف ~~الواقع خبرا، ولا يجيزه إلا الأخفش، ومن تابعه، وقد تقدم تقرير مذهبه. # قوله: " يوم ينفخ " فيه ثمانية أوجه: # أحدها: أنها خبر لقوله تعالى: " قوله الحق " ، وقد تقدم تحقيقه. # الثاني: أنه بدل من " يوم يقول " فيكون حكمه ذاك. # الثالث: أنه ظرف ل " تحشرون " أي: وهو الذي إليه تحشرون في يوم ~~ينفخ في الصور. # الرابع: أنه منصوب بنفس الملك، أي: وله الملك في ذلك اليوم. # فإن قيل: يلزم من ذلك تقييد الملك ب " يوم النفخ " ، والملك له كل ~~وقت. # فالجواب: ما تقدم في قوله " الحق " ، وقوله: # لمن الملك اليوم # [غافر:16] وقوله: # والأمر يومئذ لله # [الانفطار: 19] وهو أن فائدة الإخبار بذلك أنه أثبت الملك والأمر ~~في يوم لا يمكن لأحد أن يدعي فيها شيئا من ذلك. # الخامس: أنه حال من الملك، والعامل فيه " له " لما تضمنه من معنى ~~الفعل. # السادس: أنه منصوب بقوله: " يقول ". # السابع: أنه منصوب بعالم الغيب بعده. # الثامن: أنه منصوب بقوله تعالى: " قوله الحق " فقد تحصل في كل من ~~اليومين ثمانية أوجه. # والجمهور على " ينفخ " مبنيا للمفعول بياء الغيبة، والقائم مقام ~~الفاعل الجار بعده. # وقرأ أبو عمرو في رواية عبد الوارث: " ننفخ " بنون العظمة مبنيا ~~للفاعل. # والصور: الجمهور على قراءته ساكن العين وقرأه الحسن البصري بفتحها. ms3527 # فأما قراءة الجمهور، فاختلفوا في معنى " الصور " [فيها] فقال جماعة ~~الصور: جمع " صورة " كالصوف جمع " صوفة " ، والثوم جمع " ثومة " ، ~~وهذا ليس جمعا صناعيا، وإنما هو اسم جنس، إذ يفرق بينه وبين واحده ~~بتاء التأنيث، وأيدوا هذا القول بقراءة الحسن المتقدمة. # وقال جماعة: الصور هو القرن. # قال مجاهد كهيئة البوق، وقيل: هو بلغة أهل اليمن، وأنشدوا: ~~[السريع أو الرجز] # 2205- نحن نطحناهم غداة الجمعين # بالشامخات في غبار النقعين # نطحا شديدا لا كنطح الصورين # وأيدوا ذلك بما ورد في الأحاديث الصحيحة، وقال عبد الله بن عمرو بن ~~العاص: # " جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما الصور؟ قال: " ~~قرن ينفخ فيه " # وعن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " " كيف أنعم وصحب الصور قد التقمه وأصغى سمعه ~~وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر ". فقالوا: يا رسول الله ~~وما تأمرنا؟ فقال: " قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل " ". # وقيل في صفته: إنه قرن مستطبل فيه أبخاش، وأن أرواح الناس كلهم فيه، ~~فإذا نفخ فيه إسرافيل خرجت روح كل جسد من بخش من تلك الأبخاش. # وأنحى أبو الهيثم على من ادعى أن الصور جمع " صورة " ، فقال: " وقد ~~اعترض قوم فأنكروا أن يكون الصور قرنا كما أنكروا العرش والميزان ~~والصراط، وادعوا أن الصور جمع " صورة " ، كالصوف جمع الصوفة، ورووا ~~ذلك عن أبي عبيدة، وهذا خطأ فاحش، وتحريف لكلام الله - عز وجل - ~~عن مواضعه؛ لأن الله تعالى قال: # وصوركم فأحسن صوركم # [غافر:64] و " نفخ في الصور " فمن قرأها: و " نفخ في الصور " أي بالفتح، ~~وقرأ " فأحسن صوركم " أي بالسكون فقد افترى الكذب على الله - عز ~~وجل - وكان أبو عبيدة صاحب أخبار غريبة ولم يكن له معرفة بالنحو ". # قال الأزهري: قد احتج أبو الهيثم فأحسن الاحتجاج، ولا يجوز عندي ~~غير ما ذهب إليه، وهو قول أهل السنة والجماعة انتهى. # [قال السمين: ولا ينبغي أن ينسب ذلك إلى هذه الغاية التي ذكرها أبو ~~الهيثم]. # قال ابن الخطيب ومما يقوي هذا الوجه أنه لو كان المراد نفخ الروح ms3528 في ~~تلك الصورة لأضاف ذلك إلى نفسه، لأن نفخ الأرواح في الصور يضيفه ~~الله إلى نفسه؛ كقوله: # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي # [الحجر:29] وقال: # فنفخنا فيه من روحنا # [التحريم:12] وقال # ثم أنشأناه خلقا آخر # [المؤمنون:14]، وأما نفخ الصور بمعنى النفخ في القرن، فإنه تعالى ~~يضيفه لا إلى نفسه كما قال تعالى: # فإذا نقر في الناقور # [المدثر:8] وقال: # ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في ~~الأرض إلا من شآء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا ~~هم قيام ينظرون # [الزمر:68]. # وقال الفراء: " يقال: نفخ في الصور، ونفخ الصور " ، وأنشد: [البسيط] # 2206- لولا ابن جعدة لم يفتح قهندزكم # ولا خراسان حتى ينفخ الصور # قوله: " عالم الغيب " في رفعه أربعة أوجه: # أحدها: أن يكون صفة ل " الذي " في قوله: " وهو الذي خلق " ، وفيه ~~بعد لطول الفصل بأجنبي. # الثاني: أنه خبر مضمر أي: هو عالم. # الثالث: أنه فاعل لقوله: " يقول " أي: يوم يقول عالم الغيب. # والرابع: أنه فاعل بفعل محذوف يدل عليه الفعل المبني للمفعول؛ لأنه ~~لما قال: " ينفخ في الصور " سأل سائل فقال: من الذي ينفخ فيه؟ ~~فقيل: " عالم الغيب " ، أي: ينفخ فيه عالم الغيب، أي: يأمر ~~بالنفخ فيه لقوله تعالى: # يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال # [النور:36، 37] أي: تسبحه. # ومثله أيضا قول الآخر: [الطويل] # 2207- ليبك يزيد ضارع لخصومة # ومختبط مما تطيح الطوائح # أي: من يبكيه؟ فقيل: ضارع، أي: يبكيه ضارع لخصومة. # ومثله: # وكذلك زين لكثير من المشركين قتل ~~أولادهم شركآؤهم # [الأنعام:137] في قراءة من يبني " زين " للمفعول ورفع " قتل " ، ~~و " شركاؤهم " كأنه قيل: من زينه لهم؟ فقيل: زينه شركاؤهم، ~~والرفع على ما تقدم قراءة الجمهور. # وقرأ الحسن البصري والأعمش: " عالم " بالجر وفيها ثلاثة أوجه: # أحسنها: أنه بدل من الهاء في " له ". # [الثاني: أنه بدل من " رب العالمين " ، وفيه بعد لطول الفصل بين ~~البدل والمبدل منه]. # الثالث: أنه نعت للهاء في " له " ، وهذا إنما يتمشى على رأي الكسائي حيث ~~يجيز نعت المضمر بالغائب، وهو ضعيف عند البصريين والكوفيين غير ~~الكسائي. # فصل في ms3529 بيان المقصود من ذكر أحوال البعث # أعلم أنه - تعالى - ما ذكر أحوال البعث في القيامة إى وقرر فيه أصلين: # أحدهما: كونه قادرا على الممكنات. # والثاني: كونه عالما بكل المعلومات؛ لأن بتقدير: ألا يكون قادرا على ~~كل الممكنات لم يقدر على البعث والحشر، ورد الأرواح إلى الأجساد، ~~وبتقدير ألا يكون عالما بجميع الجزئيات لم يصح ذلك فيه؛ لأنه ربما ~~اشتبه المطيع بالعاصي والمؤمن بالكافر، فلا يحصل المقصود ~~الأصلي من البعث والقيامة، أما إذا ثبت حصول هذين الصفتين، كمل الغرض، ~~فقوله: { وله الملك يوم ينفخ في الصور } يدل على كمال ~~القدرة, وقوله { عالم الغيب والشهادة } يدل على كمال ~~العلم، فلزم بمجموعهما أن يكون قوله حقا وحكمة وصدقا، وقضاياه ~~مبرأة عن الجور والعبث، ثم قال تعالى: { وهو الحكيم ~~الخبير } والحكيم: هو المصيب في أفعاله، والخبير: هو العالم بحقائقها ~~من غير اشتباه. # والله أعلم. ### || [6.74] # اعلم أنه - تعالى - يحتج كثيرا على مشركي العرب بأحوال إبراهيم - ~~عليه السلام - وذلك لأنه رجل يعترف بفضله جميع الطوائف ~~والملل، فالمشركون كانوا معترفين بفضله، متشرفين بأنهم من أولاده، ~~وسائر الملل تعظمه، فلهذا السبب ذكر الله حاله في معرض الاحتجاج، والسبب ~~في حصول هذه المرتبة العظيمة لإبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه سلم ~~قلبه للعرفان, ولسانه للبرهان، وبدنه للنيران، وولده للقربان، ~~وماله للضيفان. # أما تسليم قلبه للعرفان، فهو قوله: # أسلمت لرب العالمين # [البقرة:131]. # وأما تسليم لسانه للبرهان: فمناظرته مع نمرود، حيث قال: # ربي الذي يحيي ويميت # [البقرة:258] ومناظرته مع الكفار بالفعل حين كسر أصنامهم، وجعلها ~~جذاذا، وقوله بعد ذلك: # أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا ~~يضركم # [الأنبياء:66]. # وأما تسليم بدنه للنيران: فحين ألقي فيها. # وأما تسليم ولده للقربان: فحين أمر بذبح ولده " فتله للجبين ~~". # وأما تسليم ماله للضيفان: فمشهورة. # قوله: " وإذ قال " " إذ " منصوب بفعل محذوف، أي: اذكر، وهو معطوف على " ~~أقيموا ": قاله أبو البقاء، وقال: في محل خفض بالظرف. # قوله: " آزر " الجمهور على " آزر " بزنة " آدم " ، مفتوح الزاي ~~والراء، وإعرابه حينئذ على أوجه: # أحدها: أنه بدل من ms3530 أبيه، أو عطف بيان له إن كان آزر لقبا له، وإن ~~كان صفة له بمعنى المخطئ [كما قال الزجاج] أو المعوج كما قاله الفراء، ~~وسليمان التيمي، أو الشيخ الهرم كما قاله الضحاك فيكون نعتا ل " أبيه " ~~، أو حالا منه بمعنى: وهو في حال اعوجاج أو خطأ، وينسب للزجاج. # وإن قيل: إن " آزر " كان اسم صنم كان أبوه يعبده، كما قاله سعيد بن ~~المسيب ومجاهد، فيكون إذ ذاك عطف بيان ل " أبيه " أو بدلا منه، ووجه ~~ذلك أنه لما لازم عبادته نبز به وصار لقبا له كما قال بعض المحدثين: ~~[البسيط] # 2208- أدعى بأسماء نبزا في قبائلها # كأن أسماء أضحت بعض أسمائي # كذا نسبه الزمخشري إلى بعض المحدثين، ونسبه أبو حيان لبعض النحويين. # قال الزمخشري: " كما نبز ابن قيس ب " الرقيات " [اللاتي كان يشبب ~~بهن فقيل: ابن قيس الرقيات " ] أو يكون على حذف مضاف، أي ل " أبيه ~~" عابد آزر، ثم حذف المضاف, وأقيم المضاف إليه مقامه، وعلى هذا فيكون ~~عابد صفة ل " أبيه " أعرب هذا بإعرابه، أو يكون منصوبا على ~~الذم. # و " آزر " ممنوع من الصرف، واختلف في علة منعه، فقال الزمخشري: ~~والأقرب أن يكون وزن " آزر " " فاعل " ك " عابر " و " شالخ " و " فالغ " ~~فعلى هذا هو ممنوع للعلمية والعجمة. # وقال أبو البقاء: ووزنه " أفعل " ولم ينصرف للعجمة، والتعريف على ~~قول من لم يشتقه من الأزر أو الوزر، ومن اشتقه من واحد منهما قال: ~~هو عربي, ولم يصرفه للتعريف، ووزن الفعل، وهذا الخلاف يشبه الخلاف في " ~~آدم " وقد تقدم أن اختيار الزمخشري فيه أنه " فاعل " ك " عابر " ومن ~~جرى على ذلك، وإذا قلنا بكونه صفة على ما قاله الزجاج بمعنى ~~المخطئ، أو بمعنى المعوج، أو بمعنى الهرم، كما قاله الفراء والضحاك، ~~فيشكل منع صرفه، وسيشكل أيضا وقوعه صفة للمعرفة. وقد يجاب عن ~~الأول بأن الإشكال قد يندفع بادعاء وزنه على " أفعل " ، فيمتنع حينئذ ~~للوزن والصفة ك " أحمر " وبابه، وأما على قول الزمخشري فلا يتمشى ~~ذلك. # وعن الثاني: بأنا لا نسلم أنه نعت ms3531 لأبيه، حتى يلزم وصف المعارف ~~بالنكرات، بل هو منصوب على الذم، أو على نية الألف واللام قالهما ~~الزجاج. # والثاني ضعيف؛ لأنه حذف " أل " وأراد معناها؛ إما أن يؤثر منع الصرف ~~كما في " سحر " ليوم بعينه، ويسمى عدلا؛ وإما أن يؤثر بناء ويسمى ~~تضمنا ك " أمس " وفي " سحر " و " أمس " كلام طويل، ولا يمكن أن يقال: ~~إن " آزر " امتنع من الصرف كما امتنع " سحر " أي للعدل عن " أل "؛ لأن ~~العدل يمنع فيه مع التعريف، فإنه لوقت بعينه، بخلاف هذا فإنه وصف كما ~~فرضتم. وقرا أبي بن كعب، وعبد الله بن عباس، والحسن، ومجاهد، ويعقوب ~~في آخرين بضم الراء على أنه منادى حذف حرف ندائه كقوله تعالى: # يوسف أعرض عن هذا # [يوسف:29] أو كقوله: [الطويل] # 2209- ليبك يزيد ضارع لخصومة # .................... # في أحد الوجهين، أي يا يزيد، ويؤيده ما في مصحف أبي: " يا آزر " ~~بإثبات حرفه، وهذا إنما يتمشى على دعوى أنه علم، وإما على دعوى ~~وصفيته فضعيف؛ لأن حذف حرف النداء يقل فيها كقولهم: [الخفيف] # 2210- افتد معتوق وصاح شمر # ..................... # وقرأ ابن عباس في رواية " أأزرا " بهمزتين مفتوحتين [وزاي ساكنة] وراء ~~منونه منصوبة، و " تتخذ " بدون همزة استفهام، ولما حكى الزمخشري هذه ~~القراءة لم يسقط همزة الاستفهام من " أتتخذ " فأما على القراءة الأولى، ~~فقال ابن عطية مفسرا لمعناها: " أعضدا وقوة ومظاهرة على ~~الله تتخذ " ، وهو من قوله: # اشدد به أزري # [طه:31] انتهى. # وعلى هذا فيحتمل " آزرا " أن ينتصب من ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه مفعول من أجله و " أصناما آلهة " منصوب ب " تتخذ " على ~~ما سيأتي بيانه، والمعنى: أتتخذ أصناما آلهة لأجل القوة والمظاهرة. # والثاني: أنه ينتصب على الحال؛ لأنها في الأصل صفة ل " أصنافا " ~~فلما قدمت عليها، وعلى عاملها انتصبت على الحال. # والثالث: أن يتصب على أنه مفعول ثان قدم على عامله، والأصل: أتتخذ ~~أصناما آلهة آزرا، أي قوة ومظاهرة. # وأما القراءة الثانية فقال الزمخشري: وهو اسم صنم، ومعناه أتعبد ~~آزرا على الإنكار، ثم قال: تتخذ أصناما آلهة تثبيتا لذلك وتقريرا، ~~وهو داخل في ms3532 حكم الإنكار؛ لأنه كالبيان له، فعلى هذا " آزرا " منصوب ~~بفعل محذوف يدل عليه المعنى، ولكن قوله: " وهو داخل في حكم الإنكار " ~~يقوي أنه لم يقرأ " أتتخذ " بهمزة الاستفهام؛ لأنه لو كان معه همزة ~~استفهام لكان مستقلا بالإنكار، ولم يحتج أن يقول: هو داخل في حكم ~~الإنكار، لأنه كالبيان له. # وقرأ ابن عباس أيضا وأبو إسماعيل " أإزرا " بهمزة استفهام بعدها ~~همزة مكسورة، ونصب الراء منونة، فجعلها ابن عطية بدلا من واو اشتقاقا ~~من الوزر ك " إسادة " و " إشاح " في: " وسادة " و " وشاح ". # وقال أبو البقاء: وفيه وجهان: # أحدهما: أن الهمزة الثانية فاء الكلمة، وليست بدلا من شيء, ومعناها ~~الثقل وجعله الزمخشري اسم صنم، والكلام فيه كالكلام في " أزرا " ~~المفتوح الهمزة وقد تقدم. # وقر الأعمش: " إزرا تتخذ " بدون همزة استفهام، ولكن بكسر الهمزة ~~وسكون الزاي ونصب الراء منونة، ونصبه واضح مما تقدم، و " تتخذ " ~~يحتمل أن تكون المتعدية لاثنين بمعنى التصييرية، وأن تكون المتعدية ~~لواحد؛ لأنها بمعنى " عمل " ، ويحكى في التفسير أن أباه كان ينحتها ~~ويصنعها، والجملة الاستفهامية في محل نصب بالقول، وكذلك قوله: " ~~إني اراك " و " أراك " يحتمل أن تكون العلمية، وهو الظاهر فتتعدى ~~لاثنين، وأن تكون بصرية، وليس بذاك ف " في ضلال " حال، وعلى كلا ~~التقديرين يتعلق بمحذوف، إلا أنه في الأول أحد جزئي الكلام، وفي ~~الثاني فضلة. # " مبين " اسم فاعل من " أبان " [لازما] بمعنى ظهر، ويجوز أن يكون ~~من المتعدي, والمفعول محذوف، أي: مبين كفركم بخالقكم، وعلى هذا فقول ~~ابن عطية ليس بالفعل المتعدي المنقول من بان يبين غير مسلم، وجعل ~~الضلال ظرفا محيطا بهم مبالغة في اتصافهم به، فهو أبلغ من قوله: ~~" أراكم ضالين ". # فصل في اختلاف المفسرين حول " آزر " # قال محمد بن إسحاق، والضحاك، والكلبي: آزر اسم أبي إبراهيم عليه السلام ~~وهو تارح أيضا مثل إسرائيل ويعقوب، وكان من " كوثى " قرية من سواد " ~~الكوفة " وقال مقاتل بن حيان وغيره: آزر لقب لأبي إبراهيم واسمه تارح. # وقال سليمان التيمي هو سب وعيب، ومعناه في كلامهم المعوج. # وقيل: معناه ms3533 الشيخ الهرم بالخوارزمية والفارسية أيضا وهذان الوجهان ~~مبنيان على من يقول: إن في القرآن ألفاظا قليلة غير عربية. # وقال سعيد بن المسيب، ومجاهد: آزر صنم، وإنما سمي والد إبراهيم به ~~لوجهين: # أحدهما: أنه جعل نفسه مختصا بعبادته، ومن بالغ في محبة أحد، فقد ~~يجعل اسم المحبوب اسما للمحب؛ قال تعالى: # يوم ندعوا كل أناس بإمامهم # [الإسراء:71]. # الثاني: أن يكون المراد عابد آزر، فحذف المضاف، وأضيف المضاف إليه ~~مقامه. # وقيل: إن والد إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - كان اسمه تارح، وكان آزر ~~عما له، والعم قد يطلق عليه لفظ الأب، كما حكى الله تعالى عن أولاد ~~يعقوب: # نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق # [البقرة:133]. # ومعلوم أن إسماعيل كان عما ليعقوب، وقال عليه الصلاة والسلام # " ردوا علي أبي العباس " # فكذا هاهنا. # قال ابن الخطيب: وهذه التكاليف إنما يجب المصير إليها إذا دل ~~قاهر على أن والد إبراهيم ما كان اسمه آزر، وهذا الدليل لم يوجد ~~ألبتة، فأي حاجة تحملنا على هذه التأويلات؟ ومما يدل على صحة ما ~~قلنا أن اليهود والنصارى والمشركين كانوا في غاية الحرص على تكذيب ~~الرسول وإظهار النسب. # فصل في دحض شبهة للشيعة # قالت الشيعة: إن أحدا من آباء الرسول وأجداده ما كان كافرا، ~~وأنكروا كون والد إبراهيم كافرا، وقالوا: إن آزر كان عم إبراهيم، ~~واحتجوا بوجوه: # الأول: أن آباء الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ما كانوا كفارا ~~لوجوه: # أحدها: قوله تعالى: # وتقلبك في الساجدين # [الشعراء:219]. قيل: معناه أنه كان ينتقل روحه من ساجد إلى ساجد ~~فدلت الآية على أن آباء محمد - عليه السلام - كانوا مسلمين. # وحينئذ يجب القطع بأن والد إبراهيم كان مسلما. # فإن قيل: قوله: # وتقلبك في الساجدين # [الشعراء:219] يحتمل وجوها: # منها: أنه لما نسخ فرض قيام الليل طاف الرسول تلك الليلة على ~~بيوت أصحابه لينظر ماذا [يصنعون لشدة] حرصه على ما يظهر منهم من ~~الطاعات،فوجدها كبيوت الزنابير لكثرة ما سمع من أصوات قراءتهم ~~وتسبيحهم وتهليلهم، فيحتمل أن يكون المراد من تقلبه في الساجدين ~~طوافه في تلك الليلة ms3534 [على الساجدين] ويحتمل أن يكون المراد صلاته ~~بالجماعة، واختلاطه بهم حال الصلاة. # ويحتمل أن يكون المراد تقلب بصره فيمن يصلي خلفه لقوله ~~عليه الصلاة والسلام # " أتموا الركوع والسجود فإني أراكم من وراء ظهري ~~". # ويحتمل أن يكون المراد أنه لا يخفى حالك على الله - تعالى - كلما أقمت ~~وتقلبت في الساجدين في الاشتغال بأمور الدين. # وإذا احتمل ظاهر الآية هذه الوجوه سقط ما ذكرتم. # فالجواب: لفظ الآية يحتمل الكل، ويحصل المقصود حينئذ، لأن حمل ~~ظاهر الآية على البعض ليس بأولى من البعض ومما يدل على أن ~~أحدا من آباء محمد عليه الصلاة والسلام ما كانوا مشركين قوله عليه ~~الصلاة والسلام: # " لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام ~~الطاهرات " # وقال تعالى: # إنما المشركون نجس # [التوبة:28] فوجب القول بأن أحدا من أجداده ما كان مشركا، فوجب ~~القطع بأن والد إبراهيم كان إنسانا آخر غير آزر. # الحجة الثانية: أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام شافهه ~~بالغلظة والجفاء، ومشافهة الأب بذلك لا يجوز، أما مشافهته ~~بالجفاء والغلظة فمن وجهين: # أحدهما: على قراءة الضم يكون محمولا على النداء, ونداء الأب بالاسم ~~الأصلي من أعظم أنواع الإيذاء. # وثانيهما: إذا قلنا بأنه المعوج أو المخطئ أو اسم الصنم. فتسميته له ~~بذلك من أعظم أنواع الإيذاء له، وإنما قلنا: إن مشافهة الآباء ~~بالجفاء والغلظة لا تجوز لقوله تعالى: # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا # [الإسراء:23] وقال تعالى: # فلا تقل لهمآ أف # >[الإسراء:23] وهذا عام في حق الأب الكافر والمسلم. # وأيضا فلأمره - تعالى - موسى عليه الصلاة والسلام حين بعثه إلى فرعون ~~[بالرفق معه فقال تعالى:] # فقولا له قولا لينا # [طه:44] وذلك لرعاية حق تربية فرعون لموسى فالوالد أولى ~~بالرفق. # وأيضا فالدعوة مع الرفق أكثر تأثيرا في القلب، وأما التغليظ ~~فإنه يوجب التنفير والبعد عن القبول؛ قال تعالى لمحمد عليه ~~الصلاة والسلام # وجادلهم بالتي هي أحسن # [النحل:125] فكيف يليق بإبراهيم مثل هذه الخشونة مع أبيه. وأيضا قال ~~تعالى: # إن إبراهيم لحليم أواه منيب # [هود:75] فكيف يليق بالرجل الحليم مثل هذا ms3535 الجفاء مع الأب. # الحجة الثالثة: قوله عليه الصلاة والسلام: # " ردوا علي أبي العباس " # يعني عمه. # الحجة الرابعة: يحتمل أن آزر كان والد أم إبراهيم وقد يقال له: الأب؛ ~~قال تعالى: # ومن ذريته داوود وسليمان # [الأنعام:84] إلى قوله: # وعيسى # [الأنعام:85] فجعل عيسى من ذرية إبراهيم، مع أن إبراهيم كان جد ~~عيسى من قبل الأم. # و # " قال عليه الصلاة والسلام في حق الحسن إن ابني هذا " # فثبت بهذه الوجوه ان " آزر " ما كان والد إبراهيم. # والجواب عن الأول أن نص الكتاب يدل على أن آزر كان كافرا وأنه ~~والد إبراهيم، وقال تعالى: # وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة ~~وعدهآ إياه فلما تبين له أنه عدو لله ~~تبرأ منه # [التوبة:114]. # وأما قوله: # وتقلبك في الساجدين # [الشعراء:219] فقد تقدم أنه يحتمل وجوها. # وقولهم: " وتحمل الآية على الكل " فنقول: هذا محال؛ لأن حمل ~~اللفظ المشترك على جميع معانيه لا يجوز، وأيضا حمل اللفظ على حقيقته ~~ومجازه معا لا يجوز، وأما قوله عليه الصلاة والسلام: # " لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام ~~الطاهرات ". # فذلك محمول عل أنه [ما وقع في نسبه] ما كان سفاحا، كما ورد ~~في حديث آخر # " ولدت من نكاح لا من سفاح ". # وأما قوله: التغليظ مع الأب لا يليق بإبراهيم قلت: إنما أغلظ عليه ~~لأجل إصراره على الكفر، وإلا فهو أول ما رفق به في المخاطبة، ~~كما ذكر في سورة " مريم " # يأبت إني قد جآءني # [الآية:43] # يأبت لا تعبد الشيطان # [مريم:44] # يأبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن # [مريم:45] وهذا غاية اللطف والرفق، فحين أصر على كفره ~~استحق التغليظ، وقال: # يإبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك # [مريم:46]. # فصل في تحرير معنى " الصنم " # والصنم لغة: كل جثة صورت من نحاس أو فضة وعبدت ~~متقربا بها إلى الله وقيل: ما اتخذ من صفر ورمث ونحاس ~~وحجر ونحوها فصنم، وما اتخذ من خشب فوثن وقيل بل هما بمعنى واحد. # وقيل: الصنم معرب من شمن، والصنم أيضا العبد القوي، وهو أيضا ~~خبيث الرائحة، ويقال: ms3536 صنم أي صور، ويضرب به المثل في الحسن وقال: ~~[السريع] # 2211- ما دمية من مرمر صورت # أو ظبية في خمر عاطف # أحسن منها يوم قالت لنا # والدمع من مقلتها واكف # لأنت أحلى من لذيذ الكرى # ومن أمان ناله خائف # وقال ابن الأثير: الصنم كل معبود من دون الله تعالى. # وقيل: ما كان له جسم أو صورة فهو صنم، وما لم يكن له جسم أو صورة فهو ~~وثن وشمن. ### || [6.75] # " وكذلك " في هذه الآيات ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنها للتشبيه، وهي في محل نصب نعتا لمصدر محذوف، فقدره ~~الزمخشري: " ومثل ذلك التعريف والتصيير نعرف إبراهيم ونبصره ملكوت ". # وقدره المهدوي: " وكما هديناك يا محمد أرينا إبراهيم ". # قال أبو حيان: وهذا بعيد من دلالة اللفظ. # قال شهاب الدين: إنما كان بعيدا؛ لأن المحذوف من غير الملفوظ به، ~~ولو قدره بقوله: " وكما أريناك يا محمد الهداية " ، لكان قريبا لدلالة ~~اللفظ والمعنى معا عليه. # وقدره أبو البقاء بوجهين: # أحدهما: قال: " هو نصب على إضمار " أريناه " تقديره: وكما رآه ~~أباه وقومه في ضلال مبين، أريناه ذلك؛ أي: ما رآه صوابا بإطلاعنا إياه ~~عليه ". # الثاني: قال: " ويجوز أن يكون منصوبا ب " نرى " التي بعده على أنه ~~صفة لمصدر محذوف؛ تقديره نريه ملكوت السموات والأرض رؤية كرؤية ضلال ~~أبيه " انتهى. # قال شهاب الدين فقوله: " على إضمار أريناه " لا حاجة إليه ألبتة، ~~ولأنه يقتضي عدم ارتباط قوله: " نري إبراهيم ملكوت " بما قبله. # الثاني: أنها للتعليل بمعنى " اللام " أي: ولذلك الإنكار الصادر ~~منه عليهم، والدعاء إلى الله في زمن كان يدعى في غير الله آلهة ~~نريه ملكوت. # الثالث: أن " الكاف " في محل رفع على خبر ابتداء مضمر، أي: والأمر ~~كذلك، أي كما رآه من ضلالتهم نقل الوجهين الآخرين أبو البقاء وغيره. # و " نري " هذا مضارع، والمراد به حكاية حال ماضيه، والتقدير: كذا نري ~~إبراهيم ملكوت السموات والأرض. # و " نري " يحتمل أن تكون المتعدية لاثنين؛ لأنها في الأصل بصرية، ~~فأكسبتها همزة النقل مفعولا ثانيا، وجعلها ابن عطية منقولة من " ~~رأى " بمعنى " عرف " ، وكذلك ms3537 الزمخشري فإن قال فيما قدمت حكايته عنه: " ~~ومثل ذلك التعريف نعرف ". # قال أبو حيان بعد حكايته كلام ابن عطية: " ويحتاج كون " رأى " بمعنى " ~~عرف " ثم يتعدى بالهمزة إلى مفعولين إلى نقل ذلك عند العرب، والذي ~~نقل النحويون أن " رأى " إذا كانت بصرية تعدت لمفعول، وإذا كانت ~~بمعنى " علم " الناصبة لمفعولين تعدت إلى مفعولين ". # قال شهاب الدين: والعجب كيف خص بالاعتراض ابن عطية دون الزمخشري، ~~وهذه الجملة المشتملة على التشبيه، أو التعليل معترضة بين قوله: " ~~وإذ قال إبراهيم " منكرا على أبيه وقومه عبادة الأصنام، وبين ~~الاستدلال عليهم بوحدانية الله - تعالى - ويجوز ألا تكون معترضة إن ~~قلنا: إن قوله: " فلما " عطف على ما قبله، وسيأتي " والملكوت " مصدر على ~~" فعلوت " بمعنى الملك، وبني على هذه الزنة، والزيادة للمبالغة. # قال القرطبي: وزيدت الواو النافية للمبالغة، وقد تقدم ذلك عند ذكر # بالطاغوت # [البقرة:256] # والجمهور على " ملكوت " بفتح اللام. # وقرا أبو السمال بسكونها، وهي لغة, والجمهور أيضا على " ملكوت " ~~بتاء مثناة. # وعكرمة قرأها مثلثة، وقال: أصلها " ملكوثا " باليونانية أو بالنبطية. # وعن النخعي هي " ملكوثا " بالعبرانية، وعلى هذا قراءة الجمهور يحتمل أن ~~تكون من هذا، وإنما عربت الكلمة فتلاعبوا بها، وهذا كما قالوا ~~في اليهود بأنهم سموا بذلك لأجل يهوذا بن يعقوب بذال معجمة، ولكن ~~لما عربته العرب أتوا بالدال المهملة، إلا أن الأحسن أن يكون ~~مشتقا من الملك؛ لأن هذه الزنة وردت في المصادر ك " ~~الرغبوت " و " الرهبوت " و " الرحموت " و " الجبروت " و " ~~الطاغوت " وهل يختص ذلك بملك الله تعالى أم يقال له ولغيره؟. # فقال الراغب: " والملكوت مختص بملك الله تعالى وهذا الذي ينبغي ~~". # وقال أبو حيان: " ومن كلامهم: له ملكوت اليمن، وملكوت العراق " ، فعلى ~~هذا لا يختص. # والجمهور على " نري " بنون العظمة. # وقرىء: " تري " بتاء من فوق " إبراهيم " نصبا، " ملكوت " رفعا، أي: ~~تريه دلائل الربوبية، فأسند الفعل إلى الملكوت مؤولا بمؤنث، فلذلك ~~أنث فعله. # فصل في المراد بالآية # قال ابن عباس، يعني خلق السموات والأرض. # وقال مجاهد، وسعيد بن جبير: يعني ملكوت السموات والأرض، وذلك ms3538 أنه ~~أقيم على صخرة وكشف له عن السموات والأرض حتى العرش، وأسفل الأرضين ونظر ~~إلى مكانه في الجنة فذلك قوله: # وآتيناه أجره في الدنيا # [العنكبوت:27]، أي: أريناه مكانه في الجنة. # وروي عن سلمان ورفع بعضهم عن علي لما رأى إبراهيم ملكوت السموات ~~والأرض أبصر رجلا على فاحشة فدعا عليه فهلك ثم أبصر آخر فأراد أن يدعو ~~عليه فقال له عز وجل يا إبراهيم إنك رجل مستجاب الدعوة فلا تدع على ~~عبادي فإنما أنا من عبدي على ثلاث خلال إما أن يتوب فأتوب عليه وإما أن ~~أخرج منه نسمة تعبدني، وإما أن يبعث إلي فإن شئت غفرت له وإن شئت ~~عاقبته. # وفي رواية عن ابن عباس: وأما من يتولى فإن جهنم من ورائه. وطعن القاضي ~~في هذه الرواية من وجوه: # أحدها: أن أهل السماء من الملائكة المقرون، وهم لا يعصون الله. # وثانيها: أن الأنبياء لا يدعون بهلاك المذنب إلا عن أمر الله وإذا ~~أذن الله فيه لم يجز أن يمنعه من إجابة دعائه. # وثالثها: أن ذلك الدعاء إما أن يكون صوابا أو خطأ؛ فإن كان صوابا ~~فلم رده في المرة الثانية؟ وإن كان خطأ فلم قبله في المرة الأولى؟ ثم ~~قال وأخبار الآحاد إذا وردت على خلاف المعقول وجب التوقف فيها. # ويمكن أن يجاب عنه بأن الرجل المذنب الذي رآه كان في ملكوت الأرض. وعن ~~الثانية بأنه يحمل أن يكون قد أذن في الدعاء على الأول، ومنع في الثاني ~~للاحتمال الذي ذكره في قوله: " يخرج منه نسمة تعبدني ". # وعن الثالث أن الدعاء للأول. # وقيل: هذه الآراء كانت بعين البصيرة والعقل لا بالبصر؛ لأن الملكوت ~~عبارة عن الملك، والملك عبارة عن القدرة، والقدرة إنما تعرف بالعقل. # فإن قيل: رؤية القلب على هذا حاصلة لجميع الموحدين؟. # فالجواب: أنهم وإن كانوا يعرفون أصل هذا الدليل إلا أن الاطلاع على ~~آثار حكمة الله - تعالى - في كل واحد من مخلوقات هذا العالم ~~بحسب أجناسها، وأنواعها، وأشخاصها، وأحوالها مما لا يحصل إلا ~~لأكابر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ms3539 ولهذا كان عليه الصلاة ~~والسلام يقول في دعائه: # " اللهم أرنا الأشياء كما هي ". # فصل في تفسير الملكوت # قال قتادة: " ملكوت السموات ": الشمس، والقمر، والنجوم، وملكوت ~~الأرض: الجبال، والشجر، والبحار. # قوله: " وليكون " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن " الواو " زائدة، أي: نريه ليكون من المؤمنين بالله، و " ~~اللام " متعلقة بالفعل قبلها، إلا أن زيادة " الواو " ضعيفة ولم يقل ~~بها إلا الأخفش ومن تابعه. # الثاني: أنها علة لمحذوف، أي: وليكون أريناه إياه ذلك، والتقدير: ~~وليكون من الموقنين برؤية ملكوت السموات والأرض. # الثالث: أنها عطف على علة محذوفة، أي: ليستدل وليكون، أو ليقيم ~~الحجة على قومه، واليقين: عبارة عن علم يحصل بعد زوال ~~الشبهة بسبب التأمل، ولهذا المعنى لا يوصف علم الله بكونه ~~يقينا؛ لأن علمه غير مسبوق بالشبهة، وغير مستفاد من الفكر ~~والتأمل. ### || [6.76] # قوله: " فلما جن " يجوز أن تكون هذه الجملة نسقا على قوله: " ~~وإذ قال إبراهيم " عطفا للدليل على مدلوله، فيكون " وكذلك ~~نري إبراهيم " معترضا كما تقدم، ويجوز أن تكون معطوفة على ~~الجملة من قوله: " وكذلك نري إبراهيم ". # قال ابن عطية: " الفاء " في قوله: " فلما " رابطة جملة ما ~~بعدها بما قبلها، وهي ترجح أن المراد بالملكوت التفضيل المذكور في ~~هذه الآية، والأول أحسن، وإليه نحا الزمخشري. # و " جن ": ستر وقد تقدم اشتقاق هذه المادة عند ذكر # الجنة # [البقرة:35] وهنا خصوصية لذكر الفعل المسند إلى الليل يقال: جن ~~عليه الليل, وأجن عليه بمعنى: أظلم فيستعمل قاصرا، وجنة ~~وأجنة، فيستعمل متعديا فهذا مما اتفق فيه فعل وأفعل لزوما ~~وتعديا إلا أن الأجود في الاستعمال جن عليه الليل, وأجنه الليل، ~~فيكون الثلاثي لازما وأفعل متعديا. # ومن مجيء الثلاثي متعديا قوله: [المتقارب] # 2212- وماء وردت قبيل الكرى # وقد جنه السدف الأدهم # ومصدره جن وجنان وجنون. # وفرق الراغب بين " جنه " و " أجنه " ، فقال: جنه إذا ستره، ~~وأجنه جعل له ما يجنه، كقولك: قبرته وأقبرته، وسقيته ~~وأسقيته وقد تقدم لك شيء من هذا عند ذكر " حزن " و " أحزن " ~~[البقرة: 38] ويحتمل أن يكون " جن " في الآية الكريمة متعديا حذف ms3540 ~~المفعول فيها، تقدير: جن عليه الأشياء والمبصرات. # قوله: " رأى كوكبا " هذا جواب " لما " ، وللقراء فيه وفيما بعده ~~من الفعلين خلاف كبير بالنسبة إلى الإمالة وعدمها، وتلخيصه أن " رأى " ~~الثابت الألف فأمال راءه وهمزته إمالة محضة الأخوان، وأبو بكر عن ~~عاصم، وابن ذكوان عن ابن عامر، وأمال الهمزة منه فقط دون الراء أبو ~~عمرو وبكماله، وأمال السوسي بخلاف عنه عن ابن عمرو الراء أيضا، ~~فالسوسي في أحد وجهيه يوافق الجماعة المتقدمين، وأمال ورش الراء ~~والهمزة بين بين من هذا الحرف، حيث وقع هذا كله ما لم يتصل به ~~ضمير نحو ما تقدم، فأما إن اتصل به ضمير نحو: # فرآه في سوآء # [الصافات:55] # فلما رآها # [النمل:10] # وإذا رآك الذين # [الأنبياء:36]، فابن ذكوان عنه وجهان، والباقون على أصولهم المتقدمة. # وأما " رأى " إذا حذفت ألفه فهو على قسمين: قسم لا تعود فيه ألبتة لا ~~وصلا ولا وقفا، نحو: # رأتهم من مكان # [الفرقان:12] # رأوا العذاب # [يونس:54] فلا إمالة في شيء منه، وكذا ما انقلبت ألفه ياء نحو: # رأيت ثم رأيت # [الإنسان:20]. # وقسم حذفت أله لالتقاء الساكنين وصلا، وتعود وقفا نحو: # رأى القمر # [الأنعام:77] # رأى الشمس # [الأنعام: 78] # ورأى المجرمون النار # [الكهف:53] # وإذا رأى الذين ظلموا # [النحل:85] فهذا فيه خلاف أيضا بين أهل الإمالة اعتبارا باللفظ تارة، ~~وبالأصل أخرى، فأمال الراء وحدها من غير خلاف حمزة وأبو بكر عن عاصم ~~والسوسي بخلاف عنه وحده، وأما الهمزة فأمالها مع الراء أبو بكر ~~والسوسي بخلاف عنهما، هذا كله إذا وصلت،أما إذا وقفت فإن الألف ~~ترجع لعدم المقتضي لحذفها، وحكم هذا الفعل حينئذ حكم ما لم ~~يتصل به ساكن فيعود فيه التفصيل المتقدم، كما إذا وقفت ~~على " رأى " من نحو: # رأى القمر # [الأنعام:77]. فأما إمالة الراء من " رأى " فلإتباعها لإمالة ~~الهمزة، هكذا عبارتهم، وفي الحقيقة الإمالة إنما هي الألف لانقلابها عن ~~الياء، والإمالة أن تنحي بالألف نحو الياء وبالفتحة قبلها نحو الكسرة، ~~فمن ثم صح أن يقال: أميلت الراء لإمالة الهمزة، وأما تفصيل ابن ~~ذكوان بالنسبة إلى اتصاله بالضمير وعدمه، ms3541 فوجهه أن الفعل لما ~~اتصل بالضمير بعدت ألفه عن الظرف، فلم تمل. # ووجه من أمال الهمزة في " رأى القمر " مراعاة للألف وإن كانت ~~محذوفة، إذ حذفها عارض، ثم منهم من اقتصر على إمالة الهمزة؛ لأن ~~اعتبار وجودها ضعيف، ومنهم من لم يقتصر أعطى لها حكم الموجودة ~~حقيقة، فأتبع الراء للهمزة في ذلك. # والكوكب: النجم، ويقال فيه كوكبة. # وقال الراغب: " لا يقال فيه أي في النجم: كوكب إلا عند ظهوره ". وفي ~~اشتقاقه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه من مادة " وكب " فتكون الكاف زائدة، وهذا القول قاله ~~الشيخ رضي الدين الصغاني قال رحمه الله تعالى: " حق كوكب أن يذكر ~~في مادة " وكب " عن حذاق النحويين، فإنها وردت بكاف زائدة ~~عندهم، إلا أن الجوهري أوردها في تركيب " ك و ك ب " ولعله تبع في ذلك ~~الليث، فإنه ذكره في الرباعي ذاهبا إلى أن الواو أصلية ". فهذا ~~تصريح من الصغاني بزيادة الكاف, وزيادة الكاف عند النحويين لا يجوز، ~~وحروف الزيادة محصورة في تلك العشرة، فأما قولهم: " هندي ~~وهندكي " بمعنى واحد، وهو المنسوب إلى " الهند " ، وقول الشاعر: ~~[الطويل] # 2213- ومقربة دهم وكمت كأنها # طماطم من فوق الوفاز هنادك # فظاهره زيادة الكاف، ولكن خرجها النحويون على أنه من باب " سبط ~~وسبطر " أي: مما جاء فيه لفظان، أحدهما أطول من الآخر، وليس بأصل ~~له، فكما لا يقال: الراء زائدة باتفاق، كذلك هذه الكاف، وكذلك قال ~~أبو حيان: " وليت عشري، من حذاق النحويين الذين يرون زيادتها لا ~~سيما أول الكلمة ". # والثاني: أن الكلمة كلها أصول رباعية مما كررت فيها الفاء، ~~فوزنها فعفل ك " فوفل " وهو بناء قليل. # والثالث: ساق الراغب أنه من مادة: كب وكبكب، فإنه قال: ~~والكبكبة تدهور الشيء في هوة، يقل: كب وكبكب، نحو: ~~كف وكفكف، وصر الريح وصرصر. # والكواكب النجوم البادية، فظاهر هذا السياق أن الواو زائدة، والكاف ~~بدل من إحدى الياءين وهذا غريب جدا. # قوله: " قال هذا ربي " في " قال " ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنه استئناف أخبر بذلك القول، أو استفهم عنه على حسب الخلاف. # والثاني: أنه ms3542 نعت ل " كوكبا " فيكون في محل نصب، وكيف يكون نعتا ~~ل " كوكبا " ولا يساعد من حيث الصناعة، ولا من حيث المعنى؟ أما ~~الصناعة فلعدم الضمير العائد من الجملة الواقعة صفة إلى موصوفها، ~~ولا يقال: إن الرابط حصل باسم الإشارة؛ لأن من الجملة الواقعة صفة ~~إلى موصوفها، ولا يقال: إن الرابط حصل باسم الإشارة؛ لأن ذلك خاص ~~بباب المبتدأ والخبر، ولذلك يكثر حذف العائد من الصفة، ويقل من ~~الخبر، فلا يلزم من جواز شيء في هذا جوازه في شيء، وادعاء حذفت ~~ضمير بعيد، أي قال فيه: هذا ربي، وأما المعنى فلا يؤدي إلى أن ~~التقدير: رأى كوكبا متصفا بهذا القول، وذلك غير مراد قطعا. # والثالث: أنه جواب " فلما جن " وعلى هذا فيكون قوله: " رأى ~~كوكبا " في محل نصب على الحال, فلما جن عليه الليل رائيا كوكبا ~~و " هذا ربي " محكي بالقول, فقيل: هو خبر محض بتأويل ذكره ~~أهل التفسير. # وقيل: بل هو على حذف همزة الاستفهام، أي: أهذا ربي، وأنشدوا: ~~[الطويل] # 2214- لعمرك ما أدري وإن كنت داريا # بسبع رمين الجمر أم بثمان # وقوله: [المنسرح] # 2215- أفرح أرزأ الكرام وأن # أورث ذودا شصائصا نبلا # وقوله: [الطويل] # 2216- طربت وما شوقا إلى البيض أطرب # ولا لعبا مني وذو الشيب يلعب # وقوله: # وتلك نعمة تمنها علي # [الشعراء:22] قالوا: تقديره أبسبع؟ وأأفرح؟ وأذو؟ وأتلك؟ # قال ابن الأنباري: " وهذا لا يجوز إلا حيث يكون ثم فاصل بين ~~الخبر والاستفهام، إن دل دليل لفظي كوجود " أم " في البيت الأول، بخلاف ~~ما بعده ". والأفول: الغيبة والذهاب؛ يقال: أفل يأفل ~~أفولا. # قال ذو الرمة: [الطويل] # 2217- مصابيح ليست باللواتي تقودها # نجوم ولا بالآفلات شموسها # والإفال: صغار الغنم. # والأفيل: الفصيل الضئيل. # فصل في بيان رؤية الملك # قال أكثر المفسرين: أن ملك ذلك الزمان رأى رؤيا وعبرها المعبرون ~~بأنه يولد غلام يكون هلاك ملكه على يديه، فأمر بذح كل ~~غلام يولد، فحملت أم إبراهيم به، وما أظهرت حملها للناس، فلما ~~جاءها الطلق ذهبت إلى كهف في جبل، ووضعت إبراهيم - علي ~~السلام - وسدت الباب بحجر ms3543 فجاء - جبريل - عليه السلام - ووضع ~~أصبعه في فمه, فخرج منه رزقه, وكان يتعهده جبريل - عليه ~~السلام - وكانت الأم تأتيه أحيانا ترضعه، وبقي على هذه الصفة حتى ~~كبر وعقل، وعرف أنه له ربا، فسأل أمه فقال لها: من ربي؟ ~~قالت: أنا، فقال: ومن ربك؟ قالت: أبوك فقال: ومن رب أبي؟ فقالت: ~~ملك البلد. # فعرف إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - جهالتها بربها، فنظر من باب ذلك ~~الغار ليرى شيئا يستدل به على وجود الرب - سبحانه وتعالى - ~~فرأى النجم الذي كان هو أضوء نجم في السماء. # فقيل: كان المشتري، وقيل: كان الزهرة، فقال: هذا ربي إلى آخر ~~القصة. # ثم القائلون بهذا القول اختلفوا، فمنهم من قال: هذا كان بعد البلوغ، ~~ومنهم من قال: كان هذا قبل البلوغ والتكليف، واتقق أكثر ~~المحققين على فساد هذا القول. # وقالوا: لا يجوز أن يكون لله رسول يأتي عليه وقت من الأوقات ~~إلا وهو موحد به عارف، ومن كل معبود سواه بريء، وكيف يتوهم ~~هذا على من عصمه الله وطهره وآتاه رشده من قبل، وأخبر عنه ~~فقال تعالى: # إذ جآء ربه بقلب سليم # [الصافات: 84]. # وأراه ملكوت السموات والأرض، أفتراه أراه الملكوت ليوقن؟ فلما ~~أيقن رأى كوكبا قال: " هذا ربي " معتقدا فهذا لا يكون أبدا. # واحتجوا بوجوه: # أحدها: أن القول بربوبية الجماد كفر بالإجماع، والكفر لا يجوز ~~على الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بالإجماع. # والثاني: أن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - كان قد عرف ربه قبل ~~هذه الواقعة بالدليل؛ لأنه أخبر عنه أنه قال قبل هذه الواقعة لأبيه آزر # أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال ~~مبين # [الأنعام:74]. # الثالث: حكي عنه أنه دعا أباه إلى التوحيد، وترك عبادة الأصنام ~~بالرفق حيث قال: # يأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني ~~عنك شيئا # [مريم:42] وحكي في هذا الموضع أنه دعا أباه إلى التوحيد، وترك عبادة ~~الأصنام بالكلام الخشن، ومن المعلوم أن من دعا غيره إلى الله، فإنه ~~يقدم الرقق على العنف، ولا يخوض في التغليظ إلا بعد ~~اليأس التام، فدل ms3544 على أن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن دعا أباه ~~مرارا، ولا شك أنه إنما اشتغل بدعوة أبيه بعد فراغه من مهم ~~نفسه، فثبت أن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن أراه الله ملكوت ~~السموات والأرض، ومن كان منصبه في الدين كذلك، وعلمه بالله ~~كذلك، فكيف يليق به أن يعتقد ألوهية الكواكب؟ # الرابع: أن دلائل الحدوث في الأفلاك ظاهرة من وجوه كثيرة، ~~ومع هذه الوجوه الظاهرة كيف يليق بأقل العقلاء نصيبا من العقل ~~والفهم أن يقول بربوبية الكواكب فضلا عن أعقل العقلاء، ~~وأعلم العلماء؟ # الخامس: أنه قال في صفته # إذ جآء ربه بقلب سليم # [الصافات:84] وقال تعالى: # ولقد آتينآ إبراهيم رشده من قبل وكنا به ~~عالمين # [الأنبياء:51] أي: آتيناه رشده من قبل أول زمان الفكرة وقوله { ~~وكنا به عالمين } أي بطهارته وكماله, ونظيره قوله تعالى: # الله أعلم حيث يجعل رسالته # [الأنعام:124]. # السادس: قوله تعالى: # وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ~~وليكون من الموقنين # [الأنعام:75] أي: بسب بتلك الإراءة يكون من الموقنين، ثم قال بعده: { ~~فلما جن عليه الليل } و " الفاء " تقتضي الترتيب، فدلت ~~الفاء في قوله: { فلما جن عليه الليل } على أن هذه ~~الواقعة حصلت بعد أن صار من الموقنين العارفين بربه. # السابع: أن هذه الواقعة إنما حصلت بسبب مناظرة إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام مع قومه، لأنه - تعالى - لما ذكر هذه القصة قال: # وتلك حجتنآ آتيناهآ إبراهيم على قومه # [الأنعام:83] ولم يقل: على نفسه، فعلم أن هذه المباحثة إنما جرت ~~مع قومه؛ لأجل أن يرشدهم إلى الإيمان والتوحيد، لا لأجل أن إبراهيم - ~~عليه السلام - كان يطلب الدين والمعرفة لنفسه. # الثامن: أن قولهم: إن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - إنما اشتغل ~~بالنظر في الكواكب والشمس والقمر حال كونه في الغار باطل؛ لأن لو كان ~~الأمر كذلك، فكيف يقول: يا قوم إني بريء مما تشركون، مع أنه كان في ~~الغار لا قوم ولا صنم. # التاسع: قوله: # وحآجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان # [الأنعام:80] # فكيف يحاجونه وهم لم يروه ولم يرهم، وهذا ms3545 يدل على أنه - ~~عليه الصلاة والسلام - إنما اشتغل بالنظر في الكواكب والشمس والقمر ~~بعد مخالطة قومه، ورآهم يعبدون الأصنام، ودعوه إلى ~~عبادتها، فقال: { لا أحب الآفلين } ردا عليهم، وتنبيها على ~~فساد قولهم. # العاشر: أنه - تعالى - حكي عنه أنه قال للقوم: # وكيف أخاف مآ أشركتم ولا تخافون أنكم ~~أشركتم بالله # [الأنعام:81] وهذا يدل على أن القوم خوفوه بالأصنام كما قال ~~قوم هود عليه الصلاة والسلام: # إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء # [هود:54] وهذا الكلام لا يليق بالغار. # الحادي عشر: أن تلك الليلة كانت مسبوقة بالنهار، ولا شك أن ~~الشمس كانت طالعة في اليوم المتقدم، ثم غربت، فكان ينبغي أن ~~يستدل بغروبها السابق على أنها لا تصلح للإلهية، وإذا بطل ~~صلاحية الشمس للإلهية بطل ذلك في القمر والكوكب بطريق الأولى. # هذا إذا قلنا: إن هذه الواقعة كان المقصود منها تحصيل المعرفة ~~لنفسه، أما إذا قلنا: المقصود منها إلزام القوم وإلجاؤهم، فهذا ~~السؤال غير وارد، لأنه يمكن أن يقال: إنه إنما اتققت مكالمته ~~مع القوم حال طلوع ذلك النجم، ثم امتدت المناظرة إلى أن ~~طلع القمر، وطلع الشمس بعده، وعلى هذا التقدير فالسؤال غير وارد، ~~فثبت بهذه الدلائل الظاهرة أنه لا يجوز أن يقال: إن إبراهيم- عليه ~~الصلاة والسلام- قال على سبيل الجزم " هذا ربي " ، وإذا بطل بقي ها ~~هنا احتمالان: # الأول: أن يقال: هذا كلام إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - بعد البلوغ, ~~ولكن ليس الغرض منه إثبات ربوبية الكواكب, بل الغرض منه أحد أمور ~~ستة: # أولها: أن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - لم يقل: " هذا ربي " على ~~سبيل الإخبار، بل الغرض منه أنه كان يناظر عبدة الكواكب، وكان ~~مذهبهم أن الكواكب ربهم، فذكر إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - ذلك ~~القول الذي قالوه بلفظهم وعبارتهم، حتى يرجع إليه فيبطله كما ~~يقول الواحد منا إذا ناظر من يقول بقدم الجسم، فيقول: الجسم ~~قديم فإن كان كذلك فلم نراه؟ ولم نشاهده مركبا متغيرا؟ فقوله: ~~الجسم قديم إعادة لكلام الخصم حتى يلزم المحال عليه، فكذا هاهنا ~~قال: " هذا ربي " حكاية ms3546 لقول الخصم، ثم ذكر عقيبه ما ~~يدل على فساده، وهو قوله: { لا أحب الأفلين } ، ويؤيد هذا ~~أنه - تعالى - مدحه في آخر الآية على هذه المناظرة بقوله: # وتلك حجتنآ آتيناهآ إبراهيم على قومه # [الأنعام:83]. # وثانيها: أن قوله تعالى: " هذا ربي " في زعمكم واعتقادكم، فلما غاب ~~قال: لو كان إلها لما غاب كما قال: # ذق إنك أنت العزيز الكريم # [الدخان:49]، أي: عند نفسه وبزعمك، وكقوله تعالى: # وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا # [طه:97] يريد إلهك بزعمك، وقوله تعالى: # ويوم يناديهم فيقول أين شركآئي # [القصص:62] أي: في زعمهم. # وثالثها: أن المراد منه الاستفهام على سبيل الإنكار، تقديره: ~~أهذا ربي، إلا أنه أسقط حرف الاستفهام استغناء لدلالة ~~الكلام عليه، كقوله # أفإن مت فهم الخالدون # [الأنبياء:34]. # ورابعها: أن يكون القول مضمرا فيه، والتقدير: يقولون: هذا ربي، ~~وإضمار القول كثير كقوله: # وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ~~وإسماعيل ربنا # [البقرة:127] أي يقولون: ربنا، وقوله: # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى # [الزمر:3] أي: يقولون: ما نعبدهم، فكذا ها هنا تقديره: أن إبراهيم - ~~عليه الصلاة والسلام - قال لقومه: يقولون: هذا ربي، أي: هذا الذي ~~يدبرني ويربيني. # خامسها: أن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - ذكر هذا الكلام على سبيل ~~الاستهزاء. # سادسها: أنه - عليه الصلاة والسلام - كان مأمورا بالدعوة، فأراد أن ~~يستدرج القوم بهذا القول، ويعرفهم خطاهم وجهلهم في تعظيم ~~ما عظموه، وكانوا يعظمون النجوم ويعبدونها، فذكر كلاما يوهم ~~كونه مساعدا لهم على مذهبهم، وقلبه مطمئن بالإيمان، ~~ومقصوده من ذلك أن يريهم النقص الداخل على فساد ~~مذهبهم وبطلانه، فأراهم أنه يعظم ما عظموه، فلما أفل أراهم ~~النقص الداخل على النجوم ليريهم، ويثبت خطأ ما يدعون كمثل ~~الحواري الذي ورد على قوم يعبدون الصنم فأظهر تعظيمه فأكرموه ~~حتى صدروا عن رأيه في كثير من الأمور إلى أن دهمهم عدو ~~فشاوروه في أمره، فقال: الرأي أن تدعوا هذا الصنم حتى ~~يكشف عنا ما قد أظلنا, فاجتمعوا عليه يتضرعون, فلما ~~تبين لهم أنه لا ينفع ولا يدفع, دعاهم إلى أن يدعوا الله، ms3547 ~~فدعوه فصرف عنهم ما كانوا يحذرون وأسلموا. # واعلم أن المأمور بالدعوة إلى الله كان بمنزلة المكره على كلمة ~~الكفر, وهو عند الإكراه يجوز إجراء كلمة الكفر على اللسان؛ قال تعالى # إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان # [النحل:106] وإذا جاز ذكر كلمة الكفر لإصلاح بقاء شخص واحد فبأن ~~يجوز إظهار كلمة الكفر لتخليص عالم من العقلاء عن الكفر والعقاب ~~المؤبد أولى. # وأيضا المكره على ترك الصلاة، ثم صلى حتى قتل، استحق الأجر ~~العظيم، ثم إذا كان وقت القتال مع الكفار، وعلم أنه لو اشتغل ~~بالصلاة انهزم عسكر الإسلام وجب عليه ترك الصلاة، والاشتغال ~~بالقتال، حتى لو صلى وترك القتال أثم، ولو ترك الصلاة وقاتل، استحق ~~الثواب، بل نقول: إن من كان في الصلاة ورأى طفلا، أو أعمى أشرف ~~على الحرق أو غرق، وجب عليه قطع الصلاة لإنقاذ الطفل، والأعمى ~~من البلاء, فكذا ها هنا تكلم إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - بهذه ~~الكلمات ليظهر من نفسه موافقة القوم، حتى إذا أورد عليهم الدليل ~~المبطل لقولهم، كان قبولهم لذلك الدليل أتم، وانتفاعهم به ~~أكمل، ويقوي هذا الوجه أنه - تعالى - حكى عنه مثل هذا الطريق في قوله: # فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم فتولوا ~~عنه مدبرين # [الصافات:88-90]. # وذلك لأنهم كانوا يستدلون بعلم النجوم على حصول الحوادث ~~المستقبلة، فوافقهم إبراهيم على هذا الطريق في الظاهر، مع أنه كان ~~بريئا عنه في الباطن، ومقصوده أن يتوسل بهذا الطريق إلى كسر ~~الأصنام، فإذا جازت الموافقة في الظاهر هاهنا مع كونه بريئا عنه في ~~الباطن، فلم لا يجوز أن يكون في مسألتنا كذلك؟ # وأما الاحتمال الثاني: فهو أنه - عليه الصلاة والسلام - ذكر هذا ~~الكلام قبل البلوغ، وتقريره أن يقال: كان قد خص إبراهيم - عليه ~~السلام - بالعقل الكامل، والقريحة الصافية، فخطر بباله قبل بلوغه ~~إثبات الصانع - تعالى - فتفكر فرأى النجوم، فقال: " هذا ربي " ~~فلما شاهد حركاته قال: { لا أحب الآفلين } ثم إنه - تعالى - ~~أكمل بلوغه في قوله تعالى: # قال يقوم إني بريء مما تشركون # [الأنعام:78]. # والاحتمال الأول أولى بالقبول؛ ms3548 لما ذكرنا من الدلائل. # فإن قيل إن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - استدل بأفول ~~الكواكب، على أنه لا يجوز أن يكون ربا له، والأفول عبارة عن ~~غيبوبة الشيء بعد ظهوره فيدل على الحدوث من حيث إنه حركة، وعلى ~~هذا التقرير فيكون الطلوع أيضا دليلا على الحدوث، فلم ترك ~~إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - الاستدلال على حدوثها بالطلوع، وعول ~~في إثبات هذا المطلوب على الأفول؟ # الجواب: أن الطلوع والأفول يشتركان في الدلالة على الحدوث، إلا أن ~~الدليل الذي يحتج به الأنبياء في معرض دعوة الخلق كلهم إلى ~~الله لا بد وأن يكون ظاهرا، بحيث يشترك في فهمه الذكي ~~والغبي، والعاقل والغافل، ودلالة الحركة على الحدوث وإن كانت ~~يقينية إلا أنها دقيقة لا يعرفها إلا الأفاضل من الخلق، ~~أما دلالة الأفول على هذا المقصود، فإنها ظاهرة يعرفها كل أحد، ~~فإن الآفل يزول سلطانه وقت الأفول، فكانت دلالة الأفول على ~~هذا المقصود أتم, وأيضا فيحتمل أنه إنما استدل بالفول من حيث ~~إن الأفول غيبوبة، فإن الإله المعبود العالم العادل لا يغيب، ولهذا ~~استدل بظهور الكواكب، وبزوغ القمر والشمس على الإلهية، واستدل ~~بأفولهم على عدم الإلهية، ولم يتعرض للاستدلال بالحركة، وهل هي تدل ~~على الحدوث أم لا؟ # قال ابن الخطيب: وفيه دقيقة وهو أنه - عليه الصلاة والسلام - إنما كان ~~يناظرهم وهم كانوا منجمين، ومذهبهم أن الكوكب إذا كان ~~الربع الشرقي، ويكون صاعدا إلى وسط السماء كان قويا عظيم ~~التأثير، أما إذا كان غربيا وقريبا ومن الأفول، فإنه يكون ضعيف ~~الأثر قليل القوة، فنبه بهذه الدقيقة على ان الإله هو الذي ~~تتغير قدرته إلى العجز، وكماله إلى النقصان، ومذهبكم أن الكوكب ~~حال كونه في الربع الغربي يكون ضعيف القوة، ناقص التأثير, عاجزا عن ~~التدبير، وذلك يدل على القدح في إلهيته، فظهر على قول المنجمين ~~أن للأفول مزيد خاصية في كونه موجبا للقدح في إلهيته والله أعلم. # فإن قيل: إن تلك الليلة كانت مسبوقة بنهار وليل، فكان أفول ~~الكواكب والقمر والشمس حاصلا في الليل السابق والنهار السابق، وبهذا ms3549 ~~التقدير لا يبقى للأفول الحاصل في تلك الليلة فائدة؟ # فالجواب: أنا قد بينا أنه - عليه الصلاة والسلام - إنما أورد ~~هذا الدليل على القوم الذين كان يدعوهم من عبادة النجوم إلى ~~التوحيد، فلا يبعد أن يقال: إنه - عليه الصلاة والسلام - كان جالسا ~~مع أولئك الأقوام ليلة من الليالي، فزجرهم عن عبادة الكواكب، فبينما ~~هو في تقرير ذلك الكلام، إذ رفع بصره إلى كوكب مضيء، فلما أفل ~~قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام: لو كان هذا الكوكب إلها لما انتقل ~~من الصعود إلى الأفول ومن القوة إلى الضعف، ثم في أثناء ذلك ~~الكلام طلع القمر وأفل فأعاد عليهم ذلك، وكذا القول في الشمس. # فصل في الدلالة في الآية # دلت الآية على أحكام: # أحدها: دلت على أنه ليس بجسم، إذ لو كان جسما غائبا أبدا ~~لكان آفلا أبدا. # وأيضا يمتنع أن يكون - تعالى - بحيث ينزل من العرش إلى السماء ~~تارة، ويصعد من السماء إلى العرش أخرى، وإلا يحصل معنى الأفول. # وثانيها: دلت الآية على أنه - تعالى - ليس محلا للصفات ~~المحدثة، كما يقول الكرامية، وإلا لكان متغيرا, وحينئذ يحصل معنى ~~الأفول، وذلك محال. # ثالثها: دلت الآية على أن الدين يجب أن يكون مبنيا على الدليل، ~~لا على التقليد، وإلا لم يكن لهذا الاستدلال فائدة. # ورابعها: دلت الآية على أن معارف الأنبياء بربهم استدلالية ~~لا ضرورية، وإلا لما احتاج إبراهيم - عليه السلام - إلى الاستدلال. # وخامسها: دلت الآية على أنه لا طريق إلى تحصيل معرفة الله - تعالى ~~- إلا بالنظر والاستدلال في أحوال مخلوقاته، إذ لو أمكن تحصيلها ~~بطريق آخر لما عدل إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - لهذه الطريقة. ### || [6.77] # " بازغا " حال من " القمر " , والبزوغ: الطلوع، يقال: بزغ ~~بفتح الزاي: يبزغ بضمها بزوغا، والبزوغ: الابتداء في الطلوع. # قال الأزهري: كأنه مأخوذ من البزغ وهو الشق كأنه بنوره يشق ~~الظلمة شقا، ويستعمل قاصرا ومتعديا، يقال: بزغ البيطار ~~الدابة، أي: أسال دمها، فبزغ هو، أي: سال، هذا هو الأصل. # ثم قيل لكل طلوع: بزوغ، ومنه بزغ ناب الصبي والبعير تشبيها ~~بذلك. ms3550 # والقمر معروف سمي بذلك لبياضه، وانتشار ضوئه، والأقمر: ~~الحمار الذي على لون الليلة القمراء، والقمراء ضوء القمر. # وقيل سمي القمر قمرا؛ لأنه يقمر ضوء الكواكب ويفوز به، والليالي ~~القمر: ليالي تدور القمر، وهي الليالي البيض؛ لأن ضوء القمر ~~يستمر فيها إلى الصباح. # قيل: ولا يقال له قمرا إلا بعد امتلائه في ثالث ليلة وقبلها هلال على ~~خلاف بين أهل اللغة تقدم في البقرة عند قوله: # عن الأهلة # [البقرة:189] فإذا بلغ بعد العشر ثالث ليلة، قيل له: " بدر " إلى خامس ~~عشر. # ويقال: قمرت فلانا، أي: خدعته عنه، وكأنه مأخوذ من قمرت القربة: ~~فسدت بالقمراء. # قوله: { لئن لم يهدني ربي } يدل على أن الهداية ليست ~~إلا من الله، ولا يمكن حمل لفظ الهداية إلا على التمكين, وإزاحة ~~الأعذار، ونصب الدلائل؛ لأن كل ذلك كان حاصلا لإبراهيم عليه ~~السلام. ### || [6.78] # إنما ذكر اسم الإشارة مذكرا والمشار إليه مؤنث لأحد وجوه: # إما ذهابا بها مذهب الكواكب، وإما ذهابا بها مذهب الضوء والنور، وإما ~~بتأويل الطالع أو الشخص؛ كما قال الأعشى: [السريع] # 2218- قامت تبكيه على قبره # من لي بعدك يا عامر # تركتني في الدار ذا غربة # قد ذل من ليس له ناصر # أو الشيء، أو لأنه لما أخبر عنها بمذكر أعطيت حكمه؛ تقول: هند ~~ذاك الإنسان وتيك الإنسان؛ قال: [البسيط] # 2219- تبيت نعمى على الهجران غائبة # سقيا ورعيا لذاك الغائب الزاري # فأشار إلى " نعمى " وهي مؤنث إشارة المذكر لوصفها بوصف الذكور, أو ~~لأن فيها لغتين: التذكير والتأنيث، وإن كان الأكثر التأنيث، فقد جمع ~~بينهما في الآية الكريمة فأنث في قوله: " بازغة " ، وذكر في قوله: " ~~هذا ". # وقال الزمخشري: " جعل المبتدأ مثل الخبر لكونهما عبارة عن شيء واحد؛ ~~كقولهم: ما جاءت حاجتك، ومن كانت أمك، و # لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا # [الأنعام:23] وكان اختيار هذه الطريقة واجبا لصيانة الرب عن ~~شبهة التأنيث، إلا تراهم قالوا في صفة الله: علام، ولم يقولوا: ~~علامة، وإن كان أبلغ، احترازا من علامة التأنيث ". # قلت: وهذا قريب مما تقدم في أن المؤنث ms3551 إذا أخبر عنه بمذكر عومل ~~معاملة المذكر، نحو: " هند ذاك الإنسان ". # وقيل: لأنها بمعنى: هذا النير، أو المرئي. # قال أبو حيان: " ويمكن أن يقال: إن أكثر لغة الأعاجم لا يفرقون في ~~الضمائر، ولا في الإشارة بين المذكر والمؤنث سواء، فلذلك أشار إلى ~~المؤنث عندنا حين حكى كلام إبراهيم بما يشار به إلى المذكر، بل لو كان ~~المؤنث بفرج لم يكن له علامة تدل عليه في كلامهم، وحين أخبر - ~~تعالى - عنها بقوله: " بازغة " و " أفلت " أتت على مقتضى العربية، ~~إذ ليس ذلك بحكاية " انتهى. # وهذا إنما يظهر أن لو حكى كلامهم بعينه في لغتهم، أما شيء يعبر عنه ~~بلغة العرب، ويعطى حكمه في لغة العجم، فهو محل نظر. # فصل في بيان سبب تسمية العبرية والسريانية. # قال الطبري: إن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - إنما نطق بالعبرانية ~~حين عبر النهر فارا من النمرود حيث قال للذين أرسلهم في ~~طلبه: إذا وجدتم من يتكلم بالسريانية فأتوني به، فلما أدركو ~~استنطقوه، فحول الله نطقه لسانا عبرانيا، وذلك حين عبر ~~النهر، فسميت العبرانية لذلك. # وأما السريانية فذكر ابن سلام أنها سميت بذلك؛ لأن الله - ~~سبحانه وتعالى - حين علم آدم الأسماء علمه سرا من الملائكة، ~~وأنطقه بها حينئذ، فسميت السريانية لذلك، والله أعلم. # قوله: " هذا أكبر " أي: أكبر الكواكب جرما، وأقواها قوة، فكان ~~أولى بالإلهية، قوله: { إني بريء مما تشركون } " ما " ~~مصدرية، أي: بريء من إشراككم، أو موصولة أي: من الذين يشركونه مع الله في ~~عبادته، فحذف العائد, ويجوز أن تكون الموصوفة والعائد محذوف أيضا, إلا ~~أن حذف عائد الصفة أقل من حذف عائد الصلة، فالجملة بعدها ~~لا محل لها على القولين الأولين، ومحلها الجر على الثالث، ومعنى ~~الكلام أنه لما ثبت بالدليل أن هذه الكواكب لا تصلح للربوبية ~~والإلهية، لا جرم تبرأ من الشرك. # فإن قيل: هب أن الدليل دل على أن الكواكب لا تصلح للربوبية، لكن لا ~~يلزم من هذا نفي الشرك مطلقا؟ # فالجواب: أن القوم كانوا مساعدين على نفي سائر الشركاء، وإنما ~~نازعوا في ms3552 هذه الصورة المعينة، فلما ثبت بالدليل أن هذه الأشياء ليست ~~أربابا، وثبت بالاتفاق نفي غيرها، لا جرم حصل الجزم بنفي ~~الشركاء. ### || [6.79] # المراد: وجهت عبادتي وطاعتي لعبادته ورضاه، كأنهم نفوا بذلك وهم من ~~يتوهم الجهة، وسبب جواز هذا المجاز أن من كان مطيعا لغيره ~~منقادا لأمره، فإنه يتوجه بوجهه إليه، فجعل توجيه الوجه إليه ~~كناية عن الطاعة. # وفتح الباء من وجهي نافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم، والباقون تركوا هذا ~~الفتح. # قوله: " للذي فطر " قدروا قبله مضافا؛ أي: وجهت وجهي لعبادته ~~كما تقدم و " حنيفا " حال من فاعل " وجهت ". # وقد تقدم تفسير هذه الألفاظ، و " ما " يحتمل أن تكون الحجازية، وأن ~~تكون التميمية. ### || [6.80] # لما أورد إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - الحجة عليهم المذكورة، ~~أورد القوم عليه حججا على صحة أقوالهم: # منها: أنهم تمسكوا بالتقليد، كقولهم: # إنا وجدنآ آبآءنا على أمة # [الزخرف:22] وكقولهم للرسول عليه الصلاة والسلام: # أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب # [ص:5] وكقول قوم هود: # إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء # [هود:54] فذكروا من جنس هذا الكلام، وإلا فالله - تعالى - لم يحك ~~محاجتهم. # فأجاب الله - تعالى - عن حجتهم بقوله تعالى: { قال ~~أتحاجوني في الله }. # قرأ نافع، وابن ذكوان، وهشام بخلاف عنه بنون خفيفة، والباقون بنون ~~ثقيلة، والتثقيل هو الأصل؛ لأن النون الأولى نون الرفع في الأمثلة ~~الخمسة، والثانية نون الوقاية، فاستثقل اجتماعهما، وفيهما لغات ثلاث: ~~الفك وتركهما على حالهما، والإدغام، والحذف، وقد قرئ بهذه اللغات كلها ~~في قوله تعالى: # أفغير الله تأمروني أعبد # [الزمر:64] وهنام لم تقرأ إلا بالحذف أو الإدغام، ونافع بالحذف، ~~والباقون يفتحون النون، لأنها عندهم نون رفع, وفي سورة النحل: # تشاقون فيهم # [آية:27] بفتح النون عند الجمهور، لأنها نون رفع، ويقرؤه نافع بنون ~~مكسورة خفيفة على الحذف، فنافع حذف إحدى النونين في جميع المواضع ~~المذكورة فإنه يقرأ في الزمر أيضا بحذف أحدهما. # وقوله تعالى: # أتعدانني # في الأحقاف [آية:17] قرأه هشام بالإدغام، والباقون بالإظهار دون الحذف. # واختلف النحاة في أيتهما المحذوفة؛ فمذهب سيبويه ومن ms3553 تبعه أن المحذوفة ~~هي الأولى واستدل سيبويه على ذلك بأن نون الرفع قد عهد حذفها دون ~~ملاقاة مثل رفعا؛ وأنشد: [الطويل] # 2220- فإن يك قوم سرهم ما صنعتم # ستحتلبوها لاقحا غير باهل # أي: فستحتلبونها، لا يقال: إن النون قد حذفت جزما في جواب ~~الشرط؛ لأن الفاء هنا واجبة الدخول لعدم صلاحية الجملة الجزائية شرطا, ~~وإذا تقرر وجوب الفاء, وإنما حذفت ضرورة ثبت أن نون الرفع كان من حقها ~~الثبوت، إلا أنها حذفت ضرورة، وأنشدوا أيضا قوله: [الرجز] # 2221- أبيت أسري وتبيتي تدلكي # وجهك بالعنبر والمسك الذكي # أي: تبيتين وتدلكين. # وفي الحديث: # " والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا ~~تؤمنوا حتى تحابوا " # ف " لا " الداخلة على " تدخلوا " و " تؤمنوا " نافية لا ناهية لفساد ~~المعنى عليه، وإذا ثبت حذفها دون ملاقاة مثل رفعا فلأن تحذف مع ~~ملاقاة مثل استثقالا بطريق الأولى, وأيضا فإن النون نائبة عن الضمة, ~~والضمة قد عهد حذفها في فصيح الكلام؛ كقراءة أبي عمرو { ينصركم } ~~[آل عمران:160] و { يشعركم } [الأنعام:109] و { يأمركم } ~~[البقرة:67] وبابه بسكون آخر الفعل، وقول الشاعر: [السريع] # 2222- فاليوم أشرب غير مستحقب # إثما من الله ولا واغل # وإذا ثبت حذف الأصل، فليثبت حذف الفرع لئلا يلزم تفضيل ~~فرع على أصله، وأيضا فإن ادعاء حذف نوع الرفع لا يحوج إلى ~~حذف آخر, وحذف نون الوقاية قد يحوج إلى ذلك, وبيانه بأنه إذا ~~دخل ناصب أو جازم على أحد هذه الأمثلة، فلو كان المحذوف نون ~~الوقاية لكان ينبغي أن تحذف هذه النون، وهي تسقط للناصب والجازم، ~~بخلاف ادعاء حذف نون الرفع، فإنه لا يحوج إلى ذلك؛ لأنه لا عمل له في ~~التي للوقاية. # ولقائل أن يقول: لا يلزم من جواز حذف الأصل حذف الفرع؛ لأن في الأصل ~~قوة تقتضي جواز حذفه، بخلاف نون الوقاية، ودخول الجازم والناصب لم نجد ~~له شيئا يحذفه؛ لأن النون حذفت لعارض آخر. # واستدلوا لسيبويه بأن نون الوقاية مكسورة، فبقاؤها على حالها لا ~~يلزم منه تغيير، بخلاف ما لو ادعينا حذفها، فإنا يلزمنا تغيير نون ms3554 ~~الرفع من فتح إلى كسر، وتعليل العمل أولى، واستدلوا أيضا بأنها قد حذفت ~~مع مثلها، وإن لم تكن نون وقاية؛ كقوله: [البسيط] # 2223- كل له نية في بغض صاحبه # بنعمة الله نقليكم وتقلونا # أي: وتقلوننا، فالمحذوف نون الرفع لا نون " نا "؛ لأنها ضمير, ~~وعورض هذا بأن نون الرفع أيضا لها قوة لدلالتها على الإعراب, فحذفها ~~أيضا لا يجوز، وجعل سيبويه المحذوفة من قول الشاعر: [الوافر] # 2224- تراه كالثغام يعل مسكا # يسوء الفاليات إذا فليني # نون الفاعل لا نون الوقاية، واستدل الأخفش بأن الثقل إنما حصل ~~بالثانية؛ ولأنه قد استغني عنها، فإنه إنما أتى بها لتقي الفعل ~~من الكسر، وهو مأمون لوقوع الكسر على نون الرفع، ولأنها لا تدل ~~على معنى، بخلاف نون الرفع، وأيضا فإنها تحذف في نحو ليتني, فيقال: ~~ليتي؛ كقوله: [الوافر] # 2225- كمنية جابر إذ قال: ليتي # أصادفه وأتلف بعض مالي # واعلم أن حذف النون في هذا النحو جائز فصيح، ولا يلتفت إلى قول ~~من منع من ذلك إلا في ضرورة أو قليل من الكلام، ولهذا عيب على ~~مكي بن ابي طالب حيث قال: " الحذف بعيد في العربية قبيح مكروه، وإنما ~~يجوز في الشعر للوزن، والقرآن لا يحتمل ذلك فيه؛ إذ لا ضرورة تدعو ~~إليه ". # وتجاسر بعضهم فقال: " هذه القراءة - أعني تخفيف النون - لحن ". # وهذان القولان مردودان عليهما؛ لتواتر ذلك، وقد تقدم الدليل على ~~صحته لغة. # وأيضا فإن الثقات نقلوا أنها لغة ثابتة للعرب, وهم " غطفان " فلا ~~معنى لإنكارها. # و " في الله " متعلق ب " أتحاجوني " لا ب " حاجه " ، ~~والمسألة من باب التنازع، وأعمل الثاني؛ لأنه لما أضمر في ~~الأول حذف، ولو أعمل الأول لأضمر في الثاني من غير حذف، ومثله: # يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة # [النساء:176] كذا قال أبو حيان، وفيه نظر من حيث إن المعنى ليس على ~~تسلط " وحاجه " على قوله: " في الله "؛ إذ الظاهر انقطاع ~~الجملة القولية عما قبلها. # وقوله: " في الله " أي: في شأنه، ووحدانيته. # قوله " وقد هداني " أي: للتوحيد والحق, وهذه الجملة في محل ~~نصب على ms3555 الحال، وفي صاحبها وجهان: # أظهرهما: أنه الياء في " أتحاجونني " ، أي: أتجادلونني فيه حال كوني ~~مهديا من عنده. # والثاني: أنه حال من " الله " أي: أتخاصمون فيه حال كونه هاديا لي، ~~فحجتكم لا تجدي شيئا؛ لأنها داحضة. # قوله: " ولا أخاف ما تشركون به " هذه الجملة يجوز أن تكون ~~مستأنفة، أخبر عليه الصلاة والسلام بأنه لا يخاف ما يشركون به، وإنما ~~ثقته بربه، وكانوا قد خوفوه من ضرر يحل له بسبب سب ~~آلهتهم. # ويحتمل أن تكون في محل نصب على الحال باعتبارين: # أحدهما: أن تكون ثانية عطفا على الأولى, فتكون الحالان من الياء في ~~" أتحاجوني ". # والثاني: أنها حال من " الياء " في " هداني " ، فتكون جملة حالية من ~~بعض جملة حالية، فهي قريبة من الحال المتداخلة، إلا أنه لا بد من ~~إضمار مبتدأ على هذا الوجه قبل الفعل المضارع، لما تقدم من أن الفعل ~~المضارع المنفي بت " لا " حكمه حكم المثبت من حيث إنه لآ ~~تباشره الواو. # و " ما " يجوز فيها الأوجه الثلاثة: أن تكون مصدرية، وعلى هذا فالهاء ~~في " به " لا تعود على " ما " عند الجمهور، بل تعود على الله ~~تعالى، والتقدير: ولا أخاف إشراككم بالله، والمفعول محذوف؛ أي: ما ~~تشركون غير الله به، وأن تكون بمعنى " الذي " ، وأن تكون نكرة ~~موصوفة، والهاء في " به " على هذين الوجهين تعود على " ما " ، ~~والمعنى: ولا أخاف الذين تشركون الله به، فحذف المفعول أيضا، كما حذفه ~~في الوجه الأول. # وقدر أبو البقاء قبل الضمير مضافا، فقال: ويجوز أن تكون الهاء ~~عائدة على " ما "؛ أي: ولا أخاف الذي تشركون به، ولا حاجة إلى ذلك. # قوله: " إلا أن يشاء ربي شيئا " في هذا الاستثناء قولان: # أظهرهما: أنه متصل. # والثاني: أنه منقطع، والقائلون بالاتصال اختلفوا في المستثنى منه، ~~فجعله الزمخشري زمانا، فقال: " إلا وقت مشيئة ربي شيئا يخاف، فحذف ~~الوقت، يعني: لا أخاف معبوداتكم في وقت قط؛ لأنها لا تقدر على ~~منفعة ولا مضرة، إلا إذا شاء ربي ". # وجعله أبو البقاء حالا، فقال: تقديره إلا في حال مشيئة ربي, أي: ms3556 ~~لا أخافها في كل حال إلا في هذه الحال. # وممن ذهب إلى انقطاعه ابن عطية، والحوفي، وأبو البقاء في أحد ~~الوجهين. # فقال الحوفي: تقديره: " ولكن مشيئة الله أياي بضر أخاف ". # وقال غيره: معناه: ولكن إن شاء ربي شيئا، أي سواء فيكون ما شاء. # وقال ابن عطية: استثناء ليس من الأول، ولما كانت قوة الكلام أنه لا ~~يخاف ضرا، استثنى مشيئة ربه في أن يريده بضر. # قوله: " شيئا " يجوز فيه وجهان: # أظهرهما: أنه منصوب على المصدر تقديره: إلا أن يشاء ربي شيئا من ~~المشيئة. # والثاني: أنه مفعول به ل " شيئا " ، وإنما كان الأول أظهر ~~لوجهين: # أحدهما: أن الكلام المؤكد أقوى وأثبت في النفس من غير المؤكد. # والثاني: أنه قد تقدم أن مفعول المشيئة والإرادة لا يذكران إلا ~~إذا كان فيهما غرابة كقوله: [الطويل] # 2226- ولو شئت أن أبكي دما لبكيته # .......................... # فصل في بيان معنى الاستثناء # إنما ذكر عليه الصلاة والسلام هذا الاستثناء؛ لأنه لا يبعد أن يحدث ~~للإنسان في مستقبل عمره شيء من المكاره، والحمقى من الناس يحملون ~~ذلك على أنه إنما حدث ذلك المكروه بسبب أن طعن في إلهية ~~الأصنام، فذكر إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - ذلك حتى إنه لو ~~حدث به شيء من المكاره لم يحمل على هذا السبب. # وقوله: { وسع ربي كل شيء علما } يعني: أنه عالم الغيوب، فلا ~~يفعل إلا الخير والصلاح والحكمة، فبتقدير أن يحدث من مكاره الدنيا ~~شيء، فذلك؛ لأنه - تعالى - عرف وجه الصلاح والخير فيه، لا لأجل ~~أنه عقوبة على الطعن في إلهية الأصنام. # قوله: " علما " فيه وجهان: # أظهرهما: أنه منصوب على التمييز، وهو محول عن الفاعل، تقديره: " ~~وسع علم ربي كل شيء " كقوله: # واشتعل الرأس شيبا # [مريم:4] أي: شيب الرأس. # والثاني: أنه منصوب على المفعول المطلق، لأن معنى وسع: علم. # قال أبو البقاء: " لأن ما يسع الشيء فقد أحاط به، والعالم ~~بالشيء محيط بعلمه ". # قال شهاب الدين: وهذا الذي ادعاه من المجاز بعيد. # و " كل شيء " مفعول لت " وسع " على التقديرين. # و " أفلا تتذكرون " جملة ms3557 تقرير وتوبيخ، ولا محل لها ~~لاستئنافها، والمعنى: أفلا تتذكرون أن نفي الشركاء والأضداد والأنداد ~~عن الله لا يوجب حلول العذاب ونزول العقاب، والسعي في إثبات ~~التوحيد والتنزيه لا يوجب استحقاق العذاب والعقاب. ### || [6.81-82] # قد تقدم الكلام على " كيف " في أول البقرة [آية 28]، و " ما " يجوز ~~فيها ثلاثة أوجه، أعني كونها موصولة اسمية, أو نكرة موصوفة, أو ~~مصدرية, والعائد على الأولين محذوف, أي: ما أشركتموه بالله, أو ~~إشراككم بالله غيره. # وقوله: " ولا تخافون " يجوز في هذه الجملة أن تكون نسقا على " ~~أخاف " فتكون داخلة في حيز التعجب والإنكار، وأن تكون ~~حالية، أي: وكيف أخاف الذي تشركون حال كونكم أنتم غير خائفين عاقبة ~~إشراككم، ولا بد من إضمار مبتدأ قبل المضارع المنفي ب " لا " لما ~~تقدم غير مرة، أيك كيف أخاف الذي تشركون، أو عاقبة إشراككم حال ~~كونكم آمنين من مكر الله الذي أشركتم به غيره، وهذه الجملة وإن لم ~~يكن فيها رابط يعود على ذي الحال لا يضر ذلك، لأن الواو بنفسها ~~رابطة. # وانظر إلى حسن هذا النظم السوي, حيث جعل متعلق الخوف ~~الواقع منه الأصنام، ومتعلق الخوف الواقع منهم إشراكهم بالله غيره ~~تركا لأن يعادل الباري - تعالى - لأصنامهم لو أبرز التركيب على ~~هذا، فقال: " ولا تخافون الله " مقابلة لقوله: " وكيف أخاف ~~معبوداتكم ". وأتى ب " ما " في قوله: " ما أشركتم " وفي قوله: { ما ~~لم ينزل به عليكم سلطانا } إلا أنهم غير عقلاء؛ إذ ~~هي جماد وأحجار وخشب كانوا ينحتونها ويعبدونها. # وقوله: " ما لم ينزل " مفعول ل " أشركتم " ، وهي موصولة ~~اسمية أو نكرة، ولا تكون مصدرية لفساد المعنى، و " به " و " عليكم ~~" ، متعلقان ب " ينزل " ويجوز في " عليكم " وجه آخر، وهو أن ~~يكون حالا، من " سلطانا "؛ لأنه لو تأخر عنه لجاز أن يكون ~~صفة. # وقرا الجمهور: " سلطانا " ساكن اللام حيث وقع، وقرئ بضمها، ~~وهل هي لغة مستقلة، فيثبت فيها بناء فعل بضم الفاء والعين، أو هي ~~إتباع حركة لأخرى. # ومعنى الآية: وكيف أخاف الأصنام التي لا قدرة لها على النفع ~~والضر ولا ms3558 تبصر ولا تسمع, وأنتم لا تخافون من الشرك الذي ~~هو أعظم الذنوب، وليس لكم حجة على ذلك. # وقوله: { فأي الفريقين أحق بالأمن } # أي: ما لكم تنكرون علي الأمن في موضع الأمن، ولا تنكرون على ~~أنفسكم الأمن في موضع الخوف فقال: { فأي الفريقين أحق } ولم ~~يقل: " فاينا أحق نحن أم أنتم " إلزاما لخصمه بما ~~يدعيه عليه, واحترازا من تزكية نفسه، فعدل عنه إلى قوله: { ~~فأي الفريقين أحق بالأمن } ، يعني: فريق المشركين أم ~~الموحدين؟ وهذا بخلاف قول الآخر: [الكامل] # 2227- فلئن لقيتك خاليين لتعلمن # أيي وأيك فارس الأحزاب # فلله فصاحة القرآن وآدابه. # وقوله: " إن كنتم " جوابه محذوف، أي: فأخبروني، ومتعلق العلم ~~محذوف، ويجوز ألا يراد له مفعول؛ أي: إن كنتم من ذوي العلم. # قوله: " الذين آمنوا " هل هو من كلام إبراهيم، أو من كلام قومه، ~~أو من كلام الله تعالى؟ ثلاثة أقوال، وعليها يترتب الإعراب. # فإن قلنا: إنها من كلام إبراهيم كانت جوابا عن السؤال في قوله " فأي ~~الفريقين ". # وكذا إن قلنا: إنها كلام قومه، وأنهم أجابوا بما هو حجة عليهم كأن ~~الموصول خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هم الذين آمنوا، وإن جعلناه من كلام ~~الله تعالى، وأنه أمر نبيه بأن يجيب به السؤال المتقدم، ~~فكذلك أيضا. # وإن جعلناه لمجرد الإخبار من الباري - تعالى - كان الموصول مبتدأ، ~~وفي خبره أوجه: # أحدها: أنه الجملة بعده، فإن " أولئك " ، و " أولئك " مبتدأ ثان، و " ~~الأمن " مبتدأ ثالث، و " لهم " خبره، والجملة خبر " أولئك " ، و " ~~أولئك " وخبره خبر الأول. # الثاني: أن يكون " أولئك " بدلا أو عطف بيان، و " لهم " خبر ~~الموصول، و " الأمن " فاعل به لاعتماده. # الثالث: كذلك، إلا أن " لهم " خبر مقدم، و " الأمن " مبتدأ مؤخر، ~~والجملة خبر الموصول. # الرابع: أن يكون " أولئك " مبتدأ ثانيا، و " لهم " خبره، و " الأمن " ~~فاعل به، والجملة خبر الموصول. # الخامس: وإليه ذهب أبو جعفر النحاس، والحوفي أن " لهم الأمن " خبر ~~الموصول، وأن " أولئك " فاصلة، وهو غريب؛ لأن الفصل من شأن ~~الضمائر لا من شأن أسماء الإشارة. # وأما على قولنا بأن " الذين ms3559 " خبر مبتدأ محذوف، فيكون " أولئك " مبتدأ ~~فقط، وخبره الجملة بعده، أو الجار وحده، و " الأمن " فاعل به، ~~والجملة الأولى على هذا منصوبة بقول مضمر، أي: قل لهم الذين ~~آمنوا إن كانت من كلام الخليل, أو قالوا هم الذين إن كانت من كلام قومه. # قوله: " ولم يلبسوا " يجوز فيه وجهان: # أحدهما: أنها معطوفة على الصلة، فلا محضل لها حينئذ. # والثاني: أن تكون الواو للحال، الجملة بعدها في محل نصب على الحال، ~~أي: آمنوا غير ملبسين بظلم. # وهو كقوله تعالى: # أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر # [مريم:20]، ولا يلتفت إلى قول ابن عصفور، حيث جعل وقوع الجملة ~~المنفية حالا قليلا، ولا إلى قول ابن خروف، حيث جعل الواو ~~واجبة الدخول على هذه الجملة، وإن كان فيها ضمير يعود على الحال. # والجمهور على " يلبسوا " بفتح الياء بمعنى " يخلطونه ". # وقرأ عكرمة بضمها من الإلباس. " وهم مهتدون " يجوز ~~استئنافها وحاليتها. # فصل في تفسير الآية # روى علقمة عن عبد الله قال: لما نزلت { الذين آمنوا ~~ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } شق ذلك على المسلمين، ~~فقالوا: يا رسول الله، فأينا لا يظلم نفسه، فقال: ليس ~~ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا إلى ما قال لقمان ~~لابنه: # يبني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان:13]. ### || [6.83] # " تلك " إشارة إلى الدلائل المتقدمة من قوله: # وكذلك نري إبراهيم # [الأنعام:75] إلى قوله: # ومآ أنا من المشركين # [الأنعام:79] # وقيل: إشارة إلى القوم لما خوفوه بأن آلهتهم تخبله ~~لأجل شتمه إياها، فقال لهم: أفلا تخافون أنتم حيث أقدمتم ~~على الشرك بالله، وسويتم في العبادة بين الخالق العالم ~~ومدبره، وبين الخشب المنحوت. # وقيل: إشارة إلى الكل. # ويجوز في " حجتنا " وجهان: # أحدهما: أن يكون خبر المبتدأ، وفي " آتيناها " حينئذ وجهان: # أحدهما: أنه في محل نصب على الحال، والعامل فيها معنى ~~الإشارة، ويدل على ذلك التصريح بوقوع الحال في نظيرتها. كقوله ~~تعالى: # فتلك بيوتهم خاوية # [النمل:52]. # والثاني: أنه في محل رفع على أنه خبر ثان أخبر عنها ~~بخبرين، أحدهما مفرد، والآخر جملة. # والثاني: أنه في ms3560 محل رفع على أنه خبر ثان أخبر عنها ~~بخيرين، أحدهما مفرد، والآخر جملة. # والثاني من الوجهين الأولين: أن تكون " حجتنا " بدلا أو ~~بيانا ل " تلك " ، والخبر الجملة الفعلية. # وقال الحوفي: " إن الجملة من " آتيناها " في موضع النعت ل " ~~حجتنا " على نية الانفصال؛ إذ التقدير: حجة لنا " يعني ~~الانفصال من الإضافة ليحصل التنكير المسوغ لوقوع الجملة ~~صفة ل " حجتنا " وهذا لا ينبغي أن يقال. # وقال أيضا: إن " إبراهيم " مفعول ثان ل " آتيناها " ، والمفعول ~~الأول هو " هاء " ، وقد تقدم في أول البقرة، فإن هذا مذهب ~~السهيلي عند قوله: # آتينا موسى الكتاب # [البقرة:53]. وأن مذهب الجمهور أن تجعل الأول ما كان عاقلا، ~~والثاني غيره، ولا يبالى بتقديم ولا تأخير. # فصل في الدلالة في الآية # قوله: " آتيناها إبراهيم " يدل على أن تلك الحجة إنما ~~حصلت لإبراهيم - عليه الصلاة والسلام - بإيتاء الله وإظهاره تلك ~~الحجة في عقله، وذلك يدل على أن الإيمان والكفر لا ~~يحصلان إلا بخلق الله تعالى، ويؤكده قوله: { نرفع درجات ~~من نشاء } فإن المراد أنه - تعالى - رفع درجات إبراهيم بسبب أنه ~~- تعالى - أتاه تلك الحجة. # ولو كان حصول العلم بتلك الحجة من قبل إبراهيم لا من قبل ~~الله تعالى، لكان إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - هو الذي رفع ~~درجات نفسه. # قوله: " على قومه " فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق ب " آياتنا " قاله ابن عطية والحوفي، أي: ~~أظهرناها لإبراهيم على قومه. # والثاني: أنها متعلقة بمحذوف؛ على أنها حال، أي: آتيناها إبراهيم ~~حجة على قومه، أو دليلا على قومه، كذا قدره أبو البقاء، ويلزم ~~من هذا التقدير أن تكون حالا مؤكدة؛ إذ التقدير: وتلك حجتنا ~~آتيناها له حجة. # وقدره أبو حيان على حذف مضاف، فقال: أي: آتيناها إبراهيم ~~مستعلية على حجج قومه قاهرة لها وهذا أحسن. # ومنع أبو البقاء أن تكون متعلقة ب " حجتنا " قال: لأنها مصدر ~~و " آتيناها " خبر أو حال، وكلاهما لا يفصل به بين الموصول ~~وصلته. # ومنع أبو حيان ذلك أيضا، ولكن لكون الحجة ليست مصدرا. # قال: إنما هو الكلام المؤلف للاستدلال على ms3561 الشيء، ثم قال: ولو ~~جعلناها مصدرا لم يجز ذلك أيضا؛ لأنه لا يفصل بالخبر، ولا ~~بمثل هذه الحال بين المصدر ومطلوبه. # وفي منعه ومنع أبي البقاء نظر؛ لأن الحال وإن كانت جملة ~~ليست أجنبية حتى يمنع الفصل بها؛ لأنها من جملة ~~مطلوبات المصدر، وقد تقدم نظير ذلك بأشبع من هذا. # قوله: " نرفع " فيه وجهان: # الظاهر منهما: أنها مستأنفة لا محل لها من الإعراب. # الثاني: جوزه أبو البقاء، وبدأ به - أنها في موضع الحال من " ~~آتيناها " يعني من فاعل " آتيناها " ، أي: في حال كوننا رافعين، ~~ولا تكون حالا من المفعول؛ إذ لا ضمير فيها يعود إليه. # ويقرأ " نرفع " بنون العظمة، وبياء الغيبة، وكذلك " ~~نشاء " وقرأ أهل الكوفة: " درجات " بالتنوين، وكذلك التي في ~~يوسف [آية 76] والباقون بالإضافة فيهما، فقرءاة الكوفيين يحتمل ~~نصب " درجات " فيها من خمسة أوجه: # أحدها: أنها منصوبة على الظرف، و " من " مفعول " نرفع "؛ أي: ~~نرفع من نشاء مراتب ومنازل. # والثاني: أن ينتصب على أنه مفعول ثان قدم على الأول، وذلك ~~يحتاج إلى تضمين " نرفع " معنى فعل يتعدى لاثنين، وهو " نعطي " ~~مثلا، أي: نعطي بالرفع من نشاء درجات، أي: رتبا، فالدرجات هي ~~المرفوعة لقوله: # رفيع الدرجات # [غافر:15]. # وفي الحديث: # " اللهم ارفع درجته في عليين " # ، وإذا رفعت الدرجة فقد رفع صاحبها. # والثالث: ينتصب على حذف حرف الجر؛ أي: إلى منازل، أو إلى ~~درجات. # الرابع: أن ينتصب على التمييز، ويكن محولا من ~~المفعولية، فتؤول إلى قراءة الجماعة؛ إذ الأصل: " نرفع درجات من ~~نشاء " بالإضافة، ثم حول كقوله: # وفجرنا الأرض عيونا # [القمر:12]، أي: عيون الأرض. # الخامس: أنها منتصبة على الحال، وذلك على حذف مضاف، أي: ~~ذوي درجات، ويشهد لهذه القراءة قوله تعالى: # ورفع بعضكم فوق بعض درجات # [الأنعام:165] # ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ # [الزخرف:32] # ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى # [البقرة:253]. # وأما قراءة الجماعة: ف " درجات " مفعول " نرفع ". # فصل في معنى الدرجات # قيل: الدرجات درجات أعماله في الآخرة. # وقيل: تلك الحجج درجات رفيعة؛ لأنها توجب الثواب العظيم. # وقيل: نرفع درجات من نشاء بالعلم ms3562 والفهم والفضيلة والعقل, كما ~~رفعنا درجات إبراهيم حتى اهتدى. والخطاب في " إن ربك " ~~للرسول محمد عليه الصلاة والسلام. # وقيل: للخليل إبراهيم، فعلى هذا يكون فيه التفات من الغيبة إلى ~~الخطاب منبها بذلك على تشريف له وقوله: " حكيم عليم "؛ أي: ~~إنما نرفع درجات من نشاء بمقتضى الحكمة والعلم، لا بموجب الشهوة ~~والمجازفة، فإن أفعال الله - تعالى - منزهة عن العبث. ### || [6.84-88] # في " وهبنا " وجهان: # أصحهما: أنها معطوفة على الجملة الاسمية من قوله: " وتلك ~~حجتنا " وعطف الاسمية على الفعلية وعكسه جائز. # والثاني: أجازه ابن عطية، وهو أن يكون نسقا علت " آتيناها " ~~ورده أبو حيان بأن " آتيناها " لها محل من الإعراب، إما ~~الخبر وإما الحال، وهذه لا محل لها؛ لأنها لو كانت معطوفة على ~~الخبر أو الحال لاشترط فيها رابط، و " كلا " منصوب ب " ~~هدينا " بعده. والتقدير: وكل واحد من هؤلاء المذكورين. # فصل في المراد بالهداية # اختلفوا في المراد بهذه الهداية، وكذا في قوله: { ونوحا هدينا ~~من قبل } وقوله في آخر الآيات { ذلك هدى الله يهدي به ~~من يشاء } قال بعض المحققين: المراد بهذه الهداية الثواب ~~العظيم، وهو الهداية إلى طريق الجنة؛ لقوله بعده { وكذلك نجزي ~~المحسنين } وجزاء المحسنين هو الثواب، وأما الإرشاد إلى الدين، ~~فلا يكون جزاء على عمله. # وقيل: لا يبعد أن يكون المراد الهداية إلى الدين، وإنما كان ~~جزاء على الإحسان الصادر منهم؛ لأنهم اجتهدوا في طلب الحق، ~~فالله - تعالى - جازاهم على حسن طلبهم بإيصالهم إلى الحق، ~~كقوله # والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا # [العنكبوت:69]. # وقيل: المراد بهذه الهداية الإرشاد إلى النبوة والرسالة؛ ~~لأن الهداية المخصوصة بالأنبياء ليست إلا ذلك. # فإن قيل: لو كان كذلك لكان قوله: { وكذلك نجزي المحسنين } ~~يقتضي أن يكون الرسالة جزاء على عمل، وذلك باطل. # فالجواب أن قوله: { وكذلك نجزي المحسنين } يحمل على ~~الجزاء الذي هو الثواب، فيزول الإشكال. # واعلم أنه - تعالى - لما حكى عن إبراهيم أنه أظهر حجة ~~الله في التوحيد، وذب عنها عدد وجوه نعمه وإحسانه إليه. # فأولها: قوله: # وتلك حجتنآ آتيناهآ إبراهيم على قومه # [الأنعام:83] ms3563 أي: نحن آتيناه تلك الحجة، وهديناه إليها، ~~وأفقنا عقله على حقيقتها، وذكر نفسه باللفظ الدال على ~~العظمة [وذلك يوجب] أن تكون تلك النعمة عظيمة. # وثانيها: أنه - تعالى - خصه بالرفعة إلى الدرجات العالية، ~~وهو قوله: # نرفع درجات من نشآء # [الأنعام:83]. # وثالثها: أنه - تعالى - جعله عزيزا في الدنيا؛ لأنه جعل ~~للأنبياء والدا، والرسل من نسله ومن ذريته، وأبقى هذه ~~الكرامة في نسله إلى يوم القيامة فقال: { ووهبنا له ~~إسحاق } لصلبه و " يعقوب " بعده من إسحاق. # فإن قيل: لم لم يذكر إسماعيل - عليه الصلاة والسلام - مع إسحاق، ~~بل أخر ذكره [عنه] بدرجات؟ # فالجواب: أن المقصود بالذكر هاهنا أنبياء بني إسرائيل، وهم ~~بأسرهم أولاد إسحاق. # وأما إسماعيل فإنه لم يخرج من صلبه نبي إلا محمد عليه ~~الصلاة والسلام، [ولا يجوز ذكر محمد - عليه الصلاة والسلام - في هذا ~~المقام؛ لأنه تعالى أمر محمدا] أن يحتج على العرب في نفي الشرك ~~بالله بأن إبراهيم لما ترك الشرك وأصر على التوحيد ~~رزقه الله النعم العظيمة في الدنيا بأن آتاه أولادا كانوا ~~أنبياء وملوكا، فإذا كان المحتج بهذه الحجة هو محمد - عليه ~~الصلاة والسلام - امتنع أن يذكر في هذا المعرض. # فلهذا السبب لم يذكر إسماعيل مع إسحاق. # قوله: { ونوحا هدينا من قبل } فالمراد أنه - تعالى - ~~جعل إبراهيم في أشرف الأنساب؛ لأنه رزقه أولادا مثل إسحاق ~~ويعقوب، وجعل أنبياء بني إسرائيل من نسلهما، وأخرجه من أصلاب ~~آباء طاهرين مثل " نوح " و " شيث " و " إدريس " ، والمقصود بيان ~~كرامة إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - بحسب الأولاد والآباء. # قوله: " من ذريته " " الهاء " فيها وجهان: # أحدهما: أنها تعود على نوح؛ لأنه أقرب مذكور, ولأن إبراهيم ومن ~~بعده من الأنبياء كلهم منسوبون إليه، [ولأنه ذكر من جملتهم لوطا، ~~وهو كان ابن أخي إبراهيم أو أخته، ذكره مكي وغيره، وما كان من ~~ذريته، بل كان من ذرية نوح عليه السلام، وكان رسولا في ~~زمن إبراهيم. # وأيضا: يونس - عليه الصلاة والسلام - ما كان من ذرية ~~إبراهيم. # وأيضا قيل: إن ولد الإنسان لا يقال: إنه ذرية، فعلى هذا ms3564 ~~إسماعيل - عليه الصلاة والسلام - ما كان من ذرية إبراهيم]. # الوجه الثاني: أنها تعود على إبراهيم؛ لأنه المحدث عنه والقصة ~~مسوقة إلى ذكره وخبره، وإنما ذكر نوحا، لأن إبراهيم كونه من أولاده ~~أحد موجبات رفعه إبراهيم. # ولكن رد هذا القول بما تقدم من كون لوط ليس من ذريته ~~إنما هو ابن أخيه أو أخته ذكر ذلك مكي وغيره. # وقد أجيب عن ذلك, فقال ابن عباس: هؤلاء الأنبياء كلهم مضافون إلى ~~ذرية إبراهيم، وإن كان فيهم من لم يلحقه بولادة من قبل أم ولا ~~أب؛ لأن لوطا ابن أخي إبراهيم، والعرب تجعل العم أبا، كما أخبر ~~الله - تعالى - عن ولد " يعقوب " أنهم قالوا: # نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق # [البقرة:133] # وقال أبو سليمان الدمشقي: " ووهبنا له لوطا " في ~~المعاضدة والمناصرة، فعلى هذا يكون " لوطا " منصوبا ب " ~~وهبنأ " من غير قيد؛ لكونه من ذريته. # وقوله: " داود " وما عطف عليه منصوب إما بفعل الهبة، وإما بفعل ~~الهداية. # و " من ذريته " يجوز فيها وجهان: # أحدهما: أنه متعلق بذلك الفعل المحذوف، وتكون " من " لابتداء الغاية. # والثاني: أنها حال أي: حال كون هؤلاء الأنبياء منسوبين إليه. # قوله: " وكذلك نجزي " الكاف في محل نصب نعتا لمصدر محذوف، ~~أي: نجزيهم جزاء مثل ذلك الجزاء، ويجوز أن يكون في محل رفع، ~~أي الأمر كذلك، وقد تقدم ذلك في قوله: " وكذلك نري إبراهيم ~~". # ومعنى " كذلك " أي: كما جزينا إبراهيم على توحيده بأن رفعنا درجته، ~~ووهبنا له أولادا أنبياء أتقياء، كذلك نجزي المحسنين على إحسانهم. # فصل في بيان نسب بعض الأنبياء # " داود " ابن إيشا. # و " سليمان " هو ابنه. # و " أيوب " ابن موص بن رازح بن روم بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم. # و " يوسف " إبن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. # و " موسى " ابن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب. # و " هارون " أخو موسى أكبر منه بسنة، وليس ذكرهم على ترتيب أزمانهم. # واعلم أنه - تعالى - ذكر أولا أربعة من الأنبياء، وهم: " نوح " و " ~~إبراهيم " و " إسحاق " و " يعقوب " ، ثم ms3565 ذكر من ذريتهم أربعة عشر ~~من الأنبياء: " داود " و " سليمان " و " أيوب " ، و " يوسف " ، و " ~~موسى " ، و " هارون " و " زكريا " ، و " يحيى " ، و " عيسى " ، و " إلياس ~~" ، و " إسماعيل " ، و " إليسع " ، و " يونس " ، و " لوطا ". # فإن قيل: رعاية الترتيب واجبة، والترتيب إما أن يعتبر بحسب ~~الفضل والدرجة، وإما أن يعتبر بحسب الزمان، والترتيب بحسب هذين ~~النوعين غير معتبر هنا فما السبب فيه؟ # فالجواب أن " الواو " لا توجب الترتيب، وهذه الآية أحد الدلائل ~~على صحة هذا المطلوب. # قوله: " وزكريا " وهو ابن إد وبرخيا و " يحيى " هو ابنه و " عيسى " ~~هو ابن مريم ابنة عمران. # واستدل بهذه الآية على أن الحسن والحسين من ذرية رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - لأن الله - تعالى - جعل عيسى من ذرية ~~إبراهيم، وهو لا ينسب إلى إبراهيم إلا بالأم، فكذلك الحسن ~~والحسين ويقال: إن أبا جعفر الباقر استدل بهذه الآية عند ~~الحجاج بن يوسف الثقفي. # فصل فيما يستفاد من الآية # قال أبو حنيفة والشافعي: من وقف على ولده وولد ولده دخل فيه أولاد ~~بناته أيضا ما تناسلوا، وكذلك في الوصية للقرابات يدخل ~~فيه ولد البنات، والقرابة عند أبي حنيفة كل ذي رحم محرم، ~~ويسقط عنده ابن العم وابن العمة وابن الخال وابن الخالة؛ لأنهم ليسوا ~~بمحرمين. # وقال الشافعي رحمه الله تعالى: القرابة كل ذي رحم محرم ~~وغيره، فلم يسقط عنده ابن العم وقال مالك: لا يدخل في ذلك ولد البنات. # وإذا قال: لقرابتي وعقبي فهو كقوله: لولدي وولد ولدي. # قوله: " وإلياس " قال ابن مسعود: هو إدريس وله اسمان مثل " يعقوب " و " ~~إسرائيل " ، والصحيح أنه غيره؛ لأن - تعالى - ذكره في ولد نوح، وإدريس ~~جد أبي نوح، وهذا إلياس بن يسي بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران " ~~كل من الصالحين ". # وقوله: " وإسماعيل " هو ابن إبراهيم. # و " إليسع " [وهو ابن أخطوب بن العجوز]. # قرأ الجمهور " اليسع " بلام واحدة وفتح الياء بعدها. # وقرأ الأخوان: الليسع بلام مشددة وياء ساكنة بعدها، فقراءة الجمهور ~~فيها تأويلان: # أحدهما: أنه منقول من فعل ms3566 مضارع، والأصل: " يوسع " ك " يوعد " ~~، فوقعت الواو بين ياء وكسرة تقديرية؛ لأن الفتحة جيء بها لأجل ~~حرف الحلق، فحذفت لحذفها في " يضع " و " يدع " و " يهب " وبابه، ~~ثم سمي به مجردا عن ضمير، وزيدت فيه الألف واللام على حد زيادتها ~~في قوله: [الطويل] # 2228- رأيت الوليد بن اليزيد مباركا # شديدا بأعباء الخلافة كاهله # وكقوله: [الرجز] # 2229- باعد أم العمر من أسيرها # حراس أبواب على قصورها # وقيل الألف واللام فيه للتعريف كأنه قدر تنكيره. # والثاني: أنه اسم أعجمي لا اشتقاق له؛ لأن " اليسع " يقال: إنه ~~يوشع بن نون فتى موسى، فالألف واللام فيه زائدتان، أو معرفتان كما ~~تقدم. # وهل " أل " لازمة له على تقدير زيادتها؟ # فقال الفارسي: إنها لازمة شذوذا، كلزومها في " الآن ". # وقال ابن مالك: " ما قارنت الأداة نقله كالنضر ~~والنعمان، أو ارتجاله كاليسع والسموءل، فإن الأغلب ثبوت ~~أل فيه وقد تحذف ". # وأما قراءة الأخوين، فأصله ليسع، ك " ضيغم وصيرف " وهو اسم ~~أعجمي، ودخول الألف واللام فيه على الوجهين المتقدمين. # واختار أبو عبيدة قراءة التخفيف، فقال: " سمعنا هذا الشيء في جميع ~~الأحاديث: اليسع ولم يسمه أحد منهم الليسع " ، وهذا لا حجة ~~فيه؛ لأنه روى اللفظ بأحد لغتيه، وإنما آثر الرواة هذه اللفظة ~~لخفتها لا لعدم صحة الأخرى. # وقال الفراء في قراءة التشديد: " هي أشبه بأسماء العجم ". # قوله " يونس ": هو يونس بن متى، وقد تقدم أن فيه ثلاث لغات [النساء:163] ~~وكذلك في سين " يوسف " وقوله: " ولوطا " وهو لوط بن هارون ابن أخي ~~إبراهيم. # قوله: " وكلا فضلنا " كقوله: " كلا هدينا ". # قوله: " على العالمين " استدلوا بهذه الآية على أن الأنبياء ~~أفضل من الملائكة؛ لأن " العالم " اسم لكل موجود سوى الله - تعالى - ~~فيدخل فيه الملائكة. # وقال بعضهم: معناه فضلناهم على عالمي زمانهم. # قوله: " ومن آبائهم " " آبائهم ": فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق بذلك الفعل المقدر، أي: وهدينا من آبائهم، أو ~~فضلنا من آبائهم، و " من " تبعيضية قال ابن عطية: " وهدينا ~~من آبائهم وذرياتهم وإخوانهم جماعات " ، ف " من " للتبعيض، ~~والمفعول محذوف. # الثاني: أنه معطوف على " كلا " ، أي: وفضلنا ms3567 بعض آبائهم. # وقدر أبو البقاء هذا الوجه بقوله: " وفضلنا كلا من آبائهم، وهدينا ~~كلا من آبائهم ". وإذا كانت للتبعيض دلت على أن آباء بعضهم ~~كانوا مشركين. # وقوله: " وذرياتهم " ، أي: وذرية بعضهم، لأن " عيسى " و " يحيى ~~" لم يكن لهما ولد، وكان في ذرية بعضهم من كان كافرا. # وقوله: " وإخوانهم " " واجتبيناهم " يجوز أن يعطف على " فضلنا ~~" ، ويجوز أن يكون مستأنفا وكرر لفظ الهداية توكيدا، ولأن الهداية ~~أصل كل خير، والمعنى: اصطفيناهم، وأرشدناهم إلى صراط مستقيم. # قوله: { ذلك هدى الله } المشار إليه هو المصدر المفهوم من ~~الفعل قبله؛ إما الاجتباء، وإما الهداية؛ أي: ذلك الاجتباء هو هدى، ~~أو ذلك الهدى إلى الطريق المستقيم هدى الله، ويجوز أن يكون " هدى الله " ~~خبرا، وأن يكون بدلا من " ذلك " والخبر " يهدي به " ، وعلى الأول يكون ~~" يهدي " حالا، والعامل فيه اسم الإشارة ويجوز أن يكون خبرا ثانيا، و ~~" من عباده " تبيين أو حال؛ إما من " من " وإما من ~~عائده المحذوف. # فصل في تحرير معنى الهداية # يجوز أن يكون المراد من هذه الهداية معرفة الله - تعالى - وتنزيهه ~~عن الشرك؛ لقوله تعالى بعده: { ولو أشركوا لحبط عنهم ما ~~كانوا يعملون } وإذا ثبت ذلك ثبت أن الإيمان لا يحصل ~~إلا بخلق الله تعالى. ### || [6.89-90] # { أولئك الذين آتيناهم الكتاب } أي: الكتب ~~المنزلة عليهم، و " الحكم " يعني العلم والفقه، و " النبوة ". ~~والإشارة ب " أولئك " إلى الأنبياء الثمانية عشر المذكورين، ويحتمل أن ~~يكون المراد ب " آتيناهم الكتاب " أي: الفهم التام لما في ~~الكتاب، والإحاطة بحقائقه، وهذا هو الأولى؛ لأن الثمانية عشر لم ينزل على ~~كل واحد منهم كتابا إلهيا على التعيين. # قوله { فإن يكفر بها } هذه " الهاء " تعود على الثلاثة الأشياء، ~~وهي: الكتاب والحكم والنبوة، وهو قول الزمخشري. # وقيل: يعود على " النبوة " فقط، لأنها أقرب مذكور، والباء في قوله: " ~~ليسوا بها " متعلقة بخبر " ليس " ، وقدم على عاملها، والباء ~~في " بكافرين " زائدة توكيدا. # فصل في معنى الآية # معنى قوله: " يكفر بها هؤلاء " يعني أهل " مكة " { فقد ~~وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين }؛ قال ابن ms3568 عباس: ~~المراد بالقوم الأنصار، وأهل " المدينة " ، وهو قول مجاهد. # وقال قتادة والحسن: يعني الأنبياء الثمانية عشر. # قال الزجاج: ويدل عليه قوله بعد هذه الآية: { أولئك الذين ~~هدى الله فبهداهم اقتده }. # وقال أبو رجاء العطاردي فإن يكفر بها أهل الأرض، فقد وكلنا بها أهل ~~السماء، يعني الملائكة، وهو بعيد؛ لأن اسم القوم كل ما يقع على غير ~~بني آدم. # وقال مجاهد: هم الفرس. # وقال ابن زيد: كل من لم يكفر، فهو منهم، سواء كان ملكا، أو نبيا، ~~أو من الصحابة، أو من التابعين. # قوله: { أولئك الذين هدى الله } " أولئك " مفعول ~~مقدم ل " هدى الله " ويضعف جعله مبتدأ على حذف العائد، أي: ~~هداهم الله كقوله: # أفحكم الجاهلية يبغون # [المائدة:50] برفع " حكم " [والإشارة ب " أولئك " إلى الأنبياء ~~المتقدم ذكرهم]. # قوله: { فبهداهم اقتده } قرأ الأخوان بحذف الهاء في الوصل ~~والباقون أثبتوها وصلا ووقفا، إلا أن ابن عامر بكسرها، ونقل ابن ~~ذكوان عنه وجهين: # أحدهما: الكسر من غير وصل بمدة، والباقون بسكونها. أما في الوقف ~~فإن القراء اتفقوا على إثباتها ساكنة واختلفوا في " ماليه " و ~~" سلطانيه " في " الحاقة " وفي " ماهيه " في " القارعة " ~~بالنسبة إلى الحذف والإثبات، واتفقوا على إثباتها في " كتابيه " و " ~~حسابيه " فأما قراءة الأخوين، فالهاء عندهما للسكت، فلذلك ~~حذفاها وصلا؛ إذ محلها الوقف، وأثبتاها وقفا إتباعا ~~لرسم المصحف, وأما من أثبتها ساكنة، فيحتمل عنده وجهين: # أحدهما: هي هاء سكت، ولكنها ثبتت وصلا إجراء للوصل مجرى ~~الوقف، كقوله: # لم يتسنه وانظر # [البقرة:259] في أحد الأقوال كما تقدم. # والثاني: أنها ضمير المصدر سكنت وصلا إجراء للوصل مجرى ~~الوقف، نحو: # نؤته # [آل عمران:145] # فألقه # [النمل:28] و # أرجه # [الأعراف:111] و # نوله # [النساء:115] # ونصله # [النساء:115]. # واختلف في المصدر الذي تعود عليه هذه " الهاء " ، فقيل: الهدى، أي ~~اقتدى الهدى، والمعنى اقتد اقتداء الهدى، ويجوز أن يكون الهدى مفعولا ~~لأجله؛ أي: فبهداهم اقتد لأجل الهدى. # وقيل: الاقتداء؛ أي: اقتد الاقتداء، ومن إضمار المصدر قول الشاعر: ~~[البسيط] # 2230- هذا سراقة للقرآن يدرسه # والمرء عند الرشا إن يلقها ذيب # أي: يدرس الدرس، ولا ms3569 يجوز أن يتكون " الهاء " ضمير القرآن؛ لأن ~~الفعل قد تعدى له، وإنما زيدت " اللام " تقوية له، حيث تقدم ~~معموله، وكذلك جعل النحاة نصب " زيدا " من " زيدا ضربته " ~~بفعل مقدر، خلافا للفراء. # قال ابن الأنباري: " إنها ضمير المصدر المؤكد النائب عن الفعل، وإن ~~الأصل: اقتد اقتد، ثم جعل المصدر بدلا من الفعل الثاني، ثم ~~أضمر فاتصل بالأول ". # وأما قراءة ابن عامر فالظاهر فيها أنها ضمير، وحركت بالكسر ~~من غير وصل وهو الذي يسميه القراء الاختلاس تارة، وبالصلة ~~وهو المسمى إشباعا أخرى كما قرئ: # أرجه # [الأعراف:111] ونحوه. # وإذا تقرر هذا فقول ابن مجاهد عن ابن عامر " يشم الهاء من ~~غير بلوغ ياء " وهذا غلط؛ لأن هذه " الهاء " هاء وقف لا تعرب في ~~حال من الأحوال، أي: لا تحرك وإنما تدخل ليتبين بها حركة ما قبلها ~~ليس بجيد لما تقرر من أنها ضمير المصدر، وقد رد ~~الفارسي قول ابن مجاهد بما تقدم. # والوجه الثاني: أنها هاء سكت أجريت مجرى الضمير، كما أجريت ~~هاء الضمير مجراها في السكون، وهذا ليس بجيد، ويروى قول ~~المتنبي: [البسيط] # 2231- واحر قلباه ممن قلبه شبم # ....................... # بضم " الهاء " وكسرها على أنها " هاء " السكت، شبهت بهاء ~~الضمير فحركت، والأحسن أن تجعل الكسر لالتقاء الساكنين لا لشبهها ~~بالضمير؛ لأن " هاء " الضمير لا تكسر بعد الألف، فكيف بما يشبهها؟ # والاقتداء في الأصل طلب الموافقة قاله الليث. ويقال: قدوة ~~وقدو وأصله من القدو وهو أصل البناء الذي يتشعب منه تصريف ~~الاقتداء. # قال الواحدي: الاقتداء في اللغة: الإتيان بمثل فعل الأول ~~لأجل أنه فعله و " بهداهم " متعلق ب " اقتده ". وجعل الزمخشري ~~تقديمه مفيدا للاختصاص على قاعدته. # فصل فيما يقتدى بهم فيه # هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم واختلفوا في الشيء الذي أمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهم فيه. # فقيل: المراد أن يقتدي بهم في الأمر الذي أجمعوا عليه، وهو ~~التوحيد والتنزيه عن كل ما لا يليق بالباري سبحانه وتعالى في ~~الذات والصفات والأفعال. # وقيل: المراد الاقتداء بهم في شرائعهم إلا ما خصه ms3570 الدليل ~~على هذا، فالآية دليل على أن شرع من قبلنا يلزمنا وقيل: المراد به ~~إقامة الدلالة على إبطال الشرك، وإقامة التوحيد؛ لأنه ختم ~~الآية بقوله: # ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون # [الأنعام:88] ثم أكد إصرارهم على التوحيد وإنكارهم للشرك بقوله: { ~~فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ~~ليسوا بها بكافرين } ثم قال: { أولئك الذين هدى ~~الله فبهداهم اقتده } أي: اقتد بهم في نفي الشرك، ~~وإثبات التوحيد، وتحمل سفاهات الجهال. # وقال آخرون: اللفظ مطلق فيحمل على الكل إلا ما خصه الدليل ~~المنفصل. # قال القاضي يبعد حمل هذه الآية على أمر الرسول بمتابعة ~~الأنبياء المتقدمين في شرائعهم لوجوه: # أحدها: أن شرائعهم مختلفة متناقضة فلا يصح مع تناقضها أن ~~يكون مأمورا بالاقتداء بهم في تلك الأحكام المتناقضة. # وثانيها: أن الهدى عبارة عن الدليل دون نفس العمل، وإذا ثبت هذا، ~~فنقول: دليل ثبات شرعهم كان مخصوصا بتلك الأوقات فقط، فكيف ~~يستدل بذلك على اتباعهم في شرائعهم في كل الأوقات. # وثالثها: أن كونه - عليه الصلاة والسلام - متبعا لهم في شرائعهم ~~يوجب أن يكون منصبه أقل من منصبهم، وذلك باطل بالإجماع، ~~فثبت بهذه الوجوه أنه لا يمكن حمل الآية على وجوب الاقتداء بهم ~~في شرائعهم. # والجواب عن الأول، أن قوله: " فبهداهم اقتده " يتناول الكل فأما ~~ما ذكرتم من كون بعض تلك الأحكام متناقضة بحسب شرائعهم، فنقول: ~~العام يجب تخصيصه في هذه الصورة، ويبقى فيما عداها حجة. # وعن الثاني: أنه - عليه الصلاة والسلام - لو كان مأمورا بأن ~~يستدل بالدليل الذي استدل به الأنبياء المتقدمون لم يكن ~~ذلك متابعة؛ لأن المسلمين لما استدلوا بحدوث العالم على وجود ~~الصانع لا يقال: إنهم متبعون لليهود والنصارى في هذا الباب؛ لأن ~~المستدل بالدليل يكون أصلا في ذلك الحكم، ولا تعلق له بمن قبله ~~ألبتة، والاقتداء والاتباع لا يحصل إلا إذا كان فعل الأول ~~سببا لوجوب الفعل عن الثاني. # وعن الثالث: أنه أمر الرسول بالاقتداء بجميعهم في جميع ~~الصفات الحميدة، والأخلاق الشريفة، وذلك لا يوجب كونه أقل مرتبة ~~من الكل ms3571 على ما يأتي في الفصل الذي بعده. # فصل في أفضلية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم # احتج العملاء بهذه الآية على أن الرسول صلى الله عليه وسلم أفضل ~~من جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ لأن خصال الكمال وصفات ~~الشرف كانت مفرقة فيهم ف " داود " و " سليمان " كانا من أصحاب الشكر ~~على النعمة، و " أيوب " كان من أصحاب الصبر على البلاء، و " يوسف ~~" كان جامعا لهاتين الحالتين، و " موسى " عليه الصلاة والسلام كان ~~صاحب الشريعة القوية القاهرة، والمعجزات الظاهرة و " زكريا " و " ~~يحيى " و " عيسى " و " إلياس " كانوا أصحاب الزهد، و " إسماعيل " كان ~~صاحب الصدق و " يونس " كان صاحب التضرع. # وثبت أنه - تعالى - إنما ذكر كل واحد من هؤلاء الأنبياء؛ لأن الغالب ~~عليه خصلة معينة من خصال المدح والشرف، ثم إنه تعالى لما ذكر ~~الكل أمر محمدا - عليه الصلاة والسلام - بأن يقتدي بهم بأسرهم، ~~فكان التقدير كأنه - تعالى - أمر محمدا أن يجمع من خصال العبودية ~~والطاعة كل الصفات التي كانت متفرقة فيهم بأجمعهم، ولما أمره الله ~~- تبارك وتعالى - بذلك امتنع أن يقال: إنه قصر في تحصيلها، فثبت ~~أنه حصلها، ومتى كان الأمر كذلك وجب أن يقال: إنه أفضلهم ~~بكليتهم. # قوله: { قل لا أسألكم عليه أجرا } لما أمره بالاقتداء ~~بهدى الأنبياء المتقدمين، وكان من جملة هدايتهم ترك طلب ~~الأجر في إيصال الدين، وإبلاغ الشريعة لا جرم اقتدى بهم في ذلك ~~فقال: { قل لا أسألكم عليه أجرا } [و " الهاء " في " ~~عليه " ] تعود على القرآن والتبليغ أضمرا وإن لم يجر لهما ذكر ~~لدلالة السياق عليهما، و " أن " نافية ولا عمل لها على المشهور، ولو ~~كانت عاملة لبطل عملها ب " إلا " في قوله: { إن هو إلا ~~ذكرى } أن يذكره ويعظه. " وللعالمين " متعلق ب " ذكرى " و " اللام " ~~معدية أي: إن القرآن العظيم إلا تذكير للعالمين، ويجوز أن تكون ~~متعلقة بمحذوف على أنها صفة للذكرى، وهذه الآية تدل على ~~أنه صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى كل أهل الدنيا لا إلى قوم دون ~~قوم. ### || [6.91] # قوله: وما ms3572 قدروا الله حق قدره الآية الكريمة. # اعلم أن مدار القرآن على إثبات التوحيد والنبوة، فالله - ~~تعالى - لما حكى عن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - أنه أثبت ~~دليل [التوحيد،] وإبطال الشرك ذكر بعده تقرير أمر النبوة، فقال: { ~~وما قدروا الله حق قدره } حين انكروا النبوة ~~والرسالة، فهذا بيان وجه النظم. " حق قدره " منصوب على ~~المصدر، وهو في الأصل صفة للمصدر، فلما أضيف الوصف إلى موصوفه ~~انتصب على ما كان ينتصب عليه موصوفه، والأصل قدره الحق ~~كقولهم: " جرد قطيفة وسحق عمامة ". # وقرأ الحسن البصري، وعيسى الثقفي: " قدروا " بتشديد الدال " ~~قدره " بتحريكها، وقد تقدم أنهما لغتان. قوله: " إذ قالوا " ~~منصوب ب " قدروا " ، وجعله ابن عطية منصوبا ب " قدره " [وفي كلام ~~ابن عطية ما يشعر بأنها] للتعليل، و " من شيء " مفعول به زيدت فيه " من " ~~لوجود شرطي الزيادة. # فصل في معنى الآية # قال ابن عباس: ما عظموا الله حق تعظيمه. # وروي عنه أيضا أنه قال: معناه ما آمنوا أن الله على كل شيء قدير. # وقال أبو العالية: ما وصفوا الله حق صفته. # وقال الأخفش: ما عرفوه حق معرفته، وحقق الواحدي رحمه الله - ~~تعالى - فقال: قدر الشيء إذا سبره وحرره، وأراج ان يعلم ~~مقداره يقدره بالضمير قدرا، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: # " إن غم عليكم فاقدروا له " # أي: فاطلبوا أن تعرفوه هذا أصله في اللغة، ثم يقال لمن عرف ~~شيئا: هو يقدر قدره، وإن لم يعرفه بصفاته: إنه لا يقدر ~~قدره، فقوله: { وما قدروا الله حق قدره } صحيح في ~~كل المعاني المذكورة ولما حكى عنهم أنهم ما قدروا الله حق ~~قدره بين السبب فيه، وهو قولهم: { مآ أنزل الله على ~~بشر من شيء }. # واعلم أن كل من أنكر النبوة والرسالة فهو في الحقيقة ما ~~عرف الله حق معرفته، وتقديره من وجوه: # الأول: أن منكر البعث والرسالة إما أن يقول: إنه - تبارك وتعالى - ~~ما كلف أحدا من الخلق [تكليفا أصلا] أو يقول: إنه - تبارك ~~وتعالى - كلفهم، والأول باطل؛ لأن ذلك يقتضي أنه - تبارك وتعالى - ~~أباح لهم جميع ms3573 المنكرات والقبائح، نحو [شتم] الله ووصفه ~~بما لا يليق به والاستخفاف بالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ~~والرسل، والإعراض عن شكر الله - تعالى - ومقابلة الإنعام ~~بالإساءة، وكل ذلك باطل. # وإن سلم أنه - تعالى - كلف الخلق بالأمر [والنهي فهاهنا لا ~~بد] من مبلغ وشارع مبين، وما ذلك إلا للرسول. # فإن قيل لم لا يجوز أن يقال: العقل كاف في إيجاب الموجبات، واجتناب ~~المقبحات؟ # فالجواب: هب أن الأمر كما قلتم إلا أنه لا يمتنع تأكيد التعريف ~~العقلي بالتعريفات المشروعة على ألسنة الأنبياء والرسل - عليهم ~~الصلاة والسلام- فثبت أن كل من منع من البعثة والرسالة، فقد طعن ~~في حكمة الله - تعالى - وكان ذلك جهلا بصفة الإلهية، وحينئذ يصدق ~~في حقه قوله تبارك وتعالى: { وما قدروا الله حق قدره }. # والوجه الثاني في تقرير هذا المعنى: أن من الناس من يقول: إنه يمتنع ~~بعثة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام؛ لأن يمتنع [إظهار] المعجزة ~~على وفق دعواه تصديقا له، والقائلون بهذا القول لهم مقامات. # أحدها: أن يقولوا: إنه ليس في الإمكان خرق العادات، ولا إيجاد شيء ~~على خلاف ما جرت به العادة. # والثاني: يسلمون إمكان ذلك، إلا أنهم يقولون: إن بتقدير حصول ~~هذه الأفعال الخارقة للعادات، فلا دلالة لها على صدقه من ~~الرسالة، وكلا القولين يوجب القدح في كمال قدرة الله - تعالى -. # أما الأول وهو أنه ثبت أن الأجسام متماثلة، وثبت أن ما يحتمله ~~الشيء وجب أن يحتمل مثله، وإذا كان كذلك كان جسم القمر والشمس ~~قابلا للتمزق والتفرق، فإن قلنا: إن الإله غير قادر عليه ~~كان ذلك وصفا له بالعجز، ونقصان القدرة، وحينئذ يصدق في حق ~~هذا القائل أنه ما قدر الله حق قدره. # وإن قلنا: إنه - تعالى - قادر عليه، وحينئذ لا يمتنع عقلا انشقاق ~~القمر، ولا حصول سائر المعجزات. # وأما المقام الثاني: وهو أن [حدوث] هذه الأفعال الخارقة عند دعوى ~~مدعي النبوة يدل على صدقه، فهذا أيضا ظاهر على ما قدر في ~~كتب الأصول، فثبت أن كل من أنكر مكان البعثة والرسالة، فقد وصف ~~الله تبارك وتعالى ms3574 بالعجز ونقصان القدرة، فكل من قال ذلك، فهو ~~ما قدر الله حق قدره. # والوجه الثالث: أنه لما ثبت حدوث العالم، فنقول: حدوثه يدل على ~~أن إله العالم قادر عليم حكيم، وأن الخلق كلهم عبيده، وهو ~~مالكهم وملكهم على الإطلاق والملك المطاع يجب أن يكون له أمر ونهي، ~~وتكليف على عباده، وأن يكون له وعد على الطاعة، ووعيد على ~~المعصية، وذلك لا يتم ولا يكمل إلا بإرسال الرسل وإنزال الكتب، فكل من ~~أنكر ذلك فقط طعن في كونه تعالى ملكا مطاعا، ومن اعتقد ذلك, ~~فهو ما قدر الله حق قدره. # فصل في بيان سبب النزول # في هذه الآية الكريمة [بحث] صعب، وهو أن يقال: هؤلاء الذين حكى ~~الله عنهم أنهم قالوا: { مآ أنزل الله على بشر من شيء ~~} إما أن يقال: إنهم كفار قريش, أو يقال: إنهم أهل الكتاب من اليهود ~~والنصارى، فإن كان الأول فكيف يمكن إبطال قولهم بقوله: { قل من ~~أنزل الكتاب الذي جآء به موسى } وذلك أن كفار قريش ~~والبراهمة ينكرون رسالة محمد - عليه الصلاة والسلام - فكذلك ~~ينكرون رسالة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - فكيف يحسن ~~إيراد هذا الإلزام عليهم. # وإن كان قائل هذا القول من أهل الكتاب فهو أيضا مشكل؛ لأنهم لا ~~يقولون هذا القول، وكيف يقولونه مع أن مذهبهم أن التوارة ~~كتاب أنزله الله على موسى، والإنجيل كتاب أنزله الله على عيسى - ~~عليه الصلاة والسلام - وأيضا فهذه السورة مكية، والمناظرة ~~التي وقعت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين اليهود والنصارى ~~كلها مدنية، فكيف يمكن حمل هذه الآية الكريمة عليها، فهذا تقدير ~~الإشكال في هذه الآية. # واعلم أن الناس اختلفوا فيه على قولين، والقول أن هذه الآية نزلت في ~~حق اليهود، وهو المشهور عند الجمهور. # وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: # " إن مالك بن االصيف كان من أحبار اليهود ورؤسائهم وكان رجلا سمينا ~~فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أنشدك بالذي أنزل التوارة على موسى هل ms3575 تجد في ~~التوارة أن الله يبغض الحبر السمين, وأنت الحبر ~~السمين وقد سمنت من الأشياء التي تطعمك اليهود ~~" فضحك القوم فغضب [مالك] بن الصيف ثم التفت إلى عمر، فقال: " ما أنزل ~~الله على بشر من شيء " فقال له قومه: ويلك؟ ما هذا الذي بلغنا ~~عنك، [أليس] أن الله أنزل التوراة على موسى، فلم قلت: ما أنزل ~~الله على بشر من شيء؟ فقال مالك بن الصيف: إنه أغضبني، فقلت ذلك ~~فقالوا له: وأنت إن غضبت تقول على الله غير الحق، فنزعوه عن ~~رياستهم؛ وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف ". # وقال السدي: نزلت في فنحاص بن عازوراء وهو قائل هذه ~~المقالة. # قال ابن عباس: قالت اليهود: يا محمد أنزل الله عليك كتابا؟ قال: " ~~نعم ". قالوا: والله ما أنزل من السماء كتابا، فأنزل الله تبارك ~~وتعالى { وما قدروا الله حق قدره }؛ إذ قالوا: " ما ~~أنزل الله على بشر من شيء " وفي سبب النزول سؤالات: # السؤال الأول: لفظ الآية وإن كان مطلقا إلا أنه يتقيد ~~بحسب العرف ألا ترى أن المرأة إذا أرادت أن تخرج [من الدار] فغضب ~~الزوج، فقال: إن خرجت من الدار فأنت طالق، فإن كثيرا من الفقهاء ~~قالوا: اللفظ وإن كان مطلقا إلا أنه بحسب العرف يتقيد ~~بتلك المرأة، فكذا هاهنا فقوله: { مآ أنزل الله على بشر ~~من شيء } وإن كان مطلقا بحسب أصل اللغة إلا أنه يتقيد بتلك ~~الواقعة بحسب العرف، فكان لقوله تعالى: { مآ أنزل الله ~~على بشر من شيء } في أنه يبغض الحبر السمين، وإذا كان هذا ~~المطلق محمولا لعى هذا المقيد لم يكن قوله: { من أنزل ~~الكتاب الذي جآء به موسى نورا وهدى } مبطلا لكلامه. # السؤال الثاني: أن مالك بن الصيف كان مفتخرا بكونه يهوديا ~~متظاهرا بذلك، ومع هذا المذهب لا يمكنه أن يقول: ما أنزل الله ~~على بشر من شيء إلا على سبيل الغضب المدهش للعقل، أو على سبيل ~~طغيان اللسان، ومثل هذا الكلام لا يليق بالله - تبارك وتعالى - إنزال ~~القرآن الباقي على وجه [الدهر] في إبطاله. ms3576 # والقول الثاني: أن القائل: ما أنزل الله على بشر من شيء من كفار ~~قريش، وفيه سؤال: هو أن كفار قريش كانوا ينكرون نبوة جميع ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فكيف يمكن إلزامهم بنبوة موسى، ~~وأيضا فما بعد هذه الآية لا يليق بكفار قريش، وإنما يليق باليهود، ~~وهو قوله: { تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا ~~وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم } وهذه ~~الأحوال لا تليق إلا باليهود وهو قول من يقول: إن أول الآية خطاب ~~للكفار، وآخرها خطاب مع اليهود، وهذا فاسد، لأنه يوحب تفكيك نظم ~~الآية، وفساد تركيبها، وذلك لا يليق بكلامنا، فضلا عن كلام رب ~~العالمين، فهذا تقرير الإشكال على هذا القول. # أما السؤال الأول: فيمكن دفعه بأن كفار قريش كانوا مختلطين ~~باليهود والنصارى، وكانوا قد سمعوا من الفريقين على سبيل التواتر ~~ظهور المعجزات القاهرة على يد موسى - عليه الصلاة والسلام - مثل: " ~~انقلاب العصى ثعبانا " و " فلق البحر " و " إظلال ~~الجبل " وغيرها، والكفار كانوا يطعنون في نبوة محمد - عليه الصلاة ~~والسلام - بسبب أنهم كانوا يطلبون من أمثال هذه المعجزات ~~[وكانوا] يقولون: لو جئتنا بأمثال هذه المعجزات لآمنا بك، فكان مجموع ~~هذه الكلمات جاريا مجرى ما يوجب عليهم الاعتراض، والاعتراف بنبوة ~~موسى عليه الصلاة والسلام، وإذا كان الأمر كذلك [لم يبعد إيراد] نبوة ~~موسى إلزاما عليهم في قولهم: { مآ أنزل الله على بشر من ~~شيء }. # وأما الثاني: فجوابه أن كفار قريش، وأهل الكتاب لما اشتركوا في إنكار ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لم يبعد أن يكون الكلام بعضه خطابا ~~مع كفار " مكة " وبقيته خطابا مع اليهود والنصارى. # فصل فيما يستفاد من الآية # دلت هذه الآية الكريمة على أحكام: # منها: أن النكرة في موضع النفي تفيد العموم، فإن قوله: { مآ ~~أنزل الله على بشر من شيء } نكرة في موضع النفي، ~~فلو لم تفد العموم لما كان قوله تبارك وتعالى: { قل من أنزل ~~الكتاب الذي جآء به موسى } إبطالا له ونقضا عليه، ~~وكان استدلالا فاسدا. # ومنها: أن النقض يقدح في صحة الكلام؛ ms3577 لأنه - تبارك وتعالى - ~~نقض قولهم: { مآ أنزل الله على بشر من شيء } بقوله ~~تعالى: { قل من أنزل الكتاب الذي جآء به موسى } فلو ~~لم يدل النقض على فساد الكلام لما كانت هذه الحجة مفيدة ~~لهذا المطلوب. # واعلم أن من يقول: إن الفارق بين الصورتين يمنع من كون النقض ~~مبطلا ضعيف إذ لو كان الأمر كذلك لسقطت حجة الله في هذه الآية ~~الكريمة، لأن اليهود كانوا يقولون: معجزات موسى عليه الصلاة والسلام ~~أظهر وأبهر من معجزاتك، فلم يلزم من إثبات النبوة هناك إثباتها ~~هاهنا، ولو كان هذا الفرق [مقبولا لسقطت هذه الحجة، وحيث لا يجوز القول ~~بسقوطها، علمنا أن النقض] على الإطلاق مبطل. # قوله: { قل من أنزل الكتاب الذي جآء به موسى ~~نورا وهدى للناس } # وصف الكتاب بصفتين: # أحدهما: قوله: " نورا " وهو منصوب على الحال، وفي صاحبها وجهان: # أحدهما: أنه " الهاء " في " به " ، فالعامل فيها " جاء ". # والثاني: أنه " الكتاب " ، فالعامل فيه " أنزل " ، و " للناس " صفة ~~ل " هدى " وسماه " نورا " تشبيها له بالنور الذي يبين به الطريق. # فإن قيل: فعلى هذا لا يبقى بين كونه نورا، وبين كونه هدى للناس ~~فرق، فعطف أحدهما على الآخر يوجب التغاير. # فالجواب: أن للنور صفتان: # أحدها: كونه في نفسه ظاهرا جليا. # والثانية: كونه بحيث يكون سبا لظهور غيره، فالمراد من كونه " نورا ~~وهدى " هذان الأمران وقد وصف القرآن أيضا بهذين الوصفين، فقال: # ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشآء من ~~عبادنا # [الشورى:52]. # قوله: " تجعلونه " قرأ ابن كثير وابن عمرو بياء الغيبة، وكذلك ~~" يبدونها ويخفون كثيرا " والباقون بتاء الخطاب في الثلاثة ~~الأفعال، فأما الغيبة فللحمل على ما تقدم من الغيبة في قوله ~~تعالى: { وما قدروا } إلى آخره. # وعلى هذا فيكون في قوله: " وعلمتم " تأويلان: # أحدهما: أنه خطاب لهم أيضا وإنما جاء به على طريق الالتفات. # والثاني: أنه خطاب إلى المؤمنين اعترض به بين الأمر بقوله: { قل من ~~أنزل الكتاب } وبين قوله: " قل الله ". # وأما القراءة بتاء الخطاب ففيها مناسبة لقوله: { وعلمتم ما لم ~~تعلموا أنتم } ورجحها مكي ms3578 وجماعة كذلك قال مكي: " وذلك ~~حسن في المشاكلة والمطابقة، واتصال بعض الكلام ببعض، وهو ~~الاختيار لذلك، ولأن أكثر القراء عليه ". # قال أبو حيان: " ومن قال: إن المنكرين العرب، أو كفار قريش لم يكن ~~جعل الخطاب لهم، بل يكون قد اعترض بني إسرائيل فقال خلال السؤال ~~والجواب: تجعلونه قراطيس [يبدونها]، ومثل هذا يبعد وقوعه؛ لأن ~~فيه تفكيكا للنظم، حيث جعل أول الكلام خطابا لكفار قريش، ~~وآخره خطابا لليهود ". # قال: " وقد أجيب بالجميع لما اشتركوا في إنكار نبوة رسالة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم جاء بعض الكلام خطابا للعرب وبعضه خطابا ~~لبني إسرائيل ". # قوله: " تجعلونه قراطيس ": يجوز أن تكون " جعل " بمعنى " ~~صير " وأن تكون بمعنى " ألقى " أي: يضعونه في كاغد. # وهذه الجملة في محل نصب على الحال، إما من " الكتاب " وإما من " الهاء ~~" في " به " كما تقدم في " نورا ". # قوله: " قراطيس " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه على حذف حرف الجر, أي: في قراطيس وورق, فهو شبيه ~~بالظرف النهم, فلذلك تعدى إليه الفعل بنفسه. # والثاني: أنه على حذف مضاف، أي: يجعلونه ذا قراطيس. # والثالث: أنهم نزلوه منزلة القراطيس، وقد تقدم تفسير القراطيس. ~~والجملة من قوله: " تبدونها " في محل نصب صفة ل " قراطيس " وأما " ~~تخفون " فقال أبو البقاء: إنها صفة أيضا لها، وقدر ضميرا محذوفا، أي: ~~تخفون منها كثيرا. # وأما مكي فقال: " وتخفون " مبتدأ لا موضع له من الإعراب. انتهى. # كأنه لما رأى خلو الجملة من ضمير يعود على " قراطيس " منع كونه ~~صفة، وقد تقدم أنه مقدر، وهو أولى، وقد جوز الواحدي في " تبدون ~~" أن يكون حالا من ضمير " الكتاب " من قوله: " تجعلونه قراطيس ~~" على أنه يجعل الكتاب القراطيس في معنى؛ لأنه مكتتب فيها. انتهى. # قوله: " على أن تجعل " اعتذار عن مجيء خبره مؤنثا، وفي ~~الجملة فهو بعيد أو ممتنع. # قوله: " وعلمتم " يجوز أن يكون على قراءة الغيبة في " يجعلونه ~~" ، وما عطف مستانف، وأن يكون حالا، وإنما أتى به مخاطبا لأجل ~~الالتفات، وأما على قراءة تاء الخطاب فهو حال، ومن اشترط " قد " في ms3579 ~~الماضي الواقع حالا أضمرها هنا، أي: وقد علمتم ما لم تعلموا. # والأكثرون على أن الخطاب هذا لليهود؛ يقول: علمتم على لسان محمد صلى ~~الله عليه وسلم [فضيعوه ولم ينتفعوا به. # وقال مجاهد: هذا خطاب للمسلمين يذكرهم النعمة فيما علمهم على لسان محمد ~~صلى الله عليه وسلم]. # فإن قيل: إن كل كتاب لا بد وأن يوضع في القراطيس، فإذا كان الأمر كذلك ~~في كل الكتب، فما السبب في أن الله - تبارك وتعالى - حكى هذا المعنى في ~~معرض الذم لهم؟ # فالجواب: أن الذم لم يقع على هذا المعنى فقط، بل المراد أنهم لما ~~جعلوه قراطيس، وفرقوه وبعضوه، لا جرم قدروا على إبداء ~~البعض وإخفاء البعض، وهو الذي فيه صفة محمد صلى الله عليه وسلم. # فإن قيل: كيف يقدرون على ذلك، مع أن التوراة كتاب وصل إلى أهل ~~المشرق والمغرب، وعرفه أكثر أهل العلم وحفظوه، ومثل هذا الكتاب ~~لا يمكن إدخال الزيادة والنقصان فيه، كما أن الرجل في هذا الزمان إذا ~~أراد إدخال الزيادة والنقصان في القرآن لم يقدر على ذلك، فكذا القول ~~في التوراة؟ # فالجواب أنا ذكرنا في سورة " البقرة " أن المراد من التحريف تفسير ~~آيات التوراة بالوجوه الفاسدة الباطلة، كما يفعله المبطلون في ~~زماننا هذا بآيات القرآن. # فإن قيل: هب أنه حصل في التوارة آيات دالة على نبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم إلا أنها قليلة ولم يخفوا من التوارة إلا تلك الآيات، ~~فكيف قال: " ويخفون كثيرا ". # فالجواب أن القوم [كانوا] يخفون الآيات الدالة على نبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم فكذلك يخفون الآيات المشتملة على [آيات الأحكام ألا ترى ~~أنهم حاولوا] إخفاء الآية الدالة على رجم [الزاني] المحصن. # قوله: " قل الله " لفظ الجلالة يجوز فيها وجهان: # أحدهما: أن يكون فاعلا لفعل محذوف أي: قل أنزله, وهذا هو الصحيح ~~للتصريح بالفعل في قوله: # ليقولن خلقهن العزيز # [الزخرف:9] # والثاني أنه مبتدأ، والخبر محذوف، تقديره: والله أنزله، ووجهه مناسبة ~~مطابقة الجواب للسؤال، وذلك أن جملة السؤال اسمية، فلتكن جملة الجواب ~~كذلك. # ومعنى الآية ms3580 الكريمة: قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى فإن أجابوك ~~وإلا فقل فأنت الله الذي أنزلت، أي أن العقل السليم والطبع ~~المستقيم يشهد بأن الكتاب الموصوف بالصفات المذكورة المؤيد ~~قول صاحبه بالمعجزات القاهرة والدلالات الباهرة مثل معجزات موسى عليه ~~الصلاة والسلام لا يكون إلا من الله - تعالى - فلما صار هذا المعنى ~~ظاهرا لظهور الحجة القاطعة, لا جرم قال تبارك وتعالى لمحمد ~~عليه الصلاة والسلام: قل لهم المنزل لذلك الكتاب هو الله، ونظيره ~~قوله تعالى: # قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد # [الأنعام:19] كما أن الرجل الذي يريد إقامة الدلالة على الصانع ~~يقول: من الذي أحدث الحياة بعد عدمها، ومن الذي أحدث ~~العقل بعد الجهالة ومن الذي أودع الحدقة القوة الباصرة، ~~وفي الصماخ القوة السامعة، ثم إن هذا القائل بعينه ~~يقول: الله، والمقصود أنه بلغت هذه الدلالة إلى حيث يجب على كل عاقل ~~أن يعترف بها، فسواء اقر الخصم به أو لم يقر فالمقصود حاصل هكذا ~~هاهنا. # قوله: { ثم ذرهم في خوضهم يلعبون } يجوز أن يكون " ~~في خوضهم " متعلقا ب " ذرهم " ، وأن يتعلق ب " يلعبون " ، وأن ~~يكون حالا من مفعول " ذرهم " وأن يكون حالا من فاعل " يلعبون " ~~[فهذه أربعة أوجه] وأما " يلعبون " فيجوز أن يكون حالا من مفعول " ذرهم ~~". # ومن منع أن تتعدد الحال لواحد لم يجزء حينئذ أن يكون " في خوضهم " ~~حالا من مفعول " ذرهم " ، بل يجعله إما متعلقا ب " ذرهم " ، كما ~~تقدم أو ب " يلعبون " ، أو حالا من فاعله. # ويجوز أن يكون " يلعبون " حالا من ضمير " خوضهم " وجاز ذلك أنه في ~~قوة الفاعل؛ لأن المصدر مضاف لفاعله؛ لأن التقدير: " ذرهم يخوضون ~~لاعبين " وأن يكون حالا من الضمير في " خوضهم " إذا جعلناه حالا؛ ~~لأنه يتضمن معنى الاستقرار، فتكون حالا متدخلة. # فصل في معنى الآية # معنى الكلام إذا أقمت الحجة عليهم، وبلغت في الإعذار والإنذار هذا ~~المبلغ العظيم لم يبق عليك من أمرهم شيء ألبتة، ونظيره قوله ~~تعالى: # إن عليك إلا البلاغ # [الشورى:48]. # قال بعضهم: هذه الآية منسوخة بآية ms3581 السيف، وهذا بعيد؛ لأن ~~قوله: { ثم ذرهم في خوضهم يلعبون } مذكور لأجل التهديد، ~~ولا ينافي ذلك حصول المقاتلة، فلم يكن ورود الآية الكريمة الدالة ~~على وجوب المقاتلة رافعا لمدلول هذه الآية، فلم يحصل النسخ. ### || [6.92] # قوله: " هذا " إشارة إلى القرآن, أي: القرآن كتاب مبارك " أنزلناه مصدق ~~الذي بين يديه ". # وفيه دليل على تقديم الصفة غير الصريحة على الصريحة، وأجيب عنه ~~بأن " مبارك " خبر مبتدأ مضمر, وقد تقدم تحقيق هذا في قوله # بقوم يحبهم # [المائدة:54]. # وقال الواحدي: " مبارك ": خبر الابتداء فصل بينهما بالجملة، والتقدير: ~~هذا [كتاب] مبارك أنزلناه، كقوله: # وهذا ذكر مبارك أنزلناه # [الأنبياء:50]. # قال شهاب الدين: وهذا الذي ذكره لا يتمشى إلا على أن قوله: " ~~مبارك " خبر ثان ل " هذا " وهذا بعيد جدا وإذا سلم له ذلك، فيكون " ~~أنزلناه " عنده اعتراضا على ظاهر عبارته، ولكن لا يحتاج إلى ذلك، بل ~~يجعل " أنزلناه " صفة ل " كتاب " ولا محذور حينئذ على هذا التقدير، وفي ~~الجملة فالوجه ما تقدم فيه من الإعراب. # وقدم وصفه بالإنزال على وصفه بالبركة، بخلاف قوله تعالى: # وهذا ذكر مبارك أنزلناه # [الأنبياء:50] # قالوا [لأن الأهم] هنا وصفه بالإنزال إذا جاء عقيب إنكارهم أن ~~ينزل الله على بشر شيء، بخلاف هناك، ووقعت الصفة الأولى جملة ~~فعلية؛ لأن الإنزال يتجدد وقتا فوقتا والثانية اسما صريحا؛ ~~لأن الاسم يدل على الثبوت والاستقرار، وهو مقصود هنا أي: [بركته] ~~ثابتة مستقرة. # قال القرطبي رحمه الله: " ويجوز نصب " مبارك " في غير القرآن العظيم على ~~الحال، وكذا: مصدق الذي بين يديه ". # فصل في المقصود بالإنزال # قوله: " أنزلناه " المقصود أن يعلم أنه من عند الله لا من عند الرسول، ~~وقوله تعالى: " مبارك " قال أهل المعاني أي: كثير خيره دائم منفعته يبشر ~~بالثواب والمغفرة، ويزجر عن القبيح والمعصية. # قوله: " مصدق " صفة أيضا، أو خبر بعد خبر على القول بأن " مبارك ~~" خبر لمبتدأ مضمر وقع صفة لنكرة؛ لأنه في نية الانفصال، كقوله ~~تعالى: # هذا عارض ممطرنا # [الأحقاف:24] وكقول القائل في ذلك: [البسيط] # 2232- يا رب غابطنا لو كان يعرفكم # ......................... # وقال ms3582 مكي: " مصدق الذي " نعت ل " الكتاب " على حذف التنوين لالتقاء ~~الساكنين و " الذي " في موضع نصب وإن لم يقدر حذف التنوين كان " مصدق " ~~خبرا و " الذي " في موضع خفض، وهذا الذي قاله غلط فاحش؛ لأن حذف ~~التنوين إنما هو الإضافة اللفظية، وإن كان اسم الفاعل في نية ~~الانفصال، وحذف التنوين لالتقاء الساكنين إنما كان في ضرورة أو ندور؛ ~~كقوله: [المتقارب] # 2233-.......................... # ولا ذاكر الله إلا قليلا # والنحويون كلهم يقولون في " هذا ضارب الرجل ": إن حذف التنوين ~~للإضافة تخفيفا؛ ولا يقول أحد منهم في مثل هذا: إنه حذف التنوين ~~لالتقاء الساكنين. # فصل في معنى التصديق في الآية # معنى كونه " مصدقا لما قبله " من الكتب المنزلة قبله أنها [توافقنا في ~~نفي الشرك وإثبات التوحيد]. # قوله: " ولتنذر " قرأ الجمهور بتاء الخطاب للرسول عليه الصلاة ~~والسلام، وأبو بكر عن عاصم بياء الغيبة، والضمير للقرآن الكريم، وهو ~~ظاهر أي: ينذر بمواعظه وزواجره ويجوز أن يعود على الرسول - عليه ~~الصلاة والسلام - للعلم به. # وهذه " اللام " فيها وجهان: # أحدهما: هي متعلقة ب " أنزلنا " عطف على مقدر قدره أبو البقاء: ~~" ليؤمنوا ولتنذر " ، وقدرها الزمخشري، فقال: " ولتنذر معطوف على ما ~~دل عليه صفة الكتاب، كما قيل: أنزلناه للبركات وليصدق ما تقدمه من ~~الكتب والإنذار. # والثاني: أنها متعلقة بمحذوف متأخر، أي ولتنذر أنزلناه. # قوله: " أم القرى " يجوز أن يكون من باب الحذف، أي: أهل أم ~~القرى، وأن يكون من باب المجاز أطلق للحمل إلى المحل على ~~الحال، وإنهما أولى أعني المجاز والضمير في المسألة ثلاثة أقوال، تقدم ~~بيانها، وهذا كقوله تعالى: # وسأل القرية # [يوسف:82] وهناك وجه لا يمكن هنا، وهو أنه يمكن أن يكون السؤال ~~للقرية حقيقة، ويكون ذلك معجزة للنبي، وهنا لا يتأتى ذلك وإن ~~كانت القرية أيضا نفسها هنا تتكلم إلا أن الإنذار لا يقع لعدم ~~فائدته. # وقوله: " ومن حولها " عطف على " أهل " المحذوف، أي: ولتنذر من ~~حول أم القرى، ولا يجوز أن يعطف على " أم القرى " ، إذ يلزم أن يكون ~~معنى " ولتنذر " أهل من حولها ولا حاجة تدعو ms3583 إلى ذلك؛ لأن " من حولها ~~" يقبلون الإنذار. # قال أبو حيان: ولم يحذف " من " ، فيعطف حول على " أم القرى " ، وإنه لا ~~يصح من حيث المعنى؛ لأن " حول " ظرف لا ينصرف، فلو عطف على " أم القرى ~~" لصار مفعولا به لعطفه على المفعول به، وذلك لا يجوز؛ لأن العرب لا ~~تستعمله إلا ظرفا. # فصل في تسمية " مكة " # اتفقوا على أن أم القرى " مكة " سميت بذلك؛ قال ابن عباس: لأن الأرضين ~~دحيت من تحتها، فهي أصل الأرض كلها كالأم أصل [النسل. # قال الأصم: سميت بذلك؛ لأنها قبلة أهل الدنيا، فصارت هي كالأصل] ~~وسائر البلاد والقرى تابعة. # وأيضا من أصول عبادات أهل الدنيا الحج وهو إنما يكون في هذه ~~البلدة، فلهذا السبب يجتمع الخلق إليها، كما يجتمع الأولاد إلى ~~الأم. # وأيضا فلما كان أهل الدنيا يجتمعون هناك بسبب الحج لا جرم يحصل ~~هناك أنواع من التجارات والمنافع ما لا يحصل في سائر البلاد، ولا شك ~~أن الكسب والتجارة من أصول المنافع، فلهذا السبب سميت " مكة " بأم ~~القرى. # وقيل: " مكة " المشرفة أول بلدة سكنت في الأرض. # قوله: " من حولها " يدخل في سائر البلدان والقرى. # قال المفسرون: المراد أهل الأرض شرقا وغربا. # قوله: " والذين يؤمنون بالآخرة " يجوز فيه وجهان: # أحدهما: أنه مرفوع بالابتداء، وخبره " يؤمنون " ولم يتحد المبتدأ ~~ولاخبر لتغاير متعلقيهما، فلذلك جاز أن يقع الخبر بلفظ المبتدأ، ~~وإلا فيمتنع أن تقول: " الذي يقوم يقوم " ، و " الذين يؤمنون يؤمنون " ، ~~وعلى هذا فذكر الفضلة هنا واجب، ولم يتعرض النحويون لذلك، ولكن تعرضوا ~~لنظائره. # والثاني: أنه منصوب عطفا على " أم القرى " أي: لينذر الذين ~~أمنوا، فيكون " يؤمنون " حالا من الموصول، وليست حالا مؤكدة؛ لما تقدم ~~من تسويغ وقوعه خبرا، وهو اختلاف المتعلق، و " الهاء " في " به " ~~تعود على القرآن، أو على الرسول. # فصل في معنى الآية # ذكر العلماء في [معنى] قوله تعالى: { والذين يؤمنون ~~بالأخرة يؤمنون به } أي: الذي يؤمن بالآخرة، وهو الذي يؤمن ~~بالوعد والوعيد، والثواب والعقاب، ومن كان كذلك فإنه تعظم رغبته في ~~تحصيل الثواب، ورهبته عن ms3584 حلول العقاب، ويبالغ في النظر في ~~دلائل التوحيد والنبوة، فيصل إلى العلم والإيمان. # وقال بعضهم: إن دين محمد عليه الصلاة والسلام [مبني على الإيمان بالبعث ~~والقيامة، وليس لأحد من الأنبياء مبالغة في تقرير هذه القاعدة مثل ما في ~~شريعة محمد عليه الصلاة والسلام فلهذا السبب كان الإيمان بنبوة محمد عليه ~~الصلاة والسلام وبصحة الآخرة أمرين متلازمين]. # قوله: { وهم على صلاتهم يحافظون } حال، وقدم " على ~~صلاتهم " لأجل الفاصلة، وذكر أبو علي في " الروضة " ، أن أبا بكر قرأ ~~" على صلواتهم " جمعا والمراد بالمحافظة على الصلوات الخمس. # فإن قيل: الإيمان بالآخرة يحمل كل الطاعات، فما الفائدة في تخصيص ~~الصلاة؟ فالجواب: أن المقصود التنبيه على أن الصلاة أشرف ~~العبادات بعد الإيمان بالله تعالى، ألا ترى أنه لم يقع اسم الإيمان على ~~شيء من العبادات الظاهرة، إلا على الصلاة، كما قال تبارك وتعالى: # وما كان الله ليضيع إيمانكم # [البقرة:143] أي: صلاتكم، ولم يقع اسم الكفر على شيء من المعاصي ~~إلا على ترك الصلاة، قال عليه الصلاة والسلام: # " من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر ". # فما اختصت الصلاة بهذا النوع من التشريف خصها الله - تبارك وتعالى - ~~بالذكر هاهنا. ### || [6.93] # لما بين كون القرآن كتابا نازلا من عند الله، وبين شرفه ~~ورفعته ذكر بعده ما يدل على وعيد من ادعى النبوة والرسالة ~~كذبا وافتراء. # قال قتادة: نزلت هذه الآية في مسيلمة الكذاب الحنفي صاحب " ~~اليمامة " وفي الأسود العنسي صاحب " صنعاء " كانا يدعيان الرسالة ~~والنبوة من عند الله كذبا وافتراء، وكان مسيلمة يقول لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم: محمد رسول قريش، وأنا رسول بني حنيفة. # وقال أبو هريرة - رضي الله عنه -: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " بينما أنا نائم إذ أوتيت خزائن الأرض، فوضع في ~~يدي سواران من ذهب فكبرا علي وأهماني، فأوحى الله ~~إلي أن أنفخهما فذهبا فأولتهما الكذابين اللذين أنا ~~بينهما صاحب صنعاء وصاحب يمامة ". # قال القاضي: الذي يفتري على الله الكذب يدخل فيه من يدعي الرسالة ~~كذبا ولكن لا يقتصر عليه؛ لأن العبرة بعموم ms3585 اللفظ، لا بخصوص ~~السبب. # قال القرطبي: ومن هذا النمط من أعرض عن الفقه والسنن وما كان عليه السلف ~~من السنن فيقول: وقع في خاطري كذا، أو أخبرني قلبي بكذا، فيحكمون بما وقع ~~في قلوبهم ويغلب عليهم من خواطرهم، ويزعمون أن ذلك لصفائها من ~~الأكدار، وخلوها من الأغيار، فتتجلى لهم العلوم الإلهية، والحقائق ~~الربانية، فيقفون على أسرار الكليات، ويعلمون أحكام الجزئيات ~~فيستغنون بها عن أحكام الشرائع، ويقولون: هذه الأحكام الشرعية ~~العامة إنما يحكم بها على الأغبياء العامة، وأما الأولياء، وأهل الخصوص ~~فلا يحتاجون إلى تلك النصوص. # وقوله تعالى: " ومن أظلم " مبتدأ وخبر، وقوله: " كذبا " فيه أربعة ~~أوجه: # أحدها: أنه مفعول " افترى " أي: اختلق كذبا وافتعله. # الثاني: أنه مصدر له على المعنى، أي: [افترى] افتراء، وفي هذا نظر؛ ~~لأن المعهود في مثل ذلك إنما هو فيما كان المصدر فيه نوعا من الفعل، ~~نحو: قعد القرفصاء أو مرادفا له ك " قعدت جلوسا " أما ما كان ~~المصدر فيه أعم من فعله نحو: افترى كذبا، وتقرفص قعودا، فهذا غير ~~معهود، إذ لا فائدة فيه والكذب أعم من الافتراء، وقد تقدم تحقيقه. # الثالث: أنه مفعول من أجله، أي: افترى لأجل الكذب. # الرابع: أنه مصدر واقع موقع الحال، أي: افترى حال كونه كاذبا، وهي حال ~~مؤكدة. # وقوله: " أو قال " عطف على " افترى " و " إلى " في محل رفع لقيامه ~~مقام الفاعل، وجوز أبو البقاء أن يكون القائم مقام الفاعل ضمير المصدر، ~~قال: تقديره: " أوحى إلي الوحي " ، أو الإيحاء. والأول أولى؛ لأن فيه ~~فائدة جديدة، بخلاف الثاني فإن معنى المصدر مفهوم من الفعل قبله. # قوله: " ولم يوح إليه " جملة حالية، وحذف الفاعل هنا تعظيما ~~له؛ لأن الموحي هو الله تعالى. # قوله: " ومن قال " مجرور المحل؛ لأنه نسق على " من " ~~المجرور ب " من " أي: وممن قال، وقد تقدم نظير هذا الاستفهام في " ~~البقرة ": وهناك سؤال وجوابه. # قوله { سأنزل مثل مآ أنزل الله } وقرا أبو حيوة: " سأنزل ~~" مضعفا وقوله: " مثل " يجوز فيه وجهان: # أحدهما: أنه منصوب على المفعول به، أي سأنزل ms3586 قرآنا مثل ما أنزل ~~الله، و " ما " على هذا موصولة اسمية، أن نكرة موصوفة، أي: مثل الذي ~~أنزله، أو مثل شيء أنزله. # والثاني: أن يكون نعتا لمصدر محذوف، تقديره: سأنزل إنزالا مثل ما أنزل ~~الله، و " ما " على هذا مصدرية، أي: مثل إنزال الله. # فصل في نزول الآية # قيل: # " نزلت هذه الآية الكريمة في عبد الله بن أبي سرح كان قد أسلم، وكان ~~يكتب الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم فكان إذا أملى عليه " سميعا بصيرا ~~" كتب عليما حكيما، وإذا أملى عليه " عليما حكيما " كتب " غفورا ~~رحيما " فلما نزل قوله تعالى: { ولقد خلقنا الإنسان من ~~سلالة من طين } [المؤمنون:12] أملاها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فعجب عبد الله من تفصيل خلق الإنسان، فلما انتهى إلى قوله: { ~~ثم أنشأناه خلقا آخر } فقال: { فتبارك الله ~~أحسن الخالقين } [المؤمنون:14] فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~اكتبها فهكذا نزلت " فشك عبد الله. فقال: لئن كان محمد ~~صادقا فقد أوحي إلي كما أوحي إليه فارتد عن الإسلام، ولحق بالمشركين، ~~ثم رجع عبد الله إلى الإسلام قبل فتح " مكة " المشرفة، إذ نزل النبي ~~صلى الله عليه وسلم ". # وقال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره: يريد النضر بن الحارث، ~~والمستهزئين، وهو جواب لقولهم: # لو نشآء لقلنا مثل هذا # [الأنفال:31] وقوله في القرآن: # إن هذآ إلا أساطير الأولين # [الأنفال:31] فكل أحد يمكنه الإتيان [بمثله]. # " ولو ترى " يا محمد " إذ الظالمون " و " إذ " منصوب ب " ترى " ، ~~ومفعول الرؤية محذوف، أي: ولو ترى الكفار الكذبة، ويجوز ألا يقدر ~~لها مفعول، أي: ولو كنت من أهل الرؤية في هذا الوقت، وجواب " لو " ~~محذوف، أي: لرأيت أمرا عظيما. و " الظالمون " يجوز أن تكون فيه " ~~أل " للجنس، وأن تكون للعهد، والمراد بهم من تقدم ذكره من المشركين ~~واليهود والكذبة المفترين و { في غمرات الموت } خبر المبتدأ، ~~والجملة في محل خفض بالظرف. # و " الغمرات " جمع " غمرة " وهي الشدة المفظعة وأصلها من ~~غمره الماء إذا ستره، وغمرة كل شيء كثرته ومعظمه، ومنه ~~غمرة الموت ms3587 وغمرة الحرب. # ويقال: غمرت الشيء إذا علاه وغطاه. # قال الزجاج: يقال لكل من كان في شيء كثير: قد غمره ذلك وغمره ~~الدين إذا كثر عليه، ثم يقال للمكاره والشدائد: غمرات، كأنها ~~تستر بغمرها وتنزل به قال في ذلك: [الوافر] # 2234- ولا ينجي من الغمرات إلا # براكاء القتال أو الفرار # ويجمع على " غمر " ك " عمرة " و " عمر " كقوله: [الوافر] # 2235-.................... # وحان لتالك الغمر انقشاع # ويروى " انحسار ". # وقال الراغب: أصل الغمر إزالة أثر الشيء ومنه قيل للماء الكثير ~~الذي يزيل أثر سيله: غمر وغامر، وأنشد غير الراغب على غامر: [الكامل] # 2236- نصف النهار الماء غامره # ورفيقه بالغيب لا يدري # ثم قال: " والغمرة معظم الماء لسترها مقرها، وجعلت مثلا ~~للجهالة التي تغمر صاحبها ". # والغمر: الذي لم يجرب الأمور، وجمعه أغمار، والغمر: - ~~بالكسر - الحقد، والغمر بالفتح: الماء الكثير، والغمر بفتح ~~الغين والميم: ما يغمر من رائحة الدسم سائر الروائح، ومنه الحديث # " من بات وفي يديه غمر ". # وغمر يده، وغمر عرضه دنس، ودخلوا في غمار الناس وخمارهم، والغمرة ما ~~يطلى به من الزعفران، ومنه قيل للقدح الذي يتناول به الماء: غمر، ~~وفلان مغامر إذا رمى بنفسه في الحرب، إما لتوغله وخوضه فيه، ~~وإما لتصور الغمارة منه. # قوله: { والملائكة باسطوا } [جملة في محل نصب على الحال ~~من الضمير] المستكن في قوله: " في غمرات " ، و " أيديهم " خفض لفظا، ~~وموضعه نصب أي: باسطو أيديهم بالعذاب يضربون وجوههم وأدبارهم وقوله ~~" أخرجوا " منصوب المحل بقول مضمر، والقول يضمر كثيرا، تقديره: ~~يقولون: أخرجوا، كقوله: # يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم # [الرعد:23، 24] أي: يقولون: سلام عليكم، وذلك القول المضمر في محل ~~نصب على الحال من الضمير في " باسطو ". # فإن قيل: إنه لا قدرة لهم على إخراج أرواحهم من أجسادهم، فما ~~الفائدة في هذا الكلام؟ # فالجواب: أن في تفسير هذه الكلمة وجوه: # أحدها: ولو ترى الظالمين إذ صاروا إلى غمرات الموت في الآخرة، ~~فأدخلوا جهنم، وغمرات الموت عبارة عما يصيبهم هناك من أنواع ~~الشدائد والعذاب، والملائكة باسطو أيديهم [عليهم بالعذاب] ~~يبكتونهم بقولهم: أخرجوا أنفسكم من ms3588 هذا العذاب الشديد إن قدرتم. # وثانيها: أن المعنى { ولو ترى إذ الظالمون في غمرات ~~الموت } عند نزول الموت في الدنيا، والملائكة باسطو أيديهم لقبض ~~أرواحهم يقولون لهم: أخرجوا أنفسكم من هذه الشدائد، وخلصوها من ~~هذه الآلام. # وثالثها: " أخرجوا أنفسكم " [أي: أخرجوها إلينا] من أجسادكم، وهذه عبارة ~~عن العنف والتشديد في إزهاق الروح من غير تنفيس وإمهال كما يفعل ~~الغريم الملازم الملح، ويقول: أخرج ما لي عليك الساعة، ولا ~~أبرح من مكاني حتى أنزعه من أحداقك. # ورابعها: أن هذه اللفظة كناية عن شدة حالهم، وأنهم بلغوا في ~~البلاء الشديد إلى حيث يتولى بنفسه إزهاق روحه. # خامسها: أنه ليس بأمر، بل هو وعيد [وتقريع] كقول القائل: امض الآن ~~لترى ما يحل بك. # قوله: { اليوم تجزون } في هذا الظرف وجهان: # أظهرهما: انه منصوب ب " أخرجوا " بمعنى: أخرجوها من أبدانكم، فهذا ~~القول في الدنيا، ويجوز أن يكون في يوم القيامة، والمعنى خلصوا ~~أنفسكم من العذاب، كما تقدم، فالوقف على قوله: " اليوم " ، والابتداء ~~بقوله: { تجزون عذاب الهون }. # والثاني: أنه منصوب ب " تجزون " والوقف حينئذ على " أنفسكم " ، ~~والابتداء بقوله: " اليوم " والمراد ب " اليوم " يحتمل أن يكون وقت ~~الاحتضار، وأن يكون يوم القيامة، و " عذاب " معفول ثان، والأول قام مقام ~~الفاعل. # والهون: الهوان؛ قال تعالى: # أيمسكه على هون # [النحل:59]. # وقال ذو الأصبع: [البسيط] # 2237- إذهب إليك فما أمي براعية # ترعى المخاض ولا أغضي على الهون # وقالت: الخنساء: [المتقارب] # 2238- يهين النفوس وهون النفو # س يوم الكريهة أبقى لها # وأضاف العذاب إلى الهون إيذانا بأنه متمكن فيه، وذلك إنه ليس كل ~~عذاب يكون فيه هون؛ لأنه قد لا يكون فيه هون، لأنه قد يكون على سبيل ~~الزجر والتأديب ويجوز أن يكون من إضافة الموصوف إلى صفته، وذلك أن ~~الأصل العذاب الهون وصف به مبالغة، ثم أضافه إليه على حد إضافته ~~في قولهم: بقلة الحمقاء ونحوه، ويدل عليه أن الهون بمعنى قراءة ~~عبد الله وعكرمة كذلك. # و " الهون " بفتح الهاء: الرفق والدعة؛ قال تبارك وتعالى: # وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض ms3589 هونا # [الفرقان:63]. # واعلم أنه - تبارك وتعالى - جمع هناك بين الإيلام والإهانة، فكما أن ~~الثواب شرطه أن يكون منفعة معروفة بالتعظيم، فكذا العقاب شرطه أن ~~يكون مضرة مقرونة بالإهانة. # قوله: " بما كنتم " " ما " مصدرية، أي: بكونكم قائلين غير الحق، ~~وكونكم مستكبرين و " الباء " متعلقة ب " تجزون " أي: بسببه، و " غير ~~الحق " نصبه من وجهين: # أحدهما: أنه مفعول به، أي تذكرون غير الحق. # والثاني: أنه نعت مصدر محذوف، أي: تقولون القول غير الحق. # وقوله: " وكنتم " يجوز فيه وجهان: # أظهرهما: أنه عطف على " كنتم " الأولى، فتكون صلة كما تقدم. # والثاني: أنها جملة مستأنفة سيقت للإخبار بذلك و " عن آياته " ~~متعلق بخبر " كان " ، وقدم لأجل الفواصل، والمراد بقوله: { وكنتم ~~عن آياته تستكبرون } أي: تتعظمون عن الإيمان بالقرآن ~~لا تصدقونه. # وذكر الواحدي أي: لا تصلون له، قال عليه الصلاة والسلام: # " من سجد [لله سجدة] بنية صادقة فقد برئ ~~من الكبر ". ### || [6.94] # " فرادى " منصوب على الحال من فاعل " جئتمونا " ، و " جئتمونا ~~" فيه وجهان: # أحدهما: أنه بمعنى المستقبل، أي: تجيئوننا، وإنما أبرزه في صورة الماضي ~~لتحققه كقوله تعالى: # أتى أمر الله # [النحل:1] # ونادى أصحاب الجنة # [الأعراف:44]. # والثاني: أنه ماض، والمراد به حكاية الحال بين يدي الله - تعالى - يوم ~~يقال لهم ذلك، فذلك اليوم يكون مجيئهم ماضيا بالنسبة إلى ذلك اليوم. # واختلفوا في قول هذا القائل، فقيل: هو قول الملائكة الموكلين ~~بعقابهم. # وقيل: هو قول الله تعالى، ومنشأ هذا الخلاف أن الله - تبارك وتعالى - هل ~~يتكلم مع الكفار أم لا؟ فقوله تبارك وتعالى في صفة الكفار: " ~~ولايكلمهم " يوجب ألا يتكلم معهم، فلهذا السبب وقع ~~الاختلاف، والأول أقوى؛ لأن هذه الآية الكريمة معطوفة على ما قبلها، ~~والعطف يوجب التشريك. # واختلفوا في " فرادى " هل هو جمع أم لا، والقائلون بأنه جمع ~~اختلفوا في مفرده: فقال الفراء: " فرادى " جمع " فرد وفريد ~~وفرد وفردان " فجوز أن يكون جمعا لهذه الأشياء. # وقال ابن قتيبة: هو جمع " فردان " كسكران وسكارى ~~وعجلان وعجالى. # وقال قوم: هو جمع فريد كرديف وردافى، وأسير وأسارى، قاله ~~الراغب، وقال: ms3590 هو جمع " فرد " بفتح الراء، وقيل بسكونها، وعلى هذا ~~فألفها للتأنيث كألف " سكارى " و " أسارى " فيمن لم يتصرف. # وقيل: هو اسم جمع؛ لأن " فرد " لا يجمع على فرداى فرد أفراد، فإذا ~~قلت: جاء القوم فرادى فمعناه واحدا واحدا. # قال الشاعر: [الطويل] # 2239- ترى النعرات الزرق تحت لبانه # فرادى ومثنى أثقلتها صواهله # ويقال: فرد يفرد فرودا فهو فارد، وأفردته أنا، ورجل ~~أفرد، وامرأة فرداء كأحمر وحمراء، والجمع على هذا فرد كحمر، ~~ويقال في فرادى: " فراد " على زنة " فعال " ، فينصرف، وهي لغة " ~~تميم " وبها قرأ عيسى بن عمر، وأبو حيوة: " ولقد جئتمونا ~~فرادا " وقال أبو البقاء: وقرئ بالشاذ بالتنوين على أنه اسم صحيح، ~~فقال في الرفع فراد مثل: " تؤام ودخال وهو جمع قليل ". انتهى. # ويقال أيضا " جاء القوم فراد غير منصرف، فهو كأحاد ورباع في كونه ~~معدولا صفة، وهو قرءاة شاذة هنا. # وروى خارجة عن نافع، وأبي عمرو كليهما أنهما قرأ " فرادى " مثل ~~سكارى " اعتبارا بتأنيث الجماعة، كقوله تبارك وتعالى: # وترى الناس سكارى وما هم بسكارى # [الحج:2] فهذه أربع قراءات مشهورة، وثلاث في الشواذ فراد الرجال, فرادا ~~كأحاد، فردى كسكرى. # قوله: " كما خلقناكم " في هذه أوجه: # أحدها: أنها منصوبة المحل على الحال من فاعل " جئتمونا " فمن أجاز ~~تعدد الحال أجاز من غير تأويل، ومن منع ذلك جعل " الكاف " بدلا من ~~" فرادى ". # الثاني: أنها في محل نصب نعتا لمصدر محذوف، أي: مجيئا مثل ~~مجيئكم يوم خلقناكم، وقدره مكي: منفردين انفرادا مثل حالكم أول مرة، ~~والأول أحسن؛ لأن دلالة الفعل على المصدر أقوى من دلالة الوصف ~~عليه. # الثالث: أن " الكاف " في محل نصب على الحال من الضمير المستكن ~~في " فرادى " ، أي: مشبهين ابتداء خلقكم، وكذا قدره أبو البقاء، ~~وفيه نظر؛ لأنهم لم يشبهوا بابتداء خلقهم، وصوابه أن يقدر مضافا أي: ~~مشبهة حالكم حال ابتداء خلقكم. # قوله: " أول مرة " منصوب على ظرف الزمان، والعامل فيه " ~~خلقناكم " ، و " مرة " في الأصل مصدر ل " مر يمر مرة " ثم ~~اتسع فيها، فصارت زمانا. # قال أبو البقاء رحمه الله: " وهذا ms3591 يدل على قوة شبه الزمان بالفعل ". # وقال أبو حيان: " وانتصب " أول مرة " على الظرف، أي: أول زمان ولا ~~يتقدر أول خلق؛ لأن أول خلق يستدعي خلقا ثانيا، إنما ذلك إعادة لا ~~خلق ". # يعني: أنه لا يجوز أن يكون المرة على بابها من المصدرية، ويقدر ~~أول مرة من الخلق لما ذكر. # قوله: " وتركتم " فيها وجهان: # أحدهما: إنها في محل نصب على الحال من فاعل " جئتمونا " ، و " قد " ~~مضمرة على رأي الكوفيين أي: وقد تركتم. # والثاني: أنها لا محل لها لاستئنافها، و " ما " مفعولة ب " ترك " ، ~~وهي موصولة اسمية، ويضعف جعلها نكرة موصوفة، والعائد محذوف، أي: ما ~~خولناكموه، و " ترك " متعدية لواحد؛ لأنها بمعنى التخلية ولو ضمنت ~~معنى " صير " تعدت لاثنين، و " خول " يتعدى لاثنين؛ لأنه بمعنى " ~~أعطى وملك " ، والخول ما أعطاه الله من النعم. # قال أبو النجم: [الرجز] # 2240- كوم الذرى من خول المخول # فمعنى: خولته كمن أملكته الخول فيه كقولهم: خولته، أي: ملكته المال. # وقال الراغب: التخويل في الأصل إعطاء الخول. # وقيل: إعطاء ما يصير له خولا وقيل: إعطاء ما يحتاج أن يتعهده من ~~قولهم: " فلان خال مال وخايل مال أي حسن القيام عليه ". # وقوله: " وراء ظهوركم " متعلق ب " تركتم " ويجوز أن يضمن " ترك ~~" هنا معنى " صير " ، فيتعدى لاثنين: أولهما الموصول، والثاني هذا ~~الظرف متعلق بمحذوف، أي: وصيرتم بالترك الذي خولناكموه كائنا ~~وراء ظهوركم. # قوله تعالى: " وما نرى " الظاهر أنها المتعدية لواحد، فهي ~~بصرية، فعلى هذا يكون " معكم " متعلق ب " نرى " ، ويجوز أن يكون بمعنى ~~" علم " ، فيتعدى لاثنين، ثانيهما هو الظرف، فيتعلق بمحذوف، أي: ما ~~نراهم كائنين معكم، أي مصاحبتكم. # إلا ان أبا البقاء استضعف هذا الوجه، وهو كما قال؛ إذ يصير ~~المعنى: وما يعلم شفعاءكم معكم، وليس المعنى عليه قطعا. # وقال أبو البقاء - رحمه لله -: " ولا يجوز أن يكون أي معكم حالا من " ~~الشفعاء "؛ إذ المعنى يصير أن شفعاءهم معهم ولا تراهم ". وفيما قاله نظر ~~لا يخفى، وذلك أن النفي إذا دخل على ذات بقيد، ففيه وجهان: # أحدهما: نفي تلك ms3592 الذات بقيدها. # والثاني: نفي القيد فقط دون نفي الذات. # فإن قلت " ما رأيت زيدا ضاحكا " ، فيجوز أنك لم تر زيدا ~~ألبتة، ويجوز أنك رأيته من غير ضحك، فكذا هاهنا، إذ التقدير: وما ~~نرى معكم شفعاءكم مصاحبيكم، يجوز أن لم يروا الشفعاء ألبتة، ويجوز أن ~~يروهم دون مصاحبتهم لهم، فمن أين يلزم انهم يكونون معهم، ولا ~~يرونهم من هذا التركيب، وقد تقدم تحقيق هذه القاعدة في أوائل سورة " ~~البقرة " في قوله: # لا يسألون الناس إلحافا # [البقرة:273]. # و " أنهم " سد مسد المفعولين ل " زعم " و " فيكم " متعلق بنفس ~~شركاء، والمعنى: الذين زعمتم أنهم شركاء الله فيكم، أي في عبادتكم، أو في ~~خلقكم، لأنكم أشركتموهم مع الله - تعالى - في عبادتكم وخلقكم. # وقيل " في " بمعنى " عند " ، ولا حاجة إليه. # وقيل: المعنى أنهم يتحملون عنكم نصيبا من العذاب، أي: شركاء في ~~عذابكم إن كنت تعتقدون فيهم أنكم إذا أصابتكم نائية شاركوكم فيها. # فصل في معنى الآية # معنى الآية الكريمة: { جئتمونا فرادى كما خلقناكم ~~أول مرة }: حفاة عراة، وخلفتم ما أعطيناكم من الأموال ~~والأولاد والخدم خلف ظهوركم في الدنيا، وما نرى معكم شفعاءكم الذين ~~زعمتم أنهم فيكم شركاء، وذلك أن المشركين زعموا أنه يعبدون ~~الأصنام؛ لأنهم شركاء الله, وشفعاؤهم عنده، والمراد من الآية ~~التقريع والتوبيخ، وذلك لأنهم صرفوا جدهم وجهدهم إلى تحصيل المال ~~والجاه، وعبدوا الأصنام لاعتقادهم أنها شفعاؤهم عند الله تبارك وتعالى، ~~ثم أنهم لما وردوا محفل القيامة لم يبق لهم من تلك الأموال شيء، ~~ولم يجدوا من تلك الأصنام شفاعة فبقوا فرادى على كل ما حصلوه في ~~الدنيا، وعولوا عليه، بخلاف أهل الإيمان، فإنهم صرفوا همهم إلى ~~الأعمال الصالحة، فبقيت معهم في قبورهم، وحضرت معهم في محفل ~~القيامة، فهم في الحقيقة ما حضروا فرادى. # قوله " لقد تقطع بينكم " قرأ نافع، والكسائي، وعاصم في رواية حفص ~~عنه " بينكم " نصبا، والباقون " بينكم " رفعا. # فأما القراءة الأولى ففيها سبعة أوجه: # أحدها، وهي أحسنها: أن الفاعل مضمر يعود على الاتصال، والاتصال وإن ~~لم يكن مذكورا حتى يعود عليه ms3593 ضمير، لكنه تقدم ما يدل عليه، وهو لفظ ~~" شركاء " ، فإن الشركة تشعر بالاتصال، والمعنى: لقد تقطع بينكم ~~الاتصال على الظرفية. # الثاني: أن الفاعل هو " بينكم " ، وإنما بقي على حاله منصوبا حملا ~~له على أغلب أحواله، وهو مذهب الأخفش، وجعلوا من ذلك أيضا قوله: # يفصل بينهم # [الحج:17] فيمن بناه إلى المفعول، وكذا قوله تعالى: # ومنا دون ذلك # [الجن:11] [قال الواحدي: كما جرى في كلامهم] منصوبا ظرفا، تركوه على ~~ما يكون عليه في أكثر الكلام ثم قال في قوله: # ومنا دون ذلك # [الجن:11] ف " دون " في موضع رفع عندهم، وإن كان منصوب اللفظ، ألا ~~ترى أنك تقول: منا الصالحون، ومنا الظالمون، إلا أن الناس لما حكوا ~~هذا المذهب لم يتعرضوا على هذا الظرف، بل صرحوا بأنه معرب، ~~وهو مرفوع المحل قالوا: أو إنما بقي على انتصابه اعتبارا بأغلب ~~أحواله في كلام أبي حيان، لما حكى مذهب الأخفش ما يصرح بأنه مبني، ~~فإنه قال: وخرجه الأخفش على أنه فاعل، ولكنه مبني حملا على أكثر ~~أحوال هذا الظرف، وفيه نظر؛ لأن الذي لا يصلح أن يكون علة ~~البناء، وعلل البناء محصورة ليس هذا منها. # ثم قال أبو حيان: " وقد يقال لاضافته إلى مبني كقوله # ومنا دون ذلك # [الجن: 11] وهذا ظاهر في أنه جعل حمله على أكثر أحواله علة ~~لبنائه كما تقدم ". # الثالث: أن الفاعل محذوف و " بينكم " صفة له قامت مقامه، ~~تقديره: لقد تقطع وصل بينكم، قاله أبو البقاء، ورده أبو حيان بأن ~~الفاعل لا يحذف، وهذا غير رد عليه، فإنه يعني بالحذف عدم ذكره ~~لفظا وأن شيئا قام مقامه، فكأنه لم يحذف. # وقال ابن عطية: " ويكون الفعل مسندا إلى شيء محذوف، أي: لقد تقطع ~~الاتصال بينكم والارتباط ونحو هذا ". # وهذا وجه واضح، وعليه فسر الناس، ورده أبو حيان لما تقدم، ويجاب ~~عنه بأنه عبر بالحذف عن الإضمار، لأن كلا منهما غير موجود لفظا. # الرابع: أن " بينكم " هو الفاعل، وإنما بني لإضافته إلى غير متمكن، ~~كقوله تعالى: # إنه لحق مثل مآ أنكم تنطقون # [الذاريات:23] ms3594 بفتح " مثل " ، وهو تابع ل " حق " المرفوع، ولكنه بني ~~لإضافته إلى غير متمكن، وسيأتي في مكانه، ومثله قول الآخر في ذلك: ~~[الرمل] # 2241- تتداعى منخراه بدم # مثل ما أثمر حماض الجبل # بفتح " مثل " مع أنها تابعة ل " دم " ، ومثله قول الآخر: [البسيط] # 2242- لم يمذع الشرب منها غير أن نطقت # حمامة في غصون ذات أوقال # بفتح " غير " ، وهي فاعل " يمنع " ، ومثله قول النابغة: [الطويل] # 2243- أتاني أبيت اللعن أنك لمتني # وتلك التي تستك منها المسامع # مقالة أن قد قلت: سوف أناله # وذلك من تلقاء مثلك رائع # ف " مقالة " بدل من " أنك لمتني " ، وهو فاعل، والرواية بفتح تاء ~~" مقالة " لإضافتها إلى " أن " وما في حيزها. # الخامس: أن المسألة من باب الإعمال، وذلك أن " تقطع " و " ~~ضل " كلاهما يتوجهان على { ما كنتم تزعمون } كل منهما ~~يطلبه فاعلا، فيجوز أن تكون المسألة من باب إعمال الثاني، وأن تكون ~~من إعمال الأول، لأنه ليس هنا قرينة تعين ذلك، إلا أنه تقدم في " ~~البقرة " أن مذهب البصريين اختيار إعمال الثاني، ومذهب الكوفيين ~~بالعكس، فعلى اختيار البصريين يكون " ضل " هو الرافع ل { ما كنتم ~~تزعمون } واحتاج الأول لفاعل فأعطيناه ضميره فاستتر فيه، وعلى ~~اختيار الكوفيين يكون " تقطع " هو الرافع ل { ما كنتم ~~تزعمون } ، وفي " ضل " ضمير فاعل به، وعلى كلا القولين ف " بينكم ~~" منصوب على الظرف، وناصبه " تقطع " هو الرافع. السادس: أن الظرف ~~صلة لموصول محذوف تقديره: تقطع ما بينكم، فحذف الموصول وهو " ما " ~~وقد تقدم أن ذلك رأى الكوفيين، وتقدم ما استشهدوا به عليه من القرآن، ~~وأبيات العرب، واستتدل القائل بذلك بقول الشاعر حيث قال في ذلك: ~~[الطويل] # 2244- يديرونني عن سالم وأديرهم # وجلدة بين الأنف والعين سالم # وقول الآخر في ذلك: [البسيط] # 2245- ما بين عوف وإبراهيم من نسب # إلا قرابة بين الزنج والروم # تقديره: وجلدة ما بين، وإلا قرابة ما بين، ويدل على ذلك قراءة ~~عبد الله، ومجاهد، والأعمش: " لقد تقطع ما بينكم ". # السابع: قال الزمخشري: " لقد تقطع بينكم ": لقد وقع التقطع ~~بينكم، كما تقول: جمع بين الشيئين، ms3595 تريد أوقع الجمع بينهما على ~~إسناد الفعل إلى مصدره بهذا التأويل قول حسن، وذلك لأن لو أضمر في " ~~تقطع " ضمير المصدر المفهوم منه لصار التقدير: تقطع التقطع بينكم، ~~وإذا تقطع التقطع بينهم حصل الوصل، وهذا ضد المقصود، فاحتاج أن ~~قال: إن الفعل أسند إلى مصدره بالتأويل المذكور، إلا أن أبا حيان ~~اعترضه، فقال: " فظاهره أنه ليس بجيد، وتحريره أنه أسند الفعل إلى ~~ضمير مصدره فأضمره فيه؛ لأنه إن أسنده إلى صريح المصدر، فهو محذوف، ~~ولا يجوز حذف الفاعل، ومع هذا التقدير فليس بصحيح؛ لأن شرط الإسناد ~~مفقود فيه، وهو تغاير الحكم والمحكوم عليه؛ يعني: أنه لا يجوز أن يتحد ~~الفعل والفاعل في لفظ واحد من غير فائدة، لا تقول: قام القائم، ولا ~~قعد القاعد, فتقول: إذا أسند الفعل إلى مصدره, فإما إلى مصدره ~~الصريح من غير إضمار, فيلزم حذف الفاعل, وإما على ضميره, فيبقى تقطع ~~التقطع, وهو مثل قام القائم, وذلك لا يجوز، مع أنه يلزم عليه أيضا ~~فساد المعنى كما تقدم منه أنه يلزم أن يحصل لهم الوصل ". # قال شهاب الدين: وهذا الذي أورده الشيخ لا يرد لما تقدم من قوله ~~الزمخشري على إسناد الفعل إلى مصدره بهذا التأويل، وقد تقدم ذلك ~~التأويل. # وأما القراءة الثانية ففيها ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه اتسع في هذا الظرف، فأسند الفعل إليه، فصار اسما ~~كسائر الأسماء المتصرف فيها، ويدل على ذلك قوله تعالى: # ومن بيننا وبينك حجاب # [فصلت:5] فاستعمله مجروا ب " من " وقوله تعالى: # فراق بيني وبينك # [الكهف:78] # مجمع بينهما # [الكهف:61] # شهادة بينكم # [المائدة:106] وحكى سيبويه: " هو أحمر بين العينين " وقال ~~عنترة: [الكامل] # 2246- وكأنما أقص الإكام عشية # بقريب بين المنسمين مصلم # وقال مهلهل: [الوافر] # 2247- كأن رماحنا أشطان بئر # بعيدة بين جاليها جرور # فقد استعمل في هذه المواضع كلها مضافا إليه متصرفا فيه، فكذا هنا، ~~ومثله قوله: # [الطويل] # 2248-..................... # وجلدة بين الأنف والعين سالم # وقوله في ذلك: [البسيط] # 2249-....................... # إلا قرابة بين الزنج والروم # وقول القائل في ذلك: [الطويل] # 2250- ولم يترك النبل المخالف بينها # أخا لاح ms3596 [قد] يرجى وما ثورة الهند # يروى برفع " بينها " وفتحه على أنها فعل ل " مخالف " ، وإنما بني ~~لإضافته إلى ذلك ومثله في ذلك: " أمام " و " دون " ، كقوله: [الكامل] # 2251- فغدت كلا الفرجين تحسب أنه # مولى المخافة خلفها وأمامها # برفع " أمام " ، كقول القائل في ذلك: [الطويل] # 2252- ألم تر أني قد حميت حقيقتي # وباشرت حد الموت والموت دونها # برفع " دون ". # الثاني: أن " بين " اسم غير ظرف، وإنم منعناها الوصل، أي: لقد ~~تقطع وصلكم. # ثم للناس بعد ذلك عبارتان تؤذن بأن " بين " مصدر " بان يبين ~~بينا " بمعنى " بعد " ، فيكون من الأضداد، أي: إنه مشترك ~~اشتراكا لفظيا يستعمل للوصل والفراق ك " الجون " للأسود، والأبيض، ~~ويعزى هذا لأبي عمرو، وابن جني، والمهدوي، والزهري، وقال أبو عبيد: وكان ~~أبو عمرو يقول: معنى " تقطع بينكم " تقطع فصارت هنا اسما بغير أن يكون ~~معها " ما ". # وقال الزجاج: والرفع أجود، ومعناه: لقد تقطع وصلكم، فقد أطلق هؤلاء أن " ~~بين " بمعنى الوصل، والأصل في الإطلاق الحقيقة، إلا أن ابن عطية طعن فيه، ~~وزعم أنه لم يسمع من العرب البين بمعنى الوصل، وإنما انتزع ذلك من ~~هذه الآية الكريمة، لو أنه أريد بالبين الافتراق، وذلك عن الأمر ~~البعيد، والمعنى: لقد تقطعت المسافة بينكم لطولها، فعبر عن ذلك بالبين. # قال شهاب الدين: فظاهر كلام ابن عطية يؤذن بأنه فهم أنها بمعنى ~~الوصل حقيقة، ثم رده بكونه لم يسمع من العرب، وهذا منه غير مرض، ~~لأن أبا عمرو وأبا عبيد وابن جني، والزهراوي، والمهدوي، والزجاج أثمة ~~يقبل قولهم. # وقوله: " وإنما انتزع من هذه الآية " ممنوع، بل ذلك مفهوم من لغة ~~العرب، ولم لم يكن من نقلها إلا أبو عمرو لكفى به، وعبارته تؤذن ~~بأنه مجاز، ووجه المجاز كما قال الفارسي أنه لما استعمل " بين " مع ~~الشيئين المتلابسين في نحو: " بيني وبينك رحم وصداقة " صارت ~~لاستعمالها في هذه المواضع بمعنى الوصلة، وعلى خلاف الفرقة، فلهذا ~~جاء: " لقد تقطع وصلكم " وإذا تقدر هذا، فالقول بكونه ~~مجازا أولى من القول بكونه مشتركا؛ لأنه متى تعارض الاشتراك والمجاز، ~~فالمجاز ms3597 خير منه عند الجمهور. # وقال أبو علي أيضا: ويدل على أن هذا المرفوع هو الذي استعمل ظرفا ~~أنه لا يخلو من أن يكون الذي هو مصدر، فلا يجوز أن يكون هذا القسم؛ ~~لأن التقدير يصير: لقد تقطع اقتراقكم، وهذا خلاف المقصد، والمعنى ~~أي: ألا ترى أن المراد وصلكم، وما كنتم تتآلفون عليه. # فإن قلت: كيف جاز أن يكون بمعنى: الوصل، وأصله: الافتراق، ~~والتباين. # قيل: إنه لما استعمل مع الشيئين المتلابسين في نحو: " بيني ~~وبينك شركة " فذكر ما تقدم عنه من وجه المجاز. # وأجاز أبو عبيدة، والزجاج، وجماعة: قراءة الرفع، قال أبو عبيدة: ~~وكذلك يقرؤها بالرفع؛ لأنا قد وجدنا العرب تجعل " بين " اسما من ~~غير " ما " ، ويصدق ذلك قوله تعالى: # بلغا مجمع بينهما # [الكهف:61] فجعل " بين " اسما من غير " ما " ، وكذلك قوله - تبارك ~~وتعالى -: # هذا فراق بيني وبينك # [الكهف:78] قال: " وقد سمعناه في غير موضع من أشعارها " ثم ~~ذكر ما ذكرته عن أبي عمرو بن العلاء، ثم قال: " وقرأها الكسائي ~~نصبا " وكان يعتبرها بحرف عبد الله: " لقد تقطع ما بينكم ". # وقال الزجاج: والرفع أجود, والنصب جائز، والمعنى: " لقد ~~تقطع ما كان من الشركة بينكم ". # الثالث: أن هذا الكلام محمول على معناه؛ إذ المعنى: لقد ~~تفرق جمعكم وتشتت، وهذا لا يصلح أن يكون تفسير إعراب. # قوله: " ما كنتم " " ما " يجوز أن تكون موصولة اسمية، أو نكرة ~~موصوفة، أو مصدرية، والعائد على الوجهين الأولين محذوف، بخلاف ~~الثالث فالتقدير: تزعمونهم شركاء أو شفعاء؛ فالعائد هو ~~المفعول الأول، وشركاء هو الثاني؛ فالمفعولان محذوفان ~~اختصارا؛ للدلالة عليهما إن قلنا: إن " ما " موصولة اسمية، أو ~~نكرة موصوفة، ويجوز أن يكون الحذف اختصارا؛ إن قلنا: إنها ~~مصدرية؛ لأن المصدرية لا تحتاج إلى عائد، بخلاف غيرها، فإنها ~~تفتقر إلى عائد، فلا بد من الالتفات إليه، وحينئذ يلزم ~~تقدير المفعول الثاني، ومن الحذف اختصارا: [الطويل] # 2253- بأي كتاب أم بأية سنة # ترى حبهم عارا علي وتحسب؟ # أي: تحسب حبهم عارا علي. ### || [6.95] # لما قرر التوحيد وأردفه بتقرير أمر النبوة، وتكلم في ms3598 ~~بعض تفاريع هذا الأصل، عاد إلى ذكر الدلائل الدالة على وجود ~~الصانع، وكمال قدرته، وحكمته، وعلمه، تنبيها على أن ~~المقصود الأصلي من جميع المباحث العقلية، والنقلية: ~~معرفة الله بذاته، وصفاته، وأفعاله. # قوله: " فالق الحب ": يجوز أن تكون الإضافة محضة، على أنها ~~اسم فاعل بمعنى الماضي؛ لأن ذلك قد كان، ويدل عليه قراءة عبد الله: ~~" فلق " فعلا ماضيا، ويجوز أن تكون الإضافة غير محضة، على أنه ~~بمعنى الحال والاستقبال، وذلك على حكاية الحال؛ فيكون " الحب " ~~مجرور اللفظ منصوب المحل، و " الفلق ": هو شق للشيء، وقيده ~~الراغب بإبانة بعضه من بعض، والفلق المطمئن من الأرض ~~بين الربوتين و " الفلق " من قوله - تعالى -: # قل أعوذ برب الفلق # [الفلق:1]: ما علمه الله لموسى - عليه السلام - حتى فلق البحر ~~له. # وقيل: الصبح، وقيل: هي الأنهار المشار إليها بقوله - تعالى -: # وجعل خلالهآ أنهارا # [النمل:61]. # والفلق بالكسر بمعنى: المفلوق كالنكث والنقض، ومنه: " ~~سمعته من فلق منه ". # وقيل: الفلق العجب [وقيل: ما يتعجب منه. # قال الراجز في ذلك: [الرجز] # 2254- واعجبا لهذه الفليقه # هل تذهبن القوباء الريقه] # والفالق والفليق: ما بين الجبلين، وما بين السنامين ~~البعير. # وفسر بعضهم " فالق " هنا، بمعنى: " خالق ". # قيل: ولا يعرف هذا لغة، وهذا لا يلتفت إليه؛ لأن هذا ~~منقول عن ابن عباس، والضحاك أيضا، لا يقال ذلك على جهة ~~التفسير للتقريب؛ لأن الفراء نقل في اللغة: أن " فطر وخلق ~~وفلق " بمعنى واحد. # [و " النوى " ]: اسم جنس، مفرد " نواة " ، على حد " قمح ~~وقمحة " ، والنوى: البعد أيضا. # ويقال: نوت البسرة وأنوت، فاشتدت نواتها، ولام " النواة ~~" بانقلاب عينها واوا والأكثر التغاير. # فصل في معنى الآية # قال ابن عباس, والضحاك، ومقاتل: { فالق الحب والنوى }: ~~خالق الحب. # قال الواحدي: ذهبوا ب " فالق " مذهب " فاطر " ، وقد تقدم عن ~~الفراء نقله ذلك لغة. # وقال الحسن، وقتادة، والسدي: معناه: الشق، أي: يشق الحبة من ~~السنبلة، والنواة عن النخلة، فيخرجها منها. # وقال الزجاج: يشق الحبة اليابسة، والنواة اليابسة، ~~فيخرج منها ورقا أخضر. # وقال مجاهد: يعني الشقين اللذين فيهما، أي: يشق الحب عن ~~النبات، ms3599 ويخرجه منه ويشق النوى عن النخل، ويخرجها ~~منها، و " الحب " جمع " حبة " ، وهو اسم لجميع البذور والحبوب من ~~البر، والشعير، والذرة، وكل ما لم يؤكل حبا، كالتمر ~~والمشمش، والخوخ، ونحوها. # وقال ابن الخطيب: إن الشيء قبل دخوله في الوجود، كان معدوما ~~محضا، ونفيا صرفا، فإذا أخرجه الموجد من العدم إلى ~~الوجود, فكأنه بحسب التخيل والتوهم، شق ذلك ~~العدم، وفلقه، وأخرج ذلك المحدث من ذلك الشق، فبهذا ~~التأويل لا يبعد حمل الفالق على الموجد، والمحدث ~~المبدع. # فإذا عرفت ذلك فنقول: إذا وقعت الحبة، أو النواة في ~~الأرض الرطبة، ثم مر عليه مدة، أظهر الله في تلك ~~الحبة والنواة [من أعلاها ومن أسفلها شقا آخر] أما الشق ~~الذي يظهر في أعلى الحبة والنواة؛ فإنه يخرج منه الشجرة ~~الصاعدة إلى الهواء. # وأما الشق الذي أسفل تلك الحبة والنواة؛ فيكون سبا ~~لاتصال الشجرة الصاعدة في الهواء بالشجرة الهابطة في الأرض. ~~ثم هاهنا عجائب: # أحدها: أن طبيعة تلك الشجرة إن كانت تقتضي الهوي في ~~عمق الأرض؛ فكيف تولدت منه الشجرة الصاعدة في الهواء، ~~وإن كانت تقتضي الصعود في الهواء؛ فكيف تولدت منها الشجرة ~~الهابطة في الأرض، فلما تولدت منها هاتان الشجرتان، مع أن الحس ~~والعقل يشهد بكون طبيعة إحدى الشجرتين مضاد ~~لطبيعة الشجرة الأخرى؛ علمنا أن ذلك ليس بمقتضى ~~الطبع والخاصية، بل بمقتضى الإبداع، والإيجاد، والتكوين، ~~والاختراع. # وثانيها: أن باطن الأرض صلب كثيف لا تنفذ المسلة ~~القوية فيه، ولا يغوص السكين الحادة القوي فيه، مع أنا ~~نشاهد أطراف تلك العروق في غاية الرقة واللطافة، بحيث ~~لو دلكها الإنسان بأصبعه بأدنى قوة، لصار كالماء، ثم إنها مع ~~غاية لطافتها تقوى على النفوذ في تلك الأرض الصلبة، ~~والغوص في باطن تلك الأجرام الكثيفة، فحصول هذه القوة ~~الشديدة لهذا الأجرام التي في غاية اللطافة، لا بد وأن ~~يكون بتقدير العزيز الحكيم. # وثالثها: أنه يتولد من تلك النواة شجرة، ويحصل في تلك ~~الشجرة طبائع مختلفة؛ فإن قشر الخشبة له طبيعة ~~مخصوصة، وفي داخل تلك القشرة جرم الخشبة، وفي داخل ms3600 تلك ~~[الخشبة] جسم رخو لطيف يشبه العهن المنفوش، ثم إنه ~~يتولد من ساق الشجرة أغصانها، ويتولد من الأغصان ~~الأوراق، والأزهار، والأنوار، ثانيا، ثم الفاكهة ثالثا، ثم ~~قد يحصل للفاكهة أربعة أنواع من القشور كالجوز واللوز، ~~فإن قشره الأعلى هو الجرم الأخضر، وتحته جرم القشر الذي ~~يشبه الخشب، وتحت القشر الذي كالغشاء الرقيق المحيط ~~باللب، وذلك اللب مشتمل على جرم كثيف هو أيضا ~~كالقشرة، وعلى جرم لطيف هو كالدهن، وهو المقصود ~~الأصلي؛ فتولد هذه الأجسام المختلفة في طبائعها، ~~وصفاتها، وألوانها، وأشكالها، وطعومها، مع تساوي تأثيرات ~~الطبائع، والفصول الأربعة، والطبائع الأربع، يدل على أنها ~~إنما حدثت بتدبير العليم، الحكيم، المختار، القادر، لا ~~بتدبير الطبائع والعناصر. # ورابعها: أنك قد تجد الطبائع الأربعة حاصلة في الفاكهة ~~الواحدة، فالأترج: قشره حار يابس، ولحمه بارد رطب، ~~وحماضه بارد يابس، وبذره حار يابس، وكذلك العنب: قشره ~~وعجمه بارد يابس، وماؤه ولحمه حار رطب؛ فتولد هذه ~~الطبائع المتضادة، والخواص المتنافرة عن الحبة ~~الواحدة، لا يكون إلا بإيجاد الفاعل المختار. # وخامسها: أنك تجد أحوال الفواكه مختلفة، فبعضها يكون ~~اللب في الداخل، والقشر في الخارج كما في الجوز واللوز، ~~وبعضها تكون الفاكهة في الخارج، وتكون الخشبة في الداخل، ~~كالخوخ والمشمش، وبعضها تكون النواة لها لب كالمشمش، ~~والخوخ، وبعضها لا لب له كنوى التمر، وبعض الفواكه لا ~~يكون له من الداخل والخارج قشر، بل يكون مطلوبا [كالتين] فهذه ~~أحوال مختلفة في الفواكه. # وأيضا الحبوب المختلفة في الأشكال والصور, فشكل ~~الحنطة كأنها نصف دائرة، وشكل الحمص على وجه آخر، فهذه ~~الأشكال المختلفة، لا بد وأن تكون لأسرار وحكم علم الخالق ~~أن تركيبها لا يكمل إلا على هذا الشكل. # وأيضا: فقد تكون الثمرة الواحدة غذاء لحيوان، وسما لحيوان ~~آخر؛ فاختلاف هذه الصفات والأحوال، مع اتحاد الطبائع، وتأثير ~~الكواكب، يدل على أنها إنما حصلت بتخليق الفاعل المختار، ~~الحكيم. # وسادسها: أنك تجد في الورقة الواحدة من أوراق الشجرة ~~خطا واحدا مستقيما في وسطها، كأنه بالنسبة لتلك ~~الورقة، كالنخاع بالنسبة إلى بدن الإنسان، فكأنه ~~يتفرق من ms3601 النخاع أعصاب كثيرة يمنة ويسرة في بدن ~~الإنسان، ثم لا يزال ينفصل عن شعبه شعب أخرى, ولا تزال ~~تستدق حتى تخرج عن الحس والإبصار لدقتها، فكذلك في تلك ~~الورقة ينفصل عن ذلك الخط الكبير الوسطاني خيوط مختلفة، وعن ~~كل منهما خيوط أخرى أدق من الأولى، ولا تزال كذلك حتى ~~تخرج تلك الخيوط عن الحس والبصر. # والخالق - تعالى - إنما فعل ذلك، حتى أن القوى الجارية ~~المذكورة في جرم تلك الورقة، تقوى على جذب الأجزاء ~~اللطيفة الأرضية في تلك المجاري الضيقة، فالوقوف على عناية ~~حكمة الخالق في اتحاد تلك الورقة الواحدة، واختلاف ~~أشكال الأوراق؛ تؤذن أن عنايته في اتحاد حكمة ~~الشجرة أكمل. # وإذا عرفت أنه - تبارك وتعالى - إنما خلق النبات ~~لمصلحة الحيوان، علمت أن عنايته في تخليق الحيوان أكمل؛ ~~ولما علمت أن المقصود من تخليق الحيوانات [هو الإنسان] ~~علمت أن عنايته في تخليق الإنسان أكمل. # ثم إنه - تبارك وتعالى - لما خلق الحيوان والنبات ليكون غذاء ~~ودواء للإنسان بحسب جسده، والمقصود من تخليق الإنسان: هو ~~المعرفة، والمحبة، والخدمة؛ لقوله - تبارك وتعالى -: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات:56]. # قوله: " يخرج " يجوز فيه وجهان: # أحدهما: أنها جملة مستأنفة، فلا محل لها. # والثاني: أنها في موضع رفع خبرا ثانيا، لأن قوله: " مخرج " ~~يجوز فيه وجهان: # أحدهما: انه معطوف على " فالق " ، ولم يذكر الزمخشري ~~غيره، أي: الله فالق ومخرج، أخبر فيه بهذين الخبرين؛ ~~وعلى هذا فيكون " يخرج " على وجهه، وعلى كونه مستأنفا فيكون ~~معترضا على جهة البيان لما قبله من معنى الجملة. # والثاني: أنه يكون معطوفا على " يخرج " ، وهل يجعل الفعل في ~~تأويل اسم [ليصح عطف الاسم عليه، أو يجعل الاسم بتأويل الفعل؛ ~~ليصح عطفه عليه؟ احتمالان مبنيان على ما تقدم في " ~~يخرج ". # إن قلنا: إنه مستأنف فهو فعل غير مؤول باسم؛ فيرد الاسم ~~إلى معنى الفعل، فكأن " مخرج " في قوة " يخرج ". # وإن قلنا: إنه خبر ثان ل " إن " وهو بتأويل اسم] واقع موقع ~~خبر ثان؛ فلذلك عطف عليه اسم صريح، ومن عطف الاسم على ~~الفعل ms3602 لكون الفعل بتأويل اسم قول الشاعر في ذلك: ~~[الطويل] # 2255- فألفيته يوما يبير عدوه # ومجر عطاء يستخف المعابرا # وقول القائل في ذلك: [الرجز] # 2256- يار رب بيضاء من العواهج # أم صبي قد حبا أو دارج # وقول القائل في ذلك: [الرجز] # 2257- بات يغشيها بعضب باتر # يقصد في أسوقها وجائر # أي: مبيرا، أم صبي حاب، قاصد. # قوله: " الحي " اسم لما يكون موصوفا بالحياة، و " الميت " اسم ~~للخالي عن صفة الحياة، وعلى هذا فالنبات لا يكون حيا، وفي ~~تفسير هذا الحي والميت قولان: # الأول: حمل هذا اللفظ على الحقيقة. # قال ابن عباس: أخرج من النطفة بشرا أحياء، ثم يخرج ~~من البشر الحي نطفة ميتة، ويخرج من البيضة ~~فروجة حية، ثم يخرج من الدجاجة بيضة ميتة. # القول الثاني: يحمل على المجاز " يخرج " النبات الخفي من ~~الحب اليابس، ويخرج الحب اليابس من النبات الحي ~~النامي. # وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: يخرج المؤمن من الكافر، كما ~~في حق إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - والكافر من المؤمن، كما في ~~حق ولد نوح - عليه الصلاة والسلام - والعاصي من المطيع وبالعكس. # وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: " الميت " مشددة الياء ~~في الكلمتين، والباقون بالتخفيف فيهما. # قوله: { ذلكم الله ربكم } قيل: معناه: ذلكم الله، ~~المبدئ، الخالق, النافع، الضار، المحيي، المميت، " فانى ~~تؤفكون ": تصرفون عن الحق في إثبات القول بعبادة ~~الأصنام. # وقيل: المراد: أنكم لما شاهدتم أنه - تبارك وتعالى - يخرج ~~الحي من الميت، ثم شاهدتم أنه أخرج البدن الحي من ~~النطفة الميتة، فكيف تستبعدون أن يخرج البدن ~~الحي من التراب الرميم مرة أخرى، والمقصود: الإنكار على ~~تكذيبهم بالحشر والنشر، وأيضا الضدان متساويان في ~~النسبة، فكما لا يمتنع الانقلاب من أحد الضدين إلى الآخر، وجب ~~ألا يمتنع الانقلاب من الثاني إلى الأول، فكما لا يمتنع حصول ~~الموت بعد الحياة، وجب أيضا حصول الحياة بعد الموت، وعلى كلا ~~التقديرين، فيخرج منه جواز البعث والنشر. # فصل في إثبات خلق الأفعال لله # تمسكوا بقوله: " فانى تؤفكون " على أن فعل العبد ليس ~~مخلوقا لله - تعالى - لأنه لو ms3603 خلق الإفك فيه، فكيف يليق به أن يقول ~~مع ذلك: " فأنى تؤفكون " والجواب: أن القدرة بالنسبة إلى ~~الضدين متساوية، فترجع أحد الطرفين على الآخر لا لمرجح، ~~فحينئد لا يكون هذا الرجحان من الضد، بل يكون محض الاتفاق ~~فكيف يحسن أن يقال له: " فأنى تؤفكون " وأن توقف ذلك المرجح ~~على حصول مرجح، وهو الداعية الجازمة إلى الفعل، فحصول تلك ~~الداعية يكون من الله - تعالى - وعند حصولها يجب الفعل، ويلزمكم كما ~~ألزمتمونا. ### || [6.96] # هذا نوع آخر من دلائل وجود الصانع وعلمه وقدرته وحكمته، فالنوع ~~الأول من دلالة النبات والحيوان، والنوع الثاني من أنواع الفلك. # وقوله: { فالق الإصباح } نعت لاسم الله - تعالى -، وهو كقوله: " ~~فالق الحب " فيما تقدم. والجمهور على كسر همزة " الإصباح " وهو ~~المصدر: أصبح يصبح إصباحا. # وقال الليث والزجاج: إن الصبح والصباح والإصباح واحد، وهما أول النهار ~~وكذا الفراء. # وقيل: الإصباح: ضوء الشمس بالنهار، وضوء القمر بالليل. رواه ابن أبي ~~طلحة عن ابن عباس. # وقيل هو إضاءة الفجر نقل ذلك عن مجاهد، والظاهر أن " الإصباح " ~~في الأصل مصدر كالإقبال والإدبار سمي به الصباح، وكذا الإمساء وقال ~~امرؤ القيس: [الطويل] # 2258- ألا أيها الليل الطويل ألا انجل # بصبح وما الإصباح منك بأمثل # وقرأ الحسن وأبو رجاء وعيسى بن عمر: " الأصباح " بفتح الهمزة، وهو جمع " ~~صبح " نحو: قفل وأقفال، وبرد وأبراد، وينشد قوله: [الرجز] # 2259- أفنى رياحا وبني رياح # تناسخ الأمساء والأصباح # بفتح الهمزة من " الأمساء " و " الأصباح " على أنهما جمع " مسي " و " ~~صبح " ، وبكسرهما على أنهما مصدران، وقرئ " فالق الأصباح " بفتح " ~~الأصباح " على حذف التنوين لالتقاء الساكنين كقول القائل في ذلك: ~~[المتقارب] # 2260-................... # ولا ذاكر الله إلا قليلا # وقرئ # والمقيمي الصلاة # [الحج: 35] و # لذآئقوا العذاب # [الصافات:38] بالنصب حملا للنون على التنوين، إلا أن سيبويه - رحمه ~~الله تعالى - لا يجيز حذف التنوين لالتقاء الساكنين إلا في شعر، ~~وقد أجازه المبرد في الشعر. # وقرأ يحيى والنخعي وأبو حيوة: " فلق " فعلا ماضيا، وقد تقدم أن عبد ~~الله قرأ الأولى كذلك، وهذا أدل على أن القراءة عندهم سنة ~~متبعة ms3604 ألا ترى أن عبد الله كيف قرأ " فلق الحب " فعلا ماضيا، ~~وقرأ " فالق الإصباح " والثلاثة المذكورين بعكسه. # قال الزمخشري: فإن قلت: فما معنى " فلق الصبح " ، والظلمة هي التي تنفلق ~~عن الصبح، كما قال: [الطويل] # 2261-.................. # تفري ليل عن بياض نهار # قلت: فيه وجهان: # أحدهما: أن يراد: فالق ظلمة الإصباح، يعني أنه على حذف مضاف. # والثاني: أنه يراد: فالق الإصباح الذي هو عمود الفجر عن بياض ~~النهار وإسفاره، وقالوا: انشق عمود الفجر وانصدع، وسموا الفجر فلقا ~~بمعنى مفلوق؛ قال الطائي: [البسيط] # 2262- وأزرق الفجر يبدوا قبل أبيضه # .................... # وقرئ: " فالق " و " جاعل " بالنصب على المدح انتهى. # وأنشده غيره في ذلك: [البسيط] # 2263- فانشق عنها عمود الفجر جافلة # عدو النحوص تخاف القانص اللحما # قال الليث: الصبح والصباح هما أول النهار، وهو الإصباح أيضا، قال ~~تبارك وتعالى: " فالق الإصباح " يعني الصبح. # وقيل: إن الإصباح مصدر سمي به الصبح كما تقدم. # قوله: " وجاعل الليل " قرأ الكوفيون: " جعل " فعلا ماضيا، ~~والباقون بصيغة اسم الفاعل والرسم يحتملهما، و " الليل " منصوب ~~عند الكوفيين بمقتضى قراءتهم، ومجرور عند غيرهم، ووجه قراءتهم له ~~فعلا مناسبة ما بعده، فإن بعده أفعالا ماضية نحو: { جعل لكم ~~النجوم } و { وهو الذي أنشأكم } إلى آخر الآيات ويكون " سكنا ~~" إما مفعولا ثانيا على أن الجعل [بمعنى التصيير، وإما حالا على ~~أنه بمعنى] الخلق، وتكون الحال مقدرة، وأما قراءة غيرهم ف " جاعل " ~~يحتمل أن يكون بمعنى المضي, ويؤيده قراءة الكوفيين، والماضي عند البصريين ~~لا يعمل إلا مع " أل " خلافا لبعضهم في منع إعمال المعرف بها، ~~وللكسائي في إعماله مطلقا، فإذا تقرر ذلك ف " سكنا " منصوب ~~بفعل مضمر عند البصريين، وعلى مقتضى مذهب الكسائي ينصبه به. # وزعم أبو سعيد السيرافي أن اسم الفاعل المتعدي إلى اثنين يجوز أن ~~يعمل في الثاني، وإن كان ماضيا. # قال: لأنه لما أضيف إلى الأول تعذرت إضافته للثاني، فتعين نصبه له. # وقال بعضهم: لأنه بالإضافة أشهب المعرف ب " أل " فيستعمل مطلقا فعلى ~~هذا " سكنا " منصوب به أيضا وأما إذا قلنا: إنه بمعنى الحال ~~والاستقبال، فنصبه ms3605 به، و " سكن " فعل بمعنى مفعول كالقبض بمعنى ~~مقبوض، ومعنى سكن، أي ما يسكن إليه الرجل، ويطمئن إليه استئناسا به ~~واسترواحا إليه من زوج أو حبيب، ومنه قيل للنار سكن؛ لأنه ~~يستأنس بها، ألا تراهم كيف سموها المؤنسة. # قوله: { والشمس والقمر حسبانا } قرأ الجمهور بنصب " ~~الشمس " و " القمر " وهي واضحة على قراءة الكوفيين، أي: بعطف هذين ~~المنصوبين على المنصوبين ب " جعل " و " حسبانا " فيه الوجهان في " ~~سكنا " من المفعول الثاني والحال. # وأما على قراءة الجماعة فإن اعتقدنا كونه ماضيا فلا بد من إضمار ~~فعل ينصبهما، أي: وجعل الشمس. # وإن قلنا: إنه غير ماض فمذهب سيبويه أيضا أن النصب بإضمار فعل، ~~تقول: هذا ضارب زيدا الآن أو غدا أو عمرا بنصب عمرو، وبفعل ~~مقدر لا على موضع المجرور [باسم الفاعل، وعلى رأي غيره يكون النصب] ~~على محل المجرور، وينشدون قوله: [البسيط] # 2264- هل أنت باعث دينار لحاجتنا # أو عبد رب أخا عون بن مخراق # بنصب " عبد " ، وهو محتمل للوجهين على المذهبين. # وقال الزمخشري: أو يعطفان على محل " الليل ". # فإن قلت: كيف يكون ل " الليل " محل، والإضافة حقيقية، لأن اسم الفاعل ~~المضاف إليه في معنى المضين ولا تقول: زيد ضارب عمرا أمس. # قلت: ما هو بمعنى الماضي, وإنما هو دال على فعل مستمر في الأزمنة. # قال أبو حيان: أما قوله: إنما هو دال على فعل مستمر في الأزمنة ~~يعني: فيكون عاملا، ويكون للمجرور إذا ذاك بعده موضع فيعطف عليه " ~~الشمس والقمر " قال: " وهذا ليس بصحيح إذا كان لا يتقيد بزمن ~~خاص، وإنما هو للاستمرار، فلا يجوز له أن يعمل، ولا لمجروره محل، وقد ~~نصوا على ذلك، وأنشدوا عليه قول القائل في ذلك: [البسيط] # 2265- ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة # ........................ # فليس " الكاسب " هنا مقيدا بزمان، و " إن " تقيد بزمان فإما أن يكون ~~ماضيا دون " أل " فلا يعمل عند البصريين، أو ب " أل " أو حالا أو ~~مستقبلا، فيعمل فيضاف على ما تقرر في النحو ". ثم قال: وعلى تقدير تسليم ~~أن الذي للاستمرار يعلم، فلا يجوز العطف ms3606 على محل مجروره، بل مذهب ~~سيبويه - رحمه الله - في " الذي " بمعنى الحال والاستقبال ألا يجوز ~~العطف على محل مجروره، بل على النصب بفعل مقدر لو قلت: هذا ضارب ~~زيد وعمرا [لم يكن نصب عمرا] على المحل [على الصحيح] وهو مذهب سيبويه؛ ~~لأن شرط العطف على الموضع مفقود، وهو أن يكون للموضع محرز لا ~~يتغير، وهذا موضح في علم النحو. # قال شهاب الدين: وقد ذكر الزمخشري في أول الفاتحة في # ملك يوم الدين # [الفاتحة:4] أنه لما لم يقصد به زمان صارت إضافته محضة، ~~فلذلك وقع صفة للمعارف فمن لازم قوله: إنه يتعرف بالإضافة ألا يعمل؛ ~~لأن العامل في نية الانفصال عن الإضافة، ومتى كان في نية ~~الانفصال كان نكرة ومتى كان نكرة فلا يقع صفة للمعرفة، وهذا حسن ~~حيث يرد عليه بقوله: وقد تقدم تحقيق هذا في الفاتحة. # وقرأ أبو حيوة: " والشمس والقمر " جرا نسقا على اللفظ وقرأ ~~شاذا " والشمس والقمر " رفعا على الابتداء، وكان من حقه ~~أن يقرأ " حسبان " رفعا على الخبر، وإنما قرأه نصبا فالخبر ~~حينئذ محذوف، تقديره مجعولان حسبانا، أو مخلوقان حسبانا. # فإن قلت: لا يمكن في هذه القراءة رفع " حسبان " حتى تلزم القارئ بذلك، ~~لأن الشمس والقمر ليسا نفس الحسبان. # فالجواب: أنهما في قراءة النصب إما مفعولان أولان، و " حسبان " ~~ثان، وإما صاحبا حال، و " حسبان " حال، والمفعول الثاني هو الأول، ~~والحال لا بد وأن تكون صادقة على ذي الحال، فمهما كان الجواب لكن كان ~~لنا. # والجواب ظاهر مما تقدم. # والحسبان فيه قولان: # أحدهما: انه جمع, فقيل: جمع " حساب " ك " ركاب " و " ركبان " و " ~~شهاب " و " شهبان " ، وهذا قول أبي عبيد والأخفش وأبي الهيثم ~~والمبرد. # وقال أبو البقاء: هو جمع " حسبانة " وهو غلط؛ لأن الحسبانة: ~~القطعة من النار، وليس المراد ذلك قطعا. # وقيل: بل هو مصدر ك " الرجحان " والنقصان و " الخسران " ، وأما ~~الحساب فهو اسم لا مصدر وهذا قول ابن السكيت. # وقال الزمخشري: و " الحسبان " بالضم مصدر حسبت يعني بالفتح، كما ~~أن الحسبان بالكسر مصدر حسبت يعني ms3607 بالكسر ونظيره: الكفران ~~والشكران. # وقيل: بل الحسبان والحسبان مصدران، وهو ول أحمد بن يحيى، وأنشد ~~أبو عبيد عن أبي زيد في مجيء الحسبان مصدرا قوله: [الطويل] # 2266- على الله حسباني إذا النفس أشرفت # على طمع أو خاف شيئا ضميرها # وقال " حسبانا " على ما تقدم من المفعولية أو الحالية. # وقال ثعلب عن الأخفش: إنه منصوب على إسقاط الخافض، والتقدير: يجريان ~~بحسبان؛ كقوله: # لمن خلقت طينا # [الإسراء:61] أي: من طين. # وقوله: " ذلك " إشارة إلى ما تقدم من الفلق، أو الجعل، أو جميع ما ~~تقدم من الأخبار في قوله " فالق الحب " إلى " حسبانا ". # ومعنى الآية الكريمة: جعل الشمس والقمر بحسابي معلوم لا يجاوزانه حتى ~~يتهيئان إلى أقصى منازلهما { تقدير العزيز العليم } ف " ~~العزيز " إشارة إلى كمال قدرته، " والعليم " إشارة إلى كمال ~~علمه، والمعنى: أن تقدير أجرام الأفلاك بصفاتها المخصوصة ~~وهيئتها المحدودة، وحركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة في ~~البطء والسرعة لا يمكن تحصيله إلا بقدرة كاملة متعلقة بجميع ~~الممكنات، وعلم نافذ في جميع المعلومات من الكليات والجزئيات، ~~وذلك مختص بالفاعل المختار سبحانه وتعالى. ### || [6.97] # وهذا نوع ثالث على كمال القدرة. # فقوله: { جعل لكم النجوم } الظاهر أن " جعل " بمعنى " خلق " ~~، فتكون متعدية لواحد، و " لكم " متعلق ب " جعل " ، وكذا " ~~لتهتدوا ". # فإن قيل: كيف يتعلق حرفا جر متحدان في اللفظ والمعنى؟ # فالجواب: أن الثاني بدل من الأول بدل اشتمال بإعادة العامل، فإن ~~" ليهتدوا " جار ومجرور؛ إذ اللام لام " كي " ، والفعل بعدها منصوب ~~بإضمار " أن " عند البصريين، وقد تقدم تقريره. والتقدير: جعل لكم ~~النجوم لاهتدائكم، ونطيره قوله: # لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم # [الزخرف:33] ف " لبيوتهم " بدل " لمن يكفر " بإعادة العامل. # وقال ابن عطية: " وقد يمكن أن يكون بمعنى " صير " ، ويقدر ~~المفعول الثاني من " لتهتدوا " أي: جعل لكم النجوم هداية ". # قال أبو حيان: " وهو ضعيف لندور حذف أحد مفعولي " ظن " وأخواتها ". # قال شهاب الدين - رحمه الله -: لم يدع ابن عطية المفعول الثاني حتى ~~يجعله ضعيفا، إنما قال: إنه [بدل] من " لتهتدوا " ، أي: فيقدر ~~متعلق الجار الذي وقع مفعولا ثانيا، كما ms3608 يقدر في نظائره، ~~والتقدير: جعل لكم النجوم مستقرة أو كائنة لاهتدائكم. # وأما قوله: { جعل لكم النجوم } هداية فلإيضاح المعنى وبيانه. # والنجوم معروفة، وهي جمع " نجم " ، والنجم في الأصل مصدر؛ ~~يقال: نجم الكوكب ينجم نجما ونجوما، فهو ناجم، ثم أطلق على الكواكب ~~مجازا، فالنجم يستعمل مرة اسما للكوكب ومرة مصدرا، والنجوم ~~تستعمل مرة للكواكب وتارة مصدرا ومنه نجم النبت؛ أي: ~~طلع، ونجم قرن الشاة وغيرها، والنجم من النبات ما لا ساق له، والشجر ~~ما له ساق، والتنجيم: التفريق، ومنه نجوم الكتابة تشبيها بتفرق ~~الكواكب. # فصل في معنى الآية # معنى الآية الكريمة: خلق لكم النجوم لتهتدوا بها إلى ~~الطرق والمسالك في ظلمات البر والبحر، حيث لا يرون شمسا ولا ~~قمرا، وهو أن السائر في البحر والقفار يهتدي بها في الليل إلى ~~مقصده وإلى القبلة، وأيضا إنها زينة السماء كما قال: # ولقد زينا السمآء الدنيا بمصابيح # [تبارك:5] وقال: # إنا زينا السمآء الدنيا بزينة الكواكب # [الصافات:6] ومن منافعها أيضا كونها رجوما للشياطين، ثم قال: { قد ~~فصلنا الآيات لقوم يعلمون } وفيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن هذه النجوم كما يمكن أن يستدل بها على [الطرقات في ظلمات ~~البر والبحر فكذلك يمكن أن يستدل بها على] معرفة الصانع الحكيم، ~~وكمال قدرته وعلمه. # والثاني: أن يكون المراد هاهنا: من العلم: العقل، فيكون نظير قوله تعالى ~~في سورة البقرة: # إن في خلق السماوات والأرض # [البقرة:164] إلى قوله: # لآيات لقوم يعقلون # [البقرة:164] وقوله في آل عمران: # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل ~~والنهار لآيات # [آل عمران:190] إلى قوله: # لأولي الألباب # [آل عمران:190]. # [الثالث:] أن المراد من قوله: " لقوم يعلمون " أي: لقوم يتفكرون ~~ويتأملون، ويستدلون بالمحسوس على المعقول، ويتنقلون، من الشاهد إلى ~~الغائب. ### || [6.98] # وهذا نوع رابع من دلائل وجود الإله سبحانه وتعالى وكمال قدرته ~~وعلمه، وهو الاستدلال باحوال الإنسان، فقوله: { من نفس واحدة } ~~، يعني آدم عليه الصلاة والسلام، وهي نفس واحدة، وحواء مخلوقة من ~~ضلع من أظلاعه، فصار كل [الناس] من نفس واحدة، وهي آدم. # فإن قيل: فما القول ms3609 في عيسى؟ # فالجواب: أنه مخلوق من مريم التي هي مخلوقة من أبويها. # فإن قيل: أليس القرآن دال على أنه مخلوق من الكلمة أو من الروح ~~المنفوخ فيها، فكيف يصح ذلك؟! # فالجواب: أن كلمة " من " تفيد ابتداء الغاية ولا نزاع أن ابتداء عيسى ~~عليه الصلاة والسلام كان من مريم، وهذا القدر كان في صحة هذا اللفظ. # قال القاضي: فرق بين قوله تبارك وتعالى: [ " أنشأكم " وبين قوله: " ~~خلقكم " لأن أنشأكم يفيد أنه خلقكم لا ابتداء، ولكن على وجه النمو ~~والنشوء لا من مظهر من الأبوين، كما يقال في النبات: إنه تعالى أنشأه ~~بمعنى] النمو والزيادة إلى وقت الانتهاء. # قوله: " فمستقر " قرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر القاف، والباقون ~~بفتحها، وأما " مستودع " فالكل قرأه مفتوح الدال، وقد روى الأعور ~~عن أبي عمرو بن العلاء كسرها فمن كسر القاف جعل " مستقرا " اسم ~~فاعل، والمراد به الأشخاص، وهو مبتدأ محذوف الخبر؛ أي: فمنكم ~~مستقر؛ إما في الأصلاب، أو البطون، أو البقور، وعلى هذه القراءة ~~تتناسق " ومستودع " بفتح الدال. # وجوز أبو البقاء في " مستقر " بكسر القاف أن يكون مكانا وبه ~~بدأ. # قال: " فيكون مكانا يستقر لكم " انتهى. # يعني: والتقدير: ولكم مكان يستقر، وهذا ليس بظاهر ألبتة؛ إذ المكان ~~لا يوصف بكونه مستقرا بكسر القاف، بل بكونه مستقرا فيه. # وأما " مستودع " بفتحها، فيجوز أن يكون اسم مفعول، وأن يكون مكانا، ~~وأن يكون مصدرا، فيقدر الأول: فمنكم مستقر في الأصلاب، ومستودع في ~~الأرحام، أو مستقر في الأرض ظاهرا، ومستودع فيها باطنا، ويقدر للثاني: ~~فمنكم مستقر، ولكم مكان تستودعون فيه، ويقدر للثالث: فمنكم مستقر ولكم ~~استيداع. # وأما من فتح القاف فيجوز فيه وجهان فقط: أن يكون مكانا، وأن يكون ~~مصدرا، أي: فلكم مكان تستقرون فيه، وهو الصلب، أو الرحم، أو ~~الأرض، أو لكم استقرار فيما تقدم، وينقص أن يكون اسم مفعول؛ لأن فعله ~~قاصر لا يبنى منه اسم مفعول به [فيكون اسم مكان والمستقر بمنزله المقر؛ ~~وإن كان كذلك لم يجز أن يكون خبر المضمر " منكم " بل يكون خبره ms3610 " لكم " ~~فلتقدير لكم, مقر بخلاف] مستودع حيث جاز فيه الأوجه الثلاثة. # وتوجيه قرءاة أبي عمرو في رواية الأعور عنه في " مستودع " بالكسر على أن ~~يجعل الإنسان كأنه مستودع رزقه وأجله حتى إذا نفدا كأنه ~~ردهما وهو مجاز حسن، ويقوي ما قلته قول الشاعر: [الطويل] # 2267- وما المال والأهلون إلا وديعة # ولا بد يوما أن ترد الودائع # والإنشاء: الإحداث والتربية، ومنه: إنشاء السحاب، وقال تبارك ~~وتعالى: # أومن ينشأ في الحلية # [الزخرف:18] فهذا يراد به التربية، وأكثر ما يستعمل الإنشاء في ~~إحداث الحيوان، وقد جاء في غيره قال تبارك وتعالى: # وينشىء السحاب الثقال # [الرعد:12]. # والإنشاء: قسيم الخبر، وهو ما لم يكن له خارج، وهل هو مندرج ~~في الطلب أو بالعكس، أو قسم برأسه؟ خلاف. # وقيل على سبيل التقريب: هو مقارنة اللفظ لمعناه. # قال الزمخشري: " فإن قلت: فلم قيل: " يعلمون " مع ذكر النجوم، و " ~~يفقهون " مع ذكر إنشاء بني آدم؟ # قلت: كأن إنشاء الإنس من نفس واحدة، وتصريفهم على أحوال مختلفة ~~ألطف وأدق صنعة وتدبيرا، فكان ذكر الفقه الذي هو استعمال ~~فطنة، وتدقيق نظر مطابقا له ". # فصل في تفسير الاستقرار # قال ابن عباس في أكثر الروايات: إن المستقر هو الأرحام، والمستودع ~~الأصلاب. # قال كريب: كتب [جرير إلى] ابن عباس يسأله عن هذه الآية الكريمة، فأجاب: ~~" المستودع ": الصلب، و " المستقر ": الرحم، ثم قرأ # ونقر في الأرحام ما نشآء # [الحج:5]. # قال سعيد بن جبير: قال ابن عباس رضي الله عنهما: هل تزوجت؟ قلت: لا، ~~قال: أما إنه ما كان من مستودع في ظهرك، فسيخرجه الله عزوجل ويؤيده ~~أيضا أن النطفة لا تبقى في [صلب الأب زمانا طويلا والجنين يبقى ~~في رحم الأم زمانا طويلا فلما كان المكث في الرحم أكثر مما في صلب ~~الأب كان حمل الاستقرار على المكث في الرحم] أولى. # وقيل: " المستقر " صلب الأب، و " المستودع " رحم الأم؛ لأن النطفة ~~حصلت في صلب الأب لا من قبل الغير، وحصلت في رحم [الأم بفعل ~~الغير] فأشبهت الوديعة كأن الرجل أودعها ما كان مستقرا عنده. # وقال ms3611 الحسن: " المستقر " حاله بعد الموت، و " المتسودع " حاله قبل ~~الموت؛ لأنه أشبه الوديعة لكونها مشرفة على الذهاب والزوال ~~وقيل العكس. # وقال مجاهد: " مستقر " على ظهر الأرض، و " مستودع " عند الله في ~~الآخرة؛ لقوله عز وجل # ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين # [البقرة: 36]. # وقيل: المستودع: القبر، والمستقر: الجنة والنار. # وقال أبو مسلم: تقديره: هو الذي أنشأكم من نفس واحدة، فمنكم ذكر ~~ومنكم أنثى إلا أنه - تبارك وتعالى - عبر عن الذكر بالمستقر، لأن ~~النطفة ما تتولد في صلبه، وتستقر هناك، وعبر عن الأنثى ~~بالمستودع؛ لأن رحمها شبيه بالمستودع لتلك النطفة، والمقصود من ~~ذكر الله التفاوت في الصفات أن هذا الاختلاف لا بد له من سبب ومؤثر ~~وذلك هو الفاعل المختار الحكيم. ### || [6.99] # وهذا نوع خامس من الدلائل على كمال قدرته تعالى وعلمه ~~وحكمته ورحمته وإحسانه إلى خلقه. # قوله: " فأخرجنا " فيه التفات من غيبة إلى تكلم بنون العظمة ~~والباء في " به " للسببية. # وقوله: { نبات كل شيء } قيل: المراد كل ما يسمى نباتا في ~~اللغة. # قال الفراء: " رزق كل شيء، أي: ما يصلح أن يكون غذاء لكل شيء، ~~فيكون مخصوصا بالمتغذى به ". # وقال الطبري: " هو جميع ما ينموا من الحيوان والنبات والمعادن؛ لأن ~~كل ذلك يتغذى بالماء ". # ويترتب على ذلك صناعة إعرابية وذلك أنا إذا قلنا بقول غير ~~الفراء كانت الإضافة راجعة في المعنى إلى إضافة شبه الصفة لموصوفها، ~~إذ يصير المعنى على ذلك: فأخرجنا به كل شيء منبت، فإن النبات ~~بمعنى المنبت، وليس مصدرا كهو في # أنبتكم من الأرض # [نوح:17] وإذا قلنا بقول الفراء: كانت الإضافة إضافة بين متباينين؛ إذ ~~يصير المعنى غذاء كل شيء أو رزقه، ولم ينقل أبو حيان عن الفراء غير هذا ~~القول والفراء له في هذه الآية القولان المتقدمان، فإنه قال: " ~~رزق كل شيء " قال: وكذا جاء في التفسير، وهو وجه الكلام، وقد يجوز في ~~العربية أن تضيف النبات إلى كل شيء، وأنت تريد بكل شيء النبات ~~أيضا، فيكون مثل قوله: " حق اليقين واليقين هو الحق ". # فصل في ms3612 دحض شبهة للمعتزلة # هذه الآية تقتضي نزول المطر في السماء. # قال الجبائي: إن الله - تبارك وتعالى - ينزل الماء من السماء ~~إلى السحاب، ومن السحاب إلى الأرض لظاهر النص قال بعض الفلاسفة: ~~إن البخارات الكثيرة تجتمع في باطن الأرض، ثم تصعد، وترتفع ~~إلى الهواء، فينعقد الغيم منها، ويتقاطر، وذلك هو المطر، ~~فقيل: المراد أنزل من جانب السماء ماء. # وقيل: ينزل من السحاب، وسمي السحاب سماء؛ لأن العرب تسمي كل ما ~~فوقك سماء كسماء البيت. # ونقل الواحدي في " البسيط " عن ابن عباس - رضي الله عنهما - يريد ~~بالماء هاهنا المطر، ولا تنزل نقطة من الماء إلا ومعها ملك. # قوله: { فأخرجنا به نبات كل شيء } يدل على أن ~~إخراج النبات بواسطة الماء، وذلك يوجب القول بالطبع، ~~والمتكلمون ينكرونه. # قال الفراء: هذا الكلام يدل على أنه أخرج به نبات كل شيء، وليس ~~الأمر كذلك،وكأن المراد: فأخرجنا [به نبات كل شيء له نبات، وإذا كان كذلك ~~فالذي لا نبات له لا يكون داخلا فيه وقوله: " فأخرجنا " ] بعد قوله: " ~~أنزل " فيه التفات، وهو من الفصاحة مذكور في قوله تبارك وتعالى: # حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم # [يونس:22]. # وقوله تبارك وتعالى: " فأخرجنا " هذه النون تسمى نون العظمة لا ~~نون الجمع كقوله: # إنآ أرسلنا نوحا # [نوح:1] # إنا نحن نزلنا الذكر # [الحجر:9] # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر:1] قوله: " فأخرجنا منه " في الهاء وجهان: # أحدهما: أن يعود على النبات، وهو الظاهر، ولم يذكر الزمخشري غيره، ~~وتكون " من " على بابها من كونها لابتداء الغاية، أو تكون " من " ~~للتبعيض، وليس كذلك. # والثاني: يعود على الماء، وتكون " من " سببية. # وذكر أبو البقاء - رحمه الله تعالى - الوجهين، فقال: " ~~فأخرجنا منه " أي: بسببه، ويجوز أن تكون الهاء في " منه " راجعة ~~على النبات، وهو الأشبه، وعلى الأول يكون " فأخرجنا " بدلا من " ~~أخرجنا " الأول أي: أنه يكتفى في المعنى بالإخبار بهذه الجملة ~~الثانية، وإلا فالبدل الصناعي لا يظهر، فالظاهر أن " فأخرجنا " عطف على ~~" فأخرجنا " الأول. # وقال أبو حيان: وأجاز أبو البقاء - رحمه الله تعالى - أن يكون ms3613 بدلا من ~~" فأخرجنا ". # قلت: إنما جعله بدلا بناء على عود الضمير في " منه " على الماء ~~فلا يصح أن يحكى عنه أنه جعله بدلا مطلقا؛ لأن البدلية لا ~~تتصور على جعل الهاء في " منه " عائدة على النبات، والخضر بمعنى ~~الأخضر ك " عور " و " أعور ". # قال أبو إسحاق: يقال: أخضر يخضر فهو خضر وأخضر ك " أعور " فهو عور ~~وأعور. # والخضرة أحد الألوان، وهو بين البياض والسواد ولكنها إلى السواد ~~أقرب، وكذلك أطلق الأسود على الأخضر، وبالعكس، ومنه " سواد العراق " ~~لخضرة أرضه بالشجر، وقال تبارك وتعالى: # مدهآمتان # [الرحمن:64] أي: شديدتا السواد لريهما، والمخاضرة مبايعة ~~الخضر والثمار قبل بلوغها، والخضيرة: نخلة ينتثر بسرها أخضر. # وقوله عليه الصلاة والسلام: # " إياكم وخضراء الدمن " # فقد فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: # " المرأة الحسناء في المنبت السوء " # والدمن: مطارح الزبالة، وما يستقذر، فقد ينبت منها ~~ما يستحسنه الرائي. # قال الليث: الخضر في كتاب الله الزرع والكلأ، وكل نبت من الخضر. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد القمح والشعير والسلت والذرة ~~والأرز، والمراد بهذا الخضر العود الأخضر الذي يخرج أولا، وتكون ~~السنبلة مركبة عليه من فوقه # قوله: " نخرج منه " أي: من الخضر. # والجمهور على " نخرج " مسندا إلى ضمير المعظم نفسه. # وقرأ ابن محيصن والأعمش: " يخرج " بياء الغيبة مبنيا للمفعول و " حب ~~" قائم مقام فاعله، وعلى كلتا القراءتين تكون الجملة صفة ل " خضرا " ~~وهذا هو الظاهر، وجوزوا فيها أن تكون مستأنفة، و " متراكب " رفعا ~~ونصبا صفة ل " حب " بالاعتبارين، والمعنى أن تكون الحبات متراكبة ~~بعضها فوق بعض، مثل [سنابل] البر والشعير والأرز، وسائر الحبوب، ~~ويحصل فوق السنبلة أجسام دقيقة حادة كأنها الإبر، والمقصود [من ~~تخليقها منع الطير من التقاط تلك الحبات المتراكبة. # قوله: { ومن النخل من طلعها قنوان } يجوز في هذه الجملة ~~أوجه:] # أحسنها: أن يكون " من النخل " خبرا مقدما، و " من طلعها " بدل بعض من ~~كل بإعادة العامل، فهو كقوله تعالى: # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن ~~كان يرجو الله واليوم الآخر # [الأحزاب:21]. ms3614 # و " قنوان " مبتدأ مؤخر، وهذه الجملة ابتدائية عطفت على الفعلية ~~قبلها. # الثاني: أن يكون " قنوان " فاعلا بالجار قبله، وهو " من النخل " و " ~~من طلعها " على ما تقدم من البدلية، وذلك على رأي الأخفش. # الثالث: أن تكون المسألة من باب التنازع، يعني أن كلا من ~~الجارين يطلب " قنوان " على أنه فاعل على رأي الأخفش، فإن أعملت ~~الثاني، وهو مختار قول البصريين أضمرت في الأول، وإن أعملت الأول كما ~~هو مختار قول الكوفيين أضمرت في الثاني. # قال أبو البقاء: والوجه الآخر أن يرتفع " قنوان " على أنه فاعل " من ~~طلعها " فيكون في " من النخل " ضمير يفسره " قنوان " وإن رفعت [ " قنوان ~~" ] بقوله: " ومن النخل " على قول من أعمل أول الفعلين جاز، وكان في " من ~~طلعها " ضمير مرفوع قلت: فقد أشار بقوله: على أنه فاعل " من طلعها " إلى ~~إعمال الثاني. # الرابع: أن يكون " قنوان " مبتدأ، و " من طلعها " الخبر، وفي " من النخل ~~" ضمير، تقديره ونبت من النخل شيء أو ثمر، فيكون " من طلعها " بدلا منه. ~~قاله أبو البقاء رحمه الله، وهذا كلام لا يصح؛ لأنه بعد أن جعل " من ~~طلعها " الخبر، فكيف يجعله بدلا؟ فإن قيل: يجعله بدلا منه؛ لأن " من ~~النخل " خبر للمبتدأ. # فالجواب: أنه قد تقدم هذا الوجه، وجعله مقابلا لهذا، فلا بد أن يكون ~~هذا غيره، فإنه قال قبل ذلك: وفي رفعه وجهان: # أحدهما: هو مبتدأ، وفي خبره وجهان: # أحدهما: هو " من النخل " ، و " من طلعها " بدل بإعادة الجار. # قال أبو حيان: وهذا إعراب فيه تخليط. # الخامس: أن يكون مبتدأ محذوف الخبر لدلالة " أخرجنا " عليه، تقديره: ~~ومخرجه من طلع النخل " قنوان ". هذا نص الزمخشري، وهو كما قال أبو حيان ~~لا حاجة إليه؛ لأن الجملة مستقلة في الإخبار بدونه. # السادس: أن يكون " من النخل " متعلقا بفعل مقدر، ويكون " من طلعها ~~قنوان " جملة ابتدائية في موضع المفعول ب " نخرج " وإليه ذهب ابن عطية، ~~فإنه قال: " ومن النخل " تقديره: " نخرج من النخل " ، و " من طلعها قنوان ~~" ابتداء خبر مقدم، والجملة موضع المفعول ب " نخرج ". # قال ms3615 الشيخ: وهذا خطأ؛ لأن ما يتعدى إلى مفعول واحد لا تقع الجملة في ~~موضع مفعوله إلا إذا كان الفعل مما يعلق، وكان في الجملة مانع يمنع من ~~العمل في شيء من مفرداتها على ما شرح في النحو، و " نخرج " ليس مما ~~يعلق، وليس في الجملة ما يمنع من العمل في مفرداتها؛ إذ لو سلط ~~الفعل على شيء من مفردات الجملة لكان التركيب: ويخرج من النخل من طلعها ~~قنوان [بالنصب مفعولا به. # وقال أبو حيان: ومن قرأ " يخرج منه حب متراكب " جاز أن يكون قوله " ~~ومن النخل من طلعها قنوان " ] معطوفا عليه نحو: ضرب في الدار زيد وفي ~~السوق عمرو أي: إنه يعطف " قنوان " على حب " ومن النخل " على " منه " ، ~~ثم قال: " وجاز أن يكون مبتدأ وخبرا وهو الأوجه ". # والقنوان جمع ل " قنو " ، كالصنوان جمع ل " صنو " والقنو: ~~العذق بكسر العين وهو عنقود النخلة، ويقال له: الكباسة. # قال امرؤ القيس: [الطويل] # 2268- وفرع يغشي المتن أسود فاحم # أثيث كقنو النخلة المتعثكل # وقال الآخر [الطويل]: # 2269- سوامق جبار أثيث فروعه # وعالين قنوانا من البسر أحمرا # والقنوان: جمع تكسير. # قال أبو علي: الكسرة التي في قنوان ليست التي في " قنو "؛ لأن تلك ~~حذفت في التكسير، وعاقبتها كسرة أخرى كما قدر تغير كسرة " ~~هجان " جمعا عن كسرته مفردا، فكسرة " هجان " جمعا ككسرة " ظراف ~~". # قال الواحدي - رحمه الله -: وهذا مما توضحه الضمة في آخر " منصور ~~" على قول من قال " يا حار " يعني بالضمة ليست التي كانت فيه في قول من ~~قال: " يا حار " يعني بالكسر. # وفي لغات: # فلغة " الحجاز ": " قنوان " بكسر القاف، وهي قراءة الجمهور وقرأ ~~الأعمش، والحباب عن أبي عمرو - رضي الله عنه -، والأعرج بضمها، ورواها ~~السمي عن علي بن أبي طلحة، وهي لغة " قيس ". # ونقل ابن عطية عكس هذا، فجعل الضم لغة " الحجاز " ، فإنه قال: " وروي عن ~~الأعرج ضم القاف على أنه جمع " قنو " بضم القاف ". # قال الفراء: " وهي لغة " قيس " ، وأهل " الحجاز " ، والكسر أشهر في ~~العرب ". # واللغة الثالثة " قنوان " بفتح القاف، وهي قراءة أبي ms3616 عمرو - رحمه ~~الله تعالى - في رواية هارون عنه، وخرجها ابن جني على أنها اسم جمع " ~~قنو " لا جمعا؛ إذ ليس في صيغ الجموع ما هو على وزن " فعلان " ~~بفتح الفاء، ونظره الزمخشري ب " ركب " ، وأبو البقاء - رحمه الله ب ~~" الباقر " ، وتنظير أبي البقاء أولى؛ لأنه لا خلاف في " الباقر " أنه ~~اسم جمع، وأما " ركب " فيه خلاف لأبي الحسن مشهور، ويدل على ذلك ~~أيضا شيء آخر وهو أنه قد سمع في المفرد كسر القاف، وضمها، فجاء الجمع ~~عليهما، وأما الفتح فلم يرد في المفرد. # واللغة الرابعة " قنيان " بضم القاف مع الياء دون الواو. # والخامسة: " قنيان " بكسر القاف مع الياء أيضا، وهاتان لغتا " تميم " ~~و " ربيعة ". # وأما المفرد فلا يقولونه بالياء أصلا، بل بالواو، سواء كسروا القاف أم ~~ضموها، فلا يقولون إلا قنوا وقنوا، ولا يقولون: قنيا ولا ~~قنيا، فخالف الجمع مفرده في الماة، وهو غريب، واختلف في مدلول " ~~القنو "؛ فقيل: هو الجمار، وهذا يكاد يكون غلطا، وكيف يوصف بكونه ~~دانيا؛ أي: قريب الجنى والجمار إنما هو في قلب النخلة؟ ~~والمشهور أنه العذق كا تقدم ذلك. # وقال ابن عباس: يريد العراجين التي قد تدلت من الطلع دانية ممن ~~يجتنيها. # وروي عنه أنه قال قصار النخل اللاصقة عذوقها بالأرض. # قال الزجاج ولم يقل: ومنها قنوان بعيدة؛ لأن ذكر أحد القسمين يدل ~~على الثاني، لقوله: # سرابيل تقيكم الحر # [النحل:81]، ولم يقل: سرابيل تقيكم البرد. # وقيل أيضا: ذكر الدانية القريبة، وترك البعيدة؛ لأن النعمة في القريبة ~~أكثر. # قال أبو عبيد: " وإذا ثنيت " قنوا " قلت: قنوان بكسر النون ~~ثم جاء جمعه على لفظ الاثنين مثل: صنو وصنوان، والإعراب على النون ~~في الجمع [وليس لهما في كلام العرب نظير؛ قال الشاعر: [الطويل] # 2270-................... # ومال بقنوان البسر أحمرا # قال شهاب الدين: إذا وقف على " قنوان " المثنى رفعا، وعلى " قنوان " ~~جمعا وقع الاشتراك اللفظي، ألا ترى أنك إذا قلت " عندي قنوان " وقفا ~~احتمل ما ذكرته في التثنية والجمع، وإذا وصلت وقع الفرق، فإنك تجعل ~~الإعراب على النون حال جمعه كغربان ms3617 وصردان، وتكسر النون في التثنية، ~~ويقع الفرق أيضا بوجوه أخر: # منها انقلاب الألف ياء نصبا وجرا في التثنية نحو رأيت قنويك ~~وصنويك، ومررت بقنويك وصنويك. # ومنها: حذف نون التثنية إضافة وثبوت النون في الجمع]. # نحو: جاء قنواك وصنواك [وقنوانك وصنوانك] ومنها في النسب فإنك تحذف ~~علامتي التثنية، فتقول: قنوي وصنوي، ولا تحذف الألف والنون إذا أردت ~~الجمع بل تقول: قنواني وصنواني، وهذان اللفظان في الجمع تكسيرا يشبهان ~~الجمع تصحيحا، وذلك أن كلا منهما لحق آخره علامتان في حال الجمع ~~مزيدتان، ولم يتغير معهما بناء الواحد، والفرق ما تقدم. # وأيضا فإن الجمع من قنوان وصنوان إنما فهمناه من صيغة فعلان، لا ~~من الزيادتين، بخلاف " الزيدين " فإن الجمع فهمناه منهما، وهذا الفصل ~~الذي ذكرته من محاسن علم الإعراب والتصريف واللغة. # وقال الراغب: بعد أن ذكر أنه العذق: والقناة تشبه القنو في ~~كونهما غصنين، وأما القناة التي يجري فيها الماء قيل لها ذلك؛ لأنها ~~تشبه القناة في الخط والامتداد. # وقيل: أصلة من قنيت الشيء إذا ادخرته؛ لأنها مدخرة للماء. # وقيل: هو من قاناه أي: خالطه. # قال امرؤ القيس: [الطويل] # 2271- كبكر مقاناة البياض بصفرة # غذاها نمير الماء غير محلل # وأما " القنا " الذي هو الاحديداب في الأنف فيشبه في ~~الهيئة بالقنا يقال: رجل أقنى، وأمرأة قنواء، كأحمر وحمراء. # والطلع: أول ما يخرج من النخلة في أكمامه. # قال أبو عبيد: الطلع: الكفرى قبل أن تنشق عن الإغريض ~~والإغريض يسمى طلعا يقال: أطلعت النخلة إذا أخرجت طلعها تطلع إطلاعا ~~وطلع الطلع يطلع طلوعا؛ ففرقوا بين الإسنادين، وأنشد بعضهم في مراتب ما ~~تثمره النخل قول الشاعر: [الرجز] # 2272- إن شئت أن تضبط يا خليل # أسماء ما تثمره النخيل # فاسمعه موصوفا على ما أذكر # طلع وبعده خلال يظهر # وبلح ثم يليه بسر # ورطب تجنيه ثم تمر # فهذه أنواعها يا صاح # مضبوطة عن صاحب الصحاح # قوله: " وجنات " الجمهور على كسر التاء من " جنات "؛ لأنها ~~منصوبة نسقا على " نبات " أي: فأخرجنا بالماء النبات وجنات، وهو من ~~عطف الخاص على العام تشريفا لهذين ms3618 الجنسين على غيرهما كقوله تعالى: # وملائكته ورسله وجبريل وميكال # [البقرة:98] وعلى هذا فقوله: { ومن النخل من طلعها ~~قنوان } جملة معترضة وإنما جيء بهذه الجملة معترضة وأبرزت في صورة ~~المبتدأ والخبر تعظيما للمنة به لأنه من أعظم قوت العرب، ولأنه ~~جامع بين التفكه والقوت. # ويجوز أن ينتصب " جنات " نسقا على " خضرا " ، وجوز الزمخشري - ~~وجعله الأحسن - أن ينتصب على الاختصاص، كقوله: # والمقيمي الصلاة # [الحج:35]. # قال: " لفضل هذين الصنفين " وكلامه يفهم أن القراءة الشهيرة عنده رفع ~~" جنات " والقراءة بنصبهما شاذة، فإنه أول ما ذكر توجيه الرفع ~~كما سيأتي، ثم قال: وقرئ " وجنات " بالرفع وفيها ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها مرفوعة بالابتداء، والخبر محذوف، واختلفت عبارة المعربين في ~~تقديره فمنهم من قدره متأخرا ومنهم من قدره متقدما؛ فقدره ~~الزمخشري متقدما أي: وثم جنات، وقدره أبو البقاء: ومن الكرم ~~جنات، وهذا تقدير حسن لمقابلة قوله: " ومن النخل " أي: من ~~النخل كذا، ومن الكرم كذا، وقدره النحاس " ولهم جنات " ، ~~وقدره ابن عطية: " ولكن جنات ". # ونظيره قوله في قراءته # وحور عين # [الواقعة:22] بعد قوله: # يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب # [الواقعة:17، 18] أي: ولهم حور عين، ومثل هذا اتفق على جوازه ~~سيبويه، والكسائي، والفراء. # وقدره الزمخشري، وأبو حيان متأخرا؛ فقال: أي: وجنات من أعناب أخرجناها ~~قال الشيخ: ودل على تقديره قوله قبل: " فأخرجنا " كما تقول: أكرمت ~~عبد الله وأخوه، أي: وأخوه أكرمته. # قال شهاب الدين: وهذا التقدير سبقه إليه ابن الأنباري، فإنه ~~قال: " الجنات " رفعت بمضمر بعدها تأويلها: وجنات من أعناب أخرجناها، ~~فجرى مجرى قول العرب " أكرمت عبد الله وأخوه " تريد وأخوه أكرمته. # قال الفرزدق: [الطويل] # 2273- غداة أحلت لابن أصرم طعنة # حصين عبيطات السدائف والخمر # فرفع " الخمر " وهي مفعولة على معنى: والخمر أحلها الطعنة. # والوجه الثاني: أن يرتفع عطفا على " قنوان " تغليبا للجوار؛ كقول ~~الشاعر: [الوافر] # 2274-................... # وزججن الحواجب والعيونا # فنسق " العيون " على " الحواجب " تغليبا للمجاورة، والعيون لا ~~تزجج كما أن الجنات من الأعناب لا يكن من الطلع، هذا نص ~~مذهب ابن الأنباري أيضا، فتحصل له في الآية الكريمة مذهبان، وفي ms3619 ~~الجملة فالجواب ضعيف وقد تقدم أنه من خصائص النعت. # والثالث: أن يعطف على " قنوان ". # قال الزمخشري: على معنى محاطة أو مخرجه من النخل قنوان، وجنات من ~~أعناب أي من نبات أعناب. # قال أبو حيان رحمه الله تعالى: وهذا العطف على ألا يلحظ فيه قيد ~~من النخل، فكأنه قال: ومن النخل قنوان دانية، وجنات من أعناب حاصلة، ~~كما تقول: " من بني تميم رجل عاقل ورجل من قريش منطلقان ". # قال شهاب الدين رحمه الله: وقد ذكر الطبري أيضا هذا الوجه أعني ~~عطفها على " قنوان " ، وضعفه ابن عطية، كأنه لم يظهر له ما ظهر ~~لأبي القاسم من المعنى المشار إليه، ومنع أبو البقاء عطفه على " قنوان " ~~، قال: " لأن العنب لا يخرج من النخل ". # وأنكر أبو عبيد وأبو حاتم هذه القراءة قال أبو حاتم: " هذه القرءاة محال ~~لأن الجنات من الأعناب لا تكون من النخل ". # قال شهاب الدين: أما جواب أبي البقاء فبما قاله الزمخشري. # وأما جواب أبي عبيد وأبي حاتم فبما تقدم من توجيه الرفع، و " من ~~أعناب " صفة ل " جنات " فتكون في محل رفع ونصب بحسب القراءتين، وتتعلق ~~بمحذوف. # قوله: " والزيتون والرمان " لم يقرأهما أحد إلا ~~منصوبين، ونصبهما: إما عطف على " جنات " ، وإما على " نبات " وهذا ~~ظاهر قول الزمخشري، فإنه قال: وقرئ " وجنات " بالنصب عطفا على " نبات كل ~~شيء " أي: وأخرجنا به جنات من أعناب، وكذلك قوله: " والزيتون ~~والرمان ". # ونص أبو البقاء على ذلك فقال: " وجنات " بالنصب عطفا على " نبات " ~~ومثله " الزيتون والرمان ". # وقال ابن عطية: عطفا على " حبا " وقيل على " نبات " وقد تقدم أن في ~~المعطوف الثالث فصاعدا احتمالين: # أحدهما: عطفه على ما يليه. # والثاني: عطفه على الأول نحوه مررت بزيد وعمرو وخالد، فخالد يحتمل ~~عطفه على زيد وعمرو، وقد تقدم أن فائدة الخلاف تظهر في نحو: " مررت بك ~~وبزيد وبعمرو " ، فإن جعلته عطفا على الأول لزمت الباء، وإلا جازت. # و " الزيتون " وزنه " فيعول " فالياء مزيدة، والنون أصلية ~~لسقوط تلك في الاشتقاق، وثبوت ذي، قالوا: أرض زتنة، أي: كثيرة الزيتون، ~~فهو ms3620 نظير قيصوم، لأن فعلولا مفقود، أو نادر ولا يتوهم أن تاءه ~~أصلية ونونه مزيدة لدلالة الزيت، فإنهما مادتان متغايرتان، وإن ~~كان الزيت معتصرا منه، ويقال: زات طعامه، أي: جعل في زيتا، وزات ~~رأسه أي: دهنه به، وازدات: أي ادهن أبدلت تاء الافتعال ~~دالا بعد الزاي كازدجر وازدان. # و " الرمان " وزنه فعال نونه أصلية، فهو نظير: عناب وحماض، ~~لقولهم: أرض رمنه أي: كثيرته. # قال الفراء: قوله تعالى: { والزيتون والرمان } يريد شجر ~~الزيتون، وشجر الرمان؛ كقوله تعالى: # وسأل القرية # [يوسف:82] يريد أهلها. # فصل في معنى تقدم النخل على الفواكه في الآية # ذكر تبارك وتعالى هاهنا أربعة أنواع من الأشجار: النخل والعنب ~~والزيتون والرمان، وقدم الزرع على الشجر؛ لأن الزرع غذاء، وثمار ~~الأشجار فواكه، والغذاء مقدم، وقدم النخل على الفواكه؛ لأن الثمر ~~يجري مجرى الغذاء بالنسبة إلى العرب. # قال الحكماء: بينه وبين الحيوان مشابهة في خواص كثيرة لا توجد في ~~النبات، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: # " أكرموا النخلة فإنها عمتكم فإنها خلقت من ~~طين آدم عليه الصلاة والسلام ". # وذكر العنب عقيب النخل؛ لأن العنب أشرف أنواع الفواكه؛ لأنه أول ~~ما يظهر يصير منتفعا به إلى آخر الحال، فأول ما يظهر على الشجر ~~خيوط خضر رقيقة حامضة الطعم لذيذة، وقد يمكن اتخاد ~~الصبائغ منه، ثم يظهر بعده الحصرم، وهو طعام شريف للأصحاء ~~والمرضى، وقد يتخذون من الحصرم أشربة لطيفة المذاق نافعة لأصحاب ~~الصفراء، وقد يتخذ الطبيخ منه، لأنه ألذ الطبائخ الحامضة، ثم إذا تم ~~العنب فهو ألذ الفواكه [وأشهاها فيمكن ادخار العنب المعلق سنة أو أكثر ~~وهو ألذ الفواكه] المدخرة، ثم يخرج منه أربعة أنواع من المتناولات: ~~وهي الزبيب والدبس والخمر والخل، ومنافع هذه الأربع لا تنحصر ~~إلا في مجلدات والخمر فإن كان الشرع قد حرمها، ولكنه تبارك ~~وتعالى قال في صفتها: # ومنافع للناس # [البقرة:219] ثم قال: # وإثمهمآ أكبر من نفعهما # [البقرة: 219] والأطباء يتخذون من عجمه جوارشات عظيمة النفع للمعدة ~~الضعيفة الرطبة، فتبين أن العنب كأنه سلطان الفواكه، وأما الزيتون ~~فهو أيضا كثير النفع ms3621 كثير البركة؛ لأنه يمكن تناوله كما هو، ~~ونفصل عنه أيضا دهن كثير عظيم النفع في الأكل، وسائر وجوه الاستعمال ~~وأما الرمان فحاله عجيب جدا؛ لأنه جسم مركب من أربعة أقسام: ~~قشرة وشحمه وعجمه وماءه، فأما الأقسام الثلاثة وهي القشر والشحم والعجم، ~~فهي باردة يابسة أرضية كثيفة قابضة عفصة قوية في هذه الصفات وأما ~~ماء الرمان فبالضد من هذه الصفات، فإنه ألذ الأشربة ~~وألطفها، وأقربها إلى الاعتدال، وأشدها مناسبة للطبائع ~~المعتدلة فيه تقوية للمزاج الضعيف, وهو غذاء من وجه، ودواء من وجه ~~آخر، فإذا تأملت في الرمان وجدت الأقسام الثلاثة في غاية الكثافة ~~التامة الأرضية، ووجدت القسم الرابع وهو ماء الرمان في غاية ~~اللطافة والاعتدال، فكأنه تبارك وتعالى جمع فيه بين ~~المتضادين المتغايرين، فكانت دلالة القدرة والحكمة فيه أكمل ~~وأتم. # نبه تعالى بذكر هذه الأقسام الأربعة [التي هي أشرف أنواع النبات] على ~~الباقي. # قوله: " مشتبها " حال؛ إما من " الرمان " لقربه، وحذفت ~~الحال من الأول؛ تقديره: والرمان مشتبها، ومعنى التشابه أي في ~~اللون، وعدم التشابه أي في الطعم. # وقيل: هي حال من الأول، وحذفت حال الثاني، وهذا كما تقدم في الخبر ~~المحذوف، نحو: # والله ورسوله أحق أن يرضوه # [التوبة:62] وإلى هذا نحا الزمخشري، فإنه قال: تقديره: والزيتون ~~مشتبها، وغير مشتبه، والرمان كذلك؛ كقول القائل في ذلك: [الطويل] # 2275- رماني بأمر كنت منه ووالدي # بريئا....................... # أي: ولم يقل: مشتبهين اكتفى بوصف أحدهما أو على تقدير: " والزيتون ~~مشتبها وغير متشابه، والرمان كذلك ". # قال أبو حيان: " فعلى قوله يكون تقدير البيت: كنت منه بريئا، ووالدي ~~كذلك، أي: بريئا، والبيت لا يتعين فيه ما ذكره؛ لأن " بريئا " على ~~وزن " فعيل " كصديق ورفيق، فصح أن يخبر به عن المفرد والمثنى ~~والمجموع، فيحتمل أن يكون " بريئا " خبر " كان " على اشتراك الضمير ~~والظاهر المعطوف عليه فيه إذ لا يجوز أن يكون خبرا عنهما، ولا يجوز أن ~~يكون حالا عنهما، إذ لو كان كذلك لكان التركيب مشتبهين وغير مشتبهين ". # وقال أبو البقاء: حال من " الرمان " ومن الجميع، فإن عنى في ~~المعنى ms3622 فصحيح، ويكون على الحذف، وكما تقدم فإن أراد بالصناعة، فليس ~~بشيء؛ لأنه كأنه يلزم المطابقة. # والجمهور على " مشتبها ". وقرئ شاذا " متشابها " وغير متشابه ~~كالثانية، وهما بمعنى واحد قال الزمخشري: " كقولك اشتبه الشيئان، ~~وتشابها كاستويا وتساويا والافتعال والتفاعل يشتركان كثيرا ~~". # انتهى وقد جمع بينهما في هذه الآية الكريمة في قوله " مشتبها وغير ~~متشابه ". # فصل في معنى " متشابه " في الآية # قال بعضهم: متشابه في اللون والشكل، ومع أنها تكون متشابهة في الطعم ~~واللذة، فإن الأعناب والرمان قد تكون متشابهة في الصورة واللون ~~والشكل، مع أنها تكون مختلفة في الحلاوة والحموضة. # وقيل: إن أكثر الفواكه يكون ما فيها من القشر والعجم متشابهة في ~~الطعم والخاصية. # وقال قتادة: مشتبها ورقها مختلفا ثمرها؛ لأن ورق الزيتون يشبه ~~ورق الرمان. # وقيل: إنك إذا أخذت عنقود العنب وجدت جميع حباته ناضجة حلوة ~~طيبة إلا حبات مخصوصة لم تدرك، بل بقيت على أول حالها في الحموضة ~~والعفوصة، وعلى هذا فبعض حبات ذلك العنقود متشابه، وبعضها غير ~~متشابه. # قوله: " إلى ثمره " متعلق ب " انظروا " وهو بمعنى الرؤية، وإنما ~~تعدت ب " إلى " لما تتضمنه من التفكر. # وقرأ الأخوان " ثمره " بضمتين، والباقون: فتحتين. # وقرئ شاذا بضم الأول، وسكون الثاني. # وأما قراءة الأخوين فتحتمل أربعة أوجه: # أحدها: أن يكون اسما مفردا؛ كطنب وعنق. # والثاني: أنه جمع الجمع، فثمر جمع: ثمار، وثمار جمع ثمرة وذلك نحو: ~~أكم جمع إكام، وإكام جمع أكمة، فهو نظير كثبان وكثب. # والثالث: أنه جمع " ثمر " كا قالوا: أسد وأسد. # والرابع: أنه جمع: ثمرة. # قال الفارسي: " الأحسن أن يكون جمع ثمرة، كخشبة وخشب، ~~وأكمة وأكم، ونظيره في المعتل: لابة ولوب، وناقة ونوق، ~~وساحة وسوح ". # وأما قراءة الجماعة، فالثمر اسم جنس، مفرده ثمرة، كشجر وشجرة، وبقر ~~وبقرة، وجرز وجرزة. # وأما قراءة التسكين فيه تخفيف قراءة الأخوين وقيل: بل هي جمع " ثمرة " ~~كبدن جمع " بدنة " ، ونقل بعضهم أنه يقال: ثمرة بزنة سمرة، وقياسها ~~على هذا ثمر كسمر بحذف التاء إذا قصد جمعه، وقياس تكسيره أثمار، ~~كعضد وأعضاد. # وقد قرأ عمرو الذي ms3623 في سورة " الكهف " بالضم وسكون الميم، فهذه القرءاة ~~التي هنا فصيحة كان قياس أبي عمرو أن يقرأهما شيئا واحدا لولا أن ~~القراءة مستندها النقل. # وقرا أبو عمرو والكسائي وقنبل " خشب " والباقون بالضم فهذه القراءة ~~نظير تيك. # وهذا الخلاف أعني في " ثمره " والتوجيه بعينه جار في سورة يس [آية 35] ~~وأما الذي في سورة " الكهف " ففيه ثلاث قراءات: فعاصم يقرؤه بفتحتين، كما ~~يقرؤه في هذه السورة، وفي يس فاستمر على عمل واحد، والأخوان يقرآنه ~~بضمتين في السور الثلاث، فاستمر على عمل واحد، وأما نافع وابن كثير وابن ~~عامر فقرأوا في " الأنعام " و " يس " بفتحتين، وقرأوا ما في " الكهف " ~~بضمتين. # وأما أبو عمرو فقرأ ما في " الأنعام " و " يس " بفتحتين، وما في " الكهف ~~" بضمة وسكون، وقد ذكروا في توجيه الضمتين في " الكهف " ما لا يمكن أن ~~يأتي في السورتين، وذلك أنهم قالوا في الكهف: الثمر بالضم: المال، ~~وبالفتح المأكول. # قوله: " إذا أثمر " ظرف لقوله: " انظروا " وهو يحتمل أن يكون ~~متمحضا للظرف، وأن يكون شرطا، وجوابه محذوف أو متقدم عند من يرى ذلك ~~أي: إذا أثمر فانظروا إليه. # قوله: " وينعه " الجمهور على فتح الياء من " ينعه " وسكون ~~النون. # وقرأ ابن محيصن بضم الياء، وهي قراءة قتادة والضحاك. # وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة واليماني: يانعة، ونسبها الزمخشري لابن ~~محيصن، فيجوز أن يكون عنه قراءتان، والينع بالفتح والضم مصدر ينعت ~~الثمرة؛ أي: نضجت، والفتح لغة " الحجاز " والضم لغة بعض " نجد " ، ويقال ~~أيضا: ينع بضم الياء والنون وينوع بواو بعد ضمتين. # وقيل: الينع بالفتح جمع " يانع " كتاجر وتجر، وصاحب وصحب، ويقال: ~~ينعت الثمرة، وأينعت ثلاثيا ورباعيا بمعنى. # وقال الحجاج: " أرى رءوسا قد أينعت وحان قطافها " ، ويانع: اسم ~~فاعل. # وقيل: أينعت الثمرة وينعت احمرت قاله الفراء، ومنه الحديث في ~~الملاعنة: # " إن ولدته أحمر مثل الينعة " # وهي خرزة حمراء، قيل: هي العقيق، أو نوع منه ويقال: ينعت ~~تينع بفتح العين في الماضي وكسرها في المستقبل، هذا قول أبي عبيده ~~وأنشد: [المديد] # 2276- في قباب حول دسكرة # حولها الزيتون قد ينعا ms3624 # وقال الليث بعكس هذا، أي بكسرها في الماضي، وبفتحها في المستقبل وأينعت ~~فهي تينع وتونع إيناعا وينعا بفتح الياء وينعا بضم الياء، ~~والنعت يانع ومونع. # فإن قيل هذا في أول حال حدوث الثمرة، وقوله: " وينعه " أمر بالنظر في ~~حال تمامها وكمالها، والمقصود منه أن هذه الثمار في أول حدوثها على ~~صفات مخصوصة عند كمالها تنتقل إلى أحوال متضادة للأحوال السابقة. # قيل: إنها كانت موصوفة بالخضرة، فتصير سوداء، أو حمراء، أو ~~صفراء، أو كانت موصوفة بالحموضة، وربما كانت في أول الأمر ~~باردة بحسب الطبيعة، فتصير في آخر الأمر حارة بحسب الطبيعة، ~~فحصول هذه التبدلات والتغيرات لا بد له من سبب ليس هو تأثير ~~الطبائع والفصول والأنجم والأفلاك؛ لأن نسبة هذه الأفعال ~~بأسرها إلى جميع هذه الأجسام المتباينة متساوية متشابهة، ~~والنسب المتشابهة لا يمكن ان تكون سببا لحدوث الحوادث المختلفة، ~~ولما بطل إسناد حدوث هذه الحوادث إلى الطبائع والأنجم ~~والأفلاك، وجب إسنادها إلى القادر الحكيم العليم المدبر لهذا ~~العالم على وفق الرحمة والمصلحة والحكمة، فناسب ختام هذه الآية ~~الكريمة بقوله: { إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون } ~~للدلالة على ما تقدم في وحدانيته، وإيجاد المصنوعات ~~المختلفة من أنها نابتة من أرض واحدة، وتسقى بماء واحد، وهذه ~~الدلائل إنما تنفع المؤمنين دون غيرهم، كقوله تبارك وتعالى: # هدى للمتقين # [البقرة:2] # قال القاضي رحمه الله: المراد لمن يطلب الإيمان بالله - تبارك وتعالى -؛ ~~لأنه لمن آمن ولمن لا يؤمن فإن قيل: لم أوقع الاختلاف بين الخلق في ~~هذه المسألة مع وجود مثل هذه الدلالة [الجلية القوية؟]. # أجيب عنه بأن قولة الدليل لا تفيد ولا تنفع إلا إذا قدر الله للعبد ~~حصول الإيمان، فكأنه قيل: هذه الدلالة على قوتها وظهورها دلالة لمن سبق ~~قضاء الله تعالى في حقه بالإيمان. # فأما من سبق قضاء الله له بالكفر لم ينتفع بهذه الدلالة ألبتة أصلا ~~فكان المقصود من هذه التخصيص التنبيه على ما ذكرنا. ### || [6.100] # لما ذكر البراهين الخمسة من دلائل العالم الأعلى والأسفل على ثبوت ~~الإلهية، وكمال القدرة والحكمة، ذكر ms3625 بعد ذلك أن من الناس من أثبت ~~لله شركاء، وهذه المسألة تقدم، إلا أن المذكور هنا غير ما ~~تقم ذكره؛ لأن مثبتي الشريك طوائف منها عبدة الأصنام فهم ~~يقولون: الأصنام شركاء لله في العبودية والتكوين. # ومنها من يقول: مدبر هذا العالم هو الكواكب، وهؤلاء فريقان منهم ~~من يقول: إنها واجبة الوجود لذواتها، ومنهم من يقول: إنها ممكنة ~~الوجود لذواتها محدثة، خالقها هو الله تبارك وتعالى، إلا أنه تبارك ~~وتعالى فوض تدبير هذا العالم الأسفل إليها، وهؤلاء هم الذين ~~ناظرهم الخليل عليه السلام بقوله: # لا أحب الآفلين # [الأنعام:76]. # ومنها الذين قالوا: للعالم إلهان: أحدهما: يفعل الخير خالق النور والناس ~~والدواب والأنعام والثاني: يفعل الشر، [وهو إبليس] خالق الظلمة، ~~والسباع والحيات والعقارب، وهم مذكورون هاهنا. # قال ابن عباس رضي الله عنها والكلبي: نزلت هذه الآية في الزنادقة ~~أثبتوا الشرك لإبليس [في الخلق]. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: والذي يقوي هذا قوله تعالى: # وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا # [الصافات:158] فإنما وصف بكونه من الجن؛ لأن لفظ الجن مشتق من ~~الاستتار، والملائكة الروحانيون لا يرون بالعيون، فصارت كأنها مستترة عن ~~العيون، فلهذا أطلق لفظ الجن عليها. # قال ابن الخطيب - رحمه الله -: هو مذهب المجوس، وإنما قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: هذا قول الزنادقة؛ لأن المجوس يلقبون بالزنادقة؛ ~~لأن الكتاب الذي زعم زرادشت أنه نزل عليه من عند الله تبارك وتعالى ~~مسمى بالزند، والمنسوب إليه يسمى زندي، ثم أعرب فقيل: زنديق، ثم جمع ~~فقيل: الزنادقة. # واعلم أن المجوس قالوا في كل ما في هذا العالم من الخيرات فهو من ~~يزدان، وجميع ما فيه من الشر فهو من أهرمن وهو المسمى ب " إبليس " في ~~شرعنا، ثم اختلفوا فقال أكثرهم: هو محدث، ولهم في كيفية حدوثه أقوال ~~عجيبة. # وقال بعضهم: إنه قديم أزلي، واتفقوا أنه شريك لله - تعالى - في ~~تدبير هذا العالم، فخيره من الله تبارك وتعالى، وشره من ~~إبليس لعنه الله، فهذا شرح قول ابن عباس رضي الله عنهما. # فإن قيل: القوم أثبتوا لله ms3626 شريكا واحدا، وهو إبليس، فكيف حكى الله ~~تعالى عنهم أنهم أثبتوا لله شركاء. # فالجواب: أنهم يقولون: عسكر الله هم الملائكة، وعسكر إبليس ~~الشياطين، والملائكة فيهم كثرة عظيمة، وهم أرواح طاهرة مقدسة ~~يلهمون الأرواح البشرية للخيرات والطاعات، والشياطين فيهم أيضا كثرة ~~عظيمة تلقي الوساوس الخبيثة إلى الأرواح البشرية، والله تبارك ~~وتعالى مع عسكره من الملائكة يحاربون إبليس مع عسكره من ~~الشياطين، فلهذا حكى الله تبارك وتعالى عنهم أنهم أثبتوا لله شركاء ~~الجن. # قوله: " شركاء الجن " الجمهور على نصب " الجن " وفيه خمسة ~~أوجه: # أحدها: وهو الظاهر أن الجن هن المفعول الأول. # والثاني: هو " شركاء " قدم، و " لله " متعلق ب " شركاء " ، والجعل ~~هنا بمعنى التصيير، وفائدة التقديم كما قال الزمخشري استعظام أن ~~يتخذ لله شريك من كان ملكا أو جنيا أو إنسيا، ولذلك قد اسم الله - ~~تبارك وتعالى - على الشركاء انتهى. ومعنى كونهم جعلوا الجن شركاء لله ~~هو أنهم يعتقدون أنهم يخلقون من المضار والحيات والسباع، ~~[كما جاء في التفسير]. # وقيل: ثم طائفة من الملائكة يسمون الجن كان بعض العرب ~~يعبدها. # الثاني: أن يكون " شركاء " مفعولا أول، و " لله " متعلق بمحذوف ~~على أنه المفعول الثاني، و " الجن " بدل من " شركاء " أجاز ذلك ~~الزمخشري، وابن عطية، والحوفي، وأبو البقاء، و مكي بن أبي طالب إلا أن ~~مكيا لما ذكر هذا الوجه جعل اللام من " لله " متعلقة ب " جعل " ~~فإنه قال: الجن مفعول أول ل " جعل " و " شركاء " مفعول ثان مقدم، ~~واللام في " لله " متعلقة ب " شركاء " وإن شئت جعلت " شركاء " ~~معفولا أول، و " الجن " بدلا من " شركاء " و " لله " في موضع المفعول ~~الثاني، واللام متعلقة ب " جعل ". # قال شهاب الدين: بعد أن جعل " لله " مفعولا ثانيا كيف يتصور أن ~~يجعل اللام متعلقة بالجعل؟ هذا ما لا يجوز لأنه لما صار مفعولا ثانيا ~~تعين تعلقه بمحذوف على ما عرفته غير مرة. # قال أبو حيان: " وما أجازوه - يعني الزمخشري ومن معه - لا يجوز؛ ~~لأنه يصح للبدل أن يحل محل المبدل منه، فيكون الكلام منتظما لو قلت: ms3627 ~~وجعلوا لله الجن لم يصح، وشرط البدل أن يكون على نية تكرار ~~العامل على أشهر القولين، أو معمولا للعامل في المبدل منه على قول، وهذا ~~لا يصح هنا ألبتة لما ذكرنا ". # قال شهاب الدين: - رحمه الله تعالى - هذا القول المنسوب للزمخشري، ومن ~~ذكر معه سبقهم إليه الفراء وأبو إسحاق، فإنهما أجازا أن يكونا ~~مفعولين قدم ثانيهما على الأول, وأجازا أن يكون " الجن " بدلا من " ~~الشركاء " ومفسرا للشركاء هذا نص عبارتهم، وهو معنى صحيح أعني كون ~~البدل مفسرا، فلا معنى لرد هذا القول، وأيضا فقد رد على الزمخشري ~~عند قوله تعالى: # إلا مآ أمرتني به أن اعبدوا # [المائدة:117] فإنه لا يلزم في كل بدل أن يحل محل المبدل منه، قال: " ~~ألا ترى إلى تجويز النحويين " زيد مررت به أبي عبد الله " ولو قلت: " ~~زيد مررت بأبي عبد الله " لم يجز إلا على رأي الأخفش " ، وقد سبق هذا ~~في " المائدة " فقد قرر هو أنه لا يلزم حلول البدل محل المبدل ~~منه، فكيف يرد به هنا؟ # الثالث: أن يكون " شركاء " هو المفعول الأول، و " الجن " هو المفعول ~~الثاني قاله الحوفي، وهذا لا يصح لما عرفت أن الأول في هذا ~~الباب مبتدأ في الأصل، والثاني خبر في الأصل، وتقرر أنه إذا اجتمع ~~معرفة ونكرة جعلت المعرفة مبتدأ، والنكرة خبرا من غير عكس، إلا ~~في ضرورة تقدم التنبيه على الوارد منها؟ # الرابع: أن يكون " شركاء الجن " مفعولين على ما تقدم بيانه، و " لله " ~~متعلق بمحذوف على أنه حال من " شركاء "؛ لأنه لو تأخر عنها لجاز أن ~~يكون صفة لها قاله أبو البقاء، وهذا لا يصح؛ لأنه يصير المعنى: ~~جعلوهم شركاء في حال كونهم لله، أي: مملوكين، وهذه حال لازمة لا ~~تنفك، ولا يجوز أن يقال: إنها غير منتقلة؛ لأنها مؤكدة؛ إذا لا ~~تأكيد فيها هنا، وأيضا فإن فيه تهيئة العامل في معمول وقطعه عنه، ~~فإن " شركاء " يطلب هذا الجار ليعمل فيه، والمعنى منصب على ذلك. # الخامس: أن يكون " الجن " منصوبا بفعل مضمر جواب لسؤال مقدر، ms3628 كأن ~~سائلا سأل، فقال بعد قوله تعالى { وجعلوا لله شركآء }: ~~من جعلوا لله شركاء؟ فقيل: الجن، أي: جعلوا الجن. # نقله أبو حيان عن شيخه أبي جعفر بن الزبير، وجعله أحسن مما تقدم؛ قال: ~~" ويؤيد ذلك قراءة أبي حيوة، ويزيد بن قطيب " الجن " رفعا على تقدير: ~~هم الجن جوابا لمن قال: جعلوا لله شركاء؟ فقيل: هم الجن، ويكون ذلك ~~على سبيل الاستعظام لما فعلوه، والاستنقاص بمن جعلوه شريكا ~~لله تعالى ". # وقال مكي: " وأجاز الكسائي رفع " الجن " على معنى هم الجن ". فلم ~~يروها عنه قراءة، وكأنه لم يطلع على أن غيره قرأها كذلك. # وقرأ شعيب بن أبي حمزة، ويزيد بن قطيب، وأبو حيوة في رواية عنهما أيضا ~~" شركاء الجن " بخفض " الجن ". # قال الزمخشري: " وقرئ بالجر على الإضافة التي للتبيين، ~~فالمعنى: أشركوهم في عبادتهم؛ لأنهم أطاعوهم كما أطاعوا الله ". # قال أبو حيان: و لا يتضح معنى هذه القراءة؛ إذا التقدير: وجعلوا ~~شركاء الجن لله. # قال شهاب الدين: معناها واضح بما فسره الزمخشري في قوله، ~~والمعنى: أشركوهم في عبادتهم إلى آخره، ولذلك سماها إضافة تبيين أي ~~أنه بين الشركاء، كأنه قيل: الشركاء المطيعين للجن. # قوله: " وخلقهم ". # الجمهور على " خلقهم " بفتح اللام فعلا ماضيا، وفي هذه الجملة ~~احتمالان: # أحدهما: أنها حالية ف " قد " مضمرة عند قوم، وغير مضمرة عند آخرين. # والثاني: أنها مستانفة لا محل لها، والضمير في " خلقهم " فيه ~~وجهان: # أحدهما: أنه يعود على الجاعلين، أي: جعلوا له شركاء مع أنه خلقهم ~~وأوجدهم منفردا بذلك من غير مشاركة له في خلقهم، فكيف يشركون به ~~غيره ممن لا تأثير له في خلقهم؟ # والثاني: أنه يعود على الجن، أي: والحال أنه خلق الشركاء، فكيف يجعلون ~~مخلوقه شريكا له؟ # وقرأ يحيى بن يعمر: " وخلقهم " بسكون اللام. # قال أبو حيان - رحمه الله -: " وكذا في مصحف عبد الله ". # قال شهاب الدين: قوله: " وكذا في مصحف عبد الله " فيه نظر من حيث إن ~~الشكل الاصطلاحي أعني ما يدل على الحركات الثلاث، وما يدل على ~~السكون كالجزء منه كانت حيث مصاحف ms3629 السلف منها مجردة، والضبط الموجودة بين ~~أيدينا اليوم أمر حادث، يقال: إن أول من أحدثه يحيى بن يعمر، فكيف ~~ينسب ذلك لمصحف عبد الله بن مسعود؟ # وفي هذه القراءة تأويلان: # أحدهما: أن يكون " خلقهم " مصدرا بمعنى اختلاقهم. # قال الزمخشري: أي اختلاقهم للإفك، يعني: وجعلوا لله خلقهم حيث ~~نسبوا قبائحهم إلى الله في قولهم: " والله أمرنا بها " انتهى. # فيكون " لله " هو المفعول الثاني قدم على الأول. # والتأويل الثاني: أن يكون " خلقهم " مصدرا بمعنى مخلوقهم، فيكون ~~عطفا على " الجن " ومفعوله الثاني محذوف، تقديره: وجعلوا مخلوقهم وهو ~~ما ينحتون من الأصنام كقوله تعالى: # قال أتعبدون ما تنحتون # [الصافات:59] شركاء لله تعالى. # قوله تعالى: " وخرقوا " قرأ الجمهور " خرقوا " بتخفيف الراء، ~~ونافع بتشديدها. # وقرأ ابن عباس بالحاء المهملة والفاء وتخفيف الراء، وابن عمر كذلك ~~أيضا، إلا أنه شدد الراء، والتخفيف في قراءة الجماعة بمعنى ~~الاختلاق. # قال الفراء: يقال: " خلق الإفك وخرقه واختلقه وافتراه ~~وافتعله وخرصه بمعنى كذب فيه ". # والتشديد للتكثير، لأن القائلين بذلك خلق كثير وجم غفير. # وقيل: هما لغتان، والتخفيف هو الأصل [وحكى الزمخشري أنه سئل الحسن عن ~~هذه الكلمة، فقال: كلمة عربية كانت العرب تقولها كان الرجل إذا كذب ~~كذبة في نادي القوم يقول له بعضهم: قد خرقها والله أعلم]. # وقال الزمخشري: " ويجوز أن يكون من خرق الثوب إذا شقه، أي: اشتقوا ~~له بنين وبنات ". # وأما قراءة الحاء المهملة فمعناها التزوير، أي: زوروا له ~~أولادا؛ لأن المزور محرف ومغير الحق إلى الباطل. # وقوله: " بغير علم " فيه وجهان: # أحدهما: أنه نعت لمصدر محذوف؛ أي: خرقوا له خرقا بغير علم ~~قاله أبو البقاء، وهو ضعيف المعنى. # الثاني: وهو الأحسن: أن يكون منصوبا على الحال من فاعل " خرقوا " أي: ~~افتعلوا الكذب مصاحبين للجهل وهو عدم العلم كقول اليهود # عزير ابن الله # [التوبة:30] وقول النصارى: # المسيح ابن الله # [التوبة:30] وقول كفار العرب: الملائكة بنات الله، ثم إنه تبارك ~~وتعالى نزه نفسه، فقال: { سبحانه وتعالى عما يصفون ~~} ، والمقصود تنزيه الله تعالى عن كل ما لا يليق به. # واعلم ms3630 أنه تبارك وتعالى حكى عن الكفار أنه أثبتوا له بنين ~~وبنات، أما الذين أثبتوا البنين فمنهم النصارى، وقوم من اليهود، وأما ~~الذين أثبتوا البنات فهم العرب الذين يقولون: الملائكة بنات الله. # وقوله: " بغير علم " كالتنبيه على ما هو الدليل القاطع على ~~فساد هذا القول؛ لأن الإله يجب أن يكون واجب الوجود لذاته [فولده ~~إما أن يكون واجب الوجود لذاته، أو لا يكون، فإن كان واجب الوجود لذاته] ~~كان مستقلا بنفسه قائما بذاته لا تعلق له في وجوده بالآخر، ومن ~~كان كذلك لم يكن له ولد ألبتة؛ لأن الولد مشعر بالفرعية ~~والحاجة. # وإن كان ممكن الوجود، فحينئذ يكون وجوده بإيجاد واجب الوجود ~~لذاته، فيكون عبدا له لا والدا له، فثبت أن من عرف أن الإله ما هو ~~امتنع من أن يثبت له البنات والبنين. # وأيضا فإن الولد يحتاج إليه ليقوم مقامه عبد فنائه، وهذا إنما ~~يقال في حق من يفنى، أما من تقدس عن ذلك لم يعقل الولد في ~~حقه. # أيضا فإن الولد يشعر بكونه متولدا عن جزء من أجزاء الوالد، وذلك ~~إنما يعقل في حق المركب من الأجزاء، أما الفرد الواجب لذاته ~~فمحال، فمن علم ما حقيقة الله؛ استحال أن يقول: له ولد، فكان ~~قوله تبارك وتعالى: { وخرقوا له بنين وبنات بغير ~~علم } إشارة إلى هذه الدقيقة. ### || [6.101-102] # لما بين فساد أقوال المشركين شرع في إقامة الدلالة على فساد قول ~~من يثبت له الولد، فقال: { بديع السماوات والأرض }. # والإبداع: عبارة عن تكوين الشيء من غير سبق مثال، وتقدم ~~الكلام عليه في " البقرة ". # وقرأ الجمهور رفع العين، وفيها ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو بديع، فيكون الوقف على قوله: ~~" والأرض " فهي جملة مستقلة بنفسها. # الثاني: أنه فاعل بقوله: " تعالى " ، أي: تعالى بديع السموات، وتكون هذه ~~الجملة الفعلية معطوفة على الفعل المقدر قبلها، وهو الناصب ل ~~" سبحان " فإن " سبحان " كما تقدم من المصادر اللازم إضمار ناصبها. # الثالث: أنه مبتدأ وخبره ما بعده من قوله: { أنى يكون له ولد ~~}. # وقرأ ms3631 المنصور " بديع " بالجر قال الزمخشري: ردا على قوله: " وجعلوا ~~لله " ، أو على " سبحانه " كذا قاله، ولم يبين على أي وجه من وجوه ~~الإعراب هو وكذا أبو حيان - رحمه الله - حكاه عنه ومر عليه، ويريد ~~بالرد كونه تابعا، إما: لله، أو للضمير المجرور في " سبحانه " ~~وتبعيته له على كونه بدلا من " لله " تعالى أو من الهاء في " ~~سبحانه " ويجوز أن يكون نعتا [لله على أن تكون إضافة " بديع " ~~محضة كما ستعرفه. # وأما تبعيته للهاء فيتعين أن يكون بدلا، ويمتنع أن يكون ~~نعتا]، وإن اعتقدنا تعريفه بالإضافة لمعارض آخر، وهوأن الضمير لا ~~ينعت إلا ضمير الغائب على رأي الكسائي، فعلى رأيه قد يجوز ذلك. # وقرأ أبو صالح الشامي: " بديع " نصبا، ونصبه على المدح، وهي ~~تؤيد قراءة الجر، وقراءة الرفع المتقدمة يحتمل أن تكون أصلية الإتباع ~~بالجر على البدل ثم قطع التابع رفعا. # و " بديع " يجوز أن يكون بمعنى " مبدع " وقد سبق معناه، أو تكون ~~صفة مشبهة أضيفت لمرفوعها، كقولك: فلان بديع الشعر، أي: بديع شعره، ~~وعلى هذين القولين، فإضافته لفظية، لأنه في الأول من باب ~~إضافة اسم الفاعل إلى منصوبه، وفي الثاني من باب إضافة الصفة المشبهة ~~إلى مرفوعها، ويجوز أن تكون بمعنى عديم النظير والمثل فيهما، كأنه قيل: ~~البديع في السموات والأرض، فالإضافة على هذا إضافة محضة. # قوله: { أنى يكون له ولد } " أنى " بمعنى " كيف " [أو " ~~من أين " ] وفيها وجهان: # أحدهما: أنها خبر كان الناقصة، و " له " في محل نصب على الحال، و " ولد ~~" اسمها، ويجوز أن تكون منصوبة على التشبيه بالحال أو الظرف، كقوله: # كيف تكفرون بالله # [البقرة:28]. والعامل فيها قال أبو البقاء: [ " يكون " ] وهذا على رأي ~~من يجيز في " كان " أن تعمل في الأحوال والظروف وشبههما، و " له " خبر ~~يكون، و " ولد " اسمها. # ويجوز في " يكون " أن تكون تامة، وهذا أحسن أي: كيف يوجد له ولد، ~~وأسباب الولدية منتفية؟ # قوله: { ولم تكن له صحبة } هذه " الواو " للحال، والجملة ~~بعدها في محل نصب على الحال من مضمون الجملة المتقدمة، أي: ms3632 كيف يوجد ~~له ولد، والحال أنه لم يكن له زوج، وقد علم أن الولد إنما يكون من ~~بين ذكر وأنثى، وهو منزه عن ذلك. # والجمهور على " تكن " بالتاء من فوق. # وقرأ النخعي بالياء من تحت وفيه أربعة أوجه: # أحدها: أن الفعل مسند إلى " صاحبه " أيضا كالقراءة المشهورة، وإنما ~~جاز التذكير للفصل كقوله: [الوافر] # 2777- لقد ولد الأخيطل أم سوء # ...................... # وقول القائل: [البسيط] # 2278- إن امرأ غره منكن واحدة # بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور # وقال ابن عطية: " وتذكير " كان " وأخواتها مع تأنيث اسمها أسهل من ~~ذلك في سائر الأفعال ". # قال أبو حيان - رحمه الله -: " ولا أعرف هذا عن النحويين، ولم ~~يفرقوا بين " كان " وغيرها ". # قال شهاب الدين: هذا كلام صحيح، ويؤيده أن الفارسي وإن كان يقول ~~بحرفية بعضها ك " ليس " ، فإنه لا يجيزحذف التاء منها لو قلت: ~~" ليس هند قائمة " لم يجز. # الثاني: أن في " يكون " ضميرا يعود على الله تعالى، و " له " خبر ~~مقدم، و " صاحبة " مبتدأ مؤخر، والجملة خبر " يكون ". # الثالث: أن يكون " له " وحده هو الخبر، و " صاحبة " فاعل به ~~لاعتماده وهذه أولى مما قبله؛ لأن الجار أقرب إلى ~~المفرد، والأصل في الأخبار الإفراد. # الرابع: أن في " يكون " ضمير الأمر والشأن، و " له " خبر مقدم، و ~~" صاحبة " مبتدأ مؤخر، والجملة خبر " يكون " مفسرة لضمير الشأن، ولا ~~يجوز في هذا أن يكون " له " هو الخبر وحده، و " صاحبة " فاعل به، كما ~~جاز في الوجه قبله. # والفرق أن ضمير الشأن لا يفسر إلا بجملة صريحة، وقد تقدم أن هذا ~~النوع من قبيل المفردات، و [ " تكن " ] يجوز أن تكون الناقصة ~~أو التامة حسبما تقدم فيما قبلها. # وقوله: { وخلق كل شيء } هذه جملة إخبارية مستأنفة، ويجوز ~~أن تكون حالا وهي حال لازمة. # فصل في إبطال نسبة الولد إلى الله تعالى عن ذلك # اعلم أن المقصود من الآية بيان إبطال من يثبت الولد منه تبارك ~~وتعالى، فيقال لهم: إما أن تريديوا بكونه ولدا لله تبارك وتعالى [كما هو ~~المعهود من كون الإنسان ولدا لأبيه] أو ms3633 أبدعه من غير تقدم نطفة ~~ووالد، وإما أن تريدوا بكونه ولدا لله كما هو المألوف، وإما أن تريدوا ~~بكونه ولدا لله مفهوما ثالثا مغايرا لهذين المفهومين، أما الأول ~~فباطل؛ لأنه - تبارك وتعالى - وإن كان يحدث الحوادث في مثل هذا العالم ~~الأسفل، بناء على أسباب معلومة، إلا أن النصارى يسلمون أن العالم ~~الأسفل محدث. # فصل في رد شبهة النصارى # وإذا كان كذلك لزمهم الاعتراف بأن الله - تعالى - خلق السموات ~~والأرض من غير سبق مادة، وإذا كان كذلك وجب أن يكون إحداثه ~~للسموات والأرض إبداعا، فلو لزم من مجرد كونه مبدعا [لإحداث عيسى- ~~عليه الصلاة والسلام - كونه والدا له لزم من كونه مبدعا] ~~للسموات والأرض أن يكون والدا لهما، وذلك محال، فلزم من كونه ~~مبدعا لعيسى عليه الصلاة والسلام ألا يكون والدا لهما وهذا هو ~~المراد من قوله: { بديع السماوات والأرض } وإنما ذكر ~~السموات والأرض فقط، ولم يذكر ما فيهما، لأن حدوث ما في السموات والأرض ~~ليس على سبيل الإبداع، أما حدوث ذات السموات والأرض، فقد كان على ~~سبيل الإبداع، فحصل الإبداع بذكر السموات والأرض لا بذكر ما فيهما، ~~وإن أرادوا من الولادة الأمر المعهود في الحيوانات، فهذا أيضا باطل ~~من وجوه: # أولها: أن الولادة لا تصح إلا ممن له زوجة وشهوة ينفصل عنه ~~بجزء في باطن تلك الصاحبة، وهذه الأحوال إنما تثبت في حق الجسم ~~الذي يصح عليه الاجتماع والافتراق، والحركة والسكون والشهوة ~~واللذة، وكل ذلك على خالق العالم محال، وهذا هو المراد من قوله: ~~{ أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة }. # ثانيها: أن تحصيل الولد بهذا الطريق المعتاد إنما يصح في حق من لا يكون ~~قادرا على الخلق، وأما الخالق لكل الممكنات، القادر على كل المحدثات، ~~فإذا أراد إحداث شيء قال له: " كن فيكون " ومن كان هذا صفته يمتنع إحداث ~~شخص بطريق الولادة، وهذا هو المراد من قوله: { خلق كل شيء }. # وثالثها: أن هذا الولد إما أن يكون قديما أو محدثا، لا جائز أن يكون ~~قديما؛ لأن القديم يجب كونه ms3634 واجب الوجود لذاته وما كان واجبا لذاته ~~غني عن غيره، فيمتنع كونه ولدا لغيره، فبقي أن يكون الولد محدثا، وإذا ~~كان والدا كان محدثا فنقول: إنه تبارك وتعالى عالم بجميع ~~المعلومات، فإما أن يعمل أن له في تحصيل الولد كمالا ونفعا أو يعلم ~~أنه ليس الأمر كذلك، فإن كان الأول فلا وقت يفرض أن الله - تعالى - ~~خلق هذا الولد فيه إلا والداعي إلى إيجاد هذا الولد كان حاصلا قبله، ~~فيلزم حصول الولد قبل ذلك، وهذا يوجب كون ذلك الولد أزليا وهو ~~محال. # وإن علم أنه ليس في تحصيل الولد كمال ونفع، فيجب ألا يحدثه ألبتة، ~~وهذا هو المراد من قوله تعالى: { وهو بكل شيء عليم } وأما ~~الاحتمال الثالث فذلك باطل غير متصور، ولا مفهوم للعقل، بإثبات ~~الولادة بناء على ذلك محض الجهل، وهو باطل. # قوله: " ذلكم " أي: ذلكم الموصوف بتلك الصفات المتقدمة الله ~~تعالى فاسم الإشارة مبتدأ، و " الله " تعالى خبره، وكذا " ربكم " ، وكذا ~~الجملة من قوله: " لا إله إلا هو " ، وكذا " خالق ". # قال الزمخشري: " وهو مبتدأ وما بعده أخبار مترادفة ". # قال شهاب الدين: وهذا عند من يجيز تعدد الخبر مطلقا، ويجوز ~~أن يكون " الله " وحده هو الخبر، وما بعده أبدال، كذا قال أبو ~~البقاء، وفيه نظر من حيث إن بعضها مشتق، والبدل يقل ~~بالمشتقات، وقد يقال: إن هذه وإن كانت مشتقة ولكنها ~~بالنسبة إلى الله - تعالى - من حيث اختصاصها به صارت كالجوامد، ~~ويجوز أن يكون " الله " تعالى هو البدل، وما بعده أخبار أيضا. # ومن منع تعدد الخبر قدر قبل كل خبر مبتدأ أو يجعلها كلها ~~بمنزلة اسم واحد، كأنه قيل: ذلكم الموصوف هو الجامع بين هذه الصفات. # فصل في إثبات وحدانية الله تعالى # اعلم أنه - تبارك وتعالى - لما أقام الحجة على وجود الإله ~~القادر المختار الحكيم، وبين فساد كل من ذهب إلى الإشراك، وفصل ~~مذهبهم، وبين فساد كل واحد منها، ثم حكى مذهب من أثبت لله ~~البنين، وبين فساد القول بها بالدليل القاطع، فعند هذا ثبت أن ~~إله العالم ms3635 فرد أحد صمد منزه عن الشريك والنظير، ~~ومنزه عن الأولاد، فعند هذا صرح بالنتيجة، فقال: { ذلكم ~~الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء ~~فاعبدوه } ولا تعبدوا غيره، فهو المطلع بمهمات جميع ~~العباد، وهو الذي يسمع دعاءهم وحاجتهم، وهو الوكيل لكل أحد على ~~حصول مهماته. # أعلم أنه - تبارك وتعالى - بين في هذا السورة بالدلائل القاطعة ~~الكثيرة افتقار الخلق إلى خالق وموجد ومبدع ومدبر، ~~ولم يذكر دليلا منفصلا يدل على نفي الشركاء والأضداد ~~والأنداد، بل نقل قولة من أثبت الشريك من الجن، ثم أبطله ~~ثم أتى بالتوحيد المحض بعده، فقال: { ذلكم الله ربكم لا ~~إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه } وإقامة الدليل ~~على وجود الخالق وتزييف دليل من أثبت لله - تعالى - شريكا كيف ~~يوجب الجزم بالتوحيد المحض، وللعلماء في إثبات التوحيد طرق: # أحدها: قال المتقدمون: الصانع الواحد كاف في كونه إلها ~~للعالم ومدبرا له، والقول بالزائد على الواحد متكافئ، لأن ~~الزائد على الواحد لم يدل الدليل على ثبوته، ولم يكن إثبات ~~عدد أولى من إثبات عدد آخر، فلزم إما إثبات آله لا نهاية لها، وهو ~~محال، أو إثبات عدد معين مع أنه ليس ذلك العدو أولى من سائر ~~الأعداد، وهو أيضا محال، وإذا بطل القسمان تعين القول بالتوحيد. # الثاني: أن الإله القادر على كل الممكنات العالم بكل المعلومات ~~كاف في تدبير العالم، فلو قدرت إلها ثانيا لكان ذلك الثاني ~~إما أن يكون فاعلا مختارا أو موجد الشيء من حوادث العالم أولى بكون ~~الأول باطلا لأنه لما كان كل واحد منهما قادرا على جميع الممكنات، ~~فكل فعل يفعله أحدهما صار كونه فاعلا لذلك الفعل مانعا للآخر عن ~~تحصيل مقصوده ومقدوره، وذلك يوجب كون كل واحد منهما سببا لعجز الآخر ~~وهو محال، وإن كان الثاني لا يفعل فعلا، ولا يوجد شيئا كان ناقصا ~~معطلا، وذلك لا يصلح للإلهية. # الثالث: أن الإله الواحد لا بد وأن يكون [كاملا] في صفة الإلهية، فلو ~~فرضنا إلها ثانيا لكان ذلك الثاني إما يكون مشاركا لأول ms3636 في جميع ~~صفات الكمال أو لا، فإن كان مشاركا للأول في جميع صفات الكمال، فلا ~~بد وأن يكون متميزا بأمرها، إذ لو لم يحصل الامتياز [بأمر من الأمور لم ~~يحصل التعدد والاثنينية, وإذ حصل الامتياز بأمر ما, فلذلك الأمر ~~المميز إما أن يكون من صفات الكمال أو لا يكون، فإن كان من صفات الكمال ~~مع أنه حصل الامتياز به] لم يكن جميع صفات الكمال مشتركا فيه بينهما وإن ~~لم يكن ذلك المميز من صفات الكمال, فالموصوف به يكون موصوفا بصفة ~~ليست من صفات الكمال, وذلك نقصان، فثبت بهذه الوجوه الثلاثة أن ~~الإله الواحد كاف في تدبير العالم، وأن الزائد يجب نفيه. # تمسك العلماء - رضي الله عنهم - بقوله تبارك وتعالى { خلق كل ~~شيء } على أنه - تبارك وتعالى - هو الخالق لأعمال العباد قالوا: لأن ~~أعمال العباد أشياء، والله خالق لكل شيء بحكم هذه الآية، فوجب كونه ~~خالقا لها. # قالت المعتزلة: هذا اللفظ وإن كان عاما إلا أنه حصل مع هذه الآية ~~وجوه تدل على أن أعمال العباد خارجة عن هذا العموم. # أحدها: أنه - تبارك وتعالى - قال: { خلق كل شيء فاعبدوه } ~~ولو دخلت أعمال العباد تحته لصار تقدير الآية الكريمة: إنا خلقنا ~~أعمالكم، فافعلوها بأعيانها أنتم مرة أخرى، وذلك فاسد. # وثانيها: أنه - تبارك وتعالى - إنما [قال:] { خلق كل شيء } في ~~معرض المدح والثناء على نفسه، فلو دخل تحت أعمال العباد لخرج عن ~~كونه مدحا؛ لأنه لا يليق به تعالى أن يمتدح بخلق الزنا ~~واللواط، والسرقة والكفر. # وثالثها: أنه - تبارك وتعالى - قال بعد هذه الآية: # قد جآءكم بصآئر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ~~ومن عمي فعليها # [الأنعام:104] وهذا تصريح بكون العبد مستقلا بالفعل والترك، وأنه لا ~~مانع له ألبتة من الفعل والترك، وذلك يدل على أن فعل العبد غير ~~مخلوق لله تعالى [إذ لو كان مخلوقا لله - تعالى - لما] كان العبد ~~مستقلا به؛ لأنه إذا أوجده الله تعالى امتنع من العبد دفعه، وإذا لم ~~يوجده الله - تعالى - امتنع من العبد تحصيله, وإذا دلت الآية ms3637 على ~~كون العبد مستقلا بالفعل والترك, وامتنع أن يقال: فعل العبد مخلوق ~~لله تعالى ثبت أن قوله تعالى: # فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها # [الأنعام:104] يوجب تخصيص ذلك العموم. # والجواب: أن الدليل العقلي قد ساعد على صحة ظاهرة هذه الآية ~~الكريمة؛ لأن الفعل موقوف على الداعي، وخالق الداعي هو الله - تعالى ~~- ومجموع القدرة مع الداعي يوجب الفعل، وذلك [يقتضي] كونه - تعالى - ~~خالق كل شيء فاعبدوه، ويدل على أن كونه خالقا لكل الأشياء ~~سبب للأمر [بالعبادة] لأنه رتب الأمر بالعبادة على كونه خالقا ~~للأشياء بفاء التعقيب، وترتيب الحكم مشعر بالسببية. # فصل في دحض شبهة للمعتزلة في الصفات وخلق القرآن # احتج كثير من المعتزلة بقوله تبارك وتعالى: { خلق كل ~~شيء } على نفي الصفات، وعلى كون القرآن مخلوقا، أما نفي ~~الصفات، فإنهم قالوا: لو كان - تعالى - عالما بالعلم قادرا ~~بالقدرة لكان ذلك العلم والقدرة إما أن يقال: إنهما قديمان أو ~~محدثان، والأول باطل؛ لأن عموم قوله: { خلق كل شيء } يقتضي ~~كونه - تبارك وتعالى - خالقا لكل الأشياء وخصصنا هذا العموم ~~بحسب ذاته تعالى ضرورة أنه يمتنع أن يكون خالقا لنفسه، فيبقى ~~على عمومه فيما عداه. # وإن قلنا بحدوث علم الله تعالى وقدرته، فهو باطل بالإجماع، ولأنه ~~يلزم افتقار إيجاد ذلك العلم والقدرة إلى سبق علم آخر، ~~وقدرة أخرى, وذلك محال. أما تمسكهم بهذه الآية على كون ~~القرآن مخلوقا فقالوا: لأن القرآن شيء وكل شيء فهو مخلوق لله - ~~تبارك وتعالى - بحكم هذا العموم وأقصى ما في الباب أن هذا ~~العموم دخله التخصيص في ذات الله - تبارك وتعالى - إلا أن ~~العام المخصوص حجة في غير محل التخصيص. # وجوابه: أن تخصيص هذا العموم بالدلائل الدالة على أن كلام الله ~~- تبارك وتعالى - قديم. ### || [6.103] # قال سعيد بن المسيب: لا تحيط به الأبصار. # وقال عطاء: كلت أبصار المخلوقين عن الإحاطة به. # وقال ابن عباس: لا تدركه الأبصار في الدنيا وهو يرى في الآخرة. # قوله: { وهو يدرك الأبصار } أي: لا يخفى عليه شيء ولا يفوته ~~{ وهو اللطيف الخبير }. # قال ابن ms3638 عباس: اللطيف بأوليائه، الخبير بهم. # وقال الأزهري: اللطيف الرفيق بعباده. # وقيل: اللطيف الذي ينسي العباد ذنوبهم لئلا يخجلوا، ~~واللطافة ضد الكثافة، والمراد منه الرقة، وذلك في حق ~~الله تعالى ممتنع، فوجب المصير إلى التأويل، وهو من وجوه: # أحدها: لطف صنعه في تركيب أبدان الحيوانات من الأجزاء الدقيقة، ~~والمنافذ الضيقة التي لا يعلمها أحد إلا الله تبارك وتعالى. # وثانيها: لطيف بعباده حيث يثني عليهم عند الطاعة، ويأمرهم ~~[بالتوبة عند] المعصية، ولا يقطع عنهم مواد رحمته، سواء كانوا ~~مطيعين أو عصاة. # وثالثها: لطيف بهم حيث لا يأمرهم فوق طاقتهم، وينعم عليهم بما هو ~~فوق استحقاقهم. # وأما الخبير فهو من الخبر، وهو العلم، والمعنى: أنه لطيف بعباده مع ~~كونه عالما بما هم عليه من ارتكاب المعاصي والقبائح. # وقال الزمخشري: اللطيف معناه: أنه يلطف عن أن تدركه الأبصار ~~الخبير بكل لطيف، فهو يدرك الأبصار ولا يلطف شيء عن إدراكه. # فصل فيما تدل عليه الآية # احتج أهل السنة بهذه الآية على أنه - تبارك وتعالى - لا تدركه ~~الأبصار، وذلك مما يساعد الخصم عليه، وعليه بنوا استدلالهم على ~~نفي الرؤية، فنقول: لو لم يكن تعالى جائز الرؤية لما حصل ~~التمدح بقوله: { لا تدركه الأبصار }؛ ألا ترى أن ~~المعدوم لا تصح رؤيته، والعلوم والقدرة والإرادة والروائح والطعوم لا ~~يصح رؤية شيء منها ولا مدح لشيء منها في كونها بحيث لا يصح رؤيتها، ~~فثبت أن قوله: { لا تدركه الأبصار } يفيد المدح، وثبت أن ذلك ~~إنما يفيد المدح لو كان صحيح الرؤية، وهذا يدل على أن قوله ~~تعالى: { لا تدركه الأبصار } يفيد كونه - تعالى - جائز ~~الرؤية، وتحقيقه أن الشيء إذا كان في نفسه بحيث يمتنع رؤيته، ~~فحينئذ لا يلزم من عدم رؤيته مدح وتعظيم لذلك الشيء، أما إذا ~~كان في نفسه جائز الرؤية، ثم إنه قدر على حجب الأبصار عن رؤيته، ~~وعن إدراكه كانت هذه القدرة دالة على المدح والعظمة، فثبت أن هذه ~~الآية دالة على أنه - تعالى - يجوز رؤيته بحسب ذاته، وإذا ثبت هذا ~~وجب القطع بأن المؤمنين يرونه ms3639 [يوم القيامة، والدليل عليه أن القائل ~~قائلان قائل قال بجواز الرؤية، مع أن المؤمنين يرونه، وقال قال: لا ~~يرونه، ولا تجوز] رؤيته. # فأما القول بأنه - تعالى - تجوز رؤيته، مع أنه لا يراه أحد من ~~المؤمنين، فهذا قول لم يقل به أحد من الأمة، فكان باطلا. # الثاني: أن نقول: المراد ب " الأبصار " في قوله: { لا تدركه ~~الأبصار } ليس هو نفس الإبصار، فإن البصر لا يدرك شيئا ألبته في ~~موضع من المواضع، بل المدرك هو المبصر، فوجب القطع بأن المراد من ~~قوله: { لا تدركه الأبصار } هو إدراك المبصرين، ومعتزلة ~~البصرة يوافقون بناء على أنه - تعالى - يبصر الأشياء، فكان تعالى من ~~جملة المبصرين، فقوله تعالى: { وهو يدرك الأبصار } يقتضي كونه ~~تعالى مبصرا لنفسه ومن قال: إن المؤمنين يرونه يوم القيامة، فدلت ~~الآية الكريمة على أنه جائز الرؤية، وعلى أن المؤمنين يرونه يوم ~~القيامة، وإذا اختصرنا هذا الاستدلال قلنا قوله تعالى: { وهو ~~يدرك الأبصار } المراد منه إنما نفس البصر، أو المبصر على ~~التقديرين يلزم كونه - تعالى - مبصرا لإبصار نفسه، أو كونه مبصرا لذات ~~نفسه، وإذا ثبت هذا وجب أن يراه [المؤمنون] يوم القيامة ضرورة ~~أنه لا قائل بالفرق. # الثالث: أن لفظ " الأبصار " صيغة جمع دخل عليها الألف واللام، ~~فهي تفيد الاستغراق في قوله: { تدركه الأبصار }. # [فإذا كان كذلك كان قوله تعالى: { لا تدركه الأبصار } يفيد ~~أنه لا تراه جميع الأبصار، فهذا يفيد سلب العموم، ولا يفيد عموم ~~السلب، وإذا عرف هذا فنقول: تخصيص هذا السلب بالمجموع ~~يدل على ثبوت الحكم في بعض أفراد المجموع؛ ألا ترى أن الرجل ~~إذا قال: إن زيدا ما ضربه كل الناس فإنه يفيد أنه ضربه بعضهم، ~~وإذا قيل: إن محمدا صلى الله عليه وسلم ما آمن به كل الناس أفاد أنه آمن ~~به بعض الناس، فكذلك قوله: { لا تدركه الأبصار } معناه أنه: ~~لا تدركه كل الأبصار، فوجب أن يفيد أنه تدركه بعض الأبصار ~~أقصى ما في الباب أن يقال: هذا تمسك بدليل الخطاب، فنقول: هب أنه كذلك ~~إلا إنه ms3640 دليل صحيح؛ لأن بتقدير ألا يحصل الإدراك لأحد ~~ألبتة كان تخصيص هذا السلب بالمجموع من حيث هو مجموع عبثا، ~~وصون كلام الله - تعالى عن العبث واجب. # الرابع: نقل أن ضرار بن عمرو الكوفي كان يقول: إن الله - تعالى ~~- لا يرى بالعين، وإنما يرى بحاسة سادسة يخلقها يوم القيامة ~~واحتج بهذه الآية الكريمة، فقال: دلت [هذه] الآية الكريمة على تخصيص ~~نفي إدراك الله - تبارك وتعالى - بالبصر، وتخصيص الحكم بالشيء ~~يدل على أن الحال في غيره بخلافه، فوجب أن يكون إدراك الله - ~~تبارك وتعالى - بغير البصر جائزا في الجملة، ولما ثبت أن سائر الحواس ~~الموجودة الآن لا تصلح لذلك وجب أن يقال: إنه تعالى يخلق يوم القيامة ~~حاسة سادسة بها تحصل رؤية الله - تعالى - وإدراكه. # واستدل المعتزلة بهذه الآية الكريمة على نفي الرؤية من ~~وجهين: # الأول: قالوا: الإدراك بالبصر عبارة عن الرؤية بدليل لو قال ~~قائل: أدركته ببصري، وما رأيته، أو قال: رأيته، وما أدركته ببصري، ~~فإن كلامه يكوم متناقضا، فثبت أن الإدراك بالبصر عبارة عن ~~الرؤية، وإذا ثبت هذا فنقول قوله تعالى: { لا تدركه ~~الأبصار } يقتضي أنه لا يراه شيء من الأبصار في شيء من ~~الأحوال، ويدل على صحة هذا العموم وجهان: # الأول: أنه يصح استثناء جميع الأشخاص، وجميع الأحوال عنه، فيقال: ~~لا تدركه الأبصار إلا بصر فلان وإلا في الحالة الفلانية، ~~والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل، فثبت أن عموم هذه ~~الآية الكريمة يفيد عموم النفي عن كل الأشخاص، وفي جميع الأحوال، ~~وذلك يدل على أن أحدا لا يرى الله - تعالى - في حال من الأحوال. # الثاني: أن عائشة - رضي الله عنها - لما أنكرت قول ابن عباس - ~~رضي الله عنه - في أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة ~~المعراج تمسكت بهذه الآية، ولو لم تكن هذه الآية تفيد العموم ~~بالنسبة إلى كل الأشخاص، وكل الأحوال لما تم ذلك الاستدلال، ~~وكانت من أعظم الناس بلغة العرب. # الوجه الثاني: أن قوله: { وهو يدرك الأبصار } مدح وثناء، ~~فوجب أن يكون قوله: ms3641 { لا تدركه الأبصار } مدحا وثناء، ~~وإلا لزم أن يقال: إن ما ليس بمدح وثناء وقع في خلال ما هو ~~مدح وثناء، وذلك يوجب الركاكة وهي غير لائقة بكلام الله - ~~تبارك وتعالى - وإذا ثبت هذا فنقول: كل ما كان عدمه مدحا، ولم يكن ~~من باب الفعل كان ثبوته نقصا في حق الله - تبارك وتعالى - ~~والنقصان على الله محال، واعلم أن القوم إنما قيدوا ذلك بما لا ~~يكون من باب الفعل؛ لأنه تعالى تمدح بنفي الظلم عن نفسه في ~~قوله: # وما الله يريد ظلما للعالمين # [آل عمران:108] # وما ربك بظلام للعبيد # [فصلت:46] مع أنه تبارك وتعالى قادرا على الظلم عندهم، وذكروا هذا ~~القيد دفعا لهذا النقض عن كلامهم فهذا [غاية] تقرير كلامهم في هذا ~~الباب. # والجواب عن الأول من وجوه. # أحدها: لا نسلم أن إدراك البصر عبارة عن الرؤية، لأن ~~لفظ الإدراك في اصل اللغة عبارة عن اللحوق والوصول؛ قال ~~تعالى: # قال أصحاب موسى إنا لمدركون # [الشعراء:61] أي لملحقون، وقال: # حتى إذآ أدركه الغرق # [يونس:90] أي: لحقه، ويقال: أدرك فلان فلانا، وأدرك الغلام الحلم، ~~أي: بلغ، وأدركت الثمرة، أي: نضجت، فثبت أن الإدراك هو الوصول ~~إلى الشيء، وإذا عرف هذا فنقول المرئي إذا كان له حد ونهاية، ~~وأدركه البصر بجميع حدوده وجوانبه ونهايته صار ذلك ~~الإبصار كأنه أحاط به فتسمى هذه الروية إدراكا. # أما إذا لم يحط البصر بجوانب المرئي لم تسم تلك الرؤية ~~[إدراكا، فالحاصل أن الرؤية] جنس تحته نوعان: رؤية مع الإحاطة [ورؤية لا ~~مع الإحاطة، والرؤية مع الإحاطة] هي التي تسمى إدراكا، فنفي الإدراك ~~يفيد نفي الجنس, فلم يلزم من نفي الإدراك على الله - تعالى - ~~نفي الرؤية عن الله، وهذا وجه حسن في الاعتراض على كلامهم، ~~فإن قالوا: إن قلتم: إن الإدراك يغاير الرؤية، فقد أفسدتم ~~على أنفسكم الوجوه الأربعة التي تمسكتم بها في هذا الآية الكريمة ~~على إثبات الرؤية. # قلنا: هذا يفيد أنه إدراك أخص من الرؤية، وإثبات الأخص ~~يوجب إثبات الأعم، أما نفي الأخص فلا يوجب نفي ms3642 الأعم، ~~فثبت أن البيان الذي ذكرناه يبطل كلامهم، ولا يبطل كلامنا. # وثانيها: أن نقول: هب أن الإدراك يفيد عموم النفي عن كل ~~الأشخاص في كل الأحوال، فلا نسلم أنه يفيد نفي العموم، إلا ~~أن نفي العموم غير، وعموم النفي غير, وقد دللنا على أن هذا ~~اللفظ لا يفيد إلا نفي العموم، وبينا أن نفي العموم يوجب ~~ثبوت الخصوص. # وأما قولهم: إن عائشة تمسكت بهذه الآية في نفي الرؤية، ~~فنقول: معرفة مفردات اللغة إنما تكتسب من علماء اللغة، فأما كيفية ~~الاستدلال بالدليل، فلا يرجع فيه إلى التقليد، وبالجملة ~~فالدليل العقلي دل على أن قوله تعالى: { لا تدركه ~~الأبصار } يفيد نفي العموم وثبت بصريح العقل أن نفي لعموم ~~مغاير لعموم النفي، ومقصودهم إنما يتم لو دلت الآية ~~الكريمة على عموم النفي، فسقط كلامهم. # وثالثها: أن نقول: صيغة الجمع كما تحمل [على الاستغراق فقد ~~تحمل] على المعهود السابق أيضا، وإذا كان كذلك، فقوله: { لا ~~تدركه الأبصار } وهي الأحداق وما دامت تبقى على هذه الصفات ~~التي هي موصوفة به في الدنيا لا تدرك الله تعالى، وإنما تدرك الله ~~تعالى إذا تبدلت صفاتها، وتغيرت أحوالها، فلم قلتم، إن ~~حصول هذه التغيرات لا تدرك الله تعالى. # ورابعها: سلمنا أن الأبصار لا تدرك الله - تبارك وتعالى - ~~فلم لا يجوز حصول إدراك الله تبارك وتعالى بحاسة سادسة ~~مغايرة لهذه الحواس، كما قال ضرار بن عمرو به، وعلى ها التقدير ~~فلا يبقى بالتمسك بهذه الآية الكريمة فائدة. # وخامسها: هب أن هذه الآية عامة، إلا أن الآيات الدالة على ~~إثبات رؤة الله تعالى خاصة والخاص مقدم على العام، وحينئذ ~~ينتقل الكلام إلى أن بيان أن تلك الآيات هل تدل على حصول رؤية الله ~~تعالى أم لا؟ # وسادسها: أن نقول بموجب الآية الكريمة، فنقول: سلمنا أن الأبصار لا ~~تدرك الله - تعالى - فمل قلتم: إن المبصرين لا يدركون الله ~~تعالى. # وأما الوجه الثاني فقد بينا أنه يمتنع حصول التمدح بنفي ~~الرؤية لو كان تعالى في ذاته بحيث تمتنع رؤيته، ثم إنه تبارك ms3643 ~~وتعالى يحجب الإبصار عن رؤيته فسقط كلامهم بالكلية، ثم نقول: ~~إن النفي يمتنع أن يكون سببا لحصول المدح والثناء، لأن النفي ~~المحض, والعدم الصرف لا يكون سببا موجبا إلى المدح والثناء, ~~والعلم به ضروري، بل إذا كان النفي دليلا على حصول صفة ثابتة من ~~صفات المدح والثناء، فإن ذلك النفي يوجب المدح. # مثال: أن قوله تعالى: # لا تأخذه سنة ولا نوم # [البقرة: 255] أن هذا النفي في حق الباري - تعالى - يدل على كونه ~~عالما بجميع المعلومات أبدا من غير تبدل ولا زوال، وكذا قوله: # وهو يطعم ولا يطعم # [الأنعام:14] يدل على كونه قائما بنفسه غنيا في ذاته؛ لأن ~~الجماد أيضا لا يأكل ولا يطعم، وإذا ثبت هذا فقوله: { لا تدركه ~~الأبصار } يمتنع أن يفيد المدح والثناء، إلا إذا دل على ~~معنى موجود يفيد المدح والثناء، وذلك هو الذي قلنا: إنه - تبارك ~~وتعالى - قادر على حجب الأبصار، ومنعها عن إدراكه ورؤيته، ~~فانقلب الكلام على المعتزلة، وسقط الاستلال. واعلم أن القاضي ~~ذكر وجوها أخر تدل على نفي الرؤية، وهي خارجة عن ~~التمسك بهذه الآية الكريمة. # فأولها: أن الحاسة إذا كانت سليمة، وكان المرئي حاضرا، وكانت ~~الشرائط المعتبرة حاصلة، وهو ألا يحصل القرب القريب، ولا البعد ~~البعيد، ولا يحصل الحجاب، ويكون المرئي مقابلا، أو في حكم المقابل، ~~فإنه يجب حصول الرؤية؛ إذ لو جاز مع حصول هذه الأمور ألا تحصل ~~الرؤية جاز أن يكون بحضرتنا بوقات وطبلات ولا نسمعها ولا ~~نراها، وذلك يوجب السفسطة وإذا ثبت هذا فنقول: إن انتفاء ~~القرب القريب، والبعد البعيد، والحجاب، وحصول المقابلة في حق ~~الله - تعالى - ممتنع، فلو صحت رؤيته لوجب أن يكون المقتضي ~~لحصول تلك الرؤية هو سلامة الحاسة، وكون المرئي بحيث تصح ~~رؤيته. # وثانيها: أن كل ما كان مرئيا كان مقابلا، أو في حكم المقابل، ~~والله - تعالى - ليس كذلك، فوجب أن تمتنع رؤيته. # وثالثها: قال القاضي: ويقال لهم كيف يراه أهل الجنة دون أهل النار، ~~فإما أن يقرب منهم أو يقابلهم، فيكون حاله معهم دون أهل النار، ms3644 وهذا ~~يوجب أن جسم يجوز عليه القرب والبعد والحجاب. # ورابعها: قال: أهل الجنة دون أهل النار يرونه في كل حال عند ~~الجماع وغيره، وهو باطل، ويرونه في حال دون حال، وهو أيضا باطل؛ ~~لأن ذلك يوجب أنه - تبارك وتعالى - مرة يقرب، وأخرى يبعد، وأيضا ~~فرؤيته أعظم اللذات, وإذا كان كذلك وجب أن يكون مشتهين ~~لتك الرؤية أبدا, فإذا لم يروه في بعض الأوقات وقعوا في ~~الغم والحزن، وذلك لا يليق بصفات أهل الجنة، وهذه الوجوه في ~~غاية الضعف. # أما الأول: فيقال: هب أن الأجسام والأعراض عند سلامة الحاسة، ~~وحضور المرئي، وحصل سائر الشرائط واجبة فلم قلتم: إنه يلزم منه وجوب ~~حصول الرؤية إذا كان المرئي بحيث تصح رؤيته ألم تعلموا أن ~~ذاته تعالى مخالفة لسائر الذوات، ولا يلزم من ثبوت حكمه في ~~شيء ثبوت مثل ذلك الحكم فيما يخالفه. # وأما الثاني: يقال النزاع وقع في أن الموجود الذي لا يكون مختصا ~~بمكان وجهة هل تجوز رؤيته أم لا؟ فإما أن تدعوا أن العلم بامتناع ~~رؤية هذا الموجود الموصوف بهذه الصفة علم بديهي، أو تقولوا: علم ~~استدلالي، والأول باطل؛ لأنه لو كان العلم به بديهيا لما وقع ~~الخلاف فيه بين العقلاء، وأيضا فبتقدير أن يكون هذا العلم ~~بديهيا كان الاشتغال بذكر الدليل عبثا فاتركوا الدليل، ~~واكتفوا بذكر هذه البديهية. # وإن كان الثاني: فنقول قولكم المرئي يجب أن يكون مقابلا، و في ~~حكم المقابل، فلا فائدة في هذا الكلام إلا إعادة الدعوى. # وأما الثالث: فيقال له: لم لا يجوز أن يقال: إن أهل الجنة يرونه، ~~وأهل النار لا يرونه؟ لا لأجل القرب والبعد، بل لأنه - تعالى - يخلق ~~الرؤية في عيون أهل الجنة، ولا يخلقها في عيون أهل النار، ~~فلو رجعت في إبطال هذا الكلام إلى أن تجويزه يفضي إلى تجويز أن ~~يكون بحضرتنا بوقات وطبلات لا نراها ولا نسمعها، كان هذا ~~رجوعا إلى الطريقة الأولى، وقد سبق جوابها. # وأما الرابع: فيقال: لم لا يجوز أن يقال: إن المؤمنين بدون الله - ~~تبارك وتعالى ms3645 - في حال دون حال [وقوله: فإنه يقتضي أن يقرب منه مرة ~~ويبعد أخرى، فنقول: هذا عود إلى أن الإبصار لا يحصل إلا عند ~~الشرائط المذكورة وقد سبق جوابه، وقوله: الرؤية أعظم ~~اللذات، فيقال له: إنها وإن كانت كذلك، إلا أنه لا يبعد أن ~~يقال: يشتهونها في حال دون حال بدليل أن سائر لذات الجنة, ~~ومنافعها لذيذة طيبة، ثم إنها تحصل في حال دون حال] فهذا تمام ~~الكلام في الجواب عن الوجوه التي ذكرها. # وأما الدلالة الدالة على أن المؤمنين يرون الله تعالى # وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة # [القيامة:22، 23]. # وقال مقاتل: # كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون # [المطففين:15] قال مالك: لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة ~~لم يعد الله للكفار الحجاب، وقال: # وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا # [الإنسان:20] بفتح الميم وكسر اللام على إحدى القراءات، ولما طلب موسى ~~عليه الصلاة والسلام من الله تعالى الرؤية دل ذلك على جواز رؤية ~~الله تعالى. # وأيضا علق الرؤية على استقرار الجبل حيث قال: # فإن استقر مكانه فسوف تراني # [الأعراف:143] واستقرار الجبل جائز، والمعلف على الجائز جائز. # الوجوه الأربعة المتقدمة في أول الآية الكريمة سيأتي الكلام ~~عليها وعلى هذه الآيات، وما يشبهها في الدلالة في مواضعها إن شاء ~~الله تعالى. # وأما الأخبار فكثيرة منها قوله عليه الصلاة والسلام: # " سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر " # وقال عليه السلام: # " إنكم سترون ربكم عيانا " # وقرأ عليه الصلاة والسلام قوله تعالى: # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # [يونس:26] قال: " الحسنى " هي الجنة و " الزيادة هي ~~النظر إلى وجه الله. # واختلف الصحابة في أن النبي صلى الله عليه وسلم هل رأى ربه ليلة ~~المعراج؟ ولم يكفر بعضهم بعضا بهذا السبب، ولا نسبه إلى ~~البدعة والضلالة، وهذا يدل على أنهم كانوا مجتمعين على أنه لا ~~امتناع عقلا في رؤيته تعالى، والله تعالى أعلم، وصلى الله على ~~سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. ### || [6.104] # لما بين بالبينات الباهرة، والدلائل القاهرة المطالب الإلهية ~~عاد إلى تقرير الدعوة والتبليغ والرسالة، وإنما ms3646 ذكر الفعل ~~لشيئين: # أحدهما: الفصل بالمفعول. # والثاني: كون التأنيث مجازيا. # والبصائر: جمع " بصيرة " وهي الدلالة التي توجب إبصار النفوس ~~للشيء ومنه قيل للدم الدال على القتيل " مبصرة " والبصيرة مختصة ~~بالقلب [كالبصر للعين، هذا قول بعضهم. # وقال الراغب: " ويقال لقوة القلب المدركة: " بصيرة وبصر " ] ~~قال تبارك وتعالى: # بل الإنسان على نفسه بصيرة # [القيامة:14] وقال تعالى: # ما زاغ البصر وما طغى # [النجم:17] وتقدم تحقيق هذا في أوائل سوة " البقرة ". # وأراد بالبصائر الآيات المتقدمة، وهي في نفسها ليست ~~بصائر إلا أنها لقوتها وجلائها توجب البصائر لمن عرفها، ووقف ~~على حقائقها، فلما كانت سببا لحصول البصائر سميت ~~بالبصائر. # قوله: " من ربكم " يجوز أن يتعلق بالفعل قبله، وأن يتعلق ~~بمحذوف على أنه صفة لما قبله، أي: بصائر كائنة من ربكم و " من " في ~~الوجهين لابتداء الغاية مجازا. # قوله: " فمن أبصر " يجوز أن تكون شرطية، وأن تكون موصولة ~~فالفاء جواب الشرط على الأول، ومزيدة في الخبر لشبه الموصول ~~باسم الشرط على الثاني، ولا بد قبل لام الجر من محذوف ~~يصح به الكلام، والتقدير: فالإبصار لنفسه، ومن عمي ~~فالعمى عليها، فإلإبصار والعمى مبتدآن، والجار بعدهما هو ~~الخبر، والفاء داخلة على هذه الجملة الواقعة جوابا أو خبرا، ~~وإنما حذف مبتدؤها للعلم به، وقدر الزجاج قريبا من هذا, فقال: " ~~فلنفسه نفع ذلك ومن عمي فعليها ضرر ذلك ". # وقال الزمخشري: " فمن أبصر الحق وآمن فلنفسه أبصر وإياها نفع، ومن ~~عمي فعليها، أي: فعلى نفسه عمي، وإياها ضر ". # قال أبو حيان: وما قدرناه من المصدر أولى، وهو: فالإبصار والعمى ~~لوجهين: # أحدهما: أن المحذوف يكون مفردا لا جملة، والجار يكون عمدة لا ~~فضلة، وفي تقديره هو المحذوف جملة، والجار والمجرور فضلة. # والثاني: وهو أقوى، وذلك أنه لو كان التقدير فعلا لم تدخل الفاء سواء ~~كانت شرطية أم موصولة مشبهة بالشرط؛ لأن الفعل الماضي إذا لم يكن ~~دعاء ولا جامدا، ووقع جواب الشرط أو خبر مبتدأ مشبه ~~بالشرط لم تدخل الفاء في جواب الشرط، ولا في خبر المبتدأ لو قلت: " من ~~جاءني فأكرمته ms3647 " لم يجز بخلاف تقديرنا، فإنه لا بد فيه من الفاء، ~~ولا يجوز حذفها إلا في الشعر. # قال شهاب الدين: " وهذا التقدير الذي قدره الزمخشري سبقه إليه ~~الكلبي, فإنه قال: فمن أبصر صدق وآمن بمحمد عليه الصلاة ~~والسلام فلنفسه عمل ومن عمي فلم يصدق فعلى نفسه جنى العذاب " ~~وقوله: إن الفاء لا تدخل فيما ذكر قد ينازع فيه، وإذا كانوا ~~فيما يصلح أن يكون جوابا صريحا، ويظهر فيه أثر الجازم ~~كالمضارع يجوز فيه دخول الفاء نحو: # ومن عاد فينتقم الله منه # [المائدة: 95] فالماضي بدخولها أولى وأحرى. # فصل في بيان عود المنافع للبشر # قال القاضي: إنه - تعالى - بين لنا أن المنافع تعود إلينا لا لمنافع ~~تعود إلى الله تبارك وتعالى, وأيضا إن المرء بعدوله عن ~~النظر يضر بنفسه، ولم يؤت إلا من قبله لا من قبل ربه، ~~وأيضا إنه متمكن من الأمرين، فلذلك قال: { فمن أبصر ~~فلنفسه ومن عمي فعليها } قال: وهذا يبطل قول المجبرة [في ~~أنه - تعالى - يكلف بلا قدرة] وجوابه المعارضة بسؤال الداعي. # قوله: { ومآ أنا عليكم بحفيظ } أي: برقيب أحصي عليكم ~~أعمالكم، إنما أنا رسوله أبلغكم رسالات ربي، وهو الحفيظ عليكم الذي ~~لا يخفى عليه شيء من أعمالكم. # فصل في معنى الآية # قال المفسرون: هذا كان قبل الأمر بالقتال، فلما أمر بالقتال صار ~~حفيظا عليهم، ومنهم من يقول: آية القتال ناسخة لهذه الآية ~~الكريمة، وهو بعيد؛ لأن الأصل عدم النسخ. ### || [6.105] # لما شرع في إثبات النبوات بدأ بحكاية شبهات المنكرين ~~لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم. # الشبهة الأولى: قولهم: يا محمد إن هذا القرآن الذي جئتنا به ~~كلام تستفيده من مدارسة العلماء، وتنظمه من عند نفسك، ثم ~~تقرؤه علينا، وتزعم أنه وحي نزل عليك من عند الله تعالى. # و " الكاف " في محل نصب نعت لمصدر محذوف، فقدره الزجاج: ~~ونصرف الآيات مثل ما صرفناها فيما تلي عليكم، وقدره ~~غيره: نصرف الآيات في غير هذه السورة تصريفا مثل التصريف في ~~هذه السورة. # والمراد بالتصريف أنه - تبارك وتعالى - يأتي بها متواترة ~~حالا ms3648 بعد حال. # قوله: " وليقولوا " الجمهور على كسر اللام كي، والفعل بعدها ~~منصوب بإضمار " أن " فهو في تأويل مصدر مجرور بها على ما عرف [غير ~~مرة]، وسماها أبو البقاء وابن عطية لام الصيرورة، كقوله تبارك ~~وتعالى: # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا # [القصص:8] وكقوله: [الوافر] # 2279- لدوا للموت وابنوا للخراب # ...................... # أي: لما صار أمرهم إلى ذلك عبر بهذه العبارة، والعلة غير ~~مرادة في هذه الأمثلة، والمحققون يأبون جعلها للعاقبة ~~والصيرورة، ويؤولون ما ورد من ذلك على المجاز. # وجوز أبو البقاء فيها الوجهين؛ أعني كونها " لام " العاقبة، أو العلة ~~حقيقة، فإنه قال: " واللام لام العاقبة، أي: إن أمرهم يصير إلى هذا ". # وقيل: إنه قصد بالتصريف أن يقولوا: درست عقوبة لهم، يعني: فهذه ~~علة صريحة، وقد أوضح بعضهم هذا، فقال: المعنى: يصرف هذه ~~الدلائل حالا بعد حال ليقول بعضهم: دارست فيزدادوا كفرا، وتنبيه ~~لبعضهم فيزدادوا إيمانا، ونحو: # يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا # [البقرة:26] # وأبو علي جعلها في بعض القراءات لام الصيرورة، وفي بعضها لام ~~العلة؛ فقال: واللام في " ليقولوا " في قراءة ابن عامر، ومن وافقه ~~بمعنى: لئلا يقولوا؛ أي: صرفت الآيات، وأحكمت لئلا يقولوا: هذه ~~أساطير الأولين قديمة قد بليت وتكررت على الأسماع، ~~واللام على سائر القراءات لام الصيرورة. # قال شهاب الدين: قراءة ابن عامر درست بوزن أكلت وسرقت فعلا ~~ماضيا مسندا لضمير الآيات، وسيأتي تحقيق القراءات في هذا الكلمة ~~متواترها وشاذها. # قال أبو حيان: " وما أجازه من إضمار " لا " بعد اللام المضمر بعدها ~~" أن " هو مذهب لبعض الكوفيين، كما أضمروها بعد " أن " المظهرة ~~في # أن تضلوا # [النساء:176] ولا يجيز البصريون إضمار " لا " إلا في القسم ~~على ما تبين فيه ". # ثم هذه " اللام " لا بد لها من متعلق، فقدره الزمخشري وغيره ~~متأخرا، قال الزمخشري: " وليقولوا " جوابه محذوف، تقديره: ~~وليقولوا درست تصرفها. # فإن قلت: أي فرق بين اللامين في " ليقولوا " و " لنبينه ~~"؟ # قال شهاب الدين: الفرق بينهما أن الأولى مجاز، والثانية ~~حقيقة، وذلك أن الآيات صرفت للتبيين، ولم تصرف ليقولوا: دارست، ~~ولكن لأنه ms3649 لما حصل هذا القول بتصريف الآيات كما حصل للتبيين ~~شبه به فسيق مساقة. # وقيل: ليقولوا كما قيل لنبيه. # قال شهاب الدين: فقد نص هنا على أن لام " ليقولوا " علة ~~مجازية. # وجوز بعضهم أن تكون هذه اللام نسقا على علة محذوفة. # قال ابن الأنباري: " خلت الواو في " وليقولوا " عطفا على مضمر، ~~التقدير: وكذلك نصرف الآيات لنلزمهم الحجة وليقولوا ". قال شهاب ~~الدين وعلى هذا فاللام متعلقة بفعل التصريف، من حيث المعنى، ~~ولذلك قدره من قدره متأخرا ب " نصرف ". # وقال أبو حيان: " ولا يتعين ما ذكره المعربون والمفسرون ~~من أن اللام لام كي، أو لام الصيرورة، بل الظاهر أنها لام الأمر ~~والفعل مجزوم بها، ويؤيده قرءاة من سكن اللام، والمعنى عليه ~~يتمكن، كأنه قيل: وكذلك نصرف الآيات، وليقولوا هم ما يقولون من ~~كونها درستها وتعلمتها أو درست هي، أي: بليت ~~وقدمت، فإنه لا يحتفل بهم ولا يلتفت إلى قولهم وهو أمر ~~معناه الوعيد والتهديد، وعدم الاكتراث بقولهم، أي: نصرفها ~~وليدعوا فيها ما شاءوا، فإنه لا إكتراث بدعواهم ". # وفيه نظر من حيث إن المعنى على ما قاله الناس وفهموه، وأيضا فإن ~~بعده " ولنبينه " وهو نص في لام كي، وأما تسكين اللام في ~~القراءة الشاذة، فلا يدل لاحتمال أن تكون لام كي سكنت ~~إجراء للكلمة مجرى: كتف وكبد. # وقد رد أبو حيان على الزمخشري؛ حيث قال: " وليقولوا جوابه محذوف " ~~فقال: وتسميته ما يتعلق به قوله: " وليقولوا " جوابا اصطلاح ~~غريب لا يقال في " جئت " من قولك: " جئت لتقوم " إنه جواب. # قال شهاب الدين: هذه العبارة قد تكررت للزمخشري، وسيأتي ذلك في ~~قوله: # ولتصغى # [الأنعام:113] أيضا. # وقال الشيخ هناك: " وهذا اصطلاح غريب ". # والذي يظهر أنه إنما يسمى هذا النحو جوابا، لأنه يقع جوابا ~~لسائل؛ تقول: أين الذي يتعلق به هذا لجار؟ فيجاب به، فسمي جوابا ~~بهذا الاعتبار، وأضيف إلى الجار في قوله: " وليقولوا " جوابه؛ لأن ~~الإضافة تقع بأدنى ملابسة، وإلا فكلام إمام يتكرر لا ~~يحمل على فساد. # وأما القراءات التي في " درست " فثلاث في المتواتر: فقرأ ابن ms3650 عامر: " ~~درست " بزنة: ضربت، وابن كثير وأبو عمرو " دارست " ~~بزنة: قابلت أنت، والباقون " درست " بزنة ضربت أنت. # فأما قراءة ابن عامر: فمعناها بليت وقدمت، وتكررت على ~~الأسماع، يشيرون إلى أنها من أحاديث الأولين، كما قالوا: " ~~أساطير الأولين ". # وأما قراءة ابن كثير، وأبي عمرو: فمعناها: دارست يا محمد غيرك ~~من أهل الأخبار الماضية، والقرون الخالية حتى حفظتها قفلتها، ~~كما حكى عنهم فقال: # إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه ~~أعجمي # [النحل:103]. # وفي التفسير: أنهم كانوا يقولون: هو يدارس سلمان وعداسا. # وأما قراءة الباقين: فمعناها: حفظت وأتقنت بالدرس أخبار ~~الأولين، كما حكي عنهم # وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى ~~عليه بكرة وأصيلا # [الفرقان:5] أي: تكرر عليها بالدرس يحفظها. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: وليقولوا أهل " مكة " حين تقرأ عليهم ~~القرآن: ودرست تعلمت من يسار وجبر، وكانا عبدين من سبي الروم ~~قرأت علينا تزعم أنه من عند الله. # حكى الواحدي في قوله: درس الكتاب قولين: # الأول: قال الأصمعي: أصله من قولهم: درس الطعام إذا درسه ~~يدرسه دراسا، والدرس الدياس بلغة أهل " الشام " ، قال: ~~ودرس الكلام من هذا، أي: يدرسه فيخف على لسانه. # والثاني: قال أبو الهيثم: درست الكتاب، أي: ذللته بكثرة القراءة خف ~~حفظه من قولهم: درست الثوب أدرسه درسا، فهو مدروس ~~ودريس، أي: أخلقته، ومنه قيل للثوب الخلق: دريس لأنه قد لان ~~والدراسة الرياضة، ومنه درست السورة حتى حفظتها قال الواحدي: وهذا ~~القول قريب مما قال الأصمعي، بل هو نفسه لأن المعنى يعود إلى ~~التذليل والتليين. # وقرئ هذا الحرف في الشاذ عشر قراءات أخر فاجتمع فيه ثلاثة عشرة ~~قراءة؛ فقرا ابن عباس بخلاف عنه، وزيد بن علي، والحسن البصري، وقتادة " ~~درست " فعلا ماضيا مبنيا للمفعول مسندا لضمير الإناث، وفسرها ~~ابن جني والزمخشري بمعنيين في أحدهما إشكال. # قال أبو الفتح: " يحتمل أن يراد عفت أو بليت ". # وقال أبو القاسم: " بمعنى قرئت أو عفيت ". # قال أبو حيان: " أما معنى قرئت وبليت فظاهر لأن درس ~~بمعنى كرر القراءة متعد، وأما " درس " بمعنى بلي وانمحى ms3651 فلا ~~أحفظه متعديا، ولا وجدنا فيمن وقفنا على شعره [من العرب] إلا ~~لازما ". # قال شهاب الدين: لا يحتاج هذا إلى استقراء، فإن معناه لا يحتمل أن يكون ~~متعديا؛ إذ حدثه لا يتعدى فاعله، فهو ك " قام " و " قعد " فكما ~~أنا لا نحتاج في معرفة قصور " قام " و " قعد " إلى استقراء، بل ~~نعرفه بالمعنى، فكذا هذا. # وقرئ " درست " فعلا ماضيا مشددا مبنيا للفاعل المخاطب، فيحتمل ~~أن يكون للتكثير، أي: درست الكتب الكثيرة ك " ذبحت الغنم " ، ~~و " قطعت الأثواب " وأن تكون للتعدية، والمفعولان محذوفان، أي: ~~درست غيرك الكتاب، وليس بظاهر؛ إذ التفسير على خلافه. # وقرئ درست كالذي قبله إلا أنه مبني للمفعول، أي: درسك ~~غيرك الكتب، فالتضعيف للتعدية لا غير. # وقرئ " دورست " مسندا لتاء المخاطب من " دارس " ك " قاتل " ~~إلا أنه بني للمفعول، فقلبت ألفه الزائدة واوا، والمعنى: ~~دارسك غيرك. # وقرئ " دارست " بتاء ساكنة للتأنيث لحقت آخر الفعل، وفي فاعله ~~احتمالان: # أحدهما: أنه ضمير الجماعة أضمرت، وإن لم يجر لها ذكر ~~لدلالة السياق عليها أي: دراستك الجماعة يشيرون لأبي فكيهة، وسلمان، ~~وقد تقدم ذلك في قراءة ابن كثير، وأبي عمرو رحمهما الله تعالى. # والثاني: ضمير الإناث على سبيل المبالغة، أي: إن الآيات نفسها ~~دارستك، وإن كان المراد أهلها. # وقرئ " درست " بفتح الدال، وضم الراء مسندا إلى ضمير الإناث، ~~وهو مبالغة في " درست " بمعنى: بليت وقدمت وانمحت، أي: ~~اشتد دروسها وبلاها. # وقرأ أبي " درس " وفاعله ضمير النبي صلى الله عليه وسلم، أو ~~ضمير الكتاب بمعنى قرأه النبي، وتلاه، وكرر عليه، أو بمعنى ~~بلي الكتاب وامحى، وهكذا في مصحف عبد الله " درس ". # وقرأ الحسن في رواية " درسن " فعلا ماضيا مسندا لنون الإناث هي ~~ضمير الآيات, وكذا هي في بعض مصاحف ابن مسعود. # وقرئ " درسن " كالذي قبله إلا أنه بالتشديد بمعنى اشتد ~~دروسها وبلاها، كما تقدم. # وقرئ " دارسات " جمع " دارسة "؛ بمعنى: قديمات، أو بمعنى ذات ~~دروس، نحو: # عيشة راضية # [الحاقة:21] و # مآء دافق # [الطارق:6] وارتفاعها على خبر ابتداء مضمر، أي: هن دارسات، والجملة ~~في محل ms3652 نصب بالقول قبلها. # قوله: " ولنبينه " تقدم أن هذا عطف على ما قبله؛ فحكمه ~~حكمه، وفي الضمير المنصوب أربعة احتمالات: # أحدها: أنه يعود على الآيات، وجاز ذلك وإن كانت مؤنثة؛ لأنها ~~بمعنى: القرآن. # الثاني: أنه يعود على الكتاب، لدلالة السياق عليه، ويقوي هذا: ~~أنه فاعل ل " درس " في قراءة من قرأه كذلك. # الثالث: أنه يعود على المصدر المفهوم من نصرف، أي: نبين ~~التصريف. # الرابع: أنه يعود على المصدر المفهوم من " لنبينه " أي: ~~نبين التبين، نحو: " ضربته زيدا " أي: " ضربت الضرب ~~زيدا " ، و " لقوم " معلق بالفعل قبله، و " يعلمون ": # في محل جر صفة للنكرة قبلها. # قال ابن عباس - ضي الله عنهما - يريد أولياءه الذين هداهم إلى سبيل ~~الرشاد. # وقيل: نصرف الآيات ليشقى بها قوم، ويسعد بها آخرون؛ فمن قال: " ~~درست " فهو شقي، ومن تبين له الحق، فهو سعيد. ### || [6.106-107] # لما حكى عن المشركين أنهم ينسبونه في إظهار هذا القرآن ~~العظيم إلى الافتراء، وإلى مدارسة من يستفيد هذه العلوم ~~منهم، ثم ينظمها قرآنا، ويدعي أنه عليه من الله، أتبعه ~~بقوله: { اتبع مآ أوحي إليك من ربك } لئلا يصير ذلك ~~القول سببا لفتوره عن تبليغ الدعوة والرسالة، والمقصود: ~~تقوية " قلبه " ، وإزالة الحزن الذي حصل بسماع تلك الشبهة. # قوله: " ما أوحي " يجوز أن تكون " ما ": اسمية، والعائد هو القائم ~~مقام الفاعل، و " إليك ": فضله، وأجازوا أن تكون مصدرية، ~~والقائم مقام الفاعل حينئذ: الجار والمجرور، أي: الايحاء الجائي ~~من ربك، و " من " لابتداء الغاية مجازا، ف " من ربك ": ~~متعلق ب " أوحي ". # وقيل: بل هو حال من " ما " نفسها. # وقيل: بل هو حال من الضمير المستتر في " أوحي " وهو بمعنى ~~ما قبله. # وقوله: " لا إله إلا هو " جملة معترضة بين هاتين ~~الجملتين الأمريتين، هذا هو الأحسن. # وجوز أبو البقاء أن تكون حالا من " ربك " وهي حال مؤكدة، ~~تقديره: من ربك منفردا. # قوله: " وأعرض عن المشركين " أي: لا تجادلهم. # وقيل: المراد: ترك المقاتلة؛ فلذلك قالوا: إنه منسوخ، وهذا ~~ضعيف؛ لأن الأمر بترك المقاتلة في الحال لا يفيد الأمر ms3653 بتركها ~~دائما، وإذا كان الأمر كذلك لم يجب التزام النسخ. # قوله: " ولو شاء الله " مفعول المشيئة محذوف، أي: " لو شاء ~~الله إيمانهم " وقد تقدم أنه لا يذكر إلا لغرابته، والمعنى: ~~لا تلتفت إلى سفاهات هؤلاء الكفار، فإني لو أردت إزالة ~~الكفر عنهم، لقدرت، ولكني تركتهم مع كفرهم، فلا يشتغل ~~قلبك بكلماتهم. # وتمسك أهل السنة بقوله - تعالى -: { ولو شآء الله مآ ~~أشركوا } والمعنى: لو شاء ألا يشركوا، ما أشركوا، وحيث ~~لم يحصل الجزاء، لم يحصل الشرط. # وقالت المعتزلة: ثبت بالدليل أنه - تعالى - أراد من الكل ~~الإيمان، وما شاء من أحد الكفر، وهذه الآية الكريمة تفتضي: ~~أنه - تعالى - ما شاء من الكل الإيمان؛ فوجب التوفيق بين ~~الدليلين، فيحمل مشيئة الله لإيمانهم، على مشيئة الإيمان ~~الاختياري الموجب للثواب، ويحمل عدم مشيئته لإيمانهم، على ~~الإيمان الحاصل بالقهر والجبر، يعني: أنه - تبارك وتعالى - ما شاء ~~أن يحملهم على الإيمان على سبيل القهر والإلجاء؛ لأن ذلك ~~يبطل التكليف، ويخرج الإنسان عن استحقاق الثواب. # والجواب من وجوه: # أحدها: أنه - تبارك وتعالى - ما شاء منهم أن يحملهم على ~~الإيمان على سبيل القهر وهو الذي أقدر الكافر على الكفر ~~فقدرة الكفر إن لم تصلح للإيمان، فخالق تلك القدرة لا ~~شك أنه كان مريدا للكفر، فإن كانت صالحة للإيمان، لم ~~يترجح جانب الكفرعلى جانب الإيمان، إلا عند حصول داع ~~يدعو إلى الإيمان، وإلا لزم رجحان أحد طرفي الممكن على ~~الآخر [لا] لمرجح. # وهو محال، ومجموع القدرة مع الداعي إلى الكفر، يوجب ~~الكفر, فإذا كان خالق القدرة والداعي هو الله - تعالى -، وثبت ~~أن مجموعهما يوجب الكفر، ثبت أن الله - تعالى - أراد الكفر ~~من الكافر. # وثانيها: أن الله - تبارك وتعالى - كان عالما بعدم الإيمان من ~~الكافر، ووجود الإيمان مع العلم بعدم الإيمان متضادان، ومع ~~وجود أحد الضدين كان حصول الضد الثاني محالا، مع العلم ~~بكونه محالا غير مراد، فامتنع أن يقال: إنه - تعالى - يريد ~~الإيمان من الكافر. # وثالثها: هب أن اإيمان الاختياري أفضل وأنفع من الإيمان ~~الحاصل بالجبر والقهر، إلا أنه - تعالى ms3654 - لما علم أن ذلك ~~النفع لا يحصل ألبتة، فقد كان يجب في رحمته وحكمته، أن ~~يخلق فيهم الإيمان على سبيل الإلجاء؛ لأن هذا الإيمان وإن كان لا ~~يوجب الثواب العظيم، فأقل ما فيه أن يخلصه من العقاب ~~العظيم، وترك إيجاد هذا الإيمان فيه على سبيل الإلجاء، يوجب ~~وقوعه في أشد العذاب، وذلك لا يليق بالرحمة والإحسان، كما ~~إن الوالد إذا كان له ولد عزيز، وكان الأب في غاية الشفقة، ~~وكان الولد واقفا على طرف البحر, فيقول له الوالد: غص في قعر ~~هذا البحر؛ لتستخرج اللآلئ العظيمة الرفيعة الغالية، وعلم ~~الوالد قطعا أنه إذا غاص في البحر، هلك, فهذا الأب وإن كان ~~مشفقا عليه, وجب عليه أن يمنعه من الغوص في قعر البحر, ~~ويقول له: أترك طلب اللآلئ، فإنك لا تجدها وتهلك، والأولى لك ~~أن تكتفي بالرزق القليل مع السلامة، فأما أن يأمره ~~بالغوص في قعر البحر مع تيقن الهلاك، فهذا يدل على عدم ~~الرحمة؛ وكذا ههنا. # قوله: " وما جعلناك " " جعل " بمعنى: صير فالكاف مفعول ~~أول, و " حفيظا " هو الثاني, و " عليهم " متعلق به, قدم ~~للاهتمام أو للفواصل, ومفعول " حفيظ " محذوف، أي: " حفيظا ~~عليهم أعمالهم ". # قال أبو البقاء: " هذا يؤيد قول سيبويه في إعمال فعيل " يعني: ~~أنه مثال مبالغة، وللناس في إعماله وإعمال فعل خلاف أثبته ~~سيبويه، ونفاه غيره. # [قال شهاب الدين]: وكيف يؤيده وليس شيء في اللفظ يشهد له؟ # قوله: " وما أنت " يجوز أن تكون " ما " الحجازية؛ فيكون " ~~أنت ": اسمها، و " بوكيل ": خبرها في محل نصب، ويجوز أن تكون ~~التميمية؛ فيكون " أنت ": مبتدأ و " بوكيل ": خبره في محل ~~رفع، والباء زائدة على كلا التقديرين، و " عليهم ": متعلق بوكيل ~~قدم لما تقدم فيما قبله، وهذه الجملة هي في معنى الجملة ~~قبلها؛ لأن معنى ما أنت وكيل عليهم، وهو بمعنى: ما ~~جعلناك حفيظا عليهم، أي: رقيبا. # واعلم أنه - تبارك وتعالى - لما بين أن لا قدرة لأحد على إزالة ~~الكفر عنهم، ختم الكلام بما يكمل معه تبصير الرسول؛ لأنه ~~لما بين له قدر ms3655 ما جعل إليه، فذكر أنه ما جعله عليهم ~~حفيظا ولا وكيلا، وإنما فوض إليه البلاغ بالأمر، والنهي، ~~والبيان بذكر الدلائل، فإن انقادوا للقبول، فنفعه عائد ~~إليهم، وإلا فضرره عائد إليهم. # قال عطاء: وما جعلناك عليهم حفيظا: تمنعهم مني، أي: لم ~~تبعث لتحفظ المشركين من العذاب، إنما بعثت مبلغا، وما ~~أنت عليهم بوكيل على سبيل المنع لهم. ### || [6.108] # اعلم أن متعلق هذا بما قبله: أنه لا يبعد ان بعض ~~المسلمين كان إذا سمع قول المشركين للرسول - عليه الصلاة ~~والسلام - إنما جمعت هذا القرآن من مدارسة الناس، غضب، ~~وشتم آلهتهم المعارضة، فنهى الله - تعالى - عن ذلك؛ لأنك ~~متى شتمت آلهتهم، غضبوا، فربما ذكر الله - تبارك وتعالى - ~~بما لا ينبغي، فلذلك وجب الاحتراز عن ذلك المقال، وهذا ~~تنبيه على أن الخصم إذا شافه خصمه بجهل وسفاهة، لم ~~يجز لخصمه أن يشافهه بمثل ذلك، فإن ذلك يوجب فتح باب ~~المشاتمة والسفاهة، وذلك لا يليق بالعقلاء. # فصل في المراد بالآية # قال ابن عباس - رضي الله عنهما - لما نزل قوله: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [الأنبياء:98] قال المشركون: يا محمد، لتنتهين عن سب ~~آلهتنا، أو لنهجرن ربك؛ فنزلت هذه الآية، وههنا إشكالان. # أحدهما: أن الناس اتفقوا على أن هذه السورة نزلت دفعة ~~واحدة، فكيف يمكن أن يقال: سبب نزول هذه الآية الكريمة ~~كذا. # والثاني: أن الكفار كانوا مقرين بالله - تعالى -؛ لقوله - ~~تبارك وتعالى -: # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله # [لقمان:25] وكانوا يقولون: إنما نعبد الأصنام؛ لتصير ~~شفعاؤنا عند الله، فكيف يعقل إقدامهم على شتم الله ~~وسبه. # وقال السدي: # " لما قربت وفاة أبي طالب، قالت قريش: ندخل عليه، ونطلب منه ~~أن ينهى ابن أخيه عنا، فإنا نستحي أن نقتله بعد موته، ~~فتقول العرب: كان يمنعه عمه، فلما مات، قتلوه؛ فانطلق أبو ~~سفيان، وأبو جهل، والنضر بن الحارث، وأمية وأبي ابنا ~~خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمرو بن العاص، والأسود بن أبي ~~البختري إليه، وقالوا: يا أبا طالب، أنت كبيرنا وسيدنا، وإن ~~محمدا ms3656 آذانا وآلهتنا، فنحب أن تدعوه وتنهاه عن ذكر آلهتنا، ~~ولندعه وإلهه، فدعاه، فقال: يا محمد، هؤلاء قومك، وبنو عمك ~~يطلبوك أن تتركهم على دينهم، وأن يتركوك على دينك، وقد ~~أنصفك قومك، فاقبل منهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~أرأيتم إن أعطيتكم هذا هل أنتم معطي كلمة إن تكلمتم بها ملكتم ~~بها العرب، ودانت لكم بها العجم قال أبو جهل: نعم وأبيك، ~~لنعطينكها، وعشرة أمثالها، فما هي؟ قال: " قولوا: لا إله ~~إلا الله " فأبوا ونفروا، فقال أبو طالب: قل غيرها يا ابن ~~أخي، فقال: يا عم، ما أنا بالذي أقول غيرها، ولو أتوني ~~بالشمس فوضعوها في يدي. فقالوا: لتكفن عن سب آلهتنا، أو ~~لنشتمنك أو لنشتمن من يأمرك بذلك، " # فأنزل الله - تعالى - الآية الكريمة. # وفيه الإشكالان، ويمكن الجواب من وجوه: # الأول: أنه ربما كان بعضهم قائلا بالدهر ونفي الصانع، ~~فيأتي بهذا النوع من الشفاعة. # الثاني: أن الصحابة - ر ضي الله عنهم - متى شتموا الأصنام، فهم ~~كانوا يشتمون الرسول - عليه الصلاة والسلام - فالله - تعالى - ~~أجرى شتم الرسول مجرى الله - تعالى -؛ كقوله: # إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد # [الفتح:10] وكقوله: # إن الذين يؤذون الله ورسوله # [الأحزاب:57]. # الثالث: أنه ربما كان في جهالهم، من كان يعتقد أن ~~شيطانا يحمله على ادعاء النبوة والرسالة، ثم إنه ~~لجهله، كان يسمي ذلك الشيطان بأنه إله محمد، فكان يشتم إله ~~محمد بناء على هذا التأويل. # وقال قتادة: كان المسلمون يسبون أصنام الكفار، فنهاهم ~~الله - تعالى - عن ذلك؛ لئلا يسبوا الله، فإنهم جهلة. # فإن قيل: شتم الأصنام من أصول الطاعات، فكيف يحسن أن ينهى ~~عنه. # فالجواب: أن هذا الشتم وإن كان طاعة، إلا أنه إذا وقع على ~~وجه يستلزم وجود منكر عظيم، وجب الاحتراز منه، والأمر ~~ههنا كذلك؛ لأن هذا الشتم كان يستلزم إقدامهم على شتم ~~الله، وشتم رسوله، وعلى فتح باب السفاهة، وعلى تنفيرهم عن ~~قبول الدين، وإدخال الغيظ والغضب في قلوبهم، فلهذه ~~المنكرات وقع النهي عنه. # قوله: { من دون الله } يجوز أن يتعلق ب " يدعون ms3657 " وأن ~~يتعلق بمحذوف على أنه حال: إما من الموصول، وإما من عائده ~~المحذوف، أي: يدعونهم حال كونهم مستقرين من دون الله. # قوله: " فيسبوا " الظاهر أنه منصوب على جواب النهي بإضمار ~~أن بعد الفاء، أي: " لا تسبوا آلهتهم، فقد يترتب عليه ما ~~يكرهون من سب الله " ، ويجوز أن يكون مجزوما نسقا على ~~فعل النهي قبله؛ كقولهم: " لاتمددها، فتشقها " وجاز ~~وقوع " الذين " - وإن كان مختصا بالعقلاء - على الأصنام ~~التي لا تعقل، معاملة لها معاملة العقلاء؛ كما أوقع عليها " ~~من " في قوله: # كمن لا يخلق # [النحل:17]. # قال شهاب الدين: وفيه نظر؛ لأن " الذي " و " التي " وسائر ~~الموصولات ما عدا " من " فإنها تدخل على العقلاء وغيرهم، ~~تقول: أنت الرجل الذي قام، ورأيت الفرس الذي اشتريته، ~~قال: ويجوز أن يكون ذلك للتغليب، لأن المعبود من دون ~~الله عقلاء؛ ك " المسيح " و " عزير " و " الملائكة " ~~وغيرهم، [فغلب] العاقل، وهذا بعيد؛ لأن المسلمين لا يسبون ~~هؤلاء ويجوز أن يراد بالذين يدعون: المشركين، أي: لا ~~تسبوا الكفرة الذين يدعون غير الله من دون الله، وهو ~~وجه واضح. # قوله: " عدوا " الجمهور على فتح العين، وسكون الدال، ~~وتخفيف الواو ونصبه من ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه منصوب على المصدر؛ لأنه نوع من العامل فيه، ~~لأن السب من جنس العدو. # والثاني: أنه مفعول من أجله، أي: لأجل العدو، وظاهر كلام ~~الزجاج: أنه خلط القولين، فجعلهما قولا واحدا، فإنه ~~قال: " وعدوا " منصوب على المصدر؛ لأن المعنى فتعدوا ~~عدوا. # قال: " ويكون بإرادة اللام " والمعنى ": فيسبوا الله للظلم. # والثالث: أنه منصوب على أنه واقع موقع الحال المؤكدة؛ ~~لأن السب لا يكون إلا عدوا. # وقرأ الحسن، وأبو رجاء، ويعقوب، وقتادة، وسلام، وعبد الله بن زيد: " ~~عدوا " بضم العين والدال، وتشديد الواو، وهو مصدر أيضا ل " ~~عدا " وانتصابه على ما تقدم من الأوجه الثلاثة. # وقرأ ابن كثير في رواية - وهي قراءة أهل مكة المشرفة فيما نقله ~~النحاس: " عدوا " بفتح العين، وضم الدال، وتشديد الواو، ~~بمعنى: أعداء، ونصبه على الحال المؤكدة، و " عدو " يجوز أن ~~يقع خبرا عن ms3658 الجمع، قال - تعالى -: # هم العدو # [المنافقون:4]، وقال - تعالى -: # إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا # [النساء:101]، # ويقال: عدا يعدو عدوا، وعدوا، وعدوانا وعداء، و " بغير ~~علم " حال، أي: " يسبونه غير عالمين " أي: " مصاحبين ~~للجهل "؛ لأنه لو قدر حق قدره، لما أقدموا عليه. # فصل في دحض شبهة للمعتزلة # قال الجبائي: دلت هذه الآية الكريمة، على أنه لا يجوز أن ~~يفعل في الكفار ما يزدادون به بعدا عن الحق، إذ لو جاز ~~أن يفعله، لجاز أن يأمر به وكان لا ينهى عما ذكرنا، ولا ~~يأمر بالرفق بهم عند الدعاء؛ كقوله لموسى، ولهارون: # فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى # [طه:44] وذلك يبطل مذهب الجبرية. # قالوا: وهذه الآية الكريمة تدل على أن الأمر بالمعروف، قد ~~يقبح إذا أدى إلى ارتكاب منكر، والنهي عن المنكر يقبح ~~إذا أدى إلى زيادة منكر، وغلبة الظن قائمة مقام العلم في ~~هذا الباب، وفيه تأديب لمن يدعوا إلى الدين؛ لئلا يتشاغل بما ~~لا فائدة له في إلهيتها، فلا حاجة مع ذلك إلى شتمها. # قوله: " كذلك ": نعت لمصدر محذوف، أي: زينا لهؤلاء ~~أعمالهم تزيينا، مثل تزييننا لكل أمة عملهم. # وقيل: تقديره: مثل تزيين عبادة الأصنام للمشركين " زينا ~~لكل أمة عملهم " وهو قريب من الأول، والمعنى زينا لكل ~~أمة عملهم من الخير والشر، والطاعة والمعصية، ثم إلى ربهم ~~مرجعهم، فينبئهم ويجازيهم بما كانوا يعملون. # فصل في الاستدلال بالآية # احتج أهل السنة بهذه الآية الكريمة، على أن الله - تعالى - ~~زين للكافر الكفر، وللمؤمن الإيمان، وللعاصي المعصية، ~~وللمطيع الطاعة. # قال الكعبي: حمل الآية على هذا المعنى محال؛ لأنه - تبارك ~~وتعالى - هو الذي يقول # الشيطان سول لهم # [محمد:25] ويقول # والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت يخرجونهم ~~من النور إلى الظلمات # [البقرة:257] ثم إنهم ذكروا في الجواب وجوها: # الأول: قال الجبائي: زينا لكل أمة تقدمت ما أمرناهم به ~~من قول الحق. # وقال الكعبي: إنه - تعالى - زين لهم ما ينبغي أن ~~يعملوا، وهم لا ينتهون. # الثاني: قال الآخرون: زينا لكل أمة من أمم الكفار سوء عملهم، ~~أي: ms3659 جعلناهم وشأنهم، وأمهلناهم حتى حسن عندهم سوء ~~عملهم. # الثالث: أمهلنا الشيطان حتى زين لهم. # الرابع: زيناه في زعمهم، وهذه وجوه ضعيفة؛ لأن الدليل ~~العقلي [القاطع] دل على صحة ما أشعر به ظاهر النص؛ ~~لأنا بينا أن صدور الفعل عن العبد، يتوقف على حصول ~~الداعي، وأن تلك الداعية لا بد وأن تكون بتخليق الله - ~~تعالى -، ولا معنى لتلك الداعية إلا عمله واعتقاده، أو ظنه ~~باشتمال ذلك الفعل على نفع زائد، ومصلحة راجحة، وإذا ~~كانت تلك الداعية حصلت بفعل الله - تعالى -، امتنع أن يصدر ~~عن العبد فعل، ولا قول، ولا حركة، إلا إذا زين الله ~~-تعالى - ذلك الفعل في قلبه، وضميره، واعتقاده، وأيضا: أن ~~الإنسان لا يختار الكفر والجهل, مع العلم بكونه كفرا ~~وجهلا, والعلم بذلك ضروري, بل إنما يختاره لاعتقاد كونه ~~إيمانا، وعلما، وصدقا، وحقا، فلولا سابقة الجهل الأول، لما ~~اختار هذا الجهل الثاني: ثم إنه لما اختار ذلك الجهل السابق، ~~فإن كان اختيار ذلك لسابق آخر، لزم أن يستمر ذلك إلى ما لا ~~نهاية له من الجهالات، وذلك محال؛ فوجب انتهاء تلك الجهالات إلى ~~جهل أول يخلقه الله - تعالى - فيه ابتداء، وهو بسبب ذلك ~~الجهل ظن في الكفر كونه إيمانا، وحقا وعلما؛ فثبت إنه ~~يستحيل من الكافر اختيار الكفر والجهل، إلا إذا زين ~~الله - تعالى - ذلك الجهل في قلبه؛ فثبت بهذين ~~البرهانين القاطعين، أن الذي يدل عليه ظاهر هذه الآية؛ هو ~~الحق الذي لا محيد عنه، فبطلت تأويلاتهم بأسرها؛ لأن المصير إلى ~~التأويل إنما يكون عند تعذر حمل الكلام على ظاهره، وأما لما ~~قال الدليل على أنه يمكن العدول عن الظاهر، فسقطت هذه ~~التكليفات، وأيضا: فوقه: " كذلك زينا لكل أمة ~~عملهم " بعد قوله: " فيسبوا الله عدوا بغير علم ". # مشعر بأن إقدامهم على ذلك المنكر إنما كان بتزيين الله ~~تعالى، فأما أن يحمل ذلك على أنه - تبارك وتعالى - زين ~~الأعمال الصالحة في قلوب الأمم، فكان هذا كلام منقطع عما ~~قبله، وأيضا: فقوله: { كذلك زينا لكل أمة ~~عملهم }: يتناول الأمم الكافرة والمؤمنة، ms3660 فتخصيص هذا الكلام ~~بالأمة المؤمنة، ترك لظاهر العموم. ### || [6.109-110] # قوله تعالى: { وأقسموا بالله جهد أيمانهم } الآية ~~الكريمة. # لما طعنوا في النبوة بمدارسة العلماء، حتى عرف التوراة ~~والإنجيل، ثم جعل السور والآيات بهذا الطريق، وأجاب الله - ~~تعالى - عن هذه الشبهة، ذكر في هذه الآية شبهة لهم أخرى، وهي ~~أن هذا القرآن العظيم ليس من جنس المعجزات البينة، ولو ~~أنك يا محمد جئتنا بمعجزة وبينة باهرة، لآمنا بك ~~وحلفوا على ذلك، وبالغوا على ذلك تأكيد الحلف. # قال الواحدي: إنما سمي اليمين بالقسم؛ لأن اليمين موضوعة ~~لتأكيد الخبر الذي يخبر به الإنسان: إما مثبتا ~~للشيء، وإما نافيا، ولما كان الخبر يدخله الصدق والكذب، ~~احتاج المخبر إلى طريق به يتوسل إلى ترجيح جانب الصدق على ~~جانب الكذب، وذلك هو الحلف، ولما كانت الحاجة إلى ذكر الحلف، ~~إنما تحصل عن انقسام الناس عند سماع ذلك الخبر إلى مصدق به ~~ومكذب به, سموا الحلف بالقسم، وبنوا تلك الصيغة على " ~~أفعل " وقالوا: أقسم فلان يقسم إقساما، وأرادوا: أنه أكد ~~القسم الذي اختاره، وأحال الصدق إلى القسم الذي اختاره ~~بواسطة الحلف واليمين. # قوله: " جهد أيمانهم " تقدم الكلام عليه في " المائدة ". # وقرأ طلحة بن مصرف: " ليؤمنن " مبنيا للمفعول مؤكدا ~~بالنون الخفيفة، ومعنى " جهد أيمانهم ": قال الكلبي ومقاتل: ~~إذا حلف الرجل بالله جهد يمينه، وقال الزجاج: بالغوا في ~~الأيمان. # فصل في سبب النزول # قال محمد بن كعب القرظي: # " قالت قريش: يا محمد إنك تخبرنا أن موسى - عليه ~~الصلاة والسلام - كانت معه عصا يضرب بها الحجر، فينفجر منه ~~الماء اثنتي عشرة عينا، وتخبرنا: أن عيسى كان يحيي ~~الموتى، وأن صالحا أخرج الناقة من الجبل؛ فأتنا أنت ~~أيضا بآية، لنصدقك. فقال - عليه الصلاة والسلام -: ما الذي ~~تحبون؟ قالوا: تجعل لنا الصفا ذهبا، أو ابعث لنا بعض ~~موتانا حتى نسأله عنك؛ أحق ما تقول، أم باطل، أو أرنا ~~الملائكة يشهدون ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإن ~~فعلت بعض ما تقولون، أتصدقونني؟ قالوا: نعم والله، ~~لأن فعلت، لنتبعنك، فقام - عليه الصلاة ms3661 والسلام - يدعو فجاءه ~~جبريل - عليه الصلاة والسلام - وقال: إن شئت، كان ذلك ولئن كان، ~~فلم يصدقوا عنده، لنعذبنهم، وإن شئت تركتهم حتى يتوب ~~تائبهم، فقال - عليه الصلاة والسلام - بل حتى يتوب تائبهم، ~~فأنزل الله - تعالى - الآية الكريمة ". # وقيل: لما نزل قوله - تعالى -: # إن نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين # [الشعراء:4]، أقسم المشركون بالله، لئن جاءتهم آية، ~~ليؤمنن بها، فنزلت الآية الكريمة. # واختلفوا في المراد بالآية. # فقيل: ما تقدم من جعل الصفا ذهبا. # وقيل: هي الأشياء المذكورة في قوله - تبارك وتعالى -: # لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا # [الإسراء:90]. # وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخبرهم: بأن عذاب ~~الاستئصال كان ينزل بالأمم الماضية الذين كذبوا ~~أنبياءهم، فالمشركون طلبوا مثلها. # قوله: " إنما الآيات عند الله " ذكروا في لفظة " عند " ~~وجوها: # فقيل: معناه: أنه - تبارك وتعالى - هو المختص بالقدرة على ~~أمثال هذه الآيات دون غيره؛ أن المعجزات الدالة على ~~النبوات، شرطها أن لا يقدر على تحصيلها أحد إلى الله - تعالى ~~-. # وقيل: المراد بالعندية: أن العلم بأن إيجاد هذه المعجزات، هل ~~يقتضي إقدام هؤلاء الكفار على الإيمان أم لا؟ ليس إلا عند ~~الله، كقوله: # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو # [الأنعام:59]. # وقيل: المراد: أنها وإن كانت معدومة في الحال، إلا أنه - تعالى - ~~متى شاء، أوجدها، فهي جارية مجرى الأشياء الموضوعة عند ~~الله، يظهرها متى شاء، وليس لكم أن تتحكموا في طلبها، ~~ولفظ " عند " على هذا؛ كما قي قوله: # وإن من شيء إلا عندنا خزائنه # [الحجر:21]. # قوله: " وما يشعركم " " ما ": استفهامية مبتدأ، والجملة ~~بعدها خبرها، وفاعل " يشعر " يعود عليها، وهي تتعدى ~~لاثنين. # الأول: ضمير الخطاب. # والثاني: محذوف، أي: وأي شيء يدريكم إيمانهم [إذا جاءتهم ~~الآيات التي اقترحوها. # قال أبو علي: " ما " استفهام، وفاعل " يشعركم " ضمير " ما " ~~والمعنى: وما يدريكم إيمانهم؟ فحذف المفعول، وحذف المفعول ~~كثير]. # والمعنى أي: بتقدير أن تجيئهم هذه الآيات، فهم لا يؤمنون. # وقرأ العامة: انها بفتح الهمزة، وابن كثير وأبو عمرو، وأبو ~~بكر ms3662 بخلاف عنه بكسرها. # فأما قراءة الكسر: فواضحة استجودها الناس: الخليل وغيره، ~~لأن معناها: استئناف إخبار بعدم إيمان من طبع على قلبه، ولو ~~جاءتهم كل آية. # قال سيبويه: سألت الخليل عن هذه القراءة يعني: قراءة الفتح ~~فقلت: ما منع أن يكون كقولك: ما يدريك أنه لا يفعل؟ فقال: لا ~~يحسن ذلك في هذا الموضع، إنما قال: " وما يشعركم " ثم ~~ابتدأ؛ فأوجب، فقال: " إنها إذا جاءت لا يؤمنون " ولو فتح, ~~فقال: { وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون } ، لكان ~~عذرا لهم، وقد شرح الناس قول الخليل، وأوضحوه، فقال الواحدي ~~وغيره: لأنك لو فتحت " أن " وجعلتها التي في نحو: ~~بلغني أن زيدا منطلق، لكان عذرا لمن أخبر عنهم أنهم ~~لا يؤمنون؛ لأنه إذا قال القائل: " إن زيدا لا يؤمن " ~~فقلت: وما يدريك أنه لا يؤمن؟ كان المعنى: أنه يؤمن، وإذا ~~كان كذلك، كان عذرا لمن نفي عنه الإيمان، وليس مراد الآية الكريمة، ~~إقامة عذرهم، ووجود إيمانهم. # وقال الزمخشري: " وقرئ " إنها " بالكسر؛ على أن الكلام قد ~~تم قبله بمعنى: " ما يشعركم ما يكون منهم " ثم ~~أخبرهم بعلمه فيهم، فقال: إنها إذا جاءت، لا يؤمنون ". # وأما قراءة الفتح: فقد وجهها الناس على ستة أوجه: # أظهرها: أنها بمعنى: لعل، حكى الخليل " أتيت السوق أنك ~~تشتري لنا منه شيئا " أي: " لعلك " فهذا من كلام العرب - ~~كما حكاه الخليل - شاهد على كون " أن " بمعنى لعل ~~وأنشد أبو جعفر النحاس: [الطويل] # 2280- أريني جوادا مات هزلا لأنني # أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا # وقال امرؤ القيس - أنشده الزمخشري - [الكامل] # 2281- عوجا على الطلل المحيل لأننا # نبكي الديار كما بكى ابن حذام # وقال جري: [الوافر] # 2282- هل انتم عائجون بنا لعنا # نرى العرصات أو أثر الخيام # وقال عدي بن زيد: [الطويل] # 2283- أعاذل ما يدريك أن منيتي # إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد # وقال آخر: [الزجر] # 2284- قلت لشيبان ادن من لقائه # أنا نغذي الناس من شوائه # ف " أن " في هذه المواضع كلها بمعنى: " لعل " قالوا: ويدل ~~على ذلك أنها في مصحف أبي ms3663 وقراءته: " وما أدراكم لعلها ~~إذا جاءت لا يؤمنون " ونقل عنه: " وما يشعركم لعلها إذا ~~جاءت لا يؤمنون " ذكر أبو عبيد وغيره، ورجحوا ذلك أيضا ~~بأن " لعل " قد كثر ورودها في مثل هذا التركيب؛ كقوله - ~~تعالى -: # وما يدريك لعل الساعة قريب # [الشورى:17]، # وما يدريك لعله يزكى # [عبس:3]، وممن جعل " أن " بمعنى: # " لعل " أيضا، يحيى بن زياد الفراء. # ورجح الزجاج فقال: " زعم سيبويه عن الخليل، أن معنأها: " ~~لعلها " قال: " وهذا الوجه أقوى في العربية وأجود " ~~ونسب القراءة لأهل المدينة, وكذا أبو جعفر. # قال شهاب الدين: وقراءة الكوفيين، والشاميين أيضا، إلا أن ~~أبا علي الفارسي ضعف هذا القول الذي استجوده الناس، ~~وقووه تخريجا لهذه القراءة، فقال: " التوقع الذي تدل ~~عليه " لعل " لا يناسب قراءة الكسر، لأنها تدل على حكمه - ~~تعالى - عليهم بأنهم لا يؤمنون " ولكنه لما منع كونها ~~بمعنى: " لعل " لم يجعلها معمولة ل " يشعركم " بل ~~جعلها على حذف لام العلة، أي: لأنها، والتقدير عنده: " قل ~~إنما الآيات عند الله، لأنها إذا جاءت لا يؤمنون ". فهو ~~لا يأتي بها؛ لإصرارهم على كفرهم، فيكون نظير: # وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها ~~الأولون # [الإسراء:59]، أي بالآيات المقترحة، وعلى هذا فيكون قوله: " وما ~~يشعركم " اعتراضا بين العلة والمعلول. # الثاني: ان تكون " لا " مزيدة، وهذا رأي الفراء وشيخه، قال: ~~ومثله: # ما منعك ألا تسجد # [الأعراف:12] أي: " أن تسجد " فيكون التقدير: وما يشعركم ~~أنها إذا جاءت يؤمنون، والمعنى على هذا: أنها لو جاءت لم ~~يؤمنوا، وإنما حمله على زيادتها ما تقدم من أنها لو تقدر ~~زائدة، لكان ظاهر الكلام عذرا لكفار، وأنهم يؤمنون كا ~~عرفت تحقيقه أولا، إلا أن الزجاج نسب ذلك إلى الغلط، فقال: " ~~والذي ذكر أن " لا " لغو، غالط؛ لأن ما يكون لغوا، لا يكون ~~غير لغو، ومن قرأ بالكسر، فالإجماع: على أن " لا " غير ~~لغو " فليس يجوز أن يكون معنى لفظة: مرة النفي، ومرة ~~الإيجاب في سياق واحد. # وانتصر الفارسي لقول الفراء، ونفي عنه الغلط، فإنه قال: " يجوز ~~أن تكون " لا " في ms3664 تأويل زائدة، وفي تأويل غير زائدة؛ كقول ~~الشاعر في ذلك: [الطويل] # 2285- أبى جوده لا البخل واستعجلت نعم # به من فتى لا يمنع الجود نائله # ينشد بالوجهين، أي: بنصب " البخل " وجره، فمن نصبه، ~~كانت زائدة، أي: " أبى جوده البخل " ومن خفض، كانت غير ~~زائدة، وأضاف " لا " إلى البخل ". # قال شهاب الدين: وعلى تقدير النصب، لا يلزم زيادتها؛ لجواز ~~أن تكون " لا " مفعولا بها، و " البخل " بدل منها، أي: " ~~أبى جوده لفظ " لا " ولفظ " لا " هو بخل ". وقد تقدم لك طرف ~~من هذا محققا عند قوله - تعالى -: # ولا الضآلين # [الفاتحة:7] [في أوائل هذا الموضوع] وسيمر بك مواضع منها؛ ~~كقوله - تعالى -: # وحرام على قرية أهلكناهآ أنهم لا يرجعون # [الأنبياء:95]. # قالوا: تحتمل الزيادة، وعدمها وكذا # ما منعك ألا تسجد # [الأعراف:12] # لئلا يعلم أهل الكتاب # [الحديد:29]. # الثالث: أن الفتح على تقدير لام العلة، والتقدير: " إنما ~~الآيات التي يقترحونها عند الله؛ لأنها إذا جاءت لا ~~يؤمنون " ، و " ما يشعركم " اعتراض كما تقدم تحقيق ذلك عن ~~أبي علي، فأغنى عن إعادته، وصار المعنى: " إنما الآيات عند ~~الله، أي: المقترحة لا يأتي بها؛ لانتفاء إيمانهم، وإصرارهم ~~على كفرهم ". # الرابع: أن في الكلام حذف معطوف على ما تقدم. # قال أبو جعفر في معانيه: وقيل في الكلام حذف، والمعنى: وما ~~يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون أو يؤمنون، فحذف هذا ~~لعلم السامع، وقدره غيره: " ما يشعركم بانتفاء ~~الإيمان، أو وقوعه ". # الخامس: أن " لا " غير مزيدة، وليس في الكلام حذف، بل المعنى: " ~~وما يدريكم انتفاء إيمانهم " ويكون هذا جوابا لمن حكم عليهم ~~بالكفر ويئس من إيمانهم. # وقال الزمخشري: " وما يشعركم: وما يدريكم أنها، أي: أن ~~الآيات التي يقترحونها " " إذا جاءت لا يؤمنون بها " يعني: " ~~أنا أعلم أنها إذا جاءت لا يؤمنون بها، وأنتم لا تدرون ~~بذلك ". # وذلك أن المؤمنين كانوا حريصين على إيمانهم، وطامعين فيه إذا ~~جاءت تلك الآية، ويتمنون مجيئها، فقال - عز وجل -: { وما ~~يشعركم أنهآ إذا جآءت لا يؤمنون } على معنى: ~~أنكم لا تدرون ما سبق علمي بهم، أنهم ms3665 لا يؤمنون؛ ألا ترى ~~إلى قوله: { كما لم يؤمنوا به أول مرة } ~~[الأنعام:110] انتهى. # قال شهاب الدين: بسط قوله إنهم كانوا يطمعون في إيمانهم، ما ~~جاء في التفسير: أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: أنزل علينا الآية التي قال الله فيها: # إن نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين # [الشعراء:4] ونحن والله نؤمن، فأنزل الله تعالى: " وما يشعركم ~~" إلى آخرها وهذا الوجه: هو اختيار أبي حيان، فإنه قال: " ولا ~~يحتاج الكلام إلى زيادة " لا " ولا إلى هذا الإضمار، يعني حذف ~~المعطوف، ولا إلى " أن " بمعنى: لعل، وهذا كله خروج عن ~~الظاهر لغير ضرورة، بل حمله على الظاهر أولى، وهو واضح ~~سائغ، أي: وما يشعركم ويدريكم بمعرفة انتفاء إيمانهم، لا ~~سبيل لكم إلى الشعور بها ". # السادس: أن " ما " حرف نفي، يعني: أنه نفى شعورهم بذلك، ~~وعلى هذا فيطلب ل " يشعركم " فاعل. # فقيل: هو ضمير الله - تعالى - أضمر للدلالة عليه، وفيه تكلف ~~بعيد، أي: " وما يشعركم الله أنها إذا جاءت الآيات المقترحة ~~لا يؤمنون ". وقد تقدم في البقرة كيفية قراءة أبي عمرو ل " ~~يشعركم " و # ينصركم # [آل عمران:160]، ونحوهما عند قوله: # إن الله يأمركم # [البقرة:67]، وحاصلها ثلاثة أوجه: الضم الخالص، والاختلاس، ~~والسكون المحض. # وقرأ الجمهور: " لا يؤمنون " بياء الغيبة، وابن عامر، وحمزة ~~بتاء الخطاب. # وقرأ أيضا في الجاثية [آية:6] { فبأي حديث بعد الله ~~وآياته تؤمنون }: بالخطاب، واقفهما عليها الكسائي، وأبو ~~بكر عن عاصم، و الباقون: بالياء للغيبة، فتحصل من ذلك أن ابن ~~عامر، وحمزة يقرآن بالخطاب في الموضعين، وأن نافعا, وابن ~~كثير، وأبا عمرو، وحفصا عن عاصم، بالغيبة في الموضعين، وأن ~~الكسائي، وأبا بكر عن عن عاصم: بالغيبة هنا، بالخطاب في ~~الجاثية، فقد وافقا أحد الفريقين في إحدى السورتين والآخر في ~~أخرى. # فأما قراءة الخطاب هنا: فيكون الظاهر من الخطاب في قوله: " ~~وما يشعركم " أنه للكفار، ويتضح معنى هذه القراءة على ~~زيادة " لا " أي: وما يشعركم أنكم تؤمنون، إذا جاءت الآيات ~~التي طلبتموها كما أقسمتم عليه، ms3666 ويتضح أيضا على كون " ~~أن " بمعنى: لعل، مع كون " لا " نافية، وعلى كونها علة ~~بتقدير: حذف اللام، أي: " إنما الآيات عند الله فلا يأتيكم ~~بها؛ لأنها إذا جاءت لا يؤمنون بها " ويتضح أيضا على كون ~~المعطوف محذوفا، أي: " وما يدريكم بعدم إيمانكم، إذا جاءت ~~الآيات أو وقوعه؛ لأن مآل أمركم مغيب عنكم، فكيف تقسمون ~~على الإيمان عند مجيء الآيات؟ " وإنما يشكل؛ إذا جعلنا " ~~أن " معمولة ل " يشعركم " وجعلنا " لا ": نافية غير زائدة؛ ~~إذ يكون المعنى: " وما يدريكم أيها المشركون بانتفاء ~~إيمانكم، إذا جاءتكم " ، ويزول هذا الإشكال بأن المعنى: أي ~~شيء يدريكم بعدم إيمانكم، إذا جاءتكم الآيات التي ~~اقترحتموها؟ يعني: لا يمر هذا بخواطركم، بل أنتم جازمون ~~بالإيمان عند مجيئها، لا يصدكم عنه صاد، وأنا أعلم أنكم لا ~~تؤمنون وقت مجيئها؛ لأنكم مطبوع على قلوبكم. # وأما على قراءة الغيبة، فتكون الهمزة معها مكسورة؛ وهي قراءة ~~ابن كثير، وأبي عمرو، وأبي بكر عن عاصم، ومفتوحة؛ وهي قرءاة ~~نافع، والكسائي، وحفص عن عاصم. # فعلى قراءة ابن كثير ومن معه يكون الخطاب في: " وما ~~يشعركم " جائزا فيه وجهان: # أحدهما: أنه خطاب للمؤمنين، أي: " وما يشعركم أيها ~~المؤمنون إيمانهم " ثم استأنف إخبارا عنهم بأنهم لا ~~يؤمنون، فلا تطمعوا في إيمانهم. # الثاني: أنه للكفار، أي: " وما يشعركم أيها المشركون ما ~~يكون منكم " ثم استأنف إخبارا عنهم بعدم الإيمان؛ لعلمه ~~السابق فيهم وعلى هذا ففي الكلام التفات من خطاب إلى غيبة. # وعلى قرءاة نافع يكون الخطاب للكفار، وتكون " أن " بمعنى: ~~" لعل " كذا قاله أبو شامة، وغيره. # وقال أبو حيان في هذه القراءة: " الظاهر أن الخطاب للمؤمنين، ~~والمعنى: " وما يدريكم أيها المؤمنون، أن الآية التي ~~تقترحونها إذا جاءت لا يؤمنون " يعني: أنا أعلم أنها إذا ~~جاءت لا يؤمنون بها " ثم ساق كلام الزمخشري بعينه ~~الذي قدمت ذكره عنه في الوجه الخامس قال: " ويبعد جدا أن ~~يكون الخطاب في " وما يشعركم " للكفار ". # قال شهاب الدين: إنما استبعده؛ لأنه لم ير في " أن " هذه ~~أنها بمعنى: " لعل " كما حكيته عنه. ms3667 # وقد جعل أبو حيان في مجموع " أنها إذا جاءت لا يؤمنون " ~~بالنسبة إلى كسر الهمزة وفتحها، والخطاب والغيبة أربع ~~قراءات، قال: وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والعليمي، والأعشى ~~عن أبي بكر. # وقال ابن عطية: ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم في رواية داود ~~الأودي: إنها بكسر الهمزة، وقرأ باقي السبعة: بفتحها، وقرأ ~~ابن عامر وحمزة: " لا تؤمنون " بتاء الخطاب، والباقون بياء ~~الغيبة؛ فترتب أربع قراءات: الأولى:كسر الهمزة والياء، ~~وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، وأبي بكر بخلاف عنه في كسر ~~الهمزة ثم قال: القراءة الثانية: كسر الهمزة والتاء وهي ~~رواية العليمي والأعشى عن أبي بكر عن عاصم، والمناسب: أن ~~يكون الخطاب للكفار في هذه القراءة، وكأنه قيل: " وما ~~يدريكم أيها الكفار وما يكون منكم "؟ ثم أخبرهم على ~~جهة الجزم، أنهم لا يؤمنون على تقدير مجيئها، ويبعد جدا ~~أن يكون الخطاب في: " وما يشعركم " للمؤمنين، وفي " تؤمنون " ~~للكفار، ثم ذكر القراءة الثالثة، والرابعة، ووجههما بنحو ما ~~نقلته عنه الناس، وفي إثباته القراءة الثانية نظر لا يخفى؛ وذلك ~~أنه لما حكى قراءة الخطاب في " تؤمنون " لم يحكها إلا عن ~~حمزة، وابن عامر فقط، ولم يدخل معهما أبو بكر لا من طريق ~~العليمي، والأعشى ولا من طريق غيرهما، والفرض: أن حمزة وابن ~~عامر يفتحان همزة " أنها " وأبو بكر يكسرها ويفتحها ~~ولكنه لا يقرأ: " يؤمنون " إلا بياء الغيبة، فمن أين ~~تجيء لنا قراءة بكسر الهمزة، والخطاب؟ وإنما أتيت بكلامه ~~برمته؛ ليعرف المأخذ عليه ثم إني جوزت أن تكون هذه رواية ~~رواها، فكشفت كتابه في القراءات، وكان قد أفرد فيه فصلا ~~انفرد به العليمي في روايته، فلم يذكر أنه قرأ: " تؤمنون " ~~بالخطاب ألبتة، ثم كشفت كتبا في القراءات عديدة، فلم أرهم ~~ذكروا ذلك، فعرفت أنه لما رأى للهمزة حالتين، ولحرف ~~المضارعة في " يؤمنون " حالتين, ضرب اثنين في اثنين فجاء من ~~ذلك أربع قراءات, ولكن إحداها مهملة، وقوله: " لا يؤمنون " ~~متعلقه محذوف؛ للعلم به، أي: " لا يؤمنون بها ". # قوله: " ونقلب " في هذه الجملة وجهان: # أحدهما: - ولم يقل ms3668 الزمخشري غيره - أنها وما عطف عليها من ~~قوله: " ويذرهم " عطف على " يؤمنون " داخل في حكم " وما ~~يشعركم " ، بمعنى: " وما يشعركم أنهم لا يؤمنون " " وما ~~يشعركم أنا نقلب أفئدتهم وأبصارهم " ، " وما يشعركم أنا ~~نذرهم " وهذا يساعده ما جاء في التفسير عن ابن عباس، ~~ومجاهد، وابن زيد. # والثاني: أنها استئناف إخبار, وجعله أبو حيان الظاهر، ~~والظاهر ما تقدم. # و " الأفئدة ": جمع فؤاد، وهو القلب، ويطلق على العقل. # وقال الراغب: الفؤاد كالقلب، لكن يقال له: فؤاد إذا اعتبر به ~~معنى: " التفؤد " أي: " التوقد " يقال: " فأدت اللحم ": " ~~شويته " ومنه " لحم فئيد " أي: " مشوي " وظاهر هذا: أن ~~الفؤاد غير القلب، ويقال له: " فؤاد " بالواو الصريحة، وهي بدل ~~من الهمزة؛ لأنه تخفيف قياسي، وبه يقرأ ورش فيه وفي ~~نظائره وصلا ووقفا، وحمزة وقفا ويجمع على: أفئدة، وهو ~~جمع منقاس، نحو: " غراب " ، و " أغربة " ويجوز " أفيدة " ~~بياء بعد الهمزة، وقرأ بها هشام في سورة إبراهيم، وسيأتي إن ~~- شاء الله تعالى -. # فصل في المراد من الآية # قال ابن عباس: يعني: ويحول بينهم وبين الإيمان, فلو جئناهم بالآيات ~~التي سألوا ما آمنوا بها كما لم يؤمنوا به أول مرة, [أي: ~~كما لو يؤمنوا بما قبلها من الآيات من انشقاق القمر وغيره. # وقيل: كما لو يؤمنوا به أول مرة]؛ يعني: معجزات موسى وغيره ~~من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -؛ كقوله تعالى: # أولم يكفروا بمآ أوتي موسى من قبل # [القصص:48]. # وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: المرة الأولى: دار الدنيا ~~لو ردوا من الآخرة إلى الدنيا نقلب أفئدتهم وأبصارهم عن ~~الإيمان كما لم يؤمنوا في الدنيا قبل مماتهم؛ كقوله: # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم ~~لكاذبون # [الأنعام:28]. # فصل في بيان معنى التقليب # التقليب، والقلب واحد: وهو تحويل الشيء عن وجهه، وهذه ~~الآية تدل على أن الكفر والإيمان بقضاء الله، وقدره، ~~ومعنى تقليب الأفئدة والأبصار: هو أنه إذا جاءتهم الآيات ~~القاهرة التي أقترحوها وعرفوا كيفية دلالتها على صدق ~~الرسول صلى الله عليه وسلم [إلا أنه تعالى] إذا قلب قلوبهم ~~وأبصارهم ms3669 على ذلك الوجه، بقوا على الكفر ولم ينتفعوا بتلك ~~الآيات. # قال الجبائي: معناه: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في ~~جهنم، على لهيب النار وجمرها؛ لنعذبهم كما لم يؤمنوا ~~به أول مرة في دار الدنيا. # وقال الكعبي: المراد ب { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم }: ~~نفعل بهم كا نفعل بالمؤمنين من الفوائد والألطاف، من حيث ~~أخرجوا أنفسهم عن هذا الحد؛ بسبب كفرهم. # وقال القاضي: المراد: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في الآيات ~~التي ظهرت، فلا تجدهم يؤمنون بها آخرا كما لم يؤمنوا بها ~~أولا وهذه وجوه ضعيفة. # أما قول الجبائي؛ فمدفوع؛ لأنه - تعالى - قال: { ونقلب ~~أفئدتهم وأبصارهم } ثم عطف عليه، وقال: { ونذرهم في ~~طغيانهم يعمهون } فقوله: { ونذرهم } ليس مما يحصل في ~~الآخرة، فكان سوءا للنظم في كلام الله - تعالى - حيث قدم ~~المؤخر، وأخر المقدم من غير فائدة. # وأما قول الكعبي؛ فضعيف؛ لأنه إنما استحق الحرمان والخذلان ~~على زعمه؛ بسبب أنهم قلبوا أفئدة أنفسهم فكيف يحسن إضافته إلى ~~الله تعالى في قوله: { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم } أي: ~~نقلب القلب من حالة إلى حالة, ومن صفة إلى صفة وعلى ما يقوله ~~القاضي فليس الأمر كذلك, بل القلب باق على حالة واحدة ~~إلا أنه - تعالى - أدخل التقليب والتبديل في الدلائل. # فصل # إنما قدم الله - تعالى - ذكر تقليب الأفئدة على تقليب ~~الأبصار؛ لأن موضع الدواعي والصوارف هو القلب [فإذا ~~حصلت الداعية في القلب, انصرف البصر إليه شاء أم أبى، ~~وإذا حصلت الصوارف في القلب] انصرف البصر عنه هو، وإن كان ~~يبصره بحسب الظاهر إلا أنه لا يصير ذلك الإبصار سببا ~~للوقوف على الفوائد المطلوبة وهو معنى قوله: # ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم ~~أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا # [الأنعام:25]، فملا كان المعدن هو القلب، وأما السمع والبصر؛ ~~فهما آلتان للقلب كانا لا محالة تابعين لأحوال القلب، فلهذا ~~السبب وقع الابتداء بذكر تقلب القلوب ههنا، ثم أتبعه بذكر ~~السمع. # قوله: { كما لم يؤمنوا به } الكاف في محل نصب، نعتا ~~لمصدر محذوف و " ما " مصدرية, والتقدير كما قال أبو البقاء: ~~تقليبا ككفرهم عقوبة ms3670 مساوية لمعصيتهم, وقدره ~~الحوفي: فلا يؤمنون به إيمانا ثانيا, كما لم يؤمنوا به ~~أولأ مرة [وقيل: الكاف هنا للتعليل، أي: " نقلب أفئدتهم ~~وأبصارهم؛ لعدم إيمانهم أول مرة ". # وقيل: في الكلام حذف تقديره: " فلا يؤمنون به ثاني مرة كما لم ~~يؤمنوا به أول مرة] # وقال بعض المفسرين: الكاف هنا معناها: المجازاة، أي: " ~~لما لم يؤمنوا به أول مرة، نجازيهم بأن نقلب أفئدتهم عن ~~الهدى، ونطبع على قلوبهم " ، فكأنه قيل: ونحن نقلب ~~أفئدتهم؛ جزاء لما لم يؤمنوا به أول مرة، قاله ابن عطية قال ~~أبو حيان وهو معنى التعليل الذي كرناه، إلا أن تسميته ذلك ~~بالمجازاة غريبة لا تعهد في كلام النحويين. # قال شهاب الدين: قد سبق ابن عطية إلى هذه العبارة. # قال الواحدي: وقال بعضهم: معنى الكاف في " كما لم يؤمنوا ": ~~معنى الجزاء، ومعنى الآية: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم، ~~عقوبة لهم على ترك الإيمان في المرة الأولى، والهاء في " به " ~~تعود على الله - تعالى -، أو على رسوله، أو على القرآن، أو على القلب ~~المدلول عليه بالفعل، وهو أبعدها، و " أول مرة ": نصب على ~~ظرف الزمان، وقد تقدم تحقيقه. # وقرأ إبراهيم النخعي: " ويقلب - ويذرهم - " بالياء، ~~والفاعل ضمير الباري - تعالى -. # وقرأ الأعمش: " تقلب أفئدتهم وأبصارهم " على البناء ~~للمفعول، ورفع ما بعده على قيامه مقام الفاعل، كذا رواها ~~الزمخشري عنه، والمشهور بهذه القراءة، إنما هو النخعي ~~أيضا، وروي عنه: " ويذرهم " بياء الغيبة كما تقدم وسكون ~~الراء، وخرج أبو البقاء هذا التسكين على وجهين: # أحدهما: التسكين لتوالي الحركات. # والثاني: أنه مجزوم عطفا على " يؤمنوا " والمعنى: جزاء ~~على كفرهم، وأنه لم يذرهم في طغيانهم، بل بين لهم، وهذا ~~الثاني ليس بظاهر، و " يعمهون " في محل حال، أو مفعول ~~ثان، لأن الترك بمعنى: التصيير. # فصل في معنى الآية # قال عطاء: المعنى: أخذلهم، وأدعهم في ضلالتهم يتمادون. # قال الجبائي: المعنى: ونذرهم، أي: لا نحول بينهم وبين ~~اختيارهم من ذلك لكن نمنعم من ذلك بمعاجلة الهلاك وغيره، ~~لكنا نمهلهم إن أقاموا على طغيانهم، فذلك من قبلهم وهو ~~يوجب تأكيد الحجة ms3671 عليهم. # وقال أهل السنة: نقلب أفئدتهم من الحق إلى الباطل، ~~ونتركهم في ذلك الطغيان، وفي ذلك الضلال والعمه. # ويقال للجبائي: إنك تقول: إن إله العالم ما أراد بعباده إلا ~~الخير والرحمة، فلم ترك هذا المسكين حتى عمه في طغيانه؟ ولم ~~لا يخلصه عنه على سبيل الإلجاء والقهر؟ أقصى ما في الباب؛ ~~أنه إن فعل به ذلك لم يكن مستحقا إلى الثواب، فيفوته ~~الاستحقاق فقط، وقد يسلم من العقاب، أما إذا تركه في ذلك ~~العمه مع علمه بأنه يموت عليه، فإنه لا يحصل له استحقاق ~~الثواب، ويحصل له العقاب العظيم الدائم، فالمفسدة الحاصلة عن ~~خلق الإيمان فيه على سبيل الإلجاء، مفسدة واحدة؛ وهي فوات ~~استحقاق الثواب مع حصول العقاب الشديد، والرحيم المحسن ~~الناظر إلى عباده، لا بد وأن يرجح الجانب الذي هو أكثر ~~إصلاحا، وأقل فسادا، فعلمنا أن إبقاء ذكل الكافر في ذلك ~~العمه والطغيان، يقدح في أنه لا يريد به إلا الخير ~~والإحسان. ### || [6.111] # اعلم: أنه - تبارك وتعالى - بين في هذه الآية الكريمة تفصيل ما ~~ذكره مجملا في قوله: # وما يشعركم أنهآ إذا جآءت لا يؤمنون # [الأنعام:109] بين أنه - تعالى - لو أعطاهم ما طلبوه من ~~إنزال الملائكة حتى رأوهم عيانا، وإحياء الموتى حتى ~~كلموهم، وشهدوا لك بالنبوة كما سألوا، بل زاد في ذلك ~~ما لا يبلغه اقتراحهم بأن يحشر عليهم كل شيء قبلا، ما ~~كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله. # قال ابن عباس: المستهزئون بالقرآن العظيم كانوا خمسة: ~~الوليد بن المغيرة المخزومي، والعاص بن وائل السهمي، ~~والأسود بن عبد يغوث الزهري، والأسود بن المطلب، والحارث ~~بن حنظلة، ثم إنهم أتوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ورهط من أهل مكة المشرفة، وقالوا: أرنا الملائكة يشهدوا ~~بأنك رسول الله، أو ابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم ~~أحق ما تقوله أم باطل، أو ائتنا بالله والملائكة قبيلا، ~~أي: كفيلا بما تدعيه، فنزلت هذه الآية الكريمة. # وهذا يشكل باتفاقهم على أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة، ~~بل الذي ينبغي أن يكون المقصود منه: ms3672 جواب ما ذكره ~~بعضهم، وهو أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم، لو جاءتهم ~~آية ليؤمنن بها، فذكر الله - تبارك وتعالى - هذا الكلام بيانا ~~لكونهم كاذبين، وأنه لا فائدة في إنزال الآيات، وإظهار ~~المعجزات بعد المعجزات، بل المعجزة الواحدة لا بد منها ~~ليتميز الصادق عن الكاذب، فأما الزيادة عليها، فتحكم محض لا ~~حاجة إليه، وإلا فلهم أن يطلبوا بعد ظهور المعجزة ~~الثانية ثالثة، وبعد الثالثة رابعة، ويلزم منه ألا تستقر ~~الحجة، وأن لا ينتهي الأمر إلى مقطع ومفصل، وذلك يوجب سد باب ~~النبوات. # قوله: " قبلا " قرأ نافع، وابن عامر: " قبلا " هنا وفي ~~الكهف بكسر القاف، وفتح الباء، والكوفيون هنا وفي الكهف، ~~وقرأ الحسن البصري، وأبو حيوة، وأبو رجاء بالضم والسكون. # وقرأ أبي والأعمش " قبيلا " بياء مثناة من تحت بعد باء ~~موحدة مكسورة، وقرأ طلحة بن مصرف: " قبلا " بفتح القاف ~~وسكون الباء. # فأما قراءة نافع، وابن عامر ففيها وجهان: # أحدهما: أنها مقابلة، أي: معاينة ومشاهدة، وانتصابه ~~على هذا الحال قاله أبو عبيدة، والفراء، والزجاج ونقله ~~الواحدي أيضا عن جميع أهل اللغة، يقال: " لقيته قبلا " ~~أي عيانا. # وقال ابن الأنباري: # " قال أبو ذر: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم أنبيا كان آدم؟ ~~فقال: نعم، كان نبيا كلمه الله قبلا " # وبذلك فسرها ابن عباس، وقتادة، وابن زيد، ولم يحك ~~الزمخشري غيره، فهو مصدر في موضع الحال كما تقدم. # والثاني: أنها بمعنى ناحية وجهة قاله المبرد، وجماعة من أهل ~~اللغة كأبي زيد، وانتصابه حينئذ على الظرف، كقولهم: " لي قبل ~~فلان دين " و " ما قبلك حق " ويقال: " لقيت فلانا قبلا، ~~ومقابلة، وقبلا، وقبلا وقبليا، وقبيلا " كله بمعنى ~~واحد، ذكر ذلك أبو زيد، وأتبعه بكلام طويل مفيد فرحمه الله - تعالى ~~- وجزاه الله خيرا. # وأما قراءة الباقين هنا ففيها أوجه: # أحدهما: أن يكون " قبلا " جمع قبيل، بمعنى: كفيل؛ " كرغيف " و " ~~رغف " ، و " قضيب " و " قضب " و " نصيب " و " نصب ". # وانتصابه حالا. # قال الفراء والزجاج: جمع قبيل بمعنى: كفيل أي: كفيلا ~~بصدق محمد - عليه الصلاة والسلام -، ويقال: قبلت الرجل ~~أقبله ms3673 قبالة بفتح الباء في الماضي والقاف في المصدر، أي: ~~تكفلت به، والقبيل، والكفيل، والزعيم، والأذين والضمين، ~~والحميل، وبمعنى واحد. # وإنما سميت الكفالة قبالة؛ لأنها أوكد تقبل، وباعتبار ~~معنى الكفالة سمي العهد المكتوب: قبالة. # وقال الفراء في سورة الأنعام: " قبلا " جمع " قبيل " وهو " ~~الكفيل " قال: وإنما اخترت هنا أن يكون القبل في المعنى ~~الكفالة؛ لقولهم: # أو تأتي بالله والملائكة قبيلا # [الإسراء:92] يضمنون ذلك. # الثاني: أن يكون جمع قبيل، بمعنى: جماعة جماعة، أو صنفا ~~صنفا. # والمعنى: " وحشرنا عليهم كل فوجا فوجا، ونوعا نوعا من ~~سائر المخلوقات ". # الثالث: أن يكون " قبلا " بمعنى: قبلا كالقراءة الأولى في ~~أحد وجهيها وهو المواجهة أي: مواجهة ومعاينة، ومنه " ~~آتيك قبلا لا دبرا " اي: آتيك من قبل وجهك، وقال تعالى: # إن كان قميصه قد من قبل # [يوسف:26] وقرئ: " لقبل عدتهن " [الطلاق:41]، أي: لاستقبالها، وقال ~~الفراء: " وقد يكون قبلا: من قبل وجوههم ". # وأما الذي في سورة الكهف: فإنه يصح فيه معنى المواجهة، ~~والمعاينة، والجماعة صنفا صنفا، لأن المراد بالعذاب: الجنس، ~~وسيأتي له مزيد بيان. و " قبلا " نصب على الحال - كما مر ~~- من " كل " ، وإن كان نكرة؛ لعمومه، وإضافته, وتقدم أنه في أحد ~~أوجهه ينصب على الظرف عند المبرد. # وأما قراءة الحسن فمخففة من المضموم، وقرأه أبي بالأصل وهو ~~المفرد. # وأما قراءة طلحة فهو ظرف مقطوع عن الإضافة، معناه: أو ~~يأتي بالله والملائكة قبله، ولكن كان ينبغي أن يبنى؛ ~~لأن الإضافة مرادة. # قوله: " ما كانوا " جواب " لو " وقد تقدم أنه إذا كان ~~منفيا، امتنعت اللام. # وقال الحوفي: " التقدير لما كانوا حذفت اللام وهي مرادة ~~" وهذا ليس بجيد؛ لأن الجواب المنفي ب " ما " يقل دخولها، ~~بل لا يجوز عند بعضهم، والمنفي ب " لم " ممتنع ألبتة. # وهذه اللام لام الجحود جارة للمصدر المؤول من " أن " ~~والمنصوب بها، وقد تقدم تحقيقه - بعون الله تعالى -. # قوله: { إلا أن يشآء الله } يجوز أن يكون متصلا، أي: ~~ما كانوا ليؤمنوا في سائر الأحوال إلا في حال مشيئة ~~الله، أو في سائر الأزمان إلا في زمان مشيئته. ms3674 # وقيل: إنه استثناء من علة عامة، أي: " ما كانوا ليؤمنوا ~~لشيء من الأشياء إلا لمشيئة الله تعالى ". # والثاني: أن يكون منقطعا، نقل ذلك الحوفي وأبو البقاء، ~~واستبعده أبو حيان. # فصل في معنى الآية ودحض شبهة المعتزلة # معنى الآية الكريمة: أنه - تعالى - لو أظهر جميع تلك الأشياء ~~العجيبة لهؤلاء الكفار؛ فإنهم لا يؤمنون إلا أن يشاء ~~الله إيمانهم. # قال أهل السنة: فلما لم يؤمنوا دل على أنه - تعالى - ما ~~شاء منهم الإيمان، وهذا نص في المسألة. # قالت المعتزلة: دل الدليل على أنه - تبارك وتعالى - أراد ~~الإيمان من جميع الكفار، وذكر الجبائي الوجوه المذكورة ~~المشهورة. # أولها: أنه - تبارك وتعالى - لو لم يرد منهم الإيمان، لما أمرهم، ~~ولم يجب عليهم. # وثانيها: لو أراد الكفر من الكافر، لكان الكافر مطيعا لله ~~تعالى بفعل الكفر، لجاز أن يأمر به. # وثالثها: لو جاز من الله أن يريد منهم الكفر، لجاز أن يأمر به. # رابعها: لو جاز أن يريد منهم الكفر لجاز أنه يأمرنا بأن نريد منهم ~~الكفر. قالوا: فثبت بهذه الدلائل أنه تعالى ما شاء إلا الإيمان منهم ~~وظاهر هذه الآية يقتضي أنه تعالى ما شاء الإيمان منهم والتناقض بين ~~الدلائل ممتنع، فوجب الجمع، وطريقه أن نقول: إنه - تبارك وتعالى ~~- شاء من الكل الإيمان الذي يفعلونه على سبيل الاختيار، وأنه ~~- تعالى - ما شاء منهم الإيمان على سبيل الإلجاء والقهر، وبهذا ~~الطريق زال الإشكال، وهذا كلام ضعيف من وجوه: # الأول: أن الإيمان الذي سموه بالإيمان الاختياري إن عنوا به ~~أن قدرته صالحة إلى الإيمان والكفر على السوية، ثم إنه ~~يصدر عنها الإيمان دون الكفر لا لداعية مرجحة، ولإرادة ~~مميزة، فهذا قول برجحان أحد طرفي الممكن على الآخر، لا ~~لمرجح وهو محال، وأيضا: فبتقدير أن يكون ذلك معقولا في ~~الجملة، إلا أن حصول ذلك الإيمان لا يكون منه، بل يكون ~~حادثا لا لسبب ولا مؤثر أصلا؛ لأن الحاصل هنا لي إلا ~~القدرة، وهي بالنسبة إلى الضدين على السوية، ولم يصدر ~~من هذا القدر تخصيص لأحد الطرفين على الآخر ms3675 بالوقوع ~~والرجحان، ثم إن أحد الطرفين قد حصل بنفسه، فهذا لا يكون ~~صادرا منه، بل يكون صادرا لا عن سبب ألبتة، وذلك يبطل ~~القول بالفعل، والفاعل، والتأثير والمؤثر أصلا، وذلك لا ~~يقوله عاقل، وأما إن كان هذا الذي سموه بالإيمان الاختياري، ~~هو أن قدرته وإن كانت صالحة للضدين، إلا أنه لا تصير ~~مصدرا للإيمان، إلا إذا انضم إلى تلك القدرة حصول ~~داعية الإيمان، فهذا قول بأن مصدر الإيمان هو مجموع القدرة ~~مع الداعي، وذلك المجموع موجب للإيمان, فهذا عين ما يسمونه ~~بالجبر, وأنتم تنكرونه, فثبت أن هذا الدي سموه بالإيمان ~~الاختياري لم يحصل منه معنى معقول مفهوم، وهذا كلام في غاية ~~القوة. # الوجه الثاني: سلمنا أن الإيمان الاختياري متميز عن الإيمان ~~الحاصل بتكوين الله - تعالى -، إلا أنا نقول قوله - تعالى -: ~~{ ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة } وكذا { ما ~~كانوا ليؤمنوا } معناه: ما كانوا ليؤمنوا إيمانا ~~اختياريا، بدليل أن عند ظهور هذه الأشياء لا يبعد أن ~~يؤمنوا إيمانا على سبيل الإلجاء والقهر، فثبت أن قوله: { ~~ما كانوا ليؤمنوا } على سبيل الاختيار، ثم استثنى ~~عنه، وقال: { إلا أن يشاء الله } والمستثنى يجب أن ~~يكون من جنس المستثنى منه، والإيمان الحاصل بالإلجاء ~~والقهر ليس من جنس الإيمان الاختياري، فثبت أنه لا يجوز أن ~~يكون المراد منه الإيمان الاختياري؛ وحينئذ يتوجه دليل أهل ~~السنة، وتسقط أقوال المعتزلة. # فصل ف دحض شبهة المعتزلة # قال الجبائي: قوله - تبارك وتعالى -: { إلا أن يشآء الله } ~~يدل على حدوث المشيئة؛ لأنها لو كانت قديمة لم يجز أن ~~يقال ذلك، كما لا يقال: لا يذهب زيد إلى البصرة، إلا أن ~~يوحد الله، وتقريره: أنا قلنا لا يكون كذا إلا أن ~~يشاء الله، فهذا يقتضي تعليق حدوث هذا الجزاء على حصول ~~المشيئة, فلو كانت المشيئة قديمة, لكان الشرط قديما, ~~ويلزم من حصول الشرط, حصول المشروط، فيلزم كون ~~الجزاء قديما، والحس على أنه محدث، فوجب كون الشرط ~~حادثا، وإذا كان الشرط هو المشيئة لزم القول بكون ~~المشيئة حادثة. # والجواب أن المشيئة وإن كانت ms3676 قديمة، إلا أن تعلقها ~~بإحداث ذلك المحدث في الحال، إضافة حادثة وهذا القدر يكفي ~~لصحة هذا الكلام. ثم قال - تعالى -: { ولكن أكثرهم ~~يجهلون } أي: يجهلون بأن الكل من قضاء الله وبقضائه ~~وقدره. # وقالت المعتزلة: المراد: أنهم جهلوا أنهم يبقون كفارا عند ~~ظهور الآيات التي طلبوها، والمعجزات التي اقترحوها وكان ~~أكثرهم يظنون ذلك. ### || [6.112] # الكاف في " كذلك " في محل نصب، نعتا لمصدر محذوف، ~~فقدره الزمخشري: " كما خلينا بينك وبين أعدائك، كذلك ~~فعلنا بمن قبلك ". # وقال الواحدي: " وكذلك " منسوق على قوله: " وكذلك زينا " ~~أي: فعلنا ذلك كذلك " جعلنا لكل نبي عدوا " ، ثم قال: ~~وقيل: معناه جعلنا لك عدوا كما جعلنا لمن قبلك من ~~الأنبياء، فيكون قوله: " وكذلك " عطفا على معنى ما تقدم من ~~الكلام، وما تقدم يدل معناه على أنه جعل له أعداء [والمراد: ~~تسلية النبي صلى الله عليه وسلم، أي: كما ابتليت بهؤلاء ~~القوم، فكذلك جعلنا لكل نبي قبلك أعداء]. # و " جعل " يتعدى لاثنين بمعنى: صير. وأعرب الزمخشري، ~~وأبو البقاء والحوفي هنا نحو إعرابهم في قوله تعالى: # وجعلوا لله شركآء الجن # [الأنعام:100] فيكون المفعول الأول " شياطين الإنس " ، ~~والثاني " عدوا " ، و " لكل ": حال من " عدوا " لأنه صفته في ~~الأصل، أو متعلق بالجعل قبله، ويجوز أن يكون المفعول الأول ~~" عدوا " و " لكل " هو الثاني قدم، و " شياطين ": بدل من ~~المفعول الأول. # والإضافة في: " شياطين الإنس " يحتمل أن تكون من باب إضافة ~~الصفة لموصوفها، والأصل: الإنس والجن الشياطين، نحو: جرد ~~قطيفة، ورجحته؛ بأن المقصود: التسلي والاتساء بمن سبق ~~من الأنبياء، إذ كان في أممهم من يعادلهم، كما في أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن تكون من الإضافة التي بمعنى ~~اللام، وليست من باب إضافة صفة لموصوف، والمعنى: الشياطين التي ~~للإنس، والشياطين التي للجن، فإن إبليس قسم جنده قسمين: ~~قسم متسلط على الإنس، وآخر على الجن، كذا جاء في ~~التفسير. ووقع " عدوا " مفعولا ثانيا ل " شياطين " على ~~أحد الإعرابين بلفظ الإفراد؛ لأنه يكتفى به في ذلك، ~~وتقدم شواهده، ومنه ما أنشده ابن الأنباري: ms3677 [الطويل] # 2286- إذا أنا لم أنفع صديقي بوده # فإن عدوي لن يضرهم بغضي # فأعاد الضمير من " يضرهم " على " عدو " فدل على ~~جمعيته؛ وكقوله تعالى: # ضيف إبراهيم المكرمين # [الذاريات:24] # أو الطفل الذين لم يظهروا # [النور:31] # إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات # [العصر:2، 3]. # وقيل لا حاجة إلى هذا التكليف، والتقدير وكذلك جعلنا ~~لكل واحد من الأنبياء عدوا واحدا، إذ لا يجب أن يكون ~~واحد من الأنبياء أكثر من عدو واحد. # فصل في دلالة الآية # دل ظاهر قوله - تعالى -: { وكذلك جعلنا لكل نبي ~~عدوا } على أنه - تبارك وتعالى - هو الذي جعل أولئك الأعداء ~~أعداء للنبي صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن تلك العداوة ~~معصية وكفر، فهذا يقتضي أن خالق الخير، والشر، ~~والطاعة، والمعصية، والإيمان والكفر هو الله تعالى. # وأجاب الجبائي عنه؛ بأن المراد من هذا الجعل: الحكم والبيان ~~فإن الرجل إذا حكم بكفر إنسان، قيل: إنه كفره، وإذا أخبر ~~عن عدالته، قيل إنه عدله، فكذا ههنا أنه - تعالى - لما بين ~~للرسول - عليه الصلاة والسلام - كونهم أعداء له لا جرم قال: إنه ~~جعلهم أعداء له وأجاب الأصم: بأنه - تعالى - لما أرسل محمدا ~~صلى الله عليه وسلم إلى العالمين، وخصه بتلك المعجزات، ~~حسدوه، وصار ذلك الحسد سببا للعداوة القوية فلهذا قال ~~إنه - تعالى -: جعلهم أعداء له ونظيره قول المتنبي: [الطويل] # 2287-.................... # وأنت الذي صيرتهم [لي] حسدا # وأجاب الكعبي عنه: بأنه - تبارك وتعالى - أمر الأنبياء ~~بعداوتهم، وأعلمهم كونهم أعداء له، وذلك يقتضي صيرورتهم ~~أعداء للأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -؛ لأن العداوة لا ~~تحصل إلا من الجانبين، فلهذا جاز أن يقال: إنه - تعالى - ~~جعلهم أعداء للأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -. # وهذه أجوبه ضعيفة لما تقدم أن الأفعال مسندة إلى الداوعي، ~~وهي حادثة من قبل الله - تعالى -, وإذا كان كذلك، صح مذهبنا، ~~ثم ههنا بحث آخر، وهو أن العداوة، والصداقة يمتنع أن تحصل ~~باختيار الإنسان؛ فإن الرجل قد يبلغ في عداوة غيره إلى ~~حيث لا يقدر ألبتة على إزالة تلك الحالة عن قلبه، بل ~~قد لا يقدر على ms3678 إخفاء آثار تلك العداوة، ولو أتى بكل تكلف ~~وحيلة، لعجز عنه، ولو كان حصول العداوة والصداقة في القلب ~~باختيار الإنسان، لوجب أن يكون الإنسان متمكنا من قلب ~~العداوة بالصداقة، وبالعكس، فكيف لا، والشعراء عرفوا أن ذلك ~~خارج عن الوسع قال المتنبي [المتقارب] # 2288- يراد من القلب نسيانكم # وتأبى الطباع على الناقل # والعاشق الذي يشتد عشقه [قد] يحتال بجميع الحيل في إزالة ~~عشقه، ولا يقدر عليه ولو كان حصول ذلك الحب والبغض ~~باختياره، لما عجز عن إزالته. # فصل في معنى الآية # قال عكرمة، والضحاك، والكلبي: المعنى: شياطين الإنس ~~التي مع شياطين الجن، وذلك أن إبليس قسم جنده ~~فريقين، فبعث فريقا منهم إلى الإنس، وفريقا إلى الجن، وكلا ~~الفريقين أعداء للنبي صلى الله عليه وسلم ولأوليائه، وهم ~~يلتقون في كل حين، فيقول شيطان الإنس لشيطان الجن: أضللت ~~صاحبي بكذا، فأضلل صاحبك بمثله، ويقول شيطان الجن لشيطان الإنس ~~كذلك. فلذلك وصى بعضهم إلى بعض. # وقال قتادة، ومجاهد، والحسن: إن من الإنس شياطين، كما أن من ~~الجن شياطين، والشيطان الثاني المتمرد من كل شيء. # قالوا: إن الشيطان إذا أعياه المؤمن، وعجز عن إغوائه، ذهب إلى ~~متمرد من الإنس: وهو شيطان الإنس، فأغراه بالمؤمن ليفتنه، ~~يدل عليه ما روي # " عن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تعوذت ~~بالله من شياطين الجن والإنس، قلت يا رسول الله، وهل للإنس من ~~شياطين، قال نعم، هم شر من شياطين الجن ". # وقال مالك بن دينار: إن شياطين الإنس أشد علي من شياطين ~~الجن، وذلك أني إذا تعوذت بالله، ذهب عني شيطان الجن، ~~وشيطان الإنس يجيبني، فيجرني إلى المعاصي. # قوله: " يوحي " يحتمل أن يكون مستأنفا، أخبر عنهم بذلك، وأن ~~يكون حالا من " شياطين " وأن يكون وصفا ل " عدوا " وقد تقدم ~~واقع موقع أعداء، فلذلك عاد الضمير عليه جمعا في قوله ~~" بعضهم " انتهى. # فصل في معنى قوله: " يوحي " # الوحي: هو عبارة عن الإيماء، والقول السريع، والزخرف هو الذي ~~يكون باطنه باطلا، وظاهر مزينا، يقال: فلان يزخرف كلامه، ms3679 إذا ~~زينه بالباطل والكذب، وكل شيء حسن مموه، فهو مزخرف ~~والزخرف: الزينة، وكلام مزخرف، [أي]: منمق، وأصله الذهب، ~~ولما كان الذهب معجب لكل أحد، قيل لكل مستحسن مزين: زخرف. # وقال أبو عبيدة: كل ما حسنته، وزينته، وهو باطل: فهو ~~زخرف، وهذا لا يلزم، إذ قد يطلق على ما هو زينة حق، وبيت ~~مزخرف، أي: مزين بالنقش، ومنه الحديث: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يدخل الكعبة حتى أمر بالزخرف فنحي يعني: ~~أنهم كانوا يزينون الكعبة بنقوش وتصاوير مموهة بالذهب، ~~فأمر بإخراجها. # قوله: " غرورا " قيل: نصب على المفعول له، أي: لا يغروا ~~غيرهم. # وقيل: هو مصدر في موضع الحال، أي: غارين، وأن يكون ~~منصوبا على المصدر؛ لأن العامل فيه بمعناه، كأنه قيل: " ~~يغرون غرورا بالوحي ". # قوله: { ولو شاء ربك ما فعلوه } ما ألقوه من الوسوسة في ~~القلوب، وقد تقدم الكلام في المشيئة ومدلولها مع المعتزلة. # قوله: " وما يفترون " " ما " موصولة اسمية، أو نكرة موصوفة، ~~والعائد على كلا هذين القولين محذوف، أي: " وما يفترونه " ~~أو مصدرية، وعلى كل قوله فمحلها نصب، وفيه وجهان: # أحدهما: أنها نسق على المفعول في: " فذرهم " أي: اتركهم، ~~واترك افتراءهم. # والثاني: أنها مفعول معه، وهو مرجوح، لأنه متى أمكن العطف من ~~غير ضعف في التركب، أو في المعنى، كان أولى من المفعول معه. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما - يريد بقوله: { فذرهم وما ~~يفترون }: ما زين لهم إبليس وغرهم. ### || [6.113] # في هذه اللام ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها لام " كي " والفعل بعدها منصوب بإضمار " أن " وفيما ~~يتعلق به احتمالان: # الاحتمال الأول: أن يتعلق ب " يوحي " على أنها نسق على " ~~غرورا " و " غرورا " مفعول له، والتقدير: " يوحي بعضهم إلى ~~بعض للغرور وللصغو " ، ولكن لما كان المفعول له الأول ~~مستكملا لشروط النصب، نصب، ولما كان هذا غير مستكمل ~~للشروط، وصل الفعل إليه بحرف العلة، وقد فاته من الشروط كونه ~~لم يتحد فيه الفاعل، فإن فاعل الوحي: " بعضهم " ، وفاعل ~~الصغو: " الأفئدة " وفات أيضا من الشروط صريح المصدرية. # والاحتمال الثاني: أن يتعلق ms3680 بمحذوف متأخر بعدها، فقدره ~~الزجاج، ولتصغى إليه فعلوا ذلك، وكذا قدره الزمخشري، ~~فقال: ولتصغى جوابه محذوف، تقديره: وليكون ذلك جعلنا ~~لكل نبي عدوا على أن اللام لام الصيرورة. # والوجه الثاني: أن اللام لام الصيرورة وهي التي يعبرون عنها ~~بلام العاقبة، وهي رأي الزمخشري، كما تقدم حكايته عنه. # الوجه الثالث: أنها لام القسم. # قال أبو البقاء: " إلا أنها كسرت لما لم يؤكد الفعل بالنون " ~~وما قاله غير معروف، بل المعروف في هذا القول: أن هذه لام ~~كي، وهي جواب قسم محذوف، تقديره: والله لتصغى فوضع " ~~لتصغى " موضع " لتصغين " فصار دواب القسم من قبيل ~~المفرد؛ كقولك: " والله ليقوم زيد " أي: " أحلف بالله لقيام زيد ~~" هذا مذهب الأخفش وأنشد: [الطويل] # 2289 -إذا قلت قدني قال بالله حلفة # لتغني عني ذا إنائك أجمعا # فقوله: " لتغني " جواب القسم، فقد ظهر أن هذا القائل يقول ~~بكونها لام كي، غاية ما في الباب أنها وقعت موقع جواب القسم لا ~~أنها جواب بنفسها، وكسرت لما حذفت منها نون التوكيد، ~~ويدل على فساد ذلك، أن النون قد حذفت، ولام الجواب باقية ~~على فتحها، قال القائل في ذلك: [الطويل] # 2290- لئن تك قد ضاقت عليكم بيوتكم # ليعلم ربي أن بيتي واسع # فقوله: " ليعلم " جواب القسم الموطأ له باللام في " لئن ~~" ومع ذلك فهي مفتوحة مع حذف نون التوكيد. # والضمير في قوله: " ما فعلوه " وفي: " إليه " يعود: إما على ~~الوحي، وإما على الزخرف، وإما على القول، وإما على ~~الغرور، وإما على العداوة؛ لأنها بمعنى: التعادي. # ولتصغى أي تميل وهذ المادة تدل على الميل، ومنه قوله - تعالى -: # فقد صغت قلوبكما # [التحريم:4]، وفي الحديث: " فأصغى لها الإناء " وصاغية الرجل: ~~قرابته الذين يميلون إليه، وعين صغوى أي: مائلة، قال ~~الأعشى: [الطويل] # 2291- ترى عينها صغواء في جنب مؤقها # تراقب في كفي القطيع المحرما # والصغا: ميل في الحنك والعين، وصغت الشمس والنجوم: أي مالت ~~للغروب. # ويقال: " صغوت، وصغيت وصغيت " فاللام واو أو ياء، ومع ~~الياء تكسر عين الماضي وتفتح. # قال أبو حيان: " فمصدر الأول صغو، والثاني صغي ms3681 والثالث ~~صغا، ومضارعها يصغى بفتح العين ". # قال شهاب الدين: قد حكى الأصمعي في مصدر صغا يصغوا صغا، ~~فليس " صغا " مختصا بكونه مصدا ل " صغي " بالكسر. # وزاد الفراء: " صغيا " و " صغوا " بالياء والواو مشددتين، ~~وأما قوله: " ومضارعها، أي مضارع الأفعال الثلاثة: يصغى بفتح ~~الغين " فقد حكى أبو عبيد عن الكسائي: صغوت أصغو، وكذا ابن ~~السكيت حكى: صغوت أصغو، فقد خالفوا بين مضارعها، ~~وصغوت أصغو هو القياس الفاشي، فإن فعل المعتل اللام بالواو ~~قياس مضارعه: يفعل بضم العين. # وقال أبو حيان أيضا: " وهي - يعني الأفعال الثلاثة - لازمة " أي: لا ~~تتعدى، وأصغى مثلها لازم، ويأتي متعديا، فتكون الهمزة ~~للنقل، وأنشد على " أصغى " اللازم قول الشاعر: [البسيط] # 2292- ترى السفيه به عن كل محكمة # زيغ وفيه إلى التشبيه إصغاء # قال شهاب الدين: ومثله قول الآخر: [البسيط] # 2293- تصغي إذا شدها بالرحل جانحة # حتى إذا استوى في غرزهأ تثب # وتقول: أصغى فلان بأذنه إلى فلان, وأنشد على " أصغى " ~~المتعدي قول الآخر: [البسيط] # 2294 - أصاخ من نبأة أصغى لها أذنا # صماخها بدخيس الذوق مستور # وفي الحديث: " فأصغى لها الإناء " وهذا الذي زعمه من كون صغى، ~~أو صغي، أو صغا يكون لازما غير موافق عليه، بل قد حكى الراغب ~~أنه يقال: صغيت الإناء وأصغيته [وصغيت بكسر الغين] ~~يحتمل أن يكن من ذوات الياء، ويحتمل أن يكون من ذوات ~~الواو، وإنما قلبت الواو ياء؛ لانكسار ما قبلها؛ كقوي، وهو ~~من القوة. # وقراءة النخعي، والجراح بن عبد الله: " ولتصغى " من أصغى ~~رباعيا وهو هنا لازم. # وقرأ الحسن: " ولتصغى وليرضوه وليقترفوا " بسكون اللام ~~في الثلاثة، وقال أبو عمرو الداني: " قراءة الحسن إنما هو: " ~~ولتصغي " بكسر الغين ". # قال شهاب الدين: فتكون كقراءة النخعي. # وقيل: قرأ الحسن: " ولتصغي " بكسر اللام كالعامة، وليرضوه ~~وليقترفوا بسكون اللام، خرجوا تسكين اللام على أحد ~~وجهين: إما أنها لام كي، وإنما سكنت إجراء لها مع بعدها ~~مجرى كبد، ونمر. # قال ابن جني: " وهو قوي في القياس، شاذ في السماع ". # والثاني: أنها لام الأمر، وهذا وإن تمشى في " ليرضوه ~~وليقترفوا ms3682 ": فلا يتمشى في: " ولتصغى " إذ حرف العلة يحذف ~~جزما. # قال أبو البقاء: " وليست لام الأمر؛ لأنه لم يجزم الفعل ". # قال شهاب الدين: قد ثبت حرف العلة جزما في المتواتر، ~~فمنها: # أرسله معنا غدا يرتع ويلعب # [يوسف: 12] # إنه من يتق ويصبر فإن الله # [يوسف:90] # سنقرئك فلا تنسى # [الأعلى:6] # لا تخاف دركا ولا تخشى # [طه:77] وفي كل ذلك تاويلات ستقف عليها - إن شاء الله تعالى - ~~فلتكن هذه القراءة الشاذة مثل هذه المواضع، والقول بكون لام " ~~لتصغى " لام " كي " سكنت؛ لتوالي الحركات واللامين بعدها ~~لامي أمر بعيد وتشه. # وقال النحاس: ويقرأ: " وليقترفوا " يعني بالسكون، قال: " ~~وفيه معنى التهديد ". # يريد: أنه أمر تهديد؛ كقوله: # اعملوا ما شئتم # [فصلت:40] ولم يحك التسكين في " لتصغى " ، ولا في " ليرضوه ~~". # و " ما " في " ما هم مقترفون " موصولة اسمية، أو نكرة ~~موصوفة مصدرية، والعائد على كلا القولين الأولين محذوف، أي: " ~~ما هم مقترفوه ". # [و] قال أبو البقاء: " وأثبت النون لما حذفت الهاء " يريد: أن ~~الضمير المتصل باسم الفاعل المثنى والمجموع على حده، ~~تحذف له نون التثنية والجمع، نحو: " هذان ضارباه " و " ~~هؤلاء ضاربوه " فإذا حذف الضمير، زال الموجب, فتعود النون, ~~وهذا هو الأكثر, أعني: حذف النون مع اتصال الضمير, وقد ~~ثبتت؛ قال القائل: [الطويل] # 2295- ولم يرتفق والناس محتضرونه # جميعا وأيدي المعتفين رواهقه # وقال القائل في ذلك: [الطويل] # 2296- هم الفاعلون الخير والآمرونه # ......................... # والاقتراف: الاكتساب، واقترف فلان لأهله، أي: اكتسب، وأكثر ما ~~يقال في الشر والذنب، ويطلق في الخير، قال - تعالى -: # ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا # [الشورى:23]. # وقال ابن الأنباري: " قرف واقترف: اكتسب " وأنشد في ذلك: ~~[الطويل] # 2297- وإني لآت ما أتيت وإنني # لما اقترفت نفسي علي لراهب # وأصل القرف والاقتراف: قشر لحاء الشجر، والجلدة من ~~أعلى الحرج وما يؤخذ منه قرف، ثم استعير الاقتراف ~~للاكتساب حسنا كان، أو سيئا وفي السيئ أكثر استعمالا وقارف ~~فلان أمرا: تعاطى ما يعاب به. # وقيل: الاعتراف يزيل الاقتراف، ورجل مقرف، أي: هجين: قال ~~الشاعر: [الرمل] # 2298- كم بجود مقرف نال العلى # وشريف بخله قد ms3683 وضعه # وقرفته بكذا: اتهمته، أو عبته به، وقارف الذنب وعبره، ~~إذا أتاه ولاصقه، وقارف امرأته، إذا جامعها، والمقترف من ~~الخيل: الهجين، وهو الذي أمه برذونة، وأبوه عربي. # وقيل: بالعكس. # وقيل: هو الذي دان الهجنة وقارفها، ومن حديث عمر - رضي الله ~~عنه -: كتب إلى أبي موسى في البراذين ما قارف العتاق منها، ~~فأجعل له منهما واحدا، أي: قاربها وداناها، نقله ابن ~~الأثير. # فصل في تقدير الآية # قال ابن الخطيب [قال أصحابنا] تقدير الآية الكريمة: وكذلك ~~جعلنا لكل نبي عدوا من شياطين الجن والإنس، وصفته: ~~أنه يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروا، وإنما ~~فعلنا ذلك لتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة أي: ~~أوجدنا العداوة في قلب الشياطين الذين من صفتهم ما ذكرناه، ~~ليكون كلامهم المزخرف مقبولا عند هؤلاء الكفار. # قالوا: وإذ حملنا الآية على هذا الوجه، يظهر أنه - تبارك وتعالى ~~- يريد الكفر من الكافر. # أجاب المعتزلة عنه من ثلاثة أوجه: # الأول: قال الجبائي: إن هذا الكلام خرج مخرج الأمر، ومعناه: ~~الزجر؛ كقوله - تبارك وتعالى -: # واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب ~~عليهم # [الإسراء:64] وكذا قوله: " وليرضوه، وليقترفوا " وتقدير ~~الكلام: كأنه قال للرسول - عليه السلام -: " فذرهم وما ~~يفترون " ثم قال لهم على سبيل التهديد " ولتصغى إليه ~~أفئدتهم، وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون ". # الوجه الثاني: قال الكعبي إن هذه اللام لام العاقبة، أي: ستئول ~~عاقبة أمرهم إلى هذه الأحوال. # قال القاضي: ويبعد أن يقال: هذه العاقبة تحصل في الآخرة؛ لأن ~~الإلجاء حاصل في الآخرة. # قال: فلا يجوز أن تميل قلوب الكفار إلى قبول المذهب ~~الباطل، ولا أن يرضوه، ولا أن يقترفوا الذنوب، بل يجب أن ~~تحمل على أن عاقبة أمرهم في الدنيا تئول إلى أن يقبلوا ~~الأباطيل، ويرضوا بها، ويعملوا بها. # الوجه الثالث: وهو الذي اختاره أبو مسلم، قال: اللام في قوله: { ~~ولتصغى إليه أفئدة } متعلق بقوله: { يوحي بعضهم ~~إلى بعض زخرف القول غرورا } والتقدير: أن بعضهم ~~يوحي إلى بعض زخرف القول ليغروا بذلك، { ولتصغى ~~إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالأخرة ~~وليرضوه وليقترفوا ms3684 } الذنوب، ويكون المراد أن ~~مقصود الشياطين من ذلك الإيحاء: هو مجموع هذه المعاني. # والجواب عما ذكره الجبائي من وجوه، ذكرها القاضي: # أحدها: أن الواو في قوله: " ولتصغى " تقتضي تعلقه بما قبله، ~~فحمله على الابتداء بعيد. # وثانيها: أن اللام في قول: " ولتصغى " لام كي، فيبعد أن يقال ~~إنه لام الأمر، ويقرب ذلك من أن يكون تحريفا لكلام الله ~~- تعالى -، وأنه لا يجوز، وأما قول الكعبي: بأنها لام ~~العاقبة، فضعيف؛ لأنهم أجمعوا على أن هذا مجاز، وحمله على " ~~كي " حقيقة أولى، وأما قول أبي مسلم، فهو أحسنها، إلا أن ~~قوله: { يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا } ~~يقتضي ان يكون الغرض من ذلك الإيحاء: هو التغرير، وإذا عطفنا ~~عليه قوله: { ولتصغى إليه أفئدة } فهذا أيضا عين التغرير، لا ~~معنى التغرير؛ لأنه يستميل إلى ما يكون باطنه قبيحا، وظاهره ~~حسنا. # قوله: { ولتصغى إليه أفئدة } عين هذه الاستمالة فلو عطفنأ ~~عليه، لزم أن يكون المعطوف عين المعطوف عليه، وأنه لا ~~يجوز، أما إذا قلنا: تقدير الكلام: وكذلك جعلنا لكل نبي ~~عدوا من شأنه أن يوحي زخرف القول؛ لأجل التغرير، وإنما ~~جعلنا مثل هذا الشخص عدوا للنبي؛ لتصغى إليه أفئدة ~~الكفار، فيبعدوا بذلك السبب عن قبول دعوة ذلك النبي، ~~وحينئذ لا يلزم منه عطف الشيء على نفسه، فما ذكرناه أولى. # فصل في معنى الإنسان # قالوا: الإنسان شيء مغاير للبدن، ثم اختلفوا: منهم من قال: ~~المتعلق الأول هو القلب، وبواسطته تتعلق النفس؛ كسائر ~~الأعضاء، كالدماغ، والكبد، ومنهم من قال: القلب متعلق ~~النفس الحيوانية، والدماع متعلق النفس الناطقة، ~~والكبد متعلق النفس الطبيعية، والأولون تمسكوا بهذه ~~الآية الكريمة؛ فإنه - تبارك وتعالى - جعل محل الصغى الذي هو ~~عبارة عن الميل والإرادة: القلب، فدل على أن متعلق النفس: ~~القلب. ### || [6.114] # لما حكى عن الكفار أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم، ~~لئن جاءتهم آية، ليؤمنن بها، وأجاب عنه: بأنه لا فائدة في ~~إظهار تلك الآيات؛ لأنه - تعالى - لو أظهرها، لبقوا مصرين ~~على كفرهم، بين في هذه الآية أن الدليل الدال على نبوته، ms3685 ~~قد حصل فكل ما طلبوه من الزيادة، لا يجب الالتفات إليه. # قوله: " أفغير " يجوز نصب " غير " من وجهين: # أحدهما: أنه مفعول ل " أبتغي " مقدما عليه، وولي ~~الهمزة لما تقدم في قوله: # أغير الله أتخذ وليا # [الأنعام:14] ويكون " حكما " حينئذ: إما حالا، وإما ~~تمييزا ل " غير " ذكره الحوفي: وأبو البقاء، وابن ~~عطية؛ كقولهم: " إن لنا غيرها إبلا ". # الثاني: أن ينتصب " غير " على الحال من " حكما: لأنه في ~~الأصل يجوز أن يكون وصفا له، و " حكما " هذا المفعول به؛ ~~فتحصل في نصب " غير " وجهان، وفي نصب " حكما " ثلاثة أوجه: كونه ~~حالا، أو مفعولا، أو تمييزا. والحكم أبلغ من الحاكم. # قيل: لأن الحكم لا يحكم إلا بالعدل، والحاكم قد يجوز، ~~ومعنى الآية الكريمة: قل لهم يا محمد: أفغير الله أطلب ~~قاضيا بيني وبينكم, وذلك أنهم كانوا يقولون للنبي ~~صلى الله عليه وسلم: اجعل بيننا وبينك حكما، فأجابهم به. # قوله: { وهو الذي أنزل } هذه الجملة في محل نصب على ~~الحال من فاعل: " أبتغي " ، و " مفصلا ": حال من " الكتاب ~~" أي مبينا فيه أمره ونهيه، والمراد بالكتاب: القرآن العظيم، ~~وقيل " مفصلا " أي: خمسا خمسا، وعشرا عشرا، كما قال: # لنثبت به فؤادك # [الفرقان:32]. # وقوله: { والذين آتيناهم الكتب }: مبتدأ، و " ~~يعلمون ": خبره، والجملة مستأنفة، والمراد بهم: علماء ~~اليهود والنصارى الذين آتيناهم التوراة والإنجيل. # وقيل: هم مؤمنوا أهل الكتاب، وقال عطاء: رؤساء أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم بالكتاب: القرآن العظيم، يعلمون أنه ~~منزل. # قرأ ابن عامر، وحفص عن عاصم: " منزل " بتشديد الزاي، ~~والباقون بتخفيفها، وقد تقدم: أن أنزل ونزل لغتان، أو ~~بينهما فرق، و " من ربك " لابتداء الغاية مجازا، و " ~~بالحق " حال من الضمير المستكن في " منزل " أي: ملتبسا ~~بالحق، فالباء للمصاحبة. # قوله: { فلا تكونن من الممترين } أي: من الشاكين أنهم ~~يعلمون ذلك. # وقيل: هذا من باب التهييج والإلهاب؛ كقوله - تعالى -: # ولا تكونن من المشركين # [الأنعام:14]. # وقيل: هذا خطاب لكل أحد، والمعنى: لما ظهرت الدلائل، فلا ~~ينبغي أن يمتري فيه أحد. # وقيل: هذا الخطاب وإن كان في الظاهر ms3686 للرسول، إلا أن المراد ~~أمته. ### || [6.115] # في نصب " صدقا وعدلا " ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكونا مصدرين في موضع الحال، أي: تمت ~~الكلمات صادقات في الوعد، عادلات في الوعيد. # الثاني: أنهما نصب على التمييز. # قال ابن عطية: " وهو غير صواب " وممن قال بكونه تمييزا: ~~الطبري، وأبو البقاء. # الثالث: انهما نصب على المفعول من أجله، أي: تمت لأجل الصدق ~~والعدل الواقعين منهما، وهو محل نظر، ذكر هذا الوجه أبو ~~البقاء. # وقرأ الكوفيون هنا، وفي يونس في قوله: # كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا # [يونس:33] # إن الذين حقت عليهم كلمة ربك # [يونس:96] موضعان، وفي غافر: # وكذلك حقت كلمة ربك # [غافر:6] " كلمة " بالإفراد، وافقهم ابن كثير، وابو عمرو على ما في ~~يونس وغافر، دون هذه السورة، والباقون: بالجمع في المواضع ~~الثلاثة. # قال أبو حيان: " قرأ الكوفيون هنا وفي يونس في الموضعين وفي ~~المؤمن: " كلمة " بالإفراد، ونافع جميع ذلك " كلمات " بالجمع، تابعه ~~أبو عمرو، وبان كثير هنا " # قال شهاب الدين: كيف نسي ابن عامر؟ لا يقال: إنه قد أسقطه ~~الناسخ وكان الأصل " ونافع وابن عامر "؛ لأنه قال: " تابعه " ~~ولو كان كذلك، لقال: " تابعهما ". # ووجه الإفراد: إرادة الجنس، وهو نظير: رسالته ورسالاته. # وقولهم: قال زهير في كلمته، أي: قصيدته، وقال قس في كلمته، أي: ~~خطبته، فكذا مجموع القرآن العظيم، وقراءة الجمع ظاهرة؛ لأن ~~كلماته - تعالى - متبوعة بالنسبة إلى الأمر، والنهي، ~~والوعد، والوعيد وأراد بالكلمات: أمره ونهيه ووعده ووعيده، في ~~الأمر والنهي. # وقال قتادة: ومقاتل: صدقا فيما وعد عدلا فيما حكم، وهذا الكلام ~~كما يدل على أن الخلف في وعد الله محال؛ فيدل أيضا: على ~~أن الخلف في وعيده محال، بخلاف ما قاله الواحدي في تفسير ~~قوله - تبارك وتعالى -: # ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه جهنم خالدا ~~فيها # [النساء:93] إن الخلف في وعيد الله جائز، لأن وعد الله ~~ووعيده كلمة الله، فيجب كونها موصوفة بالصدق؛ لأن الكذب ~~نقص، والنقص على الله محال، ولا يجوز إثبات أن الكذب ~~على الله محال، بالدلائل السمعية؛ لأن [صحة الدلائل ~~السمعية موقوفة ms3687 على أن الكذب على الله محال, فلو أثبتنا امتناع ~~أن الكذب على الله محال] لزم الدور، وهو باطل، وأجمعوا على ~~الجمع في قوله: { لا مبدل لكلماته } # ولا مبدل لكلمات الله # [الأنعام:34]. # قوله: { لا مبدل لكلماته } يحتمل أن يكون لها محل من ~~الإعراب؛ لأنها مستأنفة، وأن تكون جملة حالية من فاعل " ~~تمت ". # فإن قلت: فأين الرابط بين ذي الحال، والحال؟ # فالجواب أن الربط حصل بالظاهر، والأصل: لا مبدل لها، وإنما ~~أبرزت ظاهرة؛ تعظيما لها ولإضافتها إلى لفظ الجلالة الشريفة. # قال أبو البقاء: ولا يجوز حالا من " ربك " لئلا يفصل بين ~~الحال وصاحبها بالأجنبي، وهو: " صدقا وعدلا " إلا أن يجعل " ~~صدقا وعدلا ": حالا من " ربك " لا من " الكلمات ". # قال شهاب الدين: فإنه إذا جعل " صدقا وعدلا ": حالا من " ربك " ~~لم يلزم منه فصل؛ لأنها حالان لذي حال، ولكن قاعدته تمنع ~~تعدد الحال لذي حال واحدة، وتمنع أيضا مجيء الحال من المضاف ~~إليه، وإن كان المضاف بعض الثاني، ولم يمنع هنا بشيء من ~~ذلك، والرسم في " كلمات " في المواضع التي أشرت [إلى] اختلاف ~~القراء فيها محتمل لخلافهم، فإنه في المصحف الكريم من ~~غير ألف بعد الميم. # [وقوله تعالى: " إن يتبعون " ، " وإن هم إلا يخرصون " " إن " ~~نافية، بمعنى: ما في الموضعين و " الخرص ": الحزر ويعبر به عن ~~الكذب والافتراء، وأصله من ا لتظني، وهو قول ما لم يستيقن، ~~ويتحقق؛ قاله الأزهري. # ومنه خرص النخل، يقال: " خرصها " الخارص خرصا، فهي " خرص " ~~فالمفتوح مصدر، والمكسور بمعنى: مفعول؛ كالنقض والنقض، ~~والذبح والذبح], # فصل في معنى الآية # قال ابن عباس - رضي الله عنهما - معنى { لا مبدل لكلماته ~~}: لا راد لقضائه ولا مغير لحكمه، ولا خلف لوعده، وهو ~~السميع العليم. # وقيل المراد ب " الكلمات ": القرآن لا مبدل له لا يزيد في ~~المفترون، ولا ينقصون؛ كقوله - تبارك وتعالى -: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر:9]. # وقيل: المراد: أنها محفوظة عن التناقض؛ كقوله تعالى: # ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا # [النساء:82]. # وقيل المراد: أن أحكام الله ms3688 - تبارك وتعالى - لا تقبل ~~التبديل والزوال؛ لأنها أزلية، والأزلي لا يزول، وهذا ~~الوجه أحد الأصول القوية في إثبات الخير؛ لأنه - تبارك وتعالى ~~- لما حكم على زيد بالسعادة، وعلى عمرو بالشقاوة، ثم قال: # ولا مبدل لكلمات الله # [الأنعام:34] لزم منه امتناع أن يقلب السعيد شقيا، والشقي ~~سعيدا، وهو معنى قوله - عليه الصلاة والسلام -: جف القلم بما هو ~~كائن إلى يوم القيامة. ### || [6.116] # لما أجاب عن شبه الكفار، وبين صحة نبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم بالدليل، بين بعد زوال الشبهة، وظهور الحجة، أنه لا ~~ينبغي للعاقل أن يلتفت إلى كلمات الجهال، وهذه الآية ~~الكريمة تدل على أن أكثر أهل الأرض كانوا ضلالا. # وقيل: إنهم جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في ~~أكل الميتة، فقالوا: تأكلون ما تقتلون، ولا تأكلون ما قتله ~~الله، فقال الله - تعالى -: { وإن تطع أكثر من في الأرض ~~} # أي: أن تطعهم في أكل الميتة، يضلوك عن سبيل الله، أي: عن ~~الطريق الحق، ثم قال: { إن يتبعون إلا الظن } يريد: ~~أن دينهم الذي هم عليه ظن، وهوى لم يأخذوه على بصيرة { ~~وإن هم إلا يخرصون }: يكذبون في ادعاء القطع. # فصل في رد شبهة نفاة القياس # تمسك نفاة القياس بهذه الآية الكريمة؛ لأن الله - تبارك وتعالى ~~- بالغ في ذم الكفار في كثير من آيات القرآن العظيم ~~بكونهم متبعين للظن، والشيء الذي جعله الله - تبارك وتعالى - ~~موجبا للذم، [لا بد وأن يكون في أقصى مراتب الذم، والعمل ~~بالقياس يوجب اتباع الظن، فوجب كونه مذموما] محرما لا ~~يقال: لما ورد الدليل القاطع بكونه حجة، كان العمل به عملا ~~بدليل مقطوع, لا بدليل مظنون؛ لأن هذا مدفوع من وجوه: # الأول: أن ذلك الدليل القاطع: إما أن يكون عقليا، أو ~~سمعيا، والأول باطل؛ لأن العقل لا مجال له في أن العمل ~~بالقياس جائز، أو غير جائز، ولا سيما عند من ينكر تحسين ~~العقل وتقبيحه. # والثاني أيضا باطل؛ لأن الدليل السمعي إنما يكون قاطعا ~~لو كان متواترا، وكانت الدلالة قاطعة غير محتملة لوجه ms3689 ~~آخر سوى هذا المعنى الواحد، ولو حصل مثل هذا الدليل، لعلم ~~الناس بالضرورة كون القياس حجة، ولارتفع الخلاف فيه، فحيث ~~لم يوجد ذلك، علمنا أن الدليل القاطع على صحة القياس مفقود. # الثاني: هب أنه وجد الدليل القاطع على أن القياس حجة، إلا ~~أن ذلك لا يتم العمل بالقياس إلا مع اتباع الظن؛ لأن ~~التمسك بالقياس مبني على مقامين. # أحدهما: أن الحكم في محل الوفاق معلل بكذا. # والثاني: أن ذلك المعنى حاصل في محل الخلاف، فهذان المقامان إن ~~كانا معلومين على سبيل القطع واليقين، فهذا مما لا خلاف في ~~صحته بين العقلاء، وإن كان مجموعهما أو كان أحدهما ظنيا؛ ~~فحينئذ لا يتم العمل بهذا القياس إلا بمتابعة الظن، ~~وحينئذ يدخل تحت النص الدال على أن متابعة الظن مذمومة. # والجواب: لم لا يجوز أن يقال: إن الظن عبارة عن الاعتقاد ~~الراجح إذا لم يسند إلى أمارة، [وهو مثل اعتقاد الكفار أما ~~إذا كان الاعتقاد الراجح مستندا إلى أمارة] # فهذا الاعتقاد لا يسمى ظنا، وبهذا الطريق سقط الاستدلال. ### || [6.117] # في " أعلم " قولان: # أحدهما: أنها ليست للتفضيل، بل بمعنى اسم فاعل في قوته, كأنه ~~قيل: إن ربك هو يعلم. # قال الواحدي - رحمه الله -: " ولا يجوز ذلك؛ لأنه لا يطابق: وهو ~~أعلم بالمهتدين ". # والثاني: أنها على بابها من التفضيل، ثم اختلف هؤلاء في محل " ~~من ": فقال بعض البصريين: هو جر بحرف مقدر حذف وبقي عمله؛ ~~لقوة الدلالة عليه بقوله: { وهو أعلم بالمهتدين } ~~وهذا ليس بشيء؛ لأنه لا يحذف الجار ويبقى أثره إلا في مواضع ~~تقدم التنبيه عليها، ما ورد بخلافها، فضرورة؛ كقوله: [الطويل] # 2299-................... # أشارت كليب بالأكف الأصابع # وقوله: [الكامل] # 2300-.................. # حتى تبذخ فارتقى الأعلام # الثاني: أنها في محل نصب على إسقاط الخافض؛ كقوله: [الوافر] # 2301- تمرون الديار ولم تعوجوا # .................... # قاله أبو الفتح. وهو مردود من وجهين: # الأول: أن ذلك لا يطرد. # الثاني: أن أفعل التفضيل لا تنصب بنفسها؛ لضعفها. # الثالث: وهو قول الكوفيين - أنه نصب بنفس أفعل، فإنها عندهم ~~تعمل عمل الفعل. # الرابع: أنها منصوبة بفعل مقدر ms3690 يدل عليه أفعل، قاله ~~الفارسي؛ وعليه خرج قول الشاعر: [الطويل] # 2302- أكر وأحمى للحقيقة منهم # وأضرب منا بالسيوف القوانسا # ف " القوانس " نصب بإضمار فعل، أي: يضرب القوانس؛ لأن ~~أفعل ضعيفة كما تقرر. # الخامس: أنها مرفوعة المحل بالابتداء، و " يضل ": خبره، ~~والجملة معلقة لأفعل التفضيل؛ فهي في محل نصب بها؛ كأنه ~~قيل: أعلم أي الناس يضل كقوله: # لنعلم أي الحزبين أحصى # [الكهف:12]، وهذا رأي الكسائي، والزجاج، والمبرد، ومكي، ~~إلا أن أبا حيان رد هذا؛ بان التعليق فرع ثبوت العمل في ~~المفعول به، وأفعل لا يعمل فيه، فلا يعلق. # والراجح من هذه الأقوال: نصبها بمضمر، وهو قول الفارسي، ~~وقواعد البصريين موافقة له، ولا يجوز ان تكون " من " في محل ~~جر بإضافة أفعل إليها؛ لئلا يلزم محذور عظيم، وذلك أن أفعل ~~التفضيل لا تضاف إلا إلى جنسها، فإذا قلت: " زيد أعلم ~~الضالين " لزم أن يكون " زيد " بعض الضالين، أي: متصف ~~بالضلال، فهذا الوجه مستحيل في الآية الكريمة، وهذا عند من قرأ " ~~يضل " بفتح حرف المضارعة، أما من قرأ بضمه: " يضل " - وهو ~~الحسن، وأحمد بن أبي سريج -، فقال أبو البقاء: " يجوز أن تكون " ~~من " في موضع جر بإضافة " أفعل " إليها ". # قال: " إما على معنى: هو أعلم المضلين، أي: من يجد الضلال ~~وهو من أضللته، أي: وجدته ضالا؛ مثل أحمدته، أي: وجدته ~~محمودا، أو بمعنى: أنه يضل عن الهدى ". # قال شهاب الدين: ولا حاجة إلى ارتكاب مثل هذا في مثل ~~الأماكن الحرجة، وكان قد عبر قبل ذلك بعبارات استعظمت ~~النطق بها، فضربت عنها إلى أمثلة من قولي، والذي تحمل ~~عليه هذه القراءة، ما تقدم من المختار؛ وهو النصب بمضمر، ~~وفاعل " يضل " على هذه القراءة: ضمير يعود على الله - تعالى - على ~~معنى: يجده ضالا، أو يخلق فيه الضلال " لا يسأل عما ~~يفعل " ويجوز أن يكون ضمير { من } أي: أعلم من يضل ~~الناس، والمفعول محذوف، وأما على القراءة الشهيرة، فالفاعل ~~ضمير " من " فقط، و " من " يجوز أن تكن موصولة، وهو الظاهر، وأن ~~تكون نكرة موصوفة، ذكره أبو البقاء. ms3691 # فإن قيل هو { أعلم بالمهتدين } يوجب وقوع التفاوت في ~~علم الله، وهو محال؟ # فالجواب: أن حصول التفاوت في علم الله محال، إلا أن ~~المقصود من هذا اللفظ: العناية بإظهار هداية المهتدين فوق ~~الهداية بإظهار ضلال الضالين، ونظيره قوله - تعالى -: # إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم ~~فلها # [الإسراء:7] فذكر الإحسان مرتين، والإساءة مرة واحدة، ~~ومعنى: قوله - تعالى -: { أعلم بالمهتدين } أي: يجازي ~~كلا بما يستحقون. ### || [6.118-119] # في هذه الفاء وجهان: # أحدهما: أنها جواب شرط مقدر. # قال الزمخشري بعد كلام: فقيل للمسلمين: إن كنتم ~~متحققين بالإيمان، فكلوا [وذلك أنهم كانوا يقولون ~~للمسلمين: إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله، فما قتله الله ~~أحق أن تأكلوا مما قتلتموه أنتم، وقال الله - تعالى - ~~للمسلمين: { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه }. # والثاني: أنها عاطفة على محذوف. # قال الواحدي: " ودخلت الفاء للعطف على ما دل عليه أول الكلام، ~~كأنه قيل: كونوا على الهدى، فكلوا ". والظاهر: أنها عاطفة على ~~ما تقدم من مضمون الجمل المتقدمة كأنه قيل: " اتبعوا ما ~~أمركم الله تعالى من أكل المذكى دون الميتة، فكلوا ". # فإن قيل: إنهم كانوا يبيحون أكل ما ذبح على اسم الله - تعالى ~~-، ولا ينازعون فيه، وإنما النزاع في أنهم أيضا كانوا ~~يبيحون أكل الميتة، والمسلمون كانوا يحرمونها، وإذا كان ~~كذلك، كان ورود الأمر بإباحة ما ذكر اسم الله عليه عبئا، لأنه ~~يقتضي إثبات الحكم في المتفق عليه، وترك الحكم في المختلف ~~فيه. # فالجواب: لعل القوم يحرمون أكل المذكاة، ويبيحون أكل ~~الميتة، فالله - تبارك وتعالى - رد عليهم في الأمرين، فحكم ~~بحل المذكاة بقوله: { فكلوا مما ذكر اسم الله ~~عليه } وبتحريم الميتة بقوله: # ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه # [الأنعام:121] أو يحمل قوله: { فكلوا مما ذكر اسم الله ~~عليه } على أن المراد: اجعلوا أكلكم مقصورا على ما ذكر اسم ~~الله عليه، فيكون المعنى على هذا الوجه، تحريم أكل الميتة فقط. # قوله: " وما لكم " مبتدأ وخبر، وقوله: " ألا تأكلوا " فيه ~~قولان: # أحدهما: هو حذف حرف الجر، أي: أي شيء استقر في منع ~~الأكل ms3692 مما ذكر اسم الله عليه؛ وهو قول أبي إسحاق الزجاج فلما ~~حذفت " في " جرى القولان المشهوران، ولم يذكر الزمخشري ~~غير هذا الوجه. # الثاني: أنها في محل نصب على الحال، والتقدير: وأي شيء ~~لكم تاركين للأكل، ويؤيد ذلك وقوع الحال الصريحة في مثل ~~التركيب كثيرا، نحو: # فما لهم عن التذكرة معرضين # [المدثر:49] إلا أن هذا مردود بوجهين: # أحدهما: أن " أن " تخلص الفعل للاستقبال، فكيف يقع ما ~~بعدها حالا؟ # والثاني: أنها مع ما بعدها مؤولة بالمصدر، وهو أشبه ~~بالمضمرات كما تقدم تحريره، والحال إنما تكون نكرة. # قال أبو البقاء: إلا أن يقدر حذف مضاف، فيجوز، أي: " وما ~~لكم ذوي ألا تأكلوا " وفي تكلف، فمفعول " تأكلوا " محذوف ~~بقيت صفته، تقديره: " شيئا مما ذكر اسم الله " ويجوز ألا ~~يراد مفعول، بل المراد: ومال لكم ألا يقع منكم الأكل، وتكون " ~~من " لابتداء الغاية، أي: أن لا تبتدئوا بالأكل من ~~المذكور عليه اسم الله، وزعم، أن " لا " مزيدة، وهذا ~~فاسد؛ إذا لا داعي لزيادتها. # قوله: " وقد فصل لكم ما حرم " قرأ ابن كثير، وأبو ~~عمرو، وابن عامر: ببنائهما للمفعول: ونافع، وحفص عن عاصم: ~~ببنائهما للفاعل، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: ببناء ~~الأول للفاعل، وبناء الثاني للمفعول، ولم يأت عكس هذه، وقرأ ~~عطية العوفي كقراءة الأخوين، إلا أنه خفف الصاد من " ~~فصل " والقائم مقام الفاعل: هو الموصول، وعائده من قوله: " ~~حرم عليكم ". والفاعل في قراءة من بنى للفاعل ضمير الله ~~- تعالى -، والجملة في محل نصب على الحال. # فصل في المراد من الآية # قوله: { فصل لكم ما حرم عليكم } قال أكثر المفسرين: ~~هو المراد من قوله تعالى: # حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير # في أول المائدة [الآية:3]، وفيه إشكال، وهو أن سورة الأنعام ~~مكية، وسورة المائدة من آخر ما أنزل الله - تعالى - بالمدينة، ~~فقوله: " فصل " يجب أن يكون ذلك المفصل متقدما على هذا ~~المجمل، والمدني متأخر عن المكي، فيمتنع كونه متقدما، ~~ولقائل أن يقول: المفصل: هو قوله - تبارك وتعالى - بعد هذه الاية ~~الكريمة: # قل لا أجد في ms3693 مآ أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه # [الأنعام:145]، الآية، وهي وإن كانت مذكورة بعد هذه الآية بقليل, إلا ~~أن هذا القدر من التأخير لا يمنع أن يكون هو المراد، خصوصا ~~أن السورة نزلت دفعة واحدة بإجماع المفسرين على ما تقدم، ~~فيكون في حكم المقارن. # قوله: { إلا ما اضطررتم إليه } في الاستثناء وجهان: # أحدهما: أنه منقطع، قاله ابن عطية والحوفي. # والثاني: أنه [استثناء] متصل. # قال أبو البقاء: " ما " في موضع نصب على الاستثناء من الجنس ~~من طريق المعنى؛ لأنه وبخهم بترك الأكل مما سمي عليه، وذلك ~~يتضمن الإباحة مطلقا. # قال شهاب الدين: الأول أوضح والاتصال قلق المعنى، ثم قال: " ~~وقوله: { وقد فصل لكم ما حرم عليكم } أي: في حال ~~الاختيار، وذلك حلال حال الاضطرار ". # قوله: { وإن كثيرا ليضلون } قرأ الكوفيون بضم الياء، وكذا ~~التي في يونس: # ربنا ليضلوا # [الآية:88] والباقون: بالفتح، وسيأتي لذلك نظائر في إبراهيم ~~وغيرها، والقراءتان واضحتان؛ فإنه يقال: ضل في نفسه، وأضل ~~غيره، فالمفعول محذوف على قراءة الكوفيين: وهي أبلغ في ~~الذم، فإنها تتضمن قبح فعلهم، حيث ضلوا في أنفسهم، ~~وأضلوا غيرهم؛ كقوله - تعالى -: # وأضلوا كثيرا وضلوا عن سوآء السبيل # [المائدة:77]. # قيل المراد به: عمرو بن لحي فمن دونه من المشركين الذين اتخذوا ~~البحائر والسوائب وقراءة الفتح لا تحوج إلى حذف، فرجحها ~~بعضهم بهذا وأيضا: فإنهم أجمعوا على الفتح في " ص " عند قوله: # إن الذين يضلون عن سبيل الله # [26]. # وقوله: " بأهوائهم " متعلق ب " يضلون " والباء سببية، ~~أي: بسبب اتباعهم أهواءهم، وشهواتهم. # وقوله: " بغير علم " متعلق بمحذوف، لأنه حال، أي: يضلون ~~مصاحبين للجهل أي: ملتبسين بغير علم. # فصل في المراد بالآية # قيل: المراد: عمرو بن لحي كما تقدم؛ لأنه أول من غير دين ~~إسماعيل. # وقال الزجاج: المراد منه الذين يحللون الميتة، ~~ويناظرونكم في إحلالها، ويحتجون عليها بقولهم لما أحل ما ~~تذبحونه أنتم، فبأن يحل ما يذبحه الله أولى، وكذلك كل ما ~~يضلون فيه من عبادة الأوثان، والطعن في نبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم وإنما يتبعون فيه الهوى والشهوة ms3694 [بغير علم, وهذه الآية ~~تدل على أن التقليد حرام؛ لأنه قول بمحض الهوى والشهوة] ثم ~~قال: { إن ربك هو أعلم بالمعتدين } أي: هو العالم بما في ~~ضمائرهم من التعدي، وطلب نصرة الباطل، والسعي في إخفاء ~~الحق، وإذا كان عالما بأحوالهم وقادرا على مجازاتهم فهو تعالى ~~يجازيهم عليها والمقصود منه التهديد والتخويف. ### || [6.120] # لما بين أنه فصل المحرمات، أتبعه بما يجب تركه ~~بالكلية، والمراد به: ما يوجب الإثم، وهي الذنونب كلها. # قال قتادة: المراد " بباطنه وظاهره " علانيته وسره. # وقال مجاهد: ظاهرة مما يعمله الإنسان بالجوارح من ~~الذنوب، وباطنه: ما ينويه ويقصده بقلبه؛ كالمصر على الذنب. # وقال الكلبي: ظاهره: الزنا، وباطنه المخالة، وأكثر ~~المفسرين على أن ظاهره: الإعلان بالزنا، وهم أصحاب ~~الرايات، وباطنه: الاستسرار، وكانت العرب يحبون الزنا، ~~وكان الشريف يستسر به، وغير الشريف لا يبالي به، فيظهره. # وقال سعيد بن جبير: ظاهر الإثم: نكاح المحارم، وباطنه الزنا. # وقال ابن زيد: ظاهره: التعري من الثياب في الطواف والباطن: ~~الزنا، وروى حيان عن الكلبي - رحمه الله - ظاهر الإثم: طواف ~~الرجال بالبيت نهارا عراة، وباطنه، طواف النساء ~~بالليل عراة. # وقيل هذا النهي عام في جميع المحرمات، وهو الأصح؛ لأن تخصيص ~~اللفظ العام بصورة معينة من غير دليل، غير جائز، ثم قال: { ~~إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا ~~يقترفون } والاقتراف: الاكتساب كما تقدم، وظاهر النص ~~يدل على أنه لا بد وأن يعاقب المذنب على الذنب، إلا أن ~~المسلمين أجمعوا على أنه إذا تاب، لم يعاقب، وأهل السنة ~~زادوا شرطا، وهو أنه - تبارك وتعالى - قد يعفو عن المذنب؛ ~~لقوله - تبارك وتعالى -: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء:48] الآية. ### || [6.121] # لما بين حل كل ما ذبح على اسم الله - تعالى - ذكر بعده ~~تحريم ما لم يذكر اسم الله عليه، ويدخل فيه الميتة، وما ~~ذبح على ذكر الأصنام. # قال عطاء: كل ما لم يذكر اسم الله عليه من طعام أو شراب، ~~فهو حرام؛ لعموم الآية: # وقال ابن عباس: الآية ms3695 الكريمة في تحريم الميتات وما في ~~معناها، ونقل عن عطاء الآية الكريمة، وفي تحريم الذبائح ~~التي كانوا يذبحونها على اسم الأصنام، واختلف العلماء - رضي ~~الله عنهم - في ذبيحة المسلم، إذا لم يذكر اسم الله عليه. # فذهب قوم إلى تحريمها سواء ترك التسمية عامدا أو ~~ناسيا، وهو قول ابن سيرين، والشعبي, وأحمد في رواية، وطائفة ~~من المتكلمين لظاهر الآية الكريمة. # وذه قوم إلى تحليلها، يروى ذلك عن ابن عباس، وهو قول ~~مالك، والشافعي، وأحمد في رواية. # وذهب قوم إلى أنه إن ترك التسمية عامدا، لم يحل، وإن تركها ~~سهوا، أحلت، وهو قول الثوري، وأصحاب الرأي، ومذهب أحمد. # ومن أباحها، قال: المراد من الآية الكريمة: وما ذبح على غير ~~اسم الله؛ لقوله: " وإن لفسق " والفسق في غير ذكر اسم الله؛ ~~كما قال في آخر السورة العظيمة: # قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه... # [الأنعام:145] إلى قوله # أو فسقا أهل لغير الله # [الأنعام:145] وأجمع المسلمون على أنه لا يفسق آكل ذبيحة ~~المسلم الذي ترك التسمية، وأيضا: وقوله - تعالى : { وإن ~~الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم ليجادلوكم } ~~وهذه المناظرة إنما كانت في مسألة الميتة على أن المشركين ~~قالوا للمسلمين: ما يقتله الصقر والكلب تأكلونه، وما ~~يقتله الله فلا تأكلونه، وعن ابن عباس: إنهم قالوا: تأكلون ~~ما تقتلونه، ولا تأكلون ما يقتله الله - تعالى -، وهذه ~~المناظرات مخصوصة بأكل الميتة، وقال - تبارك وتعالى -: { وإن ~~أطعتموهم إنكم لمشركون } وهذا مخصوص بما ذبح ~~على اسم النصب، يعني: لو رضيتم بهذه الذبيحة التي ذبحت ~~على اسم الهدية للأوثان، فقد رضيتم بإلهيتها فذلك يوجب ~~الشرك. # قال الشافعي: فأول الآية الكريمة، وإن كان عاما بحسب الصيغة، ~~إلا أن آخرها لما حصلت فيه هذه القيود الثلاثة، علمنا أن ~~المراد من العموم: الخصوص، و # " عن عائشة: رضي الله عنها - قالوا:يا رسول الله إن هنا أقواما ~~حديث عهدهم بشرك يأتوننا باللحم، لا يدرى يذكرون ~~اسم الله عليها أم لا، قال: " اذكروا أنتم اسم الله، وكلوا " # ولو كانت التسمية شرطا للإباحة، كان الشك ms3696 في وجودها ~~مانعا كالشك في أصل الذبح. # قوله: " وإنه لفسق " هذه الجملة فيها أربعة أوجه: # أحدها: أنها مستأنفة، قالوأ: ولا يجوز أن تكون منسوقة على ما ~~قبلها؛ لأن الأولى طلبية، وهي خبرية، وتسمى هذه الواو، ~~واو الاستئناف. # والثاني: أنها منسوقة على ما قبلها، ولا يبالى ~~بتخالفهما، وهو مذهب سيبويه، وقد تقدم تحقيق ذلك، [وقد ~~أوردت من ذلك شواهد صالحة من شعر وغيره]. # الثالث: أنها حالية، أي: " لا تأكلوه، الحال: أنه فسق " وقد ~~تبجح الإمام الرازي بهذا الوجه على الحنفية، حيث قلب ~~دليلهم عليهم بهذا الوجه، وذلك أنهم يمنعون من أكل متروك ~~التسمية، والشافعية لا يمنعون منه استدل عيهم الحنفية ~~بظاهر هذه الآية. # فقال الرازي: هذه الجملة حالية، ولا يجوز أن تكون معطوفة ~~لتخالفهما طلبا وخبرا، فتعين أن تكون حالية، وإذا كان ~~حالية، كان المعنى: " لا تكلوه حال كونه مفسقا " ، ثم هذا ~~الفسق مجمل قد فسره الله تعالى في موضع آخر, فقال: # أو فسقا أهل لغير الله به # [الأنعام:145] يعني: أنه إذا ذكر على الذبيحة غير اسم الله، ~~فإنه لا يجوز أكلها؛ لأنه فسق. # ونحن نقول به، ولا يلزم من ذلك أنه إذا لم يذكر اسم الله، ~~ولا اسم غيره، أن تكون حراما؛ لأنه ليس بالتفسير الذي ~~ذكرناه، والنزاع فيه محال من وجوه: # منها: أننا لا نسلم امتناع عطف الخبر على الطلب، ~~والعكس، كما قدمته عن سيبويه، وإن سلم، فالواو للاستئناف، ~~كما تقدم، وما بعدها مستأنف، وإن سلم أيضا، فلا نسلم أن " ~~فسقا " في الآية الأخرى مبين للفسق في هذه الآية، فإن هذا ليس ~~من باب المجمل والمبين؛ لأن له شروطا ليست موجودة ~~هنا. وهذا الذي قاله مشتمل من كلام الزمخشري: فإنه قال: # فإن قلت: قد ذهب جماعة من المجتهدين إلى جواز أكل ما لم ~~يذكر اسم الله عليه بنسيان أو عمد. # قلت: قد تأوله هؤلاء بالميتة، وبما ذكر غير اسم الله عليه؛ ~~كقوله: # أو فسقا أهل لغير الله به # [الأنعام:145] فهذا أصل ما ذكره ابن الخطيب وتبجح به والضمير في ms3697 ~~" أنه " يحتمل أن يعود على الأكل المدلول عليه ب " لا ~~تأكلوا " ، وأن يعود على الموصول، وفيه حينئذ تأويلان: # أن تجعل الموصول نفس الفسق مبالغة. # أو على حذف مضاف، أي: " وإن أكله لفسق " أو على الذكر ~~المفهوم من قوله: " ذكر " قال أبو حيان: " والضمير في " إنه ~~": يعوج على الأكل، قاله الزمخشري، واقتصر عليه ". # قال شهاب الدين - رحمه الله -: لم يقتصر عليه بل ذكر: أنه ~~يجوز أن يعود على الموصول، وذكر التأويلين المتقدمين، فقال: " ~~الضمير راجع على مصدر الفعل الداخل عليه حرف النهي، بمعنى: ~~وإن الأكل منه لفسق، أو على الموصول على أن أكله لفسق، أو ~~جعل ما لم يذكر اسم الله عليه في نفسه فسقا ". # قوله: { وإن الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم } من ~~المشركين ليخاصموا محمدا وأصحابه في أكل الميتة. # وقال عكرمة: المراد بالشياطين: مردة المجوس، ليوحون إلى ~~أوليائهم من مشركي قريش، وذلك لأنه لما نزل تحريم ~~الميتة، سمعه المجوس من أهل فارس، فكتبوا إلى قريش - وكانت ~~بينهم مكاتبة - أن محمدا وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون ~~أم الله - تعالى - ثم يزعمون أن ما يذبحونه حلالا، وما ~~يذبحه الله حرام فوقع في نفس ناس من المسلمين من ذلك، ~~فأنزل الله هذه الآية الكريمة. # قوله: { ليجادلوكم } متعلق ب " يوحون " أي: " يوحون لأجل ~~مجادلتكم " ، وأصل " يوحون " يوحيون؛ فأعل. # قوله: { وإن أطعتموهم } قيل: إن التوطئة للقسم، فلذلك ~~أجيب القسم المقدر بقوله: { إنكم لمشركون } وحذف جواب ~~الشرط؛ لسد جواب القسم مسده. # وجاز الحذف؛ لأن فعل الشرط ماض. # وقال أبو البقاء: حذف الفاء من جواب الشرط, وهو حسن إذا كان الشرط ~~بلفظ الماضي، وهو ههنا كذلك، وهو قوله: { وإن أطعتموهم }. # قال شهاب الدين: كأنه زعم: أن جواب الشرط هو الجملة من قوله: ~~{ إنكم لمشركون } والأصل: " فإنكم " بالفاء؛ لأنها جملة ~~اسمية، ثم حذفت الفاء؛ لكون فعل الشرط بلفظ المضي، ~~وهذا ليس بشيء؛ فإن القسم مقدر قبل الشرط ويدل على ذلك ~~حذف اللام الموطئة قبل " إن " الشرطية، وليس فعل ~~الشرط ماضيا؛ كقوله تعالى: # وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن # [الأعراف:23] فههنا ms3698 لا يمكنه أن يقول: إن الفاء محذوفة؛ لأن ~~فعل الشرط مضارع، وكأن أبا البقاء - والله أعلم - أخذ هذا من ~~الحوفي؛ فإني رأيته فيه كما ذكره أبو البقاء، ورده أبو ~~حيان بنحو ما تقدم. # فصل في معنى الآية # والمعنى: وإن أطعتموهم في استحلال الميتة، إنكم ~~لمشركون، وإنما سمي مشركا؛ لأنه أثبت حاكما سوى ~~الله، وهذا هو الشرك. # وقال الزجاج: وفيه دليل على أن كل من أحل شيئا مما ~~حرم الله، وحرم ما أحل الله، فهو مشرك. ### || [6.122] # لما ذكر تعالى في الآية الأولى؛ أن المشركين يجادلون ~~المؤمنين في دين الله - تعالى - ذكر مثلا يدل على حال المؤمن ~~المهتدي، وعلى حال الكافر الضال فبين أن المؤمن بمنزلة من ~~كان ميتا؛ فجعل حيا بعد ذلك، وأعطي نورا يهتدي به في ~~مصالحه، وأن الكافر بمنزلة المنغمس في ظلمات لا ~~خلاص له منها، فيكون متحيرا دائما. # قوله: { أو من كان } تقدم أن الهمزة يجوز أن تكون مقدمة ~~على حرف العطف، وهو رأي الجمهور، وأن تكون على حالها وبينها ~~وبين فعل مضمر، و " من " في محل رفع بالابتداء، و " كمن " ~~خبره، وهي موصولة، و " يمشي " في محل نصب صفة ل " نورا ~~". # قال قتادة: أراد ب " النور ": كتاب الله - تعالى - بينه مع ~~المؤمن، بها يعمل، وبها يأخذ، وإليها ينتهي، و " مثله " ~~مبتدأ و " في الظلمات ": خبره، والجملة صلة " من " و ~~" من " مجرورة بالكاف, والكف ومجرورها كما تقدم في محل ~~رفع خبرا ل " من " الأولى و " ليس بخارج " في محل نصب على ~~الحال من الموصول، أي: " مثل الذي استقر في الظلمات حال ~~كونه مقيما فيها ". # وقال أبو البقاء: " ليس بخارج في موضع الحال من الضمير في ~~" منها " ولا يجوز أن يكون حالا من الهاء في " مثله " للفصل ~~بينه وبين الحال بالخبر ". # وجعل مكي الجملة حالا من الضمير المستكن في " ~~الظلمات " وقرأ طلحة بن مصرف: " أفمن كان " بالفاء بدل ~~الواو. # فصل في المراد بالآية # اختلفوا في هذه الآية الكريمة على قولين: # أحدهما: أنها نزلت في رجلين بأعيانهما. # قال ابن ms3699 عباس - رضي الله عنهما -: { جعلنا له نورا } يريد: ~~حمزة بن عبد المطلب، { كمن مثله في الظلمات } يريد: ~~أبا جهل بن هشام، وذلك أن أبا جهل رمى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بفرث، فأخبر حمزة بما فعل أبو جهل وهو راجع من ~~قدومه من صيد، وبيده قوس وحمزة لم يؤمن بعد، فأقبل ~~غضبانا حتى علا أبا جهل بالقوس، وهو يتضرع إليه، ويقول: ~~أبا يعلى، أما ترى ما جاء به، سفه عقولنا، وسب آلهتنا، وخالف ~~آباءنا، فقال حمزة: ومن أسفه منكم، تعبدون الحجارة من دون ~~الله؛ أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله، فأنزل الله الآية. # وقال الضحاك: نزلت في عمر بن الخطاب، وأبي جهل. # وقال عكرمة، والكلبي: نزلت في عمار بن ياسر، وأبي جهل. # وقال مقاتل: نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وأبي جهل، ~~وذلك أنه قال: زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف، حتى إذا صرنا ~~كفرسي رهان قالوا: منا يوحى إليه، والله لا نؤمن به إلا أن ~~يأتينا وحي كما يأتيه، فنزلت الآية الكريمة. # القول الثاني: أن هذه الآية الكريمة عامة في حق المؤمنين ~~والكافرين، وهذا هو الحق؛ لأن تخصيص العام بغير دليل ~~تحكم؛ وأيضا: فلقولهم إن السورة نزلت دفعة واحدة، فالقول ~~بأن سبب هذه الآية الكريمة المعينة كذا وكذا مشكل. # قوله: " كذلك زين " نعت لمصدر، فقدره بعضهم: " زين ~~للكافرين تزيينا كما أحيينا المؤمنين " وقدره آخرون: " زين ~~للكافرين تزيينا لكون الكافرين في ظلمات مقيمين فيها " ~~والفاعل المحذوف من " زين " المنوب عنه هو الله - تعالى - ~~ويجوز أن يكون الشيطان، وقد صرح بكل من الفاعلين مع ~~لفظ " زين " ، قال - تعالى -: # زينا لهم أعمالهم # [النمل:4]، وقال - تعالى -: # وزين لهم الشيطان أعمالهم # [العنكبوت:38] و { ما كانوا يعملون }: هو القائم مقام ~~الفاعل، و " ما " يجوز أن تكون موصولة اسمية أو حرفية أو ~~نكرة موصوفة والعائد على القول الأول والثالث محذوف، دون الثاني ~~عند الجمهور، على ما عرف غير مرة. # وقال الزجاج: " موضع الكاف رفع، والمعنى: مثل ذلك الذي قصصنا ~~عليك، ms3700 زين للكافرين أعمالهم ". # فصل في بيان خلق الأفعال # دلت هذه الآية الكريمة على أن الكفر، والإيمان من الله تعالى؛ لأن ~~قوله " فأحييناه " وقوله: { وجعلنا له نورا يمشي به ~~في الناس } كناية عن المعرفة، والهدى؛ وذلك يدل على أن هذه ~~الأمور من الله - تبارك وتعالى - والدلائل العقلية ساعدت على ~~صحته، وهو دليل الداعي المتقدم. # وأيضا فالعاقل لا يختار الجهل، والكفر لنفسه؛ فمن المحال أن يختار ~~الإنسان جعل نفسه كافرا جاهلا، فلما قصد لتحصيل الإيمان ~~والمعرفة، ولم يحصل له ذلك، وإنما حصل ضده، وهو: الكفر، ~~والجهل؛ علمنا أن ذلك بإيجاد غيره. # فإن قيل: إنما اختاره لاعتقاده في ذلك الجهل، أنه علم. # فالجواب: أن حاصل هذا الكلام أنه إنما اختار هذا الجهل لسابقة ~~جهل آخر، والكلام في ذلك الجهل السابق كذلك إلى غير نهاية، ~~فوجب الانتهاء إلى جهل يحصل فيه لا بإيجاده، وهو المطلوب. ### || [6.123] # قيل " كذلك " نسق على " كذلك " قبلها ففيها ما فيها. # وقدره الزمخشري بأن معناه: " وكما جعلنا في مكة ~~المشرفة صناديدها ليمكروا فيها, كذلك جعلنا في كل قرية ~~أكابر مجرميها " واللام في " ليمكروا " يجوز أن تكون للعاقبة؛ ~~وأن تكون للعلة مجازا، و " جعل " تصييرية، فتتعدى ~~لاثنين، واختلف في تقديرهما: والصحيح أن تكون { في كل ~~قرية } مفعولا ثاينا قدم على الأول، والأول " أكابر " ~~مضافا لمجرميها. # الثاني: أن { في كل قرية } مفعول - أيضا - مقدم، و " ~~أكابر " هو الأول، و " مجرميها " بدل من " أكابر "؛ ذكر ذلك ~~أبو البقاء. # الثالث: أن يكون " أكابر " مفعولا ثانيا قدم، و " مجرميها " ~~مفعول أول أخر، والتقدير: جعلنا في كل قرية مجرميها ~~أكابر، فيتعلق الجار بنفس الفعل قبله؛ ذكر ذلك ابن عطية. # قال أبو حيان: " وما أجازاه - يعني: أبا البقاء، وابن ~~عطية - خطأ وذهول عن قاعدة نحوية، وهي أن أفعل التفضيل ~~إذا كانت ب " من " ملفوظا بها، أو مقدرة، أو مضافة إلى نكرة ~~كانت مفردة على كل حال، سواء كانت لمذكر، أم مؤنث، مفرد أم ~~مثنى أم مجموع، وإذا ثنيت أو جمعت أو أنثت وطابقت ~~ما هي له، لزمها ms3701 أحد أمرين: إما الألف واللام، وإما الإضافة ~~لمعرفة. # وإذا تقرر ذلك، فالقول بكون " مجرميها " بدلا، أو بكونه ~~مفعولا أول، و " أكابر " مفعول ثان - خطأ؛ لاستلزام أن يبقى " ~~أكابر " مجموعا وليست في ألف ولام، ولا هي مضافة لمعرفة ~~". قال: " وقد تنبه الكرماني إلى هذه القاعدة فقال: أضاف " ~~أكابر " إلى " مجرميها " لأن أفعل لا يجمع إلا مع الألف ~~واللام، أو مع الإضافة ". # قال أبو حيان: " وكان ينبغي أن يقيد بالإضافة إلى معرفة ". # قال شهاب الدين: أما هذه القاعدة فمسلمة، ولكن قد ذكر مكي مثل ~~ما ذكر عن ابن عطية سواء، وما أظنه أخذ إلا منه، وكذلك ~~الواحدي أيضا، ومنع أن تجوز إضافة " أكابر " إلى مجرميها "؛ قال ~~رحمه الله: " والآية على التقديم، والتأخير تقديره: " جعلناه ~~مجرميها أكابر " ولا يجوز أن تكون الأكابر مضافة؛ لأنه لا يتم ~~المعنى، ويحتاج إلى إضمار المفعول الثاني للجعل؛ لأنك إذا قلت: " جعلت ~~زيدا " وسكت لم يفد الكلام حتى تقول: رئيسا أو دليلا، أو ~~ما أشبه ذلك، ولأنك إذا أضفت الأكابر، فقد أضفت النعت إلى ~~المنعوت؛ وذلك لا يجوز عند البصريين ". # قال شهاب الدين: هذان الوجهان اللذان رد بهما الواحدي ليسا ~~بشيء. # أما الأول فلا نسلم أنا نضمر المفعول الثاني، وأنه يصير ~~الكلام غير مفيد، وأما ما أورده من الأمثلة، فليس ~~مطابقا؛ لأنا نقول: إن المفعول الثاني - هنا - مذكور مصرح ~~به، وهو الجار والمجرور السابق. # وأما الثاني: فلا نسلم أنه من باب إضافة الصفة لموصوفها؛ لأن ~~المجرمين أكابر وأصاغر, فأضاف للبيان لا لقصد الوصف. # الرابع: أن المفعول الثاني محذوف، قالوا: وتقديره: " جعلنا في ~~كل قرية أكابر مجرميها فساقا ليمكروا " وهذا ليس ~~بشيء؛ لأنه لا يحذف شيء إلا لدليل، والدليل على ما ذكروه غير ~~واضح. # وقال ابن عطية: " ويقال أكابرة كما يقال أحمر وأحامرة "؛ قال ~~الشاعر: [الكامل] # 2303 - إن الأحامرة الثلاثة أتلفت # مالي وكنت بهن قدما مولعا # قال ابو حيان: " ولا أعلم أحدا أجاز في جمع أفضل أفاضلة، بل ~~نص النحويون على أن: أفعل التفضيل يجمع للمذكر على ~~الأفضلين، أو ms3702 على الأفاضل ". # قال شهاب الدين: وهذه التاء يذكرها النحويون أنها تكون دالة على ~~النسب في مثل هذه البنية، قالوا: الأزارقة، والأشاعثة، وفي ~~الأزرق ورهطه، والأشعث وبنيه، وليس بقياس، وليس هذا من ذلك في ~~شيء. # والجمهور على " أكابر " جمعا. # وقرأ ابن مسلم: " أكبر مجرميها " بالإفراد، وهو جائز، وذلك ~~أن أفعل التفضيل إذا أضيفت لمعرفة وأريد بها غير الإفراد، ~~والتذكير؛ جاز أن يطابق، كالقراءة المشهورة هنا، وفي الحديث: " ~~أحاسنكم أخلاقا " وجاز أن يفرد، وقد أجمع على ذلك في قوله: # ولتجدنهم أحرص الناس # [البقرة:96]. # فصل # قال الزجاج: إنما جعل المجرمين أكابر لأنهم لأجل رياستهم أقدر على ~~المكر [والغدر]، وترويج الأباطيل على الناس من غيرهم، ولأن كثرة ~~المال، والجاه تحمل الناس على المبالغة في حفظها, وذلك الحفظ لا ~~يتم إلا بجميع الأخلاق الذميمة: من الغدر، والمكر، ~~والكذب، والغيبة، والنميمة، والأيمان الكاذبة، ولو لم يكن ~~للمال والجاه سوى أن الله - تبارك وتعالى - وصف بهذه الصفات ~~الذميمة من كان له مال وجاه لكفى ذلك دليلا على خساسة المال ~~والجاه. # قوله: { وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون }. # والمراد ما ذكره الله تعالى في قوله: # ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله # [فاطر:43]. # واعلم أن سنة الله [- تبارك و] تعالى - أنه يجعل في كل قرية ~~اتباع الرسل ضعافهم لقوله في قصة نوح - عليه الصلاة والسلام -: # أنؤمن لك واتبعك الأرذلون # [الشعراء:111] وجعل فساقهم أكابرهم ليمكروا فيها، وذلك أنهم أجلسوا ~~في كل طريق من طرق مكة [المشرفة] أربعة نفر ~~ليصرفوا الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم يقولون ~~لكل من يقدم: إياكم وهذا الرجل، فإنه كاهن، ساحر، كذاب. # وقوله: { وما يمكرون إلا بأنفسهم } [لأن وبال ~~مكرهم عليهم وهم ما يشعرون أنه كذلك. # قال المعتزلة: { وما يمكرون إلا بأنفسهم } ] مذكور في ~~معرض التهديد، والزجر، فلو كان ما قبل هذه الآية الكريمة، يدل ~~على أنه تعالى أراد منهم أن يمكروا بالناس - فكيف يليق ~~بالرحيم الحكيم أن يريد منهم المكر، ويخلقه فيهم، ثم ~~يهددهم عليه، ويعاقبهم أشد العقاب، ومعارضتهم تقدمت ~~مرارا. ### || [6.124] # قال ms3703 المفسرون: إن الوليد بن المغيرة قال: والله لو كانت ~~النبوة حقا لكنت أولى بها منك؛ لأني أكبر منك سنا، وأكثر ~~منك مالا، وولدا؛ فنزلت الآية الكريمة. # وقال الضحاك: أراد كل واحد منهم أن يخص بالوحي، والرسالة؛ ~~كما أخبر تعالى عنهم: # بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفا ~~منشرة # [المدثر:52] فظاهر هذه الآية الكريمة التي نحن في تفسيرها يدل على ~~ذلك أيضا، وهذا يدل على أن جماعة منهم كانوا يقولون هذا ~~الكلام. # وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل؛ وذلك أنه قال: زاحمنا ~~بنو عبد مناف في الشرف؛ حتى إذا صرنا كفرسي رهان، قالوا ~~منا نبي يوحى إليه، والله لن نؤمن به، ولن نتبعه ~~أبدا؛ إلا أن يأتينا وحي، كما يأتيه؛ فأنزل الله - تبارك ~~وتعالى - الآية. # وقوله: { لن نؤمن حتى نؤتى مثل مآ أوتي رسل ~~الله }. # فيه قولان: # أشهرهما: أن القوم أرادوا أن تحصل لهم النبوة، والرسالة، كما ~~حصلت لمحمد صلى الله عليه وسلم وأن يكونوا متبوعين لا ~~تابعين. # والوقول الثاني: نقل عن الحسن، وابن عباس أن المعنى: وإذا جاءتهم ~~آية من القرآن تأمرهم باتباع النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: # لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا # [الإسراء:90] إلى قوله: # حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه # [الإسراء:93] من الله - عز وجل - إلى أبي جهل، وإلى فلان ~~وفلان، كتابا على حدة؛ وعلى هذا فالتقدير ما طلبوا النبوة وإنما ~~طلبوا أن يأتيهم بآيات قاهرة مثل معجزات الأنبياء ~~المتقدمين؛ كي تدل على صحة نبوة محمد - عليه الصلاة والسلام -. # قال المحققون: والأول أقوى لأن قوله تبارك وتعالى: { الله ~~أعلم حيث يجعل رسالته } لا يليق إلا بالقول ~~الأول. # وقوله: { الله أعلم حيث يجعل رسالته } فيه تنبيه ~~على أن أقل ما لا بد منه في حصول النبوة، والرسالة؛ ~~البراءة عن المكر، والخديعة، والغدر، والغل، والحسد وقولهم ~~{ لن نؤمن حتى نؤتى مثل مآ أوتي رسل الله } ~~عين المكر، والغل والحسد؛ فكيف تحصل النبوة، والرسالة مع هذه الصفات ~~الذميمة؟. # قوله تعالى: { الله أعلم حيث يجعل رسالته }. # في ms3704 " حيث " هذه وجهان: # أحدهما: أنها خرجت عن الظرفية، وصارت مفعولا بها على ~~السعة، وليس العامل " أعلم " هذه؛ لما تقدم من أن أفعل ~~لا تنصب المفعول به. # قال أبو علي: " لا يجوز أن يكون العامل في " حيث ": " ~~أعلم " هذه الظاهرة, ولا يجوز أن تكون " خيث ظرفا؛ لأنه يصير ~~التقدير: " الله أعلم في هذا الموضع " ولا يوصف الله تعالى بأنه ~~أعلم في مواضع, وأوقات؛ لأن علمه لا يختلف باختلاف الأمكنة, ~~والأزمنة, وإذا كان كذلك, كان العامل في " حيث " يدل عليه " ~~أعلم " و " حيث " لا يكون ظرفا، بل يكون اسما، وانتصابه ~~على المفعول به على الاتساع, ومثل ذلك في انتصاب " حيث " على ~~المفعول به اتساعا قول الشماخ: [الطويل] # 2304- وحلأها عن ذي الأراكة عامر # أخو الخضر يرمي حيث تكوى النواجز # ف " حيث " مفعولة، لأنه ليس يريد أنه يرمي شيئا حيث تكون ~~النواجز، إنما يريد أنه يرمي ذلك الموضع ". وتبع الناس الفارسي على ~~هذا القول. # فقال الحوفي: " ليست ظرفا؛ لأنه تعالى لا يكون في مكان ~~أعلم منه في مكان آخر، وإذا لم تكن ظرفا، كان مفعولا بها؛ على ~~السعة، وإذا كانت مفعولا، لم يعمل فيها " أعلم "؛ لأن " ~~أعلم " لا يعمل في المفعول به فيقدر لها فعل " وعبارة ابن ~~عطية، وأبي البقاء نحو من هذا. # وأخذ التبريزي كلام الفارسي [فنقله]، وأنشد البيت المتقدم. # والثاني: أنها باقية على ظرفيتها بطريق المجاز، وهذا القول ~~ليس بشيء، ولكن أجازه أبو حيان مختارا له على ما تقدم. # فقال: " وما أجازوه من أنه مفعول به على السعة أو مفعول به على ~~غير السعة - تأباه قواعد النحو؛ لأن النحويين نصوا على ~~أن " حيث " من الظروف التي لا تتصرف، وشذ إضافة " لدى " ~~إليها، وجرها " بالياء " ، وب " في " ، ونصوا على أن الظرف ~~المتوسع فيه لا يكون إلا متصرفا، وإذا كان كذلك، امتنع نصب " ~~حيث " على المفعول به، لا على السعة، ولا على غيرها. # والذي يظهر لي إقرار " حيث " على الظرفية المجازية، على ~~أن يضمن " أعلم " معنى ما يتعدى إلى الظرف، فيكون ~~التقدير: " الله أنفذ ms3705 علما حيث يجعل رسالاته " أي: " هو ~~نافذ العلم في الموضع الذي يجعل فيه رسالاته، والظرف هنا مجاز كما ~~قلنا ". # قال شهاب الدين: قد ترك ما قاله الجمهور، وتتابعوا عليه، وتأول ~~شيئا هو أعظم مما فر منه الجمهور، وذلك أنه يلزمه على ما ~~قدر أن علم الله في نفسه يتفاوت بالنسبة إلى الأمكنة، ~~فيكون في مكان أبعد منه في مكان، ودعواه مجاز الظرفية لا ~~ينفعه؛ فيما ذكرته من الإشكال، وكيف يقال مثل هذا؟ وقوله: " ~~نص النحاة على عدم تصرفها " هذا معارض - أيضا - بأنهم نصا على ~~أنها قد تتصرف بغير ما ذكر هو من كونها مجرورة ب " لدى " أو " ~~إلى " أو " في " فمنه: أنها جاءت اسما ل " إن " في قوله الشاعر: ~~[الخفيف] # 2305- إن حيث استقر من أنت راجي # ه حمى فيه عزة وأمان # ف " حيث " اسم " إن " ، و " حمى " خبرها، أي: إن مكانا ~~استقر من أنت راعية مكان يحمى فيه العز والأمان ومن مجيئها ~~مجرورة ب " إلى " قول القائل في ذلك: [الطويل] # 2306- فشد ولم ينظر بيوتا كثيرة # إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم # وقد يجاب عن الإشكال الذي أوردته عليه، بأنه لم يرد بقوله " ~~أنفذ علما " التفضيل، وإن كان هو الظاهر بل يريد مجرد ~~الوصف؛ ويدل على ذلك قوله: أي هو نافذ العلم في الموضع الذي ~~يجعل فيه رسالاته، ولكن كان ينبغي أن يصرح بذلك، فيقول: ~~وليس المراد التفضيل. # وروي " حيث يجعل " بفتح الثاء، وفيها احتمالان: # أحدهما: أنها فتحة بناء؛ طردا للباب. # والثاني: أنها فتحة إعراب؛ لأنها معربة في لغة بني فقعس، حكاها ~~الكسائي. # [وفي " حيث " ست لغات: حيث: بالياء بتثليث الثاء، ~~وحوث: بالواو، مع تثليث الثاء]. # وقرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم " رسالته " بالإفراد، والباقون: " ~~رسالاته " بالجمع، وقد تقدم توجيه ذلك في المائدة؛ إلا أن بعض ~~من قرأ هناك بالجمع - وهوحفص - قرأ هنا بالإفراد، وبعض من ~~قرأ هناك بالإفراد - وهو أبو عمرو، والأخوان، وأبو بكر، عن ~~عاصم - قرأ هنا بالجمع، ومعنى الكلام: " الله أعلم بمن هو أحق ~~بالرسالة ". # قوله: { سيصيب الذين ms3706 أجرموا صغار عند الله } ~~قيل: المراد بالصغار ذل وهوان يحصل لهم في الآخرة. # وقيل: الصغار في الدنيا، وعذاب شديد في الآخرة. # قوله: " عند الله " يجوز أن ينتصب ب " يصيب " ويجوز أن ~~ينتصب ب " صغار "؛ لأنه مصدر، وأجازوا أن يكون صفة ل " صغار "؛ ~~فيتعلق بمحذوف، وقدره الزجاج فقال: " ثابت عن الله تعالى ". # والصغار: الذل والهوان، يقال منه: صغر يصغر صغرا وصغرا ~~وصغارا, فهو صاغر. # وأما ضد الكبر فيقل منه: صغر يصغر صغرا فهو صغير، ~~هذا قول الليث، فوقع الفرق بين المعنيين بالمصدر، والفعل. # وقال غيره: إنه يقال: صغر، وصغر من الذل. # والعندية هنا: مجاز عن حشرهم يوم القيامة، أو عن حكمه ~~وقضائه بذلك؛ كقولك: ثبت عند فلان القاضي، أي: في حكمه، ولذلك ~~قدم الصغار على العذاب؛ لأنه يصيبهم في الدنيا. # و " بما كانوا " الباء للسببية أي: إنما يصيبهم ذلك بسبب مكرهم، ~~وكيدهم، وحسدهم و " ما " مصدرية، ويجوز أن تكون بمعنى الذي. ### || [6.125] # قال المفسرون: لما نزلت هذه، # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شرح الصدر، قال: " نور ~~يقذفه الله - تعالى - في قلب المؤمن، فينشرح له ~~وينفسح " قيل: فهل لذلك أمارة. قال: " نعم، الإنابة إلى ~~دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت ~~قبل نزوله " ". # قوله: { فمن يرد الله أن يهديه } كقوله: # من يشإ الله يضلله # [الأنعام:39] و " من " يجوز أن تكون مرفوعة بالابتداء، وأن ~~تكون منصوبة بمقدر بعدها على الاشتغال، أي: من يوفق ~~الله يرد أن يهديه، وأن تكون منصوبة بمقدر بعدها ~~على الاشتغال، أي: من يوفق الله يرد أن يهديه، و " ~~أن يهديه " مفعول الإرادة، والشرح: البسط والسعة، ~~قاله الليث. # وقال ابن قتيبة: " هو الفتح, ومنه: شرحت اللحم، أي: ~~فتحته " وشرح الكلام: بسطه وفتح مغلقه، وهو استعارة في ~~المعاني، حقيقة في الأعيان. و " للإسلام " أي: لقبوله. # قوله: { ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ~~}. # يجوز أن يكون الجعل هنا بمعنى التصيير، وأن يكون بمعنى ~~الخلق، وأن يكون يمعنى سمى، وهذا الثالث ذهب إليه المعتزلة، ~~كالفارسي وغيره من ms3707 معتزلة النحاة؛ لأن الله - تعالى - لا ~~يصير ولا يخلق أحدا كذا، فعلى الأول يكون " ضيقا " ~~مفعولا ثانيا عند من شدد ياءه، وهم العامة غير ابن ~~كثير، وكذلك عند من خففها ساكنة، ويكون فيه لغتان: ~~التثقيل والتخفيف؛ كميت وميت، وهين وهين. # وقيل: المخفف مصدر ضاق يضيق ضيقا، كقوله - تعالى -: # ولا تك في ضيق # [النحل:127]، يقال: ضاق يضيق وضيقا بفتح الضاد وكسرها. # وبالكسر قرأ ابن كثير في النحل والنمل، فعلى جعله مصدرا يجيء ~~فيه الأوجه الثلاثة في المصدر الواقع وصفا ل " جثة " ، نحو: " ~~رجل عدل " وهي حذف مضاف، والمبالغة، أو وقوعه موقع ~~اسم الفاعل، أي: يجعل صدره ذا ضيق، أو ضائقا، أو نفس الضيق؛ ~~مبالغة، والذي يظهر من قراءة ابن كثير: أنه عنده اسم صفة ~~مخفف من " فيعل " وذلك أنه استغرب قراءته في مصدر هذا ~~الفعل، دون الفتح في سورة النحل والنمل، فلو كان هذا ~~عنده مصدرا، لكان الظاهر في قراءته الكسر كالموضعين ~~المشار إليهما، وهذا من محاسن علم النحو والقراءات، والخلاف ~~الجاري هنا جار في الفرقان. # وقال الكسائي: " الضيق بالتشديد في الأجرام، وبالتخفيف في ~~المعاني ". # ووزن ضيق: " فيعل " كميت وسيد عند جمهور النحويين ثم ~~أدغم، ويجوز تخفيفه كما تقدم تحريره. # قال الفارسي: " والياء مثل الواو في الحذف وإن لم تعتل ~~بالقلب كما اعتلت الواو، أتبعت الياء الواو في هذا؛ كما ~~أتبعت في قولهم: " أتسر " من اليسر، فجعلت بمنزلة اتعد ". # وقال ابن الأنباري: " الذي يثقل الياء يقول: وزنه من الفعل ~~" فعيل " والأصل فيه ضييق على مثال كريم " و " نبيل " فجعلوا ~~الياء الأولى ألفا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها من حيث ~~أعلوا ضاق يضيق، ثم أسقطوا الألف بسكونها وسكون ياء " ~~فعيل " فأشفقوا من أن يلتبس " فعيل " ب " فعل " فزادوا ~~ياء على الياء ليكمل بها بناء الحرف، ويقع فيها فرق بين " ~~فعيل " و " فعل ". # والذين خففوا الياء قالوا: " أمن اللبس؛ لأنه قد عرف ~~أصل هذا الحرف، فالثقة بمعرفته مانعة من اللبس ". # وقال البصريون [وزنه من الفعل " فيعل " ، فأدغمت الياء في ~~التي بعدها، فشدد ثم جاء ms3708 التخفيف، قال: وقد رد ~~الفراء وأصحابه هذا على البصريين] وقالوا: " لا يعرف في ~~كلام العرب اسم على وزن " فيعل " يعنون: بكسر العين، إنما ~~يعرف " فيعل " يعنون: بفتحها، نحو: " صيقل " و " هيكل " فمتى ~~ادعى مدع في اسم معتل ما لا يعرف في السالم، كانت ~~دعواه مردودة " وقد تقدم تحرير هذه الأقوال عند قوله - ~~تبارك وتعالى -: # أو كصيب # [البقرة:19] فليراجع ثمة. # وإذا قلنا: إنه مخفف من المشدد؛ فهل المحذوف الياء ~~الأولى أو الثانية " خلاف مرت له نظائره. # وإذا كانت " يجعل " بمعنى: يخلق، فيكون " ضيقا " حالا، وإن ~~كانت بمعنى " سمى " ، كانت مفعولا ثانيا، والكلام عليه ~~بالنسبة إلى التشديد والتخفيف، وتقدير المعاني كالكلام ~~عليه أولا. # و " حرجا " و " حرجا " بفتح الراء وكسرها: هو المتزايد في ~~الضيق، فهو أخص من الأول، فكل حرج من غير عكس، وعلى هذا ~~فالمفتوح والمكسور بمعنى واحد، يقال " رجل حرج وحرج " ~~قال الشاعر: [الرجز] # 2307- لا حرج الصدر ولا عنيف # قال الفراء - رحمه الله -: هو في كسره ونصبه بمنزلة " الوحد ~~" و " الوحد " ، و " الفرد " و " الفرد " و " الدنف " و " ~~الدنف ". # وفرق الزجاج والفارسي بينهما فقالا: " المفتوح مصدر، ~~والمكسور اسم فاعل ". # قال الزجاج: " الحرج أضيق الضيق، فمن قال: رجل ~~حرج - يعني بالفتح - فمعناه: ذو حرج في صدره، ومن قال ~~حرج - يعني بالكسر - جعله فاعلا، وكذلك دنف ودنف ". # وقال الفارسي: " من فتح الراء، كان وصفا بالمصدر، نحو: قمن ~~وحرى ودنف، ونحو ذلك من المصادر التي يوصف بها، ولا تكون " ~~كبطل " لأن اسم الفاعل في الأمر العام إنما على فعل ". # ومن قرأ " حرجا " - يعني بكسر الراء - فهو مثل " دنف وفرق ~~بكسر العين ". # وقيل: " الحرج " بالفتح جمع حرجة؛ كقصبة وقصب، والمكسور ~~صفة؛ كدنف وأصل المادة من التشابك وشدة التضايق، فإن ~~الحرجة غيضة من شجر السلم ملتفة لا يقدر أحد أن يصل ~~إليها. # قال العجاج: [الرجز] # 2308 - عاين حيا كالحراج نعمه # الحراج: جمع حرج، وحرج جمع حرجة، ومن غريب ما يحكى: أن ~~ابن عباس قرأ هذه الآية، فقال: هل هنا أحد من بني بكر؟ ~~فقال رجل: ms3709 نعم، قال: ما الحرجة فيكم؟ قال: الوادي الكثير ~~الشجر المستمسك؛ الذي لا طريق فيه. فقال ابن عباس: " ~~فهكذا قلب الكافر " هذه رواية عبيد بن عمير. وقد حكى ~~أبو الصلت الثقفي هذه الحكاية بأطول من هذا، عن عمر ~~بن الخطاب، فقال: قرأ عمر بن الخطاب هذه الآية فقال: " ابغوني ~~رجلا من بني كنانة، واجعلوه راعيا " فأتوه به، فقال له ~~عمر: " يا فتى ما الحرجة فيكم "؟ قال: " الحرجة فينا ~~الشجرة تحدق بها الأشجار فلا تصل إليها راعية ولا ~~وحشية ". فقال عمر - رضي الله عنه -: " وكذلك قلب الكافر لا ~~يصل إليه شيء من الخير ". # وبعضهم يحكي هذه الكاية عن عمر - رضي الله عنه - كالمنتصر لمن ~~قرأ بالكسر قال: قرأها بعض أصحاب عمر له بالكسر، فقال: " ~~ابغوني رجلا من كنانة راعيا، وليكن من بني مدلج ". فأتوه ~~به، فقال: " يا فتى، ما الحرجة تكون عندكم "؟ فقال: " شجرة ~~تكون بين الأشجار لا يصل إليها راعية ولا وحشية ". ~~فقال: كذلك قلب الكافر، لا يصل إليه شيء [من الخير]. # قال أبو حيان: " وهذا تنبيه - والله أعلم - على اشتقاق الفعل ~~من اسم العين " كاستنوق واستحجر ". # قال شهاب الدين: ليس هذا من باب استنوق واستحجر في شيء؛ ~~لأن هذا معنى مستقل، ومادة مستقلة متصرفة، نحو: " ~~حرج يحرج فهو حرج وحارج " بخلاف تيك الألفاظ، فإن ~~معناها يضطر فيه إلى الأخذ من الأسماء الجامدة، فإن معنى ~~قولك: استنوق الجمل، أي: " صار كالناقة " ، واستحجر الطين, ~~أي: " صار كاحجر " , وليس لنا مادة متصرفة إلى صيغ الأفعال من ~~لفظ الحجر والناقة، وأنت إذا قلت: حرج صدره ليس ~~بك ضرورة أن تقول: " صار كالحرجة " بل معناه: " تزايد ~~ضيقه " ، وأما تشبيه عمر بن الخطاب، فلإبرازه المعاني في ~~قوالب الأعيان؛ مبالغة في البيان. # وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم: " حرجا " بكسر الراء والباقون: بفتحها ~~وقد عرفا، فأما على قراءة الفتح، فإن كان مصدرا، جاءت فيه ~~الأوجه الثلاثة المتقدمة في نظائره، وإن جعل صفة فلا ~~تأويل. # ونصبه على القراءتين: إما على كونه نعتا ل " ضيقا " ، ~~وإما على كونه مفعولا ms3710 به تعدد، وذلك أن الأفعال ~~النواسخ إذا دخلت على مبتدأ وخبر، كان الخبران على حالهما، ~~فكما يجوز تعدد الخبر مطلقا أو بتأويل في المبتدأ والخبر ~~الصريحين، كذلك في المنسوخين حين تقول: " زيد كاتب ~~شاعر فقيه " ثم تقول: ظننت زيدا كاتبا شاعرا فقيها، ~~فتقول: " زيدا " مفعول أول، " كاتبا " مفعول ثان، " ~~شاعرا " مفعول ثالث، " فقيها " مفعول رابع؛ كما تقول: خبر ~~ثان وثالث ورابع ولا يلزم من هذا أن يتعدى الفعل لثلاثة ولا ~~أربعة؛ لأن ذلك بالنسبة إلى تعدد الألفاظ، فليس هذا ~~كقولك في: أعلمت زيدا عمرا فاضلا، إذ المفعول الثالث هناك ~~ليس متكررا لشيء واحد؛ وإنما بينت هذا لأن بعض ~~الناس وهم في فهمه، وقد ظهر لك مما تقدم أن قوله: " ضيقا ~~حرجا " ليس في تكرار. # وقال مكي: " ومعنى حرج - يعني بالكسر- كمعنى ضيق، كرر ~~لاختلاف لفظه للتأكيد ". # قال شهاب الدين: إنما يكون للتأكيد حيث لم يظهر بينها فارق ~~فتقول: كرر لاختلاف اللفظ؛ كقوله: # صلوات من ربهم ورحمة # [البقرة:157] وكقوله: [الوافر] # 2309-................... # وألقى قولها كذبا ومينا # وقوله: [الطويل] # 2310-.................... # وهند أتى من دونها النأي والبعد # وأما هنا فقد تقدم الفرق بالعموم والخصوص أو غير ذلك. # وقال أبو البقاء: " وقيل: هو جمع " حرجة " مثل قصبة وقصب، ~~والهاء فيه للمبالغة ". # قال شهاب الدين: " ولا أدري كيف توهم كون هذه الهاء الدالة ~~على الوحدة في مفرد أسماء الأجناس؛ كثمرة وبرة ونبقة ~~للمبالغة، كهي في راوية ونسابة وفروقة؟ # فصل في الدلالة من الآية # تمسك أهل السنة بهذه الآية الكريمة في أن الهداية والضلال ~~من الله - تعالى -؛ لأن لفظها يدل على المسألة، ويدل على ~~الدليل العقلي المقتدم في المسألة وهو العلم والداعي، ~~وبيانه أن العبد قادر على الإيمان والكفر، وقدرته ~~بالنسبة إلى هذين الأمرين على السوية، فيمتنع صدور ~~الإيمان عنه بدلا من الكفر، أو الكفر بدلا من الإيمان، إلا ~~إذا حصل في القلب داعية إليه، وتلك الداعية لا معنى ~~لها، إلا علمه أو اعتقاده أو طنه بكون ذلك الفعل ~~مشتملا على مصلحة زائدة، ومنفعة راجحة، فإذا حصل هذا ~~المعنى في ms3711 قلبه، دعاه ذلك إلى فعل ذلك الشيء، وإن ~~حصل في القلب علم أو اعتقاد أو ظن بكون ذلك الفعل ~~مشتملا على مفسدة راجحة وصور زائدة، دعاه ذلك إلى ~~تركه، وثبت أن حصول هذه الدواعي لا بد وأن تكون من الله - ~~تعالى -، وإذا ثبت ذلك فنقول: يستحيل أن يصدر إيمان عن ~~العبد إلا إذا خلق الله في قلبه اعتقاد أن الإيمان ~~راجح المنفعة، زائد المصلحة، فحينئذ يميل قلبه وترغب ~~نفسه في تحصيله، وهذا هو انشراح الصدر للإيمان، فإن حصل ~~في القلب أنه مفسدة عظيمة في الدين والدنيا، وأنه ~~يوجب المضار الكثيرة، فحينئذ يترتب على هذا الاعتقاد ~~نفرة عظيمة عن الإيمان، وهذا هو المراد من أنه - تبارك ~~وتعالى - يجعل صدره ضيقا حرجا. # قالت المعتزلة: لنا ههنا مقامان: # الأول: في بيان أنه لا دلالة لكم في هذه الآية الكريمة. # الثاني: التأويل المطابق لمذهبنا. # أما المقام الأول: فتقريره من وجوه: # أحدها: أن هذه الآية الكريمة ليس فيها أنه - تبارك وتعالى - أضل ~~قوما أو يضلهم؛ لأنه ليس فيها إلا أنه [متى أراد أن ~~يهدي إنسانا، فعل به كيت وكيت، وإذا أراد إضلاله فعل به ~~كيت كيت، وليست الآية أنه] - تعالى - يريد ذلك أو لا ~~يريد ذلك، ويدل عليه قوله - تبارك وتعالى -: # لو أردنآ أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنآ ~~إن كنا فاعلين # [الأنبياء:17]، فبين أنه - تبارك وتعالى- كيف يفعل اللهو لو ~~أراده، ولا خلاف أنه - تبارك وتعالى - لا يريد ذلك ولا ~~يفعله. # وثانيها: أنه - تعالى - لم يقل: ومن يرد أن يضله عن الإسلام، بل ~~قال: " ومن يرد أن يضله " فلم قلتم: إن المراد: ومن ~~يرد أن يضلله عن الإيمان. # وثالثها: أنه - تبارك وتعالى - بين في آخر الآية الكريمة، أنه إنما ~~يفعل هذا الفعل بهذا الكافر جزاء على كفره، وأنه ليس ~~ذلك على سبيل الابتداء، فقال: { كذلك يجعل الله الرجس ~~على الذين لا يؤمنون }. # ورابعها: أن قوله - تبارك وتعالى-: { ومن يرد أن يضله ~~يجعل صدره ضيقا حرجا } يدل على تقدم الضيق والحرج ~~على حصول الضلال، وأن لحصول ms3712 ذلك المتقدم أثر في حصول ~~الضلال، وذلك باطل بالإجماع، أما عندنا، فلا نقول به ~~وأما عندكم؛ فلأن المقتضي لحصول الجهل والظلال هو الله - ~~تبارك وتعالى - يخلقه فيه بقدرته. # وأما المقام الثاني: فهو تفسير الآية الكريمة على ما يطابق ~~مذهبنا، وذلك من وجوه: # الأول: وهو اختيار الجبائي، ونصره القاضي أن تقدير الآية ~~الكريمة: فمن يرد الله أن يهديه إلى طريق الجنة، ~~يشرح صدره للإسلام، حتى يثبت عليه ولا يزول عنه، ~~وتفسيره هذا الشرح: هو أنه - تعالى - يفعل به ألطافا ~~تدعوه إلى البقاء على الإيمان والثبات عليه, وهذه الألطاف ~~لا يمكن فعلها بالمؤمن, إلا بعد أن يصيره مؤمنا حتى ~~يدعوه إلى البقاء على الإيمان والثبات عليه، وإليه الإشارة بقوله ~~- تبارك وتعالى -: # ومن يؤمن بالله يهد قلبه # [التغابن:11] وبقوله: # والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا # [العنكبوت:69]، فإذا آمن العبد وأراد ثباته على الإيمان، فحينئذ ~~يشرح صدره، أي: يفعل به الألطاف التي تقتضي ~~ثباته على الإيمان ودوامه عليه، وأما إذا كفر وعاند وأراد ~~الله - تبارك وتعالى - أن يضله عن طريق الجنة، فعند ذلك ~~يلقي في صدره الضيق والحرج، ثم سأل الجبائي نفسه، ~~فقال: كيف يصح ذلك ونجد الكفار طيبي النفوس، ولا غم ~~لهم ألبتة ولا حزن. # وأجاب عنه: بأنه - تبارك وتعالى - لم يخبر بأنه؛ يفعل بهم ~~ذلك في كل وقت، فلا يمتنع كونهم في بعض الأوقات طيبي ~~القلوب، وسأل القاضي نفسه ذلك الضيق في بعض الأوقات. # وأجاب عنه: بأنه قال: وكذلك نقول ودفع ذلك لا يمكن ~~خصوصا عند ورود أدلة الله - تبارك وتعالى -، وعند ظهور ~~نصرة الله للمؤمنين، وعند ظهور الذلة والصغار فيهم. # التأويل الثاني: أن المراد: فمن يرد الله أن يهديه إلى ~~الجنة، فيشرح صدره للإسلام [أي: يشرح صدره للإسلام] في ~~ذلك الوقت الذي يهديه فيه إلى الجنة؛ لأنه لما رأى أن ~~بسبب الإيمان وجد هذه الدرجة العالية، يزداد رغبته في الإيمان، ~~ويحصل مزيد انشراح [في صدره]، ومن يرد أن يضله يوم ~~القيامة عن طريق الجنة، ففي ذلك الوقت يضيق صدره؛ بسبب ~~الحزن الذي ms3713 ناله عن الحرمان من الجنة والدخول في ~~النار. # التأويل الثالث: أن في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: من شرح صدر ~~نفسه بالإيمان، فقد أراد الله أن يهديه، أي: يخصه ~~بالألطاف الداعية إلى الثبات على الإيمان، هذا مجموع ~~كلامهم. # والجواب عن قولهم أولا: أنه لم يقل في هذه الآية أنه يضله، ~~بل قال: إنه أو أراد أن يضله، لفعل كذا وكذا، فنقول، إن ~~قوله في آخر الآية الكريمة: { كذلك يجعل الله الرجس ~~على الذين لا يؤمنون } تصريح بأنه يفعل بهم ذلك ~~الضلال، لأن حرف " الكاف " في قوله: " كذلك " يفيد ~~التشبيه، والتقدير: وكما جعلنا ذلك الضيق والحرج في ~~صدره، فكذلك يجعل الله الرجس على قلوب الذين لا ~~يؤمنون. # والجواب عن الثاني: وهو أن قوله: { ومن يرد أن يضله } ~~ليس فيه بيان أن يضله عن الدين، فنقول: إن قوله في آخر ~~الآية: { كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا ~~يؤمنون } تصريح بأن المراد من قوله: { ومن يرد أن يضله } ~~هو أن يضله عن الدين. # والجواب عن الثالث: وهو أنه - تبارك وتعالى - إنما يلقي الضيق ~~والحرج في صدورهم جزاء على كفرهم فنقول: لا نسلم أن المراد ~~ذلك، بل المراد: كذلك يجعل الله الرجس على قلوب الذين ~~قضى عليهم بأنهم لا يؤمنون، وإذا جعلنا الآية على هذا الوجه، ~~سقط ما ذكروه. # والجواب عن قولهم: إن ظاهر الآية الكريمة يقتضي أن يكون ضيق ~~الصدر وحرجه شيئا متقدما على الضلال، أو موجبا له، ~~فنقول: والأمر كذلك؛ لأنه - تبارك وتعالى- إذا خلق في قلبه ~~اعتقادا بأن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم يوجب الذم ~~في الدنيا، والعقوبة في الآخرة، فهذا الاعتقاد يوجب اعراض ~~النفس عن قبول ذلك الإيمان، وهذه الحالة شبيهة بالطريق ~~الضيق؛ لأن الطريق إذا كان ضيقا، لم يقدر الداخل أن ~~يدخل فيه فذلك القلب إذا حصل فيه ذلك الاعتقاد، امتنع دخول ~~الإيمان فيه فلأجل حصول المشابهة من هذا الوجه، جاز إطلاق ~~لفظ الضيق والحرج عليه. # وأما الجواب عن التأويلات الثلاثة فنقول: # أما الأول: فإن حاصل ذلك الكلام يرجع ms3714 إلى تفسير الضيق ~~والحرج، فلما كان المراد منه حصول الغم والحزن في قلب ~~الكافر، فذلك يوجب أن يكون ما يحصل في قلب المؤمن زيادة ~~يعرفها كل أحد, ومعلوم أن الأمر ليس كذلك، بل الأمر في ~~حزن الكافر والمؤمن على السوية، بل كان الحزن والبلاء في ~~حق المؤمن أكثر، قال - تبارك وتعالى -: # ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن ~~يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ~~ومعارج عليها يظهرون # [الزخرف:33] وقال عليه الصلاة والسلام: # " خص البلاء بالأنبياء ثم بالأمثل فالأمثل ". # والجواب عن الثاني: أنه مدفوع؛ لأنه يرجع حاصلة إلى إيضاح ~~الواضحات؛ لأن كل أحد يعلم بالضرورة، أن كل من هداه ~~الله إلى الجنة بسبب الإيمان يفرح بسبب تلك الهداية، ~~وينشرح صدره للإيمان مزيد انشراح في ذلك الوقت، وكذلك ~~القول في قوله: المراد: ومن يضله عن طريق الجنة بأنه يضيق ~~قلبه في ذلك الوقت، فحصول هذا المعنى معلوم بالضرورة، ~~وحمل الآية الكريمة عليه إخراج للآية عن الفائدة. # والجواب عن التأويل الثالث: فهو يقتضي تفكيك نظم الآية؛ لأن ~~الآية الكريمة تقتضي أن يحصل انشراح الصدر من قبل الله - ~~تبارك وتعالى - أولا، ثم يترتب عليه حصول الهداية والإيمان، ~~وأنتم عكستم القضية، فقلتم: العبد يجعل نفسه أولا منشرح ~~الصدر، ثم إن الله - تبارك وتعالى - أولا بعد ذلك يهديه، بمعنى ~~أنه يخصه بمزيد الألطاف الداعية له إلى الثبات على ~~الإيمان، والدلائل اللفظية، إنما يمكن التمسك [بها إذا ~~أبقينا ما فيها من التركيبات والترتيبات، فأما إذا ~~أبطلناها وأزلناها، لم يمكن التمسك] بشيء منها أصلا، ~~وفتح هذا الباب يوجب ألا يمكن التمسك بشيء من الآيات، ~~ولكن طعن في القرآن العظيم، وإخراج له عن كونه حجة. # قوله: " كانما " " ما " هذه مهيئة لدخول كأن على الجمل ~~الفعلية؛ كهي في # وإنما توفون # [آل عمران: 185]. # قوله: " يصعد " وقرأ ابن كثير: " يصعد " ساكن الصاد، ~~مخفف العين، مضارع " صعد " أي: ارتفع، وأبو بكر عن عاصم: " ~~يصاعد " بتشديد الصاد بعدها ألف، وأصلها يتصاعد، أي: " ~~يتعاطى الصعود ويتكلفه " فأدغم التاء في الصاد ~~تخفيفا، والباقون: " يصعد " بتشديد ms3715 الصاد والعين دون ~~ألف بينهما، من " يصعد " أي: يفعل الصعود ويكلفه، ~~والأصل: " يتصعد " فأدغم كما في قراءة شعبة وهذه الجملة ~~التشبيهية يحتمل أن تكون مستأنفة، شبه فيها حال من جعل ~~الله صدره ضيقا حرجا، بأنه بمنزلة من يطلب الصعود ~~إلى السماء المظللة أو إلى مكان مرتفع [وعر] كالعقبة الكؤود. # والمعنى: أنه يسبق عليه الإيمان كما يسبق عليه صعود السماء، ~~وجوزوا فيها وجهين آخرين: # أحدهما: أن يكون مفعولا آخر تعدد كما تعدد ما قبلها. # والثاني: ان يكون حالا وفي صاحبها احتمالان: # أحدهما: هو الضمير المستكن في " ضيقا ". # والثاني: هو الضمير في " حرجا " ، و " في السماء " متعلق ~~بما قبله. # قوله: " كذلك يجعل " هو كنظائره, وقدره الزجاج: " مثل ما ~~قصصنا عليك يجعل " أي: فيكون مبتدأ وخبرا، أو نعت مصدر ~~محذوف، فلك أن ترفع " مثل " وأن تنصبها بالاعتبارين ~~عنده، والأحسن أن يقدر لها مصدر مناسب كما قدره الناس، ~~وهو مثل ذلك الجعل - أي: جعل الصدر ضيقا حرجا - " ~~يجعل الله الرجس " كذا قدره مكي وغيره، و " يجعل " يحتمل ~~أن تكون بمعنى " ألقى " وهو الظاهر، فتتعدى لواحد بنفسها ~~وللآخر بحرف الجر، ولذلك تعدت هنا ب " على " والمعنى: " ~~كذلك يلقي الله العذاب على الذين لا يؤمنون ". # ويجوز ان تكون بمعنى صير أي: " يصيره مستعليا عليهم ~~محيطا بهم " ، والتقدير الصناعي: مستقرا عليهم. # فصل في بيان معنى الرجس # قال ابن عباس - رضي الله عنه -: الرجس هو الشيطان. # وقال الكلبي: هو المأثم. # وقال مجاهد: الرجس: ما لا خير فيه. # وقال عطاء: الرجس العذاب مثل الرجز. # وقيل هو النجس؛ روي أنه - عليه الصلاة والسلام - كان إذا دخل ~~الخلاء قال: # " اللهم إني أعوذ بك من الرجس والنجس ". # وقال الزجاج: الرجس: اللعنة في الدنيا، والعذاب في ~~الآخرة. ### || [6.126] # " هذا " إشارة إلى ما تقدم تقريره, وهو أن الفعل يتوقف على ~~الداعي، وحصول تلك الداعية من الله - تبارك وتعالى - فوجب ~~كون الفعل من الله - تعالى -، وذلك يوجب التوحيد المحض, ~~وسماه صراطا؛ لأن العلم به يؤدي إلى العلم بالتوحيد الحق. # وقيل: " هذا " إشارة إلى الذي أنت ms3716 عليه يا محمد طريق ربك ~~ودينه الذي ارتضى لنفسه, مستقيما لا عوج فيه وهو الإسلام. # وقال ابن مسعود - رضي الله عنهما - و " هذا " إشارة إلى القرآن ~~الكريم. # قوله - تعالى -: " مستقيما " حال من " صراط " والعامل فيه أحد ~~شيئين: إما " ها " لما فيها من معنى التنبيه، وإما " ذا ~~" لما فيه من معنى الإشارة، وهي حال مؤكدة لا مبينة؛ لأن ~~صراط الله لا يكون إلا كذلك. # قال الواحدي: انتصب " مستقيما " على الحال، والعامل فيه ~~معنى هذا، وذلك أن " ذا " يتضمن معنى الإشارة؛ كقولك: هذا ~~زيد قائما، معناه: أشير إليه في حال قيامه، وإذا كان ~~العامل في الحال معنى الفعل لا الفعل، لم يجز تقديم ~~الحال عليه، لا يجوز: " قائما هذا زيد " و [يجوز] ضاحكا ~~جاء زيد. # ثم قال تبارك وتعالى: { قد فصلنا الآيات } أي: ذكرناها فصلا ~~فصلا، بحيث لا يختلط واحد منها بالآخر, وقوله: " لقوم ~~يذكرون ". # قال ابن الخطيب: فالذي أظنه والعلم عند الله أنه - تبارك وتعالى - ~~إنما جعل مقطع هذه الآية الكريمة هذه اللفظة؛ لأنه تقرر ~~في عقل كل واحد أن أحد طرفي الممكن لا يترجح على ~~الآخر إلا لمرجح، فكأنه - تبارك وتعالى - يقول ~~للمعتزلي: أيها المعتزلي، تذكر ما تقرر في عقلك أن ~~الممكن؛ لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا لمرجح، ~~حتى تزول الشبهة عن قلبك بالكلية في مسألة القضاء ~~والقدر. ### || [6.127] # قوله - تعالى - { لهم دار السلام عند ربهم } يحتمل أن ~~تكون هذه الجملة مستأنفة، فلا محل لها؛ كأن سائلا سأل ~~عما أعد الله لهم, فقيل له ذلك، ويحتمل أن يكون حالا من ~~فاعل " يذكرون " ، ويحتمل أن يكون وصفا لقوم، وعلى ~~هذين الوجهين فيجوز أن تكون الحال أو الوصف الجار ~~والمجرور فقط، ويرتفع " دار السلام " بالفاعلية، وهذا ~~عندهم أولى؛ لأنه أقرب إلى المفرد من الجملة، والأصل في ~~الوصف والحال والخبر الإفراد، فما قرب إليه فهو أولى. # و " عند ربهم " حال من " دار " ويجوز أن ينتصب " عند " ~~بنفس " السلام "؛ لأنه مصدر، أي: يسلم عليهم عند ربهم، ~~أي: في جنته، ويجوز أن ينتصب ms3717 بالاستقرار في " لهم ". # وقوله: " وهو وليهم " يحتمل أيضا الاستئناف، وأن يكون حالا، ~~أي: لهم دار السلام، والحال أن الله وليهم وناصرهم. # " وبما كانوا " الباء سببية، و " ما " بمعنى الذي، أو نكرة ~~أو مصدرية. # فصل في معنى السلام # قيل: السلام اسم من أسماء الله - تعالى - والمعنى: دار الله كما ~~قيل: الكعبة بيت الله، والخليفة عبد الله. # وقيل: السلام صفة الدار بمعنى: دار السلامة، والعرب تلحق ~~هذه الهاء في كثير من المصادر وتحذفها، يقولون: ضلال وضلالة، ~~وسفاه وسفاهة، ورضاع ورضاعة، ولذاذ ولذاذة. # وقيل: السلام جمع السلامة، وإنما سميت الجنة بهذا الاسم؛ ~~لأن أنواع السلامة بأسرها حاصلة فيها, وفي المراد بهذه ~~العندية وجوه: # أحدها: أنها معدة عنده كما تكون الحقوق معدة مهيأة ~~حاضرة؛ كقوله: # جزآؤهم عند ربهم # [البينة:8]. # ثانيها: ان هذه العندية تشعر بأن هذا الأمر المؤخر موصوف ~~بالقرب من الله - تبارك وتعالى - وهذا ليس قرب بالمكان ~~والجهة، فوجب كونه بالشرف والرتبة، وذلك يدل على أن ذلك ~~الشيء بلغ في الكمال والرفعة إلى حيث لا يعرف كنهه، ~~إلا أنه كقوله: # فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين # [السجدة:17]. # وثالثها: هي كقوله في صفة الملائكة: # ومن عنده لا يستكبرون # [الأنبياء:19]، وقوله: # " أنا عند المنكسرة قلوبهم " # ، و # " أنا عند ظن عبدي بي " # ، وقال - تعالى -: # في مقعد صدق عند مليك مقتدر # [القمر:55] وقال: # جزآؤهم عند ربهم # [البينة:8] وكل ذلك يدل على أن حصول كمال صفة العندية ~~بواسطة صفة العبودية. # وقوله: { وهو وليهم } يدل على قربهم من الله؛ لأن الولي ~~معناه القريب، لا ولي لهم إلا هو، ثم قال: { بما كانوا ~~يعملون }؛ وإنما ذكر ذلك لئلا ينقطع العبد عن العمل. ### || [6.128] # لما بين حال من يتمسك بالصراط المستقيم، بين بعده حال من ~~يكون بالضد من ذلك؛ ليكون قصة أهل الجنة مردفة بقصة ~~أهل النار، وليكون الوعيد مذكورا بعد الوعد. # قوله: { ويوم يحشرهم } يجوز أن ينتصب بفعل مقدر، ~~فقدره أبو البقاء تارة ب " اذكر " وتارة بالقول المحذوف ~~العامل في جملة النداء من قوله: " يا معشر " أي: ms3718 ويقول: " ~~يا معشر يوم نحشرهم " ، وقدره الزمخشري: " ويوم ~~يحشرهم وقلنا يا معشر كان ما لا يوصف لفظاعته ". # قال أبو حيان: " وما قلناه أولى " يعني: من كونه منصوبا ~~ب " يقول " المحكي به جملة النداء، قال: " لاستلزامه حذف ~~جملتين: إحداهما جملة " وقلنا " ، والأخرى العاملة في ~~الظرف " وقدره الزجاج بفعل قول مبني للمفعول: " يقال ~~لهم: يا معشر يوم نحشرهم " وهو معنى حسن؛ كأنه نظر إلى ~~معنى قوله: " ولا يكلمهم ولا يزكيهم " فبناه للمفعول، ~~ويجوز أن ينتصب " يوم " بقوله: " وليهم " لما فيه من ~~معنى الفعل، أي: " وهو يتولاهم بما كانوا يعملون، ~~ويتولاهم يوم يحشرهم " ، و " جميعا " حال أو توكيد على ~~قول بعض النحويين. # وقرأ حفص: " يحشرهم " بياء الغيبة ردا على قوله: " ربهم " أي: ~~" ويوم يحشرهم ربهم " والضمير في " يحشرهم " يعود إلى ~~الجن والإنس بجمعهم في يوم القيامة. # وقيل: يعود إلى الشياطين الذين تقدم ذكرهم في قوله: # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين # [الأنعام:112]. # قوله: " يا معشر " في محل نصب بذلك القول المضمر، أي: " ~~نقول أو قلنا " ، وعلى تقدير الزجاج يكون في محل رفع؛ ~~لقيامه مقام الفاعل المنوب عنه، والمعشر: الجماعة؛ قال ~~القائل: [الوافر] # 2311- وأبغض من وضعت إلي فيه # لساني معشر عنهم أذود # والجمع: معاشر؛ كقوله - عليه الصلاة والسلام -: # " نحن معاشر الأنبياء لا نورث " # قال الأودي: [البسيط] # 2312- فينا معاشر لن يبنوا لقومهم # وإن بنى قومهم ما أفسدوا عادوا # قوله تعالى: " من الإنس " في محل نصب على الحال، أي: ~~أولياؤهم حال كونهم من الإنس, ويجوز أن تكون " من " لبيان ~~الجنس؛ لأن أولياءهم كانوا إنسا وجنا، والتقدير: أولياؤهم ~~الذين هم الإنس، و " ربنا " حذف منه حرف النداء. # وقوله: { وقال أولياؤهم من الإنس } يعني: أولياء الشياطين ~~الذين أطاعوهم من الإنس، { ربنا استمتع بعضنا ببعض ~~} والمعنى: استكثرتم من الإنس بالإضلال والإغواء، أي: ~~أضللتم كثيرا. # وقال الكلبي: استمتاع الإنس بالجن هو الرجل كان إذا سافر ~~وترك بأرض قفر، وخاف على نفسه من الجن، قال: أعوذ بسيد ~~هذا الوادي من سفهاء قومه، فيبيت آمنا في جوارهم، وأما ~~استمتاع الجن بالإنس، فهو ms3719 أنهم قالوا: قد سعدنا الإنس مع ~~الجن، حتى عاذوا بنا فيزدادوا شرفا في قومهم وعظما في ~~أنفسهم، كقوله - تبارك وتعالى -: # وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من ~~الجن فزادوهم رهقا # [الجن:6]. # وقيل: استمتاع الإنس بالجن ما كانوا يلقون إليهم من ~~الأراجيف، والسحر والكهانة، وتزيينهم لهم الأمور التي ~~يهوونها، وتسهيل سبيلها عليهم، واستمتاع الجن بالإنس طاعة ~~الإنس لهم فيما يزينون لهم من الضلالة والمعاصي. # وقال محمد بن كعب القرظي: هو طاعة بعضهم بعضا، وقيل: قوله: ~~{ ربنا استمتع بعضنا ببعض } كلام الإنس خاصة. # قوله: { وبلغنآ أجلنا الذي أجلت لنا } قرأ الجمهور: ~~" أجلنا " بالإفراد؛ لقوله: " الذي " وقرئ: " آجالنا " ~~بالجمع على أفعال " الذي " بالإفراد والتذكير وهو نعت ~~للجمع. # فقال ابو علي: هو جنس أوقع " الذي " موقع " التي ". # قال أبو حيان: وإعرابه عندي بدل؛ كأنه قيل: " الوقت الذي " ~~وحينئذ يكون جنسا ولا يكون إعرابه نعتا؛ لعدم المطابقة ~~بينهما، وفيه نظر؛ لأن المطابقة تشترط في البدل أيضا، ~~وكذلك نص النحاة على قول النابغة: [الطويل] # 2313- توهمت آيات لها فعرفتها # لستة أعوام وذا العام سابع # رماد ككحل العين لأيا أبينه # ونوي كجذم الحوض أثلم خاشع # أي: رماد ونوى مقطوعان على " هما رماد ونوى " لا بدل من آيات ~~لعدم المطابقة، ولذلك لم يرويا إلا مرفوعين لا ~~منصوبين. # فصل في المراد بالآية # معنى الآية: أن ذلك الاستمتاع كان إلى أجل معين ووقت محدود، ~~ثم جاءت الخيبة والحسرة والندامة من حيث لا دفع, ~~واختلفوا في ذلك الأجل. # فقيل: هو وقت الموت. # وقيل: هو وقت البعث والقيامة، والذين قالوا بالقول الأول ~~قالوا: إنه بدل على أن كل من مات من مقتول وغيره، فإن ~~يموت بأجله؛ لأنهم أقروا بأنا بلغنا أجلنا الذي ~~أجلت لنا, وفيهم المقتول وغير المفتول، ثم قال - تعالى -: " ~~النار مثواكم " أي: المقام والمقر والمصير. # قوله: " خالدين فيها " منصوب على الحال، وهي حال مقدرة، ~~وفي العامل فيها ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه " مثواكم " لأنه هنا مصدر لا اسم مكان، والمعنى: ~~النار ذات ثوائكم، أي: إقامتكم في هذه الحال, ولذلك رد ~~الفارسي ms3720 على الزجاج؛ حيث قال: المثوى " المقام " أي: " ~~النار مكان ثوائكم " أي: إقامتكم. # قال الفارسي: " المثوى عندي في الآية: اسم للمصدر دون ~~المكان؛ لحصول الحال معملا فيها واسم المكان لا يعمل عمل ~~الفعل؛ لأنه لا معنى للفعل فيه، وإذا لم يكن مكانا، ثبت ~~أنه مصدر، والمعنى: " النار ذات إقامتكم فيها خالدين ". # فالكاف والميم في المعنى فاعلون, وإن كان في اللفظ خفضا ~~بالإضافة؛ ومثله قول الشاعر: [الطويل] # 2314- وما هي إلا في إزار وعلقة # مغار ابن همام على حي خثعما # وهذا يدل على حذف المضاف، المعنى: " وما هي إلا إزار ~~وعلقة وقت إغارة ابن همام " ، ولذلك عداه ب " على " ولو كان ~~مكانا، لما عداه؛ فثبت أنه اسم مصدر لا مكان، فهو كقولك: " ~~آتيك خفوق النجم ومقدم الحاج " ، ثم قال " وإنما حسن ~~ذلك في المصادر لمطابقتها الزمان، ألا ترى أنه منقض غير ~~باق كما أن الزمان كذلك ". # والثاني: أن العامل فيها فعل محذوف،أي: يثوون فيها ~~خالدين، ويدل على هذا الفعل المقدر " مثواكم " ويراد ~~ب " مثواكم " مكان التواء، وهذا جواب عن قول الفارسي ~~المعترض به على الزجاج. # الثالث: قاله ابو البقاء: أن العامل معنى الإضافة، ومعنى الإضافة ~~لا يصلح ان يكون عاملا ألبتة، فليس بشيء. # قوله: { إلا ما شاء الله } اختلفوا في المستثنى منه: # فقال: الجمهور: هو الجملة التي تليها، وهي قوله: { النار ~~مثواكم خالدين فيها } وسيأتي بيانه عن قرب. # وقال أبو مسلم: " هو مستثنى من قوله: { وبلغنآ أجلنا ~~الذي أجلت لنا } أي: إلا من أهلكته واخترمته قبل ~~الأجل الذي سميته لكفره وضلاله ". وقد رد الناس عليه هذا ~~المذهب من حيث الصناعة، ومن حيث المعنى. أما الصناعة ~~فمن وجهين: # أحدهما: أنه لو كان الأمر كذلك، لكان التركيب " إلا ما شئت ~~" ليطابق قوله: " أجلت ". # والثاني: أنه قد فصل بين المستثنى والمستثنى منه بقوله: { ~~قال النار مثواكم خالدين فيها } ومثل ذلك لا يجوز. # وأما المعنى: فلأن القول بالأجلين: أجل الاخترام، والأجل ~~المسمى باطل؛ لدلائل مقررة في غير هذا الموضع. # ثم اختلفوا في هذا الاستثناء: هل هو متصل ms3721 أو منقطع؟ على ~~قولين: # فذهب مكي بن أبي طالب, وأبو البقاء في أحد قوليهما: إلى أنه ~~منقطع, والمعنى: " قال النار مثواكم إلا من آمن منكم ~~في الدنيا " كقوله: # لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى # [الدخان:56] أي: لكن الموتة الأولى، فإنهم قد ذاقوها في الدنيا ~~كذلك هذا؛ لكن الذين شاءهم الله أن يؤمنوا منكم في الدنيا، ~~وفيه بعد، وذهب آخرون إلى أنه متصل، ثم اختلفوا في ~~المستثنى منه ما هو؟ # فقال قوم: هو ضمير المخاطبين في قوله: " مثواكم " أي: إلا من ~~آمن في الدنيا بعد أن كان من هؤلاء الكفرة، علله ابن عباس، و " ما ~~" هنا بمعنى " من " التي للعقلاء، وساغ وقوعها هنا؛ لأن ~~المراد بالمستثنى نوع وصنف، و " ما " تقع على أنواع من يعقل، ~~وقد تقدم تحقيق هذا في قوله: # فانكحوا ما طاب لكم من النسآء # [النساء:3]. # ولكن قد استبعد هذا؛ من حيث إن المستثنى مخالف للمستثنى ~~منه في زمان الحكم عليهما، ولا بد أن يشتركا في الزمان، ~~لو قلت: " قام القوم إلا زيدا " ، وكان معناه [إلا زيدا ~~فإنه لم يقم، ولا يصح أن يكون المعنى: فإنه سيقوم في ~~المستقبل، ولو قلت: " سأضرب القوم إلا زيدا " ], كان مهناه: ~~فإني لا أضربه في المستقبل, ولا يصح أن يكون المعنى: فإني ~~ضربته فيما مضى اللهم إلا أن يجعل استثناء منقطعا ~~كما تقدم تفسيره. # وذهب قوم: إلى أن المستثنى منه زمان، ثم اختلف القائلون ~~بذلك: # فمنهم من قال: ذلك الزمان هو مدة إقامتهم في البرزخ، أي: " ~~القبور ". # وقيل: " هو المدة التي بين حشرهم إلى دخولهم النار ". ~~وهذا قول الطبري قال: " وساغ ذلك من حيث إن العبارة بقوله: " ~~النار مثواكم " لا يخص بها مستقبل الزمان دون غيره ". # وقال الزجاج: " هو مجموع الزمانين، أي: مدة إقامتهم في ~~القبور، ومدة حشرهم إلى دخولهم النار ". # وقال الزمخشري: " إلا ما شاء الله، أي: يخلدون في عذاب النار ~~الأبد كله إلا ما شاء الله إلا الأوقات التي ينقلون فيها من ~~عذاب النار إلى عذاب الزمهرير؛ فقد روي: أنهم ms3722 يدخلون واديا ~~فيه من الزمهرير ما يقطع أوصالهم، فيتعاوون ويطلبون ~~الرد إلى الجحيم ". # وقال قوم: " إلا ما شاء الله " هم العصاة الذين يدخلون ~~النار من أهل التوحيد، ووقعت " ما " عليهم؛ لأنهم نوع كأنه قيل: ~~إلا النوع الذي دخلها من العصاة، فإنهم لا يخلدون فيها، ~~والظاهر أن هذا استثناء حقيقة؛ بل يجب أن يكون كذلك. # وزعم الزمخشري: أنه يكون من باب قول الموتور الذي ظفر ~~بواتره، ولم يزل يحرق عليه أنيابه، وقد طلب أن ينفس عن ~~خناقه: " أهلكني الله إن نفست عنك إلا إذا شئت " وقد ~~علم أنه لا يشاء ذلك التشفي منه بأقصى ما يقدر عليه من ~~التشديد والتعنيف، فيكون قوله: " إلا إذا شئت " من أشد ~~الوعيد مع تهكم. # قال شهاب الدين: ولا حاجة إلى ادعاء ذلك مع ظهور معنى ~~الاستثناء فيه، وارتكاب المجاز وإبراز ما لم يقع في صورة ~~الواقع. # وقال الحسن البصري: " إلا ما شاء الله؛ أي: من كونهم في ~~الدنيا بغير عذاب " # فجعل المستثنى زمن حياتهم، وهو أبعد مما تقدم. # وقال الفراء - وإليه نحا الزمخشري -: " والمعنى: إلا ما شاء ~~الله من زيادة في العذاب ". # وقال غيره: إلا ما شاء الله من النكال، وكل هذا إنما يتمشى ~~على الاستثناء المنقطع. # قال أبو حيان: " وهذا راجع إلى الاستثناء من المصدر الذي ~~يدل عليه معنى الكلام؛ إذ المعنى: يعذبون في النار ~~خالدين فهيا إلا ما شاء الله من العذاب الزائد على النار، ~~فإنه يعذبهم، ويكون إذ ذاك استثناء منقطعا، إذ العذاب الزائد ~~على عذاب النار لم يندرج تحت عذاب النار ". # وقال ابن عطية: " ويتجه عندي في هذا الاستثناء أن يكون ~~مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته، وليس مما يقال يوم ~~القيامة، والمستثنى هو من كان من الكفرة يومئذ يؤمن في علم الله؛ كأنه ~~لما أخبرهم أنه يقال للكفار: " النار مثواكم " استثنى ~~لهم من يمكن أن يؤمن ممن يرونه يومئذ كافرا، وتقع " ما " ~~على صفة من يعقل، ويؤيد هذا التأويل أيضا قوله: { إن ربك ~~حكيم عليم } أي: بمن يمكن أن ms3723 يؤمن منهم ". # قال أبو حيان: " وهو تأويل حسن، وكان قد قال قبل ذلك: " والظاهر أن ~~هذا الاستثناء هو من كلام الله - تعالى - للمخاطبين، وعليه ~~جاءت تفاسير الاستثناء " وقال ابن عطية " ثم ساقه إلى أخره، ~~فكيف يستحسن شيئا حكم عليه بأنه خلاف الظاهر من غير ~~قرينة قوية مخرجة للفظ عن ظاهره؟ # قوله: { إن ربك حكيم عليم } أي: فيما يفعله من ثواب ~~وعقاب وسائر وجوه المجاز، أو كأنه، يقول: إنما حكمت لهؤلاء ~~الكفار بعذاب الأبد، لعلمي أنهم يستحقون ذلك. # وقيل: " عليم " بالذي استثناه وبما في قلوبهم من البر ~~والتقوى. ### || [6.129] # قوله: " وكذلك نولي " أي: كما خذلنا عصاة الإنس والجن ~~حتى استمتع بعضهم ببعص، كذلك نكل بعضهم إلى بعض في ~~النصرة والمعونة وقيل: نسلط بعضهم على بعض، فياخذ من ~~الظالم بالظالم؛ كما جاء " من أعان ظالما، سلطه الله عليه ". # قال قتادة: نجعل بعضهم أولياء لبعض، فالمؤمن ولي المؤمن أين ~~كان، والكافر ولي الكافر حيث كان. # وروى معمر عن قتادة: يتبع بعضهم بعضا في النار من المولاة. # وقيل: معناه: نولي ظلمة الجن ظلمة الإنس، ونولي ظلمة الإنس ~~ظلمة الجن، أي: نكل بعضهم إلى بعض؛ كقوله - تبارك وتعالى -: # نوله ما تولى # [النساء:115] فهي نعت لمصدر محذوف، أو في محل رفع، أي: ~~الأمر مثل تولية الظالمين، وهو رأي الزجاج في غير موضع. # وروى الكلبي عن أبي صالح في تفسيرها: هو أن الله - تبارك وتعالى ~~- إذا أراد بقوم خيرا ولي أمرهم خيارهم، وإذا أراد بقوم ~~شرا ولى أمرهم شرارهم. # وروى مالك بن دينار قال جاء في [بعض] كتب الله المنزلة أنا ~~الله مالك الملوك، قلوب الملوك بيدي، فمن أطاعني، ~~جعلتهم عليه رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة، لا ~~تشغلوا أنفسكم بسبب الملوك، لكن توبوا إلي أعطفهم ~~عليكم. # وقوله: { بما كانوا يكسبون } تقدم نظيره. ### || [6.130] # هذه الآية من بقية توبيخ الكفار يوم القيامة. # قال أهل اللغة: المعشر كل جماعة أمرهم واحد، ويحصل بنيهم ~~معاشرة ومخالطة، والجمع: معاشر. # قوله: " منكم " في محل رفع صفة لرسل، فيتعلق بمحذوف، وقوله: ~~" يقصون ms3724 " يحتمل أن يكون صفة ثانية، وجاءت كذا مجيئا ~~حسنا، حيث تقدم ما هو قريب من المفرد على الجملة، ~~ويحتمل أن يكون في محل نصب على الحال، وفي صاحبها وجهان: # أحدهما: هو رسل وجاز ذلك وإن كان نكرة؛ لتخصصه بالوصف. # والثاني: أنه الضمير المستتر في " منكم " وقوله: " رسل ~~منكم " زعم الفراء: أن في هذه الآية حذف مضاف، أي: " ألم ~~يأتكم رسل من أحدكم، يعني: من جنس الإنس " قال: كقوله - تعالى ~~-: # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # [الرحمن:22]، وإنما يخرجان من الملح # وجعل القمر فيهن نورا # [نوح:16] وإنما هو في بعضها، فالتقدير: يخرج من أحدهما، وجعل ~~القمر في إحداهن فحذف للعلم به، وإنما احتاج الفراء إلى ذلك؛ ~~لأن الرسل عنده مختصة بالإنس، يعني: أنه لم يعتقد أن ~~الله أرسل للجن رسولا منهم، بل إنما أرسل إليهم الإنس، ~~كما يروى في التفسير, وعليه قام الإجماع أن النبي محمدا ~~صلى الله عليه وسلم مرسل للإنس والجن، وهذا هو الحق، أعني: أن ~~الجن لم يرسل منهم إلا بواسطة رسالة الإنس؛ كما جاء في ~~الحديث مع الجن الذين لما سمعوا القرآن ولوا إلى ~~قومهم منذرين، ولكن لا يحتاج إلى تقدير مضاف، وإن قلنا: ~~إن رسل الجن من الإنس للمعنى الذي ذكرناه, وهو أنه يطلق ~~عليهم رسل مجازا؛ لكونهم رسلا بواسطة رسالة الإنس، وزعم قوم ~~منهم الضحاك: أن الله أرسل للجن رسولا منهم يسمى يوسف. # قال ابن الخطيب: ودعوى الإجماع في هذا بعيد؛ لأنه كيف ينعقد ~~الإجماع مع حصول الاختلاف، قال: ويمكن أن يحتج الضحاك بقوله ~~- تبارك وتعالى -: # ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا # [الأنعام:9]. # قال المفسرون: والسبب في أن استئناس الإنسان بالإنسان أكمل ~~من استئناسه بالملك، فوجب في حكم الله - تبارك وتعالى - أن يجعل ~~رسل الإنس من الإنس؛ ليكمل الاستئناس، وهذا المعنى حاصل في ~~الجن، فوحب أن يكون رسل الجن من الجن؛ لتزول النفرة ~~ويحصل كمال الاستئناس. # وقال الكلبي: كانت الرسل قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم ~~يبعثون إلى الجن وإلى الإنس جميعا. # وقال مجاهد: الرسل من ms3725 الإنس والنذر من الجن، ثم قرأ [قوله - ~~تعالى -]: # ولوا إلى قومهم منذرين # [الأحقاف:29]، وهم قوم يسمعون كلام الرسل فيبلغون الجن ~~ما سمعوا، ولي للجن رسل. # ثم قال: { يقصون عليكم آياتي } أي: يقرءون عليكم كتبي { ~~وينذرونكم لقآء يومكم هذا } وهو يوم القيامة، فلم ~~يجدوا عند ذلك إلا الاعتراف، فذلك قالوا: شهدنا على أنفسنا. # فإن قيل: كيف أقروا في هذه الآية الكريمة بالكفر, وجحدوا في ~~قوله: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام:23]. # فالجواب: يوم القيامة يوم طويل، والأحوال في مختلفة، فتارة ~~يقرون وأخرى يجحدون، وذلك يدل على شدة الخوف ~~واضطراب أحوالهم، فإن من عظم خوفه، كثر الاضطراب في ~~كلامه، قال - تبارك وتعالى -: { وغرتهم الحياة الدنيا } ~~أي: أنهم إنما وقعوا في الكفر بسبب أن الحياة الدنيا ~~غرتهم، حتى لم يؤمنوا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا ~~كافرين، وحمل مقاتل قوله { وشهدوا على أنفسهم } بأنه تشهد ~~عليهم الجوارح بالشرك والكفر ومقصوده دفع التكرار عن ~~الآية الكريمة، وهذه الآية تدل على أنه لا تكليف قبل ورود ~~الشرع، وإلا لم يكن لهذا التعليل فائدة. ### || [6.131] # قوله: { ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى } فيه ~~ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه مبتدأ محذوف الخبر، أي: ذلك الأمر. # الثاني: عكس ذلك الأمر. # الثالث: أنه منصوب بإضمار فعل، أي: فعلنا ذلك، وإنما يظهر ~~المعنى إذا عرف المشار إليه، وهو يحتمل أن يكون إتيات ~~الرسل قاصين الآيات, ومنذرين بالحشر والجزاء, وأن يكون ذلك ~~الذي قصصنا من أمر الرسل وأمر من كذب، ويحتمل أن يكون ~~إشارة إلى السؤال المفهوم من قوله: " ألم يأتكم " وقوله: " ~~أن لم يكن " يجوز فيه وجهان: # أحدهما: أنه على حذف لام العلة أي: ذلك الأمر الذي قصصنا، ~~أو ذلك الإتيان، أو ذلك السؤال لأجل " أن لم يكن " فلما حذفت ~~اللام احتمل موضعها الجر والنصب كما عرف مرارا. # والثاني: أن يكون بدلا من ذلك. # قال الزمخشري: ولك أن تجعله بدلا من ذلك؛ كقوله: # وقضينآ إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلآء مقطوع ~~مصبحين # [الحجر:66] انتهى. # فيجوز أن يكون في محل رفع أو ms3726 نصب على ما تقدم في ذلك، إلا أن ~~الزمخشري القائل بالبدلية لم يذكر لأجل ذلك إلا الرفع ~~على خبر مبتدأ مضمر، و " أن " يجوز أن تكثون الناصبة ~~للمضارع، وأن تكون مخففة، واسمها ضمير الشأن، و " لم ~~يكن " في محل رفع خبرها، وهو نظير قوله: # ألا يرجع إليهم # [طه:89]. # وقوله: [البسيط] # 2315- في فتية كسيوف الهند قد علموا # أن هالك كل من يحفى وينتعل # و " بظلم " يجوز فيه وجهان: # أظهرهما: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من " ربك " أو من ~~الضمير في " مهلك " أي: لم يكون مهلك القرى ملتبسا ~~بظلم، ويجوز أن يكون حالا من القرى، أي: ملتبسة بذنوبها، ~~والمعنيان منقولان في التفسير. والثاني: أن يتعلق ب " ~~مهلك " على أنه مفعول وهو بعيد، وقد ذكره أبو البقاء. # وقوله: " وأهلها غافلون " جملة حالية أي: لم ينذروا حتى ~~يبعث إليهم رسلا تنذرهم، وقال الكلبي: يهلكهم ~~بذنوبهم من قبل أن يأتيهم الرسل. # وقيل: معناه لم يكون ليهلكهم دون التنبيه والتذكير ~~بالرسل، فيكون قد ظلمهم؛ لأن الله - تبارك وتعالى - أجرى ~~السنة ألا يأخذ أحدا إلا بعد وجود الذنب، وإنما يكون ~~مذنبا إذا أمر فلم يأتمر، ونهي فلم ينته، وذلك إنما ~~يكون بعد إنذار الرسل، وهذه الآية تدل على أنه لا وجوب ولا ~~تكليف قبل ورود الشرع. ### || [6.132] # أي: ولكل درجات في الثواب والعقاب، على قدر أعمالهم في ~~الدنيا، وحذف المضاف إليه للعلم به، أي: ولكل فريق منهم من ~~الجن والإنس. # قوله: " مما عملوا " في محل رفع نعتا ل " درجات ". # وقيل: ولكل من المؤمنين خاصة. # وقيل: ولكل من الكفار خاصة؛ لأنها جاءت عقيب خطاب ~~الكفار؛ إلا أنه يبعده قوله: " درجات " وقد يقال: إن ~~المراد به هنا المراتب، وإن غلب استعمالها في الخير { وما ~~ربك بغافل عما يعملون } قرأ العامة بالغيبة ردا على ~~قوله: " ولكل درجات " وقرأ ابن عامر بالخطاب مراعاة لما ~~بعده في قوله: " يذهبكم " ، " من بعدكم " ، كما " أنشأكم ~~". ### || [6.133-134] # لما بين ثواب المطيعين وعقاب العاصين، وبين أن لكل قوم درجة ~~مخصوصة في الثواب والعقاب، بين أنه ms3727 غير محتاج إلى ثواب ~~المطيعين، أو ينتقص بمعصية المذنبين؛ لأنه - تعالى - غني ~~لذاته عن جميع العالمين، ومع كونه غنيا، فإن رحمته عامة ~~كاملة. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: ذو الرحمة بأوليائه وأهل ~~طاعته. # قوله: { وربك الغني } يجوز أن يكون الغني والرحمة ~~خبرين أو وصفين، و " إن يشأ " وما بعده خبر الأول، أو يكون " ~~الغني " وصفا و " ذو الرحمة " خبرا، والجملة الشرطية ~~خبر ثاني أو مستأنف. # فصل في دحض شبهة للمعتزلة # قالت المعتزلة: هذه الآية الكريمة دالة على كونه عادلا منزها ~~عن فعل القبيح، وعلى كونه رحيما محسنا بعباده؛ لأنه - ~~تبارك وتعالى - عالم بقبح القبائح، وعالم بكونه غنيا عنه, ~~وكل من كان كذلك, فإنه متعال عن فعل القبيح, وتقريره من ~~ثلاثة أوجه: # أحدها: أن في الحوادث ما يكون قبيحا؛ كالظلم والسفه والكذب ~~والعبث, وهذا غير مذكور في الآية لغاية ظهوره. # وثانيها: أنه - تعالى - عالم بالمعلومات؛ لقوله: # وما ربك بغافل عما يعملون # [الأنعام:132]. # وثالثها: أنه - تعالى - غني عن الحاجات؛ لقوله: { وربك ~~الغني } وإذا ثبتت هذه المقدمات، ثبت أنه عالم بقبح ~~القبائح وعالم بكون غنيا عنها، وإذا ثبت هذا، امتنع كونه ~~فاعلا لها؛ لأن المقدم على فعل القبيح إما أن يكون إقدامه ~~لجهله بكونه قبيحا، وإما لاحتياجه،فإذا كان عالما ~~بالكل، امتنع كونه جاهلا بقبح القبائح، وذلك يدل ~~على أنه - تعالى - منزه عن فعل القبيح، فحينئذ يقطع بانه لا ~~يظلم أحدا فلما كلف عبيده الأفعال الشاقة، وجب أن ~~يثيبهم عليها، ولما رتب العقاب على فعل المعاصي، وجب أن ~~يكون عادلا فيها، فحينئذ انتفى الظلم عن الله - تعالى -، فما ~~الفائدة في التكليف؟. # قال ابن الخطيب: والجواب أن التكليف إحسان ورحمة على ما ~~قرر في كتب الكلام. قوله: { إن يشأ يذهبكم } فقيل: المراد ~~يهلككم يا أهل مكة، وقيل: يميتكم، وقيل: يحتمل ألا ~~يبلغهم مبلغ التكليف، ويستخلف من بعد إذهابكم؛ لأن ~~الاستخلاف لا يكون إلى على طريق البدل. # قوله: { ما يشاء } يجوز أن تكون " ما " واقعة على ما هو من ~~جنس الآدميين، وإنما أتى ب " ما ms3728 " وهي لغير العاقل ~~للإبهام الحاصل، ويجوز أن تكون واقعة على غير العاقل ~~وأنه يأتي بجنس آخر، ويجوز أن تكون واقعة على النوع من ~~العقلاء كما تقدم. # قوله: { كما أنشأكم } فيه وجهان: # أحدهما: أنه مصدر على غير المصدر؛ لقوله: " ويستخلف " ~~لأن معنى " يستخلف ": ينشىء. # والثاني: أنها نعت مصدر محذوف، تقديره: استخلافا مثل ما ~~أنشأكم. # وقوله: " من ذرية " متعلق ب " أنشأكم " وفي " من " هذه ~~أوجه: أحدها: انها لابتداء الغاية، أي: ابتدأ إنشاءكم من ~~ذرية قوم. # الثاني: أنها تبعيضية، قاله ابن عطية. # الثالث: بمعنى البدل، قال الطبري وتبعه مكي بن أبي طالب: هي كقولك: " ~~أخذت من ثوبي درهما " أي: بدله وعوضه، وكون " من " بمعنى ~~البدل قليل أو ممتنع، وما ورد منه مؤول؛ كقوله - تعالى -: # لجعلنا منكم ملائكة # [الزخرف:60] أي: بدلكم. # وقوله: [الرجز] # 2316- جارية لم تأكل المرققا # ولم تذق من البقول الفستقا # أي: بدل البقول، والمعنى: من أولاد قوم متقدمين أصلهم آدم. # وقال الزمخشري: من أولاد قوم آخرين لم يكونوا على مثل ~~صفتكم، وهم أهل سفينة نوح. وقرأ أبي بن كعب: " ذرية ~~" بفتح الذال، وأبان بني عثمان: " ذرية " بتخفيف الراء ~~مكسورة، ويروى عنه أيضا: " ذرية ". بزنة ضربة، وقد تقدم ~~تحقيقه، وقرأ زيد بن ثابت: " ذرية " بكسر الذال، قال الكسائي ~~هما لغتان. # قوله: { إن ما توعدون لآت } " ما " بمعنى الذي وليست ~~الكافة، و " توعدون " صلتها، والعائد محذوف، أي: إن ما ~~توعدونه و " لآت " خبر مؤكد باللام. # قال الحسن: " ما توعدون " من مجيء الساعة؛ لأنهم كانوا ~~ينكرون الحشر. # وقيل: يحتمل الوعد والوعيد, ولما ذكر الوعد، جزم بكونه آتيا، ~~ولما ذكر الوعيد، ما زاد على قوله: { وما أنتم بمعجزين } وذلك ~~يدل على أن جانب الرحمة والإحسان غالب. ### || [6.135] # لما بين أن ما توعدون لآت، أمر رسوله بعده أن يهدد من ~~ينكر البعث من الكفار. # قرأ أبو بكر عن عاصم " مكاناتكم " بالجميع في كل القرآن، ~~أي: على تمكنكم. # وقال عطاء: على حالاتكم التي أنتم عليها، والباقون: ~~مكانتكم. # قال الواحدي: والوجه الإفراد؛ لأنه مصدر، والمصادر في أكثر ~~الأمر مفردة، ms3729 وقد يجمع في بعض الأحوال إلا أن الغالب هو ~~الأول، فمن أفرد فلإرادة الجنس، ومن جمع فليطابق ما بعده، ~~فإن المخاطبين جماعة، وقد أضيفت إليهم، وقد علم أن الكل ~~واحد مكانه. # قال الزمخشري: المكانة تكون مصدرا؛ يقال: مكن مكانة إذا ~~تمكن أبلغ التمكن، وبمعنى المكان؛ يقال: مكان ومكانة، ومقام ~~ومقامة، فقوله: { اعملوا على مكانتكم } يحتمل " اعملوا " ~~على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم, ويختمل ~~أن يراد " اعملوا " على حالتكم التي أنتم عليها, يقال ~~للرجل إذا أمر أن يثبت على حاله: مكانتك يا فلان, أي: ~~اثبت على ما أنت عليه لا تنحرف عنه, واختلف في ميم " ~~مكان " و " مكانة ": # فقيل: هي أصلية, وهما من مكن يمكن, وقيل: هما من الكون ~~فالميم زائدة, فيكون المعنى على لأول: اعملوا على تمكنكم ~~من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم، قال معناه أبو إسحاق ~~الزجاج، وعلى الثاني: اعملوا على جهتكم وحالكم التي أنتم ~~عليها. # قوله: " إني عامل " على مكانتي التي أنا عليها، والمعنى: أثبتوا ~~على عداوتكم وكفركم، فإني ثابت على الإسلام وعلى ~~مضارتكم، " فسوف تعلمون " أينا ينال العاقبة ~~المحمودة، وهذا أمر تهديد؛ كقوله: " اعملوا ما شئتم ". # قوله: { من تكون له } يجوز في " من " هذه وجهان: أحدهما: أن ~~تكون موصولة وهو الظاهر، فهي في محل نصب مفعولا به، و " ~~علم " هنا متعدية لواحد؛ لأنها بمعنى العرفان. # الثاني: أن تكون استفهامية، فتكون في محل رفع بالابتداء، و " ~~تكون له عاقبة الدار " تكون واسمها وخبرها في محل ~~رفع خبرا لها، وهي وخبرها في محل نصب: إما لسدها مسد ~~مفعول واحد إن كانت " علم " عرفانية، وإما لسدها مسد ~~اثنين إن كان يقينية. وقرأ الأخوان: " من يكون له عاقبة ~~الدار " هنا، وفي " القصص " [الآية: 37] بالياء، والباقون: بالتاء من ~~فوق، وهما واضحتان، فإن تأنيثها غير حقيقي، وقد تقدم ذلك في قوله: # ولا تنفعها شفاعة # [البقرة:123]. # وقوله: { إنه لا يفلح الظالمون }. # قال ابن عباس: أي لا يسعد من كفر بي وأشرك. # وقال الضحاك: لا يفوز. ### || [6.136] # لما بين قبح طريقهم في إنكار البعث، ذكر ms3730 بعده أنواعا من ~~جهالتهم؛ تنبيها على ضعف عقولهم وتنفيرا للعقلاء عن ~~الالتفات إلى كلماتهم، فمن جملتها أن يجعلوا لله من ~~حرثهم ومن أنعامهم نصيبا. # و " جعل " هنا بمعنى " صير " فيتعدى لاثنين: أولهما: " ~~نصيبا " ، والثاني: قوله " لله " و " مما ذرأ " يجوز أن ~~يتعلق ب " الجعل " وأن يتعلق بمحذوف؛ لأنه كان في الأصل صفة ~~ل " نصيبا " فلما قدم عليه انتصب حالا، والتقدير: وجعلوا ~~نصيبا مما ذرأ [الله] و " من الحرث " يجوز أن يكون بدلا " ~~مما ذرأ " بإعادة العامل؛ كأنه قيل وجعلوا لله من الحرث ~~والأنعام نصيبا، ويجوز أن يتعلق ب " ذرأ " وأن يتعلق ~~بمحذوف على أنه حال: إما من " ما " الموصولة، وأو من عائدها ~~المحذوف، وفي الكلام حذف مفعول اقتضاه [التقسيم]، والتقدير: ~~وجعلوا لله نصيبا من كذا، ولشركائهم نصيبا منه يدل عليه ~~ما بعده من قوله: { فقالوا هذا لله بزعمهم ~~وهذا لشركآئنا } [و " هذا لله " جملة منصوبة المحل ~~بالقول، وكذلك قوله: " وهذا لشركائنا " ] وقوله: " بزعمهم " ~~فيه وجهان: # أحدهما: أن يتعلق ب " قالوا " أي: فقالوا ذلك القول بزعم لا ~~بيقين واستبصار. # وقيل: هو متعلق بما تعلق به الاستقرار من قوله: " لله ". # وقرأ العامة بفتح الزاي من " زعمهم " في الموضعين، وهذه لغة ~~الحجاز وهي الفصحى، وقرأ الكسائي: " بزعمهم " بالضم ~~وهو لغة بني أسد، وهل الفتح والضم بمعنى واحد، أو المفتوح ~~مصدر والمضموم اسم؟ خلاف مشهور. # وقرأ ابن أبي عبلة " بزعمهم " بفتح الزاي والعين. # وفيه لغة رابعة لبعض قيس، وبني تميم وهي كسر الزاي، ولم ~~يقرأ بهذه اللغة فيما علمنا، وقد تقدم تحقيق " الزعم " ~~[في النساء آية 60]. # وقوله: " لشركائنا " يجوز فيه وجهان: # أحدهما: أن الشركاء من الشرك، ويعنون بهم: آلهتهم التي ~~أشركوا بينها وبين الباري - تعالى - في العبادة، وليست الإضافة ~~إلى فاعل ولا إلى مفعول، بل هي إضافة تخصيص، والمعنى: الشركاء ~~الذين أشركوا بينهم وبين الله - تعالى - في العبادة. # والثاني: أن الشركاء من الشركة، ومعنى كونهم سموا آلهتهم ~~شركاءهم: أنهم جعلوهم شركاء في أموالهم، وزروعهم، ~~وأنعامهم، ومتاجرهم وغير ذلك، فتكون الإضافة إضافة لفظية: ~~إما إلى ms3731 المفعول أي: شركائنا الذين شاركونا في أموالنا، ~~وإما إلى الفاعل، أي: الذين أشركناهم في أموالنا. # فصل في المراد بالآية # قال ابن عباس: كان المشركون يجعلون لله من حروثهم ~~وأنعامهم نصيبا، وللأوثان نصيبا، فما كان للصنم أنفقوه ~~على الأصنام وحدها، وما جعلوه لله أطعموه الضيفان ~~والمساكين، ولا يأكلون مه ألبتة، وإن سقط من نصيب الأوثان ~~فيما جعلوه لله؛ ردوه إلى الأوثان، وقالوا: إنها محتاجة، ~~وإن سقط شيء مما جعلوه لله في نصيب الأوثان، تركوه وقالوا: ~~إن الله غني عن هذا. # وقال الحسن والسدي: كان إذا هلك وانتقص شيء مما جعلوه ~~للأصنام خيروه بما جعلوه لله ولا يفعلون مثل ذلك فيما ~~لله - عز وجل -. # وقال مجاهد: المعنى: انه إذا انفجر من سقي ما جعلوه للشيطان ~~في نصيب الله - تعالى - سدوه، وإن كان على ضد ذلك، تركوه. # وقال قتادة: إذا أصابهم القحط، استعانوا بالله ووفروا ما ~~جعلوه لشركائهم. # وقال مقاتل: إن زكا ونما نصيب الآلهة، ولم يزك نصيب الله، ~~تركوا نصيب الآلهة، وإن زكا نصيب الله ولم يزك نصيب ~~الآلهة، أخذوا نصيب الله - تعالى - وقالوا: لا بد لآلهتنا من ~~نفقة، فأخذوا نصيب الله فأعطوه السدنة، فذلك قوله: { فما ~~كان لشركآئهم فلا يصل إلى الله وما كان لله ~~فهو يصل إلى شركآئهم } ، يعني: من نماء الحرث ~~والأنعام، فلا يصل إلى الله - تعالى - يعني: إلى المساكين، ~~وإنما قال: إلى الله؛ أنهم كانوا يفرزونه لله - تعالى - ~~ويسمونه نصيب الله، وما كان لله فهو يصل إليهم. # قوله: { ساء ما يحكمون } قد تقدم نظيره، وقد أعربها ~~الحوفي هنا، فقال: " ما " بمعنى الذي، والتقدير: ساء الذي ~~يحكمون حكمهم، فيكون " حكمهم " مبتدأ وما قبله الخبر، وحذف ~~لدلالة " يحكمون " عليه ويجوز أن تكون " ما " تمييزا، على ~~مذهب من يجيز ذلك في " بئسما " فتكون في موضع نصب، ~~التقدير: ساء حكما حكمهم، ولا يكون " يحكمون " صفة ل " ما ~~" لأن الغرض الإبهام، ولكن في الكلام حذف يدل عليه " ما " ~~والتقدير: ساء ما يحكمون فحذف " ما " الثانية. # قال شهاب الدين: و " ما " هذه إن كانت ms3732 موصولة، فمذهب ~~البصريين أن حذف الموصول لا يجوز وقد عرف ذلك، وإن كانت ~~نكرة موصوفة، ففيه نظر؛ لأنه لم يعهد حذف " ما " نكرة ~~موصوفة. # وقال ابن عطية: و " ما " في موضع رفع؛ كأنه قال: ساء الذي ~~يحكمون ولا يتجه عندي أن تجري " ساء " هنا مجرى " ~~نعم " و " بئس "؛ لأن المفسر هنا مضمر، ولا بد من إظهاره ~~باتفاق من النحاة وإنما اتجه أن يجري مجرى " بئس " في ~~قوله: # سآء مثلا القوم # [الأعراف:177] لأن المفسر ظاهر في الكلام. # قال أبو حيان: " وهذا كلام من لم ترسخ قدمه في الغربية، بل ~~شذ فيها شيئا يسيرا؛ لأنه إذا جرت " ساء " مجرى " بئس " ~~كان حكمها كحكمها سواء لا يختلف في شيء ألبتة من فاعل ~~ظاهر أو مضمر، أو تمييز ولا خلاف في جواز حذف المخصوص بالمدح ~~أو الذم، والتمييز بها لدلالة الكلام عليه ". # فقوله: " لأن المفسر هنا مضمر، ولا بد من إظهار باتفاق " ~~قوله ساقط ودعواه الاتفاق على ذلك - مع أن الاتفاق على خلافه - ~~عجب عجاب. ### || [6.137] # هذا نوع آخر من أحكامهم الفاسدة ومذاهبهم الباطلة. قوله: " ~~وكذلك زين " هذا في محل نصب نعتا لمصدر محذوف كنظائره، ~~فقدره الزمخشري تقديرين، فقال: " ومثل ذلك التزيين وهو تزيين ~~الشرك في قسمة القربان بين الله والآلهة، أو: ومثل ذلك ~~التزيين البليغ الذي علم من الشياطين ". # قال أبو حيان: قال ابن الأنباري: ويجوز أن يكون " كذلك " ~~مستأنفا غير مشار به إلى ما قبله، فيكون المعنى: وهكذا زين. # قال شهاب الدين: والمنقول عن ابن الانباري أنه مشار به إلى ما ~~قبله، نقل الواحدي عنه؛ أنه قال: " ذلك " إشارة إلى ما نعاه ~~الله عليهم من قسمهم ما قسموا بالجهل، فكأنه قيل: ومثل ذلك ~~الذي أتوه في القسم جهلا وخطأ زين لكثير من المشركين، فشبه ~~تزيين الشركاء بخطابهم في القسم وهذا معنى قول الزجاج، وفي ~~هذه الآية قراءات كثيرة، والمتواتر منها ثنتان. # الأولى: قرأ العامة " زين " مبنيا للفاعل و " قتل " نصب على ~~المفعولية و " أولادهم " خفض بالإضافة, و " شركاؤهم " رفع على ~~الفاعلية, وهي ms3733 قراءة واضحة المعنى والتركيب. # وقرأ ابن عامر: " زين " مبنيا للمفعول, " قتل " رفعا على ما ~~لم يسم فاعله, " أولادهم " نصبا على المفعول بالمصدر، ~~" شركائهم " خفضا على إضافة المصدر إليه فاعلا، وهذه القراءة ~~متواترة صحيحة، وقد تجرأ كثير من الناس على قارئها بما لا ~~ينبغي، وهو أعلى القراء السبعة سندا وأقدمهم هجرة. # أما علو سنده: فإنه قرأ على أبي الدرداء، وواثلة بن ~~الأسقع، وفضالة بن عبيد، ومعاوية بن أبي سفيان، والمغيرة ~~المخزومي، ونقل يحيى الذماري أنه قرأ على عثمان نفسه. # وأما قدم هجرته فإنه ولد في حياة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وناهيك به أن هشام بن عمار أحد شيوخ البخاري أخذ عن ~~أصحاب أصحابه وترجمته متسعة ذكرتها في " شرح القصيد ". # وإنما ذكرت هنا هذه العجالة تنبيها على خطإ من رد ~~قراءته ونسبه إلى لحن، أو اتباع مجرد المرسوم فقط. # قال أبو جعفر النحاس: وهذا يعني أن الفصل بين المضاف ~~والمضاف إليه بالظرف أو غيره لا يجوز في شعر ولا غيره، وهذا خطأ ~~من أبي جعفر؛ لما سنذكره من لسان العرب. # وقال أبو علي الفارسي: هذا قبيح قليل في الاستعمال، ولو عدل ~~عنها - يعني ابن عامر -، كان أولى؛ لأنهم لم يفصلوا بين المضاف ~~والمضاف إليه بالظرف في الكلام مع اتساعهم في الظروف، وإنما ~~أجازوه في الشعر قال: وقد فصلوا به - أي بالظرف - في كثير من ~~المواضع، نحو قوله تعالى: # إن فيها قوما جبارين # [المائدة:22]؛ وقال الشاعر في ذلك: [المتقارب] # 2317- على أنني بعدما قد مضى # ثلاثون - للهجر - حولا كميلا # وقول الآخر في هذا البيت: [الطويل] # 2318- فلا تلحني فيها فإن - بحبها - # أخاك مصاب القلب جم بلابله # ففصل بين " إن " واسمها بما يتعلق بخبرها، ولو كان بغير ~~الظرف، لم يجز، ألا ترى أنك لو قلت: " إن زيدا عمرا ~~ضارب " على أن يكون " زيدا " منصوبا ب " ضارب " لم يجز، فإذا ~~لم يجيزوا الفصل بين المضاف والمضاف إليه في الكلام ~~بالظرف مع اتساعهم فيه في الكلام، وإنما يجوز في الشعر؛ كقوله: ~~[الوافر] # 2319- كما خط الكتاب بكف ms3734 - يوما - # يهودي يقارب أو يزيل # فأن لا يجوز بالمفعول الذي لم يتسع فيه بالفصل أجدر، ووجه ذلك ~~على ضعفه وقلة الاستعمال: أنه قد جاء في الشعر على حد ما ~~قرأه قال الطرماح: [الطويل] # 2320- يطفن بحوزي المراتع لم ترع # بواديه من قرع - القسي - الكنائن # وأنشد أبو الحسن: [مجزوء الكامل] # 2321-................. # زج - القلوص - أبي مزاده # وقال أبو عبيد: وكان عبد الله بن عامر، وأهل الشام ~~يقرءونها: " زين " بضم الزاي " قتل " بالرفع، " أولادهم ~~" بالنصب، " شركائهم " بالخفض، ويتأولون " قتل شركائهم ~~أولادهم " فيفرقون بين الفعل وفاعله. # قال أبو عبيد: " ولا أحب هذه القراءة؛ لما فيها من الاستكراه ~~والقراءة عندنا هي الأولى؛ لصحتها في العربية، مع إجماع أهل ~~الحرمين والمصرين بالعراق عليها ". # وقال سيبويه في قولهم: # 2322- يا سارق الليلة أهل الدار # بخفض " الليلة " على التجوز وبنصب " الأهل " على ~~المفعولية، ولا يجوز " يا سارق الليلة أهل الدار " ~~إلا في شعر؛ كراهة أن يفصلوا بين الجار والمجرور، ثم قال: ~~ومما جاء في الشعر قد فصل بينه وبين المجرور قول عمرو بن ~~قميئة: [السريع] # 2323 - لما رأت ساتيدما استعبرت # لله در - اليوم - من لامها # وذكر أبياتا أخر. # ثم قال: وهذا قبيح ويجوز في الشعر على هذا: " مررت بخير ~~وأفضل من ثم ". # وقال أبو الفتح بن جني: " الفصل بين المضاف والمضاف إليه ~~بالظرف والجار والمجرور كثير، لكنه من ضرورة الشاعر ". # وقال مكي بن أبي طالب: " ومن قرأ هذه القراءة ونصب " الأولاد " ~~وخفض " الشركاء " فيه قراءة بعيدة، وقد رويت عن ابن عامر، ومجازها ~~على التفرقة بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول، وذلك إنما ~~يجوز عند النحويين في الشعر، وأكثر ما يكون بالظرف ". # قال ابن عطية - رحمه الله -: وهذه قراءة ضعيفة في استعمال ~~العرب، وذلك أنه أضاف الفعل إلى الفاعل، وهو الشركاء، ثم فصل ~~بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول، ورؤساء العربية لا يجيزون ~~الفصل بالظروف في مثل هذا إلا في شعر؛ كقوله: [الوافر] # 2324- كما خط - الكتاب بكف يوما # يهودي....................... # البيت فكيف بالمفعول في أفصح كلام؟ ولكن وجهها على ضعفها: ~~أنها وردت في بيت شاذ ms3735 أنشده أبو الحسن الأخفش، فقال: ~~[مجزوء الكامل] # 2325- فزججتها بمزجة # زج - القلوص - أبي مزاده # وفي بيت الطرماح، وهو قوله: [الطويل] # 2326- يطفن بحوزي المراتع لم ترع # بواديه من قرع - القسي - الكنائن # وقال الزمخشري - فأغلظ وأساء في عبارته - " وأما قراءة ابن عامر ~~- فذكرها - فشيء لو كان في مكان الضرورة وهو الشعر، لكان سمجا ~~مردودا كما سمج ورورد: # [مجزوء الكامل] # 2327-...................... # زج - القلوص - أبي مزاده # فكيف به في الكلام المنثور؟ كيف به في القرآن المعجز بحسن ~~نظمه وجزالته؟ الذي حمله على ذلك: أن رأى في بعض المصاحف " ~~شركائهم " مكتوبا بالياء، ولو قرأ بجر " الأولاد " و " ~~الشركاء " - لأن الأولاد شركاؤهم في أموالهم - لوجد في ذلك ~~مندوحة عن هذا الارتكاب ". # قال شهاب الدين: " سيأتي بيان ما تمنى أبو القاسم أن يقرأه ابن ~~عامر، وأنه قد قرأ به، فكأن الزمخشري لم يطلع على ذلك، ~~فلهذا تمناه ". # وهذه الأقوال التي ذكرتها جميعا لا ينبغي أن يلتفت إليها؛ ~~لأنها طعن في المتواتر، وإن كانت صادرة عن أئمة أكابر، ~~وأيضا فقد انتصر لها من يقابلهم وأورد من لسان العرب نظمه ~~ونثره ما يشهد لصحة هذه القراءة لغة. # قال أبو بكر بن الأنباري: " هذه قراءة صحيحة وإذا كانت العرب ~~قد فصلت بني المتضايفين بالجملة في قولهم: " هو غلام - إن ~~شاء الله - أخيك " يريدون: هو غلام أخيك، فأن يفصل ~~بالمفرد أسهل " انتهى. # وسمع الكسائي قول بعضهم: " إن الشاة لتجتر فتسمع صوت ~~والله ربها " ، أي: صوت ربها والله، ففصل بالقسم وهو في ~~قوة الجملة، وقرأ بعض السلف: { فلا تحسبن الله ~~مخلف وعده رسله } [إبراهيم:47] بنصب " وعده " وخفض " ~~رسله " وفي الحديث عنه - عليه الصلاة والسلام -: # " هل أنتم تاركو لي صاحبي، تاركوا لي امرأتي " # أي تاركو صاحبي لي، تاركو امرأتي لي. # وقال ابن جني في كتاب " الخصائص ": باب ما يرد عن العربي ~~مخالفا للجمهور، إذا اتفق شيء من ذلك، نظر في ذلك العربي ~~وفيما جاء به: فإن كان فصيحا وكان ما جاء به يقبله ~~القياس، فيحسن الظن به؛ لأنه يمكن أن يكون قد وقع إليه ~~ذلك ms3736 من لغة قديمة، قد طال عهدها وعفا رسمها. # أخبرنا أبو بكر جعفر بن محمد بن أبي الحجاج، عن أبي خليفة ~~الفضل بن الحباب، قال: قال ابن عوف عن ابن سيرين: قال عمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه -: " كان الشعر علم قوم لم يكون ~~لهم علم منه؛ فجاء الإسلام فتشاغلت عنه العرب بالجهاد ~~وغزو فارس والروم، ولهت عن الشعر وروايته، فلما كثر ~~الإسلام وجاءت الفتوح، وأطمأنت العرب في الأمصار، راجعوا ~~رواية الشعر فلم يئولوا إلى ديوان مدون، ولا إلى كتاب ~~مكتوب، وألفوا ذلك وقد هلك من هلك من العرب بالموت ~~والقتل، فحفظوا أقل ذلك وذهب عنهم كثيره ". # قال: وحدثنا أبو بكر، عن أبي خليفة عن يونس بن حبيب، عن أبي ~~عمرو بن العلاء. قال: " ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا ~~أقله، ولو جاءكم وافرا لجاءكم علم وشعر كثير ". # وقال أبو الفتح: " فإذا كان الأمر كذلك، لم نقطع على الفصيح ~~إذا سمع منه ما يخالف الجمهور بالخطإ، ما وجد طريق إلى ~~تقبل ما يورده، إلا إذا كان القياس يعاضده ". # قال شهاب الدين: وقراءة هذا الإمام بهذه الحيثية، بل بطريق الأولى ~~والأحرى لو لم تكن متواترة، فكيف وهي متواترة؟ وقال ابن ~~ذكوان: سألني الكسائي عن هذا الحرف وما بلغه من ~~قراءتنا، فرأيته كأنه أعجبه وترنم بهذا البيت: [البسيط] # 2328- تنفي يداها الحصى في كل هاجرة # نفي - الدراهيم - تنقاد الصياريف # بنصب " الدراهيم " [وجر " تنقاد " ، وقد روي بخفض " ~~الدراهيم " ورفع " تنقاد " وهو الأصل، وهو المشهور في ~~الرواية]. # وقال الكرماني: " قراءة انب عامر وإن ضعفت في العربية ~~للإحالة بين المضاف والمضاف إليه فقوية في الرواية ~~عالية " انتهى. # وقد سمع ممن يوثق بعربيته: " ترك يوما نفسك ~~وهواها سعي في رداها " أي: ترك نفسك يوما مع هواها ~~سعي في هلاكها. # وأما ما ورد في النظم من الفصل بين المتضايفين بالظرف، ~~وحرف الجر، وبالمفعول فكثير، وبغير ذلك قليل، فمن الفصل ~~بالظرف قول الشاعر: [الطويل] # 2329 - فرشني بخير لا أكونن ومدحتي # كناحت - يوما - صخرة بعسيل # قول الآخر: [الوافر] # 2330- كما خط ms3737 الكتاب بكف - يوما - # يهودي.................. # وقول الآخر: [السريع] # 2331 قد سألتني أم عمرو عن ال # أرض التي تجهل أعلامها # لما رأت ساتيدما استعبرت # لله در - اليوم - من لامها # تذكرت أرضا بها أهلها # أخوالها فيها وأعمامها # يريد: لله در من لامها اليوم، و " ساتيدما " قيل: هو ~~مركب والأصل: " ساتي دما " ثم سمي به هذا الجبل؛ لأنه قتل ~~عنده، قيل: ولا تبرح القتلى عند، وقيل: " ساتيد " كله اسم و ~~" ما " مزيدة؛ ومثال الفصل بالجار قوله: [الطويل] # 2332- هما أخوا - في الحرب - من لا أخا له # إذا خاف يوما نبوة فدعاهما # وقال الآخر في ذلك: [البسيط] # 2333- لأنت معتاد - في الهيجا - مصابرة # يصلى بها كل من عاداك نيرانا # وقوله أيضا: [البسيط] # 2334- كأن أصوات - منء إيغالهن بنا - # أواخر الميس أصوات الفراريج # قوله أيضا: [ الطويل] # 2335- تمر على ما تستمر وقد شفت # غلائل - عبد القيس منها - صدورها # يريد: هما أخوا من لا أخا له في الحرب، ولأنت معتاد ~~مصابرة في الهيجاء، وكأن أصوات أواخر الميس وغلائل صدورها، ومن ~~الفصل بالمفعول قول الشاعر في ذلك: [مجزوء الكامل] # 2336- فزججتها بمزجة # زج - القلوص - أبي مزاده # ويروى: فزججتها فتدافعت، ويروى: فزججتها متمكنا، وهذا ~~البيت كما تقدم أنشده الأخفش بنصب " القلوص " فاصلا بين ~~المصدر وفاعله المعنوي، إلا أن الفراء قال بعد إنشاده لهذا البيت: ~~أهل المدينة ينشدون هذا البيت يعني: بنصب " القلوص ". قال: " ~~والصواب: زج القلوص بالخفض ". قال شهاب الدين: وقوله: " ~~والصواب يحتمل أن يكون من حيث الرواية " أي: إن الصواب ~~خفضه على الرواية الصحيحة وأن يكون من حيث القياس، وإن لم ~~يرو إلا بالنصب، وقال في موضع آخر من كتابه " معاني القرآن ~~": " وهذا مما كان يقوله نحويو أهل الحجاز، ولم نجد مثله ~~في العربية " وقال أبو الفتح: " في هذا البيت فصل بينهما ~~بالمفعول به هذا مع قدرته على أن يقول: زج القلوص أبو مزادة؛ ~~كقولك: " سرني أكل الخبز زيد " بمعنى: أنه كان ينبغي أن ~~يضيف المصدر إلى مفعوله، فيبقى الفاعل مرفوعا على ~~أصله، وهذا معنى قول الفراء الأول " والصواب جر القلوص " ~~يعني ورفع ms3738 الفاعل ". ثم قال ابن جني: وفي هذا البيت عندي دليل ~~على قوة إضافة المصدر إلى الفاعل عندهم، وأنه في ~~نفوسهم أقوى من إضافته إلى المفعول؛ ألا تراه ارتكب هذه ~~الضرورة مع تمكنه من تركها لا لشيء غير الرغبة في إضافة ~~المصدر إلى الفاعل دون المفعول، ومن الفصل بالمفعول به أيضا ~~قول الآخر في ذلك: [الرجز] # 2337- وحلق الماذي والقوانس # فداسهم دوس الحصاد الدائس # أي: دوس الدائس الحصاد. # ومثله قول الآخر: [الرجز] # 2338 - يفرك حب السنبل الكنافج # بالقاع فرك - القطن - المحالج # يريد: فرك المحالج القطن، وقول الطرماح في ذلك: [الطويل] # 2339-................... # بواديه من قرع - القسي - الكنائن # يريد: قرع الكنائن القسي. # قال ابن جني في هذا البيت: " لم نجد فيه بدا من الفصل؛ لأن ~~القوافي مجرورة " وقال في " زج القلوص " فصل بينهما ~~بالمفعول به، هذا ما قدرته إلى آخر كلامه المتقدم، يعني: أنه ~~لو أنشد بيت الطرماح بخفض " القسي " ورفع " الكنائن " ~~لم يجز؛ لأن القوافي مجرورة بخلاف بيت الأخفش؛ فإنه لو خفض ~~" القلوص " ورفع " أبو مزادة " لم تختلف فيه قافيته ولم ~~ينكسر وزنه. # قال شهاب الدين: ولو رفع " الكنائن " في البيت، لكان جائزا وإن ~~كانت القوافي مجرورة، ويكون ذلك إقواء، وهو أن تكون بعض ~~القوافي مجرورة وبعضها مرفوعة؛ كقول امرئ القيس: [الكامل] # 2340 - تخدي على العلات سام رأسها # روعاء منسمها رثيم دام # ثم قال القائل: [الكامل] # 2341- جالت لتصرعني فقلت لها اقصري # إني امرؤ صرعي عليك حرام # فالميم مخفوضة في الأول، مرفوعة في الثاني. فإن قيل: هذا ~~عيب في الشعر. # قيل: لا يتقاعد ذلك عن أن يكون مثل هذه للضرورة، والحق أن ~~الإقواء أفحش وأكثر عيبا من الفصل المذكور، ومن ذلك أيضا: ~~[الوافر] # 2342-فإن يكن النكاح أحل شيء # فإن نكاحها مطر حرام # أي: فإن نكاح مطر إياها، فلما قدم المفعول فاصلا بين ~~المصدر وفاعله، اتصل بعامله؛ لأنه قدر عليه متصلا فلا ~~يعدل إليه منفصلا، وقد وقع في شعر أبي الطيب الفصل بين ~~المصدر المضاف على فاعله بالمفعول؛ كقوله: [الطويل] # 2343- بعثت إليه من لساني حديقة # سقاها ms3739 الحيا سقي - الرياض - السحائب # أي: سقي السحائب الرياض، وأما الفصل بغير ما تقدم فهو قليل، ~~فمنه الفصل بالفاعل. # كقوله: [الطويل] # 2344-................... # غلائل عبد القيس منها صدورها # ففصل بين " غلائل " وبين " صدورها " بالفاعل وهو " عبد ~~القيس " ، وبالجار وهو " منها " كما تقدم بيانه؛ ومثله قول ~~الآخر: [الطويل] # 2345- نرى أسهما للموت تصمي ولا تنمي # ولا ترعوي عن نقض - أهواؤنا - العزم # فأهواؤنا فاعل بالمصدر، وهو " نقض " وقد فصل به بين المصدر وبين ~~المضاف إليه وهو العزم؛ ومثله قول الآخر: [المنسرح] # 2346- أنجب أيام - والده به - # إذ نجلاه فنعم ما نجلا # يريد: أيام إذ نجلاه، ففصل بالفاعل وهو " والداه " المرفوع ب " ~~أنجب " بين المتضايفين وهما " أيام - إذ ولداه ". # قال ابن خروف: " يجوز الفصل بين المصدر والمضاف إليه بالمفعول؛ ~~لكونه في غير محله، ولا يجوز بالفاعل لكونه في محله وعليه ~~قراءة ابن عامر ". # قال شهاب الدين: هذا فرق بين الفاعل والمفعول حيث استحسن ~~الفصل بالمفعول دون الفاعل، ومن الفصل بغير ما تقدم أيضا ~~الفصل بالنداء؛ كقوله: [البسيط] # 2347- وفاق - كعب - بجير منقذ لك من # تعجيل مهلكة والخلد في سقر # وقول الآخر: [الطويل] # 2348- إذا ما - أبا حفص - أتتك رأيتها # على شقراء الناس يعلو قصيدها # وقول الآخر في ذلك: [الرجز] # 2349- كأن برذون - أبا عصام - # زيد حمار دق باللجام # يريد: " وفاق بجير يا كعب " و " إذا ما أتتك يا أبا حفص " و ~~" كأن برذون زيد يا أبا عصام ". # ومن الفصل أيضا الفصل بالنعت؛ كقول معاوية يخاطب به ~~عمرو بن العاص: [الطويل] # 2350- نجوت وقد بل المرادي سيفه # من ابن أبي شيخ الأباطح طالب # وقول الآخر في ذلك: [الكامل] # 2351-ولئن حلفت على يديك لأحلفن # بيمين أصدق من يمينك مقسم # يريد: من ابن أبي طالب شيخ الأباطح، فشيخ الأباطح نعت لأبي ~~طالب، فصل به بين أبي، وبين طالب، ويريد: لأحلفن بيمين مقسم ~~أصدق من يمينك؛ ف " أصدق " نعت لقوله بيمين، فصل به بين " ~~يمين " وبين " مقسم " ومن الفصل أيضا الفصل بالفعل ~~الملغى؛ كقوله في ذلك: [الوافر] # 2352- ألا يا صاحبي قفا المهارى # نسائل حي بثنة أين ms3740 سارا؟ # بأي تراهم الأرضين حلوا # أألدبران أم عسفوا الكفارا؟ # يريد: بأي الأرضين تراهم حلوا، ففصل بقوله " تراهم " بين " أي " ~~وبين الأرضين. # ومن الفصل أيضا الفصل بمفعول " ليس " معمولا للمصدر المضاف ~~إلى فاعل؛ كقول الشاعر:[البسيط] # 2353- تسقي امتياحا ندى المسواك ريقتها # كما تضمن ماء المزنة الرصف # أي: تسقي ندى ريقتها المسواك ف " المسواك " مفعول به ناصبة ~~" تسقي " فصل به بين " ندى " وبين " ريقتها " ، وإذ قد عرفت ~~هذا، فاعلم أن قراءة ابن عامر صحيحة؛ من حيث اللغة كما هي ~~صحيحة من حيث النقل، ولا التفات إلى قول من قال: إنه اعتمد ~~في ذلك على رسم مصحف الشام الذي أرسله عثمان بن عفان - ~~رضي الله عنه -؛ لأنه لم يوجد فيه إلا كتابة " شركائهم " بالياء ~~وهذا وإن كافيا في الدلالة على جر " شركائهم " ، فليس فيه ما ~~يدل على نصب " أولادهم "؛ إذا المصحف مهمل من شكل ونقط، ~~فلم يبق له حجة في نصب الأولاد إلا النقل المحض. # وقد نقل عن ابن عامر؛ أنه قرأ بجر " الأولاد " كما سيأتي ~~بيانه وتخريجه، وأيضا فليس رسمها " شركائهم " بالياء ~~مختصا بمصحف الشام، بل هي كذلك أيضا في مصحف أهل الحجاز. # قال أبو البرهسم: " في سورة الأنعام في إمام أهل الشام وأهل ~~الحجاز: " أولادهم شركائهم " بالياء، وفي إمان أهل العراق " ~~شركاؤهم " ولم يقرأ أهل الحجاز بالخفض في " شركائهم " لأن ~~الرسم سنة متبعة قد توافقها التلاوة وقد لا توافق ~~". # إلا أن الشيخ أبا شامة قال: " ولم ترسم كذلك إلا باعتبار ~~قراءتين: فالمضموم عليه قراءة معظم القراء " ثم قال: " وأما " ~~شركائهم " بالخفض؛ فيحتمل قراءة ابن عامر " قال شهاب الدين: وسيأتي ~~كلام أبي شامة هذا بتمامة في موضعه، وإما أخذت منه [بقدر] ~~الحاجة هنا. # فقوله: " إن كل قراءة تابعة لرسم مصحفها " تشكل بما ~~ذكرنا لك من أن مصحف الحجازيين بالياء، [مع أنهم لم ~~يقرءوا بذلك]. # وقد نقل أبو عمرو والداني أن: " شركائهم " بالياء]، إنما ~~هو في مصحف الشام دون مصاحف الأمصار؛ فقال: " في مصحف أهل ~~الشام " أولادهم شركائهم " بالياء، وفي سائر المصاحف ~~شركاؤهم بالواو ms3741 ". # قال شهاب الدين: هذا هو المشهور عند الناس، أعني اختصاص الياء ~~بمصاحف الشام، ولكن أبو البرهسم ثقة أيضا، فنقبل ما ينقله. ~~وقد تقدم قول الزمخشري: " والذي حمله على ذلك أن رأى في ~~بعض المصاحف " شركائهم " مكتوبا بالياء ". # وقال الشيخ [شهاب الدين] أبو شامة: " ولا بعد فيما استبعده ~~أهل النحو من جهة المعنى؛ وذلك أنه قد عهد المفعول على ~~الفاعل المرفوع لفظا, فاستمرت له هذه المرتبة مع الفاعل ~~المرفوع تقديرا، فإن المصدر لو كان منونا لجاز تقديم ~~المفعول على فاعله، نحو: " أعجبني ضرب عمرا زيد " فكذا في ~~الإضافة، وقد ثبت جواز الفصل بين حرف الجر ومجروره مع شدة ~~الاتصال بينهما أكثر من شدته بين المضاف والمضاف إليه؛ ~~كقوله - تعالى -: # فبما نقضهم ميثاقهم # [النساء:155] # فبما رحمة # [آل عمران:159] ف " ما " زائده في اللفظ، فكأنها ساقطة فيه ~~لسقوطها في المعنى, والمفعول المقدم هو غير موضعه معنى ~~فكأنه مؤخر لفظا، ولا التفات إلى قول من زعم أنه لم يأت في ~~الكلام المنثور مثله؛ لأنه ناف، ومن أسند هذه القراءة مثبت، ~~والإثبات مرجح على النفي بإجماع، ولو نقل إلى هذا الزاعم عن ~~بعض العرب أنه استعمله في النثر، لرجع إليه، فما باله لا ~~يكتفي بناقل القراءة من التابعين عن الصحابة؟ ثم الذي حكاه ~~ابن الأنباري يعني مما تقدم حكايته من قولهم: " هو غلام إن ~~شاء الله أخيك " فيه الفصل من غير الشعر بجملة ". # وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، والحسن البصري، وعبد الملك قاضي الجند ~~صاحب أن عامر: " زين " مبنيا للمفعول، " قتل " رفعا على ما ~~تقدم، " أولادهم " خفضا بالإضافة، " شركاؤهم " رفعا، وفي ~~رفعه تخريجان: # أحدهما - وهو تخريج سيبويه -: أنه مرفوع بفعل مقدر، تقديره: ~~زينه شركاؤهم، [فهو جواب لسؤال] مقدر كأنه قيل: من زينة ~~لهم؟ فقيل: " شركاؤهم "؛ وهذا كقوله تعالى: # يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال # [النور:36] أي: يسبحه. # وقال الآخر: [الطويل] # 2354- ليبك يزيد ضارع لخصومة # ................... # والثاني: خرجه قطرب - أن يكون " شركاؤهم " رفعا على الفاعلية ~~بالمصدر، والتقدير: زين للمشركين أن قتل أولادهم شركاؤهم؛ ~~كما تقول: " حبب لي ms3742 ركوب الفرس زيد " تقديره: حبب لي أن ~~ركب الفرس زيد، والفرق بني التخريجين: أن التخريج الأول ~~يؤدي إلى أن تكون هذه القراءة في المعنى، كالقراءة المنسوبة ~~للعامة في كون الشركاء مزيين للقتل، وليسوا قاتلين. # [والثاني: أن يكون الشركاء قاتلين]، ولكن ذلك على سبيل المجاز؛ ~~لأنهم لما زينوا قتلهم لآبائهم، وكانوا سببا فيه، نسب ~~إليهم القتل مجازا. # وقال أبو البقاء: " ويمكن أن يقع القتل منهم حقيقة " ، وفيه نظر؛ ~~لقوله - تبارك وتعالى -: " زين " والإنسان إنما يزين له فعل ~~نفسه؛ كقوله - تعالى -: # أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا # [فاطر:8] وقال غير أبي عبيد: " وقرأ أهل الشام كقراءة ابن عامر، ~~إلا أنهم خفضوا " الأولاد " أيضا، وتخريجها سهل؛ وهو أن تجعل " ~~شركائهم " بدلا من " أولادهم " بمعنى أنهم يشركونهم في ~~النسب، والمال، وغير ذلك ". # قال الزجاج: " وقد رويت " شركائهم " بالياء في بعض المصاحف، ~~ولكن لا يجوز إلا على أن يكون " شركاؤهم " من نعت الأولاد؛ لأن ~~أولادهم شركاؤهم في أموالهم ". # وقال الفراء بعد أن ذكر قراءة العامة وهي " زين " مبنيا ~~للفاعل، " شركاؤهم " مرفوعا على أنه فاعل - وقراءة " زين " ~~مبنيا للمفعول، " شركاؤهم " رفعا على ما تقدم من أنه بإضمار ~~فعل، وفي مصحف أهل الشام " شركايهم " بالياء، فإن تكن مثبتة ~~عن الأولين، فينبغي أن تقرأ " زين " ويكون الشركاء هم الأولاد؛ ~~لأنهم منهم في النسب والميراث. وإن كانوا يقرءون: " زين " ~~- يعني بفتح الزاي - فلست أعرف جهتها إلا أن يكونوا فيها ~~آخذين بلغة قوم يقولون: أتيتها عشايانا، ويقولون في تثنية ~~حمراء: حمرايان فهذا وجه أن يكونوا أرادوا: زين لكثير من ~~المشركين قتل أولادهم شركايهم، يعني بياء مضمومة؛ لأن " ~~شركاؤهم " فاعل كما مر في قراءة العامة. # قال: " وإن شئت جعلت " زين " فعلا إذا فتحته لا يلبس، ~~ثم تخفض الشركاء بإتباع الأولاد ". # قال أبو شامة: " يعني تقدير الكلام: " زين مزين " فقد أتجه ~~" شركائهم " بالجر أن يكون نعتا للأولاد، سواء قرىء زين ~~بالفتح أو الضم ". # وقرأت فرقة من أهل الشام - ورويت عن ابن عامر أيضا - " زين ~~" بكسر الزاي بعدها ياء ساكنة؛ على أنه ms3743 فعل ماض مبني للمجهول ~~على حد قيل وبيع. # وقيل: مرفوع على ما لم يسم فاعله، و " أولادهم " بالنصب، و " ~~شركائهم " بالخفض، والتوجيه واضح مما تقدم، فهي [و] ~~القراءة الأولى سواء،غاية ما في الباب: أنه أخذ من زان ~~الثلاثي، وبين للمفعول، فاعل بما قد عرفته في أول ~~البقرة. # واللام من قوله " لكثير من المشركين " متعلقة ب " زين " ، ~~وكذلك اللام في قوله: " ليردوهم ". # فإن قيل: كيف تعلق حرفي جر بلفظ واحد وبمعنى واحد بعامل واحد، ~~من غير بدلية ولا عطف؟. # فالجواب: أن معناها مختلف؛ فإن الأولى للتعدية والثانية ~~للعلية. # قال الزمخشري: " إن كان التزيين من الشياطين، فهي على حقيقة ~~التعليل، وإن كان من السدنة، فهي للصيرورة " يعني: أن ~~الشيطان يفعل التزيين وغرضه بذلك الإرداء، فالتعليل فيه ~~واضح، وأما السدنة فإنهم لم يزينوا لهم ذلك، وغرضهم ~~إهلاكهم، ولكن لما كان مآل حالهم إلى الإرداء، أتى باللام ~~الدالة على العاقبة والمآل. # فصل في بيان ما كان عليه أهل الجاهلية # كان أهل الجاهلية يدفنون بناتهم أحياء خوفا من الفقر ~~والتزويج، واختلفوا في المراد بالشركاء. # فقال مجاهد: شركاؤهم شياطينهم أمروهم بأن يقتلوا أولادهم ~~خشية الغيلة، وسميت الشياطين شركاء؛ لأنهم اتخذوها شركاء ~~لقوله - تبارك وتعالى -: # أين شركآؤكم الذين كنتم تزعمون # [الأنعام:22]. # وقال الكلبي: الشركاء سدنة آلهتهم وخدامهم، وهم الذين ~~كانوا يزينون للكفار قتل أولادهم، وكان الرجل يقوم في ~~الجاهلية فيحلف بالله إن ولد له كذا غلاما لينحرن ~~أحدهم، كما حلف عبد المطلب على ابنه عبد الله، وسميت ~~السدنة شركاء كما سميت الشياطين شركاء في قول ~~مجاهد، وقوله " ليردوهم " الإرداء في لغة القرآن الإهلاك # إن كدت لتردين # [الصافات:56]. # قال ابن عباس: " ليردوهم في النار " واللام ههنا لام ~~العاقبة؛ كقوله: # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا # [القصص:8]. # { وليلبسوا عليهم دينهم } أي: يخلطوا عليهم دينهم. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما - ليدخلوا عليهم الشك في دينهم، ~~وكانوا على دين إسماعيل فرجعوا عنه بلبس الشياطين. # قوله: " وليلبسوا " عطف على " ليردوا " علل التزيين ~~بشيئين: # بالإرداء وبالتخليط وإدخال الشبهة عليهم في دينهم. ms3744 # والجمهور على " وليلبسوا " بكسر الباء من لبست عليه الأمر ~~ألبسه، بفتح العين في الماضي وكسرها في المضارع؛ إذا ~~أدخلت عليه فيه الشبهة وخلطته فيه. # وقد تقدم بيانه في قوله: # وللبسنا عليهم ما يلبسون # [الأنعام:9]. وقرأ النخعي: " وليلبسوا " بفتح الباء فقيل: هي لغة في ~~المعنى المذكور، تقول: " لبست عليه الأمر بفتح الباء وكسرها ~~ألبسه وألبسه " والصحيح أن لبس بالكسر بمعنى لبس الثياب، ~~وبالفتح بمعنى الخلط، فالصحيح أنه استعار اللباس لشدة ~~المخالطة الحاصلة بينهم وبين التخليط؛ حتى كأنهم لبسوها ~~كالثياب، وصارت محيطة بهم. # قوله: { ولو شآء الله ما فعلوه } والضمير المرفوع ~~للكثير والمنصوب للقتل للتصريح به، ولأنه المسوق للحديث عنه. # وقيل: المرفوع للشركاء والمنصوب للتزيين. # وقيل: المنصوب للبس المفهوم من الفعل قبله وهو بعيد. # وقال الزمخشري: " لما فعل المشركون ما زين لهم من ~~القتل، أو لما فعل الشياطين أو السدنة التزيين أو ~~الإرداء أو اللبس، أو جميع ذلك إن جعلت الضمير جاريا ~~مجرى اسم الإشارة ". # قوله: " فذرهم وما يفترون " تقدم نظيره. # فصل في المراد من الآية # المعنى: ولو شاء الله لعصمهم حتى ما فعلوا ذلك من تحريم ~~الحرث والأنعام، وقتل الأولاد فذرهم يا محمد وما يفترون ~~يختلقون في الكذب، فإن الله لهم بالمرصاد. # قال أهل السنة: وهذا يدل على أن كل ما فعله المشركون - ~~فهو بمشيئة الله - تبارك وتعالى -. # وقالت المعتزلة: إنه محمول على مشيئة الإلجاء كما سبق. ### || [6.138] # وهذا نوع ثالث من أحكامهم الفاسدة،و هو أنهم قسموا ~~أنعامهم اقساما: # فأولها: قولهم: هذه أنعام وحرث حجر " لا يطعمها ". # قرأ الجمهور " أنعام " بصيغة الجمع وأبان بن عثمان " نعم " ~~بالإفراد، وهو قريب لأن اسم الجنس يقوم مقام الجمع، وقرأ ~~الجمهور: " حجر " بكسر الحاء المهملة وسكون الجيم. # وقرأ الحسن وقتادة والأعرج: بضم الحاء وسكون الجيم. # ونقل عن الحسن وقتادة أيضا: فتح الحاء وسكون الجيم، ونقل عن أبان بن ~~عثمان: ضم الحاء الجيم معا. # وقال هارون: كان الحسن يضم الحاء من " حجر " حيث وقع في ~~القرآن إلا موضعا واحدا [وهو]: # وحجرا محجورا # [الفرقان:53] # والحاصل: أن هذه ms3745 المادة تدل على المنع والحصر؛ ومنه: فلان في ~~حجر القاضي أي: في منعه، وفي حجري، أي: ما يمنع من الثوب ~~أن ينفلت منه شيء، وقد تقدم تحقيق ذلك في النساء. # فقوله: " وحرث حجر " أي: ممنوع ف " فعل " بمعنى مفعول؛ ~~كالذبح والنطح بمعنى مذبوح ومنطوح. # فإن قيل: قد تقدم شيئان: وهما أنعام وحرث، وجيء بالصفة مفردة. # فالجواب: أنه في الأصل مصدر, والمصدر يذكر ويوحد مطلقا. # قال الزمخشري: " ويستوي في الوصف به المذكر والمؤنث والواحد ~~والجمع؛ لأن حكمه حكم الأسماء غير الصفات " يعني بكونه حكمه حكم ~~الأسماء: أنه في الأصل مصدر لا صفة، فالاسم هنا يراد به ~~المصدر، وهومقابل الصفة. # وأما بقية القراءات: فقال أبو البقاء: " إنها لغات في الكلمة " ~~وفسر معناها بالممنوع. # قال شهاب الدين: ويجوز أن يكون المضموم الحاء والجيم مصدرا، وقد ~~جاء من المصادر للثلاثي ما هو عل وزن " فعل " بضم الفاء ~~والعين، نحو حلم، ويجوز أن يكون جمع " حجر " بفتح الحاء وسكون ~~الجيم، و " فعل " قد جاء قليلا جمعا " لفعل " نحو: سقف وسقف، ~~ورهن ورهن، وأن يكون جمعا ل " فعل " بكسر الفاء، و " فعل " ~~أيضا قد جاء جمعا " لفعل " بكسر الفاء وسكون العين، حو: حدج ~~وحدج، وأما حجر بضم الحاء وسكون الجيم: فهو مخفف من ~~المضمومة، فيجوز أن يكون مصدرا وأن يكون جمعا لحجر أو حجر. # وقرأ أبي بن كعب، وعبد الله بن العباس، وعبد الله بن مسعود، وعبد ~~الله بن الزبير، وعكرمة، وعمرو بن دينار، والأعمش: حرج ~~بكسر الحاء وراء ساكنة مقدمة على الجيم، وفيها تأويلان: # أحدهما: أنها من مادة الحرج وهو التضييق. # قال أبو البقاء: وأصله " حرج " بفتح الحاء وكسر الراء، ولكنه خفف ~~ونقل؛ مثل فخذ في فخذ. # قال شهاب الدين: ولا حاجة إلى ادعاء ذلك، بل هذا جاء بطريق ~~الأصالة على وزن فعل. # والثاني: أنه مقلوب من حجر، قدمت لام الكلمة على عينها، ~~ووزنه " فلع "؛ كقولهم: ناء في نأى، ومعيق في عميق، والقلب قليل ~~في لسانهم، وقد قدمت منه جملة في المائدة عند قوله - تبارك ms3746 ~~وتعالى -: # أشيآء # [المائدة:101]. # قوله: { لا يطعهما إلا من نشاء } هذه الجملة في محل ~~رفع نعتا ل " أنعام " وصفوه بوصفين: # أحدهما: أنه حجر. # والثاني: أنه لا يأكله إلا من شاءوا, وهم الرجال دون النساء، ~~أو سدنه الأصنام. # قال مجاهد - رضي الله عنه -: يعني بالأنعام: البحيرة والسائبة ~~والوصيلة والحامي، لا يطعمها ولا يأكلها إلا الرجال دون ~~النساء. # وقال غيره: الأنعام ما جعلوها لله ولآلهتهم على ما تقدم [ " ومن ~~نشاء " فاعل ب " يطعمها " وهو استثناء مفرغ، و " بزعمهم ": ~~حال كما تقدم] في نظيره. # قوله: { وأنعام حرمت ظهورها } وهي البحائر والسوائب ~~والحوامي، وهذا هو القسم الثاني وقد تقدم في المائدة، ~~والقسم الثالث: أنعام لا يذكرون اسم الله عليها بالذبح، وإنما ~~يذكرون عليها اسماء الأصنام. # وقيل: لا يحجون عليها، ولا يلبون على ظهورها، ولا ~~يركبونها لفعل الخير؛ لأنه لما جرت العادة بذكر اسم الله ~~على فعل الخير. # قوله: " افتراء " فيه أربعة أوجه: # أحدها - وهو مذهب سيبويه -: أنه مفعول من أجله، أي: قالوا ما ~~تقدم لأجل الافتراء على الباري - تبارك وتعالى- أي: يزعمون أن ~~الله أمرهم به افتراء عليه. # الثاني: مصدر على غير الصدر؛ لأن قولهم المحكي عنهم ~~افتراء, فهو نظير " قعد القرفصاء " وهو قول الزجاج. # الثالث: أنه مصدر عامله من لفظه مقدر، أي: افتروا ذلك ~~افتراء. # الرابع: أنه مصدر في موضع الحال، أي: قالوا ذلك حال افترائهم، ~~وهي تشبه الحال المؤكدة؛ لأن هذا القول المخصوص لا يكون ~~قائله إلا مفتريا. # وقوله: " على الله " يجوز تعلقه ب " افتراء " على القول ~~الأول والرابع، وعلى الثاني والثالث ب " قالوا " لا ب " ~~افتراء "؛ لأن المصدر المؤكد لا يعمل، ويجوز ان يتعلق بمحذوف ~~صفة ل " افتراء " وهذا جائز على كل الأقوال. # قوله: { سيجزيهم بما كانوا يفترون } والمقصود منه ~~الوعيد، و " الباء " في قوله: " بما " سببية، و " ما " مصدرية، ~~أو موصوفة، أو بمعنى الذي. ### || [6.139] # هذا نوع رابع من قضاياهم الفاسدة. # قال ابن عباس، وقتادة والشعبي: أراد أجنة البحائر والسوائب، ~~فما ولد منها حيا، فهو خالص للرجال دون النساء، وما ولد ~~منها ms3747 ميتا، أكله الرجال والنساء جميعا. # والجمهور على " خالصة " بالتأنيث مرفوعا على أنه خبر " ما ~~" الموصولة، والتأنيث: إما حملا على المعنى؛ لأن الذي في ~~بطون الأنعام أنعام، ثم حمل على لفظها في قوله: " ومحرم ~~" وإما لأن التأنيث للمبالغة كهو في " علامة " و " نسابة ~~و " راوية " و " الخاصة " و " العامة " وإما لأن " خالصة " ~~مصدر على وزن " فاعلة " كالعاقبة والعافية؛ وقال - تبارك ~~وتعالى -: # بخالصة ذكرى الدار # [ص:46] وهذا القول قول الفراء والأول له ولأبي إسحاق ~~الزجاج، والثاني للكسائي، وإذا قيل: إنها مصدر كان ذلك على ~~حذف مضاف، أي: ذو خلوص، أو على المبالغة، أو على وقوع ~~المصدر موقع اسم الفاعل؛ كنظائره كقول الشاعر: # 2355- وكنت أمنيتي وكنت خالصتي # وليس كل امرىء بمؤتمن # قال الكسائي: خالص وخالصة واحد، مثل وعظ وموعظة. # وهو مستفيض في لسانهم: فلان خالصتي، أي: ذو خلوصي. # و " لذكرونا " متعلق به، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه وصف ~~ل " خالصة " ، وليس بالقوي. # وقرأ عبد الله وابن جبير، وأبو العالية والضحاك، وابن أبي ~~عبلة: " خالص " مرفوعا على ما تقدم من غير هاء، و " ~~لذكورنا " متعلق به، أو بمحذوف كما تقدم، وقرأ ابن جبير، ~~نقله عنه ابن جني: " خالصا " نصبا من غير تاء، ونصبه على الحال ~~وفي صاحبه وجهان: # أظهرهما: أنه الضمير المستتر في الصلة. # الثاني: أنه الضمير المستتر في " لذكورنا " فإن " ~~لذكورنا " على هذه القراءة خبر المبتدأ، وهذا إنما يجوز على ~~مذهب أبي الحسن؛ لأنه يجيز تقديم الحال على عاملها ~~المعنوي، نحو: " زيد مستقر في الدار " والجمهور ~~يمنعونه، وقد تقدم تحقيقه. # وقرأ ابن عباس أيضا والأعرج، وقتادة: " خالصة " نصبا ~~بالتأنيث، والكلام في نصبه وتأنيثه كما تقدم في نظيره، وخرجه ~~الزمخشري على أنه مصدر مؤكد كالعاقبة. # وقرأ ابن عباس أيضا، وأبو رزين، وعكرمة، وأبو حيوة: " خالصة ~~" برفع " خالص " مضافا إلى ضمير " ما " , ورفعه على أحد وجهين: # إما على البدل من الموصول، بدل بعض من كل، و " لذكورنا " ~~خبر الموصول. # وإما على أنه مبتدأ، و " لذكورنا " خبره، والجملة خبر ~~الموصول، وقد عرفت مما تقدم أنه ms3748 حيث قلنا: إن " خالصة ~~" مصدر أو هي للمبالغة، فليس في الكلام حمل على معنى ثم على ~~لفظ، وإن قلنا: إن التأنيث فيها لأجل تأنيث ما في البطون، كان ~~في الكلام الحمل على المعنى أولا [ثم على اللفظ في قوله: " ~~محرم " ثانيا، وليس لذلك في القرآن نظير، أعني: الحمل على ~~المعنى أولا] ثم على اللفظ ثانيا، إلا أن مكيا زعم في ~~غير إعراب القرآن الكريم، له: أن لهذه الآية نظائر فذكرها ~~وأما في إعرابه: فلم يذكر أن غيرها في القرآن شاركها في ذلك؛ ~~فقال في إعرابه: " وإنما أنث الخبر؛ لأن ما في بطون الأنعام ~~أنعام؛ فحمل التأنيث على المعنى، ثم قال: " ومحرم " فذكر ~~حملا على لفظ " ما " وهذا نادر لا نظير له، وإنما يأتي في ~~" من " و " ما " حمل الكلام أولا على اللفظ ثم على المعنى ~~بعد ذلك، فاعرفه فإنه قليل ". # وقال في غير " الإعراب ": " هذه الآية في قراءة الجماعة أتت على ~~خلاف نظائرها في القرآن؛ لأن كل ما يحمل على اللفظ مرة وعلى ~~المعنى مرة، إنما يبتدىء أولا بالحمل على اللفظ ثم يليه ~~الحمل على المعنى، نحو: # من آمن بالله # [البقرة:62] [ثم قال]: " فلهم أجرهم " هكذا يأتي في القرآن وكلام ~~العرب، وهذه الآية تقدم فيها الحمل على المعنى، فقال: " خالصة ~~" ثم حمل على اللفظ، فقال: " وحرم " ومثله # كل ذلك كان سيئه # [الإسراء:38] في قراءة نافع ومن تابعه، فأنث على معنى " كل " لأنها ~~اسم لجميع ما تقدم مما نهى عنه من الخطايا، ثم قال: # عند ربك مكروها # [الإسراء:38] فذكر على لفظ " كل " وكذلك # ما تركبون لتستووا على ظهوره # [الرخرف:12، 13] جمع الظهور حملا على معنى " ما " [ووحد ~~الهاء حملا على لفظ " ما " ، وحكي عن العرب: " هذا الجراد قد ~~ذهب فأراحنا من أنفسه جمع الأنفس] ووحد الهاء وذكرها ". # قال شهاب الدين: أما قوله: " هكذا أتى في القرآن " فصحيح، وأما ~~قوله: " وكلام العرب " فليس ذلك بمسلم؛ إذ في كلام العرب البداية ~~بالحمل على المعنى ثم على اللفظ، وإن كان عكسه هوالكثير، ~~وأما ما جعله ms3749 نظير هذه الآية في الحمل على المعنى أولا ثم ~~على اللفظ ثانيا، فليس بمسلم أيضا، وكذلك لا نسلم أن هذه ~~الآية مما حمل فيها على المعنى أولا ثم على اللفظ ثانيا. # وبيان ذلك: أن لقائل أن يقول: صلة " ما " جار ومجرور وهو ~~متعلق بمحذوف، فتقدره مسندا لضمير مذكر، أي: ما استقر في ~~بطون هذه الأنعام، ويبعد تقديره باستقرت، إذا عرف هذا، ~~فيكون قد حمل أولا على اللفظ في الصلة المقدرة ثم على ~~المعنى ثانيا، وأما # كل ذلك كان سيئه # [الإسراء:38] فبدأ فيه أيضا بالحمل على اللفظ في قوله: " كان ~~" فإنه ذكر ضميره المستتر في " كان " ، ثم حمل على المعنى في ~~قوله: " سيئه " فأنث، وكذلك # لتستووا على ظهوره # [الزخرف:13] فإن قبله " ما تركبون " والتقدير: ما تركبونه، فحمل ~~العائد المحذوف على اللفظ أولا ثم حمل على المعنى ثانيا، ~~وكذلك في قولهم: " هذا الجراد قد ذهب " حمل على اللفظ فأفرد ~~الضمير في " ذهب " ثم حمل على المعنى ثانيا، فجمع في قوله: " ~~أنفسه " وفي هذه المواضع يكون قد حمل فيها أولا على اللفظ، ~~ثم على المعنى ثم على اللفظ، وكنت قد قدمت أن في القرآن ~~من ذلك أيضا ثلاثة مواضع: آية المائدة: # وعبد الطاغوت # [المائدة:60]، ولقمان: # ومن الناس من يشتري لهو الحديث # [لقمان:6]، و الطلاق: # من يؤمن بالله # [الطلاق:11]. # قوله ": " وإن يكن ميتة " قرأ ابن كثير: " يكن " بياء الغيبة ~~" ميتة " رفعا، وابن عامر: " تكن " بتاء التأنيث، " ميتة " ~~رفعا، وعاصم في رواية أبي بكر " تكن " بتاء التأنيث، " ميتة " ~~نصبا، والباقون " تكن " كابن كثير " ميتة " كأبي بكر والتذكير ~~والتأنيث واضحان؛ لأن الميتة تأنيث مجازي؛ لأنها تقع على ~~الذكر والأنثى من الحيوان فمن انث فباعتبار اللفظ، ومن ~~ذكر فباعتبار المعنى، هذا عند من يرفع " ميتة " ب " تكن ~~" أما " من ينصبها، فإنه يسند الفعل حينئذ إلى ضمير فيذكر ~~باعتبار لفظ " ما " في قوله: " ما في بطون " ويؤنث باعتبار ~~معناها، ومن نصب " ميتة " فعلى خبر " كان " الناقصة، ومن رفع ~~فيحتمل وجهين: # أحدهما: أن تكون التامة، وهذا هو الظاهر، أي: ms3750 وإن وجد ~~ميتة أو حدثت، وأن تكون الناقصة وحينئذ يكون خبروها ~~محذوفا، أي: وإن تكن هناك أو في البطون ميتة وهذا رأي ~~الأخفش، فيكون تقدير قراءة ابن كثير: وإن يحدث حيوان ~~ميتة، أو وإن يكن في البطون ميتة على حسب التقديرين تماما ~~ونقصانا، وتقدير قراءة ابن عامر كتقدير قراءته، إلا أنه أنث الفعل ~~باعتبار لفظ مرفوعه، وتقدير قراءة أبي بكر: وإن تكن الأنعام ~~أو الأجنة ميتة، فأنث حملا على المعنى، وقراءة الباقين ~~كتقدير قراءته، إلا أنهم ذكروا باعتبار اللفظ. # قال أبو عمرو بن العلاء: ويقوي هذه القراءة - يعني قراءة ~~التذكير والنصب - قوله: " فهم فيه " ولم يقل: " فيها " ~~ورد هذا على أبي عمرو: بأن الميتة لكل ميت ذكرا كان أو ~~أنثى، فكأنه قيل: وإن يكن~ ميتا فهم فيه، يعني: فلم يصر له ~~في تذكير الضمير في " فيه " حجة. # ونقل الزمخشري قراءة ابن عامر عن أهل مكة، فقال: " قرأ أهل ~~مكة " وإن تكن ميتة " بالتأنيث والرفع " فإن عنى بأهل مكة ~~ابن كثير - ولا أظنه عناه - فليس كذلك، وإن عنى غيره، فيجوز على ~~أنه يجوز أن يكون ابن كثير قرأ بالتأنيث أيضا لكن لم يشتهر ~~عنه اشتهار التذكير. # وقرأ يزيد " ميتة " بالتشديد, وقرأ عبد الله: " فهم فيه ~~سواء " قال شهاب الدين: وأظنها تفسير لا قراءة، لمخالفتها ~~السواد، وقوله: " وهم فيه " أي: أن الرجال والنساء فيه ~~شركاء. # قوله: { سيجزيهم وصفهم } أي: بوصفهم أو على وصفهم بالكذب على ~~الله سبحانه وتعالى: إنه حكيم عليم. ### || [6.140] # هذا جواب قسم محذوف وقرأ ابن كثير وابن عامر، وهي قراءة الحسن وأبي ~~عبد الرحمن: " قتلوا " بالتشديد؛ مبالغة وتكثيرا، والباقون ~~بالتخفيف. # و " سفها " نصب على الحال، أي: ذوي سفه أو على المفعول من ~~أجله، وفيه بعد؛ لأنه ليس علة باعثة أو على أنه مصدر لفعل ~~مقدر، أي: سفهوا سفها أو على أنه مصدر على غير الصدر؛ لأن ~~هذا القتل سفه. # وقرأ اليماني " سفهاء " على الجمع، وهي حال وهذه تقوي كون قراءة ~~العامة مصدرا في موضع الحال، حيث صرح بها، و ms3751 " بغير علم ": ~~إما حال أيضا وإما صفة ل " سفها " وليس بذاك. # فصل في إلزام الكفار الخسران. # واعلم أنه - تبارك وتعالى - ذكر فيما تقدم قتلهم أولادهم وتحريمهم ~~ما رزقهم الله، ثم إنه - تبارك وتعالى - جمع هذين الأمرين في ~~هذه الآية الكريمة، وبين ما لزمهم على هذا الحكم وهو الخسران ~~والسفاهة وعدم العلم، وتحريم ما رزقهم الله والافتراء على ~~الله، والضلال وعدم الاهتداء، فهذه أمور سبعة وكل واحد منها ~~سبب تام في حصول الذم، أما الخسران: فلأن الولد نعمة ~~عظيمة على العبد من الله، فمن سعى في إبطاله، فقد خسر ~~خسرانا عظيما، ولا سيما يستحق على ذلك الإبطال الذم العظيم ~~في الدنيا والعقاب في الآخرة، أما لذم في الدنيا: فلأن الناس ~~يقولون: قتل ولده خوفا من أن يأكل طعامه، وليس في الدنيا ~~ذم أشد منه. # وأما العقاب في الآخرة: فلأن قرابة الولادة أعظم موجبات المحبة، ~~فمع حصولها إذا أقدم على إلحاق أعظم المضار به، كان ذلك أعظم ~~أنواع الذنوب، فكان موجبا لأعظم أنواع العقاب. # وأما السفاهة: فهي عبارة عن الخفة المذمومة؛ وذلك لأن قتل ~~الولد إنما يكون للخوف من الفقر، والفقر وإن كان ضررا إلا أن ~~القتل أعظم منه، وأيضا فهذا القتل ناجز وذلك الفقر موهوم، ~~فالتزام أعظم المضار على سبيل القطع حذرا من ضرر موهوم لا ~~شك أنه سفاهة. # وأما قوله: " بغير علم " فالمقصود أن هذه السفاهة إنما تولدت ~~من عدم العلم، ولا شك أن الجهل أعظم المنكرات والقبائح. # وأما تحريم ما رزقهم الله: فهو من أعظم أنواع الحماقة؛ ~~لأنه يتبعه أعظم أنواع العذاب. # وأما الافتراء على الله: فلا شك أن الجرأة على الله، ~~والافتراء عليه أعظم الذنوب وأكبر الكبائر. # وأما الضلال: فهو عبارة عن الضلال عن الرشد في مصالح الدين ~~ومنافع الدنيا. # وأما قوله: { وما كانوا مهتدين } فالفائدة فيه أنه قد ~~يضل الإنسان عن الحق، إلا أنه يعود إلى الاهتداء، فبين - تبارك ~~وتعالى- أنهم قد ضلوا ولم يحصل لهم الاهتداء قط، وهذا نهاية ~~المبالغة في الذم. # فصل في نزول الآية # قال ms3752 المفسرون: نزلت هذه الآية في ربيعة ومضر وبعض من العرب ~~وغيرهم، كانوا يدفنون البنات أحياء مخافة السبي والفقر، ~~وكان بنو كنانة لا يفعلون ذلك وحرموا ما رزقهم الله يعني ~~بالبحيرة والسائبة والوصيلة والحامي افتراء على الله، حيث ~~قالوا: إن الله أمرهم بهذا { قد ضلوا وما كانوا ~~مهتدين }. ### || [6.141] # اعلم أنه - تعالى - لما جعل مدار هذا الكتاب الشريف على تقرير ~~التوحيد والنبوة والمعاد، وإثبات القضاء والقدر، وإنه - تبارك وتعالى ~~- بالغ في تقرير هذه الأصول، ثم شرح أحوال السعداء والأشقياء ~~وانتقل إلى تهجين طريقة منكري البعث، ونبه على ضعف ~~عقولهم، وتنفير الناس عن الالتفات إلى قوهم والاعتزاء ~~بشبهاتهم، عاد بعدها إلى المقصود الأصلي، وهو إقامة الدلائل على ~~تقرير التوحيد، فقال - تعالى -: { وهو الذي أنشأ جنات ~~معروشات } وهذا الدليل قد سبق في هذه السورة، وهو قوله - تعالى ~~-: # وهو الذي أنزل من السمآء مآء فأخرجنا به ~~نبات كل شيء # [الأنعام:99] فالآية المتقدمة ذكر فيها خمسة أنواع: وهي الزرع، ~~والنخل، وجنات من أعناب، والزيتون والرمان، وذكر في هذه الآية ~~الكريمة [هذه الخمسة وقال:] # مشتبها وغير متشابه # [الأنعام:99] وهنا { متشابها وغير متشابه } وذكر في الآية ~~المتقدمة: # انظروا إلى ثمره إذآ أثمر وينعه # [الأنعام:99] وذكر في هذه الآية: { كلوا من ثمره إذآ أثمر ~~وآتوا حقه يوم حصاده } فأذن في الانتفاع بها، وأمر بصرف ~~جزء منها إلى الفقراء، فالذي حصل به الامتياز بين الآيتين: أن ~~هناك أمر بالاستدلال بها على الصانع الحكيم وههنا أذن في ~~الانتفاع بها، وذلك تنبيه على أن الأمر بالاستدلال بها على ~~الصانع الحكيم مقدم على الإذن في الانتفاع، لأن الاستدلال على ~~الصانع يحصل به سعادة أبدية, والانتفاع يحصل به سعادة ~~جسمانية سريعة الانقضاء والأول أولى بالتقديم. # وقال القرطبي: ووجه اتصال هذا بما قبله: أن الكفار لما ~~افتروا على الله الكذب، وأشركوا معه وحللوا أو حرموا، ~~دلهم على وحدانيته بأنه خالق الأشياء، وأنه جعل هذه ~~الأشياء أرزاقا لهم. # قوله: { أنشأ جنات } أي: خلقها، يقال: نشأ الشيء ينشأ ~~نشأه ونشاءة، إذا ظهر وارتفع، والله ينشئه إنشاء، ms3753 أي: ~~يظهره ويرفعه. # وقوله: " معروشات " يقال: عرشت الكرم أعرشه عرشا ~~وعرشته تعريشا إذا عطفت العيدان التي تشال عليها قضبان ~~الكرم، والواحد عرش، والجمع عروش، ويقال: عريش وجمعه ~~عرش، واعترش العنب العريش اعتراشا، وفيه أقوال: # أحدها: قال الضحاك: إن المعروشات وغير المعروشات كلاهما ~~الكرم؛ فإن بعض الأعناب يعرش وبعضها لا يعرش، بل يبقى ~~على وجه الأرض منبسطا. # وثانيها: المعروشات: العنب التي يجعل لها عروش، وغير ~~المعروشات: كل ما ينبت منبسطا على وجه الأرض؛ مثل القرع ~~والبطيخ. # وثالثها: قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: المعروشات: ما ~~يحتاج أن يتخذ له عريش يحمل عليه؛ مثل الكرم والبطيخ ~~والقرع وغيرها، وغير المعروش: هو القائم على ساقه كالنخل ~~والزرع. # ورابعها: المعروشات: ما يحصل في البساتين والعمرانات مما يغرسه ~~الناس، وغير المعروشات: مما أنبته الله - تبارك وتعالى - وجني ~~في البراري والجبال. # فصل في معنى الزرع والنخل # والزرغ والنخل؛ فسر ابن عباس - رضي الله عنهما - الزرع ~~ههنا: لجميع الحبوب التي تقتات، أي: وأنشأ الزرع، وأفردا ~~بالذكر وهما داخلان في النبات؛ لما فيهما من الفضيلة على ما ~~تقدم بيانه في البقرة عند قوله - تعالى -: # من كان عدوا لله # [البقرة:98]. # قوله - تعالى -: { مختلفا أكله }: منصوب على الحال وفيها ~~قولان: # أحدهما: أنها حال مقدرة؛ لأن النخل والزرع وقت خروجهما لا ~~أكل فيهما؛ حتى يقال فيه: متفق أو مختلف؛ فهو كقوله - تبارك ~~وتعالى -: # فادخلوها خالدين # [الزمر:73]، كقولهم: " مررت برجل معه صقر صائدا به غدا " ~~أي: مقدرا الاصطياد به. # والثاني: أنها حال مقارنة، وذلك على حذف مضاف، أي: وثمر ~~النخل وحب الزرع، و " أكله " مرفوع ب " مختلفا " ~~[لأنه اسم فاعل، وشروط الإعمال موجودة، والأكل: الشيء ~~المأكول، وقد تقدم أنه يقرأ بضم الكاف وسكونها، ومضى تحقيقه ~~في البقرة: [265] والضمير في " أكله " الظاهر أنه يعود على ~~الزرع فقط: # إما لأنه حذف حالا من النخل؛ لدلالة هذه عليه، تقديره: ~~والنخل مختلفا أكله، والزرع مختلفا] أكله. # وإما لأن الزرع هو الظاهر فيه الاختلاف بالنسبة إلى ~~المأكول منه؛ كالقمح والشعير والفول والحمص والعدس وغير ذلك. # وقيل: إنها ms3754 تعود عليهما. # قال الزمخشري: والضمير للنخل والزرع داخل في حكمه، ~~لكونه معطوفا عليه. # وقال أبو حيان: وليس بجيد؛ لأن العطف بالواو، ولا يجوز ~~إفراد ضمير المتعاطفين. # وقال الحوفي: " والهاء في " أكله " عائدة على ذكر ما تقدم من ~~هذه الاشياء المنشآت " وعلى هذا الذي ذكره الحوفي: لا تختص ~~الحال بالنخل والزرع، بل يكون لما تقدم جميعه. # قال أبو حيان: " ولو كان كما زعم، لكان التركيب: " أكلها " ~~إلا إن أخذ ذلك على حذف مضاف، أي: ثمر جنات، وروعي هذا ~~المحذوف فقيل: " أكله " بالإفراد على مراعاته، فيكون ذلك ~~كقوله: # أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج # [النور:40] أي: أو كذا ظلمات، ولذلك أعاد الضمير في يغشاه ~~عليه ". # قال شهاب الدين: فيبقى التقدير: مختلفا أكل ثمر ~~الجنات وما بعدها، [وهذا] يلزم منه إضافة الشيء إلى نفسه؛ ~~لأن الأكل كما تقدم غير مرة أنه الثمر المأكول. # قال الزمخشري في الأكل: " وهو ثمره الذي يؤكل ". # وقال ابن الأنباري: إن " مختلفا " نصب على القطع، فكأنه ~~قال: " والنخل والزرع المختلف أكلهما " وهذا رأي الكوفيين، ~~وقد تقدم إيضاحه غير مرة. # وقوله: # والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه ~~انظروا إلى ثمره إذآ أثمر وينعه إن في ~~ذلكم لآيات لقوم يؤمنون # وقد تقدم إيضاحه [الأنعام:99]. # قال القرطبي: " والزيتون والرمان " عطف عليه، { ~~متشابها وغير متشابه } نصب على الحال، وفي هذه أدلة ثلاثة: # أحدها: ما تقدم من إقامة الدليل على أن المتغيرات لا بد لها ~~من مغير. # الثاني: أن الدلالة على المنة منه - سبحانه وتعالى - علينا، فلو ~~شاء إذ خلقنا ألا يخلق لنا غذاء، وإذا خلقه ألا ~~يكون جميل المنظر طيب الطعم، وإذا خلقه كذلك ألا يكون ~~سهل الجني، فلم يكن عليه أن يفعل ذلك ابتداء؛ لأنه لا يجب ~~عليه شيء. # الثالث: الدلالة على القدرة في أن يكون الماء الذي من شأنه ~~الرسوب، يصعد بقدرة علام الغيوب من أسافل الشجرة إلى ~~أعاليها، حتى إذا انتهى إلى آخرها، نشأ فيها أوراق ليست من ~~جنسها، وثمر خارج من الجرم الوافر، واللون الزاهر، ~~والجنى الجديد، والطعم اللذيد؛ ms3755 فأين الطباع وأجناسها؟ وأين ~~الفلاسفة وأناسها؟ هل في قدرة الطبيعة أن تتقن هذا الإتقان، ~~أو ترتب هذا الترتيب العجيب؟ كلا لم يتم ذلك في العقول ~~إلا بتدبير عالم قدير مريد، فسبحان من له في كل شيء آية ~~ونهاية! # فصل في المقصود من خلق المنافع # لما ذكر كيفية خلقه لهذه الأشياء، ذكر ما هو المقصود ~~الأصلي من خلقها، وهو انتفاع المكلفين؛ فقال: { كلوا من ~~ثمره إذا أثمر } واختلفوا ما الفائدة منه؟ # قال بعضهم: فائدته الإباحة. # وقال آخرون: المقصود منه إباحة الأكل قبل إخراج الحق؛ لأنه - ~~تعالى - لما أوجب الحق فيه، كان يجوز أن يحرم على المالك ~~تناوله لمشاركة المساكين، بل هذا هو الظاهر، فأباح هذا الأكل ~~وأخرج وجوب الحق فيه من أن يكون مانعا من هذا التصرف. # وقال بعضهم: بل أباح - تعالى - ذلك ليبين أن المقصد بخلق ~~هذه النعم الأكل، وأما تقديم ذكر الأكل على التصدق؛ لأن رعاية ~~النفس متقدمة على الغير؛ قال: # ولا تنس نصيبك من الدنيا # [القصص:77]. # فصل في بيان الأصل في المنافع # تمسك بعضهم بقوله: { كلوا من ثمره إذا أثمر } بأن ~~الأصل في المنافع: الإباحة؛ لأن قوله - تعالى -: " كلوا " خطاب ~~عام يتناول الكل، فصار كقوله: # خلق لكم ما في الأرض # [البقرة:29] ويمكن التمسك به على أن الأصل: عدم وجوب الصدقة؛ ~~لأن من ادعى إيجابه، كان هو المحتاج إلى الدليل، فيتمسك به ~~في أن المجنون إذا أفاق في أثناء الشهر، لا يلزمه قضاء ~~ما قضى، وفي أن الشارع في صوم النفل لا يجب عليه الإتمام. # فصل # قال القرطبي: قوله - تعالى - { كلوا من ثمره إذآ أثمر ~~} هذان بناءان جاءا بصيغة أفعل. أحدهما: للإباحة؛ كقوله: # فانتشروا في الأرض # [الجمعة:10] والثاني: للوجوب، وليس يمتنع في الشريعة اقتران ~~الإباحة والواجب وبدأ بذكر نعمة الأكل قبل الأمر بإيتاء الحق؛ ~~ليبين أن الابتداء بالنعمة كان من فضله قبل التكليف. # وقال ابن الخطيب: وعلى أن صيغة الأمر ترد لغير الوجوب ~~والندب، وعند هذا، قال بعضهم: الأصل في الاستعمال: الحقيقة؛ ~~فوجب جعل هذه الصيغة مفيدة لرفع الحرج؛ ms3756 فلهذا قالوا: الأمر ~~يقتضي الإباحة إلا أن نقول: يعلم بالضرورة من لغة العرب، ~~أن هذه الصيغة تفيد ترجيح جانب الفعل، فحملها على الإباحة ~~لا يصار إليه إلا بدليل منفصل. # قوله: { وآتوا حقه يوم حصاده } قرأ أبو عمر وابن عامر ~~وعاصم بفتح الحاء: " حصاده " والباقون بكسرها، وهما لغتان في ~~المصدر؛ كقولهم؛ جداد وجداد، وقطاف وقطاف، وحران وحران ~~والصرام والصرام. # قال سيبويه: جاءوا بالمصدر حين أرادوا انتهاء الزمان على ~~مثال: " فعال " وربما قالوا فيه: " فعال " يعني: أن هذا مصدر ~~خاص دال على معنى زائد على مطلق المصدر؛ فإن المصدر ~~الأصلي إنما هو الحصد، فالحصد ليس فيه دلالة على انتهاء ~~زمان ولا عدمها؛ بخلاف الحصاد والحصاد. # ونسب الفراء الكسر لأهل الحجاز، والفتح ل " تميم " و " نجد " ، ~~واختار أبو عبيد الفتح؛ قال: للفخامة، وإن كانت الأخرى " ~~فاشية غير مدفوعة " ، ومكي الكسر؛ قال: " لأنه الأصل، وعليه ~~أكثر الجماعة ". # وقوله: " يوم حصاده " فيه وجهان: # أحدهما: أنه منصوب ب " آتوا " أي: أعطوا واجبة يوم الحصاد، ~~واستشكل بعض الناس ذلك بأن الإيتاء إنما يكون بعد التصفية، ~~فيكيف يوجب الأيتاء في يوم الحصد؟ # وأجيب: بأن ثم محذوفا، والتقدير: إلى تصفيته، قالوا: ~~فيكون الحصاد سببا للوجوب الموسع، والتصفية سبب ~~للأداء، وأحسن من هذا أن يكون المعنى: واهتموا بإيتاء ~~الواجبة فيه واقصدوه في ذلك اليوم. # الثاني: أنه منصوب بلفظ " حقه " على معنى: وأعطوا ما استحق ~~منه يوم حصاده، فيكون الاستحقاق ثابتا يوم الحصاد والأداء بعد ~~التصفية؛ ويؤيد ذلك تقدير المحذوف عند بعضهم كما ~~قدمته، وقال في نظير هذه الآية: # انظروا إلى ثمره # [الأنعام:99]، وفي هذه: " كلوا " قيل: لأن الأولى سيقت للدلالة على ~~كمال قدرته، وعلى إعادة الأجسام من عجب الذنب، فأمر بالنظر ~~والتفكر في البداية والنهاية، وهذه سيقت في معرض كمال ~~الامتنان فناسب الأمر بالأكل، وتحصل من مجموع الآيتين: ~~الانتفاع الأخروي والدنيوي، وهذا هو السبب لتقدم ~~النظر على الأمر بالأكل كما قدمنا. # فصل في معنى الحق هنا # اختلفوا في هذا الحق: # فقال ابن عباس في رواية عطاء وطاوس والحسن وجابر بن ms3757 زيد وسعيد ~~بن المسيب: أنها الزكاة المفروضة من العشر فيما سقت ~~السماء، ونصف العشر فيما سقي بالكلفة. # وقال علي بن الحسين وعطاء ومجاهد وحماد والحكم هو حق في المال ~~سوى الزكاة أمر بإيتائه، لأن الآية مكية وفرضت الزكاة ~~بالمدينة. # قال إبراهيم: هو الضغث وقال الربيع: لقاط السنبل. # وقال مجاهد: كانوا يعلقون العذق عند الحرم، فيأكل منه ~~كل من مر. # وقال يزيد بن الأصم: كان أهل المدينة إذا أحرموا يجيئون بالعذق ~~فيعلقونه في جانب المسجد، فيجيء المسكين فيضربه بعصاه ~~فيسقط منه. # وقال سعيد بن جبير: كان هذا حقا يؤمر بإيتائه شفي ابتداء ~~الإسلام، فصار منسوخا بإيجاب العشر. # وقال مقسم عن ابن عباس: نسخت الزكاة كل نفقة في القرآن. # والصحيح الأول؛ لأن قوله - تعالى -: { وآتوا حقه يوم ~~حصاده } إنما يحسن ذكره إذا كان ذلك الحق معلوما قبل ورود ~~هذه الآية؛ لئلا تبقى هذه الآية مجملة. # وقال - عليه السلام -: # " ليس في المال حق سوى الزكاة " # فوجب أن يكون المراد بهذا الحق حق الزكاة. # قوله: { وآتوا حقه يوم حصاده } بعد ذكر العنب والنخل ~~والزرع والزيتون والرمان يدل على وجوب الزكاة في ~~الثمار كما يقوله أبو حنيفة، فإن لفظ الحصاد قيل: هو مخصوص ~~بالزرع. # فالجواب: لفظ الحصد في اللغة عبارة عن القطع، وذلك يتناول ~~الكل، وأيضا فالضمير في قوله: " حصاده " يجب عوده إلى أقرب ~~المذكورات وذلك هو الزيتون والرمان، فوجب أن يعود ~~الضمير. # فصل في بيان زكاة الزروع # قال أبو حنيفة: العشر واجب في القليل والكثير لهذه الآية. # وقال الأكثرون: لا يجب إلا إذا بلغ خمسة أوسق؛ لأن الحديث عن ~~الحق الواجب ههنا ما هو. # قال القرطبي: وبهذه الآية استدل من أوجب العشر في الخضروات؛ ~~لقوله تعالى: { وآتوا حقه يوم حصاده } والمذكور قبله ~~الزيتون والرمان، والمذكور عقب الجملة ينصرف إلى الأخيرة ~~بلا خلاف قاله الكيا الطبري. # قوله: " ولا تسرفوا " قال أبو العباس عن ابن الأعرابي: ~~السرف تجاوز الحد. # وقال غيره: سرف المال: ما ذهب منه من غير منفعة. # قال القرطبي: الإسراف في اللغة: الخطأ. # قال ms3758 ابن عباس " وحق الله " في رواية الكلبي عنه؛ أن ثابت بن قيس ~~بن شماس جذذ خمسمائة نخلة, وقسمها في يوم واحد ولم يترك ~~لأهله شيئا؛ فأنزل الله هذه الآية. # وقال السدي: " لا تسرفوا؛ أي: لا تعطوا أموالكم ~~فتقعدوا فقراء ". # قال الزجاج - رحمه الله -: فعلى هذا إذن: إعطاء الإنسان كل ~~ماله، ولم يوصل إلى عياله شيئا وقد أسرف؛ لقوله - عليه الصلاة ~~والسلام -: # " ابدأ بنفسك ثم بمن تعول ". # وقال سعيد بن المسيب: معناه لا تمنعوا الصدقة فعلى الأول ~~معنى الإسراف؛ تجاوز [الحد في الإعطاء، وعلى هذا الإسراف: ~~تجاوز] الحد في المنع. # وقال مقاتل: لا تسرفوا: لا تشركوا الأصنام في الحرث ~~والأنعام. # وقال الزهري: معناه: لا تنفقوا في معصية الله - تعالى -. # قال مجاهد: لو كان أبو قبيس ذهبا فأنفقه أحد في سبيل الله ~~وطاعة الله، لم يكن مسرفا: ولو أنفق درهمان في معصية ~~الله، كان مسرفا، وهذا المعنى أراده الشاعر بقوله: [الوافر] # 2356- ذهاب المال في جهد وأجر # ذهاب لا يقال له: ذهاب # قيل لحاتم الطائي: لا خير في السرف، فقال: لا سرف في ~~الخير. # وروى ابن وهب عن ابن زيد قال: الخطاب إلى السلاطين، يقول: لا ~~تأخذوا فوق حقكم، قال - عليه الصلاة والسلام - # " المعتدي في الصدقة كمانعها ". # وقال أبو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الإسراف ما لم يقدر على ~~رده إلى الصلاح. # وقال النصر بن شميل: الإسراف: التبذير والإفراط، والسرف: ~~الغفلة والجهلة، وقوله - عز وجل -: { إنه لا يحب ~~المسرفين } [الأنعام:141] المقصود منه الزجر؛ لأن كل من لا ~~يحبه الله - تعالى - فهو من أهل النار؛ لقوله - تعالى - # قل فلم يعذبكم بذنوبكم # [المائدة:18] حين قالوا # نحن أبناء الله وأحباؤه # [المائدة:18]. ### || [6.142] # قوله - تعالى - { حمولة وفرشا } منصوبان على أنهما ~~نسقا على " جنات " أي: وأنشأ من الأنعام حمولة، و " الأنعام ~~" قيل: هي من الإبل خاصة، وقيل: الإبل والبقر والغنم. # وقيل: ما أحله الله - تعالى - من الحيوان؛ قاله أحمد بن يحيى، ~~قال القرطبي: وهذا أصحها. # وقال القرطبي: فعوله بفتح الفاء، إذا كانت بمعنى الفاعل ~~استوى فيها المذكر ms3759 والمؤنث؛ نحو قولك: رجل فروقه للجبان ~~والخائف، ورجل صرورة وامرأة صرورة إذا لم يحجا؛ ولا جمع له ~~فإذا كانت بمعنى المفعول, فرق بين المذكر والمؤنث بالهاء، ~~كالحلوبة والركوبة، والحمولة بضم الحاء: أحمال وأما الحمول: ~~بالضم بغير هاء فهي الإبل التي عليه الهوادج كان فيها نساء ~~أو لم يكن؛ قاله أبو زيد. # والحمولة: ما أطاق الحمل عليه من الإبل, والفرش: صغارها هذا ~~هو المشهور في اللغة. # وقيل الحمولة: كبار الأنعام، أعني: الإبل والبقر والغنم، ~~والفرش: صغارها قال: " ويدل له أنه أبدل منه قوله بعد ذلك: " ~~ثمانية أزواج من الضأن " كما سيأتي لأنها دانية من الأرض ~~بسبب صغر أجرامها مثل الفرش وهي الأرض المفروش عليها ". # وقال الزجاج: أجمع أهل اللغة على أن الفرش صغار الإبل، ~~وأنشد القائل: [الرجز] # 1257- أورثني حمولة وفرشا # أمشها في كل يوم مشا # وقال الآخر: [الرمل] # 2358- وحوينا الفرش من أنعامكم # والحمولات وربات الحجال # قال أبو زيد: " يحتمل أن يكون سميت بالمصدر؛ لأن الفرش في ~~الأصل مصدر " والفرش لفظ مشترك بين معان كثيرة: منها ما تقدم، ~~ومنها: متاع البيت والفضاء الواسع، واتساع خف البعير ~~قليلا، والأرض الملساء، عن أبي عمرو بن العلاء، ونبات يلتصق ~~بالأرض، ومنه قول الشاعر: [الرجز] # 2359- كمشفر الناب تلوك الفرشا # وقيل الحمولة: كل ما حمل عليه من إبل وبقر وبغل وحمار. # والفرش هنا: ما اتخذ من صوفه ووبره وشعره ما يفترش، ~~وأنشدوا للنابعة: [الطويل] # 2360- وحلت بيوتي في يفاع ممنع # تخال به راعي الحمولة طائرا # وقال عنترة: [الكامل] # 2361- ما راعني إلا حمولة أهلها # وسط الديار تسف حب الخمخم # قوله: { كلوا مما رزقكم الله } يريد: ما أحلها لكم. # قالت المعتزلة: إنه - تبارك وتعالى - أمر بأكل الرزق، ومنع من أكل ~~الحرام ينتج أن الرزق ليس بحرام. # ثم قال - تعالى -: { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } أي: ~~التحليل والتحريم من عند أنفسكم، كما فعله أهل الجاهلية، ~~أي: لا تسلكوا طرائق الشيطان وأبان { إنه لكم عدو مبين } ~~أي: بين العداوة أخرج آدم من الجنة، وقوله: # لأحتنكن ذريته إلا قليلا # [الإسراء:62]. # قال الزجاج: في خطوات ms3760 الشيطان ثلاثة أوجه: ضم الطاء، وفتحها، ~~وإسكانها. ### || [6.143-144] # قوله تعالى: { ثمانية أزواج } في نصبه ستة أوجه: # أحسنها: أن يكون بدلا من " حمولة وفرشا " لولا ما نقله ~~الزجاج من الإجماع المتقدم، ولكن ليس فيه أن ذلك محصور في ~~الإبل، والقول بالبدل هو قول الزجاج والفراء. # والثاني: أنه منصوب ب " كلوا " الذي قبله أي: كلوا ثمانية ~~أزواج، ويكون قوله - تعالى -: { ولا تتبعوا } إلى آخره ~~كالمعترض بين الفعل ومنصوبه، وهو قول علي بن سليمان ~~وقدره: كلوا لحم ثمانية. # وقال أبو البقاء - رحمه الله -: هو منصوب ب " كلوا " ~~تقديره:كلوا مما رزقكم الله ثمانية أزواج، " ولا تسرفوا " ~~معترض بينهما. # قال شهاب الدين: صوابه أن يقول: " ولا تتبعوا " بدل " ولا ~~تسرفوا "؛ لأن " كلوا " - الذي يليه " ولا تسرفوا " - ليس ~~منصبا على هذا؛ لأنه بعيد منه، ولأن بعده ما هو أولى منه ~~بالعمل، ويحتمل أن يكون الناسخ غلط عليه، وإنما قال هو: " ولا ~~تتبعوا "؛ ويدل على ذلك أنه قال: " تقديره: كلوا مما رزقكم ~~الله " و " كلوا " الأول ليس بعده " مما رزقكم " ، إنما هو ~~بعد الثاني. # الثالث: أنه عطف على " جنات " أي: أنشأ جنات وأنشأ ثمانية ~~أزواج، ثم حذف الفعل وحرف العطف؛ وهو مذهب الكسائي. # قال أبو البقاء: " وهو ضعيف ". # قال شهاب الدين: الأمر كذلك وقد سمع ذلك في كلامهم نثرا ونظما: ~~ففي النثر قوله: " أكلت لحما سمكا تمرا " وفي نظمهم قول ~~الشاعر: [الخفيف] # 2362- كيف أصبحت كيف أمسيت مما # يزرع الود في فؤاد الكريم # أي: أكلت لحما وسمكا وتمرا، وكيف أصبحت وكيف أمسيت، وهذا على ~~أحد القولين في ذلك. # والقول الثاني: أنه بدل بداء؛ ومنه الحديث: # " إن الرجل ليصلي الصلاة، وما كتب له نصفها ثلثها ~~ربعها " # إلى أن وصل إلى العشر. # الرابع: أنه منصوب بفعل محذوف مدلول عليه بما في اللفظ، ~~تقديره: كلوا ثمانية أزواج؛ وهذا أضعف مما قبله. # الخامس: أنه منصوب على الحال، تقديره: مختلفة أو متعددة، ~~وصاحب الحال: " الأنعام " فالعامل في الحال ما تعلق به الجار ~~وهو " من " # السادس: أنه منصوب على البدل من محل " مما رزقكم ms3761 الله ". # فصل في بيان كلمة " زوج " # الواحد إذا كان وحده فهو فرد، وإذا كان معه غيره من جنسه ~~سمي زوجا وهما زوجانح قال - تعالى -: # خلق الزوجين الذكر والأنثى # [النجم:45] وقال: " ثمانية أزواج " ثم فسرها بقوله: " من ~~الضأن اثنين ومن المعز اثنين ومن البقر اثنين ". # قال القرطبي: والزوج: خلاف الفرد؛ يقال: زوج أو فرد كما يقال ~~خسا أو ذكا، شفع، أو وتر, فقوله: " ثمانية أزواج " يعني ثمانية ~~أفراد وكل فرد عند العرب يحتاج إلى آخر يسمى زوجا، يقال للذكر: ~~زوج وللأنثى زوج، ويقع لفظ الزوج للواحد والاثنين، يقال: هما ~~زوجان وهما: زوج؛ كما يقال: هما سيان وهما سواء، وتقول: ~~اشتريت زوجي حمام وأنت تعني: ذكرا وأنثى. # قوله: " من الضأن اثنين " في نصب " اثنين " وجهان: # أحدهما: أنه بدل من " ثمانية أزواج " وهو ظاهر قول ~~الزمخشري؛ فإنه قال: والدليل عليه " ثمانية أزواج " ثم ~~فسرها بقوله: " من الضأن اثنين " الآية؛ وبه صرح أبو البقاء ~~فقال: " واثنين بدل من الثمانية وقد عطف عليه بقية الثمانية ~~". # والثاني: أنه منصوب ب " أنشا " مقدرا؛ وهو قول الفارسي و ~~" من " تتعلق بما نصب " اثنين ". # والجمهور على تسكين همزة " الضأن " وهو جمع ضائن وضائنه؛ ~~كتاجر وتاجرة وتجر، وصاحب وصاحبة وصحب، وراكب وراكبة ~~وركب. # وقرأ الحسن وطلحة بن مصرف وعيسى بن عمر: " الضأن " بفتحها؛ وهو ~~إما جمع تكسير لضائن؛ كما يقال: خادم وخدم, وحارس وحرس، ~~وطالب وطلب، وإما اسم جمع، ويجمع الضأن على ضئين؛ كما يقال: ~~كلب وكليب؛ قال القائل: [الطويل] # 2363 -....................... # فبذت تبلهم وكليب # وقيل: الضئين والكليب اسما جمع, ويقال: ضئين بكسر الضاد, ~~وكأنها إتباع لكسر الهمزة؛ نحو: بعير وشعير بكسر الباء ~~والشين لكسر العين, و " الضأن " معروف وهو ذو الصوف من ~~الغنم, و " المعز ": ذو الشعر منها. # فصل فيما يقال في الجمع من النعم ونحوه # قال الجوهري: يقال: صرمة من الإبل, وقطيع من الغنم, ~~وكوكبة من الفرسان, وكبكبة من الرجال, وخرقة من ~~الغلمان, ولمة من النساء, ورعيل من الخيل, وسرب من ~~الظباء, وعرجلة من السباع, وعصابة من الطير, ورجل ms3762 من ~~الجراد وحشرم من النحل. # وقال غيره: يقال أيضا: سرب من القطا. # قال الشاعر في ذلك: [الطويل] # 2364- أسرب القطا هل من يعير جناحه # لعلي إلى أرض الحبيب أطير # وقرا أبان بن عثمان: اثنان بالرفع على الابتداء، والخبر ~~الجار قبله، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: " المعز " بفتح ~~العين والباقون بسكونها، وهما لغتان في جمع ماعز، وقد تقدم ~~أن فاعلا يجمع على فعل تارة، وعلى فعل أخرى؛ كتاجر وتجر ~~وخادم وخدم، وتقدم تحقيقه، ويجمع أيضا على معزى وبها قرأ ~~أبي، قال امرؤ القيس: [الوافر] # 2365- ألا إن لا تكن إبل فمعزى # كأن قرون جلتها العصي # وقال أبو زيد: إنه يجمع على أمعوز؛ وأنشد: [الكامل] # 2366-................... # كالتيس في أمعوزه المتربل # ويجمع أيضا على معيز؛ وأنشدوا لامرىء القيس: [الوافر] # 2367- ويمنحها بنو شمجى بن جرم # معيزهم حنانك ذا الحنان # قال القرطبي: والمعز من الغنم خلاف الضأن، وهي ذوات ~~الأشعار والأذناب القصار، وهو اسم جنس، وكذلك المعز والمعيز ~~والأمعوز والمعزى، وواحد المعز: ماعز؛ مثل صاحب وصحب، ~~والأنثى ماعزة وهي العنز والجمع مواعز، وأمعز القوم: كثرت ~~معزاهم، والمعاز: صاحب المعزى والمعز: الصلابة من ~~الأرض، والأمعز: المكان الصلب الكثير الحصى، والمعزاء أيضا، ~~واستمعز الرجل في أمر: جد، والأبل: اسم جمع لا واحد له من ~~لفظه بل واحده جمل وناقة وبعير، ولم يجيء اسم على " ~~فعل " عند سيبويه غيره، وزاد غير سيبويه بكرا وإطلا ووتدا ~~ومشطا، وسيأتي لهذا مزيد بيان في [سورة] الغاشية - إن شاء الله ~~تعالى - والنسبة إليه إبلي بفتح الباء لئلا يتوالى ~~كسرتان مع ياءين. # قوله: " آلذكرين حرم " آلذكرين: منصوب بما بعده؛ وسبب إيلائه ~~الهمزة ما تقدم في قوله: # أأنت قلت للناس # [المائدة:116] و " أم " عاطفة للأنثيين على الذكرين؛ وكذلك " ~~أم " الثانية عاطفة " ما " الموصولة على ما قبلها، فمحلها ~~نصب، تقديره: أم الذي اشتملت عليه أرحام، فلما التقت الميم ~~ساكنة مع ما بعدها، وجب الإدغام. # قال القرطبي: ووردت المدة مع أل الوصل؛ لتفرق بين الاستفهام ~~والخبر، ويجوز حذف الهمزة؛ لأن " أم " تدل على الاستفهام؛ ~~كقوله: [المتقارب] # 2368 ms3763 - تروح من الحي أم تبتكر # وماذا يضيرك لو تنتظر # و " أم " في قوله - تعالى -: { أم كنتم شهداء } منقطعة ليست ~~عاطفة؛ لأن ما بعدها جملة مستقلة بنفسها فتقدر ب " بل ~~" والهمزة، والتقدير: بل أكنتم شهداء، و " إذا ": منصوب ب ~~" شهداء " أنكر عليهم ما ادعوه، وتهكم بهم في نسبتهم إلى ~~الحضور في وقت الإيصاء بذلك، و " بهذا ": إشارة إلى جميع ما ~~تقدم ذكره من المحرمات عندهم. # فصل فيما كان عليه أهل الجاهلية # قال المفسرون: إن أهل الجاهلية كانوا يقولون: هذه الأنعام ~~حرث حجر، وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا، ~~ومحرم على أزواجنا وحرموا البحيرة والسائبة والوصيلة ~~والحام، وكانوا يحرمون بعضها على الرجال والنساء، وبعضها ~~على النساء دون الرجال، فلما قام الإسلام [وبينت] الأحكام ~~جادلوا النبي صلى الله عليه وسلم وكان خطيبهم مالك بن عوف ~~أخو الأحوص الخيثمي؛ فقالوا: يا محمد، بلغنا أنك تحرم أشياء ~~مما كان آباؤنا يفعلونه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إنكم حرمتم أصنافا من النعم على غير أصل، وإنما خلق ~~الله هذه الأزواج الثمانية للأكل والانتفاع بها، فمن أين جاء هذا ~~التحريم: من قبل الذكر، أم من قبل الأنثى " # ؟ قال: فسكت مالك بن عوف، وتحير فلم يتكلم، فلو قال: ~~جاء التحريم بسبب الذكورة؛ وجب أن يحرم جميع الذكور، وإن ~~كان بسبب الأنوثة، وجب أن يحرم جميع الإناث، وإن كان باشتمال ~~الرحم عليه، فينبغي أن يحرم الكل؛ لأن الرحم لا تشتمل ~~إلا على ذكر أو أنثى، أما تخصيص الرحم بالولد الخامس أو ~~السابع، أو بالبعض دون البعض، فمن أين؟ # قال ابن الخطيب - رحمه الله -: وهذا عندي بعيد جدا؛ لأن لقائل أن ~~يقول: هب أن هذه الأنواع - أعني الضأن، والمعز، والإبل، والبقر ~~محصورة في الذكر والإناث، إلا أنه لا يجب أن يكون علة ~~تحريم ما حكوا بتحريمه محصورة في الذكورة والأنوثة؛ بل علة ~~تحريمها لكونها بحيرة أو سائبة أو وصيلة أو حاما أو سائر ~~الاعتبارات؛ كما أنا إذا قلنا: إنه - تعالى - حرم ذبح بعض ~~الحيوان لأجل ms3764 الأكل. # فإذا قيل: إن ذلك الحيوان إن كان قد حرم لكونه ذكرا, وجب أن ~~يحرم كل حيوان ذكر، وإن كان قد حرم لكونه أنثى، وجب أن ~~يحرم كل حيوان أنثى، ولما لم يكن هذا الكلام لازما علينا، ~~فكذا هذا الوجه الذي ذكره المفسرون في هذه الآية الكريمة, ~~ويجب على العاقل أن يذكر في تفسير كلام الله وجها صحيحا، ~~فأما تفسيره بالوجه الفاسد فلا يجوز, والأقرب عندي وجهان: # أحدهما: أن يقال: إن هذا الكلام ما ورد على سبيل الاستدلال على ~~بطلان قولهم، بل هو استفهام على سبيل الإنكار، يعني: إنكم لا ~~تقرون بنبوة نبي, ولا تعرفون شريعة شارع، فكيف ~~تحكمون بأن هذا يحل، وأن ذلك يحرم. # وثانيها: حكمهم بالبحيرة والسائبة الوصيلة والحام مخصوص ~~بالإبل، فالله - تبارك وتعالى - بين أن النعم عبارة عن هذه ~~الأنواع الأربعة فلما لم يحكموا بهذه الأحكام في الأقسام ~~الثلاثة، وهي: الضأن والمعز، والبقر، فكيف خصصتم الإبل بهذا ~~الحكم دون الغير، فهذا ما عندي في هذه الآية. # ثم قال: { أم كنتم شهدآء إذ وصاكم الله بهذا } # أي: هل شاهدتم الله حرم هذا، إن كنتم لا تؤمنون برسول، وحاصل ~~الكلام من هذه الآية: أنكم لا تقرون بنبوة أحد من ~~الأنبياء، وكيف تثبتون هذه الأحكام المختلفة. # ولما بين ذلك قال: { فمن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا ليضل الناس بغير علم }. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: يريد عمرو بن لحي؛ لأنه هو ~~الذي غير شريعة إسماعيل - عليه الصلاة والسلام -. # قال ابن الخطيب: " والأقرب أن يكون هذا محمولا على كل من فعل ~~ذلك، لأن اللفظ عام، والعلة الموجبة لهذا الحكم عامة، ~~فالتخصيص تحكم محض ". # فصل في دحض شبهة للمعتزلة # قال القاضي: دلت الآية على أن الإضلال عن الدين مذموم، وذلك ~~لا يليق بالله - أن تبارك وتعالى -؛ لأنه إذا ذم الإضلال الذي ~~ليس فيه إلا تحريم المباح، فالذي هو أعظم منه أولى بالذم. # وأجيب: بأنه ليس كل ما كان مذموما منا كان مذموما من الله - تعالى ~~-؛ ألا ترى أن الجمع بين ms3765 العبيد والإماء، وتسليط الشهوة ~~عليهم، وتمكينهم من أسباب الفجور مذموم منا، وليس ~~مذموما من الله فكذا ههنا. # قوله: { إن الله لا يهدي القوم الظالمين }. # قال القاضي: " لا يهديهم إلى ثوابه ". # وقال أهل السنة: " المراد لا يهدي أولئك المشركين، أي: لا ~~ينقلهم من ظلماات الكفر إلى نور الإيمان " ، وتقدم الكلام ~~الثاني. ### || [6.145-147] # قوله تعالى: { قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما } ~~الآيات. # لما بين فساد طريقة أهل الجاهلية فيما يحل ويحرم من ~~المطعومات - أتبعه بالبيان الصحيح. # روي أنهم قالوا: فما المحرم إذن؟ فنزل: قل يا محمد: { لا أجد ~~في ما أوحي إلي } شيئا { محرما على طاعم يطعمه } أي: ~~آكل يأكله. # قوله: " محرما " منصوب بقوله: " لا أجد " وهو صفة لموصوف ~~محذوف؛ حذف لدلال قوله: " على طاعم يطعمه " ، والتقدير: لا أجد ~~طعاما محرما، و " على طاعم " متعلق ب " محرما " ، و " ~~يطعمه " في محل جر صفة ل " طاعم ". # وقرأ الباقر ونقلها مكي عن أبي جعفر -: " يطعمه " بتشديد ~~الطاء، وأصلها " يتطعمه " افتعال من الطعم، فأبدلت التاء طاء لوقوعها ~~بعد طاء للتقارب، فوجب الإدغام. # وقرأت عائشة، ومحمد بن الحنفية، وأصحاب عبد الله بن مسعود ~~رضي الله عنهم: " تطعمه " بالتاء من فوق وتشديد العين فعلا ~~ماضيا. # قوله: { إلا أن يكون } منصوب على الاستثناء، وفيه وجهان: # أحدهما: أنه متصل. قال أبو البقاء: " استثناء من الجنس، وموضعه ~~نصب، أي: لا أجد محرما إلا الميتة ". # والثاني: أنه منقطع، قال مكي: " وأن يكون في موضع نصب على ~~الاستثناء المنقطع ". # وقال أبو حيان: و { إلا أن يكون } استثناء منقطع؛ دلائله ~~كون، وما قبله عين، ويجوز أن يكون موضعه نصبا بدلا على ~~لغة تميم، ونصبا على الاستثناء على لغة الحجاز، يعني أن ~~الآستثناء المنقطع في لغتان: # إحداهما: لغة الحجاز، وهو وجوب النصب مطلقا. # وثانيتهما: لغة التميميين - يجعلونه كالمتصل، فإن كان في ~~الكلام نفي أو شبهه، رجح البدل، وهنا الكلام نفي ~~فيترجح نصبه عند التميميين على البدل، دون النصب على ~~الاستثناء؛ فنصبه من وجهين، وأما الحجاز: فنصبه عندهم من ~~وجه واحد، وظاهر كلام ms3766 أبي القاسم الزمخشري أنه متصل؛ ~~فإنه قال: " محرما " أي: طعاما محرما من المطاعم التي ~~حرمتموها إلا أن يكون ميتة، أي: إلا أن يكون الشيء ~~المحرم ميتة. # وقرأ ابن عامر في رواية: " أوحى " بفتح الهمزة والحاء مبنيا ~~للفاعل؛ وقوله تعالى: { قل ءآلذكرين } وقوله: " نبئوني " ~~، وقوله أيضا: " آلذكرين " ثانيا، وقوله: { أم كنتم شهداء ~~} جمل اعتراض بين المعدودات التي وقعت تفصيلا ~~لثمانية أزواج. # قال الزمخشري: " فإن قلت: كيف فصل بين المعدود وبين ~~بعضه ولم يوال بينه؟. # قلت: قد وقع الفاصل بينهما اعتراضا غير أجنبي من ~~المعدود؛ وذلك أن الله - عز وجل - من على عباده بإنشاء ~~الأنعام لمنافعهم وبإياحتها لهم، فاعترض بالاحتجاج على من ~~حرمها، والاحتجاج على من حرمها تأكيد وتشديد ~~للتحليل, والاعتراضات في الكلام لا تساق إلا للتوكيد ". # وقرأ ابن عامر: " إلا أن تكون ميتة " بالتأنيث ورفع " ~~ميتة " يعني: إلا أن يوجد ميتة، فتكون تامة عنده، ويجوز ~~أن تكون الناقصة والخبر محذوف، تقديره: إلا أن يكون هناك ~~ميتة، وقد تقدم أن هذا منقول عن الأخفش في قوله قبل ذلك # وإن يكن ميتة # [الأنعام:139]. # وقال أبو البقاء: " ويقرأ برفع " ميتة " على أن تكون تامة، وهو ~~ضعيف؛ لأن المعطوف منصوب ". # قال شهاب الدين: كيف يضعف قراءة متواترة؟ وأما قوله: " لأن ~~المعطوف منصوب " فذلك غير لازم؛ لأن النصب على قراءة من ~~رفع " ميتة " يكون نسقا على محل " أن تكون " الواقعة ~~مستثناة، تقديره: إلا أن يكون ميتة، وإلا دما مسفوحا، ~~وإلا لحم خنزير. # وقال مكي: وقرأ أبو جعفر: " إلا أن تكون " بالتاء، " ميتة " ~~بالرفع ثم قال: وكان يلزم أبا جعفر أن يقرأ " أو دم " ~~بالرفع، وكذلك ما بعده. # قال شهاب الدين: هذه قراءة ابن عامر، نسبها لأبي جعفر يزيد بن ~~القعقاع المدني شيخ نافع؛ وهو محتمل، وقوله: " كان ~~يلزمه " إلى آخره هو معنى ما ضعف به أبو البقاء هذه القراءة، ~~وتقدم جواب ذلك، واتفق أن ابن عامر يقرأ: " وإن تكن ~~ميتة " بالتأنيث والرفع وهنا كذلك. # وقرأ ابن كثير وحمزة: " تكون " بالتأنيث، " ميتة " بالنصب على ~~أن اسم " تكون ms3767 " مضمر عائد على مؤنث أي: إلا أن يكون ~~المأكول أو النفس أو الجثة ميتة، ويجوز أن يعود ~~الضمير من " تكون " على " محرما " وإنما أنث الفعل لتأنيث ~~الخبر؛ كقوله: # ثم لم تكن فتنتهم إلا أن # [الأنعام:23] بنصب " فتنتهم " وتأنيث " تكن ". # وقرأ الباقون: " يكون " بالتذكير، " ميتة " نصبا، واسم " ~~يكون " يعود على قوله: " محرما " أي: إلا أن يكون ذلك ~~المحرم، وقدره أبو البقاء ومكي وغيرهما: " إلا أن يكون ~~المأكول " ، أو " ذلك ميتة ". # قوله: { أو دما مسفوحا } " دما " على قرءاة العامة: معطوف ~~على خبر " يكون " وهو " ميتة " وعلى قراءة ابن عامر وأبي جعفر: ~~معطوف على المستثنى، وهو " أن يكون " وقد تقدم تحرير ذلك. # و " مسفوحا " صفة ل " دما " والسفح: الصب، وقيل: " ~~السيلان " ، وهو قريب من الأول، و " سفح " يستعمل قاصرا ~~ومتعديا؛ يقال: سفح زيد دمعه ودمه، أي: أهراقه، وسفح ~~هو، إلا أن الفرق بينهما وقع باختلاف المصدر، ففي المتعدي ~~يقال: سفح وفي اللازم يقال: سفوح، ومن التعدي قوله تعالى: { ~~أو دما مسفوحا }؛ فإن اسم المفعول التام لا يبنى إلا ~~من متعد، ومن اللزوم ما أنشده أبو عبيدة لكثيرة ~~عزة: [الطويل] # 2369 - أقول ودمعي واكف عند رسمها # عليك سلام الله والدمع يسفح # فصل فيما كان محرما بمكة # قال القرطبي: " هذه الآية الكريمة مكية، ولم يكن في الشريعة ~~في ذلك الوقت محرم غير هذه الأشياء، ثم نزلت سورة " المائدة " ~~ب " المدينة " وزيد في المحرمات؛ كالمنخنقة، والموقوذة ~~والمتردية، والنطيحة، والخمر، وغير ذلك، وحرم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالمدينة أكل كل ذي ناب من السباع، ~~ومخلب من الطير ". # فصل في معنى الدم المسفوح # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: يريد بالدم المسفوح: ما خرج ~~من الحيوان وهي أحياء، وما يخرج من الأوداج عن الذبح، ولا ~~يدخل فيه الكبد والطحال؛ لأنهما جامدات وقد جاء الشرع ~~بإباحتهما، وما اختلط باللحم من الدم؛ لأنه غير سائل. # قال عمران بن حدير: " سألت أبا مجلز عما يختلط باللحم من ~~الدم، وعن القدر يرى فيها حمرة الدم، فقال: لا بأس به، ~~إنما ms3768 نهي عن الدم المسفوح ". # قال إبراهيم: " لا بأس بالدم في عرق أو مخ، إلا المسفوح ~~الذي يتعمد ذلك ". # قال عكرمة: " لولا هذه الآية لاتبع المسلمون من العروق ما ~~تتبع اليهود ". # وقوله: { أو لحم خنزير فإنه رجس } أي: حرام، والهاء ~~" في " فإنه " الظاهر عودها على " لحم " المضاف ل " خنزير ". # وقال ابن حزم: إنها تعود على خنزير؛ لأنه أقرب مذكور. # ورجح الأول: بأن اللحم هو المحدث عنه، والخنزير جاء ~~بعرضية الإضافة إليه، ألآ ترى أنك إذا قلت: " رأيت غلام زيد ~~فأكرمته " أن الهاء تعود على الغلام؛ لأنه المحدث عنه ~~المقصود بالإخبار عنه، لا على زيد؛ لأنه غير مقصود. # ورجح الثاني: بأن التحريم المضاف إلى الخنزير ليس مختصا ~~بلحمه، بل شحمه وشعره وعظمه وظلفه كذلك، فإذا أعدنا الضمير ~~على خنزير، كان وافيا بهذا المقصود، وإذا أعدناه على لحم، لم يكن ~~في الاية الكريمة تعرض لتحريم ما عدا اللحم مما ذكر. # وأجيب: بأنه إنما ذكر اللحم دون غيره، - وإن كان غيره مقصودا ~~بالتحريم -؛ لأنه أهم ما فيه، وأكثر ما يقصد منه اللحم كغيره ~~من الحيوانات, وعلى هذا فلا مفهوم لتخصيص اللحم بالذكر، ~~ولو سلمه، فإنه يكون من باب مفهوم اللقب؛ وهو ضعيف جدا. # وقوله: " فإنه رجس " إما على المبالغة بأن جعل نفس ~~الرجس، أو على حذف مضاف، وله نظائر. # قوله: " أو فسقا " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: انه عطف على خبر " يكون " أيضا، أي: إلا أن يكون ~~فسقا. و " أهل " في محل نصب؛ لأنه صفة له؛ كأنه قيل: أو فسقا ~~مهلا به لغير الله، جعل العين المحرمة نفس الفسق؛ ~~مبالغة، أو على حذف مضاف، ويفسره ما تقدم من قوله: # ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ~~وإنه لفسق # [الأنعام:121] # الثاني: أنه منصوب عطفا على محل المستثنى، أي: إلا أن يكون ~~ميتة أو إلا فسقا، وقوله: " فإنه رجس " اعتراض بين ~~المتعاطفين. # والثالث: أن يكون مفعولا من أجله، والعامل فيه قوله: " أهل " ~~مقدم عليه، ويكون قد فصل بين حرف العطف وهو " أو " وبين ~~المعطوف وهو الجملة ms3769 من قوله: " أهل " بهذا المفعول من أجله؛ ~~ونظيره في تقديم المفعول له على عامله قوله: [ الطويل] # 2370- طربت وما شوقا إلى البيض أطرب # ولا لعبا مني وذو الشيب يلعب # و " أهل " على هذا الإعراب عطف على " يكون " والضمير في " به ~~" عائد على ما عاد عليه الضمير المستتر في " يكون " ، وقد ~~تقدم تحقيقه، قاله الزمخشري. # إلا أن أبا حيان تعقب عليه ذلك؛ فقال: " وهذا إعراب متكلف ~~جدا، وتركيبه على هذا الإعراب خارج عن الفصاحة، وغير جائز على ~~قراءة من قرأ " إلا أن يكون ميتة " بالرفع، فيبقى الضمير في ~~" به " ليس له ما يعود عليه، ولا يجوز أن يتكلف محذوف حتى ~~يعود الضمير علي، فيكون التقدير: أو شيء أهل لغير الله ~~به، لأن مثل هذا لا يجوز إلا في ضرورة الشعر ". # قال شهاب الدين: يعني بذلك: أنه لا يحذف الموصوف والصفة ~~جملة، إلا إذا كان في الكلام " من " التبعيضية؛ كقولهم: " ~~منا ظعن ومنا أقام " أي: منا فريق ظعن، ومنا فريق أقام ~~فإن لم يكن فيه " من " كان ضرورة؛ كقوله: [الرجز] # 2371- ترمي بكفي كان من أرمى البشر # أي: بكفي رجل؛ وهذا رأي بعضهم، وأما غيره فيقول: متى دل ~~على الموصوف، حذف مطلقا، فقد يجوز أن يرى الزمخشري هذا ~~الرأي. # فصل في هل التحريم مقصور على هذه الأشياء؟ # ذهب بعض أهل العلم إلى أن التحريم مقصور على هذه الأشياء؛ ~~يروى ذلك عن عائشة وابن عباس - رضي الله عنهما - قالوا: ويدخل ~~في الميتة المنخنقة والموقوذة وما ذكر [في أول سورة ~~المائدة، وأكثر العلماء على أن التحريم لا يختص بهذه الأشياء ~~مما ذكر، فالمحرم بنص الكتاب ما ذكر] ههنا، وقد حرمت السنة أشياء: # منها: ما روى ابن عباس - رضي الله عنهما -؛ قال: " نهى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب ~~من الطير ". # ومنها: ما أمر بقتله بقوله: " خمس فواسق تقتل في الحل ~~والحرم ". # ومنها: ما نهى عن قتله؛ كنهيه عن قتل النحلة والنملة؛ ~~فهو حرام، وما سوى ذلك فيرجع ms3770 إلى الأغلب فيه من عادات العرب، ~~فما يأكله الأغلب منهم، فهو حلال، وما لا يأكله الأغلب منهم، ~~فهو حرام؛ لأن الله - تبارك وتعالى - خاطبهم بقوله: # قل أحل لكم الطيبات # [المائدة:4] فما استطابواه فهو حلال. # وقوله: { فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك ~~غفور رحيم }. # أباح هذه المحرمات عند الاضطرار في غير العدوان، وتقدم الكلام ~~على نظيرها في البقرة. # قوله: { وعلى الذين هادوا } متعلق ب " حرمنا " وقد يفيد ~~الاختصاص عند بعضهم؛ كالزمخشري والرازي، وقد صرح به الرازي ~~هنا، أعني: تقديم المعمول على عامله. # وفي " ظفر " خمس لغات: # أعلاها: " ظفر " بضم الظاء والفاء، وهي قراءة العامة. # و " ظفر " بسكون العين، وهي تخفيف لمضمومها، وبها قرأ الحسن في ~~رواية وأبي بن كعب والأعرج. # و " ظفر " بكسر الظاء والفاء، ونسبها الواحدي قراءة لأبي ~~السمال. # و " ظفر " بكسر الظاء وسكون الفاء، وهي تخفيف لمكسورها، ~~ونسبها الناس للحسن أيضا قراءة. # واللغة الخامسة: " أظفور " ولم يقرأ بها فيما علمنا؛ وأنشدوا ~~على ذلك قول الشاعر: [البسيط] # 2372- ما بين لقمتها الأولى إذا انحدرت # وبين أخرى تليها قيد أظفور # وجمع الثلاثي: أظفار، وجمع أظفور: أظافير وهو القياس وأظافر من ~~غير مد، وليس بقياس؛ وهذا كقوله: [الرجز] # 2373- العينين والعواور # وقد تقدم تحقيق ذلك في قوله: # مفاتح الغيب # [الأنعام:59]. # فصل في معنى " ذي ظفر " # قال الواحدي اختلفوا في ذي الظفر: فروى عطاء عن ابن عباس - رضي ~~الله عنهما -: أنه الإبل فقط، وروي عنه أيضا: أنه الإبل والنعامة؛ ~~وهو قول مجاهد. # وقال عبد الله بن مسلم: " إنه كل ذي مخلب من ~~الطير، وكل ذي حفر من الدواب ". # وقيل: هو كل ما لم يكن مشقوق الأصابع من البهائم والطير ~~مثل البعير والنعامة والإوز والبط؛ ثم قال: كذلك قال ~~المفسرون. # وقال ابن الخطيب: " وسمي الحافر ظفرا على الاستعارة " قال ~~ابن الخطيب: أما حمل الظفر على الحافر فبعيد من وجهين: # الأول: أن الحافر لا يسمى ظفرا. # والثاني: لو كان الأمر كذلك، لوجب أن يقال: إنه - تبارك وتعالى - ~~حرم عليهم كل حيوان له حافر، وذلك باطل؛ ms3771 لأن الآية تدل ~~على أن الغنم والبقر مباحان لهم مع حصول الحافر لهم. # وإذا ثبت هذا، فنقول: وجب حمل الظفر على المخالب ~~والبراثن؛ لأن المخالب آلات الجوارح في الاصطياد: والبرارثن ~~آلات السباع في الاصطياد، وعلى هذا التقدير يدخل أنواع الكلاب ~~والسباع والسنانير، ويدخل فيه الطيور التي تصطاد؛ لأن هذه ~~الصفة تعمهم. # وإذا ثبت هذا؛ فنقول: قوله - تعالى -: { وعلى الذين هادوا ~~حرمنا كل ذي ظفر } تخصيص هذه الحرمة بهم من وجهين: # الأول: أن قوله: { وعلى الذين هادوا حرمنا } كذا وكذا ~~يفيد الحصر في اللغة. # والثاني: أنه لو كانت هذه الحرمة ثابتة في حق الكل، لم ~~يبق لقوله: { وعلى الذين هادوا حرمنا } فائدة؛ فثبت ~~أن تحريم السباع، وذوي المخلب من الطير مختفص باليهود، ~~فوجب ألا تكون محرمة على المسلمين، وعند هذا نقول: ما روي ~~أنه - عليه الصلاة والسلام - حرم كل ذي ناب من السباع، وكل ذي ~~مخلب من الطير ضعيف؛ لأنه خبر واحد على خلاف كتاب الله، فلا ~~يكون مقبولا، وهذا يقوي قول مالك في هذه المسألة. # قوله: " ومن البقر " فيه وجهان: # أحدهما: أنه معطوف على " كل ذي " فتتعلق " من " ب " ~~حرمنا " الأولى لا الثانية، وإنما جيء بالجملة الثانية ~~مفسرة لما أبهم في " من " التبعيضية من المحرم؛ فقال: { ~~حرمنا عليهم شحومهما }. # والثاني: أن يتعلق ب " حرمنا " المتأخرة، والتقدير: ~~وحرمنا على الذين هادوا من البقر والغنم وشحومهما، فلا ~~يجب هنا تقديم المجرور بها على الفعل؛ فيقال: حرمنا عليهم ~~شحومهما من البقر والغنم؛ لئلا يعود الضمير على متأخر ~~لفظا ورتبة. # وقال أبو البقاء: " ولا يجوز أن يكون " من البقر " متعلقا ب " ~~حرمنا " الثانية ". # قال أبو حيان: " وكأنه قد توهم أن عود الضمير مانع من ~~التعلق؛ إذ رتبة المجرور ب " من " التأخير، لكن عن ماذا؟ أما ~~عن الفعل فمسلم، وأما عن المفعول فغير مسلم " يعني: أنه إن ~~أراد أن رتبة قوله: " من البقر " التأخير عن شحومهما, ~~فيصير التقدير: حرمنا عليهم شحومهما من البقر؛ فغيرمسلم، ثم قال ~~أبو حيان: " وإن سلمنا أن رتبته التأخير عن الفعل ms3772 ~~والمفعول، فليس بممنوع، بل يجوز ذلك كما جاز: " ضرب غلام ~~المرأة أبوها " و " غلام المرأة ضرب أبوها " ، وإن كانت ~~رتبة المفعول التأخير، لكنه وجب هنا تقديمه؛ لعود ~~الضمير الذي في الفاعل الذي رتبته التقديم عليه، فكيف ~~بالمفعول الذي هو والمجرور في رتبة واحدة؟ أعني في ~~كونها فضلة، فلا يبالى فيهما بتقديم أيهما شئت على الآخر؛ ~~قال الشاعر: [الطويل] # 2374-.................... # وقد ركدت وسط السماء نجومها # فقدم الظرف وجوبا؛ لعود الضمير الذي اتصل بالفاعل على ~~المجرور بالظرف ". # قال شهاب الدين: " لقائل أن يقول: لا نسلم أن أبا البقاء إنما ~~منع لما ذكرت، حتى يلزم بما ألزمته، بل قد يكون منعه لأمر ~~معنوي ". # والإضافة في قوله: " شحومهما " تفيد الدلالة على تأكيد ~~التخصيص والربط، إذ لو أتى في الكلام: " من البقر والغنم ~~حرمنا عليهم الشحوم " لكان في الدلالة على أنه لا يراد إلا ~~شحوم البقر والغنم؛ هذا كلام أبي حيان وهو بسط ما قاله ~~الزمخشري؛ فإنه قال: " ومن البقر والغنم حرمنا عليهم ~~شحومهما "؛ كقولك: " من زيد أخذت ماله " تريد بالإضافة ~~زيادة الربط. # قوله: { إلا ما حملت ظهورهما } " ما " موصولة في محل ~~نصب على الاستثناء المتصل من الشحوم، أي: إن لم يحرم ~~الشحم المحمول على الظهر، ثم إن شئت جعلت هذا الموصول ~~نعتا لمحذوف، أي: إلا الشحم الذي حملته ظهورهما؛ كذا ~~قدره أبو حيان، وفيه نظر، لأنه قد نص على أنه لا يوصف ب " ما " ~~الوصولة وإن كان يوصف بالذي، وقد رد هو على غيره بذلك في مثل ~~هذا التقدير: وإن شئت جعلته موصوفا بشيء محذوف، أي: إلا الذي ~~حملته ظهورهما من الشحم، وهذا الجار هو وصف معنوي لا ~~صناعي، فإنه لو أظهر كذا، لكان إعرابه حالا. # وقوله: " ظهورهما " يحتمل أن يكون من باب قوله: # فقد صغت قلوبكما # [التحريم:4]، بالنسبة إلى ضمير [البقر] والغنم من غير نظر إلى ~~جمعيتهما في المعنى، ويحتمل أن يكون جمع " الظهور " لأن ~~المضاف إليه جمع في المعنى؛ فهو مثل: " قطعت رؤوس الخرفان ~~" فالتثنية في مثل هذا ممتنعة. # فصل في تفسير الشحم ms3773 # قال ابن عباس: " إلا ما علق بالظهر من الشحم، فإني لم أحرمه ~~" وقال قتادة: " إلا ما علق بالظهر والجنب من داخل بطونها ~~". # قال ابن الخطيب: " وأقول: ليس على الظهر شحم إلا اللحم الأبيض ~~السمين الملتصق باللحم الأحمر، وعلى هذا التقدير فذلك اللحم ~~السمين الملتصق يكوم مسمى بالشحم وبهذا التقدير لو حلف ألا ~~يأكل الشحم، وجب أن يحنث إذا أكل ذلك اللحم السمين ". # قوله: " أو الحوايا " في موضعها من الإعراب ثلاثة أوجه: # أحدها - وهو قول الكسائي -:أنها في موضع رفع عطفا على " ~~ظهورهما " أي: وإلا الذي حملته الحوايا من الشحم، فإنه ~~أيضا غير محرم، وهذا هو الظاهر. # الثاني: أنها في محل نصب نسقا على " شحومهما " أي: ~~حرمنا عليهم الحوايا أيضا، أو ما اختلط بعظم، فتكون الحوايا ~~والمختلط محرمين، وإلى هذا ذهب جماعة قليلة، وتكون " أو " ~~فيه كالتي في قوله - تعالى -: # ولا تطع منهم آثما أو كفورا # [الإنسان:24] يراد بها: نفي ما يدخل عليه بطريق الانفراد؛ كما ~~تقول: " هؤلاء أهل أن يعصوا فاعص هذا أو هذا " فالمعنى: حرم ~~عليهم هذا وهذا. # وقال الزمخشري: " أو بمنزلتها في قولهم: جالس الحسن أو ابن ~~سيرين ". # قال أبو حيان: " وقال النحويون: " أو " في هذا المثال للإباحة، ~~فيجوز له أن يجالسهما وأن يجالس أحدهما، والأحسن في الآية ~~إذا قلنا: إن " الحوايا " معطوف على " شحومهما " ، وأن تكون " ~~أو " فيه للتفصيل؛ فصل بها ما حرم عليهم من البقر والغنم ". # قال شهاب الدين: هذه العبارة التي ذكرها الزمخشري سبقه إليها ~~الزجاج فإنه قال: وقال قوم: حرمت عليهم الثروب، وأحل لهم ~~ما حملت الظهور، وصارت الحوايا أو ما اختلط بعظم نسقا على ~~ما حرم لا على الاستثناء، والمعنى على هذا القول: حرمت عليهم ~~شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم، إلا ما حملت الظهور فإن ~~غير محرم، وأدخلت " أو " على سبيل الإباحة؛ كما قال تعالى: # ولا تطع منهم آثما أو كفورا # [الإنسان:24] والمعنى: كل هؤلاء أهل أن يعصى فاعص هذا أو اعص ~~هذا و " أو " بليغة في هذا المعنى؛ لأنك إذا ms3774 قلت: " لا تطع ~~زيدا وعمرا " فجائز أن تكون نهيتني عن طاعتهما معا في ~~حالة، فإذا أطعت زيدا على حدته، لم أكن عاصيا، وإذا قلت: لا ~~تطع زيدا أو عمرا أو خالدا، فالمعنى: أن كل هؤلاء أهل ألا ~~يطاع، فلا تطع واحدا منهم، ولا تطع الجماعة؛ ومثله: جالس ~~الحسن أو ابن سيرين أو الشعبي، فليس المعنى: أني آمرك ~~بمجالسة واحد منهم، فإن جالست واحدا منهم فأنت مصيب، وإن ~~جالست الجماعة فأنت مصيب. # وأما قوله: " فالأحسن أن تكون " أو " فيه للتفصيل " فقد سبقه ~~إلى ذلك أبو البقاء فإنه قال: و " أو " هنا بمعنة الواو، لتفصيل ~~مذاهبهم أو لاختلاف أماكنها، وقد ذكرناه في قوله: # كونوا هودا أو نصارى # [البقرة:135]. # وقال ابن عطية ردا على هذا القول - أعني كون " الحوايا " نسقا ~~على شحومهما -: " وعلى هذا تدخل " الحوايا " في التحريم، وهذا ~~قول لا يعضده لا اللفظ ولا المعنى بل يدفعانه " ولم يبين ~~وجه الدفع فيها. # الثالث: أن " الحوايا " في محل نصب عطفا على المستثنى وهو ~~" ما ملت ظهورهما " كأنه قيل: إلا ما حملت الظهور أو ~~الحوايا أو إلا ما اختلط، نقله مكي، وأبو البقاء بدأ به ثم قال: " ~~وقيل هو معطوف على الشحوم ". # ونقل الواحدي عن الفراء؛ أنه قال: يجوز أن يكون في موضع نصب ~~بتقدير حذف المضاف على أن يريد: أو شحوم الحوايا فيحذف ~~الشحوم ويكتفي بالحوايا؛ كما قال - تعالى -: # وسأل القرية # [يوسف:82] يريد أهلها، وحكى ابن الأنباري عن أبي عبيد، أنه قال: قلت ~~للفراء: هو بمنزلة قول الشاعر: # 2375- لا يسمع المرء فيها ما يؤنسه # بالليل إلا نئيم البوم والضوعا # فقال لي: نعم، يذهب إلى أن " الضوع " عطف على " النئيم " ولم ~~يعطف على " البوم " كما عطفت الحوايا على " ما " ولم تعطف ~~على الظهور. # قال شهاب الدين: فمقتضى ما حكاه ابن الأنباري: أن تكون " ~~الحوايا " عطفا على " ما " المستثناه, وفي معنى ذلك قلق ~~بين. # و " الحوايا " قيل: هي المباعر، وقيل: المصارين والأمعاء، ~~وقيل: كل ما تحويه البطن فاجتمع واستدار، وقيل: هي الدوارة ~~التي في بطن ms3775 الشاة. # واختلف في مفرد " الحوايا " فقيل: حاوية ك " ضاربة " ، وقيل: ~~حوية ك " طريفة " ، وقيل: حاوياء ك " قاصعاء ". # وجوز الفارسي أن يكون جمعا لكل واحد من الثلاثة، يعني: أنه ~~صالح لذلك، وقال ابن الأعرابي: هي الحوية والحاوية " ولم ~~يذكر الحاوياء. وذكر ابن السكيت الثلاثة فقال: " يقال: " حاوية ~~" و " حوايا " مثل " زاوية " و " زوايا " و " راوية " و " ~~روايا " ومنهم من يقول: " حوية " و " حوايا "؛ مثل الحوية ~~التي توضع على البعير ويركب فوفها، ومنهم من يقول ~~لواحدتها: " حاوياء " وأنشد قول جرير: [البسيط] # 2376- تضغو الخنانيص والغول التي أكلت # في حاوياء ردوم الليل مجعار # وأنشد ابن الأنباري: [الطويل] # 2377- كأن نقيق الحب في حاويائه # فحيح الأفاعي أو نقيق العقارب # فإن كان مفردها حاوية، فوزنها فواعل؛ كضاربة وضوارب ونظيرها ~~في المعتل: " زاوية " و " زوايا " , و " راوية " و " روايا ~~" , والأصل: حواوي كضوارب, فقلبت الواو التي هي عين الكلمة ~~همزة؛ لأنها ثاني حرفي لين، اكتنفا مدة مفاعل، فاستثقلت ~~همزة مكسورة فقلبت ياء، فاستثقلت الكسرة على الياء ~~فجعلت فتحة، فتحرك حرف العلة وهو الياء التي هي ~~لام الكلمة بعد فتحة، فقلبت ألفا [فصارت " حوايا " ، وإن ~~شئت قلت: قلبت الواو همزة مفتوحة، فتحركت الياء وانفتح ما ~~قبلها فقلبت ألفا], فصارت همزة مفتوحة بين ألفين ~~يشبهانها فقلبت الهمزة ياء، وقد تقدم تحقيق هذا في قوله: # نغفر لكم خطاياكم # [البقرة:58] واختلاف أهل التصريف في ذلك. # وكذلك إذا قلنا: مفردها " حاوياء " , كان وزنها فواعل ~~أيضا؛ كقاصعاء وقواصع, وراهطاء ورواهط, والأصل: حواوي ~~أيضا, ففعل به ما فعل في الذي قبله. # وإن قلنا: إن مفردها " حوية " فوزنها فعائل كطرائف، والأصل: ~~حوائي فقلبت الهمزة ياء مفتوحة، وقلبت الياء التي هي لام ~~ألفا، فصار اللفظ " حوايا " أيضا، فاللفظ متحد ~~والعمل مختلف. # قوله: " أو ما اختلط بعظم " فيه ما تقدم في " حوايا " ~~ورأي الفراء فيه: أنه منصوب نسقا على " ما " المستثناة في ~~قوله: { إلا ما حملت ظهورهما } المراد به الألية. # وقيل: هو كل شحم في الجنب والعين والأذن والقوائم، ~~والمحرم الثرب وشحم الكلية. # فصل # قال القرطبي: أخبر الله - تعالى ms3776 - أنه كتب تحريم هذا عليهم في ~~التوراة ردا لكذبهم، ونصه فيها: " حرمت عليكم ~~الميتة والدم ولحم الخنزير وكل دابة ليست مشقوقة ~~الحافر، وكل حوت ليس فيه سفاسق " أي: بياض، ثم نسخ الله ذلك ~~كله بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم وأباح لهم ما كان محرما ~~عليهم من الحيوان، وأزال الحرج بمحمد - عليه السلام - وألزم الخليقة ~~دين الإسلام، بحله وحرمه وأمره ونهيه، فلو ذبحوا أنعامهم فأكلوا ~~ما أحل لهم في التوراة وتركوا ما حرم عليهم فهل يحل لنا؟ # قال مالك في كتاب محمد: هي محرمة وقال في سماع " المبسوط ": ~~هي محللة؛ وبه قال ابن نافع. # وقال ابن القاسم: " أكرهه " والصحيح حله؛ لحديث جواب الشحم ~~الذي رواه عبد الله بن مغفل. # قوله: " ذلك جزيناهم " فيه أربعة أوجه: # أحدها: أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر ذلك، قاله الحوفي؛ ~~ومكي وأبو البقاء. # الثاني: أنه مبتدأ، والخبر ما بعده، والعائد محذوف، أي: ذلك ~~جزيناهموه، قاله أبو البقاء - رضي الله عنه - وفيه ضعف؛ من حيث ~~إنه حذف العائد المنصوب، وقد تقدم ما فيه في المائدة في قوله - ~~تعالى -: # أفحكم الجاهلية يبغون # [المائدة:50], وأيضا فقدر العائد متصلا، وينبغي ألا ~~يقدر إلا منفصلا ولكنه يشكل حذفه، وقد تقدم تحقيقه في ~~أول البقرة. # وقال ابن عطية: " ذلك في موضع رفع " ولم يبين على أي ~~الوجهين المتقدمين، وينبغي أن يحمل على الأول؛ لضعف ~~الثاني. # الثالث: أنه منصوب على المصدر، وهو ظاهر كلام الزمخشري؛ ~~فإنه قال: " ذلك الجزاء جزيناهم وهو تحريم الطيبات " ، وإلا ~~أن هذا قد ينخدش بما نقله ابن مالك، وهو أن المصدر إذا أشير ~~إليه، وجب أن يتبع بذلك المصدر؛ فيقال: " ضربت ذلك ~~الضرب " و " قمت هذا القيام " ولو قلت: " ضربت زيدا ~~ذلك " و " قمت هذا " لم يجز، ذكر ذلك في الرد على من أجاب ~~عن قول المتنبي: [الكامل] # 2378- هذي، برزت لنا فهجت رسيسا # ثم انصرفت وما شفيت نسيسا # فإنهم لحنوا المتنبي، من حيث إنه حذف حرف النداء من ~~اسم الإشارة، إذ الأصل: يا هذي. # فأجابوا عنه: بأنا لا ms3777 نسلم أن " هذي " منادى، بل [اسم] إشارة ~~إلى المصدر، كأنه قال: برزت هذي البرزة. # فرد ابن مالك هذا الجواب: بأنه لا ينتصب اسم الإشارة مشارا ~~به إلى المصدر إلا وهو متبوع بالمصدر. # وإذا سلم هذا فيكون ظاهر قول الزمخشري: " إنه منصوب على ~~المصدر " مردودا بما رد به الجواب عن بيت أبي الطيب، إلا ~~أن رد أبن مالك ليس بصحيح؛ لورود اسم الإشارة مشارا به إلى ~~المصدر غير متبوع به؛ قال الشاعر: [الطويل] # 2379- يا عمرو إنك قد مللت صحابتي # وصحابتيك إخال ذاك قليل # قال النحويون: " ذاك " إشارة إلى مصدر " خال " المؤكد له، ~~وقد أنشده هو على ذلك. # الرابع: أنه منصوب على أنه مفعول ثان قدم على عامله؛ لأن " ~~جزى " يتعدى لاثنين، والتقدير: جزيناهم ذلك التحريم، ~~وقال أبو البقاء ومكي: إنه في موضع نصب ب " جزيناهم " ~~ولم يبينا على أي وجه انتصب: هل على المفعول الثاني أو ~~المصدر؟ # فصل في معنى قوله " جزيناهم ببغيهم " # والمعنى: إنما خصصناهم بهذا التحريم جزاء على بغيهم، وهو ~~قتلهم الأنبياء، وأخذهم الربا، وأكلهم أموال الناس بالباطل، ~~ونظيره قوله - تعالى -: # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم # [النساء:160]. # قوله: " وإنا لصادقون " معموله محذوف، أي: لصادقون في ~~إتمام جزائهم في الآخرة؛ إذا هو تعريض بكذبهم حيث قالوا: ~~نحن مقتدون في تحريم هذه الأشياء بإسرائيل، والمعنى: ~~الصادقون في إخبارنا عنهم ذلك، ولا يقدر له معمول، أي: من ~~شأننا الصدق. # قوله: " فإن كذبوك " [الضمير في " كذبوك " ] الظاهر عوده ~~على اليهود؛ لأنهم أقرب مذكور. # وقيل: يعود على المشركين، لتقدم الكلام معهم في قوله: # نبئوني بعلم # [الأنعام:143], و # أم كنتم شهدآء # [الأنعام:144] والمعنى: فإن كذبوك في ادعاء النبوة والرسالة ~~{ فقل ربكم ذو رحمة وسعة } فلذك لا يعجل عليكم ~~بالعقوبة، ثم أخبرهم بما أعد لهم، من العذاب في الآخرة، و " لا يرد ~~بأسه " أي عذابه إذا جاء الوقت. # وقوله: " ذو رحمة " جيء بهذه الجملة اسمية، وبقوله " ولا ~~يرد بأسه " فعلية [تنبيها على مبالغة سعة الرحمة؛ ~~لأن الاسمية أدل على الثبوت والتوكيد من ms3778 الفعلية. # قوله: { عن القوم المجرمين } يحتمل أن يكون من وضع ~~الظاهر موضع المضمر] تنبيها على التسجيل عليهم بذلك، والأصل: ~~ولا يرد بأسه عنكم. # وقال أبو البقاء: " فإن كذبوك " شرط، جوابه: { فقل ربكم ~~ذو رحمة وسعة } والتقدير: " فقل يصفح عنكم بتأخير ~~العقوبة " وهذا تفسير معنى لا إعراب. ### || [6.148-149] # لما حكى عن أهل الجاهلية إقدامهم على الحكم في دين الله بغير ~~دليل - حكى عذرهم في كل ما يقدمون عليه من الكفريات، ~~فيقولون: لوء شاء الله منا ألا نكفر، لمنعنا عن هذا ~~الكفر، وحيث لم يمنعنا عنه، ثبت أنه مريد لذلك، وإذا أراده ~~منا، امتنع منا تركه، فكنا معذورين فيه. # واعلم أن المعتزلة استدلوا بهذه الآية على مذهبهم من سبعة ~~أوجه: # أحدها: أنه - تعالى - حكى عن الكفار صريح قول المجبرة، وهو ~~قولهم: " لو شاء الله منا ألا نشرك، لم نشرك " ، وإنما ~~حكاه عنهم في معرض الذم والقبح، فوجب كون هذا المذهب ~~مذموما باطلا. # وثانيها: أنه - تبارك وتعالى - قال بعده: " كذب " وفيه قراءتان: ~~التخفيف والتثقيل. # أما قراءة التخفيف: فهي تصريح بأنهم قد كذبوا في ذلك القول، ~~وذلك يدل على أن قول المجبرة في هذه المسألة كذب. # وأما قراءة التشديد: فلا يمكن حملها على أن القوم ~~استوجبوا الذم بسبب أنهم كذبوا هذا المذهب؛ لأنا لو ~~حملنا الآية عليه، لكان هذا المعنى ضدا للمعنى الذي يدل عليه ~~قراءة " كذب " بالتخفيف، فتصير إحدى القراءتين ضد الأخرى، ~~وإذا بطل ذلك، وجب حمله على أن المراد منه: على ان كل من ~~كذب نبيا من الأنبياء في الزمان المتقدم، فإنما كذبه ~~بهذا الطريق؛ لأنه يقول: " الكل بمشيئة الله، فهذا الذي أنا ~~عليه من الكفر إنما حصل بمشيئة الله - تعالى -، فلم ~~يمنعني منه " وإذا حملنا الآية على هذا الوجه، صارت القراءة ~~بالتشديد مؤكدة للقراءة بالتخفيف، فيصير مجموع ~~القراءتين دالا على إبطال قول المجبرة. # وثالثها: قوله - تبارك وتعالى - بعده: { حتى ذاقوا بأسنا } ~~وذلك يدل على أنهم استوجبوا الوعيد من الله؛ بذهابهم إلى ~~هذا الوجه. # ورابعها: قوله - تعالى - بعده: { قل هل عندكم من ms3779 علم ~~فتخرجوه لنآ } , وهذا استفهام على وجه الإنكار، وذلك ~~يدل على أن هذا القائل بهذا القول ليس له فيه حجة، فدل ~~على فساده؛ لأن الحق على القول به دليل. # وخامسها: قوله - تعالى - بعده: { إن تتبعون إلا الظن } ~~مع أنه - تعالى - ذم الظن بقوله - تعالى -: # إن الظن لا يغني من الحق شيئا # [يونس:36] ونظائره. # وسادسها: قوله: { وإن أنتم إلا تخرصون } ، والخرص أكبر ~~أنواع الكذب، قال - تعالى -: # قتل الخراصون # [الذاريات:10]. # وسابعها: قوله - تعالى - بعده: { قل فلله الحجة البالغة ~~} وتقديره: أنهم احتجوا في دفع دعوى الأنبياء على أنفسهم ~~بأن قالوا: كل ما حصل فهو بمشيئة الله - تعالى -، وإذا شاء ~~الله منا ذلك، فكيف يمكننا تركه؟ وإذا كنا عاجزين عن ~~تركه، فكيف يأمرنا بتركه؟ وهل في وسعنا وطاقتنا أن نأتي ~~بفعل على خلاف مشيئة الله - تعالى -، فهذا هو حجة الكفار ~~على الأنبياء، فقال - تعالى -: { قل فلله الحجة ~~البالغة } وذلك من وجهين: # الأول: أنه - تعالى - أعطاكم عقولا كاملة، وأفهاما وافية، ~~وآذانا سامعة، وعيونا باصرة، وأقدركم على الخير والشر، ~~وأزال الأعذار والموانع بالكلية عنكم، فإن شئتم ذهبتم إلى ~~الخيرات، وإن شئتم ذهبتم إلى عمل المعاصي والمنكرات، وهذه ~~القدرة والمكنة معلومة الثبوت بالضرورة، وزوال ~~الموانع والعوائق معلوم الثبوت أيضا بالضرورة، وإذا كان ~~الأمر كذلك، كان ادعاؤكم أنكم عاجزون عن الإيمان والطاعة ~~دعوى باطلة، فثبت بما ذكرنا أنه ليس لكم، على الله حجة، ~~بل لله الحجة البالغة عليكم. # الوجه الثاني: أنكم تقولون: لو كانت أفعالنا واقعة على خلاف ~~مشيئة الله - تعالى -، لكنا قد غلبنا الله وقهرناه، وأتينا ~~بالفعل على مضادته، وذلك يوجب كونه عاجزا ضعيفا، وذلك ~~يقدح في كونه إلها، فأجاب الله - تبارك وتعالى - عنه: بأن العجز ~~والضعف إنما يلزم إذا لم يكن قادرا [على حملهم على الإيمان ~~والطاعة على سبيل القهر والإلجاء، وأنا قادر] على ذلك، وهو ~~المراد من قوله: { فلو شآء لهداكم أجمعين } ، إلا أني ~~لا أحملكم على الإيمان والطاعة على سبيل القهر والإلجاء؛ لأن ~~ذلك يبطل الحكمة المطلوبة من التكليف، فثبت بهذا البيان أن ~~الذين ms3780 يقولونه من أنا لو أتينا بعمل على خلاف مشيئة ~~الله - تعالى -, فإنه يلزم منه كونه - تعالى - عاجزا ضعيفا، ~~كلام باطل. # قال ابن الخطيب: والجواب المعتمد في هذا الباب أن نقول: إن هذه ~~السورة من أولها إلى آخرها تدل على صحة قولنا ومذهبنا ~~ونقلنا في كل آية ما يذكرونه من التأويلات، وأجبنا عنها ~~بأجوبة واضحة قوية مؤكدة بالدلائل العقلية القاطعة. # وإذا ثبت هذا؛ فنقول: إنه - تبارك وتعالى - حكى عن القوم بأنهم ~~قالوا: { لو شاء الله مآ أشركنا } ثم ذكر عقيبه: " ~~كذلك كذب الذين من قبلهم " فهذا يدل على أن القوم قالوا: لما ~~كان الكل بمشيئة الله وتقديره: كان التكليف عبثا، فكانت ~~دعوى الأنبياء باطلة، ونبوتهم ورسالتهم باطلة، ثم إنه - ~~تبارك وتعالى - بين أن التمسك بهذا الطريق في إبطال ~~النبوة باطل، وذلك لأنه إله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ~~ولا اعتراض لأحد عليه، فهو - تبارك وتعالى - يشاء الكفر من ~~الكافر، ومع هذا يبعث إليه الأنبياء، ويأمره بالإيمان، وورود ~~الأمر على خلاف الإرادة غير ممتنع. # فالحاصل: أنه - تبارك وتعالى - بين أن هذا الاستدلال فاسد باطل؛ ~~فإنه لا يلزم من ثبوت المشيئة لله في كل الأمور على دفع دعوة ~~الأنبياء, وعلى هذا الطريق فقط سقط هذا الاستدلال بالكلية, ~~وجميع الوجوه التي ذكرتموها, والتقبيح والتهجين عائد إلى ~~تمسكهم بثبوت المشيئة لله على دفع دعوة الأنبياء فيكون ~~الحاصل: أن هذا الاستدلال باطل [وليس فيه ألبتة ما يدل ~~على أن القول بالمشيئة باطل]. # فإن قالوا: إن هذا العذر إنما يستقيم إذا قرأنا قوله - تعالى-: ~~" كذلك كذب " بالتشديد، وأما إذا قرأناه بالتخفيف، فإنه ~~يسقط هذا العذر بالكلية، فنقوله: فيه وجهان: # الأول: أنا نمنع صحة هذه القراءة؛ والدليل عليه أنا بينا أن ~~هذه السورة من أولها إلى آخرها تدل على قولنا، فلو كانت هذه ~~الآية الكريمة دالة على قولهم لوقع التناقض، ويخرج القرآن ~~عن كونه كلاما - لله - تعالى -، ويندفع هذا التناقض بألا ~~نقبل هذه القراءة. # والثاني: سلمنا صحة هذه القراءة، لكن نحملها على أن القوم ~~كذبوا في أنه ms3781 يلزمه من ثبوت مشيئة الله - تعالى - في كل ~~أفعال العباد، سقوط نبوة الأنبياء وبطلان دعوتهم وإذا ~~حملناه على هذا الوجه، لم يبق للمعتزلة تمسك بهذه الآية. # ومما يقوي ما ذكرناه: ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما ~~-؛ قيل له بعد ذهاب بصره: ما تقول فيمن يقول: لا قدر؟ فقال: إن ~~كان في البيت منهم أحد أتيت عليه ويله أما يقول الله: # إنا كل شيء خلقناه بقدر # [القمر:49] # إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا ~~وآثارهم # [يس:12]. # وقال ابن عباس: " أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فجرى ~~القلم فكتب بما يكون إلى قيام الساعة " وقال - صلوات الله وسلامه ~~عليه -: " المكذبون بالقدر مجوس هذه الأمة ". # قوله: " ولا آباؤنا " عطف على الضمير المرفوع المتصل، ~~وزعم سيبويه: أن عطف الظاهر على المضمر المرفوع في الفعل قبيح، ~~فلا يجوز أن يقال: " قمت وزيد "؛ لأن المعطوف عليه أصل والعطف ~~فرع المضمر، والمظهر قوي فجعله فرعا للضعيف لا يجوز، ~~وإذا عرف هذا فنقول: إن جاء الكلام في جانب الإثبات؛ وجب ~~تأكيد المضمر فتقول: " أنا وزيد " ، وإن جاء في جانب النفي ~~قلت: " ما قمت ولا زيد " وإذا ثبت هذا؛ فنقول: قوله: { لو ~~شآء الله مآ أشركنا ولا آباؤنا } فعطف قوله: " ولا ~~آباؤنا " على فاعل الضمير في قوله: " ما أشركنا " ولم يأت ~~هنا بتأكيد بضمير رفع منفصل، ولا فاصل بين المتعاطفين ~~اكتفاء بوجود " لا " الزائدة للتأكيد فاصلة بين حرف العطف ~~والمعطوف، وهذا هو على قواعد البصريين، وأما الكوفيون ~~فلا يشترطون شيئا من ذلك، وقد تقدم إتقان هذه المسألة. # وفي هذه الآية لم يؤكد الضمير، وفي آية النحل أكد؛ فقال تعالى: # ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا # [النحل:35] وهناك أيضا قال: " من دونه " مرتين وهنا قالها مرة ~~واحدة، فقال أبو حيان: " لأن لفظ " العبادة " يصح أن ينسب ~~إلى إفراد الله بها، وهذا ليس بمستنكر، بل المستنكر ~~عبادة غير الله، أو شيء مع الله، فناسب هنا ذكر " من دونه " مع ~~العبادة، وأما لفظ " ما أشركنا ms3782 " فالإشراك يدل على إثبات ~~شريك، فلا يتركب مع هذا الفعل لفظ " من دونه " لو كان ~~التركيب في غير القرآن: " ما أشركنا من دونه " [لم يصح ~~المعنى. # وأما " من دونه " الثانية، فالإشراك يدل على تحريم اشياء ~~وتحليل أشياء، فلم يحتج إلى لفظ " من دونه " ] وأما لفظ ~~العبادة فلا يدل على تحريم شيء كما يدل عليه لفظ " أشرك ~~" فقيد بقوله: " من دونه " ولما حذف " من دونه " هنا ~~ناسب أن يحذف " نحن " ليطرد التركيب في التخفيف ". # قال شهاب الدين: " وفي هذا الكلام نظر لا يخفى ". # قوله: " من شيء " " من " زائدة في المفعول، أي: ما حرمنا ~~شيئا، و " من دونه " متعلق ب " حرمنا " أي: ما حرمنا من غير ~~إذنه لنا في ذلك. # قوله: " وكذالك " نعت لمصدر محذوف، أي: مثل التكذيب المشار ~~إليه في قوله: " فإن كذبوك ". # وقرىء: " كذب " بالتخفيف. # وقوله: " حتى ذاقوا " جاء به لامتداد التكذيب, وقوله: " من ~~علم " يحتمل أن يكون مبتدأ و " عندكم " خبر مقدم، وأن يكون ~~فاعلا بالظرف؛ لاعتماده على الاستفهام، و " من " زائدة على ~~كلا التقديرين. # وقرأ النخعي وابن وثاب: " إن يتبعون " بياء الغيبة. # قال ابن عطية: وهذه قراءة شاذة يضعفها قوله: { وإن أنتم ~~إلا تخرصون } يعني: أنه أتى بعدها بالخطاب فبعدت ~~الغيبة، وقد يجاب عنه بأن ذلك من باب الالتفات. # قوله: " قل فلله " بين " قل " وبين " فلله " شيء ~~محذوف، فقدره الزمخشري شرطا؛ جوابه: فلله؛ قال: " فإن كان ~~الأمر كما زعمتم من كونكم على مشيئة الله فلله الحجة ". # وقدره غيره جملة اسمية، والتقدير: قل أنتم لا حجة لكم على ما ~~ادعيتم فلله الحجة البالغة عليكم، والحدة البالغة: هي ~~التي تقطع عذر المحجوج، وتطرد الشك عمن نظر فيها. # قوله: { فلو شآء لهداكم أجمعين }. # احتج به أهل السنة على أن الكل بمشيئة الله - تعالى -؛ لأن ~~كلمة " لو " في اللغة تفيد انتفاء الشي لانتفاء غيره، ~~فدل هنا على أنه - تعالى - ما شاء أن يهديهم وما هداهم أيضا، ~~وتقريره بالدليل العقلي: أن قدرة الكافر على الكفر إن ~~لم تكن قدرة على الإيمان، فالله - تعالى ms3783 - على هذا التقدير ~~ما أقدره على الإيمان، فلو شاء الإيمان منه، فقد شاء الفعل ~~من غير قدرة على الفعل، وذلك محال، ومشيئة المحال محال، ~~وإن كانت القدرة على الكفر قدرة على الإيمان، توقف ~~رجحان أحد الطرفين على حصول الداعية المرجحة. # فإن قلنا: إنه - تعالى - خلق تلك الداعية المرجحة، مع ~~القدرة، ومجموعهما للفعل، فحيث لم يحصل الفعل، علمنا ~~أن تلك الداعية لم تحصل، وإذا لم تحصل، امتنع منه فعل ~~الإيمان، وإذا امتنع ذلك منه، امتنع أن يريده الله منه؛ لأن ~~إرادة المحال محال ممتنع، فثبت أن ظاهر القرآن العظيم ~~دل على أنه ما أراد الإيمان من الكافر، والبرهان العقلي ~~الذي قررناه يدل عليه أيضا، فبطل قولهم من كل الوجوه. # فإن قالوا: نحمل هذه الآية على مشيئة الإلجاء. # فنقول: هذا التأويل إنما يحسن المصير إليه: لو ثبت بالبرهان ~~العقلي امتناع الحمل على [ظاهر هذا الكلام، أما لو قام ~~البرهان العقلي على] أن الحق ليس إلا ما دل عليه هذا ~~الظاهر، فكيف يصار إلى التأويل؟ ثم نقول: التأويل باطل لوجوه: # الأول: ان هذا الكلام لا بد فيه من إضمار، والتقدير: ولو شاء ~~الله الهداية لهداكم، وأنتم تقولون: التقدير: لو شاء الله ~~الهداية على سبيل الإلجاء لهداكم، فإضماركم أكثر، فكان ~~قولكم مرجوحا. # الثاني: أنه - تبارك وتعالى - يريد من الكافر الإيمان ~~الاختياري؛ والإيمان الحاصل بالإلجاء، غير الإيمان الحاصل ~~بالاختيار، وعلى هذا التقدير: يلزم كونه - تعالى - عاجزا عن ~~تحصيل مراده؛ لأن مراده الإيمان الاختياري، وأنه لا يقدر ~~ألبتة على تحصيله، فكان القول بالعجز لازما. # الثالث: أن هذا الكلام موقوف على الفرق بين الإيمان الحاصل ~~بالاختيار، وبين الإيمان الحاصل بالإلجاء. # أما الإيمان الحاصل بالاختيار فإنه يمتنع حصوله إلاعند داعية ~~جازمة، وإرادة لازمة، فإن الداعية التي يترتب عليها حصول ~~الفعل؛ إما أن تكون بحيث يجب ترتب الفعل عليها، أو لا يجب، ~~فإن وجب، فهي الداعية الضرورية، وحينئذ لا يبقى بينها وبين ~~الدواعي الحاصلة بالإلجاء فرق، وإن لم يجب ترتب الفعل، ~~فحينئذ يمكن تخلف الفعل عنها، فلنفرض تارة ذلك ms3784 الفعل ~~متخلفا عنا، وتارة غير متخلف، فامتياز الوقتين عن ~~الآخر لا بد وأن يكون لمرجح زائد، فالحاصل قبل ذلك ما كان ~~تمام الداعية، وقد فرضناه كذلك، هذا خلف، ثم انضمام هذا ~~القيد الزائد وجب الفعل، لم يبق بينه وبين الضرورة فرق، ~~فإن لم يجب، افتقر إلى قيد زائد، ولزم التسلسل وهو محال؛ ~~فثبت أن الفرق الذي ذكروه بين الداعية الاختيارية وبين ~~الداعية الضرورية، وإن كان في الظاهر معتبرا، إلا أنه عند ~~التحقيق والبحث لا يبقى له محصول. ### || [6.150] # قوله: { قل هلم شهدآءكم } " هلم " هنا اسم فعل ~~بمعنى " أحضروا " ، و " شهداءكم " مفعول به؛ فإن اسم الفعل ~~يعمل عمل مسماه من تعد ولزوم. # واعلم أن " هلم " فيها لغتان: لغة الحجازيين، ولغة التميميين: # فأما لغة الحجاز: فإنها فيها بصيغة واحدة سواء أسندت لمفرد ~~أم مثنى أم مجموع أم مؤنث، نحو: هلم يا زيد، يا زيدان، يا ~~زيدون، يا هند، يا هندان، يا هندات، وهي على هذه اللغة عند ~~النحاة اسم فعل؛ لعدم تغيرها، والتزمت العرب فتح الميم على ~~هذه اللغة, وهي حركة بناء بنيت على الفتح تخفيفا. # وأما لغة تميم - وقد نسبها الليث إلى بني سعد -: فتلحقها ~~الضمائر كما تلحق سائر الأفعال، فيقال: هلما، هلموا ~~هلمي، هلممن. # وقال الفراء: " يقال هلمين يا نسوة " وهي على هذه اللغة فعل ~~صريح لا يتصرف؛ هذا قول الجمهور، وقد خالف بعضهم في ~~فعليتها على هذه اللغة؛ وليس بشيء، والتزمت العرب أيضا ~~فيها على لغة تميم فتح الميم إذا كانت مسندة لضمير الواحد ~~المذكر، ولم يجيزوا فيها ما أجازوا في رد وشد من الضم ~~والكسر. # واختلف النحويين فيها: هل هي بسيطة أو مركبة؟ ثم القائلون ~~بتركيبها اختلفوا فيما ركبت منه: فجمهور البصريين على ~~أنها مركبة من " ها " التي للتنبيه، ومن " المم " أمرا من ~~لم يلم، فلما ركبتا حذفت ألفها لكثرة الاستعمال، ~~وسقطت همزة الوصل؛ للاستغناء عنها بحركة الميم المنقولة ~~إليها لأجل الإدغام، وأدغمت الميم في الميم، وبنيت على الفتح. # وقيل: بل نقلت حركة الميم للام، فسقطت الهمزة للاستغناء ms3785 ~~عنها، فلما جيء ب " ها " التي للتنبيه، التقى ساكنان: ألف " ها ~~" واللام من " لم " لأنها ساكنة تقديرا، ولم يعتدوا بهذه ~~الحركة؛ لأن حركة النقل عارضة، فحذفت ألف " هاء " الالتقاء ~~الساكنين تقديرا. # وقيل: بل حذفت ألف " ها " لالتقاء الساكنين؛ وذلك أنه لما جيء ~~بها مع الميم، سقطت همزة الوصل في الدرج، فالتقى ساكنان: ألف " ~~ها " ولام " المم " فحذفت ألف " ها " فبقى " هلمم " فنقلت حركة ~~الميم إلى اللام وأدغمت. # وذهب بعضهم إلى أنها مركبة من " ها " التي للتنبيه أيضا، ومن " ~~لم " أمرا من " لم الله شعثه " أي: جمعه، والمعنى ~~عليه في هلم؛ لأنه بمعنى: اجمع نفسك إلينا، فحذفت ألف " ها " ~~لكثرة الاستعمال، وهذا سهل جدا؛ إذا ليس فيه إلا عمل واحد، ~~هو حذف ألف " ها "؛ وهو مذهب الخليل وسيبويه. # وذهب الفراء إلى أنها مركبة من " هل " التي هي للزجر، ومن " ~~أم " أمرا من " الأم " وهو القصد، وليس فيه إلا عمل واحد؛ وهو ~~نقل حركة الهمزة إلى لام " هل " وقد رد كل واحد من هذه ~~المذاهب بما يطول الكتاب بذكره من غير فائدة. # و " هلم ": تكون متعدية بمعنى أحضر، ولازمة بمعنى أقبل، ~~فمن جعلها متعدية، أخذها من اللم وهو الجمع، ومن ~~جعلها قاصرة، أخذها من اللمم وهو الدنو والقرب. # فصل في المقصود بإقامة الشهداء # اعلم أنه - تبارك وتعالى - نبه استدعاء إقامة الشهداء من ~~الكافرين؛ ليظهر أن لا شاهد لهم على تحريم ما حرموه. # وقوله: " فإن شهدوا فلا تشهد معهم " تنبيها على كونهم كاذبين، ثم ~~بين - تعالى - أنه إن وقعت منهم تلك الشهادة، فعن اتباع ~~الهوى، فأنت لا تتبع أهواءهم، ثم زاد في تقبيح ذلك بأنهم لا ~~يؤمنون بالآخرة، وكانوا ممن ينكرون البعث والنشور، ثم زاد في ~~تقبيح ذلك بأنهم يعدلون بربهم، ويجعلون له شركاء - ~~سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا -. ### || [6.151] # لما بين - تبارك وتعالى - فساد قول الكفار: " إن الله حرم ~~علينا كذا وكذا " أردفه ببيان الأشياء التي حرمها عليهم. # قال الزمخشري: " تعال " من الخاص الذي صار عاما، وأصله أن ~~يقوله من كان ms3786 في مكان عال لمن هو أسفل منه، ثم كثر وعم. # قال القرطبي: " وقوله تعالى: { قل تعالوا أتل } أي: تقدموا ~~واقرءوا حقا يقينا؛ كما أوحى إلي ربي، لا ظنا ولا كذبا ~~كما زعمتم، ثم بين بعد ذلك فقال: { ألا تشركوا به شيئا } ~~، يقال للرجل: تعال: أي: تقدم: ويقال للمرأة: تعالي، ويقال ~~للاثنتين والاثنين: تعاليا، ولجماعة الرجال: تعالوا, ~~ولجماعة النساء: تعالين؛ قال الله - تبارك وتعالى -: # فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا # [الأحزاب:28]. # وجعلوا التقدم ضربا من التعالي والارتفاع؛ لأن المأمور ~~بالتقدم في أصل وضع هذا الفعل، كأنه كان قاعدا فقيل له تعال، ~~أي: ارفع شخصك بالقيام وتقدم؛ ثم اتسعوا فيه حتى جعلوه ~~للواقف والماشي؛ قال الشجري. # قوله: { أتل ما حرم ربكم عليكم } في [ " ما " ] هذه ~~ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنها موصولة بمعنى " الذي " والعائد محذوف، أي: ~~الذي حرمه، والموصول في محل نصب مفعولا به. # الثاني: أن تكون مصدرية، أي: أتل تحريم ربكم، ونفس ~~التحريم لا يتلى، وإنما هو مصدر واقع موقع المفعول به، أي: ~~أتل محرم ربكم الذي حرمه هو. # والثالث: أنها استفهامية، في محل نصب ب " حرم " بعدها، ~~وهي معلقة ل " أتل " والتقدير: أتل أي شيء حرم ربكم، ~~وهذا ضعيف؛ لأنه لا تعلق إلا أفعال القلوب وما حمل عليها. # فصل # قال القرطبي: هذه الآية أمر من الله - تعالى - لنبيه - عليه السلام ~~- بأن يدعو جميع الخلق إلى سماع تلاوة ما حرم الله - تبارك ~~وتعالى -, وهكذا يجب على من بعده من العلماء أن يبلغوا ~~الناس، ويبينوا لهم ما حرم عليهم مما أحل؛ قال - تعالى -: # لتبيننه للناس ولا تكتمونه # [آل عمران:187]. # قال الربيع بين خيثم لجليس له: " أيسرك أن تقرأ في ~~صحيفة من النبي صلى الله عليه وسلم لم يفك كتابها؟ قال: ~~نعم، قال: فاقرءوا: { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم ~~} إلى آخر الثلاث آيات ". # قال كعب الأحبار: وهذه السورة مفتتح التوراة: بسم الله ~~الرحمن الرحيم: { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم ~~عليكم } الآية الكريمة. # وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: هذه الآيات المحكمات التي ~~ذكرها ms3787 الله - تعالى - في سورة " آل عمران " أجمعت عليها شرائع ~~الخلق، ولم تنسخ قط في ملة، وقد قيل: إنها العشر كلمات ~~المنزلة على موسى - عليه الصلاة والسلام -. # و " عليكم " فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق ب " حرم "؛ اختيار البصريين. # والثاني: أنه متعلق ب " أتل "؛ وهو اختيار الكوفيين، يعني: أن ~~المسألة من باب الإعمال، وقد عرفت ان اختيار البصريين إعمال ~~الثاني واختيار الكوفيين إعمال الأول. # قوله: " ألا تشركوا " فيه أوجه: # أحدها: أن " أن " تفسيرية؛ لأنه تقدمها ما هو بمعنى القول ~~لا حروفه، و " لا " هي ناهية، و " تشركوا " مجزوم بها، وهذا ~~وجه ظاهر، وهو اختيار الفراء قال: " ويجوز أن يكون مجزوما ب " ~~لا " على النهي؛ كقولك: " أمرتك ألا تذهب إلى زيد " بالنصب ~~والجزم ". ثم قال: والجزم في هذه الآية الكريمة أحب إلي؛ كقوله - ~~تبارك وتعالى - # فأوفوا الكيل والميزان # [الأعراف:85] يعني: عطف هذه الجملة الأمرية يقوي [أن] ما ~~قبلها نهي؛ ليتناسب طرفا الكلام. # وهو اختيار الزمخشري أيضا؛ فإنه قال: " وأن في " ألا ~~تشركوا " مفسرة، و " لا " للنهي " ثم قال بعد كلام: " فإن ~~قلت:إذا جعلت " أن " مفسرة لفعل التلاوة، وهو معلق بما ~~حرم ربكم، وجب أن يكون ما بعده منهيا عنه محرما كله؛ ~~كالشرك وما بعده مما دخل عليه حرف النهي [فما تصنع] ~~بالأوامر؟ ". # قال شهاب الدين: " لما وردت هذه الأوامر مع النواهي، ~~وتقدمهن جميعا فعل التحريم، واشتركن في الدخول تحت حكمه، ~~علم أن التحريم راجع إلى أضدادها، وهي الإساءة إلى ~~الوالدين، وبخس الكيل والميزان، وترك العدل في القول، ~~ونكث العهد ". # قال أبو حيان - رضي الله عنه -: " وكون هذه الأشياء اشتركت في ~~الدخول تحت حكم التحريم، وكون التحريم راجعا إلى أضداد ~~الأوامر؛ بعيد جدا، وإلغاز في التعامي، ولا ضرورة تدعو إلى ~~ذلك ". # قال شهاب الدين: " ما استبعده ليس ببعيد، وأين الإلغاز ~~والتعمي من هذا الكلام حتى يرميه به ". # قال ابن الخطيب: فإن قيل: قوله: { ألا تشركوا به شيئا ~~وبالوالدين إحسانا } كالتفصيل لما أجمله في قوله - ~~تبارك وتعالى -: " ما حرم " وذلك باطل؛ لأن ترك الشرك ~~والإحسان ms3788 بالوالدين واجب لا محرم. # والجواب من وجوه: # الأول: أن المراد من التحريم أن يجعل له حريما معينا، وذلك ~~بأن بينه بيانا مضبوطا معينا؛ فقوله: { أتل ما حرم ~~ربكم عليكم } معناه: أتل عليكم ما بينه بيانا شافيا؛ ~~بحيث يجعل له حريما مضبوطا معينا، وعلى هذا التقدير السؤال ~~زائل. # الثاني: أن الكلام تم وانقطع عند قوله: { أتل ما حرم ~~ربكم } ثم ابتدأ فقال: " عليكم ألا تشركوا ". # فإن قيل: فقوله: " وبالوالدين إحسانا " معطوف على قوله { ألا ~~تشركوا به شيئا } [فوجب أن يكون قوله: " بالوالدين إحسانا " ~~مفسرا لقوله: { أتل ما حرم ربكم عليكم } ] فلزم أن ~~يكون الإحسان بالوالدين حراما؛ وهو باطل. # قلنا: لما أوجب الإحسان إليهما، فقدم تحريم الإساءة إليها، والله - ~~تعالى - أعلم. # ثم قال أبو حيان: وأما عطف هذه الأوامر فيحتمل وجهين: # أحدهما: أنها معطوفة لا على المناهي قبلها، فيلزم انسحاب ~~التحريم عليها؛ حيث كانت في حيز " أن " التفسيرية، بل هي ~~معطوفة على قوله: { تعالوا أتل ما حرم ربكم ~~عليكم } أمرهم أولا بأمر يترتب عليه ذكر مناه، ثم ~~أمرهم ثانيا بأوامر؛ وهذا معنى واضح. # والثاني: أن تكون الأوامر معطوفة على المناهي، وداخلة تحت " أن ~~" التفسيرية، ويصح ذلك على تقدير محذوف، تكون " أن " ~~مفسرة له وللمنطوق قبله الذي دل على حذفه، والتقدير: وما ~~أمركم به، فحذف وما أمركم به لدلالة ما حرم عليه؛ لأن معنى ~~ما حرم ربكم: ما نهاكم ربكم عنه، فالمعنى: تعالوا أتل ما ~~نهاكم ربكم عنه وما أمركم به، وإذا كان التقدير هكذا، صح أن ~~تكون " أن " تفسيرية لفعل النهي، الدال عليه التحريم ~~وفعل الأمر المحذوف، ألا ترى أنه يجوز أن تقول: أمرتك ألا ~~تكرم جاهلا وأكرم عالما " إذ يجوز أن يعطف الأمر على ~~النهي والنهي على الأمر؛ كما قال: [الطويل] # 2380-................... # يقولون لا تهلك أسى وتجمل # وهذا لا نعلم فيه خلافا، بخلاف الجمل المتباينة بالخبر ~~والاستفهام والإنشاء؛ فإن في جواز العطف فيها خلافا انتهى. # الثاني: أن تكون " أن " ناصبة للفعل بعدها، وهي وما في حيزها ~~في محل نصب بدلا من " ما ms3789 حرم ". # الثالث: أنها الناصبة أيضا، وهي وما في حيزها بدل من العائد ~~المحذوف، إذا التقدير: ما حرمه، وهلي في المعنى كالذي قبله. # و " لا " على هذين الوجهين زائدة؛ لئلا يفسد المعنى كزيادتها ~~في قوله - تعالى -: # ألا تسجد # [الأعراف:12] و # لئلا يعلم # [الحديد:29] والتقدير: حرم ربكم عليكم أن تشركوا. # قال أبو حيان: " وهذا ضعيف؛ لانحصار عموم المحرم في الإشراك؛ ~~إذ ما بعده من الأمر ليس داخلا في المحرم، ولا ما بعد الأمر مما ~~فيه لا يمكن ادعاء زيادة " لا " فيه؛ لظهور أن " لا " فيه للنهي ~~" ، ولما ذكر مكي كونها بدلا من " ما حرم " [لم ينبه على ~~زيادة " لا " ولا بد منه. # وقد منع الزمخشري أن تكون بدلا من " ما حرم " ] فقال: " ~~فإن قلت: هلا قلت: هي التي تنصب الفعل، وجعلت " ألا ~~تشركوا " بدلا من " ما حرم ". # قلت: وجب أن يكون: ألا تشركوا، و " لا تقربوا " و " لا ~~تقتلوا " و " لا تتبعوا السبل " نواهي؛ لانعطاف الأوامر ~~عليها، وهي قوله - تعالى -: { وبالوالدين إحسانا }؛ لأن ~~التقدير: وأحسنوا بالوالدين إحسانا، وأوفوا وإذا قلتم فاعدلوا، ~~وبعهد الله أوفوا. # فإن قلت: فما تصنع بقوله: # وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه # [الأنعام:153] فيمن قرأ بالفتح؛ وإنما يستقيم عطفه على " ألا ~~تشركوا " إذا جعلت " أن " هي الناصبة، حتى يكون المعنى: ~~أتل عليكم نفي الإشراك، وأتل عليكم أن هذا صراطي ~~مستقيما؟ # قلت: أجعل قوله: " وأن هذا صراطي مستقيما " علة ~~للاتباع بتقدير اللام؛ كقوله # وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا # [الجن:18] بمعنى: ولأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه؛ والدليل ~~عليه القراءة بالكسر, كأنه قيل: واتبعوا صراطي، لأنه ~~مستقيم، أو: واتبعوا صراطي أنه مستقيم ". # واعترض عليه أبو حيان بعد السؤال الأول وجوابه، وهو: " فإن قلت: " ~~هلا قلت هي الناصبة " إلى: " وبعهد الله أوفوا " فقال: لا ~~يتعين أن تكون جميع الأوامر معطوفة على ما دخل عليه " لا " ~~لأنا بينا جواز عطف " وبالوالدين إحسانا " على " ~~تعالوا " وما بعده معطوف عليه، ولا يكون قوله: " وبالوالدين ~~إحسانا " معطوفا على " ألا تشركوا ". # الرابع: أن تكون " أن " الناصبة ms3790 وما في حيزها منصوبة على ~~الإغراء ب " عليكم " ، ويكون الكلام الأول قد تم عند قوله: " ~~ربكم " ، ثم ابتدأ فقال: عليكم ألا تشركوا، أي: ألزموا ~~نفي الإشراك وعدمه، وهذا - وإن كان ذكره جماعة كما نقله ابن ~~الأنباري - ضعيف؛ لتفكك التركيب عن ظاهره؛ ولأنه لا يتبادر ~~إلى الذهن. # الخامس: أنها وما في حيزها في محل نصب أو جر على حذف لام ~~العلة، والتقدير: أتل ما حرم ربكم عليكم لئلا تشركوا، و ~~[هذا] منقول عن أبي إسحاق، إلا أن بعضهم استبعده من حيث ~~إن ما بعده أمر معطوف بالواو، ومناه معطوفة بالواو أيضا، فلا ~~يناسب أن يكون تبيينا لما حرم، أما الأمر فمن حيث المعنى، ~~وأما المناهي فمن حيث العطف. # السادس: أن تكون هي وما بعدها في محل نصب بإضمار فعل، تقديره: ~~أوصيكم ألا تشركوا؛ لأن قوله { وبالوالدين إحسانا } ~~محمول على أوصيكم بالوالدين إحسانا، وهذا مذهب أبي إسحاق ~~ايضا. # السابع: أن يكون " أن " وما في حيزها في موضع رفع على أنها خبر ~~مبتدأ محذوف، أي: المحرم ألا تشركوا، أو المتلو ألا ~~تشركوا، إلا أن التقدير بنحو المتلو أحسن؛ لأنه لا يحوج إلى ~~زيادة " لا " ، والتقدير بالمحرم ألا تشركوا، يحوج إلى ~~زيادتها لئلا يفسد المعنى. # الثامن: أنها في محل رفع أيضا على الابتداء، والخبر الجار ~~قبله، والتقدير: عليكم عدم الإشراك، ويكون الوقف على قوله: " ~~ربكم " كما تقدم في وجه الإغراء، هذا مذهب لأبي بكر بن ~~الأنباري؛ فإنه قال: " ويجوز ان يكون في موضع [رفع] ب " على " ~~كما تقول: " كتب عليكم الصيام والحج ". # التاسع: أن يكون في موضع رفع بالفاعلية بالجار قبلها، وهو ~~ظاهر قول ابن الأنباري المتقدم، والتقدير: استقر عليكم عدم ~~الإشراك. # وقد تحصلت في محل " ألا تشركوا " على ثلاثة أوجه: الرفع، ~~والنصب، والجر: فالجر من وجه واحد، وهو أن يكون على حذف ~~حرف الجر على مذهب الخليل والكسائي، والرفع من ثلاثة أوجه، ~~والنصب من ستة أوجه، فمجموع ذلك عشرة أوجه تقدم ~~تحريرها. # و " شيئا " فيه وجهان: # أحدهما: أنه مفعول به. # والثاني: أنه مصدر، ms3791 أي: إشراكا، أي: شيئا من الإشراك. # وقوله: { وبالوالدين إحسانا } تقدم تحريره في البقرة ~~[الآية 83]. # قوله - تعالى -: { وبالوالدين إحسانا } الإحسان إلى ~~الوالدين: برهما وحفظهما، وإمتثال أمرهما، وإزالة الرق ~~عنهما، و " إحسانا " نصب على المصدر، وناصبه فعل مضمر من ~~لفظه، تقديره: وأحسنوا بالوالدين إحسانا. # قوله: " من إملاق " " من " سببية متعلقة بالفعل ~~المنهي عنه، أي: " لا تقتلوا أولادكم لأجل الإملاق ". # والإملاق: الفقر في قول ابن عباس. # وقيل: الجوع بلغة " لخم " ، نقله مؤرج. # وقيل: الإسراف، أملق أي: أسرف نفقته، قال محمد بن نعيم اليزيدي. # وقيل: الإنفاق، أملق ماله أي: أنفقه، قاله المنذر بن سعيد، ~~والإملاق: الإفساد أيضا، قاله [شمر] قال: " وأملق يكون قاصرا ~~ومتعديا، أملق الرجل: إذا افتقر فهذا قاصر, وأملق ما ~~عنده الدهر، أي: أفسده " وأنشد النضر بن شميل على ذلك قول ~~أوس بن حجر: [الطويل] # 2381- ولما رأيت العدم قيد نائلي # وأملق ما عندي خطوب تنبل # أي: تذهب بالمال، " تنبلت بما عندي ": أي ذهبت به، معنى ~~الآية الكريمة: لا تقتلوا أولادكم خشية العيلة. # وفي هذه الآية الكريمة قال: { نحن نرزقكم وإياهم } فقدم ~~المخاطبين، وفي " الإسراء ": قدم ضمير الأولاد عليهم: فقال: # نحن نرزقهم وإياكم # [الإسراء:31] فقيل: للتفنن في البلاغة. # وأحسن منه أن يقال: الظاهر من قوله: " من إملاق " حصول الإملاق ~~للوالد لا توقعه وخشيته، فبدئ أولا بالعدة برزق الآباء؛ ~~بشارة لهم بزوال ما هم فيه من الإملاق. # وأما في آية " سبحان " [الإسراء:1] فظاهرها أنهم موسرون وإنما يخشون ~~حصول الفقر؛ ولذلك قال: خشية إملاق، وإنما يخشى الأمور ~~المتوقعة، [فبدأ فيها بضمان رزقهم، فلا معنى لقتلكم ~~إياهم، فهذه الآية تفيد النهي] للآباء عن قتل الأولاد، وإن ~~كانوا متلبسين بالفقر، والأخرى عن قتلهم وإن كانوا ~~موسرين، ولكن يخافون وقوع الفقر، وإفادة معنى جديد أولى من ~~ادعاء كون الآيتين معنى واحد للتأكيد. # فصل في حكم العزل # قال القرطبي: استدل بعضهم بهذه الآية الكريمة على منع العزل؛ لأن ~~قتل الأولاد رفع للموجود، والعزل منع لأصل النسل فتشابها, إلا ~~أن قتل النفس أعظم وزرا، وأقبح فعلا، ولذلك قال بعض ~~العلماء: ms3792 إنه يفهم من قوله - عليه الصلاة والسلام -: # " لا عليكم في العزل الوأد الخفي " # الكراهة لا التحريم، وقال به جماعة من الصحابة وغيرهم، وقال ~~بإباحته أيضا جماعة من الصحابة والتابعين والفقهاء؛ لقوله - ~~عليه الصلاة والسلام -: # " لا عليكم ألا تفعلوا فإنما هو القدر " # أي: " ليس عليكم جناح في ألا تفعلوا ". # وقال جابر: " كنا نعزل والقرآن ينزل لو كان شيء ~~منهي عنه لنهانا عنه القرآن ". # [قوله: { ما ظهر منها وما بطن } في محل نصب بدلا من ~~الفواحش بدل اشتمال]، أي: لا تقربوا ظاهرها وباطنها؛ كقولك: ~~ضربت زيدا ما ظهر منه وما بطن، ويجوز أن تكون " من " بدل ~~البعض من الكل. # و " منها " متعلق بمحذوف؛ لأنه حال من فاعل " ظهر " , وحذف " ~~منها " بعد قوله " بطن " لدلالة قوله " منها " في الأول عليه، قال ~~ابن عباس - رضي الله عنهما -: " كانوا يكرهون الزنا علانية ~~وسرا ". # وقال الضحاك: " ما ظهر: الخمر، وما بطن الزنا " والأولى أن يجرى ~~النهي على عمومه في جميع الفواحش، ظاهرها وباطنها، ولا يخص ~~بنوع معين. # قوله تعالى: { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله ~~إلا بالحق } الآية. # فقوله: " إلا بالحق " في محل نصب على الحال من فاعل " ~~تفتلوا " أي: لا تقتلوها إلا متلبسين بالحق، ويجوز أن ~~يكون وصفا لمصدر محذوف، أي: إلا قتلا متلبسا بالحق، وهو ~~أن يكون القتل للقصاص، أو للردة أو للزنا بشرطة، كما جاء مبينا ~~في السنة. # قال القرطبي: وتارك الصلاة، ومانع الزكاة، وقد قتل الصديق ~~مانع الزكاة، وقال - تعالى -: # فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~فخلوا سبيلهم # [التوبة:5]. # قوله: " ولا تقتلوا " هذه شبيه بذكر الخاص بعد العام اعتناء ~~بشأنه؛ لأن الفواحش يندرج فيها قتل النفس، فجرد منها هذا ~~استفظاعا له وتهويلا؛ ولأنه قد استثنى منه في قوله: " إلا ~~بالحق " ولو لم يذكر هذا الخاص، لم يصح الاستثناء من ~~عموم الفواحش، لو قيل في غير القرآن العظيم: " لا تقربوا ~~الفواحش إلا بالحق " لم يكن شيئا. # قوله: { ذلكم وصاكم به } في محله قولان: # أحدهما: أنه مبتدأ, والخبر الجملة الفعلية بعده. # والثاني: أنه في ms3793 محل نصب بفعل مقدر من معنى الفعل المتأخر ~~عنه، وتكون المسألة من باب الاشتغال، والتقدير: ألزمكم أو ~~كلفكم ذلك، ويكون " وصاكم به " مفسرا لهذا العامل ~~المقدر؛ كقوله - تعالى -: # والظالمين أعد لهم عذابا أليما # [الإنسان:31] وناسب قوله هنا: " لعلكم تعقلون " لأن العقل ~~مناط التكليف والوصية بهذه الأشياء المذكورة. ### || [6.152] # هذا استثناء مفرغ أي: لا تقربوه إلا بالخصلة الحسنى، ~~فيجوز أن يكون حالا، وأن يكون نعت مصدر، وأتى بصيغة ~~التفضيل؛ تنبيها على أنه يتحرى في ذلك، ويفعل الأحسن ولا ~~يكتفي بالحسن. # قوله: " حتى يبلغ " هذه غاية من حيث المعنى، فإن المعنى: ~~احفظوا ماله حتى يبلغ أشده، [ولو جعلناه غاية للفظ، ~~كان التقدير: لا تقربوه حتى يبلغ] فاقربوه، وليس ذلك مرادا. # قال القرطبي: " وليس بلوغ الأشد مما يبيح به قرب ماله بغير ~~الأحسن؛ لأن الحرمة في حق البالغ ثابتة، وخص اليتيم ~~بالذكر؛ أن خصيمه الله - تعالى -, والمعنى: لا تقربوا مال ~~اليتيم إلا بالتي هي أحسن على الأبد حتى يبلغ أشده، وفي ~~الكلام حذف تقديره: فإذا بلغ أشده وأونس منه الرشد، ~~فادفعوا إليه ماله ". # والأشد: اختلف النحويون فيه على خمسة أوجه: # فقال الفراء: " هو جمع لا واحد له، والأشد واحدها " شد " في ~~القياس، ولم أسمع لها بواحد ". # وقيل: هو مفرد لا جمع، نقل ابن الأنباري ذلك عن بعض أهل ~~اللغة، وأنه بمنزلة " الآنك " , ونقل أبو حيان عنه: أن هذا ~~الوجه مختاره في آخرين، ثم قال: " وليس بمختار؛ لفقدان أفعل في ~~المفرادات وضعا ". # وقيل: هو جمع " شدة " و " فعلة " يجمع على " أفعل "؛ ~~كنعمة وأنعم، قاله أبو الهيثم، وقال: " وكأن الهاء في الشدة ~~والنعمة لم تكن في الحرف، إذ كانت زائدة، وكان الأصل نعم ~~وشد فجمعا على " أفعل "؛ كما قالوا: رجل وأرجل، وقدح ~~وأقدح، وضرس وأضرس ". # وقيل: هو جمع شد [بضم الشين نقله ابن الأنباري عن بعض ~~البصريين؛ قال: كقولك: هو ود، وهم أود]. # وقيل: هو جمع شد بفتحها، وهو محتمل. # والمراد هنا ببلوغ الأشد: بلوغ الحلم في قول الأكثر؛ لأنه ~~مظنة ذلك. # وقيل: هو مبلغ ms3794 الرجال من الحيلة والمعرفة. وقيل: هو أن يبلغ ~~خمسة عشر إلى ثلاثين. # وقيل: أن يبلغ ثلاثة وثلاثين. # وقيل: أربعين. # وقيل: ستين، وهذه لا تليق بهذه الآية، إنما تليق بقوله - تعالى -: # حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة # [الأحقاف:15] وتقدم منه طرف في النساء. # والأشد مشتق من الشدة؛ وهي القوة والجلادة، وأنشد الفراء - ~~رحمه الله تعالى -: [البسيط] # 2382- قد ساد وهو فتى حتى إذا بلغت # أشده وعلا في الأمر واجتمعا # وقال الآخر في ذلك: [الكامل] # 2383- عهدي به شد النهار كأنما # خضب البنان ورأسه بالعظلم # قوله: { وأوفوا الكيل والميزان } " الكيل والميزان " هما ~~الآلة التي يكال بها ويوزن، وأصل الكيل: المصدر ثم أطلق على ~~الآلة، و " الميزان ": مفعال من الوزن لهذه الآلة؛ كالمصباح ~~والمقياس لما يستصبح به، وما يقاس به، وأصل ميزان: موازن ~~ففعل به ما فعل بميقات، وقد تقدم في البقرة. # و " بالقسط " حال من فاعل " أوفوا " أي: أوفوهما مقسطين، ~~أي: متلبسين بالقسط، ويجوز أن يكون حالا من المفعول، أي: ~~أوفوا الكيل والميزان متلبسين بالقسط، أي: تامين، ~~والقسط العدل. # وقال أبو البقاء: " والكيل هنا مصدر في معنى المكيل، وكذلك ~~الميزان، ويجوز أن يكون فيه حذف مضاف، تقديره: مكيل الكيل ~~وموزون الميزان " ، ولا حاجة إلى ما ادعاه من وقوع المصدر ~~موقع اسم المفعول، ولا من تقدير المضاف؛ لأن المعنى صحيح بدونهما، ~~وأيضا ف " ميزان " ليس مصدرا، إلا أنه يعضد قوله ما قاله ~~الواحدي، فإن قال: " والميزن، أي: وزن الميزان؛ لأن المراد ~~إتمام الوزن، لا إتمام الميزان؛ كما أنه قال: " وأوفوا الكيل " ~~ولم يقل المكيال، فهو من باب حذف المضاف " انتهى. # والظاهر عدم الاحتياج إلى ذلك، وكأنه لم يعرف أن الكيل ~~يطلق على نفس المكيال، حتى يقول: " ولم يقل المكيال ". # قوله: { لا نكلف نفسا } معترض بين هذه الأوامر، واعلم ~~أن كل شيء بلغ تمام الكمال فقد وفى وتم، يقال: درهم واف وكيل ~~واف، وأوفيته حقه ووفيته، إذا أتممته، وأوفى الكيل، إذا ~~أتمه ولم ينقص منه شيئا، وكذلك وفى الميزان. # وقوله: " بالقسط " أي: بالعدل لا بخس ms3795 ولا نقصان فيه. # فإن قيل: " أوفوا الكيل والميزان " هو عين القسط، فما فائدة ~~التكرير؟ # فالجواب: أن الله - تبارك وتعالى - أمر المعطي بإيفاء ذي الحق ~~حقه من غير نقصان، وأمر صاحبه أن يأخذ حقه من غير طلب ~~زيادة، ولما كان يجوز أن يتوهم الإنسان أنه يجب على ~~التحقيق، وذلك صعب شديد في العدل، أتبعه الله - تعالى - بما ~~يزيل هذا التشديد، فقال: { لا نكلف نفسا إلا وسعها ~~} ، أي: الواجب [في إيفاء] الكيل والوزن هو القدر الممكن، ~~أما التحقيق فغير واجب. # قال القرطبي - رحمه الله تعالى -: في موطأ مالك عن يحيى بن سعيد ~~- رضي الله عنه -؛ أنه بلغه عن ابن عباس - رضي الله عنهما -؛ أنه قال: ~~" ما ظهر الغلول في قوم قط إلا ألقى الله في قلوبهم ~~الرعب؛ ولا فشا الزنا في قوم إلا كثر فيهم الموت، ولا ~~نقص قوم المكيال والميزان إلا قطع عنهم الرزق، ولا ~~حكم قوم بغير الحق إلا فشا فيهم الدم، ولا قوم بالعهد إلا ~~سلط عليهم العدو ". # وقال ابن عباس: إنكم معشر الأعاجم قد وليتم أمرين بهما هلك من ~~كان قبلكم، الكيل والميزان # فصل # قال القاضي: " إذا كان الله - تعالى - قد خف على المكلف هذا ~~التخفيف، مع أن ما هو التضييق مقدور له، فكيف يتوهم ~~متوهم أنه - تبارك وتعالى - يكلف الكافر الإيمان مع أنه لا ~~قدرة له عليه؟ بل قالوا: إن الله - تعالى - يخلق الكفر فيه، ~~ويريد منه ويحكم به عليه، ويخلق فيه القدرة الموجبة لذلك ~~الكفر والداعية الموجبة له، ثم ينهاه عنه، فهو - تعالى - لما ~~لم يجوز ذلك القدر من التشديد والتضييق على العبد، وهو ~~إيفاء الكيل والوزن على سبيل التخفيف، فكيف يجوز أن يضيق ~~على العبد مثل هذا التضييق والتشديد؟ " # وجوابه: المعارضة بمسألة العلم والداعي. # قوله: { وإذا قلتم فاعدلوا } # حمله المفسرون على أداء الشهادة والأمر والنهي. # قال القاضي: وليس الأمر كذلك، بل يدخل فيه كل ما يتصل بالقول ~~من الدعوة إلى الدين، وتقرير الدلائل عليه، ويدخل فيه أن ~~يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واقعا على ms3796 الوجه ~~بالعدل من غير زيادة في الإيذاء والإيحاش، ونقصان عن القدر ~~الواجب، ويدخل فيه الحكايات التي يذكرها الرجل حتى لا يزيد فيها ~~ولا ينقص عنها، ومن جملتها تبليغ الرسالات الناس وحكم ~~الحاكم، ثم إنه - تبارك وتعالى - بين أنه يجب أن يسوى فيه بين ~~القريب والبعيد، فقال: { ولو كان ذا قربى }؛ لأن المقصود ~~منه طلب رضوان الله - تعالى -، وذلك لا يختلف بالقرب والبعد، ولو ~~كان المقول له والمقول عليه ذا قربة. # قوله: " وبعهد الله " يجوز أن يكون من باب إضافة المصدر ~~لفاعله، أي: بما عاهدكم الله عليه، وأن يكون [مضافا ~~لمفعوله، أي: بما عاهدتم الله عليه؛ كقوله: # صدقوا ما عاهدوا الله عليه # [الأحزاب:23] # بما عاهد عليه الله # [الفتح:10] وأن تكون] الإضافة لمجرد البيان، أضيف إلى الله - تعالى ~~- من حيث إنه الآمر بحفظه والمراد به العهد الواقع بين ~~الآيتين. # فإن قيل: ما السبب في أن ختم الآية الكريمة بقوله: " تذكرون ~~" وخاتمة الأولى " تعقلون ". # فالجواب لأن الأربعة قبلها خفية، تحتاج إلى إعمال فكر ونظر، ~~حتى يقف متعاطيها على العدل، فناسبها التذكر، وهذا بخلاف الخمسة ~~الأشياء فإنها ظاهرة تعقلها وتفهمها؛ فلذلك ختمت بالفعل. # " تذكرون " حيث وقع، يقرؤه الأخوان وعاصم في رواية حفص ~~بالتخفيف، والباقون بالتشديد، والأصل: " تتذكرون " فمن ~~خفف، حذف إحدى التاءين، وهل هي تاء المضارعة أو تاء ~~التفعل؟ خلاف مشهور، ومن ثقل، أدغم التاء في الدال. ### || [6.153] # قوله: " وأن هذا " قرأ الأخوان: بكسر " إن " على الاستئناف ~~أو يكون " أتل " بمعنى: أقول إن هذا، و " فاتبعوه ": جملة معطوفة على ~~الجملة قبلها. وهذه الجملة الاستئنافية تفيد التعليل ~~لقوله: " فاتبعوه " ، ولذلك استشهد بها الزمخشري على ذلك ~~كما تقدم، فعلى هذا يكون الكلام في الفاء في " فاتبعوه " ~~كالكلام فيها في قراءة غيرها، وستأتي. # وقرأ بان عامر: " وأن " بفتح الهمزة وتخفيف النون، والباقون بالفتح ~~أيضا والتشديد. # فأما قرءاة الجماعة ففيها أربعة وجوه: # أحدها - وهو الظاهر -: أنها في محل نصب نسقا على ما حرم، أي: ~~أتل ما حرم، وأتل أن هذا صراطي مستقيما، والمراد ~~بالمتكلم النبي صلى الله عليه ms3797 وسلم؛ لأنه صراطه صراط الله - ~~عز وجل -، وهذا قول الفراء - قال: " بفتح " أن " مع وقوع " أتل " ~~عليها، يعني: أتل عليكم أن هذا صراطي مستقيما ". # والثاني: أنها منصوبة المحل أيضا نسقا على " ألا تشركوا ~~" إذا قلنا بأن " أن " المصدرية " وأنها وما بعدها بدل من " ما ~~حرم " قاله الحوفي. # الثالث: أنها على إسقاط حرف لام العلة، أي: ولأن هذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه؛ كقوله - تعالى -: # وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا # [الجن:18]. # قال أبو علي: من فتح " أن " فقياس قول سبيويه - رحمه الله تعالى ~~- أنه حملها على " فاتبعوه " والتقدير: ولأن هذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه؛ كقوله: # وإن هذه أمتكم أمة واحدة # [المؤمنون:52]. # قال سيبويه: " ولأن هذه أمتكم " وقال في قوله - تعالى -: " ~~وأن المساجد لله ": ولأن المساجد. # قال بعضهم: " وقد صرح بهذا اللام في نظيره هذا التركيب؛ كقوله - ~~تعالى -: # لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتآء والصيف ~~فليعبدوا # [قريش:1-3] والفاء على هذا كهي في قولك: زيدا فاضرب، وبزيد ~~فامرر، وتقدم تقريره في البقرة. # قال الفارسي: قياس قوله سيبويه في فتح الهمزة أن تكون الفاء ~~زائدة كهي في " زيد فقائم ". # قال شهاب الدين - رحمه الله تعالى -: " سيبويه لا يجوز زيادتها ~~في مثل هذا الخبر، وإنما أراد أبو علي بنظيرها في مجرد ~~الزيادة وإن لم يقل به، بل قال به غيره ". # والرابع: أنها في محل جر نسقا على الضمير المجرور في " به ~~" أي: { ذلكم وصاكم به } وبأن هذا هو قول الفراء أيضا. ورده ~~أبو البقاء بوجهين: # أحدهما: العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار. # الثاني: أنه يصير المعنى: وصاكم باستقامة الصراط، وهذا ~~فاسد. # قال شهاب الدين: والوجهان مردودان: # أما الأول: فليس هذا من باب العطف على المضمر من غير إعادة ~~الجار؛ لأن الجار هنا في قوة المنطوق به، وإنما حذف؛ لأنه ~~يطرد حذفه مع أن وأن لطولهما بالصلة، ولذلك كان مذهب ~~الجمهور أنها في محل جر بعد حذفه لأنه كالموجود، ويدل على ما ~~قلته، ما قال الحوفي، قال: " حذفت الباء لطول الصلة وهي ~~مرادة، ولا يكون ms3798 في هذا عطف مظهر على مضمر لإرادتها ". # وأما الثاني: فالمعنى: صحيح غير فاسد؛ لأن معنى توصيتنا ~~باستقامة [الصراط ألا نتعاطى ما يخرجنا عن الصراط ~~فوصيتنا باستقامته] مبالغة في اتباعه. # وأما قراءة ابن عامر فقالوا: " أن " فيها مخففة من الثقيلة، ~~واسمها ضمير الأمر والشأن، أي: " وأنه " كقوله - تعالى -: # أن الحمد لله # [يونس:10] وقول الأعشى: [البسيط] # 2384- في فتية كسيوف الهند قد علموا # أن هالك كل من يحفى وينتعل # وحينئذ ففيها الأربعة أوجه المتقدمة المذكورة في المشددة. # وقرأ ابن عامر وابن كثير: " سراطي " بالسين، وحمزة: بين الصاد ~~والزاي، والباقون: بالصاد صافية، وفي مصحف عبد الله: " وهذا ~~صراطي " بدون " أن " ، و " هذا صراط ربك ". # قوله: { فاتبعوه ولا تتبعوا السبل }. # أي: الطرق المختلفة التي عدا هذا الطريق؛ مثل اليهودية، ~~والنصرانية، وسائر الملل، وقيل: الأهواء والبدع. # { فتفرق بكم عن سبيله } أي: فتقعوا في الضلالات. # روى ابن مسعود - رضي الله عنهما - عن النبي صلى الله عليه وسلم، # " أنه خط خطا عن يمينه، وخط عن شماله خطوطا، ثم قال: ~~هذا سبيل الله، وهذه سبل، على كل سبيل منها شيطان ~~يدعوا إليها، ثم تلا: { وأن هذا صراطي مستقيما ~~فاتبعوه } ". # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - هذه الآيات محكمات، لم ~~ينسخهن شيء من جميع الكتب، من عمل بهن، دخل الجنة، ~~ومن تركهن، دخل النار. # قوله: " فتفرق " منصوب بإضمار " أن " بعد الفاء في جواب النهي، ~~والجمهور على " فتفرق " بتاء خفيفة، والبزي بتشديدها ~~فمن خفف، حذف إحدى التاءين، ومن شدد أدغم؛ وتقدم هذا في # تتذكرون # [الأنعام:80]. # و " بكم ": يجوز أن يكون مفعولا به في المعنى، أي: ~~فيفرقكم، ويجوز أن تكون حالا، أي: وأنتم معها؛ كقوله القائل ~~في ذلك: [الوافر] # 2385-..................... # تدوس بنا الجماجم والتريبا # وختم هذه الآية بالتقوى وهي اتقاء النار، لمناسبة الأمر ~~باتباع الصراط، فإن من اتبعه وقى نفسه من النار. # فصل في فضل هذه الآية # قال القرطبي في هذه الآية الكريمة: " وهذه آية عظيمة عطفها ~~على ما تقدم، فإنه لما نهى وأمر حذر هنا عن اتباع غير ~~سبيله، فأمر فيها باتباع ms3799 طريقة ". # " مستقيما ": نصب على الحال، ومعناه: مستويا قائما لا ~~اعوجاج فيه، وقد بينه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، ونشأت ~~منه طرق، فمن سلك الجادة نجا، ومن خرج إلى تلك الطرق أفضت به إلى ~~النار قال - تعالى -: { ولا تتبعوا السبل فتفرق ~~بكم عن سبيله } أي: تميل. # روى ابن مسعود - ر ضي الله عنهما - قال: # " خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خطا، ثم قال: ~~هذا سبيل الله، ثم خط خطوطا عن يمينه وشماله، ثم قال: هذه ~~سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليها، ثم قرأ هذه الآية ~~الكريمة ". # وأخرجه ابن ماجة في سننه عن جابر بن عبد الله قال: # " كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فخط خطا وخط خطين عن يمينه وخط ~~خطين عن يساره ثم وضع يده في الخط الأوسط فقال: هذا سبيل الله - ثم تلا ~~هذه الآية - { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ~~ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } ". # وهذه السبل في اليهودية، والنصرانية، والمجوسية، وسائر ~~أهل الملل والبدع والضلالات، من أهل الأهواء والشذوذ في ~~الفروع، وغير ذلك أهل التعمق في الجدل والخوض في الكلام، وهذه ~~عرضة للزلل. قاله ابن عطية؟ ### || [6.154] # أصل " ثم ": المهلة في الزمان، وقد تأتي للمهلة في الإخبار. # وقال الزجاج: وهو معطوف على " أتل " تقديره: أتل ما حرم ثم ~~أتل ما آتينا. # وقيل: هو معطوف على " قل " أي: على إضمار قل، أي: ثم قل: آتينا. # وقيل: تقديره: ثم أخبركم آتينا. # وقال الزمخشري: عطف على وصاكم به قال: فإن قلت: كيف صح عطفه عليه ~~ب " ثم " ، والإيتاء قبل التوصية به بدهر طويل؟ # قال شهاب الدين: هذه التوصية قديمة لم يزل تتواصاها كل أمة على ~~لسان نبيها، فكأنه قيل: ذلك وصاكم به يا بني آدم قديما ~~وحديثا، ثم أعظم من ذلك أنا آتينا موسى الكتاب. # وقيل: هو معطوف على ما تقدم قبل شطر السورة من قوله: # ووهبنا له إسحاق # [الأنعام:84]. # وقال ابن عطية - رحمه الله تعالى -: " مهلتها في ترتيب القول الذي ms3800 ~~أمر به محمد صلى الله عليه وسلم كأنه قال: ثم مما وصيناه أنا ~~أتينا موسى الكتاب، ويدعو إلى ذلك أن موسى - عليه السلام - متقدم ~~بالزمان على محمد - عليه الصلاة والسلام - ". # وقال ابن القشيري: " في الكلام حذف, تقديره: ثم كنا قد آتينا ~~موسى الكتاب قبل إنزالنا القرآن العظيم على محمد - عليه الصلاة ~~والسلام - ". # وقال أبو حيان: " والذي ينبغي أن يستعمل للعطف كالواو من غير ~~اعتبار مهلة، وبذلك قال [بعض] النحويين ". # قال شهاب الدين: وهذه استراحة، وأيضا لا يلزم من انتفاء المهلة انتفاء ~~الترتيب فكان ينبغي أن يقول من غير اعتبار ترتيب ولا مهلة على أن الفرض ~~في هذه الآية عدم الترتيب في الزمان. # قوله: " تماما " يجوز فيه خمسة أوجه: # أحدها: أنه مفعول من أجله، أي: لأجل تمام نعمتنا. # الثاني: أنه حال من الكتاب، أي: حال كونه تماما. # الثالث: أنه نصب على المصدر؛ لأنه بمعنى: آتيناه إيتاء تمام، ~~لا نقصان. # الرابع: أنه حال من الفاعل، أي: متمين. # الخامس: أنه مصدر منصوب بفعل مقدر من لفظه، ويكون مصدرا ~~على حذف الزوائد، والتقدير: أتممناه إتماما، و " على الذي " ~~متعلق ب " تماما " أو بمحذوف على أنه صفة، هذا إذا لم يجعل ~~مصدرا مؤكدا، فإن جعل، تعين جعله صفة. # و " أحسن " فيه وجهان: # أظهرهما: أنه فعل ماض واقع صلة للموصول، وفاعله مضمر يعود على ~~موسى - عليه الصلاة والسلام - أي: تماما على الذي أحسن؛ فيكون الذي ~~عبارة عن موسى. # وقال أبو عبيدة: على كل من أحسن، أي: أتممنا فضيلة موسى - ~~عليه الصلاة والسلام - بالكتاب على المحسنين أي: أظهرنا فضله عليهم. # وقيل: على المحسنين من قومه، أي: على من أحسن من قومه، وكان فيهم ~~محسن ومسيء، وتدل عليه قراءة ابن مسعود: وعلى الذي أحسن. # وقيل: كل من أحسن، أي: الذي أحسنه موسى من العلم، والحكمة، ~~والإحسان في الطاعة والعبادة، وتبليغ الرسالة. # وقيل: " الذي " عبارة عما عمله موسى - عليه الصلاة والسلام - ~~وأتقنه، أي: تماما على الذي أحسنه موسى - عليه الصلاة والسلام -. # والثاني: أن " أحسن " اسم على وزن أفعل، ك ms3801 " أفضل " و " ~~أكرم " ، واستغنى بوصف الموصول عن صلته، وذلك أن ~~الموصول متى وصف بمعرفة، نحو: " مررت بالذي أخيك " ، أو ~~بما يقارب المعرفة، نحو: " مررت بالذي خير منك، وبالذي ~~أحسن منك " ، جاز ذلك، واستغني به عن صلته، وهو مذهب الفراء، ~~وأنشد قوله: [الرجز] # 2386- حتى إذا كانا هما اللذين # مثل الجديلين المحملجين # بنصب " مثل " على أنه صفة ل " اللذين " المنصوب على خبر ~~كان، ويجوز أن تكون " الذي " مصدرية، و " أحسن " فعل ماض ~~صلتها والتقدير: تماما على إحسانه، أي: إحسان الله - تعالى - ~~إليه، وإحسان موسى إليهم، وهو رأي يونس والفراء؛ كقوله: [البسيط] # 2387- فثبت الله ما آتاك من حسن # تثبيت عيسى ونصرا كالذي نصروا # وقد تقدم: تحقيق هذا. # وفتح نون " أحسن " قراءة بالعامة, وقرأ يحيى بن يعمر، وبان ~~أبي إسحاق برفعها، وفيها وجهان: # أظهرهما: أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: على الذي هو أحسن، فحذف ~~العائد، وإن لم تطل الصلة، فهي شاذة من جهة ذلك، وقد ~~تقدم بدلائله عند قوله: # ما بعوضة فما فوقها # [البقرة:26]، فيمن رفع " بعوضة ". # الثاني: أن يكون " الذي " واقعا موقع الذين، وأصل " أحسن ": ~~أحسنوا بواو الضمير، حذفت الواو اجتزاء بحركة ما قبلها، قاله ~~التبريزي؛ وأنشد في ذلك فقال: [الوافر] # 2388- فلو أن الأطبا كان حولي # وكان مع الأطباء الأساة # قال الآخر في ذلك هذا البيت: [الوافر] # 2389- إذا ما شاء ضروا من أرادوا # ولا يألوهم أحد ضرارا # وقول الآخر في ذلك: [الرجز] # 2390- شبوا على المجد وشابوا واكتهل # يريد اكتهلوا، فحذف الواو، وسكن الحرف قبلها، وقد تقدم أبيات ~~أخر كهذه في غضون هذا الكتاب، ولكن جماهير النحاة تخص هذا ~~بضرورة الشعر. # وقوله: " وتفصيلا " وما عطف عليه؛ منصوب على ما ذكر في " ~~تماما " [والمعنى: بيانا لكل شيء يحتاج إليه من شرائع الدين. و ~~" هدى ورحمة " هذا في صفة السورة. # { لعلهم بلقآء ربهم يؤمنون }. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: " كي يؤمنوا بالبعث، ويصدقوا ~~بالثواب والعقاب " ]. ### || [6.155-157] # قوله تعالى: { وهذا كتاب أنزلناه مبارك } الآية. # يجوز أن يكون " كتاب " و " انزلناه " و " مبارك " إخبارا عن ~~اسم الإشارة، ms3802 عند من يجيز تعدد الخبر مطلقا، أو بالتأويل ~~عند من لم يجوز ذلك، ويجوز أن يكون " أنزلناه " ، و " ~~مبارك ": وصفين ل " كتاب " عند من يجيز تقديم الوصف ~~غير الصريح على الوصف الصريح، وقد تقدم تحقيق ذلك في السورة ~~قبلها، في قوله - سبحانه -: # بقوم يحبهم ويحبونه # [المائدة:54]. # قال أبو البقاء: " ولو كان قرئ: " مباركا " بالنصب على الحال، ~~لجاز " ولا حاجة إلى مثل هذا، وقدم الوصف بالإنزال؛ لأن ~~الكلام مع منكري أن الله ينزل على البشر كتابا، ~~ويرسل رسولا، وأما وصف البركة؛ فهو أمر متراخ عنهم، ~~وجيء بصفة الإنزال بجملة فعلية أسند الفعل فيها إلى ضمير ~~المعظم نفسه مبالغة في ذلك، بخلاف ما لو جيء بها اسما ~~مفردا. # والمراد بالكتاب: القرآن، ووصفه بالبركة، أي: لا يتطرق ~~إليه النسخ، كما في الكتابين، والمراد: كثير الخير ~~والنفع. # { فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون }. # قيل: " اتقوا مخالفته على رجاء الرحمة ". # وقيل: اتقوا لترحموا، أي: ليكون الغرض بالتقوى، رحمه ~~الله - تعالى -. # قوله: " أن تقولوا " فيه وجهان: # أحدهما: أنه مفعول من أجله. # قال أبو حيان: " والعامل فيه " أنزلناه " مقدرا، مدلولا ~~عليه بنفس " أنزلناه " الملفوظ به، تقديره: أنزلناه أن ~~تقولوا ". # قال: " ولا جائز أن يعمل فيه " أنزلناه " الملفوظ به؛ لئلا يلزم ~~الفصل بين العامل ومعموله بأجنبي، وذلك أن مبارك ": إما ~~صفة، وإما خبر، وهو أجنبي بكل من التقديرين " وهذا الذي منعه هو ~~ظاهر قول الكسائي، والفراء. # والثاني: أنها مفعول به، والعامل فيه: " واتقوا " أي: ~~واتقوا قولكم كيت وكيت، وقوله: " لعلكم ترحمون " معترض ~~جار مجرى التعليل، وعلى كونه مفعولا من أجله، يكون ~~تقديره عند البصريين على حذف مضاف، تقديره: كراهة أن تقولوا، ~~وعند الكوفيين يكون تقديره: " ألا يقولوا ". # قال الكسائي, والفراء: والتقدير: أنزلناه لئلا تقولوا، ثم ~~حذف الجار، وحرف النهي، كقوله - تبارك وتعالى -: # يبين الله لكم أن تضلوا # [النساء:176] وكقوله: # رواسي أن تميد بكم # [النحل:15] أي: ألا تميد بكم، وهذا مطرد عندهم في هذا ~~النحو، وقد تقدم ذلك مرارا. # وقرأ الجمهور: " تقولوا " بتاء الخطاب، وقرأ ابن محيصن: " ~~يقولوا ": بياء الغيبة، ومعنى ms3803 الآية الكريمة، كراهة أن يقول أهل ~~مكة: أنزل الكتاب، وهو التوراة، والإنجيل على طائفتين من ~~قبلنا، وهم اليهود والنصارى. # قوله: " وإن كنا " [ " إن " ] مخففة من الثقيلة عند ~~البصريين، وهي هنا مهملة؛ ولذلك وليتها الجملة الفعلية، ~~وقد تقدم تحقيق ذلك، وأن الكوفيين يجعلونها بمعنى: " ما " ~~النافية، واللام بمعنى: " إلا " ، والتقدير: ما كنا عن ~~دراستهم إلا غافلين. # وقال الزجاج بمثل ذلك، فنحا نحو الكوفيين. # وقال قطرب: " إن " بمعنى " قد " واللام زائدة. # وقال الزمخشري بعد أن قرر مذهب البصريين كما قدمنا: " ~~والأصل: إنه كنا عن عبادتهم " فقدر لها اسما محذوفا، هو ~~ضمير الشأن، كما يقدر النحويون ذلك في " أن " بالفتح إذا ~~خففت، وهذا مخالف لنصوصهم، وذلك أنهم نصوا على أن: " ~~إن " بالكسر إذا خففت، وليتها الجملة الفعلية ~~الناسخة، فلا عمل لها، لا في ظاهر ولا مضمر. # و " عن دراستهم " متعلق بخبر " كنا " وهو: " غافلين " , ~~وفيه دلالة على بطلان مذهب الكوفيين في زعمهم أن اللام بمعنى: " إلا " ~~, ولا يجوز أن يعمل ما بعد " إلا " فيما قبلها؛ فكذلك ما هو ~~بمعناها. # قال أبو حيان: " ولهم أن يجعلوا " عنها " متعلقا بمحذوف " ~~وتقدم أيضا خلاف أبي علي، في أن هذه اللام ليست لام ~~الابتداء، بل لام أخرى، ويدل أيضا على أن اللام لام ابتداء ~~لزمت للفرق، فجاز أن يتقدم معمولها عليها، لما وقعت في ~~غير ما هو لها أصل، كما جاز ذلك في: " إن زيدا طعامك لآكل " ~~حيث وقعت في غير ما هو لها [أصل] ولم يجز ذلك فيها إذا وقعت ~~فيما هو لها أصل، وهو دخولها على المبتدأ. # وقال أبو البقاء واللام في " لغافلين " عوض أو فارقة بين ~~" إن " و " ما ". # قال شهاب الدين: قوله: " عوض " عبارة غريبة، وأكثر ما يقال: إنها ~~عوض عن التشديد الذي ذهب من " إن " وليس بشيء. # فصل في معنى الآية # قال المفسرون: " إن " هي المخففة من الثقيلة، واللام هي ~~الفارقة بينهما وبين النافية، والأصل: وإن كنا عن ~~دراستهم غافلين، والمعنى: إثبات الحجة عليهم بإنزال ~~القرآن عليهم، وقوله: { وإن كنا عن دراستهم ms3804 ~~لغافلين } أي: لا نعلم ما هي، لأن كتابهم ليس ~~بلغتنا. # قوله: { أو تقولوا لو أنآ أنزل علينا الكتاب ~~لكنآ أهدى منهم }. # أي: لئلا تقولوا أو تحتجوا بذلك، ثم إنه - تعالى - قطع ~~احتجاجهم بهذا، فقال: { فقد جآءكم بينة من ربكم ~~} وهو القرآن العظيم بينة فيما يعلم سمعا، وهو هدى فيما ~~يعلم سمعا وعقلا، فلما اختلفت الفائدة، صح هذا العطف، ~~ومعنى " رحمة " أي: نعمة في الدين. # قوله: " فقد جاءكم ": جواب شرط مقدر فقدره ~~الزمخشري: إن صدقتم فيما كنتم تعدون من أنفسكم، ~~فقد جاءكم، قال: " وهو من أحسن الحذوف " وقدره غيره: إن ~~كنتم كما تزعمون: إنكم إذا أنزل عليكم كتاب، تكونون ~~أهدى من اليهود والنصارى، فقد جاءكم، ولم يؤنث الفعل؛ ~~لأن التأنيث مجازي، وللفصل بالمفعول، و " من ربكم " يجوز ~~أن يتعلق ب " جاءكم " وأن يتعلق بمحذوف على أنه صفة ل ~~بينة ". # وقوله: " هدة ورحمة " محذوف بعدهما: من ربكم. # قوله: " فمن أظلم " الظاهر أنها جملة مستقلة. # وقال بعضهم: هي جواب شرط مقدر، تقديره: فإن كذبتم، فلا أحد ~~أظلم منكم. # والجمهور على " كذب " مشددا، وبآيات الله متعلق به، وقرأ ~~يحيى بن وثاب، وابن أبي عبلة: " كذب " بالتخفيف، و " بآيات الله ~~": يجوز أن يكون مفعولا, وأن يكون حالا، أي: كذب ومعه آيات ~~الله، و " صدف " مفعوله محذوف، أي: " وصدف عنها غيره " وقد ~~تقدم تفسير ذلك [الأنعام:157]. والمراد: تعظيم كفر من كذب ~~بآيات الله " وصدف عنها " أي منع؛ لأن الأول ضلال، والثاني ~~منع عن الحق وإضلال. # ثم قال - تعالى -: { سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا ~~سوء العذاب } وهو كقوله تعالى: # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم ~~عذابا فوق العذاب # [النحل:88]. ### || [6.158] # لما بين أنه إنما أنزل الكتاب إزالة للعذر، وإزاحة ~~للعلة، بين أنهم لا يؤمنون ألبتة، وشرح أحوالا توجب ~~اليأس عن دخولهم في الإيمان، فقال - سبحانه وتعالى -: { هل ~~ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة } أي: بالعذاب، أو ~~عند الموت لقبض أرواحهم، ونظير هذه الآية في سورة البقرة: # هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من ~~الغمام # [البقرة:210]. ms3805 # و " هل " استفهام، معناه: النفي، ومعنى " ينظرون ": ينتظرون، ~~والتقدير: أنهم لا يؤمنون بك، إلا إذا جاءهم أحد هذه ~~الأمور الثلاثة. # قوله: " أو يأتي ربك ": تقدم أنه حذف مضاف. # وقرا الأخوان: " إلا أن يأتيهم الملائكة " بياء منقوطة من تحت؛ ~~لأن التأنيث مجازي، وهو نظير: # فنادته الملائكة # [آل عمران:39]. # وقرأ أبو العالية، وابن سيرين: " يوم تأتي بعض " بالتأنيث؛ كقوله ~~تعالى: # تلتقطه # [يوسف:10]. # فإن قيل: " أو يأتي ربك " هل يدل على جواز المجيء والغيبة على ~~الله - تعالى -. فالجواب من وجوه: # الأول: أن هذا حكاية عن الكفار، واعتقاد الكافر ليس بحجة. # والثاني: أن هذا مجاز، ونظيره قوله - تعالى -: # فأتى الله بنيانهم من القواعد # [النحل:26]. # والثالث: قيام الدلائل القاطعة على أن المجيء والغيبة على ~~الله محال، وأقربها قول إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - في ~~الرد على عبدة الكواكب: # لا أحب الآفلين # [الأنعام:76]. # فإن قيل: قوله - تعالى -: { أو يأتي ربك } لا يمكن حمله ~~على إثبات أثر من آثار قدرته؛ لأن على هذا التقدير يصير هذا ~~عين قوله: { أو يأتي بعض آيات ربك } مكررا؛ فوجب ~~حمله على أن المراد منه: إتيان الرب. # قلنا: الجواب المعتمد: أن هذا حكاية مذهب الكفار؛ فلا يكون ~~حجة. # وقيل: يأتي ربك بلا كيف؛ لفصل القضاء يوم القيامة؛ لقوله - ~~سبحانه وتعالى -: # وجآء ربك والملك صفا صفا # [الفجر:22]. # وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: " يأتي أمر ربك فيهم بالقتل أو ~~غيره " ، وقيل: يأتي ربك بالعذاب. # وقيل: هذا من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله. # " أو يأتي بعض آيات ربك ": وهو المعجزات القاهرة. # قوله: { يوم يأتي بعض آيات ربك }. # الجمهور على نصب " يوم " ، وناصبه [ما] بعد " لا " ، وهذا على ~~أحد الأقوال الثلاثة في " لا " , وهي أنها يتقدم معمول ما ~~بعدها عليها مطلقا، ولا يتقدم مطلقا، ويفصل في ~~الثالث: بين أن يكون جواب قسم، فيمتنع؛ أو لا، فيجوز. # وقرأ زهير الفرقبي: " يوم " بالرفع، وهو مبتدأ، وخبره ~~الجملة بعده، والعائد منها إليه محذوف، أي: لا تنفع فيه. # وقرأ الجمهور " ينفع " بالياء من تحت، وقرأ ابن سيرين: " ~~تنفع ms3806 " بالتاء من فوق. # قال أبو حاتم: " ذكروا أنه غلط ". # قال شهاب الدين: لأن الفعل مسند لمذكر، وجوابه: أنه لما ~~اكتسب بالإضافة التأنيث، أجري عليه حكمه؛ كقوله: [الطويل] # 2391- وتشرق بالقول الذي قد أذعته # كما شرقت صدر القناة من الدم # وقد تقدم تحقيق هذا أول السورة؛ وأنشد سيبويه: [الطويل] # 2392- مشين كما اهتزت رماح تسفهت # أعاليها مر الرياح النواسم # وقيل: لأن الإيمان بمعنى: العقيدة؛ فهو كقولهم: " أتته كتابي ~~فاحتقرها " أي: صحيفتي، ورسالتي. # قال النحاس: " في هذا شيء دقيق ذكره سيبويه: وذلك أن الإيمان، ~~والنفس كل مشتمل على الآخر، فأنث الإيمان، إذ هو من ~~النفس وبها " وأنشد سيبويه: [الطويل] # 2393- مشين كما اهتزت... # ....................... # وقال الزمخشري: " في هذه القراءة، يكون الإيمان مضافا إلى ~~ضمير المؤنث الذي هو بعضه؛ كقوله: ذهبت بعض أصابعه ". # قال أبو حيان: " وهو غلط؛ لأن الإيمان ليس بعضا من النفس ~~". # قال شهاب الدين: وقد تقدم آنفا ما يشهد لصحة هذه العبارة ~~من كلام النحاس، في قوله عن سيبويه: " وذلك أن الإيمان والنفس ~~كل منهما مشتمل على الآخر، فأنث الإيمان، إذ هو من ~~النفس وبها " فلا فرق بين هاتين العبارتين، أي: لا فرق ~~بين أن يقول: هو منها وبها، أو هو بعضها، والمراد في العبارتين: ~~المجاز. # فصل # أجمعوا على أن المقصود بهذه الآية: علامة القيامة، عن البراء بن ~~عازب رضي الله عنه قال: # " كنا نتذكر الساعة [إذ أشرف علينا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: ما تتذاكرون؟ # قلنا: نتذاكر الساعة] # قال: إنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: الدخان، ودابة ~~الأرض، وخسفا بالمشرق، وخسفا بالمغرب، وخسفا بجزيرة العرب، ~~والدجال، وطلوع الشمس من مغربها، ويأجوج ومأجوج، ونزول ~~عيسى - عليه السلام -، ونارا تخرج من عدن ". # وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها؛ فإذا طلعت ~~ورآها الناس، آمنوا أجمعين، وذلك حين لا ينفع نفسا ~~إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا ". # وروى أبو موسى الأشعري - رضي ms3807 الله عنه - قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " يد الله بسطان لمسيء الليل، ليتوب بالنهار، ولمسيء ~~النهار، ليتوب بالليل، حتى تطلع الشمس من مغربها ". # وعن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله ~~عليه ". # وعن زر بن حبيش، قال: أتيت صفوان بن العسال المرادي؛ فذكر عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله جعل بالمغرب بابا مسيرة عرضه سبعون عاما، لا ~~يغلق حتى تطلع الشمس من قبله، وذلك قول الله - عز وجل ~~-: { يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا ~~إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في ~~إيمانها خيرا } ". # وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ثلاث إذا خرجن لم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من ~~قبل أو كسبت في إيمانها خيرا: الدجال، والدابة، وطلوع ~~الشمس من مغربها ". # قوله: { لم تكن آمنت من قبل }. # في هذه الجملة ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها في محل نصب؛ [لأنها] نعت ل " نفسا " ، وفصل ~~بالفاعل، وهو " إيمانها " بين الصفة وموصوفها، لأنه ليس ~~بأجنبي، إذ قد اشترك الموصوف الذي هو المفعول والفاعل في ~~العامل، فعلى هذا يجوز: " ضرب هندا غلامها القرشية " ، ~~وقوله " أو كسبت " عطف على " لم تكن آمنت ". # وفي هذه الآية بحوث حسنة تتعلق بعلم العربية وعليها ~~تبنى مسائل من " أصول الدين " ، وذلك أن المعتزلي يقول: ~~" مجرد الإيمان الصحيح لا يكفي، بل لا بد من انضمام عمل ~~يقترن به ويصدقه " ، واستدل بظاهر هذه الآية، وذلك كما قال ~~الزمخشري: " لم تكون آمنت من قبل " صفة لقوله " ~~نفسا " وقوله: " أو كسبت في إيمانها خيرا " عطفت على " ~~آمنت " والمعنى: أن أشراط الساعة إذا جاءت وهي آيات ~~ملجئة مضطرة، ذهب أوان التكليف عندها؛ فلم ينفع ~~الإيمان حينئذ نفسا غير مقدمة إيمانها قبل ظهور الآيات، أو ~~مقدمة إيمانها غير كاسبة خيرا في إيمانها؛ فلم يفرق كما ~~ترى بين النفس الكافرة إذا آمنت ms3808 إذا آمنت في غير وقت الإيمان، ~~وبين النفس التي آمنت في وقته ولم تكسب خيرا، ليعلم أن ~~قوله: # الذين آمنوا وعملوا الصالحات # [البقرة:25] جمع بين قرينتين، لا ينبغي أن تنفك إحداهما عن ~~الآخرى حتى يفوز صاحبها ويسعد، وإلا فالشقوة والهلاك. # وقد أجاب بعض الناس هذا الظاهر: بأن المعنى بالآية الكريمة: ~~أنه إذا أتى بعض الأيات، لا ينفع نفسا كافرة إيمانها ~~الذي أوقعته إذ ذلك، ولا ينفع نفسا سبق إيمانها وما ~~كسبت فيه خيرا، فقد علق نفي نفع الإيمان بأحد وصفين: ~~إما نفي سبق الإيمان فقط، وإما سبقه مع نفي كسب ~~الخير، ومفهومه: أنه ينفع الإيمان السابق وحده أو ~~السابق ومعه الخير، ومفهوم الصفة قوي. فيستدل بالآية ~~لمذهب أهل السنة، فقد قلبوا دليلهم دليلا عليهم. # وقد أجاب القاضي ناصر الدين بن المنير عن قول الزمخشري - رحمه ~~الله - فقال " قال أحمد: هو يروم الاستدلال على أن الكافر ~~والعاصي في الخلود سواء، حيث سوى في الآية بينهما؛ في عدم ~~الانتفاع بما يستدركانه بعد ظهور الآيات ولا يتم ذلك، فإن ~~هذا الكلام في البلاغة يلقب ب " اللف " وأصله: يوم يأتي ~~بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن مؤمنة قبل ~~إيمانها بعد، ولا نفسا لم تكسب خيرا قبل ما تكسبه من ~~الخير بعد، فلف الكلامين؛ فجعلهما كلاما واحدا إيجازا ~~وبلاغة، ويظهر بذلك أنها لا تخالف مذهب الحق فلا ينفع ~~بعد ظهور الآيات اكتساب الخير، وإن نفع الإيمان المتقدم من ~~الخلود، فهي بالرد على مذهبه أولى من أن تدل له ". # الثاني: أن هذه الجملة في محل نصب على الحال من الضمير ~~المجرور، قاله أبو البقاء، يعني: من " ها " في إيمانها. # الثالث: أن تكون مستأنفة. وبهذا بدأ أبو البقاء، وثنى بالحال، ~~وجعل الوصف ضعيفا؛ كأنه استشعر ما ذكره الزمخشري، ففر ~~من جعلها نعتا، وأبو حيان جعل الحال بعيدا، والاستئناف ~~أبد منه. # ثم قال - تعالى - { قل انتظروا إنا منتظرون } وهذا ~~وعيد وتهديد. ### || [6.159] # وقرأ الأخوان: " فارقوا " من المفارقة. # قال القرطبي - رحمة الله عليه -: " وهي قراءة علي ms3809 بن أبي طالب - رضي ~~الله عنه - من المفارقة والفراق، على معنى: أنهم تركوا دينهم ~~وخرجوا عنه، وكان علي - كرم الله وجهه - يقول: والله ما ~~فرقوه، ولكن فارقوه ". # وقال شهاب الدين: فيها وجهان: # أحدهما: أن " فاعل " بمعنى: فعل، نحو ضاعفت الحساب، وضعفته. # وقيل: هي من المفارقة، وهي الترك، والتخلية، ومن فرق ~~دينه؛ فآمن ببعض وكفر ببعض، فقد فارق الدين القيم. # وقرأ الباقون: " فرقوا " بالتشديد، وقرأ الأعمش، وأبو صالح، ~~وإبراهيم،: " فرقوا " مخفف الراء. # قال أبو البقاء: " وهو بمعنى المشدد، ويجوز أن يكون بمعنى: ~~فصلوه عن الدين الحق " وقد تقدم معنى الشيع، أي: صاروا ~~فرقا مختلفة. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: يريد: المشركين، بعضهم يعبدون ~~الملائكة، ويزعمون أنهم بنات الله، وبعضهم يعبدون الأصنام، ~~ويقولون: " هؤلاء شفعاؤنا عند الله " و " كانوا شيعا " أي: ~~فرقا وأحزابا في الضلالة. # وقال مجاهد، وقتادة: هم اليهود والنصارى؛ لأن النصارى ~~تفرقوا فرقا، ويكفر بعضهم بعضا، واليهود أخذوا ببعض الكتاب، ~~وتركوا بعضه. # وقيل: هم أهل البدع والشبهات من هذه الأمة وروى عمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~لعائشة - رضي الله عنها -: # " يا عائشة! إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا هم ~~أصحاب البدع وأصحاب الأهواء من هذه الأمة ". # وروى عبد الله بن عمر- رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " " إن بني إسرائيل تفرقت على اثنين وسبعين ملة، ~~وتفرفت أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلها في النار إلا ~~واحدة " ، قال: من هي يا رسول الله؟ قال: " ما أنا عليه وأصحابي ~~" ". # قوله: { لست منهم في شيء }. # " لست ": في محل رفع خبرا ل " إن " ، و " منهم ": هو خبر " ~~ليس " إذ به تتم الفائدة؛ كقول النابغة: [الوافر] # 2394- إذا حاولت في أسد فجورا # فإني لست منك ولست مني # ونظيره [في الإثبات]: " # فمن تبعني فإنه مني # [إبراهيم:36]. # وعلى هذا، فيكون " في شيء " متعلقا بالاستقرار الذي تعلق ~~به منهم، أي: لست مستقرا منهم في شيء، أي من تفريقهم. ~~[ويجوز أن يكون " في شيء ": الخبر، " ومنهم ms3810 ": حال مقدمة ~~عليه، وذلك على حذف مضاف، أي: لست في شيء كائن من تفريقهم]، ~~فلما قدمت الصفة نصبت حالا. # فصل في المراد بالآية # في المعنى قولان: # الأول: إذا أريد أهل الأهواء، فالمعنى: أنت بريء منهم، وهم ~~منك براء، أي: إنك بعيد عن أهوائهم ومذاهبهم، والعقاب ~~اللازم على تلك الأباطيل مقصور عليهم لا يتعداهم. # وإن أريد اليهود والنصارى. # قال السدي: " معناه: يقولون يؤمر بقتالهم؛ فلما أمر ~~بقتالهم نسخ " وهذا بعيد؛ لأن المعنى: لست من قتالهم في هذا ~~الوقت في شيء؛ فورود الأمر بالقتال في وقت آخر، لا يوجب ~~النسخ. ثم قال: { إنما أمرهم إلى الله } يعني: في الجزاء، ~~والمكافأة، والإمهال، { ثم ينبئهم بما كانوا ~~يفعلون } والمراد: الوعيد. ### || [6.160] # إنما ذكر العدد والمعدود مذكر، لأوجه: # منها: أن الإضافة لها تأثير كما تقدم غير مرة؛ فاكتسب المذكر ~~من المؤنث التأنيث، فأعطي حكم المؤنث من سقوط التاء من ~~عدده؛ ولذلك يؤنث فعله حالة إضافته لمؤنث نحو: { تلتقطه ~~بعض السيارة } [يوسف:10]. # وقوله: [الطويل] # 2395-.................... # كما شرقت صدر القناة من الدم # وقوله: [الطويل] # 2396-.................... # تسفهت أعاليها مر الربيع النواسم # إلى غير ذلك مما تقدم تحقيقه. # ومنها: أن المذكر عبارة عن مؤنث، فروعي المراد دون ~~اللفظ، وعليه قوله: [الطويل] # 2397- وإن كلابا هذه عشر أبطن # وأنت بريء من قبائلها العشر # لم يلحق التاء في عدد أبطن، وهي مذكرة؛ لأنها عبارة عن ~~مؤنث، وهي القبائل، فكأنه قيل: وإن كلابا هذه عشر قبائل؛ ~~ومثله قول عمر بن أبي ربيعة: [الطويل] # 2398- وكان مجني دون من كنت أتقي # ثلاث شخوص كاعبان ومعصر # لم تلحق التاء في عدد " شخوص " وهي مذكرة؛ لما كانت عبارة ~~عن النسوة، وهذا أحسن مما قبله؛ للتصريح بالمؤنث في ~~قوله: " كاعبان " و " معصر " ، وهذا كما أنه إذا أريد بلفظ ~~مؤنث معنى مذكر؛ فإنهم ينظرون إلى المراد دونه اللفظ، ~~فيلحقون التاء في عدد المؤنث، ومنه قوله الشاعر: [الوافر] # 2399- ثلاثة أنفس وثلاث ذود # لقد جار الزمان على عيالي # فألحق التاء في عدد " أنفس " وهي مؤنثة؛ لأنها يراد بها ~~ذكور، ومثله: # اثنتي عشرة أسباطا ms3811 # [الأعراف:160] في أحد الوجهين، وسيأتي إن شاء الله في موضعه. # ومنها: أنه راعى الموصوف المحذوف، والتقدير: فله عشر حسنات ~~أمثالها، ثم حذف الموصوف: وأقام صفته مقامه تاركا العدد على ~~حاله، ومثله: " مررت بثلاثة نسابات " ألحقت التاء في عدد ~~المؤنث مراعاة للموصوف المحذوف، إذ الأصل: بثلاثة رجال ~~نسابات، ويؤيد هذا: قراءة يعقوب، والحسن، وسعيد بن جبير، ~~والأعمش، وعيسى بن عمر: " عشر " بالتنوين " أمثالها " ~~بالرفع صفة ل " عشر " أي: فله عشر حسنات أمثال تلك الحسنة، ~~وهذه القراءة سالمة من تلك التآويل المذكورة في القراءة ~~المشهورة. # وقال أبو علي: اجتمع هاهنا أمران، كل منها يوجب ~~التأنيث، فلما اجتمعا، قوي التأنيث: # أحدهما: أن الأمثال في المعنى: " حسنات " فجاز التأنيث كقوله: ~~[الطويل] # 2400-.................. # ثلاث شخوص كاعبان ومعصر # أراد بالشخوص: النساء. # والآخر: أن المضاف إلى المؤنث قد يؤنث وإن كان مذكرا؛ ~~كقول من قال: " قطعت بعض أصابعه " ، { تلتقطه بعض ~~السيارة } [يوسف:10]. # فصل في هل المراد في العدد التحديد # قال بعضهم: التقدير بالعشرة ليس المراد منه: التحديد، بل ~~المراد منه: الإضعاف مطلقا؛ كقول القائل: " إذا أسديت إلي ~~معروفا لأكافئنك بعشر أمثاله " وفي الوعيد: " لئن ~~كلمتني [كلمة] واحدة، لأكلمنك عشرا " ولا يريد ~~التحديد، فكذلك هنا، ويدل على أنه ليس المراد التحديد، قوله ~~- سبحانه وتعالى -: # مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ~~كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة ~~مئة حبة والله يضاعف لمن يشآء # [البقرة:261]. # وقال ابن عمر - رضي الله عنه -: " الآية في غير الصدقات ". # قوله: { ومن جآء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها } # أي: إلا جزاء يساويها. # روى أبو ذر - رضي الله تعالى عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم وشرف ~~وكرم وبجل ومجد وعظم قال: قال الله - تبارك وتعالى -: " الحسنة ~~عشرة أو أزيد، والسيئة واحدة، أو عفو، فالويل لمن غلبت آحاده أعشاره ". # وقال - عليه أفضل الصلاة والسلام - وأتم حكاية عن الله - تبارك وتعالى ~~سبحانه -: # " إذا هم عبدي بحسنة، فاكتبوها وإن لم يعملها، فإن ~~عملها، فعشر أمثالها, وإن هم بسيئة، فلا تكتبوها، فإن ~~عملها، فسيئة واحدة " ". # وروى أبو ms3812 هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " إذا أحسن أحدكم إسلامه، فكل حسنة يعملها تكتب بعشر ~~أمثالها إلى سبعمائة، وكل سيئة يعملها، تكتب بمثلها، ~~حتى يلقى الله - عز وجل - ". # ثم قال - تبارك وتعالى -: { وهم لا يظلمون }. # أي: لا ينتقص من ثواب طاعتهم، ولا يزاد على عقاب سيئاتهم، ~~وهاهنا سؤالان: # السؤال الأول: كفر ساعة كيف يوجب عقاب الأبد على نهاية ~~التغليظ فما وجه المماثلة؟ # فالجواب: أن الكافر كان على عزم أنه لو عاش أبدا لبقي على ذلك ~~الاعتقاد فلما كان ذلك العزم مؤبدا عوقب بعقاب الأبد؛ بخلاف ~~المسلم المذنب؛ فإنه يكون على عزم الإقلاع من ذلك الذنب، ~~فلا جرم كانت عقوبته منقطعة. # السؤال الثاني: اعتاق الرقبة الواحدة تارة جعلها بدلا عن صيام ~~ستين يوما في كفارة الظهار، والجماع في نهار رمضان، وتارة ~~جعلها بدلا من صيام ثلاثة أيام، فدل على أن المساواة غير ~~معتبرة؟. # وجوابه: أن المساواة إنما تحصل بوضع الشرع وحكمه. # السؤال الثالث: إذا أوضح الإنسان موضحتين، وجب فيهما أرشان ~~فإن رفع الحاجز بينهما، صار الواجب أرش موضحة واحدة؛ فههنا ~~ازدادت الجناية وقل العقاب، فالمساواة غير معتبرة. # وجوابه أن ذلك من قصد الشرع وتحكماته. # السؤال الرابع: أنه يجب في مقابلة تفويت أكثر كل واحد من ~~الأعضاء دية كاملة ثم إذا قتله وفوت كل الأعضاء وجب دية واحدة، وذلك ~~يمنع القول من رعاية المماثلة. # وجوابه: أن ذلك من باب تحكمات الشريعة. ### || [6.161] # لما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم وبجل ومجد وعظم ~~دلائل التوحيد, والرد على القائلين بالشركاء والأضداد، ~~وبالغ في تقرير إثبات القضاء والقدر، ورد على أهل الجاهلية في ~~أباطيلهم أمره - عليه الصلاة والسلام - أن يختم الكلام بقوله: { ~~قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم } ، وذلك ~~يدل على أن الهداية لا تحصل إلا بالله - تبارك وتعالى ~~سبحانه -. # وقال القرطبي - رحمه الله تعالى -: " لما بين أن الكفار ~~تفرقوا، بين أنه - تعالى - هداه إلى الصراط المستقيم، وهو ~~ملة إبراهيم - عليه الصلاة وأتم التسليم ms3813 - ". # قوله: " دنيا ": نصبه من أوجه: # أحدها: من نصب على الحال، قال قطرب وقيل: إنه مصدر على المعنى، ~~أي: هداني هداية دين قيم، أو على إضمار: " عرفني دينا " ~~أو الزموا دينا. # وقال أبو البقاء - رحمة الله عليه -: إنه مفعول ثان ل " هداني " ~~وهو غلط؛ لأن المفعول الثاني هنا هو المجرور ب " إلى " ~~فاكتفي به. # وقال مكي - رحمة الله تعالى عليه -: " إنه منصوب على البدل من ~~محل إلى صراط مستقيم ". # وقيل: ب " هداني " مقدرة لدلالة " هداني " الأول عليها وهو ~~كالذي قبله في المعنى. # قوله: " قيما " قرأ الكوفيون، وابن عامر: بكسر القاف وفتح الياء ~~خفيفة، والباقون بفتحها، وكسر الياء مشددة، ومعناه: القويم ~~المستقيم، وتقدم توجيه إحدى القراءتين في النساء ~~والمائدة. # قال الزمخشري - رحمة الله عليه -: القيم: " فيعل " من " قام " ~~كسيد من ساد، وهو أبلغ من القائم. # وأما قراءة أهل الكوفة فقال الزجاج - رحمة الله عليه -: هو ~~مصدر بمعنى: القيام، كالصغر والكبر والجوع والشبع، والتأويل: ~~دينا ذا قيم، ووصف الدين بهذا المصدر مبالغة. # قوله تعالى: " ملة " بدلا من " دينا " أو منصوب بإضمار أعني، ~~و " حنيفا " قد ذكر في البقرة والنساء. # والمعنى: هداني وعرفني ملة إبراهيم حال كونها موصوفة ~~بالحنيفية، ثم وصف إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - بقوله: { وما ~~كان من المشركين } والمقصود منه: الرد على المشركين. ### || [6.162-163] # لما عرفه الدين المستقيم, عرفه كيف يقوم به ويؤديه، وهذ ~~الآية الكريمة تدل على أنه - عليه الصلاة والسلام - مؤدي ~~العبادة مع الإخلاص، وأكده بقوله - تبارك وتعالى -: { لا شريك له ~~} وهذا من أقوى الدلائل على أن شرط صحة الصلاة: أن يؤتى بها ~~مقرونة بالإخلاص. # واختلفوا في المراد بالنسك: # فقيل: المراد به: الذبيحة بعينها، وجمع بين الصلاة وبين ~~النحر؛ كما في قوله - تبارك وتعالى -: # فصل لربك وانحر # [الكوثر:2] فقيل: المراد بالصلاة هاهنا صلاة النحر، وقيل: صلاة ~~الليل. # وروى ثعلب عن ابن الأعرابي أنه قال: النسك: سبائك ~~الفضة، كل نسيكة منها سبيكة، وقيل للمتعبد: ناسك، لأنه ~~خلص نفسه من دنائس الآثام وصفاها، كالسبيكة المخلصة من ~~الخبث، وعلى هذا التأويل فالنسك: كل ms3814 ما يتقرب به إلى الله ~~- تبارك وتعالى -، إلا أن الغالب عليه في العرف: الذبح. # قوله: { ومحياي ومماتي لله }. # قرأ نافع: " ومحياي " بسكون ياء المتكلم، وفيها الجمع بين ~~ساكنين. # قال الفارسي: كقوله: " التقت حلقتا البطان " و " لفلان ~~ثلثا المال " بثبوت الألفين. # وقد طعن بعض الناس على هذه القراءة بما ذكرت من الجمع بين ~~الساكنين، وتعجبت من كون هذا القارئ يحرك ياء " مماتي " ~~ويسكن ياء " محياي " وقد نقل بعضهم عن نافع الرجوع عن ذلك. # قال أبو شامة - رحمة الله عليه -: " فينبغي ألا يحل نقل ~~تسكين ياء " محياي " عنه ". # وقرأ نافع في رواية: " محياي " بكسر الياء، وهي تشبه قراءة حمزة ~~في # بمصرخي # [إبراهيم:22]، وستأتي - إن شاء الله تعالى -. # وقرأ ابن أبي إسحاق، وعيسى الجحدري: " ومحيي " بإبدال " ~~الألف " " ياء " ، وإدغامها في ياء المتكلم، وهي لغة هذيل، ~~أنشد عليها قول أبي ذؤيب: [الكامل] # 2401- سبقوا هوي وأعنقوا لهواهم # فتخرموا ولكل جنب مصرع # اعلم: أن المحيا والممات لله ليس بمعنى أنهما يؤتى بهما ~~لطاعة الله - عز وجل -، فإن ذلك محال، بل معنى كونهما لله ~~أنهما حاصلان بخلق الله، وذلك من أدل الدلائل على أن ~~طاعة العبد مخلوقة منه - تعالى -. # وقال بعض المفسرين: " محياي: بالعمل الصالح, ومماتي: إذا ~~مت على الإيمان من رب العالمين ". # واعلم: أنه - تبارك وتعالى - أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن ~~يبين أن صلاته، وسائر عباداته، وحياته، ومماته كلها ~~واقعة بخلق الله - تبارك وتعالى - وبقدره، وقضائه، وحكمه. # وقال القرطبي - رحمة الله عليه -: قوله: " ومحياي " أي: ما ~~أعمله في حياتي، و " مماتي " أي: ما أوصي به بعد وفاتي " ~~لله رب العالمين " أي: أفرده بالتقرب بها إليه، ثم ~~نص على أنه لا شريك له في الخلق، والتقدير، ثم قال: " وبذلك ~~أمرت " وبهذا التوحيد أمرت، ثم يقول: " وأنا أول المسلمين " ~~أي: المستسلمين لقضاء الله وقدره، ومعلوم أنه ليس ~~أولا لكل مسلم، فوجب أن يكون المراد: كونه أولا ~~لمسلمي زمانه. # فصل في استفتاح الصلاة بهذا الدعاء # قال القرطبي - رحمه الله -: " ذكر الطبري، عن الشافعي - رحمه الله - ~~أن في ms3815 قوله - تعالى -: # قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم # [الأنعام:161] إلى قوله { رب العالمين } ما يدل على ~~افتتاح الصلاة بهذا الذكر؛ فإن الله - سبحانه وتعالى - أمر ~~نبيه صلى الله عليه وسلم به، وأنزله في كتابه، ثم ذكر حديث علي - ~~رضي الله عنه - كان إذا افتتح الصلاة قال: وجهت وجهي للذي ~~فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، إن ~~صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك ~~له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين. ### || [6.164] # لما أمره - عليه الصلاة والسلام - بالتوحيد المحض، أمره ~~أن يذكر ما يجري مجرى الدليل على صحة هذا التوحيد، ~~وتقريره من وجهين: # الأول: أن أصناف المشركين أربعة؛ لأن عبدة الأصنام أشركوا ~~بالله، وعبدة الكواكب أشركوا بالله، والقائلون بيزدان وأهرمن ~~أشركوا، والقائلون بأن المسيح ابن الله والملائكة بنات الله ~~أشركوا، فهولاء هم فرق المشركين، وكلهم يعترفون بأن ~~الله - سبحانه وتعالى - هو الخالق للكل؛ لأن عبدة الأصنام ~~معترفون بان الله - تعالى - خالق السموات والأرض وكل ما في ~~العالم من الموجودات وهو الخالق للأصنام والأكوان بأسرها. # وأما القائلون بيزدان وأهرمن فهم أيضا معترفون بأن الشيطان ~~محدث، وأن محدثه هو الله - تبارك وتعالى -. # وأما القائلون بالمسيح والملائكة، فهم أيضا معترفون بأن ~~الله - سبحانه وتعالى - خلق الكل؛ فثبت أن طوائف المشركين ~~أطبقوا على أن الله - تبارك وتعالى - خلق هؤلاء الشركاء. # وإذا عرف هذا، فالله - سبحانه وتعالى - قال لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم: قل يا محمد أغير الله أبغي ربا، مع أن هؤلاء الذين ~~اتخذوا ربا غير الله، أقروا بأن الله تبارك وتعالى خالق ~~تلك الأشياء. # وهل يدخل في العقل جعل المربوب شريكا للرب، وجعل العبد ~~شريكا للمولى، وجعل المخلوق شريكا للخالق؟ ولما كان ~~الأمر كذلك، ثبت أن إتخاذهم ربا غير الله [قول] فاسد ودين ~~باطل. # الثاني: أن الموجود إما واجب لذاته وإما ممكن لذاته، وثبت أن ~~واجب الوجود واحد، وثبت أن ما سواه ممكن لذاته، وثبت أن ~~الممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته، وإن كان ~~الأمر كذلك، كان الله ms3816 - تعالى - ربا بكل شيء. # وإذا ثبت هذا، فنقول: صريح العقل يشهد بأنه لا يجوز ~~جعل المربوب شريكا للرب، وجعل المخلوق شريكا للخالق, ~~وهذا هو المراد من قوله - تعالى -: { قل أغير الله أبغي ~~ربا وهو رب كل شيء }. # قال ابن عباس - رضي الله عنه - معنى ربا: أي سيدا وهو رب كل ~~شيء، وذلك أن الكفار كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: ~~ارجع إلى ديننا. # قال ابن عباس، قال الوليد بن المغيرة: اتبعوا سبيلي، أحمل ~~عنكم أوزاركم، فقال الله - تبارك وتعالى -: { ولا تكسب ~~كل نفس إلا عليها } ومعناه: أن إثم الجاني عليه، لا ~~على غيره " ولا تزر وازرة وزر أخرى " أي: لا يؤاخذ أحد ~~بذنب غيره. # قال القرطبي - رحمه الله -: وأصل الوزر: الثقل، ومنه قوله - ~~تعالى -: # ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض # [الشرح:2، 3] وهو هنا: الذنب؛ كما قال - تعالى -: # يحملون أوزارهم على ظهورهم # [الأنعام:31] وقد تقدم قول الأخفش: يقال: وزر يوزر، ووزر ~~يزر، ووزر يوزر وزرا. # قيل: نزلت ردا على العرب في الجاهلية من مؤاخذة الرجل ~~بأبيه، وابنه، وابنه، وبجريرة حليفه. # قال القرطبي: يحتمل أن يكون المراد بهذه الآية في الآخرة، ~~وكذلك التي قبلها، فأما في الدنيا: فقد يؤاخذ بعضهم بجرم ~~بعض، ولا سيما إذا لم ينه الطائع العاصي، كما تقدم في حديث ~~أبي بكر - رضي الله عنه -: # عليكم أنفسكم # [المائدة:105] وقال - تعالى -: # واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم ~~خآصة # [الأنفال:25] # إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم # [الرعد:11]. # وقالت زينب بنت جحش: # " يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر ~~الخبث ". # قال العلماء: معناه: أولاد الزنا، والخبيث بفتح الباء: اسم ~~للزنا، وأوجب الله - تعالى - على لسان رسوله - عليه الصلاة ~~والسلام - دية الخطأ على العاقلة، حتى لا يطل دم المسلم وذلك ~~بالإجماع؛ فدل ذلك على ما قلناه. ثم بين - تعالى - أن ~~رجوع هؤلاء المشركين إلى موضع لا حاكم ولا آمر إلا الله، وهو ~~قوله - تعالى -: { ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم ~~بما كنتم فيه تختلفون }. ### || [6.165] # فيه ms3817 وجوه: # أحدها: أن محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، فخلفت ~~أمته سائر الأمم، والخلائف: جمع خليفة؛ كالوصائف جمع ~~وصيفة، وكل من جاء تبعا له، فهو خليفة؛ لأنه يخلفه، أي: ~~أهلك القرون الماضية، وجعلكم يا محمد صلى الله عليه وسلم ~~خلفاء منهم، تخلفونهم في الأرض وتعمرونها بعدهم. # وثانيها: جعلهم يخلف بعضهم بعضا. # وثالثها: أنهم خلفاء الله في أرضه، يملكونها ويتصرفون ~~فيها. # قوله: { ورفع بعضكم فوق بعض درجات }: في الشرف، ~~والعقل والمال، والجاه، والرزق، { ليبلوكم في مآ ~~آتاكم } ليختبركم فيما رزقكم، يعني: يبتلي الغني، ~~والفقير، والشريف، والوضيع، والحر، والعبد، ليظهر منكم ~~ما يكون عليه الثواب والعقاب، ثم قال - تعالى -: # إن ربك لسريع العقاب # [الأعراف:167] لأن ما هو آت هو سريع قريب. # وقيل: هو الهلاك في الدنيا { وإنه لغفور رحيم }. # قال عطاء: سريع العقاب لأعدائه، غفور رحيم لأوليائه رحيم بهم، ~~وأكد قوله: " لغفور " [باللام] دلالة على سعة رحمته، ولم ~~يؤكد سرعة العقاب بذلك هنا، وإن كان قد أكد ذلك في سورة ~~الأعراف؛ لأن هناك المقام مقام تخويف وتهديد، وبعد ذكر قصة ~~المعتدين في السبت وغيره، فناسب تأكيد العقاب هناك, وأتى ~~بصيغتي الغفران والرحمة، لا بصيغة واحدة؛ دلالة على ~~حلمه، وسعة مغفرته، ورحمته. # روى جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " من قرأ ثلاث آيات في أول سورة الأنعام إلى قوله: { ويعلم ما ~~تكسبون } وكل الله به أربعين ألف ملك، يكتبون له مثل ~~أعمالهم إلى يوم القيامة، وينزل ملك من السماء السابعة، ومعه ~~مرزبة من حديد، فإن أراد الشيطان أن يوسوس أو يوحي إلى ~~قلبه، ضربه بها ضربا، فكان بينه وبينه سبعون حجابا، فإذا ~~كان يوم القيامة يقول الرب - سبحانه وتعالى - امش في ظلي، ~~وكل من ثمار جنتي، واشرب من ماء الكوثر، واغتسل من ماء ~~السلسبيل، وأنت عبدي وأنا ربك ". ### | [7 - سورة الأعراف] ### || [7.1] # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: " آلمص: أنا الله أفصل " ، ~~وعنه " أنا الله أعلم وأفصل ". وقد تقدم الكلام على الأحرف ~~المقطعة في ms3818 أول الكتاب. # وقال السدي - رضي الله عنه -: " آلمص " على هجاء قولنا في أسماء ~~الله " سبحانه المصور ". # قال القاضي - رحمه الله -: ليس حمل هذا اللفظ على قولنا: أنا ~~الله أفصل أولى من [حمله] على قوله: " أنا الله أصلح " ، [أنا ~~الله أمتحن، أنا الله أملك؛ لأنه إن كانت العبرة بحرف الصاد فهو ~~موجود في قوله: أنا الله أصلح،] وإن كانت العبرة بحرف الميم ~~فكما أنه موجود في العلم فهو أيضا موجود في الملك، والامتحان، فكان ~~حمل قولنا " آلمص " على هذا المعنى بعينه محض التحكم، ~~وأيضا فإن جاء تفسير الألفاظ بناء على ما فيها من الحروف من غير ~~أن تكون تلك اللفظة موضوعة في اللغة لذلك المعنى؛ ~~انفتحت طريقة الباطنية في تفسير سائر [ألفاظ] القرآن الكريم ~~بما يشاكل هذا الطريق. # وأما قول بعضهم: إنه من أسماء الله - تبارك وتعالى - فأبعد؛ ~~لأنه ليس جعله اسما لله أولى من جعله اسما لبعض رسله من ~~الملائكة، أو الأنبياء - عليهم، وعلى نبينا أفضل الصلاة ~~والسلام -، ولأن الاسم إنما يصير للمسمى بواسطة الوضع ~~والاصطلاح وذلك مفقود هنا، بل الحق أن قول: " آلمص " اسم لقب لهذه ~~السورة الكريمة، وأسماء الألقاب لا تفيد ههنا فائدة في المسميات، ~~بل هي قائمة مقام الإرشادات، ولله - تبارك وتعالى - سبحانه أن ~~يسمي هذه السورة بقوله: " آلمص " كما أن الواحد منا إذا حدث له ~~ولد فإنه يسميه بمحمد. # قوله: " كتاب ": يجوز أن يكون خبرا عن الأحرف قبله، وأن يكون ~~خبرا لمبتدأ مضمر، أي: هو كتاب، كذا قدره الزمخشري. # ويجوز أن يكون كتاب مبتدأ و " أنزل " صفته و " فلا تكن " ~~خبره، والفاء زائدة على رأي الأخفش أي: كتاب موصوف بالإنزال ~~إليك، لا يكن في صدرك حرج منه، وهو بعيد جدا. والقائم مقام ~~الفاعل في " أنزل " ضمير عائد على الكتاب، ولا يجوز أن يكون ~~الجار؛ لئلا تخلو الصفة من عائد. # والمراد بالكتاب القرآن الكريم. # فإن قيل: الدليل الذي دل على صحة نبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم هو أن الله - تبارك وتعالى - جده لا إله إلا هو ms3819 - ~~خصه بإنزال هذا القرآن عليه فما لم نعرف هذا المعنى لا يمكننا أن ~~نعرف نبوته، وما لم نعرف نبوته لا يمكننا أن نحتج بقوله فلو أثبتنا ~~كون هذه السورة نازلة من عند الله - تبارك وتعالى - بقوله لزم ~~الدور؟ # فالجواب: نحن نعلم بمحض العقل أن هذه السورة الكريمة كتاب ~~أنزل إليه من عند الله؛ لأنه عليه أفضل الصلاة والسلام ما ~~تتلمذ لأستاذ، ولا تعلم من معلم، ولا طالع كتابا، ولم ~~يخالط العلماء والشعراء وأهل الأخبار، وانقضى من عمره صلى الله ~~عليه وسلم أربعون سنة ولم يتفق له شيء من هذه الأحوال، ثم بعد ~~الأربعين ظهر له هذا الكتاب العزيز المشتمل على علوم الأولين ~~والأخرين، والعقل يشهد بأن هذا لا يحصل إلا بطريق الوحي من عند ~~الله - تبارك وتعالى -؛ فثبت بهذا الدليل العقلي أن هذا الكتاب أنزل ~~على محمد صلى الله عليه وسلم من عند ربه وإلهه عز وجل. # فصل في دحض شبهة خلق القرآن # احتج القائلون بخلق القرآن الكريم بقوله: # كتاب أنزل إليك # [الأعراف: 2]، فوصف بكونه منزلا والإنزال يقتضي الانتقال من حال ~~إلى حال، وذلك لا يليق بالقديم فدل على أنه محدث. # والجواب أن الموصوف بالإنزال والتنزيل على سبيل المجاز [هو] هذه الحروف ~~ولا نزاع في كونها محدثة مخلوقة. # فإن قيل: هب أن المراد منه الحروف إلا أنه الحروف أعراض ~~غير باقية بدليل أنها متوالية وكونها متوالية يشعر بعدم ~~بقائها، وإذا كان كذلك فالعرض الذي لا يبقى زمانين كيف يعقل ~~وصفه بالنزول؟ # فالجواب: أنه سبحانه وتعالى أحدث هذه الرقوم والنقوش في ~~اللوح [المحفوظ]، ثم أن الملك يطالع تلك النقوش، وينزل من ~~السماء إلى الأرض ويعلم محمدا - صلوات الله وسلامه عليه - تلك ~~الحروف والكلمات، فكان المراد بكون تلك الحروف نازلة هو: أن ~~مبلغها نزل من السماء إلى الأرض. # فصل في تأويل المكانية # الذين أثبتوا لله مكانا تمسكوا بهذه الآية فقالوا: إن كلمة ~~" من " لابتداء الغاية، وكلمة " إلى " لانتهاء الغاية، فقوله: " ~~أنزل إليك " يقتضي حصول مسافة مبدؤها هو الله - تبارك وتعالى - ~~وغايتها هو ms3820 محمد - عليه أفضل الصلاة والسلام -، وذلك يدل على ~~أنه تبارك وتعالى مختص بجهة فوق؛ لأن النزول هو الانتقال من فوق ~~إلى أسفل. # والجواب: لما ثبت بالدلائل القاطعة أن المكان والجهة على ~~الله سبحانه وتعالى محال وجب حمله على التأويل وهو أن ~~الملك انتقل من العلو إلى أسفل. ### || [7.2] # قال مجاهد: " شك، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ~~والمراد به الأمة، ويسمى الشك حرجا؛ لأن الشاك ضيق ~~الصدر كما أن المتيقن منشرح القلب ". # وقال أبو العالية رحمة الله عليه، حرج: ضيق، والمعنى: لا يضيق ~~صدرك بسبب أن يكذبوك في التبليع. # قال الكيا: فظاهره النهي ومعناه: نفي الحرج عنه صلى الله عليه ~~وسلم أي: لا يضيق صدرك ألا يؤمنوا به فإنما عليك منه البلاغ ~~وليس عليك سوى الإنذار به، ومثله قوله عز وجل: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين # [الشعراء: 3]. # قوله: " منه " متعلق ب " حرج ". و " من " سببية أي حرج ~~بسببه تقول: حرجت منه أي: ضقت بسببه، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على ~~أنه صفة له أي: حرج كائن وصادر منه، والضمير في " منه " ~~يجوز أن يعود على الكتاب وهو الظاهر، ويجوز أن يعود على الإنزال ~~المدلول عليه ب " أنزل " ، أو على الإنذار، أو على التبليغ ~~المدلول عليهما بسياق الكلام، أو على التكذيب الذي تضمنه ~~المعنى، والنهي في الصورة للحرج، والمراد الصادر منه مبالغة ~~في النهي عن ذلك كأنه قيل: لا تتعاطى أسبابا ينشأ عنها حرج، وهو ~~من باب " لا أرينك ههنا " ، النهي متوجه على المتكلم والمراد به ~~المخاطب كأنه قال: لا تكن بحضرتي فأراك ومثله: # فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها # [طه: 16]. # قوله: " لتنذر به " في متعلق هذه " اللام " ثلاثة أوجه. # أحدها: أنها متعلقة ب " أنزل " أي: أنزل إليك للإنذار، وهذا ~~قول الفراء قال: اللام في " لتنذر " منظوم بقوله: " أنزل " ~~على التقديم والتأخير، على تقدير: كتاب " أنزل إليك ~~لتنذر به فلا يكن ". وتبعه الزمخشري والحوفي، ~~وأبو البقاء على ذلك، وعلى هذا تكون جملة النهي معترضة ~~بين العلة ومعلولها، وهو الذي عناه ms3821 الفراء بقوله: " على ~~التقديم والتأخير ". # والثاني: أن اللام متعلقة بما تعلق به خبر " الكون " إذ ~~التقدير: فلا يكن حرج مستقرا في صدرك لأجل الإنذار. كذا ~~قاله أبو حيان عن الأنباري، فإنه قال: " وقال ابن ~~الأنباري: التقدير: فلا يكن في صدرك حرج منه كي تنذر به فجعله ~~متعلقا بما تعلق به " في صدرك " ، وكذا علقه به صاحب " ~~النظم " ، فعلى هذا لا تكون الحملة معترضة ". # قال شهاب الدين: الذي نقله الواحدي عن نص ابن الأنباري في ~~ذلك أن " اللام " متعلقة ب " الكون " ، وعن صاحب " النظم " ~~أن اللام بمعنى " أن " وسنأتي بنصيهما إن شاء الله تعالى، فيجوز ~~أن يكون لهما كلامان. # الثالث: أنها متعلقة بنفس الكون، وهو مذهب ابن ~~الأنباري والزمخشري، وصاحب " النظم " على ما نقله أبو ~~حيان. # قال أبو بكر بن الأنباري: ويجوز أن تكون اللام صلة للكون ~~على معنى: " فلا يكن في صدرك شيء لتنذر، كما يقول الرجل للرجل ~~لا تكن ظالما لتقضي صاحبك دينه فتحمل لام كي على الكون ". # وقال الزمخشري: فإن قلت: بم تعلق به " لتنذر "؟ ~~قلت: ب " أنزل " أي: أنزل لإنذارك به، أو بالنهي؛ لأنه إذا لم ~~يخفهم أنذرهم، وكذا إذا علم أنه من عند الله شجعه اليقين على ~~الإنذار. # قال أبو حيان: " فقوله: بالنهي ظاهره أنه يتعلق بفعل النهي ~~فيكون متعلقا بقوله: " فلا يكن " ، وكان في تعليق المجرور والعمل ~~في الظرف فيه خلاف، ومبناه على أن " كان " الناقصة هل تدل ~~على حدث أم لا؟ # فمن قال: إنها تدل على الحدث جوز ذلك، ومن قال: لا تدل ~~عليه منعه ". # قال شهاب الدين: الزمخشري مسبوق إلى هذا الوجه، بل ليس في ~~عبارته ما يدل على أنه متعلق ب " يكون " بل قال " بالنهي " ~~فقد يريد بما تضمنه من المعنى، وعلى تقدير ذلك فالصحيح أن ~~الأفعال الناقصة كلها لها دلالة على الحدث إلا " ليس " ، ~~وقد أقمت على ذلك أدلة وأتيت من أقوال الناس بما يشهد ~~لصحة ذلك كقول سيبويه، وغيره في غير هذا الموضوع. # وقال صاحب " النظم ": وفيه وجه آخر، وهو ms3822 أن تكون اللام بمعنى ~~أن والمعنى: لا يضيق صدرك ولا يضعف [عن] أن تنذر به، ~~والعرب تضع هذه اللام في موضع " أن " كقوله تعالى: # يريدون أن يطفئوا نور الله # [التوبة: 32] وفي موضع آخر: # ليطفئوا # [الصف: 8] فهما بمعنى واحد. # قال شهاب الدين: هذا قول ساقط جدا، كيف يكون حرف مختص بالأفعال ~~يقع موضع آخر مختص بالأسماء؟ # قوله: " وذكرى " يجوز أن يكون في محل رفع، أو نصب، أو ~~جر. # فالرفع من وجهين، أحدهما: أنها عطف على " كتاب " أي: كتاب وذكرى ~~أي: تذكير، فهي اسم مصدر وهذا قول الفراء. # والثاني من وجهي الرفع: أنها خبر مبتدأ مضمر أي: هو ذكرى، ~~وهذا قول الزجاج. # والنصب من ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه منصوب على المصدر بفعل من لفظه تقديره: وتذكر ~~ذكرى أي تذكيرا. # الثاني: [أنها] في محل نصب نسقا على موضع " لتنذر " فإن ~~موضعه نصب، فيكون إذ ذاك معطوفا على المعنى، وهذا كما تعطف ~~الحال الصريحة على الحال المؤولة كقوله تعالى: # دعانا لجنبه أو قاعدا أو قآئما # [يونس: 12]، ويكون حينئذ مفعولا من أجله كما نقول: " جئتك ~~لتكرمني وإحسانا إلي ". # الثالث: قال أبو البقاء: - وبه بدأ -: " إنها حال من الضمير في " ~~أنزل " وما بينهما معترض ". وهذا سهو فإن " الواو " مانعة من ~~ذلك، وكيف تدخل الواو على حال صريحة؟ # والجر من وجهين أيضا. # أحدهما: العطف على المصدر [المنسبك من " أن " المقدرة بعد ~~لام كي، والفعل، والتقدير: للإنذار والتذكير. # والثاني: العطف] على الضمير في " به " ، وهذا قول الكوفيين، ~~والذي حسنه كون " ذكرى " في تقدير حرف مصدري - وهو " أن " - ~~والفعل ولو صرح ب " أن " لحسن معها حذف حرف الجر، فهو أحسن من ~~" مررت بك وزيد " إذ التقدير: لأن تنذر به وبأن تذكر. # وقوله: " للمؤمنين " يجوز أن تكون " اللام " مزيدة في ~~المفعول به تقوية له؛ لأن العامل فرع، والتقدير: وتذكر ~~المؤمنين. # ويجوز أن يتعلق بمحذوف؛ لأنه صفة ل " ذكرى ". # فصل في معنى الآية # قال ابن عباس - رضي الله عنهما - يريد موعظة للمصدقين. # فإن قيل: لم قيد هذه الذكرى بالمؤمنين؟ # فالجواب: هو ms3823 نظير قوله: # هدى للمتقين # [البقرة: 2]. # قال ابن الخطيب: والبحث العقلي فيه أن النفوس البشرية ~~على قسمين: بليدة جاهلة بعيدة عن عالم الغيب ~~غريقة في طلب اللذات الجسمانية، ونفوس شريقة مشرقة ~~بأنوار الإلهية، فبعثة الأنبياء في حق القسم الأول للإنذار ~~والتخويف فإنهم لما غرقوا في نوم الغفلة ورقدة ~~الجهالة احتاجوا إلى موقظ يوقظهم. # وأما في حق القسم الثاني فتذكير وتنبيه؛ لأنه ربما غشيها من ~~غواشي عالم الجسم فيعرض لها نوع ذهول وغفلة، فإذا ~~سمعت دعوة الأنبياء واتصل لها أنوار أرواح رسل الله؛ ~~تذكرت مركزها؛ فثبت أنه تعالى إنما أنزل هذا الكتاب على ~~رسوله؛ ليكون إنذارا في حق طائفة، وذكرى في حق طائفة أخرى. ### || [7.3] # لما أمر الرسول بالتبليغ، والإنذار؛ أمر الأمة بمتابعة الرسول. # قوله: " من ربكم " يجوز فيه وجهان: # أحدهما: أنه يتعلق ب " أنزل " وتكون " من " لابتداء الغاية ~~المجازية. # الثاني: أن يتعلق ب " أنزل " وتكون " من " لابتداء الغاية ~~المجازية. # الثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه حال: إما من الموصول، وإما ~~من عائده القائم مقام الفاعل. # فصل في دحض شبهة لنفاة القياس # استدل نفاة القياس بقوله: { اتبعوا مآ أنزل إليكم ~~من ربكم } والمراد به، القرآن والسنة، واستدلوا أيضا بها ~~على أن تخصيص عموم القرآن القياس لا يجوز، لأن عموم القرآن ~~منزل من عند الله، والله - تعالى - أوجب متابعته فوجب العمل ~~بعموم القرآن، ولما وجب العمل به؛ امتنع العمل بالقياس، وإلا ~~لزم التناقض. # وأجيبوا بأن قوله تعالى # فاعتبروا # [الحشر: 2] يدل على وجوب العمل بالقياس، فكان العمل بالقياس عملا ~~بإنزال. # فإن قيل: لو كان العمل بالقياس عملا بما أنزله الله لكان تارك ~~العمل بلا قياس كافرا؛ لقوله: # ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون # [المائدة: 44] وحيث اجتمعت الأمة على عدم التكفير؛ علمنا أن ~~العمل بالقياس ليس عملا بما أنزل الله. # وأجيبوا بأن كون القياس حجة ثبت بإجماع الصحابة والإجماع دليل ~~قاطع، وما ذكرتموه تمسك بالعموم، وهو دليل مظنون ~~والقاطع أولى من المظنون. # وأجاب نفاة القياس بأن كون الإجماع حجة قاطعة إنما ثبت ms3824 ~~بعمومات القرآن والسنة، والفرع لا يكون أقوى من الأصل، ~~وأجيبوا بأن الآيات والأحاديث لما تعاضدت قويت. # قوله: { ولا تتبعوا من دونه أوليآء } أي: لا ~~تتخذوا غيره أولياء تطيعونهم في معصية الله. # قوله: " من دونه " يجوز أن يتعلق بالفعل قبله، والمعنى: لا ~~تعدلوا عنه إلى غيره من الشياطين والكهان. # والثاني: أن يتعلق بمحذوف؛ لأنه كان في الأصل صفة ل " أولياء " ~~فلما تقدم نصب حالا، وإليه يميل تفسير الزمخشري، ~~فإنه قال: " أي لا تتولوا من دونه من شياطين الإنس والجن؛ فيحملوكم ~~على الأهواء والبدع ". والضمير في " دونه " يعود على " ربكم " ~~ولذلك قال الزمخشري " من دون الله " ، ويجوز أن يعود على " ~~ما " الموصولة، وأن يعود على الكتاب المنزل، والمعنى: لا ~~تعدلوا عنه إلى الكتب المنسوخة. # وقرأ الجحدري: " ابتغوا " بالغين المعجمة من الابتغاء. ومالك ~~بن دينار ومجاهد: " ولا تبتغوا " من الابتغاء أيضا من قوله: # ومن يبتغ غير الإسلام دينا # آل عمران: 85]. # قوله: { قليلا ما تذكرون } قد تقدم نظيره في قوله: # فقليلا ما يؤمنون # [البقرة: 88] وهو أن " قليلا " نعت مصدر محذوف أي: تذكرا قليلا ~~تذكرون، أو نعت ظرف زمان محذوف أيضا أي: زمانا قليلا ~~تذكرون، فالمصدر أو الظرف منصوب بالفعل بعده، و " ما " مزيدة ~~للتوكيد، وهذا إعراب جلي. # وقد أجاز الحوفي أن تكون نعت مصدر محذوف لقوله: " ولا ~~تتبعوا " أي: ولا تتبعوا من دونه أولياء اتباعا ~~قليلا، وهو ضعيف؛ لأنه يصير مفهومه أنهم غير منهيين عن ~~اتباع الكثير، ولكنه معلوم من جهة المعنى، فلا مفهوم ~~له. # وحكى ابن عطية عن أبي علي أن " ما " مصدرية موصولة ~~بالفعل بعدها، واقتصر على هذا القدر، ولا بد له من ~~تتمة، فقال بعض الناس: ويكون " قليلا " نعت زمان محذوف، وذلك ~~الزمان المحذوف في محل رفع خبر مقدما و " ما " المصدرية، وما ~~بعدها بتأويل مصدر مبتدأ مؤخرا، والتقدير: زمنا قليلا ~~تذكركم أي: أنهم لا يقع تذكرهم إلا في بعض الأحيان ونظيره: " ~~زمنا قليلا قيامك ". # وقد قيل: إن " ما " هذه نافية، وهو بعيد؛ لأن " ما " لا ~~يعمل ما بعدها فيما قبلها ms3825 عند البصريين، وعلى تقدير تسليم ذلك ~~فيصير المعنى: ما تذكرون قليلا، وليس بطائل، وهذا كما سيأتي في ~~قوله تعالى: # كانوا قليلا من اليل ما يهجعون # [الذاريات: 17] عند من جعلها نافية. # وهناك وجه لا يمكن أن يأتي ههنا وهو أن تكون " ما " مصدرية، وهي ~~وما بعدها في محل رفع بالفاعلية ب " قليلا " الذي هو خبر كان، ~~والتقدير: كانوا قليلا هجوعهم، وأما هنا فلا يمكن ذلك لعدم ~~صحة نصب " قليلا " بقوله: " ولا تتبعوا " حتى يجعل " ما ~~تذكرون " مرفوعا به. ولا يجوز أن يكون " قليلا " حالا من فاعل ~~" تتبعوا " و " ما تذكرون " مرفوعا به، إذ يصير المعنى: ~~أنهم نهوا عن الاتباع في حال قلة تذكرهم، وليس ذلك بمراد. # وقرأ ابن عامر: { قليلا ما تذكرون } بالياء تارة والتاء ~~أخرى، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بتاء واحدة وتخفيف الذال، ~~والباقون بتاء وتشديد الذال. # قال الواحدي: " تذكرون " أصله " تتذكرون " فأدغمت تاء تفعل ~~في الذال؛ لأن التاء مهموسة والذال مجهورة، والمجهور أزيد صوتا ~~من المهموس، فحسن إدغام الأنقص في الأزيد، و " ما " موصولة ~~بالفعل، وهي معه بمنزلة المصدر فالمعنى: قليلا ~~تذكركم. # وأما قراءة ابن عامر " يتذكرون " بياء وتاء فوجهها أن هذا ~~خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي: قليلا ما يتذكرون هؤلاء ~~الذين ذكروا بهذا الخطاب. # وأما قراءة الأخوين، وحفص خفيفة الذال شديدة الكاف، فقد ~~حذفوا التي أدغمها الأولون، وتقدم الكلام على ذلك في ~~الأنعام. ### || [7.4] # لما أمر الرسول بالإنذار والتبليغ وأمر القوم بالقبول ~~والمتابعة ذكر في هذه الآية ما في ترك المتابعة والإعراض عنها من الوعيد. # وفي " كم " وجهان: # أحدهما: أنها في موضع رفع بالابتداء، والخبر الجملة بعدها، و " ~~من قرية " تمييز، والضمير في " أهلكناها " عائد على معنى " ~~كم " ، وهي هنا خبرية للتكثير، والتقدير: وكثير من القرى ~~أهلكناها. # قال الزجاج: و " كم " في موضع رفع بالابتداء أحسن من أن تكون ~~في موضع نصب؛ لأن قولك: " زيد ضربته " أجود من قولك: " ~~زيدا ضربته " بالنصب، والنصب جيد عربي أيضا لقوله ~~تعالى: # إنا كل شيء خلقناه بقدر # [القمر: ms3826 49]، ونقل أبو البقاء عن بعضهم أنه جعل " أهلكناها " صفة ~~ل " قرية " ، والخبر قوله: " فجاءها بأسنا " قال: وهو سهو؛ لأن ~~" الفاء " تمنع من ذلك. # قال شهاب الدين: ولو ادعى مدع زيادتها على مذهب الأخفش لم ~~تقبل دعواه؛ لأن الأخفش إنما يزيدها عند الاحتياج إلى ~~زيادتها. # الثاني: أنها في موضع نصب على الاشتغال بإضمار فعل يفسره ما ~~بعده، ويقدر الفعل متأخرا عن " كم "؛ لأن لها صدر الكلام، ~~والتقدير: وكم من قرية أهلكناها [أهلكناها]، وإنما كان لها صدر ~~الكلام لوجهين: # أحدهما: مضارعتها ل " كم " الاستفهامية. # والثاني: أنها نقيضة " رب "؛ لأنها للتكثير و " رب " ~~للتقليل فحمل النقيض على نقيضه كما يحملون النظير على نظيره، ~~ولا بد من حذف مضاف في الكلام لقوله تعالى: { أو هم قآئلون ~~} فاضطررنا إلى تقدير محذوف؛ لأن البأس لا يليق بالأهل، ~~ولقوله: { أو هم قآئلون } فعاد الضمير إلى أهل القرية، وأيضا ~~فلأن التحذير لا يقع إلا للمكلفين، وأيضا والقائلة لا ~~تليق إلا بالأهل. # ثم منهم من قدره قبل قرية أي: كم من أهل قرية، ومنهم من ~~قدره قبل " ها " في أهلكناها أي: أهلكنا أهلها، وهذا ليس ~~بشيء؛ لأن التقادير إنما تكون لأجل الحاجة، والحاجة لا ~~تدعو إلى تقدير هذا المضاف في هذين الموضعين ~~المذكورين؛ لأن إهلاك القرية يمكن أن يقع عليها نفسها، فإن ~~القرى قد تهلك بالخسف والهدم والحريق والغرق ونحوه، وإنما ~~يحتاج إلى ذلك عند قوله: " فجاءها " لأجل عود الضمير من قوله: " ~~هم قائلون " عليه، فيقدر: وكم من قرية أهلكناها فجاء ~~أهلها بأسنا. # قال الزمخشري: فإن قلت: هل يقدر المضاف الذي هو الأهل قبل ~~القرية، أو قبل الضمير في " أهلكناها ". # قلت: إنما يقدر المضاف للحاجة، ولا حاجة فإن القرية ~~تهلك، كما يهلك أهلها وإنما قدرناه قبل الضمير في " ~~فجاءها " لقوله: { أو هم قآئلون } وظاهر الآية: أن ~~مجيء البأس بعد الإهلاك وعقيبه؛ لأن الفاء تعطي ذلك لكن الواقع ~~إنما هو مجيء البأس، وبعده يقع الإهلاك. # فمن النحاة من قال: الفاء تأتي بمعنى " الواو " فلا ترتب، وجعل من ~~ذلك هذه الآية، ms3827 وهو ضعيف، والجمهور أجابوا عن ذلك بوجهين: # أحدهما: أنه على حذف الإرادة أي: أردنا إهلاكها كقوله: # إذا قمتم إلى الصلاة # [المائدة:6]، # فإذا قرأت القرآن # [النحل: 98]، " إذا دخل أحدكم الخلاء فليسم [الله] " ، ~~وقيل: حكمنا بهلاكها. # الثاني: أن معنى " أهلكناها " أي: خذلناهم ولم نوفقهم فنشأ عن ~~ذلك هلاكهم، فعبر بالمسبب عن سببه وهو باب واسع. وثم أجوبة ~~ضعيفة؛ منها: أن الفاء هاهنا تفسيرية نحو: " توضأ فغسل وجهه ثم ~~يديه " فليست للتعقيب ومنها أنها للترتيب في القول فقط كما أخبر ~~عن قرى كثيرة أنها أهلكها [ثم] قال: فكان من أمرها مجيء البأس ومنها ما ~~قاله الفراء، وهو: أن الإهلاك هو مجيء البأس، ومجيء البأس هو ~~الإهلاك، فلما كانا متلازمين لم يبال بأيهما قدمت في الرتبة، ~~كقولك: " شتمني فأساء " ، وأساء فشتمني، فالإساءة والشتم ~~شيء واحد، فهذه ستة أقوال. # واعلم أنه إذا حذف مضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه جاز لك ~~اعتباران: # أحدهما: الالتفات إلى ذلك المحذوف. # والثاني - وهو الأكثر - عدم الالتفات إليه، وقد جمع الأمران ~~هنا، فإنه لم يراع المحذوف في قوله: " أهلكناها فجاءها " ~~وراعاه في قوله: { أو هم قآئلون } ، هذا إذا قدرنا الحذف ~~قبل " قرية " ، أما إذا قدرنا الحذف قبل ضمير " فجاءها " ~~فإنه لم يراع إلا المحذوف فقط وهو غير الأكثر. # قوله: " بياتا " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: [أنه] منصوب على الحال وهو في الأصل مصدر، يقال: بات ~~يبيت بيتا وبيتة وبياتا وبيتوتة. # قال الليث: " البيتوتة ": " دخولك في الليل " فقوله: " ~~بياتا " أي: بائتين وجوزوا أن يكون مفعولا له، وأن يكون في ~~حكم الظرف. # وقال الواحدي: قوله: " بياتا " أي: ليلا وظاهر هذه العبارة ~~أن تكون ظرفا، لولا أن يقال: أراد تفسير المعنى. # قال الفراء: يقال: بات الرجل يبيت بيتا، وربما قالوا: ~~بياتا، وقالوا: سمي البيت بيتا؛ لأنه يبات فيه. # قوله: { أو هم قآئلون } هذه الجملة في محل نصب نسقا على ~~الحال، و " أو " هنا للتنويع لا لشيء آخر كأنه قيل: آتاه ~~بأسنا تارة ليلا كقوم لوط، وتارة وقت القيلولة كقوم ~~شعيب. وهل يحتاج إلى تقدير واو ms3828 حال قبل هذه الجملة أم ~~لا؟ خلاف بين النحويين. # قال الزمخشري: " فإن قلت: لا يقال: جاء زيد هو فارس " بغير ~~واو فما بال قوله تعالى: { أو هم قآئلون }؟ # قلت: قدر بعض النحويين الواو محذوفة، ورده الزجاج وقال: ~~لو قلت: جاءني زيد راجلا، أو هو فارس، أو جاءني زيد هو فارس لم يحتج ~~إلى " واو "؛ لأن الذكر قد عاد على الأول. # والصحيح أنها إذا عطفت على حال قبلها حذفت الواو استثقالا؛ ~~لاجتماع حرفي عطف؛ لأن واو الحال [هي] واو العطف استعيرت للوصل، ~~فقولك: " جاء زيد راجلا أو هو فارس " كلام فصيح وارد على حده، ~~وأما " جاءني زيد هو فارس " فخبيث. # قال أبو حيان: أما [بعض النحويين الذي أبهمه] الزمخشري فهو ~~الفراء، وأما قول الزجاج: كلا التمثيلين لم يحتج فيه إلى الواو؛ ~~لأن الذكر قد عاد على الأول ففيه إبهام وتعيينه أنه يمتنع ~~دخولها في المثال الأول [ويجوز في المثال] الثاني؛ فليس انتفاء ~~الاحتياج على حد سواء؛ لأنه في الأول لامتناع الدخول، وفي ~~الثاني لكثرته لا لامتناعه. # قال شهاب الدين: أم امتناعها في المثال الأول؛ فلأن ~~النحويين نصوا على أن الجملة الحالية إذا دخل عليها حرف ~~عطف امتنع دخول واو الحال عليها، والعلة فيه المشابهة ~~اللفظية؛ ولأن واو الحال في الأصل عاطفة، ثم قال أبو حيان. ~~وأما قول الزمخشري فالصحيح إلى آخره، فتعليله ليس بصحيح؛ ~~لأن واو الحال ليست بحرف عطف فيلزم من ذكرها اجتماع حرفي ~~عطف؛ لأنها لو كانت حرف عطف للزم أن يكون ما قبلها حالا، حتى ~~يعطف حالا على حال، فمجيئها فيما لا يمكن أن يكون حالا دليل على ~~أنها ليست واو عطف، ولا لحظ فيها معنى واو عطف تقول: " جاء ~~زيد، والشمس طالعة " فجاء زيد ليس بحال فيعطف عليها جملة ~~حال، وإنما هذه الواو مغايرة لواو العطف بكل حال، وهي قسم من ~~أقسام الواو كما تأتي للقسم، وليست فيه للعطف كما إذا قلت: " والله ~~ليخرجن ". # قال شهاب الدين: أبو القاسم لم يدع في واو الحال أنها عاطفة، ~~بل ms3829 يدعي أن أصلها العطف، ويدل على ذلك قوله: استعيرت ~~للوصول، فلو كانت عاطفة على حالها لما قال: استعيرت فدل ~~قوله ذلك على أنها خرجت عن العطف، واستعملت لمعنى آخر لكنها ~~أعطيت حكم أصلها في امتناع مجامعتها لعاطف آخر. # وأما تسميتها حرف عطف، فباعتبار أصلها ونظير ذلك أيضا ~~واو " مع " فإنهم نصوا على أن أصلها واو عطف، ثم استعملت ~~في المعية، فكذلك واو الحال، لامتناع أن يكون أصلها واو ~~العطف. # ثم قال أبو حيان: وأما قوله " فخبيث " فليس بخبيث؛ وذلك ~~أنه بناه على أن الجملة الحالية إذا كانت اسمية، وفيها ~~ضمير ذي الحال فحذف الواو منها [شاذ] وتبع في ذلك الفراء، وليس ~~بشاذ بل هو كثير في النظم والنثر. # قال شهاب الدين: قد سبق أبا القاسم في تسمية هذه الواو حرف عطف ~~الفراء، وأبو بكر بن الأنباري. # قال الفراء: { أو هم قآئلون } فيه واو مضمرة، المعنى: ~~أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون فاستثقلوا نسقا على ~~أثر نسق، ولو قيل لكان صوابا. # قلت: قد تقدم أن الشيخ نقل أن الواو ممتنعة في هذا المثال، ~~ولم يحك خلافا، وهذا قول الفراء: " ولو قيل لكان صوابا " ~~مصرح بالخلاف له. # وقال أبو بكر: أضمرت واو الحال لوضوح معناها كما تقول ~~العرب: " لقيت عبد الله مسرعا، أو هو يركض " فيحذفون ~~الواو لأمنهم اللبس، لأن الذكر قد عاد على صاحب الحال، ومن ~~أجل أن " أو " حرف عطف والواو كذلك، فاستثقلوا جمعا بين ~~حرفين من حروف العطف، فحذفوا الثاني. # قال شهاب الدين: فهذا تصريح من هذين الإمامين بما ذكره أبو ~~القاسم، وإنما ذكرت نص هذين الإمامين؛ لأعلم اطلاعه على أقوال ~~الناس، وأنه لا يأتي بغير مصطلح أهل العلم كما يرميه به غير ~~مرة. # و " قائلون " من القيلولة. يقال: قال يقيل [قيلولة] ~~فهو قائل ك " بائع " والقيلولة: الراحة والدعة في الحر ~~وسط النهار، وإن لم يكن معها نوم. # وقال الليث: هي نومة نصف النهار. # قال الأزهري: " القيلولة: الراحة، وإن لم يكن فيها نوم ~~بدليل قوله تعالى: # أصحاب الجنة ms3830 يومئذ خير مستقرا وأحسن ~~مقيلا # [الفرقان: 24]، والجنة لا نوم فيها ". # قال شهاب الدين: " ولا دليل فيما ذكر؛ لأن المقيل هنا خرج عن ~~موضعه الأصلي إلى مجرد الإقامة بدليل أنه لا يراد أيضا ~~الاستراحة في نصف النهار في الحر فقد خرج عن موضوعه عندنا ~~وعندكم إلى ما ذكرنا، والقيلولة مصدر ومثلها: القائلة والقيل ~~والمقيل ". # فصل في المراد بالآية # معنى الآية أنهم جاءهم بأسنا، وهم غير متوقعين له، إما ليلا ~~وهم نائمون، أو نهارا وهم قائلون، والمراد أنهم جاءهم ~~العذاب على حين غفلة منهم، من غير تقدم أمارة تدلهم على نزول ~~ذلك العذاب مكانه، قيل للكفار: لا تغتروا بأسباب الأمن ~~والراحة، فإن عذاب الله إذا وقع وقع دفعة من غير سبق أمارة. ### || [7.5] # قوله تعالى: { فما كان دعواهم } جوزوا في " دعواهم " ~~وجهين: # أحدهما: أن يكون اسما ل " كان " ، و { إلا أن قالوا } خبرها، ~~وفيه خدش من حيث إن غير الأعرف جعل اسما والأعرف جعل خبرا، وقد ~~تقدم ذلك في أول الأنعام عند # ثم لم تكن فتنتهم # [الأنعام: 23]. # والثاني: أن يكون " دعواهم " خبرا مقدما و { إلا أن قالوا ~~} اسما مؤخرا كقوله: # فما كان جواب قومه إلا أن قالوا # [النمل: 56] # فكان عاقبتهمآ أنهما في النار # [الحشر: 17]، و # ما كان حجتهم إلا أن قالوا # [الجاثية: 25] ذكر ذلك الزمخشري ومكي بن أبي طالب، وسبقهما إلى ~~ذلك الفراء والزجاج، ولكن ذلك يشكل من قاعدة أخرى ذكرها ~~النحاة، وهو أن الاسم والخبر في هذا الباب متى خفي إعرابهما؛ ~~وجب تقديم الاسم، وتأخير الخبر نحو: كان موسى صاحبي، وما كان ~~دعائي إلا أن استغفرت، قالوا: لأنهما كالمفعول والفاعل فمتى ~~خفي الإعراب التزم كل في مرتبته، وهذه الآية مما نحن فيه ~~فكيف يدعى فيها ذلك، بل كيف يختاره الزجاج؟ وقد رأيت ~~كلام الزجاج هنا فيمكن أن يؤخذ منه جواب عن هذا المكان، وذلك ~~أنه قال: " إلا أن الاختيار إذا كانت " الدعوى " في موضع رفع أن ~~يقول: فما كانت دعواهم، فلما قال: " كان دعواهم " دل على ~~أن " الدعوى " في موضع نصب، ms3831 غير أنه يجوز تذكير الدعوى وإن كانت ~~رفعا، فمن هنا يقال: تذكير الفعل فيه قرينة مرجحة لإسناد الفعل ~~إلى " أن قالوا " ، ولو كان مسندا للدعوى لكان الأرجح " كانت ~~" كما قال، وهو قريب من قولك: " ضربت موسى سلمى " فقدمت ~~المفعول بقرينة تأنيث الفعل، وأيضا فإن ثم قرينة أخرى، وهي ~~كون الأعرف أحق أن يكون اسما من غير الأعرف ". # والدعوى تكون بمعنى الدعاء، وبمعنى الادعاء، والمقصود ~~بها ههنا يحتمل الأمرين جميعا، ويحتمل أيضا أن تكون بمعنى الاعتراف، ~~فمن مجيئها بمعنى الدعاء ما حكاه الخليل: " اللهم ~~أشركنا في صالح دعوى المسلمين " يريد في صالح دعائهم؛ وأنشدوا: ~~[الطويل] # 2402 - وإن مذلت رجلي دعوتك أشتفي # بدعواك من مذل بها فتهون # ومنه قوله تعالى: # فما زالت تلك دعواهم # [الأنبياء: 15] وقال الزمخشري: [ويجوز]: فما كان استغاثتهم إلا ~~قولهم هذا؛ لأنه لا يستغاث من الله تعالى بغيره، من قولهم: دعواهم يا ~~لكعب. # وقال ابن عطية: وتحتمل الآية أن يكون المعنى: فما آلت دعاويهم ~~التي كانت في حال كفرهم إلا إلى الاعتراف؛ كقول الشاعر: [الطويل] # 2403 - وقد شهدت قيس فما كان نصرها # قتيبة إلا عضها بالأباهم # و " إذ " منصوب ب " دعواهم ". # وقوله: { إنا كنا ظالمين } " كنا " وخبرها في محل رفع خبر ~~ل " إن " ، و " إن " وما في حيزها في محل نصب محكيا ب " ~~قالوا " ، و " قالوا " وما في حيزه لا محل له لوقوعه صلة ل " إن ~~" ، و " أن " وما في حيزها في محل رفع، أو نصب على حسب ما تقدم من ~~كونها اسما، أو خبرا. # ومعنى الآية: أنهم لم يقدروا على رد العذاب، وكان حاصل أمرهم ~~الاعتراف بالخيانة حين لا ينفع الاعتراف. ### || [7.6] # القائم مقام الفاعل الجار والمجرور وفي كيفية النظم وجهان: # الأول: أنه تعالى لما أمر الرسول أولا بالتبليغ ثم أمر الأمة ~~بالقبول، والمتابعة، وذكر التهديد على ترك القبول والمتابعة، بذكر ~~نزول العذاب في الدنيا - أتبعه بنوع آخر من التهديد وهو أنه ~~تعالى يسأل الكل عن كيفية أعمالهم يوم القيامة. # الثاني: أنه تعالى لما قال: # فما كان دعواهم ms3832 إذ جآءهم بأسنآ إلا أن قالوا ~~إنا كنا ظالمين # [الأعراف: 5] أتبعه أنه لا يقتصر على الاعتراف منهم يوم القيامة، بل ~~ينضاف إليه أنه تعالى يسأل الكل عن كيفية أعمالهم، وبين أن ~~هذا السؤال لا يختص بأهل العقاب، بل هو عام بأهل العقاب والثواب، ~~ونظيره قوله تعالى: # فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون # [الحجر: 92،93]. # فإن قيل: المقصود من السؤال أن يخبر المسئول عن كيفية أعمالهم، وقد ~~أخبر عنهم أنهم يقرون بأنهم كانوا ظالمين فما فائدة السؤال بعده؟ ~~وأيضا قال تعالى بعد هذه الآية: # فلنقصن عليهم بعلم # [الأعراف: 7] فإذا كان يقصه عليهم بعلم فما معنى هذا السؤال؟ # فالجواب: أنهم لما أقروا بأنهم كانوا ظالمين مقصرين سألوا ~~بعد ذلك عن سبب الظلم، والتقصير، والمقصود منه التقريع ~~والتوبيخ. # فإن قيل ما الفائدة في سؤال الرسل مع العلم بأنه لم يصدر عنهم ~~تقصير ألبتة؟ # فالجواب: لأنهم إذا اثبتوا أنه لم يصدر عنهم تقصير ألبتة ~~التحق التقصير كله بالأمة، فيتضاعف إكرام الله تعالى للرسل ~~لظهور براءتهم عن جميع موجبات التقصير، ويتضاعف الخزي والإهانة ~~في حق الكفار، ولما ثبت أن ذلك التقصير كان منهم. ### || [7.7] # والمعنى: أنه بين للقوم ما أسروه، وما أعلنوه من أعمالهم، ~~وبين الوجوه التي لأجلها أقدموا على تلك الأعمال. # وقوله: " بعلم " في موضع [الحال] من الفاعل، و " الباء " للمصاحبة ~~أي: لنقصن على الرسل والمرسل إليهم حال كوننا متلبسين بالعلم. ~~ثم أكد هذا المعنى بقوله: { وما كنا غآئبين } أي: ما غاب عن ~~علمه شيء من أعمالهم، وذلك يدل على أن الإله لا يكمل إلا إذا كان ~~عالما بجميع الجزئيات حتى يمكنه أن يميز المطيع عن العاصي والمحسن ~~عن المسيء. # فإن قيل: كيف الجمع بين قوله { فلنسألن الذين أرسل ~~إليهم ولنسألن المرسلين } وبين قوله: # فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن # [الرحمن: 39] وقوله: # ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون # [القصص: 78] فالجواب من وجوه: # أحدها: أن القوم لا يسألون عن الأعمال؛ لأن الكتب مشتملة ~~عليها ولكنهم يسألون عن الدواعي التي دعتهم إلى الأعمال، وعن ~~الصوارف ms3833 التي صرفتهم. # وثانيها: أن السؤال قد يكون لأجل الاسترشاد والاستفادة وقد يكون ~~لأجل التوبيخ كقول القائل: " ألم أعطك " وقوله تعالى: # ألم أعهد إليكم يبني آدم # [يس: 60] وقول الشاعر: [الوافر] # 2404 - ألستم خير من ركب المطايا # ........................ # فإذا عرف هذا فنقول: إن الله عز وجل لا يسأل أحدا لأجل ~~الاستفادة والاسترشاد، ويسألهم لأجل توبيخ الكفار وإهانتهم، ونظيره ~~قوله تعالى: # فأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون # [القصص: 50] ثم قال: # فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتسآءلون # [المؤمنون: 101]. # فإن الآية الأولى تدل على أن المسألة الحاصلة بينهم إنما كانت ~~على سبيل أن بعضهم يلوم بعضا لقوله: " وأقبل بعضهم على بعض ~~يتلاومون " ، وقوله: # فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتسآءلون # [المؤمنون: 101] معناه: أنه لا يسأل بعضهم بعضا على سبيل ~~الشفقة واللطف؛ لأن النسب يوجب الميل والرحمة ~~والإكرام. # وثالثها: أن يوم القيامة يوم طويل ومواقفها كثيرة فأخبر عن بعض ~~الأوقات بحصول السؤال، وعن بعضها بعدم السؤال، وهذه الآية تدل ~~على أنه تعالى يحاسب كل عباده المرسلين والمرسل إليهم، ~~ويبطل قول من زعم أنه لا حساب على الأنبياء والكفار. ### || [7.8] # الوزن مبتدأ، وفي الخبر وجهان: # أحدهما: هو الظرف أي: الوزن كائن أو مستقر يومئذ أي: يوم إذ ~~يسأل الرسل والمرسل إليهم. فحذف الجملة المضاف إليها " إذ " ~~وعوض منها التنوين، هذا مذهب الجمهور خلافا للأخفش. وفي " ~~الحق " على هذا الوجه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه نعت للوزن أي: الوزن الحق في ذلك اليوم. # الثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف كأنه جواب سؤال مقدر من قائل ~~يقول: ما ذلك الوزن؟ فقيل: هو الحق لا الباطل. # الثالث: أنه بدل من الضمير المستكن في الظرف وهو غريب ذكره ~~مكي. # والثاني: من وجهي الخبر أن يكون الخبر " الحق " ، و " يومئذ " على هذا ~~فيه وجهان: # أحدهما: أنه منصوب على الظرف ناصبه " الوزن " أي: يقع ~~الوزن ذلك اليوم. # والثاني: أنه مفعول به على السعة وهذا الثاني ضعيف جدا لا ~~حاجة إليه. # ولما ذكر أبو البقاء كون " الحق " خبرا، وجعل " يومئذ " ~~ظرفا للوزن قال: " ولا يجوز على هذا أن يكون ms3834 صفة، لئلا يلزم ~~الفصل بين الموصول وصلته ". # قال شهاب الدين: وأين الفصل؟ فإن التركيب القرآني إنما جاء فيه ~~" الحق " بعد تمام الموصول بصلته، وإذا تم الموصول بصلته جاز أن ~~يوصف. تقول: " ضربك زيدا يوم الجمعة الشديد حسن ". # فالشديد صفة لضربك. فإن توهم كون الصفة محلها أن تقع ~~بعد الموصوف وتليه، فكأنها مقدمة في التقدير فحصل ~~الفصل تقديرا فإن هذا لا يلتفت إليه؛ لأن تلك المعمولات من ~~تتمة الموصول فلم تل إلا الموصول وعلى تقدير اعتقاد ذلك له، ~~فالمانع من ذلك أيضا صيرورة المبتدأ بلا خبر، لأنك إذا جعلت " ~~يومئذ " ظرفا للوزن و " الحق " صفته فأين خبره؟ فهذا لو سلم من ~~المانع الذي ذكره كان فيه هذا المانع الآخر. # وقد طول مكي بذكر تقديم " الحق " على " يومئذ " وتأخيره عنه ~~باعتبار الإعرابات المتقدمة، وهذا لا حاجة إليه لأنا مقيدون في ~~القرآن بالإتيان بنظمه. وذكر أيضا أنه يجوز نصبه، يعني أنه لو ~~قرىء به لكان جائزا، وهذا أيضا لا حاجة إليه. # قوله: " موازينه " فيها قولان: # أحدهما: أنها جمع ميزان: الآلة [التي] يوزن بها، وإنما جمع؛ لأن ~~كل إنسان له ميزان يخصه على ما جاء في التفسير، أو جمع باعتبار ~~الأعمال الكثيرة وعبر عن هذا الحال بالمحل. # والثاني: أنها جمع موزون، وهي الأعمال، والجمع حينئذ ظاهر. قيل: ~~إنما جمع الميزان ههنا، وفي قوله: # ونضع الموازين القسط ليوم القيامة # [الأنبياء: 47]؛ لأنه لا يبعد أن يكون لأفعال القلوب ميزان، ولأفعال ~~الجوارح ميزان، ولما يتعلق بالقول ميزان. # وقال الزجاج: إنما جمع الموازين ههنا لوجهين: # الأول: أن العرب قد توقع لفظ الجمع على الواحد فيقولون: ~~خرج فلان إلى مكة راكبا البغال. # والثاني: أن الموازين ههنا جمع موزون لا جمع ميزان. # قال القرطبي: والموازين جمع ميزان وأصله: " موزان " قلبت الواو ~~ياء لكسرة ما قبلها. # فصل في المراد بالميزان # قال مجاهد والأعمش والضحاك: المراد بالميزان العدل والقضاء، ~~وذهب إلى هذا القول كثير من المتأخرين قالوا: لأن لفظ الوزن ~~على هذا المعنى شائع في اللغة؛ لأن العدل في الأخذ والإعطاء لا ms3835 ~~يظهر إلا بالكيل، والوزن في الدنيا، فلم يبعد جعل الوزن ~~كناية عن العدل، ويؤيد ذلك أن الرجل إذا لم يكن له ~~قدر ولا قيمة عند غيره يقال: إن فلانا لا يقيم لفلان وزنا. ~~قال تعالى: # فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا # [الكهف: 105]، ويقال هذا الكلام في وزن هذا وفي وزانه، أي: يعادله ~~ويساويه مع أنه ليس هناك وزن في الحقيقة؛ قال الشاعر: ~~[الكامل] # 2405 - قد كنت عند لقائكم ذا قوة # عندي لكل مخاصم ميزانه # أي عندي لكل مخاصم كلام يعادل كلامه، فجعل الوزن مثلا للعدل وإذا ثبت ~~هذا فنقول: المراد من الآية هذا المعنى فقط، والدليل عليه ~~أن الميزان إنما يراد ليتوصل به إلى معرفة مقدار الشيء، ~~ومقادير الثواب والعقاب لا يمكن إظهارها بالميزان؛ لأن أعمال ~~العباد أعراض، وهي قد فنيت وعدمت، ووزن المعدوم محال، ~~وأيضا فبتقدير بقائها كان وزنها محالا. # وأجيب بأن فائدته أن جميع المكلفين يعلمون يوم القيامة أنه ~~تعالى منزه عن الظلم والجور. وفائدة وضع الميزان أن يظهر ~~ذلك الرجحان لأهل الموقف، فإن رجحت الحسنات ازداد فرحه ~~وسروره، وإن كان بالضد فيزداد غمه. # وقال القرطبي: " الصحيح أن المراد بالميزان وزن أعمال العباد ~~". # فإن قيل: الموزون صحائف الأعمال، أو صور مخلوقة على حسب ~~مقادير الأعمال. # فنقول: إن المكلف يوم القيامة إما أن يكون مقرا بأن الله - ~~تعالى - عادل حكيم، أو لا يكون مقرا بذلك فإن كان مقرا بذلك ~~فحينئذ كفاه حكم الله تعالى بمقادير الثواب والعقاب في علمه بأنه ~~عدل وصواب، وإن لم يكن مقرا بذلك لم يعرف من رجحان كفة ~~الحسنات على كفة السيئات أو بالعكس من حصول الرجحان لا ~~على سبيل العدل والإنصاف، فثبت أن هذا الوزن لا فائدة فيه ~~ألبتة وقال أكثر المفسرين: أراد وزن الأعمال بالميزان، وذلك ~~أن الله - تعالى - ينصب ميزانا له لسان يوزن بها أعمال العباد خيرها ~~وشرها وكفتان، كل كفة بقدر ما بين المشرق والمغرب. # واختلفوا في كيفية الوزن، فقال بعضهم: توزن صحائف الأعمال. # وروي أن رجلا ينشر عليه تسعة وتسعون ms3836 سجلا، كل سجل منها ~~مد البصر فيها خطاياه وذنوبه فتوضع في كفة الميزان ثم يخرج له ~~بطاقة فيها شهادة أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله، فتوضع السجلات في كفه، والبطاقة في كفة فطاشت السجلات ~~وثقلت البطاقة. # وقيل: توزن الأشخاص. # روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة فلا يزن ~~عند الله جناح بعوضة " # وقيل: توزن الأعمال. روي ذلك ابن عباس - رضي الله عنهما - فيؤتى ~~بالأعمال الحسنة على صورة حسنة، وبالأعمال السيئة على ~~صورة قبيحة، فتوضع في الميزان. # والحكمة في وزن الأعمال امتحان الله عباده بالإيمان به في ~~الدنيا، وإقامة الحجة عليهم في العقبى. ### || [7.9] # هذه الآية تدل على أن أهل القيامة فريقان، منهم من يزيد ~~حسناته على سيئاته، ومنهم من يزيد سيئاته على حسناته، فأما القسم ~~الثالث، وهو الذي تكون حسناته وسيئاته متعادلة فإنه غير ~~موجود. # قال أكثر المفسرين: المراد ب { ومن خفت موازينه } الكافر ~~لقوله تعالى: { فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما ~~كانوا بآياتنا يظلمون } ، ولا معنى لكون الإنسان ظالما ~~بآيات الله إلا كونه كافرا بها منكرا لها، وهذا هو الكافر. # وروي # " أنه إذا خفت حسنات المؤمن يخرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بطاقة كالأنملة فيلقيها في كفة الميزان اليمنى التي فيها ~~حسناته فترجح، فيقول ذلك العبد المؤمن للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: بأبي أنت وأمي، ما أحسن وجهك وأحسن خلقك فمن ~~أنت؟ # فيقول: " أنا نبيك محمد، وهذه صلواتك التي كنت ~~تصليها علي، وقد وفيتك أحوج ما تكون إليها " # رواه الواحدي في " البسيط ". # والخبر الذي تقدم أيضا من أنه تعالى يلقي في كفة الحسنات ~~الكتاب المشتمل على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله، وأما قول ابن عباس، وأكثر المفسرين حملوا هذه الآية على أهل ~~الكفر. # وقال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - حين حضره الموت لعمر بن ~~الخطاب في وصيته: إنما ثقلت موازين من ثقلت ~~موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا، ~~وثقله ms3837 عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الحق غدا أن يكون ثقيلا، ~~وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة ~~باتباعهم الباطل في الدنيا، وخفته عليهم، وحق لميزان ~~يوضع فيه الباطل غدا أن يكون خفيفا. # قوله: " بما كانوا " متعلق ب " خسروا " ، و " ما " ~~مصدرية، و " بآياتنا " متعلق ب " يظلمون " قدم ~~عليه للفاصلة. وتعدى " يظلمون " بالباء: إما لتضمنه ~~معنى التكذيب نحو: { كذبوا بأياتنا } وإما لتضمنه ~~معنى الجحد نحو # وجحدوا بها # [النمل: 14]. ### || [7.10] # لما أمر الخلق بمتابعة الأنبياء، ثم خوفهم بعذاب ~~الدنيا وهو قوله: { وكم من قرية أهلكناها } ، وبعذاب ~~الآخرة وهو السؤال ووزن الأعمال رغبهم في دعوة الأنبياء في هذه ~~الآية بطريق آخر، وهو أن ذكر كثرة نعم الله عليهم، وكثرة النعيم ~~توجب الطاعة فقال: { ولقد مكناكم في الأرض } أي: جعلنا ~~لكم فيها مكانا وقرارا ومكناكم، والمراد بالتمكين التمليك ~~والقوة والقدرة. # قوله " وجعلنا لكم " يجوز أن يكون " جعل " بمعنى " خلق " ~~فيتعدى لواحد فيتعلق الجاران ب " الجعل " ، أو بمحذوف على ~~أنهما حالان من " معايش " لأنهما لو تأخرا لجاز أن يكونا وصفين. ~~ويجوز أن تكون التصييرية فتتعدى لآثنين أولهما: " معايش ~~" ، والثأني أحد الجارين، والآخر: إما حال متعلقة بمحذوف، وإما ~~متعلقة بنفس الجعل وهو الظاهر. # و " معايش " جمع معيشة، وفيها ثلاثة مذاهب: # مذهب سيبويه والخليل: أن وزنها مفعلة بضم العين، أو ~~مفعلة بكسرها، فعلى الأول جعلت الضمة كسرة، ونقلت ~~إلى فاء الكلمة. وقياس قول الأخفش في هذا النحو أن يغير ~~الحرف لا الحركة، ف " معيشة " عنده شاذة إذ كان ينبغي أن ~~يقال فيها معوشة. # وأما على قولنا إن أصلها " معيشة " بكسر العين فلا شذوذ فيها ~~ومذهب الفراء: أن وزنها مفعلة بفتح العين، وليس بشيء. # والمعيشة اسم لما يعاش به أي: يحيا وقال الزجاج: المعيشة ما ~~يتوصلون به إلى العيش وهي في الأصل مصدر ل " عاش " يعيش عيشا، ~~وعيشة قال تعالى: # في عيشة راضية # [الحاقة: 21]، ومعاشا: قال تعالى: # وجعلنا النهار معاشا # [النبأ: 11]، ومعيشا قال رؤبة: [الرجز] # 2406 - إليك أشكوا شدة المعيش # وجهد أعوام نتفن ريشي # والعامة على " معايش ms3838 " بصريح الياء. وقد خرج خارجة فروى عن ~~نافع " معائش " بالهمز، وقال النحويون: هذا غلط؛ لأنه ~~لا يهمز عندهم إلا ما كان فيه حرف المد زائدا نحو: صحائف ~~ومدائن، وأما " معايش " فالياء أصل؛ لأنها من " العيش ". # قال الفارسي - عن أبي عثمان -: " أصل أخذ هذه القراءة عن نافع ~~" قال: " ولم يكن يدري ما العربية ". # قال شهاب الدين: وقد فعلت العرب مثل هذا، فهمزوا " منائر ~~ومصائب " جمع " منارة ومصيبة " والأصل " مناور، ومصاوب " ~~وقد غلط سيبويه من قال مصائب، ويعني بذلك أنه غلطه بالنسبة إلى ~~مخالفة الجادة، وهذا كما تقدم عنه أنه قال: " واعلم أن بعضهم ~~يغلط فيقول: إنهم أجمعون ذاهبون " [قال] ومنهم من يأتي بها على ~~الأصل فيقول: مصاوب ومناور، وهذا كما قالوا في جمع " مقال " و " ~~مقام ": " مقاول " و " مقاوم " في رجوعهم بالعين إلى أصلها قال: وأنشد ~~النحويون على ذلك: [الطويل] # 2407 - وإني لقوام مقاوم لم يكن # جرير ولا مولى جرير يقومها # ووجه همزها أنهم شبهوا الأصلي بالزائد فتوهموا أن " معيشة " ~~بزنة " صحيفة " فهمزوها كما همزوا " تيك " قالوا: ونظير ذلك في تشبيههم ~~الأصل بالزائد قولهم في جميع " مسيل " " مسلان " ، توهموه على أنه ~~على زنة " قضيب وقضبان " وقالوا في جمعه " أمسلة " كأنهم ~~توهموا أنه بزنة " رغيف، وأرغفة " وإنما مسيل وزنه " ~~مفعل "؛ لأنه من سيلان الماء، وأنشدوا على " مسيل، وأمسلة " ~~قول أبي ذؤيب الهذلي: [الوافر] # 2408 - بواد لا أنيس به يباب # وأمسلة مذانبها خليف # وقال الزجاج: جميع نحاة البصرة يزعمون أن همزها ~~خطأ، ولا أعلم لها وجها إلا التشبيه ب " صحيفة " و " صحائف " ، ~~ولا ينبغي التعويل على هذه القراءة. # قال شهاب الدين: وهذه القراءة لم ينفرد بها نافع بل قرأها ~~جماعة جلة معه؛ فإنها منقولة عن ابن عامر الذي قرأ على جماعة من ~~الصحابة ك " عثمان " و " أبي الدرداء " و " معاوية " ، وقد ~~سبق ذلك في " الأنعام " ، فقد قرأ بها قبل ظهور اللحن، وهو ~~عربي فصيح وقرأ بها أيضا زيد بن علي، وهو على جانب من ~~الفصاحة والعلم الذي لا يدانيه فيه إلا القليل، وقرأ ms3839 بها أيضا ~~الأعمش والأعرج وكفى بهما في الإتقان والضبط. وقد نقل ~~الفراء أن قلب هذه الياء تشبيها لها بياء " صحيفة " قد جاء، وإن كان ~~قليلا. # وقوله: { قليلا ما تشكرون } كقوله: { قليلا ما تذكرون ~~}. ### || [7.11] # لما ذكر كثرة نعم الله على العبد أتبعه بذكر أنه خلف ~~أبانا [آدم] وجعله مسجود الملائكة، والإنعام على الأب يجري مجرى ~~الإنعام على الابن. # واختلف الناس في " ثم " في هذين الموضعين: فمنهم من لم ~~يلتزم [فيها] ترتيبا، وجعلها بمنزلة " الواو " فإن خلقنا ~~وتصويرنا بعد قوله تعالى للملائكة " اسجدوا ". # ومنهم من قال: هي للترتيب لا في الزمان بل للترتيب في الإخبار ولا ~~طائل في هذا. # ومنهم من قال: هي للترتيب الزماني، وهذا هو موضوعها ~~الأصلي. # ومنهم من قال: الأولى للترتيب الزماني والثانية للترتيب ~~الإخباري. # واختلفت عبارة القائلين بأنها للترتيب في الموضعين فقال بعضهم: ~~أن ذلك على حذف مضافين، والتقدير: ولقد خلقنا آباءكم ثم صورنا ~~آباءكم ثم قلنا، ويعني بأبينا آدم - عليه الصلاة والسلام - وإنما ~~خاطبه بصيغة الجمع وهو واحد تعظيما له، ولأنه أصل الجميع، والترتيب ~~أيضا واضح. # وقال مجاهد: المعنى خلقناكم في ظهر آدم ثم صورناكم حين أخذنا ~~عليكم الميثاق. رواه عنه أبو جريج وابن أبي نجيح. # قال النحاس: وهذا أحسن الأقوال يذهب مجاهد إلى أنه خلقهم في ~~ظهر آدم ثم صورهم حين أخذ عليهم الميثاق، ثم كان السجود ~~[بعد ذلك] ويقوي هذا قوله تعالى: # وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ~~وأشهدهم على أنفسهم # [الأعراف: 172]. # وفي الحديث أنه أخرجهم أمثال الذر، فأخذ عليهم الميثاق. # وقال بعضهم: المخاطب بنو آدم، والمراد بهم أبوهم وهذا من باب ~~الخطاب لشخص، والمراد به غيره كقوله: # وإذ نجيناكم من آل فرعون # [البقرة: 49]، وإنما المنجى والذي كان يسام سوء العذاب ~~أسلافهم. وهذا مستفيض في لسانهم. وأنشدوا على ذلك: [الطويل] # 2409 - إذا افتخرت يوما تميم بقوسها # وزادت على ما وطدت من مناقب # فأنتم بذي قار أمالت سيوفكم # عروش الذين استرهنوا قوس حاجب # وهذه الوقعة إنما كانت في أسلافهم. # والترتيب أيضا واضح ms3840 على هذا. # ومن قال: إن الأولى للترتيب الزماني، والثانية للترتيب ~~الإخباري اختلفت عباراتهم أيضا. فقال بعضهم: المراد بالخطاب ~~الأول آدم، وبالثاني ذريته، والترتيب الزماني واضح و " ~~ثم " الثانية للترتيب الإخباري. # وقال بعضهم: ولقد خلقناكم في ظهر آدم ثم صورناكم في بطون ~~أمهاتكم. # وقال بعضهم: [ولقد خلقنا] أرواحكم ثم صورنا أجسامكم، وهذا غريب ~~نقله القاضي أبو علي في " المعتمد ". # وقال بعضهم: خلقناكم نطفا في أصلاب الرجال، ثم صورناكم في ~~أرحام النساء. # وقال بعضهم: ولقد خلقناكم في بطون أمهاتكم وصورناكم فيها بعد الخلق ~~بشق السمع والبصر، ف " ثم " الأولى للترتيب الزماني، ~~والثانية للترتيب الإخباري أي: ثم أخبركم أنا قلنا للملائكة. # وقيل: إن " ثم " الثانية بمعنى " الواو " [أي] وقلنا للملائكة فلا ~~تكون للترتيب. # وقيل: فيه تقديم وتأخير تقديره: ولقد خلقناكم يعني آدم، ثم قلنا ~~للملائكة اسجدوا، ثم صورناكم. # وقال بعضهم: إن الخلق في اللغة عبارة عن التقدير، وتقدير الله ~~عبارة عن علمه بالأشياء ومشيئته بتخصيص كل شيء بمقداره المعين، ~~فقوله " خلقناكم " إشارة إلى حكم الله، وتقديره لإحداث البشر في هذا ~~العالم. # وقوله " صورناكم " إشارة إلى أنه تعالى [أثبت في اللوح ~~المحفوظ صورة كل كائن يحدث] إلى يوم القيامة، فخلق الله تعالى عبارة عن ~~حكمه ومشيئته، والتصوير عبارة عن إثبات صورة الأشياء في اللوح ~~المحفوظ. ثم بعد هذين الأمرين أحدث الله تعالى آدم، وأمر الملائكة ~~بالسجود. # قال ابن الخطيب: وهذا التأويل عندي أقرب من سائر الوجوه. # وقد تقدم الكلام في هذا السجود، واختلاف الناس فيه في سورة البقرة. # قوله: " إلا إبليس " تقدم الكلام عليه في البقرة. وكان الحسن ~~يقول: إبليس لم يكن من الملائكة؛ لأنه خلق من نار والملائكة من نور ~~لا يستكبرون عن عبادته، ولا يستحسرون، و [هو ليس كذلك فقد عصى إبليس ~~واستكبر، والملائكة ليسوا من الجن وإبليس من الجن، والملائكة رسل ~~الله، وإبليس ليس كذلك، وإبليس أول خليقة الجن وأبوهم كما أن ~~آدم أول خليقة الإنس وأبوهم، وإبليس له ذرية والملائكة لا ~~ذرية لهم. # قال الحسن: ولما كان إبليس مأمورا مع ms3841 الملائكة استثناه الله وكان ~~اسم إبليس شيئا آخر فلما عصى الله سماه بذلك، وكان مؤمنا ~~عابدا في السماء حتى عصى الله؛ فأهبط إلى الأرض]. # قوله: " لم يكن " هذه الجملة استئنافية؛ لأنها جواب سؤال ~~مقدر، وهذا كما تقدم في قوله في البقرة " أبى " ، وتقدم أن ~~الوقف على إبليس. # وقيل: فائدة هذه الجملة التوكيد لما أخرجه الاستثناء من نفي سجود ~~إبليس. # وقال أبو البقاء: إنها في محل نصب على الحال أي: إلا إبليس حال ~~كونه ممتنعا من السجود، وهذا كما تقدم له في البقرة من أن " أبى ~~" في موضع نصب على الحال. ### || [7.12] # في " لا " هذه وجهان: # أظهرهما: أنها زائدة للتوكيد. # قال الزمخشري: " لا " في " ألا تسجد " صلة بدليل قوله تعالى: # ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي # [سورة ص: 75] ومثلها # لئلا يعلم أهل الكتاب # [الحديد: 29] بمعنى ليعلم، ثم قال: فإن قلت ما فائدة زيادتها؟ # قلت: توكيد بمعنى الفعل الذي يدخل عليه، وتحقيقه كأنه قيل: يستحق علم ~~أهل الكتاب، وما منعك أن تحقق السجود، وتلزمه نفسك إذا أمرتك؟. ~~وأنشدوا على زيادة " لا " قول الشاعر: [الطويل] # 2410 - أبى جوده لا البخل واستعجلت نعم # به من فتى لا يمنع الجود نائله # يروى " البخل " بالنصب والجر، والنصب ظاهر الدلالة في زيادتها، ~~تقديره: أبى جوده البخل. وأما رواية الجر فالظاهر منها عدم ~~الدلالة على زيادتها، ولا حجة في هذا البيت على زيادة " لا " في رواية ~~النصب، ويتخرج على وجهين: # أحدهما: أن تكون " لا " مفعولا بها، و " البخل " بدل منها؛ لأن " لا " ~~تقال في المنع فهي مؤدية للبخل. # والثاني: أنها مفعول بها أيضا، و " البخل " مفعول من أجله، ~~والمعنى: أبي جوده لفظ " لا " لأجل البخل أي: كراهة البخل، ~~ويؤيد عدم الزيادة رواية الجر. # قال أبو عمرو بن العلاء: " الرواية فيه بخفض " البخل "؛ لأن " ~~لا " تستعمل في البخل " ، وأنشدوا أيضا على زيادتها قول الآخر: ~~[الكامل] # 2411 - # أفعنك لا برق كأن وميضه # غاب تسنمه ضرام مثقب # يريد أفعنك برق، وقد خرجه أبو حيان على احتمال كونها عاطفة، ~~وحذف المعطوف، ms3842 والتقدير: أفعنك لا عن غيرك. # وكون " لا " فى الآية زائدة هو مذهب الكسائي، والفراء ~~والزجاج، وما ذكرناه من كون البخل بدلا من " لا " ، و " لا " ~~مفعول بها هو مذهب الزجاج. # وحكى بعضهم عن يونس قال: كان أبو عمرو بن العلاء يجر " البخل ~~" ويجعل " لا " مضافة إليه، أراد أبى جوده لا التي هي للبخل؛ ~~لأن " لا " قد تكون للبخل وللجود، فالتي للبخل معروفة، ~~والتى للجود أنه لو قال له: " امنع الحق " أو " لا تعط ~~المساكين " فقال: " لا " كان جودا. # قال شهاب الدين: يعنى فتكون الإضافة للتبيين، لأن " لا " صارت ~~مشتركة فميزها بالإضافة، وخصصها به، وقد تقدم طرف جيد من زيادة ~~" لا " في أواخر الفاتحة. # وزعم جماعة أن " لا " فى هذه الآية الكريمة غير زائدة لكن اختلفت ~~عبارتهم فى تصحيح معنى ذلك. # فقال بعضهم: فى الكلام حذف يصح به النفي والتقدير: ما منعك ~~فأحوجك ألا تسجد؟ # وقال بعضهم: المعنى ما ألجأك ألا تسجد. # وقال بعضهم: من أمرك ألا تسجد؟ أو من قال لك ألا تسجد، أو ما ~~دعاك ألا تسجد. # قالوا: ويكون هذا استفهاما على سبيل الإنكار، ومعناه أنه ما منعك ~~عن ترك السجود شيء، كقول القائل لمن ضربه ظلما: ما الذي منعك من ~~ضربي، أدينك أم عقلك أم جارك. # والمعنى أنه لم يوجد أحد هذه الأمور، وما امتنعت من ضربي. # وقال القاضي: ذكر الله المنع وأراد الداعي فكأنه قال: ما ~~دعاك إلى ألا تسجد؛ لأن مخالفة أمر الله تعالى حالة عظيمة يتعجب ~~منها ويسأل عن الداعي إليها. # وهذا قول من يتحرج من نسبة الزيادة إلى القرآن، وقد تقدم ~~تحقيقه، وأن معنى الزيادة على معنى يفهمه أهل العلم، وإلا فكيف ~~يدعي زيادة في القرآن بالعرف العام؟ هذا ما لا يقوله أحد من ~~المسلمين. # و " ما " استفهامية في محل رفع بالابتداء، والخبر الجملة بعدها أي: ~~أي شيء منعك؟. و " أن " في محل نصب، أو جر؛ لأنها على حذف ~~حرف الجر إذ التقدير: ما منعك من السجود؟ و " إذ " منصوب ب " ~~تسجد " أي: ما ms3843 منعك من السجود في وقت أمري إياك به. # فصل في دلالة الأمر # احتجوا بهذه الآية على أن الأمر يفيد الوجوب؛ لأنه تعالى ذم ~~إبليس على ترك ما أمر به، ولو لم يفد الأمر الوجوب لما كان مجرد ~~ترك المأمور به يوجب الذم. # فإن قالوا: هب أن هذه الآية تدل على أن ذلك الأمر كان يفيد ~~الوجوب فلعل تلك الصيغة في ذلك الأمر كانت تفيد الوجوب، فلم قلتم: ~~إن جميع الصيغ يجب أن تكون كذلك؟ # والجواب: أن قوله تعالى { ما منعك ألا تسجد إذ ~~أمرتك } يفيد تعليل ذلك الذم بمجرد ترك الأمر، لأن قوله: " إذ ~~أمرتك " مذكور في معرض التعليل، والمذكور في قوله: " إذ أمرتك " هو الأمر ~~من حيث إنه أمر لا كونه أمرا مخصوصا في صورة مخصوصة فوجب أن يكون ترك ~~الأمر من حيث إنه أمر موجبا للذم. # فصل في دلالة الأمر على الفور أم التراخي # واحتجوا أيضا بهذه الآية على أن الأمر يقتضي الفور، قالوا: ~~لأنه تعالى ذم إبليس على ترك السجود في الحال، ولو كان ~~الأمر لا يفيد الفور لما استوجب الذم بترك السجود في ~~الحال. # قوله: { أنا خير منه } اعلم أن قوله تعالى: { ما منعك ~~ألا تسجد } طلب للداعي الذي دعاه إلى ترك السجود، ~~فحكى تعالى عن إبليس ذكر ذلك الداعي، وهو أنه قال: { أنا ~~خير منه }. # قوله: { خلقتني من نار } لا محل لهذه الجملة؛ لأنها ~~كالتفسير والبيان للخيرية ومعناه: أنا لم أسجد لآدم؛ لأني ~~خير منه ومن كان خيرا من غيره فإنه لا يجوز أمر ذلك ~~الأكمل بالسجود لذلك الأدون، ثم بين المقدمة الأولى، وهو ~~قوله { أنا خير منه } بأن قال خلقتني من نار، وخلقته من طين، ~~والنار أفضل من الطين والمخلوق من الأفضل أفضل. # أما بيان أن النار أفضل من الطين فلأن النار مشرق علوي ~~لطيف خفيف حار يابس مجاور لجواهر السموات، قوية التأثير والفعل، ~~والأرض ليس لها إلا القبول والانفعال، والفعل أشرف من ~~الانفعال، وأيضا فالنار مناسبة للحرارة الغريزية وهى مادة ~~الحياة. وأما الأرضية ms3844 والبرد واليبس، فهما يناسبان الموت ~~والحياة أشرف من الموت، وأيضا فالنضج متعلق بالحرارة، وأيضا فسن ~~النمو من النبات لما كان وقت كمال الحرارة كان غاية كمال الحيوان ~~حاصلا في هذين الوقتين، وأما وقت الشيخوخة فهو وقت ~~البرد واليبس المناسب للأرضية، لا جرم كان هذا الوقت أردى ~~أوقات عمر الإنسان. # وأما بيان أن المخلوق من الأفضل أفضل فظاهر؛ لأن شرف الأصول ~~يوجب شرف الفروع. # وأما بيان أن الأشرف لا يجوز أن يؤمر بخدمة الأدون، فإنه قد ~~تقرر في العقول أن من أمر أبا حنيفة والشافعي رضي الله عنهما ~~وسائر أكابر الفقهاء بخدمة فقيه نازل الدرجة كان ذلك قبيحا في ~~العقول، فهذا هو تقرير لشبهة إبليس. # والجواب عنها أن نقول: هذه الشبهة مركبة من مقدمات ثلاث: ~~أولها أن النار أفضل من التراب، وهذا قد تقدم الكلام فيه. # قال محمد بن جرير: ظن الخبيث أن النار خير من ~~الطين ولم يعلم أن الفضل ما جعل الله له الفضل، وقد فضل الطين ~~على النار. # وقالت الحكماء: للطين فضل على النار من وجوه: # منها: أن من جوهر الطين الرزانة والوقار والحلم والصبر ~~وهو الداعي لآدم عليه السلام بعد السعادة التي سبقت له إلى ~~التوبة والتواضع والتضرع، فأورثه المغفرة والاجتباء ~~والتوبة والهداية. ومن جوهر النار الخفة، والطيش، ~~والحدة والارتفاع والاضطراب وهو الداعي لإبليس بعد ~~الشقاوة التي سبقت له إلى الاستكبار والإصرار فأورثه ~~اللعنة والشقاوة؛ ولأن الطين سبب جمع الأشياء والنار ~~سبب تفرقها، [و] لأن التراب سبب الحياة؛ لأن حياة الأشجار، ~~والنبات به، والنار سبب الهلاك، ولأن التراب يكون منه وفيه ~~أرزاق الحيوان، وأقواتهم ولباس العباد وزينتهم وآلات معايشهم ~~ومساكنهم والنار لا يكون فيها شيء من ذلك، وأيضا النار ~~مفتقرة إلى التراب، وليس التراب مفتقر إليه، فإن المحل ~~الذي يكون مكونا من التراب أو فيه فهي الفقيرة إلى التراب، وهو ~~غني عنها. # وأيضا إن النار وإن حصل بها بعض المنفعة فالشر كامن ~~فيها، لا يصدها عنه إلا حبسها، ولولا الحابس لها لأفسدت ~~الحرث والنسل وأما التراب فالخير ms3845 والبركة [فيه]، كلما ~~قلب ظهرت بركته وخيره. # فأين أحدهما من الآخر؟ # وأيضا فإن الله تعالى أكثر ذكر الأرض في كتابه، وذكر منافعها وخلقها، ~~وأنه جعلها: # مهادا # [النبأ:6] و # فراشا # [البقرة:22] و # بساطا # [نوح:19]، و # قرارا # [النمل:61] و # كفاتا # [المرسلات:25] للاحياء والأموات ودعا عباده إلى التفكر فيها، ~~والنظر في آياتها وعجائب ما أودع فيها، ولم يذكر النار ~~إلا في معرض العقوبة والتخويف والعذاب إلا موضعا أو موضعين ~~ذكرها بأنها # تذكرة ومتاعا للمقوين # [الواقعة:73] بذكره لنار الآخرة، ومتاعا لبعض أفراد الناس وهم ~~المقوون النازلون بالمفازة، وهي الأرض الخالية إذا نزلها ~~المسافر تمتع بالنار في منزله. فأين هذا من أوصاف الأرض؟ # وأيضا فإن الله تعالى وصف الأرض بالبركة في مواضع من كتابه، وأخبر ~~أنه بارك فيها، وقدر فيها أقواتها، وقال: # ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها # [الأنبياء: 71]، # وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها # [سبأ:18]، # ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض ~~التي باركنا فيها # [الأنبياء:81] وأما النار فلم يخبر بأنه جعل فيها بركة ~~أصلا بل المشهور أنها مذهبة للبركات مبيدة لها. فأين المبارك ~~في نفسه من المزيل للبركة؟ وما حقها؟ # وأيضا فإن الله - تبارك وتعالى - جعل الأرض محل بيوته التي يذكر ~~فيها اسمه، ويسبح له بالغدو، والآصال، وبيته الحرام الذي جعله ~~قياما للناس مباركا، وهدى للعالمين. # وأيضا فإن الله أودع في الأرض من المنافع، والمعادن، ~~والأنهار والثمرات والحبوب، وأصناف الحيوان ما لم يرد في ~~النار شيء منه إلى غير ذلك. # وأما المقدمة الثانية، وهي من كانت مادته أفضل فهو أفضل، ~~فهذا محل النزاع، والبحث؛ لأنه لما كانت الفضيلة عطية من ~~الله - تبارك وتعالى - ابتداء لم يلزم من فضيلة المادة فضيلة ~~الصورة، ألا ترى أنه يخرج الكافر من المؤمن، والمؤمن من ~~الكافر، والنور من الظلمة والظلمة من النور، وذلك ~~يدل على أن الفضيلة لا تحصل إلا بفضل الله، لا بسبب فضيلة الأصل ~~والجوهر. # وأيضا، فالتكليف إنما يتناول الحي بعد انتهائه إلى حد كمال ~~العقل فالمعتبر بما انتهى إليه لا بما خلق منه. ms3846 # وأيضا فالمفضل إنما يكون بالأعمال، وما يتصل بها، لا بسبب ~~المادة؛ ألا ترى أن الحبشي المؤمن مفضل على القرشي ~~الكافر. # فصل في تخصيص العموم بالقياس # احتج من قال " إنه لا يجوز تخصيص عموم بالقياس " بهذه الآية؛ ~~فإنه لو كان تخصيص النص بالقياس جائزا لما استوجب إبليس هذا ~~التعنيف الشديد، والتوبيخ العظيم، ولما حصل ذلك دل على أن ~~تخصيص عموم النص بالقياس لا يجوز. # وبيانه أن قوله تعالى للملائكة: " اسجدوا لآدم " خطاب عام ~~يتناول جميع الملائكة، ثم إن إبليس أخرج نفسه من هذا العموم ~~بالقياس، وهو أنه مخلوق من النار، والنار أشرف من الطين، ومن ~~كان أصله أشرف فهو أشرف فيلزم كون إبليس أشرف من آدم، ومن كان ~~أشرف من غيره فإنه لا يؤمر بخدمته لأن هذا الحكم ثابت في جميع ~~النظائر، ولا معنى للقياس إلا ذلك فثبت أن إبليس ما عمل في هذه ~~الواقعة شيئا إلا أنه خصص العموم بالقياس، فاستوجب بذلك ~~الذم الشديد، فدل ذلك على أن تخصيص النص بالقياس لا ~~يجوز. # وأيضا فالآية تدل على صحة هذه المسألة من وجه آخر، وهو أن ~~إبليس لما ذكر هذا القياس قال تعالى: # فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها # [الأعراف:13] ووصف إبليس بكونه " متكبرا " بعد أن حكى عنه القياس ~~[الذي يوجب تخصيص النص، وهذا يقتضي أنه من حاول تخصيص النص ~~بالقياس] تكبر على الله، ودلت هذه الآية على أن التكبر ~~على الله يوجب العقاب الشديد، والإخراج من زمرة الأولياء ~~والإدخال في زمرة الملعونين، فدل ذلك على أن تخصيص النص ~~بالقياس لا يجوز، وهذا هو المراد بما نقله الواحدي في " ~~البسيط " عن ابن عباس أنه قال: " كانت الطاعة أولى بإبليس من ~~القياس فعصى ربه، وقاس ". # وأول من قاس إبليس، وكفر بقياسه، فمن قاس الدين بشيء من ~~رأيه قرنه الله مع إبليس. # والجواب أن القياس الذي يبطل النص بالكلية باطل، أما ~~القياس الذي يخصص [النص] في بعض الصور لم قلتم: إنه باطل؟ # وتقريره: أنه لو قبح أمر من كان مخلوقا من ms3847 النار بالسجود لمن ~~كان مخلوقا من الأرض لكان قبح أمر من كان مخلوقا من النور المحض ~~بالسجود لمن كان مخلوقا من الأرض أولى؛ لأن النور أشرف من ~~النار، وهذا القياس يقتضي أن يقبح أمر كل واحد من الملائكة ~~بالسجود لآدم، فهذا القياس يقتضي رفع مدلول النص ~~بالكلية وأنه باطل. # أما القياس الذي يقتضى تخصيص مدلول النص العام لم ~~قلتم: إنه [باطل؟ ويمكن أن يجاب بأن يقال: إن كونه أشرف من ~~غيره يقتضي قبح أن يلجأ الأشرف] إلى خدمة الأدنى، أما لو رضي ~~ذلك الشريف بتلك الخدمة لم يقبح؛ لأنه لا اعتراض عليه في أن ~~يسقط حق نفسه، أما الملائكة فقد رضوا بذلك فلا بأس به، ~~وأما إبليس فإنه لم يرض بإسقاط هذا الحق، فوجب أن يقبح أمره بذلك ~~السجود، فهذا قياس مناسب، وإنه يوجب تخصيص النص، ولا يوجب رفعه ~~بالكلية ولا إبطاله، فلو كان تخصيص النص بالقياس جائزا لما ~~استوجب الذم العظيم، فلما استوجب استحقاق هذا الذم العظيم علمنا أن ~~ذلك إنما كان لأجل أن تخصيص النص بالقياس لا يجوز. # فصل في بيان قوله تعالى { ما منعك ألا تسجد } # قوله تعالى: { ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك } لا شك ~~أن قائل هذا القول هو الله سبحانه وتعالى، وقوله: { أنا خير ~~منه خلقتني من نار وخلقته من طين } لا شك أن ~~قائل هذا القول هو إبليس، وقوله: " فاهبط منها " لا شك أن قائل ~~هذا القول هو الله سبحانه وتعالى، وقوله: # أنظرني إلى يوم يبعثون # [الأعراف:14] لا شك أن هذا قول إبليس، ومثل هذه المناظرة بين ~~الله وبين إبليس مذكور في سورة " ص ". # وإذا ثبت هذا فنقول: إنه لم يتفق لأحد من أكابر الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام مكالمة مع الله مثل ما اتفق لإبليس، وقد عظم ~~الله شرف موسى - عليه الصلاة والسلام - بقوله: # وكلمه ربه # [الأعراف:143]، # وكلم الله موسى تكليما # [النساء: 164]، فإذا كانت المكالمة تفيد الشرف العظيم فكيف ~~حصلت على أعظم الوجوه لإبليس؟ وإن لم يوجب الشرف العظيم فكيف ذكره ~~الله تعالى ms3848 في معرض التشريف لموسى - عليه الصلاة والسلام -. # والجواب من وجهين: # أحدهما: قال بعض العلماء: إنه تعالى قال ذلك لإبليس بواسطة على ~~لسان بعض الملائكة؛ لأنه ثبت أن غير الأنبياء لا يخاطبهم الله ~~إلا بواسطة. # الثاني: أنه تعالى تكلم مع إبليس بلا واسطة لكن على وجه ~~الإهانة بدليل قوله تعالى: # فاخرج إنك من الصاغرين # [الأعراف: 13]، وتكلم مع الأنبياء على سبيل الإكرام بدليل قوله ~~[تعالى] لموسى - عليه الصلاة والسلام -: # وأنا اخترتك # [طه: 13]، وقوله: # واصطنعتك لنفسي # [طه: 41] وهذا نهاية الإكرام. ### || [7.13] # الضمير في " منها " قال ابن عباس: " يريد من الجنة؛ لأنه كان من ~~سكانها " قال ابن عباس: كان في عدن، لا في جنة الخلد. # وقيل: تعود على السماء، لأنه روي عن ابن عباس: " أنه وسوس ~~إليهما وهو في السماء " ، ولأن الهبوط إنما يكون من ارتفاع. # وقيل: يعود على الأرض، أمر أن يخرج منها إلى جزائر البحار ولا يدخل ~~في الأرض إلا كالسارق. # وقيل: يعود على الرتبة المنيفة، والمنزلة الرفيعة. # وقيل: يعود على الصورة والهيئة التي كان عليها؛ لأنه كان ~~مشرق الوجه فعاد مظلما. # قوله: " فاخرج " تأكيد ل " اهبط " إذ هو بمعناه. # وقوله: " فيها " لا مفهوم له يعني: أنه لا يتوهم أنه يجوز ~~أن يتكبر في غيرها ولما اعتبر بعضهم هذا المفهوم؛ ~~احتاج إلى تقدير حذف معطوف كقوله: # تقيكم الحر # [النحل: 81] قال: والتقدير: " فما يكون لك أن تتكبر فيها، ~~ولا في غيرها إنك من الصاغرين، الأذلاء، والصغار الذل ~~والإهانة ". ### || [7.14-16] # قوله: { قال أنظرني إلى يوم يبعثون } أي: أخرني، ~~وأمهلني فلا تميتني إلى يوم يبعثون من قبورهم، وهي ~~النفخة الأخيرة عند قيام الساعة. # والضمير في " يبعثون " يعود على بني آدم لدلالة السياق ~~عليهم، كما دل على ما عاد عليه الضميران في " منها " وفيها كما ~~تقدم. # قوله: # فإنك من المنظرين # [الحجر:37] قال بعض العلماء، إنه تعالى أنظره إلى النفخة ~~الأولى؛ لأنه تعالى قال في آية أخرى: # قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت ~~المعلوم # [الحجر: 37،38]، المراد منه اليوم الذي يموت فيه الأحياء كلهم. # وقال آخرون: ms3849 لم يوقت الله تعالى له أجلا بل قال: { إنك من ~~المنظرين } وقوله في الآية الأخرى { إلى يوم الوقت ~~المعلوم } المراد منه الوقت المعلوم في علم الله تعالى. # قالوا: والدليل على صحته: أن إبليس كان مكلفا، ~~والمكلف لا يجوز أن يعلم أن الله تعالى أخر أجله إلى ~~الوقت الفلاني، لأن ذلك المكلف يعلم أنه متى تاب ~~قبلت توبته، وإذا علم أن وقت موته هو الوقت الفلاني ~~أقدم على المعصية بقلب فارغ، فإذا قرب وقت أجله؛ تاب عن تلك ~~المعاصي، فثبت أن تعريف وقت الموت بعينه يجري مجرى ~~الإغراء بالقبيح، وذلك غير جائز على الله تعالى. # وأجاب الأولون بأن تعريف الله - تعالى - كونه من ~~المنظرين إلى يوم القيامة لا يقتضي إغراء؛ لأنه تعالى ~~كان يعلم أنه يموت على أقبح أنواع الكفر والفسق، سواء ~~علم وقت موته، أو لم يعلمه، فلم يكن ذلك الإعلام موجبا ~~إغراءه بالقبيح، ومثاله أنه تعالى عرف أنبياءه أنهم يموتون ~~على الطهارة والعصمة، ولم يكن ذلك موجبا إغراءهم بالقبيح؛ ~~لأجل أنه تعالى علم منهم أنه سواء عرفهم تلك الحالة، أم لم ~~يعرفهم تلك الحالة، فإنهم يموتون على الطهارة والعصمة، ~~فلما كان حالهم لا يتفاوت بسبب هذا التعريف، فلا جرم لم يكن ~~ذلك التعريف إغراء بالقبيح فكذلك ههنا. # قوله: { فبمآ أغويتني } في هذه " الباء " وجهان: # أحدهما: أنها قسمية وهو الظاهر أي: بقدرتك علي، ونفاذ ~~سلطانك في لأقعدن لهم على الطريق المستقيم الذي يسلكونه ~~إلى الجنة بأن أزين لهم الباطل، وما يكسبهم المآثم. # ويدل على أنها باء القسم قوله تعالى في سورة " ص ": # فبعزتك لأغوينهم # [الآية: 82]. # والثاني: أنها سببية، وبه بدأ الزمخشري قال: { فبمآ ~~أغويتني } فبسبب إغوائك إياي؛ لأقعدن لهم، ثم قال: " والمعنى ~~فبسبب وقوعي في الغي لأجتهدن في إغوائهم حتى ~~يفسدوا بسببي كما فسدت بسببهم ". # فإن قلت: بم تعلقت " الباء "؛ فإن تعلقها ب " لأقعدن ~~" يصد عنه لام القسم لا تقول: والله بزيد لأمرن؟ # قلت: تعلقت بفعل القسم المحذوف تقديره، فبما أغويتني ~~أقسم بالله لأقعدن [أي]: فبسبب إغوائك أقسم. # ويجوز أن ms3850 تكون " الباء " للقسم أي: فأقسم بإغوائك ~~لأقعدن. # قال شهاب الدين. وهذان الوجهان سبقه إليهما أبو بكر بن ~~الأنباري، وذكر عبارة قريبة من هذه العبارة. # وقال أبو حيان: " وما ذكره من أن اللام تصد عن تعلق الباء ~~ب " لأقعدن " ليس حكما مجتمعا عليه، بل في ذلك خلاف ". # قال شهاب الدين: أما الخلاف فنعم، لكنه خلاف ضعيف لا يعتد به ~~أبو القاسم، والشيخ نفسه قد قال عند قوله تعالى: # لمن تبعك منهم لأملأن جهنم # [الأعراف: 18] في قراءة من كسر اللام في " لمن ": إن ذلك لا ~~يجيزه الجمهور، وسيأتي مبينا إن شاء الله تعالى. # و " ما " تحتمل ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنها مصدرية أي: فبإغوائك إياي. # والثاني: أنها استفهامية يعني أنه استفهم عن السبب الذي ~~إغواه به فقال: فبأي شيء من الأشياء أغويتني؟ ثم استأنف ~~جملة أقسم فيها بقوله: " لأقعدن " وهذا ضعيف عند بعضهم، أو ~~ضرورة عند آخرين من حيث أن " ما " الاستفهامية إذا جرت ~~حذفت ألفها، ولا تثبت إلا في شذوذ كقولهم: عما تسأل؟ أو ~~ضرورة كقوله: [الوافر] # 2412 - على ما قام يشتمني لئيم # كخنزير تمرغ في رماد # والثالث: أنها شرطية، وهو قول ابن الأنباري، ونصه قال - ~~رحمه الله -: ويجوز أن يكون " ما " بتأويل الشرط، و " الباء " من ~~صلة الإغواء، والفاء المضمرة جواب الشرط، والتقدير: فبأي شيء ~~أغويتني فلأقعدن لهم صراطك؛ فتضمر الفاء [في] جواب الشرط كما ~~تضمرها في قولك: " إلى ما أومأت أني قابله، وبما أمرت ~~أني سامع مطيع ". وهذا الذي قاله ضعيف جدا، فإنه على تقدير صحة ~~معناه يمتنع من حيث الصناعة، فإن فاء الجزاء لا تحذف إلا في ~~ضرورة الشعر كقوله: [البسيط] # 2413 - من يفعل الحسنات الله يشكرها # والشر بالشر عند الله مثلان # أي: فالله. وكان المبرد لا يجوز ذلك ضرورة أيضا، وينشد البيت ~~المذكور:[البسيط] # 2414 - من يفعل الخير فالرحمن يشكره # ............................ # فعلى قول أبي بكر يكون قوله: " لأقعدن " جواب قسم محذوف، وذلك ~~القسم المقدر، وجوابه جواب الشرط، فيقدر دخول الفاء على ~~نفس جملة القسم مع جوابها تقديره: فبما أغويتني فوالله ms3851 ~~لأقعدن. هذا يتمم مذهبه. # والإغواء إيقاع الغي في القلب أي: بما أوقعت في قلبي من ~~الغي والعناد والاستكبار وقد تقدم في البقرة. # قوله: " صراطك " في نصبه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه منصوب على إسقاط الخافض. # قال الزجاج: ولا اختلاف بين النحويين أن " على " محذوفة ~~كقولك: " ضرب زيد الظهر والبطن، أي: على الظهر والبطن ". # إلا أن هذا الذي قاله الزجاج - وإن كان ظاهره الإجماع - ضعيف من ~~حيث إن حرف الجر لا يطرد حذفه، بل هو مخصوص بالضرورة ~~أو الشذوذ؛ كقوله: [الوافر] # 2415 - تمرون الديار فلم تعوجوا # ......................... # [وقوله]: [الطويل] # 2416 -......................... # لولا الأسى لقضاني # [وقوله]: [الطويل] # 2417 - فبت كأن العائدات فرشنني # ........................ # والثاني: أنه منصوب على الظرف، والتقدير: لأقعدن لهم في ~~صراطك. # وهذا أيضا ضعيف؛ لأن " صراطك " ظرف مكان مختص، والظرف ~~المكاني المختص، لا يصل إليه الفعل بنفسه، بل ب " في " تقول: ~~صليت في المسجد، ونمت في السوق. ولا تقول: صليت المسجد إلا ~~فيما استثني في كتب النحو، وإن ورد غير ذلك، كان شاذا؛ كقولهم ~~" رجع أدراجه " و " ذهبت " مع " الشام " خاصة أو ضرورة؛ ~~كقوله: [الطويل] # 2418 - جزى الله بالخيرات ما فعلا بكم # رفيقين قالا خيمتي أم معبد # أي: قالا في خيمتي، وجعلوا نظير الآية في نصب المكان المختص ~~قول الآخر: [الكامل] # 2419 - لدن بهز الكف يعسل متنه # فيه كما عسل الطريق الثعلب # وهذا البيت أنشده النحاة على أنه ضرورة، وقد شذ ابن ~~الطراوة عن مذهب النحاة فجعل " الصراط " و " الطريق " في ~~هذين الموضعين مكانين مبهمين. وهذا قول مردود؛ لأن المختص من ~~الأمكنة ما له أقطار تحويه، وحدود تحصره، والصراط والطريق من هذا ~~القبيل. # الثالث: أنه منصوب على المفعول به؛ لأن الفعل قبله - وإن كان ~~قاصرا - فقد ضمن معنى فعل متعد. والتقدير: لألزمن صراطك ~~المستقيم بقعودي عليه. # فصل في معنى إغواء إبليس # قول إبليس " فبما أغويتني " يدل على أنه أضاف إغواءه إلى ~~الله - تعالى -، وقوله في آية أخرى: # فبعزتك لأغوينهم أجمعين # [ص: 82] يدل على أنه أضاف إغواء العباد إلى نفسه، فالأول دل ~~على مذهب أهل ms3852 الجبر، والثاني يدل على مذهب [أهل] القدر، وهذا ~~يدل على أنه كان متحيرا في هذه المسألة. وقد يقال: إنه كان ~~معتقدا بأن الإغواء لا يحصل إلا بالمغوي فجعل نفسه ~~مغويا لغيره من الغاوين ثم زعم أن المغوي له هو الله - ~~تعالى - قطعا للتسلسل. # واختلفوا في تفسير هذه الكلمة، فقال أهل السنة: الإغواء ~~إيقاع الغي في القلب، والغي هو الاعتقاد الباطل، وذلك يدل ~~على أنه كان يعتقد أن الحق والباطل إنما يقع في القلب من ~~الله. # وأما المعتزلة فلهم ههنا مقامات. # أحدها: أن يفسروا الغي بما ذكرناه، ويعتذروا عنه بوجوه. # منها: أن قالوا: هذا قول إبليس، فهب أن إبليس اعتقد أن خالق ~~الغي، والجهل، والكفر هو الله، إلا أن قول إبليس ليس بحجة. # ومنها قالوا: إنه تعالى لما أمره بالسجود لآدم؛ فعند ذلك ظهر ~~غيه وكفره، فجاز أن يضيف ذلك إلى الله - تعالى - لهذا المعنى، وقد ~~يقول القائل: لا تحملني على ضربك أي: لا تفعل ما أضربك ~~عنده. # ومنها: أن قوله { رب بما أغويتني } أي: لعنتني، والمعنى أنك ~~لما لعنتني بسبب آدم؛ فأنا لأجل هذه العداوة؛ ألقي ~~الوساوس في قلوبهم. # المقام الثاني: أن يفسروا الإغواء بالهلاك، ومنه قوله تعالى: # فسوف يلقون غيا # [مريم: 59] أي: هلاكا وويلا، ومنه أيضا قولهم: غوى الفصيل ~~يغوي غوى؛ إذا أكثر من اللبن حتى يفسد جوفه ويشارف ~~الهلاك والعطب. وفسروا قوله تعالى: # إن كان الله يريد أن يغويكم # [هود: 34] إن كان الله يريد أن يهلككم بعنادكم للحق. فهذا جميع ~~الوجوه المذكورة. # قال ابن الخطيب: ونحن لا نبالغ في بيان أن المراد من الإغواء ~~في هذه الآية الإضلال؛ لأن حاصله يرجع إلى قول إبليس، وإنه ليس ~~بحجة إلا أنا نقيم البرهان اليقيني على أن المغوي لإبليس هو ~~الله - تعالى - وذلك؛ لأن الغاوي لا بد له من مغو، والمغوي ~~له إما أن يكون نفسه، أو مخلوقا آخر، أو الله - تعالى - ~~والأول باطل؛ لأن العاقل لا يختار الغواية مع العلم بكونها ~~غواية، والثاني أيضا باطل، وإلا لزم إما التسلسل وإما ms3853 ~~الدور، والثالث هو المقصود. # فصل في المراد من الإقعاد # المراد من قوله: { لأقعدن لهم صراطك المستقيم } ~~أنه يواظب على الإفساد مواظبة لا يفتر عنها، ولهذا المعنى ~~ذكر القعود؛ لأن من أراد المبالغة في تكميل أمر من الأمور قعد حتى ~~يصير فارغ البال، فيمكنه إتمام المقصود. ومواظبته على الإفساد، هي ~~مواظبته على الوسوسة بحيث لا يفتر عنها. # قال المفسرون: معنى { لأقعدن لهم صراطك } أي: ~~بالصد عنه وتزيين الباطل؛ حتى يهلكوا كما هلك، أو يضلوا كما ~~ضل، أو يخيبوا كما خاب. # فإن قيل: هذه الآية دلت على أن إبليس كان عالما بالدين ~~الحق؛ لأنه قال { لأقعدن لهم صراطك المستقيم } ~~وصراطه المستقيم هو دينه الحق، ودلت أيضا على أن إبليس كان ~~عالما بأن الذي هو عليه من الاعتقاد هو محض الغواية والضلال ~~لأنه لو لم يكن كذلك لما قال: # رب بمآ أغويتني # [الحجر: 39]، وإذا كان كذلك فكيف يمكن أن يرضى إبليس بذلك المذهب ~~مع علمه بكونه ضلالا وغواية، وبكونه مضادا للدين الحق، ومنافيا ~~للصراط المستقيم، فإن المرء إنما يعتقد الاعتقاد الفاسد إذا ~~غلب على ظنه كونه حقا، فأما من علم أنه باطل وضلال ~~وغواية يستحيل أن يختاره، ويرضى به، ويعتقده. # فالجواب: أن من الناس من قال: إن كفر إبليس كفر عناد لا ~~كفر جهل، ومنهم من قال: كفره كفر جهل. وقوله: { فبمآ ~~أغويتني } ، وقوله: { لأقعدن لهم صراطك ~~المستقيم } يريد به في زعم الخصم، وفي اعتقاده. # فصل في بيان هل على الله رعاية المصالح # احتج أهل السنة بهذه الآية على أنه لا يجب على الله رعاية ~~مصالح العبد في دينه، ولا في دنياه؛ لأن إبليس استمهل الزمان ~~الطويل فأمهله الله، ثم بين أنه إنما يستمهله؛ لأغواء ~~الخلق، وإضلالهم. # والله - تعالى - عالم بأن أكثر الخلق يطيعونه، ويقبلون ~~وسوسته كما قال تعالى: # ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا ~~فريقا من المؤمنين # [سبأ: 20] فثبت أن إنظار إبليس وإمهاله هذه المدة الطويلة؛ ~~يقتضي حصور المفاسد العظيمة. والكفر العظيم، فلو كان تعالى مراعيا ~~لمصالح العباد؛ لامتنع أن يمهله، ms3854 وأن يمكنه من هذه المفاسد، فحيث ~~أنظره وأمهله؛ علمنا أنه لا يجب عليه شيء من رعاية المصالح ~~أصلا، ومما يقوي ذلك أنه تعالى بعث الأنبياء دعاة إلى الحق، ~~وعلم من حال إبليس أنه لا يدعو إلا إلى الكفر والضلال، ثم ~~إنه تعالى أمات الأنبياء الذين يدعون الخلق إلى الحق، وأبقى ~~إبليس وسائر الشياطين الذين يدعون إلى الكفر والباطل، ومن كان ~~مريدا لمصالح العباد؛ امتنع منه أن يفعل ذلك. # قالت المعتزلة: اختلف شيوخنا في هذه المسألة فقال الجبائي: ~~إنه لا يختلف الحال بسبب وجوده وعدمه، ولا يضل بقوله أحد إلا ~~من لو فرضنا عدم إبليس، لكان يضل أيضا ويدل على ذلك قوله تعالى: # مآ أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم # [الصافات: 162، 163]، ولأنه لو ضل به أحد لكان بقاؤه مفسدة. # وقال أبو هاشم: يجوز أن يضل به قوم، ويكون خلقه جاريا مجرى خلق ~~زيادة الشهوة، فإن هذه الزيادة من الشهوة لا توجب فعل القبيح ~~إلا أن الامتناع منها يصير أشق، ولأجل تلك الزيادة من ~~المشقة، تحصل الزيادة في الثواب، فكذا ههنا بسبب بقاء إبليس ~~يصير الامتناع من القبائح أشد، وأشق، ولكنه لا ينتهي إلى حد الإلجاء ~~والإكراه. # والجواب: أما قول أبي علي فضعيف؛ لأن الشيطان لا بد وأن ~~يزين القبائح في قلب الكافر ويحسنها له، ويذكره ما في القبائح ~~من أنواع اللذات، ومن المعلوم أن حال الإنسان مع حصول هذا ~~التذكير والتزيين لا يكون مساويا لحاله عند عدم هذا التذكير ~~والتزيين، ويدل على ذلك العرف، فإن الإنسان إذا حصل له جلساء ~~يرغبونه في أمر من الأمور، ويحسنونه في عينه ويسهلون عليه طريق ~~الوصول إليه، ويواظبون على دعوته إليه؛ فإنه لا يكون حاله في ~~الإقدام على ذلك، كحاله إذا لم يوجد هذا التذكير والتحسين ~~والتزيين، والعلم بذلك ضروري. # وأما قول أبي هاشم فضروري البطلان؛ لأنه إذا صار هذا التذكير ~~والتزيين حاملا للمرء على الإقدام على ذلك القبيح كان ذلك سعيا في ~~إلقائه في المفسدة، وما ذكره من خلق الزيادة في الشهوة ms3855 فهو ~~حجة أخرى لنا في أن الله تعالى لا يراعي المصلحة، فكيف يمكنه أن ~~يحتج به، والذي يقرره غاية التقرير: أنه لسبب حصول تلك الزيادة في ~~الشهوة يقع في الكفر وعذاب الأبد، ولو احترز عن تلك الشهوة ~~فغايته أن يزداد ثوابه بزيادة تلك المشقة، وحصول هذه ~~الزيادة من الثواب شيء لا حاجة إليه ألبتة، أما دفع ~~العقاب المؤبد، فإليه أعظم الحاجات، فلو كان إله العالم مراعيا ~~لمصالح العباد لاستحال أن يهمل الأهم الأكمل الأعظم لأجل زيادة لا ~~حاجة إليها ولا ضرورة. # فثبت فساد هذه المذاهب، وأنه لا يجب على الله شيء أصلا. # قوله: " ثم لآتينهم " جملة معطوفة على جواب القسم أيضا وأخبر ~~أنه بعد أن يقعد على الصراط يأتي من هذه الجهات الأربع، ~~ونوع حرف الجر فجر الأولين [ب " من " ] والثانيين ب ~~" عن " لنكته ذكرها الزمخشري. قال - رحمه الله -: " فإن قلت ~~كيف قيل: من بين أيديهم، ومن خلفهم بحرف الابتداء، وعن ~~أيمانهم، وعن شمائلهم بحرف المجاوزة؟ # قلت: المفعول فيه عدي إليه الفعل نحو تعديته إلى المفعول به، ~~فكما اختلفت حروف التعدية في ذلك اختلفت في هذا، وكانت لغة تؤخذ ~~ولا تقاس، وإنما يفتش عن صحة موقعها فقط، فلما سمعناهم ~~يقولون: جلس عن يمينه، وعلى يمينه، وعن شماله، وعلى شماله قلنا: معنى ~~" على يمينه " أنه تمكن من جهة اليمين تمكن المستعلي من ~~المستعلى عليه. # ومعنى " عن يمينه " أنه جلس متجافيا عن صاحب اليمين غير ~~ملاصق له منحرفا عنه، ثم كثر حتى استعمل في المتجافي ~~وغيره كما ذكرنا في " تعال ". ونحوه من المفعول به قولهم: " رميت على ~~القوس، وعن القوس، ومن القوس " لأن السهم يبعد عنها، ~~ويستعليها إذا وضع على كبدها للرمي، ويبتدىء الرمي منها، ~~فلذلك قالوا: جلس بين يديه وخلفه بمعنى " في "؛ لأنهما ظرفان ~~ويبتدىء الرمي منها، فلذلك قالوا: جلس بين يديه وخلفه بمعنى " ~~في "؛ لأنهما ظرفان للفعل، ومن بين يديه ومن خلفه؛ لأن ~~الفعل يقع في بعض الجهتين كما تقول: جئت من الليل تريد ~~بعض الليل ". # قال شهاب الدين: " وهذا ms3856 كلام من رسخت قدمه في فهم كلام ~~العرب ". # وقال أبو حيان: وهو كلام لا بأس به. فلم يوفه حقه. # ثم قال: وأقول: وإنما خص بين الأيدي، والخلف بحرف الابتداء الذي ~~هو أمكن في الإتيان؛ لأنهما أغلب ما يجيء العدو منهما فينال ~~فرصته، وقدم بين الأيدي على الخلف؛ لأنها الجهة التي ~~تدل على إقدام العدو وبسالته في مواجهة قرنه غير خائف ~~منه، والخلف جهة غدر ومخاتلة، وجهالة القرن بمن يغتاله، ويتطلب ~~غرته وغفلته، وخص الأيمان والشمائل بالحرف الذي يدل على ~~المجاوزة؛ لأنهما ليستا بأغلب ما يأتي منهما العدو، وإنما يجاوز ~~إتيانه إلى الجهة التي هي أغلب في ذلك، وقدمت ~~الأيمان على الشمائل؛ لأنها هي الجهة القوية في ملاقاة ~~العدو، وبالأيمان البطش والدفع، فالقرن الذي يأتي من جهتها ~~أبسل وأشجع إذ جاء من الجهة التي هي أقوى في الدفع، ~~والشمائل ليست في القوة والدفع كالأيمان. # [والأيمان] والشمائل جمعا يمين وشمال، وهما الجارحتان ~~وتجمعان في القلة على أفعل، قال: [الرجز] # [2420]- يأتي لها من أيمن وأشمل # والشمائل يعبر بها عن الأخلاق والشيم تقول: له شمائل حسنة، ~~ويعبر عن الحسنات باليمين، وعن السيئات بالشمال؛ لأنهما ~~منشأ الفعلين: الحسن والسيىء. # ويقولون: اجعلني في يمينك لا في شمالك قال: [الطويل] # 2421 - أبثنى، أفي يمنى يديك جعلتني # فأفرح أم صيرتني في شمالك # يكنون بذلك عن عظم المنزلة عند الشخص وخستها، وقال: ~~[الطويل] # 2422 - رأيت بني العلات لما تضافروا # يجوزون سهمي بينهم في الشمائل # والشمائل: جمع شمال بفتح الشين وهي الريح. # قال امرؤ القيس: [الطويل] # 2423- وهبت له ريح بمختلف الصوى # صبا وشمال في منازل قفال # والألف في " الشمال " زائدة، لذا يزاد فيها الهمزة أيضا بعد الميم ~~وقبلها فيقولون: شمأل وشأمل، يدل على ذلك كله سقوطه في ~~التصريف قالوا: " أشملت الريح " إذا هبت شمالا. # فصل في معنى " من بين أيديهم " # قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: " من بين أيديهم أي: ~~من قبل الآخرة فأشككهم فيها، ومن خلفهم أرغبهم في دنياهم وعن أيمانهم ~~أشبه عليهم أمر دينهم، وعن شمائلهم ms3857 أشهي لهم المعاصي ". # وروى عطية عن ابن عباس: " من بين أيديهم من قبل دنياهم يعني ~~أزينها في قلوبهم. ومن خلفهم: من قبل الآخرة فأقول: لا بعث، ولا ~~جنة ولا نار، وعن أيمانهم: من قبل حسناتهم وعن شمائلهم: من ~~قبل سيئاتهم ". # قال ابن الأنباري: " قول من قال الأيمان كناية عن الحسنات ~~والشمائل كناية عن السيئات قول حسن؛ لأن العرب تقول: اجعلني في ~~يمينك ولا تجعلني في شمالك، يريد اجعلني من المقدمين عندك، ولا ~~تجعلني من المؤخرين ". # وروى أبو عبيدة عن الأصمعي أنه قال: " أنت عندنا باليمين أي: ~~بمنزلة حسنة، وإذا خبثت منزلته قال أنت عندي بالشمال ". # وقال الحكم والسدي: { من بين أيديهم }: من قبل الدنيا ~~يزينها لهم، ومن خلفهم: من قبل الآخرة يثبطهم عنها، وعن أيمانهم من ~~قبل الحق يصدهم عنه، وعن شمائلهم: من قبل الباطل يزينه لهم. # وقال قتادة: " أتاهم من بين أيديهم فأخبرهم أنه لا بعث ولا ~~جنة، ولا نار، ومن خلفهم في أمر الدنيا فزينها لهم ودعاهم ~~إليها، وعن أيمانهم من قبل حسناتهم بطأهم عنها، وعن شمائلهم زين ~~لهم السيئات والمعاصي، ودعاهم إليها ". # وقال مجاهد: " من بين أيديهم، وعن أيمانهم من حيث يبصرون ومن ~~خلفهم، وعن شمائلهم من حيث لا يبصرون ". # قال ابن جريج: معنى قوله: " حيث يبصرون أي: يخطئون، وحيث لا ~~يبصرون أي: لا يعلمون أنهم يخطئون ". # وقيل: من بين أيديهم في تكذيب الأنبياء والرسل الذين ~~يكونون حاضرين، ومن خلفهم في تكذيب من تقدم من الأنبياء ~~والرسل، وعن أيمانهم في الكفر والبدعة، وعن شمائلهم في أنواع ~~المعاصي. # وقال حكماء الإسلام: إن في البدن قوى أربعا؛ هي الموجبة ~~لقوات السعادات الروحانية، فالقوة الأولى الخيالية ~~التي يجتمع فيها مثل المحسوسات وصورها، وهي موضوعة في البطن المقدم من ~~الدماغ، وصور المحسوسات إنما ترد عليها من مقدمها. # وإليه الإشارة بقوله: { من بين أيديهم }. # والقوة الثانية: الوهمية التي تحكم في غير المحسوسات ~~بالأحكام المناسبة للمحسوسات، وهي موضوعة في البطن المؤخر من ~~الدماغ، وإليه الإشارة بقوله: " ومن خلفهم ". # والقوة الثالثة: الشهوة، وهي موضوعة ms3858 في الكبد، وهي من ~~يمين البدن، وإليه الإشارة بقوله: " وعن أيمانهم ". # والقوة الرابعة: الغضب، وهي موضوعة في البطن الأيسر من ~~القلب، وإليه الإشارة بقوله: " وعن شمائلهم ". فهذه القوى ~~الأربع التي تتولد عنها أحوال توجب زوال السعادات ~~الروحانية، والشياطين الخارجة ما لم تستعن بشيء من هذه القوى ~~الأربع لم تقدر على إلقاء الوسوسة، فهذا هو السبب في تعيين هذه ~~الجهات الأربع. # روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن الشيطان قعد لابن آدم بطريق الإسلام فقال: ~~اتبع دين آبائك فعصاه فأسلم، ثم قعد له ~~بطريق الهجرة فقال له: تدع ديارك وتتغرب! ~~فعصاه وهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد فقال له: ~~تقاتل فتقتل فيقسم مالك وتنكح امرأتك فعصاه ~~فقاتل " # فهذا الخبر يدل على أن الشيطان لا يترك جهة من جهات الوسوسة ~~إلا ويلقيها في القلب. # فإن قيل: فلم [لم] يذكر من الجهات الأربع " من فوقهم ومن ~~تحتهم؟ " # فالجواب أنا ذكرنا أن القوى التي يتولد منها ما يوجب ~~تفويت السعادات الروحانية فهي موضوعة في هذه الجوانب الأربعة من ~~البدن. # وأما في الظاهر فيروى أن الشيطان لما قال هذا الكلام رقت ~~قلوب الملائكة على البشر فقالوا: يا إلهنا، كيف يتخلص الإنسان من ~~الشيطان مع كونه مستوليا عليه من هذه الجهات الأربع؟ فأوحى الله ~~تعالى إليهم: " أنه بقي للإنسان جهتان: الفوق والتحت، فإذا رفع ~~يديه إلى فوق في الدعاء على سبيل الخضوع، أو وضع جبهته على الأرض ~~على سبيل الخشوع غفرت له ذنب سبعين سنة ". ### || [7.17] # الوجدان هنا يحتمل أن يكون بمعنى اللقاء، أو بمعنى العلم أي: لا ~~تلفي أكثرهم شاكرين أو لا تعلم أكثرهم شاكرين ف " شاكرين " حال على ~~الأول، مفعول ثان على الثاني. # وهذه الجملة تحتمل وجهين: # أحدهما: أن تكون استئنافية أخبر اللعين بذلك لتظنيه قال تعالى: # ولقد صدق عليهم إبليس ظنه # [سبأ: 20]، أو لأنه علمه بطريق قيل: لأنه كان قد رأى ذلك في ~~اللوح المحفوظ. ويحتمل أن تكون داخلة في حيز ما قبلها من ~~جواب القسم فتكون معطوفة على ms3859 قوله: " لأقعدن " أقسم على ~~جملتين مثبتتين، وأخرى منفية. ### || [7.18] # ف " مذؤوما مدحورا " حالان من فاعل " اخرج " عند من يجيز تعدد ~~الحال لذي حال واحدة، ومن لا يجيز ذلك ف " مدحورا " صفة ل " ~~مذؤوما " أو هي حال من الضمير في الجار قبلها، فيكون الحالان ~~متداخلين. # و " مذءوما مدحورا " اسما مفعول من: ذأمه ودحره. ~~فأما ذأمه فيقال: بالهمز: ذأمه، يذأمه كرأمه يرأمه، ~~وذامه يذيمه كباعه يبيعه من غير همز، وعليه قولهم: " ~~لن تعدم الحسناء ذاما " يروى بهمزة ساكنة أو ألف، وعلى ~~اللغة الثانية قول الشاعر: [الطويل] # 2424 - تبعتك إذ عيني عليها غشاوة # فلما انجلت قطعت نفسي أذيمها # فمصدر المهموز: ذأم كرأس، وأما مصدر غير المهموز فسمع ~~فيه ذام بألف، وحكى ابن الأنباري فيه ذيما كينع قال: يقال: ~~ذأمت الرجل أذأمه، وذمته أذيمه ذيما، وذممته ~~أذمه ذما بمعنى؛ وأنشد: [الخفيف] # 2425 - وأقاموا حتى أبيروا جميعا # في مقام وكلهم مذءوم # والذام: العيب ومنه المثل المتقدم: " لن تعدم ~~الحسناء ذاما " أي كل امرأة حسنة لا بد أن يكون فيها عيب ما ~~وقالوا: " أردت أن تذيمه فمدهته " أي: " تعيبه ~~فمدحته " فأبدل الحاء هاء: وقيل: الذام: الاحتقار، ذأمت ~~الرجل: أي: احتقرته، قاله الليث. # وقيل: الذام الذم، قاله ابن قيتبة وابن الأنباري؛ قال ~~أمية: [المتقارب] # 2426 - وقال لإبليس رب العباد # [أن] اخرج لعينا دحيرا مذوما # والجمهور على " مذءوما " بالهمز. # وقرأ أبو جعفر والأعمش والزهري " مذوما " بواو واحدة ~~من دون همز وهي تحتمل وجهين: # أحدهما - ولا ينبغي أن يعدل عنه - أنه تخفيف " مذؤوما " في ~~القراءة الشهيرة بأن ألقيت حركة الهمزة على الذال ~~الساكنة، وحذفت الهمزة على القاعدة المشتهرة في تخفيف ~~مثله، فوزن الكلمة آل إلى " مفول " لحذف العين. # والثاني: أن هذه القراءة مأخوذة من لغة من يقول: ذمته ~~أذيمه كبعته أبيعه، وكان من حق اسم المفعول في هذه ~~اللغة مذيم كمبيع قالوا: إلا أنه أبدلت الواو من الياء ~~على حد قولهم " مكول " في " مكيل " مع أنه من الكيل ومثل هذه ~~القراءة في احتمال الوجهين قول أمية بن أبي الصلت ms3860 في البيت ~~المتقدم أنشده الواحدي على لغة " ذامه " بالألف " يذيمه " ~~بالياء، وليته جعله محتملا للتخفيف من لغة الهمز. # والدحر: الطرد والإبعاد يقال: دحره، يدحره دحرا، ~~ودحورا؛ ومنه: # ويقذفون من كل جانب دحورا # [الصافات: 9،8]؛ وقول أمية في البيت المتقدم " لعينا دحيرا ". # وقوله أيضا: [الكامل] # 2427 - وبإذنه سجدوا لآدم كلهم # إلا لعينا خاطئا مدحورا # وقال الآخر: [الوافر] # 2428 - دحرت بني الحصيب إلى قديد # وقد كانوا ذوي أشر وفخر # [قال ابن عباس: " مذءوما أي: ممقوتا ". # وقال قتادة: " مذءوما مدحورا أي: ليعنا شقيا ". # وقال الكلبي: " مذموما ملوما مدحورا مقصيا من الجنة ومن ~~كل خير " ]. # قوله: " لمن تبعك " في هذه " اللام " وفي " من " وجهان: # أظهرهما: أن اللام هي الموطئة لقسم محذوف، و " من " ~~شرطية في محل رفع بالابتداء، و " لأملأن " جواب القسم ~~المدلول عليه بلام التوطئة، وجواب الشرط محذوف لسد جواب ~~القسم مسده. وقد تقدم إيضاح ذلك مرارا. # والثاني: أن اللام لام الابتداء، و " من " موصولة و " ~~تبعك " صلتها، وهي في محل رفع بالابتداء أيضا، و " لأملأن " ~~جواب قسم محذوف، وذلك القسم المحذوف، وجوابه في محل رفع ~~خبر لهذا المبتدأ، والتقدير، للذي تبعك منهم، والله ~~لأملأن جهنم منكم. # فإن قلت: أين العائد من الجملة القسمية الواقعة خبرا عن ~~المبتدأ؟ # قلت: هو متضمن في قوله " منكم "؛ لأنه لما اجتمع ~~ضميرا غيبة وخطاب غلب الخطاب على ما عرف. # وفتح اللام هو قراءة العامة. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر من ~~بعض طرقه والجحدري: " لمن " بكسرها، وخرجت على ثلاثة ~~أوجه: # أحدها - وبه قال ابن عطية - أنها تتعلق بقوله " لأملأن " ~~فإنه قال: " لأجل من تبعك منهم لأملأن " ، وظاهر هذا ~~أنها متعلقة بالفعل بعد لام القسم. # وقال أبو حيان: " ويمتنع ذلك على قول الجمهور تقديرها؛ لأن ~~ما بعد لام القسم لا يعمل فيما قبلها ". # والثاني: أن اللام متعلقة بالذأم والدحر، والمعنى: ~~أخرج بهاتين [الصفتين] لأجل اتباعك. ذكره أبو الفضل ~~الرازي في كتاب " اللوامح " على شاذ القراءة. # قال شهاب الدين: ويمكن أن تجيء المسألة من باب الإعمال، لأن ~~كلا من ms3861 " مذءوما " و " مدحورا " يطلب هذا الجار عند هذا القائل ~~من حيث المعنى، ويكون الإعمال للثاني كما هو مختار البصريين للحذف ~~من الأول. # والثالث: أن يكون هذا الجار خبرا مقدما، والمبتدأ محذوف ~~تقديره: لمن تبعك منهم هذا الوعيد، ودل على قوله هذا ~~الوعيد قوله: " لأملأن جهنم "؛ لأن هذا القسم وجوابه وعيد، وهذا ~~الذي أراد الزمخشري بقوله: يعني لمن تبعك منهم الوعيد وهو قوله: " ~~لأملأن جهنم " على أن " لأملأن " في محل الابتداء و " ~~لمن تبعك " خبره. # قال أبو حيان: " فإن أراد ظاهر كلامه فهو خطأ على مذهب البصريين؛ ~~لأن قوله: " لأملأن " جملة هي: جواب قسم محذوف، من حيث كونها ~~جملة فقط، لا يجوز أن تكون مبتدأة، ومن حيث كونها جوابا للقسم ~~المحذوف يمتنع أيضا؛ لأنها إذ ذاك من هذه الحيثية لا موضع لها من ~~الإعراب، ومن حيث كونها مبتدأ لها موضع من الإعراب ولا يجوز أن تكون ~~الجملة لها موضع من الإعراب لا موضع لها من الإعراب وهو محال؛ ~~لأنه يلزم أن تكون في موضع رفع، لا في موضع رفع، داخل عليها عامل ~~غير داخل عليها عامل، وذلك لا يتصور ". # قال شهاب الدين بعد أن قال الزمخشري: " بمعنى لمن تبعك ~~الوعيد وهو لأملأن ": كيف يحسن أن يتردد بعد ذلك فيقال: إن أراد ~~ظاهر كلامه، كيف يريده مع التصريح بتأويله هو بنفسه؟ وأما ~~قوله على أن " لأملأن " في محل الابتداء، فإنما قاله؛ ~~لأنه دال على الوعيد الذي هو في محل الابتداء، فنسب إلى الدال ~~ما ينسب إلى المدلول من جهة المعنى. # وقول الشيخ أيضا " ومن حيث كونها جوابا للقسم المحذوف يمتنع ~~أيضا إلى آخره " كلام متحمل عليه؛ لأنه لا يريد جملة الجواب فقط ~~ألبتة، إنما يريد الجملة القسمية برمتها، وإنما ~~استغنى بذكرها عن ذكر قسيمها؛ لأنها ملفوظ بها، وقد تقدم ما ~~يشبه هذا الاعتراض الأخير عليه، وجوابه. # وأما قول الشيخ: " ولا يجوز أن تكون الجملة لها موضع من ~~الإعراب لا موضع لها من الإعراب " إلى آخر كلامه كله شيء واحد ليس ~~فيه معنى ms3862 زائد. # قوله: " أجمعين " تأكيد. واعلم أن الأكثر في أجمع ~~وأخواته المستعملة في التأكيد إنما يؤتى بها بعد " كل " ~~نحو: # فسجد الملائكة كلهم أجمعون # [الحجر: 30] وفي غير الأكثر قد تجيء بدون " كل " كهذه الآية ~~الكريمة، فإن " أجمعين " تأكيد ل " منكم " ، ونظيرها فيما ~~ذكرنا قوله تعالى: # وإن جهنم لموعدهم أجمعين # [الحجر: 43]. # فصل # قال ابن الأنباري: الكناية في قوله: " لمن تبعك " عائد على ~~ولد آدم؛ لأنه حين قال: " ولقد خلقناكم " كان مخاطبا لولد ~~آدم فرجعت الكناية إليهم. # قال القاضي: دلت هذه الآية على أن التابع والمتبع يتفقان ~~في أن جهنم تملأ منهما، فكما أن الكافر تبعه، فكذلك الفاسق ~~فيجب القطع بدخول الفاسق في النار. وجوابه: أن المذكور في الآية ~~أنه تعالى يملأ جهنم ممن تبعه، وليس في الآية أن كل من ~~تبعه يدخل جهنم، فسقط هذا الاستدلال، ودلت هذه الآية على أن ~~جميع أهل البدع والضلال يدخلون جهنم، لأن كلهم متابعون ~~إبليس. ### || [7.19] # قد تقدم الكلام على هذه الآية في سورة البقرة، بقي الكلام هنا على ~~حرف واحد وهو قوله تعالى في سورة البقرة: # وكلا منها رغدا # [البقرة: 35] بالواو، وقال ههنا بالفاء، والسبب فيه من وجهين: # الأول: أن الواو تفيد الجمع المطلق والفاء تفيد الجمع على سبيل ~~التعقيب، فالمفهوم من الفاء نوع داخل تحت المفهوم من الواو، ولا ~~منافاة بين النوع والجنس، ففي سورة البقرة ذكر الجنس، وفي ~~سورة الأعراف ذكر النوع. # الثاني: وقال في البقرة: " رغدا " وهو ههنا محذوف لدلالة الكلام عليه. ### || [7.20] # قوله: " فوسوس لهما " أي: فعل الوسوسة لأجلهما. # والفرق بين وسوس له ووسوس إليه أن وسوس له بمعنى لأجله ~~كما تقدم، ووسوس إليه ألقى إليه الوسوسة. # والوسوسة: الكلام الخفي المكرر، ومثله الوسواس وهو صوت ~~الحلي، والوسوسة أيضا الخطرة الرديئة، ووسوس لا ~~يتعدى إلى مفعول، بل هو لازم كقولنا: ولولت المرأة، ~~ووعوع الذئب ويقال: رجل موسوس بكسر الواو، ولا ~~يقال بفتحها، قاله ابن الأعرابي. # وقال غيره: يقال: موسوس له، وموسوس إليه. # وقال الليث: " الوسوسة حديث النفس، والصوت الخفي ~~من ريح تهز ms3863 قصبا ونحوه كالهمس ". قال تعالى # ونعلم ما توسوس به نفسه # [ق: 16]. # وقال رؤبة بن العجاج يصف صيادا: [الرجز] # 2429 - وسوس يدعو مخلصا رب الفلق # لما دنا الصيد دنا من الوهق # أي: لما أراد الصيد وسوس في نفسه: أيخطىء أم يصيب؟ وقال ~~الأزهري: " وسوس ووزوز بمعنى واحد ". # فإن قيل: كيف وسوس إليه، وآدم كان في الجنة وإبليس أخرج منها؟ # فالجواب: قال الحسن: كان يوسوس من الأرض إلى السماء وإلى ~~الجنة بالقوة الفوقية التي جعلها له. # وقال أبو مسلم الأصفهاني: بل كان آدم وإبليس في الجنة؛ ~~لأن هذه الجنة كانت بعض جنات الأرض، والذي يقوله بعض الناس من " ~~أن إبليس دخل الجنة في جوف الحية ودخلت الحية في الجنة " ~~فتلك القصة ركيكة ومشهورة. # وقال آخرون: إن آدم وحواء ربما قربا من باب الجنة، وكان ~~إبليس واقفا من خارج الجنة على بابها فيقرب أحدهما من الآخر ~~فتحصل الوسوسة هناك. # فإن قيل: إن آدم - عليه السلام - كان يعرف ما بينه وبين إبليس من ~~العداوة، فكيف قبل قوله؟ # فالجواب: [لا يبعد أن يقال إن إبليس لقي آدم مرارا ~~كثيرة، ورغبه في أكل الشجرة بطرق كثيرة؛ فلأجل] ~~المواظبة والمداومة على هذا التمويه أثر كلامه عنده وأيضا فقال تعالى: # وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين # [الأعراف: 21] أي: حلف لهما فاعتقدوا أن أحدا لا يحلف ~~كاذبا فلذلك قبل قوله. # قوله: " ليبدي لهما " في " لام " ليبدي " قولان: # أظهرهما: أنها لام العلة على أصلها؛ لأن قصد الشيطان ذلك. # وقال بعضهم: " اللام " للصيرورة والعاقبة، وذلك أن ~~الشيطان لم يكن يعلم أنهما يعاقبان بهذه العقوبة الخاصة، ~~فالمعنى: أن أمرهما آل إلى ذلك. الجواب: أنه يجوز أن يعلم ذلك ~~بطريق من الطرق المتقدمة في قوله # ولا تجد أكثرهم شاكرين # [الأعراف: 17]. # ومعنى قوله: " ليبدي لهما " ليظهر لهما ما غطي وستر عنهما ~~من عوراتهما. # قوله: " ما ووري " " ما " موصولة بمعنى الذي، وهي مفعول ل " ~~ليبدي " أي: ليظهر الذي ستر. # وقرأ الجمهور: " ووري " بواوين صريحتين وهو ماض مبني للمفعول، ~~أصله " وارى " كضارب فلما بني للمفعول أبدلت الألف ms3864 واوا ~~كضورب، فالواو الأولى فاء، والثانية زائدة. # وقرأ عبد الله: " أوري " بإبدال الأولى همزة، وهو بدل جائز لا ~~واجب. # وهذه قاعدة كلية وهي: أنه إذا اجتمع في أول الكلمة واوان، ~~وتحركت الثانية، أو كان لها نظير متحرك وجب إبدال الأولى ~~همزة تخفيفا، فمثال النوع الأول " أويصل " ، و " أواصل " ~~تصغير واصل وتكسيره، فإن الأصل: وويصل، وواصل؛ فاجتمع واوان في ~~المثالين ثانيتهما متحركة فوجب إبدال الأولى همزة. ومثال النوع ~~الثاني أولى فإن أصلها وولى، فالثانية ساكنة؛ لكنها قد ~~تتحرك في الجمع في قولك: أول؛ كفضلى وفضل، فإن لم تتحرك ~~ولم تحمل على متحرك، جاز الإبدال كهذه الآية الكريمة. ومثله ~~ووطىء وأوطىء. # وقرأ يحيى بن وثاب " وري " بواو واحدة مضمومة وراء مكسورة، وكأنه ~~من الثلاثي المتعدي، وتحتاج إلى نقل أن وريت كذا بمعنى ~~واريته. # والمواراة: الستر، ومنه قوله - عليه الصلاة والسلام - لما ~~بلغه موت أبي طالب لعلي: " اذهب فواره ". ومنه قول الآخر: [مخلع ~~البسيط] # 2430 - على صدى أسود المواري # في الترب أمسى وفي الصفيح # وقد تقدم تحقيق هذه المادة # والجمهور على قراءة " سوءاتهما " بالجمع من غير نقل، ولا إدغام. # وقرأ مجاهد والحسن " سوتهما " بالإفراد وإبدال الهمز [واوا] ~~وإدغام الواو فيها. # وقرأ الحسن أيضا، وأبو جعفر وشيبة بن نصاح " سواتهما " بالجمع ~~وتشديد الواو بالعمل المتقدم. # وقرأ أيضا " سواتهما " بالجمع أيضا، إلا أنه نقل حركة الهمزة إلى ~~الواو من غير عمل آخر، وكل ذلك ظاهر. فمن قرأ بالجمع فيحتمل ~~وجهين: # أظهرهما: أنه من باب وضع الجمع موضع التثنية كراهية اجتماع ~~تثنيتين، والجمع أخو التثنية فلذلك ناب منابها كقوله: # صغت قلوبكمآ # [التحريم: 4] وقد تقدم تحقيق هذه القاعدة. # ويحتمل أن يكون الجمع هنا على حقيقته؛ لأن لكل واحد منهما ~~قبلا، ودبرا، والسوءات كناية عن ذلك فهي أربع؛ فلذلك جيء ~~بالجمع، ويؤيد الأول قراءة الإفراد فإنه لا تكون [كذلك] إلا ~~والموضع موضع تثنية نحو: " مسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما ~~". # فصل في أن كشف العورة من المحرمات # دلت هذه الآية على أن كشف العورة من المنكرات، وأنه ~~لم يزل مستهجنا ms3865 في الطباع مستقبحا في العقول. # قوله: { ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا ~~أن تكونا ملكين }. # هذا استثناء مفرغ وهو مفعول من أجله فقدره البصريون ~~إلا كراهة أن تكونا، وقدره الكوفيون إلا أن لا تكونا، وقد ~~تقدم مرارا أن قول البصريين أولى؛ لأن إضمار الاسم ~~أحسن من إضمار الحرف. # وقرأ الجمهور " ملكين " بفتح اللام. # وقرأ علي، وابن عباس والحسن، والضحاك، ويحيى بن أبي ~~كثير والزهري وابن حكيم عن ابن كثير " ملكين " بكسرها قالوا: ~~ويؤيد هذه القراءة قوله في موضع آخر: # هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى # [طه: 120] والملك يناسب الملك بالكسر. وأتى بقوله " من ~~الخالدين " ولم يقل " أو تكونا خالدين " مبالغة في ذلك؛ ~~لأن الوصف بالخلود أهم من الملكية أو الملك، فإن قولك: " ~~فلان من الصالحين " أبلغ من قولك صالح، وعليه # وكانت من القانتين # [التحريم: 12] # فصل في بيان قوله ما نهاكما ربكما # هذا الكلام يمكن أن يكون ذكره إبليس مخاطبا لآدم وحواء، ~~ويمكن أن يكون بوسوسة أوقعها في قلبيهما، والأمران مرويان ~~إلا أن الأغلب أنه كان على سبيل المخاطبة بدليل قوله ~~تعالى: # وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين # [الأعراف: 21]. # والمعنى: أن إبليس قال لهما هذا الكلام، وأراد به إن أكلتما تكونا ~~بمنزلة الملائكة، أو تكونا من الخالدين إن أكلتما، فرغبهما بأن ~~أوهمهما أن من أكلها صار كذلك، وأنه تعالى إنما ~~نهاكما عنها لكي لا يكونا بمنزلة الملائكة، ولا يخلدا. # وفي الآية سؤالات: # السؤال الأول: كيف أطمع إبليس آدم أن يكون ملكا عند الأكل ~~من الشجرة مع أنه شاهد الملائكة متواضعين ساجدين له ~~معترفين بفضله؟. # والجواب من وجوه: # أحدها: أن هذا المعنى أحد ما يدل على أن الملائكة الذين سجدوا ~~لآدم هم ملائكة الأرض، أما ملائكة السموات وسكان العرش ~~والكرسي، والملائكة المقربون فما سجدوا لآدم ألبتة. ولو ~~كانوا قد سجدوا له لكان هذا التطميع فاسدا مختلا. # وثانيها: نقل الواحدي عن بعضهم أنه قال: إن آدم علم أن ~~الملائكة لا يموتون إلى يوم القيامة، ولم يعلم ذلك لنفسه فعرض عليه ~~إبليس ms3866 أن يصير مثل الملك في البقاء. وضعف هذا بأنه لو ~~كان المطلوب من الملائكة هو الخلود فحينئذ لا يبقى فرق بين ~~قوله { إلا أن تكونا ملكين } وبين قوله: { إلا أن ~~تكونا من الخالدين }. # وثالثها: قال الواحدي: كان ابن عباس يقرأ " ملكين " بكسر اللام ~~ويقول: ما طمعا في أن يكونا ملكين لكنهما استشرفا إلى أن يكونا ~~ملكين، وإنما أتاهما الملعون من وجهة الملك، ويدل على ~~هذا قوله: # هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى # [طه: 120]، وضعف هذا الجواب من وجهين: # الأول: هب أنه حصل الجواب على هذه القراءة فهل يقول ابن عباس ~~إن تلك القراءة المشهورة باطلة؟ أو لا يقول ذلك؟ والأول باطل، لأن ~~تلك القراءة قراءة متواترة فكيف يمكن الطعن فيها؟ وأما ~~الثاني فعلى هذا التقدير الإشكال باق؛ لأن على تلك القراءة يكون ~~بالتطميع قد وقع في أن يصير بواسطة لذلك الأكل من جملة الملائكة. ~~وحينئذ يعود السؤال. # الوجه الثاني: أنه تعالى جعله مسجود الملائكة، وأذن له في أن يسكن ~~الجنة، وأن يأكل منها رغدا حيث شاء وأراد، [ولا مزيد] في الملك على ~~هذه الدرجة. # السؤال الثاني: هل تدل هذه الآية على أن درجة الملائكة أكمل وأفضل ~~من درجة النبوة؟ # والجواب: أنا إذا قلنا: إن هذه الواقعة كانت قبل النبوة لم ~~يدل على ذلك؛ لأن آدم - عليه الصلاة والسلام - حين طلب ~~الوصول إلى درجة الملائكة ما كان من الأنبياء، وإن كانت هذه ~~الواقعة قد وقعت في زمن النبوة فلعل آدم - عليه الصلاة ~~والسلام - رغب في أن يصير من الملائكة في القدرة والقوة أو في ~~خلقة الذات بأن يصير جوهرا نورانيا، وفي أن يصير من سكان ~~العرش والكرسي، وعلى هذا فلا دلالة في الآية على ذلك. # السؤال الثالث: نقل أن عمرو بن عبيد قال للحسن في قوله: { ~~إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين } ، ~~وفي قوله " وقاسمهما " قال عمرو: قلت للحسن؛ فهل صدقاه في ذلك؟ ~~فقال الحسن: معاذ الله، لو صدقاه لكانا من الكافرين. ووجه ~~السؤال: أنه كيف يلزم ms3867 هذا التكفير بتقدير أن يصدقا إبليس في ذلك ~~القول؟ # والجواب: ذكروا في تقدير ذلك التكفير أنه عليه الصلاة ~~والسلام لو صدق إبليس في الخلود، لكان ذلك يوجب إنكار البعث والقيامة ~~وأنه كفر. # ولقائل أن يقول: لا نسلم أنه يلزم من ذلك التصديق حصول ~~الكفر، وبيانه من وجهين. # الأول: أن لفظ الخلود محمول على طول المكث لا على ~~الدوام، فاندفع ما ذكره. # والثاني: هب أن الخلود مفسر بالدوام إلا أنا لا نسلم ~~أن اعتقاد الدوام يوجب الكفر، وتقريره: أن العلم ~~بأنه تعالى هل يميت هذا المكلف، أو لا يميته؟ علم لا يحصل لا من ~~دليل السمع، فلعله تعالى ما بين في وقت آدم - عليه الصلاة ~~والسلام - أنه يميت الخلق، ولما لم يوجد الدليل ~~السمعي بأن آدم - عليه الصلاة والسلام - لا يجوز له دوام البقاء ~~فلهذا السبب رغب فيه، وعلى هذا التقدير فالسؤال غير لازم. # السؤال الرابع: قد ثبت بما سبق أن آدم وحواء - عليهما ~~السلام - لو صدقا إبليس فيما قال لم يلزم تكفرهما فهل يقولون: ~~إنهما صدقاه فيه قطعا؟ أو لم يحصل القطع، فهل يقولون: ~~إنهما ظنا أن الأمر كما قال، أو ينكرون هذا الظن أيضا. # فالجواب: أن المحققين أنكروا حصول هذا التصديق قطعا وظنا كما ~~نجد أنفسنا عند الشهوة، نقدم على الفعل إذا زين لنا الغير ما ~~نشتهيه، وإن لم نعتقد الأمر كما قال. # السؤال الخامس: قوله: { إلا أن تكونا ملكين أو ~~تكونا من الخالدين } هذا الترغيب، والتطميع وقع ~~بمجموع الأمرين، أو بأحدهما؟ والجواب: قال بعضهم: الترغيب في ~~مجموع الأمرين؛ لأنه أدخل في الترغيب. # وقيل: بل هو على ظاهره على طريق التخيير. ### || [7.21] # قوله: " وقاسمهما " المفاعلة هنا يحتمل أن تكون على بابها فقال ~~الزمخشري: " كأنه قال لهما: أقسم لكما إني لمن ~~الناصحين، وقالا له: أتقسم بالله أنت إنك لمن الناصحين لنا ~~فجعل ذلك مقاسمة بينهم، أو أقسم لهما بالنصيحة، وأقسما له ~~بقبولها، أو أخرج قسم إبليس على وزن المفاعلة؛ لأنه اجتهد ~~فيها اجتهاد المقاسم ". # وقال ابن عطية: " وقاسمهما " أي: حلف ms3868 لهما، وهي مفاعلة إذ ~~قبول المحلوف له، وإقباله على معنى اليمين كالقسم وتقريره: وإن كان ~~بادىء الرأي يعطي أنها من واحد ويحتمل أن " فاعل " بمعنى " أفعل ~~" كباعدته، وأبعدته، وذلك أن قوله الحلف إنما كان من إبليس ~~دونهما، وعليه قول خالد بن زهير: [الطويل] # 2431 - وقاسمها بالله جهدا لأنتم # ألذ من السلوى إذا ما نشورها # قال قتادة: حلف لهما بالله حتى خدعهما، وقد يخدع المؤمن ~~بالله. # { إني لكما لمن الناصحين } أي: قال إبليس: إني حلفت ~~قبلكما، وأنا أعلم أحوالا كثيرة من المصالح والمفاسد، لا ~~تعرفانها، فامتثلا قولي أرشدكما، وإبليس أول من حلف ~~بالله كاذبا، فلما حلف ظن آدم أن أحدا لا يحلف بالله إلا ~~صادقا فاغتر به. # قوله: { لكما لمن الناصحين } يجوز في " لكما " أن تتعلق ~~بما بعده على أن " أل " معرفة لا موصولة، وهذا مذهب أبي عثمان، أو على ~~أنها موصولة، ولكن تسومح في الظرف وعديله ما لا يتسامح في ~~غيرهما اتساعا فيهما لدورانهما في الكلام، وهو رأي بعض ~~البصريين، وأنشد: [الرجز] # 2432 - ربيته حتى إذا تمعددا # كان جزائي بالعصا أن أجلدا # ف " بالعصا " متعلق بأجلدا وهو صلة أن، أو أن ذلك جائز ~~مطلقا، ولو في المفعول به الصريح، وهو رأي الكوفيين وأنشدوا: [الكامل] # 2433 -.................... # وشفاء غيك خابرا أن تسألي # أي: أن تسألي خابرا، أو أنه متعلق بمحذوف على البيان أي: أعني ~~لكما كقولهم: سقيا لك، ورعيا، أو تعلق بمحذوف مدلول عليه ~~بصلة أل أي: إني ناصح لكما، ومثل هذه الآية الكريمة: # إني لعملكم من القالين # [الشعراء: 168]، # وكانوا فيه من الزاهدين # [يوسف: 68]. # وجعل ابن مالك ذلك مطردا في مسألة أل الموصولة إذا كانت مجرورة ب ~~" من ". # ونصح يتعدى لواحد تارة بنفسه، وتارة بحرف الجر، ومثله ~~شكر، وقد تقدم، وكال، ووزن. وهل الأصل التعدي بحرف الجر ~~والتعدي بنفسه، أو كل منهما أصل؟ الراجح الثالث. # وزعم بعضهم أن المفعول في هذه الأفعال محذوف، وأن المجرور ~~باللام هي الثاني، فإذا قلت: نصحت لزيد فالتقدير: نصحت ~~لزيد الرأي، وكذلك شكر له صنيعه وكلت له ms3869 طعامه ووزنت له ~~متاعه فهذا مذهب رابع. # وقال الفراء: " العرب لا تكاد تقول: نصحتك، إنما ~~يقولون نصحت لك وأنصح لك " ، وقد يجوز نصحتك. # قال النابغة: [الطويل] # 2434 - نصحت بني عوف فلم يتقبلوا # رسولي ولم تنجح لديهم رسائلي # وهذا يقوي أن اللام أصل. # والنصح: بذل الجهد في طلب الخير خاصة، وضده الغش. # وأما " نصحت لزيد ثوبه " فمتعد لاثنين، لأحدهما بنفسه ~~وللثاني بحرف الجر باتفاق، وكأن النصح الذي هو بذل الجهد ~~في الخير مأخوذ من أحد معنيين: أما من نصح أي أخلص ومنه: ~~ناصح العسل أي خالصه، فمعنى نصحه: أخلص له الود، وإما من ~~نصحت الجلد والثوب إذا أحكمت خياطتهما، ومنه الناصح ~~للخياط والنصاح للخيط، فمعنى نصحه أي: أحكم رأيه منه. # ويقال: نصحه نصوحا ونصاحة قال تعالى: { توبوا إلى ~~الله توبة نصوحا } [التحريم: 8] بضم النون في قراءة أبي ~~بكر، وقال الشاعر في " نصاحة ": [الطويل] # 2435 - أحببت حبا خالطته نصاحة # ......................... # وذلك كذهوب، وذهاب. ### || [7.22] # " الباء " للحال أي: مصاحبين للغرور، أو مصاحبا للغرور فهي حال: إما ~~من الفاعل، أو من المفعول ويجوز أن تكون الباء سببية أي: دلاهما ~~بسبب أن غرهما. # والغرور: مصدر حذف فاعله ومفعوله، والتقدير: بغروره ~~إياهما وقوله: " فدلاهما " يحتمل أن يكون من التدلية من ~~معنى دلا دلوه في البئر، والمعنى أطمعهما. # قال أبو منصور الأزهري: لهذه الكلمة أصلان: # أحدهما: أن يكون أصله أن الرجل العطشان يدلي رجله في ~~البئر ليأخذ الماء، فلا يجد فيها ماء فوضعت التدلية موضع الطمع ~~فيما لا فائدة فيه، يقال: دلاه: إذا أطمعه. # قال أبو جندب: [الوافر] # 2436 - أحص فلا أجير ومن أجره # فليس كمن تدلى بالغرور # وأن تكون من الدال، والدالة، وهي الجرأة [أي]: فجرأهما ~~قال: [الوافر] # 2437 - أظن الحلم دل علي قومي # وقد يستجهل الرجل الحليم # وعلى الثاني [يكون] الأصل دللهما، فاستثقل توالي ثلاثة أمثال ~~فأبدلت الثالث حرف لين كقولهم: تظنيت في تظننت، وقصيت ~~أظفاري في قصصت. وقال: [الرجز] # 2438 - تقضي البازي إذا البازي كسر # فصل في معنى " فدلاهما بغرور " # قال ابن عباس " فدلاهما بغرور ms3870 " أي غرهما باليمين وكان آدم ~~يظن أن أحدا لا يحلف كاذبا بالله. # وعن ابن عمر أنه كان إذا رأى من عبيده طاعة وحسن صلاة أعتقه ~~فكان عبيده يفعلون ذلك طلبا للعتق فقيل له إنهم يخدعونك ~~فقال: من خدعنا بالله؛ انخدعنا له. # قيل معناه ما زال يخدعه، ويكلمه بزخرف من القول باطل. # وقيل حطهما من منزلة الطاعة إلى حالة المعصية، ولا ~~يكون الدلوى إلا من علو إلى أسفل. # قوله: { فلما ذاقا الشجرة } " الذوق " وجود الطعم ~~بالفم، ويعبر به عن الأكل وقيل: الذوق مس الشيء باللسان، ~~أو بالفم يقال فيه: ذاق يذوق ذوقا مثل صام، يصوم ~~صوما، ونام ينام نوما. # وهذه الآية تدل على أنهما تناولا البر قصدا إلى معرفة طعمه، ولولا ~~أنه تعالى ذكر في آية أخرى أنهما أكلا منها لكان ما في هذه الآية ~~لا يدل على الأكل؛ لأن الذائق قد يكون ذائقا من دون أكل. # قوله: { بدت لهما سوءاتهما } أي ظهرت عورتهما وزال ~~اللباس عنهما. # روي عن ابن عباس أنه قال: قبل أن ازدردا أخذتهما العقوبة وظهرت لهما ~~عورتهما، وتهافت لباسهما حتى أبصر كل واحد منهما ما ووري عنه ~~من عورة صاحبه فكانا لا يريان ذلك. # قوله " وطفقا " طفق من أفعال الشروع كأخذ وجعل، وأنشأ ~~وعلق وهب وانبرى، فهذه تدل على التلبس بأول الفعل، ~~وحكمها حكم أفعال المقاربة من كون خبرها لا يكون إلا مضارعا، ~~ولا يجوز أن يقترن ب " أن " لمنافاتها لها؛ لأنها للشروع وهو حال و " ~~أن " للاستقبال، وقد يقع الخبر جملة اسمية كقوله: [الوافر] # 2439 - وقد جعلت قلوص بني سهيل # من الأكوار مرتعها قريب # وشرطية ك " إذا " كقوله عمر: " فجعل الرجل إذا لم يستطع أن ~~يخرج أرسل رسولا ". # ويقال طفق بفتح الفاء وكسرها، وطبق بالباء الموحدة أيضا، والألف ~~اسمها، و " يخصفان " خبرها. # وقرأ أبو السمال: " وطفقا " بفتح الفاء. وقرأ الزهري: " ~~يخصفان " بضم حرف المضارعة من أخصف وهي تحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون أفعل بمعنى فعل. # والثاني: أن تكون الهمزة للتعدية، والمفعول على هذا ~~محذوف، أي: يخصفان ms3871 أنفسهما، أي: يجعلان أنفسهما ~~خاصفين. # وقرأ الحسن، والأعرج ومجاهد وابن وثاب " يخصفان " بفتح ~~الياء وكسر الخاء، والصاد مشدودة، والأصل يختصفان، فأدغمت ~~التاء في الصاد، ثم أتبعت الخاء للصاد في حركتها، وسيأتي ~~نظير هذه القراءة في " يونس " و " يس " نحو { يهدي } [يونس: 35] و ~~{ يخصمون } [يس: 49]. # وروى محبوب عن الحسن كذلك إلا أنه فتح الخاء، فلم يتبعها ~~للصاد وهي قراءة يعقوب وابن بريدة. # وقرأ عبد الله " يخصفان " بضم الياء والخاء وكسر الصاد ~~مشدودة وهي من " خصف " بالتشديد، إلا أنه أتبع الخاء للياء ~~قبلها في الحركة، وهي قراءة عسرة النطق. # ويدل على أن أصلها من خصف بالتشديد قراءة بعضهم " ~~يخصفان " كذلك، إلا أنه بفتح الخاء على أصلها. # و " الخصف ": الخرز في النعال، وهو وضع طريقة على أخرى ~~وخرزهما، والمخصف: ما يخصف به، وهو الإشفى. # قال رؤبة: [الكامل] # 2440 -..................... # أنفها كالمخصف # والخصفة أيضا: الحلة للتمر، والخصف: الثياب ~~الغليظة، وخصفت الخصفة: نسجتها، والأخصف: الخصيف ~~طعام يبرق، وأصله أن يوضع لبن ونحوه في الخصفة فيتلون ~~بلونها. # وقال العباس يمدح النبي صلى الله عليه وسلم: [المنسرح] # 2441 -... طبت في الظلال وفي # مستودع حيث يخصف الورق # يشير إلى الجنة أي حيث يخرز، ويطابق بعضها فوق بعض. # فصل # قال المفسرون: جعلا يخصفان ويرقعان ويلزقان ويصلان ~~عليهما من ورق الجنة، وهو ورق التين حتى صار كهيئة الثوب. # قال الزجاج: يجعلان ورقة على ورقة ليسترا سوءاتهما. # وروى أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كان آدم طوالا كأنه نخلة سحوق كثير شعر الرأس، فلما ~~وقع بالخطيئة بدت له سوأته، وكان لا يراها فانطلق هاربا في ~~الجنة، فعرضت له شجرة من شجر الجنة فحبسته بشعره فقال لها ~~أرسليني؛ قالت: لست بمرسلتك، فناداه ربه: يا آدم أين ~~تفر قال: لا يا رب، ولكني استحييتك ". # وفي الآية دليل على أن كشف العورة قبيح من لدن آدم، ألا ترى ~~أنهما كيف بادرا إلى الستر، لما تقرر في عقلهما من قبح ~~كشف العورة. # قوله: " عليهما " قال أبو حيان: الأولى أن يعود الضمير في ms3872 " ~~عليهما " على عورتيهما، كأنه قيل: يخصفان على ~~سوأتيهما، وعاد بضمير الاثنين؛ لأن الجمع يراد به اثنان. # ولا يجوز أن يعود الضمير على آدم وحواء؛ لأنه تقرر ~~في علم العربية أنه لا يتعدى من فعل الظاهر والمضمر ~~المتصل إلى الضمير المتصل المنصوب لفظا أو محلا في غير باب " ظن ~~" ، و " قعد " و " عدم " ، و " وجد " لا يجوز زيد ضربه، ولا ~~ضربه زيد، ولا زيد مر به، ولا مر به زيد، فلو جعلنا ~~الضمير في " عليهما " عائدا على آدم وحواء للزم من ذلك ~~تعدي يخصف إلى الضمير المنصوب محلا، وقد رفع الضمير ~~المتصل، وهو الألف في " يخصفان " ، فإن أخذ ذلك على حذف ~~مضاف مراد؛ جاز ذلك، تقديره: يخصفان على بدنيهما. # قال شهاب الدين: ومثل ذلك فيما ذكر # وهزى إليك # [مريم: 25]. # واضمم إليك جناحك # [القصص: 32]. # وقول الشاعر: [المتقارب] # 2442 - هون عليك فإن الأمور # بكف الإله مقاديرها # وقوله: [الطويل] # 2443 - دع عنك نهبا صيح في حجراته # ولكن حديثا ما حديث الرواحل # قوله: " من ورق " يحتمل وجهين: # أن تكون " من " لابتداء الغاية وأن تكون للتبعيض.؟ # و " ناداهما ربهما " لم يصرح هنا باسم المنادى للعلم به. # وقوله: " ألم أنهكما " يجوز أن تكون هذه الجملة ~~التقديرية مفسرة للنداء لا محل لها ويحتمل أن يكون ثم قول ~~محذوف، هي معمولة له أي: فقال: ألم أنهكما. # وقال بعضهم: هذه الجملة في محل نصب بقول مقدر ذلك ~~القول حال تقديره: وناداهما قائلا ذلك. # و " لكما " متعلق ب " عدو " لما فيه من معنى الفعل، ويجوز ~~أن تكون متعلقة بمحذوف على أنها حال من " عدو "؛ لأنها ~~تأخرت لجاز أن تكون وصفا له. # فصل في قوله " ألم أنهكما " # معنى قوله: { ألم أنهكما عن تلكما الشجرة } يعني: عن ~~الأكل منها وأقل لكما: إن الشيطان لكما عدو مبين. # قال ابن عباس: بين العداوة حيث أبى السجود وقال: # لأقعدن لهم صراطك المستقيم # [الأعراف: 16]. ### || [7.23] # قوله: { قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا }: ضررناها ~~بالمعصية، وتقدم تفسيرها في سورة البقرة، وأنها تدل ~~على صدور الذنب منه عليه الصلاة والسلام، إلا ms3873 أنا نقول: ~~هذا الذنب إنما صدر عنه قبل النبوة. # وفي قوله: { قالا ربنا ظلمنا أنفسنا } فائدة: حذف حرف ~~النداء هنا تعظيم المنادى، وتنزيهه. # قال مكي: كثر نداء الرب بحذف " يا " من القرآن، وعلة ذلك ~~أن في حذف " يا " من نداء الرب معنى التعظيم والتنزيه؛ وذلك أن ~~النداء فيه طرف من معنى الأمر؛ لأنك إذا قلت: يا زيد فمعناه: ~~تعال يا زيد أدعوك يا زيد، فحذفت " يا " من نداء الرب ~~ليزول معنى الأمر وينقص، لأن " يا " تؤكده، وتظهر معناه، فكان في ~~حذف " يا " الإجلال، والتعظيم، والتنزيه. # قوله: { وإن لم تغفر } هذا شرط حذف جوابه لدلالة جواب القسم ~~المقدر عليه، فإن قيل: حرف الشرط لام التوطئة للقسم مقدرة ~~كقوله: # وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن # [المائدة: 73] ويدل على ذلك كثرة ورود لام التوطئة قبل ~~أداة الشرط في كلامهم. وتقدم إعراب ما بعد ذلك في البقرة. ### || [7.24] # وهذا خطاب يجب أن يتناول الثلاثة الذين تقدم ذكرهم وهم: آدم، ~~وحواء، وإبليس، فالعداوة ثابتة بين الإنس والجن، لا تزول ~~ألبتة. ### || [7.25] # الكناية عائدة إلى الأرض المذكورة في قوله: # ولكم في الأرض # [الأعراف: 24]. # وقرأ الأخوان وابن ذكوان " تخرجون " هنا، وفي الجاثية [35] { ~~فاليوم لا يخرجون منها } ، وفي الزخرف [11]: و { كذلك ~~تخرجون } ، وفي أول الروم [19]: { وكذلك تخرجون ومن ~~آياته } قرءوا الجميع مبنيا للفاعل، والباقون قرءوه مبنيا ~~للمفعول، وفي أول الروم خلاف عن ابن ذكوان، واحترزنا بأول الروم ~~[25] عن قوله: { إذا أنتم تخرجون } [فإنه قرأ] مبنيا ~~للفاعل. من غير خلاف، ولم يذكر بعضهم موافقة ابن ذكوان للأخوين في ~~الجاثية. والقراءتان واضحتان. ### || [7.26] # في نظم الآية وجهان: # أحدهما: أنه تعالى لما بين أنه أمر آدم وحواء بالهبوط ~~إلى الأرض، وجعل الأرض لهما مستقرا بين بعده أنه تعالى أنزل ~~كل ما يحتاجون إليه في الدنيا، ومن جملة ما يحتاج إليه في الدين ~~والدنيا اللباس. # والثاني: أنه تعالى لما ذكر واقعة آدم في انكشاف العورة، ~~وأنه كان يخصف الورق على عورتيهما، أتبعه بأن بين أنه ~~خلق اللباس للخلق، ليستروا به عورتهم، ونبه ms3874 بتكون الأشياء التي ~~يحصل منها اللباس، فصار كأنه تعالى أنزل اللباس أي: أنزل ~~أسبابه، فعبر بالسبب عن المسبب. # وقيل: معنى " أنزلنا " أي: خلقنا لكم. # وقيل: كل بركات الأرض منسوبة إلى السماء كقوله تعالى: # وأنزلنا الحديد # [الحديد: 25] وإنما يستخرج الحديد من الأرض، وقوله: # وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج # [الزمر: 6]. # وسبب نزول هذه الآية أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة، ويقولون: ~~لا نطوف في ثياب عصينا الله فيها، فكان الرجال يطوفون بالنهار، ~~والنساء بالليل عراة. قال قتادة. # كانت المرأة تطوف، وتضع يدها على فرجها، وتقول: [الرجز] # 2444 - أليوم يبدو بعضه أو كله # وما بدا منه فلا أحله # فأمر الله تعالى بالستر فقال: { قد أنزلنا عليكم ~~لباسا يواري سوءاتكم } يستر عوراتكم، واحدتها سوءة، ~~سميت بها؛ لأنه يسوء صاحبه انكشافها، فلا يطوف عاريا. # قوله: " يواري ": في محل نصب صفة ل " لباسا ". # وقوله: " وريشا " يحتمل أن يكون من باب عطف الصفات، والمعنى: ~~وصف اللباس بشيئين: مواراة السوءة، والزينة، وعبر عنها ~~بالريش لأن الريش زينة للطائر، كما أن اللباس زينة ~~للآدميين، ولذلك قال الزمخشري: " والريش لباس الزنة، ~~استعير من ريش الطير؛ لأنه لباسه وزينته ". # ويحتمل أن يكون من باب عطف الشيء على غيره أي: أنزلنا عليكم ~~لباسين، لباسا موصوفا بالمواراة، ولباسا موصوفا بالزينة، وهذا ~~اختيار الزمخشري، فإنه قال بعد ما حكيته عنه آنفا: " ~~أي: أنزلنا عليكم لباسين، لباسا يواري سوءاتكم، ولباسا ~~يزينكم؛ لأن الزينة غرض صحيح كما قال تعالى: # لتركبوها وزينة # [النحل: 8] # ولكم فيها جمال # [النحل: 6] وعلى هذا، فالكلام في قوة حذف موصوف، وإقامة صفته مقامه، ~~والتقدير: ولباسا ريشا أي: ذا ريش ". # فصل في وجوب ستر العورة # قال القرطبي: استدل كثر من العلماء بهذه الآية على وجوب ستر ~~عوراتهم، وذلك يدل على الأمر بالستر، ولا خلاف في وجوب ستر ~~العورة. # واختلفوا في العورة ما هي؟ فقال ابن أبي ذئب: هي القبل ~~والدبر فقط، وهو قول أهل الظاهر، وابن أبي عبلة ~~والطبري لقوله تعالى: { لباسا يواري سوءاتكم } ، ~~وقوله: # بدت لهما سوءاتهما # [الأعراف: 22]، وقوله: # ليريهما سوءاتهمآ # [الأعراف: 27]. # وفي ms3875 البخاري عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حسر الإزار عن ~~فخذه حتى إني أنظر إلى بياض فخذ نبي الله صلى الله ~~عليه وسلم. # وقال مالك: " ليست السرة بعورة، وأكره له أن يكشف ~~فخذه ". # وقال الشافعي: " ليست السرة ولا الركبتان من العورة على الصحيح ". # وقال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: " كل شيء ~~من الحرة عورة، حتى ظفرها، وهو حسن ". # وعن أحمد بن حنبل: " وعورة الأمة ما بين السرة والركبة ~~وأم الولد أغلظ حالا من الأمة ". # و " الريش " فيه قولان: # أحدهما: أنه اسم لهذا الشيء المعروف. # والثاني: أنه مصدر يقال: راشه يريشه ريشا إذا جعل فيه الريش، ~~فينبغي أن يكون الريش مشتركا بين المصدر والعين، وهذا هو ~~التحقيق. # وقرأ عثمان وابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والسلمي وعلي ~~بن الحسين وابنه زيد، وأبو رجاء، وزر بن حبيش وعاصم، وأبو ~~عمرو - في رواية عنهما -: " ورياشا " ، وفيها تأويلان: # أحدهما - وبه قال الزمخشري -: أنه جمع ريش، فيكون كشعب ~~وشعاب، وذئب وذئاب، وقدح وقداح. # والثاني: أنه مصدر أيضا، فيكون ريش ورياش مصدرين ل " راشه ~~الله ريشا ورياشا " أي: أنعم عليه. # وقال الزجاج: " هما اللباس، فعلى هذا هما اسمان للشيء ~~الملبوس، كما قالوا: لبس ولباس ". # وجوز الفراء أن يكون " رياش " جمع " ريش " ، وأن يكون مصدرا فأخذ ~~الزمخشري بأحد القولين، وغيره بالآخر، وأنشدوا قول الشاعر: ~~[الوافر] # 2445 - وريشي منكم وهواي معكم # وإن كانت زيارتكم لماما # روى ثعلب عن ابن الأعرابي قال: " كل شيء يعيش به الإنسان، من ~~متاع، أو مال، أو مأكول، فهو ريش ورياش " وقال ابن السكيت: " ~~الرياش مختص بالثياب، والأثاث، والريش قد يطلق على سائر ~~الأموال ". # قال ابن عباس ومجاهد والضحاك والسدي: " وريشا يعني مالا، ~~يقال تريش الرجل إذا تمول ". # وقيل: الريش: الجمال كما تقدم أي: ما يتجملون به من الثياب. # وقوله: { ولباس التقوى }. # قرأ نافع وابن عامر والكسائي: " لباس " بالنصب، والباقون ~~بالرفع. فالنصب نسقا على " لباسا " أي: أنزلنا لباسا ~~مواريا وزينة، وأنزلنا أيضا لباس التقوى، وهذا يقوي كون ~~" ريشا ms3876 " صفة ثانية ل " لباسا " الأولى إذ لو أراد أنه صفة ~~لباس ثان لأبرز موصوفه، كما أبرز هذا اللباس المضاف ~~للتقوى. # وأما الرفع فمن خمسة أوجه: # أحدها: أن يكون " لباس " مبتدأ، و " ذلك " مبتدأ ثان و " خير " خبر ~~الثاني، والثاني وخبره خبر الأول، والرابط هنا اسم الإشارة، وهو ~~أحد الروابط الخمسة المتفق عليها، ولنا رابط سادس، فيه خلاف ~~تقدم التنبيه عليه. # وهذا الوجه هو أوجه الأعاريب في هذه الآية الكريمة. # الثاني: أن يكون " لباس " خبر مبتدأ محذوف أي: وهو لباس، وهذا قول ~~أبي إسحاق، وكأن المعنى بهذه الجملة التفسير للباس المتقدم، ~~وعلى هذا، فيكون قوله " ذلك " جملة أخرى من مبتدأ وخبر. # وقدره مكي بأحسن من تقدير الزجاج فقال: " وستر العورة لباس ~~التقوى ". # الثالث: أن يكون " ذلك " فصلا بين المبتدأ وخبره، وهذا قول ~~الحوفي، ولا نعلم أن أحدا من النحاة أجاز ذلك، إلا أن ~~الواحدي قال: [ومن قال] إن ذلك لغو لم يكن على قوله دلالة؛ ~~لأنه يجوز أن يكون على أحد ما ذكرنا. # قال شهاب الدين: فقوله " لغو " هو قريب من القول بالفصل؛ لأن ~~الفصل لا محل له من الإعراب على قول جمهور النحويين من البصريين ~~والكوفيين. # الرابع: أن يكون " لباس " مبتدأ و " ذلك " بدل منه، أو عطف بيان ~~له، أو نعت، و " خير " خبره، وهو معنى قول الزجاج وأبي علي، ~~وأبي بكر بن الأنباري، إلا أن الحوفي قال: وأنا أرى ألا ~~يكون " ذلك " نعتا ل " لباس التقوى "؛ لأن الأسماء المبهمة ~~أعرف ما فيه الألف واللام، وما أضيف إلى الألف واللام، وسبيل ~~النعت أن يكون مساويا للمنعوت، أو أقل منه تعريفا، فإن ~~كان قد تقدم قول أحد به فهو سهو. # قال شهاب الدين: أما القول به فقد قيل كما ذكرته عن ~~الزجاج والفارسي وابن الأنباري، ونص عليه أبو علي في " ~~الحجة " ، أيضا وذكره الواحدي. # وقال ابن عطية: " هو أنبل الأقوال ". # وذكر مكي الاحتمالات الثلاثة: أعني كونه بدلا، أو بيانا، أو ~~نعتا، ولكن ما بحثه الحوفي صحيح من حيث الصناعة،ومن حيث إن ms3877 ~~الصحيح في ترتيب المعارف ما ذكر من كون الإشارات أعرف من ذي الأداة؛ ~~ولكن قد يقال: القائل بكونه نعتا لا يجعله أعرف من ذي الألف ~~واللام. # الخامس: جوز أبو البقاء أن يكون " لباس " مبتدأ، وخبره محذوف أي: ~~ولباس التقوى ساتر عوراتكم وهذا تقدير لا حاجة إليه. # وإسناد الإنزال إلى اللباس: إما لأن " أنزل " بمعنى " ~~خلق " كقوله: # وأنزلنا الحديد # [الحديد: 25] # وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج # [الزمر: 6]، وإما على ما يسميه أهل العلم التدريج، وذلك أنه ~~ينزل أسبابه، وهي الماء الذي هو سبب في نبات القطن ~~والكتان، والمرعى الذي تأكله البهائم ذوات الصوف ~~والشعر، والوبر التي يتخذ منها الملابس؛ ونحوه قول الشاعر: ~~[الرجز] # 2446 - أقبل في المستن من سحابه # أسنمة الآبال في ربابه # فجعله جائيا للأسنمة التي للإبل مجازا لما كان سببا في تربيتها، ~~وقريب منه قول الآخر: [الوافر] # 2447 - إذا نزل السماء بأرض قوم # رعيناه وإن كانوا غضابا # وقال الزمخشري: جعل ما في الأرض منزلا من السماء؛ لأنه ~~قضي ثم وكتب، ومنه # وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج # [الزمر: 6]. # وقال ابن عطية: " وأيضا فخلق الله وأفعاله، إنما هي من علو ~~في القدر والمنزلة " ، وقد تقدم الكلام عليه أول الآية. # وفي قراءة عبد الله وأبي { ولباس التقوى خير } بإسقاط " ذلك ~~" وهي مقوية للقول بالفصل والبدل وعطف البيان. # وقرأ النحوي: " ولبوس " بالواو ورفع السين. فأما الرفع ~~فعلى ما تقدم في " لباس " ، وأما " لبوس " فلم يعينوها: هل هي ~~بفتح اللام فيكون مثل قوله تعالى: # وعلمناه صنعة لبوس لكم # [الأنبياء: 80]؟ أو بضم اللام على أنه جمع؟ وهو مشكل، وأكثر ما ~~يتخيل له أن يكون جمع لبس بكسر اللام بمعنى ملبوس. # قوله: { ذلك من آيات الله } مبتدأ وخبر، والإشارة به إلى ~~جميع ما تقدم من إنزال اللباس والريش ولباس التقوى. # وقيل: بل هو إشارة لأقرب مذكور، وهو لباس التقوى فقط. # فصل في المراد ب " لباس التقوى " # اختلفوا في لباس التقوى، فقيل: هو نفس الملبوس، وقيل: غيره. ~~وأما الأول ففيه وجوه: # أحدها: هو اللباس المواري للسوءة، ms3878 وإنما أعاده الله ~~لأجل أن يخبر عنه بأنه خير؛ لأن أهل الجاهلية كانوا ~~يتعبدون بالعري في الطواف بالبيت، فجرى هذا التكرير مجرى ~~قول القائل: " قد عرفتك الصدق في أبواب البر، والصدق خير ~~لك من غيره " ، فيعيد ذكر الصدق ليخبر عنه بذلك المعنى. # وثانيها: لباس التقوى هو الدروع والجواشن والمغافر، وما ~~يتقى به في الحروب. # وثاليها: لباس التقوى ما يلبس لأجل إقامة الصلاة. # ورابعها: هو الصوف والثياب الخشنة التي يلبسها أهل الورع. # وأما القول الثاني، فيحمل لباس التقوى على المجاز. # وقال قتادة والسدي وابن جريج: هو الإيمان. # وقال ابن عباس: هو العمل الصالح. # وقال عثمان بن عفان والكلبي: السمت الحسن. # وقال الكلبي: العفاف والتوحيد؛ لأن المؤمن لا تبدو عورته ~~وإن كان عاريا من الثياب، والفاجر لا تزال عورته مكشوفة وإن ~~كان كاسيا. # وقال عروة بن الزبير: هو خشية الذم. # وقال الحسن وسعيد: هو الحياء؛ لأنه يبعث على التقوى. # وإنما حمل لفظ اللباس على هذه المجازات؛ لأن اللباس الذي يفيد ~~التقوى ليس إلا هذه الأشياء. # وقوله: " ذلك خير " قال أبو علي الفارسي: معناه: ولباس ~~التقوى خير لصاحبه إذا أخذ به، وأقرب إلى الله تعالى مما خلق من ~~اللباس والرياش الذي يتجمل به. وأضيف اللباس إلى ~~التقوى، كما أضيف إلى الجوع في قوله: # فأذاقها الله لباس الجوع # [النحل: 112]. # وقوله: { ذلك من آيات الله } أي: الدالة على فضله ورحمته ~~على عباده، لعلهم يذكرون النعمة. ### || [7.27] # اعلم أن المقصود من ذكر قصص الأنبياء - عليهم الصلاة ~~والسلام - حصول العبرة لمن يسمعها، فالله - تعالى - لما ~~ذكر قصة آدم، وبين فيها شدة عداوة الشيطان { كمآ أخرج ~~أبويكم من الجنة } ، وذلك لأن الشيطان لما بلغ بكيده، ~~ولطف وسوسته إلى أن قدر على إلقاء آدم في الزلة الموجبة لإخراجه ~~من الجنة فبأن يقدر على أمثال هذه المضار في حق بني آدم أولى. # فقوله: " لا يفتننكم " هو نهي للشيطان في الصورة، ~~والمراد نهي المخاطبين عن متابعته والإصغاء إليه، والمعنى: لا ~~يصرفنكم الشيطان عن الدين كما فتن أبويكم في الإخراج من ~~الجنة، ms3879 وقد تقدم معنى ذلك في قوله: # فلا يكن في صدرك حرج # [الأعراف: 2]. # وقرأ ابن وثاب وإبراهيم: " لا يفتننكم " [بضم] حرف ~~المضارعة من أفتنه بمعنى حمله على الفتنة. # وقرأ زيد بن علي: " لا يفتنكم " بغير نون توكيد. # قوله: " كما أخرج ": نعت لمصدر محذوف أي: لا يفتننكم فتنة مثل ~~فتنة إخراج أبويكم. ويجوز أن يكون التقدير: لا يخرجنكم ~~بفتنته إخراجا مثل إخراج أبويكم. # و " أبويكم " واحده أب للمذكر، وأبة للمؤنث، فعلى هذا قيل " ~~أبوان ". # فصل في دحض شبهة من نسب المعاصي إلى الله # قال الكعبي: هذه حجة على من نسب المعاصي إلى الله تعالى؛ ~~لأنه تعالى نسب خروج آدم وحواء، وسائر وجوه المعاصي إلى ~~الشيطان، وذلك يدل على أنه تعالى [بريء عنها، فيقال له: لم ~~قلتم أن كون هذا العمل منسوبا إلى الشيطان يمنع من كونه ~~منسوبا إلى الله تعالى؟] ولم لا يجوز أن يقال إنه تعالى لما خلق ~~القدرة والداعية الموجبتين لذلك العمل كان منسوبا إلى الله؟ ولما ~~أجرى عادته بأنه يخلق تلك الداعية بعد تزيين الشيطان وتحسينه تلك ~~الأعمال، عند ذلك الكافر، كان منسوبا إلى الشيطان؟ # فصل في إخراج آدم من الجنة عقوبة له # ظاهر الآية يدل على أنه تعالى إنما أخرج آدم وحواء من ~~الجنة، عقوبة لهما على تلك الزلة، وظاهر قوله تعالى: # إني جاعل في الأرض خليفة # [البقرة: 30] يدل على أنه تعالى خلقهما لخلافة الأرض، ~~فأنزلهما من الجنة إلى الأرض لهذا المقصود، فكيف الجمع بين ~~الوجهين؟ # وجوابه: ربما قيل حصل بمجموع الأمرين، وأنه خلقه ليجعله خليفة ~~في الأرض، وجعل سبب نزوله إلى الأرض وإخراجه من الجنة هي الزلة. # قوله: " ينزع " جملة في محل نصب على الحال، وفي صاحبها ~~احتمالان: # أحدهما: أنه الضمير في " أخرج " العائد على الشيطان، ~~وأضاف نزع اللباس إلى الشيطان، وإن لم يباشر ذلك؛ لأنه كان ~~بسبب منه، فأسند إليه كما تقول: " أنت فعلت هذا " لمن حصل ذلك الفعل ~~بسبب منه. # والثاني: أنه حال من أبويكم، وجاز الوجهان؛ لأن المعنى ~~يصح على كل من التقديرين، والصناعة ms3880 مساعدة لذلك، فإن ~~الجملة مشتملة على ضمير الأبوين، وعلى ضمير الشيطان. # قال أبو حيان: فلو كان بدل " ينزع " نازعا تعين الأول؛ ~~لأنه إذ ذاك لو جوز الثاني لكان وصفا جرى على غير من هو له، فكان ~~يجب إبراز الضمير، وذلك على مذهب البصريين. # قال شهاب الدين: يعني أنه يفرق بين الاسم والفعل، إذا جريا ~~على غير ما هما له في المعنى، فإن كان اسما كان مذهب ~~البصريين ما ذكر، وإن كان فعلا لم يحتج إلى ذلك، وقد تقدم ~~الكلام على هذه المسألة، وأن ابن مالك سوى بينهما، وأن ~~مكيا له فيها كلام مشكل. # وجيء بلفظ " ينزع " مضارعا على أنه حكاية حال كأنها قد ~~وقعت وانقضت. # والنزع: الجذب للشيء بقوة عن مقره، ومنه: # تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر # [القمر: 20]. # ومنه نزع القوس وتستعمل في الأعراض، ومنه نزع العداوة والمحبة ~~من القلب، ونزع فلان كذا سلبه، ومنه # والنازعات غرقا # [النازعات: 1] لأنها تقلع أرواح الكفرة بشدة، ومنه ~~المنازعة وهي المخاصمة. # والنزع عن الشيء كف عنه، والنزع: الاشتياق الشديد، ~~ومنه نزع إلى وطنه ونزع إلى مذهب كذا نزعة، وأنزع ~~القوم: نزعت إبلهم إلى مواطنها، ورجل أنزع أي:زال شعره، ~~والنزعتان بياض يكتنف الناصية، والنزعة أيضا الموضع من رأس ~~الأنزع، ولا يقال: امرأة نزعاء إذا كان بها ذلك، بل يقال ~~لها: زعراء، وبئر نزوع: أي قريبة القعر لأنها ينزع منها ~~باليد. # فصل في معنى " اللباس " # اختلفوا في اللباس الذي نزع عنهما، فقيل: النور، وقيل: التقى. # وقيل: ثياب الجنة، وهذا أقرب؛ لأن إطلاق اللباس يقتضيه، ~~والمقصود، تأكيد التحذير لبني آدم. # واللام في قوله: " ليريهما سوءاتهمآ " لام العاقبة كما ~~ذكرنا في قوله: " ليبدي لهما ". # وقال ابن عباس: يرى آدم سوءة حواء، وترى حواء سوءاة ~~آدم. # قوله: { إنه يراكم هو وقبيله } وهو تأكيد للضمير ~~المتصل ليسوغ العطف عليه، كذا عبارة بعضهم. # قال الواحدي: أعاد الكناية ليحسن العطف كقوله: [ # اسكن أنت وزوجك الجنة # [البقرة: 35]. # قال شهاب الدين: ولا حاجة إلى التأكيد في مثل هذه الصورة] ~~لصحة العطف إذ الفاصل ms3881 هنا موجود، وهو كاف في صحة العطف، فليس ~~نظير { اسكن أنت وزوجك }. وقد تقدم بحث في { اسكن أنت ~~وزوجك } ، وهو أنه ليس من باب العطف على الضمير لمانع ~~ذكر ثم. # و " قبيله " المشهور قراءته بالرفع نسقا على الضمير ~~المستتر، ويجوز أن يكون نسقا على اسم " إن " على الموضع عند ~~من يجيز ذلك، ولا سيما عند من يقول: يجوز ذلك بعد الخبر ~~بإجماع. # ويجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر فتحصل في رفعه ثلاثة أوجه. # وقرأ اليزيدي " وقبيله " نصبا، وفيها تخريجان. # أحدهما: أنه منصوب نسقا على اسم " إن " لفظا إن قلنا: إن ~~الضمير عائد على " الشيطان " ، وهو الظاهر. # والثاني: أنه مفعول معه أي: يراكم مصاحبا لقبيله. # والضمير في " إنه " فيه وجهان: # الظاهر منهما كما تقدم أنه للشيطان. # والثاني: أن يكون ضمير الشأن، وبه قال الزمخشري، ولا حاجة ~~تدعو إلى ذلك. # والقبيل: الجماعة يكونون من ثلاثة فصاعدا من جماعة شتى، ~~قاله أبو عبيد وجمعه قبل، والقبيلة: الجماعة من أب واحد، فليست ~~القبيلة تأنيث القبيل لهذه المغايرة. # وقال ابن قتيبة: قبيله: أصحابه وجنده، وقال: " هو وقبيله " أي ~~هو ومن خلق من قبله. # قال القرطبي: قبيله: جنوده. # وقال مجاهد: يعني الجن والشياطين. # وقال ابن زيد: نسله، وقيل: خيله. # قوله: { من حيث لا ترونهم } " من " لابتداء غاية الرؤية و ~~" حيث " ظرف لمكان انتفاء الرؤية، و " لا ترونهم " في محل ~~خفض بإضافة الظرف إليه، هذا هو الظاهر في إعراب هذه الآية. # ونقل عن أبي إسحاق كلام مشكل، نذكره لئلا يتوهم صحته من ~~رآه. # قال أبو إسحاق: ما بعد " حيث " صلة لها؛ وليست بمضافة إليه. # قال الفارسي: هذا غير مستقيم، ولا يصح أن يكون ما بعد " حيث " ~~صلة لها؛ لأنه إذا كان صلة لها؛ وجب أن يكون للموصول فيه ذكر، كما أن ~~سائر صلاة الموصول ذكرا للموصول، فخلو الجملة التي بعد " ~~حيث " من ضمير يعود على حيث دليل على أنها ليست صلة ل " حيث " ~~، وإذا لم تكن صلة؛ كانت مضافة. # فإن قيل: نقدر العائد في هذا كما نقدر ms3882 [العائد] في الموصولات، ~~فإذا قلت: " رأيتك حيث زيد قائم " كان التقدير: حيث قائمه ولو ~~قلت: " رأيتك حيث قام زيد " كان التقدير: حيث قام زيد فيه، ثم ~~اتسع في الحرف فحذف، واتصل الضمير فحذف، كما يحذف في قولك: زيد ~~الذي ضربت أي الذي ضربته. # فالجواب: لو أريد ذلك لجاز استعمال هذا الأصل فتركهم لهذا الاستعمال ~~دليل على أنه ليس أصلا له. # قال شهاب الدين: أما أبو إسحاق لم يعتقد كونها موصولة بمعنى " ~~الذي " ، لا يقول بذلك أحد، وإنما يزعم أنها ليست مضافة ~~للجملة بعدها، فصارت كالصلة لها أي: كالزيادة، وهو كلام ~~متهافت، فالرد عليه من هذه الحيثية لا من حيثية اعتقاده ~~لكونها موصولة. # ويحتمل أن يكون مراده أن الجملة لما كانت من تمام معناها بمعنى ~~أنها مفتقرة إليها كافتقار الموصول لصلته أطلق عليها هذه ~~العبارة. # ويدل على ذلك أن مكيا ذكر في علة بنائها فقال: " ولأن ما بعدها ~~من تمامها كالصلة والموصول " إلا أنه يرى أنها مضافة لما ~~بعدها. # وقرىء { من حيث لا ترونه } بالإفراد، وذلك يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون الضمير عائدا على الشيطان وحده دون ~~قبيله لأنه هو رأسهم، وهم تبع له، ولأنه المنهي عند أول ~~الكلام. # والثاني: أن يعود عليه وعلى قبيله، ووحد الضمير إجراء له مجرى ~~اسم الإشارة في قوله تعالى: # عوان بين ذلك # [البقرة: 68]. # ونظير هذه القراءة قول رؤبة: [الرجز] # 2448 - فيها خطوط من سواد وبلق # كأنه في الجلد توليع البهق # وقد تقدم هذا البيت بحكايته معه في البقرة. # فصل في المراد بالآية # معنى الآية: أن الشيطان يراكم يا بني آدم هو وقبيله ~~وجنوده، وقال ابن عباس: " هو وولده ". # وقال قتادة: " قبيله الجن والشياطين من حيث لا ترونهم ". # قال مالك بن دينار: إن عدوا يراك ولا تراه لشديد الموتة إلا من ~~عصم الله. # فصل في بيان رؤية الجن الإنس # قال أهل السنة: إنهم يرون الإنس؛ لأنه تعالى خلق في عيونهم ~~إدراكا، والإنس لا يرونهم؛ لأنه تعالى لم يخلق هذه الإدراك في عيون ~~الإنس. # وقالت المعتزلة: الوجه ms3883 في أن الإنس لا يرون الجن لرقة ~~أجسام الجن، ولطافتها، والوجه في رؤية الجن الإنس كثافة أجسام ~~الإنس، والوجه في أن يرى بعض الجن بعضا أن الله تعالى يقوي شعاع ~~أبصار الجن ويزيد فيه، ولو زاد تعالى في قوة أبصارنا على ~~هذه الحالة لرأيناهم وعلى هذا كون الإنس مبصرا للجن موقوف عند ~~المعتزلة إما على زيادة كثافة أجسام الجن أو على زيادة قوة ~~أبصار الإنس. # وقوله { من حيث لا ترونهم } يدل على أن الإنس لا يرون ~~الجن لأن قوله { من حيث لا ترونهم } يتناول أوقات الاستقبال ~~من غير تخصيص. # فصل في تغير الجن في صور مختلفة # قال بعض العلماء: لو قدر الجن على تغيير صور أنفسهم بأي صورة ~~شاءوا وأرادوا؛ لوجب أن ترتفع الثقة عن معرفة الناس فلعل ~~هذا الذي أشاهده، وأحكم عيه بأنه ولدي، أو زوجتي جني صور نفسه بصورة ~~ولدي أو زوجتي وعلى هذا التقدير فيرتفع الوثوق عن معرفة الأشخاص، ~~وأيضا، ولو كانوا قادرين على تخبيط الناس وإزالة عقولهم عنهم مع ~~أنه تعالى بين العداوة الشديدة بينهم وبين الإنس، فلم لا ~~يفعلون ذلك في حق البشر؛ وفي حق العلماء والأفاضل والزهاد؟ لأن هذه ~~العداوة بينهم وبين العلماء والزهاد أكثر وأقوى، ولما لم يوجد شيء من ~~ذلك ثبت أنه لا قدرة لهم على البشر بوجه من الوجوه، ويؤكد ~~ذلك قوله # وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي # [إبراهيم: 22]. # قال مجاهد: قال إبليس: أعطينا أربعا: نرى ولا نرى، ونخرج من ~~تحت الثرى ويعود شيخنا فتى. # قوله { إنا جعلنا الشياطين أوليآء للذين لا ~~يؤمنون }. # يحتمل أن يكون " جعل " بمعنى " صير " ، أي: صيرنا الشياطين ~~أولياء. # وقال الزهراوي " جعل " هنا بمعنى " وصف " وهذا لا يعرف في جعل ~~وكأنه فرارا من إسناد جعل الشياطين أولياء لغير المؤمنين إلى الله ~~تعالى وكأنها نزعة اعتزالية. # و " للذين " متعلقة ب " أولياء "؛ لأنه في معنى الفعل، ويجوز ~~أن يتعلق بمحذوف؛ لأنه صفة ل " أولياء ". # فصل في المراد ب " أولياء " # معنى " أولياء " أي: أعوانا وقرناء ms3884 للذين لا يؤمنون. # قال الزجاج: سلطناهم عليهم يزيدون في غيهم كقولهم # أنآ أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم ~~أزا # [مريم: 83] واحتج أهل السنة بهذا النص على أنه تعالى هو الذي سلط ~~الشيطان عليهم حتى أضلهم واغواهم. # وقالت المعتزلة: معنى قوله: { إنا جعلنا الشياطين ~~أوليآء للذين لا يؤمنون } هو أنا حكمنا بأن ~~الشيطان ولي لمن لا يؤمن، قالوا: ومعنى قوله: # أنآ أرسلنا الشياطين على الكافرين # [مريم: 83] هو أنا خلينا بينهم وبينهم كما يقال لمن لا يربط الكلب في ~~داره ولا يمنعه من الوثوب على الداخل أنه أرسل عليهم كلبه. # والجواب أن القائل إذا قال: إن فلانا جعل هذا ثوبا أبيض أو أسود، ~~لم يفهم منه أنه حكم به بل يفهم منه أنه حصل السواد أو البياض فيه، ~~فكذلك هاهنا وجب حمل الجعل على التأثير والتحصيل لا على مجرد الحكم ~~وأيضا فهب أنه تعالى حكم بذلك لكن مخالفة حكم الله توجب ~~كونه كاذبا وهو محال، والمفضي إلى المحال محال، فكون ~~العبد قادرا على خلاف ذلك؛ وجب أن يكون محالا وأما قولهم إن قوله ~~تعالى # أنآ أرسلنا الشياطين على الكافرين # [مريم: 83] أي خلينا بينهم وبين الكافرين، فهو ضعيف؛ ألا ترى أن أهل ~~السوق يؤذي بعضهم بعضا، ويشتم بعضهم بعضا ثم إن زيدا وعمرا ~~إذا لم يمنع بعضهم عن بعض لا يقال إنه أرسل بعضهم على البعض، بل ~~لفظ الإرسال إنما يصدق إذا كان تسلط بعضهم على البعض بسبب من جهته ~~فكذا هاهنا. ### || [7.28] # هذه الجملة الشرطية لا محل لها من الإعراب؛ لأنها استئنافية ~~وهو الظاهر وجوز ابن عطية أن تكون داخلة في حيز ~~الصلة لعطفها عليها. # قال ابن عطية ليقع التوبيخ بصفة قوم قد فعلوا أمثالا للمؤمنين ~~إذا شبه فعلهم فعل الممثل بهم. # قوله: " وجدنا " يحتمل أن يكون العلمية أي علمنا طريقهم أنها هذه، ~~ويحتمل أن يكون بمعنى: لقينا، فيكون مفعولا ثانيا على الأول وحالا ~~على الثاني. # فصل في المراد من الآية. # قوله { وإذا فعلوا فاحشة } قال ابن عباس، ومجاهد: هي ~~طوافهم بالبيت عراة. ms3885 # وقال عطاء: الشرك. # وقيل: ما كانوا يحرمونه من البحيرة والسائبة وغيرها، وهو اسم ~~لكل فعل قبيح بلغ النهاية في القبح، فالأولى أن يحكم بالتعميم، ~~وفيه إضمار معناه: وإذا فعلوا فاحشة فنهوا عنها قالوا: وجدنا ~~عليها آباءنا. # قيل: ومن أين أخذ آباؤكم؟ قالوا: الله أمرنا بها. # واعلم أنه ليس المراد أن القوم كانوا يعتقدون أن تلك الأفعال ~~فواحش ثم يزعمون أن الله أمرهم بها، فإن ذلك لا يقوله عاقل، بل ~~المراد أن تلك الأشياء في أنفسها فواحش، والقوم كانوا يعتقدون أنها ~~طاعات والله أمرهم بها ثم إنه تعالى حكى عنهم أنهم كانوا يحتجون ~~على إقدامهم على تلك الفواحش بأمرين. # أحدهما: { وجدنا عليهآ آباءنا }. # والثاني: { والله أمرنا بها }. # فأما الحجة الأولى فما ذكر الله عنها جوابا لأنها محض ~~التقليد، وهو طريقة فاسدة في عقل كل أحد؛ لأن التقليد حاصل في ~~الأديان المتناقضة فلو كان التقليد حقا للزم الحكم بأن كل ~~من المتناقضين حقا وذلك باطل، ولما كان فساد هذا الطريق ظاهرا ~~جليا لم يذكر الجواب عنه. # وأما الحجة الثانية وهي قولهم: { والله أمرنا بها } ~~فقد أجاب الله عنها بقوله: { قل إن الله لا يأمر ~~بالفحشآء } والمعنى أنه لما بين على لسان الأنبياء ~~والرسل كون هذه الأفعال منكرة قبيحة، فكيف يمكن القول بأن الله ~~تعالى أمرنا بها. # وقوله: { إن الله لا يأمر بالفحشآء } حذف المفعول ~~الأول للعلم به أي لا يأمر أحدا أو لا يأمركم يا مدعين ذلك. # فصل # قالت المعتزلة: قوله { إن الله لا يأمر بالفحشآء } ~~إشارة إلى أنه لما كان موصوفا في نفسه بكونه من الفحشاء؛ امتنع أن ~~يأمر الله به، وهذا يقتضي أن يكون كونه في نفسه فحشا مغايرا لتعلق ~~الأمر والنهي به. # والجواب: لما ثبت بالاستقراء أنه تعالى لا يأمر إلا بما يكون ~~مصلحة للعباد ولا ينهى إلا عما يكون مفسدة لهم، فقد صح هذا ~~التعليل. # قوله: { أتقولون على الله ما لا تعلمون } والمعنى أن ~~قولكم: إن الله أمركم بهذه الأفعال إما لأنكم سمعتم كلام ~~الله تعالى ابتداء من ms3886 غير واسطة، أو عرفتم ذلك بطريق الوحي عن ~~الأنبياء. # أما الأول: فباطل بالضرورة. # وأما الثاني: فباطل على قولكم لأنكم تنكرون نبوة الأنبياء على ~~الإطلاق لأن هذه المناظرة مع كفار قريش، وهم كانوا منكرين أصل ~~النبوة، وإذا كان كذلك، فلا طريق لهم إلى تحصيل العلم بأحكام ~~الله تعالى، فكان قولهم: إن الله أمرنا بها قولا على الله بما لا ~~يعلمون، وإنه باطل. # قوله: { ما لا تعلمون } مفعول به، وهذا مفرد في قوة الجملة؛ ~~لأن ما لا يعلمون مما يتقولونه على الله - تعالى - كلام كثير من ~~قولهم: { والله أمرنا بها } كتبحير البحائر وتسييب السوائب، ~~وطوافهم بالبيت عراة إلى غير ذلك وكذلك حذف المفعول من قوله: # أمر ربي بالقسط # [الأعراف: 29]. # فصل في دحض شبهة لنفاة القياس # استدل بهذه الآية نفاة القياس؛ لأن الحكم المثبت بالقياس مظنون غير ~~معلوم وما لا يكون معلوما لم يجز القول به لقوله تعالى في معرض ~~الذم: { أتقولون على الله ما لا تعلمون } وقد ~~تقدم جواب عن مثل هذه الدلالة. ### || [7.29] # قال ابن عباس: أمر ربي ب " لا إله إلا الله " لقوله تعالى: # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة # [آل عمران: 18] إلى قوله: # قآئما بالقسط # [آل عمران: 18]. # وقال الضحاك: هو بالتوحيد. # وقال مجاهد: والسدي: بالعدل. # قوله: " وأقيموا " فيه وجهان: # أظهرهما: أنه معطوف على الأمر المقدر أي الذي ينحل إليه ~~المصدر، وهو " بالقسط " وذلك أن القسط مصدر فهو ينحل لحرف مصدري، ~~وفعل، فالتقدير: قل: أمر ربي بأن أقسطوا وأقيموا، وكما أن المصدر ~~ينحل إلى " أن والفعل الماضي " نحو: عجبت من قيام زيد وخرج، ~~أي: من أن قام، وخرج ول " أن " وللفعل المضارع كقولها: [الوافر] # 2449 - للبس عباءة وتقر عيني # ......................... # أي: لأن ألبس عباءة وتقر، كذلك ينحل ل " أن " وفعل أمر؛ لأنها ~~توصل بالثلاث الصيغ: الماضي والمضارع والأمر بشرط التصرف، وقد ~~تقدم تحقيق هذه المسألة وإشكالها وجوابه. # وهذا بخلاف " ما " فإنها لا توصل بالأمر، وبخلاف " كي " ~~فإنها لا توصل إلا بالمضارع، فلذلك لا ينحل المصدر إلى " ما " ~~وفعل أمر، ms3887 ولا إلى " كي " وفعل ماضي أو مضارع. # وقال الزمخشري: وقل أقيموا وجوهكم أي: اقصدوا عبادته، وهذا من ~~الزمخشري يحتمل تأويلين: # أحدهما: أن يكون قوله " قل " أراد أنه مقدر غير هذا الملفوظ به فيكون " ~~وأقيموا " معمولا لقول أمر مقدر، وأن يكون معطوفا على قوله: " أمر ~~ربي " فإنه معمول ل " قل " وإنما أظهر الزمخشري " قل " مع ~~أقيموا لتحقيق عطفيته على " أمر ربي ". # ويجوز أن يكون قوله " وأقيموا " معطوفا على أمر محذوف تقديره قل: ~~أقبلوا وأقيموا. # وقال الجرجاني صاحب " النظم ": نسق الأمر على الجر وجاز ذلك؛ ~~لأن قوله { قل أمر ربي } قول لأن الأمر لا يكون إلا ~~كلاما، والكلام قول، وكأنه قال: قل: يقول ربي: أقسطوا وأقيموا، يعني ~~أنه عطف على المعنى. # و " مسجد " هنا يحتمل أن يكون مكانا وزمانا. # قال الزمخشري: في وقت كل سجود، وفي مكان كل سجود، ~~وكان من حق " مسجد " بفتح العين لضمها في المضارع، وله في هذا الشذوذ ~~أخوات كثيرة مذكورة في التصريف. # فصل في المراد ب " أقيموا وجوهكم " # قال مجاهد والسدي: معنى { وأقيموا وجوهكم عند كل ~~مسجد } وجهوا حيث ما كنتم في الصلاة إلى الكعبة. # وقال ابن عباس والضحاك: إذا حضرت الصلاة، وأنتم عند مسجد ~~فصلوا فيه ولا يقولن أحدكم أصلي في مسجدي. # وقيل: معناه: اجعلوا سجودكم لله خالصا، والسبب في ذكر هذين ~~القولين أن إقامة الوجه في العبادة قد تكون باستقبال القبلة، وقد ~~تكون بالإخلاص في تلك العبادة. # والأقرب هو الأول؛ لأن الإخلاص مذكور بعده، فلو حملناه على معنى ~~الإخلاص صار كأنه قال: وأخلصوا عند كل مسجد وادعوه مخلصين، ~~وذلك لا يستقيم. فإن قيل يستقيم ذلك إذا علقت الإخلاص بالدعاء فقط. # فالجواب لما أمكن رجوعه إليهما جميعا لم يجز قصرهما على أحدهما ~~خصوصا مع قوله: { مخلصين له الدين } فعم كل ما يسمى دينا، ~~وإذا ثبت هذا فاختلفوا في قوله: { عند كل مسجد } هل المراد منه ~~زمان الصلاة أو مكانها على ما تقدم؟ # قوله: " مخلصين " حال من فاعل " ادعوه " ، و " الدين " مفعول ~~به باسم الفاعل وله متعلق ms3888 ب " مخلصين " ويجوز أن يتعلق بمحذوف على ~~أنه حال من " الدين " ، والمراد اعبدوه مخلصين له الطاعة. # " والعبادة " قال ابن الخطيب: المراد به أعمال الصلاة، وسماها ~~دعاء لأن الصلاة في اللغة عبارة عن الدعاء، ونظيره قوله # ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين # [البينة: 5]. # قوله: { كما بدأكم } " الكاف " في محل نصب نعتا لمصدر ~~محذوف تقديره: تعودون عودا مثل ما بدأكم. # وقيل: تقديره: تخرجون خروجا مثل ما بدأكم ذكرهما مكي، ~~والأول أليق بلفظ الآية الكريمة. # وقال ابن الأنباري: موضع " الكاف " في " كما " نصب ب " تعودون ~~" وهو على مذهب العرب في تقديم مفعول الفعل عليه أي: تعودون كما ابتدأ ~~خلقكم. # قال الفارسي: كما بدأكم تعودون ليس على ظاهره إذ ظاهره تعودون ~~على البدء، وليس المعنى تشبيههم بالبدء، إنما المعنى على ~~إعادة الخلق كما ابتدىء، فتقدير { كما بدأكم تعودون }: كما ~~بدأ خلقكم أي: يحيي خلقكم عودا كبدئه، وكما أنه لم يعن بالبدء ~~ظاهره من غير حذف المضاف إليه، كذلك لم يعن بالعود من غير حذف ~~المضاف الذي هو [ " الخلق " فلما حذف قام المضاف إليه مقام ~~الفاعل، فصار الفاعلون مخاطبين. كما أنه لما حذف المضاف] من قوله: ~~" كما بدأ خلقكم " صار المخاطبون مفعولين في اللفظ قال شهاب الدين: يعني ~~أن الأصل كما بدأ خلقكم يعود خلقكم، فحذف " الخلق " في الموضعين ~~وصار المخاطبون في الأول مفعولين بعد أن كانوا مجرورين بالإضافة ~~أيضا وفي الثاني صاروا فاعلين بعد أن كانوا مجرورين بالإضافة. و " ~~بدأ " بالهمز أنشأ واخترع، ويستعمل بهذا المعنى ثلاثيا ورباعيا على " ~~أفعل " فالثلاثي كهذه الآية، وقد جمع بين الاستعمالين في قوله ~~تعالى: # أولم يروا كيف يبديء الله الخلق # [العنكبوت: 20] فهذا من " أبدأ " ثم قال: كيف بدأ الخلق، هذا فيما ~~يتعدى بنفسه. # وأما ما يتعدى بالباء نحو: بدأت بكذا بمعنى قدمته وجعلته أول ~~الأشياء، يقال منه: بدأت به وابتدأت به. # وحكى الراغب أيضا أنه يقال من هذا: أبدأت به على " أفعل " ~~وهو غريب. # وقولهم: أبدأت من أرض كذا أي: ابتدأت منها بالخروج والبدء السيد ~~سمي ms3889 بذلك؛ قيل: لأنه يبدأ به في العد إذا عد السادات وذكروا عليه ~~قوله: [الوافر] # 2450 - فجئت قبورهم بدءا ولما # فناديت القبور فلم تجبنه # أي جئت قبور قومي سيدا ولم أكن سيدا، لكن بموتهم صيرت سيدا، ~~وهذا ينظر لقول الآخر: [الكامل] # 2451 - خلت الديار فسدت غير مسور # ومن العناء تفردي بالسؤدد # و " ما " مصدرية، أي: كبدئكم. # فصل في معنى " كما بدأكم تعودون ". # قال ابن عباس: إن الله بدأ خلق بني آدم مؤمنا وكافرا، كما قال: # هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن # [التغابن: 2]، ثم يعيدهم يوم القيامة كما خلقهم مؤمنا وكافرا. # وقال جابر: يبعثون على ما ماتوا عليه. # روى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يبعث كل عبد على ما مات عليه، المؤمن على ~~إيمانه، والكافر على كفره " # وقال أبو العالية: " عادوا على علمه فيهم ". # وقال سعيد بن جبير: " كما كتب عليكم تكونون ". # وقال محمد بن كعب: " من ابتدأ الله خلقه على الشقوة صار ~~إليها، وإن عمل عمل أهل السعادة، كما أن إبليس كان يعمل بعمل ~~أهل السعادة ثم صار إلى الشقاوة، ومن ابتدأ خلقه على السعادة ~~صار إليها، وإن عمل بأعمال أهل الشقاوة، كما أن السحرة كانت ~~تعمل بعمل أهل الشقاوة فصاروا إلى السعادة ". # روى سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن العبد يعمل فيما يرى الناس بعمل أهل الجنة، وأنه من ~~أهل النار، وإنه ليعمل فيما يرى الناس بعمل أهل النار، وإنما ~~هو من أهل الجنة، وإنما الأعمال بالخواتيم " # وقال الحسن ومجاهد: كما بدأكم وخلقكم في الدنيا ولم تكونا ~~شيئا، كذلك تعودون أحياء يوم القيامة: كما قال: # كما بدأنآ أول خلق نعيده # [الأنبياء: 104]. # قال قتادة، هم من التراب وإلى التراب يعودون، ونظيره: # منها خلقناكم وفيها نعيدكم # [طه: 55]، واعلم أنه تعالى أمر أولا بكلمة القسط وهي لا إله إلا ~~الله، ثم أمر بالصلاة ثانيا، ثم بين أن الفائدة في الإتيان ~~بهذه الأعمال إنما تظهر في الآخرة، ونظيره قوله تعالى ms3890 لموسى: # إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني ~~وأقم الصلاة لذكري إن الساعة آتية أكاد ~~أخفيها # [طه: 14 - 15]. ### || [7.30] # في نصب " فريقا " وجهان: # أحدهما: أنه منصوب ب " هدى " بعده، و " فريقا " الثاني ~~منصوب بإضمار فعل يفسره قوله: { حق عليهم الضلالة } من حيث ~~المعنى والتقدير: وأضل فريقا حق عليهم. # [قال القرطبي: وأنشد سيبويه: [المنسرح] # 2452 - أصبحت لا أحمل السلاح ولا # أملك رأس البعير إن نفرا # والذئب أخشاه إذ مررت به # وحدي وأخشى الرياح والمطرا # قال الفراء: ولو كان مرفوعا لجاز]، وقدره الزمخشري: " وخذل ~~فريقا " لأجل مذهبه. # والجملتان الفعليتان في محل نصب على الحال من فاعل " بدأكم " أي: ~~بدأكم حال كونه هاديا فريقا ومضلا آخر. # و " قد " مضمرة عند بعضهم، ويجوز على هذا الوجه أيضا أن تكون الجملتان ~~الفعليتان مستأنفتين، فالوقف على " يعودون " على هذا الإعراب تام، ~~بخلاف ما إذا جعلتهما حالين، فالوقف على قوله: " الضلالة ". # الوجه الثاني: أن ينتصب " فريقا " على الحال من فاعل " تعودون " ~~[أي: تعودون] فريقا مهديا، وفريقا حاقا عليه الضلالة، وتكون ~~الجملتان الفعليتان على هذا في محل نصب على النعت ل " فريقا " و ~~" فريقا " ، ولا بد حينئذ من حذف عائد على الموصوف من " هدى " أي: ~~فريقا هداهم، ولو قدرته " هداه " بلفظ الإفراد لجاز، اعتبارا بلفظ ~~" فريق " ، إلا أن الأول أحسن لمناسبة قوله: { وفريقا حق ~~عليهم } ، والوقف حينئذ على قوله، " الضلالة " ، ويؤيد إعرابه ~~حالا قراءة أبي بن كعب: " تعودون فريقين: فريقا هدى، وفريقا حق ~~عليهم الضلالة " ف " فريقين " نصب على الحال، و " فريقا " وفريقا ~~بدل، أو منصوب بإضمار أعني على القطع، ويجوز أن ينتصب " فريقا " الأول ~~على الحال من فاعل " تعودون " و " فريقا " الثاني نصب بإضمار فعل يفسره ~~{ حق عليهم الضلالة } كما تقدم تحقيقه في كل منهما. # وهذه الأوجه كلها ذكرها ابن الأنباري، فإنه قال كلاما حسنا، قال - ~~رحمه الله -: " انتصب فريقا وفريقا على الحال من الضمير الذي في " ~~تعودون " ، يريد: تعودون كما ابتدأ خلقكم مختلفين، بعضكم أشقياء ~~وبعضكم سعداء، فاتصل " فريق " وهو نكرة بالضمير الذي في " تعودون ms3891 ~~" وهو معرفة فقطع عن لفظه، وعطف الثاني عليه ". # قال: ويجوز أن يكون الأول منصوبا على الحال من الضمير، والثاني ~~منصوب ب { حق عليهم الضلالة }؛ لأنه بمعنى أضلهم، كما ~~يقول القائل " عبد الله أكرمته، وزيدا أحسنت إليه " فينتصب زيدا ب ~~" أحسنت إليه " بمعنى نفعته؛ وأنشد: [الوافر] # 2453 - أثعلبة الفوارس أم رياحا # عدلت بهم طهية والخشابا # نصب ثعلبة ب " عدلت بهم طهية "؛ لأنه بمعنى أهنتهم أي: عدلت بهم من ~~هو دونهم، وأنشد أيضا قوله: [الكامل] # 2454 - يا ليت ضيفكم الزبير وجاركم # إياي لبس حبله بحبالي # فنصب " إياي " بقوله: لبس حبله بحبالي، إذ كان معناه خالطني ~~وقصدني. # قال شهاب الدين: يريد بذلك أنه منصوب بفعل مقدر من معنى الثاني ~~لا من لفظه، هذا وجه التنظير. # وإلى كون " فريقا " منصوبا ب " هدى " و " فريقا " منصوبا ب " ~~حق " ذهب الفراء، وجعله نظير قوله تعالى: # يدخل من يشآء في رحمته والظالمين أعد لهم ~~عذابا أليما # [الإنسان: 31]. # قوله: " إنهم اتخذوا " جار مجرى التعليل، وإن كان استئنافا ~~لفظا، ويدل على ذلك قراءة عيسى بن عمر، والعباس بن الفضل، وسهل بن ~~شعيب " أنهم " بفتح الهمزة، وهي نص في العلية أي: حقت عليهم ~~الضلالة لاتخاذهم الشياطين أولياء، ولم يسند الإضلال إلى ذاته ~~المقدسة، وإن كان هو الفاعل لها تحسينا للفظ وتعليما لعباده ~~الأدب، وعليه: # وعلى الله قصد السبيل ومنها جآئر # [النحل: 9]. # فإن قيل: كيف يستقيم هذا التعليل مع قولكم بأن الهدى والضلال ~~إنما حصلا بخلق الله ابتداء؟ فالجواب: أن مجموع القدرة والداعي ~~يوجب الفعل والداعية التي دعتهم إلى ذلك الفعل هو أنهم اتخذوا ~~الشياطين أولياء. # فصل في دحض شبهة خلق الأفعال # احتج أهل السنة بهذه الآية على أن الهدى والضلال من الله ~~تعالى. # قالت المعتزلة: " المراد فريقا هدى إلى الجنة والثواب، وفريقا ~~حق عليهم الضلال أي: العذاب والصرف عن طريق الثواب ". # قال القاضي: لأن هذا هو الذي يحق عليهم دون غيرهم، إذا العبد لا ~~يستحق أن يضل عن الدين، إذ لو استحق ذلك لجاز أن يأمر أولياءه ~~بإضلالهم عن الدين ms3892 كما أمرهم بإقامة الحدود المستحقة، وفي ذلك زوال ~~الثقة بالنبوات. وهذا الجواب ضعيف من وجهين: # الأول: أن قوله " فريقا هدى " إشارة إلى الماضي، وعلى التأويل ~~الذي ذكروه يصير المعنى: أنه تعالى سيهديهم في المستقبل، ولو قال: ~~إن المراد: أنه تعالى حكم في الماضي أنه سيهديهم إلى الجنة ~~كان هذا عدولا عن الظاهر من غير حاجة؛ لأنه قد تبين بالدليل ~~القاطع أن الهدى والضلال ليسا إلا من الله تعالى. # والثاني: هب أن المراد من الهداية والضلال حكم الله بذلك، إلا أنه ~~لما حصل هذا الحكم امتنع من العبد صدور غيره، والإلزام انقلاب ذلك الحكم ~~كذبا، والكذب على الله محال، والمفضي إلى المحال محال، فكان صدور خلاف ~~ذلك من العبد محالا. # قوله: { ويحسبون أنهم مهتدون }. # قال ابن عباس: يريد ما سن لهم عمرو بن لحي، وهذا بعيد بل هو ~~محمول على عمومه، فكل من شرع في باطل فهو مستحق للذم، سواء ~~حسب كونه هدى، أو لم يحسب ذلك، وهذه الآية تدل على أن الكافر الذي ~~يظن أنه في دينه على الحق والجاحد المعاند سواء، وتدل أيضا على ~~أن مجرد الظن والحسبان لا يكفي في صحة الدين، بل لا بد فيه ~~من الجزم والقطع؛ لأنه تعالى ذم الكفار بأنهم يحسبون كونهم ~~مهتدين، ولولا أن هذا الحسبان مذموم وإلا لما ذمهم بذلك. ### || [7.31] # لما أمرنا بإقامة الصلاة بقوله: # وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد # [الأعراف: 29]. # وكان ستر العورة شرطا لصحة الصلاة أتبعه بذكر اللباس. # قال ابن عباس: إن أهل الجاهلية من قبائل العرب كانوا يطوفون ~~بالبيت عراة، وكانوا إذا وصلوا إلى مسجد " منى " طرحوا ثيابهم، ~~وأتوا المسجد عراة، وقالوا: لا نطوف بثياب أصبنا فيها الذنوب، ~~ومنهم من يقول: نفعل ذلك تفاؤلا حتى نتعرى من الذنوب كما تعرينا ~~عن الثياب، وكانت المرأة منهم تتخذ سترا تعلقه على حقويها لتستتر به عن ~~الحمس وهم قريش، فإنهم كانوا لا يفعلون ذلك، وكانوا يطوفون في ~~ثيابهم، ولا يأكلون من الطعام إلا قوتا # قال الكلبي: كانت بنو عامر لا يأكلون ms3893 في أيام حجهم من ~~الطعام إلا قوتا، ولا يأكلون دسما، يعظمون بذلك حجهم فقال المسلمون ~~يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحن أحق أن نفعل ذلك فنزلت هذه ~~الآية. # و " كلوا " يعني: اللحم والدسم. # { واشربوا ولا تسرفوا } بتحريم ما أحل الله لكم من اللحم ~~والدسم. # { إنه لا يحب المسرفين } الذين يفعلون ذلك. # قال ابن عباس: " كل ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان: سرف ~~ومخيلة ". # قال علي بن الحسين بن واقد: وقد جمع الله الطب كله في ~~نصف آية: { وكلوا واشربوا ولا تسرفوا }. # فصل في معنى " الزينة " # المراد من الزينة لبس الثياب لقوله تعالى: # ولا يبدين زينتهن # [النور: 31]. يعني: الثياب. # والزينة لا تحصل إلا بالستر التام للعورات، ولذلك صار التزين بأخذ ~~الثياب في الجمع والأعياد سنة، فوجب حمل الزينة على ستر العورة. # وقد أجمع المفسرون على أن المراد بالزينة هنا لبس الثياب التي تستر ~~العورة، وقد أمر بها بقوله: " خذوا زينتكم " ، والأمر للوجوب، ~~فثبت أن أخذ الزينة واجب، وكل ما سوى اللبس فهو واجب، فوجب حمل ~~الزنة على اللبس عملا بالنص بقدر الإمكان، فدل على وجوب ستر ~~العورة عند إقامة الصلاة. # فإن قيل: إنه عطف عليه قوله: " كلوا واشربوا " ، وذلك أمر ~~إباحة، فوجب أن يكون قوله: " خذوا زينتكم " أمر إباحة أيضا ~~والجواب لا يلزم من ترك الظاهر المعطوف تركه في المعطوف عليه وأيضا ~~فدلالة الاقتران ضعيفة، وأيضا الأكل والشرب قد يكونان واجبين أيضا في ~~الجملة. # فإن قيل هذه الآية وردت في المنع من الطواف حال العري. # فالجواب: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. # إذا ثبت ذلك فقوله { خذوا زينتكم عند كل مسجد } يقتضي ~~وجوب اللبس التام عند كل صلاة؛ لأن اللبس التام هو الزينة. # ترك العمل به في القدر الذي لا يجب ستره من الأعضاء إجماعا، فبقي ~~الباقي داخلا تحت اللفظ. # فصل في الأصل في الأكل الحل # قوله: { وكلوا واشربوا } مطلق، يتناول جميع المطعومات ~~والمشروبات، فوجب أن يكون الأصل فيها الحل في كل الأوقات إلا ما خصه ms3894 ~~الدليل المنفصل، والعقل يؤكده؛ لأن الأصل في المنافع الحل ~~والإباحة. # فصل في وجوب ستر العورة # قال القرطبي: دلت هذه الآية على وجوب ستر العورة، وعلى ~~إباحة الأكل والشرب ما لم يكن سرفا، فأما ما تدعو الحاجة إليه وهو ~~ما يسد الجوعة ويسكن الظمأ مندوب إليه عقلا وشرعا؛ لما فيه من حفظ ~~النفس وحراسة الحواس، ولذلك ورد الشرع بالنهي عن الوصال؛ ~~لأنه يضعف الجسد، ويضعف عن العبادة. # قوله: " ولا تسرفوا ". # قيل: المراد أن يأكل ويشرب بحيث لا يتعدى إلى الحرام، ولا يكثر ~~الإنفاق المستقبح، ولا يتناول مقدارا كثيرا يضر به. # وقال أبو بكر الأصم: المراد بالإسراف قولهم: تحريم البحيرة ~~والسائبة، فإنهم أخرجوها عن ملكهم، وتركوا الانتفاع بها، وحرموا ~~على أنفسهم في الحج أشياء أحلها الله لهم، وذلك إسراف. # واعلم أن حمل لفظ الإسراف على الاستكثار [و] مما لا ينبغي أولى من ~~حمله على المنع مما يجوز وينبغي. # وقوله: { إنه لا يحب المسرفين } نهاية في التهديد؛ لأن ~~كل من لا يحبه الله يبقى محروما عن الثواب؛ لأن معنى محبة الله ~~للعبد إيصال الثواب إليه، فعدم هذه المحبة عبارة عن عدم حصول ~~الثواب، ومتى لم يحصل الثواب فقد حصل العقاب لانعقاد الإجماع ~~على أنه ليس في الوجود مكلف لا يثاب ولا يعاقب. ### || [7.32] # قال القرطبي: لما بين أنهم حرموا من تلقاء أنفسهم ما لم يحرمه ~~الله عليهم، بين هنا إباحة الزينة، والمراد بها الملبس الحسن إذا ~~قدر عليه صاحبه وقيل: جميع الثياب. # وهذا استفهام معناه التوبيخ والإنكار، وإذا كان للإنكار فلا جواب له؛ ~~إذ لا يراد به استعلام، ولذلك نسب مكي إلى الوهم في زعمه أن قوله: ~~{ قل هي للذين آمنوا.. إلى آخره } جوابه. # قوله: " زينة الله " قال ابن عباس وأكثر المفسرين: المراد به اللباس ~~الذي يستر العورة. # وقيل: جميع أنواع الزينة، فيدخل فيه جميع أنواع الملبوس، ويدخل ~~تحته تنظيف البدن من جميع الوجوه، ويدخل تحته الركوب وأنواع الحلي؛ ~~لأن كل ذلك زينة، ولولا النص الوارد في تحريم الذهب والإبريسم على ~~الرجال لكان ms3895 داخلا تحت هذا العموم. # ويدخل تحت الطيبات من الرزق كل ما يستلذ ويشتهى من أنواع ~~المأكولات والمشروبات، ويدخل تحته التمتع بالنساء والطيب. # روي عن عثمان بن مظعون أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقال: # " غلبني حديث النفس عزمت أن أختصي، فقال: مهلا يا عثمان، ~~إن خصاء أمتي الصيام، قال: إن نفسي تحدثني بالترهب، فقال: إن ~~ترهب أمتي القعود في المساجد لانتظار الصلاة فقال: ~~تحدثني نفسي بالسياحة، فقال: سياحة أمتي الغزو ~~والحج والعمرة، فقال إن نفسي تحدثني أن أخرج مما ~~أملك، فقال: الأولى أن تكفي نفسك وعيالك، وأن ترحم ~~اليتيم، والمساكين، فتعطيه أفضل من ذلك، فقال: إن نفسي ~~تحدثني أن أطلق خولة، فقال: إن الهجرة في أمتي ~~هجرة ما حرم الله، فقال: إن نفسي تحدثني ألا أغشاها، ~~فقال: المسلم إذا غشي أهله أو ما ملكت يمينه، فإن لم ~~يصب من وقعته تلك ولدا كان له وصيف في الجنة، وإن ~~كان له ولد مات قبله أو بعده كان له قرة عين ~~وفرحا يوم القيامة، وإن مات قبل أن يبلغ الحنث كان له ~~شفيعا ورحمة يوم القيامة، قال: فإن نفسي تحدثني إلا آكل ~~اللحم قال مهلا إني آكل اللحم إذا وجدته ولو سألت الله أن ~~يطعمنيه فعل. قال: فإن نفسي تحدثني ألا أمس الطيب، قال: ~~مهلا فإن جبريل أمرني بالطيب غبا وقال: لا تتركه يوم ~~الجمعة، ثم قال: يا عثمان: لا ترغب عن سنتي فإن من ~~رغب عن سنتي فمات قبل أن يتوب صرفت الملائكة وجهه ~~عن حوضي ". # وهذا الحديث يدل على أن هذه الشريعة هي الكاملة، وتدل على أن ~~جميع الزينة مباح مأذون إلا ما خصه الدليل. # فصل في إباحة المنافع لابن آدم # هذه الآية تقتضي حل كل المنافع، وهو أصل معتبر في جميع الشريعة؛ ~~لأن كل واقعة إما يكون النفع فيها خالصا أو راجحا، أو يتساوى ~~فيها الضرر والنفع، أو يرتفعان. # أما القسمان الأخيران وهما: أن يتعادل الضرر والنفع، أو لم يوجدا قط، ~~ففي هاتين الصورتين يجب الحكم ببقاء ما ms3896 كان على ما كان، وإن كان ~~النفع خالصا؛ وجب الإطلاق بمقتضى هذه الآية، وإن كان النفع راجحا ~~والضرر مرجوحا يقابل المثل بالمثل، ويبقى القدر الزائد نفعا خالصا ~~فيلتحق بالقسم الأول، وهو الذي يكون النفع فيه خالصا وإن كان ~~الضرر خالصا كان تركه نفعا خالصا، فبهذا الطريق صارت هذه الآية ~~دالة على الأحكام التي لا نهاية لها في الحل والتحريم، ثم إن وجدنا ~~نصا خالصا في الواقعة قضينا في النفع بالحل، وفي الضرر ~~بالحرمة، وبهذا الطريق صار جميع الأحكام التي لا نهاية ~~لها داخل تحت هذا النص. # فصل في دحض شبهة لنفاة القياس # قال نفاة القياس: لو تعبدنا الله بالقياس لكان حكم ذلك القياس ~~إما أن يكون موافقا لحكم هذا النص العام وحينئذ يكون ضائعا؛ لأن ~~هذا النص مستقل به، وإن كان مخالفا كان ذلك القياس مخصصا ~~لعموم هذا النص، فيكون مردودا؛ لأن العمل بالنص أولى من ~~العمل بالقياس، قالوا: وبهذا الطريق يكون القرآن وحده وافيا ~~ببيان كل أحكام الشريعة، ولا حاجة معه إلى شيء آخر. # قوله: { قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا ~~خالصة يوم القيامة }. # [ " قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا " ] أي: بحقها من توحيد ~~الله - عز وجل - والتصديق له، فإن الله ينعم ويرزق، فإن وحده ~~المنعم عليه وصدقه فقد قام بحق النعمة، وإن كفر أمكن ~~الشيطان من نفسه. # وقيل: أي: هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا غير خالصة لهم؛ ~~لأن المشركين شركاؤهم فيها خالصة يوم القيامة لا يشركهم فيها أحد. # فإن قيل: هلا قيل للذين آمنوا ولغيرهم. # فالجواب: لينبه على أنها خلقت للذين آمنوا على طريق الأصالة، وأن ~~الكفرة تبع لهم كقوله # ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب ~~النار # [البقرة: 126]، وسيأتي له أجوبة أخر في آخر الآية، والمراد ~~التنبيه على أن هذه النعم إنما تصفو من الشوائب يوم القيامة # قوله: " خالصة " قرأها نافع رفعا، والباقون نصبا فالرفع من ~~وجهين: # أحدهما: أن تكون مرفوعة على خبر المبتدأ وهو " هي " ، و " للذين ~~آمنوا " متعلق ب " خالصة " ، وكذلك ms3897 " يوم القيامة ". # وقال مكي: ويكون قوله: " للذين " تبيينا، فعلى هذا يتعلق بمحذوف ~~كقولهم: سقيا لك وجدعا لك. # و { في الحياة الدنيا } متعلق ب " آمنوا " ، والمعنى: قل ~~الطيبات خالصة للمؤمنين في الدنيا يوم القيامة، أي: تخلص يوم ~~القيامة لمن آمن في الدنيا، وإن كانت مشتركة فيها بينهم وبين ~~الكفار في الدنيا، وهو معنى حسن. # وقيل: المراد بخلوصها لهم يوم القيامة أنهم لا يعاقبون عليها، ~~وإلى تفسير هذا نحا سعيد بن جبير. # الثاني: أن يكون خبرا بعد خبر، والخبر الأول قوله: " للذين ~~آمنوا " قاله الزجاج: واستحسنه أبو علي، و { في الحياة الدنيا ~~} على هذا متعلق بما تعلق به الجار من الاستقرار المقدر، و " ~~يوم القيامة " معمول ل " خالصة " كما مر الوجه قبله، والتقدير: ~~قل الطيبات مستقرة أو كائنة للذين آمنوا في الحياة الدنيا، وهي خالصة ~~لهم يوم القيامة، وإن كانوا في الدنيا يشاركهم الكفار فيها. # ولما ذكر أبو حيان هذا الوجه لم يعلق " في الحياة " إلا ~~بالاستقرار، ولو علق ب " آمنوا " كما تقدم في الوجه قبله لكان ~~حسنا. # وأما النصب فمن وجه واحد، وهو الحال [من الضمير المستتر في الجار ~~والمجرور قبله]، والمعنى: أنها ثابتة للذين آمنوا في حال كونها خالصة ~~لهم يوم القيامة، و " للذين آمنوا " خبر " هي " فتتعلق ~~بالاستقرار المقدر، وسيأتي أنه متعلق باستقرار خاص في بعض التقادير ~~عند بعضهم. # و { في الحياة الدنيا } على ما تقدم من تعلقه ب " آمنوا " ~~وبالاستقرار المتعلق به للذين، و " يوم القيامة " متعلق أيضا ~~بخالصة، والتقدير: قل الطيبات كائنة أو مستقرة للمؤمنين في الحياة حال ~~كونهم مقدرا خلوصها لهم يوم القيامة. # وسمى الفراء نصبها على القطع، فقال: " خالصة " نصب على القطع، ~~وجعل خبر " هي " في " اللام " التي في قوله: " للذين " ، ويعنى ~~بالقطع الحال. # وجوز أبو علي أن يتعلق { في الحياة الدنيا } بمحذوف على ~~أنه حال، والعامل فيها ما يعمل في " الذين آمنوا ". # وجوز الفارسي، وتبعه مكي أن تتعلق " في الحياة " ب " حرم " ~~والتقدير: من حرم زينة الله في الحياة الدنيا؟ وجوز أيضا أن ~~تتعلق ms3898 بالطيبات. # وجوز الفارسي وحده أن تتعلق بالرزق ومنع مكي ذلك قال: لأنك ~~قد فرقت بينهما بقوله: { قل هي للذين آمنوا } يعني أن ~~الرزق مصدر، فالمتعلق به من تمامه كما هو من تمام الموصول، وقد فصلت ~~بينه وبين معموله بجملة أجنبية، وسيأتي عن هذا جواب عن اعتراض اعتراض به ~~على الأخفش. # وجوز الأخفش أن تتعلق " في الحياة " ب " أخرج " أي: أخرجها في ~~الحياة الدنيا، وهذا قد رده عليه الناس بأنه يلزم الفصل بين ~~أبعاض الصلة بأجنبي، وهو قوله { والطيبات من الرزق }. # وقوله: { قل هي للذين آمنوا } ، وذلك أنه لا يعطف على ~~الموصول إلا بعد تمام صلته، وهنا قد عطفت على موصوف الموصول قبل تمام ~~صلته؛ لأن " التي أخرج " صفة ل " زينة " ، و " الطيبات " عطف ~~على " زينة " وقوله { قل هي للذين } جملة أخرى قد فصلت على ~~هذا التقدير بشيئين. # قال الفارسي - كالمجيب عن الأخفش -: ويجوز ذلك، وإن فصل بين ~~الصلة والموصولة بقوله: { هي للذين آمنوا } لأن ذلك كلام ~~يشد الصلة، وليس بأجنبي منها جدا كما جاء ذلك في قوله: # والذين كسبوا السيئات جزآء سيئة بمثلها ~~وترهقهم ذلة # [يونس: 27]. # فقوله: " وترهقهم ذلة " معطوف على " كسبوا " داخل في ~~الصلة. # قال شهاب الدين: هذا وإن أفاد في ما ذكر، فلا يفيد في الاعتراض ~~الأول، وهو العطف على موصوف قبل تمام صلته؛ إذ هو أجنبي منه، ~~وأيضا فلا نسلم أن هذه الآية نظير آية " يونس " فإن الظاهر في ~~آية يونس أنه ليس فيها فصل بين أبعاض الصلة. # وقوله " لأن جزاء سيئة بمثلها " معترض، و " ترهقهم " عطف ~~على " كسبوا ". # قلنا: ممنوع، بل { جزآء سيئة بمثلها } هو خبر الموصول، ~~فيعترض بعدم الرابط بين المبتدأ والخبر، فيجاب بأنه محذوف، وهو من ~~أحسن الحذوف؛ لأنه مجرور ب " من " التبعيضية، وقد نص النحاة ~~على أن ما كان كذلك كثر حذفه وحسن والتقدير: والذين كسبوا ~~السيئات جزاء سيئة منهم بمثلها ف " جزاء سيئة " مبتدأ، ~~و " منهم " صفتها، و " بمثلها " خبره، والجملة خبر الموصول، وهو ~~نظير قولهم: السمن منوان بدرهم أي: منوان منه، ms3899 وسيأتي لهذه الآية ~~مزيد بيان. # ومنع مكي أن يتعلق { في الحياة الدنيا } ب " زينة " قال: ~~لأنها قد نعتت، والمصدر واسم الفاعل متى نعتا لا يعملان لبعدهما عن ~~شبه الفعل. # قال: " ولأنه يفرق بين الصلة والموصول؛ لأن نعت الموصول ~~ليس من صلته ". # قال شهاب الدين: لأن زينة مصدر فهي في قوة حرف موصول وصلته، وقد ~~تقرر أنه لا يتبع الموصول إلا بعد تمام صلته، فقد تحصل في تعلق " ~~الذين آمنوا " ثلاثة أوجه: # إما أن يتعلق ب " خالصة " ، أو بمحذوف على أنها خبر، أو بمحذوف ~~على أنها للبيان وفي تعلق { في الحياة الدنيا } سبعة ~~أوجه. # أحدها: أن يتعلق ب " آمنوا ". # الثاني: أن تتعلق بمحذوف على أنها حال. # الثالث: أن يتعلق بما تعلق به " للذين آمنوا ". # الرابع: أن يتعلق ب " حرم ". # الخامس: أن يتعلق ب " أخرج ". # السادس: أن يتعلق بقوله: " الطيبات ". # والسابع: أن يتعلق بالرزق. # و " يوم القيامة " له متعلق واحد وهو " خالصة " ، والمعنى: ~~أنها وإن اشتركت فيها الطائفتان دنيا فهي خالصة للمؤمنين فقط أخرى. # فإن قيل: إذا كان الأمر على ما زعمت من معنى الشركة بينهم في ~~الدنيا، فكيف جاء قوله تعالى: { قل هي للذين آمنوا } ، ~~وهذا مؤذن ظاهرا بعدم الشركة. # فقد أجابوا عن ذلك من أوجه: # أحدها: أن في الكلام حذفا تقديره: قل هي للذين آمنوا ولغيرهم في ~~الحياة الدنيا خالصة لهم يوم القيامة. # قال أبو القاسم الكرماني: وكأنه دل على المحذوف قوله بعد ~~ذلك: { خالصة يوم القيامة } إذ لو كانت خالصة لهم في ~~الدارين لم يخص بها أحدهما. # والثاني: أن " للذين آمنوا " ليس متعلقا بكون مطلق، بل بكون ~~مقيد، يدل عليه المعنى، والتقدير: قل هي غير خالصة للذين آمنوا ~~لأن المشركين شركاؤهم فيها، خالصة لهم يوم القيامة، قاله ~~الزمخشري، ودل على هذا الكون المقيد مقابله وهو قوله: { خالصة ~~يوم القيامة }. # الثالث: ما ذكره الزمخشري، وسبقه إليه التبريزي قال: فإن قلت: هلا قيل ~~[هي] للذين آمنوا ولغيرهم؟ قلت: التنبيه على أنها خلقت للذين آمنوا ~~على طريق الأصالة، فإن الكفرة تبع لهم ms3900 كقوله تعالى: # ومن كفر فأمتعه قليلا # [البقرة: 126]. # وقال التبريزي: ولم يذكر الشركة بينهم وبين الذين أشركوا في الدنيا ~~تنبيها على أنه إنما خلقها للذين آمنوا بطريق الأصالة، ~~والكفار تبع لهم، ولذلك خاطب المؤمنين [بقوله]: # هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا # [البقرة: 29] وهذا الثالث ليس جوابا ثالثا، إنما هو مبين لحسن حذف ~~المعطوف في عدم ذكره مع المعطوف عليه. # ثم قال تبارك وتعالى: { كذلك نفصل الآيات } وقد تقدم. # وقوله: { لقوم يعلمون } أن القوم يمكنهم النظر به والاستدلال ~~حتى يتوصلوا إلى ذلك بتحصيل العلوم النظرية. ### || [7.33] # لما بين في الآية الأولى أن الذي حرموه ليس بحرام بين في هذه ~~الآية الكريمة أنواع المحرمات، فحرم أولا الفواحش، وثانيها الإثم، ~~واختلفوا في الفرق بينهما، فقيل: الفواحش: عبارة عن الكبائر؛ لأن ~~قبحها قد تفاحش أي: تزايد، والإثم عبارة عن الصغائر، والمعنى: أنه ~~حرم الكبائر والصغائر. # وطعن القاضي في ذلك بأن ذلك يقتضي أن يقال: الزنا والسرقة والكفر ليس ~~بإثم، وهو بعيد، وأقل الفواحش ما يجب فيه الحد، والإثم ما لا حد ~~فيه. # وقيل: الفاحشة اسم للكبيرة، والإثم اسم لمطلق الذنب سواء كان ~~صغيرا أو كبيرا، وفائدته: أنه لما حرم الكبيرة أردفه بتحريم ~~مطلق الذنب، لئلا يتوهم أن التحريم مقصور على الكبيرة، وهذا ~~اختيار القاضي. # وقيل: إن الفاحشة وإن كانت بحسب اللغة اسما لكل ما يتفاحش ~~وتزايد في أمر من الأمور، إلا أنه في العرف مخصوص بالزنا، ~~ويدل على ذلك قوله تعالى في الزنا: # إنه كان فاحشة # [الإسراء: 32]، ولأن لفظ الفاحشة إذا أطلق لم يفهم منه إلا ذلك. # وإذا قيل: فلان فحاش، فهم منه أنه يشتم الناس بألفاظ ~~الوقاع؛ فوجب حمل لفظ الفاحشة على الزنا، فعلى هذا يكون { ما ~~ظهر منها } أي: الذي يقع منها علانية، و " ما بطن " أي: الذي ~~يقع منها سرا على وجه العشق والمحبة. # وقيل: { ما ظهر منها }: الملامسة والمعانقة، و " ما بطن " ~~الدخول، وقد تقدم الكلام فيه في آخر السورة قبلها. # وما " الإثم " فالظاهر أنه الذنب. # وقيل: هو الخمر، ms3901 قاله المفضل، وأنشد القائل في ذلك: [الطويل] # 2455 - نهانا رسول الله أن نقرب الزنا # وأن نشرب الإثم الذي يوجب الوزرا # وأنشد الأصمعي: [الطويل] # 2456 - ورحت حزينا ذاهل العقل بعدهم # كأني شربت الإثم أو مسني خبل # قال: وقد يسمى الخمر إثما؛ وأنشد القائل: [الوافر] # 2457 - شربت الإثم حتى ضل عقلي # كذاك الإثم يذهب بالعقول # ويروى عن ابن عباس - رضي الله عنهما - والحسن البصري [أنهما] قالا: " ~~الإثم: الخمر ". # قال الحسن: " وتصديق ذلك قوله: # قل فيهمآ إثم كبير # [البقرة: 219]، والذي قاله الحذاق: أن الإثم ليس من أسماء الخمر ~~". # قال ابن الأنباري: " الإثم: لا يكون اسما للخمر؛ لأن العرب لم تسم ~~الخمر إثما، لا في جاهلية، ولا في الإسلام، وقول ابن عباس والحسن لا ~~ينافي ذلك؛ لأن الخمر سبب الإثم، بل هي معظمه، فإنها مؤججة للفتن، ~~وكيف يكون ذلك وكانت الخمر حين نزول هذه السورة حلالا؛ لأن هذه ~~السورة مكية، وتحريم الخمر إنما كان في " المدينة " بعد " أحد ~~" ، وقد شربها جماعة من الصحابة يوم " أحد " فماتوا شهداء، وهي في ~~أجوافهم. # وأما ما أنشده الأصمعي من قوله: # 2458 - شربت الإثم............. # .......................... # نصواعلى أنه مصنوع، وأما غيره فالله أعلم ". # وقال بعض المفسرين: " الإثم: الذنب والمعصية ". # وقال الضحاك - رحمه الله -: " الإثم: هو الذنب الذي لا حد فيه ~~". # قوله: { والبغي بغير الحق }: اعلم أن الذين قالوا: ~~المراد ب " الفواحش " جميع الكبائر، وب " الإثم " جميع الذنوب قالوا: ~~إن البغي والشرك لا بد وأن يدخلا تحت الفواحش، وتحت الإثم، وإنما ~~خصهما الله - تعالى - بالذكر تنبيها على أنهما أقبح أنواع ~~الذنوب، كما في قوله تبارك وتعالى: # وملائكته ورسله وجبريل وميكال # [البقرة: 98]. # وفي قوله تعالى: # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن ~~نوح # [الأحزاب: 8]. # وأما الذين خصوا الفاحشة بالزنا، والإثم بالخمر قالوا: ~~البغي والشرك غير داخلين تحت الفواحش والإثم، وإنما البغي لا ~~يستعمل إلا في الإقدام على الغير نفسا، أو مالا أو عرضا، وقد ~~يراد البغي على سلطان الوقت. # فإن قيل: البغي لا يكون إلا بغير الحق، فما الفائدة في ذكر هذا ~~الشرط؟ ms3902 فالجواب من وجهين: # الأول: أن قوله تعالى " بغير الحق " حال، وهي حال مؤكدة؛ لأن ~~البغي لا يكون إلا بغير الحق. # والثاني: أنه مثل قوله تبارك وتعالى: # ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق # [الأنعام: 151]، والمعنى: لا تقدموا على إيذاء الناس بالقتل ~~والقهر، إلا أن يكون لكم فيه حق فحينئذ يخرج عن أن يكون بغيا. # وقوله: " وأن تشركوا " منصوب المحل نسقا على مفعول " حرم " ~~أي: وحرم إشراككم عليكم، ومفعول الإشراك { ما لم ينزل به ~~سلطانا } وقد تقدم بيانه في " الأنعام " ، تهكم بهم؛ لأنه لا ~~يجوز أن ينزل برهانا أن يشرك به غيره. # قوله: { وأن تقولوا على الله } نسق على ما قبله أي: وحرم ~~قولكم عليه من غير علم، وقد تقدم الكلام عليه في هذه السورة عند ~~قوله # إن الله لا يأمر بالفحشآء أتقولون على الله ~~ما لا تعلمون # [الأعراف: 28]. # فإن قيل: كلمة " إنما " تفيد الحصر، إنما حرم ربي كذا وكذا ~~يفيد الحصر، والمحرمات غير محصورة في هذه الأشياء؟ # فالجواب: إن قلنا إن الفاحشة محمولة على مطلق الكبائر، والإثم ~~على مطلق الذنب دخل كل الذنوب فيه، وإن حملنا الفاحشة على ~~الزنا، والإثم على الخمر فنقول: الجنايات محصورة في خمسة: # أحدها: الجنايات على الإنسانية، فهذا إنما يحصل بالزنا، وهو ~~المراد بقوله: { إنما حرم ربي الفواحش }. # وثانيها: الجنايات على العقول، وهي شرب الخمر، وإليه الإشارة بقوله " ~~والإثم ". # وثالثها ورابعها: الجنايات على النفوس والأموال، وإليه الإشارة بقوله: ~~{ والبغي بغير الحق }. # وخامسها: الجناية على الأديان، وهي من وجهين: # أحدهما: الطعن في توحيد الله تبارك وتعالى. # والثاني: الطعن في أحكامه، وإليه الإشارة بقوله: { وأن تقولوا ~~على الله ما لا تعلمون }. # فلما كانت الجنايات هذه الأشياء، وكانت البواقي كالفروع والتوابع، لا ~~جرم كان ذكرها جار مجرى ذكر الكل، فأدخل فيها كلمة " إنما " ~~المفيدة للحصر. # فإن قيل: الفاحشة والإثم هو الذي نهى الله تعالى عنه فصار تقدير ~~الآية الكريمة: إنما حرم ربي المحرمات، وهو كلام خال عن الفائدة؟ # فالجواب، كون الفعل فاحشة إنما هو عبارة عن اشتماله في ms3903 ذاته على ~~أمور باعتبارها يجب النهي عنه فسقط السؤال. ### || [7.34] # لما بين الحلال والحرام وأحوال التكاليف، بين أن لكل أحد ~~أجلا معينا أي: مدة وأجل. # وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - وعطاء والحسن: وقت نزول العذاب ~~بهم. # وقوله عز وجل: { ولكل أمة } خبر مقدم، ولا حاجة إلى حذف ~~مضاف كما زعم بعضهم أن التقدير: ولكل أحد من أمة أجل أي: عمر، ~~كأنه توهم أن كل أحد له عمر مستقل، وأن هذا مراد الآية الكريمة، ~~ومراد الآية أعم من ذلك. # قوله: { فإذا جآء أجلهم }. # قال بعضهم: كل موضع في القرآن العظيم من شبه هذا التركيب، فإن " ~~الفاء " داخلة على " إذا " إلا في " يونس " فيأتي حكمها، وأما سائر ~~المواضع فقال: " لأنها عطفت جملة على أخرى بينهما اتصال وتعقيب، فكان ~~الموضع موضع الفاء ". # وقرأ الحسن وابن سيرين: " آجالهم " جمعا. # قوله: " لا يستأخرون " جواب " إذا " ، والمضارع المنفي ب " لا ~~" إذا وقع جوابا ل " إذا " جاز أن يتلقى ب " الفاء " ، وألا يتلقى ~~بها. # قال أبو حيان: وينبغي أن يعتقد أن بين الفاء والفعل بعدها اسما ~~مبتدأ، فتصير الجملة اسمية، ومتى كانت كذلك وجب أن تتلقى " بالفاء " أو ~~" إذا " الفجائية. # و " ساعة " نصب على الظرف، وهي مثل في قلة الزمان. # قوله: " ولا يستقدمون " هذا مستأنف، معناه الإخبار بأنهم لا ~~يسبقون أجلهم المضروب لهم، بل لا بد من استيفائهم إياه، كما أنهم لا ~~يتأخرون عنه أقل زمان. # وقال الحوفي - رحمه الله - وغيره: إنه معطوف على " لا يستأخرون " ~~ولهذا لا يجوز؛ لأن " إذا " إنما يترتب عليها وعلى ما بعدها الأمور ~~المستقبلة لا الماضية، والاستقدام بالنسبة إلى مجيء الأجل متقدم عليه، ~~فكيف يترتب عليه ما تقدمه؟ ويصير هذا من باب الإخبار بالضروريات ~~التي لا يجهل أحد معناها، فيصير نظير قولك: " إذا قمت فيما يأتي لم ~~يتقدم قيامك فيما مضى " ومعلوم أن قيامك في المستقبل لم يتقدم ~~قيامك هذا. # وقال الواحدي: إن قيل: ما معنى هذا مع استحالة التقديم على الأجل ~~وقت حضوره؟ وكيف يحسن التقديم مع هذا الأجل؟ # قيل: ms3904 هذا على المقاربة؛ لأن العرب تقول: " جاء الشتاء " إذا ~~قرب وقته، ومع مقاربة الأجل يتصور الاستقدام، وإن كان لا يتصور مع ~~الانقضاء، والمعنى: لا يستأخرون عن آجالهم إذا انقضت، ولا يستقدمون ~~عليها إذا قاربت الانقضاء، وهذا بناء منه على أنه معطوف على " لا ~~يستأخرون " ، وهو ظاهر أقوال المفسرين. # فصل في المراد ب " الأجل " # في المراد بهذا الأجل قولان: # قال ابن عباس والحسن ومقاتل: " المراد به نزول العذاب على كل أمة ~~كذبت رسولها ". # والثاني: أن المراد به الأجل. ### || [7.35] # لما بين أحوال التكاليف، وأن لكل أمة أجلا معينا - بين ~~أنهم بعد الموت إن كانوا مطيعين فلا خوف عليهم ولا حزن، وإن كانوا ~~متمردين وقعوا في أشد العذاب. # قيل: أراد " بني آدم " مشركي العرب، وقد تقدم إعراب نظيره في ~~البقرة، وهي أن الشرطية ضمت إليها مؤكدة لمعنى الشرط، ولذلك لزمت ~~فعلها النون الثقيلة، وجزاء هذا الشرط هو الفاء وما بعده من الشرط، ~~والجزاء وهو قوله تعالى: { فمن اتقى وأصلح }. # و " منكم " صفة ل " رسل " ، وكذلك " يقصون " وقدم الجار ~~على الجملة لأنه أقرب إلى المفرد منها. # قال مقاتل: أراد بالرسل الرسول - عليه الصلاة والسلام - ~~إنما قال: " رسل " ، وإن كان خطابا للرسول - عليه الصلاة ~~والسلام -، وهو خاتم الأنبياء؛ لأنه أجرى الكلام على ما يقتضيه سنته في ~~الأمم. # وقيل: أراد جميع الرسل، وإنما قال: " منكم "؛ لأن كون الرسول ~~منهم أقطع لعذرهم، وأمعن للحجة عليهم من جهات: # وقيل: أراد جميع الرسل، وإنما قال: " منكم "؛ لأن كون الرسول ~~منهم أقطع لعذرهم، وأمعن للحجة عليهم من جهات: # أحدها: أن معرفتهم بأحواله وبطهارته تكون متقدمة. # وثانيها: أن معرفتهم بما يليق بقدرته تكون متقدمة فلا جرم لا يقع في ~~المعجزات التي تظهر عليه شك وشبهة في أنها حصلت بقدرة الله تبارك ~~وتعالى، لا بقدرته، ولهذا السبب قال تبارك وتعالى: # ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا # [الأنعام: 9]. # وثالثها: ما يحصل من الألفة وسكون القلب إلى أبناء الجنس، بخلاف من ~~لا يكون من الجنس، فإنه لا يحصل معه الألفة. # قوله: { يقصون عليكم آياتي ms3905 }. # قيل: الآيات: القرآن، وقيل: الدلائل، وقيل: الأحكام والشرائع. # والأولى دخول الكل فيه؛ لأن الرسل إذا جاءوا فلا بد يذكروا ~~جميع هذه الأقسام. # قوله: " فمن " يحتمل أن يكون شرطية، وأن تكون موصولة، فإن كان ~~الأول؛ كانت هي وجوابها جوابا للشرط الأول كما تقدم، وهي مستقلة ~~بالجواب دون التي تفيد جوابها وهي " والذين كذبوا " ، وإن ~~كان الثاني كانت هي وجوابها، والجملة المشار إليها كلاهما جوابا ~~للشرط، كأنه قسم جواب قوله: " إما يأتينكم " إلى متق ومكذب، ~~وجر كلا منهما، وقد تقدم تحقيق هذا في البقرة. # وحذف مفعولي " اتقى وأصلح " اختصارا للعلم بهما أي: اتقى ربه ~~وأصلح عمله، أو اقتصارا أي: فمن كان من أهل التقوى والصلاح من ~~غير نظر إلى مفعول، كقوله تعالى: # هو أغنى وأقنى # [النجم: 48] ولكن لا بد من تقدير رابط بين هذه الجملة، وبين الجملة ~~الشرطية، والتقدير: فمن اتقى منكم والذين كذبوا منكم. # وقرأ أبي والأعرج " تأتينكم " بتاء مثناة من فوق نظرا إلى معنى ~~جماعة الرسل فيكون قوله تعالى " يقصون " بالياء من تحت حملا على ~~المعنى إذ لو حمل على اللفظ لقال: " تقص " بالتأنيث أيضا. # مطلب: هل يلحق المؤمنين خوف يوم القيامة أو لا؟ # المعنى: لا خوف عليهم بسبب الأحوال المستقبلة { ولا هم ~~يحزنون } على ما فاتهم في الدنيا؛ لأن حزنهم على عقاب الآخرة ~~بما حصل لهم من زوال الخوف، فيكون كالمعاد، وحمله على الفائدة الزائدة ~~أولى. # واختلف العلماء في أن المؤمنين من أهل الطاعات هل يلحقهم خوف أو حزن ~~عند أهوال القيامة، فقال بعضهم: لا يلحقهم لهذه الآية الكريمة، ولقوله ~~تعالى: # لا يحزنهم الفزع الأكبر # [الأنبياء: 103]، وذهب بعضهم إلى أنه يلحقهم ذلك الفزع الأكبر لقوله ~~تعالى: # يوم ترونها تذهل كل مرضعة عمآ أرضعت ~~وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى # [الحج: 2] أي: من شدة الخوف، وأجاب هؤلاء عن هذه الآية الكريمة بأن ~~معناها: أن أمرهم يؤول إلى الأمن والسرور، كقول الطبيب للمريض: " لا ~~بأس عليك " أي: يؤول أمرك إلى العافية والسلامة، وإن كان في الوقت في ~~بأس من ms3906 علته. ### || [7.36] # قوله تعالى: { والذين كذبوا بآياتنا }؛ أي الآيات التي ~~يجيء بها الرسل - عليهم الصلاة والسلام - { واستكبروا } أي ~~أبوا عن قبولها وتكبروا عن الإيمان بها وذكر الاستكبار لأن كل كاذب ~~وكافر متكبر قال سبحانه وتعالى: # إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله ~~يستكبرون # [الصافات: 35] ألا { أولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون } وهذه الآية تدل على أن الفاسق من أهل الصلاة لا يخلد في ~~النار؛ لأنه تبارك وتعالى بين أن المكذبين بآيات الله والمستكبرين ~~عن قبولها هم الذين يبقون مخلدين في النار. ### || [7.37] # قوله: { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا } ~~وهذا يرجع إلى قوله تعالى { والذين كذبوا } أي فمن أظلم ظلما ~~ممن يقول على الله ما لم يعلمه أو كذب بما قاله، والأول: هو الحكم ~~بوجود ما لم يوجد. # والثاني: هو الحكم بإنكار ما وجد. # والأول يدخل فيه قول من أثبت الشريك لله تعالى سواء كان ذلك الشريك ~~عبارة عن الأصنام أو الكواكب أو عن مذهب القائلين بيزدان وأهرمن ويدخل ~~فيه قول من أثبت لله تعالى البنات والبنين ويدخل فيه من أضاف الأحكام ~~الباطلة إلى الله عز وجل. # والثاني: يدخل فيه قول من أنكر كون القرآن العظيم كتابا نازلا من ~~عند الله تعالى وقول من أنكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. # قوله: { أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب }. # قيل المراد بذلك النصيب هو العذاب قاله الحسن والسدي أي: ما ~~كتب لهم في اللوح المحفوظ من العذاب وسواد الوجوه وزرقة العيون قال ~~عطية عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: كتب لمن يفتري على الله سواد ~~الوجه. قال تعالى # ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله ~~وجوههم مسودة # [الزمر: 60]. # وقيل المراد ب " النصيب " أن أهل الذمة يجب علينا أن لا نتعدى عليهم، ~~وأن ننصفهم ونذب عنهم. # وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - وسعيد بن جبير - رضي الله عنه - ~~ومجاهد: ما سبق لهم من السعاد والشقاوة، فإن قضى الله لهم بالختم ~~على الشقاوة أبقاهم على كفرهم، وإن قضى لهم بالختم على ms3907 السعادة؛ نقلهم ~~إلى الإيمان وقال الربيع، وابن زيد ومحمد بن كعب القرظي: ما ~~كتب لهم من الأرزاق والأعمار، والأعمال، فإذا فنيت وانقضت " ~~جاءت رسلنا يتوفونهم ". # قوله تعالى " من الكتاب " في محل الحال من نصيبهم أي: حال ~~كونه مستقرا من الكتاب و " من " لابتداء الغاية. # قوله: " حتى إذا " هنا غاية، و " إذا " وما في حيزها تقدم الكلام ~~عليها هل هي جارة، أو حرف ابتداء؟ وتقدم عبارة الزمخشري. # واختلفوا فيها إذا كانت حرف ابتداء أيضا. # فقال ابن درستويه هي حينئذ جارة، وتتعلق بما قبلها تعلق حروف ~~الجر من حيث المعنى لا من حيث اللفظ، والجملة بعدها في محل جر. # وقال الجمهور: إذا كانت حرف ابتداء فليست جارة، بل حرف ابتداء ~~فقط. # وإن كان معناها الغاية كقول القائل في ذلك: [الطويل] # 2459 - سريت بهم حتى تكل مطيهم # وحتى الجياد ما يقدن بأرسان # وقول الآخر في ذلك: [الطويل] # 2460 - فما زالت القتلى تمج دماءها # بدجلة حتى ماء دجلة أشكل # وقال صاحب " التحرير ": " حتى " هنا ليست للغاية، بل هي ابتداء ~~وخبر وهذا وهم إذ الغاية معنى لا يفارقها. # وقوله " بل هي ابتداء وخبر " تسامح في العبارة يريد بل الجملة بعدها ~~ثم الجملة التي في هذا المكان ليست ابتداء وخبر، بل هي جملة فعلية، ~~وهي قالوا و " إذا " معموله لها. # وممن ذهب إلى أنها ليست للغاية الواحدي فإنه حكى في معنى الآية ~~الكريمة أقوالا، ثم قال: فعلى هذا القول معنى " حتى " للانتهاء ~~والغاية وعلى القولين الأولين ليست " حتى " في هذه الآية الكريمة ~~للغاية بل هي التي يقع بعدها الجمل وينصرف الكلام بعدها إلى الابتداء ك ~~" أما " و " إذا " ولا تعلق لقوله: " حتى إذا " بما قبله، بل هذا ابتداء ~~خبر أخبر عنهم كقوله في ذلك: [الطويل] # 2461 - فيا عجبا حتى كليب تسبني # كأن أباها نهشل أو مجاشع # وهذا غير مرضي منه لمخالفته الجمهور. # وقوله " لا تعلق لها بما قبلها " ممنوع على جميع الأقوال التي ~~ذكرها. # والظاهر أنها أنما تتعلق بقوله " ينالهم نصيبهم ". # فصل في إمالة " حتى " # قال ms3908 الخليل وسيبويه: لا يجوز إمالة " حتى " و " ألا " و " أما " ~~وهذه ألفات ألزمت الفتح لأنها أواخر حروف جاءت لمعان يفصل بينها ~~وبين أواخر الأسماء التي فيها الألف نحو: حبلى وهدى إلا أن " حتى " ~~كتبت بالياء لأنها على أربعة أحرف فأشبهت سكرى، قال بعض النحويين: ~~لا يجوز إمالة " حتى " لأنها حرف لا يتصرف والإمالة ضرب من التصرف. # قوله: " يتوفونهم " في محل نصب على الحال، وفي المراد بقوله: ~~{ رسلنا يتوفونهم } قولان: # المراد بالرسل ملك الموت وبقوله: " يتوفونهم " يقبضون ~~أرواحهم؛ لأن لفظ الوفاة يفيد هذا المعنى. # قال ابن عباس: إن الملائكة يطالبون بهذه الأشياء عند الموت على ~~سبيل الزجر والتوبيخ. # الثاني: قال الحسن والزجاج في أحد قوليه: إن هذا لا يكون في الآخر ~~ومعنى قوله: { جآءتهم رسلنا يتوفونهم } أي يتوفون ~~مدتهم عند حشرهم إلى النار بمعنى يستكملون عدتهم حتى لا ينفلت منهم ~~أحد. # قوله " أينما كنتم " أي أين الشركاء الذين كنتم تعبدونهم ~~من دون الله وكتبت " أينما " متصلة وحقها الانفصال، لأن " ما " ~~موصولة لا صلة إذ التقدير: أين الذين تدعونهم ولذلك كتبت # إن ما توعدون لآت # [الأنعام: 134] منفصلا و # إنما الله # [النساء: 171] متصلا. # قوله " ضلوا " جواب من حيث المعنى لا من حيث اللفظ، وذلك أن ~~السؤال إنما وقع عن مكان الذين كانوا يدعونهم من دون الله، فلو جاء ~~الجواب على نسق السؤال لقيل: هم في المكان الفلاني، وإنما المعنى: ~~ما فعل معبودكم ومن كنتم تدعونهم، فأجابوا بأنهم ضلوا عنهم ~~وغابوا. # قوله: " وشهدوا " يحتمل أن يكون نسقا على " قالوا " الذي وقع ~~جوابا لسؤال الرسل، فيكون داخلا في الجواب أيضا. # ويحتمل أن يكون مستأنفا منقطعا عما قبله ليس داخلا في حيز ~~الجواب كذا قال أبو حيان وفيه نظر؛ من حيث إنه جعل هذه الجملة ~~جوابا لعطفها على " قالوا " ، و " قالوا " في الحقيقة ليس هو الجواب، ~~إنما الجواب هو مقول هذا القول، وهو " ضلوا عنا " ف " ضلوا ~~عنا " هو الجواب الحقيقي الذي يستفاد منه الكلام. # ونظيره أن يقول: سألت زيدا ما فعل؟ فقال: أطعمت وكسوت فنفس ms3909 ~~أطعمت، وكسوت هو الجواب. # وإذا تقرر هذا فكان ينبغي أن يقول: " فيكون " معطوفا على " ضلوا ~~عنا " ، ثم لو قال كذلك لكان مشكلا من جهة أخرى، وهو أنه كان ~~يكون التركيب الكلامي: " ضلوا عنا وشهدنا على أنفسنا أنا كنا " ~~، إلا أن يقال: حكى الجواب الثاني على المعنى، فهو محتمل على بعد ~~بعيد. # ومعنى الآية أنهم اعترفوا عند معاينة الموت أنهم كانوا كافرين. ### || [7.38] # اختلفوا في هذا القائل، فقال مقاتل: " هو كلام خازن النار " ، ~~وقال غيره: " هو كلام الله " ، وهذا الاختلاف مبني على أن الله - ~~تعالى - هل يتكلم مع الكفار أم لا؟، وقد تقدمت هذه المسألة. # قوله: " في أمم " يجوز أن يتعلق قوله: " في أمم " وقوله " في ~~النار " كلاهما ب " ادخلوا " ، فيجيء الاعتراض المشهور وهو كيف ~~يتعلق حرفا جر متحدا اللفظ والمعنى بعامل واحد؟، فيجاب بأحد وجهين: # إما أن " في " الأولى ليست للظرفية، بل للمعية، كأنه قيل: ~~ادخلوا مع أمم أي: مصاحبين لهم في الدخول، وقد تأتي " في " بمعنى " مع ~~" كقوله تعالى: # ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة # [الأحقاف: 16]. # وقول الشاعر: [الطويل] # 2462 - شموس ودود في حياء وعفة # رخيمة رجع الصوت طيبة النشر # وإما بأن " في النار " بدل من قول " في أمم " وهو بدل اشتمال ~~كقوله: # أصحاب الأخدود النار # [البروج: 4،5]. # فإن النار بدل من الأخدود، كذلك " في النار " بدل من " أمم " ~~بإعادة العامل بدل اشتمال، وتكون الظرفية في [ " في " ] مجازا؛ لأن ~~الأمم ليسوا ظروفا لهم حقيقة، وإنما المعنى: ادخلوا في جملة أمم ~~وغمارهم. # ويجوز أن تتعلق " في أمم " بمحذوف على أنه حال أي: كائنين في ~~جملة أمم. # و " في النار " متعلق ب " خلت " أي: تسبقكم في النار. # ويجوز أن تتعلق بمحذوف على أنه صفة ل " أمم " فتكون " أمم " قد ~~وصفت بثلاثة أوصاف: # الأولى: الجملة الفعلية، وهي قوله " قد خلت ". # والثاني: الجار والمجرور، وهو قوله: { من الجن والإنس }. # الثالث: قوله: " في النار " ، والتقدير: في أمم خالية من قبلكم ~~كائنة من الجن والإنس، ومستقرة في النار. # ويجوز أن تتعلق " في النار " بمحذوف أيضا، ms3910 لا على الوجه ~~المذكور، بل على كونه حالا من " أمم " ، وجاز ذلك وإن كانت نكرة ~~لتخصصها بالوصفين المشار إليهما. # ويجوز أن يكون حالا من الضمير في " خلت "؛ إذ هو ضمير الأمم، ~~وقدمت الجن على الإنس؛ لانهم الأصل في الإغواء. # قوله: " كلما دخلت " تقدم نظيرها، وهذه الجملة يحتمل أن تكون ~~صفة ل " أمم " أيضا، والعائد محذوف أي: كلما دخلت أمة منهم أي: من ~~الأمم المتقدمة لعنت أختها، والمعنى: أن أهل النار يلعن بعضهم ~~بعضا، ويتبرأ بعضهم من بعض كما قال تعالى: # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين # [الزخرف: 67]. والمراد بقوله أختها أي: في الدين. # قوله: " حتى " هذه غاية لما قبلها، والمعنى: أنهم يدخلون فوجا ~~فوجا، لاعنا بعضهم لبعض إلى انتهاء تداركهم فيها. # وقرأ الجمهور: " إذا اداركوا " بوصل الألف وتشديد الدال، ~~والأصل: تداركوا، فلما أريد إدغامه فعل به ما فعل ب " ادارأتم ~~" ، وقد تقدم تصريفه في البقرة [72]. # قال مكي: ولا يستطاع اللفظ بوزنها مع ألف الوصل؛ لأنك ترد الزائد ~~أصليا فتقول: افاعلوا، فتصير تاء " تفاعل " فاء الفعل لإدغامها في فاء ~~الفعل؛ وذلك لا يجوز، فإن وزنتها على الأصل فقلت: تفاعلوا جاز. # وهذا الذي ذكر من كونه لا يمكن وزنه إلا بالأصل، وهو " تفاعلوا " ~~ممنوع. # قوله: " لأنك ترد الزائد أصليا ". # قلنا: لا يلزم ذلك؛ لأنا نزنه بلفظه مع همزة الوصل، وتأتي بناء ~~التفاعل بلفظها، فتقول: وزن اداركوا: اتفاعلوا، فيلفظ بالتاء ~~اعتبارا بأصلها، لا بما صارت إليه حال الإدغام. # وهذه المسألة نصوا على نظيرها، وهو أن تاء الافتعال إذا أبدلت ~~إلى حرف مجانس لما قبلها كما تبدل تاء طاء، أو دالا في نحو: ~~اصطبر، واضطرب، وازدجر، وادكر، إذا وزن ما هي فيه ~~قالوا: يلفظ في الوزن بأصل تاء الافتعال، ولا يلفظ بما صارت إليه من ~~طاء أو دال، فتقول: وزن اصطبر افتعل لا افطعل، ووزن ازدجر افتعل لا ~~افدعل، فكذلك تقول هنا: وزن اداركوا اتفاعلوا لا افاعلوا، فلا فرق ~~بين تاء الافتعال والتفاعل في ذلك. # وقرأ ابن مسعود والأعمش، ورويت عن أبي عمرو: ms3911 تداركوا وهي أصل ~~قراءة العامة. # وقرأ أبو عمرو " إذا إداركوا " بقطع همزة الوصل. # قال ابن جني: " هذا مشكل، ومثل ذلك لا ينقله ارتجالا، وكأنه وقف ~~وقفة مستنكر، ثم ابتدأ فقطع ". # وهذا الذي يعتقد من أبي عمرو، وإلا فكيف يقرأ بما لا يثبت إلا في ضرورة ~~الشعر في الأسماء؟ كذا قال ابن جني، يعني أن قطع ألف الوصل في ~~الضرورة إنما جاء في الأسماء. # وقرأ حميد " أدركوا " بضم همزة القطع، وسكون الدال وكسر الراء، مثل ~~" أخرجوا " جعله مبنيا للمفعول بمعنى: أدخلوا في دركاتها أو ~~أدراكها. # ونقل عن مجاهد بن جبر قراءتان: فروى عنه مكي " ادركوا " بوصل ~~الألف وفتح الدال مشددة وفتح الراء، وأصلها " ادتركوا " على افتعلوا ~~مبنيا للفاعل، ثم أدغم، كما أدغم " ادان " من الدين. # وروى عنه غيره " أدركوا " بفتح الهمزة مقطوعة، وسكون الدال وفتح ~~الراء، أي: أدرك بعضهم بعضا. # وقال أبو البقاء: وقرىء: " إذا اداركوا " بألف واحدة ساكنة بعدها ~~دال مشددة، وهو جمع بين ساكنين، وجاز في المنفصل كما جاز في المتصل، ~~وقد قال بعضهم: " اثنا عشر " بإثبات الألف وسكون العين، يعني ~~بالمتصل نحو: " الضالين " وجان، ومعنى المنفصل أن ألف " إذا " من ~~كلمة، والساكن الثاني من كلمة أخرى. # و " اداركوا " بمعنى تلاحقوا، وتقدم تفسير هذه المادة [النساء: ~~78]. # و " جميعا " حال من فاعل " اداركوا ". # قوله: { أولاهم لأخراهم } يحتمل أن تكون فعلى أنثى أفعل ~~الذي للمفاضلة، والمعنى على هذا كما قال الزمخشري: " أخراهم منزلة، ~~وهم الأتباع [والسفلة]، لأولاهم منزلة وهم القادة والرؤساء ". # ويحتمل أن تكون " أخرى " بمعنى آخرة تأنيث آخر مقابل الأول، لا تأنيث ~~" آخر " الذي للمفاضلة كقوله: # ولا تزر وازرة وزر أخرى # [فاطر: 18]. # والفرق بين أخرى بمعنى آخرة، وبين أخرى تأنيث آخر بزنة أفعل للتفضيل، ~~أن التي للتفضيل لا تدل على الانتهاء، كما لا يدل عليه مذكرها، ~~ولذلك يعطف أمثالها عليها في نوع واحد تقول: مررت بأمراة وأخرى ~~وأخرى كما تقول: مررت برجل وآخر وآخر، وهذه تدل على الانتهاء، كما ~~يدل مذكرها، ولذلك لا يعطف أمثالها عليها، ولأن الأولى تفيد ~~إفادة ms3912 " غير " ، وهذه لا تفيد إفادة " غير ". # والظاهر في هذه الآية الكريمة أنهما ليستا للتفضيل، بل لما ~~ذكرنا. # قال ابن عباس ومقاتل: " أخراهم دخولا في النار لأولاهم دخولا فيها ". # واللام في " لأولاهم " للتعليل أي: لأجل، ولا يجوز أن تكون التي ~~للتبليغ كهي في قولك: قلت لزيد افعل. # قال الزمخشري: " لأن خطابهم مع الله لا معهم " ، وقد بسط القول ~~قبله في ذلك الزجاج فقال: " والمعنى: وقالت أخراهم: يا ربنا هؤلاء ~~أضلونا، لأولاهم " فذكر نحوه. # قال شهاب الدين: وعلى هذا فاللام الثانية في قوله: " أولاهم ~~لأخراهم " يجوز أن تكون للتبليغ، لأن خطابهم معهم بدليل قوله: # فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما ~~كنتم تكسبون # [الأعراف: 39] # قوله: { ربنا هؤلاء أضلونا } يعني: أن الأتباع يقولون: ~~إن المتقدمين أضلونا، يعني: أن القادة أضلونا عن الهدى والدين ~~فأتهم عذابا ضعفا من النار. # قال أبو عبيدة " الضعف: مثل الشيء مرة واحدة ". # قال الأزهري: ما قاله أبو عبيدة هو ما يستعمله الناس في مجاز ~~كلامهم، وقد قال الشافعي قريبا منه فقال في رجل أوصى: " أعطوه ~~ضعف ما يصيب ولدي " قال: " يعطى مثله مرتين ". # قال الأزهري: " الوصايا يستعمل فيها العرف، وما يتفاهمه الناس، ~~وأما كتاب الله فهو عربي مبين، ويرد تفسيره إلى لغة العرب، ~~وموضوع كلامها الذي هو صنعة ألسنتها. # والضعف في كلام العرب المثل إلى ما زاد، ولا يقتصر به على مثلين، بل ~~تقول: هذا ضعفه أي مثلاه، وثلاثة أمثاله، لأن الضعف في الأصل ~~زيادة غير محصورة، ألا ترى إلى قوله تعالى تعالى: # فأولئك لهم جزآء الضعف # [سبأ: 37] لم يرد به مثلا ولا مثلين، وأولى الأشياء به أن ~~يجعل عشرة أمثاله كقوله تعالى: # من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها # [الأنعام: 160] فأقل الضعف محصور وهو المثل وأكثره غير محصور ". # ومثل هذه المقالة قال الزجاج أيضا فإنه قال: أي عذابا ~~مضاعفا؛ لأن الضعف في كلام العرب على ضربين: # أحدهما: المثل، والآخر: أن يكون في معنى تضعيف الشيء أي زيادته إلى ~~ما لا يتناهى، وقد تقدم طرف من هذا في ms3913 البقرة. # وأما قول الشافعي في " الوصية ": إنه المثل، فلأن التركة ~~متعلقة بحقوق الورثة، إلا أنا لأجل الوصية صرفنا طائفة منها إلى ~~الموصى له، والقدر المتيقن في الوصية هو المثل، والباقي مشكوك فيه فيأخذ ~~المتيقن ويطرح المشكوك فيه فلهذا السبب حملنا الضعف في الوصية ~~على المثلين. # قوله: " ضعفا " صفة ل " عذابا " ، و " من النار " يجوز أن يكون ~~صفة ل " عذابا " ، وأن يكون صفة ل " ضعفا " ، ويجوز أن يكون " ضعفا ~~" بدلا من " عذابا ". # قوله: " لكل " أي: لكل فريق من الأخرى، والأولى أو القادة ~~والأتباع. # قوله: { ولكن لا تعلمون } قراءة العامة بتاء الخطاب: ~~إما خطابا للسائلين، وإما خطابا لأهل الدنيا أي: ولكن لا ~~تعلمون ما أعد من العذاب لكل فريق. # وقرأ أبو بكر عن عاصم بالغيبة، وهي تحتمل أن يكون الضمير عائدا ~~على الطائفة السائلة تضعيف العذاب، أو على الطائفتين، أي: لا يعلمون ~~قدر ما أعد لهم من العذاب. # فإن قيل: إن كان المراد من قوله: لكل أحد من العذاب ضعف ما يستحقه، ~~فذلك غير جائز؛ لأنه ظلم، وإن لم يكن المراد ذلك فما معنى كونه ~~ضعفا؟. # فالجواب: أن عذاب الكفار يزيد فكل ألم يحصل فإنه يعقبه حصول ألم ~~آخر إلى غير نهاية، فكانت تلك الآلام متضاعفة متزايدة لا إلى آخر. ### || [7.39] # قوله: " وقالت أولاهم " أي في ترك الكفر والضلال وإنا ~~متشاركون في استحقاق العذاب. # فإن قيل: إن هذا منهم كذب؛ لأنهم لكونهم رؤساء سادة وقادة، قد دعوا ~~إلى الكفر والترغيب فيه، فكانوا ضالين مضلين، وأما الأتباع ~~والضعفاء وإن كانوا ضالين إلا أنهم ما كانوا مضلين، فبطل قولهم: ~~إنه لا فضل للأتباع على الرؤساء في ترك الضلال والكفر. # فالجواب: أن أقصى ما في الباب أنهم كذبوا في هذا القول يوم القيامة، ~~وعندنا أن ذلك جائز كما قررناه في سورة الأنعام في قوله: # ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ~~ما كنا مشركين # [الأنعام: 23]. # قوله: " فما ": هذه الفاء عاطفة هذه الجملة المنفية على قول الله تعالى ~~للسفلة: " لكل ضعف " أي: فقد ثبت ms3914 أن لا فضل لكم علينا، ~~وأنا متساوون في استحقاق الضعف فذوقوا. # قال أبو حيان - بعد أن حكى بعض كلام الزمخشري -: والذي يظهر أن ~~المعنى انتفاء كون فضل عليهم من السفلة في الدنيا بسبب اتباعهم ~~إياهم، وموافقتهم لهم في الكفر أي: اتباعكم إيانا، وعدم ~~اتباعكم سواء؛ لأنكم كنتم في الدنيا عندنا أقل من أن يكون لكم ~~عيلنا فضل بأتباعكم، بل كفرتم اختيارا، لا أنا حملناكم على ~~الكفر إجبارا، وأن قوله: " فما كان " جملة معطوفة على جملة ~~محذوفة بعد القول دل عليها ما سبق من الكلام، والتقدير، قالت ~~أولاهم لأخراهم: ما دعاؤكم الله أنا أضللناكم وسؤالكم ما سألتم، فما ~~كان لكم علينا من فضل بضلالكم، وأن قوله: " فذوقوا " من كلام ~~الأولى خطابا للأخرى على سبيل التشفي، وأن ذوق العذاب هو بسبب ما ~~كسبتم لا بأنا أضللناكم. # وقيل: فذوقوا من خطاب الله لهم. # و " بما " " الباء " سببية، و " ما " مصدرية، أو بمعنى " الذي " ، ~~والعائد محذوف أي: تكسبونه. ### || [7.40] # هذا من تمام وعيد الكفار فقوله: { كذبوا بآياتنا } أي ~~بالدلائل الدالة التي هي أصول الدين فالدهرية ينكرون دلائل إثبات ~~الذات والصفات، والمشركون ينكرون دلائل إثبات التوحيد، ومنكرو ~~النبوات يكذبون الدلائل الدالة على صحة النبوات ومنكرو نبوة محمد ~~ينكرون الدلائل الدالة على صحة نبوته، ومنكرو المعاد ينكرون الدلائل ~~الدالة على صحة المعاد فقوله: { كذبوا بآياتنا } يتناول ~~الكل ومعنى الاستكبار طلب الترفع بالباطل، وهذا اللفظ ~~يدل على الذم في حق البشر. # قوله: " لا تفتح ". # قرأ أبو عمر: " لا تفتح " بضم التاء من فوق والتخفيف ~~والأخوان بالياء من تحت والتخفيف أيضا، والباقون: بالتأنيث والتشديد. # فالتأنيث والتذكير باعتبار الجمع والجماعة، والتخفيف والتضعيف ~~باعتبار التكثير وعدمه، والتضعيف هنا أوضح لكثرة المتعلق، وهو في هذه ~~القراءات مبني للمفعول. # وقرأ أبو حيوة، وأبو البرهسم [ " تفتح " ] بفتح التاء من ~~فوق والتضعيف، والأصل: لا تتفتح بتاءين فحذفت إحداهما، وقد تقدم في # تتذكرون # [الأنعام: 152]. # ونحوه، ف " أبواب " على قراءة أبي حيوة فاعل، وعلى ما تقدم مفعول لم ~~يسم فاعله. # وقرىء: " لا تفتح " بالتاء، ونصب " الأبواب ms3915 " على أن الفعل للآيات ~~وبالياء على أن الفعل لله ذكره الزمخشري. # فصل في معنى " لا تفتح " # قال ابن عباس: لا تفتح لأعمالهم لدعائهم مأخوذ من قوله: # إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه # [فاطر: 10]. # وقال السدي وغيره: لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء وتفتح ~~لأرواح المؤمنين، ويؤيد هذا ما ورد في الحديث أن روح المؤمن يعرج بها ~~إلى السماء فيستفتح لها فيقال: مرحبا بالنفس الطيبة، التي كانت في ~~الجسد الطيب، ويقال لها ذلك إلى أن تنتهي إلى السماء السابعة، ويستفتح ~~لروح الكافر، فقال لها: ارجعي ذميمة فإنه لا تفتح لك أبواب السماء ~~ولا يدخلون الجنة بل يهوى بها إلى سجين. # وقيل: لا ينزل عليهم الخير والبركة لقوله: # ففتحنآ أبواب السمآء بماء منهمر # [القمر: 11]. # قوله: { حتى يلج الجمل }. # الولوج: الدخول بشدة، ولذلك يقال: هو الدخول في مضيق، فهو أخص ~~من الدخول، والوليجة: كل ما يعتمده الإنسان، والوليجة الداخل في ~~قوم ليس منهم. # و " الجمل " قراءة العامة، وهو الحيوان المعروف، ولا يقال للبعير ~~جملا إلا إذا بزل، ولا يقال له ذلك إلا إذا بلغ أربع سنين وأول ما ~~يخرج ولد الناقة، ولم تعرف ذكوريته وأنوثته يقال له: " ~~سليل " ، فإن كان ذكرا فهو " سقب " ، وإن كان أنثى " حائل " ، ~~ثم هو " حوار " إلى الفطام، وبعده " فصيل " إلى سنة، وفي الثانية: " ~~ابن مخاض " و " بنت مخاض " ، وفي الثالثة: " ابن لبون " و " بنت ~~لبون " ، وفي الرابعة: " حق " و " حقة " ، وفي الخامسة: جذع ~~وجذعة، وفي السادسة: " ثني " و " ثنية " ، وفي السابعة: ~~رباع ورباعية مخففة، وفي الثامنة: " سديس " لهما. # وقيل: " سديسة " للأنثى، وفي التاسعة: " بازل " ، و " بازلة ~~" ، وفي العاشرة: " مخلف " و " مخلفة " ، وليس بعد البزول ~~والإخلاف سن بل يقال: بازل عام، أو عامين، ومخلف عام، أو عامين حتى ~~يهرم، فيقال له: فود. ورد التشبيه في الآية الكريمة في غاية الحسن، ~~وذلك أن الجمل أعظم حيوان عند العرب، وأكبره جثة حتى قال: [البسيط] # 2463 -......................... # جسم الجمال وأحلام العصافير # [وقوله]: [الوافر] # 2464 - لقد كبر البعير بغير لب # ................................ # وسم الإبرة في غاية ms3916 الضيق، فلما كان المثل يضرب بعظم هذا ~~وكبره، وبضيق ذلك حتى قيل: أضيق من خرت إبرة، ومنه الخريت وهو ~~البصير بمضايق الطرق قيل: لا يدخلون [الجنة حتى يتقحم أعظم الأشياء ~~وأكبرها عند العرب في أضيق الأياء وأصغرها فكأنه لا يدخلون] حتى يوجد ~~هذا المستحيل، ومثله في المعنى قول الشاعر: [الوافر] # 2465 - إذا شاب الغراب أتيت أهلي # وصار القار كاللبن الحليب # وقرأ ابن عباس في رواية ابن حوشب، ومجاهد، وابن يعمر، وأبو ~~مجلز والشعبي، ومالك بن الشخير، وابن محيصن، وأبو رجاء، وأبو ~~رزين، وأبان عن عاصم: " الجمل " بضم الجيم وفتح الميم مشددة وهو ~~القلس، والقلس: حبل غليظ، يجمع من حبال كثيرة فيفتل، وهو حبل ~~السفينة. # وقيل: الحبل الذي يصعد به [إلى] النخل. # ويروى عن ابن عباس أنه قال: " إن الله أحسن تشبيها أن يشبه بالحبل من ~~أن يشبه بالجمل " كأنه رأى - إن صح عنه - أن المناسب لسم الإبرة ~~شيء يناسب الخيط المسلوك فيها. # وقال الكسائي: " الراوي ذلك عن ابن عباس أعجمي فشد الميم ". # وضعف ابن عطية قول الكسائي بكثرة رواتها عن ابن عباس قراءة. قال شهاب ~~الدين: " ولذلك هي قراءة مشهورة بين الناس ". وروى مجاهد عن ابن ~~عباس ضم الجيم وفتح الميم خفيفة، وهي قراءة ابن جبير، وقتادة، وسالم ~~الأفطس. # وقرأ ابن عباس أيضا في رواية عطاء: " الجمل " بضم الجيم والميم ~~مخففة، وبها قرأ الضحاك الجحدري. # وقرأ عكرمة، وابن جبير بضم الجيم، وسكون الميم. # [وقرأ المتوكل، وأبو الجوزاء بالفتح والسكون، وكلها لغات في ~~القلس المذكور. # وسئل ابن مسعود عن الجمل في الآية فقال: " زوج الناقة " ، كأنه ~~فهم ما أراد السائل واستغباه]. # قوله: { في سم الخياط } متعلق ب " يلج " ، و " سم الخياط " ~~ثقب الإبرة، وهو الخرت، وسينه مثلثة، وكل ثقب ضيق فهو سم، وكل ~~ثقب في البدن؛ وقيل: كل ثقب في أنف أو أذن فهو سم وجمعه سموم. # قال الفرزدق: [الطويل] # 2466 - فنفست عن سميه حتى تنفسا # وقلت له لا تخش شيئا ورائيا # والسم: القاتل، وسمي بذلك للطفه وتأثيره في مسام البدن ms3917 حتى يصل ~~إلى القلب، وهو في الأصل مصدر ثم أريد به معنى الفاعل لدخوله باطن ~~البدن، وقد سمه إذا أدخله فيه، ومنه " السامة " للخاصة الذين ~~يدخلون بواطن الأمور ومسامها، ولذلك يقال لهم: الدخلل. والسموم ~~الريح الحادة؛ لأنها تؤثر تأثير السم القاتل. والخياط والمخيط الآلة ~~التي يخاط بها فعال ومفعل، كإزار ومئزر، ولحاف وملحف، وقناع ~~ومقنع. # وقرأ عبد الله، وقتادة، وأبو رزين، وطلحة " سم " بضم السين، ~~وأبو عمران الجوني، وأبو نهيك، والأصمعي عن نافع " سم " بالكسر، ~~وقد تقدم أنها لغات. # وقرأ عبد الله، وأبو رزين، وأبو مجلز: " المخيط " بكسر الميم ~~وسكون الخاء، وفتح الياء. # وطلحة بفتح الميم، وهذه مخالفة للسواد. # قوله: " وكذلك " أي: ومثل ذلك الجزاء نجزي المجرمين، فالكاف نعت ~~لمصدر محذوف. ### || [7.41] # قوله: { لهم من جهنم مهاد } هذه الجملة محتملة للحالية ~~والاستئناف، ويجوز حينئذ في " مهاد " أن تكون فاعلا ب " لهم " فتكون ~~الحال من قبيل المفردات، وأن تكون مبتدأ، فتكون من قبيل الجمل. # و " من جهنم " حال من " مهاد "؛ لأنه لو تأخر عنه لكان صفة، ~~أو متعلق بما تعلق به الجار قبله. # و " جهنم " لا تنصرف لاجتماع التأنيث والتعريف. # وقيل: اشتقاقه من الجهومة، وهي الغلظ يقال: رجل جهم الوجه أي غليظه، ~~فسميت بهذا الغلظ أمرها في العذاب. # و " المهاد " جمع: مهد، وهو الفراش. # قال الأزهري: " المهد في اللغة الفرش، يقال للفراش: مهاد ". # قوله: { ومن فوقهم غواش } غواش: جمع غاشية، وللنحاة في ~~الجمع الذي على فواعل إذا كان منقوصا بقياس خلاف: هل هو منصرف أو ~~غير منصرف؟. # فبعضهم قال: هو منصرف؛ لأنه قد زال [منه] صيغة منتهى الجموع، فصار ~~وزنه وزن جناح وقذال فانصرف. # وقال الجمهور: هو ممنوع من الصرف، والتنوين تنوين عوض. # واختلف في المعوض عنه ماذا؟ فالجمهور على أنه عوض من الياء ~~المحذوفة. # وذهب المبرد إلى أنه عوض من حركتها، والكسر ليس كسر إعراب، وهكذا: ~~حوار وموال وبعضهم يجره بالفتحة، قال: [الطويل] # 2467 - ولو كان عبد الله مولى هجوته # ولكن عبد الله مولى مواليا # وقال آخر: [الرجز] # 2468 - قد ms3918 عجبت مني ومن يعيليا # لما رأتني خلقا مقلوليا # وهذا الحكم ليس مختصا بصيغة مفاعل، بل كل غير منصرف إذا كان ~~منقوصا، فحكمه ما تقدم نحو: يعيل تصغير يعلى ويرم اسم رجل، ~~وعليه قوله: " ومن يعيليا " وبعض العرب يعرب " غواش " ونحوه ~~بالحركات على الحرف الذي قبل الياء المحذوفة، فيقول: هؤلاء جوار. # وقرىء: { ومن فوقهم غواش } برفع الشين، وهي كقراءة عبد الله: { ~~وله الجوار } [الرحمن: 24] برفع الراء. # فإن قيل: " غواش " على وزن فواعل؛ فيكون غير منصرف فكيف دخله ~~التنوين؟. # فالجواب: على مذهب الخليل وسيبويه أن هذا جمع، والجمع أثقل من ~~الواحد، وهو أيضا الجمع الأكبر الذي تتناهى الجموع إليه، فزاده ذلك ~~ثقلا، ثم وقعت الياء في آخره وهي ثقيلة، فلما اجتمعت فيه هذه الأشياء ~~خففوه بحذف الياء، فلما حذفوا الياء نقص عن مثال " فواعل " فصار ~~غواش بوزن جناح، فدخله التنوين لنقصانه عن هذا المثال. # قال المفسرون: معنى الآية: الإخبار عن إحاطة النار بهم من كل جانب ~~قوله: " وكذلك " تقدم مثله [الأعراف: 40]. # وقوله: " والظالمين " يحتمل أن يكون من باب وقوع الظاهر موقع ~~المضمر، والمراد ب " الظالمين " المجرمون، ويحتمل أن يكونوا غيرهم، ~~وأنهم يجزون كجزائهم. ### || [7.42] # لما ذكر الوعيد أتبعه بذكر الوعد، فقوله: " والذين آمنوا " ~~مبتدأ، وفي خبره وجهان: # أحدهما: أنه الجملة من قوله: { لا نكلف نفسا } ، وعلى هذا فلا ~~بد من عائد وهو مقدر، وتقديره، نفسا منهم. # والثاني: هو الجملة من قوله: " أولئك أصحاب " ، وتكون هذه الجملة ~~المنفية معترضة بينهما، وهذا الوجه أعرب، وإنما حسن وقوع هذا ~~الاعتراض بين المبتدأ والخبر؛ لأنه من جنس هذا الكلام؛ لأنه لما ~~ذكر عملهم الصالح ذكر أن ذلك العمل في وسعهم، وغير خارج عن قدرتهم، ~~وفيه تنبيه للكفار على أن الجنة مع عظم محلها يوصل إليها ~~بالعمل السهل من غير تحمل الصعب. # فصل في معنى قوله: " وسعها " # الوسع: ما يقدر الإنسان عليه في حال السعة والسهولة لا في حال ~~الضيق والشدة، ويدل عليه قول معاذ بن جبل في هذه الآية: إلا ~~يسرها لا عسرها. # وأما أقصى الطاقة ms3919 فلا يسمى وسعا، وغلط من قال: إن الوسع بذلك ~~المجهود. ### || [7.43] # قوله: { ونزعنا ما في صدورهم } فالنزع هو بمعنى ينزع فهو على ~~حد # أتى أمر الله # [النحل: 1]، والنزع: قلع الشيء عن مكانه. # وقوله: " من غل " يجوز أن تكون " من " لبيان جنس " ما " ويجوز ~~أن تكون حالا متعلقا بمحذوف أي: كائنا من غل. # الغل: الحقد والإحنة والبغض، وكذلك الغلول. # قال أهل اللغة: وهو الذي يغل بلطفه إلى صميم القلب أي: يدخل، ~~ومنه الغلول، وهو الوصول بالحيلة إلى الذنوب الدقيقة. # ويقال: انغل في الشيء، وتغلغل فيه إذا دخل فيه بلطافته كما يدخل في ~~صميم الفؤاد وجمع الغل غلال، والغلول: الأخذ في خفية، وأحسن ما ~~قيل إن ذلك من لفظ الغلالة كأنه تدرع ولبس الحقد والخيانة حتى ~~صار إليه كالغلالة الملبوسة. # فصل في تأويل الآية. # في الآية تأويلان: # أحدهما: أزلنا الأحقاد التي كانت لبعضهم في دار الدنيا، ومعنى ~~نزع الغل: تصفية الطباع، وإسقاط الوساوس ومنعها من أن ترد على القلوب، ~~فإن الشيطان لما كان في العذاب لم يتفرغ لإلقاء الوساوس في ~~القلوب، وإلى هذا المعنى أشار علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ~~إذ قال: " إني لأرجو أن أكون أنا، وعثمان، وطلحة، والزبير من الذين قال ~~الله - جل ذكره - فيهم: { ونزعنا ما في صدورهم من غل } ~~". # والتأويل الثاني: أن المراد منه أن درجات أهل الجنة متفاوتة بحسب ~~الكمال والنقصان، فالله - تعالى - أزال الحسد عن قلوبهم حتى ~~إن صاحب الدرجة النازلة لا يحسد صاحب الدرجة الكاملة. # قال صاحب هذا التأويل: وهذا أولى من الوجه الأول، حتى يكون في ~~مقابلة ما ذكره الله - تعالى - من تبرؤ بعض أهل النار من بعض، ولعن ~~بعضهم بعضا، ليعلم أن حال أهل الجنة في هذا المعنى مفارقة لحال ~~أهل النار، فإن قيل: كيف يعقل أن يشاهد الإنسان النعم العظيمة ~~والدرجة العالية، ويرى نفسه محروما عنها، عاجزا عن تحصيلها، ثم ~~إنه لا يميل طبعه إليها ولا يغتم بسبب الحرمان عنها؟ فإن عقل ذلك ~~فلم لا يعقل أيضا أن يغيرهم الله ms3920 - تعالى -، ولا يخلق فيهم شهوة الأكل ~~والشرب والوقاع ويغنيهم عنها؟. # فالجواب: أن الكل ممكن، والله تعالى قادر عليه، إلا أنه تعالى ~~وعد بإزلة الحقد والحسد عن القلوب، وما وعد بإزالة شهوة الأكل والشرب ~~عن النفوس. # قوله: { تجري من تحتهم الأنهار }. # في هذه الجملة ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها حال من الضمير في " صدورهم " ، قاله أبو البقاء ~~وجعل العامل في هذه الحال معنى الإضافة. # والثاني: أنها حال أيضا، والعامل فيها " نزعنا " ، قاله ~~الحوفي. # الثالث: أنها استئناف إخبار عن صفة أحوالهم. # ورد أبو حيان الوجهين الأولين؛ أما الأول فلأن معنى ~~الإضافة لا يعمل إلا إذا أمكن تجريد المضاف، وإعماله فيما بعده رفعا ~~أو نصبا. # وأما الثاني فلأن { تجري من تحتهم الأنهار } ليس من صفة ~~فاعل " نزعنا " ، ولا مفعوله وهما " نا " و " ما " فكيف ينتصب ~~حالا عنهما؟ وهذا واضح. # قال شهاب الدين: " قد تقدم غيره مرة أن الحال تأتي من المضاف ~~إليه إذا كان المضاف جزءا من المضاف إليه لمدرك آخر، لا لما ذكره أبو ~~البقاء من أن العامل هو معنى الإضافة، بل العامل في الحال هو العامل ~~في المضاف، وإن كانت الحال ليست منه؛ لأنهما لما كانا متضايفين، ~~وكانا مع ذلك شيئا واحدا ساغ ذلك ". # فصل في شرب المؤمنين من ساق الشجرة. # قال السدي في هذه الآية: إن أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة ~~وجدوا عند بابها شجرة في أصل ساقها عينان فيشربوا من أحديهما، ~~فينزع ما في صدورهم من غل، وهو الشراب الطهور، ويغتسلوا من الأخرى، ~~فجرت عليهم نضرة النعيم فلم يشقوا، ولم يسجنوا بعدها أبدا. # { وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا } أي: إلى ~~هذا يعني طريق الجنة. # وقال سفيان الثوري: " معناه هدانا لعمل هذا ثوابه ". # قوله تعالى: { وما كنا لنهتدي } قرأ الجماعة: " وما كنا ~~" بواو، وكذلك هي في مصاحف الأمصار غير " الشام " وفيها وجهان: # أظهرهما: أنها " واو " الاستئناف، والجملة بعدها مستأنفة. # والثاني: أنها حالية. # وقرأ ابن عامر " ما كنا " بدون واو، [و] الجملة على ما تقدم من احتمال ~~الاستئناف والحال، وهي ms3921 في مصحف الشاميين كذا، فقد قرأ كل بما في ~~مصحفه. # ووجه قراءة ابن عامر أن قوله: { وما كنا لنهتدي لولا ~~أن هدانا الله } جار مجرى التفسير لقوله: " هدانا لهذا ~~" ، فلما كان أحدهما غير الآخر؛ وجب حذف الحرف العاطف. # قوله: { لولا أن هدانا الله } " أن " وما في حيزها في محل ~~رفع بالابتداء، والخبر محذوف على ما تقرر، وجواب " لولا " مدلول ~~عليه بقوله: " وما كنا " تقديره: لولا هدايته لنا موجودة لشقينا، أو ~~ما كنا مهتدين. # فصل في الدلالة في الآية # دلت هذه الآية على أن المهتدي من هداه الله، وإن لم يهده الله لم ~~يهتد. ثم نقول: مذهب المعتزلة أن كل ما فعله الله في حق ~~الأنبياء، والأولياء من أنواع الهداية والإرشاد فقد فعله في حق جميع ~~الكفار والفساق، وإنما حصل الامتياز بين المؤمن والكافر، ~~والمحق والمبطل بسعي نفسه واختيار نفسه، فكان يجب عليه أن يحمد نفسه؛ ~~لأنه هو الذي حصل لنفسه الإيمان، وهو الذي أوصل نفسه إلى درجات ~~الجنان، وخلصها من دركات النيران، فلما لم يحمد نفسه ألبتة ~~إنما حمد الله - تعالى - فقط علمنا أن الهادي ليس إلا الله تعالى. # قوله: " لقد جاءت " جواب قسم مقدر، و " بالحق " يجوز أن تكون ~~الياء للتعدية، ف " بالحق " مفعول معنى، ويجوز أن تكون للحال [أي:] ~~جاءوا ملتبسين بالحق، وهذا من قول أهل الجنة حين رأوا ما ~~وعدهم الرسل عيانا، " ونودوا " هذا النداء يحتمل أن يكون من الله ~~- تعالى -، وأن يكون من الملائكة. # قوله: { أن تلكم الجنة } يجوز أن تكون المفسرة، فسرت ~~النداء - وهو الظاهر - بما بعدها، ويجوز أن تكون المخففة واسمها ضمير ~~الأمر محذوفا، فهي وما بعدها في محل نصب أو جر؛ لأن الأصل: " ~~بأن تلكم " ، وأشير إليها بإشارة البعيد؛ لأنهم وعدوا في ~~الدنيا. # وعبارة بعضهم " هي إشارة لغائب " مسامحة؛ لأن الإشارة لا تكون إلا ~~لحاضر، ولكن العلماء تطلق على البعيد غائبا مجازا. # قوله: " أورثتموها " يجوز أن تكون هذه الجملة حالية كقوله: # فتلك بيوتهم خاوية # [النمل: 52]. # ويجوز أن تكون خبرا عن " تلكم " ، ويجوز أن ms3922 تكون " الجنة " بدلا ~~أو عطف بيان و " أورثتموها " الخبر. # ومنع أبو البقاء أن تكون حالا من تلكم للفصل بالخبر، ولأن المبتدأ ~~لا يعمل في الحال. # وأدغم أبو عمرو والأخوان الثاء في التاء، وأظهرها الباقون. # و # بما كنتم تعملون # تقدم [المائدة: 105]. # فصل في معنى " أورثتموها " # قال أهل المعاني: معناه صارت إليكم كما يصير الميراث إلى أهله، ~~والإرث قد يستعمل في اللغة ولا يراد به زوال الملك عن الميت إلى ~~الحي، كما يقال: هذا الفعل يورثك الشرف ويورثك العار أي: يصيرك إليه. # ومنهم من يقول: إنهم أعطوا تلك المنازل من غير تعب في الحال فصار ~~شبيها بالميراث. # وقيل: إن أهل الجنة يرثون منازل أهل النار. # قال عليه الصلاة والسلام: # " ليس من كافر ولا مؤمن إلا وله في الجنة والنار منزل، فإذا دخل أهل ~~الجنة الجنة، وأهل النار النار، رفعت الجنة لأهل النار ~~فينظرون إلى منازلهم فيها فيقال لهم: هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله ~~- تعالى - ثم يقال: يا أهل الجنة، رثوهم بما كنتم تعملون، فيقسم بين ~~أهل الجنة منازلهم ". # فإن قيل: هذه الآية تدل على أن العبد يدخل الجنة بعمله، ~~وقوله - عليه الصلاة والسلام -: # " لن يدخل أحد الجنة بعمله، وإنما يدخلونها ~~برحمة الله " # ، وبينهما تناقض. # فالجواب: أن العمل لا يوجب دخول الجنة لذاته، وإنما يوجبه ~~لأن الله بفضله جعله علامة عليه، وأيضا لما كان الموفق للعمل الصالح ~~هو الله تعالى - كان دخول الجنة في الحقيقة ليس إلا بفضل الله - تعالى ~~-. ### || [7.44] # لما شرح وعيد الكفار وثواب أهل الإيمان أتبعه بذكر المناظرات ~~التي تدور بين الفريقين في هذه الآية. # قوله: { أن قد وجدنا } " أن " يحتمل أن تكون تفسيرية ~~للنداء، وأن تكون مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الأمر ~~والشأن، والجملة بعدها خبرها، وإذا كان الفعل متصرفا غير دعاء، ~~فالأجود الفصل ب " قد " كهذه الآية أو بغيرها. وقد تقدم تحقيقه في ~~المائدة. # قال الزمخشري: فإن قلت: هلا قيل: ما وعدكم ربكم، كما قيل: { ما ~~وعدنا ربنا }. # قلت: حذف ذلك تخفيفا لدلالة " وعدنا " عليه. # ولقائل أن ms3923 يقول: أطلق ليتناول كل ما وعد الله من البعث والحساب ~~والعقاب والثواب، وسائر أحوال القيامة، لأنهم كانوا مكذبين بذلك ~~أجمع، ولأن الموعود كله مما ساءهم، وما نعيم أهل الجنة إلا عذاب ~~لهم فأطلق لذلك. # قال شهاب الدين: قوله: " ولقائل... إلى آخره. # هذا الجواب لا يطابق سؤاله؛ لأن المدعي حذف المفعول الأول، وهو ضمير ~~المخاطبين. # والجواب وقع بالمفعول الثاني الذي هو الحساب والعقاب، وسائر ~~الأحوال، [فهذا] إنما يناسب لو سئل عن حذف المفعول الثاني، لا المفعول ~~الأول ". # وأجاب ابن الخطيب عن السؤال بأن قوله: { ما وعدنا ربنا } ~~يدل على أنه تعالى خاطبهم بهذا الوعد وكونهم مخاطبين من قبل الله ~~- تعالى - بهذا الوعد يوجب مزيد التشريف ومزيد التشريف لائق بحال ~~المؤمنين. # أما الكافر فليس أهلا لأن يخاطبه الله - تعالى - فلهذا السبب لم ~~يذكر الله تعالى أنه خاطبهم بهذا الخطاب بل ذكر الله - تعالى - أنه ~~بين هذا الحكم. # و " نعم " حرف جواب ك " أجل " و " إي " و " جير " و " بلى " ، ونقيضتها ~~" لا ". # و " نعم " تكون لتصديق الإخبار، أو إعلام استخبار، أو وعد طالب، ~~وقد يجاب بها النفي المقرون باستفهام وهو قليل جدا كقول جحدر: ~~[الوافر] # 2469 - أليس الليل يجمع أم عمرو # وإيانا فذاك بنا تداني # نعم، وترى الهلال كما أراه # ويعلوها النهار كما علاني # فأجاب قوله: " أليس " ب " نعم " ، وكان من حقه أن يقول: بلى، ولذلك ~~يروى عن ابن عباس في قوله تعالى: # ألست بربكم قالوا بلى # [الأعراف: 172]: لو قالوا: نعم لكفروا، وفيه بحث يأتي إن شاء ~~الله - تعالى - قريبا. # وقرأ الكسائي والأعمش ويحيى بن وثاب بكسر عينها، وهي لغة " ~~كنانة " ، وطعن أبو حاتم عليها وقال: " ليس الكسر بمعروف ". # واحتج الكسائي لقراءته بما يحكى عن عمر بن الخطاب أنه سأل قوما ~~فقالوا: نعم بالفتح، فقال: " أما النعم فالإبل فقولوا: نعم " أي ~~بالكسر. # قال أبو عبيد: " ولم نر العرب يعرفون ما رووه عن عمر ونراه ~~مولدا ". # قال شهاب الدين: وهذا طعن في المتواتر فلا يقبل، وتبدل عينها ~~حاء، وهي لغة فاشية، كما تبدل حاء ms3924 " حتى " عينا. # قوله: { فأذن مؤذن }. # التأذين في اللغة النداء والتصويت الإعلام، والأذان للصلاة إعلام ~~بها وبوقتها. وقالوا في " أذن مؤذن ": نادى مناد أسمع الفريقين. # قال ابن عباس: " وذلك المؤذن من الملائكة وهو صاحب الصور ". # قوله: " بينهم " يجوز أن يكون منصوبا ب " أذن " أو ب " مؤذن " فعلى ~~الأول التقدير: أن المؤذن أوقع ذلك الأذان بينهم أي في وسطهم. # وعلى الثاني التقدير: أن مؤذنا من بينهم أذن بذلك الأذان، ~~والأول أولى. # وأن يكون متعلقا بمحذوف على أنه صفة ل " مؤذن " قال مكي - ~~عند إجازته هذا الوجه -: " ولكن لا يعمل في " أن " " مؤذن " إذ قد ~~نعته " يعني أن قوله: " أن لعنة الله " لا يجوز أن يكون ~~معمولا ل " مؤذن "؛ لأنه موصوف واسم الفاعل متى وصف لم يعمل. # قال شهاب الدين: وهذا يوهم أنا إذا لم نجعل " بينهم " نعتا ل ~~" مؤذن " جاز أن يعمل في " أن " ، وليس الأمر كذلك؛ لأنك لو قلت: ~~ضرب ضارب [زيدا تنصب زيدا ب " ضرب " لا ب " ضارب " ]. # لكني قد رأيت الواحدي أجاز ما أجاز مكي من كون " مؤذن " عاملا في " ~~أن " ، وإذا وصفته امتنع ذلك، وفيه ما تقدم وهو حسن. # قوله: { أن لعنة الله على الظالمين } " أن " يجوز أن ~~تكون المفسرة، وأن تكون المخففة، والجملة الاسمية بعدها الخبر، فلا ~~حاجة هنا لفاصل. # وقرأ الأخوان، وابن عامر، والبزي: " أن " بفتح الهمزة وتشديد النون، ~~ونصب " اللعنة " على أنها اسمها، و " على الظالمين " خبرها، وكذلك ~~في [النور 7] # أن لعنت الله عليه # خفف " أن " ورفع اللعنة نافع وحده، والباقون بالتشديد والنصب. # [قال الواحدي: من شدد فهو الأصل، ومن خفف فهو مخففة من التشديد ~~على إرادة إضمار القصة والحديث تقديره: أنه لعنة الله، ومثله قوله ~~تعالى: # وآخر دعواهم أن الحمد لله # [يونس: 10] التقدير: أنه، ولا يخفف " أن " هذه إلا وتكون بعد إضمار ~~الحديث والشأن]. # وقرأ عصمة عن الأعمش: " إن " بالكسر والتشديد، وذلك: إما على ~~إضمار القول عند البصريين، وإما على إجراء النداء مجرى القول عند ~~الكوفيين. ### || [7.45] # قوله: " الذين " يجوز أن يكون مرفوع المحل ms3925 ومنصوبه على القطع فيهما، ~~ومجروره على النعت، أو البدل، أو عطف البيان. # ومفعول " يصدون " محذوف أي: يصدون الناس، ويجوز ألا يقدر ~~له مفعول. # والمعنى: الذين من شأنهم الصد كقولهم: " هو يعطي ويمنع ". # ومعنى " يصدون " أي: يمنعون الناس من قبول الدين الحق، إما ~~بالقهر، وإما بسائر الحيل. # ويجوز أن يكون " يصدون " بمعنى يعرضون من: صد صدودا، فيكون ~~لازما. # قوله: { ويبغونها عوجا } أي بإلقاء الشكوك والشبهات في ~~دلائل الدين الحق، ثم قال: و { بالآخرة كافرون }. # وهذا يدل على فساد ما قاله القاضي من أن ذلك اللعن يعم الفاسق ~~والكافر. # والعوج بكسر العين في الدين والأمر وكل ما لم يكن قائما. وبالفتح في ~~كل ما كان قائما كالحائظ والرمح ونحوه. ### || [7.46] # أي بين أصحاب الجنة وأصحاب النار، وهذا هو الظاهر كقوله: # فضرب بينهم بسور # [الحديد: 13]. # وقيل: بين الجنة والنار، وبه بدأ الزمخشري. # فإن قيل: وأي حاجة إلى ضرب هذا السور بين الجنة والنار، وقد ثبت ~~أن الجنة. فوق والنار في أسفل السافلين؟. # فالجواب: بعد إحداهما عن الأخرى لا يمنع أن يحصل بينهما سور وحجاب. # قوله: " وعلى الأعراف ": قال الزمخشري: أي: وعلى أعراف ~~الحجاب. # قال القرطبي: أعراف السور وهي شرفه، ومنه عرف الفرس وعرف ~~الديك، كأنه جعل " أل " عوضا من الإضافة وهو مذهب كوفي، وتقدم ~~تحقيقه. # وجعل بعضهم نفس الأعراف هي نفس الحجاب المتقدم ذكره، عبر عنه تارة ~~بالحجاب، وتارة بالأعراف. # قال الواحدي - ولم يذكر غيره -: " ولذلك عرفت الأعراف؛ لأنه ~~عني بها الحجاب " قال ابن عباس. # والأعراف: جمع عرف بضم العين، وهو كل مرتفع من أرض وغيرها ~~استعارة من عرف الديك، وعرف الفرس. # قال يحيى بن آدم: سألت الكسائي عن واحد الأعراف فسكت، فقلت: ~~حدثتنا امرأتك عن جابر عن مجاهد عن ابن عباس قال: " الأعراف سور ~~له عرف مثل عرف الديك " فقال: نعم، وإن واحده عرف بعير، وإن جماعته ~~أعراف، يا غلام هات القرطاس كأنه عرف بارتفاعه دون الأشياء ~~المنخفضة، فإنها مجهولة غالبا. # قال أمية بن أبي الصلت: [البسيط] # 2470 - وآخرون على الأعراف قد ms3926 طمعوا # في جنة حفها الرمان والخضر # ومثله أيضا قوله: [الرجز] # 2471 - كل كناز لحمه نياف # كالجبل الموفي على الأعراف # وقال الشماخ: [الطويل] # 2472 - فظلت بأعراف تعادى كأنها # رماح نحاها وجهة الريح راكز # وقال الزجاج، والحسن في أحد قوليه: إن قوله: " وعلى الأعراف ~~" وعلى معرفة أهل الجنة والنار، كتبة رجال يعرفون كل من أهل ~~الجنة والنار بسيماهم، للحسن: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فضرب على ~~فخذه ثم قال: هم قوم جعلهم الله على تعرف أهل الجنة وأهل النار، ~~يميزون البعض من البعض والله لا أدري لعل بعضهم الآن معنا. # قال المهدوي: " إنهم عدول القيامة الذين يشهدون على ~~الناس بأعمالهم، وهم في كل أمة " ، واختار هذا القول النحاس ~~وقال: " هو من أحسن ما قيل فيه، فهم على السور بين الجنة والنار ". # فأما القائلون بالقول الأول فقد اختلفوا في الذين هم على الأعراف ~~على قولين: # فقيل: هم الأشراف من أهل الطاعة، وقال أبو مجلز: " هم ملائكة ~~يعرفون أهل الجنة وأهل النار " ، فقيل له: يقول الله - عز وجل - { ~~وعلى الأعراف رجال } ، وتزعم أنهم ملائكة، فقال: " ~~الملائكة ذكور لا إناث ". # وقيل: هم الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - أجلسهم الله على ~~أعلى ذلك السور إظهارا لشرفهم وعلو مرتبتهم. # وقيل: هم الشهداء. # فإن قيل: هذه الوجوه باطلة لأنه تعالى قال في صفة أصحاب الأعراف: " لم ~~يدخلوها وهم يطمعون في دخولها " ، وهذا الوصف لا يليق بالملائكة ~~والأنبياء والشهداء. # فالجواب: قالوا: لا يبعد أن يقال: إنه تعالى بين من صفة أهل ~~الأعراف أن دخولهم الجنة يتأخر، والسبب فيه أنه تعالى ميزهم عن أهل ~~الجنة وأهل النار، وأجلسهم على تلك الأماكن المرتفعة ليشاهدوا أحوال ~~أهل الجنة في الجنة، وأحوال أهل النار في النار، فيلحقهم السرور ~~العظيم بمشاهدة تلك الأحوال، ثم إذا استقر أهل الجنة في الجنة، ~~وأهل النار في النار، فحينئذ ينقلهم الله إلى أماكنهم ~~العالية في الجنة. فثبت أن كونهم غير داخلين في الجنة لا يمنع ~~من كمال شرفهم وعلو درجتهم. # وأما قوله: " وهم يطمعون " والطمع هنا يحتمل أن يكون ms3927 على بابه ~~أو يكون بمعنى اليقين قال تعالى حكاية عن إبراهيم - عليه الصلاة ~~والسلام -: # والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين # [الشعراء: 82]. # وذلك الطمع طمع يقين، وقال الشاعر: [المتقارب] # 2473 - وإني لأطمع أن الإله # قدير بحسن يقيني يقيني # القول الثاني: أن أصحاب الأعراف أقوام يكونون في الدرجة النازلة] من ~~أهل الثواب وهؤلاء ذكروا وجوها: # أحدها: أنهم أقوام تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فأوقفهم الله تعالى ~~على الأعراف، لكونها درجة متوسطة بين الجنة والنار، ثم يدخلهم الله ~~الجنة بفضله ورحمته، وهذا قول حذيفة وابن مسعود، واختيار الفراء، ~~وطعن الجبائي والقاضي في هذا القول، واحتجوا على فساده من وجهين: # الأول: قالوا: إن قوله تعالى: # ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم ~~تعملون # [الأعراف: 43] يدل على أن كل من دخل الجنة فلا بد وأن يكون ~~مستحقا لدخولها، وذلك يمنع من القول بوجود أقوام لا يستحقون الجنة ~~ولا النار، ثم إنهم يدخلون الجنة بمحض التفضل، لا بسبب الاستحقاق. # الثاني: أن كونهم من أصحاب الأعراف يدل على أنه تعالى ~~ميزهم من جميع أهل القيامة، ثم أجلسهم على الأماكن العالية ~~[وقيل هذا التشريف لا يليق إلا بالأشراف وأما الذين تساوت حسناتهم ~~وسيئاتهم فدرجتهم قاصرة، فلا يليق بهم ذلك التشريف]. # والجواب عن الأول: أنه يحتمل أن يكون قوله: { ونودوا أن ~~تلكم الجنة أورثتموها } خطاب مع أقوام معينين، فلم ~~يلزم أن يكون كل أهل الجنة كذلك. # والجواب عن الثاني: أنا لا نسلم أنه تعالى أجلسهم على تلك ~~الأماكن العالية على سبيل التخصيص بمزيد التشريف وإنما ~~أجلسهم عليها؛ لأنها كالمرتبة المتوسطة بين الجنة ~~والنار وهل النزاع إلا في ذلك؟! # الوجه الثاني: أنهم أقوام خرجوا إلى الغزو بغير إذن آبائهم ~~فاستشهدوا فحبسوا بين الجنة والنار، وهذا داخل في القول الذي ~~قبله؛ لأن معصيتهم ساوت طاعتهم بالجهاد. # الثالث: قال عبد الله بن الحارث: " إنهم مساكين أهل ~~الجنة ". # الرابع: قيل: إنهم الفساق من أهل الصلاة يعفو الله عنهم ~~ويسكنهم في الأعراف. # وأما القول الثاني بأن الأعراف عبارة عن الرجال الذين يعرفون أهل ~~الجنة ms3928 والنار، فهذا قول غير بعيد؛ لأن هؤلاء الأقوام لا بد لهم من ~~مكان عال، يشرفون منه على أهل الجنة وأهل النار. # قوله: " يعرفون " في محل رفع نعتا ل " رجال " ، و " كلا " ~~أي: كل فريق من أصحاب الجنة، وأصحاب النار. # قوله: " بسيماهم " قال ابن عباس: " إن سيما الرجل المسلم من ~~أهل الجنة بياض وجهه. قال تعالى: # يوم تبيض وجوه وتسود وجوه # [آل عمران: 106] [وكون وجوههم مسفرة ضاحكة مستبشرة وكون كل واحد أغر ~~محجلا من آثار الوضوء وعلامة الكفار سواد وجوههم]. وكون وجوههم عليها ~~غبرة ترهقها قترة، وكون عيونهم زرقا ". # وقيل: إن أصحاب الأعراف كانوا يعرفون المؤمنين في الدنيا ~~بظهور علامات الإيمان والطاعة عليهم، ويعرفون الكافرين في الدنيا ~~أيضا بظهور علامات الكفر والفسق عليهم، فإذا شاهدوا أولئك ~~الأقوام في محفل القيامة ميزوا البعض عن البعض بتلك العلامات التي ~~شاهدوها عليهم في الدنيا، وهذا هو المختار؛ لأنهم لما شاهدوا ~~أهل الجنة [في الجنة] وأهل النار في النار فأي حاجة إلى أن ~~يستدل على كونهم من أهل الجنة بهذه العلامات؟ لأن هذا يجري مجرى ~~الاستدلال على ما علم وجوده بالحس، وذلك باطل. # والآية تدل على أن أصحاب الأعراف مختصون بهذه المعرفة فلو ~~حملناه على هذا الوجه لم يبق لهذا الاختصاص فائدة؛ لأنها أمور ~~محسوسة، فلا يختص بمعرفتها شخص دون شخص. # قوله: { ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم }. # والمعنى: أنهم إذا نظروا إلى أهل الجنة سلموا على أهلها والضمير ~~في " نادوا " وما بعده لرجال. # وقوله: { أن سلام عليكم } كقوله: # أن لعنة الله على الظالمين # [الأعراف: 44] إلا أنه لم يقرأ هنا إلا ب " أن " الخفيفة فقط. # فصل في معنى السلام في الآية # والمعنى: يقولون لهم: سلام عليكم، وقيل: سلمتم من العقوبة، وقوله: " ~~وهم يطمعون " على هذا التأويل يعني وهم يعلمون أنهم يدخلوها، ~~وذلك معروف في اللغة أن يكون طمع بمعنى علم، ذكره النحاس، وهذا ~~قول ابن عباس وابن مسعود وغيرهم أن المراد أصحاب الأعراف. # قال القطربي: قوله " لم يدخلوها " في هذه الجملة أوجه: # أحدها: أنها حال ms3929 من فاعل " نادوا " أي: نادى أهل الأعراف حال كونهم ~~غير داخلين الجنة. # وقوله: " وهم يطمعون " يحتمل أن يكون حالا من فاعل " ~~يدخلوها " ، ثم لك اعتباران بعد ذلك. # الأول: أن يكون المعنى لم يدخلوها طامعين في دخولها بل دخلوها ~~على يأس من دخولها. # والثاني: المعنى لم يدخلوها حال كونهم طامعين، أي: لم يدخلوها بعد، ~~وهم في وقت عدم الدخول طامعون، ويحتمل أن يكون مستأنفا أخبر عنهم ~~بأنهم طامعون في الدخول. # الوجه الثاني: أن تكون حالا من مفعول " نادوا " أي: نادوهم حال كونهم ~~غير داخلين، وقوله: " وهم يطمعون " على ما تقدم آنفا. # والوجه الثالث: أن تكون في محل رفع صفة ل " رجال " ، قاله ~~الزمخشري وفيه ضعف من حيث إنه فصل فيه بين الموصوف وصفته بجملة ~~قوله: " ونادوا " ، وليست جملة اعتراض. # والوجه الرابع: أنها لا محل لها من الإعراب؛ لأنها جواب سائل سأل ~~عن أصحاب الأعراف، فقال: ما صنع بهم؟ فقال: لم يدخلوها، وهم ~~يطمعون في دخولها. # وقال مكي كلاما عجيبا، وهو أن قال: " إن حملت المعنى على أنهم ~~دخلوها كان " وهم يطمعون " ابتداء وخبرا في موضع الحال من ~~الضمير المرفوع في " يدخلوها " ، معناه: أنهم يئسوا من ~~الدخول، فلم يكن لهم طمع في الدخول، لكن دخلوا وهم على يأس من ~~ذلك، فإن حملت معناه أنهم لم يدخلوا بعد، ولكنهم يطمعون في الدخول ~~برحمة الله كان ابتداء وخبرا مستأنفا ". # وقال بعضهم: جملة قوله: " لم يدخلوها " من كلام أصحاب الجنة، ~~وجملة قوله: " وهم يطمعون " من كلام الملائكة. # قال عطاء ابن عباس: " إن أصحاب الأعراف ينادون أصحاب الجنة بالسلام، ~~فيردون عليهم السلام، فيقول أصحاب اللجنة للخزنة: ما لأصحابنا على ~~أعراف الجنة لم يدخلوها؟ فتقول لهم الملائكة جوابا لهم وهم ~~يطمعون " وهذا يبعد صحته عن ابن عباس إذ لا يلائم فصاحة القرآن. # فصل في معنى الآية # قال ابن الخطيب: معنى الآية أنه تعالى أخبر أن أهل الأعراف، لم ~~يدخلوا الجنة، ومع ذلك فهم يطمعون في دخولها. # ثم إن قلنا: إن أصحاب الأعراف هم أشراف أهل الجنة، فالمعنى: ms3930 ~~أنه تعالى إنما جعلهم على الأعراف وأخر إدخالهم الجنة ليطلعوا على ~~أهل الجنة والنار، ثم إنه تعالى ينقلهم إلى الدرجات العالية ~~كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ~~ترون الكوكب الدري في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر ~~منهم " # وتحقيق الكلام أن أصحاب الأعراف هم أشراف أهل القيامة فعند وقوف أهل ~~القيامة في الموقف يجلس الله أهل الأعراف في الأعراف وهي المواضع ~~العالية الشريفة، فإذا أدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار نقلهم ~~إلى الدرجات العالية، فهم أبدا لا يجلسون إلا في الدرجات العالية. وإن ~~قلنا: أصحاب الأعراف هم الذين يكونون في الدرجة النازلة من أهل ~~النجاة، فالمعنى أنه تعالى يجلسهم في الأعراف، وهم يطمعون في فضل ~~الله وإحسانه أن ينقلهم من تلك المواضع إلى الجنة # قال الحسن: " الذي جعل الطمع في قلوبهم يوصلهم إلى ما يطمعون ". ### || [7.47] # قوله تعالى: { وإذا صرفت أبصارهم } معناه: كلما وقعت أبصار ~~أصحاب الأعراف على أهل النار تضرعوا إلى الله في ألا يجعلهم من ~~زمرتهم. # وقرأ الأعمش: " وإذا قلبت " وهي مخالفة للسواد كقراءة " لم ~~يدخلوها وهم ساخطون " أو وهم طامعون على أن هذه أقرب. # قوله: " تلقاء " منصوب على ظرف المكان. # قال مكي: " وجمعه تلاقي ". # قال شهاب الدين: لأن " تلقاء " وزنه " تفعال " ك " تمثال " ~~وتمثال وبابه يجمع على " تفاعيل " ، فالتقت الياء الزائدة مع ~~الياء التي هي لام الكلمة، فأدغمت فصارت " تلاقي ". # والتلقاء في الأصل، مصدر ثم جعل دالا على المكان أي: على جهة ~~اللقاء والمقابلة. # قال الواحدي: " التلقاء جهة اللقاء، وهي في الأصل مصدر استعمل ~~ظرفا " ، ونقل الواحدي بإسناده عن ثعلب عن الكوفيين، ~~والمبرد عن البصريين أنهما قالا: لم يأت من المصادر على " تفعال " ~~بكسر التاء إلا لفظتان: التلقاء، والتبيان، وما عدا ذلك من ~~المصادر فمفتوح نحو: الترداد والتكرار، ومن الأسماء مكسور نحو: تمثال ~~وتمساح وتقصار. # وفي قوله: " صرفت أبصارهم " فائدة جليلة، وهو أنهم لم ~~يلتفتوا إلى جهة النار [إلا] مجبورين على ذلك لا باختيارهم؛ ms3931 لأن ~~مكان الشر محذور، وقد تقدم خلاف القراء في نحو: " تلقاء ~~أصحاب " بالنسبة إلى إسقاط إحدى الهمزتين، أو إثباتها، أو تسهيلها ~~في أوائل البقرة [6، 13]. # و " قالوا " هو جواب " إذا " والعامل فيها. ### || [7.48] # لما بين بقوله: { وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار } أتبعه ~~أيضا بأن أصحاب الأعراف ينادون رجالا من أهل النار، فاستغنى عن ذكر ~~النار؛ لأن الكلام المذكور لا يليق إلا بهم، وهو قولهم: { مآ أغنى ~~عنكم جمعكم }. # قوله: " ما أغنى " يجوز أن تكون استفهامية للتوبيخ والتقريع، وهو ~~الظاهر، ويجوز أن تكون نافية. # وقوله: " وما كنتم " " ما " مصدرية لينسق مصدر على مثله أي: ما أغنى ~~عنكم جمعكم المال والاجتماع والكثرة وكونكم مستكبرين عن قبول الحق، ~~أو استكباركم على الناس. # وقرىء " تستكثرون " بثاء مثلثة من الكثرة. ### || [7.49] # يجوز في هذه الجملة وجهان: # أحدهما: أنها في محل نصب بالقول المتقدم أي: قالوا: ما أغنى، ~~وقالوا: أهؤلاء الذين أقسمتم زيادة تبكيت. # والثاني: أن تكون جملة مستقلة غير داخلة في حيز القول، والمشار ~~إليهم على القول الأول هم أهل الجنة، والقائلون ذلك هم أهل ~~الأعراف، والمقول لهم هم أهل النار. # [والمعنى: وقال أهل الأعراف لأهل النار]: أهؤلاء الذين في ~~الجنة اليوم هم الذين كنتم تحلفون أنهم لا يدخلون الجنة برحمة الله ~~وفضله، ادخلوا الجنة أي: قالوا لهم، أو قيل لهم: ادخلوا الجنة. # وأما على القول الثاني وهو الاستئناف، فاختلف في المشار إليه، ~~فقيل: هم أهل الأعراف، والقائل ذلك ملك يأمره الله بهذا القول، ~~والمقول له هم أهل النار. # وقيل: المشار إليهم هم أهل الجنة، والقائل هم الملائكة، والمقول ~~لهم أهل النار. # وقيل: المشار إليهم هم أهل الأعراف [وهم القائلون ذلك أيضا، ~~والمقول لهم الكفار. # ووقوله: " ادخلوا الجنة " من قول أهل الأعراف أيضا] أي: يرجعون ~~فيخاطب بعضهم بعضا، [فيقولون: ادخلوا الجنة]. # قال ابن الأنباري: إن قوله: { أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله ~~برحمة } من كلام أصحاب الأعراف، وقوله: " ادخلوا " من كلام الله ~~تعالى، وذلك على إضمار قول أي: فقال لهم الله: ادخلوه ونظيره قوله ~~تعالى: ms3932 # يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره # [الشعراء: 35] فهذا من كلام الملأ، " فماذا تأمرون "؟ فهذا من فرعون أي: ~~فقال: فماذا تأمرون؟ أي فيقولون: ادخلوا الجنة. # وقرأ الحسن، وابن سيرين: " أدخلوا الجنة " أمرا من " أدخل " ~~وفيها تأويلان: # أحدهما: أن المأمور بالإدخال الملائكة، أي: أدخلوا يا ملائكة هؤلاء، ~~ثم خاطب البشر بعد خطاب الملائكة، فقال: لا خوف عليكم، وتكون ~~الجملة من قوله: " لا خوف " لا محل لها من الإعراب لاستئنافها. # والثاني: أن المأمور بذلك هم أهل الأعراف، والتقدير: أدخلوا أنفسكم، ~~فحذف المفعول في الوجهين. # ومثل هذه القراءة هنا قوله تعالى: # أدخلوا آل فرعون # [غافر: 46] وستأتي إن شاء الله تعالى، إلا أن المفعول هناك ~~مصرح به في إحدى القراءتين. # والجملة من قوله: " لا خوف " على هذا في محل نصب على الحال أي: ~~أدخلوا أنفسكم غير خائفين. # وقرأ عكرمة " دخلوا " ماضيا مبنيا للفاعل. # وطلحة وابن وثاب والنخعي: " أدخلوا " من أدخل ماضيا مبنيا ~~للمفعول على الإخبار، وعلى هاتين، فالجملة المنفية في محل نصب ~~بقول مقدر، وذلك القول منصوب على الحال، أي: مقولا لهم: لا خوف. # فصل # قال الكلبي: ينادونهم وهم على السور: يا وليد بن المغيرة، يا ~~أبا جهل بن هشام، يا فلان، يا فلان، ثم ينظرون إلى الجنة ~~فيرون فيها الفقراء والضعفاء ممن كانوا يستهزءون، بهم مثل سلمان، ~~وصهيب، وخباب، وبلال، وأمثالهم، فيقول أصحاب الأعراف لأولئك الكفار: " ~~أهؤلاء " - يعني هؤلاء الصغار - " الذين أقسمتم " حلفتم { لا ~~ينالهم الله برحمة } أي: حلفتم أنهم لا يدخلون الجنة، ثم ~~يقال لأهل الأعراف: { ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا ~~أنتم تحزنون }. # وقيل: إن أصحاب الأعراف إذا قالوا لأهل النار ما قالوا، قال لهم أهل ~~النار: إن أدخل أولئك الجنة فأنتم لم تدخلوها فيعيرونهم بذلك، ~~ويقسمون أنهم يدخلون النار، فتقول الملائكة الذين حبسوا أصحاب ~~الأعراف على الصراط لأهل النار: " هؤلاء " - يعني أصحاب الأعراف - " ~~الذين أقسمتم " يا أهل النار { لا ينالهم الله ~~برحمة } ، ثم قالت الملائكة لأصحاب الأعراف: { ادخلوا ~~الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون } فيدخلون ~~الجنة. ### || [7.50] # قال عطاء عن ms3933 ابن عباس: " لما صار أصحاب الأعراف إلى الجنة طمع أهل ~~النار في الفرج، فقالوا: يا رب، إن لنا قرابات من أهل الجنة فأذن ~~لنا حتى نراهم ونكلمهم فأمر الله الجنة فتزحزحت فنظروا إلى قراباتهم في ~~الجنة، وما هم فيه من النعيم، فعرفوهم، ولم يعرفهم أهل الجنة لسواد ~~وجوههم، فنادى أصحاب النار أصحاب الجنة بأسمائهم، وأخبروهم بقراباتهم { ~~أن أفيضوا علينا من المآء أو مما رزقكم الله ~~}. # قوله: " أن أفيضوا " كأحوالها من احتمال التفسير والمصدرية، و " ~~من الماء " متعلق ب " أفيضوا " على أحد وجهين: # إما على حذف مفعول أي: شيئا من الماء، فهي تبعيضية طلبوا منهم البعض ~~اليسير، وإما على تضمين " أفيضوا " معنى ما يتعدى ب " من " أي: ~~أنعموا منه بالفيض. # وقوله: { أو مما رزقكم } " أو " هنا على بابها من اقتضائها ~~لأحد الشيئين؛ إما تخييرا، أو إباحة، أو غير ذلك مما يليق بهما، وعلى ~~هذا يقال: كيف قيل: حرمهما فأعيد الضمير مثنى وكان من حق من يقول: ~~إنها لأحد الشيئين أن يعود مفردا على ما تقرر غير مرة؟ # وقد أجابوا بأن المعنى: حرم كلا منهما. # وقيل: إن " أو " بمعنى الواو فعود الضمير واضح عليه. # و " مما " " ما " يجوز أن تكون موصولة اسمية، وهو الظاهر، ~~والعائد محذوف أي: أو من الذي رزقكموه الله، ويجوز أن تكون مصدرية، وفيه ~~مجازان. # أحدهما: أنهم طلبوا منهم إفاضة نفس الرزق مبالغة في ذلك. # والثاني: أن يراد بالمصدر اسم المفعول، كقوله: # كلوا واشربوا من رزق الله # [البقرة: 60] في أحد وجهيه. # وقال الزمخشري: أو مما رزقكم الله من غيره من الأشربة ~~لدخوله في حكم الإفاضة ". # ويجوز أن يراد: أن ألقوا علينا من ما زرقكم الله من الطعام والفاكهة ~~كقوله: [الرجز]. # 2474 - علفتها تبنا وماء باردا # ......................... # قال أبو حيان: وقوله: " وألقوا علينا مما رزقكم الله ~~من الطعام والفاكهة " يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون قوله: " أفيضوا " ضمن معنى قوله: " ألقوا علينا من ~~الماء، أو مما رزقكم الله " فيصح العطف. # ويحتمل - وهو الظاهر من كلامه - أن يكون أضمر فعلا بعد " أو " يصل ms3934 إلى ~~مما رزقكم الله، وهو " ألقوا " ، وهما مذهبان للنحاة فيما عطف على ~~شيء بحرف عطف، والفعل لا يصل إليه، والصحيح منهما التضمين لا ~~الإضمار. # قال شهاب الدين: " يعني الزمخشري: أن الإفاضة أصل استعمالها في ~~الماء، وما جرى مجراه في المائعات، فقوله: " أو من غيره من الأشربة " ~~تصحيح ليسلط الإفاضة عليه؛ لأنه لو حمل مما رزقكم الله على ~~الطعام والفاكهة لم يحسن نسبة الإفاضة إليهما إلا بتجوز، فذكر وجه ~~التجوز بقوله: " ألقوا " ، ثم فسره الشيخ بما ذكر، وهو كما قال، فإن ~~العلف لا يسند إلى الماء فيؤولان بالتضمين أي: فعلفتها، ومثله: [الوافر] # 2475 -...................... # وزججن الحواجب والعيونا # وقوله: [مجزوء الكامل] # 2476 - يا ليت زوجك قد غدا # متقلدا سيفا ورمحا # وقوله تعالى: # والذين تبوءوا الدار والإيمان # [الحشر: 9] وقد مضى من هذا جملة صالحة ". # وزعم بعضهم أن قوله: { أو مما رزقكم الله } عام يندرج فيه ~~الماء المتقدم، وهو بعيد أو متعذر للعطف ب " أو ". والتحريم ~~هنا المنع كقوله: [الطويل] # 2477 - حرام على عيني أن تطعما الكرى # .......................... # فصل في فضل سقي الماء # قال القرطبي: " هذه الآية دليل على أن سقي الماء أفضل الأعمال ". # وقد سئل ابن عباس: أي الصدقة أفضل؟ قال: الماء، ألم تروا إلى أهل ~~النار حين استغاثوا بأهل الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما ~~رزقكم الله. # وروى أبو داود # " أن سعدا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أي الصدقة أحب إليك؟ ~~قال: الماء، فحفر بئرا وقال: هذه لأم سعد ". # فصل في أحقية صاحب الحوض بمائه # قال القرطبي: " وقد استدل بهذه الآية من قال: إن صاحب الحوض والقربة ~~أحق بمائه، وأن له منعه ممن أراده؛ لأن معنى قول أهل الجنة: { إن ~~الله حرمهما على الكافرين } لا حق لكم فيها ". ### || [7.51] # قوله " الذين " يجوز أن تكون في محل جر، وهو الظاهر، نعتا أو بدلا ~~من " الكافرين " ، ويجوز أن تكون رفعا أو نصبا على القطع. # قوله: { اتخذوا دينهم لهوا ولعبا } فيه وجهان: # الأول: أنهم اعتقدوا فيه أن يلاعبوا فيه، وما كانوا فيه مجدين. ms3935 # والثاني: أنهم اتخذوا اللهو واللعب دينا لأنفسهم، وهو ما زين لهم ~~الشيطان من تحريم البحيرة، وأخواتها، والمكاء والتصدية حول البيت، ~~وسائر الخصال الذميمة التي كانوا يفعلونها في الجاهلية. # قال ابن عباس: " يريد المستهزئين المقتسمين ". # قوله: { وغرتهم الحياة الدنيا } عطف على الصلة، وهو ~~مجاز؛ لأن الحياة لا تغر في الحقيقة، بل المراد أنه حصل الغرور ~~عند هذه الحياة الدنيا؛ لأن الإنسان يطمع في طول العمر، وحسن ~~العيش، وكثرة المال، وقوة الجاه، فتشتد رغبته في هذه الأشياء، ~~ويصير محجوبا عن طلب الدين غارقا في طلب الدنيا. # قوله: " فاليوم " منصوب بما بعده. # وقوله " كما " نعت لمصدر محذوف، أي: ينساهم نسيانا كنسيانهم لقاءه أي ~~بتركهم. # و " ما " مصدرية ويجوز أن تكون الكاف للتعليل، أي: تركناهم لأجل ~~نسيانهم لقاء يومهم. # و " يومهم " يجوز أن يكون المفعول متسعا فيه، فأضيف المصدر إليه ~~كما يضاف إلى المفعول به، ويجوز أن يكون المفعول محذوفا، والإضافة ~~إلى ظرف الحدث أي: لقاء العذاب في يومهم. # فصل في معنى " النسيان " # في تفسير هذا النسيان قولان: # الأول: هو الترك والمعنى نتركهم في عذابهم كما تركوا العمل للقاء ~~يومهم، وهذا قول الحسن ومجاهد والسدي والأكثرين. # والثاني: أن المعنى ننساهم أي: نعاملهم معاملة من نسي، نتركهم في ~~النار كما فعلوا في الإعراض عن آياتنا. وبالجملة فسمى الله - تعالى - ~~جزاءهم بالنسيان كقوله تعالى: # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40] والمراد من هذا النسيان أنه " لا يجيب دعاءهم ولا ~~يرحم ضعفهم وذلهم ". # قوله: " وما كانوا " " ما " مصدرية نسقا على أختها المجرورة بالكاف ~~أي: وكانوا بآياتنا يجحدون. # وفي الآية لطيفة عجيبة وهي أنه - تعالى - وصفهم بكونهم كافرين ثم ~~بين من حالهم أنهم اتخذوا دينهم لهوا أولا ثم لعبا ثانيا، ثم ~~غرتهم الحياة الدنيا ثالثا، ثم صار عاقبة هذه الأحوال أنهم جحدوا ~~بآيات الله، وذلك يدل أن حب الدنيا مبتدأ كل آفة كما قال عليه ~~الصلاة والسلام: # " حب الدنيا رأس كل خطيئة " # ، وقد يؤدي حب الدنيا إلى الكفر والضلال. ### || [7.52] # الضمير في " جئناهم " عائد على كل ما تقدم من ms3936 الكفرة، والمراد ~~ب " كتاب " الجنس. # وقيل: يعود على من عاصر النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد بالكتاب ~~القرآن، والباء في " بكتاب " للتعدية فقط. # قوله: " فصلناه " صفة ل " كتاب " ، والمراد بتفصيلة إيضاح ~~الحق من الباطل، أو تنزيله في فصول مختلفة كقوله: # وقرآنا فرقناه # [الإسراء: 106]. # وقرأ الجحدري وابن محيصن بالضاد المعجمة أي: فضلناه على غيره من ~~الكتب السماوية. # قوله: " على علم " حال إما من الفاعل، أي: فصلناه عالمين ~~بتفصيله، وإما من المفعول أي: فصلناه مشتملا على علم ونكر " علم ~~" تعظيما. # قوله: " هدى ورحمة " الجمهور على النصب وفيه وجهان: # أحدهما: أنه مفعول من أجله أي: فصلناه لأجل الهداية والرحمة. # والثاني: أنه حال، إما من " كتاب " وجاز ذلك لتخصصه بالوصف، وإما ~~من مفعول " فصلناه ". # وقرأ زيد بن علي: " هدى ورحمة " بالجر، وخرجه الكسائي ~~والفراء على النعت ل " كتاب " ، وفيه المذاهب المشهورة في نحو: [ " ~~مررت] برجل عدل " ، وخرجه غيرهما على البدل منه. # وقرىء: " هدى ورحمة " بالرفع على إضمار المبتدأ. # وقال مكي: وأجاز الفراء والكسائي " هدى ورحمة " بالخفض، ~~ويجعلانه بدلا من " علم " ، ويجوز " هدى ورحمة " على تقدير: " هو ~~هدى ورحمة " ، وكأنه لم يطلع على أنهما قراءتان مرويتان ~~حتى نسبهما على طريق الجواز. # و " لقوم " صفة ل " رحمة " وما عطفت عليه. # وقوله: { هدى ورحمة لقوم يؤمنون } يدل على أن القرآن ~~جعل هدى لقوم مخصوصين، والمراد: أنهم هم الذين اهتدوا به دون غيرهم، ~~فهو كقوله تعالى في أول " البقرة " ، # هدى للمتقين # [الآية: 2]. ### || [7.53] # قد تقدم الكلام على " تأويله " في [آل عمران 7]. # وقال الزمخشري هاهنا: والتأويل مادته من همزة وواو ولام، من " ~~آل يؤول ". # وقال الخطابي: أولت الشيء رددته إلى أوله، واللفظة مأخوذة من ~~الأول، وهو خطأ؛ لاختلاف المادتين والتأويل مرجع الشيء ومصيره من ~~قولهم: آل الشيء يئول. # واحتج بهذه الآية من ذهب إلى أن قوله: # وما يعلم تأويله إلا الله # [آل عمران: 7] أي: [و] ما يعلم عاقبة الأمر فيه إلا الله. # فصل في معنى " ينظرون " # لما بين إزاحة العلة بسبب إنزال هذا الكتاب المفصل الموجب ~~للهداية والرحمة بين ms3937 بعده حال من كذب فقال: { هل ينظرون ~~إلا تأويله } ، والمعنى: هل ينتظرون أي يتوقعون إلا ~~جزاءه، قاله مجاهد. # وقال السدي: " عاقبته، وما يؤول إليه ". # فإن قيل: كيف يتوقعون وينتظرون مع جحدهم وإنكارهم؟ # فالجواب: لعل فيهم أقواما تشككوا وتوقفوا، فلهذا السبب انتظروه، ~~وأنهم وإن كانوا جاحدين إلا أنهم بمنزلة المنتظرين من حيث إن ~~تلك الأحوال تأتيهم لا محالة. # قوله: " يوم " منصوب ب " يقول ". # وقوله: { يقول الذين نسوه من قبل }. # معناه: أنهم صاروا في الإعراض عنه بمنزلة من نسي، ويجوز أن يكون ~~معنى نسوه أي: تركوا العمل والإيمان به كما تقدم. # قوله: " قد جاءت " منصوبة بالقول و " بالحق " يجوز أن تكون ~~" الباء " للحال، وأن تكون للتعدية أي: جاءوا ملتبسين بالحق، أو جاءوا ~~الحق. # والمعنى: أقروا بأن الذي جاءت الرسل به من ثبوت الحشر، ~~والنشر، والبعث والقيامة، والثواب، والعقاب، كل ذلك كان حقا؛ ~~لأنهم شاهدوها وعاينوها. # قوله: { فهل لنا من شفعآء } " من " مزيدة في المبتدأ و " لنا ~~" خبر مقدم، ويجوز أن يكون " من شفعاء " فاعلا و " من " مزيدة ~~أيضا، وهذا جائز عند كل أحد لاعتماد الجار على الاستفهام. # قوله: " فيشفعوا " منصوب بإضمار " أن " في جواب الاستفهام فيكون ~~قد عطف اسما مؤولا على اسم صريح، أي: فهل لنا من شفعاء بشفاعة منهم ~~لنا؟ # قوله: " أو نرد " الجمهور على رفع " نرد " ونصب " فنعمل " ~~، فرفع " نرد " على أنه عطف جملة فعلية، وهي " نرد " على جملة ~~[اسمية] وهي: هل لنا من شفعاء فيشفعوا؟ # ونصب " فنعمل " على ما انتصب عليه " فيشفعوا " ، وقرأ الحسن ~~برفعهما على ما تقدم، كذا روى عنه ابن عطية وغيره، وروى عنه الزمخشري ~~نصب " نرد " ورفع " فنعمل ". # وقرأ أبو حيوة، وابن أبي إسحاق بنصبهما فنصب " نرد " عطفا على ~~" فيشفعوا " جوابا على جواب، ويكون الشفعاء في أحد شيئين: إما في ~~خلاصهم من العذاب، وإما في رجوعهم للدنيا ليعملوا صالحا، ~~والشفاعة حينئذ [مستحبة] على الخلاص أو الرد، وانتصب " ~~فنعمل " نسقا على " فنرد ". # ويجوز أن تكون " أو نرد " من باب " لألزمنك أو تقضيني حقي " إذا ~~قدرناه بمعنى: حتى ms3938 تقضيني، أو كي تقضيني، غيا اللزوم بقضاء الحق، أو ~~علله به فكذلك الآية الكريمة أي: حتى نرد أو كي نرد، والشفاعة حينئذ ~~متعلقة بالرد ليس إلا. # وأما عند من يقدر " أو " بمعنى " إلا " في المثال المتقدم وهو ~~سيبويه، فلا يظهر معنى الآية عليه؛ إذ يصير التقدير: " هل يشفع لنا شفعاء ~~إلا أن نرد " ، وهذا استثناء غير ظاهر. # فصل في معنى الآية # المعنى أنه لا طريق لنا إلى الخلاص مما نحن فيه إلا أحد هذين ~~الأمرين، وهو أن يشفع لنا شفيع فيزول عنا هذا العذاب، أو نرد إلى ~~الدنيا حتى نعمل غير ما كنا نعمله حتى نوحد الله بدلا عن الكفر. ~~ثم بين تعالى أنهم { قد خسروا أنفسهم }. أي الذي ~~طلبوه لا يكون؛ لأن ذلك المطلوب لو حصل لما حكم الله عليهم ~~بأنهم قد خسروا أنفسهم. # قوله: { وضل عنهم ما كانوا يفترون }. # " ما كانوا " " ما " موصولة عائدها محذوف، و " ما كانوا " فاعل " ~~ضل " ، والمعنى: أنهم لم ينتفعوا بالأصنام التي عبدوها في ~~الدنيا. # فصل في دحض شبهة للمعتزلة # قال الجبائي: هذه الآية تدل على حكمين: # الأول: أنها تدل على أنهم كانوا في حال التكليف قادرين ~~على الإيمان والتوبة، فلذلك سألوا الرد ليؤمنوا ويتوبوا، ولو كانوا ~~في الدنيا غير قادرين - كما يقوله المجبرة - لم يكن لهم في الرد ~~فائدة، ولا جاز أن يسألوا ذلك. # الثاني: أن الآية تدل على بطلان قول المجبرة بأن أهل ~~الآخرة مكلفون، لأنه لو كان كذلك لما سألوا الرد إلى حال وهم في ~~الوقت على مثلها، بل كانوا يتوبون ويؤمنون في الحال. ### || [7.54] # قد تقدم أن مدار القرآن على تقرير هذه المسائل الأربع وهي: ~~التوحيد، والنبوة، والمعاد، والقضاء والقدر، ولا شك أن إثبات ~~المعاد مبني على إثبات التوحيد والقدرة والعلم، فلما بالغ الله في ~~تقرير المعاد عاد إلى ذكر الدلائل الدالة على التوحيد وكمال القدرة ~~والعلم، لتصير تلك الدلائل مقررة لأصول التوحيد، ومقررة أيضا لإثبات ~~المعاد. # قوله: { إن ربكم الله } الجمهور على رفع الجلالة خبرا ل " ~~إن " ، ويضعف أن ms3939 تجعل بدلا من اسم " إن " على الموضع عند من يرى ~~ذلك، والموصول خبر ل " أن " وكذا لو جعله عطف بيان، ويتقوى هذا ~~بنصب الجلالة في قراءة بكار، فإنها فيها بدل، أو بيان لاسم " إن ~~" على اللفظ، ويضعف أن تكون خبرها عند من يرى نصب الجزءين فيها كقوله: ~~[الطويل] # 2478 - إذا اسود جنح الليل فلتأت ولتكن # خطاك خفافا إن حراسنا أسدا # وقوله: [الرجز] # 2479 - إن العجوز خبة جروزا # تأكل كل ليلة قفيزا # قيل: ويؤيد ذلك قراءة الرفع أي: في جعلها إياه خبرا، ~~والموصول نعت لله، أو بيان له، أو بدل منه، أو يجعل خبرا ل " إن ~~" على ما تقدم من التخاريج، ويجوز أن يكون معطوفا على المدح رفعا، ~~أو نصبا. # قوله: " في ستة " حكى الواحدي عن الليث أنه قال: الأصل في ~~الست والستة: سدس وسدسة [أبدل السين تاء] ولما كان مخرج الدال ~~والتاء قريبا، وهي ساكنة أدغم أحدهما في الآخر، واكتفى بالتاء، ~~ويدل عليه أنك تقول في تصغير ستة: سديسة، وكذلك الأسداس ~~وهذا الإبدال لازم، ويدل عليه أيضا قولهم: جاء فلان سادسا وسدسا ~~وساديا بالياء مثناة من أسفل قال [الشاعر]: [الطويل] # 2480 -................ # وتعتدني إن لم يق الله ساديا # أي " سادسا " فأبدلها. # فصل # قوله: { في ستة أيام } الظاهر: أنه ظرف ل " خلق ~~السموات والأرض " معا، واستشكل على ذلك أن اليوم إنما هو ~~بطلوع الشمس وغروبها، وذلك إنما هو بعد وجود السموات ~~والأرض، وأجابوا عنه بأجوبة منها: # أن الستة ظرف لخلق الأرض فقط، فعلى هذا يكون قوله: " خلق ~~السموات " مطلقا لم يقيد بمدة، ويكون قوله: " والأرض " ~~مفعولا بفعل مقدر أي؛ وخلق الأرض، وهذا الفعل مقيد بمدة ~~ستة أيام، وهذا قول ضعيف جدا. # وقيل: في مقدار ستة أيام من أيام الدنيا، ونظيره: # ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا # [مريم: 62]. # والمراد: على مقدار البكرة والعشي في الدنيا؛ لأنه لا ليل ~~ثم ولا نهار. # وقيل: ستة أيام كأيام الآخرة، كل يوم كألف سنة. # قال سعيد بن جبير: كان الله - عز وجل - قادرا على ~~خلق السموات والأرض في ms3940 لمحة ولحظة، فخلقهن في ستة ~~أيام تعليما لخلقه التثبت، والتأني في الأمور، وقد جاء ~~في الحديث: # " التأني من الله والعجلة من الشيطان " # قال القرطبي: وأيضا لتظهر قدرته للملائكة شيئا بعد شيء وهذا ~~عند من يقول: خلق الملائكة قبل خلق السموات والأرض، وحكمة ~~أخرى خلقها في ستة أيام، لأن لكل شيء عنده أجلا، وبين ~~بهذا ترك معاجلة العصاة بالعقاب؛ لأن لكل شيء عنده أجلا ~~وهذا كقوله: # ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ~~ستة أيام وما مسنا من لغوب فاصبر على ما ~~يقولون # [ق: 39-38] بعد أن قال: # وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا # [ق:36]. # فصل في بيان أسئلة واردة على الآية # في الآية سؤالات: # الأول: كون هذه الأشياء مخلوقة في ستة أيام لا يمكن جعله ~~دليلا على إثبات الصانع لوجوه. # أحدها: أن وجه دلالة هذه المحدثات على وجود الصانع هو حدوثها، ~~أو إمكانها، أو مجموعها، فأما وقوع ذلك الحدوث في ستة أيام، أو في ~~يوم واحد فلا أثر له في ذلك ألبتة. # الثاني: أن العقل يدل على أن الحدوث على جميع الأحوال جائز، وإذا ~~كان كذلك فحينئذ لا يمكن الجزم بأن هذا الحدوث وقع في ستة أيام ~~إلا بإخبار مخبر صادق، وذلك موقوف على العلم بوجود الإله الفاعل ~~المختار، فلو جعلنا هذه المقدمة مقدمة، في إثبات الصانع ~~لزم الدور. # الثالث: أن حدوث السموات والأرض دفعة واحدة أدل على كمال ~~القدرة والعلم من حدوثها في ستة أيام. # وإذا ثبتت هذه الوجوه الثلاثة فنقول: ما الفائدة في ذكر أنه ~~تعالى إنما خلقها في ستة أيام في إثبات ذكر ما يدل على ~~وجود الصانع؟ # الرابع: ما السبب في أنه اقتصر هاهنا على ذكر السموات ~~والأرض، ولم يذكر خلق سائر الأشياء؟ # الخامس: اليوم إنما يمتاز عن الليلة بطلوع الشمس وغروبها، ~~فقبل خلق السموات والقمر كيف يعقل حصول الأيام؟ # السادس: أنه تعالى قال: # ومآ أمرنآ إلا واحدة كلمح بالبصر # [القمر: 50]، وهو كالمناقض لقوله خلق السموات والأرض. # السابع: أنه تعالى خلق السموات والأرض ms3941 في مدة متراخية فما الحكمة ~~في تقييدها بالأيام الستة؟ # والجواب على مذهب أهل السنة واضح؛ لأنه تعالى يفعل ما ~~يشاء، ويحكم ما يريد، ولا اعتراض عليه في أمر من الأمور، وكل ~~شيء صنعه ولا علة لصنعه، ثم نقول: # أما الجواب عن الأول أنه تعالى ذكر في أول التوراة أنه ~~خلق السموات والأرض في ستة أيام، والعرب كانوا يخالطون ~~اليهود والظاهر أنهم سمعوا ذلك منهم، فكأنه سبحانه ~~يقول: لا تشتغلوا بعبادة الأوثان والأصنام، فإن ربكم هو ~~الذي سمعتم من عقلاء الناس أنه هو الذي خلق السموات والأرض ~~على غاية عظمتها في ستة أيام. # وعن الثالث: أن المقصود منه أنه تعالى وإن كان قادرا على ~~إيجاد جميع الأشياء دفعة واحدة لكنه جعل لكل شيء حدا ~~محدودا، ووقتا مقدرا، فلا يدخله في الوجود إلا على ذلك ~~الوجه، فهو، وإن كان قادرا على إيصال الثواب للمطيعين في ~~الحال، وعلى إيصال العقاب للمذنبين في الحال، إلا أنه يؤخرهما ~~إلى أجل معلوم مقدور، فهذا التأخير ليس لأجل أنه تعالى أهمل ~~العباد، بل لما ذكرنا أنه خص كل شيء بوقت معين لسابق ~~مشيئته، فلا يفتر عنه، ويدل على ذلك قوله تعالى: # ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ~~ستة أيام وما مسنا من لغوب # [ق: 38]. # وقال المفسرون: إنه تعالى إنما خلق العالم في ستة ~~أيام ليعلم عباده الرفق في الأمور كما تقدم عن سعيد بن ~~جبير. # وقال آخرون: " إن الشيء إذا أحدث دفعة واحدة ثم انقطع طريق ~~الإحداث، فلعله يخطر ببال بعضهم أن ذلك إنما وقع على ~~سبيل الاتفاق، أما إذا حدثت الأشياء على سبيل التعاقب ~~والتواصل مع كونها مطابقة للمصلحة والحكمة كان ذلك أقوى في ~~الدلالة على كونها واقعة بإحداث محدث حكيم وقادر عليم ". # وعن الرابع: أنه تعالى ذكر سائر المخلوقات في سائر الآيات ~~فقال: # الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة ~~أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ~~ولي ولا شفيع # [السجدة: 4]. # وقال: # وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده ms3942 ~~الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة ~~أيام # [الفرقان: 58 -59]. # وعن الخامس: قوله أن المراد أنه تعالى خلق السموات، والأرض في ~~مقدار ستة أيام كما تقدم. # وقال بعض العلماء: المراد بالستة أيام هاهنا مراتب مصنوعاته؛ ~~لأن قبل الزمان لا يمكن تجدد الزمان، والمراد بالأيام ~~الستة: يوم لمادة السموات، ويوم لصورتها، ويوم لكمالاتها من ~~الكواكب، والنفوس، وغيرها ويوم لمادة الأرض ويوم لصورتها ويوم ~~لكمالاتها من الجبال وغيرها، فاليوم عبارة عن الكون الحادث. # وعن السادس: أن قوله: # ومآ أمرنآ إلا واحدة كلمح بالبصر # [القمر: 50] محمول على إيجاد كل واحد من الذوات وعلى إعدام كل ~~واحد منها؛ لأن إيجاد الموجود الواحد لا يقبل التفاوت، فلا يمكن ~~تحصيله إلا دفعة، وأما الإمهال فلا يحصل إلا في المدة. # وعن السابع: أن هذا السؤال غير وارد، لأنه تعالى لو أحدثه في ~~مقدار آخر من الزمان لعاد ذلك السؤال. # قوله: " ثم استوى " الظاهر عود الضمير على الله - تعالى ~~- بالتأويل المذكور في البقرة. # وقيل: الضمير يعود على الخلق المفهوم من " خلق " ثم ~~استوى خلقه على العرش، ومثله: # الرحمن على العرش استوى # [طه: 5] قالوا: يحتمل أن يعود الضمير في " استوى " على " ~~الرحمن " ، وأن يعود على الخلق، ويكون " الرحمن " خبرا ~~لمبتدأ محذوف أي: هو الرحمن. # والعرش: يطلق بإزاء معان كثيرة، فمنه سرير الملك، وعليه، # نكروا لها عرشها # [النمل: 41]، # ورفع أبويه على العرش # [يوسف: 100]، ومنه السلطان والعز وعليه قول زهير: [الطويل] # 2481 - تداركتما عبسا وقد ثل عرشها # وذبيان إذ زلت بأقدامها النعل # وقول الآخر: [الكامل] # 2482 - إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم # بربيعة بن الحارث بن شهاب # ومنه: خشب تطوى به البئر بعد أن يطوى بالحجارة أسفلها ومنه: ~~ما يلاقي ظهر القدم وفيه الأصابع، ومنه: السقف، وكل ما ~~علاك فهو عرش، فكأن المادة دائرة مع العلو والرفعة ~~ومنه عرش الكرم، وعرش السماك أربعة كواكب صغار أسفل من ~~العواء يقال إنها عجز الأسد. # والعرش: اسم ملك والعرش الملك والسلطان. يقال: قد ذهب عرش ~~فلان أي: ذهب ملكه وعزه وسلطانه قال زهير: [الطويل] ms3943 # 2483 - تداركتما عبسا وقد ثل عرشها # وذبيان إذ زلت بأقدامها النعل # وقد تؤول العرش في الآية بمعنى الملك أي: ما استوى الملك ~~الإله عز وجل. # فصل في تنزيه الله تعالى # قال القرطبي: الأكثر من المتقدمين والمتأخرين على أنه إذا ~~وجب تنزيه الباري سبحانه على الجهة والتحيز، فمن ضرورة ذلك ~~ولوازمه عند عامة العلماء المتقدمين، وقادتهم من ~~المتأخرين تنزيهه تبارك وتعالى عن الجهة، فليس بجهة فوق ~~عندهم؛ لأنه يلزم من ذلك عندهم متى اختص بجهة أن يكون في ~~مكان وحيز، ويلزم على المكان والحيز الحركة والسكون، ويلزم ~~من الحركة والسكون التغير والحدوث، هذا قول المتكلمين ~~وقد كان السلف الأول - رضي الله عنهم - لا يقولون بنفي الجهة، ولا ~~ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله - تعالى - كما ~~نطق كتابه، وأخبرت [رسله]، ولم ينكر أحد من السلف الصالح ~~أنه استوى على عرشه حقيقة، وخص العرش بذلك؛ لأنه أعظم ~~مخلوقاته وإنما جهلوا كيفية الاستواء، فإنه لا تعلم ~~حقيقته، كما قال مالك - رحمه الله -: " الاستواء معلوم - ~~يعني في اللغة - والكيف مجهول، والسؤال عن هذا بدعة " ، ~~وكذلك قالت أم سلمة - رضي الله عنها -، وهذا القدر كاف. # فصل في معنى الاستواء # فإن قيل الاستواء في اللغة: هو العلو والاستقرار. # قال الجوهري: استوى من اعوجاج، واستوى على ظهر دابته أي: ~~استقر، واستوى إلى السماء أي قصد، واستوى أي: استولى، وظهر؛ ~~قال الشاعر: [الرجز] # 2484 - قد استوى بشر على العراق # واستوى الرجل أي: انتهى شبابه، واستوى الشيء أي: اعتدل، وحكى ~~ابن عبد البر عن أبي عبيدة في قوله تعالى: { الرحمن ~~على العرش استوى } قال: " علاه ". # قال الشاعر: [الطويل] # 2485 - وقد خلق النجم اليماني واستوى # أي: علا وارتفع. # قال القرطبي: فعلو الله - تعالى - وارتفاعه عبارة عن علو ~~مجده، وصفاته، وملكوته أي: ليس فوقه فيما يجب له من تعالي ~~الجلال أحد [ولا معه من يكون العلو مشتركا بينه وبينه لكن العلي ~~بالإطلاق سبحانه]. # فصل في تأويل الآية # قال ابن الخطيب اعلم أنه لا يمكن أن يكون المراد من الآية كونه ms3944 ~~مستقرا على العرش، ويدل على فساده وجوه عقلية ~~ونقلية: أما العقلية فأمور: # أحدها: أنه لو كان مستقرا على العرش لكان من الجانب الذي يلي ~~العرش متناهيا، وإلا لزم كون العرش داخلا في ذاته، وهو ~~محال وكل ما كان متناهيا فإن العقل يقتضي بأنه لا يمنع أن ~~يصير أزيد منه أو أنقص منه بذرة، والعلم بهذا الجواز ضروري، فلو ~~كان الباري - تعالى - متناهيا من بعض الجوانب لكانت ذاته قابلة ~~للزيادة والنقصان، وكل ما كان كذلك كان اختصاصه بذلك المقدار ~~المعين؛ لتخصيص مخصص وتقدير مقدر، وكل ما كان كذلك فهو ~~محدث فثبت أنه تعالى لو كان على العرش؛ لكان من الجانب الذي يلي ~~العرش متناهيا ولو كان كذلك لكان محدثا وهذا محال فكونه على ~~العرش يجب أن يكون محالا. # وثانيها: لو كان في مكان وجهة، لكان إما أن يكون غير متناه من ~~كل الجهات، وإما أن يكون متناهيا من كل الجهات، وإما أن يكون ~~متناهيا عن بعض الجهات دون البعض، والكل باطل فالقول بكونه في ~~المكان والحيز باطل قطعا. # بيان الأول: أنه يلزم أن تكون ذاته مخالطة لجميع الأجسام ~~السفلية والعلوية، وأن تكون مخالطة للقاذورات ~~والنجاسات، وتكون الأرضون أيضا حالة في ذاته. # وإذا ثبت هذا فنقول الذي هو محل السموات، إما أن يكون هو عين ~~الشيء الذي هو محل الأرضين، أو غيره فإن كان الأول؛ لزم كون ~~السموات، والأرضين حالتين في محل واحد من غير امتياز بين محليهما ~~أصلا، وكل حالين حلا في محل واحد لم يكن أحدهما ممتازا عن الآخر ~~فلزم أن يقال السماوات لا تمتاز عن الأرضين في الذات، وذلك باطل فإن ~~كان الثاني لزم أن تكون ذات الله تعالى مركبة من الأجزاء ~~والأبعاض وهو محال. # والثالث: وهو أن ذات الله تعالى إذا كانت حاصلة في جميع ~~الأحياز والجهات فإما أن يقال الشيء الذي حصل فوق هو عين ~~الشيء الذي حصل تحت فحنيئذ تكون الذات الواحدة قد حصلت دفعة واحدة ~~[في أحياز كثيرة وإن عقل ذلك فلم يعقل أيضا حصول ms3945 الجسم ~~الواحد في أحياز كثيرة دفعة واحدة؟] وهو محال في بديهة ~~العقل، وأما إن قيل إن الشيء الذي حصل فوق غير الشيء الذي حصل ~~تحت، فحينئذ يلزم حصول التركيب والتبعيض في ذات الله تعالى ~~وهو محال. # وأما القسم الثاني، وهو أن يقال إنه متناه من كل الجهات ~~فنقول: كل ما كان كذلك فهو قابل للزيادة والنقصان في بديهة ~~العقل، وكلما كان كذلك كان اختصاصه بالمقدر المعين لأجل ~~تخصيص مخصص وكل ما كان كذلك فهو محدث، وأيضا فإن جاز أن ~~يكون الشيء المحدود من كل الجوانب قديما أزليا فاعلا ~~للعالم فلم لا يعقل أن يقال: خالق العالم هو الشمس، أو ~~القمر، أو كوكب آخر وذلك باطل بالاتفاق. # وأما القسم الثالث، وهو أن يقال بأنه متناه من بعض الجوانب، ~~وغير متناه من سائر الجوانب فهذا أيضا باطل من وجوه: # أحدها: أن الجانب المتناهي غير ما صدق عليه أنه غير متناه ~~إلا لصدق النقيضين معا وهو محال، وإذا حصل التغاير لزم كونه تعالى ~~مركبا من الأجزاء والأبعاض. # وثانيها: أن الجانب الذي صدق حكم العقل عليه بكونه متناهيا، ~~إما أن يكون مساويا للجانب الذي صدق حكم العقل عليه بكونه غير ~~متناه، وإما ألا يكون ك ذلك، والأول باطل لأن الأشياء ~~المتساوية في تمام الماهية، كل ما صح على واحد منها صح على ~~الآخر الباقي، وإذا كان كذلك فالجانب الذي هو غير متناه يمكن أن ~~يصير متناهيا والجانب الذي هو متناه يمكن أن يصير غير متناه. # ومتى كان الأمر كذلك كان النمو والذبول والزيادة والنقصان، ~~والتفرق والتمزق على ذاته ممكنا وكل ما كان كذلك فهو ~~محدث، وذلك على الإله القديم محال. # البرهان الثالث: لو كان الباريء - تعالى - حاصلا في المكان ~~والجهة لكان الأمر المسمى بالجهة إما أن يكون موجودا مشارا ~~إليه، وإما ألا يكون كذلك، والقسمان باطلان، فكان القول بكونه ~~تعالى في المكان والجهة باطلا. # أما بيان فساد القسم الأول، فلأنه لو كان المسمى ~~بالحيز والجهة موجودا مشارا إليه، فحينئذ يكون المسمى ~~بالحيز، والجهة بعدا، ms3946 وامتدادا، والحاصل فيه أيضا يجب أن يكون له ~~في نفسه بعد وامتداد، وإلا لامتنع حصوله فيه وحينئذ ~~يلزم تداخل البعدين، وذلك محال للدلائل المشهورة ~~في هذا الباب. وأيضا؛ فيلزم من كون البارىء قديما أزليا كون ~~الحيز، والجهة أزليين، وحينئذ يلزم أن يكون قد حصل في الأزل ~~موجود قائم بنفسه سوى الله وذلك باطل بإجماع أكثر العقلاء. # وأما بيان فساد القسم الثاني فهو من وجهين: # أحدهما: أن العدم نفي محض، وعدم صرف، وما كان كذلك امتنع كونه ~~ظرفا لغيره، وجهة لغيره. # [وثانيهما: أن كل ما كان حاصلا في جهة فجهته ممتازة في ~~الحس عن جهة غيره ولو كانت تلك الجهة عدما محضا لزم كون العدم ~~المحض مشارا إليه بالحس وذلك باطل؛ فثبت أنه تعالى لو كان في ~~حيز وجهة لأفضى إلى أحد هذين القسمين الباطلين؛ فوجب أن يكون ~~القول به باطلا]. # فإن قيل: فهذا أيضا وارد عليكم في قولكم: الجسم حاصل في ~~الحيز والجهة فنقول: نحن على هذا الطريق لا نثبت للجسم ~~حيزا، ولا جهة أصلا ألبتة، بحيث تكون ذات الجسم نافذة فيه ~~وسارية، بل المكان عبارة عن السطح الباطن من الجسم الحاوي ~~المماس للسطح الظاهر من الجسم المحوي، وهذا المعنى محال ~~بالاتفاق في حق الله - تعالى - فسقط هذا السؤال، وبقية البراهين ~~العقلية مذكورة في تفسير ابن الخطيب. # وأما الدلائل السمعية فمنها قوله تعالى: # قل هو الله أحد # [الإخلاص: 1]. فوصفه بكونه أحدا، والأحد مبالغة في كونه واحدا والذي ~~يمتلىء منه العرش، ويفضل على العرش يكون مركبا من أجزاء كثيرة ~~جدا فوق أجزاء العرش، وذلك ينافي كونه أحدا. # وقال بعض الكرامية عند هذا الإلزام: إنه تعالى ذات ~~واحدة، [ومع كونه ذاتا واحدة حصلت في كل هذه الأحياز دفعة ~~واحدة قالوا: فلأجل أنه تعالى حصل] دفعة واحدة في جميع ~~الأحياز امتلأ العرش منه، فيقال لهم: حاصل هذا الكلام يرجع ~~إلى أنه يجوز حصول الذات الشاغلة للحيز والجهة في أحياز ~~كثيرة دفعة واحدة، والعقلاء اتفقوا على أن العلم بفساد ذلك من ~~أجل العلوم الضرورية ms3947 أيضا، وأيضا فإن جوزتم ذلك فلم لا ~~تجوزون أن يقال: جميع العالم من العرش إلى ما تحت ~~الثرى جوهر واحد، وموجود واحد، إلا أن ذلك الجزء الذي لا ~~يتجزأ حصل في جملة هذه الأحياز، فيظن أنها أشياء كثيرة، ~~ومعلوم أن من جوزه، فقد التزم منكرا من القول عظيما. # فإن قالوا: إنما عرفنا ها هنا حصول التغاير بين هذه ~~الذوات، لأن بعضها يفنى، مع بقاء الباقي، وذلك يوجب ~~التغاير، وأيضا فنرى بعضها متحرك وبعضها ساكن، ~~والمتحرك غير الساكن؛ فوجب القول بالتغاير، وهذه المعاني ~~غير حاصلة في ذات الله - تعالى - فظهر الفرق، فنقول: أما ~~قولكم: بأنا نشاهد أن هذا الجزء يبقى مع أنه يفنى ذلك ~~الجزء الآخر، وذلك يوجب التغاير، فلا نسلم أنه فني شيء من ~~الأجزاء، بل نقول: لم لا يجوز أن يقال: إن جميع أجزاء العالم جزء ~~واحد فقط، ثم إنه حصل هاهنا وهناك. # وأيضا جعل موصوفا بالسواد والبياض، وجميع الألوان والطعوم، ~~فالذي يفنى إنما هو حصوله هناك، فأما أن يقال: إنه فني في ~~نفسه، فهذا غير مسلم. # وأما قولكم: نرى بعض الأجسام متحركا، وبعضها ساكنا، وذلك ~~يوجب التغاير؛ لأن الحركة والسكون لا يجتمعان فنقول: إنا ~~حكمنا بأن الحركة والسكون لا يجتمعان. # لاعتقادنا أن الجسم الواحد لا يحصل دفعة واحدة في حيزين، ~~فإذا رأينا أن الساكن بقي هاهنا، وأن المتحرك ليس هاهنا، ~~قضينا أن المتحرك غير الساكن. # وأما بتقدير أن يجوز الذات الواحدة حاصلة في حيزين دفعة ~~واحدة، فلم يمتنع كون الذات الواحدة متحركة ساكنة معا؛ لأن ~~أقصى ما في الباب أنه بسبب السكون بقي هاهنا وبسبب الحركة حصل ~~في الحيز الآخر، إلا أنا لما جوزنا أن تحصل الذات الواحدة ~~دفعة واحدة في حيزين معا، لم يبعد أن تكون الذات ~~الساكنة هي غير الذات المتحركة، فثبت أنه لو جاز أن ~~يقال: إنه تعالى ذاته واحدة، لا تقبل القسمة، ثم مع ذلك يمتلىء ~~العرش منه لم يبعد أن يقال: إن العرش في نفسه جوهر فرد جزء ~~لا يتجزأ، ومع ذلك فقد ms3948 حصل في كل تلك الأحياز، وحصل منه كل ~~العرش، وذلك يفضي إلى فتح باب الجهالات. # ومنها قوله تعالى: # ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية # [الحاقة: 17] فلو كان إله العالم في العرش لكان حامل العرش حاملا ~~للإله؛ فوجب أن يكون الإله محمولا حاملا ومحفوظا حافظا، وذلك لا ~~يقوله عاقل. # ومنها قوله تعالى: # والله الغني # [محمد: 38] حكم بكونه غنيا على الإطلاق، وذلك يوجب كونه ~~تعالى غنيا عن المكان والجهة. # ومنها أن فرعون لما طلب حقيقة الإله من موسى - عليه السلام ~~- ولم يزد موسى عليه السلام على ذكر صفة الخلاقية ثلاث مرات فإنه قال: # وما رب العالمين # [الشعراء: 23] ففي المرة الأولى قال # رب السماوات والأرض وما بينهمآ إن كنتم ~~موقنين # [الشعراء: 24]. # وفي المرة الثانية قال: # ربكم ورب آبآئكم الأولين # [الشعراء: 26]. # وفي المرة الثالثة قال: # رب المشرق والمغرب وما بينهمآ إن كنتم ~~تعقلون # [الشعراء: 28]. وكل ذلك إشارة إلى الخلاقية، وأما فرعون فإنه قال: # يهامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب ~~أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى # [غافر: 37،36] فطلب الإله في السماء، فعلمنا أن وصف الإله ~~بالخلاقية، وعدم وصفه بالمكان والجهة دين موسى وجميع الأنبياء ووصفه ~~تعالى بكونه في السماء دين فرعون، وإخوانه من الكفرة. # ومنها قوله تعالى في هذه الآية: { إن ربكم الله الذي ~~خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى ~~على العرش }. # وكلمة " ثم " للتراخي وهذا يدل على أنه تعالى إنما استوى على ~~العرش بعد تخليق السموات والأرض، فإن كان المراد من الاستواء ~~الاستقرار؛ لزم أن يقال: إنه ما كان مستقرا على العرش، بل كان ~~معوجا مضطربا، ثم استوى عليه بعد ذلك، وذلك يوجب وصفه بصفات ~~الأجسام من الاضطراب والحركة تارة، والسكون أخرى، وذلك لا ~~يقوله عاقل. # ومنها طعن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - في إلهية الكواكب بكونها ~~آفلة غاربة، فلو كان إله العالم جسما، لكان أبدا غاربا آفلا وكان ~~متنقلا من الاضطراب والاعوجاج إلى الاستواء والسكون والاستقرار، فكل ما ~~جعله طعنا في إلهية الكواكب يكون حاصلا في إله العالم فكيف يمكن ms3949 ~~الاعتراف بإلهيته؟!. # ومنها أنه تعالى ذكر قبل قوله: { ثم استوى } شيئا، وبعده ~~شيئا آخر، أما المذكور قبل هذه الكلمة فهو قوله: { إن ربكم ~~الله الذي خلق السماوات والأرض } وذلك يدل على ~~وجود الصانع، وقدرته، وحكمته. # وأما المذكور بعد هذه الكلمة فأشياء أولها: { يغشي الليل ~~النهار يطلبه حثيثا } ، وذلك يدل على وجود الله تعالى، ~~وعلى قدرته وحكمته. # وثانيها: قوله: { والشمس والقمر والنجوم مسخرات ~~بأمره } وهذا أيضا يدل على الوجود، والقدرة والعلم. # وثالثها: قوله: { ألا له الخلق والأمر } ، وهو أيضا إشارة ~~إلى كمال قدرته، وحكمته. # وإذا ثبت هذا فنقول: أول الآية إشارة إلى ذكر ما يدل ~~على الوجود والقدرة والعلم، وآخر الآية يدل أيضا على هذا ~~المطلوب، وإذا كان كذلك فقوله: { ثم استوى على العرش } ~~يجب أيضا أن يكون دليلا على كمال القدرة والعلم؛ لأنه لو لم ~~يدل عليه، بل كان المراد كونه مستقرا على العرش لا يمكن جعله ~~دليلا على كماله في القدرة، والعلم، والحكمة، وليس أيضا من ~~صفات المدح والثناء، لأنه تعالى قادر على أن يجلس جميع ~~البق والبعوض على العرش، وعلى ما فوق العرش، فثبت أن كونه جالسا ~~على العرش ليس من دلائل إثبات الذات والصفات، ولا من صفات ~~المدح والثناء، فلو كان المراد من قوله: { ثم استوى على ~~العرش } كونه جالسا على العرش، لكان ذلك كلاما أجنبيا عما ~~قبله وعما بعده، وذلك يوجب نهاية الركاكة؛ فثبت أن المراد منه ~~ليس ذلك بل المراد منه: كمال قدرته في تدبير الملك، والملكوت، ~~حتى تصير هذه الكلمة مناسبة لما قبلها، ولما بعدها، وهو ~~المطلوب. # وإذا ثبت هذا فنقول: إن قوله تعالى: { ثم استوى على ~~العرش } من المتشابهات التي يجب تأويلها، وللعلماء هاهنا ~~مذهبان. # الأول: أن يقطع بكونه تعالى متعاليا عن المكان والجهة، ولا ~~نخوض في تأويل الآية على التفصيل، بل نفوض علمها إلى الله - ~~تعالى - ونقول: الاستواء على العرش صفة لله - تعالى - بلا كيف ~~يجب على الرجل الإيمان به، ونكل العلم فيه إلى الله - عز ~~وجل -، وسأل رجل مالك بن أنس ms3950 عن قوله: { الرحمن على ~~العرش استوى } كيف استوى فأطرق رأسه مليا، وعلاه الرحضاء، ~~ثم قال: الاستواء مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به ~~واجب، والسؤال عند بدعة، وما أظنك إلا ضالا، ثم أمر به، ~~فأخرج. # وروي عن سفيان الثوري، والأوزاعي، والليث بن ~~سعد وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، وغيرهم من ~~علماء السنة في هذه الآيات التي جاءت في الصفات المتشابهة، أن ~~نوردها كما جاءت بلا كيف. # والمذهب الثاني: أن نخوض في تأويله على التفصيل، وفيه ~~قولان: # الأول: ما ذكره القفال - رحمه الله - فقال: العرش في كلامهم: هو ~~السرير الذي يجلس عليه الملك، ثم جعل العرش كناية عن نفس ~~الملك. # يقال: ثل عرشه أي: انتقض ملكه وفسد، وإذا استقام له ملكه ~~واطرد أمره وحكمه قالوا: استوى على عرشه واستقر على سرير ~~ملكه، وهذا نظير قولهم للرجل الطويل: فلان طويل النجاد، ~~وللرجل الذي تكثر أضيافه: كثير الرماد وللرجل الشيخ ~~فلان اشتعل الرأس منه شيبا، وليس المراد بشيء من هذه الألفاظ ~~إجراءها على ظواهرها إنما المراد منها تعريف المقصود على ~~سبيل الكناية، فكذا هاهنا المراد من الاستواء على العرش نفاذ ~~القدرة وجريان المشيئة، كما إذا أخبر أن له بيتا، يجب على ~~عباده حجه، فهموا منه أنه نصب لهم موضعا يقصدونه ~~لمسألة ربهم، وطلب حوائجهم، كما يقصدون بيوت الملوك لهذا ~~المطلوب، ثم علموا منه نفي التشبيه، وأنه لم يجعل ذلك البيت ~~مسكنا لنفسه، ولم ينتفع به في دفع الحر والبرد عن نفسه، وإذا ~~أمرهم بتحميده، وتمجيده؛ فهموا منه أنه أمرهم بنهاية ~~تعظيمه، ثم علموا بعقولهم أنه لا يفرح بذلك التحميد ~~والتعظيم، ولا يغتم بتركه. # وإذا عرف ذلك فنقول: إنه تعالى أخبر أنه خلق السموات ~~والأرض كما أراد وشاء من غير منازع، ولا مدافع، ثم أخبر بعده أنه ~~استوى على العرش، [أي حصل له تدبير المخلوقات على ما شاء وأراد فكان ~~قوله ثم استوى على العرش]، أي بعد أن خلقهما استوى على عرش الملك ~~والجلال. # قال القفال: والدليل على أن هذا هو المراد قوله ms3951 في سورة ~~يونس: # إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ~~ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر # [الآية: 3]. # فقوله: " يدبر " جرى مجرى التفسير لقوله: { استوى على ~~العرش }. وقال { يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا ~~} ، { والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره } { ~~ألا له الخلق والأمر }. # وهذا يدل على أن قوله: { ثم استوى على العرش } إشارة ~~إلى ما ذكرناه. # فإن قيل: فإذا حملتم قوله: { ثم استوى على العرش } على ~~أن المراد إذا استوى على الملك؛ وجب أن يقال: الله لم يكن مستويا ~~قبل خلق السموات والأرض. # قلنا إنه تعالى كان قبل خلق العالم قادرا على تخليقها ~~وتكوينها، لا أنه كان مكونا وموجدا لها بأعيانها؛ لأن ~~إحياء زيد، وإماتة عمرو، وإطعام هذا، وإرواء ذلك، لا يحصل إلا ~~عند حصول هذه الأحوال، فإذا فسرنا العرش بالملك، والملك بهذه ~~الأحوال صح أن يقال: إنه تعالى إنما استوى على ملكه بعد خلق ~~السموات والأرض؛ بمعنى أنه إنما ظهر تصرفه في هذه الأشياء ~~وتدبيره لها، بعد خلق السموات والأرض. # والقول الثاني: أن استوى بمعنى استولى، كما نذكره في " سورة ~~طه " إن شاء الله تعالى. # واعلم أنه تعالى ذكر قوله: { استوى على العرش } في ~~سبع سور: هاهنا، ويونس [3]. والرعد [2]، وطه [5]، والفرقان: [59]، ~~والسجدة [4]، والحديد [57]. # قال ابن الخطيب: " وفي كل موضع ذكرنا فوائد كثيرة، فمن ضم ~~تلك الفوائد بعضها إلى بعض، بلغت مبلغا كثيرا، وافيا بإزالة ~~شبهة التشبيه عن القلب ". # قوله: { يغشي اليل النهار } قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ~~وابن عامر وحفص هنا وفي سورة الرعد: [3] " يغشي " مخففا من أغشى ~~على أفعل، والباقون بالتشديد من غشى على فعل، فالهمزة ~~والتضعيف كلاهما للتعدية أكسبا الفعل مفعولا ثانيا؛ لأنه ~~في الأصل متعد لواحد، فصار الفاعل مفعولا. # وقرأ حميد بن قيس: " يغشى " بفتح الياء والشين، " الليل " ~~رفعا، " النهار " نصبا، هذه رواية الداني عنه، وروى ابن جني عنه نصب ~~" الليل " ورفع " النهار ". # قال ابن عطية: " ونقل ابن جني أثبت " وفيه نظر، من حيث إن ~~الداني أعنى من أبي الفتح بهذه الصناعة، وإن كان ms3952 دونه في ~~العلم بطبقات، ويؤيد رواية الداني أيضا أنها موافقة لقراءة ~~العامة من حيث المعنى، وذلك أنه جعل الليل فاعلا لفظا ~~ومعنى، والنهار مفعولا لفظا ومعنى، وفي قراءة الجماعة الليل ~~فاعل معنى، والنهار مفعول لفظا ومعنى، وذلك أن المفعولين في هذا ~~الباب متى صلح أن يكون كل منهما فاعلا ومفعولا في المعنى؛ وجب ~~تقديم الفاعل معنى؛ لئلا يلتبس نحو: " أعطيت زيدا عمرا " ~~فإن لم يلتبس نحو: " أعطيت زيدا درهما، وكسوت عمرا ~~جبة " جاز، وهذا كما في الفاعل والمفعول الصريحين نحو " ضرب ~~موسى عيسى " ، و " ضرب زيد عمرا " ، وهذه الآية الكريمة من باب " ~~أعطيت زيدا عمرا "؛ لأن كلا من الليل والنهار يصلح أن ~~يكون غاشيا مغشيا؛ فوجب جعل " الليل " في قراءة الجماعة هو ~~الفاعل المعنوي، و " النهار " هو المفعول من غير عكس، وقراءة ~~الداني موافقة لهذه؛ لأنها المصرحة بفاعلية الليل، وقراءة ~~ابن جني مخالفة لها، وموافقة الجماعة أولى. # قال شهاب الدين: " وقد روى الزمخشري قراءة حميد كما ~~رواها أبو الفتح فإنه قال: " يغشي " بالتشديد، أي: يلحق ~~الليل بالنهار، والنهار بالليل، يحتملهما جميعا ". # والدليل على الثاني قراءة حميد بن قيس " يغشى " بفتح الياء ~~[و] نصب الليل، ورفع النهار. انتهى. # وفيما قاله الزمخشري نظر؛ لما ذكرنا من أن الآية الكريمة مما ~~يجب فيها تقديم الفاعل المعنوي، وكأن أبا القاسم تبع أبا ~~الفتح في ذلك، ولم يلتفت إلى هذه القاعدة المذكورة سهوا. # وقوله: " يطلبه حثيثا " حال من الليل؛ لأنه هو المحدث عنه ~~أي: يغشي النهار طالبا له، ويجوز أن يكون من النهار أي مطلوبا ~~وفي الجملة ذكر كل منهما. # و " حثيثا " يحتمل أن يكون نعت مصدر محذوف أي: طلبا حثيثا ~~وأن يكون حالا من فاعل " يطلبه " أي: حاثا، أو من مفعوله أي: ~~محثوثا. # والحث: الإعجال والسرعة، والحمل على فعل شيء كالحض ~~عليه فالحث والحض أخوان، يقال: حثثت فلانا فاحتث فهو ~~حثيث ومحثوث. # قال: [المتقارب] # 2486- تدلى حثيثا كأن الصوا # ر يتبعه أزرقي لحم # فهذا يحتمل أن يكون نعت مصدر محذوف، وأن يكون حالا أي: تولى ms3953 ~~توليا حثيثا، أو تولى في هذه الحال. # فصل في معنى " الإغشاء " # قال الواحدي: الإغشاء والتغشية: إلباس الشيء بالشيء، ~~وقد جاء التنزيل بالتشديد والتخفيف، فمن التشديد قوله ~~تعالى: # فغشاها ما غشى # [النجم: 54] ومن اللغة الثانية: # فأغشيناهم فهم لا يبصرون # [يس: 9] والمفعول الثاني محذوف، أي فأغشيناهم العمى وفقد ~~الرؤية، ومعنى الآية أي: يأتي الليل على النهار فيغطيه، وفيه حذف ~~أي: ويغشي النهار الليل، ولم يذكر لدلالة الكلام عليه، وذكر في ~~آية أخرى: # يكور اليل على النهار ويكور النهار على ~~اليل # [الزمر: 5]. # " يطلبه حثيثا " أي: سريعا، وذلك أنه إذا كان يعقب ~~أحدهما الآخر ويخلفه فكان يطلبه. # قال القفال - رحمه الله تعالى -: إنه تعالى لما أخبر عباده ~~باستوائه على العرش، وأخبر عن استمرار أصعب المخلوقات على وفق مشيئته، ~~أراهم ذلك عيانا فيما يشاهدونه منها؛ ليضم العيان إلى ~~الخبر، وتزول الشبهة عن كل الجهات فقال: { يغشي اليل ~~النهار }؛ لأنه تعالى أخبر في هذا الكتاب الكريم بما في تعاقبهما ~~من المنافع العظيمة يتم أمر الحياة، وتكمل المنفعة والمصلحة. # قوله: " والشمس " قرأ ابن عامر هنا وفي " النحل " [12] برفع الشمس، ~~وما عطف عليها، ورفع " مسخرات " ، ووافقه حفص عن عاصم في النحل ~~خاصة على رفع " والنجوم مسخرات " ، والباقون بالنصب في ~~الموضعين. وقرأ أبان بن تغلب هنا برفع " النجوم " وما بعده. # فأما قراءة ابن عامر فعلى الابتداء والخبر، جعلها جملة مستقلة ~~بالإخبار بأنها مسخرات لنا من الله - تعالى - لمنافعنا. # وأما قراءة الجماعة، فالنصب في هذه السورة على عطفها على " ~~السموات " أي: وخلق الشمس، فتكون " مسخرات " على هذا حالا من ~~هذه المفاعيل، ويجوز أن تكون هذه [منصوبة] ب " جعل " مقدرا ~~فتكون هذه المنصوبات مفعولا أولا، و " مسخرات " مفعولا ~~ثانيا. # وأما قراءة حفص في النحل، فإنه إنما رفع هنا؛ لأن ~~الناصب هناك " سخر " وهو قوله تعالى: { وسخر لكم اليل ~~والنهار والشمس والقمر } فلو نصب " النجوم " و " ~~مسخرات " لصار اللفظ: سخرها مسخرات، فيلزم التأكيد، فلذلك ~~قطعهما على الأول ورفعهما جملة مستقلة. والجمهور يخرجونها على ~~الحال المؤكدة، وهو مستفيض في كلامهم، أو على إضمار ms3954 فعل قبل " ~~والنجوم " أي: وجعل النجوم مسخرات، أو يكون " مسخرات " جمع ~~مسخر المراد به المصدر، وجمع باعتبار أنواعه كأنه قيل: وسخر ~~لكم الليل، والنهار، والشمس، والقمر، والنجوم تسخيرات أي ~~أنواعا من التسخير. # قوله: " بأمره " متعلق ب " مسخرات " [أي]: بتيسيره وإرادته لها ~~في ذلك، ويجوز أن تكون " الباء " للحال أي: مصاحبة لأمره غير خارجة ~~عنه في تسخيرها، ومعنى مسخرات أي: منزلات بأمره. # فصل في بيان حركة الشمس # قال ابن الخطيب: إن الشمس لها نوعان من الحركة: # أحدهما: حركتها بحسب ذاتها، وهي إنما تتم في سنة كاملة ~~وبسبب هذه الحركة تحصل السنة. # والنوع الثاني: حركتها بحسب حركة الفلك الأعظم، وهذه الحركة تتم في ~~اليوم بليلته. # وإذا عرف هذا فنقول: الليل والنهار لا يحصل بحركة الشمس، ~~وإنما يحصل بسبب حركة السماء الأقصى التي يقال لها: العرش، ~~فلهذا السبب لما ذكر العرش بقوله: { ثم استوى على ~~العرش } ربط به قوله: { يغشي اليل النهار } تنبيها على ~~أن سبب حصول الليل والنهار هو حركة الفلك الأقصى، لا حركة ~~الشمس والقمر، وهذه دقيقة عجيبة. # قوله: { ألا له الخلق والأمر }. # يجوز أن يكون مصدرا على بابه، وأن يكون واقعا موقع ~~المفعول به. # " له الخلق "؛ لأنه خلقهم، و " الأمر ": يأمر في خلقه بما ~~يشاء قال سفيان بن عيينة. فرق الله بين الخلق والأمر، فمن جمع ~~بينهما فقد كفر. # " تبارك الله " أي: تعالى الله وتعظم. # وقيل: ارتفع، والمبارك: المرتفع. # وقيل: تبارك: تفاعل، من البركة وهي النماء ~~والزيادة، أي: البركة تكسب، وتنال بذكره. # وعن ابن عباس قال: جاء بكل بركة. # وقال الحسن: تجيء البركة من قبله. # وقيل: تبارك: تقدس، والقدس: الطهارة. # وقيل: تبارك الله أي: باسمه يتبرك في كل شيء. # وقال المحققون: معنى هذه الصفة، ثبت ودام كما لم يزل ولا يزال، ~~وأصل البركة الثبوت ويقال: تبارك الله ولا يقال: يتبارك ولا ~~مبارك؛ لأنه لم يرد به التوقيف. # وقوله: " رب العالمين " والعالم: كل موجود سوى الله تعالى. ### || [7.55] # لما ذكر الدلائل الدالة على كمال القدرة، والحكمة، ~~والرحمة أتبعه بذكر الأعمال اللائقة ms3955 بتلك المعارف، وهو ~~الاشتغال بالدعاء والتضرع، فقوله: " تضرعا وخفية " ~~نصب على الحال: أي: متضرعين مخفين الدعاء ليكون أقرب إلى ~~الإجابة. ويجوز أن ينتصبا على المصدر، أي: دعاء تضرع وخفية. # وقرأ أبو بكر: " خفية " بكسر الخاء، وقد تقدم ذلك في الأنعام ~~إلا أن كلام أبي علي يرشد إلى أن " خفية " بالكسر بمعنى ~~الخوف، وهذا إنما يتأتى على ادعاء القلب أي يعتقد تقدم ~~اللام على العين وهو بعيد؛ لأنه كان ينبغي أن تعود الواو ~~إلى أصلها، وذلك أن " خفية " ياؤها عن واو لسكونها وانكسار ما قبلها، ~~[ولما أخرت الواو تحركت، وسكن ما قبلها،] إلا أن يقال: ~~إنها قلبت متروكة على حالها. # وقرأ الأعمش " وخيفة " وهي تؤيد ما ذكره الفارسي، نقل هذه ~~القراءة عنه أبو حاتم. # قوله: { إنه لا يحب المعتدين } قرأ ابن أبي عبلة " ~~إن الله " أتى بالجلالة مكان الضمير، والمراد بالتضرع: ~~التذلل والاستكانة، وبالخفية: السر. # قال الحسن: بين دعوة السر، ودعوة العلانية سبعون ضعفا، ولقد كان ~~المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يسمع لهم صوت، إلا همسا ~~بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله يقول: { ادعوا ربكم تضرعا ~~وخفية } ، وإن الله ذكر عبده زكريا، ورضي فعله فقال: # إذ نادى ربه ندآء خفيا # [مريم: 3]. # وقال عليه الصلاة والسلام: # " دعوة السر تعدل سبعين دعوة في العلانية " # ، وقال عليه الصلاة والسلام: # " خير الذكر الخفي " # وروى أبو موسى الأشعري - رضي الله عنه - أنهم كانوا في غزاة ~~فأشرفوا على واد فجعلوا يكبرون ويهللون رافعي أصواتهم، ~~فقال عليه الصلاة والسلام: # " اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم، ولا ~~غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبا وإنه لمعكم ". # واختلفوا في أن الأفضل الدعاء خفية، أو علانية؟ فقيل: الإخفاء ~~أفضل لهذه الآية ولقوله تعالى: # إذ نادى ربه ندآء خفيا # [مريم: 3]، ولما تقدم، ولأنه مصون عن الرياء. # وقال آخرون: العلانية أفضل؛ لترغيب الغير في الاقتداء به. # وقال آخرون: إن خاف على نفسه الرياء؛ فالإخفاء أفضل وإلا ~~فالعلانية. # فصل في بيان شبهة منكري الدعاء # من الناس من أنكر الدعاء، واحتج على صحة قوله بوجوه: # الأول: ms3956 أن المطلوب بالدعاء إن كان معلوم الوقوع، كان واجب الوقوع؛ ~~لامتناع وقوع التغير في علم الله تعالى، وما كان واجب الوقوع لم ~~يكن في طلبه فائدة، وإن كان معلوم اللاوقوع؛ كان ممتنع الوقوع فلا ~~فائدة في طلبه أيضا. # الثاني: أنه تعالى: إن كان قد أراد في الأزل إحداث ذلك الشيء ~~فهو حاصل سواء كان هذا الدعاء أو لم يكن، وإن كان أراد في ~~الأزل ألا يعطيه، فهو ممتنع الوقوع، فلا فائدة في الطلب، وإن ~~قلنا: إنه ما أراد في الأزل ذلك الشيء لا وجوده ولا عدمه، ثم إنه ~~عند ذلك الدعاء صار مريدا له لزم وقوع التغير في ذات الله، ~~وفي صفاته، وهو محال، وعلى هذا التقدير يصير إقدام العبد على ~~الدعاء علة لحدوث صفة في ذات الله - تعالى - فيكون العبد ~~متصرفا في صفة الله - تعالى - بالتبديل والتغيير، وهو محال. # الثالث: أن المطلوب بالدعاء إن اقتضت الحكمة والمصلحة إعطاءه، ~~فهو تعالى يعطيه من غير هذا الدعاء؛ لأنه منزه عن أن يكون ~~بخيلا، وإن اقتضت الحكمة منعه فهو لا يطعيه سواء أقدم ~~العبد على الدعاء، أو لم يقدم عليه. # الرابع: أن الدعاء غير الأمر، ولا تفاوت بين البابين إلا ~~كون الداعي أقل رتبة، وكون الآمر أعلى رتبة، وإقدام العبد على ~~أمر الله سوء أدب وإنه لا يجوز. # الخامس: الدعاء يشبه ما إذا أقدم العبد على إرشاد ربه ~~وإلهه إلى فعل الأصلح والأصوب، وذلك سوء أدب، أو أنه ينبه ~~الإله على شيء ما كان منتبها له، وذلك كفر، وأن الله تعالى ~~قصر في الإحسان والفضل، وذلك جهل. # السادس: أن الإقدام على الدعاء يدل على كون العبد غير راض ~~بالقضاء، إذ لو رضي بما قضاه الله عليه لترك تصرف نفسه، ولما ~~طلب من الله شيئا على التعيين، وترك الرضا بالقضاء من المنكرات. # السابع: روي أنه عليه الصلاة والسلام قال حاكيا عن الله - ~~تعالى - # " من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي ~~السائلين " # وذلك يدل على أن الأولى ترك الدعاء. # الثامن: أن علم ms3957 الله - تعالى - محيط بحاجة العبد، والعبد إذا علم أن ~~مولاه عالم باحتياجه فسكت ولم يذكر تلك الحاجة، كان ذلك أدخل ~~في الأدب، وفي تعظيم المولى، مما إذا أخذ يشرح كيفية تلك الحاجة، ~~وإذا كان الحال على هذا الوجه في الشاهد؛ وجب اعتبار مثله في حق ~~الله - تعالى -، وكذلك نقل أن الخليل - عليه الصلاة والسلام - ~~لما وضع في المنجنيق للرمي إلى النار قال له جبريل - عليه ~~السلام - " ادع ربك " ، فقال الخليل - عليه السلام -: " حسبي ~~من سؤالي علمه بحالي ". # والجواب: أن الدعاء نوع من أنواع العبادة، والأسئلة المذكورة ~~واردة في جميع أنواع العبادات، فإنه يقال: إن كان هذا الإنسان سعيدا ~~في علم الله فلا حاجة إلى الطاعات والعبادات، وإن كان شقيا في علمه؛ ~~فلا فائدة في تلك العبادات، ويجب أيضا ألا يقدم الإنسان على أكل ~~الخبز، وشرب الماء؛ لأنه إن كان شبعانا في علم الله فلا حاجة ~~إلى أكل الخبز، وإن كان جائعا فلا فائدة في أكل الخبز، وكما أن هذا ~~الكلام باطل؛ فكذا فيما ذكروه، بل نقول: المقصود من الدعاء معرفة ~~ذلة العبودية، ومعرفة عز الربوبية، وهذا هو المقصود الأعلى ~~من جميع العبادات؛ لأن الداعي لا يقدم على الدعاء إلا إذا ~~عرف من نفسه كونه محتاجا إلى ذلك المطلوب، وكونه عاجزا عن ~~تحصيله، وعرف من ربه، وإلهه أنه يسمع دعاءه، ويعلم حاجته، وهو ~~قادر على دفع تلك الحاجة، فإذا كان الدعاء مستجمعا لهذين المقامين ~~كان الدعاء أعظم العبادات، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: # " الدعاء مخ العبادة ". # قوله: { إنه لا يحب المعتدين } أجمع المسلمون على ~~أن المحبة صفة من صفات الله - تعالى - واتفقوا على أن ليس معناها ~~شهوة النفس وميل الطبع، وطلب التلذذ بالشيء؛ لأن كل ذلك في ~~حق الله - تعالى - محال، واختلفوا في تفسير المحبة في حق الله - ~~تعالى - فقيل: هي عبارة عن إيصال الثواب، والخير إلى العبد، والمراد ~~ب " المعتدين " المجاوزين ما أمروا به. # قال الكلبي وابن جريج: من الاعتداء رفع الصوت في الدعاء. # وقال أبو مجلز: هم الذين يسألون ms3958 منازل الأنبياء - عليهم الصلاة ~~والسلام -. # روي أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك ~~القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها فقال: يا بني سل الله ~~الجنة، وتعوذ به من النار، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في ~~الظهور والدعاء. # وقال عطية: هم الذين يدعون على المؤمنين، فيما لا يحل فيقولون: ~~" اللهم أخزهم اللهم العنهم ". ### || [7.56] # يدخل فيه المنع من إفساد النفوس بالقتل، وقطع الأعضاء، ~~[وإفساد الأموال بالنهب، والغصب، والسرقة، ووجوه الحيل وإفساد ~~الأديان بالكفر والبدع] وإفساد الإنسان بالزنا واللواط ~~والقذف، وإفساد العقول بشرب المنكرات، فهذا النهي يقتضي ~~منع إدخال ماهية الفساد في الوجود بجميع أنواعه وأصنافه. # وقوله: " بعد إصلاحها " يحتمل أن يكون المراد بعد أن صح خلقها ~~على الوجه المطابق لمنافع الخلق، ويحتمل أن يكون المراد بعد ~~إصلاح الأرض ببعثة الرسل، وإنزال الكتب، وتفصيل الشرائع. # قوله: { وادعوه خوفا وطمعا }. # هذان حالان، أي: ادعوه ذوو خوف وطمع، أو خائفين ~~طامعين، أو مفعولان من أجلهما، أي: لأجل الخوف والطمع. # فإن قيل: قد قال في الآية الأولى: " ادعوا ربكم " ، ثم قال ~~هاهنا: " وادعوه " ، وهذا يقتضي عطف الشيء على نفسه، وهو ~~باطل. # والجواب: أن الذين فسروا قوله: " ادعوا ربكم " بأن ~~المراد به العبادة، قالوا: المراد بهذا الدعاء الثاني هو ~~الدعاء نفسه. # وأما الذين قالوا: المراد بقوله: " ادعوا ربكم " هو الدعاء ~~قالوا: المراد بهذا الدعاء أن يكون الدعاء المأمور به أولا ~~مقرونا بالتضرع، والأخفاء، ثم بين هاهنا أن فائدة ~~الدعاء أحد هذين الأمرين. # فالأولى في بيان شرط صحة الدعاء. # والثانية في بيان فائدة الدعاء ومنفعته. # قوله: { إن رحمت الله قريب } إنما لم يؤنثها وإن ~~كانت خبرا لمؤنث لوجوه: # منها أنها في معنى الغفران والعفو والإنعام، فحملت عليه، قاله ~~النضر بن شميل واختاره الزجاج. # قال سعيد بن جبير: الرحمة هاهنا الثواب فرجع النعت إلى ~~المعنى دون اللفظ كقوله: # وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى ~~والمساكين فارزقوهم منه # [النساء: 8] ولم يقل: " منها "؛ لأنه أراد ms3959 الميراث والمال. # ومنها أنها صفة لموصوف مذكر حذف، وبقيت صفته، والتقدير: إن ~~رحمة الله شيء قريب. # ومنها: أنها في معنى العفو أو المطر، أو الرحم. # ومنها: أنها على النسب كحائض ولابن وتامر، أي: ذات حيض. # ومنها: تشبيه فعيل بمعنى فاعل بفعيل بمعنى مفعول، فيستوي فيه ~~المذكر والمؤنث كجريح، كما حمل هذا عليه حيث قالوا: أسير ~~وأسراء، وقبيل وقبلاء حملا على رحيم ورحماء، وعليم وعلماء، ~~وحكيم وحكماء. # [ومنها: أنه] مصدر [جاء على فعيل كالنعيق وهو صوت الضفدع، ~~والضغيب وهو صوت الأرنب وإذا كان مصدرا] لزم الإفراد والتذكير. # ومنها: أنها بمعنى مفعول أي مقربة، قاله الكرماني، ~~وليس بجيد؛ لأن فعيلا بمعنى مفعول لا ينقاس، وعلى تقدير اقتياسه ~~فإنما يكون من الثلاثي المجرد، لا من المزيد فيه، ومقربة ~~من المزيد فيه. # ومنها: أنها من باب المؤنث المجازي، فلذلك جاز التذكير كطلع ~~الشمس. # قال بعضهم: وهو غير جيد؛ لأن ذلك حيث كان الفعل متقدما نحو: ~~طلع الشمس، أما إذا تأخر وجب التأنيث، إلا في ضرورة شعر ~~كقوله: [المتقارب] # 2487 -...................... # ولا أرض أبقل إبقالها # قال شهاب الدين: " وهذا يجيء على مذهب ابن كيسان، فإنه لا ~~يقصر ذلك على ضرورة الشعر، بل يجيزه في السعة ". # وقال الفراء: قريبة وبعيدة: إما أن يراد بها النسب وعدمه، ~~فتؤنثها العرب ليس إلا فيقولون: فلان قريبة مني في النسب، ~~وبعيدة مني أي في النسب، أما إذا أريد القرب في المكان، ~~فإنه يجوز الوجهان؛ لأن قريبا وبعيدا قائم مقام المكان فتقول: ~~فلانة قريبة وقريب، وبعيدة وبعيد. # التقدير: هي في مكان قريب وبعيد؛ وأنشد: [الطويل] # 2488 - عشية لا عفراء منك قريبة # فتدنو ولا عفراء منك بعيد # فجمع بين اللغتين إلا أن الزجاج رد على الفراء قوله ~~وقال: " هذا خطأ؛ لأن سبيل المذكر والمؤنث أن يجريا على أفعالهما ". # قال شهاب الدين: وقد كثر في شعر العرب مجيء هذه اللفظة ~~مذكرة، وهي صفة لمؤنث. # قال امرؤ القيس: [الطويل] # 2489 - له الويل إن أمسى ولا أم سالم # قريب ولا البسباسة ابنة يشكرا # وفي القرآن: # وما ms3960 يدريك لعل الساعة تكون قريبا # [الأحزاب: 63]. # وقال أبو عبيدة: " قريب في الآية ليس وصفا لها، إنما هو ظرف ~~لها وموضع، فيجيء هكذا في المفرد والمثنى والجمع، فإن أريد بها ~~الصفة؛ وجب المطابقة، ومثلها لفظة بعيد أيضا " إلا أن ~~علي بن سليمان الأخفش خطأه قال: " لأنه لو كانت ظرفا ~~لانتصب كقولك: " إن زيدا قريبا منك " وهذا ليس بخطأ، لأنه ~~يجوز أن يتسع في الظرف، فيعطى حكم الأسماء الصريحة فتقول: ~~زيد أمامك وعمرو خلفك برفع أمام وخلف، وقد نص النحاة على أن ~~نحو: " [أن قريبا] منك زيد " أن " قريبا " اسم " إن " ، و " زيد " ~~خبرها، وذلك على الاتساع ". # و " من المحسنين " متعلق ب " قريب " ، ومعنى هذا القرب هو ~~أن الإنسان يزداد في كل لحظة قربا من الآخرة وبعدا من ~~الدنيا، فإن الدنيا كالماضي والآخرة كالمستقبل، والإنسان في ~~كل ساعة ولحظة يزداد بعدا عن الماضي، وقربا من المستقبل. # قال الشاعر: [الطويل] # 2490 - فلا زال ما تهواه أقرب من غد # ولا زال ما تخشاه أبعد من أمس # ولما كانت الدنيا تزداد بعدا في كل ساعة، والآخرة تزداد ~~قربا في كل ساعة، وثبت أن رحمة الله إنما تحصل بعد الموت، ~~لا جرم قال الله - تعالى -: { إن رحمت الله قريب من ~~المحسنين }. # فصل في دحض شبهة للمعتزلة # قالت المعتزلة: العفو عن العذاب رحمة، والتخلص من ~~النار بعد الدخول فيها رحمة [فوجب ألا يحصل ذلك لمن لم يكن من ~~المحسنين والعصاة وأصحاب الكبائر ليسوا من المحسنين] فوجب ألا يحصل لهم ~~العفو عن العقاب والخلاص من النار. # والجواب: أن من آمن بالله وأقر بالتوحيد والنبوة، فقد ~~أحسن بدليل أن الصبي إذا بلغ وقت الضحوة، وآمن بالله ورسوله ~~ومات قبل الوصول إلى الظهر فقد اجتمعت الأمة على أنه دخل تحت قوله: # للذين أحسنوا الحسنى # [يونس: 26] وهذا لم يأت بشيء من الطاعات سوى المعرفة ~~والإقرار. ### || [7.57] # في كيفية النظم وجهان: # الأول: أنه تعالى لما ذكر دلائل الإلهية، وكمال العلم والقدرة ~~من العالم العلوي، وهو السموات والشمس، والقمر، والنجوم، أتبعه ~~بذكر الدلائل ms3961 من أحوال العالم السفلي. # واعلم أن أحوال هذا العالم محصورة في أمور أربعة: الآثار ~~العلوية، والمعادن، والنبات، والحيوان، ومن جملة الآثار ~~العلوية: الرياح والسحاب والأمطار، ويترتب على نزول الأمطار أحوال ~~النبات، وهو المذكور في هذه الآية. # الثاني: أنه تعالى لما أقام الدلالة في الآية الأولى على وجود ~~الإله القادر العالم الحكيم؛ أقام الدلالة في هذه الآية على ~~صحة القول بالحشر، والنشر، والبعث، والقيامة ليحصل بمعرفة هايتن ~~الآيتين كل ما يحتاج إليه في معرفة المبدأ والمعاد. # قوله: " الرياح بشرا " قد تقدم خلاف القراء في إفراد " ~~الريح " وجمعها بالنسبة إلى سائر السور في البقرة. # وأما " بشرا " فقرأه في هذه السورة - وحيث ورد في غيرها من ~~السور - نافع وأبو عمرو وابن كثير بضم النون والشين، وهي قراءة ~~الحسن وأبي عبد الرحمن، وأبي رجاء بخلاف عنهم، وشيبة بن ~~نصاح والأعرج وعيسى بن عمر وأبي يحيى، وأبي نوفل ~~الأعرابيين. وفي هذه القراءة وجهان فيتحصل فيها ستة أوجه: # أحدها: أن " نشرا " جمع ناشر ك " بازل " و " بزل " و " ~~شارف " و " شرف " وهو جمع شاذ في فاعل. # ثم " ناشر " هذا اختلف في معناه فقيل: هو على النسب: إما إلى ~~النشر ضد الطي، وإما إلى النشور بمعنى الإحياء كقوله: # وإليه النشور # [الملك: 25]، والمعنى: ذا نشر، أو نشور ك " لابن " و " تامر ". # وقيل: هو فاعل من نشر مطاوع أنشر يقال: أنشر الله ~~الميت، فنشر فهو ناشر، وأنشد: [السريع] # 2491 - حتى يقول الناس مما رأوا # يا عجبا للميت الناشر # وقيل: ناشر بمعنى منشر أي: المحيي تقول: نشر الله الموتى ~~وأنشرها، ففعل وأفعل على هذا بمعنى واحد، وهذه الثالثة ضعيفة. # الوجه الثاني: أن نشرا جمع نشور، وهذا فيه احتمالان: # أرجحهما: أنه بمعنى فاعل، وفعول بمعنى فاعل ينقاس جمعه على فعل ~~كصبور، وصبر، وشكور، وشكر أي متفرقة، وهي الرياح التي تأتي من ~~كل ناحية والنشر التفريق، ومنه نشر الثوب، ونشر الخشبة ~~بالمنشار. # وقال الفراء: النشر من الريح الطيبة اللينة التي تنشىء ~~السحاب، واحدها نشور، وأصله من النشر وهو الرائحة ~~الطيبة. # والثاني: أنه ms3962 بمعنى مفعول كركوب وحلوب بمعنى مركوب ومحلوب ~~قالوا: لأن الريح توصف بالموت وتوصف بالإحياء فمن الأول ~~قوله: [الرجز] # 2492 - إني لأرجو أن تموت الريح # فأقعد اليوم وأستريح # ومن الثاني قوله: " أنشر الله الريح وأحياها " وفعول بمعنى ~~مفعول يجمع على فعل كرسول ورسل. # وبهذا قال جماعة كثيرة، إلا أن ذلك غير مقيس في المفرد وفي ~~الجمع، أعني أنه لا ينقاس فعول بمعنى مفعول لا تقول: زيد ضروب ولا ~~قتول بمعنى مضروب ومقتول، ولا ينقاس أيضا جمع فعول بمعنى مفعول على ~~فعل. فحصل في هذه القراءة ستة أوجه: # الأول: أنها جمع لناشر بمعنى: ذا نشر ضد الطي. # الثاني: جمع ناشر بمعنى: ذي نشور. # الثالث: جمع ناشر مطاوع أنشر. # الرابع: جمع ناشر بمعنى منشر. # الخامس: جمع نشور بمعنى: فاعل. # السادس: جمع نشور بمعنى: مفعول. # وقرأ ابن عامر بضم النون وسكون الشين، وهي قراءة ابن عباس، وزر ~~بين حبيش، ويحيى بن وثاب، والنخعي وابن مصرف، والأعمش، ~~ومسروق، وتخريجها بما ذكر في القراءة قبلها، فإنها مخففة منها، ~~كما قالوا: رسل في رسل وكتب في كتب، فسكنوا الضمة تخفيفا، ~~وإذا كانوا قد فعلوا ذلك في المفرد، الذي هو أخف من الجمع كقولهم ~~في عنق: عنق، وفي طنب: طنب، فما بالهم في الجمع الذي هو أثقل ~~من المفرد؟ # وقرأ الأخوان: " نشرا " بفتح النون وسكون الشين، ووجهها أنها ~~مصدر واقع موقع الحال بمعنى ناشرة، أو منشورة، أو ذات نشر ~~[كل ذلك على ما تقدم في نظيره. # وقيل: نشرا مصدر مؤكد؛ لأن أرسل، وأنشر متقاربان. # وقيل: نشرا] مصدر على حذف الزوائد أي: إنشارا، وهو واقع موقع ~~الحال أي: منشرا، أو منشرا حسب ما تقدم في ذلك. # وقرأ عاصم: " بشرا " بالباء الموحدة مضمومة وسكون الشين، ~~وهو جمع بشيرة كنذيرة ونذر. وقيل: جمع فعيل كقليب وقلب ورغيب ~~ورغف، وهي مأخوذة في المعنى من قوله تعالى: # ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات # [الروم: 46] أي تبشر بالمطر، ثم خففت الضمة كما تقدم في " ~~النشر " ، ويؤيد ذلك أن ابن عباس والسلمي وابن أبي عبلة ms3963 قرأوا ~~بضمها، وهي مروية عن عاصم نفسه فهذه أربع قراءات في السبع. # والخامسة: ما ذكرناه عن ابن عباس ومن معه. # وقرأ مسروق: " نشرا " بفتح النون والشين وفيها تخريجان: # أحدهما: نقله أبو الفتح: أنه اسم جمع ك " غيب " و " نشأ " ~~لغائبة وناشئة. # والثاني: أن فعلا بمعنى مفعول كقبض بمعنى مقبوض. # وقرأ أبو عبد الرحمن: " بشرا " بفتح الباء وسكون الشين ورويت عن ~~عاصم أيضا على أنه مصدر " بشر " ثلاثيا. # وقرأ ابن السميفع: " بشرى " بزنة رجعى، وهو مصدر أيضا، فهذه ~~ثمان قراءات: أربع مع النون، وأربع مع الباء، هذا ما يتعلق ~~بالقراءات، وما هي بالنسبة إلى كونها مفردة أو جمعا. # وأما نصبها فإنها في قراءة نافع، ومن معه وابن عامر منصوبة ~~على الحال من " الرياح " أو " الريح " حسب ما تقدم من الخلاف وكذلك ~~هي في قراءة عاصم، وما يشبهها. # وأما في قراءة الأخوين، ومسروق فيحتمل المصدرية، أو الحالية، ~~وكل هذا واضح، وكذلك قراءة " بشرى " بزنة رجعى ولا بد من ~~التعرض لشيء آخر، وهو أن من قرأ " الرياح " بالجمع وقرأ " ~~نشرا " جمعا كنافع، وأبي عمرو فواضح. # وأما من أفرد " الريح " وجمع " نشرا " كابن كثير، فإنه يجعل ~~الريح اسم جنس، فهي جمع في المعنى، فوصفها بالجمع كقول عنترة: ~~[الكامل] # 2493 - فيها اثنتان وأربعون حلوبة # سودا كخافية الغراب الأسحم # والحالية في بعض الصور يجوز أن تكون من فاعل " يرسل " ، أو ~~مفعوله وكل هذا يعرف مما تقدم. # فصل # روى أبو هريرة قال: أخذت الناس ريح بطريق مكة، وعمر حاج ~~فاشتدت، فقال عمر، لمن حوله: ما بلغكم في الريح فلم يرجعوا إليه ~~شيئا، فبلغني الذي سأل عمر عنه من أمر الريح، فاستحثثت راحلتي حتى ~~أدركت عمر، فكنت في مؤخر الناس، فقلت: يا أمير المؤمنين: ~~أخبرت أنك سألت عن الريح، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: الريح من روح الله، تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب، ~~فلا تسبوها، وسلوا الله من خيرها، وتعوذوا به من شرها. # فصل في ماهية الريح. # قال ابن الخطيب - رحمه الله -: الريح: هواء متحرك، ms3964 وكونه متحركا ~~ليس لذاته، ولا للوازم ذاته، وإلا لدامت الحركة بدوام ذاته، فلا بد وأن ~~يكون بتحريك الفاعل المختار وهو الله تعالى. # وقالت الفلاسفة: هاهنا سبب آخر، وهو أنه يرتفع من الأرض ~~أجزاء أرضية لطيفة، تسخنه تسخينا فبسبب تلك السخونة ~~الشديدة ترتفع وتتصاعد، فإذا قربت من الفلك، كان الهواء ألصق ~~بمقعر الفلك، متحركا على استدارة الفلك بالحركة المستديرة التي ~~حصلت لتلك الطبقة من الهواء، فيمنع هذه الأدخنة من الصعود، ~~بل يردها عن سمت حركتها، فحينئذ ترجع تلك الأدخنة، وتتفرق في ~~الجوانب، وبسبب ذلك التفرق تحصل الرياح ثم كلما كانت تلك ~~الأدخنة أكثر، كان صعودها أقوى، وكان رجوعها أشد حركة، فكانت ~~الرياح أقوى وأشد، هذا حاصل ما ذكروه، وهو باطل لوجوه: # الأول: أن صعود الأجزاء الأرضية إنما يكون لشدة تسخينها ~~وذلك التسخين عرض؛ لأن الأرض باردة يابسة بالطبع، فإذا كانت ~~الأجزاء الأرضية متصعدة جدا كانت سريعة الانفصال فإذا ~~تصاعدت ووصلت إلى الطبقة الباردة من الهواء؛ امتنع بقاء ~~الحرارة فيها، بل تبرد جدا؛ فإذا بردت؛ امتنع بلوغها في الصعود إلى ~~الطبقة الهوائية المتحركة بحركة الفلك فبطل ما ذكروه. # الثاني: إذا ثبت أن تلك الأجزاء الدخانية، صعدت إلى الطبقة ~~الهوائية المتحركة بحركة الفلك، لكنها لما رجعت، وجب أن تنزل ~~على الاستقامة، لأن الأرض جسم ثقيل، والثقيل إنما يتحرك ~~بالاستقامة، والرياح ليست كذلك، فإنها تتحرك يمنة ~~ويسرة. # الثالث: أن حركة تلك الأجزاء الأرضية النازلة لا تكون حركة ~~قاهرة، فإن الرياح إذا أحضرت الغبار الكثير، وعاد ذلك ~~الغبار ونزل على السطوح، لم يحس أحد بنزولها ونرى هذه ~~الرياح تقلع الأشجار، وتهدم [الجبال]، وتموج البحار. # الرابع: لو كان الأمر على ما قالوه لكانت الرياح كلما كانت ~~أشد وجب أن يكون حصول الأجزاء الغبارية الأرضية أكثر، ~~لكنه ليس الأمر كذلك؛ لأن الرياح قد يعظم عصوفها وهبوبها في ~~وجه البحر، مع أن الحس يشهد بأنه ليس في ذلك الهواء العاصف ~~شيء من الغبار والكدورة، فبطل بهذه الوجوه العقلية ما ذكروه في حركة ~~الرياح. # وقال المنجمون: إن قوى الكواكب ms3965 هي التي تحرك هذه الرياح، ~~وتوجب هبوبها، وذلك أيضا بعيد؛ لأن الموجب لحركة الرياح إن ~~كانت طبيعة الكواكب؛ وجب دوام الرياح بدوام تلك الطبيعة، وإن كان ~~الموجب هو طبيعة الكواكب بشرط حصوله في البرج المعين، أو ~~الدرجة المعينة؛ وجب أن يتحرك هواء كل العالم، وليس كذلك، وأيضا ~~قد ثبت في العقليات أن الأجسام متماثلة، فاختصاص الكوكب ~~المعين والبرج المعين بالطبيعة التي اقتضت ذلك الأثر لا بد وأن تكون ~~بتخصيص الفاعل المختار، فثبت بهذا البرهان العقلي أن محرك ~~الرياح هو الله - سبحانه وتعالى - وأيضا فقوله تعالى: " نشرا " أي ~~منشرة متفرقة، فجزء من أجزاء الريح يذهب يمنة، وجزء آخر ~~يذهب يسرة، وكذا سائر أجزاء الرياح، كل واحد منها يذهب ~~إلى جانب آخر، ولا شك أن طبيعة الهواء طبيعة واحدة، ونسبة ~~الأفلاك والانجم والطبائع إلى كل واحد من الأجزاء التي لا ~~تتجزأ من تلك الريح نسبة واحدة، فاختصاص بعض أجزاء الريح ~~بالذهاب يمنة، والجزء الآخر بالذهاب يسرة يجب أن يكون ~~ذلك بتخصيص الفاعل المختار. # قوله: " بين ": ظرف ل " يرسل " ، أو للبشارة فيمن قرأه كذلك. # وقوله: { بين يدي رحمته } أي بين يدي المطر الذي هو ~~رحمته، وحسن هذا المجاز أن اليدين تستعملهما العرب في معنى ~~التقدمة على سبيل المجاز؛ يقال إن الفتن تحدث بين يدي الساعة ~~يريدون قبلها، وذلك لأن يدي الإنسان متقدمانه، فكل ما ~~يتقدم شيئا يطلق عليه لفظ اليدين مجازا لهذه المشابهة، كما ~~تقول لمن أحسن إليك وتقدم إحسانه، له عندي أياد، ولما كانت ~~الرياح تتقدم المطر عبر عنه بهذا اللفظ. # فإن قيل: قد نجد المطر لا يتقدمه رياح، فنقول: ليس في الآية أن ~~هذا التقدم حاصل في كل الأحوال، وأيضا يجوز أن تتقدمه هذه ~~الرياح وإن كنا لا نعرفها. # قوله: { حتى إذآ أقلت } غاية لقوله: " يرسل " ، وأقلت ~~أي حملت من أقللت كذا أي: حملته بسهولة. # قال صاحب " الكشاف: " واشتقاق الإقلال من القلة، فإن من يرفع ~~شيئا فإنه يرى ما يرفعه قليلا، أقله أي حمله بسهولة، ~~والقلة بضم القاف هو الظرف المعروف ms3966 وقلال هجر كذلك؛ لأن ~~البعير يقلها أي يحملها. # وتقدم تفسير " السحاب " ، وأنه يذكر ويؤنث، ولذلك عاد ~~الضمير عليه مذكرا في قوله: " سقناه ". ولو حمل على المعنى ~~كما حمل قوله " ثقالا " فجمع لقال: " سقناها ". # و " لبلد " جعل الزمخشري " اللام " للعلة، أي: لأجل. # وقال أبو حيان: فرق بين قولك: سقت له مالا، وسقت لأجله مالا، ~~بأن سقت له أوصلت إليه، وأبلغته إياه، بخلاف سقته ~~لأجله، فإنه لا يلزم منه إلا إيصاله له، فقد يسوق المال لغيري ~~لأجلي، وهو واضح. # وقيل: هذه اللام بمعنى " إلى " ، يقال: هديته للدين، أو إلى ~~الدين. وتقدم الخلاف في تخفيف " ميت " وتثقيله في آل عمران وجاء ~~هنا وفي الروم [46] { يرسل } بلفظ المستقبل مناسبة لما قبله، ~~فإن قبله: " ادعوه خوفا " وهو مستقبل، وفي الروم [45]: # ليجزي الذين آمنوا # ، وهو مستقبل. # وأما في الفرقان: [48] وفاطر [9] فجاء بلفظ الماضي: " أرسل " ~~لمناسبة ما قبله وما بعده في المضي؛ لأن قبله: # ألم تر إلى ربك كيف مد الظل # [الفرقان: 45]، وبعده: # مرج البحرين # [الفرقان: 53]، فناسب ذلك الماضي، ذكره الكرماني. # والبلد يطلق على كل جزء من الأرض، عامرا كان، أو خرابا، ~~وأنشدوا على ذلك قول الأعشى: [البسيط] # 2494 - وبلدة مثل ظهر الترس موحشة # للجن بالليل في حافاتها زجل # قوله: " فأنزلنا به " الضمير في " به " يعود على أقرب مذكور، ~~وهو " بلد ميت " ، وعلى هذا فلا بد من أن تكون الباء ظرفية، ~~بمعنى أنزلنا في ذلك البلد الميت الماء، وجعل أبو حيان هذا هو ~~الظاهر. # وقيل: الضمير يعود على " السحاب " ، ثم في " الباء " وجهان: # أحدهما: هي بمعنى " من " أي: فأنزلنا من السحاب الماء. # والثاني: أنها سببية أي: فأنزلنا الماء بسبب السحاب. # وقيل: يعود على السوق المفهوم من الفعل و " الباء " سببية أيضا ~~[أي]: فأنزلنا بسبب سوق السحاب، وهو ضعيف لعود الضمير على غير ~~مذكور مع إمكان عوده على مذكور. # قوله: " فأخرجنا به " الخلاف في هذه الآية كالذي في قبلها، ~~ونزيد عليه وجها أحسن منها، وهو العود على الماء، ولا ينبغي أن ~~يعدل عنه. # وقوله: { من كل الثمرات } " من ms3967 " تبعيضية، أو ابتدائية، وقد ~~تقدم نظيره. # فصل # اعلم أن السحاب للمياه العظيمة إنما يبقى معلقا في الهواء؛ ~~لأنه تعالى دبر بحكمته أن يحرك الرياح تحريكا شديدا، فلأجل ~~الحركات الشديدة التي في تلك الرياح تحصل فوائد. # أحدها: أن أجزاء السحاب ينضم بعضها إلى بعض ويتراكم وينعقد ~~السحاب الكثير الماطر. # وثانيها: أن بسبب حركات الرياح الشديدة يمنة ويسرة يمتنع ~~على تلك الأجزاء المائية النزول، فلا جرم يبقى معلقا في ~~الهواء. # وثالثها: أن بسب حركات تلك الرياح ينساق من موضع إلى موضع آخر يكون ~~محتاجا في علم الله - تعالى - إلى نزول الأمطار. # ورابعها: أن حركات الرياح تارة تكون جامعة لأجزاء السحاب، ~~وتارة مفرقة لأجزاء السحاب. # وخامسها: أن هذه الرياح تارة تكون مقوية للزروع ~~والأشجار مكملة لما فيها من النشوء والنماء، وهي الرياح ~~اللواقح، وتارة تكون مبطلة لها، كما تكون في الخريف. # وسادسها: أن هذه الرياح تارة تكون طيبة موافقة للأبدان، وتارة ~~تكون مهلكة: إما بسبب ما فيها من الحر الشديد كما في ~~السموم، أو بما فيها من البرد الشديد، كما في الرياح الباردة ~~والمهلكة. # وسابعها: أن هذه الرياح تكون [تارة] شرقية، وتارة غربية، ~~وشمالية، وجنوبية، كذا ضبطه بعض الناس، وإلا فالرياح تهب ~~من كل جانب من جوانب العالم، ولا اختصاص لها بجانب من جوانب ~~العالم. # وثامها: أن هذه الرياح تصعد من قعر البحر، فإن من ركب ~~البحر يشاهد أن البحر، يحصل له غليان شديد بسبب تولد الرياح ~~في قعر البحر، ثم لا يزال يتزايد الغليان ويقوى إلى أن ~~تنفصل تلك الرياح من قعر البحر إلى ما فوق البحر، ~~وحينئذ يعظم هبوب الرياح في وجه البحر، وتارة ينزل الريح ~~من جهة فوق فاختلاف الرياح بسبب هذه المعاني عجيب. # وعن ابن عمر الرياح ثمان: أربع عذاب وهي القاصف، ~~والعاصف والصرصر، والعقيم، وأربع منها رحمة وهي: ~~الناشرات، والمبشرات، والمرسلات، والذاريات. # وقال عليه الصلاة والسلام: # " نصرت بالصبا، وأهلك عاد عاد بالدبور " # و # " الجنوب من ريح الجنة ". # وعن كعب: لو حبس الله الريح عن عباده ثلاثة أيام ~~لأنتن ms3968 أكثر أهل الأرض. # وعن السدي أنه تعالى يرسل الرياح، فتأتي بالسحاب، ثم ~~إنه تعالى يبسطه في السماء كيف يشاء، ثم يفتح أبواب السماء ~~فيسيل الماء على السحاب، ثم يمطر السحاب بعد ذلك، ورحمته هو ~~المطر. # وإذا عرف ذلك فنقول: اختلاف الرياح في الصفات المذكورة مع أن ~~طبعها واحد، وتأثيرات الطبائع والأنجم والأفلاك واحدة، يدل على أن ~~هذه الأحوال لم تحصل إلا بتدبير الفاعل المختار. # قوله: " كذلك " نعت مصدر محذوف، أي: يخرج الموتى إخراجا ~~كإخراجنا هذه الثمرات، وفي هذا التشبيه قولان: # الأول: أن المعنى كما خلق الله - تعالى - النبات بالأمطار، ~~فكذلك يحيي الموتى بمطر ينزله على الأجساد الرميمة. # قال أبو هريرة وابن عباس: إذا مات الناس كلهم في ~~النفخة، أرسل الله عليهم مطرا كمني الرجال من ماء تحت ~~العرش يدعى ماء الحيوان، ينبتون في قبورهم نبات الزرع، ~~حتى إذا استكملت أجسادهم نفخ فيه الروح، ثم يلقى عليهم نومة ~~فينامون في قبورهم، ثم يحشرون بالنفخة الثانية، وهم يجدون ~~طعم النوم في رءوسهم وأعينهم، فعند ذلك يقولون: # يويلنا من بعثنا من مرقدنا # [يس: 52]. # الثاني: أن [هذا] التشبيه إنما وقع بأصل الإحياء، والمعنى: ~~أنه تعالى أحيى هذا البلد بعد خرابه، فأنبت فيه الشجر ~~فكذلك يحيى الموتى بعد أن كانوا أمواتا؛ لأن من قدر على إحداث الجسم، ~~وخلق الرطوبة والطعم فيه، يكون قادرا على إحداث الحياة في بدن ~~الميت. # قال ابن الخطيب: واعلم أن الذاهبين إلى القول الأول إن اعتقدوا ~~أنه لا يمكن بعث الأجساد، إلا بأن يمطر على تلك الأجساد ~~البالية مطرا على صفة المني فقد بعدوا؛ لأن القادر على أن يحدث ~~في ماء المطر صفة، تصير باعتبارها منيا، لم لا يقدر على خلق ~~الحياة في الجسم؟ وأيضا فهب أن ذلك المطر ينزل، إلا أن أجزاء ~~الأموات متفرقة، فبعضها بالمشرق وبعضها بالمغرب، فمن أين ينفع ذلك ~~المطر في توليد تلك الأجسام؟ # فإن قالوا: إنه تعالى بقدرته وحكمته يجمع تلك الأجزاء ~~المتفرقة، فلم لم يقولوا: إنه بقدرته وحكمته يخلق الحياة في ~~تلك الأجزاء المتفرقة ابتداء ms3969 من غير واسطة ذلك المطر؛ وإن اعتقدوا أنه ~~تعالى قادر على إحياء الأموات ابتداء، إلا أنه تعالى إنما يحييهم ~~على هذا الوجه، كما أنه قادر على خلق الأشخاص في الدنيا ~~ابتداء إلا أنه أجرى عادته بأنه لا يخلقهم إلا من أبوين، فهذا ~~جائز. # ثم قال تعالى: { لعلكم تذكرون } أي: أنكم لما شاهدتم أن ~~هذه الأرض كانت مزينة وقت الربيع والصيف بالأزهار والثمار، ثم ~~صارت عند الشتاء ميتة عارية عن تلك الزينة، ثم إنه تعالى أحياها ~~مرة أخرى، فالقادر على إحيائها بعد موتها يجب أن يكون قادرا على ~~إحياء الأجساد بعد موتها أيضا. ### || [7.58] # قيل: هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر بالأرض الخيرة والأرض ~~السبخة، وشبه نزول القرآن بنزول المطر، فشبه المؤمن بالأرض ~~الخيرة التي ينزل عليها المطر، فتزهر وتثمر، وشبه الكافر ~~بالأرض السبخة، فهي وإن نزل عليها المطر لم تزهر ولم تثمر. # وقيل: المراد أن الأرض السبخة يقل نفعها وثمرها، ومع ذلك فإن ~~صاحبها لا يهمل أمرها، بل يتعب نفسه في إصلاحها طمعا منه في تحصيل ما ~~يليق بها من المنفعة، فمن طلب هذا النفع اليسير بالمشقة ~~العظيمة، فلأن يطلب النفع العظيم الموعود به في الآخرة بالمشقة ~~التي لا بد من تحصيلها في أداء الطاعات أولى. # قوله: " بإذن ربه " يجوز أن تكون " الباء " سببية أو حالية ~~وقرىء: " يخرج نباته " ، أي: يخرجه البلد وينبته. # قوله: " والذي خبث " يريد الأرض السبخة التي لا يخرج نباتها. # يقال: خبث الشيء يخبث خبثا وخباثة. # قال الفراء: قوله: " إلا نكدا " فيه وجهان: # أحدهما: أن ينتصب حالا أي عسرا مبطئا. يقال: نكد ينكد ~~نكدا بالفتح، فهو نكد بالكسر. # والثاني: أن ينتصب على أنه نعت مصدر محذوف، أي: إلا خروجا ~~نكدا، وصف الخروج بالنكد كما يوصف به غيره، ويؤيده قراءة أبي ~~جعفر بن القعقاع: " إلا نكدا " بفتح الكاف. # قال الزجاج: وهي قراءة أهل المدينة، وقراءة ابن مصرف: " إلا ~~نكدا " بالسكون وهما مصدران. # وقال مكي: " هو تخفيف نكد بالكسر مثل كتف في كتف ". # يقال: رجل نكد، وأنكد، والمنكود: ms3970 العطاء النزر وأنشدوا [في ~~ذلك]: [السريع] # 2495 - وأعط ما أعطيته طيبا # لا خير في المنكود والناكد # وأنشدوا: [المنسرح] # 2496 - لا تنجز الوعد إن وعدت وإن # أعطيت أعطيت تافها نكدا # وقرأ ابن أبي عبلة وأبو حيوة وعيسى بن عمر: " يخرج " مبنيا ~~للمفعول، " نباته " مرفوعا لقيامة مقام الفاعل، وهو الله تعالى. # وقوله: " والذي خبث " صفة لموصوف محذوف، أي: والبلد التي خبث، ~~وإنما حذف لدلالة ما قبله عليه، كما أنه قد حذف منه الجار في قوله: ~~" بإذن ربه " ، إذ التقدير: والبلد الذي خبث لا يخرج بإذن ربه ~~إلا نكدا. ولا بد من مضاف محذوف: إما من الأول تقديره: ونبات ~~الذي خبث لا يخرج، وإما من الثاني تقديره: والذي خبث لا يخرج ~~نباته إلا نكدا، وغاير بين الموصولين، فجاء بالأول بالألف ~~واللام، وفي الثاني جاء بالذي، ووصلت بفعل ماض. # قوله: " كذلك " تقدم نظيره. # { نصرف الآيات لقوم يشكرون }. # قرىء: " يصرف " أي يصرفها الله، وختم هذه الآية بقوله: { لقوم ~~يشكرون }؛ لأن الذي سبق ذكره هو أنه تعالى يحرك الرياح ~~اللطيفة النافعة، ويجعلها سببا لنزول المطر، الذي هو الرحمة، ويجعل ~~تلك الرياح والأمطار سببا لحدوث أنواع النبات النافعة، فمن هذا ~~الوجه ذكر الدليل الدال على وجود الصانع، وعلمه، وقدرته، وحكمته، ~~ونبه من وجه آخر على إيصال هذه النعم العظيمة إلى العباد، فمن ~~الوجه الأول وصفها بأنها آيات، ومن الوجه الثاني أنها ~~نعم يجب شكرها وخصها بكونها آيات للشاكرين؛ لأنهم المنتفعون بها، ~~كقوله: # هدى للمتقين # [البقرة: 2]. # روى أبو بردة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل ~~الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان منها بقعة قبلت ~~الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب ~~أمسكت الماء، فنفع الله به الناس فشربوا وسقوا ~~ورعوا، وأصاب منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك، ~~ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقهه في دين الله، ونفعه بما ~~بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم ~~يقبل هدى ms3971 الله الذي أرسلت به ". ### || [7.59] # لما قرر المعاد بالدليل الظاهر أتبعه بذكر قصص الأنبياء ~~لفوائد: # أحدها: التنبيه على أن إعراض الناس عن قبول الدلائل والبينات ليس ~~مخصوصا بقوم محمد - عليه الصلاة والسلام - بل هذه ~~العادة المذمومة كانت حاصلة في جميع الأمم السابقة، والمصيبة إذا ~~عمت خفت، ففي ذكر قصصهم تسلية للرسول - عليه الصلاة ~~والسلام - وتخفيف عن قلبه. # وثانيها: أنه تعالى يحكي في هذه القصص أن عاقبة أمر أولئك ~~المنكرين كان إلى اللعن في الدنيا، والخسارة في الآخرة، وعاقبة ~~أمر المحقين [إلى الدولة في الدنيا، والسعادة في الآخرة، ~~وذلك يقوي قلوب المحقين]، ويكسر قلوب المبطلين. # وثالثها: التنبيه على أنه تعالى، وإن كان يمهل المبطلين لكنه لا ~~يهملهم بل يعاقبهم، وينتقم منهم. # ورابعها: بيان ما في هذه القصص من الدلالة على نبوة محمد - عليه ~~الصلاة والسلام - لأنه كان أميا، لم يطالع كتابا، ولا تلمذ ~~لأستاذ، فإذا ذكر هذه القصص من غير تحريف ولا خطأ دل ذلك على أنه ~~عرفها بوحي من الله تعالى. # قوله: " لقد أرسلنا " جواب قسم محذوف تقديره: " والله لقد ~~أرسلنا ". # قال الزمخشري: فإن قلت: ما لهم لا يكادون ينطقون بهذه اللام ~~إلا مع " قد " ، وقل عنهم قوله: [الطويل] # 2497 - حلفت لها بالله حلفة فاجر # لناموا........................... # قلت: إنما كان ذلك؛ لأن الجملة القسمية لا تساق إلا تأكيدا ~~للجملة المقسم عليها، التي هي جوابها، فكانت مظنة لمعنى ~~التوقع الذي هو معنى " قد " عند استماع المخاطب كلمة القسم. # وأما غير الزمخشري من النحاة فإنه قال: إذا كان جواب ~~القسم ماضيا مثبتا متصرفا: فإما أن يكون قريبا من زمن الحال ~~فتأتي ب " قد " وإلا أتيت باللام وحدها فظاهر هذه العبارة ~~جواز الوجهين باعتبارين. # وقال هاهنا: " لقد " من غير عاطف، وفي " هود " [25] و " المؤمنين " ~~[23]: ولقد بعاطف، وأجاب الكرماني بأن في " هود " قد تقدم ذكر ~~الرسول مرات، وفي " المؤمنين " ذكر نوح ضمنا في قوله # وعلى الفلك # [غافر: 80]؛ لأنه أول من صنعها، فحسن أن يؤتى بالعاطف على ما ~~تقدم، بخلافه في هذ السورة. # فصل # هو نوح ms3972 بن لمك بن متوشلح بن اخنوخ، وهو إدريس وهو أول نبي بعثه ~~الله بعد إدريس. # وقال القرطبي: " وهو أول نبي بعث بعد آدم بتحريم البنات ~~والعمات، والخالات، وكان نجارا، بعثه الله إلى قومه وهو ابن ~~خمسين سنة ". # وقال مقاتل: " ابن مائة سنة ". # قال النحاس: " وانصرف؛ لأنه على ثلاث أحرف ". # وقال ابن عباس: " سمي نوحا لكثرة نوحه على نفسه ". # واختلفوا في سبب نوحه، قال بعضهم: لدعوته على قومه بالهلاك، ~~وقيل: لمراجعته ربه في شأن ابنه كنعان. # وقيل: لأنه مر بكلب مجذوم فقال: اخسأ يا قبيح يا كلب، ~~فأوحى الله إليه: أعبتني أم عبت الكلب. # قال ابن عباس: " معنى أرسلنا: بعثنا ". # وقال آخرون: معنى الإرسال أنه تعالى حمله رسالة يؤديها، ~~فالرسالة على هذا التقدير تكون متضمنة للبعث، فيكون البعث ~~كالتابع لا أنه الأصل. # قوله: { فقال يا قوم اعبدوا الله } جيء هنا بفاء العطف في قوله: " ~~فقال " ، وكذا في المؤمنين وفي قصة هود وصالح وشعيب هنا بغير ~~فاء، والأصل الفاء، وإنما حذفت تخفيفا، وتوسعا [و] اكتفاء ~~بالربط المعنوي، وكانت اللواتي بعدها بالحذف أولى. وأما في هود ~~فيقدر قبل قوله: " إني لكم ": " فقال " بالفاء على الأصل. # وجاء هنا: { ما لكم من إله غيره } فلم يعطف هذه الجملة ~~المنفية بفاء ولا غيرها، لأنها مبنية ومثبتة على اختصاص ~~الله - تعالى - بالعبادة ورفض ما سواه، فكانت في غاية الاتصال ~~فقال: يا قوم اعبدوا الله. # فصل في بيان نسب " نوح " # قال ابن العربي: ومن قال: إن إدريس كان قبل نوح فقد وهم، بدليل ~~حديث الإسراء الصحيح، حين لقي النبي صلى الله عليه وسلم آدم ~~وإدريس، فقال له آدم: مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح، وقال له ~~إدريس: مرحبا بالنبي الصالح، والأخ الصالح فلما قال له: " والأخ ~~الصالح " دل على أنه يجمع معه في نوح. # قال القاضي عياض: جواب الآباء هاهنا كنوح، وإبراهيم وآدم: ~~مرحبا بالابن الصالح، وقال عن إدريس: بالأخ الصالح كما ذكر عن موسى ~~وعيسى، ويوسف [وهارون ويحيى ممن ليس بأب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم باتفاق]. # فصل ms3973 في بيان أجناس البشر # قال القرطبي: ذكر النقاش عن سليمان بن أرقم عن الزهري أن ~~العرب، وفارس والروم، وأهل الشام واليمن من ولد سام بن نوح، ~~والهند والسند والزنج، والحبشة والزط والنوبة وكل جلد ~~أسود من ولد حام، والترك، والبربر ووراء النهر والصين، ويأجوج ~~ومأجوج والصقالبة من ولد يافث بن نوح، والخلق كلهم ذرية نوح - ~~عليه الصلاة والسلام -. # قوله: { ما لكم من إله غيره } # قرأ الكسائي " غيره " بخفض الراء في جميع القرآن، والباقون ~~برفعها، وقرأ عيسى بن عمر بنصبها، فالجر على النعت والبدل من ~~موضع " إله "؛ لأن " من " مزيدة فيه، وموضعه رفع: إما بالابتداء، ~~وإما بالفاعلية، ومنع مكي في وجه الجر أن تكون بدلا من إله على ~~اللفظ، قال: كما لا يجوز دخول " من " لو حذفت المبدل منه؛ ~~لأنها لا تدخل في الإيجاب، وهذا كلام متهافت. # والنصب على الاستثناء، والقراءتان الأوليان أرجح؛ لأن ~~الكلام متى كان غير إيجاب، رجح الاتباع على النصب على الاستثناء ~~وحكم غير حكم الاسم الواقع بعد " إلا " ، و " من إله " إذا جعلته ~~مبتدأ فلك في الخبر وجهان: # أظهرهما: أنه " لكم ". # والثاني: أنه محذوف، أي: ما لكم من إله في الوجود، أو في العالم غير ~~الله، و " لكم " على هذا تخصيص وتبيين. # فصل فيما تضمنته الآية من حذف # قال الواحدي: " في الكلام حذف، وهو خبر ما؛ لأنك إذا جعلت غيره ~~صفة لقوله: " إله " لم يبق لهذا المنفي خبر، والكلام لا يستقل ~~بالصفة والموصوف، فإنك إذا قلت: زيد العاقل وسكت لم يفد ما ~~لم تذكر خبره ويكون التقدير: ما لكم من إله غيره في الوجود ". # قال ابن الخطيب: اتفق النحويون على أن قولنا: " لا إله إلا ~~الله " لا بد فيه من إضمار، والتقدير: لا إله في الوجود إلا الله ولا ~~إله لنا إلا الله، ولم يذكروا على هذا الكلام حجة، فنقول: لم لا ~~يجوز أن يقال: دخل حرف النفي على هذه الحقيقة وعلى هذه الماهية، ~~فيكون المعنى أنه لا تحقق لحقيقة الإلهية إلا في حق الله تعالى، ~~وإذا ms3974 حملنا الكلام على هذا المعنى استغنينا عن الإضمار الذي ذكروه. # فإن قالوا: صرف النفي إلى الماهية لا يمكن؛ لأن الحقائق لا ~~يمكن نفيها، فلا يمكن أن يقال: لا سواد بمعنى ارتفاع هذه ~~الماهية، وإنما الممكن أن يقال: إن تلك الحقائق غير ~~موجودة، ولا حاصلة، وحينئذ يجب إضمار الخبر فنقول: هذا الكلام بناء ~~على أن الماهية لا يمكن انتفاؤها وارتفاعها، وذلك باطل قطعا، ~~إذ لو كان الأمر كذلك؛ لوجب امتناع ارتفاع الوجود؛ لأن ~~الوجود أيضا حقيقة من الحقائق، وماهية من الماهيات؛ فوجب ألا ~~يرتفع الوجود أيضا، فإن أمكن ارتفاع الوجود مع أنه ماهية ~~وحقيقة فلم لا يمكن ارتفاع سائر الماهيات. # فصل في بيان أن المستحق للعبادة هو الله # دل ظاهر الآية على أن الإله هو الذي يستحق العبادة؛ لأن قوله: ~~{ اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } إثبات ونفي، ~~فيجب أن يتواردا على مفهوم واحد حتى يستقيم الكلام، فكان ~~المعنى: اعبدوا الله ما لكم من معبود غيره، حى يتطابق النفي ~~والإثبات، ثم ثبت بالدليل أن الإله ليس هو المعبود، وإلا لوجب كون ~~الأصنام آلهة، وألا يكون الإله إلها في الأزل، لأنه في الأزل ~~غير معبود، فوجب حمل لفظ الإله على أنه المستحق للعبادة. # قوله: { إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم }. # اختلفوا في معنى قوله: { إني أخاف عليكم } هل هو اليقين؟ أو ~~الخوف بمعنى الظن والشك؟ فقيل: المراد: الجزم واليقين؛ لأنه كان ~~جازما أن العذاب ينزل بهم: إما في الدنيا، وإما في الآخرة، ~~إن لم يقبلوا الدعوة. # وقيل: بل المراد منه الشك لوجوه: # [أحدها]: إنما قال: { إني أخاف عليكم }؛ لأنه جوز ~~أن يؤمنوا، وأن يستمروا على كفرهم، ومع هذا التجويز لا يكون قاطعا ~~بنزول العذاب، فلهذا قال: " أخاف عليكم ". # وثانيها: أن حصول العذاب على الكفر والمعصية أمر لا يعرف إلا ~~بالسمع، فلعل الله - تعالى - ما بين له كيفية هذه المسألة، ~~فلا جرم جوز أن الله - تعالى - هل يعاقبهم أم لا؟. # وثالثها: يحتمل أن يكون المراد من الخوف الحذر، كقوله في الملائكة: # يخافون ms3975 ربهم # [النحل: 50] أي يحذرون المعاصي خوفا من العقاب. # ورابعها: أنه بتقدير أن يكون قاطعا بنزول العذاب لكنه ما كان ~~عارفا بمقدار ذلك العذاب فكان هذا الشك راجعا إلى وصف العذاب لا في ~~أصل حصوله، والمراد بذلك العذاب إما عذاب يوم القيامة، أو عذاب ~~الطوفان. # فإن قيل: إنه تعالى حكى عن نوح - عليه الصلاة والسلام - في هذه ~~الآية أنه أمر قومه بثلاثة أشياء: # الأول: أمرهم بعبادة الله، والمقصود منه إثبات التكليف. # الثاني: أنه حكم أن لا إله غير الله، والمقصود منه الإقرار ~~بالتوحيد، ثم قال عقيبه: { إني أخاف عليكم عذاب ~~يوم عظيم } ، وهذا هو الدعوى الثالثة، وعلى هذا التقدير فقد ~~ادعى الوحي والنبوة من عند الله، ولم يذكر على صحة واحد ~~منها دليلا ولا حجة، فإن كان قد أمرهم بالإنذار بها على سبيل ~~التقليد فهذا باطل؛ لأن الله - تعالى - ملأ القرآن من ذم ~~التقليد، فكيف يليق بالرسول المعصوم الدعوة إلى التقليد؟! وإن كان ~~قد أمرهم بالإقرار بها مع ذكر الدليل، فهذا غير مذكور. # فالجواب: أن الله - تعالى - ذكر في أول السورة دلائل التوحيد ~~والنبوة وصحة المعاد، وذلك تنبيه منه تعالى على أن أحدا من ~~الأنبياء لا يدعو إلى هذا الأصول إلا بذكر الحجة والدليل أقصى ~~ما في الباب أنه تعالى ما حكى عن نوح في هذا المقام ذكر تلك ~~الدلائل لما كانت معلومة. ### || [7.60-61] # قوله: " قال الملأ ". # قال ابن عطية: وقرأ ابن عامر: " الملؤ " بواو، وهي كذلك في مصاحف ~~الشام، وهذه القراءة ليست مشهورة عنه قال المفسرون: الملأ: ~~الكبراء والسادات الذين جعلوا أنفسهم أضداد الأنبياء، ويدل على ذلك ~~قوله: " من قومه "؛ لأنه يقتضي التبعيض، وذلك البعض لا ~~بد وأن يكونوا موصوفين بصفة لأجلها استحقوا هذا الوصف بأن ~~يكونوا هم الذين يملئون صدور المجالس، وتمتلىء القلوب من هيبتهم، ~~وتمتلىء الأبصار من رؤيتهم، وهذه الصفات لا تحصل إلا في ~~الرؤساء. # قوله: " إنا لنراك " يجوز أن تكون الرؤية قلبية فتتعدى ~~لاثنين ثانيهما " في ضلال " ، وأن تكون البصرية وليس بظاهر فالجار ~~حال، وجعل الضلال ظرفا ms3976 مبالغة في وصفهم له بذلك، وزادوا في ~~المبالغة بأن أكدوا ذلك بأن صدروا الجملة ب " إن " وفي خبرها ~~اللام. # وقوله: { ليس بي ضلالة } الضلال، والضلالة، العدول عن ~~الحق. # فإن قيل: قولهم: إنا لنراك في ضلال جوابه أن يقال: ليس في ضلال فلم ~~أجاب بقوله { ليس بي ضلالة }. # فالجواب أن قوله: { ليس بي ضلالة } من أحسن الرد وأبلغه؛ ~~لأنه نفى أن تلتبس به ضلالة واحدة فضلا عن أن يحيط به الضلال، فكان ~~المعنى: ليس بي نوع من أنواع الضلالة ألبتة، فكان هذا أبلغ ~~في عموم السلب فلو قال: لست ضالا لم يؤد هذا المعنى. # واعلم أن القوم إنما نسبوا نوحا في ادعاء الرسالة إلى ~~الضلال لأمور: # أحدها: أنهم استبعدوا أن يكون لله رسولا إلى خلقه، لاعتقادهم ~~أن المقصود من الإرسال التكليف: والتكليف لا منفعة فيه ~~للمعبود؛ لأنه متعال عن النفع والضرر، ولا منفعة فيه ~~للعابد؛ لأنه في الحال مضرة، وما يوحى فيه من الثواب والعقاب ~~فالله - تعالى - قادر على تحصيله بغير واسطة تكليف، فيكون التكليف ~~عبثا، والله منزه عن العبث. # وثانيها: أنهم وإن جوزوا التكليف إلا أنهم قالوا: ما ~~علمنا حسنه بالعقل فعلناه، وما علمنا قبحه تركناه حذرا من ~~خطر العقاب، فالله تعالى منزه عن أن يكلف عبده ما لا ~~طاقة له به، وإذا كان رسول العقل كافيا، فلا حاجة إلى بعثه رسولا آخر. # وثالثها: أي بتقدير أنه لا بد من الرسول، فإرسال الملائكة أولى؛ ~~لأن مهابتهم أشد، وطهارتهم أكمل، وبعدهم عن الكذب أعظم. # ورابعها: اعلم أن بتقدير أن يبعث رسولا من البشر، فلعل ~~القوم اعتقدوا أن الفقير الذي ليس له أتباع، ولا رئاسة لا يليق به منصب ~~الرسالة، أو لعلهم اعتقدوا أن ادعاء نوح الرسالة من باب الجنون ~~وتخييلات الشيطان، فلهذه الأسباب حكموا على نوح بالضلال، وقد ~~أجابهم نوح ببقية الآية على ما يأتي في أثنائها. # ثم إنه عليه الصلاة والسلام لما نفى العيب عن نفسه، وصف ~~نفسه بأشرف الصفات وهو قوله: { ولكني رسول من رب ~~العالمين } جاءت " لكن " هنا ms3977 أحسن مجيء؛ لأنها بين نقيضين؛ ~~لأن الإنسان لا يخلو من أحد شيئين: ضلال، أو هدى، والرسالة لا ~~تجامع الضلال. # و " من رب " صفة ل " رسول " ، و " من " لابتداء الغاية ~~المجازية. ### || [7.62-64] # قوله: " أبلغكم " يجوز أن تكون جملة مستأنفة أتى بها لبيان كونه ~~رسولا، ويجوز أن تكون صفة ل " رسول " ، ولكنه راعى الضمير ~~السابق الذي للمتكلم فقال: أبلغكم، ولو راعى الاسم ~~الظاهر لقال: يبلغكم، والاستعمالان جائزان في كل اسم ظاهر ~~سبقه ضمير حاضر من متكلم، أو مخاطب فتحرر لك فيه وجهان: # مراعاة الضمير السابق، وهو الأكثر، ومراعاة الاسم الظاهر ~~فيقول: أنا رجل أفعل كذا مراعاة ل " أنا " ، وإن شئت أنا رجل يفعل كذا ~~مراعاة لرجل، ومثله: أنت رجل يفعل وتفعل بالخطاب والغيبة. # وقرأ أبو عمرو: " أبلغكم " بالتخفيف، والباقون بالتشديد، ~~وهذا الخلاف جار هنا في الموضعين، وفي الأحقاف والتضعيف والهمزة ~~للتعدية كأنزل، ونزل، وجمع " رسالة " باعتبار أنواعها من ~~أمر ونهي، ووعظ، وزجر، وإنذار، وإعذار، وقد جاء الماضي على أفعل في ~~قوله: # فإن تولوا فقد أبلغتكم # [هود: 57] فهذا شاهد لقراءة أبي عمرو، وجاء على فعل في قوله: # فما بلغت رسالته # [المائدة: 67] فهذا شاهد لقراءة الجماعة. # واعلم أنه ذكر ما هو المقصود من الرسالة، وهو أمران: أن يبلغ ~~الرسالة، وتقرير النصيحة، والفرق بينهما أن تبليغ الرسالة ~~معناه: أن يعرفهم أنواع تكاليف الله، وأوامره، ونواهيه، وأما ~~النصيحة فهو ترغيبهم في الطاعة، وتحذيرهم عن المعاصي. # قوله: " وأنصح لكم ". # قال الفراء: العرب لا تكاد تقول: نصحتك، إنما يقولون: نصحت ~~لك، ويجوز أيضا: نصحتك. # قال النابغة: [الطويل] # 2498 - نصحت بني عوف فلم يقبلوا نصحي # وسؤلي، ولم تنجح لديهم رسائلي # فصل في بيان حقيقة النصح # وحقيقة النصح الإرشاد إلى المصلحة مع خلوص النية من شوائب ~~المكروه، والمعنى: إني أبلغ لكم تكاليف الله، ثم أرشدكم ~~إلى الأصوب، والأصلح، وأدعوكم إلى ما دعاني، وأحبب لكم ما أحبه ~~لنفسي. # قوله: { وأعلم من الله ما لا تعلمون }. # قيل: أعلم أنكم إن عصيتم أمره عاقبكم بالطوفان. # وقيل: أعلم أنه يعاقبكم في الآخرة عذابا شديدا، ms3978 خارجا عما ~~تتصوره عقولكم. # وقيل: أعلم من توحيد الله وصفات جلاله ما لا تعلمون. والمقصود من ذكر ~~هذا الكلام: حمل القوم على أن يرجعوا إليه في طلب تلك العلوم. # واعلم أن نوحا - عليه الصلاة والسلام - أزال تعجبهم وقال: إنه ~~تعالى خالق الخلق، فله بحكم الإلهية أن يأمر عبيده ببعض الأشياء وينهاهم ~~عن بعضها، ولا يجوز أن يخاطبهم بتلك التكاليف من غير واسطة؛ لأن ذلك ~~ينتهي إلى حد الإلجاء، وهو ينافي التكليف، ولا يجوز أن يكون ~~ذلك الرسول من الملائكة، لما تقدم في " الأنعام " في قوله: # ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا # [الأنعام: 9]، فلم يبق إلا أن إيصال التكاليف إلى الخلق بواسطة ~~إنسان يبلغهم، وينذرهم ويحذرهم، وهذا جواب شبههم. # قوله: " أو عجبتم " ألف استفهام دخلت على واو العطف، وقد ~~تقدم الخلاف في هذه الهمزة السابقة على الواو، وقدر الزمخشري ~~على قاعدته معطوفا عليه محذوفا تقديره: أكذبتم وعجبتم " أن ~~جاءكم " أي: من أن جاءكم، فلما حذف الحرف جرى الخلاف المشهور. # " من ربكم " صفة ل " ذكر ". # " على رجل ": قال ابن قتيبة: " [قال الفراء]: يجوز أن ~~تكون على حذف مضاف، أي: على لسان رجل ". # وقيل: على بمعنى " مع " ، أي: مع رجل فلا حذف. # وقيل: لا حاجة إلى حذف، ولا إلى تضمين حرف؛ لأن المعنى أنزل إليكم ~~ذكر على رجل، وهذا أولى؛ لأن التضمين في الأفعال أحسن منه ~~في الحروف لقوتها وضعف الحروف. # فصل في معنى " الذكر " # قال ابن عباس: الذكر الموعظة. # وقال الحسن: إنه الوحي الذي جاءهم به. # وقيل: المراد بالذكر المعجز. # وقيل: بيان " على رجل منكم " أي تعرفون نسبه، فهو منكم نسبا. # " لينذركم " أي: لأجل أن ينذركم عذاب الله. # " ولتتقوا " أي: لكي تتقوا. # " ولعلكم ترحمون " أي: لكي ترحموا. # فصل في دحض شبهة للمعتزلة # قال الجبائي، والكعبي، والقاضي: دلت هذه الآية على أنه ~~تعالى أراد من بعثة الرسل إلى الخلق التقوى، والفوز ~~بالرحمة، وذلك يبطل قول من قال: إنه تعالى أراد من بعضهم ~~الكفر والعناد، وخلقهم لأجل العذاب والنار. # والجواب بأن نقول: إن لم يتوقف ms3979 الفعل على الداعي لزم رجحان ~~الممكن لا لمرجح، وإن توقف لزم الجبر، ومتى لزم ذلك، وجب القطع ~~بأنه تعالى أراد الكفر، وذلك يبطل مذهبكم. # قوله: " فكذبوه ": أي في ادعاء النبوة والرسالة. # " فأنجيناه " من الطوفان، وأنجينا من كان معه [وكانوا ~~أربعين رجلا، وأربعين امرأة]. # وقيل: عشرة: بنوه: حام، وسام، ويافث، وسبعة ممن آمن معه من ~~المؤمنين. # " في الفلك " أي: في السفينة، وأغرقنا الكفار والمكذبين، ~~وبين العلة في ذلك فقال: { إنهم كانوا قوما عمين }. # قوله: " في الفلك " يجوز أن يتعلق ب " أنجيناه " ، أي: ~~أنجيناه في الفلك، [ويجوز أن تكون " في " حينئذ سببية أي: بسبب ~~الفلك] كقوله: # " إن امرأة دخلت النار في هرة " # ، ويجوز أن يتعلق في الفلك بما تعلق به الظرف الواقع صلة، أي: ~~الذين استقروا في الفلك معه. # " وعمين " جمع عم، وقد تقدم الكلام على هذه المادة. # وقيل: عم هنا إذا كان أعمى البصيرة، [قال ابن عباس: عميت ~~قلوبهم عن معرفة التوحيد، والنبوة والمعاد قال أهل اللغة]: ~~غير عارف بأموره، وأعمى أي في البصر. # قال زهير: [الطويل] # 2499 - وأعلم علم اليوم والأمس قبله # ولكنني عن علم ما في غد عم # قاله الليث وقيل: عم وأعمى بمعنى، كخضر وأخضر. # وقال بعضهم: " عم " فيه دلالة على ثبوت الصفة واستقرارها [كفرح] ~~وضيق، ولو أريد الحدوث لقيل: عام كما يقال: فارح وضائق. # وقال الزمخشري: قريء " قوما عامين ". ### || [7.65-71] # قوله " أخاهم " نصب ب " أرسلنا " الأولى، كأنه قيل: لقد أرسلنا ~~نوحا، وأرسلنا إلى عاد أخاهم، وكذلك ما يأتي من قوله: # وإلى ثمود أخاهم # [الأعراف: 73]، # وإلى مدين أخاهم شعيبا # [الأعراف: 85] # ولوطا # [الأعراف: 85]، ويكون ما بعد " أخاهم " بدلا أو عطف [بيان]. وأجاز ~~مكي أن يكون النصب بإضمار " اذكر " وليس بشيء لأن المعنى على ~~ما ذكرنا مع عدم الاحتياج إليه. # و " عاد " اسم للحي، ولذلك صرفه، ومنهم من جعله اسما للقبيلة ~~ولذلك [منعه] قال: [الرجز] # 2500- لو شهد عاد في زمان عاد # لابتزها مبارك الجلاد # وعاد في الأصل اسم الأب الكبير، وهو عاد بن عوص بن إرم بن ~~سام بن نوح ms3980 فسميت به القبيلة، أو الحي. # وقيل: عاد بن أرم بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح ~~وهود بن عبد الله بن رباح بن الجارود ابن عاد بن عوص ~~بن إرم بن سام بن نوح، وهي عاد الأولى، وكذلك ما أشبهه من نحو ~~" ثمود " إن جعلته اسما لمذكر صرفته، وإن جعلته اسما لمؤنث ~~منعته، وقد بوب له سيبويه بابا. # وأما هو فاشتهر في ألسنة النحاة أنه عربي، وفيه نظر؛ لأن ~~الظاهر من كلام سيبويه لما عده مع نوح، ولوط أنه أعجمي، ~~ولأن: أبا البركات النسابة الشريف حكى: أن أهل اليمن تزعم ~~أن يعرب بن قحطان بن هود هو أول من تكلم بالعربية ~~وسميت به العرب عربا، وعلى هذا يكون " هود " أعجميا، وإنما ~~صرف لما ذكر في أخوته نوح ولوط. # وهود اسمه عابر بن شالح بن أرفخشد بن سام بن نوح. # فصل في نسب هود # اتفقوا [على] أن هودا ما كان أخاهم في الدين، واختلفوا في أنه هل ~~كان هناك قرابة أم لا. # قال الكلبي: " كان واحدا منهم ". # وقال آخرون: كان من غيرهم، وذكروا في تفسير هذه الأخوة وجهين: # الأول: قال الزجاج: كان من بني آدم، ومن جنسهم، لا من ~~الملائكة، ويكفي هذا القدر في تسمية الأخوة، والمعنى: أنا بعثنا إلى ~~عاد واحدا من جنسهم، ليكون الفهم والأنس بكلامه وأفعاله أكمل، ~~ولم يبعث إليهم من غير جنسهم مثل ملك أو جني. # قال ابن إسحاق: وكان أوسطهم نسبا، وأفضلهم حسنا. # روي أن عادا كانت ثلاث عشرة قبيلة ينزلون الرمال، وكانوا أهل ~~بساتين وزروع وعمارة، وكانت بلادهم أخصب البلاد، فسخط الله عليهم؛ ~~فجعلهم مفاوز لأجل عبادتهم الأصنام، ولحق هود حين أهلك قومه بمن آمن ~~معه بمكة، فلم يزالوا بها حتى ماتوا. # الثاني: " أخاهم " أي صاحبهم، ورسولهم، والعرب تسمي صاحب القوم أخا ~~القوم، ومنه قوله تعالى: # كلما دخلت أمة لعنت أختها # [الأعراف: 38] أي: صاحبتها، وقال عليه الصلاة والسلام: # " إن أخا صداء قد أذن " # يريد صاحبهم. # فصل في مكان قوم عاد # اعلم أن عادا قوما ms3981 كانوا باليمن بالأحقاف. # قال ابن إسحاق: " والأحقاف: الرمل الذي بين عمان إلى حضرموت ". # واعلم أن ألفاظ هذه القصة موافقة للألفاظ المذكورة في قصة نوح ~~- عليه السلام - إلا في أشياء. # [الأول]: أن في قصة نوح: " فقال يا قوم " بالفاء، وهنا قال بغير ~~فاء، فالفرق أن نوحا - عليه الصلاة والسلام - كان مواظبا على ~~دعوتهم، وما كان يؤخر الجواب عن شبهاتهم لحظة واحدة، وأما هود فلم يبلغ ~~إلى هذا الحد؛ فلا جرم جاء بفاء التعقيب في كلام نوح دون كلام هود. # قال الزمخشري: فإن قلت: لم حذف العاطف من قوله [قال يا ~~قوم] ولم يقل " فقال " كما في قصة نوح. # قلت: هو على تقدير سؤال سائل قال: فما قال لهم هود؟ فقيل: له: " ~~قال يا قوم ". # الثاني: قال في قصة نوح: # ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب ~~يوم عظيم # [الأعراف: 59]. # وهنا قال: " أفلا تتقون " ، والفرق بينهما أن قبل نوح لم ~~يظهر في العالم مثل تلك الواقعة العظيمة، وهي الطوفان العظيم، فلا ~~جرم أخبر نوح عن تلك الواقعة فقال: # إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم # [الأعراف:59]. # وأما واقعة هود - عليه السلام - فقد سبقتها واقعة نوح، وكان عهد ~~الناس بتلك الواقعة قريبا، فلا جرم قال: " أفلا تتقون " أي: ~~تعرفون أن قوم نوح لما لم يتقوا الله ولم يطيعوه أنزل بهم ذلك ~~العذاب الذي اشتهر خبره في الدنيا، فكان ذلك إشارة إلى ~~التخويف بتلك الواقعة. # الثالث: قال في قصة نوح # قال الملأ من قومه # [الأعراف:60]. # وقيل: في هود: { قال الملأ الذين كفروا } فوصف الملأ ~~بالكفر، ولم يوصفوا في قصة نوح، والفرق أنه كان في أشراف ~~قوم هود من آمن به منهم مرثد بن سعد أسلم، وكان ~~يكتم إيمانه بخلاف قوم نوح، لأنه لم يؤمن منهم أحد. # قاله الزمخشري وغيره، وفيه نظر لقوله تعالى: # لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن # [هود: 36] وقال: # ومآ آمن معه إلا قليل # [هود: 40] ويحتمل أن حال مخاطبة نوح لقومه لم يؤمن منهم أحد ~~بعد ثم آمنوا، بخلاف ms3982 قصة هود فإنه حال خطابهم كان فيهم مؤمن ~~ويحتمل أنها صفة لمجرد الذم من غير قصد تميز بها. # الرابع: حكي عن قوم نوح قولهم: { إنا لنراك في ضلال ~~مبين } وحكي عن قوم هود قولهم: { إنا لنراك في سفاهة ~~وإنا لنظنك من الكاذبين } [الأعراف: 66] الفرق أن ~~نوحا خوف الكفار بالطوفان العام وكان مشتغلا بإعداد ~~السفينة، فلذلك قالوا: { إنا لنراك في ضلال مبين } ~~حيث تتعب نفسك في إصلاح سفينة كبيرة في مفازة ليس فيها ~~قطرة من الماء، ولم يظهر شيء من العلامات تدل على ظهور الماء ~~في تلك المفازة. # وأما هود فلم يذكر شيئا إلا أنه زيف عبادة الأوثان، ونسب من ~~اشتغل بعبادتها إلى السفاهة وقلة العقل، فلما سفههم ~~قابلوه بمثله، ونسبوه إلى السفاهة، ثم قالوا: { وإنا ~~لنظنك من الكاذبين } في ادعاء الرسالة. # قال ابن عباس: في سفاهة أي تدعو إلى دين لا نقر به. # وقيل: في حمق، وخفة عقل، وجهالة. # { وإنا لنظنك من الكاذبين } اختلفوا في هذا الظن ~~فقيل: المراد القطع والجزم كقوله تعالى: # الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم # [البقرة: 46] وهو كثير. # وقال الحسن والزجاج: كان ظنا لا يقينا، كفروا به ظانين لا ~~متيقنين وهذا يدل على أن حصول الشك والتجويز في أصول ~~الدين يوجب الكفر. # الخامس: قال نوح - عليه السلام -: { أبلغكم رسالات ربي ~~وأنصح لكم } وقال هود عليه السلام: { وأنا لكم ناصح ~~أمين } ، فأتى نوح بصيغة الفعل، وهود أتى بصيغة اسم الفاعل، ونوح - ~~عليه السلام - قال: # وأعلم من الله ما لا تعلمون # [الأعراف:62]، وهود لم يقل ذلك، وإنما زاد كونه " أمينا " ، والفرق ~~بينهما أن الشيخ عبد القاهر النحوي ذكر في كتاب " ~~دلائل الإعجاز " أن صيغة الفعل تدل على التجدد ساعة ~~فساعة. # وأما صيغة اسم الفاعل فهي دالة على الثبات، والاستمرار على ~~ذلك الفعل. # وإذا ثبت هذا فنقول: إن القوم كانوا مبالغين في السفاهة ~~على نوح - عليه السلام - ثم إنه في اليوم الثاني كان يعود إليهم، ~~ويدعوهم إلى الله كما ذكر الله - تعالى - عنه في قوله: # رب إني دعوت قومي ليلا ms3983 ونهارا # [نوح: 5]. # فلما كانت عادته - عليه السلام - العود إلى تجديد الدعوة في كل يوم وفي ~~كل ساعة، لا جرم ذكره بصيغة الفعل فقال: " وأنصح لكم ". # وأما قول هود - عليه السلام -: { وأنا لكم ناصح أمين } ~~فإنه يدل على كونه مثبتا مستقرا في تلك النصيحة، وليس فيها ~~إعلام بأنه سيعود إليها حالا فحالا، ويوما فيوما. # وأما قول نوح - عليه السلام - # وأعلم من الله ما لا تعلمون # [الأعراف:62] وهود - عليه السلام - وصف نفسه بكونه أمينا، فالفرق أن ~~نوحا - عليه السلام - كان منصبه في النبوة أعلى من منصب هود ~~عليه السلام، فلم يبعد أن يقال: إن نوحا - عليه السلام - كان يعلم من ~~أسرار حكم الله ما لا يصل إليه هود، فلهذا أمسك هود لسانه عن ~~ذكر تلك الجملة، واقتصر على وصف نفسه بالأمانة ومقصود منه أمور: # أحدها: الرد عليهم في قولهم: { وإنا لنظنك من ~~الكاذبين }. # وثانيها: أن مدار الرسالة والتبليغ عن الله على الأمانة، فوصف نفسه ~~بالأمانة تقريرا للرسالة والنبوة. # وثالثها: كأنه قال لهم: كنت قبل هذه الدعوى أمينا فيكم، وما وجدتم ~~مني غدرا ولا مكرا ولا كذبا، واعترفتم لي بكوني أمينا، فكيف ~~نسبتموني الآن إلى الكذب؟ # والأمين هو الثقة، وهو فعيل من أمن يأمن فهو آمن وأمين بمعنى ~~واحد. # واعلم أن القوم لما قالوا له: { إنا لنراك في سفاهة } ~~لم يقابل سفاهتهم بالسفاهة، بل قابلها بالحلم، ولم يزد على قوله: { ~~ليس بي سفاهة } ، وذلك يدل على أن ترك الانتقام أولى كما ~~قال: # وإذا مروا باللغو مروا كراما # [الفرقان: 72]. # وقوله: { ولكني رسول من رب العالمين } مدح نفسه ~~بأعظم صفات المدح، وإنما فعل ذلك؛ لأنه كان يجب عليه إعلام ~~القوم بذلك، وذلك يدل على أن مدح الإنسان لنفسه في موضع ~~الضرورة جائز. # السادس: قال نوح عليه السلام: { أوعجبتم أن جآءكم ذكر ~~من ربكم } إلى قوله: { ولتتقوا ولعلكم ترحمون ~~} ، [وفي قصة هود حذف قوله: { ولتتقوا ولعلكم ~~ترحمون } ، والفرق أنه لما ظهر في قصة نوح - عليه السلام ~~- أن فائدة الإنذار هي حصول التقوى الموجبة للرحمة، لم يكن ms3984 لإعادته في ~~هذه القصة حاجة. # قوله: " إذ جعلكم " في " إذ " وجهان: # أحدهما: أنه ظرف منصوب بما تضمنته الآلاء من معنى الفعل، كأنه ~~قيل: " واذكروا نعم الله عليكم في هذا الوقت " ، ومفعول " ~~اذكروا " محذوف لدلالة قوله بعد ذلك: { فاذكروا آلآء الله ~~} ، ولأن قوله: { إذ جعلكم خلفآء } ، وزادكم كذا هو نفس ~~الآلاء وهذا ظاهر قول الحوفي. # قال الزمخشري: " إذ " مفعول " اذكروا " أي: اذكروا هذا ~~الوقت المشتمل على هذه النعم الجسيمة، وتقدم الكلام في الخلفاء ~~والخلائف والخليف. # قوله: " في الخلق " يحتمل أن يراد به المصدر بمعنى في امتداد ~~قامتكم وحسن صوركم، وعظم أجسامكم، ويحتمل أن يراد به معنى المفعول ~~به، أي: في المخلوقين بمعنى زادكم في الناس مثلكم بسطة عليهم، ~~فإنه لم يكن في زمانهم مثلهم في عظم الأجرام. # قال الكلبي والسدي: " كانت قامة الطويل منهم مائة ذراع، ~~وقامة القصير ستون ذراعا ". # وتقدم الكلام على " بسطة " في البقرة. # قوله: { فاذكروا آلآء الله } ، أي: نعمه، وهو جمع مفرده " ~~إلي " بكسر الهمزة وسكون اللام؛ كحمل وأحمال، أو " ألي " ~~بضم الهمزة وسكون اللام؛ كقفل، وأقفال، أو " إلى " بكسر ~~الهمزة، وفتح اللام؛ كضلع وأضلاع، وعنب وأعناب، أو " ألى " ~~بفتحهما كقفا وأقفاء؛ قال الأعشى: [المنسرح] # 2501 - أبيض لا يرهب الهزال ولا # يقطع رحما ولا يخون ألى # ينشد بكسر الهمزة، وهو المشهور، وبفتحها؛ ومثلها " الآناء " جمع " ~~إني " أو " أني " أو " إنى " أو " أنى ". # وقال الأخفش: " إنو ". والآناء الأوقات كقوله: # ومن آنآء الليل # [طه: 130]، وسيأتي. # ثم قال: " لعلكم تفلحون " فلا بد هاهنا من إضمار؛ لأن ~~الصلاح الذي هو الظفر بالثواب لا يحصل بمجرد التذكر، بل لا بد من ~~العمل، والتقدير: فاذكروا آلاء الله واعملوا عملا يليق بذلك الإنعام ~~لعلكم تفلحون. # قوله: " لنعبد " متعلق بالمجيء الذي أنكروه عليه. # واعلم أن هودا - عليه السلام - لما دعاهم إلى التوحيد وترك عبادة ~~الأصنام بالدليل القاطع، وهو أنه بين أن نعم الله عليهم كثيرة ~~والأصنام لا نعمة لها؛ لأنها جمادات، والجماد لا قدرة له على ~~شيء أصلا - لم يكن للقوم جواب عن هذه الحجة إلا ms3985 التمسك ~~بالتقليد فقالوا: { أجئتنا لنعبد الله وحده ~~ونذر ما كان يعبد آباؤنا } فأنكروا عليه أمره لهم ~~بالتوحيد، وترك التقليد للآباء، وطلبوا منه وقوع العذاب المشار إليه ~~بقوله: " أفلا تتقون " وذلك أنهم نسبوه إلى الكذب، وظنوا ~~أن الوعيد لا يتأخر، ثم قالوا: { فأتنا بما تعدنآ إن كنت ~~من الصادقين } جوابه محذوف أو متقدم ب " ما " ، وذلك لأن ~~قوله: { اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا ~~تتقون } مشعر بالتهديد والتخويف بالوعيد، فلهذا قالوا: { ~~فأتنا بما تعدنا }. # قوله: { إن كنت من الصادقين } جوابه محذوف أو متقدم، وهو ~~فأت به. # واعلم أن القوم كانوا يعتقدون كذبه لقولهم: { وإنا لنظنك ~~من الكاذبين } فلهذا قالوا: { فأت به إن كنت من ~~الصادقين } وإنما قالوا كذلك لظنهم أن الوعيد لا يجوز أن ~~يتأخر، فعند ذلك قال هود - عليه السلام -: { قد وقع عليكم } ، ~~أي: وجب عليكم. # فصل في تفسير هذه الآية # قال القاضي: تفسير هذه الآية على قولنا ظاهر؛ لأن بعد كفرهم ~~وتكذيبهم حدثت هذه الإرادة، واعلم أن هذا باطل؛ لأن في الآية ~~وجوها من التأويل. # أحدها: أنه تعالى أخبر في ذلك الوقت بنزول العذاب عليهم، فلما حدث ~~الإعلام في ذلك الوقت، لا جرم قال هود في ذلك الوقت: { قد وقع ~~عليكم من ربكم رجس }. # وثانيها: أنه جعل المتوقع الذي لا بد من نزوله بمنزلة الواقع، ~~كقوله: # أتى أمر الله # [النحل: 1]. # وثالثها: أن يحمل قوله: " وقع " على معنى وجد وجعل، والمعنى: إرادة ~~إيقاع العذاب عليكم حصلت من الأزل. # قوله: " من ربكم " إما متعلق ب " وقع " و " من " للابتداء ~~مجازا، وإما أن يتعلق بمحذوف لأنها حال، إذ كانت في الأصل صفة ل ~~" رجس ". # والرجس: العذاب والسين مبدلة من الزاي. # وقال ابن الخطيب: لا يمكن أن يكون المراد لأن المراد من الغضب ~~العذاب، فلو حملنا الرجس عليه لزم التكرير، وأيضا الرجس ضد ~~التطهير قال تعالى: # ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم ~~تطهيرا # [الأحزاب: 33] والمراد التطهير عن العقائد الباطلة. # وإذا ثبت هذا فالمراد بالرجس أنه تعالى خصهم بالعقائد ~~المذمومة، فيكون المعنى ms3986 أنه تعالى زادهم كفرا ثم خصهم بمزيد ~~الغضب. # قوله: " أتجادلونني " استفهام على سبيل الإنكار في أسماء ~~الأصنام وذلك أنهم كانوا يسمون الأصنام بالآلهة، مع أن معنى الإلهية ~~فيها معدوم، سموا واحدا منها بالعزى مشتقا من العز، والله - ~~تعالى - ما أعطاه عزا أصلا، وسمو آخر منها باللات، وليس له من ~~الإلهية شيء. # قوله: " سميتموها " صفة ل " أسماء " ، وكذلك الجملة من قوله: ~~{ ما نزل الله بها من سلطان } يدل على خلو مذاهبهم ~~عن الحجة. # و " من سلطان " مفعول " نزل " ، و " من " مزيدة، ثم ~~إنه عليه الصلاة والسلام ذكر لهم وعيدا مجردا فقال: ~~فانتظروا ما يحصل لكم من عبادة الأصنام إني معكم من المنتظرين. # فقوله: " من المنتظرين " خبر " إني " ، و " معكم " فيه ما ~~تقدم في قوله: { إني لكما لمن الناصحين } ، ويجوز - وهو ~~ضعيف - أن يكون " معكم " هو الخبر و " من المنتظرين " حال، ~~والتقدير: إني مصاحبكم حال كوني من المنتظرين النصر والفرج من الله، ~~وليس بذلك؛ لأن المقصود بالكلام هو الانتظار، لمقابلة قوله: " ~~فانتظروا " فلا يجعل فضلة. ### || [7.72] # قوله: { فأنجيناه والذين معه برحمة منا } لأنهم ~~استحقوا الرحمة بسبب إيمانهم و { وقطعنا دابر الذين ~~كذبوا بآياتنا } أي: استأصلناهم، وأهلكناهم عن آخرهم وما ~~كانوا مؤمنين، فإن قيل: لما أخبر عنهم بأنهم كانوا مكذبين لزم ~~القطع بأنهم كانوا غير مؤمنين فما الفائدة في قوله بعد ذلك { وما ~~كانوا مؤمنين }. # فالجواب: أن معناه أنهم مكذبون في علم الله منهم أنهم لو بقوا لم ~~يؤمنوا أيضا، فلو علم أنهم سيؤمنون لأبقاهم. ### || [7.73] # ثمود: اسم رجل: وهو ثمود بن عاد بن إرم بن سام بن نوح، وهو ~~أخو جديس، فثمود وجديس أخوان، ثم سميت به هذه القبيلة. # قال أبو عمرو بن العلاء: سميت ثمود لقلة مائها، والثمد: الماء ~~القليل: [قال النابغة: [البسيط] # 2502 - أحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت # إلى حمام شراع وارد الثمد] # وكانت مساكنهم " الحجر " بين " الحجاز " و " الشام " إلى " واد القرى ~~" ، والأكثر منعه الصرف اعتبارا بما ذكرناه أولا، ومن جعله اسما ~~للحي صرفه، وهي قراءة الأعمش، ويحيى ms3987 بن وثاب في جميع القرآن، وقد ورد ~~القرآن بهم صريحا. # قال تعالى: # ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود # [هود: 68]. # وسيأتي الخلاف من القراء السبعة في سورة " هود " وغيرها. # وصالح: اسم عربي، وهو صالح بن آسف. # وقيل: ابن عبيد بن آسف بن كاشح بن أروم بن ثمود [ابن ~~جاثر]. # { قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله ~~غيره } أمرهم بعبادة الله، ونهاهم عن عبادة غير الله، كما ذكره عمن ~~قبله من الأنبياء. # قوله: { قد جآءتكم بينة من ربكم }. # قد كثر إيلاء هذه اللفظة العوامل، فهي جارية مجرى " الأبطح " و " ~~الأبرق " في عدم ذكر موصوفها. # وقوله: " من ربكم " يحتمل أن يتعلق ب " جاءتكم " و " من " ~~لابتداء الغاية مجازا، وأن تتعلق بمحذوف؛ لأنها صفة بينة، ولا ~~بد من حذف مضاف، أي: من بينات ربكم ليتصادق الموصوف وصفته. # وهذا يدل على أن كل شيء كان يذكر الدلائل على صحة ~~التوحيد، ولم يكتف بالتقليد، وإلا كان ذكر البينة - وهي الحجة ~~- هاهنا لغوا. # قوله: { هذه ناقة الله لكم آية } أضاف الناقة إليه ~~على سبيل التفضيل، كقولك: بيت الله، وروح الله؛ لأنها لم تتوالد بين ~~جمل وناقة، بل خرجت من حجر. # و " آية " نصب على الحال؛ لأنها بمعنى العلامة، والعامل فيها ~~إما معنى التنبيه، وإما معنى الإشارة، كأنه قال: أنبهكم عليها، ~~وأشير إليها في هذه الحال. # ويجوز أن يكون العامل مضمرا تقديره: انظروا إليها في هذه الحال، ~~والجملة لا محل لها؛ لأنها كالجواب لسؤال مقدر، كأنهم قالوا: أين ~~آيتك؟ فقال: هذه ناقة الله. # وقوله: " لكم " أي: أعني لكم به، وخصوا بذلك، لأنهم هم ~~السائلوها، أو المنتفعون بها من بين سائر الناس لو أطاعوا. # ويحتمل أن تكون " هذه ناقة الله " مفسرة لقوله: " بينة "؛ ~~لأن البينة تستدعي شيئا يتبين به المدعى، فتكون الجملة في محل ~~رفع على البدل، وجاز إبدال جملة من مفرد؛ لأنها في قوته. # فصل في إعجاز الناقة # اختلفوا في وجه كون الناقة آية: # فقال بعضهم: " كانت آية بسبب خروجها بكمالها من الصخرة ". # قال القاضي: ms3988 إن صح هذا فهو معجز من جهات: # أحدها: خروجها من الجبل. # والثانية: كونها لا من ذكر وأنثى. # والثالثة: كمال خلقها من غير تدريج. # وقيل: إنما كانت آية؛ لأجل أن لها شرب يوم، ولجميع ثمود شرب يوم، ~~واستيفاء ناقة شرب أمة من الأمم عجيب. # وقيل: إنما كانت آية؛ لأنهم كانوا في شربها يحلبون منها القدر ~~الذي يقوم مقام الماء في يوم شربهم. # وقال الحسن بالعكس من ذلك فقال: إنها لم تحلب قطرة لبن قط. # وقيل: وجه كونها آية أن يوم مجيئها إلى الماء، كانت جميع الحيوانات ~~تمتنع من الورود على الماء، وفي يوم امتناعها ترد جميع ~~الحيوانات. # واعلم أن القرآن قد دل على أنها آية، ولكن من أي الوجوه؟ فليس ~~في القرآن ذكره. # فصل في تخصيص الناقة بهؤلاء القوم # فإن قيل: تلك الناقة كانت آية لكل أحد، فلم خص أولئك القوم بها ~~بقوله: " لكم آية ". # فالجواب: من وجهين: # الأول: أنهم عاينوها، وغيرهم أخبروا عنها، وليس الخبر كالمعاينة. # الثاني: لعله يثبت سائر المعجزات، إلا أن القوم التمسوا من ~~صالح هذه المعجزة نفسها على سبيل الاقتراح، فأظهرها الله تعالى لهم، ~~فلهذا المعنى حسن هذا التخصيص. # قوله: " فذروها تأكل " أي: العشب في أرض الله، أي: ناقة ~~الله، [فذروها تأكل في أرض ربها، فليست الأرض لكم ولا ما فيها من ~~النبات من إنباتكم. # قوله " في أرض الله " ] الظاهر تعلقه ب " تأكل ". وقيل: يجوز تعلقه ~~بقوله: " فذروها " ، وعلى هذا فتكون المسألة من التنازع وإعمال ~~الثاني، ولو أعمل الأول لأضمر في الثاني فقال: " تأكل فيها في ~~أرض الله " وانجزم " تأكل " جوابا للأمر وقد تقدم الخلاف في ~~جازمه: هل هو نفس الجملة الطلبية أو أداة مقدرة؟. # وقرأ أبو جعفر: " تأكل " برفع الفعل على أنه حال، وهو نظير: # فهب لي من لدنك وليا يرثني # [مريم: 6،5] رفعا وجزما. # قوله: { ولا تمسوها بسوء } أي لا يمسوها بسوء الظاهر أن " ~~الباء " للتعدية، أي: لا توقعوا عليها سوءا ولا تلصقوه بها. ويجوز أن ~~تكون للمصاحبة، أي: لا تمسوها حال مصاحبتكم للسوء. # قوله: ms3989 " فيأخذكم " نصب على جواب النهي، أي: لا تجمعوا بين ~~المس بالسوء وبين أخذ العذاب إياكم، وهم وإن لم يكن أخذ العذاب لهم ~~من صنعهم إلا أنهم تعاطوا أسبابه. # قال عليه الصلاة والسلام لعلي بن أبي طالب: # " أشقى الأولين عاقر ناقة صالح، وأشقى الآخرين ~~قاتلك ". ### || [7.74] # قيل: لما أهلك الله - تعالى - عاد عمرت ثمود بلادها، وخلفوهم في ~~الأرض، وعمروا أعمارا طوالا. # قوله: { وبوأكم في الأرض } بوأه: أنزله منزلا، والمباءة ~~المنزل، وتقدمت هذه المادة في " آل عمران " ، وهو يتعدى لاثنين، ~~فالثاني محذوف أي: بوأكم منازل. # و " في الأرض " متعلق بالفعل، وذكرت ليبنى عليها ما يأتي بعدها ~~من قوله: " تتخذون ". # قوله: " تتخذون " يجوز أن تكون المتعدية لواحد فيكون من سهولها ~~متعلقا بالاتخاذ، أو بمحذوف على أنه حال من قصورا إذ هو في الأصل ~~صفة لها لو تأخر، بمعنى أن مادة القصور من سهل الأرض كالطين ~~واللبن والآجر كقوله: # واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم # [الأعراف: 148] [أي مادته من الحلي]. # وقيل: " من " بمعنى " في ". وفي التفسير أنهم كانوا يسكنون في ~~القصور صيفا، وفي الجبال شتاء، وأن تكون المتعدية لاثنين ثانيهما ~~" من سهولها " والسهل من الأرض ما لان وسهل الانتفاع به ضد الحزن، ~~والسهولة: التيسير. # قوله: " قصورا " [والقصور هو جمع قصر] وهو البيت المنيف، سمي ~~بذلك لقصور الناس عن الارتقاء إليه، أو لأن عامة الناس يقصرون عن ~~بناء مثله بخلاف خواصهم، أو لأنه يقتصر به على بقعة من الأرض، بخلاف ~~بيوت الشعر والعمد، فإنها لا يقتصر بها على بقعة مخصوصة لارتحال ~~أهلها؛ أو لأنه يقصر من فيه أي: يحبسه، ومنه: # حور مقصورات في الخيام # [الرحمن: 72]. # قوله: { وتنحتون الجبال بيوتا } يجوز أن يكون نصب " ~~الجبال " على إسقاط الخافض أي: من الجبال، كقوله: # واختار موسى قومه # [الأعراف: 155]، فتكون " بيوتا " مفعوله. # ويجوز أن يضمن " تنحتون " معنى ما يتعدى لاثنين أي وتتخذون ~~الجبال بيوتا بالنحت أو تصيرونها. [بيوتا بالنحت. # ويجوز أن تكون " الجبال " هو المفعول به و " بيوتا " حال مقدرة ~~كقولك: خط هذا الثوب جبة [وابر هذه القصبة ms3990 قلما؛ وذلك لأن الجبال ~~لا تكون بيتا في حال النحت، ولا الثوب ولا القصبة قميصا وقلما في حالة ~~الخياطة والبري]، أي: مقدرا له كذلك] و " بيوتا " وإن لم تكن ~~مشتقة فإنها في معناه أي: مسكونة. # وقرأ الحسن: " تنحتون " بفتح الحاء. وزاد الزمخشري أنه قرأ ~~" تنحاتون " بإشباع الفتحة [ألفا]، وأنشد: [الكامل] # 2503 - ينباع من ذفرى غضوب جسرة # ............................. # وقرأ يحيى بن مصرف وأبو مالك بالياء من أسفل على الالتفات إلا أن أبا ~~مالك فتح الحاء كقراءة الحسن. # والنحت: النجر في شيء صلب كالحجر والخشب. # قال: [البسيط] # 2504 - أما النهار ففي قيد وسلسلة # والليل في بطن منحوت من الساج # فصل في جواز البناء الرفيع # قال القرطبي: استدل بهذه الآية من أجاز جواز البناء الرفيع ~~كالقصور ونحوها، وبقوله تعالى: # قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق # [الأعراف: 32]، وبقوله عليه الصلاة والسلام: # " إن الله إذا أنعم على عبد نعمة يحب أن يرى أثر ~~النعمة عليه ". # ومن آثار النعمة البناء الحسن، والثياب الحسنة، ألا ترى أنه لو اشترى ~~جارية جميلة بمال عظيم، فإنه يجوز، وقد يكفيه دون ذلك، فكذلك البناء، ~~وكرهه الحسن وغيره لقوله عليه الصلاة والسلام: # " إذا أراد الله بعبد سوءا أهلك ماله في الطين ~~واللبن ". # وقوله عليه الصلاة والسلام: # " من بنى فوق ما يكفيه جاء به يوم القيامة ~~يحمله على عنقه " # قوله: { فاذكروا آلآء الله } أي نعم الله عليكم. # { ولا تعثوا في الأرض } قرأ الأعمش بكسر حرف المضارعة وقد ~~تقدم أن ذلك لغة. # و " مفسدين " حال مؤكدة إذ معناها مفهوم من عاملها. # و " في الأرض " متعلق بالفعل قبله أو ب " مفسدين ". ### || [7.75-79] # قوله: " قال الملأ " قرأ ابن عامر وحده " وقال " بواو عطف ~~نسقا لهذه الجملة على ما قبلها، وموافقة لمصاحف الشام، فإنها مرسومة ~~فيها، والباقون بحذفها: إما اكتفاء بالربط المعنوي، وإما لأنه جواب ~~لسؤال مقدر كما تقدم، وهذا موافقة لمصاحفهم، وهذا كما تقدم في ~~قوله: # وما كنا لنهتدي # [الأعراف: 43] إلا أنه هو الذي حذف الواو هناك. # قوله: { الذين استكبروا من ms3991 قومه للذين ~~استضعفوا }. # السين في " استكبروا " و " استضعفوا " يجوز أن تكون على بابها ~~من الطلب، أي: طلبوا - أولئك - الكبر من أنفسهم ومن المؤمنين الضعف. # ويجوز أن يكون " استفعل " بمعنى: فعل [كعجب] واستعجب. # واللام في " الذين استضعفوا " للتبليغ، ويضعف أن تكون للعلة، ~~والمراد بالذين استكبروا الرؤساء، وبالذين استضعفوا المساكين. # قوله: { لمن آمن منهم } بدل من " الذين استضعفوا " ~~بإعادة العامل، وفيه وجهان: # أحدهما: أنه بدل كل من كل، إن عاد الضمير في " منهم " على ~~قومه، ويكون المستضعفون مؤمنين فقط، كأنه قيل: قال المستكبرون ~~للمؤمنين من قوم صالح. # والثاني: بدل بعض من كل، إن عاد الضمير على المستضعفين، ويكون ~~المستضعفون ضربين: مؤمنين وكافرين، كأنه قيل: قال المستكبرون للمؤمنين ~~من الضعفاء دون الكافرين من الضعفاء. # وقوله: " أتعلمون " في محل نصب بالقول. # و " من ربه " متعلق ب " مرسل " ، و " من " لابتداء الغاية ~~مجازا، ويجوز أن تكون صفة فتتعلق بمحذوف. # واعلم أن المستكبرين لما سألوا المستضعفين عن حال صالح وما جاء ~~به، فأجاب المستضعفون بقولهم: إنا بما أرسل به صالح ~~مؤمنون، أي: مصدقون، فقال المستكبرون: بل نحن كافرون بما آمنتم به، ~~أي: بالذي جاء به صالح. # قوله: { إنا بمآ أرسل به } متعلق ب " مؤمنون " قدم ~~للاختصاص والاهتمام وللفاصلة. # قوله: " قال الذي " " ما " موصولة، ولا يجوز هنا حذف العائد وإن اتحد ~~الجار للموصول وعائده؛ لاختلاف العامل في الجارين وكذلك قوله: { ~~بالذي آمنتم به كافرون }. # قوله: " فعقروا الناقة " أصل العقر: كشف العراقيب في ~~الإبل، وهو أن يضرب قوائم البعير أو الناقة فتقع، وكانت هذه ~~سنتهم في الذبح. # قال امرؤ القيس: [الطويل] # 2505 - ويوم عقرت للعذارى مطيتي # فيا عجبا من رحلها المتحمل # ثم أطلق على كل نحر " عقر " ، وإن لم يكن فيه كشف عراقيب تسمية ~~للشيء بما يلازمه غالبا، إطلاقا للمسبب على مسببه هذا قول الأزهري. # وقال ابن قتيبة: " العقر: القتل كيف كان، عقرتها فهي معقورة ". # وقيل: العقر: الجرح. وعليه قول امرىء القيس: [الطويل] # 2506 - تقول وقد مال الغبيط بنا معا # عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل # يريد: جرحته ms3992 بثقلك وتمايلك، والعقر والعقر بالفتح، والضم ~~[الأصل]، ومنه عقرته أي: أصبت عقره يعني أصله كقولهم: كبدته ~~ورأسته أي: أصبت كبده ورأسه، وعقرت النخل: قطعته من أصله، ~~والكلب العقور منه، والمرأة عاقر، وقد عقرت. # والعقر بالضم آخر الولد وآخر بيضة يقال: عقر البيض. # والعقار بالفتح: الملك من الأبنية، ومنه " ما غزي قوم في عقر ~~دارهم إلا ذلوا " ، وبعضهم يخصه بالنخل. # والعقار بالضم: الخمر؛ لأنها كالعاقرة للعقل، ورفع ~~عقيرته أي: صوته، وأصله أن رجلا عقر رجله فرفع صوته ~~فاستعير لكل صائح، والعقر بالضم: المهر. # وأضاف العقر إليهم مع أنه ما كان باشره إلا بعضهم؛ لأنه كان ~~برضاهم. # قوله: " وعتوا " العتو، والعتي: النبو أي: الارتفاع عن ~~الطاعة يقال منه: عتا يعتو عتوا وعتيا بقلب الواوين ~~ياءين، والأحسن فيه إذا كان مصدرا تصحيح الواوين كقوله: # وعتو عتوا كبيرا # [الفرقان: 21] وإذا كان جمعا الإعلال نحو: قوم عتي، لأن الجمع ~~أثقل، قياسه الإعلال تخفيفا. # وقوله: # أشد على الرحمن عتيا # [مريم: 66] محتمل للوجهين قوله: # وقد بلغت من الكبر عتيا # [مريم: 8] أي: حالة تتعذر مداواتي فيها كقوله: [الكامل] # 2507 -.................... # ومن العناء رياضة الهرم # وقيل: العاتي: الجاسي أي اليابس. ويقال: عثا يعثو عثوا ~~بالثاء المثلثة من مادة أخرى؛ لأنه يقال: عثي يعثى عثيا وعثا ~~يعثوا عثوا، [فهو في إحدى لغتيه يشاركه " عتا " بالمثناة وزنا ~~ومعنى، ويقاربه في حروفه. والعيث أيضا - بتقديم الياء من أسفل] على ~~الثاء المثلثة - هو الفساد، فيحتمل أن يكون أصلا، وأن يكون مقلوبا فيه. # وبعضهم يجعل العيث الفساد المدرك حسا، والعثي في المدرك حكما، ~~وقد تقدم طرف من هذا. # ومعنى الآية: استكبروا عن امتثال أمر ربهم وكذبوا بنبيهم. # قوله: { وقالوا ياصالح ائتنا } يجوز لك على رواية من يسهل ~~الهمزة وهو ورش والسوسي أن تقلب الهمزة واوا، فتلفظ بصورة " يا صالح ~~وتنا " في الوصل خاصة تبدل الهمزة بحركة ما قبلها، وإن كانت منفصلة ~~من كلمة أخرى. # وقرأ عاصم وعيسى بن عمر " أوتنا " بهمزة وإشباع ضم ولعله عاصم ~~الجحدري لا عاصم بن أبي النجود، وهذه القراءة لا تبعد ms3993 عن الغلط؛ لأن ~~همزة الوصل في هذا النحو مكسورة فمن أين جاءت ضمة الهمزة إلا على ~~التوهم؟ # قوله: " بما تعدنا " العائد محذوف أي: " تعدناه " ولا يجوز ~~أن تقدر " تعدنا " متعديا إليه بالباء، وإن كان الأصل تعديته إليه ~~بها، لئلا يلزم حذف العائد المجرور بحرف من غير اتحاد متعلقهما لأن " ~~بما " متعلق ب " الإتيان " ، و " به " متعلق ب " الوعد " ثم قالوا ~~{ إن كنت من المرسلين } وإنما قالوا ذلك؛ لأنهم كانوا مكذبين ~~في كل ما أخبر عنه من الوعد والوعيد. # قوله: { فأخذتهم الرجفة } قال الفراء والزجاج هي الزلزلة ~~الشديدة يقال رجفت الأرض ترجف رجفا ورجيفا ورجفانا ~~قال تعالى: # يوم ترجف الأرض والجبال # [المزمل: 14]. # وقال الليث: الرجفة: الطامة التي يتزعزع لها الإنسان ويضطرب. ~~ومنه قيل للبحر رجاف لاضطرابه. # وقيل: أصله من رجف به البعير إذا حركه في سيره، كما يرجف الشجر إذا ~~رجفه الريح. # قال ابن أبي ربيعة: [الطويل] # 2508 - ولما رأيت الحج قد حان وقته # وظلت جمال الحي بالقوم ترجف # والإرجاف إيقاع الرجفة، وجمعه الأراجيف، ومنه " الأراجيف ~~ملاقيح الفتن ". # وقوله: # ترجف الراجفة # [النازعات: 6]. # كقوله: # إذا زلزلت الأرض زلزالها # [الزلزلة: 1]. # ومنه [الطويل] # 2509 - تحيي العظام الراجفات من البلى # فليس لداء الركبتين طبيب # قوله: { فأصبحوا في دارهم جاثمين } [يعني في بلدهم، كما ~~يقال: دار الحرب، ودار البزازين]. # الجثوم: اللصوق بالأرض من جثوم الطائر والأرنب، فإنه يلصق ~~بطنه بالأرض، ومنه رجل جثمة وجثامة كناية عن النؤوم ~~والكسلان، وجثمان الإنسان شخصه قاعدا وقال أبو عبيد: " الجثوم ~~للناس والطير كالبرول للإبل " وأنشد لجرير: [الوافر] # 2510 - عرفت المنتأى وعرفت منها # مطايا القدر كالحدأ الجثوم # قال الكرماني: حيث ذكرت الرجفة وحدت الدار، وحيث ذكرت الصيحة ~~جمعت الدار، لأن الصيحة كانت من السماء فبلوغها أكبر وأبلغ من ~~الزلزلة، فذكر كل واحد بالأليق [به] وقيل: في دارهم أي في بلدهم كما ~~تقدم، وقيل: المراد بها الجنس. # فصل في بيان فائدة موضع الفاء في الآية # الفاء في " فأخذتهم " للتعقيب، وقوله: { فأخذتهم الرجفة } ~~يقتضي أن الرجفة أخذتهم عقيب قولهم: { ائتنا بما تعدنآ } ~~وليس ms3994 الأمر كذلك لقوله تعالى في آية أخرى: # تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير ~~مكذوب # [هود: 65] # فالجواب: أن أسباب الهلاك وجدت عقيب قولهم: { ائتنا بما ~~تعدنآ } ، وهو أنهم اصفرت وجوههم في اليوم الأول، واحمرت في ~~اليوم الثاني: واسودت في اليوم الثالث، فكان ابتداء العذاب متعقبا ~~قولهم. # ويمكن أن تكون عاطفة على الجملة من قوله: " فائتنا " أيضا وذلك على ~~تقدير قرب زمان الهلاك من زمان طلب الإتيان. ويجوز أن يقدر ما يصح ~~العطف عليه بالفاء، والتقدير: فوعدهم العذاب بعد ثلاث فانقضت فأخذتهم. # فصل في دحض شبهة للملاحدة. # لا يلتفت إلى ما ذكره بعض الملاحدة في قوله: { فأخذتهم الرجفة ~~} ، وفي موضع آخر # الصيحة # [هود: 67]، وفي موضع آخر # بالطاغية # [الحاقة: 5] واعتقد ما لا يجوز من وجوب التناقض إذ لا منافاة بين ذلك ~~فإن الرجفة مترتبة على الصيحة؛ لأنه لما صيح بهم؛ رجفت قلوبهم ~~فماتوا، فجاز أن يسند الإهلاك إلى كل منهما. # وأما " بالطاغية " فالباء للسببية، والطاغية: الطغيان مصدر ~~كالعاقبة، ويقال للملك الجبار: طاغية، والتاء فيه كعلامة ~~ونسابة، ففي أهلكوا بالطاغية، أي: بطغيانهم كقوله: # كذبت ثمود بطغواهآ # [الشمس: 11]. # قال أبو مسلم: الطاغية: اسم لكل ما تجاوز عن حده سواء كان ~~حيوانا أو غير حيوان، قال تعالى: في الحيوان: # إن الإنسان ليطغى # [العلق: 6]، وقال: # كذبت ثمود بطغواهآ # [الشمس: 11]. # وقال في غير الحيوان: # إنا لما طغا المآء # [الحاقة: 11] أي: غلب وتجاوز عن الحد. # فصل في شهود الناقة # قيل إن القوم قد شاهدوا خروج الناقة من الصخرة، وذلك معجزة قاهرة ~~تلجىء المكلف، وأيضا شاهدوا الماء الذي كان شربا لكل أولئك الأقوام في ~~أحد اليومين، كان شربا لتلك الناقة الواحدة في اليوم الثاني، ~~وذلك معجزة قاهرة تقرب الملكف من الإلجاء. # وأيضا إن القوم لما نحروها توعدهم صالح بالعذاب، وشاهدوا صدقه على ~~ما روي أنهم احمروا في اليوم الأول، واصفروا في اليوم الثاني، ~~واسودوا في اليوم الثالث، مع مشاهدة تلك المعجزة العظيمة، ثم شاهدوا ~~علامات نزول العذاب الشديد في آخر الأمر، هل يحتمل أن يبقى العاقل مع ~~هذه ms3995 الأحوال مصرا على كفره؟ # فالجواب: أن يقال: إنهم قبل مشاهدتهم تلك العلامات من نزول العذاب ~~كانوا يكذبون، فلما نزلت بهم أول علامات العذاب وشاهدوها خرجوا عند ذلك ~~عن حد التكليف فلم تكن توبتهم مقبولة. # قوله: " فأصبحوا " يجوز أن تكون الناقصة و " جاثمين " خبرها و ~~" في دارهم " متعلق به، ولا يجوز أن يكون الجار خبرا و " ~~جاثمين " حال، لعدم الفائدة بقولك: { فأصبحوا في دارهم } ، ~~وإن جاز الوجهان في قولك: أصبح زيد في الدار جالسا. # ويجوز أن تكون التامة، أي: دخلوا في الصباح، و " جاثمين " حال، ~~والأول أظهر. # قوله: " فتولى عنهم ". # قيل: إنه تولى عنهم بعد موتهم لقوله تعالى: { فأصبحوا في ~~دارهم جاثمين فتولى } و " الفاء " تقتضي التعقيب. # وقيل: تولى عنهم قبل موتهم لقوله: { ياقوم لقد أبلغتكم ~~رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون ~~الناصحين } فدل ذلك على كونهم أحياء من ثلاثة أوجه: # [الأول]: قوله لهم " يا قوم " ، والأموات لا يوصفون بالقوم، لاشتقاق ~~لفظ القوم من القيام، وهو مفقود في حق الميت. # والثاني: أن هذه الكلمات خطاب معهم، وخطاب الميت لا يجوز. # والثالث: قوله: { ولكن لا تحبون الناصحين } يقتضي كونهم ~~بحيث تصح حصول المحبة فيهم. # ويمكن الجواب: بأنه قد يقول الرجل لصاحبه الميت، وقد كان نصحه ~~فلم يقبل النصيحة، حتى ألقى نفسه في الهلاك: يا أخي منذ كم نصحتك فلم ~~تقبل، وكم منعتك فلم تمتنع، فكذا هاهنا. # وفائدته: إما لأن يسمعه الحي فيعتبر به، وينزجر عن مثل تلك ~~الطريقة، وإما لإحراق قلبه بسبب تلك الواقعة، فإذا ذكر ذلك الكلام فرجت ~~تلك القضية من قلبه. # وذكروا جوابا آخر، وهو أن صالحا - عليه السلام - خاطبهم بعد كونهم " ~~جاثمين " ، كما خاطب نبينا - عليه الصلاة والسلام - قتلى " بدر ~~". # فقيل: تتكلم مع هؤلاء الجيف؟ فقال: " ما أنتم بأسمع منهم، ~~ولكن لا يقدرون على الجواب ". # وقيل: في الآية تقديم وتأخير، تقديره: فتولى عنهم وقال: يا قوم ~~لقد أبلغتكم رسالة ربي، فأخذتهم الرجفة. ### || [7.80-81] # قوله تعالى: { ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ~~} القصة. في نصب " لوطا " وجهان: # أحدهما: أنه ms3996 منصوب ب " أرسلنا " الأول، و " إذ " ظرف الإرسال. # والثاني: أنه منصوب بإضمار " اذكر " ، وفي العامل في الظرف حينئذ ~~وجهان: # أحدهما - وهو قول الزمخشري أنه بدل من " لوطا " قال: " بمعنى: ~~واذكر وقت إذ قال لقومه " وهذا على تسليم تصرف " إذ ". # والثاني: أن العامل فيها مقدر تقديره: " واذكر رسالة لوط ~~إذ قال " ف " إذ " منصوب ب " رسالة ". قاله أبو البقاء، والبدل ~~حينئذ بدل اشتمال. # وصرف نوح ولوط لخفته، فإنه ساكن الوسط، مركب من ثلاثة أحرف. # قال الزجاج: زعم بعض النحويين يعني الفراء: أن لوطا يجوز أن ~~يكون مشقا لطت الحوض إذا ملسته بالطين، وهذا غلط؛ لأن الأسماء ~~الأعجمية لا تشتق كإسحاق، فلا يقال: إنه من السحق وهو البعد؛ ~~وإنما صرف لخفته؛ لأنه على ثلاثة أحرف ساكن الوسط، فأما لطت ~~الحوض، وهذا أليط فصحيح، ولكن الاسم أعجمي كإبراهيم وإسحاق. # وهو: لوط بن هاران بن تارخ ابن أخي إبراهيم، كان في أرض بابل ~~مع عمه إبراهيم،، فهاجر إلى الشام، فنزل إبراهيم إلى فلسطين، وأنزل ~~لوطا الأردن، فأرسله الله عز وجل إلى أهل سدوم. # قوله: " أتأتون الفاحشة " أتفعلون السيئة المتناهية في القبح، ~~وذكرها باسم الفاحشة ليبين أنها زنا لقوله تعالى: # ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة # [الإسراء: 32]. # { ما سبقكم بها من أحد من العالمين } في هذه الجملة ~~وجهان: # أحدهما: أنها مستأنفة لا محل لها من الإعراب، وعلى الاستئناف ~~يحتمل أن تكون جوابا لسؤال وألا تكون جوابا. # قال الزمخشري: " فإن قلت: ما موقع هذه الجملة "؟ # قلت: لا محل لها لأنها مستأنفة، أنكر عليهم أولا بقوله: " ~~أتأتون الفاحشة " ثم وبخهم عليها فقال: أنتم أول من عملها. ~~أو تكون جوابا لسؤال مقدر، كأنهم قالوا: لم لا تأتيها؟ فقال: " ~~ما سبقكم بها أحد؛ فلا تفعلوا ما لم تسبقوا به " وعلى هذا فتكون ~~صفة للفاحشة، كقوله تعالى: # وآية لهم اليل نسلخ منه النهار # [يس: 37] وقال الشاعر: [الكامل] # 2511- ولقد أمر على اللئيم يسبني # .............................. # والباء في " بها " فيها وجهان: # أظهرهما أنها حالية، أي: ما سبقكم أحد مصاحبا لها أي: ملتبسا بها. # والثاني: ms3997 أنها للتعدية. # قال الزمخشري: الباء للتعدية من قولك: " سبقته بالكرة " إذا ~~ضربتها قبله. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: " سبقك بها عكاشة ~~". # قال أبو حيان: " والتعدية هنا قلقة جدا؛ لأن " الباء " المعدية في ~~الفعل المتعدي لواحد [هي] بجعل المفعول الأول يفعل ذلك الفعل بما ~~دخلت عليه الباء فهي كالهمزة، وبيان ذلك أنك إذا قلت: " صككت ~~الحجر بالحجر " كان معناه: أصككت الحجر بالحجر أي: جعلت الحجر ~~يصك الحجر، فكذلك: دفعت زيدا بعمرو عن خالد، معناه: أدفعت زيدا ~~عمرا عن خالد أي جعلت زيدا يدفع عمرا عن خالد فللمفعول الأول تأثير ~~في الثاني ولا يصح هذا المعنى هنا؛ إذ لا يصح أن يقدر: ~~أسبقت زيدا الكرة أي: جعلت زيدا يسبق الكرة إلا بمجاز ~~متكلف، وهو أن تجعل ضربك للكرة أول جعل ضربة قد سبقها أي: تقدمها ~~في الزمان فلم يجتمعا ". # و " من " الأولى لتأكيد استغراق النفي والثانية للتبعيض. # والوجه الثاني من وجهي الجملة: أنها حال، وفي صاحبها وجهان: # أحدهما: هو الفاعل أي: أتأتون مبتدئين بها. # والثاني: هو المفعول أي: أتأتونها مبتدأ بها غير مسبوقة من غيركم. # قال عمرو بن دينار: " ما يراد ذكر على ذكر في الدنيا حتى كان قوم لوط ~~". # قوله: " أإنكم " قرأ نافع وحفص عن عاصم: " إنكم " على الخبر ~~المستأنف، وهو بيان لتلك الفاحشة، وقرأ الباقون بالاستفهام المقتضي ~~للتوبيخ، فقرأ ابن كثير بهمزة غير ممدودة وتليين الثانية، وقرأ أبو ~~عمرو بهمزة ممدودة للتخفيف وتليين الثانية، والباقون بهمزتين على الأصل. # قال الواحدي: " كان هذا استفهاما معناه الإنكار لقوله تعالى: " ~~أتأتون الفاحشة " ، وكل واحد من الاستفهامين جملة مستقلة غير ~~محتاجة في تمامها إلى شيء آخر ". # قوله: { لتأتون الرجال شهوة } قيل: نصب " شهوة " على ~~أنه مفعول من أجله، أي: لأجل الاشتهاء لا حامل لكم عليه إلا مجرد ~~الشهوة لا غير. # وقيل: إنها مصدر واقع موقع الحال، أي: مشتهين أو باق على مصدريته، ~~ناصبة " أتأتون "؛ لأنه بمعنى أتشتهون. # ويقال: شهي يشهى شهوة، [وشها يشهو شهوة] قال ~~الشاعر: [الطويل] # 2512 - وأشعث يشهى النوم قلت له: ارتحل ms3998 # إذا ما النجوم أعرضت واسبكرت # وقد تقدم ذلك في آل عمران. # قوله: { من دون النسآء } فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه متعلق بمحذوف، لأنه حال من " الرجال " أي: أتأتونهم ~~منفردين عن النساء. # والثاني: أنه متعلق ب " شهوة " ، قاله الحوفي. وليس بظاهر أن ~~تقول: " اشتهيت من كذا " ، إلا بمعنى غير لائق هنا. # والثالث: أن يكون صفة ل " شهوة " أي: شهوة كائنة من دونهن. # قوله: { بل أنتم قوم مسرفون } " بل " للإضراب، والمشهور ~~أنه إضراب انتقال من قصة إلى قصة، فقيل: عن مذكور، وهو الإخبار ~~بتجاوزهم عن الحد في هذه الفاحشة، أو عن توبيخهم وتقريرهم، والإنكار ~~عليهم. # وقيل: بل للإضراب عن شيء محذوف. واختلف فيه: # فقال أبو البقاء: " تقديره: ما عدلتم بل أنتم ". # وقال الكرماني: " بل " رد لجواب زعموا أن يكون لهم عذرا أي: " ~~لا عذر لكم بل ". # وجاء هنا بصفة القوم اسم الفاعل وهو " مسرفون "؛ لأنه أدل على ~~الثبوت ولموافقة رءوس الآي؛ فإنها أسماء. # وجاء في النمل [55] { تجهلون } دلالة على أن جهلهم يتجدد كل وقت ~~ولموافقة رءوس الآي فإنها أفعال. # فصل في الإسراف # معنى " مسرفون " أي: يتجاوزون الحلال إلى الحرام. # قال الحسن: " كانوا لا ينكحون إلا الغرباء ". # وقال الكلبي: " إن أول من عمل عمل قوم لوط إبليس؛ لأن بلادهم ~~أخصبت فانتجعها أهل البلدان، فتمثل لهم إبليس في صورة شاب، ثم دعا ~~إلى دبره فنكح في دبره، فأمر الله - تعالى - السماء أن تحصبهم، ~~والأرض أن تخسف بهم ". ### || [7.82] # قوله: { وما كان جواب قومه } العامة على نصب " جواب " ~~خبرا للكون، والاسم " أن " وما في حيزها وهو الأفصح؛ إذ فيه جعل ~~الأعرف اسما. # وقرأ الحسن " جواب " بالرفع، وهو اسمها، والخبر " إلا أن قالوا " ~~وقد تقدم ذلك. # وأتى هنا بقوله " وما " ، وفي النمل [56] والعنكبوت [24] " فما " ، ~~والفاء هي الأصل في هذا الباب؛ لأن المراد أنهم لم يتأخر جوابهم عن ~~نصيحته، وأما الواو فالتعقيب أحد محاملها، فتعين هنا أنها للتعقيب ~~لأمر خارجي وهي العربية في السورتين المذكورتين لأنها اقتضت ذلك ~~بوضعها. # قوله: { أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس ~~يتطهرون } أي: ms3999 أخرجوا لوطا وأتباعه. { إنهم أناس ~~يتطهرون } أي: يتنزهون عن أدبار الرجال. # وقيل: " يتطهرون " يتباعدون عن المعاصي والآثام. # وقيل: " يتطهرون " أي على سبيل السخرية بهم، كما يقول بعض الفسقة ~~لمن وعظه من الصلحاء: أبعدوا عنا هذا المتقشف، وأريحونا من هذا ~~المتزهد. ### || [7.83] # المراد ب " أهله ": أنصاره وأتباعه. # وقال ابن عباس: " المراد: ابنتاه " وقوله: " إلا امرأته " أي: ~~زوجته، يقال: امرأة الرجل أي زوجته ويقال: رجل المرأة بمعنى زوجها؛ ~~لأن الزوج بمنزلة المالك لها، وليست المرأة بمنزلة المالك للرجل. # وقوله: " من الغابرين " يعني الباقين في العذاب. # وقيل: من الباقين المعمرين قد أتى عليها دهر طويل فهلكت، فهي مع من ~~هلك. # يقال: غبر الشيء يغبرغبورا إذا مكث وبقي. # وقوله: { كانت من الغابرين } جواب سؤال مقدر، وهذا كما تقدم ~~في البقرة، وفي أول هذه السورة في قصة " إبليس ". # والغابر: المقيم وهذا [هو] مشهور اللغة، وأنشدوا قول أبي ذؤيب ~~الهذلي: [الكامل] # 2513 - فغبرت بعدهم بعيش ناصب # وإخال أني لاحق مستتبع # ومنه غبر اللبن لبقيته في الضرع، وغبر الحيض أيضا، قال ~~أبو كبير الهذلي، ويروى لتأبط شرا: [الكامل] # 2514 - ومبرأ من كل غبر حيضة # وفساد مرضعة وداء معضل # ومعنى " من الغابرين " في الآية أي: من المقيمين في الهلاك. # وقال بعضهم: " غبر بمعنى مضى وذهب " ومعنى الآية يساعده؛ وأنشد للأعشى: ~~[السريع] # 2515 - عض بما أبقى المواسي له # من أمه في الزمن الغابر # أي: الزمان الماضي. # وقال بعضهم: غبر: أي غاب، ومنه قولهم: " غبر عنا زمانا ". # وقال أبو عبيدة: " غبر: عمر دهرا طويلا حتى هرم " ، ويدل ~~له: # إلا عجوزا في الغابرين # [الصافات: 135]. # وقد تقدم. والحاصل أن الغبور مشترك ك " عسعس " ، أو حقيقة ~~ومجاز وهو المرجح. والغبار: ما يبقى من التراب المثار ومنه: # ووجوه يومئذ عليها غبرة # [عبس: 40]. # تخييلا لتغيرها واسودادها والغبراء: الأرض؛ قال طرفة: [الطويل] # 2516 - رأيت بني غبراء لا ينكرونني # ولا أهل هذاك الطراف الممدد ### || [7.84] # قوله: " وأمطرنا " قال أبو عبيد: " يقال: مطر في الرحمة، ~~وأمطر في العذاب ". # وقال [أبو القاسم] الراغب: ويقال: مطر في الخير، وأمطر في ms4000 العذاب، ~~قال تعالى: # وأمطرنا عليهم حجارة # [الحجر: 74]. # وهذا مردود بقوله تعالى: # هذا عارض ممطرنا # [الأحقاف: 24] فإنهم إنما عنوا بذلك الرحمة، وهو من أمطر: ~~رباعيا، ومطر وأمطر بمعنى واحد يتعديان لواحد، يقال مطرتهم ~~السماء وأمطرتهم، وقوله تعالى هنا: " وأمطرنا " ضمن معنى " ~~أرسلنا " ولذلك عدي ب " على " ، وعلى هذا ف " مطرا " ~~مفعول به لأنه يراد به الحجارة، ولا يراد به المصدر أصلا، إذ لو ~~كان كذلك لقيل: أمطار. # ويوم مطير: أي: ممطور. ويوم ماطر وممطر على المجاز كقوله: # في يوم عاصف # [إبراهيم: 18]، وواد مطير فقط فلم يتجوز فيه ومطير بمعنى ~~ممطر؛ قال: [الطويل] # 2517 - حمامة بطن الواديين ترنمي # سقاك من الغر الغوادي مطيرها # فعيل هنا بمعنى فاعل؛ لأن السحاب يمطر غيرها، ونكر " مطرا " ~~تعظيما، والمراد بالمطر هنا يعني حجارة من سجيل. # قال وهب: " هي الكبريت والنار فانظر كيف كان عاقبة المجرمين ". # فصل في إيجاب اللواط الحد # اللواط يوجب الحد، وهذه الآية تدل عليه من وجوه: # الأول: أنه ثبت في شريعة لوط رجم اللوطي، والأصل بقاء ما ثبت إلى ~~أن يرد الناسخ، ولم يرد في شرع محمد - عليه الصلاة والسلام - ما ~~ينسخه، فوجب الحكم ببقائه. # الثاني: قوله تعالى: # أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده # [الأنعام: 90]. # الثالث: قوله تعالى: { فانظر كيف كان عاقبة المجرمين ~~}. # والمراد من هذه العاقبة ما سبق ذكره من إنزال الحجر عليهم من ~~المجرمين الذين يعملون عمل قوم لوط؛ لأن ذلك هو المدلول السابق، فينصرف ~~إليه ذكر الحكم عقيب الوصف مشعرا بالعلية. # وقال أبو حنيفة: " اللواط لا يوجب الحد ". # واختلفوا في حد اللائط: فقال بعضهم: " يرجم محصنا كان، أو غير ~~محصن، وكذلك المفعول به إن كان محتلما ". # وقال بعضهم: " إن كان محصنا رجم، وإن كان غير محصن أدب وحبس ". # وقال أبو حنيفة: يعزر، [وحجة الجمهور أن الله تعالى] عذب قوم لوط ~~بالرجم وقال عليه الصلاة والسلام: # " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل ~~والمفعول به ". # وروي عن أبي بكر الصديق أنه حرق رجلا يسمى الفجاءة حين ~~عمل عمل قوم لوط ms4001 بالنار، وأحرقهم ابن الزبير في زمانه، ثم أحرقهم ~~هشام بن الوليد، ثم أحرقهم خالد القسري ب " العراق ". # وروي أن سبعة أخذوا في زمان ابن الزبير في لواط، فسأل عنهم، فوجد ~~أربعة منهم أحصنوا، فخرج بهم من الحرم، فرجموا بالحجارة حتى ماتوا، ~~وحد الثلاثة، وعنده ابن عباس وابن عمر فلم ينكرا، وهذا مذهب الشافعي. # قال ابن العربي: الأول أصح سندا وهو مذهب مالك. # فإن أتى البهيمة قيل: يقتل هو والبهيمة. # وقيل: يقتل دون البهيمة. ### || [7.85] # قوله تعالى: { وإلى مدين أخاهم شعيبا } القصة. # اختلف في " مدين ": فقيل: أعجمي، فمنعه للعجمة والعلمية، وهو ~~مدين بن إبراهيم - عليه السلام - فسميت به القبيلة. # وقيل: هو عربي اسم بلد، قاله الفراء، وأنشد: [الكامل] # 2518 - رهبان مدين والذين عهدتهم # يبكون من حذر العذاب قعودا # لو يسمعون كما سمعت كلامها # خروا لعزة ركعا وسجودا # فمنعه للعلمية والتأنيث. # ولا بد حينئذ من حذف مضاف، أي: وإلى أهل مدين، ولذلك أعاد الضمير في ~~قوله: " أخاهم " على الأهل، ويجوز أن يراد بالمكان ساكنوه، فروعي ~~ذلك بالنسبة إلى عود الضمير عليه وعلى تقدير كونه عربيا قالوا: فهو ~~شاذ، إذ كان من حقه الإعلال كمتاع ومقام، ولكنهم شذوا فيه كما شذوا ~~في مريم ومكوذة، وليس بشاذ عند المبرد، لعدم جريانه على ~~الفعل، وهو حق وإن كان الجمهور على خلافه. # قوله: " شعيبا " يجوز أن يكون تصغير شعب أو شعب هكذا قالوا، ~~والأدب ألا يقال ذلك، بل هذا موضوع على هذه الزنة، وأما ~~أسماء الأنبياء فلا يدخل فيها تصغير ألبتة، إلا ما نطق به ~~القرآن على صيغة تشبهه كشعيب عليه السلام، وهو عربي لا أعجمي. # فصل # قال عطاء: " هو شعيب بن نويب بن مدين بن إبراهيم ". # وقال ابن إسحاق: " هو شعيب بن ميكيل بن يشجر بن مدين بن ~~إبراهيم، وأم ميكائيل بنت لوط ". # وقيل: هو شعيب بن ميرون بن مدين، وكان شعيب أعمى، ويقال له: " ~~خطيب الأنبياء " لحسن مراجعته قومه وكان أهل كفر وبخس للكيل ~~والميزان، وهم أصحاب الأيكة. # { قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم ms4002 من إله ~~غيره } وهذا أصل معتبر في شرائع جميع الأنبياء. # { قد جآءتكم بينة من ربكم } واعلم أن المراد من ~~البينة هنا المعجزة، ولم تذكر في القرآن. كما لم يذكر في القرآن كثير ~~من معجزات رسولنا. # قال الزمخشري: " ومن معجزات شعيب أنه دفع إلى موسى عصاه وصارت ~~ثعبانا، وأيضا قال لموسى - عليه [الصلاة] والسلام -: هذه الأغنام تلد ~~أولادا فيها سواد وبياض، وقد وهبتها لك، فكان الأمر كذلك ". # قوله: { فأوفوا الكيل والميزان }. # اعلم أن قوم شعيب كانوا مشغوفين بالبخس والتطفيف. # فإن قيل: " الفاء " في قوله: " فأوفوا " توجب أن يكون الأمر بإيفاء ~~الكيل كالتعليل لما سبق ذكره، وهو قوله: { قد جآءتكم بينة ~~من ربكم } فكيف وجهه؟ # فالجواب: كأنه يقول لهم: البخس والتطفيف عبارة عن الخيانة بالشيء ~~القليل، وهو مستقبح في العقل، ومع ذلك فقد جاءت البينة والشريعة بتحريمه ~~فلم يبق فيه عذر " فأوفوا الكيل ". # وقال هنا: " الكيل " ولم يقل: " المكيال " كما في سورة هود [84]؛ ~~لأنه أراد بالكيل آلة الكيل وهو المكيال، أو يسمى ما يكال به الكيل ~~كما يقال: " العيش " لما يعاش به. # قوله: { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } قد تقدم معنى هذه ~~اللفظة في قوله: # ولا يبخس منه شيئا # [البقرة: 282]، وهو يتعدى لاثنين، وهما " الناس " و " أشياءهم " ، ~~أي: لا ينقصوهم أشياءهم ولا يظلموهم، ويدخل فيه المنع من الغصب، ~~والسرقة والرشوة، وقطع الطريق، وانتزاع الأموال بطريق الحيل. # قوله: { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها }. # وذلك أنه لما كان أخذ أموال الناس بغير رضاهم يوجب المنازعة ~~والخصومة، وهما يوجبان الفساد، لا جرم قال بعده: { ولا ~~تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها }. # وقيل: أراد المنع من كل فساد. # وقيل: أراد بقوله: { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } المنع ~~من فساد الدنيا، وبقوله: { ولا تفسدوا في الأرض } المنع من ~~فساد الدين. # واختلفوا في معنى " بعد إصلاحها ": فقيل: بعد أن صلحت ببعثة الرسل. # وقيل: بعد أن أصلحها بتكثير النعم. # ثم قال: " ذلكم " وهو إشارة إلى ما تقدم من الأمر والنهي " ~~خير لكم " في الآخرة { إن كنتم مؤمنين } مصدقين بما ~~أقول. ### || [7.86] ms4003 # يجوز أن تكون " الباء " على حالها من الإلصاق أو المصاحبة، أو تكون ~~بمعنى " في " يقال: قعد له بمكان كذا، وعلى مكان كذا، وفي مكان كذا، ~~فتتعاقب هذه الحروف في هذا الموضع لتقارب معانيها، فقعد بمكان: الباء ~~للإلصاق، وقد التصق بذلك المكان، و " على " للاستعلاء، وقد علا ذلك ~~المكان، و " في " للحلول، وقد حل ذلك المكان. # و " توعدون " ، و " تصدون " ، و " تبغون " هذه الجمل أحوال ~~[أي]: لا تقعدوا موعدين وصادين وباغين. # ولم يذكر الموعد له لتذهب النفس كل مذهب: ومفعول " تصدون " ~~" من آمن ". # قال أبو البقاء: " من آمن " مفعول " تصدون " لا مفعول " ~~توعدون " ، إذ لو كان مفعولا للأول لقال: " تصدونهم " ، ~~يعني أنه لو كان كذلك لكانت المسألة من التنازع، وإذا كانت من ~~التنازع وأعملت الأول لأضمرت في الثاني فكنت تقول: " ~~تصدونهم " لكنه ليس القرآن كذا، فدل على أن " توعدون " ليس ~~عاملا فيه، وكلامه يحتمل أن تكون المسألة من التنازع - ويكون ذلك ~~على إعمال الثاني، وهو مختار البصريين وحذف من الأول - وألا تكون وهو ~~الظاهر. # وظاهر كلام الزمخشري: أنها من التنازع، وأنه من إعمال ~~الأول، فإنه قال: فإن قلت: إلام يرجع الضمير في " من آمن ~~به "؟ # قلت: إلى كل صراط، تقديره: توعدون من آمن به وتصدون عنه، ~~فوضع الظاهر الذي هو " سبيل الله " موضع المضمر زيادة في تقبيح أمرهم. # قال أبو حيان: وهذا تعسف وتكلف مع عدم الاحتياج إلى تقديم ~~وتأخير، ووضع ظاهر موضع مضمر، إذ الأصل خلاف ذلك كله، ولا ضرورة ~~تدعو إليه، وأيضا فإنه من إعمال الأول وهو مذهب مرجوح، ولو ~~كان من إعمال الأول لأضمر في الثاني وجوبا، ولا يجوز حذفه إلا في ~~ضرورة شعر عند بعضهم [كقوله]: [مجزوء الكامل] # 2519 - بعكاظ يعشي الناظري # ن إذا هم لمحوا شعاعه # فأعمل " يغشي " ورفع به " شعاعه " وحذف الضمير من " لمحوا " ~~تقديره: لمحوه، وأجازه بعضهم بقلة في غير الشعر. # والضمير في " به ": إما لكل صراط كما تقدم عن الزمخشري، وإما ~~على الله للعلم به، وإما على سبيل الله، وجاز ذلك؛ لأنه يذكر ms4004 ~~ويؤنث، وعلى هذا فقد جمع بين الاستعمالين هنا حيث قال: " به " ~~فذكر، وقال: " وتبغونها عوجا " فأنث، ومثله: # قل هذه سبيلي # [يوسف: 108] [وقد تقدم] نحو قوله: # تبغونها عوجا # [آل عمران: 99] في آل عمران. # ومعنى الآية أنهم كانوا يجلسون على الطريق فيقولون لمن يريد ~~الإيمان بشعيب: إن شعيبا كذاب فلا يفتننك عن دينك، ويتوعدون ~~المؤمنين بالقتل، ويخوفونهم. # قال الزمخشري: قوله: { ولا تقعدوا بكل صراط } أي: ولا ~~تقتدوا بالشيطان في قوله: # لأقعدن لهم صراطك المستقيم # [الأعراف: 16] قال: والمراد من قوله: " صراط " كل ما كان من مناهج ~~الدين ويدل عليه قوله: { وتصدون عن سبيل الله }. # قوله: " واذكروا " إما أن يكون مفعوله محذوفا، فيكون هذا الظرف ~~معمولا لذلك المفعول أي: اذكروا نعمة الله عليكم في ذلك الوقت، ~~وإما أن يجعل نفس الظرف مفعولا به. قاله الزمخشري. # وقال ابن عطية: إن " الهاء " في " به " يجوز أن تعود على شعيب عند من ~~يرى أن القعود على الطرق للرد عن شعيب، وهو بعيد؛ لأن القائل: " ~~ولا تقعدوا " هو شعيب، وحينئذ كان التركيب " من آمن بي " ، ~~والادعاء بأنه من باب الالتفات بعيد جدا؛ إذ لا يحسن أن ~~يقال: " [يا] هذا أنا أقول لك لا تهن من أكرمه " أي: من ~~أكرمني. # قوله: { إذ كنتم قليلا فكثركم }. # قل الزجاج: " هذا الكلام يحتمل ثلاث أوجه: كثر عددكم بعد القلة، ~~وكثركم بالغنى بعد الفقر، وكثركم بالقوة بعد الضعف " قال السدي: " كانوا ~~عشارين ". # [قوله]: { وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين }. # " كيف " وما في حيزها معلقة للنظر عن العمل، فهي وما بعدها في محل ~~نصب على إسقاط الخافض. # والنظر هنا التفكر، و " كيف " خبر كان، واجب التقديم. # والمعنى: انظر كيف كان عاقبة المفسدين أي: جزاء قوم لوط من الخزي ~~والنكال وعذاب الاستئصال. ### || [7.87] # قوله: { وإن كان طآئفة منكم آمنوا بالذي أرسلت ~~به وطآئفة لم يؤمنوا } أي: اختلفتم في رسالتي فصرتم ~~فرقتين مؤمنين ومكذبين، و " طائفة " الثانية عطف على " طائفة " الأولى ~~فهي اسم كان و " لم يؤمنوا " معطوف على " آمنوا " الذي هو خبر كان، ~~عطفت اسما على ms4005 اسم، وخبرا على خبر، ومثله لو قلت: " كان عبد الله ~~ذاهبا وبكر خارجا " ، عطفت المرفوع على مثله، وكذلك المنصوب، وقد حذف ~~وصف طائفة الثانية لدلالة وصف الأولى عليه، إذ التقدير: " طائفة منكم لم ~~يؤمنوا " ، وحذف أيضا متعلق الإيمان في الثانية، لدلالة الأولى عليه، إذ ~~التقدير: لم يؤمنوا بالذي أرسلت به، والوصف بقوله: منكم الظاهر أو ~~المقدر هو الذي سوغ وقوع " طائفة " اسما ل " كان " من حيث أن الاسم ~~في هذا الباب كالمتبدأ، والمبتدأ لا يكون نكرة إلا بمسوغ تقدم التنبيه ~~عليه. # قوله " فاصبروا " يجوز أن يكون الضمير للمؤمنين من قومه، وأن يكون ~~للكافرين منهم، وأن يكون للفريقين، وهذا هو الظاهر أمر المؤمنين ~~بالصبر ليحصل لهم الظفر والغلبة، والكافرون مأمورون به لينصر الله ~~عليهم المؤمنين لقوله: # قل تربصوا # [الطور: 31]، أو على سبيل التنازل معهم أي: اصبروا فستعلمون من ينتصر ~~ومن يغلب مع علمه بأن الغلبة له و " حتى " بمعنى " إلى " فقط. # وقوله " بيننا " غلب ضمير المتكلم على المخاطب، إذ المراد بيننا ~~جميعا من مؤمن وكافر، ولا حاجة إلى ادعاء حذف معطوف تقديره: بيننا ~~وبينكم. ثم قال: { وهو خير الحاكمين } أي: أنه حاكم منزه عن ~~الجور والميل والحيف. ### || [7.88-89] # قوله تعالى: { قال الملأ الذين استكبروا } هم الرؤساء { ~~لنخرجنك يشعيب } ونخرج أتباعك من قريتنا. # وقوله: { والذين آمنوا } عطف على الكاف، و " يا شعيب " اعتراض ~~بين المتعاطفين. # قوله: { أو لتعودن في ملتنا } عطف على جواب القسم، إذ ~~التقدير: والله لنخرجنك والمؤمنين أو لتعودن، فالعود مسند إلى ~~ضمير النبي ومن آمن معه. # فإن قيل: إن شعيبا لم يكن قط على دينهم ولا ملتهم، فكيف يحسن أن يقال: ~~" أو لتعودن في ملتنا " ، وقوله: { قد افترينا على الله ~~كذبا إن عدنا في ملتكم } يدل أيضا على ذلك؟. # فالجواب: أن " عاد " في لسان العرب لها استعمالان. # أحدهما - وهو الأصل - أنه الرجوع إلى ما كان عليه من الحال الأول. # والثاني: استعمالها بمعنى " صار " ، وحينئذ ترفع الاسم وتنصب الخبر، ~~فلا تكتفي بمرفوع وتفتقر إلى منصوب، [وهذا عند بعضهم] ومنهم من ms4006 منع أن ~~تكون بمعنى " صار " فمن مجيئها بمعنى " صار " قوله: [الطويل] # 2520 - وربيته حتى إذا ما تركته # أخا القوم واستغنى عن المسح شاربه # وبالمحض حتى عاد جعدا عنطنطا # إذا قام ساوى غارب الفحل غاربه # فرفع ب " عاد " ضمير الأول ونصب بها " جعدا " ، ومن منع ذلك ~~يجعل المنصوب حالا قال: [الطويل] # 2521 - فإن تكن الأيام أحسن مدة # إلي فقد عادت لهن ذنوب # أي: صار لهن ذنوب، ولم يرد أن ذنوبا كانت لهن قبل الإحسان، وعلى هذا ~~فزال الإشكال، والمعنى: لتصيرن في ملتنا بعد أن لم تكونوا، ف " في ~~ملتنا " خبر على هذا وأما على الأول فالجواب من وجوه: # أحدها: أن هذا القول من رؤسائهم، قصدوا به التلبيس على العوام، والإيهام ~~لهم أنه كان على دينهم وفي ملتهم. # الثاني: أنهم خاطبوا شعيبا بخطاب أتباعه، وأجروا عليه أحكامهم. # الثالث: أن يراد بعوده رجوعه إلى حالة سكوته قبل بعثته؛ لأنه قبل أن ~~يبعث إليهم كان يخفي إيمانه، وهو ساكت عنهم بريء من معبودهم غير ~~الله. # وعدى " عاد " ب " في " الظرفية، كأن الملة لهم بمنزلة الوعاء ~~المحيط بهم. # قوله: { أولو كنا كارهين } الاستفهام للإنكار تقديره: ~~أيوجد منكم أحد هذين الشيئين: أعني الإخراج من القرية، والعود في ~~الملة على كل حال حتى في حال كراهتنا لذلك؟. # وقال الزمخشري: " الهمزة للاستفهام، والواو واو الحال تقديره: ~~أتعيدوننا في ملتكم في حال كراهتنا ". # قال أبو حيان: وليست هذه واو الحال، بل واو العطف، عطفت هذه الحال على ~~حال محذوفة، كقوله - عليه الصلاة والسلام -: # " ردوا السائل ولو بظلف محرق " # ليس المعنى: ردوه حال الصدقة عليه بظلف محرق، بل معناه: ردوه ~~مصحوبا بالصدقة ولو مصحوبا بظلف محرق، وقد تقدمت هذه المسألة، وأنه ~~يصح أن تسمى واو الحال وواو العطف [وتحرير ذلك، ولولا تكريره لما ~~كررته]. # وقال أبو البقاء: و " لو " هنا بمعنى " إن " لأنها للمستقبل، ويجوز أن ~~تكون على أصلها، ويكون المعنى: لو كنا كارهين في هذا الحال أي إن كنا ~~كارهين لذلك فتجبروننا عليه. # وقوله: " لأنها للمستقبل " ممنوع. # قوله: " إن ms4007 عدنا " شرط جوابه محذوف عند الجمهور أي: فقد افترينا، ~~حذف لدلالة ما تقدم عليه، وعند أبي زيد والمبرد والكوفيين هو قوله: " فقد ~~افترينا " وهو مردود بأنه لو كان جوابا بنفسه لوجبت فيه الفاء. # وقال أبو البقاء: " قد افترينا بمعنى المستقبل؛ لأنه لم يقع، وإنما ~~سد مسد جواب " إن عدنا " وساغ دخول " قد " هنا لأنهم نزلوا ~~الافتراء عند العود منزلة الواقع فقرنوه ب " قد " ، وكأن المعنى: قد ~~افترينا الآن إن هممنا بالعود ". # وفي هذه الجملة وجهان: # أحدهما: أنها استئناف إخبار فيه معنى التعجب، قاله الزمخشري، كأنه قيل: ~~ما أكذبنا على الله إن عدنا في الكفر. # والثاني: أنها جواب قسم محذوف حذفت اللام منه، والتقدير: والله لقد ~~افترينا، ذكره الزمخشري أيضا، وجعله ابن عطية احتمالا وأنشد: [الكامل] # 2522 - بقيت مالي وانحرفت عن العلى # ولقيت أضيافي بوجه عبوس # قال: " كما تقول: افتريت على الله إن كلمت فلانا " ولم ينشد ابن ~~عطية البيت الذي بعد هذا، وهو محل الفائدة؛ لأنه مشتمل على الشرط وهو: ~~[الكامل] # 2523 - إن لم أشن على ابن هند غارة # لم تخل يوما من نهاب نفوس # قوله: { بعد إذ نجانا } منصوب ب " نعود " أي: ما يكون ولا ~~يستقيم لنا عود بعد أن حصل لنا التنجية منها. # فصل في معنى التنجية # وفي معنى { نجانا الله منها } وجوه: # الأول: علمنا قبحه وفساده وبطلانه. # الثاني: أن الله نجى قومه من تلك الملة، وإنما نظم نفسه في جملتهم وإن ~~كان بريئا منهم تغليبا للأكثر. # الثالث: أن القوم أوهموا المستضعفين أنه كان على ملتهم، فقوله: { بعد إذ ~~نجانا الله منها } أي على حسب معتقدكم. # قوله: { إلا أن يشآء الله } في هذا الاستثناء وجهان: # أحدهما: أنه متصل. # والثاني: أنه منقطع. ثم القائلون بالاتصال مختلفون: فمنهم من قال: هو ~~مستنثى من الأوقات [العامة] والتقدير: وما يكون لنا أن نعود فيها في وقت ~~من الأوقات إلا في وقت مشيئة الله ذلك، وهذا متصور في حق من عدا ~~شعيبا، فإن الأنبياء لا يشاء الله ذلك لهم؛ لأنه عصمهم. # ومنهم من ms4008 قال: " هو مستثنى من الأحوال العامة والتقدير: ما يكون لنا أن ~~نعود فيها في كل حال إلا في حال مشيئة الله تعالى ". # وقال ابن عطية: " ويحتمل أن يريد استثناء ما يمكن أن يتعبد الله ~~[به] المؤمنين مما تفعله الكفرة من القربات فلما قال لهم: إنا لا ~~نعود في ملتكم، ثم خشي أن يتعبد الله بشيء من أفعال الكفرة فيعارض ~~ملحد بذلك ويقول: هذه عودة إلى ملتنا استثنى مشيئة الله فيما يمكن أن ~~يتعبد به ". # قال أبو حيان: " وهذا الاحتمال لا يصح لأن قوله: { بعد إذ نجانا ~~الله منها } إنما يعني النجاة من الكفر والمعاصي لا من أعمال البر ". # قال شهاب الدين: " قد حكى ابن الأنباري هذا القول عن المعتزلة الذين لا ~~يؤمنون بالإرادة ثم قال: وهذا القول متناوله بعيد، لأن فيه تبعيض ~~الملة ". # وقيل: هذا استثناء على سبيل التسليم والتأدب. # قال ابن عطية: " ويقلق هذا التأويل من جهة استقبال الاستثناء، ولو كان ~~الكلام: " إلا إن شاء " قوي هذا التأويل ". # وهذا الذي قاله سهو؛ لأن الماضي يتخلص للاستقبال بعد " إن " ~~الشرطية، كما يتخلص المضارع له ب " أن " المصدرية. # وقيل: إن الضمير في قوله: " فيها " ليس عائدا على الملة، بل عائد ~~على الفرية، والتقدير: وما يكون لنا أن نعود في الفرية إلا أن يشاء ~~ربنا، وهو حسن لولا بعده. # فصل في بين المشيئة # استدل أهل السنة بهذه الآية على أنه تعالى قد يشاء الكفر، واستدل ~~المعتزلة بها على أنه لا يشاء إلا الخير. # فأما وجه استدلال أهل السنة فمن وجهين: # الأول: قوله: { إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها } [يدل على ~~أن المنجي من الكفر هو الله - تعالى -، ولو كان الإيمان يحصل بخلق العبد، ~~لكانت النجاة من الكفر تحصل للإنسان من نفسه لا من الله تعالى وذلك على ~~نقيض قوله { بعد إذ نجانا الله منها } ]. # الثاني: أن معنى الآية أنه ليس لنا أن نعود إلى ملتكم إلا أن يشاء الله ~~أن يعيدنا إلى تلك الملة، وتلك الملة كفر، فكان هذا ms4009 تجويزا من شعيب - ~~عليه السلام - أن يعيدهم إلى الكفر. # قال الواحدي: ولم تزل الأنبياء والأكابر يخافون العاقبة وانقلاب الأمر؛ ~~ألا ترى إلى قوله الخليل - عليه الصلاة والسلام -: # رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن ~~نعبد الأصنام # [إبراهيم: 35] وكان محمد صلى الله عليه وسلم يقول: # " يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك ~~وطاعتك " # وقال يوسف - عليه السلام -: # توفني مسلما # [يوسف: 101]. # وأجاب المعتزلة بوجوه: # أحدها: أن قوله: ما لنا أن نعود إلى تلك الملة إلا أن يشاء [الله] أن ~~يعيدنا إليها قضية [شرطية، وليس فيها بيان أنه تعالى شاء ذلك أو ما شاء. # وثانيها: أن هذا مذكور على طريق التبعيد] كما يقال: لا أفعل ذلك إلا ~~إذا ابيض القار وشاب الغراب، فعلق شعيب - عليه السلام - عوده إلى ~~ملتهم على مشيئته بما علم أنه لا يكون منه ذلك أصلا على طريق التبعيد لا ~~على وجه الشرط. # وثالثها: قوله: { إلا أن يشاء الله } ليس فيه بيان أن الذي يشاء الله ما ~~هو؟ فنحمله على أن المراد إلا أن يشاء الله بأن يظهر الكفر من أنفسنا إذ ~~أكرهتمونا عليه بالقتل، وذلك لأن عند الإكراه على إظهار الكفر بالقتل ~~يجوز إظهاره، وما كان جائزا كان مرادا لله - تعالى -، وكون الصبر أفضل ~~من الإظهار لا يخرج الإظهار من أن يكون مرادا لله - تعالى - كما أن ~~المسح على الخفين مراد لله تعالى، وإن كان غسل الرجلين أفضل. # ورابعها: أن المراد بقوله: { لنخرجنك يا شعيب } أي من القرية، فيكون ~~المراد بقوله: { أن نعود فيها } أي القرية. # وخامسها: أن نقول: يجب حمل المشيئة هاهنا على الأمر؛ لأن { وما كان لنا ~~أن نعود فيها إلا أن يشاء الله } معناه: فإنه إذا شاء كان لنا أن نعود ~~فيها، فقوله: { لنا أن نعود فيها } أي يكون ذلك العود جائزا، والمشيئة ~~عند أهل السنة لا توجب جواز الفعل، فإنه تعالى يشاء الكفر من الكافر عنده ~~ولا يجوز له فعله، إنما الذي يوجب الجواز هو الأمر، فثبت أن المراد من ~~المشيئة هاهنا الأمر، ms4010 فكان التقدير إلا أن يأمر الله [بعودنا في ملتكم ~~فإنا نعود إليها، والشريعة المنسوخة لا يبعد أن يأمر الله] بالعمل بها ~~مرة أخرى، وعلى هذا التقدير يسقط استدلالكم. # وسادسها: قال الجبائي: المراد من الملة الشريعة التي يجوز اختلاف ~~التعبد فيها بالأوقات كالصلاة والصيام وغيرهما، فقال شعيب: { وما كان لنا ~~أن نعود في ملتكم } فلما دخل في ذلك كل ما هم عليه، وكان من الجائز أن ~~يكون بعض تلك الأحكام والشرائع باقيا غير مسنوخ، لا جرم قال: { إلا أن ~~يشاء الله } والمعنى: إلا أن يشاء الله بقاء بعضها، فيدلنا عليه، فحينئذ ~~نعود إليها، فهذا الاستثناء يعود إلى الأحكام التي يجوز النسخ والتغيير ~~فيها، ولا يعود إلى ما لا يقبل التغيير ألبتة، فهذه أسئلة القوم. # وتمسك المعتزلة بهذه الآية على صحة قولهم من وجهين: # الأول: أن ظاهر قوله { وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله } ~~يقتضي أنه لو شاء الله عودنا إليها لكان لنا أن نعود إليها، وذلك يقتضي ~~أن كل ما شاء الله وجوده كان فعله جائزا مأذونا فيه، ولم يكن حراما، ~~قالوا: وهذا عين مذهبنا أن كل ما أراد حصوله كان حسنا مأذونا فيه، وما ~~كان حراما ممنوعا منه لم يكن مرادا لله تعالى. # الثاني: أن قولهم: " لنخرجنك أو لتعودن " لا وجه للفصل بين هذين ~~القسمين على قول الخصم، لأن على قولهم خروجهم من القرية بخلق الله وعودهم ~~إلى تلك القرية أيضا بخلقه، وإذا كان حصول القسمين بخلق الله، لم يبق ~~للفرق بين القسمين فائدة. # واعلم أنه لما تعارض استدلال الفريقين بهذه الآية وجب الرجوع إلى بقية ~~الآيات في هذا الباب. # قوله: { وسع ربنا كل شيء علما } نصب " علما " على ~~التمييز وهو منقول من الفاعلية، تقديره: وسع علم ربنا كل شيء ~~كقوله تعالى: # واشتعل الرأس شيبا # [مريم: 24] والمعنى: أحاط علمه بكل شيء. # ثم قال: { على الله توكلنا } فيما توعدوننا به، ثم دعا شعيب ~~بعدما أيس من فلاحهم فقال: { ربنا افتح بيننا وبين ~~قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ms4011 }. # قال ابن عباس والحسن وقتادة والسدي: " احكم واقض ". # وقال الفراء: " وأهل عمان يسمون القاضي الفاتح والفتاح؛ لأنه يفتح مواضع ~~الحق ". # وعن ابن عباس قال: " ما كنت أدري قوله { ربنا افتح بيننا وبين قومنا } ~~حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول لزوجها: أفاتحك أي: أحاكمك " ، وقد تقدم ~~أن الفتح الحكم بلغة حمير. # وقيل: بلغة مراد وأنشد: [الوافر] # 2524 - ألا أبلغ بني عصم رسولا # بأني عن فتاحتكم غني # قال الزجاج: وجائز أن يكون قوله: { افتح بيننا وبين قومنا بالحق } أي ~~أظهر أمرنا حتى ينفتح بيننا وبين قومنا وينكشف والمراد منه أن ينزل عليهم ~~عذابا يدل على كونهم مبطلين، وعلى كون شعيب وقومه محقين، وعلى هذا ~~المراد بالفتح الكشف والتبيين، وكرر { بيننا وبين قومنا } بخلاف قوله: # حتى يحكم الله بيننا # [الأعراف: 87] زيادة في تأكيد تمييزه، ومن تبعه من قومه ثم قال: { ~~وأنت خير الفاتحين } [أي: خير الحاكمين أو خير المظهرين، وذا ~~معنى قول من على المعنيين]، والمراد به الثناء على الله تعالى. ### || [7.90] # لما بين عظيم ضلالهم بتكذيب شعيب بين أنهم لم يقتصروا على التكذيب ~~حتى أضلوا غيرهم ولاموهم على متابعة شعيب بقولهم: { لئن اتبعتم ~~شعيبا [إنكم إذا لخاسرون }. # قوله: { إنكم إذا لخاسرون } " إذن " حرف جواب وجزاء، وقد ~~تقدم الكلام عليها مشبعا] وهي هنا معترضة بين الاسم والخبر، وقد ~~توهم بعضهم فجعل " إذن " هذه " إذا " الظرفية في الاستقبال نحو [قولك]: ~~" ألزمك إذا جئتني " أي وقت مجيئك. # قال: " ثم حذفت الجملة المضافة هي إليها، والأصل: إنكم إذا اتبعتموه ~~لخاسرون، ف " إذا " ظرف والعامل فيه " لخاسرون " ، ثم حذفت الجملة ~~المضافة إليها وهي " اتبعتموه " ، وعوض منها التنوين، فلما جيء ~~بالتنوين وهو ساكن التقى بمجيئه ساكنان، هو والألف قبله، فحذفت ~~الألف لالتقاء الساكنين، فبقي اللفظ " إذن " كما ترى ". # وزعم هذا القائل أن ذلك جائز بالحمل على " إذا " التي للمضي في ~~قولهم: " حينئذ " و " يومئذ " فكما أن التنوين هنا عوض عن جملة عند ~~الجمهور كذلك هنا. # ورد أبو حيان هذا بأنه لم يثبت هذا الحكم ل " إذا " الاستقبالية ~~في ms4012 غير هذا الموضع فيحمل هذا عليه. # قال شهاب الدين: وهذا ليس بلازم إذ لذلك القائل أن يقول: قد وجدت ~~موضعا غير هذا وهو قوله تعالى: # إنآ إذا لظالمون # [يوسف: 79]. # وقد رأيت كلام القرافي في قوله صلى الله عليه وسلم لما سألوه عن بيع ~~الرطب بالتمر فقال: أينقص الرطب إذا جف؟ فقالوا: نعم. فقال: فلا ~~إذن: أن " إذن " هذه هي " إذا " الظرفية، قال: كالتي في قوله تعالى: # إذا زلزلت الأرض # [الزلزلة: 1] فحذفت الجملة، وذكره إلى آخره. # وكنت لما رأيته تعجبت غاية العجب كيف يصدر هذا منه حتى رأيته في ~~كتاب الشيخ في هذا الموضع عن بعضهم ولم يسمه، فذهب تعجبي منه، فإن لم ~~يكن ذلك القائل القرافي فقد صار له في هذه المسألة سلف، وإلا فقد ~~اتحد الأصل، والظاهر أنه غيره. # وقوله: " إنكم " هو جواب والقسم الموطأ له باللام. # وقال الزمخشري: فإن قلت: ما جواب القسم الذي وطأته اللام في قوله: { ~~لئن اتبعتم شعيبا } وجواب الشرط؟. # قلت: قوله: { إنكم إذا لخاسرون } ساد مسد الجوابين. # قال أبو حيان: " فالذي قاله النحويون: إن جواب الشرط محذوف لدلالة جواب ~~القسم عليه، ولذلك وجب مضي فعل الشرط فإن عنى بأنه ساد ~~مسدهما أنه اجتزىء بذكره عن ذكر جواب الشرط فهو قريب، وإن عنى من ~~حيث الصناعة النحوية فليس كما زعم، لأن الجملة يمتنع ألا يكون لها محل من ~~الإعراب وأن يكون لها محل من الإعراب ". # وهذه المسألة قد تقدمت مرارا واعتراض الشيخ عليه، وتقدم جوابه ~~ويعني الشيخ بقوله: لأن الجملة يمتنع أن يكون لها محل من الإعراب إلى ~~آخره؛ لأنها من حيث كونها جوابا للشرط تستدعي ألا يكون لها محل إذ ~~الجملة [الابتدائية] لا محل لها. # فصل في معنى الخسران # قوله: " لخاسرون " أي في الدين، وقال بعضهم: " في الدنيا أي مغبونون ". # وقال عطاء: " جاهدون ". # وقال الضحاك: " عجزة ". ### || [7.91] # قال الكلبي: " الزلزلة الشديدة المهلكة ". # وقال ابن عباس وغيره: فتح الله عليهم بابا من جهنم فأرسل عليهم حرا ~~شديدا فأخذ بأنفاسهم ولم ينفعهم ظل ولا ماء فكانوا ms4013 يدخلون الأسراب ~~ليبردوا فيها فيجدوها أشد حرا من الظاهر فخرجوا هربا إلى البرية، ~~فبعث الله سحابة فيها ريح طيبة فأظلتهم، فنادى بعضهم بعضا حتى اجتمعوا ~~تحت السحابة رجالهم ونساؤهم وصبيانهم، فألهبها الله عليهم نارا، ورجفت ~~بهم الأرض فاحترقوا كما يحترق الجراد المقلي وصاروا رمادا. # وروي أن الله حبس عنهم الريح سبعة أيام ثم سلط عليهم الحر، ثم رفع لهم ~~جبل من بعيد فأتاه رجل، فإذا تحته أنهار وعيون، فاجتمعوا تحته كلهم فوقع ~~ذلك الجبل عليهم، فذلك قوله: " عذاب يوم الظلة ". # [قال قتادة: بعث الله شعيبا إلى أصحاب الأيكة وأصحاب مدين، فأما أصحاب ~~الأيكة فأهلكوا بالظلة]، وأما أصحاب مدين فأخذتهم [الصيحة] صاح بهم ~~جبريل - عليه السلام - صيحة فهلكوا بالظلة جميعا. # قال أبو عبد الله البجلي: كان أبجد وهوز وحطي وكلمن ~~وسعفص وقرشت ملوك " مدين " ، وكان ملكهم في زمن شعيب يوم ~~الظلة " كلمن " ، فلما هلك، قالت ابنته تبكيه: # [الرمل] # 2525 - كلمن هدم ركني # هلكه وسط المحله # سيد القوم أتاه ال # حتف نار تحت ظله # جعلت نارا عليهم # دارهم كالمضمحله # وقد تقدم الكلام على قوله: { فأصبحوا في ديارهم جاثمين }. ### || [7.92] # قوله: { الذين كذبوا شعيبا } فيه خمسة أوجه: # أحدها: أن هذا الموصول في محل رفع بالابتداء وخبره الجملة التشبيهية ~~بعده. # قال الزمخشري: " وفي هذا الابتداء معنى الاختصاص، كأنه قيل: الذين كذبوا ~~شعيبا هم المخصوصون بأن أهلكوا واستؤصلوا كأن لم يقيموا في دارهم؛ ~~لأن الذين اتبعوا شعيبا قد أنجاهم الله تعالى ". # قال شهاب الدين: " قوله: " يفيد الاختصاص " هو معنى قول الأصوليين: " ~~يفيد الحصر " على خلاف بينهم في ذلك إذا قلت: زيد العالم، والخلاف في ~~قولك: العالم زيد أشهر منه فيما تقدم فيه المبتدأ ". # الثاني: أن الخبر هو نفس الموصول الثاني وخبره، فإن الموصول الثاني ~~مبتدأ والجملة من قوله: { كانوا هم الخاسرين } في محل رفع خبرا له، وهو ~~وخبره خبر الأول، و { كأن لم يغنوا }: إما اعتراض، وإما ~~حال من فاعل " كذبوا ". # الثالث: أن يكون الموصول الثاني خبرا بعد خبر عن الموصول الأول، ~~والخبر الأول الجملة ms4014 التشبيهية. # الرابع: أن يكون الموصول الثاني بدلا من قوله: # وقال الملأ الذين كفروا من قومه # [الأعراف: 90] فكأنه قال: " وقال الذين كفروا منهم الذين كذبوا شعيبا ~~" وقوله: { لئن اتبعتم شعيبا } معمول للقول فليس بأجنبي. # الخامس: أنه صفة له، أي: للذين كفروا من قومه. # هذه عبارة عن أبي البقاء، وتابعه أبو حيان عليها، والأحسن أن يقال: بدل ~~من الملأ أو نعت له؛ لأنه هو المحدث عنه والموصول صفة له، والجملة ~~التشبيهية على هذين الوجهين حال من فاعل " كذبوا ". # وأما الموصول الثاني فقد تقدم أنه يجوز أن يكون خبرا باعتبارين: أعني ~~كونه أول أو ثانيا، ويجوز أن يكون بدلا من فاعل " يغنوا " أو منصوبا ~~بإضمار " أعني " أو مبتدأ وما بعده الخبر. وهذا هو الظاهر لتكون كل جملة ~~مستقلة بنفسها، وعلى هذا الوجه ذكر الزمخشري أيضا أن الابتداء يفيد ~~الاختصاص قال: " أي هم المخصوصون بالخسران العظيم دون أتباعه، وقد تقدم ~~موضحا ". # قوله: { كأن لم يغنوا فيها } يغنون: بمعنى يقيمون يقال: ~~غني بالمكان يغنى فيه أي: أقام دهرا طويلا، والمغاني المنازل التي ~~كانوا فيها واحدها مغنى، وقيده بعضهم بالإقامة في عيش رغد، فهو أخص ~~من مطلق الإقامة؛ قال الأسود بن يعفر: [الكامل] # 2526 - ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة # في ظل ملك ثابت الأوتاد # وقيل: معنى الآية هنا من الغنى الذي هو ضد الفقر، قاله الزجاج وابن ~~الأنباري وتابعهما ابن عطية؛ وأنشدوا: [الطويل] # 2527 - غنينا زمانا بالتصعلك والغنى # [كما الدهر في أيامه العسر واليسر] # كسبنا صروف الدهر لينا وغلظة # وكلا سقاناه بكأسهما الدهر # قالوا: معناه استغنينا ورضينا، فمعنى { كأن لم يغنوا فيها } كأن لم ~~يعيشوا فيها مستغنين. # قال ابن الخطيب: فعلى هذا التفسير شبه الله - تعالى - حال هؤلاء ~~المكذبين بحال من من لم يكن قط في تلك الديار قال الشاعر: [الطويل] # 2528 - كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا # أنيس ولم يسمر بمكة سامر # بلى نحن كنا أهلها فأبادنا # صروف الليالي والحدود العواثر # وقدر الراغب غني بمعنى الإقامة بالمكان إلى معنى الغنى الذي هو ضد ~~الفقر ms4015 فقال: " وغني في مكان كذا إذا طال مقامه فيه مستغنيا به عن ~~غيره ". # قوله: { الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا } كرر ~~قوله: { الذين كذبوا شعيبا } تعظيما لذمهم وتعظيما لما يستحقون من ~~الجزاء، والعرب تكرر مثل هذا في التعظيم والتفخيم، فيقول الرجل لغيره: " ~~أخوك الذي ظلمنا، أخوك الذي أخذ أموالنا، أخوك الذي هتك أعراضنا " ، ~~ولما قال القوم: { لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون } بين الله - ~~تعالى - أن الذين لم يتبعوه وخافوه هم الخاسرون، وقد تقدم الكلام على ~~قوله: " فتولى عنهم " في أن التولي بعد نزول العذاب أو قبله. # قال الكلبي: " لم يعذب قوم نبي حتى أخرج من نبيهم ". # فصل في الدلالة من الآية # دلت الآية على أشياء: منها: أن ذلك العذاب إنما حدث بتخليق فاعل مختار ~~لا بتأثير الكواكب والطبيعة، وإلا لحصل في أتباع شعيب كما حصل للكفار. # [ومنها أنها تدل على أن ذلك الفاعل المختار عالم بجميع الجزئيات حتى ~~يمكن التمييز بين المطيع والعاصي]. # ومنها: أنها تدل على المعجز العظيم في حق شعيب - عليه السلام -؛ لأن ~~العذاب النازل من السماء لما وقع على قوم دون قوم مع كونهم مجموعين في ~~بلدة واحدة كان ذلك من أعظم المعجزات. ### || [7.93-94] # قوله: { فكيف آسى على قوم كافرين } " كيف " هنا مثل " ~~كيف " في: # كيف تكفرون # [البقرة: 28] وتقدم الكلام على " آسى " وبابه. # وقرأ ابن وثاب وابن مصرف والأعمش: " إيسى " بكسر الهمزة التي هي حرف ~~مضارعة، وتقدم أنها لغة بني أخيل في " الفاتحة " ، ولزم من ذلك قلب ~~الفاء بعدها ياء؛ لأن الأصل أأسى بهمزتين. # والأسى: شدة الحزن قال العجاج: [الرجز] # 2529 - وانحلبت عيناه من فرط الأسى # والأسى: الصبر. # وفي المعنى قولان: # الأول: أنه اشتد حزنه على قومه، لأنهم كانوا كثيرين، وكان يتوقع منهم ~~الإيمان، فلما نزل بهم الهلاك العظيم حصل في قلبه من جهة القرابة ~~والمجاورة وطول الألفة حزن، ثم عزى نفسه وقال: { كيف آسى على قوم كافرين ~~} ، لأنهم هم الذين أهلكوا أنفسهم بإصرارهم على الكفر. # الثاني: أن المعنى: لقد أعذرت إليكم في الإبلاغ والنصيحة ~~والتحذير ms4016 مما حل بكم؛ فلم تسمعوا قولي، ولم تقبلوا نصيحتي ~~" فكيف آسى عليكم " ، بمعنى أنكم لستم مستحقين بأن آسى ~~عليكم. # قوله تعالى: { ومآ أرسلنا في قرية من نبي } الآية. # لما عرفنا أحوال هؤلاء الأنبياء، وما جرى على أممهم كان من ~~الجائز أن يظن أنه تعالى ما أنزل عذاب الاستئصال إلا في زمن ~~هؤلاء الأنبياء فقط؛ فبين في هذه الآية أن هذا الهلاك قد ~~فعله بغيرهم، وبين العلة التي فعل بها ذلك فقال: { ومآ ~~أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها ~~بالبأسآء والضرآء } ، وفيه حذف وإضمار وتقديره: " من نبي ~~فكذبوه، أو فكذبه أهلها ". وذكر القرية؛ لأنها مجتمع القوم، ~~ويدخل تحت هذه اللفظة المدينة؛ لأنها مجتمع الأقوام. # قوله: " إلا أخذنا " هذا استثناء مفرغ، و " أخذنا " في ~~محل نصب [على الحال] والتقدير: وما أرسلنا إلا آخذين ~~أهلها، والفعل الماضي لا يقع بعد " إلا " إلا بأحد شرطين: إما ~~تقدم فعل كهذه الآية، وإما أن يصحب " قد " نحو: ما زيد إلا قد ~~قام، فلو فقد الشرطان امتنع فلا يجوز: ما زيد إلا قام. # قوله: " بالبأساء والضراء ". # قال الزجاج: " البأساء: كل ما ينالهم من الشدة في ~~أحوالهم، والضراء: ما ينالهم من الأمراض ". # وقيل: " على العكس ". # وقال ابن مسعود: " البأساء: الفقر، والضراء: المرض ". # وقيل: " البأساء في المال، والضراء في النفس ". # وقيل: " البأساء: البؤس، وضيق العيش، والضراء: الضر وسوء ~~الحال ". # وقيل: " البأساء: في الحزن والضراء: في الجدب ". # " لعلهم يضرعون " لكي يتضرعوا؛ فيتوبوا. ### || [7.95] # بين تعالى أن تدبيره في أهل القرى لا يجري على نمط واحد ~~وإنما يدبرهم بما يكون إلى الإيمان أقرب فقال: { ثم ~~بدلنا مكان السيئة الحسنة }؛ لأن ورود النعمة [في ~~البدن والمال] بعد البأساء والضراء يدعو إلى الانقياد، ~~والاشتغال بالشكر. # وفي " مكان " وجهان: # أظهرهما: أنه مفعول به لا ظرف، والمعنى: بدلنا مكان الحال ~~السيئة [الحال الحسنة]، فالحسنة هي المأخوذة الحاصلة ومكان ~~السيئة هو المتروك الذاهب، وهو الذي تصحبه " الباء " في مثل هذا ~~التركيب لو قيل في نظيره: بدلت زيدا بعمرو، فزيد هو المأخوذ، ~~وعمرو المتروك، وقد ms4017 تقدم تحقيق هذا في البقرة في موضعين: # أولهما: # فبدل الذين ظلموا # [البقرة: 59]. # والثاني: # ومن يبدل نعمة الله # [البقرة: 211]. # ف " مكان " و " الحسنة " مفعولان إلا أن أحدهما وصل إليه ~~الفعل بنفسه [وهو " الحسنة " ]، والآخر بحذف حرف الجر وهو " ~~مكان ". # والثاني: أنه منصوب على الظرف، والتقدير: " ثم ~~بدلنا [في] مكان السيئة الحسنة " إلا أن هذا ينبغي أن ~~يرد؛ لأن " بدل " لا بد له من مفعولين أحدهما على إسقاط ~~الباء. # والمراد بالحسنة والسيئة هاهنا: الشدة والرخاء. # قال أهل اللغة: " السيئة: كل ما يسوء صاحبه، ~~والحسنة: كل ما استحسنه الطبع والعقل ". # قوله: " حتى عفوا " " حتى " هنا غائية، وتقدير من قدرها ب " ~~إلى " فإنما يريد تفسير المعنى لا الإعراب؛ لأن حتى الجارة ~~لا تباشر إلا المضارع المنصوب بإضمار " أن "؛ لأنها في ~~التقدير داخلة على المصدر المنسبك منها، ومن الفعل، [وأما ~~الماضي] فلا يطرد حذف " أن " معه، فلا يقدر معه أنها حرف جر ~~داخلة على أن المصدرية، أي: حتى أن عفوا، وهذا الذي ينبغي أن يحمل ~~عليه قول أبي البقاء: " حتى عفوا أي: إلى أن عفوا ". # ومعنى " عفوا " هنا كثروا من عفا الشعر إذا كثر، ومنه: " ~~وأعفوا اللحى " يقال: عفاه، وأعفاه ثلاثيا ورباعيا؛ قال ~~زهير: [الوافر] # 2530 - أذلك أم أقب البطن جأب # عليه من عقيقته عفاء # وفي الحديث: " إذا عفا الوبر وبرأ الدبر فقد حلت ~~العمرة لمن اعتمر "؛ وأنشد الزمخشري على ذلك قول ~~الحطيئة: [الطويل] # 2531 - بمستأسد القربان عاف نباته # ..................... # وقول لبيد: [الوافر] # 2532 - ولكنا نعض السيف منها # بأسوق عافيات الشحم كوم # وتقدم تحقيق هذه المادة في البقرة. # فصل في المراد من الآية # ومعنى الآية أن الله - تعالى - أبدلهم مكان الباساء والضراء الحسنة، ~~وهي النعمة والسعة والخصب والصحة. # " حتى عفوا " كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم، وقالوا من غرتهم وغفلتهم: { ~~قد مس آبآءنا الضراء والسراء } ، أي: هكذا كانت عادة ~~الدهر قديما لنا ولآبائنا، ولم يكن ذلك عقوبة من الله، فكونوا ~~على ما أنتم عليه كما كان آباؤكم، فإنهم لم يتركوا دينهم لما ~~أصابهم من الضراء. # قوله: " فأخذناهم ". # قال ms4018 أبو البقاء: " هو عطف على " عفوا ". يريد: وما عطف عليه ~~أيضا، أعني أن الأخذ ليس متسببا عن العفاء فقط، بل عليه وعلى ~~قولهم تلك المقالة الجاهلية؛ لأن المعنى ليس أنه لمجرد ~~كثرتهم، ونمو أموالهم أخذهم بغتة بل بمجموع الأمرين، بل ~~الظاهر أنه بقولهم ذلك فقط ". # و " بغتة " إما حالا أو مصدرا، والبغتة الفجاءة، { ~~وهم لا يشعرون } حال أيضا وهي في قوة المؤكدة؛ لأن " ~~بغتة " تفيد إفادتها، سواء أعربنا " بغتة " حالا أم مصدرا. # واعلم أن الحكمة في حكاية هذا المعنى ليعتبر من سمع هذه القصة. ### || [7.96-98] # لما بين أن الذين عصوا وتمردوا؛ أخذهم بغتة بين في ~~هذه الآية أنهم لو أطاعوا فتح عليهم أبواب الخيرات، وقد تقدم ~~أن ابن عامر يقرأ: " لفتحنا " بالتشديد ووافقه هنا عيسى بن ~~عمر الثقفي، وأبو عبد الرحمن السلمي. # وأصل البركة المواظبة على الشيء، أي تابعنا عليهم المطر والمراد ب ~~" بركات السماء " المطر، وب " بركات الأرض " النبات ~~والثمار وكثرة المواشي والأمن والسلامة، وذلك لأن السماء تجري ~~مجرى الأب، والأرض تجري مجرى الأم، ومنهما يحصل المنافع، ~~والخيرات بخلق الله تعالى تدبيره. # ثم قال: { ولكن كذبوا فأخذناهم } بالجدب والقحط { ~~بما كانوا يكسبون } من الكفر والمعصية، ثم إنه تعالى ~~أعاد التهديد بعذاب الاستئصال فقال: { أفأمن أهل ~~القرى } يعني " مكة " وما حولها { أن يأتيهم بأسنا } أي: ~~العذاب، وهذا استفهام بمعنى الإنكار، خوفهم الله - تعالى - بنزول ~~العذاب عليهم في وقت غفلتهم، وهو حال النوم بالليل، وحال ~~الضحى بالنهار؛ لأنه وقت اشتغال المرء باللذات. # وقوله: " وهم يلعبون " يحتمل التشاغل بأمور الدنيا فهي ~~لعب ولهو، ويحتمل في كفرهم؛ لأنه كاللعب في أنه يضر ~~ولا ينفع. # قوله: " أفأمن ". # قال الزمخشري: " فإن قلت: ما المعطوف عليه، ولم عطفت الأولى ~~بالفاء والثانية بالواو؟. # قلت: المعطوف عليه قوله: " فأخذناهم بغتة " ، [وقوله: { ~~ولو أن أهل القرى } إلى: " يكسبون " وقع اعتراضا بين ~~المعطوف والمعطوف عليه وإنما عطفت بالفاء؛ لأن المعنى: " فعلوا ~~وصنعوا فأخذناهم بغتة، أبعد ذلك] أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ~~بياتا أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ms4019 ضحى ". # قال أبو حيان: وهذا الذي ذكره رجوع عن مذهبه في مثل ذلك إلى ~~مذهب الجماعة، وذلك أن مذهبه في الهمزة المصدرة على حرف العطف ~~تقدير معطوف عليه بين الهمزة وحرف العطف، ومذهب الجماعة أن حرف ~~العطف في نية التقدم، وإنما تأخر وتقدمت عليه همزة ~~الاستفهام لقوة تصدرها في أول الكلام ". وقد تقدم تحقيقه، ~~والزمخشري هنا لم يقدر بينهما معطوفا عليه، بل جعل ما بعد ~~الفاء معطوفا على ما قبلها من الجمل، وهو قوله: " فأخذناهم ~~بغتة ". # قوله: " بياتا " تقدم أول السورة أنه يجوز أن يكون حالا، ~~وأن يكون ظرفا. # وقوله: " وهم نائمون " جملة حالية، والظاهر أنها حال من ~~الضمير المستتر في " بياتا "؛ لأنه يتحمل ضميرا لوقوعه ~~حالا، فيكون الحالان متداخلين. # قوله: " ضحى " منصوب على الظرف الزماني، ويكون متصرفا وغير ~~متصرف، [فالمتصرف] ما لم يرد به وقته من يوم بعينه نحو: " ضحاك ~~ضحى مبارك ". # فإن قلت: " أتيتك يوم الجمعة ضحى " فهذا لا يتصرف، بل ~~يلزم النصب على الظرفية، وهذه العبارة أحسن من عبارة ~~أبي حيان حيث قال: " ظرف متصرف إذا كان نكرة، وغير متصرف إذا ~~كان من يوم بعينه "؛ لأنه توهم [متى] كان معرفة بأي نوع كان من ~~أنواع التعريف فإنه لا يتصرف، وليس الأمر كذلك قال تعالى: # والضحى # [الضحى: 1] فاستعمله مجرورا بالقسم مع أنه معرف بأل، وقال تعالى: # والشمس وضحاها # [الشمس: 1] جره بحرف القسم أيضا مع أنه معرف بالإضافة، وهو ~~امتداد الشمس وامتداد النهار. # ويقال: ضحى، وضحاء، إذا ضممت قصرت، وإذا فتحت مددت. # وقال بعضهم: الضحى بالضم والقسر لأول ارتفاع الشمس والضحاء بالفتح ~~والمد لقوة ارتفاعها قبل الزوال. # والضحى مؤنث، وشذوا في تصغيره على " ضحي " بدون تاء ~~كعريب وأخواتها، والضحاء أيضا طعام الضحى كالغداء طعام ~~وقت الغدوة يقال منهما: تضحى ضحاء وتغدى غداء. ~~وضحي يضحى إذا برز للشمس وقت الضحى، ثم عبر به عن ~~إصابة الشمس مطلقا، ومنه قوله: # ولا تضحى # [طه: 119] [أي]: لا تبرز للشمس. # ويقال: ليلة أضحيانة بضم الهمزة، وضحياء بالمد أي: مضيئة ~~إضاءة الضحى، والأضحية وجمعها: أضاح، ms4020 والضحية وجمعها ~~ضحايا، والأضحاة وجمعها أضحى هي المذبوح يوم النحر، سميت ~~بذلك لذبحها ذلك الوقت لقوله عليه الصلاة والسلام: # " من ذبح قبل صلاتنا هذه فليعد ". # وضواحي الشيء نواحيه البارزة. # قوله: " وهم يلعبون " حال، وهذا يقوي أن " بياتا " ظرف ~~لا حال، لتتطابق الجملتان فيصير في كل منهما وقت وحال، وأتى [بالحال] ~~الأولى متضمنة لاسم فاعل؛ لأنه يدل على ثبات واستقرار وهو ~~مناسب للنوم، وبالثانية متضمنة لفعل؛ لأنه يدل على ~~التجدد والحدوث وهو مناسب للعب والهزل. # قال النحاس: " وفي الصحاح: اللعب معروف، واللعب مثله، ~~وقد لعب يلعب، ويلعب مرة بعد أخرى، ورجل تلعابة: كثير ~~اللعب والتلعاب بالفتح المصدر، وجارته لعوب ". # وقرأ نافع وابن عامر وابن كثير " أو " بسكون الواو والباقون بفتحها، ~~ففي القراءة الأولى تكون " أو " بجملتها حرف عطف ومعناها حينئذ التقسيم. # قال ابن الخطيب: تستعمل على ضربين: # أحدهما: أن تكون بمعنى أحد الشيئين كقوله: زيد أو عمرو جاءك، ~~والمعنى: أحدهما جاء. # والثاني: أن تكون للإضراب عما قبلها كقولك: " أنا أخرج " ثم ~~تقول: " أو أقيم " أضربت عن الخروج وأثبت الإقامة، كأنك قلت: لا بل ~~أقيم، فوجه هذه القراءة أنه جعل " أو " للإضراب، لا على أنه أبطل ~~الأول. # وزعم بعضهم أنها للإباحة والتخيير، وليس بظاهر. # وفي القراءة الثانية هي واو العطف دخلت عليها همزة الاستفهام ~~مقدمة عليها لفظا، وإن كانت بعدها تقديرا عند الجمهور. # وقد عرف مذهب الزمخشري في ذلك، ومعنى الاستفهام هنا: ~~التوبيخ، والتقريع. # وقال أبو شامة وغيره: " إنه بمعنى النفي ". # وكررت الجملة في قوله تعالى: { أو أمن أهل }: " أفأمنوا " ~~توكيدا لذلك، وأتي في الجملة الثانية بالاسم ظاهرا، وحقه أن ~~يضمر مبالغة في التوكيد. ### || [7.99] # ومعنى: " مكر الله " أي إضافة المخلوق إلى الخالق كقولهم: ناقة ~~الله، وبيت الله، والمراد به فعل يعاقب به الكفرة، وأضيف إلى الله ~~لما كان عقوبة الذنب، فإن العرب تسمي العقوبة على أي جهة كانت ~~باسم الذنب الذي وقعت عليه العقوبة. # قال ابن عطية: " وهو تأويل حسن ". # وقال البغوي: " مكر الله: استدراجه إياهم بما أنعم ~~عليهم في دنياهم ms4021 ". # وقد تقدم في آل عمران في قوله: # ومكروا ومكر الله # [الآية: 54] أنه من باب المقابلة أيضا. # و " الفاء " في قوله: " فلا يأمن " للتنبيه على أن العذاب ~~يعقب أمن مكر الله. # قال ابن الخطيب: " وقوله: " مكر الله " المراد أن يأتيهم ~~عذابه من حيث لا يشعرون، قاله على وجه التحذير، وسمى هذا ~~العذاب مكرا توسعا؛ لأن الواحد منا إذا أراد المكر بصاحبه ~~فإنه يوقعه في البلاء من حيث لا يشعر ". ### || [7.100] # قوله تعالى: { أولم يهد } يريد كبراء مكة. # قرأ الجمهور: " يهد " بالياء من تحت، وفي فاعله حينئذ ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنه المصدر المؤول من " أن " وما في حيزها، والمفعول ~~محذوف، والتقدير: أو لم يهد أي يبين ويوضح للوارثين مآلهم وعاقبة ~~أمرهم، وإصابتنا إياهم بذنوبهم لو شئنا ذلك، فقد سبكنا المصدر من " ~~أن " ومن جواب لو. # والثاني: أن الفاعل هو ضمير الله تعالى، أي: أو لم يبين الله ~~ويؤيده قراءة من قرأ " نهد " بالنون. # الثالث: أنه ضمير عائد على ما يفهم من سياق الكلام، أي: أو لم يهد ~~ما جرى للأمم السالفة كقولهم: إذا كان غدا فأتني أي: إذا كان ~~ما بيني وبينك مما دل عليه السياق. # وعلى هذين الوجهين، ف " أن " وما في حيزها بتأويل مصدر كما تقدم ~~في محل المفعول والتقدير: أو لم يبين ويوضح الله أو ما جرى لأمم ~~إصابتنا إياهم بذنوبهم أي: بعقاب ذنوبهم لو شئنا ذلك. # وقرأ مجاهد وقتادة ويعقوب: " نهد " بنون العظمة و " أن " ~~مفعول فقط، و " أن " هي المخففة من الثقيلة و " لو " فاصلة ~~بينها وبين الفعل، وقد تقدم أن الفصل بها قليل. # و " نشاء " وإن كان مضارعا لفظا فهو ماض معنى؛ لأن " لو " ~~الامتناعية تخلص المضارع للمضي. # وفي كلام ابن الأنباري خلافه، فإنه قال في " ونطبع ": هذا ~~فعل مستأنف ومنقطع مما قبله؛ لأن قوله: " أصبنا " ماض و " نطبع ~~" مستقبل ثم قال: ويجوز أن يكون معطوفا على " أصبنا " إذ كان بمعنى ~~نصيب، والمعنى: " لو يشاء يصيبهم ويطبع " ، فوضع الماضي موضع ~~المستقبل عند وضوح معنى الاستقبال كقوله ms4022 تعالى: # إن شآء جعل لك # [الفرقان: 10] [أي:] يجعل، بدليل قوله: " ويجعل لك " ، وهذا ~~ظاهر قوي في أن " لو " هذه لا تخلص المضارع للمضي، وتنظيره ~~بالآية الأخرى مقو له أيضا، وسيأتي تحقيق ذلك عند قوله: " ~~ونطبع " # وقال الفراء: وجاز أن ترد " يفعل " [على فعل] في جواب " لو ~~" كقوله: # ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم ~~بالخير لقضي إليهم أجلهم فنذر # [يونس: 11] فقوله: " فنذر " مردود على " لقضى " ، وهذا قول ~~الجمهور، ومفعول " يشاء " محذوف لدلالة جواب " لو " عليه، ~~والتقدير: لو يشاء تعذيبهم، أو الانتقام منهم. # وأتى جوابها بغير لام، وإن كان مبنيا على أحد الجائزين وإن كان الأكثر ~~خلافه، كقوله تعالى: # لو نشآء جعلناه أجاجا # [الواقعة: 70]. # قوله: " ونطبع " في هذه الجملة أوجه: # أحدها: أنها نسق على " أصبناهم " وجاز عطف المضارع على الماضي؛ ~~لأنه بمعناه، وقد تقدم أن " لو " تخلص المضارع للمضي، ولما ~~حكى أبو حيان كلام ابن الأنباري المتقدم قال: " فجعل " لو " ~~شرطية بمعنى " إن " ولم يجعلها التي هي لما كان سيقع لوقوع غيره، ~~ولذلك جعل " أصبنا " بمعنى نصيب. # ومثال وقوع " لو " بمعنى " إن " قوله: [الكامل] # 2533 - لا يلفك الراجيك إلا مظهرا # خلق الكرام ولو تكون عديما # وهذا الذي قاله ابن الأنباري رده الزمخشري من حيث المعنى، لكن ~~بتقدير: أن يكون " ونطبع " بمعنى " طبعنا " فيكون قد عطف المضارع ~~على الماضي لكونه بمعنى الماضي وابن الأنباري جعل التأويل في " ~~أصبنا " الذي هو جواب " لو نشاء " فجعله بمعنى " نصيب " ~~فتأول المعطوف عليه وهو الجواب، ورده إلى المستقبل، والزمخشري ~~تأول المعطوف ورده إلى المضي وأنتج رد الزمخشري أن كلا ~~التقديرين لا يصح ". # قال الزمخشري: " فإن قلت: هل يجوز أن يكون " ونطبع " بمعنى " ~~طبعنا " كما كان " لو نشاء " بمعنى " لو شئنا " ويعطف على ~~" أصبناهم "؟ # قلت: لا يساعد على المعنى؛ لأن القوم كانوا مطبوعا على قلوبهم، ~~موصوفين بصفة من قبلهم من اقتراف الذنوب والإصابة بها، وهذا ~~التفسير يؤدي إلى خلوهم من هذه الصفة، وأن الله لو شاء ~~لاتصفوا بها ". # قال أبو حيان: " وهذا الرد ظاهر الصحة، وملخصه: أن ~~المعطوف ms4023 على الجواب جواب، سواء تأولنا المعطوف عليه أم المعطوف، ~~وجواب " لو " لم يقع بعد، سواء كانت حرفا لما كان سيقع لوقوع غيره ~~أم بمعنى " إن " الشرطية، والإصابة لم تقع، والطبع على القلوب ~~واقع، فلا يصح أن تعطف على الجواب. فإن تؤول " ونطبع " على ~~معنى: ونستمر على الطبع على قلوبهم، أمكن التعاطف؛ لأن ~~الاستمرار لم يقع بعد، وإن كان الطبع قد وقع ". # قال شهاب الدين: " فهذا الوجه الأول ممتنع لما ذكره الزمخشري ~~". # ونقل ابن الخطيب عن الزمخشري أنه قال: " ولا يجوز أن يكون ~~معطوفا على " أصبناهم "؛ لأنهم كانوا كفارا، إذ كل كافر ~~فهو مطبوع على قلبه، فقوله بعد ذلك: { ونطبع على قلوبهم ~~} يجري مجرى تحصيل الحاصل وهو محال ". # قال ابن الخطيب: " وهذا ضعيف؛ لأن كونه مطبوعا عليه في الكفر لم ~~يكن هذا منافيا لصحة العطف ". # الوجه الثاني: أن يكون " نطبع " مستأنفا، ومنقطعا عما قبله فهو ~~في نية خبر مبتدأ محذوف أي: ونحن نطبع. # وهذا اختيار الزجاج والزمخشري وجماعة. # الثالث: أن يكون معطوفا على " يرثون الأرض " قاله ~~الزمخشري. # قال أبو حيان: " وهو خطأ؛ لأن المعطوف على الصلة صلة، و " ~~يرثون " صلة ل " الذين "؛ فيلزم الفصل بين أبعاض الصلة ~~بأجنبي، فإن قوله: { أن لو نشآء } إما فاعل ل " يهد " أو ~~مفعوله كما تقدم وعلى كلا التقديرين فلا تعلق له بشيء من الصلة، وهو ~~أجنبي منها، فلا يفصل به بين أبعاضها، وهذا الوجه مؤد إلى ذلك فهو ~~خطأ ". # الرابع: أن يكون معطوفا على ما دل عليه معنى { أو لم يهد ~~لهم } كأنه قيل: يغفلون عن الهداية، ونطبع على قلوبهم قاله ~~الزمخشري أيضا. # قال أبو حيان: وهو ضعيف؛ لأنه إضمار لا يحتاج إليه، إذ قد صح ~~عطفه على الاستئناف من باب العطف على الجمل، فهو معطوف على ~~مجموع الجملة المصدرة بأداة الاستفهام، وقد قاله الزمخشري ~~وغيره. # وقوله: { فهم لا يسمعون } أتى ب " الفاء " هنا إيذانا بتعقيب ~~عدم سماعهم على أثر الطبع على قلوبهم. # فصل في بيان أنه تعالى قد يمنع العبد من الإيمان # استدل أهل ms4024 السنة بقوله تعالى: { ونطبع على قلوبهم ~~فهم لا يسمعون } على أنه تعالى قد يمنع البعد من الإيمان، ~~والطبع والختم والرين والغشاوة والصد والمنع واحد على ما ~~تقدم. # قال الجبائي: المراد من هذا الطبع أنه تعالى يسم قلوب الكفار ~~بسمات وعلامات تعرف الملائكة بها أن صاحبها لا يؤمن، وتلك العلامة ~~غير مانعة من الإيمان. # وقال الكعبي: إنما أضاف الطبع إلى نفسه، لأجل أن القوم ~~إنما صاروا إلى ذلك الكفر عند أمره وامتحانه، فهو كقوله تعالى: # فلم يزدهم دعآئي إلا فرارا # [نوح: 6] وقد تقدم البحث في مثل ذلك. ### || [7.101] # قوله تعالى: { تلك القرى نقص عليك }. # قال الزمخشري: كقوله: # وهذا بعلي شيخا # [هود: 72] في كونه مبتدأ وخبرا وحالا يعني أن " تلك " مبتدأ مشار ~~بها إلى ما بعدها، و " القرى " خبرها، و " نقص " حال أي قاصين ~~كقوله: # فتلك بيوتهم خاوية # [النمل: 52]. # قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى " تلك القرى " حتى يكون كلاما ~~مفيدا؟ # قلت: هو مفيد ولكن بالصفة في قولك: " هو الرجل الكريم " يعني ~~أن الحال هنا لازمه ليفيد التركيب كما تلزم الصفة في قولك: " هو ~~الرجل الكريم " ألا ترى أنك لو اقتصرت على " هو الرجل " لم ~~يكن مفيدا، ويجوز أن تكون " القرى " صفة لتلك، و " نقص " الخبر، ~~ويجوز أن يكون " نقص " خبرا بعد خبر. # و " نقص " يجوز أن يكون على حاله من الاستقبال أي: قد قصصنا عليك من ~~أبنائها ونحن نقص عليك أيضا بعض أبنائها [ويجوز أن يكون عبر به ~~عن الماضي، أي: قد قصصنا عليك من أبنائها] وأشير بالبعد تنبيها ~~على بعد هلاكها وتقادمه عن زمن الإخبار فهو من الغيب، وأراد القصص ~~المتقدمة. # وفي قوله: " القرى " ب " أل " تعظيم كقوله تعالى: # ذلك الكتاب # [البقرة: 22]، وقول الرسول - عليه الصلاة والسلام: # " أولئك الملأ من قريش " # ، وقول أمية: [البسيط] # 2534 - تلك المكارم لا قعبان من لبن # شيبا بماء فعادا بعد أبوالا # و " من " للتبعيض كما تقدم؛ لأنه إنما قص عليه - عليه الصلاة ~~والسلام - ما فيه عظة وانزجار دون غيرهما، وإنما قص أنباء أهل ~~القرى؛ لأنهم ms4025 اغتروا بطول الإمهال مع كثرة النعم فتوهموا أنهم على ~~الحق، فذكرها الله - تعالى - لقوم محمد - عليه الصلاة والسلام - ~~ليحترزوا عن مثل تلك الأعمال، ثم قال: { ولقد جآءتهم رسلهم ~~بالبينات }. # قوله: { فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا } الظاهر ~~أن الضمائر عائدة على أهل القرى. # وقال يمان بن رئاب: إن الضميرين الأولين لأهل القرى، والضمير في ~~" كذبوا " لأسلافهم. وكذا جوزه ابن عطية أيضا أي: " فما كان ~~الأبناء ليؤمنوا بما كذب به الآباء " ، وقد تقدم الكلام على لام ~~الجحود، وأن نفي الفعل معها أبلغ. # و " ما " موصولة اسمية، وعائدها محذوف؛ لأنه منصوب متصل أي: ~~بما كذبوه [ولا يجوز أن يقدر به وإن كان الموصول مجرورا بالباء أيضا ~~لاختلاف المتعلق، وقال هنا " بما كذبوا " ] فلم يذكر متعلق التكذيب، وفي ~~" يونس " ذكره فقال: # بما كذبوا به # [يونس: 74]، والفرق أنه لما حذفه في قوله: # ولكن كذبوا # [الأعراف: 96] أستمر حذفه بعد ذلك، وأما في يونس فقد أبرزه في قوله: # فكذبوه فنجيناه # [يونس 74]. # كذبوا بآياتنا # [يونس: 73] فناسب ذكره موافقة قال معناه الكرماني. # فصل في معنى " ما كانوا ليؤمنوا " # قال ابن عباس والسدي: " فما كان أولئك الكفار ليؤمنوا عن إرسالي ~~بما كذبوا به يوم أخذنا ميثاقهم حين أخرجوا من ظهر آدم فآمنوا كرها ~~وأقروا باللسان وأضمروا التكذيب ". # وقال الزجاج: " فما كانوا ليؤمنوا بعد رؤية تلك المعجزات بما ~~كذبوا قبل رؤية المعجزات ". # وقيل: معناه ما كانوا لو أحييناهم بعد إهلاكهم ورددناهم في دار التكليف ~~ليؤمنوا بما كذبوا به قبل إهلاكهم، ونظيره قوله تعالى: # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه # [الأنعام: 28]. # [وقيل: إنه قبل مجيء الرسول كانوا مصرين على الكفر فهؤلاء ما كانوا ~~ليؤمنوا بعد مجيء الرسل] وقيل: ليؤمنوا في الزمان المستقبل # قوله: { كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين }. # قال الزجاج: والكاف في " كذلك " في محل نصب [أي: مثل ذلك الطبع ~~على قلوب أهل القرى المنتفي عنهم الإيمان يطبع الله على قلوب الكفرة ~~الجانين]. ### || [7.102] # قوله: " لأكثرهم " فيه وجوه: # الظاهر أنه متعلق بالوجدان كقولك: ما وجدت له مالا أي: ما ~~صادفت له ms4026 مالا ولا لقيته. # الثاني: أن يكون حالا من " عهد "؛ لأنه في الأصل صفة نكرة فلما ~~قدم عليها نصب على الحال، والأصل: ما وجدنا عهدا لأكثرهم، وهذا ما ~~لم يذكر أبو البقاء غيره. # وعلى هذين الوجهين ف " وجد " متعدية لواحد وهو " من عهد " ، و ~~" من " مزيدة فيه لوجود الشرطين. # الثالث: أنه في محل نصب مفعولا ثانيا لوجد إذ هي بمعنى علمية، ~~والمفعول هو " من عهد ". وقد يترجح هذا بأن " وجد " الثانية ~~علمية لا وجدانية بمعنى الإصابة، وسيأتي دليل ذلك. وإذا تقرر هذا ~~فينبغي أن تكون الأولى كذلك مطابقة للكلام ومناسبة له، ومن يرجح الأول ~~يقول: إن الأولى لمعنى، والثانية لمعنى آخر. # فصل في معنى الآية # قال ابن عباس: يريد: وما وجدنا لأكثرهم من عهد، الوفاء بالعهد الذي ~~عاهدهم عليه وهم في صلب آدم حيث قال: # ألست بربكم قالوا بلى # [الأعراف: 172]. # وقال ابن مسعود: " المراد بالمعهد هاهنا الإيمان، لقوله تعالى: # إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا # [مريم: 87] أي قال: لا إله إلا الله ". # وقيل: المراد بالعهد وضع الأدلة على صحة التوحيد والنبوة ~~[تقديره:] وما وجدنا لأكثرهم من الوفاء بالعهد. # قوله: " وإن وجدنا " " إن " هذه هي المخففة وليس هنا عاملة ~~لمباشرتها الفعل فزال اختصاصها المقتضي لإعمالها. # وقال الزمخشري: " وإن الشأن والحديث وجدنا ". # فظاهر هذه العبارة أنها معملة، وأن اسمها ضمير الأمر ~~والشأن، وقد صرح أبو البقاء هنا بأنها معملة، وأن اسمها محذوف، ~~إلا أنه لم يقدره ضمير الحديث بل غيره فقال: " واسمها محذوف أي: ~~إنا وجدنا ". وهذا مذهب النحويين أعني اعتقاد إعمال المخفف من ~~هذه الحروف في " أن " المفتوحة على الصحيح، وفي " كأن " التشبيهية، ~~وأما " إن " المخففة المكسورة فلا. وقد تقدم إيضاحه. # ووجدنا هنا متعدية لاثنين أولهما " أكثرهم " ، والثاني " لفاسقين " ~~، قال الزمخشري: والوجود بمعنى العلم من قولك: وجدت زيدا ذا الحفاظ ~~بدليل دخول " إن " المخففة، واللام الفارقة ولا يسوغ ذلك إلا في ~~المبتدأ والخبر والأفعال الداخلة عليهما يعني أنها مختصة بالابتداء، ~~وبالأفعال الناسخة له، وهذا مذهب الجمهور، وقد تقدم الخلاف عن ~~الأخفش أنه ms4027 يجوز على غيرها، وتقدم دليله على ذلك، واللام ~~فارقة وقيل: هي عوض من التشديد. # قال مكي: " ولزمت اللام في خبرها عوضا من التشديد والمحذوف ~~الأول " ، وقد تقدم أن بعض الكوفيين يجعلون " إن " نافية، ~~واللام بمعنى " إلا " في قوله تعالى: # وإن كانت لكبيرة # [البقرة: 143]. # ومعنى فاسقين خارجين عن الطاعة، مارقين عن الدين، وقيل: ناقضين ~~العهد. # وقوله: " لأكثرهم " ، و " أكثرهم " ، و " من بعدهم ": إن جعلنا ~~هذه الضمائر كلها للأمم السالفة فلا اعتراض، وإن جعلنا ~~الضمير في " لأكثرهم " و " أكثرهم " لعموم الناس والضمير في ~~" من بعدهم " للأمم السالفة كانت هذه الجملة - أعني ما وجدنا - ~~اعتراضا كذلك قاله الزمخشري، وفيه نظر؛ لأنه إذا كان الأول ~~عاما ثم ذكر شيء يندرج فيه ما بعده وما قبله كيف يجعل ذلك العام ~~معترضا بين الخاصين. # وأيضا، فالنحويون إنما يعرفون الاعتراض فيما اعترض به بين ~~متلازمين، إلا أن أهل البيان عندهم الاعتراض أعم من ذلك، حتى إذا ~~أتي بشيء بين شيئين مذكورين في قصة واحدة سموه اعتراضا. ### || [7.103] # اعلم أن الكناية في قوله: " من بعدهم " يجوز أن تعود إلى ~~الأنبياء الذين جرى ذكرهم وهم: نوح، وصالح، وشعيب وهود ويجوز أن تعود ~~إلى الأمم الذين تقدم إهلاكهم. # وقوله: " بآياتنا " أي بأدلتنا ومعجزاتنا، وهذا يدل على أن ~~النبي لا بد له من آية ومعجزة يتميز بها عن غيره، وإلا لم يكن قوله أولى ~~من قول غيره. # قال ابن عباس: أول آياته العصا ثم اليد، ضرب بالعصا باب فرعون ~~ففزع منها فشاب رأسه، فاستحيا فخضب بالسواد، فهو أول من ~~خضب، قال: وآخر الآيات الطمس، قال: وللعصا فوائد: # منها ما هو مذكور في القرآن كقوله: # قال هي عصاي أتوكؤا عليها وأهش بها على ~~غنمي ولي فيها مآرب أخرى # [طه: 18]، وقوله: # اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة ~~عينا # [البقرة: 60]، # اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق ~~كالطود العظيم # [الشعراء: 63]. # وذكر ابن عباس أشياء أخرى: منها أنه كان يغرسها فتنبت كالثمر ~~وانقلابها ثعبانا وكان يحارب بها اللصوص والسباع التي كانت تقصد غنمه. # ومنها ms4028 أنها كانت تشتعل في الليل كالشمعة ومنها أنها كانت تصير ~~كالحبل الطويل فينزح الماء من البئر العميقة. # ومنها أنه كان يضرب بها الأرض فتنبت. # واعلم أن المذكور في القرآن معلوم، وأما المذكور في غير القرآن ~~فإن ورد في خبر صحيح فهو مقبول، وإلا فلا. قوله: " فظلموا بها " ~~يجوز أن يضمن " ظلموا " معنى " كفروا " فيتعدى بالياء كتعديته ~~ويؤيده # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]، ويجوز أن تكون " الباء " سببية والمفعول محذوف تقديره: ~~فظلموا أنفسهم وظلموا الناس بمعنى صدوهم عن الإيمان بسبب الآيات. # والظلم: وضع الشيء في غير موضعه فظلمهم: وضع الكفر موضع ~~الإيمان. # قوله: { فانظر كيف كان عاقبة } " كيف " خبر ل " كان " ~~مقدم عليها واجب التقديم؛ لأن له صدر الكلام، و " عاقبة " ~~اسمها وهذه الجملة الاستفهامية في محل نصب على إسقاط حرف الجر إذ ~~التقدير: فانظر إلى كذا، والمعنى: فانظر بعين عقلك كيف فعلنا ~~بالمفسدين. ### || [7.104-106] # كان يقال لملوك مصر الفراعنة، كما يقال لملوك فارس الأكاسرة، ~~فكأنه قال: يا ملك [مصر] وكان اسمه قابوس وقيل: الوليد بن مصعب ~~بن الريان. # وقوله: { رسول من رب العالمين } يدل على وجود الإله ~~تعالى، فإنه يدل على أن للعالم رب يربيه، وإله يوجده ويخلقه. # قوله: " حقيق " أي واجب { على أن لا أقول }. # قرأ العامة " على أن " ب " على " التي هي حرف جر داخلة على أن وما ~~في حيزها. # ونافع قرأ " علي " ب " على " التي هي حرف جر داخلة على ياء ~~المتكلم. # فأما قراءة العامة ففيها ستة أوجه، ذكر الزمخشري منها أربعة ~~أوجه: # قال رحمه الله: وفي المشهورة [إشكال]، ولا يخلو من وجوده: # أحدها: أن تكون مما قلب من الكلام كقوله: [الطويل] # 2535 -...................... # وتشقى الرماح بالضياطرة الحمر # معناه: وتشقى الضياطرة بالرماح. # قال أبو حيان: " وأصحابنا يخصون القلب بالضرورة، فينبغي أن ~~ينزه القرآن عنه ". وللناس فيه ثلاثة مذاهب: الجواز مطلقا، [المنع ~~مطلقا]، التفصيل: بين أن يفيد معنى بديعا فيجوز، أو لا فيمتنع، وقد ~~تقدم إيضاحه، وسيأتي منه أمثلة أخر في القرآن العظيم. # وعلى هذا الوجه تصير هذه القراءة ms4029 كقراءة نافع في المعنى، إذ ~~الأصل: قول الحق حقيق علي، فقلب اللفظ فصار: " أنا حقيق على قول ~~الحق ". # قال: " والثاني: أن ما لزمك فقد لزمته، فلما كان قول الحق حقيقا ~~عليه كان هو حقيقا على قول الحق أي لازما له ". # والثالث: أن يضمن حقيق معنى حريص كما ضمت " هيجني " معنى ذكرني في ~~البيت المذكور في كتاب سيبويه وهو قوله: [البسيط] # 2536 - إذا تغنى الحمام الورق هيجني # ولو تسليت عنها أم عمار # الرابع: أن تكون " على " بمعنى " الباء " ، وبهذا الوجه قال أبو الحسن ~~والفراء والفارسي، قالوا: إن " على " بمعنى الباء كما أن الباء بمعنى ~~" على " في قوله: # ولا تقعدوا بكل صراط # [الأعراف: 86] أي: على كل. # وقال الفراء: العرب تقول: رميت على القوس وبالقوس وجئت على حال ~~حسنة وبحال حسنة، وتؤيده قراءة أبي والأعمش " حقيق بأن لا أقول " إلا ~~أن الأخفش قال: " وليس ذلك بالمطرد لو قلت: " ذهبت على زيد " ~~تريد: " بزيد " لم يجز " ، وأيضا فلأن مذهب البصريين عدم التجوز ~~في الحروف. # الخامس: - وهو الأوجه والأدخل في نكت القرآن - أن يغرق موسى - عليه ~~الصلاة والسلام - [في وصف نفسه] بالصدق في ذلك المقام لا سيما وقد ~~روي أن فرعون - لعنه الله - لما قال موسى: إني رسول من رب ~~العالمين قال له: كذبت فيقول: أنا حقيق على قول الحق أي: واجب علي ~~قول الحق أن أكون أنا قائله والقائم به، ولا يرضى إلا بمثلي ناطقا ~~به. # قال أبو حيان: ولا يصح هذا الوجه إلا إن عنى أنه يكون " أن لا ~~أقول " صفة له كما تقول: أنا على قول الحق أي: طريقتي وعادتي قول ~~الحق. # السادس: أن تكون " على " متعلقة ب " رسول ". # قال ابن مقسم: حقيق من نعت " رسول " أي رسول حقيق من رب العالمين ~~أرسلت على ألا أقول على الله إلا الحق، وهذا معنى صحيح واضح، ~~وقد غفل أكثر المفسرين من أرباب اللغة عن تعليق " على " ب " رسول " ~~، ولم يخطر لهم تعليقه إلا ب " حقيق ". # قال أبو حيان: وكلامه فيه تناقض في الظاهر؛ لأنه ms4030 قدر ~~أولا العامل في " على " " أرسلت " وقال أخيرا: لأنهم غفلوا عن ~~تعليق " على " ب " رسول " ، فأما هذا الأخير فلا يجوز عند ~~البصريين؛ لأن رسولا قد وصف قبل أن يأخذ معموله، وذلك لا يجوز، ~~وأما تعليقه ب " أرسلت " مقدرا لدلالة لفظ " رسوله " عليه فهو ~~تقدير سائغ. # ويتأول كلامه أنه أراد بقوله تعلق " على " ب " رسول " أنه ~~لما كان دالا عليه صح نسبة التعلق له. # قال شهاب الدين: " وقال أبو شامة بعد ما ذكر هذا الوجه عن ابن ~~مقسم: والأوجه الأربعة التي للزمخشري ولكن هذه وجوه متعسفة، ~~وليس المعنى إلا على ما ذكرته أولا، يعني وجه ابن مقسم، وهذا فيه ~~الإشكال الذي ذكره الشيخ يعني أبا حيان يعني من إعمال اسم الفاعل أو ~~الجاري مجراه وهو موصوف ". # وأما قراءة نافع فواضحة وفيها ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون الكلام قد تم عند قوله: " حقيق " ، و " علي " خبر ~~مقدم، " ألا أقول " مبتدأ مؤخر، كأنه قيل: علي عدم قول غير ~~الحق أي: فلا أقول إلا الحق. # الثاني: أن يكون " حقيق " خبرا مقدما، و " ألا أقول " مبتدأ على ~~ما تقدم بيانه. # الثالث: " أن لا أقول " فاعل ب " حقيق " كأنه قيل: يحق ويجب أن ~~لا أقول، وهذا أغرب الوجوه لوضوحه لفظا ومعنى، وعلى الوجهين ~~الأخيرين تتعلق " علي " ب " حقيق " لأنك تقول: " حق عليه كذا ~~" قال تعالى: # أولئك الذين حق عليهم القول # [الأحقاف: 18]. وعلى الوجه الأول يتعلق بمحذوف على ما تقرر. # وأما رفع " حقيق " فقد تقدم أنه يجوز أن يكون خبرا مقدما، ~~ويجوز أن يكون صفة ل " رسول " ، وعلى هذا فيضعف أن يكون " من رب " ~~صفة لئلا يلزم تقديم الصفة غير الصريحة [على الصريحة]، فينبغي أن ~~يكون متعلقا بنفس " رسول " ، وتكون " من " لابتداء الغاية مجازا. # ويجوز أن يكون خبرا ثانيا. ويجوز أن يكون مبتدأ وما بعده الخبر على ~~قراءة من شدد الياء، وسوغ الابتداء بالنكرة حينئذ تعلق ~~الجار بها. # فقد تحصل في رفعه أربعة أوجه، وهل هو بمعنى فاعل، أو بمعنى مفعول؟ ~~الظاهر أنه يحتمل الأمرين مطلقا، أعني ms4031 على قراءة نافع ~~وقراءة غيره. # وقال الواحدي ناقلا عن غيره: إنه مع قراءة نافع محتمل ~~للأمرين، ومع قراءة العامة بمعنى مفعول فإنه قال: " وحقيقق على هذا ~~القراءة - يعني قراءة نافع - يجوز أن يكون بمعنى فاعل ". # قال شمر: " تقول العرب: حق علي أن أفعل كذا ". # وقال الليث: " حق الشيء معناه وجب، ويحق عليك أن تفعله، وحقيق ~~علي أن أفعله، فهذا بمعنى فاعل " ثم قال: وقال الليث: وحقيق ~~بمعنى مفعول، وعلى هذا تقول: فلان محقوق عليه أن يفعل. # قال الأعشى: [الطويل] # 2537 - لمحقوقة أن تستجيبي لصوته # وأن تعلمي أن المعان موفق # وقال جرير: [البسيط] # 2538 -........................... # قصر فإنك بالتقصير محقوق # ثم قال: " وحقيق على هذه القراءة - يعني قراءة العامة - بمعنى محقوق ~~" انتهى. # [وقرأ أبي " بأن لا أقول " وهذه تقوي أن " على " بمعنى الباء]. # وقرأ عبد الله والأعمش " ألا أقول " دون حرف جر، فاحتمل أن يكون ~~ذلك الجار " على " كما هو قراءة العامة، وأن يكون الجار الباء ~~كقراءة أبي المتقدمة. # والحق هو الثابت الدائم، والحقيق مبالغة فيه. # قوله: " إلا الحق " هذا استثناء مفرغ، و " الحق " يجوز أن ~~يكون مفعولا به، لأنه يتضمن معنى جملة، وأن يكون منصوبا على المصدر ~~أي: القول الحق. # قوله: { قد جئتكم ببينة من ربكم } يعني العصا ~~واليد { فأرسل معي بني إسرائيل } أي أطلق عنهم وخلهم ~~يرجعون إلى الأرض المقدسة، وكان فرعون قد استخدمهم في الأعمال ~~الشاقة، فقال فرعون مجيبا له: { قال إن كنت جئت بآية ~~فأت بهآ إن كنت من الصادقين } والمعنى: إن كنت جئت من ~~عند من أرسلك بآية؛ فأحضرها عندي لتصح دعواك. # فإن قيل قوله: { قال إن كنت جئت بآية فأت بهآ إن كنت ~~من الصادقين } جزاء واقع بين شرطين فكيف حمله؟ # والجواب: أن هذا نظير قولك: إن دخلت الدار فأنت طالق إن كلمت ~~زيدا، وهاهنا المؤخر في اللفظ يكون مقدما في المعنى؛ كما سبق تقريره. ### || [7.107] # لما طلب فرعون من موسى إقامة البينة على صحة دعواه، بين الله ~~تعالى أن معجزته كانت قلب العصا ثعبانا، وإظهار اليد ms4032 البيضاء. # " فإذا " فجائية وقد تقدم أن فيها مذاهب ثلاثة: # ظرف مكان، أو زمان، أو حرف. # وقال ابن عطية هنا: " وإذا ظرف مكان في هذا الموضع عند المبرد من ~~حيث كانت خبرا عن جثة، والصحيح الذي عليه الناس أنها ظرف ~~زمان في كل موضع ". # قال شهاب الدين: " والمشهور عند الناس قول المبرد، وهو مذهب ~~سيبويه ". # وأما كونها زمانا فهو مذهب الرياشي، وعزي لسيبويه أيضا. # وقوله: " من حيث كانت خبرا عن جثة " ليست هي هنا خبرا عن جثة، بل ~~الخبر عن " هي " لفظ " ثعبان " لا لفظ " إذا ". # والثعبان هو ذكر الحيات العظيم، واشتقاقه من ثعبت ~~المكان أي: فجرته بالماء، شبه في انسيابه بانسياب الماء، ~~يقال: ثعبت الماء فجرته فانثعب. ومنه مثعب المطر، وفي ~~الحديث: # " جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دما ". # فصل # فإن قيل إنه وصفها هنا بكونها ثعبانا، وهو العظيم الهائل الخلق، ~~وفي موضع آخر يقول: # كأنها جآن # [النمل: 10]، والجان من الحيات الخفيف الضئيل الخلق، فكيف الجمع ~~بين هاتين الصفتين؟ # وقد أجاب الزمخشري في غير هذا المكان بجوابين: # أحدهما: أنه يجمع لها بين الشيئين: أي كبر الجثة كالثعبان ~~وبين خفة الحركة، وسرعة المشي كالجان. # والثاني: أنها في ابتداء أمرها تكون كالجان، ثم يتعاظم ويتزايد ~~خلقها إلى أن تصير ثعبانا. # وفي وصف الثعبان بكونه مبينا وجوه: # أحدها: أنه تمييز ذلك عما جاءت به السحرة من التمويه الذي ~~يلتبس على من لا يعرف سببه. # وثانيها: أنهم شاهدوا كونه حية، فلم يشتبه الأمر عليهم فيه. # وثالثها: أن الثعبان أبان قول موسى عليه السلام عن قول المدعي ~~الكاذب. ### || [7.108] # النزع في اللغة عبارة عن إخراج الشيء عن مكانه، فقوله: " نزع ~~يده " أي أخرجها من جيبه ومن جناحه، بدليل قوله: # وأدخل يدك في جيبك # [النمل: 12]، وقوله: # واضمم يدك إلى جناحك # [طه: 22]. # قوله: { فإذا هي بيضآء } قال ابن عباس: " كان لها نور ساطع ~~يضيء بين السماء والأرض " ، واعلم أنه لما كان البياض كالعيب ~~بين تعالى في غير هذه الآية أنه كان من غير سوء. # قوله: " للناظرين " متعلق بمحذوف ms4033 لأنه صفة ل " بيضاء " وقال ~~الزمخشري: " فإن قلت: بم تعلق للناظرين؟ قلت: يتعلق ب " بيضاء " ~~والمعنى: فإذا هي بيضاء للنظارة، ولا تكون بيضاء للنظارة إلا إذا ~~كان بياضها بياضا عجيبا خارجا عن العادة، يجتمع الناس للنظر ~~إليه، كما يجتمع النظارة للعجائب ". # وهذا الذي ذكره الزمخشري تفسير معنى لا تفسير إعراب، وكيف يريد تفسير ~~الإعراب؟ وإنما أراد التعلق المعنوي لا الصناعي، كقولهم: هذا ~~الكلام يتعلق بهذا الكلام. أي إنه من تتمة المعنى له. # فإن قيل: إن المعجز الواحد كان كافيا فالجمع بينهما كان عبثا. # فالجواب: أن كثرة الدلائل توجب القوة في النفس، وسيأتي في ~~سورة طه - إن شاء الله تعالى - أن انقلاب العصا أعظم من اليد البيضاء. ### || [7.109] # اعلم أنه سبحانه وتعالى أسند القول في هذه السورة إلى الملأ، وفي " ~~الشعراء " [34] أسند القول إلى فرعون في قوله: { قال للملأ حوله ~~} ، وأجاب الزمخشري عن ذلك بثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون هذا الكلام صادرا منه ومنهم، فحكى هنا عنهم وفي ~~الشعراء عنه. # والثاني: أنه قاله ابتداء، وتلقته عنه خاصته فقالوه لأعقابهم. # والثالث: أنهم قالوه عنه للناس على طريق التبليغ، كما يفعل ~~الملوك، يرى الواحد منهم الرأي فيبلغه الخاصة، ثم يبلغوه ~~لعامتهم، وهذا الثالث قريب من الثاني في المعنى. # وقولهم: { إن هذا لساحر عليم } يعنون أنه ليأخذ بأعين ~~الناس حتى يخيل إليهم العصا حية، واليد بيضاء، وكان موسى عليه ~~الصلاة والسلام آدم اللون، ويرى الشيء بخلاف ما هو عليه، وكان ~~السحر غالبا في ذلك الزمان، ولا شك أن مراتب السحر كانت متفاوتة، ~~فالقوم زعموا أن موسى - عليه الصلاة والسلام - كان في النهاية ~~من علم السحر، فلذلك أتى بتلك الصيغة، ثم ذكروا أنه إنما أتى بذلك ~~السحر طلبا للملك والرئاسة فقالوا: { يريد أن يخرجكم من ~~أرضكم }. ### || [7.110] # قوله: { فماذا تأمرون } قد تقدم الكلام على " ماذا " ، ~~والجمهور على " تأمرون " بفتح النون، وروى كردم عن نافع كسرها، ~~وعلى كلتا القراءتين يجوز أن تكون " ماذا " كلمة اسما واحدا في محل ~~نصب على أنه مفعول ثان ل " تأمرون " بعد ms4034 حذف الياء، ويكون ~~المفعول الأول ل " تأمرون " محذوفا، وهو ياء المتكلم والتقدير: ~~بأي شيء تأمرونني. # وعلى قراءة نافع لا تقول إن المفعول الأول محذوف، بل هو في ~~قوة المنطوق به؛ لأن الكسرة دالة عليه، فهذا الحذف غير الحذف ~~في قراءة الجماعة. # ويجوز أن تكون " ما " استفهاما في محل رفع بالابتداء، و " ذا " موصول، ~~وصلته " تأمرون " ، والعائد محذوف، والمفعول الأول أيضا محذوف ~~على قراءة الجماعة، وتقدير العائد منصوب المحل غير معدى إليه بالباء ~~فتقديره: فما الذي تأمرونيه. # وقدره ابن عطية " تأمروني به " ، ورد عليه أبو حيان بأنه ~~يلزم من ذلك حذف العائد المجرور بحرف لم يجر الموصول بمثله، ثم اعتذر عنه ~~بأنه أراد التقدير الأصلي، ثم اتسع فيه بأن حذف الحرف، فاتصل ~~الضمير بالفعل. وهذه الجملة هل هي من كلام الملأ، ويكونون قد خاطبوا ~~فرعون بذلك وحده تعظيما له كما يخاطب الملوك بصيغة الجمع، أو ~~يكونون قالوه له ولأصحابه أو يكون من كلام فرعون على إضمار قول أي: فقال ~~لهم فرعون فماذا تأمرون ويكون كلام الملأ قد تم عند قوله: { يريد ~~أن يخرجكم من أرضكم } ويؤكد كونها من كلام فرعون قوله ~~تعالى: # قالوا أرجه # [الأعراف: 111]. # وهل " تأمرون " من الأمر المعهود أو من الأمر الذي بمعنى المشاورة؟ ~~والثاني منقول عن ابن عباس. # وقال الزمخشري: " هو من أمرته فأمرني بكذا أي: شاورته فأشار علي ~~برأي ". ### || [7.111] # قوله: { قالوا أرجه } في هذه الكلمة هنا وفي " الشعراء " ~~[36] ست قراءات في المشهور المتواتر، ولا التفات إلى من أنكر بعضها ولا ~~لمن أنكر على راويها. وضبط ذلك أن يقال: ثلاث مع الهمز وثلاث مع ~~عدمه. # فأما الثلاث التي مع الهمز فأولها قراءة ابن كثير، وهشام عن ابن ~~عامر: أرجئهو بهمزة ساكنة، وهاء متصلة بواو. # والثانية: قراءة أبي عمرو: أرجئه كما تقدم إلا أنه لم يصلها ~~بواو. # الثالثة: قراءة ابن ذكوان عن ابن عامر: أرجئه بهمزة ساكنة وهاء ~~مكسورة من غير صلة. # وأما الثلاث التي بلا همزة فأولها: قراءة الأخوين: " أرجه " ~~بكسر الجيم وسكون الهاء وصلا ووقفا. # الثانية: ms4035 قراءة الكسائي، وورش عن نافع: " أرجهي " بهاء متصلة ~~بياء. # الثالثة: قراءة قالون بهاء مكسورة دون ياء. # فأما ضم الهاء وكسرها فقد عرف مما تقدم. وأما الهمز وعدمه ~~فلغتان مشهورتان يقال: أرجأته وأرجيته أي: أخرته، وقد قرىء قوله ~~تعالى: # ترجي من تشآء # [الأحزاب: 51] بالهمز وعدمه، وهذا كقولم: توضأت وتوضيت، ~~وهل هما مادتان أصليتان أم المبدل فرع الهمز؟ احتمالان. # وقد طعن قوم على قراءة ابن ذكوان فقال الفارسي: " ضم الهاء مع الهمز ~~لا يجوز [غيره]، ورواية ابن ذكوان عن ابن عامر غلط ". # وقال ابن مجاهد: " وهذا لا يجوز؛ لأن الهاء لا تكسر إلا ~~بعد كسرة أو ياء ساكنة ". # وقال الحوفي: " ومن القراء من يكسر مع الهمز وليس بجيد ". # وقال أبو البقاء: " ويقرأ بكسر الهاء مع الهمز وهو ضعيف؛ لأن ~~الهمزة حرف صحيح ساكن، فليس قبل الهاء ما يقتضي الكسر ". # وقد اعتذر الناس عن هذه القراءة على سبيل التنازل بوجهين: # أحدهما: أن الهمزة ساكنة والساكن حاجز غير حصين، وله شواهد ~~[مذكورة في موضعها]، فكأن الهاء وليت الجيم المكسورة فلذلك كسرت. # [الثاني: أن الهمزة كثيرا ما يطرأ عليها التغيير وهي هنا في معرض أن ~~تبدل ياء ساكنة لسكونها بعد كسره فكأنها وليت ياء ساكنة فلذلك كسرت]. # وقد اعترض أبو شامة على هذين الجوابين بثلاثة أوجه: # الأول: أن الهمز حاجز معتد به بإجماع في # أنبئهم # [البقرة: 33]، # ونبئهم # [القمر: 28] والحكم واحد في ضمير الجمع والمفرد فيما يرجع إلى الكسر ~~والضم. # الثاني: أنه كان يلزمه صلة الهاء، إذ هي في حكم كأنها قد وليت ~~الجيم. # الثالث: أن الهمز لو قلب ياء لكان الوجه المختار ضم الهاء مع ~~صريح الياء نظرا إلى أن أصلها همزة، فما الظن بمن يكسر الهاء مع ~~صريح الهمزة. وسيأتي تحقيق ذلك في باب وقف حمزة وهشام، فضم الهاء ~~مع الهمزة هو الوجه. # وقد استضعف أبو البقاء قراءة ابن كثير وهشام فإنه قال: " ~~وأرجئه " يقرأ بالهمزة وضم الهاء من غير إشباع وهو الجيد، ~~وبالإشباع وهو ضعيف؛ لأن الهاء خفية، فكأن الواو التي بعدها ~~تتلو ms4036 الهمزة، وهو قريب من الجمع بين الساكنين ومن هاهنا ضعف قولهم: ~~" عليهي مال " بالإشباع. # قال شهاب الدين: وهذا التضعيف ليس بشيء؛ لأنها لغة ثابتة عن ~~العرب، أعني إشباع حركة الهاء بعد ساكن مطلقا، وقد تقدم أن هذا ~~أصل لابن كثير ليس مختصا بهذه اللفظة، بل قاعدته كل هاء كناية ~~بعد ساكن أن تشبع حركتها حتى تتولد منها حرف مد نحو: " منهو، ~~وعنهو، وأرجئهو " إلا قبل ساكن فإن المد يحذف لالتقاء الساكنين ~~إلا في موضع واحد رواه عنه البزي وهو { عنهو تلهى } ~~[عبس: 10] بتشديد التاء، ولذلك استضعف الزجاج قراءة الأخوين قال ~~بعد ما أنشد قول الشاعر: [الرجز] # 2539 - لما رأى أن لا دعه ولا شبع # مال إلى أرطاة حقف فالطجع # " هذا شعر لا يعرف قائله ولا هو بشيء، ولو قاله شاعر مذكور لقيل له: ~~أخطأت؛ لأن الشاعر يجوز أن يخطىء مذهب لا يعرج عليه ". # قال شهاب الدين: " وقد تقدم أن تسكين هاء الكناية لغة ثابتة، ~~وتقدم شواهدها، فلا حاجة إلى الإعادة ". # قوله: " وأخاه " الأحسن أن يكون نسقا على الهاء في " أرجه " ~~ويضعف نصبه على المعية لإمكان النسق من غير ضعف لفظي ولا معنوي. # قال عطاء: " معنى أرجه أي أخره ". # وقيل: احبسه وأخاه، وهو قول قتادة والكلبي، وهذا ضعيف لوجهين: # أحدهما: أن الإرجاء في اللغة هو التأخير لا الحبس. # والثاني: أن فرعون ما كان قادرا على حبس موسى بعد أن شاهد العصا ~~فأشاروا عليه بتأخير أمره وترك التعرض إليه بالقتل. # قوله: { وأرسل في المدآئن حاشرين }. # " في المدائن " متعلق ب " أرسل " ، و " حاشرين " مفعول به، ~~ومفعول " حاشرين " محذوفة أي: حاشرين السحرة، بدليل ما بعده. # و " المدائن " جمع مدينة، وفيها ثلاثة أقوال: # أصحها: أن وزنها فعيلة فميمها أصلية وياؤها زائدة مشتقة من مدن ~~يمدن مدونا أي قام، واستدل لهذا القول بإطباق القراء على همز ~~مدائن كصحيفة وصحائف، وسفينة وسفائن، والياء إذا كانت زائدة في الواحد ~~همزت في الجمع كقبائل وقبيلة، وإذا كانت من نفس الكلمة لم تهمز نحو: ~~معايش ومعيشة، [ولو كانت مفعلة لم ms4037 تهمز نحو: معيشة ومعايش ولأنهم ~~جمعوها أيضا على مدن كقولهم سفينة وسفن وصحف]. # قال أبو حيان: " ويقطع بأنها فعيلة جمعهم لها على فعل قالوا: مدن ~~كما قالوا صحف في صحيفة ". # قال شهاب الدين: " قد قال الزجاجي: المدن في الحقيقة جمع المدين، ~~لأن المدينة لا تجمع على مدن ولكن على مدائن ومثل هذا سفن كأنهم ~~جمعوا سفينة على سفين ثم جمعوه على سفن " ولا أدري ما حمله على جعل مدن ~~جمع مدين، ومدين جمع مدينة مع اطراد فعل على فعيلة لا بمعنى ~~مفعولة، اللهم إلا أن يكون قد لحظ في مدينة أنها فعيلة بمعنى مفعولة؛ ~~لأن معنى المدينة أن يمدن فيها أي يقام، ويؤيد هذا ما سيأتي أن ~~مدينة وزنها في الأصل مديونة عند بعضهم. # القول الثاني: أن وزنها مفعلة من دانه يدينه أي ساسه يسوسه، ~~فمعنى مدينة أي مملوكة ومسوسة أي مسوس أهلها من دانهم ملكهم إذا ~~ساسهم، وكان ينبغي أن يجمع على مداين بصريح الياء كمعايش في مشهور ~~لغة العرب. # الثالث: أن وزنها مفعولة، وهو مذهب المبرد قال: هي من دانه ~~يدينه إذا ملكه وقهره، وإذا كان أصلها مديونة فاستثقلوا حركة ~~الضمة على الياء فسكنوها، ونقلوا حركتها إلى ما قبلها، فاجتمع ~~ساكنان: الواو والمزيدة التي هي واو المفعول، والياء التي هي من نفس ~~الكلمة، فحذفت الواو؛ لأنها زائدة، وحذف الزائد أولى من حذف الحرف ~~الأصلي، ثم كسروا الدال لتسليم الياء، فلا تنقلب واوا لانضمام ما ~~قبلها، فتختلط ذوات الواو بذوات الياء، وهكذا تقول في المبيع والمخيط ~~والمكيل فلا ينقلب واوا لانضمام ما قبلها ذوات الواو، والخلاف جار في ~~المحذوف، هل هو الياء الأصلية؟ أو الواو الزائدة؟ # الأول قول الأخفش، والثاني قول المازني، وهو مذهب جماهير ~~النحاة. # فصل في تعريف " المدينة " # المدينة معروفة، وهي البقعة المسورة المستولي عليها ملك وأراد ~~مدائن صعيد مصر، أي: أرسل إلى هذه المدائن رجالا يحشرون إليك من ~~فيها من السحرة، وكان رؤساء السحرة بأقصى مدائن الصعيد. # ونقل القاضي عن ابن عباس أنهم كانوا سبعين ساحرا ms4038 سوى رئيسهم، ~~وكان الذي يعلمهم رجلين مجوسيين من أهل " نينوى " بلدة يونس - ~~عليه الصلاة والسلام -، وهي قرية بالموصل. # قال ابن الخطيب: " وهذا النقل مشكل؛ لأن المجوس أتباع زرادشت، ~~وزرادشت إنما جاء بعد موسى - عليه الصلاة والسلام " -. ### || [7.112] # قرأ الأخوان هنا وفي سورة " يونس " [79] " سحار " والباقون " ساحر " ، ~~فسحار للمبالغة وساحر يحتملها، ولا خلاف في التي في " الشعراء " ~~أنها سحار مثال مبالغة. # واختلفوا في الساحر والسحار: فقيل: الساحر الذي يعلم السحر ~~ولا يعلم، والسحار الذي يعلم. # وقيل: الساحر من يكون سحره في وقت دون وقت، والسحار من يديم ~~السحر. # و " الباء " في قوله: " بكل " يحتمل أن تكون باء التعدية ويحتمل أن ~~تكون بمعنى مع. # وقال ابن عباس وابن إسحاق والسدي: إن فرعون اتخذ علمه من بني ~~إسرائيل، فبعث بهم إلى قرية يقال لها: الفرما يعلموهم فعلموهم سحرا ~~كثيرا، فلما بعث إلى السحرة جاءوا ومعلمهم معهم. وهذه الآية تدل على ~~كثرة السحرة في ذلك الزمان، وذلك يدل على صحة قول ~~المتكلمين من أنه تعالى يجعل معجزة كل نبي من جنس ما كان غالبا على ~~أهل ذلك الزمان، فلما كان السحر غالبا على أهل زمان موسى كانت معجزته ~~من جنس السحر. ولما كان الطب غالبا على أهل زمان عيسى كانت معجزته من ~~جنس الطب. ولما كانت الفصاحة غالبة على أهل زمان محمد صلى الله عليه ~~وسلم كانت معجزته من جنس الفصاحة. ### || [7.113] # وحذف ذكر الإرسال لعلم السامع. # وفي قوله: { إن لنا لأجرا } وجهان: # أظهرهما: أنها لا محل لها من الإعراب؛ لأنها استئناف جواب ~~لسؤال مقدر، ولذلك لم تعطف بالفاء على ما قبلها. # قال الزمخشري: فإن قلت: هلا قيل: " وجاء السحرة فرعون فقالوا ". # قلت: هو على تقدير سائل سأل: ما قالوا إذ جاءوه؟ فأجيب بقوله قالوا: " ~~أإن لنا لأجرا " وهذا قد سبقه إليه الواحدي إلا أنه قال: " ولم يقل ~~" فقالوا " لأن المعنى لما جاءوا قالوا " فلم يصح دخول الفاء على هذا ~~الوجه. # والوجه الثاني: أنها في محل نصب على الحال من فاعل " جاءوا " ~~قاله الحوفي. ms4039 # وقرأ نافع وابن كثير وحفص عن عاصم " إن " بهمزة واحدة بكسر الألف ~~على الخبر والباقون بهمزتين على الاستفهام. وهم على أصولهم من التحقيق ~~والتسهيل وإدخال ألف بينهما وعدمه. # فقراءة الحرميين على الإخبار، وجوز الفارسي أن تكون على نية ~~الاستفهام يدل عليه قراءة الباقين. # قال الواحدي: الاستفهام أحسن في هذا الموضع؛ لأنهم أرادوا أن ~~يعلموا هل لهم أجر أم لا، ولا يقطعون على أن لهم الأجر، ويقوي ذلك ~~إجماعهم في سورة " الشعراء " على الاستفهام. # وحجة نافع وابن كثير أنهما أرادا همزة الاستفهام، ولكنهما حذفا ~~ذلك من اللفظ، وإن كانت باقية في المعنى كقوله تعالى: # وتلك نعمة تمنها علي # [الشعراء: 2] وقول الشاعر: [المنسرح] # 2540 - أفرح أن أرزأ الكرام وأن # ............................ # وقول الآخر: [الطويل] # 2541 -.......................... # ... وذو الشيب يلعب # وكقوله: # هذا ربي # [الأنعام: 76] التقدير: أهذا ربي؟ وقد تقدم تحقيق هذا، وأنه مذهب ~~أبي الحسن ونكر " أجرا " للتعظيم. # قال الزمخشري: " كقول العرب: إن له لإبلا وإن له لغنما يقصدون ~~الكثرة ". # قوله: " إن كنا " شرط جوابه محذوف للدلالة عليه عند الجمهور، أو ~~ما تقدم عند من يجيز تقديم جواب الشرط عليه. # و " نحن " يجوز فيه أن يكون تأكيدا للضمير المرفوع، وأن يكون ~~فصلا فلا محل له عند البصريين، ومحله الرفع عند الكسائي، والنصب ~~عند الفراء. ### || [7.114] # فإن قيل: قوله: { وإنكم لمن المقربين } معطوف على ماذا؟ فالجواب أنه ~~معطوف على محذوف، وهو الجملة التي نابت " نعم " عنها في الجواب إذا ~~التقدير: قال: نعم إن لكم لأجرا وإنكم لمن المقربين، أي: إني لا ~~أقصركم على الثواب، بل أزيدكم عليه بأن أجعلكم من المقربين عندي. # قال المتكلمون: " وهذا يدل على أن الثواب إنما يعظم موقعه إذا ~~كان مقرونا بالتعظيم ". # وهذه الآية تدل على أن كل الخلق كانوا عالمين بأن فرعون كان عبدا ~~ذليلا عاجزا وإلا لما احتاج إلى الاستعانة بالسحرة في دفع موسى، ويدل ~~على أن السحرة لم يقدروا على قلب الأعيان، وإلا لما احتاجوا إلى طلب ~~الأجر والمال من فرعون؛ لأنهم لو قدروا على قلب الأعيان فلم لم ~~يقلبوا ms4040 التراب ذهبا، ولم لم ينقلوا ملك فرعون إلى أنفسهم، ولم ~~لم يجعلوا أنفسهم ملوك العالم. والمقصود من هذه الآيات تنبيه ~~الإنسان على الاحتراز عن الاغترار بكلمات أهل الأباطيل. ### || [7.115] # قوله: { إمآ أن تلقي }: إما هنا للتخيير، ويطلق عليها حرف عطف ~~مجازا. # قال المفسرون: " تأدبوا مع موسى - عليه السلام - فكان ذلك سبب ~~إيمانهم ". # قال الفراء والكسائي في باب " أما ": و " إما " إذا كنت آمرا ~~أو ناهيا أو مخبرا فهي مفتوحة، وإذا كنت مشترطا أو شاكا أو مخيرا ~~فهي مكسورة، تقول في المفتوحة: إما الله فأعبده، وأما الخمر فلا ~~تشربها وأما زيد فقد خرج، فإن كنت مشترطا فتقول: إما تعطين ~~زيدا فإنه يشكرك قال تعالى: # فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم # [الأنفال: 57]، وتقول في الشك: لا أدري من قام إما زيد وإما عمرو، ~~وتقول في التخيير: لي في الكوفة دار إما أن أسكنها وإما أن ~~أبيعها. # والفرق بين " إما " إذا كانت للشك وبين " أو " أنك إذا قلت: " جاءني ~~زيد أو عمرو " فقد يجوز أن تكون قد بنيت كلامك على اليقين ثم أدركك ~~الشك فقلت: أو عمرو، فصار الشك فيهما، فأول الاسمين في " أو " يجوز ~~أن يحسن السكوت عليه، ثم يعرض الشك فتستدرك بالاسم الآخر؛ ألا ترى أنك ~~تقول: قام أخوك وتسكت ثم تشك فتقول: أو أبوك. # وإذا ذكرت " إما " فإنما تبني كلامك من أول الأمر على الشك، فلا يجوز ~~أن تقول: ضربت إما عبد الله وتسكت. وفي محل: { أن تلقي وإمآ ~~أن نكون } ثلاثة أوجه: # أحدها: النصب بفعل مقدر أي: افعل إما إلقاءك وإما إلقاءنا، كذا ~~قدره أبو حيان، وفيه نظر؛ لأنه لا يفعل إلقاءهم فينبغي أن ~~يقدر فعلا لائقا بذلك وهو اختر أي: اختر إما إلقاءك وإما ~~إلقاءنا. # وقدره مكي وأبو البقاء فقالا: " إما أن تفعل الإلقاء ". # قال مكي: كقوله: [البسيط] # 2542 - قالوا: الركوب فقلنا: تلك عادتنا # ............................ # بنصب " الركوب " إلا أنه جعل النصب مذهب الكوفيين. # الثاني: الرفع على خبر ابتداء مضمر تقديره: أمرك إما إلقاؤك وإما ~~إلقاؤنا. # الثالث: أن يكون مبتدأ ms4041 خبره محذوف تقديره إما إلقاؤك مبدوء به، ~~وإما إلقاؤنا مبدوء به. # فإن قيل: كيف دخلت " أن " في قوله: { إمآ أن تلقي } وسقطت من ~~قوله: # إما يعذبهم وإما يتوب عليهم # [التوبة: 106]. # فالجواب قال الفراء: دخول " أن " في " إما " في هذه الآية لأنها في موضع ~~الأمر بالاختيار، وهي في موضع نصب كقولك: اختر ذا أو ذا، كأنهم قالوا: ~~اختر أن تلقي أو نلقي، وفي آية التوبة ليس فيها أمر بالتخيير؛ ألا ~~ترى أن الأمر لا يصلح هاهنا فلذلك لم يكن فيه " أن " # وقال غيره: إنما أتى هنا ب " أن " المصدرية قبل الفعل بخلاف قوله ~~تعالى: # وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما ~~يتوب عليهم # [التوبة: 106]. لأن " أن " وما بعدها هنا: إما مفعول به أو مبتدأ، ~~والمفعول به والمبتدأ لا يكونان فعلا صريحا، بل لا بد أن ينضم ~~إليه حرف مصدري يجعله في تأويل اسم، وأما آية التوبة فالفعل بعد " ~~إما " خبر ثان ل " آخرون " ، وإما صفة له، والخبر والصفة يقعان ~~جملة فعلية من غير حرف مصدري. # وحذف مفعول الإلقاء للعلم به والتقدير: إما أن تلقي حبالك ~~وعصيك - لأنهم كانوا يعتقدون أن يفعل كفعلهم - أو نلقي ~~حبالنا وعصينا. ### || [7.116] # قوله: { قال ألقوا } وفيه سؤال: وهو أن إلقاءهم كان سحرا ~~ومعارضة للمعجزة، وذلك كفر، فكيف يجوز لموسى - عليه الصلاة والسلام - أن ~~يأمرهم به؟. # والجواب من وجوه: # أحدها: أنه عليه الصلاة والسلام إنما أمرهم بشرط أن يعلموا في ~~فعلهم أن يكون حقا، فإذا لم يكن كذلك فالأمر هناك كقول القائل لغيره: ~~اسقني الماء من الجرة، فهذا الكلام إما أن يكون بشرط حصول الماء في ~~الجرة، فأما إذا لم يكن فيها ماء فلا أمر ألبتة كذلك هاهنا. # قال الفراء: " المعنى: ألقوا إن كنتم محقين، وألقوا على ما يصح ~~ويجوز ". # وقيل: تهديد لهم أي: ابتدأوا بالإلقاء فسترون ما يحل بكم في ~~الافتضاح. # وثانيها: أن القوم إنما جاءوا لإلقاء تلك الحبال والعصي، وعلم ~~موسى - عليه الصلاة والسلام - أنهم لا بد وأن يفعلوا ذلك وإنما ~~وقع التخيير في التقديم ms4042 والتأخير، فعند ذلك أذن لهم في التقديم ~~ازدراء لشأنهم، وقلة مبالاته بهم وثقة بما وعده الله به من ~~التأييد، وأن المعجزة لن يغلبها سحر أبدا، ولأن الأمر لا يستلزم ~~الإرادة. # وثالثها: قوله عليه السلام كان يريد إبطال ما أتوا به من السحر وذلك ~~لا يمكن إلا بتقديمهم فأذن لهم في الإتيان بذلك السحر ليمكنه الإقدام على ~~إبطاله مثل من يريد سماع شبهة ملحد ليجيب عنها ويكشف عن ضعفها وسقوطها ~~فيقول له: هات وقل واذكرها، وبالغ في تقريرها، ومراده من ذلك أنه إذا ~~أجاب عنها بعد هذه المبالغة فإنه يظهر لكل أحد ضعفها وسقوطها، فكذا ~~هاهنا. # وقال الفراء: في الكلام حذف، والمعنى: قال لهم موسى: إنكم لن تغلبوا ~~ربكم، ولن تبطلوا آياته، وهذا من معجزات القرآن الذي لا يأتي مثله في ~~كلام الناس ولا يقدرون عليه يأتي اللفظ اليسير بجميع المعاني الكثيرة. # وإنما أمرهم تعجيزا لهم وقطعا لشبهتهم واستبطالهم، ولئلا يقولوا: لو ~~تركنا نفعل لفعلنا بمعان كثيرة. # قوله: { فلمآ ألقوا سحروا أعين الناس }. # قال القاضي: " لو كان السحر حقا لكانوا قد سحروا قلوبهم، لا ~~أعينهم، فثبت أن المراد أنهم تخيلوا أحوالا عجيبة مع أن الأمر ~~في الحقيقة ما كان على وفق ما تخيلوه ". # وقال الواحدي: " بل المراد: سحروا أعين الناس، أي قلبوها عن ~~صحة إدراكها، بسبب تلك التمويهات ". # وقيل: إنهم أتوا بالحبال والعصي ولطخوا تلك الحبال بالزئبق ~~وجعلوا الزئبق في دواخل تلك العصي، فلما أثر تسخين الشمس فيها ~~تحركت والتوى بعضها على بعض، وكانت كثيرة جدا فتخيل الناس أنها ~~تتحرك وتلتوي باختيارها وقدرتها. # قوله تعالى: { واسترهبوهم } يجوز أن يكون استفعل فيه بمعنى ~~أفعل أي: أرهبوهم، وهو قريب من قولهم: قر واستقر، وعظم واستعظم ~~وهذا رأي المبرد. # ويجوز أن تكون السين على بابها، أي استدعوا رهبة الناس منهم، وهو رأي ~~الزجاج. # روي أنهم بعثوا جماعة ينادون عند إلقاء ذلك: أيها الناس ~~احذروا. وروي عن ابن عباس أنه خيل إلى موسى أن حبالهم وعصيهم ~~حيات مثل عصا موسى، فأوحى الله - عز وجل - إليه ms4043 # أن ألق عصاك # [الأعراف:117]. # وقال المحققون هذا غير جائز؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - لما ~~كان نبيا من عند الله كان على ثقة ويقين من أن القوم لن يغلبوه، ~~وهو عالم بأن ما أتوا به على وجه المعارضة من باب السحر والباطل، ومع ~~هذا الجزم فإنه يمتنع حصول الخوف. # فإن قيل: أليس أنه تعالى قال: # فأوجس في نفسه خيفة موسى # [طه: 67]. # فالجواب: ليس في الآية أن هذه الخيفة إنما حصلت لهذا السبب، بل ~~لعله عليه [الصلاة] والسلام خاف من وقوع التأخير في ظهور حجته على ~~سحرهم. # ثم قال تعالى: { وجآءو بسحر عظيم } أي عندهم؛ لأنه كان ~~كثيرا. روي أن الأرض كانت ميلا في ميل فامتلأت حيات يركب بعضها ~~بعضا. ### || [7.117-129] # يجوز في " أن ": أن تكون المفسرة لمعنى الإيحاء. # ويجوز أن تكون مصدرية؛ فتكون هي، وما بعدها مفعول الإيحاء. # قوله: { فإذا هي تلقف } قرأ العامة: " تلقف " بتشديد ~~القاف، من " تلقف " والأصل: " تتلقف " بتاءين، فحذفت ~~إحداهما، إما الأولى، وإما الثانية وقد تقدم ذلك في نحو # تتذكرون # [الأنعام: 152]. # والبزي: على أصلها في إدغامها فيما بعدها، فيقرأ: { فإذا هي ~~تلقف } بتشديد التاء أيضا، وقد تقدم تحقيقه عند قوله: # ولا تيمموا الخبيث # [البقرة: 267]. # وقرأ حفص " تلقف " بتخفيف القاف من " لقف " ك: " علم ~~يعلم، وركب يركب ". # يقال: لقفت الشيء ألقفه لقفا، ولقفانا، وتلقفته ~~أتلقفه تلقفا: إذا أخذته بسرعة، فأكلته أو ~~أبتلعته. # وفي التفسير: أنها ابتلعت جميع ما صنعوه، وأنشدوا على: لقف ~~يلقف، ك " علم يعلم " قول الشاعر: [السريع] # 2543 - وأنت عصا موسى التي لم تزل # تلقف ما يصنعه الساحر # ويقال: رجل ثقف لقف، وثقيف لقيف، بين الثقافة ~~واللقافة. ويقال: لقف ولقم بمعنى واحد، قاله أبو عبيد. # ويقال: تلقف، وتلقم، وتلهم: بمعنى واحد. # والفاء في " فإذا هي " يجوز أن تكون العاطفة، ولا بد من ~~حذف جملة قبلها ليترتب ما بعد الفاء عليها، والتقدير: " ~~فألقاها فإذا هي ". # ومن جوز أن تكون الفاء زائدة في نحو: " خرجت فإذا الأسد ~~حاضر " جوز زيادتها هنا. # وعلى هذا فتكون هذه الجملة قد أوحيت ms4044 إلى موسى كالتي قبلها. # وأما على الأول - أعني كون الفاء عاطفة - فالجملة غير موحى بها ~~إليه. # قوله: " ما يأفكون " يجوز في " ما " أن تكون بمعنى " الذي " ~~والعائد محذوف، أي: الذي يأفكونه. # ويجوز أن تكون " ما " مصدرية، " والمصدر " حينئذ واقع موقع ~~المفعول به، وهذا لا حاجة إليه. # وذلك قوله: { ما كانوا يعملون } يجوز أن تكون " ما " بمعنى ~~" الذي " ، فيكون المعنى: بطل الحبال والعصي الذي عملوا به ~~السحر: أي: زال، وذهب بفقدانها، وأن تكون مصدرية، أي: وبطل الذي ~~كانوا يعملونه، أو عملهم. # وهذا المصدر يجوز أن يكون على بابه. # وأن يكون واقعا موقع المفعول به. بخلاف " ما يأفكون " فإن ~~يتعين أن يكون واقعا موقع المفعول به ليصح المعنى؛ إذ ~~اللقف يستدعي عينا يصح تسلطه عليها. # ومعنى الإفك في اللغة: قلب الشيء عن وجهه، ومنه قيل للكذب ~~إفك، لأنه مقلوب عن وجهه. # قال ابن عباس: " ما يأفكون " يريد: يكذبون، والمعنى: ~~أن العصا تلقف ما يأفكونه، أي: يقلبونه عن الحق إلى ~~الباطل. # قوله: " فوقع الحق " قال مجاهد والحسن: ظهر. # وقال الفراء: " فتبين الحق من السحر ". # قال أهل المعاني: الوقوع: ظهور الشيء بوجوده نازلا إلى ~~مستقره، { وبطل ما كانوا يعملون } ، من السحر، ~~وذلك أن السحرة قالوا: لئن كان ما صنع موسى - عليه الصلاة ~~والسلام - سحرا لبقيت حبالنا وعصينا ولم تفقد، فلما ~~فقدت؛ ثبت أن ذلك من أمر الله. # قال القاضي: قوله: " فوقع الحق ": يفيد قوة الظهور ~~والثبوت بحيث لا يصح فيه البطلان كما لا يصح في الواقع أن ~~يصير إلا واقعا. # فصل # قلت: فإن قيل: قوله: " فوقع الحق " يدل على قوة الظهور. # فكان قوله: { وبطل ما كانوا يعملون } تكريرا. # فالجواب: أن المراد: مع ثبوت الحق زالت الأعيان التي أفكوها، ~~وهي الحبال والعصا، فعند ذلك ظهرت الغلبة. # فصل # قوله: " فغلبوا هنالك " يجوز أن يكون مكانا، أي: غلبوا في ~~المكان الذي وقع فيه سحرهم، وهذا هو الظاهر. # وقيل: يجوز أن يكون زمانا، وهذا ليس أصله، وقد أثبت له بعضهم هذا ~~المعنى بقوله تعالى: # هنالك ابتلي المؤمنون # [الأحزاب: ms4045 11]. # ويقول الآخر: [الكامل] # 2544 -............................... # فهناك يعترفون أين المفزع؟ # ولا حجة فيهما، لأن المكان فيهما واضح. # قوله: " وانقلبوا صاغرين " أي: ذليلين مقهورين. وصاغرين حال من فاعل ~~انقلبوا والضمير في انقلبوا يجوز أن يعود على قوم فرعون وعلى ~~السحرة، إذا جعلنا الانقلاب قبل إيمان السحرة، أو جعلنا انقلبوا ~~بمعنى: صاروا، كما فسره الزمخشري، أي: صاروا أذلاء مبهوتين ~~متحيرين. # ويجوز أن يعود عليهم دون السحرة إذا كان ذلك بعد إيمانهم، ولم ~~يجعل انقلبوا بمعنى: صاروا: لأن الله لا يصفهم بالصغار بعد ~~إيمانهم. # قوله: { وألقي السحرة ساجدين }. # قال مقاتل: " ألقاهم الله ". وقيل: ألهمهم الله أن يسجدوا ~~فسجدوا. # قال الأخفش: من سرعة ما سجدوا كأنهم ألقوا. # ف " ساجدين " حال من السحرة، وكذلك قالوا أي ألقوا ساجدين قائلين ~~ذلك، ويجوز أن يكون حالا من الضمير المستتر في ساجدين. # وعلى كلا القولين هم متلبسون بالسجود لله تعالى. # ويجوز أن يكون مستأنفا لا محل له، وجعله أبو البقاء حالا من فاعل ~~" انقلبوا " ، فإنه قال: " يجوز أن يكون حالا، أي: ~~فانقلبوا صاغرين ". # قالوا وهذا ليس بجيد للفصل بقوله " وألقى السحرة ". # قوله: { قالوا آمنا برب العالمين }. # قال المفسرون: لما قالوا: { آمنا برب العالمين } قال ~~فرعون: إياي تعنون؛ فقالوا: { رب موسى وهارون } ، ف: " رب ~~موسى " يجوز أن يكون نعتا ل: " رب العالمين " ، وأن يكون بدلا، ~~وأن يكون عطف بيان. # وفائدة ذلك: نفي توهم من يتوهم أن رب العالمين قد يطلق ~~على غير الله تعالى، لقول فرعون # أنا ربكم الأعلى # [النازعات: 24] وقدموا " موسى " في الذكر على " هارون " وإن ~~كان هارون أسن منه، لكبره في الرتبة، أو لأنه وقع فاصلة هنا. # ولذلك قال في سورة طه: # برب هارون وموسى # [طه: 70] لوقوع " موسى " فاصلة، أو تكون كل طائفة منهم قالت إحدى ~~المقالتين، فنسب فعل البعض إلى المجموع في سورة، وفعل بعضهم الآخر ~~إلى المجموع في أخرى. # فصل # احتج أهل السنة بقوله تعالى: { وألقي السحرة ~~ساجدين } على أن غيرهم ألقاهم، وما ذاك إلا الله رب العالمين، ~~وهذا يدل على أن فعل العبد خلق الله تعالى. ms4046 # وأجاب المعتزلة بوجوه: # أحدها: أنهم لما شاهدوا الآيات العظيمة، لم يتمالكوا أن وقعوا ~~ساجدين، فصاروا كأن ملقيا ألقاهم. # وثانيها: ما تقدم من تفسير الأخفش. # وثالثها: أنه ليس في الآية أن ملقيا ألقاهم، فنقول ذلك الملقي ~~هم أنفسهم. # والجواب: أن خالق تلك الداعية في قلوبهم هو الله تعالى، وإلا ~~لافتقر خلق تلك الداعية إلى داعية أخرى، ولزم التسلسل، وهو ~~محال، ثم إن أصل القدرة مع تلك الداعية الجازمة تصير موجبة ~~للفعل، وخالق ذلك الموجب هو الله تعالى، فكان ذلك الفعل مسندا إلى ~~الله تعالى. # فصل # فإن قيل: إنه تعالى ذكر أولا أنهم صاروا ساجدين، ثم ذكر بعد ~~ذلك أنهم قالوا: { آمنا برب العالمين }. # فما الفائدة فيه مع أن الإيمان يجب أن يكون متقدما على السجود؟. # فالجواب، من وجوه، أحدها: أنهم لما ظفروا بالمعرفة سجدوا لله ~~تعالى في الحال، وجعلوا ذلك السجود شكرا لله تعالى على الفوز ~~بالمعرفة والإيمان، وعلامة على انقلابهم من الكفر إلى الإيمان، ~~وإظهارا للتذلل، فكأنهم جعلوا ذلك السجود الواحد علامة على هذه ~~الأمور. # وثانيها: لا يبعد أنهم عند الذهاب إلى السجود قالوا: { آمنا ~~برب العالمين }. # فصل # فإن قيل: لما قالوا: { آمنا برب العالمين } دخل موسى ~~وهارون في جملة العالمين، فما فائدة تخصيصهما بعد ذلك؟ # فالجواب من وجهين: # الأول: أن التقدير آمنا برب العالمين، وهو الذي دعا إلى الإيمان به ~~وبموسى وهارون. # الثاني: خصهما بالذكر تشريفا، وتفضيلا كقوله: # وملائكته ورسله وجبريل وميكال # [البقرة: 98]. # قوله: " آمنتم " اختلف القراء في هذا الحرف هنا، وفي طه وفي ~~الشعراء، فبعضهم جرى على منوال واحد، وبعضهم قرأ في موضع بشيء لم ~~يقرأ به في غيره، وهم في ذلك على أربع مراتب. # الأولى: قراءة الأخوين، وأبي بكر عن عاصم بتحقيق الهمزتين في السور ~~الثلاث من غير إدخال ألف بينهما، وهو استفهام إنكار، وأما الألف ~~الثالثة فالكل يقرءونها كذلك، لأنها فاء الكلمة، أبدلت ~~لسكونها بعد همزة مفتوحة، وذلك أن أصل هذه الكلمة أأأمنتم ~~بثلاث همزات: الأولى للاستفهام، والثانية همزة " أفعل " ، ~~والثالثة فاء الكلمة، فالثالثة يجب قلبها ms4047 ألفا، لما تقدم أول ~~الكتاب، وأما الأولى فمحققه ليس إلا، وأما الثانية فهي ~~التي فيها الخلاف بالنسبة إلى التحقيق والتسهيل. # الثانية: قراءة حفص وهي " آمنتم " بهمزة واحدة بعدها الألف المشار ~~إليها في جميع القرآن، وهذه القراءة تحتمل الخبر المحض المتضمن ~~للتوبيخ، وتحتمل الاستفهام المشار إليه، ولكنه حذف لفهم المعنى، ~~ولقراءة الباقين. # الثالثة: قراءة نافع وابن عمرو وابن عامر والبزي عن ابن كثير وهي ~~تحقيق الأولى، وتسهيل الثانية بين بين، والألف المذكورة، وهو استفهام ~~إنكاري، كما تقدم. # الرابعة: قراءة قنبل عن ابن كثير، وهي التفرقة بين السور ~~الثلاث. # وذلك أنه قرأ في هذه السورة حال الابتداء ب " أآمنتم " بهمزتين، ~~أولاهما محققة والثانية مسهلة بين بين وألف بعدها كقراءة ~~البزي، وحال الوصل يقرأ: { قال فرعون وآمنتم } بإبدال الأولى ~~واوا، وتسهيل الثانية بين بين وألف بعدها، وذلك أن الهمزة إذا كانت ~~مفتوحة بعد ضمة جاز إبدالها واوا سواء أكانت الضمة والهمزة ~~في كلمة واحدة نحو: مرجؤون، و # يؤاخذكم # [البقرة: 225] ومؤجلا أم في كلمتين كهذه الآية، وقد فعل ذلك أيضا ~~في سورة الملك في قوله: # وإليه النشور ءأمنتم # [الملك: 15-16] فأبدل الهمزة الأولى واوا، لانضمام ما قبلها حال ~~الوصل، وأما في الابتداء فيخففها لزوال الموجب لقلبها، إلا أنه ~~ليس في سورة الملك ثلاث همزات، وسيأتي إن شاء الله تعالى في موضعه. # وقرأ في سورة طه كقراءة حفص: أعني بهمزة واحدة بعدها ألف، وفي سورة ~~الشعراء كقراءة رفيقه البزي، فإنه ليس قبلها ضمة؛ فيبدلها واوا في ~~حال الوصل. # وقد قرىء لقنبل أيضا بثلاثة أوجه في هذه السورة وصلا وهي: ~~تسكين الهمزة بعد الواو المبدلة، أو تحريكها، أو إبدالها ألفا، ~~وحينئذ ينطق بقدر ألفين. # ولم يدخل أحد من القراء مدا بين الهمزتين هنا سواء في ذلك من ~~حقق أو سهل، لئلا يجتمع أربع متشابهات، والضمير في " به " عائد ~~على الله تعالى لقوله: { قالوا آمنا برب العالمين } ~~ويجوز أن يعود على موسى، وأما الذي في سورة طه والشعراء في قوله { ~~آمنتم له } فالضمير لموسى لقوله { إنه لكبيركم ms4048 }. # فصل # اعلم أن فرعون لما رأى إيمان السحرة بنبوة موسى - عليه الصلاة ~~والسلام - عند اجتماع الخلق خاف من أن يصير ذلك حجة قوية على ~~صحة نبوة موسى - عليه الصلاة والسلام - فألقى في الحال شبهتين ~~إلى أسماع العوام؛ ليمنع القوم من اعتقاد نبوة موسى - عليه ~~الصلاة والسلام -. # الأولى: قوله: { إن هذا لمكر مكرتموه في ~~المدينة } أي: إن إيمان هؤلاء بموسى ليس لقوة الدليل بل لأنهم ~~تواطئوا مع موسى أنه إذا كان كذا وكذا فنحن نؤمن بك. # الثانية: أن غرض موسى والسحرة فيما تواطئوا عليه إخراج القوم من ~~المدينة، وإبطال ملكهم. # ومعلوم عند جمع العقلاء أن مفارقة الوطن والنعمة المألوفة من ~~أصعب الأمور فجمع فرعون اللعين بين الشبهتين، ولا يوجد أقوى منهما ~~في هذا الباب. # وروى محمد بن جرير عن السدي في حديث عن ابن عباس، وابن مسعود ~~وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين أن موسى عليه السلام وأمير ~~السحرة التقيا فقال موسى - عليه الصلاة والسلام -: أرأيتك إن غلبتك أن ~~تؤمن بي وتشهد أن ما جئت به الحق؟ فقال الساحر: والله لئن ~~غلبتني لأومنن بك، وفرعون ينظر إليهما ويسمع قولهما، فهذا قول ~~فرعون: { إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة }. # قال القاضي: وقوله { قبل أن آذن لكم } دليل على مناقضة فرعون ~~في ادعاء الألوهية، لأنه لو كان إلها لما جاز أن يأذن لهم في أن ~~يؤمنوا به مع أنه يدعوهم إلى إلهية غيره، وذلك من خذلان ~~الله الذي يظهر على المبطلين. # قوله: " فسوف تعلمون " حذف مفعول العلم، للعلم به، أي: ~~تعلمون ما يحل بكم، وهذا وعيد مجمل، ثم فسر هذا المبهم ~~بقوله: " لأقطعن " جاء به في جملة قسمية؛ تأكيدا لما ~~يفعله. # وقرأ مجاهد بن جبر، وحميد المكي، وابن محيصن: # " لأقطعن " مخففا من " قطع " الثلاثي، وكذا لأصلبنكم من " ~~صلب " الثلاثي. # روي بضم اللام وكسرها، وهما لغتان في المضارع، يقال: صلبه ~~يصلبه ويصلبه. # قوله: " من خلاف " يحتمل أن يكون المعنى: على أنه يقطع من كل ~~شق طرفا، فيقطع اليد اليمنى، والرجل اليسرى، وكذا هو ms4049 في التفسير، ~~فيكون الجار والمجرور في محل نصب على الحال، كأنه قال: ~~مختلفة، ويحتمل أن يكون المعنى: لأقطعن لأجل مخالفتكم ~~إياي فتكون " من " تعليلية وتتعلق على هذا بنفس الفعل، وهو بعيد. # و " أجمعين " تأكيد أتى به دون كل وإن كان الأكثر سبقه ب " كل ~~" وجيء هنا ب " ثم " ، وفي: طه والشعراء بالواو، لأن الواو صالحة ~~للمهلة، فلا تنافي بين الآيات. # فصل # اختلفوا هل فعل بهم ذلك أم لا؟ فنقل عن ابن عباس أنه فعل بهم ~~ذلك. # وقال غيره: لم يقع من فرعون ذلك، بل استجاب الله دعاءهم في قولهم: " ~~وتوفنا مسلمين ". # وقوله: { إنآ إلى ربنا منقلبون } جوزوا في هذا ~~الضمير وجهين، أحدهما: أنه يخص السحرة، لقوله بعد ذلك { ~~وما تنقم منا } فإن الضمير في منا يخصهم. # وجوزوا أن يعود عليهم، وعلى فرعون، أي: إنا - نحن وأنت - ننقلب ~~إلى الله، فيجازي كلا بعمله، وهذا وإن كان هو الواقع إلا أنه ~~ليس من هذا اللفظ. # قوله وما تنقم قد تقدم في المائدة أن فيه لغتين وكيفية ~~تعديه ب " من " وأنه على التضمين. # وقوله: { إلا أن آمنا } يجوز أن يكون في محل نصب مفعولا به، ~~أي: ما تعيب علينا إلا إيماننا ويجوز أن يكون مفعولا من أجله، أي: ~~ما تنال منا وتعذبنا لشيء من الأشياء إلا لإيماننا وعلى كلا ~~القولين فهو استثناء مفرغ. # قوله " لما جاءتنا " يجوز أن تكون ظرفية كما هو رأي الفارسي، ~~وأحد قولي سيبويه، والعامل فيها على هذا آمنا أي: آمنا حين مجيء ~~الآيات، وأن تكون حرف وجوب لوجوب، وعلى هذا فلا بد لها من جواب وهو ~~محذوف تقديره: لما جاءتنا آمنا بها من غير توقف. # قوله: { ربنآ أفرغ علينا صبرا } معنى الإفراغ في ~~اللغة: الصب. وأصله من إفراغ الإناء وهو صب ما فيه بالكلية، ~~فكأنهم طلبوا من الله كل الصبر لا بعضه. # ونكروا " الصبر " وذلك يدل على الكمال والتمام، أي: صبرا ~~كاملا تاما، كقوله تعالى: # ولتجدنهم أحرص الناس على حياة # [البقرة: 96] أي: على حياة كاملة تامة. # وقوله: { وتوفنا مسلمين ms4050 } أي: توفنا على الدين الحق الذي ~~جاء به موسى. واحتج القاضي بهذه الآية على أن الإيمان والإسلام ~~واحد. # فقال: إنهم قالوا أولا: { آمنا بآيات ربنا } ، ثم ~~ثانيا، " وتوفنا مسلمين " ، فوجب أن يكون هذا الإسلام هو ذاك ~~الإيمان. # قوله: { وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى ~~وقومه ليفسدوا في الأرض }. # [اعلم أن فرعون كان كلما رأى موسى خافه أشد الخوف، فلهذا لم يحبسه ولم ~~يتعرض له بل خلى سبيله، فقال له قومه: أتذر موسى وقومه ليفسدوا في ~~الأرض]. # أي: يفسدوا على الناس دينهم. # قوله: " ويذرك " العامة " ويذرك " بالغيبة، ونصب الراء، ~~وفي النصب وجهان: # أظهرهما: أنه عطف على " ليفسدوا " والثاني: أنه منصوب على ~~جواب الاستفهام كما ينصب في جوابه بعد الفاء؛ كقول الحطيئة: [الوافر] # 2545 - ألم أك جاركم ويكون بيني # وبينكم المودة والإخاء؟ # والمعنى: كيف يكون الجمع بين تركك موسى وقومه مفسدين، وبين تركهم ~~إياك وعبادة آلهتك، أي: لا يمكن وقوع ذلك. # وقرأ الحسن في رواية عنه ونعيم بن ميسرة " ويذرك " برفع الراء، ~~وفيها ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنه عطف نسق على " أتذر " أي: أتطلق له ذلك. # الثاني: أنه استئناف أي، إخبار بذلك. # الثالث: أنه حال، ولا بد من إضمار مبتدأ، أي: وهو يذرك. # وقرأ الحسن أيضا والأشهب العقيلي " ويذرك " بالجزم، وفيه ~~وجهان: # أحدهما: أنه جزم على التوهم، كأنه توهم جزم " يفسدوا " في ~~جواب الاستفهام وعطف عليه بالجزم، كقوله: # فأصدق وأكن # [المنافقون: 10] بجزم " أكن ". # والثاني: أنها تخفيف كقراءة أبي عمرو # ينصركم # [آل عمران: 160] وبابه. # وقرأ أنس بن مالك " ونذرك " بنون الجماعة ورفع الراء، ~~توعدوه بذلك، أو أن الأمر يؤول إلى ذلك فيكون خبرا محضا. ~~وقرأ عبد الله والاعمش بما يخالف السواد، فلا حاجة إلى ذكره. # وقرأ العامة " آلهتك " بالجمع. # روي أنه كان يعبد آلهة متعددة كالبقر، ولذلك أخرج السامري ~~لهم عجلا، وروي أنه كان يعبد الحجارة والكواكب، أو آلهته التي ~~شرع عبادتها لهم وجعل نفسه الإله الأعلى في قوله: # أنا ربكم الأعلى # [النازعات: 24]. # وقرأ علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس، وأنس ms4051 وجماعة ~~كثيرة " وإلاهتك " ، وفيها وجهان: # أحدهما: أن " الإلاهة " اسم للمعبود، ويكون المراد بها معبود ~~فرعون، وهي الشمس. # روى أنه كان يعبد الشمس، والشمس تسمى " الإهة " ، ~~علما عليها، ولذلك منعت الصرف، للعلمية والتأنيث؛ قال ~~الشاعر: [الوافر] # 2546 - تروحنا من اللغباء عصرا # فأعجلنا الإلهة أن تئوبا # والثاني: أن الإلاهة مصدر بمعنى العبادة، أي وتذر عبادتك، لأن ~~قومه كانوا يعبدونه. # ونقل ابن الأنباري عن ابن عباس أنه كان ينكر قراءة العامة، ~~ويقرأ " وإلاهتك " ، وكان يقول: إن فرعون كان يعبد ولا يعبد. # قال ابن الخطيب: والذي يخطر ببالي أن فرعون إن قلنا: إنه ما كان ~~كامل العقل لم يجز في حكم الله تعالى إرسال الرسول إليه، وإن كان ~~عاقلا لم يجز أن يعتقد في نفسه كونه خالقا للسموات والأرض، ~~ولم يجز في الجمع العظيم من العقلاء أن يعتقدوا فيه ذلك، لأن فساده ~~معلوم بالضرورة، بل الأقرب أن يقال: إنه كان دهريا منكرا ~~لوجود الصانع، وكان يقول: مدبر هذا العالم السفلي هو ~~الكواكب، وأنا المخدوم في العالم للخلق، والمربي لهم فهو نفسه. # فقوله: # أنا ربكم الأعلى # [النازعات: 24] أي: مرببكم والمنعم عليكم والمطعم لكم. # وقوله: # ما علمت لكم من إله غيري # [القصص: 38] أي: لا أعلم لكم أحدا يجب عليكم عبادته إلا أنا، وإذا ~~كان مذهبه ذلك لم يبعد أن يقال إنه كان قد اتخذ أصناما على صور ~~الكواكب يعبدها، ويتقرب إليها على ما هو دين عبدة الكواكب، وعلى هذا فلا ~~امتناع في حمل قوله تعالى: { ويذرك وآلهتك } على ظاهره. # قوله: " قال سنقتل " قرأ نافع وابن كثير بالتخفيف سنقتل ~~والباقون بالتضعيف لتعدد المحال. وسيأتي أن الجماعة قرءوا " ~~يقتلون أبناءكم " بالتضعيف إلا نافعا فيخفف. # فتخلص من ذلك أن نافعا يقرأ الفعلين بالتخفيف، وابن كثير يخفف " ~~سنقتل " ويثقل " يقتلون " ، والباقون يثقلونهما. # قوله: " ونستحيي نساءهم ". أي نتركهم أحياء. والمعنى: أن موسى ~~إنما يمكنه الإفساد برهطه وبشيعته فنحن نسعى في تقليل رهطه وشيعته، ~~بأن نقتل أبناء بني إسرائيل، ونستحيي نساءهم. # ثم بين أنه قادر على ذلك بقوله: { وإنا فوقهم ~~قاهرون } أي: ms4052 إنما نترك موسى لا من عجز وخوف، ولو أردنا ~~البطش به لقدرنا عليه. # قال ابن عباس: أمر فرعون بقتل أبناء بني إسرائيل، فشكت ذلك بنو إسرائيل ~~إلى موسى، فقال لهم موسى: { استعينوا بالله واصبروا ~~إن الأرض لله } يعني أرض مصر. # قوله: " يورثها " في محل نصب على الحال، وفي صاحبها وجهان: # أحدهما: الجلالة، أي هي له حال كونه مورثا لها من يشاؤه. # والثاني: أنه الضمير المستتر في الجار أي: إن الأرض مستقرة ~~لله حال كونها مورثة من الله لمن يشاء، ويجوز أن يكون " ~~يورثها " خبرا ثانيا، وأن يكون خبرا وحده، و " لله " هو ~~الحال، و " من يشاء " مفعول ثاني ويجوز أن تكون جملة مستأنفة. # وقرأ الحسن، ورويت عن حفص " يورثها " بالتشديد على المبالغة، ~~وقرىء " يورثها " بفتح الراء مبنيا للمفعول، والقائم مقام الفاعل هو: ~~" من يشاء ". والألف واللام في " الأرض " يجوز أن تكون للعهد، ~~وهي أرض مصر كما تقدم، أو للجنس، وقرأ ابن مسعود بنصب " العاقبة " ~~نسقا على الأرض و " للمتقين " خبرها، فيكون قد عطف الاسم على الاسم، ~~والخبر على الخبر فهو من عطف الجمل. # فصل # قال الزمخشري: فإن قلت: لم أخليت هذه الجملة من الواو وأدخلت على ~~التي قبلها؟. # قلت: هي جملة مبتدأة مستأنفة، وأما: " وقال الملأ " فهي معطوفة ~~على ما سبقها من قوله: { وقال الملأ من قوم فرعون }. ~~والمراد من قوله: " والعاقبة " أي النصر والظفر، وقيل: ~~الجنة. # فصل # قوله: { قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ~~ما جئتنا }. لما هدد فرعون قوم موسى وتوعدهم خافوا، و { قالوا ~~أوذينا من قبل أن تأتينا } لأنهم كانوا قبل مجيء موسى - عليه ~~الصلاة والسلام - كانوا مستضعفين في يد فرعون، يأخذ منهم الجزية ~~ويستعملهم في الأعمال الشاقة، ويمنعهم من الترفة، ويقتل أبناءهم، ~~ويستحيي نساءهم، فلما بعث الله موسى - عليه الصلاة والسلام - قوي ~~رجاؤهم في زوال تلك المضار، فلما سمعوا تهديد فرعون ثانيا عظم ~~خوفهم، فقالوا هذا الكلام. # فصل # فإن قيل: هذا القول يدل على كراهتهم مجيء موسى - عليه الصلاة ~~والسلام - وذلك يوجب الكفر. # فالجواب: ms4053 أن موسى - عليه الصلاة والسلام - لما جاء وعدهم بزوال ~~تلك المضار فظنوا أنها تزول على الفور، فلما رأوا أنها ما ~~زالت رجعوا إليه في معرفة كيفية ذلك الوعد، فبين لهم موسى - عليه ~~السلام - أن الوعد بإزالتها لا يوجب الفور، بل لا بد أن يستنجز ذلك ~~الوعد في الوقت المقدر له. # فالحاصل أن هذا ما كان نفرة عن مجيء موسى بالرسالة، بل استكشافا ~~لكيفية ذلك. # فعند هذا قال موسى - عليه الصلاة والسلام -: { عسى ربكم أن ~~يهلك عدوكم }. قال سيبويه: " عسى " طمع وإشفاق. قال ~~الزجاج: وما يطمع الله فيه فهو واجب. # ولقائل أن يقول: هذا ضعيف؛ لأن لفظ " عسى " ههنا ليس كلام الله بل ~~هو حكاية عن كلام موسى، ويجاب بأن هذا الكلام إذا صدر عن الرسول الذي ~~ظهرت نبوته بالمعجزات أفاد قوة اليقين فقوى موسى - عليه الصلاة ~~والسلام - قلوبهم بهذا القول وحقق عندهم الوعد ليصبروا ويتركوا ~~الجزع المذموم. # قال القرطبي: " جدد لهم الوعد وحققه. وقد استخلفوا في مصر في ~~زمن داود وسليمان - عليهما الصلاة والسلام -، وفتحوا بيت المقدس مع ~~يوشع بن نون كما تقدم، وروي أنهم قالوا ذلك حين خرج بهم موسى، وتبعهم ~~فرعون، فكان وراءهم، والبحر أمامهم، فحقق الله الوعد: بأن غرق ~~فرعون وقومه، وأنجاهم ". # ثم بين بقوله: { فينظر كيف تعملون } ما يجري مجرى ~~الحث له على التمسك بطاعة الله. # واعلم أن النظر قد يراد به النظر الذي يفيد العلم، وهو على ~~الله محال، وقد يراد به تقليب الحدقة نحو المرئي التماسا ~~لرؤيته وهو أيضا على الله محال، وقد يراد به الرؤية، ويجب حمل ~~اللفظ ههنا عليها. # قال الزجاج: أي يرى ذلك بوقوع ذلك منكم، لأن الله تعالى لا ~~يجازيهم على ما يعلمه منهم وإنما يجازيهم على ما يقع منهم. # فإن قيل: إذا حملتم هذا النظر على الرؤية لزم الإشكال، لأن ~~الفاء في قوله: " فينظر: " للتعقيب، فيلزم أن تكون رؤية الله ~~لتلك الأعمال متأخرة عن حصول تلك الأعمال، وذلك يوجب حدوث صفة في ~~ذات الله. # فالجواب: أن المعنى تعلق رؤية ms4054 الله تعالى بذلك الشيء، والتعلق ~~نسبة حادثة، والنسب والإضافات؛ لا وجود لها في الأعيان، فلم يلزم ~~حدوث الصفة الحقيقية في ذات الله تعالى. # وقد حقق الله ذلك الوعد، فأغرق فرعون واستخلفهم في ديارهم، ~~وأموالهم؛ فعبدوا والعجل. ### || [7.130-137] # لما قال موسى لقومه: # عسى ربكم أن يهلك عدوكم # [الأعراف:129] بدأ بذكر ما أنزل بفرعون وقومه من المحن حالا بعد ~~حال، إلى أن وصل الأمر إلى الهلاك تنبيها للمكلفين على الزجر عن ~~الكفر. # " والسنين ": جمع سنة، وفيها لغتان أشهرهما: إجراؤه مجرى ~~المذكر السالم فيرفع بالواو وينصب ويجر بالياء، وتحذف ~~نونه للإضافة. # قال النحاة: إنما جرى ذلك المجرى جبرا لما فاته من لامة ~~المحذوفة، وسيأتي في لامه كلام، واللغة الثانية: أن يجعل الإعراب ~~على النون ولكن مع الياء خاصة. نقل هذه اللغة أبو زيد والفراء. ~~ثم لك فيها لغتان: إحداهما: ثبوت تنوينها. والثانية: عدمه. # قال الفراء: هي في هذه اللغة مصروفة عند بني عامر، وغير مصروفة عند ~~بني تميم، ووجه حذف التنوين التخفيف، وحينئذ لا تحذف النون ~~للإضافة وعلى ذلك جاء قوله: [الطويل] # 2547 - دعاني من نجد فإن سنينه # لعبن بنا شيبا وشيبننا مردا # وجاء في الحديث: # " اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف " # " وسنينا كسنين يوسف " باللغتين، وفي لام سنة لغتان، ~~أحدهما: أنها واو لقولهم: سنوات وسانيت، وسنية. والثانية: ~~أنها هاء لقولهم: سانهت وسنهات وسنيهة، وليس هذا الحكم ~~المذكور أعني: جريانه مجرى جمع المذكر أو إعرابه بالحركات مقتصرا على ~~لفظ " سنين " بل هو جار في كل اسم ثلاثي مؤنث حذفت لامه، ~~وعوض منها تاء التأنيث، ولم يجمع جمع تكسير نحو: ثبة ~~وثبين، وقلة، وقلين. # فصل # قال شهاب الدين: وتحرزت بقولي: حذفت لامه مما حذفت ~~فاؤه، نحو: لدة وعدة. # وبقولي ولم يجمع جمع تكسير من ظبة وظبى، وقد شذ قولهم: ~~لدون في المحذوف الفاء، وظبون في المكسر. # قال: [الوافر] # 2548 - يرى الراءون بالشفرات منها # وقود أبي حباحب والظبينا # واعلم أن هذا النوع إذا جرى مجرى الزيدين فإن كان مكسور ~~الفاء سلمت، ولم تغير نحو: مائة ms4055 ومئين، وفئة وفئين، وإن كان ~~مفتوحها كسرت نحو: سنين، وقد نقل فتحها وهو قليل جدا، وإن ~~كان مضمومها جاز في جمعها الوجهان: أعني السلامة، والكسر نحو: ثبين ~~وقلين. # قال أبو علي: السنة على معنيين: أحدهما: يراد بها العام. والثاني: ~~يراد بها الجدب. # وقد غلبت السنة على زمان الجدب، والعام على زمان الخصب حتى ~~صارا كالعلم بالغلبة ولذلك أشتقوا من لفظ السنة فقالوا: أسنت ~~القوم. # قال: [الكامل] # 2549 - عمرو الذي هشم الثريد لقومه # ورجال مكة مسنتون عجاف # وقال حاتم الطائي: [الطويل] # 2550 - فإنا نهين المال من غير ضنة # ولا يشتكينا في السنين ضريرها # ويؤيد ذلك ما في سورة يوسف [الآية 47]: # تزرعون سبع سنين دأبا # ثم قال: { سبع شداد } فهذا في الجدب. # وقال: { ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس ~~}. # وقوله: " من الثمرات " متعلق ب " نقص ". # قال قتادة: أما السنون فلأهل البوادي، وأما نقص الثمرات فلأهل ~~الأمصار. # " لعلهم يذكرون " يتعظون، وذلك لأن الشدة ترقق ~~القلوب، وترغب فيما عند الله. # قال تعالى: # وإذا مسه الشر فذو دعآء عريض # [فصلت: 51]. # فصل # قال القاضي: هذه الآية تدل على أنه تعالى فعل ذلك لإرادة أن ~~يذكروا وأن لا يقيموا على كفرهم، وأجاب الواحدي: " بأنه قد جاء ~~لفظا الابتلاء، والاختبار في القرآن لا بمعنى أنه تعالى يمتحنهم، لأن ~~ذلك على الله محال، بل إنه تعالى عاملهم معاملة تشبه الابتلاء، ~~والامتحان، فكذا ههنا ". # ثم بين أنهم عند نزول تلك المحن عليهم يزيدون في الكفر، ~~والمعصية. # فقال: { فإذا جآءتهم الحسنة قالوا لنا هذه }. # قال ابن عباس: يريد بالحسنة: العشب، والخصب، والمواشي، ~~والثمار وسعة الرزق، والعافية، أي: نحن أهلها ومستحقوها على العادة ~~فلم يشكروا ويقوموا لله بحق النعمة. { وإن تصبهم سيئة ~~} أي: قحط وجدب وبلاء ومرض: { يطيروا بموسى ومن معه ~~} أي: يتشاءموا بموسى، ومن معه، ويقولوا: إنما أصابنا هذا ~~الشر بشؤم موسى وقومه. # قال سعيد بن جبير ومحمد بن المنكدر: كان ملك فرعون ~~أربعمائة سنة، وعاش ستمائة وعشرين سنة لا يرى مكروها، ولو كان حصل له ~~في تلك ms4056 المدة جوع يوم أو حمى ليلة أو وجع ساعة لما ادعى ~~الربوبية قط. # فصل # أتى في جانب الحسنة ب " إذا " التي للمحقق، وعرفت الحسنة، ~~لسعة رحمة الله تعالى، ولأنها أمر محبوب، كل أحد يتمناه، ~~وأتى في جانب السيئة ب " إن " التي للمشكوك فيه، ونكرت السيئة، ~~لأنه أمر كل أحد يحذره. وقد أوضح الزمخشري ذلك فقال: فإن قلت: ~~كيف قيل فإذا جاءتهم الحسنة ب " إذا " وتعريف الحسنة و " إن ~~تصبهم سيئة " ب " إن " وتنكير السيئة؟ # قلت: لأن جنس الحسنة وقوعه كالواجب، لكثرته واتساعه، وأما ~~السيئة فلا تقع إلا في الندرة، ولا يقع إلا شيء منها، وهذا من ~~محاسن علم البيان. # قوله " يطيروا " الأصل: " يتطيروا " فأدغمت التاء في ~~الطاء، لمقاربتها لها. # وقرأ عيسى بن عمر: وطلحة بن مصرف " تطيروا " بتاء من فوق ~~على أنه فعل ماض وهو عند سيبويه وأتباعه ضرورة. إذ لا يقع فعل ~~الشرط مضارعا، والجزاء ماضيا إلا ضرورة، كقوله: [الخفيف] # 2551 - من يكدني بسيىء كنت منه # كالشجى بين حلقه والوريد # وقوله: [البسيط] # 2552 - إن يسمعوا سبة طاروا بها فرحا # مني وما يسمعوا من صالح دفنوا # وقد تقدم الخلاف في ذلك. والتطير: التشاؤم، وأصله، أن ~~يفرق المال ويطير بين القوم فيطير لكل أحد حظه، ثم أطلق ~~على الحظ، والنصيب السيىء بالغلبة. # وأنشدوا للبيد: [الوافر] # 2553 - تطير عدائد الأشراك شفعا # ووترا والزعامة للغلام # الأشراك جمع شرك، وهو النصيب. أي: طار المال المقسوم شفعا ~~للذكر، ووترا للأنثى والزعامة: أي: الرئاسة للذكر، فهذا ~~معناه: تفرق، وصار لكل أحد نصيبه، وليس من الشؤم في شيء، ثم ~~غلب على ما ذكرناه. # قوله: { ألا إنما طائرهم عند الله } أي حظهم، وما طار لهم في القضاء ~~والقدر، أو شؤمهم أي: سبب شؤمهم عند الله، وهو ما ينزله بهم. # قال ابن عباس: يريد شؤمهم عند الله، أي من قبل الله، أي: إنما ~~جاءهم الشر بقضاء الله وحكمه. # قال الفراء: وقد تشاءمت اليهود بالنبي - عليه السلام - ب " ~~المدينة " ، فقالوا: غلت أسعارنا، وقلت أمطارنا مذ أتانا، ~~وكثرت أمواتنا. # ثم أعلم ms4057 الله على لسان رسوله - عليه السلام - أن طيرتهم باطلة، فقال: # " لا طيرة ولا هامة " # - وكان النبي عليه السلام يتفاءل ولا يتطير. # وأصل الفأل: الكلمة الحسنة، وكانت العرب مذهبها في الفأل ~~والطيرة واحدا، فأثبت النبي صلى الله عليه وسلم الفأل، وأبطل ~~الطيرة. والفرق بينهما أن الأرواح الإنسانية أقوى وأصفى من ~~الأرواح البهيمية والطيرية، فالكلمة التي تجري على لسان الإنسان يمكن ~~الاستدلال بها؛ بخلاف طيران الطير، وحركات البهائم، فإن ~~أرواحها ضعيفة، فلا يمكن الاستدلال بها على شيء من الأحوال، ثم قال ~~تعالى: { ولكن أكثرهم لا يعلمون } [أي]: أن الكل من ~~الله تعالى؛ لأن أكثر الخلق يضيفون الحوادث إلى الأسباب ~~المحسوسة، ويقطعونها عن قضاء الله وقدره، والحق أن الكل من الله؛ لأن ~~كل موجود إما واجب لذاته، أو ممكن لذاته، والواجب لذاته واحد، وما ~~سواه ممكن لذاته والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته، فكان ~~الكل من الله - تعالى -، فإسنادها إلى غير الله يكون جهلا بكمال الله ~~تعالى. # قال الأزهري: قيل للشؤم طائر وطير، لأن العرب كانت إذ خرجت وطار ~~الطائر ذات اليسار تشاءموا بها، فسموا الشؤم طيرا وطائرا ~~لتشاؤمهم بها. # قال القرطبي: وأصل هذا من الطيرة وزجر الطير، ثم كثر ~~استعمالهم حتى قيل لكل من تشاءم: تطير. وكانت العرب ~~تتيمن بالسانح: وهو الذي يأتي من ناحية اليمين وتتشاءم ~~بالبارح: وهو الذي يأتي من ناحية الشمال. وكانوا يتطيرون ~~أيضا بصوت الغراب ويتأولونه البين، ويستدلون بمجاوبات ~~الطيور بعضها بعضا على أمور، وبأصواتها في غير أوقاتها المعهودة على ~~مثل ذلك. # ويتطير الأعاجم إذا رأوا صبيا يذهب به إلى المعلم ~~بالغداة، ويتيمنون برؤية صبي يرجع من عند المعلم إلى بيته، ~~ويتشاءمون برؤية السقاء على ظهره قربة مملوءة مشدودة، ~~ويتيمنون برؤية فارغ السقاء مفتوحة، ويتشاءمون برؤية ~~الحمال المثقل بالحمل والدابة الموقرة، ويتيمنون ~~بالحمال الذي وضع حمله، وبالدابة التي وضع عنها. # فجاء الإسلام بالنهي عن التطير، والتشاؤم بما يسمع من ~~صوت طائر ما كان، وعلى أي حال كان؛ فقال عليه الصلاة والسلام: # " أقروا الطير على مكناتها " # وذلك ms4058 أن كثيرا من أهل الجاهلية كان إذا أراد الحاجة ذهب إلى ~~الطير في وكرها فنفرها فإذا أخذت يمينا مضى إلى حاجته، وهذا هو ~~السانح عندهم، وإن أخذت شمالا رجع وهذا هو البارح عندهم، فنهى ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا بقوله # " أقروا الطير على مكناتها " # هكذا في الحديث. # وأهل العربية يقولون: " وكناتها " ، والوكنة: اسم لكل وكر ~~وعش. والوكن: اسم للموضع الذي يبيض فيه الطائر ويفرخ، وهو ~~الخرق في الحيطان والشجر. # ويقال: وكن الطائر يكن وكنا ووكونا: دخل في الوكن، ووكن ~~بيضه، وعليه: حضنه، وكان أيضا من العرب من لا يرى التطير شيئا ~~نقله القرطبي. # وروى عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، قال: # " من رجعته الطيرة عن حاجته فقد أشرك ". # قيل: وما كفارة ذلك يا رسول الله. # قال: " أن يقول أحدكم: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا ~~خير إلا خيرك، ولا إله غيرك، ثم يمضي إلى حاجته ". # قوله { وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا ~~بها }. لما حكى عنهم أولا أنهم بجهلهم أسندوا الحوادث إلى ~~قضاء الله وقدره، حكى عنهم ثانيا نوعا آخر من الجهل والضلالة، وهو ~~أنهم لم يميزوا بين المعجزات والسحر، وجعلوا آيات موسى مثل انقلاب ~~العصا حية. # وقالوا ذلك من باب السحر فلا يقبل منها شيء. # " مهما " اسم شرط يجزم فعلين ك " إن " هذا قول جمهور ~~النحاة، وقد تأتي للاستفهام وهو قليل جدا. # كقوله: [الرجز] # 2554- مهما لي الليلة مهما ليه؟ # أودى بنعلي وسرباليه # يريد: ما لي الليلة ما لي؟ والهاء للسكت. وزعم بعض النحاة أن ~~الجازمة تأتي ظرف زمان؛ وأنشد: [الطويل] # 2555 - وإنك مهما تعط بطنك سؤله # وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا # وقول الآخر: [الكامل] # 2556- عودت قومك أن كل مبرز # مهما يعود شيمة يتعود # وقول الآخر: [الكامل] # 2557 - نبئت أن أبا شتيم يدعي # مهما يعش يسمع بما لم يسمع # قال: ف " مهما " هنا ظرف زمان، والجمهور على خلافه، وما ذكره ~~متأول، بل بعضه لا يظهر فيه للظرفية معنى، وشنع الزمخشري ms4059 على ~~القائل بذلك. # فقال: وهذه الكلمة في عداد الكلمات التي يحرفها من لا يد له ~~في علم العربية، فيضعها في غير موضعها ويحسب " مهما " بمعنى " متى ما ~~". # ويقول: مهما جئتني أعطيتك، وهذا من كلامه، وليس من واضع العربية، ~~ثم يذهب فيفسر: { مهما تأتنا به من آية } [الأعراف: 132] ~~بمعنى الوقت، فيلحد في آيات الله، وهو لا يشعر، وهذا وأمثاله ~~مما يوجب الجثو بين يدي الناظر في كتاب سيبويه. # قال شهاب الدين: هو معذور في كونها بمعنى الوقت، فإن ذلك قول ~~ضعيف، لم يقل به إلا الطائفة الشاذة. # وقد قال جمال الدين بن مالك: جميع النحويين يقول إن " مهما ~~" و " ما " مثل " من " في لزوم التجرد عن الظرف، مع أن ~~استعمالهما ظرفين ثابت في أشعار فصحاء العرب. وأنشد بعض الأبيات ~~المتقدمة # وكفى بقوله جميع النحويين دليلا على ضعف القول بظرفيتهما. وهي اسم ~~لا حرف، بدليل عود الضمير عليها، ولا يعود الضمير على حرف؛ ~~لقوله: { مهما تأتنا به } فالهاء في " به " تعود على " ~~مهما " وشذ السهيلي فزعم أنها قد تأتي حرفا. # واختلف النحويون في " مهما " هل هي بسيطة أو مركبة؟ والقائلون ~~بتركيبها اختلفوا: فمنهم من قال: هي مركبة من " ما ما " كررت ~~" ما " الشرطية توكيدا، فاستثقل توالي لفظين فأبدلت ألف " ما " ~~الأولى هاء. # وقيل: زيدت " ما " على " ما " الشرطية، كما يزاد على " إن " " ما ~~" في قوله: " فإما يأتينكم ". # فعمل العمل المذكور للثقل الحاصل، وهذا قول الخليل وأتباعه من أهل ~~البصرة. # وقال قوم: هي مركبة من مه التي هي اسم فعل بمعنى الزجر، و " ~~ما " الشرطية ثم ركبت الكلمتان فصارا شيئا واحدا. # وقال بعضهم: لا تركيب فيها هنا، بل كأنهم قالوا له مه، ثم قالوا { ~~ما تأتنا به } ويعزى هذان الاحتمالان للكسائي. # قال شهاب الدين: " وهذا ليس بشيء؛ لأن ذلك قد يأتي في موضع لا ~~زجر فيه، ولأن كتابتها متصلة ينفي كون كل منهما كلمة مستقلة ". # وقال قوم: إنها مركبة من " مه " بمعنى اكفف و " من ~~الشرطية "؛ بدليل قول الشاعر: [الطويل] # 2558 - أماوي مهمن ms4060 يستمع في صديقه # أقاويل هذا الناس ماوي يندم # فأبدلت نون " من " ألفا كما تبدل النون الخفيفة بعد فتحة، ~~والتنوين ألفا، وهذا ليس بشيء بل " مه " على بابها من كونها بمعنى: ~~اكفف، ثم قال: من يستمع. # وقال قوم: بل هي مركبة من " من " و " ما " فأبدلت نون " من " ~~هاء، كما أبدلوا من ألف " ما " الأولى هاء، وذلك لمؤاخاة من ما في ~~أشياء، وإن افترقا في شيء واحد، ذكره مكي. # ومحلها نصب أو رفع، فالرفع على الابتداء وما بعده الخبر، وفيه ~~الخلاف المشهور هل الخبر فعل الشرط أو فعل الجزاء أو هما معا؟ ~~والنصب من وجهين: # أظهرهما: على الاشتغال ويقدر الفعل متأخرا عن اسم الشرط، ~~والتقدير: مهما تحضر تأتنا، ف " تأتنا " مفسر ل ~~تحضر، لأنه من معناه. # والثاني: النصب على الظرفية عند من يرى ذلك، وقد تقدم الرد ~~على هذا القول، والضميران من قوله به و " بها " عائدان على " ~~مهما " ، عاد الأول على اللفظ، والثاني المعنى، فإن معناها ~~الآية المذكورة، ومثله قول زهير: [الطويل] # 2559 - ومهما تكن عند امرىء من خليقة # وإن خالها تخفى على الناس تعلم # ومثله: # ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو ~~مثلها # [البقرة: 106] فأعاد الضمير على " ما " مؤنثا، لأنها بمعنى ~~الآية. # وقوله: " فما نحن " يجوز أن تكون " ما " حجازية أو تميمية ~~والباء زائدة على كلا القولين، والجملة جواب الشرط فمحلها جزم. # فصل # قال ابن عباس، وسعيد بن جبير وقتادة ومحمد بن إسحاق: # لما قال قوم موسى - عليه الصلاة والسلام - { مهما تأتنا به ~~من آية } [الأعراف: 132] فهو سحر، ونحن لا نؤمن بها وكان موسى - ~~عليه الصلاة والسلام - رجلا جديدا، فعند ذلك دعا عليهم فقال: يا ~~رب إن عبدك فرعون علا في الأرض وبغى وعتا، وإن قومه نقضوا ~~عهدك؛ فخذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمة ولقومي عظة، ولمن بعدهم آية ~~وعبرة، فأرسل الله عليهم الطوفان وهو الماء، وبيوت بني إسرائيل، ~~وبيوت القبط مشتبكة، فامتلأت بيوت القبط حتى قاموا في الماء إلى ~~تراقيهم، ومن جلس منهم غرق، ولم يدخل ms4061 بيوت بني إسرائيل قطرة، ودام ذلك ~~عليهم من السبت إلى السبت. # فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا المطر؛ فنؤمن بك، ~~ونرسل معك بني إسرائيل. # فدعا ربه فرفع عنهم الطوفان، وأرسل الرياح فجففت الأرض، ~~وخرج من النبات ما لم يروا مثله قط، وأخصبت بلادهم. # فقالوا: ما كان هذا الماء إلا نعمة علينا لكنا لم نشعر؛ ~~فمكثوا شهرا في عافية فنكثوا العهد. # وقالوا: لا نؤمن بك، ولا نرسل معك بني إسرائيل؛ فأرسل الله ~~عليهم الجراد، فأكل عامة زرعهم، وثمارهم، وأوراق الشجر؛ حتى ~~أكلت الخشب وسقوف البيوت ومسامير الأبواب من الحديد حتى وقع ~~دورهم، وابتلي الجراد بالجوع فكان لا يشبع، ولم يصب بني إسرائيل شيء ~~من ذلك فضجوا إلى موسى. # وقالوا: ادع لنا ربك لئن كشفت عنا لرجز لنؤمنن لك ~~ولنرسلن معك بني إسرائيل، وأعطوه عهد الله وميثاقة. # فدعا موسى ربه فكشف عنهم الجراد بعد سبعة أيام، وفي ~~الخبر " مكتوب على صدر كل جرادة جند الله الأعظم " فأرسل ~~الله ريحا فحمل الجراد؛ فألقاه في البحر. # وقيل: إن موسى برز إلى الفضاء، وأشار بعصاه إلى المشرق والمغرب؛ ~~فرجعت الجراد من حيث جاءت. # وكانت قد بقيت من زروعهم، وغلاتهم بقية. # فقالوا: قد بقي لنا ما يكفينا، فنقضوا العهد ولم يؤمنوا، ~~فأقاموا شهرا في عافية. # فأرسل الله القمل سبتا إلى سبت، فلم يبق بأرضهم عود أخضر إلا ~~أكلته. # فصاحوا بموسى فسأل ربه، فأرسل الله عليها ريحا حارة ~~فأحرقتها، وألقتها في البحر فلم يؤمنوا. # فأرسل الله عليهم الضفادع سبعة أيام؛ فخرج من البحر مثل ~~الليل الدامس ووقع في النبات والأطعمة، فكان الرجل ~~يجلس في الضفادع إلى رقبته، ويهم أن يتكلم، فيثب الضفدع في ~~فيه. # فصرخوا إلى موسى وحلفوا له لئن رفعت عنا هذا العذاب ~~لنؤمنن بك، فدعا الله تعالى فأمات الضفادع، فأرسل عليها ~~المطر؛ فأحملتها، ثم أقاموا شهرا ثم نقضوا العهد وعادوا ~~لكفرهم. # فأرسل الله عليهم الدم فجرت أنهارهم دما، فما يستقون من ~~الآبار والأنهار إلا وجدوه دما عبيطا أحمر، فشكوا إلى ~~فرعون. # فقال: إنه سحركم ms4062 وكان فرعون يجمع القبطي والإسرائيلي على الإناء ~~الواحد؛ فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء، وما يلي القبطي دما، ~~ويقومان إلى البحيرة فيها الماء، فيخرج للإسرائيلي ماء وللقبطي دما، ~~حتى كانت المرأة من آل فرعون تأتي المرأة من بني إسرائيل حين ~~جهدهم العطش فتقول: اسقني من مائك فتصب لها من قربتها؛ فيعود ~~دما في الإناء، حتى كانت تقول اجعليه في فيك ثم مجيه في ~~في فتأخذ في فيها ماء، فإذا مجته في فيها؛ صار دما، وإن ~~فرعون اضطره العطش حتى مضغ الأشجار الرطبة فصار ماؤها في ~~فيه ملحا أجاجا، فمكثوا في ذلك سبعة أيام، فقالوا: يا موسى { ~~لئن كشفت عنا الرجز } [134]. إلى آخر الآية. # الطوفان فيه قولان: # أحدهما: أنه جمع: طوفانة، أي: هو اسم جنس ك: قمح وقمحة، وشعير ~~وشعيرة. # وقيل: هو مصدر كالنقصان والرجحان، وهذا قول المبرد في ~~آخرين والأول قول الأخفش. # وقال: هو " فعلان " من الطواف، لأنه يطوف حتى يعم الأرض، ~~وواحدته في القياس " طوفانة "؛ وأنشد: [الرمل] # 2560 - غير الجدة من آياتها # خرق الريح وطوفان المطر # والطوفان: الماء الكثير، قاله الليث؛ وأنشد للعجاج: [الرجز] # 2561 - وعم طوفان الظلام الأثأبا # شبه ظلام الليل بالماء الذي يغشى الأمكنة. وقال أبو ~~النجم: [الرجز] # 2562 - ومد طوفان مبيد مددا # شهرا شآبيب وشهرا بردا # وقيل: الطوفان من كل شيء: ما كان كثيرا محيطا مطبقا ~~بالجماعة من كل جهة كالماء الكثير، والقتل الذريع، والموت ~~الجارف، قاله الزجاج. # وقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم بالموت تارة، وبأمر من ~~الله أخرى، وتلا قوله: # فطاف عليها طآئف من ربك # [القلم: 19] وهذ المادة وإن كانت قد تقدمت في " طائفة " ~~إلا أن لهذه البنية خصوصية بهذه المعاني المذكورة. # والجراد معروف، وهو جمع: جرادة، الذكر والأنثى فيه سواء. # يقال: جرادة ذكر وجرادة أنثى، ك: نملة، وحمامة. # قال أهل اللغة: وهو مشتق من " الجرد ". # قالوا: والاشتقاق في أسماء الأجناس قليل جدا. # يقال: أرض جرداء، أي: ملساء وثوب جرد، إذا ذهب زئبره. # فصل # قال القرطبي: اختلف الفقهاء في جواز قتل الجراد. # فقيل: يقتل، ms4063 لأن في تركها فساد الأموال، وقد رخص النبي صلى ~~الله عليه وسلم بقتال المسلم إذا أخذ ماله، فالجراد إذا أراد فساد ~~الأموال كانت أولى بجواز قتلها، كما أنهم اتفقوا على جواز قتل ~~الحية، والعقرب؛ لأنهما يؤذيان الناس فكذلك الجراد. # وروى ابن ماجة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ~~دعا على الجراد قال: # " اللهم أهلك كباره واقتل صغاره، وأفسد بيضه، واقطع ~~دابره، وخذ بأفواهه عن معايشنا وأرزاقنا إنك سميع ~~الدعاء ". # فقال رجل: يا رسول الله، كيف تدعو إلى جند من أجناد ~~الله بقطع دابره؟ # قال: " إن الجراد نثرة حوت في البحر ". وهذا قول جمهور الفقهاء. # وقيل: لا يقتل، لأنه خلق عظيم من خلق الله يأكل من رزق ~~الله. # وقد روي # " لا تقتلوا الجراد فإنه جند الله الأعظم ". # والقمل: قيل: هي القردان، وقيل: دواب تشبهها أصغر منها. # وقال سعيد بن جبير: هو السوس الذي يخرج من الحنطة. # وقال ابن السكيت، إنه شيء يقع في الزرع ليس بجراد؛ فيأكل ~~السنبلة، وهي غضة قبل أن تقوى، وحينئذ يطول الزرع ولا سنبل له. # وقيل: إنها الحمنان الواحدة: حمنانة، نوع من القردان. # وقال سعيد بن جبير: كان إلى جنبهم كثيب أعفر بقرية من قرى مصر تدعى ~~" بعين شمس " فذهب موسى إلى ذلك الكثيب فضربه بعصاه فانهال عليهم ~~القمل، وعلى هذا هو القمل المعروف الذي يكون في بدن الإنسان وثيابه، ~~ويؤيد هذا قراءة الحسن " والقمل " بفتح القاف وسكون الميم، فيكون فيه ~~لغتان: " القمل " كقراءة العامة و " القمل " كقراءة الحسن البصري. # وقيل: القمل البراغيث، وقيل: الجعلان. # والضفادع: جمع ضفدع، بزنة درهم، ويجوز كسر داله فتصير بزنة " ~~زبرج " وقد تبدل عين جمعه ياء، كقوله: [الرجز] # 2563 - ومنهل ليس له حوازق # ولضفادي جمه نقانق # وشذ جمعه على: ضفدعات، والضفدع: مؤنث، وليس بمذكر، فعلى ~~هذا يفرق بين مذكره ومؤنثه بالوصف. # فيقال: ضفدع ذكر وضفدع أنثى، كما قلنا ذلك في المتلبس بتاء ~~التأنيث، نحو حمامة، وجرادة، ونملة. # فصل # روى أبو داوود وابن ماجة عن أبي هريرة قال: نهى ms4064 النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن قتل: الصرد والضفدع، والنملة، والهدهد. ~~ولما خرج إبراهيم - عليه السلام - من الشام إلى الحرم في بناء ~~البيت كانت السكينة معه والصرد، فكان الصرد دليلة إلى ~~الموضع، والسكينة مقداره، فلما صار إلى البقعة؛ وقعت السكينة على ~~موضع البيت ونادت: ابن يا إبراهيم على مقدار ظلي. # فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل الصرد؛ لأنه كان دليل ~~إبراهيم، وعن قتل الضفدع؛ لأنها كانت تصب الماء على نار إبراهيم، ولما ~~تسلطت على فرعون جاءت، وأخذت الأمكنة كلها، فلما صارت إلى التنور ~~وثبت فيها وهي نار تسعر طاعة لله، ولكن نار يسعرها الله بها؛ فجعل ~~" نقيقها " تسبيحا. # والدم ذكرناه وهو معروف. # قال زيد بن أسلم: الدم الذي سلطة الله عليهم كان الرعاف، ونقله ~~الزمخشري. # قوله: " آيات مفصلات ". آيات منصوبة على الحال من تلك الأشياء ~~المتقدمة أي أرسلنا عليهم هذه الأشياء حال كونها علامات مميزا ~~بعضها من بعض، ومفصلات فيها وجهان: # أحدهما: مفصلات أي: مبينات لا يشكل على عاقل أنها من آيات ~~الله التي لا يقدر عليها غيره. # وقيل: مفصلات أي: فصل بعضها من بعض بزمان يمتحن فيه أحوالهم هل ~~يقبلون الحجة، أو يستمرون على المخالفة؟ فاستكبروا عن عبادة ~~الله { وكانوا قوما مجرمين }. # فصل # فإن قيل: لما علم الله تعالى من حالهم أنهم لا يؤمنون بتلك ~~المعجزات، فما الفائدة في تواليها؟ وقوم محمد صلى الله عليه وسلم ~~طلبوا المعجزات فما أجيبوا فما الفرق؟ # فالجواب: قال بعض أهل السنة: يفعل الله ما يشاء، ويحكم ما ~~يريد. # وقال آخرون: إنما فعل ذلك زجرا لنا، وموعظة وإعلاما بأن ~~المصر على الكفر يستوجب العذاب المؤبد. وأجاب المعتزلة: ~~برعاية الصالح، فلعله علم من قوم موسى أن بعضهم كان يؤمن عند ظهور ~~المعجزة الزائدة كمؤمن آل فرعون وكالسحرة، وعلم من قوم محمد ~~صلى الله عليه وسلم أن أحدا منهم لا يزداد بظهور المعجزة ~~الزائدة إلا كفرا. فظهر الفرق. # قوله: { ولما وقع عليهم الرجز } ، أي نزل بهم العذاب من ~~الطوفان، وغيره. # وقال سعيد بن جبير: ms4065 الطاعون. # وقيل: مات منهم سبعون ألفا في يوم واحد. وتقدم الكلام على الرجز في ~~البقرة عند قوله: # فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السمآء # [البقرة: 59]. # قوله { بما عهد عندك }. يجوز في هذه الباء وجهان: # أظهرهما: أن تتعلق ب ادع أي: ادعه بالدعاء الذي علمك أن ~~تدعوه به. # والثاني: أنها باء القسم. # قال الزمخشري: والباء إما تتعلق ب " ادع " على وجهين: # أحدهما: أسعفنا إلى ما نطلب إليك من الدعاء بحق ما عندك من عهد ~~الله، وكرامته إياك بالنبوة أو ادع الله لنا متوسلا إليه ~~بعهده عندك، وإما أن يكون قسما مجابا ب " لنؤمنن " أي: " ~~أقسمنا بعهد الله عندك ". # فصل # اعلم أنه تعالى بين ما كانوا عليه من المناقضة القبيحة، لأنهم ~~تارة يكذبون موسى عليه الصلاة والسلام، وأخرى عند الشدائد يفزعون ~~إليه فزع الأمة إلى نبيها ويسألونه أن يسأل ربه رفع العذاب عنهم، ~~وذلك يقتضي أنهم سلموا كونه نبيا مجاب الدعوة، ثم بعد زوال ~~تلك الشدائد يعودون إلى تكذيبه. # وقوله: { فلما كشفنا عنهم الرجز }. أي: العذاب. إلى ~~أجل فيه وجهان: أحدهما: أن يتعلق ب " كشفنا " وهو المشهور، ~~وعليه إشكال وهو أن ما دخلت عليه " لما " يترتب جوابه على ~~ابتداء وقوعه، والغاية تنافي التعليق على ابتداء الوقوع، فلا بد من ~~تعقل الابتداء والاستمرار حتى تتحقق الغاية، ولذلك لا تقع ~~الغاية في الفعل غير المتطاول. # لا يقال: لما قتلت زيدا إلى يوم الخميس جرى كذا، ولا لما ~~وثبت إلى يوم الجمعة اتفق كذا، وقد يجاب بأن المراد بالأجل هنا: ~~وقت إيمانهم، وإرسالهم بني إسرائيل معه، ويكون المراد بالكشف: ~~استمرار رفع الرجز. # كأنه قيل: فلما تمادى كشفنا عنهم إلى أجل، وأما من ~~فسر " الأجل " بالموت أو بالغرق فيحتاج إلى حذف مضاف ~~تقديره: فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل قرب أجل هم بالغوه، ~~وإنما احتاج إلى ذلك، لأن بين موتهم أو غرقهم حصل منهم نكث، فكيف ~~يتصور أن يكون النكث منهم بعد موتهم، أو غرقهم؟ # والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من " الرجز " أي: ~~فلما ms4066 كشفنا عنهم الرجز كائنا إلى أجل، والمعنى: أن العذاب ~~كان مؤجلا. # قال أبو حيان: ويقوي هذا التأويل كون جواب " لما " جاء ب " ~~إذا " الفجائية أي: فلما كشفنا عنهم العذاب المقرر عليهم إلى ~~أجل فاجؤوا بالنكث، وعلى معنى تغييته الكشف بالأجل المبلوغ ~~لا تتأتى المفاجأة إلا على تأويل الكشف بالاستمرار المغيا فيمكن ~~المفاجأة بالنكث إذ ذاك ممكن. # قوله: " هم بالغوه " في محل جر صفة ل " أجل " والوصف بهذه ~~الجملة أبلغ من وصفه بالمفرد، لتكرر الضمير المؤذن بالتفخيم. # وقوله: { إذا هم ينكثون } هذه " إذا " الفجائية، وتقدم ~~الكلام عليها قريبا: و " هم " مبتدأ، و " ينكثون " خبره، و " إذا ~~" جواب " لما " كما تقدم بالتأويل المذكور. # قال الزمخشري: { إذا هم ينكثون } جواب " لما " يعني: ~~فلما كشفنا عنهم العذاب فاجؤوا بالنكث وبادروه ولم يؤخروه، ~~ولكن لما كشف عنهم نكثوا. # قال أبو حيان: " ولا يمكن التغيية مع ظاهر هذا التقدير ". انتهى. ~~يعني فلا بد من تأويل الكشف بالاستمرار، كما تقدم، حتى يصح ~~ذلك. وهذه الآية ترد مذهب من يدعي في " لما " أنها ~~ظرف، إذ لا بد لها حينئذ من عامل، وما بعد " إذا " لا يعمل ~~فيما قبلها، كما تحرر في موضعه. # وقرأ أبو حيوة وأبو هاشم " ينكثون " بكسر الكاف، والجمهور على ~~الضم، وهما لغتان في المضارع. # والنكث: النقض، وأصله: من نكث الصوف المغزول ليغزل ~~ثانيا، وذلك المنكوث: نكث ك: ذبح، ورعي. والجمع: أنكاث، ~~فاستعير لنقض العهد بعد إحكامه وإبرامه كما في خيوط الأكسية إذا نكثت ~~بعدما أبرمت، وهذا من أحسن الاستعارات. # قوله: " فانتقمنا منهم " هذه الفاء سببية، أي: تسبب عن ~~النكث الانتقام ثم إن أريد بالانتقام نفس الإغراق، فالفاء ~~الثانية مفسرة عند من يثبت لها ذلك وإلا كان التقدير: ~~فأردنا الانتقام، والانتقام في اللغة: سلب النعمة بالعذاب. # و " في اليم " متعلق ب " أغرقناهم " ، واليم: البحر، والمشهور ~~أنه عربي. # قال ذو الرمة: [البسيط] # 2564 - داوية ودجى ليل كأنهما # يم تراطن في حافاتها الروم # وقال ابن قتيبة: إنه البحر بالسريانية. # وقيل: بالعبرانية. والمشهور أنه لا يتقيد ببحر خاص قال ms4067 الزمخشري: ~~اليم: البحر الذي لا يدرك قعره. # وقيل: هو لجة البحر ومعظم مائه. # وقال الهروي - في " غريبيه " -: واليم: البحر الذي يقال له: ~~إساف وفيه غرق فرعون. وهذا ليس بجيد، لقوله تعالى: # فألقيه في اليم # [القصص: 7] والمراد: نيل مصر، وهو غير الذي غرق فيه فرعون. # فصل # قيل: واشتقاقه من التيمم، وهو القصد، لأن الناس يقصدونه. # قوله: " بأنهم " الباء للسببية، أي: أغرقناهم بسبب تكذيبهم ~~بآياتنا، وكونهم عنها غافلين، أي: غافلين عن آياتنا، فالضمير ~~في عنها يعود على الآيات، وهذا هو الظاهر. # وبه قال الزجاج وغيره. # وقيل: يجوز أن يعود على النقمة المدلول عليها ب " انتقمنا " ~~ويعزى هذا لابن عباس، وكأن القائل بذلك تخيل أن الغفلة عن ~~الآيات عذر لهم من حيث إن الغفلة ليست من كسب الإنسان. # وقال الجمهور: إنهم تعاطوا أسباب الغفلة، فذموا عليها، كما ~~يذم الناس على نسيانه لتعاطيه أسبابه. # فصل # قوله: " وأورثنا " يتعدى لاثنين، لأنه قبل النقل بالهمزة ~~متعد لواحد نحو: ورثت أبي، فبالنقل اكتسب آخر. # فأولهما: القوم والذين وصلته في محل نصب نعتا له. # وأما المفعول الثاني ففيه ثلاثة أوجه، أظهرها: أنه " مشارق ~~الأرض ومغاربها ". # وفي قوله: { التي باركنا فيها } على هذا وجهان: أحدهما: أنه ~~نعت ل:مشارق ومغارب. والثاني: أنه نعت للأرض، وفيه ضعف من حيث ~~الفصل بالمعطوف بين الصفة والموصوف. # وهو نظير قولك: قام غلام هند وزيد العاقلة. # وقال أبو البقاء هنا: وفيه ضعف؛ لأن فيه العطف على الموصوف قبل ~~الصفة. وهذا سبق لسان أو قلم، لأن العطف ليس على الموصوف، بل ~~على ما أضيف إلى الموصوف. # والثاني من الأوجه الثلاثة: أن المفعول الثاني هو: { التي باركنا ~~فيها } أي: أورثناهم الأرض التي باركنا فيها. # وفي قوله تعالى: { مشارق الأرض ومغاربها } وجهان: أحدهما: ~~هو منصوب على الظرف ب " يستضعفون ". والثاني: أن تقديره: ~~يستضعفون في مشارق الأرض ومغاربها فلما حذف الحرف وصل الفعل ~~بنفسه؛ فنصب، هكذا قال أبو البقاء. # قال شهاب الدين: ولا أدري كيف يكونان وجهين، فإن القول ~~بالظرفية هو عين القول بكونه على تقدير في، لأن كل ms4068 ظرف مقدر ~~ب " في " فكيف يجعل شيئا واحد شيئين؟ # الوجه الثالث: أن المفعول الثاني محذوف، تقديره: أورثناهم الأرض، ~~أو الملك، أو نحوه ويستضعفون يجوز أن يكون على بابه من الطلب، ~~أي: يطلب منهم الضعف مجازا وأن يكون استفعل بمعنى: وجده ذا ~~كذا، والمراد بالأرض: أرض الشام. # وقيل: أرض مصر، لأنها أرض القبط. # وقيل: مصر والشام، ومشارقها، ومغاربها جهات المشرق، والمغرب { التي ~~باركنا فيها } بإخراج الزرع، والثمار، والأنهار. # وقيل: المراد جملة الأرض؛ لأنه خرج من بني إسرائيل داود وسليمان وقد ~~ملكا الأرض. # قوله: { وتمت كلمت ربك الحسنى }. قرأ الحسن ورويت ~~عن أبي عمرو وعاصم كلمات بالجمع. # قال الزمخشري: ونظيره: # لقد رأى من آيات ربه الكبرى # [النجم: 18]. يعني في كون الجمع وصف بمفرد. # قال أبو حيان: ولا يتعين في الكبرى ما ذكر لجواز أن يكون ~~التقدير: لقد رأى الآية الكبرى، فهو وصف مفرد لا جمع، وهو ~~أبلغ. # قال شهاب الدين: في بعض الأماكن يتعين ما ذكره الزمخشري نحو # مآرب أخرى # [طه: 18] وهذه الآية، فلذلك اختار فيها ما يتعين في غيرها والمراد ~~بالكلمة الحسنى: قوله: # ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض # [القصص: 5] إلى قوله: # ما كانوا يحذرون # [القصص: 6] والحسنى: تأنيث الأحسن صفة للكلمة. # وقيل: معنى تمام الكلمة: إنجاز الوعد الذي تقدم بإهلاك عدوهم. ~~ومعنى: " تمت " أي: مضت واستمرت من قولهم: تم عليه الأمر ~~إذا مضى عليه. # قوله بما صبروا متعلق ب " تمت " والباء للسببية و " ~~ما " مصدرية، أي: بسبب صبرهم ومتعلق الصبر محذوف أي: على أذى ~~فرعون وقومه. # قوله: { ودمرنا ما كان يصنع فرعون }. يجوز ههنا ~~أوجه: أحدها: أن يكون فرعون اسم كان، ويصنع خبر مقدم، والجملة ~~الكونية صلة " ما " والعائد محذوف، والتقدير ودمرنا الذي كان ~~فرعون يصنعه، واستضعف أبو البقاء هذا الوجه. # فقال: لأن يصنع يصلح أن يعمل في فرعون فلا يقدر ~~تأخيره، كما لا يقدر تأخير الفعل في قولك: قام زيد. يعني: أن ~~قولك: " قام زيد " يجب أن يكون من باب الفعل والفاعل، ولا يجوز ~~أن يدعى فيه أن ms4069 " قام " فعل وفاعل، والجملة خبر مقدم، وزيد: ~~مبتدأ مؤخر لأجل اللبس بباب الفاعل، فكذا هنا؛ لأن يصنع ~~يصح أن يتسلط على فرعون فيرفعه فاعلا فلا يدعى فيه ~~التقديم، وقد سبقه إلى هذا مكي. # وقال: ويلزم من يجيز هذا أن يجيز: يقوم زيد، على الابتداء والخبر، ~~والتقديم والتأخير، ولم يجزه أحد. # وقد تقدمت هذه المسألة وما فيها، وأنه هل يجوز أن يكون من باب ~~التنازع أم لا؟ وهذا الذي ذكراه وإن كان متخيلا في بادىء الرأي، ~~فإنه ك: باب الابتداء، والخبر، ولكن الجواب عن ذلك: أن المانع في " ~~قام زيد " هو اللبس، وهو مفقود ههنا. # الثاني: أن اسم " كان " ضمير عائد على " ما " الموصولة، ويصنع ~~مسند ل " فرعون " والجملة خبر " كان " والعائد محذوف أيضا، ~~والتقدير: ودمرنا الذي كان هو يصنعه فرعون. # الثالث: أن تكون " كان " زائدة و " ما " مصدرية والتقدير: ودمرنا ~~ما يصنع فرعون. أي: صنعه، ذكره أبو البقاء. # قال شهاب الدين: وينبغي أن يجيء هذا الوجه أيضا، وإن كانت " ما " ~~موصولة اسمية، على أن العائد محذوف تقديره: ودمرنا الذي يصنعه ~~فرعون. # الرابع: أن " ما " مصدرية أيضا و " كان " ليست زائدة بل ناقصة، ~~واسمها ضمير الأمر والشأن، والجملة من قوله يصنع فرعون خبر " ~~كان " فهي مفسرة للضمير. # وقال أبو البقاء هنا: وقيل: ليست " كان " زائدة، ولكن " كان " ~~الناقصة لا يفصل بها بين " ما " وبين صلتها، وقد تقدم ذلك في ~~قوله: # بما كانوا يكذبون # [البقرة: 10] وعلى هذا القول تحتاج " كان " إلى اسم. # ويضعف أن يكون اسمها ضمير الشأن؛ لأن الجملة التي بعدها صلة " ~~ما " فلا تصلح للتفسير، فلا يحصل بها الإيضاح، وتمام الاسم، ~~والمفسر يجب أن يكون مستقلا، فتدعو الحاجة إلى أن يجعل " فرعون " ~~اسم " كان " وفي: " يصنع " ضمير يعود عليه. # قال شهاب الدين بعد فرض كونها ناقصة: يلزم أن تكون الجملة من قوله: ~~يصنع فرعون خبرا ل " كان " ويمتنع أن تكون صلة ل " ما ". # وقوله: فتدعو الحاجة أي: ذلك الوجه الذي بدأت به، واستضعفه، وهو الذي ~~احتاج إليه في هذا المكان ms4070 فرارا من جعل الاسم ضمير الشأن، لما ~~تخيله مانعا، والتدمير: الإهلاك. # قال الليث: الدمار: الهلاك التام، يقال: دمر القوم ~~يدمرون دمارا: أي: هلكوا وهو متعد بنفسه، فأما قوله: # دمر الله عليهم # [محمد: 10] فمفعوله محذوف، أي: خرب عليهم منازلهم وبيوتهم. # وقوله: { ما كان يصنع فرعون وقومه } أي: في أرض مصر من ~~العمارات. # قوله: " يعرشون " قرأ ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم هنا وفي النحل ~~{ يعرشون } بضم الراء. # والباقون بالكسر فيهما، وهما لغتان: عرش الكرم يعرشه ~~ويعرشه. والكسر لغة الحجاز. # قال اليزيدي: وهي أفصح. # وقال مجاهد: ما كانوا يبنون من القصور والبيوت. وقرىء شاذا بالغين ~~المعجمة والسين المهملة، من غرس الأشجار. وقال الزمخشري وبلغني أنه ~~قرأ بعض الناس يعرشون من عرش وما أظنه إلا تصحيفا. وقرأ ابن أبي ~~عبلة يعرشون بضم الياء وفتح العين، وكسر الراء مشددة ~~على المبالغة والتكثير. وهذا آخر قصة فرعون. ### || [7.138-140] # قوله: { وجاوزنا ببني إسرآئيل } كقوله: # فرقنا بكم البحر # [البقرة: 50] من كون الباء يجوز أن تكون للتعدية، وأن تكون ~~للحالية، كقوله: [الوافر] # 2565 -.......................... # تدوس بنا الجماجم والتريبا # وقد تقدم. و " جاوز " بمعنى: جاز، ف " فاعل " بمعنى " فعل ". # وقرأ الحسن، وإبراهيم، وأبو رجاء ويعقوب جوزنا بالتشديد وهو ~~أيضا بمعنى " فعل " المجرد ك قدر وقدر. # قوله: يعكفون صفة ل " قوم ". وقرأ الأخوان " يعكفون " بكسر ~~الكاف، وتروى عن أبي عمرو أيضا، والباقون بالضم، وهما لغتان في ~~المضارع ك " يعرشون ". وقد تقدم معنى " العكوف " واشتقاقه في ~~البقرة. # قال قتادة: كان أولئك القوم من لخم، وكانوا نزولا بالرقة. # وقال ابن جريج: كانت تلك الأصنام تماثيل بقر، وذلك أول شأن قصة ~~العجل. # قال الكلبي:عبر بهم موسى البحر يوم عاشوراء بعد مهلك فرعون وقومه، ~~فصاموه شكرا لله عز وجل. # قوله: { قالوا يموسى اجعل لنآ إلها } أي: مثالا ~~نعبده. ولم يكن ذلك شكا من بني إسرائيل في وحدانية الله، وإنما ~~معناه: اجعل لنا شيئا نعظمه، ونتقرب بتعظيمه إلى الله، وظنوا أن ~~ذلك لا يضر الديانة، وكان ذلك لشدة جهلهم، لأن العبادة غاية ~~التعظيم، فلا تليق إلا ms4071 بمن يصدر عنه غاية الإنعام، وهو خالق الجسم، ~~والحياة والقدرة، والعقل، والأشياء المنتفع بها. وليس ذلك إلا الله ~~تعالى. # فصل # واعلم أن هذا القول لم يصدر عن كلهم، وإنما صدر من بعضهم؛ ~~لأنه كان مع موسى السبعون المختارون، وفيهم من يرتفع عن مثل هذا ~~السؤال. # قوله كما لهم آلهة الكاف في محل نصب صفة ل " إلها " ، أي: ~~إلها مماثلا لإلههم. وفي " ما " ثلاثة أوجه: أحدها: موصولة حرفية، ~~أي: تتأول بمصدر، وعلى هذا فصلتها محذوفة، وإذا حذفت صلة " ما ~~" المصدرية، فلا بد من إبقاء معمول صلتها، كقولهم: لا أكلمك ما ~~أن حراء مكانه، أي: ما ثبت أن حراء مكانه، وكذا هنا ~~تقديره: كما ثبت لهم آلهة، ف " آلهة " فاعل " ثبت " المقدر، أي: كما ~~أن " أن " المفتوحة في المثال المتقدم فاعل " ثبت " المقدر. # وقال أبو البقاء - هذا الوجه - ليس بجيد " والجملة بعدها صلة لها، ~~وحسن ذلك أن الظرف مقدر بالفعل ". # فصل # قال شهاب الدين: كلامه على ظاهره ليس بجيد؛ لأن " ما " ~~المصدرية لا توصل بالجملة الاسمية على المشهور، وعلى رأي من ~~يجوز ذلك، فيشترط فيها غالبا أن تفهم الوقت كقوله: [الكامل] # 2566 - واصل خليلك ما التواصل ممكن # فلأنت أو هو عن قريب ذاهب # ولكن المراد أن الجار مقدر بالفعل، وحينئذ تؤول إلى جملة ~~فعلية، أي: كما استقر لهم آلهة. # الثاني: أن تكون " ما " كافة لكاف التشبيه عن العمل، فإنها حرف ~~جر، وهذا كما تكف رب فيليها الجمل الاسمية، والفعلية، ولكن ~~ليس ذلك على سبيل الوجوب، بل يجوز في الكاف وفي " رب " مع " ما " ~~الزائدة بعدهما وجهان: العمل والإهمال، وعلى ذلك قول الشاعر: ~~[الطويل] # 2567 - وننصر مولانا ونعلم أنه # كما الناس مجروم عليه وجارم # وقول الآخر: [الخفيف] # 2568 - ربما الجامل المؤبل فيهم # وعناجيح بينهن المهار # وروي برفع " الناس، والجامل " وجرهما، هذا إذا أمكن الإعمال، إما ~~إذا لم يمكن تعين أن تكون كافة كهذه الآية، إذا قيل: بأن " ما ~~" زائدة. # الثالث: أن تكون " ما " بمعنى " الذي " ، و " لهم " صلتها، وفيه ~~حينئذ ضمير مرفوع مستتر، ms4072 و " آلهة " بدل من ذلك الضمير، ~~والتقدير: كالذي استقر هو لهم آلهة. # وقال أبو البقاء - في هذا الوجه -: والعائد محذوف، و " آلهة " ~~بدل منه، تقديره: كالذي هو لهم وتسميته هذا حذفا تسامح، ~~لأن ضمائر الرفع إذا كانت فاعلة لا توصف بالحذف، بل بالاستتار. # قوله إن هؤلاء متبر ما هم فيه. هؤلاء إشارة لمن عكفوا ~~على الأصنام، ومتبر فيه وجهان: أحدهما: أن يكون خبرا ل " إن " و ~~" ما " موصولة بمعنى " الذي " وهم فيه جملة اسمية صلة وعائده، ~~وهذا الموصول مرفوع باسم المفعول فتكون قد أخبرت بمفرد رفعت به ~~سببيا. # والثاني: أن يكون الموصول مبتدأ، ومتبر خبره قدم عليه، ~~والجملة خبر ل " إن ". # قال الزخشري: وفي إيقاع " هؤلاء " اسما ل " إن " ، وتقديم خبر ~~المبتدأ من الجملة الواقعة خبرا لها وسم لعبدة الأصنام بأنهم هم ~~المعرضون للتبار، وأنه لا يعدوهم ألبتة، وأنه لهم ~~ضربة لازم، ليحذرهم عاقبة ما طلبوا، ويبغض إليهم ما أحبوا. # قال أبو حيان: " ولا يتعين ما قاله من تقديم خبر المبتدأ من ~~الجملة الواقعة خبرا ل " إن " ، لأن الأحسن في إعراب مثل هذا أن ~~يكون متبر خبرا ل " إن " وما بعده مرفوع " فذكر ما ~~قررته، ونظره بقولك: " إن زيدا مضروب غلامه ". # قال: فالأحسن أن يكون " غلامه " مرفوعا ب " مضروب " ، ثم ذكر الوجه ~~[الثاني] وهو أن يكون " متبر " خبرا مقدما من الجملة، وجعله ~~مرجوحا. # وهو كما قال، لأن الأصل في الأخبار أن تكون مفردة، فما أمكن فيها ~~ذلك لا يعدل عنه، إلا أن الزمخشري لم يذكر ذلك على سبيل التعيين، ~~بل على أحد الوجهين وقد يكون هذا عنده أرجح من جهة ما ذكر من المعنى، ~~وإذا دار الأمر بين مرجح لفظي، ومرجح معنوي فاعتبار ~~المعنوي أولى، ولا أظن حمل الزمخشري على ذلك إلا ما ذكرت. # وقوله { وباطل ما كانوا } كقوله { متبر ما هم فيه } ~~من جواز الوجهين وما ذكر فيهما. # والتتبير: الإهلاك، ومنه " التبر " وهو كسارة الذهب، لتهالك ~~الناس عليه. # وقيل: التتبير: التكسير، والتحطيم. والبطلان قيل: عدم الشيء ~~إما بعدم ذاته، ms4073 وإما بعدم فائدته ومقصوده. # قوله: " أغير الله " الهمزة للإنكار، والتوبيخ، وفي نصب ~~غير وجهان: أحدهما: أنه مفعول به ل " أبغيكم " على حذف ~~اللام، تقديره: أبغي لكم غير الله، أي: أطلب لكم فلما حذف ~~الحرف، وصل الفعل بنفسه، وهو غير منقاس، وفي إلها على هذا وجهان: ~~أظهرهما: أنه تمييز ل " غير " ، والثاني: أنه حال، ذكره أبو حيان ~~وفيه نظر. # والثاني: من وجهي " غير ": أنه منصوب على الحال من إلها وإلها هو ~~المفعول به ل " أبغيكم " على ما تقرر، والأصل: أبغي لكم إلها ~~غير الله، ف " غير الله " صفة ل: إله، فلما قدمت صفة ~~النكرة عليها نصبت حالا. # وقال ابن عطية: و " غير " منصوبة بفعل مضمر، وهذا هو الظاهر، ~~ويجوز أن يكون حالا. وهذا الذي ذكره من إضمار الفعل لا حاجة إليه فإن ~~أراد أنه على الاشتغال فلا يصح؛ لأن شرطه أن يعمل المفسر ~~في ضمير الأول، أو سببه. # قوله: " أبغيكم " قال الواحدي. # يقال: بغيت فلانا شيئا وبغيت له. # قال تعالى: # يبغونكم الفتنة # [التوبة: 47] أي: يبغون لكم. والمعنى: أطلب لكم غير الله معبودا. # واعلم أن موسى - عليه الصلاة والسلام - لما قالوا له: { اجعل ~~لنآ إلها كما لهم آلهة } أجابهم بوجوه كثيرة: أولها: ~~حكم عليهم بالجهل فقال: { إنكم قوم تجهلون }. # وثانيها: قوله: { إن هؤلاء متبر ما هم فيه } أي: ~~بسبب الخسران والهلاك. # وثالثها: قوله: { وباطل ما كانوا يعملون } أي هذا ~~العمل الشاق لا يفيدهم نفعا في الدنيا والدين. # ورابعها: استفهامه منهم على وجه الإنكار والتوبيخ، فقال: { أغير ~~الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين } ~~أي: أن الإله ليس شيئا يطلب ويتخذ، بل الإله هو الذي يكون قادرا على ~~الإنعام بالإيجاد وإعطاء الحياة، وجميع النعم، وهو المراد بقوله: { ~~وهو فضلكم على العالمين } ، فهذا هو الذي يجب على الخلق ~~عبادته، فكيف يجوز العدول عن عبادته إلى عبادة غيره. # قوله: { وهو فضلكم } يجوز أن يكون في محل نصب على الحال، ~~إما من الله وإما من المخاطبين، لأن الجملة مشتملة على كل ~~من ضميريهما، ويجوز ألا يكون ms4074 لها محل، لاستئنافها. # وفي هذا التفضيل قولان: الأول: أنه تعالى فضلكم على عالمي زمانكم، ~~الثاني: أنه تعالى خصهم بتلك الآيات القاهرة، ولم يحصل ~~مثلها لأحد من العالمين، وإن كان غيرهم فضلهم بسائر الخصال، مثل: ~~رجل تعلم علما واحدا، وآخر تعلم علوما كثيرة سوى ذلك العلم، فصاحب ~~العلم الواحد يفضل على صاحب العلوم الكثيرة بذلك الواحد، إلا أن ~~صاحب العلوم الكثيرة يفضل على صاحب العلم الواحد في الحقيقة. ### || [7.141-143] # قوله: { وإذ أنجيناكم }. قرأ العامة مسندا إلى المعظم، ~~وابن عامر أنجاكم مسندا. إلى ضمير الله تعالى جريا على قوله: ~~" وهو فضلكم " ، وقرىء: " نجيناكم " مشددا، و [قد] ~~تقدم الخلاف في تشديد " يقتلون " وتخفيفها قبل هذه الآية، وتقدم في ~~البقرة إعراب هذه الآية وتفسيرها. # فصل # والفائدة في ذكرها ههنا: أنه تعالى هو الذي أنعم عليكم بهذه النعمة ~~العظيمة، فكيف يليق الاشتغال بعبادة غير الله تعالى. # قوله: { وواعدنا موسى ثلاثين } تقدم الخلاف في " ~~وعدنا " و " واعدنا " وأن الظرف بعد مفعول ثاني على حذف ~~مضاف، ولا يجوز أن يكون ظرفا لفساد المعنى في البقرة فكذا هنا، أي: ~~وعدناه تمام ثلاثين، أو إتيانها، أو مناجاتها. # قوله: { وأتممناها بعشر } في هذا الضمير قولان: أحدهما: ~~أنه يعود على المواعدة المفهومة من واعدنا أي: وأتممنا مواعدته ~~بعشر. # الثاني: أنه يعود على ثلاثين قاله الحوفي. # قال أبو حيان: ولا يظهر؛ لأن الثلاثين لم تكن ناقصة فتتم بعشر، ~~وحذف تمييز عشر لدلالة الكلام عليه أي: وأتممناها بعشر ليال، ~~وفي مصحف أبي وتممناها بالتضعيف، عداه بالتضعيف. # قوله: { فتم ميقات ربه أربعين } الفرق بين الميقات، ~~والوقت، أن الميقات: ما قدر فيه عمل من الأعمال، والوقت: وقت ~~الشيء من غير تقدير عمل، أو تقريره. # وفي نصب " أربعين " أربعة أوجه: # أحدها: أنه حال. # قال الزمخشري: " وأربعين " نصب على الحال: أي تم بالغا هذا ~~العدد. # قال أبو حيان فعلى هذا لا يكون الحال " أربعين " ، بل الحال هذا ~~المحذوف فينافي قوله. # قال شهاب الدين: لا تنافي فيه، لأن النحاة لم يزالوا ينسبون ~~الحكم للمعمول الباقي بعد حذف عامله ms4075 المنوب عنه، وله شواهد منها: زيد في ~~الدار، أو عندك. # فيقولون: الجار والظرف خبر، والخبر في الحقيقة: إنما هو ~~المحذوف المقدر العامل فيهما، وكذا يقولون: جاء زيد بثيابه، ف " ~~بثيابه " حال، والحال إنما هو العامل فيه إلى غير ذلك وقدره ~~الفارسي ب: معدودا. # قال: كقولك: تم القوم عشرين رجلا، أي: معدودين هذا العدد وهو تقدير ~~حسن. # الثاني: أنه ينتصب أربعين على المفعول به. # قال أبو البقاء: " لأن معناه بلغ، فهو كقولهم: بلغت أرضك ~~جريبين " أي: بتضمين " تم " معنى " بلغ ". # الثالث: أنه منصوب على الظرف. # قال ابن عطية: " ويصح أن يكون أربعين ظرفا من حيث هي عدد أزمنة ~~" ، وفي هذا نظر، كيف يكون ظرفا للتمام، والتمام إنما هو بآخر جزء ~~من تلك الأزمنة؟ إلا بتجوز بعيد، وهو أن كل جزء من أجزاء الوقت ~~سواء كان أولا أم آخرا إذا نقص ذهب التمام. # الرابع: أن ينتصب على التمييز # قال أبو حيان: والأصل: فتم أربعون ميقات ربه، ثم أسند ~~التمام إلى ميقات وانتصب أربعون على التمييز. فهو منقول من ~~الفاعلية، يعني فيكون كقوله: # واشتعل الرأس شيبا # [مريم: 4] وهذا الذي قاله وجعله هو الذي يظهر يشكل بما ذكره هو في ~~الرد على الحوفي؛ حيث قال هناك " إن الثلاثين لم تكن ناقصة، ~~فتتم " لذلك ينبغي أن يقال هنا: إن الأربعين لم تكن ناقصة فتتم فكيف ~~يقدر: فتم أربعون ميقات ربه؟ فإن أجاب هنا بجواب، فهو ~~جواب هناك لمن اعترض عليه. # وقوله: { فتم ميقات ربه أربعين ليلة } في هذه ~~الجملة قولان: # أظهرهما: أنها للتأكيد، لأن قوله قبل ذلك: " وأتممناها بعشر ~~" فهم أنها أربعون ليلة. # وقيل: بل هي للتأسيس، لاحتمال أن يتوهم متوهم بعشر ساعات، أو ~~غير ذلك، وهو بعيد. # وقوله ربه ولم يقل: ميقاتنا جريا على " واعدنا " لما في ~~إظهار هذا الاسم الشريف من الاعتراف بربوبية الله له وإصلاحه له. # فصل # روي أن موسى - عليه الصلاة والسلام - وعد بني إسرائيل وهو بمصر: ~~إن أهلك الله عدوهم؛ أتاهم بكتاب من عند الله فيه بيان ما يأتون وما ms4076 ~~يذرون، فلما هلك فرعون سأل موسى ربه الكتاب فهذه الآية في بيان كيفية ~~نزول التوراة. # فصل # فإن قيل: " الأربعون " المذكورة في البقرة: هي هذه الأربعون ~~المفصلة ههنا، فما فائدة التفصيل؟ فالجواب من وجوه: # الأول: أنه تعالى أمر موسى بصوم ثلاثين يوما، وهو شهر ذي القعدة ~~فلما تم الثلاثين أنكر خلوف فيه فتسوك فقالت الملائكة: كنا ~~نشم من فيك رائحة المسك؛ فأفسدته بالسواك، فأوحى الله إليه أما ~~علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك؟ فأمره ~~الله تعالى أن يزيد عليها عشرة أيام من ذي الحجة لهذا السبب. # الثاني: أن الله تعالى أمره بصوم ثلاثين يوما، وأن يعمل فيها ما ~~يقربه إلى الله تعالى، ثم أنزل التوراة العشر من ذي ~~الحجة، وكلمه أيضا فيه فهذه فائدة تفصيل الأربعين إلى ~~الثلاثين، وإلى العشرة. # قال ابن عباس ومسروق ومجاهد: الثلاثين ليلة هي شهر ذي القعدة ~~بكماله، وأتمت أربعين ليلة بعشر ذي الحجة، فعلى هذا يكون كلام ربه له ~~يوم عيد النحر. # وفي مثله أكمل الله عز وجل دين محمد صلى الله عليه وسلم. # الثالث: قال أبو مسلم في سورة طه: إن موسى - عليه الصلاة ~~والسلام - بادر إلى ميقات ربه قبل قومه، لقوله تعالى: # ومآ أعجلك عن قومك يموسى قال هم أولاء على ~~أثري # [طه: 83،84]. # فجائز أن يكون موسى أتى الطور عند تمام الثلاثين، فلما أعلمه ~~الله خبر قومه مع السامرين، رجع إلى قومه قبل تمام ما وعده، ثم ~~عاد إلى الميقات في عشر أخر، فتم ميقات ربه أربعين ليلة. # الرابع: قيل لا يمتنع أن يكون الوعد الأول حضره موسى عليه الصلاة ~~والسلام وحده، والوعد الثاني حضره المختارون معه ليسمعوا كلام ~~الله، فصار الوعد مختلفا لاختلاف الحاضرين. # قوله: { وقال موسى لأخيه هارون اخلفني }. الجمهور على ~~فتح نون هارون وفيه ثلاثة أوجه: # الأول: أنه مجرور بدلا من أخيه. الثاني: أنه عطف بيان له. الثالث: ~~أنه منصوب بإضمار: أعني، وقرىء شاذا بالضم، وفيه وجهان: # أحدهما: أنه منادى حذف منه حرف النداء، أي: يا ms4077 هارون ~~كقوله: # يوسف # [يوسف: 29]. # والثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو هارون. وهذا في المعنى ~~كالوجه الذي تقدم من أنه منصوب بإضمار: أعني، فإن كليهما قطع. # وقال أبو البقاء: " ولو قرىء بالرفع " وذكرهما، وكأنه لم ~~يطلع على أنها قراءة. # قال: " ومن دعاك منهم إلى الفساد؛ فلا تتبعه، ولا تطعه " وقال ~~اخلفني أي: كن خليفتي في قومي وأصلح وكن مصلحا، أو وأصلح ما ~~يجب أن يصلح من أمور بني إسرائيل. # { وقال موسى } عند انطلاقه إلى المناجاة لأخيه هارون. # فإن قيل: إن هارون كان شريك موسى - عليهما الصلاة والسلام - في ~~النبوة، فكيف جعله خليفة لنفسه؛ فإن شريك الإنسان أعلى حالا من ~~خليفته ورد الإنسان من منصبه الأعلى إلى الأدنى يكون إهانة له. # فالجواب: أن الأمر، وإن كان كما ذكرتم، إلا أن موسى - عليه ~~الصلاة والسلام - كان هو الأصل في تلك النبوة. # فإن قيل: لما كان هارون نبيا، والنبي لا يفعل إلا الأصلح فكيف ~~وصاه بالإصلاح؟ # فالجواب: أن المقصود من هذا الأمر: التأكيد كقوله تعالى: # ولكن ليطمئن قلبي # [البقرة: 260]. # قوله: { ولما جآء موسى لميقاتنا } اللام في لمقاتنا ~~للاختصاص، وكذا في قوله تعالى # لدلوك الشمس # [الإسراء: 78]، وليست بمعنى عند. # قوله: { وكلمه ربه } ، هذه الفائدة التي لأجلها حضر موسى - ~~عليه الصلاة والسلام - الميقات واختلفوا في أنه تعالى كلم ~~موسى وحده، أو مع أقوام آخرين. وظاهر الآية أنه تعالى كلمه ~~وحده؛ لأنه يدل على تخصيص موسى بهذا التشريف. # وقال القاضي: " بل السبعون المختارون سمعوا كلام الله؛ لأن ~~الغرض بإحضارهم أن يخبروا قوم موسى عما يجري هناك ". # فصل # دلت الآية على أنه تعالى يجوز أن يرى؛ لأن موسى - عليه ~~الصلاة والسلام - سأل الرؤية، ولا شك أنه كان عارفا بما يجب ~~ويجوز ويمتنع على الله، فلو كانت الرؤية ممتنعة على الله تعالى ~~لما سألها، وأنكرت المعتزلة ذلك، والبحث في هذه المسألة مذكورة في كتب ~~أصول الدين. # فصل # نقل عن ابن عباس أنه قال: جاء موسى ومعه السبعون، وصعد موسى ~~الجبل وبقي السبعون في أسفل الجبل، وكلم الله موسى، ms4078 وكتب له ~~في الألواح كتابا وقربه نجيا، فلما سمع موسى صرير القلم عظم ~~شوقه. # فقال: { رب أرني أنظر إليك }. # قوله: " أرني " مفعوله الثاني محذوف، تقديره: أرني نفسك، أو ~~ذاتك المقدسة، وإنما حذفه مبالغة في الأدب، حيث لم يواجهه ~~بالتصريح بالمفعول، وأصل " أرني " " أرإني " فنقلت حركة ~~الهمزة، وقد تقدم تحريره. # فصل # فإن قيل: النظر إما أن يكون عبارة عن الرؤية، أو عن مقدمتها، ~~وهي تقليب الحدقة إلى جانب المرئي التماسا لرؤيته، وعلى التقدير ~~الأول: يكون المعنى: أرني حتى أراك، وهذا فاسد، وعلى التقدير ~~الثاني: يكون المعنى: أرني حتى أقلب الحدقة إلى جانبك وهذا فاسد ~~لوجهين: أحدهما: أنه يقتضي إثبات الجهة. والثاني: أن تقليب ~~الحدقة إلى جهة المرئي مقدمة للرؤية؛ فجعله كالنتيجة عن الرؤية ~~وذلك فاسد. # فالجواب: أن معنى أرني: اجعلني متمكنا من رؤيتك حتى أنظر إليك ~~وأراك. # فإن قيل: كيف سأل الرؤية وقد علم أنه لا يرى؟ # قال الحسن: هاج به الشوق؛ فسأل الرؤية. # وقيل: سأل الرؤية ظنا منه أنه يجوز أن يرى في الدنيا. # قوله: " لن تراني " قد تقدم أن " لن " لا يلزم من نفيها ~~التأبيد، وإن كان بعضهم فهم ذلك، حتى إن ابن عطية قال " فلو ~~بقينا على هذا النفي المجرد لتضمن أن موسى لا يراه أبدا، ولا ~~في الآخرة لكن ورد من جهة أخرى في الحدث المتواتر أن أهل الجنة ~~يرونه ". # قال شهاب الدين: " وعلى تقدير أن " لن " ليست مقتضية للتأبيد، ~~فكلام ابن عطية وغيره ممن يقول: إن نفي المستقبل بعدها ~~يعم جميع الأزمنة المستقبلة - صحيح، لكن لمدرك آخر، وهو أن ~~الفعل نكرة، والنكرة في سياق النفي تعم، وللبحث فيه مجال ". # والدليل على أن " لن " لا تقتضي التأبيد قوله تعالى: # ولن يتمنوه أبدا # [البقرة: 95] أخبر عن اليهود، ثم أخبر عنهم أنهم يتمنون الموت في ~~الآخرة يقولون: # يملك ليقض علينا ربك # [الزخرف: 77] # يليتها كانت القاضية # [الحاقة: 27]. # فإن قيل: كيف قال: " لن تراني " ولم يقل: لن تنظر إلي، حتى ~~يطابق قوله أنظر إليك؟ فالجواب أن النظر لما كان مقدمة ~~للرؤية ms4079 كان المقصود هو الرؤية لا النظر الذي لا رؤية معه. # والاستدراك في قوله: { ولكن انظر إلى الجبل } واضح، فإن ~~قلت: كيف اتصل الاستدراك في قوله: { ولكن انظر إلى الجبل } فالجواب: ~~المقصود من تعظيم أمر الرؤية، وأن أحدا لا يقوى على رؤية الله ~~تعالى إلا إذا قواه الله بمعونته وتأييده؛ ألا ترى أنه لما ظهر أثر ~~التجلي والرؤية للجبل اندك؛ فدل ذلك على تعظيم أمر الرؤية. # فصل # وقال الزمخشري: فإن قلت: كيف اتصل الاستدراك في قوله: ولكن انظر. # قلت: اتصل به على معنى أن النظر إلي محال فلا تطلبه، ولكن ~~اطلب نظرا آخر، وهو أن تنظر إلى الجبل. # وهذا على رأيه من أن الرؤية محال مطلقا في الدنيا، والآخرة. # قوله: { فإن استقر مكانه فسوف تراني }: علق ~~الرؤية على استقرار الجبل، واستقرار الجبل على التجلي غير مستحيل إذا ~~جعل الله له تلك القوة، والمعلق بما لا يستحيل لا يكون محالا. # قوله { فلما تجلى ربه للجبل }: قال الزجاج: " ~~تجلى " أي: " ظهر وبان ". # ومنه يقال: جلوت العروس إذا أبرزتها، وجلوت السيف والمرآة: إذا ~~أزلت ما عليهما من الصدأ. وهذا الجبل أعظم جبل بمدين يقال له: زبير. # قال ابن عباس: ظهر نور ربه للجبل. # قوله: " جعله دكا " قرأ الأخوان " دكاء " بالمد، غير ~~منون، على وزن " حمراء " والباقون بالقصر والتنوين، فقراءة الأخوين ~~تحتمل وجهين: # أحدهما: أنها مأخوذة من قولهم: " ناقة دكاء " أي: منبسطة ~~السنام، غير مرتفعة، والمعنى جعله مستويا. وإما من قولهم: أرض دكاء ~~للناشزة روي أنه لم يذهب كله، بل ذهب أعلاه. # وأما قراءة الجماعة ف " الدك " مصدر واقع موقع المفعول به بمعنى ~~المدكوك، أي: مدكوكا، أو من دك، أو على حذف مضاف أي ذا دك، ~~والمعنى: جلعه مدقوقا والدك والدق واحد، وهو تفتيت الشيء ~~وسحقه. # وقيل: تسويته بالأرض. # في انتصابه على القراءتين وجهان، أشهرهما: أنه مفعول ثان ل " ~~جعل " بمعنى: صير. # والثاني - وهو رأي الأخفش -: أنه مصدر على المعنى، إذ التقدير: ~~دكه دكا، وأما على القراءة الأولى فهو مفعول فقط أي صيره مثل ناقة ms4080 ~~دكاء أو الأرض دكا. # وقرأ ابن وثاب دكا بضم الدال والقصر، وهو جمع دكاء بالمد، ~~ك: حمر في حمراء، وغر في غراء أي: جعله قطعا. # قال الكلبي: كسرا جبالا صغارا. ووقع في بعض التفاسير أنه تكسر ~~ستة أجبل، ووقعت ثلاثة بالمدينة: أحد، وودقان، ورضوى، ووقعت ثلاثة ~~بمكة: ثور، وثبير، وحراء. # قوله: { وخر موسى صعقا }. الخرور: السقوط كذا أطلقه أبو ~~حيان وقيده الراغب بسقوط يسمع له خرير، والخرير يقال لصوت ~~الماء والريح. # ويقال كذلك لما يسقط من علو وصعقا حال مقارنة. # قال الليث: الصعق مثل الغشي يأخذ الإنسان والصعقة ~~الغشي. # يقال: صعق الرجل يصعق، فهو مصعوق. # قال ابن عباس: مغشيا عليه. # وقال قتادة: ميتا. # يقال: صعق إذا مات. # قال تعالى: # فصعق من في السماوات ومن في الأرض # [الزمر: 68] فسروه بالموت. # وقال: # يومهم الذي فيه يصعقون # [الطور: 45] أي: يموتون. # قال الزمخشري: " صعق أصله من الصاعقة ". # والقول الأول أولى؛ لقوله تعالى { فلمآ أفاق }. # قال الزجاج: ولا يقال للميت: قد أفاق من موته، وقال تعالى في ~~الذين ماتوا ثم أحيوا: # ثم بعثناكم من بعد موتكم # [البقرة: 56]. # قوله: { فلمآ أفاق } الإفاقة: رجوع الفهم والعقل إلى الإنسان ~~بعد جنون أو سكر ومنه إفاقة المريض، وهي رجوع قوته، وإفاقة الحلب، ~~وهي رجوع الدر إلى الضرع. # يقال: استفق ناقتك أي: اتركها حتى يعود لبنها، والفواق: ~~ما بين حلبتي الحالب. وسيأتي بيانه [ص15] إن شاء الله تعالى. # قوله سبحانك أي: تنزيها لك من أن أسألك شيئا بغير إذنك تبت ~~إليك من سؤال الرؤية في الدنيا، أو من سؤال الرؤية بغير إذنك. { ~~وأنا أول المؤمنين } بأنك لا ترى في الدنيا، أو بأنه ~~لا يجوز السؤال منك إلا بإذنك. # وقيل: أول المؤمنين من قومي. # وقيل: من بني إسرائيل في هذا العصر. ### || [7.144-145] # قوله: { يموسى إني اصطفيتك على الناس }. الاصطفاء: ~~استخلاص الصفوة أي: اخترتك واتخذتك صفوة على الناس. # قال ابن عباس: " فضلتك على الناس ". قرأ ابن كثير، وأبو ~~عمرو إني بفتح الياء، وكذلك # أخي اشدد # [طه: 31،30]. # قوله برسالاتي أي: بسبب. # وقرأ ms4081 الحرميان: برسالتي بالإفراد، والمراد به المصدر، أي: ~~بإرسالي إياك، ويجوز أن يكون على حذف مضاف، أي: بتبليغ رسالتي. ~~والرسالة: نفس الشيء المرسل به إلى الغير. # وقرأ الباقون بالجمع اعتبارا بالأنواع، وقد تقدم ذلك في المائدة ~~والأنعام. # قال القرطبي: ومن جمع على أنه أرسل بضروب من الرسالة فاختلف أنواعها، ~~فجمع المصدر لاختلاف أنواعه؛ كقوله: # إن أنكر الأصوات لصوت الحمير # [لقمان: 19] واختلاف المصوتين، ووحد في قوله: لصوت لما أراد به ~~جنسا واحدا من الأصوات. # قوله: " وبكلامي " هي قراءة العامة، فيحتمل أن يراد به ~~المصدر، أي: بتكليمي إياك، كقوله: # وكلم الله موسى تكليما # [النساء: 164] وقوله: [الطويل] # 2569 -........................ # تكلمني فيها شفاء لما بيا # أي: بتكليمي إياها، ويحتمل أن يراد به التوراة، وما أوحاه إليه من ~~قولهم للقرآن " كلام الله " تسمية للشيء بالمصدر. وقدم الرسالة ~~على الكلام؛ لأنها أسبق، أو ليترقى إلى الأشرف، وكرر حرف الجر، ~~تنبيها على مغايرة الاصطفاء. # وقرأ الأعمش: " برسالاتي وبكلمي " جمع " كلمة " وروى عنه ~~المهدوي أيضا " وتكليمي " على وزن التفعيل، وهي تؤيد أن ~~الكلام مصدر. # وقرأ أبو رجاء " برسالتي " بالإفراد و " بكلمي " بالجمع، أي: ~~وبسماع كلمي. # فصل # لما طلب موسى - عليه الصلاة والسلام - الرؤية ومنعه الله تعالى، عدد ~~عليه وجوه نعمه العظيمة، وأمره بشكرها. # كأنه قال له: إن كنت قد منعتك الرؤية فقد أعطيتك من النعم ~~العظيمة كذا وكذا، فلا يضيق صدرك بسبب منع الرؤية، وانظر إلى أنواع ~~النعم التي خصصتك بها واشتغل بشكرها، والمراد: تسلية موسى - عليه ~~الصلاة والسلام - عن منع الرؤية. # فإن قيل: كيف اصطفاه على الناس برسالاته مع أن كثيرا من الناس ~~قد ساواه في الرسالة؟ فالجواب: أنه تعالى بين أنه خصه من ~~دون الناس بمجموع الأمرين: وهو الرسالة مع الكلام بغير واسطة، وهذا ~~المجموع لم يحصل لغيره، وإنما قال: " على الناس " ولم يقل: على ~~الخلق؛ لأن الملائكة تسمع كلام الله من غير واسطة كما سمعه موسى. # قال القرطبي: " ودل هذا على أن قومه لم يشاركه أحد منهم في ~~التكليم ولا أحد من السبعين ". # قوله: { فخذ مآ آتيتك ms4082 } أي: اقنع بما أعطيتك. { وكن من ~~الشاكرين } ، أي: المظهرين لإحساني إليك، وفضلي عليك. # يقال: دابة شكور، إذا ظهر عليها من السمن فوق ما تعطى من ~~العلف، والشاكر متعرض للمزيد؛ كما قال تعالى: # لئن شكرتم لأزيدنكم # [إبراهيم: 7]. # قوله تعالى: { وكتبنا له في الألواح من كل شيء ~~موعظة }. قوله: في الألواح يجوز أن تكون لتعريف الماهية، وأن ~~تكون للعهد؛ لأنه يروى في القصة أنه هو الذي قطعها ~~وشققها. # وقال ابن عطية أل عوض من الضمير، تقديره: في ألواحه، وهذا كقوله: # فإن الجنة هي المأوى # [النازعات: 41] أي: مأواه. أما كون أل عوضا من الضمير فلا يعرفه ~~البصريون. وأما قوله: { فإن الجنة هي المأوى } فإنا ~~نحتاج فيه إلى رابط يربط بين الاسم والخبر، والكوفيون: يجعلون أل ~~عوضا من الضمير. والبصريون: يقدرونه، أي: هي المأوى له، وأما في ~~هذه الآية فلا ضرورة تدعو إلى ذلك. # وفي مفعول " كتبنا " ثلاثة أوجه، أحدها: أنه " موعظة " ، أي: ~~كتبنا له موعظة وتفصيلا. و { من كل شيء } على هذا فيه ~~وجهان، أحدهما: متعلق ب " كتبنا " والثاني: أنه متعلق ~~بمحذوف؛ لأنه في الأصل صفة ل " موعظة " فلما قدم عليها ~~نصب حالا، و " لكل شيء " صفة ل " تفصيلا ". # والثاني: أنه { من كل شيء }. # قال الزمخشري { من كل شيء } في محل نصب مفعول " كتبنا " ، ~~و " موعظة وتفصيلا " بدل منه، والمعنى: كتبنا له كل شيء ~~كان بنو إسرائيل يحتاجون إليه في دينهم من المواعظ، وتفصيل ~~الأحكام وتفصيل الحلال والحرام. # الثالث: أن المفعول محل المجرور. # وقال أبو حيان - بعد ما حكى الوجه الأول عن الحوفي والثاني عن ~~الزمخشري -: ويحتمل عندي وجه ثالث، وهو أن يكون مفعول " ~~كتبنا " موضع المجرور، كما تقول: " أكلت من الرغيف " و " من " ~~للتبعيض، أي: كتبنا له أشياء من كل شيء، وانتصب " موعظة ~~وتفصيلا " على المفعول من أجله، أي: كتبنا له تلك الأشياء ~~للاتعاظ وللتفصيل. # قال شهاب الدين: " والظاهر أن هذا الوجه هو الذي أراده ~~الزمخشري، فليس وجها ثالثا ". # قوله: " بقوة " حال: إما من الفاعل، أي: ملتبسا بقوة، وإما ~~من المفعول، أي: ms4083 ملتبسه بقوة، أي: بقوة دلائلها وبراهينها، والأول ~~أوضح. والجملة من قوله: " فخذها " يحتمل أن تكون بدلا من قوله { ~~فخذ مآ آتيتك } وعاد الضمير على معنى " ما " لا على لفظها. ~~ويحتمل أن تكون منصوبة بقول مضمر، ذلك القول منسوق على جملة " ~~كتبنا " والتقدير: وكتبنا فقلنا: خذها، والضمير على هذا عائد ~~على الألواح أو على التوراة، أو على الرسالات، أو على كل شيء؛ ~~لأنه في معنى الأشياء. # قال القرطبي: " فكأن اللوح تلوح فيه المعاني. ويقال: رجل عظيم ~~الألواح إذا كان كبير عظم اليدين، والرجلين ". # فصل # قال الكلبي: خر موسى صعقا يوم الخميس يوم عرفة، وأعطي ~~التوراة يوم الجمعة يوم النحر، واختلفوا في عدد الألواح وجوهرها ~~فقيل: كانت عشرة، وقيل سبعة. # وقيل: إنها لوحان. # وقال الواحدي: كانت من زمردة. # وقيل: من زبرجدة خضراء، وقيل: ياقوتة، وقيل: من خشب سور الجنة طول كل ~~لوح اثني عشرة ذراعا. # وقال وهب: من صخرة صماء لينها الله لموسى. # قيل: رفع سبعها وبقيت ستة أسباعها، وكان في الذي رفع تفصيل كل شيء وفي ~~الذي بقي الهدى والرحمة، وليس في الآية ما يدل على شيء من ذلك، ولا على ~~كيفية الكتابة فإن ثبت في ذلك شيء بدليل منفصل قوي وجب القول به، ~~وإلا وجب السكوت عنه. وأما قوله من كل شيء فليس على العموم، بل ~~المراد من كل شيء يحتاج موسى وقومه إليه في دينهم. # وقوله: { موعظة وتفصيلا لكل شيء } فهو كالبيان ~~للجملة التي قدمها بقوله: { من كل شيء } ثم قال: " فخذها ~~بقوة " أي: بعزيمة قوية ونية صادقة. # قوله: { وأمر قومك يأخذوا بأحسنها }. الظاهر ~~أن يأخذوا مجزوم جوابا للأمر في قوله وأمر ولا بد من ~~تأويله، لأنه لا يلزم من أمره إياهم بذلك أن يأخذوا، بدليل ~~عصيان بعضهم له في ذلك، فإن شرط ذلك انحلال الجملتين إلى شرط ~~وجزاء. # وقيل: الجزم على إضمار اللام تقديره: ليأخذوا؛ كقوله: [الوافر] # 2570 - محمد تفد نفسك كل نفس # إذا ما خفت من أمر تبالا # وهو مذهب الكسائي. # وابن مالك يرى جوازه إذا كان ms4084 في جواب " قل " ، وهنا لم يذكر " ~~قل " ، ولكن ذكر شيء بمعناه؛ لأن معنى " وأمر " و " قل " واحد. # قوله: " بأحسنها " يجوز أن يكون حالا كما تقدم في: " ~~بقوة " ، وعلى هذا فمفعول " يأخذوا " محذوف تقديره: يأخذوا ~~أنفسهم، ويجوز أن تكون الباء زائدة، وأحسنها مفعول به، والتقدير: ~~يأخذوا أحسنها كقوله: [البسيط] # 2571 -........................... # سود المحاجر لا يقرأن بالسور # وقد تقدم تحقيقه في قوله تعالى: # ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة # [البقرة: 195]. # و " أحسن " يجوز أن تكون للتفضيل على بابها، وأن لا تكون بل بمعنى " ~~حسنة ". # كقول الفرزدق: [الكامل] # 2572 - إن الذي سمك السماء بنى لنا # بيتا دعائمه أعز وأطول # أي: عزيزة طويلة. # فإن قيل: إنه تعالى لما تعهد بكل ما في التوراة، وجب أن يكون ~~الكل حسنا. # وقوله: { يأخذوا بأحسنها # } يقتضي أن يكون فيه ما ليس بأحسن، وأنه لا يجوز لهم الأخذ به وهو ~~متناقض. # وأجابوا بوجوه: منها: أن تلك التكاليف منها ما هو حسن، ومنها ما ~~هو أحسن كالقصاص والعفو، والانتصار، والصبر، أي: فمرهم أن يأخذوا ~~بالأفضل فإنه أكثر ثوابا، لقوله: # واتبعوا أحسن مآ أنزل إليكم من ربكم # [الزمر: 55] وقوله: # الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه # [الزمر: 18]. # قالوا: فيحمل الأخذ بالأحسن على الندب. # ومنها: قال قطرب: # { يأخذوا بأحسنها } أي: بحسنها، وكلها حسن؛ كقوله تعالى: # ولذكر الله أكبر # [العنكبوت: 45] وأنشد بيت الفرزدق المتقدم. ومنها: أن الحسن يدخل تحته ~~الواجب، والمندوب، والمباح وأحسن هذه الثلاثة: الواجب، والمندوب. # قوله: { سأوريكم دار الفاسقين } جوزوا في الرؤية هنا ~~أن تكون بصرية، وهو الظاهر فتتعدى لاثنين، أحدهما: ضمير ~~المخاطبين، والثاني: دار. # والثاني: أنها قلبية، وهو منقول عن ابن زيد وغيره، والمعنى: ~~سأعلمكم سير الأولين وما حل بهم من النكال: وقيل: " دار ~~الفاسقين " ما دار إليه أمرهم، وذلك لا يعلم إلا بالإخبار ~~والإعلام. # قال ابن عطية - معترضا على هذا الوجه -: ولو كان من رؤية ~~القلب، لتعدى بالهمزة إلى ثلاثة مفاعيل. # ولو قال قائل: المفعول الثالث يتضمنه المعنى، فهو مقدر أي: ~~مذمومة أو خربة أو مسعرة - على قول من قال: إنها جهنم - قيل ms4085 له: ~~لا يجوز حذف هذا المفعول، ولا الاقتصار دونه، لأنها داخلة ~~على الابتداء والخبر، ولو جوز لكان على قبح في اللسان، لا يليق ~~بكتاب الله تعالى. # قال أبو حيان: " وحذف المفعول الثالث في باب " أعلم " لدلالة ~~المعنى عليه جائز، فيجوز في جواب: هل أعلمت زيدا عمرا منطلقا؟ ~~أعلمت زيدا عمرا، وتحذف " منطلقا " لدلالة الكلام السابق عليه ". # فصل # قال شهاب الدين: هذا مسلم، لكن أين الدليل عليه في الكلام، ~~كما في المثال الذي أبرزه الشيخ؟ # ثم قال: " وأما تعليله بأنها داخلة على الخبر لا يدل على ~~المنع، لأن خبر المبتدأ يجوز حذفه اختصارا، والثاني، ~~والثالث في باب " أعلم " يجوز حذف كل منهما اختصارا ". # قال شهاب الدين: " حذف الاختصار لدليل، ولا دليل هنا ". # ثم قال: " وفي قوله لأنها - أي: " سأريكم " - داخلة على المبتدأ، ~~والخبر تجوز " ويعني أنها قبل النقل بالهمزة داخلة على المبتدأ ~~والخبر. وقرأ الحسن: " سأوريكم " بواو خالصة بعد الهمزة وفيها ~~تخريجان: أحدهما قاله الزمخشري -: " وهي لغة فاشية بالحجاز يقال: ~~أورني كذا وأوريته، فوجهه أن يكون من أوريت الزند، فإن ~~المعنى: بينه لي وأنزه لأستبينه ". # والثاني: - ذكره ابن جني - وهو أنه على الإشباع، فيتولد منها ~~الواو، قال " وناسب هذا كونه موضع تهديد ووعيد فاحتمل الإتيان ~~بالواو ". # قال شهاب الدين: وهذا كقول الشاعر: [البسيط] # 2573 - الله يعلم أنا في تلفتنا # يوم اللقاء إلى أحبابنا صور # وأنني حيثما يثني الهوى بصري # من حيثما سلكوا أدنو فأنظور # لكن الإشباع بابه الضرورة عند بعضهم. وقرأ ابن عباس، وقسامة ~~بن زيد " سأورثكم " قال الزمخشري: وهي قراء حسنة، يصححها قوله ~~تعالى: # وأورثنا القوم # [الأعراف: 137]. # فصل # في قوله: { سأوريكم دار الفاسقين } وجهان: الأول: أن ~~المراد به التهديد والوعيد وعلى هذا ففيه وجهان: # أحدهما: قال ابن عباس والحسن ومجاهد: هي: جهنم وهي مصيرهم في الآخرة، ~~فاحذروا أن تكونوا منهم. # وثانيهما: قال قتادة وغيره: سأدخلكم الشام؛ فأريكم منازل القرون ~~الماضية مثل الجبابرة، والعمالقة، ومنازل عاد وثمود الذين خالفوا ~~أمر الله لتعتبروا بها. # الوجه الثاني: المراد به الوعد والبشارة بأن الله ms4086 تعالى سيورثهم ~~أرض أعدائهم وديارهم وهي أرض مصر، قاله عطية العوفي؛ ويدل عليه ~~قراءة قسامة. # وقال السدي: هي مصارع الكفار. ### || [7.146] # قوله: { سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون } الآية. # قال ابن عباس: يريد الذين يتجبرون على عبادي، ويحاربون ~~أوليائي حتى لا يؤمنوا سأصرفهم عن قبول آياتي والتصديق بها، ~~عوقبوا بحرمان الهداية لعنادهم الحق كقوله تعالى: # فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم # [الصف: 5]. واحتج أهل السنة بهذه الآية على أنه تعالى قد ~~يمنع الإيمان. # وقالت المعتزلة: لا يمكن حمل الآية على ذلك لوجوه: # الأول: قال الجبائي: لا يجوز أن يكون المراد منه أنه تعالى ~~يصرفهم عن الإيمان؛ لأن قوله: " سأصرف " يتناول المستقبل، وقد بين ~~تعالى أنهم كفروا وكذبوا من قبل هذا الصرف، لأنه وصفهم بكونهم: ~~{ يتكبرون في الأرض بغير الحق } وبأنهم: { وإن ~~يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا ~~سبيل الغي يتخذوه سبيلا } فدلت الآية على أن ~~الكفر قد حصل لهم في الزمان الماضي؛ فدل على أن المراد من هذا ~~الصرف ليس الكفر بالله. # الثاني: أن قوله { سأصرف عن آياتي } مذكور على وجه العقوبة ~~على التكبر والكفر، فلو كان المراد من هذا الصرف هو كفرهم، ~~لكان معناه أنه تعالى خلق فيهم الكفر عقوبة لهم على إقدامهم على ~~الكفر، والعقوبة على فعل الكفر بمثل ذلك الفعل المعاقب عليه لا يجوز؛ ~~فثبت أن المراد من هذا الصرف ليس هو الكفر. # الثالث: أنه تعالى لو صرفهم عن الإيمان وصدهم عنه، فكيف يمكن أن ~~يقول مع ذلك: # فما لهم عن التذكرة معرضين # [المدثر: 49] # فما لهم لا يؤمنون # [الانشقاق: 20] # وما منع الناس أن يؤمنوا # [الإسراء: 94] فثبت أن حمل الآية على هذا الوجه غير ممكن؛ فوجب حملها ~~على وجوه أخرى: # الأول: قال الكلبي وأبو مسلم الأصفهاني: إن هذا الكلام تمام لما وعد ~~الله موسى به من إهلاك أعدائه ومعنى صرفهم، أهلكهم فلا يقدرون ~~على منع موسى من تبليغها، ولا يمنع المؤمنين من الإيمان بها، وهو تشبيه ~~بقوله: # بلغ مآ أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما ~~بلغت ms4087 رسالته والله يعصمك من الناس # [المائدة: 67] فأراد تعالى أن يمنع أعداء موسى من إيذائه ومنعه من ~~القيام بما يلزمه في تبليغ النبوة والرسالة. # التأويل الثاني: قال الجبائي: سأصرف المتكبرين عن نيل ما ~~في آياتي من العزة والكرامة المعدين للأنبياء، والمؤمنين. ~~وإنما صرفهم عن ذلك بواسطة إنزال الذل والإذلال بهم، وذلك يجري ~~مجرى العقوبة على كفرهم، وتكبرهم على الله. # التأويل الثالث: أن من الآيات ما لا يمكن الانتفاع بها إلا ~~بعد سبق الإيمان، فإذا كفروا فقد صيروا أنفسهم بحيث لا يمكنهم ~~الانتفاع بتلك الآيات، فحينئذ يصرفهم الله عنها. # التأويل الرابع: أن الله عز وجل إذا علم من حال بعضهم أنه إذا ~~شاهد تلك الآيات فإنه لا يستدل بها بل يستخف بها، ولا يقوم بحقها، ~~فإذا علم الله ذلك منه، صح أن يصرفه عنها. # التأويل الخامس: نقل عن الحسن أنه قال: إن من الكفار من بالغ في ~~كفره، وانتهى إلى الحد الذي إذا وصل إليه مات قلبه، فالمراد من قوله: { ~~سأصرف عن آياتي } هؤلاء. # فصل # المراد من الصرف المنع، والمراد بالآيات: الآيات التسع ~~التي أعطاها الله موسى - عليه الصلاة والسلام - والأكثرون على ~~أن الآية عامة. ومعنى " يتكبرون ": أي: يرون أنهم أفضل ~~الخلق، وأن لهم من الحق ما ليس لغيرهم، وصفة التكبر لا تكون إلا ~~لله تعالى. # وقال بعضهم: التكبر: إظهار كبر النفس على غيرها، والتكبر ~~صفة ذم في جميع العباد وصفة مدح في حق الله تعالى؛ لأنه ~~يستحق إظهار الكبر على ما سواه؛ لأن ذلك في حقه حق، وفي حق غيره ~~باطل. # قال عليه الصلاة والسلام يقول الله تعالى: # " الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني فيهما ~~حرمت عليه الجنة ". # قوله: " بغير الحق " فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال، أي: يتكبرون ~~ملتبسين بغير الحق. # والثاني: أنه متعلق بالفعل قبله، أي: يتكبرون بما ليس بحق، ~~والتكبر بالحق لا يكون إلا لله تعالى خاصة. # قال بعضهم: وقد يكون إظهار الكبر على الغير بالحق، فإن ~~للمحق أن يتكبر على المبطل وفي الكلام المشهور: ms4088 التكبر على ~~المتكبر صدقة. # قوله: وإن يروا الظاهر أنها بصرية، ويجوز أن تكون قلبية، ~~والثاني محذوف لفهم المعنى: كقول عنترة: [الكامل] # 2574 - ولقد نزلت فلا تظني غيره # مني بمنزلة المحب المكرم # أي: فلا تظني غيره واقعا مني، وكذا الآية الكريمة، أي: وإن يروا ~~هؤلاء المتكبرين كل آية جائية، أو حادثة. وقرأ مالك بن دينار " وإن ~~يروا " مبنيا للمفعول من أري المنقول بهمزة التعدية. # قوله: " سبيل الرشد " قرأ حمزة والكسائي هنا وأبو عمرو في الكهف ~~في قوله: { مما علمت رشدا } خاصة دون الأولين فيها بفتحتين، ~~والباقون بضمة وسكون واختلف الناس فيهما هل هما بمعنى واحد. # فقال الجمهور نعم لغتان في المصدر كالبخل والبخل، والسقم ~~والسقم، والحزن والحزن. # وقال أبو عمرو بن العلاء: " الرشد - بضمة وسكون - الصلاح في ~~النظر، وبفتحتين الدين " ولذلك أجمع على قوله: # فإن آنستم منهم رشدا # [النساء: 6] بالضم والسكون، وعلى قوله # فأولئك تحروا رشدا # [الجن: 14] بفتحتين. # وروي عن ابن عامر " الرشد " بضمتين وكأنه من باب الإتباع، ~~كاليسر والعسر وقرأ السلمي الرشاد بألف فيكون: الرشد والرشد ~~والرشاد كالسقم والسقم والسقام. # وقرأ ابن أبي عبلة لا يتخذوها، ويتخذوها بتأنيث الضمير، ~~لأن السبيل يجوز تأنيثها. # قال تعالى: # قل هذه سبيلي # [يوسف: 108]. والمراد بسبيل الرشد سبيل الهدى والدين، وسبيل ~~الغي ضد ذلك. ثم بين العلة لذلك الصرف، وهو كونهم مكذبين ~~بآيات الله، وكونهم عنها غافلين أي معرضين، أي: أنهم واظبوا على ~~الإعراض حتى صاروا بمنزلة الغافلين عنها. # قوله: " ذلك " فيه وجهان: أظهرهما: أنه مبتدأ، خبره الجار بعده، ~~أي: ذلك الصرف بسبب تكذيبهم. # والثاني: أنه في محل نصب، ثم اختلف في ذلك. # فقال الزمخشري: " صرفهم الله ذلك الصرف بعينه ". فجعله ~~مصدرا. # وقال ابن عطية: فعلنا ذلك فجعله مفعولا به وعلى الوجهين فالباء في ~~بأنهم متعلقة بذلك المحذوف. # قوله: { وكانوا عنها غافلين }. في هذه الجملة احتمالان: # أحدهما: أنها نسق على خبر أن، أي: ذلك بأنهم كذبوا، ~~وبأنهم كانوا غافلين عن آياتنا. # والثاني: أنها مستأنفة، أخبر الله تعالى عنهم بأنهم من شأنهم ~~الغفلة عن الآيات وتدبرها. ms4089 ### || [7.147-148] # قوله: { والذين كذبوا } في خبره وجهان، أحدهما: أنه ~~الجملة من قوله " حبطت أعمالهم " و " هل يجزون " - خبر ثان، ~~أو مستأنف والثاني: أن الخبر هل يجزون والجملة من قوله حبطت في ~~محل نصب على الحال، و " قد " مضمرة معه، عند من يشترط ذلك، وصاحب ~~الحال فاعل كذبوا. # قوله: ولقاء الآخرة فيه وجهان، أحدهما: أنه من باب إضافة المصدر ~~لمفعوله، والفاعل محذوف، والتقدير: ولقائهم الآخرة. والثاني: أنه من ~~باب إضافة المصدر للظرف يعني: ولقاء ما وعد الله في الآخرة. ذكرهما ~~الزمخشري. # قال أبو حيان: " ولا يجيز جلة النحويين الإضافة إلى الظرف، ~~لأن الظرف على تقدير " في " ، والإضافة عندهم على تقدير اللام، أو ~~" من " فإن اتسع في العامل جاز أن ينصب الظرف نصب ~~المفعول، ويجوز إذ ذاك أن يضاف مصدره إلى ذلك الظرف المتسع في ~~عامله، وأجاز بعض النحويين أن تكون الإضافة على تقدر " في " كما ~~يفهم ظاهر كلام الزمخشري ". # فصل # لما ذكر ما لأجله صرف المتكبرين عن آياته وأتبعه ببيان العلة لذلك ~~الصرف وهو كونهم مكذبين بالآيات غافلين عنها، فقد كان يجوز أن ~~يظن أنهم يختلفون في باب العقاب لأن فيهم من يعمل بعض أعمال ~~البر، بين تعالى أنه حال جميعهم، سواء كان متكبرا أو متواضعا، أو ~~قليل الإحسان، أو كثير الإحسان، فقال: { والذين كذبوا ~~بآياتنا ولقآء الأخرة } يعني ذلك بجحدهم للميعاد وجراءتهم ~~على المعاصي، فبين تعالى أن أعمالهم محيطة. # قوله: هل يجزون هذا الاستفهام معناه النفي، لذلك دخلت: " إلا ~~" ولو كان معناه التقرير لكان موجبا، فيبعد دخول " إلا " أو يمتنع. # وقال الواحدي هنا: " لا بد من تقدير محذوف أي: إلا بما كانوا أو ~~على ما كانوا، أو جزاء ما كانوا " وتقريره: أن نفس ما كانوا يعملونه ~~لا يجزونه إنما يجزون بمقابله. # فصل # احتجوا على فساد قول أبي هاشم في أن تارك الواجب يستحق العقاب ~~بمجرد أن لا يفعل الواجب، وإن لم يصدر منه فعل ضد ذلك ~~الواجب بهذه الآية. # قالوا: لأنها تدل على أنه لا جزاء إلا على العمل، وترك ms4090 الواجب ~~ليس بعمل؛ فوجب أن لا يجازى عليه؛ فثبت أن الجزاء إنما حصل على ~~فعل ضده. # وأجاب أبو هاشم: بأني لا أسمي ذلك العقاب جزاء، فسقط الاستدلال. # وأجابوا عن هذا: بأن الجزاء إنما سمي جزاء؛ لأنه يجزي، ~~ويكفي في المنع عن المنهي، وفي الحث على المأمور به، فإن ~~ترتب العقاب على مجرد ترك الواجب؛ كان ذلك العقاب كافيا في ~~الزجر عن ذلك الترك، فكان جزاء، فلا سبيل إلى الامتناع من تسميته ~~جزاء. # قوله تعالى: { واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم ~~} الآية. أي: من بعد مضية وذهابه إلى الميقات والجاران متعلقان ب ~~" اتخذ " ، وجاز أن يتعلق بعامل حرفا جر متحدا اللفظ، ~~لاختلاف معنيهما لأن الأولى لابتداء الغاية، والثانية ~~للتبعيض، ويجوز أن يكون " من حليهم " متعلقا بمحذوف على ~~أنه حال من عجلا لأنه لو تأخر عنه لكان صفة فكان يقال ~~عجلا من حليهم. # وقرأ الأخوان من حليهم بكسر الحاء ووجهها الإتباع لكسرة ~~اللام، وهي قراءة أصحاب عبد الله وطلحة ويحيى بن وثاب والأعمش. # والباقون بضم اللام، وهي قراءة الحسن وأبي جعفر وشيبة بن نصاح، ~~وهو في القراءتين جمع " حلي " ك " طي " ، فجمع على " فعول " ك ~~" فلس " و " فلوس " فأصله: حلوي كثدي في " ثدوي " ، فاجتمعت ~~الياء والواو، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت، ~~وكسرت عين الكلمة، وإن كانت في الأصل مضمومة لتصح الياء، ثم لك ~~فيه بعد ذلك وجهان: ترك الفاء على ضمها، أو إتباعها للعين في ~~الكسرة، وهذا مطرد في كل جمع على " فعول " من المعتل اللام، ~~سواء كان الاعتلال بالياء ك " حلي " و " ثدي " أم بالواو نحو: " ~~عصي " ، و " دلي " جمع عصا ودلو. وقرأ يعقوب " من حليهم " ~~بفتح الحاء وسكون اللام، وهي محتملة لأن يكون " الحلي " مفردا ~~أريد به الجمع، أو اسم جنس مفرده " حلية " على حد قمح ~~وقمحة، و " عجلا " مفعول " اتخذ " و " من حليهم " ~~تقدم حكمه. ويجوز أن يكون " اتخذ " متعدية لاثنين بمعنى " صير ~~" فيكون: " من حليهم " هو المفعول الثاني. # وقال أبو البقاء: " وهو محذوف، أي: إلها ms4091 " ولا حاجة إليه. ~~والحلي: اسم لما يحسن به من الذهب والفضة. # و " جسدا " فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه نعت. الثاني: أنه ~~عطف بيان، والثالث: أنه بدل قاله الزمخشري، وهو أحسن؛ لأن ~~الجسد ليس مشتقا، فلا ينعت به إلا بتأول، وعطف البيان في ~~النكرات قليل، أو ممتنع عند الجمهور، وإنما قال: " جسدا " لئلا ~~يتوهم أنه كان مخطوطا، أو مرقوما. والجسد: الجثة. # وقيل: ذات لحم ودم. # قوله: " له خوار " في محل النصب نعتا ل " عجلا " ، وهذا ~~يقوي كون " جسدا " نعتا؛ لأنه إذا اجتمع نعت وبدل قدم ~~النعت على البدل، والجمهور على خوار بخاء معجمة وواو صريحة، وهو ~~صوت البقر خاصة، وقد يستعار للبعير، والخور: الضعف، ~~ومنه أرض خوارة وريح خوار والخوران: مجرى الروث، وصوت البهائم ~~أيضا. # وقرأ علي - رضي الله عنه - وأبو السمال: جؤار بالجيم والهمز، ~~وهو الصوت الشديد. # فصل # قال ابن عباس والحسن وقتادة وجماهير أهل التفسير: كان لبني ~~إسرائيل عبيد يتزينون فيه ويستعيرون من القبط الحلي، فاستعاروا ~~حلي القبط لذلك اليوم: فلما أغرق الله القبط بقي ذلك الحلي في ~~أيدي بني إسرائيل، فجمع السامري تلك الحلي، واسمه موسى بن ظفر، من ~~قرية يقال لها سامرة، وكان رجلا مطاعا فيهم، وكانوا قد سألوا موسى - ~~عليه السلام - أن يجعل لهم إلها يعبدونه، فصاغ السامري لهم من ذلك ~~الحلي عجلا، وألقى في فمه من تراب أثر فرس جبريل؛ فتحول ~~عجلا جسدا حيا لحما ودما له خوار. # وقيل: كان جسدا مجسدا من ذهب لا روح فيه، كان يسمع منه صوت ~~الريح يدخل في جوفه ويخرج. # قال أكثر المفسرين من المعتزلة: إنه جعل ذلك العجل مجوفا، وجعل ~~في جوفه أنابيب على شكل مخصوص. # وكان قد وضع ذلك التمثال في مهب الريح، فكانت تدخل في تلك الأنابيب ~~فيظهر منه صوت مخصوص يشبه خوار العجل. # وقال آخرون: إنه جعل ذلك التمثال أجوف، وجعل تحته في الموضع الذي ~~نصب فيه العجل من ينفخ فيه من حيث لا يشعر به الناس، فيسمعوا الصوت من ~~جوفه كالخوار، كما يفعلون الآن ms4092 في هذه التصاوير التي يجرون فيها الماء ~~كالفوارات وغيرها. # قيل: إنه ما خار إلا مرة واحدة، وقيل: كان يخور كثيرا كلما ~~خار سجدوا له وإذا سكت رفعوا رؤوسهم. وقال وهب: كان يخور ولا يتحرك. # وقال السدي: كان يخور ويمشي. ثم قال لهم هذا إلهكم وإله موسى. # فإن قيل لم قال: { واتخذ قوم موسى } والمتخذ هو ~~السامري؟ # فالجواب من وجهين: أحدهما: أن الله نسب الفعل إليهم، لأن رجلا ~~منهم باشره. # كما يقال: بنو تميم قالوا كذا وفعلوا كذا، والقائل والفاعل واحد، ~~والثاني: أنهم كانوا مريدين لاتخاذه راضين به، فكأنهم اجتمعوا ~~عليه. # فإن قيل: لم قال: " من حليهم " ولم يكن الحلي لهم، وإنما ~~استعاروها؟ # فالجواب: أنه لما أهلك الله قوم فرعون بقيت تلك الأموال في ~~أيديهم ملكا لهم كقوله: # كم تركوا من جنات # [الدخان: 25] - إلى قوله - # كذلك وأورثناها قوما آخرين # [الدخان: 28] # فصل # قيل إن الذين عبدوا العجل كانوا كل قوم موسى. # قال الحسن: كلهم عبدوا العجل غير هارون، لعموم هذه الآية. # ولقول موسى - عليه الصلاة والسلام -: # رب اغفر لي ولأخي # [الأعراف: 151]، فتخصيص نفسه وأخيه بالدعاء يدل على أن غيرهما ~~ما كان أهلا للدعاء، ولو بقوا على الإيمان لما كان الأمر كذلك. ~~وقيل: بل كان منهم من ثبت على إيمانه لقوله تعالى: # ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون # [الأعراف: 159]. # قوله: " ألم يروا " إن قلنا: إن اتخذ متعدية لاثنين، وإن ~~الثاني محذوف، تقديره: واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا ~~جسدا إلها، فلا حاجة حينئذ إلى ادعاء حذف جملة يتوجه عليها هذا ~~الإنكار، وإن قلنا: إنها متعدية لواحد بمعنى: صنع وعمل أو ~~متعدية لاثنين، والثاني هو: من حليهم فلا بد من حذف جملة ~~قبل ذلك، ليتوجه عليها الإنكار، والتقدير: يعبدوه، ويروا يجوز أن ~~تكون العلمية، وهو الظاهر وأن تكون البصرية، وهو بعيد. # فصل # اعلم أنه تعالى احتج على فساد هذا المذهب وكون العجل إلها ~~بقوله: { ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم ~~سبيلا } وتقرير هذا الدليل أن هذا العجل لا يمكنه ms4093 أن ~~يكلمهم، ولا يهديهم إلى الصواب والرشد ومن كان كذلك كان ~~إما جمادا، وإما حيوانا، وكلاهما لا يصلح للإلهية. # ثم قال تعالى: { اتخذوه وكانوا ظالمين } لأنفسهم حيث ~~أعرضوا عن عبادة الله واشتغلوا بعبادة العجل. # قوله: { وكانوا ظالمين } يجوز فيها وجهان: أظهرهما: أنها ~~استئنافية، أخبر عنهم بهذا الخبر وأنه ديدنهم وشأنهم في كل شيء ~~فاتخاذهم العجل من جملة ذلك، ويجوز أن تكون حالا، أي: وقد كانوا، ~~أي: اتخذوه في هذه الحال المستقرة لهم وعلى هذا التفسير ~~المتقدم. ### || [7.149-151] # قوله تعالى: { ولما سقط في أيديهم } الجار قائم مقام ~~الفاعل. # وقيل القائم مقامه ضمير المصدر الذي هو السقوط أي سقط السقوط في ~~أيديهم، ونقل أبو حيان عن بعضهم أنه قال: " سقط " تتضمن مفعولا، ~~وهو ههنا المصدر، الذي هو الإسقاط كقولك: " ذهب بزيد ". # قال: وصوابه: وهو هنا ضمير المصدر الذي هو السقوط؛ لأن " سقط " ~~ليس مصدره الإسقاط، ولأن القائم مقام الفاعل ضمير المصدر، لا المصدر، ~~ونقل الواحدي عن الأزهري أن قولهم: " سقط في يده "؛ كقوله امرىء ~~القيس: [الطويل] # 2575 - دع عنك نهبا صيح في حجراته # ولكن حديثا ما حديث الرواحل # في كون الفعل مسندا للجار، كأنه قيل: صاح المنتهب في حجراته، ~~وكذلك المراد سقط في يده، أي: سقط الندم في يده. # فقوله: أي سقط الندم في يده، تصريح بأن القائم مقام الفاعل ~~حرف الجر، لا ضمير المصدر. # ونقل الفراء والزجاج أنه يقال: سقط في يده وأسقط أيضا، إلا ~~أن الفراء قال: سقط - أي الثلاثي - أكثر وأجود. وهذه اللفظة ~~تستعمل في التندم والتحير. وقد اضطربت أقوال أهل اللغة في ~~أصلها. # فقال أبو مروان بن سراج اللغوي: " قول العرب سقط في يده مما ~~أعياني معناه ". وقال الواحدي: قد بان من أقوال المفسرين ~~وأهل اللغة أن " سقط في يده " ندم، وأنه يستعمل في صفة ~~النادم فأما القول في أصله وما حده فلم أر لأحد من أئمة ~~اللغة شيئا أرتضيه إلا ما ذكر الزجاجي فإنه قال: قوله ~~تعالى: { سقط في أيديهم } بمعنى ندموا، نظم لم يسمع قبل ~~القرآن، ms4094 ولم تعرفه العرب، ولم يوجد ذلك في أشعارهم، ويدل على ~~صحة ذلك أن شعراء الإسلام لما سمعوا هذا النظم واستعملوه ~~في كلامهم خفي عليهم وجه الاستعمال، لأن عادتهم لم تجر به. # فقال أبو نواس: [الرجز] # 2576 - ونشوة سقطت منها في يدي # وأبو نواس هو العالم النحرير، فأخطأ في استعمال هذا اللفظ، لأن ~~" فعلت " لا يبنى إلا من فعل متعد، و " سقط " لازم، لا ~~يتعدى إلا بحرف الصفة لا يقال: " سقطت " كما لا يقال: رغبت ~~وغضبت، إنما يقال: رغب في، وغضب علي، وذكر أبو حاتم: ~~" سقط فلان في يده " بمعنى ندم. وهذا خطأ مثل قول أبي نواس، ولو كان ~~الأمر كذلك لكان النظم { ولما سقط في أيديهم } و " ~~سقط القوم في أيديهم ". # وقال أبو عبيدة: " يقال لمن على أمر وعجز عنه: سقط في يده ~~". # وقال الواحدي: " وذكر اليد ههنا لوجهين أحدهما: أنه يقال للذي ~~يحصل وإن كان ذلك مما لا يكون في اليد: " قد حصل في يده ~~مكروه " يشبه ما يحصل في النفس وما يحصل في القلب بما يرى ~~بالعين، وخصت اليد بالذكر؛ لأن مباشرة الذنوب بها. # فاللائمة ترجع عليها، لأنها هي الجارحة العظمى، فيسند إليها ~~ما لم تباشره، كقوله: # ذلك بما قدمت يداك # [الحج: 10] وكثير من الذنوب لم تقدمه اليد ". # الوجه الثاني: أن الندم حدث يحصل في القلب، وأثره يظهر ~~في اليد؛ لأن النادم يعض يده، ويضرب إحدى يديه على ~~الأخرى كقوله: # فأصبح يقلب كفيه # [الكهف: 42] فتقليب الكف عبارة عن الندم، وكقوله: # ويوم يعض الظالم على يديه # [الفرقان: 37] فلما كان أثر الندم يحصل في اليد من الوجه الذي ~~ذكرناه أضيف سقوط الندم إلى اليد؛ لأن الذي يظهر ~~للعيون من فعل النادم هو تقليب الكف وعض الأنامل واليد ~~كما أن السرور معنى في القلب يستشعره الإنسان، والذي يظهر ~~منه حالة الاهتزاز والحركة والضحك وما يجري مجراه. # وقال الزمخشري: { ولما سقط في أيديهم } أي ولما ~~اشتد ندمهم؛ لأن من شأن من اشتد ندمه وحسرته أن يعض ~~يده غما، فتصير يده مسقوطا فيها، ms4095 لأن فاه قد وقع فيها. # وقيل: من عادة النادم أن يطأطىء رأسه، ويضع ذقنه على يده ~~معتمدا عليها، ويصير على هيئة لو نزعت يده لسقط على وجهه، فكأن ~~اليد مسقوط فيها. ومعنى " في " " على " ، فمعنى " في أيديهم " ~~كقوله: # ولأصلبنكم في جذوع النخل # [طه: 71]. # وقيل: هو مأخوذ من السقاط، وهو كثرة الخطأ، والخاطىء ~~يندم على فعله. # قال ابن أبي كاهل: [الرمل] # 2577 - كيف يرجون سقاطي بعدما # لفع الرأس بياض وصلع # وقيل: هو مأخوذ من السقيط، وهو ما يغشي الأرض من الجليد ~~يشبه الثلج. # يقال منه: سقطت الأرض كما يقال: ثلجت، والسقط والسقيط ~~يذوب بأدنى حرارة ولا يبقى. ومن وقع في يده السقيط لم يحصل ~~منه على شيء فصار هذا مثلا لكل من خسر في عاقبته، ولم يحصل من بغيته ~~على طائل. واعلم أن " سقط في يده " عده بعضهم في الأفعال ~~التي لا تتصرف ك " نعم وبئس ". # وقرأ ابن السميفع سقط في أيديهم مبنيا للفاعل وفاعله مضمر، ~~أي: سقط الندم هذا قول الزجاج. # وقال الزمخشري: " سقط العض ". # وقال ابن عطية: " سقط الخسران، والخيبة ". وكل هذه أمثلة. # وقرأ ابن أبي عبلة: أسقط رباعيا مبنيا للمعفول، وقد تقدم أنها ~~لغة نقلها الفراء والزجاج. # فصل # قوله: ورأوا أنهم هذه قلبية، ولا حاجة في هذا إلى تقديم ~~وتأخير، كما زعم بعضهم. # قال القاضي: يجب أن يكون المؤخر مقدما؛ لأن الندم ~~والتحسر إنما يقعان بعد المعرفة فكأنه تعالى قال: ولما رأوا أنهم ~~قد ضلوا سقط في أيديهم لما نالهم من عظيم الحسرة. # ويمكن أن يقال لا حاجة إلى ذلك، لأن الإنسان إذا شك في العمل ~~الذي يقدم عليه هل هو صواب أو خطأ؟ فقد يندم عليه من حيث أن ~~الإقدام على ما لا يعلم كونه صوابا أو خطأ غير جائز. # قوله: { لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا } لما ظهر ~~لهم أن الذي عملوه كان باطلا، أظهروا الانقطاع إلى ~~الله تعالى وقالوا: { لئن لم يرحمنا ربنا }. # قرأ الأخوان " ترحمنا " و " تغفر " بالخطاب، " ربنا " ~~بالنصب، وهي قراءة الشعبي وابن ms4096 وثاب وابن مصرف والجحدري ~~والأعمش، وأيوب، وباقي السبعة بياء الغيبة فيهما، " ربنا " ~~رفعا، وهي قراءة الحسن، ومجاهد، والأعرج وشيبة وأبي جعفر. ~~فالنصب على أنه منادى، وناسبه الخطاب، والرفع على أنه ~~فاعل، فيجوز أن يكون هذا الكلام صدر من جميعهم على التعاقب، ~~أو هذا من طائفة، وهذا من طائفة، فمن غلب عليه الخوف، وقوي على ~~المواجهة؛ خاطب مستقيلا من ذنبه، ومن غلب عليه الحياء أخرج كلامه ~~مخرج المستحي من الخطاب؛ فأسند الفعل إلى الغائب. # قال المفسرون: وكان هذا الندم والاستغفار منهم بعد رجوع ~~موسى إليهم. # قوله تعالى: { ولما رجع موسى إلى قومه غضبان ~~أسفا }: هذان حالان من " موسى " عند من يجيز تعدد الحال، وعند ~~من لا يجيزه يجعل " أسفا " حالا من الضمير المستتر في " ~~غضبان " ، فتكون حالا متداخلة، أو يجعلها بدلا من الأولى، وفيه ~~نظر لعسر إدخاله في أقسام البدل. # وأقرب ما يقال: إنه بدل بعض من كل إن فسرنا الأسف بالشديد ~~الغضب، وهو قول أبي الدرداء وعطاء عن ابن عباس، واختيار ~~الزجاج، واحتجوا بقوله: # فلمآ آسفونا انتقمنا منهم # [الزخرف: 55] أي: أغضبونا، أو بدل اشتمال إن فسرناه بالحزين. # وهو قول ابن عباس والحسن، والسدي، ومنه قوله: [المديد] # 2578 - غير مأسوف على زمن # ينقضي بالهم والحزن # وقالت عائشة - رضي الله عنها -: إن أبا بكر رجل أسيف أي: ~~حزين. # قال الواحدي: " والقولان متقاربان؛ لأن الغضب من الحزن، ~~والحزن من الغضب "؛ قال: [البسيط] # 2579 -...................... # فحزن كل أخي حزن أخو الغضب # وقال الأعشى: [الطويل] # 2580 - أرى رجلا منهم أسيفا كأنما # يضم إلى كشحيه كفا مخضبا # فهذا بمعنى: غضبان، وحديث عائشة يدل على أنه: الحزين، فلما ~~كانا متقاربين في المعنى صحت البدلية. # ويقال: رجل أسف: إذا قصد ثبوت الوصف واستقراره، فإن قصد ~~به الزمان جاء على فاعل. # فصل # اختلفوا في هذه الحال. # فقيل: إنه عند هجومه عليهم، عرف ذلك. # وقال أبو مسلم: بل كان عارفا بذلك من قبل؛ لقوله تعالى: { ولما ~~رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا } وإنما كان راجعا ~~قبل وصوله إليهم. # وقال تعالى - لموسى ms4097 عليه الصلاة والسلام - في حال المكالمة # فإنا قد فتنا قومك من بعدك # [طه: 85]. # قوله: قال بئسما هذا جواب " لما " وتقدم الكلام على " ~~بئسما " ، ولكن المخصوص بالذم محذوف، والفاعل مستتر ~~يفسره " ما خلفتموني " والتقدير: بئس خلافة ~~خلفتمونيها خلافتكم. # فصل # فإن قيل: ما معنى قوله: " من بعدي " بعد قوله " خلفتموني "؟ # فالجواب: معناه: من بعد ما رأيتم مني من توحيد الله، ونفي ~~الشركاء، وإخلاص العبادة له، أو من بعد ما كتب: احمل بني إسرائيل على ~~التوحيد، وامنعهم من عبادة البقر حين قالوا: # اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة # [الأعراف: 138]، ومن حق الخلفاء أن يسيروا سيرة المستخلفين. # قوله: { أعجلتم أمر ربكم }: في " أمر " وجهان، أحدهما: ~~أنه منصوب على المفعول بعد إسقاط الخافض، وتضمين الفعل معنى ما ~~يتعدى بنفسه، والأصل: أعجلتم عن أمر ربكم. # قال الزمخشري: يقال: عجل عن الأمر: إذا تركه غير تام، ونقيضه ~~تم عليه، وأعجله عنه غيره، ويضمن معنى " سبق " فيتعدى ~~تعديته. # فيقال: عجلت الأمر، والمعنى: " أعجلتم عن أمر ربكم ". # والثاني: أنه متعد بنفسه غير مضمن معنى آخر، حكى ~~يعقوب عجلت الشيء سبقته، وأعجلت الرجل: ~~استعجلته، أي: حملته على العجلة. # فصل # قال الواحدي: " معنى العجلة: التقدم بالشيء قبل وقته، ولذلك ~~صارت مذمومة والسرعة غر مذمومة، لأن معناها: عمل الشيء في أول ~~أوقاته ". # ولقائل أن يقول: لو كانت العجلة مذمومة فلم قال موسى: # وعجلت إليك رب لترضى # [طه: 84]. # قال ابن عباس: معنى { أعجلتم أمر ربكم } يعني: ميعاد ~~ربكم فلم تصبروا له وقال الحسن: وعد ربكم الذي وعدكم من ~~الأربعين، وذلك أنهم قدروا أنه إن لم يأت على رأس الثلاثين، فقد ~~مات. # وقال عطاء: يريد أعجلتم سخط ربكم. # وقال الكلبي: أعجلتم بعبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر ربكم. # قوله: " وألقى الألواح " أي التي فيها التوراة على الأرض من ~~شدة الغضب. # قالت الرواة: كانت التوراة سبعة أسباع، فلما ألقاها ~~انكسرت، فرفع منها ستة أسباع، وبقي سبع واحد فرفع ما كان من أخبار ~~الغيب وبقي ما فيه الموعظة والأحكام من الحلال والحرام. # ولقائل أن يقول: ليس ms4098 في القرآن إلا أنه ألقى الألواح فأما أنه ~~ألقاها بحيث تكسرت، فليس في القرآن وإنه جرأة عظيمة على كتاب ~~الله تعالى، ومثله لا يليق بالأنبياء، ويرد هذا قوله تعالى بعد ذلك: # ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح # [الأعراف: 154] فدل ذلك على أنها لم تنكسر، ولا شيء منها، وأن ~~القائلين بأن ستة أسباعها رفعت إلى السماء، ليس الأمر كذلك، ~~وأنه أخذها بأعيانها. # قوله: { وأخذ برأس أخيه } بذؤابته ولحيته، لقوله: # لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي # [طه: 94]. # قوله: " يجره إليه " فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الجملة ~~حال من ضمير موسى المستتر في أخذ، أي: أخذه جارا إليه. # الثاني: أنها حال من رأس قاله أبو البقاء، وفيه نظر لعدم ~~الرابط. # والثالث: أنها حال من أخيه. # قال أبو البقاء: " وهو ضعيف " يعني من حيث إن الحال من المضاف ~~إليه يقل مجيئها، أو يمتنع عند بعضهم وقد تقدم أن بعضهم ~~يجوزه في صور، هذه منها وهو كون المضاف جزءا من المضاف إليه. # فصل # الطاعنون في عصمة الأنبياء يقولون: إنه أخذ برأس أخيه يجره على ~~سبيل الإهانة، والمثبتون لعصمة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام ~~- قالوا: إنه جر أخاه ليسأله ويستكشف منه كيفية تلك ~~الواقعة. # فإن قيل: فلم قال: { ابن أم إن القوم استضعفوني ~~وكادوا يقتلونني }؟ # فالجواب: أن هارون - عليه السلام - خاف أن يتوهم جهال بني ~~إسرائيل أن موسى غضبان عليه كما غضب على عبدة العجل. # فقال: قد نهيتهم، ولم يكن معي من الجمع ما أمنعهم به عن هذا العمل؛ فلا ~~تفعل ما تشمت أعدائي، فهم أعداؤك فإن القوم يحملون هذا الفعل الذي ~~تفعله على الإهانة لا على الإكرام. # قوله: ابن أم قرأ الأخوان، وأبو بكر، وابن عامر هنا، وفي طه، بكسر ~~الميم، والباقون بفتحها. فأما الفتح ففيها مذهبان. # مذهب البصريين: أنهما بنيا على الفتح، لتركيبهما تركيب " خمسة ~~عشر " ، فعلى هذا ليس " ابن " مضافا ل " أم " ، بل هو مركب ~~معها، فحركتها حركة بناء. # والثاني: مذهب الكوفيين: وهو أن " ابن " مضاف ل " أم " و " أم " ~~مضافة لياء المتكلم، وياء ms4099 المتكلم قد قلبت ألفا، كما تقلب في ~~المنادى المضاف إلى ياء المتكلم، نحو: يا غلاما، ثم حذفت الألف ~~واجتزىء عنها بالفتحة، كام يجتزأ عن الياء بالكسرة، فحينئذ ~~حركة " ابن " حركة إعراب، وهو مضاف ل " أم " فهي في محل خفض ~~بالإضافة. # وأما قراءة الكسر فعلى رأي البصريين هو كسر بناء لأجل ياء المتكلم، ~~بمعنى: أنا أضفنا هذا الاسم المركب كله لياء المتكلم، فكسر ~~آخره، ثم اجتزىء عن الياء بالكسرة، فهو نظير: يا أحد عشر، ثم: يا ~~أحد عشر بالحذف، ولا جائز أن يكونا باقيين على الإضافة إذ لم يجز ~~حذف الياء؛ لأن الاسم ليس منادى، ولكنه مضاف إليه المنادى، فلم ~~يجز حذف الياء منه. # وعلى رأي الكوفيين يكون الكسر كسر إعراب، وحذفت الياء ~~مجتزأ عنها بالكسرة كما اجتزىء عن ألفها بالفتحة، وهذان الوجهان ~~يجريان، في: " ابن أم " ، و " ابن عم " ، و " ابنة أم " ، و ~~" ابنة عم ". # فصل # فاعلم أنه يجوز في هذه الأمثلة الأربعة خاصة خمس لغات: # فصحاهن: حذف الياء مجتزأ عنها بالكسرة، ثم قلب الياء ألفا؛ ~~فيلزم قلب الكسرة فتحة، ثم حذف الألف مجتزأ عنها ~~بالفتحة، ثم إثبات الياء ساكنة أو مفتوحة، وأما غير هذه الأمثلة ~~الأربعة مما أضيف إلى مضاف إلى ياء المتكلم في النداء، فإنه ~~لا يجوز فيه إلا ما يجوز في غير باب النداء، لأنه ليس منادى، ~~نحو: يا غلام أبي، ويا غلام أمي، وإنما جرت هذه الأمثلة خاصة ~~هذا المجرى؛ تنزيلا للكلمتين منزلة كلمة واحدة، ولكثرة الاستعمال. # وقرىء " يا ابن أمي " بإثبات الياء ساكنة؛ ومثله قوله: [الخفيف] # 2581 - يا ابن أمي ويا شقيق نفسي # أنت خليتني لدهر شديد # وقول الآخر: [الخفيف] # 2582 - يا ابن أمي فدتك نفسي ومالي # ............................ # وقرىء أيضا: " يا ابن إم " بكسر الهمزة والميم وهو إتباع. ومن ~~قلب الياء ألفا قوله: [الرجز] # 2583 - يا ابنة عما لا تلومي واهجعي # وقوله: [الرجز] # 2584 - كن لي لا علي يا ابن عما # ندم عزيزين ونكف الذما # فصل # إنما قال: " ابن أم " وكان هارون أخاه لأبيه ليرققه ويستعطفه. ms4100 # وقيل: كان أخاه لأمه دون أبيه، وكان هارون أكبر من موسى بثلاث سنين، ~~وأحب إلى بني إسرائيل من موسى؛ لأنه كان لين الغضب. # قوله: { إن القوم استضعفوني } أي لم يلتفتوا إلى كلامي، ~~يعني: عبدة العجل { وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي ~~الأعدآء ولا تجعلني مع القوم الظالمين } أي: ~~شريكا لهم في عقوبتك على فعلهم. # قوله: { فلا تشمت } العامة على ضم التاء، وسكر الميم، وهو ~~من " أشمت " رباعيا، الأعداء مفعول به. # وقرأ ابن محيصن " فلا تشمت " بفتح التاء وكسر الميم، ومجاهد: ~~بفتح التاء أيضا وفتح الميم، " الأعداء " نصب على المفعول به، وفي ~~هاتين القراءتين تخريجان: # أظهرهما: أن " شمت، أو شمت " بكسر الميم أو فتحها متعد بنفسه ~~ك: أشمت الرباعي. # يقال: شمت بي زيد العدو؛ كما يقال: أشمت بي العدو. # والثاني: أن تشمت مسند لضمير الباري تعالى أي: فلا تشمت يا ~~رب، وجاز هذا كما جاز: # الله يستهزىء بهم # [البقرة: 15] ثم أضمر ناصبا للأعداء، كقراءة الجماعة، قاله ابن ~~جني. # ولا حاجة إلى هذا التكلف؛ لأن " شمت " الثلاثي يكون متعديا ~~بنفسه، والإضمار على خلاف الأصل. # وقال أبو البقاء - في هذا التخريج -: " فلا تشمت أنت " فجعل الفاعل ~~ضمير " موسى " ، وهو أولى من إسناده إلى ضمير الله تعالى، وأما ~~تنظيره بقوله { الله يستهزىء بهم } فإنما جاز ذلك ~~للمقابلة في قوله: # إنما نحن مستهزئون # [البقرة: 14] # ومكروا ومكر الله # [آل عمران: 54] ولا يجوز ذلك في غير المقابلة. # وقرأ حميد بن قيس " فلا تشمت " كقراءة ابن محيصن، ومجاهد كقراءته ~~فيه أولا، إلا أنهما رفعا " الأعداء " على الفاعلية، جعلا " ~~شمت " لازما فرفعا به " الأعداء " على الفاعلية، فالنهي في ~~اللفظ للمخاطب والمراد به غيره كقولهم: لا أرينك ههنا، أي: لا ~~يكن منك ما يقتضي أن تشمت بي الأعداء. # والإشمات والشماته: الفرح ببلية تنال عدوك؛ قال: [الكامل] # 2585 -......................... # والموت دون شماتة الأعداء # فصل # قيل: واشتقاقها من شوامت الدابة، وهي قوائمها؛ لأن الشماتة ~~تقلب قلب الحاسد في حالتي الفرح والترح كتقلب شوامت ~~الدابة. وتشميت العاطس وتسميته، بالشين والسين الدعاء له بالخير. # قال أبو ms4101 عبيد: الشين أعلى اللغتين. # وقال ثعلب: الأصل فيها السين من السمت، وهو القصد والهدي. # وقيل: معنى تشميت العاطس [بالمعجمة] أن يثبته الله كما يثبت ~~قوائم الدابة. # وقيل: بل التفعيل للسلب، أي: أزال الله الشماتة به وبالسين ~~المهملة، أي: رده الله إلى سمته الأول، أي: هيئته، لأنه ~~يحصل له انزعاج. # وقال أبو بكر: " يقال: شمته وشمت عليه " وفي الحديث: ~~وشمت عليهما. # فصل # ولما تبين لموسى عذر أخيه قال: " رب اغفر لي ما صنعت " ~~أي: ما أقدمت عليه من الغضب، " ولأخي " إن كان منه في الإنكار على عبدة ~~العجل " وأدخلنا جميعا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين ". ### || [7.152-154] # قوله تعالى: { الذين اتخذوا العجل } الآية. المفعول الثاني ~~من مفعولي - الاتخاذ - محذوف، والتقدير، اتخذوا العجل إلها ~~ومعبودا، يدل على هذا المحذوف قوله تعالى: # فقالوا هذآ إلهكم وإله موسى # [طه: 88] وللمفسرين ههنا طريقان: أحدهما: المراد بالذين اتخذوا ~~العجل قوم موسى، وعلى هذا فيه سؤال هو أن أولئك القوم تاب الله ~~عليهم: بأن قتلوا أنفسهم في معرض التوبة على ذنبهم، وإذا تاب الله ~~عليهم فكيف قيل في حقهم: { سينالهم غضب من ربهم ~~وذلة في الحياة الدنيا }؟ ويجاب عنه بأن ذلك الغضب إنما ~~حصل في الدنيا لا في الآخرة، وهو أن الله تعالى أمرهم بقتل ~~أنفسهم والمراد بقوله: { وذلة في الحياة الدنيا } هو ~~أنهم قد ضلوا فذلوا. # فإن قيل: السين في قوله سينالهم للاستقبال، فكيف يحمل هذا على ~~حكم الدنيا؟ فالجواب: أن هذا حكاية عما أخبر الله به موسى حين ~~أخبره بافتتان قومه، واتخاذهم العجل، وأخبره في ذلك الوقت أن ~~سينالهم غضب من ربهم وذلة، فكان هذا الكلام سابقا على وقوعهم ~~في القتل وفي الذلة فصح هذا التأويل. # الطريق الثاني: أن المراد بالذين اتخذوا العجل أبناؤهم الذين ~~كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وعلى هذا فيه وجهان: أحدهما: ~~أن العرب تعير الأبناء بقبائح أفعال الآباء كما يفعل ذلك في المناقب؛ ~~يقولون للأبناء فعلتم كذا وكذا، وإنما فعل ذلك أسلافهم كذلك ههنا. # قال عطية العوفي: أراد بهم ms4102 اليهود الذين كانوا في عصر النبي صلى ~~الله عليه وسلم، عيرهم بصنع آبائهم ونسبه إليهم، ثم حكى عليهم ~~بأنه: { سينالهم غضب من ربهم } في الآخرة: { ~~وذلة في الحياة الدنيا } أراد: ما أصاب بني قريظة ~~والنضير من القتل والجلاء. # وقال ابن عباس: هي الجزية. # الوجه الثاني: أن يكون التقدير: { إن الذين اتخذوا العجل } ~~أي الذين باشروا ذلك سينالهم أي: سينال أولادهم، ثم حذف المضاف ~~لدلالة الكلام عليه. # ثم قال: { وكذلك نجزي المفترين } أي: ومثل ذلك النيل ~~والغضب والذلة " نجزي المفترين " الكاذبين. # قال أبو قلابة: " هو والله جزاء كل مفتر إلى يوم القيامة أن ~~يذله الله ". # وقال سفيان بن عيينة: " هذا في كل مبتدع إلى يوم القيامة ". # وقال مالك بن أنس: " ما من مبتدع إلا ويجد فوق رأسه ذلة ". # قوله: { والذين عملوا السيئات } مبتدأ وخبره قوله إن ~~ربك إلى آخره. والعائد محذوف، والتقدير: غفور لهم ورحيم بهم، كقوله: # ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور # [الشورى: 43] أي منه. # قوله: من بعدها يجوز أن يعود الضمير على السيئات، وهو الظاهر، ~~ويجوز أن يكون عائدا على التوبة المدلول عليها بقوله: " ثم تابوا " ~~أي: من بعد التوبة. # قال أبو حيان: " وهذا أولى، لأن الأول يلزم منه حذف مضاف ~~ومعطوفه، إذ التقدير: من بعد عمل السيئات والتوبة منها ". # قوله: " وآمنوا " يجوز أن تكون الواو للعطف، فإن قيل: التوبة ~~بعد الإيمان، فكيف جاءت قبله؟ فيقال الواو لا ترتب، ويجوز أن تكون ~~الواو للحال، أي: تابوا، وقد آمنوا { إن ربك من بعدها ~~لغفور رحيم }. # قوله: " ولما سكت " السكوت والسكات قطع الكلام، وهو ~~هنا استعارة بديعة. # قال الزمخشري: هذا مثل كأن الغضب كان يغريه على ما فعل ويقول ~~له: قل لقومك كذا، وألق الألواح وخذ برأس أخيك إليك، فترك النطق ~~بذلك، وترك الإغراء به، ولم يستحسن هذه الكلمة، ولم يستفصحها كل ~~ذي طبع سليم وذوق صحيح إلا لذلك، ولأنه من قبيل شعب البلاغة، ~~وإلا فما لقراءة معاوية بن قرة: ولما سكن بالنون، لا تجد ~~النفس عندها شيئا من ms4103 تلك الهمزة وطرفا من تلك الروعة؟ # وقيل: شبه جمود الغذب بانقطاع كلام المتكلم. # قال يونس: " [سال] الوادي ثم سكت فهذا أيضا استعارة ". # وقال الزجاج: مصدر: سكت الغضب: السكتة، ومصدر: سكت ~~الرجل: السكوت وهو يقتضي أن يكون " سكت الغضب " فعلا على حدته. # وقيل: هذا من باب القلب، والأصل: ولما سكت موسى عن الغضب، نحو: ~~أدخلت القلنسوة في رأسي، أي: أدخلت رأسي في القلنسوة. # قاله عكرمة: وهذا ينبغي أن لا يجوز لعدم الاحتياج إليه، مع ما في القلب ~~من الخلاف المتقدم. # وقيل المراد بالسكوت: السكون والزوال، وعلى هذا جاز سكت عن ~~موسى الغضب ولا يجوز صمت؛ لأن سكت بمعنى سكن، وأما صمت بمعنى ~~سد فاه عن الكلام، فلا يجوز في الغضب. # فصل # ظاهر الآية يدل على أنه - عليه الصلاة والسلام - لما عرف أن أخاه ~~هارون لم يقع منه تقصير وأظهر له صحة عذرة، فحينئذ سكن غضبه، وهو الوقت ~~الذي قال فيه: { رب اغفر لي ولأخي }. # وقوله: " أخذ الألواح " ظاهر هذا يدل على أن شيئا منها لم ينكسر، ~~ولم يرفع منها ستة أسباعها كما نقل عن بعضهم. # وقوله: { وفي نسختها هدى } هذه الجملة في محل نصب على الحال ~~من الألواح، أو من ضمير موسى والأول أحسن. وهذا عبارة عن ~~النقل والتحويل فإذا كتب كتاب عن كتاب حرف بعد حرف قلبت نسخة ~~ذلك الكتاب، كأنك نقلت ما في الأصل إلى الكتاب الثاني. # قال ابن عباس: لما ألقى موسى الألواح فتكسرت صام أربعين يوما، ~~فأعاد الله الألواح وفيها نفس ما في الأولى، فعلى هذا قوله " وفي ~~نسختها " أي: " وفيما نسخ منها " وإن قلنا: الألواح لم تنكسر، ~~وأخذها موسى بأعيانها؛ فلا شك أنها مكتوبة من اللوح المحفوظ فهي نسخ ~~على هذا التقدير. # وقوله: " هدى ورحمة " أي: هدى من الضلالة، ورحمة من العذاب. # قوله: " للذين " متعلق بمحذوف؛ لأنه صفة لرحمة أي: رحمة كائنة ~~للذين، يجوز أن تكون اللام لام المفعول من أجله، كأنه قيل: هدى ~~ورحمة لأجل هؤلاء، وهم مبتدأ ويرهبون خبره، والجملة صلة ~~الموصول. # قوله: لربهم ms4104 يرهبون. في هذه اللام أربعة أوجه: أحدها أن ~~اللام مقوية للفعل لأنه لما تقدم معموله ضعف فقوي باللام ~~كقوله: # إن كنتم للرؤيا تعبرون # [يوسف: 43] وقد تقدم أن اللام تكون مقوية حيث كان العامل ~~مؤخرا أو فرعا نحو: # فعال لما يريد # [هود: 107] ولا تزاد في غير هذين إلا ضرورة عند بعضهم؛ كقول الشاعر: ~~[الوافر] # 2586 - ولما أن تواقفنا قليلا # أنخنا للكلاكل فارتمينا # أو في قليل عند آخرين؛ كقوله تعالى: # ردف لكم # [النمل: 72]. # والثاني: أن اللام لام العلة وعلى هذا فمفعول يرهبون ~~محذوف، تقديره: يرهبون عقابه لأجله، أي لأجل ربهم لا رياء ولا سمعة ~~وهذا مذهب الأخفش. # الثالث: أنها متعلقة بمصدر محذوف، تقديره: الذين هم رهبتهم لربهم. # وهو قول المبرد وهذا غير جار على قواعد البصريين، لأنه ~~يلزم منه حذف المصدر، وإبقاء معموله، وهو ممتنع إلا في شعر، ~~وأيضا فهو تقدير مخرج للكلام عن فصاحته. # الرابع: أنها متعلقة بفعل مقدر أيضا، تقديره: يخشعون لربهم. ~~ذكره أبو البقاء، وهو أولى مما قبله. # وقال ابن الخطيب: قد يزاد حرف الجر في المفعول، وإن كان الفعل ~~متعديا، كقوله: قرأت في السورة وقرأت السورة، وألقى يده " ~~وألقى بيده " ، قال تعالى # ألم يعلم بأن الله يرى # [العلق: 4] فعلى هذا تكون هذه اللام صلة وتأكيدا كقوله # ردف لكم # [النمل: 72]، وقد ذكروا مثل هذا في قوله: # ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم # [آل عمران: 73]. ### || [7.155-156] # قوله تعالى: واختار موسى. الآية، " اختار " يتعدى لاثنين، إلى ~~أولهما بنفسه، وإلى ثانيهما بحرف الجر، ويجوز حذفه. # تقول: اخترت زيدا من الرجال ثم تتسع فتحذف " من " فتقول " ~~زيدا الرجال " قال: [البسيط] # 2587 - اخترتك الناس إذ رثت خلائقهم # واعقل من كان يرجى عنده السؤل # وقال الراعي: [الطويل] # 2588 - فقلت له اخترها قلوصا سمينة # ونابا علينا مثل نابك في الحيا # وقال الفرزدق: [الطويل] # 2589 - منا الذي اختير الرجال سماحة # وجودا إذا هب الرياح الزعازع # وهذا النوع مقصور على السماع، حصره النحاة في ألفاظ، وهي: " اختار ~~" و " أمر ". # كقوله: [البسيط] # 2590 - أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ms4105 # فقد تركتك ذا مال وذا نشب # و " استغفر " ، كقوله: [البسيط] # 2591 - أستغفر الله ذنبا لست محصيه # رب العباد إليه الوجه والعمل # و " سمى "؛ كقوله: سميت ابني بزيد، وإن شئت: زيدا، و ~~" دعا " بمعناه؛ قال: [الطويل] # 2592 - دعتني أخاها أم عمرو، ولم أكن # أخاها ولم أرضع لها بلبان # و " كنى "؛ تقول: كنيته بفلان، وإن شئت: فلانا. # و " صدق " قال تعالى: # ولقد صدقكم الله وعده # [آل عمران: 152]، و " زوج "؛ قال تعالى: { زوجناكها }. ولم ~~يزد أبو حيان عليها. # ومنها أيضا: " حدث " و " نبأ " و " أخبر " و " خبر " إذا ~~لم تضمن معنى " أعلم ". # قال تعالى: # من أنبأك هذا # [التحريم: 3]؛ وقال: { فلما نبأها به }. # وتقول حدثتك بكذا، وإن شئت: كذا؛ قال: [الطويل] # 2593 - لئن كان ما حدثته اليوم صادقا # أصم في نهار القيظ للشمس باديا # و " قومه " مفعول ثان على أولهما، والتقدير: واختار موسى سبعين ~~رجلا من قومه، ونقل أبو البقاء عن بعضهم أن " قومه " مفعول أول، ~~و " سبعين " بدل، أي: بدل بعض من كل، ثم قال: " وأرى أن البدل ~~جائز على ضعف، وأن التقدير: سبعين رجلا منهم ". # قال شهاب الدين: إنما كان ممتنعا أو ضعيفا؛ لأن فيه حذف شيئين. # أحدهما: المختار منه؛ فإنه لا بد للاختيار من مختار، ومختار منه، ~~وعلى البدل إنما ذكر المختار دون المختار منه. # والثاني: أنه لا بد من رابط بين البدل والمبدل منه، وهو " منهم ~~" كما قدره أبو البقاء، وأيضا فإن البدل في نية الطرح. # قال ابن الخطيب: وعندي فيه وجه آخر وهو أن يكون التقدير: واختار موسى ~~قومه لميقاتنا، وأراد ب " قومه " السبعين المعتبرين منهم؛ إطلاقا ~~لاسم الجنس على ما هو المقصود منه. # وقوله سبعين رجلا عطف بيان؛ وعلى هذا فلا حاجة إلى ما ذكروه من ~~التكلفات. # فصل # الاختيار: افتعال من لفظ الخير كالمصطفى من الصفوة. # يقال: اختار الشيء إذا أخذ خيره وخياره، وأصل اختار: اختير، فتحركت ~~الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا نحو: باع: ولذلك استوى لفظ الفاعل ~~والمفعول فقيل فيهما مختار، والأصل مختير ومختير فقلبت الياء ms4106 فيهما ~~ألفا. # فصل # ذكروا أن موسى - عليه الصلاة والسلام - اختار من قومه اثني عشر ~~سبطا من كل سبط ستة؛ فصاروا اثنين وسبعين. # فقال: ليتخلف منكم رجلان؛ فتشاجروا. # فقال: إن لمن قعد منكم أجر من خرج، فقعد كالب ويوشع. # وروي أنه لم يجد إلا ستين شيخا، فأوحى الله إليه أن يختار من ~~الشباب عشرة، فاختارهم، فأصبحوا شيوخا فأمرهم الله أن يصوموا، ~~ويتطهروا ويطهروا ثيابهم، ثم خرج بهم إلى الميقات. # واختلفوا في هذا الاختيار هل هو الخروج إلى ميقات الكلام، وسؤال موسى ~~ربه عن الرؤية أو للخروج إلى موضع آخر؟ # فقال بعض المفسرين: إنه لميقات الكلام وطلب الرؤية. # قالوا: إنه عليه الصلاة والسلام خرج بهؤلاء السبعين إلى طور ~~سيناء، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود من الغمام حتى أحاط ~~بالجبل كله ودنا موسى، ودخل فيه. # وقال للقوم: ادنوا، فدنوا فلما دخلوا الغمام وقعوا سجدا، فسمعوه وهو ~~يكلم موسى يأمره وينهاه، ثم انكشف الغمام وأقبلوا إليه. # وقالوا: # ياموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ~~فأخذتكم الصاعقة # [البقرة: 55] وهي الرجفة المذكورة ههنا. # فقال موسى: { رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي ~~أتهلكنا بما فعل السفهآء منآ } [الأعراف: 155] وهو ~~قولهم # أرنا الله جهرة # [النساء: 153]. # وقيل: المراد من هذا الميقات غير ميقات الكلام، وطلب الرؤية، ~~واختلفوا فيه. # فقيل: إن قوم موسى لما عبدوا العجل ثم تابوا أمر الله تعالى ~~موسى - عليه الصلاة والسلام - أن يجمع السبعين ويحضروا موضعا ~~يظهرون فيه تلك التوبة، فأوحى الله تعالى إلى تلك الأرض، فرجفت ~~بهم فعند ذلك قال موسى: { رب لو شئت أهلكتهم من قبل } ~~، وإنما رجفت بهم الأرض لوجوه: # أولها: أن هؤلاء السبعين وإن كانوا ما عبدوا العجل، إلا أنهم ما ~~فارقوا عبدة العجل عن اشتغالهم بعبادة العجل. # وثانيها: أنهم ما بالغوا في النهي عن عبادة العجل. # وثالثها: أنهم لما خرجوا إلى الميقات ليتوبوا دعوا ربهم وقالوا: ~~اعطنا ما لم تعطه أحدا قبلنا، ولا تعطيه أحدا بعدنا، فأنكر ~~الله عليهم ذلك فأخذتهم الرجفة. # واحتجوا لهذا القول بوجوه: ms4107 أحدها: أنه تعالى ذكر قصة ميقات الكلام، ~~وطلب الرؤية ثم أتبعها بذكر قصة العجل ثم أتبعها بهذه القصة، وظاهر ~~الحال يقتضي أن هذه القصة مغايرة للقصة المتقدمة، ويمكن أن يكون عودا ~~إلى تتمة الكلام في القصة الأولى، إلا أن الأليق بالفصاحة إتمام ~~الكلام في القصة الواحدة في موضع واحد، ثم الانتقال منها بعد تمامها ~~إلى غيرها، فأما ذكر بعض القصة، ثم الانتقال إلى قصة أخرى، ثم ~~الانتقال منها بعد تمامها إلى بقية الكلام في القصة الأولى؛ فإنه ~~يوجب نوعا من الخبط والاضطراب، والأولى صون كلام الله عنه. # وثانيها: أن في ميقات الكلام وطلب الرؤية لم ينكر منهم إلا قولهم # أرنا الله جهرة # [النساء: 153] فلو كانت الرجفة المذكورة ههنا إنما حصلت بسبب هذا القول ~~لوجب أن يقال: أتهلكنا بما يقوله السفهاء منا؟ فلما لم يقل ذلك بل ~~قال { أتهلكنا بما فعل السفهآء منآ } علمنا أن هذه ~~الرجفة إنما حصلت بإقدامهم على عبادة العجل لا على القول. # وثالثها: أن في ميقات الكلام أو الرؤية خر موسى صعقا وجعل الجبل ~~دكا وأما هذا الميقات فذكر تعالى أن القوم أخذتهم الرجفة، ولم ~~يذكر أن موسى - عليه الصلاة والسلام - أخذته الرجفة، وكيف يقال أخذته ~~الرجفة، وهو الذي قال: { لو شئت أهلكتهم من قبل ~~وإياي } [الأعراف: 155] وهذه الخصوصيات تدل على أن هذا الميقات ~~غير ميقات الكلام وطلب الرؤية. # وقيل: المراد بهذا الميقات ما روي عن علي - رضي الله عنه - قال: إن ~~موسى وهارون انطلقا إلى سفح جبل؛ فنام هارون فتوفاه الله، فلما رجع ~~موسى قالوا إنه هو الذي قتل هارون: فاختار موسى سبعين رجلا وذهبوا ~~إلى هارون فأحياه الله وقال ما قتلني أحد، فأخذتهم الرجفة هناك. # فصل # اختلفوا في تلك الرجفة. # فقيل: إنها رجفة أوجبت الموت. # قال السدي: قال موسى يا رب كيف أرجع إلى بني إسرائيل، وقد أهلكت ~~خيارهم ولم يبق منهم رجل واحد؟ فما أقول لبني إسرائيل، وكيف يأمنوني على ~~أخد منهم؟ فأحياهم الله. فمعنى قوله { لو شئت أهلكتهم من ~~قبل وإياي } أن موسى ms4108 خاف أن يتهمه بنو إسرائيل عن ~~السبعين إذا عاد إليهم، ولم يصدقوا أنهم ماتوا. # فقال لربه: لو شئت أهلكتنا قبل خروجنا للميقات، فكان بنو إسرائيل ~~يعاينون ذلك، ولا يتهموني. # وقيل: إن تلك الرجفة ما كانت موتا، ولكن القوم لما رأوا تلك ~~الحالة المهيبة أخذتهم الرعدة، ورجفوا حتى كادت تبين منهم مفاصلهم، وخاف ~~موسى - عليه الصلاة والسلام - الموت فعند ذلك بكى، ودعا؛ فكشف الله ~~عنهم الرعدة. # قوله: " لميقاتنا " متعلق ب " اختار " أي: لأجل ميقاتنا، ويجوز أن ~~يكون معناها الاختصاص أي: اختارهم مخصصا بهم الميقات، كقولك: اختر لك ~~كذا. # قوله " لو شئت " مفعول المشيئة محذوف، أي: لو شئت إهلاكنا، و " ~~أهلكتهم " جواب " لو " والأكثر الإتيان باللام في هذا النحو ~~ولذلك لم يأت مجردا منها إلا هنا وفي قوله: # أن لو نشآء أصبناهم # [الأعراف: 100] وفي قوله: # لو نشآء جعلناه أجاجا # [الواقعة: 70]. # ومعنى من قبل أي قبل الاختيار، وأخذ الرجفة. # وقوله: " وإياي " قد يتعلق به من يرى جواز انفصال الضمير مع ~~القدرة على اتصاله، إذ كان يمكن أن يقال: أهلكتنا. وهو تعلق واه ~~جدا، لأن مقصوده صلى الله عليه وسلم التنصيص على هلاك كل على حدته ~~تعظيما للأمر، وأيضا فإن موسى لم يتعاط ما يقتضي إهلاكه، بخلاف ~~قومه. وإنما قال ذلك تسليما منه لربه، فعطف ضميره تنبيها على ذلك، ~~وقد تقدم نظير ذلك في قوله: # ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ~~وإياكم # [النساء: 131] وقوله: # يخرجون الرسول وإياكم # [الممتحنة: 1]. # قوله: " أتهلكنا " يجوز فيه أن يكون على بابه أي: أتعمنا ~~بالإهلاك أم تخص به السفهاء منا؟ ويجوز أن يكون بمعنى النفي، أي: ~~ما تهلك من لم يذنب بذنب غيره، قاله ابن الأنباري. # قال وهو كقولك: " أتهين من يكرمك "؟ وعن المبرد هو سؤال استعطاف ~~ومنا في محل نصب على الحال من السفهاء ويجوز أن يكون للبيان. # قوله: { إن هي إلا فتنتك }. # قال الواحدي: الكناية في قوله هي عائدة على الفتنة كما تقول: ~~إن هو إلا زيد، وإن هي إلا هند، والمعنى: أن تلك الفتنة التي وقع ms4109 ~~فيها السفهاء لم تكن إلا فتنتك أضللت بها قوما فافتتنوا، وعصمت ~~قوما فثبتوا على الحق. ثم أكد بيان أن الكل من الله تعالى، ~~فقال: { تضل بها من تشآء وتهدي من تشآء }. # ثم قال الواحدي: وهذه الآية من الحجج الظاهرة على القدرية ~~التي لا يبقى لهم معها عذر. # قالت المعتزلة لا تعلق للجبرية بهذه الآية؛ لأنه لم يقل: تضل بها ~~من تشاء عن الدين؛ ولأنه قال تضل بها أي بالرجفة، والرجفة لا ~~يضل الله بها؛ فوجب تأويل الآية. # فمعنى قوله: { إن هي إلا فتنتك } أي: امتحانك وشدة تعبدك؛ ~~لأنه لما أظهر الرجفة كلفهم بالصبر عليها، وأما ~~قوله: { تضل بها من تشآء } ففيه وجوه: أحدها: تهدي بهذا ~~الامتحان إلى الجنة والثواب بشرط أن يؤمن ذلك المكلف، ويبقى على ~~الإيمان، وتعاقب من تشاء بشرط ألا يؤمن، أو إن آمن لكن لا يصبر عليه، ~~وثانيها: أن يكون المراد بالإضلال الإهلاك، أي: تهلك من تشاء بهذه ~~الرجفة وتصرفها عمن تشاء، وثالثها: أنه لما كان هذا الامتحان ~~كالسبب في هداية من اهتدى، وضلال من ضل، جاز أن يضاف إليه. # فصل # واعلم أن هذه تأويلات متعسفة، والدلائل العقلية دالة على أن ~~المراد ما ذكرناه، وتقريره من وجوه: # الأول: أن القدرة الصالحة للإيمان والكفر لا يترجح تأثيرها في أحد ~~الطرفين على تأثيرها في الطرف الآخر، إلا لداعية مرجحة، وخالق تلك ~~الداعية هو الله تعالى، وعند حصول الداعية يجب الفعل، وإذا ثبتت ~~هذه المقدمات ثبت أن الهداية والإضلال من الله تعالى. # الثاني: أن العاقل لا يريد إلا الإيمان، والحق، والصدق، فلو ~~كان الأمر باختياره وقصده لوجب أن يكون كل أحد مؤمنا محقا، وحيث لم ~~يكن الأمر كذلك؛ ثبت أن الكل من الله تعالى. # الثالث: لو كان حصول الهداية بفعل العبد فما لم يتميز عنده اعتقاد الحق ~~من اعتقاد الباطل؛ امتنع أن يخص أحد الاعتقادين بالتحصيل، لكن علمه ~~بأن هذا الاعتقاد هو الحق، وأن الآخر هو الباطل، يقتضي كونه عالما ~~بذلك المعتقد أولا كما هو عليه، فلزم أن تكون القدرة ms4110 على تحصيل ~~الاعتقاد هو الأول، وأن الآخر مشورطا بكون ذلك الاعتقاد حاصلا وذلك ~~يقتضي كون الشيء مشروطا بنفسه، وهو محال، فامتنع أن يكون حصول ~~الهداية بتحصيل العبد، وأما إبطال تأويلاتهم، فقد تقدم مرارا. # قله تضل بها يجوز فيها وجهان: أحدهما: أن تكون مستأنفة فلا ~~محل لها، والثاني أن تكون حالا من فتنتك أي: حال كونها مضلا ~~بها، ويجوز أن تكون حالا من الكاف؛ لأنها مرفوعة تقديرا ~~بالفاعلية، ومنعه أبو البقاء قال: " لعدم العامل فيها " وقد قدم ~~البحث معه مرارا. # قوله: " أنت ولينا " يفيد الحصر، أي: لا ولي لنا، ولا ناصر، ولا ~~هادي إلا أنت، وهذا من تمام ما تقدم من قوله: { تضل بها من ~~تشآء وتهدي من تشآء }. # وقوله: { فاغفر لنا وارحمنا } المراد منه: أن إقدامه على ~~قوله: { إن هي إلا فتنتك } جراءة عظيمة، فطلب من الله ~~غفرانها والتجاوز عنها. # وقوله: { وأنت خير الغافرين } أي: أن كل من سواك ~~فإنما يتجاوز عن الذنب إما طلبا للثناء الجميل، أو للثواب ~~الجزيل، أو دفعا للرقة الخسيسة عن القلب، أما أنت فتغفر ذنوب عبادك لا ~~لطلب غرض وعوض، بل لمحض الفضل والكرم. # قوله: { واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي ~~الآخرة } الكتابة تذكر بمعنى الإيجاب. ولما قرر أنه لا ولي له ~~إلا الله، والمتوقع من الولي والناصر أمران: أحدهما: دفع الضرر ~~والثاني: تحصيل النفع، ودفع الضرر مقدم على تحصيل النفع؛ فلهذا ~~السبب بدأ بطلب دفع الضرر وهو قوله: { فاغفر لنا ~~وارحمنا } [الأعراف: 155] ثم أتبعه بتحصيل النفع، وهو قوله { ~~واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الأخرة } ~~والمراد بالحسنة في الدنيا، النعمة والعافية، والحسنة في ~~الآخرة: المغفرة والجنة. # قوله: { إنا هدنآ إليك } العامة على ضم الهاء، من هاد ~~يهود بمعنى: مال؛ قال: [السريع] # 2594 - قد علمت سلمى وجاراتها # أني من الله لها هائد # أو " تاب " من قوله: [الرجز] # 2595 - إني امرؤ مما جنيت هائد # ومن كلام بعضهم: { المجتث] # 2596 - يا راكب الذنب هدهد # واسجد كأنك هدهد # وقرأ زيد بن علي، وأبو وجزة " هدنا " بكسر ms4111 الهاء من " هاد ~~يهيد " أي: حرك. أجاز الزمخشري في " هدنا " ، و " هدنا " - ~~بالضم والكسر - أن يكون الفعل مبنيا للفاعل أو للمفعول في كل ~~منهما بمعنى: ملنا، أو أمالنا غيرنا، أو حركنا نحن ~~أنفسنا، أو حركنا غيرنا، وفيه نظر؛ لأن بعض النحويين قد ~~نص على أنه متى ألبس، وجب أن يؤتى بحركة تزيل اللبس. # فيقال في " عقت " من العوق إذا عاقك غيرك: " عقت " بالكسر ~~فقط، أو الإشمام، وفي: " بعت يا عبد " إذا قصد أن غيره باعه " بعت " ~~بالضم فقط أو الإشمام، ولكن سيبويه جوز في " قيل وبيع " ونحوهما الأوجه ~~الثلاثة من غير احتراز. # و " هي " ضمير يفسره سياق الكلام إذ التقدير: إن فتنتهم ~~إلا فتنتك. وقيل يعود على مسألة الإرادة من قوله: # أرنا الله جهرة # [النساء: 153] أي: إنه من مسألة الرؤية. # قوله: { عذابي أصيب به } مبتدأ وخبر. والعامة على " من ~~أشاء " بالشين المعجمة. # وقرأ زيد بن علي، وطاووس، وعمرو بن فائد " أساء " بالمهملة. # قال الداني: لا تصح هذه القراءة عن الحسن، ولا عن طاووس، وعمرو بن ~~فائد رجل سوء واختار الشافعي هذه القراءة، وقرأها سفيان بن ~~عيينة، واستحسنها فقام عبد الرحمن المقرىء فصاح به وأسمعه. # فقال سفيان: " لم أفطن لما يقول أهل البدع ". يعني عبد الرحمن ~~أن المعتزلة تعلقوا بهذه القراءة في أن فعل العبد مخلوق ~~له، فاعتذر سفيان عن ذلك. # ومعنى الآية: إني أعذب من من أشاء، وليس لأحد علي اعتراض { ~~ورحمتي وسعت كل شيء } أي: أن رحمته في الدنيا تعم ~~الكل، وأما في الآخرة فهي مختصة بالمؤمنين لقوله هنا { ~~فسأكتبها للذين يتقون } وهذا من العام الذي أريد به ~~الخاص كقوله # وأوتيت من كل شيء # [النمل: 23]. # قال عطية العوفي: " وسعت كل شيء " ولكن لا تجب إلا ~~للمتقين، وذلك أن الكافر يرزق ويدفع عنه ببركة المؤمن، لسعة رحمة ~~الله للمؤمن، فإذا صار للآخرة وجبت للمؤمن خاصة كالمستضيء بنار غيره إذا ~~ذهب صاحب السراج بسراجه. # قال ابن عباس وقتادة وابن جريج: لما نزلت: { ورحمتي وسعت ~~كل شيء } قال إبليس أنا من ذلك ms4112 الشيء فقال الله: { فسأكتبها ~~للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم ~~بآياتنا يؤمنون } فتمناها اليهود والنصارى. وقالوا: نحن نتقي ~~ونؤتي الزكاة ونؤمن فجعلها الله لهذه الأمة بقوله # الذين يتبعون الرسول النبي الأمي # [الأعراف: 157]. # واعلم أن جميع التكاليف محصورة في نوعين: # الأول: المتروك وهي الأشياء التي يجب على الإنسان تركها، وهو المراد ~~بقوله: " للذين يتقون ". # والثاني: الأفعال، وهي إما أن تكون في مال الإنسان أو في نفسه، ~~فالأول: هو الزكاة وهو المراد بقوله " ويؤتون الزكاة " والثاني ~~يدخل فيه ما يجب على الإنسان علما وعملا أما العلم فالمعرفة، ~~وأما العمل فالإقرار باللسان والعمل بالأركان، فيدخل فيه الصلاة ~~وإلى هذا المجموع أشار بقوله: { والذين هم بآياتنا ~~يؤمنون } ونظيره قوله تعالى في أول سورة البقرة # هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون ~~الصلاة ومما رزقناهم ينفقون # [البقرة: 2،3]. ### || [7.157] # قوله { الذين يتبعون } في محله أوجه: # أحدها: الجر نعتا لقوله # للذين يتقون # [الأعراف:156]. # الثاني: أنه بدل منه. # الثالث: أنه منصوب على القطع. # الرابع: أنه مرفوع على خبر مبتدأ مضمر وهو معنى القطع أيضا. # الخامس: أنه مبتدأ وفي الخبر حينئذ وجهان: أحدهما الجملة الفعلية ~~من قوله: " يأمرهم بالمعروف ". والثاني: الجملة الأسمية من ~~قوله: # فأولئك هم المفلحون # [الأعراف: 8] ذكر ذلك أبو البقاء، وفيه ضعف بل منع كيف يجعل: " ~~يأمرهم " خبرا وهو من تتمة وصف الرسول صلى الله عليه وسلم، أو ~~على أنه معمول للوجدان عند بعضهم؟ كيف يجعل " أولئك هم ~~المفلحون " خبرا لهذا الموصول؟ والموصول الثاني وهو قوله: { ~~فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه } يطلبه خبرا، لا ~~يتبادر الذهن إلى غيره، ولو تبادر لم يكن معتبرا. # قوله " الأمي " العامة على ضم الهمزة، نسبة إما إلى الأمة ~~وهي أمة العرب؛ وذلك لأن العرب لا تحسب ولا تكتب، ومنه الحديث # " أنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب " # ، وإما نسبة إلى " الأم " وهو مصدر " أم يؤم " أي: قصد يقصد، ~~والمعنى على هذا: أن النبي الكريم مقصود لكل أحد، وفيه نظر؛ لأنه كان ~~ينبغي أن يقال: " الأمي " بفتح الهمزة. # وقد يقال: إنه من تغيير ms4113 النسب، وسيأتي أن هذه قراءة لبعضهم، ~~وإما نسبة إلى " أم القرى " وهي مكة وإما نسبة إلى الأم، فالأمي ~~الذي لا يقرأ ولا يكتب على حالة ولادته من أمه. # وقرأ يعقوب الأمي بفتح الهمزة، وخرجها بعضهم، على أنه من ~~تغيير النسب، كما قالوا في النسب إلى أمية: أموي، وخرجها ~~بعضهم على أنها نسبة إلى " الأم " وهو القصد، أي الذي هو على ~~القصد والسداد، وقد تقدم ذلك في القراءة الشهيرة، فكل من القراءتين ~~يحتمل أن تكون مغيرة من الأخرى. # قوله يجدونه الظاهر أن هذه متعدية لواحد؛ لأنها ~~اللقية، والتقدير: يلقونه أي: يلقون اسمه ونعته مكتوبا؛ ~~لأنه بمعنى: وجدان الضالة، يكون مكتوبا حالا من الهاء في ~~يجدونه. # وقال أبو علي: " إنها متعدية لاثنين، أولهما: الهاء ". # والثاني: " مكتوبا ". # قال " ولا بد من حذف هذا المضاف، أعني قوله: ذكره، أو اسمه ". # قال سيبويه: " تقول إذا نظرت في هذا الكتاب: هذا عمرو، وإنما المعنى ~~هذا اسم عمرو، وهذا ذكر عمرو وقال مجاهد وهذا يجوز على سعة الكلام ~~". # قوله { عندهم في التوراة }. هذا الظرف، وعديله كلاهما ~~متعلق ب " يجدون " ، ويجوز - وهو الأظهر - أن يتعلقا ب " ~~مكتوبا " أي: كتب اسمه ونعته عندهم في توراتهم وإنجيلهم. # قوله يأمرهم فيه ستة أوجه: أحدها: أنه مستأنف؛ فلا محل له ~~حينئذ، وهو قول الزجاج. والثاني: أنه خبر ل " الذين " قاله أبو ~~البقاء: وقد ذكر، أي: وقد ذكره فيه ثمة. الثالث: أنه منصوب على ~~الحال من الهاء في يجدونه، ولا بد من التجوز في ذلك، بأن ~~يجعل حالا مقدرة، وقد منع أبو علي أن يكون حالا من هذا الضمير. # قال: لأن الضمير للاسم والذكر، والاسم والذكر لا يأمران يعني أن ~~الكلام على حذف مضاف كما مر؛ فإن تقديره: " يجدون اسمه، أو ذكره " ، ~~والذكر أو الاسم لا يأمران، إنما يأمر المذكور والمسمى. # الرابع: أنه حال من النبي. الخامس: أنه حال من الضمير ~~المستكن في " مكتوبا ". السادس: أنه مفسر ل " مكتوبا ~~" أي: لما كتب، قاله الفارسي. قال: كما فسر قوله # وعد الله الذين آمنوا # [المائدة: ms4114 9] [النور: 55] [الفتح: 29] بقوله: # لهم مغفرة وأجر عظيم # [المائدة: 9]، وكما فسر المثل في قوله تعالى: # إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم # [آل عمران: 59] بقوله: # خلقه من تراب # [آل عمران: 59]. # وقال الزجاج هنا: ويجوز أن يكون المعنى: يجدونه مكتوبا عندهم ~~أنه يأمرهم بالمعروف وعلى هذا يكون الأمر بالمعروف، وما ذكر معه من ~~صفته التي ذكرت في الكتابين، وقد استدرك أبو علي هذه المقالة، فقال: ~~لا وجه لقوله: " يجدونه مكتوبا عندهم أنه يأمرهم بالمعروف " إن كان ~~يعني أن ذلك مراد؛ لأنه لا شيء يدل على حذفه، ولأنا لا ~~نعلمهم أنهم صدقوا في شيء، وتفسير الآية أن " وجدت " فيها تتعدى ~~لمفعولين فذكر نحو ما تقدم عنه. # قال شهاب الدين: وهذا الرد تحامل منه عليه؛ لأنه أراد تفسير ~~المعنى وهو تفسير حسن. # فصل # لما بين صفة من تكتب له الرحمة في الدنيا والآخرة وهو أن يكون ~~متقيا ويؤتي الزكاة، ويؤمن بالآيات، ضم إلى ذلك أن يكون متبعا ~~للنبي { الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ~~والإنجيل } واختلفوا في ذلك. # فقال بعضهم: المراد باتباعه اعتقاد نبوته من حيث وجدوا صفته ولا يجوز أن ~~يتبعوه في شرائعه قبل بعثته. # وقيل في قوله: والإنجيل أن المراد وسيجدونه مكتوبا في الإنجيل؛ لأن ~~من المحال أن يجدوه فيه قبل ما أنزل الله الإنجيل. # وقيل المراد بهم: من لحق من بني إسرائيل أيام الرسول - عليه ~~الصلاة والسلام - فبين تعالى أن هؤلاء اللاحقين لا يكتب لهم رحمة ~~الآخرة إلا إذا اتبعوا الرسول الأمي، وهذا هو الأقرب، لأن اتباعه ~~قبل بعثته لا يمكن. # ووصف هذا النبي بتسع صفات: # الأولى: كونه رسولا، وهو في العرف من أرسله الله إلى الخلق لتبليغ ~~التكاليف. # الثانية: كونه نبيا، وهو الرفيع القدر عند الله تعالى. # والثالثة: كونه أميا. # قال الزجاج: وهو الذي على صفة أمة العرب، كما تقدم في قوله عليه السلام: # " إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ". # قال المحققون: وكونه أميا بهذا التفسير من جملة معجزاته وبيانه من ~~وجوه: # الأول: أنه - عليه الصلاة والسلام - كان ms4115 يقرأ عليهم كتاب الله تعالى ~~منظوما مرة بعد أخرى من غير تبديل ألفاظه، ولا تغيير كلماته، ~~والخطيب من العرب إذا ارتجل خطبة ثم أعادها؛ فلا بد أن يزيد فيها، وأن ~~ينقص عنها بالقليل والكثير، وهو - عليه الصلاة والسلام - مع أنه ما كان ~~يكتب وما كان يقرأ يتلو كتاب الله من غير زيادة ولا نقصان ولا تغيير، ~~فكان ذلك من المعجزات وإليه الإشارة بقوله: # سنقرئك فلا تنسى # [الأعلى: 6]. # الثاني: لو كان يحسن القراءة والخط لكان متهما في القرآن العظيم ~~المشتمل على العلوم الكثيرة كلما أتى به من غير تعلم، ولا مطالعة؛ فكان ~~ذلك من المعجزات وهو المراد من قوله: # وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه ~~بيمينك إذا لارتاب المبطلون # [العنكبوت: 48] الثالث: أن تعلم الخط شيء سهل فإن أقل الناس ذكاء ~~وفطنة يتعلمون الخط بأهون سعي فعدم تعلمه يدل على نقص عظيم في الهمم، ~~ثم إنه تعالى آتاه علوم الأولين والآخرين وما لم يصل إليه أحد من ~~البشر، ومع تلك القوة العظيمة والفهم جعله بحيث لم يتعلم الخط الذي ~~يسهل تعلمه على أقل الخلق عقلا وفهما، فكان الجمع بين هاتين الحالتين ~~المتضادتين جاريا مجرى الجمع بين الضدين، وذلك من الأمور الخارقة ~~للعادة وجارية مجرى المعجزات. # الصفة الرابعة: قوله: { يجدونه مكتوبا عندهم في ~~التوراة والإنجيل } [الأعراف: 157] وهذا يدل على أن نعته ~~وصحة نبوته مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل؛ لأن ذلك لو لم يكن ~~مكتوبا لكان ذكر هذا الكلام من أعظم المنفرات لليهود والنصارى عن قبول ~~قوله؛ لأن الإصرار على الكذب من أعظم المنفرات، والعاقل لا يسعى فيما ~~يوجب نقصان حاله، وينفر الناس عن قبول قوله وإذا كان مذكورا في ~~التوراة والإنجيل كان معجزة له دالة على صدقه. # قال عطاء بن يسار: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، قلت: أخبرني عن ~~صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة. # قال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن # يأيها النبي إنآ أرسلناك شاهدا ومبشرا ~~ونذيرا # [الأحزاب: 45] وحرزا ms4116 للأميين، أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل، ~~ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة ولكن ~~يعفو، ويغفر، ولن يقبضه حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا ~~إله إلا الله، ويفتح بها أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا ~~غلفا. # وعن كعب قال: إني أجد في التوراة مكتوبا محمد رسول الله لا فظ، ولا ~~غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، ~~أمته الحامدون، يحمدون الله في كل منزل، وعلى كل نجد، يأتزرون على ~~أنصافهم، ويغضون أطرافهم، صفهم في الصلاة وصفهم في القتال سواء، ~~مناديهم ينادي في جو السماء، لهم في جوف الليل دوي كدوي النحل، ~~مولده بمكة، ومهاجره بطيبة، وملكه بالشام. # الصفة الخامسة: قوله: { يأمرهم بالمعروف } أي: بالإيمان، ~~وقيل: الشريعة والسنة. # قال عطاء: بمكارم الأخلاق، وخلع الأنداد، وصلة الأرحام. # السادسة: قوله { وينهاهم عن المنكر } أي: عن الشرك. # وقيل: ما لا يعرف في كل شريعة ولا سنة. # وقيل: المنكر عبادة الأوثان، وقطع الأرحام. # السابعة: قوله: { ويحل لهم الطيبات }. # قيل: ما كانوا يحرمونه في الجاهلية: من البحيرة والسائبة ~~والوصيلة والحام. # قال ابن الخطيب: وهذا بعيد لوجهين: # الأول: أنه على هذا التقدير تصير الآية ويحل لهم المحللات وهذا محض ~~التكرير. # والثاني: أن على هذا التقدير تخرج الآية عن الفائدة، لأن لا ندري ~~الأشياء التي أحلها الله ما هي وكم هي؟. # بل الواجب أن يكون المراد بالطيبات الأشياء المستطابة بحسب الطبع؛ ~~لأن تناولها يفسد اللذة والأصل في المنافع الحل فدلت هذه الآية على ~~أن الأصل في كل ما تستطيبه النفس ويستلذه الطبع الحل إلا بدليل ~~منفصل. # الصفة الثامنة - قوله { ويحرم عليهم الخبآئث }. # قال عطاء عن ابن عباس: يريد الميتة والدم وما ذكر في سورة المائدة ~~إلى قوله: # ذلكم فسق # [المائدة: 3]. # قال ابن الخطيب: وأقول ههنا: كل ما يستخبثه الطبع [وتستقذره النفس ~~كان تناوله سببا للألم، والأصل في المضار الحرمة، فكان مقتضاه أن كل ما ~~يستخبثه الطبع] فالأصل فيه الحرمة إلا بدليل منفصل، وعلى هذا ~~يحرم بيع الكلب، ms4117 قوله عليه الصلاة والسلام: # " الكلب خبيث، وخبيث ثمنه " # ، فدخل في قوله تعالى: { ويحرم عليهم الخبآئث }. # الصفة التاسعة: قوله { ويضع عنهم إصرهم }. # قرأ ابن عامر آصارهم بالجمع، على صفة " أفعال " فانقلبت الهمزة التي ~~هي فاء الكلمة ألفا لسبقها بمثلها، والباقون بالإفراد. فمن جمع ~~فباعتبار متعلقاته وأنواعه، وهي كثيرة، ومن أفرد؛ فلأنه اسم جنس. # وقرأ بعضهم أصرهم بفتح الهمزة، وبعضهم أصرهم بضمها. # والإصر: الثقل الذي يأصر صاحبه، أي يحبسه من الحراك لثقله، أي: ~~إن شريعة موسى كانت شديدة، وقد تقدم تفسير هذه المادة في قوله ~~تعالى: # ولا تحمل علينآ إصرا # [البقرة: 286] والأغلال جمع غل، وهو هنا مثل لما كلفوه كقطع ~~أثر البول، وقتل النفس في التوبة، وقطع الأعضاء الخاطئة، وتتبع ~~العروق من اللحم وجعلها الله أغلالا؛ لأن التحريم يمنع من الفعل ~~كما أن الغل يمنع من الفعل. # فصل # وقيل: كانوا إذا قاموا إلى الصلاة لبسوا المسوح، وغلوا أيديهم إلى ~~أعناقهم. وقد تقدم تفسير مادة " الغل " في آل عمران عند قوله: # وما كان لنبي أن يغل # [161] وهذه الآية تدل على أن الأصل في المضار ألا تكون مشروعة؛ ~~لأن كل ما كان ضررا كان إصرا وغلا، وهذا النص يقتضي عدم ~~المشروعية، كقوله: # " لا ضرر ولا ضرار في الإسلام " # وقول # " بعثت بالحنيفية السمحة السهلة ". # فإن قيل: كيف عطف الأغلال وهو جمع على الإصر وهو مفرد؟. # فالجواب: أن الأصل مصدر يقع على الكثير والقليل. # قوله: { فالذين آمنوا به }. # قال ابن عباس: يعني من اليهود وعزروه يعني وقرره. # قال الزمخشري: أصل العزر المنع، ومنه التعزير؛ لأنه يمنع من ~~معاودة القبيح وتقدم تفسير التعزير في المائدة، والعامة على ~~التشديد وعزروه. # وقرأ الجحدري وعيسى بن عمر، وسليمان التيمي: بتخفيفها، وجعفر بن محمد ~~وعزروه بزايين معجمتين. ونصروه أي على عدوه. { ~~واتبعوا النور الذي أنزل معه } وهو القرآن. # وقيل: الهدى والبينات والرسالة. # فصل # قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى أنزل معه وإنما أنزل مع ~~جبريل؟. # قلت: معناه أنزل مع نبوته؛ لأن استنباءه كان مصحوبا بالقرآن ~~مشفوعا به، ويجوز أن يتعلق ب ms4118 " اتبعوا " أي واتبعوا القرآن ~~المنزل مع اتباع النبي والعمل بسنته، وبما أمر به ونهى عنه أو ~~اتبعوا القرآن كما اتبعه مصاحبين له في اتباعه. يعني بهذا الوجه ~~الأخير أنه حال من فاعل اتبعوا. # وقيل: " مع " بمعنى " على " أي: أنزل عليه. وجوز أبو حيان ~~أن يكون معه ظرفا في موضع الحال. # قال: العامل فيها محذوف تقديره: أنزل كائنا معه، وهي حال مقدرة ~~كقوله: مررت برجل معه صقر صائدا به غدا، فحالة الإنزال لم يكن ~~معه، لكنه صار معه بعد، كما أن الصيد لم يكن وقت المرور. # ثم لما ذكر تعالى هذه الصفات، قال: { فأولئك هم ~~المفلحون } أي: الفائزون في الدنيا والآخرة. ### || [7.158-159] # قوله تعالى: { قل يأيها الناس إني رسول الله ~~إليكم } الآية. # لما بين تعالى أن من شروط حصول الرحمة لأولئك ~~المتقين، كونهم متبعين للرسول، حقق في هذه الآية رسالته ~~إلى كل الخلق. # وقوله إليكم متعلق ب " رسول " ، وجميعا حال من المجرور ~~ب " إلى ". # فصل # هذه الآية تدل على أن محمدا صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى جميع ~~الخلق. # وقالت طائفة من اليهود يقال لهم العيسوية، وهم أتباع عيسى الأصفهاني: ~~إن محمدا رسول صادق مبعوث إلى العرب خاصة لا إلى بني إسرائيل وهذه ~~الآية تبطل قولهم؛ لأن قوله { يا أيها الناس } خطاب يتناول كل ~~الناس، وقد أقروا بكونه رسولا حقا صادقا وما كان كذلك امتنع ~~الكذب عليه، ووجب الجزم بكونه صادقا في كل ما يدعيه، وقد ثبت ~~بالتواتر وبهذه الآية أنه كان يدعي كونه مبعوثا إلى جميع الخلق؛ ~~فوجب كونه صادقا في هذا القول. # فصل # هذه الآية دلت على أن محمدا عليه الصلاة والسلام مبعوث إلى ~~كل الخلق فهل شاركه في هذه الخصوصية أحد من الأنبياء؟. # فقال بعضهم: نعم كان آدم عليه الصلاة والسلام مبعوثا إلى جميع ~~أولاده، وأن نوحا لما خرج من السفينة كان مبعوثا إلى الذين كانوا ~~معه، وهم جميع الناس في ذلك الوقت، وقوله عليه الصلاة والسلام: # " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي " # المراد أن مجموع ms4119 الخمسة لم يحصل لأحد سواه، ولم يلزم من كون ~~المجموع من خواصه عدم مشاركة غيره في آحاد أفرادها. # قوله: { الذي له ملك السماوات والأرض }. يجوز فيه: ~~الرفع، والنصب، والجر، فالرفع والنصب على القطع كما ~~تقدم [الأعراف: 57]، والجر من وجهين: إما النعت للجلالة، وإما ~~البدل منها. # قال الزمخشري: ويجوز أن يكون جرا على الوصف، وإن حيل بين ~~الصفة والموصوف بقوله " إليكم جميعا ". # واستضعف أبو البقاء هذا ووجه البدل، فقال: ويبعد أن يكون صفة لله ~~أو بدلا منه، لما فيه من الفصل بينهما ب " إليكم " وبحال، وهو ~~متعلق ب " رسول ". # قوله { لا إله إلا هو } لا محل لهذه الجملة من الإعراب، ~~إذ هي بدل من الصلة قبلها وفيها بيان لها؛ لأن من ملك العالم كان هو ~~الإله على الحقيقة، وكذلك قوله " يحيي ويميت " هي بيان لقوله لا ~~إله إلا هو سيقت لبيان اختصاصه بالإلهية؛ لأنه يقدر على ~~الإحياء والإماتة غيره. # قاله الزمخشري: وقال أبو حيان: " وإبدال الجمل من الجمل غير ~~المشتركة في عامل لا نعرفه ". # فصل # وقال الحوفي: إن " يحيي ويميت " في موضع خبر لا إله. # قا: " لأن الإله " في موضع رفع بالابتداء، وإلا هو بدل على ~~الموضع. # قال: والجملة أيضا في موضع الحال من اسم الله. ويعني بالجملة ~~قوله: { لا إله إلا هو يحيي ويميت } ويعني باسم الله، ~~أي: الضمير في له ملك أي استقر له الملك في حال انفراده ~~بالإلهية. # وقال أبو حيان: والأحسن أن تكون هذه جملا مستقلة من حيث الإعراب، ~~وإن كان متعلقا بعضها ببعض من حيث المعنى. # وقال في إعراب الحوفي المتقدم إنه متكلف. # قوله: { فآمنوا بالله ورسوله }. # فصل # اعلم أن الإيمان بالله أصل، والإيمان بالنبوة والرسالة فرع عليه، ~~والأصل يجب تقديمه فلهذا بدأ بقوله: فأمنوا بالله ثم أتبعه بقوله: ~~{ ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله ~~وكلماته } وهذا إشارة إلى ذكر المعجزات الدالة على كونه ~~نبيا حقا؛ لأن معجزاته عليه الصلاة والسلام كانت على نوعين. # الأول: المعجزات التي ظهرت في ذاته المباركة وهو كونه أميا، وقد ~~تقدم ms4120 الكلام على كون هذه الصفة معجزة. # الثاني: المعجزات التي ظهرت من خارج ذاته مثل انشقاق القمر، ونبع ~~الماء من بين أصابعه، وحنين الجذع ونحوها، وهي تسمى بكلمات الله، ~~لأنها أمور عظيمة. ألا ترى أن عيسى - عليه الصلاة والسلام - ~~لما كان حدوثه أمرا عظيما غريبا مخالفا للعادة، سماه الله ~~كلمة، فكذلك المعجزات لما كانت أمورا غريبة خارقة للعادة لم يبعد ~~تسميتها كلمات، وهذا هو المراد بقوله: { يؤمن بالله ~~وكلماته }. # وقرأ مجاهد وعيسى وكلمته بالتوحيد، والمراد بها الجنس كقوله - ~~عليه الصلاة والسلام -: # " أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد " # ويسمون القصيدة كلها كلمة، وقد تقدم. # قال الزمشري: فإن قلت: هلا قيل: فآمنوا بالله وبي، بعد قوله { ~~إني رسول الله إليكم جميعا }؟. # قلت: عدل عن الضمير، إلى الاسم الظاهر، لتجري عليه الصفات التي ~~أجريت عليه، ولما في طريق الالتفات من البلاغة، وليعلم أن ~~الذي يجب الإيمان به واتباعه، هو هذا الشخص المستقل بأنه النبي ~~الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته، كائنا من كان، أنا أو غيري إظهارا ~~للنصفة، وتفاديا من العصبية لنفسه. # قوله: { واتبعوه لعلكم تهتدون }. # وهذا الأمر يدل على وجوب متابعة الرسول عليه الصلاة والسلام ~~في كل ما يأتي به قولا كان أو فعلا أو تركا إلا ما خصه الدليل. # فصل # فإن قيل: إذا أتى الرسول بشيء فيحتمل أنه أتى به على سبيل الوجوب، ~~ويحتمل الندب فعلى سبيل أنه أتى مندوبا، فلو أتينا به على أنه واجب ~~علينا، كان ذلك تركا لمتابعته والآية تدل على وجوب المتابعة، فثبت ~~أن فعل الرسول لا يدل على الوجوب علينا. # فالجواب: أن المتابعة في الفعل عبارة عن الإتيان بمثل الفعل الذي ~~أتى به المتبوع؛ لأن من أتى بفعل ثم إن غيره وافقه في ذلك الفعل، ~~قيل: إنه تابعه عليه، ولو لم يأت به، قيل: إنه خالفه، وإن كان ~~كذلك، ودلت الآية على وجوب المتابعة؛ لزم أن يجب على الأمة متابعته. # بقي علينا أنا لا نعرف هل أتى به - عليه الصلاة والسلام - ~~قاصدا الوجوب أو الندب؟. # فنقول: حال الدواعي ms4121 والعزائم غير معلوم، وحال الإتيان بالفعل الظاهر ~~معلوم؛ فوجب أن لا يلتفت إلى حال العزائم والدواعي؛ لأنها أمور ~~مخفية عنا، وأن نحكم بوجوب المتابعة في العمل الظاهر؛ لأنه من ~~الأمور التي يمكن رعايتها. # وقد تقدم الكلام على لفظ لعل وأنها للترجي وهو في حق الله ~~تعالى محال، فلا بد من تأويلها فيلتفت إليه. # قوله تعالى: { ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق ~~وبه يعدلون }. # لما وصف الرسول، وذكر أنه يجب على الخلق متابعته، ذكر أن في قوم ~~موسى من اتبع الحق وهدي إليه وبين أنهم جماعة، لأن لفظ " الأمة " ~~ينبىء عن الكثرة. # واختلفوا فيهم. # فقيل: هم اليهود الذين آمنوا بالرسول - عليه الصلاة والسلام - مثل عبد ~~الله بن سلام، وابن صوريا. # فإن قيل: إنهم كانوا قليلين في العدد، ولفظ " الأمة " ينبىء عن الكثرة. # فالجواب: إنهم لما أخلصوا في الدين جاز إطلاق لفظ " الأمة " ~~عليهم كقوله تعالى # إن إبراهيم كان أمة # [النحل: 120]. # وقيل: إنهم قوم بقوا على الدين الحق الذي جاء به موسى ودعوا ~~الناس إليه وصانوه عن التحريف والتبديل في زمن تفرق بني إسرائيل ~~فيه وإحداثهم البدع. # وقال الكلبي والضحاك والربيع والسدي: لما كفر بنو إسرائيل ~~وقتلوا الأنبياء، تبرأ سبط من الاثني عشر مما صنعوا وسألوا الله ~~أن ينقذهم منهم، ففتح الله لهم نفقا في الأرض فساروا فيه حتى ~~خرجوا من وراء الصين بأقصى الشرق على نهري مجرى الرمل يسمى نهر ~~الأردن، ليس لأحد منهم مال دون صاحبه، يمطرون بالليل ويصبحون ~~بالنهار يزرعون، لا يصل إليهم منا أحد وهم على الحق. # وذكر أن جبريل ذهب بالنبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به إليهم ~~وكلمهم. # فقالوا: يا رسول الله إن موسى أوصانا أن من أدرك منكم أحمد؛ ~~فليقرأ عليه مني السلام، فرد النبي صلى الله عليه وسلم على موسى ~~السلام، ثم أقرأهم عشر سور من القرآن نزلت بمكة، وأمرهم بالصلاة ~~والزكاة وأمرهم أن يقيموا مكانهم، وكانوا يسبتون فأمرهم أن يجمعوا، ~~ويتركوا السبت. # وقوله: { يهدون بالحق } يدعون الناس إلى الهداية بالحق ~~وقوله وبه ms4122 يعدلون؛ قال الزجاج: العدل: الحكم بالحق. # يقال هو يقضي بالحق، ويعدل وهو حاكم عادل، ومنه قوله تعالى: # ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النسآء # [النساء: 129] وقوله # وإذا قلتم فاعدلوا # [الأنعام: 152] ### || [7.160] # قوله تعالى: { وقطعناهم اثنتي عشرة }. # الظاهر أن قطعناهم متعد لواحد؛ لأنه لم يضمن معنى ~~ما يتعدى لاثنين، فعلى هذا يكون اثنتي حالا من مفعول: ~~قطعناهم أي: فرقناهم معدودين بهذا العدد. # وجوز أبو البقاء أن يكون قطعنا بمعنى " صيرنا " ، وأن ~~اثنتي مفعول ثان وجزم الحفي بذلك. # وتمييز: اثنتي عشرة محذوف، لفهم المعنى، تقديره: اثنتي عشرة ~~فرقة، و " أسباطا " بدل من ذلك التمييز. وإنما قلت إن التمييز ~~محذوف، ولم أجعل أسباطا هو المميز لوجهين، أحدهما: أن المعدود ~~مذكر؛ لأن أسباطا جمع " سبط " فكان يكون التركيب: اثني عشر. # الثاني: أن تمييز العدد المركب، وهو من " أحد عشر " إلى " تسعة ~~عشر " مفرد منصوب وهذا - كما رأيت - جمع، وقد جعله الزمخشري ~~تمييزا له معتذرا عنه، فقال: فإن قلت: مميز ما عدا العشرة مفرد، ~~فما وجه مجيئه جمعا؟ وهلا قيل: اثني عشر سبطا!؟ # قلت لو قيل ذلك، لم يكن تحقيقا؛ لأن المراد وقطعناهم ~~اثنتي عشرة قبيلة، وكل قبيلة أسباط لا سبط، فوضع " أسباطا ~~" موضع " قبيلة "؛ ونظيره قوله: [الرجز] # 2597 - بين رماحي مالك ونهشل # قال أبو حيان: وما ذهب إليه من أن كل قبيلة أسباط خلاف ما ذكره ~~الناس، ذكروا أن الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في العرب. وقالوا: ~~الأسباط جمع وهم الفرق، والأسباط في ولد إسحاق كالقبائل في ولد ~~إسماعيل، ويكون على زعمه قوله تعالى: # ومآ أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط # [البقرة: 136] معناه: والقبيلة، وقوله: " وهو نظير قوله: بين رماحي ~~مالك ونهشل " ليس بنظيره، لأن هذا من باب تثنية الجمع، وهو لا يجوز ~~إلا في ضرورة، وكأنه يشير إلى أنه لو لم يلحظ في الجمع كونه ~~أريد به نوع من الرماح لم تصح التثنية، كذلك هنا لحظ في " ~~الأسباط " - وإن كان جمعا - معنى القبيلة فميز به كما يميز ~~بالفرد. # وقال الحوفي: يجوز أن يكون ms4123 على الحذف، والتقدير: اثنتي عشرة فرقة ~~أسباطا ويكون " أسباطا " نعتا ل " فرقة " ، ثم حذف الموصوف، ~~وأقيمت الصفة مقامه و " أمما " نعت لأسباط، وأنث العدد، وهو ~~واقع على الأسباط وهو مذكر، وهو بمعنى فرقة أو أمة كما قال: ~~[الوافر] # 2598 - ثلاثة أنفس.................. # ............................... # يعني: رجلا، وقال: [الطويل] # 2599 -............. عشر أبطن # ............................ # بالنظر إلى القبيلة، ونظير وصف التمييز المقرر بالجمع مراعاة ~~للمعنى قول الشاعر: [الكامل] # 2600 - فيها اثنتان وأربعون حلوبة # سودا كخافية الغراب الأسحم # فوصف " حلوبة " وهي مفردة لفظا ب " سودا " وهو جمع مراعاة ~~لمعناها، إذ المراد الجمع. # وقال الفراء: إنما قال: " اثنتي عشرة " والسبط مذكر؛ ~~لأن ما بعده " أمم " فذهب التأنيث إلى الامم، ولو كان " اثني عشر " ~~لتذكير السبط لكان جائزا. # واحتج النحويون على هذا بقوله: [الطويل] # 2601 - وإن قريشا هذه عشر أبطن # وأنت بريء من قبائلها العشر # ذهب بالبطن إلى القبيلة، والفصيلة، لذلك أنث، والبطن ذكر. # وقال الزجاج: المعنى: وقطعناهم اثنتي عشرة فرقة أسباطا، ~~من نعت فرقة كأنه قال: جعلناهم أسباطا وفرقناهم أسباطا، ~~وجوز أيضا أن يكون " أسباطا " بدلا من اثنتي عشرة: وتبعه ~~الفارسي في ذلك. # وقال بعضهم: تقدير الكلام: وقطعناهم فرقا اثنتي عشرة، فلا ~~يحتاج حينئذ إلى غيره. # وقال آخرون: جعل كل واحد من الاثنتي عشرة أسباطا، كما تقول: لزيد ~~دراهم، ولفلان دراهم: فهذه عشرون دراهم يعني أن المعنى على عشرينات من ~~الدراهم. # ولو قلت: لفلان، ولفلان، ولفلان عشرون درهما بإفراد " درهم " لأدى ~~إلى اشتراك الكل في عشرين واحدة، والمعنى على خلافه. # وقال جماعة منهم البغوي: " في الكلام تقديم وتأخير تقديره: ~~وقطعناهم أسباطا أمما اثنتي عشرة ". # وقوله: أمما إما نعت ل " أسباطا " ، وإما بدل منها بعد بدل ~~على قولنا: إن " أسباطا " بدل من ذلك التمييز المقدر. وجعله ~~الزمخشري أنه بدل من " اثنتي عشرة "؛ قال: بمعنى: " ~~وقطعناهم أمما " ، لأن كل أسباط كانت أمة عظيمة وجماعة كثيفة ~~العدد، وكل واحدة تؤم خلاف ما تؤمه الأخرى فلا تكاد تأتلف. ~~انتهى. # وقد تقدم القول في " الأسباط ". # وقرأ أبان بن تغلب " وقطعناهم " بتخفيف العين والشهيرة ~~أحسن؛ ms4124 لأن المقام للتكثير، وهذه تحتمله أيضا. # وقرأ الأعمش وابن وثاب، وطلحة بن سليمان " عشرة " بكسر الشين، ~~وقد روي عنهم فتحها أيضا، ووافقهم على الكسر فقط أبو حيوة، ~~وطلحة بن مصرف. # وقد تقدم تحقيق ذلك في البقرة [60]، وأن الكسر لغة تميم ~~والسكون لغة الحجاز. # قوله: { وأوحينآ إلى موسى إذ استسقاه قومه }. ~~وتقدمت هذه القصة في البقرة. # " أن اضرب " يجوز في " أن " أن تكون المفسرة للإيحاء، وأن تكون ~~المصدرية. # قال الحسن: ما كان إلا حجرا اعترضه وإلا عصا أخذها. # وقوله: " فانبجست " كقوله: " فانفجرت " إعرابا وتقديرا ومعنى، ~~وتقدم ذلك في البقرة. # وقيل: الانبجاس: العرق. # قال أبو عمرو بن العلاء: " انبجست ": عرقت، وانفجرت: ~~سالت. ففرق بينهما بما ذكر. # قال المفسرون: إن موسى - عليه الصلاة والسلام كان إذا ضرب الحجر ~~ظهر عليه مثل ثدي المرأة فيعرق ثم يسيل، وهما قريبان من ~~الفرق المذكور في النضح والنضخ. # وقال الراغب: بجس الماء وانبجس انفجر، لكن الانبجاس ~~أكثر ما يقال فيما يخرج من شيء ضيق، والانفجار يستعمل فيه وفيما ~~يخرج من شيء واسع؛ ولذلك قال تعالى: { فانبجست منه اثنتا ~~عشرة عينا } ، وفي موضع آخر # فانفجرت # [البقرة: 60]، فاستعمل حيث ضاق المخرج اللفظتان. يعني: ففرق ~~بينهما بالعموم والخصوص، فكل انبجاس انفجار من غير عكس. # وقال الهروي: يقال: انبجس، وتبجس، وتفجر، وتفتق ~~بمعنى واحد. وفي حديث حذيفة ما منا إلا رجل له آمة يبجسها ~~الظفر غير رجلين يعني: عمر وعليا رضي الله عنهما. الآمة: ~~الشجة تبلغ أم الرأس، وهذا مثل يعني أن الآمة منا قد امتلأت ~~صديدا بحيث إنه يقدر على استخراج ما فيها بالظفر من غير احتياج إلى آلة ~~حديد كالمبضع فعبر عن زلل الإنسان بذلك، وأنه تفاقم إلى أن صار يشبه ~~شجة هذه صفتها. # قوله: { قد علم كل أناس مشربهم }. # قال الزمخشري: " الأناس " اسم جمع غير تكسير نحو: رخال وثناء وتؤام، ~~وأخوات لها، ويجوز أن يقال: إن الأصل: الكسر، والتكسير والضمة ~~بدل من الكسرة لما أبدلت في نحو: سكارى وغيارى من الفتحة. # قال أبو حيان: ولا يجوز ما قال ms4125 لوجهين، أحدهما: أنه لم ينطق ب ~~" إناس " بكسر الهمزة، فيكون جمع تكسير، حتى تكون الضمة بدلا من ~~الكسرة بخلاف " سكارى " و " غيارى " فإن القياس فيه " فعالى " ~~بفتح فاء الكلمة، وهو مسموع فيهما. # والثاني: أن " سكارى " و " عجالى " و " غيارى " وما ورد من نحوها ~~ليست الضمة فيه بدلا من الفتحة، بل نص سيبويه في كتابه على أنه ~~جمع تكسير أصل، كما أن " فعالى " جمع تكسير أصل وإن كان لا ~~ينقاس الضم كما ينقاس الفتح. # قال سيبويه - في حد تكسير الصفات -: " وقد يكسرون بعض هذا ~~على " فعالى " وذلك قول بعضهم: عجالى وسكارى ". وقال سيبويه - في ~~الأبنية أيضا -: " ويكون " فعالى " في الاسم نحو: حبارى، ~~وسمانى، ولبادى، ولا يكون وصفا إلا أن يكسر عليه الواحد ~~للجمع نحو: سكارى وعجالى ". فهذان نصان من سيبويه على أنه جمع ~~تكسير، وإذا كان جمع تكسير أصلا لم يسغ أن يدعى أن أصله ~~فعالى وأنه أبدلت الحركة فيه. وذهب المبرد إلى أنه اسم جمع أعني ~~" فعالى " بضم الفاء، وليس بجمع تكسير. فالزمخشري لم يذهب إلى ما ~~ذهب إليه سيبويه، ولا إلى ما ذهب إليه المبرد؛ لأنه عند المبرد ~~اسم جمع فالضمة في فائه أصل وليست بدلا من الفتحة بل أحدث قولا ~~ثلاثا. # فصل # قال المفسرون: إنهم احتاجوا في التيه إلى ماء يشربونه، فأمر الله ~~تعالى موسى - عليه الصلاة والسلام - أن يضرب بعصاه الحجر، ~~وكانوا يذرءونه مع أنفسهم، فيأخذون منه قدر الحاجة، ولما أن ذكر تعالى ~~كيف كان يستقيم، ذكر ثانيا أنه ظلل الغمام عليهم في التيه ~~تقيهم حر الشمس، وثالثا: أنه أنزل عليهم المن والسلوى، ~~ومجموع هذه الأحوال نعمة من الله تعالى. # ثم قال: { كلوا من طيبات ما رزقناكم } والمراد ~~قصر نفوسهم على ذلك المطعوم، وترك غيره. # وقلأ عيسى الهمداني ما رزقتكم بالإفراد. # ثم قال وما ظلمونا وفيه حذف؛ لأن هذا الكلام إنما يحسن ~~ذكره لو أنهم تعدوا ما أمرهم الله به، إما لكونهم ادخروا ما ~~منعهم الله منه، أو أقدموا على الأكل في وقت منعهم الله منه؛ أو ms4126 ~~لأنهم سألوا عن ذلك مع أن الله منعهم منه والمكلف إذا ارتكب ~~المحظور فهو ظالم لنفسه، ولذلك وصفهم الله بقوله: { ولكن ~~كانوا أنفسهم يظلمون }؛ لأن المكلف إذا أقدم على المعصية ~~فهو ما أضر إلا نفسه. ### || [7.161-162] # قوله تعالى: { وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية } ~~الآية. # اعلم أن هذه القصة قد تقدمت مشروحة في سورة البقرة إلا أن ~~بينهما تفاوتا من وجوه: # أحدها: أنه عين القائل في سورة البقرة، فقال وإذ قلنا وههنا ~~أبهمه فقال وإذ قيل. # وثانيها: قال في سورة البقرة " ادخلوا " وقال هاهنا " اسكنوا ". # وثالثها: قال في سورة البقرة فكلوا بالفاء، وههنا بالواو. # ورابعها: قال هناك رغدا وأسقطها ههنا. # وخامسها: قدم هناك قوله { وادخلوا الباب سجدا } على " ~~وقولوا حطة " وههنا على العكس. # وسادسها: قال في البقرة # نغفر لكم خطاياكم # [البقرة: 58] وههنا " خطيئاتكم ". # وسابعها: قال هناك " وسنزيد المحسنين " بالواو وههنا حذفها. # وثامنها: قال في البقرة " فأنزلنا " وههنا " فأرسلنا ". # وتاسعها: قال هناك # بما كانوا يفسقون # [البقرة: 58]. وقال ههنا " يظلمون ". # وهذه ألفاظ لا منافاة بينها ألبتة، ويمكن ذكر فوائدها. # أما قوله ههنا: { وإذ قيل لهم } إعلاما للسامع بأن هذا ~~القائل هو ذاك، وأما قوله هنا " ادخلوا " ، وههنا " اسكنوا " ~~فالفرق أنه لا بد من دخول القرية أولا، ثم سكونها ثانيا. # وأما قوله هناك " فكلوا " بالفاء وههنا بالواو، فالفرق أن ~~الدخول حالة مخصوصة، كما يوجد بعضها ينعدم، فإنه إنما يكون ~~داخلا في أول دخوله. # وأما بعد ذلك، فيكون سكنى لا دخولا، وإذا كان كذلك فالدخول حالة ~~منقضية زائلة وليس لها استمرار، فحسن ذكر فاء التعقيب بعده، فلهذا قال # ادخلوا هذه القرية فكلوا # [البقرة: 58] وأما السكنى فحالة مستمرة باقية فيكون الأكل حاصلا ~~معها لا عقيبها فحل الفرق. # وأما قوله هناك " رغدا " ولم يذكره هنا؛ لأن الأكل عقيب دخول ~~القرية يكون ألذ؛ لأنه وقت الحاجة الشديدة، فلذلك ذكر رغدا وأما ~~الأكل حالة السكنى، فالظاهر أن الحاجة لا تكون شديدة. # وأما قوله هناك: { وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة ~~} وههنا على العكس، فالمراد التنبيه على أنه يحسن تقديم ms4127 كل واحد ~~منهما على الآخر، لأن المقصود منهما تعظيم الله تعالى وإظهار ~~الخضوع، وهذا لا يتفاوت الحال فيه بحسب التقديم والتأخير. # قال الزمخشري: التقديم والتأخير في وقولوا وادخلوا سواء ~~قدموا " الحطة " على دخول الباب، أو أخروها فهم جامعون في ~~الإيجاد بينهما. # قال أبو حيان: وقوله: سواء قدموا أو أخروها تركيب غير عربي، ~~وإصلاحه سواء أقدموا أم أخروا، كما قال تعالى: # سوآء علينآ أجزعنآ أم صبرنا # [إبراهيم: 21]. # فصل # قال شهاب الدين: يعني كونه أتى بعد لفظ " سواء " ب " أو " دون " ~~أم " ، ولم يأتي بهمزة التسوية بعد " سواء " وقد تقدم أن ذلك جائز، ~~وإن كان الكثير ما ذكره وأنه قد قرىء { سوآء عليهم ~~أأنذرتهم أم لم تنذرهم } [البقرة: 6] والرد بمثل هذا ~~غير " طائل ". # وأما قوله في البقرة { خطاياكم } وههنا " خطيئاتكم " فهو ~~إشارة على أن هذه الذنوب سواء كانت قليلة، أو كثيرة، فهي مغفورة عند ~~الإتيان بهذا الدعاء. # وأما قوله هناك " وسنزيد " بالواو، وههنا حذفها ففائدته أنه ~~استئناف، كأن قائلا قال: وماذا حصل بعد الغفران؟ # فقيل له: " سنزيد المحسنين ". # وأما قوله هناك " فأنزلنا " ، وههنا " فأرسلنا " فلأن ~~الإنزال لا يشعر بالكثرة، والإرسال يشعر بها، فكأنه تعالى بدأ ~~بإنزال العذاب القليل، ثم جعله كثيرا، وهو نظير الفرق بين قوله # فانبجست # [الأعراف: 160] وقوله # فانفجرت # [البقرة: 60]. # وأما قوله هناك # على الذين ظلموا # [البقرة: 59]، وههنا " عليهم " فهو إيذان بأن هؤلاء المضمرون ~~هم أولئك، وأما قوله ههنا " يظلمون " وهناك " يفسقون " ~~فلأنهم موصوفون بأنهم كانوا ظالمين لأنهم ظلموا أنفسهم، وبكونهم ~~فاسقين، لأنهم خرجوا عن طاعة الله. # قوله: { نغفر لكم خطيئاتكم } قد تقدم الخلاف في " ~~نغفر " وأما " خطيئاتكم " فقرأها ابن عامر " خطيئتكم " ~~بالتوحيد، والرفع على ما لم يسم فاعله، والفرض أنه يقرأ " تغفر ~~" بالتاء من فوق. ونافع قرأ " خطيئاتكم " بجمع السلامة، رفعا ~~على ما لم يسم فاعله؛ لأنه يقرأ " تغفر لكم " كقراءة ابن ~~عامر. # وأبو عمرو قرأ " خطاياكم " جمع تكسير، ويقرأ " نغفر " بنون ~~العظمة. والباقون " نغفر " كأبي عمرو، " خطيئاتكم " بجمع ~~السلامة منصوبا بالكسرة على القاعدة. وفي سورة نوح قرأ أبو عمرو ms4128 " ~~خطاياهم " بالتكسير أيضا، والباقون بجمع التصحيح. # وقرأ ابن هرمز " تغفر " بتاء مضمومة مبينا للمفعول، كنافع، " ~~خطاياكم " كأبي عمرو، وعنه " يغفر " بياء الغيبة، وعنه " تغفر ~~" بفتح التاء من فوق، على معنى أن " الحطة " سبب للغفران، فنسب ~~الغفران إليها. ### || [7.163-166] # قوله تعالى: { وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة ~~البحر } الآية. # المقصود تعرف هذه القصة من قبلهم؛ لأن الرسول - عليه الصلاة ~~والسلام - قد علمها من قبل الله تعالى، والمقصود من ذكر هذا السؤال أحد ~~أشياء: # الأول: المقصود منه تقرير أنهم كانوا قد أقدموا على هذا الذنب القبيح ~~تنبيها لهم على إصرارهم على الكفر بمحمد - عليه الصلاة والسلام -. # والثاني: أن الإنسان قد يقول لغيره هل الأمر كذا وكذا؟ ليعرف ذلك بأنه ~~محيط بمعرفة تلك الواقعة وغير غافل عنها. ولما كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم رجلا أميا لم يعلم علما، ولم يطالع كتابا، ثم إنه يذكر ~~هذه القصص على وجوهها من غير تفاوت ولا زيادة ولا نقصان، كان ذلك جاريا ~~مجرى المعجزة. # قوله: " عن القرية " لا بد من مضاف محذوف، أي: عن خبر ~~القرية، وهذا المحذوف هو الناصب لهذا الظرف وهو قوله " إذ يعدون ~~". # وقيل: هو منصوب ب " حاضرة ". # قال أبو البقاء: وجوز ذلك أنها كانت موجودة في ذلك الوقت ثم خربت. # وقدر الزمخشري: المضاف " أهل " أي: عن أهل القرية، وجعل الظرف بدلا ~~من " أهل " المحذوف فإنه قال: " إذ يعدون " بدل من القرية، ~~والمراد بالقرية: أهلها كأنه قيل: واسألهم عن أهل القرية وقت عدوانهم ~~في البيت، وهو من بدل الاشتمال. # قال أبو حيان وهذا لا يجوز؛ لأن " إذ " من الظروف التي لا ~~تتصرف، ولا يدخل عليها حرف جر، وجعلها بدلا يجوز دخول " عن " ~~عليها؛ لأن البدل هو على نية تكرار العامل ولو أدخلت " عن " ~~عليها لم يجز، وإنما يتصرف فيها بأن تضيف إليها بعض الظروف ~~الزمانية نحو: يوم إذ كان كذا، وأما قول من ذهب إلى أنها تكون ~~مفعولة ب " اذكر " فقول من عجز عن عن تأويلها على ما ينبغي لها ~~من إبقائها ظرفا. ms4129 # وقال الحوفي: " إذ " متعلقة ب " سلهم ". # قال أبو حيان: وهذا لا يتصور، لأن " إذ " لما مضى، و " سلهم " ~~مستقبل، لو كان ظرفا مستقبلا لم يصح المعنى؛ لأن العادين - وهم ~~أهل القرية - مفقودون فلا يمكن سؤالهم والمسئول غير أهل القرية ~~العادين. # وقرأ شهر بن حوشب وأبو نهيك " يعدون " بفتح العين وتشديد الدال، ~~وهذه تشبه قراءة نافع في قوله { لا تعدوا في السبت } [النساء: ~~154] والأصل: تعتدوا، فأدغم التاء في الدال لمقاربتها لها. # وقرىء " يعدون " بضم الياء وكسر العين وتشديد الدال من: أعد ~~يعد إعدادا إذ هيأ آلاته، لما ورد أنهم كانوا مأمورين في السبت ~~بالعبادة، فيتركونها ويهيئون آلات الصيد. # فصل # معنى الآية: واسأل محمد هؤلاء اليهود الذين هم جيرانك سؤال توبيخ ~~عن القرية التي كانت حاضرة البحر أي: بقرية، والحضور نقيض الغيبة كقوله ~~تعالى: # ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام # [البقرة: 196]. # قال ابن عباس، وأكثر المفسرين: هي قرية يقال لها: أيلة بين مدين ~~والطور على شاطىء البحر. # وقيل: مدين. # وقال الزهري: هي طبرية الشام، والعرب تسمي] المدينة قرية وعن أبي ~~عمرو بن العلاء ما رأيت قرويين أفصح من الحسين والحجاج يعني ~~رجلين من أهل المدن، و { يعدون في السبت } يتجاوزون حد الله ~~فيه، وهو اصيطادهم في يوم السبت وقد نهوا عنه، والسبت: مصدر ~~سبت اليهود إذا عظمت سنتها، إذا تركوا العمل في سبتهم، ~~وسبت الرجل سباتا إذا أخذه ذلك، وهو مثل الخرس، وأسبت سكن فلم يتحرك ~~والقوم صاروا في السبت، واليهود دخلوا في السبت، وهو اليوم المعروف، ~~وهو من الراحة والقطع، ويجمع على أسبت وسبوت وأسبات، وفي الخبر عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من احتجم يوم السبت فأصابه مرض لا يلومن إلا ~~نفسه ". # قال القرطبي: قال علماؤنا: لأن الدم يجمد يوم السبت، فإذا مددته ~~لتستخرجه لم يجر وعاد برصا. # قوله: " إذ تأتيهم " العامل فيه " تعدون " أي: إذا عدوا إذ ~~أتتهم؛ لأن الظرف الماضي يصرف المضارع إلى المضي. # وقال الزمخشري: و " إذ تأتيهم " بدل من " إذ يعدون " بدل بعد ms4130 ~~بدل، يعني: أنه بدل ثان من القرية على ما تقدم عنه، وقد تقدم رد ~~أبي حيان عليه فيعود هنا. # و " حيتان " جمع " حوت " ، وإنما أبدلت الواو ياء، لسكونها ~~وانكسار ما قبلها، ومثله نون ونينان والنون: الحوت. # قوله " شرعا " حال من " حيتانهم " وشرع: جمع شارع. # وقرأ عمر بن عبد العزيز: " يوم إسباتهم " وهو مصدر " أسبت " إذا دخل ~~في السبت. # وقرأ عاصم بخلاف عنه وعيسى بن عمر " لا يسبتون ". # وقرأ علي والحسن وعاصم بخلاف عنه " لا يسبتون " بضم الياء وكسر ~~الباء، من أسبت، أي: دخل في السبت. # وقرىء: " يسبتون " بضم الياء وفتح الباء مبنيا للمفعول، نقلها ~~الزمخشري عن الحسن. # قال: أي لا يدار عليهم السبت ولا يؤمرون بأن يسبتوا، والعامل ~~في: " يوم لا يسبتون " قوله: " لا تأتيهم " أي: لا تأتيهم يوم ~~لا يسبتون، وهذا يدل على جواز تقديم معمول المنفي ب " لا " ~~عليها وقد تقدم فيه ثلاث مذاهب: الجواز مطلقا كهذه الآية، والمنع ~~مطلقا، والتفصيل بين أن يكون جواب قسم فيمتنع أو لا فيجوز. # ومعنى شرعا أي ظاهرة على الماء كثيرة. من شرع فهو شارع، ودار شارعة ~~أي: قريبة من الطريق، ونجوم شارعة أي: دنت من المغيب، وعلى هذا فالحيتان ~~كانت تدنو من القرية بحيث يمكنهم صيدها. # وقال الضحاك: متتابعة. # فصل # قال ابن عباس ومجاهد: إن اليهود أمروا باليوم الذي أمرتم به يوم ~~الجمعة فتركوه، واختاروا السبت، فابتلاهم الله به، وحرم عليهم الصيد، ~~وأمروا بتعظيمه، فإذا كان يوم السبت شرعت لهم الحيتان ينظرون إليها، ~~فإذا انقضى السبت ذهبت عنهم، ولم تعد إلا في السبت المقبل، وذلك بلاء ~~ابتلاهم الله به. # فقوله { ويوم لا يسبتون لا تأتيهم } أي لا يفعلون ~~السبت، يقال: سبت يسبت إذا عظم السبت. والمعنى: يدخلون في ~~السبت، كما يقال: أجمعنا وأظهرنا وأشهرنا، أي: دخلنا في ~~الجمعة، والظهر، والشهر. # كما يقال: أصبحنا أي: دخلنا في الصباح. # قوله: " كذلك نبلوهم ". ذكر الزجاج، وابن الأنباري في هذه ~~الكاف ومجرورها وجهين: # أحدهما: قال الزجاج: أي: مثل هذا الاختبار الشديد نختبرهم، فموضع ~~الكاف نصب ms4131 ب " نبلوهم ". # قال ابن الأنباري: ذلك إشارة إلى ما بعده، يريد: نبلوهم بما ~~كانوا يفسقون كذلك البلاء الذي وقع بهم في أمر الحيتان، وينقطع ~~الكلام عند قوله " لا تأتيهم ". # الوجه الثاني: قال الزجاج ويحتمل أن يكون - على بعد - أن يكون: ~~ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك أي لا تأتيهم شرعا، ويكون " ~~نبلوهم " مستأنفا. # قال أبو بكر: وعلى هذا الوجه كذلك راجعة إلى الشروع في قوله تعالى: ~~{ يوم سبتهم شرعا } والتقدير: ويوم لا يسبتون لا تأتيهم ~~كذلك الإتيان بالشروع، وموضع الكاف على هذا نصب بالإتيان على ~~الحال، أي: لا تأتي مثل ذلك الإتيان. # قوله: " بما كانوا " الباء سببية و " ما " مصدرية، أي: نبلوهم ~~بسبب فسقهم، ويضعف أن تكون بمعنى " الذي " لتكلف حذف العائد على ~~التدريج. # وقد ذكر مكي هنا مسألة مختلفا فيها بين النحاة، لا تعلق لها بهذا ~~الموضع. # فقال: وأفصح اللغات أن ينتصب الظرف مع السبت والجمعة فتقول: اليوم ~~السبت، واليوم الجمعة فتنصب اليوم على الظرف، وترفع مع سائر ~~الأيام فتقول: اليوم الأحد واليوم الأربعاء لأنه لا معنى للفعل ~~فيهما فالمبتدأ هو الخبر فترفع. # قال شهاب الدين: هذه المسألة فيها خلاف بين النحويين، فالجمهور ~~كما ذكر يوجبون الرفع؛ لأنه بمنزلة قولك: اليوم الأول، اليوم ~~الثاني. وأجاز الفراء وهشام النصب، قالا: لأن اليوم بمنزلة: الآن ~~وليست هذه المسألة مختصة بالجمعة والسبت بل الضابط فيها: أنه إذا ~~ذكر " اليوم " مع ما يتضمن عملا أو حدثا جاز الرفع والنصب نحو قولك: ~~اليوم العيد، اليوم الفطر، اليوم الأضحى. # كأنك قلت: اليوم يحدث اجتماع وفطر وأضحية. # فصل # قال المفسرون: وسوس لهم الشيطان وقال: إن الله لم ينهكم عن ~~الاصطياد وإنما نهاكم عن الأكل فاصطادوا. # وقيل: وسوس إليهم أنكم إنما نهيتم عن الأخذ فاتخذوا ~~حياضا على شاطىء البحر، تسوقون الحيتان إليها يوم السبت، ثم ~~تأخذونها يوم الأحد، ففعلوا ذلك زمانا، ثم تجرءوا على السبت ~~وقالوا ما نرى السبت إلا قد أحل لنا، فأحذوا، وأكلوا وباعوا فنهاهم ~~بعضهم، وبعضهم فعل، ولم ينته، وبعضهم سكت وقالوا: { لم تعظون ms4132 ~~قوما الله مهلكهم } [الأعراف: 164] فلما لم ينتهوا قال ~~الناهون لا نساكنكم، فقسموا القرية بجدار، للمسلمين باب، ~~وللمعتدين باب، ولعنهم داود، فأصبح الناهون ذات يوم، ولم يخرج من ~~المعتدين أحد، فقالوا: إن لهم شأنا، لعل الخمر غلبتهم، فعلوا الجدار، ~~فإذا هم قردة. # فصل # دلت هذه الآية على أن الحيل في تحليل الأمور التي حرمها الشارع ~~محرمة؛ كالغيبة، ونكاح المحلل، وما أشبههما من الحيل، ودلت على ~~أنه تعالى لا يجب عليه رعاية الصلاح والإصلاح لا في الدين ولا في ~~الدنيا؛ لأنه تعالى علم أن تكثير الحيتان يوم السبت مما يحملهم ~~على المعصية والكفر، فلو وجب عليه رعاية الصلاح لوجب أن لا يكثر ~~الحيتان في ذلك اليوم صونا لهم عن الكفر والمعصية، فلما فعل علمنا أن ~~رعاية الصلاح لا تجب على الله تعالى. # قوله: { وإذا قالت أمة منهم لم تعظون قوما ~~الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا }. # اختلفوا في الذين قالوا هذا القول. # فقيل: كانوا من الفرقة الهالكة؛ لأنهم لما قيل لهم: انتهوا عن هذا ~~العمل قبل أن ينزل بكم العذاب؛ فإنكم إن لم تنتهوا فإن الله ينزل ~~بكم بأسه فأجابوا بقولهم: { لم تعظون قوما الله مهلكهم ~~}. # فقال الناهون { معذرة إلى ربكم } أي موعظتنا { ~~معذرة إلى ربكم } ، والأصح أنها من قول الفرقة الساكتة ~~جوابا للناهية، قالوا: { لم تعظون قوما الله ~~مهلكهم... معذرة إلى ربكم }. # ومعناه: أن الأمر بالمعروف واجب علينا، فعلينا موعظة هؤلاء عذرا ~~إلى الله. " ولعلهم يتقون " أي: يتقوا الله ويتركوا ~~المعصية، ولو كان الخطاب مع المعتدين لقال: " ولعلكم تتقون ". # " معذرة " قرأ العامة: " معذرة " رفعا على أنه خبر ابتداء ~~مضمر، أي: موعظتنا معذرة. # وقرأ حفص عن عاصم، وزيد بن علي، وعيسى بن عمر، وطلحة بن مصرف: " ~~معذرة " نصبا وفيها ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنها منصوبة على المفعول من أجله، أي: " وعظناهم لأجل ~~المعذرة ". # وقال سيبويه: ولو قال رجل لرجل: معذرة إلى الله وإليك من كذا، لنصب. # الثاني: أنها منصوبة على المصدر بفعل مقدر من لفظها، تقديره: ~~نعتذر معذرة. # الثالث: أن ينصب انتصاب المفعول ms4133 به؛ لأن المعذرة تتضمن كلاما، ~~والمفرد الثالث: والمفرد المتضمن لكلام إذا وقع بعد القول نصب ~~نصب المفعول به، ك " قلت خطبة ". # وسيبويه يختار الرفع. # قال: لأنهم لم يريدوا أن يعتذروا اعتذارا مستأنفا. # ولكنهم قيل لهم: لم تعظون؟ # " فقالوا " موعظتنا معذرة. # والمعذرة: اسم مصدر وهو العذر. # وقال الأزهري: إنها بمعنى الاعتذار، والعذر: التنصل من الذنب. # قوله: { فلما نسوا ما ذكروا به } الضمير في نسوا ~~للمنهيين و " ما " موصولة بمعنى " الذي " أي: فلما نسوا الوعظ ~~الذي ذكرهم به الصالحون. # قال ابن عطية: ويحتمل أن يراد به الذكر نفسه، ويحتمل أن يراد به ~~ما كان فيه الذكر. # قال أبو حيان: ولا يظهر لي هذان الاحتمالان. # قال شهاب الدين: يعني ابن عطية بقوله: " الذكر نفسه " أي: نفس ~~الموصول مراد به المصدر كأنه قال: فلما نسوا الذكر الذي ~~ذكروا به، وبقوله: " ما كان فيه الذكر " نفس الشيء المذكر به ~~الذي هو متعلق الذكر؛ لأن ابن عطية لما جعل " ما " بمعنى " الذي " ~~قال: إنها تحتمل الوقوع على هذين الشيئن المتغايرين. # فصل # النسيان يطلق على الساهي، والعامد التارك لقوله: { فلما ~~نسوا ما ذكروا به } أي: تركوه عن قصد، ومنه قوله تعالى: # نسوا الله فنسيهم # [التوبة: 67]. # فصل # المعنى: فلما تركوا ما وعظوا به، { أنجينا الذين ينهون عن السوء ~~وأخذنا الذين ظلموا } أي الذين أقدموا على المعصية. # واختلف المفسرون في الفرقة الساكتة. فنقل عن ابن عباس: أنه ~~توقف فيهم، ونقل عنه: هلكت الفرقتان ونجت الناهية، وكان ابن عباس ~~إذا قرأ هذه الآية بكى وقال: إن هؤلاء الذين سكتوا عن النهي عن ~~المنكر هلكوا، ونحن نرى أشياء ننكرها، ثم نسكت، ولا نقول شيئا. # وقال الحسن: نجت الفرقتان، وهلكت العاصية، لأنهم لما قالوا: { لم ~~تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم } دل على ~~أنهم أنكروا أشد الإنكار، وأنهم إنما تركوا وعظهم؛ لأنه غلب ~~على ظنهم أنهم لا يلتفتون إلى ذلك الوعظ. # فإن قيل: إن ترك الوعظ معصية، والنهي عنه أيضا معصية؛ فوجب دخول ~~هؤلاء التاركين للوعظ الناهين عنه تحت قوله: { وأخذنا الذين ms4134 ~~ظلموا بعذاب بئيس }. # فالجواب: هذا غير لازم؛ لأن النهي عن المنكر إنما يجب على ~~الكفاية، ولو قام به البعض سقط عن الباقين. # وروي عن ابن عباس أنه قال: أسمع الله يقول: { أنجينا الذين ~~ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب ~~بئيس } ، فلا أدري ما فعلت الفرقة الساكتة؟ # قال عكرمة: قلت له: جعلني الله فداك، ألا تراهم قد أنكروا، وكرهوا ~~ما هم عليه وقالوا: { لم تعظون قوما الله مهلكهم } ، ~~وإن لم يقل الله أنجيتهم لم يقل: أهلكتهم، فأعجبه قولي ورضي به، وأمر لي ~~ببردين فكسانيهما؛ وقال: نجت الساكتة، وهذا قول يمان بن رباب، ~~والحسن، وابن زيد. # قوله: " بعذاب بئيس ". أي: شديد. # قرا نافع، وأبو جعفر، وشيبة بيس بياء ساكنة، وابن عامر بهمزة ساكنة. ~~وفيهما أربعة أوجه: # أحدها: أن هذا في الأصل فعل ماض سمي به فأعرب كقوله عليه ~~الصلاة والسلام: # " أنهاكم عن قيل وقال " # بالإعراب والحكاية، وكذا قولهم: " مذ شب إلى دب ومذ شب إلى ~~دب " ، فلما نقل إلى الاسمية صار وصفا ك: نضو ونقض. # والثاني: أنه وصف وضع على فعل ك: حلف. # الثالث: أن أصله بئيس كالقراءة المشهورة، فخفف الهمزة؛ فالتقت ~~ياءان، ثم كسر الياء إتباعا، كرغيف وشهيد فاستثقل توالي ياءين بعد ~~كسرة، فحذفت الياء المكسورة؛ فصار اللفظ " بيس " وهو تخريج ~~الكسائي. # الرابع: أن أصله بئس بوزن " كتف " ثم أتبعت الياء للهمزة في الكسر ~~ثم سكنت الهمزة، ثم أبدلت يا ك: بير وذيب. # وأما قراءة ابن عامر فتحتمل أن تكون فعلا منقولا، وأن تكون وصفا ~~ك: حلف. # وقرأ أبو بكر عن عاصم بيئس بياء ساكنة بين باء، وهمزة مفتوحتين، وهو ~~صفة على فيعل ك: ضيغم، وصيرف، وصيقل، وهي كثيرة في ~~الأوصاف. # وقرأ امرؤ القيس: [الرجز] # 2602 - كلاهما كان رئيسا بيئسا # يضرب في يوم الهياج القونسا # وقرأ باقي السبعة " بئيس " بزنه " رئيس " وفيه وجهان: # أحدهما: أنه وصف على " فعيل " ك: شديد، وهو للمبالغة وأصله ~~فاعل. # والثاني: أنه مصدر وصف به أي: بعذاب ذي بأس بئيس، ف " بئيس " ~~مصدر مثل: النكير والقدير، ms4135 ومثل ذلك في احتمال الوجهين قول أبي الأصبع ~~العدواني: [مجزوء الكامل] # 2603 - حنقا علي ولا أرى # لي منهما شرا بئيسا # وهي أيضا قراءة علي وأبي رجاء. # وقرأ يعقوب القارىء " بئس " بوزن " شهد " ، وقرأها أيضا عيسى ~~بن عمر، وزيد بن علي. # وقرأ نصر بن عاصم " بأس " بوزن " ضرب " فعلا ماضيا. # وقرأ الأعمش ومالك بن دينار " بأس " فعلا ماضيا، وأصله " بئس " ~~بكسر الهمزة، فسكنها تخفيفا ك: شهد في قوله: [الرجز] # 2604- لو شهد عاد في زمان تبع # وقرأ ابن كثير وأهل مكة بئس بكسر الباء، والهمز همزا خفيفا، ولم ~~يبين هل الهمزة مكسورة أو ساكنة؟ # وقرأ طلحة وخارجة عن نافع " بيس " بفتح الباء، وسكون الياء مثل: ~~كيل، وأصله " بيئس " مثل: ضيغم فخفف الهمزة بقلبها ياء، ~~وإدغام الياء فيها ثم خففه بالحذف ك: ميت في: ميت. # وقرأ عيسى بن عمر والأعمش وعاصم في رواية " بيئس " كقراءة أبي بكر ~~عنه، إلا أنه كسر الهمزة، وهذه قد ردها الناس؛ لأن " فيعلا ~~" بكسر العين في المعتل، كما أن " فيعلا " بفتحها في الصحيح ك: ~~سيد وضيغم، على أنه قد شذ " صيقل " بالكسر، و " عيل " ~~بالفتح. # وقرأ نصر في رواية مالك بن دينار عنه " بأس " بفتح الباء والهمزة وجر ~~السين، بزنة " جبل ". # وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وطلحة بن مصرف " بئس " مثل كبد وحذر. # قال عبيد الله بن قيس: [المديد] # 2605 - ليتني ألقى رقية في # خلوة من غير ما بئس # وقرأ نصر بن عاصم في رواية بيس بهمزة مشددة. # قالوا: قلب الياء همزة وأدغمها في مثلها. ورويت هذه عن الأعمش أيضا. # وقرأت طائفة بأس بفتح الثلاثة، والهمزة مشددة، فعلا ماضيا، ك " ~~شمر " ، وطائفة أخرى بأس كالتي قبلها إلا أن الهمزة خفيفة، ~~وطائفة بائس بألف صريحة بين الباء والسين المجرورة، وقرأ أهل ~~المدينة بئيس ك: " رئيس " ، إلا أنهم كسروا الباء، وهذه لغة ~~تميم في فعيل الحلقي العين نحو: بعير، وشعير، وشهيد، سواء أكان ~~اسما أم صفة. # وقرأ الحسن والأعمش " بئيس " بياء مكسورة، ثم همزة ساكنة، ثم يا ~~مفتوحة، بزنة " حذيم ms4136 " ، و " عثير ". # وقرأ الحسن بئس بكسر الباء، وسكون الهمزة وفتح السين، جعلها ~~التي للذم في نحو: بئس الرجل زيد. # ورويت عن أبي بكر. # وقرأ الحسن أيضا كذلك، إلا أنه بياء صريحة، وتخريجها كالتي قبلها، ~~وهي مروية عن نافع وقد رد أبو حاتم هذه القراءة والتي قبلها بأنه ~~لا يقال: مررت برجل بئس، حتى يقال بئس الرجل، أو بئس رجلا. # قال النحاس: وهذا مردود - يعني قول أبي حاتم - حكى النحويون: إن ~~فعلت كذا وكذا فبها ونعمت، أي: ونعمت الخصلة، والتقدير: بئس العذاب. # قال شهاب الدين: أبو حاتم معذور في القراءة، فإن الفاعل ظاهرا ~~غير مذكور، والفاعل عمدة لا يجوز حذفه، ولكنه قد ورد في الحديث من ~~توضأ فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل ففاعل " نعمت " ~~هنا مضمر يفسره سياق الكلام. # قال أبو حيان: فهذه اثنتان وعشرون قراءة، وضبطها بالتلخيص: ~~أنها قرئت ثلاثية اللفظ، ورباعيته، فالثلاثي اسما: ~~بئس، وبيس، وبيس، وبأس، وبأس، وبئس، وفعلا بيس ~~وبئس، وبئس، وبأس، وبأس، وبيس. # والرباعية اسما: بيئس، وبيئس، وبيئس، وبيس، وبئيس، ~~وبئيس، وبئيس، وبئيس، وفعلا: بأس. # وقد زا أبو البقاء أربع قراءات أخر: بيس بباء مفتوحة وياء مكسورة. # قال: وأصلها همزة مكسورة فأبدلت ياء، وبيس بفتحهما. # قال: وأصلها ياء ساكنة وهمزة مفتوحة إلا أن حركة الهمزة ألقيت على ~~الياء وحذفت، ولم تقلب الياء ألفا، لأن حركتها عارضة. وبأيس بفتح ~~الباء، وسكون الهمزة وفتح الياء. # قال: وهو بعيد إذ ليس في الكلام " فعيل " وبيآس على فيعال. # وهو غريب. # قوله تعالى: { فلما عتوا عن ما نهوا عنه } الآية. # قال ابن عباس " أبوا أن يرجعوا عن المعصية " والعتو: هو الإباء ~~والعصيان. # فإن قيل: إذا عتوا عما نهوا عنه فقد أطاعوا؛ لأنهم أبوا عما ~~نهوا عنه، وليس المراد ذلك. # فالجواب: ليس المراد أنهم أبوا عن النهي، بل أبوا عن امثتال ما أمروا ~~به. # وقوله: { قلنا لهم كونوا قردة خاسئين }. # قال بعضهم ليس المراد منه القول؛ بل المراد منه أنه تعالى فعل ذلك. # قال: وفيه دلالة على أن قوله: # إنما قولنا ms4137 لشيء إذآ أردناه أن نقول له كن ~~فيكون # [النحل: 40] هو بمعنى الفعل لا الكلام. # وقال الزجاج أمروا بأن يكونوا كذلك بقول سمع، فيكون أبلغ. # قال ابن الخطيب: وحمل هذا الكلام على الأمر بعيد؛ لأن المأمور بالفعل ~~يجب أن يكون قادرا عليه، والقوم ما كانوا قادرين على أن يقلبوا أنفسهم ~~قردة. # فصل # قال ابن عباس: أصبح القوم قردة خاسئين؛ فمكثوا كذلك ثلاثة أيام ~~تراهم الناس ثم هلكوا، ونقل عن ابن عباس: أن شباب القوم صاروا ~~قردة، والشيوخ خنازير، وهذا خلاف الظاهر. ### || [7.167] # قوله تعالى: { وإذ تأذن ربك } الآية. # لما شرح قبائح أعمال اليهود ذكر هنا حكمه عليهم بالذل والصغار إلى ~~يوم القيامة، و " تأذن " فيه أوجه، أحدها: أنه بمعنى: " آذن " ~~أي: أعلم. # قال الواحدي: وأكثر أهل اللغة على أن: " التأذن " بمعنى ~~الإيذان، وهو الإعلام. # قال الفارسي: " آذن " أعلم، و " أذن " نادى وصاح للإعلام، ومنه ~~قوله # فأذن مؤذن بينهم # [الأعراف: 44]. # قال: وبعض العرب يجري " آذنت " مجرى " تأذنت " فيجعل " ~~آذان وتأذن " بمعنى فإذا كان " أذن " أعلم في لغة بعضهم، ف " ~~أذن " تفعل من هذا. # وقيل: معناه: حتم وأوجب وهو معنى قول مجاهد: أمر ربك، وقول عطاء: ~~حكم ربك. # وقال الزمخشري: " تأذن " عزم ربك، وهو تفعل من الإيذان وهو ~~الإعلام؛ لأن العازم على الأمر يحدث به نفسه ويؤذنها بفعله، ~~وأجري مجرى فعل القسم ك: علم الله، وشهد الله، ولذلك أجيب بما ~~يجاب به القسم وهو: " ليبعثن ". # وقال الطبري وغيره " تأذن " معناه " أعلم " ، وهو قلق من جهة ~~التصريف، إذ نسبة " تأذن " إلى الفاعل غير نسبة " أعلم " ، وبين ~~ذلك فرق من التعدي وغيره. # وقال ابن عباس: تأذن ربك قال ربك. # قوله: { إلى يوم القيامة } فيه وجهان: أصحهما: أنه متعلق ~~ب: ليبعثن. # والثاني: أنه متعلق ب: تأذن نقله أبو البقاء، ولا جائز أن ~~يتعلق ب: يسومهم؛ لأن " من " إما موصولة، وإما موصوفة، ~~والصلة والصفة لا يعملان فيما قبل الموصول والموصوف. # فصل # الضمير في عليهم يقتضي رجوعه إلى الذين: { عتوا عما نهوا ~~عنه } ، لكنهم قد مسخوا، فلم يستمر ms4138 عليهم التكليف؛ فلذلك اختلفوا: # فقيل: المراد نسلهم. # وقيل: المراد سائر اليهود، فإن أهل القرية كانوا فرقتين، فالمتعدي ~~مسخ، وألحق الذل بالبقية. # وقال الأكثرون: هم اليهود الذين كانوا في زمن الرسول - عليه ~~الصلاة والسلام -؛ لأن المقصود من الآية تخويفهم وزجرهم، وهذا ~~العذاب في الدنيا، لأنه نص على أن ذلك العذاب ممدود إلى يوم ~~القيامة ثم اختلفوا فيه: # فقيل: هو أخذ الجزية. # وقيل: الاستخفاف والإهانة لقوله تعالى # ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا # [آل عمران: 112] وقيل: القتل والجلاء الذي وقع بأهل خيبر وبني قريظة ~~والنضير. # فصل # دلت هذه الآية على أن اليهود لا دولة لهم ولا عز، وأن الذل ~~والصغار لا يفارقهم، وقد ورد في الحديث: أن أتباع الدجال هم اليهود ~~فإن صح فمعناه، أنهم كانوا قبل خروجه يهودا، ثم دانوا بإلهيته؛ فذكروا ~~بالاسم الأول، ولولا ذلك لكانوا في وقت اتباعهم الدجال قد خرجوا عن ~~الذلة والقهر، وهو خلاف الآية. # ثم قال: { إن ربك لسريع العقاب } والمراد التحذير من ~~عذابه في الآخرة مع الذلة في الدنيا { وإنه لغفور رحيم ~~} لمن تاب من الكفر، واليهودية، وآمن بالله وبرسوله. ### || [7.168-170] # قوله تعالى: { وقطعناهم في الأرض أمما } الآية. # هذه الآية تدل على أن المراد بقوله: # ليبعثن عليهم # [الأعراف: 167] جملة اليهود، ومعنى " قطعناهم " أي: فرقناهم في ~~الأرض، وهذا يدل على أنه لا أرض مسكونة إلا وفيها منهم أمة، وهذا ~~هو الغالب. # وقوله: " أمما " إما حال من مفعول " قطعناهم " ، وإما ~~مفعول ثان على ما تقدم من أن " قطع " تضمن معنى: صير. و " ~~منهم الصالحون " صفة ل " أمم ". # وقال أبو البقاء: " أو بدل منه، أي: من أمم ". يعني: أنه حال من ~~مفعول: " قطعناهم " أي: فرقناهم حال كونهم منهم الصالحون. # قيل: المراد ب " الصالحين " الذين كانوا في زمن موسى - عليه ~~الصلاة والسلام -؛ لأنه كان فيهم قوم يهدون بالحق. # وقال قتادة: هم الذين وراء نهر وداف من وراء الصين. # وقال ابن عباس ومجاهد: هم الذين آمنوا بالنبي صلى الله الله عليه ~~وسلم ك: عبد الله بن سلام وغيره. وقوله: { ومنهم ms4139 دون ذلك } ~~أي: من أقام على اليهودية. # فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون قوله: { ومنهم دون ذلك } من ~~يكون صالحا إلا أن صلاحه دون صلاح الأولين؛ لأنه أقرب إلى ~~الظاهر؟ # فالجواب: أن قوله بعد ذلك: " لعلهم يرجعون " يدل على أن ~~المراد من ثبت على اليهودية. # قوله: { ومنهم دون ذلك } " منهم " خبر مقدم، و " دون ذلك ": ~~نعت لمنعوت محذوف هو المبتدأ، والتقدير: ومنهم ناس أو قوم دون ~~ذلك. # قال الزمخشري: معناه: ومنهم ناس منحطون عن الصلاح، ونحوه: # وما منآ إلا له مقام معلوم # [الصافات: 164]. بمعنى: ما منا أحد إلا له مقام معلوم. يعني في ~~كونه حذف الموصوف وأقيم الجملة الوصفية مقامه، كما قام مقامه الظرف ~~الوصفي، والتفصيل ب " من " يجوز فيه حذف الموصوف وإقامة الصفة ~~مقامه كقولهم: منا ظعن ومنا أقام.؟ # وقال ابن عطية: فإن أريد بالصلاح الإيمان ف " دون " بمعنى " ~~غير " يراد به الكفرة. # قال أبو حيان: إن أراد أن دون ترادف " غيرا " ، فليس بصحيح، وإن ~~أراد أنه يلزم أن من كان دون شيء أن يكون غيرا له فصحيح، وذلك ~~إما أن يشار به إلى الصلاح وإما أن يشار به إلى الجماعة، فإن ~~أشير به إلى الصلاح؛ فلا بد من حذف مضاف، ليصح المعنى، تقديره: ومنهم ~~دون أهل ذلك الصلاح، ليعتدل التقسيم، وإن أشير به إلى الجماعة، أي: ~~ومنهم دون أولئك الصالحين، فلا حاجة إلى تقدير مضاف؛ لاعتدال التقسيم ~~بدونه. # وقال أبو البقاء: دون ذلك ظرف أو خبر على ما ذكرنا في قوله: # لقد تقطع بينكم # [الأنعام: 94] وفيه نظر من حيث إن " دون " ليس بخبر. # قوله: { وبلوناهم بالحسنات } أي: عاملناهم معاملة المبتلى ~~المختبر بالحسنات، وهي: النعم والخصب، والعافية، والسيئات وهي ~~الجدب، والشدائد. # قال أهل المعاني: وكل واحدة من الحسنات والسيئات تدعو إلى ~~الطاعة، أما النعم فللترغيب، وأما النقم فللترهيب. # { لعلهم يرجعون }: لكي يندموا ويتوبوا ويرجعوا إلى طاعة ~~ربهم. # قوله: { فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب } الآية. # الخلف والخلف - بفتح اللام وإسكانها - هل هما بمعنى واحد؟ أي: ~~يطلق كل منهما ms4140 على القرن الذي يخلف غيره صالحا أو طالحا، أو أن ~~الساكن اللام في الطالح، والمفتوح في الصالح؟ خلاف مشهور بين ~~اللغويين. # قال الفراء: يقال للقرن " خلف " يعني ساكنا ولمن استخلفته: ~~خلفا، يعني: متحرك اللام. # وقال الزجاج: الخلف ما أخلف عليك بدلا مما أخذ منك؛ فلهذا السبب ~~يقال للقرن يجيء بعد القرن " خلف ". # وقال ثعلب: الناس كلهم يقولون " خلف صدق " للصالح، و " ~~خلف سوء " للطالح؛ وأنشد: [الكامل] # 2606 - ذهب الذين يعاش في أكنافهم # وبقيت في خلف كجلد الأجرب # وقالوا في المثل: سكت ألفا ونطق خلفا ويعزى هذا إلى ~~الفراء؛ وأنشد: [المنسرح] # 2607- خلفت خلفا ولم تدع خلفا # ليت بهم كان لا بك التلفا # وقال بعضهم: قد يجيء في الرديء " خلف " بالفتح، وفي الجيد " خلف ~~" بالسكون، فمن مجيء الأول قوله: [المتقارب] # 2608 -...................... # إلى ذلك الخلف الأعور # _@_ومن مجيء الثاني قول حسان: [الطويل] # 2609 - لنا القدم الأولى عليهم وخلفنا # لأولنا في طاعة الله تابع # وقد جمع بينهما الشاعر في قوله: [الرجز] # 2610 - إنا وجدنا خلفنا بئس الخلف # عبدا إذا ما ناء بالحمل خضف # فاستعمل الساكن والمتحرك في الرديء. # ولهذا قال النضر: يجوز التحريم والسكون في الرديء، فأما ~~الجيد فبالتحريك فقط ووافقه جماعة من أهل اللغة، إلا الفراء ~~وأبا عبيد، فإنهما أجازا السكون في الخلف المراد به الصالح، و " ~~الخلف " بالسكون فيه وجهان، أحدهما: أنه مصدر، ولذلك لا يثنى ~~ولا يجمع ولا يؤنث، وعليه ما تقدم من قوله: # 2611 - إنا وجدنا خلفنا بئس الخلف # وإما اسم جمع " خالف " ك: ركب لراكب، وتجر لتاجر. # قاله ابن الأنباري: ورده عليه، بأنه لو كان اسم جمع لم يجر ~~على المفرد، وقد جرى عليه واشتقاقه إما من الخلافة، أي كل خلف ~~يخلف من قبله، وإما من خلف النبيذ يخلف أي: فسد. # يقال: خلف النبيذ يخلف خلفا وخلوفا، وكذلك الفم إذا ~~تغيرت رائحته ومن ذلك الحديث " لخلوف فم الصائم ". # وقوله: " ورثوا " في محل رفع نعتا ل " خلف " ويأخذون حال من ~~فاعل ورثوا. # وقرأ الحسن البصري: ورثوا بضم الواو وتشديد الراء مبنيا ms4141 لما ~~لم يسم فاعله، والمعنى انتقل إليهم الكتاب من آبائهم وهو ~~التوراة، ويجوز أن يكون: يأخذون مستأنفا أخبر عنهم بذلك. # وقوله: عرض هذا الأدنى. # قال أبو عبيد: جميع متاع الدنيا عرض بفتح الراء. # يقال: " الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر ". وأما ~~العرض بسكون الراء فما خالف الثمين، أعني الدراهم والدنانير ~~وجمعه عروض، فكان العرض من العرض وليس كل عرض عرضا. والمعنى: ~~حطام هذا الشيء الأدنى يريد الدنيا، والمراد منه: التخسيس ~~والتحقير، والأدنى إما من الدنو بمعنى القرب؛ لأنه عاجل ~~قريب، وإما من دنو الحال وسقوطها. وتقدم الكلام عليه. # قوله ويقولون نسق على يأخذون بوجهيه، وسيغفر معموله، وفي ~~القائم مقام فاعله وجهان: أحدهما الجار بعده وهو " لنا " والثاني: ~~أنه ضمير الأخذ المدلول عليه بقوله يأخذون أي: سيغفر لنا أخذ ~~العرض الأدنى. # قوله: { وإن يأتهم عرض } هذه الجملة الشرطية فيها وجهان: # أظهرهما: أنها مستأنفة لا محل لها من الإعراب. # والثاني: أن الواو للحال، وما بعدها منصوب عليها. # قال الزمخشري: الواو للحال، أي: يرجون المغفرة وهم مصرون عائدون ~~إلى فعلهم غير تائبين، وغفران الذنوب لا يصح إلا بالتوبة، ~~والمصر لا غفران له انتهى. وإنما جعل الواو للحال لهذا الغرض الذي ~~ذكره من أن الغفران شرطه التوبة، وهو رأي المعتزلة وأما أهل ~~السنة: فيجوز مع عدم التوبة، لأن الفاعل مختار. # والعرض - بفتح الراء - ما لا ثبات له، ومنه استعار المتكلمون: العرض ~~المقابل للجوهر. # وقال أبو عبيدة: العرض - بالفتح - جميع متاع الدنيا غير النقدين. ~~كما تقدم. # قال المفسرون: المراد بالكلام: الإخبار عن إصرارهم على الذنوب. # وقال الحسن: هذا إخبار عن حرصهم على الدنيا، وأنهم " يستمتعون ~~" منها. # ثم قال تعالى: { ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب } أي: ~~التوراة: { أن لا يقولوا على الله إلا الحق } ~~والمراد منعهم عن تحريف الكتاب، وتغيير الشرائع، لأجل أخذ الرشوة. # قوله: { أن لا يقولوا } فيه أربعة أوجه: أحدها: أن محله رفع ~~على البدل من " ميثاق "؛ لأن قول الحق هو ميثاق الكتاب. # والثاني: أنه عطف بيان له وهو قريب من الأول. # والثالث: ms4142 أنه منصوب على المفعول من أجله. # قال الزمخشري: وإن فسر ميثاق الكتاب بما تقدم ذكره كان: " ~~ألا يقولوا " مفعولا من أجله ومعناه: لئلا يقولوا وكان قد فسر ~~ميثاق الكتاب بقوله في التوراة: " من ارتكب ذنبا عظيما فإنه لا ~~يغفر له إلا بالتوبة " ، و " أن " على هذه الأقوال الثلاثة مصدرية. # الرابع: أن " أن " مفسرة ل " ميثاق الكتاب "؛ لأنه بمعنى ~~القول، و " لا " ناهية، وما بعدها مجزوم بها، وعلى الأقوال المتقدمة " ~~لا " نافية، والفعل منصوب ب " أن " المصدرية و " الحق " يجوز أن ~~يكون مفعولا به، وأن يكون مصدرا، وأضيف الميثاق للكتاب؛ لأنه ~~مذكور فيه. # قوله: " ودرسوا " فيه ثلاثة أوجه، أظهرها ما قاله الزمخشري: وهو ~~كونه معطوفا على قوله: " ألم يؤخذ "؛ لأنه تقرير. # فكأنه قيل: أخذ عليهم ميثاق الكتاب ودرسوا، نظيره قوله تعالى: # ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك ~~سنين # [الشعراء: 18] معناه: قد ربيناك ولبثت. # والثاني: أنه معطوف على " ورثوا ". # قال أبو البقاء: ويكون قوله ألم يؤخذ معترضا بينهما وهذا الوجه ~~سبقه إليه الطبري وغيره. # الثالث: أنه على إضمار " قد " والتقدير: وقد درسوا. فهو على هذا منصوب ~~على الحال نسقا على الجملة الشرطية، أي: يقولون: سيغفر لنا في هذه ~~الحال، ويجوز أن يكون حالا من فاعل: " يأخذوه " أي يأخذون العرض في ~~حال درسهم ما في الكتاب المانع من أخذ الرشا وعلى كلا التقديرين ~~فالاستفهام اعتراض. # وقرأ الجحدري: أن لا تقولوا بتاء الخطاب، وهو التفات حسن. # وقرأ علي - رضي الله عنه - وأبو عبد الرحمن السلمي وادارسوا بتشديد ~~الدال، والأصل: تدارسوا وتصريفه كتصريف # فادارأتم فيها # [البقرة: 72] وقد تقدم. # ثم قال تعالى: { والدار الآخرة خير للذين يتقون } ~~أي: من تلك الرشوة الخبيثة المحقرة " أفلا تعقلون ". وقد تقدم ~~الكلام على هذه الهمزة والفاء غير مرة. # وقرأ ابن عامر ونافع وحفص تعقلون بالخطاب، والباقون بالغيبة، ~~فالخطاب يحتمل وجهين: أحدهما: أنه التفات من الغيبة إلى الخطاب، ~~والمراد بالضمائر حينئذ شيء واحد. # والثاني: أن الخطاب لهذه الأمة، أي: أفلا تعقلون أنتم حال هؤلاء ~~وما هم عليه وتتعجبون من ms4143 حالهم. وأما الغيبة فجرى على ما تقدم ~~من الضمائر، ونقل أبو حيان أن قراءة الغيبة لأبي عمرو وأهل مكة، ~~وقراءة الخطاب للباقين. # قوله: " والذين يمسكون ": فيه وجهان: أظهرهما: أنه مبتدأ، ~~وفي خبره حينئذ وجهان: أحدهما: الجملة من قوله { إنا لا نضيع ~~أجر المصلحين } وفي الرابط حينئذ أقوال: # أحدها: أنه ضمير محذوف لفهم المعنى، والتقدير: المصلحين منهم، ~~وهذا على قواعد جمهور البصريين، وقواعد الكوفيين تقتضي أن " أل " ~~قائمة مقام الضمير، تقديره: أجر مصلحيهم؛ كقوله: # فإن الجنة هي المأوى # [النازعات: 41] أي: مأواه، وقوله # مفتحة لهم الأبواب # [ص: 50] أي: أبوابها، وقوله: # في أدنى الأرض # [الروم: 3] أي: أرضهم، إلى غير ذلك. # والثاني: أن الرابط تكرر المبتدأ بمعناه، نحو: زيد قام أبو عبد ~~الله، وهو رأي الأخفش، وهذا كما يجيزه في الموصول، نحو: أبو سعيد الذي ~~رويت عنه الخدري، والحجاج الذي رأيت ابن يوسف، وقد تقدم ~~من ذلك شواهد. # الثالث: أن الرابط هو العموم في " المصلحين " قاله أبو البقاء. # قال: " وإن شئت قلت: لما كان المصلحون جنسا والمبتدأ واحد منه ~~استغنيت عن ضمير ". # قال شهاب الدين: العموم ربط من الروابط الخمسة؛ وعليه قول الشاعر: ~~[الطويل] # 2612 - ألا ليت شعري هل إلى أم سالم # سبيل؟ فأما الصبر عنها فلا صبرا # ومنه: نعم الرجل زيد، على أحد الأوجه: # والوجه الثاني - من وجهي الخبر -: أنه محذوف، تقديره: والذين يمسكون ~~مأجورون، أو مثابون ونحوه. # وقوله تعالى: { إنا لا نضيع } جملة اعتراضية، قاله الحوفي. ولا ~~ضرورة تدعو إليه. # الثاني من وجهي " الذين يمسكون ": أنه محل جر نسقا على: " ~~الذين يتقون " أي: والدار الآخرة خير للمتقين، وللمتمسكين، قاله ~~الزمخشري. # إلا أنه قال: ويكون قوله: { إنا لا نضيع } اعتراضا سيق لتأكيد ما ~~قبله. وفيه نظر؛ لأنه لم يقع بين شيئين متلازمين ولا بين شيئين ~~بينهما تعلق معنوي، فكان ينبغي أن يقول: ويكون على هذا مستأنفا. # وقرأ العامة " يمسكون " بالتشديد من " مسك " بمعنى " ~~تمسك " حكاه أهل التصريف أي: إن: " فعل " بمعنى " تفعل " ~~، وعلى هذا فالباء للآلة، كهي في " تمسكت بالحبل ". # يقال: مسكت بالشيء، ms4144 وتمسكت، واستمسكت به، وامتسكت ~~به. # وقرأ أبو بكر عن عاصم، ورويت عن أبي عمرو وأبي العالية " يمسكون " ~~بسكون الميم وتخفيف السين من " أمسك " وهما لغتان يقال: مسكت، ~~وأمسكت. # وقد جمع كعب بن زهير بينهما في قوله: [البسيط] # 2613 - ولا تمسك بالعهد الذي زعمت # إلا كما تمسك الماء الغرابيل # ولكن " أمسك " متعد. # قال تعالى: # ويمسك السمآء # [الحج: 65] فعلى هذا مفعوله محذوف، تقديره: يمسكون دينهم وأعمالهم ~~بالكتاب، فالباء يجوز أن تكون للحال وأن تكون للآلة أي مصاحبين للكتاب، ~~أي: لأوامره ونواهيه. # وحجة عاصم قوله تعالى: # فإمساك بمعروف # [البقرة: 229]، وقوله: # أمسك عليك زوجك # [الأحزاب: 37]، وقوله: # فكلوا ممآ أمسكن عليكم # [المائدة: 4]. # قال الواحدي: والتشديد أقوى؛ لأن التشديد للكثرة، وههنا أريد به ~~الكثرة؛ ولأنه يقال: أمسكته، وقلما يقال: أمسكت به. # وقرأ عبد الله والأعمش: " استمسكوا " ، وأبي: " تمسكوا " على ~~الماضي، وهو جيد لقوله تعالى: { وأقاموا الصلاة } إذ قل ما ~~يعطف على مستقبل إلا في المعنى. # فصل # أراد والذين يعملون بما في الكتاب. # قال مجاهد: هم المؤمنون من أهل الكتاب ك: عبد الله بن سلام وأصحابه ~~تمسكوا بالكتاب الذي جاء به موسى، فلم يحرفوه ولم يكتموه ولم يتخذوه ~~مأكلة. # وقال عطاء: أمة محمد صلى الله عليه وسلم. # { وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين } ~~أي: لا نضيع أجرهم، كقوله تعالى: # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع ~~أجر من أحسن عملا # [الكهف: 30]. # فإن قيل: التمسك بالكتاب يشتمل على كل عبادة، ومنها إقامة الصلاة فكيف ~~أفردها بالذكر؟ فالجواب: أفردها لعلو مرتبتها، فإنها أعظم العبادات ~~بعد الإيمان. ### || [7.171] # قوله تعالى: { وإذ نتقنا الجبل } الآية. # قال أبو عبيدة: النتق: قلع الشيء من موضعه، والرمي به، ومنه: ~~نتق ما في الجراب إذا نفضه فرمى ما فيه، وامرأة ناتق، ومنتاق: ~~إذا كانت كثيرة الولادة، وفي الحديث: " عليكم بزواج الأبكار، ~~فإنهن أطيب أفواها، وأنتق أرحاما، وأرضى باليسير ". # وقيل: النتق: الجذب بشدة. ومنه: نتقت السقاء إذا جذبته ~~لتقتلع الزبدة من فم القرية. # قال الفراء: " هو الرفع " وقال ابن قتيبة: الزعزعة، وبه ~~فسره مجاهد. ms4145 # وقال النابغة: [الكامل] # 2614 - لم يحرموا حسن الغذاء وأمهم # طفحت عليك بناتق مذكار # وكلها معان متقاربة. # قوله: " فوقهم " فيه وجهان: # أحدهما: هو متعلق بمحذوف، على أنه حال من الجبل وهي حال مقدرة؛ ~~لأن حالة النتق لم تكن فوقهم، لكن بالنتق صار فوقهم. # والثاني: أنه ظرف ل: نتقنا قاله الحوفي وأبو البقاء. # قال أبو حيان: ولا يمكن ذلك، إلا أن يضمن معنى فعل يمكن أن ~~يعمل في فوقهم أي: رفعنا بالنتق الجبل فوقهم، فيكون كقوله: # ورفعنا فوقهم الطور # [النساء: 154]. فعلى هذا يكون فوقهم منصوبا ب " نتق " لا بمعنى ~~رفع. # قوله: " كأنه ظلة " في محل نصب على الحال من " الجبل " أيضا ~~فتتعدد الحال. # وقال مكي: هي خبر مبتدأ محذوف، أي: هو كأنه ظلة وفيه بعد. ~~والظلة: كل ما أظلك. قال عطاء: سقيفة. # قوله وظنوا فيه أوجه: # أحدها: أنه في محل جر نسقا على نتقنا المخفوض بالظرف ~~تقديرا. # والثاني: أنه حال و " قد " مقدرة عند بعضهم، وصاحب الحال إما: ~~الجبل أي: كأنه ظلة في حال كونه مظنونا وقوعه بهم، ويضعف أن يكون ~~صاحب الحال: هم في: فوقهم. # الثالث: أنه مستأنف، فلا محل له، والظن هنا على بابه. # قال أهل المعاني: قوي في نفوسهم ويجوز أن يكون بمعنى اليقين. # قال المفسرون: علموا وأيقنوا أنه واقع بهم والباء على بابها ~~أيضا. # قيل: ويجوز أن تكون بمعنى " على ". # قوله: { خذوا مآ آتيناكم بقوة } أي: # وقلنا لهم خذوا ما أتيناكم بقوة بجد واجتهاد. # روي أنهم لما أبوا قبول أحكام التوراة لثقلها رفع الله الطور على ~~رءوسهم مقدار عسكرهم وكان فرسخا في فرسخ. # وقيل لهم إن قبلتموها بما فيها وإلا ليقعن عليكم، فلما نظروا إلى ~~الجبل خر كل واحد منهم ساجدا على جانبه الأيسر وهو ينظر بعينه اليمنى ~~خوفا من سقوطه، فلذلك لا ترى يهوديا سجد إلا على جانبه الأيسر، ~~ويقولون: هي السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة. # قوله واذكروا العامة على التخفيف أمرا من: ذكر يذكر ~~والأعمش واذكروا بتشديد الذال من الأذكار، والأصل: اذتكروا، ~~والاذتكار، تقدم تصريفه. ms4146 # وقرأ ابن مسعود تذكروا من: " تذكر " بتشديد الكاف. # وقرىء وتذكروا بتشديد الذال والكاف والأصل: ولتتذكروا فأدغمت ~~التاء في الذال، وحذفت لام الجزم كقوله: [الوافر] # 2615 - محمد تفد نفسك كل نفس # .......................... # فصل # قال ابن عباس وغيره: لما أخذ موسى الألواح وأتى بها إلى بني ~~إسرائيل، وفيها التوراة أمرهم بقبولها، والأخذ بها بقوة. # فقالوا: انشرها علينا، فإن كانت أوامرها ونواهيها سهلة قبلناها. # فقال: بل اقبلوها بما فيها فراجعوه مرارا، فأمر الله الملائكة، ~~فرفعوا الجبل على رءوسهم حتى صار كأنه ظلة أي: غمامة فوق رءوسهم. # وقيل لهم إن لم تقبلوها بما فيها وإلا سقط هذا الجبل عليكم؛ فقبلوها، ~~وأمروا بالسجود؛ فسجدوا وهم ينظرون إلى الجبل بشق وجوههم فصارت سنة ~~اليهود إلى اليوم. # ويقولون: لا سجدة أعظم من سجدة رفعت عنا العذاب. ### || [7.172-174] # قوله تعالى: { وإذ أخذ ربك من بني آدم } الآية. # قال المفسرون: روى مسلم بن يسار الجهني أن عمر - رضي الله عنه - ~~سئل عن هذه الآية، فقال: # " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عنها، فقال: إن الله ~~تعالى خلق آدم ثم مسح ظهره؛ فاستخرج منه ذرية فقال: ~~خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ~~ظهره واستخرج منه ذرية، فقال: هؤلاء للنار وبعمل أهل ~~النار يعملون. # فقال رجل: يا رسول الله: ففيم العمل؟ # فقال - عليه الصلاة والسلام -: " إن الله تبارك وتعالى إذا ~~خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على ~~عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله الله الجنة، وإذا خلق الله ~~العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل ~~أهل النار، فيدخله الله النار " # وهذا حديث حسن، ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر، وقد ذكر بعضهم في هذا ~~الإسناد بين مسلم وعمر رجلا. # وقال مقاتل وغيره: إن الله مسح صفحة ظهر آدم اليمنى فأخرج منه ~~ذرية بيضاء كهيئة الذر ثم مسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منه ذرية سوداء ~~كهيئة الذر، فقال يا آدم هؤلاء ذريتك. ثم قال لهم ألست بربكم ~~قالوا بلى. فقال للبيض ms4147 هؤلاء للجنة برحمتي، وهم أصحاب اليمين. وقال ~~للسود هؤلاء للنار، ولا أبالي، وهم أصحاب الشمال، ثم أعادهم ~~جميعا في صلب آدم فأهل القبور محبوسون حتى يخرج أهل الميثاق كلهم من ~~أصلاب الرجال، وأرحام النساء. # قال تعالى فيمن نقض العهد: # وما وجدنا لأكثرهم من عهد # [الأعراف: 102] الآية. وإلى هذا القول ذهب سعيد بن المسيب، وسعيد بن ~~جبير، والضحاك، وعكرمة والكلبي. # وقال بعض أهل التفسير: إن أهل السعادة أقروا طوعا وقالوا " ~~بلى " ، وأهل الشقاوة قالوه تقية وكرها. وذلك معنى قوله: # وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها # [آل عمران: 83]. # واختلفوا في موضع الميثاق. # قال ابن عباس: ببطن نعمان، وهو واد إلى جنب عرفة وروي عنه أنه بدهنا ~~في أرض الهند، وهو الموضع الذي هبط آدم عليه. # وقال الكلبي: بين مكة والطائف. # وروى السدي: أن الله أخرجهم جميعا، وصورهم وجعل لهم عقولا يعلمون ~~بها، وألسنا ينطقون بها، ثم كلمهم قبلا أي: عيانا، وقال " ألست ~~بربكم "؟. # وقال الزجاج: وجائز أن يكون الله تعالى جعل لأمثال الذر فهما ~~تعقل به كما قال تعالى: # قالت نملة يأيها النمل ادخلوا مساكنكم # [النمل: 18]. # قال القرطبي: قال ابن العربي: فإن قيل: فكيف يجوز أن يعذب الله ~~الخلق قبل أن يذنبوا، أو يعاقبهم على ما أراده منهم وكتبه عليهم؟ # قلنا: ومن أين يمتنع ذلك، عقلا أو شرعا؟ # فإن قيل: إن الرحيم الحكيم منا لا يجوز أن يفعل ذلك. # قلنا: لأن فوقه آمرا يأمره وناهيا ينهاه، وربنا تعالى لا يسأل عما ~~يفعل وهم يسألون، ولا يجوز أن يقاس الخلق بالخالق، وبالحقيقة فإن ~~الأفعال كلها لله تعالى، والخلق بأجمعهم له، يصرفهم كيف يشاء ويحكم ~~فيهم بما أراد، وهذا الذي يجده الآدمي فإنما هو من رقة الجبلة، ~~وشفقة الجنسية وحب الثناء والمدح، والباري تعالى منزه من ~~ذلك. # وأطبقت المعتزلة على أنه لا يجوز تفسير هذه الآية بهذا الوجه، ~~واحتجوا على فساده بوجوه: # الأول: قالوا إن قوله: { من بني آدم من ظهورهم } [الأعراف: ~~172] ف " من ظهورهم " بدل من قوله " بني آدم " فيكون المعنى: ms4148 ~~وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم، وعلى هذا التقدير: فلم يذكر الله ~~تعالى أنه أخذ من ظهر آدم شيئا. # الثاني: لو كان المراد أنه تعالى أخرج من ظهر آدم ذرية لما قال: " من ~~ظهورهم " بل قال: من ظهره؛ لأن آدم ليس له إلا ظهر واحد، وكذلك ~~قوله: " ذريتهم " ولو كان المراد آدم لقال: ذريته. # الثالث: أنه تعالى حكى عن أولئك الذرية أنهم قالوا: { إنمآ ~~أشرك آباؤنا من قبل } [الأعراف: 173] وهذا لا يليق بأولاد ~~آدم؛ لأنه عليه الصلاة والسلام ما كان مشركا. # الرابع: أن أخذ الميثاق لا يمكن إلا من العاقل، ولو كان أولئك ~~الذر عقلاء، وأعطوا ذلك الميثاق حال عقلهم لوجب أن يتذكروا في هذا الوقت ~~أنهم أعطوا الميثاق قبل دخولهم في هذا العالم؛ لأن الإنسان إذا وقعت له ~~واقعة عظيمة فإنه لا يجوز مع كونه عاقلا أن ينساها نسيانا كليا ~~لا يتذكر منها قليلا ولا كثيرا، وبهذا الدليل يبطل القول بالتناسخ؛ ~~لأنا نقول لو كانت أرواحنا قد جعلت قبل هذه الأجساد في أجساد أخرى، ~~لوجب أن نتذكر الآن أنا كنا قبل هذا الجسد في جسد آخر، وحيث لم نتذكر ~~كان القول بالتناسخ باطلا. # وهذا الدليل بعينه قائم في هذه المسألة فوجب القول بمقتضاه، فلو جاز أن ~~يقال: إنا كنا في وقت الميثاق أعطينا العهد مع أنا في هذا الوقت لا ~~نتذكر شيئا منه، فلم لا يجوز أيضا أن يقال: إنا كنا قبل هذا البدن ~~في بدن آخر مع أنا في هذا البدن لا نتذكر شيئا من تلك الأحوال. # الخامس: أن البنية شرط لحصول الحياة والعقل والفهم، إذ لو لم يكن كذلك ~~لم يبعد في كل ذرة من ذرات الهباء أن تكون عاقلا فاهما مصنفا ~~للتصانيف الكثيرة في العلوم الدقيقة، وفتح هذا الباب يؤدي إلى ~~التزام الجمادات، وإذا ثبت أن هذه البنية شرط لحصول الحياة، فكل واحد من ~~تلك الذرات لا يمكن أن يكون عاقلا عالما فاهما إلا إذا حصلت له ~~بنية وحمية، وإذا كان كذلك فمجموع تلك الأشخاص ms4149 الذين خرجوا إلى الوجود ~~من أول تخليق آدم إلى قيام القيامة لا تحويهم عرصة الدنيا، فكيف يمكن أن ~~يقال إنهم بأسرهم حصلوا دفعة واحدة في صلب آدم - عليه الصلاة ~~والسلام -. # السادس: قالوا هذا الميثاق إما أن يكون قد أخذه الله منهم في ذلك ~~الوقت ليصير حجة عليهم في ذلك الوقت أو ليصير حجة عليهم عند دخولهم في ~~الدنيا. # والأول باطل لانعقاد الإجماع على أن بسبب ذلك القدر من الميثاق لا ~~يصيرون مستحقين للثواب والعقاب، ولا يجوز أن يكون المطلوب منه أن يصير ~~ذلك حجة عليهم عند دخولهم في الدنيا، لأنهم لما لم يذكروا ذلك الميثاق ~~في الدنيا فكيف يصير عليهم حجة في التمسك بالإيمان. # السابع: قال الكعبي: إن حال أولئك الذر لا يكون أعلى في الفهم ~~والعلم من حال الأطفال، فلما لم يمكن توجيه التكاليف على الطفل، ~~فكيف يمكن توجيهه على أولئك الذر؟ # وأجاب الزجاج عنه بما تقدم من تشبيهه بقصة النملة، وأيضا لا ~~يبعد أن يعطي الله الجبل الفهم حتى يسبح، كما قال: # وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن # [الأنبياء: 79] وكما أعطى الله العقل للبعير حتى سجد للرسول، ~~وللنخلة حتى سمعت وانقادت حين دعيت فكذا ههنا. # الثامن: أن أولئك الذر في ذلك الوقت إما أن يكونوا كاملي العقول أم ~~لا، فإن كان الأول كانوا مكلفين لا محالة، وإنما يبقون مكلفين إذا ~~عرفوا الله تعالى بالاستدلال ولو كانوا كذلك لما امتازت أحوالهم في ذلك ~~الوقت على أحوالهم في هذه الحياة الدنيا، فلو افتقر التكليف في ~~الدنيا إلى سبق ذلك الميثاق؛ لافتقر التكليف في وقت ذلك الميثاق إلى ~~سبق ميثاق آخر ولم التسلسل وهو محال. # وإن قيل: إنهم ما كانوا كاملي العقول في ذلك الوقت، فيمتنع توجيه ~~الخطاب والتكليف عليهم. # التاسع: قوله تعالى: # فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق # [الطارق: 5 - 6] ولو كانت تلك الذرات عقلاء فاهمين لكانوا موجودين قبل ~~هذا الماء الدافق، ولا معنى للإنسان إلا ذلك الشيء فحينذ لا يكون ~~الإنسان مخلوقا من الماء الدافق وذلك رد لنص ms4150 القرآن. # فإن قالوا: لم لا يجوز أن يقال إنه تعالى خلقه كامل العقل والفهم ~~والقدرة عند الميثاق ثم أزال عقله وفهمه وقدرته؟ ثم إنه خلقه مرة أخرى في ~~رحم الأم وأخرجه إلى الحياة؟ # قلنا: هذا باطل؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لما كان خلقه من النطفة خلقا ~~على سبيل الابتداء بل يجب أن يكون خلقا على سبيل الإعادة، وأجمع ~~المسلمون على أن خلقه من النطفة هو الخلق المبتدأ، فبطل ما ذكرتموه. # العاشر: أن تلك الذرات إما أن تكون عين هؤلاء الناس أو غيرهم، ~~والثاني باطل بالإجماع بقي الأول. # فنقول: إما أن يقال إنهم بقوا فهماء عقلاء قادرين حال ما كانوا ~~نطفه وعلقة ومضغة أو ما بقوا كذلك، والأول باطل ببديهة العقل. ~~والثاني: يقتضي أن يقال إن الإنسان حصلت له الحياة أربع مرات: وقت ~~الميثاق، وفي الدنيا، وفي القبر، وفي القيامة وأنه حصل له الموت ~~ثلاث مرات: بعد الحياة الحاصلة من الميثاق الأول، وموت في الدنيا وموت ~~في القبر، وهذا العدد مخالف للعدد المذكور في قوله تعالى: # ربنآ أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين # [غافر: 11]. # الحادي عشر: لو كان القول بهذا الذر صحيحا لكان ذلك الذر هو ~~الإنسان؛ لأنه هو المكلف المخاطب المثاب المعاقب، وذلك باطل؛ لأن ~~ذلك الذر غير مخلوق من النطفة والعلقة، والمضغة، والقرآن يدل على أن ~~الإنسان خلق من النطفة، والعلقة. قال تعالى: # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين # [المؤمنون: 12] الآيات. # وقوله: # قتل الإنسان مآ أكفره من أي شيء خلقه من ~~نطفة خلقه # [عبس: 17 - 19] فهذه الوجوه دلت على ضعف هذا القول. # وقال أرباب المعقولات: إن الله تعالى أخرج الذرية وهم الأولاد من صلب ~~آبائهم، وذلك الإخراج حال كونهم نطفا، فأخرجها الله تعالى فأودعها أرحام ~~الأمهات، وجعلها علقة ثم مضغة حتى جعله بشرا سويا وخلقا كاملا ثم ~~أشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم من دلائل وحدانيته، وغرائب صنعته، ~~فبالإشهاد صاروا كأنهم قالوا: بلى، وإن لم يكن هناك قول باللسان، ~~ولذلك نظائر منها قوله تعالى: # إنما قولنا لشيء إذآ أردناه ms4151 أن نقول له كن ~~فيكون # [النحل: 40]. # وقال تعالى: # فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ ~~أتينا طآئعين # [فصلت: 11]. # وقول العرب: قال الجدار للوتد لم تشقني قال: سل من ~~يدقني. # وقال الشاعر: [الرجز] # 2617 - امتلأ الحوض وقال قطني # مهلا رويدا قد ملأت بطني # فهذا النوع من المجاز والاستعارة مشهور في الكلام، فوجب حمل الكلام ~~عليه، وهذا القول لا طعن فيه ألبتة، وليس منافيا لصحة القول الأول. # فصل # قال القرطبي: استدل بهذه الآية على أن من مات صغيرا دخل ~~الجنة لإقراره في الميثاق الأول ومن بلغ لم يغنه الميثاق الأول. # قوله " من ظهورهم " بدل من قوله: " من بني آدم " بإعادة ~~الجار، كقوله: # لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم # [الزخرف: 33] # للذين استضعفوا لمن آمن منهم # [الأعراف: 75] وهل هو بدل اشتمال أو بدل بعض من كل؟ قولان: # الأول لأبي البقاء، والثاني للزمخشري، وهو الظاهر كقولك: ضربت زيدا ~~ظهره وقطعته يده، لا يعرب هذا أحد بدل اشتمال، و " ذريتهم " ~~مفعول به. # وقرأ الكوفيون وابن كثير ذريتهم بالإفراد، والباقون " ذرياتهم ~~" بالجمع. # قال أبو حيان: ويحتمل في قراءة الجمع أن يكون مفعول " أخذ " محذوفا ~~لفهم المعنى وذرياتهم بدل من ضمير " ظهورهم " كما أن من ~~ظهورهم بدل من بني آدم والمفعول المحذوف هو الميثاق كقوله: # وأخذنا منهم ميثاقا غليظا # [النساء: 154]. # قال: وتقدير الكلام: وإذ أخذ ربك من ظهور ذريات بني آدم ميثاق ~~التوحيد لله، واستعار أن يكون أخذ الميثاق من الظهر كأن الميثاق لصعوبته ~~والارتباط به شيء ثقيل يحمل على الظهر. # وكذلك قرأ الكوفيون وابن كثير في سورة يس، وفي الطور في الموضعين ~~ذريتهم بالإفراد؛ وافقهم أبو عمرو على ما في يس، ونافع وافقهم في ~~أول الطور، وهي ذريتهم بإيمان دون الثانية، وهي: { ألحقنا ~~بهم ذريتهم } ، فالكوفيون وابن كثير جروا على منوال واحد ~~وهو الإفراد، وابن عامر على الجمع، وأبو عمرو ونافع جمعوا بين الأمرين. # قال أبو حيان في قراءة الإفراد في هذه السورة: ويتعين أن يكون ~~مفعولا ب " أخذ " وهو على حذف مضاف، أي: ميثاق ذريتهم. يعني ms4152 أنه لم ~~يجز فيه ما جاز في ذرياتهم من أنه بدل، والمفعول محذوف وذلك ~~واضح؛ لأن من قرأ: " ذريتهم " بالإفراد لم يقرأه إلا ~~منصوبا، ولو كان بدلا من هم في ظهورهم لكان مجرورا، بخلاف ~~ذرياتهم بالجمع فإن الكسرة تصلح أن تكون علامة للجر وللنصب في ~~جمع المؤنث السالم. # قال الواحدي: الذرية تقع على الواحد والجمع، فمن أفرد فقد استغنى ~~عن جمعه بوقوعه على الجمع كالبشر فإنه يقع على الواحد، كقوله: # ما هذا بشرا # [يوسف: 31] وعلى الجمع، كقوله: # أبشر يهدوننا # [التغابن: 6]، # إن أنتم إلا بشر مثلنا # [إبراهيم: 10] فكما لم يجمع " بشر " جمع تصحيح، ولا تكسير كذلك لا يجمع ~~" الذرية ". # ومن جمع قال: إن الذرية وإن كان واحدا فلا إشكال في جواز الجمع فيه، ~~وإن كان جمعا فجمعه حسن، لأن الجموع المكسرة قد جمعت نحو: الطرقات ~~والجدرات. # قوله: { وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى شهدنآ }. # أما على قول من أثبت الميثاق الأول فكل هذه الأشياء محمولة ~~على ظواهرها، وأما من أنكره، قال: إنها محمولة على التمثيل، أي: ~~أنه تعالى نصب لهم الأدلة على ربوبيته، وشهدت بها عقولهم، فصار ذلك ~~جاريا مجرى ما إذا أشهدهم على أنفسهم، وقال لهم: { ألست ~~بربكم }. وكأنهم قالوا بلى أنت ربنا. # قوله: " بلى " جواب: " ألست ". # قال ابن عباس: لو قالوا " نعم " لكفروا، يريد أن النفي إذا ~~أجيب ب " نعم " كان تصديقا له، فكأنهم أقروا بأنه ليس بربهم، هكذا ~~ينقلونه عن ابن عباس. # وفيه نظر - إن صح عنه - وذلك أن هذا النفي صار مقررا، فكيف ~~يكفرون بتصديق التقرير؟ وإنما المانع من جهة اللغة، وهو أن النفي ~~مطلقا إذا قصد إيجابه أجيب ب " بلى " وإن كان مقررا بسبب دخول ~~الاستفهام عليه، وإنما كان ذلك تغليبا لجانب اللفظ، ولا يجوز مراعاة ~~جانب المعنى إلا في شعر، كقوله: [الوافر] # 2618 - أليس الليل يجمع أم عمرو # وإيانا فذاك بنا تداني # نعم وأرى الهلال كما تراه # ويعلوها النهار كما علاني # فأجاب قوله أليس ب " نعم " ، مراعاة للمعنى؛ لأنه إيجاب. # قوله شهدنا هذا من ms4153 كلام الله تعالى، وقيل: من كلام الملائكة، ~~لأنهم لما قالوا بلى، قال الله للملائكة: اشهدوا فقالوا: شهدنا، وعلى ~~هذا القول يحسن الوقف على قوله: " قالوا بلى " لأن كلام الذرية قد ~~انقطع ههنا. # وقوله: " أن تقولوا " أي: لئلا تقولوا { يوم القيامة إنا ~~كنا عن هذا غافلين } تقريره: أن الملائكة قالوا شهدنا ~~عليهم بالإقرار؛ يقولوا ما أقررنا، فأسقط كلمة " لئلا " كقوله # وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم # [النحل: 15]، أي: لئلا تميد بكم. قاله الكوفيون، وعند البصريين ~~تقديره: شهدنا كراهة أن تقولوا. # وقيل: من كلام الله تعالى والملائكة. # وقيل: من كلام الذرية، وعلى هذا فقوله: { أن تقولوا يوم ~~القيامة إنا كنا عن هذا غافلين } متعلق بقوله { ~~وأشهدهم على أنفسهم } تقديره: وأشهدهم على نفسهم بكذا ~~وكذا لئلا يقولوا يوم القيامة: { إنا كنا عن هذا ~~غافلين } أو كراهية أن يقولوا ذلك. # قال الواحدي: وعلى هذا لا يحسن الوقف على قوله: بلى ولا يتعلق ~~أن تقولوا ب " شهدنا " ولكن بقوله: " وأشهدهم " فلم يجز قطعه ~~عنه. # قوله " أن تقولوا " مفعول من أجله، والعامل فيه إما شهدنا ~~أي: شهدنا كراهة أن تقولوا. هذا تأويل البصريين، وأما الكوفيون: فقاعدتهم ~~تقدير " لا " النافية، أي: لئلا تقولوا: كقوله # أن تميد بكم # [النحل: 15]. # كما تقدم. # وقول القطامي: [الوافر] # 2619 - رأينا ما يرى البصراء فيها # فآلينا عليها أن تباعا # أي: أن لا تباع، وأما: " وأشهدهم " أي: وأشهدهم لئلا يقولوا أو ~~كراهة أن يقولوا، وقد تقدم أن الواحدي قد قال: إن شهدنا إذا كان من ~~قول الذرية يتعين أن يتعلق أن تقولوا ب " أشهدهم " ~~كأنه رأى أن التركيب يصير: شهدنا أن تقولوا، سواء قرىء بالغيبة أو ~~الخطاب، والشاهدون هم القائلون في المعنى، فكان ينبغي أن يكون ~~التركيب: شهدنا أن نقول نحن، وهذا غير لازم؛ لأن المعنى: شهد بعضهم ~~على بعض، فبعض الذرية قال شهدنا أن يقول البعض الآخر كذلك. # وذكر الجرجاني عن بعضهم وجها آخر: وهو أن يكون قوله: { وإذ أخذ ~~ربك } إلى قوله " قالوا بلى " تمام قصة الميثاق، ثم ابتدأ عز ~~وجل ms4154 خبرا آخر بذكر ما يقوله المشركون يوم القيامة، فقال: " شهدنا ~~" بمعنى: نشهد؛ كقول الحطيئة: [الكامل] # 2620 - شهد الحطيئة حين يلقى ربه # .......................... # أي: يشهد، فيكون تأويله: يشهد أن يقولوا. # وقرأ أبو عمرو: " يقولوا " في الموضعين بالغيبة، جريا على الأسماء ~~المتقدمة، والباقون بالخطاب، وهذا واضح على قولنا: إن شهدنا ~~مسند لضمير الله تعالى. # وقيل: على قراءة الغيبة يتعلق أن يقولوا ب " أشهدهم " ، ويكون قالوا ~~شهدنا معترضا بين الفعل وعلته، والخطاب على الالتفات، فتكون ~~الضمائر لشيء واحد. # فإن قيل: كيف يلزم الحجة وأحد لا يذكر الميثاق؟ # فالجواب: أن الله تعالى قد أوضح الدلائل على وحدانيته وصدق رسله فيما ~~أخبروا، فمن أنكره كان معاندا ناقضا للعهد، ولزمته الحجة، وبنسيانهم ~~وعدم حفظهم لا يسقط الاحتجاج بعد إخبار المخبر الصادق صاحب المعجزة. # قوله: { أو تقولوا إنمآ أشرك آباؤنا من قبل }. # قال المفسرون: المعنى أن المقصود من هذا الإشهاد ألا يقول الكفار ~~إنما أشركنا لأن آباءنا أشركوا فقلدناهم فكان الذنب لآبائنا، فكيف ~~تعذبنا على هذا الشرك، وهو المراد من قوله { أفتهلكنا بما ~~فعل المبطلون } والحاصل: أنه تعالى لما أخذ عليهم الميثاق، ~~امتنع عليهم التمسك بهذا العذر، وأما الذين حملوا الآية على أن المراد ~~منه مجرد نصب الدلائل، قالوا: معنى الآية: إن نصبنا الدلائل وأظهرنا ~~للعقول كراهة أن يقولوا يوم القيامة: { إنا كنا عن هذا ~~غافلين } ما نبهنا عليه منبه، أو كراهة أن يقولوا: إنما ~~أشركنا على سبيل التقليد لأسلافنا؛ لأن نصب الأدلة على التوحيد ~~قائم مقام منعهم. # ثم قال: { وكذلك نفصل الآيات } أي: أن مثل ما فصلنا ~~وبينا في هذه الآية بين سائر الآيات ليتدبروا فيرجعوا إلى الحق. # وقرأ فرقة يفصل بياء الغيبة، وهو الله تعالى. ### || [7.175-178] # قوله تعالى: { واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا ~~} الآية. # قال ابن عباس وابن مسعود: نزلت هذه الآية في " بلعم بن باعوراء ". # وقال مجاهد: بلعام ابن باعر. # وقال عطية عن ابن عباس: كان من بني إسرائيل. # وروي عن ابن أبي طلحة: أنه كان من الكنعانيين من مدينة الجبارين. # وقال مقاتل: هو ms4155 من مدينة البلقاء، وذلك أن موسى - عليه الصلاة ~~والسلام - وقومه، قصد بلده، وغزا أهله وكانوا كفارا، فطلبوا منه أن ~~يدعو على موسى وقومه وكان مجاب الدعوة وعنده اسم الله الأعظم فامتنع منه، ~~فما زالوا يطلبونه حتى دعا عليه، فاستجيب له ووقع موسى وبنوا إسرائيل في ~~التيه بدعائه، فقال موسى: يا رب بأي ذنب وقعنا في التيه؟ # فقال: بدعاء بلعم، فقال: كما سمعت دعاءه علي، فاسمع دعائي عليه، ثم ~~دعا موسى عليه الصلاة والسلام أن ينزع منه اسم الله الأعظم والإيمان، ~~فسلخه الله مما كان عليه، ونزع منه المعرفة، فخرجت من صدره حمامة ~~بيضاء. # وقيل: إنه كان نبيا من أنبياء الله، دعا عليه موسى، فنزع الله ~~تعالى منه الإيمان، فصار كافرا وهذا بعيد؛ لقوله تعالى: # الله أعلم حيث يجعل رسالته # [الأنعام: 124] فدل على أنه تعالى لا يخص عبدا بالرسالة إلا ~~إذا علم امتيازه عن سائر العبيد بمزيد المناقب العظيمة، ومن كانت هذه ~~حاله، كيف يليق به الكفر؟ # وقال عبد الله بن عمرو وسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم: نزلت في أمية بن ~~أبي الصلت وكان قد قرأ الكتب، وعلم أن الله تعالى مرسل رسولا في ذلك ~~الوقت ورجا أن يكون هو، فلما أرسل الله تعالى، محمدا عليه - الصلاة ~~والسلام -، حسده، ثم مات كافرا، وكان قد قصد بعض الملوك، فلما رجع ~~مر على قتلى بدر، فسأل عنهم، فقيل له: قتلهم محمد. فقال: لو كان نبيا ~~ما قتل أقرباءه، فلما مات أمية، أتت أخته فازعة إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فسألها عن وفاة أخيها فقالت: بينما هو راقد، أتاه اثنان، ~~فكشفا سقف البيت ونزلا، فقعد أحدهما عند رجليه، والآخر عند رأسه. فقال ~~الذي عند رجليه للذي عند رأسه أوعى؟ قال: وعى. قال: أزكى؟ قال: أبى، ~~فسألته عن ذلك فقال: خير أريد بي؛ فصرف عني ثم غشي عليه، فلما أفاق قال: ~~[الخفيف] # 2621 - كل عيش وإن تطاول دهرا # صائر مرة إلى أن يزولا # ليتني كنت قبل ما قد بدا لي # في قلال ms4156 الجبال أرعى الوعولا # إن يوم الحساب يوم عظيم # شاب فيه الصغير يوما ثقيلا # ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنشديني شعر أخيك، فأنشدته بعض ~~قصائده. # فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: آمن شعره وكفر قلبه وأنزل ~~الله فيه هذه الآية. # وروي عن ابن عباس نزلت في البسوس رجل من بني إسرائيل، وكان قد أعطي ثلاث ~~دعوات مستجابات، وكانت له امرأة له منها ولد، فقالت: اجعل لي منها دعوة ~~واحدة، فقال لها: لك منها واحدة، فما تريدين؟ قالت: ادع الله أن ~~يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل فدعا لها؛ فجعلت أجمل امرأة في بني ~~إسرائيل؛ فلما علمت أنه ليس فيهم مثلها رغبت عنه فغضب الزوج فدعا ~~عليها فصارت كلبة نباحة [فذهبت فيها دعوتان، فجاء بنوها وقالوا: ليس لنا ~~على هذا إقرار قد صارت أمنا كلبة نباحة]، فصار الناس يعيروننا بها، ~~فادع الله أن يردها إلى حالها الأول، فدعا الله فعادت كما كانت فذهبت ~~فيها الدعوات كلها. # وقيل: نزلت في أبي عامر الراهب الذي سماه النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالفاسق كان يتزهد في الجاهلية فلما جاء الإسلام خرج إلى الشام، ~~وأمر المنافقين باتخاذهم مسجد الضرار وأتى قيصر واستنجده على النبي ~~صلى الله عليه وسلم فمات هناك طريدا وحيدا. # وقال الحسن، وابن كيسان، والأصم نزلت في منافقي أهل الكتاب، كانوا ~~يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم. # وقال عكرمة، وقتادة، وأبو مسلم: هذا عام فيمن عرض عليه الحق فأعرض ~~عنه. # وقوله: " فانسلخ منها ". # قال ابن عباس: " آتيناه آياتنا " أوتي كتابا من كتب الله " ~~فانسلخ منها " أي: خرج منها كما تنسلخ الحية من جلدها. # قوله: { فأتبعه الشيطان } الجمهور على أتبعه رباعيا، وفيه ~~وجهان: أحدهما: أنه متعد لواحد بمعنى أدركه ولحقه، وهو بمالغة في حقه ~~حيث جعل إماما للشيطان. ويحتمل أن يكون متعديا لاثنين؛ لأنه ~~منقول بالهمزة من " تبع " ، والمفعول الثاني محذوف تقديره: أتبعه ~~الشيطان خطواته، أي: جعله تابعا لها، ومن تعديه لاثنين قوله ~~تعالى: # واتبعتهم ذريتهم بإيمان ms4157 # [الطور: 21]. # وقرأ الحسن وطلحة بخلاف عنه: فاتبعه بتشديد التاء، فهل " تبعه " ~~واتبعه بمعنى أو بينهما فرق؟ # قيل بكل منهما، وأبدى بعضهم الفرق بأن " تبعه " مشى في أثره، و " ~~اتبعه " إذا وازاه في المشي. # وقيل: " اتبعه " بمعنى: استتبعه. # ومعنى الآية: أتبعه الشيطان كفار الإنس وغواتهم أي الشيطان جعل كفار ~~الإنس أتباعا له. # وقال عبد الله بن مسلم: " فأتبعه الشيطان ". أي: أدركه. # ويقال: تبعت القوم، إذا لحقتهم. # قال أبو عبيد: يقال: أتبعت القوم مثل: أفعلت إذا كانوا قد سبقوك ~~فلحقتهم وقوله { فكان من الغاوين } أي: أطاع الشيطان فكان من ~~الضالين. # قوله: { ولو شئنا لرفعناه بها } الضمير في: رفعناه ~~الظاهر عوده على الذي أوتي الآيات، والمجرور عائد على الآيات ~~والتقدير: ولو شئنا رفعناه للعمل بها، أي: رفعناه درجة بتلك الآيات. # قال ابن عباس: لرفعناه بعمله. # وقيل: المنصوب يعود على الكفر المفهوم مما سبق، والمجرور على الآيات، ~~أي: لرفعنا الكفر بما ترى من الآيات. # قاله مجاهد وعطاء. # وقيل: الضمير المجرور يعود على المعصية والمنصوب على " الذي " والمراد ~~بالرفع: الأخذ، كما تقول: رفع الظالم، أي قلع وأهلك أي: ~~لأهلكناه بسبب المعصية. # وهذه أقوال بعيدة، ولا يظهر الاستدراك إلا على الوجه الأول. # قوله { ولكنه أخلد إلى الأرض } " أخلد " أي: ترامى ~~بنفسه. أي: ركن إلى الدنيا ومال إليها. # قال أهل العربية: أصله من الإخلاد، وهو الدوام واللزوم، فالمعنى: ~~لزم الميل إلى الأرض قال مالك بن نويرة: [الطويل] # 2622 - بأبناء حي من قبائل مالك # وعمرو بن يربوع أقاموا فأخلدوا # ومنه يقال: أخلد فلان بالمكان، إذا لزم الإقامة به. # قال ابن عباس: يريد مال إلى الدنيا. # وقال مقاتل: رضي بالدنيا. # وقال الزجاج: ركن إلى الدنيا. # قال الواحدي فهؤلاء فسروا " الأرض " في هذه الآية بالدنيا؛ وذلك ~~لأن الدنيا هي الأرض؛ لأن ما فيها من القفار والضياع كلها أرض، وسائر ~~أمتعتها من المعادن والنبات والحيوان يستخرج من الأرض وإنما يقوى ويكمل ~~بها، فالدنيا كلها هي الأرض فصلح أن يعبر عن الدنيا بالأرض. # وقوله: { واتبع هواه } أي: أعرض عن التمسك بما آتاه ms4158 الله ~~من الآيات واتبع الهوى، فلام جرم وقع في هاوية الردى، وهذه أشد ~~آية على العلماء؛ لأنه تعالى بعد أن خص هذا الرجل بآياته وبيناته ~~وعلمه الاسم الأعظم، وخصه بالدعوات المستجابة، لما اتبع الهوى انسلخ من ~~الدين وصار في درجة الكلب، وذلك يدل على أن من كانت نعم الله عليه ~~أكثر، فإذا أعرض عن متابعة الهدى، واتبع الهوى، كان بعده عن الله ~~أعظم، وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام # " من ازداد من الله علما ولم يزدد هدى لم يزدد من ~~الله إلا بعدا ". # وقال عليه الصلاة والسلام # " ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص ~~المرء على المال والسرف لدينه ". # قوله: { فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث ~~أو تتركه يلهث } ، الجملة الشرطية في محل نصب على ~~الحال، أي: لاهثا في الحالتين. # قال بعضهم: وأما الجملة الشرطية فلا تكاد تقع بتمامها موضع ~~الحال. # فلا يقال: جاء زيد إن يسأل يعط. على الحال، بل لو أريد ذلك لجعلت ~~الجملة خبرا عن ضمير ما أريد جعل الحال عنه. # فيقال: جاء زيد إن يسأل يعط فتكون الجملة الاسمية هي الحال. # نعم قد أوقعوا الشرطية موقع الحال، ولكن بعد أن أخرجوها عن حقيقة ~~الشرط وتلك الجملة لا تخلو من أن يعطف عليها ما يناقضها، أو لم ~~يعطف، فالأول: يستمر فيه ترك الواو، نحو: أتيتك إن أتيتني وإن لم ~~تأتني، إذ لا يخفى أن النقيضين من الشرطين في مثل هذا الموضع لا ~~يبقيان على معنى الشرط، بل يتحولان إلى معنى التسوية، كالاستفهامين ~~المتناقضين في قوله: # أأنذرتهم أم لم تنذرهم # [البقرة: 6 - يس: 10]. # والثاني: لا بد فيه من الواو نحو: أتيتك، وإن لم تأتني؛ لأنه ~~لو تركت الواو فقيل: أتيتك إن لم تأتني لالتبس، إذا عرف هذا فقوله: ~~{ إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث } من قبيل ~~النوع الأول؛ لأن الحمل عليه، والترك نقيضان. # والكلب يجمع في القلة " أكلب " ، وفي الكثرة على " كلاب " ~~، وشذوا فجمعوا " أكلبا " على " أكالب " ، و " كلابا " على " ~~كلابات " ، وأما " كليب ms4159 " فاسم جمع؛ ك " فريق " ، لا جمع، قال ~~طرفة: [الطويل] # 2623 - تعفق بالأرطى لها وأرادها # رجال فبذت نبلهم وكليب # وتقدمت هذه المادة في المائدة. # ويقال: لهث يلهث بفتح العين في الماضي والمضارع " لهثا " ، ~~و " لهثا " بفتح اللام وضمها، وهو خروج لسانه في حالة راحته وإعيائه، ~~وأما غيره من الحيوان، فلا يلهث إلا إذا أعيا، أو عطش، والذي ~~يظهر أن هذه الجملة الشرطية لا محل لها من الإعراب، لأنها مفسرة ~~للمثل المذكور، وهذا معنى واضح لقولهم في قوله تعالى: # خلقه من تراب # [آل عمران: 59] أن الجملة من قوله من تراب مفسرة لقوله تعالى: # إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم # [آل عمران: 59]. # واعلم أن هذا التمثيل ما وقع بجميع الكلاب، وإنما وقع بالكلب ~~اللاهث، وذلك من وجهين: الأول: أنه شبهه بأخس الحيوانات، وأخس ~~الحيوانات الكلب، وأخس الكلاب الكلب اللاهث، فمن آتاه الله ~~العلم والدين فمال إلى الدنيا، وأخلد في الأرض، كان مشبها ~~بأخس الحيوانات وهو الكلب اللاهث، فإنه يلهث في حال الإعياء، ~~وفي حال الراحة، وفي حال العطش، وفي حال الري، وذلك عادته الأصلية ~~وطبيعته الخسيسة لا لضرورة وحاجة تدعو إلى ذلك فكذلك من آتاه الله ~~العلم والدين، وأغناه عن التعرض لأوساخ الناس، ثم إنه يميل في ~~طلب الدنيا، ويلقي نفسه فيها، فحاله كحال ذلك اللاهث، حيث واظب ~~على الفعل الخسيس القبيح، بمجرد نفسه الخبيثة وطبيعته الخسيسة لا لحاجة ~~وضرورة. # الثاني: أن العالم إذا توسل بعلمه إلى طلب الدنيا، فذلك إنما ~~يكون لأجل أن يورد عليهم أنواع علومه، ويظهر عندهم فضائل نفسه ومناقبها، ~~فهو عند ذكر تلك العلوم يدلع لسانه ويخرجه لأجل ما تمكن في قلبه من ~~حرارة الحرص وشدة العطش إلى الفوز بالدنيا، فكانت حاله شبيهة ~~بحالة ذلك الكلب الذي أخرج لسانه دائما من غير حاجة، ولا ضرورة، بل ~~لمجرد الطبيعة الخسيسة. # والثالث: أن الكلب اللاهث لا يزول لهثه ألبتة، فكذلك الإنسان ~~الحريص لا يزول حرصه ألبتة. # قوله: { ذلك مثل القوم } يجوز أن يشار ب: ذلك إلى صفة ~~" الكلب " ، ويجوز أن ms4160 يشار به إلى المنسلخ من الآيات، أو إلى الكلب، ~~وأداة التشبيه محذوفة من ذلك أي: صفة المنسلخ، أو صفة الكلب مثل ~~الذين كذبوا، ويجوز أن يكون المحذوف من: " مثل القوم " أي: ذلك ~~الوصف، وهو وصف المنسلخ، أو وصف الكلب كمثل القوم. # فصل # واعلم أنه تعالى عم بهذا التمثيل جميع المكذبين بآيات الله. # قال ابن عباس: يريد أهل مكة لأنهم كانوا يتمنون هاديا يهديهم، ~~ويدعوهم إلى طاعة الله، فلما جاءهم نبي لا يشكون في صدقه كذبوه، ~~فلم يهتدوا، وبقوا على الضلال في كل الأحوال، إن وعظته فهو ضال، ~~وإن تركته فهو ضال، مثل الكلب، إن تحمل عليه يلهث، وإن تركته على حاله ~~يلهث فهو لاهث في كل الأحوال. # ثم قال: " فاقصص القصص " أي: قصص الذين كفروا، وكذبوا ~~بآياتنا: " لعلهم يتفكرون " أي: يتعظون. # قوله: " ساء مثلا " " ساء " بمعنى: " بئس " ، وفاعلها مضمر ~~فيها، ومثلا تمييز مفسر له، وقد تقدم [النساء 38] أن فاعل هذا ~~الباب إذا كان ضميرا يفسر بما بعده ويستغنى عن تثنيته وجمعه ~~وتأنيثه بتثنية التمييز وجمعه وتأنيثه عند البصريين، وتقدم أن " ~~ساء " أصلها التعدي لمفعول، والمخصوص بالذم لا يكون إلا من جنس ~~التمييز، والتمييز مفسر للفاعل فهو هو، فلزم أن يصدق الفاعل ~~والتمييز والمخصوص على شيء واحد، إذا عرف هذا فقوله: " القوم " ~~غير صادق على التمييز والفاعل فلا جرم أنه لا بد من تقدير محذوف ~~إما من التمييز، وإما من المخصوص. # فالأول يقدر: ساء أصحاب مثل أو أهل مثل القوم، والثاني يقدر: ساء ~~مثلا مثل القوم، ثم حذف المضاف في التقديرين، وأقيم المضاف إليه ~~مقامه، وهذه الجملة تأكيد للتي قبلها. # وقرأ الحسن والأعمش وعيسى بن عمر: { ساء مثل القوم } برفع " مثل ~~" مضافا للقوم. # وروي عن الجحدري كذلك، وروي عنه كسر الميم وسكون الثاء ورفع اللام ~~وجر " القوم " وهذه القراءة المنسوبة لهؤلاء الجماعة تحتمل وجهين: # أحدهما: أن تكون " ساء " للتعجب، مبنية تقديرا على " فعل ~~" بضم العين كقولهم: لقضو الرجل، و " مثل القوم " فاعل بها، ~~والتقدير: ما أسوأ مثل القوم، والموصول على هذا ms4161 في محل جر، نعتا ل " ~~قوم ". # والثاني: أنها بمعنى " بئس " و " مثل القوم " فاعل، والموصول على ~~هذا في محل رفع؛ لأنه المخصوص بالذم، وعلى هذا لا بد من حذف ~~مضاف، ليتصادق الفاعل والمخصوص على شيء واحد، والتقدير: ساء مثل ~~القوم مثل الذين، وقدر أبو حيان تمييزا في هذه القراءة وفيه نظر؛ إذ ~~لا يحتاج إلى تمييز، إذا كان الفاعل ظاهرا، حتى جعلوا الجمع بينهما ~~ضرورة، كقول الشاعر: [الوافر] # 2624 - تزود مثل زاد أبيك فينا # فنعم الزاد زاد أبيك زادا # وفي المسألة ثلاثة مذاهب: الجواز مطلقا، والمنع مطلقا، ~~والتفصيل، فإن كان مغايرا في اللفظ ومفيدا فائدة جديدة جاز نحو: ~~نعم الرجل شجاعا زيد؛ وعليه قوله: [الوافر] # 2625 - تخيره ولم يعدل سواه # فنعم المرء من رجل تهامي # فصل # قال الليث: ساء يسوء: فعل لازم ومتعد، يقال: ساء الشيء ~~يسوء فهو سيىء وساءه يسوءه مساءة، إذا قبح. # فإن قيل: ظاهر قوله: " ساء مثلا " يقتضي كون ذلك المثل موصوفا ~~بالسوء، وذلك غير جائز؛ لأن هذا المثل ذكره الله تعالى، فكيف يكون ~~موصوفا بالسوء؟ وأيضا فهو يفيد الزجر عن الكفر والدعوة إلى ~~الإيمان، فكيف يكون موصوفا بالسوء؟ # فالجواب: أن الموصوف بالسوء ما أفاده المثل من تكذيبهم بآيات الله ~~وإعراضهم عنها، حتى صاروا في التمثيل بذلك بمنزلة الكلب اللاهث. # قوله: { وأنفسهم كانوا يظلمون } " أنفسهم " مفعول ل ~~" يظلمون " وفيه دليل على تقديم خبر " كان " عليها؛ لأن تقديم ~~المعمول يؤذن بتقديم العامل غالبا، لأن ثم مواضع يمتنع فيها ذلك ~~نحو: # فأما اليتيم فلا تقهر # [الضحى: 9] ف " اليتيم " مفعول ب " تقهر " ولا يجوز تقديم " ~~تقهر " على جازمه، وهو محتمل للبحث. # وهذه الجملة الكونية تحتمل وجهين: # أحدهما: أن تكون نسقا على الصلة وهي " كذبوا بآياتنا " والمعنى: ~~الذين جمعوا بين التكذيب بآيات الله، وظلم أنفسهم. # والثاني: أن تكون مستأنفة، أي: وما ظلموا إلا أنفسهم بالتكذيب، وعلى ~~كلا القولين فلا محل لها، وقدم المفعول، ليفيد الاختصاص وهذا على ~~طريق الزمخشري وأنظاره كأنه قيل: وخصوا أنفسهم بالظلم، وما تعدى ~~أثر ذلك الظلم عنهم ms4162 إلى غيرهم. # قوله: { من يهد الله فهو المهتدي } راعى لفظ " من " ~~فأفرد، وراعى معناها في قوله { فأولئك هم الخاسرون } ~~فجمع، وياء " المهتدي " ثابتة عند جميع القراء، لثبوتها في ~~الرسم، وسيأتي الخلاف في التي في الإسراء. # وقال الواحدي: فهو المهتدي يجوز إثبات الياء فيه على الأصل، ~~ويجوز حذفها استخفافا؛ كما قيل في بيت الكتاب: [الوافر] # 2626 - فطرت بمنصلي في يعملات # دوامي الأيد يخبطن السريحا # وعنه: [الكامل] # 2627 - كنواح ريش حمامة نجدية # ومسحت باللثتين عصف الإثمد # قال ابن جني: شبه المضاف إليه بالتنوين فحذف له الياء. # فصل # لما وصف الظالمين وعرف حالهم بالمثل المذكور بين في هذه الآية ~~أن الهداية من الله، وأن الضلال من الله، وذكر المعتزلة ~~ههنا وجوها من التأويل: أحدها: # قال الجبائي والقاضي: المراد من يهده الله إلى الجنة ~~والثواب في الآخرة، فهو المهتدي في الدنيا السالك طريقة الرشد فيما ~~كلف، فبين تعالى أنه لا يهدي إلى الثواب في الآخرة إلا من هذه ~~صفته، ومن يضلله عن طريق الجنة: { فأولئك هم ~~الخاسرون }. # وثانيها: قال بعضهم: إن في الآية حذفا، والتقدير: من يهده الله ~~فيقبل، ويهتدي بهداه؛ فهو المهتدي، ومن يضلل فلم يقبل فهو الخاسر. # وثالثها: أن المراد من يهده الله أي: وصفه بكونه مهتديا فهو ~~المهتدي؛ لأن ذلك كالمدح ومدح الله لا يجعل إلا لمن اتصف بذلك ~~الوصف الممدوح، ومن يضلل أي: وصفه الله بكونه ضالا: { ~~فأولئك هم الخاسرون }. # ورابعها: من يهده الله بالإلطاف وزيادة الهدى فهو المهتدي، ومن يضلل ~~عن تلك الألطاف بسوء اختياره، ولم يؤثر فيه فهو الخاسر. # والجواب من وجوه: الأول: أن الفعل يتوقف على حصول الداعي وحصول ~~الداعي ليس إلا من الله فالفعل ليس إلا من الله تعالى. # الثاني: أن خلاف معلوم الله تعالى ممتنع الوقوع، فمن علم الله منه ~~الإيمان لم يقدر على الكفر وبالضد. # الثالث: أن كل أحد يقصد حصول الإيمان والمعرفة فإذا حصل الكفر عقيبه ~~علمنا أنه ليس منه بل من غيره. # وأما التأويل الأول: فضعيف لأنه حمل قوله { من يهد الله ms4163 } على ~~الهداية في الآخرة إلى الجنة وقوله " فهو المهتدي " على الاهتداء ~~إلى الحق في الدنيا، وذلك يوجب ركاكة النظم، بل يجب أن تكون الهداية ~~والاهتداء راجعين إلى شيء واحد حتى يحسن النظم. # وأما الثاني: فإنه التزام لإضمار زائد، وهو خلاف اللفظ، ولو جاز فتح ~~باب أمثال هذه الإضمارات لانقلب النفي إثباتا والإثبات نفيا، ويخرج ~~كلام الله عن أن يكون حجة، فإن لكل أحد أن يضمر في الآية ما شاء، ~~وحينئذ يخرج الكلام عن الإفادة. # وأما الثالث: فضعيف؛ لأن قول القائل: فلان هدى فلانا لا يفيد في اللغة ~~ألبتة أنه وصفه بكونه مهتديا، وقياس هذا على قوله: فلان ضلل فلان ~~وكفره، قياس في اللغة، وهو في نهاية الفساد. # والرابع: باطل؛ لأن كل ما في مقدور الله تعالى من الألطاف، فقد فعله عند ~~المعتزلة في حق جميع الكفار؛ فحمل الآية على هذا التأويل بعيد. ### || [7.179-183] # قوله تعالى: { ولقد ذرأنا لجهنم } الآية. # اللام في [قوله] لجهنم يجوز فيها وجهان: # أحدهما: أنها لام الصيرورة والعاقبة، وإنما احتاج هذا القائل إلى ~~كونها لام العاقبة كقوله تعالى: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56] فهذه علة معتبرة محصورة، فكيف تكون هذه العلة أيضا؟ ~~وأورد من ذلك أيضا قول الشاعر: [الوافر] # 2628 - لدوا للموت وابنوا للخراب # ...................... # وقول الآخر: [الطويل] # 2629 - ألا كل مولود فللموت يولد # ولست أرى حيا لحي يخلد # وقول الآخر: [الطويل] # 2630 - فللموت تغذو الوالدات سخالها # كما لخراب الدور تبنى المساكن # الثاني: أنها للعلة، وذلك أنهم لما كان مآلهم إليها، جعل ذلك سببا ~~على طريق المجاز. وقد رد ابن عطية على من جعلها لام العاقبة، فقال: ~~وليس هذا بصحيح ولام العاقبة إنما تتصور إذا كان فعل الفاعل لم ~~يقصد مصير الأمر إليه، وأما هنا فالفعل قصد به ما يصير الأمر ~~إليه من سكناهم لجهنم واللام على هذا متعلقة ب ذرأنا، ويجوز أن ~~تتعلق بمحذوف على أنه حال من كثيرا؛ لأنه في الأصل صفة لها، لو ~~تأخر، ولا حاجة إلى ادعاء قلب، وأن الأصل: { ذرأنا ~~لجهنم ms4164 لكثير }؛ لأنه ضرورة أو قليل، و " من الجن " ~~صفة ل " كثيرا ". # فصل # ومعنى { ذرأنا } خلقنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس، أخبر الله ~~تعالى أنه خلق كثيرا من الجن والإنس للنار، وهم الذين حقت عليهم ~~الكلمة الأزلية بالشقاوة، ومن خلقه الله لجهنم، فلا حيلة له في ~~الخلاص منها. # قالت عائشة: # " أدرك النبي صلى الله عليه وسلم جنازة صبي من صبيان الأنصار، ~~فقالت عائشة له: طوبى له عصفور من عصافير الجنة. فقال ~~صلى الله عليه وسلم: وما يدريك؟ إن الله خلق الجنة وخلق ~~لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم وخلق النار وخلق ~~لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم ". # فصل # هذه الآية أيضا تدل على مسألة خلق الأعمال لأنه تعالى صرح ~~بأنه خلق كثيرا من الجن والإنس لجهنم ولا مزيد على بيان كلام ~~الله، وأيضا أنه لما أخبر عنهم أنهم من أهل النار، فلو لم ~~يكونوا من أهل النار انقلب علم الله جهلا، وخبره الصدق كذبا، ~~وكل ذلك محال ومن علم كون الشيء محالا امتنع أن يريده، فامتنع أن ~~الله تعالى يريد أن لا يدخلهم النار بل يجب أن يريد أن يدخلهم النار، ~~وذلك هو الذي دل عليه لفظ الآية، وأيضا إن القادر على الكفر إن ~~لم يقدر على الإيمان، فالذي خلق فيه القدرة على الكفر فقد أراد أن ~~يدخله النار، وإن كان قادرا على الكفر والإيمان معا؛ امتنع رجحان أحد ~~الطرفين على الآخر لا لمرجح وذلك المرجح إن حصل من قبله لزم التسلسل، ~~وإن حصل من قبل الله تعالى، فهو المراد. # فلما كان هو الخالق للداعية الموجبة للكفر فقد خلقه للنار ~~قطعا، وأيضا: لو خلقه الله تعالى للجنة وأعانه على اكتساب ما ~~يوجب دخول الجنة، ثم قدرنا أن العبد سعى في تحصيل الكفر الموجب ~~لدخول النار، فحينئذ حصل مراد العبد، ولم يحصل مراد الله ~~تعالى فلزم كون العبد أقدر وأقوى من الله، وذلك لا يقوله عاقل، ~~وأيضا: إن العاقل لا يريد الكفر والجهل الموجب لاستحقاق النار، ~~وإنما يريد الإيمان والمعرفة الموجبة لاستحقاق ms4165 الجنة فلما حصل ~~الكفر، والجهل على خلاف قصد العبد وضد جده واجتهاده؛ وجب أن لا يكون ~~حصوله من قبل العبد، بل يجب أن يكون حصوله من الله تعالى. # فإن قيل: العبد إنما سعى في تحصيل ذلك الاعتقاد الفاسد؛ لأنه ~~اشتبه عليه الأمر وظن أنه الحق الصحيح. # فنقول: فعلى هذا التقدير إنما وقع في هذا الجهل لأجل ذلك الجهل ~~المتقدم، فإن كان إقدامه على ذلك الجهل السابق لجهل آخر سابق، لزم ~~التسلسل، وهو محال، وإن انتهى إلى جهل حصل ابتداء لا لسابقة جهل آخر، فقد ~~توجه الإلزام. # قالت المعتزلة: لا يمكن أن يكون المراد من هذه الآية ما ذكرتم، لأن ~~كثيرا من الآيات دلت على أنه تعالى أراد من الكل الطاعة والعبادة. # قال تعالى: # ومآ أرسلنا من رسول ألا ليطاع بإذن الله # [النساء: 64] وقال: # ولقد صرفناه بينهم ليذكروا # [الفرقان: 50] وقال: # هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ~~ليخرجكم من الظلمات إلى النور # [الحديد: 9]. # وقال: # وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس ~~بالقسط # [الحديد: 25]. # وقال # يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم # [إبراهيم: 10]. # وقال: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56] وأمثال هذه الآيات كثيرة. ونحن نعلم بالضرورة أنه لا ~~يجوز وقوع التناقض في القرآن، فعلمنا أنه لا يمكن حمل قوله: { ~~ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس } ~~على ظاهره. # الثاني: أنه تعالى قال بعدها: { لهم قلوب لا يفقهون بها ~~ولهم أعين لا يبصرون بها } ذكر ذلك في معرض الذم لهم، ~~ولو كانوا مخلوقين للنار ما كانوا قادرين على الإيمان ألبتة وعلى ~~هذا: فيقبح ذمهم على ترك الإيمان. # الثالث: أنه تعالى لو خلقهم للنار لما كان له على أحد من ~~الكفار نعمة أصلا؛ لأن منافع الدنيا بالنسبة إلى العذاب الدائم، ~~كالقطرة في البحر، وكان كمن دفع إلى إنسان حلوى مسمومة فإنه لا يكون ~~منعما عليه، فكذا ههنا، ولما كان القرآن مملوءا من كثرة نعم الله ~~على كل الخلق علمنا أن الأمر ليس كما ذكرتم. # الرابع: أن المدح والذم، والثواب والعقاب، والترغيب ~~والترهيب، يبطل هذا المذهب ms4166 الذي ينصرونه. # الخامس: لو خلقهم للنار، لوجب أن يخلقهم ابتداء في النار؛ لأنه ~~لا فائدة في أن يستدرجهم إلى النار بخلق الكفر فيهم. # السادس: أن قوله: { ولقد ذرأنا لجهنم } متروك الظاهر، ~~لأن جهنم اسم للموضع المعين، ولا يجوز أن يكون الموضع المعين ~~مرادا منه، فثبت أنه لا بد وأن يقال: إن ما أراد الله لخلقه منهم محذوف. ~~وكأنه قال: ولقد ذرأنا لكي يكفروا، فيدخلوا جهنم، فصارت الآية ~~متروكة الظاهر، فيجب بناؤها على قوله: # وما خلقت الجن والإنس # [الذاريات: 56] لأن ظاهرها يصح بدون حذف. # السابع: أنه إذا كان المراد أنه ذرأهم لكي يكفروا، فيصيروا إلى ~~جهنم، عاد الأمر في تأويلهم إلى أن هذه اللام لام العاقبة، لكنهم ~~يجعلونها للعاقبة مع أنه لا استحقاق للنار ونحن قد تأولناها على ~~عاقبة حاصلة مع استحقاق النار. فكان قولنا أولى. # فثبت بهذه الوجوه أنه لا يمكن حمل هذه الآية على ظاهرها، فوجب المصير ~~إلى التأويل، وتقريره: أنه لما كانت عاقبة كثير من الجن والإنس هي دخول ~~النار. جاز ذكر هذه اللام بمعنى العاقبة. # ولهذا نظائر كثيرة في القرآن والشعر. # أما القرآن فقوله تعالى: # وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست # [الأنعام: 105] ومعلوم أنه تعالى ما صرفها ليقولوا ذلك؛ لكنهم لما ~~قالوا ذلك حسن ورود هذا اللفظ. # وقال تعالى: # ربنآ إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا ~~في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك # [يونس: 88]. # وقال: # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا # [القصص: 8]. ولم يلتقط لهذا الغرض، إلا أنه لما كانت عاقبة أمرهم ~~ذلك حسن هذا اللفظ. # وأما الشعر فقوله: [الطويل] # 2631 - وللموت تغذو الوالدات سخالها # كما لخراب الدور تبنى المساكن # وقال: [البسيط] # 2632 - أموالنا لذوي الميراث نجمعها # ودورنا لخراب الدهر نبنيها # وقال: [الوافر] # 2633 - له ملك ينادي كل يوم # لدوا للموت وابنوا للخراب # وقال: [المتقارب] # 2634 - فأم سماك فلا تجزعي # فللموت ما تلد الوالده # هذا منتهى كلام المعتزلة. # واعلم أن المصير إلى التأويل إنما يحسن إذا ثبت بالدليل ~~العقلي امتناع حمل هذا اللفظ على ظاهره، وقد بينا ms4167 بالدليل ~~العقلي أن الحق ما دل عليه ظاهر اللفظ، فصار التأويل ههنا عبثا، ~~وأم الآيات التي تمسكوا بها فمعارضة بالبحار الزاخرة من الآيات الدالة ~~على مذهب أهل السنة، ومن جملتها ما قبل هذه الآية: # من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك ~~هم الخاسرون # [الأعراف: 178] وما بعدها، وهو قوله: { والذين كذبوا ~~بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون } ولما ~~كان ما قبل هذه الآية وما بعدها ليس إلا ما يقوي قولنا كان تأويل ~~المعتزلة في هذه الآية ضعيفا جدا. # قوله: " لهم قلوب " جملة في محل نصب إما صفة ل " كثيرا " ~~أيضا، وإما حالا من: " كثيرا " وإن كان نكرة لتخصصه بالوصف، أو ~~من الضمير المستكن في من الجن؛ لأنه تحمل ضميرا، لوقوعه صفة، ~~ويجوز أن يكون لهم على حدته هو الوصف، أو الحال، وقلوب فاعل به ~~فيكون من باب الوصف بالمفرد، وهو أولى. # وقوله: " لا يفقهون بها " وكذلك الجملة المنفية في محل ~~النعت لما قبلها، وهذا الوصف يكاد يكون لازما، لوروده في غير ~~القرآن؛ لأنه لا فائدة بدونه؛ لو قلت: لزيد قلب وله عين، ~~وسكت لم يظهر لذلك كبير فائدة. # فصل # المعنى: لهم قلوب لا يعلمون بها الخير والهدى، ولهم أعين لا ~~يبصرون بها طريق الحق، ولهم آذان لا يسمعون بها مواعظ القرآن ~~فيتفكرون فيها ويعتبرون. ثم ضرب لهم مثلا في الجهل والاقتصار على ~~الأكل والشرب، فقال: { أولئك كالأنعام بل هم أضل } ~~أي: أن همتهم الأكل والشرب والتمتع بالشهوات { بل هم أضل ~~}؛ لأن الأنعام تميز بين المضار والمنافع فلا تقدم على المضار، ~~وهؤلاء يقدمون بالشهوات على النار معاندة مع العلم بالهلاك. # وقيل: لأن الأنعام مطيعة لله تعالى والكافر غير مطيع. # وقال مقاتل: هم أخطأ طريقا من الأنعام؛ لأن الأنعام تعرف ربها، ~~وهم لا يعرفون ربهم ولا يذكرونه. # وقيل: لأنها تفر إلى أربابها ومن يقوم بمصالحها، والكافر يهرب عن ~~ربه الذي أنعم عليه. # وقيل: لأنها تضل إذا لم يكن معها مرشد، فإن كان معها مرشد فقلما ~~تضل، وهؤلاء الكفار قد جاءهم الأنبياء وهم ms4168 يزدادون في الضلال: { ~~أولئك هم الغافلون }. # فصل # دلت الآية على أنه تعالى كلفهم مع أن قلوبهم، وأبصارهم، ~~وأسماعهم ما كانت صالحة لذلك، وهو يجري مجرى المنع عن الشيء والصد عنه ~~مع الأمر به. # قالت المعتزلة: لو كانوا كذلك لقبح من الله تكليفهم؛ لأن تكليف من لا ~~قدرة له على الفعل قبيح لا يليق بالحكيم؛ فوجب حمل الآية على أن ~~المراد منه كثرة الإعراض عن الدلائل وعدم الالتفات إليها، فأشبهوا ~~من لا قلب له فاهم ولا عين باصرة ولا أذن سامعة. # وأجيبوا بأن الإنسان إذا تأكدت نفرته عن شيء صارت تلك النفرة ~~المتأكدة الراسخة مانعة له عن فهم الكلام الدال على صحة الشيء، ~~ومانعة عن إبصار محاسنه وفضائله وهذه حالة وجدانية ضرورية يجدها كل ~~أحد من نفسه. ولهذا قالوا في المثل: حبك للشيء يعمي ويصم. # وإذا ثبت هذا فنقول: إن أقواما من الكفار بلغوا في عداوة الرسول - ~~عليه الصلاة والسلام - وفي بغضه وشدة النفرة عن قبول دينه ~~والاعتراف برسالته هذا المبلغ وأقوى منه والعلم الضروري حاصل بأن ~~حصول الحب والبغض في القلب ليس باختيار أحد. # وإذا ثبت أنه متى حصلت هذه النفرة والعداوة في القلب، فإن ~~الإنسان لا يمكنه مع تلك النفرة الراسخة والعداوة الشديدة تحصيل الفهم ~~والعلم، فإذا كان كذلك كان القول بالجبر لا محيص عنه. # فصل # وقد أورد الغزالي في الإحياء سؤالا، فقال: فإن قيل: إني أجد من نفسي ~~أني إن شئت الفعل فعلت، وإن شئت الترك تركت، فيكون فعلي حاصلا بي لا ~~بغيري. # قوله: { وذروا الذين يلحدون في أسمآئه } قرأ حمزة ~~هنا، وفي النحل، وحم السجدة يلحدون بفتح الياء والحاء من " ~~لحد " ثلاثيا، والباقون بضم الياء وكسر الحاء، من " ألحد ". # فقيل هما بمعنى واحد وهو: الميل والانحراف، ومنه: لحد القبر؛ ~~لأنه يمال بحفرة إلى جانبه، بخلاف الضريح؛ فإنه يحفر في ~~وسطه. # ومن كلامهم، ما فعل الواحد؟ قالوا: لحده اللاحد، وإلى كونهما ~~بمعنى واحد ذهب ابن السكيت وقال: هما العدول عن الحق، وألحد: أكثر ~~استعمالا من " لحد "؛ قال: [الرجز] ms4169 # 2636 - ليس الإمام بالشحيح الملحد # وقال غيره: " لحد: بمعنى: ركن وانضوى، وألحد، مال وانحرف ~~" قاله الكسائي ونقل عنه أيضا: ألحد: أعرض، ولحد: مال. # قالوا: ولهذا وافق حمزة في النحل إذ معناه: يميلون إليه. # وروى أبو عبيدة عن الأصمعي: " ألحد: مارى وجادل، ولحد: حاد ومال ~~". # فصل # ورجحت قراءة العامة بالإجماع على قوله: # بإلحاد # [الحج: 25]. # وقال الواحدي: ولا يكاد يسمع من العرب لاحد، يعني: فامتناعهم من ~~مجيء اسم فاعل الثلاثي يدل على قلته وقد تقدم من كلامهم " لحده ~~اللاحد ". ومعنى الإلحاد فيها أن اشتقوا منها أسماء لآلهتهم ~~فيقولون " اللات " من لفظ الله، و " العزى " من لفظ العزيز، و " مناة ~~" من لفظ المنان، ويجوز أن يراد سموه بما لا يليق بجلاله، مثل تسميته ~~أبا للمسيح، وكقول النصارى: أب، وابن، وروح القدس. # ثم قال: { سيجزون ما كانوا يعملون } وهذا تهديد ووعيد ~~لمن ألحد في أسماء الله. # قوله تعالى: { وممن خلقنآ أمة يهدون بالحق } ~~الآية. # " من " يجوز أن تكون موصولة أو نكرة موصوفة، و " يهدون " صفة ل " ~~أمة ". # وقال بعضهم: في الكلام حذف تقديره: وممن خلقنا للجنة، يدل على ~~ذلك ما ثبت لمقابلهم وهو قوله: { ولقد ذرأنا لجهنم }. # فصل # المراد بالأمة العلماء. # قال عطاء عن ابن عباس: يريد أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهم ~~المهاجرون والأنصار والتابعون لهم بإحسان. # وقال قتادة: # " بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية قال: " هذه ~~لكم وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلها " # ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون # [الأعراف: 159]. # وقال معاوية: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " لا تزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من ~~خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك ". # قوله تعالى: { والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم } ~~الآية. # والذين فيه وجهان: أظهرهما: أنه مبتدأ، وخبره الجملة الاستقبالية ~~بعده. # والثاني: أنه منصوب على الاشتغال بفعل مقدر تقديره: سنستدرج الذين ~~كذبوا، والاستدراج التقريب منزلة منزلة، والأخذ قليلا قليلا من ~~الدرج؛ لأن الصاعد يرقى درجة ms4170 درجة وكذلك النازل. # وقيل: هو مأخوذ من الدرج وهو الطي، ومنه درج الثوب، طواه، ~~ودرج الميت مثله، والمعنى: تطوى آجالهم. # وقرأ النخعي وابن وثاب: سيستدرجهم بالياء، فيحتمل أن يكون ~~الفاعل الباري تعالى وهو التفات من المتكلم إلى الغيبة، وأن يكون ~~الفاعل ضمير التكذيب المفهوم من قوله: " كذبوا "؛ وقال الأعشى في ~~الاستدراج: [الطويل] # 2637 - فلو كنت في جب ثمانين قامة # ورقيت أسباب السماء بسلم # ليستدرجنك القول حتى تهره # وتعلم أني عنكم غير مفحم # فصل # ويقال: درج الصبي: إذا قارب بين خطاه، ودرج القوم: مات بعضهم إثر ~~بعض. # فصل # لما ذكر حال الأمة الهادية العادلة، أعاد ذكر المكذبين بآيات الله ~~تعالى فقال: { والذين كذبوا بآياتنا } وهذا يعم كل مكذب، ~~وعن ابن عباس: المراد أهل مكة، وهو بعيد. # وقال عطاء: سنمكر بهم، وقيل: نأتيهم من مأمنهم كقوله: # فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا # [الحشر: 2]. # وقال الكلبي: نزين لهم أعمالهم لتهلكهم. وقال الضحاك كلما ~~جددوا معصية جددنا نعمة. # وقال سفيان الثوري: نسبغ عليهم النعم ثم نسلبهم الشكر ~~من حيث لا يعلمون ما يراد بهم، ثم يأخذهم الله دفعة واحدة ~~على غرتهم أغفل ما يكون ولهذا قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ~~- لما حمل إليه كنوز كسرى اللهم إني أعوذ بك أن أكون ~~مستدرجا، فإني سمعتك تقول: { سنستدرجهم من حيث لا ~~يعلمون }. # قوله: { وأملي لهم } جوز أبو البقاء فيه أن يكون خبر مبتدأ ~~مضمر، أي: وأنا أملي وأن يكونا مستأنفا، وأن يكون معطوفا على ~~سنستدرج، وفيه نظر: إذ كان من الفصاحة لو كان كذا لكان ونملي ~~بنون العظمة. ويجوز أن يكون هذا قريبا من الالتفات والإملاء: الإمهال ~~والتطويل، والمتين: القوي، ومنه المتن وهو الوسط؛ لأنه أقوى ما ~~في الحيوان، وقد متن يمتن متانة أي: قوي. # وقرأ العامة إن كيدي بالكسر على الاسئناف المشعر بالعلية. # وقرأ ابن عامر في رواية عبد الحميد أن كيدي بفتح الهمزة على ~~العلة. # والملي: زمان طويل من الدهر، ومنه قوله: # واهجرني مليا # [مريم: 46] أي: طويلا والمعنى: أطيل لهم مدة أعمارهم ms4171 ليتمادوا في ~~المعاصي، ولا أعاجلهم في العقوبة، ليقلعوا عن المعصية بالتوبة. # وقوله: { إن كيدي متين } قال ابن عباس: يريد: إن مكري ~~شديد. ### || [7.184-186] # قوله: { أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة }. # يجوز في " ما " أوجه: # أحدها: أن تكون استفهامية في محل رفع بالابتداء، والخبر " بصاحبهم " ~~أي: أي شيء استقر بصاحبهم من الجنون؟ ف: الجنة: مصدر يراد ~~بها الهيئة، ك: الركبة، والجلسة. # وقيل: المراد بالجنة: الجن، كقوله # من الجنة والناس # [الناس: 6] ولا بد حينئذ من حذف مضاف. أي: مس جنة، أو تخبيط ~~جنة. # والثاني: أن " ما " نافية، أي: ليس بصاحبهم جنون، ولا مس جن. وفي ~~هاتين الجملتين أعني الاستفهامية أو المنفية، فيهما وجهان: # أظهرهما: أنهما في محل نصب بعد إسقاط الخافض؛ لأنهما علقا " ~~التفكر "؛ لأنه من أفعال القلوب. # والثاني: أن الكلام تم عند قوله: { أو لم يتفكروا } ، ~~ثم ابتدأ كلاما آخر، إما استفهام إنكار، وإما نفيا. # وقال الحوفي إن " ما بصاحبهم " معلقة لفعل محذوف، دل عليه ~~الكلام، والتقدير: أو لم يتفكروا فيعلموا ما بصاحبهم. # قال: و " تفكر " لا يعلق؛ لأنه لم يدخل على جملة. وهذا ضعيف؛ ~~لأنهم نصوا على أن فعل القلب المتعدي بحرف جر أو إلى واحد ~~إذا علق هل يبقى على حاله أو يضمن ما يتعدى لاثنين؟ # الثالث: أن تكون " ما " موصولة بمعنى " الذي " ، تقديره: أو لم ~~يتفكروا في الذي بصاحبهم وعلى هذا يكون الكلام خرج على زعمهم، وعلى ~~قولنا: إنها نافية يكون " من جنة " مبتدأ، ومن مزيدة فيه، ~~وبصاحبهم خبره، أي: ما جنة بصاحبهم. # فصل # دخول " من " في قوله من جنة يوجب أن لا يكون به نوع من أنواع ~~الجنون. # قال الحسن وقتادة: إن النبي صلى الله عليه وسلم قام ليلة على ~~الصفا يدعو قريشا فخذا فخذا، يا بني فلان، يا بني فلان، يحذرهم ~~بأس الله وعقابه. # فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا المجنون، بات يصوت إلى الصباح، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وقيل: إنه عليه الصلاة والسلام كان يغشاه حالة عجيبة عند ~~نزول الوحي فيتغير وجهه ويصفر لونه، وتعرض ms4172 له حالة شبيهة بالغشي، ~~والجهال كانوا يقولون: إنه جنون، فبين الله تعالى في هذه ~~الآية أنه ليس بمجنون إنما هو نذير مبين من رب العالمين. # قوله: { أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض } ~~الآية. # لما كان النظر في أمر النبوة مفرعا على تقرير دلائل ~~التوحيد، لا جرم ذكر عقيبه ما يدل على التوحيد، فقال: { أولم ~~ينظروا في ملكوت السماوات والأرض } واعلم أن دلائل ~~ملكوت السموات والأرض على وجود الصانع الحكيم كثيرة وقد تقدمت. # ثم قال: { وما خلق الله من شيء } أي: أن الدلائل على ~~التوحيد غير مقصورة على السموات والأرض، بل كل ذرة من ذرات ~~العالم، فهي برهان قاهر على التوحيد، وتقريره أن الشمس إذا وقعت على ~~كوة البيت ظهرت ذرات، فيفرض الكلام في ذرة واحدة من تلك الذرات. # فنقول: إنها تدل على الصانع الحكيم من جهات غير متناهية؛ لأنها ~~مختصة بحيز معين من جملة الأحياز التي لا نهاية لها في الخلاء الذي لا ~~نهاية له، فكل حيز من تلك الأحياز الغير متناهية فرضنا وقوع تلك ~~الذرة فيه كان اختصاصها بذلك الحيز من الممكنات والجائزات، والممكن ~~لا بد له من مخصص ومرجح، وذلك المخصص إن كان جسما عاد السؤال ~~فيه، وإن لم يكن جسما كان هو الله تعالى. # وأيضا فتلك الذرة لا تخلو من الحركة والسكون، وكل ما كان ~~كذلك فهو محدث، وكل محدث فإن حدوثه لا بد وأن يكون مختصا بوقت ~~معين مع جواز حصوله قبل ذلك وبعده واختصاصه بذلك الوقت المعين الذي ~~حدث فيه، لا بد وأن يكون بتخصيص مخصص قديم ثم إن كان ذلك المخصص ~~جسما عاد السؤال فيه، وإن لم يكن جسما فهو الله تعالى وأيضا فتلك ~~الذرة مساوية لسائر الأجسام في التحيز والحجمية، ومخالفة لها في ~~اللون والشكل والطبع والطعم وسائر الصفات، فاختصاصها بكل تلك ~~الصفات التي باعتبارها خالفت سائر الأجسام، لا بد وأن يكون من الجائزات، ~~والجائز لا بد له من مرجح، وذلك المرجح إن كان جسما عاد البحث ~~الأول فيه، وإن لم يكن جسما ms4173 فهو الله تعالى، فثبت أن تلك الذرة دالة ~~على وجود الصانع من جهات تتناهى، واعتبارات غير متناهية، وكذا القول ~~في جميع أجزاء العالم الجسماني والروحاني بمفرداته ومركباته، وعند هذا ~~ظهر صدق القائل: [المتقارب]. # 2638 - وفي كل شيء له آية # تدل على أنه واحد # ولما نبه تعالى على هذه الأسرار العجيبة بقوله: { وما خلق ~~الله من شيء } أردفه بما يوجب الترغيب الشديد في الإتيان بهذا ~~النظر والتفكر فقال: " وأن عسى " ، و " أن " فيها وجهان: # أصحهما: أنها المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الأمر والشأن، ~~والمعنى: لعل آجالهم قربت فهلكوا على الكفر ويصيروا إلى النار، وإذا ~~كان هذا الاحتمال قائما؛ وجب على العاقل المسارعة إلى هذا الفكر، ~~ليسعى في تخليص نصفه من هذا الخوف الشديد، و " عسى " وما حيزها في ~~محل الرفع خبرا لها، ولم يفصل بين " أن " والخبر وإن كان فعلا؛ ~~لأن الفعل الجامد الذي لا يتصرف يشبه الأسماء، ومثله # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى # [النجم: 39] { والخامسة أن غضب الله عليهآ } [النور: ~~9] في قراءة نافع لأنه دعاء. # فصل # وقد وقع خبر " أن " جملة طلبية في هاتين الآيتين الأخيرتين، فإن ~~عسى للإنشاء و " غضب الله " دعاء. # والثاني: أنها المصدرية؛ قاله أبو البقاء، يعني التي تنصب المضارع، ~~الثنائية الوضع، وهذا ليس بجيد؛ لأن النحاة نصوا على أن ~~المصدرية لا توصل إلا بالفعل المتصرف مطلقا، أي: ماض، ومضارع وأمر، ~~و " عسى " لا يتصرف فكيف يقع صلة لها؟ وأن على كلا الوجهين في محل جر ~~نسقا على " ملكوت " ، أي: أو لم ينظروا في أن الأمر والشأن عسى أن ~~يكون، و " أن يكون " فاعل " عسى " وهي حينئذ تامة؛ لأنها متى ~~رفعت " أن " وما في حيزها كانت تامة، ومثلها في ذلك: أوشك، واخلولق. ~~وفي اسم: " يكون " قولان: # أحدهما: هو ضمير الشأن، ويكون: { قد اقترب أجلهم } ~~خبرا لها. # والثاني: أنه: " أجلهم " ، و " قد اقترب " جملة من فعل وفاعل ~~هو ضمير " أجلهم " ولكن قدم الخبر وهو جملة فعلية على اسمها. # وقد تقدم أن ابن مالك يجيزه وابن عصفور يمنعه ms4174 عند قوله: # ما كان يصنع فرعون # [الأعراف: 137]. # قوله: " فبأي " متعلق ب " يؤمنون " وهي جملة استفهامية ~~سيقت للتعجب، أي: إذا لم يؤمنوا بهذا الحديث فكيف يؤمنون ~~بغيره؟ والهاء في: " بعده " تحتمل العود على القرآن وأن تعود ~~على الرسول، ويكون الكلام على حذف مضاف، أي: بعد خبره وقصته، وأن ~~تعود على: " أجلهم " ، أي: إنهم إذا ماتوا وانقضى أجلهم؛ فكيف ~~يؤمنون بعد انقضاء أجلهم؟ # قال الزمخشري: فإن قلت: بم تعلق قوله: { فبأي حديث ~~بعده يؤمنون }؟ قلت: بقوله: { عسى أن يكون قد ~~اقترب أجلهم }؛ كأنه قيل: لعل أجلهم قد اقترب فما لهم لا ~~يبادرون إلى الإيمان بالقرآن قبل الموت، وماذا ينتظرون بعد وضوح الحق؟ ~~وبأي حديث أحق منه يرون أن يؤمنوا؟ يعني التعلق المعنوي ~~المرتبط بما قبله لا الصناعي وهو واضح. # قوله تعالى: { من يضلل الله فلا هادي له } الآية. # لما ذكر إعراضهم عن الإيمان، بين ههنا علة إعراضهم. # فقال: { من يضلل الله فلا هادي له } وهذه الآية تدل ~~على أن الهدى والضلال من الله تعالى كما سبق في الآية المتقدمة ~~وتأويلات المعتزلة والأجوبة عنها. # قوله: " ويذرهم " قرأ الأخوان بالياء وجزم الفعل، وعاصم وأبو عمرو ~~بالياء أيضا، ورفع الفعل، ونافع وابن كثير وابن عامر بالنون ورفع ~~الفعل أيضا، وقد روي الجزم أيضا عن نافع، وأبي عمرو في الشواذ. # فالرفع من وجه واحد، وهو الاستئناف، أي: وهو يذرهم، ونحن نذرهم، على ~~حسب القراءتين، وأما السكون فيحتمل وجهين: # أحدهما: أنه جزم نسقا على محل قوله: { فلا هادي له }؛ لأن ~~الجملة المنفية جواب للشرط فهي في محل جزم فعطف على محلها وهو ~~كقوله تعالى: # وإن تخفوها وتؤتوها الفقرآء فهو خير لكم ~~ويكفر # [البقرة: 271] بجزم " يكفر "؛ وكقول الشاعر: [الكامل] # 2639 - أنى سلكت فإنني لك كاشح # وعلى انتقاصك في الحياة وأزدد # وأنشد الواحدي أيضا قول الآخر: [الوافر] # 2640 - فأبلوني بليتكم لعلي # أصالحكم وأستدرج نويا # قال: حمل " أستدرج " على موضع الفاء المحذوفة، من قوله: لعلي ~~أصالحكم. # والثاني: أنه سكون تخفيف، كقراءة أبي عمرو { ينصركم } [آل عمران: ~~160] و { يشعركم } [الأنعام: 109] ونحوه، ms4175 وأما الغيبة فجريا على ~~اسم الله تعالى، والتكلم على الالتفات من الغيبة إلى التكلم تعظيما ~~ويعمهون مترددون متحيرون. ### || [7.187-188] # قوله تعالى: { يسألونك عن الساعة } الآية. # في كيفية النظم وجهان: # الأول: لما تكلم في التوحيد، والنبوة، والقضاء، والقدر أتبعه ~~بالكلام في المعاد لما تقدم من أن المطالب الكلية في القرآن ليست إلا ~~هذه الأربعة. # الثاني: لما قال في الآية المتقدمة: # وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم # [الأعراف: 185] باعثا بذلك عن المبادرة إلى التوبة قال بعده: { ~~يسألونك عن الساعة } ليتحقق في القلوب أن وقت الساعة ~~مكتوم عن الخلق ليصير المكلف مسارعا إلى التوبة وأداء الواجبات. # فصل # قال ابن عباس: إن قوما من اليهود قالوا: يا محمد أخبرنا متى تقوم ~~الساعة فنزلت هذه الآية. # وقال الحسن وقتادة: إن قريشا قالوا يا محمد: بيننا وبينك قرابة فاذكر ~~لنا متى الساعة؟ # قال الزمخشري: الساعة من الأسماء الغالبة كالنجم للثريا، ~~وسميت القيامة بالساعة لوقوعها بغتة؛ ولأن حساب الخلق يقضى ~~فيها في ساعة واحدة، فلهذا سميت بالساعة أو لأنها على طولها كساعة ~~واحدة على الخلق. # قوله: { أيان مرساها } فيه وجهان: أحدهما: أن أيان خبر ~~مقدم، ومرساها مبتدأ مؤخر، والثاني: أن أيان منصوب على الظرف ~~بفعل مضمر، ذلك الفعل رافع ل " مرساها " بالفاعلية، وهو مذهب أبي ~~العباس، وهذه الجملة في محل نصب بدل من الساعة بدل اشتمال، وحينئذ ~~كان ينبغي أن لا تكون في محل جر؛ لأنها بدل [من] مجرور وقد صرح بذلك ~~أبو البقاء فقال: والجملة في موضع جر بدلا من الساعة تقديره: ~~يسألونك عن زمان حلول الساعة. إلا أنه منع من كونها مجرورة المحل ~~أن البدل في نية تكرار العامل،والعامل هو يسألونك والسؤال ~~تعلق بالاستفهام وهو متعد ب " عن " فتكون الجملة الاستفهامية في ~~محل نصب بعد إسقاط الخافض، كأنه قيل: يسألونك أيان مرسى ~~الساعة، فهو في الحقيقة بدل من موضع عن الساعة لأن موضع المجرور ~~نصب، ونظيره في البدل على أحسن الوجوه فيه: عرفت زيدا أبو من ~~هو. # و " أيان " ظرف زمان مبني لتضمنه معنى ms4176 الاستفهام، ولا يتصرف، ~~ويليه المبتدأ والفعل المضارع دون الماضي، بخلاف " متى " فإنها يليها ~~النوعان، وأكثر ما يكون [أيان] استفهاما، كقول الشاعر: [الرجز] # 2641 - إيان تقضي حاجتي أيانا # أما ترى لفعلها أبانا # وقد تأتي شرطية جازمة لفعلين. # قال الشاعر: [البسيط] # 2642 - أيان نؤمنك تأمن غيرنا وإذا # لم تدرك الأمن منا لم تزل حذرا # وقال آخر: [الطويل] # 2643 - إذا النعجة الأذناء كانت بقفرة # فأيان ما تعدل بها الريح تنزل # والفصيح فتح همزتها، وهي قراءة العامة. # وقرأ السلمي بكسرها، وهي لغة سليم. # فصل # واختلف النحويون في أيان هل هي بسيطة أم مركبة؟ فذهب بعضهم إلى أن ~~أصلها أي أوان فحذفت الهمزة على غير قياس، ولم يعوض منها شيء، ~~وقلبت الواو ياء على غير قياس؛ فاجتمع ثلاث ياءات فاستثقل ذلك ~~فحذفت إحداهن وبنيت الكلمة على الفتح فصارت أيان. # واختلفوا فيها أيضا هل هي مشتقة أم لا؟ فذهب أبو الفتح إلى أنها ~~مشتقة من " أويت إليه "؛ لأن البضع آو إلى الكل، والمعنى: أي وقت، ~~وأي فعل؟ ووزنه فعلان أو فعلان بحسب اللغتين ومنع أن يكون ومنه ~~فعالا مشتقة من: " أين "؛ لأن " أين " ظرف مكان، وأيان ظرف ~~زمان. ومرساها يجوز أن يكون اسم مصدر، وأن يكون اسم زمان. # وقال الزمخشري: مرساها إرساؤها، أو وقت إرسائها: أي: إثباتها ~~وإقرارها. # قال أبو حيان: وتقديره: وقت إرسائها ليس بجيد؛ لأن أيان استفهام ~~عن الزمان فلا يصح أن يكون خبرا عن الوقت إلا بمجاز، لأنه يكون ~~التقدير: في أي وقت وقت إرسائها وهو حسن. # ويقال: رسا يرسو: أي ثبت، ولا يقال إلا في الشيء الثقيل، نحو: ~~رست السفينة ترسو وأرسيتها، قال تعالى: # والجبال أرساها # [النازعات: 32] ولما كان أثقل الأشياء على الخلق هو الساعة؛ لقوله { ~~ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة ~~} لا جرم سمى الله وقوعها وثبوتها بالإرساء. # قوله: { قل إنما علمها عند ربي } علمها مصدر مضاف ~~للمفعول، والظرف خبره أي: أن الله استأثر بعلمها لا يعلمها غيره. # وقوله لا يجليها أي لا يكشفها ولا يظهرها. والتجلي هو الظهور. ms4177 # وقال مجاهد: لا يأتي بها لوقتها إلا هو نظيره قوله تعالى: # إن الله عنده علم الساعة # [لقمان: 34] وقوله # إن الساعة آتية أكاد أخفيها # [طه: 15] # " ولما سأل جبريل - عليه السلام - رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ~~متى الساعة. # فقال: " ما المسئول عنها بأعلم من السائل " ". # قال المحققون: والسبب في إخفاء الساعة عن العباد ليكونوا على ~~حذر، فيكون ذلك أوعى للطاعة وأزجر عن المعصية؛ فإنه متى علمها ~~المكلف تقاعس عن التوبة، وأخرها، وكذلك إخفاء ليلة القدر؛ ليجتهد ~~المكلف كل ليالي الشهر في العبادة، وكذلك إخفاء ساعة الإجابة في ~~يوم الجمعة؛ ليكون المكلف مجدا في الدعاء في كل اليوم. # قوله: " في السموات " يجوز فيها وجهان، أحدهما: أن تكون " في " ~~بمعنى " على " أي: على أهل السموات أو هي ثقيلة على نفس السموات والأرض، ~~لانشقاق هذه وزلزال ذي، وهو قول الحسن. # والثاني: أنها على بابها من الظرفية، والمعنى: حصل ثقلها، وهو ~~شدتها، أو المبالغة في إخفائها في هذين الظرفين. # قال الأصم: إن هذا اليوم ثقيل جدا على السموات والأرض؛ لأن فيه ~~فناءهم وذلك ثقيل على القلوب. # وقيل: ثقيل بسبب أنهم يصيرون بعده إلى البعث، والحساب، والسؤال، ~~والخوف. # وقال السدي: ثقل علمها، فلم يعلم أحد من الملائكة المقربين، ~~والأنبياء المرسلين متى يكون حدوثها ووقوعها. # قوله: { لا تأتيكم إلا بغتة } أي فجأة على غفلة، وهذا ~~تأكيد وتقرير لما تقدم من إخفائها. # روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما، فلا ~~يتبايعانه، ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف ~~الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة هو ~~يليط في حوضه فلا يسقى فيه، ولتقومن الساعة والرجل ~~قد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها ". # قوله تعالى: { يسألونك كأنك حفي عنها } هذه الجملة ~~التشبيهية في محل نصب على الحال من مفعول: " يسألونك " وفي ~~عنها وجهان: # أحدهما: أنها متعلقة ب يسألونك و: " كأنك حفي " معترض، ~~وصلتها محذوفة تقديره: خفي بها. # وقال أبو البقاء: في الكلام تقديم وتأخير، ولا حاجة إلى ذلك، ms4178 ~~لأن هذه كلها متعلقات للفعل، فإن قوله { كأنك حفي } حال ~~كما تقدم. # والثاني: أن " عن " بمعنى الباء كما تكون الباء بمعنى عن كقوله: # فسئل به خبيرا # [الفرقان: 59] # ويوم تشقق السمآء بالغمام # [الفرقان: 25]؛ لأن حفي لا يتعدى ب " عن " بل بالباء كقوله: # كان بي حفيا # [مريم: 47] أو يضمن معنى شيء يتعدى ب " عن " أي كأنك كاشف ~~بحفاوتك عنها. # والحفي: المستقصي عن الشيء، المهتبل به، المعني بأمره؛ قال: ~~[الطويل] # 2644- سؤال حفي عن أخيه كأنه # بذكرته وسنان أو متواسن # وقال آخر: [الطويل] # 2645 - فلما التقينا بين السيف بيننا # لسائلة عنا حفي سؤالها # وقال الأعشى: [الطويل] # 2646 - فإن تسألي عني فيا رب سائل # حفي عن الأعشى به حيث أصعدا # والإحفاء: الاستقصاء؛ ومنه إحفاء الشوارب، والحافي؛ لأنه ~~حفيت قدمه في استقصاء السير. # قال الزمخشري: وهذا التركيب يفيد المبالغة. # قال أبو عبيدة: وهو من قولهم: تحفى بالمسألة أي: استقصى، والمعنى: ~~فإنك أكثرت السؤال عنها وبالغت في طلب علمها، وقيل الحفاوة: البر ~~واللطف. # قال ابن الأعرابي: يقال حفي بي حفاوة وتحفى بي تحفيا. ~~والتحفي: الكلام واللقاء الحسن، قال تعالى: # إنه كان بي حفيا # [مريم: 47] أي بارا لطيفا يجيب دعائي. ومعنى الآية على هذا: ~~[يسألونك] كأنك بار بهم لطيف العشرة معهم، قاله الحسن وقتادة ~~والسدي ويؤيده ما روي في تفسيره: إن قريشا قالوا لمحمد - ~~عليه الصلاة والسلام -: إن بيننا وبينك قرابة فاذكر لنا متى ~~الساعة؟ فقال تعالى: { يسألونك كأنك حفي عنها } ~~[الأعراف: 187] أي: كأنك صديق لهم بار، بمعنى أنك لا تكون حفيا بهم ما ~~داموا على كفرهم. # وقرأ عبد الله حفي بها وهي تدل لمن ادعى أن " عن " ~~بمعنى الباء، وحفي فعيل بمعنى: مفعول أي: محفو. # وقيل: بمعنى فاعل، أي كأنك مبالغ في السؤال عنها ومتطلع إلى علم ~~مجيئها. # قوله: { قل إنما علمها عند الله }. # اعلم أن قوله { يسألونك عن الساعة أيان مرساها } ~~سؤال عن وقت قيام الساعة. # وقوله ثانيا: { يسألونك كأنك حفي عنها } سؤال عن ~~كيفية ثقل الساعة وشدتها فلم يلزم التكرار، وأجاب عن الأول ~~بقوله: { إنما ms4179 علمها عند ربي } وأجاب عن الثاني بقوله: { ~~إنما علمها عند الله } والفرق بين الصورتين: أن السؤال ~~الأول كان واقعا عن وقت الساعة. والسؤال الثاني كان واقعا عن مقدار ~~شدتها ومهابتها. # وأعظم أسماء الله مهابة وعظمة هو قولنا: الله. # فأجاب عند السؤال عند مقدار شدة القيامة بالاسم الدال على ~~غاية المهابة، وهو قولنا: الله، ثم ختم الآية بقوله: { ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون } أي: لا يعلمون أن القيامة حق؛ ~~لأن أكثر الخلق ينكرون المعاد. # وقيل: لا يعلمون بأني أخبرتك بأن وقت قيام الساعة لا يعلمها ~~إلا الله. # وقيل: لا يعلمون السبب الذي لأجله أخفيت معرفة وقتها المعين عن ~~الخلق. # قوله تعالى: { قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ~~ما شآء الله } الآية. # وجه تعلق هذه الآية بما قبلها: أنهم لما سألوه عن علم الساعة ~~فقال: { قل إنما علمها عند ربي } أي أنا لا أدري علم ~~الغيب، ولا أملك لنفسي نفعا، ولا ضرا إن أنا إلا نذير، ونظيره ~~قوله في سورة يونس: # ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل لا ~~أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شآء الله # [يونس: 48،49]. # قال ابن عباس: إن أهل مكة قالوا: يا محمد ألا يخبرك ربك ~~بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فنشتري به، ونربح فيه عند الغلاء، وبالأرض ~~التي تريد أن تجدب، فنرحل عنها إلى ما قد أخصبت؛ فأنزل الله هذه ~~الآية. # وقيل: لما رجع عليه الصلاة والسلام من غزوة بني المصطلق جاءت ريح ~~في الطريق ففرت الدواب فأخبر عليه الصلاة والسلام بموت رفاعة ~~بالمدينة، وكان فيه غيظ للمنافقين، وقال انظروا أين ناقتي؟ فقال عبد ~~الله بن أبي: ألا تعجبون من هذا الرجل يخبر عن موت رجل بالمدينة، ولا ~~يعرف أين ناقته! فقال - عليه الصلاة والسلام - إن ناسا من المنافقين ~~قالوا كيت وكيت، وناقتي في هذا الشعب قد تعلق زمامها بشجرة، فوجدوها ~~على ما قال؛ فأنزل الله عز وجل { قل لا أملك لنفسي نفعا ~~ولا ضرا }. # قوله: " لنفسي " فيه وجهان: # أحدهما: أنها متعلقة ms4180 ب " أملك ". # والثاني: أنها متعلقة بمحذوف على أنها حال من نفعا؛ لأنه في ~~الأصل صفة له لو تأخر، ويجوز أن يكون لنفسي معمولا ب " نفعا ~~" واللام زائدة في المفعول به تقوية للعامل؛ لأنه فرع إذ ~~التقدير: لا أملك أن أنفع نفسي ولا أن أضرها، وهو وجه حسن. # قوله { إلا ما شآء الله } في هذا الاستثناء وجهان: # أظهرهما: أنه متصل، أي إلا ما شاء الله تمكيني منه فإني أملكه. # والثاني: أنه منفصل - وبه قال ابن عطية -، وسبقة إليه مكي، ولا ~~حاجة تدعو إلى ذلك. # فصل # دلت هذه الآية على مسألة خلق الأعمال؛ لأن الإيمان نفع والكفر ~~ضر؛ فوجب أن لا يحصلان إلا بمشيئة الله تعالى؛ لأن القدرة على ~~الكفر إن لم تكن صالحة للإيمان فخالق تلك الداعية الجازمة يكون ~~مريدا للكفر، فعلى جميع التقديرات: لا يملك العبد لنفسه نفعا، ولا ~~ضرا إلا ما شاء الله. # أجاب القاضي عنه بوجوه: # أحدها: أن ظاهر الآية، وإن كان عاما بحب اللفظ إلا أنا ذكرنا ~~أن سبب النزول قول الكفار: " يا محمد ألا يخبرك ربك بوقت ~~السعر الرخيص قبل أن يغلو " فيحمل اللفظ العام على سبب نزوله، فيكون ~~المراد بالنفع: تملك الأموال وغيرها، والمراد بالضر وقت القحط وغيره. # وثانيها: أن المراد بالنفع والضر ما يتصل بعلم الغيب لقوله: ~~{ ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير } ~~[الأعراف: 188]. # وثالثها: أن التقدير: لا أملك لنفسي من النفع والضر إلا قدر ما شاء ~~الله أن يقدرني عليه ويمكنني فيه، وهذه الوجوه كلها عدول عن ~~الظاهر، فلا يصار إليها مع قيام البرهان القاطع العقلي على أن الحق ~~ليس إلا ما دل عليه ظاهر الآية. # فصل # احتج الرسول - عليه الصلاة والسلام - على عدم علمه بالغيب بقوله: ~~{ ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير } ~~واختلفوا في المراد بهذا الخير وقوله { وما مسني السوء } قال ~~ابن جريج: # قل لا أملك لنفسي نفعا، ولا ضرا من الهدى والضلالة، ولو كنت أعلم ~~متى أموت لاستكثرت من الخير، أي: من العمل الصالح وما مسني ~~السوء، واجتنبت ms4181 ما يكون من الشر واتقيته. # وقيل: لو كنت أعلم الغيب أي: متى تقوم الساعة لأخبرتكم حتى ~~تؤمنوا وما مسني السوء بتكذيبكم. # وقيل: ما مسني السوء ابتداء يريد: وما مسني الجنون؛ لأنهم ~~كانوا ينسبونه إلى الجنون، وقال ابن زيد: المراد بالسوء: ~~الضر، والفقر، والجوع. # قوله { وما مسني السوء } عطف على جواب " لو " وجاء هنا على ~~أحسن الاستعمال من حيث أثبت اللام في جواب " لو " المثبت، وإن كان ~~يجوز غيره، كما تقدم، وحذف اللام من المنفي، لأنه يمتنع ذلك فيه. # وقال أبو حيان: ولم تصحب " ما " النافية - أي: اللام - وإن كان ~~الفصيح إلا تصحبها، كقوله: # ولو سمعوا ما استجابوا لكم # [فاطر: 14]. وفيه نظر؛ لأنهم نصوا على أن جوابها المنفي لا ~~يجوز دخول اللام عليه. # قوله: { إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون } ~~نذير لمن لا يصدق بما جئت به، وبشير بالجنة لقوم يصدقون. # وذكر إحدى الطائفتين؛ لأن ذكر إحداهما يفيد ذكر الأخرى، كقوله: # سرابيل تقيكم الحر # [النحل: 81]. # وقد يقال: إنه كان نذيرا وبشيرا للكل إلا أن المنتفع بالنذارة ~~والبشارة هم المؤمنون كما تقدم في قوله: # هدى للمتقين # [البقرة: 2]. # واللام في قوله [القوم] من باب التنازع، فعند البصريين تتعلق ب ~~" بشير " لأنه الثاني، وعند الكوفيين بالأول لسبقه. # ويجوز أن يكون المتعلق بالنذارة محذوفا، أي: نذير للكافرين ودل ~~عليه ذكر مقابله كما تقدم. ### || [7.189-193] # قوله تعالى: { هو الذي خلقكم من نفس واحدة } الآية. # اعلم أنه تعالى رجع هنا إلى تقرير التوحيد، وإبطال الشرك. # قال ابن عباس: المراد بالنفس الواحدة آدم - عليه الصلاة والسلام - # وخلق منها زوجها # [النساء: 1] أي حواء خلقها الله من ضلع آدم - عليه الصلاة والسلام - ~~من غير أذى ليسكن إليها أي: ليأنس بها ويأوي إليها قالوا: والحكمة في ~~كونها مخلوقة من نفس آدم: أن الجنس أميل إلى جنسه. # قال ابن الخطيب: وهذا مشكل؛ لأنه تعالى لما كان قادرا على خلق ~~آدم ابتداء فما الذي يحملنا على أن نقول خلق حواء من جزء من أجزاء آدم؟ ~~ولم لم نقل إنه تعالى خلق حواء ms4182 أيضا ابتداء؟ وأيضا فالقادر على ~~خلق الإنسان من عظم واحد لم لا يقدر على خلقه ابتداء؟ وأيضا فقولهم ~~إن عدد أضلاع الجانب الأيسر من الذكر أنقص من عدد أضلاع الجانب ~~الأيمن بشيء واحد، على خلاف الحسن والتشريح. وإذا عرف ذلك فنقول: ~~المراد من كلمة من في قوله: { وجعل منها زوجها } أن ~~الإشارة إلى شيء تكون تارة بحسب شخصه، وتارة بحسب نوعه. # قال عليه الصلاة والسلام هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة ~~إلا به. # والمراد نوعه لا ذلك الفرد المعين، وقال - عليه الصلاة والسلام - ~~في يوم عاشوراء هذا هو اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون ~~والمراد: نوعه. # وقال تعالى: # ولا تقربا هذه الشجرة # [البقرة: 35] والمراد نوعها لا شخصها فكذا ههنا. # { وجعل منها زوجها } أي: وخلق من نوع الإنسان زوج آدم، أي: ~~جعل زوج آدم إنسانا مثله، " فلما تغشاها " أي واقعها وجامعها: { ~~حملت حملا خفيفا } وهو أول ما تحمل المرأة من النطفة ~~يكون خفيفا عليها: " فمرت به " أي: استمرت به، وقامت وقعدت به ~~لم يثقلها. # قوله حملا المشهور أن الحمل بالفتح ما كان في بطن أو على رأس ~~شجرة، وبالكسر ما كان على ظهر أو رأس غير شجرة. وحكى أبو عبيد في حمل ~~المرأة: حمل وحمل. # وحكى يعقوب في حمل النخلة: الكسر، والحمل في الآية يجوز أن يراد ~~به المصدر فينتصب انتصابه، وأن يراد به نفس الجنين، وهو الظاهر، ~~فينتصب انتصاب المفعول به، كقولك: حملت زيدا. # قوله: " فمرت " الجمهور على تشديد الراء، أي: استمرت به، أي: قامت ~~وقعدت. # وقيل: هو على القلب أي: فمر بها أي: استمر ودام. # وقرأ ابن عباس: وأبو العالية ويحيى بن يعمر، وأيوب: فمرت خفيفه ~~الراء، وفيها تخريجان: # أحدهما: أن أصلها التشديد، ولكنهم كرهوا التضعيف في حرف مكرر فتركوه، ~~وهذه كقراءة: # وقرن # [الأحزاب: 33] بفتح القاف إذا جعلناه من القرار. # والثاني: أنه من المرية وهو الشك، أي: فشكت بسببه أهو حمل أم ~~مرض؟ # وقرأ عبد الله بن عمرو بن العاص، والجحدري: فمارت بألف وتخفيف ~~الراء، وفيها أيضا ms4183 وجهان، أحدهما: أنها من: " مار، يمور " إذا ~~جاء وذهب، ومارت الريح، أي: جاءت وذهبت وتصرفت في كل ~~وجه، ووزنه حينئذ " فعلت " والأصل " مورت " ثم قلبت الواو ~~ألفا فهو ك: طافت، تطوف. # والثاني: أنها من المرية أيضا قاله الزمخشري، وعلى هذا فوزنه " ~~فاعلت ". # والأصل " ماريت " ك " ضاربت " فتحرك حرف العلة وانفتح ~~ما قبله فقلب ألفا، ثم حذفت لالتقاء الساكنين، فهو ك: بارت، ~~ورامت. وقرأ سعد بن أبي وقاص، وابن عباس أيضا والضحاك: ~~فاستمرت به وهي واضحة. # وقرأ أبي فاستمارت وفيها الوجهان المتقدمان في " فمارت " أي: ~~أنه يجوز أن يكون من " المرية " ، والأصل: استمريت وأن يكون ~~من " المور " ، والأصل: استمورت. # قوله: " فلما أثقلت " أي: صارت ذات ثقل ودنت ولادتها كقولهم ~~ألبن الرجل، وأتمر أي: صار ذا لبن وتمر. # وقيل: دخلت في الثقل؛ كقولهم: أصبح وأمسى، أي: دخل في الصباح ~~والمساء، وقرىء أثقلت مبنيا للمفعول. # قوله: " دعوا الله " متعلق الدعاء محذوف لدلالة الجملة ~~القسمية عليه، أي: دعواه في أن يؤتيهما ولدا صالحا. # قوله: " لئن آتيتنا " هذا القسم وجوابه فيه وجهان: # أظهرهما: أنه مفسر لجملة الدعاء كأنه قيل: # فما كان دعاؤهما؟ # فقيل: كان دعاؤهما كيت وكيت؛ ولذلك قلنا إن هذه الجملة دالة على ~~متعلق الدعاء. # والثاني: أنه معمول لقول مضمر، تقديره: فقالا لئن آتيتنا، ~~ولنكونن جواب القسم، وجواب الشرط محذوف على ما تقرر. # وصالحا فيه قولان أظهرهما: أنه مفعول ثان، أي: ولدا صالحا. # والثاني: قال مكي إنه نعت مصدر محذوف، أي: إيتاء صالحا، وهذا لا حاجة ~~إليه، لأنه لا بد من تقدير المؤتى لهما. # فصل # قال المفسرون: المعنى لئن آتيتنا صالحا بشرا سويا مثلنا ~~لنكونن من الشاكرين. # وكانت القصة أنه لما حملت حواء أتاها إبليس في صورة رجل فقال لها: ~~ما الذي في بطنك؟ # قالت: ما أدري، قال: إني أخاف أن يكون بهيمة، أو كلبا، أو ~~خنزيرا، وما يدريك من أين يخرج؟ أمن دبرك فيقتلك، أو من فيك أو ~~ينشق بطنك؟ فخافت حواء من ذلك وذكرته لآدم، فلم يزالا في هم من ~~ذلك، ثم ms4184 عاد إليها فقال: إني من الله بمنزلة فإن دعوت الله أن ~~يجعله خلقا سويا مثلك، ويسهل عليك خروجه تسميه عبد الحارث. # وكان اسم إبليس في الملائكة الحارث، فذكرت ذلك لآدم. # فقال: لعله صاحبنا الذي قد علمت؛ فعاودها إبليس، فلم يزل بها حتى ~~غرها؛ فلما ولدته سمياه عبد الحارث. # وروي عن ابن عباس، قال: كانت حواء تلد فتسميه عبد الله، وعبيد ~~الله، وعبد الرحمن فيصيبهم الموت، فأتاهما إبليس، وقال: إن سركما ~~أن يعيش لكما ولد فسمياه عبد الحارث؛ فولدت فسمياه عبد الحارث فعاش، ~~وجاء في الحديث خدعهما إبليس مرتين مرة في الجنة ومرة في الأرض. # واعلم أن هذا التأويل فاسد لوجوه: # أحدها: قوله تعالى: { فتعالى الله عما يشركون } فدل ~~على أن الذين أتوا بهذا الشرك جماعة. # وثانيها: قال بعده: { أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم ~~يخلقون } وهذا يدل على أن المقصود من الآية: الرد على من جعل ~~الأصنام شركاء لله تعالى، ولم يجر لإبليس اللعين في هذه الآية ذكر. # وثالثها: لو كان المراد إبليس لقال: أيشركون من لا يخلق؛ لأن العاقل ~~إنما يذكر بصيغة من. # ورابعها: أن آدم - عليه السلام - كان من أشد الناس معرفة بإبليس، ~~وكان عالما بجميع الأسماء كما قال تعالى: # وعلم آدم الأسمآء كلها # [البقرة: 31] فلا بد وأن يكون قد علم أن اسم إبليس هو الحارث، فمع ~~العداوة الشديدة التي بينهما ومع علمه بأن اسم إبليس الحارث كيف ~~يسمي ولده بعبد الحارث؟ وكيف ضاقت عليه الأسماء بحيث لم يجد سوى هذا ~~الاسم؟ # وخامسها: أن أحدنا لو حصل له ولد فجاءه إنسان، ودعاه إلى أن يسمي ~~ولده بهذا الاسم لزجره وأنكر عليه أشد الإنكار، فآدم - عليه السلام - مع ~~نبوته وعلمه الكثير الذي حصل من قوله { وعلم آدم الأسمآء ~~كلها } وتجاربه الكثيرة التي حصلت له بسبب الزلة لأجل وسوسة إبليس، ~~كيف لم يتنبه لهذا القدر المنكر؟ # وسادسها: أن بتقدير أن آدم عليه الصلاة والسلام، سماه بعبد الحارث، فلا ~~يخلو إما أن يقال إنه جعل هذا اللفظ اسم علم له أو ms4185 جعله صفة له، بمعنى ~~أنه أخبر بهذا اللفظ أنه عبد الحارث، فإن كان الأول لم يكن هذا ~~شركا لأن أسماء الأعلام والألقاب لا تفيد في المسميات فائدة، فلا يلزم ~~من هذه التسمية حصول الإشراك، وإن كان الثاني كان هذا قولا بأن آدم - ~~عليه الصلاة والسلام - اعتقد أن لله شريكا في الخلق والإيجاد، وذلك ~~يوجب الجزم بكفر آدم، وذلك لا يقوله عاقل؛ فثبت فساد هذا القول. # وإذا عرف ذلك فنقول في تأويل الآية وجوه: # الأول: قال القفال - رحمه الله - إنه تعالى ذكر هذه القصة على سبيل ~~ضرب المثل وبيان أن هذه الحالة صورة حال هؤلاء المشركين في جهلهم ~~وقولهم بالشرك، كأنه تعالى يقول: هو الذي خلق كل واحد منكم من نفس ~~واحدة وجعل من جنسها زوجها إنسانا يساويه في الإنسانية، فلما تغشى ~~الزوج زوجته وظهر الحمل دعا الزوج والزوجة ربهما إن أتانا ولدا ~~صالحا سويا لنكونن من الشاكرين لآلائك ونعمائك، فلما آتاهما ~~الله ولدا صالحا سويا جعل الزوج والزوجة لله شركاء فيما آتاهما؛ ~~لأنهم تارة ينسبون ذلك الولد إلى الطبائع كما يقول الطبيعيون، ~~وتارة ينسبونه إلى الكواكب كقول المنجمين، وتارة إلى الأصنام والأوثان ~~كقول عبدة الأصنام. # ثم قال تعالى: { فتعالى الله عما يشركون } أي تنزه ~~الله تعالى عن ذلك الشرك. وهذا قول عكرمة. # والثاني: أن يكون الخطاب لقريش الذين كانوا في عهد النبي صلى الله ~~عليه وسلم " وهم آل أقصى ". # والمراد من قوله: { هو الذي خلقكم من نفس } قصي وجعل من ~~جنسها زوجها عربية قرشية ليسكن إليها، فلما آتاهما ما طلبا من الولد ~~الصالح السوي جعلا له شركاء فيما آتاهما حيث سميا أولادهما الأربعة: ~~عبد مناف، وعبد العزى، وعبد قصي وبعد اللات وعبد الدار، وجعل ~~الضمير في يشركون لهما، ولأعقابهما الذين اقتدوا بهما في الشرك. # الثالث: إن سلمنا أن هذه الآية وردت في شرح قصة آدم - عليه ~~السلام -. # وعلى هذا ففي دفع هذا الإشكال وجوه: # أحدها: أن المشركين كانوا يقولون: إن آدم - عليه الصلاة والسلام - كان ~~يعبد الأصنام، ويرجع في طلب ms4186 الخير ودفع الشر إليها، فذكر تعالى قصة آدم ~~وحواء - عليهما الصلاة والسلام - وحكى عنهما أنهما قالا: { لئن ~~آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين } أي: ذكر تعالى ~~أنه لو آتاهما ولدا صالحا لاشتغلوا بشكر تلك النعمة. # ثم قال { فلمآ آتاهما صالحا جعلا له شركآء }. # فقوله: { جعلا له شركآء } ورد بمعنى الاستفهام على سبيل الإنكار ~~والتبعيد تقديره: فلما آتاهما صالحا أجعلا له شركاء فيما آتاهما؟: { ~~فتعالى الله عما يشركون } أي تعالى الله عن شرك هؤلاء ~~المشركين الذين يقولون بالشرك وينسبونه إلى آدم - عليه الصلاة والسلام ~~-، ونظيره أن ينعم رجل على رجل بوجوه كثيرة من الأنعام، ثم قيل ذلك ~~المنعم إن ذلك المنعم عليه يقصد ذمك وإيصال الشر إليك. فيقول ~~المنعم: فعلت في حق فلان كذا وأحسنت إليه بكذا وكذا، ثم يقابلني ~~بالشر؟ إنه بريء عن ذلك. # فقوله: يقابلني بالشر المراد منه: النفي والتبعيد فكذا ههنا. # ثانيها: إن سلمنا أن القصة في آدم وحواء فلا إشكال في ألفاظها إلا ~~قوله { فلمآ آتاهما صالحا جعلا له شركآء } ، أي: جعلا ~~أولادهما شركاء على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه وكذا فيما: " ~~آتاهما " أي أولادهما، كقوله: # وسئل القرية # [يوسف 82] أي أهل القرية. # فإن قيل: فعلى هذا التأويل ما الفائدة في تثنية قوله " جعلا له "؟ # قلنا: لأن ولده قسمان ذكر وأنثى فقوله " جعلا " المراد منه الذكر ~~والأنثى فمرة عبر عنهما بلفظ التثنية لكونهما صنفين ونوعين، ومرة ~~عبر عنهم بلفظ الجمع، وهو قوله: { فتعالى الله عما ~~يشركون }. # وثالثها: سلمنا أن الضمير في قوله: { جعلا له شركآء } عائد ~~إلى آدم وحواء - عليهما السلام - إلا أنه قيل: إنه تعالى لما ~~آتاهما ذلك الولد الصالح عزما أن يجعلاه وقفا على خدمة الله وطاعته ~~وعبوديته على الإطلاق، ثم بدا لهما في ذلك، فتارة كانوا ينتفعون ~~به في مصالح الدنيا ومنافعها، وتارة كانوا يأمرونه بخدمة الله تعالى ~~وطاعته، وهذا العمل، وإن كان منا طاعة وقربة، إلا أن حسنات ~~الأبرار سيئات المقربين، فلهذا قال الله تعالى: { فتعالى ~~الله عما يشركون }. # وقال عليه الصلاة والسلام حاكيا ms4187 عن الله تعالى: # " أنا أغنى الأغنياء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه ~~غيري تركته وشركه ". # التأويل الرابع: سلمنا أن القصة في آدم وحواء، إلا أنا نقول: ~~إنما سموه بعبد الحارث لأنهم اعتقدوا أنه إنما سلم من الآفة ~~والمرض بسبب دعاء ذلك الشخص المسمى بالحارث. # وقد يسمى المنعم عليه عبدا للمنعم، كما يقال في المثل: أنا عبد ~~من تعلمت منه حرفا فآدم وحواء إنما سمياه بعبد الحارث لاعتقادهم ~~أن سلامته من الآفات ببركة دعائه، ولا يخرجه ذلك عن كونه عبدا ~~لله من جهة أنه مملوكه ومخلوقه، وقد ذكرنا أن حسنات الأبرار ~~سيئات المقربين فلما حصل الاشتراك في لفظ العبد لا جرم عوتب آدم عليه ~~الصلاة والسلام في هذا العمل بسبب الاشتراك في مجرد لفظ العبد. # قوله: " جعلا له " قيل: ثم مضاف، أي: جعل له أولادهما شركاء، كما ~~تقدم في التأويل السابق، وإلا فحاشا آدم وحواء من ذلك، وإن ~~جعل الضمير ليس لآدم وحواء، فلا حاجة إلى تقديره كما مر تقريره. # وقرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم شركا بكسر الشين وسكون الراء ~~وتنوين الكاف. # والباقون بضم الشين، وفتح الراء، ومد الكاف مهموزة، من غير ~~تنوين، جمع " شريك ". # فالشرك مصدر، ولا بد من حذف مضاف، أي: ذوي شرك، يعني: إشراك، فهو ~~في الحقيقة اسم مصدر، ويكون المعنى: أحدثا له إشراكا في الولد، ~~وقيل: المراد بالشرك: النصيب وهو ما جعلاه من رزقهما له يأكله ~~معهما، وكانا يأكلان ويشربان وحدهما، فالضمير في له يعود على الولد ~~الصالح. # وقيل: الضمير في له لإبليس ولم يجر له ذكر، وهذان الوجهان لا معنى ~~لهما. # وقال مكي وأبو البقاء وغيرهما: إن التقدير يجوز أن يكون: جعلا ~~لغيره شركا. # قال شهاب الدين: هذا الذي قدره هؤلاء قد قال فيه أبو الحسن: كان ~~ينبغي لمن قرأ شركا أن يقول المعنى: جعلا لغيره شركا؛ لأنهما ~~لا ينكران أن الأصل لله فالشرك إنما يجعله لغيره. # قوله: { فتعالى الله عما يشركون } قيل: هذه جملة ~~استئنافية، والضمير في: يشركون يعود على الكفار، وأراد به ms4188 ~~إشراك أهل مكة والكلام قد تم قبله، وقيل: يعود على آدم وحواء ~~وإبليس، والمراد بالإشراك تسميتهما الولد الثالث ب " عبد الحارث ~~" وكان أشار بذلك إبليس، فالإشراك في التسمية فقط، وقيل: راجع إلى ~~جميع المشركين من ذرية آدم، وهو قول الحسن، وعكرمة، أي: جعل ~~أولادهما له شركاء فحذف الأولاد وأقامهما مقامهم كما أضاف فعل الآباء إلى ~~الأبناء في تعييرهم بفعل الآباء فقال: # ثم اتخذتم العجل # [البقرة: 51] # وإذ قتلتم نفسا # [البقرة: 72] خاطب به اليهود الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم وكان ذلك الفعل من آبائهم. # وقيل: لم يكن آدم علم، ويؤيد الوجه الأول قراءة السلمي: " عما ~~تشركون " بتاء الخطاب وكذلك " أتشركون " بالخطاب أيضا، وهو ~~التفات. # قوله: { أيشركون ما لا يخلق شيئا }. # هذه الآية من أقوى الدلائل على أنه ليس المراد بقوله تعالى: { ~~فتعالى الله عما يشركون } ما ذكره في قصة إبليس إذ لو ~~كان المراد ذلك لكانت هذه الآية أجنبية عنها بالكلية، وكان ذلك ~~النظم في غاية الفساد، بل المراد ما ذكرناه في الأجوبة من أن ~~المقصود من الآية السابقة الرد على عبدة الأوثان؛ لأنه أراد ههنا ~~إقامة الحجة على أن الأوثان لا تصلح للإلهية فقوله: { ~~أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون } أي: ~~أيعبدون ما لا يقدر على أن يخلق شيئا؟ وهم يخلقون، يعني الأصنام. # قوله: " وهم يخلقون " يجوز أن يعود الضمير على ما من حيث المعنى ~~وعبر عن ما وهو مفرد بضمير الجمع؛ لأن لفظة ما تقع على الواحد ~~والاثنين والجمع فهي من صيغ الواحد بحسب لفظها، ومحتملة للجمع فالله ~~تعالى اعتبر الجهتين؛ فوحد قوله يخلق لظاهر اللفظ وجمع قوله: " ~~وهم يخلقون " للمعنى، والمراد بها الأصنام وعبر عنهم ب " هم " ~~وجمعهم بالواو والنون، لاعتقاد الكفار فيها ما يعتقدونه في العقلاء أو ~~لأنهم مختلطون بمن عبد من العقلاء كالمسيح وعزير، أو يعود على ~~الكفار، أي: والكفار مخلوقون فلو تفكروا في ذلك لآمنوا # فصل # دلت هذه الآية على أن العبد لا يخلق أفعاله؛ لأنه تعالى طعن في ~~إلاهية الأصنام ms4189 لكونها لا تخلق شيئا وهذا الطعن لا يتم إلا إذا ~~قلنا بأنها لو كانت خالقة لشيء لم يتوجه الطعن في إلاهيتها، وهذا يقتضي ~~أن من كان خالقا كان إلها، فلو كان العبد خالقا لأفعال نفسه كان ~~إلها، ولما كان ذلك باطلا علمنا فساد هذا القول. # قوله: { ولا يستطيعون لهم نصرا } أي: أن الأصنام لا تنصر ~~من أطاعها، ولا تضر من عصاها، وهو المراد بقوله: { ولا أنفسهم ~~ينصرون }. # قوله: { وإن تدعوهم } الظاهر أن الخطاب للكفار، وضمير ~~النصب للأصنام، أي: وإن تدعوا آلهتكم إلى طلب هدى ورشاد - كما ~~تطلبونه من الله - لا يتابعوكم على مرادكم، ويجوز أن يكون الضمير ~~للرسول والمؤمنين، والمنصوب للكفار، أي وإن تدعوا أنتم هؤلاء الكفار ~~إلى الإيمان، ولا يجوز أن يكون تدعوا مسندا إلى ضمير الرسول فقط، ~~والمنصوب للكفار أيضا؛ لأنه كان ينبغي أن تحذف الواو، لأجل ~~الجازم، ولا يجوز أن يقال: قدر حذف الحركة وثبت حرف العلة؛ كقوله: ~~[البسيط] # 2647 - هجوت زبان ثم جئت معتذرا # من هجو زبان لم تهجو ولم تدع # ويكون مثل قوله تعالى: # إنه من يتق ويصبر # [يوسف: 90]، # فلا تنسى # [الأعلى: 6] # لا تخاف دركا ولا تخشى # [طه: 77] لأنه ضرورة، وأما الآيات فمؤولة وسيأتي ذلك. # قوله: " لا يتبعوكم " قرأ نافع بالتخفيف، وكذا في الشعراء { ~~يتبعهم } [224]. # والباقون بالتشديد، فقيل: هما لغتان، ولهذا جاء في قصة آدم: # فمن تبع # [البقرة: 38] وفي موضع # فمن اتبع # [طه: 123]. # وقيل: تبع اقتفى أثره، واتبعه بالتشديد: اقتدى به والأول أظهر. # ثم أكد الكلام فقال: { سوآء عليكم أدعوتموهم أم ~~أنتم صامتون } والمعنى: سواء عليكم أدعوتموهم إلى الدين أم ~~أنتم صامتون عن دعائهم، لا يؤمنون، كقوله: # سوآء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا ~~يؤمنون # [البقرة: 6] وعطف قوله: { أم أنتم صامتون } وهي جملة اسمية على ~~أخرى فعلية؛ لأنها في معنى الفعلية، والتقدير: أم صمتم؟ # وقال أبو البقاء: جملة اسمية في موضع الفعلية، والتقدير: ~~أدعوتموهم أم صمتم؟ # وقال ابن عطية: عطف الاسم على الفعل؛ إذ التقدير: أم صمتم؛ ~~ومثله قول الشاعر: [الطويل] # 2648 - سواء عليك النفر ms4190 أم بت ليلة # بأهل القباب من نمير بن عامر # قال أبو حيان: وليس هذا من عطف الفعل على الاسم، إنما هو من عطف ~~الاسمية على الفعلية، وأما البيت فليس فيه عطف فعل على اسم، بل ~~هو من عطف الفعلية على اسم مقدر بالفعلية، إذ الأصل: سواء عليك ~~أنفرت أم بت، وإنما أتى في الآية بالجملة الثانية اسمية؛ لأن الفعل ~~يشعر بالحدوث ولأنها رأس فاصلة. والصمت: السكوت، يقال صمت ~~يصمت بالفتح، في الماضي، والضم في المضارع. # ويقال: صمت، بالكسر، يصمت بالفتح والمصدر الصمت والصمات، ~~وإصمت، بكسر الهمزة والميم: اسم فلاة معروفة، وهو منقول من فعل الأمر ~~من هذه المادة، وقد رد بعضهم هذا بأنه لو كان منقولا من الأمر لكان ~~ينبغي أن تكون همزته همزة وصل، ولكان ينبغي أن تكون ميمه مضمومة، إن كان ~~من " يصمت " أو مفتوحة إن كان من " يصمت "؛ ولأنه ينبغي ألا ~~يؤنث بالتاء، وقد قالوا: إصمتة. # والجواب أن فعل الأمر يجب قطع همزته إذا سمي به نحو: أسرب؛ ~~لأنه ليس لنا من الأسماء ما همزته للوصل إلا أسماء عشرة، ونوع ~~الانطلاق من كل مصدر زاد على الخمسة وهو قليل، فالإلحاق بالكثير أولى، ~~وأما كسر الميم فلأن التغيير يؤنس بالتغيير وكذلك الجواب عن ~~تأنيثه بالتاء. ### || [7.194-195] # قوله: " إن الذين " العامة على تشديد إن والموصول اسمها، ~~وعباد خبرها، وقرأ سعيد بن جبير بتخفيف إن ونصب عباد وأمثالكم، ~~وخرجها ابن جني وغيره أنها إن النافية وهي عاملة عمل ما الحجازية ~~وهو مذهب الكسائي وأكثر الكوفيين غير الفراء، وقال به من البصريين: ابن ~~السراج والفارسي وابن جني، واختلف النقل عن سيبويه والمبرد، والصحيح ~~أن إعمالها لغة ثاتبة نظما ونثرا؛ وأنشدوا: [المنسرح] # 2649 - إن هو مستوليا على أحد # إلا على أضعف المجانين # ولكن قد استشكلوا هذه القراءة من حيث إنها تنفي كونهم عبادا أمثالهم، ~~والقراءة الشهيرة تثبت ذلك ولا يجوز التناقض في كلام الله ~~تعالى. # وقد أجابوا عن ذلك بأن هذه القراءة تفهم تحقير أمر المعبود من ~~دون الله وعبادة عابده. # وذلك ms4191 أن العابدين أتم حالا وأقدر على الضر والنفع من ~~آلهتهم فإنها جماد لا تفعل شيئا من ذلك، فكيف يعبد الكامل من ~~هو دونه؟ فهي موافقة للقراءة المتواترة بطريق الأولى. # وقد رد أبو جعفر هذه القراءة بثلاثة أوجه: # أحدها: أنها مخالفة لسواد المصحف. # والثاني: أن سيبويه يختار الرفع في خبر إن المخففة فيقول: " إن زيد ~~منطلق "؛ لأن عمل ما ضعيف وإن بمعناها، فهي أضعف منها. # الثالث: أن الكسائي لا يرى أنها تكون بمعنى ما إلا أن يكون بعدها ~~إيجاب، وما رد به النحاس ليس بشيء؛ لأنها مخالفة يسيرة. # قال أبو حيان: يجوز أن يكون كتب المنصوب على لغة ربيعة في الوقف على ~~المنون المنصوب بغير ألف، فلا تكون مخالفة للسواد. # وأما سيبويه فاختلف الناس في الفهم عنه في ذلك. # وأما الكسائي فهذا القيد غير معروف له. # وخرج أبو حيان القراءة على أنها إن المخففة. # قال: وإن المخففة تعمل في القراءة المتواترة كقراءة { وإن كلا ~~} [هود: 111] ثم إنها قد ثبت لها نصب الجزأين؛ وأنشد: [الطويل] # 2650 -....................... # إن حراسنا أسدا # قال: وهي لغة ثابتة ثم قال: فإن تأولوا ما ورد من ذلك؛ نحو: [الرجز] # 2651 - يا ليت أيام الصبا رواجعا # أي: ترى رواجعا، فكذلك هذه يكون تأويلها: إن الذين تدعون من دون الله ~~خلقناهم عبادا أمثالكم. # قال شهاب الدين: فيكون هذا التخريج مبنيا على مذهبين. # أحدهما: إعمال المخففة. # وقد نص جماعة من النحويين على أنه أقل من الإهمال، وعبارة بعضهم ~~أنه قليل، ولا أرتضيه قليلا لوروده في المتواتر. # الثاني: أن إن وأخواتها تنصب الجزأين، وهو مذهب مرجوح، وقد تحصل ~~في تخريج هذه القراءة ثلاثة أوجه: كون إن نافية عاملة، والمخففة ~~الناصبة للجزءين، أو النصب بفعل مقدر هو خبر لها في المعنى. # وقرأ بعضهم إن مخففة، عبادا نصبا أمثالكم رفعا، وتخريجها على أن ~~تكون المخففة وقد أهملت والذين مبتدأ، و " تدعون " صلتها والعائد ~~محذوف، وعبادا حال من ذلك العائد المحذوف، أمثالكم خبره، والتقدير: ~~إن الذين تدعونهم حال كونهم عبادا أمثالكم في كونهم مخلوقين مملوكين، ms4192 ~~فكيف يعبدون؟ # ويضعف أن يكون الموصول اسما منصوب المحل؛ لأن إعمال المخففة كما ~~تقدم قليل. # وحكى أبو البقاء أيضا قراءة رابعة وهي بتشديد إن ونصب عباد ورفع ~~أمثالكم وتخريجها على ما تقدم قبلها. # فصل # في الآية سؤال: وهو أنه كيف يحسن وصف الأصنام بأنها عباد مع أنها ~~جمادات؟ # والجواب: من وجوه: # أحدها: أن المشركين لما ادعوا أنها تضر وتنفع؛ وجب أن يعتقدوا ~~فيها كونها عاقلة فاهمة، فلهذا وردت هذه الألفاظ وفق اعتقادهم؛ ولهذا ~~قال: { فادعوهم فليستجيبوا لكم } [الأعراف: 194]. # وقال: " إن الذين " ولم يقل: " إن التي ". # وثانيها: أن هذا اللفظ ورد في معرض الاستهزاء بهم أي: أمرهم أن ~~يكونوا أحياء عقلاء فإن ثبت ذلك فهم عباد أمثالكم، ولا فضل لهم عليكم، ~~فلم جعلتم أنفسكم عبيدا وجعلتموها آلهة وأربابا؟ # ثم أبطل أن يكونوا عبادا فقال: { ألهم أرجل يمشون بهآ } ~~ثم أكد البيان بقوله { فادعوهم فليستجيبوا لكم }. ~~ومعنى هذا الدعاء طلب المنافع وكشف المضار من جهتهم واللام في قوله: { ~~فليستجيبوا لكم } لام الأمر على معنى التعجيز، ثم لما ~~ظهر لكل عاقل أنها لا تقدر على الإجابة ظهر أنها لا تصلح للعبادة، ~~ونظيره قول إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - # لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك ~~شيئا # [مريم: 42] وقوله: { إن كنتم صادقين } في أنها آلهة ~~ومستحقة للعبادة. # وثالثها: قال مقاتل: الخطاب مع قوم كانوا يعبدون الملائكة. # قوله: { ألهم أرجل يمشون بهآ أم لهم أيد ~~يبطشون بهآ أم لهم أعين يبصرون بهآ أم لهم ~~آذان يسمعون بها } قرأ العامة بكسر الطاء، من بطش يبطش، وقرأ ~~أبو جعفر وشيبة، ونافع في رواية عنه: يبطشون بضمها، وهما لغتان، ~~وهما لغتان، والبطش، الأخذ بقوة. # واعلم أنه تعالى ذكر هذا الدليل لبيان أنه يقبح من الإنسان العاقل ~~أن يعبد هذه الأصنام؛ لأن هذه الأعضاء الأربعة إذا كان فيها القوى ~~المحركة والمدركة كانت أفضل منها إذا كانت خالية عن هذه القوى، فالرجل ~~القادرة على المشي، واليد القادرة على البطش أفضل من اليد والرجل ~~الخاليتين عن قوة الحركة والحياة، ms4193 والعين الباصرة والأذن السامعة ~~أفضل من العين والأذن الخاليتين عن القوة السامعة، والباصرة، وعن ~~قوة الحياة. # وإذا ثبت ذلك ظهر أن الإنسان أفضل بكثير من الأصنام بل لا نسبة لفضيلة ~~الإنسان إلى فضيلة الأصنام ألبتة. # وإذا كان كذلك فكيف يليق بالأفضل والأكمل الأشرف أن يعبد الأخس الأدون ~~الذي لا يحصل منه فائدة ألبتة، لا في جلب منفعة ولا في دفع مضرة. # قوله: { قل ادعوا شركآءكم ثم كيدون } قرأ أبو عمرو ~~كيدوني بإثبات الياء وصلا، وحذفها وقفا وهشام بإثباتها في الحالين، ~~والباقون بحذفها في الحالين، وعن هشام خلاف مشهور قال أبو حيان: وقرأ ~~أبو عمرو وهشام بخلاف عنه فكيدوني بإثبات الياء وصلا ووقفا. # قال شهاب الدين: أبو عمرو لا يثبتها وقفا ألبتة، فإن قاعدته في ~~الياءات الزائدة ما ذكرته، وفي قراءة فكيدوني ثلاثة ألفاظ، هذه ~~وقد عرف حكمها، وفي هود: " فكيدوني جميعا " أثبتها القراء كلهم في ~~الحالين. # وفي المرسلات: # فإن كان لكم كيد فكيدون # [الآية: 39] حذفها الجميع في الحالين وهذا نظير ما تقدم في قوله # واخشوني # [البقرة: 150] فإنها في البقرة ثابتة للكل وصلا ووقفا، ومحذوفة ~~في أول المائدة، ومختلف في ثانيتها. # فصل # والمعنى: ادعوا شركاءكم يا معشر المشركين ثم كيدوني أنتم وهم فلا ~~تنظرون أي لا تمهلون واعجلوا في كيدي ليظهر لكم أن لا قدرة لها على ~~إيصال المضار بوجه من الوجوه. ### || [7.196-198] # قوله: { إن وليي الله } العامة على تشديد وليي مضافا ~~لياء المتكلم المفتوحة، وهي قراءة واضحة أضاف الولي إلى نفسه. # وقرأ أبو عمرو في بعض طرقه " إن ولي " بياء واحدة مشددة مفتوحة، ~~وفيها تخريجان: # أحدهما: قال أبو علي: إن ياء " فعيل " مدغمة في ياء المتكلم، وإن ~~الياء التي هي لام الكلمة محذوفة، ومنع من العكس. # والثاني: أن يكون ولي اسمها، وهو اسم نكرة غير مضاف لياء المتكلم، ~~والأصل: إن وليا الله ف " وليا " اسمها والله خبرها، ثم حذف ~~التنوين؛ لالتقاء الساكنين؛ كقوله: [المتقارب] # 2652 - فألفيته غير مستعتب # ولا ذاكر الله إلا قليلا # وكقراءة من قرأ { قل هو الله أحد ms4194 الله الصمد } ~~[الإخلاص: 1 - 2] ولم يبق إلا الإخبار عن نكرة بمعرفة، وهو وارد. # قال الشاعر: [الطويل] # 2653 - وإن حراما أن أسب مجاشعا # بآبائي الشم الكرام الخضارم # وقرأ الجحدري في رواية إن ولي الله بكسر الياء مشددة، وأصلها ~~أنه سكن ياء المتكلم، فالتقت مع لام التعريف فحذفت، لالتقاء الساكنين، ~~وبقيت الكسرة تدل عليها نحو: إن غلام الرجل. # وقرأ في رواية أخرى إن ولي الله بياء مشددة مفتوحة، والجلالة ~~بالجر، نقلهما عنه أبو عمرو الداني أضاف الولي إلى الجلالة. # وذكر الأخفش وأبو حاتم هذه القراءة عنه، ولم يذكرا نصب الياء، ~~وخرجها الناس على ثلاثة أوجه: الأول: قول الأخفش - وهو أن يكون ~~ولي الله اسمها والذي نزل الكتاب خبرها، والمراد ب " الذي نزل ~~الكتاب " جبريل، لقوله تعالى: # نزل به الروح الأمين # [الشعراء: 193]: # قل نزله روح القدس # [النحل: 102] إلا أن الأخفش قال في قوله { وهو يتولى ~~الصالحين } هو من صفة الله قطعا لا من صفة جبريل، وفي تحتم ذلك ~~نظر. # والثاني: أن يكون الموصوف بتنزيل الكتاب هو الله تعالى، والمراد ~~بالموصول النبي صلى الله عليه وسلم ويكون ثم عائد محذوف لفهم ~~المعنى والتقدير إن ولي الله النبي الذي نزل الله الكتاب عليه، ~~فحذف عليه وإن لم يكن مشتملا على شروط الحذف، لكنه قد جاء قليلا، ~~كقوله: [الطويل] # 2654 - وإن لساني شهدة يشتفى بها # وهو على من صبه الله علقم # أي: صبه الله عليه، وقال آخر: [الطويل] # 2655 - فأصبح من أسماء قيس كقابض # على الماء لا يدري بما هو قابض # أي بما هو قابض عليه. وقال آخر: [الطويل] # 2656- لعل الذي أصعدتني أن يردني # إلى الأرض إن لم يقدر الخير قادره # أي: أصعدتني به. # وقال آخر: [الوافر] # 2657- ومن حسد يجوز علي قومي # وأي الدهر ذو لم يحسدوني # أي يحسدوني فيه. # وقال آخر: [الطويل] # 2658 - فقلت لها لا والذي حج حاتم # أخونك عهدا إنني غير خوان # أي: حج إليه، وقال آخر: [الرجز] # 2659 - فأبلغن خالد بن نضلة # والمرء معني بلوم من يثق # أي: يثق به. # وإذا ثبت ms4195 أن الضمير يحذف في مثل هذه الأماكن، وإن لم يكمل شرط ~~الحذف فلهذه القراءة الشاذة في التخريج المذكور أسوة بها. # والثالث: أن يكون الخبر محذوفا تقديره: إن ولي الله الصالح، أو ~~من هو صالح وحذف، لدلالة قوله: { وهو يتولى الصالحين } ~~وكقوله: # إن الذين كفروا بالذكر # [فصلت: 41] أي: معذبون، وكقوله # إن الذين كفروا ويصدون # [الحج: 25]. # فصل # المعنى { إن وليي الله الذي نزل الكتاب } يعني ~~القرآن، أي: يتولاني وينصرني كما أيدني بإنزال الكتاب { وهو ~~يتولى الصالحين } قال ابن عباس: " يريد الذين لا يعدلون ~~بالله شيئا، فالله يتولاهم بنصره ولا يضرهم عداوة من عاداهم ". # قوله: { والذين تدعون من دونه لا يستطيعون ~~نصركم ولا أنفسهم ينصرون }. # وفيه قولان: # الأول: أن المراد منه وصف الأصنام. # فإن قيل: هذه الأشياء مذكورة في الآيات المتقدمة، فما الفائدة في ~~تكريرها؟ # فالجواب: قال الواحدي: إنما أعيد؛ لأن الأول مذكور للتقريع، ~~وهذا مذكور للفرق بين من تجوز له العبادة ومن لا تجوز، كأنه قيل: ~~الإله المعبود يجب أن يكون بحيث يتولى الصالحين، وهذه الأصنام ليست ~~كذلك فلا تكن صالحة للإلهية. # القول الثاني: أن هذه الأحوال المذكورة صفات لهؤلاء المشركين الذين ~~يدعون غير الله يعني أن الكفار كانوا يخوفون رسول الله وأصحابه، ~~فقال تعالى: إنهم لا يقدرون على شيء بل إنهم قد بلغوا في الجهل والحماقة ~~إلى أنك لو دعوتهم وأظهرت أعظم أنواع الحجة والبرهان لم يسمعوا ذلك ~~بعقولهم ألبتة. # فإن قيل: لم يتقدم ذكر المشركين، وإنما تقدم ذكر الأصنام فكيف يصح ~~ذلك؟ # والجواب: أن ذكرهم تقدم في قوله تعالى: # قل ادعوا شركآءكم ثم كيدون # [الأعراف: 195]. # قوله: { وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون } فإن ~~حملنا هذه الصفات على الأصنام فالمراد من كونها ناظرة كونها مقابلة ~~بوجهها وجوه القوم من قولهم: جبلان متناظران أي: متقابلان، وإن حملناها ~~على المشركين أي إنهم وإن كانوا ينظرون إلى الناس إلا أنهم ~~لشدة إعراضهم عن الحق لم ينتقعوا بذلك النظر، والرؤية؛ فصاروا ~~كأنهم عمي. ### || [7.199-203] # قوله: " خذ العفو ". # قال عبد الله بن الزبير: أمر الله نبيه ms4196 صلى الله عليه وسلم ~~بأخذ العفو من أخلاق الناس. # قال مجاهد: يعني خذ العفو من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تجسس ~~وذلك مثل قبول الاعتذار، والعفو المتساهل، وترك البحث عن الأشياء ونحو ~~ذلك. # " روي أنه لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لجبريل: ما هذا؟ قال: لا أدري حتى أسأل ثم رجع فقال: " إن الله ~~يأمر أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ~~ظلمك " ". # قال العلماء: تفسير جبريل - عليه الصلاة والسلام - مطابق للفظ ~~الآية؛ لأنك إن وصلت من قطعك فقد عفوت عنه، وإن أعطيت من حرمك فقد أتيت ~~بالمعروف، وإذا عفوت عمن ظلمك فقد أعرضت عن الجاهلين. # وقال ابن عباس، والسدي، والضحاك، والكلبي: المعنى خذ ما عفا لك ~~من أموالهم وهو الفضل من العيال، وذلك معنى قوله: # ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو # [البقرة: 219] ثم نسخت هذه الآية بالصدقات المفروضات. # قوله: { وأمر بالعرف } ، أي: بالمعروف، وهو كل ما يعرفه ~~الشرع، وقال عطاء: { وأمر بالعرف } بلا إله إلا الله " وأعرض ~~عن الجاهلين " يعني أبا جهل وأصحابه، نسختها آية السيف، وقيل: إذا ~~تسفه عليك الجاهل، فلا تقابله بالسفه كقوله: # وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما # [الفرقان: 63]. # قال جعفر الصادق: ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه ~~الآية. # فصل # اعلم أن تخصيصهم قوله: " خذ العفو " بما ذكروه من أخذ ~~الفضل تقييد للمطلق من غير دليل، وأيضا إذا حملناه على أداء الزكاة ~~كالمقادير المخصوصة منافيا لذلك؛ لأن أخذ الزكاة مأمور بأن لا يأخذ ~~كرائم الأموال ولا يشدد الأمر على المزكي، فلم يك إيجاب الزكاة ناسخا ~~لهذه الآية. # وأما قوله: { وأعرض عن الجاهلين } فالمقصود منه أمر ~~الرسول بأن يصبر على سوء أخلاقهم، وأن لا يقابل أقوالهم الركيكة ~~وأفعالهم الخسيسة بأمثالها وليس فيه دلالة على المنع من القتال؛ لأنه ~~لا يمتنع أن يؤمر عليه الصلاة والسلام بالإعراض عن الجاهلين مع الأمر ~~بقتال المشركين فإنه لا تناقض بأن يقول الشارع لا تقابل سفاهتهم ~~بمثلها ولكن قاتلهم، وإذا أمكن الجمع بين الأمرين؛ ms4197 فلا حاجة إلى التزام ~~النسخ. # قوله تعالى: { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ } ~~الآية. # قال: عبد الرحم بن زيد: لما نزل قوله: " خذ العفو " الآية: قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم كيف يا رب بالغضب؟ # فنزل قوله: { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ } الآية ~~والنزغ: أدنى حركة تكون، قاله الزجاج، ومن الشيطان أدنى ~~وسوسة وقال عبد الرحمن بن زيد لما نزلت: قوله وأكثر ما يسند للشيطان؛ ~~لأنه أسرع في ذلك وقيل النزغ الدخول في أمر لإفساده. # وقال الزمخشري: والنزغ والنسغ: الغرز والنخس، وجعل النزغ ~~نازغا كما قيل " جد جده " يعني: قصد بذلك المبالغة. # وقيل: النزغ: الإزعاج، وأكثر ما يكون عند الغضب وأصله الانزعاج ~~بالحركة إلى الشر، وتقريره: أن الآمر بالمعروف إذا أمر بما يهيج ~~السفيه ويظهر السفاهة فعند ذلك أمره الله بالسكوت عن مقابلته فقال: { ~~وأعرض عن الجاهلين } ثم أمره الله تعالى بما يجري مجرى ~~العلاج بهذا المرض إن حدث فقال: " فاستعذ بالله " وهذا الخطاب ~~وإن كان للرسول إلا أنه عام لجميع المكلفين. وقد تقدم الكلام في ~~الاستعاذة؛ وقوله: { إنه سميع عليم } يدل على أن الاستعاذة ~~باللسان لا تفيد إلا إذا حضر في القلب العلم بمعنى الاستعاذة، ~~فكأنه تعالى يقول: اذكر لفظ الاستعاذة بلسانك، فإني سميع، واستحضر معنى ~~الاستعاذة بقلبك، وعقلك فإني عليم بما في ضميرك. # قوله تعالى: { إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف } ~~الآية. # بين تعالى في هذه الآية أن حال المتقين يزيد على حال الرسول ~~في هذا الباب؛ لأن الرسول لا يحصل له من الشيطان إلا النزغ الذي هو ~~كالابتداء في الوسوسة، وجوز على المتقين ما يزيد عليه وهو أن يمسهم ~~طائف من الشيطان. # قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي: طيف، والباقون طائف بزنة ~~فاعل. # فأما طيف ففيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه مصدر من: طاف يطيف ك: باع يبيع وأنشد أبو ~~عبيدة: [الكامل] # 2660 - أنى ألم بك الخيال يطيف # ومطافه لك ذكرة وشغوف # والثاني: أنه مخفف من فيعل والأصل: طيف بتشديد الياء فحذف ~~عين الكلمة، كقولهم في: ميت ميت، وفي: ms4198 لين لين، وفي: هين ~~هين. # ثم " طيف " الذي هو الأصل يحتمل أن يكون من: طاف يطيف، أو من: ~~طاف يطوف والأصل: طيوف فقلب وأدغم. # وهذا قول ابن الأنباري ويشهد لقول ابن الأنباري قراءة سعيد بن جبير طيف ~~بتشديد الياء. # والثالث: أن أصله طوف من طاف يطوف، فقلبت الواو ياء. # قال أبو البقاء قلبت الواو ياء وإن كانت ساكنة كما قلبت في أيد وهو ~~بعيد. # قال شهاب الدين: وقد قالوا أيضا في: حول حيل، ولكن هذا من ~~الشذوذ بحيث لا يقاس عليه. # وقوله: وإن كانت ساكنة ليس هذا مقتضيا لمنع قلبها ياء، بل كان ينبغي أن ~~يقال: وإن كان ما قبلها غير مكسور. وأما طائف فاسم فاعل يحتمل أن ~~يكون من: طاف يطوف، فيكون ك: قائم وقائل. وأن يكون من: طاف يطيف، ~~فيكون ك: بائع ومائل وزعم بعضهم أن: طيفا وطائفا بمعنى واحد ~~ويعزى للفراء، فيحتمل أن يرد طائفا ل: طيف فيجعلهما ~~مصدرين، وقد جاء فاعل مصدرا، كقولهم: أقائما وقد قعد الناس، وأن ~~يرد طيفا ل: طائف أي: فيجعله وصفا على فعل. # وقال الفارسي: الطيف كالخطرة، والطائف كالخاطر ففرق بينهما، ~~وقال الكسائي الطيف: اللمم، والطائف: ما طاف حول الإنسان. # قال ابن عطية: وكيف هذا؛ وقد قال الأعشى: [الطويل] # 2661 - وتصبح من غب السرى وكأنها # ألم بها من طائف الجن أولق # ولا أدري ما تعجبه؟ وكأنه أخذ قوله ما طاف حول الإنسان مقيدا ~~بالإنسان وهذا قد جعله طائفا بالناقة، وهي سقطة؛ لأن الكسائي ~~إنما قاله اتفاقا لا تقييدا. # وقال أبو زيد الأنصاري: طاف: أقبل وأدبر، يطوف طوفا، ~~وطوافا، وأطاف يطيف إطافة: استدار القوم من نواحيهم، وطاف ~~الخيال: أم يطيف طيفا. فقد فرق بين ذي الواو، وذي الياء، فخصص ~~كل مادة بمعنى، وفرق أيضا بين فعل وأفعل كما رأيت. # وزعم السهيلي: أنه لا يستعمل من طاف الخيال اسم فاعل، قال: " ~~لأنه تخيل لا حقيقة له " قال: فأما قوله تعالى: # فطاف عليها طآئف من ربك # [القلم: 19] فلا يقال فيه " طيف "؛ لأنه اسم فاعل حقيقة؛ ms4199 وقال حسان: ~~[السريع] # 2662 - جنية أرقني طيفها # يذهب صبحا ويرى في المنام # وقال السدي: الطيف الجنون، والطائف: الغضب، وعن ابن عباس - رضي ~~الله عنهما - هو بمعنى واحد، وهو النزغ. # فصل # قال المفسرون: الطيف اللمة والوسوسة. # وقيل: الطائف ما طاف به من سوسة الشيطان، والطيف اللمم والمس ~~وقال سعيد بن جبير: هو الرجل يغضب الغضبة فيذكر الله تعالى، فيكظم ~~الغيظ. # وقال مجاهد: هو الرجل يهم بالذنب، فيذكر الله تعالى فيدعه. # { فإذا هم مبصرون } هذه " إذا " الفجائية كقولك: خرجت ~~فإذا زيد، والمعنى: يبصرون مواقع خطاياهم بالتذكر والتفكر، وقال ~~السدي: إذا زلوا تابوا وقال مقاتل: إن المتقي إذا مسه نزع من ~~الشيطان تذكر وعرف أنه معصية فأبصر فنزع عن مخالفة الله. # واعلم أن إذا في قوله: { إذا مسهم طائف } تستدعي جزاء. # قوله: { وإخوانهم يمدونهم في الغي }. في هذه الآية ~~أوجه: # أحدها: أن الضمير في: " إخوانهم " يعود على الشياطين لدلالة لفظ ~~الشيطان عليهم، أو على الشيطان نفسه؛ لأنه لا يراد به الواحد، بل ~~الجنس. # والضمير المنصوب في يمدونهم يعود على الكفار، والمرفوع ~~يعود على الشياطين أو الشيطان كما تقدم، والتقدير: وإخوان الشياطين ~~يمدهم الشيطان، وعلى هذا الوجه فالخبر جار على غير من هو له في ~~المعنى، ألا ترى أن الإمداد مسند إلى الشياطين في المعنى وهو في اللفظ ~~خبر عن إخوانهم ومثله: [البسيط] # 2663 - قوم إذا الخيل جالوا في كواثبها # .......................... # وقد تقدم البحث في هذا مع مكي وغيره من حيث جريان الفعل على غير من هو ~~له، ولم يبرز ضمير. # وهذا التأويل الذي ذكرناه: هو قول الجمهور وعليه عامة المفسرين. # قال الزمخشري: هو أوجه؛ لأن إخوانهم في مقابلة: " الذين ~~اتقوا ". # الثاني: أن المراد بالإخوان الشياطين، وبالضمير المضاف إليه: ~~الجاهلون، أو غير المتقين لأن الشيء يدل على مقابله، والواو تعود ~~على الإخوان، والضمير المنصوب يعود على الجاهلين، أو غير المتقين؛ ~~والمعنى: والشياطين الذين هم إخوان الجاهلين أو غير المتقين يمدون ~~الجاهلين أو غير المتقين في الغي، والخبر في هذا الوجه جار على من ~~هو له ms4200 لفظا ومعنى، وهذا تفسير قتادة. # الثالث: أن يعود الضمير المجرور والمنصوب على الشياطين، والمرفوع على ~~الإخوان وهم الكفار. # قال ابن عطية: ويكون المعنى: وإخوان الشياطين في الغي بخلاف ~~الإخوة في الله يمدون الشياطين أي: بطاعتهم لهم وقبولهم منهم، ~~ولا يترتب هذا التأويل على أن يتعلق في الغي بالإمداد؛ لأن ~~الإنس لا يغوون الشياطين، يعني يكون في الغي حالا من المبتدأ، أي: ~~وإخوانهم حال كونهم مستقرين في الغي، وفي مجيء الحال من المبتدأ خلاف، ~~والأحسن أن يتعلق بما تضمنه إخوانهم من معنى المؤاخاة والأخوة، ~~وسيأتي فيه بحث لأبي حيان. # قال أبو حيان: ويمكن أن يتعلق في الغي على هذا التأويل ب: ~~يمدونهم على جهة السببية، أي: يمدونهم بسبب غوايتهم، نحو: دخلت ~~امرأة النار في هرة، أي: بسبب هرة، ويحتمل أن يكون في ~~الغي حالا، فيتعلق بمحذوف أي: كائنين في الغي، فيكون في الغي في ~~موضعه، ولا يتعلق ب: إخوانهم وقد جوز ذلك ابن عطية. # وعندي في ذلك نظر. # فلو قلت: مطعمك زيد لحما، مطعمك لحما زيد، فتفصل بين ~~المبتدأ ومعموله بالخبر، لكان في جوازه نظر، لأنك فصلت بين العامل ~~والمعمول بأجنبي لهما معا، وإن كان ليس أجنبيا لأحدهما وهو المبتدأ. # قال شهاب الدين: ولا يظهر منع هذا ألبتة لعدم أجنبيته وقرأ نافع ~~يمدونهم بضم الياء وكسر الميم من أمد والباقون: بفتح الياء وضم ~~الميم، وقد تقدم الكلام على هذه المادة هل هما بمعنى واحد أم بينهما فرق ~~في أوائل الكتاب [البقرة: 155]. # فقيل: أمد ومد لغتان. # وقيل: مد معناه: جذب، وأمد معناه من: الإمداد. # قال الواحدي عامة ما جاء في التنزيل مما يحمد ويستحب أمددت على ~~أفعلت، كقوله # أنما نمدهم به من مال وبنين # [المؤمنون: 55] وقوله # وأمددناهم بفاكهة # [الطور: 22] # أتمدونن بمال # [النمل: 36] وما كان بخلافه فإنه يجيء على: مددت؛ قال تعالى: # ويمدهم في طغيانهم يعمهون # [البقرة: 15] فالوجه ههنا قراءة العامة، ومن ضم الياء استعمل ما هو ~~الخير لضده كقوله # فبشرهم بعذاب أليم # [آل عمران: 21] وقرأ الجحدري: يمادونهم من: ماده بزنة: فاعله، ~~وقرأ ms4201 العامة يقصرون من: أقصر، قال الشاعر: [الطويل] # 2664 - لعمرك ما قلبي إلى أهله بحر # ولا مقصر يوما فيأتيني بقر # وقال امرؤ القيس: [الطويل] # 2665 - سما لك شوق بعد ما كان أقصرا # وحلت سليمى بطن قو فعرعرا # أي: ولا نازع مما هو فيه، وارتفع شوقك بعد ما كان قد نزع وأقلع، وقرأ ~~عيسى ابن عمر، وابن أبي عبلة " ثم لا يقصرون " بفتح الياء من: ~~قصر، أي: لا ينقصون من إمدادهم وهذه الجملة أعني: " وإخوانهم ~~يمدونهم " زعم الزجاج: أنها متصلة بالجملة من قوله # ولا يستطيعون لهم نصرا # [الأعراف: 192] وهو تكلف بعيد. # وقوله " في الغي " قد تقدم أنه يجوز أن يكون متعلقا بالفعل، أو ~~ب " إخوانهم " أو بمحذوف على أنه حال إما من " إخوانهم " وإما من ~~واو " يمدونهم " وإما من مفعوله. # فصل # قال الليث: الإقصار: الكف عن الشيء، وأقصر فلان عن الشيء ~~يقصر إقصارا إذا كف عنه وانتهى. # قال ابن عباس: ثم لا يقصرون عن الضلال والإضلال، أما ~~الغاوي ففي الضلال، وأما المغوي ففي الإضلال. قال الكلبي لكل كافر ~~أخ من الشياطين يمدونهم أي: يطيلون لهم في الإغواء حتى ~~يستمروا عليه. # وقيل: يزيدونهم في الضلالة. # قوله { وإذا لم تأتهم بآية } يعني إذا لم تأت المشركين ~~بآية { قالوا لولا اجتبيتها } أي: هلا افتعلتها، ~~وأنشأتها من قبل نفسك، والاجتباء: افتعال من: جباه يجبيه، أي: يجمعه ~~مختارا له، ولهذا يقال: اجتبيت الشيء، أي: اخترته. # وقال الزمخشري: اجتبى الشيء، بمعنى جباه لنفسه، أي جمعه، كقولك: ~~اجتمعه أو جبي إليه، فاجتباه: أي أخذه، كقولك: جليت له العروس ~~فاجتلاها، والمعنى هلا اجتمعتها افتعالا من عند نفسك. # قال الفراء: تقول العرب: اجتبيت الكلام واختلقته وارتجلته إذا افتعلته ~~من قبل نفسك؛ لأنهم كانوا يقولون: # إن هذا إلا إفك افتراه # [الفرقان: 4] أو يقال: هلا اقترحتها على إلهك إن كنت صادقا، وأن ~~الله تعالى يقبل دعاءك ويجيب التماسك وذلك أنهم كانوا يطلبون منه ~~آيات معينة على سبيل التعنت كقوله: # لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا # [الإسراء: 90]. وعند هذا أمر رسوله ms4202 أن يجيبهم بالجواب الشافي، فقال: { ~~قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي } أي ليس علي ~~أن أقترح على ربي وإنما أنا أنتظر الوحي. # ثم بين أن عدم الإتيان بتلك المعجزات التي اقترحها لا يقدح في ~~الغرض؛ لأن ظهور القرآن على وفق دعواه معجزة قاهرة، فهي كافية في تصحيح ~~النبوة، فطلب الزيادة تعنت؛ فلا جرم قال: قل هذا يعني: القرآن بصائر ~~حجج، وبيان، وبرهان لذوي العقول في دلائل التوحيد، والنبوة، والمعاد، ~~والبصائر: جمع بصيرة، وأصلها ظهور الشيء واستحكامه حتى يبصر الإنسان ~~فيهتدي به، أي: هذه دلائل تقودكم إلى الحق؛ فأطلق على القرآن لفظ ~~البصيرة تسمية للسبب باسم المسبب. # قال أبو حيان: وأطلق على القرآن بصائر إما مبالغة؛ وإما لأنه ~~سبب البصائر، وإما على حذف مضاف أي: ذو بصائر ثم قال: وهدى والفرق ~~بين هذه المرتبة وما قبلها أن الناس في معارف التوحيد، والنبوة ~~والمعاد ثلاثة أقسام: # إحداها: الذين بلغوا في هذه المعارف بحيث صاروا كالمشاهدين لها، وهم ~~أصحاب عين اليقين. # والثاني: الذين بلغوا إلى ذلك الحد إلا أنهم وصلوا إلى درجات ~~المستدلين، وهم أصحاب علم اليقين فالقرآن في حق الأولين وهم ~~السابقون بصائر، وفي حق القسم الثاني هدى، وفي حق عامة المؤمنين ~~رحمة، ولما كانت الفرق الثلاث من المؤمنين قال: " قوم يؤمنون ". ### || [7.204-206] # قوله تعالى: { وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له } الآية. # لما عظم شأن القرآن بقوله: " هذا بصائر " أردفه بقوله: { ~~وإذا قرىء القرآن }. # قوله له متعلق ب: استمعوا على معنى لأجله، والضمير للقرآن، وقال ~~أبو البقاء: يجوز أن يكون بمعنى لله، أي لأجله فأعاد الضمير على الله ~~وفيه بعد، وجوز أيضا أن تكون اللام زائدة: أي فاستمعوه، وقد ~~تقدم أن هذا لا يجوز عند الجمهور إلا في موضعين إما تقديم ~~المعمول، أو كون العامل فرعا، وجوز أيضا أن تكون بمعنى إلى، ولا ~~حاجة إليه. # قوله " وأنصتوا " الإنصات: السكوت للاستماع. قال الكميت: [الطويل] # 2666 - أبوك الذي أجدى علي بنصره # فأنصت عني بعده كل قائل # قال الفراء: ويقال: نصت وأنصت بمعنى واحد، ms4203 وقد جاء أنصت متعديا. # فصل # فقوله: { فاستمعوا له وأنصتوا } أمر، وظاهر الأمر للوجوب، ~~فيقتضي أن يكون الاستماع والسكوت واجبا ولعله يجوز أن تكون بحسب ~~المخاطبين، وأن تكون للتعليل وفيه أقوال. # أحدها: قال الحسن وأهل الظاهر: يجب الاستماع والإنصات لكل قارىء، ~~سواء كان معلم صبيان أو قارىء طريق. # الثاني: تحريم الكلام في الصلاة. # قال أبو هريرة: كانوا يتكلمون في الصلاة فنزلت هذه الآية، فأمروا ~~بالإنصات. # وقال قتادة: كان الرجل يأتي وهم في الصلاة، فيسألهم: كم ~~صليتم وكم بقي؟ وكانوا يتكلمون في الصلاة بحوائجهم فأنزل الله ~~هذه الآية. # الثالث: نزلت في ترك الجهر بالقراءة وراء الإمام. # قال ابن عباس: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة ~~المكتوبة، وقرأ أصحابه وراءه رافعين أصواتهم؛ فخلطوا عليهم فنزلت هذه ~~الآية، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه. # وقال الكلبي: كانوا يرفعون أصواتهم في الصلاة حين يسمعون ذكر الجنة ~~والنار، وعن ابن مسعود أنه سمع ناسا يقرءون مع الإمام فلما انصرف، ~~قال: أما آن لكم أن تفقهوا " وإذا قرىء فاستمعوا له وأنصتوا " ~~وهو قول الحسن والزهري والنخعي وقال سعيد بن جبير، وعطاء، ومجاهد: إن ~~الآية في الخطبة، أمروا بالإنصات لخطبة الإمام يوم الجمعة، وهذا بعيد ~~لأن الآية مكية والجمعة وجبت بالمدينة. # فصل # اختلفوا في القراءة خلف الإمام في الصلاة، فروي عن عمر، وعثمان، ~~وعلي، وابن عباس ومعاذ، وجوب القراءة سواء جهر الإمام بالقراءة أو ~~أسر، وهو قول الأوزاعي، والشافعي؛ وروي عن ابن عمر، وعروة بن الزبير، ~~والقاسم بن محمد: أن المأموم يقرأ فيما أسر الإمام فيه، ولا يقرأ إذا ~~جهر، وبه قال الزهري: ومالك، وابن المبارك، وأحمد وإسحاق، وروي عن جابر ~~أن المأموم لا يقرأ سواء أسر الإمام أم جهر، وبه قال الثوري، وأصحاب ~~الرأي، وتمسك من لا يرى القراءة خلف الإمام بظاهر هذه الآية، ومن أوجبها ~~قال: الآية في غير الفاتحة، ويقرأ الفاتحة في سكتات الإمام ولا ينازع ~~الإمام في القراءة. # قوله تعالى: { واذكر ربك في نفسك } الآية. # قال ابن عباس: يعني بالذكر: القراءة في ms4204 الصلاة، يريد يقرأ سرا في ~~نفسه. # قوله " تضرعا وخيفة " في نصبهما وجهان: # أظهرهما: أنهما مفعولان من أجلهما، لأنه يتسبب عنهما الذكر. ~~والثاني: أن ينتصبا على المصدر الواقع موقع الحال، أي: متضرعين خائفين، ~~أو ذوي تضرع وخيفة. # وقرىء " وخفية " بتقديم الفاء، وقيل: هما مصدران للفعل من معناه لا ~~من لفظه ذكره أبو البقاء. وهو بعيد. # قوله: " ودون الجهر " قال أبو البقاء: معطوف على تضرع، ~~والتقدير، ومقتصدين. وهذا ضعيف؛ لأن دون ظرف لا يتصرف على ~~المشهور، قال فالذي ينبغي أن يجعل صفة لشيء محذوف ذلك المحذوف هو الحال، ~~كما قدره الزمخشري فقال: ودون الجهر ومتكلما كلاما دون ~~الجهر، لأن الإخفاء أدخل في الإخلاص، وأقرب إلى حسن التفكر. # فصل # معنى تضرعا وخيفة أي: تتضرع إلي وتخاف مني، هذا في صلاة ~~السر وقوله ودون الجهر أراد في صلاة الجهر لا تجهر جهرا ~~شديدا، بل في خفض وسكون تسمع من خلفك. # وقال مجاهد وابن جريج: أمروا أن يذكروه في الصدور بالتضرع في ~~الدعاء والاستكانة دون رفع الصوت والصياح في الدعاء. # قوله بالغدو والآصال متعلق ب: اذكر أي: اذكره في هذين ~~الوقتين وهما عبارة عن الليل والنهار. # ومعناهما: البكرات والعشيات. # وقال أبو البقاء: بالغدو متعلق ب: ادعو وهو سبق لسان، أو قلم، ~~إذ ليس نظم القرآن كذا، والغدو: إما جمع غدوة، ك: قمح وقمحة، وعلى ~~هذا فيكون قد قابل الجمع بالجمع المعنوي. # وقيل هو مصدر، قال تعالى: # غدوها شهر # [سبأ: 12] فيقدر زمان مضاف إليه حتى يتقابل زمان مجموع بمثله ~~تقديره: بأوقات الغدو، والآصال جمع: أصل، وأصل جمع: أصيل، فهو جمع ~~الجمع ولا جائز أن يكون جمعا ل: أصيل، لأن فعيلا، لا يجمع على ~~أفعال وقيل: هو جمع ل: أصيل، وفعيل يجمع على أفعال نحو: يمين ~~وأيمان، وقيل: آصال جمع ل: أصل، وأصل مفرد، ثبت ذلك من لغتهم، وهو ~~العشي وفعل يجمع على " أفعال " قالوا: عنق وأعناق، وعلى هذا ~~فلا حاجة إلى دعوى أنه جمع الجمع، ويجمع على " أصلان " ك: رغيف ~~ورغفان، ويصغر على لفظه؛ كقوله: [البسيط] ms4205 # 2667 - وقفت فيها أصيلانا أسائلها # عيت جوابا وما بالربع من أحد # واستدل الكوفيون بقولهم: أصيلان على جواز تصغير جمع الكثرة بهذا ~~البيت، وتأوله البصريون على أنه مفرد، وتبدل نونه لاما. ~~ويروى أصيلا كي. # وقرأ أبو مجلز واسمه: لاحق بن حميد السدوسي البصري: والإيصال ~~مصدر: آصل أي: دخل في الأصيل، والأصيل: ما بين العصر والمغرب. # ثم قال تعالى { ولا تكن من الغافلين } والمراد منه أن ~~العبد يجب أن يكون ذاكرا لله تعالى في كل الأوقات لأنه حثه على ~~الذكر الغدوات وبالعشيات ثم عمم بقوله: { ولا تكن من ~~الغافلين } يعني أن الذكر القلبي يجب أن يكون دائما، وأن لا يغفل ~~الإنسان عنه لحظة واحدة بحسب الإمكان. # قوله: { إن الذين عند ربك } يعني الملائكة المقربين: " لا ~~يستكبرون " لا يتكبرون عن عبادته. لما رغب رسوله في الذكر ~~ذكر عقيبه ما يقوي دواعيه فقال: { إن الذين عند ربك } أي أن ~~الملائكة مع نهاية شرفهم وغاية طهارتهم وبراءتهم من بواعث الشهوة ~~والغضب، والحقد، والحسد، مواظبون على العبودية والسجود، ~~والخضوع، فالإنسان المبتلى بظلمات عالم الجسمانيات ومستعدا للذات ~~البشرية أولى بالمواظبة على الطاعة، والمراد بالعندية القرب ~~بالشرف # واستدلوا بهذه الآية على أن الملائكة أفضل من البشر، لأنه ~~تعالى لما أمر رسوله بالعبادة والذكر قال: { إن الذين عند ربك لا ~~يستكبرون عن عبادته } أي: فأنت أحق وأولى بالعبادة، وهذا إنما ~~يصح إذا كانت الملائكة أفضل منه. # قوله: " ويسبحونه " أي: ينزهونه ويقولون سبحان الله: " وله ~~يسجدون ". # فإن قيل كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله: # فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس # [الحجر: 31،30] والمراد أنهم سجدوا لآدم؟ # فالجواب: قال بعض العلماء: الذين سجدوا لآدم - عليه السلام - ~~ملائكة الأرض، وأما ملائكة السموات فلا، وقيل: إن قوله " وله ~~يسجدون " يفيد أنهم ما سجدوا لغير الله بهذا العموم، وقوله: ~~فسجدوا لآدم خاص والخاص مقدم على العام. # فصل # روى أبو صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ~~ويله! ms4206 أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود ~~فعصيت فلي النار ". # وعن معدان قال: # " سألت ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: حدثني حديثا ~~ينفعني الله به. # قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من عبد يسجد ~~لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة ". # وروي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من قرأ سورة الأعراف جعل الله بينه وبين إبليس سترا وكان ~~آدم شفيعا له يوم القيامة قريبا منه ". ### | [8 - سورة الأنفال] ### || [8.1] # قوله تعالى { يسألونك عن الأنفال } الآية. # فاعل: يسأل يعود على معلوم، وهم من حضر بدرا، وسأل تارة ~~تكون لاقتضاء معنى في نفس المسئول فتتعدى ب " عن " كهذه الآية؛ ~~وكقول الشاعر: [الطويل] # 2668 - سلي - إن جهلت - الناس عنا وعنهم # فليس سواء عالم وجهول # وقد تكون لاقتضاء مال ونحوه؛ فتتعدى لاثنين، نحو: سألت زيدا ~~مالا، وقد ادعى بعضهم: أن السؤال هنا بهذا المعنى. # وزعم أن " عن " زائدة، والتقدير: يسألونك الأنفال، وأيد قوله ~~بقراءة سعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وعلي بن الحسين، وزيد ولده، ومحمد ~~الباقر ولده أيضا، وولده جعفر الصادق، وعكرمة وعطاء " يسألونك ~~الأنفال " دون " عن ". # والصحيح أن هذه القراءة على إرادة حرف الجر، وقال بعضهم: " عن " ~~بمعنى " من ". وهذا لا ضرورة تدعو إليه. # وقرأ ابن محيصن " علنفال " والأصل، أنه نقل حركة الهمزة إلى ~~لام التعريف، ثم اعتد بالحركة العارضة، فأدغم النون في اللام ~~كقوله: # وقد تبين لكم # [العنكبوت: 28] وقد تقدم ذلك في قوله # عن الأهلة # [البقرة: 189]. # والأنفال: جمع: نفل، وهي الزيادة على الشيء الواجب، وسميت ~~الغنيمة نفلا، لزيادتها على الحوزة. # قال لبيد: [الرمل] # 2669 - إن تقوى ربنا خير نفل # وبإذن الله ريثي وعجل # وقال آخر: [الكامل] # 2670 - إنا إذا أحمر الوغى نروي القنا # ونعف عند تقاسم الأنفال # وقيل: سميت الأنفال؛ لأن المسلمين فضلوا بها على سائر الأمم. # وقال الزمخشري: والنفل ما ينفله الغازي، أي: يعطاه، زيادة على ~~سهمه من المغنم، وقال الأزهري " النفل، ms4207 والنافلة ما كان زيادة ~~على الأصل، وسميت الغنائم أنفالا؛ لأن المسلمين فضلوا بها ~~على سائر الأمم، وصلاة التطوع نافلة؛ لأنها زيادة على الفرض " وقال ~~تعالى: # ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة # [الأنبياء: 72] أي: زيادة على ما سأل. # قال القرطبي: النفل - بتحريك الفاء - والنفل: اليمين، ومنه ~~النفل في الحديث " فتبرئكم يهود بنفل خمسين منهم " والنفل: ~~الانتفاء، ومنه الحديث فانتفل من ولده. والنفل: نبت معروف. # فصل # في هذا السؤال قولان: # أحدهما: أنهم سألوا عن حكم الأنفال، كيف تصرف؟ ومن المستحق لها؟ ~~نظيره قوله تعالى: # ويسألونك عن المحيض # [البقرة: 222] و # ويسألونك عن اليتامى # [البقرة: 220] فقال في المحيض: # قل هو أذى فاعتزلوا النسآء في المحيض # [البقرة: 222] وقال في التيامى # قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم # [البقرة: 220]. فأجابهم بالحكم المعين في كل واقعة فدل الجواب ~~المعين على أن السؤال كان عن مخالطة النساء في المحيض، وعن التصرف ~~في مال اليتامى ومخالطتهم في المؤاكلة. # الثاني: هذا سؤال استعطاء، و " عن " بمعنى " من " ، وهذا قول عكرمة ~~كما تقدم في قراءته. # فأما القول الأول: وهو أن السؤال كان عن حكم الأنفال ومصرفها، فهو ~~قول أكثر المفسرين لأن قوله { قل الأنفال لله والرسول } ~~[الأنفال: 1] يدل على أن المقصود منه منع القوم عن المخاصمة ~~والمنازعة. # وقوله: { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } يدل ~~على أن السؤال كان بعد وقوع الخصومة بينهم، وقوله: { وأطيعوا ~~الله ورسوله إن كنتم مؤمنين } يدل على ذلك أيضا. ~~وإذا عرف ذلك فيحتمل أن يكون المراد بهذه الأنفال قسمة الغنائم، وهي ~~الأموال المأخوذة من الكفار قهرا، ويحتمل أن يكون المراد غيرها. # أما الأول ففيه وجوه: # أحدها: أنه عليه الصلاة والسلام قسم ما غنموه يوم بدر على من حضر ~~وعلى أقوام لم يحضروا أيضا، وهم ثمانية أنفس: ثلاثة من المهاجرين، ~~وخمسة من الأنصار، فالمهاجرون: عثمان - رضي الله عنه - تركه عليه الصلاة ~~والسلام على ابنته وكانت مريضة، وطلحة وسعيد بن زيد فإنه عليه ~~الصلاة والسلام بعثهما للتجسس عن خبر العدو وخرجا في طريق الشام. # وأما الأنصار: فأبو كنانة بن عبد ms4208 المنذر، وخلفه النبي صلى الله عليه ~~وسلم على المدينة، وعاصم خلفه على العالية، والحارث بن حاطب: رده من ~~الروحاء إلى عمر بن عوف لشيء بلغه عنه والحارث بن الصمة أصابته علة ~~بالروحاء، وخوات بن جبير، فهؤلاء لم يحضروا، وضرب لهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم في تلك الغنائم بسهم، فوقع من غيرهم فيه منازعة، فنزلت هذه ~~الآية. # ثانيها: روي أن الشباب يوم بدر قتلوا وأسروا، والأشياخ وقفوا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في المصاف فقال الشبان: الغنائم لنا ~~لأن قتلنا وأسرنا وهزمنا. فقال سعد بن معاذ: والله ما منعنا أن نطلب ما ~~طلب هؤلاء زهادة في الأجر ولا جبن عن العدو، ولكن كرهنا أن تعرى مصافك، ~~فتعطف عليك خيل من المشركين فيصيبوك. # وروي أن الأشياخ قالوا: كنا ردءا لكم ولو انهزمتم لانحزتم ~~إلينا، فلا تذهبوا بالغنائم، فوقعت المخاصمة بهذا السبب فنزلت هذه ~~الآية. # وثالثها: قال الزجاج: " الأنفال الغنائم، وإنما سألوا عنها؛ لأنها ~~كانت حراما على من كان قبلهم ". # وهذا ضعيف؛ لأن بينا في هذا السؤال أنه كان مسبوقا بمنازعة ~~ومخاصمة، وعلى قول الزجاج يكون السؤال عن طلب حكم فقط. # وأما الاحتمال الثاني: وهو أن يكون المراد بالأنفال شيئا سوى ~~الغنائم، وعلى هذا أيضا فيه وجوه: # أحدها: قال ابن عباس في بعض الروايات: " المراد بالأنفال ما شذ عن ~~المشركين إلى المسلمين من غير قتال من أموالهم، فهو إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم يضعه حيث يشاء ". # وثانيها: الأنفال: الخمس، وهو قول مجاهد. # قال القوم إنما سألوه عن الخمس فنزلت الآية. # وثالثها: أن الأنفال هي السلب الذي يأخذه الغازي زائدا على سهمه من ~~المغنم ترغيبا له في القتال كقول الإمام: من قتل قتيلا فله ~~سلبه وقوله للسرية " ما أصبتم فهو لكم، أو فلكم نصفه أو ربعه " ~~ولا يخمس النفل. # وعن سعد بن أبي وقاص قال: # " قتل أخي عمير يوم بدر فقتلت به سعد بن العاص بن أمية وأخذت سيفه، ~~وكان يسمى ذا الكتيفة فأعجبني فجئت به إلى رسول الله صلى ms4209 الله عليه ~~وسلم، فقلت له: إن الله شفى صدري من المشركين فهب لي هذا السيف، فقال: ~~" ليس هو لي، ولا لك اطرحه في القبض " فطرحته ورجعت، وبي ما لا يعلمه ~~إلا الله من قتل أخي، وأخذ سلبي، وقلت وعسى أن يعطي هذا من لم يبل ~~بلائي، فما جاوزت إلا قليلا حتى جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقد أنزل الله { يسألونك عن الأنفال } فقال: يا سعد إنك ~~سألتني السيف، وليس لي، وإنه قد صار لي فخذه ". # قال القاضي: " وكل هذه الوجوه تحتمله الآية، وليس فيها دلالة على ~~ترجيح بعضها على البعض. # فإن صح دليل على اليقين قضي به، وإلا فالكل محتمل، وإرادة ~~الجميع جائزة فلا تناقض فيها ". # قوله: { قل الأنفال لله والرسول } أي: حكمها لله ~~ورسوله يقسمانها كما شاءا. # قال مجاهد، وعكرمة، والسدي: إنها نسخت بقوله: # فأن لله خمسه وللرسول # [الأنفال: 41]. # وهو قول ابن عباس في بعض الروايات. # وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هي ثابتة غير منسوخة، ومعنى الآية: قل ~~الأنفال لله في الدنيا والآخرة، وللرسول يضعها حيث أمره الله، أي: ~~الحكم فيها لله ورسوله، وقد بين الله مصارفها في قوله: # واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه # [الأنفال: 41] الآية. # قوله: { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } وتقدم ~~الكلام على ذات في آل عمران، وهي هنا صفة لمفعول محذوف تقديره: ~~وأصلحوا أحوالا ذات افتراقكم وذات وصلكم أو ذات المكان المتصل بكم، ~~فإن " بين " قد قيل: إنه يراد به هنا: الفراق أو الوصل، أو ~~الظرف، وقال الزجاج وغيره: إن ذات هنا بمنزلة حقيقة الشيء ونفسه، ~~وقد أوضح ذلك ابن عطية. # وقال أبو حيان: " والبين الفراق، وذات نعت لمفعول محذوف، أي: ~~وأصلحوا أحوالا ذات افتراقكم، لما كانت الأحوال ملابسة للبين أضيفت ~~صفتها إليه، كما تقول: اسقني ذا إنائك، أي: ماء صاحب إنائك، لما لابس ~~الماء الإناء وصف ب " ذا " وأضيف إلى الإناء، والمعنى: اسقني ما ~~في الإناء من الماء ". # قوله: { إن كنتم مؤمنين }. # قال ابن عطية: جواب الشرط المتقدم ms4210 في قوله وأطيعوا هذا مذهب سيبويه، ~~ومذهب المبرد: أن الجواب محذوف متأخر، ومذهبه في هذا ألا يتقدم ~~الجواب على الشرط وهذا الذي ذكره نقل الناس خلافه، نقلوا جواز تقديم ~~جواب الشرط عليه عن الكوفيين، وأبي زيد، وأبي العباس، والله أعلم. # ويجوز أن يكون للمبرد قولان، وكذا لسيبويه؛ لأن قوله: { قل ~~الأنفال لله والرسول } يقتضي أن تكون الغنائم كلها للرسول. # ومعنى الآية: اتقوا الله بطاعته وأصلحوا الحال بينكم بترك ~~المنازعة، والمخالفة، وتسليم أمر القسمة إلى الله والرسول: { ~~وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين } أي: إن ~~الإيمان الذي دعاكم الرسول إليه لا يتم إلا بالتزام الطاعة، فاحذروا ~~الخروج والمخالفة، واحتج من قال: ترك الطاعة يوجب زوال الإيمان بهذه ~~الآية؛ لأن المعلق بكلمة " إن " على الشيء عدم عند عدم الشيء. ### || [8.2] # قوله تعالى: { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله ~~وجلت قلوبهم } الآية. # لما بين أن الإيمان لا يحصل إلا بالطاعة قال: { إنما ~~المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } ~~يقال: " وجل " الماضي بالكسر " يوجل " بالفتح، وفيه لغة أخرى، ~~قرىء بها في الشاذ وجلت بفتح الجيم في الماضي وكسرها في المضارع، ~~فتحذف الواو، ك: وعد يعد، ويقال في المشهورة: وجل يوجل، ومنهم ~~من يقول " ياجل " بقلب الواو ألفا، وهو شاذ؛ لأنه قلب حرف ~~العلة بأحد السببين وهو انفتاح ما قبل حرف العلة دون تحركه وهو ~~نظير " طائي " في النسب إلى " طيىء ". # ومنهم من يقول: " يبجل " بكسر حرف المضارعة، فتقلب الواو ياء، ~~لسكونها وانكسار ما قبلها، وقد تقدم في أول الكتاب أن من العرب من ~~يكسر حرف المضارعة بشروط منها: أن لا يكون حرف المضارعة ياء إلا ~~في هذه اللفظة، وفي أبي يئبى. ومنهم من ركب من هاتين اللغتين ~~لغة أخرى وهي فتح الياء وقلب الواو ياء، فقال " ييجل " فأخذ قلب ~~الواو ممن كسر حرف المضارعة، وأخذ فتح الياء من لغة الجمهور. # والوجل: الفزع. # وقيل: استشعار الخوف يقال منه: وجل يوجل، وياجل، وييجل، ~~وييجل، وجلا فهو وجل. # فصل # معنى الآية: إنما المؤمنون الصادقون في إيمانهم: ms4211 { الذين إذا ذكر ~~الله وجلت قلوبهم } خافت وفرقت، وقيل: إذا خوفوا بالله انقادوا ~~خوفا من عقابه. { وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا } وتصديقا ~~ويقينا، قال عمر بن حبيب وكانت له صحبة: إن للإيمان زيادة ونقصانا، ~~قيل فما زيادته؟ قال: إذا ذكرنا الله وحمدناه فذلك زيادته، وإذا سهونا ~~وغفلنا فذلك نقصانه. # وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن عدي: " إن للإيمان فرائض وشرائع ~~وحدودا وسننا، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل ~~الإيمان ". # ثم قال: { وعلى ربهم يتوكلون } يفوضون إليه أمورهم، ويثقون به، ولا ~~يرجون غيره، فالتقديم يفيد الاختصاص، أي: عليه لا على غيره، وهذه ~~الجملة يحتمل أن يكون لها محل من الإعراب، وهو النصب على الحال ~~من مفعول: زادتهم، ويحتمل أن تكون مستأنفة، ويحتمل أن تكون معطوفة على ~~الصلة قبلها، فتدخل في حيز الصلات المتقدمة. وعلى الوجهين فلا ~~محل لها من الإعراب. ### || [8.3-4] # قوله: { الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم } ذكر ~~الصلاة؛ لأنها رأس الطاعات الظاهرة ثم بذل المال في مرضاة الله؛ ~~فيدخل فيه الزكاة والصدقات، والنفقة في الجهاد، وعلى المساجد ~~والقناطر. # قال المعتزلة: أجمعت الأمة على أنه لا يجوز الإنفاق من الحرام، ~~فدل على أن الحرام لا يكون رزقا وقد تقدم البحث فيه. وقوله: " ~~الذين يقيمون " يجوز في هذ الموصول أن يكون مرفوعا على النعت ~~للموصول أو على البدل، أو على البيان له، وأن يكون منصوبا على القطع ~~المشعر بالمدح. # قوله: { أولئك هم المؤمنون حقا } يجوز في حقا أن ~~يكون صفة لمصدر محذوف، أي: هم المؤمنون إيمانا حقا، ويجوز أن يكون ~~مؤكدا لمضمون الجملة، كقولك: هو عبد الله حقا، والعامل فيه على كلا ~~القولين مقدر، أي: أحقه حقا، ويجوز وهو ضعيف جدا أن يكون ~~مؤكدا لمضمون الجملة الواقعة بعده وهي: لهم درجات ويكون الكلام ~~قد تم عند قوله: هم المؤمنون ثم ابتدأ ب { حقا لهم درجات } ~~وهذا إنما يجوز على رأي ضعيف، أعني تقديم المصدر المؤكد لمضمون جملة ~~عليها. # قوله: عند ربهم يجوز أن يكون متعلقا ب ms4212 " درجات " ، لأنها ~~بمعنى أجور، وأن يتعلق بمحذوف؛ لأنها صفة ل " درجات " أي: ~~استقرت عند ربهم، وأن يتعلق بما تعلق به لهم من الاستقرار. # فصل # قوله: { أولئك هم المؤمنون حقا } أي: يقينا، قال ~~ابن عباس: برءوا من الكفر، قال مقاتل: حقا لا شك في إيمانهم، ~~وفيه دليل على أنه ليس لكل أحد أن يصف نفسه بكونه مؤمنا حقا؛ لأن ~~الله تعالى إنما وصف بذلك أقواما مخصوصين على أوصاف مخصوصة، وكل ~~أحد لا يتحقق وجود ذلك الأوصاف فيه وقال ابن أبي نجيح: سأل رجل ~~الحسن فقال: أمؤمن أنت؟ فقال: إن كنت تسألني عن الإيمان بالله ~~وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والجنة، والنار، والبعث، ~~والحساب، فأنا بها مؤمن وإن كنت تسألني عن قوله: # إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم # [الأنفال: 2] الآية، فلا أدري أمنهم أنا أم لا؟. وقال علقمة: كنا في ~~سفر فلقينا قوما فقلنا: من القوم؟ فقالوا: نحن المؤمنون حقا، فلم ندر ~~ما نجيبهم حتى لقينا عبد الله بن مسعود، فأخبرناه بما قالوا: قال: فما ~~رددتم عليهم؟ قلنا: لم نرد عليهم شيئا، قال: أفلا قلتم أمن أهل ~~الجنة أنتم؟ إن المؤمنين أهل الجنة. # وقال سفيان الثوري: من زعم أنه مؤمن حقا عند الله، ثم لم يشهد ~~أنه في الجنة فقد آمن بنصف الآية دون النصف. # ثم قال تعالى: { لهم درجات عند ربهم } قال عطاء: بمعنى: ~~درجات الجنة يرتقونها بأعمالهم، قال الربيع بن أنس: سبعون درجة بين ~~كل درجتين حضر الفرس المضمر سبعين سنة " ومغفرة " لذنوبهم ورزق ~~كريم حسن. # قال الواحدي: قال أهل اللغة: الكريم: اسم جامع لكل ما يحمد ~~ويستحسن، والكريم المحمود فيما يحتاج إليه فالله تعالى موصوف بأنه ~~كريم، والقرآن موصوف بأنه كريم، قال تعالى: # إنه لقرآن كريم # [الواقعة: 77] وقال تعالى: # من كل زوج كريم # [الشعراء: 7] # وندخلكم مدخلا كريما # [النساء: 31] وقال: # وقل لهما قولا كريما # [الإسراء: 23] فالرزق الكريم هو الشريف الفاضل الحسن. ### || [8.5] # في قوله { كمآ أخرجك } عشرون وجها: # أحدها: أن الكاف نعت لمصدر محذوف تقديره: الأنفال ثابتة لله ms4213 ~~ثبوتا كما أخرجك، أي: ثبوتا بالحق كإخراجك من بيتك بالحق، يعني لا ~~مرية في ذلك، ووجه هذ التشبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى ~~كثرة المشركين يوم بدر، وقلة المؤمنين قال: من قتل قتيلا فله كذا، ~~ومن أسر أسيرا فله كذا، ليرغبهم في القتال، فلما انهزم ~~المشركون قال سعد: يا رسول الله إن جماعة من أصحابك وقومك فدوك ~~بأنفسهم، ولم يتأخروا عن القتال جبنا، ولا بخلا ببذل مهجتهم، ~~ولكنهم أشفقوا عليك من أن تغتال، فمتى أعطيت هؤلاء ما سميته لهم؛ ~~بقي خلق من المسلمين بغير شيء؛ فأنزل الله تعالى: # يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول # [الأنفال: 1] يصنع فيها ما يشاء، فأمسك المسلمون عن الطلب، وفي أنفس ~~بعضهم شيء من الكراهة وحين خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى القتال يوم ~~بدر كانوا كارهين لتلك المقاتلة على ما سنشرحه، فلما قال: # قل الأنفال لله والرسول # [الأنفال: 1] كان التقدير: أنهم رضوا بهذا الحكم في الأنفال وإن ~~كانوا كارهين له كما أخرجك ربك من بيتك بالحق إلى القتال، وإن كانوا ~~كارهين. # الثاني: قال عكرمة: تقديره: وأصلحوا ذات بينكم إصلاحا كما أخرجك، وقد ~~التفت من خطاب الجماعة إلى خطاب الواحد. # والثالث: تقديره: وأطيعوا الله ورسوله طاعة محققة ثابتة كما ~~أخرجك، أي: كما أن إخراج الله إياك لا مرية فيه ولا شبهة. # الرابع: تقديره: يتوكلون توكلا حقيقيا كما أخرجك ربك. # الخامس: تقديره: هم المؤمنون حقا كما أخرجك، فهو صفة ل " حقا ". # السادس: تقديره: استقر لهم درجات وكذا استقرارا ثابتا كاستقرار ~~إخراجك. # السابع: أنه متعلق بما بعده تقديره: يجادلونك مجادلة: كما أخرجك ~~ربك، قال الكسائي " الكاف " تتعلق بما بعده وهو قوله: # يجادلونك في الحق # [الأنفال: 6] والتقدير: { كمآ أخرجك ربك من بيتك ~~بالحق } على كره فريق من المؤمنين كذلك هم يكرهون القتال ويجادلونك ~~فيه. # الثامن: تقديره: لكارهون كراهية ثابتة: كما أخرجك ربك أي: إن هذين ~~الشيئين الجدال والكراهية ثابتان لا محالة كما أن إخراجك ثابت لا ~~محالة. # التاسع: أن " الكاف " بمعنى " إذ " ، و " ما ms4214 " زائدة، والتقدير: ~~اذكر إذ أخرجك وهذا فاسد جدا، إذ لم يثبت في موضع أن " الكاف " ~~تكون بمعنى " إذ " وأيضا فإن " ما " لا تزاد إلا في مواضع ليس هذا ~~منها. # العاشر: أن " الكاف " بمعنى: " واو " القسم، و " ما " بمعنى " الذي " ~~واقعة على ذي العلم مقسما به. # وقد وقعت على ذي العلم في قوله: # والسمآء وما بناها # [الشمس: 5] # وما خلق الذكر والأنثى # [الليل: 3] والتقدير: والذي أخرجك، ويكون قوله: يجادلونك جواب ~~القسم وهذا قول أبي عبيدة. # وقد رد الناس عليه قاطبة، وقالوا: كان ضعيفا في النحو. ومتى ~~ثبت كون الكاف حرف قسم، بمعنى " الواو "؟ وأيضا فإن: يجادلونك لا ~~يصح كونه جوابا؛ لأنه على مذهب البصريين متى كان مضارعا مثبتا؛ ~~وجب فيه شيئان: اللام، وإحدى النونين نحو: # ليسجنن وليكونا # [يوسف: 32] وعند الكوفيين إما اللام، وإما إحدى النونين، ~~ويجادلونك عار عنهما. # الحادي عشر: أن الكاف بمعنى " على " ، و " ما " بمعنى: الذي، ~~والتقدير: امض على الذي أخرجك، وهو ضعيف؛ لأنه لم يثبت كون الكاف ~~بمعنى " على " ألبتة إلا في موضع يحتمل النزاع كقوله # واذكروه كما هداكم # [البقرة: 198]. # الثاني عشر: أن الكاف في محل رفع، والتقدير: كما أخرجك ربك فاتقوا ~~الله، كأنه ابتداء وخبر. # قال ابن عطية: " وهذا المعنى وضعه هذا المفسر وليس من ألفاظ الآية ~~في ورد ولا صدر ". # الثالث عشر: أنها في موضع رفع أيضا والتقدير: لهم درجات عند ربهم ~~ومغفرة ورزق كريم هذا وعد حق كما أخرجك، وهذا فيه حذف مبتدأ وخبر، ~~ولو صرح بذلك لم يلتئم التشبيه ولم يحسن. # الرابع عشر: أنها في موضع رفع أيضا والتقدير: وأصلحوا ذات بينكم، ~~ذلكم خير لكم، كما أخرجك، فالكاف في الحقيقة نعت لخبر مبتدأ محذوف، ~~وهو ضعيف لطول الفصل بين قوله: " وأصلحوا " ، وبين قوله: " كما ~~أخرجك ". # الخامس عشر: أنها في محل رفع أيضا عى خبر ابتداء مضمر، والمعنى: ~~أنه شبه كراهية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لخروجه من ~~المدينة، حين تحققوا خروج قريش للدفع عن أبي سفيان وحفظ غيره بكراهيتهم ~~لنزع الغنائم من أيديهم، ms4215 وجعلها لله ورسوله، يحكم فيها ما يشاء. واختار ~~الزمخشري هذا الوجه وحسنه. # فقال: " يرتفع محل الكاف على أنه خبر ابتداء محذوف تقديره: هذه الحال ~~كحال إخراجك، يعني أن حالهم في كراهة ما رأيت من تنفيل الغزاة مثل ~~حالهم في كراهة خروجهم للحرب ". وهذا الذي حسنه الزمخشري هو قول ~~الفراء - وقد شرحه ابن عطية بنحو ما تقدم من الألفاظ - فإن ~~الفراء قال: " هذه الكاف شبهت هذه القصة التي هي إخراجه من بيته ~~بالقصة المتقدمة التي هي سؤالهم عن الأنفال ". # السادس عشر: أنها صفة لخبر مبتدأ أيضا، وقد حذف المبتدأ وخبره، ~~والتقدير: قسمتك الغنائم حق كما كان إخراجك حقا. # السابع عشر: أن التشبيه وقع بين إخراجين، أي: إخراج ربك إياك من ~~بيتك، وهو مكة وأنت كاره لخروجك، وكان عاقبة ذلك الإخراج النصر ~~والظفر كإخراجه إياك من المدينة وبعض المؤمنين كاره، يكون عقيب ذلك ~~الخروج الظفر والنصر والخير، كما كان عقيب ذلك الخروج الأول. # الثامن عشر: أن تتعلق الكاف بقوله: " فاضربوا " ، وبسط هذا على ~~ما قاله صاحب هذا الوجه أن تكون الكاف للتشبيه على سبيل المجاز كقول ~~القائل لعبده: كما رجعتك إلى أعدائي فاستضعفوك، وسألت مددا فأمددتك، ~~وأزحت عللك، فخذهم الآن وعاقبهم، كما أحسنت إليك وأجريت عليك الرزق، ~~فاعمل كذا، واشكرني عليه، فتقدير الآية: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ~~وغشاكم النعاس أمنة منه، وأنزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ~~وأنزل عليكم من السماء ملائكة مردفين فاضربوا فوق الأعناق، واضربوا ~~منهم كل بنان. كأنه يقول: قد أزحت عللكم، وأمددتكم بالملائكة، ~~فاضربوا منهم هذه المواضع وهو القتل، لتبلغوا مراد الله في إحقاق ~~الحق، وإبطال الباطل، وهذا الوجه بعد طوله لا طائل تحته لبعده من ~~المعنى وكثرة الفواصل. # التاسع عشر: التقدير: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، أي: بسبب إظهار ~~دين الله، وإعزاز شريعته، وقد كرهوا خروجك تهيبا للقتال وخوفا ~~من الموت إذ كان أمر النبي - عليه الصلاة والسلام - بخروجهم بغتة، ~~ولم يكونوا مستعدين للخروج، وجادلوك في الحق بعد وضوحه نصرك ~~الله وأمدك بملائكته ms4216 ودل على هذا المحذوف الكلام الذي بعده، وهو ~~قوله # إذ تستغيثون ربكم # [الأنفال: 9] الآيات. # وهذا الوجه استحسنه أبو حيان، وزعم أنه لم يسبق به. # ثم قال: " ويظهر أن الكاف ليست لمحض التشبيه، بل فيها معنى ~~التعليل ". # وقد نص النحويون على أنها للتعليل وخرجوا عليه قوله تعالى: { ~~واذكروه كما هداكم }. # وأنشدوا: [الرجز] # 2671 - لا تشتم الناس كما لا تشتم # أي: لانتفاء شتم الناس لك لا تشتمهم. # ومن الكلام الشائع: كما تطيع الله يدخلك الجنة، أي: لأجل طاعتك ~~الله يدخلك الجنة، فكذا الآية، والمعنى: لأن خرجت لإعزاز دين الله، ~~وقتل أعدائه ونصرك وأمدك بالملائكة. # العشرون: تقديره: وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين كما إخراجك في ~~الطاعة خير لكم كما كان إخراجك خيرا لهم، وهذه الأقوال ضعيفة كما ~~بينا. # قوله: " بالحق " فيه وجهان: # أحدهما: أن يتعلق بالفعل، أي: بسبب الحق، أي: إنه إخراج بسبب حق ~~يظهر، وهو علو كلمة الإسلام، والنصر على أعداء الله. # والثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من مفعول: " أخرجك " أي: ~~ملتبسا بالحق. # قوله: وإن فريقا الواو للحال، والجملة في محل نصب، ولذلك كسرت " ~~إن " ومفعول " كارهون " محذوف، أي: لكارهون الخروج، وسبب ~~الكراهية: إما نفرة الطبع مما يتوقع من القتال، وإما لعدم ~~الاستعداد. والمراد ب " بيته " بيته بالمدينة، أو المدينة نفسها. # فصل # روى ابن عباس، وابن الزبير، ومحمد بن إسحاق، والسدي أن ~~أبا سفيان أقبل من الشام في عير لقريش في أربعين راكبا من كفار ~~قريش منهم: عمرو بن العاص، ومخرمة ابن نوفل، وفيها أموال كثيرة، حتى ~~إذا كانوا قريبا من بدر، أخبر جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فأعجبهم ~~تلقي العير، لكثرة الخير، وقلة العدو، فانتدب الناس، فخف بعضهم ~~وثقل بعضهم؛ لأنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى ~~حربا. # فلما سمع أبو سفيان بمسير النبي صلى الله عليه وسلم، استأجر ضمضم بن ~~عمرو الغفاري فبعثه إلى مكة وأمره أن يأتي قريشا يستنفرهم، ويخبرهم ~~أن محمدا قد عرض لعيرهم في أصحابه، فخرج ضمضم سريعا إلى ms4217 مكة. # وقد رأت عاتكة بنت عبد المطالب قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث ليال رؤيا ~~أفزعتها، فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب فقالت له: يا أخي والله ~~لقد رأيت الليلة رؤيا أفزعتني وخشيت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة ~~فاكتم علي ما أحدثك. # قال لها: وما رأيت؟ قالت: رأيت راكبا أقبل على بعير له حتى وقف ~~بالأبطح ثم صرخ بأعلى صوته ألا فانفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث ~~فأرى الناس قد اجتمعوا إليه ثم دخل المسجد والناس يتبعونه، فبينما هم ~~حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة، ثم صرخ بمثلها أعلى صوته ألا ~~فانفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث، ثم مثل به بغيره على رأس أبي ~~قبيس، ثم صرخ بمثلها ثم أخذ صخرة، فأرسلها فأقبلت تهوي حتى إذا كانت ~~بأسفل الجبل ارفضت فما بقي بيت من بيوت مكة إلا دخلته منها فلقة، ~~فحدث بها العباس الوليد، فذكرها الوليد لأبيه عتبة ففشا الحديث حتى ~~تحدثت به قريش. # قال العباس: فغدوت أطوف بالبيت وأبو جهل في رهط من قريش قعود يتحدثون ~~برؤيا عاتكة، فلما رأني أبو جهل قال: يا أبا الفضل إذا فرغت من طوافك ~~فأقبل إلينا. # قال: فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم. # فقال أبو جهل: يا بني عبد المطلب متى حدثت هذه النبية فيكم قلت: وما ~~ذاك؟. # قال: الرؤيا التي رأتها عاتكة قلت: وما رأت؟ # قال: يا بني عبد المطلب أما رضيتم أن تتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤهم ~~لقد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال: انفروا في ثلاث، فسنتربص بكم ~~هذه الثلاث، فإن يك ما قالت حقا فسيكون، وإن تمض الثلاث، ولم يكن ~~من ذلك شيء؛ نكتب عليكم كتابا أنكم أكذب هل بيت في العرب قال ~~العباس: فوالله ما كان مني إليه كبير فلما كان بعد ثلاث إذ هو ~~يسمع صوت ضمضم بن عمرو وهو يصرخ ببطن الوادي واقفا على بعيره وقد جدع ~~بعيره، وحول رحله، وشق قميصه، وهو يقول: يا معشر قريش اللطيمة، ~~أموالكم مع أبي ms4218 سفيان، قد عرض لها محمد في أصحابه ولا أرى أن ~~تدركوها الغوث. # فخرج أبو جهل بجميع أهل مكة وهم النفير، وفي المثل السائر: لا ~~في العير، ولا في النفير، فقيل له: إن العير قد أخذت طريق الساحل، ~~ونجت، فارجع بالناس إلى مكة، فقال: لا والله لا يكون ذلك أبدا حتى ~~ننحر الجزور، ونشرب الخمور، ونقيم القينات والمعازف ببدر، فيتسامع ~~العرب بخروجنا، وأن محمدا لم يصب العير، فمضى بهم إلى بدر، وبدر ~~كانت العرب تجمع فيه يوما في السنة لسوقهم. # " ونزل جبريل وقال: إن القوم قد خرجوا من مكة على كل صعب ~~وذلول، وإن الله قد وعدكم أحدى الطائفتين فالعير أحب إليكم أم النفير؟. # قالوا: بل العير أحب إلينا من لقاء العدو، فتغير وجه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وقال: إن العير قد مضت على ساحل البحر، وهذا ~~أبو جهل قد أقبل. # فقالوا: يا رسول الله عليك بالعير ودع العدو فقام عند غضب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر فأحسنا، ثم قام سعد بن عبادة وقال: ~~امض لما أمرك الله به، فوالله لو سرت إلى عدن ما تخلف رجل ~~عنك من الأنصار، ثم قال المقداد بن عمرو: يا رسول الله امض لما امرك ~~الله؛ فإنا معك حيث أردت، لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل ~~لموسى: { فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا ~~قاعدون } [المائدة: 24] ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ~~معكما مقاتلون ما دامت عين منا تطرف، فضحك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ثم قال: " سيروا على بركة الله، وأبشروا، فإن الله قد ~~وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع ~~القوم ". # عن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " هذا مصرع فلان قال: ويضع يده على الأرض ههنا وههنا، قال: فما ~~ماط أحدهم عن موضع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولما فرغ ~~نبي الله من بدر قال بعضهم: عليك بالعير، فناداه العباس وهو في ~~وثاقه: لا يصلح، فقال النبي صلى ms4219 الله عليه وسلم: لم؟ قال: لأن ~~الله وعدك إحدى الطائفتين وقد أعطاك ". # إذا عرف ذلك نقول كانت كراهية القتال حاصلة لبعضهم لقوله تعال: # وإن فريقا من المؤمنين لكارهون # [الأنفال: 5] والحق الذي جادلوا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم تلقي ~~النفير لايثارهم العير. ### || [8.6] # قوله: { بعد ما تبين } المراد منه: إعلام رسول الله ~~بأنهم ينصرون، وجدالهم قولهم: ما كان خروجنا إلا للعير، وهلا قلت ~~لنا لنستعد ونتأهب للقتال؛ لأنهم كانوا يكرهون القتال ثم إنه ~~تعالى شبه حالهم في فرط فزعهم بحال من يجر إلى القتل، ويساق إلى ~~الموت وهو شاهد لأسبابه ناظر إلى موجباته، ومنه قوله عليه السلام: " ~~من نفى ابنه وهو ينظر إليه " أي يعلم أنه ابنه، كقوله تعالى: # يوم ينظر المرء ما قدمت يداه # [النبأ: 40] أي يعلم وكان خوفهم لأمور: # أحدها: قلة العدد. # وثانيها: كانوا رجالة، روي أنه ما كان فيهم إلا فارسان. وثالثها: قلة ~~السلاح. # قوله: يجادلونك يحتمل أن يكون مستأنفا إخبارا عن حالهم ~~بالمجادلة، ويحتمل أن يكون حالا ثانية أي: أخرجك في حال مجادلتهم ~~إياك، ويحتمل أن يكون حالا من الضمير في لكارهون، أي: لكارهون ~~في حال جدال. # والظاهر أن الضمير المرفوع يعود على الفريق المتقدم. # ومعنى المجادلة قولهم: كيف تقاتل ولم نستعد للقتال؟ ويجوز أن يعود على ~~الكفار، وجدالهم ظاهر. # قوله: بعد ما تبين منصوب بالجدال، و " ما " مصدرية، أي: بعد ~~تبينه ووضوحه، وهو أقبح من الجدال في الشيء قبل إيضاحه. # وقرأ عبد الله " بين " مبنيا للمفعول من: بينته أي: أظهرته، ~~وقوله: " وهم ينظرون " حال من مفعول يساقون. ### || [8.7] # قوله " وإذ يعدكم " " إذ " منصوب بفعل مقدر، أي: اذكر إذ، ~~والجمهور على رفع الدال؛ لأنه مضارع مرفوع. # وقرأ مسلمة بن محارب: بسكونها على التخفيف لتوالي الحركات. # وقرأ ابن محيصن " يعدكم الله احدى " يوصل همزة أحدى تخفيفا على ~~غير قياس، وهي نظير قراءة من قرأ: { إنها لحدى } [المدثر: 35] ~~بإسقاط الهمزة أجرى همزة القطع مجرى همزة الوصل، وقرأ أيضا أحد ~~بالتذكير؛ لأن الطائفة مؤنث مجازي. # فصل # إحدى الطائفتين ms4220 أي: الفرقتين: # أحدهما: أبو سفيان مع العير، الأخرى أبو جهل مع النفير، و " أنها ~~لكم " منصوب المحل على البدل من إحدى أي: يعدكم أن إحدى ~~الطائفتين كائنة لكم، أي: تتسلطون عليها تسلط الملاك، فهي بدل ~~اشتمال وتودون تريدون: { أن غير ذات الشوكة تكون ~~لكم } يعني: العير التي ليس فيها قتال والشوكة: السلاح كسنان ~~الرمح، والنصل والسيف، وأصلها من النبت الحديد الطرف، ك: " ~~شوك السعدان " ، يقال منه: رجل شائك، فالهمزة من " واو " ، ~~ك: قائم، ويجوز قلبه بتأخير عينه بعد لامه، فيقال: شاك، فيصير ك: ~~غاز، ووزنه حينئذ فال. # قال زهير: [الطويل] # 2672 - لدى أسد شاكي السلاح مقذف # له لبد أظفاره لم تقلم # ويوصف السلاح: بالشاكي، كما يوصف به الرجل، فيقال: رجل شاك، ~~وشاك، وسلاح شاك، وشاك. فأما " شاك " غير معتل الآخر، وألفه ~~منقلبة عن عين الكلمة، ووزنه في الأصل على فعل بكسر العين، ولكن قلبت ~~ألفا، كما قالوا: كبش صاف أي صوف، وكذلك " شاك " أي: شوك. # ويحتمل أن يكون محذوف العين، وأصله " شائك " ، فحذفت العين، فبقي " ~~شاكا " فألفه زائدة، ووزنه على هذا " فال ". # وأما: " شاك " فمنقوص، وطريقته بالقلب كما تقدم ومن وصف السلاح ~~بالشاك قوله: [الوافر] # 2673 - وألبس من رضاه في طريقي # سلاحا يذعر الأبطال شاكا # فهذا يحتمل أن يكون محذوف العين، وأن يكون أصله " شوكا " ، ك: صوف. ~~ويقال أيضا: هو شاك في السلاح، بتشديد الكاف، من " الشكة " ، وهي ~~السلاح أجمع، نقله الهروي، والراغب. # قال: إنكم تريدون الطائفة التي لا حدة لها، يعني: العير، ولكن الله ~~يريد التوجه إلى الطائفة الأخرى ليحق الحق بكلماته. # وقرأ مسلمة بن محارب: " بكلمته " على التوحيد، والمراد به: اسم الجنس ~~فيؤدي مؤدى الجمع، والمراد بقوله: " بكلماته " أي: بأمره إياكم ~~بالقتال، وقيل: بهدايته التي سبقت من إظهار الدين وإعزازه: { ~~ويقطع دابر الكافرين } والدابر الآخر من دبر، ومنه دابرة ~~الطائر وقطع الدابر عبارة عن الاستئصال أي: ليستأصلهم حتى لا يبقى ~~منهم أحد. ### || [8.8] # قوله: " ليحق " فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق بما قبله، أي: ويقطع ليحق الحق، والثاني: أن ms4221 ~~يتعلق، بمحذوف تقديره: ليحق الحق فعل ذلك، أي: ما فعله إلا ~~لهما، وهو إثبات الإسلام وإظهاره وزوال الكفر ومحقه. # قال الزمخشري: " ويجب أن يقدر المحذوف مؤخرا ليفيد الاختصاص ~~وينطبق عليه المعنى ". وهذا على رأيه، وهو الصحيح. # فإن قيل: قوله: # ويريد الله أن يحق الحق بكلماته # [الأنفال:7] ثم قوله بعد ذلك " ليحق الحق " تكرير محض. # فالجواب: أن المراد بالأول سبب ما وعد الله به هذه الواقعة من ~~النصر والظفر بالأعداء. # والمراد بالثاني: تقوية القرآن والدين ونصرة هذه الشريعة؛ لأن ~~الذي وقع مع المؤمنين يوم بدر بالكافرين سبب لعزة الدين وقوته، ولهذا ~~قرنه بقوله: " ويبطل الباطل " الذي هو الشرك، وذلك في مقابلة: " ~~الحق " الذي هو الدين والإيمان. # فإن قيل: الحق حق لذاته، والباطل باطل لذاته، وما ثبت للشيء ~~لذاته؛ فإنه يمتنع تحصيله بجعل جاعل فما المراد من تحقيق الحق ~~وإبطال الباطل. # الجواب: المراد من تحقيق الحق وإبطال الباطل إظهار كون ذلك الحق ~~حقا، وإظهار كون الباطل باطلا، وذلك يكون تارة بإظهار الدلائل ~~والبينات، وتارة بتقوية رؤساء الباطل. # فصل # احتجوا بقوله: " ليحق الحق " في مسألة خلق الأفعال. # قالوا: يجب حمله على أنه يوجد الحق ويكونه، والحق ليس إلا الدين ~~والاعتقاد، فدل على أن العقائد الحقة لا تحصل إلا بتكوين الله، ولا ~~يمكن حمل تحقيق الحق على إظهار آثاره؛ لأن ذلك الظهور حصل بفعل ~~العباد، فامتنع إضافة ذلك الإظهار إلى الله تعالى، ولا يمكن أن ~~يقال: المراد من إظهاره وضع الدلائل عليها، لأن هذا المعنى حاصل في ~~حق الكافر والمسلم. # وقبل هذه الواقعة وبعدها فلا يبقى لتخصيص هذه الواقعة بهذا المعنى ~~فائدة أصلا. # قالت المعتزلة: هذه الآية تدل على أنه يريد تحقيق الباطل وإبطال ~~الحق ألبتة، إنما يريد تحقيق الحق، وإبطال الباطل، وذلك يبطل قول ~~من يقول إنه لا باطل ولا كفر إلا والله تعالى مريد له. # وأجيبوا: بأنه ثبت في أصول الفقة أن المفرد المحلى بالألف واللام ~~ينصرف إلى المعهود السابق فهذه الآية دلت على أنه تعالى أراد ~~تحقيق الحق، وإبطال الباطل في ms4222 الصورة، فلم قلتم إن الأمر كذلك في ~~جميع الصور؟ # وقد بينا أيضا بالدليل أن هذه الآية تدل على صحة قولنا. # ثم قال تعالى: { ولو كره المجرمون } أي: المشركون. ### || [8.9] # قوله: { إذ تستغيثون ربكم } الآية. # في " إذ " خمسة أوجه: # أحدها: أنه منصوب ب " اذكر " مضمرا، ولذلك سماه الحوفي ~~مستأنفا، أي: إنه منقطع عما قبله. # والثاني: أنه منصوب ب " يحق " أي: يحق الحق وقت استغاثتكم، ~~وهو قول ابن جرير وهو غلط؛ لأن " ليحق " ، مستقبل؛ لأنه منصوب ~~بإضمار " أن " و " إذ " ظرف لما مضى، فكيف يعمل المستقبل في الماضي؟. # الثالث: أنه بدل من " إذ " الأولى، قاله الزمخشري، وابن عطية، ~~وأبو البقاء وكانوا قد قدموا أن العامل في " إذ " الأولى " اذكر ~~" مقدرا. # الرابع: أنه منصوب ب " يعدكم " قاله الحوفي، وقبله الطبري. # الخامس: أنه منصوب بقوله " تودون " قاله أبو البقاء، وفيه ~~بعد لطول الفصل. # واستغاث: يتعدى بنفسه، وبالباء، ولم يجىء في القرآن إلا متعديا ~~بنفسه، حتى نقم ابن مالك على النحويين قولهم: المستغاث له، أو به، ~~والمستغاث من أجله، وقد أنشدوا على تعديه بالحرف قول الشاعر: [البسيط] # 2674 - حتى استغاثت بماء لا رشاء له # من الأباطح في حافاته البرك # مكلل بأصول النجم تنسجه # ريح خريق لضاحي مائه حبك # كما استغاث بسيء فز غيطلة # خاف العيون ولم ينظر به الحشك # فدل هذا على أنه يتعدى بالحرف كما استعمله سيبويه وغيره. # فصل # الاستغاثة: طلب الغوث، وهو النصر والعون، وقيل: الاستغاثة: ~~سد الخلة وقت الحاجة، وقيل: هي الاستجارة، ويقال: غوث، ~~وغواث، والغيث من المطر، والغوث من النصرة، فعلى هذا يكون " ~~استغاث " مشتركا بينهما، ولكن الفرق بينهما في الفعل، فيقال: ~~استغثته فأغاثني من الغوث، وغاثني من الغيث، وفي هذه ~~الاستغاثة قولان: # الأول: أن هذه الاستغاثة كانت من الرسول - عليه الصلاة ~~والسلام -. # قال ابن عباس: حدثني عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: # " لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين، ~~وهم ألف وإلى أصحابه، وهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، واستقبل القبلة، ومد ~~يده، فجعل ms4223 يهتف بربه: " اللهم أنجز لي ما وعدتني، ~~اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض " فلم يزل ~~كذلك حتى سقط رداؤه عن منكبه، ورده أبو بكر ثم التزمه، ثم قال: ~~كفاك يا نبي الله مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك ~~" # ؛ فأنزل الله الآية، ولما اصطف القوم قال أبو جهل: اللهم ~~أولانا بالحق فانصره. # الثاني: أن هذه الاستغاثة كانت من جماعة المؤمنين؛ لأن الوجه الذي لأجله ~~أقدم الرسول على الاستغاثة كان حاصلا فيهم، بل خوفهم كان أشد من خوف ~~الرسول، ويمكن الجمع بينهما بأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا وتضرع، ~~والمؤمنون كانوا يؤمنون على دعائه. # قوله: " أني " العامة على فتح الهمزة بتقدير حذف حرف الجر، أي: ~~فاستجاب بأني. # وقرأ عيسى بن عمر، وتروى عن أبي عمرو أيضا " إني " بكسرها، وفيها ~~مذهبان، مذهب البصريين: أنه على إضمار القول، أي: فقال: إني ممدكم. # ومذهب الكوفيين: أنها محكية ب " استجاب " إجراء له مجرى ~~القول؛ لأنه بمعناه. # قوله: " بألف " العامة على التوحيد، وقرأ الجحدري " بآلف " ~~بزنة " أفلس " وعنه أيضا، وعن السدي " بآلاف " بزنة: أحمال " ، وفي ~~الجمع بين القراءتين، وقراءة الجمهور أن تحمل قراءة الجمهور على أن ~~المراد ب: بالألف هم الوجوه، وباقيهم كالأتباع لهم، فلذلك لم ينص ~~عليهم في قراءة الجمهور، ونص عليهم في هاتين القراءتين، أو تحمل الألف ~~على من قاتل من الملائكة دون من لم يقاتل، فلا تنافي حينئذ بين ~~القراءات. # قوله: " مردفين " قرأ نافع، ويروى عن قنبل أيضا: " مردفين " بفتح ~~الدال، والباقون بكسرها، وهما واضحتان؛ لأنه يروى أنه كان وراء كل ~~ملك رديف له، فقراءة الفتح تشعر بأن غيرهم أردفهم، لركوبهم خلفهم، ~~وقراءة الكسر تشعر بأن الراكب خلف صاحبه قد أردفه فصح التعبير ~~باسم الفاعل تارة، وباسم المفعول أخرى، وجعل أبو البقاء مفعول " مردفين ~~" يعني بالكسر محذوفا أي: مردفين أمثالهم، وجوز أن يكون معنى ~~الإرداف: المجيء بعد الأوائل، أي: جعلوا ردفا للأوائل. ويطلب جواب عن ~~كيفية الجمع بين هذه الآية، وآية آل عمران حيث قال هناك " بخمسة " ~~وقال هنا: ms4224 " بألف " والقصة واحدة؟ # والجواب: أن هذه الألف مردفة لتلك الخمسة؛ فيكون المجموع ستة آلاف، ~~ويظهر هذا، ويقوى في قراءة: " مردفين " بكسر الدال. # وقد أنكر أبو عبيد: أن تكون الملائكة أردفت بعضها أي: ركبت خلفها ~~غيرها من الملائكة. # وقال الفارسي: من كسر الدال احتمل وجهين: # أحدهما: أن يكونوا مردفين مثلهم كما تقول: أردفت زيدا دابتي، فيكون ~~المفعول الثاني محذوفا، وحذف المفعول كثير، والوجه الآخر: أن ~~يكونوا جاءوا بعد المسلمين. # وقال الأخفش " بنو فلان يردفوننا، أي: يجيئون بعدنا ". # وقال أبو عبيدة " مردفين " جاءوا بعد، وردفني، وأردفني واحد. # قال الفارسي: هذا الوجه كأنه أبين لقوله تعالى: { إذ ~~تستغيثون ربكم } فقوله: " مردفين " أي: جائين بعد، ~~لاستغاثتكم، ومن فتح الدال فهم مردفون على أردفوا الناس، أي: ~~أنزلوا بعدهم. # وقرأ بعض المكيين فيما حكاه الخليل: " مردفين " بفتح الراء وكسر ~~الدال مشددة، والأصل: " مرتدفين " فأدغم. # وقال أبو البقاء: إن هذه القراءة مأخوذة من " ردف " بتشديد ~~الدال على التكثير وإن التضعيف بدل من الهمزة ك: " أفرحته ~~وفرحته ". # وجوز الخليل بن أحمد: ضم الراء إتباعا لضم الميم، كقولهم: " ~~مخضم " بضم الخاء، وقد قرىء بها شذوذا. # وقرىء " مردفين " بكسر الراء وتشديد الدال مكسورة، وكسر الراء ~~يحتمل وجهين: إما لالتقاء الساكنين، وإما للإتباع. # قال ابن عطية: " ويجوز على هذه القراءة كسر الميم إتباعا ~~للراء، ولا أحفظه قراءة ". # قال شهاب الدين: وكذلك الفتحة في " مردفين " في القراءة التي ~~حكاها الخليل تحتمل وجهين: # أظهرهما: أنها حركة نقل من التاء - حين قصد إدغامها - إلى ~~الراء. # والثاني: أنها فتحت تخفيفا وإن كان الأصل الكسر على أصل التقاء ~~الساكنين، كما قد قرىء به، وقرىء " مردفين " بكسر الميم، إتباعا ~~لكسرة الراء. # و " الإرداف " الإتباع، والإركاب، وراءك. # وقال الزجاج: " أردفت الرجل إذا جئت بعده ". # ومنه: # تتبعها الرادفة # [النازعات: 7] ويقال: ردف، وأردف. # واختلف اللغويون: فقيل هما بمعنى واحد، وهو قول ابن الأعرابي نقله عنه ~~ثعلب. # وقول أبي زيد نقله عنه أبو عبيد، قال: يقال: ردفت الرجل ~~وأردفته، إذا ركبت خلفه؛ وأنشد: [الوافر] # 2675 - إذا الجوزاء أردفت الثريا # ظننت بآل ms4225 فاطمة الظنونا # أي: جاءت على ردفها، وقيل: بينهما فرق فقال الزجاج: " يقال: ~~ردفت الرجل إذا ركبت خلفه، وأردفته أركبته خلفي ". وهذا ~~يناسب قول من يقدر مفعولا في: " مردفين " بكسر الدال ~~وأردفته إذا جئت بعده أيضا فصار " أردف " على هذا مشتركا بين ~~معنين. # وقال شمر: " ردفت وأردفت إذا فعلت ذلك بنفسك، فأما إذا ~~فعلتهما بغيرك فأردفت لا غير ". # وقوله: " مردفين " بفتح الدال فيه وجهان، أظهرهما: أنه صفة ل ~~" ألف " أي: أردف بعضهم لبعض، والثاني: أنه حال من ضمير المخاطبين ~~في ممدكم. # قال ابن عطية: " ويحتمل أن يراد بالمردفين: المؤمنون، أي: أردفوا ~~بالملائكة ". # وهذا نص فيما ذكر من الوجه الثاني. # وقال الزمخشري: وقرىء " مردفين " بكسر الدال وفتحها من قولك: ~~ردفه، إذا تبعه، ومنه قوله تعالى # ردف لكم # [النمل: 72] أي: ردفكم، وأردفته إياه: إذا تبعته، ويقال: ~~أردفته كقولك، اتبعته: إذا جئت بعده، ولا يخلو المكسور ~~الدال من أن يكون بمعنى: متبعين، أو متبعين. # فإن كان بمعنى متبعين فلا يخلو من أن يكون بمعنى متبعين بعضهم ~~بعضا، أو متبعين بعضهم لبعض، أو بمعنى متبعين إياهم المؤمنين، ~~بمعنى يتقدمونهم فيتبعونهم أنفسهم، أو متبعين لهم يشيعونهم ~~ويقدمونهم بين أيديهم، وهم على ساقتهم ليكونوا على أعينهم وحفظهم ~~أو بمعنى متبعين أنفسهم ملائكة آخرين، أو متبعين غيرهم من الملائكة، ~~ويعضد هذا الوجه قوله تعالى في سورة آل عمران # بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين # [آل عمران: 124] # بخمسة آلاف من الملائكة مسومين # [آل عمران: 125]. # ومن قرأ " مردفين " بالفتح فهو بمعنى متبعين أو متبعين. # وهذا الكلام على طوله، شرحه أن " أتبع " بالتخفيف، يتعدى إلى ~~مفعولين، و " اتبع " بالتشديد، يتعدى لواحد، و " أردف " قد جاء ~~بمعناهما، ومفعوله أو مفعولاه، محذوف، لفهم المعنى، فيقدر في كل موضع ~~ما يليق به، إلا أن أبا حيان عاب عليه قوله: " متبعين إياهم ~~المؤمنين ". # وقال: " هذا ليس من مواضع فصل الضمير، بل مما يتصل، وتحذف له ~~النون، لا يقال: هؤلاء كاسون إياك ثوبا بل: كاسوك، فتصحيحه أن ~~يقول: متبعيهم المؤمنين، أو متبعين أنفسهم المؤمنين ". ### || [8.10] # قوله: " وما ms4226 جعله " الهاء تعود على الإمداد، أي: وما جعل الله ~~الإمداد، ثم هذا الإمداد يحتمل أن يكون المنسبك من قوله: " إني ~~ممدكم " إذ المعنى: فاستجاب بإمدادكم، ويحتمل أن يكون مدلولا عليه ~~بقوله: " ممدكم " كما دل عليه فعله في قوله: # اعدلوا هو أقرب للتقوى # [المائدة: 8] وهذا الثاني أولى؛ لأنه متأت على قراءة الفتح ~~والكسر في: " أني " بخلاف الأول فإنه لا يتجه عوده على الإمداد على ~~قراءة الكسر إلا بتأويل ذكره الزمخشري: وهو أنه مفعول القول ~~المضمر، فهو في معنى القول. # وقيل يعود على المدد قاله الزجاج، وهذا أولى؛ لأن بالإمداد ~~بالملائكة كانت البشرى. # وقال الفراء: إنه يعود على الإرداف المدلول عليه ب " مردفين ~~". # وقيل: يعود على: " الألف ". # وقيل: على المدلول عليه ب " يعدكم ". # وقيل: على جبريل، أو على الاستجابة لأنها مؤنث مجازي، أو على الإخبار ~~بالإمداد، وهي كلها محتملة وأرجحها الأول، والجعل هنا تصيير. # فصل في قتال الملائكة يوم بدر. # اختلفوا في أن الملائكة هل قاتلوا يوم بدر؟ فقال قوم: نزل جبريل - ~~عليه الصلاة والسلام - في خمسمائة ملك على الميمنة، وفيها أبو بكر، ~~وميكائيل في خمسمائة على الميسرة وفيها علي بن أبي طالب في صورة الرجال ~~عليهم ثياب بيض وعمائم بيض، وقد أرخوا أطرافها بين أكتافهم وقاتلوا، ~~وقيل: قاتلوا يوم بدر ولم يقاتلوا يوم الأحزاب، ويوم حنين. # روي أن أبا جهل قال لابن مسعود: من أين كان الصوت الذي ~~كنا نسمع ولا نرى شخصا؟. # قال: من الملائكة. # فقال أبو جهل: هم غلبونا لا أنتم. # " وروي أن رجلا من المسلمين بينما هو يشتد في أثر رجل من المشركين ~~إذ سمع صوت ضربة السوط فوقه، فنظر إلى المشرك وقد خر مستلقيا وشق ~~وجهه، فحدث الأنصاري رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " صدقت ~~ذاك من مدد السماء " ". # وقال آخرون لم يقاتلوا وإنما كانوا يكثرون السواد ويثبتون ~~المؤمنين، وإلا فملك واحد كاف في إهلاك أهل الدنيا كلهم فإن جبريل - ~~عليه السلام - أهلك بريشة من جناحه مدائن قوم لوط، وأهلك بلاد ثمود، ~~وقوم صالح بصيحة واحدة. ms4227 # وقد تقدم الكلام في كيفية هذا الإمداد في سورة آل عمران، ويدل على ~~أن الملائكة لم يقاتلوا قوله { وما جعله الله إلا بشرى ~~} إذا جعلنا الضمير عائدا على الإرداف. # قال الزجاج: " وما جعل الله المردفين إلا بشرى " وهذا أولى؛ لأن ~~الإمداد بالملائكة حصل بالبشرى. # { ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند ~~الله } والمقصود التنبيه على أن الملائكة وإن كانوا قد نزلوا في ~~موافقة المؤمنين، إلا أن الواجب على المؤمن أن لا يعتمد على ذلك، ~~بل يجب أن يكون اعتماده على الله ونصره وكفايته؛ لأن الله هو ~~العزيز الغالب الحكيم فيما ينزل من النصرة فيضعها في موضعها. ### || [8.11] # قوله: " إذ يغشيكم " في " إذ " وجوه: # أحدها: أنه بدل من " إذ " في قوله: " وإذ يعدكم " قال ~~الزمخشري: " إذ يغشاكم " بدل ثان من " إذ يعدكم ". # قوله: " ثان "؛ لأنه أبدل منه " إذ " في قوله: " إذ تستغيثون " ~~ووافقه على هذا ابن عطية، وأبو البقاء. # الثاني: أنه منصوب ب " النصر ". # الثالث: بما في عند الله من معنى الفعل. # الرابع: ب " ما جعله الله ". # الخامس: بإضمار " اذكر " ذكر ذلك الزمخشري. وقد سبقه إلى الرابع: ~~الحوفي. # وقد ضعف أبو حيان الوجه الثاني بثلاثة أوجه: # أحدها: أن فيه إعمال المصدر المقرون ب " أل " قال: وفيه خلاف: ذهب ~~الكوفيون إلى أنه لا يعمل. # الثاني: أن فيه فصلا بين المصدر ومعموله بالخير، وهو قوله: " إلا ~~من عند الله " ولو قلت: " ضرب زيد شديد عمرا " لم يجز. # الثالث: أنه عمل ما قبل " إلا " فيما بعدها، وليس أحد الثلاثة الجائز ~~ذلك فيها؛ لأنه لا يعمل ما قبلها فيما بعدها إلا أن يكون مستثنى، أو ~~مستثنى منه أو صفة له. # وقد جوز الكسائي والأخفش: إعمال ما قبل " إلا " فيما بعدها ~~مطلقا، وليس في هذه الأوجه أحسن من أنه أخبر عن الموصول قبل تمام ~~صلته، وضعف الثالث بأنه يلزم منه أن يكون استقرار النصر ~~مقيدا بهذا الظرف، والنصر من عند الله لا يتقيد بوقت دون ~~وقت وهذا لا يضعف به؛ لأن المراد بهذا النصر نصر ms4228 خاص، وهذا النصر ~~الخاص كان مقيدا بذلك الظرف. وضعف الرابع بطول الفصل، ويكون ~~معمولا لما قبل " إلا ". # السادس: أنه منصوب بقوله: " ولتطمئن به " قاله الطبري. # السابع: أنه منصوب بما دل عليه: " عزيز حكيم " قاله أبو ~~البقاء ونحا إليه ابن عطية قبله. # وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: " يغشاكم النعاس " ، ونافع " ~~يغشيكم " بضم الياء، وكسر الشين خفيفة " النعاس " نصبا ~~والباقون " يغشكم " كالذي قبله، إلا أنه بتشديد الشين. ~~فالقراءة الأولى من: " غشي يغشى " ، و " النعاس " فاعل، وفي ~~الثانية من: " أغشى " وفاعله ضمير الباري تعالى، وكذا في الثالثة من: ~~" غشى " بالتشديد، و " النعاس " فيهما مفعول به. و " أغشى ~~وغشى " لغتان. # قال الواحدي: من قرأ " يغشاكم " فلقوله: # أمنة نعاسا يغشى # [آل عمران: 154] فكما أسند الفعل هناك إلى " النعاس " ، و " الأمنة ~~" التي هي سبب النعاس كذلك ههنا، ومن قرأ " يغشيكم " ، أو " يغشيكم ~~" فالمعنى واحد، وقد جاء التنزيل بهما في قوله: # فأغشيناهم فهم لا يبصرون # [يس: 8] وقال: # فغشاها ما غشى # [النجم: 54]. # قوله: " أمنة " في نصبها ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه مصدر لفعل مقدر، أي: فأمنتم أمنة. # الثاني: أنها منصوبة على أنها واقعة موقع الحال إما من الفاعل، ~~وإما من المفعول، فإن كان الفاعل " النعاس " فنسبة الأمنة إليه ~~مجاز، وإن كان الباري تعالى كما هو في القراءتين الأخيرتين فالنسبة ~~حقيقية، وإن كان من المفعول فعلى المبالغة، أي: جعلهم نفس الأمنة، أو ~~على حذف مضاف، أي: ذوي أمنة. # الثالث: أنه مفعول من أجله، وذلك إما أن يكون على القراءتين ~~الأخريين أو على الأولى، فعلى القراءتين الأخريين أمرها واضح، وذلك أن ~~التغشية، أو الإغشاء من الله تعالى، والأمنة منه أيضا، فقد اتحد ~~الفاعل فصح النصب على المفعول له، وأما على القراءة الأولى ففاعل ~~" يغشى " النعاس وفاعل " الأمنة " الباري تعالى، ومع اختلاف الفاعل ~~يمنتع النصب على المفعول له على المشهور، وفيه خلاف اللهم ~~إلا أن يتجوز فيجوز. # وقد أوضح ذلك الزمخشري فقال: و " أمنة " مفعول له. # فإن قلت: أما وجب أن يكون فاعل الفعل المعلل والعلة واحدا؟ ~~قلت: بلى، ولكن لما كان ms4229 معنى: " يغشاكم النعاس " تنعسون، انتصب ~~" أمنة " على معنى أن النعاس والأمنة لهم، والمعنى: إذ تنعسون ~~أمنة بمعنى أمنا. # ثم قال: " فإن قلت: هل يجوز أن ينتصب على أن الأمنة للنعاس الذي هو ~~فاعل يغشاكم؟ أي: يغشاكم النعاس لأمنة على أن إسناد الأمن إلى ~~النعاس إسناد مجازي، وهو لأصحاب النعاس على الحقيقة، أو على أنه ~~أنامكم في وقت كان من حق النعاس في ذلك الوقت المخوف أن لا يقدم على ~~غشيانكم، وإنما غشاكم أمنة حاصلة له من الله لولاها لم يغشكم ~~على طريقة التمثيل، والتخييل ". # قال شهاب الدين: لا تبعد فصاحة القرآن عن مثله، وله فيه نظائر، ولقد ~~ألم به بعضهم؛ فقال: [الوافر] # 2676 - يهاب النوم أن يغشى عيونا # تهابك فهو نفار شرود # قوله: " منه " في محل نصب ل " أمنة " والضمير في: " منه " ~~يجوز أن يعود على الباري تعالى، وأن يعود على " النعاس " بالمجاز ~~المذكور آنفا، وقرأ ابن محيصن، والنخعي، ويحيى بن يعمر: " أمنة ~~" بسكون الميم، ونظير: أمن أمنة بالتحريك: حيي حياة، ونظير: ~~أمن أمنة بالسكون: رحم رحمة. # فصل # كل نوم ونعاس فإنه لا يحصل إلا من قبل الله تعالى فتخصيص هذا ~~النعاس بأنه من الله تعالى لا بد منه من فائدة جديدة، وذكروا فيه ~~وجوها: # أولها: أن الخائف من عدوه خوفا شديدا لا يأخذه النوم، فصار حصول ~~النوم في وقت الخوف الشديد دليلا على زوال الخوف وحصول الأمن. # وثانيها: أنهم خافوا من جهات كثيرة: قلة المسلمين، وكثرة ~~الكفار، وكثرة الأهبة، والآلة، والعدة للكافرين، والعطش الشديد، ~~فلولا حصول النعاس، وحصول الاستراحة حتى تمكنوا في اليوم الثاني من ~~القتال لما تم الظفر. # وثالثها: أنهم ما ناموا نوما غرقا يتمكن العدو منهم، بل كان ذلك ~~نعاسا يزيل الإعياء والكلالة بحيث لو قصدهم العدو لعرفوه، ولقدروا على ~~دفعه. # ورابعها: أن النعاس غشيهم دفعة واحدة مع كثرتهم وحصول النعاس ~~للجمع العظيم على الخوف الشديد أمر خارق للعادة. # فلهذا قيل: إن ذلك النعاس في حكم المعجز. # فإن قيل: فإذا كان الأمر كذلك فلم خافوا بعد ذلك؟ ms4230 # فالجواب: لأن المعلوم أن الله تعالى يجعل جند الإسلام مظفرا ~~منصورا، وذلك لا يمنع من ضرورة بعضهم مقتولين. # قال ابن عباس: " النعاس في القتال أمنة من الله، وفي الصلاة ~~وسوسة من الشيطان ". # قوله: { وينزل عليكم من السمآء مآء ليطهركم ~~به } العامة على " ماء " ، و " ليطهركم " متعلق ب: " ينزل ~~". # وقرأ الشعبي: " ما ليطهركم " بألف مقصورة، وفيها تخريجان، أشهرهما ~~وهو الذي ذكره ابن جني وغيره - " أن " " ما " بمعنى " الذي " و " ~~ليطهركم " صلتها. # قال بعضهم: تقديره: الذي هو ليطهركم. فقدر الجار خبرا لمبتدأ محذوف، ~~والجملة صلة ل " ما " وقد رد أبو حيان هذين التخريجين بأن لام " ~~كي " لا تقع صلة. # والثاني: أن " ما " هو ماء بالمد، ولكن العرب قد حذفت همزته فقالوا: " ~~شربت ما " بميم منونة حكاه ابن مقسم. # وهذا لا نظير له، إذ لا يجوز أن ينتهك اسم معرب بالحذف حتى يبقى ~~على حرف واحد، إذا عرف هذا؛ فيجوز أن يكون قصر " ماء " ، وإنما لم ~~ينونه إجراء للوصل مجرى الوقف، ثم هذه الألف تحتمل أن تكون عين ~~الكلمة، وأن الهمزة محذوفة، وهذه الألف بدل من الواو التي في " ~~موه " في الأصل، ويجوز أن تكون المبدلة من التنوين، وأجرى الوصل ~~مجرى الوقف، والأول أولى، لأنهم يراعون في الوقف ألا ~~يتركوا الموقوف عليه على حرف واحد نحو: " مر " اسم فاعل من: أرى ~~يري. # فصل # روي أنهم حفروا موضعا في الرمل، فصار كالحوض الكبير، واجتمع ~~فيه الماء حتى شربوا منه وتطهروا وتزودوا. # وقيل: إنهم لما عطشوا ولم يجدوا الماء ثم ناموا واحتلموا تضاعفت ~~حاجتهم إلى الماء ثم إن المطر نزل وزالت عنهم تلك البلية والمحنة. # ومن المعلوم بالعادة أن المؤمن يستقذر نفسه إذا كان جنبا، ويغتم ~~إذا لم يمكن من الاغتسال، وقد يستدل بهذا على حصول اليسر وزوال العسر. # قوله: " ويذهب عنكم " نسق على " ليطهركم " وقرأ عيسى بن ~~عمر: " ويذهب " بسكون الباء وهو تخفيف سماه أبو حيان: ~~جزما. والعامة على " رجز " بكسر الراء وبالزاي. # وقرأ ابن محيصن: بضم الراء، وابن أبي عبلة بالسين، وقد تقدم ms4231 ~~الكلام على كل واحد منهم. # ومعنى: رجز الشيطان ههنا: ما ينشأ عن وسوسته، وقيل: الاحتلام، وقيل: إن ~~الكفار لما نزلوا على الماء وسوس الشيطان للمسلمين وخوفهم من ~~الهلاك، فلما نزل زالت تلك الوسوسة. فإن قيل: فأي هذه الوجوه ~~أولى؟. # فالجواب: أن قوله " ليطهركم " معناه ليزيل الجنابة عنكم، فلو ~~حملنا قوله { ويذهب عنكم رجز الشيطان } على الجنابة ~~لزم التكرار، وهو خلاف الأصل. # ويمكن أن يجاب بأن المراد من قوله " ليطهركم " حصول ~~الطهارة الشرعية، والمراد: { ويذهب عنكم رجز ~~الشيطان } إزالة عين المني عن أعضائهم فإنه شيء مستخبث. # ثم نقول حمله على إزالة أثر الاحتلام أولى من حمله على إزالة الوسوسة؛ ~~لأن تأثير الماء في إزالة العين عن العضو تأثير حقيقي، وتأثيره في ~~إزالة الوسوسة عن القلب تأثير مجازي، وحمل اللفظ على الحقيقة أولى من ~~حمله على المجاز. # قوله: { وليربط على قلوبكم } أي بسبب نزول هذا المطر قويت قلوبهم ~~وزال الخوف عنهم، ومعنى الربط في اللغة: الشد، وقد تقدم في قوله: # ورابطوا # [آل عمران: 20]. # قال الواحدي: " ويشبه أن تكون " على " ههنا صلة، والمعنى: وليربط ~~قلوبكم بالصبر وما أوقع فيها من اليقين ". # وقال ابن الخطيب: ويشبه ألا يكون صلة؛ لأن كلمة " على " تفيد ~~الاستعلاء، فالمعنى أن القلوب امتلأت من ذلك الربط حتى كأنه ~~علا عليها وارتفع فوقها. # قوله: { ويثبت به الأقدام } قيل: إن ذلك المطر لبد ذلك ~~الرمل، وصيره بحيث لا تغوص أرجلهم فيه فقدروا على المشي عليه كيفما ~~أرادوا، ولولا هذا المطر لما قدروا عليه، وعلى هذا فالضمير في " به ~~" عائد على المطر. # وقيل: إن ربط قلوبهم أوجب ثبات الربط. # وقيل: لما نزل المطر حصل للكافرين ضد ما حصل للمؤمنين؛ لأن ~~الموضع الذي نزل الكفار فيه كان موضع التراب والوحل، فلما نزل ~~المطر عظم الوحل؛ فصار ذلك مانعا لهم من المشي كيفما أرادوا فقوله: { ~~ويثبت به الأقدام } يدل دلالة المفهوم على أن حال ~~الأعداء كان بخلاف ذلك. ### || [8.12] # قوله: { إذ يوحي ربك إلى الملائكة } في " إذ " أوجه: # أحدها: أنه بدل ثالث من قوله ms4232 { وإذ يعدكم }. # الثاني: أن ينتصب بقوله " يثبت ". # قالهما الزمخشري ولم يبن ذلك على عود الضمير. # وأما ابن عطية: فبناه على عود الضمير في قوله " به " فقال: ~~العامل في " إذ " العامل الأول على ما تقدم فيما قبلها، ولو ~~قدرناه قريبا لكان قوله: " ويثبت " على تأويل عوده على ~~الربط. # وأما على تأويل عوده على: " الماء " فيقلق أن يعمل " ويثبت " ~~في " إذ " وإنما قلق ذلك عنده لاختلاف زمان التثبت وزمان الوحي، ~~فإن إنزال المطر وما تعلق به من تعليلات متقدم على تغشية ~~النعاس، وهذا الوحي وتغشية النعاس والإيحاء كانا وقت القتال. # قوله: " أني معكم " مفعول ب " يوحي " أي: يوحي كوني معكم ~~بالغلبة والنصر. # وقرأ عيسى بن عمر - بخلاف عنه - " إني معكم " بكسر الهمزة وفيه ~~وجهان: # أحدهما: أن ذلك على إضمار القول، وهو مذهب البصريين. # والثاني: إجراء " يوحي " مجرى القول؛ لأنه بمعناه، وهو مذهب ~~الكوفيين. # فصل # في المعنى وجهان: أحدهما: أنه تعالى أوحى إلى الملائكة بأنه تعالى ~~معهم أي مع الملائكة حال إرسالهم ردءا للمسلمين. # والثاني: أنه تعالى أوحى إلى الملائكة أني مع المؤمنين فانصروهم، ~~وثبتوهم، وهذا أولى؛ لأن المقصود إزالة التخويف، والملائكة لم يخافوا ~~الكفار، وإنما الخائف هم المسلمون. # ثم قال: { فثبتوا الذين آمنوا } في كيفية هذا ~~التثبيت وجوه: فقيل: إنهم عرفوا الرسول - عليه الصلاة ~~والسلام - أن الله ناصر المؤمنين والرسول عرف المؤمنين ذلك، فهذا ~~هو التثبيت. # وقيل: إن الشيطان كما يمكنه إلقاء الوسوسة إلى الإنسان، فكذلك الملك ~~يمكنه إلقاء الإلهام إليه، فالتثبيت من هذا الباب. # وقيل: إن الملائكة كانوا يتشبهون بصور رجال من معارفهم وكانوا ~~يمدونهم بالنصر والفتح، والظفر. # قوله: { سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب } وهذا من ~~النعم الجليلة، لأن أمير النفس هو القلب فلما بين الله تعالى ~~أنه ربط قلوب المؤمنين أي: قواها، وأزال الخوف عنها ذكر أنه ألقى ~~الرعب في قلوب الكافرين، فكان ذلك من أعظم نعم الله تعالى على ~~المؤمنين. # قوله: " فاضربوا " قيل: هذا أمر للملائكة متصل بقوله تعالى: " ~~فثبتوا ". # وقيل: أمر للمؤمنين وهو الصحيح لما تقدم من ms4233 أن الملائكة لم ينزلوا ~~للمقاتلة، بل لتقوية قلوب المؤمنين وتثبيتهم. # قوله: " فوق الأعناق " فيه أوجه: # أحدها: أن " فوق " باقية على ظرفيتها والمفعول محذوف، أي: ~~فاضربوهم فوق الأعناق. علمهم كيف يضربونهم. # والثاني: أن " فوق " مفعول به على الاتساع؛ لأنه عبارة عن ~~الرأس، كأنه قيل: فاضربوا رءوسهم، وهذا ليس بجيد؛ لأنه لا ~~يتصرف. # وزعم بعضهم أنه يتصرف، وأنك تقول: فوقك رأسك برفع فوقك، وهو ظاهر ~~قول الزمخشري، فإنه قال: " فوق الأعناق " أراد أعالي الأعناق ~~التي هي المذابح لأنها مفاصل. # الثالث: - وهو قول أبي عبيدة -: أنها بمعنى " على " أي: على الأعناق ~~ويكون المفعول محذوفا تقديره: فاضربوهم على الأعناق، وهو قريب من ~~الأول. # الرابع: قال ابن قتيبة: هي بمعنى: " دون ". # قال ابن عطية: " وهذا خطأ بين وغلط فاحش، وإنما دخل عليه ~~اللبس من قوله: # بعوضة فما فوقها # [البقرة: 26] أي: فما دونها وليست " فوق " هنا بمعنى " دون " وإنما ~~المراد: فما فوقها في القلة والصغر ". # الخامس: أنها زائدة أي: اضربوا الأعناق، وهو قول أبي الحسن. وهذا ~~عند الجمهور خطأ؛ لأن زيادة الأسماء لا يجوز. # قوله: {... منهم كل بنان } يجوز أن يتعلق: " منهم " ~~بالأمر قبله، أي: ابتدئوا الضرب من هذه الأماكن، وهذا الكلام مع ما ~~قبله معناه: اضربوهم في جميع الأماكن والأعضاء من أعاليهم إلى أسافلهم، ~~ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من: " كل بنان " لأنه في ~~الأصل يجوز أن يكون صفة لو تأخر، قال أبو البقاء: " ويضعف أن ~~يكون حالا من " بنان " إذ فيه تقديم حال المضاف إليه على المضاف ~~". فكأن المعنى: اضربوهم كيف ما كان. # قال الزمخشري: يعني ضرب الهام. # قال: [الوافر] # 2677 -.................... # وأضرب هامة البطل المشيح # وقال: [البسيط] # 2678 - غشيته وهو في جأواء باسلة # عضبا أصاب سواء الرأس فانفلقا # وقال ابن عطية: ويحتمل أن يريد بقوله: " فوق الأعناق " وصف أبلغ ~~ضربات العنق، وهي الضربة التي تكون فوق عظم العنق ودون عظم الرأس. # ثم قال: ومنه قوله: [الوافر] # 2679 - جعلت السيف بين الجيد منه # وبين أسيل خديه عذارا # وقيل: هذا من ذكر الجزء وإرادة ms4234 الكل؛ كقول عنترة: [الكامل] # 2680 - عهدي به شد النهار كأنما # خضب البنان ورأسه بالعظلم # والبنان: قيل: الأصابع، وهو اسم جنس، الواحد: بنانة؛ قال عنترة: ~~[الوافر] # 2681 - وأن الموت طوع يدي إذا ما # وصلت بنانها بالهندواني # وقال أبو الهيثم: " البنان: المفاصل، وكل مفصل بنانة ". # وقيل: البنان الأصابع من اليدين والرجلين، وجميع المفاصل من جميع ~~الأعضاء، وأنشد لعنترة: [الطويل] # 2682 - وقد كان في الهيجاء يحمي دماءها # ويضرب عند الكرب كل بنان # وقد تبدل نونه الأخيرة ميما؛ قال رؤبة: [الرجز] # 2683 - يا هال ذات المنطق التمتام # وكفك المخضب البنام ### || [8.13-14] # قوله: " ذلك بأنهم " ، " ذلك " مبتدأ وخبر، والإشارة إلى الأمر ~~بضربهم، والخطاب يجوز أن يكون للرسول صلى الله عليه وسلم ويجوز أن يكون ~~للكفار، وعلى هذا فيكون التفاتا. # كذا قال أبو حيان وفيه نظر لوجهين: # أحدهما: أنه يلزم من ذلك خطاب الجمع بخطاب الواحد، وهو ممتنع أو ~~قليل، وقد حكيت لغية. # والثاني: أن بعده: { بأنهم شآقوا الله } فيكون التفت من ~~الغيبة إلى الخطاب في كلمة واحدة، ثم رجع إلى الغيبة في الحال، وهو ~~بعيد. # قوله: { ومن يشاقق الله } " من " مبتدأ، والجملة الواقعة ~~بعدها خبرها، أو الجملة الواقعة جزاء أو مجموعهما، ومن التزم عود ضمير ~~من جملة الجزاء على اسم الشرط قدره هنا محذوفا تقديره: فإن ~~الله شديد العقاب له. # واتفق القراء على فك الإدغام هنا في: " يشاقق "؛ لأن المصاحف ~~كتبته بقافين مفكوكتين، وفك هذا النوع لغة الحجاز، والإدغام بشروطه ~~لغة تميم. # فصل # والمعنى: أنه تعالى ألقاهم في الخزي والنكال من هذه الوجوه الكثيرة؛ ~~لأنهم شاقوا الله ورسوله قال الزجاج جانبوا، وصاروا في شق غير ~~شق المؤمنين والشق الجانب و " شاقوا الله " مجاز، والمعنى: ~~شاقوا أولياء الله، ودين الله. # ثم قال: { ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد ~~العقاب } يعني أن هذا الذي نزل بهم في ذلك اليوم شيء قليل ~~بالنسبة لما أعد لهم من العقاب يوم القيامة. # قوله: { ذلكم فذوقوه } يجوز في: " ذلكم " أربعة أوجه: # أحدها: أن يكون مرفوعا على خبر ابتداء مضمر، أي: ms4235 العقاب ذلكم، أو الأمر ~~ذلكم. # الثاني: أن يرتفع بالابتداء، والخبر محذوف، أي: ذلكم العقاب وعلى ~~هذين الوجهين؛ فيكون قوله " فذوقوه " لا تعلق لها بما قبلها من جهة ~~الإعراب. # والثالث: أن يرتفع بالابتداء، والخبر قوله: " فذوقوه " وهذا على ~~رأي الأخفش فإنه يرى زيادة الفاء مطلقا أعني سواء تضمن المبتدأ ~~معنى الشرط أم لا، وأما غيره فلا يجيز زيادتها إلا بشرط أن ~~يكون المبتدأ مشبها لاسم الشرك ما تقدم تقريره. # واستدل الأخفش على ذلك بقول الشاعر: [الطويل] # 2684 - وقائلة: خولان فانكح فتاتهم # وأكرومة الحيين خلو كما هيا # وخرجه الآخرون على إضمار مبتدأ تقديره: هذه حولان. # الرابع: أن يكون منصوبا بإضمار فعل يفسره ما بعده، ويكون من باب ~~الاشتغال. # وقال الزمخشري: " ويجوز أن يكون نصبا على: عليكم ذلكم فذوقوه كقولك: ~~زيدا فاضربه ". # قال أبو حيان: " ولا يصح هذا التقدير، لأن " عليكم " من أسماء ~~الأفعال وأسماء الأفعال لا تضمر، وتشبيهه بقولك: زيدا فاضربه، ~~ليس بجيد؛ لأنهم لم يقدروه ب " عليك زيدا فاضربه " وإنما هذا ~~منصوب على الاشتغال ". # قال شهاب الدين: يجوز أن يكون نحا الزمخشري نحو الكوفيين؛ ~~فإنهم يجرونه مجرى الفعل مطلقا، ولذلك يعملونه متأخرا نحو # كتاب الله عليكم # [النساء: 24]. # وقال أبو البقاء: " ويجوز أن يكون في موضع نصب، أي ذوقوا ذلكم، ويجعل ~~الفعل الذي بعده مفسرا له، والأحسن أن يكون التقدير: باشروا ~~ذلكم فذوقوه، لتكون الفاء عاطفة " # قال شهاب الدين: ظاهر هذه العبارة الثانية أن المسألة لا تكون من ~~الاشتغال؛ لأنه قدر الفعل غير موافق لما بعده لفظا مع إمكانه، ~~وأيضا فقد جعل الفاء عاطفة لا زائدة وقد تقدم تحقيق الكلام في هذه ~~الفاء عند قوله: # وإياي فارهبون # [البقرة: 40]. # قوله { وأن للكافرين عذاب النار } الجمهور على فتح " ~~أن " وفيها تخريجات أحدها: أنها، وما في حيزها في محل رفع على ~~الابتداء، والخبر محذوف تقديره: حتم استقرار عذاب النار للكافرين. # الثاني: أنها خبر مبتدأ محذوف أي: الحتم، أو الواجب أن للكافرين عذاب ~~النار. # الثالث: أن تكون عطفا على: " ذلكم " في وجهيه قاله الزمخشري. ~~ويعني بقوله ms4236 " في وجهيه " أي: وجهي الرفع وقد تقدما. # الرابع: أن تكون في محل نصب على المعية. # قال الزمخشري: " أو نصب على أن الواو بمعنى " مع " والمعنى: ~~ذوقوا هذا العذاب العاجل مع الآجل الذي لكم في الآخرة، فوضع الظاهر ~~موضع المضمر ": يعني بقوله: " وضع الظاهر موضع المضمر " أن أصل ~~الكلام فذوقوه وأن لكم فوضع " للكافرين " موضع " لكم " شهادة ~~عليهم بالكفر ومنبهة على العلة. # الخامس: أن يكون في محل نصب بإضمار " واعلموا ". # قال الفراء: يجوز نصبه من وجهين: # أحدهما: على إسقاط الباء، أي: بأن للكافرين. # والثاني: على إضمار " اعلموا "؛ قال الشاعر: [الرجز] # 2685 - تسمع للأحشاء عنه لغطا # ولليدين جسأة وبددا # أي: وترى لليدين بددا، فأضمر " ترى " كذلك: " فذوقوه " واعلموا: ~~" أن للكافرين ". # وأنكره الزجاج أشد إنكار. # وقال: لو جاز هذا لجاز: زيد قائم وعمرا منطلقا، أي: وترى عمرا ~~منطلقا ولا يجيزه أحد. # ونبه بقوله " فذوقوه " وهو ما عجل من القتل والأسر على أن ذلك ~~يسير بالإضافة إلى عذاب القيامة فلذلك سماه ذوقا لأن الذوق لا يكون ~~إلا لتعرف الطعم، فقوله: " فذوقوه " يدل على أن الذوق يكون في ~~إدراك غير المطعوم كقوله # ذق إنك أنت العزيز الكريم # [الدخان: 49]. ### || [8.15-16] # قوله تعالى: { يآأيها الذين آمنوا إذا لقيتم ~~الذين كفروا زحفا } الآية. # في " زحفا " وجهان: # أحدهما: أنه منصوب على المصدر، وذلك الناصب له في محل نصب على ~~الحال، والتقدير: إذا لقيتم الذين كفروا زاحفين زحفا أو ~~يزحفون زحفا. # والثاني: أنه منصوب على الحال بنفسه، ثم اختلفوا في صاحب الحال، ~~فقيل: الفاعل أي وأنتم زحف من الزحوف، أي: جماعة، أو وأنتم تمشون ~~إليهم قليلا قليلا، على حسب ما يفسر به الزحف، وسيأتي. # وقيل: هو المفعول، أي: وهم جم كثير، أو يمشون إليكم. # وقيل: هي حال منهما، أي: لقيتموهم متزاحفين بعضكم إلى بعض، والزحف ~~الدنو قليلا قليلا، يقال: زحف يزحف إليه بالفتح فيهما فهو ~~زاحف زحفا، وكذلك تزحف وتزاحف وأزحف لنا عدونا، ~~أي: دنوا لقتالنا. # وقال الليث: الزحف: الجماعة يمشون إلى عدوهم؛ قال الأعشى: ~~[الكامل] # 2686 - لمن الظعائن سيرهن ms4237 تزحف # مثل السفين إذا تقاذف تجدف # وهذا من باب إطلاق المصدر على العين، والزحف: الدبيب أيضا، من ~~زحف الصبي قال امرؤ القيس: [المتقارب] # 2687 - فزحفا أتيت على الركبتين # فثوبا لبست وثوبا أجر # ويجوز جمعه على: زحوف ومزاحف، لاختلاف النوع؛ قال الهذلي: ~~[الوافر] # 2688 - كأن مزاحف الحيات فيه # قبيل الصبح آثار السياط # ومزاحف: جمع " مزحف " اسم المصدر. # قوله: { فلا تولوهم الأدبار } مفعول: " تولوهم " الثاني ~~هو " الأدبار " ، وكذا " دبره " مفعول ثان ل: " يولهم " وقرأ ~~الحسن: بالسكون كقولهم: عنق في عنق، وهذا من باب التعريض حيث ~~ذكر لهم حالة تستهجن من فاعلها؛ فأتى بلفظ الدبر دون الظهر ~~لذلك، وبعضهم من أهل علم البيان سمى هذا النوع كناية، وليس بشيء. # قوله: " إلا متحرفا " في نصبه وجهان: # أحدهما: أنه حال. # والثاني: أنه استثناء وقد أوضح ذلك الزمخشري. # فقال: " فإن قلت: بم انتصب: " إلا متحرفا "؟ قلت: على الحال ~~و " إلا " لغو، أو على الاستثناء من المولين: أي ومن يولهم ~~إلا رجلا منهم متحرفا أو متحيزا ". # قال أبو حيان: " لا يريد بقوله " إلا " لغو أنها زائدة، إنما ~~يريد أن العامل وهو " يولهم " وصل لما بعدها كقولهم في " لا " ~~من قولهم: جئت بلا زاد - إنها لغو. وفي الحقيقة هي استثناء من حال ~~محذوفة والتقدير: ومن يولهم ملتبسا بأية حال إلا من حال كذا، وإن ~~لم تقدر حال محذوفة لم يصح دخول " إلا " لأن الشرط عندهم ~~واجب، والواجب حكمه ألا تدخل " إلا " فيه لا في المفعول، ولا في ~~غيره من الفضلات، لأنه استثناء مفرغ، والمفرغ لا يكون في الواجب، ~~إنما يكون مع النفي أو النهي أو المؤول بهما، فإن جاء ما ظاهره خلاف ~~ذلك يؤول ". # قال شهاب الدين: " قوله لا في المفعول ولا في غيره من الفضلات، لا ~~حاجة إليه لأن الاستثناء المفرغ لا يدخل في الإيجاب مطلقا، سواء أكان ~~ما بعد إلا فضلة أو عمدة فذكر الفضلة والمفعول يوهم جوازه في ~~غيرهما ". # وقال ابن عطية: " وأما الاستثناء فهو من المولين الذين ~~تتضمنهم " من " فجعل نصبه على الاستثناء ". # وقال ms4238 جماعة: إن الاستثناء من أنواع التولي، ورد هذا بأنه لو ~~كان كذلك لوجب أن يكون التركيب: إلا تحيزا أو تحرفا، ~~والتحيز والتحوز: الانضمام، وتحوزت الحية: انطوت، ~~وحزت الشيء: ضممته، والحوزة: ما يضم الأشياء، ووزن " ~~متحيز " " متفيعل " والأصل " متحيوز " فاجتمعت الياء والواو، ~~وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء، وأدغمت في الباء بعدها، ك: ~~ميت، ولا يجوز أن يكون: " متفعلا "؛ لأنه لو كان كذلك لكان " ~~متحوزا " ، فأما متحوز ف " متفعل ". # فصل # معنى الآية: إذا ذهبتم للقتال، فلا تولوهم الأدبار: أي لا تنهزموا، ~~فتجعلوا ظهوركم مما يليهم ثم بين أن الانهزام محرم إلا في ~~حالتين: # إحداهما: أن يكون متحرفا للقتال، أي: أنه يجعل تحرفه أنه منهزم، ثم ~~ينعطف عليه، وهو أحد أبواب خدع الحرب ومكايدها. يقال: تحرف وانحرف إذا ~~زال عن وجهة الاستواء. والثانية: قوله { أو متحيزا إلى فئة ~~} والتحيز الانضمام كما تقدم، والفئة الجماعة، فإذا كان هذا المنهزم ~~منفردا، وفي الكفار كثرة، وغلب على ظنه أنه إن ثبت قتل من غير فائدة، ~~وإن انضم إلى جمع من المسلمين ليستعين بهم ويعودون إلى القتال، ~~فربما وجب عليه التحيز إلى هذه الفئة فضلا عن أن يكون جائزا. # والحاصل أن الانهزام من العدو حرام، إلا في هاتين الحالتين، وهذا ليس ~~بانهزام في الحقيقة ثم قال تعالى: { ومن يولهم يومئذ ~~دبره } إلا في هاتين الحالتين { فقد بآء بغضب من ~~الله ومأواه } في الآخرة { جهنم وبئس المصير } ~~[الأنفال: 16]. # فصل # قال أبو سعيد الخدري: هذا في أصحاب بدر خاصة؛ لأن ما كان يجوز لهم ~~الانهزام، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان معهم، ولم يكن فئة يتحيزون ~~إليها دون النبي صلى الله عليه وسلم وقد وعده الله بالنصر والظفر فلم ~~يكن لهم التحيز إلى فئة أخرى. # وأيضا فإن الله شدد الأمر على أهل بدر؛ لأنه كان أول جهاد، ولو ~~اتفق للمسلمين انهزام فيه، لزم منه الخلل العظيم. # فلهذا وجب التشديد والمبالغة، ومنع الله في ذلك اليوم من أخذ الفداء ~~من الأسرى لهذا السبب، وهذا قول الحسن وقتادة والضحاك. ms4239 # قال يزيد بن أبي حبيب: أوجب الله النار لمن فر يوم بدر، ~~فلما كان يوم أحد قال: # إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد ~~عفا الله عنهم # [آل عمران: 155]. ثم كان يوم حنين بعده فقال: # ثم وليتم مدبرين # [التوبة: 25]. # ثم قال بعده # ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشآء # [التوبة: 27]. # وقال عبد الله بن عمر: # " كنا في جيش بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحاص الناس ~~حيصة، فانهزمنا، فقلنا يا رسول الله: نحن الفرارون، ~~فقال: " لا بل أنتم العكارون " أنا فئة المسلمين ". # وقال محمد بن سيرين: " لما قتل أبو عبيدة جاء الخبر إلى عمر فقال: لو ~~انحاز إلي كنت له فئة فأنا فئة كل مسلم ". # وقيل: حكم الآية عام في كل حرب، ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام: # " من الكبائر الفرار يوم الزحف " # والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. # وقال عطاء بن أبي رباح: " هذه الآية منسوخة بقوله: # الآن خفف الله عنكم # [الأنفال: 66] فليس للقوم أن يفروا من مثلهم فنسخت تلك إلا في هذه ~~العدة. # وعلى هذا أكثر أهل العلم أن المسلمين إذا كانوا على الشطر من عددهم لا ~~يجوز لهم الفرار إلا متحرفا أو متحيزا إلى فئة، وإن كانوا أقل ~~من ذلك جاز لهم أن يولوا عنهم وينحازوا عنهم ". قال ابن عباس: " من ~~فر من ثلاثة فلم يفر، ومن فر من اثنين فقد فر ". ### || [8.17-18] # قوله تعالى: { فلم تقتلوهم } في هذه " الفاء " وجهان: # أحدهما - وبه قال الزمخشري -: أنها جواب شرط مقدر، أي: إن افتخرتم ~~بقتلهم فلم تقتلوهم. # قال أبو حيان: " وليست جوابا، بل لربط الكلام بعضه ببعض ". # قوله { ولكن الله قتلهم } قرأ الأخوان، وابن عامر: { ~~ولكن الله قتلهم } ، { ولكن الله رمى } بتخفيف " لكن " ~~ورفع الجلالة، والباقون بالتشديد ونصب الجلالة، وقد تقدم توجيه ~~القراءتين في قوله: { ولكن الشياطين } [البقرة: 102] وجاءت " ~~لكن " هنا أحسن مجيء لوقوعها بين نفي وإثبات. # قوله: { وما رميت إذ رميت } نفى عنه الرمي، وأثبته له، وذلك ~~باعتبارين، أي: ما رميت على الحقيقة إذ رميت في ms4240 ظاهر الحال، أو ~~ما رميت الرعب في قلوبهم إذ رميت الحصيات والتراب. # وقوله: " وما رميت " هذه الجملة عطف على قوله: " فلم ~~تقتلوهم "؛ لأن المضارع المنفي ب " لم " في قوة الماضي المنفي ~~ب " ما " فإنك إذا قلت: " لم يقم " كان معناه: ما قام ولم يقل ~~هنا: فلم تقتلوهم إذ قتلموهم، كما قال: " إذ رميت " مبالغة في ~~الجملة الثانية. # فصل # قال مجاهد: " سبب نزول هذه الآية أنهم لما انصرفوا من القتال كان ~~الرجل يقول: أنا قتلت فلانا، ويقول الآخر مثله فنزلت الآية " ~~ومعناها: فلم تقتلوهم أنتم بقوتكم ولكن الله قتلهم بنصره إياكم وتقويته ~~لكم. # وقيل: ولكن الله قتلهم بإمداد الملائكة. # وقوله: { وما رميت إذ رميت } في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # الأول: وهو قول أكثر المفسرين # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب الناس، فانطلقوا حتى ~~نزلوا بدرا، ووردت عليهم روايا قريش، وفيهم أسلم غلام أسود لبني الحجاج، ~~وأبو يسار غلام لبني العاص بن سعد، فأتوا بهما إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: أين قريش؟ # قالا: هم وراء الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى، والكثيب: العقنقل. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما: كم القوم؟ قالا: كثير. # قال: ما عددهم؟ قالا: لا ندري. # قال: كم ينحرون كل يوم؟ قالا: يوما عشرة، ويوما تسعة. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم القوم ما بين التسعمائة إلى الألف، ~~ثم قال: فمن فيهم من أشراف قريش؟ قالا: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ~~ربيعة، وأبو البختري بن هشام، وحكم بن حزام، والحارث بن عامر، وطعمة بن ~~عدي، والنضر بن الحارث، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، ونبيه ومنبه ~~ابنا الحجاج، وسهيل بن عمرو. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هذه مكة قد ألقت ~~إليكم أفلاذ كبدها " فلما أقبلت قريش، ورآها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم تصوب من العقنقل، وهو الكثيب الذي جاءوا منه إلى الوادي. # فقال: " اللهم هذه قريش قد بخيلائها وفخرها تحادك، وتكذب ~~رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني " ، فأتاه جبريل، ms4241 ~~فقال: خذ قبضة من تراب، فارمهم بها، فلما التقى الجمعان، تناول ~~رسول الله كفا من الحصى عليه تراب، فرمى به وجوه القوم وقال: شاهت ~~الوجوه، فلم يق مشرك إلا ودخل في عينه وفمه ومنخريه منها. فانهزموا ~~وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم ". # وقال قتادة وابن زيد: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ يوم ~~بدر ثلاث حصيات فرمى بحصاة في ميمنة القوم، وبحصاة في ميسرة القوم، ~~وبحصاة بين أظهرهم، وقال: شاهت الوجوه فانهزموا فذلك قوله: { وما ~~رميت إذ رميت ولكن الله رمى } [الأنفال: 17]. إذ ~~ليس في وسع أحد من البشر أن يرمي كفا من الحصى إلى وجوه جيش، فلا ~~تبقى فيهم عين إلا ويصيبها منه شيء. وقيل: المعنى: وما بلغت إذ ~~رميت ولكن الله بلغ، وقيل: وما رميت بالرعب في قلوبهم إذ رميت ~~بالحصاء ولكن الله رمى بالرعب في قلوبهم حتى انهزموا. # القول الثاني: أنها نزلت يوم خيبر. روي أنه عليه الصلاة والسلام ~~أخذ قوسا وهو على باب خيبر، فرمى سهما، فأقبل السهم حتى قتل ابن ~~أبي الحقيق وهو على فراشه، فنزلت الآية. # القول الثالث: أنها نزلت في يوم أحد، # " وذلك أن أمية بن خلف أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم رميم ~~وقتة، وقال: يا محمد، من يحيي هذا وهو رميم؟ فقال عليه الصلاة ~~والسلام: " يحييه الله يميتك ثم يحييك ثم يدخلك النار " فأسر ~~يوم بدر، فلما افتدي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن عندي فرسا ~~أعلفها كل يوم فرقا من ذرة كي أقتلك عليها. # فقال عليه السلام: " بل أنا أقتلك إن شاء الله " فلما ~~كان يوم أحد أقبل أبي يركض على ذلك الفرس حتى دنا من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فاعترض له رجال من المسلمين ليقتلوه. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " استأخروا " ورماه بحربة فكسر ~~ضلعا من أضلاعه، فحمل فمات ببعض الطريق " # ففي ذلك اليوم نزلت الآية. # والصحيح أنها نزلت في يوم بدر وإلا لدخل في أثناء القصة كلام ~~أجنبي عنها، ms4242 وذلك لا يليق بل لا يبعد أن يدخل تحته سائر الوقائع؛ لأن ~~العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. # فصل # ومعنى الآية: أن القبضة من الحصباء التي رميتها، فأنت ما رميتها ~~في الحقيقة؛ لأن رميك لا يبلغ أثره إلا ما يبلغه رمي سائر البشر، ~~ولكن الله رماها حيث أنفذ أجزاء ذلك التراب وأوصلها إلى عيونهم، فصورة ~~الرمية صدرت من الرسول - عليه الصلاة والسلام - وأثرها إنما صدر من ~~الله تعالى، فلهذا المعنى صح فيه النفي والإثبات. # واحتج أهل السنة بهذه الآية على أن أفعال العباد مخلوقة لله ~~تعالى؛ لأن الله تعالى قال: { فلم تقتلوهم ولكن ~~الله قتلهم } [الأنفال: 17]. # ومن المعلوم أنهم جرحوا، فدل هذا على أن حدوث تلك الأفعال إنما حصل من ~~الله تعالى. # وقوله: { وما رميت إذ رميت } أثبت كونه عليه الصلاة ~~والسلام راميا ونفى عنه كونه راميا، فوجب حمله على أنه رماه كسبا ~~وأنه ما رماه خلقا. # فإن قيل: أما قوله: { فلم تقتلوهم ولكن الله ~~قتلهم } فيه وجوه: # أحدها: أن قتل الكفار إنما تيسر بمعونة الله ونصره وتأييده، ~~فصحت هذه الإضافة. # وثانيها: أن الجرح كان إليهم وإخراج الروح كان إلى الله، والتقدير: فلم ~~تميتوهم ولكن الله أماتهم. # وأما قوله: { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ~~}. # قال القاضي: قيل: فيه أشياء: منها أن الرمية الواحدة لا توجب وصول ~~التراب إلى عيونهم، فكان وصول أجزاء التراب إلى عيونهم ليس إلا ~~بإيصال الله تعالى، ومنها: أن التراب الذي رماه كان قليلا ~~فيمتنع وصول ذلك القدر إلى عيون الكل، فدل على أن الله تعالى ضم ~~إليها سائر أجزاء التراب، فأوصلها إلى عيونهم. ومنها: أن عند رميه ~~ألقى الله الرعب في قلوبهم، فكان المراد من قوله: { ولكن ~~الله رمى } هو أنه تعالى رمى قلوبهم بالرعب. # فالجواب: أن كل ما ذكروه عدول عن الظاهر، والأصل في الكلام ~~الحقيقة. # قوله: { وليبلي المؤمنين } متعلق بمحذوف، أي: وليبلي فعل ~~ذلك، أو يكون معطوفا على علة محذوفة، أي: ولكن الله رمى ليمحق ~~الكفار، وليبلي المؤمنين، والبلاء في الخير والشر، ms4243 قال زهير: ~~[الوافر] # 2689 -........................ # وإبلاهما خير البلاء الذي يبلو # والهاء في " منه " تعود على الظفر بالمشركين. # وقيل: على الرمي قالهما مكي، والظاهر أنها تعود على الله تعالى. # وقوله: " بلاء " يجوز أن يكون اسم مصدر، أي: إبلاء، ويجوز أن يكون ~~أريد بالبلاء نفس الشيء المبلو به، والمراد من هذا البلاء الإنعام أي: ~~ولينعم على المؤمنين نعمة عظيمة بالنصر والغنيمة والأجر. # قال القاضي: ولولا أن المفسرين اتفقوا على حمل البلاء هنا على ~~النعمة، وإلا لكان يحتمل المحنة بالتكليف فيما بعده من الجهاد ثم ~~قال تعالى: { إن الله سميع عليم } لدعائكم " عليم " ~~بنياتكم. # قوله: " ذلكم " يجوز فيه الرفع على الابتداء أي: ذلكم الأمر، ~~والخبر محذوف قاله الحوفي، والأحسن أن يقدر الخبر ذلكم البلاء حق ~~وحتم. # وقيل: هو خبر مبتدأ، أي: الأمر ذلكم، وهو تقدير سيبويه. # وقيل: محله نصب بإضمار فعل أي: فعل ذلكم، والإشارة ب " ذلكم " ~~إلى القتل والرمي والإبلاء. # قوله: " وأن الله " يجوز أن يكون معطوفا على: " ذلكم " فيحكم ~~على محله بما يحكم على محل: " ذلكم " ، وأن يكون في محل نصب ~~بفعل مقدر أي: واعلموا أن الله، وقد تقدم ما في ذلك. # وقال الزمخشري: " إنه معطوف على: " وليبلي " والمعنى: أن الغرض ~~إبلاء المؤمنين، وتوهين كيد الكافرين ". وقرأ ابن عامر والكوفيون: " ~~موهن " بسكون الواو وتخفيف الهاء، من " أوهن " ك: أكرم، ونون " ~~موهن " غير حفص، وقرأ الباقون: " موهن " بفتح الواو، وتشديد الهاء، ~~والتنوين، ف " كيد " منصوب على المفعول به في قراءة غير حفص، ومخفوض ~~في قراءة حفص، وأصله النصب وقراءة الكوفيين جاءت على الأكثر؛ لأن ما ~~عينه حرف حلق غير الهمزة تعديته بالهمزة ولا يعدى بالتضعيف إلا ~~كلم محفوظ نحو: وهنته وضعفته. # فصل # توهين الله كيدهم يكون بأشياء: # بإطلاع المؤمنين على عوراتهم. # وإلقاء الرعب في قلوبهم وتفريق كلمتهم. # ونقض ما أبرموا بسبب اختلاف عزائمهم. # قال ابن عباس: ينبىء رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: # " إني قد أوهنت كيد عدوك حتى قتلت خيارهم وأسرت أشرافهم ". ### || [8.19] # قوله: { إن تستفتحوا فقد جآءكم الفتح } قال الحسن، ms4244 ~~ومجاهد، والسدي: إنه خطاب للكافرين، وذلك أن أبا جهل قال يوم بدر: ~~اللهم، انصر أفضل الفريقين وأحقه بالنصر. # وروي أنه قال: اللهم، أينا كان أقطع للرحم وأفجر؛ فأهلكه الغداة. # وقال السدي: " لما أراد المشركون الخروج إلى بدر تعلقوا بأستار ~~الكعبة وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم ~~الحزبين وأفضل الدينين، فأنزل الله تعالى: { إن تستفتحوا فقد ~~جآءكم الفتح } أي: تستنصروا لإحدى القبيلين، فقد جاءكم النصر ". # وقال آخرون: المعنى: إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء. # قال عبد الرحمن بن عوف: إني لفي الصف يوم بدر، فالتفت، فإذا عن ~~يميني وعن يساري فتيان حديثا السن وكأني لم آمن لمكانهما، فتمنيت أن ~~أن أكون بين أضلع منهما، إذ قال لي أحدهما سرا من صاحبه، أي عم أرني ~~أبا جهل، فقلت: يا ابن أخي ما تصنع به؟. # قال: عاهدت الله إن رأيته أن أقتله، أو أموت دونه، وقال لي الآخر سرا ~~من صاحبه مثله، فما سرني أنني بين رجلين مكانهما فأشرت لهما عيله، ~~فشدا عليه مثل الصقرين حتى ضرباه، وهما ابنا عفراء. # وقال عكرمة: قال المشركون: والله ما نعرف ما جاء به فافتح بيننا وبينه ~~بالحق، فأنزل الله تعالى: { إن تستفتحوا } الآية، أي: إن ~~تستفتحوا فقد جاءكم القضاء. # وقال أبي بن كعب: هذا خطاب لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~الله للمسلمين: { إن تستفتحوا } أي تستنصروا فقد جاءكم الفتح ~~والنصر. روى قيس عن خباب قال: # " شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل ~~الكعبة، فقلنا له: ألا تدعو الله لنا، ألا تستنصر لنا، فجلس محمر ~~الوجه، فقال لنا: " لقد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له ~~في الأرض ثم يجاء بالمنشار فيجعل فوق رأسه ثم يجعل ~~نصفين ما يصرفه عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون ~~لحمه وعظمه ما يصرفه عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر ~~حتى يسير الراكب منكم من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله، ~~ولكنكم تستعجلون " ". # قال القاضي: وهذا القول أولى؛ ms4245 لأن قوله { فقد جآءكم الفتح ~~} لا يليق إلا بالمؤمنين اللهم إلا أن يحمل الفتح على الحكم والقضاء، ~~فيمكن أن يراد به الكفار. # قوله: { وإن تنتهوا فهو خير لكم }. # فإن قلنا: إن ذلك الخطاب للكفار، كان المعنى وإن تنتهوا عن قتال ~~الرسول وعداوته؛ فهو خير لكم في الدين بالخلاص من العقاب، وفي الدنيا ~~بالخلاص من القتل والأسر والنهب. # " وإن تعودوا " إلى القتال: " نعد " أي: إلى تسليطه عليكم: { ~~ولن تغني عنكم فئتكم } كثرة الجموع كما لم يغن ذلك يوم ~~بدر. # وإن قلنا ذلك خطاب للمؤمنين كان المعنى: إن تنتهوا عن المنازعة في أمر ~~الأنفال وتنتهوا عن طلب الفداء على الأسرى، فقد كان وقع بينهم نزاع يوم ~~بدر في هذه الأشياء حتى عاتبهم الله بقوله: # لولا كتاب من الله سبق # [الأنفال: 68]. # فقال تعالى: { وإن تنتهوا } عن مثله: { فهو خير لكم ~~وإن تعودوا } أنتم إلى تلك المنازعات " نعد " إلى ترك نصرتكم؛ ~~لأن الوعد بنصركم مشروط بشرط استمراركم على الطاعة، وترك المخالطة ثم ~~لا تنفعكم الفئة والكثرة، فإن الله لا يكون إلا مع المؤمنين الذين لا ~~يرتكبون الذنوب. # قوله: " ولن تغني " قرأ الجمهور بالتاء من فوق، لتأنيث الفئة. # وقرىء " ولن يغني " بالياء من تحت لأن تأنيثه مجازي، وللفصل أيضا: ~~" ولو كثرت " هذه الجملة الامتناعية حالية، وقد تقدم تحقيق ذلك. # قوله: { وأن الله مع المؤمنين } قرأ نافع، وابن عامر، ~~وحفص عن عاصم، بالفتح. والباقون: بالكسر، فالفتح من أوجه: # أحدها: أنه على لام العلة تقديره: ولأن الله مع المؤمنين كان كيت ~~وكيت. # والثاني: أن التقدير: ولأن الله مع المؤمنين امتنع عنادهم. # والثالث: أنه خبر مبتدأ محذوف أي: والأمر أن الله مع المؤمنين، وهذا ~~الوجه الأخير يقرب في المعنى من قراءة الكسر لأنه استئناف. ### || [8.20-23] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله ~~ورسوله } الآية. # لما خاطب المؤمنين بقوله: # وإن تنتهوا فهو خير لكم # [الأنفال: 19] أتبعه بتأديبهم فقال: { أطيعوا الله ورسوله ~~ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون } ولم يبين ماذا يسمعون ~~إلا أن الكلام من أول السورة إلى ههنا لما ms4246 كان واقعا في الجهاد علم ~~أن المراد وأنتم تسمعون دعاءه إلى الجهاد. # قوله { ولا تولوا } الأصل: تتولوا فحذف إحدى التاءين، وقد ~~تقدم الخلاف في أيتهما المحذوفة. # وقوله: { وأنتم تسمعون } جملة حالية، والضمير في " عنه " ~~يعود على الرسول؛ لأن طاعته من طاعة الله. # وقيل: يعود على الله، وهذا كقوله تعالى: # والله ورسوله أحق أن يرضوه # [التوبة: 62] وقيل: يعود على الأمر بالطاعة. # قوله { ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا ~~يسمعون } أي: لا تكونوا كالذين يقولون بألسنتهم إنا قبلنا تكاليف ~~الله تعالى: ثم إنهم بقلوبهم لا يقبلونها، وهذه صفة المنافقين. # قوله: { إن شر الدواب عند الله الصم البكم ~~الذين لا يعقلون }. # قيل: شبههم بالدواب لجهلهم، وعدولهم عن الانتفاع بما يسمعونه وبما ~~يقولونه، ولذلك وصفهم بالصم والبكم، وبأنهم لا يعقلون. # وقيل: سماهم دوابا لقلة انتفاعهم بعقولهم كما قال: # أولئك كالأنعام بل هم أضل # [الأعراف: 179]. # قال ابن عباس: هم نفر من عبد الدار بن قصي كانوا يقولون نحن صم ~~بكم عمي عما جاء به محمد؛ فقتلوا جميعا بأحد وكانوا أصحاب ~~اللواء، ولم يسلم منهم إلا رجلان: مصعب بن عمير، وسويد بن حرملة. # وقيل: بل هم من الدواب؛ لأنه اسم لما يدب على الأرض ولم يذكره في ~~معرض التشبيه، بل وصفهم بصفة تليق بهم على طريقة الذم، كما يقال ~~لمن لا يفهم الكلام: هو شبح وجسد وطلل على طريقة الذم. # وإنما جمع على جهة الذم وهو خبر " شر " لأنه يراد به الكثرة، ~~فجمع الخبر على المعنى. ولو كان الأصم لكان الإفراد على اللفظ، ~~والمعنى على الجمع. # قوله: { الذين لا يعقلون } يجوز رفعه أو نصبه على القطع. # قوله: { ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم } سماع ~~الفهم والقبول، ولو أسمعهم بعد أن علم أنه لا خير فيهم ما انتفعوا بذلك، ~~ولتولوا وهم معرضون لعناهم وجحودهم الحق بعد ظهوره. # وقيل: إنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم أحي لنا قصيا ~~فإنه كان شيخا مباركا حتى نشهد لك بالنبوة من ربك فقال الله - ~~عز وجل -: { ولو أسمعهم } كلام ms4247 قصي: { لتولوا ~~وهم معرضون }. # فصل # اعلم أنه تعالى حكم عليهم بالتولي عن الدلائل، وبالإعراض عن الحق، ~~وأنهم لا يعقلونه البتة ولا ينتفعون به ألبتة، وإذا كان كذلك وجب ~~أن يكون صدور الإيمان منهم محالا؛ لأنه لو صدر منهم الإيمان، لكان ~~إما أن يوجد إيمانهم مع بقاء هذا الخبر صدقا، أو مع انقلابه كذبا، ~~والأول محال؛ لأن وجود الإيمان مع الإخبار عن عدم الإيمان يكون جمعا ~~بين النقيضين وهو محال، والثاني محال؛ لأن انقلاب خبر الله ~~الصدق كذبا محال، لا سيما في الزمان المنقضي وهكذا القول في ~~انقلاب علم الله جهلا، كما تقدم تقريره. # فصل # قال النحاة: كلمة " لو " وضعت للدلالة على انتفاء الشيء لانتفاء غيره. # فإذا قلت: لو جئتني لأكرمتك، أفاد أنه ما حصل المجيء، وما حصل ~~الإكرام، ومن الفقهاء من قال: إنه يفيد الاستلزام، فأما الانتفاء ~~لأجل انتفاء الغير، فلا يفيده هذا اللفظ، ويدل عليه الآية والخبر. # أما الآية فهذه وتقريره: أن كلمة " لو " لو أفادت ما ذكروه لكان ~~قوله: { ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم } يقتضي ~~أنه تعالى ما علم خيرا وما أسمعهم، ثم قال { ولو أسمعهم ~~لتولوا وهم معرضون } فيكون معناه: أنه ما أسمعهم، وأنهم ~~ما تولوا لكن عدم التولي خير من الخيرات، فأول الكلام يقتضي نفي ~~الخير، وآخره يقتضي حصول الخير، وذلك متناقض. # فثبت القول: بأنه لو كانت كلمة: " لو " تفيد انتفاء الشيء ~~لانتفاء غيره لوجب هذا التناقص؛ فوجب أن لا يصار إليه. # وأما الخبر فقوله عليه الصلاة والسلام: # " نعم الرجل صهيب لو لم يخف الله لم يعصه " # فلو كانت لفظه " لو " تفيد ما ذكروه لصار المعنى أنه خاف الله ~~وعصاه، وذلك متناقض. # فثبت أن كلمة " لو " لا تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره، وإنما ~~تفيد مجرد الاستلزام، وهذا دليل حسن إلا أنه خلاف قول الجمهور. ### || [8.24-26] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله ~~وللرسول } الآية. # قال أبو عبيدة، والزجاج: " استجيبوا " معناه: أجيبوا؛ وأنشدوا قول ~~الغنوي: [الطويل] # 2690 -................... # فلم يستجبه عند ذاك مجيب # وهذه الآية تدل على ms4248 أن الأمر يفيد الوجوب؛ لأنها تدل على أنه لا ~~بد من الإجابة في كل ما دعاه الله إليه. # فإن قيل: قوله { استجيبوا لله } أمر. فلم قلتم: إنه على ~~الوجوب؟ وهل النزاع إلا فيه، فيرجع حاصل هذا الكلام إلى إثبات أن ~~الأمر للوجوب بناء على أن هذا الأمر يفيد الوجوب فيقتضي إثبات الشيء ~~بنفسه، وهو محال. # فالجواب: أن من المعلوم بالضرورة أن كل ما أمر الله به فهو ~~مرغب فيه مندوب إليه، فلو حملنا قوله " استجيبوا " على هذا المعنى كان ~~ذلك جاريا مجرى إيضاح الواضحات وهو عبث، فوجب حمله على فائدة زائدة، ~~وهي الوجوب صوتا لهذا النص عن التعطيل. # ويؤيده ما روى أبو هريرة # " أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على باب أبي بن كعب فناداه وهو ~~في الصلاة فعجل في صلاته ثم جاء فقال: " ما منعك عن إجابتي "؟ ~~فقال: كنت أصلي، فقال: " أليس الله يقول: { يأيها الذين ~~آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما ~~يحييكم } " فلامه على ترك الإجابة " # متمسكا بهذه الآية. # فإن قيل: مسألة الأمر - يفيد الوجوب - مسألة قطعية، فلا يجوز ~~التمسك فيها بخبر الواحد. # فالجواب: لا نسلم أن مسألة الأمر - يفيد الوجوب - مسألة قطعية، بل ~~هي ظنية؛ لأن المقصود منها العمل، والدلائل الظنية كافية في العمل. # فإن قيل: إن الله تعالى ما أمر بالإجابة مطلقا، بل بشرط خاص، وهو ~~قوله: { إذا دعاكم لما يحييكم } فلم قلتم إن هذا الشرط ~~الخاص حاصل في جميع الأوامر؟ # فالجواب: أن قصة أبي تدل على أن هذا الحكم عام ليس مخصصا بشرط ~~معين، وأيضا فلا يمكن حمل الحياة ههنا على نفس الحياة؛ لأن إحياء ~~الحي محال؛ فوجب حمله على شيء آخر وهو الفوز بالثواب، وكل ما دعا ~~الله إليه ورغب فيه مشتمل على الثواب، فكان هذا الحكم عاما في جميع ~~الأوامر. # فصل # في المراد بقوله " لما يحييكم " وجوه: # أحدها: قال السدي: هو الإيمان والإسلام وفيه الحياة، وقال قتادة: ~~يعني القرآن فيه الحياة والنجاة. وقال مجاهد: هو الحق. # وقال ابن إسحاق: الجهاد أعزكم ms4249 الله فيه بعد الذل، وقال ~~القتيبي: الشهادة، قال تعالى: # بل أحياء عند ربهم يرزقون # [آل عمران: 169]. # قوله { واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ~~} قال الواحدي حكاية عن ابن عباس، والضحاك: يحول بين المرء الكافر ~~وطاعته، ويحول بين المطيع ومعصيته، فالسعيد من أسعده الله، ~~والشقي من أضله الله، والقلوب بيده يقلبها كيف يشاء. # وقال السدي: يحول بين الإنسان وقلبه، فلا يستطيع أن يؤمن ولا أن ~~يكفر إلا بإذنه. # وقال سعيد بن جبير، وعطاء: يحول بين المؤمن والكفر وبين الكافر ~~والإيمان. # وقيل: إن القوم لما دعوا إلى القتال في حالة الضعف ساءت ظنونهم ~~واختلجت صدورهم، فقيل لهم: قاتلوا في سبيل الله، واعلموا أن الله ~~يحول بين المرء وقلبه فيبدل الله الخوف أمنا، والجبن جراءة. # قوله: " بين المرء " العامة على فتح الميم. # وقرأ ابن أبي إسحاق: بكسرها على إتباعها لحركة الهمزة، وذلك أن في " ~~المرء " لغتين: أفصحهما: فتح الميم مطلقا، والثانية: إتباع الميم ~~لحركة الإعراب فتقول: هذا مرء - بضم الميم، ورأيت مرءا - بفتحها، ~~ومررت بمرء - بكسرها، وقرأ الحسن، والزهري: بفتح الميم وتشديد ~~الراء. وتوجيهها: أن يكون نقل حركة الهمزة إلى الراء، ثم ضعف ~~الراء، وأجرى الوصل مجرى الوقف. # قوله " وأنه " يجوز أن تكون الهاء ضمير الأمر والشأن، وأن تعود على ~~الله تعالى، وهو الأحسن لقوله: " إليه تحشرون " أي إلى الله؛ ~~ولا تتركون مهملين. # قوله { واتقوا فتنة لا تصيبن }. # في " لا " وجهان: # أحدهما: أنها ناهية، وعلى هذا، فالجملة لا يجوز أن تكون صفة ل " ~~فتنة " لأن الجملة الطلبية لا تقع صفة، ويجوز أن تكون محمولة ~~لقول، ذلك القول هو الصفة أي: فتنة مقولا فيها: لا تصيبن، ~~والنهي في الصورة للمصيبة، وفي المعنى للمخاطبين، وهو في المعنى ~~كقولهم: لا أرينك ههنا، أي: لا تتعاطوا أسبابا يصيبكم بسببها ~~مصيبة لا تخص ظالمكم، ونون التوكيد على هذا في محلها، ونظير إضمار ~~القول قوله: [الرجز] # 2691 - جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط # أي مقول فيها ما رأيت. # والثاني: أن " لا " نافية، والجملة صفة ل " فتنة " وهذا واضح ms4250 من ~~هذه الجهة إلا أنه يشكل عليه توكيد المضارع في غير قسم، ولا طلب، ~~ولا شرط، وفيه خلاف: هل يجري المنفي ب " لا " مجرى النهي؟ فقال ~~بعضهم: نعم؛ واستشهد بقوله: [الطويل] # 2692 - فلا الجارة الدنيا بها تلحينها # ولا الضيف فيها إن أناخ محول # وقال الآخر: [الطويل] # 2693 - فلا ذا نعيم يتركن لنعيمه # وإن قال قرظني وخذ رشوة أبى # ولا ذا بئيس يتركن لبؤسه # فينفعه شكو إليه إن اشتكى # فإذا جاز أن يؤكد المنفي ب " لا " مع انفصاله، فلأن يؤكد المنفي ~~غير المفصول بطريق الأولى إلا أن الجمهور يحملون ذلك على الضرورة. # وزعم الفراء أن: " لا تصيبن " جواب للأمر نحو: انزل عن ~~الدابة لا تطرحنك، أي: إن تنزل عنها لا تطرحنك، ومنه قوله ~~تعالى # لا يحطمنكم # [النمل: 18] أي: إن تدخلوا لا يحطمنكم، فدخلت النون لما فيه ~~من معنى الجزاء. # قال أبو حيان. وقوله " لا يحطمنكم " وهذا المثال، ليس نظير { ~~فتنة لا تصيبن الذين }؛ لأنه ينتظم من المثال والآية شرط ~~وجزاء كما قدر، ولا ينتظم ذلك هنا، ألا ترى أنه لا يصح تقدير: إن ~~تتقوا فتنة لا تصب الذين ظلموا، لأنه يترتب على الشرط غير مقتضاه ~~من جهة المعنى. # قال الزمخشري: " لا تصيبن " لا يخلو إما أن يكون جوابا للأمر، ~~أو نهيا بعد أمر، أو صفة ل " فتنة " فإن كان جوابا فالمعنى: إن ~~أصابتكم لا تصيب الظالمين منكم خاصة بل تعمكم. # قال أبو حيان " وأخذ الزمخشري قول الفراء، وزاده فسادا وخبط فيه ~~" فذكر ما نقلته عنه ثم قال: " فانظر إليه كيف قدر أن يكون جوابا ~~للأمر الذي هو: " اتقوا " ثم قدر أداة الشرط داخلة على غير ~~مضارع " اتقوا "؟ فقال المعنى: إن أصابتكم يعني: الفتنة. وانظر كيف ~~قدر الفراء، انزل عن الدابة لا تطرحنك، وفي قوله: # ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم # [النمل: 18] فأدخل أداة الشرط على مضارع فعل الأمر، وهكذا يقدر ما ~~كان جوابا للأمر ". # وقيل: " لا تصيبن " جواب قسم محذوف، والجملة القسمية صفة ل " ~~فتنة " أي: فتنة والله لا تصيبن، ودخول النون أيضا ms4251 قليل، ~~لأنه منفي. # وقال أبو البقاء " ودخلت النون على المنفي في غير القسم على ~~الشذوذ " وظاهر هذا أنه إذا كان النفي في جواب القسم يطرد ~~دخول النون، وليس كذلك، وقيل: إن اللام لام التوكيد والفعل ~~بعدها مثبت، وإنما أشبعت فتحة اللام؛ فتولدت ألفا، فدخول ~~النون فيها قياس، وتأثر هذا القائل بقراءة جماعة كثيرة " ~~لتصيبن " وهي قراءة أمير المؤمنين، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، ~~والباقر، والربيع بن أنس، وأبي العالية، وابن جماز. # وممن وجه ذلك ابن جني، والعجب أنه وجه هذه القراءة الشاذة ~~بتوجيه يردها إلى قراءة العامة، فقال: " يجوز أن تكون قراءة ~~ابن مسعود، ومن ذكر معه مخففة من " لا " يعني حذفت ألف " لا " تخفيفا ~~واكتفي بالحركة ". # قال: " كما قالوا: أم والله، يريدون: أما والله ". # قال المهدوي " كما حذفت من " ما " وهي أخت " لا " في نحو: أم والله ~~لأفعلن وشبهه ". # قوله " أخت لا " ليس كذلك؛ لأن " أما " هذه للاستفتاح، ك " ألا " ، ~~وليست من النافية في شيء، فقد تحصل من هذا أن ابن جني خرج كلا ~~من القراءتين على الأخرى. وهذا لا ينبغي أن يجوز ألبتة، كيف يورد ~~لفظ نفي، ويتأول بثبوت وعكسه؟ وهذا مما يقلب الحقائق، ويؤدي إلى ~~التعمية. # وقال المبرد، والفراء، والزجاج: في قراءة العامة " لا ~~تصيبن " الكلام قد تم عند قوله: " فتنة " وهو خطاب عام ~~للمؤمنين، ثم ابتدأ نهي الظلمة خاصة عن التعرض للظلم فتصيبهم ~~الفتنة خاصة، والمراد هنا: لا يتعرض الظالم للفتنة فتقع إصابتها ~~له خاصة. # قال الزمخشري في تقدير هذا الوجه: " وإذا كانت نهيا بعد أمر؛ فكأنه ~~قيل: واحذروا ذنبا أو عقابا. # ثم قيل: لا تتعرضوا للظلم فيصيب العقاب أو أثر الذنب من ظلم منكم ~~خاصة ". # وقال علي بن سليمان: هو نهي على معنى الدعاء، وإنما جعله ~~نهيا بمعنى الدعاء لأن دخول النون في النفي ب " لا " عنده لا يجوز، ~~فيصير المعنى: لا أصابت الفتنة الظالمين خاصة، واستلزمت الدعاء على غير ~~الظالمين، فصار التقدير: لا أصابت ظالما ولا غير ظالم فكأنه قيل: ~~واتقوا فتنة لا أوقعها ms4252 الله بأحد. # وقد تحصلت في تخريج هذه الكلمة أقوال: النهي بتقديريه، والدعاء ~~بتقديريه، والجواب للأمر بتقديريه وكونها صفة بتقدير القول. # قوله: " منكم " فيه ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنها للبيان مطلقا، والثاني: أنها حال، فيتعلق بمحذوف. # وجعلها الزمخشري: للتبعيض على تقدير، وللبيان على تقدير آخر، فقال " ~~فإن قلت: فما معنى " من " في قوله: { الذين ظلموا منكم }؟ ~~قلت: التبعيض على الوجه الأول، والبيان على الثاني؛ لأن المعنى: لا ~~تصيبنكم خاصة على ظلمكم، لأن الظلم منكم أقبح من سائر الناس " يعني ~~بالأول كونه جوابا للأمر، وبالثاني كونه نهيا بعد أمر، وفي تخصيصه ~~التبعيض بأحد الوجهين دون الآخر، وكذا الثاني: نظر، إذ المعنى يصح بأحد ~~التقديرين مع التبعيض والبيان. # قوله: " خاصة " فيه ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنها حال من الفاعل المستكن في قوله: " لا تصيبن " ~~وأصلها أن تكون صفة لمصدر محذوف، تقديره: إصابة خاصة. # الثاني: أنها حال من المفعول وهو الموصول، تقديره: لا تصيبن ~~الظالمين خاصة، بل تعمهم، وتعم غيرهم. # الثالث: أنها حال من فاعل " ظلموا " قاله ابن عطية. قال أبو حيان: " ~~ولا يعقل هذا الوجه ". # قال شهاب الدين: " ولا أدري ما عدم تعقله؟ فإن المعنى: واتقوا ~~فتنة لا تصيبن الذين ظلموا، ولا يظلم غيرهم، بمعنى: أنهم اختصوا ~~بالظلم، ولم يشاركهم فيه غيرهم، فهذه الفتنة لا تختص إصابتها ~~لهؤلاء، بل تصيبهم، وتصيب من لم يظلم ألبتة، وهذا معنى واضح ". # فإن قيل: إنه تعالى خوفهم بعذاب لو نزل عم المذنب، وغيره، وكيف ~~يليق بالرحيم الحليم أن يوصل العذاب إلى من لم يذنب؟ # فالجواب: أنه تعالى قد ينزل الموت، والفقر، والعمى، والزمانة بعبده ~~ابتداء، إما لأنه يحسن منه تعالى ذلك بحكم المالكية، أو لأنه ~~تعالى علم اشتمال ذلك على نوع من أنواع الصلاة على اختلاف المذهبين. # فصل # روي عن الحسن قال: " نزلت في علي، وعمار، وطلحة، والزبير، وهو يوم الجمل ~~خاصة ". # قال الزبير: " نزلت فينا وقرأناها زمانا وما ظننا أنا أهلها فإذا ~~نحن المعنيون بها ". # وعن السدي " نزلت في أهل بدر واقتتلوا يوم الجمل ". # روي: # " أن الزبير كان ms4253 يسامر النبي صلى الله عليه وسلم يوما إذ أقبل ~~علي - رضي الله عنه - فضحك الزبير، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: كيف حبك لعلي؟ # فقال: يا رسول الله أحبه كحبي لولدي أو أشد. # فقال: كيف أنت إذا سرت تقاتله؟ وقال ابن عباس: " أمر الله المؤمنين ~~ألا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بعذاب يصيب الظالم ~~وغير الظالم " وقال عليه الصلاة والسلام: " إن الله لا يعذب ~~العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم، وهم ~~قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه فإذا فعلوا ذلك عذب الله ~~العامة والخاصة " # وقال ابن زيد: " أراد بالفتنة افتراق الكلمة، ومخالفة بعضهم بعضا ". # روي أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تكون فتن القاعد فيها ~~خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من ~~الساعي، من تشرف لها تستشرقه فمن وجد ملجأ أو ~~معاذا فليعذ به " ". # ثم قال: { واعلموا أن الله شديد العقاب } والمراد منه الحث على لزوم ~~الاستقامة. # قوله تعالى: { واذكروا إذ أنتم قليل } الآية. # في " إذ " ثلاثة أوجه، أوضحها، أنه ظرف ناصبه محذوف، تقديره: ~~واذكروا حالكم الثابتة في وقت قلتكم، قاله ابن عطية. # والثاني: أنه مفعول به. # قال الزمخشري: " نصب على أنه مفعول به مذكور لا ظرف، أي: اذكروا ~~وقت كونكم أقلة أذلة " وفيه نظر؛ لأن " إذ " لا يتصرف فيها إلا ~~بما تقدم ذكره، وليس هذا منه. # الثالث: أن يكون ظرفا ل " اذكروا " قاله الحوفي، وهو فاسد؛ ~~لأن العامل مستقبل، والظرف ماض فكيف يتلاقيان. # قوله " تخافون " فيه ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنه خبر ثالث. # والثاني: أنه صفة ل " قليل " وقد بدىء بالوصف بالمفرد، ثم ~~بالجملة. # الثالث: أن يكون حالا من الضمير المستتر في " مستضعفون ". # فصل # المعنى: واذكروا يا معشر المهاجرين: { إذ أنتم قليل } في العدد: ~~{ مستضعفون في الأرض } أي: أرض مكة في ابتداء الإسلام: { ~~تخافون أن يتخطفكم الناس } تذهب بكم الناس يعني كفار ~~مكة. # وقال عكرمة " كفار العرب لقربهم منهم وشدة عداوتهم لهم ". # وقال وهب: ms4254 " فارس والروم " " فآواكم " إلى المدينة " وأيدكم ~~بنصره " أي: قواكم يوم بدر بالأنصار. وقال الكلبي: " قواك يوم بدر ~~بالملائكة " { ورزقكم من الطيبات } يعني الغنائم أحلها ~~لكم ولم يحلها لأحد قبلكم. # ثم قال: " لعلكم تشكرون " أي: نقلناكم من الشدة إلى ~~الرخاء، ومن البلاء إلى النعماء حتى تشتغلوا بالشكر والطاعة، ~~وتتركوا المنازعة والمخاصمة بسبب الأنفال. ### || [8.27-28] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله ~~والرسول } الآية. # لما ذكر أنه رزقهم من الطيبات، فههنا منعهم من الخيانة، واختلفوا ~~في تلك الخيانة. # فقال ابن عباس: نزلت في أبي لبابة حين بعثه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى قريظة لما حاصرهم وكان أهله وولده فيهم، فقالوا: ما ترى ~~لنا، أننزل على حكم سعد بن معاذ فينا؟ فأشار أبو لبابة إلى حلقه، إنه ~~الذبح فلا تفعلوا، فكان منه خيانة لله ورسوله. # وقال السدي " كانوا يسمعون الشيء من النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيفشونه ويبلغونه إلى المشركين فنهاهم الله عز وجل عن ذلك ". # وقال ابن زيد: " نهاهم الله أن يخونوا كما صنع المنافقون يظهرون ~~الإيمان، ويسرون الكفر ". # وقال جابر بن عبد الله: " إن أبا سفيان خرج من مكة فعلم النبي صلى ~~الله عليه وسلم خروجه، وعزم على الذهاب إليه، فكتب رجل من المنافقين ~~إليه أن محمدا يريدكم، فخذوا حذركم فنزلت الآية ". وقال الكلبي ~~والأصم والزهري " نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة ~~لما هم النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج إليها ". # فصل # قال أبو العباس المقرىء: ورد لفظ " الخيانة " في القرآن بإزاء خمسة ~~معان: # الأول: أن المراد بالخيانة: الذنب في الإسلام، كهذه الآية، لما ~~نزلت في أبي لبابة. # الثاني: الخيانة: السرقة، قال تعالى: # ولا تكن للخآئنين خصيما # [النساء: 105] نزلت في طعمة، لما سرق الدرعين. # الثالث: نقض العهد، قال تعالى: # وإما تخافن من قوم خيانة # [الأنفال: 58]. # الرابع: الخيانة: المخالفة، قال تعالى: { فخانتاهمآ } أي: ~~خالفتاهما في الدين؛ لأنه يروى أنه ما زنت امرأة نبي قط. # الخامس: الخيانة: الزنا، قال تعالى: # وأن الله لا يهدي كيد ms4255 الخائنين # [يوسف: 52] يعني: الزنا. # فصل # قال القاضي: " الأقرب: أن خيانة الله غير خيانة رسوله، وخيانة ~~الرسول غير خيانة الأمانة؛ لأن العطف يقتضي المغايرة ". # وإذا عرف ذلك فنقول: إنه تعالى أمرهم أن لا يخونوا الغنائم، وجعل ذلك ~~خيانة لله؛ لأنه خيانة لعطيته وخيانة لرسوله؛ لأنه القيم بقسمها، ~~فمن خانها فقد خان الرسول، وهذه الغنيمة قد جعلها الله أمانة في أيدي ~~الغانمين، وألزمهم أن لا يتناولوا لأنفسهم منها شيئا فصارت وديعة. # والوديعة أمانة في يد المودع، فمن خان منهم فيها فقد خان أمانة ~~الناس. # إذ الخيانة ضد الأمانة. # قال: ويحتمل أن يريد بالإمانة كل ما تعبد به، وعلى هذا التقدير: فيدخل ~~فيه الغنيمة وغيرها، فكان معنى الآية: إيجاب أداء التكاليف تامة كاملة. # قال ابن عباس: " لا تخونوا الله بترك فرائضه، والرسول بترك سنته " " ~~وتخونوا أماناتكم ". # قال ابن عباس: " هي ما يخفى عن أعين الناس من فرائض الله تعالى " ~~والأعمال التي ائتمن الله عليها العباد المذكورة في سبب النزول داخلة ~~فيها، لكن لا يجب قصر الآية عليها لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص ~~السبب. # قال الزمخشري " ومعنى الخون النقص، كما أن معنى الوفاء التمام، ومنه ~~تخونه إذا تنقصه ثم استعمل في ضد الأمانة؛ لأنك إذا خنت الرجل في ~~شيء، فقد أدخلت النقصان فيه ". # قوله: " وتخونوا " يجوز فيه أن يكون منصوبا بإضمار " أن " على ~~جواب النهي، أي: لا تجمعوا بين الخيانتين. # كقوله: [الكامل] # 2694 - لا تنه عن خلق وتأتي مثله # عار عليك إذا فعلت عظيم # والثاني: أن يكون مجزوما نسقا على الأول، وهذا الثاني أولى؛ لأن فيه ~~النهي عن كل واحد على حدته بخلاف ما قبله فإنه نهي عن الجمع ~~بينهما، ولا يلزم من النهي عن الجمع بين الشيئين النهي عن كل واحد ~~على حدته، وقد تقدم تحريره في قوله: # وتكتموا الحق # [البقرة: 42] أول البقرة. # و " أماناتكم " على حذف مضاف، أي: أصحاب أماناتكم، ويجوز أن يكونوا ~~نهوا عن خيانة الأمانات مبالغة كأنها جعلت مخونة. # وقرأ مجاهد ورويت عن أبي عمرو " أمانتكم " بالتوحيد، والمراد ~~الجمع. ms4256 # وقوله: " وأنتم تعلمون " جملة حالية، ومتعلق العلم يجوز أن ~~يكون مرادا أي: وأنتم تعلمون قبح ذلك أو أنكم مؤاخذون بها، ويجوز ~~ألا يقدر، أي: وأنتم من ذوي العلم. والعلم يحتمل أن يكون على ~~بابه، وأن يكون بمعنى العرفان. # قوله: { واعلموا أنمآ أموالكم وأولادكم فتنة ~~}. # لما كان الداعي إلى الإقدام على الخيانة هو حب الأموال، والأولاد، ~~نبه تعالى على أنه يجب على العاقل أن يحترز عن المضار المتولدة من ~~ذلك. # فقال: { أنمآ أموالكم وأولادكم فتنة } لأنها ~~تشغل القلب بالدنيا. # ثم قال: { وأن الله عنده أجر عظيم } أي: أن سعادة ~~الآخرة خير من سعادات الدنيا، لأن سعادات الآخرة لا نهاية لها، ~~وسعادات الدنيا تفنى وتنقضي. ### || [8.29] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله ~~يجعل لكم فرقانا } الآية. # لما حذر من الفتنة بالأموال، والأولاد، رغب في التقوى الموجبة ~~لترك الميل، والهوى في محبة الأموال والأولاد. # فإن قيل: إدخال الشرط في الحكم إنما يحسن في حق من كان جاهلا ~~بعواقب الأمور وذلك لا يليق بالله تعالى. # فالجواب: أن قولنا إن كان كذا كان كذا لا يفيد إلا كون الشرط ~~مستلزما للجواب، فأما أن وقوع الشرط مشكوك فيه، أو معلوم فذلك غير ~~مستفاد من هذا اللفظ، سلمنا أنه يفيد هذا الشك إلا أنه تعالى ~~يعامل العباد في الجزاء معاملة الشاك، وعليه يخرج قوله تعالى: # ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم ~~والصابرين # [محمد: 31]. # قال أبو العباس المقرىء: " الفرقان " على أربعة أوجه: # الأول: الفرقان النور، كهذه الآية أي: يجعل لكم نورا في قلوبكم ~~تفرقون به بين الحلال والحرام. # والثاني: الحجة. # قال تعالى: # وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان # [البقرة: 53] أي: الحجة. # الثالث: القرآن. قال تعالى # تبارك الذي نزل الفرقان على عبده # [الفرقان: 1] أي: القرآن. # الرابع: يوم بدر قال تعالى # يوم الفرقان يوم التقى الجمعان # [الأنفال: 41] أي: يوم بدر. # فصل # ومعنى الآية: إن تتقوا الله بطاعته وترك معصيته يجعل لكم فرقانا. # قال مجاهد: " مخرجا في الدنيا والآخرة من الضلال " وقال مقاتل: ~~" مخرجا في الدين من الشبهات ". # وقال عكرمة " نجاة، ms4257 أي: يفرق بينكم وبين ما تخافون ". # وقال الضحاك: " بيانا ". # وقال ابن إسحاق: " فصلا بين الحق والباطل. يظهر الله به حقكم ويطفىء ~~باطل من خالفكم " قال مزرد بن ضرار: [الخفيف] # 2695 - بادر الأفق أن يغيب فلما # أظلم الليل لم يجد فرقانا # وقال آخر: [الرجز] # 2696 - ما لك من طول الأسى فرقان # بعد قطين رحلوا وبانوا # وقال آخر: [الطويل] # 2697 - وكيف أرجي الخلد والموت طالبي # وما لي من كأس المنية فرقان # والفرقان: مصدر كالرجحان والنقصان، وتقدم الكلام عليه أول البقرة. ### || [8.30] # قوله تعالى: { وإذ يمكر بك الذين كفروا } الآية. # هذا الظرف معطوف على الظرف قبله؛ لأن هذه السورة مدنية، وهذا ~~المكر والقول إنما كان بمكة ولكن الله ذكرهم بالمدينة لقوله تعالى: # إلا تنصروه فقد نصره الله # [التوبة: 40]. # واعلم أنه لما ذكر المؤمنين بنعمه عليهم بقوله: # واذكروا إذ أنتم قليل # [الأنفال: 26] فكذلك ذكر رسوله بنعمه عليه وهو دفع كيد المشركين ومكر ~~الماكرين. # قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم: إن قريشا فزعوا - لما أسلمت ~~الأنصار - أن يتفاقم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فاجتمع نفر من ~~كبارهم في دار الندوة ليتشاوروا في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وكانت رءوسهم عتبة، وشيبه ابنا ربيعة، وأبو جهل، وأبو سفيان، وطعيمة ~~بن عدي، والنضر بن الحارث، وأبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود، ~~وحكيم بن حزام، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وأمية بن خلف فاعترضهم إبليس ~~في صورة شيخ، فلما رأوه قالوا: من أنت؟ قال: شيخ من نجد، سمعت ~~باجتماعكم، فأردت أن أحضركم ولن تعدموا مني رأيا ونصحا، قالوا: ادخل ~~فدخل، فقال أبو البختري: أما أنا فأرى أن تأخذوا محمدا وتقيدوه، ~~وتحبسوه في بيت وتسدوا باب البيت غير كوة وتلقون إليه طعامه وشرابه، ~~وتتربصوا به ريب المنون حتى يهلك فيه كما هلك من قبله من ~~الشعراء، فصرخ عدو الله الشيخ النجدي وقال: بئس الرأي والله إن ~~حبستموه في بيت ليخرجن أمره من وراء البيت إلى أصحابه، فيوشك أن يثبوا ~~عليكم فيقاتلوكم ويأخذوه من أيديكم. # قالوا: ms4258 صدق الشيخ. # وقال بعضهم: أخرجوه من عندكم تستريحوا من أذاه لكم. # فقال إبليس: ما هذا برأي، تعمدون إلى رجل قد أفسد سفهاءكم فتخرجونه ~~إلى غيركم فيفسدهم، ألم تروا حلاوة منطقه، وطلاقة لسانه، وأخذ ~~القلوب بما تسمع من حديثه؟ والله لئن فعلتم ذلك لاستمال قلوب قوم ثم ~~يسير بهم إليكم ويخرجكم من بلادكم قالوا: صدق والله الشيخ. # فقال أبو جهل: إني أرى أن تأخذوا من كل بطن من قريش شابا نسيبا ~~وسطا فتيا ثم يعطى كل فتى منهم سيفا صارما، ثم يضربوه ضربة رجل ~~واحد، فإذا قتلوه تفرق دمه بين القبائل كلها، ولا أظن هذا الحي من ~~بني هاشم يقوون على حرب قريش كلها فيرضون بأخذ الدية فتؤدي قريش ~~ديته. # فقال إبليس: صدق هذا الفتى وهو أجودكم رأيا، فتفرقوا على رأي أبي جهل ~~فأوحى الله تعالى إلى نبيه بذلك، وأذن له في الخروج إلى ~~المدينة، وأمره ألا يبيت في مضجعه، فأمر الرسول عليا أن يبيت في ~~مضجعه وقال: اتشح ببردتي؛ فإنه لن يصل إليك أمر تكرهه، ثم ~~خرج النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ قبضة من تراب، وأخذ الله أبصارهم ~~عنه وجعل ينثر التراب على رءوسهم، وهو يقرأ # إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا # [يس: 8] إلى قوله: # فهم لا يبصرون # [يس:9] ومضى إلى الغار من ثور هو وأبو بكر، وخلف عليا بمكة حتى ~~يؤدي عنه الودائع التي كانت توضع عنده لصدقه وأمانته، وباتوا ~~مترصدين، فلما أصبحوا ثاروا إلى مضجعه فأبصروا عليا فبهتوا. # وقالوا له: أين صاحبك؟ # قال: لا أدري فاقتصوا أثره وأرسلوا في طلبه، فلما بلغوا الغار رأوا ~~على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخله لم يكن نسج العنكبوت على بابه؛ ~~فمكث فيه ثلاثا ثم قدم المدينة فذلك قوله: { وإذ يمكر بك ~~الذين كفروا }. # وقوله " ليثبتوك " متعلق ب " يمكر " والتثبيت هنا ~~الضرب، حتى لا يبقى للمضروب حركة؛ قال: [البسيط] # 2698 - فقلت: ويحك ماذا في صحيفتكم؟ # قالوا: الخليفة أمسى مثبتا وجعا # وقرأ ابن وثاب " ليثبتوك " فعداه بالتضعيف، وقرأ النخعي " ~~ليبيتوك " من البيات والمعنى: ms4259 # قال ابن عباس: ليوثقوك ومن شد فقد أثبت؛ لأنه لا يقدر على ~~الحركة، ولهذا يقال لمن اشتدت به علة أو جراحة تمنعه من الحركة قد ~~أثبت فلان، فهو مثبت. # وقيل: ليسجنوك، وقيل: ليثبتوك في بيت، أو يقتلوك، وهو ما حكي من أبي ~~جهل " أو يخرجوك " من مكة كما تقدم. # ثم قال: { ويمكرون ويمكر الله } قال الضحاك: يصنعون ~~ويصنع الله، والمكر من الله التدبير بالحق، وقيل: يجازيهم جزاء ~~المكر. { والله خير الماكرين } وقد تقدم الكلام في تفسير " ~~المكر " في حق الله تعالى في آل عمران عند قوله: # ومكروا ومكر الله # [آل عمران: 54]. # فإن قيل: كيف قال { والله خير الماكرين } ولا خير في ~~مكرهم؟. # فالجواب من وجوه: أحدها: أن المراد أقوى الماكرين، فوضع " خير " ~~موضع " أقوى " تنبيها على أن كل مكر، فإنه يبطل في مقابلة فعل ~~الله تعالى. # وثانيها: أن المراد لو قدر في مكرهم ما يكون خيرا. # وثالثها: أن المراد ليس هو التفضيل، بل المراد أنه في نفسه خير ~~كقولك: الزبد خير من الله، أي: من عند الله. ### || [8.31] # قوله تعالى: { وإذا تتلى عليهم آياتنا } الآية. # لما حكى مكرهم في ذات محمد، حكى مكرهم في دين محمد. # روي أن النضر بن الحارث كان يختلف تاجرا إلى فارس والحيرة فيسمع ~~أخبار رستم وسفنديار، وأحاديث العجم، واشترى أحاديث كليلة ودمنة، ويمر ~~باليهود والنصارى فيراهم يقرءون التوراة والإنجيل، ويركعون ويسجدون فجاء ~~مكة فوجد محمدا صلى الله عليه وسلم يصلي ويقرأ القرآن، وكان يقعد ~~مع المستهزئين والمقتسمين وهو منهم فيقرأ عليهم أساطير الأولين أخبار ~~الأمم الماضية وأسماءهم، وما سطر الأولون في كتبهم. # وكان يزعم أنها مثل ما يذكره محمد من قصص الأولين، فهذا هو المراد ~~من قوله { لو نشآء لقلنا مثل هذا إن هذآ إلا ~~أساطير الأولين } ، والأساطير: جمع أسطورة وهي المكتوبة. # فإن قيل: الاعتماد على كون القرآن معجزا هو أن الله تعالى تحدى ~~العرب بمعارضته فلم يأتوا بها، وهذه الآية تدل على أنه أتى بالمعارضة. # فالجواب: أن كلمة " لو " تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره، ms4260 فقوله: { ~~لو نشآء لقلنا مثل هذا } يدل على أنه ما شاء ذلك ~~القول، وما قالوا؛ فثبت أن النضر بن الحارث أقر أنه ما أتى ~~بالمعارضة، وإنما أخبر أنه لو شاء أتى بها، والمقصود إنما يحصل لو ~~أتى بالمعارضة أما مجرد هذا القول، فلا فائدة فيه. ### || [8.32-34] # قوله: { وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق }. # نزلت في النضر بن الحارث من بني عبد الدار. # قال ابن عباس: لما قص رسول الله صلى الله عليه وسلم شأن القرون ~~الماضية قال النضر: لو شئت لقلت مثل هذا إن هذا إلا ما سطر ~~الأولون في كتبهم. # فقال له عثمان بن مظعون: اتق الله فإن محمدا يقول الحق، قال: وأنا ~~أقول الحق. # قال عثمان: فإن محمدا يقول: لا إله إلا الله، قال: وأنا أقول: لا ~~إله إلا الله ولكن هذه بنات الله، يعني: الأصنام. # ثم قال: { اللهم إن كان هذا } الذي يقوله محمد { هو الحق ~~من عندك }. # فإن قيل: في الآية إشكال من وجهين: # أحدهما: أن قوله { اللهم إن كان هذا هو الحق } الآية. ~~حكاه الله عن كلام الكفار، وهو من جنس نظم القرآن، فقد حصلت ~~المعارضة في هذا وحكي عنهم في سورة الإسراء قولهم: # لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا # [الإسراء: 90] الآيات، وهذا أيضا كلام الكفار فقد حصل من كلامهم ما ~~يشبه نظم القرن، فدل على حصول المعارضة. # الوجه الثاني: أن كفار قريش كانوا معترفين بوجود الإله، وقدرته، ~~وكانوا قد سمعوا التهديد الكثير من محمد صلى الله عليه وسلم في نزول ~~العذاب، فلو كان القرآن معجزا لعرفوا كونه معجزا، لأنهم أرباب الفصاحة ~~والبلاغة، ولو عرفوا ذلك لكان أقل الأحوال أن يشكوا في نبوة محمد ~~- عليه الصلاة والسلام -، ولو كانوا كذلك لما أقدموا على قولهم: { ~~اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من ~~السماء }؛ لأن الشاك لا يتجاسر على مثل هذه المبالغة وحيث أتوا بهذه ~~المبالغة علمنا أنه ما لاح لهم في القرآن وجه من الوجوه المعجزة. ms4261 # فالجواب عن الأول: أن الإتيان بهذا القدر من الكلام لا يكفي في حصول ~~المعارضة؛ لأن هذا القدر كلام قليل لا يظهر فيه وجوه الفصاحة والبلاغة. # والجواب عن الثاني: هب أنه لم يظهر لهم الوجه في كون القرآن ~~معجزا إلا أنه لما كان معجزا في نفسه، فسواء عرفوا ذلك الوجه أو ~~لم يعرفوا فإنه لا يتفاوت الحال. # قوله " هو الحق " العامة على نصب " الحق " وهو خبر الكون، و " ~~هو " فصل، وقد تقدم الكلام عليه. # وقال الأخفش: " هو " زائد، ومراده ما تقدم من كونه فصلا. # وقرأ الأعمش، وزيد بن علي: برفع " الحق " ووجهها ظاهر، برفع " هو ~~" بالابتداء و " الحق " خبره، والجملة خبر الكون؛ كقوله: [الطويل] # 2699 - تحن إلى ليلى وأنت تركتها # وكنت عليها بالملا أنت أقدر # وهي لغة تميم. وقال ابن عطية: ويجوز في العربية رفع " الحق " على خبر ~~" هو " والجملة خبر ل " كان ". # قال الزجاج " ولا أعلم أحدا قرأ بهذا الجائز " ، وقد ظهر من قرأ ~~به وهما رجلان جليلان. # قوله: " من عندك " حال من معنى " الحق ": أي: الثابت حال كونه ~~من عندك. # وقوله " من السماء " فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق بالفعل قبله. # والثاني: أنه صفة ل " حجارة " فيتعلق بمحذوف. # وقوله: " من السماء " مع أن المطر لا يكون إلا منها، قال ~~الزمخشري: " كأنه أراد أن يقال: فأمطر علينا السجيل، فوضع حجارة ~~من السماء موضع السجيل كما يقال: صب عليه مسرودة من حديد، تريد ~~درعا ". # قال أبو حيان: " إنه يريد بذلك التأكيد " قال: " كما أن قوله: ~~" من حديد " معناه التأكيد؛ لأن المسرود لا يكون إلا من حديد، كما ~~أن الأمطار لا تكون إلا من السماء ". # وقال ابن عطية: " قولهم " من السماء " مبالغة وإغراق ". # قال أبو حيان: " والذي يظهر أن حكمة قولهم: " من السماء " هي ~~مقابلتهم مجيء الأمطار من الجهة التي ذكر عليه الصلاة والسلام أنه ~~يأتيه الوحي من جهتها، أي: إنك تذكر أن الوحي يأتيك من السماء، ~~فأتنا بالعذاب من الجهة التي يأتيك الوحي منها، قالوه استبعادا له ~~". # فصل # قال عطاء: " لقد نزل ms4262 في النضر بن الحارث بضع عشرة آية فحاق به ما سأل ~~من العذاب يوم بدر ". # قال سعيد بن جبير " قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ~~ثلاثة من قريش صبرا طعيمة بن عدي، وعقبة بن أبي معيط، والنضر بن ~~الحارث ". وروى أنس أن الذي قال هذا الكلام أبو جهل. # قوله: { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } اللام ~~في " ليعذبهم " قد تقدم أنها لام الجحود، والجمهور على كسرها، ~~وقرأ أبو السمال: بفتحها. # قال ابن عطية عن أبي زيد: " سمعت من العرب من يقول " ليعذبهم " ~~بفتح اللام، وهي لغة غير معروفة ولا مستعملة في القرآن ". يعني في ~~المشهور منه، ولم يعتد بقراءة أبي السمال، وروى ابن مجاهد عن أبي ~~زيد فتح كل لام عن بعض العرب إلا في # الحمد لله # [الفاتحة: 2] وروى عبد الوارث عن أبي عمرو: فتح لام الأمر من قوله: # فلينظر الإنسان إلى طعامه # [عبس: 24]، وأتى بخبر " كان " الأولى على خلاف ما أتى به في الثانية ~~فإنه إما أن يكون محذوفا، وهو الإرادة كما يقدره البصريون أي: ما ~~كان الله مريدا لتعذيبهم وانتفاء إرادة العذاب أبلغ من نفي العذاب، ~~وإما أنه أكده باللام على رأي الكوفيين لأن كينونته فيهم أبلغ ~~من استغفارهم، فشتان بين وجوده عليه الصلاة والسلام، وبين ~~استغفارهم. # وقوله " وأنت فيهم " حال، وكذلك " وهم يستغفرون ". # والظاهر أن الضمائر كلها عائدة على الكفار. # وقيل: الضمير في " يعذبهم " و " معذبهم " للكفار، ~~والضمير من قوله " وهم " للمؤمنين. # وقال الزمخشري: " وهم يستغفرون " في موضع الحال، ومعناه: نفي ~~الاستغفار عنهم أي: ولو كانوا ممن يؤمن ويستغفر من الكفر لما عذبهم، ~~كقوله تعالى: # وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها ~~مصلحون # [هود: 117] ولكنهم لا يستغفرون، ولا يؤمنون ولا يتوقع ذلك منهم. وهذا ~~المعنى الذي ذكره منقول عن قتادة، وأبي زيد، واختاره ابن جرير. # فصل # قال أبو العباس المقرىء: ورد لفظ " في " في القرآن بإزاء ستة أوجه: # الأول: بمعنى " مع " كهذه الآية، وقوله تعالى: # وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين # [النمل: 19] أي: مع عبادك، ms4263 ومثله: # فادخلي في عبادي # [الفجر: 29]. # الثاني: بمعنى " على ". قال تعالى # ولأصلبنكم في جذوع النخل # [طه: 71] أي: على جذوع النخل، ومثله: # أم لهم سلم يستمعون فيه # [الطور: 38]. أي: عليه. # الثالث: بمعنى " إلى " قال تعالى # ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها # [النساء: 97] أي: إليها. # الرابع: بمعنى " عن " قال تعالى: # ومن كان في هذه أعمى # [الإسراء: 72] أي: عن هذه الآيات. # الخامس: بمعنى " من " قال تعالى: # ويوم نبعث في كل أمة # [النحل: 89] أي: من كل أمة " شهيدا ". # السادس: بمعنى " عند " قال تعالى # كنت فينا مرجوا قبل هذا # [هود: 62]. # فصل # اختلفوا في معنى هذه الآية: فقال محمد بن إسحاق: هذا حكاية عن ~~المشركين، وهذه الآية متصلة بالآية التي قبلها، وذلك أنهم كانوا ~~يقولون إن الله لا يعذبنا ونحن نستغفره، ولا يعذب الله أمة ونبيها ~~معها، فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم يذكره جهالتهم وغرتهم قال: ~~{ وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من ~~عندك } [الأنفال: 32] الآية وقال { وما كان الله ~~ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم ~~وهم يستغفرون } [الأنفال: 33] ثم قال ردا عليهم { وما ~~لهم ألا يعذبهم الله } وإن كنت بين أظهرهم، وإن كانوا ~~يستغفرون { وهم يصدون عن المسجد الحرام }. # وقال آخرون: هذا الكلام مستأنف يقول الله إخبارا عن نفسه: { وما كان ~~الله ليعذبهم } واختلفوا في تأويلها. # فقال الضحاك، وجماعة: تأويلها: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم مقيم ~~بين أظهرهم، قالوا: نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~مقيم بمكة ثم خرج من بين أظهرهم وبقيت بها بقية من المسلمين ~~يستغفرون الله؛ فأنزل الله { وما كان الله ليعذبهم ~~وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم ~~يستغفرون } ثم خرج أولئك من بينهم فعذبوا وأذن الله في فتح ~~مكة، وهو العذاب الأليم الذي وعدهم الله. # قال ابن عباس " لم يعذب الله قرية حتى يخرج النبي منها، والذين آمنوا ~~ويلحق بحيث أمر ". # قال أبو موسى الأشعري: كان فيكم أمانان: { وما كان الله ليعذبهم وأنت ~~فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ms4264 } فأما النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقد مضى، والاستغفار كائن فيكم إلى يوم القيامة. # فإن قيل: لما كان حضوره مانعا من نزول العذاب بهم، فكيف قال: # قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم # [التوبة: 14]؟ # فالجواب: المراد من الأول عذاب الاستئصال، ومن الثاني: العذاب ~~الحاصل بالمحاربة والمقاتلة. # وقال السدي: { وما كان الله معذبهم وهم ~~يستغفرون } أي: لو استغفروا، ولكنهم لم يكونوا مستغفرين ولو ~~أقروا بالذنب واستغفروا لكانوا مؤمنين. # وقال عكرمة: " وهم يستغفرون " يسلمون، يقول: لو أسلموا لما ~~عذبوا، وروى الوالبي عن ابن عباس: أي: وفيهم من سبق له من الله أنه ~~يؤمن ويستغفر كأبي سفيان، ومصعب بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن ~~عمرو وحكيم بن حزام، وغيرهم. # وروى عبد الوهاب عن مجاهد: " وهم يستغفرون " أي: وفي أصلابهم من ~~يستغفر. # قوله تعالى: { وما لهم ألا يعذبهم الله } الآية. # في " أن " وجهان: # أظهرهما: أنها مصدرية، وموضعها إما نصب، أو جر؛ لأنها على حذف ~~حرف الجر، إذ التقدير: في ألا يعذبهم، وهذا الجار متعلق بما ~~تعلق به: " لهم " من الاستقرار، والتقدير: أي شيء استقر لهم في ~~عدم تعذيب الله إياهم؟ بمعنى: لا حظ لهم في انتفاء العذاب. # والثاني: أنها زائدة وهو قول الأخفش. # قال النحاس: لو كانت كما قال لرفع " يعذبهم ". يعني النحاس: ~~فكان ينبغي أن يرتفع الفعل على أنه واقع موضع الحال، كقوله: # وما لنا لا نؤمن بالله # [المائدة: 84] ولكن لا يلزم من الزيادة عدم العمل، ألا ترى: أن " ~~من " و " الباء " يعملان وهما مزيدتان. # وقال أبو البقاء: " وقيل هو حال، وهو بعيد، لأن " أن " تخلص ~~الفعل للاستقبال " # والظاهر أن " ما " في قوله " وما لهم " استفهامية، وهو ~~استفهام معناه التقرير، أي: كيف لا يعذبون وهم متصفون بهذه ~~الحال؟. # وقيل: " ما " نافية، فهي إخبار بذلك، أي: ليس عدم التعذيب، أي: لا ~~ينتفي عنهم التعذيب مع تلبسهم بهذه الحال. # فصل # معنى الآية: وما يمنعهم من أن يعذبوا، أي: بعد خروجك من بينهم: { وهم ~~يصدون عن المسجد الحرام } أي: يمنعون المؤمنين من ~~الطواف، وقيل: أراد بالعذاب بالأول ms4265 عذاب الدنيا، وبهذا عذاب ~~الآخرة. # وقال الحسن: قوله { وما كان الله ليعذبهم } [الأنفال: ~~33] منسوخة بقوله { وما لهم ألا يعذبهم الله } ~~[الأنفال: 34]. # قوله { وما كانوا أوليآءه } في هذه الجملة وجهان: # أحدهما: أنها استئنافية، والهاء تعود على المسجد أي: وما كانوا ~~أولياء المسجد. # والثاني: أنها نسق على الجملة الحالية قبلها وهي: " وهم ~~يصدون " والمعنى: كيف لا يعذبهم الله، وهم متصفون بهذين ~~الوصفين: صدهم عن المسجد الحرام، وانتفاء كونهم أولياءه؟ ويجوز ~~أن يعود الضمير على الله تعالى، أي: لم يكونوا أولياء الله. # فصل # قال الحسن: كان المشركون يقولون: نحن أولياء المسجد الحرام، فرد الله ~~عليهم بقوله: { وما كانوا أولياءه } أي: أولياء البيت: " إن ~~أولياؤه " أي: ليس أولياء البيت " إلا المتقون " يعني المؤمنين ~~الذين يتقون الشرك، ويحترزون عن المنكرات، كالذي كانوا يفعلونه عند ~~البيت، فلهذا قال بعده: { وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء ~~وتصدية } ولكن أكثرهم لا يعلمون. ### || [8.35] # لما ذكر أنهم ليسوا أولياء البيت الحرام بين ههنا ما به خرجوا ~~من أن يكونوا أولياء البيت، وهو أن صلاتهم عند البيت إنما كان ~~بالمكاء والتصدية. # أي: ما كان شيء مما يعدونه صلاة وعبادة إلا هذين الفعلين، وهما ~~المكاء والتصدية أي: إن كان لهم صلاة فلا تكن إلا هذين، كقول ~~الشاعر: [الطويل] # 2700 - وما كنت أخشى أن يكون عطاؤه # أداهم سودا أو محدرجة سمرا # فأقام القيود، والسياط مقام العطاء، والمكاء: مصدر مكا يمكو، ~~أي: صفر بين أصابعه أو بين كفيه. # قال الأصمعي: قلت لمنتجع بن نبهان: ما تمكو فريصته؟. # فشبك بين أصابعه، وجعلها على فيه، ونفخ فيها. يريد قول عنترة: ~~[الكامل] # 2701 - وحليل غانية تركت مجدلا # تمكو فريصته كشدق الأعلم # يقال: مكت الفريصة، أي: صوتت بالدم، ومكت است الدابة، أي: نفخت ~~بالريح. # وقال مجاهد: المكاء: صفير على لحن طائر أبيض يكون بالحجاز؛ قال ~~الشاعر: [الطويل] # 2702 - إذا غرد المكاء في غير روضة # فويل لأهل الشاء والحمرات # المكاء: فعال، بناء مبالغة؛ قال أبو عبيدة: " يقال: مكا ~~يمكو مكوا ومكاء: صفر، والمكاء: بالضم، كالبكاء ~~والصراخ ". # قال ms4266 الزمخشري: " المكاء: فعال، بوزن: الثغاء والرغاء، من ~~مكا يمكو: إذا صفر والمكاء: الصفير " ومنه: المكاء: وهو ~~طائر يألف الريف، وجمعه المكاكي. # قيل: ولم يشذ من أسماء الأصوات بالكسر إلا الغناء، والنداء. ~~والتصدية فيها قولان: # أحدهما: أنها من الصدى، وهو ما يسمع من رجع الصوت في الأمكنة ~~الخالية الصلبة يقال منه: صدى يصدي تصدية، والمراد بها هنا: ما ~~يسمع من صوت التصفيق بإحدى اليدين على الأخرى. # وقيل: هي مأخوذة من التصددة، وهي الضجيج، والصياح، والتصفيق، ~~فأبدلت إحدى الدالين ياء تخفيفا، ويدل عليه قوله تعالى: # إذا قومك منه يصدون # [الزخرف: 57] في قراءة من كسر الصاد، أي: يضجون ويلغطون، وهذا قول ~~أبي عبيدة، ورده عليه أبو جعفر الرستمي، وقال: إنما هو من ~~الصدي، فكيف يجعل من المضعف؟ وقد رد أبو علي على أبي جعفر ~~رده وقال " قد ثبت أن يصدون من نحو الصوت، فأخذه منه، ~~وتصدية: تفعلة " ثم ذكر كلاما كثيرا. # والثاني: أنها من الصد، وهو المنع؛ والأصل: تصددة، بدالين ~~أيضا، فأبدلت ثانيتهما ياء ويؤيد هذا قراءة من قرأ " يصدون " ~~بالضم، أي: يمنعون. وقرأ العامة: " صلاتهم " رفعا، " مكاء ~~" نصبا. # وأبان بن تغلب والأعمش وعاصم بخلاف عنهما: { وما كان صلاتهم } نصبا، " ~~مكاء " رفعا وخطأ الفارسي هذه القراءة، وقال: لا يجوز أن ~~يخبر عن النكرة بالمعرفة إلا في ضرورة؛ كقول حسان: [الوافر] # 2703 - كأن سبيئة من بيت رأس # يكون مزاجها عسل وماء # وخرجها أبو الفتح على أن " المكاء " و " التصدية " اسما جنس، ~~يعني: أنهما مصدران. # قال: واسم الجنس تعريفه وتنكيره متقاربان، فلم يقال بأيهما ~~جعل اسما، والآخر خبرا؟ وهذا يقرب من المعرف ب " أل " الجنسية، ~~حيث وصف بالجملة، كما يوصف به النكرة، كقوله تعالى: # وآية لهم اليل نسلخ منه النهار # [يس: 37]؛ وقول الآخر: [الكامل] # 2704 - ولقد أمر على اللئيم يسبني # فمضيت ثمت قلت: لا يعنيني # وقال بعضهم: وقد قرأ أبو عمرو: " إلا مكا " بالقصر والتنوين، وهذا ~~كما قالوه: بكاء، وبكى. بالمد والقصر. # وقد جمع الشاعر بين اللغتين، فقال: [الوافر] # 2705 - بكت عيني وحق لها بكاها ms4267 # وما يغني البكاء ولا العويل # فصل # قال ابن عباس " كانت قريش يطوفون بالبيت عراة، يصفرون ويصفقون ~~". # وقال مجاهد: " كانوا يعارضون النبي صلى الله عليه وسلم في الطواف ~~ويتسهزئون به ويصفرون، ويصفقون، ويخلطون عليه طوافه وصلاته ". # وقال مقاتل: " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى في المسجد ~~الحرام، قام رجلان عن يمينه، ورجلان عن يساره يصفقون ليخلطوا على النبي ~~صلى الله عليه وسلم صلاته، وهم من بني عبد الدار ". # وقال سعيد بن جبير: " التصدية: صدهم المؤمنين عن المسجد الحرام، ~~وعلى هذا ف " التصددة " بدالين، كما يقال: تظننت من الظن ". # فعلى قول ابن عباس كان المكاء والتصدية نوع عبادة لهم، وعلى قول ~~مجاهد ومقاتل: كان إيذاءا للنبي صلى الله عليه وسلم. والأول أقرب، لقوله ~~تعالى: { وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكآء ~~وتصدية }. # فإن قيل: " المكاء " و " التصدية " ليسا من جنس الصلاة، فكيف ~~يجوز استثناؤهما من الصلاة؟ فالجواب: من وجوه، أحدها: أنهم كانوا ~~يعتقدون أن المكاء والتصدية من جنس الصلاة، فحسن الاستثناء على حسب ~~معتقدهم. # قال ابن الأنباري: " إنما سماه صلاة؛ لأنهم أمروا بالصلاة ~~في المسجد؛ فجعلوا ذلك صلاتهم ". # وثانيها: أن هذا كقولك: زرت الأمير؛ فجعل جفائي صلتي، أي: أقام ~~الجفاء مقام الصلة، كذا ههنا. # وثالثها: الغرض منه أن من كان المكاء والتصدية صلاته فلا صلاة له، ~~كقول العرب: ما لفلان عيب إلا السخاء، أي: من كان السخاء عيبه فلا ~~عيب فيه. # ثم قال تعالى { فذوقوا العذاب } أي: عذاب السيف يوم بدر، وقيل: ~~يقال لهم في الآخرة { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ~~}. ### || [8.36-37] # قوله تعالى: { إن الذين كفروا ينفقون أموالهم } ~~الآية. # لما شرح أحوال الكفار في طاعاتهم البدنية، أتبعها بشرح أحوالهم في ~~الطاعات المالية. # قال مقاتل والكلبي: نزلت في المطعمين يوم بدر، وكانوا اثني عشر رجلا ~~من كبار قريش، كان يطعم كل واحد منهم كل يوم عشر جزر. # وقال سعيد بن جبير: نزلت في أبي سفيان وإنفاقه المال على حرب محمد يوم ~~أحد، وكان قد استأجر ألفين من الأحابيش سوى من ms4268 استجاش من العرب، وأنفق ~~عليهم أربعين أوقية، والأوقية: اثنان وأربعون مثقالا، هكذا قاله ~~الزمخشري. ثم بين تعالى أنهم إنما ينفقون المال: { ليصدوا عن ~~سبيل الله } أي: غرضهم من الإنفاق الصد عن اتباع محمد وهو سبيل الله، ~~وإن لم يكن عندهم كذلك. # قال: { فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة } أي: أن ~~هذا الإنفاق يكون عاقبته حسرة؛ لأنه يذهب المال ولا يحصل المقصود، بل ~~يغلبون في آخر الأمر. { والذين كفروا إلى جهنم ~~يحشرون } وإنما خص الكفار، لأن فيهم من أسلم. # قوله { ليميز الله الخبيث } قد تقدم الكلام فيه في آل ~~عمران: [179]. والمعنى: ليميز الله الفريق الخبيث من الكفار من ~~الفريق الطيب من المؤمنين، فيجعل الفريق الخبيث بعضه على بعض فيركمه ~~جميعا، أي: يجمعهم ويضمهم حتى يتراكموا. # " أولئك " إشارة إلى الفريق الخبيث، وقيل: المراد بالخبيث: نفقة ~~الكافر على عداوة محمد - عليه الصلاة والسلام -، وبالطيب: ~~نفقة المؤمن في جهاد الكفار، كإنفاق أبي بكر وعثمان في نصرة الرسول - ~~عليه الصلاة والسلام -، فيضم تعالى تلك الأموال الخبيثة بعضها إلى بعض ~~فيلقيها في جهنم، ويعذبهم بها، كقوله تعالى: # فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم # [التوبة: 35] فاللام في قوله { ليميز الله الخبيث } على ~~القول الأول متعلقة بقوله تعالى: { يحشرون } أي: يحشرون ليميز ~~الله الفريق الخبيث من الفريق الطيب، وعلى القول الثاني متعلقة بقوله: ~~{ ثم تكون عليهم حسرة } و " يجعل " يحتمل أن تكون ~~تصييرية، فتنصب مفعولين، وأن تكون بمعنى الإلقاء، فتتعدى لواحد، وعلى ~~كلا التقديرين ف " بعضه " بدل بعض من كل، وعلى القول الأول يكون ~~" على بعض " في موضع المفعول الثاني، وعلى الثاني يكون متعلقا ~~بنفس الجعل، نحو قولك: ألقيت متاعك بعضه على بعض. # وقال أبو البقاء، بعد أن حكم عليها بأنها تتعدى لواحد: # " وقيل: الجار والمجرور حال تقديره: ويجعل الخبيث بعضه عاليا على بعض ~~". # ويقال: ميزته فتميز، ومزته فانماز، وقرىء شاذا: { ~~وانمازوا اليوم } [يس: 59]؛ وأنشد أبو زيد: [البسيط] # 2706 - لما نبا الله عني شر غدرته # وانمزت لا منسئا ذعرا ولا وجلا # وقد تقدم الفرق بين هذه الألفاظ في آل عمران ms4269 [179]. # قوله " فيركمه " نسق على المنصوب قبله، والركم جمعك الشيء ~~فوق الشيء، حتى يصير ركاما مركوما كما يركم الرمل والسحاب، ومنه: # سحاب مركوم # [الطور: 44] والمرتكم: جادة الطريق للركم الذي فيه أي: ازدحام ~~السبابلة وآثارهم، و " جميعا " حال، ويجوز أن يكون توكيدا عند ~~بعضهم ثم قال تعالى: { أولئك هم الخاسرون } إشارة إلى ~~الذين كفروا. ### || [8.38-40] # قوله تعالى { قل للذين كفروا } الآية. # فصل # لما بين ضلالهم في عباداتهم البدنية، والمالية، أرشدهم إلى طريق ~~الصواب، وقال: { قل للذين كفروا }. وفي هذه اللام الوجهان ~~المشهوران: # الأول: أنها للتبليغ، أمر أن يبلغهم معنى هذه الجملة المحكية ~~بالقول، وسواء أوردها بهذا اللفظ أم بلفظ آخر مؤد لمعناها. # والثاني: أنها للتعليل، وبه قال الزمخشري. ومنع أن تكون للتبليغ، ~~فقال: " أي قل لأجلهم هذا القول: " إن ينتهوا " ، ولو كان بمعنى خاطبهم ~~به، لقيل: إن تنتهوا يغفر لكم وهي قراءة ابن مسعود، ونحو { وقال ~~الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه } ~~خاطبوا به غيرهم ليسمعوه " وقرىء " يغفره " مبنيا للفاعل، وهو ~~ضمير يعود على الله تعالى. # فصل # المعنى: قل للذين كفروا إن ينتهوا عن الكفر وعداوة الرسول ~~ويسلموا { يغفر لهم ما قد سلف } من كفرهم وعداوتهم للرسول، وإن ~~عادوا إليه، وأصروا عليه: { فقد مضت سنة الأولين } في ~~نصرة الله أنبياءه، وأولياءه، وإهلاك أعداءه؛ فليتوقعوا مثل ذلك. # وقال يحيى بن معاذ الرازي: توحيد ساعة لم يعجز عن هدم ما قبله من ~~كفر، وأرجو ألا يعجز عن هدم ما بعده من ذنب. # واستدلوا بهذه الآية على صحة توبة الزنديق، وأنها تقبل، واستدلوا ~~بها أيضا على أن الكفار ليسوا مخاطبين بالفروع؛ لأنها لا تصح منهم ~~في حال الكفر، وبعد الإسلام لا يلزم قضاؤها. # واحتجوا بها أيضا على أن المرتد إذا أسلم لا يلزمه قضاء العبادات ~~التي تركها في حال الردة. # قوله تعالى: { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } الآية. # لما بين أن الكفار إن انتهوا عن الكفر غفر لهم، وإن عادوا فهم ~~متوعدون، أتبعه بأن أمر بقتالهم إذا أصروا، فقال: { وقاتلوهم ~~حتى ms4270 لا تكون فتنة }. # وقال عروة بن الزبير: " كان المؤمنون يفتنون عن دين الله في مبدأ ~~الدعوة، فافتتن بعض المسلمين، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المسلمين أن يخرجوا إلى الحبشة، وفتنة ثانية وهي أنه لما بايعت ~~الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة، أرادت قريش أن ~~يفتنوا المؤمنين بمكة عن دينهم؛ فأصاب المؤمنين جهد شديد، فهذا هو ~~المراد من الفتنة؛ فأمر الله بقتالهم حتى تزول هذه الفتنة ". # قال المفسرون: { حتى لا تكون فتنة } أي: شرك. # وقال الربيع: " حتى لا يفتن مؤمن عن دينه ". # قال القاضي " إنه تعالى أمر بقتالهم، ثم بين له قتالهم، فقال: { حتى ~~لا تكون فتنة } ويخلص الدين الذي هو دين الله من سائر الأديان، ~~وإنما يحصل هذا المقصود إذا زال الكفر بالكلية " ، " ويكون " ~~العامة على نصبه، نسقا على المنصوب مرفوعا على الاستئناف. # قوله " فإن انتهوا " عن الكفر والمعاصي، بالتوبة والإيمان، فإن ~~الله عالم لا يخفى عليه شيء يوصل إليهم ثوابهم. # قرأ الحسن ويعقوب وسليمان بن سلام: " بما تعملون " بتاء الخطاب؛ ~~" وإن تولوا " أي: عن التوبة والإيمان، { فاعلموا أن الله ~~مولاكم } أي: وليكم وهو يحفظكم، ويدفع البلاء " عنكم ". # وفي " مولاكم " وجهان: # أظهرهما: أن " مولاكم " هو الخبر، و " نعم المولى " جملة ~~مستقلة سيقت للمدح. # والثاني: أن يكون بدلا من " الله " والجملة المدحية خبر ل " ~~أن " والمخصوص بالمدح محذوف، أي: نعم المولى الله، أو ربكم. ~~وكل ما كان من حماية هذا المولى، ومن كان في حفظه، كان آمنا من الآفات ~~مصونا عن المخوفات. ### || [8.41-44] # قوله تعالى: { واعلموا أنما غنمتم من شيء } الآية. # لما أمر بقتال الكفار بقوله تعالى: { وقاتلوهم } وعند المقاتلة ~~قد تحصل الغنيمة، ذكر تعالى حكم الغنيمة، والظاهر أن " ما " هذه ~~موصولة بمعنى " الذي " ، وكان من حقها أن تكتب منفصلة من " أن " ~~كما كتبت: # إن ما توعدون لآت # [الأنعام: 134] منفصلة، ولكن كذا رسمت. و " غنمتم " صلتها، ~~وعائدها محذوف لاستكمال الشروط، أي: غنمتموه. # وقوله " فأن لله " الفاء مزيدة في الخبر؛ لأن المبتدأ ضمن ~~معنى الشرط، ولا يضر ms4271 دخول الناسخ عليه؛ لأنه لم يغير ~~معناه، وهذا كقوله تعالى: { إن الذين فتنوا } ثم قال: " ~~فلهم " والأخفش مع تجويزه زيادة الفاء في خبر المبتدأ مطلقا، يمنع ~~زيادتها في الموصول المشبه بالشرط إذا دخلت عليه " إن " المكسورة، ~~وآية البروج [10] حجة عليه. # وإذا تقرر هذا ف " أن " وما عملت فيه في محل رفع على الابتداء، ~~والخبر محذوف تقديره: فواجب أن لله خمسه، والجملة من هذا المبتدأ ~~والخبر خبر ل " أن ". # وظاهر كلام أبي حيان أنه جعل الفاء داخلة على: " أن لله خمسه ~~" من غير أن يكون مبتدأ وخبرها محذوف، بل جعلها بنفسها خبرا، وليس ~~مراده ذلك، إذ لا تدخل هذه الفاء على مفرد، بل على جملة، والذي ~~يقوي إرادته ما ذكرنا أنه حكى قول الزمخشري، أعني كونه قدر أن ~~" أن " ، وما في حيزها مبتدأ، محذوف الخبر، فجعله قولا زائدا ~~على ما قدمه. # ويجوز في " ما " أن تكون شرطية، وعاملها " غنمتم " بعدها، واسم " ~~أن " حينئذ ضمير الأمر والشأن وهو مذهب الفراء، إلا أن ~~هذا لا يجوز عند البصريين إلا ضرورة، بشرط ألا يليها فعل؛ كقوله: ~~[الخفيف] # 2707 - إن من يدخل الكنيسة يوما # يلق فيها جآذرا وظباء # وقول الآخر: [الخفيف] # 2708 - إن من لام بني بنت حسا # ن ألمه وأعصه في الخطوب # وقيل: الفاء زائدة، و " أن " الثانية بدل من الأولى. # وقال مكي: " وقد قيل: إن الثانية مؤكدة للأولى، وهذا لا يجوز لأن ~~الأولى تبقى بغير خبر؛ ولأن الفاء تحول بين المؤكد والمؤكد ~~وزيادتها لا تحسن في مثل هذا ". # وقيل: " ما " مصدرية، والمصدر بمعنى المفعول أي: أن مغنومكم هو ~~المفعول به، أي: واعلموا أن غنمكم، أي: مغنومكم. # والغنيمة: أصلها من الغنم، وهو الفوز، يقال: غنم يغنم فهو غانم، ~~وأصل ذلك من الغنم هذا الحيوان المعروف، فإن الظفر به يسمى ~~غنما، ثم اتسع في ذلك، فسمي كل شيء مظفور به غنما ~~ومغنما وغنيمة؛ قال علقمة بن عبدة: [البسيط] # 2709 - ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمه # أنى توجه والمحروم محروم # وقال الآخر: [الوافر] # 2710 - لقد طوفت في ms4272 الآفاق حتى # رضيت من الغنيمة بالإياب # قوله " من شيء " في محل نصب على الحال من عائد الموصول المقدر، ~~والمعنى: ما غنمتموه كائنا من شيء، أي: قليلا أو كثيرا. وحكى ابن عطية ~~عن الجعفي عن أبي بكر عن عاصم. وحكى غيره عن الجعفي عن هارون عن أبي ~~عمرو: " فإن لله " بكسر الهمزة، ويؤيد هذه القراءة قراءة النخعي ~~" فلله خمسه " فإنها استئناف، وخرجها أبو البقاء على أنها وما ~~في حيزها في محل رفع، خبرا ل " أن " الأولى. # وقرأ الحسن وعبد الوارث عن أبي عمرو: " خمسه " بسكون الميم، وهو ~~تخفيف حسن. # وقرأ الجعفي " خمسه " بكسر الخاء. قالوا: وتخريجها على أنه أتبع ~~الخاء لحركة ما قبلها، وهي هاء الجلالة من كلمة أخرى مستقلة، قالوا: وهي ~~كقراءة من قرأ { والسمآء ذات الحبك } [الذاريات: 7] بكسر الحاء ~~إتباعا لكسرة التاء من " ذات " ولم يعتدوا بالساكن، وهو لام ~~التعريف، لأنه حاجز غير حصين. # قال شهاب الدين " ليت شعري، وكيف يقرأ الجعفي والحالة هذه؟ فإنه إن ~~قرأ كذلك مع ضم الميم فيكون في غاية الثقل، لخروجه من كسر إلى ضم، وإن ~~قرأ بسكونها وهو الظاهر فإنه نقلها قراءة عن أبي عمرو، أو عن عاصم، ~~ولكن الذي قرأ: " ذات الحبك " يبقي ضمة الباء، فيؤدي إلى " فعل " ~~بكسر الفاء وضم العين، وهو بناء مرفوض ". # وإنما قلت: إنه يقرأ كذلك؛ لأنه لو قرأ بكسر التاء لما احتاجوا إلى ~~تأويل قراءته على الإتباع؛ لأن في " الحبك " لغتين: ضم الحاء ~~والباء، وكسرهما، حتى زعم بعضهم أن قراءة الخروج من كسر إلى ضم ~~من التداخل. # فصل # والغنيمة في الشريعة، والفيء، اسمان لما يصيبه المسلمون من أموال ~~الكفار. # فذهب جماعة إلى أنهما واحد، وذهب قوم إلى أن الغنيمة، ما أصابه ~~المسلمون منهم عنوة بقتال، والفيء: ما كان من صلح بغير قتال. # قوله " من شيء " يعني: من أي شيء كان حتى الخيط: { فأن لله ~~خمسه وللرسول } ذهب أكثر المفسرين والفقهاء إلى أن قوله: " ~~لله " افتتاح على سبيل التبرك، وأضاف هذا المال لنفسه لشرفه. وليس ~~المراد أن سهما ms4273 من الغنيمة " لله " مفردا، فإن الدنيا والآخرة لله ~~عز وجل وهو قول قتادة والحسن وعطاء وإبراهيم والشعبي قالوا: سهم الله ~~وسهم الرسول واحد والغنيمة تقسم خمسة أخماس أربعة أخماسها لمن قاتل ~~عليها، والخمس لخمسة أصناف كما ذكر الله تعالى { وللرسول ~~ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ~~}. # وقال أبو العالية، وغيره: يقسم الخمس على ستة أسهم: سهم لله تعالى، ثم ~~القائلون بهذا القول منهم من قال: يصرف سهم الله إلى الرسول، ومنهم من ~~قال: يصرف لعمارة الكعبة. # وقال بعضهم: إنه عليه الصلاة والسلام كان يضرب بيده في هذا الخمس فما ~~قبض عليه من شيء جعله للكعبة، وهو الذي سمي " لله ". # فصل # قل القرطبي " هذه الآية ناسخة لأول السورة عند الجمهور، وقد ادعى ~~ابن عبد البر: الإجماع على أن هذه الآية نزلت بعد قوله # يسألونك عن الأنفال # [الأنفال: 1] وأن أربعة أخماس الغنيمة مقسومة على الغانمين، وأن قوله: ~~{ يسألونك عن الأنفال } نزلت حين تشاجر أهل بدر في غنائم ~~بدر، على ما تقدم. # وقيل: إنها محكمة غير منسوخة، وأن الغنيمة لرسول الله، وليست ~~مقسومة بين الغانمين وكذلك لمن بعده من الأئمة، حكاه الماوردي عن كثير ~~من أصحاب مالك، واحتجوا بفتح مكة وقصة حنين، وكان أبو عبيد يقول: ~~افتتح رسول الله مكة عنوة ومن على أهلها، فردها عليهم، ولم ~~يقسمها، ولم يجعلها فيئا ". # فصل # أجمع العلماء على أن قوله: { واعلموا أنما غنمتم من ~~شيء } ليس على عمومه، وأنه مخصوص باتفاقهم على أن سلب المقتول ~~لقاتله إذا نادى به الإمام، وكذلك الأسارى الإمام فيهم مخير، وكذلك ~~الأراضي المغنومة. # فصل # قال الإمام أحمد: لا يكون السلب للقاتل إلا في المبارزة خاصة، ~~ولا يخمس وهو قول الشافعي - رضي الله عنه -؛ ولا يعطى القاتل السلب، ~~إلا أن يقيم البينة على قتله. # قال أكثر العلماء: يجوز شاهد واحد؛ لحديث أبي قتادة، وقيل: شاهدان. # وقيل: شاهد ويمين، وقيل: يقضى بمجرد دعواه. # قوله: " ولذي القربى " أي: أن سهما من خمس الخمس لذوي القربى، ~~وهم أقارب النبي صلى الله عليه وسلم، واختلفوا فيهم. ms4274 # فقال قوم: هم جميع قريش، وقال قوم: هم الذين لا تحل لهم الصدقة. # وقال مجاهد وعلي بن الحسين: هم بنو هاشم وبنو المطلب، وليس لبني ~~عبد شمس، ولا لبني نوفل منه شيء، وإن كانوا إخوة، لما روي عن جبير بن ~~مطعم قال # " قسم رسول الله - عليه الصلاة والسلام - سهم ذوي القربى بين بني ~~هاشم وبني المطلب ولم يعط أحدا من بني عبد شمس، ولا لبني نوفل؛ ولما روى ~~محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: لما قسم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سهم ذوي القربى بين بني هاشم وبني المطلب أتيته أنا، وعثمان بن ~~عفان، فقلنا يا رسول الله: هؤلاء إخواننا من بني المطلب أعطيتهم ~~وتركتنا أو منعتنا، وإنما قرابتنا وقرابتهم واحدة، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد هكذا " ~~وشبك بين أصابعه ". # واختلف العلماء في سهم ذوي القربى، هل هو ثابت اليوم؟ فذهب أكثرهم إلى ~~أنه ثابت وهو قول مالك والشافعي، وذهب أصحاب الرأي إلى أنه غير ~~ثابت، وقالوا سهم رسول الله وسهم ذوي القربى مردودان في الخمس، فيقسم ~~خمس الغنيمة لثلاثة أصناف اليتامى والمساكين وابن السبيل. # وقال بعضهم: يعطى للفقراء منهم دون الأغنياء، أي: يعطى لفقره لا ~~لقرابته، والكتاب والسنة يدلان على ثبوته وكذا الخلفاء بعد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كانوا يعطونه، ولا يفضل فقير على غني؛ لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده كانوا يعطون العباس بن عبد المطلب مع ~~كثرة ماله، وألحقه الشافعي بالميراث الذي يستحق باسم القرابة، غير أنه ~~يعطى القريب والبعيد. # وقال: يفضل الذكر على الأنثى فيعطى الرجل سهمين، والأنثى سهما. # قال القرطبي: " ليست اللام في " لذي القربى " لبيان الاستحقاق ~~والملك، وإنما هي للمصرف والمحل ". # قوله: { واليتامى والمساكين وابن السبيل } اليتامى: ~~جمع " يتيم " وهو الصغير المسلم الذي لا أب له إذا كان فقيرا، و " ~~المساكين " هم أهل الفاقة والحاجة من المسلمين، و " ابن السبيل ~~" هو المسافر البعيد عن ماله، فهذا مصرف خمس ms4275 الغنيمة ويقسم أربعة أخماس ~~الغنيمة بين الغانمين الذين شهدوا الوقعة، للفارس ثلاثة أسهم سهم له ~~وسهمان لفرسه، وللراجل سهم؛ لما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم سهما له وسهمين لفرسه ". # وهذا قول أكثر أهل العلم، وإليه ذهب الثوري، والأوزاعي وابن ~~المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق. # وقال أبو حنيفة: للفارس سهمان وللراجل سهم، ويرضخ للعبيد، والنسوان، ~~والصبيان إذا حضروا القتال. # قال القرطبي: " إذا خرج العبد، وأهل الذمة وأخذوا مال أهل الحرب ~~فهو لهم ولا يخمس " لأنه لم يوجب عليهم خيل ولا ركاب. # ويقسم العقار الذي استولى عليه المسلمون كالمنقول، وعند أبي حنيفة ~~يتخير الإمام في العقار بين أن يقسمه بينهم وبين أن يجعله وقفا على ~~المصالح. # وظاهر الآية لا يفرق بين العقار والمنقول، ومن قتل مشركا استحق سلبه ~~من رأس الغنيمة لما روي عن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه ". # والسلب: كل ما يكون على المقتول من ملبوس وسلاح وفرسه الذي يركبه. # ويجوز للإمام أن ينفل بعض الجيش من الغنيمة لزيادة عناء وبلاء يكون ~~منهم في الحرب يخصهم به من بين سائر الجيش، ويجعلهم أسوة الجماعة في ~~سائر الغنيمة، لما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم # " كان ينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة سوى عامة الجيش ~~". # وروى حبيب بن مسلمة الفهري قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم # " نفل الربع في البدأة والثلث في الرجعة ". # واختلف في النفل من أين يعطى؟. # فقال قوم: يعطى من خمس الخمس من سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~قول سعيد بن المسيب وبه قال الشافعي، وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم ". # وقال قوم: هو من الأربعة أخماس بعد إفراد الخمس كسهام الغزاة وهو قول ~~أحمد وإسحاق. # وذهب بعضهم إلى أن النفل من رأس الغنيمة ms4276 قبل التخميس كالسلب ~~للقاتل. # فصل # دلت هذه الآية على جواز قسمة الغنيمة في دار الحرب، لقوله: { ~~واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ~~وللرسول } الآية. فاقتضى ثبوت الملك لهؤلاء في الغنيمة وإذا ثبت ~~لهم الملك وجب جواز القسمة. # وروى الزمخشري عن الكلبي: " أن هذه الآية نزلت ببدر ". # وقال الواقدي " كان الخمس في غزوة بني قينقاع بعد بدر بشهر وثلاثة ~~أيام للنصف من شوال على رأس عشرين شهرا من الهجرة ". # فصل # قال القرطبي: لما بين الله تعالى حكم الخمس وسكت عن الأربعة ~~أخماس دل على أنها ملك للغانمين. وملك النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، ~~إلا أن الإمام مخير في الأسرى بين المن بالأمان كما فعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم بثمامة بن أثال، وبين القتل كما قتل النبي صلى الله عليه وسلم ~~عقبة بن أبي معيط من بين الأسرى صبرا، وقتل ابن الحرث صبرا، وكان ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم سهم كسهم الغانمين حضر أو غاب، وسهم ~~الصفي يصطفي سيفا أو خادما أو دابة، وكانت صفية بنت حيي من ~~الصفي من غنائم خيبر، وكذلك ذو الفقار كان منه، وقد انقطع إلا عند ~~أبي ثور فإنه رآه باقيا للإمام يجعله حيث شاء [وكان أهل الجاهلية] يرون ~~للرئيس ربع الغنيمة قال شاعرهم: [الوافر] # 2710 - لك المرباع منها والصفايا # وحكمك والنشيطة والفضول # يقال ربع الجيش يربعه: إذا أخذ ربع الغنيمة. قال الأصمعي: ربع في ~~الجاهلية وخمس في الإسلام، فكان يأخذ منها ثم يتحكم بعد الصفي في أي ~~شيء أراد، وكان ما فضل منها من خرثي ومتاع له، فأحكم الله تعالى الدين ~~بقوله: { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله ~~خمسه } فأبقى سهم الصفي لنبيه وأسقط حكم الجاهلية. # قوله: " إن كنتم " شرط، جوابه مقدر عند الجمهور، لا متقدم، أي: إن ~~كنتم آمنتم فاعلموا أن حكم الخمس ما تقدم، أو: فاقبلوا ما أمرتم به. # والمعنى: واعلموا أنما غنمتم من شيء فان لله خمسه ~~وللرسول يأمر فيه ما يريد، فاقبلوه إن كنتم آمنتم بالله، ms4277 وبالمنزل ~~على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، وهو قوله: # يسألونك عن الأنفال # [الأنفال: 1] لما نزلت في يوم بدر، وهو يوم الفرقان فرق الله فيه ~~بين الحق والباطل، وهو يوم التقى الجمعان، حزب الله وحزب الشيطان، وكان ~~يوم الجمعة سبع عشر مضت من رمضان. # وقوله " وما أنزلنا " عطف على الجلالة، فهي مجرورة المحل، ~~وعائدها محذوف، وزعم بعضهم أن جواب الشرط متقدم عليه، وهو قوله ف # نعم المولى # [الأنفال: 40]. وهذا لا يجوز على قواعد البصريين. # قوله: " يوم الفرقان " يجوز فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون منصوبا ب " أنزلنا " أي: أنزلناه في يوم بدر، ~~الذي فرق فيه بين الحق والباطل. # الثاني: أن ينتصب بقوله " آمنتم " أي: إن كنتم آمنتم في يوم الفرقان، ~~ذكره أبو البقاء. # الثالث: يجوز أن يكون منصوبا ب " غنمتم ". # قال الزجاج: أي: ما غنمتم في يوم الفرقان فحكمه كذا وكذا. # قال ابن عطية: " وهذا تأويل حسن في المعنى، ويعترضه أن فيه الفصل ~~بين الظرف وما يعمل فيه بهذه الجملة الكثيرة الألفاظ " ، وهو ممنوع ~~أيضا من جهة أخرى أخص من هذه. وذلك أن " ما " إما شرطية، كما هو ~~رأي الفراء، وإما موصولة، فعلى الأول يؤدي إلى الفصل بين فعل ~~الشرط، ومعموله بجملة الجزاء، ومتعلقاتها، وعلى الثاني يؤدي إلى ~~الفصل بين فعل الصلة ومعموله بخبر " أن ". # قوله { يوم التقى الجمعان } فيه وجهان: # أحدهما: أنه بدل من الظرف قبله. # والثاني: أنه منصوب ب " الفرقان "؛ لأنه مصدر، فكأنه قيل: يوم فرق ~~فيه في يوم التقى الجمعان أي: الفرق في يوم التقاء الجمعين. # وقرأ زيد بن علي: " على عبدنا " بضمتين، وهو جمع " عبد " وهذا ~~كما قد قرىء { وعبد الطاغوت } [المائدة: 60]، والمراد بالعبد في ~~هذه القراءة هنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين، ~~والمراد ب " ما أنزلنا " أي: الآيات والملائكة، والفتح في ذلك اليوم. ~~{ والله على كل شيء قدير } أي: يقدر على نصركم وأنتم ~~قليلون. # قوله " إذ أنتم " في هذا الظرف أربعة أوجه: # أحدها: أنه منصوب ب " اذكروا " مقدرا، وهو قول ms4278 الزجاج. # الثاني: أنه بدل من " يوم الفرقان " أيضا. # الثالث: أنه منصوب ب " قدير " وهذا ليس بواضح؛ إذ لا يتقيد ~~اتصافه بالقدرة بظرف من الظروف. # الرابع: أنه منصوب ب " الفرقان " أي: فرق بين الحق والباطل إذ ~~أنتم بالعدوة. # قوله: " بالعدوة " متعلق بمحذوف؛ لأنه خبر المبتدأ، والباء ~~بمعنى: " في " كقولك: زيد بمكة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " بالعدوة " ~~بكسر العين فيهما، والباقون بالضم فيهما وهما لغتان في شط الوادي ~~وشفيره وضفته، كالكسوة والكسوة، والرشوة والرشوة، سميت ~~بذلك لأنها عدت ما في الوادي من ماء ونحوه أن يتجاوزها، أي: منعته؛ ~~قال الشاعر: [الوافر] # 2711 - عدتني عن زيارتها العوادي # وحالت دونها حرب زبون # وقرأ الحسن وزيد بن علي، وقتادة وعمرو بن عبيد بالفتح، وهي كلها لغات ~~بمعنى واحد. # هذا هو قول جمهور اللغويين، على أن أبا عمرو بن العلاء أنكر الضم، ~~ووافقه الأخفش، فقال: " لم يسمع من العرب إلا الكسر ". ونقل أبو ~~عبيد اللغتين، إلا أنه قال: الضم أكثرهما، وقال اليزيدي: " الكسر ~~لغة الحجاز "؛ وأنشدوا قول أوس بن حجر: [البسيط] # 2712 - وفارس لم يحل القوم عدوته # ولوا سراعا وما هموا بإقبال # بالكسر، والضم. وهذا هو الذي ينبغي أن يقال، فلا وجه لإنكار الضم، ~~ولا الكسر، لتواتر كل منهما، ويحمل قول أبي عمرو على أنه لم ~~يبلغه، ويحتمل أن يقال في قراءة من قرأ بفتح العين أن يكون مصدرا ~~سمي به المكان. # وقرىء شاذا " بالعدية " بقلب الواو ياء لانكسار ما تقدمها، ولا ~~يعتبر الفاصل؛ لأنه ساكن، فهو حاجز غير حصين، وهذا كما قالوا: " هو ~~ابن عمي دنيا " بكسر الدال، وهو من الدنو، وكذلك: قنية، وصبية، ~~وأصله السلامة، كالذروة، والصفوة والربوة، وقد تقدم ~~الكلام على لفظة " الدنيا ". # قوله " القصوى " تأنيث " الأقصى " ، والأقصى: الأبعد، والقصو: ~~البعد وللصرفيين عبارتان، أغلبهما أن " فعلى " من ذوات الواو، إن ~~كانت اسما أبدلت لامها ياء، ثم يمثلون بنحو: الدنيا، ~~والعليا، والقصيا، وهذه صفات؛ لأنها من باب أفعل التفضيل، ~~وكأن العذر لهم أن هذه وإن كانت في الأصل صفات، إلا أنها جرت ~~مجرى ms4279 الجوامد. # قالوا: وإن كانت " فعلى " صفة أقرت لامها على حالها، نحو: ~~الحلوى، تأنيث الأحلى ونصوا على أن " القصوى " شاذة، وإن كانت ~~لغة الحجاز، وأن " القصيا " قياس وهي لغة تميم، وممن نص على ~~شذوذ: " القصوى " يعقوب بن السكيت. # وقال الزمخشري: وأما " القصوى " فكالقود في مجيئه على الأصل، ~~وقد جاء " القصيا " إلا أن استعمال " القصوى " أكثر، كما كثر ~~استعمال " استصوب " مع مجيء " استصاب " ، و " أغيلت " مع " أغالت ~~" انتهى. # وقد قرأ زيد بن علي: " بالعدوة القصيا " فجاء بها على لغة تميم، ~~وهي القياس عند هؤلاء. # والعبارة الثانية - وهي القليلة - العكس، أي: إن كانت صفة أبدلت، ~~نحو: العليا والدنيا، والقصيا، وإن كانت اسما أقرت؛ نحو " ~~حزوى "؛ كقوله: [الطويل] # 2713 - أدارا بحزوى هجت للعين عبرة # فماء الهوى يرفض، أو يترقرق # وعلى هذا ف " الحلوى " شاذة؛ لإقرار لامها مع كونها صفة، وكذا " ~~القصوى " أيضا، عند هؤلاء؛ لأنها صفة وقد ترتب على هاتين العبارتين ~~أن " قصوى " على خلاف القياس فيهما وأن " قصيا " هي القياس؛ ~~لأنها عند الأولين من قبيل الأسماء، وهم يقلبونها ياء وعند الآخرين من ~~قبيل الصفات، وهم يقلبونها أيضا ياء، وإنما يظهر الفرق في " ~~الحلوى " و " حزوى " ف: " الحلوى " عند الأولين تصحيحها قياس، ~~لكونها صفة، وشاذة عند الآخرين، لأن الصفة عندهم تقلب واوها ~~ياء. و " الحزوى " عكسها، فإن الأولين يقلبون في الأسماء، دون ~~الصفات، والآخرون عكسهم. وهذا موضع حسن، يختلط على كثير من الناس، ~~فلذلك شرحناه. # ونعني بالشذوذ: شذوذ القياس، لا شذوذ الاستعمال، ألا ترى إلى استعمال ~~التواتر ب " القصوى ". # قوله { والركب أسفل منكم } الأحسن في هذه الواو، والواو التي ~~قبلها الداخلة على " هم ": أن تكون عاطفة ما بعدها على " أنتم "؛ ~~لأنها مبدأ تقسيم أحوالهم، وأحوال عدوهم ويجوز أن يكونا واوي ~~حال، و " أسفل " منصوب على الظرف النائب عن الخبر، وهو في ~~الحقيقة صفة لظرف مكان محذوف، أي: والركب مكانا أسفل من مكانكم. # وقرأ زيد بن علي " أسفل " بالرفع، على سبيل الاتساع، جعل ~~الظرف نفس الركب مبالغة واتساعا. # وقال مكي: " وأجاز الفراء، والأخفش، والكسائي رحمهم ms4280 الله تعالى " ~~أسفل " بالرفع على تقدير محذوف، أي: موضع الركب أسفل " ، ~~والتخريج الأول أبلغ في المعنى، والركب: اسم جمع ل " راكب " ~~لا جمع تكسر له؛ خلافا للأخفش؛ كقوله: [الرجز] # 2714 - بنيته من عصبة من ماليا # أخشى ركيبا ورجيلا عاديا # فصغره على لفظه، ولو كان جمعا لما صغر على لفظه. # قوله " ولكن ليقضي " متعلق بمحذوف، أي: ولكن تلاقيتم ~~ليقضي، وقدر الزمخشري ذلك المحذوف فقال: " أي: ليقضي الله ~~أمرا كان واجبا أن يفعل، وهو نصر أوليائه وقهر أعدائه دبر ذلك " ، و ~~" كان " يحتمل أن تكون على بابها من الدلالة على اقتران مضمون الجملة ~~بالزمان الماضي، وأن تكون بمعنى " صار " ، فتدل على التحول، أي: ~~صار مفعولا بعد أن لم يكن كذلك. # قوله " ليهلك " فيه أوجه: # أحدها: أنه بدل من قوله: " ليقضي الله " بإعادة العامل ~~فيتعلق بما تعلق به الأول. # الثاني: أنه متعلق بقوله " مفعولا " ، أي: فعل هذا الأمر ~~لكيت وكيت. # الثالث: أنه متعلق بما تعلق به " ليقضي " على سبيل العطف ~~عليه بحرف عطف محذوف، تقديره: وليهلك، فحذف العاطف، وهو قليل جدا، ~~وتقدم التنبيه عليه. # الرابع: أنه متعلق ب " يقضي " ذكره أبو البقاء رحمه الله ~~تعالى. # وقرأ الأعمش وعصمة عن أبي بكر عن عاصم " ليهلك " بفتح اللام، ~~وقياس ما مضى هذا " هلك " بالكسر، والمشهور إنما هو الفتح، قال ~~تعالى: # إن امرؤ هلك # [النساء: 176] # حتى إذا هلك # [غافر: 34]. # قوله " من حي " قرأ نافع وأبو بكر عن عاصم، والبزي عن ابن كثير ~~بالإظهار والباقون بالإدغام، والإظهار والإدغام في هذا النوع لغتان ~~مشهورتان، وهو كل ما آخره ياءان من الماضي أولاهما مكسورة؛ نحو: " ~~حيي، وعيي " ، ومن الإدغام قول المتلمس: [الطويل] # 2715 - فهذا أوان العرض حي ذبابه # .......................... # وقال الآخر: [مجزوء الكامل] # 2716 - عيوا بأمرهم كما # عيت ببيضتها الحمامه # فأدغم " عيوا " ، وينشد " عيت، وعييت " بالإظهار والإدغام، ~~فمن أظهر؛ فلأنه الأصل ولأن الإدغام يؤدي إلى تضعيف حرف العلة، ~~وهو ثقيل في ذاته؛ ولأن الياء الأولى يتعين فيها الإظهار في بعض ~~الصور، وذلك في مضارع هذا الفعل؛ لانقلاب الثانية ألفا في ms4281 يحيا، ~~ويعيا، فحمل الماضي عليه طردا للباب؛ ولأن الحركة في الثانية ~~عارضة؛ لزوالها في نحو: حييت، وبابه؛ ولأن الحركتين مختلفتان؛ ~~واختلاف الحركتين كاختلاف الحرفين. # قالوا وكذلك: لححت عينه وضبب المكان، وألل السقاء، ومششت ~~الدابة. # قال سيبويه: " أخبرنا بهذه اللغة يونس " يعني بلغة الإظهار. # قال: " قد سمعت بعض العرب يقول: أحيياء، وأحيية، فيظهر ". وإذا لم ~~يدغم مع لزوم الحركة فمع عروضها أولى، ومن أدغم فلاستثقال ظهور ~~الكسرة في حرف يجانسه؛ ولأن الحركة الثانية لازمة لأنها حركة ~~بناء، ولا يضر زوالها في نحو: " حييت " ، كما لا يضر ذلك فيما ~~يجب إدغامه من الصحيح، نحو: حللت وظللت، وهذا كله فيما كانت ~~حركته حركة بناء، ولذلك قيد به الماضي. # أما إذا كانت حركة إعراب فالإظهار فقط، نحو: لن يحيي ولن ~~يعيي. # فصل # قوله " عن بينة " متعلق ب " يهلك " و " يحيا " ، والهلاك، ~~والحياة عبارة عن الإيمان والكفر، والمعنى: ليصدر كفر من كفر عن ~~وضوح وبيان، لا عن مخالطة شبهة، وليصدر إسلام من أسلم عن وضوح لا عن ~~مخالطة شبهة. # معنى الآية: " إذ أنتم " أي: اذكروا يا معشر المسلمين: { إذ ~~أنتم بالعدوة الدنيا } أي: بشفير الوادي الأدنى من المدينة، ~~والدنيا: تأنيث الأدنى، " وهم " يعني: المشركين. " بالعدوة ~~القصوى " بشفير الوادي الأقصى من المدينة مما يلي جانب مكة، وكان ~~الماء في العدوة التي نزل بها المشركون، فكان استظهارهم من هذا الوجه ~~أشد، " والركب " العير التي خرجوا إليها: " أسفل منكم " أي: في ~~موضع أسفل إلى ساحل البحر على ثلاثة أميال من بدر. # " ولو تواعدتم " أنتم، وأهل مكة " لاختلفتم " لخالف بعضكم ~~بعضا لقلتكم، وكثرتهم، أو لأن المسلمين خرجوا ليأخذوا العير، وخرج ~~الكفار ليمنعوها، فالتقوا على غير ميعاد، ولكن الله جمعكم على غير ~~ميعاد ليقضي الله أمرا كان مفعولا، لنصر أوليائه وإعزاز دينه وإهلاك ~~أعدائه { ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن ~~بينة }. # وذلك أن عسكر الرسول صلى الله عليه وسلم في أول الأمر، كانوا في غاية ~~الضعف والخوف بسبب القلة، وعدم الأهبة، ونزلوا بعيدا عن الماء، ~~وكانت الأرض ms4282 التي نزلوا فيها رملا تغوص فيه أرجلهم، ~~والكفار كانوا في غاية القوة، لكثرتهم في العدد والعدة، وكانوا ~~قريبا من الماء وكانت الأرض التي نزلوا فيها صالحة للمضي، والعير كانوا ~~خلف ظهورهم وكانوا يتوقعون مجيء المدد ساعة فساعة، ثم إنه ~~تعالى قلب القصة، وجعل الغلبة للمسلمين، والدمار على الكافرين، فصار ~~ذلك من أعظم المعجزات، وأقوى البينات على صدق محمد - عليه الصلاة ~~والسلام - فيما أخبر عن ربه من وعد النصر والفتح والظفر. # وقوله: { ليهلك من هلك عن بينة } إشارة إلى هذا المعنى، وهو أن ~~الذين هلكوا إنما هلكوا بعد مشاهدة هذه المعجزة، والذين بقوا في الحياة ~~شاهدوا هذه المعجزة القاهرة، والمراد من البينة: المعجزة، ثم قال: { ~~وإن الله لسميع عليم } أي: يسمع دعاءكم، ويعلم حاجتكم ~~وضعفكم ويصلح مهمكم. # قوله: { إذ يريكهم الله في منامك قليلا }. # الناصب ل " إذ " يجوز أن يكون مضمرا، أي: اذكر، ويجوز أن يكون ~~" عليم " ، وفيه بعد من حيث تقييد هذه الصفة بهذا الوقت، ويجوز أن ~~تكون " إذ " هذه بدلا من " إذ " قبلها، والإراءة هنا حلمية. # واختلف فيها النحاة: هل تتعدى في الأصل لواحد كالبصرية، أو ~~لاثنين، كالظنية؟. # فالجمهور على الأول. فإذا دخلت همزة النقل أكسبتها ثانيا، ~~أو ثالثا على حسب القولين فعلى الأول تكون الكاف مفعولا أول، و " ~~هم " مفعول ثان، و " قليلا " حال، وعلى الثاني يكون " قليلا " ~~نصبا على المفعول الثالث، وهذا يبطل بجواز حذف الثالث في هذا الباب ~~اقتصارا، أي: من غير دليل تقول: أراني الله زيدا في منامي، ورأيتك ~~في النوم، ولو كانت تتعدى لثلاثة، لما حذف اقتصارا؛ لأنه خبر في ~~الأصل. # فصل # المعنى: إذ يريك الله يا محمد المشركين في منامك، أي: نومك. # قال مجاهد: أرى الله النبي - عليه الصلاة والسلام - كفار قريش في ~~منامه قليلا، فأخبر بذلك أصحابه، فقالوا: رؤيا النبي حق، القوم ~~قليل، فصار ذلك سببا لقوة قلوبهم. # فإن قيل: رؤية الكثير قليلا غلط، فكيف يجوز من الله تعالى أن يفعل ~~ذلك؟. # فالجواب: أن الله تعالى يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ms4283 ولعله ~~تعالى أراه البعض دون البعض فحكم الرسول - عليه الصلاة والسلام - على ~~أولئك الذين رآهم بأنهم قليلون. # وقال الحسن: هذه الإراءة كانت في اليقظة، قال: والمراد من المنام: ~~العين؛ لانها موضع النوم. # { ولو أراكهم كثيرا لفشلتم } لجبنتم " ولتنازعتم ~~" اختلفتم " في الأمر " أي: في الإحجام والإقدام { ولكن الله ~~سلم } أي: سلمكم من المخالفة والفشل. # وقيل: سلمهم من الهزيمة يوم بدر. # { إنه عليم بذات الصدور }. # قال ابن عباس: عليم بما في صدوركم من الحب لله تعالى وقيل: ~~يعلم ما في صدوركم من الجراءة، والجبن والصبر والجزع. # قوله تعالى: { وإذ يريكمهم } الإراءة - هنا - بصرية، والإتيان ~~هنا بصلة ميم الجمع واجب، لاتصالها بضمير، ولا يجوز التسكين، ولا ~~الضم من غير واو، وقد جوز يونس ذلك فيقول: " أنتم ضربتمه " ~~بتسكين الميم وضمها، وقد يتقوى بما روي عن عثمان - رضي الله عنه -: " ~~أراهمني الباطل شيطانا " وفي هذا الكلام شذوذ من وجه آخر، وهو ~~تقديم الضمير غير الأخص على الأخص مع الاتصال. # فصل # قال مقاتل - رضي الله عنه - # " إن النبي صلى الله عليه وسلم، رأى في المنام أن العدد قليل قبل ~~لقاء العدو، وأخبر أصحابه بما رأى، فلما التقوا ببدر قلل الله ~~المشركين في أعين المؤمنين ". # قال ابن مسعود: " لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي: ~~أتراهم سبعين؟ قال أراهم مائة، فأسرنا رجلا منهم فقلنا له: كم كنتم؟ ~~قال: ألفا ". # " ويقللكم " يا معشر المؤمنين " في أعينهم ". # قال السدي: " قال ناس من المشركين إن العير قد انصرفت، فارجعوا، ~~فقال أبو جهل: الآن إذ برز لكم محمد وأصحابه؟ فلا ترجعوا، حتى ~~تستأصلوهم، إنما محمد وأصحابه أكلة جزور، فلا تقتلوهم واربطوهم ~~بالحبال " ، والحكمة في تقليل عدد المشركين في أعين المؤمنين: تصديق ~~رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولتقوى قلوبهم، وتزداد جراءتهم على ~~المشركين، والحكمة في تقليل عدد المؤمنين في أعين المشركين: لئلا ~~يبالغوا في الاستعداد والتأهب والحذر، فيصير ذلك سببا لاستيلاء ~~المؤمنين عليهم. # ثم قال: { ليقضي الله أمرا كان مفعولا }. # فإن قيل: ذكر هذا يفهم من الآية ms4284 المتقدمة، فكان ذكره - ههنا - محض ~~التكرار. # فالجواب: أن المقصود من ذكره في الآية المتقدمة، هو أنه تعالى ~~فعل تلك الأفعال ليحصل استيلاء المؤمنين على المشركين على وجه يكون معجزة ~~دالة على صدق الرسول وههنا المقصود من ذكره، أنه إنما فعل ذلك، ~~لئلا يبالغ الكفار في الاستعداد والحذر فيصير ذلك سببا لانكسارهم. # ثم قال { وإلى الله ترجع الأمور } والغرض منه التنبيه ~~على أن أحوال الدنيا غير مقصودة لذاتها، بل المراد منها ما يصلح ~~أن يكون زادا ليوم المعاد. ### || [8.45-46] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة ~~فاثبتوا } الآية. # لما ذكر نعمه على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين يوم بدر، ~~علمهم - إذا التقوا - نوعين من الأدب، الأول: الثبات وهو أن ~~يوطنوا أنفسهم على اللقاء، ولا يحدثوها بالتولي. # والثاني: أن يذكروا الله كثيرا، فقال: { يأيها الذين ~~آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا } فيه، أي: جماعة كافرة ~~" فاثبتوا " لقتالهم. # { واذكروا الله كثيرا } ادعوا الله بالنصر والظفر بهم. # وقيل: المراد أن يذكروا الله كثيرا بقلوبهم، وبألسنتهم. # ثم قال تعالى: { لعلكم تفلحون } أي: كونوا على رجال الفلاح. # فإن قيل: هذه الآية توجب الثبات على كل حال، وهذا يوهم أنها ~~ناسخة لآية التحرف والتحيز. # فالجواب: أن هذه الآية توجب الثبات في الجملة، وهو الجد في ~~المحاربة، وآية التحرف والتحيز لا تقدح في حصول الثبات في المحاربة، ~~بل الثبات في هذا المقصود، لا يحصل إلا بذلك التحرف والتحيز، ثم أكد ~~ذلك بقوله: { وأطيعوا الله ورسوله } فيما يأمر به؛ لأن ~~الجهاد لا ينفع إلا مع التمسك بسائر الطاعات، " ولا تنازعوا " ~~لا تختلفوا، فإن النزاع يوجب أمرين. # أحدهما: الفشل، وهو الجبن والضعف. # والثاني: " تذهب ريحكم ". # قال مجاهد: نصرتكم. # وقال السدي: جراءتكم وجدكم. # وقال مقاتل: حدتكم. # وقال النضر بن شميل: قوتكم. وقال الأخفش: دولتكم. و " الريح " ~~هاهنا - كناية عن بقاء الأمر وجريانه على المراد؛ تقول العرب: " ~~هبت ريح فلان " إذا أقبل أمره على ما يريد، وهو كناية عن الدولة ~~والغلبة؛ قال: [الوافر] # 2717 - إذا هبت رياحك فاغتنمها # فإن لكل ms4285 عاصفة سكونا # ورواه أبو عبيد " ركودا ". # وقال آخر: [البسيط] # 2718 - أتنظران قليلا ريث غفلتهم # أو تعدوان فإن الريح للعادي # وقال: [البسيط] # 2719 - قد عودتهم ظباهم أن يكون لهم # ريح القتال وأسلاب الذين لقوا # وقيل: الريح: الهيبة، وهو قريب من الأول؛ كقوله: [البسيط] # 2720 - كما حميناك يوم النعف من شطط # والفضل للقوم من ريح ومن عدد # وقال قتادة وابن زيد: " هو ريح النصر، ولم يكن نصر قط إلا بريح ~~يبعثها الله تضرب وجوه العدو ". # ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: # " نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور ". # وقال النعمان بن مقرن: # " شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان إذا لم يقاتل في أول ~~النهار، انتظر حتى تزول الشمس، وتهب الريح، وينزل النصر ". # قوله " فتفشلوا " يحتمل وجهين: # أحدهما: نصب على جواب النهي. # والثاني: الجزم عطفا على فعل النهي قبله، وقد تقدم تحقيقهما في " ~~وتخونوا " قبل ذلك، ويدل على الثاني قراءة عيسى بن عمر " ويذهب ~~" بياء الغيبة وجزمه، ونقل أبو البقاء قراءة الجزم ولم يقيدها بياء ~~الغيبة. # وقرأ أبو حيوة وأبان وعصمة " ويذهب " بياء الغيبة ونصبه. # وقرأ الحسن " فتفشلوا " بكسر الشين، قال أبو حاتم: " هذا غير ~~معروف " وقال غيره: إنها لغة ثانية. # فصل # احتج نفاة القياس بهذه الآية فقالوا: القياس يفضي إلى المنازعة، ~~والمنازعة محرمة بهذه الآية؛ فوجب أن يكون العمل بالقياس محرما ~~ببيان الملازمة، فإنا نشاهد الدنيا مملوءة من الاختلافات بسبب ~~القياس. # وأيضا القائلون بأن النص لا يجوز تخصيصه بالقياس تمسكوا بهذه ~~الآية، وقالوا: قوله تعالى: { وأطيعوا الله ورسوله } صريح ~~في وجوب طاعة الله ورسوله في كل ما نصا عليه، ثم أتبعه بقوله: { ولا ~~تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم } ومن تمسك بالقياس ~~المخصص بالنص فقد ترك طاعة الله وطاعة رسوله، وتمسك بالقياس ~~الذي يوجب التنازع والفشل، وكل ذلك حرام. والجواب: بأنه ليس كل ~~قياس يوجب المنازعة. # قوله: " ولا تنازعوا " معطوف على قوله: " فاثبتوا " وهو جواب ~~الشرط في قوله: { إذا لقيتم فئة } فالمحرم التنازع عند ~~لقاء فئة الكفار، فلا حجة فيها، وأيضا: فقد ترتب على ms4286 التنازع ~~الفشل وذهاب الريح التي هي الدولة، وذلك لا يترتب على القياس. # ثم قال: { واصبروا إن الله مع الصابرين } والمقصود ~~أن كمال أمر الجهاد مبني على الصبر فأمرهم بالصبر. كما قال في ~~آية أخرى: # اصبروا وصابروا ورابطوا # [آل عمران: 200]. عن سالم أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله وكان ~~كاتبا له، قال: كتب إليه عبد الله بن أبي أوفى # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أيامه التي لقي فيها ~~العدو، انتظر حتى مالت الشمس، ثم قام في الناس، فقال: " يا ~~أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو، وأسألوا الله العافية ~~فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال ~~السيوف " ثم قال: " اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، ~~وهازم الأحزاب، اهزمهم، وانصرنا عليهم " ". ### || [8.47-54] # قوله تعالى: { ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم ~~بطرا ورئآء الناس ويصدون عن سبيل الله }. # نزلت في المشركين حين أقبلوا إلى بدر، ولهم بغي وفخر. فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها، وفخرها تجادل وتكذب رسولك، ~~اللهم فنصرك الذي وعدتني ". # ولما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره، أرسل إلى قريش إنكم إنما ~~خرجتم لتمنعوا عيركم فقد نجاها الله، فارجعوا، فقال أبو جهل: والله ~~لا نرجع حتى نرد بدرا - وكان في بدر موسم من مواسم العرب، يجتمع ~~لهم بها سوق كل عام - فنقيم بها ثلاثا، فننحر الجزور، ونطعم الطعام، ~~ونسقى الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب، فلا يزالون ~~يهابوننا أبدا. فوافوها فسقوا كئوس المنايا مكان الخمر، وناحت ~~عليهم النوائح مكان القيان، فنهى الله تعالى عباده المؤمنين أن ~~يكونوا مثلهم، وأمرهم بإخلاص النية، والحسبة في نصر دينه ومؤازرة نبيه. # واعلم أنه تعالى وصفهم بثلاثة أشياء: # أحدها: البطر. # قال الزجاج: البطر: الطغيان في النعمة وترك شكرها. # وثانيها: الرئاء، وهو إظهار الجميل ليرى، مع أن باطنه يكون ~~قبيحا. # والفرق بينه وبين النفاق: أن النفاق: إظهار الإيمان مع إبطان الكفر، ~~والرئاء: إظهار الطاعة مع إبطان المعصية. # وثالثها: صدهم عن سبيل الله، وهو كونهم ms4287 مانعين عن دين محمد - عليه ~~الصلاة والسلام -. # قوله: " بطرا ورئاء " منصوبان على المفعول له، ويجوز أن يكونا ~~مصدرين في موضع نصب على الحال، من فاعل: " خرجوا " ، أي: خرجوا ~~بطرين ومرائين، و " رئاء " مصدر مضاف لمفعوله. # قوله " ويصدون ": يجوز أن يكون مستأنفا، وأن يكون عطفا على: " ~~بطرا ورئاء " وحذف المفعول للدلالة عليه. # فإن قيل: " يصدون " فعل مضارع، وعطف الفعل على الاسم غير حسن. فذكر ~~الواحدي في الجواب ثلاثة أوجه: # الأول: أن " يصدون " بمعنى: صادين، أي: بطرين ومرائين وصادين. # والثاني: أن يكون قوله " بطرا ورئاء " حالان على تأويل: مبطرين ~~ومرائين، ويكون قوله " ويصدون " أي: وصادين. # الثالث: أن يكون قوله " بطرا ورئاء " بمنزلة: يبطرون ويراؤون. # قال ابن الخطيب: " إن شيئا من هذه الوجوه لا يشفي الغليل؛ لأنه ~~تارة يقيم الفعل مقام الاسم وأخرى يقيم الاسم مقام الفعل ليصح له كون ~~الكلمة معطوفة على جنسها. # وكان من الواجب عليه أن يذكر السبب الذي لأجله عبر عن الأولين ~~بالمصدر، وعن الثالث بالفعل. قال: إن الشيخ عبد القاهر الجرجاني، ذكر ~~أن الاسم يدل على التمكين والاستمرار، والفعل على التجدد والحدوث، ~~مثاله في الاسم قوله تعالى # وكلبهم باسط ذراعيه # [الكهف: 18] وذلك يقتضي كون تلك الحالة ثابتة راسخة، ومثال الفعل قوله ~~تعالى: # قل من يرزقكم من السمآء والأرض # [يونس: 31] وذلك يدل على أنه تعالى يوصل الرزق إليهم ساعة فساعة. # وإذا عرفت ذلك فنقول: إن أبا جهل ورهطه كانوا مجبولين على البطر، ~~والمفاخرة والعجب وأما صدهم عن سبيل الله فإنما حصل في الزمان الذي ~~ادعى محمد - عليه الصلاة والسلام - فيه النبوة، فلهذا ذكر البطر ~~والرئاء بصيغة الاسم، وذكر الصد بصيغة الفعل ". # واعلم أن الذي قاله ابن الخطيب لا يخدش فيما أجاب به الواحدي؛ لأن ~~الواحدي إنما أراد من حيث الصناعة، لا من حيث المعنى. # ثم قال: { والله بما يعملون محيط } أي: أنه عالم بما في ~~دواخل القلوب، وذلك كالتهديد والزجر عن الرئاء. # قوله تعالى: { وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم } ~~الآية. # وهذه من جملة النعم التي خص الله أهل بدر ms4288 بها، وفي العامل في " إذ ~~" وجوه: قيل: تقديره اذكر إذ زين لهم، وقيل: عطف على ما تقدم من تذكير ~~النعم، وتقديره: واذكروا إذ يريكموهم وإذ زين. # وقيل: هو عطف على قوله: { خرجوا من ديارهم بطرا ورئآء ~~الناس } تقديره: ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ~~وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم؛ فتكون الواو للحال، و " قد " مضمرة بعد ~~الواو، عند من يشترط ذلك والله أعلم # فصل # في هذا التزيين وجهان: # الأول: أن الشيطان زين بوسوسته من غير أن يتحول في صورة إنسان، وهو ~~قول الحسن والأصم. # والثاني: أنه ظهر في سورة إنسان. # قالوا: إن المشركين حين أرادوا المسير إلى بدر خافوا من بني بكر بن ~~كنانة؛ لأنهم كانوا قتلوا منهم واحدا، فلم يأمنوا أن يأتوهم من ~~ورائهم، فتصور لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، وهو في بني ~~بكر بن كنانة من أشرافهم في جند من الشياطين، ومعه راية، وقال لا غالب ~~لكم اليوم من الناس وإني جار لكم، مجيركم، من بني كنانة، { ~~فلما ترآءت الفئتان } أي: التقى الجمعان، رأى إبليس ~~الملائكة نزلوا من السماء، فعلم أن لا طاقة لهم بهم { نكص على ~~عقبيه } وكانت يده في يد الحارث بن هشام، فلما نكص، قال الحارث: ~~أتخذلنا في هذه الحال؟. # فقال: إني أرى ما لا ترون ودفع في صدر الحارث وانهزموا. # قوله { لا غالب لكم } لكم خبر " لا " فيتعلق بمحذوف، و " اليوم ~~" منصوب بما تعلق به الخبر، ولا يجوز أن يكون " لكم " أو الظرف ~~متعلقا ب " غالب "؛ لأنه يكون مطولا ومتى كان مطولا أعرب ~~نصبا. # قوله " من الناس " بيان لجنس الغالب. # وقيل: هو حال من الضمير في " لكم " لتضمنه معنى الاستقرار، ~~ومنع أبو البقاء أن يكون " من الناس " حالا من الضمير في " غالب " ~~، قال: " لأن اسم " لا " إذا عمل فيما بعده أعرب " والأمر كذلك. # قوله { وإني جار لكم } يجوز في هذه الجملة أن تكون معطوفة ~~على قوله { لا غالب لكم } فيكون قد عطف جملة مثبتة على أخرى منفية، ms4289 ~~ويجوز أن تكون الواو للحال، وألف " جار " من واو، لقولهم: " تجاوروا ~~" وقد تقدم تحقيقه [النساء: 36]. و " لكم " متعلق بمحذوف؛ لأنه ~~ل " جار " ، ويجوز أن يتعلق ب " جار " لما فيه من معنى الفعل، ~~ومعنى " جار لكم " أي: مجير لكم من كنانة. # قوله { فلما ترآءت الفئتان } أي: التقى الجمعان؛ { نكص ~~على عقبيه } " نكص ": جواب " لما " والنكوص: قال النضر ~~بن شميل: الرجوع قهقرى هاربا، قال بعضهم: هذا أصله، إلا أنه ~~قد اتسع فيه، حتى استعمل في كل رجوع، وإن لم يكن قهقرى؛ قال ~~الشاعر: [البسيط] # 2721 - هم يضربون حبيك البيض إذ لحقوا # لا ينكصون إذا ما استلحموا وحموا # وقال مؤرج: " النكوص: الرجوع بلغة سليم "؛ قال: [البسيط] # 2722 - ليس النكوص على الأعقاب مكرمة # إن المكارم إقدام على الأسل # فهذا إنما يريد به مطلق الرجوع؛ لأنه كناية عن الفرار، ~~وفيه نظر؛ لأن غالب الفرار في القتال إنما هو كما ذكر، رجوع ~~القهقرى، كخوف الفار. # و " على عقبيه " حال، إما مؤكدة، عند من يخصه بالقهقرى، أو ~~مؤسسة، عند من يستعمله في مطلق الرجوع. # ثم قال: { إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون }. # قيل: رأى الملائكة فخافهم. # وقيل: رأى أثر النصرة والظفر في حق النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فعلم أنه لو وقف لنزلت عليه بلية. # وقيل: رأى جبريل فخافه. # وقيل: لما رأى الملائكة ينزلون من السماء ظن أن الوقت الذي أنظر ~~إليه قد حضر، وأشفق على نفسه، وقيل " أرى ما لا ترون " من الرأي. # وقوله: { إني أخاف الله } قال قتادة: " قال إبليس { إني أرى ~~ما لا ترون } وصدق، وقال { إني أخاف الله } وكذب ما به ~~مخافة الله، ولكن علم أنه لا قوة له ولا منعة، فأوردهم وأسلمهم ". # وقال عطاء: إني أخاف الله أن يهلكني فيمن هلك. # وقال الكلبي: خاف أن يأخذه جبريل ويعرفهم حاله، فلا يطيعوه. # وقيل: معناه إني أخاف الله، أي: أعلم صدق وعده لأوليائه؛ لأنه كان ~~على ثقة من أمره، وقيل: معناه إني أخاف الله عليكم. # وقوله: { والله شديد العقاب }. # قيل: انقطع الكلام ms4290 عند قوله " أخاف الله " ثم قال { والله ~~شديد العقاب } ويجوز أن يكون من بقية كلام إبليس. # روى طلحة بن عبيد الله بن كريز أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ما رئي الشيطان يوما هو فيه أصغر، ولا أدحر، ولا أحقر، ولا ~~أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا لما رأى من تنزل ~~الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام، إلا ما كان من يوم ~~بدر ". # فقيل: وما رأى يوم بدر؟ قال: " أما إنه رأى جبريل وهو ~~ينزع الملائكة " ، حديث مرسل. # قوله تعالى: { إذ يقول المنافقون } العامل في " إذ " إما ~~" زين " ، وإما " نكص " وإما " شديد العقاب " وإما " اذكروا ". # قال ابن الخطيب: " وإنما لم تدخل الواو في قوله " إذ يقول " ودخلت ~~في قوله " وإذ زين "؛ لأن قوله: " وإذ زين " عطف التزين على ~~حالهم وخروجهم بطرا ورئاء الناس. # وأما قوله { إذ يقول المنافقون } فليس فيه عطف على ما قبله، ~~بل هو ابتداء كلام منقطع عما قبله ". # فصل # المنافقون: قوم من الأوس والخزرج، وأما الذين في قلوبهم مرض فهم قوم ~~من قريش أسلموا وما قوي إسلامهم، وكانوا بمكة مستضعفين، قد أسلموا ~~وحبسهم أقرباؤهم عن الهجرة فلما خرجت قريش إلى بدر أخرجوهم كرها، ~~فلما نظروا إلى قلة المسلمين ارتابوا وارتدوا، وقالوا { غر هؤلاء ~~دينهم }. و { غر هؤلاء دينهم } منصوب المحل بالقول. # قال ابن عباس - رضي الله عنه -: " معناه أنه خرج بثلاث مائة وثلاثة عشر ~~يقاتلون ألف رجل " وقيل المراد: إن هؤلاء يسعون في قتل أنفسهم، رجاء أن ~~يجعلوا أحياء بعد الموت، ويثابون على هذا القتل. فقالوا: غر هؤلاء ~~دينهم. فقتلوا جميعا، منهم: قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بن ~~الفاكه بن المغيرة المخزوميان، والحارث بن زمعة بن الأسود بن المطلب، ~~وعلي بن أمية بن خلف الجمحي، والعاصي بن منبه بن الحجاج. # ثم قال: { ومن يتوكل على الله } أي: يسلم أمره إلى الله، ~~ويثق به، فإن الله حافظه وناصره؛ لأنه عزيز لا يغلبه شيء، حكيم ~~يوصل العذاب إلى أعدائه، والرحمة والثواب إلى أوليائه. ms4291 # قوله تعالى: { ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا ~~الملائكة } الآية. # لما شرح أحوال الكفار، شرح أحوال موتهم، والعذاب الذي يصل إليهم. # قرأ ابن عامر والأعرج " تتوفى " بتاء التأنيث، لتأنيث الجماعة، ~~والباقون بياء الغيبة وفيها تخريجان، أظهرهما - لموافقة قراءة من تقدم ~~-: أن الفاعل هم الملائكة، وإنما ذكر للفصل؛ ولأن التأنيث مجازي. # والثاني: أن الفاعل ضمير الله تعالى: لتقدم ذكره و " الملائكة " ~~مبتدأ، و " يضربون " خبره، وفي هذه الجملة حينئذ وجهان: # أحدهما: أنها حال من المفعول. # والثاني: أنها استئنافية، جوابا لسؤال مقدر، وعلى هذا فيوقف على " ~~الذين كفروا " بخلاف الوجهين قبله. # وضعف ابن عطية وجه الحال بعدم الواو، وليس بضعيف لكثرة مجيء الجملة ~~الحالية مشتملة على ضمير ذي الحال خالية من " واو " نظما ونثرا، وعلى ~~كون " الملائكة " فاعلا، يكون " يضربون " جملة حالية، سواء قرىء ~~بالتأنيث أم بالتذكير، وجواب " لو " محذوف للدلالة عليه، أي: رأيت ~~أمرا عظيما. # فصل # المعنى: ولو عاينت؛ لأن " لو " ترد المضارع إلى الماضي، كما ترد " إن ~~" الماضي إلى المضارع. # قال الواحدي - رحمه الله -: " معنى يتوفى الذين كفروا، يقبضون أرواحهم ~~" قيل: عند الموت تضرب الملائكة وجوه الكفار وأدبارهم. وقيل: أراد ~~المشركين الذين قتلوا ببدر، كانت الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم. # قال سعيد بن جبير، ومجاهد: يريد: أستاههم ولكن الله تعالى حيي ~~يكني. # وقال ابن عباس " كان المشركون إذا أقبلوا بوجوههم إلى المسلمين ضربوا ~~وجوههم بالسيف وإذا ولوا أدركتهم الملائكة يضربون أدبارهم " وقال ابن ~~جريح " يريد ما أقبل منهم وما أدبر يضربون أجسادهم كلها ". والمراد ~~بالتوفي: القتل. # قوله { وذوقوا عذاب الحريق } هذا منصوب بإضمار قول الملائكة، ~~أي: يضربونهم ويقولون لهم: ذوقوا. وقيل: الواو في " يضربون " ~~للمؤمنين أي: يضربونهم حال القتال، وحال توفي أرواحهم الملائكة. # قيل: كان مع الملائكة مقامع من حديد، يضربون بها الكفار، فتلتهب ~~النار في جراحاتهم؛ فذلك قوله: { وذوقوا عذاب الحريق } ، ~~وقال الحسن - رضي الله عنه -: " هذا يوم القيامة، تقول لهم خزنة جهنم: ~~ذوقوا عذاب الحريق " وقال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -: " ~~يقولون لهم ذلك بعد الموت ". # قوله: { ذلك ms4292 بما قدمت أيديكم }. # أي: ذلك الضرب الذي وقع بكم، أو عذاب الحريق: { بما قدمت ~~أيديكم } بما كسبت أيديكم وهذا إخبار عن قول الملائكة - عليهم ~~السلام -. # قال الواحدي: " يجوز أن يقال " ذلك " مبتدأ، وخبره { بما قدمت ~~أيديكم } ويجوز أن يكون خبره محذوفا، والتقدير: ذلك جزاؤكم بما ~~قدمت أيديكم، ويجوز أن يكون محل " ذلك " نصبا والتقدير: فعلنا ذلك ~~بما قدمت أيديكم ". # فصل # فإن قيل: قوله { ذلك بما قدمت أيديكم } يقتضي أن فاعل ~~هذا الفعل هو اليد، وذلك ممتنع لوجوه، أولها: أن هذا العذاب إنما وصل ~~إليهم بسبب كفرهم، ومحل الكفر هو القلب لا اليد وثانيها: أن اليد ليست ~~محلا للمعرفة والعلم، فلا يتوجه التكليف عليها، فلا يمكن إيصال ~~العذاب إليها. # فالجواب: أن اليد ههنا عبارة عن القدرة وحسن هذا المجاز كون اليد آلة ~~العمل، والقدرة هي المؤثرة في العمل، فحسن جعل اليد كناية عن القدرة. # واعلم أن الإنسان جوهر واحد، وهو الفعال، وهو الدراك، وهو المؤمن، ~~وهو الكافر وهو المطيع، وهو العاصي، وهذه الأعضاء آلات له، وأدوات له ~~في الفعل؛ فأضيف الفعل في الظاهر إلى الآله، وهو في الحقيقة مضاف إلى ~~جوهر ذات الإنسان. # فإن قيل: إنه جعل هذا العقاب، إنما تولد من الفعل الذي صدر عنه، ~~والعقاب إنما يتولد من العقائد الباطلة. # فالجواب: أنا بينا أن الفعل إنما ينشأ عن الاعتقاد، فأطلق على ~~المسبب اسم السبب وهذا من أشهر وجوه المجاز. # قوله: { وأن الله ليس بظلام للعبيد }. # في محل " أن " وجهان: # أحدهما: النصب بنزع الخافض يعني: بأن الله. # والثاني: أنك إن جعلت قوله: " ذلك " في موضع رفع، جعلت " أن " في ~~موضع رفع أيضا، أي: وذلك أن الله. # قال الكسائي: " ولو كسرت ألف " أن " على الابتداء كان صوابا، وعلى ~~هذا التقدير يكون كلاما مبتدأ منقطعا عما قبله ". # فصل # قالت المعتزلة: لو كان الله تعالى يخلق الكفر في الكافر، ثم يعذبه ~~عليه لكان ظالما، وأيضا قوله تعالى: { ذلك بما قدمت ~~أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد } يدل على ~~أنه تعالى إنما لم يكن ms4293 ظالما بهذا العذاب؛ لأن العبد قدم ما استوجب ~~عليه هذا العذاب، وذلك يدل على أنه لو لم يصدر منه تعالى ذلك ~~التقديم لكان ظالما في هذا العذاب، وأيضا: لو كان موجد الكفر والمعصية ~~هو الله لا العبد لوجب كون الله ظالما، وهذه المسألة قد سبق ذكرها ~~مستقصاة في آل عمران. # قوله تعالى: { كدأب آل فرعون } الآية. # لما بين ما أنزله بأهل بدر من الكفار عاجلا وآجلا، أتبعه بأن ~~بين أن هذه طريقته وسنته ودأبه في الكل فقال: { كدأب آل ~~فرعون }. # قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما " هو أن آل فرعون أيقنوا أن ~~موسى نبي الله فكذبوه، كذلك هؤلاء جاءهم محمد بالصدق فكذبوه، فأنزل ~~الله عقوبته، كما أنزل بآل عمران ". # { والذين من قبلهم } أي: كعادة الذين من قبلهم، وتقدم الكلام ~~على " كدأب " في آل عمران. # ثم قال تعالى: { إن الله قوي شديد العقاب } والغرض ~~منه: التنبيه على أن لهم عذابا مدخرا سوى ما نزل بهم من العذاب ~~العاجل، ثم ذكر ما يجري مجرى العلة في العقاب الذي أنزله بهم، فقال: ~~{ ذلك بأن الله } ، " ذلك " مبتدأ وخبر أيضا، كنظيره أي: ذلك ~~العذاب أو الانتقام بسبب أن الله. # قوله " لم يك " قال أكثر النحاة: إنما حذفت النون؛ لأنها لم ~~تشبه الغنة المحضة فأشبهت حروف اللين ووقعت طرفا، فحذفت تشبيها بها، ~~كما تقول: لم يدع، ولم يرم. # قال الواحدي - رحمه الله تعالى -: " وهذا ينتقض بقولهم: لم يزن، ~~ولم يخن، ولم يسمع حذف النون ههنا ". # وأجاب علي بن عيسى فقال: إن " كان " و " يكون " أم الأفعال، من أجل أن ~~كل فعل قد حصل فيه معنى " كان " ، فقولنا: ضرب، معناه: كان ضرب، ويضرب ~~معناه: يكون ضرب، وهكذا القول في الكل؛ فثبت أن هذه الكلمة أم ~~الأفعال، فاحتيج إلى الاستعمال في أكثر الأوقات، فاحتملت هذا الحذف، ~~بخلاف قولنا: لم يخن، ولم يزن، فإنه لا حاجة إلى ذكرها كثيرا، فظهر ~~الفرق. # فصل # معنى الآية إن الله لا يغير ما أنعم على قوم، حتى يغيروا ما ~~بهم بالكفران ms4294 وترك الشكر، فإذا فعلوا ذلك غير الله ما بهم، فسلبهم ~~النعمة # فصل # قال القاضي " معنى الآية: أنه تعالى أنعم عليهم بالعقل والقدرة وإزالة ~~الموانع، وتسهيل السبل، والمقصود: أن يشتغلوا بالعبادة والشكر، ~~ويعدلوا عن الكفر، فإذا صرفوا هذه الأمور إلى الكفر والفسق، فقد غيروا ~~نعم الله على أنفسهم فلا جرم استحقوا تبديل النعم بالنقم، والمنح ~~بالمحن ". # قال: " وهذا من أوكد ما يدل على أنه تعالى لا يبتدأ أحدا بالعذاب ~~والمضرة، وأن الذي يفعله لا يكون إلا جزاء على معاص سلفت، لو كان ~~تعالى خلقهم، وخلق جسمانهم وعقولهم ابتداء للنار كما يقوله القوم لما ~~صح ذلك ". # وأجيب: بأن ظاهر الآية مشعر بما قاله القاضي؛ إلا أنا لو حملنا ~~الآية عليه لزم أن يكون صفة الله تعالى معللة بفعل الإنسان؛ ~~لأن حكم الله بذلك التغيير وإرادته، لما كان لا يحصل إلا عند ~~إتيان الإنسان بذلك الفعل، فلو لم يصدر عنه ذلك الفعل لم يحصل لله ~~تعالى ذلك الحكم وتلك الإرادة، فحينئذ يكون فعل الإنسان مؤثرا في حدوث ~~صفة في ذات الله تعالى، ويكون الإنسان مغيرا صفة الله ومؤثرا ~~فيها، وذلك محال في بديهة العقل؛ فثبت أنه لا يمكن حمل هذا الكلام على ~~ظاهره، بل الحق أن صفة الله غالبة على صفات المحدثات، فلولا حكمه ~~وقضاؤه أولا لما أمكن للعبد أن يأتي بشيء من الأفعال والأقوال. # ثم قال: { وأن الله سميع عليم } أي: سميع لأقوالهم، عليم ~~بأفعالهم. # قوله: { كدأب آل فرعون والذين من قبلهم }. # فإن قيل: إنه تعالى ذكر: { كدأب آل فرعون } مرتين، فما ~~فائدته؟ # فالجواب من وجوه، منها: أن الكلام الثاني يجري مجرى التفصيل للكلام ~~الأول؛ لأن الأول فيه ذكر أخذهم، وفي الثاني ذكر إغراقهم، وذلك تفصيل، ~~ومنها: أنه أريد بالأول ما نزل بهم من العقوبة في حال الموت، ~~وبالثاني ما ينزل بهم في القبر وفي الآخرة، ومنها: أن الكلام الأول هو ~~قوله: { كفروا بآيات الله } والكلام الثاني هو قوله: { ~~كذبوا بآيات ربهم } فالأول إشارة إلى أنهم أنكروا دلائل ~~الإلهية، والثاني إشارة إلى ms4295 أنه سبحانه رباهم وأنعم عليهم بالوجوه ~~الكثيرة، فأنكروا دلائل التربية والإحسان مع كثرتها، وتواليها عليهم فكان ~~الأثر اللازم من الأول الأخذ، والأثر اللازم من الثاني هو الإهلاك ~~والإغراق وذلك يدل على أن للكفر أثرا عظيما في حصول الإهلاك، ~~ومنها: أن الأول دأب في أن هلكوا لما كفروا، وهذا دأب في أن لم ~~يغير الله نعمتهم حتى يغيروها هم. # ومنها: قال الكرماني: " يحتمل أن يكون الضمير في: " كفروا " في ~~الآية الأولى عائدا على قريش، والضمير في: " كذبوا " في الثانية ~~عائدا على آل فرعون والذين من قبلهم، كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم ~~بذنوبهم، أهلكنا بعضهم بالرجفة، وبعضهم بالخسف، وبعضهم بالريح، وبعضهم ~~بالغرق، وكذلك أهلكنا كفار بدر بالسيف لما كذبوا، وأغرقنا آل فرعون ". # { وكل كانوا ظالمين } جمع الضمير في: " كانوا " ، وجمع: " ~~ظالمين " مراعاة لمعنى " كل " لأن " كلا " متى قطعت عن الإضافة ~~جاز مراعاة لفظها تارة، ومعناها أخرى. وإنما اختير هنا مراعاة ~~المعنى؛ لأجل الفواصل، ولو روعي اللفظ فقيل مثلا وكل كان ظالما، ~~لم تتفق الفواصل. ### || [8.55-59] # قوله تعالى: { إن شر الدواب عند الله الذين ~~كفروا } الآية. # لما وصف كل الكفار بقوله: # وكل كانوا ظالمين # [الأنفال: 54] أفرد بعضهم بمزية في الشر والعناد فقال: { إن شر ~~الدواب عند الله } أي: في حكمه وعلمه من حصلت له صفتان: # الأولى: الكافر المستمر على كفره مصرا عليه. # الثانية: أن يكون ناقضا للعهد، فقوله: { الذين كفروا فهم ~~لا يؤمنون } إشارة إلى استمرارهم على الكفر، وإصرارهم عليه، وقوله: ~~{ الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل ~~مرة } إشارة إلى نقض العهد. # قال الكلبي ومقاتل: يعني يهود بني قريظة، منهم كعب بن الأشرف ~~وأصحابه. # { الذين عاهدت منهم } أي: عاهدنهم. # قيل: عاهدت بعضهم، وقيل: أدخل " من " لأن معناه: أخذت منهم العهد. { ~~ثم ينقضون عهدهم في كل مرة }. # قال ابن عباس " هم بنو قريظة، نقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأعانوا المشركين على قتال النبي صلى الله عليه ~~وسلم يوم بدر، ثم قالوا: نسينا وأخطأنا فعاهدهم ثانيا، فنقضوا ms4296 العهد ~~ومالوا مع الكفار على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق، وركب كعب ~~بن الأشرف إلى مكة فوافقهم على مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم " ، { ~~وهم لا يتقون } لا يخافون الله في نقض العهد. # قوله " الذين عاهدت " يجوز فيه أوجه: # أحدها: الرفع على البدل من الموصول قبله، أو على النعت له، أو على ~~عطف البيان، أو النصب على الذم، أو الرفع على الابتداء، والخبر ~~قوله " فإما تثقفنهم " بمعنى: من تعاهد منهم، أي: من الكفار ثم ~~ينقضون عهدهم، فإن ظفرت بهم فاصنع كيت وكيت، فدخلت الفاء في الخبر ~~لشبه المبتدأ بالشرط، وهذا ظاهر كلام ابن عطية رحمه الله تعالى. # و " منهم " يجوز أن يكون حالا من عائد الموصول المحذوف، إذ ~~التقدير: الذين عاهدتهم، أي: كائنين منهم، ف " من " للتبعيض. وقيل: هي ~~بمعنى: " مع ". # وقيل: الكلام محمول على معناه، أي: أخذت منهم العهد. # وقيل: زائدة أي: عاهدتهم. والأقوال الثلاثة ضعيفة، والأول أصح. # { فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من ~~خلفهم }. # قال ابن عباس " فنكل بهم من خلفهم ". # وقال سعيد بن جبير: " أنذر بهم من خلفهم ". # العامة على الدال المهملة في " فشرد ". وأصل التشريد، ~~التطريد والتفريق والتبديد. # وقيل: التفريق مع الاضطراب، والمعنى: فرق بهم جمع كل ناقض، أي: افعل ~~بهؤلاء الذين نقضوا عهدك وجاءوا لحربك فعلا من الحرب والتنكيل، يفرق ~~منك ويخافك من خلفهم من أهل مكة واليمن، " لعلهم يذكرون " ~~يتذكرون ويعتبرون فلا ينقضون العهد. # وقرأ الأعمش بخلاف عنه: " فشرذ " بالذال المعجمة. # وقال أبو حيان رحمه الله تعالى: " وكذا هي في مصحف عبد الله ". # قال شهاب الدين: " وقد تقدم أن النقط والشكل أمر حادث، ~~أحدثه يحيى بن يعمر، فكيف يوجد ذلك في مصحف ابن مسعود؟ ". # قيل: وهذه المادة - أعني: الشين، والراء، والذال المعجمة - مهملة في ~~لغة العرب وفي هذه القراءة أوجه، أحدها: أن الذال بدل من مجاورتها، ~~كقولهم: خراديل وخراذيل. # الثاني: أنه مقلوب من " شذر " ، من قولهم: تفرقوا شذر مذر، ~~ومنه: الشذر الملتقط من المعدن؛ لتفرقه؛ قال: [الطويل] # 2723 - غرائر في ms4297 كن وصون ونعمة # يحلين ياقوتا وشذرا مفقرا # الثالث: أنه من شذر في مقاله، إذا أكثر فيه، قاله أبو البقاء، ومعناه ~~غير لائق هنا. # وقال قطرب: " شرذ " بالمعجمة، التنكيل، وبالمهملة: التفريق. وهذا ~~يقوي قول من قال: إن هذا المادة ثابتة في لغة العرب. # قوله " من خلفهم " مفعول: " شرد ". وقرأ الأعمش بخلاف عنه ~~وأبو حيوة " من خلفهم " جارا ومجرورا، والمفعول على هذه القراءة ~~محذوف، أي: فشرد أمثالهم من الأعداء، وأناسا يعملون بعملهم، ~~والضميران في " لعلهم يذكرون " الظاهر عودهما على " من ~~خلفهم " ، أي: إذا راوا ما حل بالمناقضين تذكروا. وقيل: يعودان ~~على المثقفين، وليس له معنى طائل. # قوله: { وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم ~~على سوآء }. # مفعول انبذ محذوف، أي: انبذ إليهم عهودهم، أي: اطرحها، ولا تكترث بها و ~~" على سواء " حال إما من الفاعل، أي انبذها، وأنت على طريق قصد، ~~أي: كائنا على عدل، فلا تبغتهم بالقتال بل أعلمهم به، وإما من ~~الفاعل والمفعول معا، أي: كائنين على استواء في العلم، أو في العداوة. # وقرأ العامة بفتح السين، وزيد بن علي بكسرها، وهي لغة تقدم التنبيه ~~عليها أول البقرة. # فصل # المعنى: وإما تعلمن يا محمد " من قوم " معاهدين: " خيانة " نقض ~~عهد بما يظهر لك منهم من آثار الغدر، كما يظهر من قريظة والنضير: " ~~فانبذ إليهم " فاطرح " إليهم " عهدهم " على سواء ". # يقول: أعلمهم قبل حربك إياهم أنك قد فسخت العهد بينك وبينهم حتى ~~تكون أنت وهم في العلم بنقض العهد سواء، فلا يتوهموا أنك نقضت العهد ~~بنصب الحرب معهم. # وقوله: { إن الله لا يحب الخآئنين } هذه الجملة يحتمل أن ~~تكون تعليلا معنويا للأمر بنبذ العهد على عدل، وهو إعلامهم، وأن تكون ~~مستأنفة، سيقت لذم من خان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونقض عهده. # قوله تعالى: { ولا يحسبن الذين كفروا } الآية. # قرأ ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم " يحسبن " بياء الغيبة هنا، وفي ~~النور في قوله: # لا تحسبن الذين كفروا معجزين # [النور: 57] كذلك، خلا حفصا، والباقون بتاء الخطاب، وفي قراءة الغيبة ~~تخريجات ms4298 كثيرة سبق نظائرها في أواخر آل عمران، ولا بد من التنبيه هنا ~~على ما تقدم، فمنها، أن الفعل مسند إلى ضمير يفسره السياق، ~~تقديره: ولا يحسبن هو أي: قبيل المؤمنين، أو الرسول، أو حاسب. # أو يكون الضمر عائدا على: " من خلفهم ". # وعلى هذه الأقوال، فيجوز أن يكون " الذين كفروا " مفعولا أول و " ~~سبقوا " جملة في محل نصب مفعولا ثانيا. # وقيل: الفعل مسند إلى " الذين كفروا " ثم اختلف هؤلاء في المفعولين، ~~فقال قوم: الأول محذوف تقديره: ولا يحسبنهم الذين كفروا سبقوا، ف " ~~هم " مفعول أول، و " سبقوا " في محل الثاني: أو يكون التقدير: لا ~~يحسبن الذين كفروا أنفسهم سبقوا. وهو في المعنى كالذي قبله. # وقال قوم: بل " أن " الموصولة محذوفة، وهي وما في حيزها سادة مسد ~~المفعولين، والتقدير: ولا يحسبن الذين كفروا أن سبقوا، فحذفت " أن " ~~الموصولة وبقيت صلتها، كقوله: # ومن آياته يريكم # [الروم: 24] وقوله: # قل أفغير الله تأمروني أعبد # [الزمر: 64]. # قاله الزجاج: والتقدير: ولا يحسبن الذين كفروا أن سبقونا، وحذف " أن " ~~الموصولة في القرآن، وفي كلام العرب كثير، فأما القرآن فكالآيات، ومن ~~كلام العرب: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه؛ وقوله: [الطويل] # 2724 - ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى # ............................. # ويؤيد هذا الوجه قراءة عبد الله " أنهم سبقوا ". # وقال قوم: بل " سبقوا " في محل نصب على الحال، والساد مسد ~~المفعولين: { أنهم لا يعجزون } ، وتكون " لا " مزيدة ليصح المعنى. # قال الزمشخري - بعد ذكره هذه الأوجه - " وليست هذه القراءة التي تفرد ~~بها حمزة بنيرة " وقد رد عليه جماعة هذا القول، وقالوا: لم ينفرد ~~بها حمزة، بل وافقه عليها من قراء السبعة ابن عامر أسن القراء ~~وأعلاهم إسنادا، وعاصم في رواية حفص ثم هي قراءة أبي جعفر المدني شيخ ~~نافع، وأبي عبد الرحمن السلمي، وابن محيصن وعيسى، والأعمش، والحسن ~~البصري، وأبي رجاء، وطلحة، وابن أبي ليلى. وقد رد عليه أبو حيان أيضا ~~أن " لا يحسبن " واقع على " أنهم لا يعجزون " وتكون " لا " صلة، ~~بأنه لا يتأتى على قراءة حمزة، فإنه يقرأ بكسر الهمزة، يعني فكيف ms4299 ~~تلتئم قراءة حمزة على هذا التخريج؟. # قال شهاب الدين: " هو لم يلتزم التخريج على قراءة حمزة في الموضعين، ~~أعني: " لا يحسبن " وقوله: " أنهم لا يعجزون " ، حتى نلزمه ما ذكر " ~~وأما قراءة الخطاب فواضحة، أي: لا تحسبن يا محمد، أو يا سامع، و " ~~الذين كفروا " مفعول أول، والثاني: " سبقوا " ، وقد تقدم في آل عمران ~~وجه أنه يجوز أن يكون الفاعل الموصول، وإنما أتى بتاء التأنيث، لأنه ~~بمعنى " القوم " ، كقوله: # كذبت قوم نوح # [الشعراء: 105]. وقرأ الأعمش { ولا يحسب الذين كفروا } بفتح ~~الباء. # وتخريجها على أن الفعل مؤكد بنون التوكيد الخفيفة، فحذفها؛ لالتقاء ~~الساكنين، كما يحذف له التنوين؛ فهو كقوله: [المنسرح] # 2725 - لا تهين الفقير علك أن # تركع يوما والدهر قد رفعه # أي: لا تهينن، ونقل بعضهم: { ولا تحسب الذين } من غير توكيد ~~ألبتة، وهذه القراءة بكسر الباء، على أصل التقاء الساكنين. # قوله: " سبقوا " أي: فاتوا. نزلت في الذين انهزموا يوم بدر من ~~المشركين، فمن قرأ بالياء، يقول لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم سابقين ~~فائتين من عذابنا، ومن قرأ بالتاء فعلى الخطاب. # قوله { إنهم لا يعجزون } قرأ ابن عامر بالفتح، والباقون ~~بالكسر. فالفتح إما على حذف لام العلة، أي: لأنهم. واستبعد أبو عبيد ~~وأبو حاتم قراءة ابن عامر، ووجه الاستبعاد أنها تعليل للنهي، أي: ~~لا تحسبنهم فائتين؛ لأنهم لا يعجزون، أي: لا يقع منك حسبان لفوتهم؛ ~~لأنهم لا يعجزون، وإما على أنها بدل من مفعولي الحسبان. # وقال أبو البقاء: " إنه متعلق ب " حسب " ، إما مفعول، أو بدل ~~من سبقوا ". # وعلى كلا الوجهين تكون " لا " زائدة، وهو ضعيف، لوجهين: # أحدهما: زيادة " لا ". # والثاني: أن مفعول " حسب " إذا كان جملة، وكان مفعولا ثانيا كانت " ~~إن " فيه مكسورة؛ لأنه موضع ابتداء وخبر. # وقرأ العامة: " لا يعجزون " بنون واحدة خفيفة مفتوحة، وهي نون ~~الرفع. وقرأ ابن محيصن " يعجزوني " بنون واحدة، بعدها ياء ~~المتكلم، وهي نون الوقاية، أو نون الرفع، وقد تقدم الخلاف في ذلك في ~~سورة الأنعام في: " أتحاجوني ". # قال الزجاج: " ألاختيار الفتح في النون، ويجوز كسرها، ms4300 على أن ~~المعنى: لا يعجزونني وتحذف النون الأولى، لاجتماع النونين "؛ كما قال ~~عمر بن أبي ربيعة: [الوافر] # 2726 - تراه كالثغام يعل مسكا # يسوء الفاليات إذا فليني # وقال متمم بن نويرة: [الكامل] # 2727 - ولقد علمت ولا محالة أنني # للحادثات فهل تريني أجزع # قال الأخفش: " فهذا البيت يجوز على الاضطرار ". وقرأ ابن محيصن أيضا ~~" يعجزون " بنون مشددة مكسورة، أدغم نون الرفع في نون الوقاية، وحذف ~~ياء الإضافة مجتزئا عنها بالكسرة، وعنه أيضا فتح العين وتشديد ~~الجيم وكسر النون، من " عجز " مشددا. # قال أبو جعفر: " وهذا خطأ من وجهين: # أحدهما: أن معنى " عجزه " ضعفه وضعف أمره. والآخر: كان يجب أن ~~يكون بنونين ". # قال شهاب الدين: " أما تخطئة النحاس له فخطأ؛ لأن الإتيان ~~بالنونين ليس بواجب بل هو جائز، وقد قرىء به في مواضع في المتواتر، ~~سيأتي بعضها، وأما " عجز " بالتشديد فليس معناه مقتصرا على ما ذكر، ~~بل نقل غيره من أهل اللغة أن معناه نسبني إلى العجز، أو معناه: بطأ، ~~وثبط، والقراءة معناها لائق بأحد المعنيين ". وقرأ طلحة بكسر النون ~~خفيفة. ### || [8.60-63] # قوله: { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة }. # لما أوجب على رسوله أن يشرد من صدر منه نقض العهد، وأن ينبذ العهد ~~إلى من خاف منه النقض أمره في هذا الآية بالإعداد للكفار. # وقيل: إن الصحابة لما قصدوا الكفار يوم بدر بلا آلة ولا عدة أمرهم ~~الله تعالى ألا يعودوا لمثله، وأن يعدوا للكفار ما أمكنهم من آلة ~~وعدة وقوة. والإعداد: اتخاذ الشيء لوقت الحاجة. والمراد بالقوة: الآلات ~~التي تكون لكم قوة عليهم من الخيل والسلاح. # قال - عليه الصلاة والسلام - على المنبر # " ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي ألا إن ~~القوة الرمي ". # وقال بعضهم: القوة هي الحصون. # وقال أهل المعاني: هذا عام في كل ما يتقوى به على الحرب. # وقوله عليه الصلاة والسلام # " القوة هي الرمي " # لا ينفي كون غير الرمي معتبرا، كقوله عليه الصلاة والسلام: # " الحج عرفة " # و # " الندم توبة " # لا ينفي اعتبار غيره. # فإن قيل: قوله: { وأعدوا لهم ms4301 ما استطعتم } كان يكفي، فلم ~~خص الرمي والخيل بالذكر؟. # فالجواب: أن الخيل لما كانت أصل الحروب وأوزارها التي عقد الخير في ~~نواصيها، وهي أقوى الدواب وأشد العدة وحصون الفرسان، وبها يجال في ~~الميدان، خصها بالذكر تشريفا وأقسم بغبارها تكريما، فقال: # والعاديات ضبحا # [العاديات: 1] الآيات، ولما كانت السهام من أنجع ما يتعاطى في ~~الحروب والنكاية في العدو، وأقربها تناولا للأرواح، خصها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالذكر لها؛ ونظير هذا قوله تعالى: # وجبريل وميكال # [البقرة: 89] بعد ذكر الملائكة، ومثله كثير. # قوله " من قوة " في محل نصب على الحال، وفي صاحبها وجهان: # أحدهما: أنه الموصول، والثاني: أنه العائد عليه، إذ التقدير: ما ~~استطعتموه حال كونه بعض القوة، ويجوز أن تكون " من " لبيان الجنس. # قوله: " ومن رباط " ، جوزوا فيه أن يكون جمع " ربط " مصدر: ~~ربط يربط، نحو: كعب وكعاب، وكلب وكلاب، وأن يكون مصدرا ل " ~~ربط " ، نحو: صاح صياحا. # قالوا: لأن مصادر الثلاثي لا تنقاس، وأن يكون مصدر: " رابط " ، ~~ومعنى المفاعلة: أن ارتباط الخيل يفعله كل واحد لفعل الآخر، فيرابط ~~المؤمنون بعضهم بعضا، قال معناه ابن عطية. # قال أبو حيان: قوله " مصادر الثلاثي غير المزيد لا تنقاس " ليس ~~بصحيح، بل لها مصادر منقاسة ذكرها النحويون. # قال شهاب الدين: " في المسألة خلاف مشهور، وهو لم ينقل الإجماع على ~~عدم القياس حتى يرد عليه بالخلاف؛ فإنه قد يكون اختيار أحد ~~المذاهب، وقال به، فلا يرد عليه بالقول الآخر ". # وقال الزمخشري: " والرباط: الخيل التي تربط في سبيل الله ويجوز ~~أن يسمى بالرباط الذي هو بمعنى المرابطة، ويجوز أن يكون جمع: ربيط ~~يعني: بمعنى مربوط، ك: فصيل وفصال. والمصدر هنا مضاف لمفعوله " # وقرأ الحسن، وأبو حيوة، ومالك بن دينار: " ومن ربط " بضمتين، وعن ~~الحسن أيضا " ربط " بضم وسكون، نحو: كتاب وكتب. # قال ابن عطية " وفي جمعه، وهو مصدر غير مختلف نظر ". # قال شهاب الدين " لا نسلم والحالة هذه أنه مصدر، بل حكى أبو ~~زيد أن " الرباط " الخمسة من الخيل فما فوقها، وأن جمعها " ربط ~~" ولو سلم ms4302 أنه مصدر فلا نسلم أنه لم تختلف أنواعه، وقد ~~تقدم أن " رباطا " يجوز أن يكون جمعا ل " ربط " المصدر، فما ~~كان جوابا هناك، فهو جواب هنا ". # فصل # قال القرطبي: " روى أبو حاتم عن أبي زيد: الرباط من الخيل: ~~الخمس فما فوقها، وجماعته " ربط " ، وهي التي ترتبط، يقال منه: ~~ربط يربط ربطا، وارتبط يرتبط ارتباطا ومربط الخيل ومرابطها وهي ~~ارتباطها بإزاء العدو " قال: [الكامل] # 2728 - أمر الإله بربطها لعدوه # في الحرب إن الله خير موفق # روي أن رجلا قال لابن سيرين: إن فلانا أوصى بثلث ماله للحصون، ~~فقال: هي للخيل؛ ألم تسمع قول الشاعر: [الكامل] # 2729 - ولقد علمت على تجنبي الردى # أن الحصون الخيل لا مدر القرى # قال عكرمة: " رباط الخيل: الإناث " وهو قول الفراء؛ لأنها اولى ما ~~يربط لتناسلها ونمائها، ذكره الواحدي. # ولقائل أن يقول: بل حمل اللفظ على الفحول أولى؛ لأن المقصود ~~برباط الخيل المحاربة عليها، والفحول أقوى على الكر والفر والعدو، ~~فوجب تخصيص هذا اللفظ بها. # ولما تعارض هذان الوجهان وجب حمل اللفظ على مفهومه الأصلي، وهو كونه ~~خيلا مربوطا سواء كانت فحولا أو إناثا. # وروي عن خالد بن الوليد " أنه كان لا يركب في القتال إلا الإناث، ~~لقلة صهيلها ". # روى ابن محيريز قال: " كان الصحابة يستحبون ذكور الخيل عند الصفوف، ~~وإناث الخيل عند الشتات والغارات ". # قال عليه الصلاة والسلام: # " الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر ~~والمغنم " # وروى أبو هريرة قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا بالله، وتصديقا ~~بوعده، كان شبعه ورية وبوله حسنات في ميزانه يوم القيامة ". # فصل # وهذه الآية تدل على جواز وقف الخيل والسلاح، واتخاذ الخزائن والخزان ~~[لها عدة] للأعداء، ويؤيده حديث ابن عمر في الفرس الذي حمل عليه في سبيل ~~الله، وقوله عليه الصلاة والسلام في حق خالد: " وأما خالد ~~فإنكم تظلمون خالدا فإنه قد احتبس أدراعه وأعتاده ~~في سبيل الله ". # وما روي أن امرأة جعلت بعيرا في سبيل الله، فأراد زوجها الحج، ms4303 ~~فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ادفعيه إليه ليحج عليه فإن ~~الحج فريضة من الله "؛ ولأنه مال ينتفع به في وجه قربة، فجاز أن ~~يوقف كالرباع. # ثم إنه تعالى ذكر ما لأجله أمر بإعداد هذه الأشياء. فقال: { ترهبون ~~به عدو الله وعدوكم }؛ لأن الكفار إذا علموا كون ~~المسلمين متأهبين للجهاد، مستعدين له بجميع الأسلحة والآلات هابوهم. # قوله " ترهبون " يجوز أن يكون حالا من فاعل: " أعدوا " ، أي: ~~حصلوا لهم هذا حال كونكم مرهبين، وأن يكون حالا من مفعوله، وهو ~~الموصول، أي: أعدوه مرهبا به. # وجاز نسبته لكل منهما؛ لأن في الجملة ضميريها، هذا إذا أعدنا الضمير ~~من " به " على " ما " الموصولة، أما إذا أعدناه على الإعداد ~~المدلول عليه ب " أعدوا " ، أو على " الرباط " ، أو على: " ~~القوة " بتأويل الحول؛ فلا يتأتى مجيئها من الموصول، ويجوز أن ~~يكون حالا من ضمير " لهم " ، كذا نقله أبو حيان عن غيره، فقال: " ~~ترهبون " قالوا: حال من ضمير " أعدوا " ، أو من ضمير " لهم " ، ولم ~~يتعقبه بنكير، وكيف يصح جعله حالا من الضمير في " لهم " ولا ~~رابط بينهما؟ ولا يصح تقدير ضمير في جملة " ترهبون " لأخذه معموله. ~~وقرأ الحسن ويعقوب، ورواها ابن عقيل عن أبي عمرو: " ترهبون " ~~مضعفا عداه بالتضعيف، كما عداه العامة بالهمزة، والمفعول ~~الثاني على كلتا القراءتين محذوف؛ لأن الفعل قبل النفل بالهمزة، ~~أو بالتضعيف متعد لواحد، نحو: " رهبتك " والتقدير: ترهبون ~~عدو الله قتالكم، أو لقاءكم. # وزعم أبو حاتم أن أبا عمرو نقل قراءة الحسن بياء الغيبة وتخفيف " ~~يرهبون " ، وهي قراءة واضحة، فإن الضمير حينئذ يرجع إلى من يرجع ~~إليهم ضمير " لهم " ، فإنهم إذا خافوا خوفوا من وراءهم. # قوله " عدو الله " العامة قرءوا بالإضافة، وقرأ السلمي ~~منونا، و " لله " بلام الجر، وهو مفرد، والمراد به الجنس، فمعناه: ~~أعداء لله. # قال صاحب اللوامح " وإنما جعله نكرة بمعنى العامة؛ لأنها نكرة ~~أيضا لم تتعرف بالإضافة إلى المعرفة؛ لأن اسم الفاعل بمعنى الحال، ~~أو الاستقبال، ولا يتعرف ذلك وإن أضيف إلى المعارف، وأما " ~~وعدوكم " فيجوز أن يكون ms4304 كذلك نكرة، ويجوز أن يتعرف لأنه قد ~~أعيد ذكره، ومثله: رأيت صاحبا لكم، فقال لي صاحبكم " يعني: أن " ~~عدوا " يجوز أن يلمح فيه الوصف فلا يتعرف، وألا يلمح فيتعرف. # قوله " وآخرين " نسق على " عدو الله " ، و " من دونهم " ~~صفة ل " آخرين ". # قال ابن عطية: " من دونهم " بمنزلة قولك: دون أن تكون هؤلاء، ف " ~~دون " في كلام العرب، و " من دون " تقتضي عدم المذكور بعدها من ~~النازلة التي فيها القول؛ ومنه المثل: [الكامل] # 2730-...................... # وأمر دون عبيدة الوذم # يعني: أن الظرفية هنا مجازية، لأن " دون " لا بد أن تكون ظرفا ~~حقيقة، أو مجازا. # قوله { لا تعلمونهم الله يعلمهم } في هذه الآية قولان: # أحدهما: أن " علم " هنا متعدية لواحد؛ لأنها بمعنى " عرف " ، ~~ولذلك تعدت لواحد. # والثاني: أنها على بابها، فتتعدى لاثنين، والثاني محذوف، أي: لا ~~تعلمونهم فازعين، أو محاربين. # ولا بد هنا من التنبيه على شيء، وهو أن هذين القولين لا يجوز أن ~~يكونا في قوله " الله يعلمهم " بل يجب أن يقال: إنها المتعدية ~~إلى اثنين، وأن ثانيهما محذوف، لما تقدم من الفرق بين العلم ~~والمعرفة. منها: أن المعرفة تستدعي سبق جهل، ومنها: أن متعلقها ~~الذوات دون النسب، وقد نص العلماء على أنه لا يجوز أن يطلق ذلك - ~~أعني الوصف بالمعرفة - على الله تعالى. # فصل # قوله تعالى: { وآخرين من دونهم لا تعلمونهم }. # قال الحسن وابن زيد: " هم المنافقون ". " لا تعلمونهم "؛ لأنهم معكم ~~يقولون: لا إله إلا الله وقال مجاهد ومقاتل: " هم بنو قريظة " وقال ~~السدي: " هم أهل فارس ". # وروي ابن جريج عن سلمان بن موسى قال: هم كفار الجن، لما روي # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: { وآخرين من دونهم لا ~~تعلمونهم } فقال: إنهم الجن، ثم قال: " إن الشيطان لا ~~يخبل أحدا في دار فيها فرس حبيس " # وعن الحسن: أنه قال: # " صهيل الفرس يرهب الجن ". # وقيل: المراد العدو من المسلمين، فكما أن المسلم يعاديه الكافر، فقد ~~يعاديه المسلم أيضا. # ثم قال تعالى: { وما تنفقوا من شيء في سبيل الله } ~~فهذا عام في ms4305 الجهاد وفي سائر وجوه الخيرات: " يوف إليكم ". # قال ابن عباس: " يوف لكم أجره " أي: لا يضيع في الآخرة أجره؛ { ~~وأنتم لا تظلمون } أي: لا تنقصون من الثواب. ولما ذكر ابن عباس ~~هذا التفسير تلا قوه تعالى # آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا # [الكهف: 33]. # قوله تعالى: { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها } الآية. # لما بين ما يرهب به العدو من القوة، بين بعده أنهم عند هذا ~~الإرهاب إذا مالوا إلى المصالحة، فالحكم قبول المصالحة، والجنوح: ~~الميل، وجنحت الإبل: أمالت أعناقها؛ قال ذو الرمة: [الطويل] # 2731 - إذا مات فوق الرحل أحييت روحه # بذكراك والعيس المراسيل جنح # يقال: جنح الليل: أقبل. # قال النضر بن شميل: " جنح الرجل إلى فلان، ولفلان: إذا خضع له " ~~والجنوح الاتباع أيضا لتضمنه الميل؛ قال النابغة - يصف طيرا ~~يتبع الجيش: [الطويل] # 2732 - جوانح قد أيقن أن قبيله # إذا ما التقى الجمعان أول غالب # ومنه " الجوانح " للأضلاع، لميلها على حشوة الشخص، والجناح من ذلك، ~~لميلانه على الطائر، وقد تقدم الكلام على بعض هذه المادة في البقرة. # قوله " للسلم " تقدم الكلام على " السلم " في البقرة، وقرأ أبو ~~بكر عن عاصم هنا بكسر السين، وكذا في القتال: " وتدعوا إلى السلم " ~~، ووافقه حمزة ما في القتال و " للسلم " متعلق ب " جنحوا ". # فقيل: يتعدى بها، وب " إلى ". # وقيل: هنا بمعنى " إلى ". وقرأ الأشهب العقيلي: " فاجنح " بضم ~~النون، وهي لغة قيس، والفتح لغة تميم. # والضمير في " لها " يعود على " السلم "؛ لأنها تذكر وتؤنث؛ ومن ~~التأنيث قوله [المتقارب]. # 2733 - وأقنيت للحرب آلاتها # وأعددت للسلم أوزارها # وقال آخر: [البسيط] # 2734 - السلم تأخذ منها ما رضيت به # والحرب يكفيك من أنفاسها جرع # وقيل: أثبت الهاء في " لها "؛ لأنه قصد بها الفعلة والجنحة، كقوله: # إن ربك من بعدها لغفور رحيم # [الأعراف: 153] أراد: من بعد فعلتهم. # وقال الزمخشري: " السلم تؤنث تأنيث نقيضها، وهي الحرب ". ~~وأنشد البيت المتقدم: السلم تأخذ منها. # فصل # قال الحسن وقتادة: هذه الآية نسخت بقوله: # فاقتلوا المشركين # [التوبة: 5]. # وقوله # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله # [التوبة: 29]. # وقال غيرهما: ليست ms4306 منسوخة؛ لكنها تتضمن الأمر بالصلح إذا كان ~~الصلاح فيه، فإذا رأى مصالحتهم، فلا يجوز أن يهادنهم سنة كاملة وإن كانت ~~القوة للمشركين جاز مهادنتهم عشر سنين، ولا يجوز الزيادة عليها اقتداء ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه هادن أهل مكة عشر سنين، ثم إنهم ~~نقضوا العهد قبل كمال المدة. # وقوله { وتوكل على الله } أي: فوض الأمر فيما عقدته معهم ~~إلى الله. # { إنه هو السميع العليم } نبه بذلك على الزجر عن نقض ~~العهد؛ لأنه عالم بما يضمر العبد سميع لما يقوله. # قال مجاهد: " نزلت في قريظة والنضير " وورودها فيهم لا يمنع من إجرائها ~~على ظاهر عمومها. # قوله تعالى { وإن يريدوا أن يخدعوك } الآية. # أي: يريدوا أن يغدروا ويمكروا بك. # قال مجاهد: يعني: بني قريظة { فإن حسبك الله هو الذي ~~أيدك بنصره وبالمؤمنين } أي: بالأنصار. # فإن قيل: لما قال: { هو الذي أيدك } فأي حاجة مع نصره إلى المؤمنين، ~~حتى قال " وبالمؤمنين ". # فالجواب: أن التأييد ليس إلا من الله، لكنه على قسمين: # أحدهما: ما يحصل من غير واسطة أسباب معتادة. # والثاني: ما يحصل بواسطة أسباب معتادة. # فالأول: هو المراد بقوله: " أيدك بنصره ". # والثاني: هو المراد بقوله: " وبالمؤمنين ". # ثم بين كيف أيد بالمؤمنين فقال { وألف بين قلوبهم } أي: بين الأوس ~~والخزرج، كانت بينهم إحن وخصومات، ومحاربة في الجاهلية، فصيرهم الله ~~إخوانا بعد أن كانوا أعداء، وتبدلت العداوة بالمحبة القوية، والمخالصة ~~التامة، مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى. # { لو أنفقت ما في الأرض جميعا مآ ألفت بين ~~قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز ~~حكيم } أي: قادر قاهر، يمكنه التصرف في القلوب، ويقلبها من العداوة ~~إلى الصداقة ومن النفرة إلى الرغبة، حكيم يقول ما يقوله على وجه الإحكام ~~والإتقان، أو مطابقا للمصلحة والصواب على اختلاف القولين في الجبر ~~والقدر. # فصل # احتجوا بهذه الآية على أن أحوال القلوب من العقائد، والإرادات كلها من ~~خلق الله تعالى؛ لأن تلك الألفة، والمودة، إنما حصلت بسب الإيمان ~~ومتابعة الرسول - عليه الصلاة والسلام - فلو كان الإيمان فعلا للعبد ms4307 لا ~~فعلا لله تعالى، لكانت المحبة المترتبة عليه فعلا للعبد لا فعلا لله ~~تعالى، وذلك خلاف صريح الآية. # قال القاضي: " لولا ألطاف الله تعالى ساعة فساعة، لما حصلت هذه ~~الأحوال، فأضيفت تلك المخالصة إلى الله تعالى بهذا التأويل، كما يضاف ~~علم الولد وأدبه إلى أبيه، لأجل أنه لم يحصل ذلك إلا بمعونة الأب ~~وتربيته، فكذا ههنا ". # وأجيب: بأن كل ما ذكرتموه عدول عن الظاهر، وحمل الكلام على المجاز، ~~وأيضا فكل هذه الألطاف كانت حاصلة في حق الكفار، مثل حصولها في حق ~~المؤمنين، فلو لم يحصل هناك شيء سوى الألطاف؛ لم يكن لتخصيص المؤمنين ~~بهذه المعاني فائدة، وأيضا فالبرهان العقلي مقو لهذا الظاهر؛ لأن ~~القلب يصح أن يصير موصوفا بالرغبة بدلا عن النفرة والعكس. # فرجحان أحد الطرفين على الآخر لا بد له من مرجح، فإن كان المرجح ~~هو العبد عاد التقسيم وإن كان هو الله تعالى، فهو المقصود. # فعلم أن صريح هذه الآية متأكد بصريح البرهان العقلي، فلا حاجة إلى ما ~~ذكره القاضي. ### || [8.64-66] # قوله تعالى: { يأيها النبي حسبك الله } الآية. # لما وعده بالنصر عند مخادعة الأعداء، وعده بالنصر والظفر في هذه ~~الآية مطلقا، وعلى هذا التقرير لا يلزم منه التكرار، وهذه الآية نزلت ~~بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال، والمراد بقوله { ومن اتبعك من ~~المؤمنين } الأنصار. # وعن ابن عباس: " نزلت في إسلام عمر ". # قال سعيد بن جبير: " أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثلاثون ~~رجلا وست نسوة، ثم أسلم عمر، فنزلت هذه الآية ". # قال المفسرون: فعلى هذا القول هذه الآية مكية، [كتبت في] سورة مدنية ~~بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قوله " ومن اتبعك " فيه أوجه. # أحدها: أن يكون " من " مرفوع المحل، عطفا على الجلالة، أي: يكفيك ~~الله والمؤمنون. وبهذا فسره الحسن البصري وجماعة وهو الظاهر ولا محذور ~~في ذلك حيث المعنى. # فإن قالوا: من كان الله ناصره امتنع أن يزداد حاله، أو ينقص بسبب نصرة ~~غير الله، وأيضا إسناد الحكم إلى المجموع يوهم أن الواحد من ms4308 ذلك ~~المجموع لا يكفي في حصول ذلك المهم وتعالى الله عنه. # ويجاب: بأن الكل من الله، إلا أن من أنواع النصرة ما ~~يحصل بناء على الأسباب المألوفة المعتادة، ومنها ما يحصل لا بناء على ~~الأسباب المألوفة المعتادة؛ فلهذا الفرق اعتبر نصر المؤمنين، وإن كان ~~بعض الناس استصعب كون المؤمنين يكونون كافين النبي صلى الله عليه وسلم ~~وتأول الآية على ما سنذكره. # الثاني: أن " من " مجرور المحل، عطفا على الكاف في: " حسبك ~~" ، وهذا رأي الكوفيين وبهذا فسر الشعبي وابن زيد، قالا: " معناه: ~~وحسب من اتبعك ". # الثالث: أن محله نصب على المعية. # قال الزمخشري: " ومن اتبعك " الواو بمعنى " مع " وما بعده منصوب، ~~تقول: حسبك وزيدا درهم، ولا تجر؛ لأن عطف الظاهر المجرور ~~على المكني ممتنع؛ وقال: [الطويل] # 2735 - # ......................... # فحسبك والضحاك سيف مهند # والمعنى: كفاك وكفى تباعك المؤمنين الله ناصرا. # قال أبو حيان: " وهذا مخالف لكلام سيبويه؛ فإنه قال " حسبك ~~وزيدا درهم " لما كان فيه معنى: كفاك، وقبح أن يحملوه على الضمير ~~دون الفعل، كأنه قال: حسبك وبحسب أخاك " ثم قال: " وفي ذلك الفعل ~~المضمر ضمير يعود على الدرهم والنية بالدرهم التقديم، فيكون من عطف ~~الجمل، ولا يجوز أن يكون من باب الإعمال، لأن طلب المبتدأ للخبر ~~وعمله فيه ليس من قبيل طلب الفعل، أو ما جرى مجراه، ولا عمله فلا ~~يتوهم ذلك فيه ". # وقد سبق الزمخشري إلى كونه مفعولا معه الزجاج، إلا أنه جعل " حسب " ~~اسم فعل، فإنه قال: " حسب " اسم فعل، والكاف نصب، والواو بمعنى " ~~مع ". # وعلى هذا يكون " الله " فاعلا، وعلى هذا التقدير يجوز في " ومن " ~~أن يكون معطوفا على الكاف، لأنها مفعول باسم الفعل، لا مجرور، لأن ~~اسم الفعل لا يضاف. # ثم قال أبو حيان: " إلا أن مذهب الزجاج خطأ، لدخول العوامل على " ~~حسب " نحو: بحسبك درهم، وقال تعالى: # فإن حسبك الله # [الأنفال:62]، ولم يثبت في موضع كونه اسم فعل، فيحمل هذا عليه ". # وقال ابن عطية - بعدما حكى عن الشعبي، وابن زيد ما تقدم عنهما من ~~المعنى -: ف " من ms4309 " في هذا التأويل في محل نصب، عطفا على موضع ~~الكاف؛ لأن موضعها نصب على المعنى ب: " يكفيك " الذي سدت " ~~حسبك " مسده. # قال أبو حيان " هذا ليس بجيد؛ لأن " حسبك " ليس مما تكون الكاف ~~فيه في موضع نصب، بل هذه إضافة صحيحة ليست من نصب، و " حسبك " مبتدأ ~~مضاف إلى الضمير وليس مصدرا، ولا اسم فاعل، إلا إن قيل: إنه عطف ~~على التوهم كأنه توهم أنه قيل: يكفيك الله، أو كفاك الله، لكن العطف ~~على التوهم لا ينقاس ". # والذي ينبغي أن يحمل عليه كلام الشعبي وابن زيد أن تكون " من " ~~مجرورة ب " حسب " محذوفة، لدلالة " حسبك " عليها؛ كقوله: [المتقارب] # 2736 - أكل امرىء تححسبين امرأ # ونار توقد بالليل نارا # أي: وكل نار، فلا يكون من العطف على الضمير المجرور. # قال ابن عطية: " وهذا الوجه من حذف المضاف مكروه بأنه ضرورة ". # قال أبو حيان: " وليس بمكروه، ولا ضرورة بل أجازه سيبويه، وخرج عليه ~~البيت وغيره من الكلام ". # قال شهاب الدين: " قوله: " بل هذه إضافة صحيحة، ليست من نصب " فيه ~~نظر؛ لن النحويين على أن إضافة " حسب " وأخواتها إضافة غير ~~محضة، وعللوا ذلك بأنها في قوة اسم فاعل ناصب لمفعول به، فإن " ~~حسبك " بمعنى: كافيك، و " غيرك " بمعنى مغايرك، و " قيد الأوابد " ~~بمعنى: مقيدها. # قالوا: ويدل على ذلك أنها توصف بها النكرات، فيقال: مررت برجل ~~حسبك من رجل ". # وجوز أبو البقاء: الرفع من ثلاثة أوجه: أنه نسق على الجلالة كما ~~تقدم، إلا أنه قال: فيكون خبرا آخر، كقولك: القائمان زيد وعمرو، ~~ولم يثن " حسبك "؛ لأنه مصدر. # وقال قوم: هذا ضعيف؛ لأن الواو للجمع، ولا يحسن ههنا، كما لا ~~يحسن في قولهم: " ما شاء الله وشئت " ، و " ثم " هاهنا أولى. # يعني أنه من طريق الأدب لا يؤتى بالواو التي تقتضي الجمع، بل يأتي ~~ب " ثم " التي تقتضي التراخي والحديث دال على ذلك. # الثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره: وحسب من اتبعك. # الثالث: هو مبتدأ والخبر محذوف تقديره: ومن اتبعك كذلك، أي: حسبهم الله. # وقرأ ms4310 الشعبي " ومن " بسكون النون " أتبعك " بزنة " أكرمك ". # قوله تعالى: { يأيها النبي حرض المؤمنين على ~~القتال } الآية. # لما بين أنه تعالى كافيه بنصره، وبالمؤمنين، بين ههنا أنه ليس من ~~الواجب أن يتكل على ذلك إلا بشرط أن يحرض المؤمنين على القتال؛ فإنه ~~تعالى كفيل بالكفاية بشرط أن يحصل منهم التعاون على القتال، والتحريض ~~كالتحضيض والحث. # يقال: حرض وحرش وحرك وحث بمعنى واحد. # وقال الهروي " يقال: حارض على الأمر، وأكب، وواكب، وواظب، ~~وواصب بمعنى ". # قيل: وأصله من الحرض، وهو الهلاك، قال تعالى: # حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين # [يوسف: 85]. # وقال: [البسيط] # 2737 - إني امرؤ نابني هم فأحرضني # حتى بليت وحتى شفني سقم # قال الزجاج: " تأويل التحريض في اللغة أن يحث الإنسان على شيء ~~حتى يعلم منه أنه حارض والحارض: المقارب للهلاك " واستبعد الناس ~~هذا منه، وقد نحا الزمخشري نحوه، فقال: " التحريض: المبالغة في ~~الحث على الأمر، من الحرض، وهو أن ينهكه المرض، ويتبالغ فيه حتى ~~يشفي على الموت أو تسميه حرضا، وتقول له: ما أراك إلا ~~حرضا ". # وقرأ الأعمش " حرص " بالصاد المهملة، وهو من " الحرص " ، ومعناه ~~مقارب لقراءة العامة. # قوله: { إن يكن منكم عشرون صابرون } الآيات. # أثبت في الشرط الأول قيدا، وهو الصبر، وحذف من الثاني: وأثبت في ~~الثاني قيدا، وهو كونهم من الكفرة، وحذف من الأول، والتقدير: مائتين ~~من الذين كفروا، ومائة صابرة فحذف من كل منهما ما أثبت في الآخر، وهو ~~في غاية الفصاحة. # وقرأ الكوفيون: { وإن يكن منكم مائة يغلبوا } ، { فإن يكن ~~منكم مائة صابرة } بتذكير " يكن " فيهما، ونافع وابن كثير وابن عامر ~~بتأنيثه فيهما، وأبو عمرو في الأولى كالكوفيين وفي الثانية كالباقين. # فمن ذكر فللفصل بين الفعل وفاعله بقوله: " منكم "؛ لأن ~~التأنيث مجازي، إذ المراد ب " المائة " الذكور، ومن أنث فلأجل ~~اللفظ، ولم يلتفت للمعنى، ولا للفصل. # وأما أبو عمرو فإنما فرق بين الموضعين فذكر في الأول، لما ذكر؛ ~~ولأنه لحظ قوله: " يغلبوا " وأنث في الثاني، لقوة التأنيث بوصفه ~~بالمؤنث في قوله: " صابرة " ، وأما: { إن يكن منكم ms4311 عشرون } و { ~~إن يكن منكم ألف } فبالتذكير عند جميع القراء، إلا الأعرج، فإنه ~~أنث المسند إلى " عشرون ". # فصل # هذا خبر والمراد به الأمر، كقوله تعالى: # والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين # [البقرة: 233]. # والمعنى: { إن يكن منكم عشرون صابرون } فليصبروا وليجتهدوا في القتال ~~حتى " يغلبوا مائتين " ويدل على أن المراد الأمر وجوه: # أولها: لو كان المراد الخبر، لزم أن يقال لم يغلب قط مائتان من ~~الكفار عشرين من المؤمنين، وذلك باطل. # وثانيها: قوله تعالى: { الآن خفف الله عنكم } نسخ والنسخ لا ~~يليق إلا بالأمر. # وثالثها: قوله تعالى { والله مع الصابرين } وذلك ترغيب في ~~الثبات على الجهاد. # فصل # قوله تعالى: { إن يكن منكم عشرون صابرون } يدل على ~~أنه تعالى ما أوجب هذا الحكم إلا بشرط كونه صابرا قادرا على ذلك، ~~وإنما حصل هذا الشرط عند حصول أشياء. # منها: أن يكون شديد الأعضاء، قويا جلدا، وأن يكون قوي القلب شجاعا ~~غير جبان، وأن يكون غير متحرف إلا لقتال أو متحيزا إلى فئة؛ فعند ~~حصول هذه الشرائط كان يجب على الواحد أن يثبت للعشرة. # وإنما حسن هذا التكليف؛ لأنه مسبوق بقوله: { حسبك الله ومن ~~اتبعك من المؤمنين } [الأنفال: 64] فلما وعد المؤمنين ~~بالكفاية والنصرة كان هذا التكليف سهلا؛ لأن من تكفل بنصره فإن ~~أهل العالم لا يقدرون على إيذائه. # فإن قيل: هذه الآية تدل على وجوب ثبات الواحد للعشرة، فما الفائدة في ~~العدول عن هذه اللفظة الوجيزة إلى تلك الكلمات الطويلة؟. # والجواب: أن هذا الكلام إنما ورد على وفق الواقعة؛ لأن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان يبعث السرايا، والغالب أن تلك السرايا ما ~~كان ينتقص عددها عن العشرين، وما كانت تزيد على المائة فلهذا ذكر الله ~~هذين العددين. # قوله: { بأنهم قوم لا يفقهون } وهذا كالعلة لتلك الغلبة؛ لأن ~~من لا يؤمن بالله ولا يؤمن بالمعاد، فالسعادة ليست عنده إلا هذه ~~الحياة الدنيوية، ومن كان هذ معتقده فإنه يشح بهذه الحياة ولا يعرضها ~~للزوال. # وأما من اعتقد أن لا سعادة في هذه الحياة وأن السعادة ms4312 لا تحصل إلا ~~في الدار الآخرة، فإنه لا يبالي بهذه الحياة الدنيا، ولا يقيم لها ~~وزنا، فيقدم على الجهاد بقلب قوي عزم صحيح، وإذا كان الأمر كذلك، كان ~~الواحد في الثبات يقاوم العدد الكثير. # وأيضا: فإن الكفار إنما يعولون على قوتهم وشوكتهم، والمسلمون ~~يستغيثون بربهم بالدعاء، والتضرع، ومن كان كذلك كان النصر والظفر به ~~أليق وأولى. # فصل # كان هذا يوم بدر فرض الله على الرجل الواحد من المؤمنين قتال عشرة من ~~الكافرين فثقلت على المؤمنين، فخفف الله عنهم فقال: { الآن خفف ~~الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا } في الواحد عن قتال ~~العشرة وفي المائة عن قتال الألف. # وقرأ المفضل عن عاصم " وعلم " مبنيا للمفعول، و { أن فيكم ~~ضعفا } في محل رفع لقيامه مقام الفاعل، وهو في محل نصب على ~~المفعول به في قراءة العامة؛ لأن فاعل الفعل ضمير يعود على الله ~~تعالى. # قوله: " ضعفا " قرأ عاصم وحمزة هنا، وفي الروم في كلماتها الثلاث # الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف ~~قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا # [الروم: 54] بفتح الضاد والباقون بضمها. وعن حفص وحده خلاف في الروم. # وقرأ عيسى بن عمر: " ضعفا " بضم الضاد والعين وكلها مصادر. # وقيل: الضعف - بالفتح - في الرأي والعقل، وبالضم في البدن. # وهذا قول الخليل بن أحمد، هكذا نقله الراغب عنه. ولما نقل ابن عطية ~~هذا عن الثعلبي، قال: " وهذا القول ترده القراءة ". وقيل: هما بمعنى ~~واحد، لغتان: لغة الحجاز الضم، ولغة تميم الفتح، نقله أبو عمرو، ~~فيكونان ك: الفقر والفقر، والمكث والمكث، والبخل والبخل. # وقرأ ابن عباس فيما حكى عنه النقاش وأبو جعفر " ضعفاء " جمعا على " ~~فعلاء " ك: ظريف وظرفاء. # قوله " يكن منكم " " يكن " في هذه الأماكن يجوز أن تكون التامة، ~~ف " منكم " إما حال من " عشرون " لأنها في الأصل صفة لها، ~~وإما متعلق بنفس الفعل، لكونه تاما، وأن تكون الناقصة فيكون " منكم ~~" الخبر، والمرفوع الاسم، وهو " عشرون " ، و " مائة " ، و " ألف ~~". # فصل # روى عطاء عن ابن عباس: " لما نزل التكليف ms4313 الأول ضج المهاجرون، ~~وقالوا: يا ربنا نحن جياع، وعدونا شباع، ونحن في غربة وعدونا في أهلهم، ~~ونحن قد أخرجنا من ديارنا وأموالنا، وعدونا ليس كذلك، وقال الأنصار: ~~شغلنا بعدونا، وواسينا إخواننا، فنزل التخفيف ". # وقال عكرمة: " إنما أمر الرجل أن يصبر لعشرة، والعشرة لمائة حال ما ~~كان المسلمون قليلين، فلما كثروا خفف الله عنهم، ولهذا قال ابن عباس: " ~~أيما رجل فر من ثلاثة فلم يفر، فإن فر من اثنين فقد فر ". ~~والجمهور ادعوا أن قوله: { الآن خفف الله عنكم } ناسخ ~~للآية المتقدمة ". # وأنكر أبو مسلم الأصفهاني هذا النسخ، وقال: " إن قوله في الآية ~~الأولى: { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا ~~مائتين } فهذا الخبر محمول على الأمر، لكن بشرط كون العشرين قادرين ~~على الصبر لمقاتلة المائتين، وقوله: { الآن خفف الله عنكم ~~وعلم أن فيكم ضعفا } يدل على أن ذلك الشرط غير حاصل في ~~حق هؤلاء، فالآية الأولى دلت على ثبوت حكم بشرط مخصوص، وهذه الآية ~~دلت على أن ذلك الشرط مفقود في حق هذه الجماعة، فلا جرم لم يثبت ~~ذلك الحكم، وعلى هذا التقدير لم يحصل النسخ ألبتة ". # فإن قيل: قوله تعالى: { إن يكن منكم عشرون صابرون ~~يغلبوا مائتين } معناه: ليكن العشرون صابرون لمقابلة ~~المائتين، وعلى هذا التقدير فالنسخ لازم. # فالجواب: لم لا يجوز أن يكون المراد من الآية إن حصل عشرون صابرون في ~~مقابلة المائتين فليشتغلوا بجهادهم؟. # والحاصل أن لفظ الآية ورد بلفظ الخبر؛ خالفنا هذا الظاهر وحملناه ~~على الأمر، أما على رعاية الشرط فقد تركناه على ظاهره، وتقديره: إن يحصل ~~منكم عشرون موصوفون بالصبر على مقاومة المائتين، فليشتغلوا بمقاومتهم، ~~وعلى هذا فلا نسخ. # فإن قيل: قوله: { الآن خفف الله عنكم } مشعر بأن هذا ~~التكليف كان متوجها عليهم فالجواب: لا نسلم أن لفظ التخفيف يدل ~~على حصول التثقيل قبله؛ لأن عادة العرب الرخصة بهذا الكلام، كقوله ~~تعالى عند الرخصة للحر في نكاح الأمة، لمن لا يستطيع نكاح الحرة: # ومن لم يستطع منكم طولا # [النساء: 25] فكذا ههنا. # وتحقيقه أن هؤلاء العشرين كانوا ms4314 في محل أن يقال إن ذلك الشرط ~~حاصل فيهم، فكان ذلك التكليف لازما عليهم فلما بين الله تعالى ~~أن ذلك الشرط غير حاصل فيهم، وأنه تعالى علم أن فيهم ضعفا لا يقدرون ~~على ذلك فقد تخلصوا عن ذلك الخوف، فصح أن يقال: خفف الله عنهم، ~~ومما يدل على عدم النسخ أنه تعالى ذكر هذه الآية مقارنة للآية ~~الأولى، وجعل الناسخ مقارنا للمنسوخ لا يجوز. # فإن قيل: المعتبر في الناسخ والمنسوخ بالنزول دون التلاوة، فقد ~~يتقدم الناسخ وقد يتأخر، ألا ترى في عدة الوفاة الناسخ مقدم على ~~المنسوخ. # فالجواب: أن الناسخ لما كان مقارنته للمنسوخ لا يجوز في الوجود، ~~وجب ألا يكون جائزا في الذكر، اللهم إلا لدليل قاهر، وأنتم ما ذكرتم ~~ذلك. # وأما قوله في عدة الوفاة الناسخ مقدم على المنسوخ، فأبو مسلم ينكر كل ~~أنواع النسخ في القرآن فكيف يمكن إلزام هذا الكلام عليه؟ فهذا تقرير قول ~~أبي مسلم. # قال ابن الخطيب: " إن ثبت إجماع الأمة على الإطلاق قبل أبي مسلم على ~~النسخ فلا كلام، فإن لم يحصل الإجماع القاطع؛ فنقول: قول أبي مسلم ~~حسن صحيح ". # فصل # احتج هشام على قوله: إن الله تعالى لا يعلم الجزئيات إلا عند ~~وقوعها بقوله { الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ~~ضعفا } فإن معنى الآية: الآن علم الله أن فيكم ضعفا، وهذا ~~يقتضي أن علمه تعالى بضعفهم ما حصل إلا في هذا الوقت # وأجاب المتكلمون بأن معنى الآية: أنه تعالى قبل حدوث الشيء لا ~~يعلمه حادثا واقعا. # فقوله { الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا ~~} معناه: أن الآن حصل العلم بوقوعه وحصوله، وقبل ذلك كان الحاصل هو العلم ~~بأنه سيقع أو سيحدث. # فصل # الذي استقر عليه حكم التكليف بمقتضى هذه الآية أن كل مسلم بالغ مكلف ~~وقف بإزاء كافرين، عبدا كان أو حرا فالهزيمة عليه محرمة ما دام معه ~~سلاح يقاتل، فإن لم يبق معه سلاح، فله أن ينهزم، وإن قاتله ثلاثة حلت له ~~الهزيمة والصبر أحسن. # روى الواحدي في البسيط: ms4315 " أنه وقف جيش مؤتة، وهم ثلاثة ألاف وأمراؤهم ~~على التعاقب زيد بن حارثة ثم جعفر بن أبي طالب ثم عبد الله بن ~~رواحة لمائتي ألف من المشركين، مائة ألف من الروم، ومائة ألف من ~~المستعربة، وهم لخم وجذام ". # قوله: " بإذن الله " أي: أنه لا تقع الغلبة إلا بإذن الله، ~~والإذن ههنا هو الإرادة وذلك يدل على مسألة خلق الأفعال، وإرادة ~~الكائنات. # ثم ختم الآية بقوله: { والله مع الصابرين } والمراد ما ذكره ~~في الآية الأولى في قوله { إن يكن منكم عشرون صابرون ~~يغلبوا مائتين } فبين ههنا أن الله مع الصابرين ~~والمقصود أن العشرين لو صبروا ووقفوا، فإن نصري معهم وتوفيق مقارن لهم ~~وهذا يدل صحة مذهب أبي مسلم، وهو أن ذلك الحكم لم ينسخ، بل هو ثابت ~~كما كان فإن العشرين إن قدروا على مصابرة المائتين، بقي ذلك الحكم، ~~وإن لم يقدروا على مصابرتهم فالحكم المذكور هنا زائل. ### || [8.67-69] # قوله تعالى: { ما كان لنبي أن يكون له أسرى } الآية. # قرأ أبو عمرو " تكون " بالتأنيث، مراعاة لمعنى الجماعة، والباقون ~~بالتذكير، مراعاة للفظ الجمع، والجمهور هنا على " أسرى " وهو قياس ~~" فعيل " بمعنى " مفعول " دالا على أنه ك: جريح وجرحى. # وقرأ ابن القعقاع والمفضل عن عاصم " أسارى " شبهوا " أسير " ب: ~~" كسلان " فجمعوه على " فعالى " ك: " كسالى " ، كما شبهوا ~~به " كسلان " فجمعوه على " كسلى " ، وقد تقدم القول فيهما في ~~البقرة. # قال الزمخشري: " وقرىء " ما كان للنبي " على التعريف " # فإن قيل: كيف حسن إدخال لفظة " كان " على لفظة " يكون " في هذه الآية؟ ~~فالجواب: قوله " ما كان " معناه النفي والتنزيه، أي: ما يجب وما ينبغي ~~أن يكون المعنى المذكور، كقوله: # ما كان لله أن يتخذ من ولد # [مريم: 35]. # قال أبو عبيدة " يقول: لم يكن لنبي ذلك، فلا يكن لك، ومن قرأ { ما كان ~~للنبي } فمعناه: أن هذا الحكم ما كان ينبغي حصوله لهذا النبي، وهو ~~محمد عليه الصلاة والسلام ". # قوله: " حتى يثخن " قرأ العامة " يثخن " مخففا، عدوه ~~بالهمزة. # وقرأ أبو جعفر ويحيى بن وثاب ويحيى بن يعمر ms4316 " يثخن " بالتشديد، ~~عدوه بالتضعيف، وهو مشتق من الثخانة، وهي الغلظ والكثافة في ~~الأجسام، ثم يستعار ذلك في كثرة القتل، والجراحات، فيقال: ~~أثخنته الجراح، أي: أثقلته حتى أثبتته، ومنه " حتى إذا ~~أثخنتموهم ". # وقيل: حتى يقهر، والإثخان: القهر. # وأنشد المفضل: [الطويل] # 2738 - تصلي الضحى ما دهرها بتعبد # وقد أثخنت فرعون في كفره كفرا # كذا أنشده الهروي شاهدا على القهر، وليس فيه معنى، إذا المعنى على ~~الزيادة والمبالغة المناسبة لأصل معناه، وهي الثخانة. # ويقال منه: ثخن يثخن ثخانة فهو ثخين، ك: ظرف يظرف ~~ظرافة، فهو ظريف. # قوله { تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة }. ~~الجمهورعلى نصب " الآخرة ". # وقرأ سليمان بن جماز المدني بجرها، وخرجت على حذف المضاف وإبقاء ~~المضاف إليه على جره. وقدره بعضهم عرض الآخرة، فعيب عليه؛ إذ لا ~~يحسن أن يقال: والله يريد عرض الآخرة فأصلحه الزمخشري بأن جعله كذلك؛ ~~لأجل المقابلة، قال: " يعني ثوابها " وقدره بعضهم ب " أعمال " ، أو " ~~ثواب " ، وجعله أبو البقاء كقول الآخر: [المتقارب] # 2739 -..................... # ونار توقد بالليل نارا # وقدر المضاف: " عرض الآخرة ". # قال أبو حيان: " ليست الأية مثل البيت، فإنه يجوز ذلك، إذا لم ~~يفصل بين حرف العطف وبين المجرور بشيء كالبيت، أو يفصل ب " لا " نحو: ~~" ما مثل زيد ولا أخيه يقولان ذلك " أما إذا فصل بغيرها كهذه ~~القراءة فهو شاذ قليل ". # فصل # اعلم أنه تعالى علم في هذه الآية حكما آخر من أحكام الجهاد في ~~حق النبي صلى الله عليه وسلم. # قال الزجاج: " أسرى " جمع، و " أسارى " جمع الجمع. والإثخان: قال ~~الواحدي: " الإثخان " في كل شيء: عبارة عن قوته وشدته. # يقال: قد أثخنه المرض: إذا اشتد قوة المرض عليه وكذلك أثخنته الجراح. # فقوله: { حتى يثخن في الأرض } أي: حتى يقوى ويشتد ويغلب ~~ويقهر. # قال أكثر المفسرين: المراد منه: أين يبالغ في قتل أعدائه، قالوا: ~~وإنما جعلنا اللفظ يدل عليه؛ لأن الملك والدولة إنما تقوى وتشتد ~~بالقتل؛ قال الشاعر: # 2740 - لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى # حتى يراق على جوانبه الدم # وكثرة القتل توجب قوة الرهب وشدة ms4317 المهابة، وكلمة " حتى " لانتهاء ~~الغاية، فقوله { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى ~~يثخن في الأرض } يدل على أن بعد حصول الإثخان في الأرض فله ~~أن يقدم على الأسارى. # وقوله: { تريدون عرض الدنيا } المراد منه: الفداء، وإنما ~~سمى منافع الدنيا عرضا؛ لأنه لا ثبات له ولا دوام، فكأنه يعرض ثم ~~يزول، ولذلك سمى المتكلمون الأعراض أعراضا، لأنها لا ثبات لها كثبات ~~الأجسام؛ لأنها تطرأ على الأجسام، وتزول عنها والأجسام باقية. # وقوله: { والله يريد الآخرة } أي: أنه تعالى لا يريد ما يفضي ~~إلى السعادات الدنيوية التي تعرض وتزول، وإنما يريد ما يفضي إلى ~~السعادات الأخروية الدائمة الباقية المصونة عن التبدل والزوال. # ثم قال: { والله عزيز حكيم } أي: إن طلبتم الآخرة لم يغلبكم ~~عدوكم؛ لأن الله عزيز لا يقهر ولا يغلب، حكيم في تدبير مصالح العالم. # قال ابن عباس: " هذا الحكم إنما كان يوم بدر؛ لأن المسلمين ~~كانوا قليلين، فلما كثروا وقوي سلطانهم أنزل الله بعد ذلك في الأسارى: # حتى إذآ أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا ~~بعد وإما فدآء # " [محمد: 4]. # قال ابن الخطيب: " هذا الكلام يوهم أن قوله: { فإما منا ~~بعد وإما فدآء } يزيد على حكم الآية التي نحن في تفسيرها، ~~وليس الأمر كذلك؛ لأن كلتا الآيتين متوافقتان، فإنهما يدلان على أنه لا ~~بد من تقديم الإثخان، ثم بعده أخذ الفداء ". # فصل # احتج الجبائي والقاضي بهذه الآية على فساد قول من يقول: كل ما يكون ~~من العبد فالله يريده؛ لأن هذا الأسر وقع منهم على هذا الوجه، ~~ونص الله على أنه لا يريده، بل يريد منهم ما يؤدي إلى ثواب ~~الآخرة وهو الطاعة. # وأجيبوا: بأنه تعالى ما أراد أن يكون هذا الأمر منهم طاعة وعملا جائزا ~~مأذونا فيه، فلا يلزم من نفي الإرادة كون هذا الأمر طاعة، نفي كونه مراد ~~الوجود. # فصل # روي عن عبد الله بن مسعود قال: # " لما كان يوم بدر وجيء بالأسرى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ~~ما تقولون في هؤلاء الأسرى " فقال أبو بكر: يا ms4318 رسول الله قومك وأهلك ~~استبقهم، واستأن بهم لعل الله أن يتوب عليهم، وخذ منهم فدية ~~تكون لنا قوة على الكفار. # وقال عمر: يا رسول الله: كذبوك وأخرجوك، فدعنا نضرب أعناقهم، مكن ~~عليا من عقيل فيضرب عنقه، ومكني من فلان: " نسيبا ~~لعمر " فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر. # وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله انظر واديا كثير الحطب؛ فأدخلهم ~~فيه، ثم أضرم عليهم نارا، فقال له العباس: قطعت رحمك. فسكت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فلم يجبهم، ثم دخل فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ~~ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ بقول ابن رواحة، ثم خرج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال " إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ~~ألين من اللبن، ويشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا ~~أبا بكر كمثل إبراهيم، قال: { فمن تبعني فإنه مني ومن ~~عصاني فإنك غفور رحيم } [إبراهيم: 36] ومثلك يا أبا بكر ~~كمثل عيسى، قال: { إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن ~~تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } [المائدة: 118] ~~ومثلك يا عمر، كمثل نوح، قال: { رب لا تذر على الأرض من ~~الكافرين ديارا } [نوح: 26] ومثلك كمثل موسى، قال: { ربنا ~~اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم } [يونس: 88] ~~الآية ". ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنتم اليوم عالة فلا ~~ينقلبن أحد منهم إلا بفداء أو ضرب عنق ". # قال عبد الله بن مسعود: إلا سهيل بن بيضاء، فإني سمعته يذكر الإسلام ~~فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم: فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع ~~علي الحجارة من السماء من ذلك اليوم، حتى قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: إلا سهيل بن بيضاء. # قال ابن عباس: قال عمر بن الخطاب: فهوي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت، فلما كان من الغد جئت فإذا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدين يبكيان، قلت: يا رسول ~~الله، أخبرني من ms4319 أي شيء تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت ~~بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أبكي للذي عرض علي أصحابك ~~من أخذهم الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه ~~الشجرة " # شجرة قريبة من النبي صلى الله عليه وسلم وأنزل الله عز وجل { ~~ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في ~~الأرض } إلى قوله: { فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا } ~~وأحل الله الغنيمة لهم. # وكان الفداء لكل أسير أربعين أوقية، والأوقية: أربعون درهما. # قوله: { لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيمآ ~~أخذتم عذاب عظيم }. # قال ابن عباس: كانت الغنائم حراما على الأنبياء؛ فكانوا إذا ~~أصابوا مغنما جعلوه للقربان فكانت تنزل نار من السماء فتأكله، ~~فلما كان يوم بدر أسرع المؤمنون في الغنائم، وأخذ الفداء، فأنزل ~~الله تعالى: { لولا كتاب من الله سبق }. # يعني: لولا قضاء من الله سبق في اللوح المحفوظ بأنه تحل لكم ~~الغنائم لمسكم العذاب. # وهذا مشكل؛ لأن تحليل الغنائم والفداء، هل كان حاصلا في ذلك الوقت، ~~أو ما كان حاصلا فيه؟ فإن كان ذلك التحليل والإذن حاصلا في ذلك الوقت ~~امتنع إنزال العذاب عليهم؛ لأن ما كان مأذونا فيه من قبل الشرع لم ~~يحصل العقاب على فعله. # وإن قلنا: إن الإذن ما كان حاصلا في ذلك الوقت كان ذلك الفعل حراما ~~في ذلك الوقت، أقصى ما في الباب أنه سيحكم بحله بعد ذلك، إلا أن ~~هذا لا يقدح في كونه حراما في ذلك الوقت. # فإن قالوا: إن كونه بحيث يصير بعد ذلك حلالا، يوجب تخفيف العقاب. # قلنا: فإذا كان الأمر كذلك امتنع إنزال العقاب بسببه، وذلك يمنع من ~~التخويف بسبب ذلك العقاب. # قال ابن العربي: " في هذه الآية دليل على أن العبد إذا اقتحم ما ~~يعتقده حراما مما هو في علم الله حلال له لا عقوبة عليه، كالصائم ~~إذا قال: هذا يوم نوبي فأفطر الآن، وتقول المرأة: هذا يوم حيضتي ~~فأفطر، ففعلا ذلك، وكان النوب والحيض الموجبان للفطر، فمشهور ms4320 المذهب أن ~~فيه الكفارة، وهو قول الشافعي. # وقال أبو حنيفة: لا كفارة عليه. وجه الأول أن طريق الإباحة لا يثبت ~~عذرا غير عقوبة التحريم عند الهتك، كما لو وطىء امرأة ثم ~~نكحها. # ووجه قول أبي حنيفة: أن حرمة اليوم ساقطة عند الله - عز وجل -، ~~فصادف الهتك محلا لا حرمة له في علم الله تعالى، كما لو قصد ~~وطء امرأة زفت إليه، وهو يعتقد أنها ليست بزوجة له فإذا هي زوجته ~~". # قال القرطبي: " وهذا أصح ". # وقال ابن جريح: { لولا كتاب من الله سبق } أنه لا يضل قوما ~~بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون، وأنه لا يأخذ قوما فعلوا ~~شيئا بجهالة، وأنه لا يعذب إلا بعد النهي، لعذبكم فيما صنعتم، ~~وأنه تعالى ما نهاهم عن أخذ الفداء. # وهذا أيضا ضعيف؛ لانا نقول حاصل هذا القول أنه ما وجد دليل شرعي ~~يوجب حرمة ذلك الفداء. فهل حصل دليل عقلي يقتضي حرمته أم لا؟ # فإن قلنا: حصل، فيكون الله تعالى قد بين تحريمه بواسطة ذلك ~~الدليل العقلي، فلا يمكن أن يقال: إنه تعالى لم يبين تلك ~~الحرمة، وإن قلنا: إنه ليس في العقل ولا في الشرع ما يقتضي المنع؛ ~~فحينئذ امتنع أن يكون المنع حاصلا وإذا كان الإذن حاصلا فكيف يمكن ~~ترتيب العقاب على فعله؟ # وقال الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير: { لولا كتاب من الله سبق } ~~أنه لا يعذب أحدا شهد بدرا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ~~أيضا مشكل؛ لأنه يقتضي أن يقال: إنهم ما منعوا عن الكفر ~~والمعاصي والزنا والخمر، وما هددوا بترتيب العذاب على هذه القبائح، ~~وذلك يوجب سقوط التكاليف عنهم، ولا يقوله عاقل، وأيضا فلو كان كذلك، ~~فكيف أخذهم الله في ذلك الموضع بعينه في تلك الواقعة بعينها؟ # قال ابن الخطيب: " واعلم أن الناس أكثروا فيه، والمعتمد في هذا ~~الباب أن نقول: # أما على قول أهل السنة: فيجوز أن يعفو الله عن الكبائر. فقوله { ~~لولا كتاب من الله سبق } لولا أنه تعالى حكم في الأزل ~~بالعفو عن ms4321 هذه الواقعة لمسهم عذاب عظيم، وهذا هو المراد من قوله # كتب ربكم على نفسه الرحمة # [الأنعام: 54] وقوله " سبقت رحمتي غضبي ". # وأما على قول المعتزلة: فهم لا يجوزون العفو عن الكبائر، فكان معناه { ~~لولا كتاب من الله سبق } في أن من احترز عن الكبائر ~~صارت صغائره مغفورة، وإلا لمسهم عذاب عظيم، وهذا الحكم وإن كان ~~ثابتا في حق جميع المسلمين، إلا أن طاعات أهل بدر كانت عظيمة، وهو ~~قبولهم الإسلام، وانقيادهم لمحمد، وإقدامهم على مقاتلة الكفار من غير ~~سلاح وأهبة فلا يبعد أن يقال: إن الثواب الذي استحقوه على هذه ~~الطاعات كان أزيد من العقاب الذي استحقوه على هذا الذنب، لا جرم صار هذا ~~الذنب مغفورا، ولو قدرنا صدور هذا الذنب من المسلمين، لما صار ~~مغفورا، فبسبب هذا القدر من التفاوت، حصل لأهل بدر هذا الاختصاص ". # قال ابن إسحاق: لم يكن من المؤمنين أحد ممن حضر إلا أحب الفداء، ~~إلا عمر بن الخطاب فإنه أشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل ~~الأسرى، وسعد بن معاذ قال: يا نبي الله الإثخان في القتل أحب ~~إلي من استبقاء الرحال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لو نزل من السماء عذاب لما نجا منه غير عمر بن الخطاب، وسعد بن ~~معاذ ". # قوله تعالى: { فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا } الآية. # روي أنهم أمسكوا أيديهم عما أخذوا من الفداء، فنزلت هذه الآية. # فإن قيل: ما معنى " الفاء " في قوله: " فكلوا "؟ فالجواب: التقدير ~~قد أبحت لكم الغنائم فكلوا. # و " ما " يجوز أن تكون مصدرية، والمصدر واقع موقع المفعول، ويجوز ~~أن تكون بمعنى " الذي " وهو في المعنى كالذي قبله، والعائد على هذا ~~محذوف. # وقوله: " حلالا " نصب على الحال، إما من ما الموصولة، أو من ~~عائدها إذا جعلناها اسمية. # وقيل: هو نعت مصدر محذوف، أي: أكلا حلالا. # وقوله: " واتقوا " قال ابن عطية: " وجاء قوله: " واتقوا الله ~~" اعتراضا فصيحا في أثناء القول؛ لأن قوله: { إن الله غفور ~~رحيم } متصل بقوله: { فكلوا مما غنمتم } يعني: أنه متصل ~~به ms4322 من حيث إنه كالعلة له. والمعنى: واتقوا الله ولا تقدموا بعد ~~ذلك على المعاصي واعلموا أن الله غفور لما أقدمتم عليه من الزلة ". ### || [8.70-71] # قوله تعالى: { يأيها النبي قل لمن في أيديكم من ~~الأسرى } الآية. # لما أخذ الفداء من الأسارى، وشق عليهم أخذ أموالهم، ذكر الله تعالى ~~هذه الآية استمالة لهم. # قوله: " من الأسرى " قرأه أبو عمرو بزنة " فعالى " والباقون بزنة ~~" فعلى " وقد عرف ما فيهما. # ووافق أبا عمرو قتادة ونصر بن عاصم وابن أبي إسحاق وأبو جعفر. واختلف عن ~~الجحدري والحسن. وقرأ ابن محيصن " من أسرى " منكرا. # قوله: " يؤتكم " جواب الشرط. وقرأ الأعمش " يثبكم " من ~~الثواب، وقرأ الحسن وأبو حيوة وشيبة وحميد " مما أخذ " مبنيا ~~للفاعل، وهو الله تعالى. # فصل # وهذه الآية نزلت في العباس بن عبد المطلب؛ وكان قد أسر يوم بدر. # وكان أحد العشرة الذين ضمنوا إطعام أهل بدر، وكان يوم بدر نوبته، وكان ~~خرج بعشرين وقية من ذهب ليطعم بها الناس، فأراد أن يطعم ذلك اليوم ~~فاقتتلوا وبقيت العشرون أوقية معه، فأخذت منه في الحرب، فكلم النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن يحسب العشرين أوقية من فدائه فأبى وقال: " أما شيء ~~خرجت تستعين به علينا، فلا أتركه " وكلفه فداء ابني أخويه عقيل بن أبي ~~طالب، ونوفل بن الحارث، فقال العباس: يا محمد تركتني أتكفف ~~قريشا ما بقيت؟. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وأين الذهب الذي دفعته إلى أم ~~الفضل وقت خروجك من مكة، فقلت لها: إني لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا ~~فإن حدث لي حدث، فهو لك ولعبد الله ولعبيد الله والفضل وقثم " يعني: ~~بنيه. فقال العباس: وما يدريك؟ قال: " أخبرني به ربي ". # قال العباس: أشهد أنك صادق وأن لا إله إلا الله، وأنك عبده ~~ورسوله، والله لم يطلع عليه أحد إلا الله، ولقد رفعته إليها في سواد ~~الليل، وقد كنت مرتابا في أمرك، فأما إذ أخبرتني بذلك، فلا ريب. # فذلك قوله عز وجل: { يأيها النبي قل لمن في ~~أيديكم من الأسرى ms4323 } الذين أخذتم منهم الفداء { إن يعلم ~~الله في قلوبكم خيرا } أي: إيمانا: { يؤتكم خيرا ~~ممآ أخذ منكم } من الفداء: " ويغفر لكم " ذنوبكم: { ~~والله غفور رحيم } قال العباس فأبدلني الله عنها عشرين ~~عبدا كلهم تاجر بمالي، وإن أدناهم يضرب بعشرين ألف درهم مكان العشرين ~~أوقية، وأعطاني زمزم، وما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة وأنا أنتظر ~~المغفرة من ربي. # اختلف المفسرون في أن الآية نزلت في العباس خاصة، أو في جملة ~~الأسارى. # قال قوم: إنها في العباس خاصة، وقال آخرون: إنها نزلت في الكل، ~~وهذا أولى لقوله تعالى: { قل لمن في أيديكم من الأسرى ~~} ، ولقوله " من الأسرى " ، ولقوله " في قلوبكم " ولقوله: " ~~يؤتكم خيرا " ، ولقوله " مما أخذ منكم " ، وقوله: " ~~ويغفر لكم " ، أقصى ما في الباب أن يقال: سبب نزول الآية هو ~~العباس، إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. # فصل # احتج هشام بن الحكم على أنه تعالى لا يعلم الشيء إلا عند حدوثه ~~بهذه الآية، لأن قوله: { إن يعلم الله في قلوبكم خيرا } ~~فعل كذا، وكذا شرط وجزاء، والشرط هو حصول هذا العلم، والشرط والجزاء لا ~~يصح حصولهما إلا في المستقبل، وذلك يوجب حدوث علم الله تعالى. # والجواب: أن ظاهر اللفظ وإن كان يقتضي ما ذكره، إلا أنه لما دل ~~الدليل على أن علم الله يمتنع أن يكون محدثا، وجب أن يقال: ذكر العلم ~~وأراد به المعلوم من حيث إنه يدل حصول العلم على حصول المعلوم. # قوله تعالى: { وإن يريدوا خيانتك } الآية. # الضمير في " يريدوا " يعود على " الأسرى " ، لأنهم أقرب مذكور. # وقيل: على الجانحين. # وقيل: على اليهود. # وقيل: على كفار قريش. # قال ابن جريج: أراد بالخيانة الكفر أي: إن كفروا بك فقد كفروا بالله ~~من قبل، فأمكن منهم المؤمنين ببدر حتى قتلوهم. # وقيل: أراد بالخيانة منع ما ضمنوا من الفداء. # قال الأزهري: يقال أمكنني الأمر يمكنني فهو ممكن، ومفعول ~~الإمكان محذوف، والمعنى: فأمكن المؤمنين منهم يوم بدر حتى قتلوهم ~~وأسروهم. # ثم قال: " والله عليم " أي: ببواطنهم وضمائرهم: " حكيم " يجازيهم ms4324 ~~بأعمالهم. ### || [8.72-75] # قوله تعالى: { إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا } ~~الآية. # اعلم أنه تعالى قسم المؤمنين في زمان الرسول - عليه الصلاة ~~والسلام - إلى أربعة أقسام وذكر حكم كل واحد منهم، وتقرير هذه القسمة ~~أنه - عليه الصلاة والسلام - لما ظهرت نبوته ودعا الناس إلى ~~الدين، ثم انتقل من مكة إلى المدينة، فمنهم من وافقه في تلك الهجرة، ~~ومنهم من لم يوافقه فيها بل بقي في مكة. # أما القسم الأول: فهم المهاجرون الأولون، وقد وصفهم الله ~~بقوله: { إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله } وإنما قلنا: إن ~~المراد بهم المهاجرون الأولون؛ لأنه تعالى قال بعد ذلك: { والذين ~~آمنوا من بعد وهاجروا } وقال تعالى: # لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ~~أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد ~~وقاتلوا # [الحديد: 10]. # وقال: # والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار # [التوبة: 100]. # القسم الثاني من الموجودين في زمان محمد - عليه الصلاة والسلام - وهم ~~الأنصار؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لما هاجر إليهم مع طائفة من ~~أصحابه، فلولا أنهم آووا، ونصروا، وبذلوا النفس والمال في خدمة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وإصلاح مهمات أصحابه لما تم المقصود ألبتة ~~فحال المهاجر أعلى في الفضيلة من حال الأنصار؛ لأنهم السابقون إلى ~~الإيمان، وتحملوا العناء والمشقة دهرا طويلا من كفار قريش، وصبروا ~~على أذاهم، وهذه الحالة ما حصلت للأنصار، وفارقوا الأوطان، والأهل، ~~والأموال، والجيران، ولم يحصل ذلك للأنصار، وأيضا فإن الأنصار اقتدوا ~~بهم في الإسلام، وهم السابقون للإيمان. # ولما ذكر الله تعالى هذين القسمين، قال: { أولئك بعضهم ~~أولياء بعض } قال الواحدي عن ابن عباس وغيره من المفسرين " ~~المراد في الميراث " وقالوا: جعل الله تعالى سبب الإرث الهجرة، والنصرة ~~دون القرابة، وكان القريب الذي آمن ولم يهاجر لم يرث؛ لأنه لم يهاجر ~~ولم ينصر. # واعلم أن لفظ الولاية غير مشعر بهذا المعنى؛ لأن اللفظ مشعر ~~بالقرب على ما تقرر في هذا الكتاب. # ويقال: السلطان ولي من لا ولي له ولا يفيد الإرث. # وقال تعالى: # ألا إن أوليآء الله ms4325 لا خوف عليهم # [يونس: 62] ولا يفيد الإرث بل الولاية تفيد القرب، فيمكن حمله على غير ~~الإرث، وهو كون بعضهم معظما للبعض، مهتما بشأنه، مخصوصا بمعاونته ~~ومناصرته، وأن يكونوا يدا واحدة على الأعداء، فحمله على الإرث بعيد عن ~~دلالة اللفظ، لا سيما وهم يقولون إن ذلك الحكم نسخ بقوله في آخر الآية: { ~~وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض }. # فأي حاجة إلى حمل اللفظ على معنى لا إشعار لذلك اللفظ به، ثم الحكم ~~بأنه صار منسوخا بآية أخرى مذكورة معه، هذا في غاية البعد، اللهم ~~إلا إذا حصل إجماع المفسرين على ذلك فيجب المصير إليه، إلا أن دعوى ~~الإجماع بعيد. # القسم الثالث: المؤمنون الذين لم يهاجروا وبقوا في مكة، وهم المراد ~~بقوله { والذين آمنوا ولم يهاجروا } فقال تعالى: { ما ~~لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا } ، فالولاية ~~المنفية في هذه الصورة، هي الولاية المثبتة في القسم المتقدم، فما قيل ~~هناك قيل هنا. # واحتج الذاهبون إلى أن المراد من هذه الولاية الإرث، بأن قالوا: لا ~~يجوز أن يكون المراد منها ولاية النصرة والدليل عليه أنه تعالى عطف ~~عليه قوله: { وإن استنصروكم في الدين فعليكم ~~النصر } وذلك عبارة عن الموالاة في الدين، والمعطوف مغاير للمعطوف ~~عليه فوجب أن يكون المراد بالولاية المذكورة أمرا مغايرا لمعنى النصرة، ~~وهذا استدلال ضعيف لأنا إذا حملنا تلك الولاية على التعظيم والإكرام، ~~فهو أمر مغاير للنصرة، لأن الإنسان قد ينصر بعض أهل الذمة في بعض ~~المهمات، مع أنه لا يواليه بمعنى التعظيم، وقد ينصر عبده وأمته بمعنى ~~الإعانة، مع أنه لا يواليه بمعنى التعظيم، فسقط هذا الاستدلال. # قوله: " من ولايتهم " قرأ حمزة هنا، وفي الكهف " الولاية لله " هو، ~~والكسائي بكسر الواو، والباقون بفتحها. فقيل: لغتان. وقيل: بالفتح من " ~~المولى " يقال: مولى بين الولاية، وبالكسر من ولاية السلطان. ~~قاله أبو عبيدة. وقيل: بالفتح من النصرة والنسب، وبالكسر من ~~الإمارة. قاله الزجاج قال: " ويجوز الكسر؛ لأن في تولي بعض ~~القوم بعضا جنسا من الصناعة والعمل، وكل ما كان من جنس الصناعة ~~مكسور ms4326 كالخياطة والقصارة " ، وقد خطأ الأصمعي قراءة الكسر، وهو ~~المخطىء، لتواترها. # وقال أبو عبيد: " والذي عندنا الأخذ بالفتح في هذين الحرفين؛ لأن ~~معناهما من الموالاة في الدين ". # وقال الفارسي: " الفتح أجود؛ لأنها في الدين " ، وعكس الفراء ~~هذا، فقال " يريد من مواريثهم، فكسر الواو أحب إلي من فتحها؛ لأنها ~~إنما تفتح إذا كانت نصرة وكان الكسائي يذهب بفتحها إلى النصرة، وقد ~~سمع الفتح والكسر في المعنى جميعا ". # قوله: " حتى يهاجروا " يوهم أنهم لما لم يهاجروا مع رسول ~~الله سقطت ولايتهم مطلقا فأزال الله هذا الوهم بقوله: { ما لكم من ~~ولايتهم من شيء حتى يهاجروا } أي: أنهم لو هاجروا ~~لعادت تلك الولاية. # قوله تعالى: { وإن استنصروكم في الدين فعليكم ~~النصر }. # لما بين قطع الولاية بين تلك الطائفة من المؤمنين، بين أن ~~المراد منه ليس هو المقاطعة التامة كما في حق الكفار، بل هؤلاء ~~المؤمنون الذين لم يهاجروا " لو استنصروكم فانصروهم " ولا تخذلوهم. # قوله: " فعليكم النصر " مبتدأ وخبر، أو فعل وفاعل عند الأخفش، ~~ولفظة " على " تشعر بالوجوب، وكذلك قدره الزمخشري، وشبهه ~~بقوله: [الطويل] # 2741 - على مكثريهم رزق من يعتريهم # وعند المقلين السماحة والبذل # قوله: { إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق } أي: ~~لا يجوز لكم نصرتهم عليهم إذ الميثاق مانع من ذلك. # ثم قال: { والله بما تعملون بصير } قرأ السلمي والأعرج: " ~~يعملون " بياء الغيبة وكأنه التفات، أو إخبار عنهم. # قوله تعالى: { والذين كفروا بعضهم أوليآء بعض } ~~الآية. # اعلم أن هذا ترتيب في غاية الحسن؛ لأنه تعالى ذكر للمؤمنين ~~أقساما ثلاثة: # الأول: المؤمنون من المهاجرين. # والثاني: الأنصار وهم أفضل الناس وبين أنه يجب أن يوالي بعضهم ~~بعضا. # والقسم الثالث: المؤمنون الذين لم يهاجروا. # فهؤلاء لهم بسبب إيمانهم فضل، وبسبب ترك الهجرة لهم حالة نازلة، فيكون ~~حكمهم متوسطا بمعنى أن الولاية للقسم الأول منفية عن هذا القسم، ~~إلا أنهم يكونون بحيث لو استنصروا المؤمنين، واستعانوا بهم نصروهم ~~وأعانوهم، فهذا الحكم متوسط بين الإجلال، والإذلال، وأما الكفار فليس ~~لهم ما يوجب شيئا من أسباب الفضيلة، فوجب كون المسلمين ms4327 منقطعين عنهم من ~~كل الوجوه، فلا يكون بينهم ولاية ولا مناصرة. # فصل # قال ابن عباس " يرث المشركون بعضهم من بعض " وهذا إنما يستقيم إذا حملنا ~~الولاية على الإرث، بل الحق أن يقال: إن كفار قريش كانوا في غاية ~~العداوة لليهود فلما ظهرت دعوة محمد - عليه الصلاة والسلام - ~~تناصروا وتعاونوا على إيذائه ومحاربته، فالمراد من الآية ذلك. # قوله " إلا تفعلوه " الهاء تعود إما على النصر، أو الإرث، ~~أو الميثاق، أي: حفظه أو على جميع ما تقدم ذكره، وهو معنى قول ~~الزمخشري: " إلا تفعلوا ما أمرتكم به ". # وقرأ العامة " كبير " بالباء الموحدة، وقرأ الكسائي فيما حكى عنه أبو ~~موسى الحجازي " كثير " بالثاء المثلثة، وهذا قريب مما في البقرة. # والمعنى: قال ابن عباس: " إلا تأخذوا في الميراث بما أمرتكم ~~به " وقال ابن جريج: " إلا تتعاونوا وتتناصروا ". # وقال غيرهم: إن لم تفعلوا ما أمرتكم به في هذه التفاصيل المذكورة تحصل ~~فتنة في الأرض، قوة الكفر، وفساد كبير، وضعف الإسلام. وبيان هذه الفتنة ~~والفساد من وجوه: الأول: أن المسلمين لو اختلطوا بالكفار في زمان ضعف ~~المسلمين وقلة عددهم، وزمان قوة الكفار وكثرة عددهم فربما صارت تلك ~~المخالطة سببا لالتحاق المسلم بالكافر، وثانيها: أن المسلمين إذا تفرقوا ~~لم يظهر لهم جمع عظيم، فيصير ذلك سببا لجراءة الكفار عليهم. وثالثها: ~~إذا كان جمع المسلمين يزيد كل يوم في العدة والقوة، صار ذلك سببا لمزيد ~~رغبتهم في الإسلام ورغبة المخالف في الالتحاق بهم. # قوله تعالى: { والذين آمنوا وهاجروا }. # زعم بعضهم أن هذه الجملة تكرار للتي قبلها، وليس كذلك، فإن التي ~~قبلها تضمنت ولاية بعضهم لبعض، وتقسيم المؤمنين إلى ثلاثة أقسام، وبيان ~~حكمهم في ولايتهم، وتناصرهم وهذه تضمنت الثناء والتشريف والاختصاص، وما ~~آل إليه حالهم من المغفرة والرزق الكريم والمعنى: { أولئك هم المؤمنون ~~حقا } لا مرية ولا ريب في إيمانهم، وقيل: حققوا إيمانهم بالهجرة ~~والجهاد وبذل المال في الدين، { لهم مغفرة ورزق كريم } ~~الجنة. # فإن قيل: فأي معنى لهذا التكرار. قيل: المهاجرون كانوا على طبقات، وكان ~~بعضهم أهل الهجرة ms4328 الأولى، وهم الذين هاجروا قبل الحديبية، وبعضهم أهل ~~الهجرة الثانية، وهم الذين هاجروا بعد صلح الحديبية قبل فتح مكة، وكان ~~بعضهم ذا هجرتين، هجرة الحبشة، والهجرة إلى المدينة، فالمراد من الآية ~~الأولى الهجرة الأولى ومن الثانية الهجرة الثانية. # قوله تعالى: { والذين آمنوا من بعد وهاجروا ~~وجاهدوا معكم }. # هؤلاء هم القسم الرابع من مؤمني زمان محمد عليه الصلاة والسلام، الذين ~~لم يوافقوا الرسول في الهجرة، إلا أنهم بعد ذلك هاجروا إليه وجاهدوا ~~معه. # واختلفوا في قوله " من بعد " فقال الواحدي، عن ابن عباس " بعد ~~الحديبية وهي الهجرة الثانية ". # وقيل: بعد نزول هذه الآية، وقيل: بعد يوم بدر، والأصح أن المراد: ~~والذين هاجروا بعد الهجرة الأولى، وهؤلاء هم التابعون، بإحسان، كما قال: # والذين اتبعوهم بإحسان # [التوبة: 100] والصحيح: أن الهجرة انقطعت بفتح مكة، لأن مكة صارت ~~بلد الإسلام. # وقال الحسن: " الهجرة غير منقطعة أبدا ". وأما قوله عليه الصلاة ~~والسلام # " لا هجرة بعد الفتح " # فالمراد الهجرة المخصوصة، فإنها انقطعت بالفتح وبقوة الإسلام، أما لو ~~اتفق في بعض الأزمان كون المؤمنين في بلد، وهم قليلون، وللكافرين معهم ~~شوكة، وإن هاجر المسلمون من تلك البلدة إلى بلد آخر ضعفت شوكة الكفار ~~فهاهنا تلزمهم الهجرة على ما قاله الحسن؛ لأن العلة في الهجرة من مكة ~~إلى المدينة قد حصلت فيهم. # قوله { فأولئك منكم } أي: معكم، يريد: أنتم منهم وهو منكم. # ثم قال: { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في ~~كتاب الله }. # قالوا: المراد بالولاية ولاية الميراث، قالوا هذه الآية ناسخة؛ لأنه ~~تعالى بين أن الإرث كان بسبب الهجرة والنصرة، والآن بعد نسخ ذلك فلا ~~يحصل الإرث إلا بسبب القرابة. # وقوله: { في كتاب الله } أي: السهام المذكورة في سورة النساء، ~~وأما الذين فسروا الولاية بالنصرة والتعظيم قالوا: إن تلك ~~الولاية لما كانت محتملة للولاية بسبب الميراث بين الله تعالى في هذه ~~الآية أن ولاية الإرث إنما تحصل بسبب القرابة، إلا ما خص الدليل، ~~فيكون المقصود من هذا الكلام إزالة هذا الوهم. # فصل # تمسك أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية في ms4329 توريث ذوي الأرحام، وأجيبوا بأن ~~قوله: { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض } مجمل في ~~الشيء الذي حصلت فيه هذه الأولوية. # فلما قال: { في كتاب الله } كان معناه في الحكم الذي بينه ~~الله في كتابه فصارت هذه الأولوية مقيدة بالأحكام التي بينها ~~الله في كتابه وتلك الأحكام ليست إلا ميراث العصبات، فيكون المراد ~~من هذه المجمل هو ذلك فقط، فلا يتعدى إلى توريث ذوي الأرحام. # فإن قيل تمسكوا بهذه الآية في أن الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هو علي بن أبي طالب، لقوله: { وأولوا الأرحام بعضهم ~~أولى ببعض } [الأنفال: 75] فدل على ثبوت الأولوية، وليس في الآية ~~شيء معين في ثبوت هذه الأولوية؛ فوجب حمله على الكل، إلا ما خصه ~~الدليل، فيندرج فيه الإمامة، ولا يجوز أن يقال: إن أبا بكر من أولي ~~الأرحام، لما نقل أنه عليه الصلاة والسلام أعطاءه سورة براءة ليبلغها ~~إلى القوم ثم بعت عليا خلفه وأمر أن يكون المبلغ هو علي، وقال: # " لا يؤديها إلا رجل مني " # وذلك يدل على أن أبا بكر ما كان منه. # والجواب: إن صحت هذه الدلالة كان العباس أولى بالإمامة؛ لأنه كان ~~أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من علي. # قول: { في كتاب الله } يجوز أن يتعلق بنص أولها أي: أحق في ~~حكم الله أو في القرآن، أو في اللوح المحفوظ، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ ~~مضمر، أي: هذا الحكم المذكور في كتاب الله. # ثم قال: { إن الله بكل شيء عليم } أي: أن هذه الأحكام ~~التي ذكرتها وفصلتها كلها حكمة وصواب، وليس فيها شيء من العبث؛ لأن ~~العالم بجميع المعلومات لا يحكم إلا بالصواب. # روى أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة الأنفال وبراءة فأنا شفيع له يوم القيامة، ~~وشاهد أنه بريء من النفاق وأعطي من الأجر بعدد كل منافق ~~ومنافقة في دار الدنيا عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيئات، ~~ورفع له عشر درجات، وكان العرش وحملته يصلون عليه أيام ~~حياته في الدنيا ms4330 ". ### | [9 - سورة التوبة] ### || [9.1-4] # قوله تعالى: { برآءة من الله ورسوله } الآية. # الجمهور على رفع براءة، وفيه وجهان: # أحدهما: أنها رفع بالابتداء، والخبر قوله { إلى الذين } وجاز ~~الابتداء بالنكرة؛ لأنها تخصصت بالوصف بالجار بعدها، وهو ~~قوله من الله كما تقول رجل من بني تميم في الدار. # والثاني: أنها خبر ابتداء مضمر، أي: هذه الآيات براءة، ويجوز في ~~من الله أن يكون متعلقا بنفس براءة؛ لأنها مصدر، كالثناءة ~~والدناءة. وهذه المادة تتعدى ب " من " ، تقول: برئت من فلان، ~~أبرأ براءة، أي: انقطعت العصبة بيننا، وعلى هذا، فيجوز أن يكون ~~المسوغ للابتداء بالنكرة على الوجه الأول هذا. وإلى الذين ~~متعلق بمحذوف على الأول، لوقوعه خبرا، وبنفس " براءة " على ~~الثاني، ويقال: برئت، وبرأت من الدين، بالكسر والفتح، وقال ~~الواحدي: " ليس فيه إلا لغة واحدة، كسر العين في الماضي وفتحها ~~في المستقبل ". وليس كذلك، بل نقلهما أهل اللغة، وقرأ عيسى بن عمر " ~~براءة " بالنصب على إضمار فعل أي اسمعوا براءة. # وقال ابن عطية " أي: الزموا براءة، وفيه معنى الإغراء " وقرىء " من ~~الله " بكسر نون " من " على أصل التقاء الساكنين، أو على الإتباع ~~لميم " من " وهل لغية، فإن الأكثر فتحها مع لام التعريف، ~~وكسرها مع غيرها، نحو " من ابنك " ، وقد يعكس الأمر فيهما، وحكى ~~أبو عمر عن أهل نجران أنهم يقرءون كذلك، بكسر النون مع لام ~~التعريف. # فإن قيل: ما السبب في أن نسب البراءة إلى الله ورسوله، ونسب ~~المعاهدة إلى المشركين؟ فالجواب: قد أذن الله في معاهدة المشركين، ~~فاتفق المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاهدهم، ثم إن ~~المشركين نقضوا العهد؛ فأوجب الله النبذ إليهم، فخوطب المسلمون ~~بما يحذرهم من ذلك، وقيل لهم: اعلموا أن الله ورسوله قد برئا مما ~~عاهدتم من المشركين. روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى ~~تبوك وتخلف المنافقون، وأرجفوا بالأراجيف، وجعل المشركون ينقضون العهد، ~~فأمر الله تعالى بنقض عهودهم، التي كانت بينهم وبين رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # قال الزجاج: " براءة " أي: قد برىء ms4331 الله ورسوله من إعطائهم العهود ~~والوفاء بها إذا نكثوا. # فإن قيل: كيف يجوز أن ينقض النبي صلى الله عليه وسلم العهد؟. # فالجواب: لا يجوز أن ينقض العهد إلا على ثلاثة أوجه: # فالأول: أن يظهر له منهم خيانة مستورة ويخاف ضررهم، فينبذ العهد إليهم، ~~حتى يستووا في معرفة نقض العهد، لقوله # وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على ~~سوآء # [الأنفال:58] وقال أيضا: # الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل ~~مرة # [الأنفال:56]. # الثاني: أن يكون قد شرط لبعضهم في وقت العهد أن يقرهم بما أمر الله به، ~~فلما أمر الله تعالى بقطع العهد بينهم قطع لأجل الشرط. # الثالث: أن يكون مؤجلا فتنقضي المدة وينقضي العهد، ويكون الغرض من ~~إظهار البراءة أن يظهر لهم أنه لا يعود للعهد، وأنه على عزم المحاربة ~~والمقاتلة، فأما فيما وراء هذه الأحوال الثلاثة لا يجوز نقض العهد ~~ألبتة؛ لأنه يجري مجرى الغدر وخلف القول، والله ورسوله بريئان منه؛ ~~ولهذا المعنى قال تعالى: { إلا الذين عاهدتم من ~~المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا ~~عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى ~~مدتهم } [التوبة:4]، وقيل: إن أكثر المشركين نقضوا العهد إلا ~~بنو ضمرة وبنو كنانة. # قوله: { إلى الذين عاهدتم من المشركين } الخطاب مع ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم هو ~~الذي عاهدهم وعاقدهم؛ لأنه عاهدهم وأصحابه بذلك راضون، فكأنهم " ~~عاقدوا " وعاهدوا. # قوله: " فسيحوا ". قال ابن الأنباري: " هذا على إضمار القول، أي: ~~قل لهم فسيحوا " ويكون التفاتا من الغيبة إلى الخطاب، كقوله: # وسقاهم ربهم شرابا طهورا إن هذا كان لكم ~~جزآء # [الإنسان:21-22]، ويقال: ساح يسيح سياحة وسيوحا وسيحانا أي: ~~انساب، لسيح الماء في الأماكن المنبسطة، قال طرفة: [السريع] # 2742- لو خفت هذا منك ما نلتني # حتى ترى خيلا أمامي تسيح # و " أربعة أشهر " ظرف ل " سيحوا " ، وقرىء " غير ~~معجزي الله " بنصب الجلالة على أن النون حذفت تخفيفا، وقد ~~تقدم تحريره. # فصل # المعنى: قال لهم سيروا في الأرض مقبلين ومدبرين، آمنين غير خائفين: { ~~أربعة ms4332 أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله } ~~أي: غير فائتين ولا سابقين: { وأن الله مخزي الكافرين } أي: ~~مذلهم بالقتال في الدنيا والعذاب في الآخرة. # واختلفوا في هذه الأشهر الأربعة، فقال الزهري: " إن براءة نزلت في ~~شوال، وهي أربعة أشهر: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم " ، ~~والصواب الذي عليه الأكثرون: أن ابتداء هذا الأجل يوم الحج الأكبر، ~~وانقضاؤه إلى عشرين من ربيع الآخر، ومن لم يكن له عهد، فإنما أجله انسلاخ ~~الأشهر الحرم، وذلك خمسون يوما، وقيل: ابتداء تلك المدة كان من عشر ذي ~~القعدة إلى عشر من ربيع الأول؛ لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك ~~الوقت بسبب النسيء الذي كان فيهم، ثم صار في السنة الثانية في ذي ~~الحجة وهي حجة الوداع ويدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام: # " ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله ~~السماوات والأرض ". # فصل # اختلف العلماء في هذا التأجيل، وفي هؤلاء الذين برىء الله ورسوله من ~~العهود التي كانت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال جماعة: هذا تأجيل للمشركين، فمن كانت مدة عهده أقل من أربعة أشهر ~~رفعه إلى أربعة أشهر، ومن كانت مدته أكثر من أربعة أشهر حطه إلى أربعة ~~أشهر، ثم هو حرب بعد ذلك لله ولرسوله، فيقتل حيث يدرك ويؤسر إلا أن ~~يتوب. # وقال الكلبي: إنما كانت الأربعة أشهر من كان له عهد دون أربعة فأتموا ~~له أربعة أشهر، فأما من كان عهده أكثر من أربعة أشهر فهذا أمر بإتمام ~~عهده بقوله: { فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ~~}. # قال الحسن " أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بقتال من قاتله من ~~المشركين، فقال: # وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم # [البقرة:190] وكان لا يقاتل إلا من قاتله ثم أمره بقتال المشركين ~~والبراءة منهم، وأجلهم أربعة أشهر، فلم يكن لأحد منهم أجل أكثر من أربعة ~~أشهر لا من كان له عهد قبل البراءة، ولا من لم يكن له عهد، وكان الأجل ~~لجميعهم أربعة أشهر، وأحل دماء جميعهم من أهل العهود ms4333 وغيرهم بعد انقضاء ~~الأجل ". # والمقصود من هذا الإعلام أمور: # أولها: أن يتفكروا لأنفسهم ويحتاطوا في هذا الأمر، ويعلموا أنه ليس ~~لهم بعد هذه المدة إلا أحد أمور ثلاثة: # إما الإسلام أو قبول الجزية أو السيف، فيصير ذلك حاملا لهم على ~~الإسلام. # وثانيها: لئلا ينسب المسلمون إلى نكث العهد. # وثالثها: أراد الله أن يعم جميع المشركين بالجهاد، فعم الكل ~~بالبراءة وأجلهم أربعة أشهر، وذلك لقوة الإسلام وتخويف الكفار، ولا يصح ~~ذلك إلا بنقض العهود. # ورابعها: أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يحج في السنة الآتية، فأمر ~~بإظهار هذه البراءة لئلا يشاهد العراة، وقيل: نزل هذا قبل تبوك. # وقال محمد بن إسحاق ومجاهد وغيرهما: نزلت في أهل مكة. وذلك أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عاهد قريشا عام الحديبية، على أن يضعوا الحرب ~~عشر سنين، يأمن فيها الناس، ودخلت خزاعة في عهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ثم عدت بنو بكر على خزاعة فنالت منها، وأعانتهم قريش بالسلاح ~~فلما تظاهر بنو بكر وقريش على خزاعة، ونقضوا العهد، خرج عمرو بن سالم ~~الخزاعي، حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: [الرجز] # 2743- لا هم إني ناشد محمدا # حلف أبينا وأبيه الأتلدا # كنت لنا أبا وكنا ولدا # ثمت أسلمنا ولم ننزع يدا # فانصر هداك الله نصرا أبدا # وادع عباد الله يأتوا مددا # فيهم رسول الله قد تجردا # في فيلق كالبحر يجري مزبدا # أبيض مثل الشمس يسمو صعدا # إن سيم خسفا وجهه تربدا # إن قريشا أخلفوك الموعدا # ونقضوا ميثاقك المؤكدا # هم بيتونا بالهجير هجدا # وقتلونا ركعا وسجدا # وزعموا أن لست تدعو أحدا # وهم أذل وأقل عددا # فقال رسول الله # " لا نصرت إن لم أنصركم " # ، ثم تجهز إلى مكة، ففتح مكة سنة ثمان من الهجرة، فلما كانت سنة ~~تسع أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحج، ثم قال: إنه يحضر ~~المشركون، فيطوفون عراة. # فبعث أبا بكر تلك السنة أميرا على الموسم، ليقيم للناس الحج، وبعث ~~معه بأربعين آية من صدر ms4334 سورة " براءة " ليقرأها على أهل الموسم، ثم بعث ~~عليا على ناقته العضباء ليقرأ على الناس " براءة " وأمره أن يؤذن ~~بمكة، ومنى، وعرفة أن قد برئت ذمة الله، وذمة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من كل مشرك، وألا يطوف بالبيت عريان، فرجع أبو بكر فقال: يا رسول ~~الله بأبي أنت وأمي، أنزل في شأني شيء؟ قال: لا، ولكن لا ينبغي لأحد أن ~~يبلغ هذا إلا رجل من أهلي، أما ترضى يا أبا بكر أنك كنت معي في ~~الغار، وأنك صاحبي على الحوض؟ قال: بلى يا رسول الله، فسار أبو بكر ~~أميرا على الحج، وعلي ليؤذن ب " براءة " فلما كان قبل التروية ~~بيوم خطب أبو بكر الناس، وحدثهم عن مناسكهم، وأقام للناس الحج، ~~والعرب في تلك السنة على منازلهم التي كانوا عليها في الجاهلية من ~~الحج، حتى إذا كان يوم النحر، قام علي بن أبي طالب فأذن في ~~الناس بالذي أمر به، وقرأ عليهم سورة " براءة ". # قال زيد بن يثيع: سألنا عليا بأي شيء بعثت في الحج؟ قال " بعثت ~~بأربع: ألا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النبي صلى الله ~~عليه وسلم عهد فهو إلى مدته، ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر، ولا ~~يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يجتمع المشركون والمسلمون بعد ~~عامهم هذا ". ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم سنة عشر حجة الوداع. # وكان السبب في بعث النبي صلى الله عليه وسلم عليا، أن العرب ~~تعارفوا فيما بينهم في العهود ونقضها ألا يتولى ذلك إلا سيدهم، أو ~~رجل من رهطه، فبعث عليا إزاحة للعلة، لئلا يقولوا هذا خلاف ما ~~نعرفه في نقض العهود. # والدليل على أن أبا بكر كان هو الأمير، أن عليا لما لحقه قال: ~~أمير أو مأمور؟ فقال: مأمور، ثم ساروا وقال أبو هريرة " بعثني أبو بكر في ~~تلك الحجة في مؤذنين يوم النحر، يؤذن بمنى ألا يحج بعد العام ~~مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ". # قوله وأذان. رفع بالابتداء، أي: أذان صادر، أو ms4335 إعلام واصل، ومن الله ~~إما صفة، أو متعلق به، وإلى الناس الخبر، ويجوز أن يكون خبر ~~مبتدأ محذوف أي: وهذا إعلام، والجاران متعلقان به، كما تقدم في ~~براءة. # قال أبو حيان: " ولا وجه لقول من قال: إنه معطوف على " براءة " ، ~~كما لا يقال " عمرو " معطوف على " زيد " في: زيد قائم وعمرو قاعد ". # وقرأ الضحاك وعكرمة وأبو المتوكل " وإذن " بكسر الهمزة وسكون الذال، ~~وقرأ العامة " أن الله " بفتح الهمزة على أحد وجهين، إما كونه ~~خبرا ل " أذان " ، أي: الإعلام من الله براءة من المشركين. وضعف ~~أبو حيان هذا الوجه، ولم يذكر تضعيفه. وإما على حذف حرف الجر، أي: ~~بأن الله، ويتعلق هذا الجار إما بنفس المصدر، وإما بمحذوف ~~على أنه صفة ويوم منصوب بما تعلق به الجار في قوله إلى الناس. ~~وزعم بعضهم أنه منصوب ب " أذان " وهو فاسد من وجهين: # أحدهما: وصف المصدر قبل عمله. # الثاني: الفصل بينه وبين معموله بأجنبي، وهو الخبر، وقرأ الحسن ~~والأعرج بكسر الهمزة وفيه المذهبان المشهوران، مذهب البصريين إضمار ~~القول، ومذهب الكوفيين إجراء الأذان مجرى القول. # فصل # والأذان: الإعلام، قال الأزهري: " آذنته إيذانا. فالأذان يقوم ~~مقام الإيذان، وهو المصدر الحقيقي " ومنه: أذان الصلاة، ومنه قوله عليه ~~الصلاة والسلام للاتي غسلن ابنته زينب: # " فإذا فرغتن فآذنني " # أي: أعلمنني، فلما فرغنا آذناه، أي: أعلمناه، والأذان معروف. # ونقل النووي في " التهذيب " عن الهروي قال: ويقال فيه الأذان، ~~والأذين، والإيذان قال: وقال شيخي: الأذين هوالمؤذن المعلم بأوقات ~~الصلوات " فعيل " بمعنى " مفعل " [وقوله عليه السلام: # " ما أذن الله كأذنه " # بكسر الذال منه، وقوله: " كأذنه " بفتح الذال، والأذن بضم الذال ~~وسكونها: أذن الحيوان، مؤنثة، وتصغيرها: أذينة. و " إذن " في قوله عليه ~~السلام: # " فلا إذن " # حرف مكافأة وجواب، يكتب بالنون، وإذا وقفت على " إذن " قلت كما تقول: ~~رأيت زيدا. قال الجوهري]. # قوله: " من المشركين " متعلق بنفس " بريء " ، ما يقال: برئت ~~منه، وهذا بخلاف قوله: { برآءة من الله } [التوبة:1] فإنها ~~هناك تحتمل هذا، وتحتمل أن تكون صفة ل " براءة ". # قوله ورسوله الجمهور على ms4336 رفعه، وفيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه مبتدأ، والخبر محذوف أي: ورسوله بريء منهم، وإنما حذف، ~~للدلالة عليه. # والثاني: أنه معطوف على الضمير المستتر في الخبر، وجاز ذلك للفصل ~~المسوغ للعطف، فرفعه على هذا بالفاعلية والتقدير: برئ الله ورسوله [من ~~المشركين]. # الثالث: أنه معطوف على محل اسم " أن " وهذا عند من يجيز ذلك في ~~المفتوحة قياسا على المكسورة، قال ابن عطية " ومذهب الأستاذ - يعني ~~ابن الباذش - على مقتضى كلام سيبويه أن لا موضع لما دخلت عليه [ " أن ~~" إذ هو معرب، قد ظهر فيه عمل العامل، وأنه لا فرق بين " أن " وبين " ~~ليت " والإجماع على أن لا موضع لما دخلت عليه] هذه ". # قال أبو حيان: " وفيه تعقب؛ لأن كون " أن " لا موضع لما دخلت ~~عليه ليس ظهور عمل العامل بدليل " ليس زيد بقائم " وما في الدار من ~~رجل، فإنه ظهرعمل العامل ولهما موضع وقوله: " بالإجماع " يريد أن " ليت ~~" لا موضع لما دخلت عليه بالإجماع، وليس كذلك؛ لأن الفراء خالف، وجعل حكم ~~" ليت " وأخواتها جميعا حكم " إن " بالكسر ". # قال شهاب الدين قوله: " بدليل ليس زيد بقائم.. " إلى آخره قد يظهر ~~الفرق بينهما، فإن هذا العامل، وإن ظهر عمله في حكم المعدوم، إذ هو ~~زائد، فلذلك اعتبرنا الموضع معه، بخلاف " أن " بالفتح، فإنه عامل ~~غير زائد، وكان ينبغي أن يرد عليه قوله: وأن لا فرق بين " أن " ~~وبين " ليت " فإن الفرق قائم، وذلك أن حكم الابتداء قد انتسخ مع ~~" ليت " ، و " لعل " ، و " كأن " لفظا ومعنى، بخلافه مع " إن ~~" ، و " أن " ، فإن معناه معهما باق. وقرأ عيسى بن عمر، وزيد بن علي ~~وابن أبي إسحاق " ورسوله " بالنصب، وفيه وجهان: # أظهرهما: أنه عطف على لفظ الجلالة، والثاني: أنه مفعول معه. # قال الزمخشري. وقرأ الحسن " ورسوله " بالجر، وفيها وجهان: # أحدهما: أنه مقسم به، أي: ورسوله إن الأمر كذلك، وحذف جوابه لفهم ~~المعنى. # والثاني: أنه على الجواز، كما أنهم نعتوا وأكدوا على الجواز، وقد ~~تقدم تحقيقه. وهذه القراءة يبعد صحتها عن الحسن، للإبهام، حتى ~~يحكى أن أعرابيا ms4337 سمع رجلا يقرأ " ورسوله " بالجر، فقال ~~الأعرابي: إن كان الله قد برىء من رسوله فأنا بريء منه، فلببه ~~القارىء إلى عمر - رضي الله عنه - فحكى الأعرابي الواقعة، فحينئذ أمر ~~عمر بتعليم العربية. ويحكى أيضا هذه عن أمير المؤمنين علي، وأبي ~~الأسود الدؤلي - رضي الله عنهما - قال أبو البقاء: " ولا يكون عطفا ~~على " المشركين " لأنه يؤدي إلى الكفر ". وهذا واضح. # فصل # قال بعض المفسرين قوله: { برآءة من الله ورسوله إلى ~~الذين عاهدتم من المشركين } جملة تامة مخصوصة ~~بالمشركين، وقوله: { وأذان من الله ورسوله إلى الناس ~~يوم الحج الأكبر } جملة أخرى ثانية معطوفة على الجملة الأولى، ~~وهي عامة في حق جميع الناس؛ لأن ذلك يجب أن يعرفه المؤمن والمشرك، ~~من حيث إن الحكم المتعلق بذلك يلزمهما جميعا، فيجب على المؤمنين أن ~~يعرفوا الوقت الذي يباح فيه القتال من الوقت الذي يحرم فيه، فأمره تعالى ~~بهذا الإعلام يوم الحج الأكبر، وهو الجمع الأعظم، ليصل ذلك الخبر إلى ~~الكل، فيشتهر. # وفي هذا العطف الإشكال الذي ذكره أبو حيان في صدر الآية عند قوله { ~~وأذان من الله }. # فصل # اختلفوا في يوم الحج الأكبر، فقال ابن عباس في رواية عكرمة " إنه ~~يوم عرفة " وهو قول عمر، وسعيد بن المسيب، وابن الزبير، وعطاء، ~~وطاووس، ومجاهد، وإحدى الروايتين عن علي، ورواية المسور بن مخرمة عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية ~~عرفة، فقال: # " أما بعد فإن هذا يوم الحج الأكبر " # لأن معظم أفعال الحج فيه، # " وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر عند الجمرات، ~~وقال: " هذا يوم الحج الأكبر " # وقال عليه الصلاة والسلام # " الحج عرفة " # ولأن أعظم أعمال الحج الوقوف بعرفة؛ لأن من أدركه، فقد أدرك الحج، ~~ومن فاته فقد فاته الحج. # وقال ابن عباس في رواية عطاء يوم الحج الأكبر: يوم النحر، وهو قول ~~النخعي، والشعبي، والسدي، وإحدى الروايتين عن علي، وقول المغيرة ~~بن شعبة وسعيد بن جبير. # وروى ابن جريج عن مجاهد أنه قال: ms4338 يوم الحج الأكبر أيام منى كلها، ~~وهو مذهب سفيان الثوري، وكان يقول: يوم الحج الأكبر: أيامه كلها، كما ~~يقال: يوم صفين، ويوم الجمل، ويراد به الحين والزمان. # وأما تسميته بيوم الحج الأكبر، فإن قلنا: إنه يوم عرفة؛ فلأنه أعظم ~~واجباته، ومن فاته الحج، وكذلك إن قلنا: إنه يوم النحر، لأن معظم ~~أفعال الحج يفعل فيه، وقال الحسن: سمي بذلك لاجتماع المسلمين ~~والمشركين فيه، وموافقته لأعياد أهل الكتاب، ولم يتفق ذلك قبله ولا بعده، ~~فعظم ذلك اليوم في قلب كل مؤمن وكافر، وطعن الأصم في هذا الوجه وقال: ~~عيد الكفار فيه سخط. وهذا الطعن ضعيف؛ لأن المراد أن ذلك ~~اليوم استعظمه جميع الطوائف، فلذلك وصف بالأكبر. # وقيل سمي بذلك؛ لأن المسلمين والمشركين حجوا في تلك السنة، ~~وقيل: الأكبر الوقوف بعرفة والأصغر النحر، قاله مجاهد، ونقل عن ~~مجاهد: الأكبر القران، والأصغر الإفراد، فإن قيل: قوله: { برآءة ~~من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من ~~المشركين } وقوله { أن الله بريء من المشركين ~~ورسوله } لا فرق بينهما، فما فائدة هذا التكرار؟ # فالجواب من وجوه: # الأول: أن المقصود من الأول البراءة من العهد، ومن الثاني: ~~البراءة التي هي نقيض الموالاة، ويدل على هذا الفرق في البراءة الأولى ~~برىء إليهم، وفي الثانية برئ منهم. # الثاني: أنه تعالى في الكلام الأول، أظهر البراءة عن المشركين ~~الذين عاهدوا ونقضوا العهد، وفي هذه الآية أظهر البراءة عن المشركين من ~~غير أن وصفهم بوصف معين، تنبيها على أن الموجب لهذه البراءة كفرهم ~~وشركهم. # قوله " فإن تبتم " عن الشرك، وأخلصتم التوحيد: { فهو خير ~~لكم وإن توليتم } أعرضتم عن الإيمان { فاعلموا ~~أنكم غير معجزي الله } وذلك وعيد عظيم. # ثم قال { وبشر الذين كفروا بعذاب أليم } في الآخرة، ~~والبشارة - ههنا - وردت على سبيل الاستهزاء كما يقال: تحيتهم الضرب، ~~وإكرامهم الشتم. # قوله { إلا الذين عاهدتم من المشركين } في هذا ~~الاستثناء ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه استثناء منقطع، والتقدير: لكن الذين عاهدتم فأتموا ~~إليهم عهدهم، وإلى هذا نحا الزمخشري، فإنه قال: " فإن قلت: مما ~~استثنى قوله: " إلا ms4339 الذين عاهدتم "؟ قلت: وجهه أن يكون مستثنى من ~~قوله: " فسيحوا في الأرض "؛ لأن الكلام خطاب للمسلمين ومعناه: ~~براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين، فقولوا لهم: ~~سيحوا إلا الذين عاهدتم منهم، ثم لم ينقصوا فأتموا إليهم عهدهم، ~~والاستثناء بمعنى الاستدراك، كأنه قيل بعد أن أمروا في الناكثين، ولكن ~~الذين لم ينكثوا، فأتموا إليهم عهدهم، ولا تجروهم مجراهم. # الثاني: أنه استثناء متصل، وقبله جملة محذوفة، تقديره: اقتلوا ~~المشركين المعاهدين إلا الذين عاهدتم، وفيه ضعف؛ قاله الزجاج، ~~فإنه قال: " إنه عائد إلى قوله: " براءة " والتقدير: براءة من الله ~~ورسوله إلى المشركين المعاهدين إلا الذين لم ينقضوا العهد ". # الثالث: أنه مبتدأ، والخبر قوله: " فأتموا إليهم " قاله أبو ~~البقاء، وفيه نظر؛ لأن الفاء تزاد في غير موضعها، إذ المبتدأ لا يشبه ~~الشرط؛ لأنه لأناس بأعيانهم، وإنما يتمشى على رأي الأخفش، إذ ~~يجوز زيادتها مطلقا، والأولى أنه منقطع، لأنا لو جعلناه ~~متصلا مستثنى من المشركين في أول السورة، لأدى إلى الفصل بين ~~المستثنى، والمستثنى منه بجمل كثيرة. # قوله { ثم لم ينقصوكم شيئا } الجمهور " ينقصوكم " ~~بالصاد المهملة، وهو يتعدى لواحد، ولاثنين، ويجوز ذلك فيه هنا ف " ~~كم " مفعول أول، و " شيئا " إما معفول ثان، وإما مصدر، أي: ~~شيئا من النقصان، أو: لا قليلا، ولا كثيرا من النقصان. # وقرأ عطاء بن السائب الكوفي وعكرمة، وابن السميفع، وأبو زيد " ~~ينقضوكم " بالضاد المعجمة وهي على حذف مضاف، أي: ينقضوا عهدكم، ~~فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. # قال الكرماني: " وهي مناسبة لذكر العهد ". أي: إن النقض يطابق ~~العهد، وهي قريبة من قراءة العامة، فإن من نقض العهد فقد نقص من ~~المدة، إلا أن قراءة العامة أوقع لمقابلها التمام. # فصل # ومعنى قوله: { إلا الذين عاهدتم من المشركين } وهم ~~بنو ضمرة حي من كنانة، أمر الله ورسوله بإتمام عهدهم إلى مدتهم، وكان قد ~~بقي من مدتهم تسعة أشهر وكان السبب فيه أنهم لم ينقضوا، أي: لم ينقضوا ~~شيئا من عهدهم الذي عاهدتموهم عليه، " ولم يظاهروا " لم يعاونوا " ~~عليكم أحدا " من ms4340 عدوكم، " فأتموا إليهم عهدهم " الذي عاهدتموهم ~~عليه، أي: أوفوا بعهدهم: " إلى مدتهم " إلى أجلهم الذي عاهدتموهم عليه ~~{ إن الله يحب المتقين } أي: إن هذه الطائفة لما اتقوا النقض، ~~ونكث العهد، استحقوا من الله أن يصان عهدهم أيضا عن النقض والنكث. ### || [9.5-7] # قوله تعالى: { فإذا انسلخ الأشهر الحرم } الآية. # قال الليث " يقال سلخت الشهر: إذا خرجت منه ". و " الانسلاخ " هنا من ~~أحسن الاستعارات، وقد بين ذلك أبو الهيثم، فقال: " يقال: أهللنا شهر ~~كذا، أي: دخلنا فيه، فنحن نزداد كل ليلة منه إلى مضي نصفه لباسا، ~~ثم نسلخه عن أنفسنا جزءا فجزءا إلى أن ينقضي وينسلخ "؛ وأنشد: [الطويل] # 2744- إذا ما سلخت الشهر أهللت مثله # كفى قاتلا سلخي الشهور وإهلالي # والألف واللام في " الأشهر " يجوز أن تكون للعهد، والمراد بها: الأشهر ~~المتقدمة في قوله: # فسيحوا في الأرض أربعة أشهر # [التوبة:2]، والعرب إذا ذكرت نكرة، ثم أرادت ذكرها ثانيا أتت بضميره؛ ~~أو بلفظه معرفا ب " أل " ، ولا يجوز حينئذ أن نصفه بصفة تشعر ~~بالمغايرة، فلو قيل: " رأيت رجلا، فأكرمت الرجل الطويل " لم ترد ~~بالثاني الأول وإن وصفته بما لا يقتضي المغايرة جاز، كقولك: فأكرمت ~~الرجل المذكور، ومنه هذه الآية، فإن " الأشهر " قد وصفت ب " الحرم " ~~، وهي صفة مفهومة من فحوى الكلام فلم تقتض المغايرة، ويجوز أن يراد بها ~~غير الأشهر المتقدمة، فلا تكون " أل " للعهد وقد ذكر المفسرون الوجهين. # قالوا: المراد بالأشهر الحرم: الأربعة، رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، ~~والمحرم. # وقال مجاهد وابن إسحاق: " هي شهور العهد فمن كان له عهد فعهده أربعة ~~أشهر، ومن لا عهد له فأجله إلى انقضاء المحرم خمسون يوما ". # وقيل لها حرم: لأن الله حرم فيها على المؤمنين دماء المشركين ~~والتعرض لهم. # فإن قيل: هذا القدر بعض الأشهر الحرم، والله تعالى يقول: { فإذا ~~انسلخ الأشهر الحرم }. قيل: لما كان القدر متصلا بما مضى ~~أطلق عليه اسم الجمع، ومعناه: مضت المدة المضروبة التي يكون معها انسلاخ ~~الأشهر الحرم. # قوله { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم ~~واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد }. # اعلم ms4341 أنه تعالى أمر بعد انقضاء الأشهر الحرم بأربعة أشياء: # أولها: قوله: { فاقتلوا المشركين } أي: على الإطلاق في أي ~~وقت كان في الحل أو الحرم. # وثانيها: " وخذوهم " أي: أسروهم. # وثالثها: " واحصروهم " والحصر: المنع، أي: امنعوهم من الخروج إن ~~تحصنوا، قاله ابن عباس. # وقال الفراء " امنعوهم من دخول مكة والتصرف في بلاد الشام ". # ورابعها: قوله { واقعدوا لهم كل مرصد }. في انتصاب " كل ~~" وجهان: # أحدهما: أنه منصوب على الظرف المكاني. # قال الزجاج " نحو: ذهبت مذهبا ". ورد عليه الفارسي هذا القول من ~~حيث إنه ظرف مكان مختص، والمكان المختص لا يصل إليه الفعل بنفسه ~~بل بواسطة؛ في نحو: صليت في الطريق وفي البيت، ولا يصل بنفسه إلا ~~في ألفاظ محصورة بعضها ينقاس، وبعضها يسمع، وجعل هذا نظير ما فعل ~~سيبويه في بيت ساعدة: [الكامل] # 2745- لدن بهز الكف يعسل متنه # فيه كما عسل الطريق الثعلب # وهو أنه جعله مما حذف فيه الحرف اتساعا، لا على الظرف، لأنه ~~ظرف مكان مختص. # قال أبو حيان " إنه ينتصب على الظرف؛ لأن معنى " واقعدوا " لا ~~يراد به حقيقة القعود، وإنما يراد: ارصدوهم، وإذا كان كذلك فقد اتفق ~~العامل والظرف في المادة، ومتى اتفقا في المادة لفظا، أو معنى، وصل ~~إليه بنفسه، تقول: جلست مجلس القاضي، وقعدت مجلس القاضي، والآية من هذا ~~القبيل ". # والثاني: أنه منصوب على إسقاط حرف الجر، وهو " على " ، أي: على كل ~~مرصد قاله الأخفش، وجعله مثل قول الآخر: [الطويل] # 2746- تحن فتبدي ما بها من صبابة # وأخفي الذي لولا الأسى لقضاني # وهذا لا ينقاس، بل يقتصر فيه على السماع، كقوله: # لأقعدن لهم صراطك # [الأعراف:16]، أي: على صراطك، اتفق الكل على تقدير " على " ، وقال ~~بعضهم: هو على تقدير الباء، أي: بكل مرصد، نقله أبو البقاء، وحينئذ تكون ~~الباء بمعنى " في " فينبغي أن تقدر " في " لأن المعنى عليها؛ وجعله ~~نظير قول الشاعر: [الوافر] # 2747- نغالي اللحم للأضياف نيئا # ونرخصه إذا نضج القدور # و " المرصد " مفعل من: رصده يرصده، أي: رقبه يرقبه، وهو ~~يصلح للزمان والمكان والمصدر، قال عامر بن الطفيل: ms4342 [الكامل] # 2748- ولقد علمت وما إخالك ناسيا # أن المنية للفتى بالمرصد # والمرصاد: المكان المختص بالترصد، والمرصد: يقع على الراصد، ~~سواء كان مفردا أم مثنى أم مجموعا، وكذلك يقع على " المرصود ". ~~وقوله تعالى: # فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا # [الجن:27] يحتمل كل ذلك؛ وكأنه في الأصل مصدر، فلذلك التزم فيه ~~الإفراد والتذكير. # ومعنى الآية: اقعدوا لهم على كل طريق - والمرصد: الموضع الذي يرقب ~~فيه العدو يريد: كونوا لهم رصدا، لتأخذوهم من أي وجه توجهوا. # قوله: { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~فخلوا سبيلهم } أي: دعوهم ليتصرفوا في أمصارهم، ويدخلوا مكة ~~" إن الله غفور " لمن تاب " رحيم " به. # واحتجوا بهذه الآية على قتل تارك الصلاة؛ لأن الله تعالى أباح دم ~~الكفار مطلقا ثم حرمها عند التوبة، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ~~فإذا لم توجد الثلاثة، فإباحة الدم بحالها. # قال الحسين بن الفضل: " هذه الآية تنسخ كل آية في القرآن فيها ذكر ~~الإعراض والصبر على أذى الأعداء ". # قوله تعالى: { وإن أحد من المشركين استجارك ~~فأجره } الآية. # روى ابن عباس: أن رجلا من المشركين قال لعلي بن أبي طالب - رضي الله ~~عنه -: إن أردنا أن نأتي الرسول بعد انقضاء هذا الأجل لسماع كلام الله، ~~أو لحاجة أخرى، فهل نقتل؟ فقال علي - رضي الله عنه -: " لا " لأن ~~الله قال: { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره ~~} أي: فأمنه حتى يسمع كلام الله. # فتقرير النظم: أنه لما أوجب بانسلاخ الأشهر الحرم قتل المشركين، دل ~~ذلك على أن حجة الله تعالى قد قامت عليهم، وأن ما ذكره عليه الصلاة ~~والسلام قبل ذلك من الدلائل كفى في إزاحة عذرهم، وذلك يقتضي أن أحدا ~~من المشركين لو طلب الدليل والحجة لا يلتفت إليه، بل يطالب إما ~~بالإسلام، وإما بالقتل، فذكر الله تعالى هذه الآية إزالة لهذه الشبهة، ~~وبين أن الكافر إذا جاء طالبا الدليل والحجة، أو طالبا لاستماع ~~القرآن، فإنه يجب إمهاله ويحرم قتله. # قوله: { وإن أحد } كقوله # إن امرؤ هلك # [النساء:176] في كونه من باب الاشتغال عند الجمهور. # قال ms4343 ابن الخطيب: " أحد " مرتفع بفعل مضمر يفسره الظاهر، ~~وتقديره: " وإن استجارك أحد، ولا يجوز أن يرتفع بالابتداء، لأن " إن ~~" من عوامل الفعل لا تدخل على غيره ". قوله " حتى يسمع " يجوز أن ~~تكون هنا للغاية، وأن تكون للتعليل، وعلى كلا التقديرين تتعلق بقوله ~~" فأجره " ، وهل يجوز أن تكون هذه المسألة من باب التنازع أم لا؟ ~~وفيه غموض، وذلك أنه يجوز من حيث المعنى أن تعلق " حتى " بقوله " ~~استجارك " ، أو بقوله " فأجره " إذ يجوز تقديره: وإن استجارك أحد ~~حتى يسمع كلام الله فأجره، حتى يسمع كلام الله. والجواب أنه لا ~~يجوز عند الجمهور، لأمر لفظي من جهة الصناعة لا معنوي، فإنا لو جعلناه ~~من التنازع، وأعملنا الأول مثلا، لاحتاج الثاني إليه مضمرا على ~~ما تقرر، وحينئذ يلزم أن " حتى " تجر المضمر، و " حتى " لا ~~تجره إلا في ضرورة شعر كقوله: [الوافر] # 2749- فلا والله لا يلقى أناس # فتى حتاك يا ابن أبي يزيد # وأما عند من يجيز أن تجر المضمر؛ فلا يمتنع ذلك عنده، ويكون من ~~إعمال الثاني لحذفه، ويكون كقولك: فرحت ومررت بزيد، أي: فرحت ~~به، ولو كان من إعمال الأول لم يحذفه من الثاني، وقوله: " ~~كلام الله " من باب إضافة الصفة لموصوفها، لا من باب إضافة ~~المخلوق للخالق، و " مأمنه " يجوز أن يكون مكانا، أي: مكان ~~أمنه، وأن يكون مصدرا، أي: ثم أبلغه أمنه. # فصل في المراد من الآية # معنى الآية: وإن استجارك أحد من المشركين الذين أمرتك بقتالهم ~~وقتلهم أي: استأمنك بعد انسلاخ الأشهر الحرم، ليسمع كلام الله " فأجره " ~~، وأمنه " حتى يسمع كلام الله " فيما له وعليه من الثواب والعقاب. # " ثم أبلغه مأمنه " أي: إن لم يسلم أبلغه الموضع الذي يأمن فيه، ~~وهو دار قومه، فإن قاتلك بعد ذلك، وقدرت عليه فاقتله. { ذلك ~~بأنهم قوم لا يعلمون } ، لا يعلمون دين الله وتوحيده، ~~فهم محتاجون إلى سماع كلام الله. # قال الحسن " هذه الآية محكمة إلى يوم القيامة ". # فصل # قالت المعتزلة: هذه الآية تدل على أن كلام الله يسمعه الكافر، ~~والمؤمن، والزنديق، ms4344 والصديق والذي يسمعه جمهور الخلق؛ ليس إلا هذه ~~الحروف والأصوات، فدل ذلك على أن كلام الله ليس إلا هذه الحروف ~~والأصوات، ثم من المعلوم بالضرورة، أن الحروف والأصوات لا تكون ~~قديمة، لأن تكلم الله بهذه الحروف، إما أن يكون معا، أو على ~~الترتيب، فإن تكلم بها معا لم يحصل منه هذا الكلام المنتظم؛ لأن ~~الكلام لا يحصل منتظما إلا عند دخول هذه الحروف في الوجود على ~~التعاقب، فلو حصلت معا، لما حصل الانتظام، فلم يحصل الكلام، وإن حصلت ~~متعاقبة؛ لزم أن ينقضي المتقدم، ويحدث المتأخر، وذلك يوجب الحدوث، فدل ~~هذا على أن كلام الله محدث - قالوا فإن قلتم: إن كلام الله شيء ~~مغاير لهذه الحروف والأصوات فهو باطل؛ لأن الرسول - عليه الصلاة ~~والسلام - ما كان يشير بقوله { كلام الله } [التوبة:6] إلا إلى ~~هذه الحروف والأصوات. # وقال آخرون: ثبت بهذه الآية أن كلام الله ليس إلا هذه الحروف ~~والأصوات، وثبت أن كلام الله قديم، فوجب القول بقدم الحروف والأصوات. # وقال ابن فورك: " إنا إذا سمعنا هذه الحروف والأصوات، فقد سمعنا مع ذلك ~~كلام الله تعالى ". وأنكروا عليه هذا القول؛ لأن الكلام القديم، إما ~~أن يكون نفس هذه الحروف والأصوات، وإما أن يكون شيئا آخر مغايرا لها. # والأول قول الزجاج، وهو باطل، لأن ذلك لا يليق بالعقلاء. # والثاني باطل، لأنا على هذا التقدير، لما سمعنا هذه الحروف ~~والأصوات، فقد سمعنا شيئا آخر يخالف ماهية هذه الحروف والأصوات ~~لكنا نعلم بالضرورة أنا عند سماع هذه الحروف والأصوات لم نسمع شيئا ~~آخر سواها ولم يدرك سمعنا شيئا مغايرا لها، فسقط هذا الكلام. # والجواب عن كلام المعتزلة: أن يقال هذا الذي نسمعه ليس عين كلام الله ~~على مذهبكم؛ لأن كلام الله، ليس الحروف والأصوات التي خلقها أولا، بل ~~تلك الحروف والأصوات انقضت، وهذه التي نسمعها حروف وأصوات فعلها الإنسان، ~~فما ألزمتموه علينا فهو لازم عليكم. # فصل # قال الفقهاء: إذا دخل الكافر الحربي دار الإسلام، كان مغنوما مع ~~ماله، إلا أن يدخل مستجيرا لغرض شرعي، كاستماع ms4345 كلام الله رجاء ~~الإسلام، أو دخل لتجارة، فإن دخل بأمان صبي أو مجنون، فأمانهما شبهة ~~أمان؛ فيجب تبليغه مأمنه، وهو أن يبلغ محروسا في نفسه وماله إلى ~~مكانه الذي هو مأمن له، ومن دخل منهم دار الإسلام رسولا، فالرسالة ~~أمان، ومن دخل ليأخذ مالا له في دار الإسلام، ولماله أمان، فأمان ماله ~~أمان له. # { كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند ~~رسوله } الآية. # في خبر " يكون " ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنه " كيف " ، و " عهد " اسمها والخبر هنا واجب ~~التقديم، لاشتماله على ما له صدر الكلام، وهو الاستفهام، بمعنى ~~الاستنكار، كقولك: كيف يستفتى مثلك؟ أي: لا ينبغي أن يستفتى. # و " للمشركين " على هذا يتعلق إما ب " يكون " ، عند من يجيز في " ~~كان " أن تعمل في الظرف وشبهه، وإما بمحذوف، على أنها صفة ل " ~~عهد " ، في الأصل، فلما قدمت نصبت حالا، و " عند " يجوز أن ~~تكون متعلقة ب " يكون " أو بمحذوف على أنها صفة ل " عهد " أو ~~متعلقة بنفس " عهد " لأنه مصدر. # والثاني: أن يكون الخبر " للمشركين " ، و " عند " على هذا فيها الأوجه ~~المتقدمة، ويزيد وجها رابعا وهو أنه يجوز أن يكون ظرفا للاستقرار ~~الذي تعلق به " للمشركين ". # والثالث: أن يكون الخبر " عند الله " ، و " للمشركين " على هذا ~~إما تبيين، وإما متعلق ب " يكون " عند من يجيز ذلك - كما تقدم - ~~وإما حال من " عهد ". وإما متعلق بالاستقرار الذي تعلق به ~~الخبر، ولا يبالى بتقديم معمول الخبر على الاسم لكونه حرف جر، " كيف ~~" على هذين الوجهين مشبهة بالظرف، أو بالحال، كما تقدم تحقيقه ~~في: # كيف تكفرون # [البقرة:28]. # ولم يذكروا هنا وجها رابعا - وكان ينبغي أن يكون هو الأظهر - وهو ~~أن يكون الكون تاما، بمعنى: كيف يوجد عهد للمشركين عند الله؟ ~~والاستفهام هنا بمعنى النفي، ولذلك وقع بعده الاستثناء ب " إلا " ~~ومن مجيئه بمعنى النفي أيضا قوله: # 2750- فهذي سيوف يا صدي بن مالك # كثير، ولكن كيف بالسيف ضارب # أي: ليس ضارب بالسيف، وفي الآية محذوف تقديره: كيف يكون للمشركين ~~عهد مع إضمار الغدر فيما وقع ms4346 من العهد. # قوله: { إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام } ~~في الاستثناء وجهان: # أحدهما: أنه منقطع، أي: لكن الذين عاهدتم، فإن حكمهم كيت وكيت. # والثاني: أنه متصل، وفيه حينئذ احتمالان: # أحدهما: أنه منصوب على أصل الاستثناء من المشركين. # والثاني: أنه مجرور على البدل منهم؛ لأن معنى الاستفهام المتقدم ~~نفي، أي: ليس يكون للمشركين عهد إلا للذين لم ينكثوا، وقياس قول أبي ~~البقاء فيما تقدم أن يكون مرفوعا بالابتداء، والجملة من قوله " ~~فما استقاموا " خبره. # فصل # معنى الآية: أي: لا يكون لهم عهد عند الله، ولا عند رسوله وهم يغدرون، ~~وينقضون العهد، ثم استثنى فقال: { إلا الذين عاهدتم عند ~~المسجد الحرام }. # قال ابن عباس: " هم قريش ". # وقال قتادة " هم أهل مكة الذين عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يوم الحديبية ". # قال تعالى: { فما استقاموا لكم } أي: على العهد { ~~فاستقيموا لهم } [يعني ما أقاموا على العهد ثم إنهم لم ~~يستقيموا] ونقضوا العهد، وأعانوا بني بكر على خزاعة، فضرب لهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بعد الفتح أربعة أشهر يختارون من أمرهم، وإما أن ~~يلحقوا بأي بلاد شاءوا، فأسلموا قبل الأربعة أشهر. # وقال السدي والكلبي وابن إسحاق: إنهم قبائل من بني بكر وهم خزيمة، وبنو ~~مدلج من ضمرة، وبنو الديل، وهم الذين كانوا قد دخلوا في عهد قريش يوم ~~الحديبية ولم يكن نقض إلا قريش، وبنو الديل من بكر؛ فأمر بإتمام العهد ~~لمن لم ينقض وهو بنو ضمرة، وهذا القول أقرب إلى الصواب؛ لأن هذه ~~الآيات نزلت بعد نقض قريش العهد وبعد فتح مكة؛ لأن بعد الفتح كيف ~~يقول قد مضى: { فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم }. # وإنما هم الذين قال الله - عز وجل - فيهم: # إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ~~ينقصوكم شيئا # [التوبة:4] كما نقصكم قريش، ولم يظاهروا عليكم كما ظاهرت قريش بني بكر ~~على خزاعة، وهم حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قوله " فما استقاموا " يجوز في " ما " أن تكون مصدرية ظرفية، ~~وهي محل نصب على ذلك أي: فاستقيموا ms4347 لهم مدة استقامتهم لكم، ويجوز أن ~~تكون شرطية، وحينئذ ففي محلها وجهان: # أحدهما: أنها في محل نصب على الظرف الزماني، والتقدير: أي زمان ~~استقاموا لكم فاستقيموا لهم، ونظره أبو البقاء بقوله: # ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها # [فاطر:2]. # والثاني: أنها في محل رفع بالابتداء، وفي الخبر الأقوال المشهورة، و " ~~فاستقيموا لهم " جواب الشرط، وقد نحا إليه الحوفي، ويحتاج إلى حذف ~~عائد، أي: أي زمان استقاموا لكم فاستقيموا لهم، وقد جوز ابن مالك في ~~" ما " المصدرية الزمانية أن تكون شرطية جازمة، وأنشد على ذلك: [الطويل] # 2751- فما تحي لا تسأم حياة وإن تمت # فلا خير في الدنيا ولا العيش أجمعا # ولا دليل فيه، لأن الظاهر الشرطية من غير تأويل بمصدرية وزمان. # قال أبو البقاء: " ولا يجوز أن تكون نافية، لفساد المعنى، إذ يصير ~~المعنى استقيموا لهم؛ لأنهم لم يستقيموا لكم ". ثم قال تعالى: { إن ~~الله يحب المتقين } أي: من اتقى الله فوفى بعهده لمن عاهده. ### || [9.8-10] # قوله تعالى: { كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا ~~فيكم إلا ولا ذمة } الآية. # المستفهم عند محذوف، لدلالة المعنى عليه، فقدره أبو البقاء " كيف ~~تطمئنون، أو كيف يكون لهم عهد "؟ وقدره غيره: كيف لا تقاتلونهم؟. ~~والتقدير الثاني من تقديري أبي البقاء أحسن؛ لأنه من جنس ما تقدم، ~~فالدلالة عليه أقوى. # وقد جاء الحذف في هذا التركيب كثيرا، وتقدم منه قوله تعالى: # فكيف إذا جمعناهم # [آل عمران:25]، # فكيف إذا جئنا # [النساء:41]؛ وقال الشاعر: [الطويل] # 2752- وخبرتماني أنما الموت في القرى # فكيف وهاتا هضبة وكثيب # أي: كيف مات؟ وقال الحطيئة: [الطويل] # 2753- فكيف ولم أعلمهم خذلوكم # على معظم ولا أديمكم قدوا # أي: كيف تلومونني في مدحهم؟ # قال أبو حيان: " وقدر أبو البقاء الفعل بعد " كيف " بقوله: " كيف ~~تطمئنون " ، وقدره غيره ب " كيف لا تقاتلونهم "؟. # قال شهاب الدين: " ولم يقدره أبو البقاء بهذا وحده، بل به، وبالوجه ~~المختار كما تقدم منه ". # قوله " كيف وإن يظهروا " " كيف " تكرار، لاستبعاد ثبات ~~المشركين على العهد، وحذف الفعل، لكونه معلوما، أي: كيف يكون ms4348 لهم عهد ~~وحالهم أنهم إن يظهروا عليكم بعد ما سبق لهم من تأكيد الأيمان ~~والمواثيق، لم ينظروا في حلف ولا عهد ولا يبقوا عليكم. # والجملة الشرطية من قوله: " إن يظهروا " في محل نصب على الحال، ~~أي: كيف يكون لهم عهد، وهم على حالة تنافي ذلك؟ وقد تقدم تحقيق هذا ~~عند قوله: # وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه # [الأعراف:169]، و " لا يرقبوا " جواب الشرط، وقرأ زيد بن علي: " وإن ~~يظهروا " ببنائه للمفعول، من أظهره عليه، أي: جعله غالبا له، يقال: ~~ظهرت على فلان: إذا علوته، وظهرت على السطح: إذا صرت فوقه. # قال الليث: " الظهور: الظفر بالشيء، وأظهر الله المسلمين على ~~المشركين، أي: أعلاهم عليهم ". قال تعالى: # فأصبحوا ظاهرين # [الصف:14] وقوله: # ليظهره على الدين كله # [التوبة:33] أي: ليعليه. # قوله: " لا يرقبوا " قال الليث " رقب الإنسان يرقب رقبة ~~ورقبانا، هو أن ينتظره ". # والمعنى: لا ينتظروا، قاله الضحاك، ورقيب القوم: حارسهم، وقوله: # ولم ترقب قولي # [طه:94] أي: لم تحفظه. # وقال قطرب: " لا يراعوا فيكم إلا ". قوله: " إلا " مفعول به ب " ~~يرقبوا ". وفي " الإل " أقوال. # أحدها: أن المراد به العهد، قاله أبو عبيدة، وابن زيد، والسدي وكذلك ~~الذمة، إلا أنه كرر، لاختلاف اللفظين؛ ومنه قول الشاعر: [البسيط] # 2754- لولا بنو مالك، والإل مرقبة # ومالك فيهم الآلاء والشرف # أي: الحلف؛ وقال آخر: [المتقارب] # 2755- وجدناهم كاذبا إلهم # وذو الإل والعهد لا يكذب # وقال آخر: [الرمل] # 2756- أفسد الناس خلوف خلفوا # قطعوا الإل وأعراق الرحم # وفي حديث أم زرع بنت أبي زرع: " وفي الإل، كريم الخل، برود ~~الظل " أي؛ وفي العهد. # الثاني: أنه القرابة، قاله ابن عباس والضحاك، وبه قال الفراء ~~وأنشدوا لحسان: [الوافر] # 2757- لعمرك إن إلك من قريش # كإل السقب من رأل النعام # وأنشد أبو عبيدة على ذلك قوله: [الرمل] # 2758-......................... # قطعوا الإل وأعراق الرحم # والظاهر أن المراد به العهد - كما تقدم - لئلا يلزم التكرار. # الثالث: أن المراد به الله - تعالى - أي: هو اسم من أسمائه، ~~واستدلوا على ذلك بحديث أبي بكر لما عرض عليه كلام مسيلمة - لعنه ~~الله - " إن هذا ms4349 الكلام لم يخرج من إل " ، أي: الله - عز وجل - قاله ~~أبو مجلز، ومجاهد وقال عبيد بن عمير: يقرأ جبرئل بالتشديد، يعني ~~عبد الله ولم يرتض هذا الزجاج، قال: " لأن أسماءه - تعالى - معروفة في ~~الكتاب والسنة - ولم يسمع أحد يقول: يا إل، افعل لي كذا ". # الرابع: أن: " الإل " الجؤار، وهو رفع الصوت عند التحالف، وذلك ~~أنهم كانوا إذا تماسحوا، وتحالفوا، جأروا بذلك جؤارا. ومنه قول أبي ~~جهل: [الطويل] # 2759- لإل علينا واجب لا نضيعه # متين قواه غير منتكث الحبل # الخامس: أنه من: أل البرق، أي: لمع. # قال الأزهري: " الأليل: البريق، يقال: أل يؤل، أي: صفا ولمع ~~" ، ومنه الألة، للمعانها. # وقيل: الإل من التحديد، ومنه " الألة " الحربة، وذلك لحدتها، ~~وقد جعل بعضهم بين هذه المعاني قدرا مشتركا، يرجع إليه جميع ما ~~تقدم، فقال الزجاج: " حقيقة الإل عندي على ما توحيه اللغة: ~~التحديد للشيء، فمن ذلك الألة: الحربة، وأذن مؤللة، فالإل ~~يخرج في جميع ما فسر من العهد، والقرابة، والجؤارعلى هذا، فإذا قلت ~~في العهد: بينهما إل، فتأويله أنهما قد حددا في أخذ العهود، ~~وكذلك في الجؤار والقرابة ". # وقال الراغب: " الإل " كل حالة ظاهرة من عهد، وحلف، ~~وقرابة تئل، أي: تلمع، وأل الفرس: أسرع. والألة: الحربة ~~اللامعة " وأنشد غيره على ذلك قول حماس بن قيس يوم فتح " مكة ": ~~[الرجز] # 2760- إن تقتلوا اليوم فما لي عله # سوى سلاح كامل وأله # وذي غرارين سريع السله # قال: وقيل: الإل والإيل: اسمان لله - تعالى -، وليس ذلك بصحيح. # قال الأزهري " " إيل " من أسماء الله بالعبرانية؛ فجاز أن يكون ~~عرب، فقيل: " إل " والأللان: صفحتا السكين ". انتهى، ويجمع الإل ~~في القلة على آل، والأصل: " أألل " بزنة " أفلس " ، فأبدلت ~~الهمزة الثانية ألفا، لسكونها بعد أخرى مفتوحة، وأدغمت اللام في ~~اللام، وفي الكثرة على " إلال " ك " ذئب وذئاب ". # و " الأل " بالفتح: قيل: شدة القنوط. قال الهروي في الحديث: " عجب ~~ربكم من ألكم وقنوطكم ". قال أبو عبيدة: المحدثون يقولونه بكسر ~~الهمزة، والمحفوظ عندنا فتحها، وهو أشبه بالمصادر، كأنه أراد: ~~من شدة قنوطكم، ويجوز أن ms4350 يكون من رفع الصوت، يقال: أل يؤل ~~ألا، وأللا، وأليلا، إذا رفع صوته بالبكاء، ومنه يقال له: الويل ~~والأليل؛ ومنه قول الكميت: [البسيط] # 2761- وأنت ما أنت في غبراء مظلمة # إذا دعت ألليها الكاعب الفضل # انتهى. # وقرأ فرقة " ألا " بالفتح، وهو على ما ذكر من كونه مصدرا، من " أل ~~يؤل إذا عاهد. وقرأ عكرمة: " إيلا " بكسر الهمزة، بعدها ياء ساكنة، ~~وفيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه اسم الله تعالى، ويؤيده ما تقدم في: { جبرائيل } ~~[البقرة:97]، و # إسرائيل # [البقرة:40] أن المعنى: عبد الله. # الثاني: يجوز أن يكون مشتقا من: آل يؤول: إذا صار إلى آخر ~~الأمر، أو من: آل يؤول: إذا ساس، قاله ابن جني، أي: لا يرقبون فيكم ~~سياسة ولا مداراة، وعلى التقديرين سكنت الواو بعد كسرة فقلبتء ياء، ~~ك: " ريح ". # الثالث: أنه هو " الإل " المضعف، وإنما استثقل التضعيف، فأبدل ~~إحداهما حرف علة، كقولهم: أمليت الكتاب، وأمللته. # وقال الشاعر: [البسيط] # 2762- يا ليتما أمنا شالت نعامتها # أيما إلى جنة أيما إلى نار # قوله: " ولا ذمة " الذمة قيل: العهد، فيكون مما كرر ~~لاختلاف لفظه، إذا قلنا: إن الإل العهد أيضا، فهو كقوله تعالى: # صلوات من ربهم ورحمة # [البقرة:157]، وقوله: [الوافر] # 2763-.......................... # وألفى قولها كذبا ومينا # وقوله: [الطويل] # 2764-......................... # وهند أتى من دونها النأي والبعد # وقيل: الذمة: الضمان، يقال: هو في ذمتي، أي: في ضماني، وبه ~~سمي أهل الذمة، لدخولهم في ضمان المسلمين. ويقال: له علي ~~ذمة، وذمام ومذمة، وهي الذم قال ذلك ابن عرفة، وأنشد لأسامة بن ~~الحارث: [الطويل] # 2765- يصيح بالأسحار في كل صارة # كما ناشد الذم الكفيل المعاهد # وقال الراغب " الذمام: ما يذم الرجل على إضاعته من عهد، ~~وكذلك الذمة، والمذمة والمذمة، يعني بالفتح والكسر. وقيل: لي ~~مذمة فلا تهتكها " وقال غيره: " سميت ذمة، لأن كل ~~حرمة يلزمك من تضييعها الذم، يقال لها: ذمة، وتجمع على " ذم " ~~، كقوله: [الطويل] # 2766-.......................... # كما ناشد الذم.................... # وعلى ذمم، وذمام ". وقال أبو زيد: " مذمة، بالكسر من ~~الذمام، وبالفتح من الذم ". # وقال الأزهري: " الذمة: الأمان ". وفي الحديث: # " ويسعى بذمتهم أدناهم ". # قال ms4351 أبو عبيد: " الذمة: الأمان ههنا، يقول إذا أعطى أدنى الناس ~~أمانا لكافر نفذ عليهم، ولذلك أجاز عمر - رضي الله عنه - أمان عبد على ~~جميع العسكر ". # وقال الأصمعي " الذمة: ما لزم أن يحفظ ويحمى ". # قوله: " يرضونكم " فيه وجهان: # أحدهما: أنه مستأنف، وهذا هو الظاهر، أخبر أن حالهم كذلك. # والثاني: أنها في محل نصب على الحال من فاعل " لا يرقبوا ". # قال أبو البقاء: " وليس بشيء؛ لأنهم بعد ظهورهم لا يرضون ~~المؤمنين ". # ومعنى الآية: يعطونكم بألسنتهم خلاف ما في قلوبهم. # قوله: { وتأبى قلوبهم } يقال: أبى يأبى، أي: اشتد ~~امتناعه، فكل إباء امتناع من غير عكس، قال: [الطويل] # 2767- أبى الله إلا عدله ووفاءه # فلا النكر معروف ولا العرف ضائع # وقال آخر: [الطويل] # 2768- أبى الضيم والنعمان يحرق نابه # عليه فأفضى والسيوف معاقله # فليس من فسره بمطلق الامتناع بمصيب. ومجيء المضارع منه على " ~~يفعل " بفتح العين شاذ، ومثله " قلى يقلى في لغة ". # فصل # المعنى: { وتأبى قلوبهم } الإيمان { وأكثرهم ~~فاسقون } وفيه سؤالان: # السؤال الأول: أن الموصوفين بهذه الصفة كفار، والكفر أقبح وأخبث من ~~الفسق، فكيف يحسن وصفهم بالفسق في معرض المبالغة؟ # السؤال الثاني: أن الكفار كلهم فاسقون، فلا يبقى لقوله: { ~~وأكثرهم فاسقون } فائدة، والجواب عن الأول: أن الكافر ~~قد يكون عدلا في دينه، وقد يكون فاسقا خبيث النفس في دينه، فالمراد ~~أن هؤلاء الكفار الذين من عادتهم نقض العهود، " أكثرهم فاسقون " في ~~دينهم، وذلك يوجب المبالغة في الذم. # والجواب عن الثاني عين الأول؛ لأن الكافر قد يكون محترزا عن ~~الكذب، ونقض العهد، والمكر، والخديعة وقد يكون موصوفا بذلك، ومثل هذا ~~الشخص يكون مذموما عند جميع الناس، وفي جميع الأديان. # ومعنى الآية: أن أكثرهم موصوف بهذه الصفات الذميمة. وقال ابن عباس ~~" لا يبعد أن يكون بعض أولئك الكفار قد أسلم، وتاب، فلهذا السبب قال: " ~~وأكثرهم فاسقون ". ليخرج عن هذا الحكم، أولئك الذين أسلموا ~~". # قوله { اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن ~~سبيله إنهم سآء ما كانوا يعملون }. # قال مجاهد " أطعم أبو سفيان حلفاءه، وترك حلفاء رسول الله صلى ms4352 الله ~~عليه وسلم فنقضوا العهد الذي كان بينهم بسبب تلك الأكلة ". وقال ابن ~~عباس: " إن أهل الطائف أمدوهم بالأموال ليقووهم على حرب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ". # وقيل: لا يبعد أن تكون طائفة من اليهود، أعانوا المشركين على نقض ~~العهود، فكان المراد من هذه الآية، ذم أولئك اليهود، وهذا اللفظ في ~~القرآن، كالأمر المختص باليهود، ويتأكد هذا بأن الله تعالى أعاد قوله: ~~{ لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة } ولو كان المراد ~~منه المشركين، لكان هذا تكرارا محضا، وإذا حمل على اليهود لم يكن ~~تكرارا، فكان أولى. # ثم قال: " إنهم سآء " أي: بئس " ما كانوا يعملون ". # قال أبو حيان: يجوز أن تكون على بابها من التصرف والتعدي، ~~ومفعولها محذوف، أي: ساءهم الذي كانوا يعملونه، أو عملهم، وأن تكون ~~الجارية مجرى " بئس " فتحول إلى " فعل " بالضم، ويمتنع ~~تصرفها، وتصير للذم، ويكون المخصوص بالذم محذوفا، كما تقرر ~~مرارا. # قوله: { لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة } أي: لا ~~تبقوا عليهم أيها المؤمنون كما لا يبقون عليكم لو ظهروا. { ~~وأولئك هم المعتدون } لنقض العهد، وتعديهم ما حد الله ~~في دينه، وما يوجبه العقد والعهد. ### || [9.11-16] # قوله تعالى: { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة فإخوانكم في الدين }. # لما بين تعالى حال من لا يرقب في الله إلا ولا ذمة، وينقض ~~العهد، ويتعدى ما حد له. بين بعده أنهم إن تابوا، وأقاموا ~~الصلاة، وآتوا الزكاة، فهم: { فإخوانكم في الدين }. # فإن قيل: المعلق على الشيء بكلمة " إن " عدم عند عدم ذلك الشيء، فهذا ~~يقتضي أنه متى لم توجد هذه الثلاثة، ولا تحصل الأخوة في الدين، وهو ~~مشكل؛ لأنه ربما كان فقيرا، أو كان غنيا، لكن قبل انقضاء ~~الحول، لا تلزمه الزكاة. # فالجواب: أنه قد تقدم في تفسير قوله تعالى: # إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه # [النساء:31] أن المعلق على الشيء بكلمة " إن " لا يلزم منه عدم ذلك ~~الشيء، كذلك ههنا، ومن الناس من قال: إن المعلق على الشيء بكلمة ~~" إن " عدم عند عدم ذلك الشيء، ms4353 فهاهنا قال: المؤاخاة بين المسلمين ~~موقوفة على فعل الصلاة والزكاة جميعا، فإن الله شرطها في إثبات ~~المؤاخاة، ومن لم يكن أهلا لوجوب الزكاة عليه؛ وجب عليه أن يقر ~~بحكمها فإذا أقر بهذا الحكم دخل في الشرط الذي به تجب الأخوة. # قوله: فإخوانكم خبر مبتدأ محذوف، أي: فهم إخوانكم، والجملة ~~الاسمية في محل جزم على جواب الشرط، وفي الدين متعلق ب " ~~إخوانكم " لما فيه من معنى الفعل. # فصل # قال أبو حاتم " قال أهل البصرة أجمعون: الإخوة في النسب، والإخوان في ~~الصداقة ". وهذا غلط، يقال للأصدقاء وغير الأصدقاء إخوة، وإخوان، قال ~~الله تعالى # إنما المؤمنون إخوة # [الحجرات:10] ولم يعن النسب، وقال تعالى: # أو بيوت إخوانكم # [النور:61] وهذا في النسب. # قال ابن عباس: " حرمت هذه الآية دماء أهل القبلة " ومعنى قوله: " ~~فإخوانكم " أي: فهم إخوانكم " في الدين " لهم ما لكم، وعليهم ~~ما عليكم، قال ابن مسعود " أمرتم بالصلاة والزكاة فمن لم يزك فلا ~~صلاة له ". # وروى أبو هريرة قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو ~~بكر، وكفر من كفر من العرب فقال عمر: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن ~~قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقها وحسابه ~~على الله " # فقال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق ~~المال، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لقاتلتهم على منعه، قال عمر: " فوالله ما هو إلا أن شرح الله صدر ~~أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق ". # قوله { ونفصل الآيات لقوم يعلمون } قال الزمخشري: ~~وهذا اعتراض واقع بين الكلامين، والمقصود: الحث والتحريض على تأمل ما فصل ~~من أحكام المشركين المعاهدين وعلى المحافظة عليها. # قوله { وإن نكثوا أيمانهم } نقضوا عهودهم، " الأيمان " جمع ~~" يمين " بمعنى: الحلف. " من بعد عهدهم " عقدهم. يعني: مشركي ~~قريش. قال الأكثرون: المراد: نكثهم لعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقيل: المراد: حمل العهد ms4354 على الإسلام، ويؤيده قراءة من قرأ " وإن ~~نكثوا إيمانهم " بكسر الهمزة والأول أولى، للقراءة المشهورة؛ ولأن ~~الآية وردت في ناقضي العهد، وقوله: { وطعنوا في دينكم } أي: ~~عابوه، وهذا دليل على أن الذمي إذا طعن في دين الإسلام ظاهرا لا ~~يبقى له عهد. # قوله: { فقاتلوا أئمة الكفر } أي: متى فعلوا ذلك فافعلوا ~~هذا. قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو " أئمة " بهمزتين ثانيتهما ~~مسهلة بين بين، ولا ألف بينهما. # والكوفيون وابن ذكوان عن ابن عامر بتحقيقهما، من غير إدخال ألف بينهما، ~~وهشام كذلك، إلا أنه أدخل بينهما ألفا، هذا هو المشهور بين القراء ~~السبعة، وفي بعضها كلام يأتي إن شاء الله تعالى، ونقل أبو حيان عن نافع ~~ومن معه، أنهم يبدلون الثانية ياء صريحة، وأنه قد نقل عن نافع ~~المد بينهما، أي: بين الهمزة والياء. فأما قراءة التحقيق، وبين ~~بين، فقد ضعفها جماعة من النحويين، كأبي علي الفارسي، وتابعيه، ومن ~~القراء أيضا من ضعف التحقيق مع روايته له وقراءته به لأصحابه، ~~ومنهم من أنكر التسهيل بين بين، فلم يقرأ به لأصحاب التخفيف، وقرءوا ~~بياء خفيفة الكسر، نصوا على ذلك في كتبهم، وأما القراءة بالياء فهي ~~التي ارتضاها الفارسي، وهؤلاء الجماعة؛ لأن النطق بالهمزتين في ~~كلمة واحدة ثقيل، وهمزة بين بين بزنة المخففة. # والزمخشري جعل القراءة بصريح الياء لحنا، وتحقيق الهمزتين غير مقبول ~~عند البصريين، قال: " فإن قلت: كيف لفظ " أئمة "؟ قلت: بهمزة بعدها همزة ~~بين بين، أي: بين مخرج الهمزة والياء وتحقيق الهمزتين قراءة مشهورة، وإن ~~لم تكن مقبولة عند البصريين، وأما التصريح بالياء فلا يجوز أن ~~تكون، ومن قرأ بها فهو لاحن محرف ". # قال أبو حيان: " وذلك دأبه في تلحين المقرئين، وكيف يكون لحنا، وقد ~~قرأ بها رأس النحاة البصريين أبو عمرو بن العلاء، وقارىء أهل مكة ~~ابن كثير، وقارىء أهل المدينة نافع "؟ # قال شهاب الدين: " لاينقم على الزمخشري شيء، فإنه إنما قال: ~~إنها غير مقبولة عند البصريين، ولا يلزم من ذلك أنه لا يقبلها، غاية ~~ما في الباب أنه نقل ms4355 عن غيره، وأما التصريح بالياء فإنه معذور ~~فيه، لما تقدم من أنه اشتهر بين القراء التسهيل بين بين، لا الإبدال ~~المحض، حتى إن الشاطبي جعل ذلك مذهبا للنحويين، لا للقراء، ~~فالزمخشري إنما اختار مذهب القراء لا مذهب النحاة في هذه اللفظة ". # وقد رد أبو البقاء قراءة التسهيل بين بين، فقال: " ولا يجوز هنا ~~أن تجعل بين بين، كما جعلت همزة " أئذا "؛ لأن الكسرة هنا منقولة، ~~وهناك أصلية، ولو خففت الهمزة الثانية على القياس لقلبت ألفا، ~~لانفتاح ما قبلها، ولكن ترك ذلك لتتحرك بحركة الميم في الأصل ". # قال شهاب الدين " قوله " منقولة " لا يفيد؛ لأن النقل هنا لازم، ~~فهو كالأصل، وقوله " ولو خففت على القياس " إلى آخره، لا يفيد ~~أيضا؛ لأن الاعتناء بالإدغام سابق على الاعتناء بتخفيف الهمزة ". # ووزن " أئمة " " أفعلة " ، لأنها جمع " إمام " ك " حمار ~~وأحمرة " والأصل: " أأممة " فالتقى ميمان، فأريد إدغامهما فنقلت ~~حركة الميم الأولى للساكن قبلها، وهو الهمزة الثانية، فأدى ذلك إلى ~~اجتماع همزتين ثانيتهما مكسورة، فالنحويون البصريون يوجبون إبدال الثانية ~~ياء، وغيرهم يحقق، أو يسهل بين بين، ومن أدخل الألف فللخفة حتى ~~يفرق بين الهمزتين، والأحسن أن يكون ذلك في التحقيق، كما قرأ هشام، ~~وأما ما رواه أبو حيان عن نافع من المد مع نقله عنه أنه يصرح ~~بالياء فللمبالغة في الخفة. # قوله: " لا أيمان لهم " قرأ ابن عامر " لا أيمان " بكسر ~~الهمزة، وهو مصدر آمن يؤمن إيمان. هل هو من الأمان؟ وفي معناه حينئذ ~~وجهان: # أحدهما: أنهم لا يؤمنون في أنفسهم، أي: لا يعطون أمانا بعد نكثهم ~~وطعنهم، ولا سبيل إلى ذلك. # والثاني: الإخبار بأنهم لا يوفون لأحد بعهد يعقدونه له، أو من ~~التصديق أي: إنهم لا إسلام لهم، واختار مكي التأويل الأول، لما فيه ~~من تجديد فائدة لم يتقدم لها ذكر؛ لأن وصفهم بالكفر وعدم الإيمان ~~قد سبق وعرف. # وقرأ الباقون بالفتح، وهو جمع يمين وهذا مناسب للنكث، وقد أجمع على ~~فتح الثانية، ويعني نفي الأيمان عن الكفار، أنهم لا يوفون بها ~~وإن صدرت منهم ms4356 وثبتت؛ وهذا كقول الآخر: [الطويل] # 2769- وإن حلفت لا ينقض النأي عهدها # فليس لمخضوب البنان يمين # وبذلك قال الشافعي، وحمله أبو حنيفة على حقيقته أن يمين الكافر لا ~~تكون يمينا شرعية، وعند الشافعي يمين شرعية. # فصل في المراد من الآية # معنى الآية: قاتلوا الكفار بأسرهم، وإنما خص الأئمة، والسادة ~~بالذكر، لأنهم هم الذين يحرضون الأتباع على الأفعال الباطلة. # قال ابن عباس: " نزلت في أبي سفيان بن حرب، والحارث بن هشام، وسهل ~~بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل، وسائر رؤساء قريش يومئذ، والذين نقضوا ~~العهد، وهم الذين هموا بإخراج الرسول " ، وقال مجاهد " هم أهل فارس ~~والروم " وقال حذيفة بن اليمان " ما قوتل أهل هذه الآية، ولم يأت أهلها ~~بعد ". # { إنهم لا أيمان لهم } أي: لا عهود لهم. ثم قال: { ~~لعلهم ينتهون } وهو متعلق بقوله: { فقاتلوا أئمة ~~الكفر } أي: ليكن غرضكم في مقاتلتهم بعد ما وجد منهم من العظائم أن ~~تكون المقاتلة سببا في انتهائهم عن الكفر. # قوله تعالى: { ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم } ~~لما قال { فقاتلوا أئمة الكفر } أتبعه بذكر السبب الباعث ~~على مقاتلتهم، فقال { ألا تقاتلون قوما نكثوا ~~أيمانهم } نقضوا عهودهم، وهم الذين نقضوا عهد الصلح بالحديبية ~~وأعانوا بني بكر على خزاعة، { وهموا بإخراج الرسول } من ~~مكة حين اجتمعوا في دار الندوة. وقيل: المراد من المدينة، لما أقدموا ~~عليه من المشورة والاجتماع على قصده بالقتل، وقيل: بل هموا على إخراجه ~~من حيث أقدموا على ما يدعوه إلى الخروج، وهو نقيض العهد، وإعانة ~~أعدائه، فأضيف الإخراج إليهم توسعا لما وقع منهم من الأمور الداعية ~~إليه. # وقوله: { وهموا بإخراج الرسول } إما بالفعل، وإما ~~بالعزم عليه، وإن لم يوجد ذلك الفعل بتمامه، واعلم أنه ذكر ثلاثة ~~أشياء، كل واحد منها يوجب مقاتلتهم إذا انفرد، فكيف إذا اجتمعت؟ # أحدها: نكثهم العهد. # والثاني: أنهم هموا بإخراج الرسول، وهذا من أوكد موجبات القتال. # والثالث: قوله { وهم بدءوكم أول مرة } يعني: بالقتال يوم ~~بدر؛ لأنهم حين سلم العير، قالوا: لا ننصرف حتى نستأصل محمدا ومن معه. # وقال ناس ms4357 من المفسرين: أراد أنهم بدأوا بقتال خزاعة حلفاء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. وقال الحسن: لا يجوز أن يكون المراد منه ذلك؛ ~~لأن سورة براءة نزلت بعد فتح مكة. # وقوله: " أول مرة " نصب على ظرف الزمان، وأصلها المصدر من " ~~مر يمر، كما تقدم [الأنعام:94]. # قوله: { أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه } الجلالة ~~مبتدأ، وفي الخبر أوجه: # أحدها: أنه " أحق " ، و " أن تخشوه " على هذا بدل من الجلالة ~~بدل اشتمال، والمفضل عليه محذوف، والتقدير: فخشية الله أحق من ~~خشيتهم. # الثاني: أن " أحق " خبر مقدم، و " أن تخشوه " مبتدأ مؤخر، ~~والجملة خبر الجلالة. # الثالث: أن " أحق " مبتدأ، و " أن تخشوه " خبره، والجملة ~~أيضا خبر الجلالة، قاله ابن عطية، وحسن الابتداء بالنكرة، لأنها أفعل ~~تفضيل، وقد أجاز سيبويه أن تكون المعرفة خبرا للنكرة في نحو: اقصد ~~رجلا خير منه أبوه. # الرابع: أن " أن تخشوه " في محل نصب، أو جر، بعد إسقاط الخافض، ~~إذ التقدير: أحق بأن تخشوه، وقوله: { إن كنتم مؤمنين } شرط ~~حذف جوابه، أو قدم على حسب الخلاف [الأنفال:1]. # فصل # هذا الكلام يقوي داعية القتال من وجوه: # الأول: أن تقرير الموجبات القوية، وتفصيلها مما يقوي هذه ~~الداعية. # الثاني: أنك إذا قلت للرجل: أتخشى خصمك؛ فكأنك تحرضه على القتال، أي: ~~لا تخف منه. # والثالث: قوله { فالله أحق أن تخشوه } أي: إن كنت تخشى ~~أحدا فالله أحق أن تخشاه، لكونه في غاية القدرة، فالضرر المتوقع ~~منهم غايته القتل، وأما المتوقع من الله فالعقاب الشديد في القيامة، ~~والذم اللازم في الدنيا. # والرابع: قوله: { إن كنتم مؤمنين } أي: إن كنتم موقنين ~~بالإيمان، وجب عليكم القتال، أي: إنكم إن لم تقدموا على القتال، وجب أن ~~لا تكونوا مؤمنين. # فصل # حكى الواحدي عن أهل المعاني أنهم قالوا: " إذا قلت: ألا تفعل كذا، ~~فإنما يستعمل ذلك في فعل مقدر وجوده، وإذا قلت: ألست تفعل، فإنما ~~تقول ذلك في فعل تحقق وجوده، والفرق بينهما أن " لا " ينفى بها ~~المستقبل، فإذا أدخلت عليها الألف كان تحضيضا على فعل ما يستقبل، و ms4358 " ~~ليس " إنما تستعمل لنفي الحال، فإذا أدخلت عليها الألف صار لتحقيق الحال ~~". # فصل # نقل عن ابن عباس أنه قال قوله: { ألا تقاتلون قوما } ترغيب في ~~فتح مكة وقوله: { قوما نكثوا أيمانهم } أي: عهدهم، يعني ~~قريشا حين أعانوا بني الديل بن بكر على خزاعة، كما تقدم. # وقال الحسن " لا يجوز أن يكون المراد منه ذلك؛ لأن سورة براءة نزلت ~~بعد فتح مكة ". # فصل # قال الأصم " دلت الآية على أنهم كرهوا هذا القتال، لقوله: # كتب عليكم القتال وهو كره لكم # [البقرة:216] فأمنهم الله تعالى بهذه الآيات ". قال القاضي " إنه تعالى ~~قد يحث على فعل الواجب من لا يكون كارها له، ولا مقصرا فيه، فإن أراد ~~أن مثل هذا التحريض على الجهاد لا يقع إلا وهناك كره للقتال، لا يصح ~~أيضا، لأنه يجوز أن يحث تعالى بهذا الجنس على الجهاد، لكي لا يحصل ~~الكره الذي لولا هذا التحريض كان يقع ". # فصل # قال القرطبي " استدلوا بهذه الآية على وجوب قتل كل من طعن في ~~الدين، إذ هو كافر، والطعن هو أن ينسب إليه ما لا يليق به، أو يعترض ~~بالاستخفاف على ما هو من الدين، لما ثبت بالدليل القطعي على صحة ~~أصوله، واستقامة فروعه " قال ابن المنذر: " أجمع عامة أهل العلم على ~~أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم يقتل ". قال القرطبي: " وأما ~~الذمي إذا طعن في الدين انتقض عهده في المشهور من مذهب مالك، لقوله ~~تعالى: { وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم ~~وطعنوا في دينكم } [التوبة:13] الآية، فأمر بقتلهم وقتالهم، ~~وهو مذهب الشافعي وقال أبو حنيفة: يستتاب، وإن مجرد الطعن لا ~~ينقض به العهد إلا مع وجود النكث ". # فصل # [إذا حارب الذمي انتقض عهده، وكان ماله وولده فيئا معه]. # فصل # قال القرطبي: " أكثر العلماء على أن من سب النبي صلى الله عليه ~~وسلم من أهل الذمة، أو عرض، أو استخف بقدره، أو وصفه بغير الوجه ~~الذي نعت به فإنه يقتل؛ لأنا لم نعطه الذمة أو العهد على هذا، ~~لقوله تعالى: { وإن نكثوا ms4359 أيمانهم } الآية، وقال أبو حنيفة ~~والثوري وأتباعهما من أهل الكوفة: لا يقتل، لأن ما هو عليه من الشرك ~~أعظم، ولكن يؤدب ". # فصل # قال القرطبي: " اختلفوا فيما إذا سبه ثم اسلم تقية من القتل، فقيل: ~~يسقط القتل بإسلامه، وهو المشهور من المذاهب؛ لأن الإسلام يجب ما ~~قبله. بخلاف المسلم إذا سبه ثم تاب، قال تعالى: # قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد ~~سلف # [الأنفال:38]. وقيل: لا يسقط الإسلام قتله، قاله في العتبية ". # قوله تعالى: { قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم } ~~الآية. # اعلم أنه تعالى لما قال في الآية الأولى: " ألا تقاتلون " وذكر ~~الأشياء التي توجب إقدامهم على القتال، ذكر في هذه الآية خمسة أنواع من ~~الفوائد، كل واحد منها يعظم موقعه إذا انفرد فكيف إذا اجتمعت؟. # أولها: قوله: { يعذبهم الله بأيديكم } وسمى ذلك عذابا؛ ~~لأن الله تعالى يعذب الكافرين، إن شاء في الدنيا، وإن شاء في ~~الآخرة، والمراد من هذا العذاب القتل تارة، والأسر أخرى، واغتنام ~~الأموال ثالثا. # فإن قيل: أليس قد قال تعالى: # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم # [الأنفال:33] فكيف قال ههنا: { يعذبهم الله بأيديكم }؟. # فالجواب: المراد من قوله # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم # [الأنفال:33] عذاب الاستئصال والمراد من قوله: { يعذبهم الله ~~بأيديكم } عذاب القتل والحرب، والفرق بين البابين: أن عذاب ~~الاستئصال قد يتعدى إلى غير المذنب، وإن كان في حقه سببا لمزيد ~~الثواب، أما عذاب القتل، فالظاهر أنه مقصور على المذنب. # فصل # احتج أهل السنة على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى بقوله: { ~~يعذبهم الله بأيديكم } فإن المراد من هذا العذاب، ~~القتل والأسر، وظاهر هذا النص يدل على أن ذلك القتل والأسر فعل الله ~~تعالى، يدخله في الوجود على أيدي العباد. # وأجاب الجبائي عنه فقال: لو جاز أن يقال إنه يعذب الكفار بأيدي ~~المؤمنين لجاز أن يقال: إنه يعذب المؤمنين بأيدي الكفار، ولجاز أن يقال: ~~إنه يكذب الأنبياء على ألسنة الكفار، ويلعن المؤمنين على ألسنتهم، ~~لأنه تعالى خالق لذلك، فلما لم يجز ذلك عند المجبرة، علم أنه ms4360 ~~تعالى لم يخلق أعمال العباد، وإنما نسب ما ذكر إلى نفسه على سبيل ~~التوسع من حيث إنه حصل بأمره وألطافه، كما يضيف جميع الطاعات إليه ~~بهذا التفسير. # وأجيب: بأن الذي ألزمتموه علينا فالأمر كذلك، إلا أنا لا نقوله ~~باللسان، كما نعلم أنه تعالى هو الخالق لجميع الأجسام، ثم إنا لا ~~نقول: يا خالق الأبوال والعذرات، ويا مكون الخنافس، والديدان، فكذا ههنا، ~~وأيضا: أنا توافقنا على أن الزنا واللواط وسائر القبائح، إنما حصلت ~~بتقدير الله وتيسيره، ثم لا يجوز أن يقال: يا مسهل الزنا واللواط، ويا ~~دافع الموانع عنها. # وأما قوله: المراد إذن الإقدار، فهذا صرف للكلام عن ظاهره، وذلك لا ~~يجوز إلا لدليل قاهر، والدليل القاهر من جانبنا، فإن الفعل لا ~~يصدر إلا عند الداعية الحاصلة، وحصول تلك الداعية ليس إلا من ~~الله تعالى. # وثانيها: قوله: " ويخزهم " أي: يذلهم بالأسر والقهر، قال الواحدي ~~" إنهم بعد قتلكم إياهم " وهذا يدل على أن الإخزاء وقع بهم في ~~الآخرة، وهذا ضعيف لما تقدم من أن الإخزاء حاصل في الدنيا. # وثالثها: قوله: " وينصركم عليهم " أي: لما حصل لهم الخزي، بسبب ~~كونهم مقهورين فقد حصل النصر للمسلمين [بسبب] كونهم قاهرين. # فإن قيل: لما كان حصول الخزي مستلزما لحصول النصر، كان إفراده ~~بالذكر عبثا. # فالجواب: ليس الأمر كذلك؛ لأنه يحتمل أن يحصل الخزي لهم من جهة ~~المؤمنين، إلا أن المؤمنين يحصل لهم آفة بسبب آخر، فلما قال: " ~~وينصركم عليهم " دل على أنهم ينتفعون بهذا النصر والفتح والظفر. # ورابعها: قوله { ويشف صدور قوم مؤمنين }. قرأ الجمهور ~~بياء الغيبة، ردا على اسم الله تعالى، وقرأ زيد بن علي " نشف " ~~بالنون، وهو التفات حسن، وقال: " قوم مؤمنين " شهادة للمخاطبين ~~بالإيمان، فهو من باب الالتفات، وإقامة الظاهر مقام المضمر، حيث لم يقل ~~" صدوركم ". # والمعنى: ويبرىء داء قلوب قوم مؤمنين مما كانوا ينالونه من ~~الأذى منهم. # ومعلوم أن من طال تأذيه من خصمه، ثم مكنه الله منه على أحسن ~~الوجوه، فإنه يعظم سروره به، ويصير ذلك سببا لقوة النفس، وثبات ~~العزيمة. ms4361 # وقال مجاهد والسدي " أراد صدور خزاعة حلفاء رسول الله، حيث أعانت ~~قريش بني بكر عليهم حتى نكلوا بهم، فشفى الله صدورهم من بني بكر ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم ". # وخامسها: قوله: { ويذهب غيظ قلوبهم } كربها ووجدها ~~بمعونة قريش بني بكر عليهم. # فإن قيل: قوله { ويشف صدور قوم مؤمنين } معناه أنه يشفي ~~من ألم الغيظ، وهذا هو عين إذهاب الغيظ، فكان قوله: { ويذهب ~~غيظ قلوبهم } تكرارا. # فالجواب: أنه تعالى وعدهم بحصول هذا الفتح، فكانوا في زحمة الانتظار، ~~كما قيل: الانتظار الموت الأحمر، فشفى صدورهم من زحمة الانتظار، فظهر ~~الفرق بين قوله: { ويشف صدور قوم مؤمنين } وبين قوله: { ~~ويذهب غيظ قلوبهم } فهذه المنافع الخمسة ترجع إلى تسكين ~~الدواعي الناشئة من القوة الغضبية، وهي التشفي، ودرك الثأر ~~وإزالة الغيظ، ولم يذكر فيها وجدان المال، والفوز بالمطاعم والمشارب؛ ~~لأن العرب جبلوا على الحمية والأنفة، فرغبهم في هذه المعاني لكونها ~~لائقة بطباعهم. # وقرأ الجمهور: " ويذهب " بضم الياء وكسر الهاء من: " أذهب " ، ~~و " غيظ " مفعول به وقرىء " ويذهب " بفتح الياء والهاء، جعله ~~مضارعا ل " ذهب " ، و " غيظ " فاعل به وقرأ زيد بن علي كذلك، إلا ~~أنه رفع الفعل مستأنفا، ولم ينسقه على المجزم قبله، كما قرءوا " ~~ويتوب " بالرفع عند الجمهور. # قوله: { ويتوب الله على من يشآء } قرأ الجمهور بالرفع، ~~وقرأ زيد بن علي، والأعرج، وابن أبي إسحاق، وعمرو بن عبيد، وعمرو بن ~~فائد، وعيسى الثقفي، وأبو عمرو في رواية ويعقوب " ويتوب " بالنصب، ~~فأما قراءة الجمهور فإنها استئناف إخبار، وكذلك وقع، فإنه قد ~~أسلم ناس كثيرون، كأبي سفيان، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو وغيرهم. # قال الزجاج: وأبو الفتح: وهذا أمر موجود، سواء قوتلوا، أم لم ~~يقاتلوا، ولا وجه لإدخال التوبة في جواب الشرط الذي في: " قاتلوهم ". ~~يعنيان بالشرط: ما فهم من الجملة الأمرية. قالوا: ونظيره: # فإن يشإ الله يختم على قلبك # [الشورى:24] وتم الكلام ههنا، ثم استأنف فقال: # ويمح الله الباطل # [الشورى:24] وأما قراءة زيد ومن ذكر معه فإن التوبة تكون داخلة ~~في جواب الأمر ms4362 من طريق المعنى، وفي توجيه ذلك غموض، فقال بعضهم: إنه ~~لما أمرهم بالمقاتلة شق ذلك على بعضهم، فإذا أقدموا على المقاتلة ~~صار ذلك العمل جاريا مجرى التوبة من تلك الكراهة، قاله الأصم. فيصير ~~المعنى: إن تقاتلوهم يعذبهم الله، ويتب عليكم من تلك الكراهة ~~لقتالهم، وقال آخرون - في توجيه ذلك -: إن حصول الظفر وكثرة الأموال ~~لذة تطلب بطريق حرام، فلما حصلت لهم بطريق حلال، كان ذلك ~~داعيا لهم إلى التوبة مما تقدم، فصارت التوبة معلقة على المقاتلة. # وقال ابن عطية - في توجيه ذلك -: " يتوجه عندي إذا ذهب إلى أن التوبة ~~يراد بها هنا قتل الكافرين والجهاد في سبيل الله، هو توبة لكم أيها ~~المؤمنون، وكمال لإيمانكم، فتدخل التسوية على هذا في شرط القتال ". # قال أبو حيان " وهذا الذي قرروه من كون التوبة تدخل تحت جواب الأمر ~~بالنسبة للمؤمنين الذين أمروا بقتال الكفار، والذي يظهر أن ذلك ~~بالنسبة إلى الكفار، والمعنى: على من يشاء من الكفار، لأن قتال ~~الكفار، وغلبة المسلمين إياهم قد يكون سببا لإسلام كثير، ألا ترى إلى ~~فتح مكة، كيف أسلم لأجله ناس كثيرون، وحسن إسلام بعضهم جدا، ك: ~~ابن أبي سرح، ومن تقدم ذكره، وغيرهم " فيصير المعنى: إن تقاتلوهم يتب ~~الله على من يشاء من الكفار، أي: يسلم من يشاء منهم، والمراد ~~بالتوبة هنا: الهداية إلى الإسلام كما ذكره جمهور المفسرين، ثم قال { ~~والله عليم حكيم } عليم بكل ما يفعل في ملكه " حكيم " مصيب ~~في أحكامه وأفعاله. # قوله تعالى: { أم حسبتم أن تتركوا } الآية. # قال الفراء: " أم " من الاستفهام الذي يتوسط الكلام، ولو أريد به ~~الابتداء لكان ب " الألف " أو ب " هل ". # فصل # هذا ترغيب في الجهاد قيل: هذا خطاب للمنافقين، وقيل: للمؤمنين الذي شق ~~عليهم القتال، فقال: أحسبتم أن تتركوا فلا تأمروا بالجهاد، ولا تمتحنوا، ~~ليظهر الصادق من الكاذب، " ولما يعلم الله " أي يرى الله الذين ~~جاهدوا منكم، وذكر العلم والمراد منه: المعلوم، فالمراد أن يصدر الجهاد ~~عنهم، إلا أنه لما كان وجود الشيء يلزمه أن يكون ms4363 معلوم الوجود عند ~~الله، لا جرم جعل علم الله بوجوده كناية عن وجوده. # قوله { ولم يتخذوا } يجوز في هذه الجملة وجهان: # أحدهما: أنها داخلة في حيز الصلة، لعطفها عليها، أي: الذين ~~جاهدوا ولم يتخذوا. # الثاني: أنها في محل نصب على الحال من فاعل: " جاهدوا " أي: ~~جاهدوا حال كونهم غير متخذين وليجة. # و: " وليجة " مفعول، و " من دون الله " إما مفعول ثان، إن كان ~~الاتخاذ بمعنى التصيير، وإما متعلق بالاتخاذ، إن كان على بابه، ~~والوليجة: فعيلة، من الولوج، وهو الدخول، و " الوليجة " من ~~يداخلك في باطن أمورك، وقال أبو عبيدة: " كل شيء أدخلته في شيء وليس ~~منه، والرجل في القوم وليس منهم، يقال له وليجة " ويستعمل بلفظ واحد، ~~للمفرد، والمثنى، والمجموع، وقد يجمع على " ولائج " وولج، ك: ~~صحيفة، وصحائف، وصحف وأنشدوا لعبادة بن صفوان الغنوي: [الطويل] # 2770- ولائجهم في كل مبدى ومحضر # إلى كل من يرجى ومن يتخوف # فصل # معنى الآية: { ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ~~ولا المؤمنين وليجة } بطانة، وأولياء يوالونهم ويفشون إليهم ~~أسرارهم. # وقال قتادة: " وليجة " خيانة. وقال الضحاك. " خديعة ". والمقصود ~~من ذكر هذا الشرط: أن المجاهد قد يجاهد ولا يكون مخلصا، بل يكون ~~منافقا باطنه خلاف ظاهره، فبين أنه لا بد وأن يأتوا بالجهاد مع ~~الإخلاص خاليا عن الرياء، والنفاق، والتودد إلى الكفار. # والمقصود: بيان أنه ليس الغرض منه إيجاب القتال فقط، بل الغرض أن ~~يؤتى به انقيادا لأمر الله، ولحكمه وتكليفه، ليظهر به بذل النفس ~~والمال في طلب رضوان الله فحينئذ يحصل به الانتفاع. # قوله: { والله خبير بما تعملون } قرأ الحسن " بما ~~يعملون " بالغيبة على الالتفات؛ وبها قرأ يقعوب في رواية سلام، ~~أي: عالم بنياتهم، وأغراضهم، لا يخفى عليه منها شيء. # قال ابن عباس: إن الله لا يرضى أن يكون الباطن خلاف ~~الظاهر، ولا الظاهر خلاف الباطن، وإنما يريد من خلقه الاستقامة، ~~كما قال # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا # [فصلت:30]، قال: ولما فرض القتال، تميز المنافق من غيره، وتميز ~~من يوالي المؤمنين ممن يعاديهم. ms4364 ### || [9.17-18] # قوله تعالى: { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد ~~الله } الآية. # اعلم أنه تعالى بدأ السورة بذكر البراءة من الكفار، وبالغ في ~~ذلك، وذكر من أنواع قبائحهم ما يوجب تلك البراءة، ثم إنه تعالى ~~حكى عنهم شبها احتجوا بها في أن هذه البراءة غير جائزة، وأنه يجب ~~مخالطتهم ومناصرتهم، فأولها هذه الآية، وذلك أنهم ذكروا أنهم موصوفون ~~بصفات حميدة توجب مخالطتهم ومعاونتهم، ومناصرتهم، ومن جملة تلك ~~الصفات، كونهم عامرين للمسجد الحرام. # قال ابن عباس: لما أسر العباس يوم بدر، وعيره المسلمون ~~بالكفر، وقطيعة الرحم، وأغلظ له علي القول، فقال العباس: ما ~~لكم تذكرون مساوئنا، ولا تذكرون محاسننا؟ فقال له علي: ألكم محاسن؟ ~~فقال: نعم، إنا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي ~~الحاج، ونفك العاني؛ فأنزل الله تعالى ردا على العباس: { ما ~~كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله } أي: ما ينبغي ~~للمشركين أن يعمروا مساجد الله، أوجب على المسلمين منعهم من ذلك؛ لأن ~~المساجد تعمر لعبادة الله وحده. # واعلم أن عمارة المسجد قسمان: # إما بلزومها وكثرة إتيانها، يقال: فلان يعمر مجلس فلان إذا كثر ~~غشيانه، وإما بالعمارة المعروفة بالبناء، فإن كان المراد هو الثاني ~~كان المعنى أنه ليس للكافر أن يقدم على مرمة المسجد، لأن المسجد ~~موضع العبادة، فيجب أن يعظم، والكافر يهينه، وأيضا فالكافر نجس في ~~الحكم، لقوله تعالى: # إنما المشركون نجس # [التوبة:28]، وتطهير المسجد واجب، لقوله تعالى: # أن طهرا بيتي # [البقرة:125]، وأيضا فالكافر لا يحترز من النجاسة، فدخوله المسجد ~~تلويث للمسجد، وقد يؤدي إلى فساد عبادة المصلين. # وأيضا إقدامه على مرمة المسجد يجري مجرى الإنعام على المصلين، ولا ~~يجوز أن يصير الكافر صاحب المنة على المسلمين، وقد ذهب جماعة منهم ~~الواحدي؛ إلى أن المراد منه: العمارة المعروفة من بناء المسجد، ~~ومرمته عند الخراب، فيمنع منه الكافر، حتى ولو أوصى بها لم تقبل، ويمنع ~~من دخول المساجد، وإن دخل بغير إذن استحق التعزير، وإن دخل بإذن لم ~~يعزر، والأولى تعظيم المساجد، ومنعهم منها، وقد أنزل رسول الله صلى ~~الله عليه ms4365 وسلم وفد ثقيف في المسجد وهم كفار، وشد ثمامة بن أثال الحنفي ~~في سارية من سواري المسجد، وهو كافر، وحمل بعضهم العمارة على المسجد على ~~الوجه الأول. # " أن يعمروا " اسم " كان ". قرأ ابن السميفع " يعمروا " بضم ~~الياء وكسر الميم، من: " أعمر " رباعيا، والمعنى: أن يعينوا على عمارته. ~~وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو " مسجد الله " بالإفراد، وهي تحتمل وجهين، أن ~~يراد به مسجد بعينه، وهو المسجد الحرام، لقوله # وعمارة المسجد الحرام # [التوبة:19]، وأن يكون اسم جنس، فيندرج فيه سائر المساجد، ويدخل ~~المسجد الحرام دخولا أوليا وقرأ الباقون: " مساجد " بالجمع، وهي ~~أيضا محتملة للأمرين، ووجه الجمع إما لأن كل بقعة من المسجد ~~الحرام يقال لها: مسجد، وإما لأنه قبلة سائر المساجد، فصح أن ~~يطلق عليه لفظ الجمع لذلك. # [قال الفراء: ربما ذهب العرب بالواحد إلى الجمع، وبالجمع إلى الواحد ~~ألا ترى إلى الرجل يركب البرذون؛ فيقول: أخذت في ركوب البراذين، وفلان ~~يجالس الملوك، وهو لا يجلس إلا مع ملك واحد، ويقال: فلان كثير الدرهم ~~والدينار يريد: الدراهم والدنانير]. # قوله: " شاهدين " الجمهور على قراءته بالياء نصبا على الحال من ~~فاعل: " يعمروا " أراد: وهم شاهدون. وقرأ زيد بن علي: " شاهدون " ~~بالواو رفعا على خبر ابتداء مضمر، والجملة حال أيضا. # قوله " على أنفسهم " الجمهور على " أنفسهم " جمع " نفس " وقرىء " ~~أنفسهم " بضم الفاء، ووجهها أن يراد ب " الأنفس " - وهو الأشرف ~~الأجل من النفاسة -: رسول صلى الله عليه وسلم. # قيل: لأنه ليس بطن من بطون العرب إلا وله فيهم ولادة، وهذا المعنى ~~منقول في تفسير قراءة الجمهور أيضا، وهو مع هذه القراءة أوضح. # فصل # قال الحسن: " لم يقولوا نحن كفار، ولكن كلامهم بالكفر شاهد عليهم ~~بالكفر ". # وقال الضحاك عن ابن عباس: " شهادتهم على أنفسهم بالكفر سجودهم ~~للأصنام، فكانوا يطوفون بالبيت عراة، وكانت أصنامهم منصوبة بخارج البيت ~~الحرام عند القواعد، وكلما طافوا شوطا سجدوا لأصنامهم، ولم ~~يزدادوا بذلك من الله إلا بعدا ". # وقال السدي: " شهادتهم على أنفسهم بالكفر، هو أن النصراني يسأل من أنت؟ ~~فيقول: أنا نصراني، واليهودي ms4366 يقول أنها يهودي، ويقال للمشرك ما دينك؟ ~~فيقول: مشرك ". # وقيل: إنهم كانوا يقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه ~~وما ملك، ونقل عن ابن عباس أنه قال: " المراد أنهم يشهدون على الرسول ~~بالكفر، قال: وإنما جاز هذا التفسير، لقوله تعالى: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم # [التوبة:128]. # قال القاضي " هذا عدول عن الحقيقة، وإنما يجوز المصير إليه لو تعذر ~~إجراء اللفظ على حقيقته، أما لما بينا أن ذلك جائز لم يجز المصير ~~إلى هذا المجاز ". # قوله { أولئك حبطت أعمالهم } لأنها لغير الله، ثم قال: { ~~وفي النار هم خالدون } هذه جملة مستأنفة و " في النار " ~~متعلق بالخبر، وقدم للاهتمام به، ولأجل الفاصلة. # وقال أبو البقاء: " وهم خالدون في النار، وقد وقع الظرف بين حرف ~~العطف والمعطوف " وفيه نظر، من حيث إنه يوهم أن الجملة معطوفة على ~~ما قبلها، عطف المفرد على مثله تقديرا، وليس كذلك، بل هي مستأنفة، وإذا ~~كانت مستأنفة فلا يقال فيها: فصل الظرف بين حرف العطف والمعطوف، ~~وإنما ذلك في المتعاطفين المفردين، أو ما في تأويلهما، وقد تقدم ~~تحقيقه في قوله تعالى: # ربنآ آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة # [البقرة:201] وفي قوله: # وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل # [النساء:58]. # وقرأ زيد بن علي خالدين بالياء، نصبا على الحال من الضمير المستتر في ~~الجار قبله، لأن الجار صار خبرا، كقولك: في الدار زيد قاعدا، فقد ~~رفع زيد بن علي " شاهدين " ، ونصب " خالدون " عكس قراءة الجمهور فيها. # فصل # احتج أهل السنة بهذه الآية على أن الفاسق من أهل الصلاة، لا ~~يخلد في النار من وجهين: # الأول: أن قوله { وفي النار هم خالدون } يفيد الحصر، أي: هم ~~فيها خالدون لا غيرهم؛ لأن هذا الكلام إنما ورد في حق الكفار. # الثاني: أنه تعالى جعل الخلود في النار للكافر جزاء على كفره، ولو كان ~~هذا الحكم ثابتا لغير الكفار، لما صح تهديد الكافر به. # قوله: { إنما يعمر مساجد الله } جمهور القراء على ~~الجمع، وقرأ الجحدري، وحماد بن أبي سلمة ms4367 عن ابن كثير بالإفراد، ~~والتوجيه يؤخذ مما تقدم، والظاهر أن الجمع هنا حقيقة؛ لأن ~~المراد: جميع المؤمنين العامرين لجميع مساجد أقطار الأرض. # فصل # اعلم أنه تعالى لما بين أن الكافر ليس له أن يشتغل بعمارة ~~المسجد، بين أن المشتغل بهذا العمل يجب أن يكون موصوفا بصفات أربع، ~~فقال: { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله ~~واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم ~~يخش إلا الله } فبين أنه لا بد من الإيمان بالله؛ لأن المسجد ~~عبارة عن الموضع الذي يعبد الله فيه، والكافر يمتنع منه ذلك، وأما ~~كونه مؤمنا باليوم الآخر، لأن عبادة الله إنما تفيد في القيامة، فمن ~~أنكر القيامة، لم يعبد الله، ومن لم يعبد الله، لم يبن بناء لعبادة ~~الله. # فإن قيل: لم لم يذكر الإيمان بالرسول - عليه الصلاة والسلام ~~-؟. # فالجواب: من وجوه: # الأول: أن المشركين كانوا يقولون: إن محمدا إنما ادعى ~~الرسالة طلبا للرئاسة، فذكر ههنا الإيمان بالله واليوم الآخر، وترك ~~ذكر النبوة، كأنه يقول: مطلوبي من تبليغ الرسالة ليس إلا الإيمان ~~بالمبدأ والمعاد، فذكر المقصود الأصلي، وحذف ذكر النبوة، تنبيها للكفار ~~على أنه لا مطلوب له من الرسالة إلا هذا القدر. # الثاني: أنه لما ذكر الصلاة، والصلاة لا تتم إلا بالأذان والإقامة ~~والتشهد، وهذه الأشياء مشتملة على ذكر النبوة، فكان كافيا. # الثالث: أنه ذكر الصلاة، والمفرد المحلى بالألف واللام ينصرف إلى ~~المعهود السابق، والمعهود عند المسلمين هي الأعمال التي كان يأتي بها ~~محمد - عليه الصلاة والسلام - فكان ذكر الصلاة دليلا على النبوة، ~~وأما قوله " وأقام الصلاة " فلأن المقصود الأعظم من بناء ~~المسجد إقامة الصلاة، وأما قوله " وآتى الزكاة " فلأن الإنسان ~~إذا كان مقيما للصلاة، فإنه يحضر في المسجد، وفي المسجد طوائف ~~الفقراء والمساكين، لطلب أخذ الزكاة، فتحصل عمارة المسجد، وإن حملنا ~~العمارة على البناء، فلأن الظاهر أن الإنسان إذا لم يؤد الزكاة لا ~~يعمر مسجدا. # وأما قوله { ولم يخش إلا الله } أي: لا يبني المسجد لأجل ~~الرياء والسمعة، ولكن يبنيه لمجرد طلب رضوان الله. # روي أن ms4368 أبا بكر - رضي الله عنه - بنى في أول الإسلام على باب داره ~~مسجدا، فكان يصلي فيه، ويقرأ القرآن، والكفار يؤذونه بسببه، فيحتمل أن ~~يكون المراد منه تلك الحالة، ولما حصر عمارة المساجد فيمن كان موصوفا ~~بهذه الصفات الأربع، نبه بذلك على أن المسجد يجب صونه عن غير ~~العبادة فيدخل فيه فضول الحديث، وإصلاح مهمات الدنيا. قال عليه الصلاة ~~والسلام: # " يأتي في آخر الزمان ناس من أمتي يأتون المساجد فيقعدون فيها ~~حلقا، ذكرهم الدنيا، وحب الدنيا، لا تجالسوهم فليس ~~لله بهم حاجة " # وقال عليه الصلاة والسلام # " الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش " # ، وقال عليه الصلاة والسلام، قال الله تعالى: # " إن بيوتي في الأرض المساجد، وإن زواري فيها عمارها، فطوبى ~~لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي، فحق على المزور أن ~~يكرم زائره " # ، وقال عليه الصلاة والسلام # " من ألف المساجد ألفه الله " # ، وقال عليه الصلاة والسلام # " إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان " # ، وقال عليه الصلاة والسلام # " من أسرج في مسجد سراجا لم تزل الملائكة وحملة العرش ~~يستغفرون له ما دام في ذلك المسجد ضوؤه " # ، وهذه الأحاديث نقلها الزمخشري. # قوله: { فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين } ~~قال المفسرون: " عسى " من الله واجب، لكونه متعاليا عن الشك والتردد. # وقال أبو مسلم: " عسى " ههنا راجع إلى العباد، وهو يفيد الرجاء، فكان ~~المعنى: إن الذين يأتون بهذه الطاعات، إنما يأتون بها على رجاء الفوز ~~بالاهتداء، لقوله تعالى: # يدعون ربهم خوفا وطمعا # [السجدة:16] والتحقيق فيه: أن العبد عند الإتيان بهذه الأعمال، لا ~~يقطع على الفوز بالثواب؛ لأنه يجوز من نفسه أنه قد أخل بقيد من ~~القيود المعتبرة في حصول القبول، وقال الزمخشري " المراد منه تبعيد ~~للمشركين عن مواقف الاهتداء، وحسم لأطماعهم من الانتفاع بأعمالهم التي ~~استعظموها وافتخروا بها ". فبين تعالى أن الذين آمنوا وضموا إلى ~~إيمانهم العمل بالشرائع، والخشية من الله فهؤلاء صار حصول الاهتداء لهم ~~دائرا بين " لعل " و " عسى " ، فما بال هؤلاء المشركين، يقطعون ~~بأنهم مهتدون، ويجزمون بفوزهم بالخير ms4369 من عند الله تعالى. ### || [9.19-22] # قوله تعالى: { أجعلتم سقاية الحآج } الآية. # الجمهور على قراءة " سقاية " ، و " عمارة " مصدرين على " فعالة " ~~، ك: الضيافة، والوقاية والتجارة، ولم تقلب الياء همزة، لتحصنها ~~بتاء التأنيث، بخلاف " رداءة، وعباءة " ، لطروء تاء التأنيث فيهما، ~~قاله الزمخشري. واعلم أن: السقاية فعل، وقوله # من آمن بالله # [التوبة:18] إشارة إلى الفاعل، فظاهر اللفظ يقتضي تشبيه الفعل بالفاعل، ~~والصفة بالموصوف، وإنه محال، وحينئذ فلا بد من حذف مضاف، إما من ~~الأول، وإما من الثاني، ليتصادق المجعولان، والتقدير: أجعلتم أهل ~~سقاية الحاج، وعمارة المسجد الحرام كمن آمن، أو أجعلتم السقاية ~~والعمارة كإيمان من آمن، أو كعمل من آمن، ونظيره: # ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق ~~والمغرب ولكن البر من آمن بالله # [البقرة:177]، وقيل: السقاية والعمارة يعني: الساقي والعامر، وهذا ~~كقوله: # والعاقبة للتقوى # [طه:132]، أي: للمتقين، والمعنى: أجعلتم ساقي الحاج وعامر المسجد الحرام ~~ك { كمن آمن بالله واليوم الآخر }. ويدل عليه قراءة ~~أبي وابن الزبير والباقين كما يأتي قريبا. # وقرأ ابن الزبير، والباقر، وأبو وجزة " سقاة... وعمرة " بضم ~~السين، وبعد الألف تاء التأنيث، و " عمرة " بفتح العين والميم دون ألف، ~~وهما جمع " ساق " ، و " عامر " ، كما يقال: قاض وقضاة، ورام ~~ورماة، وبار وبررة، وفاجر وفجرة. # والأصل: سقية، فقلبت الياء ألفا، لتحركها وانفتاح ما قبلها، ولا ~~حاجة هنا إلى تقدير حذف مضاف، وإن احتيج إليه في قراءة الجمهور. # وقرأ سعيد بن جبير كذلك، إلا أنه نصب " المسجد الحرام " ب " ~~عمرة " ، وحذف التنوين لالتقاء الساكنين؛ كقوله: [المتقارب] # 2771-........................... # ولا ذاكر الله إلا قليلا # وقوله: # قل هو الله أحد الله الصمد # [الإخلاص:1-2]. وقرأ الضحاك " سقاية " ، " عمرة " ، وهما جمعان أيضا، ~~وفي جمع " ساق " على " فعالة " نظر لا يخفى، والذي ينبغي أن يقال: ~~أن يجعل هذا جمعا ل " سقي " و " السقي " هو الشيء المسقي ك ~~" الرعي، والطحن ". و " فعل " يجمع على " فعال " ، قالوا: ~~ظئر وظؤار، وكان من حقه ألا تدخل عليه تاء التأنيث، كما لم تدخل في: " ~~ظؤار " ، ولكنه أنث الجمع، كما أنث في قولهم: " حجارة، وفحولة ms4370 " ~~، ولا بد حينئذ من تقدير مضاف، أي: أجعلتم أصحاب الأشياء المسقية ~~كمن آمن؟. # فصل # روى النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال رجل: لا أبالي ألا أعمل عملا بعد الإسلام، ~~إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر: ما أبالي ألا أعمل عملا بعد الإسلام إلا ~~أن أعمر المسجد الحرام، وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم، ~~فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو يوم الجمعة - ولكن إذا صليت دخلت ~~واستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما اختلفتم فيه، فدخل، ~~فأنزل الله عز وجل هذه الآية إلى قوله: { والله لا يهدي ~~القوم الظالمين }. # وقال ابن عباس " إن عليا أغلظ الكلام للعباس حين أسر يوم بدر، ~~فقال العباس: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام، والهجرة، والجهاد، لقد كنا ~~نعمر المسجد الحرام، ونسقي الحاج، فأنزل الله هذه الآية. وأخبر أن ~~عمارتهم المسجد الحرام، وقيامهم على السقاية، لا ينفعهم مع الشرك بالله، ~~وأن الإيمان بالله، والجهاد مع نبيه خير مما هم عليه ". # وقال الحسن والشعبي ومحمد بن كعب القرظي " نزلت في علي بن أبي ~~طالب، والعباس، وطلحة بن أبي شيبة، افتخروا، فقال طلحة: أنا صاحب ~~البيت، بيدي مفتاحه، ولو أردت بت فيه، وقال العباس: أنا صاحب ~~السقاية، والقائم عليها، وقال علي: لا أدري ما تقولون، لقد صليت ~~إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد، فأنزل الله هذه ~~الآية ". # وقيل: إن عليا قال للعباس بعد إسلامه: يا عم ألا تهاجرون، ألا ~~تحلقون برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ألست في أفضل من الهجرة؟ ~~أسقي الحاج، وأعمر البيت الحرام؟ فنزلت هذه الآية، فقال العباس: ما أراني ~~إلا تارك سقايتنا، فقال عليه الصلاة والسلام: # " أقيموا على سقايتكم فإن لكم فيها خيرا ". # وقيل: إن المشركين قالوا لليهود: نحن سقاة الحجيج، وعمار المسجد ~~الحرام، فنحن أفضل أم محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه؟ فقالت اليهود ~~لهم: أنتم أفضل. # قال ابن الخطيب: ms4371 " هذه المفاضلة تحتمل أن تكون جرت بين المسلمين، ~~ويحتمل أن تكون جرت بين المسلمين والكفار، أما كونها جرت بين المسلمين، ~~فلقوله تعالى بعد ذلك { أعظم درجة عند الله } ، وهذا يقتضي ~~أن يكون للمرجوح درجة أيضا عند الله، وذلك لا يليق إلا بالمؤمنين، ~~وأما احتمال كونها جرت بين المؤمنين والكفار، فلقوله تعالى { كمن ~~آمن بالله } وهذا يدل على أن هذه المفاضلة وقعت بين من لم يؤمن ~~بالله وبين من آمن بالله ". # وهذا هو الأقرب؛ لأن المفسرين نقلوا في تفسير قوله تعالى: # إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله # [التوبة:18] أن العباس احتج على فضائل نفسه، بأنه عمر المسجد ~~الحرام، وسقي الحاج، فأجاب الله عنه بوجهين: # الأول: ما تقدم في الآية الأولى: أن عمارة المسجد الحرام توجب ~~الفضيلة إذا كانت صادرة عن المؤمن، أما إذا صدرت عن الكافر، فلا فائدة ~~فيها ألبتة. # والثاني: هذه الآية، وهو أن يقال: سلمنا أن عمارة المسجد الحرام، ~~وسقي الحاج، يوجب نوعا من الفضيلة، إلا أنها بالنسبة إلى الإيمان ~~والجهاد كمقابلة الشيء الشريف الرفيع جدا بالشيء الحقير التافه ~~جدا، وإنه باطل، وبهذا الطريق حصل النظم الصحيح لهذه الآية بما ~~قبلها. # فصل # روى عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء إلى ~~السقاية فاستسقى، فقال العباس يا فضل اذهب إلى أمك فأت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بشراب من عندها، فقال: اسقني. فقال يا رسول الله: ~~إنهم يجعلون أيديهم فيه، قال: اسقني، فشرب منه، ثم أتى زمزم وهم يستقون ~~ويعملون فيها، فقال: اعملوا فإنكم على عمل صالح، ثم قال: لولا أن ~~تغلبوا لنزلت حتى أضع الحبل على هذا، يعني: عاتقه وأشار إلى عاتقه. # وعن بكر بن عبد الله المزني: قال: كنت جالسا مع ابن عباس عند ~~الكعبة فأتاه أعرابي فقال: ما لي أرى بني عمكم يسقون العسل واللبن وأنتم ~~تسقون النبيذ؟ أمن حاجة بكم؟ أمن بخل؟ فقال ابن عباس: الحمد ~~لله ما بنا من حاجة ولا بخل، إنما قدم النبي صلى الله عليه ms4372 وسلم على ~~راحلته، وخلفه أسامة، فاستسقى، فأتيناه بإناء من نبيذ فشرب، وسقى فضله ~~أسامة، فقال: أحسنتم وأجملتم، كذا فاصنعوا، فلا نريد تغيير ما أمر به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الحسن: " كانت السقاية بنبيذ الزبيب ~~". # وعن عمر أنه وجد نبيذ السقاية من الزبيب شديدا، فكسر منه بالماء ~~ثلاثا، وقال: إذا اشتد عليكم فاكسروا منه بالماء. وأما عمارة المسجد ~~الحرام فهي تجهيزه وتحسين صورة جدرانه. # قوله { لا يستوون عند الله } في الجملة وجهان: # أظهرهما: أنها مستأنفة، أخبر تعالى بعدم تساوي الفريقين. # والثاني: أن يكون حالا من المفعولين للجعل، والتقدير: سويتم بينهم ~~في حال تفاوتهم، ولما نفى المساواة بينهما، وذلك لا يفيد من هو ~~الراجح؛ فنبه على الراجح بقوله { والله لا يهدي القوم ~~الظالمين } أي: إن الكافرين ظلموا أنفسهم، لأنهم تركوا الإيمان، ~~ورضوا بالكفر فكانوا ظالمين، لأن الظلم عبارة عن وضع الشيء في غير ~~موضعه، وأيضا ظلموا المسجد الحرام، فإنه تعالى جعله موضعا لعبادة ~~الله تعالى، فجعلوه موضعا لعبادة الأوثان. # قوله تعالى: { الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في ~~سبيل الله } الآية. # لما ذكر ترجيح الإيمان، والجهاد على السقاية وعمارة المسجد الحرام ~~على طريق الرمز؛ أتبعه بذكر هذا الترجيح بالتصريح، أي: من كان ~~موصوفا بهذه الصفات الأربعة كان أعظم درجة عند الله ممن اتصف ~~بالسقاية والعمارة، والسبب فيه؛ لأن الإنسان ليس له إلا الروح، ~~والبدن، والمال، فأما الروح فإنه لما زال عنه الكفر، وحصل فيه ~~الإيمان، فقد وصل إلى مراتب السعادات وأما البدن والمال، فبالهجرة ~~والجهاد صارا معرضين للهلاك، ولا شك أن النفس والمال محبوب ~~الإنسان، والإنسان لا يعرض عن محبوبه إلا عند الفوز بمحبوب أكمل من ~~الأول، فلولا أن طلب الرضوان أتم عندهم من النفس والمال؛ وإلا ~~لما رجحوا جانب الآخرة على النفس والمال طلبا لمرضاة الله تعالى، وأي ~~مناسبة بين هذه الدرجة وبين الإقدام على السقاية والعمارة بمجرد ~~الاقتداء بالآباء، وطلب الرياسة والسمعة؟ # قوله: { أعظم درجة عند الله } لم يقل: أعظم درجة من ~~المشتغلين بالسقاية والعمارة؛ لأنه لو ذكرهم، أوهم ms4373 أن تلك الفضيلة ~~بالنسبة إليهم، فلما ترك ذكر المرجوح، دل ذلك على أنهم أفضل من ~~كل من سواهم على الإطلاق. # فإن قيل: لما أخبرتم بأن هذه الصفات كانت بين المسلمين والكافرين، ~~فكيف قال في وصفهم: " أعظم درجة "؟. # فالجواب من وجوه: # الأول: أن هذا ورد على ما قدروا لأنفسهم من الدرجة والفضيلة عند ~~الله، ونظيره قوله تعالى: # ءآلله خير أما يشركون # [النمل:59]، وقوله # أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم # [الصافات:63]. # الثاني: أن المراد: أولئك أعظم درجة من كل من لم يكن موصوفا بهذه ~~الصفات، تنبيها على أنهم لما كانوا أفضل من المؤمنين الذين ما كانوا ~~موصوفين بهذه الصفات فبأن لا يقاسوا إلى الكفار أولى. # الثالث: أن المراد، أن المؤمن المهاجر المجاهد أفضل ممن على ~~السقاية والعمارة، والمراد منه: ترجيح تلك الأعمال على هذه الأعمال، ولا ~~شك أن السقاية والعمارة من أعمال الخير، وإنما بطل ثوابها في حق ~~الكفار؛ لأن الكفر منع من ظهور ذلك الأثر، ثم بين تعالى أنهم: " هم ~~الفائزون " وهذا للحصر، والمعنى: أنهم هم الفائزون بالدرجة العلية ~~المشار إليها بقوله: " عند الله " وليس المراد منه العندية بحسب ~~الجهة والمكان. # وقد تقدم اختلاف القراء في: " يبشرهم " وتوجيه ذلك في " آل عمران ~~" وكذلك في الخلاف في # ورضوان # [آل عمران:15]. # وقرأ الأعمش " رضوان " بضم الراء والضاد، وردها أبو حاتم، وقال: ~~" لا يجوز ". وهذا غير لازم للأعمش فإنه رواها، وقد وجد ذلك في لسان ~~العرب، قالوا: " السلطان " بضم السين واللام. # قوله { لهم فيها نعيم } يجوز أن تكون هذه الجملة صفة ل " ~~جنات " وأن تكون صفة ل " رحمة "؛ لأنهم جوزوا في هذه ~~الهاء أن تعود للرحمة، وأن تعود للجنات، وجوز مكي أن تعود على ~~البشرى المفهومة من قوله: " يبشرهم " ، كأنه قيل: لهم في تلك ~~البشرى. وعلى هذا فتكون الجملة صفة لذلك المصدر المقدر إن ~~قدرته نكرة، وحالا إن قدرته معرفة. ويجوز أن يكون " نعيم " ~~فاعلا بالجار قبله، وهو أولى، لأنه يصير من قبيل الوصف بالمفرد، ~~ويجوز أن يكون مبتدأ، وخبره الجار قبله، وقد تقدم ms4374 تحقيق ذلك مرارا ~~[الأنفال:72]. قوله: " خالدين " حال من الضمير في " لهم ". # واستدل أهل السنة بهذه الآية على أن الخلود يدل على طول ~~المكث، ولا يدل على التأبيد، قالوا: لأنه لو كان الخلود يفيد ~~التأبيد، لكان ذكر التأبيد بعد ذكر الخلود تكرارا، وإنه لا يجوز ### || [9.23-24] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~آبآءكم وإخوانكم أوليآء } الآية. # والمقصود من هذه الآية: أن تكون جوابا عن شبهة أخرى، ذكروها في أن ~~البراءة من الكافر غير ممكنة، فإن المسلم قد يكون أبوه كافرا أو ~~ابنه والكافر قد يكون أبوه أو أخوه مسلما والمقاطعة بين الرجل ~~وأبيه وابنه وأخيه كالمتعذر، فأزال الله تعالى هذه الشبهة بهذه الآية. ~~ونقل المفسرون عن ابن عباس " أنه تعالى لما أمر المسلمين ~~بالهجرة قبل فتح مكة، فمن لم يهاجر لم يقبل الله إيمانه، حتى يجانب ~~الآباء والأقرباء إن كانوا كفارا ". # قال ابن الخطيب " وهذا مشكل؛ لأن الصحيح أن هذه السورة إنما نزلت ~~بعد فتح مكة، فكيف يمكن حمل هذه الآية على ما ذكروه؟ وإنما الأقرب ~~أنه تعالى أمر المؤمنين بالتبري عن المشركين بسبب الكفر، لقوله: { ~~إن استحبوا الكفر على الإيمان } أي: اختاروا الكفر على ~~الإيمان، والاستحباب: طلب المحبة، يقال استحب له، بمعنى: أحبه، كأنه طلب ~~محبته ". # ولما نهى الله عن مخالطتهم، وكان النهي يحتمل أن يكون نهي ~~تنزيه وأن يكون نهي تحريم، ذكر ما يزيل الشبهة فقال: { ومن ~~يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون }. قال ابن ~~عباس " يريد: مشركا مثلهم، لأنه رضي بكفرهم، والرضى بالكفر كفر، ~~كما أن الرضا بالفسق فسق ". # قال القاضي: " هذا النهي لا يمنع أن يتبرأ المرء من أبيه في ~~الدنيا، كما لا يمنع من قضاء دين الكافر، ومن استعمله في الأعمال ". # قوله: { قل إن كان آباؤكم وأبنآؤكم } " آباؤكم " وما ~~عطف عليه اسم " كان " ، و " أحب " خبرها، فهو منصوب، وكان الحجاج بن ~~يوسف يقرها بالرفع، ولحنه يحيى بن يعمر فنفاه. # قال أبو حيان " إنما لحنه باعتبار مخالفة القراء النقلة، ~~وإلا فهي جائزة في العربية، يضمر في " كان ms4375 " اسما، وهو ضمير الشأن، ~~ويرفع ما بعدها على المبتدأ والخبر، وحينئذ تكون الجملة خبرا عن " ~~كان ". # قال شهاب الدين. فيكون كقول الشاعر: [الطويل] # 2772- إذا مت كان الناس صنفان شامت # وآخر مثن بالذي كنت أصنع # وهذا في أحد تأويلي البيت. # والآخر: أن " صنفان: خبر منصوب، وجاء به على لغة بني الحارث، ومن ~~وافقهم. # والحكاية التي أشار إليها الشيخ من تلحين يحيى للحجاج هي: أن ~~الحجاج كان يدعي فصاحة عظيمة، فقال يوما ليحيى بن يعمر وكان ~~يعظمه: هل تجدني ألحن؟ فقال: الأمير أجل من ذلك، فقال: عزمت ~~عليك إلا ما أخبرتني، وكانوا يعظمون عزائم الأمراء، فقال: نعم، ~~فقال: في أي شيء؟ فقال: في القرآن، فقال: ويلك!! ذلك أقبح بي، في ~~أي آية؟ قال: سمعتك تقر: { قل إن كان آباؤكم } إلى أن ~~انتهيت إلى " أحب " فرفعتها، فقال: إذن لا تسمعني ألحن بعدها، ~~فنفاه إلى " خراسان " فمكث بها مدة، وكان بها حينئذ يزيد بن المهلب بن ~~أبي صفرة، فجاءهم جيش، فكتب إلى الحجاج كتابا، وفيه: " وقد جاءنا ~~العدو فتركناهم بالحضيض، وصعدنا عرعرة الجبل " ، فقال الحجاج: ما ~~لابن المهلب ولهذا الكلام، فقيل له: إن يحيى هناك، فقال: إذن ذاك. # وقرأ الجمهور " عشيرتكم " بالإفراد، وأبو بكر عن عاصم " عشيراتكم ~~" جمع سلام. [ووجه الجمع أن لكل من المخاطبين عشيرة، فحسن الجمع، ~~وزعم الأخفش أن " عشيرة " لا تجمع بالألف والتاء، وإنما تكسيرا على ~~" عشائر " ، وهذه القراءة حجة عليه، وهي قراءة أبي عبد الرحمن السلمي ~~وأبي رجاء. # وقرأ الحسن " عشائركم " قيل: وهي أكثر من " عشيراتكم " ]. # و " العشيرة ": هي: الأهل الأدنون. وقيل: هم أهل الرجل الذين ~~يتكثر بهم، أي: يصيرون له بمنزلة العدد الكامل، وذلك أن العشيرة هي ~~العدد الكامل، فصارت العشيرة اسما لأقارب الرجل الذين يتكثر ~~بهم، سواء بلغوا العشرة أم فوقها. # وقيل: هي الجماعة المجتمعة بنسب، أو وداد، لعقد العشرة. # فصل # هذه الآية هي تقرير الجواب المذكور في الآية الأولى، وذلك لأن جماعة ~~المؤمنين، قالوا: يا رسول الله كيف يمكن البراءة منهم بالكلية؟ وهذه ~~الآية توجب انقطاعنا عن ms4376 آبائنا وإخواننا وعشيرتنا، وإن نحن فعلنا ذلك، ~~ذهبت تجارتنا، وهلكت أموالنا، وخربت ديارنا، فأنزل الله تعالى: { قل ~~إن كان آباؤكم وأبنآؤكم وإخوانكم وأزواجكم ~~وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون ~~كسادها ومساكن ترضونهآ } أي: تستوطنونها راضين ~~بسكناها { أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في ~~سبيله فتربصوا } فانتظروا { حتى يأتي الله ~~بأمره }. قال عطاء: " بقضائه ". # وقال مجاهد ومقاتل: " بفتح مكة ". # وهذا أمر تهديد، فبين تعالى أنه يجب تحمل جميع هذه المضار في ~~الدنيا، ليبقى الدين سليما. ثم قال { والله لا يهدي ~~القوم الفاسقين } أي: الخارجين عن الطاعة، وهذه الآية تدل ~~على أنه إذا وقع التعارض بين مصلحة واحدة من مصالح الدين، وبين ~~مهمات الدنيا؛ وجب ترجيح الدين على الدنيا. ### || [9.25-27] # قوله تعالى: { لقد نصركم الله في مواطن كثيرة } ~~الآية. # لما ذكر في الآية المتقدمة أنه يجب الإعراض عن مخالطة الآباء ~~والأبناء، والإخوان، والعشيرة، وعن الأموال، والتجارات، والمساكن، رعاية ~~لمصالح الدين، وعلم أن ذلك يشق على النفوس، ذكر ما يدل على أن ~~من ترك الدنيا لأجل الدين، فإنه تعالى يوصله مطلوبه. # وضرب لهذا مثلا، وذلك أن عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقعة ~~حنين، كانوا في غاية الكثرة والقوة، فلما أعجبوا بكثرتهم، صاروا ~~منهزمين، فلما تضرعوا في حال الانهزام إلى الله تعالى قواهم ~~حتى هزموا عسكر الكفار، وذلك يدل على أن الإنسان متى اعتمد على ~~الدنيا، فاته الدين والدنيا، ومتى أطاع الله، ورجح الدين على ~~الدنيا، آتاه الله الدين والدنيا على أحسن الوجوه فكان هذا تسلية ~~لأولئك المأمورين بمقاطعة الآباء والأبناء، لأجل مصلحة الدين، وعدا ~~لهم بأنهم إن فعلوا ذلك أوصلهم الله تعالى إلى أقاربهم وأموالهم ~~ومساكنهم على أحسن الوجوه. # قال الواحدي: " النصر: المعونة على العدو خاصة " , " المواطن ": ~~جمع " موطن " بكسر العين، وكذا اسم مصدره، وزمانه، لاعتلال فائه ك " ~~الموعد " ، قال: [الطويل] # 2773- وكم موطن لولاي طحت كما هوى # بأجرامه من قنة النيق منهوي # و " حنين ": اسم واد بين مكة والطائف، فلذلك صرفه، وبعضهم جعله ~~اسما للبقعة، فمنعه في قوله: [الكامل] # 2774- نصروا نبيهم ms4377 وشدوا أزره # بحنين يوم تواكل الأبطال # وهذا كما قال الآخر في " حراء ": اسم الجبل المعروف، اعتبارا بتأنيث ~~البقعة في قوله: [الوافر] # 2775- ألسنا أكثر الثقلين رجلا # وأعظمهم ببطن حراء نارا # فصل # المراد بالمواطن الكثيرة: غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقال: ~~إنها ثمانون موطنا، فأعلمهم أنه تعالى هو الذي تولى نصر المؤمنين، ومن ~~نصره الله فلا غالب له، ثم قال " ويوم حنين " أي: واذكر يوم ~~حنين من جملة تلك المواطن حال ما أعجبتكم كثرتكم، و " حنين " واد بين ~~مكة والطائف. # وقيل: إلى جنب ذي المجاز. قال الرواة: لما فتح رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مكة، وقد بقيت أيام من شهر رمضان، خرج متوجها إلى حنين، ~~لقتال هوازن وثقيف، في اثني عشر ألفا، عشرة آلاف من المهاجرين، وألفان ~~من الطلقاء. # وقال عطاء: عن ابن عباس " كانوا ستة عشر ألفا ". # وقال الكلبي " كانوا عشرة آلاف ". وكان هوازن وثقيف أربعة آلاف، وعلى ~~هوازن: مالك بن عوف النضري، وعلى ثقيف: كنانة بن عبد ياليل الثقفي، فلما ~~التقى الجمعان، قال رجل من الأنصار يقال له: سلمة بن سلامة بن وقش: لن ~~نغلب اليوم عن قلة، وهو المراد من قوله: { إذ أعجبتكم ~~كثرتكم } ، فساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كلامه، ووكلوا إلى ~~كلمة الرجل، وفي رواية: لم يرض الله قوله، ووكلوا إلى أنفسهم، فاقتتلوا ~~قتالا شديدا؛ فانهزم المشركون وتخلوا عن الذراري، ثم نادوا يا حماة ~~السواد اذكروا الفضائح، فتراجعوا، وانكشف المسلمون. # قال قتادة: وذكر لنا أن الطلقاء انجفلوا يومئذ بالناس. # قوله: " ويوم حنين " فيه أوجه: # أحدهما: أنه عطف على محل قوله: " في مواطن " عطف ظرف الزمان ~~من غير واسطة " في " على ظرف المكان المجرور بها، ولا غرو في نسق ظرف ~~زمان على مكان، أو العكس، تقول: سرت أمامك ويوم الجمعة، إلا أن ~~الأحسن أن يترك العاطف في مثله. # الثاني: زعم ابن عطية: أنه يجوز أن يعطف على لفظ " مواطن " ~~بتقدير: " وفي يوم " ، فحذف حرف الخفض، وهذا لا حاجة إليه. # الثالث: قال الزمخشري: " فإن قلت: ms4378 كيف عطف الزمان على المكان، وهو " ~~يوم حنين " على " مواطن "؟. # قلت: معناه: وموطن يوم حنين، أو في أيام مواطن كثيرة ويوم حنين ". # الرابع: أن يراد ب " المواطن ": الأوقات، فحينئذ إنما عطف زمان ~~على زمان. # قال الزمخشري - بعدما تقدم عنه -: " ويجوز أن يراد ب " المواطن ~~": الوقت، ك: مقتل الحسين، على أن الواجب أن يكون: " يوم حنين " ~~منصوبا بفعل مضمر، لا بهذا الظاهر، وموجب ذلك أن قوله: " إذ ~~أعجبتكم " بدل من " يوم حنين " ، فلو جعلت ناصبه هذا ~~الظاهر، لم يصح؛ لأن كثرتهم لم تعجبهم في جميع تلك المواطن، ولم ~~يكونوا كثيرين في جميعها، فبقي أن يكون ناصبه فعلا خاصا به ". # قال شهاب الدين: " لا أدري ما حمله على تقدير أحد المضافين، وعلى ~~تأويل " المواطن " بالوقت، ليصح عطف زمان على زمان، أو مكان على ~~مكان، إذ يصح عطف أحد الظرفين على الآخر؟ وأما قوله: " على أن ~~الواجب أن يكون " إلى آخره؛ كلام حسن، وتقريره أن الفعل مقيد بظرف ~~المكان، فإذا جعلنا " إذ " بدلا من " يوم " كان معمولا له؛ لأن ~~البدل يحل محل المبدل منه؛ فيلزم منه أنه نصرهم إذ أعجبتهم ~~كثرتهم في مواطن كثيرة، والفرض أنهم في بعض هذه المواطن لم يكونوا ~~بهذه الصفة، إلا أنه قد ينقدح، فإنه - تعالى - لم يقل في جميع ~~الموطن، حتى يلزم ما قاله ". # ويمكن أن يكون أراد بالكثرة: الجميع، كما يراد بالقلة العدم. # قوله: " بما رحبت " " ما " مصدرية، أي: رحبها وسعتها. # وقرأ زيد بن علي في الموضعين " رحبت " بسكون العين، وهي لغة تميم، ~~يسكنون عين " فعل " فيقولون: في " شرف " " شرف ". و " الرحب " ~~بالضم: السعة، وبالفتح: الشيء الواسع، يقال: رحب المكان يرحب ~~رحبا ورحابة، وهو قاصر. فأما تعديه في قولهم: رحبتكم الدار ~~" فعلى التضمين، لأنه بمعنى " وسعتكم ". # فصل # قوله: { فلم تغن عنكم شيئا } الإغناء: إعطاء ما يدفع ~~الحاجة، أي: فلم يعطكم شيئا يدفع حاجتكم. والمعنى: أنه تعالى أعلمهم ~~أنهم لا يغلبون بكثرتهم، وإنما يغلبون بنصر الله، فلما أعجبوا ~~بكثرتهم، صاروا منهزمين، ثم قال: { وضاقت عليكم الأرض بما ~~رحبت ms4379 } أي: مع رحبها، و " ما " ههنا مع الفعل بمنزلة المصدر، ~~والمعنى: إنكم لشدة ما لحقكم من الخوف ضاقت عليكم الأرض، فلم تجدوا ~~فيها موضعا يصلح لفراركم من عدوكم. # قال البراء بن عازب: كانت " هوازن " رماة، فلما حملنا انكشفوا وأكببنا ~~على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام، وانكشف المسلمون عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولم يبق معه إلا العباس وأبو سفيان بن الحارث. قال [البراء]: ~~والذي لا إله إلا هو ما ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قط، قال: ~~رأيته وأبو سفيان آخذ بالركاب، والعباس آخذ بلجام دابته البيضاء وهو ~~يقول: # " " أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب " وطفق يركض ~~بغلته نحو الكفار، ثم قال للعباس: ناد المهاجرين والأنصار - وكان ~~العباس رجلا صيتا - فجعل ينادي: يا عباد الله، يا أصحاب الشجرة، ~~يا أصحاب سورة البقرة، فجاء المسلمون حين سمعوا صوته عنقا واحدا، وأخذ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده كفا من الحصى، فرماهم بها، وقال: ~~" شاهت الوجوه " فما زال أمرهم مدبرا، وحدهم كليلا حتى هزمهم ~~الله، ولم يبق منهم أحد يومئذ إلا وقد امتلأت عيناه من ذلك التراب، ~~فذلك قوله: { ثم أنزل الله سكينته على رسوله ~~وعلى المؤمنين }. " # والمراد بالسكينة: ما يسكن إليه القلب، ويوجب الأمنة، ووجه الاستعارة ~~فيه: أن الإنسان إذا خاف فر وفؤاده متحرك، وإذا أمن؛ سكن وثبت؛ ~~فلما كان الأمن موجبا للسكون جعل لفظ السكينة كناية عن الأمن. ثم ~~قال تعالى: { وأنزل جنودا لم تروها } والمراد: أنزل ~~الملائكة، وليس في هذه الآية ما يدل على عدة الملائكة، كما هو في قصة ~~بدر، فقال سعيد بن جبير: " أيد الله نبيه بخمسة آلاف من الملائكة " ~~ولعله إنما قاسه على يوم بدر. # وقال سعيد بن المسيب: حدثني رجل كان في المشركين يوم حنين قال: ~~لما كشفنا المسلمين جعلنا نسوقهم، فلما انتهينا إلى صاحب البغلة ~~الشهباء، تلقانا رجال بيض الوجوه، فقالوا: شاهت الوجوه ارجعوا فرجعنا ~~فركبوا أكتافنا، واختلفوا في أن الملائكة هل قاتلوا ذلك اليوم؟ فالذي ~~روي عن سعيد بن ms4380 المسيب يدل على أنهم قاتلوا، وقال آخرون: إن الملائكة ~~ما قاتلوا إلا يوم بدر، وفائدة نزولهم في هذا اليوم: هو إبقاء الخواطر ~~الحسنة في قلوب المؤمنين. # ثم قال تعالى: { وعذب الذين كفروا } والمراد من هذا ~~التعذيب: قتلهم وأسرهم، وأخذ أموالهم وسبي ذراريهم. # وهذه الآية تدل على أن فعل العبد خلق لله تعالى؛ لأن المراد من ~~هذا التعذيب ليس إلا الأخذ والأسر، وقد نسب تلك الأشياء إلى نفسه. # قوله: { وذلك جزآء الكافرين } تمسك الحنفية في مسألة ~~الجلد مع التعزير بقوله # الزانية والزاني فاجلدوا # [النور:2] قالوا: الفاء تدل على كون الجلد جزاء، والجزاء اسم للكافي، ~~وكون الجلد كافيا يمنع كون غيره مشروعا معه، وأجيبوا بأن الجزاء ليس ~~اسما للكافي؛ لأنه تعالى سمى هذا التعذيب جزاء مع أن المسلمين ~~أجمعوا على أن العقوبة الدائمة في القيامة مدخرة لهم، فدلت هذه ~~الآية على أن الجزاء ليس اسما لما يقع به الكفاية. # قوله { ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشآء } ~~أي: أن الله تعالى مع كل ما جرى عليهم من الخذلان يتوب عليهم، بأن يزيل ~~عن قلبهم الكفر، ويخلق فيه الإسلام، وقال القاضي: معناه: أنه بعد ما ~~جرى عليهم ما جرى، إذا أسلموا وتابوا فإن الله يقبل توبتهم " وهذا ~~ضعيف؛ لأن قوله: " ثم يتوب الله " ظاهره يدل على أن تلك ~~التوبة إنما تحصل لهم من قبله تعالى، وتقدم الكلام على المعنى في ~~البقرة عند قوله # فتاب عليه # [البقرة:37] ثم قال: { والله غفور } أي: لمن تاب { رحيم } ~~لمن آمن وعمل صالحا. ### || [9.28-29] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إنما المشركون ~~نجس } الآية. # اعلم أنه عليه الصلاة والسلام، لما أمر عليا أن يقرأ على مشركي ~~مكة أول سورة براءة، وينبذ إليهم عهدهم، وأن الله بريء من المشركين ~~ورسوله، قال أناس: يا أهل مكة ستعلمون ما تلقونه من الشدة لانقطاع ~~السبل وفقد الحمولات؛ فنزلت هذه الآية، لرفع الشبهة، وأجاب الله تعالى ~~عنها بقوله: { وإن خفتم عيلة } أي: فقرا وحاجة، { ~~فسوف يغنيكم الله من فضله } قال الأكثرون: لفظ ms4381 المشركين ~~يتناول عبدة الأوثان، وقال قوم: يتناول جميع الكفار، وقد تقدم ~~ذلك. # قال الضحاك وأبو عبيدة: " نجس " قذر. # وقيل: خبيث، وهو مصدر يستوي فيه الذكر والأنثى، والتثنية والجمع. ~~جعلوا نفس النجس، على المبالغة، أو على حذف مضاف. # وقرأ أبو حيوة " نجس " بكسر النون وسكون الجيم، وجهه أنه اسم ~~فاعل في الأصل على " فعل " مثل: " كتف وكبد " ثم خفف بسكون ~~عينه بعد إتباع فائه، ولا بد من حذف موصوف حينئذ قامت هذه الصفة ~~مقامه، أي: فريق نجس، أو جنس نجس، فإذا أفرد قيل " نجس " بفتح النون. # قال البغوي " ولا يقال على الانفراد، بكسر النون وسكون الجيم، إنما ~~يقال " رجس نجس " ، فإذا أفرد قيل " نجس " بفتح النون وكسر ~~الجيم " وقرأ ابن السميفع " أنجاس " بالجمع، وهي تحتمل أن تكون جمع ~~قراءة الجمهور، أو جمع قراءة أبي حيوة، وأراد به نجاسة الحكم، لا نجاسة ~~العين، سموا نجسا على الذم. # وقال ابن عباس وقتادة " سماهم نجسا؛ لأنهم يجنبون، فلا يغتسلون، ~~ويحدثون فلا يتوضؤون " ونقل الزمخشري عن ابن عباس " أن أعيانهم نجسة ~~كالكلاب والخنازير " وعن الحسن " من صافح مشركا توضأ " وهذا قول ~~الهادي من أئمة الزيدية. # وأما الفقهاء: فقد اتفقوا على طهارة أبدانهم، وهذا هلاف ظاهر القرآن، ~~فلا يرجع عنه إلا بدليل منفصل، ولا يمكن ادعاء الإجماع فيه لما بينا من ~~الخلاف. # واحتج القاضي على طهارتهم بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب من ~~أوانيهم، وأيضا لو كان نجسا، لما تبدل ذلك بالإسلام، وأجاب القائلون ~~بالنجاسة: بأن القرآن أقوى من خبر الواحد وبتقدير صحة الخبر؛ يجب أن ~~يعتقد أن حل الشرب من إنائهم كان متقدما على نزول هذه الآية من وجهين: # الأول: أن هذه السورة من آخر ما نزل من القرآن، وأيضا كانت ~~المخالطة مع الكفار جائزة فحرمها الله تعالى، وكانت المعاهدة حاصلة ~~معهم، فأزالها الله؛ فلا يبعد أن يقال أيضا: الشرب من أوانيهم، كان ~~جائزا فحرمه الله. # الثاني: أن الأصل حل الشرب من أي إناء كان، فلو قلنا إنه حرم بحكم ~~الآية، ثم ms4382 حل بحكم الخبر، فقد حصل نسخان، أما لو قلنا إنه كان حلالا ~~بحكم الأصل، والرسول شرب من آنيتهم بحكم الأصل، ثم جاء التحريم بهذه ~~الآية، لم يحصل النسخ إلا مرة واحدة؛ فوجب أن يكون هذا أولى. # وأما قولهم: لو كان الكافر نجس العين، لما تبدلت النجاسة بالطهارة ~~بسبب الإسلام. فهذا قياس في معارضة النص الصريح، وأيضا فالخمرة ~~نجسة العين، فإذا انقلبت بنفسها خلا طهرت، وأيضا إن الكافر إذا ~~أسلم؛ وجب عليه الاغتسال، إزالة للنجاسة الحاصلة بحكم الكفر، وهذا ~~ضعيف؛ فإن الأعيان النجسة لا تقبل التطهير بالغسل، إنما يطهر ~~بالغسل ما ينجس. # فصل # قالت الحنفية: أعضاء المحدث نجسة نجاسة حكمية، وبنوا عليه أن ~~الماء المستعمل في رفع الحدث نجس، ثم روى أبو يوسف عن أبي حنيفة: أنه ~~نجس نجاسة خفيفة، وروى الحسن بن زياد: أنه نجس نجاسة غليظة، وهذه ~~الآية تدل على فساد هذا القول؛ لأن كلمة " إنما " للحصر، فاقتضى أن ~~لا نجس إلا المشرك، فالقول بأن أعضاء المحدث نجسة، يخالف هذا ~~النص، والعجب أن هذا النص صريح في أن المشرك نجس، وفي أن المؤمن ليس ~~بنجس، ثم إن قوما قلبوا القضية، وقالوا: المشرك طاهر، والمؤمن حال ~~كونه محدثا نجس، وزعموا أن المياه التي يستعملها المشركون في أعضائهم ~~بقيت طاهرة مطهرة، والمياه التي يستعملها أكابر الأنبياء في أعضائهم ~~نجسة نجاسة غليظة، مع مخالفة قوله عليه الصلاة والسلام: # " المؤمن لا ينجس حيا، ولا ميتا " # وأجمعوا على أن إنسانا لو حمل محدثا في صلاته لم تبطل صلاته، ولو ~~كان يده رطبة فوصلت إلى يد محدث لم تنجس يده، ولو عرق المحدث ووصل ~~العرق إلى ثوبه لم ينجس الثوب، والقرآن، والخبر، والإجماع، تطابقت على ~~القول بطهارة وأعضاء المحدث، فكيف يمكن مخالفته؟ # فصل # قيل المراد بالمسجد الحرام: نفس المسجد، وقيل: جميع الحرم، وهو ~~الأقرب لقوله تعالى: { وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم ~~الله من فضله } وذلك لأن موضع التجارات ليس هو عين المسجد؛ فلو ~~كان المقصود من هذه الآية المنع من المسجد خاصة، لما خافوا بسبب ms4383 هذا ~~المنع من العيلة، وإنما يخافون العيلة إذا منعوا من حضور الأسواق ~~والمواسم، ويؤكد هذا قوله تعالى: # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام # [الإسراء:1] مع أنهم أجمعوا على أنه إنما رفع الرسول من بيت أم ~~هانىء، ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام # " لا يجتمع دينان في جزيرة العرب " # وهي من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق طولا، ومن جدة وما والاها من ساحل ~~البحر إلى أطراف الشام عرضا، واعلم أن جملة بلاد الإسلام في حق ~~الكفار ثلاثة أقسام: # أحدها: الحرم، فلا يجوز للكافر أن يدخله بحال ذميا كان أو ~~مستأمنا، لظاهر هذه الآية، وإذا جاء رسول من دار الكفر إلى الإمام، ~~والإمام في الحرم، لا يأذن له في دخول الحرم، بل يبعث إليه من يسمع ~~رسالته خارج الحرم، وإن دخل مشرك الحرم متواريا فمرض فيه، أخرجناه ~~مريضا، وإن مات ودفن ولم نعلم نبشناه، وأخرجنا عظامه إذا أمكن، وجوز ~~أهل الكوفة للمعاهد دخول الحرم. # والقسم الثاني من بلاد الإسلام: الحجاز، فيجوز للكافر دخولها بالإذن، ~~ولكن لا يقيم أكثر من ثلاثة أيام، مقام السفر، لما روي عن عمر بن ~~الخطاب، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " لئن عشت إن شاء الله لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة ~~العرب، حتى لا أدع إلا مسلما " # فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوصى فقال: # " أخرجوا المشركين من جزيرة العرب " # فلم يتفرغ لذلك أبو بكر، وأجلاهم عمر في خلافته، وأحل لمن يقدم منهم ~~تاجرا ثلاثا. # والقسم الثالث: سائر بلاد الإسلام؛ فيجوز للكافر أن يقيم فيها بذمة ~~أو أمان، ولكن لا يدخلون المساجد إلا بإذن مسلم. # فصل # والمراد بقوله " بعد عامهم هذا " يعني العام الذي حج فيه أبو بكر ~~بالناس، ونادى علي بالبراءة، وهو سنة تسع من الهجرة. # قوله: { وإن خفتم عيلة }. العيلة: الفقر، يقال: عال ~~الرجل يعيل عيلة: إذا افتقر. والمعنى: إن خفتم فقرا بسبب منع ~~الكفار: " فسوف يغنيكم الله من فضله " قال مقاتل " أسلم أهل ~~جدة وصنعاء وحنين، وحملوا الطعام إلى ms4384 مكة، فكفاهم الله ما كانوا يخافون ~~". # وقال الحسن والضحاك وقتادة: " عوضهم الله عنها بالجزية " وقيل: ~~أغناهم بالفيء. وقال عكرمة: " أنزل الله عليهم المطر، وكثر خيرهم ". # فإن قيل: الغرض بهذا الخبر، إزالة الخوف بالعيلة، وقوله " إن شاء ~~الله " يمنع من فائدة هذا المقصود. # فالجواب من وجوه: # الأول: ألا يحصل الاعتماد على حصول هذا المطلوب؛ فيكون الإنسان أبدا ~~متضرعا إلى الله تعالى في طلب الخيرات، وفي دفع الآفات. # الثاني: أن المقصود من ذكر هذا الشرط تعليم رعاية الأدب، كقوله: # لتدخلن المسجد الحرام إن شآء الله # [الفتح:27]. # الثالث: المقصود: التنبيه على أن حصول هذا المعنى لا يكون في كل ~~الأوقات، وفي جميع الأمكنة؛ لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام - قال في ~~دعائه: # وارزق أهله من الثمرات # [البقرة:126] وكلمة " من " للتبعيض، فقوله ههنا " إن شاء الله " ~~المراد منه ذلك التبعيض. # ثم قال: { إن الله عليم } بأحوالكم، " حكيم " أي: لا يعطي ~~ولا يمنع إلا عن حكمة وصواب. # قوله تعالى: { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا ~~باليوم الآخر } الآية. # لما بين تعالى حكم المشركين في إظهار البراءة عنهم في أنفسهم، وفي ~~وجوب مقاتلتهم، وفي تبعيدهم عن المسجد الحرام، ذكر بعده حكم أهل الكتاب، ~~وهو أن يقاتلوا حتى يعطوا الجزية. # قال مجاهد " نزلت حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال الروم، ~~فغزا بعدها غزوة تبوك " وقال الكلبي " نزلت في قريظة والنضير من ~~اليهود، فصالحهم، فكانت أول جزية أصابها أهل الإسلام، وأول ذل أصاب أهل ~~الكتاب بأيدي المسلمين ". # فإن قيل: أهل الكتاب يؤمنون بالله واليوم الآخر، فكيف أمر بقتالهم؟. # فالجواب: لا يؤمنون كإيمان المؤمنين؛ فإنهم إذا قالوا: عزير ابن ~~الله، والمسيح ابن الله، لا يكون ذلك إيمانا بالله. # قوله: { ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله } أي: لا ~~يحرمون ما حرم الله في القرآن، وبينه الرسول، وقال أبو زيد: لا ~~يعملون بما في التوراة والإنجيل، بل حرفوهما وأتوا بأحكام كثيرة من قبل ~~أنفسهم. # قوله { ولا يدينون دين الحق } أي: لا يدينون الدين الحق، ~~أضاف الاسم إلى الصفة وقال ms4385 قتادة: " الحق " هو الله - عز وجل -؛ ~~أي: لا يدينون دين الله، ودينه الإسلام. قال أبو عبيدة: معناه: لا يطيعون ~~الله طاعة أهل الحق. # قوله: { من الذين أوتوا الكتاب } بيان للموصول قبله، ~~والمراد: اليهود والنصارى { حتى يعطوا الجزية } وهي ~~الخراج المضروب على رقابهم، و " الجزية ": " فعلة " ، لبيان ~~الهيئة، ك " الركبة ". قال الواحدي: " الجزية: ما يعطى المعاهد ~~على عهده، وهي " فعلة " من جزى يجزي إذا قضى ما عليه ". # قوله: " عن يد " حال، أي: يعطوها مقهورين أذلاء، وكذلك: { ~~وهم صاغرون }. # قال الزمخشري " قوله: " عن يد " إما أن يراد به عن يد المعطي، ~~أو يد الآخذ، فإن كان المراد به المعطي ففيه وجهان: # أحدهما: عن يد غير ممتنعة؛ لأن من أبى وامتنع لم يعط عن يده، بخلاف ~~المطيع المنقاد. # وثانيهما: حتى يعطوها عن يد إلى يد نقدا غير نسيئة، ولا مبعوثا على ~~يد أحد، ولكن عن يد المعطي إلى يد الآخذ. # وإن كان المراد به: يد الآخذ، ففيه وجهان: # الأول: حتى يعطوا الجزية عن يد قاهرة مستولية للمسلمين عليهم، كما ~~تقول: اليد في هذا لفلان. # وثانيها: أن المراد: عن إنعام عليهم؛ لأن قبول الجزية منهم، وترك ~~أرواحهم لهم نعمة عظيمة عليهم ". # قوله { وهم صاغرون } أي: تؤخذ الجزية منهم على الصغار والذل ~~والهوان، يأتي بها بنفسه ماشيا إلا راكبا، ويسلمها وهو قائم والمتسلم ~~جالس، ويؤخذ بلحيته ويقال له أد الجزية. # وقال الكلبي: " إذا أعطى يصفع في قفاه ". وقيل: يكتب ويجر إلى ~~موضع الإعطاء. # وقيل: إعطاؤه إياها هو الصغار؛ وقال الشافعي " الصغار: جريان ~~أحكام الإسلام عليهم ". # فصل # الكفار فريقان، منهم عبدة الأوثان وعبدة ما استحسنوا، فهؤلاء لا يقرون ~~على دينهم بأخذ الجزية؛ ويجب قتالهم حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ~~ويصيروا مؤمنين. # والثاني: أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى؛ فهؤلاء يقرون بالجزية، ~~والمجوس أيضا سبيلهم سبيل أهل الكتاب، لقوله عليه الصلاة والسلام: # " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " # ، وأخذه الجزية من مجوس هجر. # فصل # اتفقت الأمة على جواز أخذ الجزية من أهل الكتاب، وهم اليهود ~~والنصارى إذا لم ms4386 يكونوا عربا، واختلفوا في أهل الكتاب العرب وفي غير ~~أهل الكتاب من كفار العجم؛ فذهب الشافعي إلى أن الجزية على الأديان ~~لا على الأنساب، فتؤخذ من أهل الكتاب عربا كانوا أو عجما، ولا يؤخذ من ~~أهل الأوثان بحال؛ لأن النبي - عليه الصلاة والسلام - أخذها من ~~أكيدر دومة - وهو رجل من العرب يقال: غسان -، وأخذ من أهل دومة ~~اليمن وعامتهم عرب؛ وذهب مالك والأوزاعي إلى أنها تؤخذ من جميع ~~الكفار. # وقال أبو حنيفة: تؤخذ من أهل الكتاب على العموم، وتؤخذ من مشركي ~~العجم، ولا تؤخذ من مشركي العرب. وقال أبو يوسف: لا تؤخذ من العربي ~~كتابيا كان أو مشركا وتؤخذ من العجمي كتابيا كان أو مشركا، وأما ~~المجوس فاتفقت الصحابة على أخذ الجزية منهم؛ لقوله - عليه الصلاة ~~والسلام -: # " سنوا بهم سنة أهل الكتاب ". # فصل # قال القاضي: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم على كل محتلم دينارا، ~~وقسم عمر على الفقراء من أهل الذمة اثني عشر درهما، وعلى الأوساط ~~أربعة وعشرين، وعلى أهل الثروة ثمانية وأربعين، ولما بعث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم معاذا إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم ~~دينارا، أي: بالغ، ولم يفرق بين الغني والفقير والوسط، وذلك دليل على ~~أنها لا تجب على الصبيان، وكذلك لا تجب على النساء، إنما تؤخذ من ~~الأحرار البالغين العقلاء من الرجال. # فصل # تؤخذ الجزية عند أبي حنيفة في أول السنة، وعند الشافعي وغيره في ~~آخرها. وتسقط الجزية بالإسلام والموت عند أبي حنيفة وغيره لقوله عليه ~~الصلاة والسلام # " ليس على المسلم جزية " # وعند الشافعي - رضي الله عنه - لا تسقط. # فصل # قال بعض العلماء: هؤلاء إنما أقروا على دينهم الباطل بأخذ الجزية ~~حرمة لآبائهم الذين انقرضوا على الحق من شريعة التوراة والإنجيل، وأيضا ~~فكتابهم في أيديهم، فربما يتفكرون فيه فيعرفون صدق محمد ونبوته، ~~فأمهلوا لهذا المعنى. # فصل # طعن ابن الراوندي في القرآن وقال: إنه ذكر في تعظيم كفر النصارى، قوله: # تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض ~~وتخر الجبال هدا أن دعوا ms4387 للرحمن ولدا # [مريم:90-91] فبين أن إظهارهم لهذا القول بلغ إلى هذا الحد، ثم ~~إنه أخذ منهم دينارا واحدا وأقرهم عليه، وما منعهم منه. # والجواب: ليس المقصود من أخذ الجزية تقريره على الكفر، بل المقصود ~~حقن دمه وإمهاله مدة، رجاء أنه ربما وقف في هذه المدة على محاسن ~~الإسلام وقوة دلائله؛ فينتقل من الكفر إلى الإيمان. ### || [9.30-33] # { وقالت اليهود عزير ابن الله } الآية. # قرأ عاصم والكسائي بتنوين " عزير " ، والباقون من غير تنوين، ~~فأما القراءة الأولى فيحتمل أن يكون اسما عربيا مبتدأ، و " ابن " ~~خبره، فتنوينه على الأصل، ويحتمل أن يكون أعجميا، ولكنه خفيف ~~اللفظ، ك " نوح " ، و " لوط " ، فصرف لخفة لفظه، وهذا قول ~~أبي عبيد، يعني: أنه تصغير " عزر " ، فحكمه حكم مكبره، وقال: ~~هذا ليس منسوبا إلى أبيه، إنما هو كقولك: زيد ابن الأمير، وزيد ابن ~~أخينا، و " عزير " مبتدأ وما بعده خبره، ورد هذا بأنه ليس ~~بتصغير، إنما هو أعجمي، جاء على هيئة التصغير في لسان العرب، ك " ~~سليمان " ، جاء على مثال " عثيمان، وعميران ". # وأما القراءة الثانية؛ فيحتمل حذف التنوين ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه حذف التنوين لالتقاء الساكنين على حد قراءة { قل هو ~~الله أحد الله الصمد }. قال الفراء: نون التنوين في " ~~عزير " ساكنة، والباء في قوله " ابن الله " ساكنة، فالتقى ساكنان، ~~فحذف نون التنوين للتخفيف؛ وأنشد: [المتقارب] # 2776- وألفيته غير مستعتب # ولا ذاكر الله إلا قليلا # وهو اسم منصرف مرفوع بالابتداء، و " ابن " خبره. # الثاني: أن تنوينه حذف، لوقوع الابن صفة له، فإنه مرفوع بالابتداء، ~~و " ابن " صفته، والخبر محذوف، أي: عزير ابن الله نبينا، أو ~~إمامنا، أو رسولنا، وقد تقدم أنه متى وقع " الابن " صفة بين ~~علمين، غير مفصول بينه وبين موصوفه، حذفت ألفه خطا، وتنوينه لفظا، ~~ولا تثبت إلا ضرورة، وتقدم الاشتشهاد عليه آخر المائدة. ويجوز أن يكون ~~" عزير " خبر مبتدأ مضمر، أي: نبينا عزير، و " ابن " صفة له، أو ~~بدل، أو عطف بيان. # الثالث: أنه إنما حذف، لكونه ممنوعا من الصرف، للتعريف والعجمة. ~~ولم يرسم في المصحف ms4388 إلا بإثبات الألف، وهي تنصر من يجعله خبرا. # وقال الزمخشري: " عزير ابن " مبتدأ وخبره، كقوله: { المسيح ابن ~~الله } و " عزير " اسم أعجمي،: " عزرائيل، وعيزار " ولعجمته ~~وتعريفه امتنع صرفه، ومن صرفه جعله عربيا. وقول من قال بسقوط التنوين؛ ~~لالتقاء الساكنين، كقراءة { قل هو الله أحد الله الصمد ~~} [الإخلاص:1، 2] ولأن " الابن " وقع وصفا، والخبر محذوف، وهو " ~~معبودنا " فتمحل عن مندوحة ". # فصل # لما حكم تعالى في الآية المتقدمة على اليهود والنصارى بأنهم لا ~~يؤمنون بالله، شرح ذلك في هذه الآية، بأن نقل عنهم أنهم أثبتوا لله ~~ابنا ومن جوز ذلك في حق الإله، فقد أنكر الإله في الحقيقة، وأيضا ~~بين تعالى أنهم بمنزلة المشركين في الشرك وإن كانت طرق القول بالشرك ~~مختلفة، إذ لا فرق بين من يعبد الصنم وبين من يعبد المسيح وغيره، لأنه ~~لا معنى للشرك إلا أن يتخذ الإنسان مع الله معبودا، وهذا معنى ~~الشرك، بل لو تأملنا لعلمنا أن كفر عابد الوثن أخف من كفر ~~النصارى؛ لأن عابد الوثن لا يقول: إن هذا الوثن خالق للعالم، بل ~~يجريه مجرى الشيء الذي يتوسل به إلى طاعة الله، والنصارى يثبتون ~~الحلول والاتحاد وذلك كفر قبيح؛ فثبت أنه لا فرق بين هؤلاء الحلولية ~~وبين سائر المشركين. # فإن قيل: اليهود قسمان: منهم مشبهة، ومنهم موحدة، كما أن المسلمين ~~كذلك، فهب أن المشبهة منهم منكرون لوجود الإله، فما قولكم في موحدة ~~اليهود؟. # فالجواب: أولئك لا يكونوا داخلين تحت هذه الآية، وإنما وجبت الجزية ~~عليهم؛ لأنه لما ثبت وجوب الجزية على بعضهم؛ وجب القول به في حل ~~الكل؛ لأنه لا قائل بالفرق. # وأما النصارى فيقولون بالأب والابن وروح القدس، والحلول والاتحاد، ~~وذلك ينافي الإلهية. # وإنما خص الله الطائفتين بقبول الجزية منهم؛ لأنهم في الظاهر ~~ألصقوا أنفسهم بموسى وعيسى - عليهما الصلاة والسلام -، وادعوا ~~أنهم يعملون بالتوراة والإنجيل؛ فلأجل تعظيم هذين الرسولين المعظمين، ~~وكتابيهما المعظمين، ولتعظيم أسلاف هؤلاء اليهود والنصارى، لأنهم كانوا ~~على الدين الحق، حكم الله بقبول الجزية منهم، وإلا ففي الحقيقة لا ~~فرق بينهم وبين ms4389 المشركين. # فصل # في قوله: { وقالت اليهود عزير ابن الله } أقوال: # أحدها: قال عبيد بن عمير: إنما قال هذا رجل واحد من اليهود اسمه: ~~فنحاص بن عازوراء، وهو الذي قال: # إن الله فقير ونحن أغنيآء # [آل عمران:181]. # وثانيها: روى سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس قال: " أتى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم جماعة من اليهود سلام بن مشكم، والنعمان بن أبي ~~أوفى، وشاس بن قيس، ومالك بن الصيف، فقالوا: كيف نتبعك وقد تركت ~~قبلتنا، ولا تزعم أن عزيرا ابن الله؟ فنزلت هذه الآية. وعلى هذين ~~القولين، فالقائل بهذا بعض اليهود، وإنما نسب ذلك إلى اليهود بناء على ~~عادة العرب في إيقاع اسم الجماعة على الواحد، يقال: فلان ركب الخيول ~~وجالس السلاطين، ولعله لم يركب ولم يجالس إلا واحدا. # وثالثها: لعل هذا المذهب كان فاشيا فيهم ثم انقطع، فحكى الله ذلك ~~عنهم، ولا عبرة بإنكار اليهود ذلك، فإن حكاية الله عنهم أصدق، ~~والسبب في ذلك ما روى عطية العوفي عن ابن عباس أن اليهود أضاعوا ~~التوراة وعملوا بغير الحق، فأنساهم الله التوراة، ونسخها من صدورهم، ~~فتضرع عزير إلى الله وابتهل إليه، فعاد حفظ التوراة إلى قلبه، فأنذر ~~قومه به فلما جربوه وجدوه صادقا فيه، ثم إن التابوت نزل بعد ~~دعائه منهم، فلما رأوا التابوت عرضوا ما كان فيه على الذي كان ~~يعلمهم عزير؛ فوجدوه مثله، فقالوا: ما أوتي عزير هذا إلا أنه ابن الله. # وقال الكلبي: " لما قتل بختنصر علماءهم، فلم يبق فيهم أحد ~~يعرف التوراة، وكان عزير ابن ذاك صغيرا؛ فاستصغره فلم يقتله، فلما ~~رجع بنو إسرائيل إلى بيت المقدس وليس فيهم من يقرأ التوراة بعث الله ~~عزيرا، ليجدد لهم التوراة، ويكون لهم آية بعدما أماته مائة عام، يقال: ~~أتاه ملك بإناء فيه ماء؛ فسقاه، فمثلت التوراة في صدره، فلما أتاهم ~~وقال: أنا عزير فكذبوه وقالوا: إن كنت كما تزعم فأمل علينا ~~التوراة فكتبها لهم، ثم إن رجلا قال: إن أبي حدثني عن جدي ~~أن التوراة جعلت في خابية ms4390 ودفنت في كرم، فانطلقوا معه حتى أخرجوها ~~فعرضوها على ما كتب عزير، فلم يغادر حرفا، فقالوا: إن الله لم يقذف ~~التوراة في قلب رجل إلا أنه ابنه، فقالوا: عزير ابن الله ". # فصل # وأما قول النصارى المسيح ابن الله، فظاهر، وفيه إشكال، وهو أنا ~~نقطع أن المسيح عليه الصلاة والسلام كان مبرأ من دعوة الناس إلى ~~الأبوة والبنوة؛ فإن هذا أفحش أنواع الكفر، فكيف يليق بأكابر ~~الأنبياء؟ وإذا كان كذلك، فكيف يعقل إطباق محبي عيسى من النصارى عليه، ~~ومن الذي وضع هذا المذهب الفاسد؟ # وأجاب المفسرون عن هذا: بأن أتباع عيسى - عليه الصلاة والسلام - ~~كانوا على الحق بعدما رفع عيسى حتى وقع حرب بينهم وبين اليهود، وكان ~~في اليهود رجل شجاع يقال له: بولص قتل جماعة من أصحاب عيسى، ثم قال ~~لليهود: إن كان الحق مع عيسى؛ فقد كفرنا، والنار مصيرنا، ونحن ~~مغبونون إن دخلوا الجنة ودخلنا النار، وإني أحتال؛ فأضلهم حتى يدخلوا ~~النار، وكان له فرس يقال له: العقاب، يقاتل عليه، فعرقب فرسه، وأظهر ~~الندامة، ووضع التراب على رأسه، فقالت له النصارى: من أنت؟ قال: ~~بولص عدوكم، تبت، فنوديت من السماء ليس لك توبة إلا أن تتنصر؛ ~~وقد تبت، فأدخلوه الكنيسة، ومكث سنة لا يخرج ليلا ولا نهارا، حتى ~~تعلم الإنجيل وقال: نوديت أن الله قبل توبتك؛ فصدقوه وأحبوه. # ثم مضى إلى بيت المقدس، واستخلف عليهم رجلا اسمه: نسطور، وعلمه أن ~~عيسى، ومريم والإله كانوا ثلاثة، وتوجه إلى الروم وعلمهم اللاهوت ~~والناسوت، وقال: ما كان عيسى إنسانا، ولا جسما ولكنه ابن الله، ~~وعلم رجلا يقال له: يعقوب ذلك، ثم دعا رجلا يقال له ملكا فقال له: ~~إن الإله لم يزل، ولا يزال عيسى، ثم دعا هؤلاء الثلاثة وقال لكل واحد ~~منهم أنت خالصتي فادع الناس إلى إنجيلك، ولقد رأيت عيسى في المنام ~~ورضي عني، وإني غدا أذبح نفسي لمرضاة عيسى، ثم دخل المذبح، فذبح ~~نفسه، فلما كان يوم ثالثه دعا كل واحد منهم الناس إلى مذهبه؛ فتبع ~~كل واحد منهم ms4391 طائفة، فاختلفوا واقتتلوا، هذا ما حكاه الواحدي وغيره. # قال ابن الخطيب: " والأقرب عندي أن يقال: لعله ورد لفظ الابن في ~~الإنجيل على سبيل التشريف، ثم إن القوم لأجل عداوة اليهود؛ ولأجل ~~أن يقاتلوا غلوهم الفاسد في أحد الطرفين بغلو فاسد في الطرف الثاني، ~~فبالغوا وفسروا لفظ الابن بالبنوة الحقيقية، والجهال قبلوا ذلك، وفشا ~~هذا المذهب الفاسد في أتباع عيسى، والله أعلم بحقيقة الحال ". # قوله: { ذلك قولهم بأفواههم } واعلم أن كل قول إنما ~~يقال بالفم، فما معنى تخصيصهم بهذه الصفة؟ والجواب من وجوه: # أحدها: أن معناه قول لا يعضده برهان، وإنما هو لفظ يفوهون به فارغ ~~من معنى معتبر لحقه؛ لأن إثبات الولد للإله مع أنه منزه عن الحاجة ~~والشهوة، والمضاجعة، والمباضعة قول باطل، ليس له تأثير في العقل، ~~ونظيره قوله تعالى: # يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم # [آل عمران:167]. # وثانيها: أن الإنسان قد يختار مذهبا إما على سبيل الكناية، وإما ~~على سبيل الرمز، وأما إذا صرح بلسانه فهو الغاية في اختيار ذلك ~~المذهب، والمعنى على هذا: أنهم يصرحون بهذا المذهب ولا يخفونه ~~ألبتة. # وثالثها: أن المعنى: أنهم دعوا الخلق إلى هذه المقالة حتى وقعت هذه ~~المقالة في الأفواه والألسنة والمراد: مبالغتهم في دعوة الخلق إلى هذا ~~المذهب. # قال أهل المعاني: لم يذكر الله قولا مقرونا بالأفواه والألسن إلا ~~كان ذلك زورا. # قال ابن العربي: " في هذه الآية دليل من قول ربنا تبارك وتعالى على ~~أن من أخبر عن كفر غيره الذي لا يجوز لأحد أن يبتدىء به لا حرج عليه؛ ~~لأنه إنما ينطق به على سبيل الاستعظام له والرد عليه، ولو شاء ربنا ~~ما تكلم به أحد، فإذا أمكن من إطلاق الألسنة به فقد أذن بالإخبار عنه، ~~على معنى إنكاره بالقلب واللسان، والرد عليه بالحجة ". # قوله " يضاهئون " قرأ العامة " يضاهون " بضم الهاء، بعدها ~~واو، وعاصم بهاء مكسورة، بعدها همزة مضمومة، بعدها واو، فقيل: هما ~~بمعنى واحد، وهو المشابهة، وفيه لغتان: " ضاهأت وضاهيت " بالهمز ~~والياء، والهمز لغة ثقيف. # وقيل: الياء فرع ms4392 عن الهمزة، كما قالوا: قرأت وقريت، وتوضأت ~~وتوضيت، وأخطأت وأخطيت. وقيل: بل " يضاهئون " بالهمز مأخوذ ~~من " يضاهيون " ، فلما ضمت الياء قلبت همزة، وهذا خطأ؛ ~~لأن مثل هذه الياء لا تثبت في هذا الموضع حتى تقلب همزة، بل يؤدي ~~تصريفه إلى حذف الياء، نحو: يرامون، من " الرمي " ، ويماشون، من " ~~المشي " وزعم بعضهم: أنه مأخوذ من قولهم: " امرأة ضهيا " بالقصر، ~~وهي التي لا ثدي لها، أو التي لا تحيض، سميت بذلك، لمشابهتها ~~الرجال، يقال امرأة ضهيا، بالقصر وضهياء، بالمد، ك: حمراء، ~~وضهياءة، بالمد وتاء التأنيث، ثلاث لغات، وشذ الجمع بين علامتي ~~تأنيث في هذه اللفظة، حكى اللغة الثالثة الجرمي، عن أبي عمرو ~~الشيباني. # قيل: وقول من زعم أن المضاهأة بالهمز مأخوذة من: امرأة ضهياء، في ~~لغاتها الثلاث، فقوله خطأ، لاختلاف المادتين، فإن الهمزة في " امرأة ~~ضهياء " زائدة في اللغات الثلاث، وهي في " المضاهأة " أصلية. # فإن قيل: لم لم يدع أن همزة " ضهياء " وباؤها زائدة؟. # فالجواب: أن " فعيلا " بفتح الياء لم يثبت. # فإن قيل: فلم لم يدع أن وزنها " فعلل " ، ك: " جعفر "؟. # فالجواب: أنه قد ثبت زيادة الهمزة في " ضهياء " بالمد، فثبت في ~~اللغة الأخرى، وهذه قاعدة تصريفية، والكلام على حذف مضاف تقديره: ~~يضاهي قولهم قول الذين، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، فانقلب ~~ضمير رفع بعد أن كان ضمير جر. # والجمهور على الوقف على " بأفواههم " ، ويبتدئون ب " يضاهئون ". # وقيل: الباء تتعلق بالفعل بعدها، وعلى هذا فلا يحتاج إلى حذف هذا ~~المضاف. واستضعف أبو البقاء قراءة عاصم، وليس بجيد لتواترها، وقال ~~أحمد بن يحيى: لم يتابع أحد عاصما على الهمز. # والمضاهاة: المشابهة، في قول أكثر أهل اللغة. وقال شمر: " المضاهاة: ~~المتابعة، يقال: فلان يضاهي فلانا، أي: يتابعه ". # فصل # قال مجاهد: " " يضاهئون " قول المشركين من قبل، كانوا يقولون: اللات ~~والعزى بنات الله ". # وقال قتادة والسدي: " ضاهت النصارى قول اليهود من قبل، فقالوا: ~~المسيح ابن الله، كقول اليهود من قبل عزير ابن الله؛ لأنهم أقدم منهم ~~" وقال الحسن: " شبه كفرهم بكفر الذين مضوا من الأمم ms4393 الكافرة " كما ~~قال في مشركي العرب: # كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم ~~تشابهت قلوبهم # [البقرة:118]. # وقال القتيبي: " يريد من كان في عصر النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود ~~والنصارى، يقولون ما قال أسلافهم ". # قوله: " قاتلهم الله " قال ابن عباس: لعنهم الله. وقال ابن ~~جريج: قتلهم الله. # وقيل: هذا بمعنى التعجب من شناعة قولهم، كما يقال: ركبوا شنيعا، ~~قاتلهم الله ما أعجب فعلهم، وهذا التعجب إنما هو راجع إلى الخلق، ~~والله لا يتعجب من شيء، ولكن هذا الخطاب على عادة العرب في مخاطبتهم، ~~والله عجب منهم في تركهم الحق وإصرارهم على الباطل. # " أنى يؤفكون " أي: كيف يصرفون عن الحق بعد قيام الأدلة عليه. # قوله { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من ~~دون الله }. # الأحبار: العلماء. قال أبو عبيد: " الأحبار: الفقهاء قد اختلفوا ~~في واحده، فقال بعضهم: " حبر " ، وقال بعضهم " حبر ". # وقال الأصمعي: لا أدري أهو الحبر أو الحبر ". وكان أبو الهيثم ~~يقول: " واحد " الأحبار " " حبر " بالفتح لا غير، وينكر الكسر " وكان ~~الليث، وابن السكيت يقولان " حبر " و " حبر " للعالم ذميا ~~كان أو مسلما، بعد أن يكون من أهل الكتاب ". وقال أهل المعاني: " الحبر ~~": العالم الذي صناعته تحبير المعاني بحسن البيان عنها، وإتقانها، ومنه: ~~ثوب محبر، أي: جمع الزينة، والراهب: الذي تمكنت الخشية والرهبة في ~~قلبه، وظهرت آثار الرهبة على وجهه ولباسه. وفي عرف الاستعمال، صار ~~الأحبار مختصا بعلماء اليهود من ولد هارون. # والرهبان: علماء النصارى أصحاب الصوامع. ومعنى اتخاذهم أربابا: ~~أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم، واستحلوا ما أحلوا، وحرموا ما ~~حرموا. # قال أكثر المفسرين: " ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا إلهيتهم، ~~بل المراد: أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم ". # قال عدي بن حاتم: # " أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب وهو يقرأ ~~سورة براءة، فقال: " يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك " فطرحته، ثم انتهى ~~إلى قوله: { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من ~~دون الله } فقلت: إنا لسنا نعبدهم، فقال: " أليس يحرمون ما ~~أحل الله فتحرمونه ويحلون ما ms4394 حرم الله؛ ~~فتستحلونه؟ " قال قلت: بلى، قال: " فتلك عبادتهم ". # وقال الربيع: قلت لأبي العالية: كيف كانت تلك الربوبية في بني إسرائيل؟ ~~قال: إنهم ربما وجدوا في كتاب الله ما يخالف أقوال الأحبار والرهبان؛ ~~فكانوا يأخذون بأقوالهم ويتركون حكم كتاب الله تعالى. فإن قيل: إنه ~~تعالى لما كفرهم بسبب طاعتهم للأحبار والرهبان، فالفاسق يطيع ~~الشيطان؛ فوجب الحكم بكفره على ما هو قول الخوارج. # فالجواب: أن الفاسق إن كان يطيع الشيطان إلا أنه لا يعظمه، ~~لكنه يلعنه، فظهر الفرق. # فصل # قوله { والمسيح ابن مريم } عطف على " رهبانهم " ، والمفعول ~~الثاني محذوف، والتقدير: اتخذ اليهود أحبارهم أربابا، والنصارى ~~رهبانهم والمسيح ابن مريم أربابا، وهذا لأمن اللبس خلط الضمير في ~~" اتخذوا " ، وإن كان مقسما لليهود والنصارى، وهذا مراد أبي ~~البقاء في قوله: " أي: واتخذوا المسيح ربا، فحذف الفعل وأحد المفعولين ~~". وجوز فيه أيضا أن يكون منصوبا بفعل مقدر أي: وعبدوا المسيح ابن ~~مريم. # ثم قال: { ومآ أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا ~~لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون } أي: سبحانه ~~أن يكون له شريك في الأمر والتكليف، وفي كونه معبودا، وفي وجوب نهاية ~~التعظيم. # قوله: { يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم } ~~الآية. # ذكر عن رؤساء اليهود والنصارى نوعا ثالثا من أفعالهم القبيحة، وهو ~~سعيهم في إبطال أمر محمد عليه الصلاة والسلام. # والمراد من " النور " قال الكلبي: هو القرآن، أي: يردوا القرآن ~~بألسنتهم تكذيبا. وقيل: النور: الدلائل الدالة على صحة نبوته وشرعه ~~وقوة دينه. وسمى الدلائل نورا؛ لأن النور يهتدى به إلى الصواب. # قوله: { ويأبى الله إلا أن يتم نوره } " أن يتم " ~~مفعول به، وإنما دخل الاستثناء المفرغ في الموجب؛ لأنه في معنى ~~النفي، فقال الأخفش الصغير " معنى يأبى: يمنع " وقال الفراء: " ~~دخلت " إلا " لأن في الكلام طرفا من الجحد " وقال الزمخشري: " ~~أجرى " أبى " مجرى " لم يرد " ، ألا ترى كيف قوبل: { ~~يريدون أن يطفئوا } بقوله: { ويأبى الله } ، وأوقع ~~موقع: ولا يريد الله إلا أن يتم نوره؟ ". # والتقدير: لا يريد إلا أن يتم نوره، إلا أن الإباء ms4395 يفيد زيادة ~~عدم الإرادة، وهي المنع والامتناع. # والدليل عليه قوله عليه السلام: # " وإذا أرادوا ظلمنا أبينا " # فامتدح بذلك، ولا يجوز أن يمتدح بأنه يكره الظلم؛ لأن ذلك يصح من ~~القوي والضعيف. # وقال الزجاج " إن المستثنى منه محذوف، تقديره: ويأبى أي: ويكره ~~كل شيء إلا أن يتم نوره " وقد جمع أبو البقاء بين مذهب الزجاج، ~~ومذهب غيره فجعلهما مذهبا واحدا فقال: " يأبى بمعنى: يكره، ويكره ~~بمعنى يمنع، فلذلك استثنى، لما فيه من معنى النفي، والتقدير: يأبى ~~كل شيء إلا إتمام نوره ". أي: يعلي دينه ويظهر كلمته، ويتم الحق ~~الذي بعث به محمدا صلى الله عليه وسلم: { ولو كره الكافرون ~~}. # قوله تعالى: { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين ~~الحق }. يعني: الذي يأبى إلا إتمام دينه، هو الذي أرسل رسوله ~~محمدا: " بالهدى " ، أي: القرآن، وقيل: ببيان الفرائض " ودين الحق " ~~وهو الإسلام، " ليظهره " ليعليه وينصره، { على الدين كله } ~~على سائر الأديان كلها { ولو كره المشركون } فإن قيل: ظاهر ~~قوله { ليظهره على الدين كله } يقتضي كونه غالبا لجميع ~~الأديان، وليس الأمر كذلك، فإن الإسلام لم يصر غالبا لسائر الأديان في ~~أرض الهند والصين وسائر أراضي الكفرة. # فالجواب من وجوه: # أحدها: قال ابن عباس " الهاء في " ليظهره " عائدة إلى الرسول صلى ~~الله عليه وسلم أي: ليعلمه شرائع الدين كلها، فيظهره عليها حتى لا يخفى ~~عليه منها شيء ". # وثانيها: قال أبو هريرة والضحاك: هذا وعد من الله تعالى بأنه يجعل ~~الإسلام عاليا على جميع الأديان وتمام هذا يحصل عند خروج عيسى عليه ~~الصلاة والسلام. # وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في نزول عيسى قال: # " ويهلك في زمانه الملل كلها إلا الإسلام ". # وروى المقداد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله ~~كلمة الإسلام، بعز عزيز، أو بذل ذليل، إما أن يعزهم ~~الله فيجعلهم من أهله فيعزوا به، وإما أن يذلهم ~~فيدينون له ". # وقال السدي: ذلك عند خروج المهدي، لا يبقى أحد ms4396 إلا دخل في الإسلام، ~~أو أدى الخراج. # وثالثها: { ليظهره على الدين كله } في جزيرة العرب، وقد ~~حصل ذلك، فإنه تعالى ما أبقى فيها أحدا من الكفار. # ورابعها: أنه لا دين يخالف دين الإسلام، إلا وقد قهرهم المسلمون، ~~وظهروا عليهم في بعض المواضع، وإن لم يكن ذلك في جميع مواضعهم، فقهروا ~~اليهود، وأخرجوهم من بلاد العرب، وغلبوا النصارى على بلاد الشام وما ~~والاها إلى ناحية الروم والغرب، وغلبوا المجوس على ملكهم، وغلبوا عباد ~~الأصنام على كثير من بلادهم مما يلي الترك والهند. # وخامسها: { ليظهره على الدين كله } بالحجة والبيان، ~~وهذا ضعيف؛ لأن هذا وعد بأنه تعالى سيفعله، والقوة بالحجة والبيان ~~كانت حاصلة من أول الأمر. ويمكن أن يجاب عنه، بأنه في مبدأ الأمر ~~كثرت الشبهات، بسبب ضعف المؤمنين، واستيلاء الكفار، ومنعهم للناس ~~من التأمل في تلك الدلائل، وأما بعد قوة الإسلام، وعجز الكفار، ضعفت ~~الشبهات فقوي دلائل الإسلام. ### || [9.34-35] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إن كثيرا من ~~الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس ~~بالباطل } الآية. # لما وصف اليهود والنصارى بالتكبر وادعاء الربوبية، وصفهم في هذه ~~الآية بالطمع والحرص على أخذ أموال الناس بالباطل. فقوله: " كثيرا " ~~يدل على أن هذه طريقة بعضهم، لا طريقة الكل، فإن العالم لا يخلو عن ~~الحق، وإطباق الكل على الباطل، كالممتنع، وهذا يدل على أن إجماع هذه ~~الأمة على الباطل، لا يحصل؛ فكذلك في سائر الأمم، وعبر عن أخذ الأموال ~~ب " الأكل "؛ إما لأن المقصود الأعظم من جمع الأموال الأكل، فسمى ~~الشيء باسم ما هو أعظم مقاصده، وإما لأن من أكل شيئا، فقد ضمه إلى ~~نفسه، ومنع غيره من الوصول إليه؛ وإما لأن من أخذ أموال الناس، إذا ~~طولب بردها، قال: أكلتها، فلهذه الوجوه سمى الأخذ بالأكل. # واختلفوا في تفسير هذا " الباطل ". فقيل: كانوا يأخذون الرشا في تخفيف ~~الأحكام، والمسامحة في الشرائع، وقيل: كانوا يدعون عند العوام منهم، ~~أنه لا سبيل إلى الفوز بمرضاة الله تعالى إلا بخدمتهم وطاعتهم، وبذل ~~الأموال في مرضاتهم، والعوام كانوا يغترون بتلك الأكاذيب، ms4397 وقيل: ~~كانوا يغيرون الآيات الدالة على مبعث محمد - عليه الصلاة والسلام ~~-، وعلى صدقه، ويذكرون في تأويلها وجوها فاسدة، ويطيبون قلوب ~~عوامهم بهذا السبب، ويأخذون الرشوة عليهم، وقيل: كانوا يحرفون كتاب ~~الله، ويكتبون كتبا ويقولون هذه من عند الله، ويأخذون بها ثمنا قليلا ~~من سفلتهم. # قوله " ويصدون " يحتمل أن يكون متعديا، أي: يصدون الناس، ~~وأن يكون قاصرا، كذا قال أبو حيان، وفيه نظر؛ لأنه متعد فقط، ~~وإنما يحذف مفعوله، ويراد، أو لا يراد، كقوله # كلوا واشربوا # [البقرة:60]. # قوله { والذين يكنزون الذهب } الجمهور على قراءته ~~بالواو، وفيها تأويلان: # أحدهما: أنها استئنافية، و " الذين " مبتدأ ضمن معنى الشرط، ~~ولذلك دخلت الفاء في خبره. # الثاني: أنه من أوصاف الكثير من الأحبار والرهبان، وهو قول عثمان ~~ومعاوية. # قال زيد بن وهب: مررت بأبي ذر بالربذة، فقلت: يا أبا ذر ما أنزلك ~~هذه البلاد؟ فقال: كنت بالشام، فقرأت: { والذين يكنزون ~~الذهب والفضة } فقال معاوية: هذه الآية في أهل الكتاب، ~~فقلت: إنها فيهم وفينا، فصار ذلك سببا للوحشة بين وبينه، فكتب إلي ~~عثمان أن أقبل إلي، فلما قدمت المدينة انحرف الناس عني؛ كأنهم لم ~~يروني من قبل، فشكوت ذلك إلى عثمان، فقال لي: تنح قريبا، فقلت: ~~والله إني لم أدع ما كنت أقول. # ويجوز أن يكون " الذين " منصوبا بفعل مقدر، يفسره، " ~~فبشرهم " وهو أرجح، لمكان الأمر. # وقرأ طلحة بن مصرف " الذين " بغير واو، وهي تحتمل الوجهين ~~المتقدمين، ولكن كونها من أوصاف الكثير من الأحبار والرهبان أظهر من ~~الاستئناف، عكس التي بالواو. # و " الكنز " الجمع والضم، ومنه: ناقة كناز، أي: منضمة الخلق. ~~ولا يختص بالذهب والفضة، بل يقال في غيرهما، وإن غلب عليهما؛ قال: ~~[البسيط] # 2777- لا در دري إن أطعمت جائعهم # قرف الحتي وعندي البر مكنوز # وقال آخر: [الرجز] # 2778- على شديد لحمه كناز # بات ينزيني على أوفاز # قوله: " ولا ينفقونها " تقدم شيئان وعاد الضمير مفردا، فقيل: ~~إنه من باب ما حذف، لدلالة الكلام عليه، والتقدير: والذين يكنزون الذهب ~~ولا ينفقونه. وقيل: يعود على المكنوزات، ودل على هذا جزؤه ms4398 المذكور؛ ~~لأن المكنوز أعم من النقدين وغيرهما، فلما ذكر الجزء دل على ~~الكل، فعاد الضمير جمعا بهذا الاعتبار؛ ونظيره قول الآخر: [الطويل] # 2779- ولو حلفت بين الصفا أم عامر # ومروتها بالله برت يمينها # أي: ومروة مكة، عاد الضمير عليها لما ذكر جزؤها، وهو الصفا، كذا ~~استدل به ابن مالك، وفيه احتمال، وهو أن يكون الضمير عائدا على " ~~الصفا " ، وأنث حملا على المعنى، إذ هو في معنى البقعة والحدبة. # وقيل: الضمير يعود على الذهب؛ لأن تأنيثه أشهر، ويكون قد حذف بعد ~~الفضة أيضا. # وقيل: إن كل واحد منهما جملة وافية، دنانير ودراهم، فهو كقوله: # وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا # [الحجرات:9]. # وقيل: التقدير: ولا ينفقون الكنوز. # وقال الزجاج: " ولا ينفقون تلك الأموال " وقيل: يعود على الزكاة. # وقال القرطبي " قال ابن الأنباري: قصد الأغلب والأعم وهي الفضة، ~~ومثله قوله: # واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة ~~إلا على الخاشعين # [البقرة:45]. # رد الكناية إلى الصلاة؛ لأنها أعم، ومثله: # وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها # [الجمعة:11] فأعاد الهاء إلى التجارة؛ لأنها الأهم ". ورد هذا بعضهم، ~~قال: ليس هذا نظيره؛ لأن " أو " فصلت التجارة عن اللهو، فحسن عود ~~الضمير على أحدهما ". # وإنما خص الذهب والفضة بالذكر من بين سائر الأموال؛ لأنهما ~~الأصل المعتبر في الأموال، وهما اللذان يقصدان بالكنز، ثم قال: { ~~فبشرهم بعذاب أليم } أي: فأخبرهم على سبيل التهكم لأن ~~الذين يكنزون الذهب والفضة، إنما يكنزوهما، ليتوسلوا بهما إلى ~~تحصيل الفرج يوم الحاجة فقيل: هذا يوم الفرج، كما يقال: تحيتهم ليس إلا ~~الضرب، وإكرامهم ليس إلا الشتم وأيضا: فالبشارة: عبارة عن الخير الذي ~~يؤثر في القلب؛ فيتغير بسببه لون بشرة الوجه وهذا يتناول ما إذا ~~تغيرت البشرة بسبب الفرح أو بالغم. # قوله: " يوم يحمى " منصوب بقوله: " بعذاب أليم ". # وقيل: بمحذوف يدل عليه " عذاب " أي: يعذبون يوم يحمى، وقيل: ~~هو منصوب ب " أليم ". وقيل: الأصل: عذاب يوم، و " عذاب " بدل من " ~~عذاب " الأول، فلما حذف المضاف أقيم المضاف إليه مقامه. # وقيل: منصوب بقول مضمر، وسيأتي بيانه. # و " يحمى " يجوز ms4399 أن يكون من " حميت أو أحميت ثلاثيا ~~ورباعيا، يقال: حميت الحديدة، وأحميتها، أي: أوقدت عليها، ~~لتحمى، والفاعل المحذوف هو " النار " تقديره: يوم تحمى ~~النار عليها، فلما حذف الفاعل، ذهب علامة التأنيث، لذهابه كقولك: ~~رفعت القضية إلى الأمير، ثم تقول: رفع إلى الأمير. # وقيل: لأن تأنيث " النار " مجازي، والفعل غير مسند في الظاهر ~~إليه، بل إلى قوله " عليها " فلهذا حسن التذكير والتأنيث. # وقيل: المعنى: يحمى الوقود. وقرأ الحسن " تحمى " بالتاء من ~~فوق، أي: النار، وهي تؤيد التأويل الأول. # وقرأ أبو حيوة " يكوى " بالياء من تحت؛ لأن تأنيث الفاعل مجازي. # وقرأ الجمهور: " جباههم " بالإظهار وقرأ أبو عمرو في بعض طرقه ~~بالإدغام، كما أدغم # سلككم # [المدثر:42]، و # مناسككم # [البقرة:200]، ومثل " جباههم " ، # وجوههم # [آل عمران:106]، والمشهور الإظهار. # قوله: { هذا ما كنزتم لأنفسكم } معمول لقول محذوف أي: ~~يقال لهم ذلك يوم يحمى. وقوله: { ما كنتم تكنزون } أي: جزاء ما ~~كنتم؛ لأن المكنوز لا يذاق و " ما " يجوز أن تكون بمعنى " الذي " ، ~~فالعائد محذوف، وأن تكون مصدرية. وقرىء " تكنزون " بضم عين ~~المضارع، وهما لغتان، يقال: كنز يكنز، ويكنز، ك: يقتل. # فصل # أصل الكنز في كلام العرب: الجمع، وكل شيء جمع بعضه إلى بعض فهو مكنوز. ~~واختلف علماء الصحابة في المراد بهذا الكنز المذموم، فقال الأكثرون: ~~هو المال الذي لم تؤد زكاته، قال عمر بن الخطاب: " ما أدي زكاته ~~فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وكل ما لم تؤد زكاته فهو كنز وإن ~~كان فوق الأرضين ". وقال ابن عباس في قوله: { ولا ينفقونها ~~في سبيل الله } يريد: الذين لا يؤدون زكاة أموالهم. وروى أبو ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا ~~كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها ~~في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما ~~بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى ~~يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى ~~النار ms4400 ". # قال القاضي " تخصيص هذا المعنى بمنع الزكاة لا سبيل إليه، بل الواجب ~~أن يقال: الكنز: هو المال الذي ما أخرج عنه ما وجب إخراجه، ولا فرق بين ~~الزكاة وبين ما يجب من الكفارات، وبين ما يلزم من نفقة الحج أو الجمعة، ~~وبين ما يجب إخراجه في الديون والحقوق، والإنفاق على الأهل والعيال، ~~وضمان المتلفات، وأروش الجنايات؛ فيجب دخول كل هذه الأقسام في هذا الوعيد ~~". # وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: كل مال زاد على أربعة آلاف درهم؛ ~~فهو كنز، أديت منه الزكاة أو لم تؤد، وما دونها نفقة. وروي عن أبي ~~ذر أنه كان يقول: " من ترك بيضاء أو حمراء كوي بها يوم القيامة ~~" وقيل: ما فضل عن الحاجة كنز، لما روى أبو أمامة قال: # " مات رجل من أهل الصفة فوجد في مئزره دينار، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: كية، ثم توفي آخر فوجد في مئزره ديناران، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: كيتان " # والقول الأول أصح، لقوله عليه الصلاة والسلام: # " نعم المال الصالح للرجل الصالح " # وقوله عليه الصلاة والسلام: # " ما أدي زكاته فليس بكنز " # وروى مجاهد عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية كبر ذلك على ~~المسلمين، وقالوا: ما يستطيع أحد منا أن يدع لولده شيئا، فذكر ذلك ~~عمر للرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: # " إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من ~~أموالكم " # وسئل ابن عمر عن هذه الآية فقال: كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما ~~نزلت جعلها الله طهرا للأموال. وقال ابن عمر: " ما أبالي لو أن ~~لي مثل أحد ذهبا أعلم عدده أزكيه، وأعمل بطاعة الله عز وجل ". # وكان في زمان الرسول - عليه الصلاة والسلام - جماعة مياسير كعثمان، وعبد ~~الرحمن بن عوف وكان عليه الصلاة والسلام يعدهم من أكابر المؤمنين، وندب ~~عليه الصلاة والسلام إلى إخراج الثلث أو أقل في المرض، ولو كان جمع المال ~~محرما لكان عليه الصلاة والسلام يأمر المريض بالتصدق بكله، بل كان ~~يأمر ms4401 الصحيح في حال صحته بذلك، وقال عليه الصلاة والسلام لسعد بن أبي ~~وقاص: # " إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة ~~يتكففون الناس ". # فصل # اختلفوا في وجوب الزكاة في الحلي، فقال مالك وأحمد وإسحاق وأبو ~~ثور وأبو عبيد: لا زكاة فيه. وهو قول الشافعي بالعراق، ووقف فيه بعد ذلك ~~بمصر، وقال الثوري وأبو حنيفة والأوزاعي: فيه الزكاة. # فإن قيل: من لم يكنز ولم ينفق في سبيل الله وأنفق في المعاصي، ~~هل يكون حكمه في الوعيد حكم من كنز ولم ينفق في سبيل الله. قيل: إن ~~ذلك أشد، فإن من بذل ماله في المعاصي، عصى من جهتين: بالإنفاق والتناول، ~~ك: شراء الخمر وشربها. بل من جهات إذا كانت المعصية مما تتعدى ~~كمن أعان على ظلم مسلم من قتله أو أخذ ماله. # فإن قيل: لم خصت هذه الأعضاء؟ فالجواب من وجوه: # أحدها: أن المقصود من كسب الأموال، حصول فرح القلب، فيظهر أثره في ~~الوجه، وحصول الشبع ينفتح بسببه الجنبان، وليس ثياب فاخرة يطرحونها على ~~ظهورهم، فلما طلبوا تزيين هذه الأعضاء الثلاثة، حصل الكي على الجباه ~~والجنوب والظهور. # وثانيها: أن هذه الأعضاء مجوفة وفي داخلها آلات ضعيفة يعظم تألمها ~~بسبب وصول أدنى أثر إليها، بخلاف سائر الأعضاء. # وثالثها: قال أبو بكر الوراق: خصت هذه المواضع بالذكر؛ لأن صاحب ~~المال إذا رأى الفقير قبض جبهته وإذا جلس الفقير بجنبه تباعد عنه وولى ~~ظهره. # ورابعها: أنهم يكوون على الجهات الأربع، أما من مقدمه فعلى الجبهة، ~~وأما من خلفه فعلى الظهر، وأما من يمينه ويساره فعلى الجنبين. ### || [9.36-37] # قوله تعالى: { إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر ~~شهرا } الآية. # " العدة " مصدر بمعنى " العدد ". و " عند الله " منصوب به، أي: ~~في حكمه. و " اثنا عشر " خبر " إن " ، وقرأ ميسرة عن حفص، وهي ~~قراءة أبي جعفر " اثنا عشر " بسكون العين مع ثبوت الألف قبلها، ~~واستكرهت من حيث الجمع بين ساكنين على غير حديهما، كقولهم: " ~~التقت حلقتا البطان " بإثبات الألف من " حلقتا ". وقرأ طلحة ~~بسكون الشين كأنه ms4402 حمل " عشر " في المذكر على " عشرة " في المؤنث، و " ~~شهرا " نصب على التمييز، وهو مؤكد؛ لأنه قد فهم ذلك من الأول، فهو ~~كقولك: عندي من الدنانير عشرون دينارا. والجمع متغاير في قوله " ~~عدة الشهور " وفي قوله تعالى: # الحج أشهر # [البقرة:197]؛ لأن هذا جمع كثرة، وذاك جمع قلة. # قوله: { في كتاب الله } يجوز أن يكون صفة ل " اثنا عشر " ~~، والتقدير: اثنا عشر شهرا مثبتة في كتاب الله. ثم لا يجوز أن يعنى ~~بهذا الكتاب كتاب من الكتب، لأنه متعلق بقوله: { يوم خلق ~~السماوات } وأسماء الأعيان لا تتعلق بالظروف، فلا تقول: غلامك يوم ~~الجمعة، بل الكتاب ههنا مصدر والتقدير: إن عدة الشهور عند الله اثنا ~~عشر شهرا في كتاب الله، أي: في حكمه الواقع يوم خلق السموات والأرض. # ويجوز أن يكون بدلا من الظرف قبله، وهذا لا يجوز، أو ضعيف، لأنه ~~يلزم منه أن يخبر عن الموصول قبل تمام صلته، فإن هذا الجار متعلق به ~~على سبيل البدلية، وعلى تقدير صحة ذلك من جهة الصناعة، فكيف يصح من جهة ~~المعنى؟ ولا يجوز أن يكون " في كتاب الله " متعلقا ب " عدة " ~~لئلا يلزم الفصل بين المصدر ومعموله بخبره وقياس من جوز إبداله من ~~الظرف أن يجوز هذا، وقد صرح بجوازه الحوفي. # قوله: " يوم خلق " يجوز فيه أن يتعلق ب " كتاب " على أنه ~~يراد به المصدر، لا الجثة ويجوز أن يتعلق بالاستقرار في الجار ~~والمجرور، وهو " في كتاب الله " ويكون الكتاب جثة لا مصدرا، وجوز ~~الحوفي أن يكون متعلقا ب " عدة " وهو مردود بما تقدم، ويجوز ~~أن يتعلق بفعل مقدر، أي: كتب ذلك يوم خلق. # فصل # هذه الآية أيضا من شرح قبائح اليهود والنصارى والمشركين، وهو إقدامهم ~~على تغيير أحكام الله تعالى؛ لأنه تعالى، حكم في كل وقت بحكم خاص، فإذا ~~غيروا تلك الأوقات بسبب النسيء، كان ذلك سعيا منهم في تغيير حكم ~~السنة بحسب أهوائهم وآرائهم فكان ذلك زيادة في كفرهم وجرأتهم. # فإن السنة عند العرب: عبارة عن اثني عشر شهرا قمرية، ويدل ms4403 عليه ~~هذه الآية وقوله تعالى: # هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نورا وقدره ~~منازل لتعلموا عدد السنين والحساب # [يونس:5] فجعل تقدير القمر بالمنازل دليلا على السنين، وإنما يصح ذلك ~~إذا كانت السنة معلقة بسير القمر، وقال تعالى # يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس ~~والحج # [البقرة:189] وعند سائر الطوائف: السنة عبارة عن المدة التي تدور ~~الشمس فيها دورة تامة من فصل إلى فصل، فيكون الحج واقعا في الشتاء ~~مرة، وفي الصيف أخرى، فشق الأمر عليهم بهذا السبب. # وأيضا إذا حضروا الحج حضروا للتجارة، فربما كان ذلك الوقت غير موافق ~~لحضور التجارات من الشمسية، فلذلك بقي زمان الحج مختصا بوقت معين موافق ~~لمصلحتهم، وانتفعوا بتجاراتهم ومصالحهم، فهذا النسيء وإن كان سببا ~~لحصول المصالح الدنيوية، إلا أنه لزم منه تغيير حكم الله تعالى، ~~لما خص الحج بأشهر معلومة على التعيين، وكان بسبب ذلك النسيء ~~يقع في سائر الشهور تغيير حكم الله تعالى وإبطال تكليفه؛ فلهذا المعنى ~~استوجبوا الذم العظيم في هذه الآية. والمراد بالكتاب: حكمه ~~وإيجابه. قال ابن عباس " إنه اللوح المحفوظ " وقيل: القرآن. # فصل # قال القرطبي: قوله تعالى: { إن عدة الشهور } وهي جمع شهر. ~~فإذا قال الرجل لأخيه: لا أكلمك الشهور، وحلف على ذلك فلا يكلمه حولا، ~~قاله بعض العلماء وقيل: لا يكلمه أبدا. قال ابن العربي: وأرى إن لم ~~يكن له نية أن يقتضي ذلك ثلاثة أشهر، لأنه أقل الجمع الذي يقتضيه صيغة ~~" فعول " في جمع " فعل ". # قوله { منهآ أربعة حرم } هذه الجملة يجوز فيها ثلاثة أوجه: # أحدها: أن تكون صفة ل " اثنا عشر ". # الثاني: أن تكون حالا من الضمير في الاستقرار. # الثالث: أن تكون مستأنفة. والضمير في " منها " عائد على اثنا عشر ~~شهرا، لأنه أقرب مذكور، على " الشهور " والضمير في " فيهن " عائد ~~على " الاثني عشر " أيضا. وقال الفراء، وقتادة: يعود على الأربعة ~~الحرم وهذا أحسن، لوجهين: # أحدهما: أنه أقرب مذكور. والثاني: أنه قد تقرر أن معاملة جمع القلة ~~غير العاقل معاملة جمع الإناث أحسن من معاملة ضمير الواحدة، والجمع ms4404 ~~الكثير بالعكس، تقول الأجذاع انكسرن، والجذوع انكسرت، ويجوز العكس. # فصل # أجمعوا على أن هذه الأربعة ثلاثة منها سرد، وهي: ذو القعدة، وذو ~~الحجة، ومحرم، وواحد فرد، وهو: رجب، ومعنى الحرم: أن المعصية فيها أشد ~~عقابا، والطاعة فيها أشد ثوابا، والعرب كانوا يعظمونها حتى ~~لو لقي الرجل قاتل أبيه لم يتعرض له. # فإن قيل: أجزاء الزمان متشابهة في الحقيقة، فما السبب في هذا ~~التمييز؟ # فالجواب: هذا المعنى غير مستبعد في الشرائع، فإنه ميز البلد ~~الحرام عن سائر البلاد بمزيد الحرمة، وميز يوم الجمعة عن سائر الأيام ~~بمزيد الحرمة، وميز يوم عرفة عن سائر الأيام بعبادة مخصوصة، وميز شهر ~~رمضان عن سائر الشهور بمزيد حرمة، وميز بعض ساعات اليوم والليلة بوجوب ~~الصلاة فيها، وميز ليلة القدر عن سائر الليالي، وميز بعض الأشخاص ~~بإعطاء الرسالة، فأي استبعاد في تخصيص بعض الشهور بمزيد الحرمة. # وفيه فائدة أخرى وهي: أن الطباع مجبولة على الظلم والفساد، وامتناعهم ~~من هذه القبائح على الإطلاق شاق عليهم، فخص تعالى بعض الأوقات وبعض ~~الأماكن بمزيد التعظيم والاحترام، حتى إن الإنسان ربما امتنع في تلك ~~الأزمنة، وفي تلك الأمكنة عن فعل القبائح، وذلك يوجب أنواعا من الفوائد. # أحدها: أن ترك القبائح في تلك الأوقات أمر مطلوب؛ لأنه يقل القبائح. # وثانيها: أن تركها في تلك الأوقات ربما صار سببا لميل طبعه إلى ~~الإعراض عنها مطلقا. # وثالثها: أنه إذا أتى بالطاعات فيها وأعرض عن المعاصي فيها، فبعد ~~انقضاء تلك الأوقات لو شرع في المعاصي صار شروعه فيها سببا لبطلان ما ~~تحمله من العناء والمشقة في أداء الطاعات في تلك الأوقات، ~~والظاهر من حال العاقل أنه لا يرضى بذلك فيصير ذلك سببا لاجتنابه عن ~~المعاصي بالكلية، فهذا هو الحكمة في تخصيص بعض الأزمنة، وبعض الأمكنة، ~~بمزيد التعظيم. # قوله { ذلك الدين القيم } أي: الحساب المستقيم، يقال: " ~~الكيس من دان نفسه " أي: حاسبها، وقال الحسن: " ذلك الدين ~~القيم " الذي لا يبدل ولا يغير، " القيم " - ههنا - بمعنى: القائم ~~الدائم الذي لا يزول، وهو الدين الذي فطر الناس ms4405 عليه. # قوله { فلا تظلموا فيهن أنفسكم } بفعل المعصية، وترك ~~الطاعات، قال ابن عباس: " المراد، فلا تظلموا في الشهور الاثني ~~عشر أنفسكم، والمراد: منع الإنسان من الإقدام على الفساد في جميع العمر ~~". وقال الأكثرون الضمير في قوله " فيهن " عائد على الأربعة ~~الحرم، وقد تقدم. وقيل: المراد ب " الظلم " النسيء الذي كانوا ~~يعملونه، فينقلون الحج من الشهر الذي أمر الله بإقامته فيه إلى شهر ~~آخر، وقيل: المراد ب " الظلم " ترك المقاتلة في هذه الأشهر. # قوله: { وقاتلوا المشركين كآفة } نصب " كافة " على ~~الحال، إما من الفاعل، أو من المفعول، وقد تقدم أن " كافة " لا ~~يتصرف فيها بغير النصب على الحال، وأنها لا تدخلها " أل "؛ لأنها ~~بمعنى قولك: قاموا جميعا، وقاموا معا، وأنها لا تثنى، ولا ~~تجمع، وكذلك " كافة " الثانية، ومعنى " كافة " أي: جميعا. # فصل # معنى الآية: قاتلوهم بأجمعكم مجتمعين على قتالهم، كما أنهم يقاتلونكم ~~على هذه الصفة، أي: تعاونوا وتناصروا على ذلك؛ ولا تتخاذلوا وكونوا ~~عباد الله مجتمعين متوافقين في مقاتلة الأعداء. # وقال ابن عباس: " قاتلوهم بكليتهم ولا تحابوا بعضهم بترك القتال، ~~كما أنهم يستحلون قتال جميعكم " { واعلموا أن الله مع ~~المتقين } أي: مع أوليائه الذين يخشونه في أداء الطاعات ~~والاجتناب عن المحرمات. # واختلفوا في تحريم القتال في الأشهر الحرم، فقيل: كان محرما ثم نسخ ~~بقوله تعالى { وقاتلوا المشركين كآفة } أي: فيهن، وفي ~~غيرهن، وهو قول قتادة، وعطاء الخراساني، والزهري وسفيان الثوري، ~~وقالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم غزا هوازن بحنين، وثقيفا ~~بالطائف، وحاصرهم في شوال وبعض ذي القعدة. وقال آخرون: غير منسوخ. قال ~~ابن جريج " حلف بالله عطاء بن أبي رباح أنه ما يحل للناس أن يغزوا ~~في الحرم، ولا في الأشهر الحرم إلا أن يقاتلوا فيها، وما نسخت ". # قوله { إنما النسيء زيادة في الكفر } في " النسيء ~~" قولان: # أحدهما: أنه مصدر على " فعيل " من: " أنسأ " ، أي: أخر، ك " ~~النذير " من أنذر، و " النكير " من أنكر، وهذا ظاهر قول الزمخشري ~~فإنه قال: " النسيء: تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر " ، وحينئذ. ~~فالإخبار عنه ms4406 بقوله " زيادة " واضح، لا يحتاج إلى إضمار. # وقال الطبري: " النسيء - بالهمز - معناه: الزيادة "؛ لأنه تأخير ~~في المدة، فيلزم منه الزيادة، ومنه النسيئة في البيع، يقال: أنسأ ~~الله أجله، ونسأ في أجله أي أخر وهو ممدود عند أكثر القراء. # الثاني: أنه " فعيل " بمعنى " مفعول " من نسأه أي: أخره ~~فهو منسوء، ثم حول " مفعول " إلى " فعيل " ، وإلى ذلك نحا أبو ~~حاتم، والجوهري - وهذا القول رده الفارسي فإنه يكون المعنى: إنما ~~المؤخر زيادة، والمؤخر الشهر، ولا يكون الشهر زيادة في الكفر، ~~وأجيب عن هذا بأنه على حذف مضاف إما من الأول، أي: إنما إنساء ~~النسيء زيادة في الكفر، وإما من الثاني، أي: إنما النسيء ذو زيادة. ~~وقرأ الجمهور " النسيء " بهمزة بعد الياء، وقرأ ورش عن نافع " النسي ~~" بإبدال الهمزة ياء وإدغام الياء فيها، ورويت هذه عن أبي جعفر، والزهري ~~وحميد، وذلك كما خففوا " برية " و " خطية ". # وقرأ السلمي، وطلحة، والأشهب، وشبل، " النسء " بإسكان السين. وقرأ ~~مجاهد والسلمي وطلحة أيضا " النسوء " بزنة " فعول " بفتح الفاء، ~~وهو التأخير، و " فعول " في المصادر قليل، قد تقدم منه ألفاظ في أوائل ~~البقرة، وتقدم في البقرة اشتقاق هذه المادة، وهو هنا عبارة عن تأخير ~~بعض الشهور عن بعض؛ قال: [الوافر] # 2780- ألسنا الناسئين على معد # شهور الحل نجعلها حراما # وقال آخر: [الكامل] # 2781- نسئوا الشهور بها وكانوا أهلها # من قبلكم والعز لم يتحول # قوله " يضل به " قرأ الأخوان، وحفص " يضل " مبنيا للمفعول ~~وأبو عمرو في رواية ابن مقسم " يضل " مبنيا للفاعل، وفيه ثلاثة ~~أوجه: # أحدها: يضل الله به الذين كفروا. # والثاني: يضل الشيطان به الذين كفروا. # والثالث: يضل به الذين كفروا تابعيهم. والباقون مبنيا للفاعل، والموصول ~~فاعل به. وقرأ ابن مسعود والحسن، ومجاهد، وقتادة ويعقوب، وعمرو بن ميمون ~~" يضل " مبنيا للفاعل، من " أضل " وفي الفاعل وجهان: # أحدهما: ضمير الباري تعالى، أي: يضل الله الذين كفروا. # والثاني: أن الفاعل " الذين كفروا " وعلى هذا فالمفعول محذوف، أي ~~يضل الذين كفروا أتباعهم. # وقرأ أبو رجاء " يضل " بفتح الياء والضاد، وهي من " ضللت " ~~بكسر ms4407 اللام، " أضل " بفتحها، والأصل: " أضلل " فنقلت فتحة ~~اللام إلى الضاد، لأجل الإدغام، وقرأ النخغي، والحسن في رواية محبوب ~~" نضل " بضم نون العظمة، و " الذين " مفعول، وهذه تقوي أن ~~الفاعل ضمير الله في قراءة ابن مسعود. # قوله: " يحلونه " فيه وجهان: # أحدهما: أن الجملة تفسيرية للضلال. # والثاني: أنها حالية. وقوله: " ليواطئوا " في هذه اللام وجهان: # أحدهما: أنها متعلقة ب " يحرمونه " وهذا مقتضى مذهب البصريين ~~فإنهم يعملون الثاني من المتنازعين. # والثاني: أنها تتعلق ب " يحلونه " وهذا مقتضى مذهب الكوفيين، ~~فإنهم يعملون الأول، لسبقه. وقول من قال: إنها متعلقة بالفعلين معا، ~~فإنما يعني من حيث المعنى، لا اللفظ. وقرأ أبو جعفر " ليواطئوا " ~~بكسر الطاء وضم الياء الصريحة. # والصحيح أنه ينبغي أن يقرأ بضم الطاء وحذف الياء؛ لأنه لما أبدل ~~الهمزة ياء استثقل الضمة عليها فحذفها، فالتقى ساكنان، فحذفت الياء، ~~وضمت الطاء، لتجانس الواو والمواطأة: الموافقة والاجتماع، يقال: تواطئوا ~~على كذا، أي: اجتمعوا عليه كأن كل واحد يطأ حيث يطأ الآخر، ومنه ~~قوله تعالى: # إن ناشئة الليل هي أشد وطأ # [المزمل:6]. وسيأتي إن شاء الله تعالى. # وقرأ الزهري " ليواطيوا " بتشديد الياء، هكذا ترجموا قراءته، وهي ~~مشكلة، فإن لم يرد به شدة بيان الياء، وتخليصها من الهمز دون ~~التضعيف، فلا أعرف وجهها وهو كما قال. # قوله: " زين " الجمهور على " زين " ببنائه للمفعول، والفاعل ~~المحذوف هو الشيطان. وقرأ زيد بن علي " زين " ببنائه للفاعل، وهو ~~الشيطان أيضا، و " سوء " مفعوله. # فصل # معنى النسيء: هو تأخير تحريم شهر إلى شهر آخر، وذلك أن العرب كانت ~~تعتقد تعظيم الأشهر الحرم، وكان ذلك مما تمسكت به من ملة إبراهيم، ~~وكانت معايشهم من الصيد والغارة فكان يشق عليهم الكف عن ذلك ثلاثة أشهر ~~متوالية، وربما وقعت لهم حرب في الأشهر الحرم، فيكرهون تأخير حربهم، ~~فنسئوا، يعني: أخروا تحريم ذلك الشهر إلى شهر آخر، وكانوا يؤخرون ~~تحريم المحرم إلى صفر، فيحرمون صفر، ويستحلون المحرم فإذا احتاجوا إلى ~~تأخير تحريم صفر أخروه إلى ربيع الأول؛ فكانوا يصنعون هكذا شهرا ~~بعد شهر حتى استدار ms4408 التحريم إلى السنة كلها، فقام الإسلام وقد رجع ~~المحرم إلى موضعه الذي وضعه الله - عز وجل - وذلك بعد دهر طويل، ~~فخطب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: # " ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، ~~السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاث متواليات ذو القعدة، وذو ~~الحجة، والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان... " # الحديث. فأمرهم بالمحافظة لئلا يتبدل في مستأنف الأيام. # واختلفوا في أول من نسأ النسيء. فقال ابن عباس والضحاك وقتادة ~~ومجاهد " أول من نسأ النسيء بنو مالك بن كنانة ". # وقال الكلبي " أول من فعل ذلك رجل من بني كنانة يقال له نعيم بن ~~ثعلبة، وكان يقوم على الناس بالموسم، فإذا هم الناس بالصدود، قام ~~فخطب، فقال: لا مرد لما قضيت، أنا الذي لا أعاب ولا أجاب فيقول له ~~المشركون: لبيك، ثم يسألونه أن ينسأهم شهرا يغيرون فيه، فيقول: إن صفر ~~في هذا العام حرام فإذا قال ذلك حلوا الأوتار، ونزعوا الأسنة والأزجة، ~~وإن قال حلال، عقدوا الأوتار، وشدوا الأزجة، وأغاروا وكان من بعد نعيم ~~رجل يقال له: جنادة بن عوف، وهو الذي أدرك النبي صلى الله عليه وسلم. # وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم هو رجل من كنانة يقال له: القلمس. ~~قال شاعرهم: [الوافر] # 2782- ومنا ناسىء الشهر القلمس # وكانوا لا يفعلون ذلك إلا في الحج إذا اجتمعت العرب في الموسم. وقال ~~جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: " إن أول من سن النسيء: عمرو بن ~~لحي بن قمعة بن خندف ". # ثم قال: { إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به ~~الذين كفروا } تقدم الكلام عليه. { يحلونه عاما } ~~يعني: النسيء { ويحرمونه عاما ليواطئوا } أي: ~~يوافقوا. { عدة ما حرم الله } أي: إنهم لم يحلوا شهرا من ~~الحرام إلا حرموا مكانه شهرا من الحلال، ولم يحرموا شهرا من ~~الحلال إلا أحلوا مكانه شهرا من الحرام، لئلا يكون الحرام أكثر من ~~أربعة أشهر، فتكون الموافقة في العدد. # { زين لهم سوء أعمالهم } قال ابن عباس: زين لهم ~~الشيطان: { والله ms4409 لا يهدي القوم الكافرين }. ### || [9.38-40] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل ~~لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ~~أرضيتم } الآية. لما ذكر فضائح الكفار عاد إلى الترغيب في ~~مقاتلتهم. # قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في غزوة تبوك، وذلك لأنه عليه ~~الصلاة والسلام لما رجع من الطائف أقام بالمدينة أمر بجهاد الروم ~~وكان ذلك الوقت زمان شدة الحر، حين طابت ثمار المدينة، واستعظم الناس ~~غزو الروم وهابوه، وكان ذلك في حر شديد، وسفر بعيد، ومفاوز، وعدو ~~كثير، وذلك حين طابت ثمار المدينة، وظلالها فأمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، ~~فشق عليهم الخروج، وتثاقلوا، فنزلت هذه الآية. # ومعنى: " إذا قيل لكم " أي: قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~" انفروا " اخرجوا، واسم القوم الذين يخرجون النفير. # قوله: " اثاقلتم " أصله " تثاقلتم " فلما أريد الإدغام سكنت ~~الثاء فاجتلبت همزة الوصل كما تقدم في # فادارأتم # [البقرة:72]، والأصل: " تدارأتم ". وقرأ الأعمش " تثاقلتم " ~~بهذا الأصل و " ما " في قوله: " ما لكم " استفهامية، وفيها معنى ~~الإنكار. # وقيل: فاعله المحذوف هو الرسول. " اثاقلتم " ماضي اللفظ، مضارع ~~المعنى، أي: تتثاقلون، وهو في موضع الحال، وهو عامل في الظرف، أي: ما ~~لكم متثاقلين وقت القول. # وقال أبو البقاء: " اثاقلتم: ماض بمعنى المضارع أي: ما لكم ~~تتثاقلون، وهو في موضع نصب، أي: أي شيء لكم في التثاقل، أو في موضع ~~جر على رأي الخليل. وقيل: هو في موضع حال ". # قال أبو حيان: وهذا ليس بجيد؛ لأنه يلزم منه حذف " أن " لأنه لا ~~ينسبك مصدر إلا من حرف مصدري والفعل وحذف " أن " في هذا قليل ~~جدا، أو ضرورة. وإذا كان التقدير في التثاقل، فلا يمكن عمله في " إذا " ~~لأن معمول المصدر الموصول لا يتقدم عليه، فيكون الناصب ل " إذا " ~~والمتعلق به في التثاقل ما تعلق به " لكم " الواقع خبرا ل " ما ~~" وقرىء " أثاقلتم " بالاستفهام الذي معناه الإنكار، وحينئذ لا ~~يجوز أن يعمل في " إذا "؛ لأن ما بعد حرف الاستفهام لا يعمل فيما ~~قبله، فيكون العامل في هذا الظرف إما ms4410 الاستقرار المقدر في " لكم ~~" ، أو مضمر مدلول عليه باللفظ، والتقدير: ما تصنعون إذا قيل لكم، ~~وإليه نحا الزمخشري. # والظاهر أن يقدر: ما لكم تتثاقلون إذا قيل لكم، ليكون مدلولا عليه ~~من حيث اللفظ والمعنى. # وقوله: " إلى الأرض " ضمن اثاقلتم معنى الميل والإخلاء، ~~فعدي ب " إلى " والمعنى: تباطأتم إلى الأرض، أي: لزمتم أرضكم ومساكنكم، ~~وملتم إلى الدنيا وشهواتها، وكرهتم مشاق الجهاد ومتاعبه، ونظيره قوله # أخلد إلى الأرض واتبع هواه # [الأعراف:176] قال المفسرون: معناه: اثاقلتم إلى نعيم الأرض، وإلى ~~الإقامة وبالأرض. # قوله { أرضيتم بالحياة الدنيا } أي: بخفض الدنيا ودعتها. ~~وقوله: { إلى الأرض أرضيتم } جناس لفظي]، وكذا قوله: # اصبروا وصابروا # [آل عمران:200]، وقوله: # أمم ممن معك # [هود:48] وقوله: # يأسفى على يوسف # [يوسف:84]، وقوله: # وأسلمت مع سليمان # [النمل:44]، وقوله: # أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعآء ~~عريض # [فصلت:51]، وقوله: # على علم على العالمين # [الدخان:32] وقوله # مالك الملك # [آل عمران:26]. # قوله " من الآخرة " تظاهرت أقوال المعربين، والمفسرين على أن " ~~من " بمعنى " بدل " كقوله # لجعلنا منكم ملائكة # [الزخرف:60]، أي: بدلكم؛ ومثلة قول الآخر: [الرجز] # 2783- جارية لم تأكل المرققا # ولم تذق من البقول الفستقا # وقول الآخر: [الطويل] # 2784- فليت لنا من ماء زمزم شربة # مبردة باتت على طهيان # إلا أن أكثر النحويين لم يثبتوا لها هذا المعنى، ويتأولون ما ~~أوهم ذلك، والتقدير هنا: اعتصمتم من الآخرة راضين بالحياة الدنيا، ~~وكذلك باقيها. # وقال أبو البقاء: " من الآخرة " في موضع الحال، أي: بدلا من ~~الآخرة. فقدر المتعلق كونا خاصا، ويجوز أن يكون أراد تفسير ~~المعنى. ثم قال: " فما متاع الحياة الدنيا " أي: لذاتها. وقوله " في ~~الآخرة " متعلق بمحذوف من حيث المعنى، تقديره: فما متاع الحياة ~~الدنيا محسوبا في الآخرة ف " محسوبا " حال من " متاع ". # وقال الحوفي: إنه متعلق ب " قليل " ، وهو خبر المبتدأ قال: " وجاز ~~أن يتقدم الظرف على عامله المقترن ب " إلا "؛ لأن الظروف تعمل ~~فيها روائح الأفعال، ولو قلت: ما زيد عمرا إلا يضرب، لم يجز ". # فصل # الدليل على أن متاع الدنيا في الآخرة قليل، أن لذات ms4411 الدنيا ~~خسيسة في أنفسها ومشوبة بالآفات والبليات، ومنقطعة عن قريب لا محالة، ~~ومنافع الآخرة شريفة عالية خالصة عن كل الآفات، ودائمة أبدية سرمدية، ~~وذلك يوجب القطع بأن متاع الدنيا في جنب متاع الآخرة قليل حقير. # قوله: { إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما }. # في الآخرة، وقيل: هو احتباس المطر عنهم في الدنيا. # قال القرطبي: " هذا شرط، فلذلك حذفت منه النون. والجواب " ~~يعذبكم " و { ويستبدل قوما غيركم } وهذا تهديد ~~ووعيد لتارك النفير ". { ويستبدل قوما غيركم } خيرا ~~منكم وأطوع. # قال ابن عباس: " هم التابعون ". # وقال سعيد بن جبير: " هم أبناء فارس " وقيل: هم أهل اليمن. " ولا ~~تضروه شيئا " بترككم النفير. # قال الحسن " الكناية راجعة إلى الله تعالى، أي: لا تضروا الله " ، وقال ~~غيره تعود إلى الرسول؛ لأن الله عصمه من الناس، ولا يخذله إن تثاقلتم ~~عنه. # { والله على كل شيء قدير }. # قال الحسن وعكرمة: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: # وما كان المؤمنون لينفروا كآفة # [التوبة:122] وقال المحققون: الصحيح أن هذه الآية خطاب لمن استنفرهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينفروا، وعلى هذا فلا نسخ. # قوله: { إلا تنصروه فقد نصره الله }. هذا الشرط جوابه ~~محذوف، لدلالة قوله: { فقد نصره الله } عليه، والتقدير: إلا ~~تنصروه فسينصره. وذكر الزمخشري فيه وجهين: # أحدهما: ما تقدم. والثاني: قال " إنه أوجب له النصرة، وجعله ~~منصورا في ذلك الوقت، فلن يخذل من بعده ". قال أبو حيان: " ~~وهذا لا يظهر منه جواب الشرط؛ لأن إيجاب النصرة له أمر سبق، ~~والماضي لا يترتب على المستقبل والذي يظهر الوجه الأول ". وهذا إعلام ~~من الله أنه المتكفل بنصر رسوله، وإعزاز دينه، أعانوه، أو لم ~~يعينوه، وأنه قد نصره عند قلة الأولياء، وكثرة الأعداء، فكيف به ~~اليوم وهو في كثرة من العدد والعدد. # وقوله: { إذ أخرجه الذين كفروا } أي: أنهم جعلوه كالمضطر ~~إلى الخروج من مكة، حين مكروا به وأرادوا تثبيته، وهموا بقتله. # قوله " ثاني اثنين " منصوب على الحال من مفعول " أخرجه " ~~وقد تقدم معنى الإضافة في نحو هذا التركيب عند قوله: # ثالث ثلاثة ms4412 # [المائدة:73]. # وقرأت جماعة " ثاني اثنين " بسكون الياء. قال أبو الفتح: " ~~حكاها أبو عمرو ". # ووجهها أن يكون سكن الياء تشبيها لها بالألف وبعضهم يخصه ~~بالضرورة، والمعنى: هو أحد الاثنين، والاثنان أحدهما رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، والآخر أبو بكر الصديق. # قوله: { إذ هما في الغار }. " إذ " بدل من " إذ " الأولى، ~~والعامل فيها " فقد نصره ". وقال أبو البقاء: " من منع أن يكون ~~العامل في البدل هو العامل في المبدل منه، قدر عاملا آخر، أي: نصره ~~إذ هما في الغار ". و " الغار " بيت يكون في الجبل، وهو هنا بيت في جبل ~~ثور بمكة، ويجمع على " غيران " ، ومثله: " تاج وتيجان " ، و " قاع ~~وقيعان " ، والغار أيضا: نبت طيب الريح، والغار أيضا: الجماعة ~~والغاران: البطن والفرج. وألف " الغار " عن واو. # قوله: " إذ يقول " بدل ثان من " إذ " الأولى. وقال أبو البقاء: ~~أي: إذ هما في الغار، و " إذ يقول " ظرفان ل " ثاني اثنين ". # فصل # عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: " أنت ~~صاحبي في الغار وصاحبي على الحوض ". قال الحسين بن الفضل " من قال ~~إن أبا بكر لم يكن صاحب رسول الله فهو كافر؛ لإنكاره نص القرآن، وفي ~~سائر الصحابة إذا أنكر يكون مبتدعا لا كافرا ". # فإن قيل: إن الله تعالى وصف الكافر بكونه صاحبا للمؤمن في قوله: # قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت # [الكهف:37]. # فالجواب: أن هناك وإن وصفه بكونه صاحبا إلا أنه أردفه بما ~~يدل على الإهانة والإذلال وهو قوله: " أكفرت "؟ أما ههنا فبعد أن ~~وصفه بكون صاحبا ذكر بعده ما يدل على الإجلال والتعظيم وهو قوله { لا ~~تحزن إن الله معنا } فأي مناسبة بين البابين؟. # روي أن قريشا لما بيتوا على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أول الليل إلى الغار، وأمر ~~عليا أن يضطجع على فراشه، ليمنعهم السواد من طلبه، جعل أبو بكر يمشي ~~ساعة بين يديه، وساعة خلفه، فقال له رسول الله صلى الله ms4413 عليه وسلم: # " ما لك يا أبا بكر؟ فقال: أذكر الطلب؛ فأمشي خلفك، ثم أذكر الرصد فأمشي ~~بين يديك؛ فلما انتهينا إلى الغار دخل أبو بكر أولا، يلتمس ما في الغار، ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما لك؟ فقال بأبي أنت وأمي، ~~الغيران مأوى السباع والهوام، فإن كان فيه شيء كان بي لا بك وكان ~~في الغار حجر، فوضع عقبه عليه، لئلا يخرج ما يؤذي الرسول، فلما طلب ~~المشركون الأثر وقربوا، بكى أبو بكر خوفا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام " لا تحزن إن الله معنا " فقال ~~أبو بكر: إن الله لمعنا، فقال الرسول " نعم " فجعل يمسح الدموع عن خده، ~~ولم يكن حزن أبي بكر جبنا منه، وإنما إشفاقا على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وقال: إن أقتل فأنا رجل واحد، وإن قتلت هلكت الأمة. " # وروي أن الله تعالى بعث حمامتين فباضتا في أسفل باب الغار، والعنكبوت ~~نسجت عليه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " اللهم أعم أبصارهم " # فجعلوا يترددون حول الغار ولا يرون أحدا. # فصل # دلت هذه الآية على فضيلة أبي بكر رضي الله عنه من وجوه: # أحدها: أنه عليه الصلاة والسلام لما ذهب إلى الغار كان خائفا من ~~الكفار أن يقتلوه، فلولا أنه عليه الصلاة والسلام كان قاطعا بأن أبا ~~بكر من المؤمنين المحقين الصادقين الصديقين، وإلا لما أصحبه نفسه في ~~ذلك؛ لأنه لو جوز أن يكون باطنه بخلاف ظاهره، لخافه أن يدل أعداءه عليه، ~~أو لخافه أن يقدم هو على قتله، فلما استخلصه لنفسه في تلك الحالة، دل ~~على أنه عليه الصلاة والسلام كان قاطعا بأن باطنه على وفق ~~ظاهره. # وثانيها: أن الهجرة كانت بإذن الله، وكن في خدمة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم جماعة من المخلصين، وكانوا في النسب إلى شجرة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، أقرب من أبي بكر، فلولا أن الله تعالى أمره بأن يستصحب ~~أبا بكر في هذه الواقعة الصعبة، وإلا لكان ms4414 الظاهر ألا يخصه بهذه ~~الصحبة وتخصيص الله إياه بهذا التشريف يدل على علو منصبه في ~~الدين. # وثالثها: أن كل من سوى أبي بكر فارقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~أما أبو بكر فما فارق رسول الله كغيره، ولا تخلف عنه كغيره، بل صبر ~~على مؤانسته، وملازمته، وخدمته عند الخوف الشديد الذي لم يبق معه أحد، ~~وذلك يوجب الفضل العظيم. # ورابعها: أنه تعالى سماه: " ثاني اثنين " فجعله ثاني محمد ~~- عليه الصلاة والسلام - حال كونهما في الغار، والعلماء أثبتوا أنه ~~كان ثاني محمد - عليه الصلاة والسلام - في أكثر المناصب الدينية، فإنه ~~صلى الله عليه وسلم لما أرسل إلى الخلق وعرض الإسلام على أبي بكر ~~فآمن؛ وذهب وعرض الإسلام على طلحة، والزبير، وعثمان، وجماعة من كبار ~~الصحابة فآمن الكل على يده، ثم إنه جاء بهم إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بعد أيام قلائل، فكان هو - رضي الله عنه - " ثاني اثنين " ~~في الدعوة إلى الله تعالى، وكلما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في غزوة، كان أبو بكر يقف في خدمته، فكان " ثاني اثنين " في المواقف ~~كلها، وكلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف خلفه، وكلما ~~جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان " ثاني اثنين " في مجلسه، ~~ولما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، قام مقامه في الإمامة، فكان " ~~ثاني اثنين " ولما مات دفن بجنبه، فكان " ثاني اثنين " هناك. # وطعن بعض الحمقى من الروافض في هذا الوجه وقال: كونه ثاني اثنين للرسول ~~لا يكون أعظم من كون الله رابعا لكل ثلاثة في قوله تعالى: # ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم # [المجادلة:7] الآية. ثم إن هذا الحكم عام في حق المؤمن والكافر، فلما ~~لم يكن هذا المعنى من الله دالا على فضيلة الإنسان فلأن لا يدل من ~~النبي عليه الصلاة والسلام على فضيلة الإنسان أولى؟. # والجواب: أن هذا تعسف بارد؛ لأن المراد هناك كونه تعالى مع الكل ~~بالعلم والتدبير، وكونه مطلقا على ضمير كل أحد، ms4415 أما هنا فالمراد بقوله ~~تعالى: { ثاني اثنين } تخصيصه بهذه الصفة في معرض التعظيم. # قوله: { فأنزل الله سكينته عليه } فالضمير في " عليه ~~" يعود على أبي بكر؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عليه ~~السكينة دائما، وقد تقدم القول في السكينة. والضمير في " أيده " ~~للنبي صلى الله عليه وسلم وهو إشارة إلى قصة بدر، وهو معطوف على قوله { ~~فقد نصره الله }. # وقرأ مجاهد " وأيده " بالتخفيف. و " لم تروها " صفة ل " ~~جنود ". # قوله: { وجعل كلمة الذين كفروا السفلى } كلمتهم: ~~الشرك وهي السفلى إلى يوم القيامة، { وكلمة الله هي العليا ~~} إلى يوم القيامة. قال ابن عباس " هي قول: لا إله إلا الله ". # وقيل: كلمة الذين كفروا ما قدروا في أنفسهم من الكيدية، وكلمة الله: ~~وعده أنه ناصره. # والجمهور على رفع " كلمة " على الابتداء، و " هي " يجوز أن تكون ~~مبتدأ ثانيا، و " العليا " خبرها، والجملة خبر الأول. ويجز أن تكن " ~~هي " فصلا، و " العليا " الخبر. وقرأ يعقوب " وكلمة الله " بالنصب، ~~نسقا على مفعولي " جعل " أي: وجعل كلمة الله هي العليا. # قال أبو البقاء: وهو ضعيف، لثلاثة أوجه: # أحدها: وضع الظاهر موضع المضمر، إذ الوجه أن يقول: وكلمته. # الثاني: أن فيه دلالة أن كلمة الله كانت سفلى، فصارت عليا، وليس ~~كذلك. # الثالث: أن توكيد مثل ذلك ب " هي " بعيد، إذ القياس أن يكون " إياها ~~". # قال شهاب الدين: أما الأول فلا ضعف فيه؛ لأن القرآن ملآن من هذا ~~النوع، وهو من أحسن ما يكون؛ لأن فيه تعظيما وتفخيما. # وأما الثاني فلا يلزم ما ذكر، وهو أن يكون الشيء المصير على الضد ~~الخاص، بل يدل التصيير على انتقال ذلك الشيء المصير عن صفة ما ~~إلى هذه الصفة. # وأما الثالث ف " هي " ليست تأكيدا ألبتة، إنما هي ضمير فصل على ~~حالها، وكيف يكون تأكيدا، وقد نص النحويون على أن المضمر لا يؤكد ~~المظهر؟. # ثم قال: { والله عزيز حكيم } أي: قاهر غالب " حكيم " لا ~~يفعل إلا الصواب. ### || [9.41-43] # قوله تعالى: { انفروا خفافا وثقالا } الآية. # لما توعد من لا ms4416 ينفر مع الرسول، أتبعه بهذا الأمر الجزم، فقال: { ~~انفروا خفافا وثقالا } نصبهما على الحال من فاعل " انفروا ". ~~قال الحسن، والضحاك، ومجاهد، وقتادة وعكرمة: " شبانا وشيوخا ". وعن ~~ابن عباس: نشاطا وغير نشاط. وقال عطية العوفي: ركبانا ومشاة. وقال ~~أبو صالح: " خفافا من المال، أي: فقراء و " ثقالا " أي: أغنياء ". ~~وقال ابن زيد " الثقيل: الذي له الضيعة، والخفيف: الذي لا ضيعة له ". # وقيل: " خفافا " من السلاح أي: مقلين منه، و " ثقالا " مستكثرين منه. ~~وقال مرة الهمداني: صحاحا ومراضا. # وقال يمان بن رباب " عزابا ومتأهلين " ، وقيل غير ذلك. والصحيح أن ~~الكل داخل فيه؛ لأن الوصف المذكور وصف كلي؛ فيدخل فيه كل هذه ~~الجزئيات، فقد روى ابن أم مكتوم أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أعلي أن أنفر؟ قال: # " ما أنت إلا خفيف أو ثقيل " # فرجع إلى أهله ولبس سلاحه، ووقف بين يديه؛ فنزل قوله: # ليس على الأعمى حرج # [النور:61]. # وقال مجاهد: " إن أبا أيوب شهد بدرا مع الرسول، ولم يتخلف عن ~~الغزوات مع المسلمين، ويقول قال الله تعالى: { انفروا خفافا ~~وثقالا } فلا أجدني إلا خفيفا أو ثقيلا ". وعن صفوان بن عمرو ~~قال: كنت واليا على حمص، فلقيت شيخا قد سقط حاجباه، من أهل دمشق على ~~راحلته يريد الغزو، فقلت: يا عم أنت معذور عند الله، فرفع حاجبيه وقال: ~~يا ابن أخي استنفرنا الله خفافا وثقالا، إلا أن من أحبه ابتلاه. ~~وعن الزهري: خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل ~~له: إنك عليل صاحب ضرر، فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل، فإن عجزت عن ~~الجهاد كثرت السواد وحفظت المتاع. وقيل للمقداد بن الأسود وهو يريد الغزو ~~أنت معذور، فقال: أنزل الله علينا في سورة براءة: { انفروا ~~خفافا وثقالا } [التوبة:41] والقائلون بهذا القول يقولون: إن ~~هذه الآية نسخت بقوله: # ليس على الأعمى حرج # [النور:61] وبقوله: # ليس على الضعفآء ولا على المرضى ولا على ~~الذين لا يجدون ما ينفقون حرج # [التوبة:91] وقال عطاء الخراساني نسخت بقوله # وما كان المؤمنون لينفروا كآفة ms4417 # [التوبة:122]. # ولقائل أن يقول: اتفقوا على أن هذه الآيات نزلت في غزوة تبوك، واتفقوا ~~على أنه عليه الصلاة والسلام خلف النساء وخلف من الرجال أقواما، ~~فدل ذلك على أن هذا الوجوب ليس على الأعيان، بل من فروض الكفايات، ~~فمن أمره الرسول بالخروج، لزمه خفافا وثقالا، ومن أمره بأن يبقى ترك ~~النفير. وحينئذ لا حاجة إلى التزام النسخ. # وأيضا فقوله: { وسيحلفون بالله لو استطعنا ~~لخرجنا معكم } [التوبة:42] دليل على أن قوله: { انفروا ~~خفافا وثقالا } إنما يتناول من كان قادرا متمكنا، إذ لو لم ~~تكن الاستطاعة معتبرة في ذلك التكليف، لما أمكنهم جعل عدم الاستطاعة ~~عذرا في التخلف، فدل على عدم النسخ فيها. # قوله: { وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل ~~الله }. # فيه قولان: # الأول: أنها تدل على أن الجهاد يجب على من له المال والنفس، ~~ومن لم يكن له ذلك، لم يجب عليه الجهاد. # والثاني: أن الجهاد بالنفس يجب إذا انفرد وقوي، ويجب بالمال إذا ضعف ~~عن الجهاد بنفسه؛ فيلزمه أن ينيب من يغزو عنه بنفقة من عنده، وذهب إلى ~~هذا كثير من العلماء. # ثم قال: { ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون }. # فإن قيل: كيف يصح أن يقال: الجهاد خير من القعود عنه، ولا خير في ~~القعود؟ # فالجواب: من وجهين: # الأول: أن لفظ " خير " يستعمل في شيئين: # أحدهما: بمعنى: هذا خير من الآخر. والثاني: أنه خير في نفسه، كقوله ~~تعالى # إني لمآ أنزلت إلي من خير فقير # [القصص:24]. # وقوله: # وإنه لحب الخير لشديد # [العاديات:8]، وعلى هذا سقط السؤال. # والثاني: سلمنا أن المراد كونه خيرا من غيره، إلا أن التقدير: أن ما ~~يستفاد من نعيم الآخرة بالجهاد خير مما يستفيده القاعد عنه من الراحة ~~والتنعم بها، ولذلك قال تعالى: { إن كنتم تعلمون }. # قوله: { لو كان عرضا قريبا } الآية. # لما بالغ في ترغيبهم في الجهاد، وأمرهم بالنفير، عاد إلى تقرير ~~كونهم متثاقلين، بقوله: { لو كان عرضا } اسم " كان " ضمير يعود ~~على ما دل عليه السياق، أي: لو كان ما دعوتهم إليه. # والعرض: ما عرض لك ms4418 من منافع الدنيا، والمراد هنا: غنيمة قريبة ~~المتناول، { وسفرا قاصدا } أي: سهلا قريبا ههنا. " ~~لاتبعوك " لخرجوا معك. ومثل بالقاصد، لأن المتوسط، بين الإفراد ~~والتفريط، يقال له: مقتصد. قال تعالى: # فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد # [فاطر:32] ومعنى القاصد: ذو قصد، كقولهم: لابن، وتامر، ورابح { ~~ولكن بعدت عليهم الشقة }. قرأ عيسى بن عمر، والأعرج " ~~بعدت " بكسر العين. وقرأ عيسى " الشقة " بكسر الشين أيضا قال أبو ~~حاتم: هما لغة تميم. # والشقة: الأرض التي يشق ركوبها، اشتقاقا من المشقة. # وقال الليث، وابن فارس: هي الأرض البعيدة المسير، اشتقاقا من ~~الشق، أو من المشقة، والمعنى: بعدت عليهم المسافة وهذه الآية نزلت في ~~المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك. # قوله: { وسيحلفون بالله } الجار متعلق ب " سيحلفون ~~". # وقال الزمخشري " بالله " متعلق ب " سيحلفون " ، أو هو من جملة ~~كلامهم، والقول مراد في الوجهين، أي: سيحلفون، يعني: المتخلفين ~~عند رجوعك معتذرين يقولون: بالله لو استطعنا أو سيحلفون بالله ~~يقولون: لو استطعنا. # وقوله: " لخرجنا " سد مسد جواب القسم، و " لو " جميعا. # قال أبو حيان: قوله: " لخرجنا " سد مسد جواب القسم، و " لو " ~~جميعا "؛ ليس بجيد، بل للنحويين في هذا مذهبان: # أحدهما: أن " لخرجنا " جواب القسم وجواب " لو " محذوف، على ~~قاعدة اجتماع القسم والشرط، إذا تقدم القسم على الشرط، وهذا ~~اختيار ابن عصفور. والآخر: أن " لخرجنا " جواب " لو " و " لو ~~" وجوابها جواب القسم، وهذا اختيار ابن مالك. أما أن " لخرجنا ~~" سد مسدهما فلا أعلم أحدا ذهب إلى ذلك، ويحتمل أن يتأول كلامه على ~~أنه لما حذف جواب " لو " ودل عليه جواب القسم جعل كأنه سد ~~مسد جواب القسم، وجواب " لو ". # وقرأ الأعمش، وزيد بن علي " لو استطعنا " بضم الواو، كأنهما ~~فرا من الكسرة على الواو وإن كان الأصل، وشبها واو " لو " بواو ~~الضمير، كما شبهوا واو الضمير بواو " لو " حيث كسروها، نحو: { ~~اشتروا الضلالة } [البقرة:16]، لالتقاء الساكنين. وقرأ الحسن: ~~{ اشتروا الضلالة } ، و { لو استطعنا } بفتح الواو ~~تخفيفا. # ولو قلت: " وأنا قائم " حالا من ضمير " ليفعلن " لم يجز، وكذا عكسه، ~~نحو: حلف ms4419 زيد لأفعلن يقوم، تريد: قائما، لم يجز. # وأما قوله: " وجاء به على لفظ الغائب؛ لأنه مخبر عنهم " فمغالطة، ~~ليس مخبرا عنهم بقوله: " لو استطعنا لخرجنا " ، بل هو حاك لفظ ~~قولهم. ثم قال: ألا ترى لو قيل: لو استطاعوا لخرجوا، لكان سديدا... ~~إلى آخره. كلام صحيح، لكنه - تعالى - لم يقل ذلك إخبارا عنهم، بل ~~حكاية، والحال من جملة كلامهم المحكي، فلا يجوز أن يخالف بين ذي ~~الحال وحاله، لاشتراكهما في العامل، لو قلت: قال زيد: خرجت يضرب ~~خالدا، تريد: اضرب خالدا، لم يجز. ولو قلت: قالت هند: خرج زيد أضرب ~~خالدا، تريد: خرج زيد ضاربا خالدا، لم يجز، انتهى. # الرابع: أنها جملة استئنافية، أخبر الله عنهم بذلك. # فصل # معنى الآية: أنه لو كانت المنافع قريبة، والسفر قريبا لاتبعوك ~~طمعا منهم في الفوز بتلك المنافع، ولكن طال السفر، وكانوا كالآيسين من ~~الفوز بالغنيمة، بسبب استعظامهم غزو الروم، فلهذا تخلفوا، ثم أخبر ~~تعالى أنه إذا رجع من الجهاد يجدهم: { سيحلفون بالله لو ~~استطعنا لخرجنا معكم } إما عند ما يعاتبهم بسبب التخلف، ~~وإما ابتداء على طريقة إقامة العذر في التخلف، ثم بين أنهم يهلكون ~~أنفسهم بسبب الكذب والنفاق، وهذا يدل على أن الأيمان الكاذبة توجب ~~الهلاك، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام # " اليمين الغموس تدع الديار بلاقع " # ثم قال: { والله يعلم إنهم لكاذبون } في قولهم ما كنا ~~نستطيع الخروج فإنهم كانوا مستطيعين الخروج، فكانوا كاذبين في أيمانهم. # فصل # قالوا: الرسول - عليه الصلاة والسلام - أخبر عنهم أنهم سيحلفون، ~~وهذا إخبار عن غيب يقع في المستقبل، والأمر لما وقع كما أخبر كان ~~إخبارا عن الغيب، فكان معجزا. # قوله تعالى: { عفا الله عنك لم أذنت لهم } الآية. # لما بين تعالى بقوله: { لو كان عرضا قريبا وسفرا ~~قاصدا لاتبعوك } أنه تخلف قوم عن ذلك الغزو، وليس فيه بيان ~~أن ذلك التخلف كان بإذن الرسول أم لا؟ فلما قال بعده: { عفا ~~الله عنك لم أذنت لهم } دل هذا، على أن فيهم من تخلف ~~بإذنه. # قوله: { لم أذنت لهم } " لم " ، و ms4420 " لهم " كلاهما متعلق ~~ب " أذنت " ، وجاز ذلك؛ لأن معنى اللامين مختلف؛ فالأولى ~~للتعليل، والثانية للتبليغ. وحذفت ألف " ما " الاستفهامية لانجرارها، ~~وتقديم الجار للأول واجب؛ لأنه جر ما له صدر الكلام، ومتعلق ~~الإذن محذوف، يجوز أن يكون القعود، أي: لم أذنت لهم في القعود، ويدل ~~عليه السياق من اعتذارهم عن تخلفهم عنه عليه السلام. ويجوز أن يكون ~~الخروج، أي: لم أذنت لهم في الخروج، لأن خروجهم فيه مفسدة من ~~التخذيل، وغيره، يدل عليه: # لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا # [التوبة:47]. # قوله: " حتى يتبين " يجوز في " حتى " أن تكون للغاية، ويجوز أن ~~تكون للتعليل، وعلى كلا التقديرين فهي جارة، إما بمعنى " إلى " ، ~~وإما بمعنى اللام، و " أن " مضمرة بعدها، ناصبة للفعل، وهي متعلقة ~~بمحذوف. # قال أبو البقاء: " تقديره: هلا أخرتهم إلى أن يتبين، أو ~~ليتبين، وقوله: { لم أذنت لهم } يدل على المحذوف، ولا ~~يجوز أن تتعلق " حتى " ب " أذنت " لأن ذلك يوجب أن يكون أذن ~~لهم إلى هذه الغاية، أو لأجل التبيين، وذلك لا يعاتب عليه " وقال ~~الحوفي: " حتى غاية لما تضمنه الاستفهام، أي: ما كان له أن يأذن ~~لهم، حتى يتبين له العذر ". # وفي هذه العبارة بعض غضاضة. # فصل # احتجوا بهذه الآية على أن الرسول - عليه الصلاة والسلام -؛ كان ~~يحكم بمقتضى الاجتهاد في بعض الوقائع، ولدخوله عليه الصلاة والسلام تحت ~~قوله تعالى: # فاعتبروا يأولي الأبصار # [الحشر:2] والرسول - عليه الصلاة والسلام - كان سيدا لهم، ثم ~~أكدوا ذلك بهذه الآية فقالوا: إما أن يقال: إنه تعالى أذن له في ذلك ~~الإذن، أو منعه عنه، أو ما أذن له فيه وما منعه عنه والأول باطل، ~~وإلا امتنع أن يقول له: { لم أذنت لهم } ، والثاني باطل؛ لأنه ~~يلزم منه أن يقال: إنه حكم بغير ما أنزل الله، فيدخل تحت قوله: # ومن لم يحكم بمآ أنزل الله # [المائدة:44-47] الآيات. وذلك باطل بصريح القول. # فلم يبق إلا أنه عليه الصلاة والسلام أذن في تلك الواقعة من تلقاء ~~نفسه، فإما أن يكون ذلك عن اجتهاد، أو لا، ms4421 والثاني باطل؛ لأنه حكم ~~بمجرد التشهي وهو باطل كقوله تعالى: # فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا ~~الشهوات # [مريم:59] فلم يبق إلا أنه عليه الصلاة والسلام أذن في تلك ~~الواقعة بالاجتهاد. # فإن قيل: الآية تدل على أنه لا يجوز له الاجتهاد؛ لأنه تعالى منعه ~~بقوله: { لم أذنت لهم }؟ فالجواب: أنه تعالى ما منعه من الإذن ~~مطلقا، لقوله تعالى: { حتى يتبين لك الذين صدقوا ~~وتعلم الكاذبين } [التوبة:43] والحكم الممدود إلى غاية ب " ~~حتى " يجب انتهاؤه عند حصول الغاية فدل على صحة قولنا. # فإن قالوا: لم لا يجوز أن يكون المراد من ذلك التبيين هو التبيين ~~بطريق الوحي؟. # فالجواب: ما ذكرتموه محتمل؛ إلا أنه على تقديركم، يصير تكليفه، أن لا ~~يحكم ألبتة، حتى ينزل الوحي، فلما ترك ذلك، كان كبيرة، وعلى تقديرنا ~~يكون ذلك الخطأ خطأ في الاجتهاد فيؤجر عليه، لقوله: " ومن اجتهد فأخطأ ~~فله أجر " فكان حمل الكلام عليه أولى. # فصل # دلت هذه الآية على وجوب التثبت، وعدم العجلة، والتأني، وترك ~~الاغترار بظواهر الأمور، والمبالغة في التفحص، حتى يمكنه أن يعامل كل ~~فريق بما يستحقه. # فصل # قال قتادة: عاتبه الله كما تسمعون في هذه الآية، ثم رخص له في سورة ~~النور فقال: # فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت ~~منهم # [النور:62]. # فصل # قال أبو مسلم الأصفهاني في قوله { لم أذنت لهم }: ليس فيه ما ~~يدل على أن الإذن في ماذا؟ فيحتمل أن بعضهم استأذن في القعود؛ فأذن ~~له، ويحتمل أن بعضهم استأذن في الخروج؛ فأذن له، مع أن ما كان خروجهم ~~معه صوابا، لكونهم عيونا للمنافقين على المسلمين، وكانوا يثيرون ~~الفتن، فلهذا ما كان خروجهم مع الرسول مصلحة، قال القاضي " هذا ~~بعيد؛ لأن هذه الآية نزلت في غزوة تبوك على وجه الذم للمتخلفين، ~~والمدح للمبادرين وأيضا ما بعد هذه الآية يدل على ذم القاعدين وبيان ~~حالهم ". ### || [9.44-48] # قوله تعالى: { لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله ~~واليوم الآخر } الآية. # أي: لا يستأذنوك في التخلف { والله عليم بالمتقين }. # قوله: " أن يجاهدوا " فيه وجهان: # أظهرهما: ms4422 أنه متعلق " الاستئذان " ، أي: لا يستأذنوك في الجهاد، بل ~~يمضون فيه غير مترددين. # والثاني: أن متعلق " الاستئذان " محذوف و " أن يجاهدوا " مفعول من ~~أجله، تقديره: لا يستأذنك المؤمنون في الخروج والقعود كراهة أن يجاهدوا، ~~بل إذا أمرتهم بشيء بادروا إليه. وقال بعضهم: لا بد في الكلام من ~~إضمار آخر؛ لأن ترك استئذان الإمام في الجهاد غير جائز، فلا بد من ~~إضمار، والتقدير: لا يستأذنك هؤلاء في أن لا يجاهدوا، إلا أنه حذف ~~حرف النفي كقوله: # يبين الله لكم أن تضلوا # [النساء:176] ويدل على هذا المحذوف أن ما قبل الآية، وما بعدها يدل ~~على أن هذا الذم إنما كان على الاستئذان في القعود. # قوله تعالى: { إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون ~~بالله } الآية. # بين أن هذا الاستئذان لا يصدر إلا عند عدم الإيمان بالله واليوم ~~الآخر، ولما كان عدم الإيمان قد يكون بسبب الشك فيه، وقد يكون بسبب ~~القطع والجزم بعدمه، بين تعالى أن عدم إيمان هؤلاء، إنما كان بسبب ~~الشك والريب، فدل على أن الشاك المرتاب غير مؤمن بالله وقد تقدم ~~الكلام على هذه المسألة في سورة الأنفال عند قوله: # أولئك هم المؤمنون حقا # [الأنفال:4] ثم قال: { فهم في ريبهم يترددون } أي: ~~متحيرين. # قوله: { ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة }. # قرأ العامة " عدة " بضم العين وتاء التأنيث، وهي الزاد ~~والراحلة، وجميع ما يحتاج إليه المسافر. # وقرأ محمد بن عبد الملك بن مروان، وابنه معاوية " عده " كذلك، ~~إلا أنه جعل مكان تاء التأنيث هاء ضمير غائب، يعود على " الخروج ~~". واختلف في تخريجها، فقيل: أصلها كقراءة الجمهور بتاء التأنيث، ولكنهم ~~يحذفونها للإضافة، كالتنوين، وجعل الفراء من ذلك قوله تعالى: # وإقام الصلاة # [الأنبياء:73]. # ومنه قول زهير: [البسيط] # 2785- إن الخليط أجدوا البين فانجردوا # وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا # يريد: عدة الأمر. # وقال صاحب اللوامح " لما أضاف جعل الكناية نائبة عن التاء، ~~فأسقطها، وذلك لأن العد بغير تاء، ولا تقديرها، هو " البئر الذي يخرج ~~في الوجه ". وقال أبو حاتم: " هو جمع " عدة " ، ك: " بر " جمع " ~~برة ms4423 " ، و " در " جمع " درة " والوجه فيه " عدد " ولكن لا ~~يوافق خط المصحف ". وقرأ زر بن حبيش، وعاصم في رواية أبان " عده " ~~بكسر العين، مضافة إلى هاء الكناية. # قال ابن عطية: هو عندي اسم لما يمد، ك " الذبح " ، و " ~~القتل ". # وقرىء أيضا " عدة " بكسر العين، وتاء التأنيث، والمراد: عدة من ~~الزاد والسلاح، مشتقا من " العدد ". # قوله: { ولكن كره الله انبعاثهم }. الاستدراك هنا ~~يحتاج إلى تأمل، فلذلك قال الزمخشري: فإن قلت: كيف موقع حرف ~~الاستدراك؟ قلت: لما كان قوله: { ولو أرادوا الخروج } ~~معطيا معنى نفي خروجهم واستعدادهم للغزو. قيل: { ولكن كره ~~الله انبعاثهم } كأنه قيل: ما خرجوا، ولكن تثبطوا عن الخروج ~~لكراهة انبعاثهم،: ك " ما أحسن زيد إلي ولكن أساء إلي ". ~~انتهى. يعني أن ظاهر الآية يقتضي أن ما بعد " لكن " موافق لما ~~قبلها، وقد تقرر فيها أنها لا تقع إلا بين ضدين، أو نقيضين، أو ~~خلافين، على خلاف في هذا الأخير، فلذلك احتاج إلى الجواب المذكور. # قال أبو حيان " وليست الآية نظير هذا المثال - يعني: ما أحسن زيد ~~إلي، ولكن أساء -، لأن المثال واقع فيه " لكن " بين ضدين، ~~والآية واقع فيها " لكن " بين متفقين من جهة المعنى ". # قال شهاب الدين " مرادهم بالنقيضين: النفي والإثبات لفظا، وإن ~~كانا يتلاقيان في المعنى ولا يعد ذلك اتفاقا ". # والانبعاث: الانطلاق، يقال: بعثت البعير فانبعث، وبعثته لكذا فانبعث، ~~أي: نفذ فيه والتثبيط: التعويق، يقال: ثبطت زيدا، أي: ~~عقته عما يريده، من قولهم: ناقة ثبطة أي: بطيئة السير، والمراد ~~بقوله: " اقعدوا ": التخلية، وهو كناية عن تباطئهم، وأنهم ~~تشبهوا بالنساء، والصبيان، والزمنى، وذوي الأعذار، وليس المراد ~~قعودا؛ كقوله: [البسيط] # 2786- دع المكارم لا تقصد لبغيتها # واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي # والمعنى: أنه تعالى كره خروجهم مع الرسول - عليه الصلاة والسلام ~~-، فصرفهم عنه. # فإن قيل: خروجهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم إما أن يقال إنه كان ~~مفسدة، وإما أن يقال إنه مصلحة، فإن كان مفسدة، فلم عاتب الرسول في ~~إذنه لهم بالقعود؟ وإن كان مصلحة فلم قال تعالى: إنه ms4424 كره انبعاثهم ~~وخروجهم؟ # والجواب: أن خروجهم مع الرسول ما كان مصلحة؛ لأنه تعالى صرح ~~بعد هذه الآية بذكر المفاسد بقوله: { لو خرجوا فيكم ما ~~زادوكم إلا خبالا } ، بقي أن يقال: فلما كان الأصلح أن لا ~~يخرجوا، فلم عاتب الرسول في الإذن؟ فنقول: قد حكينا عن أبي مسلم أنه ~~قال: ليس في قوله: # لم أذنت لهم # [التوبة:43] أنه عليه الصلاة والسلام، قد أذن لهم بالقعود، بل يحتمل ~~أن يقال: إنهم استأذنوه في الخروج معه، فأذن لهم، وعلى هذا يسقط السؤال. # قال أبو مسلم " ويدل على صحة ما قلنا أن هذه الآية دلت على أن ~~خروجهم معه كان مفسدة؛ فوجب حمل ذلك العتاب على أنه عليه الصلاة ~~والسلام أذن لهم في الخروج معه " ويؤكد ذلك قوله تعالى: # فإن رجعك الله إلى طآئفة منهم فاستأذنوك ~~للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا ~~معي عدوا # [التوبة:83] وقوله تعالى: # سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم ~~لتأخذوها ذرونا نتبعكم # [الفتح:15] فاندفع السؤال على طريق أبي مسلم. # والجواب على طريقة غيره، وهو أن نسلم أن العتاب في قوله: # لم أذنت لهم # [التوبة:43] يوجب أنه عليه الصلاة والسلام أذن لهم في القعود، ~~فنقول: ذلك العتاب ما كان لأجل أن ذلك القعود كان مفسدة، بل لأجل أن ~~إذنه عليه الصلاة والسلام بذلك القعود مفسدة، وبيانه من وجوه: # الأول: أنه عليه الصلاة والسلام أذن قبل إتمام التفحص وإكمال ~~التأمل، ولهذا قال تعالى # لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا ~~وتعلم الكاذبين # [التوبة:43]. # والثاني: أن التقدير أنه عليه الصلاة والسلام ما كان يأذن لهم في ~~القعود، فهم كانوا يقعدون من تلقاء أنفسهم وكان يصير ذلك القعود علامة ~~على نفاقهم، وإذا ظهر نفاقهم احترز المسلمون منهم، ولم يغتروا بقولهم، ~~فلما أذن الرسول في ذلك القعود بقي نفاقهم مخفيا، وفاتت تلك ~~المصالح. # والثالث: أنهم لما استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب عليهم ~~وقال: { اقعدوا مع القاعدين } ثم إنهم اغتنموا هذه اللفظة ~~وقالوا: قد أذن لنا، فقال تعالى: # لم أذنت ms4425 لهم # [التوبة:43] أي: لم ذكرت عندهم هذا اللفظ الذي أمكنهم أن يتوسلوا به إلى ~~غرضهم. # الرابع: أن الذين يقولون إن الاجتهاد غير جائز على الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام، قالوا: إنه إنما أذن بمجرد الاجتهاد وذلك غير ~~جائز؛ لأنهم لما تمكنوا من الوحي، وكان الإقدام على الاجتهاد مع ~~التمكن من الوحي جاريا مجرى الإقدام على الاجتهاد مع حضور النص، ~~فلما كان هذا غير جائز فكذا ذاك. # ثم قال تعالى: { وقيل اقعدوا مع القاعدين }. واختلفوا في ~~تأويل هذا القول، فقيل: هو الشيطان على طريق الوسوسة، وقيل: قاله بعضهم ~~لبعض. وقيل: قاله الرسول - عليه الصلاة والسلام -، لما أذن لهم في ~~التخلف، فعاتبه الله. وقيل: القائل هو الله تعالى؛ لأنه كره خروجهم؛ لأجل ~~الإفساد، فأمرهم بالقعود عن هذا الخروج المخصوص. ثم بين ذلك بقوله { ~~لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا } أي: في جيشكم، ~~وفي جمعكم. وقيل: " في " بمعنى " مع " أي: معكم. # قوله: " إلا خبالا " جوزوا فيه أن يكون استثناء متصلا، وهو ~~مفرغ؛ لأن زاد يتعدى لاثنين. # قال الزمخشري المستثنى منه غير مذكور، فالاستثناء من أعم العام، ~~الذي هو الشيء فكان استثناء متصلا، فإن " الخبال " بعض أعم العام، ~~كأنه قيل: " ما زادوكم شيئا إلا خبالا " وجوزوا فيه أن يكون ~~منقطعا، والمعنى: ما زادوكم قوة ولا شدة، ولكن خبالا. # وهذا يجيء على قول من قال: إنه لم يكن في عسكر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خبال، كذا قال أبو حيان. وفيه نظر؛ لأنه إذا لم يكن في العسكر ~~خبال أصلا، فكيف يستثنى شيء لم يكن ولم يتوهم وجوده؟. وتقدم تفسير ~~" الخبال " في آل عمران. قال الكلبي: إلا شرا وقال يمان: إلا ~~مكرا، وقيل: إلا غيا، وقال الضحاك: إلا غدرا. # وقرأ ابن أبي عبلة: " ما زادكم إلا خبالا " ، أي: ما زادكم ~~خروجهم. # قوله: { ولأوضعوا خلالكم }. الإيضاع: الإسراع، يقال: أوضع ~~البعير، أي: أسرع في سيره؛ قال امرؤ القيس: [الوافر] # 2787- أرانا موضعين لأمر غيب # ونسحر بالطعام وبالشراب # وقال آخر: [منهوك الرجز] # 2788- يا ليتني فيها جذع # أخب فيها ms4426 وأضع # ومفعول: " أوضعوا " محذوف، أي: أوضعوا ركائبهم؛ لأن الراكب أسرع ~~من الماشي. # قال الواحدي " قال أكثر أهل اللغة: إن الإيضاع حمل البعير على ~~العدو، ولا يجوز أن يقال: أوضع الرجل إذا سار بنفسه سيرا حثيثا. ~~يقال: وضع البعير: إذا عدا، وأوضعه الراكب: إذا حمله عليه ". # وقال الفراء: " العرب تقول: وضعت الناقة، وأوضع الراكب، وربما ~~قالوا للراكب: وضع ". # وقال الأخفش وأبو عبيد: يجوز أن يقال: أوضع الرجل: إذا سار بنفسه ~~سيرا حثيثا من غير أن يراد وضع ناقته. روى أبو عبيد أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم " أفاض من عرفة وعليه السكينة وأوضع في وادي محسر ~~". قال الواحدي " والآية تشهد لقول الأخفش وأبي عبيد " والمراد من ~~الآية: السعي بينهم بالعداوة والنميمة. # و " الخلال " جمع " خلل " ، وهو الفرجة بين الشيئين. ومنه قوله: # فترى الودق يخرج من خلاله # [النور:43]، وقرىء " من خلله " وهي مخارج صب القطر. ويستعار في ~~المعاني فيقال: في هذا الأمر خلل. # وقرأ مجاهد، ومحمد بن زيد " ولأوفضوا " ، وهو الإسراع أيضا؛ من ~~قوله تعالى: # إلى نصب يوفضون # [المعارج:43]. # وقرأ ابن الزبير " ولأرفضوا " بالفراء والفاء والضاد المعجمة، من: ~~رفض، أي: أسرع أيضا؛ قال حسان: [الكامل] # 2789- بزجاجة رفضت بما في جوفها # رفض القلوص براكب مستعجل # وقال: [الكامل] # 2790-.............................. # والرافضات إلى منى فالغبغب # يقال: رفض في مشيه رفضا، ورفضانا. # فإن قيل: كتب في المصحف " ولا أوضعوا " بزيادة ألف. أجاب ~~الزمخشري " أن الفتحة كانت تكتب ألفا قبل الخط العربي، والخط ~~العربي اخترع قريبا من نزول القرآن، وقد بقى من ذلك الألف أثر في ~~الطباع، فكتبوا صورة الهمزة ألفا، وفتحتها ألفا أخرى، ونحوه # أو لأذبحنه # [النمل:21]. يعني: في زيادة الألف بعد " لا " وهذا لا يجوز القراءة به ~~ومن قرأ به متعمدا بكفر ". # قوله: " يبغونكم " في محل نصب على الحال، من فاعل " أوضعوا " ~~أي: لأسرعوا فيما بينكم، حال كونهم باغين، أي: طالبين الفتنة لكم، ~~ومعنى الفتنة: افتراق الكلمة. # قوله: { وفيكم سماعون لهم } هذه الجملة يجوز أن تكون حالا ~~من مفعول " يبغونكم " أو من فاعله، وجاز ذلك؛ لأن في ms4427 الجملة ~~ضميريهما. ويجوز أن تكون مستأنفة، والمعنى: أن فيكم من يسمع لهم، ~~ويصغي لقولهم. # فإن قيل: كيف يجوز ذلك على المؤمنين مع قوة دينهم؟ # فالجواب: لا يمتنع لمن قرب عهده بالإسلام أن يؤثر قول المنافقين فيهم، ~~أو يكون بعضهم مجبولا على الجبن والفشل؛ فيؤثر قولهم فيهم، أو يكون بعض ~~المسلمين من أقارب رؤساء المنافقين فينظرون إليهم بعين الإجلال ~~والتعظيم؛ فلهذا الأسباب يؤثر قول المنافقين فيهم ويجوز أن يكون ~~المراد: وفيكم جواسيس منهم، يسمعون لهم الأخبار منكم، فاللام على ~~الأول للتقوية لكون العامل فرعا، وفي الثاني للتعليل، أي: لأجلهم. ثم ~~قال تعالى: { والله عليم بالظالمين } الذين ظلموا أنفسهم ~~بكفرهم ونفاقهم، وظلموا غيرهم بسبب أنهم سعوا في إلقاء غيرهم في وجوه ~~الآفات. # فصل # { لقد ابتغوا الفتنة من قبل }. أي: طلبوا صد أصحابك ~~عن الدين وردهم إلى الكفر، وتخذيل الناس عنك قبل هذا اليوم، ~~كفعل عبد الله بن أبي يوم أحد حين انصرف عنك بأصحابه. وقال ابن ~~جريج: هو أن اثني عشر رجلا من المنافقين، وقفوا على ثنية الوداع ليلة ~~العقبة، ليفتكوا بالنبي صلى الله عليه وسلم. # قوله: { وقلبوا لك الأمور }. قرأ مسلمة بن محارب " وقلبوا " ~~مخففا. والمراد بتقليب الأمر: تصريفه وترديده، لأجل التدبر والتأمل ~~فيه، أي: اجتهدوا في الحيلة والكيد لك يقال للرجل المتصرف في وجوه ~~الحيل: فلان حول قلب، أي: يتقلب في وجوه الحيل. # ثم قال تعالى: { حتى جآء الحق } أي: النصر والظفر. # وقيل: القرآن. { وظهر أمر الله } دين الله. { وهم ~~كارهون } حال، والرابط الواو؛ أي: كارهون لمجيء الحق ولظهور أمر ~~الله. ### || [9.49-53] # قوله تعالى: { ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني } ~~الآية. # { من يقول ائذن لي } كقوله: " يا صالح ائتنا " من أنه يجوز ~~تحقيق الهمزة، وإبدالها واوا، لضمة ما قبلها، وإن كانت منفصلة من ~~كلمة أخرى. وهذه الهمزة هي فاء الكلمة، وقد كان قبلها همزة وصل سقطت ~~درجا. # قال أبو جعفر " إذا دخلت " الواو " و " الفاء " على " ائذن " فهجاؤها: ~~ألف وذال ونون، بغير ياء. أو " ثم " فالهجاء: ألف وياء وذال ms4428 ونون. ~~والفرق: أن " ثم " يوقف عليها وينفصل، بخلافهما ". # قال شهاب الدين " يعني إذا دخلت واو العطف، أو فاؤه، على هذه اللفظة ~~اشتد اتصالهما بها، فلم يعتد بهمزة الوصل المحذوفة درجا، فلم ~~يرسم لها صورة، فتكتب " فأذن " ، و " أذن " فهذه الألف هي صورة ~~الهمزة، التي هي فاء الكلمة ". # وإذا دخلت عليها " ثم " كتبت كذا: ثم ائتوا، فاعتدوا بهمزة الوصل ~~فرسموا لها صورة. # قال شهاب الدين: وكأن هذا الحكم الذي ذكره مع " ثم " يختص بهذه ~~اللفظة، وإلا فغيرها مما فاؤه همزة، تسقط صورة همزة وصله خطا، ~~فيكتب الأمر من الإتيان مع " ثم " هكذا: " ثم أتوا " ، وكان القياس ~~على " ثم ائذن " " ثم ائتوا " ، وفيه نظر، وقرأ عيسى بن عمر، وابن ~~السميفع، وإسماعيل المكي، فيما روى عنه ابن مجاهد " ولا تفتني " ~~بضم حرف المضارعة، من " أفتنه " رباعيا. قال أبو حاتم " هي لغة تميم " ~~وقيل: أفتنه: أدخله فيها، وقد جمع الشاعر بين اللغتين، فقال: [الطويل] # 2791- لئن فتنتني لهي بالأمس أفتنت # سعيدا فأمسى قد قلا كل مسلم # ومتعلق " الإذن ": القعود، أي: ائذن لي في القعود والتخلف عن الغزو، ~~ولا تفتني بخروجي معك. أي: لا تهلكني بخروجي معك، فإن الزمان ~~شديد الحر، ولا طاقة لي به. وقيل: لا تفتني؛ لأني إذا خرجت معك هلك ~~مالي وعيالي، وقيل: # " نزلت في جد بن قيس المنافق وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~تجهز لغزو تبوك، قال له: " يا أبا وهب، هل لك في جلاد بني الأصفر؟ ~~يعني: الروم - تتخذ منهم سراري ووصفاء " فقال جد: يا رسول الله، لقد ~~عرف قومي أني رجل مغرم بالنساء، وإني أخشى إن رأيت بنات الأصفر ~~ألا أصبر عنهن، ائذن لي في القعود، ولا تفتني بهن، وأعينكم بمالي. # قال ابن عباس: " اعتل جد بن قيس، ولم تكن علته إلا النفاق، فأعرض ~~عنه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: " قد أذنت لك " ، فأنزل الله عز وجل: ~~{ ومنهم من يقول ائذن لي } الآية. " # قوله: { ألا في الفتنة سقطوا } أي: في الشرك والإثم وقعوا ~~بنفاقهم، وخلافهم أمر ms4429 الله ورسوله. # وفي مصحف أبي " سقط " لأن لفظة " من " موحد اللفظ، مجموع المعنى، ~~وفيه تنبيه على أن من عصى الله لغرض، فإنه تعالى يبطل عليه ذلك ~~الغرض؛ لأن القوم لما اختاروا القعود لئلا يقعوا في الفتنة، بين ~~الله تعالى أنهم واقعون ساقطون في عين الفتنة - ثم قال { وإن ~~جهنم لمحيطة بالكافرين } مطبقة عليهم. # قوله: { إن تصبك حسنة } نصر وغنيمة " تسؤهم " تحزنهم، ~~يعني المنافقين { وإن تصبك مصيبة } نكبة وشدة ومكروه، يفرحوا، ~~و { يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل } أي: حذرنا، " ~~ويتولوا " يدبروا عن مقام التحدث بذلك إلى أهليهم { وهم فرحون ~~} مسرورون. # ونقل عن ابن عباس " أن الحسنة في يوم بدر، والمصيبة في يوم أحد، ~~فإن ثبت أن المراد هذا بخبر وجب المصير إليه، وإلا فالواجب حمله على ~~كل حسنة، وعلى كل مصيبة ". # قوله: { قل لن يصيبنآ } قال عمر بن شقيق: سمعت " أعين " قاضي ~~الري يقرأ " لن يصيبنا " بتشديد النون. # قال أبو حاتم: ولا يجوز ذلك؛ لأن النون لا تدخل مع " لن " ، ~~ولو كانت لطلحة بن مصرف، لجاز، لأنها مع " هل " ، قال الله تعالى # هل يذهبن كيده ما يغيظ # [الحج:15]. # يعني أبو حاتم: أن المضارع يجوز توكيده بعد أداة الاستفهام، وابن مصرف ~~يقرأ " هل " بدل " لن " ، وهي قراءة ابن مسعود. وقد اعتذر عن هذه ~~القراءة بأنها حملت " لن " على " لم " و " لا " النافيتين، و " لم " و ~~" لا " يجوز توكيد الفعل المنفي بعدهما. # أما " لا " فقد تقدم تحقيق الكلام عليها في الأنفال. وأما " لم " فقد ~~سمع ذلك فيها؛ وأنشدوا: [الرجز] # 2792- يحسبه الجاهل ما لم يعلما # شيخا على كرسيه معمما # أراد: " يعلمن " فأبدل الخفيفة ألفا بعد فتحة، كالتنوين. وقرأ ~~القاضي أيضا، وطلحة " هل يصيبنا " بتشديد الياء. قال الزمخشري: ~~ووجهه أن يكون " يفيعل " لا " يفعل " لأنه من ذوات الواو، ~~كقولهم: الصواب، وصاب يصوب، ومصاوب، في جمع " مصيبة " فحق " ~~يفعل " منه " يصوب " ، ألا ترى إلى قولهم: صوب رأيه، إلا أن ~~يكون لغة من يقول: صاب السهم يصيب؛ كقوله: [المنسرح] # 2793-............................. # أسهمي الصائبات والصيب # يعني: أن أصله " يصويب ms4430 " فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما ~~بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغم فيها. # وهذا كما تقدم في " تحيز " أن أصله " تحيوز " ، وأما إذا ~~أخذناه من لغة من يقول: صاب السهم يصيب، فهو من ذوات الياء فوزنه على ~~هذه اللغة " فعل ". # فصل # المعنى: قل لهم يا محمد { لن يصيبنآ إلا ما كتب الله ~~لنا } أي: علينا، وقدره في اللوح المحفوظ، أو يكون المعنى " لن ~~يصيبنا إلا ما كتب الله لنا " أي: في عاقبة أمرنا من الظفر ~~بالعدو، والاستيلاء عليهم. وقال الزجاج: المعنى: إذا صرنا مغلوبين، صرنا ~~مستحقين للأجر العظيم، والثواب الكثير، وإن صرنا غالبين، صرنا مستحقين ~~للثواب في الآخرة وفزنا بالمال الكثير، والثناء الجميل في الدنيا والصحيح ~~الأول. # ثم قال: " هو مولانا " ناصرنا، وحافظنا. قال الكلبي " هو أولى ~~بنا من أنفسنا، في الحياة والموت ". { وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون } وهذا كالتنبيه على أن حال المنافقين بالضد من ذلك، ~~وأنهم لا يتوكلون إلا على الأسباب الدنيوية الفانية. # فصل # { قل هل تربصون بنآ إلا إحدى الحسنيين } ~~الآية. # هذا الجواب الثاني عن فرح المنافقين بمصائب المؤمنين، أي: " هل ~~تربصون " ، أي: تنتظرون، " بنا " أيها المنافقون، { إلا إحدى ~~الحسنيين } إما النصر والغنيمة، فيحصل لنا الفوز بالأموال في ~~الدنيا والنصر، والفوز بالثواب العظيم في الآخرة، وإما الشهادة، فيحصل ~~لنا الثواب العظيم في الآخرة. # قوله: { إلا إحدى الحسنيين } مفعول " تربص " ، فهو ~~استثناء مفرغ. وقرأ ابن محيصن: " إلا احدى " بوصل ألف " إحدى "؛ ~~إجراء لهمزة القطع مجرى همزة الوصل؛ فهو كقول الشاعر: [الرجز] # 2794- إن لم أقاتل فالبسوني برقعا # وقول الآخر: [الكامل] # 2795- يا با المغيرة رب أمر معضل # فرجته بالمكر مني والدها # قوله: { ونحن نتربص بكم } إحدى السوأتين إما { أن ~~يصيبكم الله بعذاب من عنده } فيهلككم كما أهلك تلك ~~الأمم الخالية، { أو بأيدينا } أي: بأيدي المؤمنين، إن أظهرتم ما ~~في قلوبكم من النفاق، فيقع بكم القتل والنهب مع الخزي والذل، ومفعول: ~~التربص " أن يصيبكم " ثم قال: " فتربصوا " أي: إحدى ~~الحالتين الشريفتين " إنا معكم متربصون " أي: مواعيد الله من إظهار ~~دينه، واستئصال من خالفه، فقوله: ms4431 " فتربصوا " وإن كان صيغة أمر، ~~إلا أن المراد منه: التهديد، كقوله: # ذق إنك أنت العزيز الكريم # [الدخان:49]. # قوله تعالى: { قل أنفقوا طوعا أو كرها } الآية. # " طوعا، أو كرها " مصدران في موضع الحال، أي: طائعين، أو كارهين. وقرأ ~~الأخوان " كرها " بالضم، وقد تقدم تحقيق ذلك في النساء. وقال أبو ~~حيان هنا: " قرأ الأعمش وابن وثاب " كرها " بضم الكاف ". وهذا يوهم ~~أنها لم تقرأ في السبعة. # قال الزمخشري: هو أمر في معنى الخبر، كقوله: # فليمدد له الرحمن مدا # [مريم:75]، ومعناه لن يتقبل منكم؛ أنفقتم طوعا أو كرها، ونحوه قوله ~~تعالى: # استغفر لهم أو لا تستغفر لهم # [التوبة:80]؛ وقول كثير عزة: [الطويل] # 2796- أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة # ............................... # أي: لن يغفر الله، استغفرت لهم، أو لم تستغفر. ولا نلومك أحسنت ~~إلينا، أم أسأت؛ وفي معناه قول القائل: [الطويل] # 2797- أخوك الذي إن قمت بالسيف عامدا # لتضربه لم يستغشك في الود # وقال ابن عطية " هذا أمر في ضمنه جزاء، والتقدير: إن تنفقوا لن ~~يتقبل منكم. وأما إذا عري الأمر من الجواب فليس يصحبه تضمن ~~الشرط " قال أبو حيان " ويقدح في هذا التخريج، أن الأمر إذا ~~كان فيه معنى الشرط، كان الجواب كجواب الشرط. فعلى هذا يقتضي أن يكون ~~التركيب: " فلن يتقبل " بالفاء، لأن " لن " لا تقع جوابا للشرط ~~إلا بالفاء فكذلك ما ضمن معناه؛ ألا ترى جزمه الجواب، في قوله: ~~اقصد زيدا يحسن إليك ". # قال شهاب الدين " إنما أراد أبو محمد تفسير المعنى، وإلا فلا ~~يجهل مثل هذه الواضحات، وأيضا فلا يلزم أن يعطى الأمر التقديري حكم ~~الشيء الظاهر من كل وجه ". # وقوله: " إنكم " وما بعده جار مجرى التعليل. وقوله: { لن ~~يتقبل منكم } يحتمل أن يكون المراد أن الرسول - عليه الصلاة ~~والسلام - لا يتقبل تلك الأموال منهم، ويحتمل أن يكون المراد أنها لا ~~تصير مقبولة عند الله تعالى. # قيل: نزلت في جد بن قيس حين استأذن في القعود، وقال: أعينكم بمالي، ~~والمراد بالفسق هنا: الكفر، لقوله بعده # وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم # [التوبة:54]. ### || [9.54-59] ms4432 # قوله تعالى: { وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم } ~~الآية. # " أن تقبل " فيه وجهان، أحدهما: أنه مفعول ثان، ل " منع " ~~إما على تقدير إسقاط حرف الجر، أي: من أن يقبل، وإما لوصول الفعل ~~إليه بنفسه؛ لأنك تقول: منعت زيدا حقه ومن حقه. والثاني: أنه ~~بدل من " هم " في: " منعهم " ، قاله أبو البقاء، كأنه يريد: ~~بدل الاشتمال، ولا حاجة إليه. وفي فاعل " منع " وجهان: # أظهرهما: أنه { إلا أنهم كفروا } أي: ما منعهم قبول ~~نفقتهم إلا كفرهم. # والثاني: أنه ضمير الله تعالى: أي وما منعهم الله، ويكون " إلا ~~أنهم " منصوبا على إسقاط حرف الجر، أي: لأنهم كفروا. وقرأ ~~الأخوان " أن يقبل " بالياء من تحت. والباقون بالتاء من فوق. وهما ~~واضحتان، لأن التأنيث مجازي. وقرأ زيد بن علي كالأخوين إلا أنه ~~أفرد النفقة. وقرأ الأعرج " تقبل " بالتاء من فوق، " نفقتهم " ~~بالإفراد. وقرأ السلمي " يقبل " مبنيا للفاعل، وهو الله تعالى. ~~وقرىء " نقبل " بنون العظمة، " نفقتهم " بالإفراد. # فصل # ظاهر اللفظ يدل على أن منع القبول معلل بمجموع الأمور الثلاثة، وهي ~~الكفر بالله ورسوله، وإتيان الصلاة وهم كسالى، والإنفاق على سبيل ~~الكراهية. # ولقائل أن يقول: الكفر بالله سبب مستقل في المنع من القبول، فلا يبقى ~~لغيره أثر، فكيف يمكن إسناد الحكم إلى السببين الباقيين؟. # وجوابه: أن هذا الإشكال إنما يتوجه على قول المعتزلة، حيث قالوا: ~~إن الكفر لكونه كفرا يؤثر في هذا الحكم، أما عند أهل السنة: ~~فإن شيئا من الأفعال لا يوجب ثوابا ولا عقابا وإنما هي معرفات، ~~واجتماع المعرفات الكثيرة على الشيء الواحد جائز. # فصل # دلت الآية على أن شيئا من أعمال البر لا يقبل مع الكفر بالله ~~تعالى. # فإن قيل: كيف الجمع بينه وبين قوله: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره # [الزلزلة:7]؟ فالجواب: أن يصرف ذلك إلى تأثيره في تخفيف العقاب، ودلت ~~الآية على أن الصلاة تجب على الكافر، لأنه تعالى ذم الكافر على فعل ~~الصلاة على وجه الكسل. # قال الزمخشري " كسالى " بالضم والفتح جمع: " كسلان " نحو " ~~سكارى ". قال المفسرون: معنى هذا الكسل، أنه ms4433 إن كان في جماعة ~~صلى، وإن كان وحده لم يصل. # وقوله: { ولا ينفقون إلا وهم كارهون } أي: لا ينفقون ~~لغرض الطاعة بل رعاية للمصلحة الظاهرة. # قوله تعالى: { فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم } ~~الآية. # لما قطع في الآية الأولى رجاء المنافقين عن جميع منافع الآخرة، بين ~~ههنا أن الأشياء التي يظنونها من منافع الدنيا؛ فإنه تعالى جعلها ~~أسبابا لتعذيبهم في الدنيا. # والإعجاب: هو السرور بالشيء من نوع الافتخار به، ومع اعتقاد أنه ليس ~~لغيره ما يساويه. قوله { في الحياة الدنيا } فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق ب " تعجبك " ، ويكون قوله: { إنما يريد ~~الله ليعذبهم } جملة اعتراض، والتقدير: فلا تعجبك في الحياة، ~~ويجوز أن يكون الجار حالا من " أموالهم " وإلى هذا نحا ابن ~~عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي وابن قتيبة، قالوا في الكلام تقديم ~~وتأخير، والمعنى: فلا تعجبك أموالهم، ولا أولادهم في الحياة الدنيا، ~~إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة. # قال أبو حيان: " إلا أن تقييد الإعجاب المنهي عنه الذي يكون ~~ناشئا عن أموالهم وأولادهم من المعلوم أنه لا يكون إلا في الحياة ~~الدنيا، فيبقى ذلك كأنه زيادة تأكيد بخلاف التعذيب، فإنه قد ~~يكون في الدنيا، كما يكون في الآخرة، ومع أن التقديم والتأخير يخصه ~~أصحابنا بالضرورة ". # قال شهاب الدين: " كيف يقال - مع نص من قدمت ذكرهم - أصحابنا ~~يخصون ذلك بالضرورة؟ على أنه ليس من التقديم الذي يكون في الضرورة في ~~شيء، إنما هو اعتراض، والاعتراض لا يقال فيه تقديم وتأخير، بالاصطلاح ~~الذي يخص بالضرورة. وتسميتهم - أعني: ابن عباس، ومن معه رضي الله عنهم ~~- إنما يريدون به الاعتراض المشار إليه، لا ما يخصه أهل الصناعة ~~بالضرورة ". # والثاني: أن " في الحياة " متعلق بالتعذيب، والمراد بالتعذيب ~~الدنيوي: مصائب الدنيا ورزاياها أو ما لزمهم من التكاليف الشاقة، ~~فإنهم لا يرجون عليها ثوابا، قاله ابن زيد: أو ما فرض عليهم من ~~الزكوات، قاله الحسن. وعلى هذا فالضمير في " بها " يعود على الأموال ~~فقط، وعلى الأول يعود على " الأولاد، والأموال ". # فإن قيل: أي تعذيب في المال والولد وهما ms4434 من جملة النعم؟. # فالجواب: على القول الأول بالتقديم والتأخير، فالسؤال زائل. وعلى ~~الثاني المصائب الواقعة في المالد والولد. وقيل: بل لا بد من تقدير ~~حذف، بأن يقال: أراد بالتعذيب بها من حيث كانت سببا للعذاب، أما في ~~الدنيا، فإن من أحب شيئا كان تألمه على فراقه شديدا، وأيضا يحتاج في ~~تحصيلها إلى تعب شديد، ومشاق عظيمة، ثم في حفظها كذلك، وأما في الآخرة ~~فالأموال حلالها حساب، وحرامها عذاب. # فإن قيل: هذا المعنى حاصل للكل، فما فائدة تخصيص المنافقين؟. # فالجواب: أن المنافق لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر فلا ينفق ماله في ~~سبيل الله لأنه يراه ضياعا لا يرجو ثوابه، وأما المؤمن فينفق ماله ~~طيبة بها نفسه، يرجو الثواب في الآخرة والمنافق لا يجاهد في سبيل الله ~~خوفا من أن يقتل، والمؤمن يجاهد، يرجو ثواب الآخرة ثم قال: { ~~وتزهق أنفسهم وهم كافرون } أي: تخرج أنفسهم وهم ~~كارهون. # أي: يموتون على الكفر. # قوله: { ويحلفون بالله إنهم لمنكم } على دينكم { ~~وما هم منكم } أي: ليسوا على دينكم { ولكنهم قوم ~~يفرقون } يخافون أن يظهروا ما هم عليه فيقتلوا. # قوله: { لو يجدون ملجئا أو مغارات }. " الملجأ ": ~~الحصن. وقال عطاء: المهرب وقيل: الحرز وهو " مفعل " ، من: ~~لجأ إليه، يلجأ، أي: انحاز. يقال: ألجأته إلى كذا أي: اضطررته إليه ~~فالتجأ. و " الملجأ " يصلح للمصدر، والزمان، والمكان. والظاهر منها ~~- هنا: المكان. و " المغارات " جمع " مغارة " ، وهي الموضع الذي يغور ~~الإنسان فيه، أي: يستقر. وقال أبو عبيد: كل شيء جزت فيه فغبت فهو ~~مغارة لك، ومنه: غار الماء في الأرض، وغارت العين. وهي مفعلة، من: ~~غار يغور، فهي كالغار في المعنى. وقيل: المغارة: السرب، كنفق ~~اليربوع. # والغار: النقب في الجبل. والجمهور على فتح ميم " مغارات ". وقرأ ~~عبد الرحمن بن عوف " مغارات " بالضم، وهو من: أغار، و " أغار " يكون ~~لازما، تقول العرب: " أغار " بمعنى " غار " أي: دخل. ويكون متعديا، ~~تقول العرب: أغرت زيدا، أي: أدخلته في الغار، فعلى هذا يكون من " أغار " ~~المتعدي، والمفعول محذوف، أي: أماكن يغيرون فيها أنفسهم، ms4435 أي: ~~يغيبونها. و " المدخل ": " مفتعل " من: الدخول، وهو بناء ~~مبالغة في هذا المعنى، والأصل: " مدتخل " فأدغمت " الدال " في " تاء " ~~الافتعال ك: " ادان " من " الدين ". وقرأ قتادة، وعيسى بن عمر، ~~والأعمش " مدخلا " بتشديد الدال والخاء معا. وتوجيهها أن الأصل " ~~متدخلا " ، من: تدخل " بالتضعيف، فلما أدغمت التاء في الدال ~~صار اللفظ " مدخلا " نحو " مدين " من " تدين ". # وقرأ الحسن أيضا، ومسلمة بن محارب، وابن أبي إسحاق، وابن محيصن، ~~وابن كثير، في رواية " مدخلا " بفتح الميم وسكون الدال وفتح الخاء ~~خفيفة، من " دخل ". وقرأ الحسن في رواية محبوب كذلك، إلا أنه ضم ~~الميم، جعله من " أدخل ". وهذا من أبدع النظم، ذكر أولا الأمر الأعم، ~~وهو " الملجأ " من أي نوع كان، ثم ذكر الغيران التي يختفى فيها في أعلى ~~الأماكن، وهي الجبال، ثم ذكر الأماكن التي يختفى فيها في الأماكن ~~السافلة، وهي السروب، وهي التي عبر عنها ب " المدخل ". وقال ~~الزجاج: يصح أن تكون " المغارات " من قولهم: " حبل مغار " أي: محكم ~~الفتل، ثم يستعار ذلك في الأمر المحكم المبرم فيجيء التأويل على هذا: لو ~~يجدون نصرة، أو أمورا مشددة مرتبطة تعصمهم منكم وجعل " المدخل " ~~أيضا قوما يدخلون في جملتهم. # وقرأ أبي " مندخلا " بالنون بد الميم، من " اندخل "؛ قال: ~~[البسيط] # 2798-...................... # ولا يدي في حميت السمن تندخل # وأنكر أبو حاتم هذه القراءة عنه، وقال: إنما هي بالتاء، وهو معذور، ~~لأن " انفعل " قاصر لا يتعدى، فكيف يبنى منه اسم مفعول؟ وقرأ الأشهب ~~العقيلي " لوالوا " ، أي: لتتابعوا وأسرعوا وكذلك رواها ابن أبي عبيدة ~~بن معاوية بن نوفل، عن أبيه، عن جده وكانت له صحبة من الموالاة. وهذا مما ~~جاء فيه " فعل " ، و " فاعل " بمعنى، نحو: ضعفته، وضاعفته. # قال سعيد بن مسلم: أظنها " لوألوا " بهمزة مفتوحة بعد الواو، من " وأل ~~" ، أي: التجأ وهذه القراءة نقلها الزمخشري عن أبي، وفسرها بما تقدم ~~من الالتجاء. و " الجموح " النفور بإسراع؛ ومنه: فرس جموح، إذا لم ~~يرده لجام؛ قال: [المتقارب] # 2799- سبوحا جموحا وإحضارها # كمعمعة السعف الموقد # وقال آخر: [البسيط] # 2800- وقد جمحت جماحا في دمائهم ms4436 # حتى رأيت ذوي أحسابهم جهزوا # وقرأ أنس بن مالك، والأعمش: يجمزون. قال ابن عطية يهرولون في ~~مشيهم وقيل: يجمزون، ويجمحون، ويشتدون بمعنى ". # وفي الحديث: # " فلما أذلقته الحجارة جمز " # وقال رؤبة: [الرجز] # 2801- إما تريني اليوم أم حمز # قاربت بين عنقي وجمزي # ومنه " يعدو الجمزى " وهو أن يجمع رجليه معا، ويهمز بنفسه، هذا ~~أصله في اللغة وقوله: " إليه " عاد الضمير على " الملجأ " أو على " ~~المدخل " ، لأن العطف ب " أو " ، ويجوز أن يعود على " المغارات " ~~لتأويلها بمذكر. ومعنى الآية: أنهم لو يجدون مخلصا منكم أو مهربا ~~لفارقوكم. # قوله تعالى: { ومنهم من يلمزك في الصدقات } الآية. # قرأ العامة " يلمزك " بكسر الميم، من: لمزه يلمزه، أي. عابه، ~~وأصله: الإشارة بالعين ونحوها. # قال الأزهري أصله: الدفع، لمزته دفعته وقال الليث هو الغمز في الوجه ~~ومنه: همزة لمزة. أي: كثير هذين الفعلين. وقال أبو بكر الأصم " ~~اللمز: أن يشير إلى صاحبه بعيب جليسه. والهمز: أن يكسر عينه على جليسه ~~إلى صاحبه ". وقرأ يعقوب، وحماد بن سلمة عن ابن كثير، والحسن، وأبو رجاء، ~~ورويت عن أبي عمرو بضمها، وهما لغتان في المضارع. وقرأ الأعمش " ~~يلمزك " من " المز " رباعيا. وروى حماد بن سلمة " يلامزك " ~~على المفاعلة من واحد، ك: سافر، وعاقب. # هذا شرح نوع آخر من طباعهم وأفعالهم، وهو طعنهم في الرسول بسبب أخذ ~~الصدقات، ونزلت في ذي الخويصرة التميمي، واسمه: حرقوص بن زهير، أصل ~~الخوارج. # " قال أبو سعيد الخدري بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم مالا ~~إذ جاءه ذو الخويصرة التميمي، وقال: يا رسول الله اعدل، فقال:ويلك من ~~يعدل إذا لم أعدل؟ " # فنزلت هذه الآية. # وقال الكلبي: # " قال رجل من المنافقين ويقال له: أبو الجواظ لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أتزعم بأن الله أمرك بأن تضع صدقات في الفقراء والمساكين، فلم ~~تضعها في رعاة الشاء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:لا أبا لك، ~~فإنما كان موسى راعيا وإنما كان داود راعيا، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية، فلما ذهب قال عليه السلام: " احذروا هذا وأصحابه، ms4437 فإنهم منافقون " ~~". # وروى أبو بكر الأصم في تفسيره # " أنه عليه السلام قال لرجل من أصحابه: " ما علمك بفلان؟ " قال ما لي به ~~علم إلا أنك تدينه في المجلس وتجزل له العطاء، فقال عليه السلام: إنه ~~منافق أداريه عن نفاقه، وأخاف أن يفسد علي غيره، فقال: لو أعطيت فلانا ~~بعض ما تعطيه؟ فقال عليه السلام: إنه مؤمن أكله إلى إيمانه، وإنما هذا ~~منافق أداريه خوف إفساده. " # قال ابن عباس " يلمزك ": يغتابك، وقال قتادة: يطعن عليك، وقال الكلبي: ~~يعيبك في أمر ما، قال أبو علي الفارسي: هنا محذوف والتقدير: يعيبك في ~~تفريق الصدقات فإن أعطوا كثيرا فرحوا، وإن أعطوا قليلا فإذا هم يسخطون. ~~وقد تقدم الكلام على " إذا " الفجائية، والعامل فيها. قال أبو البقاء: " ~~يسخطون " لأنه قال: إنها ظرف مكان، وفيه نظر تقدم نظيره. # قوله: { ولو أنهم رضوا }. الظاهر أن جواب " لو " ~~محذوف، تقديره: لكان خيرا لهم. # وقيل: جوابها " وقالوا " ، والو مزيدة، وهذا مذهب الكوفيين. والمعنى { ~~ولو أنهم رضوا مآ آتاهم الله ورسوله } أي: قنعوا ~~بما قسم لهم " وقالوا حسبنا الله " كافينا الله { سيؤتينا ~~الله من فضله ورسوله } ما نحتاج إليه { إنآ إلى ~~الله راغبون } هاتان الجملتان كالشرح لقولهم: " حسبنا الله ~~" ، فلذلك لم يتعاطفا، لأنهما كالشيء الواحد، فشده الاتصال منعت ~~العطف. ### || [9.60-66] # قوله تعالى: { إنما الصدقات للفقرآء والمساكين } ~~الآية. # اعلم أن المنافقين لما لمزوا الرسول عليه الصلاة والسلام في ~~الصدقات، بين لهم أن مصرف الزكاة هؤلاء، ولا تعلق لي بها، ولا آخذ ~~لنفسي نصيبا منها. # وقد ذكر العلماء في الحكمة في وجوب الزكاة أمورا: # منها: قالوا: شكر النعمة عبارة عن صرفها إلى طلب مرضاة المنعم، ~~والزكاة شكر النعمة. فوجب القول بوجوبها؛ لأن شكر المنعم واجب. # ومنها: أن إيجاب الزكاة توجب حصول الألفة بالمودة، وزوال الحقد ~~والحسد بين المسلمين فهذه وجوه معتبرة في الحكمة الناشئة لوجوب ~~الزكاة. # ومنها: أن الفاضل عن الحاجات الأصلية إذا أمسكه الإنسان عطله عن ~~المقصود الذي لأجله خلق المال، وذلك سعي في المنع من ظهور حكمة الله ~~تعالى، وهو ms4438 غير جائز، فأمر الله بصرف طائفة منه إلى الفقير حتى لا ~~تتعطل تلك الحكمة. # ومنها: أن الفقراء عيال الله، لقوله تعالى # وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها # [هود:6] والأغنياء خزان الله؛ لأن الأموال التي في أيديهم لله تعالى، ~~ولولا أن الله ألقاها في أيديهم، لما ملكوا منها حبة واحدة. # ومنها: أن المال بالكلية في يد الغني مع أنه غير محتاج إليه، ~~وإهمال جانب الفقير العاجز عن الكسب بالكلية، لا يليق بحكمة الرحيم؛ ~~فوجب أن يجب على الغني صرف طائفة من ذلك المال إلى الفقير. # ومنها: أن الأغنياء لو لم يقوموا بمهمات الفقراء ربما حملهم شدة ~~الحاجة ومضرة المسكنة على الالتحاق بأعداء المسلمين، أو على الإقدام على ~~الأفعال المنكرة كالسرقة وغيرها؛ فإيجاب الزكاة يفيد هذه الفائدة؛ فوجب ~~القول بوجوبها وقيل غير ذلك. # فصل # كلمة " إنما " للحصر، فدلت على أنه لا حق في الصدقات لأحد إلا ~~لهذه الأصناف الثمانية وذلك مجمع عليه، ويدل على أن كلمة " إنما " ~~للحصر؛ لأنها مركبة من " إن " و " ما " ، و " إن " للإثبات و " ما " ~~للنفي، واجتماعهما يوجب بقاءهما على ذلك المفهوم، وكذلك تمسك ابن ~~عباس في نفي ربا الفضل بقوله عليه الصلاة والسلام # " إنما الربا في النسيئة " # ، وتمسك بعض الصحابة في أن الإكسال لا يوجب الاغتسال بقوله عليه الصلاة ~~والسلام # " إنما الماء من الماء " # ، ولولا إفادتها الحصر، لما كان كذلك، وقال تعالى # إنما الله إله واحد # [النساء:171] فدلت على نفي إلهية الغير؛ وقال الأعشى: [السريع] # 2802- ولست بالأكثر منهم حصى # وإنما العزة للكاثر # وقال الفرزدق: [الطويل] # 2803- أنا الذائد الحامي الذمار وإنما # يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي # فدلت هذه الوجوه على أن كلمة " إنما " للحصر. # وروى زياد بن الحارث الصدائي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فبايعته فأتاه رجل فقال أعطني من الصدقة فقال له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " إن الله لم يرض بحكم نبي، ولا غيره في الصدقات حتى حكم ~~فيها فجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك ms4439 حقك ~~". # فصل # مذهب أبي حنيفة: أنه يجوز صرف الصدقة إلى بعض الأصناف، وهو قول عمر ~~وحذيفة، وابن عباس، وسعيد بن جبير، وأبي العالية، والنخعي. قال سعيد بن ~~جبير: لو نظرت إلى أهل بيت من المسلمين فقرأ متعففين فحبوتهم بها كان أحب ~~إلي وقال الشافعي لا بد من صرفها إلى الأصناف الثمانية وهو قول ~~عكرمة، والزهري وعمر بن عبد العزيز واحتج بظاهر الآية. قال ولا بد في ~~كل صنف من ثلاثة، فإن دفع سهم الفقراء إلى فقيرين ضمن نصيب الثالث، وهو ~~ثلث سهم الفقراء قال: ولا بد من التسوية في أنصباء هذه الأصناف ~~الثمانية، مثاله لو وجد خمسة أصناف، ولزمه أن يتصدق بعشرة دراهم؛ لزمه ~~أن يجعل العشرة خمسة أسهم. # واختلفوا في صفة الفقير والمسكين، فقال ابن عباس، والحسن، ومجاهد، ~~وعكرمة والزهري: الفقير: الذي لا يسأل، والمسكين: السائل. قال ابن ~~عمر: ليس بفقير من جمع الدرهم إلى الدرهم والتمرة إلى التمرة، ولكن ~~الفقير من أنقى نفسه وثيابه ولا يقدر على شيء: # يحسبهم الجاهل أغنيآء من التعفف # [البقرة:273]. # وقال قتادة: الفقير: المحتاج الزمن، والمسكين: الصحيح المحتاج. وروي ~~عن عكرمة الفقراء من المسلمين، والمساكين من أهل الكتاب. وقال الشافعي ~~الفقير من لا مال ولا حرفة تقع منه موقعا زمنا كان أو غير زمن، ~~والمسكين من له مال أو حرفة لا تغنيه سائلا كان أو غير سائل. # واستدل بقوله: # أما السفينة فكانت لمساكين # [الكهف:79] فأثبت لهم ملكا، وكان عليه الصلاة والسلام يتعوذ من الفقر، ~~وقال: كاد الفقر أن يكون كفرا. وكان يقول: اللهم أحيني ~~مسكينا وأمتني مسكينا، فكيف كان يتعوذ من الفقر، ويسأل ما هو ~~دونه وهذا تناقض؟ # وقال أصحاب الرأي: الفقير أحسن حالا من المسكين. وقيل: الفقير من له ~~المسكن والخادم والمسكين من لا ملك له، وقالوا كل محتاج إلى شيء فهو فقير ~~إليه، وإن كان غنيا عن غيره قال تعالى: # يأيها الناس أنتم الفقرآء إلى الله # [فاطر:15]، والمسكين المحتاج إلى كل شيء ألا ترى كيف حض على طعامه، ~~وجعل طعام الكفارة له، ms4440 ولا فاقة أشد من الحاجة إلى سد الجوعة. # وقال إبراهيم النخعي: الفقراء هم المهاجرون، والمسكين من لم يهاجر، ~~وقيل: لا فرق بين الفقراء والمساكين فالله تعالى وصفهم بهذين الوصفين، ~~والمقصود شيء واحد، وهو قول أبي يوسف ومحمد. # وفائدة الخلاف تظهر في مسألة: وهي أنه لو أوصى لفلان وللفقراء ~~والمساكين، فالذين قالوا: الفقراء غير المساكين، قالوا: لفلان الثلث، ~~والذين قالوا: الفقراء هم المساكين قالوا لفلان النصف. # واختلفوا في حد الغني الذي يمنع أخذ الصدقة، فقال الأكثرون: حده أن ~~يكون عنده ما يكفيه وعياله سنة، وهو قول مالك، والشافعي. وقال أصحاب ~~الرأي: حده أن يملك مائتي درهم. وقيل: من ملك خمسين درهما، لا يحل ~~له أخذ الصدقة. روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في ~~وجهه خموش أو خدوش. قيل: وما يغنيه؟ قال: " خمسون درهما أو ~~قيمتها من الذهب " # ، وهو قول الثوري، وابن المبارك، وأحمد وإسحاق وقالوا: لا يجوز أن ~~يعطى الرجل من الزكاة أكثر من خمسين، وقيل: أربعون درهما لقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم # " من سأل وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا ". # قوله: { والعاملين عليها } وهم السعاة لجباية الصدقة، ~~يعطون بقدر أجور أمثالهم. # وقال مجاهد والضحاك: يعطون الثمن، ولا يجوز أن يكون العامل على ~~الصدقة هاشميا ولا مطلبيا؛ لأن الرسول - عليه الصلاة والسلام - أبى ~~أن يبعث أبا رافع عاملا على الصدقات وقال: أما علمت أن مولى القوم ~~منهم. # قوله: { والمؤلفة قلوبهم } قال ابن عباس: هم أشراف من ~~الأحياء أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، وكانوا خمسة عشر ~~رجلا: أبو سفيان، والأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، وحويطب بن ~~عبد العزى، وسهل بن عمرو من بني عامر، والحارث بن هشام، وسهيل بن ~~عمرو الجهني، وأبو السنابل، وحكيم بن حزام، ومالك بن عوف وصفوان ~~ابن أمية، وعبد الرحمن بن يربوع، والجد بن قيس، وعمرو بن مرداس، ~~والعلاء بن الحرث، # " أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ms4441 رجل منهم مائة من الإبل ~~ورغبهم في الإسلام، إلا عبد الرحمن بن يربوع أعطاه خمسين من الإبل، ~~وأعطى حكيم بن حزام سبعين من الإبل، فقال: يا رسول الله ما كنت أرى أن ~~أحدا من الناس أحق بعطائك مني فزاده عشرة، وهكذا حتى بلغ مائة، ثم قال ~~حكيم: يا رسول الله، أعطيتك الأولى التي رغبت عنها خير أم هذه التي قنعت ~~بها؟ فقال عليه الصلاة والسلام: بل التي رغبت عنها، فقال: والله لا ~~آخذ غيرهافقيل: مات حكيم وهو أكثر قريش مالا، وشق على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم تلك العطايا، لكن ألفهم بذلك. " # قال ابن الخطيب: وهذه العطايا إنما كانت يوم حنين، ولا تعلق لها ~~بالصدقات، ولا أدري لأي سبب ذكر ابن عباس هذه القصة في تفسير هذه ~~الآية وإنما ذكر ابن عباس ذلك بيانا للمؤلفة من هم، فذكر ذلك ~~مثالا. # واعلم أن المؤلفة قسمان، مسلمون وكفار، فأما المسلمون فيعطون لأجل ~~قوة إيمانهم أو معونتهم على أخذ الزكاة ممن امتنع عن دفعها، أو ~~ترغيبا لأمثالهم في الإسلام وأما الكفار؛ فيعطون ترغيبا لهم في ~~الإسلام، أو خشية من شرهم، كما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم صفوان بن ~~أمية لما رأى من ميله في الإسلام. # قال الواحدي إن الله تعالى أغنى المسلمين عن تألف قلوب المشركين، ~~فإن رأى الإمام في ذلك مصلحة يعود نفعها على المسلمين إذا كانوا مسلمين ~~جاز، ويعطون من الفيء لا من الزكاة. # وقال جماعة من أهل العلم: إن المؤلفة منقطعة، وسهمهم ساقط، روي ذلك ~~عن عمر وهو قول الشعبي، وبه قال مالك، والثوري، وأصحاب الرأي وإسحاق ~~بن راهويه وقال قوم: سهمهم ثابت مروي ذلك عن الحسن، وهو قول الزهري، ~~وأبي جعفر محمد بن علي، وأبي ثور، وقال أحمد: يعطون إن احتاج المسلمون ~~إلى ذلك. # قوله: وفي الرقاب قال الزجاج فيه محذوف، والتقدير: " وفي فك الرقاب ~~" وقد تقدم الكلام في تفسير " الرقاب " في قوله: # والسآئلين وفي الرقاب # [البقرة:177]. ثم في تفسير " الرقاب " أقوال: # أحدها: أنهم المكاتبون ليعتقوا من ms4442 الزكاة، وقال مالك وغيره: إنه لعتق ~~الرقاب يشترى به عبيد فيعتقون. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يعتق من ~~الزكاة رقبة كاملة ولكن يعطى منها في رقبة ويعان بها مكاتب؛ لأن قوله: { ~~وفي الرقاب } يقتضي أن يكون له فيه مدخل، وذلك ينافي كونه تاما ~~فيه، وقال الزهري: سهم الرقاب نصفان، نصف للمكاتبين المسلمين، ونصف ~~يشترى به رقاب ممن صلوا وصاموا. # قال بعض العلماء: والاحتياط في سهم الرقاب دفعه إلى السيد بإذن ~~المكاتب؛ لأنه تعالى أثبت الصدقات للأصناف الأربعة المتقدم ذكرهم بلام ~~التمليك بقوله: { إنما الصدقات للفقرآء والمساكين } ~~ولما ذكر " الرقاب " أبدل حرف اللام بحرف " في " فقال: " وفي ~~الرقاب " فلا بد لهذا الفرق من فائدة، وهي أن الأصناف الأربعة ~~يدفع إليهم نصيبهم. وأما الباقون فيصرف نصيبهم في المصالح المتعلقة ~~بهم لا إليهم. # قال الزمخشري: " فإن قلت: لم عدل عن اللام إلى " في " في الأربعة ~~الأخيرة؟ قلت: للإيذان بأنهم أرسخ في استحقاق التصدق عليهم ممن ~~سبق ذكره؛ لأن " في " للوعاء، فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم ~~الصدقات وجعله مظنة لها ومصبا ". # ثم قال: " وتكرير " في " في قوله: { وفي سبيل الله وابن ~~السبيل } فيه فضل ترجيح لهذين على الرقاب والغارمين ". # قوله: والغارمين قال الزجاج: أصل الغرم في اللغة: لزوم ما يشق، ~~والغرام العذاب اللازم، وسمي العشق غراما، لكونه شاقا على الإنسان ~~ولازما له، ومنه: فلان مغرم بالنساء إذا كان مولعا بهن، وسمي ~~الدين غراما، لكونه شاقا، والمراد بالغارمين المديونون، فالدين ~~إن حصل بسبب معصية لا يدخل في الآية؛ لأن المقصود من صرف المال إليه ~~الإعانة، والمعصية لا تستوجب الإعانة، وإن حصل لا بسبب معصية فهو قسمان: ~~دين حصل بسبب نفقات ضرورية أو في مصلحة، ودين بسبب حمالات وإصلاح ذات ~~بين، والكل داخل في الآية. # روى الأصم في تفسيره # " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قضى بالغرة في الجنين قالت ~~العاقلة: لا نملك الغرة يا رسول الله، فقال لحمل بن مالك بن النابغة ~~أعنهم بغرة من صدقاتهم " # وكان حمل على الصدقة يومئذ. # قوله: ms4443 { في سبيل الله } قال المفسرون: يعني الغزاة، قال أكثر ~~العلماء: يجوز له أن يأخذ من الزكاة وإن كان غنيا. وقال أبو حنيفة ~~وصاحباه: لا يعطى الغازي إلا مع الحاجة. # ونقل القفال في تفسيره عن بعض العلماء أنهم أجازوا صرف الصدقات إلى ~~جميع وجوه الخير من تكفين الموتى، وبناء الحصون، وعمارة المساجد؛ لأن ~~قوله: { وفي سبيل الله } عام في الكل وقال أكثر أهل العلم: لا ~~يعطى منه شيء في الحج. وقال قوم: يجوز أن يصرف سهم في سبيل الله إلى ~~الحج، يروى ذلك عن ابن عباس وهو قول الحسن، وأحمد، وإسحاق. # قوله: { وابن السبيل } وهو كل من يريد سفرا مباحا ولم يكن له ~~ما يقطع به المسافة يعطى له قدر ما يقطع به تلك المسافة، وإن كان ذا ~~يسار في بلده. وقال قتادة: ابن السبيل: هو الضعيف وقال فقهاء العراق: ~~ابن السبيل: الحاج المنقطع. # واعلم أن مال الزكاة لا يخرج عن هذه الثمانية. واختلفوا هل يجوز ~~وضعه في بعض الأصناف؟ إذا قلنا يجوز وضعه في بعض الأصناف، فإنما يجوز ~~في غير العامل، فأما وضعه بالكلية في العامل فلا يجوز بالاتفاق. # فإن قيل: ما الحكمة في أنه تعالى ذكر الأصناف الستة وهم: الفقراء، ~~والمساكين، والعاملون والمؤلفة، والرقاب، والغارمون، بصيغة الجمع، وذكر ~~الصنفين الآخرين، وهما: في سبيل الله وابن السبيل بصيغة الإفراد؟ # فالجواب: أن المراد بهما الجنس هو جمع حقيقة، ولا يقال: هلا ذكر ~~الأصناف الستة بصيغة الإفراد ويكون المراد الجنس كهذين؛ لأنا نقول: لو ~~أفرد في الجميع، فلا يخلو إما أن يفردهم معرفين بالألف واللام للعهد؛ ~~فينصرف بين السامع إلى صرف الزكاة إلى معهود سابق معين وليس هو ~~المقصود من الآية بالإجماع، وإن أفردهم منكرين، فهم منه أن الزكاة لا ~~يجوز دفعها إلى فقير واحد، أو مسكين واحد، وكذلك سائرها، ولا يجوز دفعها ~~لاثنين فما زاد، وهو خلاف الإجماع # فصل # والسبيل: الطريق، ونسب المسافر إليها لملازمته إياها، ومروره عليها ~~قال بعض العلماء: إذا كان المسافر غنيا في بلده، ووجد من يسلفه فلا ms4444 ~~يعطى وهو الصحيح. ولا يلزمه أن يدخل تحت منة أحد إذا وجد منة تعالى. # فصل # إذا جاء وادعى وصفا من الأوصاف الثمانية، هل يقبل قوله أو يقال: أثبت ~~ما تقول؟ أما الدين فلا بد أن يثبته، وأما البقية فظاهر الحال ~~يكفي. # قوله: " فريضة " في نصبها وجهان: # أحدهما: أنها مصدر على المعنى لأن معنى { إنما الصدقات ~~للفقرآء } في قوة: فرض الله ذلك. # والثاني: أنها حال من الفقراء، قاله الكرماني، وأبو البقاء. # يعنيان من الضمير المستكن في الجار، لوقوعه خبرا، أي: إنما الصدقات ~~كائنة لهم حال كونها فريضة، أي: مفروضة. ويجوز أن يكون فريضة حينئذ ~~بمعنى مفعولة، وإنما دخلت التاء، لجريانها مجرى الأسماء، ك " ~~النطيحة ". ويجوز أن يكون مصدرا واقعا موقع الحال، ونقل عن سيبويه ~~أن " فريضة " منصوب بفعلها مقدرا، أي: فرض الله ذلك فريضة. ونقل عن ~~الفراء أنها منصوبة على القطع. ثم قال: { والله عليم } ~~بمقادير المصالح { حكيم } لا يشرع إلا ما هو الأصوب والأصلح. # فصل # وهذه الآية المراد بها فريضة الزكاة، فأما صدقة التطوع فيجوز دفعها ~~إلى هؤلاء وإلى غيرهم، من بني هاشم ومواليهم، ومن لا يجوز لهم أخذ الزكاة ~~الواجبة، يجوز له الأخذ إذا كان غارما أو مؤلفا، أو عاملا. # قوله تعالى: { ومنهم الذين يؤذون النبي } الآية. # وهذا نوع آخر من طعن المنافقين، وهو أنهم كانوا يقولون في رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إنه أذن. نزلت في جماعة من المنافقين، كانوا يؤذون ~~النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون ما لا ينبغي، فقال بعضهم لا تفعلوا ~~فإنا نخاف أن يبلغه ما نقول، فيقع بنا فقال الجلاس بن سويد: نقول ما ~~شئنا، ثم نأتيه وننكر ما قلنا، ونحلف فيصدقنا بما نقول، إنما محمد ~~أذن، أي سامعة، يقال: فلان " أذن وأذن " على وزن " فعل " ، إذا كان ~~يسمع كل ما قيل ويقبله. # وأصله من " أذن " له " أذنا " إذا استمع، وقال محمد بن إسحاق بن يسار: # " نزلت في رجل من المنافقين يقال له: نبتل بن الحارث، وكان رجلا أزلم، ~~ثائر الشعر، أحمر العينين، ms4445 أسفع الخدين، مشوه الخلقة، وقد قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم من أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن ~~الحارث. " # وكان ينم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المنافقين، فقيل له: ~~لا تفعل فقال: إنما محمد أذن، فمن حدثه شيئا صدقه؛ فنقول ما شئنا، ~~ثم نأتيه فنحلف له، فيصدقنا، فنزلت الآية. # قال الأصم أظهر الله عن المنافقين وجوه كفرهم التي كانوا يسرونها، ~~لتكون حجة للرسول، ولينزجروا، فقال: # ومنهم من يلمزك في الصدقات # [التوبة:58] { ومنهم الذين يؤذون النبي } [التوبة:61] # ومنهم من عاهد الله # [التوبة:75] إلى غير ذلك من الإخبار عن الغيوب، وكل ذلك دليل على كونه ~~نبيا حقا من عند الله. # ومعنى " أذن " أي: أنه ليس له ذكاء ولا بعد غور، بل هو سليم القلب، ~~سريع الاغترار بكل ما يسمع. # قوله: { قل أذن خير } " أذن " خبر مبتدأ محذوف، أي: قل هو ~~أذن خير والجمهور على جر خير بالإضافة، وقرأ الحسن، ومجاهد، زيد ~~بن علي وأبو بكر عن عاصم " أذن " بالتنوين، " خير " بالرفع، وفيها ~~وجهان: # أحدهما: أنها وصف " أذن ". # والثاني: أن يكون خبرا بعد خبر، و " خير " يجوز أن يكون وصفا، من غير ~~تفضيل، أي: أذن ذو خير لكم، ويجوز أن يكون للتفضيل - على بابها - أي: ~~أكثر خيرا لكم. وجوز صاحب اللوامح أن يكون " أذن " مبتدأ، و " خير ~~" خبرها، وجاز الابتداء هنا بالنكرة؛ لأنها موصوفة تقديرا، أي: ~~أذن لا يؤاخذكم من أذن يؤاخذكم، ويقال: رجل أذن، أي: يسمع كل ما ~~يقال، وفيه تأويلان: # أحدهما: أنه سمي بالجارحة؛ لأنها آلة السماع، وهي معظم ما يقصد ~~منه؛ كقولهم للربيئة: عين. # وقيل: المراد ب " الأذن " هنا الجارحة، وحينئذ يكون على حذف مضاف ~~أي: ذو أذن. # والثاني: أن الأذن وصف على " فعل " ، ك " أنف " و " شلل " ~~يقال: أذن يأذن، فهو أذن؛ قال: [الطويل] # 2804- وقد صرت أذنا للوشاة سميعة # ينالون من عرضي ولو شئت ما نالوا # ومعنى قراءة عاصم: إن كان تقولون إنه أذن، فأذن خير لكم، يقبل منكم ~~ويصدقكم خير لكم من ms4446 أن يكذبكم. ومعنى قراءة الجر: أي: هو أذن خير، لا ~~أذن شر وقرأ نافع " أذن " ساكنة الذال في كل القرآن، والباقون ~~بالضم وهما لغتان مثل: عنق وظفر. # ثم بين كونه " أذن خير " بقوله: { يؤمن بالله ويؤمن ~~للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم } فجعل تعالى ~~هذه الثلاثة كالموجبة لكونه عليه الصلاة والسلام " أذن خير " ، ~~أما قوله { يؤمن بالله } فلأن كل من آمن بالله كان خائفا ~~من الله، والخائف من الله لا يؤذي بالباطل. ويؤمن للمؤمنين أي: يسلم ~~للمؤمنين قولهم، إذا توافقوا على قول واحد وهذا بيان كونه سليم القلب. # فإن قيل: لم عدي الإيمان بالله بالباء، وإلى المؤمنين باللام؟. # فالجواب: أن المراد بالإيمان بالله، المراد منه: التصديق الذي هو ~~نقيض الكفر فعدي بالباء والإيمان المعدى إلى المؤمنين، معناه: الاستماع ~~منهم والتسليم لقولهم فعدي باللام، كقوله: # ومآ أنت بمؤمن لنا # [يوسف:17] وقوله # فمآ آمن لموسى إلا ذرية من قومه # [يونس:83] وقوله: # أنؤمن لك واتبعك الأرذلون # [الشعراء:111] وقوله # آمنتم له قبل أن ءاذن لكم # [طه:71]. # وقال ابن قتيبة " هما زائدتان، والمعنى: يصدق الله، ويصدق المؤمنين ~~" وهذا مردود؛ ويدل على عدم الزيادة تغاير الحرف الزائد، فلو لم ~~يقصد معنى مستقل، لما غاير بين الحرفين. # وقال المبرد: هي متعلقة بمصدر مقدر من الفعل، كأنه قال: وإيمانه ~~للمؤمنين وقيل: يقال: آمنت لك، بمعنى: صدقتك، ومنه # ومآ أنت بمؤمن لنا # [يوسف:17]. قال شهاب الدين وعندي أن هذه اللام في ضمنها " ما " ~~، والمعنى: ويصدق للمؤمنين بما يخبرونه به وقال أبو البقاء: ~~واللام في للمؤمنين زائدة، دخلت لتفرق بين " يؤمن بمعنى: يصدق، ~~وبين " يؤمن " بمعنى: يثبت الإيمان وقوله: { ورحمة للذين ~~آمنوا منكم } فهذا أيضا يوجب الخير به؛ لأنه يجري منكم على ~~الظاهر، ولا يبالغ في التفتيش على بواطنكم، ولا يهتك أستاركم، فدلت ~~هذه الأوصاف الثلاثة على وجوب كونه " أذن خير " وقرأ الجمهور " ~~ورحمة " رفعا نسقا على " أذن " أي: وهو رحمة للذين آمنوا. وقال ~~بعضهم: هو عطف على " يؤمن " ، لأن " يؤمن " في محل رفع صفة ل: " ~~أذن " ، تقديره: أذن يؤمن ورحمة. ms4447 وقرأ حمزة والأعمش " ورحمة " بالجر ~~نسقا على " خير " المخفوض بإضافة " أذن " إليه، والجملة على هذه ~~القراءة معترضة بين المتعاطفين، تقديره: أذن خير ورحمة. وقرأ ابن ~~أبي عبلة: " ورحمة " نصبا على أنه مفعول من أجله، والمعلل محذوف، ~~أي: يأذن لكم رحمة بكم، فحذف لدلالة قوله: { قل أذن خير }. # فإن قيل: كل رحمة خير، فأي فائدة في ذكر الرحمة عقيب ذكر الخير؟ # [فالجواب: إن أشرف أقسام الخير هو الرحمة، فجاز ذكر الرحمة عقيب ذكر ~~الخير] كقوله: # وملائكته ورسله وجبريل وميكال # [البقرة:98]. ولما بين كونه سببا للخير والرحمة، بين أن كل ~~من آذاه استوجب العذاب الأليم لأنه يسعى في إيصال الخير والرحمة إليهم ~~وهو يقابلون إحسانه بالإساءة، وخيره بالشر؛ فلذلك استوجبوا العذاب ~~الأليم. # قوله تعالى: { يحلفون بالله لكم ليرضوكم } الآية. # وهذا نوع آخر من قبائح أفعال المنافقين، وهو إقدامهم على الأيمان ~~الكاذبة، قال قتادة والسدي: اجتمع ناس من المنافقين، فيهم الجلاس بن ~~سويد، ووديعة بن ثابت فوقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: إن ~~كان ما يقول محمد حقا فنحن شر من الحمير، وكان عندهم غلام من ~~الأنصار، يقال له: عامر بن قيس، فحقروه، وقالوا هذه المقالة، فغضب ~~الغلام وقال: والله إن ما يقول محمد حق، وأنتم شر من الحمير ثم أتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فدعاهم، فسألهم؛ فحلفوا أن عامرا ~~كذاب وحلف عامر أنهم كذبة، فصدقهم النبي صلى الله عليه وسلم فجعل ~~عامر يدعو ويقول اللهم صدق الصادق وكذب الكاذب، فأنزل الله هذه ~~الآية. وقال مقاتل والكلبي: نزلت في رهط من المنافقين، تخلفوا عن ~~غزوة تبوك فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم أتوه يعتذرون ~~ويحلفون، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # قوله: { والله ورسوله أحق أن يرضوه }. # إنما أفرد الضمير، وإن كان الأصل في العطف ب " الواو " المطابقة، ~~لوجوه: # أحدها: أن رضا الله ورسوله شيء واحد، # من يطع الرسول فقد أطاع الله # [النساء:80]، # إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله # [الفتح:10]؛ فلذلك جعل الضميرين ضميرا واحدا، تنبيها على ذلك. ms4448 # الثاني: أن الضمير عائد على المثنى بلفظ الواحد بتأويل المذكور؛ ~~كقول رؤبة: [الرجز] # 2805- فيها خطوط من سواد وبلق # كأنه في الجلد توليع البهق # أي: كأن ذلك المذكور، وقد تقدم بيان هذا في أوائل البقرة. الثالث: قال ~~المبرد: في الكلام تقديم وتأخير، تقديره: والله أحق أن يرضوه ورسوله ~~وهذا على رأي من يدعي الحذف من الثاني. # الرابع - وهو مذهب سيبويه -: أنه حذف خبر الأول، وأبقى خبر ~~الثاني، وهو أحسن من عكسه، وهو قول المبرد؛ لأن فيه عدم الفصل بين ~~المبتدأ أو خبره بالإخبار بالشيء عن الأقرب إليه؛ وأيضا فهو متعين في ~~قول الشاعر: [المنسرح] # 2806- نحن بما عندنا وأنت بما # عندك راض والرأي مختلف # أي: نحن راضون، حذف " راضون " ، لدلالة خبر الثاني عليه. # قال ابن عطية: " مذهب سيبويه أنهما جملتان، حذفت الأولى، لدلالة ~~الثانية عليها ". # قال أبو حيان: " إن كان الضمير في " أنهما " عائدا على كل ~~واحدة من الجملتين، فكيف يقول " حذفت الأولى " والأولى لم تحذف، إنما ~~حذف خبرها؟ وإن كان عائدا على الخبر وهو { أحق أن يرضوه } فلا ~~يكون جملة إلا باعتقاد أن يكون " أن يرضوه " مبتدأ وخبره " أحق ~~" مقدما عليه، ولا يتعين هذا القول؛ إذ يجوز أن يكون الخبر مفردا ~~بأن يكون التقدير: أحق بأن ترضوه ". # قال شهاب الدين: إنما أراد ابن عطية التقدير الأول، وهو المشهور ~~عند المعربين يجعلون " أحق " خبرا مقدما، و " أن يرضوه " مبتدأ ~~مؤخرا، والله ورسوله إرضاؤه أحق. ولقد تقدم تحرير هذا في قوله: # فالله أحق أن تخشوه # [التوبة:13]. قوله { إن كانوا مؤمنين } شرط جوابه محذوف أو ~~متقدم. # فصل # قال القرطبي " تضمنت هذه الآية قبول يمين الحالف، وإن لم يلزم ~~المحلوف له الرضا، واليمين حق للمدعي، وأن يكون اليمين بالله عز ~~وجل حسب. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من حلف فليحلف بالله أو ليصمت، ومن حلف له فليصدق ~~". # قوله: { ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله ~~} الآية. # والمقصود من هذه الآية: شرح أحوال المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة ~~تبوك. # قرأ الجمهور " يعلموا " بياء الغيبة، ردا ms4449 على المنافقين، وقرأ ~~الحسن، والأعرج " تعلموا " بتاء الخطاب، فقيل: هو التفات من ~~الغيبة إلى الخطاب إن كان المراد المنافقين. # وقيل: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأتى بصيغة الجمع تعظيما؛ ~~كقوله: [الطويل] # 2807 - فإن شئت حرمت النساء سواكم # ............................. # وقيل: الخطاب للمؤمنين. وبهذه التقادير الثلاثة يختلف معنى الاستفهام، ~~فعلى الأول يكون الاستفهام للتقريع والتوبيخ، كقول الإنسان لمن حاول ~~تعليمه مدة وبالغ في التعليم فلم يتعلم، يقال له ألم تتعلم؟ وإنما حسن ~~ذلك؛ لأنه طال مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم، وكثر تحذيره من ~~معصية الله، والترغيب في طاعة الله. # وعلى الثاني يكون للتعجب من حالهم، وعلى الثالث يكون للتقرير. والعلم ~~هنا: يحتمل أن يكون على بابه، فتسد " أن " مسد مفعولين عند سيبويه، ~~ومسد أحدهما والآخر محذوف عند الأخفش. # وأن يكون بمعنى العرفان، فتسد " أن " مسد مفعوله. و " من " ~~شرطية، و " فأن له نار " جوابها. وفتحت " أن " بعد الفاء، لما ~~تقدم في الأنعام. والجملة الشرطية في محل رفع خبر " أن " الأولى ~~وهذا تخريج واضح. وقد عدل عن هذا التخريج جماعة إلى وجوه أخر، فقال ~~الزمخشري " ويجوز أن يكون " فأن له " معطوفا " أنه " على أن ~~جواب " من " محذوف، تقديره: ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله ~~يهلك، فأن له نار جهنم " وقال الجرمي والمبرد: " أن " ~~الثانية مكررة للتوكيد، كأن التقدير: فله نار جهنم، وكررت " أن ~~" توكيدا، وشبهه أبو البقاء بقوله تعالى: # ثم إن ربك للذين عملوا السوء # [النحل:119] ثم قال: # إن ربك من بعدها # [النحل:119]، قال: والفاء على هذا جواب الشرط. ورد أبو حيان على ~~الزمخشري قوله: بأنهم نصوا على أنه إذا حذف جواب الشرط، لزم ~~أن يكون فعل الشرط ماضيا، أو مضارعا مقرونا ب " لم " ، والجواب ~~على قوله محذوف وفعل الشرط مضارع غير مقترن ب " لم " وأيضا ~~فإنا نجد الكلام تاما بدون هذا الذي قدره. # ونقل عن سيبويه أنه قال: الثانية بدل من الأولى. وهذا لا يصح عن ~~سيبويه، فإنه ضعيف، أو ممتنع، وقد ضعفه أبو البقاء بوجهين: # أحدهما: أن ms4450 الفاء تمانع من ذلك والحكم بزيادتها ضعيف. # والثاني: أن جعلها بدلا يوجب سقوط جواب " من " من الكلام. وقال ~~ابن عطية " وهذا يعترض بأن الشيء لا يبدل منه حتى يستوفى، والأولى ~~في هذا الموضع لم يأت خبرها بعد، إذ لم يأت جواب الشرط، وتلك ~~الجملة هي الخبر، وأيضا فإن الفاء تمانع البدل، فهي معنى آخر غير ~~البدل فيقلق البدل ". وقال بعضهم: فتحت على تقدير اللام، أي: فلأن له ~~نار جهنم. وهذه كلها تكلفات، لا يحتاج إليها. # فالأولى ما تقدم ذكره، وهو أن يكون " أن له نار جهنم " في محل ~~رفع بالابتداء والخبر محذوف، وينبغي أن يقدره متقدما عليها، كما ~~فعل الزمخشري، وغيره، أي: فحق أن له نار جهنم. # وقدره غيره متأخرا، أي: فأن له نار جهنم واجب، كذا قدره ~~الأخفش وردوه عليه بأنها لا يبتدأ بها. # وهذا لا يلزمه، فإنه يجيز الابتداء ب " أن " المفتوحة من غير ~~تقديم خبره. وغيره لا يجيز الابتداء بها إلا بشرط تقدم " أما " ، ~~نحو: أما أنك ذاهب فعندي، أو بشرط تقدم الخبر، نحو: عندي أنك ~~منطلق. وقيل: " فأن له " خبر مبتدأ محذوف أي: فالواجب أن له، ~~وهذه الجملة التي بعد الفاء مع الفاء في محل جزم، جوابا للشرط. ~~وقرأ أبو عمرو فيما رواه أبو عبيدة، والحسن، وابن أبي عبلة: " فإن " ~~بالكسر وهي قراءة حسنة قوية، تقدم أنه قرأ بها بعض السبعة في ~~الأنعام، وتقدم هناك توجيهها. # والمحادة: المخالفة، والمعاندة، ومجاوزة الحد، والمعاداة. قيل: ~~مشتقة من الحد وهو حد السلاح الذي يحارب به من الحديد. وقيل: من ~~الحد الذي هو الجهة كأنه في حد غير حد صاحبه كقولهم: شاقه، أي: ~~كان في شق غير شق صاحبه وعاداه، أي: كان في عدوة غير عدوته. قال ابن ~~عباس: معناه: يخالف الله وقيل: يحارب الله، وقيل: يعاند الله، وقيل: ~~يعادي الله. # واختار بعضهم قراءة الكسر، بأنها لا تحوج إلى إضمار، ولم يرو قوله: ~~[الوافر] # 2808- فمن يك سائلا عني فإني # وجروة لا تعار ولا تباع # إلا بالكسر. # وهذا غير لازم، فإنه ms4451 جاء على أحد الجائزين، و " خالدا " نصب على ~~الحال. # قال الزجاج: " ويجوز كسر " أن " على الاستئناف بعد الفاء ". وجهنم: من ~~أسماء النار وحكى أهل اللغة عن العرب: أن البئر البعيدة القعر تسمى ~~الجهنام، فيجوز أن تكون مأخوذة من هذا اللفظ، ومعنى بعد قعرها أنه لا ~~آخر لعذابها، وتقدم معنى الخلود، والخزي: قد يكون بمعنى الندم، وبمعنى ~~الاستحياء، والمراد به ههنا: الندم، لقوله: # وأسروا الندامة لما رأوا العذاب # [يونس:54]. # قوله تعالى: { يحذر المنافقون } الآية. # قال قتادة " هذه السورة كانت تسمى الفاضحة، والحافرة، والمبعثرة، ~~والمثيرة، أثارت مخازيهم ومثالبهم " قال ابن عباس: " أنزل الله تعالى ~~ذكر سبعين رجلا من المنافقين بأسمائهم، وأسماء آبائهم، ثم نسخ ذكر ~~الأسماء رحمة على المؤمنين، لئلا يعير بعضهم بعضا؛ لأن أولادهم ~~كانوا مؤمنين ". # وقال الجبائي: # " اجتمع اثنا عشر رجلا من المنافقين على النفاق، وأخبر جبريل الرسول ~~بأسمائهم، فقال عليه الصلاة والسلام: " إن أناسا اجتمعوا على كيت ~~وكيت، فليقوموا وليعترفوا وليستغفروا ربهم حتى أشفع لهم ~~" فلم يقوموا، فقال عليه الصلاة والسلام بعد ذلك " قم يا فلان ويا ~~فلان " حتى أتى عليهم ثم قالوا: نعترف ونستغفر فقال: " الآن أنا كنت ~~في أول الأمر أطيب نفسا بالشفاعة، والله كان أسرع في ~~الإجابة، اخرجوا عني " فلم يزل يقول حتى خرجوا بالكلية. " # وقال الأصم: # " إن عند رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك وقف له على العقبة ~~اثنا عشر رجلا ليفتكوا به؛ فأخبره جبريل، وكانوا متلثمين في ليلة مظلمة، ~~وأمره أن يرسل إليهم من يضرب وجوه رواحلهم، فأمر حذيفة بذلك فضربها حتى ~~نحاهم ثم قال: " من عرفت من القوم "؟ فقال: لم أعرف منهم أحدا، فذكر ~~النبي عليه الصلاة والسلام أسماءهم وعدهم له، وقال: " إن جبريل ~~أخبرني بذلك " فقال حذيفة: ألا تبعث إليه فتقتلهم، فقال: " أكره أن ~~تقول العرب قاتل أصحابه حتى إذا ظفر صار يقتلهم، بل يكفيناهم ~~الله بالدبيلة " ". # فإن قيل: الكافر منافق، فكيف يحذر نزول الوحي على الرسول - عليه ~~الصلاة والسلام -؟ فالجواب، من وجوه: # أحدها: قال أبو مسلم: " هذا حذر أظهره ms4452 المنافقون استهزاء حين رأوا ~~الرسول - عليه الصلاة والسلام - يذكر كل شيء ويدعي أنه عن الوحي، ~~وكان المنافقون يكذبون بذلك فيما بينهم، فأخبر الله رسوله بذلك، وأمره ~~أن يعلمهم أنه يظهر سرهم الذي حذروا ظهره، ويدل على ذلك قوله: ~~استهزئوا ". # وثانيها: أن القوم وإن كانوا كافرين بدين الرسول إلا أنهم شاهدوا ~~أن الرسول - عليه الصلاة والسلام - كان يخبرهم بما يفسرونه، فلهذه ~~التجربة وقع الحذر والخوف في قلوبهم. # وثالثها: قال الأصم: إنهم كانوا يعرفون كونه رسولا حقا من عند ~~الله، إلا أن كفرهم كان حسدا وعنادا. # ورابعها: معنى الحذر الأمر بالحذر، أي: ليحذر المنافقون ذلك. # وخامسها: أنهم كانوا شاكين في صحة نبوته، والشاك خائف، فلهذا ~~خافوا أن ينزل عليه في أمرهم ما يفضحهم. # قوله: " أن تنزل " مفعول به، ناصبه " يحذر " ، فإن " ~~يحذر " متعد بنفسه كقوله تعالى: # ويحذركم الله نفسه # [آل عمران:28]، لولا أنه متعد في الأصل لواحد، لما اكتسب بالتضعيف ~~مفعولا ثانيا؛ ويدل عليه أيضا ما أنشده سيبويه: [الكامل] # 2809- حذر أمورا لا تضير وآمن # ما ليس منجيه من الأقدار # وفي البيت كلام، قيل: إنه مصنوع. وقال المبرد: إن " حذر " لا ~~يتعدى، قال: لأنه من هيئات النفس، ك " فزع ". وهذا غير لازم. ~~فإن لنا من هيئات النفس ما هو متعد ك: " خاف " ، وخشي، فإن " ~~تنزل " عند المبرد على إسقاط الخافض أي: من أن تنزل. # وقوله: " تنبئهم " في موضع الرفع صفة ل " سورة ". # قال الزمخشري " الضمير في قوله " عليهم " و " تنبئهم " للمؤمنين، و ~~" في قلوبهم " للمنافقين، ويجوز أيضا أن تكون الضمائر كلها ~~للمنافقين؛ لأن السورة إذا نزلت في معناهم فهي نازلة عليهم، ومعنى " ~~تنبئهم بما في قلوبهم " أن السورة كأنها تقول لهم في قلوبكم كيت ~~وكيت، يعني أنها تذيع أسرارهم إذاعة ظاهرة فكأنها تخبرهم بها ". # ثم قال: { قل استهزءوا } هذا أمر تهديد، { إن الله ~~مخرج ما تحذرون }. # قوله تعالى: { ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا ~~نخوض ونلعب } الآية. # قال الكلبي، ومقاتل، وقتادة: # " إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسير في غزوة تبوك وبين يديه ms4453 ثلاثة ~~نفر من المنافقين، اثنان يستهزئان بالقرآن والرسول، والآخر يضحك. # قيل: كانوا يقولون: إن محمدا يزعم أنه يغلب الروم، ويفتح مدائنهم، ~~هيهات هيهات ما أبعده عن ذلك. # وقيل: كانوا يقولون: إن محمدا يزعم أنه نزل في أصحابنا المقيمين ~~بالمدينة قرآن، وإنما هو قوله وكلامه، فأطلع الله نبيه صلى الله عليه ~~وسلم على ذلك فقال: " احبسوا الركب علي " فدعاهم وقال لهم: " ~~قلتم كذا وكذا " فقالوا: إنما كنا نتحدث ونخوض في الكلام، كما ~~يفعل الركب لقطع الطريق بالحديث واللعب. " # قال ابن عمر: # " رأيت عبد الله بن أبي يشتد قدام النبي صلى الله عليه وسلم والحجارة ~~تنكيه، وهو يقول: " إنما كنا نخوض ونلعب ". ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول " أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون ". ولا ~~يلتفت إليه. " # وقال أبو مسلم: قوله: { يحذر المنافقون أن تنزل ~~عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم } [التوبة:64] ~~إن القوم أظهروا هذا الخبر استهزاء، فبين تعالى في هذه الآية أنه ~~إذا قيل لهم: لم فعلتم ذلك؟ قالوا: لم نقل ذلك إلا لأجل أنا كنا ~~نخوض ونلعب. # فصل في بيان أصل الخوض # قال الواحدي: أصل الخوض الدخول في مائع مثل الماء والطين، ثم كثر حتى ~~صار اسما لكل دخول فيه تلويث وأذى، والمعنى: إنما كنا نخوض في ~~الباطل من الكلام كما يخوض الركب لقطع الطريق، فأجابهم الرسول بقوله: " ~~أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون ". # قوله: "... أبالله... " متعلق بقوله: " تستهزئون ". و " ~~تستهزئون " خبر " كان " وفيه دليل على تقديم خبر " كان " عليها؛ ~~لأن تقديم المعمول يؤذن بتقديم العامل، وقد تقدم معمول الخبر على " ~~كان " فليجز تقديمه بطريق الأولى. وفيه بحث، وذلك أن ابن مالك قدح ~~في هذا الدليل، بقوله تعالى: # فأما اليتيم فلا تقهر وأما السآئل فلا تنهر # [الضحى:9، 10] قال: ف " اليتيم " ، والسائل قد تقدما على " لا " ~~الناهية، والعامل فيهما ما بعدهما ولا يجوز تقديم ما بعد " لا " الناهية ~~عليها، لكونه مجزوما بها، فقد تقدم المعمول، حيث لا يتقدم للعامل ~~ذكر، ذكر ذلك عند استدلالهم على جواز تقديم خبر " ليس " بقوله # ألا ms4454 يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم # [هود:8]. # فصل # فرق بين قولك: أتستهزىء بالله، وبين قولك: أبالله تستهزىء، فالأول ~~يقتضي الإنكار على عمل الاستهزاء، والثاني يقتضي الإنكار على إيقاع ~~الاستهزاء في الله، كأنه يقول: هب أنك تقدم على الاستهزاء إلا أنه كيف ~~أقدمت على إيقاع الاستهزاء في الله كقوله تعالى: # لا فيها غول # [الصافات:47] والمقصود: ليس نفي الغول، بل نفي أن يكون خمر الجنة ~~محلا للغول. ومعنى الاستهزاء بالله: هو الاستهزاء بتكاليف الله، ~~والاستهزاء بذكر الله، فإن أسماء الله قد يستهزىء بها الكافر، كما ~~أن المؤمن يعظمها. والمراد بالاستهزء ب " آياته " هو القرآن، ~~وسائر ما يدل على الدين، والرسول معلوم. # قوله: { لا تعتذروا قد كفرتم }. # نقل الواحدي عن أهل اللغة في لفظ الاعتذار قولين، الأول: أنه عبارة ~~عن محو أثر الذنب، وأصله من: تعذرت المنازل، أي: درست، وامحت ~~آثارها؛ قال ابن أحمر: [البسيط] # 2810- قد كنت تعرف آيات فقد جعلت # أطلال إلفك بالوعساء تعتذر # فالمعتذر يزاول محو ذنبه. # والثاني: قال ابن الأعرابي: أصله من العذر، وهو القطع، ومنه العذرة؛ ~~لأنها تقطع بالافتراغ. # ويقولون: اعتذرت المياه، أي: انقطعت، فكأن المعتذر يحاول قطع الذم ~~عنه. قوله: { قد كفرتم بعد إيمانكم } يدل على أن ~~الاستهزاء بالدين كيف كان كفرا؛ لأنه استخفاف بالدين، والعمدة في ~~الإيمان تعظيم الله تعالى، ويدل على أن القول الذي صدر منهم كان كفرا ~~في الحقيقة. # فإن قيل: كيف قال { كفرتم بعد إيمانكم } وهم لم يكونوا ~~مؤمنين؟ # فالجواب: قال الحسن: أظهرتم الكفر بعد ما أظهرتم الإيمان. # فصل # قال ابن العربي: " لا يخلو ما قالوا من أن يكون جدا، أو هزلا، وهو ~~كيفما كان كفرا فإن القول بالكفر كفر بلا خلاف بين الأئمة، قال تعالى: # أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من ~~الجاهلين # [البقرة:67]. # فصل # اختلفوا في الهزل في سائر الأحكام كالبيع والنكاح والطلاق، قيل: يلزم ~~وقيل: لا يلزم، وقيل: يفرق بين البيع وغيره. فيلزم في النكاح والطلاق، ~~ولا يلزم في البيع وحكى ابن المنذر الإجماع في أن جد الطلاق وهزله ~~سواء. وروى ms4455 أبو داود والترمذي والدارقطني عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " ثلاث جدهن جد وهزلهن جد، النكاح والطلاق والرجعة ~~" # قال الترمذي " حديث حسن، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم وغيرهم ". # قال القرطبي: " وفي الموطأ عن سعيد بن المسيب قال ثلاث ليس فيهن لعب ~~النكاح والطلاق والعتق ". # قوله: "... إن نعف " قرأ عاصم " نعف " بنون العظمة، " نعذب " ~~كذلك، " طائفة " نصبا على المفعول به، وهي قراءة أبي عبد الرحمن ~~السلمي، وزيد بن علي. # وقرأ الباقون " يعف " في الموضعين بالياء من تحت مبنيا للمفعول، ~~ورفع " طائفة " ، على قيامها مقام الفاعل والقائم مقام الفاعل في ~~الفعل الأول الجار بعده. وقرأ الجحدري " إن يعف " بالياء من ~~تحت فيهما، مبنيا للفاعل، وهو ضمير الله تعالى، ونصب " طائفة " على ~~المفعول به. وقرأ مجاهد " تعف " بالتاء من فوق فيهما، مبنيا للمفعول، ~~ورفع " طائفة " ، لقيامها مقام الفاعل. وفي القائم مقام الفاعل في الفعل ~~الأول وجهان: # أحدهما: أنه ضمير الذنوب، أي: إن تعف هذه الذنوب. # والثاني: أنه الجار، وإنما أنث الفعل حملا على المعنى. # قال الزمخشري " الوجه التذكير؛ لأن المسند إليه الظرف، كما تقول: ~~سير بالدابة، ولا تقول: سيرت بالدابة، ولكنه ذهب إلى المعنى، كأنه ~~قيل: إن ترحم طائفة فأنث لذلك، وهو غريب ". # فصل # قال مجاهد: وابن إسحاق: الذي عفي عنه رجل واحد، وهو مخاشن بن حمير ~~الأشجعي، يقال هو الذي كان يضحك ولا يخوض، وكان يمشي مجانبا لهم، وينكر ~~بعض ما يسمع فلما نزلت هذه الآية تاب من نفاقه، وقال: اللهم إني ~~لا أزال أسمع آية تقرعني بها تقشعر الجلود، وتجب منها القلوب، ~~اللهم اجعل وفاتي قتلا في سبيلك، لا يقول أحد: أنا غسلت، أنا كفنت، ~~أنا دفنت، فأصيب يوم اليمامة ولم يعرف أحد من المسلمين مصرعه. # فصل # ثبت بالروايات أن الطائفتين كانوا ثلاثة؛ فوجب أن تكون إحدى ~~الطائفتين إنسانا واحدا. قال الزجاج: والطائفة في اللغة أصلها ~~الجماعة؛ لأنها المقدار الذي يمكنها أن تطيف بالشيء ثم يجوز أن يسمى ms4456 ~~الواحد بالطائفة، قال تعالى # وليشهد عذابهما طآئفة من المؤمنين # [النور:2]. وأقله الواحد، وروى الفراء بإسناده عن ابن عباس أنه قال: ~~الطائفة الواحد فما فوقه، وقال تعالى: # وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا ~~بينهما # [الحجر:9]. # قال ابن الأنباري: العرب توقع لفظ الجمع على الواحد، فتقول: خرج فلان ~~إلى مكة على الجمال، وقال تعالى: # الذين قال لهم الناس # [آل عمران:173] يعني: نعيم بن مسعود، ثم إنه تعالى علل تعذيبه لهم: { ~~بأنهم كانوا مجرمين } ### || [9.67-71] # قوله تعالى: { المنافقون والمنافقات بعضهم من ~~بعض } الآية. # لما شرح أنواع قبائح أفعالهم، بين أن إناثهم كذكورهم في تلك ~~الأعمال المنكرة. # قوله: { بعضهم من بعض } مبتدأ وخبر، أي: من جنس بعض، ف " من ~~" هنا لبيان الجنس وقيل: للتبعيض، أي: إنهم إنما يتوالدون بعضهم من بعض ~~على دين واحد، وقيل: أمرهم واحد بالاجتماع على النفاق، ثم فصل هذا ~~الكلام فقال: " يأمرون بالمنكر ". هذه الجملة لا محل لها؛ ~~لأنها مفسرة لقوله: " بعضهم من بعض " ، وكذلك ما عطف على " ~~يأمرون " ولفظ المنكر يدخل فيه كل قبيح، ولفظ المعروف يدخل فيه كل ~~حسن، إلا أن الأعظم ههنا من المنكر الشرك والمعصية، والمراد الأعظم ~~ههنا من المعروف الإيمان بالرسول { ويقبضون أيديهم } أي: ~~يمسكونها عن الصدقة، والإنفاق في سبيل الله. { نسوا الله ~~فنسيهم } تركوا طاعة الله فتركهم من توفيقه وهدايته في الدنيا ~~ومن رحمته في العقبى. # وإنما حملنا النسيان على الترك، لأن من نسي شيئا لم يذكره، ~~فجعل اسم الملزوم كناية عن اللازم، ولأن النسيان ليس في وسع البشر، ~~وهو في حق الله تعالى محال فلا بد من التأويل، وهو ما ذكرنا من الترك؛ ~~لأنهم تركوا أمر الله حتى صاروا كالنسي المنسي، فجازاهم بأن صيرهم ~~كالشيء المنسي، كقوله: # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى:40] ثم قال: { إن المنافقين هم الفاسقون } أي: ~~الكاملون في الفسق. # قوله تعالى: { وعد الله المنافقين والمنافقات } الآية. # قال القرطبي وغيره: يقال: وعد الله بالخير وعدا، ووعد بالشر ~~وعيدا. وقيل: لا يقال من الشر إلا " أوعدته " و " توعدته " وهذه ~~الآية رد عليه. ms4457 لما بين في المنافقين والمنافقات أنه نسيهم، أي: ~~جازاهم على تركهم التمسك بطاعة الله، أكد هذا الوعيد وضم ~~المنافقين إلى الكفار فيه، فقال: { وعد الله المنافقين } الآية. # وقوله: " خالدين " حال من المفعول الأول للوعد، وهي حال مقدرة؛ لأن ~~هذه الحال لم تقارن الوعد. وقوله: " هي حسبهم " لا محل لهذه ~~الجملة الاستئنافية. والمعنى: أن تلك العقوبة كافية لهم ولا شيء أبلغ ~~منها، ولا يمكن الزيادة عليها. # ثم قال: { ولعنهم الله } أبعدهم الله من رحمته، { ولهم ~~عذاب مقيم } دائم. # فإن قيل: معنى المقيم والخالد واحد فيكون تكرارا. # فالجواب: من وجهين: # الأول: أن لهم نوعا آخر من العذاب المقيم الدائم سوى العذاب بالنار ~~والخلود المذكور أولا، ولا يدل على أن العذاب بالنار دائم. وقوله: ~~{ ولهم عذاب مقيم } يدل على أن لهم مع ذلك نوعا آخر من ~~العذاب. # فإن قيل هذا مشكل؛ لأنه قال في النار المخلدة: " هي حسبهم " ~~وكونها حسبا يمنع من ضم شيء آخر إليه. # فالجواب: أنها حسبهم في الإيلام، ومع ذلك يضم إليه نوع آخر زيادة في ~~تعذيبهم. # والثاني: أن المراد بقوله: { ولهم عذاب مقيم } العذاب ~~العاجل الذي لا ينفك عنهم وهو ما يقاسونه من الخوف من اطلاع الرسول ~~على بواطنهم، وما يحذرونه من أنواع الفضائح. # قوله: { كالذين من قبلكم }. # فيه أوجه: # أحدها: أن هذه الكاف في محل رفع، تقديره: أنتم كالذين، فهي خبر ~~مبتدأ محذوف. # الثاني: أنها في محل نصب. قال الزجاج: المعنى: وعد كما وعد الذين ~~من قبلكم فهو متعلق ب " وعد ". قال ابن عطية " وهذا قلق ". وقال ~~أبو البقاء: ويجوز أن يكون متعلقا ب # تستهزءون # [التوبة:65]. وفي هذا بعد كبير. # وقوله: " كانوا أشد " تفسير لشبههم بهم، وتمثيل لفعلهم بفعلهم، وجعل ~~الفراء محلها نصبا بإضمار فعل، قال: " التشبيه من جهة الفعل، أي: ~~فعلتم كما فعل الذين من قبلكم " فتكون الكاف في موضع نصب. وقال أبو ~~البقاء: " الكاف في موضع نصب نعتا لمصدر محذوف وفي الكلام حذف مضاف، ~~تقديره: وعدا كوعد الذين ". وذكر الزمخشري وجه الرفع المتقدم، والوجه ~~الذي تقدم ms4458 عن الفراء، وشبهه بقول النمر بن تولب: [الكامل] # 2811-........................... # كاليوم مطلوبا ولا طلبا # بإضمار: " لم أر ". # قوله: " كما استمتع " الكاف في محل نصب، نعتا لمصدر محذوف، ~~أي: استمتاعا كاستمتاع الذين. # قوله: { كالذي خاضوا } الكاف كالتي قبلها. وفي " الذي " ~~وجوه: # أحدها: أن المعنى: وخضتم خوضا كخوض الذين خاضوا، فحذفت النون ~~تخفيفا، أو وقع المفرد موقع الجمع وقد تقدم تحقيقه في أوائل البقرة، ~~فحذف المصدر الموصوف، والمضاف إلى الموصول وعائد الموصول تقديره: ~~خاضوه، والأصل: خاضوا فيه؛ لأنه يتعدى ب " في " فاتسع فيه فحذف ~~الجار، فاتصل الضمير بالفعل، فساغ حذفه، ولولا هذا التدريج لما ~~ساغ الحذف، لما تقدم أنه متى جر العائد بحرف اشترط في جواز حذفه ~~جر الموصول بمثل ذلك الحرف وأن يتحد التعلق مع شروط أخر تقدمت. # الثاني: أن " الذي " صفة لمفرد مفهم للجمع، أي: وخضتم خوضا ~~كخوض الفوج الذي خاضوا، أو الفريق الذي خاضوا والكلام في العائد كما ~~سبق قبل. # قال بعض المفسرين: " الذي " اسم ناقص مثل " ما، ومن " ، يعبر به ~~عن الواحد والجمع، كقوله تعالى: # كمثل الذي استوقد نارا # [البقرة:17] ثم قال # ذهب الله بنورهم # [البقرة:17]. # الثالث: أن " الذي " من صفة المصدر، والتقدير: وخضتم خوضا كالخوض ~~الذي خاضوه وعلى هذا فالعائد منصوب من غير واسطة حرف جر. وهذا الوجه ~~ينبغي أن يكون هو الراجح، إذ لا محذور فيه. # والرابع: أن " الذي " تقع مصدرية، والتقدير: وخضتم خوضا. ومثله: ~~[البسيط] # 2812- فثبت الله ما آتاك من حسب # في المرسلين ونصرا كالذي نصروا # أي: كنصرهم. وقول الآخر: [البسيط] # 2813- يا أم عمرو جزاك الله مغفرة # ردي علي فؤادي كالذي كانا # أي: ككون. وقد تقدم أن هذا مذهب الفراء، ويونس، وقد تقدم تأويل ~~البصريين لذلك قال الزمخشري " فإن قلت: أي فائدة في قوله: { ~~فاستمتعوا بخلاقهم } ، وقوله { كما استمتع الذين ~~من قبلكم بخلاقهم } مغن عنه، كما أغنى " كالذي خاضوا ~~"؟ قلت: فائدته أن يذم الأولين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ ~~الدنيا، ورضاهم بها عن النظر في العاقبة، وطلب الفلاح في الآخرة، ~~وأن يخسس أمر الاستمتاع ويهجن أمر الراضي ms4459 به، ثم شبه حال ~~المخاطبين بحالهم، وأما { وخضتم كالذي خاضوا } فمعطوف ~~على ما قبله ومسند إليه، مستغن بإسناده إليه عن تلك المقدمة يعني: ~~أنه استغنى عن أن يكون التركيب: وخاضوا، فخضتم كالذي خاضوا ". وفي ~~قوله { كما استمتع الذين } إيقاع للظاهر موقع المضمر، ~~لنكتة، وهو أنه كان الأصل: فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتعوا ~~بخلاقهم؛ فأبرزهم بصورة الظاهر تحقيرا لهم، كقوله: # لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن ~~عصيا # [مريم:44]، وكقوله قبل ذلك: { المنافقون والمنافقات ~~بعضهم من بعض } ، ثم قال: { إن المنافقين هم ~~الفاسقون } [التوبة:67] وهذا كما يدل بإيقاع الظاهر موقع المضمر ~~على التفخيم والتعظيم، يدل به على عكسه، وهو التحقير. # فصل # معنى الآية: إنكم فعلتم كفعل الذين من قبلكم، بالعدول عن أمر الله ~~والأمر بالمنكر، والنهي عن المعروف، وقبض الأيدي عن الخيرات، و { ~~كانوا أشد منكم قوة } بطشا ومنعة، { وأكثر ~~أموالا وأولادا } إنما استمتعوا مدة بالدنيا، باتباع ~~الشهوات، ورضوا به عوضا عن الآخرة، { فاستمتعتم بخلاقكم ~~} ، والخلاق: النصيب وهو ما قدر للإنسان من خير. { كما استمتع ~~الذين من قبلكم بخلاقهم } وسلكتم سبيلهم " وخضتم " في ~~الباطل والكذب على الله وتكذيب رسله، والاستهزاء بالمؤمنين، " كالذي ~~خاضوا " أي: كما خاضوا. # { أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة } أي: ~~بطلت حسناتهم في الدنيا بسبب الموت والفقر والانتقال من العز إلى ~~الذل ومن القوة إلى الضعف، وفي الآخرة؛ لأنهم لا يثابون بل ~~يعاقبون أشد العقاب. { أولئك هم الخاسرون } حيث أتعبوا ~~أنفسهم في الرد على الأنبياء، ولم يجدوا منه إلا فوات الخير في ~~الدنيا والآخرة، فكما حبطت أعمالهم وخسروا حبطت أعمالكم وخسرتم. # روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، ~~حتى إذا دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم " قيل: يا رسول الله ~~اليهود والنصارى قال: " فمن؟ " # وفي رواية أبي هريرة: فهل الناس إلا هم؟ فلهذا قال في المنافقين ~~" بعضهم من بعض " ، وقال في المؤمنين: " بعضهم أولياء بعض " ~~أي: في الدين واتفاق الكلمة، والعون، والنصرة، " يأمرون ~~بالمعروف " بالإيمان والطاعة والخير، وقد تقدم الكلام ms4460 على " ~~يأمرون بالمعروف ". # " وينهون عن المنكر " عن الشرك والمعصية، وما لا يعرف في ~~الشرع " ويقيمون الصلاة " المفروضة { ويؤتون الزكاة ~~ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله } ~~فالسين للاستقبال، إذ المراد رحمة خاصة، وهي ما خبأه لهم في الآخرة. ~~وادعى الزمخشري: أنها تفيد وجوب الرحمة وتوكيد الوعد والوعيد، ~~نحو: سأنتقم منك، يعني لا تفوتني وإن تباطأ ذلك، ونظيره # سيجعل لهم الرحمن ودا # [مريم:96] # ولسوف يعطيك ربك # [الضحى:5] # سوف يؤتيهم أجورهم # [النساء:152]. # ثم قال: { إن الله عزيز حكيم } وذلك يوجب المبالغة في ~~الترغيب والترهيب؛ لأن العزيز هو الذي لا يمنع من مراده في عباده ~~من رحمة أو عقوبة، والحكيم هو المدبر أمر عباده على ما تقتضيه الحكمة. ### || [9.72-80] # قوله: { وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات ~~تجري من تحتها الأنهار } [التوبة:72]. # والأقرب أنه تعالى أراد بها البساتين التي تبنى فيها المناظر؛ لأنه ~~تعالى قال بعده { ومساكن طيبة في جنات عدن } والمعطوف ~~يجب أن يكون مغايرا للمعطوف عليه فتكون مساكنهم في جنات عدن ~~ومناظرهم التي هي البساتين، وتكون فائدة وصفها بأنها عدن، أنها تجري ~~مجرى دار السكن والإقامة. # وقوله: " خالدين " حال مقدرة، كما تقدم. وقوله: { ومساكن ~~طيبة } أي: منازل طيبة { في جنات عدن } أي: خلد وإقامة، وفي ~~" عدن " قولان: # أحدهما: أنه اسم علم لموضع معين في الجنة. # قال عبد الله بن عمرو " إن في الجنة قصرا يقال له عدن، حوله ~~البروج وله خمسة آلاف باب على كل باب خمسة ألاف حرة، لا يدخله إلا ~~نبي، أو صديق أو شهيد ". # قال الزمخشري: و " عدن " علم بدليل قوله # جنات عدن التي وعد الرحمن عباده # [مريم:61]. # والقول الثاني: أنه صفة للجنة. قال الأزهري: " العدن " مأخوذ من ~~قولك: عدن بالمكان إذا أقام به، يعدن عدونا. وتقول: تركت إبل ~~بني فلان عوادن بمكان كذا، وهو أن تلزم الإبل المكان فتألفه، ومنه ~~المعدن، لمستقر الجواهر. يقال: عدن عدونا، فله مصدران. هذا أصل ~~هذه اللفظة لغة. وذكر المفسرون لها معان كثيرة وقال الأعشى في معنى ~~الإقامة [المتقارب] # 2814- وإن يستضيفوا إلى حلمه # يضافوا إلى ms4461 راجح قد عدن # أي: ثبت واستقر. ومنه " عدن " لمدينة باليمن، لكثرة المقيمين بها. # قوله: { ورضوان من الله أكبر } التنكير يفيد ~~التقليل، أي: أقل شيء من الرضوان أكبر من جميع ما تقدم من الجنات ~~ومساكنها. # ثم قال: { ذلك هو الفوز العظيم } أي: هذا هو الفوز ~~العظيم، لا ما يطلبه المنافقون والكفار من التنعم بطيبات الدنيا. روى ~~أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يقول الله عز وجل لأهل الجنة: يا أهل الجنة هل رضيتم؟ ~~فيقولون: ربنا ومالنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك، ~~فيقول ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: ربنا وأي شيء أفضل من ذلك؟ ~~فيقول: " أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا " ". # قوله تعالى: { يأيها النبي جاهد الكفار ~~والمنافقين } الآية. # لما وصف المنافقين بالصفات الخبيثة، وتوعدهم بأنواع العقاب، ثم ~~ذكر المؤمنين بالصفات الحسنة، ووعدهم بالثواب، عاد إلى شرح أحوال ~~الكفار والمنافقين في هذه الآية. # فإن قيل: مجاهدة المنافقين غير جائزة، فإن المنافق يستر كفره وينكره ~~بلسانه. # فالجواب من وجوه: # أحدها: قال الضحاك: مجاهدة المنافق: تغليظ القول، وهذا بعيد؛ لأن ~~ظاهر قوله { جاهد الكفار والمنافقين } يقتضي الأمر ~~بجهادهما معا، وكذا ظاهر قوله: { واغلظ عليهم } راجع إلى ~~الفريقين. # وثانيها: أن الجهاد عبارة عن بذل الجهد وليس في اللفظ ما يدل على ~~أن الجهاد بالسيف أو باللسان أو بطريق آخر. فقال ابن مسعود: ~~بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه. وقال: لا ~~يلقى المنافق إلا بوجه مكفهر. وقال ابن عباس: باللسان وترك ~~الرفق. # وثالثها: قال الحسن وقتادة: بإقامة الحدود عليهم # قال القاضي: وهذا ليس بشيء؛ لأن إقامة الحدود واجبة على من ليس ~~بمنافق. # قوله: { ومأواهم جهنم } قال أبو البقاء: إن قيل كيف حسنت ~~الواو هنا والفاء أشبه بهذا الموضع؟ ففيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن الواو واو الحال والتقدير: افعل ذلك في حال استحقاقهم ~~جهنم، وتلك الحال حال كفرهم ونفاقهم. # والثاني: أن الواو جيء بها تنبيها على إرادة فعل محذوف، تقديره: ~~واعلم أن مأواهم ms4462 جهنم. # الثالث: أن الكلام حمل على المعنى والمعنى أنه قد اجتمع لهم عذاب ~~الدنيا بالجهاد والغلظة، وعذاب الآخرة بجعل جهنم مأواهم. ولا حاجة ~~إلى هذا كله، بل هي جملة استثنافية. # قوله تعالى: { يحلفون بالله ما قالوا } الآية. # قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في ظل ~~شجرة، فقال: # " إنه سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعين الشيطان، فإذا ~~جاء فلا تكلموه " # فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: # " علام تشتمني أنت وأصحابك " # فانطلق الرجل؛ فجاء بأصحابه، فحلفوا بالله ما قالوا، فأنزل الله عز ~~وجل الآية. # وقال الكلبي: # " نزلت في جلاس بن سويد، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب ~~ذات يوم بتبوك، فذكر المنافقين، فسماهم رجسا وعابهم، فقال جلاس: لئن ~~كان محمد صادقا، لنحن شر من الحمير فلما انصرف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى المدينة أتاه عامر بن قيس، وأخبره بما قال جلاس، فقال ~~الجلاس: كذب يا رسول الله؛ فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يحلفا عند المنبر؛ فقام الجلاس عند المنبر بعد العصر فحلف بالله الذي لا ~~إله إلا هو ما قاله، ولقد كذب علي عامر، فقام عامر فحلف بالله الذي ~~لا إله إلا هو: لقد قاله، وما كذبت عليه، ثم رفع عامر يديه إلى ~~السماء فقال: اللهم انزل على نبيك تصديق الصادق منا. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون:آمين، فنزل جبريل عليه ~~السلام قبل أن يتفرقوا بهذه الآية، حتى بلغ { فإن يتوبوا يك ~~خيرا لهم } ، فقام الجلاس، فقال: يا رسول الله أسمع الله قد عرض ~~علي التوبة، صدق عامر بن قيس فيما قاله، لقد قلته وأنا أستغفر ~~الله، وأتوب إليه، فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك منه، ثم تاب ~~وحسنت توبته. " # وقيل: نزلت في عبد الله بن أبي لما قال # لئن رجعنآ إلى المدينة ليخرجن الأعز منها ~~الأذل # [المنافقون:8]. وأراد به الرسول - عليه الصلاة والسلام -، فسمع زيد ~~بن أرقم ms4463 ذلك وبلغه إلى الرسول - عليه الصلاة والسلام -، فهم عمر بقتل ~~عبد الله بن أبي، فجاء عبد الله وحلف أنه لم يقل فنزلت الآية. وقال ~~القاضي: الأولى أن تحمل هذه الآية على ما روي أن المنافقين هموا ~~بقتله عند رجوعه من تبوك، وهم خسمة عشر رجلا تعاهدوا أن يدفعوه عن ~~راحلته إلى الوادي بالليل، وكان عمار بن ياسر آخذا بخطام راحلته ~~وحذيفة خلفها يسوقها، فسمع حذيفة وقع أخفاف الإبل، وقعقة السلاح، فالتفت، ~~فإذا قوم متلثمون. فقال: إليكم يا أعداء الله، فهربوا والظاهر أنهم ~~لما اجتمعوا لذلك الغرض، فقد طعنوا في نبوته ونسبوه إلى الكذب في ~~ادعاء الرسالة، وذلك هو قولهم كلمة الكفر وهذا القول اختيار الزجاج. # فإن قيل: قوله: { وكفروا بعد إسلامهم } يدل على أنهم ~~أسلموا من قبل، وهم لم يكونوا مسلمين. # فالجواب: أن المراد من الإسلام السلم الذي هو ضد الحرب؛ لأنهم ~~لما نافقوا، فقد أظهروا الإسلام، وقوله: { وهموا بما لم ~~ينالوا } المراد إطباقهم على الفتك بالرسول عليه الصلاة والسلام ~~والله تعالى أخبر الرسول بذلك حتى احترز عنهم، ولم يصلوا إلى مقصودهم ~~وقال السدي: " هو قولهم إذا قدمنا المدينة؛ عقدنا على رأس عبد الله ~~بن أبي تاجا فلم يصلوا إليه ". # قوله: { وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله ~~من فضله }. # في الاستثناء وجهان: # أحدهما: أنه معفول به، أي: وما كرهوا وعابوا إلا إغناء الله ~~إياهم وهو من باب قولهم: ما لي عندك ذنب إلا أن أحسنت إليك، أي: إن ~~كان ثم ذنب فهو هذا، فهو تهكم بهم؛ كقوله: [الطويل] # 2815- ولا عيب فينا غير عرق لمعشر # كرام وأنا لا نخط على النمل # وقول الآخر: [المنسرح] # 2816- ما نقموا من بني أمية إل # لا أنهم يحلمون إن غضبوا # وأنهم سادة الملوك ولا # يصلح إلا عليهم العرب # والثاني: أنه مفعول من أجله، وعلى هذا فالمفعول به محذوف، تقديره: ~~وما نقموا منهم الإيمان إلا لأجل إغناء الله إياهم. وقد تقدم ~~الكلام على " نقم " [الأعراف:126]. # قيل: إن مولى الجلاس قتل، فأمر له رسول الله صلى الله ms4464 عليه وسلم بديته ~~اثني عشر ألفا فاستغنى. # وقال الكلبي: كانوا قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة في ~~ضنك من العيش فلما قدم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم استغنوا ~~بالغنائم. # قوله: { فإن يتوبوا } أي: من نفاقهم: { يك خيرا لهم ~~وإن يتولوا } أي: يعرضوا عن التوبة { يعذبهم الله ~~عذابا أليما في الدنيا } بالخزي، وفي " الآخرة " بالنار " ~~وما لهم " في الأرض { من ولي ولا نصير } أي: أن عذاب ~~الله إذا حق لم ينفعه ولي ولا نصير. # قوله تعالى: { ومنهم من عاهد الله } الآية. # " عاهد الله " فيه معنى القسم، فلذلك أجيب بقوله: " لنصدقن " ، وحذف ~~جواب الشرط لدلالة هذا الجواب عليه، و " اللام " للتوطئة، ولا يمتنع ~~الجمع بين القسم واللام الموطئة له. # وقال أبو البقاء: فيه وجهان: # أحدهما: تقديره: " عاهد، فقال: لئن آتانا ". # والثاني: أن يكون " عاهد " بمعنى: قال، فإن العهد قول. ولا حاجة إلى ~~هذا. # قوله: { لنصدقن ولنكونن } قرأهما الجمهور بالنون ~~الثقيلة. والأعمش بالخفيفة. # قال الزجاج الأصل: " لنتصدقن " ، ولكن التاء أدغمت في الصاد، ~~لقربها منها. # قال الليث: المتصدق: المعطي، والمتصدق: السائل. قال الأصمعي، ~~والفراء: هذا خطأ، فالمتصدق هو المعطي، قال تعالى: # وتصدق علينآ إن الله يجزي المتصدقين # [يوسف:88] واعلم أن هذه السورة نزل أكثرها في شرح أحوال المنافقين؛ ~~فلهذا ذكرهم على التفصيل فقال: # ومنهم الذين يؤذون النبي # [التوبة:62] # ومنهم من يلمزك في الصدقات # [التوبة:58] # ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني # [التوبة:49] { ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من ~~فضله } [التوبة:75]. # والمشهور في سبب نزول هذه الآية: ما روى أبو أمامة قال: جاء ثعلبة بن ~~حاطب الأنصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ~~ادع الله أن يرزقني مالا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه " # ثم أتاه بعد ذلك فقال: # " أما لك في رسول الله أسوة حسنة؟ والذي نفسي بيده لو أردت أن ~~تسير الجبال معي ذهبا وفضة لسارت " # ثم راجعه بعد ذلك، فقال: يا ms4465 رسول الله: ادع الله أن يرزقني مالا، ~~والذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالا لأعطين كل ذي حق حقه، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " اللهم ارزق ثعلبة مالا " # قال: فاتخذ غنما؛ فنمت كما ينمو الدود، حتى ضاقت بها المدينة ~~فتنحى عنها، ونزل واديا من أوديتها، وكان يصلي مع رسول الله الظهر ~~والعصر، ويصلي في غنمة سائر الصلوات، ثم كثرت ونمت، فتباعد حتى كان لا ~~يشهد جمعة ولا جماعة؛ فكان إذا كان يوم الجمعة خرج يتلقى الناس ~~يسألهم عن الأخبار، فذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: # " ما فعل ثعلبة؟ " # قالوا: يا رسول الله؛ اتخذ غنما ما يسعها واد، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " يا ويح ثعلبة " # فأنزل الله تعالى آية الصدقات؛ فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رجلا من بني سليم، ورجلا من جهينة، وكتب لهما أسنان الصدقة كيف ~~يأخذانها، وقال لهما: # " مرا بثعلبة بن حاطب، وبرجل من بني سليم، فخذا صدقاتهما " # فخرجا حتى أتيا ثعلبة؛ فسألاه الصدقة، وأقرآه كتاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقال: هذه إلا الجزية، ما هذه إلا أخت الجزية، انطلقا حتى ~~تفرغا ثم عودا إلي، فانطلقا وسمع بهما السلمي، فنظر إلى خيار أسنان ~~إبله فعزلها للصدقة، ثم استقبلهما بها، فلما رأياها قالا: ما هذه ~~عليك؛ قال خذاه فإن نفسي بذلك طيبة، فمرا على الناس، وأخذا الصدقات ~~ثم رجعا إلى ثعلبة، فقال: أروني كتابكما؛ فقرأه ثم قال: ما هذه إلا جزية، ~~ما هذه إلا أخت الجزية، اذهبا حتى أرى رأيي، قال فأقبلا، فلما رآهما ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قبل أن يكلماه: يا ويح ثعلبة، ثم ~~دعا للسلمي بخير؛ فأخبراه بالذي صنع ثعلبة؛ فأنزل الله - عز وجل - ~~{ ومنهم من عاهد الله } الآية على قوله: { وبما ~~كانوا يكذبون } [التوبة:77] وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رجل من أقارب ثعلبة؛ فسمع ذلك، فخرج حتى أتاه فقال: ويحك يا ~~ثعلبة، قد أنزل الله عز وجل فيك كذا ms4466 وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فسأله أن يقبل صدقته، فقال: # " إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك " # ؛ فجعل يحثو التراب على رأسه، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " قد أمرتك فلم تطعني " # ؛ فرجع إلى منزله، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتى أبا بكر ~~بصدقته؛ فلم يقبلها اقتداء بالرسول - عليه الصلاة والسلام - فقبض أبو ~~بكر، ثم لم يقبلها عمر اقتداء بأبي بكر، ثم لم يقبلها عثمان، وهلك ~~ثعلبة في خلافة عثمان. # وقال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة: أتى ثعلبة مشهدا من ~~الأنصار؛ فأشهدهم لئن آتاني الله من فضله آتيت كل ذي حق حقه، ~~وتصدقت منه، ووصلت منه القرابة، فمات ابن عم له، فورث منه مالا، فلم ~~يف بما قال؛ فأنزل الله هذه الآية. # وقال الحسن ومجاهد: نزلت في ثعلبة بن حاطب، ومعتب بن قشير، وهما من ~~بني عمرو بن عوف قد جاءا على ملأ قعودا وقالا: والله لئن رزقنا الله ~~لنصدقن، فلما رزقهما بخلا به. والمشهور الأول. # فإن قيل: إن الله أمره بإخراج الصدقة؛ فكيف يجوز للرسول أن لا ~~يقبلها منه؟. # فالجواب: لا يبعد أن يقال: إن الله تعالى منع الرسول - عليه الصلاة ~~والسلام - من قبول الصدقة منه إهانة له ليعتبر غيره؛ فلا يمتنع عن أداء ~~الصدقات، أو أنه أتى بتلك الصدقة على وجه الرياء، لا على وجه الإخلاص، ~~وأعلم الله الرسول بذلك؛ فلذلك لم يقبل تلك الصدقة، ويحتمل أيضا أن الله ~~تعالى لما قال: # خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها # [التوبة:103] كان هذا غير حاصل في ثعلبة مع نفاقه؛ فلهذا امتنع ~~الرسول - عليه الصلاة والسلام - من أخذ تلك الصدقة. # فإن قيل: المنافق كافر، والكافر لا يمكنه أن يعاهد الله. # فالجواب: أن المنافق قد يكون عارفا بالله، إلا أنه كان منكرا ~~لنبوة محمد عليه الصلاة والسلام؛ فلكونه عارفا بالله يمكنه أن يعاهد ~~الله، ولكونه منكرا لنبوة محمد - عليه الصلاة والسلام -، كان كافرا. # وكيف لا أقول ذلك وأكثر العالم مقرون بوجود ms4467 الصانع؟ أو لعله حين عاهد ~~الله كان مسلما، ثم لما بخل بالمال، ولم يف بالعهد صار منافقا، ولفظ ~~الآية يدل على ذلك لقوله: { فأعقبهم نفاقا } [التوبة:78]. # فإن قيل: هل من شرط المعاهدة أن يتلفظ بها باللسان، أو يكفي النية؟. # فالجواب: قال بعضهم: تكفي النية، وأن قوله: { ومنهم من عاهد ~~الله } [التوبة:75] كان شيئا نووه في أنفسهم لقوله: { ألم ~~يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم } ~~[التوبة:78]. وقال المحققون: هذه المعاهدة مقيدة بالتلفظ باللسان، ~~لقوله عليه الصلاة والسلام: # " إن الله عفا لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو ~~تعمل " # وأيضا فقول { لئن آتانا من فضله لنصدقن } يشعر ~~ظاهره بالقول باللسان. # فإن قيل: المراد من الصدقة إخراج المال، وهو على قسمين واجب وغير واجب ~~والواجب قسمان: # قسم واجب بأصل الشرع كالزكاة، والنفقات الواجبة. # وقسم لم يجب إلا إذا التزمه العبد كالنذور. # فقوله: " لنصدقن " هل يتناول الأقسام الثلاثة، أو لا؟ # فالجواب: أن الصدقات التي ليست واجبة، غير داخلة في الآية، ~~لقوله: " بخلوا به " والبخل في عرف الشرع عبارة عن منع الواجب؛ ~~ولأنه تعالى ذمهم بهذا الترك، وتارك المندوب لا يذم. # بقي القسمان الواجبان؛ فالواجب بأصل الشرع داخل في الآية، لا محالة بقي ~~الواجب بالنذر، والظاهر أن اللفظ لا يدل عليه؛ لأنه ليس في الآية ~~إلا قوله { لئن آتانا من فضله لنصدقن } وهذا ليس ~~فيه إشعار بالنذر، لأن الرجل قد يعاهد ربه في أن يقوم بما يلزمه ~~من الزكوات والنفقات الواجبة إن وسع الله عليه. # فإن قيل: لفظ الآية يدل على أن الذي لزمهم إنما بسبب هذا ~~الالتزام، والزكاة لا تلزم بسبب هذا الالتزام، وإنما تلزم بملك النصاب ~~وحلول الحول. # فالجواب: قوله: " لنصدقن " لا يوجب أن يفعلوا ذلك على الفور؛ ~~لأنه إخبار عن إيقاع هذا الفعل في المستقبل، وهذا النذر لا يوجب ~~الفور؛ فكأنهم قالوا: لنصدقن في وقته كما قالوا: { ولنكونن من ~~الصالحين } أي: في أوقات لزوم الصلاة؛ فثبت بما قررنا أن ~~الداخل تحت هذا العهد، إخراج الأموال الواجبة بأصل الشرع، ويؤكد ms4468 هذا ~~ما روي في سبب النزول أن الآية إنما نزلت في حق من امتنع من أداة ~~الزكاة. # فصل # المراد من " الفضل " ههنا: إيتاء المال بأي طريق كان، إما بتجارة، ~~أو غنيمة أو غير ذلك. # والمراد ب " الصالحين ": الصالح ضد المفسد، والمفسد عبارة عمن ~~بخل بما يلزمه في التكليف، فالصالح: من يعمل بعمل أهل الصلاح من ~~صلة الرحم والنفقة في الخير، ونحو ذلك. # ثم قال تعالى: { فلمآ آتاهم من فضله بخلوا به ~~وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في ~~قلوبهم إلى يوم يلقونه }. # قال الليث: يقال: أعقب فلانا ندامة، إذا صيرت عاقبة أمره ذلك، قال ~~الهذلي: [الكامل] # 2817- أودى بني وأعقبوني حسرة # بعد الرقاد وعبرة لا تقلع # ويقال: أكل فلان أكلة فأعقبته سقما، وأعقبه الله خيرا، والمعنى: ~~أخلفهم في قلوبهم أي: صير عاقبة أمورهم النفاق، عاقبهم بنفاق في قلوبهم، ~~يقال: عاقبته وأعقبته بمعنى. # فصل # " فأعقبهم " فعل، ولا بد من إسناده إلى شيء تقدم ذكره، والذي تقدم ~~ذكره هو الله تعالى، والمعاهدة والتصدق والصلاح والبخل والتولي والإعراض، ~~ولا يجوز إسناد إعقاب النفاق إلى المعاهدة أو التصدق أو الصلاح، لأن ~~هذه الثلاثة أعمال الخير؛ فلا يجوز جعلها مؤثرة في حصول النفاق في القلب؛ ~~لأن النفاق عبارة عن الكفر، وهو جهل وترك بعض الواجب لا يكون ~~مؤثرا في حصول الجهل في القلب؛ لأن ترك الواجب عدم، والجهل وجود، ~~والعدم لا يكون مؤثرا في الوجود؛ لأن البخل والتولي والإعراض، قد ~~يوجد في كثير من الفساق، مع أنه لا يحصل معه النفاق؛ ولأن هذا ~~الترك لو أوجب حصول الكفر في القلب لأوجبه، سواء كان هذا الترك جائزا ~~شرعا أو محرما شرعا؛ لأن سبب اختلاف الأحكام الشرعية لا يخرج المؤثر ~~عن كونه مؤثرا؛ ولأنه تعالى قال: { بمآ أخلفوا الله ما ~~وعدوه وبما كانوا يكذبون } [التوبة:77] فلو كان فعل ~~الإعقاب مسندا إلى البخل، والتولي، والإعراض لصار تقدير الآية: فأعقبهم ~~ببخلهم وتوليهم وإعراضهم نفاقا في قلوبهم بما أخلفوا الله ما وعدوه ~~وبما كانوا يكذبون، وذلك لا يجوز؛ لأنه فرق بين التولي ms4469 وحصول النفاق ~~في القلب بسبب التولي، ومعلوم أنه كلام باطل؛ فثبت بهذه الوجوه أنه ~~لا يجوز إسناد الإعقاب إلى شيء من الأشياء المتقدم ذكرها إلا إلى الله ~~تعالى؛ فوجب إسناده إليه؛ فصار المعنى: أن الله تعالى هو الذي يعقب ~~النفاق في قلوبهم، وذلك يدل على أن خالق الكفر في القلوب هو الله ~~تعالى، وهذا هو الذي قاله الزجاج، إن معناه: أنهم لما ضلوا في ~~الماضي فهو تعالى أضلهم عن الدين في المستقبل، ويؤكد ذلك قوله ~~تعالى: { فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم ~~يلقونه } فالضمير في قوله: " يلقونه " عائد إلى الله تعالى ~~فكان الأولى أن يكون قوله: " فأعقبهم " مسندا إلى الله تعالى. # قال القاضي " المراد من قوله: { فأعقبهم نفاقا في ~~قلوبهم } أي: فأعقبهم العقوبة على النفاق وتلك العقوبة هي: حدوث ~~الغم في قلوبهم وضيق الصدر وما ينالهم من الذل والذنب ويدوم بهم ذلك ~~إلى الآخرة ". # وهذا بعيد؛ لأنه عدول عن الظاهر من غير دليل فإن ذكروا دليلا ~~عقليا، قوبلوا بدليل عقلي. والله أعلم. # فصل # ظاهر الآية يدل على أن نقض العهد، وخلف الوعد، يورث النفاق، ~~فيجب على المسلم الاحتراز عن ذلك، ويجتهد في الوفاء. ومذهب الحسن ~~البصري: أنه يوجب النفاق لا محالة لهذه الآية، ولقوله عليه الصلاة ~~والسلام: # " ثلاث من كن فيه كان منافقا وإن صلى وصام وزعم أنه مؤمن، ~~إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان ". # ونقل أن واصل بن عطاء قال: أتى الحسن رجل فقال له: إن أولاد يعقوب ~~حدثوه في قولهم # فأكله الذئب # [يوسف:17] فكذبوه، ووعدوه في قولهم: # وإنا له لحافظون # [يوسف:12] فأخلفوه، وائتمنهم أبوهم على يوسف فخانوه، فهل نحكم بكونهم ~~منافقين؟ قيل: فتوقف الحسن في مذهبه. # وفسر عمرو بن عبيد الحديث فقال " إذا حدث عن الله كذب عليه، وعلى ~~دينه، وعلى رسوله وإذا وعد أخلف كما ذكر الله فيمن عاهد الله، وإذا ائتمن ~~على دين الله خان في السر فكان قلبه على خلاف لسانه ". # قوله: { إلى يوم يلقونه } قال الجبائي " تمسكوا في ~~إثبات رؤية الله ms4470 بقوله تعالى: # تحيتهم يوم يلقونه سلام # [الأحزاب:44] قال: واللقاء ليس عبارة عن الرؤية، بدليل قوله في صفة ~~المنافقين { إلى يوم يلقونه } وأجمعوا على أن الكفار لا ~~يرونه؛ فدل على أن اللقاء ليس عبارة عن الرؤية. # ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام # " من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها حق امرئ مسلم لقي الله وهو ~~عليه غضبان " # وأجمعوا على أن المراد من اللقاء ههنا: لقاء ما عند الله من العقاب ~~فكذا ههنا ". # قال ابن الخطيب " وهذا دليل ضعيف؛ لأنا إذا تركنا حمل لفظ اللقاء ~~على الرؤية في هذه الآية، وفي الخبر لدليل منفصل؛ فلا يلزمنا ذلك في ~~سائر الصور، كما إذا أدخلنا التخصيص في بعض العمومات لدليل منفصل؛ ~~فلا يلزمنا أن نخصص جميع العمومات من غير دليل فكما لا يلزمنا هذا لا ~~يلزمنا ذلك ". # قوله: { بمآ أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا ~~يكذبون } أي: أن الله أعقبهم ذلك النفاق في قلوبهم لأجل إخلافهم ~~الوعد، وعلى كذبهم. وقرأ الجمهور " يكذبون " مخففا، وأبو رجاء ~~مثقلا. # قوله تعالى: { ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ~~ونجواهم } الآية. # قرأ الجمهور " يعلموا " بالياء من تحت. وقرأ علي بن أبي طالب، ~~والحسن، والسلمي بالخطاب، التفاتا للمؤمنين دون المنافقين والسر: ما ~~ينطوي عليه صدورهم والنجوى: ما يفاوض فيه بعضهم بعضا فيما بينهم، ~~مأخوذ من " النجو " وهو الكلام الخفي كأن المتناجيين منعا إدخال ~~غيرهما معهما، ونظيره قوله تعالى: # وقربناه نجيا # [مريم:52] وقوله تعالى: # فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا # [يوسف:80] وقوله: # فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول ~~وتناجوا بالبر والتقوى # [المجادلة:9]، والمعنى: أن الله تعالى يعلم سرهم ونجواهم فكيف ~~يتجرءون على النفاق الذي الأصل فيه الاستسرار والتناجي فيما بينهم، ~~مع علمهم بأنه تعالى يعلم ذلك من حالهم، كما يعلم الظاهر، وأنه ~~يعاقب عليه كما يعاقب على الظاهر. # قال: { وأن الله علام الغيوب } والعلام: مبالغة في ~~العالم، والغيب: ما كان غائبا عن الخلق. # قوله تعالى: { الذين يلمزون المطوعين من ~~المؤمنين في الصدقات } الآية. # في " الذين يلمزون " أوجه: # أحدها: أنه مرفوع على إضمار مبتدأ، ms4471 أي: هم الذين. # الثاني: أنه في محل رفع بالابتداء، و " من المؤمنين " حال من " ~~المطوعين ". # و " في الصدقات " متعلق ب " يلمزون " ، و " الذين لا ~~يجدون " نسق " المطوعين " أي: يعيبون المياسير، والفقراء. ~~وقال مكي: " والذين " خفض، عطفا على " المؤمنين " ولا يحسن ~~عطفه على " المطوعين "؛ لأنه لم يتم اسما يعد؛ لأن " ~~فيسخرون " عطف على " يلمزون " هكذا ذكره النحاس في الإعراب ~~له، وهو عندي وهم منه. # قال شهاب الدين: " والأمر فيه كما ذكر، فإن " المطوعين " قد ~~تم من غير احتياج لغيره ". # وقوله: " فيسخرون " نسق على الصلة، وخبر المبتدأ: الجملة من ~~قوله " سخر الله منهم " هذا أظهر إعراب قيل هنا. # وقيل: " والذين لا يجدون " نسق على " الذين يلمزون " ، ~~ذكره أبو البقاء وهذا لا يجوز؛ لأنه يلزم الإخبار عنهم بقوله: { ~~سخر الله منهم } ، وهذا لا يكون، إلا بأن كان " الذين ~~لا يجدون " منافقين، وأما إذا كانوا مؤمنين، كيف يسخر الله ~~منهم؟. وقيل: " والذين لا يجدون " نسق على " المؤمنين " ، ~~قاله أبو البقاء. # قال أبو حيان: " وهو بعيد جدا ". ووجه بعده: أنه يفهم أن " ~~الذين لا يجدون " ليسوا مؤمنين؛ لأن أصل العطف الدلالة على ~~المغايرة، فكأنه قيل: يلمزون المطوعين من هذين الصنفين: ~~المؤمنين، والذين لا يجدون؛ فيكون " الذين لا يجدون " مطوعين ~~غير مؤمنين. # وقال أبو البقاء: " في الصدقات " متعلق ب " يلمزون " ، ولا ~~يتعلق ب " المطوعين " لئلا يفصل بينهما بأجنبي. وهذا فيه نظر؛ ~~إذ قوله " من المؤمنين " حال، والحال ليست بأجنبي، وإنما يظهر في ~~رد ذلك أن " يطوع " إنما يتعدى بالياء، لا ب " في " وكون " في ~~" بمعنى " الباء " خلاف الأصل. # وقيل: " فيسخرون " خبر المبتدأ ودخلت الفاء، لما تضمنه ~~المبتدأ من معنى الشرط، وفي هذا الوجه بعد من حيث إنه يقرب من كون ~~الخبر في معنى المبتدأ فإن من عاب إنسانا وغمزه علم أنه يسخر منه ~~فيكون كقولهم: " سيد الجارية مالكها ". # الثالث: أن يكون محله نصبا على الاشتغال، بإضمار فعل يفسره " ~~سخر الله منهم " من طريق المعنى، نحو: عاب الذين يلمزون، سخر الله ~~منهم. # الرابع: أن ينصب على الشتم. ms4472 # الخامس: أن يكون مجرورا بدلا من الضمير في " سرهم ونجواهم ". # وقرئ " يلمزون " بضم الميم، وقد تقدم أنها لغة، وقرأ الجمهور " ~~جهدهم " بضم الجيم. # وقرأ ابن هرمز وجماعة " جهدهم " بالفتح. فقيل: لغتان بمعنى واحد. ~~وقيل المفتوح المشقة والمضموم: الطاقة، قاله القتيبي، وقيل: ~~المضموم شيء قيل يعاش به والمفتوح: العمل. # وقوله: { سخر الله منهم } يحتمل أن يكون خبرا محضا، وأن ~~يكون دعاء. # فصل # اعلم أن هذا نوع آخر من أعمالهم القبيحة، وهو لمزهم من يأتي ~~بالصدقات. # قال المفسرون: حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصدقة؛ ~~فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم، فقال: يا رسول الله، مالي ~~ثمانية آلاف درهم، جئتك بأربعة آلاف فاجعلها في سبيل الله، وأمسكت أربعة ~~آلاف لعيالي. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " بارك الله لك فيما أعطيت، وفيما أمسكت " # فبارك الله في مال عبد الرحمن، حتى إنه خلف امرأتين يوم أن مات؛ ~~فبلغ ثمن ماله لهما مائة وستون ألفا وتصدق يومئذ عاصم بن عدي العجلاني ~~بمائة وسق من تمر. # وجاء أبو عقيل الأنصاري واسمه الحبحاب، بصاع من تمر، وقال: يا رسول ~~الله بت ليلتي أجر بالجرير حتى نلت صاعين من تمر؛ فأمسكت أحدهما ~~لعيالي، وجئت بالآخر؛ فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينثره على ~~الصدقات؛ فلمزهم المنافقون، وقالوا: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلا ~~رياء، وإن كان الله ورسوله لغنيين عن صاع أبي عقيل ولكنه أحب أن يزكي ~~نفسه ليعطى من الصدقات؛ فأنزل الله تعالى: " الذين يلمزون " أي: ~~يعيبون المطوعين المتبرعين من المؤمنين في الصدقات، يعني: عبد الرحمن بن ~~عوف وعاصما، { والذين لا يجدون إلا جهدهم } أي: ~~طاقتهم. # والجهد: شيء قليل يعيش به المقل، والجهد بالفتح، والجهد بالضم ~~بمعنى واحد يعني: أبا عقيل: " فيسخرون منهم " يستهزئون منهم، { ~~سخر الله منهم } أي: جازاهم على السخرية، وقال الأصم: ~~المراد أنه تعالى قبل من هؤلاء المنافقين ما أظهروه من أعمال البر مع ~~أنه لا يثيبهم عليها؛ فكان ذلك كالسخرية، { ولهم عذاب أليم ~~}. # قوله تعالى: ms4473 { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم } ~~الآية. # قال ابن عباس: إن عند نزول الآية في المنافقين، قالوا: يا رسول ~~الله، استغفر لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " سأستغفر لكم " # ؛ فنزل قوله تعالى: { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ~~} [التوبة:80] لفظه أمر، ومعناه خبر، تقديره: استغفرت لهم، أو لم تستغفر ~~لهم لن يغفر الله لهم. # قال الضحاك: # " لما نزلت هذه الآية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله ~~قد رخص لي فلأزيدن على السبعين لعل الله أن يغفر لهم " # فأنزل الله عز وجل # سوآء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر ~~لهم لن يغفر الله لهم # [المنافقون:6] { ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله ~~والله لا يهدي القوم الفاسقين }. # قوله: " سبعين مرة " منصوب على المصدر، كقولك: ضربته عشرين ضربة؛ ~~فهو لعدد مراته وقوله: { استغفر لهم أو لا تستغفر ~~لهم } قد تقدم الكلام على هذا عند قوله: # قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم # [التوبة:53]؛ وأنه نظير قوله: [الطويل] # 2818- أسيئي بنا أو أحسني لا مسيئة # لدينا ولا مقلية إن تقلت ### || [9.81-85] # قوله تعالى: { فرح المخلفون بمقعدهم } الآية. # " بمقعدهم " متعلق ب " فرح " ، وهو يصلح لمصدر " قعد " ، ~~وزمانه ومكانه. # قال الجوهري " قعد قعودا ومقعدا " ، جلس، وأقعده غيره " ~~والمخلف: المتروك، أي: خلفهم الله وثبطهم، أو خلفهم رسول الله - عليه ~~الصلاة والسلام - والمؤمنون، لما علموا تثاقلهم عن الجهاد والمراد ب ~~" المقعد " ههنا المصدر، أي؛ بقعودهم وإقامتهم بالمدينة. وقال ابن ~~عباس: يريد: المدينة؛ فعلى هذا هو اسم مكان. # فإن قيل: إنهم احتالوا حتى تخلفوا عن رسول الله؛ فكان الأولى أن ~~يقال: فرح المتخلفون فالجواب من وجوه: # أحدها: أن الرسول عليه الصلاة والسلام منع أقواما من الخروج معه ~~لعلمه أنهم يفسدون ويشوشون، وكان هذا في غزوة تبوك؛ فهؤلاء كانوا ~~مخلفين لا متخلفين. # وثانيها: أن أولئك المتخلفين صاروا مخلفين في قوله بعد هذه الآية: { ~~فإن رجعك الله إلى طآئفة منهم فاستأذنوك ~~للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا ~~معي عدوا } [التوبة:83]، فلما منعهم الله من الخروج ms4474 صاروا ~~مخلفين. # وثالثها: أن من يتخلف عن الرسول صلى الله عليه وسلم بعد خروجه إلى ~~الجهاد، يوصف بأنه مخلف من حيث إنه لم ينهض، وبقي وأقام. # قوله: { خلاف رسول الله } فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه منصوب على المصدر بفعل مقدر مدلول عليه بقوله " ~~مقعدهم "؛ لأنه في معنى تخلفوا، أي: تخلفوا خلاف رسول الله. # الثاني: أن " خلاف " مفعول من أجله، والعامل فيه إما " فرح " ، ~~وإما " مقعد " أي: فرحوا؛ لأجل مخالفتهم رسول الله، حيث مضى هو ~~للجهاد، وتخلفوا هم عنه، أو بقعودهم لمخالفتهم له، وإليه ذهب الطبري، ~~والزجاج، ومؤرج، وقطرب، ويؤيد ذلك قراءة من قرأ " خلف " بضم ~~الخاء وسكون اللام. # والثالث: أن ينتصب على الظرف، أي: بعد رسول الله، يقال: أقام زيد خلاف ~~القوم، أي: تخلف بعد ذهابهم. # قال الأخفش وأبو عبيدة: إن " خلاف " بمعنى: " خلف " ، وأن يونس ~~رواه عن عيسى بن عمر ومعناه: بعد رسول الله. ويؤيده قراءة ابن عباس، ~~وأبو حيوة، وعمرو بن ميمون " خلف " بفتح الخاء وسكون اللام. # وعلى هذا القول، الخلاف: اسم للجهة المعينة كالخلف، وذلك أن ~~المتوجه إلى قدامه فجهة خلفه مخالفة لجهة قدامه في كونها جهة ~~متوجها إليها، و " خلاف " بمعنى " خلف " مستعمل، وأنشد أبو عبيدة ~~للأحوص: [الكامل] # 2819- عقب الربيع خلافهم فكأنما # بسط الشواطب بينهن حصيرا # وقول الآخر: [الطويل] # 2820- فقل للذي يبقى خلاف الذي مضى # تأهب لأخرى مثلها فكأن قد # قوله تعالى: { وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم في سبيل الله } أي: إنهم فرحوا بسبب التخلف، ~~وكرهوا الذهاب إلى الغزو. # واعلم أن الفرح بالإقامة يدل على كراهية الذهاب، إلا أنه أعاده ~~للتأكيد، أو لعل أن المراد أن طبعه مال إلى الإقامة؛ لأجل إلفه ~~البلدة، واستئنائه بأهله وولده، وكره الخروج إلى الغزو؛ لأنه تعريض ~~للمال والنفس للقتل، وأيضا منعهم عن الخروج شدة الحر في وقت خروج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو المراد من قوله: { لا تنفروا ~~في الحر } ، فأجاب الله عن هذا الأخير بقوله: { قل نار ~~جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون } أي: يعلمون، وكذلك ~~في ms4475 مصحف عبد الله بن مسعود، أي: بعد هذه الدار، دار أخرى، وبعد هذه ~~الحياة حياة أخرى، وأيضا هذه مشقة منقضية، وتلك مشقة باقية. # وأنشد الزمخشري لبعضهم: [الطويل] # 2821- مسرة أحقاب تلقيت بعدها # مساءة يوم أريها شبه الصاب # فكيف بأن تلقى مسرة ساعة # وراء تقضيها مساءة أحقاب # قوله تعالى: { فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا } الآية. # " قليلا " ، و " كثيرا " فيهما وجهان: # أظهرهما: أنهما منصوبان على المصدر، أي: ضحكا قليلا وبكاء كثيرا؛ ~~فحذف الموصوف، وهو أحد المواضع المطرد فيها حذف الموصوف وإقامة ~~الصفة مقامه. # والثاني: أنهما منصوبان على ظرفي الزمان، أي: زمانا قليلا، وزمانا ~~كثيرا والأول أولى؛ لأن الفعل يدل على المصدر بشيئين: بلفظه ومعناه، ~~بخلاف ظرف الزمان فإنه لا يدل عليه بلفظه، بل بهيئته الخاصة. # وهذا وإن ورد بصيغة الأمر إلا أن معناه الإخبار بأنه ستحصل هذه ~~الحالة، لقوله تعالى بعده { جزآء بما كانوا يكسبون }. # قوله: " جزاء " فيه وجهان: # الأول: قال الزجاج: إنه مفعول لأجله، أي: سبب الأمر بقلة ~~الضحك، وكثرة البكاء جزاؤهم بعملهم. و " بما " متعلق ب " جزاء " ، ~~لتعديته به ويجوز أن يتعلق بمحذوف؛ لأنه صفته. # والثاني: أن ينتصب على المصدر بفعل مقدر، أي: يجزون جزاء. { ~~جزآء بما كانوا يكسبون } في الدنيا من النفاق. # قوله تعالى: { فإن رجعك الله } الآية. # " رجع " يتعدى كهذه الآية الكريمة، ومصدره: " الرجع " ، كقوله # والسمآء ذات الرجع # [الطارق:11]. ولا يتعدى، نحو: { وإلينا ترجعون } ~~[الأنبياء:35] في قراءة من بناه للفاعل. والمصدر: الرجوع، ~~كالدخول. # والمعنى: فإن ردك الله من غزوة تبوك إلى المدينة، ومعنى " الرجع " ~~مصير الشيء إلى المكان الذي كان فيه، يقال: رجعته رجعا، كقولك: رددته ~~ردا. # وقوله: { إلى طآئفة منهم } إنما خصص؛ لأن جميع من ~~أقام بالمدينة ما كانوا منافقين، بل كان بعضهم مخلصين معذورين، { ~~فاستأذنوك للخروج } معك في غزوة أخرى { فقل لن ~~تخرجوا معي أبدا } في سفر، { ولن تقاتلوا معي ~~عدوا } وهذا يجري مجرى الذم واللعن لهم، ومجرى إظهار نفاقهم ~~وفضائحهم؛ لأن ترغيب المسلمين في الجهاد أمر معلوم بالضرورة من دين ~~محمد عليه الصلاة والسلام، ولما منعوا هؤلاء ms4476 من الخروج إلى الغزو ~~بعد ذلك الاستئذان، كان ذلك تصريحا بكونهم خارجين عن الإسلام، ونظيره ~~قوله تعالى # سيقول المخلفون إذا انطلقتم # [الفتح:15] إلى قوله # قل لن تتبعونا # [الفتح:15]، ثم إنه تعالى علل ذلك المنع بقوله { إنكم ~~رضيتم } أي: لأنكم رضيتم { بالقعود أول مرة } في غزوة ~~تبوك. # قال أبو البقاء: " أول مرة " ظرف. قال أبو حيان " يعني ظرف ~~زمان وهو بعيد ". # قال شهاب الدين " لأن الظاهر أنها منصوبة على المصدر. وفي ~~التفسير: أول خرجة خرجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمعنى: أول ~~مرة من الخروج ". # قال الزمخشري " فإن قلت: " مرة " نكرة، وضعت موضع المرات، ~~للتفضيل، فلم ذكر اسم التفضيل المضاف إليها، وهو دال على واحدة ~~من المرات؟ قلت: أكثر اللغتين: أن يقال هند أكبر النساء، وهي ~~أكبرهن، ثم إن قولك: هي كبرى امرأة، لا يكاد يعثر عليه، ولكن هي ~~أكبر امرأة، وأول مرة وآخر مرة ". # والمعنى: أن الحاجة في المرة الأولى إلى موافقتكم كانت أشد، وبعد ~~ذلك زالت تلك الحاجة فلما تخلفتم عند مسيس الحاجة إلى حضوركم؛ ~~فبعد ذلك لا نقبلكم، ولا نلتفت إليكم. # قوله: " مع الخالفين " هذا الظرف يجوز أن يكون متعلقا ب " ~~اقعدوا " ، ويجوز أن يتعلق بمحذوف؛ لأنه حال من فاعل " ~~اقعدوا ". والخالف: المتخلف بعد القوم. # قال الأخفش، وأبو عبيده: " الخالفون " جمع، واحدهم " خالف " ، وهو ~~من يخلف الرجل في قومه. والمعنى: مع الخالفين من الرجال الذين يخلفون ~~في البيت، فلا يبرحون. # وقال الفراء: المراد: ب " الخالفين " ، يقال: عبد خالف، إذا كان ~~مخالفا. وقال الأخفش: فلان خالفة أهل بيته إذا كان مخالفا لهم، وقال ~~الليث: يقال هذا رجل خالفة، أي: مخالف كثير الخلاف، فإذا جمع قلت: ~~الخالفون. وقال الأصمعي: الخالف: هو الفاسد، يقال: خلف فلان عن كل ~~خير يخلف خلوفا، إذا فسد ومنه " خلوف فم الصائم " ، والمراد بهم: ~~النساء والصبيان والرجال العاجزون؛ فلذلك جاز جمعه للتغليب. ~~وقال قتادة: الخالفون: النساء " وهو مردود، لأجل الجمع. وقرأ ~~عكرمة، ومالك بن دينار " مع الخلفين " مقصورا من " ~~الخالفين "؛ كقوله: [الرجز] # 2822- مثل النقا لبده ms4477 ضرب الظلل # وقوله: [الرجز] # 2823-...................... عردا # .......................... بردا # يريد: " الظلال " و " عردا ": باردا. # قوله تعالى: { ولا تصل على أحد منهم } الآية. # " منهم " صفة ل " أحد " ، وكذلك الجملة من قوله: " مات " ، في ~~موضع جر أيضا كأنه قيل: على أحد منهم ميت، ويجوز أن يكون " منهم " ~~حالا من الضمير في " مات " أي: مات حال كونه منهم، أي: متصفا ~~بصفة النفاق، كقولهم: أنت مني، يعني: على طريقتي و " أبدا " ظرف ~~منصوب بالنهي، وهذا الظرف متعلق ب " أحد " ، والتقدير: ولا تصل ~~أبدا على أحد منهم. # فصل # اعلم أنه تعالى أمر رسوله أن يهينهم، ويذلهم، بمنعهم من الخروج ~~معه إلى الغزوات ثم منعه في هذه الآية من أن يصلي على من مات منهم. ~~روى ابن عباس: أنه لما أشتكى عبد الله بن أبي ابن سلول، عاده ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطلب منه أن يصلي عليه إذا مات، ويقوم على ~~قبره، ثم إنه أرسل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وطلب منه قميصه، ~~ليكفن فيه؛ فأرسل إليه القميص الفوقاني، فرده، وطلب الذي يلي جلده ~~ليكفن فيه، فقال عمر: لم تعطي قميصك للرجس النجس؟ فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " إن قميصي لا يغني عنه من الله شيئا، ولعل الله أن ~~يدخل به ألفا في الإسلام " # وكان المنافقون لا يفارقون عبد الله؛ فلما رأوه يطلب القميص، ويرجو ~~أن ينفعه، أسلم منهم يومئذ ألف. # فلما مات جاء ابنه يعرفه، فقال عليه الصلاة والسلام لابنه: # " صل عليه وادفنه " # ، فقال: إن لم تصل عليه يا رسول الله لم يصل عليه مسلم، فقام صلى ~~الله عليه وسلم، ليصلي عليه؛ فجاء عمر فقام بين رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وبين القبلة؛ لئلا يصلي عليه، فنزلت الآية وأخذ عمر بثوبه ~~وقال: { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا } ، وهذا ~~يدل على منقبة عظيمة من مناقب عمر؛ وذلك لأن الوحي نزل على وفق ~~قوله في آيات كثيرة منها: آية أخذ الفداء عن أسارى بدر كما سبق، ومنها: " ~~آية تحريم الخمر " [المائدة:90]، ومنها: ms4478 " آية تحويل القبلة " ~~[البقرة:142]، ومنها: آية أمر النساء بالحجاب، وهذه الآية؛ فصار نزول ~~الوحي على مطابقة قول عمر منصبا عاليا، ودرجة رفيعة في الدين، ولهذا ~~قال صلى الله عليه وسلم: # " لو لم أبعث لبعثت يا عمر نبيا ". # قال القرطبي: إن قال قائل، كيف قال له عمر: أتصلي عليه، وقد نهاك ~~الله أن تصلي عليه ولم يكن تقدم نهي عن الصلاة عليهم؟ قيل له: ~~يحتمل أن يكون ذلك وقع له في خاطره، ويكون من قبيل الإلهام والتحدث الذي ~~شهد له به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان القرآن ينزل على وفق ~~مراده، كما قال: وافقت ربي في ثلاث، وجاء: في أربع؛ فيكون هذا من ذاك. ~~ويحتمل أن يكون فهم ذلك من قوله: # استغفر لهم أو لا تستغفر لهم # [التوبة:80] الآية، ويحتمل أن يكون فهم ذلك من قوله: # ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا ~~للمشركين # [التوبة:113] فإن قيل: كيف يجوز أن يرغب الرسول - عليه الصلاة والسلام ~~- في الصلاة عليه بعد علمه بأنه كافر وقد مات على كفره، وأن صلاة ~~الرسول - عليه الصلاة والسلام - تجري مجرى الإجلال والتعظيم وأيضا ~~فالصلاة عليه تتضمن الدعاء له، وذلك محظور؛ لأنه تعالى أعلمه ~~أنه لا يغفر للكافر ألبتة، وأيضا دفع القميص إليه يوجب إعزازه؟. # فالجواب: لعل السبب فيه، أنه لما طلب من الرسول - عليه الصلاة ~~والسلام - القميص الذي يمس جلده، ليدفن فيه، غلب على ظن الرسول - عليه ~~الصلاة والسلام - أنه آمن؛ لأن ذلك الوقت وقت توبة الفاجر، وإيمان ~~الكافر، فلما رأى منه إظهار الإسلام، وشاهد منه هذه الأمارة التي دلت ~~على إسلامه، غلب على ظنه إسلامه؛ فبنى على هذا الظن، ورغب في الصلاة ~~عليه، فلما نزل جبريل عليه السلام وأخبره بأنه مات على كفره ونفاقه؛ ~~امتنع من الصلاة عليه وأما دفع القميص إليه، فقيل: إن العباس عم الرسول ~~- عليه الصلاة والسلام - لما أسر ببدر لم يجدوا له قميصا، وكان ~~رجلا طويلا؛ فكساه عبد الله قميصه. وقيل: إن المشركين قالوا له يوم ~~الحديبية: إنا لا ms4479 ننقاد لمحمد، ولكنا ننقاد لك، فقال: لا، إن ~~لي في رسول الله أسوة حسنة؛ فشكر رسول الله له ذلك. قال ابن عينية: ~~كانت له عند النبي صلى الله عليه وسلم يد فأحب أن يكافئه. # وقيل: إن الله تعالى أمره أن لا يرد سائلا، لقوله تعالى: # وأما السآئل فلا تنهر # [الضحى:10] فلما طلب القميص منه دفعه إليه، لهذا المعنى. وقيل: إن ~~منع القميص لا يليق بأهل الكرم وذلك أن ابنه عبد الله بن عبد الله بن ~~أبي كان من الصالحين؛ فالرسول أكرمه لمكان ابنه وقيل: لعل الله ~~تعالى أوحى إليه، أنك إذا دفعت قميصك إليه صار ذلك سببا لدخول نفر من ~~المنافقين في الإسلام، فقيل لهذا الغرض، كما روي فيما تقدم، وقيل: ~~إن الرأفة والرحمة كانت غالبة عليه صلى الله عليه وسلم، لقوله تعالى: # ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين # [الأنبياء:107] فامتنع من الصلاة عليه، لأمر الله تعالى، ودفع القميص ~~رأفة ورحمة. # واعلم أن قوله { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ~~} يحتمل تأبيد النفي، ويحتمل نفي التأبيد والأول هو المقصود؛ لأن ~~قرائن هذه الآية دالة على أن المقصود منعه من أن يصلي على أحد منهم ~~منعا كليا دائما. # ثم قال: { ولا تقم على قبره } وفيه وجهان: # الأول: قال الزجاج " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دفن ~~الميت وقف على قبره ودعا له " فمنع منه ههنا. الثاني: قال الكلبي: " لا ~~تقم بإصلاح مهمات قبره، ولا تتول دفنه " ، من قولهم: قام فلان بأمر ~~فلان، إذا كفاه أمره، ثم إنه تعالى علل المنع من الصلاة عليه، ~~والقيام على قبره بقوله: { إنهم كفروا بالله ورسوله ~~وماتوا وهم فاسقون }. # فإن قيل: الفسق أدنى حالا من الكفر، فلما علل بكونه كافرا؛ فما ~~فائدة وصفه بعد ذلك بالفسق؟. # فالجواب: أن الكافر قد يكون عدلا في دينه، وقد يكون فاسقا في ~~دينه خبيثا ممقوتا عند قومه، بالكذب، والخداع، والمكر، وهذه أمور ~~مستقبحة في جميع الأديان، فالمنافقون لما كانوا موصوفين بهذه الصفات، ~~وصفهم الله تعالى بالفسق بعد أن ms4480 وصفهم بالكفر، تنبيها على أن طريقة ~~النفاق طريقة مذمومة عند جميع العالم. # فإن قيل: قوله { إنهم كفروا بالله } صريح بأن ذلك ~~النهي معلل بهذه العلة، وذلك يقتضي تعليل حكم الله تعالى، وهو محال، ~~فإن حكم الله قديم، وهذه العلة محدثة، وتعليل المحدث بالقديم محال. # فالجواب: أن البحث في هذه المسألة طويل، وظاهر هذه الآية يدل ~~عليه. # فصل # قال القرطبي: قوله تعالى: { ولا تصل على أحد منهم ~~مات أبدا } نص في الامتناع من الصلاة على الكفار، وليس فيه ~~دليل على الصلاة على المؤمنين، واختلفوا هل يؤخذ من مفهومه وجوب الصلاة ~~على المؤمنين؟ فقيل: يؤخذ؛ لأنه علل المنع من الصلاة على ~~الكفار لكفرهم لقوله تعالى: { إنهم كفروا بالله ~~ورسوله } ، فإذا زال وجبت الصلاة، لقوله تعالى # كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون # [المطففين:15] يعني: الكفار؛ فدل على أن غير الكفار يرونه وهم ~~المؤمنون. # وقيل: إنما تؤخذ الصلاة من دليل خارج، وهو الأحاديث، والإجماع. ~~ومنشأ الخلاف القول بدليل الخطاب وتركه. # فصل # جمهور العلماء على أن التكبير في الصلاة على الميت أربع ~~تكبيرات. وقال ابن سيرين: كان التكبير ثلاثا فزادوا واحدة، وعن ابن ~~مسعود، وزيد بن أرقم، يكبر خمسا وعن علي: ست تكبيرات. # فصل # قال القرطبي: ولا قراءة في صلاة الجنازة في المشهور من مذهب مالك. ~~وكذا أبو حنيفة والثوري، لقوله عليه الصلاة والسلام: # " إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء " # وذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق، ومحمد بن سلمة، وأشهب، وداوود: إلى ~~أنه يقرأ بالفاتحة، لقوله عليه الصلاة والسلام: # " لا صلاة لمن لا يقرأ بفاتحة الكتاب ". # والسنة أن يقف الإمام عند رأس الرجل، وعند عجيزة المرأة. # قوله تعالى: { ولا تعجبك أموالهم وأولادهم } الآية. # قيل: هذا تأكيد للآية السابقة. وقال الفارسي: " ليست للتأكيد؛ ~~لأن تيك في قوم وهذه في آخرين، وقد تغاير لفظا الآيتين؛ فهنا " ولا ~~" بالواو، لمناسبة عطف نهي على نهي قبله في قوله: " ولا تصل.. ~~ولا تقم " ، " ولا تعجبك " ، فناسب ذلك " الواو " ، وهناك ب " ~~الفاء " ، لمناسبة تعقيب قوله: # ولا ينفقون إلا وهم كارهون # [التوبة:54] أي: ms4481 للإنفاق، فهم معجبون بكثرة الأموال والأولاد، ~~فنهاه عن الإعجاب ب " فاء " التعقيب. # وهنا " وأولادهم " دون " لا " نهي عن الإعجاب بهما مجتمعين، وهناك ~~بزيادة " لا " لأنه نهي عن كل واحد واحد، فدل مجموع الآيتين على ~~النهي بالإعجاب بهما مجتمعين ومنفردين ". # قال ابن الخطيب " السبب فيه: أن مثل هذا الترتيب يبتدأ فيه ~~بالأدنى ثم يترقى إلى الأشرف، فيقال: لا يعجبني أمر الأمير، ~~ولا أمر الوزير، وهذا يدل على أنه كان إعجاب أولئك الأقوام بأولادهم ~~فوق إعجابهم بأموالهم، وفي هذه الآية يدل على عدم التفاوت بين الأمرين ~~عندهم ". # وهنا قال " أن يعذبهم " ، وهناك قال " ليعذبهم " ، فأتى ب " ~~اللام " المشعرة بالغلية ومفعول الإرادة محذوف، أي: إنما يريد الله ~~اختبارهم بالأموال والأولاد - وأتى ب " أن "؛ لأن مصب الإرادة ~~التعذيب، أي: إنما يريد الله تعذيبهم، فقد اختلف متعلق ~~الإرادة في الآيتين. هذا هو الظاهر. وقال ابن الخطيب " فائدته: ~~التنبيه على أن التعليل في أحكام الله تعالى محال، وإنما ورد ~~حرف التعليل زائدا ومعناه " أن " لقوله تعالى # ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله # [البينة:5]، أي: " وما أمروا إلا بأن يعبدوا الله ". وهناك " في ~~الحياة الدنيا " ، وهنا سقطت " الحياة " ، تنبيها على خسية ~~الدنيا وأنها لا تستحق أن تسمى حياة، لا سيما وقد ذكرت بعد ~~ذكر موت المنافقين؛ فناسب ألا تسمى حياة ". ### || [9.86-90] # قوله تعالى: { وإذآ أنزلت سورة } الآية. # " إذا " لا تقتضي تكرارا بوضعها، وإن كان بعض الناس فهم ذلك منها ~~هنا، وقد تقدم ذلك أول البقرة؛ وأنشد عليه: [البسيط] # 2824- إذا وجدت أوار الحب في كبدي # ........................... # وأن هذا إنما يفهم من القرائن، لا من وضع " إذا ". # قوله: " أن آمنوا " فيه وجهان: # أحدهما: أنها تفسيرية؛ لأنه فيه تقدمها ما هو بمعنى القول لا ~~حروفه. # والثاني: أنها مصدرية، على حذف حر الجر، أي: بأن آمنوا. # وفي قوله: " استأذنك " التفات من غيبة إلى خطاب، وذلك أنه ~~قد تقدم لفظ " رسوله " ، فلو جاء على الأصل لقيل: استأذنه ". # فصل # اعلم أنه تعالى بين في الآيات المتقدمة احتيال المنافقين في ~~التخلف عن رسول الله - عليه الصلاة ms4482 والسلام -، والقعود عن ~~الغزو، وزاد ههنا، أنه متى نزلت آية فيها الأمر بالغزو مع الرسول، ~~استأذن أولو الثروة والقدرة منهم في التخلف عن الغزو، وقالوا للرسول ~~عليه الصلاة والسلام: ذرنا نكن مع القاعدين، أي: مع الضعفاء من ~~الناس والساكنين في البلد. # و " السورة " يجوز أن يراد تمامها وأن يراد بعضها، كما يقع القرآن ~~والكتاب على كله وبعضه وقيل: المراد ب " السورة " براءة؛ لأن ~~فيها الأمر بالإيمان والجهاد. # قوله { رضوا بأن يكونوا مع الخوالف }. # الخوالف: جمع خالف من صفة النساء، وهذه صفة ذم؛ كقول زهير: ~~[الوافر] # 2825- وما أدري وسوف إخال أدري # أقوم آل حصن أم نساء؟ # فإن تكن النساء مخبآت # فحق لكل محصنة هداء # وقال آخر: [الخفيف] # 2826- كتب القتل والقتال علينا # وعلى الغانيات جر الذيول # وقال النحاس " يجوز أن تكون الخوالف من صفة الرجال، بمعنى ~~أنها جمع " خالفة " يقال: رجل خالفة، أي: لا خير فيه ". فعلى هذا ~~يكون جمعا للذكور، باعتبار لفظه. وقال بعضهم: إنه جمع " خالف " ، ~~يقال: رجل خالف، أي: لا خير فيه. وهذا مردود، فإن " فواعل " لا ~~يكون جمعا ل " فاعل " ، وصفا لعاقل، إلا ما شذ، من نحو: ~~فوارس، ونواكس وهوالك. # ثم قال تعالى: { وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون } ~~[التوبة:87] وقد تقدم الكلام في الطبع والختم، أول البقرة. # قوله تعالى: { لكن الرسول والذين آمنوا معه } ~~الآية. # ومعنى هذا الاستدراك: أنه إن تخلف هؤلاء المنافقون عن الغزو؛ فقد ~~توجه إليه من هو خير منهم ونظيره: # فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ~~ليسوا بها بكافرين # [الأنعام:89] وقوله: # فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له ~~بالليل والنهار # [فصلت:38]، ولما وصفهم بالمسارعة إلى الجهاد، ذكر ما حصل لهم من ~~الفوائد، وهي أنواع، أولها: قوله { وأولئك لهم ~~الخيرات } والخيرات: جمع خيرة، على " فعلة " بكسون العين، وهو ~~المستحسن من كل شيء، وغلب استعماله في النساء، ومنه قوله ~~تعالى: # فيهن خيرات حسان # [الرحمن:70]؛ وقول الشاعر: [الكامل] # 2827- ولقد طعنت مجامع الربلات # ربلات هند خيرة الملكات # قال المفسرون: هي الجواري الحسان والجنة. وقال ابن عباس: ms4483 " ~~الخيرات " لا يعلم معناه إلا الله، كما قال جل ذكره # فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين # [السجدة:17]. وقيل: المراد: ب " الخيرات " الثواب. # وثانيها: قوله: { وأولئك هم المفلحون } ، والمراد منه: ~~التخلص من العقاب. # وثالثها: قوله: { أعد الله لهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها } يحتمل أن تكون هذه الجنات ~~كالتفسير للخيرات والفلاح، ويحتمل أن تحمل الجنات على ثواب الآخرة، ~~والفلاح على منافع الدنيا، كالغزو، والثروة، والقدرة، والغلبة، و " ~~الفوز العظيم " عبارة عن كون تلك الحالة مرتبة رفيعه، ودرجة عالية. # قوله تعالى: { وجآء المعذرون من الأعراب } الآية. # لما شرح أحوال المنافقين الذين كانوا في المدينة، شرح في هذه الآية ~~أحوال المنافقين من الأعراب. # قرأ الجمهور " المعذرون " بفتح العين وتشديد الذال، وهي تحتمل ~~وجهين: # أن يكون وزنه " فعل " مضعفا، ومعنى التضعيف فيه التكليف، والمعنى: ~~أنه توهم أن له عذرا، ولا عذر له. # والثاني: أن يكون وزنه " افتعل " ، والأصل: " اعتذر " ، فأدغمت ~~التاء في الذال بأن قلبت تاء الافتعال ذالا، ونقلت حركتها إلى ~~الساكن قبلها، وهو العين، ويدل على هذا قراءة سعيد بن جبير " ~~المعتذرون " على الأصل، وإليه ذهب الأخفش، والفراء وأبو عبيد، ~~وأبو حاتم، والزجاج، وابن الأنباري، والاعتذار قد يكون بالكذب، ~~كما في قوله # يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم # [التوبة:94]، وكان ذلك الاعتذار فاسدا، لقوله: " لا تعتذروا " ، وقد ~~يكون بالصدق، كقول لبيد: [الطويل] # 2828-........................ # ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر # يريد: فقد جاء بعذر. # وقرأ زيد بن علي، والضحاك، والأعرج، وأبو صالح، وعيسى بن هلال، وهي ~~قراءة ابن عباس ومجاهد أيضا، ويعقوب، والكسائي " المعذرون " بسكون ~~العين وكسر الذال مخففة من أعذر، يعذر ك " أكرم، يكرم " ، ~~وهم المبالغون في العذر. # وقرأ مسلمة " المعذرون " بتشديد العين والذال، من " تعذر " ~~بمعنى اعتذر. # قال أبو حاتم: أراد " المتعذرون " والتاء لا تدغم في العين، لبعد ~~المخارج وهي غلط منه، أو عليه. # قوله: " ليؤذن " متعلق ب " جاء " وحذف الفاعل، وأقيم الجار ~~مقامه، للعلم به، أي: ليأذن لهم الرسول. # فصل # أما قراءة التخفيف فهم الكاذبون في العذر، وأما ms4484 قراءة التشديد، ~~فمحتملة لأن يكونوا صادقين، وأن يكونوا كاذبين. قال ابن عباس " ~~هم الذين تخلفوا بعذر بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم " وهو ~~قول بعض المفسرين أيضا، قال: المعذرون، كانوا صادقين؛ لأنه تعالى ~~لما ذكرهم قال بعدهم { وقعد الذين كذبوا الله ~~ورسوله } ، فلما ميزهم عن الكاذبين دل على أنهم ليسوا ~~كاذبين. # وقال الضحاك: هم رهط عامر بن الطفيل جاءوا إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم دفاعا عن أنفسهم، فقالوا: يا نبي الله: إن نحن ~~غزونا معك أغارت أعراب طيىء على حلائلنا، وأولادنا، ومواشينا، فقال ~~لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نبأني الله من أخباركم، ~~وسيغنيني الله عنكم. # وروى الواحدي عن أبي عمرو: أنه لما قيل له هذا الكلام قال: إن ~~أقواما تكلفوا عذرا بباطل فهم الذين عناهم بقوله: " وجآء ~~المعذرون " ، وتخلف آخرون لا بعذر ولا بشبهة عذر جراءة على ~~الله تعالى؛ فهم المرادون بقوله { وقعد الذين كذبوا الله ~~ورسوله } ، فأوعدهم بقوله: { سيصيب الذين كفروا ~~منهم } في الدنيا بالقتل، وفي الآخرة بالنار. # وإنما قال " منهم "؛ لأنه تعالى كان عالما بأن بعضهم سيؤمن، ~~فذكر بلفظة " من " الدالة على التبعيض. # وقرأ الجمهور " كذبوا " بالتخفيف، أي: كذبوا في أيمانهم. وقرأ ~~الحسن في المشهور عنه وأبي، وإسماعيل " كذبوا " بالتشديد، أي: ~~لم يصدقوا ما جاء به الرسول عن ربه ولا امتثلوا أمره. ### || [9.91-94] # ثم ذكر أهل العذر فقال: { ليس على الضعفآء } قال ابن ~~عباس: يعني: الزمنى، والمشايخ والعجزة. # وقيل: هم الصبيان. وقيل: النسوان. { ولا على المرضى } وهم ~~أصحاب العمى، والعرج والزمانة ومن كان موصوفا بمرض يمنعه من التمكن من ~~المحاربة، { ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون } يعني: ~~الفقراء؛ لأن حضورهم يكون كلا ووبالا على المجاهدين، " حرج " ~~إثم. وقيل: ضيق عن القعود في الغزو. ثم إنه تعالى شرط في جواز هذا ~~التأخير شرطا معينا، فقال { إذا نصحوا لله ورسوله }. ~~قرأ أبو حيوة: " نصحوا الله " بغير لام. وقد تقدم أن " نصح " ~~يتعدى بنفسه وباللام. والنصح: إخلاص العمل من الغش. ومنه: ~~التوبة النصوح. قال ms4485 نفطويه: نصح الشيء: إذا خلص، ونصح له القول: أي: ~~أخلصه له. قال عليه الصلاة والسلام: # " " الدين النصيحة " ثلاثا. قالوا لمن؟ قال: " لله ولكتابه ~~ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ". # قال العلماء: النصيحة لله: إخلاص الاعتقاد في الوحدانية، ووصفه ~~بصفات الألوهية وتنزيهه عن النقائص، والرغبة في محابه، والبعد ~~من مساخطه، والنصيحة لرسوله: التصديق بنبوته والتزام طاعته في ~~أمره ونهيه، وموالاة من والاه، ومعاداة من عاداه، وتوقيره، ومحبته ~~ومحبة آل بيته، وتعظيمه وتعظيم سنته، وإحياؤها بعد موته بالبحث ~~عنها، والنفقة فيها، والذب عنها، ونشرها، والدعاء إليها، والتخلق ~~بأخلاقه الكريمة، وكذا النصح لكتاب الله قراءته، والتفقه فيه، والذب ~~عنه، وتعليمه وإكرامه، والتخلق به. # والنصح لأئمة المسلمين: ترك الخروج عليهم، وإرشادهم إلى الحق، ~~وتثبيتهم فيما أغفلوه من أمر المسلمين، ولزوم طاعتهم، والقيام بواجب ~~حقهم. وأما النصح للعامة: فهو ترك معاداتهم وإرشادهم، وحب ~~الصالحين منهم، والدعاء لجميعهم، وإرادة الخير لكافتهم. والمعنى: ~~أنهم إذا أقاموا لا يلقوا الأراجيف، ولا يثيروا الفتن، ويسعوا في ~~إيصال الخير إلى المجاهدين ويقوموا بإصلاح مهمات بيوتهم، ويسعوا في ~~إيصال الأخبار السارة من بيوتهم إليهم، ويخلصوا الإيمان والعمل لله، فهذه ~~أمور جارية مجرى الإعانة على الجهاد. # ثم قال تعالى: { ما على المحسنين من سبيل } فقوله " من ~~سبيل " فاعل بالجار قبله لاعتماده على النفي، ويجوز أن يكون مبتدأ، ~~والجار قبله خبره. وعلى كلا القولين ف " من " مزيدة فيه، أي: ما على ~~المحسنين سبيل. والمعنى: أنه لا إثم عليه بسبب القعود عن الجهاد. # { والله غفور رحيم }. قال قتادة: نزلت في عائذ بن عمرو ~~وأصحابه. وقال الضحاك نزلت هذه الآية في عبد الله ابن أم مكتوم، وكان ~~ضريرا. # فصل # قال بعضهم: في هذه الآية نوع من البديع، يسمى التلميح، وهو أن يشار ~~إلى قصة مشهورة، أو مثل سائر، أو شعر نادر، في فحوى كلامك من غير ~~ذكره؛ ومنه قوله: [البسيط] # 2829- اليوم خمر ويبدو في غد خبر # والدهر من بين إنعام وإبآس # يشير إلى قول امرئ القيس لما بلغه قتل أبيه: " اليوم خمر، وغدا ~~أمر ". # وقول الآخر: [الطويل] ms4486 # 2830- فوالله ما أدري أأحلام نائم # ألمت بنا أم كان في الركب يوشع؟ # يشير إلى قصة يوشع عليه الصلاة والسلام، واستيقافه الشمس. # وقول الآخر: [الطويل] # 2831- لعمرو مع الرمضاء والنار تلتظي # أرق وأحفى منك في ساعة الكرب # أشار إلى البيت المشهور: [البسيط] # 2832- المستجير بعمرو عند كربته # كالمستجير من الرمضاء بالنار # فكأنه قوله: { ما على المحسنين من سبيل } اشتهر ما هو ~~بمعناه بين الناس؛ فأشار إليه من غير ذكر لفظه. ولما ذكر أبو حيان ~~التلميح لم يقيده بقوله: " من غير ذكره ". ولا بد منه لأنه ~~إذا ذكره بلفظه كان اقتباسا وتضمينا. # فصل # اختلفوا في قوله: { ما على المحسنين من سبيل } هل يفيد ~~العموم؟ فقال بعضهم: لا؛ لأن اللفظ مقصور على أقوام معينين نزلت ~~الآية فيهم. وقال آخرون: بلى؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص ~~السبب، والمحسن هو الآتي بالإحسان، ورأس الإحسان لا إله إلا الله، ~~فكل من قالها واعتقدها، كان من المسلمين، فاقتضت نفي جميع المسلمين؛ ~~فدل هذا اللفظ بعمومه على أن الأصل حرمة القتل، وحرمة أخذ المال ~~وأن لا يتوجه عليه شيء من التكاليف، إلا بدليل منفصل، فصارت هذه ~~الآية بهذا الطريق أصلا معتبرا في الشريعة، في تقرير أن الأصل براءة ~~الذمة، إلى أن يرد نص خاص. # قوله: { ولا على الذين }. فيه أوجه: # أحدها: أن يكون معطوفا على " الضعفاء " ، أي: ليس على الضعفاء، ولا ~~على الذين إذا ما أتوك، فيكونون داخلين في خبر " ليس " مخبرا ~~بمتعلقهم عن اسمها، وهو " حرج ". # الثاني: أن يكون معطوفا على " المحسنين " فيكونون داخلين فيما أخبر ~~به من قوله: " من سبيل " ، فإن " من سبيل " يحتمل أن يكون مبتدأ، ~~وأن يكون اسم " ما " الحجازية، و " من " مزيدة في الوجهين. # الثالث: أن يكون " ولا على الذين " خبرا لمبتدأ محذوف، تقديره: ~~ولا على الذين إذا ما أتوك.. إلى آخر الصلة، حرج، أو سبيل وحذف ~~لدلالة الكلام عليه، قاله أبو البقاء. ولا حاجة إليه، لأنه تقدير ~~مستغنى عنه إذ قدر شيئا يقوم مقامه هذا الموجود في اللفظ ~~والمعنى. وهذا الموصول، أعني قوله: ms4487 { ولا على الذين إذا مآ ~~أتوك } ، يحتمل أن يكون مندرجا في قوله: { ولا على الذين ~~لا يجدون ما ينفقون } وذكروا على سبيل نفي الحرج عنهم، وألا ~~يكونوا مندرجين، بل أن يكون هؤلاء وجدوا ما ينفقون، إلا أنهم لم ~~يجدوا مركوبا. وقرأ معقل بن هارون " لنحملهم " بنون العظمة، ~~وفيها إشكال، إذ كان مقتضى التركيب: قلت: لا أجد ما يحملكم عليه الله. # قوله: " قلت " فيه أربعة أوجه، أحدها: أنه جواب " إذا " ~~الشرطية، و " إذا " وجوابها في موضع الصلة، وقعت الصلة جملة ~~شرطية، وعلى هذا؛ فيكون قوله: " تولوا " جوابا لسؤال مقدر كأن ~~قائلا قال: ما كان حالهم إذا أجيبوا بهذا الجواب؟ فأجيب بقوله: " ~~تولوا ". # الثاني: أنه في موضع نصب على الحال، من " أتوك " ، أي: إذا أتوك، ~~وأنت قائل: لا أجد ما أحملكم عليه، و " قد " مقدرة، عند من يشترط ~~ذلك في الماضي الواقع حالا، كقوله: # أو جآءوكم حصرت صدورهم # [النساء:90] في أحد أوجهه كما تقدم، وإلى هذا نحا الزمخشري. # الثالث: أن يكون معطوفا على الشرط؛ فيكون في محل جر بإضافة الظرف ~~إليه بطريق النسق وحذف حرف العطف، والتقدير: وقلت، وقد تقدم الكلام على ~~هذه المسألة وإلى هذا ذهب الجرجاني، وتبعه ابن عطية، إلا أنه قدر ~~العاطف فاء أي: فقلت. # الرابع: أن يكون مستأنفا. قال الزمخشري " فإن قلت: هل يجوز أن يكون ~~قوله: " قلت لا أجد " استئنافا مثله؟ - يعني مثل: { رضوا بأن ~~يكونوا مع الخوالف } [التوبة:93] - كأنه قيل: إذا ما أتوك ~~لتحملهم تولوا، فقيل: ما لهم تولوا باكين؟ قلت لا أجد ما أحملهم ~~عليه إلا أنه وسط بين الشرط والجزاء، كالاعتراض؟ قلت: نعم، ويحسن " ~~انتهى. # قال أبو حيان " ولا يجوز، ولا يحسن في كلام العرب، فكيف في كلام ~~الله؟ وهو فهم أعجمي " قال شهاب الدين: وما أدري ما سبب منعه، وعدم ~~استحسانه له مع وضوحه وظهوره لفظا ومعنى؟ وذلك لأن توليهم على حالة ~~فيض الدمع ليس مرتبا على مجرد مجيئهم له عليه الصلاة والسلام ~~ليحملهم، بل على قوله لهم: " لا أجد ما أحملكم " وإذا ms4488 كان كذلك ~~فقوله - عليه الصلاة والسلام - لهم ذلك سبب في بكائهم؛ فحسن أن يجعل ~~قوله: " قلت لا أجد مآ أحملكم " جوابا لمن سأل عن علة ~~توليهم، وأعينهم فائضة دمعا، وهو المعنى الذي قصده أبو القاسم وعلى ~~هذه الأوجه الأربعة المتقدمة في " قلت " يكون جواب الشرط قوله: " ~~تولوا " ، وقوله " لتحملهم " علة ل " أتوك ". وقوله: " لا ~~أجد " هي المتعدية لواحد؛ لأنها من " الوجد " ، و " ما " يجوز أن ~~تكون موصولة، أو موصوفة. # فصل # قال أبو العباس المقرىء: ورد لفظ التولي في القرآن على أربعة أوجه: # الأول: بمعنى الانصراف، قال تعالى: { تولوا وأعينهم ~~تفيض } [التوبة:92] ومثله قوله تعالى # ثم تولى إلى الظل # [القصص:24] أي: انصرف. # الثاني: بمعنى: " أبى " ، قال تعالى # فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم # [المائدة:49] أي: أبوا أن يؤمنوا؛ ومثله قوله تعالى # فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم # [النساء:89]. # الثالث: بمعنى: " أعرض " قال تعالى # ومن تولى فمآ أرسلناك عليهم حفيظا # [النساء:80]. # الرابع: الإعراض عن الإقبال، قال تعالى # فلا تولوهم الأدبار # [الأنفال:15]. # قوله: { وأعينهم تفيض } في محل نصب على الحال من فاعل " ~~تولوا ". قال الزمخشري " تفيض من الدمع، كقولك: تفيض دمعا ". وقد ~~تقدم الكلام على هذا في المائدة مستوفى عند قوله # ترى أعينهم تفيض من الدمع # [المائدة:83] وأنه جعل " من الدمع " تمييزا، و " من " مزيدة ~~وتقدم الرد عليه في ذلك هناك. # قوله: " حزنا " في نصبه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه مفعول من أجله، والعامل فيه " تفيض " قاله أبو حيان. ~~لا يقال: إن الفاعل هنا قد اختلف، فإن الفيض مسند للأعين، والحزن ~~صادر من أصحاب الأعين، وإذا اختلف الفاعل وجب جره بالحرف؛ لأنا ~~نقول: إن الحزن يسند للأعين أيضا مجازا، يقال: عين حزينة ~~وسخينة، وعين مسرورة وقريرة، في ضد ذلك. ويجوز أن يكون الناصب له " ~~تولوا " ، وحينئذ يتحد فاعلا العلة والمعلول حقيقة. # الثاني: أنه في محل نصب على الحال، أي: تولوا حزينين، أو تفيض ~~أعينهم حزينة، على ما تقدم من المجاز. # الثالث: أنه مصدر ناصبه مقدر من لفظه، أي: يحزنون حزنا، قاله أبو ~~البقاء. وهذه ms4489 الجملة التي قدرها ناصبة لهذا المصدر هي أيضا في محل ~~نصب على الحال، إما من فاعل " تولوا " ، وإما من فاعل " تفيض ~~". # قوله: " ألا يجدوا " فيه وجهان: # أحدهما: أنه مفعول من أجله، والعامل فيه " حزنا " إن أعربناه ~~مفعولا له، أو حالا. وأما إذا أعربناه مصدرا فلا؛ لأن المصدر لا ~~يعمل إذا كان مؤكدا لعامله. وعلى القول بأن " حزنا " مفعول من ~~أجله، يكون " ألا يجدوا " علة العلة يعني أن يكون علل فيض الدمع ~~بالحزن، وعلل الحزن بعدم وجدان النفقة، وهو واضح وقد تقدم نظير ~~ذلك في قوله: # جزآء بما كسبا نكالا من الله # [المائدة:38]. # الثاني: أنه متعلق ب " تفيض ". قال أبو حيان: ولا يجوز ذلك على ~~إعرابه " حزنا " مفعولا له والعامل فيه " تفيض " ، إذ العامل لا ~~يقتضي اثنين من المفعول له إلا بالعطف، أو البدل. # فصل # قال المفسرون: هم سبعة نفر سموا البكائين، معقل بن يسار، وصخر بن ~~خنساء وعبد الله بن كعب الأنصاري، وعلية بن زيد الأنصاري، وسالم بن عمير، ~~وثعلبة بن غنمة، وعبد الله بن معقل المزني، أتوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقالوا: يا رسول الله: إن الله ندبنا للخروج معك، فاحملنا. # واختلفوا في قوله " لتحملهم " قال ابن عباس: سألوه أن يحملهم على ~~الدواب، وقيل: سألوه أن يحملهم على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة ~~ليغزوا معه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا أجد ما أحملكم عليه " # فتولوا وهم يبكون وقال الحسن: # " نزلت في أبي موسى الأشعري، وأصحابه، أتوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يستحملونه، ووافق ذلك منه غضبا فقال: " والله لا أحملكم ولا ~~أجد ما أحملكم عليه " فتولوا يبكون، فدعاهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأعطاهم ذودا. فقال أبو موسى: ألست حلفت يا رسول الله؟ فقال: ~~" أما إني إن شاء الله لا أحلف بيمين فأرى غيرها خيرا منها، ~~إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني ". # ولما قال تعالى: { ما على المحسنين من سبيل } قال في هذه ~~الآية: { إنما السبيل على الذين يستأذنونك } في ~~التخلف: " وهم ms4490 أغنياء ". # قوله: "... رضوا " فيه وجهان: # أحدهما: أنه مستأنف، كأنه قال قائل: ما بالهم استأذنوا في ~~القعود، وهم قادرون على الجهاد؟ فأجيب بقوله: { رضوا بأن يكونوا ~~مع الخوالف } ، وإليه مال الزمخشري. # والثاني: أنه في محل نصب على الحال، و " قد " مقدرة في قول. ~~وتقدم الكلام في: " الخوالف ". " وطبع الله على قلوبهم " قوله: ~~" وطبع " نسق على " رضوا " تنبيها على أن السبب في تخلفهم ~~رضاهم بقعودهم، وطبع الله على قلوبهم، وقوله: " إنما السبيل على ~~" فأتى ب " على " ، وإن كان قد يصل ب " إلى "؛ لأن " على " ~~تدل على الاستعلاء، وقلة منعة من تدخل عليه، نحو: لي سبيل عليك، ولا ~~سبيل لي عليك، بخلاف " إلى " فإذا قلت: لا سبيل عليك، فهو مغاير لقولك: ~~لا سبيل إليك، ومن مجيء " إلى " معه قوله: [الطويل] # 2833- ألا ليت شعري هل إلى أم سالم # سبيل؟ فأما الصبر عنها فلا صبرا # وقول الآخر: [البسيط] # 2834- هل من سبيل إلى خمر فأشربها # أم من سبيل إلى نصر بن حجاج # قوله تعالى: { يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم }. # روي أن المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك كانوا بضعة وثمانين ~~نفرا، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءوا يعتذرون بالباطل، ~~فقال الله { قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم } لم نصدقكم. # قوله: { قد نبأنا الله } فيه وجهان: # أحدهما: أنها المتعدية إلى مفعولين. # أولهما: " نا " ، والثاني: " من أخباركم " ، وعلى هذا ففي " من ~~" وجهان: # أحدهما: أنها غير زائدة، والتقدير، قد نبأنا الله أخبارا من ~~أخباركم، أو جملة من أخباركم، فهو في الحقيقة صفة للمفعول المحذوف. # والثاني: أن " من " مزيدة عند الأخفش؛ لأنه لا يشترط فيها ~~شيئا، والتقدير: قد نبأنا الله أخباركم. # الوجه الثاني - من الوجهين الأولين -: أنها متعدية لثلاثة، ك " ~~أعلم " ، فالأول، والثاني ما تقدم، والثالث محذوف اختصارا للعلم ~~به، والتقدير: نبأنا الله من أخباركم كذبا، ونحوه. قال أبو البقاء: " ~~قد يتعدى إلى ثلاثة، والاثنان الآخران محذوفان تقديره: أخبارا من ~~أخباركم مثبتة. و " من أخباركم " تنبيه على المحذوف وليست " من " ~~زائدة، إذ لو كانت زائدة، لكانت مفعولا ms4491 ثانيا، والمفعول الثالث محذوف، ~~وهو خطأ، لأن المفعول الثاني متى ذكر في هذا الباب لزم ذكر الثالث ~~". # وقيل: " من " بمعنى " عن ". قال شهاب الدين " قوله: إن حذف ~~الثالث خطأ " إن عنى حذف الاقتصار فمسلم، وإن عنى حذف الاختصار ~~فممنوع، وقد تقدم مذاهب الناس في هذه المسألة. # وقوله: { قد نبأنا الله من أخباركم } علة لانتفاء ~~تصديقهم. ثم قال: { وسيرى الله عملكم ورسوله } فيما ~~تستأنفون، أتتوبون من نفاقكم أم تقيمون عليه؟ { ثم تردون إلى ~~عالم الغيب والشهادة }. # فإن قيل: لما قال: { وسيرى الله عملكم ورسوله } فلم ~~لم يقل، ثم تردون إليه؟. # فالجواب: أن في وصفه تعالى بكونه { عالم الغيب والشهادة ~~} ما يدل على كونه مطلعا على بواطنهم الخبيثة، وضمائرهم المملوءة ~~بالكذب والكيد، وفيه تخويف شديد، وزجر عظيم لهم. ### || [9.95-102] # قوله تعالى: { سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم ~~إليهم } الآية. # لما حكى عنهم أنهم يعتذرون إليكم، ذكر هنا أنهم يؤكدون تلك ~~الأعذار بالأيمان الكاذبة " إذا انقلبتم " انصرفتم إليهم أنهم ما ~~قدروا على الخروج. " لتعرضوا عنهم " أي: لتصفحوا عنهم ولا ~~تؤنبوهم. # ثم قال تعالى: { فأعرضوا عنهم } قال ابن عباس: يريد ترك ~~الكلام والسلام. # وقال مقاتل: قال النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة: " لا ~~تجالسوهم ولا تكلموهم ". ثم ذكر العلة في وجوب الإعراض عنهم، فقال: ~~" إنهم رجس " والمعنى: أن خبث بواطنهم رجس روحاني، فكما يجب ~~الاحتراز عن الأرجاس الجسمانية؛ فوجوب الاحتراز عن الأرجاس الروحانية ~~أولى. وقيل: إن عملهم قبيح. { ومأواهم جهنم } أي: منزلهم. ~~قال الجوهري: المأوى: كل مكان يأوي إليه شيء ليلا أو نهارا، وقد أوى ~~فلان إلى منزله يأوي أويا، على " فعول " ، وإواء، وأويته إذا ~~أنزلته بك، فعلت وأفعلت، بمعنى عن أبي زيد. ومأوي الإبل - بكسر ~~الواو - لغة في مأوى الإبل خاصة، وهو شاذ. # قوله: " جزاء... " يجوز أن ينتصب على المصدر بفعل من لفظه مقدر، أي: ~~يجزون جزاء، وأن ينتصب بمضمون الجملة السابقة؛ لأن كونهم يأوون في ~~جهنم في معنى المجازاة، ويجوز أن يكون مفعولا من أجله. # قوله تعالى: { يحلفون لكم لترضوا عنهم ms4492 } الآية. # لما بين في الآية الأولى أنهم يحلفون بالله ليعرض المسلمون عن ~~إيذائهم، بين ههنا أيضا أنهم يحلفون ليرضى المسلمون عنهم، ثم إنه ~~تعالى نهى المسلمين عن أن يرضوا عنهم، وذكر العلة في ذلك النهي وهي أن: ~~{ الله لا يرضى عن القوم الفاسقين }. # قوله تعالى: { الأعراب أشد كفرا ونفاقا } الآية. # لما ذكر الله تعالى أحوال المنافقين في المدينة ذكر من كان خارجا ~~منها، ونائبا عنها من الأعراب فقال: كفرهم أشد. قال قتادة: " لأنهم ~~أبعد عن معرفة السنن " وقيل: لأنهم أقسى قلبا، وأكذب قولا، وأغلظ ~~طبعا، وأبعد عن استماع التنزيل، ولذا قال تعالى في حقهم: " وأجدر " ~~أي: أخلق. " ألا يعلموا ". ولما دل ذلك على نقصهم من المرتبة ~~الكاملة عن سواهم، ترتب على ذلك أحكام: # منها: أنه لا حق لهم في الفيء والغنيمة، لقوله عليه الصلاة والسلام ~~في حديث بريدة: # "... ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع ~~المسلمين " # ومنها: إسقاط شهادة أهل البادية عن الحاضرة، لتحقق التهمة. وأجازها أبو ~~حنيفة؛ لأنها لا تراعى كل تهمة والمسلمون كلهم عنده عدول، وأجازها ~~الشافعي إذا كان عدلا، وهو الصحيح. # قوله: " الأعراب " صيغة جمع، وليس جمعا ل " عرب " قاله سيبويه، ~~وذلك لئلا يلزم أن يكون الجمع أخص من الواحد، فإن العرب هذا الجيل ~~الخاص، سواء سكن البوادي، أم سكن القرى. # وأما الأعراب، فلا يطلق إلا على من كان يسكن البوادي فقط، وقد ~~تقدم عند قوله تعالى: # رب العالمين # [الفاتحة:2]، أول الفاتحة. ولهذا الفرق نسب إلى " الأعراب " على لفظه ~~فقيل: أعرابي ويجمع على " أعاريب ". قال أهل اللغة: " يقال: رجل ~~عربي، إذا كان نسبه في العرب، وجمعه العرب، كما يقال: يهودي ~~ومجوسي، ثم تحذف ياء النسب في الجمع، فيقال: اليهود والمجوس، ~~ورجل أعرابي بالألف إذا كان بدويا، ويطلب مساقط الغيث والكلأ، سواء كان ~~من العرب، أو من مواليهم. ويجمع الأعرابي على الأعراب، والأعاريب، ~~والأعرابي إذا قيل له: يا عربي، فرح والعربي إذا قيل له: يا أعرابي، ~~غضب، فمن استوطن القرى العربية فهم عرب، ومن ms4493 نزل البادية فهم أعراب ~~ويدل على الفرق قوله عليه الصلاة والسلام # " حب العرب من الإيمان " # وأما الأعراب فقد ذمهم الله تعالى في هذه الآية. وأيضا لا يجوز أن ~~يقال للمهاجرين والأنصار أعراب، إنما هم عرب، وهم متقدمون في مراتب ~~الدين على الأعراب، قال عليه الصلاة والسلام # " لا تؤمن امرأة رجلا ولا فاسق مؤمنا ولا أعرابي ~~مهاجرا ". # فصل # قال بعض العلماء: الجمع المحلى بالألف واللام الأصل فيه أن ينصرف إلى ~~المعهود السابق فإن لم يوجد المعهود السابق، حمل على الاستغراق للضرورة، ~~قالوا: لأن صيغة الجمع تكفي في حصول معناها الثلاثة فما فوقها، والألف ~~واللام للتعريف، فإن حصل جمع هو معهود سابق؛ وجب الانصراف إليه، وإن لم ~~يوجد حمل على الاستغراق، دفعا للإجمال. قالوا: إذا ثبت هذا فقوله: " ~~الأعراب " المراد منه جمع معينون من منافقي الأعراب، كانوا يوالون ~~منافقي المدينة، فانصرف هذا اللفظ إليهم. # فصل # سمي العرب عربا، لأن أباهم: يعرب بن قطعان، فهو أول من نطق ~~بالعربية، وقيل: سموا عربا؛ لأن ولد إسماعيل نشئوا ب " عربة " ~~وهي تهامة، فنسبوا إلى بلدهم، وكل من يسكن جزيرة العرب وينطق بلسانهم؛ ~~فهو منهم؛ لأنهم إنما تولدوا من ولد إسماعيل، وقيل: سموا عربا؛ ~~لأن ألسنتهم معربة عما في ضمائرهم، وهذه الأقوال ليست بشيء من الأول، ~~فلأن إسماعيل حين ولدته هاجر نزلت عندهم " جرهم " فربي بينهم، وكانوا ~~عربا قبل إسماعيل، ولأن " يعرب " من ولد إسماعيل، وكان حميلا عربيا. # وأما الثاني لأن إسماعيل تعلم العربية في " جرهم " حين نزلوا عند ~~هاجر بمكة. # والصحيح أن العرب العاربة قبل إسماعيل منهم: عاد وثمود، وطسم، ~~وجديس، وجرهم، والعماليق، وآدم يقال: إنه كان ملكا، وأنه أول من سقف ~~البيوت بالخشب المنشور، وكانت الفرس تسميه آدم الأصغر، وبنوه قبيلة يقال ~~لها " وبار " هلكوا بالرمل. # انثال عليهم؛ فأهلكهم وطم منازلهم، وفي ذلك يقول بعض الشعراء: [الرجز] # 2835- وكر دهر على وبار # فهلكت جهرة وبار # وأما الثالث، فكل لسان معرب عما في ضمير صاحبه، وإنما يظهر ما ~~قاله النسابون، أن سام بن نوح أبو العرب، ms4494 وفارس، والروم، فدل على أن ~~العرب موجودون من زمن سام بن نوح. # قال بعضهم: والصحيح إن شاء الله تعالى - أن آدم نطق بالعربية، وغيرها ~~من الألسنة، لقوله تعالى: # وعلم آدم الأسمآء كلها # [البقرة:31]. # ولا شك أن اللسان العربي مختص بأنواع الفصاحة والجزالة، لا ~~توجد في سائر الألسنة. # قال بعض الحكماء: حكمة الروم في أدمغتهم؛ لأنهم يقدرون على ~~التركيبات العجيبة، وحكمة الهند في أوهامهم، وحكمة اليونان في ~~أفئدتهم لكثرة ما لهم من المباحث العقلية، وحكمة العرب في ألسنتهم ~~بحلاوة ألفاظهم، وعذوبة عباراتهم. # فصل # اعلم أن الله تعالى حكم على الأعراب بحكمين: # الأول: أنهم أشد كفرا ونفاقا، والسبب فيه وجوه: # أحدها: أن أهل البدو يشبهون الوحوش. # وثانيها: استيلاء الهواء الحار اليابس عليهم، وذلك يزيد في التيه، ~~والتكبر، والفخر، والطيش عليهم. # وثالثها: أنهم ما كانوا تحت سياسة سائس، ولا تأديب مؤدب؛ فنشأوا كما ~~شاءوا، ومن كان كذلك؛ خرج على أشد الجهات فسادا. # ورابعها: أن من أصبح وأمسى مشاهدا لوعظ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وبياناته الشافية، كيف يكون مساويا لمن لم يؤثر هذا الخير، ولم ~~يسمع خبره؟ # وخامسها: قابل الفواكه الجبلية بالفواكه البستانية، لتعرف الفرق بين أهل ~~الحضر والبادية. و " أشد " أصله: أشدد، وقد تقدم. وقوله " كفرا " ~~نصب على الحال، و " نفاقا " عطف عليه، و " أجدر " عطف على " أشد ~~". # الحكم الثاني: قوله: { وأجدر ألا يعلموا.. } " أجدر " ~~أي: أحق وأولى؛ يقال: هو جدير وأجدر، وحقيق وأحق، وخليق وأخلق، ~~وقمن بكذا، كله بمعنى واحد، قال الليث: جدر يجدر جدارة، فهو ~~جدير، ويثنى ويجمع؛ قال الشاعر: [الطويل] # 2836- بخيل عليها جنة عبقرية # جديرون يوما أن ينالوا فيستعلوا # وقد نبه الراغب على أصل اشتقاق هذه المادة، وأنها من الجدار، ~~أي: الحائط، فقال: " والجدير: المنتهى، لانتهاء الأمر إليه، انتهاء ~~الشيء إلى الجدار ". والذي يظهر أن اشتقاقه من: " الجدر، وهو أصل ~~الشجرة؛ فكأنه ثابت كثبوت الجدر في قولك: جدير بكذا. # وقوله: { ألا يعلموا } أي: بألا يعلموا، فحذف حرف الجر؛ فجرى ~~الخلاف المشهور بين الخليل والكسائي، مع سيبويه والفراء. والمراد ms4495 ~~بالحدود: ما أنزل الله على رسوله، وذلك لبعدهم عن سماع القرآن ومعرفة ~~السنن. { والله عليم } بما في قلوب خلقه: " حكيم " فيما فرض ~~عليهم من فرائضه. # قوله تعالى: { ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ~~}. # نزلت في أعراب أسد وغطفان وتميم. " من " مبتدأ، وهي إما موصولة، ~~وإما موصوفة. # و " مغرما " مفعول ثان؛ لأن " اتخذ " هنا بمعنى " صير ". ~~والمغرم: الخسران، مشتق من الغرام، وهو الهلاك؛ لأنه سببه، ومنه: # إن عذابها كان غراما # [الفرقان:65]. وقيل أصله الملازمة، ومنه الغريم: للزومه من يطالبه، ~~والمغرم: مصدر كالغرامة، والمغرم التزام ما لا يلزم. قال عطاء: لا ~~يرجون على إعطائه ثوابا؛ ولا يخافون على إمساكه عقابا، وإنما ينفق ~~مغرما ورياء. و " يتربص " عطف على " يتخذ " ، فهو إما صلة، ~~وإما صفة. والتربص: الانتظار. وقوله: { بكم الدوائر } فيه ~~وجهان: # أظهرهما: أن الياء متعلقة بالفعل قبلها. # والثاني: أنها حال من " الدوائر " قاله أبو البقاء وليس بظاهر، ~~وعلى هذا يتعلق بمحذوف على ما تقرر. و " الدوائر " جمع " دائرة ~~" وهي ما يحيط بالإنسان من مصيبة ونكبة، تصورا من الدائرة ~~المحيطة بالشيء من غير انفلات منها، وأصلها: " داورة "؛ لأنها من ~~دار يدور، أي: أحاط، ومعنى " تربص الدوائر " أي: انتظار ~~المصائب؛ قال: [الطويل] # 2837- تربص بها ريب المنون لعلها # تطلق يوما أو يموت حليلها # قال يمان بن رئاب: " يعني ينقلب الزمان عليكم فيموت الرسول صلى ~~الله عليه وسلم ويظهر المشركون ". قوله: { عليهم دآئرة ~~السوء } هذه الجملة معترضة بين جمل هذه القصة، وهي دعاء على ~~الأعراب المتقدمين، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو هنا: " السوء " ، وكذا ~~الثانية في الفتح بالضم والباقون بالفتح. # وأما الأولى في الفتح، وهي " ظن السوء ". # فاتفق على فتحها السبعة. فأما المفتوح فقيل: هو مصدر. # قال الفراء: " فتح السين هو الوجه؛ لأنه مصدر يقال: سؤته ~~سوءا، ومساءة، وسوائية، ومسائية، وبالضم الاسم، كقولك: ~~عليهم دائرة البلاء والعذاب ". # قال أبو البقاء: " وهو الضرر، وهو مصدر في الحقيقة ". يعني أنه ~~في الأصل كالمفتوح، في أنه مصدر، ثم أطلق على كل ضرر وشر. ~~وقال مكي: " من فتح السين ms4496 فمعناه الفساد والرداءة، ومن ضمها ~~فمعناه الهزيمة والبلاء والضرر ". وظاهر هذا أنهما اسمان لما ذكر. ~~ويحتمل أن يكونا في الأصل مصدرا ثم أطلقا على ما ذكر. وقال غيره: ~~المضموم العذاب والضرر، والمفتوح: الذم، ألا ترى أنه أجمع على فتح # ظن السوء # [الفتح:6] وقوله: # ما كان أبوك امرأ سوء # [مريم:28]، إذ لا يليق ذكر العذاب بهذين الموضعين. وقال الزمخشري ~~فأحسن: " المضموم: العذاب، والمفتوح ذم ل " دائرة " كقولك: رجل ~~سوء، في نقيض رجل عدل؛ لأن من دارت عليه يذمها ". يعني أنها ~~من باب إضافة الموصوف إلى صفته، فوصفت في الأصل بالمصدر مبالغة، ثم ~~أضيفت لصفتها، كقوله تعالى: # ما كان أبوك امرأ سوء # [مريم:28]. قال أبو حيان " وقد حكي بالضم "؛ وأنشد الأخفش: ~~[الطويل] # 2838- وكنت كذئب السوء لما رأى دما # بصاحبه يوما أحال على الدم # وفي " الدائرة " مذهبان: # أظهرهما: أنها صفة على فاعلة، ك " قائمة ". وقال الفارسي: " يجوز أن ~~تكون مصدرا كالعافية، ولو لم تضف الدائرة إلى السوء، أو السوء لما عرف ~~منها معنى السوء؛ لأن دائرة الدهر لا تستعمل إلا في المكروه، ~~والمعنى: يدور عليهم البلاء والحزن، فلا يرون في محمد، ودينه إلا ما ~~يسوؤهم ". ثم قال: { والله سميع } لقولهم، { عليم } ~~بنياتهم. # قوله تعالى: { ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم ~~الآخر } الآية. # لما بين أن في الأعراب من يتخذ إنفاقه في سبيل الله مغرما، ~~بين هنا أن منهم أيضا من يؤمن بالله واليوم الآخر. قال مجاهد: هم ~~بنو مقرن من مزينة. وقال الكلبي هم أسلم، وغفار، وجهينة. وروى أبو ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لأسلم وغفار، وشيء من مزينة وجهينة، خير عند الله ~~يوم القيامة، من أسد وغطفان وهوازن وتميم ". # قوله: { ويتخذ ما ينفق قربات } ف " قربات " مفعول ~~ثان ل " يتخذ " كما مر في { مغرما } [التوبة:98] ولم يختلف ~~قراء السبعة في ضم الراء من " قربات " ، مع اختلافهم في راء " ~~قربة " كما سيأتي، فيحتمل أن تكون هذه جمعا ل " قربة " بالضم، ~~كما هي قراءة ورش عن نافع، ويحتمل أن تكون ms4497 جمعا للساكنها، وإنما ~~ضمت إتباعا، ك " غرفات " ، وقد تقدم التنبيه على هذه ~~القاعدة، وشروطها عند قوله: # في ظلمات # [البقرة:17] أول البقرة. # قال الزجاج: يجوز في " القربات " أوجه ثلاثة، ضم الراء، وإسكانها، ~~وفتحها. # والمعنى: أنهم يتخذون ما ينفقونه سببا لحصول القربات عند الله. # قوله: " عند الله " في هذا الظرف ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنه متعلق ب " يتخذ " والثاني: أنه ظرف ل " قربات " ~~، قاله أبو البقاء. وليس بذلك. # الثالث: أنه متعلق بمحذوف، لأنه صفة ل " قربات ". قوله: { ~~وصلوات الرسول } فيها وجهان: # أظهرهما: أنها نسق على " قربات " ، وهو ظاهر كلام الزمخشري، فإنه ~~قال: " والمعنى أن ما ينفقه سبب لحصول القربات عند الله وصلوات ~~الرسول، لأنه كان يدعو للمتصدقين بالخير، كقوله: # " اللهم صل على أل أبي أوفى " # والثاني - وجوزه ابن عطية ولم يذكر أبو البقاء غيره -: أنها ~~منسوقة على " ما ينفق " ، أي: ويتخذ بالأعمال الصالحة صلوات ~~الرسول قربة. # قوله: { ألا إنها قربة } الضمير في " إنها " قيل: عائد على ~~" صلوات ". # وقيل: على النفقات أي: المفهومة من " ينفقون ". وقرأ ورش " ~~قربة " بضم القاف والراء، والباقون بسكونها، فقيل: لغتان. وقيل: ~~الأصل السكون، والضم إتباع. وقد تقدم الخلاف بين أهل التصريف، هل ~~يجوز تثقيل " فعل " إلى " فعل "؟ وأن بعضهم جعل " يسرا، عسرا ~~" بضم السين فرعين على سكونها، وقيل: الأصل " قربة " بالضم، ~~والسكون تخفيف، نحو: كتب ورسل، وهذا أجرى على لغة العرب، إذ مبناها ~~الهرب من الثقل إلى الخفة. وفي استئناف هذه الجملة وتصدرها بحرفي ~~التنبيه والتحقيق المؤذنين بثبات الأمر وتمكنه شهادة من الله بصحة ما ~~اعتقده من إنفاقه. قال معناه الزمخشري، قال: وكذلك سيدخلهم وما في ~~السين من تحقيق الوعد. ثم قال: { إن الله غفور } لسيآتهم ~~" رحيم " بهم حيث وفقهم لهذه الطاعات. # قوله تعالى: { والسابقون الأولون } الآية. # " والسابقون " فيه وجهان: # أظهرهما: أنه مبتدأ، وفي خبره ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنه الجملة الدعائية من قوله: { رضي الله عنهم }. # والثاني: أن الخبر قوله: " الأولون " ، والمعنى: والسابقون إلى ~~الهجرة الأولون من أهل هذه الملة، أو السابقون إلى الجنة ~~الأولون من أهل الهجرة. # الثالث: ms4498 أن الخبر قوله: { من المهاجرين والأنصار } ~~والمعنى فيه الإعلام بأن السابقين من هذه الأمة من المهاجرين ~~والأنصار، ذكر ذلك أبو البقاء. وفي الوجهين الأخيرين تكلف. # الثاني من وجهي " السابقين ": أن يكون نسقا على " من يؤمن ~~بالله " ، أي: ومنهم السابقون، وفيه بعد، والجمهور على جر " ~~الأنصار " نسقا على " المهاجرين " يعني أن السابقين من هذين ~~الجنسين. # وقرأ جماعة كثيرة أجلاء: عمر بن الخطاب، وقتادة، والحسن، ~~وسلام، وسعيد ابن أبي سعيد، وعيسى الكوفي، وطلحة، ويعقوب " ~~والأنصار " برفعها، وفيها وجهان: # أحدهما: أنه مبتدأ، وخبره " رضي الله عنهم ". والثاني: عطفه على " ~~السابقون " ، وقد تقدم ما فيه، فيحكم عليه بحكمه. # قوله: " بإحسان " متعلق بمحذوف، لأنه حال من فاعل " اتبعوهم ~~". وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يرى أن الواو ساقطة من قوله: " ~~والذين اتبعوهم " ويقول: إن الموصول صفة لمن قبله، حتى قال ~~له زيد بن ثابت: إنها بالواو، فقال: ائتوني بأبي، فأتوه به، فقال ~~له: تصديق ذلك في كتاب الله في أول الجمعة # وآخرين منهم لما يلحقوا بهم # [الجمعة:2]، وأوسط الحشر # والذين جآءوا من بعدهم # [الحشر:10] وآخر الأنفال # والذين آمنوا من بعد وهاجروا # [الأنفال:75]. وروي أنه سمع رجلا يقرؤها بالواو، فقال: من أقرأك؟ ~~فقال: أبي، فدعاه، فقال: أقرأنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنك ~~لتبيع القرظ بالبقيع، قال: صدقت، وإن شئت قل: شهدنا وغبتم، ~~ونصرنا وخذلتم، وآوينا وطردتم، ومن ثم قال عمر: لقد كنت ~~أرانا رفعنا رفعة، لا يبلغها أحد بعدنا. # فصل # لما ذكر فضائل الأعراب الذين يتخذون ما ينفقون قربات عند الله، ~~وما أعد لهم، بين أن فوق منزلتهم منازل أعلى وأعظم منها، وهي منازل ~~السابقين الأولين. واختلفوا فيهم، فقال ابن عباس، وسعيد بن ~~المسيب، وقتادة، وابن سيرين، وجماعة: هم الذين صلوا إلى القبلتين، وقال ~~عطاء بن أبي رباح: هم الذين شهدوا معه بيعة الرضوان، وكانت بيعة الرضوان ~~بالحديبية. وقال أبو مسلم: من تقدم موته بعد الإسلام من الشهداء وغيرهم. ~~وقال ابن الخطيب: " والصحيح عندي أنهم السابقون في الهجرة، ~~والنصرة، لكونه وصفهم بكونهم مهاجرين ms4499 وأنصارا ". واختلفوا هل يتناول ~~جميع الصحابة الذين سبقوا إلى الهجرة، والنصرة أم يتناول بعضهم؟ فقال ~~قوم: إنه يتناول الذين سبقوا في الهجرة والنصرة وعلى هذا، فلا يتناول ~~إلا قدماء الصحابة، لأن كلمة " من " للتبعيض. # ومنهم من قال: بل يتناول جميع الصحابة؛ لأن جملة الصحابة موصوفون ~~بكونهم سابقين أولين بالنسبة إلى سائر المسلمين، وكلمة " من " في قوله ~~" من المهاجرين والأنصار " ليست للتبعيض، بل للتبيين، كقوله: # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # [الحج:30]، وذهب إلى هذا كثير من الناس. # روى حميد بن زياد أنه قال: قلت يوما لمحمد بن كعب القرظي: ~~ألا تخبرني عن أصحاب الرسول فيما كان بينهم؟ وأردت الفتن، فقال: إن ~~الله قد غفر لجميعهم، وأوجب لهم الجنة في كتابه، محسنهم ومسيئهم، قلت ~~له: وفي أي موضع أوجب لهم الجنة؟ قال: سبحان الله! ألا تقرأ قوله: { ~~والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار } ~~[التوبة:100] إلى آخر الآية؟ فأوجب الله لجميع أصحاب النبي - عليه الصلاة ~~والسلام - الجنة والرضوان، وشرط على التابعين شرطا، قلت: وما ذاك ~~الشرط؟ فقال: شرط عليهم أن يتبعوهم بإحسان، وهو أن يقتدوا بهم في ~~أعمالهم الحسنة، ولا يقتدوا بهم في غير ذلك، أو يقال: المراد أن يتبعوهم ~~بإحسان في القول، وهو ألا يقولوا فيهم سوءا، وألا يوجهوا الطعن ~~فيما أقدموا عليه. قال حميد بن زياد: فكأني ما قرأت هذه الآية قط، ~~قال أبو منصور البغدادي التميمي: أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم ~~الخلفاء الأربعة، ثم الستة الباقون إلى تمام العشرة، ثم البدريون، ثم ~~أصحاب أحد، ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية. # فصل # واختلفوا في أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد امرأته خديجة ~~مع اتفاقهم على أنها أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~جابر: أول من أسلم وصلى علي بن أبي طالب. قال مجاهد وابن إسحاق: ~~أسلم وهو ابن عشر سنين. وقال ابن عباس، وإبراهيم النخعي، والشعبي: ~~أول من آمن بعد خديجة أبو بكر الصديق. وقال الزهري وعروة بن ~~الزبير: أول من أسلم زيد بن حارثة. # وكان ms4500 إسحاق بن إبراهيم الحنظلي بجمع بين هذه الأخبار فيقول: " أول من ~~أسلم من الرجال أبو بكر، ومن النساء خديجة ومن الصبيان علي، ومن ~~العبيد زيد بن حارثة ". قال ابن إسحاق: لما أسلم أبو بكر أظهر إسلامه، ~~ودعا إلى الله وإلى رسوله، وكان رجلا محسنا سهلا، وكان تاجرا، ~~ذا خلق، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه، لعلمه وحسن مجالسته. ~~فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه فأسلم على يده فيما بلغني عثمان ~~والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة ~~بن عبيد الله؛ فجاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أسلموا ~~وصلوا معه، فكان هؤلاء الثمانية نفر الذين سبقوا إلى الإسلام، ثم ~~تتابع الناس في الدخول في الإسلام، أما السابقون من الأنصار ~~الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة الأولى وكانوا ~~ستة نفر ثم أصحاب العقبة الثانية وكانوا اثني عشر رجلا، ثم العقبة ~~الثالثة وكانوا سبعين فهلاء سباق الأنصار. ثم بعث رسول الله، مصعب بن ~~عمير إلى أهل المدينة يعلمهم القرآن؛ فأسلم على يده خلق كثير وجماعة من ~~النساء والصبيان. # والمراد بالمهاجرين الذين هاجروا قومه وعشيرتهم، وفارقوا أوطانهم، ~~والأنصار الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أعدائه، وآووا ~~أصحابه. # { والذين اتبعوهم بإحسان } [التوبة:100] قيل: هم بقية ~~المهاجرين والأنصار سوى السابقين الأولين وعلى هذا أتي ب " من " ~~للتبعيض. وقيل: هم الذين سلكوا سبيلهم في الإيمان والهجرة والنصرة إلى ~~يوم القيامة. وقال عطاء: الذين يذكرون المهاجرين والأنصار بالترحم ~~والدعاء. ثم جمع الله في الثواب فقال: { رضي الله عنهم ~~ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها ~~الأنهار } وقرأ ابن كثير: " تجري من تحتها " ب " من " ~~الجارة، وهي مرسومة في مصاحف مكة. والباقون " تحتها " بدونها ولم ~~ترسم في مصاحفهم. وأكثر ما جاء القرآن موافقا لقراءة ابن كثير في ~~غير موضع. # قوله: { وممن حولكم... } خبر مقدم، و " منافقون " ~~مبتدأ، و " من الأعراب " لبيان الجنس. " ومن أهل المدينة " ~~يجوز أن يكون نسقا على " من ms4501 " المجرورة ب " من " ، فيكون ~~المجروران مشتركين في الإخبار عن المبتدأ، وهو " منافقون " بهما، ~~كأنه قيل: المنافقون من قوم حولكم، ومن أهل المدينة، وعلى هذا هو من ~~عطف المفردات، إذ عطفت خبرا على خبر، وعلى هذا، فيكون قوله: " مردوا ~~" مستأنفا لا محل له. ويجوز أن يكون الكلام تم عند قوله: " ~~منافقون " ويكون قوله " ومن أهل المدينة " خبرا مقدما، ~~والمبتدأ بعده محذوف قامت صفته مقامه وحذف الموصوف وإقامة صفته ~~مقامه - وهي جملة - مطرد مع " من " التبعيضية، وقد مر تحريره، ~~نحو: " منا ظعن، ومنا أقام " والتقدير: ومن أهل المدينة قوم، ~~أو أناس مردوا، وعلى هذا فهو من عطف الجمل. # ويجوز أن يكون " مردوا " على الوجه الأول صفة ل " منافقون " ~~وقد فصل بينه وبين صفته بقوله: " ومن أهل المدينة " ، والتقدير: ~~وممن حولكم، ومن أهل المدينة منافقون ماردون. # قال ذلك الزجاج، وتبعه الزمخشري، وأبو البقاء، واستبعده أبو حيان، ~~للفصل بين الصفة وموصوفها. # قال: " فيصير نظيره في الدار زيد، وفي القصر العاقل ". يعني ففصلت ~~بين " زيد " ، و " العاقل " بقولك: " وفي القصر ". وشبه الزمخشري حذف ~~المبتدأ الموصوف في الوجه الثاني، وإقامة صفته مقامه بقوله: [الوافر] # 2839- أنا ابن جلا.................. # ....................... # قال أبو حيان: " إن عنى في مطلق حذف الموصوف فحسن، وإن كان شبهه ~~به في خصوصيته فليس بحسن؛ لأن حذف الموصوف مع " من " مطرد؛ ~~وقوله: [الوافر] # 2840- أنا ابن جلا................. # ....................... # ضرورة؛ كقوله: [الرجز] # 2841- يرمي بكفي كان من أرمى البشر # والبيت المشار إليه، هو قوله: [الوافر] # 2842- أنا ابن جلا وطلاع الثنايا # متى أضع العمامة تعرفوني # وللنحاة في هذا البيت تأويلات: # أحدها: ما تقدم. والآخر: أن هذه الجملة محكية؛ لأنها قد سمي بها ~~هذا الرجل، فإن " جلا " فيه ضمير فاعل، ثم سمي بها وحكيت ~~كما قالوا: شاب قرناها، وذرى حبا، وقوله: [الرجز] # 2843- نبئت أخوالي بني يزيد # ظلما علينا لهم فديد # والثالث: وهو مذهب عيسى بن عمر: أنه فعل فارغ من الضمير، وإنما ~~لم ينون؛ لأنه عنده غير منصرف، فإنه يمنع بوزن الفعل المشترك، ~~فلو سمي ب " ضرب، وقتل " منعهما، أما مجرد الوزن ms4502 من غير نقل من ~~فعل فلا يمنع ألبتة، نحو: جمل، وجبل. والمراد بأهل المدينة: ~~الأوس والخزرج. و " مردوا " أي: مهروا، وتمرنوا، وثبتوا على ~~النفاق. # وقال ابن إسحاق: لجوا فيه وأبوا غيره. وقال ابن زيد: أقاموا عليه ~~ولم يتوبوا. وقد تقدم الكلام على هذه المادة في النساء، عند قوله: # شيطانا مريدا # [النساء:117]. # قوله: " لا تعلمهم " هذه الجملة في محل رفع أيضا صفة ل " ~~منافقون " ، ويجوز أن تكون مستأنفة، والعلم هنا يحتمل أن يكون على ~~بابه؛ فيتعدى لاثنين، أي: لا تعلمهم منافقين فحذف الثاني للدلالة ~~عليه بتقدم ذكر المنافقين؛ ولأن النفاق من صفات القلب، لا يطلع ~~عليه. وأن تكون العرفانية فتتعدى لواحد، قاله أبو البقاء. وأما " ~~نحن نعلمهم " فلا يجوز أن تكون إلا على بابها، لما تقدم في ~~الأنفال، وإن كان الفارسي في إيضاحه صرح بإسناد المعرفة إليه تعالى، ~~وهو محذور لما تقدم. # قوله: " سنعذبهم مرتين " تقدم الكلام في نصب # مرة # [التوبة:13]، وأنه من وجهين، إما المصدرية، وإما الظرفية، فكذلك ~~هذا، وهذه التثنية يحتمل أن يكون المراد بها شفع الواحد، وعليه ~~الأكثر، واختلفوا في تفسيرها، وألا يراد بها التثنية الحقيقية، بل ~~يراد بها التكثير، كقوله تعالى: # ثم ارجع البصر كرتين # [الملك:4]، أي: كرات، بدليل قوله: # ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير # [الملك:4]، أي: مزدجرا، وهو كليل، ولا يصيبه ذلك إلا بعد كرات، ~~ومثله " لبيك، وسعديك، وحنانيك ". # وروى عياش عن أبي عمرو " سنعذبهم " بسكون الباء، وهو على عادته ~~في تخفيف توالى الحركات ك # ينصركم # [آل عمران:160] وبابه، وإن كان باب " ينصركم " أحسن تسكينا، لكون ~~الراء حرف تكرار؛ فكأنه توالى ضمتان، بخلاف غيره، وقد تقدم ~~تحريره. # وقال أبو حيان: وفي مصحف أنس " سيعذبهم " بالياء، وقد تقدم ~~أن المصاحف كانت مهملة من النقط والضبط بالشكل، فكيف يقال هذا؟! # فصل # وأما اختلافهم في هذين العذابين: فقال السدي والكلبي: قام ~~النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا يوم الجمعة فقال: # " اخرج يا فلان فإنك منافق اخرج يا فلان... " # فأخرج من المسجد ناسا، وفضحهم، فهذا هو العذاب الأول. # والثاني: ms4503 عذاب القبر. وقال مجاهد: الأول القتل والسبي، والثاني عذاب ~~القبر، وعنه رواية أخرى عذبوا بالجوع مرتين. وقال قتادة: بالدبيلة ~~في الدنيا، وعذاب القبر. وقال ابن زيد: الأولى المصائب في الأموال ~~والأولاد في الدنيا، والأخرى عذاب القبر. وعن ابن عباس: الأولى ~~إقامة الحدود عليهم، والأخرى عذاب القبر. وقال ابن إسحاق: هو ما يدخل ~~عليهم من غيظ الإسلام، ودخولهم فيه من غير حسبة، ثم عذاب القبر. وقيل: ~~أحدهما ضرب الملائكة وجوههم، وأدبارهم عند قبض أرواحهم، ثم عذاب القبر، ~~وقيل: الأولى إحراق مسجدهم مسجد الضرار، والأخرى إحراقهم بنار جهنم ~~ثم يردون إلى عذاب عظيم أي: عذاب جهنم يخلدون فيه وقال الحسن: ~~الأولى أخذ الزكاة من أموالهم، وعذاب القبر. # قوله تعالى: { وآخرون اعترفوا بذنوبهم } الآية. # " وآخرون " نسق على " منافقون " أي: وممن حولكم آخرون، أو من أهل ~~المدينة آخرون. ويجوز أن يكون مبتدأ، و " اعترفوا " صفته، والخبر قوله: ~~" خلطوا ". قوله: " وآخر " نسق على " عملا ". قال الزمخشري: " ~~فإن قلت: قد جعل كل واحد منهما مخلوطا، فما المخلوط به؟ قلت: ~~كل واحد مخلوط ومخلوط به؛ لأن المعنى: خلط كل واحد منهما بالآخر، ~~كقولك: خلطت الماء واللبن، تريد: خلطت كل واحد منهما بصاحبه. ~~وفيه ما ليس في قولك: خلطت الماء باللبن؛ لأنك جعلت الماء ~~مخلوطا، واللبن مخلوطا به، وإذا قلته بالواو جعلت الماء ~~واللبن مخلوطين، ومخلوطا بهما، كأنك قلت: خلطت الماء باللبن، ~~واللبن بالماء ". # ثم قال " ويجوز أن يكون من قولهم: بعت الشاة: شاة ودرهما، ~~بمعنى: شاة بدرهم ". # قال شهاب الدين: " لا يريد أن الواو بمعنى الباء، وإنما هذا ~~تفسير معنى " وقال أبو البقاء: " ولو كان بالباء جاز أن تقول: خلطت ~~الحنطة والشعير، وخلطت الحنطة بالشعير ". # قوله: " عسى الله " يجوز أن تكون الجملة مستأنفة، ويجوز أن ~~تكون في محل رفع خبرا ل " آخرون " ويكون قوله " خلطوا " في محل ~~نصب على الحال، و " قد " معه مقدرة، أي: قد خلطوا. فتلخص في: " ~~آخرون " أنه معطوف على " منافقون " ، أو مبتدأ مخبر عنه ب " ~~خلطوا " ، أو بالجملة الرجائية. # فصل # قيل: إنهم قوم ms4504 من المنافقين، تابوا عن النفاق؛ لأنه عطف على ~~قوله { وممن حولكم من الأعراب منافقون } والعطف ~~يوهم التشريك، إلا أنه تعالى وفقهم للتوبة. وقيل: إنهم قوم من ~~المسلمين تخلفوا عن غزوة تبوك، كسلا، لا نفاقا، ثم ندموا على ما ~~فعلوا وتابوا. # وروي أنهم كانوا ثلاثة: أبو لبابة مروان بن عبد المنذر، وأوس بن ثعلبة ~~ووديعة بن حزام. وروى عطية عن ابن عباس: كانوا خمسة، أحدهم أبو لبابة. ~~وقال سعيد بن جبير: كانوا ثمانية. وقال قتادة والضحاك: كانوا سبعة. ~~وقالو جميعا أحدهم أبو لبابة. وقال قوم: نزلت في أبي لبابة خاصة، وروي ~~عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أنهم كانوا عشرة، فسبعة منهم أوثقوا ~~أنفسهم لما بلغهم ما نزل في المتخلفين، فأوثقوا أنفسهم بسواري المسجد، ~~فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل المسجد وصلى ركعتين، وكانت ~~عادته كلما قدم من سفر، فرآهم موثقين، فسأل عنهم؛ فقالوا: هؤلاء ~~تخلفوا عنك، فعاهدوا الله ألا يطلقوا أنفسهم حتى يكون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يطلقهم ويرضى عنهم، فقال: # " وأنا أقسم أن لا أحلهم حتى أومر فيهم " # ؛ فنزلت هذه الآية فأطلقهم وعذرهم، فقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا ~~التي خلفتنا عنك، فتصدق بها عنا وطهرنا، فقال: # " ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا " # ؛ فنزل قوله: # خذ من أموالهم صدقة # [التوبة:103] الآية. # والاعتراف: عبارة عن الإقرار بالشيء عن معرفة، ومعناه: أنهم ~~أقروا بذنبهم. # والعمل الصالح: هو توبتهم واعترافهم بذنبهم وربطهم أنفسهم. والعمل ~~السيىء: هو تخلفهم. # وقيل: العمل الصالح: خروجهم مع الرسول - عليه الصلاة والسلام - إلى ~~سائر الغزوات، والعمل السيىء: تخلفهم عن غزوة تبوك. # فصل # قالوا: إن الكلام ينزل على عرف الناس، فالسلطان إذا التمس ~~المحتاج منه شيئا؛ فإنه لا يجيب إلا بالترجي ب " لعل، أو عسى " ، ~~تنبيها على أنه ليس لأحد أن يلزمني شيئا؛ بل كل ما أفعله فإنما أفعله ~~على سبيل التفضل، فهذا المعنى هو فائدة ذكر " عسى ". # والاعتراف بمجرده لا يكون توبة، إلا إذا اقترن به الندم على ~~الماضي، والعزم على ms4505 تركه في المستقبل. # فصل # دلت هذه الآية على عدم القول بالإحباط، وأن الطاعة تبقى موجبة ~~للمدح والثواب، والمعصية تبقى موجبة للذم والعقاب؛ لأن قوله تعالى: ~~{ خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا } [التوبة:102] يدل على ~~أن كل واحد منهما يبقى كما كان من غير أن يتأثر أحدهما بالآخر، لأنه ~~وصفه بالاختلاط، والمختلطان لا بد وأن يكونا باقيين حال اختلاطهما، لأن ~~الاختلاط صفة للمختلطين، وحصول الوصف حال عدم الموصوف محال؛ فدل على ~~بقاء العملين حال الاختلاط. # فصل # قوله: { عسى الله أن يتوب عليهم } يقتضي أن هذه ~~التوبة إنما تحصل في المستقبل. وقوله: { وآخرون اعترفوا ~~بذنوبهم } يدل على أن ذلك الاعتراف حصل في الماضي، وذلك يدل ~~على أن ذلك الاعتراف ما كان مقرونا بنفس التوبة؛ بل كان مقدما على ~~التوبة، والتوبة إنما حصلت بعده. ### || [9.103-106] # قوله: { خذ من أموالهم صدقة } قال الحسن: هذا راجع إلى ~~الذين تابوا؛ لأنهم بذلوا أموالهم للصدقة؛ فأوجب الله تعالى أخذها، ~~وصار ذلك معتبرا في كمال توبتهم، فتكون جارية مجرى الكفارة. وليس المراد ~~منها الصدقة الواجبة، وإنما هي كفارة الذنب. وهذا بناء على القول ~~بأنهم ليسوا منافقين، ويدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام: # " ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا " # فلو كانت واجبة لم يقل ذلك. وأيضا روي أنه عليه الصلاة والسلام: أخذ ~~الثلث وترك الثلثين. والواجبة ليست كذلك. وقيل: إن الزكاة كانت واجبة ~~عليهم، فلما تابوا عن تخلفهم عن الغزو، وحسن إسلامهم، وبذلوا الزكوات ~~أمر الله رسوله أن يأخذها منهم. وهذا بناء على أنهم كانوا منافقين. # وقيل: هذا كلام مبتدأ، والمقصود منه إيجاب أخذ الزكاة من الأغنياء، ~~وعليه أكثر الفقهاء، واستدلوا بقوله { خذ من أموالهم ~~صدقة }. فدل على أن المأخوذ بعض تلك الأموال لا كلها؛ لأن " ~~من " للتبعيض، ثم إن مقدار ذلك البعض غير مصرح به، بل المصرح به قوله: ~~" صدقة " ، وليس المراد منه التنكير حتى يكفي أخذ أي جزء كان، وإن كان ~~في غاية القلة مثل الحبة الواحدة من الحنطة، أو الجزء الحقير من ~~الذهب، فوجب أن يكون ms4506 المراد منه صدقة معلومة الصفة والكيفية والكمية ~~عندهم، حتى يكون قوله: { خذ من أموالهم صدقة } ~~[التوبة:103] أمرا بأخذ تلك الصدقة المعلومة، لكي يزول الإجمال. ~~وليست إلا الصدقة التي وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يأخذ ~~في خمس وعشرين بنت مخاض، وفي ست وثلاثين بنت لبون، إلى غير ذلك، وأجاب ~~الأولون بأن النبي صلى الله عليه وسلم بينها بأخذ الثلث فزال ~~الإجمال، وظهر تعلق الآية بما قبلها، وعلى قولكم لا يظهر تعلق الآية بما ~~قبلها. # قوله: {.. من أموالهم.. } يجوز فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق ب " خذ " ، و " من " تبعيضية. # والثاني: أن تتعلق بمحذوف؛ لأنها حال من " صدقة " ، إذ هي في ~~الأصل صفة لها، فلما قدمت نصبت حالا. والصدقة: مأخوذة من ~~الصدق، وهي دليل على صحة إيمانه، وصدق باطنه مع ظاهره، وأنه ليس ~~من المنافقين الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات. # قوله: { تطهرهم وتزكيهم } يجوز أن تكون التاء في " ~~تطهرهم " خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم، وأن تكون للتنبيه، ~~والفاعل ضمير الصدقة، فعلى الأول تكون الجملة في محل نصب على الحال ~~من فاعل " خذ ". ويجوز أن تكون صفة ل " صدقة " ، ولا بد حينئذ ~~من حذف عائد، تقديره: تطهرهم بها، وحذف " بها " ، لدلالة ما بعده ~~عليه. # وعلى الثاني تكون الجملة صفة ل " صدقة " ليس إلا، وأما " ~~تزكيهم " فالتاء فيه للخطاب لا غير، لقوله " بها " ، فإن الضمير ~~يعود على الصدقة فاستحال أن يعود الضمير من " تزكيهم " إلى ~~الصدقة. وعلى هذا فتكون الجملة حالا من فاعل " خذ " على قولنا: ~~إن " تطهرهم " حال منه، وإن التاء فيه للخطاب. ويجوز أيضا أن ~~تكون صفة إن قلنا: إن " تطهرهم " صفة، والعائد منها محذوف. ~~وجوز مكي أن يكون " تطهرهم " صفة ل " صدقة " ، على أن ~~التاء للغيبة، و " تزكيهم " حالا من فاعل " خذ " ، على أن ~~التاء للخطاب، وردوه عليه بأن الواو عاطفة، أي: صدقة مطهرة، ~~ومزكيا بها، ولو كان بغير واو جاز، ووجه الفساد ظاهر، فإن الواو ~~مشتركة لفظا ومعنى، فلو كانت " وتزكيهم " عطفا على " تطهرهم ms4507 " ~~للزم أن يكون صفة كالمعطوف عليه؛ إذ لا يجوز اختلافهما، ولكن يجوز ~~ذلك على أن " تزكيهم " خبر مبتدأ محذوف، وتكون الواو للحال، تقديره: ~~وأنت تزكيهم، وفيه ضعف، لقلة نظيره في كلامهم. وتلخص من ذلك أن ~~الجملتين يجوز أن تكونا حالين من فاعل " خذ " على أن تكون التاء ~~للخطاب، وأن تكونا صفتين ل " صدقة " على أن التاء للغيبة، والعائد ~~محذوف من الأولى، وأن يكون " تطهرهم " حالا، أو صفة، و " ~~تزكيهم " حالا على ما جوزه مكي، وأن يكون " تزكيهم " خبر مبتدأ ~~محذوف، والواو للحال. وقرأ الحسن " تطهرهم " مخففا من " أطهر " ~~عداه بالهمزة. # فصل # دلت هذه الآية على أن الزكاة تتعلق بالأموال لا بالذمة، لقوله ~~{ خذ من أموالهم } فلو مات أخذت من التركة. وقال ~~الشافعي: إنها تتعلق بالذمة، فلو فرط حتى هلك النصاب، وجبت ~~الزكاة؛ لأن الذي هلك ما كان محلا للحق. ودلت الآية أيضا على ~~أن الزكاة إنما وجبت طهرة للآثام؛ فلا تجب إلا على البالغ. وهو ~~قول أبي حنيفة. وإذا قلنا: تتعلق بالمال وجبت في مال الصبي، وفي مال ~~المديون. # فصل # معنى التطهر ما روي أن الصدقة أوساخ الناس، فإذا أخذت الصدقة ~~فقد اندفعت تلك الأوساخ؛ فكان دفعها جاريا مجرى التطهر. والتزكية: ~~مبالغة في التطهر، وقيل: التزكية بمعنى الإنماء، وقيل: الصدقة ~~تطهرهم من نجاسة الذنب والمعصية، والرسول يزكيهم، ويعظم شأنهم ويثني ~~عليهم عند إخراجها إلى الفقراء. ولذلك يقول الساعي له: آجرك الله ~~فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت، وجعله لك طهورا. # قوله: { وصل عليهم إن صلوتك سكن لهم }. قرأ ~~الأخوان، وحفص " إن صلاتك " ، وفي هود # أصلوتك تأمرك # [هود:87] بالتوحيد - والباقون " إن صلواتك " ، " أصلواتك " بالجمع ~~فيهما، وهما واضحتان، إلا أن الصلاة هنا: الدعاء، وفي تيك: ~~العبادة. قال أبو عبيد: وقراءة الإفراد أولى؛ لأن الصلاة أكثر، ~~قال تعالى: # وأقيموا الصلاة # [البقرة:43] والصلوات جمع قلة، تقول: ثلاث صلوات، وخمس صلوات. # قال أبو حاتم: وهذا غلط، لأن بناء الصلوات ليس للقلة، قال تعالى: # ما نفدت كلمات الله # [لقمان:27] ولم يرد التقليل، وقال: # وهم في الغرفات ms4508 # [سبأ:37]، وقال # إن المسلمين والمسلمات # [الأحزاب:35]. والسكن: الطمأنينة. وقال ابن عباس: رحمة لهم. ~~وقال أبو عبيدة: تثبيتا لقلوبهم؛ ومن الطمأنينة قوله: [البسيط] # 2844- يا جارة الحي ألا كنت لي سكنا # إذ ليس بعض من الجيران أسكنني # ف " فعل " بمعنى " مفعول " ، كالقبض بمعنى: المقبوض، والمعنى: ~~يسكنون إليها. # قال أبو البقاء: " ولذلك لم يؤنثه ". لكن الظاهر أنه هنا ~~بمعنى " فاعل " ، لقوله: " لهم ". ولو كان كما قال لكان التركيب " سكن ~~إليها " أي: مسكون إليها، فقد ظهر أن المعنى: مسكنة لهم. # فصل # قال ابن عباس: معنى الصلاة عليهم: أن يدعو لهم. وقال آخرون: ~~معناه أن يقول لهم اللهم صل على فلان، ونقل عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، أن آل أبي أوفى لما أتوه بالصدقة قال: # " اللهم صل على آل أبي أوفى ". # واختلفوا في وجوب الدعاء من الإمام عند أخذ الصدقة، قال بعضهم: يجب. ~~وقال بعضهم: يستحب. وقال بعضهم: يجب في صدقة الفرض، ويستحب في ~~التطوع. وقيل: يجب على الإمام، ويستحب للفقير أن يدعو للمعطي. ثم قال: ~~{ والله سميع عليم }. # قوله تعالى: { ألم يعلموا أن الله هو يقبل ~~التوبة عن عباده } الآية. # لما قال في الآية الأولى # عسى الله أن يتوب عليهم # [التوبة:102] ولم يصرح في قبول توبتهم، صرح في هذه الآية بأنه ~~يقبل التوبة عن عباده، وأنه يأخذ الصدقات، أي: يقبلها. قال ~~أبو مسلم قوله: " ألم يعلموا " وإن كان بصيغة الاستفهام، ~~إلا أن المقصود منه التقدير في النفس، ومن عادة العرب في إفهام ~~المخاطب، وإزالة الشك عنه أن يقولوا: أما علمت أن من علمك يجب ~~عليك خدمته، أما علمت أن من أحسن إليك يجب عليك شكره، فبشر الله ~~هؤلاء التائبين بقبول توبتهم وصدقاتهم. ثم زاده تأكيدا بقوله: { هو ~~التواب الرحيم }. # وقرأ الحسن بخلاف عنه " ألم تعلموا " قال أبو حيان: " وفي مصحف ~~أبي " ألم تعلموا " بالخطاب، وفيه احتمالات، أحدها: أن يكون ~~خطابا للمتخلفين الذين قالوا: ما هذه الخاصية التي اختص بها ~~هؤلاء؟ وأن يكون التفاتا من غير إضمار قول، والمراد: التائبون، وأن ~~يكون على إضمار ms4509 قول، أي: قل لهم يا محمد: ألم تعلموا ". # قوله: " هو يقبل " " هو " مبتدأ، و " يقبل " خبره، والجملة ~~خبر " أن " ، و " أن " وما في حيزها سادة مسد المفعولين، أو ~~مسد الأول. ولا يجوز أن يكون " هو " فصلا، لأن ما بعده لا يوهم ~~الوصفية، وقد تقدم تحرير ذلك، قوله: " عن عباده " معلق ب " ~~يقبل " وإنما تعدى ب " عن " فقيل: لأن معنى " من " ومعنى ~~" عن " متقاربان. # قال ابن عطية: " وكثيرا ما يتوصل في موضع واحد بهذه وبهذه، نحو: " ~~لا صدقة إلا عن غنى، ومن غنى " ، وفعل ذلك فلان من أشره وبطره، ~~وعن أشره وبطره ". وقيل: لفظة " عن " تشعر ببعد ما، تقول: جلس عن ~~يمين الأمير، أي: مع نوع من البعد. والظاهر أن " عن " ~~للمجاوزة على بابها، والمعنى: يتجاوز عن عباده بقبول توبتهم، فإذا قلت: ~~أخذت العلم عن زيد؛ فمعناه المجاوزة، وإذا قلت " منه " فمعناه ابتداء ~~الغاية. قال القاضي: " لعل " عن " أبلغ؛ لأنه ينبىء عن القبول ~~مع تسهيل سبيله إلى التوبة التي قبلت " قوله: " ويأخذ ~~الصدقات " فيه سؤال: وهو أن ظاهر هذه الآية يدل على أن الآخذ ~~هو الله تعالى، وقوله: { خذ من أموالهم صدقة } يدل على ~~أن الآخذ هو الرسول - عليه الصلاة والسلام -، وقوله عليه الصلاة ~~والسلام لمعاذ # " خذها من أغنيائهم " # يدل على أن آخذ تلك الصدقات معاذ، وإذا دفعت إلى الفقير فالحس ~~يشهد أن آخذها هو الفقير، فكيف الجمع بين هذه الألفاظ؟. # والجواب من وجهين: # الأول: أنه تعالى لما قال { خذ من أموالهم } ثم ذكر ~~ههنا أن الآخذ هو، علم منه أن أخذ الرسول قائم مقام أخذ الله، ~~والمقصود منه: التنبيه على تعظيم شأن الرسول - عليه الصلاة والسلام -، ~~ونظيره قوله: # إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله # [الفتح:10]. # والثاني: أنه أضيف إلى الرسول، بمعنى أنه يأمر بأخذها، ويبلغ حكم ~~الله في هذه الواقعة إلى الناس، وأضيف إلى الفقير، بمعنى أنه هو ~~الذي يباشر الأخذ، ونظيره أنه أضاف التوفي إلى نفسه بقوله تعالى: # وهو الذي يتوفاكم # [الأنعام:60]، وأضافه إلى ملك الموت بقوله: # قل يتوفاكم ms4510 ملك الموت # [السجدة:11] وأضافه إلى الملائكة الذين هم أتباع ملك الموت بقوله: # حتى إذا جآء أحدكم الموت توفته رسلنا # [الأنعام:61]، فأضيف إلى الله بالخلق، وإلى ملك الموت بالرئاسة في ذلك ~~النوع من العمل، وإلى أتباع ملك الموت بالمباشرة التي عندها يخلق الله ~~الموت، فكذا ههنا. # قوله: " هو التواب " يجوز أن يكون فصلا، وأن يكون مبتدأ بخلاف ~~ما قبله. # فصل # روى أبو هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " والذي نفسي بيده ما من عبد يتصدق بصدقة من كسب طيب ~~ولا يقبل الله إلا طيبا، ولا يصعد إلى السماء إلا ~~الطيب إلا كأنما يضعها في يد الرحمن فيربيها له كما ~~يربي أحدكم فلوه حتى إن اللقمة لتأتي يوم ~~القيامة، وأنها لمثل الجبل العظيم " # ، ثم قرأ: { أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ~~ويأخذ الصدقات }. # قوله تعالى: { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ~~ورسوله } الآية. # قال ابن الخطيب: " هذا كلام جامع للترغيب والترهيب؛ لأن ~~المعبود إذا كان لا يعلم أفعال العباد لم ينتفع العبد بفعله أبدا، ~~ولهذا قال إبراهيم لأبيه: # لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر # [مريم:42]، وليس المقصود من هذه الحجة التي ذكرها إبراهيم - عليه ~~الصلاة والسلام - القدح في إلهية الصنم؛ لأن كل أحد يعلم ~~بالضرورة أنه حجر وخشب، وأنه عرضة لتصرف المتصرفين، فمن شاء ~~أحرقه، ومن شاء كسره، ومن كان كذلك كيف يتوهم العاقل كونه إلها؟ بل ~~المقصود أن أكثر عبدة الأصنام كانوا في زمن إبراهيم - عليه الصلاة ~~والسلام - أتباع الفلاسفة القائلين بأن إله العالم موجب بالذات، ~~وليس بموجد بالمشيئة والاختيار، فقال: الموجب بالذات إذا لم يكن عالما ~~بالجزئيات، ولم يكن قادرا على نفع ولا إضرار ولا يسمع دعاء المحتاجين، ~~ولا يرى تضرع المساكين، فأي فائدة في عبادته؟ فكان المقصود من دليل ~~إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - الطعن في قول من يقول: إن إله ~~العالم موجب بالذات. # أما إذا كان فاعلا مختارا، وكان عالما بالجزئيات، فحينئذ يحصل ~~للعباد الفوائد العظيمة وذلك لأن العبد إذا أطاع المعبود علم طاعته ms4511 ~~وقدر على إيصال الثواب إليه في الدنيا والآخرة وإن عصاه علم المعبود ~~ذلك، وقدر على إيصال العقاب إليه في الدنيا والآخرة، فقوله: { وقل ~~اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله } ترغيب عظيم ~~للمطيعين، وترهيب عظيم للمذنبين فكأنه قال: اجتهدوا في المستقبل، ~~فإن لعملكم في الدنيا حكما وفي الآخرة حكما. # أما حكمه في الدنيا، فهو أنه يراه الله ويراه الرسول ويراه ~~المؤمنون، فإن كان طاعة حصل منه الثناء العظيم في الدنيا، والثواب في ~~الآخرة، وإن كان معصية حصل منه الذم العظيم في الدنيا والعقاب الشديد ~~في الآخرة، فثبت أن هذه اللفظة جامعة لجميع ما يحتاج إليه المرء في ~~دينه ودنياه ومعاده ". # فصل # دلت هذه الآية على كونه تعالى رائيا للمرئيات؛ لأن الرؤية ~~المعداة إلى مفعول واحد، هي الإبصار، والمعداة إلى مفعولين هي ~~العلم، كقولك: رأيت زيدا فقيها، وههنا الرؤية معداة إلى مفعول واحد، ~~فتكون بمعنى الإبصار، فدلت على كونه مبصرا للأشياء كما أن قول ~~إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - # لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر # [مريم:42] يدل على كونه مبصرا للأشياء، ويقوي هذا أنه تعالى وصف ~~نفسه بالعلم بعده فقال: { وستردون إلى عالم الغيب ~~والشهادة } فلو كانت هذه الرؤية هي العلم؛ لزم التكرار الخالي ~~عن الفائدة. # فصل # دلت هذه الآية على أن كل موجود فإنه يصح رؤيته، لما بينا ~~من أن الرؤية معداة إلى مفعول واحد، والقوانين اللغوية شاهدة ~~بأن الرؤية المعداة إلى المفعول الواحد معناها: الإبصار ثم إنه تعالى ~~عدى هذه الرؤية إلى عملهم، والعمل ينقسم إلى أعمال القلوب، ~~كالإرادات والكراهات والخواطر، وإلى أعمال الجوارح، كالحركات ~~والسكنات؛ فوجب كونه تعالى رائيا للكل وأما الجبائي فإنه استدل بهذه ~~الآية على كونه تعالى رائيا للحركات والسكنات فلما قيل له: فيلزمك ~~كونه تعالى رائيا لأعمال القلوب، فأجاب بأنه تعالى عطف عليه قوله { ~~ورسوله والمؤمنون } وهم إنما يرون أفعال الجوارح؛ ~~فلما تقيدت هذه الرؤية بأعمال الجوارح في حق المعطوف؛ وجب تقييدها ~~بهذا القيد في حق المعطوف عليه، وهذا استدلال ضعيف؛ لأن العطف لا ~~يفيد إلا أصل ms4512 التشريك. فأما التسوية في كل الأمور فغير واجب ~~فدخول التخصيص في المعطوف لا يوجب دخول التخصيص في المعطوف عليه، ~~ويمكن بأن يقول الجبائي: رؤية الله تعالى حاصلة في الحال، ولفظ ~~الآية مختص بالاستقبال، لقوله: { فسيرى الله عملكم } فدل ~~على أن المراد ليس هو الرؤية، بل المراد منه الجزاء على الأعمال، ~~أي: فسيوصل لكم جزاء أعمالكم، وقد يجاب: بأن إيصال الجزاء إليهم ~~مذكور بقوله: { فينبئكم بما كنتم تعملون } فلو حملنا ~~هذه الرؤية على إيصال الجزاء، لزم التكرار وهو غير جائز. # فصل # ذكروا في الفائدة في ذكر الرسول، والمؤمنين بعد ذكر الله في أنهم يرون ~~أعمال هؤلاء التائبين وجهين: # الأول: أن أجدر ما يدعو المرء إلى العمل الصالح هو ما يحصل له من ~~المدح والتعظيم، فإذا علم أنه إذا فعل ذلك الفعل عظمه الرسول ~~والمؤمنون، عظم فرحه بذلك وقويت رغبته فيه، فكأنه قيل: إن كنت من ~~المحقين في عبودية الحق، فاعمل الأعمال الصالحة لله تعالى، وإن كنت ~~من الضعفاء المشغولين بثناء الخلق، فاعمل الأعمال الصالحة للفوز ~~بثناء الخلق، وهو الرسول والمؤمنون. # الثاني: ما ذكره أبو مسلم: أن المؤمنين شهداء الله يوم القيامة، ~~لقوله: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء ~~على الناس # [البقرة:143]، والرسول شهيد الأمة، لقوله: # وجئنا بك على هؤلاء شهيدا # [النساء:41]؛ فثبت أن الرسول والمؤمنين شهداء الله يوم القيامة، ~~والشهادة لا تصح إلا بعد الرؤية؛ فذكر الله أن الرسول والمؤمنين ~~يرون أعمالهم، والمقصود التنبيه على أنهم يشهدون يوم القيامة عند ~~حضور الأولين والآخرين، بأنهم أهل الصدق والسداد والعفاف والرشاد. # قوله: { وستردون إلى عالم الغيب والشهادة }. قال ~~ابن عباس: الغيب: ما يسرونه والشهادة: ما يظهرونه. قال حكماء ~~الإسلام: الموجودات الغائبة عن الحس علل أو كالعلل للموجودات ~~المحسوسة، وعندهم أن العلم بالعلة علة للعلم بالمعلول؛ فوجب كون ~~العلم بالغيب سابقا على العلم بالشهادة؛ فلهذا السبب أينما جاء ~~الكلام في القرآن كان الغيب مقدما على الشهادة. # فصل # إن حملنا قوله تعالى: { فسيرى الله عملكم } على الرؤية، ~~ظهر أن معناه مغايرا لمعنى قوله: { وستردون إلى ms4513 عالم ~~الغيب والشهادة } ، وإن حملنا تلك الرؤية على العلم أو على ~~إيصال الثواب، كان قوله { وستردون إلى عالم الغيب ~~والشهادة } جاريا مجرى التفسير لقوله { فسيرى الله ~~عملكم } ومعناه: بإظهار المدح والثناء والإعزاز في الدنيا أو ~~بإظهار أضدادها. وقوله: { وستردون إلى عالم الغيب ~~والشهادة } أي: ما يظهر في القيامة من حال الثواب والعقاب. # { فينبئكم بما كنتم تعملون } أي: يعرفكم أحوال ~~أعمالكم ثم يجازيكم عليها؛ لأن المجازاة من الله تعالى لا تحصل في ~~الآخرة إلا بعد التعريف، ليعرف كل أحد أن الذي وصل إليه عدل لا ~~ظلم. # قوله تعالى: { وآخرون مرجون } الآية. # قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم " مرجؤون ~~" بهمزة مضمومة بعدها " واو " ساكنة. والباقون " مرجون " دون همز، ~~وهذا كقراءتهم في الأحزاب " ترجىء " [الأحزاب:51] بالهمز، والباقون ~~بدونه. # وهما لغتان، يقال: أرجأته، وأرجيته، ك: أعطيته. ويحتمل أن ~~يكونا أصلين بنفسهما وأن تكون الياء بدلا من الهمزة؛ ولأنه قد عهد ~~تحقيقها كثيرا، ك: قرأت، وقريت، وتوضأت وتوضيت. والإرجاء: ~~التأخير. وسميت المرجئة بهذا الاسم؛ لأنهم لا يجزمون القول بمغفرة ~~التائب ولكن يؤخرونها إلى مشيئة الله. وقال الأوزاعي: لأنهم يؤخرون ~~العمل عن الإيمان. # قوله: { إما يعذبهم } يجوز أن تكون هذه الجملة في محل رفع ~~خبرا للمبتدأ، و " مرجون " يكون على هذا نعتا للمبتدأ، ويجوز أن ~~يكون خبرا بعد خبر، وأن يكون في محل نصب على الحال، أي: هم مؤخرون ~~إما معذبين، وإما متوبا عليهم، و " إما " هنا للشك بالنسبة ~~للمخاطب، فناس يقولون: هلكوا إذ لم يقبل الله لهم عذرا، وآخرون ~~يقولون: عسى الله أن يغفر لهم. وإما للإبهام بالنسبة إلى أنه ~~أبهم على المخاطبين. # فصل # اعلم أنه تعالى قسم المتخلفين ثلاثة أقسام: # أحدها: المنافقون الذين مردوا على النفاق. # والثاني: التائبون وهم المرادون بقوله: # وآخرون اعترفوا # [التوبة:102] وبين تعالى أنه قبل توبتهم. # والثالث: الذين بقوا موقوفين، وهم المذكورون في هذه الآية، والفرق بين ~~هؤلاء وبين القسم الثاني، أن هؤلاء لم يسارعوا إلى التوبة وأولئك ~~سارعوا إليها. قال ابن عباس: نزلت هذه الآية ms4514 في الذين تخلفوا: ~~كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، لم يسارعوا إلى ~~التوبة والاعتذار كما فعل أبو لبابة، فوقفهم رسول الله خمسين ليلة، ونهى ~~الناس عن مخالطتهم، حتى شفهم القلق، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت ~~وكانوا من أهل بدر؛ فجعل أناس يقولون: هلكوا، وآخرون يقولون: عسى الله ~~أن يغفر لهم، فصاروا مرجئين لأمر الله، إما يعذبهم وإما يرحمهم، ~~حتى نزلت توبتهم بعد خمسين ليلة. # { والله عليم حكيم } " عليم " بما في قلوب هؤلاء المرجئين ~~" حكيم " بما يحكم فيها. # فإن قيل: إنهم ندموا على تأخرهم عن الغزو، وتخلفهم عن الرسول - عليه ~~الصلاة والسلام -، ثم إنه لم يحكم بكونهم تائبين، بل قال: { إما ~~يعذبهم وإما يتوب عليهم } وذلك يدل على أن ~~الندم وحده لا يكفي في صحة التوبة. # فالجواب: لعلهم حين ندموا خافوا أن يفضحهم الرسول - عليه ~~الصلاة والسلام -، وعلى هذا، فلا تكون توبتهم صحيحة، فاستمر عدم ~~قبول التوبة إلى أن نزل مدحهم؛ فعند ذلك ندموا على المعصية لنفس ~~كونها معصية، فحينئذ صحت توبتهم. # فصل # احتج الجبائي بهذه الآية على أنه تعالى لا يعفو عن غير ~~التائب؛ لأنه قال في حق هؤلاء المذنبين { إما يعذبهم ~~وإما يتوب عليهم } وذلك يدل على أنه لا حكم إلا أحد ~~هذين الأمرين، وهو إما التعذيب وإما التوبة، وأما العفو عن الذنب ~~من غير توبة؛ فهو قسم ثالث. فلما أهمل الله تعالى ذكره، دل على ~~بطلانه. # وأجيب: بأنا لا نقطع بحصول العفو عن جميع المذنبين، بل نقطع بحصول ~~العفو في الجملة وأما في حق كل واحد؛ فذلك مشكوك فيه، قال تعالى: # ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء # [النساء:48] فقطع بغفران ما سوى الشرك، لكن لا في حق كل أحد، بل في ~~حق من يشاء؛ فلم يلزم من عدم العفو في حق هؤلاء، عدم العفو على ~~الإطلاق، وأيضا فعدم الذكر لا يدل على العدم، ألا ترى قوله تعالى # وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة # [عبس:38، 39] وهم المؤمنون # ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة ~~أولئك هم الكفرة الفجرة ms4515 # [عبس:40-42] فذكر المؤمنين والكافرين، ثم إن عدم ذكر القسم الثالث، ~~لم يدل عند الجبائي على نفيه؛ فكذا ههنا. ### || [9.107-110] # قوله تعالى: { والذين اتخذوا مسجدا ضرارا } الآية. # قرأ نافع، وابن عامر " الذين اتخذوا " بغير " واو ". والباقون بواو ~~العطف. فأما قراءة نافع وابن عامر فلموافقة مصاحفهم، فإن مصاحف ~~المدينة والشام حذفت منها الواو، وهي ثابتة في مصاحف غيرهم. فمن ~~أسقط الواو ففيه أوجه: # أحدها: أنها بدل من " آخرون " قبلها، وفيه نظر؛ لأن هؤلاء الذين ~~اتخذوا مسجدا ضرارا، لا يقال في حقهم: إنهم مرجون لأمر ~~الله؛ لأنه روي في التفسير أنهم من كبار المنافقين، ك: أبي عامر ~~الراهب. # الثاني: أنه مبتدأ، وفي خبره حينئذ أقوال، أحدها: أنه " ~~أفمن أسس بنيانه " والعائد محذوف تقديره: بنيانه منهم. # الثاني: أنه " لا يزال بنيانهم " قاله النحاس والحوفي ~~وفيه بعد لطول الفصل. # الثالث: أنه " لا تقم فيه " قاله الكسائي. قال ابن عطية: " ~~ويتجه بإضمار، إما في أول الآية، وإما في آخرها، بتقدير: لا تقم في ~~مسجدهم ". # الرابع: أن الخبر محذوف، تقديره: يعذبون، ونحوه، قاله المهدوي. # الوجه الثالث: أنه منصوب على الاختصاص، وسيأتي هذا الوجه أيضا في ~~قراءة الواو. # وأما قراءة الواو ففيها ما تقدم، إلا أنه يمتنع وجه البدل من " ~~آخرون "؛ لأجل العاطف. # وقال الزمخشري: فإن قلت: { والذين اتخذوا } ما محله من ~~الإعراب؟ قلت: محله النصب على الاختصاص، كقوله تعالى: # والمقيمين الصلاة # [النساء:162]. وقيل: هو مبتدأ، وخبره محذوف، معناه: فيمن وصفنا الذين ~~اتخذوا، كقوله: # والسارق والسارقة # [المائدة:38]. يريد على مذهب سيبويه فإن تقديره: فيما يتلى عليكم ~~السارق؛ فحذف الخبر، وأبقى المبتدأ، كهذه الآية. # قال القرطبي: { والذين اتخذوا مسجدا } معطوف، أي: ومنهم ~~الذين اتخذوا مسجدا، عطف جملة على جملة. # قوله: " ضرارا " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه مفعول من أجله، أي: مضارة لإخوانهم. # الثاني: أنه مفعول ثان ل " اتخذوا " قاله أبو البقاء. # الثالث: أنه مصدر في موضع الحال من فاعل " اتخذوا " ، أي: اتخذوه ~~مضارين لإخوانهم. ويجوز أن ينتصب على المصدرية أي: يضرون بذلك ~~غيرهم ضرارا. ومتعلقات هذه المصادر محذوفة، أي: ms4516 ضرارا لإخوانهم، ~~وكفرا بالله. # فصل # قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وعامة المفسرين: الذين اتخذوا ~~مسجد الضرار كانوا اثني عشر رجلا من المنافقين، وديعة بن ثابت، وخذام بن ~~خالد ومن داره أخرج هذا المسجد، وثعلبة بن حاطب، وحارثة بن عامر، ~~وابناه مجمع وزيد بن حارثة، ومعتب بن قشير وعباد بن حنيف أخو سهل ~~بن حنيف، وأبو حبيبة بن الأزهر، ونبتل بن الحارث، وبجاد بن عثمان، ~~ورجل يقال له: بحزج، بنوا هذا المسجد ضرارا، يعني مضارة للمؤمنين، ~~والضرار: محاولة الضر، كما أن الشقاق محاولة ما يشق. # و " كفرا " قال ابن عباس: يريد به ضرارا للمؤمنين، وكفرا ~~بالنبي - عليه الصلاة والسلام -، وما جاء به. قال ابن عباس، ومجاهد ~~وقتادة وغيرهم: إن أبا عامر الراهب كان خرج إلى قيصر وتنصر، ووعدهم ~~قيصر أنه سيأتيهم، فبنوا مسجد الضرار يرصدون مجيئه فيه. وقال غيرهم: ~~اتخذوه ليكفروا فيه بالطعن على النبي - عليه الصلاة والسلام -. ~~" وتفريقا بين المؤمنين " أي: يفرقون بواسطته جماعة ~~المؤمنين وذلك لأن المنافقين قالوا: نبني مسجدا فنصلي فيه؛ ولا ~~نصلي خلف محمد، فإن أتانا فيه صلينا خلفه وفرقنا بينه وبين الذين ~~يصلون في مسجده، فيؤدي ذلك إلى اختلاف الكلمة وإبطال الألفة. # وكان يصلي لهم مجمع بن حارثة، فلما فرغوا أتوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم هو يتجهز إلى تبوك، فقالوا يا رسول الله: إنا بنينا ~~مسجدا لذي العلة والحاجة، والليلة المطيرة، والليلة الشاتية، وإنا ~~نحب أن تأتينا تصلي لنا فيه، وتدعو بالبركة، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " إني على جناح سفر، ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا لكم فيه ~~". # فصل # قال القرطبي: " تفطن مالك - رحمه الله - من هذه الآية وقال: لا ~~يصلي جماعتان في مسجد واحد بإمامين، خلافا لسائر العلماء. وروي عن ~~الشافعي المنع؛ لأن في ذلك تشتيتا للكلمة، وإبطالا لهذه الحكمة، ~~وذريعة إلى أن نقول: من يريد الانفراد عن الجماعة كان له عذر فيقيم ~~جماعة، ويقدم إمامه فيقع الخلاف بينهم، ويبطل الكلام وخفي ذلك عليهم ". # قوله: { وإرصادا لمن حارب الله ms4517 ورسوله من قبل ~~}. # الإرصاد: الانتظار، قاله الزجاج: وقال ابن قتيبة: الانتظار مع ~~العداوة. قالوا: والمراد به: أبو عامر الراهب، وهو والد حنظلة غسيل ~~الملائكة، وكان قد ترهب في الجاهلية، وتنصر ولبس المسوح، # " فلما قدم النبي - عليه الصلاة والسلام - المدينة قال له أبو ~~عامر: ما هذا الذي جئت به؟ قال: " جئت بالحنيفية دين إبراهيم " ، ~~قال أبو عامر: أنا عليها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " إنك ~~لست عليها " قال بلى، ولكنك أدخلت في الحنيفية ما ليس منها، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم " ما فعلت ولكني جئت بها بيضاء نقية " ~~فقال أبو عامر، أمات الله الكاذب طريدا وحيدا غريبا، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: " آمين ". وسماه أبا عامر الفاسق فلما كان يوم ~~أحد، قال أبو عامر لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أجد قوما ~~يقاتلونك إلا قاتلتك معهم؛ فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين، فلما ~~انهزمت هوازن يئس، وخرج هاربا إلى الشام، وأرسل إلى المنافقين أن ~~استعدوا لما استطعتم من قوة وسلاح، وابنوا لي مسجدا فإني ذاهب ~~إلى قيصر ملك الروم، فآتي بجند من الروم، فأخرج محمدا وأصحابه ~~من المدينة فبنوا مسجد الضرار إلى جنب مسجد قباء، فذلك قوله: { ~~وإرصادا لمن حارب الله ورسوله } [التوبة:107] وهو ~~أبو عامر الفاسق، ليصلي فيه إذا رجع من الشام. " # قوله: " من قبل " فيه وجهان: # أحدهما - وهو الذي لم يذكر الزمخشري غيره -: أنه متعلق بقوله: " ~~اتخذوا " ، أي: اتخذوا مسجدا من قبل أن ينافق هؤلاء. # والثاني: أنه متعلق ب " حارب " ، أي: حارب من قبل اتخاذ هذا ~~المسجد. # قوله: { وليحلفن إن أردنا } " ليحلفن " جواب قسم ~~مقدر، أي: والله ليحلفن. وقوله " إن أردنا " جواب لقوله: " ~~ليحلفن " فوقع جواب القسم المقدر فعل قسم مجاب بقوله " إن ~~أردنا ". و " إن " نافية، ولذلك وقع بعدها " إلا ". و " الحسنى ~~" صفة لموصوف محذوف، أي: إلا الخصلة الحسنى، أو إلا الإرادة ~~الحسنى. وقال الزمخشري " ما أردنا ببناء هذا المسجد إلا الخصلة ~~الحسنى، أو إلا الإرادة الحسنى، وهي الصلاة ". قال أبو حيان كأنه في ms4518 ~~قوله: " إلا الخصلة الحسنى " جعله مفعولا، وفي قوله: " أو إلا ~~الإرادة الحسنى " علة؛ فكأنه ضمن " أراد " معنى " قصد " ، أي: ما ~~قصدوا ببنائه لشيء من الأشياء إلا الإرادة الحسنى. قال " وهذا وجه ~~متكلف " وأرادوا بالفعلة الحسنى: الرفق بالمسلمين، والتوسعة على أهل ~~الضعف، والعلة، والعجز عن المصير إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؛ لأنهم قالوا لرسول الله: إنا بنينا مسجدا لذي العلة ~~والحاجة والليلة المطيرة. ثم قال تعالى: { والله يشهد ~~إنهم لكاذبون } أي: أن الله أطلع الرسول - عليه الصلاة ~~والسلام - على أنهم حلفوا كاذبين. # روي أنه لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك؛ فنزل بذي ~~أوان موضع قريب من المدينة، أتوه فسألوه إتيان مسجدهم، فدعا بقميصه ~~ليلبسه، ويأتيهم، فنزل القرآن عليه وأخبره خبر مسجد الضرار، وما هموا ~~به، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم، ومعن بن عدي، ~~وعامر بن السكن، والوحشي قاتل حمزة، وقال لهم: # " انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه " # فخرجوا مسرعين حتى أتوا سالم بن عوف وهم رهط مالك بن الدخشم فقال ~~مالك: أنظروني حتى أخرج إليكم بنار من أهلي، فدخل أهله فأخذ سعفا من ~~النخل، فأشعل فيه نارا، ثم خرجوا يشتدون حتى دخلوا المسجد، وفيه أهله ~~فحرقوه وهدموه، وتفرق عنه أهله، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يتخذ ذلك كناسة تلقى فيه الجيف، والنتن، والقمامة، ومات أبو عامر ~~الراهب بالشام وحيدا غريبا. # وروي أن بني عمرو بن عوف الذين بنوا مسجد قباء أتوا عمر بن الخطاب - ~~رضي الله عنه - في خلافته ليأذن لمجمع بن حارثة، فيؤمهم في مسجدهم، ~~فقال: لا والله ولا نعمة عين! أليس بإمام مسجد الضرار؟ فقال له مجمع: يا ~~أمير المؤمنين، لا تعجل علي، فوالله لقد صليت فيه وأنا لا أعلم ما ~~أضمروا عليه، ولو علمت ما صليت معهم، كنت غلاما قارئا للقرآن، ~~وكانوا شيوخا لا يقرؤون فصليت ولا أحسب إلا أنهم يتقربون إلى ~~الله، ولم أعلم ما في أنفسهم فعذره عمر وصدقه وأمره ms4519 بالصلاة في مسجد ~~قباء. قال عطاء " لما فتح الله على عمر الأمصار أمر المسلمين أن ~~يبنوا المساجد، وأمرهم ألا يبنوا في مدينة مسجدين يضار أحدهما صاحبه ~~". # قوله: " لا تقم فيه أبدا ". # قال ابن عباس " لا تصل فيه " منع الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن ~~يصلي في مسجد الضرار. # قال ابن جريج: فرغوا من إتمام ذلك المسجد يوم الجمعة، فصلوا فيه ذلك ~~اليوم ويوم السبت والأحد، وانهار في يوم الاثنين. # ثم إنه تعالى بين العلة في هذا النهي، وهي أن أحد المسجدين ~~لما كان مبنيا على التقوى من أول يوم، وكانت الصلاة في مسجد آخر ~~تمنع من الصلاة في مسجد التقوى، علم بالضرورة أنه يمنع من الصلاة في ~~المسجد الثاني. # فإن قيل: كون أحد المسجدين أفضل لا يوجب المنع من إقامة الصلاة في ~~المسجد الثاني. # فالجواب: علة المنع وقعت بمجموع الأمرين، أعني كون مسجد الضرار سببا ~~للمفاسد المذكورة وهي المضارة والكفر والتفريق بين المؤمنين وإرصاده ~~لمن حارب الله ورسوله، وكون مسجد التقوى يشتمل على الخيرات الكثيرة. # فصل # قال القرطبي " قال علماؤنا: لا يجوز أن يبنى مسجد إلى جانب مسجد، ويجب ~~هدمه، والمنع من بنائه، لئلا ينصرف أهل المسجد الأول فيبقى شاغرا، ~~إلا أن تكون المحلة كبيرة فلا يكفي أهلها مسجد واحد فيبنى حينئذ. ~~وكذلك قالوا: لا ينبغي أن يبنى في المصر الواحد جامعان وثلاثة، ويجب منع ~~الثاني، ومن صلى فيه الجمعة لم تجزه. وقال علماؤنا: كل مسجد بني ~~على ضرار أو رياء أو سمعة فهو في حكم مسجد الضرار لا تجوز الصلاة فيه ~~". # فصل # قال النقاش " ويلزم من هذا ألا يصلى في كنيسة ونحوها؛ لأنها بنيت ~~على شر ". # قال القرطبي " وهذا لا يلزم؛ لأن الكنيسة لم يقصد ببنائها الضرر ~~بالغير، وإن كان أصل بنائها على شر، وإنما اتخذت النصارى الكنيسة ~~واليهود البيعة موضعا لعبادتهم بزعمهم كالمسجد لنا فافترقا، وقد أجمع ~~العلماء على أن من صلى في كنسة، أو بيعة على موضع طاهر أن صلاته ~~صحيحة جائزة. # وذكر البخاري أن ابن ms4520 عباس كان يصلي في البيعة إذا لم يكن فيها ~~تماثيل، وذكر أبو داود عن عثمان بن أبي العاص أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أمره أن يبني مسجد الطائف حيث كان طواغيتهم ". # فصل # قال القرطبي " قال علماؤنا: من كان إماما لظالم لا يصلي وارءه، ~~إلا أن يظهر عذره أو يتوب؛ لأن بني عمرو بن عوف الذين بنوا مسجد قباء ~~سألوا عمر بن الخطاب في خلافته ليأذن لمجمع بن حارثة أن يصلي بهم في ~~مسجدهم، فقال: لا والله ولا نعمة عين! أليس بإمام مسجد الضرار؟ فقال له ~~مجمع: يا أمير المؤمنين، لا تعجل علي، فوالله لقد صليت فيه، وأنا لا ~~أعلم ما أضمروا عليه، ولو علمت ما صليت بهم فيه، كنت غلاما قارئا ~~للقرآن، وكانوا شيوخا قد عاشوا على جاهليتهم، وكانوا لا يقرءون من ~~القرآن شيئا، فصليت ولا أحسب ما صنعت إثما، ولم أعلم ما في ~~أنفسهم؛ فعذره عمر، وصدقه وأمره بالصلاة في مسجد قباء ". # فصل # قال القرطبي " قال علماؤنا: إذا كان المسجد الذي يتخذ للعبادة وحض ~~الشارع على بنائه بقوله: " من بنى لله مسجدا، ولو كمفحص قطاة ~~بنى الله له بيتا في الجنة " يهدم إذا كان فيه ضرر بغيره؛ فما ~~ظنك بسواه بل هو أحرى أن يزال ويهدم. كمن بنى فرنا أو رحى أو حفر ~~بئرا، أو غير ذلك مما يدخل ضررا على الغير. والضابط فيه: أن من ~~أدخل ضررا على أخيه منع، فإن أدخل على أخيه ضررا بفعل ما كان له فعله ~~في ماله، فأضر ذلك بجاره، أو غير جاره، نظر إلى ذلك الفعل، فإن كان ~~تركه أكبر ضررا من الضرر الداخل على الفاعل قطع أكبر الضررين. ~~مثل من فتح كوة في منزله يطلع منها على دار أخيه وفيها العيال والأهل، ~~ومن شأن النساء في بيوتهن التجرد من بعض ثيابهن والانتشار في حوائجهن، ~~ومعلوم أن الاطلاع على العورات محرم، نهى الشارع عن الاطلاع إلى ~~العورات فرأى العلماء أن يغلقوا الكوة وإن كان فيها منفعة وراحة؛ ~~لأن ضرر الكوة أعظم ms4521 من ضرر سدها، خلافا للشافعي، فإن أصحابه ~~قالوا: لو حفر في ملكه بئرا، وحفر آخر في ملكه بئرا يسرق منها ماء ~~البئر الأولى جاز؛ لأن كل واحد حفر في ملكه؛ فلا يمنع، ومثله عندهم: ~~لو حفر إلى جنب بئر جاره كنيفا يفسد عليه ماءه لم يكن له منعه؛ لأنه ~~تصرف في ملكه، والقرآن والسنة يردان هذا القول. ومن هذا النوع من ~~الضرر الذي منع العلماء منه، دخان الفرن والحمام وغبار الأندر ~~والدود المتولد من الزبل المنشور في الرحاب؛ فإنه يمنع منه ما كثر ضرره ~~وخشي تماديه ". # قوله: "... لمسجد... " فيه وجهان: # أحدهما: أنها لام الابتداء. # والثاني: أنها جواب قسم محذوف تقديره: والله لمسجد أسس، أي: بني ~~أصله على التقوى. # وعلى التقديرين فيكون " لمسجد " مبتدأ، و " أسس " في محل رفع ~~نعتا له، و " أحق " خبره. والقائم مقام الفاعل ضمير المسجد على حذف ~~مضاف، أي: أسس بنيانه، و " من أول " متعلق به، وبه استدل ~~الكوفيون على أن " من " تكون لابتداء الغاية في الزمان؛ واستدلوا ~~أيضا بقوله: [الطويل] # 2845- من الصبح حتى تطلع الشمس لا ترى # من القوم إلا خارجيا مسوما # وقول الآخر: [الطويل] # 2846- تخيرن من أزمان يوم حليمة # إلى اليوم قد جربن كل التجارب # وقد تأوله البصريون على حذف مضاف، أي: من تأسيس أول يوم، ومن طلوع ~~الصبح، ومن مجيء أزمان يوم. قال القرطبي: " من " عند النحويين ~~مقابلة " منذ " ، ف " منذ " في الزمان بمنزلة " من " في المكان، أي: من ~~تأسيس أول الأيام؛ فدخلت على مصدر الفعل الذي هو " أسس "؛ كقوله: ~~[الكامل] # 2847- لمن الديار بقنة الحجر # أقوين من حجج ومن دهر؟ # أي من مرور حجج ومن مرور دهر، وإنما دعا إلى هذا أن من أصول ~~النحويين أن " من " لا يجر بها الأزمان، وإنما تجر الأزمان ب ~~" منذ " ، تقول: ما رأيته منذ شهر، أو سنة. قال أبو البقاء " وهذا ~~ضعيف؛ لأن التأسيس المقدر ليس بمكان، حتى تكون لابتداء الغاية ~~ويدل على جواز ذلك قوله: # لله الأمر من قبل ومن بعد # [الروم:4]، وهو كثير في القرآن وغيره ms4522 ". # قال شهاب الدين: البصريون إنما فروا من كونها لابتداء الغاية في ~~الزمان، وليس في هذه العبارة ما يقتضي أنها لا تكون إلا لابتداء ~~الغاية في المكان حتى يرد عليهم بما ذكر، والخلاف في هذه المسألة قوي، ~~ولأبي علي فيها كلام طويل. وقال ابن عطية: " ويحسن عندي أن ~~يستغنى عن تقدير، وأن تكون " من " تجر لفظة " أول "؛ لأنها بمعنى: ~~البداءة، كأنه قال: من مبتدأ الأيام، وقد حكي لي هذا الذي اخترته عن ~~بعض أئمة النحو ". # وقوله: " أحق " ليس للتفضيل، بل بمعنى " حقيق " ، إذ لا مفاضلة ~~بين المسجدين. # قال القرطبي " أحق " هو أفعل من الحق، و " أفعل " لا يدخل إلا ~~بين شيئين مشتركين لأحدهما مزية في المعنى الذي اشتركا فيه على الآخر، ~~فمسجد الضرار وإن كان باطلا لا حق فيه، فقد اشتركا في الحق من ~~جهة اعتقاد بانيه، أو من جهة اعتقاد من كان يظن أن القيام فيه جائز ~~للمسجدية، لكن أحد الاعتقادين باطل باطنا عند الله، والآخر حق باطنا ~~وظاهرا، ومثله قوله تعالى: # أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن ~~مقيلا # [الفرقان:24] ومعلوم أنه لا خيرية في النار، لكنه جرى على اعتقاد ~~كل فرقة أنها خير، وأن مصيرها إلى خير، إذ كل حزب بما لديهم ~~فرحون. و " أن تقوم " أي: بأن تقوم. والتاء لخطاب الرسول - عليه ~~الصلاة والسلام -. و " فيه " متعلق به. قوله: " فيه رجال " يجوز ~~أن تكون " فيه " صفة لمسجد و " رجال " فاعل، وأن تكون حالا من ~~الهاء في " فيه " ، و " رجال " فاعل به أيضا، وهذان أولى من حيث ~~إن الوصف بالمفرد أصل، والجار قريب من المفرد. # ويجوز أن يكون " فيه " خبرا مقدما، و " رجال " مبتدأ مؤخر. وفي ~~هذه الجملة أيضا ثلاثة أوجه: # أحدها: الوصف. # والثاني: الحال على ما تقدم. # والثالث: الاستئناف. # وقرأ عبد الله بن زيد " فيه " بكسر الهاء، و " فيه " الثانية ~~بضمها، وهو الأصل، جمع بذلك بين اللغتين، وفيه أيضا رفع توهم التوكيد، ~~ورفع توهم أن " رجال " مرفوع ب " تقوم ". وقوله " يحبون " ~~صفة ل " رجال " ، و " أن " مفعول به. ms4523 وقرأ طلحة بن مصرف، والأعمش " ~~يطهروا " بالإدغام، وعلي بن أبي طالب " المتطهرين " بالإظهار ~~عكس قراءة الجمهور في اللفظتين. # فصل # معنى " أسس " أي: بني أصله { على التقوى من أول يوم } ~~بني ووضع أساسه { أحق أن تقوم فيه } مصليا. واختلفوا في ~~المسجد الذي أسس على التقوى، فقال ابن عمر وزيد ابن ثابت، وأبو ~~سعيد الخدري: هو مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ويدل عليه ما روى حميد ~~الخراط قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن قال: مر بي عبد الرحمن ~~بن أبي سعيد الخدري قال: قلت له: كيف سمعت أباك يذكر في ~~المسجد الذي أسس على التقوى؟ قال: قال أبي: دخلت على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في بيت بعض نسائه فقلت # " يا رسول الله،أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟ قال: ~~فأخذ كفا من حصباء فضرب به الأرض ثم قال: " هو مسجدكم ~~هذا " # لمسجد المدينة. قال: فقلت: أشهد أني سمعت أباك ~~هكذا يذكره. وهذا قول سعيد بن المسيب. وقال قوم: إنه مسجد قباء، ~~وهي رواية عطية عن ابن عباس، وهو قول عروة بن الزبير وسعيد بن جبير ~~وقتادة لما روي عن ابن عمر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي ~~مسجد قباء كل سبت ماشيا وراكبا، وكان عبد الله يفعله، وزاد نافع عن ~~ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " فيصلي فيه ركعتين ". # وقوله: { فيه رجال يحبون أن يتطهروا } أي: من الأحداث ~~والجنابات والنجاسات. # قال عطاء: كانوا يستنجون بالماء، ولا ينامون الليل على جنابة. روى أبو ~~هريرة عن النبي - عليه الصلاة والسلام - قال: نزلت هذه الآية في أهل ~~قباء { فيه رجال يحبون أن يتطهروا } قال: كانوا ~~يستنجون بالماء؛ فنزلت فيهم هذه الآية، { والله يحب ~~المطهرين }. # وروي # " أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على باب مسجد قباء وقال: " يا ~~معشر الأنصار إن الله أثنى عليكم، فما الذي تصنعون في ~~الوضوء؟ " فقالوا: نتبع الأحجار بالماء، فقرأ النبي صلى الله عليه ~~وسلم { رجال يحبون أن يتطهروا } الآية. " # قالوا: المراد منه: ms4524 الطهارة بالماء بعد الحجر. وقيل: المراد منه: ~~الطهارة من الذنوب والمعاصي. # وقيل: محمول على الأمرين. # فإن قيل: لفظ الطهارة حقيقة في إزالة النجاسات، ومجاز في البراءة عن ~~المعاصي، واستعمال اللفظ الواحدة في الحقيقة، والمجاز معا لا يجوز. # فالجواب: أن لفظ النجس اسم للمستقذر، وهذا القذر مفهوم مشترك فيه ~~بين القسمين، فزال السؤال. # قوله: { أفمن أسس بنيانه }. # قرأ نافع، وابن عامر " أسس " مبنيا للمفعول، " بنيانه " بالرفع، ~~لقيامه مقام الفاعل. # والباقون " أسس " مبنيا للفاعل، " بنيانه " مفعول به، والفاعل ~~ضمير " من " وقرأ عمارة بن عائذ الأول مبنيا للمفعول، والثاني ~~مبنيا للفاعل، و " بنيانه " مرفوع على الأولى ومنصوب على الثانية ~~لما تقدم. # وقرأ نصر بن علي، ونصر بن عاصم " أسس بنيانه ". وقرأ أبو حيوة " ~~أساس بنيانه " جمع " أس ". وروي عن نصر بن عاصم أيضا " أس " ~~بهمزة مفتوحة وسين مضمومة. # وقرىء " إساس " بالكسر، وهي جموع أضيفت إلى " البنيان ". وقرىء " ~~أساس " بفتح الهمزة و " أس " بضم الهمزة وتشديد السين، وهما مفردان ~~أضيفا إلى البنيان. # ونقل صاحب اللوامح فيه " أسس " بالتخفيف ورفع السين، " بنيانه " ~~بالجر، ف " أسس " مصدر أسس الحائط، يؤسسه أسسا، وأسا. فهذه عشر ~~قراءات، والأس والأساس القاعدة التي يبنى عليها الشيء. ويقال: كان ~~ذلك على أس الدهر، كقولهم: على وجه الدهر. ويقال: أس، مضعفا: أي: جعل ~~له أساسا، وآسس، بزنة " فاعل ". # و " البنيان " فيه قولان: # أحدهما: أنه مصدر، ك: الغفران، والشكران، وأطلق على المفعول ك ~~" الخلق " بمعنى المخلوق، وإطلاق المصدر على المفعول مجاز مفهوم، ~~يقال: هذا ضرب الأمير ونسج زيد، أي: مضروبه، ومنسوجه. # والثاني: أنه جمع، وواحده " بنيانة "؛ قال الشاعر: # 2848- كبنيانة القريي موضع رحلها # وآثار نسعيها من الدف أبلق # يعنون أنه اسم جنس، ك: قمح وقمحة. # قوله: " على تقوى " يجوز فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق بنفس " أسس " فهو مفعول في المعنى. # والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من الضمير المستكن في ~~" أسس " أي: قاصدا بنيانه التقوى، كذا قدره أبو البقاء. # وقرأ عيسى بن عمر " تقوى " منونة. وحكى هذه القراءة سيبويه، ولم ~~يرتضها الناس لأن ms4525 ألفها للتأنيث، فلا وجه لتنوينها، وقد خرجها ~~الناس على أن تكون ألفها للإلحاق. # قال ابن جني: قياسها أن تكون ألفها للإلحاق، ك " أرطى ". قوله: " ~~خير " خبر المبتدأ. والتفضيل هنا باعتبار معتقدهم. و " أم " متصلة، و ~~" من " الثانية عطف على " من " الأولى، و " أسس بنيانه " ~~كالأولى، قوله: " على شفا جرف " كقوله: " على تقوى " في ~~وجهيه. والشفا: الشفير، وشفا الشيء حرفه، يقال: أشفى على كذا إذا ~~دنا منه. وتقدم الكلام عليه في آل عمران. وقرأ حمزة، وابن عامر، ~~وأبو بكر عن عاصم " جرف " بسكون الراء والباقون بضمها. فقيل: ~~لغتان. وقيل: الساكن فرع على المضموم، ك: " عنق " في " عنق " و " ~~طنب " في " طنب ". وقيل: العكس ك: " عسر ويسر ". و " الجرف " ~~البئر التي لم تطو. وقيل: هو الهوة، وما يجرفه السيل من ~~الأودية، قاله أبو عبيدة. # وقيل: هو المكان الذي يأكله الماء، فيجرفه، أي: يذهب به، ورجل جراف، ~~أي: كثير النكاح كأنه يجرف في ذلك العمل، قاله الراغب. # قوله: " هار " نعت ل: " جرف " ، وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها - وهو المشهور -: أنه مقلوب بتقديم لامه على عينه، وذلك أن ~~أصله: هاور، أو هاير بالواو والياء؛ لأنه سمع فيه الحرفان قالوا: هار ~~يهور فانهار، وهار يهير، وتهور البناء، وتهير فقدمت ~~اللام، وهي " الراء " على العين - وهي " الواو " أو " الياء " - فصار ك: ~~غاز، ورام، فأعل بالنقص كإعلالهما، فوزنه بعد القلب: " فالع " ، ثم ~~تزنه بعد الحذف ب " فال ". # الثاني: أنه حذفت عينه اعتباطا، أي: لغير موجب، وعلى هذا، فيجري بوجوه ~~الإعراب على لامه، فيقال: هذا هار، ورأيت هارا، ومررت بهار، ووزنه ~~أيضا " فال ". # والثالث: أنه لا قلب فيه ولا حذف، وأن أصله " هور " ، أو " هير ~~" بزنة " كتف " ، فتحرك حرف العلة، وانفتح ما قبله، فقلب ألفا، فصار ~~مثل قولهم: كبش صاف. أي: صوف، ويوم راح، أي: روح. # وعلى هذا، فيجري بوجوه الإعراب أيضا كالذي قبله، كما تقول: هذا باب ~~ورأيت بابا، ومررت بباب. وهذا أعدل الوجوه، لاستراحته من ادعاء ~~القلب، والحذف اللذين هما على خلاف الأصل، لولا أنه غير مشهور ms4526 عند أهل ~~التصريف. ومعنى: " هار " أي: ساقط متداع منهال. # قال الليث: الهور: مصدر هار الجرف يهور، إذا انصدع من خلفه، ~~وهو ثابت بعد في مكانه، وهو جرف هار أي: هائر، فإذا سقط؛ فقد انهار ~~وتهير. ومعناه الساقط الذي يتداعى بعضه في أثر بعض كما ينهار ~~الرمل والشيء الرخو. # قوله: " فانهار " فاعله إما ضمير البنيان، والهاء في " به " على ~~هذا ضمير المؤسس الباني أي: فسقط بنيان الباني على شفا جرف هار، وإما ~~ضمير الشفا، وإما ضمير الجرف أي: فسقط الشفا، أو سقط الجرف، ~~والهاء في " به " للبنيان، ويجوز أن يكون للباني المؤسس. والأولى أن ~~يكون الفاعل ضمير الجرف؛ لأنه يلزم من انهياره انهيار الشفا ~~والبنيان جميعا، ولا يلزم من انهيارهما أو انهيار أحدهما انهياره. ~~والباء في " به " يجوز أن تكون المعدية، وأن تكون التي للمصاحبة، وقد ~~تقدم الخلاف في أول الكتاب أن المعدية عند بعضهم تستلزم المصاحبة. ~~وإذا قيل إنها للمصاحبة هنا؛ فتتعلق بمحذوف؛ لأنها حال أي: فانهار ~~مصاحبا له. # فصل # معنى الآية: أفمن أسس بنيان دينه على قاعدة قوية محكمة وهو الحق ~~الذي هو تقوى الله ورضوانه خير، أمن أسس على قاعدة هي أضعف القواعد ~~وأقلها بقاء، وهو الباطل والنفاق الذي مثله مثل شفا جرف هار من أودية ~~جهنم؟ وكونه شفا جرف هار كان مشرفا على السقوط ولكونه على طرف جهنم، ~~كان إذا انهار فإنما ينهار في قعر جهنم، فالمعنى أن أحد البناءين قصد ~~بانيه ببنائه تقوى الله ورضوانه، والبناء الثاني قصد بانيه ببنائه ~~المعصية والكفر فكان البناء الأول شريفا واجب الإبقاء، والبناء الثاني ~~خسيسا واجب الهدم؛ فلا يرى مثال أخس مطابقة لأمر المنافقين من هذا ~~المثال، { والله لا يهدي القوم الظالمين }. # قوله: { لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في ~~قلوبهم }. # أي: ذلك البنيان صار سببا لحصول الريبة في قلوبهم. و " بنيانهم " ~~يحتمل أن يكون مصدرا على حاله، أي: لا يزال هذا الفعل الصادر ~~منهم، ويحتمل أن يكون مرادا به المبني، وحينئذ يضطر إلى حذف مضاف، ~~أي: بناء بنيانهم؛ لأن ms4527 المبني ليس ريبة، أو يقدر الحذف من الثاني ~~أي: لا يزال مبنيهم سبب ريبة. وقوله: " الذي بنوا " تأكيد دفعا ~~لوهم من يتوهم أنهم لم يبنوا حقيقة، وإنما دبروا أمورا، من ~~قولهم: كم أبني وتهدم، وعليه قوله: [الطويل] # 2849- متى يبلغ البنيان يوما تمامه # إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم؟ # فصل # في كونه سببا للريبة وجوه: الأول: أن المنافقين فرحوا ببناء مسجد ~~الضرار، فلما أمر الرسول بتخريبة ثقل ذلك عليهم وازداد بغضهم له ~~وازداد ارتيابهم في نبوته. # وثانيها: أن الرسول - عليه الصلاة والسلام - لما أمر بتخريبه، ظنوا ~~أنه إنما أمر بتخريبه حسدا، فارتفع أمانهم عنه، وعظم خوفهم منه، ~~وصاروا مرتابين في أنه هل يتركهم على ما هم فيه أو يأمر بقتلهم ونهب ~~أموالهم؟ # وثالثها: أنهم اعتقدوا كونهم محسنين في بناء ذلك المسجد، كما حبب ~~العجل إلى قوم موسى، فلما أمر الرسول - عليه الصلاة والسلام - ~~بتخريبه بقوا شاكين مرتابين في أنه لأي سبب أمر بتخريبه؟ قاله ابن عباس. ~~وقال الكلبي: " ريبة " أي: حسرة وندامة، لأنهم ندموا على بنائه. وقال ~~السدي: لا يزال هدم بنيانهم ريبة، أي: حزازة وغيظا في قلوبهم. # قوله: " إلا أن تقطع " المستثنى منه محذوف، والتقدير: لا ~~يزال بنيانهم ريبة في كل وقت إلا وقت تقطيع قلوبهم أو في كل حال ~~إلا حال تقطيعها. # وقرأ ابن عامر، وحمزة، وحفص " تقطع " بفتح التاء، والأصل تتقطع ~~بتاءين، فحذفت إحداهما. # وعن ابن كثير " تقطع " بفتح الياء وتسكين القاف " قلوبهم " بالنصب، ~~أي: تفعل أنت بقلوبهم هذا الفعل. وقرأ الباقون " تقطع " بضمها، ~~وهو مبني للمفعول، مضارع " قطع " بالتشديد. وقرأ أبي " تقطع " ~~مخففا من " قطع ". وقرأ الحسن، ومجاهد وقتادة، ويعقوب " إلى أن " ب " ~~إلى " الجارة. وأبو حيوة كذلك، وهي قراءة واضحة في المعنى، إلا أنا ~~أبا حيوة قرأ " تقطع " بضم التاء وفتح القاف وكسر الطاء مشددة ~~والفاعل ضمير الرسول، " قلوبهم " نصبا على المفعول به، والمعنى ~~بذلك أنه يقتلهم ويتمكن منهم كل تمكن. وقيل: الفاعل ضمير " ~~الريبة " ، أي: إلى أن تقطع الريبة قلوبهم وفي مصحف عبد الله " ولو ~~قطعت ms4528 " وبها قرأ أصحابه، وهي مخالفة لسواد مصاحف الناس. والمعنى ~~أن هذه الريبة باقية في قلوبهم أبدا ويموتون على النفاق. وقيل: ~~معناه إلا أن يتوبوا توبة تنقطع بها قلوبهم ندما وأسفا على تفريطهم. ~~وقيل: حتى تنشق قلوبهم غما وحسرة. " والله عليم " بأحوالهم، " ~~حكيم " في الأحكام التي يحكم بها عليهم. ### || [9.111-116] # قوله تعالى: { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم } الآية. # لما شرح أحوال المنافقين، عاد إلى بيان فضيلة الجهاد. قيل: هذا ~~تمثيل كقوله تعالى # أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى # [البقرة:16] قال محمد بن كعب القرظي: # " لما بايعت الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة ~~بمكة وهم سبعون نفسا، قال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله اشترط ~~لربك ولنفسك ما شئت. فقال: " أشترط لربي أن تعبدوه ولا ~~تشركوا به شيئا ولنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم ~~وأموالكم " قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: " الجنة " قالوا ربح ~~البيع لا نقيل ولا نستقيل " # ، فنزل: { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة }. # قال الحسن، ومجاهد، ومقاتل: " ثامنهم فأغلى ثمنهم ". # قوله: " بأن لهم " متعلق ب " اشترى " ، ودخلت الباء هنا على ~~المتروك على بابها، وسماها أبو البقاء " باء " المقابلة، كقولهم: ~~" باء " العوض، و " باء " الثمنية. وقرأ عمر ابن الخطاب والأعمش " ~~بالجنة ". قال أهل المعاني: لا يجوز أن يشتري الله شيئا في ~~الحقيقة؛ لأنه مالك الكل، ولهذا قال الحسن: اشترى أنفسا هو خلقها، ~~وأموالا هو رزقها، وإنما ذكر الله ذلك، لحسن التلطف في ~~الدعاء إلى الطاعة؛ لأن المؤمن إذا قاتل في سبيل الله حتى يقتل؛ ~~فتذهب روحه، وينفق ماله في سبيل الله تعالى جزاؤه في الآخرة الجنة، ~~فكان هذا استبدالا وشراء. قال الحسن: " والله بيعة رابحة، وكفة ~~راجحة، بايع الله بها كل مؤمن والله ما على الأرض مؤمن إلا وقد ~~دخل في هذه البيعة ". # وفيه لطيفة، وهي أن المشتري لا بد وأن يغاير البائع، وههنا البائع ~~هو الله تعالى، والمشتري هو الله، وهذا إنما يصح في حق القيم بأمر ~~الطفل ms4529 الذي لا يمكنه رعاية المصالح في البيع والشراء وصحة هذا البيع ~~مشروطة برعاية الغبطة؛ فهذا جار مجرى التنبيه على كون العبد كالطفل ~~الذي لا يهتدي إلى رعاية مصالح نفسه؛ وأنه تعالى هو الراعي لمصالحه ~~بشرط الغبطة. # فصل # قال القرطبي: " هذه الآية دليل على جواز معاملة السيد مع عبده، وإن ~~كان الكل للسيد، لكن إذا ملكه عامله فيما جعل إليه، وجاز بين السيد ~~وعبده ما لا يجوز بينه وبين غيره؛ لأن ماله له، وله انتزاعه ". # فصل # أصل الشراء من الخلق أن يعوضوا بما خرج من أيديهم ما كان أنفع لهم، أو ~~مثل ما خرج عنهم في النفع، فاشترى الله من العباد إتلاف أنفسهم، وأموالهم ~~في طاعته، وإهلاكها في مرضاته وأعطاهم الجنة عوضا عنها إذا فعلوا ذلك، ~~وهو عوض عظيم لا يدانيه المعوض، فأجرى ذلك على مجرى ما يتعارفونه في ~~البيع والشراء، فمن العبد تسليم النفس والمال، ومن الله الثواب ~~والنوال فسمي هذا شراء. # فصل # قال بعض العلماء: كما اشترى من المؤمنين البالغين المكلفين كذلك اشترى ~~من الأطفال فآلمهم، وأسقمهم، لما في ذلك من المصلحة ومن الاعتبار ~~للبالغين، فإنهم لا يكونون عند شيء أكثر صلاحا، وأقل فسادا منهم عند ~~ألم الأطفال، وما يحصل للوالدين من الثواب فيما ينالهم من الهم، ثم ~~إن الله تعالى يعوض هؤلاء الأطفال عوضا إذا صاروا إليه. # قوله: " يقاتلون " يجوز أن يكون مستأنفا، ويجوز أن يكون حالا. ~~وقال الزمخشري: " يقاتلون " فيه معنى الأمر، كقوله: # وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم # [الصف:11]. وعلى هذا فيتعين الاستئناف، لأن الطلب لا يقع حالا. ~~وقد تقدم الخلاف في { فيقتلون ويقتلون } في آل عمران قرأ ~~حمزة والكسائي: " فيقتلون " بتقديم المفعول على الفاعل. وقرأ ~~الباقون بتقديم الفاعل على المفعول. # قوله: " وعدا " منصوب على المصدر المؤكد لمضمون الجملة؛ لأن معنى ~~" اشترى " معنى: وعدهم بذلك، فهو نظير: " هذا ابني حقا ". ويجوز ~~أن يكون مصدرا في موضع الحال وفيه ضعف. و " حقا " نعت له. و " ~~عليه " حال من " حقا "؛ لأنه في الأصل صفة لو تأخر. # قوله: " في ms4530 التوراة " فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق ب " اشترى " ، وعلى هذا فتكون كل أمة قد ~~أمرت بالجهاد، ووعدت عليه الجنة. # والثاني: أنه متعلق بمحذوف؛ لأنه صفة للوعد، أي: وعدا مذكورا ~~وكائنا في التوراة. # وعلى هذا فيكون الوعد بالجنة لهذه الأمة مذكورا في كتب الله ~~المنزلة، وقال الزمخشري في أثناء الكلام: " لا يجوز عليه قبيح قط ~~" قال أبو حيان: " استعمل " قط " في غير موضوعه، لأنه أتى به مع ~~قوله " لا يجوز عليه " ، و " قط " ظرف ماض، فلا يعمل فيه إلا ~~الماضي ". # قال شهاب الدين " ليس المراد هنا زمنا بعينه ". # ثم قال تعالى: { ومن أوفى بعهده من الله } أي: أن ~~نقض العهد كذب، ومكر، وخديعة وكل ذلك من القبائح، وهي قبيحة من الإنسان ~~مع احتياجه إليها، فالغني عن كل الحاجات أولى أن يكون منزها عنها. أي ~~لا أحد أوفى بعهده من الله، وهذا يتضمن وفاء الباري بالكل فأما وعده ~~فللجميع، وأما وعيده فمخصوص ببعض المذنبين وببعض الذنوب، وفي بعض ~~الأحوال. # قوله: " فاستبشروا " فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب؛ لأن في ~~خطابهم بذلك تشريفا لهم و " استفعل " هنا ليس للطلب، بل بمعنى " أفعل " ~~، ك " استوقد " ، و " أوقد " والمعنى: أظهروا السرور بذلك، ~~والبشارة: إظهار السرور في البشرة. # وقوله: { الذي بايعتم به } توكيد، كقوله: # الذي بنوا # [التوبة:110]، لينص لهم على هذا البيع بعينه. # قوله تعالى: { التائبون } الآية. # لما بين أنه اشترى من المؤمنين أنفسهم، بين ههنا أن أولئك ~~المؤمنين هم الموصوفون بهذه الصفات. وقال جماعة: الآية الأولى مستقلة ~~بنفسها، يقع تحت تلك المبايعة كل موحد قاتل في سبيل الله لتكون كلمة ~~الله هي العليا وإن لم يتصف بهذه الصفات في هذه الآية. # قوله: " التائبون " فيه خمسة أوجه: # أحدها: أنه مبتدأ، وخبره " العابدون " وما بعده أوصاف، أو أخبار ~~متعددة عند من يرى ذلك. # الثاني: أن الخبر قوله " الآمرون ". # الثالث: أن الخبر محذوف، أي: التائبون الموصوفون بهذه الأوصاف من ~~أهل الجنة، أي من لم يجاهد غير معاند، ولا قاصد لترك الجهاد فله ~~الجنة، قال الزجاج: وهو حسن، كأنه ms4531 وعد الجنة لجميع المؤمنين، ~~كقوله: # وكلا وعد الله الحسنى # [النساء:95] ويؤيده قوله: { وبشر المؤمنين } ، وهذا عند من ~~يرى أن هذه الآية منقطعة مما قبلها وليست شرطا في المجاهدة. ~~وأما من زعم أنها شرط في المجاهدة، كالضحاك وغيره فيكون إعراب ~~التائبين خبر مبتدأ محذوف، أي: هم التائبون، وهذا من باب قطع ~~النعوت، وذلك أن هذه الأوصاف عند هؤلاء القائلين من صفات المؤمنين ~~في قوله تعالى: { من المؤمنين } ويؤيد ذلك قراءة أبي، وابن ~~مسعود، والأعمش " التائبين " بالياء، ويجوز أن تكون هذه القراءة ~~على القطع أيضا؛ فيكون منصوبا بفعل مقدر، وقد صرح الزمخشري، وابن ~~عطية بأن التائبين في هذه القراءة نعت للمؤمنين. # الخامس: أن " التائبون " بدل من الضمير المتصل في " يقاتلون ~~". # ولم يذكر لهذه الأوصاف متعلقا فلم يقل: التائبون من كذا لله، ولا ~~العابدون لله لفهم ذلك، إلا صفتي الأمر والنهي، مبالغة في ذلك. ولم ~~يأت بعاطف بين هذه الأوصاف، لمناسبتها لبعضها، إلا في صفتي الأمر ~~والنهي، لتباين ما بينهما، فإن الأمر طلب فعل، والنهي طلب ~~ترك، أو كف. وكذا " الحافظون " عطفه وذكر متعلقه وأتى بترتيب هذه ~~الصفات في الذكر على أحسن نظم، وهو ظاهر بالتأمل، فإنه قدم ~~التوبة أولا، ثم ثنى بالعبادة إلى آخرها. # وقيل: إنما دخلت الواو؛ لأنها " واو " الثمانية، كقولهم: # وثامنهم كلبهم # [الكهف:22] وقوله: # وفتحت أبوابها # [الزمر:73] لما كان للجنة ثمانية أبواب أتى معها بالواو. قال بعض ~~النحويين: هي لغة فصيحة لبعض العرب، يقولون إذا عدوا: واحد، اثنان، ~~ثلاثة، أربعة خمسة، ستة، سبعة، وثمانية، تسعة، عشرة. قال القرطبي: " ~~وهي لغة قريش " وقال أبو البقاء: " إنما دخلت " الواو " في الصفة ~~الثامنة، إيذانا بأن السبعة عندهم عدد تام، ولذلك قالوا: سبع في ~~ثمانية، أي: سبع أذرع في ثمانية أشبار، وإنما دلت الواو على ذلك ~~لأن الواو تؤذن بأن ما بعدها غير ما قبلها، ولذلك دخلت في باب عطف ~~النسق ". # وهذا قول ضعيف جدا، لا تحقيق له. # فصل في تفسير هذه الصفات # قوله " التائبون " قال ابن عباس: التائبون من الشرك ~~وقال الحسن: من ms4532 الشرك والنفاق. وقيل: التائبون الراجعون عن الحالة ~~المذمومة قال القرطبي: " الراجع إلى الطاعة أفضل من الراجع عن ~~المعصية، لجمعه بين الأمرين " وقال الأصوليون: التائبون من كل ~~معصية، لأنها صيغة عموم محلاة بالألف واللام فتتناول الكل، فالتخصيص ~~تحكم. و " العابدون " قال ابن عباس " الذين يؤدون العبادة ~~الواجبة عليهم " وقال غيره: المطيعون الذين أخلصوا العبادة لله تعالى ~~وقال الحسن " هم الذين عبدوا الله في السراء والضراء " وقال قتادة ~~" قوم أخذوا من أبدانهم في ليلهم ونهارهم " الحامدون " الذين يحمدون ~~الله على كل حال في السراء والضراء. قال عليه الصلاة والسلام: # " أول من يدعى إلى الجنة يوم القيامة الذين يحمدون الله ~~في السراء والضراء ". # " السائحون " قال ابن مسعود: الصائمون. وقال ابن عباس " ما ذكر ~~في القرآن من السياحة فهو الصيام " وقال عليه الصلاة والسلام: # " سياحة أمتي الصيام ". " # وعن الحسن " أن هذا صوم الفرض " وقيل: هم الذين يديمون الصيام. قال ~~سفيان بن عيينة " إنما سمي الصائم سائحا، لتركه اللذات كلها، ~~من المطعم والمشرب والنكاح " وقال عطاء: " السائحون هم الغزاة في ~~سبيل الله " وهو قول مسلم. وقال عكرمة: " هم طلبة العلم، ينتقلون من ~~بلد إلى بلد " وقوله { الراكعون الساجدون } يعني: المصلين. ~~وقوله { الآمرون بالمعروف } بالإيمان { والناهون عن ~~المنكر } عن الشرك. وقيل: المعروف: السنة، والمنكر: البدعة. # قوله: { والحافظون لحدود الله } القائمون بأوامر الله. ~~وقال الحسن " أهل الوفاء ببيعة الله ". # قوله تعالى: { ما كان للنبي والذين آمنوا أن ~~يستغفروا للمشركين } الآيات. # لما بين في أول السورة إلى هذا الموضع وجوب البراءة عن المشركين، ~~والمنافقين من جميع الوجوه، بين في هذه الآية وجوب البراءة عن أمواتهم، ~~وإن كانوا في غاية القرب من الإنسان كالأب والأم، كما أوجب البراءة عن ~~الأحياء منهم. # قال ابن عباس: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، أتى ~~قبر أمه آمنة، فوقف عليه حتى حميت الشمس، رجاء أن يؤذن له ليستغفر لها، ~~فنزلت { ما كان للنبي والذين آمنوا أن ~~يستغفروا للمشركين } وعن أبي هريرة قال: # " زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه ms4533 فبكى وأبكى من حوله، ~~فقال: " استأذنت ربي في أن أستغفر لها؛ فلم يؤذن لي ~~واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور ~~فإنها تذكر الموت ". # قال قتادة: قال النبي صلى الله عليه وسلم # " لأستغفرن لأبي، كما استغفر إبراهيم لأبيه " # فأنزل الله هذه الآية. وروى سعيد بن المسيب عن أبيه قال: # " لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فوجد عنده أبا جهل، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة - فقال: ~~يا عم قل لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله " فقال أبو ~~جهل وعبد الله بن أبي أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ ~~فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعيد له ~~تلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: على ملة ~~عبد المطلب وأبى أن يقول لا إله إلا الله، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم " لأستغفرن لك ما لم أنه عنك " " # فأنزل الله هذه الآية، وقوله: # إنك لا تهدي من أحببت # [القصص:56]. وفي رواية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه # " قل: لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة " ، ~~قال: لولا أن تعيرني قريش، يقولون: إنما حمله على ~~ذلك الجزع لأقررت بها عينك؛ " # فنزل قوله: # إنك لا تهدي من أحببت # [القصص:56] الآية. قال الواحدي: " وقد استبعده الحسين بن الفضل؛ ~~لأن هذه السورة من آخر القرآن نزولا، ووفاة أبي طالب كانت بمكة أول ~~الإسلام ". # قال ابن الخطيب " وليس هذا بمستبعد؛ فإنه يمكن أن يقال: إن ~~النبي - عليه الصلاة والسلام - بقي يستغفر لأبي طالب من ذلك الوقت إلى ~~حين نزول # إنك لا تهدي من أحببت # [القصص:56] وروي عن علي بن أبي طالب أنه سمع رجلا يستغفر لأبويه ~~وهما مشركان، قال: فقلت له: أتستغفر لأبويك وهما مشركان؟ فقال: أو ليس قد ~~استغفر إبراهيم لأبويه وهما مشركان؟ فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فنزلت هذه الآية ". # وفي رواية: فأنزل الله عز وجل # قد كانت لكم ms4534 أسوة حسنة في إبراهيم # إلى قوله # إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك # [الممتحنة:4]. # فصل # قال القرطبي: " تضمنت هذه الآية قطع موالاة الكفار حيهم ~~وميتهم؛ لأن الله تعالى لم يجعل للمؤمنين أن يستغفروا للمشركين؛ فطلب ~~الغفران للمشرك لا يجوز، فإن قيل: صح أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال يوم أحد حين كسرت رباعيته وشج وجهه: # " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " # فكيف الجمع بين الآية والخبر؟ فالجواب أن ذلك القول من النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان على سبيل الحكاية عمن تقدمه من الأنبياء، بدليل ~~ما رواه مسلم عن عبد الله قال: كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه وهو يمسح الدم عن ~~وجهه ويقول # " رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " # وروى البخاري نحوه وهذا صريح في الحكاية عمن قبله ". # قال القرطبي: " لأنه قاله ابتداء عن نفسه. وجواب ثان: أن المراد ~~بالاستغفار في الآية: الصلاة. قال عطاء بن أبي رباح: الآية في النهي ~~عن الصلاة على المشركين، والاستغفار هنا يراد به الصلاة. # جواب ثالث: أن الاستغفار للأحياء جائز؛ لأنه مرجو إيمانهم، ويمكن ~~تألفهم بالقول الجميل، وترغيبهم في الدين بخلاف الأموات ". # قوله: { ولو كانوا أولي قربى } كقوله: " أعطوا السائل ولو ~~على فرس " وقد تقدم أنها حال معطوفة على حال مقدرة. وقوله: { من ~~بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم } ~~[التوبة:113] كالعلة للمنع من الاستغفار لهم. # قوله: { وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن ~~موعدة وعدهآ إياه }. # في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه: أحدها: أنه لا يتوهم إنسان ~~أنه تعالى منع محمدا من بعض ما أذن لإبراهيم فيه. # وثانيها: أنه تعالى لما بالغ في وجوب الانقطاع عن المشركين الأحياء ~~والأموات، بين ههنا أن هذا الحكم غير مختص بدين محمد - عليه الصلاة ~~والسلام -، بل وجوب الانقطاع مشروع أيضا في دين إبراهيم؛ فتكون المبالغة ~~في تقرير وجوب المقاطعة أكمل، وأقوى. # وثالثها: أنه تعالى وصف إبراهيم بكونه حليما أي: قليل الغضب، وبكونه ~~أواها، أي: كثير التوجع والتفجع ms4535 عند نزول المضار بالناس، ومن ~~كان موصوفا بهذه الصفة كان ميل قلبه إلى الاستغفار لأبيه شديدا؛ ~~فكأنه قيل: إن إبراهيم مع جلالة قدره، وكونه موصوفا بالأواهية ~~والحلمية منعه الله من الاستغفار لأبيه الكافر، فمنع غيره أولى. # قوله: " وعدهآ إياه ". اختلف في الضمير المرفوع، والمنصوب ~~المنفصل، فقيل - وهو الظاهر - إن المرفوع يعود على " إبراهيم " ، ~~والمنصوب على " أبيه " ، يعني: أن إبراهيم كان وعد أباه أن يستغفر له، ~~ويؤيد هذا قراءة الحسن، وحماد الراوية. وابن السميفع ومعاذ ~~القارئ " وعدها أباه " بالباء الموحدة. وقيل: المرفوع لأبي إبراهيم ~~والمنصوب ل " إبراهيم ". وفي التفسير أنه كان وعد إبراهيم أنه يؤمن؛ ~~فذلك طمع في إيمانه. # فصل # دل القرآن على أن إبراهيم استغفر لأبيه، لقوله: # واغفر لأبي # [الشعراء:86] وقوله: # ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم ~~الحساب # [إبراهيم:41] وقال: # سلام عليك سأستغفر لك ربي # [مريم:47] وقال أيضا # لأستغفرن لك # [الممتحنة:4]، والاستغفار للكافر لا يجوز. # فأجاب تعالى عن هذا الإشكال بقوله { وما كان استغفار ~~إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدهآ إياه } ~~والمعنى: أن أباه وعده أن يؤمن؛ فلذا استغفر له، فلما تبين له ~~أنه لا يؤمن وأنه عدو لله، تبرأ منه. وقيل: إن الواعد " ~~إبراهيم " وعد أباه أن يستغفر له رجاء إسلامه وقيل في الجواب وجهان ~~آخران: # الأول: أن المراد من استغفار إبراهيم لأبيه دعاؤه له إلى الإسلام، ~~وكان يقول له آمن حتى تتخلص من العقاب، ويدعو الله أن يرزقه الإيمان ~~فهذا هو الاستغفار، فلما أخبره تعالى بأنه يموت كافرا وترك تلك ~~الدعوة. # والثاني: أن من الناس من حمل قوله: { ما كان للنبي ~~والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين } على صلاة ~~الجنازة لا على هذا الطريق، قالوا: ويدل عليه قوله: # ولا تصل على أحد منهم مات أبدا # [التوبة:84]. # فصل # اختلفوا في السبب الذي تبين إبراهيم به أن أباه عدو لله. ~~فقيل: بالإصرار والموت وقيل: بالإصرار وحده. وقيل: بالوحي. فكأنه ~~تعالى يقول: لما تبين لإبراهيم أن أباه عدو لله تبرأ منه؛ ~~فكونوا كذلك، لأني أمرتكم بمتابعة إبراهيم في قوله: # اتبع ملة ms4536 إبراهيم # [النحل:123]. قوله: { إن إبراهيم لأواه حليم }. ~~الأواه: الكثير التأوه، وهو من يقول: أواه، وقيل: من يقول: ~~أوه، وهو أنسب؛ لأن " أوه " بمعنى: أتوجع، ف " الأواه ": ~~فعال مثال مبالغة من ذلك، وقياس فعله أن يكون ثلاثيا؛ لأن أمثله ~~المبالغة إنما تطرد في الثلاثي وقد حكى قطرب فعله ثلاثيا، فقال: ~~يقال: آه يئوه، ك " قام يقوم، " أوها ". # وأنكر النحويون هذا القول على قطرب، وقالوا: لا يقال من " أوه " ~~بمعنى: أتوجع، فعل ثلاثي، إنما يقال: أوه تأويها، وتأوه ~~تأوها؛ قال الراجز: [الرجز] # 2850- فأوه الراعي وضوضى أكلبه # وقال المثقب العبدي: [الوافر] # 2851- إذا ما قمت أرحلها بليل # تأوه آهة الرجل الحزين # وقال الزمخشري: " أواه: فعال، من أوه، ك: " لئال " من ~~اللؤلؤ، وهو الذي يكثر التأوه ". # قال أبو حيان " وتشبيه " أواه " من " أوه " ك " لئال " من ~~اللؤلؤ ليس بجيد؛ لأن مادة " أوه " موجودة في صورة " أواه " ، ~~ومادة " لؤلؤ " مفقودة في " لئال "؛ لاختلاف التركيب إذ " لئال " ~~ثلاثي، و " لؤلؤ " رباعي، وشرط الاشتقاق التوافق في الحروف الأصلية ". # قال شهاب الدين: " لئال " ، و " لؤلؤ " كلاهما من الرباعي ~~المكرر، أي: إن الأصل لام وهمزة ثم كررنا، غاية ما في الباب أنه ~~اجتمع الهمزتان في " لئال " فأدغمت أولاهما في الأخرى، وفرق بينهما في ~~" لؤلؤ " وقال ابن الأثير في قوله عليه السلام: # " أوه عن الربا " # كلمة يقولها الرجل عند الشكاية والتوجع وهي ساكنة الواو ومكسورة ~~الهاء، وربما قلبوا الواو ألفا فقالوا: آه من كذا، وربما ~~شددوا الواو وكسروها وسكنوا الهاء فقالوا " أوه " وربما حذفوا ~~مع التشديد الهاء فقالوا: " أو " وبعضهم فتح الواو مع التشديد فيقول " ~~أوه ". # وقال الجوهري: بعضهم يقول " آوه " بالمد والتشديد وفتح الواو ساكنة ~~الهاء؛ لتطويل الصوت بالشكاية، وربما أدخلوا فيه التاء فقالوا ~~" أوتاه " بمد وبغير مد. # فصل # قال عليه الصلاة والسلام: # " الأواه: الخاشع المتضرع " # وعن عمر: # " أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأواه، فقال: ~~الدعاء " # ويروى # " أن زينب تكلمت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بما غير لونه؛ ~~فأنكر عمر، فقال عليه الصلاة والسلام: ms4537 دعها فإنها أواهة " فقيل يا ~~رسول الله، وما الأواهة؟ قال: " الداعية الخاشعة المتضرعة ". # وقيل: معنى كون إبراهيم أواها، كلما ذكر لنفسه تقصيرا، أو ذكر له ~~شيء من شدائد الآخرة كان يتأوه إشفاقا من ذلك واستعظاما له. وعن ~~عباس: الأواه، المؤمن التواب. # وقال عطاء وعكرمة: هو الموقن. وقال مجاهد والنخعي: هو الفقيه. وقال ~~الكلبي وسعيد بن المسيب: هو المسبح الذي يذكر الله في الأرض ~~القفر الموحشة. # وقال أبو ذر: هو المتأوه؛ لأنه كان يقول " آه من النار قبل ألا ~~تنفع آه ". و " الحليم " معلوم. # وإنما وصفه بهذين الوصفين ههنا؛ لأنه تعالى وصفه بشدة الرقة ~~والشفقة والخوف، ومن كان كذلك فإنه تعظم رقته على أبيه وأولاده، ثم ~~إنه مع هذه الصفات تبرأ من أبيه وغلظ قلبه عليه لما ظهر له ~~إصراره على الكفر، فأنتم بهذا المعنى أولى. # قوله تعالى: { وما كان الله ليضل قوما } الآية. # لما منع المسلمين من أن يستغفروا للمشركين، والمسلمون كانوا قد ~~استغفروا للمشركين قبل نزول الآية، فلما نزلت هذه الآية خافوا بسبب ما ~~صدر عنهم قبل ذلك من الاستغفار للمشركين. # وأيضا فإن أقواما من المسلمين الذين استغفروا للمشركين، كانوا ماتوا ~~قبل نزول هذه الآية فوقع الخوف في قلوب المسلمين أنه كيف يكون ~~حالهم؛ فأزال الله ذلك عنهم بهذه الآية وبين أنه لا يؤاخذهم بعمل إلا ~~بعد أن يبين لهم أنه يجب عليهم أن يتقوه ويحترزوا عنه فهذا ~~وجه حسن في النظم. # فصل # معنى الآية: ما كان الله ليحكم عليكم بالضلالة بترك الأوامر ~~باستغفاركم للمشركين { حتى يبين لهم ما يتقون }. # قال مجاهد: " بيان الله للمؤمنين في ترك الاستغفار للمشركين خاصة، ~~وبيانه لهم في معصيته وطاعته عامة ". وقال الضحاك: " ما كان الله ~~ليعذب قوما حتى يبين لهم ما يأتون وما يذرون ". وقال مقاتل ~~والكلبي: هذا في المنسوخ، وذلك أن قوما قدموا على النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأسلموا قبل تحريم الخمر وصرف القبلة إلى الكعبة؛ فرجعوا إلى ~~قومهم وهم على ذلك ثم حرمت الخمر وصرفت القبلة، ولا علم لهم بذلك، ms4538 ثم ~~قدموا بعد ذلك المدينة؛ فوجدوا الخمر قد حرمت والقبلة قد صرفت، ~~فقالوا يا رسول الله: قد كنت على دين ونحن على غيره، فنحن ضلال؟ فأنزل ~~الله تعالى: { وما كان الله ليضل قوما بعد إذ ~~هداهم حتى يبين لهم } الناسخ، وقيل: المعنى: أنه أضله ~~عن طريق الجنة أي: صرفه ومنعه من التوجه إليه. # وقالت المعتزلة: المراد من هذا الإضلال، الحكم عليهم بالضلال؛ واحتجوا ~~بقول الكميت: [الطويل] # 2852- وطائفة قد أكفروني بحبكم # ........................ # قال ابن الأنباري " وهذا التأويل فاسد؛ لأن العرب إذا أرادوا ذلك ~~المعنى قالوا: ضلل يضلل، واحتجاجهم ببيت الكميت باطل؛ لأنه يلزم من ~~قولنا: أكفر في الحكم صحة قولنا: أضل. وليس كل موضع صح فيه " فعل " ~~صح فيه " أفعل ". فإنه يجوز أن يقال " كسر " ، و " قتل " ، ولا يجوز ~~" أكسر " ، و " أقتل "؛ بل يجب فيه الرجوع إلى السماع ". # قوله: { إن الله له ملك السماوات والأرض } الآية. # فيها فوائد: # أحدها: أنه تعالى لما أمر بالبراءة من الكفار، بين أنه له ~~ملك السموات والأرض، فإذا كان هو ناصركم فهم لا يقدرون على إضراركم. # وثانيها: أن المسلمين قالوا: لما أمرتنا بالانقطاع عن الكفار؛ ~~فحينئذ لا يمكننا أن نختلط بآبائنا، وأولادنا، وإخواننا، فكأنه قيل: ~~إن صرتم محرومين عن معاونتهم ومناصرتهم، فالإله المالك للسموات ~~والأرض، المحيي المميت ناصركم؛ فلا يضركم انقطاعهم عنكم. # وثالثها: أنه تعالى لما أمر بهذه التكاليف الشاقة كأنه قال: ~~وجب عليكم أن تنقادوا لحكمي، لكوني إلهكم، ولكونكم عبيدا لي. ### || [9.117-119] # قوله: { لقد تاب الله على النبي والمهاجرين ~~والأنصار } الآية. # لما شرح أحوال غزوة تبوك، وأحوال المتخلفين عنها، عاد إلى شرح ما ~~بقي من أحكامها فقال: { لقد تاب الله على النبي } الآية. ~~تاب الله: تجاوز وصفح، ومعنى توبته على النبي: مؤاخذته بإذنه للمنافقين ~~في التخلف، فقال: # عفا الله عنك لم أذنت لهم # [التوبة:43]، وعلى المؤمنين من ميل قلوب بعضهم إلى التخلف عنه. # وقيل: توبة الله عليهم استنقاذهم من شدة العسرة. وقيل: خلاصهم من ~~نكاية العدو وعبر عن ذلك بالتوبة - وإن خرج عن عرفها - لوجود معنى ms4539 ~~التوبة فيه، وهو الرجوع إلى الحالة الأولى. وقيل: افتتح الكلام به؛ ~~لأنه كان سبب توبتهم، فذكره معهم، كقوله تعالى: # فأن لله خمسه وللرسول # [الأنفال:41]. وقيل: لا يبعد أن يكون صدر عن أولئك الأقوام أنواع من ~~المعاصي، إلا أنه تعالى تاب عليهم، وعفا عنهم، لأجل تحملهم مشاق ~~السفر في شدة الحر للجهاد، ثم إنه تعالى ضم ذكر الرسول إلى ذكرهم، ~~تنبيها على عظم مراتبهم في الدين وأنهم قد بلغوا إلى الدرجة التي ~~لأجلها ضم الرسول - عليه الصلاة والسلام - إليهم في قبول التوبة. # قوله: "... اتبعوه " يجوز فيه وجهان: # أحدهما: أنه اتباع حقيقي، ويكون عليه الصلاة والسلام خرج أولا، ~~وتبعه أصحابه. وأن يكون مجازا، أي: اتبعوا أمره ونهيه. وساعة ~~العسرة عبارة عن وقت الخروج إلى الغزو، وليس المراد حقيقة ~~الساعة، بل كقولهم " يوم الكلاب " ، و: [الطويل] # 2853-................................. # عشية قارعنا جذام وحميرا # فاستعيرت " الساعة " لذلك؛ كما استعير " الغداة " و " العشية " في ~~قوله: [الطويل] # 2854- غداة طفت علماء بكر بن وائل # ............................. # وقوله: [الطويل] # 2855- إذا جاء يوما وارثي يبتغي الغنى # ..................... # فصل # في المراد بساعة العسرة قولان: # الأول: أنها غزوة تبوك، والمراد منها الزمان الذي صعب الأمر عليهم ~~جدا في ذلك السفر. والعسرة: تعذر الأمر وصعوبته. قال جابر " حصلت ~~عسرة الظهر، وعسرة الماء، وعسرة الزاد ". # أما عسرة الظهر؛ فقال الحسن: كان العشرة من المسلمين يخرجون على ~~بعير يعتقبونه بينهم. # وأما عسرة الزاد، فريما مص التمرة الواحدة جماعة يتناوبونها، ~~حتى لا يبقى من التمرة إلا النواة، وكان معهم شيء من شعير ~~مسوس، فكان أحدهم إذا وضع اللقمة في فيه أخذ أنفه من نتن ~~اللقمة. وأما عسرة الماء، فقال عمر: خرجنا في قيظ شديد، وأصابنا ~~فيه عطش شديد؛ حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه، ويشربه. # وهذه تسمى غزوة العسرة، ومن خرج فيها فهو جيش العسرة، وجهزهم عثمان ~~وغيره من الصحابة - رضي الله عنهم -. # والثاني: قال أبو مسلم " يجوز أن يكون المراد بساعة العسرة جميع ~~الأحوال، والأوقات الشديدة على الرسول، وعلى المؤمنين؛ فيدخل فيه ~~غزوة الخندق وغيرها. # وقد ذكر الله تعالى ms4540 بعضها في القرآن، كقوله: # وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر # [الأحزاب:10] وقوله: # ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه ~~حتى إذا فشلتم # [آل عمران:152] الآية، والمقصود منه وصف المهاجرين، والأنصار بأنهم ~~اتبعوا الرسول - عليه الصلاة والسلام - في الأوقات الشديدة والأحوال ~~الصعبة، وذلك يفيد نهاية المدح والتعظيم ". # قوله: { من بعد ما كاد يزيغ قلوب } قرأ حمزة وحفص عن عصام ~~" يزيغ " بالياء من تحت والباقون بالتاء من فوق. فالقراءة الأولى ~~تحتمل أن يكون اسم " كاد " ضمير الشأن و " قلوب " مرفوع ب " يزيغ " ~~، والجملة في محل نصب خبرا لها، وأن يكون اسمها ضمير القوم، أو ~~الجمع الذي دل عليه ذكر " المهاجرين والأنصار " ، ولذلك قدره أبو ~~البقاء، وابن عطية: " من بعد ما كاد القوم ". وقال أبو حيان - ~~في هذه القراءة - " فيتعين أن يكون في " كاد " ضمير الشأن، وارتفاع ~~" قلوب " ب " يزيغ " ، لامتناع أن يكون " قلوب " اسم " كاد " ، و " ~~يزيغ " في موضع الخبر؛ لأن النية فيه التأخير ولا يجوز: من بعد ما ~~كاد قلوب يزيغ بالياء " قال شهاب الدين: ولا يتعين ما ذكر في هذه ~~القراءة، لما تقدم من أنه يجوز أن يكون اسم " كاد " ضميرا عائدا ~~على الجمع أو القوم، والجملة الفعلية خبرها، ولا محذور يمنع ذلك من ~~ذلك. وقوله: لامتناع أن يكون " قلوب " اسم " كاد " لزم أن يكون " ~~يزيغ " خبرا مقدما؛ فيلزم أن يرفع ضميرا عائدا على " قلوب " ، ~~ولو كان كذلك للزم تأنيث الفعل؛ لأنه حينئذ مسند إلى ضمير مؤنث ~~مجازي؛ لأن جمع التكسير يجري مجرى المؤنث مجازا. وأما قراءة ~~التاء من فوق؛ فتحتمل أن يكون في " كاد " ضمير الشأن، كما تقدم، ~~و " قلوب " مرفوع ب " تزيغ " وأنث لتأنيث الجمع، وأن يكون " قلوب ~~" اسمها، و " تزيغ " خبر مقدم، ولا محذور في ذلك؛ لأن الفعل قد ~~أنث. # وقال أبو حيان: وعلى كل واحد من هذه الأعرايب الثلاثة إشكال على ~~ما تقرر في علم النحو من أن خبر أفعال المقاربة لا يكون إلا ~~مضارعا رافعا ضمير اسمها؛ فبعضهم أطلق وبعضهم قيد بغير " عسى " من ~~أفعال ms4541 المقاربة، ولا يكون سببا، وذلك بخلاف " كان " فإن خبرها يرفع ~~الضمير والسببي لاسم " كان " ، فإذا قدرنا فيها ضمير الشأن كانت ~~الجملة في موضع نصب على الخبر، والمرفوع ليس ضميرا يعود على اسم " ~~كاد " ، بل ولا سببا له، وهذا يلزم في قراءة التاء أيضا. # وأما توسط الخبر؛ فهو مبني على جواز مثل هذا التركيب في مثل: " كان ~~يقوم زيد " ، وفيه خلاف والصحيح المنع. وأما الوجه الأخير؛ فضعيف ~~جدا، من حيث أضمر في " كاد " ضميرا، ليس له على من يعود إلا بتوهم ~~ومن حيث يكون خبر " كاد " رافعا سببا. قال شهاب الدين: كيف يقول ~~" والصحيح المنع " وهذا التركيب موجود في القرآن، كقوله تعالى: # ما كان يصنع فرعون وقومه # [الأعراف:137] # كان يقول سفيهنا # [الجن:4]، وفي قول امرىء القيس: [الطويل] # 2856- وإن تك ساءتك مني خليقة # ......................... # فهذا التركيب واقع لا محالة. وإنما اختلفوا في تقديره: هل من باب ~~تقديم الخبر، أم لا؟ فمن منع؛ لأنه كباب المبتدأ والخبر الصريح، والخبر ~~الصريح متى كان كذلك؛ امتنع تقديمه على المبتدأ، لئلا يلتبس بباب ~~الفاعل؛ فكذلك بعد نسخه، ومن أجاز فلأمن اللبس. ثم قال أبو حيان: ~~" ويخلص من هذه الإشكالات اعتقاد كون " كاد " زائدة، ومعناها ~~مراد، ولا عمل لها إذ ذاك في اسم ولا خبر، فتكون مثل " كان " إذا ~~زيدت، يراد معناها ولا عمل لها، ويؤيد هذا التأويل قراءة ابن ~~مسعود " من بعد ما زاغت " بإسقاط " كاد " وقد ذهب الكوفيون إلى ~~زيادتها في قوله تعالى: # لم يكد يراها # [النور:40] مع تأثرها بالعامل وعملها فيما بعدها؛ فأحرى أن يدعى ~~زيادتها، وهي ليست عاملة ولا معمولة " قال شهاب الدين زيادتها ~~أباه الجمهور، وقال به من البصريين الأخفش وجعل منه # أكاد أخفيها # [طه:15] وتقدم الكلام [البقرة:205] على ذلك. وقرأ الأعمش، والجحدري ~~" تزيغ " بضم التاء، وكأنه جعل " أزاغ " ، و " زاغ " بمعنى. وقرأ ~~أبي " كادت " بتاء التأنيث. # فصل # " كاد " عند بعضهم تفيد المقاربة، وعند آخرين تفيد المقاربة مع عدم ~~الوقوع و " الزيغ " الميل، أي: من بعد ما كاد تميل قلوب فريق منهم، أو ms4542 ~~بعضهم، ولم يرد الميل عن الدين بل أراد الميل للتخلف، والانصراف؛ فهذه ~~التوبة توبة عن تلك المقاربة. # واختلفوا في الذي وقع في قلوبهم، فقيل: هم بعضهم عند تلك الشدة ~~العظيمة أن يفارق الرسول، لكنه صبر واحتسب؛ فلذلك قال تعالى: { ثم ~~تاب عليهم } لما صبروا وندموا على ذلك الأمر اليسير. وقال ~~آخرون: بل كان ذلك تحدث النفس الذي كان مقدمة العزيمة، فلما نالتهم ~~الشدة، وقع ذلك في قلوبهم، ومع ذلك تلافوا هذا اليسير خوفا من أن ~~يكون معصية؛ فلذلك قال تعالى: { ثم تاب عليهم }. # فإن قيل: ذكر التوبة في أول الآية، وفي آخرها، فما فائدة التكرار؟ # فالجواب من وجوه: # أحدها: أنه تعالى ابتدأ بذكر التوبة قبل ذكر الذنب تطيببا ~~لقلوبهم ثم لما ذكر الذنب أردفه مرة أخرى بذكر التوبة؛ تعظيما ~~لشأنهم. # وثانيها: إذا قيل: عفا السلطان عن فلان ثم عفا عنه، دل على أن ~~ذلك العفو متأكد بلغ الغاية القصوى في الكمال والقوة، قال عليه ~~الصلاة والسلام: # " إن الله ليغفر ذنب الرجل المسلم عشرين مرة " # وهذا معنى قول ابن عباس في قوله: { ثم تاب عليهم } يريد ~~ازداد عنهم رضا. قال ابن عباس: من تاب الله عليه لم يعذبه ~~أبدا. وتقدمت هذه الآثار في سورة النساء. # وثالثها: أنه قال { لقد تاب الله على النبي ~~والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة ~~العسرة } وهذا الترتيب يدل على أن المراد أنه تعالى تاب ~~عليهم من الوساوس التي كانت تقع في قلوبهم في ساعة العسرة، ثم إنه ~~تعالى زاد عليه فقال: { من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق ~~منهم } فهذه الزيادة أفادت حصول وساوس قوية، فلا جرم أتبعها تعالى ~~بذكر التوبة مرة أخرى لئلا يبقى في خاطر أحد شك في كونهم مؤاخذين بتلك ~~الوساوس. ثم قال تعالى { إنه بهم رءوف رحيم } وهما صفتان ~~لله تعالى، ومعناهما متقارب، ويمكن أن تكون الرأفة عبارة عن إزالة ~~الضرر، والرحمة عبارة عن إيصال المنفعة. # وقيل: إحداهما للرحمة السالفة، والأخرى للمستقبلة. # قوله: { وعلى الثلاثة الذين خلفوا } الآية. # قوله " وعلى الثلاثة " يجوز ms4543 أن ينسق على " النبي، أي: تاب على ~~النبي، وعلى الثلاثة، وأن ينسق على الضمير في " عليهم " أي: تاب ~~عليهم، وعلى الثلاثة، ولذلك كرر حرف الجر. # وقرأ جمهور الناس " خلفوا " مبنيا للمفعول مشددا، من: خلفه ~~يخلفه. # وقرأ أبو مالك كذلك إلا أنه خفف اللام. وقرأ عكرمة، وزر بن ~~حبيش، وعمرو بن عبيد، وعكرمة بن هارون المخزمي، ومعاذ للقارئ " ~~خلفوا " مبنيا للفاعل مخففا من: " خلفه ". # والمعنى: الذين خلفوا، أي: فسدوا، من: خلوف الفم. ويجوز أن يكون ~~المعنى أنهم خلفوا الغازين في المدينة. وقرأ أبو العالية، وأبو الجوزاء ~~كذلك، إلا أنهما شددا اللام وقرأ أبو رزين، وعلي بن الحسين، ~~وابناه: زيد، ومحمد الباقر، وابنه جعفر الصادق: " خالفوا " بألف، ~~أي: لم يوافقوا الغازين في الخروج. # قال الباقر " ولو خلفوا لم يكن لهم ". # وقرأ الأعمش " وعلى الثلاثة المخلفين ". و " الظن " هنا بمعنى ~~العلم؛ كقوله: [الطويل] # 2857- فقلت لهم: ظنوا بألفي مدجج # سراتهم في الفارسي المسرد # وقوله: # الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم # [البقرة:46]؛ لأنه تعالى ذكر هذا الوصف في معرض المدح والثناء، ولا ~~يكون ذلك إلا مع علمهم. وقيل: هو على بابه؛ لأنه عليه الصلاة والسلام ~~وقف أمرهم على الوحي، فهم لم يقطعوا بأن الله ينزل في شأنهم قرآنا، بل ~~كانوا مجوزين لذلك، أو كانوا قاطعين بأن الله ينزل الوحي ~~ببراءتهم، ولكنهم جوزوا أن تطول المدة في بقائهم في الشدة، ~~فالظن عاد إلى تجويز كون تلك المدة قصيرة. # قوله: { أن لا ملجأ } " أن " هي المخففة سادة مسد ~~المفعولين، و " لا " وما في حيزها الخبر، و { من الله } خبرها، ~~ولا يجوز أن تتعلق ب " ملجأ " ، ويكون " إلا إليه " الخبر لأنه ~~كان يلزم إعرابه؛ لأنه يكون مطولا. # وقد قال بعضهم: إنه يجوز تشبيه الاسم المطول بالمضاف فينتزع ~~ما فيه من تنوين ونون، كقوله: [الطويل] # 2858- أراني ولا كفران لله أية # ..................... # وقوله عليه الصلاة والسلام: # " لا صمت يوم إلى الليل " # برفع " يوم " وقد تقدم ذلك [الأنفال:48]. # قوله: " إلا إليه " استثناء من ذلك العام المحذوف، أي: لا ملجأ ~~لأحد إلا إليه كقولك: ms4544 " لا إله إلا الله ". # فصل # هؤلاء الثلاثة هم المذكورون في قوله تعالى # وآخرون مرجون لأمر الله # [التوبة:106]. # واختلفوا في السبب الذي لأجله وصفوا بكونهم مخلفين فقيل: ليس المراد ~~أنهم أمروا بالتخلف، أو حصل الرضا من الرسول بذلك، بل هو كقولك ~~لصاحبك أين خلفت فلانا؟ فيقول: بموضع كذا، لا يريد به أنه أمره ~~بالتخلف، بل لعله قد نهاه عنه، وإنما يريد أنه تخلف عنه. # وقيل: لا يمتنع أن هؤلاء الثلاثة كان عزمهم الذهاب إلى الغزو؛ فأذن ~~لهم الرسول - عليه الصلاة والسلام - في قدر تحصيل الآلات، فلما ~~بقوا مدة ظهر التواني والكسل، فصح أن يقال: خلفهم الرسول. # وقيل: إنه حكى قصة أقوام وهم المرادون بقوله # وآخرون مرجون لأمر الله # [التوبة:106] والمراد من كون هؤلاء مخلفين كونهم مؤخرين في قبول ~~التوبة. قال كعب بن مالك، وهو أحد الثلاثة: قول الله في حقنا { ~~وعلى الثلاثة الذين خلفوا } ليس من تخلفنا إنما هو ~~تأخير رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا؛ يشير إلى قوله: # وآخرون مرجون لأمر الله # [التوبة:106] # فصل # هؤلاء الثلاثة هم: كعب بن مالك الشاعر، وهلال بن أمية الذي ~~نزلت فيه آية اللعان، ومرارة بن الربيع. # وفي قصتهم قولان: # الأول: أنهم ذهبوا خلف الرسول - عليه الصلاة والسلام -، قال ~~الحسن: كان لأحدهم أرض ثمنها مائة ألف درهم فقال: يا أرضاه ما خلفني ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أمرك؛ فاذهبي في سبيل الله، ~~فلأكابدن المفاوز حتى أصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعل، وكان ~~للثاني أهل فقال: يا أهلاه ما خلفني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلا أمرك؛ فلأكابدن المفاوز حتى أصل إليه وفعل. والثالث: ما كان ذا مال ~~ولا أهل فقال: ما لي سبب إلا الضن بالحياة، والله لأكابدن المفاوز حتى ~~أصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلحقوا برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فنزل قوله # وآخرون مرجون لأمر الله # [التوبة:106]. # والثاني - وهو قول الأكثرين -: أنهم ما ذهبوا خلف الرسول - عليه ~~الصلاة والسلام - قال كعب: ms4545 # " " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب حديثي، فلما أبطأت عليه في ~~الخروج قال عليه الصلاة والسلام: ما الذي حبس كعبا فلما قدم المدينة ~~اعتذر المنافقون فعذرهم، وأتيته فقلت: إن كراعي، وزادي كان حاضرا، ~~واحتبست بذنبي، فاستغفر لي فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، ثم ~~إنه - عليه الصلاة والسلام - نهى عن مجالسة هؤلاء الثلاثة، وأمر ~~بمباينتهم، حتى أمر بذلك نساءهم؛ فضاقت عليهم الأرض بما رحبت وجاءت ~~امرأة هلال بن أمية وقالت: يا رسول الله لقد بكى، حتى خفت على بصره، ~~حتى إذا مضى خمسون يوما أنزل الله تعالى: { لقد تاب الله على ~~النبي والمهاجرين } [التوبة:117] وقوله: { وعلى ~~الثلاثة الذين خلفوا } فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى حجرته، وهو عند أم سلمة فقال: الله أكبر؛ قد أنزل الله عذر ~~أصحابنا " فلما صلى الفجر ذكر ذلك لأصحابه، وبشرهم بأن الله ~~تاب عليهم؛ فانطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلا عليهم ما ~~نزل فيهم فقال كعب: توبتي إلى الله تعالى أن أخرج مالي صدقة فقال: " لا ~~" فقلت: نصفه، قال: " لا " ، قلت: فثلثه، قال: " نعم " ". # فصل # معنى: { ضاقت عليهم الأرض بما رحبت } تقدم تفسيره في ~~هذه السورة وسببه: إعراض الرسول عنهم، ومنع المؤمنين من مكالمتهم، ~~وأمر أزواجهم باعتزالهم، وبقائهم على هذه الحالة خمسين يوما، وقيل: أكثر ~~حتى ضاقت عليهم أنفسهم، أي: ضاقت صدورهم بالغم والهم، ومجانبة ~~الأولياء، ونظر الناس إليهم بعين الإهانة، و " ظنوا " أي: استيقنوا ~~" أن لا ملجأ " لا مفزع من الله إلا إليه. # قال ابن الخطيب: يقرب معناه من قوله عليه الصلاة والسلام: # " أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من غضبك، وأعوذ بك ~~منك ". # قوله: { ثم تاب عليهم ليتوبوا } فيه وجوه: # أحدها: قال أهل السنة: المراد منه أن فعل العبد مخلوق لله ~~تعالى، فقوله: " تاب عليهم " يدل على أن التوبة فعل الله وقوله: ~~" ليتوبوا " يدل على أنها فعل العبد؛ فهو نظير قوله: # فليضحكوا قليلا # [التوبة:82] مع قوله # وأنه هو أضحك # [النجم:43] وقوله # كمآ أخرجك ربك ms4546 من بيتك # [الأنفال:5] مع قوله # إذ أخرجه الذين كفروا # [التوبة:40] وقوله # هو الذي يسيركم # [يونس:22] مع قوله: # قل سيروا # [الأنعام:11]. # وثانيا: تاب عليهم في الماضي ليكون داعيا لهم إلى التوبة في المستقبل. # وثالثها: أصل التوبة الرجوع أي: تاب عليهم؛ ليرجعوا إلى حالهم ~~وعادتهم في الاختلاط بالمؤمنين، وزوال المباينة فتسكن نفوسهم عند ذلك. # ورابعها: { ثم تاب عليهم ليتوبوا } أي: ليداوموا على ~~التوبة ولا يراجعوا ما يبطلها. # وخامسها: { ثم تاب عليهم } لينتفعوا بالتوبة { إن الله ~~هو التواب الرحيم }. # واعلم أن ذكر " الرحيم " عقب ذكر " التواب " يدل على أن قبول ~~التوبة لمحض الرحمة والكرم، لا لأجل الوجوب، كما تقول المعتزلة، وذلك ~~يقوي أنه لا يجب عقلا على الله قبول قوله تعالى: { يأيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله } الآية. # لما قبل توبة هؤلاء الثلاثة، ذكر ما يكون كالزاجر عن فعل مثل ما ~~مضى، وهو التخلف عن رسول الله في الجهاد، أي: اتقوا الله في مخالفة ~~أمر الرسول { وكونوا مع الصادقين } أي: مع النبي وأصحابه في ~~الغزوات، ولا تتخلفوا عنها، وتجلسوا مع المنافقين في البيوت. # قال نافع: " مع الصادقين " أي: مع محمد. وقال سعيد بن جبير: ~~مع أبي بكر وعمر. # وقال ابن جريج: مع المهاجرين، لقوله تعالى: # للفقرآء المهاجرين # [الحشر:8] إلى قوله # أولئك هم الصادقون # [الحشر:8]. # وقال ابن عباس: مع الذين صدقت نياتهم؛ فاستقامت قلوبهم وأعمالهم، ~~وخرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك بإخلاص ونية. وقيل: ~~من الذين صدقوا في الاعتراف بالذنب، ولم يعتذروا بالأعذار الكاذبة. # فصل # دلت الآية على فضيلة الصدق، وكمال درجته، قال ابن مسعود: إن ~~الكذب لا يصلح في جد ولا هزل، ولا أن يعد أحدكم صبيه شيئا ثم لا ~~ينجز له، اقرءوا إن شئتم، وقرأ الآية. # " وروي أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إني أريد أن ~~أومن بك إلا أني أحب الزنا، والخمر، والسرقة، والكذب، والناس ~~يقولون: إنك تحرم هذه الأشياء، ولا طاقة لي على تركها بأسرها، فإن قنعت ~~مني بترك واحد منها آمنت بك، ms4547 فقال عليه الصلاة والسلام: " ~~اترك الكذب "؛ فقبل ذلك ثم أسلم، فلما خرج من عند النبي صلى ~~الله عليه وسلم عرضوا عليه الخمر، فقال: إن شربت الخمر فسألني رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن شربها، وكذبت فقد نقضت العهد، وإن صدقت أقام ~~الحد علي، فتركها، ثم عرضوا عليه الزنا؛ فجاء ذلك الخاطر، ~~فتركه، وكذا في السرقة، فعاد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ما ~~أحسن ما قلت، لما منعتني من الكذب انسدت أبواب المعاصي علي، وتاب عن ~~الكل " # وقال ابن مسعود: " عليكم بالصدق فإنه يقرب إلى البر، ~~والبر يقرب إلى الجنة، وإن العبد ليصدق؛ فيكتب عند الله ~~صديقا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يقرب إلى الفجور، والفجور ~~يقرب إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا، ~~ألا ترى أنه يقال: صدقت، وبررت، وكذبت، وفجرت ". # وقيل في قول إبليس: # قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك ~~منهم المخلصين # [ص:82، 83] إن إبليس لو لم يذكر هذا الاستثناء لصار كاذبا في ادعاء ~~إغواء الكل، فكأنه استنكف عن الكذب؛ فذكر هذا الاستثناء، وإذا كان ~~الكذب شيئا يستنكف منه إبليس، فالمسلم أولى أن يستنكف منه ومن ~~فضائل الصدق أن الإيمان منه لا من سائر الطاعات، ومن معايب الكذب ~~أن الكفر منه لا من سائر الذنوب. ### || [9.120-122] # قوله تعالى: { ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من ~~الأعراب } الآية. # لما أوجب عليهم موافقة الرسول في جميع الغزوات والمشاهد؛ أكد ذلك ~~بالنهي في هذه الآية عن التخلف عنه. قال المفسرون: ظاهره خبر ومعناه ~~نهي، كقوله تعالى # وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله # [الأحزاب:53]، { ومن حولهم من الأعراب } سكان البوادي: ~~مزينة وجهينة، وأشجع وأسلم، وغفار، قاله ابن عباس. وقيل: يتناول جميع ~~الأعراب الذين كانوا حول المدينة، فإن اللفظ عام، والتخصيص تحكم، ~~وعلى القولين فليس لهم أن يتخلفوا عن رسول الله إذا غزا، { ولا ~~يرغبوا بأنفسهم عن نفسه } أي: لا يطلبوا لأنفسهم الحفظ ~~والدعة حال ما يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحر ~~والمشقة، والمعنى: ms4548 ليس لهم أن يكرهوا لأنفسهم ما يرضاه الرسول - عليه ~~الصلاة والسلام - لنفسه. يقال: رغبت بنفسي عن هذا الأمر، أي: توقفت ~~عنه وتركته، وأرغب بفلان عن هذا الأمر، أي: أبخل به عليه ولا أتركه. # وظاهر الآية وجوب الجهاد على الكل، إلا ما خصه الدليل من المرضى، ~~والضعفاء، والعاجزين. ولما منعهم من التخلف، بين أنهم لا يصيبهم في ~~ذلك السفر نوع من المشقة إلا وهو يوجب الثواب العظيم عند الله تعالى. # وذكر أمورا منها بقوله: " ذلك بأنهم " مبتدأ وخبر، والإشارة ~~به إلى ما تضمنه انتفاء التخلف عن وجوب الخروج معه. " لا يصيبهم ~~ظمأ " وهو العطش، يقال: ظمىء يظمأ ظمأ، فهو ظمآن وهي ~~ظمأى، وفيه لغتان: القصر والمد، وبالمد قرأ عمرو بن عبيد، نحو: سفه ~~سفاها، والظمء: ما بين الشربتين. # ومنها: قوله: " ولا نصب " أي: إعياء وتعب. { ولا مخمصة في ~~سبيل الله } أي: مجاعة شديدة يظهر بها ضمور البطن، يقال: فلان خميص ~~البطن، ومنها قوله: { ولا يطأون موطئا يغيظ الكفار }. ~~" موطئا " مفعل، من: وطىء، ويحتمل أن يكون مصدرا بمعنى: الوطء ~~وأن يكون مكانا، والأول أظهر؛ لأن فاعل " يغيظ " يعود عليه من ~~غير تأويل، بخلاف كونه مكانا، فإنه يعود على المصدر، وهو الوطء، ~~الدال عليه مكان الموطىء. والمعنى: لا يضع الإنسان قدمه، ولا يضع ~~فرسه حافره، ولا يضع بعيره خفه، بحيث يصير ذلك سببا لغيظ الكفار. قوله: ~~" يغيظ الكفار " قال ابن الأعرابي: يقال: غاظه، وغيظه، ~~وأغاظه بمعنى واحد، أي: أغضبه. وقرأ زيد بن علي " يغيظ " بضم ~~الياء. # وقوله: { ولا ينالون من عدو نيلا } النيل: مصدر؛ ~~فيحتمل أن يكون على بابه، وأن يكون واقعا موقع المفعول به، وليس ياؤه ~~مبدلة من " واو " كما زعم بعضهم، بل ناله ينوله مادة أخرى، وبمعنى ~~آخر، وهو " المناولة " ، يقال: نلته أنوله، أي: تناولته، ونلته ~~أناله، أي: أدركته. # والمعنى: ولا ينالهم من العدو أسرا، أو قتلا، أو هزيمة قليلا كان أو ~~كثيرا { إلا كتب لهم به عمل صالح } أي كان ذلك قربة ~~عند الله لهم. # قال قتادة: " هذا الحكم من ms4549 خواص رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا ~~بنفسه فليس لأحد أن يتخلف عنه إلا بعذر " وقال ابن زيد: هذا حين ~~كان المسلمون قلة فلما كثروا نسخها الله بقوله: { وما كان ~~المؤمنون لينفروا كآفة }. وقال عطية: ما كان لهم أن ~~يتخلفوا عن رسول الله إذا دعاهم، وهذا هو الصحيح؛ لأن إجابة ~~الرسول واجبة، وكذلك غيره من الأئمة. # قال الوليد بن مسلم: سمعت الأوزاعي، وابن المبارك، وابن جابر، ~~وسعيد بن عبد العزيز يقولون في هذه الآية: إنها لأول هذه الأمة ~~وآخرها، وذلك لأنا لو سوغنا للمندوب أن يتقاعد لم يختص بذلك بعض دون ~~بعض فيؤدي ذلك إلى تعطيل الجهاد. # قوله: { ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة } أي: ~~تمرة فما فوقها، وعلاقة سوط فما فوقها { ولا يقطعون واديا } ~~قال الزمخشري: " الوادي ": كل منفرج بين جبال وآكام يكون منفذا ~~للسبيل، وهو في الأصل فاعل من: ودى، إذا سال، ومنه " الودي ". وقد ~~شاع في استعمال العرب بمعنى الأرض. وجمع على " أودية " ، وليس بقياس، ~~وكان قياسه " الأوادي " ، ك " أواصل " جمع: " واصل " ، والأصل: ~~وواصل، قلبت " الواو " الأولى همزة. وهم قد يستثقلون واحده، حتى قالوا: ~~" أقيت " في " وقيت ". وحكى الخليل، وسيبويه، في تصغير واصل اسم ~~رجل " أويصل " ، ولا يقولون غيره قال النحاس " ولا أعرف فاعلا ~~وأفعلة سواه " وقد استدرك هذا عليه؛ فزادوا: ناد وأندية؛ وأنشدوا: ~~[الطويل] # 2859- وفيهم مقامات حسان وجوههم # وأندية ينتابها القول والفعل # والنادي المجلس. # وقال الفراء: إنه يجمع على " أوداء " ك " صاحب وأصحاب "؛ وأنشد ~~لجرير: [الوافر] # 2860- عرفت ببرقة الأوداء رسما # محيلا طال عهدك من رسوم # وزاد الراغب في " فاعل وأفعلة ": " ناج وأنجية " فقد كملت ~~ثلاثة ألفاظ، في " فاعل وأفعلة ". ويقال: أوداه: أي: أهلكه؛ كأنهم ~~تصوروا منه إسالة الدم. وسمي الدية دية؛ لأنها في مقابلة ~~إسالة الدم. ومنه " الودي " وهو ماء الفحل عند المداعبة، وما ~~يخرج عند البول، و " الودي " بكسر الدال وتشديد الياء: صغار ~~النحل. # قوله: " إلا كتب " هذه الجملة في محل نصب على الحال من " ~~ظمأ " وما عطف عليه أي: لا يصيبهم ظمأ ms4550 إلا مكتوبا. وأفرد الضمير في ~~" به " ، وإن تقدمته أشياء، إجراء للضمير مجرى اسم الإشارة، أي: كتب ~~لهم بذلك عمل صالح. # قال ابن عباس: بكل روعة تنالهم في سبيل الله سبعين ألف حسنة. # وقوله: " إلا كتب " كنظيره. والمضمر: يحتمل أن يعود على العمل ~~الصالح المتقدم، وأن يعود على أحد المصدرين المفهومين من " ينفقون " و ~~" يقطعون " ، أي: إلا كتب لهم الإنفاق أو القطع. وقوله: " ~~ليجزيهم " متعلق ب " كتب " وقوله: { أحسن ما كانوا ~~يعملون } فيه وجهان: # الأول: أن الأحسن من صفة فعلهم وفيها الواجب والمندوب والمباح، والله ~~تعالى يجزيهم على الأحسن، وهو الواجب والمندوب دون المباح. # والثاني: أن الأحسن صفة للجزاء، أي: يجزيهم جزاء هو أحسن من أعمالهم ~~وأفضل، وهو الثواب. روى خريم بن فاتك قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " من أنفق نفقة في سبيل الله كتب الله له سبعمائة ضعف ". # قوله تعالى: { وما كان المؤمنون لينفروا كآفة } ~~الآية. # يمكن أن يقال هذه الآية من بقية أحكام الجهاد، ويمكن أن يقال إنه ~~كلام مبتدأ لا تعلق لها بالجهاد. # أما الأول فنقل عن ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا خرج ~~إلى الجهاد لم يتخلف عنه إلا منافق أو صاحب علة. فلما بالغ الله ~~تعالى في عيوب المنافقين في غزوة تبوك قال المؤمنون: والله لا نتخلف عن ~~شيء من الغزوات مع الرسول، ولا عن سرية. فلما قدم الرسول - عليه ~~الصلاة والسلام - المدينة، وأرسل السرايا إلى الكفار، نفر المسلمون ~~جميعا إلى الغزو وتركوه وحده بالمدينة؛ فنزلت هذه الآية. والمعنى: لا ~~يجوز للمؤمنين أن ينفروا كلهم إلى الجهاد، بل يجب أن يصيروا طائفتين، ~~طائفة تبقى في خدمة الرسول، وطائفة أخرى تنفر للجهاد، وذلك لأن الإسلام ~~في ذلك الوقت كان محتاجا إلى الجهاد، وأيضا كانت التكاليف والشرائع ~~تنزل، وكان بالمسلمين حاجة إلى من يكون مقيما بحضرة الرسول - عليه ~~الصلاة والسلام - يتعلم تلك الشرائع والتكاليف، ويبلغها للغائبين، ~~وبهذا الطريق يتم أمر الدين، وعلى هذا القول ففيه احتمالان: # أحدهما: أن تكون الطائفة المقيمة هم الذين ms4551 يتفقهون في الدين ~~لملازمتهم الرسول - عليه الصلاة والسلام -، ومشاهدتهم التنزيل؛ فكلما ~~نزل تكليف وشرع؛ عرفوه وحفظوه، فإذا رجعت الطائفة النافرة من الغزو؛ ~~أنذرتهم المقيمة ما تعلموه من التكاليف والشرائع، وعلى هذا فلا بد من ~~إضمار، والتقدير: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة وأقامت طائفة لتفقه ~~المسلمين في الدين، ولينذروا قومهم، يعني النافرين إلى الغزو إذا رجعوا ~~إليهم لعلهم يحذرون معاصي الله تعالى. # والاحتمال الثاني: أن التفقهة صفة للطائفة النافرة قاله الحسن. ~~والمعنى: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة حتى تصير هذه الطائفة ~~النافرة فقهاء في الدين، أي: أنهم إذا شاهدوا ظهور المسلمين على ~~المشركين، وأن العدد القليل منهم يغلبون العالم من المشركين؛ فيتبصروا ~~ويعلموا أن ذلك بسبب أن الله تعالى خصهم بالنصرة، والتأييد وأن ~~الله تعالي يريد إعلاء دين محمد، وتقوية شريعته؛ فإذا رجعوا إلى قومهم ~~من الكفار أنذروهم بما شاهدوا من دلائل النصر، والفتح، والظفر، لعلهم ~~يحذرون؛ فيتركوا الكفر والنفاق. # وأما الثاني: وهو أن هذا حكم مبتدأ؛ فتقريره أن الله تعالى، لما ~~بين في هذه السورة أمر الهجرة، ثم أمر الجهاد، وهما عبادتان بالسفر، ~~بين أيضا عبادة التفقه من جهة الرسول وله تعلق بالسفر، فقال: { ~~وما كان المؤمنون لينفروا كآفة } إلى حضرة الرسول ~~- عليه الصلاة والسلام - ليتفقهوا في الدين، بل ذلك غير واجب، وليس ~~حاله كحال الجهاد مع الرسول الذي يجب أن يخرج فيه كل من لا عذر له. # ثم قال: { فلولا نفر من كل فرقة منهم } يعني من ~~الفرق الساكنين في البلاد، طائفة إلى حضرة الرسول - عليه الصلاة ~~والسلام - ليتفقهوا في الدين، وليعرفوا الحلال والحرام ويعودوا إلى ~~قومهم؛ فينذروا ويحذروا قومهم، لكي يرجعوا عن كفرهم، وعلى هذا فالمراد ~~وجوب الخروج إلى حضرة الرسول للفقه والتعلم. # فإن قيل: أفتدل الآية على وجوب الخروج للتفقه في كل زمان؟ # فالجواب: متى عجز عن التفقه إلا بالسفر؛ وجب عليه السفر، وفي زمان ~~الرسول - عليه الصلاة السلام - كان الأمر كذلك؛ لأن الشريعة ما كانت ~~مستقرة، بل كان يحدث كل يوم تكليف ms4552 جديد، وشرع حادث. وأما الآن فقد صارت ~~الشريعة مستقرة؛ فإذا أمكنه تحصيل العلم في الوطن لم يجب السفر. # قوله: { فلولا نفر من كل فرقة } " لولا " تحضيضية، ~~والمراد به الأمر؛ لأن " لولا " إذا دخل على الفعل كان بمعنى ~~التحضيض مثل " هلا "؛ لأن " هلا " كلمتان " هل " وهو استفهام ~~وعرض؛ لأنك إذا قلت للرجل: هل تأكل؟ فكأنك عرضت ذلك عليه، و " لا ~~" وهو جحد، ف " هلا " مركب من أمرين: العرض، والجحد. فإذا قلت: هلا ~~فعلت كذا؟ فكأنك قلت: هل فعلت. ثم قلت معه " لا " أي: ما فعلت، ففيه ~~تنبيه على وجوب الفعل وتنبيه على أنه حصل الإخلال بهذا الواجب، وهكذا ~~الكلام في " لولا " لأنك إذا قلت: لولا دخلت علي، ولولا أكلت ~~عندي، فمعناه أيضا عرض وإخبار عن سرورك به، لو فعل، وهكذا الكلام في ~~" لوما " ومنه قوله: # لو ما تأتينا بالملائكة # [الحجر:7] ف " لولا " ، و " هلا " و " لوما " ألفاظ متقاربة، ~~والمراد بها: الترغيب والتحضيض. و " منهم " يجوز أن يكون صفة ل " ~~فرقة " ، وأن يكون حالا من " طائفة "؛ لأنها في الأصل صفة ~~لها. # وعلى كلا التقديرين فيتعلق بمحذوف. والذي ينبغي أن يقال: إن " من ~~كل فرقة " حال من " طائفة " و " منهم " صفة ل " فرقة ". ~~ويجوز أن يكون " من كل " متعلقا ب " نفر ". وفي الضمير من قوله " ~~ليتفقهوا " قولان: # أحدهما: أنه للطائفة النافرة. # والثاني: للطائفة القاعدة، والضمير في " رجعوا " عائد على ~~النافرة. قال ابن العربي، والقاضي أبو بكر، والشيخ أبو الحسن: " ~~إن الطائفة ههنا واحد، ويقضون على وجوب العمل بخبر الواحد، وهو ~~صحيح، لا من جهة أن الطائفة تطلق على الواحد ولكن من جهة أن خبر الشخص ~~الواحد أو الأشخاص خبر واحد، وأن مقابله وهو التواتر لا ينحصر ". # قال القرطبي: " أنص ما يستدل به على أن الواحد يقال له: طائفة قوله ~~تعالى: # وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا # [الحجرات:9] أي: نفسين، بدليل قوله: # فأصلحوا بين أخويكم # [الحجرات:10] فجاء بلفظ التثنية، وأما الضمير في: " اقتتلوا " وإن ~~كان ضمير جماعة فأقل الجماعة اثنان في أحد القولين ". # فصل # دلت ms4553 هذه الآية على أن خبر الواحد حجة، وأن كل ثلاثة فرقة، وقد ~~أوجب الله تعالى أن يخرج من كل فرقة طائفة، والخارج من الثلاثة يكون ~~اثنين، أو واحدا؛ فوجب أن تكون الطائفة إما اثنين أو واحدا، ثم إنه ~~تعالى أوجب العمل بأخبارهم، لقوله " ولينذروا قومهم " وهو ~~عبارة عن أخبارهم. وقوله " لعلهم يحذرون " إيجاب على قومهم أن ~~يعملوا بأخبارهم، وذلك يقتضي أن يكون خبر الواحد أو الاثنين حجة في ~~الشرع. # قال القاضي: " لا تدل الآية على وجوب العمل بخبر الواحد؛ لأن الطائفة ~~قد تكون جماعة يقع بخبرها الحجة؛ ولأن قوله: " ولينذروا ~~قومهم " يصح وإن لم يجب القبول، كما أن الشاهد الواحد يلزمه ~~الشهادة، وإن لم يلزم القبول؛ ولأن الإنذار يتضمن التخويف، وهذا ~~العذر لا يقتضي وجوب العمل به ". # والجواب: أنا بينا أن كل ثلاثة فرقة، وقد أوجب الله أن يخرج من ~~كل فرقة طائفة؛ فلزم كون الطائفة إما اثنين أو واحدا؛ فبطل كون الطائفة ~~جماعة يحصل العلم بخبرهم، فإن قيل: إنه تعالى أوجب العمل بقول أولئك ~~الطوائف، فلعلهم بلغوا في الكثرة إلى حيث يحصل العلم بخبرهم. # فالجواب: أنه تعالى أوجب على كل طائفة أن يرجعوا إلى قومهم، فاقتضى ~~رجوع كل طائفة إلى قوم خاص، ثم إنه تعالى أوجب العمل بقول تلك الطائفة، ~~وهو المطلوب. # وأما قوله: " ولينذروا قومهم " يصح وإن لم يجب القبول؛ ~~فالجواب: أنا لا نتمسك في وجوب العمل بخبر الواحد بقوله: " ~~ولينذروا " بل بقوله: " لعلهم يحذرون " فإنه ترغيب منه ~~تعالى في الحذر، بناء على أن ذلك الإنذار يقتضي إيجاب العمل على وفق ~~ذلك الإنذار. # فصل # الفقه معرفة أحكام الدين، وهو ينقسم إلى فرض عين، وفرض كفاية، ففرض ~~العين مثل: علم الطهارة والصلاة والصوم، فعلى كل مكلف معرفته، قال عليه ~~الصلاة والسلام # " طلب العلم فريضة على كل مسلم " # وكذلك كل عبادة أوجبها الشرع على كل واحد يجب عليه معرفة علمها مثل: ~~علم الزكاة إن كان له مال، وعلم الحج إن وجب عليه. # وأما فرض الكفاية، فهو أن يتعلم حتى يبلغ ms4554 رتبة الاجتهاد؛ فإذا قعد أهل ~~بلد عن تعلمه عصوا جميعا، وإذا قام من كل بلد واحد بتعلمه سقط الفرض عن ~~الآخرين، وعليهم تقليده فيما يقع لهم من الحوادث، قال عليه الصلاة ~~والسلام: # " فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم " # ، وقال عليه الصلاة والسلام # " فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد " # وتقدم الكلام على حد الفقه في اللغة في سورة النساء عند قوله # لا يكادون يفقهون حديثا # [النساء:78]. ### || [9.123-129] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا قاتلوا الذين ~~يلونكم من الكفار } الآية. # نقل عن الحسن أنه قال هذه الآية نزلت قبل الأمر بقتال المشركين كافة. ~~وأنكر المحققون هذا النسخ وقالوا: إنه تعالى لما أمر بقتال ~~المشركين كافة أرشدهم إلى الطريق الأصلح وهو أن يبتدئوا من الأقرب، ~~فالأقرب، منتقلا إلى الأبعد. ألا ترى أن أمر الدعوة وقع على هذا ~~الترتيب قال تعالى: # وأنذر عشيرتك الأقربين # [الشعراء:214] وأمر الغزوات وقع على هذا الترتيب؛ لأنه عليه الصلاة ~~والسلام حارب قومه أولا، ثم انتقل إلى غزو سائر العرب، ثم انتقل إلى ~~غزو الشام، والصحابة لما فرغوا من أمر الشام دخلوا العراق. ~~والعلة في الابتداء بالأقرب وجوه: # أحدها: أن مقابلة الكل دفعة واحدة متعذر، والكل متساو في وجود ~~القتال لما فيه من الكفر والمحاربة، والجمع متعذر، والقرب مرجح ظاهر ~~كما في الدعوة. # وثانيها: أن النفقات في الأقرب أقل، والحاجة إلى الدواب والآلات ~~أقل. # وثالثها: أن المجاهدين إذا تجاوزوا من الأقرب إلى الأبعد، فقد عرضوا ~~الذراري للفتنة، وأموالهم إلى النهب. # ورابعها: أن المجاورين لدار الإسلام إما أن يكونوا أقوياء ضعفاء، ~~فإن كانوا أقوياء فتعرضهم لدار الإسلام أشد وأكثر من تعرض الأبعد، ~~والشر الأكثر أولى بالدفع، وإن كان ضعفاء كان استيلاء المسلمين عليهم ~~أسهل؛ فكأن الابتداء بهم أولى. # وخامسها: أن القريب يعلم أكثر من علم حال البعيد، فيكون غزوه أسهل. # وسادسها: أن دار الإسلام واسعة، فإذا اشتغل أهل كل بلد بقتال من ~~يليهم من الكفار كانت المؤمنة أسهل. # وسابعها: أنه إذا اجتمع واجبات قدم أيسرها حصولا. # وثامنها: ما تقدم ms4555 من أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتدأ في الدعوة ~~بالأقرب، وبالغزو بالأقرب، وفي جميع المهمات كذلك. حتى إن الأعرابي ~~الذي جلس على المائدة، وكان يمد يده إلى الجوانب البعيدة من تلك المائدة ~~قال له عليه الصلاة والسلام # " كل مما يليك " # فدلت الآية على أن الابتداء بالأقرب واجب. # فإن قيل: ربما كان التخطي من الأقرب إلى الأبعد أصلح؛ لأن الأبعد ~~يقع في قلبه أنما جاوز الأقرب؛ لأنه لا يقيم له وزنا. # فالجواب: أن ذلك احتمال واحد، وما ذكرنا احتمالات كثيرة، ومصالح ~~الدنيا مبنية على ترجيح الأكثر مصلحة، وهذا الذي قلناه إنما هو فيما ~~إذا تعذر الجمع بين مقابلة الأقرب والأبعد وأما إذا أمكن الجمع بين ~~الكل، فالأولى هو الجمع. # قوله: " وليجدوا فيكم " هو من باب: " لا أرينك ههنا " ، ~~وتقدم شرحه [الأنفال:25]. " غلظة " قرأ الجمهور بكسر الغين، وهي لغة ~~أسد. وقرأ الأعمش، وأبان بن تغلب، والمفضل كلاهما عن عاصم بفتحها، ~~وهي لغة الحجاز. وقرأ أبو حيوة، والسلمي، وابن أبي عبلة والمفضل، ~~وأبان في رواية عنهما " غلظة " بالضم، وهي لغة تميم، وحكى أبو ~~عمرو اللغات الثلاث. # والغلظة: أصلها في الأجرام، فاستعيرت هنا للشدة والصبر ~~والتجلد قال المفسرون: شجاعة، وقيل: عنفا، وقيل: شدة. والغلظة ضد ~~الرقة، وفائدتها أنها أقوى تأثيرا في الزجر، والمنع عن القبيح، ~~وهذا غير مطرد، بل يحتاج تارة إلى الرفق واللطف، وتارة إلى ~~العنف، ولهذا قال: { وليجدوا فيكم غلظة } تنبيها على أنه ~~لا يجوز الاقتصار على الغلظة ألبتة فإنه ينفر ويوجب تفرق القوم، ~~فقوله: { وليجدوا فيكم غلظة } يدل على تقليل الغلظة، ~~كأنه قيل لا بد وأن يكونوا بحيث لو فتشوا عن أخلاقكم، وطبائعكم ~~لوجدوا فيكم غلظة، وهذا الكلام إنما يصح فيمن أكثر أحواله الرحمة ~~والرأفة؛ فلا يخلو عن نوع غلظة. وهذه الغلظة إنما تعتبر فيما يتعلق ~~بالدعوة إلى الدين، إما بإقامة الحجة، وإما بالقتال فأما ~~فيما يتعلق بالبيع، والشراء، ونحوه فلا. # ثم قال { واعلموا أن الله مع المتقين } أي: بالفوز ~~والنصر، ويكون إقدامه على القتال بسبب تقوى الله لا بسبب ms4556 طلب المال ~~والجاه. # قوله تعالى { وإذا مآ أنزلت سورة فمنهم من يقول } ~~الآية. # لما ذكر مخازي المنافقين وأعمالهم القبيحة قال: { وإذا مآ ~~أنزلت سورة } " ما " صلة مؤكدة " فمنهم " أي: من المنافقين: " ~~من يقول " قيل: يقول بعضهم لبعض، ليثبتوهم على النفاق وقيل: ~~يقولونه لعوام المسلمين، ليصرفوهم عن الإيمان، وقيل: يقولون ذلك على سبيل ~~الهزؤ. # قوله: " أيكم " الجمهور على رفع " أيكم " بالابتداء، وما بعده ~~الخبر. وقرأ زيد بن علي وعبيد بن عمير بالنصب، على الاشتغال، ولكن ~~يقدر الفعل. متأخرا عنه من أجل أن له صدر الكلام. # والنصب عند الأخفش في هذا النحو أحسن من الرفع؛ لأنه يجري اسم ~~الاستفهام مجرى الأسماء المسبوقة بأداة الاستفهام، نحو: أزيدا ضربته، ~~في ترجيح إضمار الفعل. # قوله: { فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا } أي: ~~يقينا وتصديقا؛ لأنهم يقرون بها ويعترفون بأنها حق من عند ~~الله، وتقدم الكلام في زيادة الإيمان، ونقصانه في أول سورة الأنفال ~~[الأنفال:2] ثم قال: { وهم يستبشرون } أي: يفرحون بنزول ~~القرآن، وقيل: بثواب الآخرة، وقيل: بالنصر والظفر. والاستبشار: ~~استدعاء البشارة؛ لأنه كلما يذكر النعمة حصلت البشارة فهو بالتذكر ~~يطلب تجدد البشارة، ثم جمع للمنافقين أمرين مقابلين للمذكورين في ~~المؤمنين. # فقال: { وأما الذين في قلوبهم مرض } أي: شك ونفاق: { ~~فزادتهم رجسا إلى رجسهم } والمراد بالرجس: إما ~~العقائد الباطلة، وإما الأخلاق المذمومة، فعلى الأول يكون المعنى: ~~كانوا مكذبين بالسور النازلة قبل ذلك، والآن صاروا مكذبين بهذه ~~السورة الجديدة، فقد انضم كفر إلى كفر. # وعلى الثاني: أنهم كانوا في الحسد والعداوة واستنباط وجوه المكر ~~والكيد، والآن زادت تلك الأخلاق الذميمة بسبب نزول هذه السورة ~~الجديدة. # والأمر الثاني: أنهم يموتون على كفرهم، وهذه الحالة مضادة للاستبشار ~~الذي حصل في المؤمنين، وهذه الحالة أقبح من الحالة الأولى؛ لأن ~~الحالة الأولى عبارة عن ازدياد الرجاسة وهذه الحالة عبارة عن مداومة ~~الكفر وموتهم عليه. # قال مجاهد: " في هذه الآية الإيمان يزيد وينقص، وكان عمر يأخذ بيد ~~الرجل والرجلين من أصحابه فيقول تعالوا نزداد إيمانا، وقال علي ~~بن أبي طالب: إن الإيمان يبدو ms4557 نقطة بيضاء في القلب، وكلما ازداد ~~الإيمان عظما ازداد ذلك البياض حتى يبيض القلب كله وأيم الله لو ~~شققتم عن قلب المؤمن لوجدتموه أبيض، ولو شققتم عن قلب المنافق ~~لوجدتموه أسود. # قوله: " أو لا يرون " قرأ حمزة، ويعقوب بتاء الخطاب، وهو خطاب ~~للذين آمنوا والباقون بياء الغيبة، رجوعا على { الذين في ~~قلوبهم مرض }. والرؤية هنا تحتمل أن تكون قلبية وأن تكون ~~بصرية. قال الواحدي: قوله: " أولا ترون " هذه ألف الاستفهام دخلت ~~على " واو " العطف، فهو متصل بذكر المنافقين، وهو خطاب على سبيل التنبيه ~~قال سيبويه عن الخليل في قوله: # ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء # [الحج:63] المعنى: أنزل الله من السماء ماء؛ فكان كذا وكذا. # قوله: { أنهم يفتنون في كل عام مرة أو ~~مرتين } أي: يبتلون " في كل عام مرة أو مرتين " بالأمراض ~~والشدائد. " ثم لا يتوبون " عن ذلك النفاق، ولا يتعظون كما ~~يتعظ المؤمن إذا مرض، فإنه يتذكر ذنوبه، وموقفه بين يدي الله، ~~فيزيده ذلك خوفا وإيمانا، قاله ابن عباس. وقال مجاهد: يفتنون ~~بالقحط والشدة والجوع. وقال قتادة: بالغزو والجهاد؛ لأنهم إذا ~~تخلفوا وقعوا في ألسنة الناس باللعن والخزي والذكر القبيح، وإن ~~ذهبوا إلى الغزو مع كونهم كافرين فقد عرضوا أنفسهم للقتل وأموالهم ~~للنهب من غير فائدة. قال مقاتل: يفضحون بإظهار نفاقهم. وقال عكرمة: ~~ينافقون ثم يؤمنون ثم ينافقون. وقال يمان: ينقضون عهدهم في السنة مرة ~~أو مرتين " ثم لا يتوبون " من نقض العهد، ولا يرجعون إلى الله من ~~النفاق؛ " ولا هم يذكرون " أي: لا يتعظون بما يرون من ~~تصديق وعد الله بالنصر والظفر للمسلمين. # قوله تعالى: { وإذا مآ أنزلت سورة } الآية. # هذا نوع آخر من مخازي المنافقين، وهو أنه كلما نزلت سورة مشتملة على ~~شرح فضائح المنافقين وسمعوها تأذوا من سماعها، ونظر بعضهم إلى بعض نظرا ~~مخصوصا دالا على الطعن في تلك السورة والاستهزاء بها، وتحقير ~~شأنها، ويحتمل أنهم كانوا يستحقرون القرآن كله؛ فكلما سمعوا ~~سورة، استهزءوا بها وطعنوا فيها، وضحكوا وتغامزوا، وقيل: نظر بعضهم إلى ms4558 ~~بعض يريدون الحرب. # قوله: { هل يراكم من أحد } في محل نصب بقول مضمر، أي: ~~يقولون: هل يراكم، وجملة القول في محل نصب على الحال، و " من أحد " ~~فاعل. # والمعنى: أنهم عند سماع تلك السورة يتأذون، ويريدون الخروج من ~~المسجد، يقول بعضهم لبعض { هل يراكم من أحد } من المؤمنين إن ~~قمتم، فإن لم يراهم أحد خرجوا من المسجد وإن علموا أن أحدا يراهم ~~أقاموا وثبتوا. وقيل: إنهم كانوا إذا نزلت سورة اشتد كفرهم ونفاقهم، ~~وذلك النظر دال من الإنكار الشديد، والنفرة التامة، فخافوا أن يرى أحد ~~من المسلمين ذلك النظر وتلك الأحوال الدالة على النفاق والكفر؛ ~~فعند ذلك قالوا: { هل يراكم من أحد } أي: لو رآكم أحد على ~~هذا النظر وهذا الشكل لضركم جدا. # ثم قال تعالى: { صرف الله قلوبهم } قال ابن عباس: عن كل ~~رشد وخير وهدى وقال الحسن: طبع الله على قلوبهم. وقال الزجاج " أضلهم ~~الله تعالى مجازاة على فعلهم ". ذلك: { بأنهم قوم لا ~~يفقهون } عن الله دينه. قال ابن عباس: لا تقولوا إذا صليتم ~~انصرفنا من الصلاة فإن قوما انصرفوا؛ فصرف الله قلوبهم، ولكن قولوا: ~~قد قضينا الصلاة. والمقصود: التفاؤل بترك هذه اللفظة الواردة فيما لا ~~ينبغي، والترغيب في تلك اللفظة الواردة في الخير قال تعالى: # فإذا قضيت الصلاة # [الجمعة:10]. # قوله تعالى: { لقد جآءكم رسول من أنفسكم } الآية. # لما أمر رسوله - عليه الصلاة والسلام - أن يبلغ التكاليف الشاقة في ~~هذه السورة إلى الخلق وهي مما يعسر تحملها؛ إلا لمن خصه الله ~~بالتوفيق، ختم هذه السورة بما يوجب سهولة تحمل تلك التكاليف، وهو أن ~~هذا الرسول منكم؛ فكل ما يحصل له من العز والشرف، فهو عائد إليكم ~~فهو كالطبيب المشفق، والأب الرحيم في حقكم، وإن كان كذلك صارت تلك ~~التكاليف، وتلك التأديبات جارية مجرى الإحسان. # قوله " من أنفسكم " صفة ل " رسول " أي: من صميم العرب. قال ~~ابن عباس: ليس من العرب قبيلة إلا وقد ولدت النبي صلى الله عليه وسلم ~~وله فيهم نسب. وقد قال رسول الله صلى الله ms4559 عليه وسلم # " ما ولدني من سفاح أهل الجاهلية شيء، ما ولدني إلا ~~نكاح كنكاح الإسلام ". # وقرأ ابن عباس، وأبو العالية، والضحاك، وابن محيصن، ومحبوب عن أبي ~~عمرو، والزهري، وعبد الله بن قسيط المكي، ويعقوب من بعض طرقه، وهي ~~قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفاطمة، وعائشة بفتح الفاء، أي: من ~~أشرفكم، من النفاسة. # فصل # اعلم أنه تعالى وصف الرسول في هذه الآية بخمس صفات، أولها: قوله " من ~~أنفسكم " وفيه وجوه: أحدها: ما تقدم عن ابن عباس، والمراد منه: ترغيب ~~العرب في نصرته والقيام بخدمته، أي: كل ما يحصل له من الدولة والرفع في ~~الدنيا، فهو سبب لعزكم، فإنه منكم، ومن نسبكم. وثانيا: يريد أنه بشر ~~مثلكم، كقوله # أكان للناس عجبا أن أوحينآ إلى رجل منهم # [يونس:2] وقوله: # إنمآ أنا بشر مثلكم # [الكهف:110] والمعنى: أنه لو كان من جنس الملائكة لصعب الأمر بسببه على ~~الناس، كما قرر في الأنعام. # وثالثها: أن هذا خطاب لأهل الحرم؛ لأن العرب كانوا يسمون أهل الحرم ~~أهل الله وخاصته، وكانوا يخدمونهم، فكأنه قيل للعرب: كنتم قبل مقدمه ~~مجتهدين في خدمة أسلافه، فلم تتكاسلوا عن خدمته مع أنه أعلى في ~~الشرف من أسلافه. # والصفة الثانية: قوله " عزيز " فيه أوجه: # أحدها: أنه صفة ل " رسول " ، وفيه أنه تقدم غير الوصف الصريح ~~على الوصف الصريح. # وقد يجاب بأن " من أنفسكم " متعلق ب " جاء " و " ما " يجوز ~~أن تكون مصدرية، أو بمعنى " الذي ". # وعلى كلا التقديرين فهي فاعل ب " عزيز " ، أي: يعز عليه عنتكم، أو ~~الذي عنتموه، أي: عنتهم يسيئه، فحذف العائد على التدرج؛ وهذا ~~كقوله: [الوافر] # 2861- يسر المرء ما ذهب الليالي # وكان ذهابهن له ذهابا # أي: يسره ذهاب الليالي. ويجوز أن يكون " عزيز " خبرا مقدما، و " ~~ما عنتم " مبتدأ مؤخرا والجملة صفة ل " رسول " وجوز الحوفي: ~~أن يكون " عزيز " مبتدأ، و " ما عنتم " خبره وفيه الابتداء بالنكرة؛ ~~لأجل عملها في الجار بعدها. وتقدم معنى # العنت # [النساء:25]. والأرجح أن يكون " عزيز " صفة ل " رسول " لقوله بعد ~~ذلك " حريص " فلم ms4560 يجعل خبرا لغيره وادعاء كونه خبر مبتدأ مضمر، ~~أي: هو حريص، لا حاجة إليه. قال الفراء: " ما " في قوله: " ما ~~عنتم " في موضع رفع، أي: عزيز عليه عنتكم، أي: يشق عليه مكروهكم. ~~وقال القتيبي: ما أعنتكم وضركم. وقال ابن عباس: ما ضللتم. وقال الضحاك ~~والكلبي: ما آثمكم. # والصفة الثالثة: قوله: " حريص عليكم " والحريص يمتنع أن يكون ~~متعلقا بذواتهم، بل المراد حريص على إيصال الخيرات إليكم في الدنيا ~~والآخرة، وعلى هذا التقدير يكون قوله: { عزيز عليه ما عنتم ~~} أي: شديد معزته عن وصول شيء من آفات الدنيا والآخرة إليكم؛ لأن ~~العزيز هو الغالب الشديد، وبهذا التقدير لا يحصل التكرار. # والصفة الرابعة والخامسة قوله: { بالمؤمنين رءوف رحيم } " ~~بالمؤمنين " متعلق ب " رءوف " ولا يجوز أن تكون المسألة من ~~التنازع؛ لأن شرطه تأخر المعمول عن العاملين، وإن كان بعضهم قد خالف، ~~ويجيز: زيدا ضربت وشتمته، على التنازع. # وإذا فرعنا على هذا الضعيف، فيكون من إعمال الثاني، لا الأول، لما ~~عرف أنه متى أعمل الأول أضمر في الثاني من غير حذف. # فصل # قال ابن عباس: سماه الله تعالى ههنا باسمين من أسمائه. والمعنى: رءوف ~~بالمطيعين. # فإن قيل: كيف يكون كذلك، وقد كلفهم في هذه السورة بأنواع من ~~التكاليف الشاقة التي لا يقدر على تحملها إلا من وفقه الله ~~تعالى. # فالجواب: قد ضربنا لهذا المعنى مثل الطبيب الحاذق، والأدب المشفق، ~~والمعنى: أنه فعل بهم ذلك ليتخلصوا من العقاب المؤبد، ويفوزوا ~~بالثواب المؤبد. # فإن قيل: لما قال: { عزيز عليه ما عنتم حريص ~~عليكم } فهذا النسق يوجب أن يقال: رءوف رحيم بالمؤمنين، فلم ترك ~~هذا النسق وقال: { بالمؤمنين رءوف رحيم }. # فالجواب: أن هذا يفيد الحصر، أي: لا رأفة ولا رحمة إلا بالمؤمنين. ~~فأما الكفار فليس له عليهم رأفة ولا رحمة، وهذا كالمتمم لقدر ما ورد في ~~هذه السورة من التغليظ، كأنه يقول: إني وإن بالغت في التغليظ ~~في هذه السورة، إلا أن ذلك التغليظ على الكفار والمنافقين، ~~وأما رحمتي، ورأفتي فمخصوصة بالمؤمنين. # قوله تعالى: { فإن تولوا } يعني: المشركين ms4561 والمنافقين، أي: ~~أعرضوا عنك وقيل: تولوا عن طاعة الله وتصديق الرسول - عليه الصلاة ~~والسلام - وقيل: تولوا عن قبول التكاليف الشاقة المذكورة في هذه ~~السورة. وقيل: تولوا عن نصرتك في الجهاد. { فقل حسبي الله ~~لا إله إلا هو } والمراد: أنه لا يدخل في قلب الرسول حزن ~~ولا أسف؛ لأن الله حسبه وكافيه في نصره على الأعداء. " عليه توكلت ~~" أي: لا أتوكل إلا عليه: { وهو رب العرش العظيم }. # فإن قيل: العرش غير محسوس، فلا يعرف وجوده إلا بعد ثبوت الشريعة، ~~فكيف يمكن ذكره في معرض شرح عظمة الله تعالى؟. # فالجواب: وجود العرش أمر مشهور، والكفار سمعوه من اليهود والنصارى ~~وأيضا لا يبعد أنهم كانوا قد سمعوه من أسلافهم. # وقرأ الجمهور بجر الميم من " العظيم " صفة للعرش. وقرأ ابن محيصن ~~برفعها نعتا للرب ورويت هذه قراءة عن ابن كثير. قال أبو بكر الأصم: " ~~وهذه القراءة أعجب إلي؛ لأن جعل " العظيم " صفة لله تعالى أولى من ~~جعله صفة للعرش " وأيضا قال " فإن جعلناه صفة للعرش، كان المراد من كونه ~~عظيما كبر جثته وعظم حجمه واتساع جوانبه على ما ذكر في الأخبار وإن ~~جعلناه صفة لله تعالى كان المراد من العظمة وجوب التقديس عن الحجمية ~~والأجزاء والأبعاض، وكمال العلم والقدرة، وكونه منزها عن أن يتمثل في ~~الأوهام، أو اتصل إليه الأفهام ". # فصل # روي عن أبي بن كعب والحسن قالا: آخر ما نزل من القرآن هاتان الآيتان: { ~~لقد جآءكم رسول من أنفسكم } [التوبة:128] إلى آخرها. ~~وقال أبي بن كعب: " هما أحدث الآيات بالله عهدا " وفي رواية: " أقرب ~~القرآن من السماء عهدا " وهو قول سعيد بن جبير. # وقيل: آخر ما نزل من القرآن قوله تعالى: # واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله # [البقرة:281]. # قال القرطبي " يحتمل أن يكون قول أبي: أقرب القرآن من السماء عهدا بعد ~~قوله " واتقوا يوما " والله أعلم. ونقل عن حذيفة أنه قال: ~~أنتم تسمون هذه السورة بالتوبة وهي سورة العذاب، ما تركت أحدا إلا ~~نالت منه ". # قال ابن الخطيب: " وهذه الرواية يجب تكذيبها؛ لأنا ms4562 لو جوزنا ذلك؛ ~~لكان ذلك دليلا على تطرق الزيادة والنقصان إلى القرآن وهو باطل ". # وروت عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إنه ما نزل علي القرآن إلا آية آية وحرفا حرفا ما خلا ~~سورة براءة، و { قل هو الله أحد } [الإخلاص:1] فإنما نزلتا ~~علي ومعهما سبعون ألف صف من الملائكة كلهم يقول: يا ~~محمد استوص بنسبة الله خيرا ". ### | [10 - سورة يونس] ### || [10.1] # قوله: بسم الله الرحمن الرحيم " الر " تقدم الكلام على الحروف المقطعة ~~في أول الكتاب، واختلاف القراء في إمالة هذه الحروف إذا كان في آخرها ~~ألف، وهي: را، وطا، وها، ويا، وحا. فأمال " را " من جميع سورها إمالة ~~محضة الكوفيون إلا حفصا، وأبو عمرو وابن عامر. وأما الأخوان وأبو بكر " ~~طا " من جميع سورها نحو: # طس # [النمل:1]، # طسم # [الشعراء:1]، # طه # [طه:1]، و " يا " من " يس " ، وافقهم ابن عامر، والسوسي على " يا " من # كهيعص # [مريم:1]، بخلاف عن السوسي. وأمال الأخوان وأبو عمر، وورش، وأبو بكر " ~~ها " من " طه " ، وكذلك أمالها من " كهيعص " أبو عمرو، والكسائي، وأبو ~~بكر دون حمزة وورش. # وأمال أبو عمرو، وورش، والأخوان، وأبو بكر، وابن ذكوان " حا " من جميع ~~سورها السبع [غافر:1]. إلا أن أبا عمرو، وورشا يميلان بين بين، ~~وللقراء في هذا عمل كثير مذكور في كتب القراءات، وكلها لغات ~~صحيحة. # قال الواحدي: " الأصل ترك الإمالة في هذه الكلمات نحو " ما " و " لا ~~"؛ لأن ألفاتها ليست منقلبة عن الياء، وأما من أمال فلأن هذه الألفاظ ~~أسماء للحروف المخصوصة، فقصد بذكر الإمالة التنبيه على أنها أسماء ~~لا حروف ". # فصل # اتفقوا على أن قوله " الر " وحده ليس آية، واتفقوا على أن قوله " طه ~~" وحده آية، والفرق أن قوله " الر " لا يشاكل مقاطع الآي التي بعده، ~~بخلاف قوله " طه " فإنه يشاكل مقاطع الآي التي بعده. # قال ابن عباس والضحاك: " الر " معناه: أنا الله أرى، وقيل: أنا الرب ~~لا رب غيري. وقال سعيد بن جبير: " الر " و " حم " و " ن " حروف اسم ~~الرحمن مفرقة، ورواه أيضا يزيد ms4563 عن عكرمة عن ابن عباس. قال الراوي: ~~فحدثت به الأعمش فقال: " عندك أشباه هذا ولا تخبرني به ". # قوله: { تلك آيات الكتاب } " تلك " يحتمل أن تكون إشارة إلى ~~آيات هذه السورة، وأن تكون إشارة إلى ما تقدم هذه السورة من آيات ~~القرآن، لأن " تلك " إشارة إلى غائب مؤنث، وقيل: " تلك " بمعنى " هذه ~~" أي: هذه آيات، ومنه قول الأعشى: [الخفيف] # 2862- تلك خيلي منه وتلك ركابي # هن صفر أولادها كالزبيب # أي: هذه خيلي، وهذه ركابي. # " والكتاب ": يحتمل أن يكون المراد به القرآن، ويحتمل أن يراد به الكتاب ~~المخزون المكنون عند الله تعالى الذي نسخ منه كل كتاب، لقوله: # إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون # [الواقعة:77، 78]، وقوله: # وإنه في أم الكتاب لدينا # [الزخرف:4]، وقوله: # وعنده أم الكتاب # [الرعد:39]. وقيل: المراد من " الكتاب الحكيم ": التوراة والإنجيل، ~~والتقدير: إن الآيات المذكورة في هذه السورة هي الآيات المذكورة في ~~التوراة والإنجيل، والمعنى: إن القصص المذكورة في هذه السورة موافقة ~~للقصص المذكورة في التوراة والإنجيل، فحصول هذه الموافقة في هذه السورة ~~موافقة للقصص لا يمكن إلا إذا خص الله محمدا بإنزال الوحي عليه، وقال ~~أبو مسلم: قوله " تلك " إشارة إلى حروف التهجي، فقوله: { الر ~~تلك آيات الكتاب } يعني: أن هذه الحروف هي الأشياء التي جعلت ~~آيات وعلامات لهذا الكتاب الذي وقع به التحدي، فلولا امتياز هذا ~~الكتاب عن كلام الناس بالوصف المعجز، وإلا لكان اختصاصه بهذا النظم ~~دون سائر الناس القادرين على التلفظ بهذه الحروف محالا. # قوله: " الحكيم " قيل: ذو الحكمة، بمعنى اشتمال الكتاب على الحكمة. ~~وقيل: وصف الكتاب بصفة من تكلم به؛ كقول الأعشى: [الكامل] # 2863- وغريبة تأتي الملوك حكيمة # قد قلتها ليقال: من ذا قالها؟ # فيكون " فعيل " بمعنى " مفعل ". # وقال الأكثرون: " الحكيم " بمعنى الحاكم، " فعيل " بمعنى " فاعل "؛ ~~لقوله تعالى # وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس # [البقرة:213] وقيل: بمعنى: المحكم، " فعيل " بمعنى " مفعل " ، ~~أي: محكم، والمحكم معناه: المنع من الفساد، فيكون المعنى: لا تغيره ~~الدهور، والمراد: براءته عن الكذب والتناقض. وقال الحسن " حكم فيه ~~بالعدل والإحسان، وإيتاء ms4564 ذي القربى ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، ~~وحكم فيه بالجنة لمن أطاعه، وبالنار لمن عصاه ". # فعلى هذا " الحكيم " يكون بمعنى المحكوم فيه. وقيل: " الحكيم " في ~~أصل اللغة: عبارة عن الذي يفعل الحكمة والصواب، فمن حيث إنه يدل على ~~هذه المعاني صار كأنه هو الحكيم في نفسه. ### || [10.2] # قوله: { أكان للناس عجبا أن أوحينآ } الهمزة للإنكار، ~~و " أن أوحينآ " " أن " والفعل في تقدير المصدر وهو اسم " كان " ، ~~و " عجبا " خبرها، و " للناس " متعلق بمحذوف على أنه حال من " ~~عجبا " لأنه في الأصل صفة له، أو متعلق ب " عجبا " ، ولا ~~يضر كونه مصدرا؛ لأنه يتسع في الظرف وعديله ما لا يتسع في ~~غيرهما. وقيل: لأن " عجبا " مصدر واقع موقع اسم الفاعل أو اسم ~~المفعول، ومتى كان كذلك جاز تقديم معموله. وقيل: هو متعلق ب " كان ~~" الناقصة، وهذا على رأي من يجيز فيها ذلك. وهذا مرتب على الخلاف ~~في دلالة " كان " الناقصة على الحدث، فإن قلنا: إنها تدل على ذلك ~~فيجوز وإلا فلا. وقيل: هو متعلق بمحذوف على التبيين، والتقدير ~~في الآية: أكان إيحاؤنا إلى رجل منهم عجبا لهم. و " منهم " صفة ل " ~~رجل ". # وقرأ رؤبة " رجل " بسكون الجيم، وهي لغة تميم، يسكنون " فعلا ~~" نحو: سبع وعضد. # وقرأ عبد الله بن مسعود " عجب ". وفيه تخريجان، أظهرهما: أنها ~~التامة، أي: أحدث للناس عجب و " أن أوحينا " متعلق ب " عجب " ~~على حذف لام العلة، أي: عجب ل " أن أوحينا " ، أو يكون على حذف ~~" من " ، أي: من أن أوحينا. والثاني: أن تكون الناقصة، ويكون قد جعل ~~اسمها النكرة وخبرها المعرفة، على حد قوله: [الوافر] # 2864-...................... # يكون مزاجها عسل وماء # وقال الزمخشري: والأجود أن تكون التامة، و " أن أوحينا ": بدل ~~من " عجب ". يعني به بدل اشتمال أو كل من كل، لأنه جعل هذا نفس العجب ~~مبالغة، والتخريج الثاني لابن عطية. # فصل # التعجب: حالة تعتري الإنسان من رؤية شيء على خلاف العادة، وسبب نزول ~~هذه الآية: أن الله - تعالى - لما بعث محمدا صلى الله عليه وسلم ~~رسولا، تعجب كفار ms4565 قريش وقالوا: إن الله أعظم من أن يكون رسوله ~~بشرا، فأنكر الله عليهم ذلك التعجب، أما بيان تعجبهم من تخصيص ~~محمد بالرسالة فمن وجوه: # الأول: قوله تعالى: # وعجبوا أن جآءهم منذر منهم # [ص:4] إلى قوله: # إن هذا لشيء عجاب # [ص:5]. # والثاني: أن أهل مكة كانوا يقولون: إن الله تعالى ما وجد رسولا ~~إلى خلقه إلا يتيم أبي طالب. # والثالث: أنهم قالوا: # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف:31]؛ فأنكر الله عليهم هذا التعجب بقوله { أكان للناس ~~عجبا أن أوحينآ إلى رجل منهم } فلفظه استفهام؛ ~~ومعناه الإنكار لأن يكون ذلك عجبا، والمراد ب " الناس ": أهل مكة، ~~والألف فيه للتوبيخ. # فإن قيل: لم لم يقل: أكان عند الناس عجبا، بل قال: { أكان ~~للناس عجبا }؟. # فالجواب: أن قوله: { أكان للناس عجبا } معناه أنهم جعلوه ~~لأنفسهم أعجوبة يتعجبون منها، وعيبوه ونصبوه للاستهزاء والتعجب ~~إليه وليس في قوله: " أكان عند الناس عجبا " هذا المعنى. # وقوله: { أن أوحينآ إلى رجل منهم } يعني: محمدا صلى ~~الله عليه وسلم. # قوله: { أن أنذر الناس } يجوز أن تكون المصدرية، وأن تكون ~~التفسيرية، ثم لك في المصدرية اعتباران: # أحدهما: أن تجعلها المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الأمر والشأن ~~محذوف. # كذا قال أبو حيان، وفيه نظر من حيث إن أخبار هذه الحروف لا تكون ~~جملة طلبية، حتى لو ورد ما يوهم ذلك يؤول على إضمار القول؛ كقول ~~الشاعر: [البسيط] # 2865- ولو أصابت لقالت وهي صادقة # إن الرياضة لا تنصبك للشيب # وقول الآخر: [البسيط] # 2866- إن الذين قتلتم أمس سيدهم # لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما # وأيضا فإن الخبر في هذا الباب إذا وقع جملة فعلية، فلا بد من الفصل ~~بأشياء تقدمت في المائدة. ولكن ذلك الفاصل هنا متعذر. # والثاني: أنها التي بصدد أن تنصب الفعل المضارع، وهي توصل بالفعل ~~المتصرف مطلقا، نحو: " كتبت إليه بأن قم ". وقد تقدم البحث في ~~[النساء66]، ولم يذكر المنذر به وذكر المبشر به؛ لأن المقام ~~يقتضي ذلك، وقدم الإنذار على التبشير، لأن إزالة ما لا ينبغي ms4566 ~~مقدم في الرتبة على ما لا ينبغي، والإنذار للكفار والفساق ليرتدعوا ~~عن فعل ما لا ينبغي، والتبشير لأهل الطاعة؛ لتقوى رغبتهم فيها. # قوله: { أن لهم قدم صدق } " أن " وما في حيزها هي ~~المبشر بها، أي: بشرهم باستقرار قدم صدق، فحذفت الباء، فجرى ~~في محلها المذهبان، والمراد ب " قدم صدق ": السابقة والفضل ~~والمنزلة الرفيعة، وإليه ذهب الزجاج والزمخشري؛ ومنه قول ذي ~~الرمة: [الطويل] # 2867- لكم قدم لا ينكر الناس أنها # مع الحسب العادي طمت على البحر # لما كان السعي والسبق بالقدم سمي السعي المحمود قدما، كما ~~سميت اليد نعمة لما كانت صادرة عنها، وأضيف إلى الصدق دلالة على ~~فضله، وهو من باب " رجل صدق، ورجل سوء ". # وقيل: هو سابقة الخير التي قدموها؛ ومنه قول وضاح اليمن: ~~[المنسرح]. # 2868- مالك وضاح دائم العزل # ألست تخشى تقارب الأجل # صل لذي العرش واتخذ قدما # ينجيك يوم العثار والذلل # وقيل: هو التقدم في الشرف؛ ومنه قول العجاج: [الرجز] # 2869- ذل بنو العوام عن آل الحكم # وتركوا الملك لملك ذي قدم # أي: ذي تقدم وشرف. # قال ابن عباس: أجرا حسنا بما قدموا من أعمالهم، وروى علي بن ~~أبي طلحة، عن ابن عباس: هو السعادة في الذكر الأول. # وقال زيد بن أسلم: هو شفاعة الرسول - عليه الصلاة والسلام -. # وقال عطاء: مقام صدق، لا زوال له، ولا بؤس فيه. وأضيف القدم إلى ~~الصدق وهو نعته، كقولهم: مسجد الجامع، # وحب الحصيد # [ق:9]. # وقال أبو عبيد: كل سابق في خير أو شر فهو عند العرب قدم، يقال لفلان ~~قدم في الإسلام، وله عندي قدم صدق وقدم سوء، وهو يؤنث. وقد يذكر، ~~فيقال: قدم حسن، وقدم صالحة. و " لهم " خبر مقدم، و " قدم " ~~اسمها، و " عند ربهم " صفة ل " قدم " ، ومن جوز أن يتقدم ~~معمول خبر " أن " على اسمها إذا كان حرف جر؛ كقوله: [الطويل] # 2870- فلا تلحني فيها فإن بحبها # أخاك مصاب القلب جم بلابله # قال: ف " بحبها " متعلق ب " مصاب " ، وقد تقدم على الاسم، ~~فكذلك " لهم " يجوز أن يكون متعلقا ب " عند ربهم ms4567 " لما ~~تضمن من الاستقرار، ويكون " عند ربهم " هو الخبر. # قوله: { قال الكافرون إن هذا لساحر مبين } لما ~~جاءهم رسول منهم فأنذرهم وبشرهم قالوا متعجبين: " إن هذا ~~لساحر مبين " ، وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر " لسحر " ~~والباقون " لساحر " ، ف " هذا " يجوز أن يكون إشارة للقرآن، وأن ~~يكون إشارة للرسول على القراءة الأولى، ولكن لا بد من تأويل على قولنا: ~~هو إشارة للرسول، أي: ذو سحر أو جعلوه إياه مبالغة، وعلى القراءة ~~الثانية فالإشارة للرسول - عليه الصلاة والسلام - فقط. # واعلم أن إقدامهم على وصف القرآن بأنه سحر، يحتمل أنهم ذكروه في ~~معرض الذم، ويحتمل أنهم ذكروه في معرض المدح، فلهذا قال بعض ~~المفسرين: أرادوا به أنه كلام مزخرف حسن الظاهر، لكنه باطل في ~~الحقيقة، ولا حاصل له، وقال آخرون: أرادوا به أنه لكمال فصاحته، وتعذر ~~مثله، جار مجرى السحر. وهذا كلام فاسد، فلهذا لم يذكر جوابه، وبيان ~~فساده: أنه - عليه الصلاة والسلام - كان منهم، ونشأ بينهم، وما غاب ~~عنهم، ولم يخالط أحدا سواهم، ولم تكن مكة بلدة العلماء، حتى يقال: ~~إنه تعلم السحر منهم، أو تعلم العلوم الكثيرة منهم، فقدر على الإتيان ~~بمثل هذا القرآن. وإذا كان الأمر كذلك، كان حمل القرآن على السحر ~~كلاما في غاية الفساد، فلهذا السبب ترك جوابه. ### || [10.3-4] # لما حكى عن الكفار تعجبهم من الوحي والبعثة والرسالة، ~~أزال ذلك التعجب بأنه لا يبعد أن يبعث خالق الخلق إليهم رسولا ~~يبشرهم على الأعمال الصالحة بالثواب، وعلى الأعمال الباطلة ~~بالعقاب، وهذا الجواب إنما بإثبات أمرين آخرين: # أحدهما: إثبات أن لهذا العالم إلها قادرا قاهرا، نافذ الحكم ~~بالأمر والنهي والتكليف. # والثاني: إثبات الحشر والنشر والبعث والقيامة، حتى يحصل الثواب ~~والعقاب اللذان أخبر الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - عن حصولهما، ~~فلذلك ذكر ما يدل على تحقيق هذين الأمرين. # فإما إثبات الإله، فبقوله تعالى: { إن ربكم الله الذي ~~خلق السماوات والأرض } ، وأما إثبات المعاد، فبقوله تعالى: ~~{ إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا } [يونس:4] فهذا ~~ترتيب في غاية الحسن، فإن قيل: كلمة " الذي " وضعت ms4568 للإشارة إلى شيء ~~معروف عند السامع، كما إذا قيل لك: من زيد؟ فتقول: الذي أبوه ~~منطلق، فهذا التعريف إنما يحسن لو كان أبوه منطلقا أمرا معلوما ~~عند السامع، فهاهنا لما قال: { إن ربكم الله الذي خلق ~~السماوات والأرض في ستة أيام } يوجب أن يكون ذلك أمرا ~~معلوما عند السامع، والعرب ما كانوا عالمين بذلك، فكيف يحسن هذا ~~التعريف؟. # فالجواب: أن هذا كان مشهورا عند اليهود والنصارى؛ لأنه مذكور ~~عندهم في التوراة والإنجيل، والعرب كانوا يخالطونهم، فالظاهر ~~أنهم كانوا سمعوه منهم، فلهذا حسن هذا التعريف. فإن قيل: ما ~~الفائدة في بيان الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض، مع أنه ~~تعالى قادر على خلق جميع العالم في أقل من لمح البصر؟ # فالجواب على قول أهل السنة: أنه تعالى يحسن منه كل ما أراد، ~~ولا يعلل شيء من أفعاله بشيء من الحكمة والمصالح، وأما على قول ~~المعتزلة: وهو أن أفعاله تعالى مشتملة على المصالح والحكمة، فقال ~~القاضي: " لايبعد أن يكون خلق الله السموات والأرض في هذه المدة ~~المخصوصة، أدخل في الاعتبار في حق بعض المكلفين " ثم قال: فإن قيل: ~~فمن المعتبر؟ ثم أجاب فقال: أما المعتبر فهو أنه لا بد من مكلف ~~أو غير مكلف خلقه الله تعالى قبل خلقه السموات والأرض وإلا لكان ~~خلقهما عبثا. # فإن قيل: فهلا جاز أن يخلقهما لأجل حيوان يخلقه من بعد؟. # قلنا: إنه تعالى لا يخاف الفوت، فلا يجوز أن يقدم على خلق لأجل ~~حيوان سيحدث بعد ذلك، وإنما يصح ذلك منا في مقدمات الأمور، ~~لأنا نخشى الفوت، ونخاف العجز. # قال: وإذا ثبت هذا، فقد صح ما روي في الخبر أن خلق الملائكة ~~والجن، كان سابقا على خلق السموات والأرض. # فإن قيل: أولئك الملائكة لا بد لهم من مكان، وقبل خلق السموات ~~والأرض لا مكان، فكيف يمكن وجودهم بلا مكان؟ # قلنا: الذي يقدر على تسكين العرش والسموات والأرض في أمكنتها، كيف ~~يعجز عن تسكين أولئك الملائكة في أحيازها بقدرته وحكمته؟ وأما وجه ~~الاعتبار في ذلك فهو ms4569 أنه لما حصل هناك معتبر، لم يمتنع أن يكون ~~اعتباره بما شاهده حالا بعد حال أقوى. # لأن ما يحدث على هذا الوجه، فإنه يدل على أنه صادر من فاعل حكيم. ~~وأما المخلوق دفعة واحدة فإنه لا يدل على ذلك. # فإن قيل: هذه الأيام كأيام الدنيا، أو كما قال ابن عباس: إنها ~~ستة أيام من أيام الآخرة كل يوم منها ألف سنة مما تعدون # فالجواب: قال القاضي: الظاهر في ذلك أنه تعريف لعباده مدة خلقه ~~لهما، ولا يجوز أن يكون ذلك تعريفا إلا والمدة هذه الأيام ~~المعلومة، ويمكن أن يقال: لما وقع التعريف في الأيام المذكورة في ~~التوراة والإنجيل، وكان المذكور هناك أيام الآخرة لا أيام الدنيا، ~~لم يكن ذلك قادحا في صحة التعريف بها. # فإن قيل: هذه الأيام إنما تعد بطلوع الشمس وغروبها، وهذا المعنى مفقود ~~قبل خلقها، فكيف يعقل هذا التعريف؟ # فالجواب: التعريف يحصل بما أنه لو وقع حدوث السموات والأرض في ~~مدة، لو حصل هناك أفلاك دائرة وشمس وقمر، لكانت تلك المدة مساوية ~~لستة أيام. # فإن قيل: هذا يقتضي حصول مدة قبل خلق العالم، يحصل فيها حدوث العالم، ~~وذلك يوجب قدم المدة. # فالجواب: أن تلك المدة غير موجودة، بل هي مفروضة موهومة، لأن تلك ~~المدة المعينة حادثة، وحدوثها لا يحتاج إلى مدة أخرى، وإلا لزم ~~إثبات أزمنة لا نهاية لها وذلك محال، فكل ما يقولونه في حدوث المدة، ~~فنحن نقوله في حدوث العالم. # فإن قيل: اليوم قد يراد به اليوم مع ليلته، وقد يراد به النهار ~~وحده، فما المراد بهذه الآية؟ فالجواب: أن الغالب في اللغة هو ~~اليوم بليلته. # قوله: { ثم استوى على العرش } قال ابن الخطيب: لا يمكن ~~حمل الآية على ظاهرها، لأن الاستواء على العرش معناه كونه مستقرا ~~عليه، بحيث إنه لولا العرش لسقط ونزل، وإثبات هذا المعنى يقتضي كونه ~~تعالى محتاجا إلى العرش، وإنه لولا العرش لسقط ونزل، وذلك محال، لإجماع ~~المسلمين على أنه تعالى هو الممسك له والحافظ له، وأيضا فإن ~~قوله: " ثم استوى ms4570 " يدل على أنه قبل ذلك ما كان مستويا عليه، ~~وذلك يدل على أنه تعالى يتغير من حال إلى حال، وكل متغير محدث، ~~وذلك باطل بالاتفاق. وأيضا: لما حدث الاستواء في هذا الوقت دل ~~على أنه تعالى كان قبل هذا الوقت مضطربا متحركا، وذلك من صفات ~~المحدثات. وأيضا ظاهر الآية يدل على أنه تعالى إنما استوى على ~~العرش بعد خلق السموات والأرض؛ لأن كلمة " ثم " للتراخي، وذلك ~~يدل على أنه تعالى كان قبل العرش غنيا عن العرش، فلما خلق العرش ~~امتنع أن تنقلب حقيقته وذاته من الاستغناء إلى الحاجة، فوجب أن يبقى بعد ~~خلق العرش غنيا عن العرش، ومن كان كذلك امتنع أن يكون مستقرا على ~~العرش، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يمكن حمل هذه الآية على ظاهرها، وإذا ~~كان كذلك امتنع بالاستدلال بها في إثبات المكان والجهة، وإذا تقرر هذا، ~~فقال جمهور المفسرين: المراد بالعرش هنا: هو الجسم العظيم الذي في ~~السماء، وهو مخلوق قبل خلق السموات والأرض، بدليل قوله: # وكان عرشه على المآء # [هود:7]. # وقيل: المراد من العرش: الملك، يقال: فلان على عرشه أي: ملكه. وقال أبو ~~مسلم الأصفهاني. " المراد بالعرش: أنه تعالى لما خلق السموات ~~والأرض سطحها ورفع سمكها، فإن كل بناء يسمى عرشا، وبانيه يسمى ~~عارشا، قال تعالى # ومن الشجر ومما يعرشون # [النحل:68] أي: يبنون، وقال: # وهي خاوية على عروشها # [البقرة:259]، والمراد: أن القرية خلت منهم مع سلامة بنائها وقيام ~~سقفها، وقال: # وكان عرشه على المآء # [هود:7] أي: بناؤه على الماء، وإنما ذكر الله تعالى ذلك، لأنه أعجب ~~في القدرة، لأن الباني يتباعد عن الماء إلى الأرض الصلبة، لئلا ~~ينهدم بناؤه، والله تعالى بنى السموات والأرض على الماء، ليعرف ~~العقلاء كمال قدرته، فالمراد بالاستواء على العرش: هو الاستعلاء ~~عليه بالقهر، لقوله # وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون ~~لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم ~~إذا استويتم عليه # [الزخرف:12، 13]، فوجب حمل اللفظ على ذلك، ولا يجوز حمله على العرش ~~الذي في السماء، لأن الاستدلال على وجود الصانع، ms4571 يجب أن يكون بشيء ~~معلوم ومشاهد، والعرش الذي في السماء ليس كذلك، وأما أجرام السموات ~~والأرض فهي مشاهدة محسوسة، فكان الاستدلال بأحوالها على وجود الصانع ~~صوابا حسنا ". # وبهذا الوجه تصير هذه الآية موافقة لقوله: # أأنتم أشد خلقا أم السمآء بناها # [النازعات:27] الآية. # قوله: { يدبر الأمر } فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه في محل رفع خبرا ثانيا ل " إن ". # الثاني: أنه حال. # الثالث: أنه مستأنف لا محل له من الإعراب. ومعنى " يدبر الأمر ": ~~يقضيه وحده على حسب مقتضى الحكمة، أي: يدبر أحوال الخلق، وأحوال ~~ملكوت السموات والأرض. قوله { ما من شفيع إلا من بعد ~~إذنه } أي: يدبر الأشياء، لا بشفاعة شفيع، ولا تدبير مدبر، فمعناه: ~~أن الشفعاء لا يشفعون إلا من بعد إذنه. # فإن قيل: كيف يليق ذكر الشفيع مع ذكر مبدأ الخلق، وإنما يليق ~~ذكره بأحوال القيامة؟ فالجواب: قال الزجاج: إن الكفار الذين ~~كانوا مخاطبين بهذه الآية كانوا يقولون: إن الأصنام شفعاؤنا عند الله. ~~وهذا رد على النضر بن الحارث، كان يقول: إذا كان يوم القيامة تشفعني ~~اللات والعزى. # وقال أبو مسلم: " الشفيع هاهنا هو الثاني، مأخوذ من الشفع الذي يخالف ~~الوتر، كما يقال: الزوج والفرد ". # فمعنى الآية: خلق الله السموات والأرض وحده لا شريك يعينه، ثم خلق ~~الملائكة والجن والبشر، وهو المراد من قوله { إلا من بعد ~~إذنه } أي: لم يحدث أحد ولم يدخل في الوجود، إلا من بعد أن قال ~~له: كن حتى كان. ثم قال { ذلكم الله ربكم فاعبدوه } ~~مبينا بذلك أن العبادة لا تصلح إلا له، وأنه هو المستحق لجميع ~~العبادات، لأنه هو المنعم بجميع النعم التي ذكرها. # ثم قال: { أفلا تذكرون } دالا بذلك على وجوب التفكر في ~~تلك الدلائل القاهرة الباهرة. # قوله تعالى: { إليه مرجعكم جميعا } الآية. # لما ذكر الدلائل الدالة على إثبات المبدأ، أردفه بما يدل على ~~صحة القول بالمعاد فقوله " إليه مرجعكم " الرجع بمعنى الرجوع و " ~~جميعها " نصب على الحال أي ذلك الرجوع يحصل حال الاجتماع وهذا يدل على أن ~~المراد بالرجوع القيامة لا ms4572 الموت. # وقوله: " وعد الله " منصوب على المصدر المؤكد؛ لأن معنى " ~~إليه مرجعكم ": وعدكم بذلك. # وقوله: " حقا " مصدر آخر مؤكد لمعنى هذا الوعد، وناصبه مضمر، ~~أي: أحق ذلك حقا. # وقيل: انتصب " حقا " ب " وعد " على تقدير " في " ، أي: وعد ~~الله في حق، يعني على التشبيه بالظرف. وقال الأخفش الصغير: التقدير: ~~وقت حق؛ وأنشد: [الطويل] # 2871- أحقا عباد الله أن لست ذاهبا # ولا والجا إلا علي رقيب # " إنه يبدؤا " الجمهور على كسر الهمزة للاستئناف، وقرأ عبد الله، ~~وابن القعقاع، والأعمش، وسهيل بن شعيب بفتحها، وفيها تأويلات: # أحدها: أن تكون فاعلا بما نصب " حقا " أي: حق حقا بدء ~~الخلق، ثم إعادته؛ كقوله: [الطويل] # 2872- أحقا عباد الله أن لست جائيا # ......................... # البيت. # وهو مذهب الفراء، فإنه قال " والتقدير: يحق أنه يبدأ الخلق ~~". # والثاني: أنه منصوب بالفعل الذي نصب " وعد الله " ، أي: وعد الله ~~تعالى بدء الخلق ثم إعادته، والمعنى: إعادة الخلق بعد بدئه. # الثالث: أنه على حذف لام الجر، أي: لأنه ذكر هذه الأوجه الثلاثة ~~الزمخشري وغيره. # الرابع: أنه بدل من " وعد الله " قاله ابن عطية. # الخامس: أنه مرفوع بنفس " حقا " أي: بالمصدر المنون، وهذا إنما ~~يتأتى على جعل " حقا " غير مؤكد، لأن المؤكد لا عمل له ~~إلا إذا ناب عن فعله، وفيه بحث. # السادس: أن يكون " حقا " مشبها بالظرف خبرا مقدما، و " إنه " ~~في محل رفع مبتدأ مؤخرا، كقولهم: أحقا أنك ذاهب، قالوا: تقديره: ~~أفي حق ذهابك. # وقرأ ابن أبي عبلة " حق أنه " برفع حق وفتح " أن " على الابتداء ~~والخبر، قال أبو حيان: وكون " حق " خبر مبتدأ، و " أنه " هو المبتدأ هو ~~الوجه في الإعراب، كما تقول: صحيح أنك مخرج؛ لأن اسم " أن " معرفة، ~~والذي تقدمها في هذا المثال نكرة، فظاهر هذه العبارة يشعر بجواز ~~العكس، وهذا قد ورد في باب " إن "؛ كقوله: [الطويل] # 2873- وإن حراما أن أسب مجاشعا # بآبائي الشم الكرام الخضارم # وقوله: [الطويل] # 2874- وإن شفاء عبرة أن سفحتها # وهل عند رسم دارس من معول # على جعل " أن سفحتها " بدلا من " عبرة " ، وقد أخبر ms4573 في " ~~كان " عن نكرة بمعرفة، كقوله: [الوافر] # 2875-.............................. # ولا يك موقف منك الوداعا # وقوله: [الوافر] # 2876-.............................. # يكون مزاجها عسل وماء # قال مكي: " وأجاز الفراء رفع " وعد " ، بجعله خبرا ل " ~~مرجعكم ". وأجاز رفع " وعد " و " حق " على الابتداء والخبر، ~~وهو حسن، ولم يقرأ به أحد ". # قال شهاب الدين: نعم لم يرفع " وعد " ، و " حق " معا أحد، ~~وأما رفع " حق " وحده فقط تقدم أن ابن أبي عبلة قرأه، وتقدم ~~توجيهه، ولا يجوز أن يكون " وعد الله " عاملا في " أنه " لأنه قد ~~وصف بقوله " حقا " قاله أبو الفتح، وقرىء " وعد الله " بلفظ ~~الفعل الماضي ورفع الجلالة فاعلة، وعلى هذه يكون " إنه يبدأ " ~~معمولا له إن كان هذا القارىء يفتح " أنه " ، والجمهور على يبدأ ~~بفتح الياء من بدأ، وابن أبي طلحة " يبدىء " من أبدأ، وبدأ ~~وأبدأ بمعنى واحد. # فصل # في هذه الآية إضمار، تقديره: إنه يبدأ الخلق؛ ليأمرهم بالعبادة، ثم ~~يميتهم ثم يعيدهم، كقوله في البقرة: # كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ~~ثم يميتكم ثم يحييكم # [البقرة:28]. # إلا أنه - تعالى - حذف ذكر الأمر بالعبادة ههنا؛ لأنه - تعالى - ~~قال من قبله { ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو فاعبدوه } وحذف ذكر الإماتة، ~~لأن ذكر الإعادة يدل عليها. وهذه الآية تدل على أنه تعالى يعيد ~~جميع المخلوقات، وإعادتها لا يمكن إلا بعد إعدامها، وإلا لزم إيجاد ~~الموجود وهو محال، ونظيره قوله تعالى: # يوم نطوي السمآء كطي السجل للكتب كما ~~بدأنآ أول خلق نعيده # [الأنبياء:104] فحكم بأن الإعادة تكون مثل الابتداء. # قوله: " ليجزي " متعلق بقوله " ثم يعيده " ، و " بالقسط ~~" متعلق ب " يجزي " ويجوز أن يكون حالا: إما من الفاعل أو ~~المفعول، أي: يجزيهم ملتبسا بالقسط أو ملتبسين به، والقسط: ~~العدل. # فصل # قال الكعبي: " اللام في قوله " ليجزي الذين آمنوا " تدل على ~~أنه تعالى خلق العباد للثواب والرحمة، وأيضا فإنه أدخل " لام " ~~التعليل على الثواب، ولم يدخلها على العقاب، بل قال: { والذين ~~كفروا لهم شراب من حميم } فدل على أنه خلق الخلق ~~للرحمة لا للعقاب، وذلك يدل على أنه - تعالى ms4574 - ما أراد منهم ~~الكفر، ولم يخلق الكفر فيهم ". # والجواب: أن لام التعليل في أفعال الله - تعالى - محال؛ لأنه - ~~تعالى - لو فعل فعلا لعلة لكانت تلك العلة، إن كانت قديمة لزم قدم ~~الفعل، وإن كانت حادثة فيلزم التسلسل، وهو محال. # فصل # في تفسير " القسط " وجهان: # الأول: أنه العدل، كما تقدم؛ والعدل هو الذي يكون لا زائدا ولا ~~ناقصا، وذلك يدل على أنه تعالى لا يزيدهم على ما يستحقونه ~~بأعمالهم، ولا يتفضل عليهم بشيء. # فالجواب: أن الثواب أيضا محض التفضل، وأيضا فبتقدير أن يساعد ~~على حصول الاستحقاق إلا أن لفظ " القسط " يدل على توفية الأجر، ~~فأما المنع من الزيادة فلفظ " القسط " لا يدل عليه، فإن قيل: ~~لم خص المؤمنين بالقسط مع أنه - تعالى - يجازي الكافرين أيضا ~~بالقسط؟ # فالجواب: أن تخصيص المؤمنين يدل على مزيد العناية في حقهم، وعلى ~~كونهم مخصوصين بمزيد الإحسان. # الوجه الثاني - في تفسير القسط -: أن المعنى: ليجزي الذين آمنوا ~~بقسطهم، وبما أقسطوا وعدلوا ولم يظلموا أنفسهم حين آمنوا وعملو ~~الصالحات، لأن الشرك ظلم، قال تعالى # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان:13]، والعصاة أيضا قد ظلموا أنفسهم، قال تعالى: # فمنهم ظالم لنفسه # [فاطر:32] وهذا أقوى؛ لأنه في مقابلة قوله: { بما كانوا ~~يكفرون }. # قوله: { والذين كفروا } يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون مرفوعا بالابتداء، والجملة بعده خبره. # والثاني: أن يكون منصوبا عطفا على الموصول قبله، وتكون الجملة بعده ~~مبينة لجزائهم. و " شراب " يجوز أن يكون فاعلا، وأن يكون ~~مبتدأ، والأول أولى. # قوله: " بما كانوا " الظاهر تعلقه بالاستقرار المضمر في ~~الجار الواقع خبرا، والتقدير: استقر لهم شراب من حميم وعذاب أليم ~~بما كانوا. وجوز أبو البقاء فيه وجهين ولم يذكر غيرهما: # الأول: أن يكون صفة أخرى ل " عذاب ". # والثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، وهذا لا معنى له، ولا حاجة إلى ~~العدول عن الأول. قال الواحدي: الحميم: الذي أسخن بالنار حتى ~~انتهى حره، يقال: حممت الماء، أي: أسخنته، أحميه، فهو ~~حميم، ومنه الحمام. # فصل # دلت الآية على أنه لا واسطة بين أن يكون المكلف ms4575 مؤمنا، وبين أن ~~يكون كافرا، لأنه اقتصر في الآية على ذكر هذين القسمين. # وأجاب القاضي: بأن ذكر هذين القسمين لا ينفي القسم الثالث؛ لأن قوله ~~تعالى: # والله خلق كل دآبة من مآء فمنهم من يمشي ~~على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم ~~من يمشي على أربع # [النور:45] ولم يدل على نفي القسم الرابع، بل ربما ذكر المقصود أو ~~الأكثر، وترك ما عداه، إذا كان قد بين في موضع آخر، وقد بين الله حال ~~القسم الثالث في سائر الآيات. # وجوابه: إنما يترك القسم الذي يجري مجرى النادر، ومعلوم أن ~~الفساق أكثر من أهل الطاعة، فكيف يجوز ترك ذكرهم في هذا الباب؟ ~~وأما قوله تعالى # والله خلق كل دآبة # [النور:45] فإنما ترك ذكر القسم الرابع، لأن أقسام دواب الأرض ~~كثيرة، فكان ذكرها بأسرها يوجب الإطناب، بخلاف مسألتنا، فإنه ليس هنا ~~إلا القسم الثالث، وهو الفاسق الذي يزعم الخصم أنه لا مؤمن ولا ~~كافر، فظهر الفرق. ### || [10.5-6] # قوله تعالى: { هو الذي جعل الشمس ضيآء } الآية. # لما ذكر الدلائل الدالة على الإلهية، وهي التمسك بخلق السموات ~~والأرض، ثم فرع عليها صحة القول بالحشر والنشر، عاد إلى ذكر الدلائل ~~الدالة على الإلهية، وهي التمسك بأحوال الشمس والقمر، وهو إشارة ~~إلى توكيد الدليل على الحشر والنشر؛ لأنه - تعالى - أثبت القول ~~بالحشر والنشر بناء على أنه لا بد من إيصال الثواب إلى أهل ~~الطاعة، والعقاب إلى الكفار، وأنه يجب تمييز المحسن عن ~~المسيء. # ثم ذكر في هذه الآية أنه جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره ~~منازل، ليتوصل المكلف بذلك إلى معرفة السنين والحساب، فيرتب ~~مهمات معاشه وزراعته وحراثته، ويعد مهمات الشتاء والصيف، فكأنه ~~تعالى يقول: تمييز المحسن على المسيء، أوجب وأولى من تعليم أحوال ~~السنين والشهور، فلما اقتضت الحكمة بخلق الشمس والقمر لهذا ~~المهم الذي لا نفع له فبأن تقتضي الحكمة والرحمة تمييز المحسن عن ~~المسيء بعد الموت، مع أنه يقتضي النفع الأبدي والسعادة السرمدية ~~كان أولى، فلما كان الاستدلال بأحوال الشمس والقمر من الوجه المذكور ms4576 ~~في هذه الآية مما يدل على التوحيد من وجه، وعلى صحة القول ~~بالمعاد من الوجه الذي ذكرناه، لا جرم ذكر الله تعالى هذا الدليل بعد ~~ذكر الدليل على صحة المعاد. # قوله: " ضياء ": إما مفعول ثان على أن الجعل للتصيير، وإما ~~حال على أنه بمعنى الإنشاء، والجمهور على " ضياء " بصريح الياء ~~قبل الألف، وأصلها واو؛ لأنه من الضوء. وقرأ قنبل عن ابن كثير ~~هنا وفي الأنبياء والقصص " ضئاء " بقلب الياء همزة، فتصير ألف بين ~~همزتين. وأولت على أنه مقلوب قدمت لامه وأخرت عينه، فوقعت الياء ~~طرفا بعد ألف زائدة فقلبت همزة على حد " رداء " وأردية، وإن شئت ~~قلت: لما قلبت الكلمة صارت " ضياوا " بالواو، عادت العين إلى أصلها ~~من الواو لعدم موجب قلبها ياء وهو الكسر لسابقها، ثم أبدلت الواو همزة ~~على حد " كساء ". وقال أبو البقاء: " إنها قلبت ألفا، ثم ~~قلبت الألف همزة، لئلا تجتمع ألفان " ، واستبعدت هذه القراءة من ~~حيث إن اللغة مبنية على تسهيل الهمز فكيف يتخيلون في قلب ~~الحرف الخفيف إلى أثقل منه؟ لا غرو في ذلك، فقد قلبوا حروف العلة ~~الألف والواو والياء همزة في مواضع لا تحصر إلا بعسر، إلا أنه ~~هنا ثقيل؛ لاجتماع همزتين. # وأكثر الناس على تغليط هذه القراءة؛ لأن ياء " ضياء " منقلبة عن ~~واو، مثل: ياء قيام، وصيام، فلا وجه للهمزة فيها، قال أبو شامة: " وهذه ~~قراءة ضعيفة، فإن قياس اللغة الفرار من اجتماع همزتين إلى تخفيف ~~إحداهما، فكيف يتخيل بتقديم وتأخير يؤدي إلى اجتماع همزتين لم ~~يكونا في الأصل؟ هذا خلاف حكم اللغة ". # وقال أبو بكر بن مجاهد - وهو ممن قرأ على قنبل -: " قرأ ابن كثير ~~وحده " ضئاء " بهمزتين في كل القرآن الهمزة الأولى قبل الألف، والثانية ~~بعدها، كذلك قرأت على قنبل وهو غلط، وكان أصحاب البزي، وابن فليح ~~ينكرون هذا ويقرؤون " ضياء " مثل الناس ". # قال شهاب الدين: " كثيرا ما يتجرأ أبو بكر على شيخه ~~ويغلطه، وسيمر بك مواضع من ذلك، وهذا لا ينبغي أن يكون، فإن ~~قنبلا بالمكان الذي يمنع ms4577 أن يتكلم فيه أحد ". # وقوله في جانب الشمس: " ضياء "؛ لأن الضوء أقوى من النور، وقد ~~تقدم ذلك أول البقرة و " ضياء ونورا " يحتمل أن يكونا مصدرين، ~~وجعلا نفس الكوكبين مبالغة، كما يقال للكريم: إنه كرم وجود، أو على ~~حذف مضاف أي: ذات ضياء وذا نور، و " ضياء " يحتمل أن يكون جمع " ~~ضوء " كسوط وسياط، وحوض وحياض. # قوله: " منازل " نصب على ظرف المكان، وجعله الزمخشري على حذف ~~مضاف: إما من الأول أي: قدر مسيره، وإما من الثاني أي: قدره ذا ~~منازل، فعلى التقدير الأول يكون " منازل " ظرفا كما مر، وعلى ~~الثاني يكون مفعولا ثانيا على تضمين " قدر " معنى صيره ذا منازل ~~بالتقدير، وقال أبو حيان - بعد أن ذكر التقديرين، ولم يعزهما ~~للزمخشري: أو قدر له منازل، فحذف وأوصل الفعل إليه، فانتصب بحسب هذه ~~التقادير على الظرف أو الحال أو المفعول، كقوله: # والقمر قدرناه منازل # [يس:39] وقد سبقه إلى ذلك أبو البقاء. # والضمير في " قدره " يعود على القمر وحده، لأنه هو عمدة العرب في ~~تواريخهم. # وقال ابن عطية: " ويحتمل أن يريدهما معا بحسب أنهم يتصرفان في ~~معرفة عدد السنين والحساب لكنه اجتزىء بذكر أحدهما، كقوله تعالى # والله ورسوله أحق أن يرضوه # [التوبة:62]؛ وكما قال الشاعر: [الطويل] # 2877- رماني بأمر كنت منه ووالدي # بريئا ومن أجل الطوي رماني # قوله: " لتعلموا ": متعلق ب " قدره " ، وسئل أبو عمرو عن ~~الحساب: أتنصبه أم تجره؟ فقال: ومن يدري ما عدد الحساب؟ يعني أنه ~~سئل: هل تعطفه على " عدد " فتنصبه أم على " السنين " فتجره؟ ~~فكأنه قال: لا يمكن جره، إذ يقتضي ذلك أن يعلم عدد الحساب ولا يقدر ~~أحد أن يعلم عدده. # فصل # معنى الآية: { هو الذي جعل الشمس ضيآء } بالنهار، { ~~والقمر نورا } بالليل. وقيل: جعل الشمس ذات ضياء، والقمر ذا ~~نور، { وقدره منازل } أي: قدر له، يعنى: هيأ له منازل ~~لا يجاوزها ولا يقصر دونها، ولم يقل قدرهما. # قيل تقدير المنازل منصرف اليهما، واكتفى بذكر أحدهما لما قدمنا. ~~وقيل: ينصرف إلى القمر خاصة، لأن بالقمر خاصة يعرف انقضاء ms4578 الشهور ~~والسنين، لا بالشمس. ومنازل القمر هي: المنازل المشهورة، وهي الثمانية ~~والعشرون منزلا، وهذه المنازل مقسومة على البروج الاثني عشر، لكل برج ~~منزلتان واحدة إن كان الشهر تسعا وعشرين، فيكون انقضاء الشهر مع نزوله ~~تلك المنازل، ويكون مقام الشهر في كل منزلة ثلاثة عشر يوما، فيكون ~~انقضاء السنة مع انقضائها. # واعلم: أن الشمس سلطان النهار وأن القمر سلطان الليل، وبحركة الشمس ~~تنفصل السنة إلى الفصول الأربعة، وبالفصول الأربعة تنتظم مصالح هذا ~~العالم، وبحركة القمر تحصل الشهور، وباختلاف حاله في زيادة ضوئه ونقصانه ~~تختلف أحوال رطوبات هذا العالم، وبسبب الحركة اليومية يحصل النهار ~~والليل، فالنهار زمان التكسب والطلب، والليل زمان للراحة، وهذا ~~يدل على كثرة رحمة الله - تعالى - للخلق وعظم عنايته لهم. # قال حكماء الإسلام: هذا يدل على أنه - تعالى - أودع في أجرام الأفلاك ~~والكواكب خواص معينة، وقوى مخصوصة باعتبارها تنتظم مصالح هذا العالم ~~السفلي، إذ لو لم يكن لها آثار وفوائد في هذا العالم، لكان ~~خلقها عبثا وباطلا بغير فائدة، وهذه النصوص تنافي ذلك. # قوله: { ما خلق الله ذلك إلا بالحق } " ذلك " إشارة ~~إلى الخلق، والتقدير: ما خلق الله ذلك المذكور إلا ملتبسا بالحق، ~~فيكون حالا: إما من الفاعل وإما من المفعول. وقيل: الباء بمعنى ~~اللام أي: للحق، ولا حاجة إليه، والمعنى: لم يخلقه باطلا، بل ~~إظهارا لصنعته، ودلالة على قدرته. # قوله: " يفصل " قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر، ويعقوب " ~~يفصل " بياء الغيبة جريا على اسم الله - تعالى -، والباقون: بنون ~~العظمة، التفاتا من الغيبة إلى التكلم للتعظيم. # ومعنى التفصيل: هو ذكر هذه الدلائل الباهرة، واحدة عقب الأخرى مع ~~الشرح والبيان، ثم قال " لقوم يعلمون " قيل: المراد منه: ~~العقل الذي يعم الكل. وقيل: المراد منه تفكر وعلم فوائد مخلوقاته، ~~وآثار إحسانه، لأن العلماء هم المنتفعون بهذه الدلائل، كقوله # إنمآ أنت منذر من يخشاها # [النازعات:45] مع أنه - عليه الصلاة والسلام - كان منذرا للكل. # قوله تعالى: { إن في اختلاف الليل والنهار } الآية. # اعلم أنه تعالى استدل على التوحيد والإلهية. # أولا: بتخليق السموات ms4579 والأرض. # وثانيا: بأحوال الشمس والقمر. # وثالثا: في هذه الآية بالمنافع الحاصلة من اختلاف الليل والنهار، وقد ~~تقدم تفسيره في سورة البقرة عند قوله: # إن في خلق السماوات والأرض # [البقرة:164]. # واعلم أن الحوادث الحادثة في هذا العالم أربعة أقسام: # أحدها: الأحوال الحادثة في العناصر الأربعة، ويدخل فيها أحوال الرعد ~~والبرق والسحاب والأمطار والثلوج، ويدخل فيها أحوال البحار، ~~وأحوال المد والجزر، وأحوال الصواعق والزلازل والخسف. # وثانيها: أحوال المعادن وهي عجيبة كثيرة. # وثالثها: اختلاف أحوال النبات. # ورابعها: اختلاف أحوال الحيوانات، وكلها داخلة في قوله: { وما ~~خلق الله في السماوات والأرض }. # ثم قال: { لآيات لقوم يتقون } خصها بالمتقين؛ لأنهم ~~يحذرون العاقبة. ### || [10.7-8] # قوله تعالى: { إن الذين لا يرجون لقآءنا } الآية. # لما ذكر الدلائل القاهرة على إثبات الإلهية، وعلى صحة القول ~~بالمعاد، والحشر، والنشر، شرح بعده أحوال من يكفر بها، ومن يؤمن ~~بها؛ فأما شرح أحوال الكفار، فهو المذكور في هذه الآية، وصفهم فيها ~~بأربع صفات: # الأولى: قوله: { إن الذين لا يرجون لقآءنا }. # قال ابن عباس، ومقاتل، والكلبي: معناه: لا يخافون البعث؛ لأنهم لا ~~يؤمنون به، والرجاء: الخوف؛ لقوله: # إنمآ أنت منذر من يخشاها # [النازعات:45]، وقوله: # وهم من الساعة مشفقون # [الأنبياء:49]، وقوله: # ما لكم لا ترجون لله وقارا # [نوح:13]؛ وقال الهذلي: [الطويل] # 2878- إذا لسعته النحل لم يرج لسعها # وخالفها في بيت نوب عواسل # وقال الزجاج: الطمع؛ والمعنى: لا يطمعون في ثوابنا، واعلم أن ~~اللقاء: هو الوصول إلى الشيء، وهذا في حق الله - تعالى - محال؛ لأنه ~~منزه عن الحد؛ فوجب أن يكون مجازا عن الرؤية؛ فإنه يقال: لقيت ~~فلانا، إذا رأيته. # الصفة الثانية: قوله: { ورضوا بالحياة الدنيا } ، وهذه ~~إشارة إلى استغراقهم في طلب اللذات الجسمانية. # والصفة الثالثة: قوله: " واطمأنوا بها " يجوز أن يكون عطفا ~~على الصلة، وهو الظاهر، وأن تكون الواو للحال، والتقدير: وقد ~~اطمأنوا. وهذه صفة الأشقياء، وهي أن تحصل لهم الطمأنينة في حب ~~الدنيا والاشتغال بلذاتها، فيزول عن قلوبهم الوجل، فإذا سمعوا ~~الإنذار والتخويف لم توجل قلوبهم وصارت كالميتة عند ذكر الله - تعالى ~~-، وهذا ms4580 بخلاف صفة السعداء، فإنهم يحصل لهم الوجل عند ذكر الله - ~~تعالى -، كما قال: # إذا ذكر الله وجلت قلوبهم # [الأنفال:2]، ثم إذا قويت هذه الحالة اطمأنوا بذكر الله، كما قال: # وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله ~~تطمئن القلوب # [الرعد:28]. # ومقتضى اللغة أن يقال: واطمأنوا إليها، إلا أن حروف الجر يحسن ~~إقامة بعضها مقام البعض. # الصفة الرابعة: قوله: { والذين هم عن آياتنا غافلون }. ~~يحتمل أن يكون من باب عطف الصفات، بمعنى أنهم جامعون بين عدم رجاء ~~لقاء الله وبين الغفلة عن الآيات، والمراد بالغفلة الإعراض، وأن يكون ~~هذا الموصول غير الأول، فيكون عطفا على اسم " إن " ، أي: إن الذين ~~لا يرجون، وإن الذين هم. # و " أولئك " مبتدأ، و " مأواهم " مبتدأ ثان، و " النار " خبر هذا ~~المبتدأ الثاني، والثاني وخبره خبر " أولئك " ، و " أولئك " وخبره خبر " ~~إن الذين " ، و " بما كانوا " متعلق بما تضمنته الجملة من ~~قوله: " مأواهم النار " والباء سببية، و " ما " مصدرية، وجيء ~~بالفعل بعدها مضارعا دلالة على استمرار ذلك في كل زمان. وقال أبو ~~البقاء: " إن الباء تتعلق بمحذوف، أي: جوزوا بما كانوا ". ### || [10.9-10] # قوله تعالى: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ~~الآية. # لما شرح أحوال المشركين ذكر أحوال المؤمنين، قال القفال: { إن ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات } أي: صدقوا بقلوبهم، ثم ~~حققوا التصديق بالعمل الصالح الذي جاءت به الأنبياء من عند ~~الله. # ثم ذكر بعد ذلك درجات كراماتهم فقال: { يهديهم ربهم ~~بإيمانهم } فقيل: يهديهم إلى الجنة ثوابا على إيمانهم وأعمالهم ~~الصالحة، ويدل عليه قوله - تعالى -: # يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين ~~أيديهم وبأيمانهم # [الحديد:12]، وما روي أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: # " إن المؤمن إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة ~~حسنة، فيقول له: أنا عملك، فيكون له نورا وقائدا إلى الجنة، ~~والكافر إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة سيئة، فيقول له: ~~أنا عملك، فينطلق به حتى يدخله النار " # ، وقال مجاهد: المؤمن يكون له نور يمشي به إلى الجنة. قال ابن ~~الأنباري: إيمانهم يهديهم إلى ms4581 خصائص المعرفة، ولوامع من النور تشرق ~~بها قلوبهم، وتزول بواسطتها الشكوك والشبهات، كقوله - تعالى -: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد:17] وهذه الفوائد يجوز حصولها في الدنيا قبل الموت، ويجوز ~~حصولها في الآخرة بعد الموت؛ قال القفال: وإذا حملنا الآية على هذا ~~الوجه؛ كان المعنى: يهديهم ربهم بإيمانهم، وتجري من تحتهم الأنهار، ~~إلا أنه حذف الواو، وقيل: " تجري من تحتهم " مستأنفا ~~منقطعا عما قبله، ويجوز أن يكون حالا من مفعول " يهديهم ". # قوله تعالى: { تجري من تحتهم الأنهار } المراد: أن يكونوا ~~جالسين على سرر مرفوعة في البساتين، والأنهار تجري من بين أيديهم، ~~كقوله: # قد جعل ربك تحتك سريا # [مريم:24]، وهي ما كانت قاعدة عليه بل المعنى: بين يديك، وكذا قوله: # وهذه الأنهار تجري من تحتي # [الزخرف:51] أي: بين يدي، وقيل: { تجري من تحتهم } أي: بأمرهم. # قوله: " في جنات " يجوز أن يتعلق ب " تجري " ، وأن يكون حالا ~~من " الأنهار " ، وأن يكون خبرا بعد خبر ل " إن " ، وأن يكون ~~متعلقا ب " يهدي ". # قوله: " دعواهم " مبتدأ، و " سبحانك " معمول لفعل مقدر لا ~~يجوز إظهاره هو الخبر، والخبر هنا هو نفس المبتدأ، والمعنى: أن دعاؤهم ~~هذا اللفظ، ف " دعوى " يجوز أن يكون بمعنى الدعاء، ويدل عليه " ~~اللهم "؛ لأنه نداء في معنى يا الله، يقال: " دعا يدعو ~~دعاء ودعوى " ، كما يقال: " شكى يشكو شكاية وشكوى " ، ويجوز ~~أن يكون الدعاء هنا بمعنى العبادة، نظيره قوله تعالى: # وما تدعون من دون الله # [مريم:48] أي: وما تعبدون، ف " دعوى ": مصدر مضاف للفاعل، ثم إن ~~شئت أن تجعل هذا من باب الإسناد اللفظي، أي: دعاؤهم في الجنة هذا ~~اللفظ بعينه، فيكون نفس " سبحانك " هو الخبر، وجاء به محكيا ~~على نصبه بذلك الفعل، وإن شئت جعلته من باب الإسناد المعنوي؛ فلا يلزم ~~أن يقولوا هذا اللفظ فقط، بل يقولونه وما يؤدي معناه من جميع صفات ~~التنزيه والتقديس، وقد تقدم نظير هذا عند قوله تعالى: # وقولوا حطة # [البقرة:58]. # وقيل: المراد من الدعوى: نفس الدعوى التي تكون للخصم على ~~خصمه. # والمعنى: أن أهل ms4582 الجنة يدعون في الدنيا وفي الآخرة تنزيه الله عن ~~كل المعايب، والإقرار له بالإلهية. # قال القفال: وأصل ذلك من الدعاء، لأن الخصم يدعو خصمه إلى من يحكم ~~بينهما. # قال أبو مسلم: " دعواهم " أي: فعلهم وإقرارهم، ونداؤهم هو قولهم " ~~سبحانك اللهم " قال القاضي: " دعواهم " أي: طريقتهم في ~~تمجيد الله وتقديسه وشأنهم وسنتهم؛ لأن قوله " سبحانك ~~اللهم " ليس بدعاء ولا بدعوى، إلا أن المدعي للشيء يكون ~~مواظبا على ذكره، لا جرم جعل لفظ " الدعوى " كناية عن تلك المواظبة ~~والملازمة. فأهل الجنة لما كانوا مواظبين على هذا الذكر، أطلق لفظ ~~" الدعوى " عليهم، وقال القفال: قيل في قوله: # ولهم ما يدعون # [يس:57] أي: ما يتمنونه، والعرب تقول: ادع ما شئت علي أي: تمن ما ~~شئت. # وقال ابن جريج: أخبرت أن قوله { دعواهم فيها سبحانك ~~اللهم }: هو أنه إذا مر بهم طير يشتهونه، قالوا: سبحانك ~~اللهم، فيأتيهم الملك بذلك المشتهى. قال ابن الخطيب: " وفيه وجه ~~آخر: وهو أن يكون المعنى: أن تمنيهم في الجنة أن يسبحوا الله - تعالى ~~-، أي: تمنيهم لما يتمنونه، ليس إلا في تسبيح الله، وتقديسه، ~~وتنزيهه ". # قوله: { سبحانك اللهم } قال بعض المفسرين: إن أهل الجنة ~~جعلوا هذا الذكر علامة على طلب المشتهيات فيؤتون بذلك المشتهى فإذا ~~نالوا من شهرتهم، قالوا: { الحمد لله رب العالمين } ، ~~وضعف ابن الخطيب هذا من وجوه: # أحدها: أن حاصل هذا الكلام يرجع إلى أن أهل الجنة جعلوا هذا ~~الذكر العالي المقدس علامة على طلب المأكول والمنكوح، وهذا في غاية ~~الخساسة. # وثانيها: أنه - تعالى - قال في صفة أهل الجنة # ولهم ما يشتهون # [النحل:57]، فإذا اشتهوا أكل ذلك الطير، فلا حاجة بهم إلى الطلب، ~~فسقط هذا الكلام. # وثالثها: أن هذا صرف للكلام عن ظاهره الشريف العالي، إلى محل خسيس لا ~~إشعار للفظ به. وإنما المراد: أن اشتغال أهل الجنة بتقديس الله - ~~سبحانه -، وتحميده، والثناء عليه؛ لأن سعادتهم، وابتهاجهم، وسرورهم ~~بهذا الذكر. # قال القاضي: إنه - تعالى - لما وعد المتقين بالثواب العظيم، في ~~قوله أول السورة: # ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط ms4583 # [يونس:4]، فإذا دخل أهل الجنة الجنة، ووجدوا تلك النعم العظيمة، ~~عرفوا أن الله - تعالى - كان صادقا في وعده إياهم بتلك النعم، فعند هذا ~~قالوا: { سبحانك اللهم } أي: سبحانك من الخلف في الوعد، والكذب ~~في القول. # قوله: " وتحيتهم " مبتدأ، و " سلام " خبره، وهو كالذي قبله، ~~والمصدر هنا يحتمل أن يكون مضافا لفاعله، أي: تحيتهم التي يحيون ~~بها بعضهم سلام. # ويحتمل أن يكون مضافا لمفعوله، أي: تحيتهم التي تحييهم بها ~~الملائكة سلام؛ ويدل له قوله: # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام ~~عليكم # [الرعد:23، 24]، و " فيها " في الموضعين متعلق بالمصدر قبله. وقيل: ~~يجوز أن يكون حالا مما بعده، فيتعلق بمحذوف، وليس بذاك، وقال ~~بعضهم: يحيي بعضهم بعضا، ويكون كقوله - تعالى -: # وكنا لحكمهم شاهدين # [الأنبياء:78]، حيث أضافه ل " داود وسليمان " ، وهما الحاكمان، وإلى ~~المحكوم عليه، وهذا مبني على مسألة أخرى، وهي أنه: هل يجوز الجمع بين ~~الحقيقة والمجاز أم لا؟. # فإن قلنا: نعم، جاز ذلك، لأن إضافة المصدر لفاعله حقيقة، ولمفعوله ~~مجاز، ومن منع ذلك، أجاب: بأن أقل الجمع اثنان، فلذلك قال: " ~~لحكمهم ". # قوله: " وآخر دعواهم " مبتدأ، و " أن ": هي المخففة من ~~الثقيلة، واسمها ضمير الأمر والشأن حذف، والجملة الاسمية بعدها في ~~محل الرفع خبرا لها؛ كقول الشاعر: [البسيط] # 2879- في فتية كسيوف الهند قد علموا # أن هالك كل من يحفى وينتعل # و " أن " واسمها وخبرها في محل رفع خبرا للمبتدأ الأول، وزعم ~~الجرجاني: أن " أن " هنا زائدة، والتقدير: وآخر دعواهم الحمد الله، ~~وهي دعوى لا دليل عليها، مخالفة لنص سيبويه والنحويين، وزعم المبرد ~~أيضا: أن " أن " المخففة يجوز إعمالها مخففة، كهي مشددة، وقد ~~تقدم ذلك. # وتخفيف " أن " ، ورفع " الحمد " هي قراءة العامة، وقرأ عكرمة، ~~وأبو مجلز، وأبو حيوة، وقتادة، ومجاهد، وابن يعمر، وبلال بن أبي بردة، ~~وابن محيصن ويعقوب بتشديدها، ونصب " الحمد " على أنه اسمها؛ وهذه ~~تؤيد أنها المخففة في قراءة العامة، وترد على الجرجاني، ~~ومعنى الآية: أن أهل الجنة يفتتحون كلامهم بالتسبيح، ويختمونه ~~بالتحميد. ### || [10.11-12] # قوله تعالى: { ولو يعجل الله... } الآية. # هذا ms4584 الامتناع نفي في المعنى، تقديره: لا يعجل الله لهم الشر، ~~قال الزمخشري: " فإن قلت: كيف اتصل به قوله: { فنذر الذين لا ~~يرجون لقآءنا } ، وما معناها؟ قلت: قوله " ولو يعجل " ~~متضمن معنى نفي التعجيل، كأنه قيل: ولا نعجل لهم بالشر، ~~ولا نقضي إليهم أجلهم ". # قوله " استعجالهم " فيه أوجه: # أحدها: أنه منصوب على المصدر التشبيهي، تقديره: استعجالا مثل ~~استعجالهم، ثم حذف الموصوف، وهو " استعجال " ، وأقام صفته مقامه، ~~وهي " مثل " ، فبقي: ولو يعجل الله مثل استعجالهم، ثم حذف المضاف، ~~وأقام المضاف إليه مقامه، قال مكي: " وهذا مذهب سيبويه " ، وقد تقدم ~~مرارا أن مذهب سيبويه في هذا، أنه منصوب على الحال من ذلك المصدر ~~المقدر، وإن كان مشهور أقوال المعربين غيره، ففي نسبة ما ذكرناه ~~أولا لسيبويه نظر. # والثاني: أن تقديره: تعجيلا مثل استعجالهم، ثم فعل به ما تقدم قبله، ~~وهذا تقدير أبي البقاء، فقدر المحذوف مطابقا للفعل الذي قبله؛ فإن ~~" تعجيلا " مصدر ل " عجل " ، وما ذكره مكي موافق للمصدر الذي ~~بعده. # والذي يظهر؛ ما قدره أبو البقاء؛ لأن موافقة الفعل أولى، ويكون قد ~~شبه تعجيله تعالى باستعجالهم، بخلاف ما قدره مكي، فإنه لا يظهر؛ ~~إذ ليس " استعجال " مصدرا ل " عجل " ، وقال الزمخشري: " أصله: ~~ولو يعجل الله للناس الشر تعجيله لهم الخير، فوضع " استعجالهم ~~بالخير " موضع تعجيله لهم الخير؛ إشعارا بسرعة إجابته لهم ~~وإسعافه بطلبهم، كأن استعجالهم بالخير تعجيل لهم " ، قال أبو ~~حيان: " ومدلول " عجل " غير مدلول " استعجل "؛ لأن " عجل ~~" يدل على الوقوع، و " استعجل " يدل على طلب التعجيل، وذلك ~~واقع من الله - تعالى -، وهذا مضاف إليهم، فلا يكون التقدير على ما ~~قاله الزمخشري، فيحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون التقدير: تعجيلا مثل استعجالهم بالخير، فشبه ~~التعجيل بالاستعجال؛ لأن طلبهم للخير، ووقوع تعجيله مقدم عندهم ~~على كل شيء. # والثاني: أن يكون ثم محذوف يدل عليه المصدر تقديره: ولو يعجل ~~الله للناس الشر، إذا استعجلوا به استعجالهم بالخير؛ لأنهم ~~كانوا يستعجلون بالشر ووقوعه على سبيل التهكم، كما كانوا ~~يستعجلون بالخير ". # الثالث: أنه منصوب على إسقاط الخافض، ms4585 وهو كاف التشبيه، والتقدير: ~~كاستعجالهم. # قال أبو البقاء: " وهو بعيد؛ إذ لو جاز ذلك، لجاز " زيد غلام عمرو " ~~أي: كغلام عمرو ". وبهذا ضعفه جماعة، وليس بتضعيف صحيح؛ إذ ليس في ~~المثال الذي ذكر فعل يتعدى بنفسه عند حذف الجار، وفي الآية فعل ~~يصح فيه ذلك، وهو قوله: " يعجل " ، وقال مكي: " ويلزم من ~~يجوز حذف حرف الجر منه، أن يجيز " زيد الأسد " ، أي: كالأسد ". # قال شهاب الدين: " قوله: ويلزم.. إلى آخره " ، لا رد فيه على ~~هذا القائل، إذ يلتزمه، وهو التزام صحيح سائغ؛ إذ لا ينكر أحد " ~~زيد الأسد " ، على معنى: كالأسد، وعلى تقدير التسليم، فالفرق ما ~~ذكره أبو البقاء، أي: إن الفعل يطلب مصدرا مشبها، فصار مدلولا ~~عليه. # وقال بعضهم: تقديره: في استعجالهم؛ نقله مكي، فلما حذفت " في " ~~انتصب، وهذا لا معنى له، وقال البغوي: المعنى " ولو يعجل الله إجابة ~~دعائهم في الشر والمكروه استعجالهم بالخير، أي: كما يحبون استعجالهم ~~بالخير ". # وقال القرطبي: قال العلماء: التعجيل من الله، والاستعجال من العبد، ~~وقال أبو علي: هما من الله. # فصل # في كيفية النظم وجوه: # أحدها: قال ابن الخطيب: " إنه ابتدأ السورة بذكر شبهات المنكرين ~~للنبوة مع الجواب عنها: # فالشبهة الأولى: أن القوم تعجبوا من تخصيص الله محمدا بالنبوة، ~~فأزال الله ذلك التعجب بقوله: # أكان للناس عجبا أن أوحينآ إلى رجل منهم # [يونس:2]، ثم ذكر دلائل التوحيد، ودلائل صحة المعاد. # وحاصل الجواب أن يقول: إني ما جئتكم إلا بالتوحيد، والإقرار ~~بالمعاد، وقد دللنا على صحتهما، فلم يبق للتعجب من نبوتي ~~معنى. # والشبهة الثانية: أنهم كانوا يقولون: اللهم إن كان ما يقول محمد ~~حقا في ادعاء النبوة والرسالة، فأمطر علينا حجارة من السماء، ~~أو ائتنا بعذاب أليم، فأجاب الله - تعالى - عن هذه الشبهة بهذه ~~الآية. # وثانيها: قال القاضي: " لما بين الله - تعالى - الوعد والوعيد، ~~أتبعه بما يدل على أن من حقهما، أن يتأخرا عن هذه الحياة ~~الدنيوية؛ لأن حصولهما في الدنيا، كالمانع من بقاء التكليف. # وثالثها: قال القفال: إنه لما وصف الكفار بأنهم لا ms4586 يرجون لقاء الله، ~~ورضوا بالحياة الدنيا، واطمأنوا بها، وكانوا عن آيات الله غافلين، ~~بين أن من غفلتهم، أن الرسول - عليه الصلاة والسلام - متى أنذرهم ~~استعجلوا العذاب جهلا منهم وسفها. # فصل # أخبر - تعالى - في آيات كثيرة: أن هؤلاء المشركين متى خوفوا بنزول ~~العذاب في الدنيا، استعجلوا ذلك العذاب، كقولهم: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال:32]، وقوله تعالى: # سأل سآئل بعذاب واقع # [المعارج:1] الآية، ثم إنهم لما توعدوا بعذاب الآخرة في هذه الآية، ~~بقوله # أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون # [يونس:8]، استعجلوا ذلك العذاب، وقالوا متى يحصل ذلك؟ كما قال - تعالى ~~-: # يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها # [الشورى:18]، وقال بعد هذه الآية، في هذه السورة: # ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين # [يونس:48]؛ إلى قوله # الآن وقد كنتم به تستعجلون # [يونس:51] وقال - تعالى - في سورة الرعد: # ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت ~~من قبلهم المثلات # [الرعد:6]. # فبين - تعالى - أنه لا مصلحة في تعجيل إيصال الشر إليهم؛ لأنه - ~~تعالى - لو أوصل ذلك إليهم لماتوا، لأن تركيبهم في الدنيا لا يحتمل ذلك ~~ولا صلاح في إماتتهم، فربما آمنوا بعد ذلك، أو خرج من صلبهم من يؤمن، ~~وذلك يقتضي ألا يعاجلهم الله بإيصال الشر إليهم. # وسمى العذاب شرا؛ لأنه أذى في حق المعاقب، كما سماه سيئة في قوله: # ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة # [الرعد:6]، وفي قوله: # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى:40]. # والمراد من استعجالهم الخير: أنهم كانوا عند نزول الشدائد يدعون الله ~~بكشفها؛ لقوله: # إذا مسكم الضر فإليه تجأرون # [النحل:53]، # فإذا مس الإنسان ضر دعانا # [الزمر:49]. # قوله: " لقضي " قرأ ابن عامر: " لقضى " بفتح القاف مبنيا للفاعل، ~~" أجلهم " بالنصب مفعولا، والباقون: بالضم والكسر مبنيا للمفعول، " ~~أجلهم " رفعا لقيامه مقام الفاعل، وقرأ الأعمش، ويعقوب، وعبد الله: " ~~لقضينا " مسندا لضمير المعظم نفسه، وهي مؤيدة لقراءة ابن ~~عامر. # فصل # معنى { لقضي إليهم أجلهم } أي: لفرغ من هلاكهم ولماتوا ~~جميعا، وقيل: إنها نزلت في النضر بن الحارث، حين قال: ms4587 # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك # [الأنفال:32] الآية. قوله: { فنذر الذين لا يرجون } فيه ~~ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه معطوف على قوله: " ولو يعجل الله " ، على معنى أنه ~~في قوة النفي، وقد تقدم تحقيقه في سؤال الزمخشري، وجوابه فيه، ~~إلا أن أبا البقاء رد عطفه على " يعجل " ، فقال: " ولا يجوز ~~أن يكون معطوفا على " يعجل "؛ إذ لو كان كذلك لدخل في الامتناع ~~الذي تقتضيه " لو " ، وليس كذلك؛ لأن التعجيل لم يقع، وتركهم في ~~طغيانهم وقع ". # قال شهاب الدين: " إنما يتم هذا الرد، لو كان معطوفا على " ~~يعجل " فقط، باقيا على معناه، وقد تقدم أن الكلام صار في ~~قوة: لا نعجل لهم الشر: فنذرهم، فيكون " فنذرهم " معطوفا ~~على جملة النفي، لا على الفعل الممتنع وحده، حتى يلزم ما قال ". # والثاني: أنه معطوف على جملة مقدرة: أي: ولكن نمهلهم فنذر، قاله ~~أبو البقاء. # والثالث: أن تكون جملة مستأنفة، أي: فنحن نذر الذين؛ قاله الحوفي. # فصل # المعنى: { فنذر الذين لا يرجون لقآءنا }: لا يخافون ~~البعث، والحساب { في طغيانهم يعمهون }. # قال أهل السنة: إنه - تعالى - لما حكم عليهم بالطغيان والعمه، ~~امتنع أن لا يكونوا كذلك، وإلا لزم أن ينقلب خبر الله تعالى الصدق ~~كذبا، وعلمه جهلا، وحكمه باطلا، وكل ذلك محال. # قوله تعالى: { وإذا مس الإنسان الضر }: الجهد والشدة { ~~دعانا لجنبه } أي: على جنبه مضطجعا { أو قاعدا أو ~~قآئما } يريد في جميع حالاته؛ لأن الإنسان لا يعدو إحدى هذه ~~الحالات، وفي كيفية النظم وجهان: # الأول: أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أنه لو أنزل العذاب على ~~العبد في الدنيا، لهلك ولقضي عليه؛ فبين في هذه الآية ما يدل ~~على ضعفه، ونهاية عجزه؛ ليكون ذلك مؤكدا لما ذكره، من أنه لو أنزل ~~عليه العذاب لمات. # الثاني: أنه - تعالى - حكى عنهم: أنهم يستعجلون نزول العذاب، ~~فبين في هذه الآية، أنهم كاذبون في ذلك الاستعجال؛ لأنه لو نزل ~~بالإنسان أدنى شيء يؤذيه، فإنه يتضرع في إزالته عنه، فدل على ~~أنه ليس صادقا في هذا الطلب. ms4588 # قوله: " لجنبه " في محل نصب على الحال؛ ولذلك عطف الحال ~~الصريحة عليه، والتقدير: دعانا مضطجعا لجنبه، أو ملقيا لجنبه، ~~واللام على بابها عند البصريين، وزعم بعضهم: أنها بمعنى: " على " ~~، ولا حاجة إليه، واختلف في صاحب الحال: فقيل: الإنسان والعامل فيها " ~~مس " ، قاله ابن عطية، ونقله أبو البقاء عن غيره، واستضعفه من وجهين: # أحدهما: أن الحال على هذا واقعة بعد جواب " إذا " ، وليس بالوجه، ~~كأنه يعني: أنه ينبغي ألا يجاب الشرط، إلا إذا استوفى معمولاته، ~~وهذه الحال معمولة للشرط، وهو " مس " ، وقد أجيب قبل أن يستوفي ~~معموله. # ثم قال: " والثاني: أن المعنى: كثرة دعائه في كل أحواله، لا على أن ~~الضر يصيبه في كل أحواله، وعليه جاءت آيات كثيرة في القرآن " ، ~~وقال أبو حيان: " وهذا الثاني يلزم فيه من مسه الضر، دعاؤه في ~~هذه الأحوال؛ لأنه جواب ما ذكرت فيه هذه الأحوال، فالقيد في الشرط ~~قيد في الجواب، كما تقول: إذا جاءنا زيد فقيرا أحسنا إليه، ~~فالمعنى، أحسنا إليه في حال فقره ". # وقيل: صاحب الحال هو الضمير الفاعل في " دعانا " ، وهو واضح، أي: ~~دعانا في جميع أحواله؛ لأن هذه الأحوال الثلاثة لا يخلو الإنسان عن ~~واحدة منها. # فصل # قيل: المراد ب " الإنسان " هنا: الكافر. # وقيل: أبو حذيفة بن المغيرة، تصيبه البأساء والشدة والجهد، { دعانا ~~لجنبه } أي: على جنبه مضطجعا { أو قاعدا أو قآئما } ~~وإنما أراد تسمية حالاته؛ لأن الإنسان لا يعدو هذه الحالات. # وقيل: وإنما بدأ بالمضطجع؛ لأنه بالضر أشد في غالب الأمر، فهو ~~يدعو أكثر، والاجتهاد فيه أشد، ثم القاعد ثم القائم. # وقيل: المراد بالإنسان: الجنس، وهذه الأحوال بالنسبة إلى المجموع، أي: ~~منهم من يدعو مستلقيا، ومنهم من يدعو قائما، أو يراد به ~~شخص واحد، جمع بين هذه الأحوال الثلاثة بحسب الأوقات، فيدعو في وقت على ~~هذه الحال، وفي وقت على أخرى، والصحيح أن المراد ب " الإنسان ": ~~الجنس، وقال آخرون: كل موضع في القرآن ورد فيه ذكر الإنسان فالمراد به: ~~الكافر، وهذا باطل؛ لقوله: # يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك ms4589 كدحا ~~فملاقيه فأما من أوتي كتابه بيمينه # [الإنشقاق:6، 7] لا شبهة في أن المؤمن داخل، وكذا قوله: # هل أتى على الإنسان حين من الدهر # [الإنسان:1]، وقوله: # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين # [المؤمنون:12]، # ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه # [ق:19]، والحق: أن اللفظ المفرد، المحلى بالألف واللام، إن حصل ~~معهود سابق، صرف إليه، وإن لم يحصل معهود سابق، حمل على الاستغراق ~~صونا له عن الإجمال والتعطيل، وقال صاحب النظم: قوله { وإذا ~~مس الإنسان } وضعه للمستقبل، وقوله: { فلما كشفنا } ~~للماضي، فهذا النظم يدل على أن معنى الآية يدل: على أنه كان ~~هكذا فيما مضى، وهكذا يكون في المستقبل، فدل ما في الآية من الفعل ~~المستقبل على ما فيه من المعنى المستقبل، وما فيه من الماضي، على الماضي ~~". # قوله: { كأن لم يدعنآ } قد تقدم الكلام على مثل هذا، عند ~~قوله: # كأن لم تكن بينكم # [النساء:73]، تقديره: كأنه لم يدعنا، ثم أسقط الضمير تخفيفا، كقوله ~~تعالى # كأن لم يلبثوا # [يونس:45] قال الزمخشري: " فحذف ضمير الشأن؛ كقوله: [الهزج] # 2880-........................... # كأن ثدياه حقان " # يعني: على رواية من رواه " ثدياه " بالألف، ويروى: " كأن ثدييه " ~~بالياء، على أنها أعملت في الظاهر، وهو شاذ، وهذا البيت صدره: ~~[الهزج] # 2881- ووجه مشرق النحر # كأن ثدياه حقان # وهذه الجملة التشبيهية: في محل نصب على الحال من فاعل " مر " ~~، أي: مضى على طريقته، مشبها من لم يدع إلى كشف ضر، و " مسه " ~~صفة ل " ضر " ، وقيل: " مر " عن موقف الابتهال والتضرع لا يرجع ~~إليه، ونسي ما كان فيه من الجهد والبلاء، كأن لم يدعنا، ولم يطلب منا ~~كشف ضره. # قوله: { كذلك زين } الكاف من " كذلك " في موضع نصب على ~~المصدر، أي: مثل ذلك التزيين والإعراض عن الابتهال، وفاعل " زين " ~~المحذوف: إما الله - تعالى -، و إما الشيطان، و { ما كانوا ~~يعملون } في محل رفع لقيامه مقام الفاعل، و " ما " يجوز أن تكون ~~مصدرية، وأن تكون بمعنى " الذي ". # فصل # قال أبو بكر الأصم: سمي الكافر مسرفا؛ لأنه ضيع ماله ونفسه، ~~أما النفس، فإنه ms4590 جعلها عبدا للوثن؛ وأما المال؛ فلأنهم كانوا ~~يضيعون أموالهم في البحيرة، والسائبة، والوصيلة والحام. # وقيل: من كانت عادته كثرة التضرع والدعاء، عند نزول البلاء، وعند ~~زوال البلاء بعرض عن ذكر الله وعن شكره، يكون مسرفا في أمر دينه، ~~وقال ابن الخطيب: " المسرف هو الذي ينفق المال الكثير؛ لأجل الغرض ~~الخسيس، ومعلوم أن لذات الدنيا وطيباتها خسيسة جدا، في مقابلة ~~سعادات الآخرة، والله - تعالى - أعطى الحواس، والعقل والفهم، والقدرة، ~~لاكتساب السعادات العظيمة الأخروية، فمن بذل هذه الآلات العظيمة ~~الشريفة؛ ليفوز بالسعادات الخسيسة، كان قد أنفق أشياء عظيمة؛ ليفوز ~~بأشياء حقيرة؛ فوجب أن يكون من المسرفين ". ### || [10.13-17] # قوله تعالى: { ولقد أهلكنا القرون من قبلكم } الآية. # لما حكى عنهم أنهم كانوا يقولون: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة # [الأنفال:32] الآية. # وأجاب بأن ذكر أنه: لا صلاح في إجابة دعائهم، ثم بين أنهم كانوا ~~كاذبين في هذا الطلب؛ لأنه لو نزلت بهم آفة، تضرعوا إلى الله تعالى ~~في إزالتها، بين ههنا ما يجري مجرى التهديد: وهو أنه تعالى قد أنزل ~~بهم عذاب الاستئصال ولا يزيله عنهم؛ ليكون ذلك رادعا لهم عن قولهم: # إن كان هذا هو الحق من عندك # [الأنفال:32]؛ لأنهم متى سمعوا أن الله قد يجيب دعاءهم، وينزل بهم ~~عذاب الاستئصال، ثم سمعوا من اليهود والنصارى، أن ذلك قد وقع مرارا ~~كثيرة، صار ذلك رادعا عن ذكر هذا الكلام. # قوله: " من قبلكم " متعلق ب " أهلكنا " ، ولا يجوز أن يكون ~~حالا من " القرون "؛ لأنه ظرف زمان، فلا يقع حالا عن الجثة، ~~كما لا يقع خبرا عنها، وقد تقدم تحقيق هذا أول البقرة [البقرة:21]، ~~وتقدم الكلام على " لما " [البقرة:17]، قال الزمخشري: " لما " ظرف ل ~~" أهلكنا " ، و " وجآءتهم رسلهم " يجوز أن يكون معطوفا ~~على " ظلموا " ، فلا محل له عند سيبويه، ومحله الجر عند غيره؛ ~~لأنه عطف على ما هو في محل جر بإضافة الظرف إليه، ويجوز أن يكون في ~~محل نصب على الحال، أي: ظلموا بالتكذيب، وقد جاءتهم رسلهم ~~بالحجج والشواهد ms4591 على صدقهم. و " بالبينات " يجوز أن يتعلق ~~ب " جاءتهم " ، ويجوز أن يتعلق بمحذوف، على أنه حال من " ~~رسلهم " ، أي: جاءوا ملتبسين بالبينات، مصاحبين لها. # قوله: { وما كانوا ليؤمنوا } يجوز عطفه على " ظلموا " ، ~~وهو الظاهر، وجوز الزمخشري أن يكون اعتراضا قال: واللام لتأكيد ~~نفي إيمانهم، ويعني بالاعتراض: كونه وقع بين الفعل، ومصدره التشبيهي في ~~قوله: " كذلك نجزي " والضمير في " كانوا " عائد على " القرون " ~~، وجوز مقاتل: أن يكون ضمير أهل مكة، وعلى هذا يكون التفاتا، إذ فيه ~~خروج من ضمير الخطاب في قوله: " قبلكم " ، إلى الغيبة، والمعنى: ~~وما كنتم لتؤمنوا. # و " كذلك " نعت لمصدر محذوف، أي: مثل ذلك الجزاء نجزي. وقرىء " ~~يجزي " بياء الغيبة؛ وهو التفات من التكلم في قوله: " أهلكنا " ~~، إلى الغيبة. # قوله: " ثم جعلناكم خلائف " أي: خلفاء { في الأرض من ~~بعدهم } أي: من بعد القرون التي أهلكناهم، وهذا خطاب للذين بعث ~~إليهم محمد صلى الله عليه وسلم. # قوله: " لننظر " متعلق بالجعل، وقرأ يحيى الذماري بنون واحدة، ~~وتشديد الظاء، وقال يحيى: " هكذا رأيته في مصحف عثمان " ، يعني: أنه ~~رآها بنون واحدة، ولا يعني أنه رآها مشددة؛ لأن هذا الشكل ~~الخاص إنما حدث بعد عثمان، وخرجوها على إدغام النون الثانية في ~~الظاء، وهو رديء جدا، وأحسن ما يقال هنا: إنه بالغ في إخفاء ~~غنة النون الساكنة، فظنه السامع إدغاما، ورؤيته له بنون ~~واحدة، لا يدل على قراءته إياه مشددة الظاء، ولا مخففها. # قال أبو حيان: " ولا يدل على حذف النون من اللفظ " وفيه نظر؛ لأنه ~~كيف يقرأ ما لم يكن مكتوبا في المصحف الذي رآه؟ وقوله: " كيف " ~~منصوب ب " تعملون " على المصدر، أي: أي عمل تعملون، وهي معلقة ~~للنظر. # فإن قيل: كيف جاز النظر إلى الله تعالى وفيه معنى المقابلة؟ # فالجواب: أنه استعير لفظ النظر للعلم الحقيقي، الذي لا يتطرق ~~إليه الشك، وشبه هذا العلم بنظر النظر، وعيان العاين. # فإن قيل: قوله: " لننظر كيف تعملون " مشعر بأن الله - ~~تعالى - ما كان عالما بأحوالهم قبل وجودهم. # فالجواب: أنه - تعالى - يعامل العباد معاملة من ms4592 يطلب العلم بما يكون ~~منهم؛ ليجازيهم بجنسه، كقوله: # ليبلوكم أيكم أحسن عملا # [هود:7]، قال - عليه الصلاة والسلام -: # " إن الدنيا خضرة حلوة وإن الله مستخلفكم فيها ~~فناظر كيف تعملون " # ، قال الزجاج: " موضع " كيف " نصب بقوله: " تعملون "؛ لأنها حرف ~~استفهام، والاستفهام لا يعمل فيه ما قبله ". # قوله تعالى: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات } ~~الآية. # روي عن ابن عباس: أن خمسة من الكفار كانوا يستهزءون بالرسول - عليه ~~الصلاة والسلام - وبالقرآن: الوليد بن المغيرة المخزومي، والعاص بن وائل ~~السهمي، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث، والحارث بن حنظلة، فقتل ~~الله - تعالى - كل واحد منهم بطريق، كما قال: # إنا كفيناك المستهزئين # [الحجر:95]. # وقال مقاتل: هم خمسة: عبد الله بن أمية المخزومي، والوليد بن المغيرة، ~~ومكرز بن حفص، وعمرو بن عبد الله بن أبي قيس العامري، والعاص بن عامر بن ~~هشام، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إن كنت تريد أن نؤمن بك، فأت ~~بقرآن ليس فيه ترك عبادة اللات، والعزى، ومناة، وليس فيه عيبها، ~~وإن لم ينزله الله، فقل أنت من عند نفسك، أو بدله، فاجعل مكان ~~آية عذاب آية رحمة، ومكان حرام حلالا، وحلال حراما. # فإن قيل: إذا بدل هذا القرآن فقد أتى بغير هذا القرآن، وإذا كان كذلك، ~~كان كل واحد من هذين الأمرين هو نفس الآخر، ومما يدل على أن ~~كل واحد منهما عين الآخر: أنه - عليه الصلاة والسلام - اقتصر على ~~الجواب بنفي أحدهما، فقال: { ما يكون لي أن أبدله من ~~تلقآء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي } ، فيكون ~~الترديد فيه والتخيير باطلا. # فالجواب: أن أحد الأمرين غير الآخر، فالإتيان بكتاب آخر، لا على ~~ترتيب هذا القرآن ولا على نظمه، يكون إتيانا بقرآن آخر، وأما إذا أتى ~~بهذا القرآن، إلا أنه وضع مكان ذم بعض الأشياء مدحها، ومكان آية ~~رحمة آية عذاب، كان هذا تبديلا، أو تقول: الإتيان بقرآن غير هذا، هو ~~أن يأتيهم بكتاب آخر سوى هذا الكتاب، والتبديل: هو أن يغير هذا ~~الكتاب، مع بقاء هذا الكتاب. # وقوله: ms4593 إنه اكتفى في الجواب بنفي أحد القسمين: # قلنا: إن الجواب المذكور عن أحد القسمين، هو عين الجواب عن القسم ~~الثاني، فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - ~~بين، أنه لا يجوز أن يبدله من تلقاء نفسه؛ لأنه وارد من الله ~~- تعالى -، ولا يقدر على مثله، كما لا يقدر على مثله سائر العرب؛ لأن ~~ذلك كان متقررا عندهم، لما تحداهم بالإتيان بمثله. # واعلم: أن التماسهم لهذا يحتمل أن يكون سخرية واستهزاء، ويحتمل ~~أن يكون ذلك على سبيل الجد، ويكون غرضهم: أنه إن فعل ذلك، علموا كذبه ~~في قوله: إن هذا القرآن منزل عليه من عند الله، ويحتمل أن يكون ~~التماسهم كتابا آخر؛ لأن هذا القرآن مشتمل على ذم آلهتهم، والطعن في ~~طرائقهم، فطلبوا كتابا آخر ليس فيه ذلك، أو يكونوا قد جوزوا كون ~~القرآن من عند الله، لكنهم التمسوا منه نسخ هذا القرآن، وتبديله ~~بقرآن آخر. # قوله: " تلقاء " مصدر على تفعال، ولم يجيء مصدر بكسر التاء، ~~إلا هذا والتبيان، وقرىء شاذا بفتح التاء، وهو قياس المصادر ~~الدالة على التكرار، كالتطواف، والتجوال، وقد يستعمل التلقاء ~~بمعنى قبالتك، فينتصب انتصاب الظروف المكانية. # قوله: { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } لما أمره أن ~~يقول: { ما يكون لي أن أبدله من تلقآء نفسي } ، ~~أمره بأن يقول: { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } فيما ~~آمركم به، وأنهاكم عنه، وهذا يدل على أنه لم يحكم قط بالاجتهاد. # وتمسك نفاة القياس بهذه الآية؛ لأنها تدل على أنه - عليه الصلاة ~~والسلام -، ما حكم إلا بالنص. ثم قال: { إني أخاف إن ~~عصيت ربي عذاب يوم عظيم } قالت المعتزلة: هذا مشروط ~~بعدم التوبة. # قوله تعالى: { قل لو شآء الله ما تلوته عليكم } ~~الآية. # لما اتهموه بأنه أتى بهذا الكتاب من عند نفسه، احتج عليهم بهذه ~~الآية؛ وذلك بأنهم كانوا عالمين بأحواله، وأنه ما طالع كتابا، ولا ~~تتلمذ لأستاذ، ثم بعد أربعين سنة، أتى بهذا الكتاب العظيم المشتمل على ~~نفائس علم الأصول، ودقائق علم الأحكام، ولطائف علم الأخلاق، وأسرار قصص ms4594 ~~الأولين، وعجز عن معارضته العلماء، والفصحاء، والبلغاء، فكل من له ~~عقل سليم يعرف أن مثل هذا، لا يحصل إلا بالوحي، والإلهام من الله ~~- تعالى -، والمعنى: لو شاء الله ما أنزل القرآن علي. # قوله: " ولا أدراكم به " أي ولا أعلمكم الله به، من دريت، ~~أي: علمت. # ويقال: دريت بكذا وأدريتك بكذا، أي: أحطت به بطريق الدراية، ~~وكذلك في " علمت به "؛ فتضمن العلم معنى الإحاطة، فتعدى ~~تعديتها. # وقرأ ابن كثير - بخلاف عن البزي - " ولأدراكم " ، بلام داخلة على ~~" أدراكم " مثبتا، والمعنى: ولأعلمكم به من غير وساطتي: إما ~~بواسطة ملك، أو رسول غيري من البشر، ولكنه خصني بهذه الفضيلة، ~~وقراءة الجمهور " لا " فيها مؤكدة؛ لأن المعطوف على المنفي ~~منفي، وليست " لا " هذه هي التي ينفى بها الفعل؛ لأنه لا يصح نفي ~~الفعل بها إذا وقع جوابا، والمعطوف على الجواب جواب، ولو قلت: " لو ~~كان كذا لا كان كذا " لم يجز، بل تقول " ما كان كذا " ، وقرأ ابن ~~عباس، والحسن، وابن سيرين، وأبو رجاء: " ولا أدرأكم " بهمزة ساكنة ~~بعد الراء، وفي هذه القراءة تخريجان: # أحدهما: أنها مبدلة من ألف، والألف منقلبة عن ياء، لانفتاح ما ~~قبلها وهي لغة لعقيل حكاها قطرب، يقولون في أعطيتك: أعطأتك. # وقال أبو حاتم: " قلب الحسن الياء ألفا، كما في لغة بني الحرث، ~~يقولون: علاك وإلاك، ثم همز على لغة من قال في العالم: العألم ". ~~وقيل: أبدلت الهمزة من نفس الياء، نحو: لبأت بالحج، ورثأت ~~فلانا، أي: لبيت ورثيت. # والثاني: أن الهمزة أصلية، وأن اشتقاقه من الدرء وهو الدفع، ~~كقوله: # ويدرؤا عنها العذاب # [النور:8]، ويقال: أدرأته، أي: جعلته دارئا، والمعنى: ولأجعلنكم ~~بتلاوته خصماء تدرؤونني بالجدال، قال أبو البقاء: " وقيل هو غلط؛ ~~لأن قارئها ظن أنها من الدرء وهو الدفع؛ وقيل: ليس بغلط، ~~والمعنى: لو شاء الله لدفعكم عن الإيمان به ". # وقرأ شهر بن حوشب، والأعمش: " ولاأنذرتكم " من الإنذار، وكذلك هي ~~في مصحف عبد الله. قوله: " فقد لبثت فيكم عمرا " أي: ~~حينا، وهو أربعون سنة، " من قبله " أي: من قبل نزول القرآن، ms4595 ~~فقيل: الضمير في " قبله " يعود على النزول، وقيل: على القرآن، وقيل: ~~على وقت النزول، و " عمرا " مشبه بظرف الزمان، فانتصب ~~انتصابه، أي: مدة متطاولة، وقيل: هو على حذف مضاف، أي: مقدار عمر، ~~وقرأ الأعمش: " عمرا " بسكون الميم، كقولهم " عضد " في " عضد ". # ثم قال: " أفلا تعقلون " أنه ليس من قبلي، قال المفسرون: ~~لبث النبي صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم ومجد وعظم فيهم قبل ~~الوحي أربعين سنة، ثم أوحي إليه، فأقام بمكة بعد الوحي ثلاثة عشرة ~~سنة، ثم هاجر إلى المدينة، فأقام بها عشر سنين، ثم توفي، وهو ابن ثلاث ~~وستين سنة. # وروى أنس - رضي الله عنه -: أنه أقام بمكة بعد الوحي عشر سنين، ~~وبالمدينة عشر سنين، وتوفي وهو ابن ستين سنة، والأول أشهر وأظهر. # قوله تعالى: { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ~~} الآية. # قال القرطبي: " هذا استفهام بمعنى الجحد، أي: لا أحد أظلم ممن افترى ~~على الله الكذب، وبدل وأضاف شيئا إليه مما لم ينزل " ، والمعنى: أن ~~هذا القرآن لو لم يكن من عند الله، لما كان أحد في الدنيا أظلم ~~على نفسه مني، حيث افتريته على الله، ولما أقمت الدليل على ~~أنه ليس الأمر كذلك، بل هو وحي من الله - تعالى -، وجب أن يقال: ~~إنه ليس في الدنيا أحد أجهل، ولا أظلم على نفسه منكم. # والمقصود: نفي الكذب عن نفسه. # وقوله: "...أو كذب بآياته " فالمراد: إلحاق الوعيد الشديد ~~بهم؛ حيث أنكروا دلائل الله - تعالى -، وكذبوا بآيات الله، وبمحمد صلى ~~الله عليه وسلم، وبالقرآن، ثم قال: { إنه لا يفلح ~~المجرمون } أي: لا ينجو المشركون، وهذا تأكيد لما سبق من هذين ~~الكلامين. ### || [10.18-19] # قوله تعالى: { ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم } ~~الآية. # لما طلبوا تبديل القرآن؛ لأنه مشتمل على ذم الأصنام التي ~~اتخذوها آلهة، ذكر في هذا الموضع قبح عبادة الأصنام، ليبين ~~تحقيرها. # قوله: " ما لا يضرهم ": " ما " موصولة، أو نكرة موصوفة، وهي ~~واقعة على الأصنام، ولذلك راعى لفظها، فأفرد في قوله { ما لا ~~يضرهم ولا ينفعهم } ، وراعى معناها ms4596 فجمع في قوله: { ~~هؤلاء شفعاؤنا }. # فصل # المعنى: ما لا يضرهم إن عصوه، وتركوا عبادته، ولا ينفعهم إن ~~عبدوه، يعني: الأصنام { ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند ~~الله } ، فقيل: إنهم اعتقدوا أن المتولي لكل إقليم، روح ~~معين من أرواح الأفلاك، فعينوا لذلك الروح صنما معينا، ~~واشتغلوا بعبادة ذلك الصنم، ومقصودهم عبادة ذلك الروح، ثم اعتقدوا ~~أن ذلك الروح، يكون عبدا للإله الأعظم، ومشتغلا بعبوديته. # وقيل: إنهم كانوا يعبدون الكواكب، فوضعوا لها أصناما معينة ~~واشتغلوا بعبادتها، ومقصودهم عبادة الكواكب، وقيل: إنهم وضعوا ~~طلسمات معينة على تلك الأوثان والأصنام، ثم تقربوا إليها. # وقيل: إنهم وضعوا هذه الأوثان والأصنام، على صور أنبيائهم، وأكابرهم، ~~وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل، فإن أولئك الأكابر ~~تكون شفعاء لهم عند الله. # قوله: " قل أتنبئون " قرأ بعضهم: " أتنبئون " مخففا من " ~~أنبأ " ، يقال: أنبأ ونبأ كأخبر وخبر، وقوله: " بما لا ~~يعلم " " ما " موصولة، أو نكرة موصوفة كالتي تقدمت، وعلى كلا ~~التقديرين: فالعائد محذوف، أي: يعلمه، والفاعل هو ضمير الباري - ~~تعالى -، والمعنى: أتنبئون الله بالمعنى الذي لا يعلمه إلا ~~الله، وإذا لم يعلم الله شيئا، استحال وجود ذلك الشيء؛ لأنه - تعالى ~~- لا يغرب عن علمه شيء، وذلك الشيء هو الشفاعة، ف " ما " عبارة عن ~~الشفاعة. # والمعنى: أن الشفاعة لو كانت لعلمها الباري - تعالى -، ومثل هذا ~~الكلام مشهور في العرف، فإن الإنسان إذا أراد نفي شيء عن نفسه، يقول: ~~ما علم الله هذا مني، ومقصوده: أن ذلك ما حصل أصلا. # وقوله: { في السماوات ولا في الأرض } تأكيد لنفيه؛ لأن ~~كل موجود لا يخرج عنهما. ويجوز أن تكون " ما " عبارة عن الأصنام، ~~وفاعل " يعلم ": ضمير عائد عليها. # والمعنى: أتعلمون الله بالأصنام، التي لا تعلم شيئا في السموات ولا ~~في الأرض، وإذا ثبت أنها لا تعلم، فكيف تشفع؟ والشافع لا بد وأن يعرف ~~المشفوع عنده، والمشفوع له؛ هكذا أعربه أبو حيان، فجعل " ما " عبارة ~~عن الأصنام، لا عن الشفاعة، والأول أظهر، و " ما " في " عما ~~يشركون " يحتمل أن تكون بمعنى: " الذي " أي: عن شركائهم الذين ms4597 ~~يشركونهم به في العبادة، أو مصدرية، أي: عن إشراكهم به غيرهم، وقرأ ~~الأخوان هنا " عما يشركون " ، وفي النحل موضعين: # الأول: # عما يشركون ينزل الملائكة # [النحل:1، 2]. # الثاني: # بالحق تعالى عما يشركون # [النحل:3]. # وفي الروم: # هل من شركآئكم من يفعل من ذلكم من شيء ~~سبحانه وتعالى عما يشركون # [الروم:40] بتاء الخطاب، والباقون بالغيبة في الجميع، وهما واضحتان، ~~وأتى هنا ب " يشركون " مضارعا دون الماضي، تنبيها على استمرار ~~حالهم كما جاءوا يعبدون، وتنبيها أيضا على أنهم على الشرك في ~~المستقبل، كما كانوا عليه في الماضي. # قوله تعالى: { وما كان الناس إلا أمة واحدة } الآية. # لما أقام الدلالة على فساد القول بعبادة الأصنام؛ بين السبب ~~في كيفية حدوث هذه المسألة الباطلة، فقال: { وما كان الناس إلا ~~أمة واحدة } أي: على الدين الحق؛ لأن المقصود من هذه الآية، ~~بيان كون الكفر باطلا؛ لأن قوله: # كان الناس أمة واحدة # [البقرة:213] في الإسلام أو في الكفر، ولا يجوز أن يكونوا أمة واحدة ~~في الكفر، فبقي أنهم كانوا أمة واحدة في الإسلام، لقوله - تعالى -: # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد # [النساء:41]، وشهيد الله لا بد وأن يكون مؤمنا، فثبت أنه لم تخل ~~أمة من الأمم، إلا وفيهم مؤمن. # وقد وردت الأحاديث، بأن الأرض لا تخلو عمن يعبد الله - عز وجل ~~-، وعن أقوام بهم يمطر أهل الأرض، فثبت أنهم ما كانوا أمة واحدة ~~في الكفر، فيكونوا أمة واحدة في الإيمان، ثم اختلفوا أنهم متى كانوا ~~كذلك؟ فقال ابن عباس، ومجاهد - رضي الله عنهما -: كانوا على عهد آدم ~~وولده صلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين عليهما وسلامه ~~دائما، واختلفوا عند قتل أحد ابنيه للآخر. # وقيل إنهم بقوا على الإيمان إلى زمن نوح - عليه الصلاة والسلام -، ثم ~~اختلفوا على عهد نوح، فبعث الله إليهم نوحا. # وقيل: كانوا على الإيمان من زمن نوح بعد الغرق، إلى أن ظهر الكفر ~~فيهم. # وقيل: كانوا على الإسلام من عهد إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - إلى ~~أن غيره عمرو بن لحي. # وهذا القائل قال: إن المراد ms4598 بالناس: العرب خاصة، والغرض منه: أن ~~العرب إذا علموا أن عبادة الأصنام ما كانت أصلا فيهم، وإنما هي ~~حادثة، لم يتأذوا من تزييف الطريقة، ولم تنفر طباعهم من إبطال هذا ~~المذهب الفاسد. # وقال قوم: كانوا أمة واحدة في الكفر، قالوا: وفائدة هذا الكلام: ~~أنه - سبحانه وتعالى - جل ذكره - بين للرسول - صلوات الله وسلامه ~~عليه -، أنه لا تطمع في أن يصير كل من تدعوه إلى الدين مجيبا له، ~~فإن الناس كانوا على الكفر، وإنما حدث الإسلام في بعضهم بعد ذلك، ~~فيكف تطمع في اتفاق الكل على الإيمان؟. # وقيل: المراد بكونهم أمة واحدة: أنهم خلقوا على فطرة الإسلام، ثم ~~اختلفوا في الأديان، وإليه الإشارة بقوله - عليه الصلاة والسلام - # " كل مولود يولد على فطرة الإسلام، فأبواه يهودانه أو ~~ينصرانه أو يمجسانه ". # ثم قال: { ولولا كلمة سبقت من ربك } بأن جعل لكل ~~أمة أجلا، وقال الكلبي: هي إمهال هذه الأمة، وأنه لا يهلكهم ~~بالعذاب في الدنيا، " لقضي بينهم " بنزول العذاب، وتعجيل ~~العقوبة للمكذبين، وكان ذلك فصلا بينهم، " فيما فيه يختلفون ~~". # وقال الحسن - رحمه الله - { لولا كلمة سبقت من ربك } ~~مضت في حكمه، أنه لا يقضي بينهم فيما اختلفوا فيه بالثواب والعقاب ~~دون القيامة، " لقضي بينهم " في الدنيا، فأدخل المؤمن الجنة، ~~والكافر النار، ولكن سبق من الله الأجل، فجعل موعدهم يوم القيامة. ### || [10.20-21] # قوله: " ويقولون " أي: كفار مكة، " لولا أنزل عليه " ~~أي: على محمد " آية من ربه " على ما نقترحه، وذلك أنهم ~~قالوا: القرآن الذي جئنا به كتاب مشتمل على أنواع من الكلمات، والكتاب ~~لا يكون معجزا، كما أن كتاب موسى، وعيسى ما كان معجزا لهما، بل كان ~~لهما أنواع من المعجزات، دلت على نبوتهما سوى الكتاب، وكان في أهل ~~مكة من يدعي إمكان المعارضة، كما أخبر الله - تعالى - عنهم في قوله: # لو نشآء لقلنا مثل هذا # [الأنفال:31]. # فلذلك طلبوا منه شيئا آخر سوى القرآن؛ ليكون معجزا، فأمر الله - ~~تبارك وتعالى رسوله - صلوات الله وسلامه عليه - بأن يجيبهم بقوله: { ~~إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم ms4599 من ~~المنتظرين } [يونس:20]. # وتقرير هذا الجواب: أنه أقام الدلالة القاهرة على أن القرآن معجزة ~~قاهرة؛ لأنه - صلوات الله وسلامه عليه - نشأ بينهم، وعلموا أنه لم ~~يطالع كتابا، ولا تتلمذ لأستاذ، مدة أربعين سنة مخالطا لهم، ولم ~~يشتغل بالفكر والتعلم قط، ثم إنه أظهر هذا القرآن العظيم، وظهور ~~مثل هذا الكتاب على مثل ذلك الإنسان، لا يكون إلا بالوحي، وإذا كان ~~كذلك، فطلب آية أخرى سوى القرآن يكون اقتراحا لا حاجة إليه وعنادا، ~~ومثل هذا يكون مفوضا إلى مشيئة الله - تعالى -، فإن شاء أظهر، وإن ~~شاء لم يظهر، فيكون من باب الغيب، فيجب على كل أحد أن ينتظر، هل ~~يفعله الله أم لا؟ ولكن سواء فعل أم لم يفعل فقد ثبت نبوته، وظهر ~~صدقه، وهذا المقصود لا يختلف بحصول تلك الزيادة وعدمها. # قوله تعالى: { وإذآ أذقنا الناس رحمة } الآية. # وهذا جواب آخر لسؤالهم، وطلبهم المعجزة، وذلك من وجهين: # الأول: أن عادتهم العناد، والمكر، وعدم الإنصاف، فبتقدير أن يعطوا ما ~~سألوه، فإنهم لا يؤمنون، بل يبقون على كفرهم، وعنادهم؛ وبيانه أن الله ~~- تعالى - سلط القحط على أهل مكة سبع سنين، ثم رحمهم، وأنزل ~~المطر على أراضيهم، ثم إنهم أضافوا المنافع إلى الأنواء والكواكب. # الوجه الثاني: أنه لو أنزل عليهم المعجز لم يقبلوه؛ لأنه ليس غرضهم ~~من هذه الاقتراحات التشدد في الدين، وإنما غرضهم الدفع، ~~والمبالغة في صون مناصبهم الدنيوية؛ لأنه - تعالى - لما سلط ~~البلاء عليهم، ثم أزاله عنهم، فهم مع ذلك استمروا على الكفر. # قوله: " وإذآ أذقنا " شرطية؛ جوابها " إذا " الفجائية في ~~قوله: " إذا لهم مكر " ، والعامل في " إذا " الفجائية؛ الاستقرار ~~الذي في " لهم " ، وقد تقدم الخلاف في " إذا " هذه، هل هي ~~حرف أو ظرف زمان على بابها، أو ظرف مكان؟ قال أبو البقاء: " وقيل: " ~~إذا " الثانية زمانية أيضا، والثانية وما بعدها جواب الأولى " ، وهذا ~~الذي حكاه قول ساقط لا يفهم معناه. # فصل # معنى الآية: { وإذآ أذقنا الناس } يعني: الكفار { رحمة ~~من بعد ضرآء مستهم } أي: راحة ورخاء من بعد شدة وبلاء. ms4600 # وقيل: القطر بعد القحط، " مستهم " أي: أصابتهم. # واعلم: أن رحمة الله لا تذاق بالفم، وإنما تذاق بالعقل. # وقوله { إذا لهم مكر في آياتنا } قال مجاهد: تكذيب ~~واستهزاء، وسمي التكذيب مكرا؛ لأن المكر عبارة عن صرف الشيء ~~عن ظاهره بطريق الحيلة، وهؤلاء يحتالون لدفع آيات الله - سبحانه وتعالى ~~- بكل ما يقدرون عليه من إلقاء الشبهة، أو التخليط في المناظرة، ~~أو غير ذلك من الأمور الفاسدة. # وقال مقاتل: لا يقولون هذا من رزق الله، إنما يقولون سقينا بنوء ~~كذا، وهو كقوله: # وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون # [الواقعة:82]. # وقوله: " في آياتنا " متعلق ب " مكر " ، جعل الآيات محلا ~~للمكر مبالغة، ويضعف أن يكون الجار صفة ل " مكر ". # قوله: { قل الله أسرع مكرا } " أسرع " مأخوذ من " سرع ~~" ثلاثيا؛ حكاه الفارسي. # وقيل: بل من " أسرع " وفي بناء أفعل وفعلى التعجب من " أفعل " ~~ثلاثة مذاهب: # الجواز مطلقا. # المنع مطلقا. # التفصيل: بين أن تكون الهمزة للتعدية فيمتنع، أو لا فيجوز. وقال ~~بعضهم: " أسرع " هنا ليست للتفضيل. وهذا ليس بشيء، إذ السياق ~~يرده، وجعله ابن عطية - أعني كون أسرع للتفضيل - نظير قوله: " ~~لهي أسود من " # قال أبو حيان: " وأما تنظيره " " أسود من القار " ب " أسرع " ~~ففاسد؛ لأن " أسود " ليس فعله على وزن " أفعل " ، وإنما هو على ~~وزن " فعل " نحو: سود فهو أسود، ولم يمتنع التعجب، ولا بناء ~~أفعل التفضيل عند البصريين من نحو: سود، وحمر، وأدم، إلا لكونه ~~لونا، وقد أجاز ذلك بعض الكوفيين في الألوان مطلقا، وبعضهم في ~~السواد والبياض فقط ". # قال شهاب الدين: تنظيره به ليس بفاسد؛ لأن مراده بناء أفعل مما ~~زاد على ثلاثة أحرف، وإن لم يكن على وزن " أفعل " ، و " سود " وإن ~~كان على ثلاثة، لكنه في معنى الزائد على ثلاثة، إذ هو في معنى " ~~أسود " ، و " حمر " في معنى أحمر؛ نص على ذلك النحويون، ~~وجعلوه هو العلة المانعة من التعجب في الألوان. # و " مكرا " نصب على التمييز، وهو واجب النصب؛ لأنك لو ~~صغت من " أفعل " فعلا، وأسندته إلى تمييزه فاعلا، لصح أن يقال: ~~" سرع ms4601 مكره " ، وأيضا فإن شرط جواز الخفض، صدق التمييز على ~~موصوف أفعل التفضيل، نحو: " زيد أحسن فقيه " ، ومعنى " أسرع ~~مكرا ": أعجل عقوبة، وأشد أخذا، وأقدر على الجزاء، أي: عذابه ~~أسرع إليكم مما يأتي منكم في دفع الحق. # قوله: { إن رسلنا يكتبون ما تمكرون } قرأ الحسن، ~~وقتادة، ومجاهد، والأعرج، ويعقوب، ونافع - رضي الله عنهم - في رواية: " ~~يمكرون " بياء الغيبة جريا على ما سبق، والباقون بالخطاب: مبالغة ~~في الإعلام بمكرهم، والتفاتا لقوله: " قل الله "؛ إذ التقدير: قل ~~لهم، فناسب الخطاب، وقوله: " إن رسلنا " التفات أيضا، إذ لو جرى ~~على قوله: " قل الله " ، لقيل: إن رسله، والمراد بالرسل: الحفظة. ### || [10.22-23] # قوله تعالى: { هو الذي يسيركم في البر والبحر } ~~الآية. # لما ذكر في الآية الأولى، مجيء الرحمة بعد الضر، أو الرخاء بعد ~~الشدة، ذكر في هذه الآية مثالا لذلك، وبيانا لنقل الإنسان من الضر ~~إلى الرحمة، وذلك أن الإنسان إذا ركب السفينة، ووجد الريح الطيبة ~~الموافقة لمقصوده، حصل له المسرة القوية، والنفع التام، ثم قد ~~تظهر علامات الهلاك؛ بأن تجيئهم الرياح العاصفة، أو تأتيهم الأمواج ~~العظيمة من كل جانب، أو يغلب على ظنونهم أن الهلاك واقع بالانتقال ~~من تلك الأحوال الطيبة، إلى هذه الأحوال الشديدة، فوجب الخوف العظيم، ~~والإنسان في هذه الحالة، لا يطمع إلا في فضل الله - سبحانه وتعالى -، ~~ويقطع طعمه عن جيمع الخلق، ويصير بجميع أجزائه متضرعا إلى الله - ~~تعالى -، ثم إذا نجاه الله - تعالى - من هذه البلية العظيمة، نسي ~~النعمة، ورجع إلى ما ألفه من العقائد الباطلة. # قوله: " ينشركم " قراءة ابن عامر من النشر ضد الطي، والمعنى: ~~يفرقكم ويبثكم، وقرأ الحسن: " ينشركم " من " أنشر " ، أي: ~~أحيا، وهي قراءة ابن مسعود أيضا، وقرأ بعض الشاميين: " ~~ينشركم " بالتشديد؛ للتكثير من النشر الذي هو مطاوع الانتشار، ~~وقرأ الباقون: " يسيركم " من التسيير، والتضعيف فيه للتعدية، ~~تقول: سار الرجل، وسيرته أنا. # وقال الفارسي: " هو تضعيف مبالغة لا تضعيف تعدية؛ لأن العرب ~~تقول: سرت الرجل وسيرته ". # ومنه قول الهذلي: [الطويل] # 2882- فلا تجزعن من سنة أنت سرتها # فأول راض ms4602 سنة من يسيرها # وهذا الذي قاله أبو علي غير ظاهر؛ لأن الأكثر في لسان العرب، أن " ~~سار " قاصر، فجعل المضعف مأخوذا من الكثير أولى. # وقال ابن عطية: " وعلى هذا البيت اعتراض، حتى لا يكون شاهدا في ~~هذا؛ وهو أن يكون الضمير كالظرف كما تقول: سرت الطريق ". # قال أبو حيان: " وأما جعل ابن عطية الضمير كالظرف كما ~~تقول: سرت الطريق. فهذا لا يجوز عند الجمهور؛ لأن " الطريق " ~~عندهم ظرف مختص كالدار، فلا يصل إليها الفعل غير " دخلت " عند ~~سيبويه، و " انطلقت " و " ذهبت " عند الفراء - إلا بوساطة " في ~~" ، إلا في ضرورة، وإن كان كذلك فضميره أحرى أن لا يتعدى إليه الفعل ~~". # وزعم ابن الطراوة أن " الطريق " ظرف غير مختص، فيصل إليه ~~الفعل بنفسه، وأباه النحاة ". # قوله: " حتى إذا " " حتى " متعلقة ب " يسيركم " ، وقد ~~تقدم الكلام على " حتى " هذه الداخلة على " إذا " [النساء:6]، قال ~~الزمخشري: " كيف جعل الكون في الفلك غاية التسيير في البحر، ~~والتسيير في البحر، إنما هو بالكون في الفلك؟ قلت: لم يجعل ~~الكون في الفلك غاية التسيير، ولكن مضمون الجملة الشرطية ~~الواقعة بعد " حتى " بما في حيزها، كأنه قال: يسيركم حتى ~~إذا وقعت هذه الحادثة، فكان كيت وكيت من مجيء الريح العاصف، وتراكم ~~الأمواج، والظن للهلاك، والدعاء بالإنجاء " ، وقرأ أبو الدرداء ~~وأم الدرداء: " في الفلكي " بياء النسب، وتخريجها يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يراد به الماء الغمر الكثير، الذي لا يجري الفلك إلا ~~فيه، كأنه قيل: كنتم في اللج الفلكي، ويكون الضمير في " جرين ~~" عائدا على الفلك؛ لدلالة " الفلكي " عليه لفظا، ولزوما. # والثاني: أن يكون من باب النسبة، كقولهم: " أحمري " ، كقوله: ~~[الرجز] # 2883- أطربا وأنت قنسري # والدهر بالإنسان دواري # وكنسبتهم إلى العلم، في قولهم: " الصلتاني " ، كقوله: [الطويل] # 2884- أنا الصلتاني الذي قد علمتم # ........................ # فزاد ياء النسب في اسمه. # قوله: " وجرين " يجوز أن يكون نسقا على " كنتم " ، وأن يكون ~~حالا على إضمار " قد " ، والضمير عائد على " الفلك " ، والمراد به ~~هنا: الجمع، وقد تقدم أنه تكسير، وأن تغييره تقديري [البقرة:164]، ~~فضمته كضمة " بدن " ، وأنه ms4603 ليس باسم جمع كما زعم الأخفش. # وقوله: " بهم " فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة. # قال الزمخشري: " فإن قلت ما فائدة صرف الكلام، عن الخطاب إلى ~~الغيبة؟ قلت: المبالغة؛ كأنه يذكر لغيرهم حاله ليعجبهم منها، ~~ويستدعي منهم الإنكار والتقبيح " ، وقال ابن عطية: " بهم: ~~خروج من الخطاب إلى الغيبة، وحسن ذلك؛ لأن قوله: " كنتم في ~~الفلك " هو بالمعنى المعقول، حتى إذا حصل بعضكم في السفن ". ~~انتهى، فقدر اسما غائبا، وهو ذلك المضاف المحذوف، فالضمير الغائب ~~يعود عليه، ومثله # أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج # [النور:40]، تقديره: أو كذي ظلمات، وعلى هذا فليس من الالتفات في ~~شيء. # وقال أبو حيان: " والذي يظهر أن حكمة الالتفات هنا: هي أن قوله ~~{ هو الذي يسيركم } خطاب فيه امتنان، وإظهار نعمة ~~للمخاطبين، والمسيرون في البر والبحر مؤمنون وكفار، والخطاب ~~شامل، فحسن خطابهم بذلك، ليستديم الصالح على الشكر، ولعل ~~الطالح يتذكر هذه النعمة. # ولما كان في آخر الآية ما يقتضي أنهم إذا نجوا بغوا في الأرض، عدل ~~عن خطابهم بذلك إلى الغيبة؛ لئلا يخاطب المؤمنين بما لا يليق ~~صدوره منهم، وهو البغي بغير الحق ". # قوله: " بريح " متعلق ب " جرين " ، فيقال: كيف يتعدى فعل ~~واحد، إلى معمولين بحرف جر متحد لفظا ومعنى؟ فالجواب: أن الياء ~~الأولى للتعدية، كهي في " مررت بزيد " ، والثانية للحال، ~~فتتعلق بمحذوف، والتقدير: جرين بهم ملتبسة بريح، فتكون الحال من ~~ضمير الفلك. # قوله: " وفرحوا بها " يجوز أن تكون هذه الجملة نسقا على " ~~جرين " ، وأن تكون حالا، و " قد " معها مضمرة عند بعضهم، أي: ~~وقد فرحوا، وصاحب الحال الضمير في " بهم ". # قوله: " جاءتها " الظاهر أن هذه الجملة الفعلية جواب " إذا ~~" ، وأن الضمير في " جاءتها " ضمير الريح الطيبة، أي: جاءت ~~الريح الطيبة ريح عاصف، أي: خلفتها، وبهذا بدأ الزمخشري، وسبقه ~~إليه الفراء وجوز أن يكون الضمير للفلك، ورجح هذا بأن الفلك هو ~~المحدث عنه. # قوله: " وظنوا " يجوز أن يكون معطوفا على " جاءتها " ، الذي ~~هو جواب " إذا " ، ويجوز أن يكون معطوفا على " كنتم " ، وهو قول ~~الطبري؛ ولذلك قال: ms4604 وظنوا جوابه " دعوا الله ". # قال أبو حيان: " ظاهره العطف على جواب " إذا " ، لا أنه معطوف ~~على كنتم، لكنه محتمل، كما تقول: " إذا زارك فلان أكرمه، وجاءك ~~خالد فأحسن إليه " ، وكأن أداة الشرط مذكورة ". # وقرأ زيد بن علي: " حيط " ثلاثيا. # قوله: " دعوا الله " قال أبو البقاء: " هو جواب ما اشتمل عليه ~~المعنى من معنى الشرط، تقديره: لما ظنوا أنهم أحيط بهم دعوا ~~الله " ، وهذا كلام فارغ، وقال الزمخشري: " هي بدل من " ظنوا "؛ ~~لأن دعاءهم من لوازم ظنهم الهلاك، فهو متلبس به " ، ونقل أبو ~~حيان عن شيخه أبي جعفر: " أنه جواب لسؤال مقدر، كأنه قيل: ~~فماذا كان حالهم إذ ذاك؟ فقيل: دعوا الله " ، وهذا نقله ابن الخطيب عن ~~بعضهم، و " مخلصين " حال، و " له " متعلق به، و " الدين " ~~مفعوله. # قوله: " لئن أنجيتنا ": اللام: موطئة للقسم المحذوف، و " ~~لنكونن ": جوابه، والقسم وجوابه: في محل نصب بقول مقدر، وذلك ~~القول المقدر: في محل نصب على الحال، والتقدير: دعوا قائلين: ~~لئن أنجيتنا من هذه لنكونن، ويجوز أن يجرى " دعوا " مجرى " ~~قالوا " لأن الدعاء والقول بمعنى؛ إذ هو نوع من أنواعه، وهو مذهب ~~كوفي. # قوله: " إذا هم يبغون ": جواب " لما " ، وهي " إذا " ~~الفجائية، وقوله: " بغير الحق ": حال، أي: ملتبسين بغير ~~الحق، قال الزمخشري: " فإن قلت: ما معنى قوله: " بغير الحق " ~~والبغي لا يكون بحق؟ قلت: بلى، وهو استيلاء المسلمين على أرض ~~الكفار، وهدم دورهم، وإحراق زروعهم، وقطع أشجارهم، كما فعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ببني قريظة " ، وكان قد فسر البغي بالفساد، ~~والإمعان فيه، من " بغى الجرح: إذا ترامى للفساد ". # ولذلك قال الزجاج: " إنه الترقي في الفساد " ، وقال الأصمعي أيضا: " ~~بغى الجرح: ترقى إلى الفساد، وبغت المرأة: فجرت ". # قال أبو حيان: " ولا يصح أن يقال في المسلمين، إنهم باغون على ~~الكفرة، إلا إن ذكر أن أصل البغي، هو الطلب مطلقا، ولا يتضمن ~~الفساد، فيحينئذ ينقسم إلى: طلب بحق، وطلب بغير حق ". # قال الواحدي: " وأصل البغي: الطلب " ، وقد تقدم أن هذه الآي، ترد ~~على الفارسي، أن ms4605 " لما " ظرف بمعنى " حين "؛ لأن ما بعد " إذا " ~~الفجائية، لا يعمل فيما قبلها، وإذا قد فرض كون " لما " ظرفا لزم ~~أن يكون لها عامل. # فصل # دلت هذه الآية: على أن فعل العبد خلق لله - تعالى -؛ لأنه قال: " ~~يسيركم " ، وقال: # قل سيروا # [الأنعام:11] وهذا يدل على أن سيرهم منهم، ومن الله، فيكون كسبا لهم ~~وخلقا لله. ونظيره قوله - تعالى -: # كمآ أخرجك ربك من بيتك بالحق # [الأنفال:5] وقال في آية أخرى: # إذ أخرجه الذين كفروا # [التوبة:40]، وقوله # وأنه هو أضحك وأبكى # [النجم:43]، مع قوله: # فليضحكوا قليلا # [التوبة:82]، قال القفال: " هو الذي يسيركم في البر والبحر؛ أي: هو ~~الهادي لكم إلى السير في البحر والبر، طلبا للمعاش، وهو المسير لكم؛ ~~لأنه هيأ لكم أسباب ذلك السير " ، والجواب: لا شك أن المسير ~~في البحر هو الله - تعالى جل ذكره -؛ لأنه هو المحدث لتلك الحركات في ~~أجزاء السفينة، وإضافة الفعل إلى الفاعل هو الحقيقة، فيجب أن يكون ~~مسيرا لهم في البر والبحر، إذ لو كان مسيرا لهم في البر بمعنى ~~إعطاء الآلات والأدوات، لكان مجازا، فيلزم كون اللفظ الواحد حقيقة ~~ومجازا دفعة واحدة، وذلك باطل، على ما تقرر في أصول الفقه، قال أبو ~~هاشم: " لايبعد أن يقال: إن الله تعالى تكلم به مرتين " ، وهذا ~~باطل؛ لأن هذا القول لم يقل به أحد من الأئمة، ممن كانوا قبله، ~~فكان خلافا للإجماع، فيكون باطلا. # فصل # معنى الآية: { هو الذي يسيركم في البر } على ظهور ~~الدواب، وفي البحر على الفلك، { حتى إذا كنتم في الفلك ~~} أي: في السفن. والفلك: تكون واحدا، وجمعا، " وجرين بهم " أي: ~~جرت الفلك بالناس، رجع من الخطاب إلى الغيبة. # والفائدة فيه من وجوه: # أحدها: ما تقدم عن الزمخشري، وهو المبالغة بذكر حالهم لغيرهم؛ ليعجبوا ~~منها، ويستدعي منهم مزيد الإنكار والتقبيح. # وثانيها: قال الجبائي: " إن مخاطبته - سبحانه جل ذكره - لعباده، ~~على لسان الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - بمنزلة الخبر عن الغائب، وكل ~~من أقام الغائب مقام المخاطب، حسن منه أن يرده مرة أخرى إلى الغائب ms4606 ". # وثالثها: قال ابن الخطيب: " إن الانتقال من لفظ الغيبة، إلى لفظ ~~الحضور، يدل على مزيد التقريب، والإكرام، وأما الانتقال من لفظ ~~الحضور، إلى لفظ الغيبة، فإنه يدل على المقت، والتعذيب، وهو اللائق ~~بحال هؤلاء، لأن من كان صفته، أنه يقابل إحسان الله إليه بالكفر، أن ~~يكون اللائق به ذلك ". والأول كما في الفاتحة، فإن قوله: # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ~~الرحمن الرحيم # [الفاتحة:1-3] خطاب غيبة، ثم قال: # إياك نعبد وإياك نستعين # [الفاتحة:5]: وهذا يدل على أن العبد، كأنه انتقل من مقام الغيبة إلى ~~مقام الحضور، وهو يوجب علو الدرجة، وكمال القرب. # ثم قال: " بريح طيبة ": لينة، " وفرحوا بها " أي: بالريح، " ~~جاءتها " أي: جاءت الفلك، أو جاءت الريح اللينة كما تقدم، " ريح ~~عاصف " شديدة، ولم يقل عاصفة؛ لاختصاص الريح بالعصوف، وقيل: " ~~الريح " يذكر ويؤنث. # قال الفراء، والزجاج: يقال: ريح عاصف، وعاصفة، وقد عصفت عصوفا ~~وأعصفت فهي معصف ومعصفة، وعصفت الريح: اشتدت وأصل العصف: ~~السرعة، يقال: ناقة عاصف، وعصوف؛ سريعة، وإنما قيل: " ريح عاصف " ~~لأنه يراد ذات عصوف، كما قيل: لابن وتامر؛ أو لأنه لفظ يذكر ~~ويؤنث. # فإن قيل: الضمير في " جاءتها " يعود على الفلك، وهو ضمير الواحد، ~~والضمير في قوله: " وجرين بهم " عائد على الفلك، وهو ضمير الجمع، ~~فما السبب فيه؟. # فالجواب من وجهين: # الأول: لا نسلم أن الضمير في " جاءتها " ، عائد إلى الفلك، بل ~~يعود على الريح الطيبة. # الثاني: لو سلمنا ذلك، إلا أن لفظ الفلك يصلح للواحد والجمع. ثم ~~قال: " وجاءهم " أي: ركاب السفينة " الموج من كل مكان " وهو ~~حركة الماء واختلاطه، وقيل: الموج ما ارتفع من الماء فوق البحر، " ~~وظنوا ": أيقنوا " أنهم أحيط بهم " أي: ظنوا القرب من ~~الهلاك، وأصله: أن العدو إذا أحاط بقوم أو بلد، فقد دنوا من الهلاك، ~~{ دعوا الله مخلصين له الدين } أي: أخلصوا لله في ~~الدعاء، ولم يدعوا أحدا سواه، قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: ~~يريد: ترك الشرك، ولم يشركوا به من آلهتهم شيئا، وقال الحسن - رحمه ~~الله: " دعوا ms4607 الله مخلصين؛ جاريا مجرى الإيمان الاضطراري " ، ~~وقال ابن زيد: " هؤلاء المشركون يدعون مع الله ما يدعون، فإذا جاء ~~الضر والبلاء لم يدعوا إلا الله " وعن أبي عبيدة: أن المراد من ~~ذلك الدعاء قولهم: أهيا شر هيا، أي: يا حي يا قيوم، وقالوا: ~~لئن أنجيتنا يا رب من هذه الريح العاصف، أو من هذه الأمواج، أو من ~~هذه الشدائد، وهذه الألفاظ، وإن لم يسبق ذكرها؛ إلا أنه سبق ما يدل ~~عليها، { لنكونن من الشاكرين } لك بالإيمان والطاعة. # واعلم: أنه يمكن أن يقدر في الآية إضمار، تقديره: دعوا الله مخلصين ~~له الدين، مريدين أن يقولوا: لئن أنجيتنا، ويمكن أن يقال: لا ~~حاجة إلى الإضمار؛ لأن قوله: " دعوا الله " يصير مفسرا بقوله: ~~{ أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين } فهم في ~~الحقيقة، ما قالوا إلا هذا القول. # ولما حكى عنهم التضرع الكامل، ذكر أنهم بعد الخلاص من تلك ~~البلية، أقدموا في الحال على البغي في الأرض بغير الحق، قال ابن ~~عباس - رضي الله عنهما -: يريد: بالفساد والتكذيب والجرأة على ~~الله - عز وجل -. # قوله: { يأيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم } ~~أي: وباله راجع إليها، وقيل: المراد: بغي بعضكم على بعض، كقوله: # اقتلوا أنفسكم # [النساء:66]، # ولا تقتلوا أنفسكم # [النساء:29]، # ولا تلمزوا أنفسكم # [الحجرات:11] والمعنى: أن بغي بعضهم على بعض، منفعة الحياة الدنيا، ~~ولا بقاء لها، والبغي من منكرات المعاصي، قال: صلوات الله وسلامه عليه -: # " أسرع الخير ثوابا صلة الرحم، وأعجل الشر عقابا البغي، ~~واليمين الفاجرة " # ، وروي: # " ثنتان يعجلهما الله - تعالى - في الدنيا: البغي، وعقوق الوالدين " # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما -: # " لو بغى جبل على جبل، لاندك الباغي ". # وقال محمد بن كعب - رضي الله عنه - ثلاث من كن فيه كن عليه: ~~البغي، والنكث، والمكر، قال - تعالى -: { إنما بغيكم ~~على أنفسكم } ، # وما يمكرون إلا بأنفسهم # [الأنعام:123]، # فمن نكث فإنما ينكث على نفسه # [الفتح:10]. # قوله: { متاع الحياة الدنيا } قرأ حفص: " متاع " بالنصب، ~~ونصبه على خمسة أوجه: # أحدها: أنه منصوب على الظرف الزماني، نحو: " مقدم الحجاج " ، ~~أي: زمن متاع ms4608 الحياة. # والثاني: أنه منصوب على المصدر الواقع موقع الحال، أي: ~~متمتعين، والعامل في هذا الظرف، وهذه الحال: الاستقرار الذي في ~~الخبر، وهو " عليكم " ، ولا يجوز أن يكونا منصوبين بالمصدر؛ لأنه ~~يلزم منه الفصل بين المصدر، ومعموله بالخبر، وقد تقدم أنه لا يخبر ~~عن الموصول إلا بعد تمام صلته. # والثالث: نصبه على المصدر المؤكد بفعل مقدر، أي: يتمتعون متاع ~~الحياة الدنيا. # الرابع: أنه منصوب على المفعول به، بفعل مقدر يدل عليه المصدر، أي: ~~يبغون متاع الحياة الدنيا، ولا جائز أن ينتصب بالمصدر؛ لما ~~تقدم. # الخامس: أن ينتصب على المفعول من أجله، أي: لأجل متاع، والعامل فيه: ~~إما الاستقرار المقدر في " عليكم " ، وإما فعل مقدر، ~~ويجوز أن يكون الناصب له، حال جعله ظرفا، أو حالا، أو مفعولا من ~~أجله: نفس البغي، لا على جعل " على أنفسكم " خبرا، بل على جعله ~~متعلقا بنفس البغي، والخبر محذوف؛ لطول الكلام، والتقدير: إنما ~~بغيكم على أنفسكم، متاع الحياة مذموم، أو مكروه، أو منهي عنه. # وقرأ باقي السبعة " متاع " بالرفع - وفيه أوجه: # أظهرها: أنه خبر " بغيكم " ، و " على أنفسكم ": متعلق ~~بالبغي. # ويجوز أن يكون " عليكم " خبرا، و " متاع " خبرا ثانيا. # ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هو متاع كقوله: # لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ # [الأحقاف:35]. أي: هذا بلاغ. # وقرأ ابن أبي إسحاق، " متاعا الحياة " بنصب " متاعا " و " ~~الحياة " ، ف " متاعا ": على ما تقدم، وأما " الحياة ": ~~فيجوز أن تكون مفعولا بها، والناصب لها المصدر، ولا يجوز ~~والحالة هذه، أن يكون " متاعا " مصدرا مؤكدا؛ لأن المؤكد لا ~~يعمل. ويجوز أن تنتصب " الحياة " على البدل من " متاعا " لأنها ~~مشتملة عليه، وقرىء أيضا: " متاع الحياة " ، بجر " متاع " ، ~~وخرجت على النعت لأنفسكم، ولا بد من حذف مضاف حينئذ، تقديره: ~~على أنفسكم ذوات متاع الحياة، كذا خرجه بعضهم، ويجوز أن يكون مما ~~حذف منه حرف الجر، وبقي عمله، أي: إنما بغيكم على أنفسكم؛ لأجل ~~متاع، ويدل على ذلك؛ قراءة النصب في وجه من يجعله مفعولا من أجله، ~~وحذف حرف الجر، ms4609 وإبقاء عمله قليل، وهذه القراءة لا تتباعد عنه. # وقال أبو البقاء: " ويجوز أن يكون المصدر، بمعنى اسم الفاعل، أي: ~~متمتعات " ، يعني: أنه يجعل المصدر نعتا ل " أنفسكم " ، من ~~غير حذف مضاف، بل على المبالغة، أو على جعل المصدر بمعنى: اسم الفاعل، ~~ثم قال: " ويضعف أن يكون بدلا إذا أمكن أن يجعل صفة ". # قال شهاب الدين: " وإذا جعل بدلا على ضعفه، فمن أي قبيل البدل ~~يجعل؟ والظاهر: أنه من بدل الاشتمال، ولا بد من ضمير محذوف ~~حينئذ، أي: متاع الحياة الدنيا لها ". ثم قال: " ثم إلينا ~~مرجعكم " أي: ما وعدنا من المجازاة على أعمالكم { فننبئكم ~~بما كنتم تعملون } والإنباء: الإخبار، وهو هنا وعيد ~~بالعذاب، كقول الرجل لغيره: سأخبرك بما فعلت. ### || [10.24-25] # قوله - تعالى - { إنما مثل الحياة الدنيا } الآية. # لما قال - تعالى -: # إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا # [يونس:23] ضرب هذا المثل لمن اغتر بالحياة الدنيا، واشتد تمسكه ~~بها، وأعرض عن التأهب للآخرة، فقال: { إنما مثل الحياة ~~الدنيا } وهذه الجملة سيقت؛ لتشبيه الدنيا بنبات الأرض، وقد ~~شرح الله وجه الشبه بما ذكر. # قال الزمخشري: " هذا من التشبيه المركب، شبهت حال الدنيا، في ~~سرعة تقضيها، وانقراض نعيمها بعد الإقبال، بحال نبات الأرض في ~~جفافه، وذهابه حطاما بعدما التف، وتكاثف، وزين الأرض بخضرته، ~~ورونقه " ، التشبيه المركب في اصطلاح البيانيين: إما أن يكون ~~طرفاه مركبين، أي: تشبيه مركب بمركب؛ كقول بشار بن برد: ~~[الطويل] # 2885- كأن مثار النقع فوق رءوسنا # وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه # وذلك أنه يشبه الهيئة الحاصلة، من هوي أجرام مشرقة، مستطيلة ~~متناسبة المقدار، متفرقة في جوانب شيء مظلم، بليل سقطت كواكبه، ~~وإما أن يكون طرفاه مختلفين بالإفراد والتركيب، وتقسيماته في ~~غير هذا الموضوع. # قوله: " كمآء ": هو خبر المبتدأ، و " أنزلناه ": صفة ل " ~~ماء " ، و " من السماء ": متعلق ب " أنزلناه " ، ويضعف ~~جعله حالا من الضمير المنصوب، وقوله: " فاختلط به " في هذه ~~الباء وجهان: # أحدهما: أنها سببية، قال الزمخشري: " فاشتبك بسببه، حتى خالط بعضه ~~بعضا ". # قال ابن عطية: " وصلت فرقة " النبات " ، بقوله: " فاختلط ~~" ، أي: ms4610 اختلط النبات بعضه ببعض بسبب الماء ". # والثاني: أنها للمصاحبة، بمعنى: أن الماء يجري مجرى الغذاء له، فهو ~~مصاحبه، وزعم بعضهم: أن الوقف على قوله: " فاختلط " ، على أن ~~الفاعل ضمير عائد على الماء، وتبتدىء " به نبات الأرض " ~~على الابتداء والخبر، والضمير في " به " على هذا، يجوز عوده على ~~الماء، وأن يعود على الاختلاط الذي تضمنه الفعل، قاله ابن عطية، ~~وقال أبو حيان: " الوقف على قوله: " فاختلط " لا يجوز، وخاصة ~~في القرآن؛ لأنه تفكيك للكلام المتصل الصحيح، والمعنى الفصيح، ~~وذهاب إلى اللغز، والتعقيد ". # قوله " مما يأكل " فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق ب " اختلط " ، وبه قال الحوفي. # والثاني: أنه حال من " النبات " ، قاله أبو البقاء، وهو الظاهر، ~~والعامل فيه محذوف على القاعدة المستقرة، أي: كائنا أو مستقرا ~~مما يأكل. # ولو قيل: إن " من " لبيان الجنس، لجاز، وقوله: " حتى " غاية فلا ~~بد لها من شيء مغيا، والفعل الذي قبلها - وهو " اختلط " - ~~لا يصح أن يكون مغيا، لقصر زمنه، فقيل: ثم فعل محذوف، أي: لم ~~يزل النبات ينمو حتى كان كيت وكيت وقيل: يجوز " فاختلط " ~~بمعنى: فدام اختلاطه، حتى كان كيت وكيت، و " إذا " بعد " حتى " ~~هذه تقدم التنبيه عليها، قوله: " وازينت " بوصل الهمزة، ~~وتشديد الزاي والياء، والأصل " وتزينت " فلما أريد إدغام ~~التاء في الزاي بعدها، قلبت زايا، وسكنت فاجتلبت همزة ~~الوصل؛ لتعذر الابتداء بالساكن، فصار " ازينت " ، وتقدم ~~تحرير هذا عند قوله - تعالى -: # فادارأتم فيها # [البقرة:72]. # وقرأ أبي بن كعب وعبد الله وزيد بن علي، والأعمش: " وتزينت " على ~~تفعلت، وهو الأصل المشار إليه، وقرأ سعد بن أبي وقاص، ~~والسلمي، وابن يعمر، والحسن، والشعبي، وأبو العالية، ونصر بن ~~عاصم، وابن هرمز، وعيسى الثقفي: " وأزينت " على وزن أفعلت، ~~وأفعل هنا بمعنى: صار ذا كذا، كأحصد الزرع وأغد البعير، ~~والمعنى: صارت ذا زينة، أي: حضرت زينتها وحانت، وكان من حق الياء ~~على هذه القراءة، أن تقلب ألفا، فيقال: أزانت، كأنابت فتعل ~~بنقل حركتها إلى الساكن قبلها، فتتحرك حينئذ، وينفتح ما قبلها، ~~فتقلب ألفا كما تقدم في نحو: أقام ms4611 وأناب، إلا أنها صحت ~~شذوذا؛ كقوله: " أغيمت السماء، وأغيلت المرأة " ، وقد ورد ذلك في ~~القرآن، نحو: # استحوذ # [المجادلة:19] وقياسه: استحاذ؛ كاستقام. # وقرأ أبو عثمان النهدي - وعزاه ابن عطية لفرقة غير معينة -: " ~~وازيأنت " بهمزة وصل، بعدها زاي ساكنة، بعدها ياء مفتوحة خفيفة، ~~بعدها همزة مفتوحة، بعدها نون مشددة، قالوا: وأصلها: " وازيانت ~~" بوزن " احمارت " بألف صريحة، ولكنهم كرهوا الجمع بين ~~الساكنين، فقلبت الألف همزة، كقراءة { الضألين } [الفاتحة:7]، ~~و { الجأن } [الرحمن:39]، وعليه قولهم: " احمأرت " بالهمز، وأنشد: ~~[الطويل] # 2886-........................ # إذا ما احمأرت بالعبيط العوامل # وقد تقدم هذا مشبعا في آخر الفاتحة. # وقرأ أشياخ عوف بن أبي جميلة: " وازيأنت " بالأصل المشار إليه، ~~وعزاها ابن عطية لأبي عثمان النهدي، وقرىء: " وازاينت " ، ~~والأصل: تزاينت، فأدغم. # وقوله: " أهلها " أي: أهل نباتها. و " أتاها ": هو جواب " إذا " ~~، فهو العامل فيها. # وقيل: الضمير عائد على الزينة. # وقيل: على الغلة، أي: القوت فلا حذف حينئذ، و " ليلا ~~ونهارا " ظرفان؛ للإتيان، أو للأمر، والجعل هنا تصيير، وحصيد: ~~فعيل بمعنى: مفعول، ولذلك لم يؤنث بالتاء، وإن كان عبارة عن مؤنث، ~~كقوله: أمرأة جريح. قوله: " كأن لم تغن " هذه الجملة يجوز ~~أن تكون حالا من مفعول " جعلناها " الأول، وأن تكون مستأنفة ~~جوابا لسؤال مقدر، وقرأ هارون بن الحكم " تتغن " ، بتاءين بزنة ~~تتفعل؛ كقول الأعشى: [المتقارب] # 2887-........................ # طويل الثواء طويل التغن # وهو بمعنى: الإقامة، وقد تقدم في الأعراف، وقرأ الحسن، وقتادة: " كأن ~~لم يغن " بياء الغيبة، وفي هذا الضمير ثلاثة أوجه: # أجودها: أن يعود على الحصيد؛ لأنه أقرب مذكور. # وقيل: يعود على الزخرف، أي: كأن لم يقم الزخرف. # وقيل: يعود على النبات أو الزرع الذي قدرته مضافا، أي: كأن لم ~~يغن زرعها ونباتها. # و " بالأمس ": المراد به: الزمن الماضي، لا اليوم الذي قبل يومك؛ ~~كقول زهير: [الطويل] # 2888- وأعلم علم اليوم والأمس قبله # ولكنني عن علم ما في غد عم # لم يقصد بها حقائقها، والفرق بين الأمسين: أن الذي يراد به ~~قبل يومك مبني؛ لتضمنه معنى الألف واللام، وهذا معرب تدخل عليه ~~" أل " ويضاف، وقوله: " كذلك نفصل " نعت ms4612 مصدر محذوف، أي: مثل ~~هذا التفصيل الذي فصلناه في الماضي، نفصل في المستقبل. # فصل # معنى الآية: { إنما مثل الحياة الدنيا } في فنائها، ~~وزوالها { كمآء أنزلناه من السمآء فاختلط به } أي: ~~بالمطر { نبات الأرض } قال ابن عباس: نبت بالماء من كل لون { ~~مما يأكل الناس }: من الحبوب والثمار، " والأنعام " ~~من الحشيش { حتى إذآ أخذت الأرض زخرفها }: حسنها، ~~وبهجتها، وظهر الزهر أخضر، وأحمر، وأصفر، وأبيض، " وازينت " ~~شبهها بالعروس، إذا لبست الثياب الفاخرة من كل لون { وظن أهلهآ ~~أنهم قادرون عليهآ } على جذاذها وقطافها وحصادها، رد ~~الكناية إلى الأرض، والمراد: النبات إذ كان مفهوما، وقيل: إلى الغلة، ~~وقيل: إلى الزينة " أتاهآ أمرنا ": قضاؤنا بالهلاك { ليلا ~~أو نهارا فجعلناها حصيدا } أي: محصودة مقطوعة، وقال أبو ~~عبيدة: " الحصيد: المستأصل " ، { كأن لم تغن بالأمس } من غني ~~بالمكان: إذا أقام به. # قال الليث " يقال للشيء إذا فني: كأن لم يغن بالأمس، أي: كأن لم ~~يكن ". # فصل # اعلم: أن تشبيه الحياة الدنيا بالنبات يحتمل وجوها، لخصها القاضي. # أحدها: أن عاقبة هذه الحياة التي ينفقها المرء في هذه الدنيا، ~~كعاقبة هذا النبات، الذي حين عظم الرجاء في الانتفاع به، وقع اليأس ~~منه؛ لأن المتمسك بالدنيا، إذا عظمت رغبته فيها، يأتيه الموت، وهو ~~معنى قوله: # حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم بغتة # [الأنعام:44]. # وثانيها: أنه - تعالى - بين أنه كما لم يحصل لذلك الزرع عاقبة ~~تحمد، فكذلك المغتر بالدنيا المحب لها، لا يحصل له عاقبة ~~تحمد. # وثالثها: أن هذا التشبيه، كقوله - تعالى -: # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # [الفرقان:23] أي: لما صار سعي هذا الزرع باطلا، بسبب حدوث المهلك، ~~فكذلك سعي المغتر بالدنيا. # ورابعها: أن مالك هذا البستان لما أتعب نفسه في عمارته، وكذلك ~~الروح، وعلق قلبه بالانتفاع به، فإذا حدث السبب المهلك، صار ~~العناء الشديد، الذي تحمله في الماضي، سببا لحصول الشقاء الشديد له ~~في المستقبل، وهو ما يحصل في قلبه من الحشرات. # فكذلك حال من أحب الدنيا، وأتعب نفسه في تحصيلها، فإذا مات، وفاته ~~كل ما ms4613 نال، صار العناء الذي تحمله في تحصيل الدنيا، سببا لحصول ~~الشقاء العظيم له في الآخرة. # وخامسها: لعله - تعالى - إنما ضرب هذا المثل لمن لا يؤمن بالمعاد؛ ~~لأنا نرى الزرع الذي انتهى إلى الغاية في الحسن، ثم إن ذلك ~~الحسن يزول بالكلية، ثم تصير تلك الأرض موصوفة بتلك الزينة مرة ~~أخرى، فذكر - تعالى - هذا المثال؛ ليدل على أن من قدر على ذلك، ~~كان قادرا على إعادة الأحياء في الآخرة؛ ليجازيهم على أعمالهم. # قوله تعالى: { والله يدعو إلى دار السلام } الآية. # لما نفر العقلاء عن الميل إلى الدنيا، رغبهم في الآخرة بهذه ~~الآية، قال قتادة: " السلام هو الله، وداره الجنة ". # وسمي الله - تعالى - بالسلام لوجوه: # أحدها: أنه لما كان واجب الوجود لذاته، فقد سلم من الفناء ~~والتغيير، وسلم في ذاته وصفاته من الافتقار إلى الغير، وهذه الصفة ~~ليست إلا له - سبحانه. # وثانيها: وصف بالسلام، أي: أن الخلق سلموا من ظلمه؛ ولأن ~~كل ما سواه فهو ملكه وملكه، وتصرف المالك في ملك نفسه لا يكون ~~ظلما. # وثالثها: قال المبرد: " وصف بالسلام، أي: لا يقدر على السلام إلا ~~هو، والسلام: عبارة عن تخليص العاجزين عن الآفات، وهو المنتصف ~~للمظلومين من الظالمين " وعلى هذا التقدير: السلام مصدر " سلم ". # وقيل: سميت الجنة دار السلام؛ لأن من دخلها سلم من الآفات، ~~وقيل: المراد بالسلام: التحية؛ لأنه - تعالى - يسلم على ~~أهلها، قال - تعالى -: # سلام قولا من رب رحيم # [يس:58]، والملائكة يسلمون عليهم أيضا، قال - تعالى -: # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام ~~عليكم بما صبرتم # [الرعد:23، 24]، وهم يحيون بعضهم بعضا بالسلام، قال - تعالى -: # وتحيتهم فيها سلام # [يونس:10]. # وروى جابر، قال: " جاءت ملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~نائم، فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلا، مثله كمثل رجل بنى دارا، وجعل ~~فيها مأدبة، وبعث داعيا فمن أجاب الداعي، دخل الدار، وأكل من ~~المأدبة، ومن لم يجب الداعي، لم يدخل الدار، ولم يأكل من ~~المأدبة، فالدار الجنة، والداعي محمد، فمن أطاع محمدا، فقد ~~أطاع الله، ومن عصى محمدا، فقد ms4614 عصى الله ". # فصل # قال ابن عباس: " الجنان سبع: دار الجلال، ودار السلام، وجنة ~~عدن، وجنة المأوى، وجنة الخلد، وجنة الفردوس، وجنة النعيم ~~". # ثم قال تعالى: { ويهدي من يشآء إلى صراط مستقيم }: ~~وهو الإسلام. # وروي عن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - قال: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: الصراط المستقيم: كتاب الله. # وقال قتادة، ومجاهد: هو الحق. # وقيل: رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمر. # واحتج أهل السنة: على أن الكفر والإيمان بقضاء الله - تعالى -؛ ~~لأنه - تعالى - بين في هذه الآية، أنه دعا جميع الخلق إلى ~~دارالسلام، ثم بين أنه ما هدى إلا بعضهم، فهذه الهداية ~~الخاصة، يجب أن تكون مغايرة لتلك الدعوة العامة، ولا شك أن ~~الإقدار، والتمكين، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب أمور عامة، فوجب ~~أن تكون الهداية الخاصة مغايرة لكل هذه الأشياء، وما ذاك إلا أنه ~~- تعالى - خصه بالعلم والمعرفة، دون غيره. # وأجاب القاضي بوجهين: # الأول: أن المراد: ويهدي الله من يشاء، إلى إجابة تلك الدعوة، أي: ~~أن من أجاب الدعاء، وأطاع واتقى، فإن الله يهديه إليها. # والثاني: أن المراد بهذه الهداية الألطاف، وأجيب عن هذين الوجهين، ~~بأن عندكم يجب على الله فعل هذه الهداية، وما يكون واجبا، لا يكون ~~معلقا بالمشيئة، فامتنع حمله على ما ذكرتم. ### || [10.26-27] # قوله تعالى: { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } ~~الآية. # لما دعا عباده إلى دار السلام، ذكر السعادات الحاصلة لهم فيها، ~~فقال: { للذين أحسنوا الحسنى } أي: أحسنوا العمل في ~~الدنيا، فأتوا المأمورات، واجتنبوا المنهيات. # وقال ابن عباس: للذين ذكروا كلمة لا إله إلا الله، فأما ~~الحسنى: فهي الجنة وأما الزيادة: فقال أبو بكر الصديق، ~~وحذيفة، وأبو موسى، وعبادة بن الصامت: هي النظر إلى وجه الله الكريم، ~~وبه قال الحسن، وعكرمة، وعطاء، ومقاتل، والضحاك، والسدي. # روى ابن أبي ليلى، عن صهيب قال: # " قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: { للذين ~~أحسنوا الحسنى وزيادة } قال: إذا دخل أهل الجنة ~~الجنة، وأهل النار النار، نادى مناد: يا أهل الجنة: ms4615 إن لكم ~~عند الله موعدا، قالوا: ما هذا الموعد، ألم يثقل موازيننا، ويبيض ~~وجوهنا، ويدخلنا الجنة، وينجنا من النار؟ قال: فيرفع ~~الحجاب فينظرون إلى وجه الله - عز وجل -، قال: " فما أعطوا ~~شيئا أحب إليهم من النظر إليه " # ويؤيد هذا قوله تعالى: # وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة # [القيامة:22، 23]. # وقالت المعتزلة: لا يجوز حمل الزيادة على الرؤية، لوجوه: # أحدها: أن الدلائل العقلية دلت على أن رؤية الله - تعالى - ~~ممتنعة. # وثانيها: أن الزيادة يجب أن تكون من جنس المزيد عليه، ورؤية الله - ~~تعالى - ليست من جنس نعيم الجنة. # وثالثها: أن الحديث المروي يوجب التشبيه؛ لأن النظر: عبارة عن ~~تقليب الحدقة، إلى جهة المرئي، وذلك يقتضي كون المرئي في الجهة؛ ~~لأن الوجه اسم للعضو المخصوص، وذلك يوجب التشبيه، فثبت أن هذا ~~اللفظ، لا يمكن حمله على الرؤية، فوجب حمله على شيء آخر. قال ~~الجبائي: الحسنى: هي الثواب المستحق، والزيادة: ما يزيده الله على ~~ذلك الثواب من التفضل، كقوله - تعالى -: # ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله # [فاطر:30]، ونقل عن علي - رضي الله عنه -، أنه قال: " الزيادة: غرفة ~~من لؤلؤة واحدة ". # وعن ابن عباس: " الحسنى: هي الحسنة، والزيادة عشر أمثالها " ، ~~وعن الحسن: " عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف " ، وعن مجاهد: " الزيادة: ~~مغفرة من الله ورضوان ". # وعن يزيد بن سمرة: " الزيادة: أن تمر السحابة بأهل الجنة، ~~فتقول: ما تريدون أن أمطركم، فلا يريدون شيئا إلا أمطرتهم ". # وأجاب أهل السنة عن هذه الوجوه، فقالوا: أما قولهم: إن الدلائل ~~العقلية دلت على امتناع رؤية الله - تعالى -، فهذا ممنوع؛ لأنا ~~بينا في كتب الأصول: أن تلك الدلائل في غاية الفتور، وثبت بالأخبار ~~الصحيحة إثبات الرؤية، كقوله - عليه الصلاة والسلام -: # " هل تمارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟ " # حين سألوه عن رؤية الله - تعالى -، وقوله - عليه الصلاة والسلام -: # " هل تمارون في رؤية القمر ليلة البدر؟ " # فوجب إجراؤها على ظواهرها. # وقولهم: " الزيادة يجب أن تكون من جنس المزيد عليه " ، فنقول: ~~المزيد عليه إذا كان مقدرا بمقدار معين، كانت الزيادة من جنسها، ~~وإذا كان ms4616 مقدرا بمقدار غير معين، وجب أن تكون الزيادة مخالفة له، ~~مثال الأول: قول الرجل لغيره: أعطيتك عشرة أمداد من الحنطة وزيادة، ~~فتكون تلك الزيادة من الحنطة، ومثال الثاني: قوله أعطيتك الحنطة وزيادة، ~~فيجب أن تكون الزيادة غير الحنطة. # فلفظ: " الحسنى ": وهي الجنة، مطلقة، وهي غير مقدرة بقدر معين، ~~فتكون الزيادة شيئا مغايرا لما في الجنة. # وقولهم: " الحديث يدل على إثبات الوجه، وذلك يوجب التشبيه " ، ~~فنقول: قام الدليل على أنه - تعالى - ليس بجسم، ولم يقم الدليل ~~على امتناع الرؤية، فوجب ترك العمل بما قام الدليل على فساده. # فصل # قال أبو العباس المقري: وردت الحسنى على أربعة معان: # الأول: بمعنى الجنة، قال - تعالى -: { للذين أحسنوا ~~الحسنى وزيادة } [يونس:26]. # الثاني: الحسنى: الصلاح، قال - تعالى -: # وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى # [التوبة:107] أي: الصلاح. # الثالث: البنون، قال - تعالى -: # وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى # [النحل:62] أي: البنون. # الرابع: الخلف في النفقة، قال - تعالى -: # فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى # [الليل:5-6] أي: بالخلف، ومثله # وكذب بالحسنى # [الليل:9]. # قوله: " ولا يرهق " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها مستأنفة. # والثاني: أنها في محل نصب على الحال، والعامل في هذه الحال: الاستقرار ~~الذي تضمنه الجار، وهو " للذين " لوقوعه خبرا عن " الحسنى " ~~، قاله أبو البقاء، وقدره بقوله: " استقر لهم الحسنى، مضمونا لهم ~~السلامة " ، وهذا ليس بجائز؛ لأن المضارع متى وقع حالا منفيا ب ~~" لا " ، امتنع دخول واو الحال عليه كالمثبت، وإن ورد ما يوهم ذلك، ~~يؤول بإضمار مبتدأ، وقد تقدم تحقيقه مرارا [المائدة:54]. # والثالث: أنها في محل رفع نسقا على " الحسنى " ، ولا بد حينئذ ~~من إضمار حرف مصدري، يصح جعله معه مخبرا عنه بالجار، والتقدير: ~~للذين أحسنوا الحسنى، وأن لا يرهق، أي: وعدم رهقهم، فلما حذفت " أن " ~~رفع الفعل المضارع؛ لأنه ليس من مواضع إضمار " أن " الناصبة، وهذا ~~كقوله - تعالى -: # ومن آياته يريكم # [الروم:24] أي: أن يريكم، وقوله: " تسمع بالمعيدي، خير من أن تراه ~~". # وقوله: [الطويل] # 2889- ألا أيها الزاجري أحضر الوغى # ....................... # أي. أن أحضر، روي برفع " أحضر " ونصبه، ومنع أبو البقاء ms4617 هذا الوجه، ~~وقال: " ولا يجوز أن يكون معطوفا على " الحسنى "؛ لأن الفعل إذا ~~عطف على المصدر، احتاج إلى " أن " ذكرا، أو تقديرا، و " أن " غير ~~مقدرة؛ لأن الفعل مرفوع ". # فقوله: " وأن غير مقدرة؛ لأن الفعل " مرفوع " ليس بجيد؛ لأن ~~قوله - تعالى -: # ومن آياته يريكم # [الروم:24] معه " أن " مقدرة، مع أنه مرفوع، ولا يلزم من إضمار " أن ~~" نصب المضارع، بل المشهور أنه: إذا أضمرت " أن " في غير المواضع ~~التي نص النحويون على إضمارها فيها ناصبة، ارتفع الفعل، والنصب] ~~قليل جدا. # فصل # والرهق: الغشيان، يقال: رهقه يرهقه رهقا، أي: غشيه بسرعة، ~~ومنه # ولا ترهقني من أمري # [الكهف:73]، # فلا يخاف بخسا ولا رهقا # [الجن:13]. يقال: رهقته وأرهقته نحو: ردفته وأردفته، ~~ففعل وأفعل بمعنى، ومنه: " أرهقت الصلاة " ، إذا أخرتها، حتى ~~غشي وقت الأخرى، ورجل مرهق، أي: يغشاه الأضياف. # وقال الأزهري: " الرهق: اسم من الإرهاق، وهو أن يحمل الإنسان على ~~نفسه ما لا يطيق، ويقال: أرهقته عن الصلاة، أي: أعجلته عنها ~~". # وقال بعضهم: أصل الرهق، المقاربة، ومنه غلام مراهق، أي: قارب ~~الحلم، ومنه الحديث " ارهقوا القبلة " ، أي: أقربوا منها، ومنه: رهقت ~~الكلاب الصيد، أي: لحقته، والقتر والقترة، الغبار معه سواد؛ ~~وأنشدوا للفرزدق: [البسيط] # 2890- متوج برداء الملك يتبعه # موج ترى فوقه الرايات والقترا # أي: غبار العسكر، وقيل: القتر: الدخان، ومنه: قتار القدر، ~~وقيل: القتر: التقليل، ومنه # لم يسرفوا ولم يقتروا # [الفرقان:67]، ويقال: قترت الشيء وأقترته وقترته، أي: ~~قللته، ومنه # وعلى المقتر قدره # [البقرة:236] وقد تقدم، والقترة، ناموس الصائد، وقيل: الحفرة، ومنه ~~قول امرىء القيس: [المديد] # 2891- رب رام من بني ثعل # متلج كفيه في قتره # أي: في حفرته التي يحفرها، وقرأ الحسن، وعيسى بن عمر، وأبو رجاء، ~~والأعمش: " قتر " ، بسكون التاء، وهما لغتان: قتر وقتر، كقدر ~~وقدر. # فصل # المعنى: لا يغشى وجوههم قتر: غبار، جمع قترة، وقال ابن عباس، ~~وقتادة: سواد الوجوه، " ولا ذلة ": هوان، وقال قتادة: " كآبة " قال ~~ابن أبي ليلى: " هذا بعد نظرهم إلى ربهم " ، { أولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون } إشارة إلى كونها دائمة، ms4618 آمنة من ~~الانقطاع. # قوله تعالى: { والذين كسبوا السيئات } الآية. # لما شرح حال المسلمين، شرح بعده حال المسيئين. # قوله: { والذين كسبوا }: فيه سبعة أوجه: # أحدها: أن يكون " والذين ": نسقا على " للذين أحسنوا " ، ~~أي: للذين أحسنوا الحسنى، والذين كسبوا السيئات جزاء ~~سيئة بمثلها، فيتعادل التقسيم، كقولك: في الدار زيد، والحجرة ~~عمرو، وهذا يسميه النحويون: عطفا على معمولي عاملين، وفيه ثلاثة ~~مذاهب: # أحدها: الجواز مطلقا، وهو قول الفراء. # والثاني: المنع مطلقا، وهو مذهب سيبويه. # والثالث: التفصيل بين أن يتقدم الجار نحو: في الدار زيد، والحجرة ~~عمرو، فيجوز، أو لا، فيمتنع نحو: إن زيدا في الدار، وعمرا في القصر، ~~أي: وإن عمرا في القصر، وسيبويه وأتباعه يخرجون ما ورد منه على ~~إضمار الجار، كقوله - تعالى -: { واختلاف الليل والنهار ~~ومآ أنزل الله من السمآء من رزق فأحيا به ~~الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم ~~يعقلون } [الجاثية:5] بنصب " آيات " في قراءة الأخوين، على ما ~~سيأتي؛ كقوله: [المتقارب] # 2892- أكل امرىء تحسبين امرأ # ونار توقد بالليل نارا # وقول الآخر: [الرجز] # 2893- أوصيت من توه قلبا حرا # بالكلب خيرا والحماة شرا # وسيأتي لهذا مزيد بيان - إن شاء الله -، وممن ذهب إلى أن هذا ~~الموصول مجرور عطفا على الموصول قبله: ابن عطية، وأبو القاسم ~~الزمخشري. # الثاني: أن " الذين " مبتدأ، و " جزآء سيئة " مبتدأ ثان، ~~وخبره " بمثلها " ، والباء فيه زائدة، أي: وجزاء سيئة مثلها، كقوله - ~~تعالى -: # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى:40] كما زيدت في الخبر، كقوله: [الوافر] # 2894- فلا تطمع - أبيت اللعن - فيها # ومنعكها بشيء يستطاع # أي: شيء يستطاع. # وكقول امرىء القيس: [الطويل] # 2895أ- فإن عنها حقبة لا تلاقها # فإنك مما أحدثت بالمجرب # أي: المجرب، وهذا قول ابن كيسان في الآية. # الثالث: أن الباء ليست بزائدة، والتقدير: مقدر بمثلها، والمبتدأ ~~الثاني وخبره خبر عن الأول. # والرابع: أن خبر " جزاء سيئة " محذوف، فقدره الحوفي بقوله: ~~" لهم جزاء سيئة " ، قال: ودل على تقدير " لهم " ، قوله: { ~~للذين أحسنوا الحسنى } حتى تتشاكل هذه بهذه، وقدره ~~أبو البقاء: جزاء سيئة مثلها واقع، وهو وخبره أيضا خبر عن الأول، ms4619 ~~وعلى هذين التقديرين، فالباء متعلقة بنفس " جزاء "؛ لأن هذه المادة ~~تتعدى بالباء، قال - تعالى -: # جزيناهم بما كفروا # [سبأ:17]، # وجزاهم بما صبروا # [الإنسان:12] إلى غير ذلك. # فإن قلت: أين الرابط بين هذه الجملة، والموصول الذي هو المبتدأ. # قلت: على تقدير الحوفي، هو الضمر المجرور باللام المقدر خبرا، ~~وعلى تقدير أبي البقاء: هو محذوف، تقديره: جزاء سيئة بمثلها منهم ~~واقع، نحو: " السمن منوان بدرهم " ، وهو حذف مطرد، لما عرف. # الخامس: أن يكون الخبر، الجملة المنفية من قوله: { ما لهم من ~~الله من عاصم } ، ويكون " من عاصم " إما فاعلا بالجار ~~قبله؛ لاعتماده على النفي، وإما مبتدأ، وخبره الجار مقدما عليه، ~~و " من " مزيدة فيه على كلا القولين، و " من الله " متعلق ب " ~~عاصم " ، وعلى كون هذه الجملة خبر الموصول يكون قد فصل بين المبتدأ ~~وخبره بجملتي اعتراض، وفي ذلك خلاف عن الفارسي تقدم التنبيه عليه، ~~وما استدل به عليه. # السادس: أن الخبر هو الجملة التشبيهية، من قوله: { كأنما ~~أغشيت وجوههم } ، و " كأنما " حرف مكفوف، و " ما " هذه ~~زائدة، تسمى كافة ومهيئة، وتقدم ذلك [البقرة:11]. وعلى هذا ~~الوجه، فيكون قد فصل بين المبتدأ وخبره بثلاث جمل اعتراض. # السابع: أن الخبر هو الجملة من قوله: { أولئك أصحاب ~~النار } ، وعلى هذا القول، فيكون قد فصل بأربع جمل معترضة. # وهي: { جزآء سيئة بمثلها }. # والثانية: { وترهقهم ذلة }. # والثالثة: { ما لهم من الله من عاصم }. # الرابعة: { كأنما أغشيت } ، وينبغي أن لا يجوز الفصل بثلاث ~~جمل فضلا عن أربع. # قوله: " وترهقهم " فيها وجهان: # أحدهما: أنها في محل نصب على الحال، ولم يبين أبو البقاء ~~صاحبها، وصاحبها هو الموصول أو ضميره، وفيه ضعف؛ لمباشرته الواو، إلا ~~أن يجعل خبر مبتدأ محذوف. # الثاني: أنها معطوفة على " كسبوا ". # قال أبو البقاء: وهو ضعيف؛ لأن المستقبل لا يعطف على الماضي، فإن ~~قيل: هو بمعنى الماضي فضعيف جدا، وقرىء: " ويرهقهم " بالياء من ~~تحت؛ لأن تأنيثها مجازي. # قوله: " قطعا " قرأ ابن كثير، والكسائي، " قطعا " بسكون الطاء، ~~والباقون بفتحها: " فأما القراءة الأولى فاختلفت عبارات الناس فيها: ~~فقال ms4620 أهل اللغة: " القطع ": ظلمة آخر الليل. # وقال الأخفش في قوله: # بقطع من الليل # [الحجر:65] بسواد من الليل، وقال بعضهم: " طائف من الليل " ، وأنشد ~~الأخفش: # 2895ب- افتحي الباب فانظري في النجوم # كم علينا من قطع ليل بهيم # وأما قراءة الباقين فجمع " قطعة " نحو: دمنة ودمن، وكسرة ~~وكسر وعلى القراءتين يختلف إعراب " مظلما " ، فإنه على قراءة الكسائي ~~وابن كثير يجوز أن يكون نعتا ل " قطعا " ، ووصف بذلك مبالغة في وصف ~~وجوههم بالسواد، ويجوز أن يكون حالا ففيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه حال من " قطعا " ، وجاز ذلك لتخصصه بالوصف بالجار ~~بعده وهو " من الليل ". # والثاني: أنه حال من " الليل ". # والثالث: أنه حال من الضمير المستتر في الجار لوقوعه صفة. # قال الزمخشري: فإن قلت: إذا جعلت " مظلما " حالا من " الليل " فما ~~العامل فيه؟ قلت: لا يخلو: إما أن يكون " أغشيت " من قبل أن " من ~~الليل " صفة لقوله: " قطعا " ، وكان إفضاؤه إلى الموصوف كإفضائه إلى ~~الصفة، وإما أن يكون معنى الفعل في " من الليل ". قال أبو حيان: " أما ~~الوجه الأول فهو بعيد لأن الأصل أن يكون العامل في الحال هو العامل ~~في ذي الحال، والعامل في " من الليل " هو الاستقرار، و " أغشيت " ~~عامل في قوله: " قطعا " الموصوف بقوله: " من الليل " فاختلفا، فلذلك ~~كان الوجه الأخير أولى، أي: قطعا مستقرة من الليل، أو كائنة من الليل ~~في حال إظلامه ". # وقال شهاب الدين: ولا يعني الزمخشري بقوله: " إن العامل أغشيت " ~~، إلا أن الموصوف، وهو " قطعا " معمول ل " أغشيت " ، والعامل ~~في الموصوف هو عامل في الصفة. # قال شهاب الدين: والصفة هي " من الليل " فهي معمولة ل " ~~أغشيت " ، وهي صاحبة الحال، والعامل في الحال هو العامل في ذي ~~الحال، فجاء من ذلك أن العامل في الحال هو العامل في صاحبها بهذه ~~الطريقة، ويجوز أن يكون " قطعا ": جمع قطعة، أي: اسم جنس لها، ~~فيجوز حينئذ وصفه بالتذكير، نحو: # نخل منقعر # [القمر:20]، والتأنيث، نحو: # نخل خاوية # [الحاقة:7]. # وأما قراءة الباقين، فقال مكي، وغيره: إن " مظلما " حال من " ~~الليل " فقط، ولا يجوز أن ms4621 يكون صفة ل " قطعا " ، ولا حالا منه، ~~ولا من الضمير في " من الليل "؛ لأنه كان يجب أن يقال فيه: ~~مظلمة، يعنون: أن الموصوف حينئذ جمع، وكذا صاحب الحال، فتجب ~~المطابقة. وأجاز بعضهم ما منعه هؤلاء، وقالوا: جاز ذلك؛ لأنه في ~~معنى الكثير، وهذا فيه تعسف. # وقرأ أبي " يغشى وجوههم قطع " بالرفع، و " مظلم " ، وقرأ ابن ~~أبي عبلة كذلك، إلا أنه فتح الطاء. وإذا جعلت " مظلما " ، ~~نعتا ل " قطعا " ، فتكون قد قدمت النعت غير الصريح على ~~الصريح. # قال ابن عطية: فإذا كان نعتا - يعني: مظلما: نعتا لقطع - فكان حقه ~~أن يكون قبل الجملة، ولكن قد يجيء بعد هذا، وتقدير الجملة: قطعا استقر ~~مظلما، على نحو قوله: # وهذا كتاب أنزلناه مبارك # [الأنعام:92]. # قال أبو حيان: " ولا يتعين تقدير العامل في المجرور بالفعل، فيكون ~~جملة، بل الظاهر تقديره باسم الفاعل، فيكون من قبيل الوصف بالمفرد، ~~والتقدير: قطعا كائنا من الليل مظلما ". # قال شهاب الدين: " المحذور تقديم غير الصريح على الصريح، ولو ~~كان مقدرا بمفرد " ، و " قطعا ": منصوب ب " أغشيت " ، ~~مفعولا ثانيا. # فصل # المعنى: { والذين كسبوا السيئات جزآء سيئة ~~بمثلها }؛ لقوله: # ومن جآء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها # [الأنعام:160]. # والفرق بين الحسنات والسيئات: أنه إذا زاد في الحسنات يكون تفضلا، ~~وذلك حسن، وفيه ترغيب في الطاعة، وأما الزيادة على قدر الاستحقاق ~~على السيئات، فهو ظلم، والله منزه عنه، ثم قال: { وترهقهم ~~ذلة } أي: هوان وتحقير { ما لهم من الله من عاصم } ~~أي: ما لهم عاصم من الله في الدنيا، ولا في الآخرة، { كأنما ~~أغشيت وجوههم } أي: ألبست وجوههم، { قطعا من ~~الليل مظلما } والمراد: سواد الوجه. # وقال حكماء الإسلام: المراد من هذا السواد، سواد الجهل، وظلمة ~~الضلالة، فإن العلم طبعه طبع النور، والجهل طبعه طبع الظلمة. # قيل: المراد بقوله: { والذين كسبوا السيئات }: الكفار؛ ~~لأن سواد الوجه من علامات الكفر، قال تعالى: # فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد ~~إيمانكم # [آل عمران:106] وقال: # ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة ~~أولئك هم الكفرة الفجرة # [عبس:40-42]. # وقال القاضي: { والذين ms4622 كسبوا السيئات } عام يتناول ~~الكافر، والفاسق، وأجيب: بأن الصيغة وإن كانت عامة، إلا أن الدلائل ~~التي ذكرناها مخصصة، ثم قال: { أولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون } ### || [10.28-30] # قوله - تعالى -: { ويوم نحشرهم جميعا } الآية. # " يوم " منصوب بفعل مقدر، أي: خوفهم، أو ذكرهم يوم، والضمير ~~عائد على الفريقين أي: الذين أحسنوا، والذين كسبوا. و " جميعا ": حال، ~~ويجوز أن يكون تأكيدا، عند من عدها من ألفاظ التأكيد. # قوله: " مكانكم " اسم فعل، ففسره النحويون ب " اثبتوا " ~~فيحمل ضميرا، ولذلك أكد بقوله: " أنتم " ، وعطف عليه " شركاؤكم ~~"؛ ومنه قول الشاعر: [الوافر] # 2896- وقولي كلما جشأت وجاشت # مكانك تحمدي أو تستريحي # أي: اثبتي، ويدل على ذلك جزم جوابه، وهو " تحمدي " ، وفسره ~~الزمخشري: ب " الزموا " قال: مكانكم، أي: الزموا مكانكم، لا تبرحوا ~~حتى تنظروا ما يفعل بكم ". # قال أبو حيان: وتقديره له ب " الزموا " ليس بجيد، إذ لو كان كذلك؛ ~~لتعدى كما يتعدى ما ناب هذا عنه، فإن اسم الفعل يعامل معاملة ~~مسماة، ولذلك لما قدروا " عليك " ، بمعنى: " الزم " عدوه ~~تعديته نحو: عليك زيدا. # قال شهاب الدين " فالزمخشري قد سبق بهذا التفسير، والعذر لمن ~~فسره بذلك، أنه قصد تفسير المعنى " ، قال الحوفي: " مكانكم نصب ~~بإضمار فعل، أي: الزموا مكانكم أو اثبتوا ". وكذلك فسره أبو البقاء، ~~فقال: " مكانكم " ظرف مبني؛ لوقوعه موقع الأمر، أي: " الزموا ". # وهذا الذي ذكره من كونه مبنيا، فيه خلاف للنحويين: منهم من ذهب إلى ما ~~ذكر، ومنهم من ذهب إلى أنها حركة إعراب، وهذان الوجهان مبنيان على ~~خلاف في أسماء الأفعال هل لها محل من الإعراب أو لا؟ فإن قلنا لها ~~محل، كانت حركات الظرف حركات إعراب، وإن قلنا لا موضع لها، كانت ~~حركات بناء، وأما تقديره: ب " الزموا " ، فقد تقدم جوابه. قوله: ~~" أنتم " فيه وجهان: # أحدهما: أنه تأكيد للضمير المستتر في الظرف، لقيامه مقام الفاعل، كما ~~تقدم التنبيه عليه. # والثاني: أجازه ابن عطية، وهو أن يكون مبتدأ، و " شركاؤكم " ~~معطوف عليه، وخبره محذوف، قال: " تقديره: أنتم وشركاؤكم مهانون، أو ~~معذبون " ، وعلى هذا فيوقف على قوله: ms4623 " مكانكم " ثم يبتدأ بقوله: " ~~أنتم " ، وهذا لا ينبغي أن يقال، لأن فيه تفكيكا لأفصح كلام، ~~وتبتيرا لنظمه، من غير داعية إلى ذلك؛ ولأن قراءة من قرأ " ~~وشركاءكم " نصبا، تدل على ضعفه، إذ لا تكون إلا من الوجه ~~الأول؛ ولقوله: " فزيلنا بينهم " ، فهذا يدل على أنهم ~~أمروا هم وشركاؤهم بالثبات في مكان واحد، حتى يحصل التنزيل بينهم. # وقال ابن عطية أيضا: " ويجوز أن يكون " أنتم " تأكيدا للضمير الذي ~~في الفعل المقدر الذي هو " قفوا " ونحوه ". # قال أبو حيان: وهذا ليس بجيد، إذ لو كان تأكيدا لذلك الضمير ~~المتصل بالفعل، لجاز تقديمه على الظرف، إذ الظرف لم يتحمل ضميرا ~~على هذا القول، فيلزم تأخيره عنه، وهو غير جائز، لا تقول: " أنت مكانك ~~" ولا يحفظ من كلامهم. # والأصح: أنه لا يجوز حذف المؤكد في التأكيد المعنوي، فكذا ~~هذا؛ لأن التأكيد ينافي الحذف، وليس من كلامهم: " أنت زيدا " لمن ~~رأيته قد شهر سيفا، وأنت تريد " اضرب أنت زيدا " ، إنما كلام ~~العرب: " زيدا " تريد: اضرب زيدا. # قال شهاب الدين: " لم يعن ابن عطية، أن " أنت " تأكيد ~~لذلك الضمير في " قفوا " من حيث إن الفعل مراد غير منوب عنه؛ بل ~~لأنه ناب عنه هذا الظرف، فهو تأكيد له في الأصل؛ قبل النيابة عنه ~~بالظرف، وإنما قال: الذي هو " قفوا " تفسيرا للمعنى المقدر ". وقرأ ~~فرقة " وشركاءكم " نصبا على المعية، والناصب له اسم الفعل. # قوله: " فزيلنا " ، أي: فرقنا وميزنا؛ كقوله - تعالى -: # لو تزيلوا لعذبنا # [الفتح:25]. # واختلفوا في " زيل " هل وزنه فعل أو فيعل؟. # والظاهر الأول، والتضعيف فيه للتكثير، لا للتعدية، لأن ثلاثيه ~~متعد بنفسه، حكى الفراء: " زلت الضأن من المعز، فلم تزل " ~~ويقال زلت الشيء من مكانه أزيله، وهو على هذا من ذوات الياء. # والثاني: أنه فيعل كبيطر وبيقر، وهو من زال يزول، والأصل: " ~~زيولنا " ، فاجتمعت الياء والواو، وسبقت إحداهما بالسكون، فأعلت ~~بقلب الواو ياء، وإدغام الياء فيها، ك " ميت وسيد " في: ميوت ~~سيود، وعلى هذا فهو من مادة الواو، وإلى هذا ذهب ابن قتيبة، وتبعه أبو ~~البقاء. ms4624 # وقال مكي: " ولا يجوز أن يكون فعلنا من زال يزول؛ لأنه يلزم في ~~الواو فيكون زولنا ". وهذا صحيح، وقد تقدم تحرير ذلك في قوله: # أو متحيزا إلى فئة # [الأنفال:16]. # ورد أبو حيان كونه " فيعل " ، بأن " فعل " أكثر من " ~~فيعل "؛ ولأن مصدره التنزيل، ولو كان " فيعل " ، لكان مصدره " ~~فيعلة " كبيطرة؛ لأن " فيعل " ملحق " بفعلل " ، ولقولهم في ~~معناه: " زايل " ، ولم يقولوا: " زاول " ، بمعنى: " فارق " ، إنما ~~قالوه بمعنى: " حاول وخالط " ، وحكى الفراء: " فزايلنا " ، وبها ~~قرأت فرقة، قال الزمخشري: " مثل صاعر خده، وصعره، وكالمته ~~وكلمته ". # يعني: أن " فاعل " بمعنى: " فعل " ، و " زايل " بمعنى: " فارق ~~". # قال: [الطويل] # 2897- وقال العذارى: إنما أنت عمنا # وكان الشباب كالخليط يزايله # وقال آخر: [الطويل] # 2898- لعمري لموت لا عقوبة بعده # لذي البث أشفى من هوى لا يزايله # أي: يفارقه. # وقوله - تعالى -: " فزيلنا " ، و " قال " هذان الفعلان ماضيان ~~لفظا، مستقبلان معنى؛ لعطفهما على مستقبل، وهو " ويوم نحشرهم " ~~، وهما نظير قوله - تعالى -: # يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم # [هود:98]. و " إيانا ": مفعول مقدم، قدم للاهتمام به ~~والاختصاص، وهو واجب التقديم على ناصبه؛ لأنه ضمير منفصل، لو ~~تأخر عنه، لزم اتصاله، وقد تقدم الكلام على ما بعد هذا من " كفى ~~" المخففة، واللام التي بعدها، بما يغني عن الإعادة. [البقرة198]. # فصل # المعنى " ويوم نحشرهم " العابد والمعبود، ثم إن المعبود ~~يتبرأ من العابد، ويتبين له أنه ما فعل ذلك بعلمه وإرادته، ~~ونظيره قوله - تعالى -: # إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا # [البقرة:166]، وقوله: # ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا ~~يعبدون # [سبأ:40]. # و " الحشر ": الجمع من كل جانب إلى موقف واحد { ثم نقول ~~للذين أشركوا مكانكم } أي: الزموا مكانكم " وشركاؤكم ~~" يعني: الأوثان، حتى تسألوا، " فزيلنا بينهم " أي: ميزنا ~~وفرقنا بينهم، وجاءت هذه الكلمة على لفظ الماضي، بعد قوله: " ثم ~~نقول " وهو مستقبل؛ لأن ما جاءكم الله به، سيكون صار كالكائن الآن، ~~كقوله: # ونادى أصحاب الجنة # [الأعراف:44]. # وأضاف الشركاء إليهم؛ لأنهم جعلوا لهم نصيبا من أموالهم. # وقيل: لأن الإضافة يكفي فيها أدنى تعليق، فلما كان الكفار هم ~~الذين أثبتوا ms4625 هذه الشركة، حسنت إضافة الشركاء إليهم، وقيل: لما ~~خاطب العابدين والمعبودين بقوله " مكانكم " صاروا شركاء في هذا ~~الخطاب. # قال بعض المفسرين: المراد بهؤلاء الشركاء: الملائكة، واستشهدوا ~~بقوله - تعالى -: # ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا ~~يعبدون # [سبأ:40]، وقيل: هم الأصنام، ثم اختلف هؤلاء كيف ذكرت الأصنام هذا ~~الكلام؟ فقيل: إن الله - تعالى - يخلق فيها الحياة والعقل والنطق، ~~وقيل: يخلق فيهم الروح من غير حياة، حتى يسمعوا منهم ذلك. # فإن قيل: إذا أحياهم الله هل يبقيهم أو يفنيهم؟. # فالجواب: أن الكل محتمل، ولا اعتراض على الله في أفعاله، وأحوال ~~القيامة غير معلومة، إلا القليل، ولا شك أن هذا خطاب تهديد في حق ~~العابدين، فهل يكون تهديدا في حق المعبودين؟ قالت المعتزلة: لا يجوز ~~ذلك؛ لأنه لا ذنب للمعبود، ومن لا ذنب له، لم يصح تهديده، وتخويفه، ~~وقال أهل السنة: لا يسأل عما يفعل. # فإن قيل: قول الشركاء: { ما كنتم إيانا تعبدون } وهم ~~كانوا قد عبدوهم، يكون كذبا، وقد تقدم في سورة الأنعام، اختلاف الناس ~~في أن أهل القيامة هل يكذبون أم لا؟. # والجواب ههنا: أن منهم من قال: المراد من قولهم: " ما كنتم ~~إيانا تعبدون ": هو أنكم ما عبدتمونا بأمرنا وإرادتنا؛ ~~لأنهم استشهدوا بالله في ذلك بقولهم: { فكفى بالله شهيدا ~~بيننا وبينكم } ، وبقولهم: { إن كنا عن عبادتكم ~~لغافلين } ، ومن الناس من أجرى الآية على ظاهرها، وقالوا: إن ~~الشركاء أخبروا أن الكفار ما عبدوها لوجوه: # الأول: أن ذلك الموقف موقف دهشة وحيرة، فذلك الكذب جار مجرى كذب ~~الصبيان، والمجانين والمدهوشين. # الثاني: أنهم ما أقاموا لأعمال الكفار وزنا، وجعلوها لبطلانها ~~كالعدم، فلهذا قالوا: ما عبدونا. # الثالث: أنهم تخيلوا في الأصنام التي عبدوها صفات كثيرة، فهم في ~~الحقيقة إنما عبدوا ذواتا موصوفة بتلك الصفات، ولما كانت ذواتها ~~خالية عن تلك الصفات، فهم ما عبدوها، وإنما عبدوا أمورا تخيلوها ولا ~~وجود لها في الأعيان، وتلك الصفات التي تخيلوها في الأصنام: أنها ~~تضر، وتنفع، وتشفع عند الله. # قوله تعالى: { هنالك تبلوا كل نفس مآ أسلفت } ~~الآية. # في ms4626 " هنالك " وجهان: # أظهرهما: بقاؤه على أصله، من دلالته على ظرف المكان، أي: في ذلك الموقف ~~الدحض، والمكان الدهش. وقيل: هو هنا ظرف زمان على سبيل الاستعارة، ~~ومثله # هنالك ابتلي المؤمنون # [الأحزاب:11]، أي: في ذلك الوقت؛ وكقوله: [الكامل] # 2899- وإذا الأمور تعاظمت وتشاكلت # فهناك يعترفون أين المفزع # وإذا أمكن بقاء الشيء على موضوعه، فهو أولى. # وقرأ الأخوان " تتلو " بتاءين منقوطتين من فوق، أي: تطلب وتتبع ما ~~أسلفته من أعمالها، ومن هذا قوله: [الرجز] # 2900- إن المريب يتبع المريبا # كما رأيت الذيب يتلو الذيبا # أي: يتبعه ويتطلبه، ويجوز أن يكون من التلاوة المتعارفة، أي: تقرأ ~~كل نفس ما عملته مسطرا في صحف الحفظة، لقوله - تعالى -: # يويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا ~~كبيرة إلا أحصاها # [الكهف:49]، وقوله: # ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا # [الإسراء:13]. # وقرأ الباقون: " تبلو " من البلاء، وهو الاختبار، أي: يعرف عملها: ~~أخير هو أم شر، وقرأ عاصم في رواية " نبلو " بالنون والباء ~~الموحدة، أي: نختبر نحن، و " كل " منصوب على المفعول به، وقوله ~~" ما أسلفت " على هذا القراءة يحتمل أن يكون في محل نصب، على ~~إسقاط الخافض، أي: بما أسلفت، فلما سقط الخافض، انتصب مجروره؛ ~~كقوله: [الوافر] # 2901- تمرون الديار فلم تعوجوا # كلامكم علي إذن حرام # ويحتمل أن يكون منصوبا على البدل من " كل نفس " ويكون من بدل ~~الاشتمال. ويجوز أن يكون " نبلو " من البلاء، وهو العذاب. أي: ~~نعذبها بسبب ما أسلفت، و " ما " يجوز أن تكون موصولة اسمية، أو ~~حرفية، أو نكرة موصوفة، والعائد محذوف على التقدير الأول، والآخر دون ~~الثاني على المشهور. # وقرأ ابن وثاب: " وردوا " بكسر الراء، تشبيها للعين المضعفة ~~بالمعتلة، نحو: " قيل " و " بيع " ، ومثله: [الطويل] # 2902- وما حل من جهل حبا حلمائنا # ................................ # بكسر الحاء، وقد تقدم بيان ذلك [البقرة:11]. # قوله: " إلى الله " لا بد من مضاف، أي: إلى جزاء الله، أو موقف ~~جزائه. # والجمهور على " الحق " جرا، وقرئ منصوبا على أحد وجهين: # إما القطع، وأصله أنه تابع، فقطع بإضمار " أمدح " ، كقولهم: الحمد ~~لله أهل الحمد. # وإما ms4627 أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة المتقدمة، وهو " ردوا إلى ~~الله " وإليه نحا الزمخشري. قال: كقولك: " هذا عبد الله الحق، لا ~~الباطل " على التأكيد؛ لقوله: " ردوا إلى الله ". # وقال مكي: " ويجوز نصبه على المصدر، ولم يقرأ به " ، وكأنه لم ~~يطلع على هذه القراءة، وقوله: " ما كانوا يفترون " " ما " ~~تحتمل الأوجه الثلاثة. # المعنى: " هنالك ": في ذلك الوقت، " نبلو " أي: نختبر، والمعنى: ~~يفعل بها فعل المختبر، وعلى القراءة الأخرى: أن كل نفس نختبر ~~أعمالها، في ذلك الوقت. # { وردوا إلى الله } أي: ردوا إلى جزاء الله، قال ابن ~~عباس: " مولاهم الحق " أي: الذي يجازيهم بالحق، وقيل: جعلوا ملجئين ~~إلى الإقرار بإلاهيته " مولاهم الحق " أي: أعرضوا عن المولى الباطل، ~~ورجعوا إلى المولى الحق، وقد تقدم تفسير # مولاهم الحق # [الأنعام:62] في الأنعام. " وضل عنهم ": زال وبطل، " ما كانوا ~~يفترون " أي: يعبدون، ويعتقدون أنهم شفعاء، فإن قيل: قد قال: # وأن الكافرين لا مولى لهم # [محمد:11]، قيل: المولى هناك هو الناصر، وههنا بمعنى الملك. ### || [10.31-33] # قوله تعالى: { قل من يرزقكم من السمآء والأرض } ~~الآية. # لما ذكر فضائح عبدة الأوثان، أتبعها بذكر الدلائل الدالة على ~~فساد هذا المذهب: وهي أحوال الرزق، وأحوال الحواس، وأحوال الموت ~~والحياة: أما الرزق، فإنه إنما يحصل من السماء والأرض: أما من ~~السماء، فبنزول المطر الموافق، وأما من الأرض، فلأن الغذاء إما ~~أن يكون نباتا، أو حيوانا: أما النبات فلأن الأرض تنبته، وأما ~~الحيوان، فهو محتاج أيضا إلى الغذاء، ولا يمكن أن يكون غذاء كل ~~حيوان، حيوانا آخر، وإلا لزم التسلسل، وهو محال، فثبت أن غذاء ~~الحيوان، يجب انتهاؤه إلى النبات، والنبات إنما يتولد من الأرض، فثبت ~~أن الرزق إنما يحصل من السماء والأرض، ولا مدبر لهما إلا الله ~~- تعالى -، وأما أحوال الحواس فكذلك، قال علي - رضي الله عنه -: ~~سبحان من بصر بشحم، وأسمع بعظم، وأنطق بلحم. # قوله: " من السمآء ": " من " يجوز أن تكون لابتداء الغاية، ~~وأن تكون للتبعيض، وأن تكون لبيان الجنس، ولا بد على هذين الوجهين من ~~مضاف محذوف، أي: من أهل السماء، ms4628 قوله: " أم " المنقطعة؛ لأنه لم ~~تتقدمها همزة استفهام ولا تسوية، ولكن إنما تقدر هنا ب " بل " ~~وحدها، دون الهمزة، وقد تقرر أن المنقطعة عند الجمهور تقدر بهما، ~~وإنما لم تتقدر هنا ب " بل " والهمزة؛ لأنها وقع بعدها اسم استفهام ~~صريح، وهو " من " ، فهو كقوله - تعالى -: # أماذا كنتم تعملون # [النمل:84]، والإضراب هنا على القاعدة المقررة في القرآن، أنه إضراب ~~انتقال، لا إضراب إبطال. # قوله: { ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت ~~من الحي }. # قيل: يخرج الإنسان من النطفة، والطائر من البيضة، { ويخرج ~~الميت من الحي }: يخرج النطفة والبيضة من الإنسان، ~~والطائر، وقيل: يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، ثم قال: { ~~ومن يدبر الأمر } وهذا كلام كلي؛ لأن تدبير أقسام الله في ~~العالم العلوي، والسفلي أمور لا نهاية لها، وذكرها كالمتعذر، ~~فلما ذكر بعض تلك التفاصيل؛ عقبها بالكلام الكلي ليدل على ~~الباقي، ثم بين أن الرسول - عليه الصلاة والسلام -، إذا سألهم عن ~~مدبر هذه الأمور، فسيقولون هو الله، وهذا يدل على أن المخاطبين ~~بهذا الكلام، كانوا يعرفون الله تعالى، ويقرون به، وهم الذين قالوا في ~~عبادتهم الأصنام: إنها تقربنا إلى الله زلفى، وأنهم شفعاؤنا عند ~~الله، وكانوا يعلمون أن هذه الأصنام، لا تنفع ولا تضر، فعند ذلك قال ~~لرسوله: { فقل أفلا تتقون } الشرك مع هذا الإقرار، وقيل: أفلا ~~تخافون عقابه في شرككم؟. # قوله: { فذلكم الله ربكم } الذي يفعل هذه الأشياء، هو ~~ربكم الحق. # قوله: { فماذا بعد } يجوز أن يكون " ماذا " كله اسما واحدا؛ ~~لتركبهما، وغلب الاستفهام على اسم الإشارة، وصار معنى الاستفهام ~~هنا النفي، ولذلك أوجب بعده ب " إلا " ، ويجوز أن يكون " ذا " ~~موصولا بمعنى: " الذي " ، والاستفهام أيضا بمعنى: النفي؛ ~~والتقدير: ما الذي بعد الحق إلا الضلال؟. # وإذا ثبت أن الله هو الحق، وجب أن يكون ما سواه ضلالا، أي: باطلا؛ ~~لأن النقيضين يمتنع أن يكونا حقين، وأن يكونا باطلين، فإذا كان ~~أحدهما حقا، وجب كون ما سواه باطلا، ثم قال { فأنى تصرفون } ~~أي: كيف تعدلون عن عبادته، وأنتم مقرون بذلك. ms4629 # قال الجبائي: دلت هذه الآية على بطلان قول المجبرة: أنه - ~~تعالى - يصرف الكفار عن الإيمان؛ لأنه لو كان كذلك، لما جاز أن يقول ~~{ فأنى تصرفون } كما لا يقول إذا عمي أحدهم إني عميت، وسيأتي ~~جوابه. # فصل # المعنى: أن الذي يفعل هذه الأشياء، هو ربكم الحق، لا ما أشركتم ~~معه. # قال بعض المتقدمين: ظاهر هذه الآية، يدل على أن ما بعد الله، هو ~~الضلال؛ لأن أولها { فذلكم الله ربكم الحق } ، ~~وآخرها { فماذا بعد الحق إلا الضلال } فهذا في الإيمان، ~~والكفر ليس في الأعمال، وقال بعضهم: إن الكفر تغطية الحق، وكل ما كان ~~غير الحق، جرى هذا المجرى، فالحرام ضلال، والمباح هدى، فإن الله ~~هو المبيح، والمحرم. # فصل # قال القرطبي: " روي عن مالك، في قوله تعالى: { فماذا بعد ~~الحق إلا الضلال } قال اللعب بالشطرنج والنرد من الضلال، ~~وسئل مالك: عن الرجل يلعب في بيته، مع امرأته بأربعة عشرة، فقال: ما ~~يعجبني، ليس من شأن المؤمن، قال - تعالى -: { فماذا بعد ~~الحق إلا الضلال } ، وسئل مالك: عن اللعب بالشطرنج، فقال: ~~لا خير فيه وهو من الباطل، واللعب كله من الباطل ". # وقال الشافعي: " لاعب الشطرنج، وغيره - إذا لم يكن على وجه القمار - ~~لا ترد شهادته إذا كان عدلا، ولم تظهر منه ريبة، ولا كبيرة، ~~فإن لعب بها قمارا، وكان معروفا بذلك، سقطت عدالته، لأكله المال ~~بالباطل، وقال أبو حنيفة: " يكره اللعب بالشطرنج، والنرد، والأربعة ~~عشر، وكل اللهو فإن لم تظهر من اللاعب بها كبيرة، وكانت مساوئه ~~قليلة، قبلت شهادته ". # قال ابن العربي: " قال الشافعية: إن الشطرنج يخالف النرد، لأن ~~فيه إكدار الفكر، واستعمال القريحة، وأما النرد: فلا يعلم ما يخرج ~~له، فهو كالاستقسام بالأزلام ". وأن النرد هو الذي يعرف بالباطل، ~~ويعرف في الجاهلية بالأزلام، ويعرف أيضا بالنردشير، وروي أن ابن ~~عمر، مر بغلمان يعلبون بالكجة، وهي حفر فيها حصى، يلعبون بها، ~~فسدها ابن عمر، ونهاهم عنها. # ذكر الهروي في باب الكاف مع الجيم، في حديث ابن عباس: في كل شيء ~~قمار، حتى في لعب الصبيان ms4630 بالكجة، وقال ابن الأعرابي: " الكجة هي: ~~أن يأخذ الصبي خرقة، فيدورها كأنها كرة ثم يتقامرون بها ". # قوله: " كذلك حقت ": الكاف في محل نصب، نعتا لمصدر محذوف، ~~والإشارة بذلك إلى المصدر المفهوم من " تصرفون " ، أي: مثل صرفهم ~~عن الحق، بعد الإقرار به، في قوله - تعالى -: { فسيقولون الله ~~} ، وقيل إشارة إلى الحق. قال الزمخشري: " كذلك: مثل ذلك الحق حقت ~~كلمة ربك ". قوله: { أنهم لا يؤمنون } فيه أربعة أوجه: # أحدها: أنها في محل رفع؛ بدلا من " كلمة " ، أي: حق عليهم ~~انتفاء الإيمان. # الثاني: أنها في محل رفع، خبرا لمبتدأ محذوف، أي: الأمر عدم ~~إيمانهم. # الثالث: أنها في محل نصب، بعد إسقاط الحرف الجار. # الرابع: أنها في محل جر، على إعماله محذوفا، إذ الأصل: لأنهم ~~لا يؤمنون. # قال الزمخشري: " أو أراد بالكلمة، العدة بالعذاب، و { أنهم لا ~~يؤمنون } تعليل، أي: لأنهم " ، وهذا إنباء على مذهبهم. وقرأ أبو ~~عمرو، وابن كثير، والكوفيون: " كلمات " بالجمع، وكذا في آخر السورة ~~[يونس:96]، وتقدم ذلك في الأنعام، وقرأ ابن أبي عبلة: " إنهم ~~لا يؤمنون " بكسر " إن " على الاستئناف، وفيها معنى التعليل، ~~وهذا يقوي الوجه الصائر إلى التعليل. # فصل # احتج أهل السنة بهذه الآية: على أن الكفر بقضاء الله، وإرادته، لأنه ~~- تعالى - أخبر عنهم قطعا أنهم لا يؤمنون، فلو آمنوا، لكان إما أن ~~يبقى ذلك الخبر صدقا، أو لا، والأول باطل؛ لأن الخبر بأنه لا ~~يؤمن، يمتنع أن يبقى صدقا حال ما يوجد الإيمان. والثاني باطل؛ لأن ~~انقلاب خبر الله - تعالى - كذبا محال، فثبت أن صدور الإيمان منهم ~~محال، والمحال لا يكون مرادا، فثبت أنه - تعالى - ما أراد الإيمان ~~من هذا الكافر، وأنه أراد الكفر منه. # ثم نقول إن كان قوله: { فأنى تصرفون } يدل على صحة مذهب ~~القدرية، فهذه الآية الموضوعة بجنبه تدل على فساده، وقد كان الواجب ~~على الجبائي مع قوة خاطره، حين استدل بتلك الآية على صحة قوله، ~~أن يذكر هذه الحجة، ويجيب عنها حتى يحصل مقصوده، والمراد ب " الكلمة ~~": حكمة السابق على الذين فسقوا، أي: كفروا. ### || [10.34-36] ms4631 # قوله - تعالى - { قل هل من شركآئكم من يبدأ الخلق ~~ثم يعيده } الآية. هذه هي الحجة الثانية عليهم. # فإن قيل: القوم كانوا منكرين الإعادة، والحشر، والنشر، فكيف احتج ~~عليهم بذلك؟ # فالجواب: أنه - تعالى - قدم في هذه السورة ما يدل عليه، وهو وجوب ~~التمييز بين المحسن والمسيء، وهذه الدلالة دلالة ظاهرة قوية، ~~لا يمكن للعاقل دفعها؛ فلأجل قوتها، وظهورها تمسك بها، سواء ~~الخصم عليها، أو لا. # فإن قيل: لم أمر رسوله أن يعترف بذلك، والإلزام إنما يحصل لو ا ~~عترف الخصم به؟. # فالجواب: أن الدليل لما كان ظاهرا جليا، فإذا أورد على ~~الخصم في معرض الاستفهام، كأنه بنفسه يقول: الأمر كذلك، فكان هذا ~~تنبيها، على أن هذا الكلام بلغ في الوضوح، إلى حيث لا حاجة فيه إلى ~~إقرار الخصم به، وأنه سواء أقر، أو أنكر، فالأمر متقرر ظاهر. # قوله: { قل الله يبدأ الخلق }: هذه الجملة جواب لقوله: { ~~قل هل من شركآئكم من يبدأ الخلق ثم يعيده } ~~، وإنما أتى بالجواب جملة اسمية، مصرحا يجزأيها، معادا فيها ~~الخبر، مطابقا لخبر اسم الاستفهام؛ للتأكيد، والتثبيت، ولما كان ~~الاستفهام قبل هذا، لا مندوحة لهم عن الاعتراف به، جاءت الجملة محذوفا ~~منها أحد جزأيها، في قوله: # فسيقولون الله # [يونس:31]، ولم يحتج إلى التأكيد بتصريح جزأيها. # فصل # قال القرطبي: ومعنى الآية: { قل هل من شركآئكم من ~~يبدأ الخلق } ينشئه من غير أصل، ولا سبق مثال: " ثم يعيده ~~": يحييه بعد الموت كهيئته، فإن أجابوك، وإلا ف { قل الله ~~يبدأ الخلق ثم يعيده } ، ثم قال: { فأنى تؤفكون ~~} أي: تصرفون عن قصد السبيل، والمراد: التعجب منهم في الدنيا ~~من هذا الأمر الواضح الذي دعاهم الهوى والتقليد إلى مخالفته؛ لأن ~~الإخبار عن كون الأوثان آلهة كذب، وإفك الاشتغال بعبادتها، مع أنها ~~لا تستحق العبادة أيضا إفك. # قوله تعالى: { قل هل من شركآئكم من يهدي إلى ~~الحق } الآية. # وهذه حجة ثالثة. واعلم أن الاستدلال على وجود الصانع بالخلق ~~أولا، ثم بالهداية ثانيا، عادة مطردة في القرآن، قال - تعالى - ~~حكاية عن الخليل عليه الصلاة ms4632 والسلام: # الذي خلقني فهو يهدين # [الشعراء:78]، وحكى عن موسى - عليه الصلاة والسلام - في جوابه لفرعون: # ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى # [طه:50]، وأمر محمدا - عليه الصلاة والسلام - فقال: # سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي ~~قدر فهدى # [الأعلى:1-3]. # واعلم أن الإنسان له جسد وروح، فالاستدلال على وجود الصانع بأحوال ~~الجسد، هو الخلق، والاستدلال بأحوال الروح، هو الهداية. # والمقصود من خلق الجسد: حصول الهداية للروح، كما قال - تعالى -: # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ~~لعلكم تشكرون # [النحل:78]، وهذا كالتصريح بأنه تعالى إنما خلق الجسد، وأعطى ~~الحواس؛ لتكون آلة في اكتساب المعارف، والعلم. # قوله: { يهدي إلى الحق } ، قد تقدم في أول الكتاب: أن " ~~هدى " يتعدى إلى اثنين ثانيهما: إما باللام أو بإلى، وقد يحذف ~~الحرف تخفيفا [الفاتحة:6]، وقد جمع بين التعديتين هنا بحرف الجر، ~~فعدى الأول والثالث ب " إلى " ، والثاني باللام، وحذف المفعول الأول ~~من الأفعال الثلاثة، والتقدير: هل من شركائكم من يهدي غيره إلى الحق، قل ~~الله يهدي من يشاء للحق، أفمن يهدي غيره إلى الحق، وزعم الكسائي، ~~والفراء، وتبعهما الزمخشري: أن " يهدي " الأول قاصر، وأنه ~~بمعنى: اهتدى، وفيه نظر؛ لأن مقابله، وهو { قل الله يهدي ~~للحق } متعد، وقد أنكر المبرد أيضا مقالة الكسائي، والفراء، ~~وقال: لا نعرف " هدى " بمعنى: " اهتدى ". # قال شهاب الدين " الكسائي والفراء أثبتاه بما نقلاه، ولكن إنما ~~ضعف ذلك هنا؛ لما ذكرت لك من مقابلته بالمتعدي، وقد تقدم أن ~~التعدية ب " إلى " أو اللام، من باب التضمن في البلاغة، ولذلك قال ~~الزمخشري: " يقال: هداه للحق وإلى الحق، فجمع بين اللغتين " ، وقال ~~غيره: " إنما عدى المسند إلى الله باللام؛ لأنها أدل في بابها ~~على المعنى المراد من " إلى "؛ إذ أصلها لإفادة الملك، فكأن الهداية ~~مملوكة لله - تعالى - ". وفيه نظر؛ لأن المراد بقوله: { أفمن ~~يهدي إلى الحق } هو الله - تعالى -، مع تعدي الفعل المسند ~~إليه ب " إلى ". # قوله: { أحق أن يتبع }: خبر لقوله: " أفن يهدي " ، و ~~" أن " في موضع ms4633 نصب، أو جر بعد حذف الخافض، والمفضل عليه محذوف، ~~وتقدير هذا كله: أفمن يهدي إلى الحق أحق بأن يتبع ممن لا ~~يهدي. ذكر ذلك مكي بن أبي طالب، فجعل " أحق " هنا على بابها من ~~كونها للتفضيل، وقد منع أبو حيان كونها للتفضيل، فقال: و " أحق " ~~ليست للتفضيل، بل المعنى: " حقيق بأن يتبع " ، وجوز مكي أيضا ~~في المسألة وجهين آخرين: # أحدهما: أن تكون " من " مبتدأ أيضا، و " أن " في محل رفع، بدلا ~~منها بدل اشتمال، و " أحق " خبر على ما كان. # والثاني: أن يكون " أن يتبع " في محل رفع بالابتداء، و " أحق ~~" خبره مقدم عليه. وهذه الجملة خبر ل " من يهدي " ، فتحصل في ~~المسألة ثلاثة أوجه. # قوله: { أمن لا يهدي }: نسق على " أفمن " ، وجاء هنا على ~~الأفصح، من حيث إنه قد فصل بين " أم " وما عطفت عليه بالخبر، ~~كقولك: أزيد قائم أم عمرو، ومثله: # أذلك خير أم جنة الخلد # [الفرقان:15]، وهذا بخلاف قوله - تعالى -: # أقريب أم بعيد ما توعدون # [الأنبياء:109] وسيأتي هذا في موضعه، وقرأ أبو بكر عن عاصم: بكسر ياء " ~~يهدي " وهائه، وحفص بكسر الهاء دون الياء، فأما كسر الهاء؛ فلالتقاء ~~الساكنين، وذلك أن أصله " يهتدي " ، فلما قصد إدغامه سكنت ~~التاء، والهاء قبلها ساكنة، فكسرت الهاء لالتقاء الساكنين، وأبو بكر ~~أتبع الياء للهاء في الكسر، وقال أبو حاتم: في قراءة حفص " هي لغة ~~سفلى مضر ". # ونقل عن سيبويه: أنه لا يجيز " يهدي " ، ويجيز " تهدي، وإهدي ~~" ، قال: " لأن الكسرة تثقل في الياء " ، يعني: أنه يجيز كسر حرف ~~المضارعة من هذا النحو، نحو: تهدي ونهدي وإهدي، إذ لا ثقل في ~~ذلك، ولم يجزه في الياء؛ لثقل الحركة المجانسة لها عليها، وهذا فيه ~~غض من قراءة أبي بكر، لكنه قد تواتر قراءة، فهو مقبول، وقرأ أبو عمرو ~~وقالون، عن نافع: بفتح الياء، واختلاس فتحة الهاء، وتشديد الدال، وذلك ~~أنهما لما ثقلا الفتحة للإدغام، اختلسا الفتحة؛ تنبيها على أن ~~الهاء ليس أصلها الحركة، بل السكون، وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وورش: ~~بإكمال فتحة الهاء ms4634 على أصل النقل، وقد روي عن أبي عمرو، وقالوا: اختلاس ~~كسرة الهاء، على أصل التقاء الساكنين، والاختلاس للتنبيه على أن أصل ~~الهاء السكون كما تقدم، وقرأ أهل المدينة - خلا ورشا - بفتح الياء ~~وسكون الهاء وتشديد الدال، وهذه القراءة استشكلها جماعة من حيث الجمع ~~بين الساكنين، قال المبرد: " من رام هذا، لا بد أن يحرك حركة ~~خفية " قال أبو جعفر النحاس: لا يقدر أحد أن ينطق به. قال شهاب ~~الدين: " وقد قال في التيسير: " والنص عن قالون بالإسكان " ، قلت: ~~ولا بعد في ذلك؛ فقد تقدم أن بعض القراء يقرأ { نعما } ~~[النساء:58] و { لا تعدوا } [النساء:154] بالجمع بين الساكنين، ~~وتقدمت لك قراءات كثيرة، في قوله { يخطف أبصارهم } ~~[البقرة:20]، وسيأتي مثل هذا في { يخصمون } [يس:49]. # وقرأ الأخوان " يهدي " بفتح الياء، وسكون الهاء، وتخفيف الدال، من ~~هدى يهدي، وفيه قولان: # أحدهما: أن " هدى " بمعنى: اهتدى. # والثاني: أنه متعد، ومفعوله محذوف كما تقدم، وتقدم في قول ~~الكسائي، والفراء في ذلك، ورد المبرد عليهما. # وقال ابن عطية: " والذي أقول: قراءة حمزة، والكسائي؛ تحتمل أن يكون ~~المعنى: أم من لا يهدي أحدا، إلا أن يهدى ذلك الأحد بهداية الله، ~~وأما على غيرها من القراءات التي مقتضاها: أم من لا يهتدي، إلا ~~أن يهدى. فيتجه المعنى على ما تقدم " ، ثم قال: " وقيل: تم ~~الكلام عند قوله: " أم من لا يهدي " ، أي: لا يهدي غيره " ، ثم ~~قال: " إلا أن يهدى: استثناء منقطع، أي: لكنه يحتاج إلى أن ~~يهدى، كما تقول: فلان لا يسمع غيره، إلا أن يسمع، أي: لكنه ~~يحتاج إلى أن يسمع ". # انتهى، ويجوز أن يكون استثناء متصلا؛ لأنه إذ ذاك يكون فيهم ~~قابلية الهداية، بخلاف الأصنام، ويجوز أن يكون استثناء من تمام ~~المفعول له، أي: لا يهدي لشيء من الأشياء، إلا لأجل أن يهدى ~~بغيره. # قوله: " فما لكم ": مبتدأ وخبر، ومعنى الاستفهام هنا: الإنكار ~~والتعجب، أي: أي شيء لكم في اتخاذ هؤلاء؛ إذا كانوا عاجزين عن ~~هداية أنفسهم، فكيف يمكن أن يهدوا غيرهم؟ وقد تقدم: أن بعض ms4635 النحويين ~~نص على أن مثل هذا التركيب، لا يتم إلا بحال بعده، نحو: # فما لهم عن التذكرة معرضين # [المدثر:49]، # وما لنا لا نؤمن # [المائدة:84] إلى غير ذلك، وهنا لا يمكن أن تقدر الجملة بعد هذا ~~التركيب حالا؛ لأنها استفهامية، والاستفهامية لا تقع حالا. # وقوله: { كيف تحكمون }: استفهام آخر، أي: كيف تحكمون ~~بالباطل، وتجعلون لله أندادا، وشركاء؟. # فصل # المعنى: { هل من شركآئكم من يهدي }: يرشد، " إلى ~~الحق " فإذا قالوا: لا، ولا بد لهم من ذلك { قل الله يهدي ~~للحق } أي: إلى الحق { أفمن يهدي إلى الحق أحق ~~أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى } أي: الله الذي ~~يهدي إلى الحق أحق بالاتباع، أم الصنم الذي لا يهتدي، إلا أن ~~يهدى؟ فإن قيل: الأصنام جمادات لا تقبل الهداية، فكيف قال: { إلا ~~أن يهدى } ، والصنم لا يتصور أن يهتدي، ولا أن يهدى؟ # فالجواب من وجوه: # أحدها: أن المراد من قوله: { هل من شركآئكم من يبدأ ~~الخلق ثم يعيده } الأصنام، والمراد من قوله: { هل من ~~شركآئكم من يهدي إلى الحق }: رؤساء الكفر، والضلال، ~~والدعاة إليهما؛ لقوله - تعالى -: # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله # [التوبة:31] إلى قوله: # سبحانه عما يشركون # [التوبة:31] أي: أن الله - تعالى - هدى الخلق إلى الدين، بالدلائل ~~العقلية، والنقلية، وهؤلاء الدعاة لا يقدرون أن يهدوا غيرهم، ~~إلا إذا هداهم الله، فكان التمسك بدين الله، أولى من قبول قول ~~هؤلاء الجهال. # وثانيها: أن معنى الهداية في حق الأصنام: الانتقال، والهدى: عبارة عن ~~النقل والحركة، يقال: أهديت المرأة إلى زوجها، إذا انتقلت إليه، ~~والهدي: ما يهدى إلى الحرم من النعم، وسميت الهدية هدية؛ ~~لانتقالها من شخص إلى غيره، وجاء فلان يهادى بين رجلين، إذا كان يمشي ~~معتمدا عليهما؛ لضعفه وتمايله. وإذا ثبت ذلك فالمراد: أنه لا ينتقل ~~من مكان إلى مكان، إلا أن يحمل وينقل بين عجز الأصنام. # وثالثها: أنه ذكر الهداية على وجه المجاز؛ لأن المشركين لما ~~اتخذوا الأصنام آلهة، وأنها لا تشفع لهم في الآخرة، وأنهم ~~نزلوها منزلة من يعقل، ms4636 فلذلك عبر عنها كما يعبر عمن يعلم ~~ويعقل. # ورابعها: أن يحمل على التقدير، أي: أنها لو كانت بحيث يمكنها أن ~~تهدي، فإنها لا تهدي غيرها، إلا بعد أن يهديها غيرها، ثم قال: { ~~فما لكم كيف تحكمون } أي: تقضون، حين زعمتم: أن لله ~~شريكا. # قوله: { وما يتبع أكثرهم إلا ظنا } الآية. # أي: يقولون إن الأصنام آلهة، وأنها تشفع لهم في الآخرة، " ظنا ~~": لم يرد به كتاب ولا رسول. وأراد بالأكثر، جميع من يقول ذلك. # وقيل: وما يتبع أكثرهم في إقرارهم بالله إلا ظنا؛ لأنه قول غير ~~مسند إلى برهان عندهم، بل سمعوه من أسلافهم، وهذا القول أولى؛ لأنا ~~في الأول نحتاج إلى أن نفسر الأكثر بالكل. # قوله: " لا يغني ": خبر " إن " ، و " شيئا " منصوب على المصدر، ~~أي: شيئا من الإغناء، و " من الحق " نصب على الحال من " شيئا "؛ ~~لأنه في الأصل صفة له، ويجوز أن تكون " من " بمعنى " بدل " ، اي: ~~لا يغني بدل الحق، وقرأ الجمهور: " يفعلون " على الغيبة، وقرأ ~~عبد الله: " تفعلون " خطابا، وهو التفات بليغ، ومعنى الآية: إن ~~الظن لا يدفع عنهم من عذاب الله شيئا، وقيل: لا يقوم مقام العلم. # فصل # تمسك نفاة القياس بهذه الآية، فقالوا: العمل بالقياس عمل ~~بالظن، فوجب أن لا يجوز لهذه الآية، وأجيبوا: بأن الدليل الذي ~~دل على وجوب العمل بالقياس، دليل قاطع، فكان وجوب العمل بالقياس ~~معلوما، فلم يكن العمل بالقياس مظنونا، فأجابوا: بأنه لو كان الحكم ~~المستفاد من القياس يعلم كونه حكما لله - تعالى -، لكان ترك العمل به ~~كفرا؛ لقوله - تعالى -: # ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون # [المائدة:44] ولما لم يكن كذلك، بطل العمل به، ثم عبروا عن هذه ~~الحجة، فقالوا: الحكم المستفاد من القياس: إما أن يعلم كونه حكما ~~لله - تعالى -، أو يظن، أو لا يعلم ولا يظن. # والأرض باطل، وإلا لكان من لم يحكم به كافرا؛ لقوله - تعالى -: # ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون # [المائدة:44]، وبالاتفاق ليس كذلك. # والثاني: باطل؛ لأن الحكم بالظن ms4637 لا يجوز؛ لقوله - تعالى -: { ~~إن الظن لا يغني من الحق شيئا }. # والثالث: باطل؛ لأنه إذا لم يكن ذلك الحكم معلوما، ولا مظنونا، كان ~~مجرد التشهي، فكان باطلا؛ لقوله - تعالى -: # فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا ~~الشهوات # [مريم:59]. # وأجاب مثبتو القياس: بأن حاصل هذا الدليل، يرجع إلى التمسك ~~بالعمومات، والتمسك بالعمومات لا يفيد إلا الظن، فإذا دلت ~~العمومات، على المنع من التمسك بالظن، لزم كونها دالة على المنع ~~من التمسك بالظن، وما أفضى ثبوته إلى نفيه، كان متروكا. # دلت هذه الآية: على أن كل من كان ظانا في مسائل الأصول، ولم ~~يكن قاطعا؛ فإنه لا يكون مؤمنا. # فإن قيل: فقول أهل السنة: أنا مؤمن - إن شاء الله -، يمنع من ~~القطع، فوجب أن يلزمهم الكفر. # فالجواب من وجوه: # الأول: مذهب الشافعي: أن الإيمان عبارة عن مجموع الاعتقاد، ~~والإقرار، والعمل، والشك إنما هو في هذه الأعمال، هل هي موافقة ~~لأمر الله - تعالى -؟ والشك في أحد أجزاء الماهية، لا يوجب الشك في ~~تمام الماهية. # الثاني: أن الغرض من قوله: إن شاء الله، بقاء الإيمان عند الخاتمة. # الثالث: الغرض منه هضم النفس وكسرها. ### || [10.37-44] # قوله - تعالى -: { وما كان هذا القرآن أن يفترى من ~~دون الله } الآية. # لما تقدم قول القوم: # ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه # [يونس:20]، وذكروا ذلك؛ لاعتقادهم؛ أن القرآن ليس بمعجز، وأن محمدا ~~أنما أتى به من عند نفسه؛ افتعالا، واختلافا، وذكر - تعالى - أجوبة ~~كثيرة عن هذا الكلام، وامتدت تلك البيانات إلى هذا الموضع، بين - ~~تعالى - هنا: أن إتيان محمد - عليه الصلاة والسلام - بهذا القرآن، ~~ليس هو افتراء على الله - تعالى -، وإنما هو وحي نازل عليه من عند ~~الله، وأنه مبرأ عن الافتعال، والافتراء، ثم احتج على صحة هذا ~~الكلام، بقوله: # قل فأتوا بسورة مثله # [يونس:38]. # قوله: " أن يفترى ": فيه وجهان: # أحدهما: أنه خبر " كان " ، تقديره: وما كان هذا القرآن افتراء، أي: ~~ذا افتراء، إذ جعل نفس المصدر مبالغة، أو يكون بمعنى: مفترى. # والثاني: زعم بعضهم: أن " أن " هذه هي ms4638 المضمرة بعد لام الجحود، ~~والأصل: وما كان هذا القرآن ليفترى، فلما حذفت لام الجحود، ظهرت " ~~أن " ، وزعم: أن اللام، و " أن " يتعاقبان، فتحذف هذه تارة، ~~وتثبت الأخرى، وهذا قول مرغوب عنه، وعلى هذا القول، يكون خبر " كان ~~" محذوفا، و " أن " وما في حيزها، متعلقة بذلك الخبر، وقد تقدم ~~تحرير ذلك [البقرة143]، و " من دون الله " متعلق ب " يفترى " ~~والقائم مقام الفاعل ضمير عائد على القرآن. # قوله: { ولكن تصديق }: عطف على خبر " كان " ووقعت " لكن " هنا ~~أحسن موقع؛ إذ هي بين نقيضين: وهما التكذيب، والتصديق المتضمن ~~للصدق. وقرأ الجمهور: " تصديق " و " تفصيل " بالنصب، وفيه ~~أوجه:. # أحدها: العطف على خبر " كان " كما تقدم، ومثله: # ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم ولكن ~~رسول الله # [الأحزاب:40]. # والثاني: أنه خبر " كان " مضمرة، تقديره: ولكن كان تصديق، وإليه ~~ذهب الكسائي، والفراء، وابن سعدان، والزجاج، وهذا كالذي قبله في ~~المعنى. # والثالث: أنه منصوب على المفعول من أجله لفعل مقدر، أي: وما كان ~~هذا القرآن أن يفترى، ولكن أنزل للتصديق. # والرابع: أنه منصوب على المصدر بفعل مقدر أيضا، والتقدير: ولكن ~~يصدق تصديق الذي بين يديه من الكتب. # وقرأ عيسى بن عمر " تصديق " بالرفع، وكذلك التي في يوسف، ووجه ~~الرفع على خبر مبتدأ محذوف، أي: ولكن هو تصديق؛ ومثله قول الشاعر: ~~[الوافر] # 2903- ولست الشاعر السفساف فيهم # ولكن مدره الحرب العوان # برفع " مدره " ، على تقدير: أنا مدره. # وقال مكي: " ويجوز عندهما - أي الكسائي والفراء -. # الرفع على تقدير: ولكن هو تصديق " ، وكأنه لم يطلع على أنها ~~قراءة، وقد ورد في قراءات السبعة: التخفيف، والتشديد في " لكن " ~~، نحو: # ولكن الشياطين # [البقرة:102]، # ولكن الله رمى # [الأنفال:17]. # قوله: " لا ريب فيه ": فيه أوجه: # أحدها: أن يكون حالا من " الكتاب " وجاز مجيء الحال من المضاف إليه؛ ~~لأنه مفعول في المعنى، والمعنى: وتفصيل الكتاب منتفيا عنه ~~الريب. # والثاني: أنه مستأنف فلا محل له من الإعراب. # والثالث: أنه معترض بين " تصديق " ، وبين " من رب العالمين ". # قال الزمخشري: " فإن قلت: بم اتصل قوله: { لا ريب فيه من ms4639 ~~رب العالمين }؟. # قلت: هو داخل في حيز الاستدراك، كأنه قيل: ولكن تصديقا، وتفصيلا ~~منتفيا عنه الريب، كائنا من رب العالمين، ويجوز أن يراد به: ولكن ~~كان تصديقا من رب العالمين، وتفصيلا منه، لا ريب في ذلك، فيكون " من ~~رب العالمين ": متعلقا ب " تصديق " ، و " تفصيل " ، ويكون ~~" لا ريب فيه ": اعتراضا، كما تقول: زيد - لا شك فيه - كريم ". ~~انتهى. # قوله: " من رب ": يجوز فيه أوجه: # أحدها: أن يكن متعلقا ب " تصديق " أو ب " تفصيل " وتكون ~~المسألة من باب التنازع، إذ يصح أن يتعلق بكل من العاملين، من جهة ~~المعنى، وهذا هو الذي أراد الزمخشري، بقوله: فيكون " من رب ": متعلقا ~~ب " تصديق " ، و " تفصيل " ، يعني: أنه متعلق بكل منهما، من ~~حيث المعنى، وأما من حيث الإعراب، فلا يتعلق إلا بأحدهما، وأما ~~الآخر فيعمل في ضميره، كما تقدم تحريره، والإعمال هنا حينئذ إنما ~~هو للثاني، بدليل الحذف من الأول. # والوجه الثاني: أن " من رب " حال ثانية. # والثالث: أنه متعلق بذلك الفعل المقدر، أي: أنزل للتصديق من ~~رب العالمين. # فصل # المعنى: وما ينبغي لمثل هذا القرآن، أن يفترى من دون الله، كقوله: # وما كان لنبي أن يغل # [آل عمران:161]، وقيل: " أن " بمعنى: اللام، أي: وما كان هذا القرآن ~~ليفترى، كقوله: # وما كان المؤمنون لينفروا كآفة # [التوبة:122]، و # ما كان الله ليذر المؤمنين # [آل عمران:179]، و # وما كان الله ليطلعكم على الغيب # [آل عمران:179] أي: ليس وصفه هذا القرآن وصف شيء يمكن أن يفترى على ~~الله، والافتراء: الافتعال، من أفريت الأديم: إذا قدرته للقطع، ثم ~~استعمل في الكذب، كما استعمل قولهم: اختلق فلان الحديث في الكذب، ثم ~~إنه - تعالى - احتج على صحة الدعوى بأمور: # الأول: قوله: { ولكن تصديق الذي بين يديه } أي: إن ~~محمدا - عليه الصلاة والسلام - كان رجلا أميا، لم يتعلم ~~العلم، وما كانت مكة بلدة العلماء، وليس فيها شيء من كتب العلم، ثم ~~إنه - عليه الصلاة والسلام - أتى بهذا القرآن المشتمل على أقاصيص ~~الأولين، والقوم كانوا في غاية العداوة له، فلو لم تكن ms4640 هذه الأقاصيص ~~موافقة لما في التوراة، والإنجيل، لقدحوا فيه وبالغوا في الطعن، ~~فلما لم يقل أحد ذلك، مع شدة حرصهم على الطعن فيه، علمنا أنه ~~أتى بتلك الأقاصيص، مطابقة للتوراة والإنجيل، مع أنه ما طالعهما، ولا ~~تتلمذ لأحد فيهما، فدل ذلك: على أنه إنما أتى بهذه الأشياء من قبل ~~الوحي. # الحجة الثانية: أن كتب الله المنزلة، دلت على مقدم محمد صلى الله ~~عليه وسلم كما تقدم في تفسير قوله: # وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم # [البقرة:40] فكان مجيء محمد صلى الله عليه وسلم موافقا لهما في تلك ~~الكتب، ومصدقا لما فيها من الباشرة بمجيئه، فكان هذا عبارة عن تصديق ~~الذي بين يديه. # والدليل الثاني: قوله تعالى: # وتفصيل كل شيء # [يوسف:111] واعلم: أن العلوم: إما أن تكون دينية، أو ليست ~~دينية. # والقسم الأول أرفع حالا، وأعظم شأنا من القسم الثاني، والدينية: ~~إما أن تكون علم العقائد والأديان، أو علم الأعمال. # فأما علم العقائد والأديان: فهو عبارة عن معرفة ذاته، ومعرفة صفات ~~جلاله، وصفات أفعاله، وأحكامه، وأسمائه، والقرآن مشتمل على دلائل هذه ~~المسائل، وتفاريعها، وتفاصيلها على وجه لا يساويه شيء من الكتب، ولا ~~يقرب منه. # وأما علم الأعمال فهو: # إما عبارة عن علم التكاليف الظاهرة، وهو علم الفقه، ومعلوم أن جميع ~~الفقهاء إنما استنبطوا مباحثهم من القرآن. # وإما عبارة عن علم الباطن ورياضة القلوب، ففي القرآن من مباحث هذا ~~العلم، ما لا يكاد يوجد في غيره، كقوله: # خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين # [الأعراف:199]، وقوله: # إن الله يأمر بالعدل والإحسان # [النحل:90] الآية، إلى غير ذلك. # فثبت أن القرآن مشتمل على تفاصيل جميع العلوم الشريفة؛ فكان ذلك ~~معجزا. # ثم قال: { لا ريب فيه من رب العالمين } وذلك لأن ~~الكتاب الطويل المشتمل على العلوم الكثيرة؛ لا بد وأن يقع فيه نوع من ~~التناقض، وحيث خلا هذا الكتاب عنه، علمنا أنه من عند الله، قال - ~~تعالى -: # ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا # [النساء:82]. # قوله تعالى: { أم يقولون افتراه } الآية. # لما أقام الدلائل ms4641 على أن هذا القرآن، لا يليق بحاله أن يكون ~~مفترى، أعاد مرة أخرى بلفظ الاستفهام، على سبيل الإنكار، إبطال هذا ~~القول، فقال: " أم يقولون افتراه " ، وقد تقدم تقرير هذه الحجة في ~~البقرة، عند قوله: # وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا # [البقرة:23]. # قوله: " أم يقولون ": في " أم " هذه وجهان: # أحدهما: أنها منقطعة، فتقدر ب " بل " ، والهمزة عند سيبويه، ~~وأتباعه، والتقدير: بل أتقولون، انتقل عن الكلام الأول، وأخذ في إنكار ~~قول آخر. # والثاني: أنها متصلة، ولا بد حينئذ من حذف جملة؛ ليصح ~~التعادل، والتقدير: أيقرون به، أم يقولون افتراه، وقال بعضهم: " أم " ~~هذه بمنزلة الهمزة فقط، وعبر بعضهم عن ذلك، فقال: " الميم زائدة على ~~الهمزة " وهذا قول ساقط؛ إذ زيادة الميم قليلة جدا، ولا سيما هنا، ~~وزعم أبو عبيدة: " أنها بمعنى: الواو، والتقدير: ويقولون افتراه ". # قوله: " قل فأتوا ": جواب شرط مقدر، قال الزمخشري: " قل: إن ~~كان الأمر كما تزعمون، فأتوا أنتم على وجه الافتراء بسورة مثله، ~~فأنتم مثلي في العربية، والفصاحة، والأبلغية ". # وقرأ عمرو بن فائد: " بسورة مثله " بإضافة " سورة " إلى " مثله ~~" على حذف الموصول، وإقامة الصفة مقامه، والتقدير: بسورة كتاب مثله، أو ~~بسورة كلام مثله، ويجوز أن يكون التقدير: فأتوا بسورة بشر مثله، ~~فالضمير يجوز أن يعود في هذه القراءة على القرآن، وأن يعود على ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وأما في قراءة العامة؛ فالضمير للقرآن ~~فقط. # فإن قيل: لم قال في البقرة: # فأتوا بسورة من مثله # [البقرة:23]، وقال هنا: " فأتوا بسورة مثله "؟. # فالجواب: أن محمدا - عليه الصلاة والسلام - كان أميا، لم يتلمذ ~~لأحد، ولم يطالع كتابا فقال في سورة البقرة: " من مثله " أي: ~~فليأت إنسان يساوي محمدا في هذه الصفات، وعدم الاشتغال ~~بالعلوم، بسورة تساوي هذه السورة، وحيث لا يقدرون على ذلك؛ فظهور ~~مثل هذه السورة من إنسان مثل محمد - عليه الصلاة والسلام -، في عدم ~~التتلمذ والتعلم، يكون معجزا. # وهنا بين أن السورة في نفسها معجزة في نفسها؛ فإن الخلق وإن ~~تتلمذوا وتعلموا؛ فإنه لا يمكنهم الإتيان بمعارضة ms4642 سورة واحدة من ~~هذه السور؛ فلذلك قال - تعالى - ههنا: " فأتوا بسورة مثله ". # فصل # تمسك المعتزلة بهذه الآية: على أن القرآن مخلوق؛ قالوا: إنه - ~~عليه الصلاة والسلام - تحدى العرب بالقرآن؛ والمراد بالتحدي: أنه ~~يطلب الإتيان بمثله منهم؛ فإذا عجزوا عنه، ظهر كونه حجة من عند الله - ~~تعالى -، دالة على صدقه، وهذا إنما يمكن، إذا كان الإتيان بمثله صحيح ~~الوجود في الجملة، ولو كان القرآن قديما؛ لكان الإتيان بمثل القديم ~~محالا في نفس الأمر؛ فوجب ألا يصح التحدي به. # وأجيبوا: بأن القرآن اسم يقال بالاشتراك على الصفة القديمة، ~~القائمة بذات الله - تعالى -، وعلى هذه الحروف والأصوات، ولا نزاع في ~~أن هذه الكلمات المركبة من هذه الحروف والأصوات، محدثة مخلوقة، ~~والتحدي إنما وقع بها لا بالصفة القديمة. # ثم قال تعالى: { وادعوا من استطعتم }: ممن تعبدون { من ~~دون الله } ليعينوكم على ذلك، { إن كنتم صادقين } في أن ~~محمدا افتراه، والمراد منه: كيف يمكن الإتيان بهذه المعارضة، لو كانوا ~~قادرين عليها وتقريره: أن الجماعة إذا تعاونت، وتعاضدت، صارت تلك ~~العقول الكثيرة، كالعقل الواحد، فإذا توجهوا نحو شيء واحد، قدر ~~مجموعهم على ما يعجز عنه كل واحد عند انفراده، فكأنه - تعالى - يقول: ~~هب أن عقل الواحد، والاثنين منكم، لا يفي باستخراج معارضة القرآن، ~~فاجتمعوا، وليعن بعضكم بعضا في هذه المعارضة، فإذا عرفتم عجزكم حالة ~~الاجتماع، وحالة الانفراد عن هذه المعارضة، فحينئذ: يظهر أن تعذر هذه ~~المعارضة، إنما كان لأن قدرة البشر عاجزة عنها؛ فحينئذ يظهر أن ~~ذلك فعل الله، لا فعل البشر. # فظهر بما تقرر: أن مراتب تحدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالقرآن ست: # أولها: أنه تحداهم بكل القرآن، في قوله: # قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان ~~بعضهم لبعض ظهيرا # [الإسراء:88]. # وثانيها: أنه - عليه الصلاة والسلام - تحداهم بعشر سور، في قوله: # فأتوا بعشر سور مثله مفتريات # [هود:13]. # وثالثها: أنه تحداهم بسورة واحدة، في قوله: { فأتوا بسورة ~~مثله } [يونس:38]. # ورابعها: تحداهم بحديث مثله، في قوله ms4643 # فليأتوا بحديث مثله # [الطور:34]. # وخامسها: أن في تلك المراتب الأربع، كان يطلب منهم أن يأتي بالمعارضة ~~رجل، يساوي رسول الله في عدم التتلمذ والتعليم، ثم في سورة يونس: ~~طلب منهم معارضة سورة واحدة من أي إنسان، سواء تعلم العلوم، أو لم ~~يتعلمها. # وسادسا: أن في المراتب المتقدمة تحدى كل واحد من الخلق، وفي هذه ~~المرتبة تحدى مجموعهم، وجوز أن يستعين البعض بالبعض في الإتيان بهذه ~~المعارضة، كما قال: { وادعوا من استطعتم من دون الله ~~إن كنتم صادقين } [يونس:38]، فهذا مجموع الدلائل التي ذكرها ~~الله - تعالى - في إثبات أن القرآن معجز، ثم إنه - تعالى - ذكر ~~السبب الذي لأجله كذبوا القرآن. # فقال: { بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه } يعني: ~~كذبوا بالقرآن، ولم يحيطوا بعلمه. # قوله: { ولما يأتهم تأويله }: جملة حالية من الموصول، ~~أي: سارعوا إلى تكذيبه حال عدم إتيان التأويل، قال الزمخشري: " فإن قلت: ~~ما معنى التوقع في قوله - تعالى -: { ولما يأتهم تأويله ~~}؟ قلت: معناه: كذبوا به على البديهة، قبل التدبر، ومعرفة التأويل ~~" ، ثم قال أيضا: " ويجوز أن يكون المعنى: ولم يأتهم بعد تأويل ما ~~فيه من الإخبار بالغيوب، أي: عاقبته حتى يتبين لهم: أكذب هو، أم صدق ~~". انتهى. # وفي وضعه " لم " موضع " لما " نظر لما عرفت ما بينهما من الفرق، ~~ونفيت جملة الإحاطة ب " لم " ، وجملة إتيان التأويل ب " لما "؛ ~~لأن " لم " للنفي " المطلق على الصحيح، و " لما " لنفي الفعل ~~المتصل بزمن الحال، فالمعنى: أن عدم التأويل متصل بزمن ~~الإخبار. # فصل # قيل المعنى: بل كذبوا بالقرآن { ولما يأتهم تأويله } ~~أي: عاقبة ما وعد الله في القرآن؛ أنه يئول إليه أمرهم من العقوبة، ~~يريد: أنهم لم يعلموا ما يئول إليه عاقبة أمرهم. # وقيل: كلما سمعوا شيئا من القصص، قالوا: ليس في هذا الكتاب، إلا ~~أساطير الأولين، ولم يعرفوا أن المقصود منها، ليس هو نفس الحكاية، بل ~~أمور أخرى، وهي: بيان قدرة الله - تعالى - على التصرف في هذا العالم، ~~ونقل أهله من العز إلى الذل، ومن الذل إلى العز، وذلك دليل ~~على القدرة ms4644 الكاملة، وأيضا: تدل على أن الدنيا فانية غير باقية؛ ~~كما قال - تعالى -: # لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان ~~حديثا يفترى # [يوسف:111]، وأيضا فهي دلالة على العجز؛ لكون النبي - عليه الصلاة ~~والسلام - لم يتعلم، ولم يتتلمذ لأحد؛ فدل ذلك على أنه وحي من ~~الله - تعالى -، كما قال في الشعراء بعد ذكر القصص: # وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح ~~الأمين على قلبك لتكون من المنذرين # [الشعراء:192-194]، وقيل: إنهم كانوا كلما سمعوا حروف التهجي ~~في أوائل السور، ولم يفهموها، ساء ظنهم بالقرآن؛ فأجاب - تعالى - ~~بقوله: # هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات # [آل عمران:7]، وقيل: إنهم لما سمعوا القرآن ينزل شيئا فشيئا، ساء ~~ظنهم، وقالوا: لو أنزل عليه القرآن جملة واحدة؛ فأجاب - تعالى -: # كذلك لنثبت به فؤادك # [الفرقان:32]، وقيل: إن القرآن لما كان مملوءا من إثبات الحشر ~~والنشر، وكانوا ألفوا الحياة، فاستبعدوا حصول الحياة بعد الموت، ~~فكذبوا بالقرآن، وقيل: إن القرآن لما كان مملوءا بالصلاة، ~~والزكاة، والعبادات، قال القوم: إن إله العالمين غني عنا، وعن ~~طاعتنا، وأنه - تعالى - أجل من أن يأمرنا بشيء لا فائدة فيه، فأجاب ~~الله عنه، بقوله: # إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم ~~فلها # [الإسراء:7]، وبالجملة: فشبهات الكفار كثيرة؛ فهم لما رأوا القرآن ~~مشتملا على أمور عرفوا حقيقتها، ولم يطلعوا على وجه الحكمة فيها، لا ~~جرم كذبوا بالقرآن. # قوله: " كذلك ": نعت لمصدر محذوف، أي: مثل ذلك التكذيب، كذب ~~الذين من قبلهم، أي: قبل النظر، والتدبر. # وقوله: { فانظر كيف كان } كيف خبر ل " كان " ، ~~والاستفهام معلق للنظر. # قال ابن عطية: " قال الزجاج: " كيف " في موضع نصب على خبر " كان " ~~، ولا يجوز أن يعمل فيها " انظر "؛ لأن ما قبل الاستفهام لا يعمل فيه، ~~هذا قانون النحويين؛ لأنهم عاملوا " كيف " في كل مكان معاملة ~~الاستفهام المحض، في قولك " كيف زيد " ، ول " كيف " تصرفات أخرى؛ ~~فتحل محل المصدر الذي هو " كيفية " ، وتخلع معنى الاستفهام، ~~ويحتمل هذا الموضع أن يكون منها. # ومن تصرفاتها قولهم: " كن كيف شئت " ، وانظر قول البخاري: ms4645 " ~~كيف كان بدء الوحي؛ فإنه لم يستفهم ". انتهى. # فقول الزجاج: لا يجوز أن تعمل " انظر " في " كيف " ، يعني: لا تتسلط ~~عليها، ولكن هو متسلط على الجملة المنسحب عليها حكم الاستفهام، وهكذا ~~سبيل كل تعليق. # قال أبو حيان: " وقول ابن عطية: هذا قانون النحويين.. إلى آخره، ~~ليس كما ذكر، بل ل " كيف " معنيان: # أحدهما: الاستفهام المحض، وهو سؤال عن الهيئة، إلا أن يعلق عنها ~~العامل، فمعناها معنى الأسماء التي يستفهم بها إذا علق عنها العامل. # والثاني: الشرط؛ كقول العرب: " كيف تكون أكون " ، وقوله: ول " كيف " ~~تصرفات إلى آخرة ليس " كيف " تحل محل المصدر، ولا لفظ " كيفية " هو ~~مصدر؛ إنما ذلك نسبة إلى " كيف " ، وقوله: " ويحتمل أن يكون هذا ~~الموضع منها، ومن تصرفاتهم قولهم: كن كيف شئت " لا يحتمل أن يكون ~~منها؛ لأنه لم يثبت لها المعنى الذي ذكر، من كون " كيف " بمعنى: " ~~كيفية " ، وادعاء مصدرية " كيفية ". # وأما " كن كيف شئت ": ف " كيف " ليست بمعنى: " كيفية "؛ ~~وإنما هي شرطية، وهو المعنى الثاني الذي لها، وجوابها محذوف، ~~التقدير: كيف شئت فكن؛ كما تقول: " قم متى شئت " ، ف " متى " ~~اسم شرط ظرف لا يعمل فيه " قم " ، والجواب محذوف، تقديره: متى شئت ~~فقم، وحذف الجواب؛ لدلالة ما قبله عليه؛ كقولهم: " اضرب زيدا إن ~~أساء إليك " ، التقدير: إن أساء إليك فاضربه، وحذف " فاضربه " ~~لدلالة " اضرب " المتقدم عليه، وأما قول البخاري: " كيف كان ~~بدء الوحي "؛ فهو استفهام محض: # إما على سبيل الحكاية؛ كأن سائلا سأله، فقال: كيف كان بدء ~~الوحي. # وإما أن يكون من قوله هو، كأنه سأل نفسه: كيف كان بدء الوحي، ~~فأجاب بالحديث الذي فيه كيفية ذلك ". # وقوله: " الظالمين " من وضع الظاهر موضع المضمر، ويجوز: أن ~~يراد به ضمير من عاد عليه ضمير " بل كذبوا " ، وأن يراد به { ~~الذين من قبلهم }. # ومعنى الآية: أنهم طلبوا الدنيا، وتركوا الآخرة، فبقوا في ~~الخسار العظيم، وقيل: المراد: عذاب الاستئصال الذي نزل بالأمم ~~السابقة. # قوله تعالى: { ومنهم من يؤمن به } الآية. # لما قال: { فانظر كيف كان عاقبة الظالمين } والمراد ms4646 ~~منه: تسليط العذاب عليهم في الدنيا، أتبعه بقوله: { ومنهم من ~~يؤمن به } تنبيها على أن الصلاح عنده - تعالى - كان في هذه ~~الطائفة، والأقرب: أن الضمير في قوله " به " يرجع إلى " العذاب "؛ ~~لأنه المذكور من قبل، وقيل إلى: القرآن، واختلفوا في قوله: { ومنهم ~~من يؤمن به } لأن " يؤمن " يصلح للحال، والاستقبال، فحمله ~~بعضهم على الحال، أي: ومنهم من يؤمن بالقرآن باطنا؛ لكنه يتعمد ~~الجحد. # ومنهم من باطنه كظاهره. # وقيل: المراد: الاستقبال، أي: ومنهم من يؤمن به في المستقبل؛ بأن يتوب ~~عن الكفر، ومنهم من يصر على الكفر. # { وربك أعلم بالمفسدين } أي: بأحوالهم، أي: هل يبقوا ~~على الكفر أو يتوبوا. # ثم قال: { وإن كذبوك فقل لي عملي } ، وجزاؤه " ولكم ~~عملكم " ، وجزاؤه { أنتم بريئون ممآ أعمل وأنا ~~بريء مما تعملون } [يونس:41]، هذا كقوله - تعالى -: # لنآ أعمالنا ولكم أعمالكم # [الشورى:15]، ومعنى الكلام: الردع والزجر، وقيل: معناه: استمالة قلوبهم، ~~قال مقاتل والكلبي: " هذه الآية منسوخة بآية السيف " ، وهذا بعيد؛ ~~لأن شرط الناسخ أن يكون رافعا لحكم المنسوخ، ومدلول هذه الآية: ~~اختصاص كل واحد بأفعاله، وثمراتها من الثواب والعقاب، وذلك لا يقتضي ~~حرمة القتال، فآية القتال ما رفعت شيئا من مدلولات هذه الآية، فكان ~~القول بالنسخ باطلا. # قوله تعالى: { ومنهم من يستمعون إليك } الآية. # لما قسم الكفار في الآية الأولى إلى: " من يؤمن، ومن لا يؤمن، ~~قسم من لا يؤمن ههنا إلى قسمين: منهم من يكون في نهاية البغض ~~والعداوة، ومنهم من لا يكون كذلك، فوصف ههنا القسم الأول، فقال: { ~~ومنهم من يستمعون إليك } مع أنه يكون كالأصم، من ~~حيث إنه لا ينتفع ألبتة بذلك الكلام، فإن الإنسان إذا قوي بغضه ~~لإنسان آخر، كان معرضا عن سماع كلامه، ولا يلتفت إليه، كما أن ~~الصمم في الأذن يمنع إدراك الصوت، والعمى في العين يمنع إدراك البصر، ~~فكذا البغض الشديد يمنع من الوقوف على محاسن كلامه، ويمنع الوقوف على ~~محاسن من يعاديه. # قوله: " من يستمعون ": مبتدأ، وخبره الجار قبله، وأعاد الضمير ~~جمعا؛ مراعاة لمعنى " من " ، والأكثر مراعاة لفظه، ms4647 كقوله: { ومنهم ~~من ينظر إليك } [يونس:43]. # قال ابن عطية: " جاء ينظر على لفظ " من " ، وإذا جاء على لفظها، ~~فجائز أن يعطف عليه آخر على المعنى، وإذا جاء أولا على معناها، فلا ~~يجوز أن يعطف بآخر على اللفظ؛ لأن الكلام يلبس حينئذ ". # قال أبو حيان: " وليس كما قال، بل يجوز أن تراعي المعنى أولا، ~~فتعيد الضمير على حسب ما تريد به من المعنى: من تأنيث، وتثنية، ~~وجمع، ثم تراعي اللفظ فتعيد الضمير مفردا مذكرا، وفي ذلك تفصيل تقدم ~~أول البقرة [البقرة8]. # فصل # أخبر - تعالى - في الآية أن الإيمان، والتوفيق به لا بغيره، فقال: { ~~ومنهم من يستمعون إليك } بأسماعهم الظاهرة، ولا ينفعهم، ~~{ أفأنت تسمع الصم } يريد: صمم القلب { ولو كانوا لا ~~يعقلون ومنهم من ينظر إليك }: بعينه الظاهرة ولا ~~ينفعه، { أفأنت تهدي العمي } يريد: عمى القلب، { ولو ~~كانوا لا يبصرون } وهذه التسلية من الله - عز وجل - ~~لنبيه - عليه الصلاة والسلام - يقول: إنك لا تقدر أن تسمع من سلبته ~~السمع، ولا أن تهدي من سلبته البصر، ولا أن توفق للإيمان من حكمت ~~عليه بأنه لا يؤمن. والمقصود: إعلام الرسول - عليه الصلاة ~~والسلام -: بأنهم قد بلغوا في معرض العقل، إلى حيث لا يقبلون العلاج، ~~فالطبيب إذا رأى مريضا لا يقبل العلاج، أعرض عنه، ولم يستوحش من ~~عدم قبوله للعلاج، فكذلك أنت لا تستوحش من حال هؤلاء الكفار. # فصل # احتج أهل السنة بهذه الآية: على أن أفعال العباد من الله؛ لأن ~~الآية دلت على: أن قلوب الكفار بالنسبة إلى الإيمان، كالأصم ~~بالنسبة إلى استماع الكلام. وكالأعمى بالنسبة إلى نظر الأشياء، فكما ~~أن هذا ممتنع؛ فكذلك حصول الإيمان في القلب ليس باختيار الإنسان، ~~واحتج المعتزلة على صحة قولهم، بقوله - تعالى - بعدها: { إن ~~الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم ~~يظلمون } [يونس:44] فدل ذلك على: أنه - تعالى ما ألجأ أحدا ~~إلى فعل القبائح، ولكنهم يقدمون عليها باختيارهم، وأجاب الواحدي: " ~~بأنه - تعالى - إنما نفى الظلم عن نفسه؛ لأنه يتصرف في ملك نفسه، ~~ومن كان كذلك، لم يكن ms4648 ظالما، وإنما قال: { ولكن الناس ~~أنفسهم يظلمون } لأن الفعل منسوب إليهم بسبب الكسب ". # فصل # احتج ابن قتيبة بهذه الآية، على أن السمع أفضل من البصر؛ لأنه ~~- تعالى - قرن بذهاب السمع، ذهاب العقل، ولم يقرن بذهاب النظر، ~~إلا ذهاب البصر، فكان السمع أفضل من البصر، ورده ابن الأنباري: ~~بأن الذي نفاه الله من السمع، بمنزلة ما نفاه من البصر؛ لأنه - ~~تعالى - أراد إبصار القلوب، ولم يرد إبصار العيون، والذي يبصره ~~القلب، هو الذي يعقله. # واحتج ابن قتيبة بحجة أخرى، فقال: كلما ذكر الله السمع في ~~القرآن، فإنه غالبا يقدم السمع على البصر، فدل على أن السمع ~~أفضل من البصر، وذكر بعض الناس في تفضيل السمع على البصر وجوها أخر. # أحدها: أن العمى قد وقع في حق الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -، ~~وأما الصمم فغير جائز عليهم؛ لأنه يخل بأداء الرسالة؛ لأنه ~~إذا لم يسمع كلام السائلين، تعذر عليه الجواب، فيعجز عن تبليغ ~~الشرائع. # وثانيها: أن القوة السامعة تدرك المسموع من جميع الجهات، والقوة ~~الباصرة لا تدرك المرئي إلا من الجهة المقابلة وحدها. # وثالثها: أن الإنسان إنما يستفيد العلم من أستاذه، وذلك لا يمكن ~~إلا بقوة السمع، ولا يتوقف على قوة البصر، فكان السمع أفضل. # ورابعها: أنه - تعالى - قال: # إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى ~~السمع وهو شهيد # [ق:37]، والمراد بالقلب ههنا: العقل، فجعل السمع قرينا للعقل، ~~ويؤيده قوله - تعالى -: # وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في ~~أصحاب السعير # [الملك:10] فجعلوا السمع سببا للخلاص من عذاب السعير. # وخامسها: أن المعنى الذي به يمتاز الإنسان عن سائر الحيوانات؛ هو ~~النطق والكلام، وإنما ينتفع بذلك القوة السامعة، فمتعلق السمع: ~~النطق الذي شرف الإنسان به، ومتعلق البصر: إدراك الألوان والأشكال، ~~وذلك أمر يشترك فيه الناس، وسائر الحيوانات؛ فوجب أن يكون السمع أفضل ~~من البصر. # وسادسها: أن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - يراهم الناس، ~~ويسمعون كلامهم؛ فنبوتهم ما حصلت بما معهم من الصفات المرئية، ~~وإنما حصلت بما معهم من الأقوال المسموعة، وهو ms4649 تبليغ الشرائع والأحكام؛ ~~فوجب أن يكون المسموع أفضل من المرئي؛ فلزم كون السمع أفضل من البصر. # وقال آخرون: البصر أفضل من السمع لوجوه: # الأول: قولهم في المثل: " ليس وراء العيان بيان " ، فدل على: أن ~~أكمل وجوه الإدراك هو البصر. # الثاني: أن آلة القوة الباصرة، هو النور، وآلة القوة السامعة هي ~~الهواء، والنور أشرف من الهواء، فالقوة الباصرة أشرف من القوة ~~السامعة. # الثالث: أن عجائب حكمة الله - تعالى -، في تخليق العين التي هي محل ~~الإبصار؛ أكثر من عجائب خلقته في الأذن، التي هي محل السماع، فإنه - ~~تعالى - جعل تمام روح واحد من الأرواح السبعة الدماغية من العصب، ~~آلة للإبصار، وركب العين من سبع طبقات، وثلاث رطوبات، وجعل لحركات ~~العين عضلات كثيرة على صور مختلفة. والأذن ليس كذلك، وكثرة العناية في ~~تخليق الشيء، يدل على أنه أفضل من غيره. # الرابع: أن البصر يرى ما حصل فوق سبع سماوات، والسمع لا يدرك ما بعد منه ~~على فرسخ؛ فكان البصر أقوى وأفضل، وبهذا البيان يدفع قولهم: إن ~~السمع يدرك من كل الجوانب، والبصر لا يدرك إلا من الجانب الواحد. # الخامس: أن كثيرا من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - سمع كلام ~~الله في الدنيا، واختلفوا: هل رآه أحد في الدنيا أم لا؟ وأيضا: ~~فإن موسى أسمعه كلامه من غير سبق سؤال، ولما سأل الرؤية، قال: # لن تراني # [الأعراف:143] فدل على أن حال الرؤية أعلى من حال السمع. # السادس: قال ابن الأنباري: كيف يكون السمع أفضل من البصر، وبالبصر ~~يحصل جمال الوجه، وبذهابه عيبه، وذهاب السمع لا يورث الإنسان عيبا، ~~والعرب تسمي العينين الكريمتين، ولا تصف السمع بمثل هذا، ومنه الحديث؛ ~~يقول الله: # " من أذهبت كريمتيه، فصبر واحتسب، لم أرض له ثوابا دون الجنة ". # قوله تعالى: { لا يظلم الناس شيئا } يجوز أن ينتصب " شيئا ~~" على المصدر، أي: شيئا من الظلم، قليلا ولا كثيرا، وأن ينتصب ~~مفعولا ثانيا ل " يظلم " ، بمعنى: لا ينقص الناس شيئا من ~~أعمالهم. # قوله: { ولكن الناس } قرأ الأخوان: بتخفيف " لكن " ومن ضرورة ~~ذلك: كسر ms4650 النون؛ لالتقاء الساكنين وصلا، ورفع " الناس " ، ~~والباقون بالتشديد ونصب " الناس " ، وتقدم توجيه ذلك في البقرة [102]، ~~ومعنى { لا يظلم الناس شيئا }؛ لأنه في جميع أفعاله متفضل، ~~وعادل، { ولكن الناس أنفسهم يظلمون }: بالكفر ~~والمعصية. ### || [10.45-46] # قوله تعالى: { ويوم يحشرهم } الآية. # لما وصف الكفار بقلة الإصغاء، وترك التدبر؛ أتبعه بالوعيد، فقال: { ~~ويوم يحشرهم }. " يوم " منصوب على الظرف، وفي ناصبه أوجه: # أحدها: أنه منصوب بالفعل الذي تضمنه قوله: { كأن لم ~~يلبثوا }. # الثاني: أنه منصوب ب " يتعارفون ". # الثالث: أنه منصوب بمقدر، أي: اذكر يوم. # وقرأ الأعمش، وحفص عن عاصم: " يحشرهم " بياء الغيبة، والضمير لله ~~تعالى لتقدم اسمه في قوله: # إن الله لا يظلم # [يونس:44]. # قوله: { كأن لم يلبثوا } تقدم الكلام على " كأن " هذه، ~~وهي المخففة من الثقيلة، والتقدير: كأنهم لم يلبثوا؛ فخفف، ~~كقوله: وكأن قد، ولكن اختلفوا في محل هذه الجملة على أوجه: # أحدها: أنها في محل نصب صفة للظرف، وهو " يوم " ، قاله ابن عطية. # قال أبو حيان: " لا يصح؛ لأن يوم يحشرهم معرفة والجمل نكرات، ولا ~~تنعت المعرفة بالنكرة، لا يقال: إن الجمل التي يضاف إليها أسماء ~~الزمان نكرة على الإطلاق؛ لأنها إن كانت في التقدير تنحل إلى ~~معرفة، فإن ما أضيف إليها يتعرف، وإن كانت تنحل إلى نكرة، كان ما ~~أضيف إليها نكرة، تقول: " مررت في يوم قدم زيد الماضي " ، فتصف " ~~يوم " بالمعرفة، و " جئت ليلة قدم زيد المباركة علينا " ، وأيضا: فكأن ~~لم يلبثوا، لا يمكن أن يكون صفة لليوم من جهة المعنى، لأن ذلك من وصف ~~المحشورين، لا من وصف يوم حشرهم. وقد تكلف بعضهم تقدير رابط يربطه، ~~فقدره: " كأن لم يلبثوا قبله " ، فحذف " قبله " ، أي: قبل اليوم، ~~وحذف مثل هذا الرابط لا يجوز ". # قال شهاب الدين: قوله: " بعضهم " ، هو مكي بن أبي طالب؛ فإنه قال: ~~" الكاف وما بعدها من " كأن " صفة لليوم، وفي الكلام حذف ضمير يعود ~~على الموصوف، تقديره: كأن لم يلبثوا قبله؛ فحذف " قبله " ، فصارت ~~الهاء متصلة ب " يلبثوا " ، فحذفت لطول الاسم كما تحذف من ~~الصلات " ، ونقل هذا التقدير ms4651 أيضا: أبو البقاء، ولم يسم قائله، ~~فقال: " وقيل " ، فذكره. # والوجه الثاني: أن تكون الجملة في محل نصب على الحال، من مفعول " ~~يحشرهم " أي: يحشرهم مشبهين بمن لم يلبث إلا ساعة، هذا تقدير ~~الزمخشري، وممن جوز أيضا الحالية: ابن عطية، ومكي، وأبو ~~البقاء، وجعله بعضهم هو الظاهر. # الوجه الثالث: أن تكون الجملة نعتا لمصدر محذوف، والتقدير: يحشرهم ~~حشرا، كأن لم يلبثوا، ذكر ذلك ابن عطية، وأبو البقاء، ومكي، ~~وقدر مكي، وأبو البقاء: العائد محذوفا، كما قدراه حال جعلهما ~~الجملة صفة لليوم، وقد تقدم ما في ذلك. # الرابع: قال ابن عطية: " ويصح أن يكون قوله: { كأن لم ~~يلبثوا } كلاما مجملا " ولم يبين الفعل الذي يتضمنه { ~~كأن لم يلبثوا } ، قال أبو حيان: " ولعله أراد ما قاله ~~الحوفي؛ من أن الكاف في موضع نصب، بما تضمنته من معنى الكلام، ~~وهو السرعة ". انتهى. # قال: " فيكون التقدير: ويوم يحشرهم يسرعون كأن لم يلبثوا " ~~، فيكون " يسرعون ": حالا من مفعول " يحشرهم " ، ويكون " كأن لم ~~يلبثوا ": حالا من فاعل " يسرعون " ، ويجوز أن تكون " كأن لم ~~": مفسرة ل " يسرعون " المقدرة. # فصل # قال الضحاك: كأن لم يلبثوا في الدنيا، إلا ساعة من النهار، ~~وقال ابن عباس: كأن لم يلبثوا في قبورهم، إلا قدر ساعة من النهار، ~~قال القاضي: الأول أولى، لوجهين: # أحدهما: أن حال المؤمنين كحال الكافرين: في أنهم لا يعرفون مقدار ~~لبثهم بعد الموت إلى وقت الحشر؛ فيجب أن يحمل ذلك على أمر يختص به ~~الكفار؛ وهو أنهم لما لم ينتفعوا بعمرهم استقلوه، والمؤمن ~~لما انتفع بعمره؛ فكأنه لا يستقله. # الثاني: أنه قال: { يتعارفون بينهم } والتعارف إنما ~~يضاف إلى حال الحياة، لا إلى حال الموت، وفي سبب هذا الاستقلال وجوه: # الأول: قال أبو مسلم: إنهم لما ضيعوا أعمارهم في طلب الدنيا، ~~والحرص على لذاتها؛ لم ينتفعوا بعمرهم ألبتة، فكان وجود ذلك ~~العمر كالعدم كما تقدم؛ فلهذا استقلوه، ونظيره قوله - تعالى -: # وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر # [البقرة:96]. # الثاني: قال الأصم: إنهم لما شاهدوا أهوال الآخرة وعظمها، عظم ~~خوفهم، فنسوا ms4652 أمور الدنيا، والإنسان إذا عظم خوفه، نسي الأمور ~~الظاهرة. # الثالث: قل عندهم مقامهم في الدنيا، في جنب مقامهم في الآخرة. # الرابع: قل عندهم في الدنيا؛ لطول وقوفهم في الحشر. # قوله: " يتعارفون " فيه أوجه: # أحدها: أن الجملة في محل نصب على الحال من فاعل " يلبثوا ". # قال الحوفي: " يتعارفون ": فعل مستقبل في موضع الحال من الضمير ~~في " يلبثوا " ، وهو العامل، كأنه قال: متعارفين، والمعنى: اجتمعوا ~~متعارفين. # والثاني: أنها حال من مفعول " يحشرهم " أي: يحشرهم متعارفين، ~~والعامل فعل الحشر، وعلى هذا فمن جوز تعدد الحال، جوز أن تكون ~~" كأن لم ": حالا أولى، وهذه حال ثانية، ومن منع ذلك، جعل " كأن ~~لم " على ما تقدم من غير الحالية. # قال أبو البقاء: " وهي حال مقدرة؛ لأن التعارف لا يكون حال ~~الحشر ". # والثالث: أنها مستأنفة؛ أخبر - تعالى - عنهم بذلك. # قال الزمخشري: " فإن قلت: كأن لم يلبثوا إلا ساعة " ، و " ~~يتعارفون " كيف موقعهما؟ # قلت: أما الأولى: فحال منهم، أي: يحشرهم مشبهين بمن لم ~~يلبث إلا ساعة. # وأما الثانية: فإما أن تتعلق بالظرف - يعني فتكون حالا -، وإما ~~أن تكون مبينة لقوله: { كأن لم يلبثوا إلا ساعة }؛ ~~لأن التعارف لا يبقى مع طول العهد، وينقلب تناكرا ". # فصل # في هذا التعارف وجوه: # الأول: يعرف بعضهم بعضا كما كانوا في الدنيا. # الثاني: يعرف بعضهم بعضا بما كانوا عليه من الخطأ والكفر، ثم تنقطع ~~المعرفة إذا عاينوا العذاب، وتبرأ بعضهم من بعض. # فإن قيل: كيف توافق هذه الآية قوله: # ولا يسأل حميم حميما # [المعارج:10]. # فالجواب من وجهين: # أحدهما: أنهم يتعارفون بينهم بتوبيخ بعضهم بعضا؛ فيقول كل فريق ~~للآخر: أنت أضللتني يوم كذا، وزينت لي الفعل القبيح الفلاني، فهو ~~تعارف توبيخ، وتباعد، وتقاطع، لا تعارف عطف، وشفقة. # وأما قوله: # ولا يسأل حميم حميما # [المعارج:10] فهو سؤال رحمة، وعطف. # والثاني: أن تحمل هاتين الآيتين على حالتين؛ وهو أنهم يتعارفون إذا ~~بعثوا ثم تنقطع المعرفة؛ فلذلك لا يسأل حميم حميما. # قوله: " قد خسر " فيها وجهان: # أحدهما: أنها مستأنفة، أخبر - تعالى - بأن المكذبين بلقائه ~~خاسرون لا ms4653 محالة؛ ولذلك أتى بحرف التحقيق، ويكون هذا شهادة عليهم من ~~الله بالخسران، والمعنى: أنه من باع آخرته بدنياه، فقد خسر؛ لأنه ~~أعطى الشريف الباقي، في أخذ الخسيس الفاني. # والثاني: أن يكون في محل نصب بإضمار قول، أي: قائلين قد خسر ~~الذين. ثم لك في هذا القول المقدر وجهان: # أحدهما: أنه حال من مفعول " يحشرهم " أي: يحشرهم قائلين ذلك. # والثاني: أنه حال من فاعل " يتعارفون " ، وقد ذهب إلى الاستئناف ~~والحالية من فاعل " يتعارفون ": الزمخشري؛ فإنه قال: " هو ~~استئناف فيه معنى التعجب، كأنه قيل: " ما أحشرهم " ، ثم قال: " ~~قد خسر " على إرادة القول، أي: يتعارفون بينهم قائلين ذلك " ، ~~وذهب إلى أنها حال من مفعول " يحشرهم ": ابن عطية. # قوله: { وما كانوا مهتدين } يجوز فيها وجهان: # أحدهما: أن تكون معطوفة على قوله: " قد خسر " ، فيكون حكمه ~~حكمه. # والثاني: أن تكون معطوفة على صلة " الذين " ، وهي كالتوكيد للجملة ~~التي وقعت صلة؛ لأن من كذب بلقاء الله، غير مهتد، والمراد ~~بالخسران: خسران النفس ولا شيء أعظم منه. # قوله: { وإما نرينك } تقدم الكلام على " إما " هذه ~~[البقرة38]، وقال ابن عطية: " ولأجلها، أي: لأجل زيادة " ما " ، جاز ~~دخول النون الثقيلة، ولو كانت " إن " وحدها لم يجز " أي: إن ~~توكيد الفعل بالنون مشروط بزيادة " ما " بعد " إن " ، وهو مخالف ~~لظاهر كلام سيبويه، وقد جاء التوكيد في الشرط بغير " إن "؛ كقوله: ~~[الكامل] # 2904- من نثقفن منهم فليس بآيب # أبدا وقتل بني قتيبة شافي # قال ابن خروف: أجاز سيبويه: الإتيان ب " ما " ، وألا يؤتى بها، ~~والإتيان بالنون مع " ما " ، وألا يؤتى بها، والإراءة هنا بصرية؛ ~~ولذلك تعدى الفعل إلى اثنين بالهمزة، أي: نجعلك رائيا بعض ~~الموعودين، أو بمعنى: الذي نعدهم من العذاب، أو نتوفينك قبل أن ~~نريك ذلك، فإنك ستراه في الآخرة. # قال مجاهد: فكان البعض الذي رآه قتلهم ببدر، وسائر أنواع العذاب بعد ~~موته. # قوله: { فإلينا مرجعهم } مبتدأ وخبر، وفيه وجهان: # أظهرهما: أنه جواب للشرط، وما عطف عليه، إذ معناه صالح لذلك، ~~وإلى هذا ذهب الحوفي، وابن عطية. # والثاني: أنه جواب ms4654 لقوله: " أو نتوفينك " ، وجواب الأول ~~محذوف. # قال الزمخشري: " كأنه قيل: وإما نرينك بعض الذي نعدهم فذاك، ~~أو نتوفينك قبل أن نريك، فنحن نريك في الآخرة ". # قال أبو حيان: " فجعل الزمخشري في الكلام شرطين لهما جوابان، ولا ~~حاجة إلى تقدير جواب محذوف؛ لأن قوله: { فإلينا مرجعهم } ~~صالح لأن يكون جوابا للشرط، والمعطوف عليه، وأيضا: فقول ~~الزمخشري: " فذاك " هو اسم مفرد، لا ينعقد منه جواب شرط، فكان ~~ينبغي أن يأتي بجملة يصح منها جواب الشرط، إذ لا يفهم من قوله: " ~~فذاك " الجزء الذي حذف، وهو الذي تحصل به فائدة الإسناد ". # قال شهاب الدين: " قد تقرر: أن اسم الإشارة قد يشار به إلى شيئين ~~فأكثر، وهو بلفظ الإفراد؛ فكأن ذاك واقع موقع الجملة الواقعة ~~جوابا، ويجوز أن يكون قد حذف الخبر؛ لدلالة المعنى عليه، إذ ~~التقدير: فذاك المراد، أو المتمنى، أو نحوه ". # وقوله: " إذ لا يفهم الجزء الذي حذف " إلى آخره، ممنوع، بل هو ~~مفهوم كما بينا؛ وهو شيء يتبادر إلى الذهن. # قوله: { ثم الله شهيد } " ثم " ليست هنا للترتيب الزماني، ~~بل هي لترتيب الأخبار، لا لترتيب القصص في أنفسها، قال أبو البقاء: " ~~كقولك: زيد عالم، ثم هو كريم ". # وقال الزمخشري: " فإن قلت: الله شهيد على ما يفعلون في الدارين، ~~فما معنى " ثم "؟. # قلت: ذكرت الشهادة، والمراد: مقتضاها، ونيتجتها، وهو العقاب؛ كأنه ~~قيل: ثم الله معاقب على ما يفعلون ". # وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة: " ثم " بفتح الثاء، جعله ظرفا لشهادة ~~الله؛ فيكون " ثم " منصوبا ب " شهيد " أي: الله شهيد عليهم في ~~ذلك المكان، وهو مكان حشرهم، ويجوز أن يكون ظرفا ل " مرجعهم " أي: ~~فإلينا مرجعهم، يعني: رجوعهم في ذلك المكان، الذي يثاب فيه ~~المحسن، ويعاقب فيه المسيء. ### || [10.47-49] # قوله - تعالى -: { ولكل أمة رسول } الآية. # لما بين حال محمد - عليه الصلاة والسلام - في قومه، بين أن حال ~~كل الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - مع أقوامهم كذلك. # والآية تدل على أن كل جماعة ممن تقدم، قد بعث الله إليهم ~~رسولا، ولم يهمل أمة من الأمم ويؤيده ms4655 قوله - تعالى -: # وإن من أمة إلا خلا فيها نذير # [فاطر:24]. # فإن قيل: كيف يصح هذا مع ما يعلمه من أحوال الفترة؟. # فالجواب: أن الدليل الذي ذكرناه، لا يوجب أن يكون الرسول حاضرا ~~مع القوم؛ لأن تقدم الرسول لا يمنع من كونه رسولا إليهم، كما لا يمنع ~~تقدم رسولنا، من كونه مبعوثا إلينا إلى آخر الأبد. # وفي الكلام إضمار تقديره: فإذا جاء رسولهم وبلغ، وكذبه قوم وصدقه ~~آخرون، قضي بينهم، أي: حكم وفصل. # والمراد من الآية: # إما بيان: أن الرسول إذا بعث إلى كل أمة، فإنه بالتبليغ، ~~وإقامة الحجة يزيح عللهم، ولم يبق لهم عذر؛ فيكون ما يعذبون ~~به في الآخرة عدلا لا ظلما، ويدل عليه قوله: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء:15]، وقوله: # رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على ~~الله حجة بعد الرسل # [النساء:165]. # وإما أن يكون المراد: أن القوم إذا اجتمعوا في الآخرة، جمع الله ~~بينهم وبين رسلهم وقت المحاسبة، وبيان الفصل بين المطيع والعاصي؛ ~~ليشهد عليهم بما شاهد منهم؛ وليقع منهم الاعتراف بأنه بلغ رسالات ~~ربه، ويدل عليه قوله - تعالى -: # لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول ~~عليكم شهيدا # [البقرة:143]. # قوله تعالى: { ويقولون متى هذا الوعد } الآية. # هذه شبهة خامسة من شبهات منكري النبوة؛ فإنه - عليه الصلاة والسلام ~~- كلما هددهم بنزول العذاب، ومر زمان ولم يظهر ذلك العذاب، ~~قالوا: متى هذا الوعد، فاحتجوا بعدم ظهوره، على القدح في نبوته، ~~واعلم: أنهم قالوا ذلك على وجه التكذيب للرسول - عليه الصلاة ~~والسلام - لما أخبرهم بنزول العذاب على الأعداء، وبنصرة الأولياء ~~- أو على وجه الاستبعاد، وتدل الآية على أن كل أمة قالت لرسولها ~~مثل ذلك القول؛ بدليل قوله - تعالى - { إن كنتم صادقين } لأنه ~~جمع، وهو موافق لقوله: { ولكل أمة رسول }. # ثم إنه - تعالى - أمره بأن يجيب عن هذه الشبهة بجواب يحسم ~~المادة، وهو قوله: { قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا ~~إلا ما شآء الله } والمعنى: أن إنزال العذاب على الأعداء، ~~وإظهار النصرة للأولياء لا يقدر عليه إلا الله - سبحانه ms4656 -، وأنه - ~~تعالى - ما عين لذلك وقتا معينا، بل تعيين الوقت مفوض إلى الله - ~~سبحانه - بحسب مشيئته. # قوله: { إلا ما شآء الله } فيه وجهان: # أحدهما: أنه استثناء متصل، تقديره: إلا ما شاء الله أن أملكه، ~~وأقدر عليه. # والثاني: أنه منقطع، قال الزمخشري: " هو استثناء منقطع، أي: ولكن ~~ما شاء الله من ذلك كائن، فكيف أملك لكم الضرر وجلب العذاب؟ ". # فصل # احتج المعتزلة بقوله: { قل لا أملك لنفسي ضرا ولا ~~نفعا إلا ما شآء الله } بأن هذا الاستثناء، يدل على أن ~~العبد لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، إلا الطاعة والمعصية، فهذا ~~الاستثناء يدل على كون العبد مستقبلا بهما. # وأجيبوا: بأن هذه الاستثناء منقطع، والتقدير: ولكن ما شاء الله من ~~ذلك كائن. # قوله: { لكل أمة أجل } أي: مدة مضروبة { إذا جآء ~~أجلهم }: وقت فناء أعمارهم، قرأ ابن سيرين: " إذا جاء آجالهم فلا ~~يستأخرون ساعة ولا يستقدمون " أي: لا يتأخرون، ولا يتقدمون، ~~وهذه الآية تدل على أن أحدا لا يموت إلا بانقضاء أجله. # فصل # قوله: { إذا جآء أجلهم } شرط، وقوله: { فلا يستأخرون ~~ساعة ولا يستقدمون } أي: لا يتأخرون ولا يتقدمون، وهذه ~~الآية تدل على جزاء، و " الفاء " حرف الجزاء؛ فوجب إدخاله على الجزاء، ~~فدلت الآية على أن الجزاء يحصل مع حصول الشرط لا يتأخر عنه، ~~وأن حرف الفاء لا يدل على التراخي؛ وإنما يدل على كونه جزاء. # وإذا ثبت هذا، فنقول: إذا قال الرجل لامرأة أجنبية: إن تزوجتك، فأنت ~~طالق؛ قال بعضهم: لا يصح هذا التعليق؛ لأن هذه الآية دلت على أن ~~الجزاء إنما يحصل بحصول الشرط، فلو صح هذا التعليق، لوجب أن ~~يحصل الطلاق مقارنا للنكاح، لما ثبت أن الجزاء يجب حصوله مع حصول ~~الشرط، وذلك يوجب الجمع بين الضدين، ولما بطل هذا اللازم، وجب ~~ألا يصح التعليق، وقال أبو حنيفة: يصح. ### || [10.50-52] # قوله - تعالى -: { قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا ~~} الآية. # هذا جواب ثان عن قولهم: # متى هذا الوعد # [يونس:48] وقد تقدم الكلام على " أرأيت " هذه، وأنها تتضمن ~~معنى: أخبرني، فتتعدى ms4657 إلى اثنين، ثانيهما غالبا جملة استفهامية، ~~فينعقد منها مع ما قبلها مبتدأ وخبر، كقولهم: " أرأيتك زيدا ما صنع " ~~وتقدم مذاهب الناس فيها في " عذاب " ، والمسألة من إعمال الثاني؛ ~~إذ هو المختار عند البصريين، ولما أعمله أضمر في الأول وحذفه؛ لأن ~~إبقاءه مخصوص بالضرورة، أو جائز الذكر على قلة عند آخرين، ولو ~~أعمل الأول، لأضمر في الثاني إذ الحذف منه لا يكون إلا في ضرورة، أو ~~في قليل من الكلام. # ومعنى الكلام: قل لهم يا محمد: أخبروني عن عذاب الله، إن أتاكم أي ~~شيء تستعجلون منه، وليس شيء من العذاب يستعجل به؛ لمرارته، وشدة ~~إصابته، فهو مقتض لنفور الطبع منه. # قال الزمخشري: " فإن قلت: بم يتعلق الاستفهام، وأين جواب الشرط؟ ~~قلت: تعلق ب " أرأيتم " لأن المعنى: أخبروني ماذا يستعجل منه ~~المجرمون، وجواب الشرط محذوف، وهو: تندموا على الاستعجال، أو ~~تعرفوا الخطأ فيه ". # قال أبو حيان: " وما قدره غير سائغ؛ لأنه لا يقدر الجواب ~~إلا مما تقدمه لفظا أو تقديرا، تقول: " أنت ظالم إن فعلت " ~~التقدير: إن فعلت، فأنت ظالم، وكذلك # وإنآ إن شآء الله لمهتدون # [البقرة:70] التقدير: إن شاء الله نهتد، فالذي يسوغ أن يقدر: إن ~~أتاكم عذابه، فأخبروني ماذا يستعجل منه المجرمون. # وقال الزمخشري أيضا: " ويجوز أن يكون { ماذا يستعجل منه ~~المجرمون } جوابا للشرط كقولك: إن أتيتك ما تطعمني؟ ثم تتعلق ~~الجملة ب " أرأيتم " ، وأن يكون " أثم إذا ما وقع آمنتم به " ~~جوابا للشرط، و { ماذا يستعجل منه المجرمون } ~~اعتراضا، والمعنى: إن أتاكم عذابه، آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم ~~الإيمان. # قال أبو حيان: " وأما تجويزه أن يكون " ماذا " جوابا للشرط ~~فلا يصح؛ لأن جواب الشرط إذا كان استفهاما، فلا بد فيه من ~~الفاء تقول: إن زارنا فلان، فأي رجل هو، وإن زارنا فلان، فأي ~~يد له بذلك، ولا يجوز حذفها إلا إن كان في ضرورة، والمثال الذي ~~ذكره وهو " إن أتيتك ما تطعمني؟ " هو من تمثيله، لا من كلام العرب. # وأما قوله: ثم تتعلق الجملة ب " أرأيتم " إن ms4658 عنى بالجملة " ~~ماذا يستعجل " فلا يصح ذلك؛ لأنه قد جعلها جوابا للشرط، وإن ~~عنى بالجملة جملة الشرط، فقد فسر هو " أرأيتم " بمعنى: ~~أخبروني، و " أخبرني " يطلب متعلقا مفعولا، ولا تقع جملة الشرط ~~موقع مفعول " أخبرني " ، وأما تجويزه أن يكون: " أثم إذا ما وقع ~~آمنتم به " جوابا للشرط، و { ماذا يستعجل منه ~~المجرمون } اعتراضا، فلا يصح أيضا لما ذكرناه: من أن جملة ~~الاستفهام لا تقع جوابا للشرط إلا ومعها فاء الجواب، وأيضا: ف " ~~ثم " هنا حرف عطف تعطف الجملة التي بعدها على التي قبلها، فالجملة ~~الاستفهامية معطوفة، وإذا كانت معطوفة، لم يصح أن تقع جواب الشرط، ~~وأيضا: ف " أرأيتم " بمعنى: " أخبروني " يحتاج إلى مفعول، ولا تقع ~~جملة شرط موقعه ". # وكون " أرأيتم " بمعنى " أخبروني " هو الظاهر المشهور، وقال الحوفي: " ~~الرؤية من رؤية القلب التي بمعنى العلم؛ لأنها داخلة على الجملة من ~~الاستفهام التي معناها: التقرير، وجواب الشرط محذوف، وتقدير الكلام: ~~أرأيتم ما يستعجل من العذاب المجرمون، إن أتاكم عذابه " انتهى. فهذا ~~ظاهر في أن " أرأيتم " غير مضمنة معنى الإخبار، وأن الجملة ~~الاستفهامية سدت مسد المفعولين، ولكن المشهور الأول. قوله: " ~~ماذا يستعجل " قد تقدم الكلام على هذه الكلمة، ومذاهب الناس ~~فيها [البقرة:26]، وجوز بعضهم هنا أن تكون " ما " مبتدأ، و " ذا " ~~خبره، وهو موصول بمعنى: " الذي " ، و " يستعجل " صلته، وعائده ~~محذوف تقديره: أي شيء الذي يستعجله منه، أي: من العذاب، أو من الله - ~~تعالى -. # وجوز مكي، وغيره: أن يكون " ماذا " كله مبتدأ، أي: يجعل الاسمان ~~بمنزلة اسم واحد، والجملة بعده خبر، قال أبو علي: " وهو ضعيف: ~~لخلو الجملة من ضمير يعود على المبتدأ ". # وقد أجاب أبو البقاء عن هذا، فقال: " ورد هذا القول بأن الهاء في " ~~منه " تعود على المبتدأ؛ كقولك: زيد أخذت منه درهما ". # قال شهاب الدين: " ومثل أبي علي لا يخفى عليه مثل ذلك، إلا أنه ~~لا يرى عود الهاء على الموصول؛ لأن الظاهر عودها على العذاب ". # قال أبو حيان: " والظاهر عود الضمير في " منه " على العذاب، وبه ~~يحصل الربط لجملة ms4659 الاستفهام بمفعول " أرأيتم " المحذوف الذي هو مبتدأ ~~في الأصل ". # وقال مكي: " وإن شئت جعلت " ما " ، و " ذا " بمنزلة اسم واحد في موضع ~~رفع بالابتداء، والجملة التي بعده الخبر، والهاء في " منه " تعود ~~أيضا على العذاب ". # قال شهاب الدين: " فقد ترك المبتدأ بلا رابط لفظي، حيث جعل الهاء ~~عائدة على غير المبتدأ، فيكون العائد عنده محذوفا، لكنه قال بعد ~~ذلك: " فإن جعلت الهاء في " منه " تعود على الله - جل ذكره -، و " ما ~~" و " ذا " اسما واحدا، كانت " ما " في موضع نصب ب " يستعجل " ~~والمعنى: أي شيء يستعجل المجرمون من الله " فقوله هذا يؤذن بأن ~~الضمير لما عاد على غير المبتدأ، جعله مفعولا مقدما، وهذا الوجه ~~بعينه جائز فيما إذا جعل الضمير عائدا على العذاب. # ووجه الرفع على الابتداء جائز، فيما إذا جعل الضمير عائدا على الله ~~- تعالى -، إذ العائد الرابط مقدر، كما تقدم التنبيه عليه ". # حاصل الجواب: أن يقال لأولئك الكفار الذين يطلبون نزول العذاب: بتقدير ~~أن يحصل هذا المطلوب، ما الفائدة لكم فيه؟ فإن قلتم نؤمن عنده، فذلك ~~باطل؛ لأن الإيمان في ذلك الوقت لا يفيد نفعا ألبتة؛ لأنه إيمان ~~في وقت انحباس النفس؛ فثبت أن الذي تطلبونه لو أتاكم، لم يحصل منه ~~إلا العذاب في الدنيا، ثم يحصل عقيبة يوم القيام عذاب آخر أشد منه، ~~ثم يقرون ذلك العذاب بكلام يدل على الإهانة، وهو قوله: { هل ~~تجزون إلا بما كنتم تكسبون }. # فالحاصل: أن هذا الذي تطلبونه محض الضرر العادي من جهات النفع، ~~والعاقل لا يفعل ذلك. # وقوله: " بياتا " أي: ليلا يقال: بت ليلتي أفعل كذا؛ لأن الظاهر ~~أن الإنسان يكون في البيت بالليل؛ فجعل هذا اللفظ كناية عن الليل، ~~والبيات: مصدر مثل التبييت؛ كالوداع، والسراح، ويقال في النهار ظللت ~~أفعل كذا؛ لأن الظاهر أن الإنسان يكون في النهار في الظل، وانتصب " ~~بياتا " على الظرف أي: وقت بيات. # قوله: " أثم " قد تقدم خلاف الزمخشري للجمهور في ذلك، حيث يقدر ~~جملة بين همزة الاستفهام، وحرف العطف، و " ثم ": حرف عطف. # واعلم: ms4660 أن دخول حرف الاستفهام على " ثم " كدخوله على " الواو " و ~~" الفاء " في قوله: # أو أمن أهل القرى # [الأعراف:98]، # أفأمن أهل القرى # [الأعراف:97] وهو يفيد التقريع والتوبيخ، وقال الطبري: " أثم " ~~هذه بضم الثاء ليست التي بمعنى: العطف، وإنما هي بمعنى: " هنالك " ~~وهذا لا يوافق عليه؛ لأن هذا المعنى لا يعرف في " ثم " بضم " ~~الثاء " ، إلا أنه قد قرأ طلحة بن مصرف: " أثم " بفتح الثاء، ~~وحينئذ يصح تفسيرها بمعنى: هنالك. # قوله: " ألآن " قد تقدم الكلام في # الآن # [البقرة:71]، وقرأ الجمهور: " ألآن " بهمزة الاستفهام داخله على " الآن ~~" وقد تقدم مذاهب الفراء في ذلك، و " الآن " نصب بمضمر تقديره: الآن ~~آمنتم، ودل على هذا الفعل المقدر الفعل الذي تقدمه، وهو قوله: { ~~أثم إذا ما وقع آمنتم به } ولا يجوز أن يعمل فيه " ~~آمنتم " الظاهر؛ لأن ما قبل الاستفهام لا يعمل فيما بعده، كما أن ~~ما بعده لا يعمل فيما قبله؛ لأن له صدر الكلام، وهذا الفعل المقدر ~~ومعموله على إضمار قول، أي: قيل لهم إذ آمنوا بعد وقوع العذاب: آمنتم ~~الآن به، وقرأ عيسى، وطلحة: " آمنتم به الآن " بوصل الهمزة من غير ~~استفهام، وعلى هذه القراءة ف " الآن " منصوب ب " آمنتم " هذا ~~الظاهر. # قوله: { وقد كنتم به تستعجلون } " وقد كنتم " جملة ~~حالية، قال الزمخشري: " وقد كنتم به تستعجلون؛ يعني: تكذبون؛ ~~لأن استعجالهم كان على جهة التكذيب، والإنكار ". # فجعله من باب الكناية؛ لأنه دلالة على الشيء بلازمه، نحو " هو ~~طويل النجاد " كنيت به عن طول قامته؛ لأن طول نجاده لازم لطول ~~قامته، وهو باب بليغ. # وقوله: { ثم قيل للذين ظلموا } هذه الجملة على قراءة ~~العامة؛ عطف على ذلك الفعل المقدر الناصب ل " الآن " وعلى قراءة ~~طلحة هو استئناف إخبار عما يقال لهم يوم القيامة، و " ذوقوا " و " ~~هل تجزون " كله في محل نصب بالقول، وقوله: " إلا بما " هو ~~المفعول الثاني ل " تجزون " ، والأول قائم مقام الفاعل، وهو ~~استثناء مفرغ. # فصل # دلت الآية على أن الجزاء يوجب العمل، أما عند الفلاسفة: فهو أثر ~~العمل، وأما عند ms4661 المعتزلة: فإن العمل الصالح يوجب استحقاق الثواب ~~على الله - تعالى -، وأما عند أهل السنة؛ فلأن ذلك الجزاء واجب بحكم ~~الوعد المحض. # قالت المعتزلة: ودلت الآية على كون العبد مكتسبا، وعند أهل ~~السنة معناها: أن مجموع القدرة مع الداعية الحاصلة يوجب ~~الفعل. ### || [10.53-56] # قوله تعالى: { ويستنبئونك أحق هو } الآية. # لما أخبر - تعالى - عن الكفار، بأنهم يقولون: # متى هذا الوعد إن كنتم صادقين # [يونس:48] وأجاب عنه بما تقدم، حكى عنهم: أنهم رجعوا إلى الرسول ~~مرة أخرى في هذه الواقعة، وسألوه عن ذلك السؤال مرة أخرى، وقالوا: ~~أحق هو؟ واعلم: أنهم سألوا أولا عن زمان وقوعه، وههنا سألوا عن ~~تحققه في نفسه، ولهذا اختلف جوابهما. # فأجاب عن الأول، وهو السؤال عن الزمان، بقوله # لكل أمة أجل # [يونس:49]. # وأجاب عن الثاني: بتحققه بالقسم، بقوله { إي وربي إنه لحق ~~} وفائدته أن يستميلهم ويتكلم معهم بالكلام المعتاد؛ لأن الظاهر أن ~~من أخبر عن شيء، وأكده بالقسم، فقد أخرجه عن الهزل إلى الجد، ~~وأيضا: فإن الناس طبقات: فمنهم من لا يقر بشيء إلا بالبرهان ~~الحقيقي، ومنهم من ينتفع بالأشياء الإقناعية، نحو القسم. # قوله: " أحق هو " يجوز أن يكون " حق " مبتدأ، و " هو " مرفوعا ~~بالفاعلية سد مسد الخبر، و " حق " وإن كان في الأصل مصدرا ليس ~~بمعنى اسم فاعل ولا مفعول؛ لكنه في قوة " ثابت " فلذلك رفع الظاهر، ~~ويجوز أن يكون " حق " خبرا مقدما، و " هو " مبتدأ مؤخرا، واختلف ~~في " يستنبئونك " هذه: هل هي متعدية إلى واحد، أو إلى اثنين، أو ~~إلى ثلاثة؟. # فقال الزمخشري: " ويستنبئونك " ، فيقولون: أحق هو فظاهر هذه ~~العبارة أنها متعدية لواحد، وأن الجملة الاستفهامية في محل نصب بذلك ~~القول المضمر المعطوف على " يستنبئونك " وكذلك فهم عنه أبو حيان، ~~أعني: تعديها لواحد. # وقال مكي: " أحق هو ابتداء وخبر في موضع المفعول الثاني، إذا ~~جعلت " يستنبئونك " بمعنى: يستخبرونك، فإذا جعلت " ~~يستنبئون " بمعنى: يستعلمونك، كان " أحق هو " ابتداء ~~وخبرا في موضع المفعولين؛ لأن " أنبأ " إذا كان بمعنى: أعلم، وكان ~~متعديا إلى ثلاثة مفاعيل، يجوز الاكتفاء بواحد، ولا ms4662 يجوز الاكتفاء ~~باثنين دون الثالث، وإذا كانت " أنبأ " بمعنى: أخبر، تعدت إلى ~~مفعولين، ولا يجوز الاكتفاء بواحد دون الثاني، وأنبأ ونبأ في ~~التعدي سواء ". # وقال ابن عطية: " معناه: يستخبرونك، وهو على هذا يتعدى إلى ~~مفعولين أحدهما الكاف، والآخر في الابتداء والخبر " فعلى ما قال، تكون ~~" يستنبئونك " معلقة بالاستفهام، وأصل استنبأ: أن يتعدى إلى ~~مفعولين أحدهما ب " عن " تقول: استنبأت زيدا عن عمرو، أي: طلبت ~~منه أن ينئني عن عمرو، ثم قال: " والظاهر أنها تحتاج إلى ثلاثة ~~مفاعيل أحدها الكاف، والابتداء والخبر سد مسد المفعولين ". # قال أبو حيان: " وليس كما ذكر؛ لأن استعلم لا يحفظ كونها متعدية ~~إلى مفاعيل ثلاثة، لا يحفظ " استعملت زيدا عمرا قائما " فتكون جملة ~~الاستفهام سدت مسد المفعولين، ولا يلزم من كونها بمعنى " ~~يستعلمونك " أن تتعدى إلى ثلاثة؛ لأن " استعلم " لا يتعدى إلى ~~ثلاثة، كما ذكرنا ". # وقد سبق ابن عطية إلى هذا مكي، كما تقدم عنه والظاهر جواز ذلك، ~~ويكون التعدي إلى ثالث قد حصل بالسين؛ لأنهم نصوا على أن ~~السين تعدي، فيكون الأصل: " علم زيد عمرا قائما " ثم تقول: " ~~استعلمت زيدا عمرا قائما " إلا أن النحويين نصوا على أنه ~~لا يتعدى إلى ثلاثة إلا " علم " و " رأى " المنقولين بخصوصية ~~همزة التعدي إلى ثالث، وأنبأ، ونبأ، وأخبر، وخبر وحدث، وقرأ ~~الأعمش: " آلحق " بلام التعريف، قال الزمخشري: " وهو أدخل في ~~الاستهزاء، لتضمنه معنى التعريض، فإنه باطل؛ وذلك لأن اللام ~~للجنس، فكأنه قال: أهو الحق لا الباطل، أو: أو الذي سميتموه الحق " ~~والضمير، أعني: " هو " عائد إما على العذاب، أو على الشرع، أو على ~~القرآن، أو على الوعيد، أو على أمر الساعة. # قوله: " إي وربي " " إي " حرف جواب بمعنى " نعم " ولكنها تختص ~~بالقسم، أي: لا تستعمل إلا في القسم بخلاف " نعم ". # قال الزمخشري: " وإي: بمعنى نعم في القسم خاصة؛ كما كان " هل " بمعنى ~~" قد " في الاستفهام خاصة، وسمعتهم يقولون في التصديق " إيو ~~" فيصلونه بواو القسم، ولا ينطقون به وحده ". # قال أبو حيان: " لا حجة فيما سمعه لعدم الحجة في ms4663 كلام من ~~سمعه؛ لفساد كلامه وكلام من قبله بأزمان كثيرة ". # وقال ابن عطية: " هي لفظة تتقدم القسم بمعنى: نعم، ويجيء بعدها ~~حرف القسم وقد لا يجيء، تقول: إي وربي وإي ربي ". # قوله: { ومآ أنتم بمعجزين } يجوز أن تكون الحجازية وأن ~~تكون التميمية؛ لخفاء النصب، أو الرفع في الخبر. # وهذا عند غير الفارسي، وأتباعه، أعني: جواز زيادة الباء في خبر ~~التميمية، وهذه الجملة تحتمل وجهين: # أحدهما: أن تكون معطوفة على جواب القسم؛ فيكون قد أجاب القسم بجملتين؛ ~~إحداهما: مثبتة مؤكدة ب " إن واللام، والأخرى: منفية مؤكدة ~~بزيادة الباء. # والثاني: أنها مستأنفة، سيقت للإخبار بعجزهم عن التعجيز، و " ~~معجز " من أعجز، فهو متعد لواحد، كقوله - تعالى -: # ولن نعجزه هربا # [الجن:12] فالمفعول هنا محذوف، أي: بمعجزين الله، وقال الزجاج: " أي: ~~أنتم ممن يعجز من يعذبكم " ، ويجوز أن يكون استعمل استعمال ~~اللازم؛ لأنه قد كثر فيه حذف المفعول، حتى قالت العرب: " أعجز ~~فلان " إذا ذهب في الأرض فلم يقدر عليه، قال بعض المفسرين: المعنى: ~~ما أنتم بمعجزين، أي: بفائتين من العذاب؛ لأن من عجز عن شيء، فقد ~~فاته. # قوله - تعالى -: { ولو أن لكل نفس ظلمت ما في ~~الأرض } الآية. # أي: أشركت ما في الأرض، { لافتدت به } إلا أن ذلك يتعذر؛ ~~لأنه في القيامة لا يملك شيئا؛ لقوله - تعالى -: # وكلهم آتيه يوم القيامة فردا # [مريم:95] وبتقدير: أن يملك خزائن الأرض لا يقبل منه الفداء؛ لقوله - ~~تعالى -: # ولا يؤخذ منها عدل # [البقرة:48] وقوله: " ظلمت " في محل جر صفة ل " نفس " أي: ~~لكل نفس ظالمة، و " ما في الأرض " اسم " أن " و " لكل " هو ~~الخبر. # قوله: { لافتدت به }: " افتدى " يجوز أن يكون متعديا، وأن يكون ~~قاصرا، فإذا كان مطاوعا ل " فدى " كان قاصرا، تقول: فديته ~~فافتدى، ويكون بمعنى: فدى " فيتعدى لواحد، والفعل هنا يحتمل ~~الوجهين: فإن جعلناه متعديا، فمفعوله محذوف تقديره: لافتدت به ~~نفسها، وهو في المجاز، كقوله: # كل نفس تجادل عن نفسها # [النحل:111]. # قوله: " وأسروا " قيل: " أسر " من الأضداد، يستعمل بمعنى: أظهر؛ ~~كقول الفرزدق: [الطويل] # 2905- ولما ms4664 رأى الحجاج جرد سيفه # أسر الحروري الذي كان أضمرا # وقول الآخر: [الوافر] # 2906- فأسررت الندامة يوم نادى # برد جمال غاضرة المنادي # ويستعمل بمعنى: " أخفى " وهو المشهور في اللغة، كقوله - تعالى -: # يعلم ما يسرون وما يعلنون # [البقرة:77]. وهو في الآية يحتمل الوجهين، وقيل إنه ماض على بابه قد ~~وقع، وقيل: بمعنى: المستقبل؛ لأنها لما كانت واجبة الوقوع جعل ~~مستقبلها كالماضي، وقد أبعد بعضهم، فقال: { وأسروا الندامة } ~~أي: بدت بالندامة أسرة وجوههم، أي: تكاسير جباههم. قوله: " ~~لما رأوا " يجوز أن تكون حرفا، وجوابها محذوف لدلالة ما تقدم ~~عليه، أو هو المتقدم عند من يرى تقديم جواب الشرط جائزا، ويجوز أن ~~تكون بمعنى: " حين " والناصب لها: " أسروا ". # فصل # إذا فسرنا الإسرار بالإخفاء ففيه وجوه: # الأول: أنهم لما رأوا العذاب الشديد، صاروا مبهوتين، لم يطيقوا ~~بكاء ولا صراخا سوى إسرار الندامة، كمن يذهب به ليصلب، فإنه يبقى ~~مبهوتا لا ينطق بكلمة. # الثاني: أنهم أسروا الندامة من سفلتهم، وأتباعهم، حياء منهم، ~~وخوفا من توبيخهم. # فإن قيل: إن مهابة ذلك الوقت تمنع الإنسان من هذا التدبير، فكيف ~~أقدموا عليه؟. # فالجواب: أن هذا الكتمان قبل الاحتراق، فإذا احترقوا، تركوا هذا ~~الإخفاء وأظهروه؛ لقوله - تعالى -: # ربنا غلبت علينا شقوتنا # [المؤمنون:106]. # الثالث: أنهم أسروا الندامة؛ لأنهم أخلصوا لله في تلك الندامة، ~~ومن أخلص في الدعاء أسره، وفيه تهكم بهم وبإخلاصهم، أي: أنهم ~~إنما أتوا بهذا الإخلاص في غير وقته. # ومن فسر الإسرار بالإظهار، فإنهم إنما أخفوا الندامة على الكفر ~~والفسق في الدنيا؛ لأجل حفظ الرياسة، وفي القيامة يبطل هذا الغرض؛ ~~فوجب الإظهار. # قوله " وقضي " يجوز أن يكون مستأنفا، وهو الظاهر، ويجوز أن يكون ~~معطوفا على " رأوا " فيكون داخلا في حيز " لما " والضمير في " ~~بينهم " يعود على " كل نفس " في المعنى، وقال الزمخشري: " بين ~~الظالمين والمظلومين، دل على ذلك ذكر الظلم ". # وقيل: يعود على الرؤساء والأتباع، و " بالقسط " يجوز أن تكون الباء ~~للمصاحبة، وأن تكون للآلة، وقوله: " وإليه ترجعون " قدم الجار ~~للاختصاص، أي: إليه لا إلى غيره ترجعون؛ ولأجل الفواصل، وقرأ ms4665 ~~العامة: " ترجعون " بالخطاب، وقرأ الحسن، وعيسى بن عمر: " يرجعون ~~" بياء الغيبة. # قوله تعالى: # ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض # [يونس:66]. # قيل: تعلق هذه الآية بما قبلها، هو أنه - تعالى - لما قال: { ~~ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به ~~} قال ههنا: ليس للظالم شيء يفتدى به؛ فإن الأشياء كلها ملك الله. # وقيل: إنه - تعالى - لما قال: { ويستنبئونك أحق هو } ~~ثم قال له: { قل إي وربي إنه لحق } أتبعه بهذا البرهان ~~القاطع على إثبات الإله القادر الحكيم، وهو قوله: # ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض # [يونس:66] فدل على أن ما سواه فهو ملكه وملكه، ولم يذكر ~~الدليل على ذلك؛ لأنه قد استقصى تقريره في أول السورة، في قوله: # إن في اختلاف الليل والنهار # [يونس:6] الآية، وقوله: # هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نورا # [يونس:5] فاكتفى بذكره هناك، وإذا كان الأمر كذلك، كان قادرا على كل ~~الممكنات، عالما بكل المعلومات، غنيا عن جميع الحاجات، فيكون ~~قادرا على صحة الميعاد، وعلى إنزال العذاب على الكفار في الدنيا ~~والآخرة، وعلى إيصال الرحمة للأولياء في الدنيا والآخرة، ويكون ~~قادرا على تأييد رسوله بالدلائل القاطعة، والمعجزات الباهرة، وكان كل ~~ما وعد به، فهو حق لا بد وأن يقع، وأنه منزه عن الخلف في وعده، ~~فلما أخبر عن نزول العذاب بهؤلاء الكفار، وبحصول الحشر والنشر، وجب ~~القطع بوقوعه، فثبت بهذا البيان أن قوله: { ألا إن لله من في ~~السماوات ومن في الأرض } يوجب الجزم بصحة قوله: { ألا إن ~~وعد الله حق } ثم قال: { ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون } أي: غافلون عن هذه الدلائل، ثم أكد هذا الدليل ~~بقوله: { هو يحيي ويميت وإليه ترجعون } أي: إنه ~~لما قدر على الإحياء في المرة الأولى، فإذا أماته، وجب أن يبقى ~~قادرا على إحيائه ثانيا؛ فظهر أمره لنبيه بأن يقول: { إي وربي ~~إنه لحق }. ### || [10.57-58] # قوله - تعالى -: { يأيها الناس قد جآءتكم موعظة } ~~الآية. # اعلم: أنه - تعالى - لما بين أن الرسول حق وصدق بظهور ~~المعجزات ms4666 على يديه، في قوله: # وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله # [يونس:37] إلى قوله # إن كنتم صادقين # [يونس:38] وصف القرآن هنا بصفات أربع: # أولها: كونه موعظة. # وثانيها: كوه شفاء لما في الصدور. # وثالثها: كونه هدى. # ورابعها: كونه رحمة للعالمين. # قوله: " من ربكم " يجوز أن تكون " من " لابتداء الغاية، ~~فتتعلق حينئذ ب " جآءتكم " ، وابتداء الغاية مجاز، ويجوز أن ~~تكون للتبعيض، فتتعلق بمحذوف على أنها صفة ل " موعظة " أي: موعظة ~~كائنة من مواعظ ربكم. # وقوله: { موعظة من ربكم وشفآء لما في الصدور ~~وهدى ورحمة } من باب ما عطف فيه الصفات بعضها على بعض، أي: قد ~~جاءتكم موعظة جامعة لهذه الأشياء كلها، و " شفاء " في الأصل مصدر ~~جعل وصفا مبالغة، أو هو اسم لما يشفى به، أي: يداوى، فهو ~~كالدواء لما يداوى، و " لما في الصدور " يجوز أن يكون صفة ل ~~" شفاء " فيتعلق بمحذوف، وأن تكون اللام زائدة في المفعول؛ لأن ~~العامل فرع إذا قلنا بأنه مصدر. # وقوله: " للمؤمنين " محتمل لهذين الوجهين، وهو من التنازع؛ لأن ~~كلا من الهدى والرحمة يطلبه. # فصل # أما كون القرآن موعظة؛ فلاشتماله على المواعظ والقصص، وكونه شفاء، ~~أي: دواء، لجهل ما في الصدور، أي: شفاء لعمى القلوب، والصدور ~~موضع القلب، وهو أعز موضع في الإنسان لجواز القلب، قال - تعالى -: # فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب ~~التي في الصدور # [الحج:46] وكونه هدى، أي: من الضلالة، { ورحمة ~~للمؤمنين } ، والرحمة: هي النعمة على المحتاج؛ فإنه لو ~~أهدى ملك إلى ملك شيئا، فإنه لا يقال رحمة وإن كان ذلك نعمة؛ فإنه ~~لم يصنعها إلى المحتاج. # قوله: { قل بفضل الله وبرحمته }: في تعلق هذا الجار ~~أوجه: # أحدها: أن " بفضل " و " برحمته " متعلق بمحذوف، تقديره: ~~بفضل الله وبرحمته ليفرحوا، فبذلك فليفرحوا، فحذف الفعل الأول؛ ~~لدلالة الثاني عليه، فهما جملتان. # ويدل على ذلك قول الزمخشري: " أصل الكلام: بفضل الله وبرحمته، ~~فليفرحوا، فبذلك فليفرحوا، والتكرير للتأكيد، والتقرير، وإيجاب ~~اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا، فحذف أحد ~~الفعلين؛ لدلالة المذكور ms4667 عليه، والفاء داخلة لمعنى الشرط، كأنه ~~قيل: إن فرحوا بشيء، فليخصوهما بالفرح، فإنه لا مفروح به أحق ~~منهما ". # الثاني: أن الجار الأول متعلق أيضا بمحذوف دل عليه السياق ~~والمعنى، لا نفس الفعل الملفوظ به، والتقدير: بفضل الله وبرحمته، ~~فليعتنوا، فبذلك فليفرحوا، قاله الزمخشري. # الثالث: أن يتعلق الجار الأول ب " جاءتكم " قال الزمخشري: " ~~ويجوز أن يراد: قد جاءتكم موعظة بفضل الله وبرحمته، فبذلك فليفرحوا، ~~أي: فبمجيئهما فليفرحوا ". # قال أبو حيان: " أما إضمار " فليعتنوا " فلا دليل عليه ". قال ~~شهاب الدين: " الدلالة عليه من السياق واضحة، وليس شرط ~~الدلالة أن تكون لفظية ". # وقال أبو حيان: وأما تعلقه بقوله: " قد جاءتكم " فينبغي أن ~~يقدر محذوفا بعد " قل " ، ولا يكونه متعلقا ب " جاءتكم " ~~الأولى؛ للفصل بينهما ب " قل " ، وهذا إيراد واضح، ويجوز أن يكون ~~" بفضل الله " صفة ل " موعظة " أي: موعظة مصاحبة، أو ~~ملتبسة بفضل الله. # الرابع: قال الحوفي: " الباء متعلقة بما دل عليه المعنى، أي: قد ~~جاءتكم الموعظة بفضل الله ". # الخامس: أن الفاء الأولى زائدة، وأن قوله: " بذلك " بدل مما ~~قبله، وهو " بفضل الله وبرحمته " وأشير بذلك إلى اثنين؛ كقوله: # لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك # [البقرة:68]. # وقوله: [الرمل] # 2907- إن للخير وللشر مدى # وكلا ذلك وجه وقبل # وفي هاتين الفاءين أوجه: # أحدها: أن الأولى زائدة، وقد تقدم في الوجه الخامس. # الثاني: أن الفاء الثانية مكررة للتوكيد، فعلى هذا لا تكون الأولى ~~زائدة، ويكون أصل التركيب: فبذلك ليفرحوا، وعلى القول الأول قبله ~~يكون أصل التركيب: بذلك فليفرحوا. # الثالث: قال أبو البقاء: الفاء الأولى مرتبطة بما قبلها، والثانية ~~بفعل محذوف، تقديره: فليعجبوا بذلك فليفرحوا؛ كقولهم: زيدا ~~فاضربه، أي: تعمد زيدا فاضربه والجمهور على " فليفرحوا " بياء ~~الغيبة. # وقرأ عثمان بن عفان، وأبي، وأنس، والحسن، وأبو رجاء، وابن هرمز، وابن ~~سيرين: بتاء الخطاب، وهي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ~~الزمخشري: " وهو الأصل والقياس ". # قال أبو حيان: " إنها لغة قليلة ". # يعنى أن القياس أن يؤمر المخاطب بصيغة " افعل " ، وبهذا الأصل ~~قرأ أبي: " فافرحوا " وهي في ms4668 مصحفه كذلك، وهذه قاعدة كلية: ~~وهي أن الأمر باللام يكثر في الغائب، والمخاطب المبني للمفعول، ~~مثال الأول: " ليقم زيد " وكالآية الكريمة في قراءة الجمهور، ومثال ~~الثاني: لتعن بحاجتي، ولتضرب يا زيد، فإن كان مبنيا للفاعل، كان ~~قليلا؛ كقراءة عثمان، ومن معه، وفي الحديث: # " لتأخذوا مصافكم " # بل الكثير في هذا النوع الأمر بصيغة " افعل " نحو: قم يا زيد، ~~وقوموا، وكذلك يضعف الأمر باللام للمتكلم وحده، أو معه غيره، فالأول ~~نحو: " لأقم " تأمر نفسك بالقيام، ومنه قوله - عليه الصلاة والسلام - # " قوموا فلأصل لكم " # ومثال الثاني: لنقم، أي: نحن، وكذلك النهي؛ ومنه قول الشاعر: ~~[الكامل] # 2908- إذا ما خرجنا من " دمشق " فلا نعد # لها أبدا ما دام فيها الجراضم # ونقل ابن عطية، عن ابن عامر: أنه قرأ: " فلتفرحوا " خطابا، ~~وهذه ليست مشهورة عنه. وقرأ الحسن، وأبو التياح: " فليفرحوا " بكسر ~~اللام، وهو الأصل. # قوله: { هو خير مما يجمعون } " هو " عائد على الفضل ~~والرحمة، وإن كانا شيئين؛ لأنهما بمعنى شيء واحد، عبر عنه ~~بلفظتين على سبيل التأكيد؛ ولذلك أشير إليهما بإشارة واحدة. # وقرأ ابن عامر: " تجمعون " بتاء الخطاب، وهو يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون من باب الالتفات، فيكون في المعنى كقراءة الجماعة، ~~فإن الضمير يراد من يراد بالضمير في قوله: " فليفرحوا ". # والثاني: أنه خطاب لقوله: { يأيها الناس قد جآءتكم } ~~وهذه القراءة تناسب قراءة الخطاب في قوله " فليفرحوا " كما نقلها ~~ابن عطية عنه أيضا. # فصل # قال مجاهد وقتادة: فضل الله: الإيمان، ورحمته: القرآن. وقال أبو سعيد ~~الخدري - رضي الله عنه -: فضل الله: القرآن، ورحمته أن جعلنا من أهله. # وقال ابن عمر: فضل الله: الإسلام، ورحمته: تزيينه في القلب، وقال ~~خالد بن معدان: فضل الله: الإسلام، ورحمته: السنن. # وقيل: فضل الله: الإيمان، ورحمته: الجنة، { فبذلك ~~فليفرحوا } أي: ليفرح المؤمنون أن جعلهم من أهله، { هو ~~خير مما يجمعون } أي: خير مما يجمعه الكفار من ~~الأموال؛ لأن الآخرة خير وأبقى، وما كان عند الله، فهو أولى ~~بالطلب. ### || [10.59-60] # قوله - تعالى - { قل أرأيتم مآ أنزل الله لكم من ~~رزق } الآية. # قال ms4669 ابن الخطيب: ذكر الناس في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوها، ~~ولا أستحسن واحدا منها. والذي يخطر بالبال وجهان: # الأول: أن المقصود من هذا الكلام ذكر طريق ثالث في إثبات النبوة، وذلك ~~أنه - عليه الصلاة والسلام - قال للقوم: # " إنكم تحكمون بحل بعض الأشياء، وحرمة بعضها، فهذا الحكم تقولونه ~~افتراء على الله، أم تعلمون أنه حكم حكم الله به " # ؛ والأول باطل بالاتفاق، فلم يبق إلا الثاني، ومن المعلوم ~~أنه - تعالى - ما خاطبكم به من غير واسطة، ولما بطل هذا، ثبت أن ~~هذه الأحكام إنما وصلت إليكم بقول رسول أرسله الله إليكم، ونبي ~~بعثه الله إليكم، وذلك يدل على اعترافكم بصحة النبوة والرسالة، ~~فكيف تبالغوا هذه المبالغات العظيمة في إنكار النبوة؟. # الوجه الثاني: أنه - عليه الصلاة والسلام - لما ذكر الدلائل الكثيرة ~~على صحة نبوة نفسه، وبين فساد سؤالاتهم، وشبهاتهم في إنكارها، أتبع ~~ذلك ببيان فساد طريقتهم في شرائعهم وأحكامهم، وبين أن التمييز بين ~~هذه الأشياء بالحل والحرمة، مع أنه لم يشهد بذلك لا عقل ولا نقل، ~~فدل على أنه طريق باطل، وأنهم ليسوا على شيء. # قوله: " أرأيتم ": هذه بمعنى: " أخبروني ". وقوله: " ما أنزل " ~~يجوز أن تكون " ما " موصولة بمعنى: " الذي " ، والعائد محذوف، أي: ~~ما أنزله، وهي في محل نصب مفعولا أولا، والثاني هو الجملة من قوله: ~~{ ءآلله أذن لكم }؟ والعائد من هذه الجملة على المفعول الأول ~~محذوف، تقديره: آلله أذن لكم فيه؛ واعترض على هذا: بأن قوله " قل " ~~يمنع من وقوع الجملة بعده مفعولا ثانيا. # وأجيب عنه: بأنه كرر توكيدا، ويجوز أن تكون " ما " استفهامية ~~منصوبة المحل ب " أنزل " وهي حينئذ معلقة ل " أرأيتم " وإلى ~~هذا ذهب الحوفي، والزمخشري، ويجوز أن تكون " ما " الاستفهامية في ~~محل رفع بالابتداء، والجملة من قوله: { ءآلله أذن لكم } ~~خبره، والعائد محذوف كما تقدم، أي: أذن لكم فيه، وهذه الجملة ~~الاستفهامية معلقة ل " أرأيتم " ، والظاهر من هذه الأوجه هو ~~الأول؛ لأن فيه إبقاءا ل " أرأيت " على بابها من تعديها إلى ~~اثنين، وأنها مؤثرة في أولهما بخلاف جعل ms4670 " ما " استفهامية، فإنها ~~معلقة ل " أرأيت " وسادة مسد المفعولين. # قوله: " من رزق ": يجوز أن يكون حالا من الموصول، وأن تكون " من ~~": لبيان الجنس، و " أنزل " على بابها، وهو على حذف مضاف، أي: أنزله ~~من سبب رزق وهو المطر، وقيل: تجوز بالإنزال علن الخلق، كقوله: # وأنزلنا الحديد # [الحديد:25] # وأنزل لكم من الأنعام # [الزمر:6]. # قوله: { أم على الله تفترون } في " أم " هذه وجهان: # أحدهما: أنها متصلة عاطفة، تقديره: أخبروني: آلله أذن لكم في ~~التحليل والتحريم، فإنكم تفعلون ذلك بإذنه، أم تكذبون على الله في نسبة ~~ذلك إليه. # والثاني: أن تكون منقطعة. # قال الزمخشري: " ويجوز أن تكون الهمزة للإنكار، و " أم " منقطعة ~~بمعنى: بل أتفترون على الله، تقريرا للافتراء " والظاهر هو ~~الأول؛ إذ المعادلة بين الجملتين اللتين بمعنى المفرد واضحة، إذ ~~التقدير: أي الأمرين وقع إذن الله لكم في ذلك، أم افتراؤكم عليه؟. # فصل # المراد بالشيء الذي جعلوه حراما: ما ذكروه من تحريم السائبة، ~~والوصيلة، والحام، وقولهم # هذه أنعام وحرث حجر # [الأنعام:138] # وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام ~~نصيبا # [الأنعام:36]، وقولهم: # ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ~~ومحرم على أزواجنا # [الأنعام:139] وقولهم: # ثمانية أزواج من الضأن اثنين # [الأنعام:143] ويدل على ذلك: أن قوله: { فجعلتم منه ~~حراما وحلالا } إشارة إلى أمر تقدم منهم، ولم يحك الله - ~~تعالى - عنهم إلا هذا؛ فوجب توجيه الكلام إليه، ثم لما حكى تعالى ذلك ~~عنهم، قال لرسوله: { قل ءآلله أذن لكم أم على الله ~~تفترون } وهذه قسمة صحيحة؛ لأن هذه الأحكام: إما أن تكون من ~~الله - تعالى -، أو لم تكن، فإن كانت من الله فهو المراد بقوله: { ~~ءآلله أذن لكم } وإن كانت ليست من الله، فهو المراد بقوله: { ~~أم على الله تفترون }. # فصل # استدل نفاة القياس بهذه الآية على بطلان القياس. # قال القرطبي: " وهو بعيد؛ لأن القياس دليل قول الله - تعالى -؛ ~~فيكون التحليل والتحريم من الله - تعالى -، عند وجود دلالة نصبها ~~الله تعالى على الحكم، فإن خالف في كون القياس دليلا لله - تعالى -، فهو ~~خروج عن هذا ms4671 الغرض، ورجوع إلى غيره ". # قوله: { وما ظن الذين يفترون }: " ما " مبتدأة استفهامية، ~~و " ظن " خبرها، و " يوم " منصوب بنفس الظن، والمصدر مضاف ~~لفاعله، ومفعولا الظن محذوفان، والمعنى: وأي شيء يظن الذين يفترون ~~يوم القيامة أني فاعل بهم: أأنجيهم من العذاب، أم أنتقم منهم؟ وقيل: ~~أيحسبون أن الله لا يؤاخذهم به، ولا يعاقبهم عليه، والمراد منه: ~~تعظيم وعيد من يفتري، وقرأ عيسى بن عمر: " وما طن الذين " جعله فعلا ~~ماضيا، والموصول فاعله، و " ما " على هذه القراءة استفهامية أيضا في ~~محل نصب على المصدر، وقدمت لأن الاستفهام له صدر الكلام، ~~والتقدير: أي ظن ظن المفترون، و " ما " الاستفهامية قد تنوب ~~عن المصدر؛ ومنه قول الشاعر: [البسيط] # 2909- ماذا يغير ابنتي ربع عويلهما # لا ترقدان ولا بؤسى لمن رقدا # وتقول: " ما تضرب زيدا " ، تريد: أي ضرب تضربه، قال الزمخشري: ~~" أتى به فعلا ماضيا؛ لأنه واقع لا محالة، فكأنه قد وقع وانقضى ~~". وهذا لا يستقيم هنا؛ لأنه صار نصا في الاستقبال لعمله في الظرف ~~المستقبل، وهو يوم القيامة، وإن كان بلفظ الماضي، ثم قال: { إن ~~الله لذو فضل على الناس } بإعطاء العقل، وإرسال الرسل، { ~~ولكن أكثرهم لا يشكرون } لا يستعملون العقل في تأمل ~~دلائل الله، ولا يقبلون دعوة أنبياء الله، ولا ينتفعون باستماع كلام ~~الله. ### || [10.61-65] # قوله: { وما تكون في شأن } الآية. # لما أورد الدلائل على فساد مذاهب الكفار، وأمر الرسول بالجواب عن ~~شبهاتهم، وتحمل أذاهم، والرفق بهم، ذكر هذا الكلام ليحصل به تمام ~~السرور للمطيعين، وتمام الخوف للمذنبين، وهو كونه تعالى عالما بعمل ~~كل واحد، وما في قلبه من الدواعي والصوارف. # قوله: { وما تكون في شأن وما تتلوا } " ما " نافية في ~~الموضعين؛ ولذلك عطف بإعادة " ما " النافية، وأوجب ب " إلا " بعد ~~الأفعال؛ لكونها منفية، و " في شأن " خبر " تكون " والضمير في " ~~منه " عائد على " شأن " و " من قرآن " تفسير للضمير، وخص من ~~العموم؛ لأن القرآن هو أعظم شئونه صلى الله عليه وسلم؛ وقيل: يعود ~~على التنزيل، وفسر بالقرآن؛ لأن كل جزء منه قرآن، ms4672 وقال أبو ~~البقاء: " من الشأن " أي: من أجله، و " من قرآن " مفعول " ~~تتلوا " و " من " زائدة. يعنى: أنها زيدت في المفعول به، و " ~~من " الأولى جارة للمفعول من أجله، تقديره: وما تتلو من أجل ~~الشأن قرآنا، وزيدت لأن الكلام غير موجب، والمجرور نكرة. # وقال مكي: " منه " الهاء عند الفراء تعود على الشأن على تقدير ~~حذف مضاف، تقديره: وما تتلو من أجل الشأن، أي: يحدث لك شأن، ~~فتتلوا القرآن من أجله. # والشأن: مصدر شأن يشأن شأنه، أي: قصد يقصد قصده، ~~وأصله الهمز، ويجوز تخفيفه، والشأن أيضا: الأمر، ويجمع على شئون، ~~والشأن: الحال، تقول العرب: ما شأن فلان؟ أي: ما حاله، قال الأخفش: ~~وتقول العرب: ما شأنت شأنه، أي: ما عملت عمله، قال ابن عباس: وما ~~تكون يا محمد في شأن، أي: في عمل من أعمال البر، وقال الحسن: في ~~شأن من شأن الدنيا. # قوله: { ولا تعملون من عمل } هذا خطاب للنبي وأمته، ~~وخص النبي صلى الله عليه وسلم بالخطاب أولا، ثم عمم الخطاب ~~مع الكل؛ لأن تخصيصه وإن كان في الظاهر مختصا بالرسول، إلا ~~أن الأمة داخلون فيه؛ لأن رئيس القوم إذا خوطب دخل قومه في ذلك ~~الخطاب؛ كقوله: # يأيها النبي إذا طلقتم # [الطلاق:1]. # قوله: " إلا كنا " هذه الجملة حالية، وهو استثناء مفرغ، وولي ~~" إلا " هنا الفعل الماضي دون " قد " لأنه قد تقدمها فعل، وهو ~~مجوز لذلك، وقوله: " إذ " هذا الظرف معمول ل " شهودا " ولما ~~كانت الأفعال السابقة المراد بها الحالة الدائمة، وتنسحب على ~~الأفعال الماضية، كان الظرف ماضيا، وكان المعنى: وما كنت، وما ~~تكون، وما عملتم، إلا كنا عليكم شهودا، إلا أفضتم فيه، و " ~~إذا " تخلص المضارع لمعنى الماضي، ومعنى " تفيضون " أي: تدخلون ~~فيه وتفيضون، والإفاضة: الدخول في العمل، يقال: أفاض القوم في ~~الحديث؛ إذا اندفعوا فيه، وقد أفاضوا من عرفة؛ إذا دفعوا منها ~~بكثرتهم. # فإن قيل: " إذ " ههنا بمعنى: " حين " ، فيصير التقدير: إلا كنا ~~عليكم شهودا حين تفيضون فيه، وشهادة الله - تعالى - عبارة عن علمه؛ ~~فيلزم منه أنه - تعالى ms4673 - ما علم الأشياء إلا عند وجودها، وذلك ~~باطل. # فالجواب: أن هذا السؤال بناء على أن شهادة الله عبارة عن علمه، ~~وهذا ممنوع؛ فإن الشهادة لا تكون إلا عند المشهود عليه، أما العلم ~~فلا يمتنع تقدمه على الشيء، ويدل على ذلك أن الرسول لو أخبرنا ~~عن زيد أنه يأكل غدا، كنا من قبل حصول تلك الحالة عالمين بها، ~~ولا نوصف بكوننا شاهدين بها. # قوله - تعالى -: { وما يعزب عن ربك } قرأ الكسائي هنا، ~~وفي سبأ [سبأ 3]: " يعزب " بكسر الزاي، والباقون بضمها، وهما لغتان ~~في مضارع " عزب " ، يقال: عزب يعزب ويعزب. أي: غاب حتى ~~خفي، ومنه الروض العازب؛ قال أبو تمام: [الطويل] # 2910- وقلقل نأي من خراسان جأشها # فقلت: اطمئني، أنضر الروض عازبه # وقيل للغائب عن أهله: " عازب " ، حتى قالوا لمن لا زوج له: عازب. ~~وقال الراغب: " العازب: المتباعد في طلب الكلأ، ويقال: رجل عزب ~~وامرأة عزبة، وعزب عند حلمه، أي: غاب، وقوم معزبون، أي: عزبت ~~عنهم إبلهم " وفي الحديث: # " من قرأ القرآن في أربعين يوما، فقد عزب " # ، أي: فقد بعد عهده بالختمة، وقال قريبا منه الهروي، فإنه قال: " ~~أي: بعد عهده بما ابتدأ منه، وأبطأ في تلاوته، وفي حديث أم معبد: " ~~والشاء عازب حيال ". # قال: والعازب: البعيد الذهاب في المرعى، والحائل: التي ضربها ~~الفحل، فلم تحمل لجدوبة السنة، وفي الحديث أيضا: # " أصبحنا بأرض عزوبة صحراء " # ، أي: بعيدة المرعى. ويقال للمال الغائب: عازب، وللحاضر: عاهن، ~~والمعنى في الآية: وما يبعد، أو ما يخفى، أو ما يغيب عن ربك. # و " من مثقال " فاعل، و " من ": مزيدة فيه، أي: ما يبعد عنه ~~مثقال، والمثقال هنا: اسم لا صفة، والمعني به الوزن، أي: وزن ~~ذرة، ومثقال الشيء: ما يساويه في الثقل، والمعنى: ما يساوي ~~ذرة، والذر: صغار النمل واحدها ذرة، وهي تكون خفيفة الوزن ~~جدا. # فإن قيل: لم قدم الله ذكر الأرض هنا على ذكر السماء، مع أنه قال ~~في سبأ: # لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في ~~الأرض # [سبأ:3]؟ # فالجواب: حق السماء أن تقدم ms4674 على الأرض، إلا أنه - تعالى - ~~لما ذكر في هذه الآية شهادته على أحوال أهل الأرض وأعمالهم، ثم وصل ~~بذلك قوله: لا يعزب عنه؛ ناسب أن تقدم الأرض على السماء في هذا ~~الموضع. # قوله: { ولا أصغر من ذلك ولا أكبر } قرأ حمزة: برفع راء ~~" أصغر " و " أكبر " ، والباقون: بفتحها. # فأما الفتح ففيه وجهان: # أحدهما: - وعليه أكثر المعربين - أنه جر، وإنما كان بالفتحة؛ ~~لأنه لا ينصرف للوزن والوصف، والجر لأجل عطفه على المجرور، وهو: ~~إما " مثقال " ، أو " ذرة ". # وأما الوجه الثاني: فهو أن " لا " نافية للجنس، و " أصغر " و " ~~أكبر " اسمها، فهما مبنيان على الفتح. # وأما الرفع فمن وجهين: # أشهرهما عند المعربين: العطف على محل " مثقال " إذ هو مرفوع ~~بالفاعلية، و " من " مزيدة فيه؛ كقولك: " ما قام من رجل ولا ~~امرأة " بجر " امرأة " ورفعها. # والثاني: أنه مبتدأ، قال الزمخشري: والوجه النصب على نفي الجنس، ~~والرفع على الابتداء ليكون كلاما برأسه، وفي العطف على محل " ~~مثقال ذرة " ، أو على لفظ " مثقال ذرة " فتحا في موضع الجر؛ ~~لامتناع الصرف إشكال؛ لأن قولك: " لا يعزب عنه شيء إلا في كتاب ~~" مشكل؛ لأنه يلزم منه أن يكون ذلك الشيء الذي في الكتاب خارجا عن علم ~~الله، ويصير التقدير: إلا في كتاب مبين فيعزب، وهو باطل، وهذان ~~الوجهان اختيار الزجاج. # وقد يزول هذا الإشكال بما ذكره أبو البقاء: وهو أن يكون " إلا في ~~كتاب " استثناء منقطعا، قال: " إلا في كتاب؛ أي: إلا هو في ~~كتاب، والاستثناء منقطع ". # قال ابن الخطيب: " أجاب بعض المحققين من وجهين: # أحدهما: أن الاستثناء منقطع. # والآخر: أن العزوب عبارة عن مطلق البعد، والمخلوقات قسمان: # أحدهما: قسم أوجده الله ابتداء من غير واسطة، كالملائكة، والسموات، ~~والأرض. # وقسم أوجده بواسطة القسم الأول، مثل الحوادث الحادثة في عالم ~~الكون والفساد، وهذا قد يتباعد في سلسلة العلية والمعلولية عن ~~مرتبة وجود واجب الوجود، فالمعنى: لا يبعد عن مرتبة وجوده مثقال ذرة ~~في الأرض، ولا في السماء، إلا وهو في كتاب مبين كتبه الله، وأثبت فيه صور ~~تلك ms4675 المعلومات ". # قال شهاب الدين: " فقد آل الأمر إلى أنه جعله استثناء مفرغا، وهو ~~حال من " أصغر " و " أكبر " ، وهو في قوة الاستثناء المتصل، ولا ~~يقال في هذا: إنه متصل ولا منقطع إذ المفرغ لا يقال فيه ذلك. # وقال الجرجاني: " إلا " بمعنى: " الواو " ، والتقدير: " وما يعزب ~~عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا ~~أكبر " وههنا تم الكلام وانقطع، ثم ابتدأ بقوله: { إلا في كتاب ~~مبين } أي: وهو في كتاب مبين، والعرب تضع " إلا " موضع واو ~~النسق؛ كقوله: # إلا من ظلم # [النساء:148] # إلا الذين ظلموا منهم # [البقرة:150]. وهذا الذي قاله الجرجاني ضعيف جدا، وقد تقدم ~~الكلام في هذه المسألة في البقرة، وأنه شيء قال به الأخفش، ولم ~~يثبت ذلك بدليل صحيح. # وقال أبو شامة: ويزيل الإشكال أن تقدر قبل قوله: " إلا في كتاب " " ~~ليس شيء من ذلك إلا في كتاب " وكذا تقدر في آية الأنعام [الأنعام:59]. # ولم يقرأ في سبأ إلا بالرفع، وهو يقوي قول من يقول: إنه معطوف على " ~~مثقال " ، ويبينه أن " مثقال " فيها بالرفع؛ إذ ليس قبله حرف ~~جر. وقد تقدم الكلام على نظير هذه المسألة في سورة الأنعام، في ~~قوله: # وما تسقط من ورقة # [الأنعام:59] إلى قوله: # إلا في كتاب مبين # [الأنعام:59] وأن صاحب النظم الجرجاني أحال الكلام فيها على ~~الكلام في هذه السورة، وأن أبا البقاء قال: " لو جعلناه كذا، ~~لفسد المعنى ". وتقدم بيان فساده، والجواب عنه هناك، فالتفت إليه ~~[الأنعام:59]. # قوله: { ألا إن أوليآء الله } الآية. # اختلفوا فيمن يستحق هذا الاسم. # فقال بعضهم: هم الذين ذكرهم الله في كتابه، بقوله { الذين آمنوا ~~وكانوا يتقون }. # وقال قوم: هم المتحابون في الله، لما روى أبو مالك الأشعري، قال: # " كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " إن لله عبادا ~~ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم النبيون والشهداء بقربهم ومقعدهم ~~من الله يوم القيامة " ، قال: وفي ناحية المسجد أعرابي، فجثا على ~~ركبتيه، ورمى بيديه، ثم قال: حدثنا يا رسول الله عنهم، قال: فرأيت ms4676 في ~~وجه النبي صلى الله عليه وسلم البشر؛ فقال: " هم عباد من عباد ~~الله، من بلدان شتى، وقبائل شتى لم يكن بينهم أرحام ~~يتواصلون بها، ولا دنيا يتباذلون بها، يتحابون بروح الله، يجعل ~~الله وجوههم نورا، ويجعل لهم منابر من لؤلؤ قدام الرحمن، يفزع ~~الناس ولا يفزعون، ويخاف الناس ولا يخافون " ". # قال أبو بكر الأصم: أولياء الله: هم الذين تولى الله هدايتهم بالبرهان ~~وتولوا القيام بحق العبودية لله، والدعوة إليه. # واعلم: أن تركيب الواو، واللام، والياء يدل على معنى القرب، فولي ~~كل شيء هو الذي كون قريبا منه، والقرب من الله - تعالى - بالمكان ~~والجهة محال؛ فالقرب منه إنما يكون، إذا كان القلب مستغرقا في ~~نور معرفة الله - تعالى -، فإن رأى، رأى دلائل قدرة الله، وإن ~~سمع، سمع آيات الله، وإن نطق، نطق بالثناء على الله، وإن تحرك، ~~تحرك في خدمة الله، وإن اجتهد، اجتهد في طاعة الله، فهنالك يكون في ~~غاية القرب من الله؛ فحينئذ يكون وليا. # قوله تعالى: { الذين آمنوا } في محله أوجه: # أحدها: أنه مرفوع خبر مبتدأ مضمر، أي: هم الذي آمنوا، أو خبر ثان ل ~~" إن " ، أو مبتدأ، والخبر الجملة من قوله: { لهم البشرى } ، ~~أو على النعت على موضع " أولياء " لأن موضعه رفع بالابتداء قبل ~~دخول " إن " ، أو بدل من الموضع أيضا، ذكرهما مكي، وهذان الوجهان ~~على مذهب الكوفيين؛ لأنهم يجرون التوابع كلها مجرى عطف النسق في ~~اعتبار المحل. # وقيل: محله الجر بدلا من الهاء، والميم في " عليهم ". # وقيل: منصوب المحل نعتا ل " أولياء " ، أو بدلا منهم على اللفظ، ~~أو على إضمار فعل لائق وهو " أمدح " ، فقد تحصل فيه تسعة أوجه: ~~الرفع من خمسة، والجر من وجه واحد، والنصب من ثلاثة، وإذا لم تجعل ~~الجملة من قوله: " لهم البشرى " خبرا ل " الذين " جاز فيها ~~الاستئناف، وأن تكون خبرا ثانيا ل " إن " أو ثالثا. # قوله: { لهم البشرى } روى عبادة بن الصامت، قال: سألت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن قوله - تعالى -: { لهم البشرى في ~~الحياة الدنيا وفي ms4677 الآخرة } قال: هي الرؤيا الصالحة، ~~يراها المسلم أو ترى له. وروى أبو هريرة قال: # " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لم يبق من ~~النبوة إلا المبشرات " قالوا: وما المبشرات؟ قال: " الرؤيا ~~الصالحة ". # وقال - عليه الصلاة والسلام -: # " الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة. " # وقيل: البشرى في الدنيا هي: الثناء الحسن، وفي الآخرة: الجنة؛ ~~لما روى أبو ذر، قال: قلت يا رسول الله: الرجل يعمل لنفسه، ويحبه ~~الناس، قال: تلك عاجل بشرى المؤمن. وقال الزهري، وقتادة: هي نزول ~~الملائكة بالبشارة من الله - تعالى عند الموت، قال - تعالى -: # تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا ~~تحزنوا وأبشروا بالجنة # [فصلت:30]. وروى عطاء نحوه، عن ابن عباس. # وقال الحسن: هي ما بشر الله المؤمنين في كتابه من جنته، وكريم ~~ثوابه، كقوله: # وبشر الذين آمنوا # [البقرة:25] # وبشر المؤمنين # [البقرة:223] # وأبشروا بالجنة # [فصلت:30]. # وقيل: بشرهم في الدنيا بالكتاب والرسول أنهم أولياء الله، وبشرهم ~~في القبور، وفي كتب أعمالهم بالجنة. # قوله: { في الحياة الدنيا }: يجوز فيه وجهان: # أظهرهما: أنه متعلق بالبشرى، أي: البشرى تقع في الدنيا، كما ~~فسرت بالرؤيا الصالحة. # والثاني: أنها حال من " البشرى " فتتعلق بمحذوف، والعامل في ~~الحال الاستقرار في " لهم " لوقوعه خبرا. # قوله: " لا تبديل " جملة مستأنفة، أي: لا تغيير لقوله، ولا خلف ~~لوعده. # وقوله: " ذلك " إشارة للبشرى، وإن كانت مؤنثة؛ لأنها في ~~معنى التبشير، وقال ابن عطية: إشارة إلى النعيم، وقال الزمخشري: " ~~ذلك إشارة إلى كونهم مبشرين في الدارين ". # قوله: { ولا يحزنك قولهم } وههنا تم الكلام، واعلم أن الله لما ~~حكى عن الكفار شبهاتهم المتقدمة، وأجاب عنها عدلوا إلى طريق آخر، وهو ~~أنهم هددوه، وخوفوه بأنهم أصحاب أموال وأتباع؛ فنسعى في قهرك، ~~وفي إبطال أمرك، فأجاب - تعالى - عن هذا الطريق بقوله: { ولا ~~يحزنك قولهم }. # فإن قيل: كيف آمنه من ذلك، ولم يزل خائفا حتى هاجر، ثم بعد ذلك يخاف ~~حالا بعد حال. # فالجواب: أن الله وعده بالنصر والظفر مطلقا، والوقت ما كان ~~معينا، فهو في كل وقت كان يخاف من ms4678 أن لا يكون هذا الوقت المعين ~~ذلك الوقت؛ فحينئذ يحصل الانكسار في هذا الوقت، وقوله: " قولهم " ~~قيل: حذفت صفته؛ لفهم المعنى، إذا التقدير: ولا يحزنك قولهم الدال على ~~تكذيبك، وحذف الصفة، وإبقاء الموصوف قليل، بخلاف عكسه. # وقيل: بل هو عام أريد به الخاص. # ثم ابتدأ فقال: { إن العزة لله } العامة على كسر " إن " ~~، استئنافا، وهو مشعر بالعلية. # وقيل: هو جواب سؤال مقدر؛ كأن قائلا قال: لم لا يحزنه ~~قولهم، وهو مما يحزن؟ فأجيب بقوله: { إن العزة لله ~~جميعا } ، ليس لهم منها شيء، فكيف تبالي بقولهم؟ # والوقف على قوله: " قولهم " ينبغي أن يعتمد، ويقصد، ثم يبتدأ بقوله: " ~~إن العزة " وإن كان من المستحيل أن يتوهم أحد أن هذا من ~~مقولهم، إلا من لا يعتبر بفهمه، وقرأ أبو حيوة " أن العزة " بفتح ~~" أن " وفيها تخريجان: # أحدهما: أنها على حذف لام العلة، أي: لا يحزنك قولهم؛ لأجل أن ~~العزة لله جميعا. # الثاني: أن " أن " وما في حيزها بدل من " قولهم " كأنه قيل: ~~ولا يحزنك أن العزة لله، وكيف يظهر هذا التوجيه، أو يجوز القول ~~به، وكيف ينهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك في المعنى، وهو لم ~~يتعاط شيئا من تلك الأسباب؟ وأيضا؛ فمن أي قبيل الإبدال هذا؟ قال ~~الزمخشري: " ومن جعله بدلا من " قولهم " ثم أنكره، فالمنكر هو ~~تخريجه، لا ما أنكره من القراءة به ". يعني: أن إنكاره للقراءة منكر؛ ~~لأن معناها صحيح على ما ذكر من التعليل، وإنما المنكر هذا ~~التخريج، وقد أنكر جماعة هذه القراءة، ونسبوها للغلط ولأكثر منه. # قال القاضي: " فتحها شاذ يقارب الكفر، وإذا كسرت كان استئنافا، ~~وهذا يدل على فضيلة علم الإعراب ". # وقال ابن قتيبة: لا يجوز فتح " إن " في هذا الموضع وهو كفر وغلو. # قال أبو حيان: وإنما قالا ذلك بناء منهما على أن " أن " ~~معمولة ل " قولهم ". # قال شهاب الدين كيف تكون معمولة ل " قولهم " وهي واجبة الكسر بعد ~~القول إذا حكيت به، فكيف يتوهم ذلك؟ وكما لا يتوهم هذا المعنى مع ~~كسرها، ms4679 لا يتوهم أيضا مع فتحها ما دام له وجه صحيح. # و " جميعا " حال من العزة، ويجوز أن يكون توكيدا ولم يؤنث ~~بالتاء؛ لأن فعيلا يستوي فيه المذكر والمؤنث، لشبهه بالمصادر، ~~وقد تقدم تحريره في قوله: # إن رحمت الله قريب من المحسنين # [الأعراف:56]. # فصل # قيل: المعنى: إن جميع العزة والقدرة لله - تعالى -، يعطي ما يشاء ~~لعباده، والغرض منه: أنه لا يعطي الكفار قدرة عليه، بل يعطيه القدرة ~~عليهم حتى يكون هو أعز منهم، ونظيره: # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي # [المجادلة:21] # إنا لننصر رسلنا # [غافر:51]. # قال الأصم: المراد: أن المشركين يتعززون بكثرة خدمهم وأموالهم، ~~ويخوفونك بها، وتلك الأشياء كلها لله - تعالى -، فهو - تعالى - قادر على ~~أن يسلب منهم كل تلك الأشياء، وينصرك، وينقل أموالهم وديارهم إليك. # فإن قيل: قوله: { إن العزة لله جميعا } كالمضادة ~~لقوله: # ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين # [المنافقون:8]. # فالجواب: لا مضادة؛ لأن عزة الرسول والمؤمنين كلها بالله، فهي ~~لله. # { هو السميع العليم } أي: يسمع ما يقولون، ويعلم ما يعزمون، ~~فيكافئهم على ذلك. ### || [10.66-70] # قوله تعالى: { ألا إن لله من في السماوات ومن في ~~الأرض } الآية. # لما ذكر في الآية المتقدمة: { ألا إن لله ما في ~~السماوات وما في الأرض } [يونس:55] دل على أن كل ما لا ~~يعقل، فهو ملك لله - تعالى -، وملك له، وههنا أتى بكلمة " من " ~~وهي مختصة بالعقلاء؛ فدل على أن كل العقلاء داخلون تحت ملك الله ~~وملكه، فدل مجموع الآيتين على أن الكل ملكه وملكه. وقيل: ~~المراد ب " من في السموات ": العقلاء المميزون، وهم الملائكة ~~والثقلان، وخصهم بالذكر؛ ليدل على أن هؤلاء إذا كانوا له وفي ملكه، ~~فالجمادات أولى بهذه العبودية، فيكون ذلك قدحا في جعل الأصنام ~~شركاء لله - تعالى -، فيكون ذلك من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى، ~~ويجوز أن يراد العموم، وغلب العاقل على غيره. # قوله: " وما يتبع " يجوز في " ما " هذه أن تكون نافية، وهو ~~الظاهر، و " شركاء " مفعول " يتبع " ومفعول " يدعون " محذوف ~~لفهم المعنى، والتقدير: وما يتبع الذين يدعون من دون الله آلهة ~~شركاء، ms4680 فآلهة: مفعول " يدعون " و " شركاء ": مفعول " يتبع " ، وهو ~~قول الزمخشري. # قال: " ومعنى وما يتبعون شركاء: وما يتبعون حقيقة الشركاء، وإن ~~كانوا يسمونها شركاء؛ لأن شركة الله في الربوبية محال، إن ~~يتبعون إلا ظنهم أنهم شركاء ثم قال: " ويجوز أن تكون " ما " ~~استفهاما، يعني: وأي شيء يتبعون، و " شركاء " على هذا نصب ب " ~~يدعون " ، وعلى الأول ب " يتبع " وكان حقه: " وما يتبع الذين ~~يدعون من دون الله شركاء شركاء " فاقتصر على أحدهما للدلالة ". وهذا الذي ~~ذكره الزمخشري قد رده مكي وأبو البقاء. # أما مكي، فقال: انتصب " شركاء " ب " يدعون " ومفعول " يتبع " قام ~~مقامه { إن يتبعون إلا الظن } لأنه هو، ولا ينتصب ~~الشركاء ب " يتبع " لأنك تنفي عنهم ذلك، والله قد أخبر عنهم بذلك. # وقال أبو البقاء: " وشركاء مفعول " يدعون " ولا يجوز أن يكون ~~مفعول " يتبعون " لأن المعنى يصير إلى أنهم لم يتبعوا شركاء، ~~وليس كذلك ". # قال شهاب الدين: " معنى كلامهما: أنه يئول المعنى إلى نفي اتباعهم ~~الشركاء، والواقع أنهم قد اتبعوا الشركاء ". وجوابه ما تقدم من ~~أن المعنى: أنهم وإن اتبعوا شركاء، فليسوا بشركاء في الحقيقة، ~~بل في تسميتهم هم لهم بذلك، فكأنهم لم يتخذوا شركاء، ولا اتبعوهم ~~لسلب الصفة الحقيقية عنهم، ومثله قولك: " ما رأيت رجلا " ، أي: ~~من يستحق أن يسمى رجلا، وإن كنت قد رأيت الذكر من بني آدم، ~~ويجوز أن تكون " ما " استفهامية، وتكون حينئذ منصوبة بما بعدها، وقد ~~تقدم قول الزمخشري في ذلك. # وقال مكي: لو جعلت " ما " استفهاما بمعنى: الإنكار والتوبيخ، كانت ~~اسما في موضع نصب ب " يتبع ". # وقال أبو البقاء نحوه. ويجوز أن تكون " ما " موصولة بمعنى " الذي " ~~نسقا على " من " في قوله: { ألا إن لله من في السماوات ~~}. # قال الزمخشري: ويجوز أن تكون " ما " موصولة معطوفة على " من " كأنه ~~قيل: ولله ما يتبعه الذين يدعون من دون الله شركاء، أي: وله شركاؤهم. # ويجوز أن تكون " ما " هذه الموصولة في محل رفع بالابتداء، والخبر ~~محذوف تقديره: والذي يتبعه المشركون باطل، فهذه أربعة أوجه. # وقرأ السلمي: ms4681 " تدعون " بالخطاب، وعزاها الزمخشري لعلي بن أبي ~~طالب. # قال ابن عطية: وهي قراءة غير متجهة. # قال شهاب الدين: قد ذكر توجيهها الزمخشري، فقال: ووجهه أن يحمل " ~~وما يتبع " على الاستفهام، أي: وأي شيء يتبع الذين تدعونهم شركاء ~~من الملائكة والنبيين، يعني: أنهم يتبعون الله - تعالى - ويطيعونه، ~~فما لكم لا تفعلون مثل فعلهم؛ كقوله: # أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة أيهم أقرب # [الإسراء:57]. # قوله: " إن يتبعون " " إن " نافية، و " الظن " مفعول به، فهو ~~استثناء مفرغ، ومفعول الظن محذوف، تقديره: إن يتبعون إلا ~~الظن أنهم شركاء، وعند الكوفيين: تكون " أل " عوضا من الضمير، ~~تقديره: إن يتبعون إلا ظنهم أنهم شركاء، والأحسن أن لا يقدر ~~للظن معمول؛ إذ المعنى: إن يتبعون إلا الظن، لا اليقين. # وقوله: " إن يتبعون " من قرأ " يدعون " بياء الغيبة، فقد جاء ب " ~~يتبعون " مطابقا له، ومن قرأ " تدعون " بالخطاب، فيكون " ~~يتبعون ": التفاتا؛ إذ هو خروج من خطاب إلى غيبة، والمعنى: إن ~~يتبعون إلا ظنونهم الباطلة، { وإن هم إلا يخرصون }: ~~يكذبون، وقد تقدم في الأنعام. # قوله تعالى: { هو الذي جعل لكم الليل } الآية. # لما ذكر أن العزة لله جميعا، احتج عليه بهذه الآية، وانظر إلى ~~فصاحتها، حيث حذف من كل جملة ما ثبت في الأخرى؛ وذلك أنه ذكر علة ~~جعل الليل لنا، وهي قوله: " لتسكنوا " وحذفها من جعل النهار، وذكر ~~صفة النهار، وهي قوله: " مبصرا " وحذفها من الليل، لدلالة المقابل ~~عليه، والتقدير: هو الذي جعل لكم الليل مظلما لتسكنوا فيه، والنهار ~~مبصرا لتتحركوا فيه لمعاشكم، فحذف " مظلما " لدلالة " ~~مبصرا " عليه، وحذف " لتتحركوا " لدلالة " لتسكنوا " وهذا أفصح ~~كلام. # وقوله: " مبصرا " أسند الإبصار إلى الظرف مجازا كقولهم: " ~~نهاره صائم، وليله قائم ونائم ". # قال: [الطويل] # 2911-............................ # ونمت وما ليل المطي بنائم # وقال قطرب: يقال: أظلم الليل: صار ذا ظلمة، وأضاء النهار: صار ذا ~~ضياء؛ فيكون هذا من باب النسب؛ كقولهم: لابن وتامر، وقوله - تعالى -: # عيشة راضية # [الحاقة:21]، إلا أن ذلك إنما جاء في الثلاثي، وفي " فعال " ~~بالتضعيف عند بعضهم في قوله - تعالى -: # وما ms4682 ربك بظلام للعبيد # [فصلت:46] في أحد الأوجه. # ثم قال: { إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون } أي: ~~يتدبرون ما يسمعون، ويعتبرون. # فإن قيل: قوله: { جعل لكم الليل لتسكنوا فيه } يدل ~~على أنه - تعالى - ما جعله إلا لهذا الوجه، وقوله { إن في ذلك ~~لآيات } يدل على أنه - تعالى - أراد بتخليق الليل والنهار أنواعا ~~كثيرة من الدلائل. # فالجواب: أن قوله - تعالى -: " لتسكنوا " لا يدل على أنه لا حكمة ~~فيه إلا ذلك، بل ذلك يقتضي حصول تلك الحكمة. # قوله تعالى: { قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو ~~الغني } الآية. # هذا نوع آخر من أباطيلهم التي حكاها الله عنهم، " قالوا " يعني ~~المشركين: الملائكة بنات الله، وقيل: قولهم: الأوثان أولاد الله، ويحتمل ~~أن يكون قد كان فيهم قوم من النصارى قالوا ذلك، ثم استنكر هذا القول، ~~فقال بعده: { هو الغني له ما في السماوات وما في ~~الأرض } فكونه - تعالى - غنيا مالكا لكل ما في السموات والأرض، ~~يدل على أنه سبحانه يستحيل أن يكون له ولد، وبيانه من وجوه: # الأول: أنه لو كان محتاجا، لافتقر إلى صانع آخر، وهو محال، وكل من ~~كان غنيا فلا بد أن يكون فردا منزها عن الأعضاء والأبعاض، ومن كان ~~كذلك يمتنع أن ينفصل عنه جزء من أجزائه، والولد عبارة عن انفصال جزء من ~~أجزاء الإنسان، ثم يتولد من ذلك الجزء مثله، وإذا كان هذا محالا، ثبت ~~أن كونه - تعالى - غنيا يمنع من ثبوت الولد له. # الثاني: أن من كان غنيا، كان قديما أزليا باقيا سرمديا، وكل من ~~كان كذلك امتنع عليه الانقراض، والولد إنما يحصل للشيء الذي ينقضي ~~وينقرض، فيكون ولده قائما مقامه؛ فثبت أن كونه - تعالى - غنيا، يدل ~~على أنه يمتنع أن يكون له ولد. # الثالث: أن كل من كان غنيا يمتنع أن يكون موصوفا بالشهوة واللذة، ~~وإذا امتنع ذلك، امتنع أن يكون له صاحبة وولد. وباقي الوجوه يطول ذكرها. ~~ثم قال: { له ما في السماوات وما في الأرض } وهذا نظير ~~قوله: # إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن ms4683 ~~عبدا # [مريم:93] ولما بين بالدليل الواضح امتناع ما أضافوا إليه، عطف ~~عليهم بالإنكار والتوبيخ، فقال: { إن عندكم من سلطان }: " ~~إن " نافية و " عندكم " يجوز أن يكون خبرا مقدما، و " من سلطان ~~" مبتدأ مؤخرا، ويجوز أن يكون " من سلطان " مرفوعا بالفاعلية ~~بالظرف قبله؛ لاعتماده على النفي، و " من " مزيدة على كلا التقديرين، ~~وبهذا يجوز أن يتعلق ب " سلطان " لأنه بمعنى الحجة والبرهان، وأن ~~يتعلق بمحذوف صفة له؛ فيحكم على موضعه بالجر على اللفظ، وبالرفع على ~~المحل؛ لأن موصوفه مجرور بحرف جر زائد، وأن يتعلق بالاستقرار. # قال الزمخشري: الباء حقها أن تتعلق بقوله: " إن عندكم " على أن ~~يجعل القول مكانا للسلطان؛ كقوله " ما عندكم بأرضكم موز " كأنه قيل: ~~إن عندكم بما تقولون سلطان وقال الحوفي: بهذا متعلق بمعنى الاستقرار. ~~يعنى: الذي تعلق به الظرف. # ثم قال: { أتقولون على الله ما لا تعلمون } وقد تقدم ~~أن الآية يحتج بها نفاة القياس في إبطال التقليد. # قوله - تعالى -: { قل إن الذين يفترون على الله ~~الكذب } الآية. # لما بين بالدليل القاطع أن إثبات الولد لله قول باطل، ثم بين ~~أنه ليس لهذا القائل دليل على صحة قوله، ظهر أن ذلك المذهب افتراء على ~~الله - تعالى -، فبين أن من هذا حاله، فإنه لا يفلح ألبتة، أي: ~~لا ينجح في سعيه، ولا يفوز بمطلوبه، بل خاب وخسر. # قوله: { متاع في الدنيا } يجوز رفع " متاع " من وجهين: # أحدهما: أنه خبر مبتدأ محذوف، والجملة جواب لسؤال مقدر، فهي ~~استئنافية، كأن قائلا قال: كيف لا يفلحون، وهم في الدنيا مفلحون ~~بأنواع مما يتلذذون به؟ فقيل: ذلك متاع. # والثاني: أنه مبتدأ، والخبر محذوف تقديره: لهم متاع، و " في ~~الدنيا " يجوز أن يتعلق بنفس " متاع " أي: تمتع في الدنيا، ويجوز أن ~~يتعلق بمحذوف على أنه نعت ل " متاع " فهو في محل رفع، ولم يقرأ ~~بنصبه هنا، بخلاف قوله: # متاع الحياة # [يونس:23] في أول السورة. # وقوله: { بما كانوا } الباء للسببية، و " ما " مصدرية، أي: بسبب ~~كونهم كافرين. ### || [10.71-74] # قوله تعالى: { واتل عليهم نبأ نوح ms4684 } الآية. # لما بالغ في تقرير الدلائل، والجواب عن الشبه، شرع في بيان قصص ~~الأنبياء؛ لوجوه: # الأول: أن الكلام إذا طال في تقرير نوع من أنواع العلوم؛ فربما ~~حصل نوع من الملالة، فإذا انتقل الإنسان من ذلك الفن إلى فن آخر، ~~انشرح، ووجد في نفسه رغبة شديدة. # الثاني: ليتأسى الرسول وأصحابه بمن سلف من الأنبياء؛ فإن الرسول إذا ~~سمع أن معاملة هؤلاء الكفار مع الرسل ما كانت إلا على هذا الوجه، خف ~~ذلك على قلبه، كما يقال: إن المصيبة إذا عمت خفت. # الثالث: أن الكفار إذا سمعوا هذه القصص، وعلموا أن الجهال ~~وإن بالغوا في إيذاء الأنبياء المتقدمين، إلا أن الله - تعالى - ~~أعانهم بالآخرة، ونصرهم، وأيدهم، وقهر أعداءهم، كان سماع هؤلاء ~~الكفار لهذه القصص، سببا لانكسار قلوبهم، ووقوع الخوف في صدورهم؛ ~~فحينئذ يقللون من الأذى والسفاهة. # الرابع: أن محمدا - عليه الصلاة والسلام - لما لم يتعلم ~~علما، ولم يطالع كتابا، ثم ذكر هذه القصص من غير تفاوت، ومن غير ~~زيادة ولا نقصان، دل ذلك على أنه - عليه الصلاة والسلام - إنما ~~عرفها بالوحي والتنزيل، وحذفت الواو من " اتل " لأنه أمر. قوله: " إذ ~~قال " يجوز أن تكون " إذ " معمولة ل " نبأ " ويجوز أن تكون بدلا من ~~" نبأ " بدل اشتمال، وجوز أبو البقاء: أن تكون حالا من " نبأ " ~~وليس بظاهر، ولا يجوز أن يكون منصوبا ب " اتل " لفساده؛ إذ " اتل " ~~مستقبل، و " إذ " ماض، و " لقومه " اللام: إما للتبليغ، وهو ~~الظاهر، وإما للعلة، وليس بظاهر. # قال المفسرون: " قوم نوح هم: ولد قابيل ". # قوله: { كبر عليكم مقامي } من باب الإسناد المجازي؛ ~~كقولهم: " ثقل علي ظله ". # وقرأ أبو رجاء، وأبو مجلز، وأبو الجوزاء: " مقامي " بضم الميم، و " ~~المقام " بالفتح: مكان القيام، وبالضم: مكان الإقامة، أو الإقامة نفسها. # وقال ابن عطية: " ولم يقرأ هنا بضم الميم ". كأنه لم يطلع ~~على قراءة هؤلاء. # قال الواحدي: يقال: كبر يكبر كبرا في السن، وكبر الأمر ~~والشيء، إذا عظم، يكبر كبرا وكبارة، قال ابن عباس: " ثقل ~~عليكم، وشق عليكم " وأراد بالمقام ههنا: ms4685 مكثه. # وسبب هذا الثقل أمران: # الأول: أنه - عليه الصلاة والسلام - مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين ~~عاما. # والثاني: أن أولئك الكفار كانوا قد ألفوا تلك المذاهب الفاسدة، ومن ~~ألف طريقة في الدين؛ فإنه يثقل عليه أن يدعى إلى خلافها؛ فإن اقترن ~~بذلك طول مدة الدعاء، كان أثقل، وأشد كراهية، وقوله { ~~وتذكيري بآيات الله }: بحججه وبيناته. # قوله: { فعلى الله } جواب الشرط، وقوله { فأجمعوا } عطف ~~على الجواب، ولم يذكر أبو البقاء غيره، واستشكل عليه أنه متوكل ~~على الله دائما، كبر عليهم مقامه أو لم يكبر. # وقيل: جواب الشرط قوله: " فأجمعوا " وقوله: { فعلى الله ~~توكلت }: جملة اعتراضية بين الشرط وجوابه؛ وهو كقول الشاعر: ~~[الكامل] # 2912- إما تريني قد نحلت ومن يكن # غرضا لأطراف الأسنة ينحل # فلرب أبلج مثل ثقلك بادن # ضخم على ظهر الجواد مهيل # وقيل: الجواب محذوف، أي: فافعلوا ما شئتم. # وقرأ العامة: " فأجمعوا " أمرا من " أجمع " بهمزة القطع، يقال: ~~أجمع في المعاني، وجمع في الأعيان، فيقال: أجمعت أمري، وجمعت ~~الجيش، هذا هو الأكثر. قال الحارث بن حلزة: [الخفيف] # 2913- أجمعوا أمرهم بليل فلما # أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء # وقال آخر: [الرجز] # 2914- يا ليت شعري والمنى لا تنفع # هل أغدون يوما وأمري مجمع؟ # وهل أجمع متعد بنفسه، أو بحرف جر ثم حذف اتساعا؟ # فقال أبو البقاء: من قولك أجمعت على الأمر: إذا عزمت عليه؛ إلا ~~أنه حذف حرف الجر فوصل الفعل إليه، وقيل: هو متعد بنفسه، وأنشد ~~قول الحارث. # وقال أبو فيد السدوسي: أجمعت الأمر، أفصح من أجمعت عليه. # وقال أبو الهيثم: أجمع أمره جعله مجموعا بعد ما كان متفرقا، قال: ~~وتفرقته أن يقول مرة افعل كذا، ومرة افعل كذا، وإذا عزم على أمر ~~واحد، فقد جمعه أي: جعله جميعا، فهذا هو الأصل في الإجماع، ثم صار ~~بمعنى: العزم، حتى وصل ب " على " فقيل: أجمعت على الأمر؛ أي: ~~عزمت عليه، والأصل: أجمعت الأمر. # وقرأ العامة: " وشركاءكم " نصبا وفيه أوجه: # أحدها: أنه معطوف على " أمركم " بتقدير حذف مضاف، أي: وأمر ~~شركائكم؛ كقوله: # واسأل القرية # [يوسف:82]، ودل ms4686 على ذلك ما تقدم من أن " أجمع " للمعاني. # الثاني: أنه عطف عليه من غير تقدير حذف مضاف، قيل: لأنه يقال ~~أيضا: أجمعت شركائي. # الثالث: أنه منصوب بإضمار فعل لائق، واجمعوا شركاءكم بوصل الهمزة، ~~وقيل: تقديره: وادعوا، وكذلك هي في مصحف أبي " وادعوا " فأضمر فعلا ~~لائقا؛ كقوله - تعالى -: # والذين تبوءوا الدار والإيمان # [الحشر:9]، أي: واعتقدوا الإيمان. # ومثله قول الآخر: [الرجز] # 2915- علفتها تبنا وماء باردا # حتى شتت همالة عيناها # أي: وسقيتها ماء؛ وكقوله: [مجزوء الكامل] # 2916- يا ليت زوجك قد غدا # متقلدا سيفا ورمحا # وقول الآخر: [الوافر] # 2917- إذا ما الغانيات يرزن يوما # وزججن الحواجب والعيونا # يريد: ومعتقلا رمحا، وكحلن العيونا، وقد تقدم أن في هذه ~~الأماكن غير هذا التخريج. # الرابع: أنه مفعول معه، أي: " مع شركائكم ". # قال الفارسي: وقد ينصب الشركاء بواو " مع " ، كما قالوا: جاء ~~البرد والطيالسة، ولم يذكر الزمخشري غير قول أبي علي. # قال الزجاج: " معناه: فأجمعوا أمركم مع شركائكم، فلما ترك انتصب ~~". # قال أبو حيان: " وينبغي أن يكون هذا التخريج على أنه مفعول معه من ~~الفاعل، وهو الضمير في " فأجمعوا " لا من المفعول الذي هو " أمركم ~~" وذلك على أشهر الاستعمالين؛ لأنه يقال: " أجمع الشركاء أمرهم " ولا ~~يقال: " جمع الشركاء أمرهم " إلا قليلا ". # قال شهاب الدين: يعني: أنه إذا جعلناه مفعولا معه من الفاعل، كان ~~جائزا بلا خلاف، وذلك لأن من النحويين من اشترط في صحة نصب ~~المفعول معه: أن يصلح عطفه على ما قبله، فإن لم يصلح عطفه، لم يصح ~~نصبه مفعولا معه، فلو جعلناه من المفعول لم يجز على المشهور، إذ لا ~~يصلح عطفه على ما قبله؛ إذ لا يقال: أجمعت شركائي، بل جمعت. # وقرأ الزهري، والأعمش، والأعرج، والجحدري، وأبو رجاء، ويعقوب، والأصمعي ~~عن نافع: " فاجمعوا " بوصل الألف، وفتح الميم من جمع يجمع، و " ~~شركاءكم " على هذه القراءة يتضح نصبه نسقا على ما قبله، ويجوز فيه ~~ما تقدم في القراءة الأولى من الأوجه. # قال صاحب اللوامح: أجمعت الأمر: أي: جعلته جميعا، وجمعت الأموال ~~جمعا، فكان الإجماع في الأحداث، والجمع ms4687 في الأعيان، وقد يستعمل كل ~~واحد مكان الآخر، وفي التنزيل: # فجمع كيده # [طه:60] وقد اختلف القراء في قوله: # فأجمعوا كيدكم # [طه:64]. # فقرأ الستة: بقطع الهمزة، جعلوه من " أجمع " وهو موافق لما قيل: إن ~~" أجمع " في المعاني. # وقرأ أبو عمرو وحده " فاجمعوا " بوصل الألف، وقد اتفقوا على قوله # فجمع كيده ثم أتى # [طه:60]، فإنه من الثلاثي، مع أنه متسلط على معنى، لا عين. # ومنهم من جعل للثلاثي معنى غير معنى الرباعي؛ فقال في قراءة أبي عمرو: ~~من جمع يجمع ضد فرق يفرق، وجعل قراءة الباقين من: أجمع أمره إذا ~~أحكمه وعزم عليه، ومنه قول الشاعر: [الرجز] # 2918- يا ليتت شعري والمنى لا تنفع # هل أغذون يوما وأمري مجمع؟ # وقيل: المعنى: فاجمعوا على كيدكم؛ فحذف حرف الجر. # وقرأ الحسن، والسلمي، وعيسى بن عمر، وابن أبي إسحاق، وسلام، ويعقوب: " ~~وشركاؤكم " رفعا، وفيه تخريجان: # أحدهما: أنه نسق على الضمير المرفوع ب " أجمعوا " قبله، وجاز ~~ذلك؛ إذ الفصل بالمفعول سوغ العطف. # والثاني: أنه مبتدأ محذوف الخبر، تقديره: وشركاؤكم فليجمعوا ~~أمرهم، وشذت فرقة فقرأت: " وشركائكم " بالخفض، ووجهت على ~~حذف المضاف، وإبقاء المضاف إليه مجرورا على حاله؛ كقول الشاعر: # 2919- أكل امرىء تحسبين امرءا # ونار توقد بالليل نارا # أي: وكل نار، فتقدير الآية: وأمر شركائكم؛ فحذف الأمر، وأبقى ما بعده ~~على حاله، ومن رأى برأي الكوفيين جوز عطفه على الضمير في " أمركم " ~~من غير تأويل، وقد تقدم ما فيه من المذاهب، أعني: العطف على الضمير ~~المجرور من غير إعادة الجار في سورة البقرة. # قوله: " غمة " يقال: غم وغمة، نحو كرب وكربة. # قال أبو الهيثم: هو من قولهم: غم علينا الهلال، فهو مغموم إذا ~~التمس، فلم ير؛ قال طرفة بن العبد: [الطويل] # 2920- لعمرك ما أمري علي بغمة # نهاري ولا ليلي علي بسرمد # وقال الليث: يقال: هو في غمة من أمره، إذا لم يتبين له. # قوله: { ثم اقضوا } مفعول " اقضوا " محذوف، أي: اقضوا إلي ذلك ~~الأمر الذي تريدون إيقاعه بي؛ كقوله: # وقضينآ إليه ذلك الأمر # [الحجر:66] فعداه لمفعول صريح. # وقرأ السري: ms4688 " ثم أفضوا " بقطع الهمزة والفاء، من أفضى يفضي ~~إذا انتهى، يقال: أفضيت إليك، قال تعالى: # وقد أفضى بعضكم إلى بعض # [النساء:21]، فالمعنى: ثم أفضوا إلي سركم، أي: انتهوا به إلي، ~~وقيل: معناه: أسرعوا به إلي، وقيل: هو من أفضى، أي: خرج إلى ~~الفضاء، أي: فأصحروا به إلي، وأبرزوه لي؛ كقوله: [الطويل] # 2921- أبى الضيم والنعمان يحرق نابه # عليه فأفضى والسيوف معاقله # ولام الفضاء واو؛ لأنه من فضا يفضو، أي: اتسع، والمعنى: ~~فأحكموا أمركم، واعزموا وادعوا شركاءكم، أي: آلهتكم، فاستعينوا ~~بها لتجتمع. # وروى الأصمعي، عن نافع: " فأجمعوا ذوي الأمر منكم " فحذف المضاف، وجرى ~~على المضاف إليه ما كان يجري على المضاف لو ثبت. # قال ابن الأنباري: المراد من الأمر هنا: وجوه كيدهم، ومكرهم، والتقدير: ~~لا تتركوا من أمركم شيئا إلا أحضرتموه. والمراد من الشركاء: إما ~~الأوثان؛ لأنهم كانوا يعتقدون أنها تضر وتنفع، وإما أن يكون ~~المراد: من كان على مثل دينهم. { ثم لا يكن أمركم ~~عليكم غمة } أي: خفيا مبهما، من قولهم: غم الهلال على ~~الناس، أي: أشكل عليهم، فهو مغموم إذا خفي. " ثم اقضوا " أي: ~~امضوا، " إلي ": بما في أنفسكم من مكروه وافرغوا منه، يقال: قضى فلان: ~~إذا مات، وقضى دينه: إذا فرغ منه، وقيل معناه: توجهوا إلي بالقتل ~~والمكروه، وقيل: " فاقضوا ما أنتم قاضون " كقول السحرة لفرعون " # فاقض مآ أنت قاض # [طه:72]. # قال القفال: ومجاز دخول كلمة " إلى " في هذا الموضع من قولهم: برئت ~~إليك، وخرجت إليك من العهد، وفيه معنى الإخبار؛ فكأنه - تعالى - قال: ~~ثم اقضوا إلي ما يستقر رأيكم عليه محكما مفروغا منه، ثم لا تنظرون ~~أي: لا تمهلون ولا تؤخرون. # وقد نظم القاضي هذا الكلام على أحسن الوجوه، فقال: إنه - عليه الصلاة ~~والسلام - قال في أول الأمر: فعلى الله توكلت؛ فإني واثق بوعد الله، ~~جازم بأنه لا يخلف الميعاد، فلا تظنوا أن تهديدكم إياي بالقتل ~~والإيذاء يمنعني من الدعاء إلى الله ثم إنه - عليه الصلاة والسلام - ~~أورد عليهم ما يدل على صحة دعواه، فقال: { فأجمعوا أمركم } ~~كأنه ms4689 يقول: اجمعوا ما تقدرون عليه من الأشياء التي توجب حصول ~~مطلوبكم، ثم لم يقتصر على ذلك، بل أمرهم أن يضموا إلى أنفسهم شركاءهم ~~الذين كانوا يزعمون أن حالهم يقوى بمكانتهم وبالتقرب إليهم، ثم لم ~~يقتصر على هذين، بل ضم إليهما ثالثا، وهو قوله: { ثم لا يكن ~~أمركم عليكم غمة } أراد أن يبلغوا فيه كل غاية في ~~المكاشفة والمجاهرة، ثم لم يقتصر على ذلك، بل ضم إليها رابعا، فقال: ~~{ ثم اقضوا إلي } والمراد: أن وجهوا كل تلك الشرور ~~إلي، ثم ضم إلى ذلك خامسا، وهو قوله: " لا تنظرون " أي: ~~عجلوا ذلك بأشد ما تقدرون عليه من غير انتظار، ومعلوم أن مثل هذا ~~الكلام يدل على أنه - عليه الصلاة والسلام - كان قد بلغ الغاية في التوكل ~~على الله، وأنه كان قاطعا بأن كيدهم لا يضره، ولا يصل إليه، ~~ومكرهم لا ينفذ فيه. # قوله: { فإن توليتم } أعرضتم عن قولي، وقبول نصحي، { ~~فما سألتكم } على تبليغ الرسالة والدعوة " من أجر " ~~جعل وعوض، { إن أجري }: ما أجري وثوابي، { إلا على الله }. # قال المفسرون: وهذا إشارة إلى أنه ما أخذ منهم مالا على دعواهم ~~إلى دين الله، وكلما كان الإنسان فارغا من الطمع، كان قوله أقوى ~~تأثيرا في القلب. # قال ابن الخطيب: وعندي فيه وجه آخر: وهو أنه - عليه الصلاة والسلام - ~~بين أنه لا يخاف منهم بوجه من الوجوه، وذلك لأن الخوف إنما يحصل ~~بأحد شيئين: إما بإيصال الشر، أو بقطع المنافع، فبين فيما تقدم ~~أنه لا يخاف شرهم، وبين في هذه الآية أنه لا يخاف منهم بسبب أن ~~يقطعوا عنه خيرا؛ لأنه ما أخذ منهم شيئا، فكان يخاف أن يقطعوا منه ~~خيرا، ثم قال: { إن أجري إلا على الله وأمرت أن ~~أكون من المسلمين } وفيه قولان: # الأول: أنكم سواء قبلتم دين الإسلام، أو لم تقبلوا، فأنا مأمور بأن ~~أكون على دين الإسلام. # الثاني: أني مأمور بالاستسلام لكل ما يصل إلي لأجل هذه الدعوة، ~~وهذا الوجه أليق بهذا الموضع؛ لأنه لما قال اقضوا إلي بين ~~أنه ms4690 مأمور بالاستسلام لكل ما يصل إليه. # قوله: { فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك }. # لما حكى كلام نوح مع الكفار، ذكر - تعالى - ما آل أمرهم إليه: ~~أما في حق نوح وأصحابه، فنجاهم وجعلهم خلائف، أي: يخلفون من هلك ~~بالغرق، وأما في حق الكفار فإنه - تعالى - أهلكهم وأغرقهم، وهذه ~~القصة إذا سمعها من صدق الرسول ومن كذب به، كانت زجرا للمكذبين ~~فإنهم يخافون أن ينزل بهم مثل ما نزل بقوم نوح، وتكون داعية للمؤمنين ~~إلى الثبات على الإيمان؛ ليصلوا إلى مثل ما وصل إليه قوم نوح. # قوله { في الفلك } يجوز فيه وجهان: # أحدهما: أن يتعلق ب " نجيناه " ، أي: وقع الإنجاء في هذا المكان. # والثاني: أن يتعلق بالاستقرار الذي تعلق به الظرف، وهو " معه " ~~لوقوعه صلة، أي: والذين استقروا معه في الفلك، وقوله: " وجعلناهم " ~~أي: صيرناهم، وجمع الضمير في " جعلناهم " حملا على معنى " من ~~" ، و " خلائف " جمع خليفة، أي: يخلفون الغارقين. # قوله: { ثم بعثنا من بعده } أي: من بعد نوح، { رسلا ~~إلى قومهم } ولم يسم الرسل، وقد كان منهم هود، وصالح، ~~وإبراهيم، ولوط، وشعيب، { فجآءوهم بالبينات } ، وهي ~~المعجزات الباهرة، و " بالبينات " متعلق ب " فجاءوهم " أو ~~بمحذوف على أنه حال أي: ملتبسين بالبينات، { فما كانوا ~~ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل } أي: أن حالهم بعد ~~بعثة الرسل، كحالهم قبلها في كونهم أهل جاهلية. # قال القرطبي: التقدير: بما كذب به قوم نوح من قبل، وقيل " بما ~~كذبوا به " أي: من قبل يوم الذر فإنه كان فيهم من كذب بقلبه، ~~وإن قال الجميع: بلى. # وقال النحاس: أحسن ما قيل في هذا: أنه لقوم بأعيانهم، مثل: # أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون # [البقرة:6]. و " بالبينات " متعلق ب " جاءوهم " ، أو بمحذوف على ~~أنه حال، أي: ملتبسين بالبينات. # وقوله: " ليؤمنوا " أتى بلام الجحود توكيدا، والضمير في " ~~كذبوا " عائد على من عاد عليه الضمير في كانوا، وهم قوم ~~الرسل. # وقال أبو البقاء ومكي: إن الضمير في كانوا يعود على قوم الرسل، ~~وفي " كذبوا " يعود على قوم نوح، والمعنى: فما كان ms4691 قوم الرسل ~~ليؤمنوا بما كذب به قوم نوح، أي: بمثله، ويجوز أن تكون الهاء عائدة ~~على نوح نفسه، من غير حذف مضاف، والتقدير: فما كان قوم الرسل بعد ~~نوح ليؤمنوا بنوح؛ إذ لو آمنوا به، لآمنوا بأنبيائهم. # و " من قبل " متعلق ب " كذبوا " أي: من قبل بعثة الرسل. # وقيل: الضمائر كلها تعود على قوم الرسل بمعنى آخر: وهو أنهم ~~بادروا رسلهم بالتكذيب، كلما جاء رسول، لجوا في الكفر، وتمادوا ~~عليه، فلم يكونوا ليؤمنوا بما سبق به تكذيبهم من قبل لجهم في الكفر، ~~وتماديهم. # وقال ابن عطية: ويحتمل اللفظ عندي معنى آخر، وهو أن تكون " ما " ~~مصدرية، والمعنى: فكذبوا رسلهم، فكان عقابهم من الله أن لم يكونوا ~~ليؤمنوا بتكذيبهم من قبل، أي: من سببه ومن جرائه، ويؤيد هذا ~~التأويل: " كذلك نطبع " وهو كلام يحتاج إلى تأمل. # قال أبو حيان: والظاهر أن " ما " موصولة؛ ولذلك عاد الضمير عليها ~~في قوله: { بما كذبوا به من قبل } ولو كانت مصدرية، بقي ~~الضمير غير عائد على مذكور؛ فتحتاج أن يتكلف ما يعود عليه الضمير. # قال شهاب الدين - رحمه الله -: " الشيخ بناه على قول جمهور النحاة: ~~في عدم كون " ما " المصدرية اسما؛ فيعود عليها ضمير، وقد تقدم ~~مرارا، أن مذهب الأخفش، وابن السراج: أنها اسم فيعود عليها الضمير ~~". # قرأ العامة: " نطبع " بالنون الدالة على تعظيم المتكلم. ~~وقرأ العباس بن الفضل: بياء الغيبة، وهو الله - تعالى -؛ ولذلك صرح ~~به في موضع آخر: # كذلك يطبع الله # [الأعراف:101]. والكاف نعت لمصدر محذوف، أو حال من ذلك المصدر على ~~حسب ما عرفته من الخلاف، أي: مثل ذلك الطبع المحكم الممتنع زواله، نطبع ~~على قلوب المعتدين على خلق الله. # فصل # احتج أهل السنة على أنه - تعالى - قد يمنع المكلف عن الإيمان ~~بهذه الآية. # قالت المعتزلة: فقد قال - تعالى -: # بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا ~~قليلا # [النساء:155] ولو كان هذا الطبع مانعا، لما صح هذا الاستثناء، وقد ~~تقدم البحث في ذلك عند قوله - تعالى -: # ختم الله على قلوبهم # [البقرة:7]. ### || [10.75-86] ms4692 # قوله - تعالى - { ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون } ~~الآية. # قرأ مجاهد، وابن جبير، والأعمش: " إن هذا لساحر " اسم فاعل، ~~والإشارة ب " هذا " حينئذ إلى موسى، أشير إليه لتقدم ذكره، وفي ~~قراءة الجماعة، المشار إليه الشيء الذي جاء به موسى، من قلب العصا ~~حية، وإخراج يده بيضاء كالشمس، ويجوز أن يشار ب " هذا " في قراءة ابن ~~جبير: إلى المعنى الذي جاء به موسى مبالغة؛ حيث وصفوا المعاني بصفات ~~الأعيان؛ كقولهم: " شعر شاعر " ، و " جد جده ". # فإن قيل: إن القوم لما قالوا: { إن هذا لسحر مبين } ~~، فكيف حكى موسى عنهم أنهم قالوا: " أسحر هذا " على سبيل ~~الاستفهام؟. # فالجواب من وجهين: # أحدهما: أن معمول " أتقولون ": الجملة من قوله: " أسحر هذا " إلى ~~آخره، كأنهم قالوا: أجئتما بالسحر تطلبان به الفلاح، ولا يفلح ~~الساحرون؛ كقول موسى - عليه الصلاة والسلام - للسحرة: { ما جئتم ~~به السحر إن الله سيبطله } [يونس:81]. # والثاني: أن معمول القول محذوف، مدلول عليه بما تقدم ذكره، وهو { ~~إن هذا لسحر مبين }. # ومعمول القول يحذف للدلالة عليه كثيرا، كما يحذف القول كثيرا، ~~ويكون تقدير الآية: إن موسى - عليه الصلاة والسلام - قال لهم: { ~~أتقولون للحق لما جآءكم } ما تقولون، ثم حذف منه مفعول " ~~أتقولون " لدلالة الحال عليه، ثم قال: أسحر هذا وهو استفهام على ~~سبيل الإنكار، ثم احتج على أنه ليس بسحر، بقوله: { ولا يفلح ~~الساحرون }؛ ومثل الآية في حذف المقول قول الشاعر: [الطويل] # 2922- لنحن الألى قلتم فأنى ملئتم # برؤيتنا قبل اهتمام بكم رعبا # وفي كتاب سيبويه: " متى رأيت أو قلت زيدا منطلقا " على إعمال ~~الأول، وحذف معمول القول، ويجوز إعمال القول بمعنى الحكاية به، فيقال: " ~~متى رايت أو قلت زيد منطلق " وقيل: القول في الآية بمعنى: العيب ~~والطعن، والمعنى: أتعيبون الحق وتطعنون فيه، وكان من حقكم ~~تعظيمه، والإذعان له، من قولهم: " فلان يخاف القالة " و " بين الناس ~~تقاول " إذا قال بعضهم لبعض ما يسوؤه، ونحو القول الذكر في قوله: # سمعنا فتى يذكرهم # [الأنبياء:60] وكل هذا ملخص من كلام الزمخشري. # قوله: " قالوا " يعني: فرعون وقومه، ms4693 " أجئتنا لتلفتنا " ~~اللام متعلقة بالمجيء، أي: أجئت لهذا الغرض، أنكروا عليه مجيئه ~~لهذه العلة، واللفت: اللي والصرف، لفته عن كذا، أي: صرفه ~~ولواه عنه، وقال الأزهري: " لفت الشيء وفتله ": لواه، وهذا من ~~المقلوب. # قال شهاب الدين: " ولا يدعى فيه قلب، حتى يرجع أحد اللفظين في ~~الاستعمال على الآخر، ولذلك لم يجعلوا جذب وجبذ، وحمد ومدح ~~من هذا القبيل لتساويهما، ومطاوع لفت: التفت، وقيل: انفتل، ~~وكأنهم استغنوا بمطاوع " فتل " عن مطاوع لفت، وامرأة لفوت، ~~أي: تلتفت لولدها عن زوجها، إذا كان الولد لغيره، واللفيتة: ما ~~يغلظ من القصيدة " والمعنى: أنهم قالوا: لا نترك الذي نحن عليه؛ ~~لأنا وجدنا أباءنا عليه، فتمسكوا بالتقليد، ودفعوا الحجة الظاهرة ~~بمجرد الإصرار. # قوله: { وتكون لكما الكبريآء في الأرض } الكبرياء: ~~اسم " كان " ، و " لكم ": الخبر، و " في الأرض ": جوز فيها أبو البقاء ~~خمسة أوجه: # أحدها: أن تكون متعلقة بنفس الكبرياء. # الثاني: أن يتعلق بنفس " تكون ". # الثالث: أن يتعلق بالاستقرار في " لكم " لوقوعه خبرا. # الرابع: أن يكون حالا من " الكبرياء ". # الخامس: أن يكون حالا من الضمير في " لكما " لتحمله إياه ". ~~والكبرياء مصدر على وزن " فعلياء " ، ومعناها: العظيمة؛ قال عدي ~~بن الرقاع: [الخفيف] # 2923- سؤدد غير فاحش لا يداني # يه تجبارة ولا كبرياء # وقال ابن الرقيات يمدح مصعب بن الزبير: [الخفيف] # 2924- ملكه ملك رأفة ليس فيه # جبروت منه ولا كبرياء # يعني: هو ليس عليه ما عليه المملوك من التجبر والتعظيم. # والجمهور على " تكون " بالتأنيث مراعاة لتأنيث اللفظ. # وقرأ ابن مسعود، والحسن، وإسماعيل وأبو عمرو، وعاصم - رضي الله عنهم - ~~في رواية: " يكون " بالياء من تحت؛ لأنه تأنيث مجازي. # قال المفسرون: والمعنى: ويكون لكما الملك والعز في أرض مصر، ~~والخطاب لموسى، وهارون - عليهما الصلاة والسلام -. # قال الزجاج: سمى الملك كبرياء؛ لأنه أكبر ما يطلب من أمر الدنيا، ~~وأيضا: فالنبي إذا اعترف القوم بصدقه، صارت مقاليد أمر أمته إليه؛ ~~فصار أكبر القوم. # واعلم: أن القوم لما ذكروا هذين الشيئين في عدم اتباعهم، وهما: ~~التقليد، والحرص على طلب الرياسة، صرحوا بالحكم، فقالوا: { وما ~~نحن ms4694 لكما بمؤمنين } ، ثم شرعوا في معارضة معجزات موسى - ~~عليه الصلاة والسلام - بأنواع من السحر؛ ليظهر عند الناس أن ما أتى به ~~موسى من باب السحر، فقال فرعون: { ائتوني بكل ساحر عليم ~~}. # قرأ الأخوان: سحار وهي قراءة ابن مصرف، وابن وثاب، وعيسى بن ~~عمر. # { فلما جآء السحرة قال لهم موسى ألقوا مآ ~~أنتم ملقون }. # فإن قيل: كيف أمرهم بالسحر، والسحر كفر، والأمر بالكفر كفر؟. # فالجواب: أنه - عليه الصلاة والسلام - أمرهم بإلقاء الحبال والعصي؛ ~~ليظهر للخلق أن ما أتوا به عمل فاسد، وسعي باطل، لا أنه - عليه ~~الصلاة والسلام - أمرهم بالسحر؛ فلما ألقوا حبالهم وعصيهم، قال ~~لهم موسى: ما جئتم به هو السحر، والغرض منه: أنهم لما قالوا ~~لموسى: إن ما جئت به سحر، فقال موسى - عليه الصلاة والسلام -: إن ما ~~ذكرتموه باطل، بل الحق: أن الذي جئتم به هو السحر الذي يظهر ~~بطلانه، ثم أخبرهم بأن الله يحق الحق، ويبطل الباطل. # قوله: { ما جئتم به السحر } قرأ أبو عمرو وحده: " آلسحر " ~~بهمزة الاستفهام، وبعدها ألف محضة، وهي بدل عن همزة الوصل الداخلة ~~على لام التعريف، ويجوز أن تسهل بين بين، وقد تقدم تحقيق هذين ~~الوجهين في قوله: # ءآلذكرين # [الأنعام:143] وهي قراءة مجاهد، وأصحابه، وأبي جعفر، وقرأ باقي السبعة: ~~بهمزة وصل تسقط في الدرج، فأما قراءة أبي عمرو، ففيها أوجه: # أحدها: أن " ما " استفهامية في محل رفع بالابتداء، و " جئتم ~~به ": الخبر، والتقدير: أي شيء جئتم، كأنه استفهام إنكار، ~~وتقليل للشيء المجاء به. و " السحر " بدل من اسم الاستفهام؛ ~~ولذلك أعيد معه أداته؛ لما تقرر في كتب النحو، وذلك ليساوي المبدل منه ~~في أنه استفهام، كما تقول: كم مالك أعشرون، أم ثلاثون؟ فجعلت: أعشرون ~~بدلا من كم، ولا يلزم أن يضمر للسحر خبر؛ لأنك إذا أبدلته من ~~المبتدأ، صار في موضعه، وصار ما كان خبرا عن المبدل منه، خبرا عنه. # الثاني: أن يكون " السحر " خبر مبتدأ محذوف، تقديره: أهو السحر. # الثالث: أن يكون مبتدأ محذوف الخبر، تقديره: السحر هو، ذكر هذين الوجهين ms4695 ~~أبو البقاء، وذكر الثاني مكي، وفيهما بعد. # الرابع: أن تكون " ما " موصولة بمعنى: الذي، و " جئتم به " صلتها، ~~والموصول في محل رفع بالابتداء، والسحر على وجهيه من كونه خبر مبتدأ ~~محذوف، أو مبتدأ محذوف الخبر، تقديره: الذي جئتم به أهو السحر؟ أو ~~الذي جئتم به السحر هو؟ وهذا الضمير هو الرابط، كقولك: الذي جاءك ~~أزيد هو؟ قاله أبو حيان. # قال شهاب الدين: قد منع مكي أن تكون " ما " موصولة، على قراءة أبي ~~عمرو، فقال: وقد قرأ أبو عمرو: " آلسحر " بالمد، فعلى هذه القراءة: ~~تكون " ما " استفهاما مبتدأ، و " جئتم به ": الخبر، و " السحر " ~~خبر ابتداء محذوف، أي: أهو السحر؟ ولا يجوز أن تكون " ما " بمعنى: ~~" الذي " على هذه القراءة؛ إذ لا خبر لها. وليس كما ذكر، بل خبرها: ~~الجملة المقدر أحد جزأيها، وكذلك الزمخشري، وأبو البقاء لم ~~يجيزا كونها موصولة، إلا في قراءة غير أبي عمرو، لكنهما لم ~~يتعرضا لعدم جوازه. # الخامس: أن تكون " ما " استفهامية في محل نصب بفعل مقدر بعدها؛ ~~لأن لها صدر الكلام، و " جئتم به " مفسر لذلك الفعل المقدر، ~~وتكون المسألة حينئذ من باب الاشتغال، والتقدير: أي شيء أتيتم ~~جئتم به، و " السحر " على ما تقدم، ولو قرىء بنصب " السحر " ~~على أنه بدل من " ما " بهذا التقدير، لكان له وجه، لكنه لم يقرأ ~~به فيما علمت، وسيأتي ما حكاه مكي عن الفراء من جواز نصبه لمدرك ~~آخر، لا على أنها قراءة منقولة عن الفراء. # وأما قراءة الباقين، ففيها أوجه: # أحدها: أن تكون " ما " بمعنى: " الذي " في محل رفع بالابتداء، و " ~~جئتم به " صلته وعائده، و " السحر " خبره، والتقدير: الذي جئتم ~~به السحر، ويؤيد هذا التقدير، قراءة أبي، وما في مصحفه: " ما أتيتم به ~~سحر " ، وقراءة عبد الله بن مسعود والأعمش: " ما جئتم به سحر ~~". # الثاني: أن تكون " ما " استفهامية في محل نصب، بإضمار فعل على ما ~~تقرر و " السحر " خبر ابتداء مضمر، أو مبتدأ مضمر الخبر. # الثالث: أن تكون " ما " في محل رفع بالابتداء، و " السحر ms4696 " على ما ~~تقدم من كونه مبتدأ، أو خبرا، والجملة خبر " ما " الاستفهامية. # قال أبو حيان - بعد ما ذكر الوجه الأول -: " ويجوز عندي أن تكون في ~~هذا الوجه استفهامية في موضع رفع بالابتداء، أو في موضع نصب على ~~الاشتغال، وهو استفهام على سبيل التحقير، والتقليل لما جاؤوا به، و ~~" السحر " خبر مبتدأ محذوف، أي: هو السحر ". # قال شهاب الدين: ظاهر عبارته: أنه لم ير غيره، حيث قال وعندي، ~~وهذا قد جوزه أبو البقاء ومكي. # قال أبو البقاء - لما ذكر قراءة غير أبي عمرو - " ويقرأ بلفظ ~~الخبر، وفيه وجهان " ، ثم قال: " ويجوز أن تكون " ما " استفهامية، و " ~~السحر " خبر مبتدأ محذوف ". # وقال مكي - في قراءة غير أبي عمرو، بعد ذكره كون " ما " بمعنى: الذي - ~~ويجوز أن تكون " ما " رفعا بالابتداء، وهي استفهام، و " جئتم به ": ~~الخبر، و " السحر " خبر مبتدأ محذوف، أي: هو السحر، ويجوز أن تكون ~~" ما " في موضع نصب على إضمار فعل بعد " ما " تقديره: أي شيء جئتم ~~به، و " السحر ": خبر ابتداء محذوف. # الرابع: أن تكون هذه القراءة كقراءة أبي عمرو في المعنى، أي: أنها ~~على نية الاستفهام، ولكن حذفت أداته للعلم بها. # قال أبو البقاء: ويقرأ بلفظ الخبر، وفيه وجهان: # أحدهما: أنه استفهام في المعنى أيضا، وحذفت الهمزة للعلم بها وعلى ~~هذا الذي ذكره: يكون الإعراب على ما تقدم، واعلم أنك إذا جعلت " ما ~~" موصولة بمعنى: الذي، امتنع نصبها بفعل مقدر على الاشتغال. # قال مكي: ولا يجوز أن تكون " ما " بمعنى: الذي، في موضع نصب لأن ~~ما بعدها صلتها، والصلة لا تعمل في الموصول، ولا يكون تفسيرا للعامل في ~~الموصول وهو كلام صحيح؛ فتلخص من هذا: أنها إذا كانت استفهامية، ~~جاز أن تكون في محل رفع أو نصب، وإذا كانت موصولة، تعين أن يكون ~~محلها الرفع بالابتداء، وقال مكي: وأجاز الفراء نصب " السحر " ~~فجعل " ما " شرطا، وينصب " السحر " على المصدر، وتضمر الفاء مع { ~~إن الله سيبطله } ، وتجعل الألف واللام في " السحر " ~~زائدتين، وذلك كله بعيد، وقد أجاز علي ms4697 بن سليمان: حذف الفاء من ~~جواب الشرط في الكلام، واستدل على جوازه بقوله - تعالى -: # ومآ أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم # [الشورى:30]، ولم يجزه غيره إلا في ضرورة شعر. # قال شهاب الدين: وإذا مشينا مع الفراء، فتكون " ما " شرطا يراد ~~بها المصدر، تقديره: أي سحر جئتم به، فإن الله سيبطله، ويبين ~~أن " ما " يراد بها السحر قوله: " السحر "؛ ولكن يقلق قوله: " إن ~~نصب السحر على المصدرية " فيكون تأويله: أنه منصوب على المصدر ~~الواقع موقع الحال؛ ولذلك قدره بالنكرة، وجعل " أل " مزيدة فيه. # وقد نقل عن الفراء: أن هذه الألف واللام للتعريف، وهو تعريف ~~العهد، قال الفراء: " وإنما قال " السحر " بالألف واللام؛ لأن ~~النكرة إذا أعيدت، أعيدت بالألف واللام " يعنى: أن النكرة قد ~~تقدمت في قوله: { إن هذا لسحر مبين } [يونس:76]، وبهذا ~~شرحه ابن عطية. # قال ابن عطية: والتعريف هنا في السحر أرتب؛ لأنه قد تقدم ~~منكرا في قولهم: " إن هذا لسحر " ، فجاء هنا بلام العهد، كما يقال ~~أول الرسالة: " سلام عليك ". # قال أبو حيان " وما ذكراه هنا في " السحر " ليس من تقدم النكرة، ~~ثم أخبر عنها بعد ذلك؛ لأن شرط هذا أن يكون المعرف ب " أل " هو ~~المنكر المتقدم، ولا يكون غيره، كقوله - تعالى -: # كمآ أرسلنآ إلى فرعون رسولا فعصى فرعون ~~الرسول # [المزمل:15، 16]. # وتقول: " زارني رجل، فأكرمت الرجل " لما كان إياه، جاز أن ~~يؤتى بضميره بدله، فتقول: " فأكرمته " ، و " السحر " هنا: ليس هو ~~السحر الذي في قولهم: " إن هذا لسحر " لأن الذي أخبروا عنه بأنه ~~سحر، هو ما ظهر على يدي موسى من معجزة العصا، والسحر الذي في قول ~~موسى، إنما هو سحرهم الذي جاؤوا به، فقد اختلف المدلولان، إذ قالوا هم ~~عن معجزة موسى، وقال موسى عما جاؤوا به؛ ولذلك لا يجوز أن يؤتى هنا ~~بالضمير بدل السحر؛ فيكون عائدا على قولهم: لسحر ". # قال شهاب الدين: " والجواب: أن الفراء، وابن عطية إنما ~~أرادا السحر المتقدم الذكر في اللفظ، وإن كان الثاني هو غير عين ~~الأول في المعنى، ولكن لما ms4698 أطلق عليهما لفظ " السحر " جاز أن يقال ~~ذلك، ويدل على هذا: أنهم قالوا في قوله - تعالى -: # والسلام علي # [مريم:33] إن الألف واللام للعهد؛ لتقدم ذكر السلام في قوله - ~~تعالى -: # وسلام عليه # [مريم:15]، وإن كان السلام الواقع على عيسى، هو غير السلام الواقع ~~على يحيى؛ لاختصاص كل سلام بصاحبه من حيث اختصاصه به، وهذا النقل ~~المذكور عن الفراء في الألف واللام، ينافى ما نقله عنه مكي ~~فيهما، اللهم إلا أن يقال: يحتمل أن يكون له مقالتان، وليس ~~ببعيد؛ فإنه كلما كثر العلم، اتسعت المقالات ". # قوله: { إن الله سيبطله } أي: سيهلكه، ويظهر فضيحة صاحبه، { ~~إن الله لا يصلح عمل المفسدين } أي: لا يقويه ولا ~~يكمله، وقوله: " المفسدين " من وقوع الظاهر موقع ضمير المخاطب؛ إذ ~~الأصل: لا يصلح عملكم؛ فأبرزهم في هذه الصفة الذميمة شهادة عليهم ~~بها، ثم قال: { ويحق الله الحق } أي: يظهره ويقويه، " ~~بكلماته " أي: بوعده موسى، وقيل: بما سبق من قضائه وقدره، وقرىء: " ~~بكلمته " بالتوحيد، وتقدم نظيره [الأنفال:7]. # قوله: { فمآ آمن لموسى } الفاء للتعقيب، وفيها إشعار بأن ~~إيمانهم لم يتأخر عن الإلقاء، بل وقع عقيبه؛ لأن الفاء تفيد ذلك، ~~وقد تقدم توجيه تعدية " آمن " باللام، والضمير في " قومه " ~~فيه وجهان: # أظهرهما: أنه يعود على موسى؛ لأنه هو المحدث عنه؛ ولأنه ~~أقرب مذكور، ولو عاد على فرعون، لم يكرر لفظه ظاهرا، بل كان ~~التركيب: " على خوف منه " وإلى هذا ذهب ابن عباس، وغيره، قال: المراد ~~مؤمني بني إسرائيل الذين كانوا بمصر، وخرجوا معه. # قال ابن عباس: لفظ الذرية يعبر به عن القوم على وجه التحقير ~~والتصغير، ولا سبيل لحمله على التقدير على وجه الإهانة ههنا؛ فوجب حمله ~~على التصغير، بمعنى: قلة العدد. # قال مجاهد: كانوا أولاد الذين أرسل إليهم موسى من بني إسرائيل، هلك ~~الآباء، وبقي الأبناء. # وقيل: هم قوم نجوا من قتل فرعون؛ وذلك أن فرعون لما أمر بقتل ~~أبناء بني إسرائيل، كانت المرأة في بني إسرائيل، إذا ولدت ابنا وهبته ~~لقبطية، خوفا عليه من القتل، فنشئوا بين القبط، وأسلموا ms4699 في اليوم ~~الذي غلب فيه موسى السحرة. # والثاني: أن الضمير يعود على فرعون، ويروى عن ابن عباس أيضا، ~~ورجح ابن عطية هذا، وضعف الأول، فقال: ومما يضعف عود الضمير ~~على موسى: أن المعروف من أخبار بني إسرائيل، أنهم كانوا قد فشت فيهم ~~النبوات، وكانوا قد نالهم ذل مفرط، وكانوا يرجون كشفه بظهور ~~مولود، فلما جاءهم موسى أصفقوا عليه وتابعوه، ولم يحفظ أن ~~طائفة من بني إسرائيل كفرت بموسى، فكيف تعطي هذه الآية أن ~~الأقل منهم كان الذي آمن؟ فالذي يترجح عوده على فرعون، ويؤيده ~~أيضا: ما تقدم من محاورة موسى ورده عليهم وتوبيخهم. # قيل: المراد بالذرية: أقوام كان آباؤهم من قوم فرعون، وأمهاتهم من ~~بني إسرائيل، فجعل الرجل يتبع أمه وأخواله. # روي عن ابن عباس: أنهم كانوا ستمائة ألف من القبط. # قيل: سموا ذرية؛ لأن آباءهم كانوا من القبط، وأمهاتهم من بني ~~إسرائيل، كما يقال لأولاد فارس - الذين سقطوا إلى اليمن -: الأبناء؛ ~~لأن أمهاتهم من غير جنس آبائهم. # وقيل: المراد بالذرية من آل فرعون: آسية، ومؤمن آل فرعون، ~~وامرأته، وخازنه، وامرأة خازنه، وماشطتها. # واعلم: أنه - تعالى - إنما ذكر ذلك تسلية لمحمد - عليه الصلاة ~~والسلام -؛ لأنه كان يغتم بسبب إعراض القوم عنه، واستمرارهم على ~~الكفر، فبين أن له في هذا الباب أسوة بسائر الأنبياء؛ لأن الذي ~~ظهر من موسى كان في الإعجاز في مرأى العين أعظم، ومع ذلك فما آمن منهم ~~إلا ذرية. # قوله " على خوف ": حال، أي: آمنوا كائنين على خوف، والضمير في " ~~وملئهم " فيه أوجه: # أحدها: أنه عائد على الذرية، وهذا قول أبي الحسن، واختيار ابن ~~جرير، أي: خوف من ملأ الذرية، وهم أشراف بني إسرائيل. # الثاني: أنه يعود على " قومه " بوجهيه، أي: سواء جعلنا الضمير في ~~" قومه " لموسى، أو لفرعون، أي: وملأ قوم موسى، أو ملأ قوم فرعون. # الثالث: أن يعود على فرعون؛ لأنهم إنما كانوا خائفين من فرعون، ~~واعترض على هذا؛ بأنه كيف يعود ضمير جمع على مفرد؟ واعتذر أبو ~~البقاء بوجهين: # أحدهما: أن فرعون لما كان ms4700 عظيما عندهم، عاد الضمير عليه جمعا، ~~كما يقول العظيم: نحن نأمر، وهذا فيه نظر؛ لأنه لو ورد ذلك من ~~كلامهم محكيا عنهم، لاحتمل ذلك. # الثاني: أن فرعون صار اسما لأتباعه، كما أن ثمود اسم للقبيلة ~~كلها. وقال مكي وجهين آخرين قريبين من هذين، ولكنهما أخلص منهما، ~~قال: إنما جمع الضمير في ملئهم؛ لأنه إخبار عن جبار، والجبار ~~يخبر عنه بلفظ الجمع، وقيل: لما ذكر فرعون، علم أن معه غيره، ~~فرجع الضمير عليه، وعلى من معه. # وقد تقدم نحو من هذا عند قوله: # الذين قال لهم الناس إن الناس # [آل عمران:173] والمراد بالقائل الأول: نعيم بن مسعود؛ لأنه لا يخلو ~~من مساعد له على ذلك القول. # الرابع: أن يعود على مضاف محذوف وهو آل، تقديره: على خوف من آل ~~فرعون، وملئهم، قاله الفراء، كما حذف في قوله: # واسأل القرية # [يوسف:82]. # قال أبو البقاء بعد أن حكى هذا ولم يعزه لأحد: " وهذا عندنا غلط؛ ~~لأن المحذوف لا يعود إليه ضمير، إذ لو جاز ذلك، لجاز أن يقول: " ~~زيد قاموا " وأنت تريد: غلمان زيد قاموا ". # قال شهاب الدين: قوله: " لأن المحذوف لا يعود إليه ضمير " ممنوع، ~~بل إذا حذف مضاف، فللعرب فيه مذهبان: الالتفات إليه، وعدمه وهو الأكثر، ~~ويدل على ذلك: أنه قد جمع بين الأمرين في قوله: # وكم من قرية أهلكناها # [الأعراف:4] أي: أهل قرية، ثم قال: # أو هم قآئلون # [الأعراف:4] وقد حققت ذلك في موضعه المشار إليه، وقوله: " لجاز زيد ~~قاموا " ليس نظيره، فإن فيه حذفا من غير دليل، بخلاف الآية. # وقال أبو حيان - بعد أن حكى كلام الفراء -: ورد عليه: بأن الخوف ~~يمكن من فرعون، ولا يمكن سؤال القرية، فلا يحذف إلا ما دل عليه ~~الدليل، وقد يقال: ويدل على هذا المحذوف جمع الضمير في " وملئهم ~~". يعني أنهم ردوا على الفراء، بالفرق بين # واسأل القرية # [يوسف:82] وبين هذه الآية: بأن سؤال القرية غير ممكن، فاضطررنا إلى ~~تقدير المضاف، بخلاف الآية فإن الخوف تمكن من فرعون، فلا اضطرار بنا ~~يدلنا على ms4701 مضاف محذوف. # وجواب هذا: أن الحذف قد يكون لدليل عقلي أو لفظي، على أنه قيل في # واسأل القرية # [يوسف:82] إنه حقيقة، إذ يمكن النبي أن يسأل القرية؛ فتجيبه. # الخامس: أن ثم معطوفا محذوفا حذف للدلالة عليه، والدليل ~~عليه؛ كون الملك لا يكون وحده، بل له حاشية، وعساكر، وجند؛ فكان ~~التقدير: على خوف من فرعون، وقومه، وملئهم، أي: ملأ فرعون وقومه، وهو ~~منقول عن الفراء أيضا. # قال شهاب الدين: حذف المعطوف قليل في كلامهم، ومنه عند بعضهم، قوله - ~~تعالى -: # تقيكم الحر # [النحل:81] أي: والبرد؛ وقول الآخر: [الطويل] # 2925- كأن الحصى من خلفها وأمامها # إذا حذفته رجلها حذف أعسرا # أي: ويدها. # قوله: " أن يفتنهم " أي: يصرفهم عن دينهم، وفيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه في محل جر على البدل من " فرعون " ، وهو بدل ~~اشتمال، تقديره: على خوف من فرعون فتنة، كقولك: " أعجبني زيد علمه ~~". # الثاني: أنه في موضع نصب على المفعول به بالمصدر، أي: خوف فتنته، ~~وإعمال المصدر المنون كثير؛ كقوله: # أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما # [البلد:14، 15]، وقول الآخر: [الطويل] # 2926- فلولا رجاء النصر منك ورهبة # عقابك قد كانوا لنا بالموارد # الثالث: أنه منصوب على المفعول من أجله بعد حذف اللام، ويجري فيها ~~الخلاف المشهور. # وقرأ الحسن، ونبيح: " يفتنهم " بضم الياء من " أفتن " وقد تقدم ~~ذلك [النساء:101]. # قوله: { وإن فرعون لعال في الأرض } أي: متكبر، أو ~~ظالم، أو قاهر، و " في الأرض " متعلق ب " عال "؛ كقوله: [الكامل] # 2927- فاعمد لما تعلو فما لك بالذي # لا تستطيع من الأمور يدان # أي: لما تقهر، ويجوز أن يكون " في الأرض " متعلقا بمحذوف؛ ~~لكونه صفة ل " عال " فيكون مرفوع المحل، ويرجح الأول قوله: # إن فرعون علا في الأرض # [القصص:4] ثم قال: { وإنه لمن المسرفين }: المجاوزين ~~الحد؛ لأنه كان عبدا، فادعى الربوبية، وقيل: لأنه كان كثير ~~القتل والتعذيب لمن يخالفه، والغرض منه: بيان السبب في كون أولئك ~~المؤمنين خائفين. # قوله تعالى: { وقال موسى يقوم إن كنتم آمنتم بالله ~~} الآية. # قوله تعالى: " فعليه " جواب الشرط، والشرط الثاني - وهو " إن كنتم ms4702 ~~مسلمين " - شرط في الأول، وذلك أن الشرطين متى لم يترتبا في ~~الوجود، فالشرط الثاني شرط في الأول، ولذلك يجب تقدمه على ~~الأول، وقد تقدم تحقيق ذلك [البقرة 38]. # قال الفقهاء: المتأخر يجب أن يكون متقدما، والمتقدم يجب أن يكون ~~متأخرا، مثاله قول الرجل لامرأته: إن دخلت الدار، فأنت طالق إن ~~كلمت زيدا، فمجموع قوله: إن دخلت الدار، فأنت طالق مشروط بقوله: إن ~~كلمت زيدا، والمشروط متأخر عن الشرط، وذلك يقتضي أن يكون ~~المتأخر في اللفظ، متقدما في المعنى، وأن يكون المتقدم في اللفظ ~~متأخرا في المعنى، فكأنه يقول لامرأته: حال ما كلمت زيدا إن دخلت ~~الدار، فأنت طالق، فلو حصل هذا التعليق، قيل: إن كلمت زيدا لم ~~يقع الطلاق. # قوله: { إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن ~~كنتم مسلمين } يقتضي أن يكون كونهم مسلمين شرطا؛ لأن يصيروا ~~مخاطبين بقوله: { إن كنتم آمنتم بالله فعليه ~~توكلوا } فكأنه - تعالى - يقول للمسلم حال إسلامه: إن كنت من ~~المؤمنين بالله فعلى الله توكل، والأمر كذلك؛ لأن الإسلام عبارة عن ~~الاستسلام، وهو الانقياد لتكاليف الله، وترك التمرد، والإيمان عبارة عن ~~صيرورة القلب، عارفا بأن واجب الوجود لذاته واحد، وأن ما سواه محدث ~~مخلوق تحت تدبيره، وقهره، وإذا حصلت هاتان الحالتان، فعند ذلك يفوض ~~العبد جميع أموره إلى الله - تعالى -، ويحصل في القلب نور التوكل ~~على الله - تعالى -. # فصل # إنما قال: " فعليه توكلوا " ولم يقل: " توكلوا على الله " ، لأن ~~الأول يفيد الحصر، كأنه - عليه الصلاة والسلام - أمرهم بالتوكل عليه، ~~ونهاهم عن التوكل على الغير، ثم بين - تعالى - أن موسى - عليه ~~الصلاة والسلام - لما أمرهم بذلك قبلوا قوله { فقالوا على ~~الله توكلنا } أي: توكلنا عليه واعتمادنا، ولم نلتفت إلى أحد ~~سواه، ثم اشتغلوا بالدعاء، وطلبوا من الله شيئين: # أحدهما: أن قالوا: { ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم ~~الظالمين }. # والثاني: { ونجنا برحمتك من القوم الكافرين } أما ~~قولهم: { لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين } ففيه ~~وجوه: # الأول: لا تفتن بنا فرعون وقومه؛ لأنك لو سلطتهم علينا، لوقع في ~~قلوبهم أنا لو كنا ms4703 على الحق، لما سلطتهم علينا؛ فيصير ذلك شبهة ~~قوية في إصرارهم على الكفر؛ فيكون ذلك فتنة لهم. # الثاني: لو سلطتهم علينا، لاستوجبوا العقاب الشديد في الآخرة، ~~وذلك يكون فتنة لهم. # الثالث: أن المراد بالفتنة المفتون؛ لأن إطلاق لفظ المصدر على ~~المفعول جائز، كالخلق بمعنى المخلوق والتقدير: لا تجعلنا مفتونين ~~بأن يقهرونا بالظلم على أن ننصرف من هذا الدين الذي قبلناه، ~~ويؤكد هذا قوله: { فمآ آمن لموسى إلا ذرية من ~~قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم } ~~[يونس:83] وأما المطلوب الثاني، فهو قوله: { ونجنا برحمتك ~~من القوم الكافرين }. # وهذا يدل على أن اهتمامهم بأمر دينهم كان فوق اهتمامهم بأمر دنياهم؛ ~~لأنا إذا حملنا قولهم: { لا تجعلنا فتنة للقوم ~~الظالمين } [يونس:85]، على تسليط الكفار عليهم وصيرورة ذلك ~~التسليط شبهة للكفار في أن هذا الدين باطل، فتضرعوا إلى الله - ~~تعالى - في صون الكفار عن هذه الشبهة، وتقديم هذا الدعاء على طلب ~~النجاة لأنفسهم، وذلك يدل على أن اهتمامهم بمصالح أديانهم فوق ~~اهتمامهم بمصالح أبدانهم. ### || [10.87-89] # قوله تعالى: { وأوحينآ إلى موسى وأخيه أن تبوءا ~~لقومكما بمصر بيوتا } الآية. # لما شرح خوف المؤمنين من الكفار، وما ظهر منهم من التوكل على ~~الله، أتبعه بأن أمر موسى، وهارون باتخاذ المساجد، والإقبال على ~~الصلوات. # قوله " أن تبوءا " يجوز في " أن " أن تكون المفسرة؛ لأنه قد ~~تقدمها ما هو بمعنى القول وهو الإيحاء، ويجوز أن تكون المصدرية، ~~فتكون في موضع نصب ب " أوحينا " مفعولا به، أي: أوحينا إليهما ~~التبوء. # والجمهور على الهمزة في " تبوآ " وقرأ حفص " تبويا " بياء ~~خالصة، وهي بدل عن الهمزة، وهو تخفيف غير قياسي، إذ قياس تخفيف مثل ~~هذه الهمزة: أن تكون بين الهمزة والألف، وقد أنكر هذه الرواية عن حفص ~~جماعة من القراء، وخصها بعضهم بحالة الوقف، وهو الذي لم يحك أبو ~~عمرو الداني والشاطبي غيره، وبعضهم يطلق إبدالها عنه ياء وصلا ~~ووقفا، وعلى الجملة فهي قراءة ضعيفة في العربية، وفي الرواية. # والتبوؤ: النزول والرجوع، يقال: تبوأ المكان: أي: اتخذه ~~مبوأ، وقد تقدمت ms4704 هذه المادة في قوله: # تبوىء المؤمنين # [آل عمران:121] والمعنى: اجعلا بمصر بيوتا لقومكما، ومرجعا ترجعون ~~إليه للعبادة. # قوله: " لقومكما " يجوز أن تكون اللام زائدة في المفعول الأول، ~~و " بيوتا " مفعول ثان، بمعنى: بوآ قومكما بيوتا، أي: أنزلوهم، ~~وفعل وتفعل بمعنى، مثل " علقها " و " تعلقها " قاله أبو ~~البقاء، وفيه ضعف: من حيث إنه زيدت اللام، والعامل غير فرع، ولم ~~يتقدم المعمول. # الثاني: أنها غير زائدة، وفيها حينئذ وجهان: # أحدهما: أنها حال من " البيوت ". # والثاني: أنها وما بعدها مفعول " تبوءا ". # قوله " بمصر " جوز فيه أبو البقاء أوجها: # أحدها: أنه متعلق ب " تبوءا " ، وهو الظاهر. # الثاني: أنه حال من ضمير " تبوءا " ، واستضعفه، ولم يبين ~~وجه ضعفه لوضوحه. # الثالث: أنه حال من " البيوت ". # الرابع: أنه حال من: " لقومكما " ، وقد ثنى الضمير في قوله: ~~" تبوءا " وجمع في قوله: " واجعلوا " و " أقيموا " وأفرد في ~~قوله: " وبشر " لأن الأول أمر لهما، والثاني لهما ولقومهما، والثالث ~~لموسى فقط؛ لأن أخاه تبع له، ولما كان فعل البشارة شريفا خص ~~به موسى، لأنه هو الأصل، وقيل: وبشر المؤمنين يا محمد. # فصل # قال بعضهم: المراد من البيوت: المساجد؛ لقوله: # في بيوت أذن الله أن ترفع # [النور:36] وقيل: مطلق البيوت، أما الأولون ففسروا القبلة ~~بالجانب، الذي يستقبل في الصلاة، أي: اجعلوا بيوتكم مساجدا، ~~تستقبلونها في الصلاة. # وقال ابن الأنباري: المعنى: اجعلوا بيوتكم قبلا، أي: مساجد؛ فأطلق ~~لفظ الواحد، والمراد: الجمع، ومن قال: المراد: مطلق البيوت ففيه ~~وجهان: # أحدهما: قال الفراء: أي: اجعلوا بيوتكم إلى القبلة. # الثاني: المعنى: اجعلوا بيوتكم متقابلة، والمراد منه: حصول الجمعية، ~~واعتضاد البعض بالبعض. # واختلفوا في هذه القبلة أين كانت؟ ظاهر القرآن لا يدل على تعيينها، ~~وروي عن ابن عباس: كانت الكعبة قبلة موسى، وكان الحسن يقول: الكعبة ~~قبلة كل الأنبياء، # وإنما وقع العدول عنها بأمر الله - تعالى - في أيام الرسول - عليه ~~الصلاة والسلام - بعد الهجرة. وقال آخرون: كانت القبلة: بيت المقدس. # فصل # ذكر المفسرون في كيفية هذه الواقعة وجوها: # أحدها: أن موسى ومن معه كانوا مأمورين في أول ms4705 أمرهم، بأن يصلوا في ~~بيوتهم خفية من الكفار؛ لئلا يظهروا عليهم، فيؤذوهم، ويفتنوهم ~~عن دينهم، كما كان المؤمنون في أول الإسلام بمكة. # قال مجاهد: خاف موسى ومن معه من فرعون أن يصلوا في الكنائس الجامعة، ~~فأمروا أن يجعلوا في بيوتهم مساجد جهة الكعبة، يصلون فيها سرا. # وثانيها: أنه لما أرسل موسى إلى فرعون، أمر فرعون بتخريب مساجد ~~بني إسرائيل، ومنعهم من الصلاة، فأمرهم الله - تعالى - باتخاذ ~~المساجد في بيوتهم، رواه عكرمة، عن ابن عباس. وهو قول إبراهيم. # وثالثها: أنه تعالى لما أرسل موسى إليهم، وأظهر فرعون لهم العداوة ~~الشديدة، أمر الله - تعالى - موسى، وهارون، وقومهما باتخاذ المساجد ~~على رغم الأعداء، وتكفل الله بصونهم عن شر الأعداء. # قوله تعالى: { وقال موسى ربنآ إنك آتيت فرعون ~~وملأه زينة } الآية. # لما بالغ موسى في إظهار المعجزات، ورأى القوم مصرين على الجحود ~~والعناد؛ دعا عليهم، ومن حق من يدعو على الغير أن يذكر سبب جرمه، ~~وجرمهم: كان حب الدنيا؛ فلأجله تركوا الدين؛ فلهذا قال - عليه ~~الصلاة والسلام -: { ربنآ إنك آتيت فرعون وملأه ~~زينة وأموالا في الحياة الدنيا } والزينة: عبارة عن ~~الصحة، والجمال، واللباس، والدواب، وأثاث البيت، والمال ما يزيد على ~~هذه الأشياء من الصامت، والناطق، وقرأ الفضل الرقاشي " أئنك ~~آتيت ". # قوله: " ليضلوا " في هذه اللام ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها لام العلة، والمعنى: أنك آتيتهم ما آتيتهم على ~~سبيل الاستدراج، فكان الإيتاء لهذه العلة. # والثاني: أنها لام الصيرورة والعاقبة؛ كقوله: # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا # [القصص:8]، وقوله: [الوافر] # 2928- لدوا للموت وابنوا للخراب # ........................ # وقوله: [الطويل] # 2929- وللموت تغذو الولدات سخالها # كما لخراب الدور تبنى المساكن # وقوله: [البسيط] # 2930- وللمنايا تربي كل مرضعة # وللخراب يجد الناس عمرانا # والثالث: أنها للدعاء عليهم بذلك؛ كأنه قال: ليثبتوا على ما هم عليه ~~من الضلال، وليكونوا ضلالا، وإليه ذهب الحسن البصري، وبدأ به ~~الزمخشري، وقد استبعد هذا التأويل بقراءة الكوفيين، " ليضلوا ~~" بضم الياء، فإنه يبعد أن يدعو عليهم بأن يضلوا غيرهم، وقرأ ~~الباقون بفتحها، وقرأ الشعبي بكسرها، فوالى بين ثلاث كسرات ms4706 إحداها في ~~ياء. # وقال الجبائي: إن " لا " مقدرة بين اللام والفعل، تقديره: لئلا ~~يضلوا، ورأي البصريين في مثل هذا تقدير: " كراهة " ، أي: كراهة أن ~~يضلوا. # فصل # احتج أهل السنة بهذه الآية على أنه - تعالى - يضل الناس من وجهين: # أحدهما: أن اللام في " ليضلوا " لام التعليل. # والثاني: قوله: { واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا } ~~فقال - تعالى -: { قال قد أجيبت دعوتكما } قال القاضي: لا ~~يجوز أن يكون المراد من الآية ما ذكرتم لوجوه: # الأول: لأنه - تعالى - منزه عن فعل القبائح، وإرادة الكفر قبيحة. # وثانيها: أنه - تعالى - لو أراد ذلك، لكان الكافر مطيعا لله بكفره؛ ~~لأن الطاعة: هي الإتيان بمراد الأمر، ولو كان كذلك، لما استحقوا ~~الدعاء عليهم. # وثالثها: لو جوزنا إرادة إضلال العباد، لجوزنا أن يبعث الأنبياء ~~بالدعاء إلى الضلال، ولجاز أن يقوي الكذابين الضالين بإظهار ~~المعجزات، وفيه هدم الدين. # ورابعها: أنه لا يجوز أن يقول لموسى وهارون: # فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى # [طه:44]، وأن يقول: # ولقد أخذنآ آل فرعون بالسنين ونقص من ~~الثمرات لعلهم يذكرون # [الأعراف:130]، ثم إنه - تعالى - إراد الضلال منهم، وأعطاهم النعم ~~لكي يضلوا، وهذا كالمناقضة، فلا بد من حمل أحدهما على الآخر. # وخامسها: لا يجوز أن يقال: إن موسى دعا ربه بأن يطمس على ~~أموالهم؛ لأجل أن لا يؤمنوا، مع تشدده في إرادة الإيمان. وإذا ثبت هذا؛ ~~وجب تأويل هذه الكلمة، وذلك من وجوه: # الأول: أن اللام في " ليضلوا ": لام العاقبة كما تقدم، ولما ~~كانت عاقبة قوم فرعون، هو الضلال، عبر عن هذا المعنى بهذا اللفظ. # الثاني: أن التقدير: لئلا يضلوا، كقوله: # يبين الله لكم أن تضلوا # [النساء:176]، فحذف لدلالة المعقول عليه، كقوله - تعالى -: # بلى شهدنآ أن تقولوا يوم القيامة # [الأعراف:172]، أي: لئلا تقولوا. # الثالث: أن يكون موسى ذكر ذلك على وجه التعجب المقرون بالإنكار، ~~أي: إنك أتيتهم بذلك لهذا الغرض فإنهم لا ينفقون هذه الأموال ~~إلا فيه، كأنه قال: أتيتهم زينة وأموالا لأجل أن يضلوا عن ~~سبيلك، ثم حذف حرف الاستفهام، كما في قوله: [الكامل] ms4707 # 2931- كذبتك عينك أم رأيت بواسط # غلس الظلام من الرباب خيالا # والمراد: أكذبتك فكذا ههنا. # الرابع: أن هذه لام الدعاء، وهي لام مكسورة تجزم المستقبل، ويفتتح ~~بها الكلام، فيقال: ليغفر الله للمؤمنين، وليعذب الله الكافرين، ~~والمعنى؛ ربنا ابتليهم بالضلال عن سبيلك. # الخامس: سلمنا أنها لام التعليل، لكن بحسب ظاهر الأمر، لا في نفس ~~الحقيقة، والمعنى: أنه - تعالى - لما أعطاهم هذه الأموال، وصارت سببا ~~لبغيهم وكفرهم، أشبهت حال من أعطى المال لأجل الإضلال، فورد هذا الكلام ~~بلفظ التعليل لهذا المعنى. # السادس: أن الضلال قد جاء في القرآن بمعنى: الهلاك، يقال: ضل ~~الماء في اللبن، أي: هلك، فقوله: " ليضلوا عن سبيلك " أي: ليهلكوا ~~ويموتوا، كقوله - تعالى -: # فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد ~~الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا # [التوبة:55]. # قال ابن الخطيب: واعلم: أن الجواب قد تقدم مرارا، ونعيد بعضه، ~~فنقول: الذي يدل على أن الإضلال من الله - تعالى - وجوه: # الأول: أن العبد لا يقصد إلا حصول الهداية، فلما لم تحصل ~~الهداية بل حصل الضلال الذي لا يريده، علمنا أن حصوله ليس من ~~العبد، بل من الله - تعالى -. # فإن قالوا: إنه ظن هذا الضلال هدى، فلذلك أوقعه في الوجود ~~فنقول: إقدامه على هذا الجهل، إن كان بجهل سابق، فذلك الجهل السابق يكون ~~حصوله لسبق جهل آخر ويلزم التسلسل وهو محال؛ فوجب أن هذه الجهالات ~~والضلالات لا بد من انتهائها إلى جهل أول، وضلال أول، وذلك لا ~~يمكن أن يكون بإحداث العبد؛ لأنه يكرهه ويريد ضده؛ فوجب أن يكون ~~من الله - تعالى -. # الثاني: أنه تعالى لما خلق الخلق يحبون المال حبا شديدا، ~~بحيث لا يمكنهم إزالة هذا الحب عن النفس ألبتة، وكان حصول ~~هذا الحب يوجب الإعراض عن خدمة الله وطاعته، ويوجب التكبر عليه، ~~وترك اللزوم؛ فوجب أن يكون فاعل هذا الكفر، هو الذي خلق الإنسان ~~مجبولا على حب هذا المال والجاه. # الثالث: أن القدرة بالنسبة إلى الضدين على السوية، فلا ~~يترجح أحد الطرفين على الآخر إلا بمرجح، وذلك المرجح ليس ~~من العبد، ms4708 وإلا لعاد الكلام فيه، فلا بد وأن يكون من الله - تعالى -، ~~وإذا كان كذلك، كانت الهداية والضلال من الله - تعالى -. # وإذا عرفت هذا، فنقول: أما حملهم اللام على لام العاقبة فضعيف؛ ~~لأن موسى - عليه الصلاة والسلام - ما كان عالما بالعواقب. # فإن قالوا: إن الله تعالى أخبره بذلك. # قلنا: فلما أخبر الله عنهم أنهم لا يؤمنون، كان صدور الإيمان ~~منهم محالا؛ لأن ذلك يستلزم انقلاب خبر الله كذبا، وهو محال، ~~والمفضي إلى المحال محال. # وأما قولهم: يحمل قوله: " ليضلوا " على أن المراد: لئلا ~~يضلوا، كما ذكره الجبائي، فأقول: إنه لما فسر قوله - تعالى -: # مآ أصابك من حسنة فمن الله ومآ أصابك من ~~سيئة فمن نفسك # [النساء:79] نقل قراءة " فمن نفسك " على سبيل الاستفهام بمعنى ~~الإنكار، ثم إنه استبعد هذه القراءة، وقال: إنها تقتضي تحريف ~~القرآن، وتغييره، وتفتح تأويلات الباطنية - والباطنية هم الملاحدة، ~~ويقال لهم: القرامطة، والإسماعيلية القائلون: بأن محمد بن إسماعيل ~~نسخ شريعة محمد بن عبد الله - ويقال لهم أيضا: الناصرية أتباع محمد ~~بن نصير، وكان من غلاة الروافض القائلين بالألوهية على توهم الدرزية ~~أتباع بنشكين الدرزي، كان من موالي الحاكم أرسله إلى وادي تيم الله بن ~~ثعلبة، فدعاهم إلى ألوهية الحاكم ويسمونه بالبازي، والغلام، ويحلفون به، ~~ويقال لهم: الحرمية والمحمرة، وهم الآن يعرفون بالتيامنة لإسكانهم وادي ~~التيم، ويقال لهم أيضا: الفداوية والرافضة، وهم يحرفون كلام الله - ~~تعالى - ورسوله عن مواضعه، ومقصودهم إنكار الإيمان وشرائع الإسلام، ~~ويظهرون لهذه الأمور حقائق يعرفونها، فيقولون: إن الصلوات الخمس معرفة ~~أسرارهم، والصيام المفروض من كتمان أسرارهم، وحج البيت زيارة شيوخهم، ~~ويدا أبي لهب أبو بكر وعمر، والبناء العظيم والإمام المبين علي بن أبي ~~طالب، فهم لا تحل ذبائحهم لا يناكحونا، وتجب مجاهدتهم؛ لأنهم مرتدون، ~~قاله ابن تيمية، وبالغ في إنكار تلك القراءة. # وهذا الوجه الذي ذكره هنا شر من ذلك؛ لأنه قلب النفي إثباتا، ~~والإثبات نفيا، وتجويزه يفتح باب ألا يعتمد على القرآن لا في نفيه، ~~ولا في إثباته، وحينئذ يبطل القرآن بالكلية، وهذا بعينه ms4709 هو الجواب ~~عن قوله المراد فيه الاستفهام، بمعنى: الإنكار، فإن تجويزه يوجب ~~تجويز مثله في سائر المواضع، فلعله - تعالى - إنما قال: # وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة # [البقرة:43] على سبيل الإنكار والتعجب، ثم قال: { ربنا اطمس ~~على أموالهم }. # قال مجاهد: أهلكها، والطمس: المسخ. # وقال أكثر المفسرين: مسخها الله وغيرها عن هيئتها. # قال ابن عباس: بلغنا أن الدراهم والدنانير صارت حجارة منقوشة ~~كهيئتها، صحاحا وأنصافا، وأثلاثا، وجعل سكنهم حجارة. # قال محمد بن كعب: " كان الرجل مع أهله في فراشه، فصارا حجرين، والمرأة ~~قائمة تخبز فصارت حجرا " ودعا عمر بن عبد العزيز بخريطة فيها أشياء من ~~بقايا أهل فرعون، فأخرج منها البيضة منقوشة، والجوزة مشقوقة وهي حجارة. # { واشدد على قلوبهم } أي: أقسها واطبع عليها حتى لا تلين ~~ولا تنشرح للإيمان. # قال الواحدي: " وهذا دليل على أن الله يفعل ذلك بمن يشاء، ولولا ذلك ~~لما حسن من موسى هذا السؤال ". # قوله: " فلا يؤمنوا " يحتمل النصب والجزم، فالنصب من ~~وجهين: # أحدهما: عطفه على " ليضلوا ". # والثاني: نصبه على جواب الدعاء في قوله: " اطمس " ، والجزم على ~~أن " لا " للدعاء، كقولك: لا تعذبني يا رب، وهو قريب من ~~معنى: " ليضلوا " في كونه دعاء، هذا في جانب شبه النهي، وذلك في ~~جانب شبه الأمر، و " حتى يروا ": غاية لنفي إيمانهم، والأول قول ~~الأخفش، والثاني بدأ به الزمخشري، والثالث: قول الكسائي، والفراء؛ ~~وأنشد قول الشاعر: [الطويل] # 2932- فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى # ولا تلقني إلا وأنفك راغم # وعلى القول بأنه معطوف على " ليضلوا " يكون ما بينهما اعتراضا. # قوله: { قد أجيبت دعوتكما }: الضمير لموسى وهارون. # قيل: كان موسى يدعو وهارون يؤمن، فنسب الدعاء إليهما؛ لأن المؤمن ~~أيضا داع؛ لأن قوله: " آمين " أي: استجب. # وقيل: المراد موسى وحده، ولكن كنى عن الواحد بضمير الاثنين. # وقيل: لا يبعد أن يكون كل واحد منهما ذكر هذا الدعاء؛ غاية ما في ~~الباب أن يقال: إنما حكى هذا الدعاء عن موسى، بقوله: { وقال ~~موسى ربنآ إنك آتيت فرعون وملأه زينة } إلا ~~أن هذا لا ينافي أن ms4710 يكون هارون ذكر ذلك الدعاء أيضا. # وقرأ السلمي، والضحاك: " دعواتكما " على الجمع. # وقرأ ابن السميفع: " قد أجبت دعوتكما " بتاء المتكلم، وهو الباري - ~~تعالى -، " دعوتكما " نصب على المفعول به. # وقرأ الربيع: " أجبت دعوتيكما " بتاء المتكلم أيضا، ودعوتيكما ~~تثنية، وهي تدل لمن قال: إن هارون شارك موسى في الدعاء. # قوله: " فاستقيما " أي: على الدعوة والرسالة، وامضيا لأمري إلى ~~أن يأتيهم العذاب، قال ابن جريج: لبث فرعون بعد هذا الدعاء أربعين ~~سنة. # " ولا تتبعان ": قرأ العامة بتشديد التاء والنون، وقرأ حفص ~~بتخفيف النون مكسورة، مع تشديد التاء وتخفيفها، وللقراء في ذلك ~~كلام مضطرب بالنسبة للنقل عنه. # فأما قراءة العامة، ف " لا " فيها للنهي، ولذلك أكد الفعل ~~بعدها، ويضعف أن تكون نافية؛ لأن تأكيد المنفي ضعيف، ولا ضرورة بنا ~~إلى ادعائه، وإن كان بعضهم قد ادعى ذلك في قوله: # لا تصيبن الذين ظلموا # [الأنفال:25] لضرورة دعت إلى ذلك هناك، وقد تقدم تحريره في موضعه، ~~وعلى الصحيح تكون هذه جملة نهي معطوفة على جملة أمر. # قال الزجاج: " ولا تتبعان ": موضعه جزم، تقديره: و لاتتبعا، ~~إلا أن النون الشديدة، دخلت على النهي مؤكدة وكسرت لسكونها، وسكون ~~النون التي قبلها، فاختير لها الكسرة، لأنها بعد الألف تشبه نون التثنية. # وأما قراءة حفص، ف " لا ": تحتمل أن تكون للنفي، وأن تكون ~~للنهي. # فإن كانت للنفي، كانت النون نون رفع، والجملة حينئذ فيها أوجه: # أحدها: أنها في موضع الحال، أي: فاستقيما غير متبعين، إلا ~~أن هذا معترض بما قدمته من أن المضارع المنفي ب " لا " ~~كالمثبت في كونه لا تباشره واو الحال، إلا أن يقدر قبله مبتدأ، ~~فتكون الجملة اسمية أي: وأنتما لا تتبعان. # والثاني: أنه نفي في معنى النهي؛ كقوله - تعالى -: # لا تعبدون إلا الله # [البقرة:83]. # الثالث: أنها خبر محض مستأنف، لا تعلق له بما قبله، والمعنى: ~~أنهما أخبرا بأنهما لا يتبعان سبيل الذين لا يعلمون. # وإن كانت للنهي، كانت النون للتوكيد، وهي الخفيفة، وهذا لا يراه ~~سيبويه، والكسائي، أعني: وقوع النون الخفيفة بعد الألف، سواء كانت الألف ms4711 ~~ألف تثنية، أو ألف فصل بين نون الإناث، ونون التوكيد، نحو " هل ~~تضربنان يا نسوة " وقد أجاز يونس، والفراء: وقوع الخفيفة بعد الألف ~~وعلى قولهما تتخرج القراءة، وقيل: أصلها التشديد، وإنما خففت للثقل ~~فيها؛ كقولهم: " رب " في " رب ". # وأما تشديد التاء وتخفيفها، فلغتان، من اتبع يتبع، وتبع ~~يتبع، وقد تقدم [الأعراف:175] هل هما بمعنى واحد، أو مختلفان في ~~المعنى؟ وملخصه: أن تبعه بشيء: خلفه، واتبعه كذلك، إلا أنه حاذاه ~~في المشي واقتدى به، وأتبعه: لحقه. # فصل # المعنى: لا تسلك طريق الجاهلين الذين يظنون أنه: متى كان الدعاء ~~مجابا، كان المقصود حاصلا في الحال، فربما أجاب الله تعالى الإنسان ~~في مطلوبه، إلا أنه يوصله إليه في وقته المقدر؛ فإن وعد الله لا ~~خلف له، والاستعجال لا يصدر إلا من الجهال؛ كما قال لنوح - عليه ~~الصلاة والسلام - # إني أعظك أن تكون من الجاهلين # [هود:46]، وهذا النهي لا يدل على صدور ذلك من موسى - عليه الصلاة ~~والسلام - كما أن قوله: # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر:65] لا يدل على صدور الشرك منه. ### || [10.90-92] # قوله تعالى: { وجاوزنا ببني إسرائيل البحر } الآية. # قد تقدم الكلام في نظير الآية [الأعراف:138]، وقرأ الحسن، " ~~وجوزنا: بتشديد الواو. # قال الزمخشري: وجوزنا: من أجاز المكان، وجاوزه،وجوزه، وليس ~~من " جوز " الذي في بيت الأعشى: [الكامل] # 2933- وإذا تجوزها حبال قبيلة # أخذت من الأخرى إليك حبالها # لأنه لو كان منه لكان حقه أن يقال: وجوزنا بني إسرائيل في ~~البحر؛ كما قال: [الطويل] # 2934-......................... # كما جوز السكي في الباب فيتق # يعني أن فعل بمعنى فاعل وأفعل، وليس التضعيف للتعدية، إذ لو ~~كان كذلك لتعدى بنفسه كما في البيت المشار إليه دون الباء. # وقرأ الحسن: " فاتبعهم " بالتشديد، وقد تقدم الفرق. # قال القرطبي: يقال: تبع، وأتبع بمعنى واحد إذا لحقه، واتبع - ~~بالتشديد - إذا صار خلفه، وقال الأصمعي: يقال: أتبعه - بقطع الألف - ~~إذا لحقه، وأدركه، واتبعه بوصل الألف - إذا اتبع أثره ~~وأدركه، أو لم يدركه، وكذلك قال أبو زيد، وقرأ قتادة: " فاتبعهم " ~~بوصل الألف وقيل: اتبعه - بوصل الألف في ms4712 الأمر - اقتدى به، وأتبعه ~~بقطع خيرا وشرا. هذا قول أبي عمرو. وقيل: بمعنى واحد. # قوله: " بغيا وعدوا " يجوز أن يكونا مفعولين من أجلهما أي: ~~لأجل البغي والعدو، وشروط النصب متوفرة، ويجوز أن يكونا مصدرين ~~في موضع الحال أي: باغين متعدين. # وقرأ الحسن " وعدوا " بضم العين، والدال المشددة، وقد تقدم ~~ذلك في سورة الأنعام [الأنعام:108]، وقوله: " حتى إذآ ": غاية ~~لاتباعه. # قوله: " آمنت أنه " قرأ الأخوان بكسر " إن " وفيها أوجه: # أحدها: أنها استئناف إخبار؛ فلذلك كسرت لوقوعها ابتداء كلام. # والثاني: أنه على إضمار القول أي: فقال إنه، ويكون هذا القول ~~مفسرا لقوله: " آمنت ". # والثالث: أن تكون هذه الجملة بدلا من قوله: " آمنت " ، وإبدال الجملة ~~الاسمية من الفعلية جائز، لأنها في معناها، وحينئذ تكون مكسورة؛ ~~لأنها محكية ب " قال " هذا الظاهر. # والرابع: أن " آمنت " ضمن معنى القول؛ لأنه قول. وقال ~~الزمخشري: " كرر المخذول المعنى الواحد ثلاث مرات في ثلاث ~~عبارات حرصا على القبول ". # يعني أنه قال: " آمنت " فهذه مرة، وقال: { أنه لا إله ~~إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل } فهذه مرة ثانية. ~~وقال: { وأنا من المسلمين } فهذه ثالثة، والمعنى واحد. # وهذا جنوح منه إلى الاستئناف في " إنه ". وقرأ الباقون بفتحها وفيها ~~أوجه: # أحدها: أنها في محل نصب على المفعول به أي: آمنت توحيد الله؛ ~~لأنه بمعنى صدقت. # الثاني: أنها في موضع نصب بعد إسقاط الجار أي: لأنه. # الثالث: أنها في محل جر بذلك الجار وقد تقدم ما فيه من الخلاف ~~[يونس:2]. # فصل # لما أجاب الله دعاءهما، أمر بني إسرائيل بالخروج من مصر، وكان فرعون ~~غافلا عن ذلك؛ فلما سمع بخروجهم " أتبعهم " أي: لحقهم، " ~~بغيا وعدوا " أي: ظلما واعتداء. وقيل: بغيا في القول، وعدوا ~~في الفعل، وكان البحر قد انفلق لموسى وقومه فدخلوا، وخرجوا، وأبقى ~~الله تعالى ذلك الطريق يبسا، ليطمع فرعون، وجنوده في العبور، فلما ~~دخل مع جمعه، ودخل آخرهم، وهم أولهم بالخروج، انطبق عليهم البحر ~~فلما " أدركه الغرق " أي: غمره الماء، وقرب هلاكه " قال آمنت ~~". # فإن قيل: إن الإنسان إذا وقع في ms4713 الغرق لا يمكنه أن يتلفظ بهذا ~~اللفظ، فكيف حكى الله عنه أنه ذكر ذلك؟. # فالجواب من وجهين: # الأول: أن الكلام الحقيقي هو كلام النفس لا كلام اللسان، فذكر ~~هذا الكلام بالنفس. # الثاني: أن يكون المراد بالغرق مقدماته. # فإن قيل: إنه آمن ثلاث مرات على ما تقدم عن الزمخشري، فما السبب في ~~عدم القبول؟ # فالجواب: من وجوه: # أحدها: أنه إنما آمن عند نزول العذاب، والإيمان في هذا الوقت غير ~~مقبول، قال تعالى: # فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا # [غافر:85]. # الثاني: إنما ذكر هذه الكلمة ليتوسل بها إلى دفع تلك البلية ~~الحاضرة، ولم يكن مقصوده بالكلمة الإقرار بوحدانية الله تعالى، فلم ~~يكن مخلصا. # وثالثها: أن ذلك الإقرار كان تقليدا، فإنه قال: { لا إله ~~إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل } فكأنه اعترف بأنه ~~لا يعرف الله، وإنما سمع من بني إسرائيل أن للعالم إلها، فهو أقر ~~بذلك الإله الذي سمع بني إسرائيل يقرون بوجوده، وهذا محض ~~التقليد، وفرعون قيل إنه كان من الدهرية المنكرين لوجود ~~الصانع، ومثل هذا الاعتقاد الفاحش لا يزول إلا بالحجة ~~القطعية، لا بالتقليد المحض. # ورابعها: أن بعض بني إسرائيل لما جاوزوا البحر عبدوا العجل، فلما ~~قال فرعون: { آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به ~~بنوا إسرائيل } انصرف ذلك إلى العجل الذي آمنوا بعبادته، فكانت ~~هذه الكلمة في حقه سببا لزيادة كفره. # وخامسها: أن أكثر اليهود يقولون بالتشبيه والتجسيم، ولهذا ~~اشتغلوا بعبادة العجل لظنهم أنه تعالى في جسد ذلك العجل، فلما قال ~~فرعون: { آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به ~~بنوا إسرائيل } فكأنه آمن بالله الموصوف بالجسمية، والحلول ~~والنزول، ومن اعتقد ذلك؛ فهو كافر، فلذلك ما صح إيمانه. # وسادسها: أن الإيمان إنما يتم بالإقرار بوحدانية الله، والإقرار ~~بنبوة موسى - عليه الصلاة والسلام - فلما أقر فرعون ~~بالوحدانية، ولم يقر بنبوة موسى لم يصح إيمانه؛ كما لو قال الكافر ~~ألف مرة: أشهد أن لا إله إلا الله لم يصح إيمانه حتى يقول معه: وأشهد ~~أن محمدا رسول الله، فكذا ms4714 ههنا. # وسابعها: روى الزمخشري أن جبريل - عليه السلام - أتى فرعون مستفتيا: ~~ما قول الأمير في عبد نشأ من مال مولاه ونعمته، فكفر بنعمته وجحد ~~حقه، وادعى السيادة دونه؟ فكتب فرعون يقول: أبو العباس الوليد بن ~~مصعب: جزاء العبد الخارج على سيده، الكافر بنعمته أن يغرق في البحر، ثم ~~إن فرعون لما غرق؛ رفع جبريل عليه السلام فتياه إليه. # قوله: " الآن " منصوب بمحذوف أي: آمنت الآن، أو اتؤمن الآن. # وقوله: " وقد عصيت " جملة حالية، تقدم نظيرها. # واختلفوا في قائل هذا الكلام، فقيل: هو جبريل، وإنما قال: { وكنت ~~من المفسدين } في مقابلة قوله { وأنا من المسلمين }. ~~وقيل: القائل هو الله تعالى؛ لأنه قال بعده: { فاليوم ~~ننجيك ببدنك } إلى أن قال: { وإن كثيرا من الناس ~~عن آياتنا لغافلون } ، وهذا ليس إلا كلام الله تعالى. # فإن قيل: ظاهر اللفظ يدل على أنه إنما لم تقبل التوبة للمعصية ~~المتقدمة، والفساد السابق، وهذا التعليل لا يمنع من قبول التوبة. # فالجواب من وجهين: # الأول: أن قبول التوبة غير واجب عقلا، ويدل عليه هذه الآية. # الثاني: أن التعليل ما وقع لمجرد المعصية السابقة، بل بتلك مع ~~كونه من المفسدين. # فصل # روي أن جبريل - عليه السلام - أخذ يملأ فمه بالطين لئلا يتوب غضبا ~~عليه والأقرب أن هذا لا يصح؛ لأنه في تلك الحال إما أن يقال ~~التكليف كان ثابتا، أو ما كان ثابتا، فإن كان ثابتا لم يجز لجبريل أن ~~يمنعه من التوبة، بل يجب عليه أن يعينه على التوبة، وعلى كل ~~الطاعات، لقوله تعالى: # وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على ~~الإثم والعدوان # [المائدة:2] وأيضا، فلو منعه بما ذكر لكانت التوبة ممكنة؛ لأن ~~الأخرس قد يتوب بأن يندم بقلبه ويعزم على ترك معاودة القبيح، فلا يبقى ~~لما فعله جبريل فائدة، وأيضا لو منعه من التوبة لكان قد رضي ببقائه على ~~الكفر، والرضا بالكفر كفر وأيضا كيف يليق بالله تعالى أن يقول لموسى ~~وهارون - عليهما الصلاة والسلام - # فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى # [طه:44] ثم يأمر جبريل ms4715 أن يمنعه من الإيمان. # فإن قيل: إن جبريل إنما فعل ذلك من قبل نفسه لا بأمر الله، فهذا ~~يبطله قول جبريل: # وما نتنزل إلا بأمر ربك # [مريم:64] وقوله تعالى في صفة الملائكة: # لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون # [الأنبياء:27]. # وإن قيل إن التكليف كان زائلا عن فرعون في ذلك الوقت، فلا يبقى للفعل ~~المنسوب لجبريل فائدة أصلا. # قوله: { فاليوم ننجيك ببدنك } في " ببدنك " وجهان: # أحدهما: أنها باء المصاحبة بمعنى مصاحبا لبدنك، وهي الدرع، ~~فيكون " ببدنك " في موضع الحال. # قال المفسرون: لم يصدقوا بغرقه، وكانت له درع تعرف فألقي ~~بنجوة من الأرض، وعليه درعه ليعرفوه، والعرب تطلق البدن على ~~الدرع، قال عمرو بن معد يكرب: [الوافر] # 2935- أعاذل شكتي بدني وسيفي # وكل مقلص سلس القياد # وقال آخر: [الوافر] # 2936- ترى الأبدان فيها مسبغات # على الأبطال واليلب الحصينا # أراد بالأبدان: الدروع، واليلب: الدروع اليمانية كانت تتخذ من ~~الجلود يخرز بعضها إلى بعض، وهو اسم جنس، الواحد: يلبة. # وقيل: ببدنك أيك عريان لا شيء عليه، وقيل: بدنا بلا روح. # والثاني: أن تكون سببية على سبيل المجاز؛ لأن بدنه سبب في تنجيته، ~~وذلك على قراءة ابن مسعود وابن السميفع " بندائك " من ~~النداء، وهو الدعاء: أي: بما نادى به في قومه من كفرانه في قوله: # ونادى فرعون في قومه # [الزخرف:51] # فحشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى # [النازعات:23، 24] # يأيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري # [القصص:38]. وقرأ يعقوب " ننجيك " مخففا من أنجاه. وقرأ أبو حنيفة: ~~" بأبدانك " جمعا: إما على إرادة الأدراع، لأنه كان يلبس ~~كثيرا منها خوفا على نفسه، أو جعل كل جزء من بدنه بدنا كقوله: " ~~شابت مفارقه "؛ قال: [الكامل] # 2937-........................ # شاب المفارق واكتسين قتيرا # وقرأ ابن مسعود، وابن السميفع، ويزيد البربري ننحيك بالحاء ~~المهملة من التنحية أي: نلقيك فيما يلي البحر، قال المفسرون: ~~رماه إلى ساحل البحر كالثور. وهل تنجيك من النجاة بمعنى نبعدك ~~عما وقع فيه قومك من قعر البحر، وهو تهكم بهم، أو من ألقاه ~~على نجوة أي: ربوة مرتفعة، أو من النجاة، وهو ms4716 الترك أو من ~~النجاء، وهو العلامة، وكل هذه معان لائقة بالقصة، والظاهر ~~أن قوله: { فاليوم ننجيك } خبر محض. وزعم بعضهم أنه ~~على نية همزة الاستفهام، وفيه بعد لحذفها من غير دليل، ولأن ~~التعليل بقوله " لتكون " لا يناسب الاستفهام. و " لتكون " ~~متعلق ب " ننجيك " و " آية " أي: علامة وقيل: عبرة وعظة، ~~و " لمن خلفك " في محل نصب على الحال من " آية " لأنه في ~~الأصل صفة لها. # وقرأ بعضهم " لمن خلقك " آية كسائر الآيات. وقرئ " لمن خلفك " ~~بفتح اللام جعله فعلا ماضيا، أي: لمن خلفك من الجبابرة ~~ليتعظوا بذلك. وقرىء " لمن خلقك " بالقاف فعلا ماضيا، وهو ~~الله تعالى أي: ليجعلك الله آية له في عباده. # فصل # في كونه " لمن خلفه آية " وجوه: # أحدها: أن الذين اعتقدوا إلاهيته لما لم يشاهدوا غرقه كذبوا ~~بذلك، وزعموا أن مثله لا يموت، فأخرجه الله تعالى بصورته حتى أبصروه ~~وزالت الشبهة عن قلوبهم. # الثاني: أنه تعالى أراد أن يشاهده الخلق على ذلك الذل والمهانة بعد ما ~~سمعوا منه قوله: # أنا ربكم الأعلى # [النازعات:24] ليكون ذلك زجرا للخلق عن مثل طريقته. # الثالث: أنه تعالى لما أغرقه مع جميع قومه، ثم إنه تعالى ما أخرج ~~أحدا منهم من قعر البحر، بل خصه بالإخراج كان تخصيصه بهذه ~~الحالة عجيبة دالة على قدرة الله تعالى، وعلى صدق موسى - عليه الصلاة ~~والسلام - في دعوة النبوة. # الرابع: تقدم في قراءة من قرأ لمن خالقك بالقاف أي لتكون لخالقك آية ~~كسائر آياته. # ثم قال تعالى { وإن كثيرا من الناس عن آياتنا ~~لغافلون } والظاهر أن هذا الخطاب لأمة محمد - عليه الصلاة ~~والسلام - زجرا لهم عن الإعراض عن الدلائل، وباعثا لهم على التأمل ~~فيها والاعتبار بها، كما قال تعالى: # لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب # [يوسف:111]. ### || [10.93-100] # قال تعالى: { ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ~~} الآية. # لما ذكر خاتمة فرعون ذكر خاتمة بني إسرائيل، فقال: " ولقد بوأنا " ~~أي: أسكنا بني إسرائيل " مبوأ صدق " أي: مكانا محمودا. # ويجوز أن يكون " مبوأ صدق " منصوبا على المصدر، أي: ms4717 ~~بوأناهم مبوأ صدق، وأن يكون مكانا أي: مكان تبوء صدق. # ويجوز أن ينتصب " مبوأ " على أنه مفعول ثان كقوله تعالى: # لنبوئنهم من الجنة غرفا # [العنكبوت:58] أي: لننزلنهم. ووصف المبوأ بكونه صدقا؛ لأن ~~عادة العرب أنها إذا مدحت شيئا أضافته إلى الصدق، تقول: رجل ~~صدق، وقدم صدق، قال تعالى: # رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق # [الإسراء:80]. # والمراد بالمبوأ الصدق: قيل: " مصر " ، وقيل: الأردن وفلسطين وهي ~~الأرض المقدسة { ورزقناهم من الطيبات } الحلال " فما ~~اختلفوا " يعنى اليهود الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم في تصديقه وأنه نبي حق " حتى جاءهم العلم " يعنى القرآن، ~~والبيان بأنه رسول الله صدق ودينه حق، وسمى القرآن علما؛ لأنه سبب ~~العلم، وتسمية المسبب باسم السبب مجاز مشهور. # قال ابن عباس: هم قريظة والنضير وبنو قينقاع أنزلناهم منزل صدق: ما ~~بين المدينة، والشام ورزقناهم من الطيبات، وهو ما في تلك البلاد من ~~الرطب، والتمر الذي لا يوجد مثله في البلاد وقيل: المراد بني إسرائيل ~~الذين نجوا من فرعون أورثهم الله جميع ما كان تحت أيدي قوم فرعون من ~~الناطق، والصامت، والحرث، والنسل، كما قال: # وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق ~~الأرض ومغاربها # [الأعراف:137]. # فصل # في كون القرآن سببا لحدوث الاختلاف وجهان: # الأول: أن اليهود كانوا يخبرون بمبعث محمد - عليه الصلاة والسلام - ~~ويفتخرون به على سائر الناس، فلما بعثه الله تعالى كذبوه حسدا، ~~وبغيا وإيثارا لبقاء الرياسة، وآمن به طائفة منهم، فبهذا الطريق كان ~~سببا لحدوث الاختلاف فيهم. # الثاني: أن هذه الطائفة من بني إسرائيل كانوا قبل نزول القرآن كفارا ~~محضا بالكلية، وبقوا على هذه الحالة حتى جاءهم القرآن، فعند ذلك ~~اختلفوا فآمن قوم وبقي قوم كفارا. ثم قال: { إن ربك يقضي ~~بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } ~~أي: أن هذا الاختلاف لا يمكن إزالته في دار الدنيا، وإنما يقضى بينهم ~~في الآخرة، فيتميز المحق من المبطل. # قوله: { فإن كنت في شك } الآية. # قال الواحدي " الشك في اللغة، ضم بعض الشيء إلى بعض، يقال: ~~شككت ms4718 الصيد إذا رميته فنظمت يده إلى أو رجله إلى رجله، ~~والشكائك من الهوادج ما شك بعضها ببعض والشكاك: البيوت ~~المصطفة، والشكائك: الأدعياء؛ لأنهم يشكون أنفسهم إلى قوم ~~ليسوا منهم، أي: يضمون، وشك الرجل في السلاح، إذا دخل فيه ~~وضمه إلى نفسه. # فإذا قالوا: شك فلان في الأمور أرادوا أنه وقف نفسه بين شيئين، ~~فيجوز هذا ويجوز هذا فهو يضم إلى ما يتوهمه شيئا آخر خلافه ". # ولما ذكر اختلافهم عندما جاءهم العلم ذكر في هذه الآية ما يقوي ~~قلبه في صحة القرآن والنبوة. # وفي " إن " هذه وجهان: # أظهرهما: أنها شرطية، واستشكلوا على ذلك أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لم يكن في شك قط قال الزمخشري: " فإن قلت: كيف قال ~~لرسوله: " فإن كنت في شك " مع قوله للكفرة: # وإنهم لفي شك منه مريب # [هود:110]؟ قلت: فرق عظيم بين إثباته والتمثيل ". وقال أبو حيان: ~~فإذا كانت شرطية فقالوا: إنها تدخل على الممكن وجوده أو المحقق ~~وجوده، المبهم زمن وقوعه، كقوله تعالى: # أفإن مت فهم الخالدون # [الأنبياء:34] قال: " والذي أقوله إن " إن " الشرطية تقتضي تعليق شيء ~~على شيء، ولا تستلزم تحقق وقوعه ولا إمكانه، بل قد يكون ذلك في ~~المستحيل عقلا كقوله تعالى # إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين # [الزخرف:81]، ومستحيل أن يكون له ولد فكذلك مستحيل أن يكون في شك، ~~وفي المستحيل عادة كقوله تعالى: # فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض # [الأنعام:35] لكن وقوعها في تعليق المستحيل قليل ". # ثم قال: " ولما خفي هذا الوجه على أكثر الناس؛ اختلفوا في تخريج هذه ~~الآية فقال ابن عطية: الصواب أنها مخاطبة له، والمراد من سواه من ~~أمته ممن يمكن أن يشك أو يعارض؛ كقوله: # يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين ~~والمنافقين # [الأحزاب:1] وقوله: # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر:65] ويدل على ذلك قوله في آخر السورة: # يأيها الناس إن كنتم في شك من ديني # [يونس:104] وأيضا لو كان شاكا في نبوة نفسه؛ لكان شك غيره في نبوته ~~أولى، وهذا يوجب سقوط ms4719 الشريعة بالكلية، وأيضا فبتقدير أن يكون شاكا ~~في نبوة نفسه، فكيف يزول هذا الشك بإخبار أهل الكتاب عن نبوته مع أنهم ~~كفار، وإن كان قد حصل فيهم مؤمن إلا أن قوله ليس بحجة، لا سيما وقد ~~تقرر أنهم حرفوا التوراة، والإنجيل؛ فثبت أن هذا الخطاب وإن كان ~~في الظاهر مع الرسول إلا أن المراد هو الأمة، وعلى هذا فإن الناس ~~في زمانه كانوا فرقا ثلاثة: # المصدقون، والمكذبون، والمتوقفون في أمره الشاكون فيه، فخاطبهم الله ~~تعالى بهذا الخطاب فقال: أيها الإنسان: { فإن كنت في شك ~~ممآ أنزلنآ إليك } من الهدى على لسان محمد فاسأل أهل الكتاب ~~ليدلوك على صحة نبوته ". # ولما ذكر الله تعالى لهم ما يزيل الشك عنهم، حذرهم من أن يلحقوا ~~بالقسم الثاني، وهم المكذبون، فقال: { ولا تكونن من الذين ~~كذبوا بآيات الله } [يونس:95] الآية. # وقيل: كنى بالشك عن الضيق. # وقيل: كنى به عن العجب، ووجه المجاز فيه أن كلا منهما فيه تردد، ~~وقال الكسائي: إن كنت في شك أن هذه عادتهم مع الأنبياء؛ فسلهم ~~كيف صبر موسى - عليه السلام -؟. # وقيل: إنه تعالى علم أن الرسول لم يشك في ذلك، إلا أن المقصود منه ~~أنه متى سمع هذا الكلام فإنه يصرخ ويقول " يا رب لا أشك، ولا أطلب ~~الحجة من قول أهل الكتاب، بل يكفيني ما أنزلته علي من الدلائل الظاهرة ~~" ونظيره قوله تعالى للملائكة: # أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون # [سبأ:40] والمقصود أن يصرحوا بالجواب الحق ويقولوا: # سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون ~~الجن # [سبأ:41]. # وكقوله لعيسى - عليه الصلاة والسلام - # أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله # [المائدة:116] والمقصود منه أن يصرح عيسى بالبراءة عن ذلك. وقيل: ~~التقدير إنك لسيت بشاك البتة. ولو كنت شاكا لكان لك طرق كثيرة في ~~إزالة الشك كقوله تعالى # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا # [الأنبياء:22] أي: أنه لو فرض ذلك الممتنع واقعا؛ لزم فيه المحال ~~الفلاني، فكذا ههنا، ولو فرضنا وقوع الشك فارجع إلى التوراة، ~~والإنجيل لتعرف بهما أن ms4720 هذا الشك زائل. # والوجه الثاني من وجهي إن أنها نافية. قال الزمخشري: " أي: فما كنت ~~في شك فاسأل، يعنى لا نأمرك بالسؤال لكونك شاكا، ولكن لتزداد ~~يقينا كما ازداد إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - بمعاينة إحياء ~~الموتى " وهذا القول سبقه إليه الحسن البصري والحسين بن الفضل، ~~وكأنه فرار من الإشكال المتقدم في جعلها شرطية، وقد تقدم جوابه ~~من وجوه. # قال القرطبي: قال أبو عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد: سمعت الإمامين: ~~ثعلبا والمبرد يقولان: معنى: " فإن كنت في شك " أي: قل يا ~~محمد للكافر: فإن كنت في شك { فاسأل الذين يقرءون ~~الكتاب من قبلك }. # وقال الفراء: أعلم الله أن رسوله غير شاك، لكنه ذكره على عادة ~~العرب، يقول الواحد لعبده: إن كنت عبدي فأطعني، ويقول لولده افعل كذا ~~إن كنت ولدي، ولا يكون ذلك شكا. # وقال الفقيه: وقال بعضهم: هذا الخطاب لمن كان لا يقطع بتكذيب محمد - ~~عليه الصلاة والسلام - ولا بتصديقه بل كان في شك. # وقيل: المراد بالخطاب النبي صلى الله عليه وسلم والمعنى: لو كنت ممن ~~يلحقك شك فيما أخبرناك به، فسألت أهل الكتاب لأزالوا عنك الشك. # والمراد بالشك هنا: ضيق الصدر، أي: إن ضاق صدرك بكفر هؤلاء فاصبر ~~واسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك، يخبروك صبر الأنبياء ~~من قبلك على أذى قومهم وكيف كان عاقبة أمرهم. والشك في اللغة: أصله ~~الضيق، يقال: شك الثوب، أي: ضمه بخلال حتى يصير كالوعاء، ~~فالشك يقبض الصدر، ويضمه حتى يضيق. # فصل # قال المحققون: المراد بالذين يقرءون الكتاب: المؤمنون من أهل ~~الكتاب، كعبد الله بن سلام، وعبد الله بن صوريا، وتميم الداري، وكعب ~~الأحبار، لأنهم هم الذين يوثق بأخبارهم. # وقال بعضهم: المراد الكل سواء كانوا من المسلمين أم من الكفار؛ ~~لأنهم إذا بلغوا عدد التواتر، وقرؤوا آية من التوراة، والإنجيل، ~~وتلك الآية دالة على البشارة بمقدم النبي صلى الله عليه وسلم فقد حصل ~~الغرض. # وقرا يحيى، وإبراهيم: الكتب بالجمع، وهي مبنية أن المراد بالكتاب ~~الجنس لا كتاب واحد. فإن قيل: إن كتبهم قد ms4721 دخلها التحريف ~~والتغيير، فكيف يمكن التعويل عليها؟. # فالجواب: أنهم إنما حرفوها لإخفاء الآيات الدالة على نبوة محمد ~~- عليه الصلاة والسلام -، فإن بقيت فيها آيات دالة على نبوته؛ كان ذلك من ~~أقوى الدلائل على صحة نبوة محمد - عليه الصلاة والسلام - لأنها ~~لما بقيت مع توفر دواعيهم على إزالتها دل ذلك على أنها كانت في ~~غاية الظهور. # فصل # قيل: السؤال كان عن القرآن، ومعرفة نبوة الرسول - عليه الصلاة ~~والسلام -. وقيل: السؤال راجع إلى قوله { فما اختلفوا حتى ~~جآءهم العلم } والأول أولى؛ لأنه الأهم. ولما بين هذا ~~الطريق قال: { لقد جآءك الحق من ربك } أي: ثبت عنده ~~بالآيات والبراهين القاطعة أن ما أتاك هو الحق: " فلا تكونن من ~~الممترين " أي: لا مدخل للمرية فيه { ولا تكونن من الذين ~~كذبوا بآيات الله } أي: اثبت، ودم على ما أنت عليه من انتفاء ~~المرية، وانتفاء التكذيب بآيات الله؟ وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال ~~عند نزوله: # " لا أشك ولا أسأل بل أشهد أنه الحق ". # ثم لما فصل تعالى هذا التفصيل، بين أن له عبادا، قضى عليهم ~~بالشقاء، فلا تتغير، وعبادا قضى لهم بالكرامة، فلا تتغير، فقال: { ~~إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون ~~ولو جآءتهم كل آية }. # قرأ نافع وابن عامر كلمات على الجمع، والباقون: بالإفراد. فكلمات بحسب ~~الكثرة النوعية أو الصنفية وكلمة بحسب الجنسية. # والمراد بهذه الكلمة: حكم الله بذلك، وإخباره عنه، وخلقه في العبد ~~مجموع القدرة، والداعية الموجبة لحصول ذلك الأثر. # واحتجوا بهذه الآية على صحة القول بالقضاء والقدر. ثم قال: { ~~ولو جآءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم } ~~أي: أنهم لا يؤمنون ألبتة، ولو جاءتهم الدلائل التي لا حد لها ولا ~~حصر؛ لأن الدليل لا يهدي إلا بإعانة الله، فإذا لم تحصيل ~~الإعانة ضاعت تلك الدلائل. # القصة الثالثة # قوله تعالى: { فلولا كانت قرية آمنت } الآية. # لما بين بقوله: { إن الذين حقت عليهم كلمة ~~ربك لا يؤمنون ولو جآءتهم كل آية } أتبعه بهذه ~~الآية؛ لأنها دالة على أن قوم يونس آمنوا بعد كفرهم، ms4722 وانتفعوا بذلك ~~الإيمان، فدل ذلك على أن الكفار فريقان: # فريق ختم له بالإيمان. # وفريق ختم له بالكفر، وكل ما قضى الله به فهو واقع. # قوله: " فلولا " لولا هنا تحضيضية، وفيها معنى التوبيخ؛ كقول ~~الفرزدق: [الطويل] # 2938- تعدون عقر النيب أفضل مجدكم # بني ضوطرى لولا الكمي المقنعا # وفي مصحف أبي، وعبد الله - وقرأ كذلك - فهلا، وهي نص في التحضيض ~~وزعم علي بن عيسى، والنحاس أن لولا تأتي بمعنى ما النافية، ~~وحملا على ذلك هذه الآية أي: ما كانت قرية نقله ابن قاسم، وهو منقول ~~أيضا عن الهروي، وكانت هنا تامة و " آمنت " صفة ل " قرية " ، وفنفعها ~~نسق على الصفة. # قوله: " إلا قوم يونس " فيه وجهان: # أحدهما: أنه استثناء منقطع، وإليه ذهب سيبويه، والكسائي، والأخفش، ~~والفراء، ولذلك أدخله سيبويه في باب " ما لا يكون فيه إلا النصب ~~لانقطاعه " وإنما كان منقطعا؛ لأن ما بعد " إلا " لا يندرج تحت لفظ ~~" قرية ". # والثاني: أنه متصل. قال الزمخشري: " استثناء من القرى، لأن المراد ~~أهاليها وهو استثناء منقطع بمعنى: ولكن قوم يونس، ويجوز أن يكون ~~متصلا، والجملة في معنى النفي كأنه قيل: ما آمنت قرية من ~~القرى الهالكة إلا قوم يونس ". # وقال ابن عطية: هو بحسب اللفظ استثناء منقطع، وكذلك رسمه ~~النحويون، وهو بحسب المعنى متصل لأن تقديره: ما آمن أهل قرية إلا ~~قوم يونس. # قال شهاب الدين: " وتقدير هذا المضاف هو الذي صحح كونه استثناء ~~متصلا " ، وكذلك قال أبو البقاء ومكي وابن عطية وغيرهم. وأما ~~الزمخشري فإن ظاهر عبارته أن المصحح لكونه متصلا كون الكلام ~~في معنى النفي، وليس كذلك بل المسوغ كون القرى يراد بها أهاليها من ~~باب إطلاق المحل على الحال، وهو أحد الأوجه المذكورة في قوله # واسأل القرية # [يوسف:82]. وقرأ فرقة: " إلا قوم " بالرفع. قال الزمخشري: وقرىء ~~بالرفع على البدل، روي ذلك عن الجرمي، والكسائي. # وقال المهدوي: " والرفع على البدل من قرية ". فظاهر هاتين ~~العبارتين أنها قراءة منقولة، وظاهر قول مكي، وأبي البقاء أنها ~~ليست قراءة، وإنما ذلك من الجائز، وجعلا الرفع على ms4723 وجه آخر غير ~~البدل، وهو كون " إلا " بمعنى " غير " في وقوعها صفة. # قال مكي " ويجوز الرفع على أن تجعل إلا بمعنى " غير " صفة للأهل ~~المحذوفين في المعنى، ثم يعرب ما بعد إلا بإعراب " غير " لو ظهرت في ~~موضع " إلا ". وقال أبو البقاء - وأظنه أخذه منه -: ولو كان قد قرىء ~~بالرفع لكانت إلا فيه بمنزلة غير فيكون صفة، وقد تقدم أن في نون يونس ~~ثلاث لغات وقرئ بها. # فصل # قال البغوي: المعنى فلم تكن قرية؛ لأن في الاستفهام ضربا من ~~الجحد؛ أي: أهل قرية آمنت عند معاينة العذاب، " فنفعها إيمانها " في ~~حال اليأس " إلا قوم يونس " ، فإنهم نفعهم إيمانهم في ذلك الوقت، و ~~" قوم " نصب على الاستثناء المنقطع، أي: ولكن قوم يونس " لما آمنوا ~~كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا، ومتعناهم إلى حين " ، وهي ~~وقت انقضاء آجالهم، واختلفوا في أنهم هل رأوا العذاب عيانا فقال ~~بعضهم: رأوا دليل العذاب. # والأكثرون على أنهم رأوا العذاب عيانا لقوله: { كشفنا عنهم ~~عذاب الخزي } ، والكشف يكون بعد الوقوع، أو إذا قرب قوله: " ولو ~~شاء ربك " يا محمد " لآمن من في الأرض كلهم جميعا ". # واعلم أن هذه السورة من أولها إلى هنا في بيان شبهات الكفار في ~~إنكار النبوة، والجواب عنها، وكانت إحدى شبهاتهم؛ أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يهددهم بنزول العذاب على الكفار، وبعد أتباعه أن ~~الله ينصرهم، ويعلي شأنهم، ويقوي جانبهم، ثم إن الكفار ما رأوا ~~ذلك؛ فجعلوا ذلك شبهة في الطعن في نبوته، وكانوا يبالغون في استعجال ~~العذاب على سبيل السخرية، ثم إن الله تعالى بين أن تأخير الموعود به ~~لا يقدح في صحة الوعد، ومن ثم ضرب لهذا أمثلة، وهي قصة نوح - عليه ~~السلام - وموسى - عليه السلام - إلى هاهنا، ثم في هذه الآية بين أن ~~جد الرسول في دخولهم في الإيمان لا ينفع، ومبالغته في تقرير الدلائل ~~في الجواب عن الشبهات لا يفيد؛ لأن الإيمان لا يحصل إلا بخلق الله، ~~ومشيئته وإرشاده، وهدايته، إذا لم يحصل هذا المعنى لم ms4724 يحصل الإيمان. # فصل # استدلوا بهذه الآية على أن جميع الكائنات لا تحصل إلا بمشيئة الله ~~تعالى؛ لأن كلمة " لو " تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره، فقوله: { ~~ولو شآء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا } ~~يقتضي أنه ما حصلت تلك المشيئة، وما حصل إيمان أهل الأرض بالكلية، ~~فدل هذا على أنه تعالى ما أراد الكل، وأجاب الجبائي، والقاضي ~~وغيرهما أن المراد مشيئة الإلجاء، أي: لو شاء الله أن يلجئهم إلى ~~الإيمان لقدر عليه، ولكنه ما فعل ذلك؛ لأن الإيمان الصادر من ~~العبد على سبيل الإلجاء لا ينفعه، ولا يفيده فائدة، ثم قال الجبائي: ~~ومعنى إلجاء الله تعالى إياهم إلى ذلك، أن يعرفهم أنهم لو ~~حاولوا تركه حال الله بينهم وبين ذلك، وعند هذا لا بد وأن يفعلوا ما ~~ألجئوا إليه. # والجواب من وجوه: # أحدها: أن الكافر لو كان قادرا على الكفر، ولم يقدر على الإيمان، ~~فحينئذ تكون القدرة على الكفر مستلزمة للكفر، فإذا كان خالق تلك القدرة ~~هو الله تعالى لزم أن يقال: إنه تعالى خلق فيه قدرة مستلزمة للكفر؛ ~~فوجب أن يقال: أراد منه الكفر، وإن كانت القدرة صالحة للضدين، فرجحان ~~أحد الطرفين على الآخر - إن لم يتوقف على المرجح - فقد حصل الرجحان لا ~~لمرجح، وهو باطل، وإن توقف على مرجح، فذلك المرجح إما أن يكون من ~~العبد، أو من الله، فإن كان من العبد عاد التقسيم ولزم التسلسل، وهو ~~محال، وإن كان من الله، كان مجموع تلك القدرة مع تلك الداعية موجبا ~~لذلك الكفر، فإذا كان خالق القدرة والداعية هو الله تعالى عاد الإلزام. # ثانيها: أن قوله: " ولو شاء ربك " لا يجوز حمله على مشيئة الإلجاء؛ ~~لأن النبي - عليه الصلاة والسلام - ما كان يطلب منهم إلا إيمانا ~~ينتفعون به في الآخرة، فبين تعالى؛ أنه لا قدرة للرسول على تحصيل ~~هذا الإيمان، ثم قال: { ولو شآء ربك لآمن من في الأرض ~~كلهم جميعا } فوجب أن يكون المراد منه هذا الإيمان النافع حتى ~~ينتظم الكلام، وحمل اللفظ على مشيئة القهر والإلجاء ms4725 لا يليق بهذا ~~الموضع. # وثالثها: أن الإلجاء إما أن يكون بأن يظهر له آيات هائلة يعظم خوفه ~~عند رؤيتها، فيأتي بالإيمان عندها، وإما أن يكون بخلق الإيمان فيهم، ~~والأول باطل؛ لأنه تعالى قال: { إن الذين حقت عليهم ~~كلمت ربك لا يؤمنون ولو جآءتهم كل آية ~~حتى يروا العذاب الأليم } [يونس:96-97] وقال: # ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة وكلمهم ~~الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ~~ليؤمنوا إلا أن يشآء الله # [الأنعام:111] فبين أن إنزال الإيمان لا يفيد، وإن كان المراد هو ~~الثاني لم يكن هذا الإلجاء إلى الإيمان، بل كان عبارة عن خلق الإيمان ~~فيهم، فيصير المعنى: ولو شاء ربك حصول الإيمان لهم لخلق الإيمان فيهم، ثم ~~يقال: لكنه ما خلق الإيمان فيهم، فدل على أنه ما أراد حصول الإيمان ~~لهم، وهو المطلوب. ثم قال: { أفأنت تكره الناس حتى ~~يكونوا مؤمنين } أي: أنه: لا قدرة لك على التصرف في أحد. # قوله: " أفأنت " يجوز في " أنت " وجهان، أحدهما: أن يرتفع بفعل مقدر ~~مفسر بالظاهر بعده، وهو الأرجح؛ لأن الاسم قد ولي أداة هي بالفعل ~~أولى. # والثاني: أنه مبتدأ والجملة بعده خبره، وقد تقدم ما في ذلك من كون ~~الهمزة مقدمة على العاطف أو ثم جملة محذوفة كما هو رأي الزمخشري. ~~وفائدة إيلاء الاسم للاستفهام إعلام بأن الإكراه ممكن مقدور عليه، ~~وإنما الشأن في المكره من هو؟ وما هو إلا هو وحده لا مشاركة فيه ~~لغيره. و " حتى " غاية للإكراه. # قوله: { وما كان لنفس أن تؤمن } كقوله: # أن تموت # [آل عمران:145] وقد تقدم في آل عمران [145]. والمعنى: ما ينبغي لنفس. ~~وقيل: ما كانت لتؤمن إلا بإذن الله. # قال ابن عباس: بأمر الله. وقال عطاء: بمشيئة الله. وقيل: بعلم الله. ~~" ويجعل " قرأ أبو بكر عن عاصم بنون العظمة. والباقون: بياء الغيبة ~~وهو الله تعالى. وقرأ الأعمش " ويجعل الرجز " بالزاي دون السين، وقد ~~تقدم هل هما بمعنى، أو بينهما فرق؟ [الأعراف:134] ثم قال: { على ~~الذين لا يعقلون } أي: من الله أمره ونهيه. # فصل # احتجوا ms4726 بقوله: { ويجعل الرجس على الذين لا ~~يعقلون } على أن خالق الكفر والإيمان هو الله تعالى، وتقريره: ~~أن الرجس قد يراد به: العمل القبيح، قال تعالى: # إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت ويطهركم تطهيرا # [الأحزاب:33] والمراد من الرجس هنا: العمل القبيح سواء كان كفرا ~~أو معصية، وبالتطهير: نقل العبد من رجس الكفر، والمعصية إلى طهارة ~~الإيمان، والطاعة، فلما ذكر الله تعالى فيما قبل هذه الآية أن ~~الإيمان إنما يحصل بمشيئة الله وتخليقه، ذكر بعد أن الرجس لا ~~يحصل إلا بتخليقه. والرجس الذي يقابل الإيمان ليس إلا الكفر. # وأجاب أبو علي الفارسي النحوي عنه فقال: الرجس، يحتمل وجهين آخرين. # أحدهما: أن يكون المراد منه العذاب، فيكون المعنى: يلحق العذاب بالذين ~~لا يعقلون، كقوله # ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين ~~والمشركات # [الفتح:6]. الثاني: أنه تعالى حكم عليهم بأنهم نجس، كما قال: # إنما المشركون نجس # [التوبة:28] أي: أن الطهارة الثابتة للمسلمين لم تحصل لهم. # وأجابوا: أن حمل الرجس على العذاب باطل؛ لأن الرجس عبارة عن ~~الفاسد المستقذر المستكره فحمل هذا اللفظ على كفرهم وجهلهم أولى من حمله ~~على عذاب الله مع كونه حقا صدقا صوابا. وأما حمل الرجس على ~~حكم الله برجاستهم، فهو في غاية البعد؛ لأن حكم الله تعالى بذلك صفته، ~~فكيف يجوز أن يقال: إن صفة الله رجس، فثبت أن دلالة الآية على الكفر ~~ظاهرة. ### || [10.101-103] # قوله تعالى: { قل انظروا ماذا في السماوات والأرض } ~~الآية. # لما بين في الآيات السالفة أن الإيمان لا يحصل إلا بتخليق الله ~~تعالى ومشيئته، أمر بالنظر والاستدلال في الدلائل فقال: " قل ~~انظروا ". # قرأ عاصم وحمزة " قل انظروا " بكسر اللام لالتقاء الساكنين، والأصل ~~فيه الكسر، والباقون بضمها نقلوا حركة الهمزة إلى اللام. # قوله: " ماذا " يجوز أن يكون " ماذا " كله استفهاما مبتدأ، و " في ~~السموات " خبره أي: أي شيء في السموات؟ ويجوز أن تكون " ما " ~~مبتدأ، و " ذا " بمعنى الذي، و " في السموات " صلته وهو خبر ~~المبتدأ، وعلى التقديرين فالمبتدأ وخبره في محل نصب بإسقاط الخافض ~~لأن الفعل قبله ms4727 معلق بالاستفهام، ويجوز على ضعف أن يكون " ماذا " كله ~~موصولا بمعنى " الذي " وهو في محل نصب ب " انظروا ". ووجه ضعفه ~~أنه لا يخلو: إما أن يكون النظر بمعنى البصر فيعدى ب " إلى " ، ~~وإما أن يكون قلبيا فيعدى ب " في " ، وقد تقدم الكلام في " ~~ماذا ". # فصل # المعنى: قل للمشركين الذين يسألونك عن الإيمان: { انظروا ماذا في ~~السماوات والأرض } واعلم أنه لا سبيل إلى معرفة الله تعالى ~~إلا بالنظر في الدلائل. قال عليه الصلاة والسلام: # " تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق " # والدلائل إما أن تكون من عالم السموات، أو من عالم الأرض، أما ~~الدلائل السماوية، فهي حركات الأفلاك والكواكب ومقاديرها، وما يختص به كل ~~واحد منها، وأما الدلائل الأرضية، فهي النظر في أحوال العناصر العلوية، ~~وفي أحوال المعادن والنبات، وأحوال الإنسان، وينقسم كل واحد من هذه ~~الأجناس إلى أنواع لا نهاية لها. ولو أن الإنسان أخذ يتفكر في كيفية ~~حكمة الله تعالى في تخليق جناح بعوضة لانقطع عقله قبل أن يصل إلى أول ~~مرتبة من مراتب تلك الفوائد. # ثم لما أمر بهذا التفكر بين بعده أن هذا التفكر والتدبر في ~~هذه الآيات لا ينفع في حق من حكم الله عليه في الأزل بأنه لا يؤمن ~~فقال: { وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ~~}. # قوله: " وما تغني " يجوز في " ما " أن تكون استفهامية، وهي واقعة ~~موقع المصدر أي: أي غناء تغني الآيات؟ ويجوز أن تكون نافية، وهو ~~الظاهر. # وقال ابن عطية: ويحتمل أن تكون " ما " في قوله: " وما تغني " مفعولة ~~بقوله: " انظروا " معطوفة على قوله: " ماذا " أي: تأملوا قدر غناء ~~الآيات والنذر عن الكفار. # قال أبو حيان: وفيه ضعف، وفي قوله: معطوفة على " ماذا " تجوز، يعنى ~~أن الجملة الاستفهامية التي هي " ماذا في السماوات " في موضع ~~المفعول؛ لأن " ماذا " وحده منصوب ب " انظروا " فتكون " ماذا " ~~موصولة، و " انظروا " بصرية لما تقدم من أنه لو كانت بصرية لتعدت ~~ب " إلى ". و " النذر " يجوز أن يكون جمع " نذير " ، المراد ~~به المصدر فيكون التقدير: ms4728 وما تغني الآيات والإنذارات، وأن يكون جمع ~~" نذير " مرادا به اسم الفاعل بمعنى منذر فيكون التقدير والمنذرون ~~وهم الرسل. وقرىء " وما يغني " بالياء. # قوله: { فهل ينتظرون } يعني: مشركي مكة إلا مثل أيام ~~الذين خلوا مضوا " من قبلهم " من مكذبي الأمم. قال قتادة: " ~~يعني وقائع الله في قوم نوح، وعاد، وثمود " والعرب تسمي العذاب ~~والنعم أياما، كقوله: # وذكرهم بأيام الله # [إبراهيم:5] وكل ما مضى عليك من خير وشر فهو أيام ثم إنه ~~تعالى أمره بأن يقول لهم { فانتظروا إني معكم من ~~المنتظرين }. # قوله: { ثم ننجي رسلنا } قال الزمخشري: هو معطوف على ~~كلام محذوف يدل عليه قوله: { إلا مثل أيام الذين ~~خلوا من قبلهم } [يونس:102] كأنه قيل: نهلك الأمم ثم ~~ننجي رسلنا، معطوف على حكاية الأحوال الماضية. # قرأ الكسائي في رواية " نصر " ننجي " خفيفة، والباقون: مشددة، وهما ~~لغتان، وكذلك في قوله " ننج المؤمنين " والمعنى: ننجي رسلنا، والذين ~~آمنوا معهم عند نزول العذاب. معناه: نجينا، مستقبل بمعنى الماضي، ~~ونجينا وأنجينا بمعنى واحد " كذلك " كما نجيناهم " حقا ~~" واجبا { علينا ننج المؤمنين }. # قوله: " حقا " فيه أوجه: # أحدها: أن يكون منصوبا بفعل مقدر أي: حق ذلك حقا. # والثاني: أن يكون بدلا من المحذوف النائب عنه الكاف تقديره: إنجاء ~~مثل ذلك حقا. # والثالث: أن يكون " كذلك " و " حقا " منصوبين ب " ننج " الذي ~~بعدهما. # والرابع: أن يكون " كذلك " منصوبا ب " ننجي " الأولى، و حقا ب ~~" ننج " الثانية. # وقال الزمخشري: مثل ذلك الإنجاء ننجي المؤمنين منكم، ونهلك المشركين، ~~وحقا علينا اعتراض، يعني حق ذلك علينا حقا. # وقرأ الكسائي وحفص " ننجي المؤمنين " مخففا من أنجى يقال: أنجى ~~ونجى. # كأنزل ونزل، وجمهور القراء لم ينقلوا الخلاف إلا في هذا دون ~~قوله: # فاليوم ننجيك ببدنك # [يونس:92] ودون قوله { ثم ننجي رسلنا } [يونس:103]. وقد نقل ~~أبو علي الأزهري الخلاف فيهما أيضا، ورسم في المصاحف بجيم دون ياء. # فصل # قال القاضي: قوله " حقا علينا " المراد به الوجوب؛ لأن تخليص ~~الرسول - صلوات الله البر الرحيم وسلامه عليه - والمؤمنين من العذاب ~~إلى الثواب واجب، ولولاه ما ms4729 حسن من الله تعالى أن يلزمهم الأفعال ~~الشاقة، وهذا يجري مجرى قضاء الدين. # والجواب، بأن نقول: إنه حق بحسب الوعد والحكم، ولا نقول ~~إنه حق بحسب الاستحقاق لما ثبت أن العبد لا يستحق على خالقه ~~شيئا. ### || [10.104-109] # قوله تعالى: { قل يأيها الناس إن كنتم في شك من ~~ديني } الآية. # لما بالغ في ذكر الدليل أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بإظهار دينه، ~~وإظهار المباينة عن المشركين، لكي تزول الشكوك والشبهات في أمره. # فإن قيل: كيف قال " في شك " وهم كافرون يعتقدون بطلان ما جاء به؟. # قيل: كان فيهم شاكون، فهم المراد بالآية، أو أنهم لما رأوا ~~الآيات اضطربوا، وشكوا في أمرهم وأمر النبي - صلوات الله البر الرحيم ~~وسلامه عليه -. # قوله: " فلا أعبد " جواب الشرط، والفعل خبر ابتداء مضمر ~~تقديره: فأنا لا أعبد، ولو وقع المضارع منفيا ب " لا " دون فاء ~~لجزم، ولكنه مع الفاء يرفع كما تقدم ذكره، وكذا لو لم ينف ب ~~" لا " كقوله تعالى: # ومن عاد فينتقم الله منه # [المائدة:95]، أي: فهو ينتقم. # ثم قال: { ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم } ~~يميتكم، ويقبض أرواحكم. # فإن قيل: ما الحكمة في وصف المعبود ههنا بقوله: { الذي ~~يتوفاكم }؟. # فالجواب: من وجوه: # الأول: أن المعنى أني أعبد الله الذي خلقكم أولا، ثم يتوفاكم ~~ثانيا ثم يعيدكم ثالثا، فاكتفى بذكر التوفي لكونه منبها على ~~البواقي. # الثاني: أن الموت أشد الأشياء مهابة، فخص هذا الوصف بالذكر ههنا، ~~ليكون أقوى في الزجر والردع. # الثالث: أنهم لما استعجلوا نزول العذاب قال تعالى: # فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من ~~قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين ~~ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا # [يونس:102-103] وهذا يدل على أنه تعالى يهلك أولئك الكفار، ويبقي ~~المؤمنين ويقوي دولتهم، فلما كان قريب العهد بذكر هذا الكلام لا جرم ~~قال ههنا: { ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم } وهو ~~إشارة إلى ما قرره وبينه في تلك الآية كأنه يقول: أعبد الله الذي ~~وعدني بإهلاككم، وإبقائي بعدكم. # قوله: # وأمرت أن أكون من المسلمين # [يونس:72]، قال ms4730 الزمخشري: أصله بأن أكون، فحذف الجار، وهذا الحذف ~~يحتمل أن يكون من الحذف المطرد الذي هو حذف الحروف الجارة مع أن ~~وأن، وأن يكون من الحذف غير المطرد؛ وهو كقوله: [البسيط] # 2939- أمرتك الخير............ # ............................. # فاصدع بما تؤمر # [الحجر:94] يعنى: بغير المطرد أن حذف حرف الجر مسموع في أفعال ~~لا يجوز القياس عليها، وهي: أمر، واستغفر، كما تقدم ~~[الأعراف155]، وأشار بقوله: " أمرتك " إلى البيت المشهور: [البسيط] # 2940- أمرتك الخير فافعل ما أمرت به # ............................... # وقد قاس ذلك بعض النحويين، ولكن يشترط أن يتعين ذلك الحرف، ~~ويتعين موضعه أيضا، وهو رأي علي بن سليمان فيجيز " بريت القلم ~~السكين " بخلاف " صككت الحجر بالخشبة ". # قوله: " وأن أقم " يجوز أن يكون على إضمار فعل أي: وأوحي إلي أن ~~أقم، ثم لك في " أن " وجهان أحدهما: أن تكون تفسيرية لتلك الجملة ~~المقدرة، كذا قاله أبو حيان، وفيه نظر، إذ المفسر لا يجوز حذفه، ~~وقد رد هو بذلك في موضع غير هذا، والثاني: أن تكون المصدرية، فتكون هي ~~وما في خبرها في محل رفع بذلك الفعل المقدر، ويحتمل أن تكون " أن " ~~مصدرية فقط، وهي على هذا معمولة لقوله: أمرت مراعى فيها معنى الكلام؛ ~~لأن قوله " أن أكون " كون من أكوان المؤمنين، ووصل " أن " بصيغة ~~الأمر جائز، كما تقدم تحريره. # وقال الزمخشري: فإن قلت: عطف قوله: " وأن أقم " على " أن أكون " ~~فيه إشكال؛ لأن أن لا تخلو: إما أن تكون التي للعبارة، أو التي ~~تكون مع الفعل في تأويل المصدر، فلا يصح أن تكون التي للعبارة، وإن ~~كان الأمر مما يتضمن معنى القول؛ لأن عطفها علىالموصولة ينافي ~~ذلك، والقول بكونها موصولة مثل الأولى لا يساعد عليه لفظ الأمر وهو " ~~أقم "؛ لأن الصلة حقها أن تكون جملة تحتمل الصدق والكذب. # قلت: قد سوغ سيبويه أن توصل " أن " بالأمر والنهي، وشبه ~~ذلك بقولهم: " أنت الذي تفعل " على الخطاب؛ لأن الغرض وصلها بما تكون ~~معه في تأويل المصدر، والأمر والنهي دالان على المصدر دلالة ~~غيرهما من الأفعال. # قال شهاب الدين: وقد تقدم الإشكال في ms4731 ذلك وهو أنه إذا قدرت ~~بالمصدر فاتت الدلالة على الأمر والنهي. # ورجح أبو حيان كونها مصدرية على إضمار فعل كما تقدم تقريره قال: ~~" ليزول قلق العطف لوجود الكاف، إذ لو كان " وأن أقم " عطفا ~~على " أن أكون " لكان التركيب " وجهي " بياء المتكلم، ومراعاة ~~المعنى فيه ضعف، وإضمار الفعل أكثر ". # قال ابن الخطيب: الواو في قوله: " وأن أقم وجهك " حرف عطف، وفي ~~المعطوف عليه وجهان: # الأول: أن قوله: وأمرت أن أكون قائم مقام قوله: وقيل لي كن من ~~المؤمنين ثم عطف عليه " وأن أقم وجهك ". # الثاني: أن قوله " وأن أقم وجهك " قائم مقام قوله: " وأمرت " ~~بإقامة الوجه، فيصير التقدير: وأمرت بأن أكون من المؤمنين، وبإقامة الوجه ~~للدين حنيفا. # قوله: " حنيفا " يجوز أن يكون حالا من " الدين " ، وأن يكون ~~حالا من فاعل " أقم " أو مفعوله. # فصل # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: معنى قوله: { وأن أقم ~~وجهك للدين حنيفا } أي: عملك. وقيل: استقم على الدين ~~حنيفا. # قال ابن الخطيب: " إقامة الوجه كناية عن توجيه العقل بالكلية إلى ~~طلب الدين؛ لأن من يريد أن ينظر إلى شيء نظر استقصاء فإنه ~~يقيم وجهه في مقابلته بحيث لا يصرفه عنه؛ لأنه لو صرفه عنه، ولو ~~بالقليل، فقد بطلت تلك المقابلة، وإذا بطلت المقابلة اختل الإبصار؛ ~~فلهذا جعل إقامة الوجه كناية عن صرف العقل بالكلية إلى طلب الدين، ~~وقوله " حنيفا " أي: مائلا إليه ميلا كليا، معرضا عن كل ما ~~سواه إعراضا كليا ". # ثم قال: { ولا تكونن من المشركين } وهذا لا يمكن أن ~~يكون نهيا عن عبادة الأوثان؛ لأن ذلك صار مذكورا في قوله أول الآية: ~~{ فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله } [104] فلا ~~بد من حمل هذا الكلام على فائدة زائدة، وهي أن من عرف مولاه فلو التفت ~~بعد ذلك إلى غيره كان ذلك شركا، وهذا هو الذي تسميه أصحاب القلوب ~~بالشرك الخفي. قاله ابن الخطيب. # قوله تعالى: " ولا تدع " يجوز أن تكون هذه الجملة استئنافية، ويجوز ~~أن تكون عطفا على جملة الأمر وهي: " أقم " فتكون ms4732 داخلة في صلة " أن ~~" بوجهيها، أعني كونها تفسيرية أو مصدرية وقد تقدم. # وقوله: " ما لا ينفعك " يجوز أن تكون نكرة موصوفة، وأن تكون ~~موصولة. # قوله: " فإنك " هو جواب الشرط و " إذن " حرف جواب توسطت ~~بين الاسم، والخبر، ورتبتها التأخير عن الخبر، وإنما وسطت ~~رعيا للفواصل. وقال الزمخشري: " إذن " جواب الشرط وجواب لسؤال ~~مقدر، كأن سائلا سأل عن تبعة عبادة الأوثان. # وفي جعله " إذن " جزاء للشرط نظر، إذ جواب الشرط محصور في ~~أشياء ليس هذا منها. # فصل # المعنى: " ولا تدع " أي: ولا تعبد { من دون الله ما لا ينفعك } ~~إن أطعته: " ولا يضرك " إن عصيته " فإن فعلت " فعبدت غير الله، ~~أو لو اشتغلت بطلب المنفعة، والمضرة من غير الله { فإنك إذا ~~من الظالمين } الضارين لأنفسهم، الواضعين للعبادة في غير ~~موضعها؛ لأن الظلم عبارة عن وضع الشيء في غير وضعه. # قوله تعالى: { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له ~~إلا هو } الآية. # قوله: " وإن يمسسك " قد تقدم ما في ذلك من صناعة البديع في ~~سورة الأنعام [الأنعام:17]. وقال هنا في جواب الشرط الأول بنفي عام، ~~وإيجاب، وفي جواب الثاني بنفي عام دون إيجاب؛ لأن ما أراده لا يرده ~~راد، لا هو ولا غيره، لأن إرادته قديمة لا تتغير، فلذلك لم يجىء ~~التركيب فلا راد له إلا هو، هذه عبارة أبي حيان، وفيها نظر، ~~وكأنه يقول بخلاف الكشف فإنه هو الفاعل لذلك وحده دون غيره ~~بخلاف إرادته تعالى، فإنه لا يتصور فيها الوقوع على خلافها، وهي ~~مسألة خلافية بين أهل السنة والاعتزال. # قال الزمخشري: فإن قلت: لم ذكر المس في أحدهما والإرادة في ~~الثاني؟ قلت: كأنه أراد أن يذكر الأمرين جميعا: الإرادة والإصابة في ~~كل واحد من الضر والخير، وأنه لا راد لما يريده منهما، ولا ~~مزيل لما يصيب به منهما، فأوجز الكلام بأن ذكر المس وهو الإصابة ~~في أحدهما، والإرادة في الآخر ليدل بما ذكر على ما ترك، على أنه قد ~~ذكر الإصابة في الخير في قوله: { يصيب به من يشآء } [يونس:107]. ms4733 # فصل # اعلم أن الشيء إما أن يكون ضارا، وإما أن يكون نافعا، وهذان ~~القسمان مشتركان في اسم الخير، ولما كان الضر أمرا وجوديا، والخير قد ~~يكون أمرا عدميا، لا جرم لم يذكر لفظ الإمساس فيه بل قال: { وإن ~~يردك بخير } والآية دالة على أن الضر والخير واقعان ~~بقدرة الله وبقضائه، فيدخل فيه الكفر، والإيمان، والطاعة، والمعصية، ~~والسرور والخيرات والآلام واللذات. # ومعنى الآية: إن يصبك الله بضر أي: بشدة، وبلاء فلا دافع له ~~إلا هو، { وإن يردك بخير } رخاء ونعمة وسعة { فلا رآد ~~لفضله } لا دافع لرزقه، { يصيب به } بكل واحد من الضر والخير ~~{ من يشآء من عباده وهو الغفور الرحيم }. # قال الواحدي: قوله: { وإن يردك بخير } من المقلوب، معناه: ~~وإن يرد بك الخير، ولكنه لما تعلق كل واحد منهما بالإرادة جاز ~~تقديم كل واحد منهما. # قال المفسرون: لما بين تعالى في الآية الأولى أن الأصنام لا ~~تضر ولا تنفع بين في هذه الآية أنها لا تقدر على دفع الشر الواصل ~~من الغير، ولا على دفع الخير الواصل من الغير. # قوله تعالى: { قل يأيها الناس قد جآءكم الحق من ~~ربكم } الآية. # قوله: " من ربكم " يجوز أن يتعلق ب " جاءكم " و " من " ~~لابتداء الغاية مجازا، ويجوز أن يكون حالا من " الحق ". # قوله: فمن اهتدى ومن ضل يجوز أن تكون " من " شرطا، فالفاء ~~واجبة الدخول وأن تكون موصولة فالفاء جائزته. # فصل # المراد " بالحق " القرآن والإسلام { فمن اهتدى فإنما ~~يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها } أي: ~~على نفسه. # قوله: { ومآ أنا عليكم بوكيل } أي: بكفيل يحفظ ~~أعمالكم، و " ما " يجوز أن تكون الحجازية أو التميمية، لخفاء النصب في ~~الخبر. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما - هذه الآية نسختها آية القتال. ثم ~~قال تعالى: { واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى ~~يحكم الله } [يونس:109] أمره باتباع الوحي والتنزيل { ~~حتى يحكم الله } من نصرك وقهر عدوك وإظهار دينك { وهو ~~خير الحاكمين } فحكم بقتل المشركين، وبالجزية على أهل الكتاب ~~يعطونها # عن يد وهم صاغرون # [التوبة:29]. # روى أبي ms4734 بن كعب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من قرأ سورة يونس - عليه الصلاة والسلام - أعطي من الأجر عشر حسنات ~~بعدد من صدق بيونس وكذب به، وبعدد من غرق مع فرعون ". ### | [11 - سورة هود] ### || [11.1-4] # " كتاب " يجوز أن يكون خبرا ل: " ألف لام راء " ، أخبر عن هذه ~~الأحرف بأنها كتاب موصوف بكيت وكيت. # قال الزجاج: هذا غلط؛ لأن " الر " ليس هو الموصوف بهذه الصفة وحده ~~قال ابن الخطيب: وهذا اعتراض فاسد؛ لأنه ليس من شرط كون الشيء ~~مبتدأ أن يكون خبره محصورا فيه، ويجوز أن يكون خبر ابتداء مضمر ~~تقديره: ذلك كتاب. # قال ابن الخطيب: " وهذا عندي ضعيف لوجهين ": # الأول: أنه على هذا التقدير يقع قوله: " الر " كلاما باطلا لا ~~فائدة فيه. # والثاني: أنك إذا قلت: هذا كتاب، فقولك: " هذا " يكون إشارة إلى الآيات ~~المذكورات، وذلك هو قوله: " الر " فيصير حينئذ " الر " مخبرا عنه بأنه { ~~كتاب أحكمت آياته }. وقد تقدم الكلام على ذلك عند قوله: # ذلك الكتاب # [البقرة:2] قوله: { أحكمت آياته } في محل رفع صفة ل " ~~كتاب " ، والهمزة في " أحكمت " يجوز أن تكون للنقل من حكم ~~بضم الكاف، أي: صار حكيما بمعنى جعلت حكيمة، كقوله: # تلك آيات الكتاب الحكيم # [لقمان:2]. ويجوز أن يكون من قولهم: " أحكمت الدابة " إذا وضعت ~~عليها الحكمة لمنعها من الجماح؛ كقول جرير: [الكامل] # 2941- أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم # إني أخاف عليكم أن أغضبا # فالمعنى: أنها منعت من الفساد. # ويجوز أن يكون لغير النقل، من الإحكام وهو الإتقان كالبناء المحكم ~~المرصف، والمعنى: أنها نظمت نظما رصينا متقنا. # ويجوز أن يكون قوله: " أحكمت " أي: لم تنسخ بكتاب كما نسخت ~~الكتب والشرائع بها. # قاله ابن عباس - رضي الله عنهما -. # قوله: " ثم فصلت " " ثم " على بابها من التراخي؛ لأنها ~~أحكمت ثم فصلت بحسب أسباب النزول. # وقرأ عكرمة والضحاك والجحدري وزيد بن علي وابن كثير في رواية " ~~فصلت " بفتحتين خفيفة العين. # قال أبو البقاء: والمعنى: فرقت، كقوله: # فلما فصل طالوت # [البقرة:249]، أي: فارق وفسرها غيره، بمعنى فصلت ms4735 بين المحق ~~والمبطل، وهو أحسن. # وجعل الزمخشري " ثم " للترتيب في الإخبار لا لترتيب الوقوع في ~~الزمان، فقال: فإن قلت: ما معنى " ثم "؟ # قلت: ليس معناها التراخي في الوقت، ولكن في الحال، كما تقول: هي ~~محكمة أحسن الإحكام، مفصلة أحسن التفصيل، وفلان كريم الأصل، ~~ثم كريم الفعل. # وقرىء أيضا: " أحكمت آياته ثم فصلت " بإسناد الفعلين إلى " ~~تاء " المتكلم، ونصب " آياته " مفعولا بها، أي: أحكمت أنا آياته، ثم ~~فصلتها، حكى هذه القراءة الزمخشري. # فصل # قال الحسن: أحكمت بالأمر والنهي، ثم فصلت بالوعد والوعيد وقال ~~قتادة: أحكمها الله فليس فيها اختلاف ولا تناقض. # وقال مجاهد: " فصلت " أي: فسرت وقيل: " فصلت " أي: أنزلت ~~شيئا فشيئا كقوله تعالى: # فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل ~~والضفادع والدم آيات مفصلات # [الأعراف:133]، وقيل: جعلت فصولا: حلالا، وحراما، وأمثالا، وترغيبا ~~وترهيبا ومواعظ وأمرا ونهيا. # فصل # احتج الجبائي بهذه الآية على أن القرآن محدث مخلوق من ثلاثة ~~أوجه: # الأول: قال: المحكم هو الذي أتقنه فاعله، ولولا أن الله - تعالى - خلق ~~هذا القرآن، لم يصح ذلك؛ لأن الإحكام لا يكون إلا في الأفعال، ~~ولا يجوز أن يقال: كان موجودا غير محكم، ثم جعله الله محكما؛ لأن ~~هذا يقتضي في بعضه الذي جعله محكما بأن يكون محدثا، ولم يقل أحد بأن ~~القرآن بعضه قديم وبعضه محدث. # الثاني: أن قوله: " فصلت " يدل على أنه حصل فيه انفصال ~~وافتراق، ويدل على أن ذلك الانفصال والافتراق إنما حصل بجعل جاعل. # الثالث: قوله تعالى: { من لدن حكيم خبير } ، والمراد من ~~عنده، والقديم لا يقال: إنه حصل من عند قديم آخر؛ لأنهما إن كانا ~~قديمين، لم يكن القول بأن أحدهما حصل من عند الآخر أولى من العكس. # وأجيب بأن النعوت عائدة إلى هذه الحروف والأصوات، ونحن معترفون ~~بأنها مخلوقة؛ وإنما الذي يدعى قدمه أمر آخر سوى هذه الحروف ~~والأصوات. # قوله: " من لدن " أي: من عند، يجوز أن تكون صفة ثانية ل " ~~كتاب " وأن تكون خبرا ثانيا عند من يرى جواز ذلك، ويجوز أن تكون ~~معمولة لأحد الفعلين المتقدمين ms4736 يعني: " أحكمت " أو " فصلت " ~~ويكون ذلك من باب التنازع، ويكون من إعمال الثاني، إذ لو أعمل الأول ~~لأضمر في الثاني، وإليه نحا الزمخشري فقال: وأن يكون صلة " أحكمت " " ~~فصلت " ، أي: من عنده أحكامها وتفصيلها، والمعنى: أحكمها حكيم ~~وفصلها، أي: شرحها وبينها خبير بكيفيات الأمور. # قال أبو حيان: لا يريد أن " من لدن " متعلق بالفعلين معا من ~~حيث صناعة الإعراب، بل يريد أن ذلك من باب الإعمال، فهي متعلقة بهما ~~من حيث المعنى، وهو معنى قول أبي البقاء أيضا: ويجوز أن يكون ~~مفعولا، والعامل فيه فصلت. # قوله: " أن لا تعبدوا " فيه أوجه: # أحدها: أن تكون أن المخففة من الثقيلة، و " لا تعبدوا " جملة نهي ~~في محل رفع خبرا ل " أن " المخففة، واسمها على ما تقرر ضمير ~~الأمر والشأن محذوف. # والثاني: أنها المصدرية الناصبة، ووصلت هنا بالنهي، ويجوز أن تكون ~~" لا " نافية، والفعل بعدها منصوب ب " أن " نفسها، وعلى هذه التقادير ~~ف " أن ": إما في محل جر أو نصب أو رفع، فالجر والنصب على أن ~~الأصل: لأن لا تعبدوا، أو بأن لا تعبدوا، فلما حذف الخافض جرى الخلاف ~~المشهور، والعامل: إما " فصلت " وهو المشهور، وإما " أحكمت ~~" عند الكوفيين. # فتكون المسألة من باب الإعمال؛ لأن المعنى: أحكمت لئلا تعبدوا ~~أو بأن لا تعبدوا. ف " أن لا تعبدوا " هو المفعول الثاني ل " ضمن ~~" والأول قام مقام الفاعل. # والرفع فمن أوجه: # أحدها: أنها مبتدأ، وخبرها محذوف، فقيل: تقديره: من النظر أن لا ~~تعبدوا إلا الله. # وقيل: تقديره: في الكتاب ألا تعبدوا إلا الله. # والثاني: خبر مبتدأ محذوف، فقيل: تقديره: تفصيله ألا تعبدوا إلا ~~الله. # وقيل: تقديره: هي أن لا تعبدوا إلا الله. # والثالث: أنه مرفوع على البدل من " آياته ". # قال أبو حيان: وأما من أعربه أنه بدل من لفظ " آيات " أو من ~~موضعها، يعني: أنها في الأصل مفعول بها فموضعها نصب، وهي مسألة ~~خلاف، هل يجوز أن يراعى أصل المفعول القائم مقام الفاعل، فيتبع ~~لفظه تارة وموضعه أخرى، فيقال: ضربت هند العاقلة بنصب العاقلة ~~باعتبار ms4737 المحل، ورفعها باعتبار اللفظ، أم لا؟. # مذهبان، المشهور مراعاة اللفظ فقط. # الوجه الثالث: أن تكون مفسرة؛ لأن في تفصيل الآيات معنى القول؛ ~~فكأنه قيل: لا تعبدوا إلا الله إذ أمركم، وهذا أظهر الأقوال، ~~لأنه لا يحوج إلى إضمار. # قوله: " منه " في هذا الضمير وجهان: # أظهرهما: أنه يعود على الله تعالى، أي: إن لكم من جهة الله نذير ~~وبشير، نذير للعاصين، وبشير للمطيعين. # قال أبو حيان: فيكون في موضع الصفة، فيتعلق بمحذوف، أي: كائن من ~~جهته، وهذا على ظاهره ليس بجيد؛ لأن الصفة لا تتقدم على الموصوف، ~~فكيف تجعل صفة ل " نذير "؟ وكأنه يريد أنه صفة في الأصل لو تأخر، ~~ولكن لما تقدم صار حالا، وكذا صرح به أبو البقاء، فكان صوابه أن ~~يقول: فيكون في موضع الحال، والتقدير: كائنا من جهته. # الثاني: أنه يعود على الكتاب، أي: نذير لكم من مخالفته، وبشير ~~منه لمن آمن وعمل صالحا وفي متعلق هذا الجار أيضا وجهان: # أحدهما: أنه حال من نذير، فيتعلق بمحذوف كما تقدم. # والثاني: أنه متعلق بنفس نذير، أي: أنذركم منه ومن عذابه إن كفرتم، ~~وأبشركم بثوابه إن آمنتم. # وقدم الإنذار؛ لأن التخويف أهم إذ يحصل به الانزجار. # قوله: { وأن استغفروا } فيها وجهان: # أحدهما: أنها عطف على " أن " الأولى، سواء كانت " لا " بعدها نفيا ~~أو نهيا، فتعود الأوجه المنقولة فيها إلى " أن " هذه. # والثاني: أن تكون منصوبة على الإغراء. # قال الزمخشري في هذا الوجه: ويجوز أن يكون كلاما مبتدأ منقطعا ~~عما قبله على لسان النبي - صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم ومجد وبجل ~~وعظم - إغراء منه على اختصاص الله - تعالى - بالعبادة، ويدل عليه قوله: { ~~إنني لكم منه نذير وبشير } كأنه قال: ترك عبادة غير ~~الله إنني لكم منه نذير كقوله تعالى: # فضرب الرقاب # [محمد:4]. # قوله: { ثم توبوا } عطف على ما قبله من الأمر بالاستغفار، و " ~~ثم " على بابها من التراخي؛ لأنه يستغفر أولا ثم يتوب ~~ويتجرد من ذلك الذنب المستغفر منه. # قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى " ثم " في قوله { ثم ms4738 توبوا ~~إليه }؟ قلت: معناه: استغفروا من الشرك، ثم ارجعوا إليه بالطاعة، ~~أو استغفروا - والاستغفار توبة - ثم أخلصوا التوبة واستقيموا ~~عليها، كقوله: # ثم استقاموا # [الأحقاف:13]. # قال شهاب الدين: قوله: " أو استغفروا " إلى آخره يعني أن بعضهم جعل ~~الاستغفار والتوبة بمعنى واحد، فلذلك احتاج إلى تأويل " توبوا " ب " ~~أخلصوا التوبة ". # قال الفراء: " ثم " ههنا بمعنى الواو، أي: وتوبوا إليه، لأن ~~الاستغفار هو التوبة والتوبة هي الاستغفار. # وقيل: وأن استغفروا ربكم في الماضي، ثم توبوا إليه في المستأنف. # وقيل: إنما قدم الاستغفار أولا لأن المغفرة هي الغرض المطلوب، ~~والتوبة هي السبب إليها، فالمغفرة أول في المطلوب وآخر في السبب. # ويحتمل أن يكون المعنى استغفروه من الصغائر، ثم توبوا إليه من ~~الكبائر. # قوله: " يمتعكم " جواب الأمر. وقد تقدم الخلاف في الجازم: هل ~~هو نفس الجملة الطلبية أو حرف شرط مقدر [البقرة:40]. # وقرأ الحسن وابن هرمز وزيد بن علي وابن محيصن " يمتعكم " ~~بالتخفيف من أمتع. # وقد تقدم أن نافعا وابن عامر قرآ { فأمتعه قليلا } ~~بالتخفيف كهذه القراءة [البقرة:126]. # قوله " متاعا " في نصبه وجهان: # أحدهما: أنه منصوب على المصدر بحذف الزوائد، إذ التقدير: ~~تمتيعا، فهو كقوله: # أنبتكم من الأرض نباتا # [نوح:17]. # والثاني: أن ينصب على المفعول به، والمراد بالمتاع اسم ما يتمتع به، ~~فهو كقولك: " متعت زيدا أثوابا ". # قال المفسرون: يعيشكم عيشا في خفض ودعة وأمن وسعة " إلى أجل ~~مسمى " إلى حين الموت. فإن قيل: أليس أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر " # وقال أيضا: # " خص البلاء بالأنبياء ثم الأولياء فالأمثل فالأمثل ". # وقال تعالى: # ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن ~~يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ~~ومعارج عليها يظهرون # [الزخرف:33] فدلت هذه النصوص على أن نصيب المؤمن المطيع عدم ~~الراحة في الدنيا، فكيف الجمع بينهما؟. # فالجواب من وجوه: # الأول: أن المعنى لا يعذبهم بعذاب الاستئصال كما استأصل أهل ~~القوة من الكفار. # الثاني: أنه تعالى يوصل إليهم الرزق كيف كان، وإليه الإشارة بقوله: # وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك ms4739 ~~رزقا نحن نرزقك # [طه:132]. # الثالث: أن المشتغل بالعبادة مشتغل بحب شيء يمتنع تغيره وزواله ~~وفناؤه، وكلما كان تمكنه في هذا الطريق أتم كان انقطاعه عن الخلق أتم ~~وأكمل، وكلما كان الكمال في هذا الباب أكثر كان الابتهاج والسرور ~~أكمل؛ لأنه أمن من تغير مطلوبه، وأمن من زوال محبوبه. # وأما من اشتغل بحب غير الله، كان أبدا في ألم الخوف من فوات ~~المحبوب وزواله؛ فكان عيشه منغصا وقلبه مضطربا، ولذلك قال تعالى في ~~حق المشتغلين بخدمته # فلنحيينه حياة طيبة # [النحل:97]. # فإن قيل: هل يدل قوله { إلى أجل مسمى } على أن للعبد ~~أجلين، وأنه يقع في ذلك التقديم والتأخير؟. # فالجواب: لا، ومعنى الآية أنه تعالى حكم بأن هذا العبد لو اشتغل ~~بالعبادة لكان أجله في الوقت الفلاني، ولو أعرض عنها لكان أجله في وقت ~~آخر، لكنه تعالى عالم بأنه يشتغل بالعبادة، فلا جرم أنه كان ~~عالما بأن أجله ليس إلا في ذلك الوقت المعين؛ فثبت أن لكل ~~إنسان أجلا واحدا. # وسمى منافع الدنيا متاعا، تنبيها على حقارتها وقلتها، وأنها ~~منقضية بقوله تعالى { إلى أجل مسمى }. # قوله: { ويؤت كل ذي فضل فضله } " كل " مفعول أول، و ~~" فضله " مفعول ثان. # وقد تقدم للسهيلي خلاف في ذلك. والضمير في " فضله " يجوز أن ~~يعود على الله تعالى، أي: يؤتي كل صاحب فضل فضله، أي: ثوابه، وأن ~~يعود على لفظ " كل " ، أي: يعطي كل صاحب فضل جزاء فضله، لا يبخس ~~منه شيئا، أي: جزاء عمله. # قال المفسرون: ويعطي كل ذي عمل صالح في الدنيا أجره وثوابه في الآخرة. # وقال أبو العالية: من كثرت طاعته في الدنيا زادت درجاته في الجنة؛ ~~لأن الدرجات تكون بالأعمال. # وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: " من زادت حسناته على ~~سيئاته دخل الجنة، ومن زادت سيئاته على حسناته، دخل النار، ومن ~~استوت حسناته وسيئاته، كان من أهل الأعراف، ثم يدخلون الجنة ". # ثم قال: { وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير } وهو يوم ~~القيامة. # وقرأ الجمهور " تولوا " بفتح التاء والواو واللام المشددة، ~~وفيها ms4740 احتمالان: # أحدهما: أن الفعل مضارع تولى وحذف منه إحدى التاءين تخفيفا نحو: ~~" تنزل ". # وقد تقدم أيتهما المحذوفة، وهذا هو الظاهر. ولذلك جاء الخطاب في ~~قوله: " عليكم ". # والثاني: أنه فعل ماض مسند لضمير الغائبين، وجاء الخطاب على إضمار ~~القول، أي: فقل لهم: إني أخاف عليكم، ولولا ذلك لكان التركيب: فإني ~~أخاف عليهم. # وقرأ اليماني وعيسى بن عمر: " تولوا " بضم التاء، وفتح الواو ~~وضم اللام، وهو مضارع " ولى "؛ كقولك: زكى يزكي. # ونقل صاحب اللوامح عن اليماني وعيسى بن عمر: " وإن تولوا " بثلاث ~~ضمات مبنيا للمفعول، ولم يبين ما هو ولا تصريفه؟ وهو فعل ماض، ~~ولما بني للمفعول ضم أوله على الفاعل، وضم ثانيه أيضا؛ ~~لأنه مفتتح بتاء مطاوعة، وكل ما افتتح بتاء مطاوعة ضم أوله ~~وثانيه، وضمت اللام أيضا، وإن كان أصلها الكسر لأجل واو الضمير، ~~والأصل " توليوا " نحو: تدحرجوا، فاستثقلت الضمة على الياء، ~~فحذفت فالتقى ساكنان؛ فحذفت الياء، لأنهما أولهما؛ فبقي ما قبل واو ~~الضمير مكسورا فضم ليجانس الضمير؛ فصار وزنه " تفعوا " ~~بحذف لامه، والواو قائمة مقام الفاعل. # وقرأ الأعرج " تولوا " بضم التاء وسكون الواو وضم اللام مضارع " ~~أولى " ، وهذه القراءة لا يظهر لها معنى طائل هنا، والمفعول محذوف ~~يقدر لائقا بالمعنى. # و " كبير " صفة ل " يوم " مبالغة لما يقع فيه من الأهوال. # وقيل: بل " كبير " صفة ل " عذاب " فهو منصوب، وإنما خفض على ~~الجوار؛ كقوله: " هذا جحر ضب خرب " بجر خرب وهو صفة ل " ~~جحر "؛ وقول امرىء القيس: [الطويل] # 2942- كأن ثبيرا في عرانين وبله # كبير أناس في بجاد مزمل # بجر " مزمل " وهو صفة ل " كبير ". وقد تقدم البحث في ذلك في ~~سورة المائدة. # ثم قال: { إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء ~~قدير }. # وهذا فيه تهديد وبشارة، فالتهديد قوله { إلى الله مرجعكم ~~} يدل على أن مرجعنا إليه، وهو قادر على جميع المقدورات لا دافع ~~لقضائه، ولا مانع لمشيئته، والرجوع إلى الحاكم الموصوف بهذه الصفة مع ~~العيوب الكثيرة والذنوب العظيمة مشكل، وأما البشارة، فإن ذلك ~~يدل على قدرة عالية وجلالة عظيمة ms4741 لهذا الحاكم، وعلى ضعف تام، وعجز عظيم ~~لهذا العبد، والملك القادر القاهر الغالب إذا رأى أحدا أشرف على الهلاك؛ ~~فإنه يخلصه من تلك الهلكة، ومنه المثل المشهور " إذا ملكت فأسجع ~~". ### || [11.5-6] # لما قال: " وإن تولوا " عن عبادة الله وطاعته، بين بعده صفة ذلك ~~التولي فقال: " ألا إنهم " يعني الكفار " يثنون صدورهم " يقال: ~~ثنيت الشيء إذا عطفته وطويته. # وقرأ الجمهور: بفتح الياء وسكون الثاء المثلثة، وهو مضارع " ثنى ~~يثني ثنيا " ، أي طوى وزوى، و " صدورهم " مفعول به، والمعنى: ~~يحرفون صدورهم ووجوههم عن الحق وقبوله، والأصل " يثنيون " ~~فأعل بحذف الضمة عن الياء، ثم تحذف الياء لالتقاء الساكنين. # وقرأ سعيد بن جبير " يثنون " وهو مضارع " أثنى " كأكرم. # واستشكل الناس هذه القراءة فقال أبو البقاء: ماضيه أثنى، ولا يعرف ~~في اللغة، إلا أن يقال: معناه عرضوها للانثناء، كما يقال: أبعت ~~الفرس: إذا عرضته للبيع. # وقال صاحب اللوامح: ولا يعرف الإثناء في هذا الباب، إلا أن ~~يراد به، وجدتها مثنية، مثل أحمدته وأمجدته، ولعله فتح ~~النون، وهذا مما فعل بهم فيكون نصب " صدورهم " بنزع الخافض، ~~ويجوز على ذلك أن يكون " صدورهم " رفعا على البدل بدل البعض من ~~الكل يعني بقوله: ولعله فتح النون أي: ولعل ابن جبير قرأ ذلك ~~بفتح نون " يثنون " فيكون مبنيا للمفعول، وهو معنى قوله: وهذا مما ~~فعل بهم أي وجدوا كذلك، فعلى هذا يكون " صدورهم " منصوبا بنزع ~~الخافض، أي: في صدورهم، أي يوجد الثني في صدورهم، ولذلك جوز ~~رفعه على البدل كقولك: ضرب زيد الظهر. ومن جوز تعريف التمييز ~~لا يبعد عنده أن ينتصب " صدورهم " على التمييز بهذا التقدير الذي ~~قدره. # وقرأ ابن عباس، وعلي بن الحسين، وابناه زيد، ومحمد، وابنه جعفر، ~~ومجاهد، وابن يعمر، وعبد الرحمن بن أبزى، وأبو الأسود " تثنوني " ~~مضارع " اثنونى " على وزن " افعوعل " من الثني كاحلولى ~~من الحلاوة وهو بناء مبالغة، " صدورهم " بالرفع على الفاعلية. # ونقل عن ابن عباس وابن يعمر ومجاهد وابن أبي إسحاق: " يثنونى ~~صدورهم " بالياء والتاء؛ لأن التأنيث مجازي؛ فجاز تذكير الفعل ~~باعتبار تأويل ms4742 فاعله بالجمع وتأنيثه باعتبار تأويل فاعله بالجماعة. # وقرأ ابن عباس أيضا وعروة وابن أبزى والأعمش " تثنون " بفتح ~~التاء وسكون الثاء وفتح النون وكسر الواو وتشديد النون الأخيرة، ~~والأصل: " تثنونن " بوزن " تفعوعل " من الثن وهو ما هش ~~وضعف من الكلأ، يريد مطاوعة نفوسهم للثني كما يثنى الهش من ~~النبات، أو أراد ضعف إيمانهم ومرض قلوبهم. # و " صدورهم " بالرفع على الفاعلية. # وقرأ مجاهد وعروة أيضا كذلك، إلا أنهما جعلا مكان الواو المكسورة ~~همزة مكسورة فأخرجاها مثل " تطمئن ". # وفيها تخريجان: # أحدهما: أن الواو قلبت همزة لاستثقال الكسرة عليها، ومثله إعاء ~~وإشاح في وعاء ووشاح، لما استثقلوا الكسرة على الواو أبدلوها همزة. # والثاني: أن وزنه " تفعيل " من الثن وهو ما ضعف من النبات كما ~~تقدم، وذلك أنه مضارع ل " اثنان " مثل احمار واصفار، وقد ~~تقدم [يونس:24] أن من العرب من يقلب مثل هذه الألف همزة؛ كقوله: ~~[الطويل] # 2943-.......................... # ................. بالعبيط ادهأمت # فجاء مضارع " اثنأن " على ذلك كقولك احمأر يحمئر كاطمأن ~~يطمئن. # وأما " صدورهم " فبالرفع على ما تقدم. # وقرأ الأعمش أيضا تثنؤون بفتح الياء وسكون المثلثة وفتح النون ~~وهمزة مضمومة و واو ساكنة بزنة تفعلون كترهبون. صدورهم ~~بالنصب. # قال صاحب اللوامح: ولا أعرف وجهه يقال: " ثنيت " ولم أسمع " ~~ثنأت " ، ويجوز أنه قلب الياء ألفا على لغة من يقول: " أعطات " ~~في " أعطيت " ، ثم همز الألف على لغة من يقول: { ولا الضألين ~~} [الفاتحة:7]. # وقرأ ابن عباس أيضا - رضي الله عنهما - " تثنوى " بفتح التاء ~~وسكون المثلثة، وفتح النون وكسر الواو بعدها ياء ساكنة بزنة " ~~ترعوى " وهي قراءة مشكلة جدا حتى قال أبو حاتم: وهذه القراءة ~~غلط لا تتجه، وإنما قال إنها غلط؛ لأنه لا معنى للواو في هذا ~~الفعل إذ لا يقال: ثنوته فانثوى كرعوته، أي: كففته فارعوى، ~~أي: فانكف، ووزنه افعل كاحمر. # وقرأ نصر بن عاصم وابن يعمر وابن أبي إسحاق " ينثون " بتقديم ~~النون الساكنة على المثلثة. # وقرأ ابن عباس أيضا " لتثنون " بلام التأكيد في خبر " إن " ~~وفتح التاء وسكون المثلثة وفتح النون وسكون الواو بعدها نون مكسورة ~~وهي ms4743 بزنة " تفعوعل " ، كما تقدم إلا أنها حذفت الياء، التي ~~هي لام الفعل تخفيفا كقولهم: لا أدر وما أدر. و " صدورهم " ، فاعل ~~كما تقدم. # وقرأ طائفة: " تثنؤن " بفتح التاء ثم ثاء مثلثة ساكنة ثم نون ~~مفتوحة ثم همزة مضمومة ثم نون مشددة، مثل تقرؤن، وهو من ~~ثنيت، إلا أنه قلب الياء واوا؛ لأن الضمة تنافرها، فجعلت ~~الحركة على مجانسها، فصار اللفظ " تثنوون " ثم قلبت الواو ~~المضمومة همزة كقولهم: " أجوه " في " وجوه " و " أقتت " في " ~~وقتت " فصار " تثنؤون " ، فلما أكد الفعل بنون التوكيد ~~حذفت نون الرفع فالتقى ساكنان: وهما واو الضمير والنون الأولى من نون ~~التوكيد، فحذفت الواو وبقيت الضمة تدل عليها؛ فصار " تثنؤن " ~~كما ترى و " صدورهم " منصوب مفعولا به فهذه إحدى عشرة قراءة ~~مضبوطة. # قوله تعالى: { ليستخفوا منه } فيه وجهان: # أحدهما: أن هذه اللام متعلقة ب " يثنون " كذا قاله الحوفي، ~~والمعنى: أنهم يفعلون ثني الصدور لهذه العلة. وهذا المعنى منقول ~~في التفسير ولا كلفة فيه. # والثاني: أن اللام متعلقة بمحذوف. # قال الزمخشري: " ليستخفوا منه " يعنى ويريدون: ليستخفوا من ~~الله فلا يطلع رسوله والمؤمنون على ازورارهم، ونظير إضمار " يريدون ~~" لعود المعنى إلى إضماره الإضمار في قوله: # أن اضرب بعصاك البحر فانفلق # [الشعراء:63] معناه: " فضرب فانفلق ". # قال شهاب الدين: وليس المعنى الذي يقودنا إلى إضمار الفعل هناك ~~كالمعنى هنا، لأن ثم لا بد من حذف معطوف يضطر العقل إلى تقديره؛ ~~لأنه ليس من لازم الأمر بالضرب إنفلاق البحر فلا بد أن ~~يتعقل " فضرب فانفلق " ، وأما في هذه، فالاستخفاف علة صالحة ~~لثنيهم صدورهم، فلا اضطرار بنا إلى إضمار الإرادة. # والضمير في " منه " فيه وجهان: # أحدهما: أنه عائد على رسول الله - صلوات الله البر الرحيم وسلامه ~~عليه - وهو ظاهر على تعلق اللام ب " يثنون ". # والثاني: أنه عائد على الله تعالى كما قال الزمخشري. # قوله: { ألا حين يستغشون ثيابهم } في هذا الظرف وجهان: # أحدهما: أن ناصبه مضمر، فقدره الزمخشري ب " يريدون " كما ~~تقدم، فقال: ومعنى (ألا حين يستغشون ثيابهم): ويريدون الاستخفاء حين ~~يشتغشون ثيابهم أيضا ms4744 كراهة لاستماع كلام الله، كقول نوح # جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم # [نوح:7]، وقدره أبو البقاء فقال: (ألا حين يستغشون ثيابهم): يستخفون. # والثاني: أن الناصب له " يعلم " ، أي: ألا يعلم سرهم وعلنهم ~~حين يفعلون كذا، وهذا معنى واضح، وكأنهم إنما جوزوا غيره؛ لئلا ~~يلزم تقييد علمه تعالى بسرهم وعلنهم بهذا الوقت الخاص، والله تعالى ~~عالم بذلك في كل وقت. # وهذا غير لازم؛ لأنه إذا علم سرهم وعلنهم في وقت التغشية ~~الذي يخفى فيه السر فأولى في غيره، وهذا بحسب العادة وإلا فالله ~~تعالى لايتفاوت علمه. # و " ما " يجوز أن تكون مصدرية، وأن تكون بمعنى " الذي " ، والعائد ~~محذوف، أي: تسرونه وتعلنونه. # فصل # قال ابن عباس - رضي الله عنهما - نزلت في الأخنس بن شريق، وكان ~~رجلا حلو الكلام حلو المنظر، يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ~~يحب، وينطوي له بقلبه على ما يكره. # فقوله: { يثنون صدورهم } أي يخفون ما في صدورهم من ~~الشحناء والعداوة. # قال عبد الله بن شداد: نزلت في بعض المنافقين، كان إذا مر بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم ثنى صدره وظهره، وطأطأ رأسه، وغطى وجهه، كي لا يراه ~~النبي - صلوات الله وسلامه عليه -. # قال قتادة: كانوا يخفون صدورهم، لكيلا يسمعوا كلام الله ولا ذكره. # وقيل: كان الرجل من الكفار يدخل بيته، ويرخي ستره، ويحني ظهره، ~~ويتغشى بثوبه، ويقول: هل يعلم الله ما في قلبي. # وقال السدي: " يثنون صدورهم " أي: يعرضون بقلوبهم، من ~~قولهم: ثنيت عناني ليستخفوا منه أي: من رسول الله - صلوات الله ~~وسلامه عليه -. # وقال مجاهد: من الله عز وجل. # { ألا حين يستغشون ثيابهم } يغطون رؤوسهم بثيابهم و " ألا ~~" كلمة تنبيه أي: ألا إنهم يستخفون حين يستغشون ثيابهم. ثم ذكر أنه لا ~~فائدة لهم في استخفافهم فقال سبحانه: { يعلم ما يسرون وما ~~يعلنون إنه عليم بذات الصدور }. # قال الأزهري معنى الآية من أولها إلى آخرها: إن الذين اضمروا عداوة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخفى علينا حالهم. # وروى محمد بن جرير عن محمد بن ms4745 عباد بن جعفر - رضي الله عنه -؛ أنه سمع ~~ابن عباس يقرأ { ألا إنهم يثنون صدورهم } قال: كان أناس ~~يستحيون أن يخلوا فينفضوا إلى السماء، وأن يجامعوا نساءهم، فيفضوا إلى ~~السماء؛ فنزل ذلك فيهم. # لما ذكر أنه: { يعلم ما يسرون وما يعلنون } أردفه ~~بما يدل على أنه تعالى عالم بجميع المعلومات وهو أن رزق كل ~~حيوان إنما يصل إليه من الله تعالى؛ لأنه لو لم يكن عالما بجميع ~~المعلومات لما حصلت هذه المهمات. # قال الزجاج: الدابة: اسم لكل حيوان، مأخوذ من الدبيب، ~~وبنيت هذه اللفظة على هاء التأنيث، هذا موضوعها اللغوي، و " من " ~~صلة، { إلا على الله رزقها } هو المتكفل بذلك فضلا، وهو ~~إلى مشيئته إن شاء رزق وإن شاء لم يرزق. وقيل: " على " بمعنى " من " أي: ~~من الله رزقها. # قال مجاهد: ما جاءها من رزق فمن الله، وربما لم يرزقها حتى تموت ~~جوعا. { ويعلم مستقرها ومستودعها } قال ابن مقسم: ~~ويروى عن ابن عباس - رضي الله عنه - " مستقرها " المكان الذي ~~تأوي إليه، وتستقر فيه ليلا ونهارا " ومستودعها " الموضع الذي ~~تدفن فيه إذا ماتت. وقال عبد الله بن مسعود: المستقر: أرحام ~~الأمهات، والمستودع: أصلاب الآباء. ورواه سعيد بن جبير، وعلي بن ~~أبي طلحة، وعكرمة عن ابن عباس. وقيل: المستقر: الجنة أو النار، ~~والمستودع: القبر، لقوله تعالى في صفة الجنة، والنار # حسنت مستقرا ومقاما # [الفرقان:76] # سآءت مستقرا ومقاما # [الفرقان:66]. # { كل في كتاب مبين }. قال الزجاج: " معناه: كل ذلك ~~ثابت في علم الله ". # وقيل: كل ذلك مثبت في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقها. # قوله: { مستقرها ومستودعها } يجوز أن يكونا مصدرين، أي: ~~استقرارها واستيداعها، ويجوز أن يكونا مكانين، أي: مكان استقرارها ~~واستيداعها، ويجوز أن يكون " مستودعها " اسم مفعول لتعدي فعله، ولا ~~يجوز ذلك في " مستقر "؛ لأن فعله لازم، ونظيره في المصدرية قول ~~الشاعر: [الوافر] # 2944- ألم تعلم مسرحي القوافي # ............................ # أي: تسريحي. # و " كل " المضاف إليه محذوف تقديره: كل دابة ورزقها ومستقرها ~~ومستودعها في كتاب مبين. ### || [11.7] # لما أثبت بالدليل المتقدم كونه عالما بالمعلومات، أثبت بهذا ~~الدليل ms4746 كونه قادرا على المقدورات وقد مضى تفسير { خلق السماوات ~~والأرض في ستة أيام } أول يونس. # قوله: { وكان عرشه على المآء } قال كعب الأحبار - رضي الله ~~عنه -: خلق الله - عز وجل - ياقوتة خضراء، ثم نظر إليها بالهيبة ~~فصارت ماء يرتعد، ثم خلق الريح؛ فجعل الماء على متنها، ثم وضع ~~العرش على الماء. وقال غيره: إن الله - عز وجل - كان عرشه على ~~الماء، ثم خلق السموات والأرض، وخلق القلم؛ فكتب به ما هو خالق وما هو ~~كائن من خلقه. # قالت المعتزلة: في الآية دلالة على وجود الملائكة قبل خلق السموات ~~والأرض، لأن خلقهما: إما أن يكون لمنفعة، أو لا لمنفعة والثاني عبث، ~~فينبغي أنه خلقهما لمنفعة، وتلك المنفعة إما أن تكون عائدة على الله ~~تعالى وهو محال، لكونه متعاليا عن النفع والضر؛ فلزم أن يكون نفعهما ~~مختص بالغير، فوجب كون الغير حيا؛ لأن غير الحي لا ينتفع، وكل ~~من قال بذلك قال كان ذلك الحي من الملائكة. # فإن قيل: ما الفائدة في ذكر أن عرشه كان على الماء قبل خلق السموات ~~والأرض؟. # فالجواب أن فيه دلالة على كمال القدرة من وجوه: # أحدها: أن العرش مع كونه أعظم من السموات والأرض كان على الماء؛ ~~فلولا أنه تعالى قادر على إمساك الثقيل بغير عمد لما صح ذلك. # وثانيها: أنه تعالى أمسك الماء لا على قرار، وإلا لزم أن يكون ~~أجسام العالم غير متناهية فدل على كمال القدرة. # وثالثها: أن العرش الذي هو أعظم المخلوقات قد أمسكه الله فوق سبع سموات ~~من غير دعامة تحته ولا علاقة فوقه، فدل على كمال القدرة. # قوله: " ليبلوكم " في هذه اللام وجهان: # أحدهما: أنها متعلقة بمحذوف فقيل: تقديره: أعلم ذلك ليبلوكم، ~~وقيل: ثم جمل محذوفة والتقدير: وكان خلقة لهما لمنافع يعود عليكم ~~نفعها في الدنيا دون الآخرة، وفعل ذلك ليبلوكم. # وقيل: تقديره: وخلقكم ليبلوكم. # والثاني: أنها متعلقة ب " خلقكم ". # قال الزمخشري: أي: خلقهن لحكمة بالغة وهي أن يجعلها مساكن لعباده ~~وينعم عليهم فيها بصنوف النعم ويكلفهم فعل الطاعات واجتناب ms4747 ~~المعاصي، فمن شكر وأطاع أثابه، ومن كفر وعصى عاقبة، ولما أشبه ذلك ~~اختبار المختبر قال " ليبلوكم " ، يريد: ليفعل بكم ما يفعل المبتلي. ~~واعلم أنه لما بين أنه إنما خلق هذا العالم لأجل ابتلاء المكلفين ~~وامتحانهم وجب القطع بحصول الحشر والنشر؛ لأن الابتلاء والامتحان يوجب ~~الرحمة والثواب للمحسن والعقاب للمسيء، وذلك لا يتم إلا ~~بالاعتراف بالمعاد والقيامة، فعند هذا خطاب محمدا صلى الله عليه وسلم ~~وشرف، وكرم ومجد وبجل، وعظم، وقال: { ولئن قلت إنكم ~~مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا ~~إن هذآ إلا سحر مبين } أي: إنكم تنكرون هذا الكلام، ~~وتحكمون بفساد القول بالبعث. # قوله: { أيكم أحسن } مبتدأ وخبر في محل نصب بإسقاط ~~الخافض؛ لأنه متعلق بقوله " ليبلوكم ". # قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جاز تعليق فعل البلوى؟ قلت: لما في ~~الاختبار من معنى العلم؛ لأنه طريق إليه فهو ملابس له كما تقول: ~~انظر أيهم أحسن وجها، واسمع أيهم أحسن صوتا؛ لأن النظر ~~والاستماع من طرق العلم؛ لأنه طريق إليه، فهو ملابس له، وقد أخذه أبو ~~حيان في تمثيله بقوله: " واستمع " فقال: " لم أعلم أحدا ذكر ~~أن " استمع " يعلق، وإنما ذكروا من غير أفعال القلوب " سل " ، و " ~~انظر " وفي جواز تعليق " رأى " البصرية خلاف ". # قوله: " ولئن قلت " هذه لام التوطئة للقسم، و " ليقولن " ~~جوابه، وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه، و " إنكم " محكي ~~بالقول، ولذلك كسرت في قراءة الجمهور. # وقرىء بفتحها، وفيها تأويلان ذكرهما الزمخشري: # أحدهما: أنها بمعنى " لعل " قال: من قولهم: ائت السوق أنك تشتري ~~لحما، أي: لعلك، أي: ولئن قلت لهم: لعلكم مبعوثون بمعنى توقعوا ~~بعثكم وظنوه، ولا تبثوا القول بإنكاره، لقالوا. # والثاني: أن تضمن قلت معنى: " ذكرت " يعني فتفتح الهمزة، ~~لأنها مفعول " ذكرت " قوله: { إن هذآ إلا سحر } قد ~~تقدم أنه قرىء " سحر " و " ساحر " ، فمن قرأ " سحر " ف " هذا ~~" إشارة إلى البعث المدلول عليه بما تقدم، أو إشارة إلى القرآن، ~~لأنه ناطق بالبعث ومن قرأ " ساحر " فالإشارة ب " هذا " إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ويجوز ms4748 أن يراد ب " هذا " في القراءة الأولى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ويكون جعلوه سحرا مبالغة، أو على حذف ~~مضاف، أي: إلا ذو سحر، ويجوز أن يراد ب " ساحر " نفس القرآن ~~مجازا كقولهم: " شعر شاعر " و " جد جده ". # فإن قيل: كيف يمكن وصف هذا القول بأنه سحر؟ # فالجواب: من وجوه. # أحدها: قال القفال: معناه أن هذا القول خديعة منكم، وضعتموه لمنع ~~الناس من لذات الدنيا وإحرازا لهم إلى الانقياد لكم والدخول تحت ~~طاعتكم. # وثانيها: أن قولهم { ن هذآ إلا سحر مبين } معناه: أن ~~السحر أمر باطل، قال تعالى حاكيا عن موسى - عليه الصلاة والسلام - # ما جئتم به السحر إن الله سيبطله # [يونس:81]. # وثالثها: أن القرآن هو الحاكم بحصول البعث، وطعنوا في القرآن بكونه ~~سحرا، والطعن في الأصل عين الطعن في الفرع. # ورابعها: قراءة حمزة والكسائي " إن هذا إلا ساحر " والساحر كاذب. ### || [11.8] # قال الحسن: حكم الله أنه لا يعذب أحدا من هذه الأمة بعذاب الاستئصال، ~~وأخر ذلك العذاب إلى القيامة؛ فلما أخر عنهم ذلك العذاب قالوا على ~~سبيل الاستهزاء: ما الذي حبسه عنا؟. # وقيل: المراد بالعذاب: ما نزل بهم يوم بدر. # وأصل " الأمة " الجماعة، قال تعالى: # وجد عليه أمة من الناس # [القصص:23] وقوله: # وادكر بعد أمة # [يوسف:45]، أي: انقضاء أمة، فكأنه قال: إلى انقراض أمة ومجيء أخرى. # وقيل: اشتقاق الأمة من الأم، وهو القصد، كأنه يعني الوقت ~~المقصود بإيقاع الموعود فيه. { ليقولن ما يحبسه } أي شيء ~~يحبسه، يقولون ذلك، استعجالا للعذاب واستهزاء، يعنون أنه ليس بشيء. # قوله: " ليقولن " هذا الفعل معرب على المشهور؛ لأن النون ~~مفصولة تقديرا، إذ الأصل: " ليقولونن " النون الأولى للرفع، ~~وبعدها نون مشددة، فاستثقل توالي ثلاثة أمثال، فحذفت نون الرفع؛ ~~لأنها لا تدل من المعنى على ما تدل عليه نون التوكيد، فالتقى ~~ساكنان، فحذفت الواو التي هي ضمير الفاعل لالتقائهما، وقد تقدم ~~تحقيق ذلك. # و " ما يحبسه " استفهام، ف " ما " مبتدأ، و " يحبسه " ~~خبره، وفاعل الفعل ضمير اسم الاستفهام، والمنصوب يعود على العذاب، ~~والمعنى: أي شيء من ms4749 الأشياء يحبس العذاب؟ قوله: " ألا يوم ~~يأتيهم " " يوم " منصوب ب " مصروفا " الذي هو خبر " ليس " ، ~~وقد استدل به جمهور البصريين على جواز تقديم خبر " ليس " عليهما، ووجه ~~ذلك أن تقديم المعمول يؤذن بتقديم العامل، و " يوم " منصوب ب " ~~مصروفا " وقد تقدم على " ليس " فليجز تقديم الخبر بطريق ~~الأولى، لأنه إذا تقدم الفرع فأولى أن يتقدم الأصل. # وقد رد بعضهم هذا الدليل بشيئين: # أحدهما: أن الظرف يتوسع فيه ما لا يتوسع في غيره. # والثاني: أن هذه القاعدة منخرمة، إذ لنا مواضع يتقدم فيها ~~المعمول ولا يتقدم فيها العامل، وأورد من ذلك نحو قوله تعالى: # فأما اليتيم فلا تقهر وأما السآئل فلا تنهر # [الضحى:9، 10] ف " اليتيم " منصوب ب " تقهر " ، و " السائل " ~~منصوب ب " تنهر " وقد تقدما على " لا " الناهية، ولا يتقدم ~~العامل - وهو المجزوم - على " لا " ، وللبحث في هذه المسألة موضع ~~أليق به. # قال أبو حيان: وقد تتبعت جملة من دواوين العرب فلم أظفر بتقديم خبر ~~" ليس " عليها، ولا بمعموله إلا ما دل عليه ظاهر هذه الآية وقول ~~الشاعر: [الطويل] # 2945- فيأبى فما يزداد إلا لجاجة # وكنت أبيا في الخنى لست أقدم # واسم " ليس " ضمير عائد على " العذاب " ، وكذلك فاعل " يأتيهم " ، ~~والتقدير: ألا ليس العذاب مصروفا عنهم يوم يأتيهم العذاب. # وحكى أبو البقاء عن بعضهم أن العامل في " يوم يأتيهم " محذوف ~~تقديره: أي: لا يصرف عنهم العذاب يوم يأتيهم، ودل على المحذوف سياق ~~الكلام. # قال: { وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون } وذكر " حاق " بلفظ الماضي ~~مبالغة في التأكيد والتقرير وأن خبر الله تعالى واقع لا محالة. ### || [11.9-14] # قوله تعالى: { ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة } الآية. # لما ذكر أن عذاب الكفار وإن تأخر لا بد أن يحيق بهم، ذكر بعده ~~ما يدل على كفرهم، وعلى كونهم مستحقين لهذا العذاب، فقال: { ولئن ~~أذقنا الإنسان }. وقيل: المراد منه مطلق الإنسان؛ لأنه استثنى ~~{ إلا الذين صبروا }؛ ولأنه موافق لقوله تعالى: # إن الإنسان لفى خسر إلا الذين آمنوا # [العصر:2، 3] # إن الإنسان خلق هلوعا # [المعارج:19] ولأن مزاج الإنسان مجبول ms4750 على الضعف والعجز. # قال ابن جريج في تفسير هذه الآية: يا ابن آدم إذا نزلت بك نعمة من ~~الله، فأنت كفور، وإذا نزعت منك فيئوس قنوط. # وقيل: المراد به الكافر؛ لأن الأصل في المفرد المعرف بالألف واللام ~~أن يعود على المعهود السابق إلا أن يمنع مانع منه، وههنا لا مانع؛ ~~فوجب حمله على المعهود السابق، وهو الكافر المذكور في الآية المتقدمة. # وأيضا فالصفات المذكورة في الإنسان هنا لا تليق إلا بالكافر؛ ~~لأنه وصفه بكونه كفورا، وهو تصريح بالكفر، ووصفه عند وجدان الراحة ~~بقوله: { ذهب السيئات عني } وذلك جراءة على الله تعالى، ~~ووصفه بكونه فرحا # إن الله لا يحب الفرحين # [القصص:76] وصفه بكونه فخورا، وذلك ليس من صفات أهل الدين. وإذا كان ~~كذلك؛ وجب حمل الاستثناء المذكور في هذه الآية على الاستثناء المنقطع. ~~واعلم أن لفظ " الإذاقة والذوق " يفيد أقل ما يوجد من الطعم، ~~فكان المراد أن الإنسان بوجدان أقل القليل من الخير في العاجلة يقع في ~~الكفر والطغيان وبإدراك أقل القليل من البلاء يقع في اليأس والقنوط، ~~قال تعالى: { ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة } نعمة ~~وسعة { ثم نزعناها منه } سلبناها منه { إنه ليئوس ~~كفور } في الشدة كفور بالنعمة. # { ولئن أذقناه نعمآء } قال الواحدي: النعماء إنعام ~~يظهر أثره على صاحبه، والضراء مضرة يظهر أثرها على صاحبها؛ ~~لأنها أخرجت مخرج الأحوال الظاهرة نحو: حمراء وسوداء، وهذا هو الفرق ~~بين النعمة والنعماء، والمضرة والضراء. # والمعنى: إذا أذقناه نعمة بعد بلاء أصابه: " ليقولن ذهب السيئات ~~عني " زالت الشدائد عني، إنه لفرح فخور أشر بطر، والفرح: ~~لذة في القلب بنيل المشتهى. والفخر: هو التطاول على الناس بتعديد ~~المناقب، وذلك منهي عنه. # فصل # اعلم أن أحوال الدنيا أبدا في التغير والزوال، والتحول ~~والانتقال، فإما أن يتحول الإنسان من النعمة إلى المحنة أو ~~العكس. # فأما الأول: فهو المراد بقوله عز وجل: { ولئن أذقنا ~~الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ~~ليئوس كفور } [هود:9] أي أنه حال زوال تلك النعمة يصير يئوسا؛ ~~لأن الكافر يعتقد أن السبب في ms4751 حصول تلك النعمة سبب اتفاقي، ثم ~~إنه يستبعد حدوث ذلك الاتفاق مرة أخرى، فلا جرم يستبعد تلك النعمة فيقع ~~في اليأس. # وأما المسلم، فيعتقد أن تلك النعمة إنما حصلت من فضل الله ~~وإحسانه، فلا ييأس، بل يقول لعله يؤخرها إلى ما هو أحسن، وأكمل مما ~~كانت، وأما الإنسان يكون كفورا حال تلك النعمة، فإن الكافر لما ~~اعتقد أن حصولها كان على سبيل الاتفاق، أو أنه حصلها بجده ~~واجتهاده، فحينئذ لا يشتغل بشكر الله على تلك النعمة والمسلم يشكر ~~الله تعالى. # والحاصل أن الكافر يكون عند زوال النعمة يئوسا وعند حصولها ~~كفورا. # وأما انتقال الإنسان من المحنة إلى النعمة، فالكافر يكون فرحا ~~فخورا؛ لأن منتهى طبع الكافر هو الفوز بهذه السعادات الدنيوية، ~~وهو منكر للسعادات الأخروية. # قوله: " لفرح " قرأ الجمهو بكسر الراء، وهو قياس اسم الفاعل من " ~~فعل " اللازم بكسر العين نحو: أشر فهو أشر، وبطر فهو بطر، ~~وقرئ شاذا " لفرح " بضم الراء نحو: يقظ ويقظ، وندس ~~وندس. # قوله: { إلا الذين صبروا } فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه منصوب على الاستثناء المتصل، إذا المراد به جنس ~~الإنسان لا واحد بعينه. # والثاني: أنه منقطع، إذ المراد بالإنسان شخص معين، وهو على هذين ~~الوجهين منصوب المحل. # والثالث: أنه مبتدأ، والخبر الجملة من قوله: { أولئك لهم ~~مغفرة } وهو منقطع أيضا. والمعنى: أن هؤلاء لا يكونون عند ~~البلاء من الصابرين وعند الراحة والخير من الشاكرين. # قال الفراء: هو استثناء منقطع معناه: لكن الذين صبروا وعملوا ~~الصالحات؛ فإنهم إن يأتهم شدة صبروا، وإن نالوا نعمة شكروا. # ثم قال: { أولئك لهم مغفرة } يجوز أن يكون " مغفرة ~~" مبتدأ، و " لهم " الخبر، والجملة خبر " أولئك " ، ويجوز أن يكون " ~~لهم " خبر " أولئك " و " مغفرة " فاعل بالاستقرار. فجمع لهم بين ~~شيئين: # أحدهما: زوال العقاب بقوله: " لهم مغفرة " والثاني: الفوز ~~بالثواب بقوله " وأجر كبير ". # قوله: " فلعلك " الأحسن أن تكون على بابها من الترجي بالنسبة ~~إلى المخاطب. # وقيل: هي للاستفهام كقوله - صلوات الله وسلامه عليه - # " لعلنا أعجلناك ". # فإن قيل: " فلعلك " كلمة شك فما فائدتها؟. ms4752 # فالجواب: أن المراد منها الزجر، والعرب تقول للرجل إذا أرادوا ~~إبعاده عن أمر: لعلك تقدر أن تفعل كذا مع أنه لا شك فيه، ويقول لولده: ~~لعلك تقصر فيما أمرتك، ويريد توكيد الأمر فمعناه لا تترك. # وقوله: " وضائق " نسق على " تارك " ، وعدل عن " ضيق " وإن كان ~~أكثر من " ضائق ". # قال الزمخشري: ليدل على أنه ضيق عارض غير ثابت، ومثله ~~سيد وجواد - تريد السيادة والجود الثابتين المستقرين - فإذا أردت ~~الحدوث قلت: سائد وجائد. # قال أبو حيان: وليس هذا الحكم مختصا بهذه الألفاظ؛ بل كل ما بني ~~من الثلاثي للثبوت والاستقرار على غير فاعل رد إليه إذا أريد به ~~معنى الحدوث تقول: حاسن وثاقل وسامن في: " حسن وثقل وسمن "؛ ~~وأنشد قول الشاعر: [الطويل] # 2946- بمنزلة أما اللئيم فسامن # بها وكرام الناس باد شحوبها # وقيل: إنما عدل عن " ضيق " إلى " ضائق " ليناسب وزن " تارك ". # والهاء في " به " تعود على " بعض ". وقيل: على " ما ". وقيل: على ~~التكذيب و " صدرك " مبتدأ مؤخر، والجملة خبر عن الكاف في " ~~لعلك "؛ فيكون قد أخبر بخبرين: # أحدهما: مفرد، والثاني: جملة عطفت على مفرد، إذ هي بمعناه، فهو نظير: " ~~إن زيدا قائم، وأبوه منطلق ". # قوله: " أن يقولوا " في محل نصب أو جر على الخلاف المشهور في " ~~أن " بعد حذف حرف الجر أو المضاف، تقديره: كراهة أو مخافة أن يقولوا، ~~أو لئلا يقولوا، أو بأن يقولوا. # وقال أبو البقاء: لأن يقولوا أي: لأن قالوا، فهو بمعنى الماضي وهذا لا ~~حاجة إليه، وكيف يدعى ذلك فيه ومعه ما هو نص في الاستقبال وهو ~~الناصب؟. # و " لولا " تحضيضية، وجملة التحضيض منصوبة بالقول. # فصل # المعنى: فلعلك يا محمد تارك بعض ما يوحى إليك، فلا تبلغة إياهم، ~~وذلك أن كفار مكة قالوا: ائت بقرآن غير هذا، ليس فيه سب آلهتنا، فهم ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وشرف وكرم وبجل ومجد وعظم - أن يدع ~~آلهتهم ظاهرا؛ فأنزل الله تعالى: { فلعلك تارك بعض ما ~~يوحى إليك } يعنى سب الآلهة: { وضآئق به صدرك } أي: ~~ولعل يضيق صدرك { أن يقولوا لولا ms4753 أنزل عليه كنز أو ~~جآء معه ملك } يصدقه، قاله عبد الله بن أمية المخزومي. # وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رؤساء مكة قالوا: يا محمد: ~~اجعل لنا جبال مكة ذهبا إن كنت رسولا، وقال آخرون: ائتنا بالملائكة ~~يشهدون بنبوتك، فقال: لا أقدر على ذلك فنزلت هذه الآية. # وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز على الرسول - عليه الصلاة والسلام - ~~أن يخون في الوحي والتبليغ، وأن يترك بعض ما يوحى إليه؛ لأن تجويزه ~~يؤدي إلى الشك في كل الشرائع وذلك يقدح في النبوة، وأيضا ~~فالمقصود من الرسالة تبليغ التكاليف، والأحكام، فإنه لم تحصل هذه ~~الفائدة فقد خرجت الرسالة عن أن تفيد فائدتها. # وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون المراد من قوله: { فلعلك تارك ~~بعض ما يوحى إليك } شيئا آخر سوى أنه فعل ذلك. وذكروا فيها ~~وجوها أخر، قيل: إنهم كانوا لا يقبلون القرآن ويتهاونون به، فكان يضيق ~~صدر الرسول - عليه الصلاة والسلام - أن يلقي إليهم ما لا يقبلونه ويضحكون ~~منه، فأهله الله لأداء الرسالة، وطرح المبالاة بكلماتهم الفاجرة، وترك ~~الالتفات إلى استهزائهم، والغرض منه التنبيه على أنه إذا أدى ذلك الوحي ~~وقع في سفاهتهم، وإن لم يؤد ذلك وقع في ترك وحي الله - تعالى - وفي ~~إيقاع الخيانة، وأنه لا بد من تحمل أحد الضررين؛ فتحمل ضرر سفاهتهم ~~أسهل من تحمل الخيانة في وحي الله، والغرض من ذكر هذا الكلام: التنبيه ~~على هذه الدقيقة؛ لأن الإنسان إذا علم أن كل واحد من طرفي الفعل ~~والترك مشتمل على ضرر عظيم، على أن الضرر في جانب الترك أعظم وأقوى ~~سهل عليه ذلك الفعل وخف. # فإن قيل: الكنز كيف ينزل؟ # فالجواب: أن المراد ما يكنز، وجرت العادة على أن المال الكثير ~~يسمى كنزا، فقال القوم: إن كنت صادقا في أنك رسول الله الذي تصفه ~~بالقدرة على كل شيء وأنك عزيز عنده فهلا أنزل عليك ما تستغني به في ~~مهماتك وتعين أنصارك، وإن كنت صادقا فهلا أنزل الله معك ملكا يشهد لك ~~على صدق قولك، ms4754 ويعينك على تحصيل مقصودك وتزول الشبهة في أمرك، فلما لم ~~يفعل لك ذلك فأنت غير صادق، فبين الله تعالى أنه رسول ينذر بالعقاب ~~ويبشر بالثواب وليس له قدرة على إيجاد هذه المطلوبات، والذي أرسله هو ~~القادر على ذلك فإن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، ولا اعتراض لأحد عليه. # ومعنى " وكيل ": حفيظ أي: يحفظ عليهم أعمالهم، حتى يجازيهم بها، ونظير ~~هذه الآية، قوله تعالى: # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا # [الإسراء:90] إلى قوله: # قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا # [الإسراء:93]. # قوله تعالى: { أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر ~~سور مثله مفتريات } [هود:13]. # لما طلبوا منه المعجز قال: معجزتي هذا القرآن، فلما حصل المعجز ~~الواحد كان طلب الزيادة بغيا وجهلا. # و في " أم " هذه وجهان: # أحدهما: أنها منقطعة فتقدر ب " بل " والهمزة، فالتقدير: بل ~~أتقولون افتراه. والضمير في " افتراه " لما يوحى. # والثاني: أنها متصلة، فقدروها بمعنى: أيكفرون بما أوحينا إليك من ~~القرآن أم يقولون إنه ليس من عند الله؟ # قوله " مثله " نعت ل " سور " و " مثل " وإن كانت بلفظ الإفراد ~~فإنه يوصف بها المثنى والمجموع والمؤنث، كقوله تعالى: # أنؤمن لبشرين مثلنا # [المؤمنون:74] ويجوز المطابقة. قال تعالى: # وحور عين كأمثال # [الواقعة:22، 23] وقال تعالى: # ثم لا يكونوا أمثالكم # [محمد:38]. # قال ابن الخطيب: " مثله " بمعنى " مثاله " حملا على كل واحدة من ~~تلك السور، ولا يبعد أيضا أن يكون المراد المجموع؛ لأن مجموع السور ~~العشرة شيء واحد. # والهاء في " مثله " تعود لما يوحى أيضا، و " مفتريات " صفة ل " ~~سور " جمع " مفتراة " ك " مصطفيات " في " مصطفاة " فانقلبت ~~الألف ياء كالتثنية. # فصل # قال ابن عباس - رضي الله عنهما - هذه السور التي وقع بها التحدي سور ~~معينة، هي سورة البقرة وآل عمران والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ~~والأنفال، والتوبة، ويونس وهود، فقوله عز وجل: { فأتوا بعشر ~~سور مثله مفتريات } الإشارة إلى هذه السور وهذا فيه إشكال، ~~لأن هذه السورة مكية، وبعض السور المتقدمة مدنية، فكيف يمكن أن ~~يكون المراد هذه العشر عند نزول ms4755 هذا الكلام؟ فالأولى أن يقال التحدي وقع ~~بمطلق السور. # فإن قيل: قد قال في سورة يونس # فأتوا بسورة مثله # [يونس:38] وقد عجزوا عنه. فكيف قال { فأتوا بعشر سور } فهو ~~كرجل يقول لآخر: أعطني درهما؛ فيعجز، فيقول: أعطني عشرة؟. # فالجواب: قد قيل: نزلت سورة هود أولا، وأنكر المبرد هذا وقال: بل ~~سورة يونس أولا، وقال: ومعنى قوله في سورة يونس: # فأتوا بسورة مثله # [يونس:38] أي: مثله في الإخبار عن الغيب، والأحكام، والوعد والوعيد، ~~فعجزوا، فقال لهم في سورة هود: إن عجزتم عن الإتيان بسورة مثله في ~~الإخبار، والأحكام، والوعد، والوعيد (فأتوا بعشر سور مثله) من غير وعد ~~ووعيد، وإنما هي مجرد بلاغة. # فصل # اختلفوا في الوجه الذي كان القرآن لأجله معجزا، فقيل: هو الفصاحة ~~وقيل: الأسلوب، وقيل: عدم التناقض، وقيل: اشتماله على الإخبار عن ~~الغيوب، والمختار عند الأكثرين أن القرآن معجز من جهة الفصاحة، ~~واستدلوا بهذه الآية، لأنه لو كان إعجازه هو كثرة العلوم، أو ~~الإخبار عن الغيوب، أو عدم التناقض لم يكن لقوله: " مفتريات " معنى، ~~أما إذا كان وجه الإعجاز هو الفصاحة صح ذلك؛ لأن فصاحة الفصيح تظهر ~~بالكلام، سواء كان الكلام صدقا أو كذبا، ثم إنه لما قرر وجه التحدي ~~قال: { وادعوا من استطعتم } واستعينوا بمن استطعتم " من دون ~~الله إن كنتم صادقين فإن لم يستجيبوا لكم " يا أصحاب محمد، وقيل: ~~لفظه جمع والمراد به الرسول - صلوات الله البر الرحيم وسلامه عليه وحده - ~~والمراد بقوله: { فإن لم يستجيبوا لكم } أي: الكفار، يحتمل ~~أن من يدعونه من دون الله لم يستجيبوا. # قوله: { فاعلموا أنمآ أنزل } " ما " يجوز أن تكون كافة ~~مهيئة، وفي " أنزل " ضمير يعود على { ما يوحى إليك } ~~[هود:12]، و " بعلم " حال أي: ملتبسا بعلمه، ويجوز أن تكون موصولة ~~اسمية أو حرفية اسما ل " أن " والخبر الجار تقديره: فاعلموا أن ~~تنزيله، أو أن الذي أنزل ملتبس بعلم. # وقرأ زيد بن علي " نزل " بفتح النون والزاي المشددة، وفاعل " نزل " ~~ضمير الله تعالى، و { وأن لا إله إلا هو } نسق على ms4756 " ~~أن " قبلها، ولكن هذه مخففة فاسمها محذوف، وجملة النفي خبرها. # فصل # إن قلنا هذا خطاب للمؤمنين، فالمعنى: ابقوا على العلم الذي أنتم عليه؛ ~~لتزدادوا يقينا وثبات قدم، على أنه منزل من عند الله. # وقوله: { فهل أنتم مسلمون } أي: مخلصون، وقيل: فيه إضمار، ~~أي: فقولوا أيها المسلمون للكفار: اعلموا أنما أنزل بعلم الله، يعني ~~القرآن. # وقيل: أنزله، وفيه علمه، وإن قيل: إن هذا الخطاب مع الكفار، فالمعنى: إن ~~الذين تدعونهم من دون الله، إذا لم يستجيبوا لكم في الإعانة على ~~المعارضة، فاعلموا أيها الكفار؛ أن هذا القرآن، إنما أنزل بعلمه، فهل ~~أنتم مسلمون، فقد وقعت الحجة عليكم، وأن لا إله إلا هو، فاعلموا أنه ~~لا إله إلا هو. # { فهل أنتم مسلمون } لفظه استفهام، ومعناه أمر، أي: ~~أسلموا. # قال بعض المفسرين: وهذا القول أولى؛ لأن القول الأول يحتاج فيه إلى ~~إضمار القول، وهذا لا يحتاج إلى إضمار، وأيضا: فعود الضمير إلى أقرب ~~مذكور أولى، وأيضا: فالخطاب الأول كان مع الكفار بقوله: { من ~~استطعتم من دون الله } ، وأيضا فالأول أمر بالثبات. # فإن قيل: أين يعلق الشرط المذكور في هذه الآية، وأين ما فيها من ~~الجزاء؟ # فالجواب: أن القوم ادعوا كون القرآن مفترى على الله تعالى، فقال: لو ~~كان مفترى على الله تعالى، لوجب أن يقدر الخلق على مثله، ولما لم ~~يقدروا عليه، ثبت أنه من الله، فقوله (إنما أنزل بعلم الله): كناية ~~عن كونه من عند الله، ومن قبله؛ كما يقول الحاكم: هذا الحكم جدير بعلمي. # فإن قيل: أي تعلق لقوله: { وأن لا إله إلا هو } بعجزهم ~~عن المعارضة؟. # فالجواب من وجهين: # أحدهما: أنه تعالى لما أمر محمدا - صلوات الله البر الرحيم وسلامه ~~عليه - بأن يطلب من الكفار ان يستعينوا بالأصنام في تحقيق المعارضة ثم ~~ظهر عجزهم عنها فحينئذ ظهر أنها لا تنفع ولا تضر في شيء من المطالب ~~ألبتة، ومن كان كذلك، فقد بطلت إلهيته، فصار عجز القوم عن المعارضة بعد ~~الاستعانة بالأصنام مبطلا لإلهية الأصنام، ودليلا على إثبات نبوة محمد ~~صلى ms4757 الله عليه وسلم وشرف وكرم ومجد وبجل وعظم، فكان قوله: { وأن لا ~~إله إلا هو } إشارة إلى ظهور فساد إلاهية الأصنام. # وثانيها: أنه ثبت في علم الأصول أن القول بنفي الشريك عن الله من ~~المسائل التي يمكن إثباتها بقول الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - ~~فكأنه قيل: لما ثبت عجز الخصوم عن المعارضة ثبت كون القرآن حقا، ~~وثبت كون قول محمد صدقا في دعوى الرسالة. # وإذا ثبت ذلك فأعلمهم يا محمد أن لا إله إلا هو، واتركوا الإصرار على ~~الكفر، واقبلوا الإسلام. ونظيره قوله تعالى - في سورة البقرة عند ذكر آية ~~التحدي - # فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار ~~التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين # [البقرة:24]. ### || [11.15-16] # قوله تعالى: { من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها } ~~الآية. # قيل: إنها مختصة بالكفار لقوله: { أولئك الذين ليس ~~لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها ~~وباطل ما كانوا يعملون } [هود:16] وهذا ليس إلا للكفار، ~~فيكون التقدير: من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها فقط، أي: تكون إرادته ~~مقصورة على حب الدنيا وزينتها، ومن طلب السعادات الأخروية كان حكمه ~~كذا وكذا. # واختلف القائلون بهذا القول فقال الأصم: المراد منكرو البعث ~~فإنهم ينكرون الآخرة ويرغبون في سعادات الدنيا. # وقيل: المراد المنافقون، كانوا يطلبون بغزوهم مع الرسول - عليه الصلاة ~~والسلام - الغنائم من غير أن يؤمنوا بالآخرة. # وقال أنس - رضي الله عنه -: المراد اليهود والنصارى. # وقال القاضي: المراد من كان يريد بعمل الخير الحياة الدنيا وزينتها. # وعمل الخير قسمان: # العبادات وإيصال المنفعة إلى الحيوان كالبر، وصلة الرحم، والصدقة، ~~وبناء القناطر، وتسوية الطرق، ودفع الشر، وإجراء الأنهار، فهذه الأشياء ~~إذا أتى بها الكافر لأجل الثناء في الدنيا، فإن بسببها تصل الخيرات ~~والمنافع إلى المحتاجين، وهي من أعمال الخير، فقد تصدر من المسلم ~~والكافر. # وأما العبادات فإما أن تكون طاعات بنيات مخصوصة، فإذا لم يؤت ~~بتلك النية، وإنما أتى فاعلها بها طلبا لزينة الدنيا، وتحصيل ~~الرياء والسمعة؛ فلا تكون طاعة ووجودها كعدمها بل هو شر منها. # وعلى هذا فالمراد منه ms4758 الطاعات التي يصح صدورها من الكفار. # وقيل: الآية على ظاهرها في العموم؛ فيندرج فيه المؤمن الذي يأتي ~~بالطاعات رياء وسمعة ويندرج فيه الكافر الذي هذا صفته. # ويشكل على هذا قوله في آخر الآية { أولئك الذين ليس ~~لهم في الآخرة إلا النار } إلا إذا قلنا: إن المراد: ~~أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار بسبب الأعمال الفاسدة، والأفعال ~~الباطلة. # والقائلون بهذا القول أكدوا قولهم بما روي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - # " تعوذوا بالله من جب الحزن " قيل: وما جب الحزن؟ قال: " ~~واد في جهنم يلقى فيه القراء المراءون ". # وقال - صلوات الله وسلامه عليه -: # " أشد الناس عذابا يوم القيامة من يرى الناس فيه ~~خيرا ولا خير فيه ". # وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إذا كان يوم القيامة يؤتى برجل جمع القرآن فيقال: ما ~~عملت فيه؟ فيقول: يا رب قمت به آناء الليل، والنهار، ~~فيقول الله - تبارك وتعالى - كذبت بل أردت أن يقال: فلان ~~قارىء، وقد قيل ذلك، ويؤتى بصاحب المال فيقول الله عز وجل ~~ألم أوسع عليك؟ فماذا عملت فيما آتيتك؟ فيقول: وصلت ~~الرحم وتصدقت، فيقول: كذبت بل أردت أن يقال فلان ~~جواد، وقد قيل ذلك، ويؤتى بمن قتل في سبيل الله فيقول: قاتلت ~~في سبيل الله حتى قتلت، فيقول الله عز وجل كذبت بل ~~أردت أن يقال: فلان فارس ". # ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ركبتي وقال: " يا أبا هريرة ~~أولئك الثلاثة أول خلق تسعر بهم النار يوم ~~القيامة ". # وقد روي أن أبا هريرة - رضي الله عنه - ذكر هذا الحديث عند معاوية - رضي ~~الله عنه -. قال الراوي: فبكى حتى ظننا أنه هالك ثم أفاق وقال: ~~صدق الله ورسوله { من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها ~~نوف إليهم أعمالهم فيها } [هود:15]. # فصل # نقل القرطبي عن بعض العلماء: # أن معنى هذه الآية: هو قوله صلى الله عليه وسلم: # " إنما الأعمال بالنيات " # ، وهذا يدل على من صام في رمضان لا عن رضمان لا يقع ms4759 عن رمضان، وتدل ~~على أن من توضأ للتبرد والتنظف لا يقع عن جهة الصلاة، وكذلك كل من ~~كان في معناه. # قوله: " نوف ". # الجمهور على " نوف " بنون العظمة وتشديد الفاء من " وفى يوفي ". # وطلحة وميمون بياء الغيبة، وزيد بن علي كذلك، إلا أنه خفف الفاء ~~من " أوفى يوفي " ، والفاعل في هاتين القراءتين ضمير الله تعالى. # وقرئ " توف " بضم التاء، وفتح الفاء مشددة من " وفي يوفى " ~~مبنيا للمفعول. # " أعمالهم " بالرفع قائما مقام الفاعل. وانجزم " نوف " على هذه ~~القراءات لكونه جوابا للشرط، كما في قوله تعالى: # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها # [الشورى:20]. # وزعم الفراء أن " كان " هذه زائدة، ولذلك جزم جوابه، ولعل هذا لا ~~يصح، إذ لو كانت زائدة لكان " يريد " هو الشرط، ولو كان الشرط، ~~لانجزم، فكان يقال: " من كان يرد " وزعم بعضهم أنه لا يؤتى بفعل ~~الشرط ماضيا، والجزاء مضارعا إلا مع " كان " خاصة، ولهذا لم يجىء ~~في القرآن إلا كذلك، وهذا ليس بصحيح لوروده في غير " كان "؛ قال زهير: ~~[الطويل] # 2947- ومن هاب أسباب المنايا ينلنه # ولو رام أسباب السماء بسلم # وأما القرآن فجاء من باب الاتفاق لذلك. # وقرأ الحسن " نوفي " بتخفيف الفاء وثبوت الياء من " أوفى " ، ثم ~~هذه القراءة محتملة: لأن يكون الفعل مجزوما، وقدر جزمه بحذف ~~الحركة المقدرة؛ كقوله: [الوافر] # 2948- ألم يأتيك والأنباء تنمي # بما لاقت لبون بني زياد # على أن ذلك يأتي في السعة نحو: # إنه من يتق # [يوسف:90] وسيأتي محررا في سورته، ويحتمل أن يكون الفعل مرفوعا ~~لوقوع الشرط ماضيا؛ كقوله: [الطويل]. # 2949- وإن شل ريعان الجميع مخافة # نقول جهارا: ويلكم لا تنفروا # وكقول زهير: [البسيط] # 2950- وإن أتاه خليل يوم مسألة # يقول لا غائب مالي ولا حرم # وهل يجوز الرفع؛ لأنه على نية التقديم، وهو مذهب سيبويه، أو على ~~نية الفاء، كما هو مذهب المبرد؛ خلاف مشهور. # ومعنى { نوف إليهم أعمالهم فيها } أي: نوف إليهم ~~أجور أعمالهم في الدنيا بسعة الرزق ودفع المكاره وما أشبهها. # { وهم فيها ms4760 لا يبخسون } أي: في الدنيا لا ينقص حظهم. # " روى أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرف ~~ومجد وكرم وبجل وعظم قال: " إن الله لا يظلم المؤمن حسنة ~~يثاب عليها الرزق في الدنيا، ويجزى عليها في الآخرة، وأما ~~الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى ~~الآخرة لم تكن له حسنة يعطى بها خيرا ". # قوله تعالى: { أولئك الذين ليس لهم في الآخرة ~~إلا النار وحبط ما صنعوا فيها } في الدنيا { وباطل ~~ما كانوا يعملون } هذه الآية إشارة إلى التخليد في النار، ~~والمؤمن لا يخلد، لقوله تعالى: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء:48]. # قوله: { وحبط ما صنعوا فيها } يجوز أن يتعلق " فيها " ب ~~" حبط " والضمير على هذا يعود على الآخرة، أي وظهر حبوط ما صنعوا ~~في الآخرة، ويجوز أن يتعلق ب " صنعوا " فالضمير يعود على ~~الحياة الدنيا كما عاد عليها في قوله: { نوف إليهم ~~أعمالهم فيها } [هود:15]. # و " ما " في " ما صنعوا " يجوز أن تكون بمعنى الذي، فالعائد ~~محذوف، أي: الذي صنعوه، وأن تكون مصدرية، أي: وحبط صنعهم. # قوله: { وباطل ما كانوا يعملون } قرأ الجمهور برفع ~~الباطل، وفيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون " باطل " خبرا مقدما، و " ما كانوا يعملون " ~~مبتدأ مؤخر، و " ما " تحتمل أن تكون مصدرية، أي: وباطل كونهم عاملين، ~~وأن تكون بمعنى " الذي " والعائد محذوف، أي: يعملونه، وهذا على أن ~~الكلام من عطف الجمل، عطف هذه الجملة على ما قبلها. # الثاني: أن يكون " باطل " مبتدأ، و " ما كانوا يعملون " خبره، ~~قال مكي، ولم يذكر غيره، وفيه نظر. # الثالث: أن يكون " باطل " عطفا على الأخبار قبله، أي: أولئك باطل ~~ما كانوا يعملون و " ما كانوا يعملون " فاعل ب " باطل " ، ~~ويرجح هذا ما قرأ به زيد بن علي " وبطل ما كانوا يعملون " جعله ~~فعلا ماضيا معطوفا على " حبط ". # وقرأ أبي وابن مسعود: " وباطلا ". # قال مكي: " وهي في مصحفهما كذلك ". # ونقلها الزمخشري عن عاصم " وباطلا " نصبا، وفيها ثلاثة ms4761 أوجه: # أحدها: أنه منصوب ب " يعملون " و " ما " مزيدة، وإلى هذا ذهب ~~مكي، وأبو البقاء وصاحب اللوامح، وفيه تقديم معمول خبر " كان " على " ~~كان " وهي مسألة خلاف، والصحيح جوازها، كقوله تعالى # أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون # [سبأ:40]، فالظاهر أن " إياكم " منصوب ب " يعبدون ". # والثاني: أن تكون " ما " إبهامية، وتنتصب ب " يعملون " ومعناه: " ~~باطلا أي باطل كانوا يعملون ". # والثالث: أن يكون " باطلا " بمعنى المصدر على بطل بطلانا ما كانوا ~~يعملون، ذكر هذين الوجهين الزمخشري، ومعنى قوله " ما " إبهامية أنها هنا ~~صفة للنكرة قبلها، ولذلك قدرها ب " باطلا أي باطل " فهو كقوله: ~~[المديد] # 2951-......................... # وحديث ما على قصره # و " لأمر ما جدع قصير أنفه " ، وقد قدم هو ذلك في قوله تعالى: # مثلا ما بعوضة # [البقرة:26]. ### || [11.17-23] # قوله تعالى: { أفمن كان على بينة من ربه } الآية. # وتقدير تعلقهما بما قبلها: (أفمن كان على بينة من ربه كمن يريد الحياة ~~الدنيا وزينتها). # وقوله: { أفمن كان على بينة } فيه وجهان: # أحدهما: أنه مبتدأ والخبر محذوف، تقديره: أفمن كان على هذه الأشياء ~~كغيره، كذا قدره أبو البقاء، وأحسن منه (أفمن كان كذا كمن يريد ~~الحياة الدنيا وزينتها) وحذف المعادل الذي دخلت عليه الهمزة كثير نحو: # أفمن زين له سوء عمله # [فاطر:8]، # أمن هو قانت # [الزمر:9] إلى غير ذلك، وهذا الاستفهام بمعنى التقرير. # الثاني: - وإليه نحا الزمخشري - أن هذا معطوف على شيء محذوف قبله، ~~تقديره: " أمن كان يريد الحياة الدنيا، وزينتها كمن كان على بينة " ، ~~أي: لا يعقبونهم في المنزلة ولا يقاربونهم. # يريد: أن بين الفريقين تفاوتا، والمراد من آمن من اليهود كعبد الله بن ~~سلام، وهذا على قاعدته من تقديره معطوفا بين همزة الاستفهام، وحرف ~~العطف، وهو مبتدأ أيضا، والخبر محذوف كما تقدم تقريره. # قوله: " ويتلوه " اختلفوا في هذه الضمائر، أعني في " يتلوه " ، ~~وفي " منه " ، وفي " قبله ": فقيل: الهاء في " يتلوه " تعود ~~على " من " ، والمراد به النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك الضميران ~~في " منه " ، و " قبله " ، والمراد بالشاهد لسانه صلى الله عليه ~~وسلم والتقدير: ويتلو ذلك الذي ms4762 على بينة، أي: ويتلو محمدا - أي: ~~صدق محمد - لسانه " ومن قبله " أي: قبل محمد صلى الله عليه ~~وسلم. # وقيل: الشاهد جبريل - عليه الصلاة والسلام - والضمير في " منه " ~~لله - تعالى -، وفي قبله للنبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: الشاهد ~~الإنجيل، و " كتاب موسى " - عليه الصلاة والسلام - عطف على " شاهد ~~" ، والمعنى: أن التوراة والإنجيل يتلوان محمدا في التصديق، وقد ~~فصل بين حرف العطف والمعطوف بقوله: " من قبله " ، والتقدير: شاهد ~~منه، وكتاب موسى من قبله، وقد تقدم الكلام على الفصل بين حرف ~~العطف، والمعطوف مشبعا في النساء [58]. # وقيل: الضمير في " يتلوه " للقرآن، وفي " منه " لمحمد - صلوات ~~الله وسلامه عليه -. # وقيل: لجبريل، والتقدير: ويتلو القرآن شاهد من محمد، وهو لسانه، أو ~~من جبريل والهاء في " من قبله " أيضا للقرآن. # وقيل الهاء في " يتلوه " تعود على البيان المدلول عليه ~~بالبينة. # وقيل: المراد بالشاهد إعجاز القرآن، فالضمائر الثلاثة للقرآن. ~~وقيل غير ذلك. # وقرأ محمد بن السائب الكلبي " كتاب موسى " بالنصب وفيه وجهان: # أظهرهما: أنه معطوف على الهاء في " يتلوه " ، أي: يتلوه، ويتلو ~~كتاب موسى، وفصل بالجار بين العاطف والمعطوف. # والثاني: أنه منصوب بإضمار فعل. قال أبو البقاء: " وقد تم ~~الكلام عند قوله " منه " و " كتاب موسى " ، أي: " ويتلو كتاب ~~موسى " فقدر فعلا مثل الملفوظ به، وكأنه لم ير الفصل بين ~~العاطف والمعطوف، فلذلك قدر فعلا ". # و " إماما ورحمة " منصوبان على الحال من " كتاب موسى " سواء ~~أقرىء رفعا أم نصبا. # و " أولئك " إشارة إلى من كان على بينة، جمع على معناها، وهذا إن ~~أريد ب " من كان " النبي وصحابته - صلوات الله البر الرحيم وسلامه ~~عليه، ورضي عن صحابته أجمعين - وإن أريد هو وحده فيجوز أن يكون ~~عظمه بإشارة الجمع كقوله: [الطويل] # 2952- فإن شئت حرمت النساء سواكم # ............................. # والهاء في " به " يجوز أن تعود على " كتاب موسى " وهو أقرب ~~مذكور. وقيل: بالقرآن، وقيل: بمحمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك الهاء في ~~" به " الثانية. # و " الأحزاب " الجماعة التي فيها غلظة، كأنهم لكثرتهم وصفوا ~~بذلك، وفيه وصف حمار الوحش ب " حزابية ms4763 " لغلظه. والأحزاب جمع حزب ~~وهو جماعة الناس. # فصل # قيل: في الآية حذف، والتقدير: " أفمن كان على بينة من ربه كمن ~~يريد الحياة الدنيا وزينتها " ، أو من كان على بينة من ربه كمن هو في ~~الضلالة. # والمراد بالذي هو عليه بينة: النبي - صلوات الله وسلامه عليه -. { ~~ويتلوه شاهد منه } أي: يتبعه من يشهد له بصدقه. # واختلفوا في هذا الشاهد: فقال ابن عباس، وعلقمة، وإبراهيم، ~~ومجاهد، وعكرمة، والضحاك وأكثر المفسرين - رضي الله عنهم -: إنه ~~جبريل - عليه الصلاة والسلام - وقال الحسن وقتادة: هو لسان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. # وروى ابن جريج عن مجاهد قال: هو ملك يحفظه ويسدده. # وقال الحسين بن الفضل: هو القرآن ونظمه. # وقيل: هو علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - قال علي: " ما من ~~رجل من قريش إلا ونزلت فيه آية من القرآن " ، فقال له رجل: " أي شيء ~~نزل فيك "؟ قال: " ويتلوه شاهد منه ". # وقيل: هو الإنجيل. و " من قبله " أي: من قبل مجيء محمد صلى الله ~~عليه وسلم. # وقيل: من قبل نزول القرآن. { كتاب موسى } أي: كان كتاب موسى { ~~إماما ورحمة } لمن اتبعه، أي التوراة، وهي مصدقة للقرآن، ~~شاهدة للنبي صلى الله عليه وسلم { أولئك يؤمنون به } ~~يعني: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. # وقيل: أراد الذين أسلموا من أهل الكتاب. # { ومن يكفر به } أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم. # وقيل بالقرآن " من الأحزاب " من الكفار وأهل الملل، { ~~فالنار موعده } اسم مكان وعده؛ قال حسان: [البسيط] # 2953- أوردتموها حياض الموت ضاحية # فالنار موعدها والموت ساقيها # قال صلى الله عليه وسلم: # " والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، ولا ~~يهودي ولا نصراني، ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا ~~كان من أصحاب النار ". # { فلا تك في مرية } أي: شك، و " المرية " بكسر الميم ~~وضمها الشك، لغتان: # أشهرهما الكسر، وهي لغة أهل الحجاز، وبها قرأ الجمهور. والضم ~~لغة وتميم، وبها قرأ السلمي وأبو رجاء وأبو الخطاب السدوسي. # والمعنى: { فلا تك في مرية منه } أي: من ms4764 صحة هذا ~~الدين، ومن كون هذا القرآن نازلا من عند الله - تعالى -. # وقيل: { فلا تك في مرية } من أن موعد الكفار النار. # قوله تعالى: { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا ~~أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد ~~هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة ~~الله على الظالمين } الآية. # أورده في معرض المبالغة دليلا على أن الافتراء على الله - تعالى - ~~أعظم أنواع الظلم. # أو كذب بآياته # [الأنعام:21] يعنى: القرآن، " أولئك " يعنى: الكاذبين والمكذبين. # { يعرضون على ربهم } فيسألهم عن إيمانهم، وخصهم بهذا ~~العرض، وإن كان العرض عاما في كل العباد لقوله تعالى: # وعرضوا على ربك صفا # [الكهف:48]؛ لأنهم يعرضون، فيفتضحون بأن يقول الأشهاد عند عرضهم: { ~~هؤلاء الذين كذبوا على ربهم } فليحقهم من الخزي ~~والنكال ما لا مزيد عليه. # و " الأشهاد " جمع شاهد، كصاحب وأصحاب، أو جمع شهيد كشريف وأشراف. # والمراد ب " الأشهاد " قال مجاهد هم الملائكة الحفظة. # وقال قتادة، ومقاتل: " الأشهاد " الناس. # وقيل: الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -. # فإن قيل: إذا لم يجز أن يكون الله - تعالى - في مكان؛ فكيف قال { ~~يعرضون على ربهم } فالجواب: أنهم يعرضون على ~~الأماكن المعدة للحساب، والسؤال، ويجوز أن يعرضوا على من شاء الله ~~من الخلق بأمر الله من الملائكة والأنبياء والمؤمنين. # ثم لما أخبر عن حالهم في عقاب القيامة أخبر أنهم في الحال ~~ملعونون عند الله - عز وجل-. # روى عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " إن الله - تعالى - يدني المؤمن يوم القيامة فيستره من ~~الناس، فيقول: أي عبدي أتعرف ذنب كذا وكذا؟ فيقول: نعم ~~حتى إذا قرره بذنوبه، قال: فإني سترتها عليك في الدنيا، وقد ~~غفرتها لك اليوم ثم يعطى كتاب حسناته، وأما الكفار ~~والمنافقون، فيقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا ~~لعنة الله على الظالمين ". # { الذين يصدون عن سبيل الله } يمنعون عن دين الله { ~~ويبغونها عوجا } أي: إنهم كما ظلموا أنفسهم بالتزام الكفر، ~~والضلال، فقد أضافوا إليه المنع من الدين الحق، وإلقاء الشبه ~~وتعويج الدلائل المستقيمة؛ ms4765 لأنه لا يقال في العاصي: يبغي عوجا، وإنما ~~يقال ذلك في العالم بكيفية الاستقامة وكيفية العوج بسبب إلقاء ~~الشبهات. # ثم قال: { وهم بالآخرة هم كافرون }. # قال الزجاج: " كرر كلمة " هم " توكيدا لشأنهم في الكفر ". # { أولئك لم يكونوا معجزين }. # قال الواحدي: " معنى الإعجاز المنع من تحصيل المراد، يقال: أعجزني ~~فلان: أي: منعني من مرادي، ومعنى { معجزين في الأرض } أي: لا ~~يمكنهم أن يهربوا من عذابنا، فإن هرب العبد من عذاب الله - تعالى - ~~محال؛ لأنه - تعالى - قادر على جميع الممكنات ". # وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - " سابقين ". # وقال مقاتل: " فائتين ". # { في الأرض وما كان لهم من دون الله من أوليآء ~~} يعني أنصارا يحفظونهم من عذابنا. # { يضاعف لهم العذاب } أي: يزاد في عذابهم. وقيل: تضعيف ~~العذاب عليهم لإضلالهم الغير. # وقيل سبب تضعيف عذابهم أنهم كفروا بالبعث والنشور. # قوله: { ما كانوا يستطيعون السمع } يجوز في " ما " هذه ~~ثلاثة أوجه: # أحدها: أن تكون نافية، نفى عنهم ذلك لما لم ينتفعوا به، وإن ~~كانوا ذوي أسماع وأبصار، أو يكون متعلق السمع والبصر شيئا ~~خاصا. # والثاني: أن تكون مصدرية، وفيها حينئذ تأويلان: # أحدهما: أنها قائمة مقام الظرف، أي: مدة استطاعتهم، وتكون " ما " ~~منصوبة ب " يضاعف " ، أي: لا يضاعف لهم العذاب مدة استطاعتهم ~~السمع والأبصار. # والثاني: أنها منصوبة المحل على إسقاط حرف الجر كما يحذف من " أن ~~" و " أن " أختيها، وإليه ذهب الفراء، وذلك الجار متعلق أيضا ب ~~" يضاعف " أي: يضاعف لهم بكونهم كانوا يسمعون، ويبصرون، ولا ~~ينتفعون. # والثالث: أن تكون " ما " بمعنى " الذي " ، وتكون على حذف حرف الجر ~~أيضا، أي: بالذي كانوا، وفيه بعد لأن حذف الحرف لا يطرد. # والجملة من قوله: " يضاعف " مستأنفة. # وقيل: إن الضمير في قوله " ما كانوا " يعود على " أولياء " وهم ~~آلهتهم، أي: فما كان لهم في الحقيقة من أولياء، وإن كانوا يعتقدون ~~أنهم أولياء، فعلى هذا يكون { يضاعف لهم العذاب } معترضا. # فصل # احتجوا بهذه الآية على أنه سبحانه وتعالى قد يخلق في المكلف ما يمنعه ~~من الإيمان. # روي عن ابن عباس - رضي ms4766 الله عنهما - أنه قال: إنه تعالى منع ~~الكافرين من الإيمان في الدنيا وفي الآخرة. # أما في الدنيا ففي قوله { ما كانوا يستطيعون السمع ~~وما كانوا يبصرون }. # وأما في الآخرة ففي قوله - عز وجل - # ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون # [القلم:42]. # ثم قال تعالى: { أولئك الذين خسروا أنفسهم } أي: ~~أنهم اشتروا عبادة الآلهة بعبادة الله، فكان هذا الخسران أعظم وجوه ~~الخسران. # { وضل عنهم ما كانوا يفترون } يزعمون من شفاعة ~~الملائكة والأصنام. # قوله: " لا جرم " في هذه اللفظة خلاف بين النحويين، ويتلخص ذلك في ~~خمسة أوجه: # أحدها - وهو مذهب الخليل وسيبويه وجماهير الناس - أنهما ركبتا ~~من " لا " النافية و " جرم " وبنيتا على تركيبها تركيب خمسة عشر، ~~وصار معناهما معنى فعل وهو " حق " فعلى هذا يرتفع ما بعدهما ~~بالفاعلية، فقوله - تعالى -: # لا جرم أن لهم النار # [النحل:62] أي: حق وثبت كون النار لهم، أو استقرارها لهم. # الوجه الثاني: أن " لا جرم " بمنزلة " لا رجل " في كون " لا " ~~نافية للجنس، و " جرم " اسمها مبني معها على الفتح، وهي واسمها في ~~محل رفع بالابتداء، وما بعدها خبر " لا " النافية، وصار معناها: لا ~~محالة ولا بد، قاله الفراء. # الثالث: - كالذي قبله - إلا أن " أن " وما بعدها في محل نصب، ~~أو جر بعد حذف الجار، إذ التقدير: لا محالة أنهم في الآخرة، أي: في ~~خسرانهم. # الرابع: أن " لا " نافية لكلام متقدم تكلم به الكفرة، فرد الله ~~ذلك عليهم بقوله: " لا " كما ترد " لا " هذه قبل القسم في قوله - ~~عز وجل - # لا أقسم بهذا البلد # [البلد:1] وقوله تعالى: # فلا وربك لا يؤمنون # [النساء:65] وقد تقدم تحقيقه، ثم أتى بعدها بجملة فعلية، وهي " جرم ~~أن لهم كذا " ، و " جرم " فعل ماض معناه " كسب " ، وفاعله مستتر ~~يعود على فعلهم المدلول عليه بسياق الكلام، و " أن " وما في حيزها ~~في موضع المفعول به، لأن " جرم " يتعدى إذ هو بمعنى " كسب "؛ ~~قال الشاعر: [الوافر] # 2954- نصبنا رأسه في جذع نخل # بما جرمت يداه وما اعتدينا # أي: بما كسبت يداه، وقد تقدم تحقيق ذلك في ms4767 المائدة [6] وجريمة ~~القوم كاسبهم؛ قال: [الوافر] # 2955- جريمة ناهض في رأس نيق # ترى لعظام ما جمعت صليبا # فتقدير الآية: كسبهم - فعلهم أو قولهم - خسرانهم، وهذا قول أبي ~~إسحاق الزجاج، وعلى هذا فالوقف على قوله " لا " ثم يبتدأ ب " جرم " ~~بخلاف ما تقدم. # الوجه الخامس: أن معناها لا صد ولا منع، وتكون " جرم " بمعنى " ~~القطع " تقول: جرمت أي: قطعت، فيكون " جرم " اسم " لا " مبنيا معها ~~على الفتح؛ كما تقدم، وخبرها " أن " وما في حيزها، أو على حذف حرف ~~الجر، أي: لا منع من خسرانهم؛ فيعود الخلاف المشهور وفي هذه اللفظة ~~لغات: فيقال: لا جرم بكسر الجيم، ولا جرم بضمها، ولا جر بحذف ~~الميم، ولا ذا جرم، ولا إن ذا جرم، ولا عن ذا جرم، ولا أن جرم، ولا ~~ذو جرم، ولا ذا جر والله لا أفعل ذلك. # وعن أبي عمرو: # لا جرم أن لهم النار # [النحل:62] على وزن لا كرم، يعني بضم الراء، ولا جر، قال: " حذفوه ~~لكثرة الاستعمال كما قالوا: " سو ترى " أي: سوف ترى ". # وقوله: { هم الأخسرون } يجوز أن يكون " هم " فصلا، وأن يكون ~~توكيدا، وأن يكون مبتدأ وما بعده خبره، والجملة خبر " أن ". # قوله تعالى: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وأخبتوا إلى ربهم } لما ذكر عقوبة الكافرين وخسرانهم، ~~أتبعه بذكر أحوال المؤمنين، والموصول اسم " إن " ، والجملة من قوله ~~{ أولئك أصحاب الجنة } خبرها. # والإخبات: الاطمئنان والتذلل، والتواضع، والخضوع، وأصله من ~~الخبت وهو المكان المطمئن، أي المنخفض من الأرض، وأخبت ~~الرجل: دخل في مكان خبت، كأنجد وأتهم إذا دخل في أحد هذين ~~المكانين، ثم توسع فيه فقيل: خبت ذكره، أي: خمد، ويقال ~~للشيء الدنيء الخبيث؛ قال الشاعر: [الخفيف] # 2956- ينفع الطيب القليل من الرز # ق ولا ينفع الكثير الخبيت # هكذا ينشدون هذا البيت في هذه المادة، الزمخشري وغيره. # والظاهر أن يكون بالثاء المثلثة ولا سيما لمقابلته بالطيب، ~~ولكن الظاهر من عباراتهم أنه بالتاء المثناة لأنهم يسوقونه في ~~هذه المادة، ويدل على أن معنى البيت إنما هو على الثاء المثلثة قول ~~الزمخشري: " وقيل: ms4768 التاء فيه بدل من الثاء ". # ومن مجيء " الخبت " بمعنى المكان المطمئن قوله: [الوافر] # 2957- أفاطم لو شهدت ببطن خبت # وقد قتل الهزبر أخاك بشرا # وفي تركيب البيت قلق، وحله: لو شهدت أخاك بشرا وقد قتل ~~الهزبر، ففاعل " قتل " ضمير يعود على " أخاك ". # و " أخبت " يتعدى ب " إلى " كهذه الآية، وباللام كقوله تعالى: # فتخبت له قلوبهم # [الحج:54] ومعنى الآية: # قال ابن عباس - رضي الله عنهما - خافوا. # وقال قتادة: تابوا وقال مجاهد: اطمأنوا. # وقيل: خشعوا إلى ربهم. { أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون }. ### || [11.24] # لما ذكر الفريقين ذكر لهما مثالا مطابقا. # { مثل الفريقين } مبتدأ، و " كالأعمى " خبره، ثم هذه ~~الكاف يحتمل أن تكون هي نفس الخبر، فتقدر ب " مثل " ، تقديره: مثل ~~الفريقين مثل الأعمى. # ويجوز أن تكون " مثل " بمعنى " صفة " ، ومعنى الكاف معنى " مثل " ~~، فيقدر مضاف محذوف، أي: كمثل الأعمى. # وقوله: { مثل الفريقين كالأعمى } يجوز أن يكون من باب ~~تشبيه شيئين بشيئين، فقابل العمى بالبصر، والصمم بالسمع، وهو من ~~الطباق، وأن يكون من تشبيه شيء واحد بوصفيه بشيء واحد بوصفيه، ~~وحينئذ يكون قوله: { كالأعمى والأصم } وقوله: { والبصير ~~والسميع } من باب عطف الصفات؛ كقوله: [المتقارب] # 2958- إلى الملك القرم وابن الهمام # وليث الكتيبة في المزدحم # وقد أحسن الزمخشري في التعبير عن ذلك فقال: شبه فريق الكافرين ~~بالأعمى والأصم وفريق المؤمنين بالبصير والسميع، وهو من اللف ~~والطباق، وفيه معنيان: أن يشبه الفريقين تشبيهين اثنين، كما شبه ~~امرؤ القيس قلوب الطير بالحشف والعناب، وأن يشبه بالذي جمع ~~بين العمى والصمم، والذي جمع بين البصر والسمع، على أن تكون الواو ~~في " والأصم " وفي " والسميع " لعطف الصفة على الصفة كقوله: ~~[السريع] # 2959-....................... الص # صابح فالغانم فالآيب # يريد بقوله: " اللف " أنه لف المؤمنين، والكافرين اللذين هما ~~مشبهان بقوله: " الفريقين " ولو فسرهما لقال: مثل الفريق المؤمن ~~كالبصير والسميع، ومثل الكافر كالأعمى والأصم، وهي عبارة مشهورة في ~~علم البيان: لفظتان متقابلتان، اللف والنشر، أشار لقول امرىء القيس: ~~[الطويل] # 2960- كأن قلوب الطير رطبا ويابسا # لدى وكرها العناب والحشف البالي # أصل الكلام: كأن الرطب من ms4769 قلوب الطير: العناب، واليابس ~~منها: الحشف، فلف ونشر، وللف والنشر في علم البيان تقسيم كثير، ~~ليس هذا موضعه. # وأشار بقوله: " الصابح فالغانم " إلى قوله: [السريع] # 2961- يا ويح زيابة للحارث الص # صابح فالغانم فالآيب # وقد تقدم ذلك في أول البقرة. # فإن قيل: لم قدم تشبيه الكافر على المؤمن؟ # فالجواب: لأن المتقدم ذكر الكفار، فلذلك قدم تمثيلهم. # فإن قيل: ما الحكمة في العدول عن هذا التركيب لو قيل: كالأعمى والبصير، ~~والأصم والسميع، لتتقابل كل لفظة مع ضدها، ويظهر بذلك التضاد؟. # فالجواب: بأنه تعالى لما ذكر انسداد العين أتبعه بانسداد الأذن، ~~ولما ذكر انفتاح العين أتبعه بانفتاح الأذن، وهذا التشبيه أحد ~~الأقسام، وهو تشبيه أمر معقول بأمر محسوس، وذلك أنه شبه عمى ~~البصيرة وصممها بعمى البصر وصمم السمع، ذاك متردد في ظلم ~~الضلالات، كما أن هذا متحير في الطرقات. # قوله: مثلا " تمييز، وهو منقول من الفاعلية، والأصل: هل يستوي ~~مثلهما، كقوله تعالى # واشتعل الرأس شيبا # [مريم:4] وجوز ابن عطية أن يكون حالا، وفيه بعد صناعة ومعنى؛ ~~لأنه على معنى " من " لا على معنى " في ". # ثم قال: { أفلا تذكرون } منبها على أنه يمكنه علاج هذا ~~العمى وهذا الصمم، وإذا كان العلاج ممكنا، وجب على العاقل أن يسعى ~~في ذلك العلاج بقدر الإمكان. ### || [11.25-35] # قوله تعالى: { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني ~~لكم نذير مبين } الآية. # اعلم أنه جرت عادته - تعالى - في القرآن بأنه إذا أورد على الكافر ~~الدلائل أتبعها بالقصص ليؤكد تلك الدلائل، وقد بدأ بذكر هذه ~~القصة في سورة يونس، وأعادها ههنا لما فيها من زوائد الفوائد. # قوله { إني لكم } قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بفتح همزة " ~~إني " ، والباقون بكسرها. # فأما الفتح فعلى إضمار حرف الجر، أي: " بأني لكم ". # قال الفارسي: في قراءة الفتح خروج من الغيبة إلى المخاطبة. # قال ابن عطية: وفي هذا نظر، وإنما هي حكاية مخاطبته لقومه، وليس هذا ~~حقيقة الخروج من غيبة إلى مخاطبة، ولو كان الكلام أن أنذرهم ونحوه ~~لصح ذلك. # وقد قال بهذه المقالة - أعني الالتفات ms4770 - مكي - فإنه قال: الأصل: ~~بأني، والجار والمجرور في موضع المفعول الثاني، وكان الأصل: أنه، ~~لكنه جاء على طريق الالتفات. # ولكن هذا الالتفات غير الذي ذكره أبو علي، فإن ذلك من غيبة إلى ~~خطاب، وهذا من غيبة إلى تكلم وكلاهما غير محتاج إليه، وإن كان قول مكي ~~أقرب. # وقال الزمخشري: الجار والمجرور صلة لحال محذوفة، والمعنى: أرسلناه ~~ملتبسا بهذا الكلام، وهو قوله: { إني لكم نذير مبين } ~~بالكسر، فلما اتصل بها الجار فتح كما فتح " كأن " والمعنى على ~~الكسر في قولك " إن زيدا كالأسد " ، وأما الكسر، فعلى إضمار القول، ~~أي: فقال، وكثيرا ما يضمر، وهو غني عن الشواهد. # و " النذير " قيل: المراد به كونه مهددا للعصاة بالعقاب، ومن المبين ~~كونه مبينا ما أعد الله للمطيعين من الثواب، وأنه يبين ذلك الإنذار على ~~أكمل طرقه، ثم بين تعالى أن ذلك الإنذار إنما هو بنهيهم عن عبادة غير ~~الله، والأمر بعبادته - جل ذكره -؛ لأن قوله { أن لا تعبدوا ~~إلا الله } استثناء من النهي، فهو يوجب نفي غير المستثنى، ~~وإيجاب المستثنى. # قوله: { أن لا تعبدوا } كقوله: { أن لا تعبدوا } في ~~أول السورة، ونزيد هنا شيئا آخر، وهو أنها على قراءة من فتح " أني " ~~تحتمل وجهين: # أحدهما: أن تكون بدلا من قوله: " أني لكم " ، أي أرسلناه بأن لا ~~تعبدوا. # والثاني: أن تكون مفسرة، والمفسر بها: إما " أرسلناه " وإما " ~~نذير ". # وأما على قراءة من كسر فيجوز أن تكون المصدرية وهي معمولة ل " ~~أرسلنا " ويجوز أن تكون المفسرة بحاليها. # قوله: " أليم " إسناد الألم إلى اليوم مجاز لوقوعه فيه لا به. # وقال الزمخشري: فإذا وصف به العذاب قلت: مجاز مثله؛ لأن ~~الأليم في الحقيقة هو المعذب، ونظيرها قولك نهارك صائم. # قال أبو حيان: " وهذا على أن يكون " أليم " صفة مبالغة من " ألم ~~" وهو من كثر ألمه، وإن كان " أليم " بمعنى: " مؤلم " فنسبته لليوم ~~مجاز وللعذاب حقيقة ". # فصل # قال ابن عباس - رضي الله عنهما - بعث نوح بعد أربعين سنة، ولبث ~~يدعو قومه تسع مائة وخمسين سنة، وعاش بعد الطوفان ستين ms4771 سنة، فكان ~~عمره ألفا وخمسين سنة. # وقال مقاتل: بعث وهو ابن مائة سنة. # وقيل: بعث وهو ابن خمسين سنة. # وقيل: ابن مائتين وخمسين سنة، ومكث يدعو قومه تسعمائة سنة، وعاش بعد ~~الطوفان مائتين وخمسين سنة، فكان عمره ألفا وأربع مائة سنة. # قوله: { فقال الملأ الذين كفروا من قومه }. # " الملأ " هم الأشراف والرؤساء. " ما نراك " يجوز أن تكون هذه ~~الرؤيا قلبية، وأن تكون بصرية. فعلى الأول تكون الجملة من قولك: " ~~اتبعك " في محل نصب مفعولا ثانيا، وعلى الثاني في محل نصب على ~~الحال، و " قد " مقدرة عند من يشترط ذلك. # و " الأراذل " فيه وجهان: # أحدهما: أنه جمع الجمع. # والثاني: جمع فقط. # والقائلون بالأول اختلفوا فقيل: جمع ل " أرذل " ، و " أرذل " جمع ~~ل " رذل " نحو: كلب وأكلب وأكالب. # وقيل: بل جمع ل " أرذال " ، و " أرذال " جمع ل " رذل " أيضا. # والقائلون بأنه ليس جمع جمع، بل جمع فقط قالوا: هو جمع ل " أرذل " ، ~~وإنما جاز أن يكون جمعا لأرذل لجريانه مجرى الأسماء من حيث إنه ~~هجر موصوفه كالأبطح والأبرق. # وقال بعضهم: هو جمع " أرذل " الذي للتفضيل، وجاء جمعا كما جاء # أكابر مجرميها # [الأنعام:123] و " أحاسنكم أخلاقا ". # ويقال: رجل رذل ورذال، ك " رخل " و " رخال " وهو المرغوب عنه ~~لرداءته. # قال الواحدي: هم الدون من كل شيء في منظره وحالاته. والأصل ~~فيه أن يقال هو أرذل من كذا فكثر حتى قالوا: هو الأرذل، فصارت ~~الألف واللام عوضا عن الإضافة. # قوله: " بادي الرأي " قرأ أبو عمرو وعيسى الثقفي " بادىء " ~~بالهمز، والباقون بياء صريحة مكان الهمزة. فأما الهمز فمعناه: أول ~~الرأي، أي: أنه صادر عن غير روية وتأمل، بل من أول وهلة. ~~وأما من لم يهمز؛ فيحتمل أن يكون أصله كما تقدم، ويحتمل أن ~~يكون من بدا يبدو أي ظهر، والمعنى: ظاهر الرأي دون باطنه، أي: لو ~~تؤمل لعرف باطنه، وهو في المعنى كالأول. # وفي انتصابه على كلتا القراءتين سبعة أوجه: # أحدها: أنه منصوب على الظرف وفي العامل فيه على هذا ثلاثة أوجه: # أحدها: " نراك " ، أي: وما ms4772 نراك في أول رأينا، على قراءة أبي عمرو، ~~أو فيما يظهر لنا من الرأي في قراءة الباقين. # والثاني - من الأوجه الثلاثة -: أن يكون منصوبا ب " اتبعك " ، ~~أي: ما نراك اتبعك أول رأيهم، أو ظاهر رأيهم، وهذا يحتمل معنيين: # أحدهما: أن يريدوا اتبعوك في ظاهر أمرهم، وبواطنهم ليست معك. # والثاني: أنهم اتبعوك بأول نظر، وبالرأي البادي دون ~~تثبت، ولو تثبتوا لما اتبعوك. # الثالث - من الأوجه الثلاثة - أن العامل فيه " أراذلنا " والمعنى: ~~أراذلنا بأول نظر منهم أو بظاهر الرأي نعلم ذلك، أي: إن رذالتهم ~~مكشوفة ظاهرة لكونهم أصحاب حرف دنية. # والرأي على هذا من رأي العين لا من رأي القلب، ويتأكد هذا بما نقل ~~عن مجاهد أنه قرأ " إلا الذين هم أراذلنا بادي رأي ~~العين ". # ثم القائل بكون " بادي " ظرفا يحتاج إلى اعتذار، فإنه اسم فاعل ~~وليس بظرف في الأصل، قال مكي: وإنما جاز أن يكون فاعل ظرفا كما جاز ~~ذلك في " فعيل " نحو: قريب ومليء، و " فاعل وفعيل " متعاقبان ك: ~~راحم ورحيم، وعالم وعليم، وحسن ذلك في " فاعل " لإضافته إلى ~~الرأي، والرأي يضاف إليه المصدر، وينتصب المصدر معه على الظرف نحو: ~~" أما جهد رأي فإنك منطلق " أي: " في جهد ". # قال الزمخشري: وانتصابه على الظرف، أصله: وقت حدوث أول ~~أمرهم، أو وقت حدوث ظاهر رأيهم، فحذف ذلك وأقيم المضاف إليه مقامه. # الوجه الثاني - من السبعة -: أن ينتصب على المفعول به، حذف معه حرف ~~الجر مثل: # واختار موسى قومه # [الأعراف:155]. # وفيه نظر من حيث إنه ليس هنا فعل صالح للتعدي إلى اثنين، إلى ~~ثانيهما بإسقاط الخافض. # الثالث من السبعة: أن ينتصب على المصدر ومجيء المصدر على فاعل أيضا ~~ليس بالقياس، والعامل في هذا المصدر كالعامل في الظرف كما تقدم، ~~ويكون من باب ما جاء فيه المصدر من معنى الفعل لا من لفظه، تقديره: ~~رؤية بدء: أو ظهور، أو اتباع بدء أو ظهور، أو رذالة بدء. # الرابع من السبعة: أن يكون نعتا ل " بشر " ، أي: ما نراك إلا ~~بشرا مثلنا بادي الرأي، أي: ظاهره، ms4773 أو مبتدئا فيه. وفيه بعد للفصل ~~بين النعت والمنعوت بالجملة المعطوفة. # الخامس: أنه حال من مفعول " اتبعك " ، أي: وأنت مكشوف الرأي ~~ظاهره لا قوة فيه، ولا حصانة لك. # السادس: أنه منادى والمراد به نوح - عليه الصلاة والسلام -، كأنهم ~~قالوا: يا بادي الرأي، أي: ما في نفسك ظاهر لكل أحد، قالوا ذلك ~~على سبيل الاستهزاء به، والاستقلال له. # السابع: أن العامل فيه مضمر، تقديره: أتقول ذلك بادي الرأي، ذكره ~~أبو البقاء، والأصل عدم الإضمار مع الاستغناء عنه، وعلى هذه الأوجه ~~الأربعة الأخيرة هو اسم فاعل من غير تأويل، بخلاف ما تقدم من الأوجه ~~فإنه ظرف أو مصدر. واعلم أنك إذا نصبت " بادي " على الظرف أو ~~المصدر بما قبل " إلا " احتجت إلى جواب عن إشكال، وهو أن ما بعد " ~~إلا " لا يكون معمولا لما قبلها، إلا إن كان مستثنى منه نحو: ما ~~قام إلا زيدا القوم، أو مستثنى نحو: قام القوم إلا زيدا، أو ~~تابعا للمستثنى منه نحو: ما جاءني أحد إلا زيد أخير من عمرو و " ~~بادي الرأي " ليس شيئا من ذلك. # قال مكي: لو قلت في الكلام: ما أعطيت أحدا إلا زيدا درهما؛ ~~فأوقعت اسمين مفعولين بعد " إلا " لم يجز؛ لأن الفعل لا يصل ب " ~~إلا " إلى مفعولين، إنما يصل إلى اسم واحد كسائر الحروف، ألا ترى ~~أنك لو قلت: مررت بزيد عمرو فأوصلت الفعل إليهما بحرف واحد لم ~~يجز، ولذلك لو قلت: استوى الماء والخشبة الحائط فتنصب اسمين بواو " مع ~~" لم يجز إلا أن تأتي في جميع ذلك بواو العطف، فيجوز وصول الفعل. # والجواب الذي ذكره هو أن الظروف يتسع فيها ما لا يتسع في ~~غيرها، وهذا جماع القول في هذه المسألة باختصار. # والرأي: يجوز أن يكون من رؤية العين أو من الفكرة والتأمل. # فصل # اعلم أن الله - سبحانه وتعالى - حكى عن قوم نوح - عليه الصلاة ~~والسلام - شبهات: # الأولى: أنهم قالوا: إنه بشر مثلهم، وأن التفاوت الحاصل بين ~~آحاد البشر يمتنع انتهاؤه إلى حيث يصير الواحد منهم واجب الطاعة ms4774 لجميع ~~العاملين. # الثانية: كونه ما اتبعه إلا الأراذل من القوم كالحياكة، وأصحاب ~~الصنائع الخسيسة؛ فلو كنت صادقا لاتبعك الأشراف والرؤساء، ونظيره قوله ~~تعالى في سورة الشعراء: # أنؤمن لك واتبعك الأرذلون # [الشعراء:111]. # الثالثة: قولهم: { وما نرى لكم علينا من فضل } لا في ~~العقل ولا في رعاية المصالح العاجلة ولا في قوة الجدل فإذا لم ~~نشاهد فضلك في شيء من هذه الأحوال الظاهرة؛ فكيف نعترف بفضلك في أشرف ~~الدرجات. # واعلم أن الشبهة الأولى لا تليق إلا بالبراهمة الذين ينكرون ~~نبوة البشر على الإطلاق، وتقدم الكلام على " الملأ " وتقدم الكلام ~~على الشبهة الأولى في الأنعام في الأعراف [66]. # واعلم أنه لو بعث إلى البشر ملكا رسولا لكانت الشبهة أقوى في ~~الطعن عليه في رسالته؛ لأنه يخطر بالبال أن هذه المعجزة التي ~~ظهرت على يد هذا الملك أتى بها من عند نفسه؛ لأن قوته أكمل؛ فلهذا ~~ما بعث الله إلى البشر رسولا إلا من البشر. # وأما قولهم { ما نراك اتبعك إلا الذين هم ~~أراذلنا } فهذا أيضا جهل؛ لأن الرفعة في الدين لا تكون ~~بالحسب ولا بالمال، ولا بالمناصب العالية، بل الفقر أهون على ~~الدين من الغنى، والأنبياء ما بعثوا إلا لترك الدنيا والإقبال ~~على الآخرة، فكيف يجعل الفقر في الدنيا طعنا في النبوة والرسالة. # وأما قولهم: { وما نرى لكم علينا من فضل } فهو أيضا ~~جهل؛ لأن الفضيلة المعتبرة عند الله - تعالى - ليست إلا بالعلم ~~والعمل، فكيف اطلعوا على بواطن الخلق حتى عرفوا نفي هذه الفضيلة. # ثم قالوا لنوح وأتباعه { بل نظنكم كاذبين } وهذا خطاب مع ~~نوح وقومه، والمراد منه تكذيب نوح في دعوى الرسالة. # وقيل: خطاب مع الأراذل، أي كذبوهم في إيمانهم. # قوله تعالى: { قال يقوم أرأيتم إن كنت على بينة ~~من ربي وآتاني رحمة من عنده }. # وهذا جواب عن شبهتهم الأولى، والمعنى: أن حصول المساواة في ~~البشرية لا يمنع من حصول المفارقة في صفة النبوة والرسالة، وذكر ~~الطريق الدال على إمكانه، وهو كونه على بينة من معرفة الله ~~وصفاته - سبحانه - وما يجب وما يمتنع ms4775 وما يجوز { وآتاني رحمة ~~من عنده } وهي إما النبوة، وإما المعجزة الدالة على النبوة ~~{ فعميت عليكم } أي: صارت مظنة خفيت، والتبست عليكم. # قوله: " من ربي " نعت ل " بينة " ، أي: بينة من ~~بينات ربي. # قوله: " رحمة من عنده " يجوز في الجار أيضا أن يكون ~~نعتا ل " رحمة " وأن يكون متعلقا ب " آتاني ". # قوله: " فعميت " قرأ الأخوان وحفص بضم العين وتشديد الميم، ~~والباقون بالفتح، والتخفيف. فأما القراءة الأولى فأصلها: عماها الله ~~عليكم، أي: أبهمها عقوبة لكم، ثم بني الفعل لما لم يسم ~~فاعله، فحذف فاعله للعلم به وهو الله تعالى، وأقيم المفعول وهو ضمير ~~الرحمة مقامه ويدل على ذلك قراءة أبي بهذا الأصل " فعماها ~~الله عليكم ". # وروي عنه أيضا وعن الحسن وعلي والسلمي " فعماها " من غير ذكر ~~فاعل لفظي. # وروى عن الأعمش وابن وثاب " وعميت " بالواو دون الفاء. # وأما القراءة الثانية فإنه أسند الفعل إليها مجازا. # قال الزمخشري: فإذا قلت ما حقيقته؟ قلت: حقيقته أن الحجة كما جعلت ~~بصيرة ومبصرة، قال تعالى: # فلما جآءتهم آياتنا مبصرة # [النمل:13] جعلت عمياء، قال تعالى: { فعميت عليكم } الآية؛ ~~لأن الأعمى لا يهتدي ولا يهدي غيره، فمعنى فعميت عليكم ~~البينة: فلم تهدكم كما لو عمي على القوم دليلهم في المفازة ~~بقوا بغير هاد. # وقيل: هذا من باب القلب، وأصلها فعميتم أنتم عنها كما تقول: أدخلت ~~القلنسوة في رأسي، وأدخلت الخاتم في إصبعي، وهو كثير، وقد تقدم ~~الخلاف فيه، وأنشدوا على ذلك: [الطويل] # 2962- ترى النور فيها مدخل الظل رأسه # ................................... # قال أبو علي: وهذا مما يقلب، إذ ليس فيه إشكال، وفي القرآن # فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله # [إبراهيم:47]. # وبعضهم يخرج البيت على الاتساع في الظرف. # وأما الآية ف " أخلف " يتعدى لاثنين، فأنت بالخيار: أن تضيف ~~إلى أيهما شئت فليس من باب القلب. # وقد رد بعضهم كون هذه الآية من باب المقلوب بأنه لو كان كذلك لتعدى ~~ب " عن " دون " على " ، ألا ترى أنك تقول: " عميت عن كذا " لا ~~" على كذا ". # واختلف في الضمير في " عميت " هل هو عائد ms4776 على " البينة " ، ~~أو على " الرحمة " ، أو عليهما معا؟. # وجاز ذلك - وإن كان بلفظ الإفراد - لأن المراد بهما شيء واحد، وإذا ~~قيل بأنه عائد على " البينة " فيكون قوله { وآتاني رحمة من ~~عنده } جملة معترضة بين المتعاطفين، إذ حقه، " على بينة من ~~ربي فعميت ". # وإن قيل: بأنه عائد على الرحمة فيكون قد حذف من الأول لدلالة ~~الثاني عليه، والأصل: " على بينة من ربي وآتاني رحمة ~~فعميت ". # قال الزمخشري: وآتاني رحمة بإتيان البينة، على أن البينة ~~في نفسها هي الرحمة، ويجوز أن يراد بالبينة المعجزة، وبالرحمة ~~النبوة. # فإن قلت: فقوله " فعميت " ظاهر على الوجه الأول فما وجهه على ~~الوجه الثاني، وحقه أن يقال: فعميتا؟ قلت: الوجه أن يقدر: ~~فعميت بعد البينة، وأن يكون حذفه للاقتصار على ذكره مرة. انتهى ~~وقد تقدم الكلام على " أرأيتم " هذه في الأنعام، وتلخيصه هنا أن ~~" أرأيتم " يطلب " البينة " منصوبة وفعل الشرط يطلبها مجرورة ب " ~~على " فأعمل الثاني وأضمر في الأول، والتقدير: أرأيتم البينة من ~~ربي إن كنت عليها أنلزمكموها، فحذف المفعول الأول، والجملة ~~الاستفهامية هي في محل الثاني، وجواب الشرط محذوف للدلالة عليه. # قوله: " أنلزمكموها " أتى هنا بالضميرين متصلين، وتقدم ضمير ~~الخطاب؛ لأنه أخص، ولو جيء بالغائب أولا لانفصل الضمير وجوبا. ~~وقد أجاز بعضهم الاتصال واستشهد بقول عثمان " أراهمني الباطل ~~شيطانا ". # وقال الزمخشري: يجوز أن يكون الثاني منفصلا كقوله: " أنلزمكم ~~إياها " ونحوه # فسيكفيكهم الله # [البقرة:137] ويجوز " فسيكفيك إياهم " ، وهذا الذي قاله ~~الزمخشري ظاهر قول سيبويه وإن كان بعضهم منعه. # وإشباع الميم في مثل التركيب واجب، ويضعف سكونها، وعليه " أراهمني ~~الباطل ". # وقال أبو البقاء: وقرىء بإسكان الميم فرارا من توالي الحركات فقوله ~~هذ يحتمل أن يكون أراد سكون ميم الجمع؛ لأنه قد ذكر ذلك بعدما قال: " ~~ودخلت الواو هنا تتمة للميم، وهو الأصل في ميم الجمع، وقرىء ~~بإسكان الميم " انتهى. # وهذا إن ثبت قراءة فهو مذهب ليونس: يجوز الدرهم أعطيتكه، وغيره ~~يأباه. # ويحتمل أن يريد سكون ميم الفعل، ويدل عليه ما قال الزجاج. # أجمع النحويون البصريون على أنه لا ms4777 يجوز إسكان حركة الإعراب إلا ~~في ضرورة الشعر، فأما ما روي عن أبي عمرو فلم يضبطه عنه القراء، وروى ~~عنه سيبويه أنه كان يخف الحركة ويختلسها، وهذا هو الحق وإنما ~~يجوز الإسكان في الشعر نحو قول امرىء القيس: [السريع] # 2963- فاليوم أشرب غير مستحقب # ........................... # وكذا قال الزمخشري أيضا. # وحكى عن أبي عمرو إسكان الميم، ووجهه أن الحركة لم تكن إلا خلسة ~~خفيفة، فظنها الراوي سكونا، والإسكان الصريح لحن عند ~~الخليل، وسيبويه، وحذاق البصريين؛ لأن الحركة الإعرابية لا ~~يسوغ طرحها إلا في ضرورة الشعر. # قال شهاب الدين: وقد حكى الكسائي والفراء: " أنلزمكموها ~~" بسكون هذه الميم، وقد تقدم الكلام على ذلك مشبعا في سورة البقرة ~~[54]، أعني تسكين حركة الإعراب فكيف تجعلونه لحنا؟. # و " ألزم " يتعدى لاثنين، أولهما ضمير الخطاب، والثاني ضمير الغيبة. # و { أنتم لها كارهون } جملة حالية، يجوز أن تكون للفاعل، أو ~~لأحد المفعولين. # وقدم الجار لأجل الفواصل، وفي الآية قراءات شاذة مخالفة ~~للسواد أضربت عنها لذلك. # والمعنى: " أنلزمكم البينة، وأنتم لها كارهون لا تريدونها ". قال ~~قتادة: " لو قدر الأنبياء أن يلزموا قومهم لألزموا، ولكن لم يقدروا ". # قوله تعالى: { ويقوم لا أسألكم عليه مالا }. # الضمير في " عليه " يجوز أن يعود على الإنذار والمفهوم من " ~~نذير " ، وأن يعود على الدين الذي هو الملة، وأن يعود على ~~التبليغ. # وهذا جواب على الشبهة الثانية، وهي قولهم: اتبعك الأراذل، ~~فقال: أنا لا أطلب على تبليغ الرسالة مالا حتى يتفاوت الحال ~~بسبب كون المستجيب فقيرا، أو غنيا، وإنما أجري على هذه الطاعة على رب ~~العالمين، وإذا كان كذلك فسواء كان غنيا أو فقيرا، لم يتفاوت الحال في ~~ذلك. # ويحتمل أنه قال لهم: إنكم لما نظرتم إلى هذه الأمور وجدتموني ~~فقيرا، وظننتم أني إنما أتيت بهذه الأمور لأتوسل بها إلى أخذ ~~أموالكم، وهذا الظن منكم خطأ، وإني لا أسألكم على تبليغ الرسالة ~~أجرا، # إن أجري إلا على رب العالمين # [الشعراء:109] فلا تحرموا أنفسكم من سعادة الدين بهذا الظن ~~الفاسد. # قوله: { ومآ أنا بطارد الذين } قرىء " بطارد الذين " ~~بتنوين ms4778 " طارد ". # قال الزمخشري: على الأصل يعنى أن أصل اسم الفاعل بمعنى الحال ~~والاستقبال العمل وهو ظاهر قول سيبويه. # قال أبو حيان: يمكن أن يقال: ألأصل الإضافة لا العمل، لأنه ~~قد اعتوره شبهان: # أحدهما: الشبه بالمضارع وهو شبه بغير جنسه. # والآخر: شبهه بالأسماء إذا كانت فيه الإضافة؛ فكان إلحاقه بجنسه ~~أولى. # وقوله: { إنهم ملاقو ربهم } استئناف يفيد التعليل، ~~وقوله: " تجهلون " صفة لا بد منها إذ الإتيان بهذا الموصوف دون ~~صفته لا يفيد، وأتى بها فعلا ليدل على التجدد كل وقت. # فصل # قوله: { ومآ أنا بطارد الذين آمنوا } كالدليل على ~~أن القوم سألوه لئلا يشاركوا الفقراء، فقال صلى الله عليه وسلم: # " وما أنا بطارد الذين آمنوا " # ، وأيضا قولهم { وما نراك اتبعك إلا الذين هم ~~أراذلنا } كالدليل على أنهم طلبوا منه طردهم؛ فكأنهم يقولون ~~لو اتبعك الأشراف لوافقناهم. # ثم ذكر ما يوجب الامتناع من طردهم، وهو أنهم ملاقو ربهم، وهذا ~~الكلام يحتمل وجوها: # منها: أنهم قالوا إنهم منافقون فيما أظهروا فلا تغتر بهم؛ فأجاب ~~بأن هذا الأمر ينكشف عند لقاء ربهم في الآخرة. # ومنها: أنه جعله علة في الامتناع من الطرد، وأراد أنهم ملاقو ~~ربهم ما وعدهم، فإن طردتهم استخصموني في الآخرة. # ومنها: أنه نبه بذلك على أنا نجتمع في الآخرة؛ فأعاقب على طردهم ~~فلا أجد من ينصرني. # ثم بين أنهم يبنون أمرهم على الجهل بالعواقب والاغترار ~~بالظواهر فقال: { ولكني أراكم قوما تجهلون }. # ثم قال: { ويقوم من ينصرني من الله إن طردتهم } ~~[هود:30] من يمنعني من عذاب الله { إن طردتهم أفلا ~~تذكرون } تتعظون. # والمعنى: على أن العقل والشرع تطابقا على تعظيم المؤمن التقي، ~~وإهانة الفاجر، فلو عظمت الكافر وطردت المؤمن وأهنته كنت على ~~ضد دين الله؛ فأستوجب حينئذ العقاب العظيم، فمن الذي ينصرني من ~~الله، ومن الذي يخلصني من عذاب الله. # واحتج قوم بهذه الآية على صدور الذنب من الأنبياء - عليهم الصلاة ~~والسلام - فقالوا دلت الآية على أن طرد المؤمنين لطلب مرضاة الكفار ~~معصية، ثم إن محمدا - صلوات الله وسلامه عليه - طرد المؤمنين ms4779 لطلب مرضاة ~~الكفار حتى عاتبه الله - عز وجل - في قوله: # ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي # [الأنعام:52]. # والجواب: يحمل الطرد المذكور في هذه الآية على الطرد المطلق ~~المؤبد، والطرد المذكور في واقعة محمد - صلوات الله البر الرحيم ~~وسلامه عليه - على المقيد في أوقات معينة رعاية للمصلحة. # ثم أكد هذا البيان فقال: { ولا أقول لكم عندي خزآئن ~~الله } فآتي منها ما تطلبون، { ولا أعلم الغيب } فأخبركم ~~بما تريدون. # وقيل: إنهم لما قالوا لنوح: إن الذين آمنوا بك إنما ~~اتبعوك في ظاهر ما ترى منهم، فأجابهم نوح - عليه الصلاة والسلام - ~~فقال: لا أقول لكم: عندي خزائن غيوب الله التي يعلم منها ما يضمره ~~الناس، ولا أعلم علم الغيب فأعلم ما يسرونه في نفوسهم، فسبيلي قبول ما ~~ظهر من إيمانهم، { ولا أقول إني ملك } هذا جواب لقولهم: { ما ~~نراك إلا بشرا مثلنا } [هود:27] وقيل معناه: لا أقول ~~إني ملك حتى أتعظم بذلك عليكم، بل طريقي الخضوع والتواضع، ومن ~~كان طريقه كذلك فإنه لا يستنكف عن مخالطة الفقراء والمساكين. # واحتج قوم بهذه الآية على تفضيل الملائكة على الأنبياء قالوا: لأن ~~الإنسان إذا قال: لا أدعي كذا وكذا، إنما يحسن إذا كان ذلك الشيء أشرف ~~من أحوال ذلك القائل. ثم أكد هذا البيان بطريق آخر فقال: { ولا ~~أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله ~~خيرا } وهذا كالدلالة على أنهم يعيبون أتباعهم، ويحتقرونهم، فقال: لا ~~أقول للذين يحتقرونهم: لن يؤتيهم الله خيرا، أي: توفيقا وإيمانا ~~وأجرا { الله أعلم بما في أنفسهم } لأن ذلك من باب ~~الغيب لا يعلمه إلا الله، فربما كان باطنهم كظاهرهم فيؤتيهم الله ~~خير ملك في الآخرة؛ فأكون كاذبا فيما أخبرت به، فإن فعلت ذلك كنت ~~من الظالمين لنفسي. # قوله: { ولا أعلم الغيب } الظاهر أن هذه الجملة لا محل ~~لها عطفا على قوله: { ولا أقول لكم } كأنه أخبر عن نفسه بهذه ~~الجمل الثلاث. وقد تقدم في الأنعام أن هذا هو المختار، وأن ~~الزمخشري قال: " إن قوله تعالى: { ولا أعلم الغيب } معطوف ~~على ms4780 { عندي خزآئن الله } أي: لا أقول: عندي خزائن الله، ولا ~~أقول: أنا أعلم الغيب ". # قوله: " تزدري " تفتعل من زرى يزري، أي: حقر، فأبدلت تاء ~~الافتعال دالا بعد الزاي وهو مطرد، ويقال: " زريت عليه " إذا ~~عبته، و " أزريت به " أي: قصرت به. وعائد الموصول محذوف، أي ~~تزدريهم أعينكم، أي: تحتقرهم وتقصر بهم؛ قال الشاعر: [الوافر] # 2964- ترى الرجل النحيف فتزدريه # وفي أثوابه أسد هصور # وقال الشاعر أيضا: [الوافر] # 2965- يباعده وتزدريه # حليلته وينهره الصغير # واللام في " للذين " للتعليل، أي: لأجل الذين، ولا يجوز أن ~~تكون التي للتبليغ إذ لو كانت لكان القياس " لن يؤتيكم " بالخطاب. # قوله تعالى: { قالوا ينوح قد جادلتنا فأكثرت ~~جدالنا فأتنا بما تعدنآ إن كنت من الصادقين }. # قرأ ابن عباس - رضي الله عنهما - " جدلنا " كقوله: # أكثر شيء جدلا # [الكهف:54]. # ونقل أبو البقاء أنه قرىء " جدلتنا فأكثرت جدلنا " بغير ألف ~~فيهما، وقال: " هو بمعنى غلبتنا بالجدل ". # وقوله: " بما تعدنا " يجوز أن يكون " ما " بمعنى " الذي " ، ~~فالعائد محذوف، أي: تعدناه. # ويجوز أن تكون مصدرية، أي: بوعدك إيانا. # وقوله: " إن كنت " جوابه محذوف أو متقدم وهو " فأتنا ". # فصل # دلت هذه الآية على أنه - صلوات الله وسلامه عليه - كان قد أكثر في ~~الجدال معهم وذلك الجدال كان في بيان التوحيد، والنبوة، والمعاد، وهذا ~~يدل على أن المجادلة في تقرير الدلائل وفي إزالة الشبهات ~~حرفة الأنبياء، وأن التقليد والجهل والإصرار حرفة الكفار، ~~ودلت على أنهم استعجلوا العذاب الذي كان يعدهم به، فقالوا: { ~~فأتنا بما تعدنآ إن كنت من الصادقين } ثم إنه - ~~عليه الصلاة والسلام - أجابهم بقوله: { إنما يأتيكم به ~~الله إن شآء } [هود:33] أي: أن إنزال العذاب ليس إلي، وإنما هو ~~خلق الله فيفعله إن شاء، وإذا أراد إنزال العذاب فإن أحدا لا يعجزه، ~~أي: لا يمنعه. # ثم قال: { ولا ينفعكم نصحي } إن أردت أن أنصح لكم إن كان ~~الله يريد أن يغويكم، أي: يضلكم، قوله: { إن أردت أن أنصح لكم، إن كان } ~~قد تقدم حكم توالي الشرطين، وأن ثانيهما قيد في الأول، وأنه لا ms4781 بد من ~~سبقه للأول، وقال الزمخشري هنا: " إن كان الله " جزاؤه ما دل عليه ~~قوله: " لا ينفعكم نصحي ". # وهذا الدليل في حكم ما دل عليه؛ فوصل بشرط، كما وصل الجزاء بالشرط ~~في قوله: " إن أحسنت إلي أحسنت إن أمكنني ". # وقال أبو البقاء: حكم الشرط إذا دخل على الشرط أن يكون الشرط ~~الثاني والجواب جوابا للشرط الأول نحو: " إن أتيتني إن ~~كلمتني أكرمتك " فقولك: " إن كلمتني أكرمتك " جواب " ~~إن أتيتني " جميع ما بعده، وإذا كان كذلك كان الشرط الأول في ~~الذكر مؤخرا في المعنى، حتى إن أتاه ثم كلمه لم يجب الإكرام، ~~ولكن إن كلمه ثم أتاه وجب الإكرام، وعلة ذلك أن الجواب صار ~~معوقا بالشرط الثاني، وقد جاء في القرآن منه # إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي # [الأحزاب:50]. # قال شهاب الدين: أما قوله: " إن وهبت... إن أراد " فظاهره - ~~وظاهر القصة المروية - يدل على عدم اشتراط تقدم الشرط الثاني ~~على الأول، وذلك أن إرادته - صلوات الله وسلامه عليه - للنكاح إنما ~~هو مرتب على هبة المرأة نفسها له وكذا الواقع في القصة، لما ~~وهبت أراد نكاحها، ولم يرو أنه أراد نكاحها، فوهبت، وهو يحتاج إلى ~~جواب، وسيأتي إن شاء الله - تعالى - في موضعه. # وقال ابن عطية هنا وليس نصحي لكم بنافع، ولا إرادتي الخير لكم ~~مغنية إن أراد الله - تعالى - بكم الإغواء، والشرط الثاني اعتراض بين ~~الكلام، وفيه بلاغة من اقتران الإرادتين، وأن إرادة البشر غير ~~مغنية، وتعلق هذا الشرط هو ب " نصحي " وتعلق الآخر ب " لا ~~ينفع ". # وتلخص من ذلك أن الشرط مدلول على جوابه بقوله: " ولا ينفعكم " ~~لأنه عقبه، وجواب الثاني أيضا ما دل على جواب الأول وكأن ~~التقدير: وإن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم فلا ~~ينفعكم نصحي. # وهو من حيث المعنى كالشرط إذا كان بالفاء نحو: إن كان الله يريد أن ~~يغويكم فإن أردت أن أنصح لكم، فلا ينفعكم نصحي. # وقرأ الجمهور: " نصحي " بضم النون، وهو يحتمل وجهين: # أحدهما: المصدرية كالشكر والكفر والثاني: ms4782 أنه اسم لا مصدر. # وقرأ عيسى بن عمر " نصحي " بفتح النون، وهو مصدر فقط. # وفي غضون كلام الزمخشري: " إذا عرف الله " وهذا لا يجوز؛ لأن الله ~~تعالى لا يسند إليه هذا الفعل ولا يوصف بمعناه، وقد تقدم علة ذلك في ~~غضون كلام أبي حيان وللمعتزلي أن يقول: لا يتعين أن تكون " إن " ~~شرطية بل هي نافية، والمعنى: " ما كان الله يريد أن يغويكم ". # قال شهاب الدين: لا أظن أحدا يرضى بهذه المقالة. # فصل # دلت هذه الآية على أن الله - تبارك وتعالى - قد يريد الكفر من ~~العبد، فإذا أراد الله منه ذلك امتنع صدور الإيمان منه؛ لأن نوحا - ~~عليه الصلاة والسلام - قال: { ولا ينفعكم نصحي إن أردت ~~أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم }. # قالت المعتزلة: ظاهر الآية يدل على أن الله تعالى إذا أراد إغواء ~~القوم لم ينتفعوا بنصح الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا مسلم، فإنا نعلم ~~أن الله - تعالى - لو أراد إغواء عبد فإنه لا ينفعه نصح ~~الناصحين، لكن لم قلتم إنه تعالى أراد هذا الإغواء، والنزاع ما وقع إلا ~~فيه؟ # بل نقول إن نوحا - عليه الصلاة والسلام - إنما ذكر هذا الكلام ليدل ~~على أنه تعالى ما أغواهم، بل فوض الاختيار إليهم، وبيانه من ~~وجهين: الأول: أنه تعالى لو أراد إغواءهم لما بقي في النصح فائدة، ولو ~~لم يكن فيه فائدة لما أمره بنصح الكفار، وأجمع المسلمون على أنه مأمور ~~بدعوة الكفار ونصيحتهم، فعلمنا أن هذا النصح لا يخلو من الفائدة، ~~وإن لم يكن خاليا عن الفائدة وجب القطع بأنه تعالى ما أغواهم. # الثاني: لو ثبت الحكم عليهم بأن الله تعالى أغواهم؛ لصار هذا عذرا ~~لهم في عدم الإتيان بالإيمان ولصار نوح منقطعا في مناظرتهم؛ لأنهم ~~يقولون له: إنك سلمت أن الله تعالى إذا أغوانا فإنه لا يبقى في ~~نصحك، ولا في اجتهادك فائدة؛ فإذا ادعيت أن الله تعالى أغوانا؛ ~~فقد جعلتنا مغلوبين، فلم يلزمنا قبول هذه الدعوة؛ فثبت أن الأمر ~~لو كان كما قاله الخصم؛ ms4783 لصار هذا حجة للكافر على نوح - عليه الصلاة ~~والسلام -؛ فثبت بما ذكرنا أن هذه الآية لا تدل على قول المجبرة، ثم ~~إنهم ذكروا تأويلات: # الأول: أن أولئك الكفار مجبرة، وكانوا يقولون إن كفرهم بإرادة ~~الله؛ فعند هذا قال نوح - عليه الصلاة والسلام - إن نصيحتي لا تنفعكم ~~إن كان الأمر كما تقولون. # ومثاله: أن يعاقب الرجل ولده على ذنبه، فيقول الولد: لا أقدر على ~~غير ما أنا عليه؛ فيقول الوالد: فلن ينفعك إذن نصحي، وليس المراد ~~أنه يصدقه على ما ذكره، بل على وجه الإنكار لذلك. # الثاني: قال الحسن: معنى " يغويكم " أي: يعذبكم والمعنى: لا ~~ينفعكم نصحي اليوم إذا نزل بكم العذاب؛ فأمنتم في ذلك الوقت؛ لأن ~~الإيمان عند نزول العقاب لا يقبل وإنما ينفعكم نصحي إذا آمنتم قبل ~~مشاهدة العذاب. # الثالث: قال الجبائي: الغواية هي الخيبة من الطلب بدليل قوله: # فسوف يلقون غيا # [مريم:59]، أي: خيبة من خير الآخرة؛ قال الشاعر: [الطويل] # 2966-.................................... # ومن يغو لا يعدم على الغي لائما # الرابع: أنه إذا أصر على الكفر، وتمادى فيه، منعه الله الألطاف، ~~وفوضه إلى نفسه؛ فهذا شبيه بما إذا أراد إغواءه؛ فلهذا السبب حسن أن ~~يقال: إن الله أغواه، هذا جملة كلام المعتزلة في هذا الباب، وتقدم ~~الجواب عن أمثال هذه الكلمات، فلا فائدة في الإعادة، ثم قال: { هو ~~ربكم وإليه ترجعون } فيجازيكم بأعمالكم، وهذا نهاية ~~الوعيد والتهديد. # قوله: { أم يقولون افتراه } اختلقه، وافتعله، يعني نوحا - ~~عليه الصلاة السلام - قاله ابن عباس - رضي الله عنهما -. # [وقال مقاتل - رضي الله عنه -: يعني محمدا صلوات الله البر الرحيم ~~وسلامه عليه] والهاء ترجع إلى الوحي الذي بلغه إليهم. # { قل إن افتريته فعلي إجرامي } أي: إثمي ووبال ~~جرمي، والإجرام: كسب الذنب، وهذا من باب حذف المضاف؛ لأن المعنى: ~~فعلي عقاب إجرامي، وفي الآية محذوف آخر، وهو أن المعنى: إن كنت ~~افتريته فعلي عقاب جرمي، وإن كنت صادقا وكذبتموني فعليكم عقاب ~~ذلك التكذيب، إلا أنه حذف هذه البقية لدلالة الكلام عليه. # قوله: " فعلي إجرامي ": مبتدأ وخبر، أو ms4784 فعل وفاعل. # والجمهور على كسر همزة " إجرامي " ، وهو مصدر أجرم، وأجرم هو ~~الفاشي، ويجوز " جرم " ثلاثيا وأنشدوا: [الوافر] # 2967- طريد عشيرة ورهين ذنب # بما جرمت يدي وجنى لساني # وقرىء في الشاذ " أجرامي " بفتحها، حكاه النحاس، وخرجه على ~~أنه جمع " جرم " كقفل وأقفال، واعلم أن قوله { قل إن ~~افتريته فعلي إجرامي } لا يدل على أنه كان شاكا، ~~إلا أنه قول يقال على وجه الإنكار عند اليأس من القبول. ### || [11.36-44] # قوله تعالى: { وأوحي إلى نوح } الجمهور على " أوحي " مبنيا ~~للمفعول، والقائم مقام الفاعل { أنه لن يؤمن } أي: أوحي إليه ~~عدم إيمان بعض القوم. # وقرأ أبو البرهسم " أوحى " مبنيا للفاعل وهو الله - سبحانه وتعالى -، ~~" إنه " بكسر الهمزة وفيها وجهان: # أحدهما: - وهو أصل للبصريين - أنه على إضمار القول. # والثاني: - وهو أصل للكوفيين - أنه على إجراء الإيحاء مجرى ~~القول. # قوله " فلا تبتئس " هو تفتعل من البؤس، ومعناه الحزن في ~~استكانة، ويقال: ابتأس فلان، أي: بلغه ما يكرهه؛ قال: [البسيط] # 2968- ما يقسم الله أقبل غير مبتئس # منه وأقعد كريما ناعم البال # وقال آخر: [البسيط] # 2969- وكم من خليل أو حميم رزئته # فلم نبتئس والرزء فيه جليل # فصل # دلت هذه الآية على صحة القول بالقضاء والقدر؛ لأنه تعالى أخبر ~~بأنهم لا يؤمنون بعد ذلك، فلو حصل إيمانهم؛ لكان إما مع بقاء هذا ~~الخبر صدقا، ومع بقاء هذا العلم علما، أو مع انقلاب هذا الخبر كذبا ~~ومع انقلاب هذا العلم جهلا. # والأول باطل؛ لأن وجود الإيمان مع أن يكون الإخبار عن عدم الإيمان ~~صدقا، ومع كون العلم بعد الإيمان حاصلا حال وجود الإيمان جمع بين ~~النقيضين. # والثاني أيضا باطل؛ لأن انقلاب علم الله - تعالى - جهلا وخبره ~~كذبا محال، ولما كان صدور الإيمان منهم لا بد وأن يكون على أحد هذين ~~القسمين، وثبت أن كل واحد منهما محال كان صدور الإيمان منهم ~~محالا، مع أنهم كانوا مأمورين به، وأيضا: فالقوم كانوا مأمورين ~~بالإيمان، ومن الإيمان تصديق الله تعالى - في كل ما أخبر عنه، وقد ~~أخبر أنه {... لن يؤمن من قومك إلا ms4785 من قد آمن } ~~فينبغي أن يقال: إنهم كانوا مأمورين بأن يؤمنوا بأنهم لا يؤمنون ~~ألبتة، وذلك تكليف بالجمع بين النقيضين. # قوله تعالى: { واصنع الفلك بأعيننا ووحينا }. # " بأعيننا " حال من فاعل " اصنع " أي: محفوظا بأعيننا، وهو ~~مجاز عن كلاء الله له بالحفظ. # وقيل: المراد بهم الملائكة تشبيها لهم بعيون الناس، أي: الذين ~~يتفقدون الأخبار، والجمع حينئذ حقيقة. وقرأ طلحة بن مصرف " ~~بأعينا " مدغمة. # فصل # قوله تعالى: { واصنع الفلك } الظاهر أنه أمر إيجاب؛ لأنه لا ~~سبيل إلى صون روح نفسه، وأرواح غيره من الهلاك إلا بهذا الطريق، وصون ~~النفس من الهلاك واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ~~ويحتمل أن يكون أمر إباحة، وهو بمنزلة أن يتخذ الإنسان لنفسه دارا ~~يسكنها، أو يكون ذلك تعليما له ولمن بعده كيفية عمل السفينة، ولا يكون ~~ذلك من باب ما لا يتم الواجب إلا به، فإن الله - تبارك وتعالى - ~~خلص موسى وقومه من الطوفان من غير سفينة، وكان ذلك معجزة له. # وأما قوله: " بأعيننا " فلا يمكن إجراؤه على ظاهره لوجوه: # أحدها: أنه يقتضي أن يكون لله أعين كثيرة، وهذا يناقض قوله تعالى: # ولتصنع على عيني # [طه:39]. # وثانيها: أنه يقتضي أن يصنع الفلك بتلك الأعين، كقولك: قطعت بالسكين، ~~وكتبت بالقلم، ومعلوم أن ذلك باطل. # وثالثها: أنه - تعالى - منزه عن الأعضاء، والأبعاض؛ فوجب المصير ~~إلى التأويل، وهو من وجوه: # الأول: معنى " بأعيننا " أي: بنزول الملك؛ فيعرفه بخبر السفينة، ~~يقال: فلان عين فلان أي: ناظر عليه. # والثاني: أن من كان عظيم العناية بالشيء فإنه يضع عينه عليه؛ فلما ~~كان وضع العين على الشيء سببا لمبالغة الحفظ جعل العين كناية عن ~~الاحتفاظ، فلهذا قال المفسرون: معناه: بحفظنا إياك حفظ من يراك، ~~ويملك دفع السوء عنك. # وحاصل الكلام أن عمل السفينة مشروط بأمرين: # أحدهما: أن لا يمنعه أعداؤه من ذلك العمل. # والثاني: أن يكون عالما بكيفية تأليف السفينة وتركيبها. # وقوله: " ووحينا " إشارة إلى أنه تعالى يوحي إليه كيفية عمل ~~السفينة. # وقوله: { ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم ~~مغرقون ms4786 } فقيل: لا تطلب مني تأخير العذاب عنهم، فإني قد حكمت ~~عليهم بهذا الحكم، فلما علم نوح ذلك دعا عليهم بعد ذلك وقال: # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا # [نوح:26]. وقيل: " لا تخاطبني " في تعجيل العذاب فإني لما ~~قضيت عليهم إنزال العذاب في وقت معين كان تعجيله ممتنعا. # وقيل: المراد ب " الذين ظلموا " ابنه وامرأته. # قوله: { ويصنع الفلك } قيل: هذا حكاية حال ماضيه أي: في ذلك ~~الوقت كان يصدق عليه أنه يصنع الفلك. وقيل: التقدير: وأقبل يصنع الفلك، ~~فاقتصر على قوله: " يصنع ". قيل: إن جبريل أتى نوحا عليه السلام ~~فقال: إن ربك يأمرك أن تصنع الفلك، فقال: كيف أصنع ولست ~~بنجار؟ فقال: إن ربك يقول: اصنع فإنك بعيني، فأخذ ~~القدوم، وجعل يصنع ولا يخطئ. وقيل: أوحى الله إليه يجعلها مثل جؤجؤ ~~الطائر. # روي أن نوحا - عليه الصلاة والسلام - لما دعا على قومه وقال: # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا # [نوح:26] استجاب الله دعاءه وأمره أن يغرس شجرة ليعمل منها السفينة؛ ~~فغرسها وانتظرها مائة سنة، ثم نجرها في مائة سنة أخرى. # وقيل: في أربعين سنة، وكانت من خشب الساج. وفي التوراة أنها من الصنوبر. # قال البغوي - رحمه الله - أمره أن يجعل طولها ثمانين ذراعا، وعرضها ~~خمسين ذراعا، وأن يطلي ظاهرها وباطنها بالقار وقال قتادة: كان طولها ~~ثلثمائة ذراع [وعرضها خمسين ذراعا. # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - كان طولها ألفا ومائتي ذراع في عرض ~~ستمائة ذراع]. # وقيل: ألف ذراع في عرض مائة ذراع. # واتفقوا كلهم على أن ارتفاعها ثلاثون ذراعا، وكانت ثلاث طبقات كل ~~واحدة عشرة أذرع، فالسفلى للدواب والوحوش، والوسطى للناس، والعليا ~~للطيور، ولها غطاء من فوق يطبق عليها. # قال ابن الخطيب - رحمه الله - والذي نعلمه أن السفينة كانت سعتها ~~بحيث تسع المؤمنين من قومه، ولما يحتاجون إليه، ولحصول زوجين لكل ~~حيوان؛ لأن هذا القدر مذكور في القرآن، فأما تعيين ذلك القدر فغير ~~معلوم. # قوله: " وكلما مر " العامل في " كلما " " سخر " ، و " ~~قال " مستأنف، إذ هو جواب ms4787 لسؤال سائل. وقيل: بل العامل في " كلما " ~~" قال " ، و " سخروا " على هذا إما صفة ل " ملأ " ، وإما بدل ~~من " مر " ، وهو بعيد جدا، إذ ليس " سخر " نوعا من المرور، ~~ولا هو هو فكيف يبدل منه؟ والجملة من قوله " كلما " إلى آخره في ~~محل نصب على الحال أي: يصنع الفلك والحال أنه كلما مر. # فصل # اختلفوا فيما كانوا لأجله يسخرون، فقيل: إنهم كانوا يقولون له: كنت ~~تدعي الرسالة، فصرت نجارا. وقيل: كانوا يقولون: لو كنت صادقا في ~~دعواك لكان إلهك يغنيك عن هذا العمل الشاق. # وقيل: إنهم كانوا ما رأوا السفينة قبل ذلك وما عرفوا كيفية ~~الانتفاع بها، فكانوا يتعجبون منه ويسخرون - وقيل: إن تلك ~~السفينة كانت كبيرة، وكان يصنعها في موضع بعيد عن الماء جدا، وكانوا ~~يقولون له: ليس ههنا ماء، ولا يمكنك نقلها لماء البحار، فكانوا يعدون ~~ذلك من باب السخرية. # وقيل: إنه لما طال مكثه فيهم، وكان ينذرهم بالغرق، وما شاهدوا من ~~ذلك المعنى خبرا ولا أثرا غلب على ظنونهم كذبه في ذلك النقل، فلما ~~اشتغل بعمل السفينة، سخروا منه، وكل هذه الوجوه محتملة. # ثم إنه تعالى حكى عنه أنه كان يقول: { إن تسخروا منا ~~فإنا نسخر منكم } أي: مثل سخريتكم إذا غرقتم في الدنيا ~~ووقعتم في العذاب يوم القيامة. وقيل: إن حكمتم علينا بالجهل فيما نصنع ~~فإنا نحكم عليكم بالجهل فيما أنتم عليه من الكفر، والتعرض لسخط ~~الله وعذابه، فأنتم أولى بالسخرية منا. # فإن قيل: كيف تجوز السخرية من النبي؟. # فالجواب: هذا ازدواج للكلام يعنى: إن تستجهلوني فإني أستجهلكم إذا ~~نزل بكم العذاب. # وقيل: معناه: إن تسخروا منا فسترون عاقبة سخريتكم. # وقيل: سمى المقابلة سخرية كقوله # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى:40]. # قوله: { فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه }. # في " من " وجهان: # أحدهما: أن تكون موصولة. # والثاني: أن تكون استفهامية، وعلى كلا التقديرين ف " تعلمون " ~~إما من باب اليقين، فتتعدى لاثنين، وإما من باب العرفان فتتعدى ~~لواحد. # فإذا كانت هذه عرفانية و " من " استفهامية كانت " من " ، وما بعدها ms4788 ~~سادة مسد مفعول واحد، وإن كانت متعدية لاثنين كانت سادة مسد ~~المفعولين وإذا كانت " تعلمون " متعدية لاثنين، و " من " موصولة ~~كانت في موضع المفعول الأول، والثاني محذوف قال ابن عطية: " وجائز ~~أن تكون المتعدية إلى مفعولين، واقتصر على الواحد ". # وهذه العبارة ليست جيدة؛ لأن الاقتصار في هذا الباب على أحد ~~المفعولين لا يجوز، لما تقرر من أنهما مبتدأ وخبر في الأصل، وأما ~~حذف الاختصار، فهو ممتنع أيضا، إذ لا دليل على ذلك. وإن كانت متعدية ~~لواحد و " من " موصولة فأمرها واضح. # قوله: " ويحل عليه " أي: يجب عليه، وينزل به " عذاب مقيم " ~~دائم. وحكى الزهراوي - رضي الله عنه -: " ويحل " بضم الحاء، ~~بمعنى يجب أيضا. # قوله: { حتى إذا جآء أمرنا } عذابنا، أو وقته، أو قولنا " ~~كن ". # { وفار التنور } اختلفوا في التنور: قال عكرمة والزهري: هو ~~وجه الأرض، أي نبعث الأرض من سائر أرجائها حتى نبعث التنانير التي هي ~~محال النار وذلك أنه قيل لنوح: إذ رأيت الماء قد فار على وجه الأرض، ~~فاركب السفينة أنت وأصحابك. # وروي عن علي - رضي الله عنه - قال: التنور طلوع الفجر، ونور الصباح ~~وقيل: التنور أشرف مكان في الأرض وأعلاه. وقيل: " فار التنور ~~" يحتمل أن يكون معناه: اشتد الحر كما يقال: حمي الوطيس. # ومعنى الآية: إذا رأيت الأمر يشتد والماء يكثر فانج بنفسك ومن معك ~~إلى السفينة. # وقال الحسن ومجاهد والشعبي: إنه التنور الذي يخبز فيه. وهو قول أكثر ~~المفسرين، ورواه عطية عن ابن عباس. # قال الحسن: كان تنورا من حجارة، كانت حواء تخبز فيه، فصار إلى ~~نوح - عليه الصلاة والسلام - واختلفوا في موضعه فقال مجاهد والشعبي: ~~إنه بناحية الكوفة وعن علي أنه في مسجد الكوفة. وقال مقاتل بموضع ~~يقال له: عين وردة بالشام وقيل: عين بالهند. # قال الزمخشري: " حتى " هي التي يبتدأ بعدها الكلام، دخلت على ~~الجملة من الشرط والجزاء، ووقعت غاية لقوله { ويصنع الفلك } ~~أي: وكان يصنعها إلى أن جاء وقت الموعد والألف واللام في " التنور ~~" قيل: للعهد. وقيل: للجنس. # ووزن " تنور " قيل: " تفعول " من ms4789 لفظ النور فقلبت الواو الأولى ~~همزة لانضمامها. ثم حذفت تخفيفا، ثم شددوا النون كالعوض عن المحذوف، ~~ويعزى هذا لثعلب. # وقيل: وزنه " فعول " ويعزى لأبي علي الفارسي. وقيل: هو أعجمي، ~~وعلى هذا فلا اشتقاق له. والمشهور أنه مما اتفق فيه لغة العرب ~~والعجم كالصابون. # ومعنى " فار " أي: غلا قوة وشدة تشبيها بغليان القدر عند قوة ~~النار، ولا شبهة في أن نفس التنور لا يفور، فالمراد: فار الماء ~~في التنور. # قال الليث - رحمه الله -: " التنور عمت بكل لسان وصاحبه ~~تنار قال الأزهري: وهذا يدل على أن الاسم يكون أعجميا فتعربه ~~العرب، فيصير عربيا، والدليل على ذلك أن الأصل " تنر " ، ولا ~~يعرف في كلام العرب " تنر " وهو نظير ما دخل في كلام العرب من كلام ~~العجم الديباج والدينار، والسندس،والإستبرق، فإن العرب تكلموا ~~بها؛ فصارت عربية ". قيل: إن امرأته كانت تخبز في ذلك التنور، فأخبرته ~~بخروج الماء من ذلك التنور فاشتغل في الحال بوضع هذه الأشياء في ~~السفينة. # قوله: { قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين } قرأ ~~العامة بإضافة " كل " ل " زوجين ". # وقرأ حفص بتنوين " كل " ، فأما العامة فقيل: إن مفعول " احمل " ~~" اثنين " ، و " من " كل زوجين " في محل نصب على الحال ~~من المفعول؛ لأنه كان صفة للنكرة، فلما قدم عليها نصب حالا ~~وقيل: بل " من " زائدة، و " كل " مفعول به، و " اثنين " نعت ل " ~~زوجين " على التأكيد، وهذا إنما يتم على قول من يرى زيادة " ~~من " مطلقا، أو في كلام موجب. # وقيل: قوله: " زوجين " بمعنى العموم أي: من كل ما له ازدواج، ~~هذا معنى قوله: { من كل زوجين } وهو قول الفارسي وغيره. # قال ابن عطية: ولو كان المعنى: احمل فيها من كل زوجين حاصلين اثنين، ~~لوجب أن يحمل من كل نوع أربعة، والزوج في مشهور كلامهم للواحد مما ~~له ازدواج. # قال - سبحانه وتعالى -: # ومن كل شيء خلقنا زوجين # [الذاريات:49]، ويقال للمرأة زوج، قال تعالى: # وخلق منها زوجها # [النساء:1] يعني المرأة، وهو زوجها، وقال: # وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى # [النجم:45] فالواحد يقال له: زوج، ms4790 قال تعالى: # ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز ~~اثنين # [الأنعام:143]، # ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين # [الأنعام:144]. # فالزوجان: عبارة عن كل اثنين لا يستغني أحدهما عن الآخر، يقال ~~لكل واحد منهما زوج، يقال زوج خف، وزوج نعل، والمراد بالزوجين ~~ههنا: الذكر والأنثى. # وأما قراءة حفص فمعناها: من كل حيوان أو من كل صنف، و " زوجين ~~" مفعول به، و " اثنين " نعت على التأكيد، كقوله # لا تتخذوا إلهين اثنين # [النحل:51]، و " من كل " على هذه القراءة يجوز أن يتعلق ب " ~~احمل " وهو الظاهر، وأن يتعلق بمحذوف على أنها حال من " ~~زوجين " وهذا الخلاف والتخريج جاريان أيضا في سورة " قد أفلح ~~". # فصل # اختلفوا في أنه هل دخل في قوله: " زوجين اثنين " غير الحيوان ~~أم لا؟ فنقول فالحيوان مراد ولا بد، وأما النبات فاللفظ لا يدل ~~عليه، إلا أنه بقرينة الحال لا يبعد دخوله لأن الناس محتاجون إلى ~~النبات بجميع أقسامه. # قال ابن الخطيب: " وروي عن ابن مسعود أنه قال: لم يستطع نوح أن يحمل ~~الأسد حتى ألقيت عليه الحمى، وذلك أن نوحا - عليه الصلاة والسلام - ~~قال: يا رب فمن أين أطعم الأسد، إذا حملته؟ قال الله - تعالى -: " فسوف ~~أشغله عن الطعام فسلط الله عليه الحمى " وأمثال هذه الكلمات الأولى ~~تركها، فإن حاجة الفيل إلى الطعام أكثر، وليست به حمى ". # " وروى زيد بن أسلم عن أبيه مرسلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: لما حمل نوح في السفينة من كل زوجين اثنين، قال أصحابه: وكيف ~~يطمئن، أو تطمئن المواشي، ومعنا الأسد، فسلط الله عليه الحمى، فكانت ~~أول حمى نزلت الأرض، ثم شكوا الفأرة فقالوا: الفويسقة تفسد علينا ~~طعامنا ومتاعنا، فأوحى الله إلى الأسد، فعطس الأسد فخرجت الهرة؛ فتخبأت ~~الفأرة منها. " # قوله: " وأهلك " نسق على " اثنين " في قراءة من أضاف " كل " ل ~~" زوجين " ، وعلى " زوجين " في قراءة من نون " كل " وقوله: ~~" إلا من سبق " استثناء متصل في موجب، فهو واجب النصب على ~~المشهور. # وقوله: " ومن آمن " مفعول به نسقا على مفعول " احمل ms4791 ". # فصل # روي أن نوحا - عليه الصلاة السلام - قال يا رب: كيف أحمل من كل ~~زوجين اثنين؟ فحشر الله - تعالى - إليه السباع والطير، فجعل يضرب بيده ~~في كل جنس فيقع الذكر في يده اليمنى والأنثى في يده اليسرى، فيجعلهما ~~في السفينة. # والمراد بأهله: ولده وعياله { إلا من سبق عليه القول } ~~بالهلاك يعني: امرأته واعلة وابنه كنعان. # " ومن آمن " يعنى: واحمل من آمن بك، قال تعالى: { ومآ آمن ~~معه إلا قليل }. قال قتادة وابن جريج ومحمد بن كعب ~~القرظي: لم يكن في السفينة إلا ثمانية نفر نوح وامرأته وثلاثة بنين سام ~~وحام ويافث ونساؤهم. # وقال الأعمش: كانوا سبعة: نوح وثلاثة بنين له وثلاث كنائن وقال ابن ~~إسحاق: كانوا عشرة سوى نسائهم، نوح وبنوه: سام وحام ويافث، وستة أناس ممن ~~كان به، وأزواجهم جميعا. # وقال مقاتل: كانوا اثنين وسبعين رجلا وامرأة، وبنيه الثلاث ونساءهم. # فجميعهم ثمانية وسبعون، نصفهم رجال، ونصف نساء. # وعن ابن عباس: كان في سفينة نوح عليه السلام ثمانون رجلا، أحدهم جرهم، ~~يقال: إن في ناحية " الموصل " قرية، يقال لها: قرية الثمانين، ~~سميت بذلك؛ لأنهم لما خرجوا من السفينة بنوها، فسميت بهم. # قال مقاتل: حمل نوح معه جسد آدم، فجعله معترضا بين الرجال ~~والنساء. # وقال الحسن: لم يحمل نوح في السفينة إلا ما يلد ويبيض فأما ما ~~يتولد من الطين؛ فالحشرات، والبق، والبعوض؛ فلم يحمل منه. ثم قال ~~تعالى { إلا من سبق عليه القول } يعني: حكم الله عليه ~~بالهلاك، وهو ابنه، وزوجته، وكانا كافرين، فأما ابنه فهو يام، وتسميه أهل ~~الكتاب: كنعان، فهو الذي انعزل عنه، أما امرأة نوح، فهي أم أولاده ~~كلهم: حام، وسام، ويافث، وهو أدرك؛ انعزل، وغرق، وعابر، وقد مات قبل ~~الطوفان، فقيل مع من غرق وكانت خمس سبق عليها القول بكفرها، وعند أهل ~~الكتاب أنها كانت في السفينة فيحتمل أنها ماتت بعد ذلك. # فإن قيل: الإنسان أشرف من سائر الحيوانات، فما الفائدة من ذكر ~~الحيوانات؟ # فالجواب: أن الإنسان عاقل وهو لعقله كالمضطر إلى دفع أسباب الهلاك ~~عن ms4792 نفسه، فلا حاجة إلى المبالغة في الترغيب فيه، بخلاف السعي في ~~تخليص سائر الحيوانات؛ فلهذا وقع الابتداء به. # فإن قيل: الذين دخلوا السفينة كانوا جماعة فلم لم يقل قليلون كما في ~~قوله: # إن هؤلاء لشرذمة قليلون # [الشعراء:54]؟ فالجواب: كلا اللفظين جائز، والتقدير - ههنا -: وما آمن ~~معه إلا نفر قليل. # فصل # احتجوا بقوله { إلا من سبق عليه القول } في إثبات ~~الفضاء السابق والقدر الواجب، لأن قوله { سبق عليه القول ~~ومن آمن } يدل على أن من سبق عليه القول ومن آمن لا يغير ~~عن حاله، فهو كقوله - عليه الصلاة والسلام -: # " السعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقى في بطن أمه ". # قال تعالى: { وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها }. # يجوز أن يكون فاعل " قال " ضمير نوح - عليه الصلاة والسلام -، ~~ويجوز أن يكون ضمير الباري - تعالى جل ذكره - أي: وقال الله لنوح ومنه ~~معه. و " فيها " متعلق ب " اركبوا " وعدي ب " في " لتضمنه ~~معنى " ادخلوا فيها راكبين " أو سيروا فيها. # وقيل: تقديره: اركبوا الماء فيها. وقيل: " في " زائدة للتوكيد. # والركوب: العلو على ظهر الشيء، ومنه ركوب الدابة، وركوب السفينة، ~~وركوب البحر، وكل شيء علا شيئا، فقد ركبه، ويقال: ركبه الدين. قال ~~الليث - رحمه الله -: وتسمي العرب من يركب السفينة: ركاب ~~السفينة، وأما الركبان، والأركوب، والركب: فركاب ~~الدواب. # قال الواحدي: ولفظة " في " في قوله " اركبوا فيها " لا يجوز أن ~~تكون من صلة الركوب؛ لأنه يقال: ركبت السفينة ولا يقال: ركبت في ~~السفينة، بل الوجه أن يقول مفعول " اركبوا " محذوف والتقدير: " ~~اركبوا الماء في السفينة ". # وأيضا يجوز أن تكون فائدة هذه الزيادة، أنه أمرهم أن يكونوا في جوف ~~الفلك لا على ظهرها فلو قال: اركبوها، لتوهموا أنه أمرهم أن يكونوا ~~على ظهر السفينة. # قال قتادة: ركبوا السفينة يوم العاشر من شهر رجب؛ فساروا مائة ~~وخمسين يوما، واستقرت على الجودي شهرا، وكان خروجهم من السفينة يوم ~~عاشوراء من المحرم. # قوله: { بسم الله مجراها ومرساها }. # يجوز أن يكون هذا الجار والمجرور حالا من فاعل " اركبوا " أو ms4793 من " ها " ~~في " فيها " ويكون " مجراها " ، و " مرساها " فاعلين بالاستقرار الذي ~~تضمنه الجار لوقوعه حالا. ويجوز أن يكون " بسم الله " خبرا ~~مقدما، و " مجراها " مبتدأ مؤخرا، والجملة أيضا حال مما ~~تقدم، وهي على كلا التقديرين حال مقدرة كذا أعربه أبو البقاء، وغيره. ~~إلا أن مكيا منع ذلك لخلو الجملة من ضمير يعود على ذي الحال إذا ~~أعربنا الجملة أو الجار حالا من فاعل " اركبوا " قال: ولا يحسن ~~أن تكون هذه الجملة حالا من فاعل " اركبوا "؛ لأنه لا عائد في ~~الجملة يعود على الضمير في " اركبوا " لأن المضمر في " بسم الله " ~~إن جعلته خبرا ل " مجراها " فإنما يعود على المبتدأ، وهو ~~مجراها، وإن رفعت " مجراها " بالظرف لم يكن فيه ضمير الهاء في " ~~مجراها " وإنما تعود على الضمير في " فيها ". # وإذا نصبت " مجراها " على الظرف عمل فيه " بسم الله " وكانت ~~الجملة حالا من فعل " اركبوا ". # وقيل: " بسم الله " حال من فاعل " اركبوا " و " مجراها ~~ومرساها " في موضع الظرف المكاني، أو الزماني. والتقدير: اركبوا فيها ~~مسمين موضع جريانها، ورسوها، أو وقت جريانها ورسوها. # والعامل في هذين الظرفين حينئذ ما تضمنه " بسم الله " من ~~الاستقرار، والتقدير: اركبوا فيها متبركين باسم الله في هذين ~~المكانين، أو الوقتين. # قال مكي: ولا يجوز أن يكون العامل فيهما " اركبوا "؛ لأنه لم ~~يرد: اركبوا فيها في وقت الجري، والرسو، إنما المعنى: ~~سموا اسم الله في وقت الجري والرسو. # ويجوز أيضا أن يكون " مجراها ومرساها " مصدرين، و " بسم ~~الله " حال كما تقدم، رافعا لهذين المصدرين على الفاعلية أي: ~~استقر بسم الله إجراؤها، وإرساؤها، ولا يكون الجار حينئذ إلا ~~حالا من " ها " في " فيها " لوجود الرابط، ولا يكون حالا من فاعل " ~~اركبوا " لعدم الرابط. وعلى هذه الأعاريب يكون الكلام جملة واحدة. # ويجوز أن يكون { بسم الله مجراها ومرساها } جملة مستأنفة ~~لا تعلق لها بالأولى من حيث الإعراب، ويكون قد أمرهم في الجملة الأولى ~~بالركوب، وأخبر أن مجراها ومرساها باسم الله. فجرت، وإذا أراد أن ~~ترسو قال: بسم الله. # قال بعض المفسرين: ms4794 كان نوح عليه الصلاة والسلام إذا أراد إجراء ~~السفينة قال: " بسم الله مجراها " فتجري، وإذا أراد أن ترسو قال: " ~~بسم الله مرساها " فترسو، فالجملتان محكيتان ب " قال ". # وقرأ الأخوان وحفص " مجراها " بفتح الميم، والباقون بضمها. واتفق ~~السبعة على ضم ميم " مرساها ". وقرأ ابن مسعود، وعيسى الثقفي وزيد ~~بن علي، والأعمش " مرساها " بفتح الميم أيضا. # فالضم فيهما، لأنهما من " أجرى وأرسى " ، والفتح لأنهما من " ~~جرت ورست " وهما: إما ظرفا زمان أو مكان أو مصدران على ما سبق من ~~التقادير. # وقرأ الضحاك، والنخعي، وابن وثاب، ومجاهد، وأبو رجاء، والكلبي، ~~والجحدري، وابن جندب مجريها ومرسيها بكسر الراء، والسين بعدهما ياء ~~صريحة، وهما اسما فاعلين من " أجرى وأرسى " ، وتخريجهما على أنهما بدلان ~~من اسم الله. # قال ابن عطية وأبو البقاء، ومكي: إنهما نعتان لله - تعالى -، وهذا ~~الذي ذكروه إنما يتم على تقدير كونهما معرفتين بتمحض الإضافة، وقال ~~الخليل: " إن كل إضافة غير محضة قد تجعل محضة إلا إضافة ~~الصفة المشبهة، فلا تتمحض ". # وقال مكي: " ولو جعلت " مجراها " ، و " مرساها " في موضع اسم ~~الفاعل لكانت حالا مقدرة، ولجاز ذلك وكانت في موضع نصب على الحال من ~~اسم الله تعالى ". # والرسو: الثبات، والاستقرار، يقال: رسا يرسو وأرسيته ~~أنا؛ قال: [الكامل] # 2970- فصبرت نفسا عند ذلك حرة # ترسو إذا نفس الجبان تطلع # أي: تثبت وتستقر عندما تضطرب وتتحرك نفس الجبان. # قوله: { إن ربي لغفور رحيم } فيه سؤال، وهو إن كان ذلك ~~وقت إظهار الضر، فكيف يليق به هذا الذكر؟. # والجواب: لعل القوم الذين ركبوا السفينة اعتقدوا في أنفسهم أنا ~~إنما نجونا ببركة علمنا فالله تعالى نبههم بهذا الكلام لإزالة ذلك ~~العجب، فإن الإنسان لا ينفك من أنواع الزلات وظلمات الشبهات، وفي ~~جميع الأحوال، فهو محتاج إلى إعانة الله، وفضله، وإحسانه، وأن يكون ~~غفورا لذنوبه رحيما لعقوبته. # قوله: " وهي تجري " في هذه الجملة، ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها مستأنفة، أخبر الله تعالى عن السفينة بذلك. # والثاني: أنها في محل نصب على الحال من الضمير المستتر في " ~~بسم الله " أي: جريانها ms4795 استقر بسم الله حال كونها جارية. # الثالث: أنها حال من شيء محذوف تضمنته جملة دل عليها سياق ~~الكلام. # قال الزمخشري: فإن قلت: بم اتصل قوله: " وهي تجري بهم "؟ ~~قلت: بمحذوف دل عليه قوله: " اركبوا فيها بسم الله " كأنه قيل: ~~فركبوا فيها يقولون: " بسم الله وهي تجري بهم ". # وقوله " بهم " يجوز فيه وجهان: # أحدهما: أن يتعلق ب " تجري ". # والثاني: أنه متعلق بمحذوف أي: تجري ملتبسة بهم، ولذلك فسره ~~الزمخشري بقوله: " أي: تجري وهم فيها ". # وقوله: " كالجبال " صفة ل " موج ". # فصل # قال ابن جرير، وغيره: إن الطوفان كان في ثالث عشر شهر آب في عادة ~~القبط، وإن الماء ارتفع على أعلى جبل في الأرض خمسة عشر ذراعا، وهو ~~الذي عند أهل الكتاب، وقيل: ثمانين ذراعا وعم جميع الأرض طولا ~~وعرضا. # والموج جمع " موجة " والموج: ما ارتفع من الماء إذا اشتد عليه ~~الريح. وهذا يدل على أنه حصل في ذلك الوقت رياح عاصفة. # فإن قيل: الجريان في الموج يوجب الغرق. # فالجواب: أن الأمواج لما أحاطت بالسفينة من جوانبها أشبهت تلك ~~السفينة كأنها جرت في داخل الأمواج. # قوله تعالى: { ونادى نوح ابنه } الجمهور على كسر تنوين " نوح ~~" لالتقاء الساكنين. # وقرأ وكيع بضمه إتباعا لحركة الإعراب، واسترذل أبو حاتم هذه ~~القراءة، وقال: " هي لغة سوء لا تعرف ". # وقرأ العامة: " ابنه " بوصل هاء الكناية بواو، وهي اللغة الفصيحة ~~الفاشية. # وقرأ ابن عباس بسكون الهاء. قال بعضهم: هذا مخصوص بالضرورة؛ ~~وأنشد: [البسيط] # 2971- وأشرب الماء ما بي نحوه عطش # إلا لأن عيونه سيل واديها # وبعضهم لا يخصه بها، وقال ابن عطية: إنا لغة لأزد السراة؛ ومنه ~~قوله: [الطويل] # 2972-............................ # ومطواي مشتاقان له أرقان # وقال بعضهم: " هي لغة عقيل، وبني كلاب ". # وقرأ السدي: " ابناه " بألف وهاء السكت، قال ابن جني: " وهو على ~~النداء ". # وقال أبو البقاء: " ابناه " على الترثي وليس بندبة؛ لأن الندبة لا ~~تكون بالهمزة. # وهو كلام مشكل في نفسه، وأين الهمزة هنا؟ إن عنى همزة النداء، فلا ~~نسلم أن المقدر من حروف النداء هو الهمزة؛ لأن النحاة ~~نصوا ms4796 على أنه لا يضمر من حروف النداء إلا " يا " لأنها أم ~~الباب. # وقوله: " الترثي " هو قريب في المعنى من الندبة. # وقد نصوا على أنه لا يجوز حذف [حرف] النداء من المندوب، وهذا شبيه ~~به. # وقرأ علي - كرم الله وجهه -: " ابنها " إضافة إلى امرأته كأنه اعتبر ~~قوله: " ليس من أهلك " ، وقوله: " ابني " و # من أهلي # [هود:45] لا يدل له لاحتمال أن يكون ذلك لأجل الحنو، وهو قول الحسن، ~~وجماعة. # وقرأ محمد بن علي، وعروة بن الزبير: " ابنه " بهاء مفتوحة دون ألف، ~~وهي كالقراءة قبلها، إلا أنه حذف ألف " ها " مجتزئا عنها بالفتحة، ~~كما تحذف الياء مجتزأ عنها بالكسرة، قال ابن عطية: " هي لغة "؛ ~~وأنشد: [البسيط] # 2973- إما تقود بها شاة فتأكلها # أو أن تبيعه في بعض الأراكيب # يريد: تبيعها " فاجتزأ بالفتحة عن الألف، كما اجتزأ الآخر عنها في ~~قوله: - وأنشده ابن الأعرابي على ذلك -: [الوافر] # 2974- فلست براجع ما فات مني # بلهف، ولا بليت، ولا لو اني # يريد: " يا لهفا " فحذف، وهذا يخصه بعضهم بالضرورة، ويمنع في ~~السعة: " يا غلام " في: يا غلاما. # وسيأتي في نحو # يأبت # [يوسف:4] بالفتح: هل ثم ألف محذوفة أم لا؟ وتقدم خلاف في نحو: يا ~~ابن أم، ويا ابن عم: هل ثم ألف محذوفة مجتزأ عنها بالفتحة أم ~~لا؟ فهذا أيضا كذلك، ولكن الظاهر عدم اقتياسه، وقد خطأ النحاس ~~أبا حاتم في حذف هذه الألف، وفيه نظر. # قوله: { وكان في معزل } جملة في موضع نصب على الحال، وصاحبها ~~هو " ابنه " والحال تأتي من المنادى لأنه مفعول به. # والمعزل - بكسر الزاي - اسم مكن العزلة، وكذلك اسم الزمان أيضا، ~~وبالفتح هو المصدر. قال أبو البقاء: " ولم أعلم أحدا قرأ بالفتح ". # قال شهاب الدين: لأن المصدر ليس حاويا له ولا ظرفه؛ فكيف يقرأ به ~~إلا بمجاز بعيد؟. # وأصله: من العزل، وهو التنحية، والإبعاد تقول: كنت بمعزل عن كذا، ~~أي: بموضع قد عزل منه، قيل: كان بمعزل عن السفينة، لأنه كان يظن ~~أن الجبل يمنعه من الغرق. # وقيل: كان بمعزل عن أبيه ms4797 وإخوته وقومه، وقيل: كان في معزل من الكفار ~~كأنه انفرد عنهم فظن نوح أن ذلك محبة لمفارقتهم. # فصل # اختلفوا في أنه هل كان ابنا له؟ فقيل: كان ابنه حقيقة لنص القرآن، ~~وصرف هذا اللفظ إلى أنه رباه، فأطلق عليه اسم الابن لهذا السبب، ~~صرف للكلام عن حقيقته إلى مجازه من غير ضرورة، والمخالف لهذا الظاهر ~~إنما خالفه استبعادا لأن يكون ولد الرسول كافرا، وهذا ليس ببعيد؛ ~~فإنه قد ثبت بنص القرآن أن والد الرسول - عليه الصلاة والسلام - ~~كان كافرا، فكذلك ههنا. # فإن قيل: لما دعا وقال: # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا # [نوح:26] فكيف نادى ابنه مع كفره؟. # فالجواب من وجوه: # الأول: أنه كان ينافق أباه؛ فظن نوح أنه مؤمن؛ فلذلك ناداه، ~~ولولا ذلك لما أحب نجاته. # الثاني: أنه - عليه الصلاة والسلام - كان يعلم أنه كافر لكن ظن أنه ~~لما شاهد الغرق، والأهوال العظيمة فإنه يقبل الإيمان، فكان قوله: { ~~يبني اركب معنا } كالدلائل على أنه طالب منه الإيمان، ~~وتأكد هذا بقوله: { ولا تكن مع الكافرين } أي: تابعهم في ~~الكفر، واركب مع المؤمنين. # الثالث: أن شفقة الأبوة لعلها حملته على ذلك النداء، والذي تقدم ~~من قوله: { إلا من سبق عليه القول } [هود:40] كان ~~كالمجمل، فلعله جوز ألا يكون هو داخلا فيه. # وقيل: كان ابن امرأته، ويدل عليه ما تقدم من القراءة. # وقال قتادة: سألت الحسن عنه فقال: والله ما كان ابنه فقلت: إن الله - ~~تعالى - حكى عنه أنه قال: # إن ابني من أهلي # [هود:45] وأنت تقول: ما كان ابنا له، فقال: لم يقل: إن ابني ~~مني، وإنما قال: من أهلي، وهذا يدل على قولي. # وقيل: ولد على فراشه، قالوا: لقوله تعالى في امرأة نوح، وامرأة لوط # فخانتاهما # [التحريم:10]. # قال ابن الخطيب: وهذا قول خبيث يجب صون منصب الأنبياء - عليهم الصلاة ~~والسلام - عن هذه الفضيحة لا سيما وهو على خلاف نص القرآن. # وأما قوله تعالى: # فخانتاهما # [التحريم:10] فليس فيه أن تلك الخيانة كانت بالسبب الذي ذكروه. # قيل لابن عباس - رضي ms4798 الله عنه -: كيف كانت تلك الخيانة، فقال: كانت ~~امرأة نوح تقول: زوجي مجنون، وامرأة لوط تدل الناس على ضيفه، إذا ~~نزلوا به، ويدل على فساد هذا القول قوله تعالى: # الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات # [النور:26] وقوله: # والزانية لا ينكحهآ إلا زان أو مشرك وحرم ~~ذلك على المؤمنين # [النور:3]. # قوله: { يبني اركب معنا } قرأ البزي، وقالون، وخلاد ~~بإظهار باء " اركب " قبل ميم " معنا " والباقون بإدغامها في الميم، ~~وقرأ عاصم هنا " يا بني " بفتح الياء. وأما في غير هذه السورة ~~فإن حفصا عنه فعل ذلك. والباقون: بكسر الياء في جميع القرآن إلا ابن ~~كثير؛ فإنه في الأول من لقمان، وهو قوله: # يبني لا تشرك بالله # [لقمان:13] فإنه سكنه وصلا ووقفا، وفي الثاني كغيره أنه ~~يكسر ياءه، وحفص على أصله من فتحه. وفي الثالث وهو قوله: # يبني أقم الصلاة # [لقمان:17] اختلف عنه فروى البزي كحفص، وروى عنه قنبل السكون كالأول. ~~هذا ضبط القراءة. # وأما تخريجها فمن فتح فقيل: أصلها: " يا بنيا " بالألف فحذفت ~~الألف تخفيفا، اجتزأ عنها بالفتحة كما تقدم. وقيل: بل حذفت لالتقاء ~~الساكنين؛ لأنهما وقع بعدها راء " اركب " وهذا تعليل فاسد جدا، ~~بدليل سقوطها في سورة لقمان في ثلاثة مواضع حيث لا ساكنان. وكأن هذا ~~المعلل لم يعلم بقراءة عاصم في غير هذه السورة، ولا بقراءة البزي ~~في " لقمان " ، وقد نقل ذلك أبو البقاء ولم ينكره. وكذلك قال ~~الزمخشري أيضا. # وأما من كسر فحذفت الياء أيضا: إما تخفيفا وهو الصحيح، وإما ~~لالتقاء الساكنين، وقد تقدم فساده. وأما من سكن فلما رأى من ~~الثقل مع مطلق الحركة، ولا شك أن السكون من أخف الحركات، ~~ولا يقال: فلم وافق ابن كثير غير حفص في ثاني لقمان، ووافق حفصا في ~~الأخيرة في رواية البزي عنه، وسكن الأول؟ لأن ذلك جمع بين اللغات، ~~والمفرق آت بمحال. # وأصل هذه اللفظة بثلاث ياءات: الأولى للتصغير، والثانية لام ~~الكلمة، وهل هي ياء بطريق الأصالة أو مبدلة من واو؟ خلاف تقدم ~~تحقيقه أول الكتاب في لام " ابن " ما هي؟ والثالثة ms4799 ياء المتكلم مضاف ~~إليها، وهي التي طرأ عليها القلب ألفا ثم الحذف، أو الحذف وهي ياء ~~بحالها. # فصل # لما حكى عن نوح أنه دعا ابنه إلى ركوب السفينة حكى عن ابنه ~~أنه قال: { سآوي إلى جبل } سأصير وألتجىء إلى جبل { ~~يعصمني من المآء } يمنعني من الغرق، وهذا يدل على أن الابن ~~كان مصرا على الكفر، فعند هذا قال نوح: { لا عاصم اليوم ~~من أمر الله } أي: من عذاب الله { إلا من رحم }. وههنا ~~سؤال: # وهو أن الذي رحمه الله معصوم، فكيف يحسن استثناء المعصوم من العاصم؟ # والجواب من وجوه: # الأول: أنه استثناء منقطع، وذلك أن تجعل " عاصما " على حقيقته، و ~~" من رحم " هو المعصوم، وفي " رحم " ضمير مرفوع يعود على الله ~~تعالى، ومفعوله ضمير الموصول وهو " من " حذف لاستكمال الشروط، ~~والتقدير: لا عاصم اليوم ألبتة من أمر الله، لكن من رحمه الله فهو ~~معصوم. # الثاني: أن يكون المراد ب " من رحم " هو الباري تعالى كأنه قيل: ~~لا عاصم اليوم إلا الراحم. # الثالث: أن عاصما بمعنى معصوم، وفاعل قد يجيء بمعنى مفعول نحو: # مآء دافق # [الطارق:6] أي: مدفوق؛ وأنشدوا: [المتقارب] # 2975- بطيء القيام رخيم الكلا # م أمسى فؤادي به فاتنا # أي: مفتونا، و " من " مراد بها المعصوم، والتقدير: لا معصوم ~~اليوم من أمر الله إلا من رحمه الله فإنه يعصم. # الرابع: أن يكون " عاصم " هنا بمعنى النسب، أي: ذا عصمة نحو: لابن ~~وتامر، وذو العصمة ينطلق على العاصم وعلى المعصوم، والمراد به هنا ~~المعصوم. # وهو على هذه التقادير استثناء متصل، وقد جعله الزمخشري متصلآ ~~لمدرك آخر، وهو حذف مضاف تقديره: لا يعصمك اليوم معتصم قط من جبل ~~ونحوه سوى معتصم واحد، وهو مكان من رحمهم الله ونجاهم، يعني في ~~السفينة. # وأما خبر " لا " فالأحسن أن يجعل محذوفا، وذلك لأنه إذا دل ~~عليه دليل؛ وجب حذفه عند تميم، وكثر عند الحجاز، والتقدير: لا عاصم ~~موجود. # وجوز الحوفي وابن عطية أن يكون خبرها هو الظرف وهو اليوم. قال ~~الحوفي: ويجوز أن يكون " اليوم " خبرا ms4800 فيتعلق بالاستقرار، وبه ~~يتعلق " من أمر الله ". # وقد رد أبو البقاء ذلك فقال: فأما خبر " لا " فلا يجوز أن يكون " ~~اليوم "؛ لأن ظرف الزمان لا يكون خبرا عن الجثة، بل الخبر " ~~من أمر الله " و " اليوم " معمول " من أمر الله ". # وأما اليوم " و " من أمر الله " فقد تقدم أن بعضهم جعل ~~أحدهما خبرا، فيتعلق الآخر بالاستقرار الذي يتضمنه الواقع خبرا، ~~ويجوز في " اليوم " أن يتعلق بنفس " من أمر الله " لكونه بمعنى ~~الفعل. # وجوز الحوفي أن يكون " اليوم " نعتا ل " عاصم " وهو فاسد ~~بما أفسد بوقوعه خبرا عن الجثة. # وقرىء " إلا من رحم " مبنيا للمفعول، وهي مقوية لقول من ~~يدعي أن " من رحم " في قراءة العامة المراد به المرحوم لا ~~الراحم، كما تقدم تأويله. ولا يجوز أن يكون " اليوم " ولا " من ~~أمر الله " متعلقين ب " عاصم " وكذلك الواحد منهما؛ لأنه كان يكون ~~الاسم مطولا، ومتى كان مطولا أعرب، ومتى أعرب نون، ولا عبرة ~~بخلاف الزجاج حيث زعم أن اسم " لا " معرب حذف تنوينه تخفيفا. # ثم قال سبحانه وتعالى: { وحال بينهما الموج فكان } فصار ~~{ من المغرقين }. # روي أن الماء علا على رؤوس الجبال قدر أربعين ذراعا، وقيل: خمسة ~~عشر ذراعا. # قوله تعالى: { وقيل يأرض ابلعي مآءك } قيل: هذا مجاز، ~~لأنها موات. وقيل: جعل فيها ما تميز به. والذي قال إنه مجاز ~~قال: لو فتش كلام العرب والعجم ما وجد فيه مثل هذه الآية على حسن ~~نظمها، وبلاغة وصفها، واشتمال المعاني فيها. # والبلع معروف. والفعل منه مكسور العين ومفتوحها: بلع وبلع ~~حكاهما الكسائي والفراء. # قيل: والفصيح " بلع " بكسر اللام " يبلع " بفتحها. والإقلاع: ~~الإمساك، ومنه " أقلعت الحمى ". وقيل: أقلع عن الشيء، أي: تركه وهو ~~قريب من الأول. والغيض: النقصان، يقال: غاض الماء يغيض غيضا، ~~ومغاضا إذا نقص، وغضته أنا. وهذا من باب فعل الشيء وفعلته أنا. ~~ومثله فغر الفم وفغرته، ودلع اللسان ودلعته، ونقص الشيء ~~ونقصته، وفعله لازم ومتعد، فمن اللازم قوله تعالى: # وما تغيض الأرحام # [الرعد:8]، أي: تنقص. وقيل: بل هو هنا متعد ms4801 وسيأتي، ومن المتعدي ~~هذه الآية؛ لأنه لا يبنى للمفعول من غير واسطة حرف جر إلا ~~المتعدي بنفسه. # والجودي: جبل بعينه بالموصل، وقيل: بل كل جبل يقال له جودي، ~~منه قول عمرو بن نفيل: [البسيط] # 2976- سبحانه ثم سبحانا نعوذ به # وقبلنا سبح الجودي والجمد # قال شهاب الدين: ولا أدري ما في ذلك من الدلالة على أنه عام في ~~كل جبل. # وقرأ الأعمش وابن أبي عبلة بتخفيف ياء " الجودي ". # قال ابن عطية: وهما لغتان: والصواب أن يقال: خففت ياء ~~النسب، وإن كان يجوز ذلك في كلامهم الفاشي. # قوله " بعدا " منصوب على المصدر بفعل مقدر، أي: وقيل: ابعدوا ~~بعدا، فهو مصدر بمعنى الدعاء عليهم نحو: جدعا، يقال: بعد ~~يبعد بعدا إذا هلك، قال: [الطويل] # 2977- يقولون لا تبعد وهم يدفنونه # ولا بعد إلا ما تواري الصفائح # واللام إما أن تتعلق بفعل محذوف، ويكون على سبيل البيان كما ~~تقدم في نحو " سقيا لك ورعيا " ، وإما أن تتعلق ب " قيل " ~~، أي: لأجلهم هذا القول. # قال الزمخشري: ومجيء إخباره على الفعل المبني للمفعول للدلالة على ~~الجلال والكبرياء، وأن تلك الأمور العظام لا تكون إلا بفعل فاعل ~~قادر، وتكوين مكون قاهر، وأن فاعل هذه الأفعال واحد لا يشارك في ~~أفعاله، فلا يذهب الوهم إلى أن يقول غيره: يا أرض ابلعي ماءك، ولا أن ~~يقضي ذلك الأمر الهائل إلا هو، ولا أن تستوي السفينة على الجودي، ~~وتستقر عليه إلا بتسويته وإقراره، ولما ذكرنا من المعاني والنكث ~~استفصح علماء البيان هذه الآية، ورقصوا لها رءوسهم لا لتجانس ~~الكلمتين وهما قوله: " ابلعي وأقلعي " ، وذلك وإن كان الكلام لا يخول ~~من حسن فهو كغير الملتفت إليه بإزاء تلك المحاسن التي هي اللب ~~وما عداها قشور. # فصل # في هذه الآية ألفاظ كل واحد منها دال على عظمة الله - تعالى -. # فأولها: قوله: " وقيل " وهذا يدل على أنه سبحانه في الجلال ~~والعظمة بحيث أنه متى قيل لم ينصرف الفعل إلا إليه، ولم يتوجه ~~الفكر إلا إلى ذلك الأمر؛ فدل هذا الوجه على أنه تقرر في ms4802 العقول ~~أنه لا حاكم في العالمين ولا متصرف في العالم العلوي والسفلي إلا ~~هو. # وثانيها: قوله: { يأرض ابلعي مآءك ويسمآء أقلعي } ~~فإن الحس يدل على عظمة هذه الأجسام، والحق - تعالى - مستول ~~عليها متصرف فيها كيف شاء وأراد، فصار ذلك سببا لوقوف القوة العقلية ~~على كمال جلال الله - تعالى - وعلو قدره وقدرته وهيبته. # وثالثها: أن السماء والأرض من الجمادات، فقوله: " يا أرض ويا ~~سماء " مشعر بحسب الظاهر على أن أمره وتكليفه نافذ في ~~الجمادات، وإذا كان كذلك حكم الوهم بأن نفوذ أمره على العقلاء أولى، ~~وليس المراد منه أنه تعالى يأمر الجمادات فإن ذلك باطل، بل ~~المراد أن توجيه صيغة الأمر بحسب الظاهر على هذه الجمادات القوية ~~الشديدة يقرر في الوهم قدر عظمته وجلاله تقريرا كاملا. # ورابعها: قوله: { وقضي الأمر } ومعناه: أن الذي قضى به ~~وقدره في الأزل قضاء جزما فقد وقع، ذلك يدل على أن ما قضى الله - ~~تعالى - به فهو واقع في وقته وأنه لا دافع لقضائه، ولا مانع من نفاذ ~~حكمه في أرضه وسمائه. # فإن قيل: كيف يليق بحكمة الله - تعالى - أن يغرق الأطفال بسبب جرم ~~الكبار؟. # فالجواب من وجهين: # الأول: قال أكثر المفسرين: إن الله - تعالى - أعقم أرحام نسائهم قبل ~~الغرق بأربعين سنة، فلم يغرق إلا من بلغ سنه أربعين سنة. # ولقائل أن يقول: لو كان ذلك لكان آية عجيبة قاهرة ظاهرة، ويبعد مع ~~ظهورها استمرارهم على الكفر، وأيضا فهب أن الأمر كما ذكرتم فما قولكم ~~في إهلاك الطير والوحش مع أنه لا تكليف عليها ألبتة. # الجواب الثاني: أنه لا اعتراض على الله - تعالى - في أفعاله: # لا يسأل عما يفعل # [الأنبياء:23] وأجاب المعتزلة بأن الإغراق في الحيوانات والأطفال ~~كإذنه في ذبح هذه البهائم وفي استعمالها في الأعمال الشاقة. # وقوله: { وقضي الأمر } أي: فرغ منه، وهو هلاك القوم. # وقوله: { واستوت على الجودي } أي: استوت السفينة على جبل ~~بأرض الجزيرة بقرب الموصل يقال له الجودي. قيل: استوت يوم عاشوراء. # { وقيل بعدا للقوم الظالمين } قيل: هذا من كلام الله ~~- تعالى ms4803 - قال لهم ذلك على سبيل اللعن والطرد. وقيل: من كلام نوح ~~وأصحابه؛ لأن الغالب ممن سلم من الأمر الهائل بسبب اجتماعهم مع ~~الظلمة فإذا هلكوا ونجا منهم قال مثل هذا الكلام. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: لما عرف نوح - عليه الصلاة ~~والسلام - أن الماء قد نضب هبط إلى أسفل الجودي فابتنى قرية وسماها ~~ثمانين بعدد من كان معه من المؤمنين؛ فأصبحوا ذات يوم، وقد تبلبلت ~~ألسنتهم على ثمانين لغة إحداها لغة العرب، فكان بعضهم لا يفقه كلام بعض، ~~فكان نوح - عليه الصلاة والسلام - يعبر عنهم. ### || [11.45-49] # قوله تعالى: { ونادى نوح ربه } الآية. # قوله: " فقال " عطف على " نادى ". قال الزمخشري: فإن قلت: وإن ~~كان النداء هو قوله " رب " فكيف عطف " فقال رب " على " نادى " ~~بالفاء؟ قلت: أريد بالنداء إرادة النداء، ولو أريد النداء نفسه لجاء - ~~كما جاء في قوله # إذ نادى ربه ندآء خفيا # [مريم:3] - # قال رب # [مريم:4] بغير فاء. # فصل # تقدم الكلام في أنه هل كان ابنا له أم لا؟ فقوله: { رب إن ~~ابني من أهلي } وقد وعدتني أن تنجيني وأهلي { وإن وعدك ~~الحق } لا خلف فيه { وأنت أحكم الحاكمين } حكمت على قوم ~~بالنجاة وعلى قوم بالكفر والهلاك؛ قال الله: { ينوح إنه ~~ليس من أهلك } واعلم أنه لما ثبت بالدليل، أنه كان ابنا ~~له، وجب أن يكون المراد: ليس من أهل دينك. وقيل: ليس من أهلك الذين وعدتك ~~أن أنجيهم معك. # قوله: { إنه عمل غير صالح }: قرأ الكسائي " عمل " ~~فعلا ماضيا، و " غير " نصبا. # والباقون: " عمل " بفتح الميم وتنوينه على أنه اسم، و " غير " ~~بالرفع. # فقراءة الكسائي: الضمير فيها يتعين عوده على ابن نوح، وفاعل " ~~عمل " ضمير يعود عليه أيضا، و " غير " مفعول به. ويجوز أن ~~يكون نعتا لمصدر محذوف، تقديره: عمل عملا غير صالح كقوله # واعملوا صالحا # [المؤمنون:51]. وقيل: إنه ذو عمل باطل فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه. # وأما قراءة الباقين، ففي الضمير أربعة أوجه: # أظهرها: أنه عائد على ابن نوح، ويكون في الإخبار عنه بالمصدر ~~المذاهب الثلاثة ms4804 في " رجل عدل " ، و " زيد كرم وجود ". # والثاني: أنه يعود على النداء المفهوم من قوله: " ونادى " أي: نداؤك ~~وسؤالك. # وإلى هذا ذهب أبو البقاء ومكي والزمخشري. وهذا فيه خطر عظيم، كيف ~~يقال ذلك في حق نبي من الأنبياء، فضلا عن أول رسول أرسل إلى أهل ~~الأرض بعد آدم - عليهما الصلاة والسلام -؟ ولما حكاه الزمخشري قال: " ~~ليس بذاك " ولقد أصاب. واستدل من قال بذلك أن في حرف عبد الله بن ~~مسعود إنه عمل غير صالح أن تسألني ما ليس لك به علم وهذا مخالف ~~للسواد. # الثالث: أنه يعود على ركوب ابن نوح المدلول عليه بقوله: " اركب ~~معنا ". # الرابع: أنه يعود على تركه الركوب، وكونه مع المؤمنين، أي: إن ~~تركه الركوب مع المؤمنين وكونه مع الكافرين عمل غير صالح، وعلى الأوجه ~~لا يحتاج في الإخبار بالمصدر إلى تأويل؛ لأن كليهما معنى من المعاني، ~~وعلى الوجه الرابع يكون من كلام نوح - عليه الصلاة والسلام -، أي: إن ~~نوحا قال: إن كونك مع الكافرين وتركك الركوب معنا عمل غير صالح، ~~بخلاف ما تقدم فإنه من قول الله تعالى فقط، هكذا قال مكي وفيه ~~نظر، بل الظاهر أن الكل من كلام الله تعالى. # وقال الزمخشري: فإن قلت: هلا قيل: إنه عمل فاسد. قلت: لما نفاه ~~عن أهله نفى عنه صفتهم بلفظ النفي التي يستبقى معها لفظ المنفي، وآذن ~~بذلك أنه إنما أنجى من أنجى لصلاحهم لا لأنهم أهلك. # قوله: { فلا تسألني } قرأ نافع وابن عامر " فلا تسألن " ~~بتشديد النون مكسورة من غير ياء. وابن كثير بتشديدها مع الفتح، وأبو ~~عمرو والكوفيون بنون مكسورة خفيفة، وياء وصلا لأبي عمرو، ودون ياء في ~~الحالين للكوفيين. وفي الكهف # فلا تسألني عن شيء # [الكهف:70] قرأه أبو عمرو والكوفيون كقراءتهم هنا، وافقهم ابن كثير في ~~الكهف، وأما نافع وابن عامر فكقراءتهما هنا ولابن ذكوان خلاف في ثبوت ~~الياء وحذفها، وإنما قرأ ابن كثير التي في هود بالفتح دون التي في ~~الكهف؛ لأن الياء في هود ساقطة في الرسم؛ فكانت قراءته بفتح ms4805 النون ~~محتملة بخلاف الكهف فإن الياء ثابتة في الرسم، فلا يوافق فيها ~~فتحها. وقد تقدم خلاف ابن ذكوان في ثبوت الياء في الكهف. # فمن خفف النون، فهي نون الوقاية وحدها، ومن شددها فهي نون التوكيد. # وابن كثير لم يجعل في هود الفعل متصلا بياء المتكلم، والباقون جعلوه. ~~فلزمهم الكسر. وقد تقدم أن " سأل " يتعدى لاثنين أولهما ياء ~~المتكلم، والثاني { ما ليس لك به علم }. # قوله: " أن تكون " على حذف حرف الجر، أي: من أن تكون أو لأجل أن، ~~وقوله: { ما ليس لك به علم } يجوز في " به " أن يتعلق ب ~~" علم ". # قال الفارسي: ويكون مثل قوله: [الرجز] # 2978- كان جزائي بالعصا أن أجلدا # ويجوز أن يتعلق بالاستقرار الذي تعلق به " لك " ، والباء بمعنى " ~~في " ، أي ما ليس لك به علم. وفيه نظر. # ثم قال: { إني أعظك أن تكون من الجاهلين } يعني أن ~~تدعو بهلاك الكفار، ثم تسأل نجاة كافر { قال رب إني أعوذ ~~بك أن أسألك ما ليس لي به علم } وهذا إخبار بما في ~~المستقبل وهو العزم على الترك. # قوله: { وإلا تغفر لي } لم تمنع " لا " من عمل الجازم كما لم ~~تمنع من عمل الجار في نحو: " جئت بلا زاد " قال أبو البقاء: " ~~لأنها كالجزء من الفعل وهي غير عاملة في النفي، وهي تنفي ما في ~~المستقبل، وليس كذلك " ما " فإنها تنفي ما في الحال؛ فلذلك لم ~~يجز أن تدخل " إن " عليها ". # قوله: { قيل ينوح } الخلاف المتقدم في قوله: # وإذا قيل لهم آمنوا # [البقرة:13] وشبهه عائد هنا، أي: في كون القائم مقام الفاعل الجملة ~~المحكية أو ضمير مصدر الفعل. # قوله: " بسلام " حال من فاعل " اهبط " أي: ملتبسا بسلام. و ~~" منا " صفة ل: " سلام " فيتعلق بمحذوف أو هو متعلق بنفس " سلام " ~~، وابتداء الغاية مجاز، وكذلك " عليك " يجوز أن يكون صفة ل " ~~بركات " أو متعلقا بها. # ومعنى " اهبط " انزل من السفينة، وعده عند الخروج بالسلامة أولا، ~~ثم بالبركة ثانيا. # والبركة: ثبوت الخير ومنه بروك البعير، ومنه البركة لثبوت الماء فيها، ~~ومنه # تبارك ms4806 الله # [الأعراف:54] أي: ثبت تعظيمه وقيل: البركة ههنا هي أن الله - تعالى - ~~جعل ذريته هم الباقين إلى يوم القيامة، ثم لما بشره بالسلامة ~~والبركة شرح بعده حال أولئك الذين كانوا معه فقال: { وعلى أمم ~~ممن معك } قيل: المراد الذين معه، وذرياتهم، وقيل: ذرية من ~~معه. # قوله { ممن معك } يجوز في " من " أن تكون لابتداء الغاية، أي: ~~ناشئة من الذين معك، وهم الأمم المؤمنون إلى آخر الدهر، ويجوز أن تكون ~~" من " لبيان الجنس، فيراد الأمم الذين كانوا معه في السفينة؛ لأنهم ~~كانوا جماعات. # وقرىء " اهبط " بضم الباء، وقد تقدم أول البقرة، وقرأ ~~الكسائي - فيما نقل عنه - " وبركة " بالتوحيد. # قوله: " وأمم " يجوز أن يكون مبتدأ، و " سنمتعهم " خبره، وفي ~~مسوغ الابتداء وجهان: # أحدهما: الوصف التقديري، إذ التقدير: وأمم منهم، أي: ممن معك ~~كقولهم: " السمن منوان بدرهم " ف " منوان " مبتدأ وصف ب " منه " ~~تقديرا. # والثاني: أن المسوغ لذلك التفصيل نحو: " الناس رجلان: رجل ~~أهنت، وآخر أكرمت " ومنه قول امرىء القيس: [الطويل] # 2979- إذا ما بكى من خلفها انحرفت له # بشق وشق عندنا لم يحول # ويجوز أن يكون مرفوعا بالفاعلية عطفا على الضمير المستتر في " ~~اهبط " وأغنى الفصل عن التأكيد بالضمير المنفصل، قاله أبو البقاء. ~~قال أبو حيان: وهذا التقدير والمعنى لا يصلحان، لأن الذين كانوا مع ~~نوح في السفينة إنما كانوا مؤمنين؛ لقوله: { ومن آمن } ولم ~~يكونوا كفارا ومؤمنين، فيكون الكفار مأمورين بالهبوط، إلا إن ~~قدر أن من المؤمنين من يكفر بعد الهبوط، وأخبر عنهم بالحال التي ~~يؤولون إليها فيمكن على بعد. وقد تقدم أن مثل ذلك لا يجوز، في ~~قوله # اسكن أنت وزوجك # [البقرة:35] لأمر صناعي، و " سنمتعهم " على هذا صفة ل " أمم ~~" ، والواو يجوز أن تكون للحال قال الأخفش: كما تقول: كلمت زيدا ~~وعمرو جالس " ويجوز أن تكون لمجرد النسق. # واعلم أنه سبحانه أخبر بأن الأمم الناشئة الذين كانوا مع نوح لا ~~بد وأن ينقسموا إلى مؤمن وكافر. # ثم قال: { تلك من أنبآء الغيب } وقد تقدم الكلام فيها ~~عند قوله # ذلك من ms4807 أنبآء الغيب # [آل عمران:44] في آل عمران. و " تلك " في محل رفع على الابتداء، و { ~~من أنبآء الغيب } الخبر، و " نوحيها إليك " خبر ثان. # قوله: { ما كنت تعلمهآ } يجوز في هذه الجملة أن تكون حالا من ~~الكاف في " إليك " وأن تكون حالا من المفعول في " نوحيها " وأن تكون ~~خبرا بعد خبر. # والمعنى: ما كنت تعلمها أنت يا محمد ولا قومك، أي: إنك ما كنت تعرف ~~هذه القصة وقومك أيضا ما كانوا يعرفونها، كقول الإنسان لآخر: لا تعرف ~~هذه المسألة لا أنت ولا أهل بلدك. # فإن قيل: أليس قد كانت قصة الطوفان مشهورة عند أهل العلم؟. # فالجواب: أنها كانت مشهورة بحسب الإجمال، أما التفاصيل المذكورة ~~فما كانت معلومة. # ثم قال تعالى: " فاصبر " يا محمد أنت وقومك على أولئك الكفار " إن ~~العاقبة " آخر الأمر والنصر والظفر " للمتقين ". # فإن قيل: إنه ذكر هذه القصة في سورة يونس ثم أعادها، فما فائدة هذا ~~التكرار؟. # فالجواب: أن القصة الواحدة قد ينتفع بها من وجوه، ففي السورة ~~الأولى كان الكفار يستعجلون نزول العذاب، فذكر - تعالى - قصة نوح وبين ~~أن قومه كانوا يكذبونه بسبب أن العذاب ما كان يظهر ثم في ~~العاقبة ظهر، فكذا في واقعة محمد - صلوات الله البر الرحيم وسلامه عليه ~~-، وفي هذه السورة ذكر القصة لبيان أن إقدام الكفار على الإيذاء، ~~والإيحاش كان حاصلا في زمن نوح، فلما صبر نال الفتح والظفر، فكن، يا ~~محمد، كذلك لتنال المقصود، فلما كان الانتفاع بالقصة في كل ~~سورة من وجه لم يكن تكريرها خاليا عن الفائدة. ### || [11.50-58] # قوله تعالى: { وإلى عاد أخاهم هودا } القصة: معطوفان على ~~قوله: # ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه # [هود:25] في عطف مرفوع على مرفوع ومجرور، كقولك: ضرب زيد عمرا، وبكر ~~خالدا وليس من باب ما فصل فيه بين حرف العطف والمعطوف بالجار ~~والمجرور نحو: " ضربت زيدا، وفي السوق عمرا " فيجيء الخلاف ~~المشهور. # وقيل: بل هو على إضمار فعل، أي: وأرسلنا هودا، وهذا أوفق لطول ~~الفصل. # و " هودا " بدل أو عطف بيان لأخيهم. # وقرأ ms4808 ابن محيصن " يا قوم " بضم الميم، وهي لغة بعضهم يبنون ~~المضاف للياء على الضم كقوله تعالى: # قال رب احكم # [الأنبياء:112] بضم الباء، ولا يجوز أن يكون غير مضاف للياء كما ~~سيأتي في موضعه إن شاء الله. # وقوله: { من إله غيره } تقدم في الأعراف. # فصل # كان هود أخاهم في النسب لا في الدين؛ لأنه كان من قبيلة عاد، وهم ~~قبيلة من العرب بناحية اليمن، كما يقال للرجل: يا أخا تميم، ويا ~~أخا سليم، والمراد رجل منهم. # فإن قيل: إنه تعالى قال في ابن نوح # إنه ليس من أهلك # [هود:46] فبين أن قرابة النسب لا تفيد إذا لم تحصل قرابة ~~الدين، وههنا أثبت هذه الأخوة مع الاختلاف في الدين، فما الفرق ~~بينهما؟. # فالجواب: أن المراد من هذا الكلام استمالة قوم محمد صلى الله عليه ~~وسلم؛ لأن قومه كانوا يستبعدون في محمد صلى الله عليه وسلم مع ~~أنه واحد من قبيلتهم أن يكون رسولا إليهم من عند الله، فذكر الله ~~تعالى أن هودا كان واحدا من عاد، وأن صالحا كان واحدا من ثمود، ~~لإزالة هذا الاستبعاد. # قال ياقوم اعبدوا الله # [الأعراف:65] وحدوا الله، ولا تعبدوا غيره. # فإن قيل: كيف دعاهم إلى عبادة الله قبل إقامة الدلالة على ثبوت ~~الإله تعالى؟. # فالجواب: أن دلائل ثبوت وجود الله تعالى ظاهرة، وهي دلائل الآفاق ~~والأنفس، وقلما توجد في الدنيا طائفة ينكرون وجود الإله؛ ولذلك قال ~~تبارك وتعالى في صفة الكفار: # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله # [لقمان:25]. # ثم قال: " إن أنتم " ما أنتم " إلا مفترون " كاذبون في ~~إشراككم. # ثم قال: { يقوم لا أسألكم عليه أجرا } أي: على تبليغ ~~الرسالة جعلا { إن أجري إلا على الذي فطرني } وهذا ~~عين ما ذكره نوح - عليه الصلاة والسلام -. # قرأ نافع، والبزي بفتح ياء " فطرني " ، وأبو عمرو وقنبل بإسكانها. ~~ومعنى " فطرني " خلقني، { أفلا تعقلون } أني مصيب في المنع من ~~عبادة الأوثان. # ثم قال: { ويقوم استغفروا ربكم } آمنوا به، والاستغفار ~~- ههنا - بمعنى الإيمان. # وقال الأصم: { استغفروا ربكم } أي: سلوه أن ms4809 يغفر لكم ما ~~تقدم من شرككم، ثم توبوا من بعده بالندم على ما مضى، وبالعزم على أن ~~لا تعودوا إلى مثله، فإذا فعلتم ذلك فالله يكثر النعمة عليكم. # قوله: { يرسل السمآء عليكم مدرارا } نصب " مدرارا ~~" على الحال، ولم يؤنثه وإن كان من مؤثث لثلاثة أوجه: # أحدها: أن المراد بالسماء السحاب، فذكر على المعنى. # الثاني: أن مفعالا للمبالغة فيستوي فيه المذكر والمؤنث ك: ~~صبور، وشكور، وفعيل. # الثالث: أن الهاء حذفت من " مفعال " على طريق النسب قاله ~~مكي، وقد تقدم إيضاحه في الأنعام. # والمعنى: يرسل عليكم المطر متتابعا مرة بعد أخرى في أوقات الحاجة. { ~~ويزدكم قوة إلى قوتكم } أي: شدة مع شدتكم. وقيل: ~~المراد بالقوة: المال وذلك أن الله تعالى لما بعث هودا إليهم، ~~وكذبوه حبس الله المطر عنهم ثلاث سنين، وأعقم أرحام نسائهم، فقال لهم ~~هود: إن آمنتم بالله أحيا الله بلادكم ورزقكم المال، والولد، ~~فذلك قوله تعالى: { يرسل السمآء عليكم مدرارا } ~~والمدرار: بالكسر الكثير الدر وهو من أبنية المبالغة. # فإن قيل: إن هودا - عليه الصلاة والسلام - قال: لو اشتغلتم بعبادة ~~الله لانفتحت عليكم أبواب الخيرات الدنيوية، وليس الأمر كذلك لقوله - ~~عليه الصلاة والسلام - # " خص البلاء بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل، فالأمثل " # فكيف الجمع بينهما؟ وأيضا فقد جرت عادة القرآن بالترغيب في ~~الطاعات بسبب ترتيب الخيرات الدنيوية، والأخروية عليها، فأما ~~الترغيب في الطاعات لأجل ترتيب الخيرات الدنيوية عليها؛ فذلك لا ~~يليق بالقرآن. # فالجواب: لما كثر الترغيب في سعادات الآخرة لم يتغير بالترغيب ~~أيضا في خير الدنيا بقدر الكفاية. # قوله: " إلى قوتكم " يجوز أن يتعلق ب " يزدكم " على ~~التضمين، أي: يضيف إلى قوتكم قوة أخرى، أو يجعل الجار والمجرور ~~صفة ل " قوة " فيتعلق بمحذوف. # وقدره أبو البقاء: " مضافة إلى قوتكم " ، وهذا يأباه ~~النحاة، لأنهم لا يقدرون إلا الكون المطلق في مثله، أو تجعل " ~~إلى " بمعنى " مع " أي: مع قوتكم، كقوله: # إلى أموالكم # [النساء:2]. # ثم قال: { ولا تتولوا مجرمين } أي: ولا تدبروا مشركين ~~مصرين على الكفر. # { قالوا يهود ما جئتنا ببينة } ببرهان وحجة ms4810 ~~واضحة على ما تقول. والباء في " بينة " يجوز أن تكون للتعدية؛ ~~فتتعلق بالفعل قبلها أي ما أظهرت لنا بينة قط. # والثاني: أن تتعلق بمحذوف على أنها حال؛ إذ التقدير: مستقرا أو ~~ملتبسا ببينة. # قوله: { وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك } أي: وما ~~نترك آلهتنا صادرين عن قولك، فيكون " عن قولك " حال من الضمير في ~~" تاركي " ويجوز أن تكون " عن " للتعليل كهي في قوله تعالى: # إلا عن موعدة وعدهآ إياه # [التوبة:114]، أي: إلا لأجل موعدة. والمعنى هنا: بتاركي آلهتنا ~~لقولك، فيتعلق بنفس " تاركي ". # وقد أشار إلى التعليل ابن عطية، ولكن المختار الأول، ولم يذكر ~~الزمخشري غيره. # قوله: { وما نحن لك بمؤمنين } بمصدقين. # { إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء } ~~الظاهر أن ما بعد " إلا " مفعول بالقول قبله، إذ المراد: إن نقول ~~إلا هذا اللفظ فالجملة محكية نحو قولك " ما قلت إلا زيد قائم ~~". وقال أبو البقاء: " الجملة مفسرة لمصدر محذوف، التقدير: إن نقول ~~إلا قولا هو اعتراك، ويجوز أن يكون موضعها نصبا، أي: ما نذكر ~~إلا هذا القول ". # وهذا غير مرض؛ لأن الحكاية بالقول معنى ظاهر لا يحتاج إلى تأويل، ~~ولا إلى تضمين القول بالذكر. # وقال الزمخشري: " اعتراك " مفعول " نقول " و " إلا " لغو، أي: ~~ما نقول إلا قولنا " اعتراك ". انتهى. # يعنى بقوله: " لغو " أنه استثناء مفرغ، وتقديره بعد ذلك تفسير ~~معنى لا إعراب، إذا ظاهره يقتضي أن تكون الجملة منصوبة بمصدر ~~محذوف، ذلك المصدر منصوب ب " نقول " هذا الظاهر. # ويقال: اعتراه يعتريه إذا أصابه، وهو افتعل من عراه يعروه، والأصل: ~~اعترو من العرو، مثل: اغتزو من الغزو، فتحرك حرف العلة ~~وانفتح ما قبله فقلب ألفا، وهو يتعدى لاثنين ثانيهما بحرف الجر. # والمعنى: أنك شتمت آلهتنا، فجعلتك مجنونا، وأفسدت عقلك، ثم قال ~~لهم هود: { إني أشهد الله } على نفسي { واشهدوا } يا ~~قومي { أني بريء مما تشركون } من دونه، يعنى: الأوثان. # قوله: { أني بريء } يجوز أن يكون من باب الإعمال؛ لأن " ~~أشهد " يطلبه، و " اشهدوا " يطلبه أيضا، والتقدير: أشهد الله ~~على أني بريء، ms4811 واشهدوا أنتم عليه أيضا، ويكون من باب إعمال الثاني؛ ~~لأنه لو أعمل الأول لأضمر في الثاني، ولا غرو في تنازع المختلفين في ~~التعدي واللزوم. # و " مما تشركون " يجوز أن تكون " ما " مصدرية، أي: من إشراككم ~~آلهة من دونه، أو بمعنى " الذي " ، أي: من الذين تشركونه من آلهة من ~~دونه، أي: أنتم الذين تجعلونها شركاء. # وقوله: " جميعا " حال من فاعل " فكيدوني " ، وأثبت سائر ~~القراء ياء " فكيدوني " في الحالين، وحذفوها في المرسلات. # وهذا نظير ما قاله نوح - عليه الصلاة والسلام - لقومه: # فأجمعوا أمركم وشركآءكم # [يونس:71] إلى قوله: # ولا تنظرون # [يونس:71]. # وهذه معجزة قاهرة؛ لأن الرجل الواحد إذا أقبل على القوم العظام، ~~وقال لهم: بالغوا في عداوتي، وفي إيذائي، ولا تؤجلون فإنه لا يقول ~~هذا إلا إذا كان واثقا من الله بأنه يحفظه، ويصونه عن كيد ~~الأعداء، وهذا هو المراد بقوله: { إني توكلت على الله ~~ربي وربكم } أي: اعتمادي على الله ربي وربكم. # { ما من دآبة إلا هو آخذ بناصيتهآ } قال الأزهري: ~~" الناصية عند العرب: منبت الشعر في مقدم الرأس، ويسمى الشعر ~~النابت هناك أيضا ناصية باسم منبته ". # ونصوت الرجل: أخذت بناصيته، فلامها واو، ويقال: ناصاة بقلب ~~يائها ألفا، وفي الأخذ بالناصية عبارة عن الغلبة والتسلط وإن ~~لم يكن آخذا بناصيته، ولذلك كانوا إذا منوا على أسير جزوا ناصيته ~~ليكون ذلك علامة لقهره، والعرب إذا وصفوا إنسانا بالذلة، والخضوع ~~قالوا: ما ناصية فلان إلا بيد فلان، أي: إنه مطيع له. # ومعنى " آخذ بناصيتها " قال الضحاك: " محييها ومميتها ". ~~وقال الفراء: " مالكها والقادر عليها " وقال القتيبي: " بقهرها ". # { إن ربي على صراط مستقيم } يعني: وإن كان ربي ~~قادرا عليهم فإنه لا يظلمهم، ولا يعمل إلا بالإحسان والعدل، فيجازي ~~المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. # وقيل: معناه دين ربي صراط مستقيم. وقيل: فيه إضمار، أي: إن ربي يحثكم ~~ويحملكم على صراط مستقيم. # " فإن تولوا " أي: تتولوا فحذف إحدى التاءين، ولا يجوز أن يكون ~~ماضيا كقوله: " أبلغتكم " ولا يجوز أن يدعى فيه الالتفات، إذ ~~هو ركاكة في التركيب، وقد جوز ms4812 ذلك ابن عطية فقال: " ويحتمل أن ~~يكون " تولوا " ماضيا، ويجيء في الكلام رجوع من غيبة إلى خطاب ". # قال شهاب الدين: " ويجوز أن يكون ماضيا لكن لمدرك آخر غير ~~الالتفات: وهو أن يكون على إضمار القول، أي: فقل لهم: قد أبلغتكم، ~~ويترجح كونه بقراءة عيسى الثقفي والأعرج " فإن تولوا " بضم ~~التاء واللام، مضارع " ولى " ، والأصل: توليوا فأعل. # وقال الزمخشري: " فإن قلت: الإبلاغ كان قبل التولي، فكيف وقع ~~جزاء للشرط؟. # قلت: معناه، وإن تتولوا لم أعاتب على تفريط في الإبلاغ، وكنتم ~~محجوبين بأن ما أرسلت به إليكم قد بلغكم فأبيتم إلا التكذيب ". # قوله: " ويستخلف " العامة على رفعه استئنافا. وقال أبو ~~البقاء: هو معطوف على الجواب بالفاء. وقرأ عبد الله بن مسعود - رضي ~~الله عنه - بتسكينه، وفيه وجهان: # أحدهما: أن يكون سكن تخفيفا لتوالي الحركات. # والثاني: أن يكون مجزوما عطفا على الجواب المقترن بالفاء، إذ محله ~~الجزم وهو نظير قوله: # فلا هادي له ويذرهم # [الأعراف:186] وقد تقدم تحقيقه، إلا أن القراءتين ثم في ~~المتواتر. # والمعنى: إن تتولوا أهلككم الله، ويستبدل قوما غيركم أطوع منكم ~~يوحدونه ويعبدونه. # قوله: " ولا تضرونه " العامة: على النون؛ لأنه مرفوع على ~~ما تقدم، وابن مسعود بحذفها، وهذا يعين أن يكون سكون " يستخلف " ~~جزما ولذلك لم يذكر الزمخشري غيره؛ لأنه ذكر جزم الفعلين، ولما ~~لم يذكر أبو البقاء الجزم في " تضرونه " جوز الوجهين في " ~~يستخلف ". # و " شيئا " مصدر، أي: شيئا من الضرر. # والمعنى: أن إهلاككم لا ينقص من ملكه شيئا، لأن وجودكم وعدمكم ~~عنده سواء. # وقيل: لا تضرونه شيئا بتوليكم وإعراضكم، إنما تضرون أنفسكم { إن ~~ربي على كل شيء حفيظ } أي: يحفظ أعمال العباد حتى يجازيهم ~~عليها. وقيل: يحفظني من شركم ومكركم. وقيل: حفيظ من الهلاك إذا شاء، ~~ويهلك إذا شاء. # قوله: { ولما جآء أمرنا } أي: عذابنا، وهو ما نزل بهم من ~~الريح العقيم، عذبهم الله بها سبع ليال، وثمانية أيام، تدخل في ~~مناخرهم وتخرج من أدبارهم وتصرعهم على الأرض على وجوههم حتى صاروا # كأنهم أعجاز نخل خاوية # [الحاقة:7]. # { نجينا ms4813 هودا والذين آمنوا معه } وكانوا أربعة آلاف ~~" برحمة منا " بنعمة منا. وقيل: المراد بالرحمة: ما هداهم ~~إليه من الإيمان. وقيل: المراد أنه لا ينجو أحد، وإن اجتهد في ~~الإيمان والعمل الصالح إلا برحمة من الله تعالى. # ثم قال: { ونجيناهم من عذاب غليظ } فالمراد ~~بالنجاة الأولى: هي النجاة من عذاب الدنيا، والنجاة الثانية ~~من عذاب القيامة. # والمراد بقوله: " ونجيناهم " أي: حكمنا بأنهم لا يستحقون ذلك ~~العذاب الغليظ. ### || [11.59-60] # ولما ذكر قصة عاد خاطب قوم محمد صلى الله عليه وسلم فقال: { وتلك ~~عاد جحدوا بآيات ربهم } وهو إشارة إلى قبورهم وآثارهم كأنه ~~قال: سيحوا في الأرض فانظروا إليها واعتبروا. # قوله: " جحدوا " جملة مستأنفة سيقت للإخبار عنهم بذلك، وليست ~~حالا مما قبلها، و " جحد " يتعدى بنفسه، ولكنه ضمن معنى " ~~كفر " ، فيعدى بحرفه، كما ضمن " كفر " معنى " جحد " فتعدى ~~بنفسه في قوله بعد ذلك: " كفروا ربهم ". # وقيل: إن " كفر " ك " شكر " في تعديه بنفسه تارة وبحرف الجر ~~أخرى. # واعلم أنه تعالى وصفهم بثلاث صفات. # الأولى: قوله: { جحدوا بآيات ربهم } أي: جحدوا دلائل ~~المعجزات على الصدق، أو حجدوا دلائل المحدثات على وجود الصانع ~~الحكيم. # والثانية: قوله: { وعصوا رسله } ومعناه: أنهم إذا عصوا رسولا ~~واحدا؛ فقد عصوا جميع الرسل لقوله: # لا نفرق بين أحد من رسله # [البقرة:258]. # والثالثة: قوله: { واتبعوا أمر كل جبار عنيد } ~~والمعنى: أن السفلة كانوا يقلدون الرؤساء في قولهم # ما هذا إلا بشر مثلكم # [المؤمنون:33]. # وتقدم اشتقاق { الجبار } [المائدة:22]. والعنيد والعنود ~~والمعاند: المنازع المعارض قاله أبو عبيد وهو الطاغي المتجاوز في ~~الظلم من قولهم: " عند يعند " إذا حاد عن الحق من جانب إلى ~~جانب. ومنه " عندي " الذي هو ظرف؛ لأنه في معنى جانب، من قولك: عندي كذا، ~~أي: في جانبي. # ثم قال: { وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة } أي: ~~أردفوا لعنة تلحقهم، وتصاحبهم في الدنيا وفي الآخرة. واللعنة: هي ~~الإبعاد، والطرد عن الرحمة. # ثم بين السبب في نزول هذه الأحوال فقال: { ألا إن عادا ~~كفروا ربهم } أي: كفروا بربهم فحذف الباء. وقيل: هو من ms4814 باب حذف ~~المضاف، أي كفروا نعمة ربهم. # ثم قال: { ألا بعدا لعاد قوم هود } قيل: بعدا من رحمة ~~الله، وقيل: هلاكا. وللبعد معنيان: # أحدهما: ضد القرب، يقال منه: بعد يبعد بعدا. # والآخر: بمعنى الهلاك فيقال منه: بعد يبعد بعدا وبعدا. # فإن قيل: اللعن هو البعد، فلما قال: { وأتبعوا في هذه ~~الدنيا لعنة ويوم القيامة } فما فائدة قوله: { ألا ~~بعدا لعاد قوم هود }؟. # فالجواب: كانوا عاديين. # فالأولى هم قوم هود الذين ذكرهم الله في قوله # أهلك عادا الأولى # [النجم:50]. # والثانية أصحاب إرم ذات العماد. # وقيل: المبالغة في التنصيص تدل على مزيد التأكيد. ### || [11.61-68] # قوله تعالى: { وإلى ثمود أخاهم صالحا } القصة. # الكلام على أولها كالذي قبلها. والعامة على منع " ثمود " ~~الصرف هنا لعلتين: وهما العلمية والتأنيث، ذهبوا به مذهب ~~القبيلة، والأعمش ويحيى بن وثاب صرفاه، ذهبا به مذهب الحي، وسيأتي بيان ~~الخلاف إن شاء الله تعالى. # قوله: { هو أنشأكم من الأرض } يجوز أن تكون " من " ~~لابتداء الغاية، أي ابتداء إنشائكم منها إما إنشاء أصلكم، وهو آدم - ~~صلوات الله وسلامه عليه -. # قال ابن الخطيب: " وفيه وجه آخر وهو أقرب منه؛ وذلك لأن الإنسان ~~مخلوق من المني ومن دم الطمث، والمني إنما تولد من الدم، فالإنسان ~~مخلوق من الدم، والدم إنما تولد من الأغذية، والأغذية إما حيوانية ~~وإما نباتية، والحيوانات حالها كحال الإنسان؛ فوجب انتهاء الكل إلى ~~النبات والنبات أنما تولد من الأرض؛ فثبت أنه تعالى أنشأنا من الأرض ". # أو لأن كل واحد خلق من تربته؛ أو لأن غذائهم وسبب حياتهم من الأرض. # وقيل: " من " بمعنى " في " ولا حاجة إليه. # قوله: { واستعمركم فيها } أي جعلكم عمارها وسكانها. قال ~~الضحاك: " أطال أعماركم فيها ". وقال مجاهد: أعمركم من العمرى. أي ~~جعلها لكم ما عشتم. وقال قتادة - رضي الله عنه -: " اسكنكم فيها ". ~~قال ابن العربي: " قال بعض علمائنا: الاستعمار: طلب العمارة، والطلب ~~المعلق من الله - تعالى - على الوجوب، قال القاضي أبو بكر: تأتي كلمة ~~استفعل في لسان العرب على معان منها: استفعل بمعنى: طلب الفعل كقوله: ~~استحملته ms4815 أي: طلبت من حملانا، وبمعنى اعتقد؛ كقوله: استسهلت هذا ~~الأمر اعتقدته سهلا، أو وجدته سهلا، واستعظمته أي: وجدته عظيما، ~~وبمعنى أصبت كقوله: استجدته أي: أصبته جيدا، وبمعنى " فعل "؛ كقوله: ~~قر في المكان، واستقر، قالوا وقوله: [ # يستهزءون # [الأنعام:5] و # يستسخرون # [الصافات:14] منه، فقوله تعالى: { واستعمركم فيها } أي: خلقكم ~~لعمارتها، لا على معنى: استجدته واستسهلته، أي: أصبته جيدا، وسهلا، ~~وهذا يستحيل] في حق الخالق، فيرجع إلى أنه خلق لأنه الفائدة؛ وقد ~~يعبر عن الشيء بفائدته مجازا، ولا يصح أن يقال إنه طلب من الله ~~لعمارتها، فإن هذا لا يجوز في حقه " ويصح أن يقال: استدعى عمارتها، وفي ~~الآية دليل على الإسكان والعمرى. # ثم قال: { فاستغفروه ثم توبوا إليه } وقد تقدم ~~تفسيره. { إن ربي قريب مجيب } أي: أقرب بالعلم والسمع " ~~مجيب " دعاء المحتاجين بفضله، ورحمته. # ولما قرر صالح هذه الدلائل { قالوا يصالح قد كنت فينا ~~مرجوا قبل هذا } أي: كنا نرجو أن تكون سيدا فينا. ~~وقيل: كنا نرجو أن تعود إلى ديننا، وذلك أنه كان رجلا قوي ~~الخاطر وكان من قبيلتهم، فقوي رجاؤهم في أن ينصر دينهم، ويقرر ~~طريقتهم، فلما دعاهم إلى الله وترك الأصنام زعموا أن رجاءهم انقطع ~~منه فقالوا: { أتنهانآ أن نعبد ما يعبد آباؤنا } من ~~الآلهة، فتمسكوا بطريق التقليد. # ونظير تعجبهم هذا ما حكاه الله - تعالى - عن كفار مكة في قولهم: # أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب # [ص:5]. # قوله: { وإننا لفي شك } مما تدعونا إليه مريب هذا هو الأصل، ~~ويجوز " وإنا " بنون واحدة مشددة كما في السورة الأخرى ~~[إبراهيم:9]. وينبغي أن يكون المحذوف النون الثانية من " إن "؛ ~~لأنه قد عهد حذفها دون اجتماعها مع " نا " ، فحذفها مع " نا " أولى، ~~وأيضا فإن حذف بعض الأسماء ليس بسهل وقال الفراء: " من قال " ~~إننا " أخرج الحرف على أصله؛ لأن كتابة المتكلمين " نا " فاجتمع ~~ثلاث نونات، ومن قال: " إنا " استثقل اجتماعها؛ فأسقط الثالثة، وأبقى ~~الأوليين " انتهى. وقد تقدم الكلام في ذلك. # قوله: " مريب " اسم فاعل من " أراب " يجوز أن يكون متعديا من ms4816 " ~~أرابه " ، أي: أوقعه في الريبة، أو قاصرا من " أراب الرجل " أي: ~~صار ذا ريبة. ووصف الشك بكونه مريبا بالمعنيين المتقدمين مجازا. # والشك: أن يبقى الإنسان متوقفا بين النفي والإثبات، والمريب: هو ~~الذي يظن به السوء والمعنى: أنه لم يترجح في اعتقادهم فساد قوله ~~وهذا مبالغة في تزييف كلامه. # قوله: { أرأيتم إن كنت على بينة } تقدم نظيره ~~[يونس:50]، والمفعول الثاني هنا محذوف تقديره: أأعصيه ويدل عليه " إن ~~عصيته ". وقال ابن عطية: هي من رؤية القلب، والشرط الذي ~~بعده وجوابه يسد مسد مفعولين ل " أرأيتم ". # قال أبو حيان: " والذي تقرر أن " أرأيت " ضمن معنى " ~~أخبرني " ، وعلى تقدير أن لا يضمن، فجملة الشرط والجواب لا ~~تسد مسد مفعولي " علمت " وأخواتها ". # قوله: { إن كنت على بينة من ربي } ورد بحرف الشك، ~~وكان على يقين تام في أمره إلا أن خطاب المخالف على هذا الوجه أقرب ~~إلى القبول؛ فكأنه قال: قدروا أني على بينة من ربي وأني ~~نبي على الحقيقة، وانظروا إن تابعتكم، وعصيت أمر ربي، فمن يمنعني ~~من عذاب الله فما تزيدونني على هذا التقدير غير تخسير. # قوله: " غير تخسير " الظاهر أن " غير " مفعول ثان ل " ~~تزيدونني ". # قال أبو البقاء: " الأقوى هنا أن تكون " غير " استثناء في المعنى، ~~وهو مفعول ثان ل " تزيدونني " ، أي: فما تزيدونني إلا ~~تخسيرا. # ويجوز أن تكون " غير " صفة لمفعول محذوف، أي شيئا غير تخسير، وهو ~~جيد في المعنى. # ومعنى التفعيل هنا النسبة، والمعنى: غير أن أخسركم، أي: أنسبكم ~~إلى التخسير، قال الزمخشري. # قال الحسن بن الفضل: لم يكن صالح في خسارة حتى قال: { فما ~~تزيدونني غير تخسير } وإنما المعنى: فما تزيدونني بما ~~تقولون إلا نسبتي إياكم إلى الخسارة. # والتفسيق والتفجير في اللغة: النسبة إلى الفسق والفجور، ~~فكذلك التخسير هو النسبة إلى الخسران. # وقيل: هو على حذف مضاف، أي: غير بضاره تخسيركم، قاله ابن عباس. # قوله تعالى: { ويقوم هذه ناقة الله لكم آية } ~~الآية. # " لكم " في محل نصب على الحال من " آية "؛ لأنه لو تأخر ~~لكان نعتا لها، فلما قدم ms4817 انتصب حالا. # قال الزمخشري: فإن قلت: بم تتعلق " لكم "؟ قلت: ب " آية ~~" حالا منها متقدمة، لأنها لو تأخرت لكانت صفة لها، فلما تقدمت ~~انتصبت على الحال. # قال أبو حيان: وهذا متناقض لأنه من حيث تعلق " لكم " ب " آية ~~" كان معمولا ل " آية " وإذا كان معمولا لها امتنع أن يكون حالا ~~منها، لأن الحال تتعلق بمحذوف. # قال شهاب الدين - رحمه الله -: ومثل هذا كيف يعترض به على مثل ~~الزمخشري بعد إيضاحه المعنى المقصود بأنه التعلق المعنوي؟. # و " آية " نصب على الحال بمعنى علامة، والناصب لها: إما " ها " ~~التنبيه، أو اسم الإشارة، لما تضمناه من معنى الفعل، أو فعل ~~محذوف. # فصل # اعلم أن العادة فيمن يدعي النبوة عند قوم يعبدون الأصنام لا بد ~~وأن يطلبوا منه معجزة، فطلبوا منه أن يخرج ناقة عشراء من صخرة معينة، ~~فدعا صالح؛ فخرجت ناقة عشراء، وولدت في الحال ولدا مثلها. # وهذه معجزة عظيمة من وجوه: # الأول: خلقها من الصخرة. # وثانيها: خلقها في جوف الجبل ثم شق عنها الجبل. # وثالثها: خلقها على تلك الصورة دفعة واحدة من غير ولادة. # ورابعها: أنه كان لها شرب يوم. # وخامسها: أنه كان يحصل منها لبن كثير يكفي الخلق العظيم. # ثم قال: { فذروها تأكل في أرض الله } من العشب، ~~والنبات، فليس عليكم مؤنتها. # وقرىء " تأكل " بالرفع: إما على الاستئناف، وإما على الحال. # { ولا تمسوها بسوء } ، ولا تصيبوها بعقر " فيأخذكم " إن ~~قتلتموها " عذاب قريب " يريد اليوم الثالث. # { فعقروها فقال } لهم صالح: { تمتعوا في داركم } ~~أي: في دياركم، فالمراد بالدار: البلد، وتسمى البلاد بالديار، ~~لأنه يدار فيها، أي: يتصرف، يقال: ديار بكر أي: بلادهم. # وقيل: المراد بالديار: دار الدنيا، وقيل: هو جمع " دارة " كساحة ~~وساح وسوح، وأنشد ابن أبي الصلت: [الوافر] # 2980- له داع بمكة مشمعل # وآخر فوق دارته ينادي # فصل # قال القرطبي: " استدل العلماء بتأخير الله العذاب عن قوم صالح ~~ثلاثة أيام على أن المسافر إذا لم يجمع على إقامة أربع ليال قصر؛ ~~لأن الثلاثة أيام خارجة عن حكم الإقامة ". # والتمتع: التلذذ بالمنافع والملاذ. ms4818 { ذلك وعد غير ~~مكذوب } ، [أي: غير كذب]. # قوله: " مكذوب " يجوز أن يكون مصدرا على زنة مفعول، وقد جاء منه ~~أليفاظ نحو: المجلود والمعقول والميسور والمفتون، ويجوز أن ~~يكون اسم مفعول على بابه، وفيه حينئذ تأويلان: # أحدهما: غير مكذوب فيه، ثم حذف حرف الجر فاتصل الضمير مرفوعا ~~مستترا في الصفة ومثله " يوم مشهود " وقول الشاعر: [الطويل] # 2981- ويوم شهدناه سليما وعامرا # قليل سوى الطعن النهال نوافله # والثاني: أنه جعل هو نفسه غير مكذوب؛ لأنه قد وفي به، فقد صدق. # فصل # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: " لما أمهلهم ثلاثة أيام، قالوا ~~وما علامة ذلك؟ قال: تصبحوا في اليوم الأول وجوهكم مصفرة، وفي اليوم ~~الثاني محمرة وفي اليوم الثالث مسودة، ثم يأتيكم العذاب في اليوم ~~الرابع فكان كما قال ". # فإن قيل: كيف يعقل أن تظهر هذه العلامات مطابقة لقول صالح، ثم يبقون ~~مصرين على الكفر؟ فالجواب: ما دامت الأمارات غير بالغة إلى حد اليقين ~~لم يمتنع بقاؤهم على الكفر وإذا صارت يقينية قطعية، فقد انتهى الأمر ~~إلى حد الإلجاء، والإيمان في ذلك الوقت غير مقبول. # قوله { فلما جآء أمرنا } أي: عذابنا، وتقدم الكلام على ~~مثله. # قوله: { ومن خزي } متعلق بمحذوف، أي: ونجيناهم من خزي. ~~وقال الزمخشري: فإن قلت: علام عطف؟ قلت: على " نجينا "؛ لأن ~~تقديره: ونجيناهم من خزي يومئذ كما قال: # ونجيناهم من عذاب غليظ # [هود:58] أي: وكانت التنجية من خزي. وقال غيره: " إنه متعلق ب " ~~نجينا " الأول ". # وهذا لا يجوز عند البصريين غير الأخفش؛ لأن زيادة الواو غير ثابتة. # وقرأ نافع والكسائي بفتح ميم " يومئذ " على أنها حركة بناء ~~لإضافته إلى غير متمكن؛ كقوله: [الطويل] # 2982- على حين عاتبت المشيب على الصبا # فقلت ألما أصح والشيب وازع # وقرأ الباقون: بخفض الميم. # فمن قرأ بالفتح فعلى أن " يوم " مضاف إلى " إذ " ، و " إذ " مبني، ~~والمضاف إلى المبني يجوز جعله مبنيا، ألا ترى أن المضاف يكتسب من ~~المضاف إليه التعريف فكذا ههنا، وأما الكسر: فالسبب فيه أنه يضاف ~~إلى الجملة من المبتدأ والخبر، تقول: " جئتك ms4819 إذ الشمس طالعة " ، ~~فلما قطع عنه المضاف إليه نون ليدل التنوين على ذلك ثم كسرت الذال ~~لسكونها وسكون التنوين. # وأما قراءة الكسر فعلى إضافة " الخزي " إلى " اليوم " ، ولم يلزم من ~~إضافته إلى المبني أن يكون مبنيا لأن إضافته غير لازمة. # وكذلك الخلاف جار في # سأل سآئل # [المعارج:11]. # وقرأ طلحة وأبان بن تغلب بتنوين " خزي " و " يومئذ " نصب على ~~الظرف ب " الخزي " ، وقرأ الكوفيون ونافع في النمل # من فزع يومئذ # [الآية:89] بالفتح أيضا، والكوفيون وحدهم بتنوين " فزع " ونصب " ~~يومئذ " به. # ويحتمل في قراءة من نون ما قبل " يومئذ " أن تكون الفتحة فتحة ~~إعراب، أو فتحة بناء، و " إذ " مضافة لجملة محذوفة عوض عنها ~~التنوين تقديره: إذ جاء أمرنا. # وقال الزمخشري: ويجوز أن يراد يوم القيامة، كما فسر العذاب ~~الغليظ بعذاب الآخرة. # قال أبو حيان: وهذا ليس بجيد؛ لأنه لم يتقدم ذكر يوم القيامة، ~~ولا ما يكون فيها، فيكون هذا التنوين عوضا عن الجملة التي تكون يوم ~~القيامة. # قال شهاب الدين - رحمه الله -: قد تكون الدلالة لفظية، وقد ~~تكون معنوية، وهذه من المعنوية. # والخزي: الذل العظيم حتى يبلغ حد الفضيحة كما قال الله تعالى في ~~المحاربين: # ذلك لهم خزي في الدنيا # [المائدة:33]. # ثم قال: { إن ربك هو القوي العزيز } وإنما حسن ذلك، لأنه ~~تعالى بين أنه أوصل العذاب إلى الكافر وصان أهل الإيمان عنه، وهذا لا ~~يصح إلا من القادر الذي يقدر على قهر طبائع الأشياء، فيجعل ~~الشيء الواحد بالنسبة إلى إنسان بلاء وعذابا، وبالنسبة إلى إنسان ~~آخر راحة وريحانا. # قوله: { وأخذ الذين }: حذفت تاء التأنيث: إما لكون ~~المؤنث مجازيا، أو للفصل بالمفعول أو لأن الصيحة بمعنى الصياح، ~~والصيحة: فعله يدل على المرة من الصياح، وهي الصوت الشديد: صاح ~~يصيح صياحا، أي: صوت بقوة. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: المراد الصاعقة. وقيل: صيحة ~~عظيمة هائلة سمعوها فهلكوا جميعا فأصبحوا جاثمين في دورهم. # وجثومهم: سقوطهم على وجوههم. # وقيل: الجثوم: السكون، يقال للطير إذا باتت في أوكارها إنها ~~جثمت، ثم إن العرب أطلقوا ms4820 هذا اللفظ على ما لا يتحرك من الموات. # فإن قيل: ما السبب في كون الصيحة موجبة للموت؟. # فالجواب من وجوه: أحدها: أن الصيحة العظيمة إنما تحدث عن سبب قوي ~~يوجب تموج الهواء، وذلك التموج الشديد ربما يتعدى إلى صمخ الإنسان ~~فيمزق غشاء الدماغ فيورث الموت. # وثانيها: أنه شيء مهيب فتحدث الهيبة العظيمة عند حدوثها والأعراض ~~النفسانية إذا قويت أوجبت الموت. # وثالثها: أن الصيحة العظيمة إذا حدثت من السحاب فلا بد وأن يصحبها ~~برق شديد محرق، وذلك هو الصاعقة التي ذكرها ابن عباس - رضي الله ~~عنهما -. # ثم قال تعالى: { كأن لم يغنوا فيهآ } كأنهم لم يوجدوا. ~~والمغنى المقام الذي يقيم الحي فيه يقال: غني الرجل بمكان كذا إذا ~~أقام به. # قوله: { ألا إن ثمود } قرأ حمزة وحفص هنا { ألا إن ثمود ~~} ، وفي الفرقان: # وعادا وثمودا # [الآية:38] وفي العنكبوت: # وعادا وثمود وقد تبين لكم # [الآية:37]، وفي النجم: # وثمود فمآ أبقى # [الآية:51] جميع ذلك بمنع الصرف، وافقهم أبو بكر على الذي في النجم. # وقوله: { ألا بعدا لثمود } منعه القراء الصرف إلا ~~الكسائي فإنه صرفه، وقد تقدم أن من منع الصرف جعله اسما ~~للقبيلة، ومن صرف جعله اسما للحي، أو إلى الأب الأكبر؛ وأنشد على ~~المنع: [الوافر] # 2983- ونادى صالح يا رب أنزل # بآل ثمود منك غدا عذابا # وأنشد على الصرف قوله: [الطويل] # 2984- دعت أم عمرو أمر شر علمته # بأرض ثمود كلها فأجابها # وقد تقدم الكلام على اشتقاق هذه اللفظة في سورة الأعراف. ### || [11.69-76] # قوله: { ولقد جآءت رسلنآ إبراهيم بالبشرى } ~~القصة. # قال النحويون: دخلت كلمة " قد " هاهنا لأن السامع لقصص الأنبياء - ~~عليهم الصلاة والسلام - يتوقع قصة بعد قصة، و " قد " للتوقع، ودخلت ~~اللام في " لقد " تأكيدا للخبر. # فصل # لفظ " رسلنا " جمع وأقله ثلاثة، فهذا يدل على أنهم كانوا ثلاثة، ~~والزائد على هذا العدد لا يثبت إلا بدليل آخر، وأجمعوا على أن ~~الأصل فيهم كان جبريل - عليه السلام -. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: " كانوا ثلاثة جبريل، وميكائيل، ~~وإسرافيل، وهم المذكورون في الذاريات # هل أتاك حديث ms4821 ضيف إبراهيم # [الذاريات:24] وفي الحجر # ونبئهم عن ضيف إبراهيم # [الحجر:51]. # وقال الضحاك: " كانوا تسعة ". وقال محمد بن كعب - رضي الله عنه - " ~~كان جبريل ومعه سبعة " وقال السدي: " أحد عشر ملكا " وقال مقاتل: " ~~كانوا اثني عشر ملكا على صور الغلمان الوضاء وجوههم ". # " بالبشرى " بالبشارة بإسحاق ويعقوب وقيل: بسلامة لوط، وإهلاك ~~قومه. # قوله: { قالوا سلاما }: في نصبه وجهان: # أحدهما: أنه مفعول به، ثم هو محتمل لأمرين: # أحدهما: أن يراد قالوا هذه اللفظ بعينه، وجاز ذلك لأنه يتضمن معنى ~~الكلام. # الثاني: أنه أراد قالوا معنى هذا اللفظ، وقد تقدم نحو ذلك في قوله ~~تعالى: # وقولوا حطة # [البقرة:58]. # وثاني الوجهين: أن يكون منصوبا على المصدر بفعل محذوف، وذلك الفعل في ~~محل نصب بالقول، تقديره: قالوا: سلمنا سلاما، وهو من باب ما ناب ~~فيه المصدر عن العامل فيه، وهو واجب الإضمار. # قوله: " سلام " في رفعه وجهان: # أحدهما: أنه مبتدأ وخبره محذوف، أي: سلام عليكم. # والثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف أي: أمري أو قولي سلام. # وقد تقدم أن الرفع أدل على الثبوت من النصب [الفاتحة:2]، ~~والجملة بأسرها - وإن كان أحد جزأيها محذوفا - في محل نصب بالقول؛ ~~كقوله: [الطويل] # 2985- إذا ذقت فاها قلت: طعم مدامة # ..................... # وقرأ الأخوان: " قال سلم " هنا وفي سورة الذاريات بكسر السين ~~وسكون اللام. # ويلزم بالضرورة سقوط الألف، قال الفراء: " هما لغتان كحرم ~~وحرام وحل وحلال "؛ وأنشد [الطويل] # 2986- مررنا فقلنا: إيه سلم فسلمت # كما اكتل بالبرق الغمام اللوائح # يريد: سلام؛ بدليل: فسلمت. # وقال الفارسي: " السلم " بالكسر ضد الحرب، وناسب ذلك لأنهم لما ~~امتنعوا من تناول ما قدمه إليهم، أنكرهم، وأوجس منهم خيفة، فقال: أنا ~~سلم، أي: مسالمكم غير محارب لكم، فلم تمتنعوا من تناول طعامي؟ # قال ابن الخطيب - رحمه الله -: وهذا بعيد؛ لأن على هذا التقدير ~~ينبغي أن يكون تكلم إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - بهذا اللفظ بعد ~~إحضار الطعام، والقرآن يدل على أن هذا الكلام قبل إحضار الطعام؛ ~~لأنه تعالى قال: { قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن ~~جآء بعجل حنيذ } والفاء للتعقيب، فدل ms4822 على أن مجيئه ~~بالعجل الحنيذ بعد السلام. # فصل # أكثر ما يستعمل " سلام عليكم " منكرا؛ لأنه في معنى الدعاء ~~كقولهم: خير بين يديك. # فإن قيل: كيف جاز الابتداء بالنكرة؟. # فالجواب: إذا وصفت جاز، فإذا قلت: " سلام عليكم " فالتنكير هنا ~~يدل على الكمال والتمام، فكأنه سلام كامل تام عليك، ونظيره قوله ~~تعالى: # سلام عليك سأستغفر لك ربي # [مريم:47] وقوله: # سلام قولا من رب رحيم # [يس:58] وقوله: # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام ~~عليكم # [الرعد:23، 24]. # وأما قوله: # والسلام على من اتبع الهدى # [طه:47] فالمراد منه الماهية والحقيقة. # قال ابن الخطيب: قوله: " سلام عليكم " أكمل من قوله: " ~~السلام عليكم "؛ لأن التنكير يفيد المبالغة والتمام، ~~والتعريف لا يفيد إلا الماهية. # قوله: " فما لبث " يجوز في " ما " هذه ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنها نافية، وفي فاعل " لبث " حينئذ وجهان: # أحدهما: أنه ضمير إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - أي: فما لبث ~~إبراهيم، وإن جاء على إسقاط الخافض، فقدروه بالباء و ب " عن " وب ~~" في " ، أي: فما تأخر في أن، أو بأن، أو عن أن. # والثاني: أن الفاعل قوله: " أن جاء " ، والتقدير: فما لبث، أي: ~~ما أبطأ ولا تأخر مجيئه بعجل سمين. # وثاني الأوجه: أنها مصدرية. # وثالثها: أنها بمعنى الذي. وهي في الوجهين الأخيرين مبتدأ، وإن جاء ~~خبره على حذف مضاف تقديره: فلبثه - أو الذي لبثه - قدر مجيئه. # قال القرطبي: قوله: " أن جاء " معناه: حتى جاء. # والحنيذ: المشوي بالرضف في أخدود كفعل أهل البادية يشوون في ~~حفرة من الأرض بالحجارة المحماة، يقال: حنذت الشاة أحنذها ~~حنذا فهي حنيذ، أي: محنوذة. # وقيل: حنيذ بمعنى يقطر دسمه من قولهم: حنذت الفرس، أي: ~~سقته شوطا أو شوطين وتضع عليه الجل في الشمس ليعرق. # ثم قال: { فلما رأى أيديهم لا تصل إليه } أي: إلى ~~العجل. وقال الفراء: إلى الطعام وهو العجل. # قوله: " نكرهم " أي: أنكرهم، فهما بمعنى واحد؛ وأنشدوا: [البسيط] # 2987- وأنكرتني وما كان الذي نكرت # من الحوادث إلا الشيب والصلعا # وفرق بعضهم بينهما فقال: الثلاثي فيما يرى بالبصر، والرباعي فيما ~~لا يرى من ms4823 المعاني، وجعل البيت من ذلك، فإنها أنكرت مودته وهي من ~~المعاني التي لا ترى، ونكرت شيبته وصلعه، وهما يبصران؛ ~~ومنه قول أبي ذؤيب: [الكامل] # 2988- فنكرته فنفرت وامترست به # هوجاء هادية وهاد جرشع # والإيجاس: حديث النفس، وأصله من الدخول كأن الخوف داخله. # وقال الأخفش: " خامر قلبه ". وقال الفراء: " استشعر وأحس ". # والوجس: ما يعتري النفس أوائل الفزع، ووجس في نفسه كذا أي: خطر ~~بها، يجس وجسا ووجوسا ووجيسا، ويوجس ويجس بمعنى ~~يسمع؛ وأنشدوا على ذلك قوله: [الطويل] # 2989- وصادقتا سمع التوجس للسرى # للمح خفي أو لصوت مندد # و " خيفة " مفعول به أي: أحس خيفة أو أضمر خيفة. # فصل # اعلم أن الأضياف إنما امتنعوا عن الطعام؛ لأنهم ملائكة، ~~والملائكة لا يأكلون، ولا يشربون، وإنما أتوه في صورة الأضياف، ~~ليكونوا على صفة يحبها؛ لأنه كان يحب الضيافة، وأما إبراهيم، فإما أن ~~يقال: إنه ما كان يعلم أنهم ملائكة بل كان يعتقد أنهم من البشر، أو ~~يقال: إنه كان عالما بأنهم ملائكة، فعلى الأول فسبب خوفه أمران: # أحدهما: أنه كان ينزل في طرف من الأرض بعيدا عن الناس، فلما ~~امتنعوا عن الأكل، خاف أن يريدوا به مكروها. # والثاني: أن من لا يعرفه إذا حضر، وقدم إليه طعاما، فإن أكل حصل ~~الأمن، وإن لم يأكل، حصل الخوف. # وإن كان عارفا بأنهم ملائكة، فسبب خوفه أمران: # أحدهما: أنه خاف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله تعالى عليه. # والثاني: أنه خاف أن يكون نزولهم لتعذيب قومه. # والأول أقرب؛ لأنه سارع إلى إحضار الطعام، ولو عرف كونهم من الملائكة ~~لما فعل ذلك، ولما استدل بترك الأكل على حصول الشر، وأيضا: ~~فإنه رآهم في صورة البشر، قالوا: لا تخف يا إبراهيم، إنا ملائكة ~~الله، أرسلنا إلى قوم لوط. # فصل # في هذه القصة دليل على تعجيل قرى الضيف، وعلى تقديم ما يتيسر من ~~الموجود في الحال، ثم يتبعه بغيره، إن كان له جدة، ولا يتكلف ما ~~يضر به، والضيافة من مكارم الأخلاق، وإبراهيم أول من أضاف، وليست ~~الضيافة بواجبة عند عامة أهل ms4824 العلم؛ قال - عليه الصلاة والسلام -: # " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ~~ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه ". # وإكرام الجار ليس بواجب، فكذلك الضيف، # " وفي الضيافة الواجبة يقول - عليه الصلاة والسلام -: ليلة ~~الضيف حق. " # وقال ابن العربي: وقد قال قوم: إن الضيافة كانت واجبة في صدر ~~الإسلام، ثم نسخت. # فصل # اختلفوا في المخاطب بالضيافة، فذهب الشافعي، ومحمد بن عبد الحكم ~~إلى أن المخاطب بها أهل الحضر والبادية. وقال مالك: ليس على أهل الحضر ~~ضيافة. # قال سحنون: إنما الضيافة على أهل القرى، وأما أهل الحضر، ~~فالفندق ينزل فيه المسافر؛ لما روى ابن عمر قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " الضيافة على أهل الوبر، وليست على أهل المدر ". # قال القرطبي: " قال أبوعمر بن عبد البر: وهذا حديث لا يصح " قال ~~ابن العربي: " الضيافة حقيقة فرض على الكفاية ". # فصل # ومن أدب الضيافة أن يبادر المضيف بالأكل؛ لأن كرامة الضيف ~~التعجيل بتقديم الضيافة، كما فعل إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - ~~ولما قبضوا أيديهم نكرهم إبراهيم فإذا أكل المضيف، طاب نفس الضيف ~~للأكل. # قوله: { وامرأته قآئمة } في محل نصب على الحال من مرفوع: " ~~أرسلنا ". # وقال أبو البقاء: من ضمير الفاعل في " أرسلنا ". وهي عبارة غير ~~مشهورة، إذ مفعول ما لم يسم فاعله لا يطلق عليه فاعل على ~~المشهور، وعلى الجملة فجعلها حالا غير واضح بل هي استئناف إخبار، ~~ويجوز جعلها حالا من فاعل " قالوا " أي: قالوا ذلك في حال قيام ~~امرأته، وهي ابنة عم إبراهيم. # وقوله: " وهي قائمة " أي تخدم الأضياف؛ وإبراهيم جالس معهم، يؤكد ~~هذا التأويل قراءة ابن مسعود: " وامرأته قائمة وهو قاعد ". # قوله: " فضحكت " العامة على كسر الحاء وقرأ محمد بن زياد ~~الأعرابي - رجل من مكة - بفتحها وهي لغتان، يقال: ضحك وضحك، وقال ~~المهدوي: " الفتح غير معروف " ، والجمهور على أن الضحك على ~~بابه. # واختلف المفسرون في سببه فقال القاضي: إن إبراهيم - عليه الصلاة ~~والسلام - لما خاف قالت الملائكة { لا تخف إنا أرسلنا إلى ~~قوم لوط } فعظم سرورها بسبب سروره، ms4825 وفي مثل هذه الحالة قد يضحك ~~الإنسان، فكان ضحكها بسبب قول الملائكة لإبراهيم " لا تخف " فكان ~~كالبشارة فقيل لها: نجعل هذه البشارة أيضا بحصول الولد الذي كنتم ~~تطلبونه من أول العمر إلى هذا الزمان، وقيل: لما كانت عظيمة ~~الإنكار على قوم لوط لكفرهم وعملهم الخبيث، فلما أخبروا أنهم جاءوا ~~لإهلاكهم، لحقها السرور، فضحكت. # وقيل: بشروها بحصول مطلق الولد فضحكت إما تعجبا فإنه ~~يقال: إنها كانت في ذلك الوقت بنت تسع وتسعين سنة وإبراهيم - عليه ~~الصلاة والسلام - ابن مائة سنة، وإما على سبيل السرور، ثم لما ضحكت ~~بشرها الله - تعالى - بأن ذلك الولد هو إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب. # وقيل: إنها ضحكت من خوف إبراهيم من ثلاثة نفر حال ما كان معه حشمه ~~وخدمه. # وقيل: هذا على التقديم والتأخير تقديره: وامرأته قائمة فبشرناها ~~بإسحاق، فضحكت سرورا بتلك البشارة، فقدم الضحك، ومعناه التأخير، ~~يقال ضحكت الأرنب، بمعنى: حاضت. # وقال مجاهد وعكرمة: " ضحكت " بمعنى: حاضت. وأنكره أبو عبيدة، ~~وأبو عبيد، والفراء. # قال ابن الأنباري: " هذه اللغة إن لم يعرفها هؤلاء فقد عرفها ~~غيرهم، حكى الليث - رحمه الله - في هذه الآية " فضحكت " طمثت، ~~وحكى الأزهري - عن بعضهم - أن أصله: من ضحاك الطلعة، يقال: ~~ضحكت الطلعة إذا انشقت، وأنشدوا: [المتقارب] # 2990- وضحك الأرانب فوق الصفا # كمثل دم الجوف يوم اللقا # وقال آخر: [الطويل] # 2991- وعهدي بسلمى ضاحكا في لبانة # ولم يعد حقا ثديها أن تحلما # أي: حائضا. # وضحكت الكافورة: تشققت. وضحكت الشجرة: سال ~~صمغها، وضحك الحوض: امتلأ وفاض وظاهر كلام أبي البقاء أن " ~~ضحك " بالفتح مختص بالحيض فإنه قال: " بمعنى حاضت يقال: ~~ضحكت الأرنب بفتح الحاء ". # قوله: { ومن ورآء إسحاق يعقوب } قرأ ابن عامر وحمزة وحفص ~~عن عاصم بفتح الباء، والباقون برفعها. # فأما القراءة الأولى فاختلفوا فيها، هل الفتحة علامة نصب أو علامة ~~جر؟ والقائلون بأنها علامة نصب اختلفوا، فقيل: هو منصوب عطفا على ~~قوله: " إسحاق ". قال الزمخشري: كأنه قيل: ووهبنا له ~~إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب على طريقة قوله: [الطويل] # 2992- مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة # ولا ناعب............................. ms4826 # يعنى أنه عطف على التوهم فنصب، كما عطف الشاعر على توهم وجود ~~الباء في خبر " ليس " فجر، ولكنه لا ينقاس. # وقيل: منصوب بفعل مقدر، أي: ووهبنا يعقوب وهو على هذا غير ~~داخل في البشارة ورجحه الفارسي. # وقيل: هو منصوب عطفا على محل " بإسحاق "؛ لأن موضعه نصب كقوله: ~~" وأرجلكم " بالنصب عطفا على # برؤوسكم # [المائدة:6]. # والفرق بين هذا والوجه الأول: أن الأول ضمن الفعل معنى: " ~~وهبنا " توهما، وهنا باق على مدلوله من غير توهم. # ومن قال بأنه مجرور جعله عطفا على " بإسحاق " والمعنى: أنها ~~بشرت بهما. # وفي هذا الوجه والذي قبله بحث: وهو الفضل بالظرف بين حرف العطف، ~~والمعطوف، وقد تقدم ذلك مستوفى في النساء. # ونسب مكي الخفض للكسائي ثم قال: " وهو ضعيف إلا بإعادة الخافض؛ ~~لأنك فصلت بين الجار والمجرور بالظرف ". قوله: " بإعادة الخافض " ليس ~~ذلك لازما، إذ لو قدم ولم يفصل لم يلتزم الإتيان به. # وأما قراءة الرفع ففيها أوجه: # أحدها: أنه مبتدأ وخبره الظرف السابق فقدره الزمخشري " موجود أو ~~مولود " وقدره غيره ب: كائن ولما حكى النحاس هذا قال: " الجملة ~~حال داخلة في البشارة أي: فبشرناها بإسحاق متصلا به يعقوب ". # والثاني: أنه مرفوع على الفاعلية بالجار قبله، وهذا يجيء على رأي ~~الأخفش. # والثالث: أن يرتفع بإضمار فعل أي: ويحدث من وراء إسحاق يعقوب، ولا ~~مدخل له في البشارة. # والرابع: أنه مرفوع على القطع يعنون الاستئناف، وهو راجع لأحد ~~ما تقدم من كونه مبتدأ وخبرا، أو فاعلا بالجار بعده، أو بفعل ~~مقدر. # وفي لفظ " وراء " قولان: # أظهرهما: وهو قول الأكثرين أن معناه " بعد " أي: بعد إسحاق يعقوب ~~ولا مدخل له في البشارة. # والثاني: أن الوراء: ولد الولد. # فصل # ذكر المفسرون أن " إسحاق " ولد ولأبيه مائة سنة بعد أخيه إسماعيل ~~بأربع عشرة سنة وكان عمر أمه سارة حين بشرت به تسعين سنة. وذكر أهل ~~الكتاب أن إسحاق لما تزوج ربقة بنت شاويل في حياة أبيه كان عمره ~~أربعين سنة، وأنها كانت عاقرا فدعا الله لها فحملت فولدت غلامين ~~توءمين؛ أولهما سموه ms4827 عيصو، وتسمية العرب " العيص " وهو والد ~~الروم الثانية، والثاني خرج وهو آخذ بعقب أخيه فسموه يعقوب، وهو ~~إسرائيل الذي ينسب إليه بنو إسرائيل. # قوله: { قالت يويلتا } الظاهر كون الألف بدلا من ياء ~~المتكلم ولذلك أمالها أبو عمرو وعاصم في رواية، وبها قرأ الحسن " يا ~~ويلتي " بصريح الياء. وقيل: هي ألف الندبة، ويوقف عليها بهاء ~~السكت. وكذلك الألف في " يا ويلتا " و " يا عجبا ". # قال القفال - رحمه الله -: أصل الويل هو الخزي، ويقال: ويل ~~لفلان، أي الخزي والهلاك. # [قال سيبويه: " ويح " زجر لمن أشرف على الهلاك، و " ويل " ] لمن ~~وقع فيه. # قال الخليل: ولم أسمع على مثاله إلا " ويح " ، و " ويد " ، ~~و " ويه " ، وهذه كلمات متقاربة في المعنى. # قوله: " أألد " قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو " آلد " بهمزة ومدة، ~~والباقون: بهمزتين بلا مد وقوله: { وأنا عجوز وهذا بعلي ~~شيخا } الجملتان في محل نصب على الحال من فاعل " ألد " أي: كيف ~~تقع الولادة في هاتين الحالتين المنافيتين لها؟. # والجمهور على نصب " شيخا " وفيه وجهان: # المشهور أنه حال، والعامل فيه: إما التنبيه وإما الإشارة. ~~وإما كلاهما. # والثاني: أنه منصوب على خبر التقريب عند الكوفيين، وهذه الحال ~~لازمة عند من لا يجهل الخبر، وأما من جهله فهي غير لازمة. # وقرأ ابن مسعود والأعمش وكذلك في مصحف ابن مسعود " شيخ " ~~بالرفع، وذكروا فيه أوجها: إما خبر بعد خبر، أو خبران في معنى خبر ~~واحد نحو: هذا حلو حامض، أو خبر " هذا " و " بعلي " بيان، أو بدل، ~~أو " شيخ " بدل من " بعلي " ، أو " بعلي " مبتدأ و " شيخ " ~~خبره، والجملة خبر الأول، أو " شيخ " خبر مبتدأ مضمر أي: هو شيخ. # والشيخ يقابله عجوز، ويقال: شيخة قليلا؛ كقوله: [الطويل] # 2993- وتضحك مني شيخة عبشمية # ................................. # وله جموع كثيرة، فالصريح منها: أشياخ وشيوخ وشيخان، وشيخة عند ~~من يرى أن فعلة جمع لا اسم جمع كغلمة وفتية. # ومن أسماء جمعه: مشيخة وشيخة ومشيوخا. # وبعلها: زوجها، سمي بذلك لأنه قيم أمرها. # قال الواحدي: وهذا من لطيف النحو وغامضه فإن كلمة " هذا " ~~للإشارة، فكان ms4828 قوله { وهذا بعلي شيخا } قائم مقام أن يقال: ~~أشير إلى بعلي حال كونه شيخا. # والمقصود: تعريف هذه الحالة المخصوصة وهي الشيخوخة. # ثم قال: { إن هذا لشيء عجيب }. # فإن قيل: كيف تعجبت من قدرة الله - تعالى - والتعجب من ~~قدرة الله يدل على الجهل بقدرة الله تعالى؛ وذلك يوجب ~~الكفر؟. # فالجواب: أنها إنما تعجبت بحسب العرف والعادة لا بحسب القدرة، ~~فإن الرجل المسلم لو أخبره رجل آخر صادق بأن الله - تعالى - ~~يقلب هذا الجبل إبريزا، فلا شك أنه يتعجب نظرا إلى العادة لا ~~استنكارا للقدرة. # ثم قالت الملائكة: { أتعجبين من أمر الله } أي: لا تعجبي ~~من أمر الله، فإن الله إذا أراد شيئا كان. # قوله: { رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت } ~~أي: بيت إبراهيم - صلوات الله وسلامه عليه - والمعنى: رحمة الله عليكم ~~متكاثرة، وبركاته عندكم متوالية متعاقبة، وهي النبوة، والمعجزات ~~القاهرة، فإذا خرق الله العادة في تخصيصكم بهذه الكرامات العالية ~~الرفيعة، فلا تعجبي من ذلك. وقيل: هذا على معنى الدعاء من ~~الملائكة. # وقيل: على معنى الخير والرحمة والنعمة. و " البركات " جمع ~~البركة وهي ثبوت الخير. # فإن قيل: ما الحكمة في إفراد الرحمة وجمع البركات، وكذلك إفراد ~~السلام في التشهد وجمع البركات؟. # فالجواب: قد تقدم في سورة البقرة عند قوله: # أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة # [البقرة:157]. # وقال ابن القيم - هنا - إن السلام إما مصدر محض، فهو شيء ~~واحد، فلا معنى لجمعه، وإما اسم من أسماء الله - تعالى - فيستحيل ~~أيضا جمعه، وعلى التقديرين لا سبيل لجمعه. # وأما الرحمة فمصدر كما تقدم، وأما البركة: فإنها لما كانت ~~تتجدد شيئا بعد شيء كان لفظ الجمع أولى بها؛ لدلالتها على المعنى ~~المقصود بها، ولهذا جاءت في القرآن كهذه الآية، وكذلك السلام في ~~التشهد، وهو قوله: السلام عليكم أيها النبي ورحمة الله وبركاته. # وقوله: " عليكم " حكى سيبويه " عليكم " بكسر الكاف لمجاورتها ~~الياء نقله القرطبي وفيه دليل على أن الأزواج من أهل البيت. # قوله: " أهل البيت " في نصبه وجهان: # أحدهما: أنه منادى. # والثاني: أنه منصوب على المدح. وقيل: ms4829 على الاختصاص، وبين النصبين ~~فرق: وهو أن المنصوب على المدح لفظ والمنصوب على الاختصاص لا يكون ~~إلا لمدح، أو ذم، لكن لفظه لا يتضمن بوضعه المدح، ولا الذم؛ ~~كقوله: [الرجز] # 2994- بنا تميما يكشف الضباب # كذا قاله أبو حيان، واستند إلى أن سيبويه جعلهما في بابين، وفيه ~~نظر. ثم قال: إنه حميد مجيد، فالحميد: المحمود، والمجيد: فعيل، مثال ~~مبالغة من مجد يمجد مجدا ومجادة، ويقال: مجد ك: شرف ~~وأصله: الرفعة. # وقيل: من مجدت الإبل تمجد مجادة ومجدا، أي: شبعت؛ ~~وأنشدوا لأبي حية النميري: [الوافر] # 2995- تزيد على صواحبها وليست # بماجدة الطعام ولا الشراب # [أي]: ليست بكثيرة الطعام ولا الشراب. # وقيل: مجد الشيء: أي: حسنت أوصافه. # وقال الليث - رحمه الله -: " أمجد فلان عطاءه ومجده أي: ~~كثره ". # والمجيد: الماجد، وهو ذو الشرف والكرم. # قوله: { فلما ذهب عن إبراهيم الروع } ، أي: الفزع؛ ~~قال الشاعر: [الطويل] # 2996- إذا أخذتها هزة الروع أمسكت # بمنكب مقدام على الهول أروعا # يقال: راعه يروعه، أي: أفزعه؛ قال عنترة: [الكامل] # 2997- ما راعني إلا حمولة أهلها # وسط الديار تسف حب الخمخم # وارتاع: افتعل منه؛ قال النابغة: [البسيط] # 2998- فارتاع من صوت كلاب فبات له # طوع الشوامت من خوف ومن صرد # وأما الروع - بالضم - فهي النفس لأنها محل الروع. ~~ففرقوا بين الحال والمحل؛ وفي الحديث: # " إن روح القدس نفث في روعي ". # قوله: { وجآءته البشرى } عطف على " ذهب " ، وجواب " لما ~~" على هذا محذوف أي: فلما كان كيت وكيت اجترأ على خطابهم، أو فطن ~~لمجادلتهم، وقوله: " يجادلنا " على هذا جملة مستأنفة، وهي ~~الدالة على ذلك الجواب المحذوف. # وقيل: تقدير الجواب: أقبل يجادلنا، أو أخذ يجادلنا، ف " ~~يجادلنا " على هذا حال من فاعل " أقبل ". # وقيل: جوابها قوله: " يجادلنا " وأوقع المضارع موقع الماضي. # وقيل: الجواب قوله: { وجآءته البشرى } والواو زائدة. وقيل: ~~" يجادلنا " حال من " إبراهيم " ، وكذلك قوله: { وجآءته ~~البشرى } و " قد " مقدرة. ويجوز أن يكون " يجادلنا " ~~حالا من ضمير المفعول في " جاءته ". و " في قوم لوط " أي: في ~~شأنهم. # قوله: { فلما ذهب عن إبراهيم الروع }. # هذا أول قصة قوم ms4830 لوط، والمعنى: أنه لما زال الخوف وحصل ~~السرور بسبب مجيء البشرى بحصول الولد، أخذ يجادلنا أي: رسلنا، ~~بمعنى: يكلمنا؛ لأن إبراهيم - صلوات الله وسلامه عليه - لا يجادل ربه، ~~إنما يسأله ويطلب إليه بدليل مدحه عقيب الآية بقوله: { إن ~~إبراهيم لحليم أواه منيب } ولو كان جدلا مذموما لما ~~مدحه بهذا المدح العظيم، وكانت مجادلته أن قال للملائكة: أرأيتم لو كان ~~في مدائن لوط خمسون رجلا من المؤمنين أتهلكونها قالوا: لا. # قال: أو أربعون. قالوا: لا. # قال: أو ثلاثون. قالوا لا. حتى بلغ العشرة. # قالوا: لا. قال: أرأيتم لو كان فيها رجل مسلم أتهلكونها؟ قالوا: لا. ~~فعند ذلك # قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها ~~لننجينه وأهله إلا امرأته # [العنكبوت:32]. # ثم قال تعالى: { إن إبراهيم لحليم أواه منيب }. # والحليم: الذي لا يتعجل بمكافأة من يؤذيه، ومن كان كذلك فإنه ~~يتأوه إذا شاهد وصول الشدائد إلى الغير فلما رأي مجيء الملائكة ~~لإهلاك قوم لوط عظم حزنه، وأخذ يتأوه فوصفه، الله - تعالى - ~~بأنه منيب؛ لأن من ظهرت منه هذه الشفقة العظيمة على الخلق ~~فإنه يتوب ويرجع إلى الله - تعالى عز وجل - في إزالة ذلك ~~العذاب، أو يقال: من كان لا يرضى بوقوع غيره في الشدائد، فبأن لا ~~يرضى بوقوع نفسه فيها أولى، ولا طريق لتخليص النفس من عذاب الله ~~والوقوع فيه إلا بالتوبة والإنابة، فقالت الرسل عند ذلك لإبراهيم - ~~عليه الصلاة والسلام -: { يإبراهيم أعرض عن هذآ } أي: ~~أعرض عن هذا المقال، ف { إنه قد جآء أمر ربك } ، أي: ~~عذاب ربك وحكم ربك { إنهم آتيهم }: نازل بهم { عذاب ~~غير مردود } ، أي: غير مصروف عنهم. # قوله: { آتيهم عذاب } يجوز أن يكون جملة من مبتدأ وخبر في محل ~~رفع خبرا ل " إنهم " ، ويجوز أن يكون " آتيهم " الخبر " عذاب ~~" المبتدأ، وجاز ذلك لتخصصه بالوصف، ولتنكير " آتيهم "؛ لأن ~~إضافته غير محصنة. # ويجوز أن يكون " آتيهم " خبر " إن " ، و " عذاب " فاعل به، ~~ويدل على ذلك قراءة عمرو بن هرم " وإنهم أتاهم " بلفظ الفعل ~~الماضي. ### || [11.77-83] # قوله تعالى: { ولما ms4831 جآءت رسلنا لوطا } قال ابن عباس - ~~رضي الله عنهما -: انطلقوا من عند إبراهيم إلى " لوط " [و] بين ~~القريتين أربعة فراسخ، ودخلوا عليه على صورة غلمان مرد حسان الوجوه. # قوله: { سيء بهم } فعل مبني للمفعول، والقائم مقام الفاعل ~~ضمير " لوط " من قولك: " ساءني كذا " أي: حصل لي سوء، و " بهم ~~" متعلق به، أي: بسببهم، يقال: سؤته فسيء كما يقال: سررته فسر، ~~ومعناه: ساءه مجيئهم وساء يسوء فعل لازم. # قال الزجاج: " أصله " سوىء بهم " إلا أن الواو أسكنت ونقلت ~~كسرتها إلى السين ". # و " ذرعا " نصب على التمييز، وهو في الأصل مصدر ذرع البعير يذرع ~~بيديه في سيره إذا سار على قدر خطوه، اشتقاقا من الذراع، توسع فيه ~~فوضع موضع الطاقة والجهد. فقيل: ضاق ذرعه، أي طاقته؛ قال: [البسيط] # 2999-.............................. # فاقدر بذرعك وانظر أين تنسلك # وقد يقع الذراع موقعه؛ قال: [الوافر] # 3000- إذا التياز ذو العضلات قلنا # إليك إليك ضاق بها ذراعا # قيل: هو كناية عن ضيق الصدر. # وقوله: " عصيب " العصب والعصبصب والعصوب: اليوم الشديد ~~الكثير الشر، الملتف بعضه ببعض قال: [الوافر] # 3001- وكنت لزاز خصمك لم أعرد # وقد سلكوك في يوم عصيب # وعن أبي عبيدة: " سمي عصيبا؛ لأنه يعصب الناس بالشر ". ~~كأنه عصب به الشر والبلاء أي: حشدوا والعصابة: الجماعة من ~~الناس سموا بذلك لإحاطتهم إحاطة العصابة. # والمعنى: أن لوطا لما نظر إلى حسن وجوههم، وطيب روائحهم، أشفق ~~عليهم من قومه أن يقصدوهم بالفاحشة، وعلم أنه سيحتاج إلى المدافعة ~~عنهم، فلذلك ضاق بهم ذرعا أي: قلبا. # يقال: ضاق ذرع فلان بكذا، إذا وقع في مكروه، ولا يطيق الخروج ~~منه. # قوله: { وجآءه قومه يهرعون } " يهرعون " في محل نصب ~~على الحال. والعامة على " يهرعون " مبنيا للمفعول. وقرأت فرقة ~~بفتح الياء مبنيا للفاعل من لغة " هرع " والإهراع: الإسراع. # ويقال: هو المشي بين الهرولة والجمز. # وقال الهروي: هرع وأهرع: استحث. # وقيل: " الإهراع: هو الإسراع مع الرعدة ". # قيل: هذا من باب ما جاء بصيغة الفاعل على لفظ المفعول، ولا يعرف له ~~فاعل نحو: أولع فلان، وأرعد زيد، وزهي عمرو من ms4832 الزهو. # وقيل: لا يجوز ورود الفاعل على لفظ المفعول، وهذه الأفعال عرف ~~فاعلوها. فتأويل أولع فلان أي: أولعه حبه، وأرعد زيد أي: أرعده ~~غضبه، وزهي عمرو أي: جعله ما له زاهيا، وأهرع فلان أي: أهرعه ~~خوفه، أو حرصه. # فصل # روي أنه لما دخلت الملائكة دار لوط - عليه السلام - مضت امرأته ~~فقالت لقومه: دخل دارنا قوم ما رأيت أحسن منهم وجوها ولا أطيب منهم ~~رائحة ف " جاءه قومه " مسرعين { ومن قبل كانوا ~~يعملون السيئات } أي: من قبل مجيئهم إلى لوط كانوا يأتون ~~الرجال في أدبارهم، فقال لهم لوط - عليه السلام -: حين قصدوا أضيافه ~~فظنوا أنهم غلمان { يقوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم ~~} يعني: بالتزويج. # قوله: { هؤلاء بناتي } جملة برأسها، و { هن أطهر ~~لكم } جملة أخرى، ويجوز أن يكون " هؤلاء " مبتدأ، و " بناتي " ~~بدل أو عطف بيان، وهن مبتدأ، و " أطهر " خبره، والجملة خبر ~~الأول. ويجوز أن يكون " هن " فصلا، و " أطهر " خبر: إما ل " ~~هؤلاء " ، وإما ل " بناتي " والجملة خبر الأول. # وقرأ الحسن وزيد بن علي، وسعيد بن جبير، وعيسى بن عمر، والسدي ~~" أطهر " بالنصب، وخرجت على الحال، فقيل: " هؤلاء " مبتدأ، ~~و " بناتي هن " جملة في محل خبره، و " أطهر " حال، والعامل: ~~إما التنبيه وإما الإشارة. # وقيل: " هن " فصل بين الحال وصاحبها، وجعل من ذلك قولهم: " أكثر ~~أكلي التفاحة هي نضيجة " ومنعه بعض النحويين، وخرج الآية على أن " ~~لكم " خبر " هن " فلزمه على ذلك أن تتقدم الحال على عاملها ~~المعنوي، وخرج المثل المذكور على أن " نضيجة " منصوبة ب " ~~كان " مضمرة. # فصل # قال قتادة - رحمه الله -: " المراد بناته لصلبه " ، وكان في ذلك الوقت ~~تزويج المسلمة من الكافر جائزا كما زوج النبي - صلوات الله البر ~~الرحيم وسلامه عليه دائما أبدا - ابنته من عتبة بن أبي لهب، وزوج ~~ابنته الأخرى من أبي العاص بن الربيع قبل الوحي، وكانا كافرين. # وقال الحسن بن الفضل: عرض بناته عليهم بشرط الإسلام. # وقال مجاهد وسعيد بن جبير: أراد نساءهم، وأضاف إلى نفسه؛ لأن كل ~~نبي أبو أمته وفي ms4833 قراءة أبي بن كعب " # النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه ~~أمهاتهم # [الأحزاب:6] وهو أب لهم " وهذا القول أولى؛ لأن إقدام الإنسان على عرض ~~بناته على الأوباش والفجار أمر مستعبد لا يليق بأهل المروءة، فكيف ~~بالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -؟ وأيضا فبناته من صلبه لا تكفي ~~للجمع العظيم، أما بنات أمته ففيهن كفاية للكل، وأيضا: فلم يكن له ~~إلا بنتان، وإطلاق البنات على البنتين لا يجوز؛ لما ثبت أن أقل ~~الجمع ثلاثة؛ وقال بعضهم ذكر ذلك على سبيل الدفع لا على سبيل التحقيق. # فإن قيل: ظاهر قوله: { هن أطهر لكم } يقتضي كون عملهم ~~طاهرا، ومعلوم أنه فاسد؛ ولأنه لا طهارة في نكاح الرجل. # فالجواب: هذا جار مجرى قولنا: الله أكبر، والمراد: أنه كبير، ~~وكقوله: # أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم # [الصافات:62] ولا خير فيها، # " ولما قال أبو سفيان يوم أحد اعل هبل اعل هبل، قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم أعلى وأجل " # ولا مقاربة بين الله والصنم. # قوله: { ولا تخزون في ضيفي } قرأ أبو عمرو ونافع بإثبات ياء ~~الإضافة في " تخزون " على الأصل والباقون بحذفها للتخفيف ودلالة ~~الكسر عليها. # والضيف في الأصل مصدر كقولك: رجال صوم، ثم أطلق على الطارق ~~لميلانه إلى المضيف، ولذلك يقع على المفرد والمذكر وضديهما بلفظ ~~واحد، وقد يثنى فيقال: ضيفان، ويجمع فيقال: أضياف وضيوف كأبيات ~~وبيوت وضيفان كحوض وحيضان. # والضيف قائم هنا مقام الأضياف، كما قام الطفل مقام الأطفال في قوله: # أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النسآء # [النور:32]. # فصل # قال ابن عباس: المراد: خافوا الله، ولا تفضحوني في أضيافي، يريد: ~~أنهم إذا هجموا على أضيافه بالمكروه لحقته الفضيحة. # وقيل: معناه لا تخجلوني فيهم؛ لأن مضيف الضيف يلحقه الخجل من ~~كل فعل قبيح يتوجه إلى الضيف، يقال: خزي الرجل إذا استحيا. # ثم قال: { أليس منكم رجل رشيد } أي: صالح سديد يقول ~~الحق، ويرد هؤلاء الأوباش عن أضيافي. وقال عكرمة: رجل يقول: لا إله ~~إلا الله. # وقال ابن إسحاق: رجل يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر. # { قالوا لقد ms4834 علمت } يا لوط { ما لنا في بناتك من ~~حق } ، أي: لسن أزواجا لنا فنستحقهن بالنكاح. وقيل: ما لنا في بناتك ~~من حاجة، ولا شهوة. وقيل: { ما لنا في بناتك من حق } لأنك ~~دعوتنا إلى نكاحهن بشرط الإيمان، ونحن لا نجيبك إلى ذلك، فلا يكون لنا ~~فيهن حق. # قوله: " من حق " يجوز أن يكون مبتدأ، والجار خبره، وأن يكون ~~فاعلا بالجار قبله لاعتماده على نفي، و " من " مزيدة على كلا ~~القولين. # قوله: " ما نريد " يجوز أن تكون " ما " مصدرية، وأن تكون موصولة ~~بمعنى " الذي ". والعلم عرفان؛ فلذلك يتعدى لواحد أي: لتعرف ~~إرادتنا، أو الذي نريده. ويجوز أن تكون " ما " استفهامية، وهي معلقة ~~للعلم قبلها. # والمعنى: إنك لتعلم ما نريد من إتيان الرجال. # قوله: " لو أن " جوابها محذوف تقديره: لفعلت بكم وصنعت كقوله: # ولو أن قرآنا سيرت # [الرعد:31] قوله: " أو آوي " يجوز أن يكون معطوفا على المعنى، ~~تقديره: أو أني آوي، قاله أبو البقاء ويجوز أن يكون معطوفا على " ~~قوة "؛ لأنه منصوب في الأصل بإضمار أن فلما حذفت " أن " رفع ~~الفعل كقوله تعالى: # ومن آياته يريكم # [الروم:24]. # واستضعف أبو البقاء هذا الوجه بعدم نصبه. وقد تقدم جوابه. ويدل على ~~اعتبار ذلك قراءة شيبة، وأبي جعفر: " أو آوي " بالنصب كقوله: ~~[الطويل] # 3002- ولولا رجال من رزام أعزة # وآل سبيع أو أسوءك علقما # وقولها: [الوافر] # 3003- للبس عباءة وتقر عيني # أحب إلي من لبس الشفوف # ويجوز أن يكون عطف هذه الجملة الفعلية على مثلها إن قدرت أن " أن ~~" مرفوعة بفعل مقدر بعد " لو " عند المبرد، والتقدير: لو يستقر - أو ~~يثبت - استقرار القوة أو آوي، ويكون هذان الفعلان ماضيي المعنى؛ ~~لأنهما تقلب المضارع إلى المضي. # وأما على رأي سيبويه في كون أن " أن " في محل الابتداء، فيكون ~~هذا مستأنفا. # وقيل: " أو " بمعنى " بل " وهذا عند الكوفيين. # و " بكم " متعلق بمحذوف؛ لأنه حال من " قوة " ، إذ هو في الأصل ~~صفة للنكرة، ولا يجوز أن يتعلق ب " قوة " لأنها مصدر. # والركن بسكون الكاف وضمها الناحية من جبل وغيره، ويجمع ms4835 على أركان ~~وأركن؛ قال: [الرجز] # 3004- وزحم ركنيك شديد الأركن # فصل # المعنى: لو أن لي قوة البدن، أو القوة بالأتباع، وتسمية موجب القوة ~~بالقوة جائز قال تعالى: # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط ~~الخيل # [الأنفال:60] والمراد السلاح. { أو آوي إلى ركن شديد } أي: ~~موضع حصين، وقيل: أنضم إلى عشيرة مانعة. # فإن قيل: كيف عطف الفعل على الاسم؟. # فالجواب قد تقدم. # قال أبو هريرة - رضي الله عنه -: " ما بعث الله بعده نبيا إلا في ~~منعة من عشيرته ". # " وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~" يرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد ". # قال ابن عباس والمفسرون - رضي الله عنهم -: أغلق لوط بابه، ~~والملائكة معه في الدار وهو يناظرهم ويناشدهم من وراء الباب، وهم ~~يعالجون سور الجدار، فلما رأت الملائكة ما يلقى لوط بسببهم: { ~~قالوا يلوط } إن ركنك شديد { إنا رسل ربك لن ~~يصلوا إليك } بسوء ومكروه فإنا نحول بينهم وبين ذلك، فافتح ~~الباب، ودعنا وإياهم؛ ففتح الباب ودخلوا، واستأذن جبريل - عليه الصلاة ~~والسلام - ربه - عزو جل - في عقوبتهم فأذن له - فقام في الصورة ~~التي يكون فيها؛ فنشر جناحيه، وعليه وشاح من در منظوم، وهو براق ~~الثنايا، أجلى الجبين، ورأسه مثل المرجان كأنه الثلج بياضا، وقدماه ~~إلى الخضرة، فضرب بجناحيه وجوههم فطمس أعينهم فأعماهم فصاروا لا يعرفون ~~الطريق، فانصرفوا وهم يقولون: النجاة النجاة في بيت لوط أسحر قوم ~~في الأرض، سحرونا، وجعلوا يقولون: يا لوط كما أنت حتى تصبح، وسترى ما ~~تلقى منا غدا، فقال لوط للملائكة: متى موعد هلاكهم؛ فقالوا: ~~الصبح، قال: أريد أسرع من ذلك فلو أهلكتموهم الآن، فقالوا { أليس ~~الصبح بقريب }. # قوله: " فأسر " قرأ نافع وابن كثير: (فاسر بأهلك) هنا وفي الحجر، ~~وفي الدخان (فاسر بعبادي)، وقوله: (أن اسر) في طه والشعراء، جميع ذلك ~~بهمزة الوصل تسقط درجا وتثبت مكسورة ابتداء. # والباقون: " فأسر " بهمزة القطع تثبت مفتوحة درجا وابتداء، ~~والقراءتان مأخوذتان من لغتي هذا الفعل فإنه يقال: سرى، ومنه # والليل إذا ms4836 يسر # [الفجر:4]، وأسرى، ومنه: # سبحان الذي أسرى بعبده # [الإسراء:1] وهل هما بمعنى واحد أو بينهما فرق؟ خلاف فقيل: هما بمعنى ~~واحد، وهو قول أبي عبيد. # وقيل: أسرى لأول الليل، وسرى لآخره، وهو قول الليث - رحمه الله ~~- وأما " سار " فمختص بالنهار، وليس مقلوبا من " سرى ". # فإن قيل " السرى " لا يكون إلا بالليل، فما الفائدة في قوله: { ~~بقطع من الليل }؟. # فالجواب: أنه لو لم يقل " بقطع من الليل " جاز أن يكون ~~أوله. # قوله: " بأهلك " يجوز أن تكون الباء للتعدية، وأن تكون للحال أي: ~~مصاحبا لهم. # وقوله: " بقطع " حال من " أهلك " أي: مصاحبين لقطع، على أن ~~المراد به الظلمة وقيل: الباء بمعنى " في ". # والقطع: نصف الليل؛ لأنه قطعة منه مساوية لباقيه؛ وأنشد: ~~[الوافر] # 3005- ونائحة تنوح بقطع ليل # على رجل بقارعة الصعيد # وقال نافع بن الأزرق لعبد الله بن عباس - رضي الله عنهما -: أخبرني ~~عن قول الله - عز وجل - { بقطع من الليل } قال: هو آخر ~~الليل سحر وقال قتادة: بعد طائفة من الليل. # وتقدم في سورة يونس. # ثم قال: { ولا يلتفت منكم أحد } في الالتفات وجهان: # أحدهما: نظر الإنسان إلى ما وراءه، فيكون المراد أنه كان لهم في البلد ~~أموال نهوا عن الالتفات إليها. # والثاني: أن المراد بالالتفات الانصراف؛ كقوله تعالى: # أجئتنا لتلفتنا # [يونس:78] أي: لتصرفنا والمراد نهيهم عن التخلف. # قوله: { إلا امرأتك } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو برفع " ~~امرأتك " والباقون بنصبها. وفي هذه الآية كلام كثير. أما قراءة ~~الرفع ففيها وجهان: # أشهرهما - عند المعربين - أنه على البدل من " أحد " وهو أحسن من ~~النصب، لأن الكلام غير موجب. # وهذا الوجه رده أبو عبيد بأنه يلزم منه أنهم نهوا عن ~~الالتفات إلا المرأة، فإنها لم تنه عنه، وهذا لا يجوز، ولو كان ~~الكلام " ولا يلتفت " برفع " يلتفت " يعني على أن تكون " لا " ~~نافية، فيكون الكلام خبرا عنهم بأنهم لم يلتفتوا إلا امرأته ~~فإنها تلتفت لكان الاستثناء بالبدلية واضحا، لكنه لم يقرأ برفع ~~" يلتفت " أحد. # واستحسن ابن عطية هذا الإلزام من أبي عبيد. # وقال: " إنه وارد ms4837 على القول باستثناء المرأة من " أحد " سواء رفعت ~~المرأة أو نصبتها ". # وهذا صحيح، فإن أبا عبيد لم يرد الرفع لخصوص كونه رفعا، بل لفساد ~~المعنى، وفساد المعنى دائر مع الاستثناء من " أحد " ، وأبو عبيد يخرج ~~النصب على الاستثناء من " بأهلك " ولكنه يلزم من ذلك إبطال ~~قراءة الرفع، ولا سبيل إلى ذلك لتواترها. # وقد انفصل المبرد عن هذا الإشكال الذي أورده أبو عبيد بأن ~~النهي في اللفظ ل " أحد " وهو في المعنى للوط - عليه الصلاة ~~والسلام -، إذ التقدير: لا تدع منهم أحدا يلتفت، كقولك لخادمك: " لا ~~يقم أحد " النهي ل " أحد " وهو في المعنى للخادم، إذ المعنى: ~~لا تدع أحدا يقوم. فآل الجواب إلى أن المعنى لا تدع أحدا يلتفت ~~إلا امرأتك فدعها تلتفت، هذا مقتضى الاستثناء كقولك: " لا تدع ~~أحدا يقوم إلا زيدا معناه: فدعه يقوم. وفيه نظر، إذ المحذور الذي ~~قد فر منه أبو عبيد موجود هو أو قريب منه هنا. # والثاني: أن الرفع على الاستثناء المنقطع. # وقال أبو شامة: قراءة النصب أيضا من الاستثناء المنقطع، فالقراءتان ~~عنده على حد سواء، ولنسرد كلامه قال: " الذي يظهر أن الاستثناء ~~على كلتا القراءتين منقطع، لم يقصد به إخراجها من المأمور بالإسراء بهم، ~~ولا من المنهيين عن الالتفات، ولكن استؤنف الإخبار عنها، فالمعنى: لكن ~~امرأتك يجري لها كذا وكذا، ويؤيد هذا المعنى أن مثل هذه الآية جاءت ~~في سورة الحجر، وليس فيها استثناء ألبتة، قال تعالى: # فأسر بأهلك # [الحجر:65] الآية. # فلم تقع العناية في ذلك إلا بذكر من أنجاهم الله تعالى، فجاء شرح ~~حال امرأته في سورة [هود] تبعا لا مقصودا بالإخراج مما تقدم، وإذا ~~اتضح هذا المعنى علم أن القراءتين وردتا على ما تقتضيه العربية في ~~الاستثناء المنقطع، وفيه النصب والرفع، فالنصب لغة أهل الحجاز، ~~وعليه الأكثر، والرفع لغة تميم، وعليه اثنان من القراء ". # قال أبو حيان: " هذا الذي طول به لا تحقيق فيه، فإنه إذا لم يقصد ~~إخراجها من المأمور بالإسراء بهم، ولا من المنهيين عن الالتفات، وجعل ~~اسثناء منقطعا، ms4838 كان من المنقطع الذي لم يتوجه عليه العامل بحال، ~~وهذا النوع يجب فيه النصب على كلتا اللغتين وإنما تكون اللغتان ~~فيما جاز توجه العامل عليه، وفي كلا النوعين يكون ما بعد " إلا " من ~~غير الجنس المستثنى، فكونه جاز فيه اللغتان دليل على أنه يتوجه عليه ~~العامل وهو أنه قد فرض أنه لم يقصد بالاستثناء إخراجها من المأمور ~~بالإسراء بهم ولا من المنهيين عن الالتفات؛ فكان يجب فيه إذ ذاك ~~النصب قولا واحدا. # قال شهاب الدين: " أما قوله: " إنه لم يتوجه عليه العامل " ليس ~~بمسلم، بل يتوجه عليه في الجملة، والذي قاله النحاة مما لم ~~يتوجه عليه العامل من حيث المعنى نحو: ما زاد إلا ما نقص، وما نفع ~~إلا ما ضر، وهذا ليس من ذاك، فكيف يعترض به على أبي شامة؟ ". # وأما النصب ففيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه مستثنى من " بأهلك " ، واستشكلوا عليه إشكالا من حيث ~~المعنى: وهو أنه يلزم ألا يكون سرى بها، لكن الفرض أنه سرى بها يدل ~~عليه أنها التفتت، ولو لم تكن معهم لما حسن الإخبار عنها بالالتفات، ~~فالالتفات يدل على كونها سرت معهم قطعا. # وقد أجيب عنه بأنه لم يسر هو بها، ولكن لما سرى هو وبنتاه تبعتهم ~~فالتفتت، ويؤيد أنه استثناء من الأهل ما قرأ به عبد الله وسقط من ~~مصحفه، " فأسر بأهلك بقطع من الليل إلا امرأتك " ولم ~~يذكر قوله { ولا يلتفت منكم أحد }. # والثاني: أنه مستثنى من " أحد " وإن كان الأحسن الرفع إلا ~~أنه جاء كقراءة ابن عامر: { ما فعلوه إلا قليلا ~~منهم } [النساء:66]، بالنصب مع تقدم النفي الصريح. # وهناك تخريج آخر لا يمكن هنا. # والثالث: أنه مستثنى منقطع على ما تقدم عن أبي شامة. # وقال الزمخشري: " وفي إخراجها مع أهله روايتان، روي أنه أخرجها معهم، ~~وأمر أن لا يلتفت منهم أحد إلا هي، فلما سمعت هدة العذاب التفتت ~~وقالت: يا قوماه، فأدركها حجر فقتلها، وروي أنه أمر بأن يخلفها مع ~~قومها فإن هواها إليهم ولم يسر بها، واختلاف القراءتين لاختلاف ~~الروايتين ms4839 ". # قال أبو حيان: " وهذا وهم فاحش، إذ بنى القراءتين على اختلاف ~~الروايتين من أنه سرى بها أو لم يسر بها وهذا تكاذب في الإخبار، ~~يستحيل أن تكون القراءتان - وهما من كلام الله تعالى - يترتبان على ~~التكاذب ". # قال شهاب الدين: " وحاش لله أن تترتب القراءتان على التكاذب، ~~ولكن ما قاله الزمخشري صحيح، الفرض أنه قد جاء القولان في التفسير، ~~ولا يلزم من ذلك التكاذب؛ لأن من قال إنه سرى بها يعني أنها ~~سرت هي بنفسها مصاحبة لهم في أوائل الأمر، ثم أخذها العذاب فانقطع ~~سراها، ومن قال إنه لم يسر بها، أي: لم يأمرها، ولم يأخذها، وأنه ~~لم يدم سراها معهم بل انقطع فصح أن يقال: إنه سرى بها ولم يسر ~~بها، وقد أجاب الناس بهذا، وهو حسن ". # وقال أبو شامة: " ووقع لي في تصحيح ما أعربه النحاة معنى حسن، وذلك أن ~~يكون في الكلام اختصار نبه عليه اختلاف القراءتين فكأنه قيل: فأسر ~~بأهلك إلا امرأتك، وكذا روى أبو عبيد وغيره أنها في مصحف عبد الله ~~هكذا، وليس فيها: " ولا يلتفت منكم أحد " فهذا دليل على استثنائها ~~من السرى بهم ثم كأنه سبحانه وتعالى قال: فإن خرجت معكم وتبعتكم - ~~غير أن تكون أنت سريت بها - فانه أهلك عن الالتفات غيرها، فإنها ~~ستلتفت فيصيبها ما أصاب قومها، فكانت قراءة النصب دالة على المعنى ~~المتقدم، وقراءة الرفع دالة على المعنى المتأخر، ومجموعهما دال ~~على جملة المعنى المشروح ". # وهو كلام حسن شاهد لما ذكرته. # قوله: { إنه مصيبها } الضمير ضمير الشأن، " مصيبها " ~~خبر مقدم، و " ما أصابهم " مبتدأ مؤخر وهو موصول بمعنى " الذي ~~" ، والجملة خبر " إن "؛ لأن ضمير الشأن يفسر بجملة مصرح ~~بجزأيها. # وأعرب أبو حيان: " مصيبها " مبتدأ، و " ما أصابهم " الخبر وفيه ~~نظر من حيث الصناعة: فإن الموصول معرفة، فينبغي أن يكون المبتدأ: " ~~مصيبها " نكرة؛ لأنه عامل تقديرا فإضافته غير محضة، ومن حيث ~~المعنى: إن المراد الإخبار عن الذي أصابهم أنه مصيبها من غير عكس ~~ويجوز عند الكوفيين أن يكون " مصيبها " مبتدأ، و " ما ms4840 " الموصولة ~~فاعل لأنهم يجيزون أن يفسر ضمير الشأن بمفرد عامل فيما بعده ~~نحو: " إنه قائم أبواك ". # قوله: { إن موعدهم } أي: موعد إهلاكهم. وقرأ عيسى بن عمر " ~~الصبح " بضمتين فقيل: لغتان، وقيل: بل هي إتباع، وقد تقدم البحث ~~في ذلك [الأنعام:96]. # قوله: { فلما جآء أمرنا } قيل: المراد حقيقته، وقيل: المراد ~~بالأمر العذاب، قال بعضهم: لا يمكن حمله هنا على العذاب؛ لأن قوله: { ~~فلما جآء أمرنا جعلنا } ، فالجعل هو العذاب فكان الأمر ~~شرطا، والعذاب الجزاء، والشرط غير الجزاء، فالأمر غير العذاب، فدل ~~على أن الأمر هو ضد النهي؛ ويدل على ذلك قول الملائكة: # إنا أرسلنا إلى قوم لوط # [هود:70] فدل على أنهم أمروا بالذهاب إلى قوم لوط بإيصال العذاب ~~إليهم. # فإن قيل: لو كان كذلك، لقال: " فلما جاء أمرنا، جعلوا عاليها سافلها " ، ~~لأن الفعل صدر عن المأمور. # فالجواب: أن فعل العبد فعل الله تعالى، وأيضا: فالذي وقع إنما وقع ~~بأمر الله، وبأقداره، فلا يمتنع إضافته إلى الله تعالى؛ فكما يحسن ~~إضافته إلى المباشرين، يحسن إضافته إلى المسبب. # قوله: { عاليها سافلها } مفعولا الجعل الذي بمعنى التصيير، و ~~" سجيل " قيل: هو في الأصل مركب من " سنك وكل " وهو بالفارسية ~~حجر وطين فعرب، وغيرت حروفه، كما عربوا الديباج والديوان ~~والاستبرق. وقيل: " سجيل " اسم للسماء، وهو ضعيف أو غلط، لوصفه ~~ب " منضود ". وقيل: من أسجل، أي: أرسل فيكون " فعيلا " ، ~~وقيل: هو من التسجيل، والمعنى: أنه مما كتب الله وأسجل أن يعذب به ~~قوم لوط، وينصر الأول تفسير ابن عباس أنه حجر وطين كالآجر ~~المطبوخ وعن أبي عبيدة هو الحجر الصلب. # وقيل: " سجيل " موضع الحجارة، وهي جبال مخصوصة. قال تعالى: # من جبال فيها من برد # [النور:43]. # قال الحسن: كان أصل الحجر هو الطين فشددت. # و " منضود " صفة ل " سجيل ". والنضد: جعل الشيء بعضه فوق ~~بعض، ومنه # وطلح منضود # [الواقعة:29] أي: متراكب، والمراد وصف الحجارة بالكثرة. # " مسومة " نعت ل " حجارة " ، و حينئذ يلزم تقدم الوصف غير ~~الصريح على الصريح لأن " من سجيل " صفة ل " حجارة " ، ~~والأولى أن يجعل ms4841 حالا من " حجارة " ، وسوغ مجيئها من النكرة تخصص ~~النكرة بالوصف. والتسويم: العلامة. قيل: علم على كل حجر اسم ~~من يرمي به وتقدم اشتقاقه في آل عمران [14] في قوله: # والخيل المسومة # وقال الحسن والسدي: كان عليها أمثال الخواتيم. قال أبو صالح: رأيت ~~منها عند أم هانىء، وهي حجارة فيها خطوط حمر على هيئة الجزع. وقال ~~ابن جريج: كان عليها سيماء لا تشبه حجارة الأرض. # و " عند " إما منصوب ب " مسومة " ، وإما بمحذوف على ~~أنها صفة ل " مسومة ". # وقله: " وما هي " الظاهر عود هذا الضمير على القرى المهلكة. ~~وقيل: يعود على الحجارة وهي أقرب مذكور. وقيل: يعود على العقوبة ~~المفهومة من السياق، ولم يؤنث " ببعيد " إما لأنه في ~~الأصل نعت لمكان محذوف تقديره: وما هي بمكان بعيد بل هو قريب، ~~والمراد به السماء أو القرى المهلكة، أي: وما تلك القرى المهلكة من ~~كفار مكة - ببعيد؛ لأن تلك القرى في الشام، وهي قريب من مكة، ~~وإما لأن العقوبة والعقاب واحد، وإما لتأويل الحجارة بعذاب أو ~~بشيء بعيد، والمراد بالآية كفار مكة، أي أنه تعالى يرميهم بهذه ~~الحجارة. # " قال أنس بن مالك سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عن هذا فقال: ~~" ما من ظالم إلا وهو بمعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة ". # وقال قتادة وعكرمة: يعنى ظالمي هذه الأمة، والله ما أجار الله منها ~~ظالما. روي: أن الحجر اتبع شذاذهم ومسافريهم أين كانوا في ~~البلاد، ودخل رجل منهم الحرم، فكان الحجر معلقا بين السماء والأرض ~~أربعين يوما حتى خرج؛ فأصابه فأهلكه. ### || [11.84-95] # قوله تعالى: { وإلى مدين أخاهم شعيبا } القصة. # أي: وأرسلنا إلى ولد مدين وهو اسم ابن إبراهيم - عليه السلام -، ثم صار ~~اسما للقبيلة. # وقال كثير من المفسرين: مدين اسم مدينة، وعلى هذا فتقديره: ~~وأرسلنا إلى أهل مدين، فحذف " أهل " ، كقوله: # واسأل القرية # [يوسف:82] أي: أهل القرية. # واعلم أن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - أول ما يبدؤون بالدعوة ~~إلى التوحيد، ولذلك قال شعيب - عليه الصلاة والسلام -: { يقوم ~~اعبدوا الله ما لكم ms4842 من إله غيره } ثم بعد ~~الدعوة إلى التوحيد يشرعون في الأهم، فالأهم، ولما كان المتعاد في أهل ~~مدين البخس في المكيال والميزان، دعاهم إلى ترك هذه العادة، فقال: ~~{ ولا تنقصوا المكيال والميزان }. # قوله: " ولا تنقصوا ": " نقص " يتعدى لاثنين، إلى أولهما ~~بنفسه، وإلى ثانيهما بحرف الجر؛ وقد يحذف؛ تقول: نقصت زيدا من ~~حقه، وحقه، وهو هنا كذلك، إذ المراد: ولا تنقصوا الناس من ~~المكيال، ويجوز أن يكون متعديا لواحد على المعنى. # والمعنى: لا تقللوا وتطففوا ويجوز أن يكون " المكيال " ~~مفعولا أول، والثاني محذوف، وفي ذلك مبالغة، والتقدير: ولا تنقصوا ~~المكيال والميزان حقهما الذي وجب لهما، وهو أبلغ في الأمر بوفائهما. # قوله تعالى: { إني أراكم بخير } قال ابن عباس: موسرين ~~في نعمة. وقال مجاهد: كانوا في خصب وسعة؛ فحذرهم زوال النعمة، وغلاء ~~الأسعار، وحلول النقمة إن لم يتوبوا. # { وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط } يحيط بكم ~~فيهلككم. # قال ابن عباس: أخاف: أي: أعلم. # وقال غيره: المراد الخوف؛ لأنه يجوز أن يتركوا ذلك العمل خشية حصول ~~العذاب. # قوله: " محيط " صفة لليوم، ووصف به من قولهم: أحاط به العدو، وقوله: # وأحيط بثمره # [الكهف:42]. # قال الزمخشري: إن وصف اليوم بالإحاطة أبلغ من وصف العذاب بها قال: ~~لأن اليوم زمان يشتمل على الحوادث، فإذا أحاط بعذابه فقد اجتمع ~~للمعذب ما اشتمل عليه منه كما إذا أحاط بنعيمه. # وزعم قوم: أنه جر على الجوار؛ لأنه في المعنى صفة للعذاب، ~~والأصل: عذاب يوم محيطا وقال آخرون: التقدير: عذاب يوم محيط ~~عذابه. قال أبو البقاء: وهو بعيد؛ لأن محيطا قد جرى على غير من هو ~~له، فيجب إبراز فاعله مضافا إلى ضمير الموصوف. # واختلفوا في المراد بهذا العذاب: فقيل: عذاب يوم القيامة. وقيل: عذاب ~~الاستئصال في الدنيا؛ كما هو في حق سائر الأمم. # والأقرب دخول كل عذاب فيه، وإحاطة العذاب بهم كإحاطة الدائرة بما ~~فيها. # قوله: { ويقوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط } ~~أي: بالعدل. # فإن قيل: وقع التكرار ههنا من ثلاثة أوجه، فقال: { ولا تنقصوا ~~المكيال والميزان } ثم قال { أوفوا ms4843 المكيال ~~والميزان } ، وهو عين الأول، ثم قال: { ولا تبخسوا الناس ~~أشيآءهم } ، وهو عين الأول، فما فائدة التكرار؟. # فالجواب من وجوه: # الأول: أن القوم كانوا مصرين على ذلك العمل، فمنع منه بالمبالغة في ~~التأكيد، والتكرار يفيد التأكيد وشدة العناية والاهتمام. # الثاني: قوله: { ولا تنقصوا المكيال والميزان } نهي عن ~~التنقيص، وقوله: { أوفوا المكيال والميزان } أمر بإيفاء ~~العدل، والنهي عن الشيء أمر بضده، وليس لقائل أن يقول النهي ضد ~~الأمر، فكان التكرير لازما من هذا الوجه، لأنا نقول: الجواب من ~~وجهين: # أحدهما: أنه تعالى جمع بين الأمر بالشيء، وبين النهي عن ضده ~~للمبالغة، كما تقول: صل قرابتك، ولا تقطعهم؛ فدل هذا الجمع على غاية ~~التأكيد. # وثانيهما: ألا نسلم أن الأمر كما ذكرتم؛ لأنه يجوز أن ينهى عن ~~التنقيص وينهى أيضا عن أصل المعاملة، فهو تعالى منع من التنقيص وأمر ~~بإيفاء الحق، ليدل ذلك على أنه تعالى لم يمنع من المعاملات، ولم ~~ينه عن المبايعات، وإنما منع من التطفيف، ومنع الحقوق، فكانت ~~المبايعات محرمة بالكلية، فلأجل هذا منع في الآية الأولى من ~~التنقيص، وفي الأخرى أمر بالإيفاء، وأما قوله ثالثا: { ولا ~~تبخسوا الناس أشيآءهم } فليس بتكرير لأنه تعالى خص ~~المنع في الآية الأولى بالنقصان في المكيال والميزان. ثم إنه تعالى ~~عم الحكم في جميع الأشياء، فدل ذلك على أنها غير مكررة، بل في كل واحدة ~~فائدة زائدة. # الوجه الثالث: أنه تعالى قال في الآية الأولى: { ولا تنقصوا ~~المكيال والميزان } وفي الثانية قال: { أوفوا المكيال ~~والميزان } والإيفاء: عبارة عن الإتيان به على الكمال والتمام، ~~ولا يحصل ذلك إلا إذا أعطى قدرا زائدا على الحق، ولهذا المعنى قال ~~الفقهاء: إنه تعالى أمر بغسل الوجه وذلك لا يحصل إلا عند غسل كل ~~جزء من أجزاء الرأس. # فالحاصل: أنه تعالى نهى في الآية الأولى عن النقصان، وفي الثانية ~~أمر بإعطاء شيء من الزيادة، فكأنه تعالى نهى أولا عن سعي الإنسان ~~في أن يجعل مال غيره ناقصا ليحصل له تلك الزيادة، وفي الثانية أمر بأن ~~يسعى في تنقيص مال ms4844 نفسه ليخرج ماله من غير العوض. # وقوله: " بالقسط " يعني: بالعدل، ومعناه الأمر بإيفاء الحق بحيث ~~يحصل معه اليقين بالخروج عن العهدة، فالأمر بإيتاء الزيادة على ~~ذلك غير حاصل. # والبخس: هو النقض. # ثم قال: { ولا تعثوا في الأرض مفسدين }. # فإن قيل: العثو: الفساد التام، فقوله: { ولا تعثوا في ~~الأرض مفسدين } جار مجرى قولك: ولا تفسدوا في الأرض مفسدين. # فالجواب من وجوه: # الأول: أن من سعى في إيصال الضرر إلى الغير، فقد حمل ذلك الغير على ~~السعي إلى إيصال الضرر إليه فقوله: { ولا تعثوا في الأرض ~~مفسدين } ولا تسعوا في إفساد مصالح الغير، فإن ذلك في الحقيقة ~~سعي منكم في إفساد مصالح أنفسكم. # والثاني: أن يكون المراد من قوله: { ولا تعثوا في الأرض ~~مفسدين } مصالح دنياكم وآخرتكم. # والثالث: { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } مصالح الأديان ~~والشرائع. # ثم قال: { بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين } ~~العامة على تشديد ياء " بقية ". وقرأ إسماعيل بن جعفر - من أهل ~~المدينة - بتخفيفها قال ابن عطية: " وهي لغة ". # وهذا لا ينبغي أن يقال، بل يقال: إن لم يقصد الدلالة على المبالغة ~~جيء بها مخففة وذلك أن " فعل " بكسر العين إذا كان لازما فقياس ~~الصفة منه: " فعل " بكسر العين نحو: سجيت المرأة فهي سجية فإن ~~قصدت المبالغة قيل: سجية، لأن فعيلا من أمثلة المبالغة فكذلك " ~~بقية وبقية " أي: بالتشديد والتخفيف. # قال المفسرون " بقية الله " هي تقواه. قال ابن عباس: ما أبقى ~~الله لكم من الحلال بعد إيفاء الكيل والوزن خير مما تأخذونه ~~بالتطفيف. وقال مجاهد: " بقية الله " يعنى طاعة الله خير لكم من ذلك ~~القدر القليل؛ لأن منفعة الطاعة تبقى أبدا. # قوله: { إن كنتم مؤمنين } قال ابن عطية - رحمه الله -: " ~~وجواب هذا الشرط متقدم " يعنى: على مذهب من يراه لا على مذهب ~~جمهور البصريين. # وإنما شرط الإيمان لكونه خيرا لهم؛ لأنهم إن كانوا مؤمنين مقرين ~~بالثواب والعقاب عرفوا أن السعي في تحصيل الثواب وفي الحذر من ~~العقاب خير لهم من السعي في تحصيل ذلك القليل. # والمعلق بالشرط عدم ms4845 عند عدم الشرط؛ فدل ظاهر الآية على أن من لم ~~يحترز عن هذا التطفيف لا يكون مؤمنا. # قوله: { ومآ أنا عليكم بحفيظ } أي: إني نصحتكم، ~~وأرشدتكم إلى الخير، وما علي منعكم من هذا الفعل القبيح. وقيل: لما ~~قال لهم: إن البخس والتطفيف يزيل النعم عنكم، وأنا لا أقدر على حفظها ~~عليكم في تلك الحالة؛ قالوا له: { أصلواتك تأمرك أن ~~نترك ما يعبد ءاباؤنآ } قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم، ~~" أصلاتك " بغير واو. والباقون بالواو على الجمع. # قوله: { أو أن نفعل } العامة على نون الجماعة، أو التعظيم ~~في " نفعل " و " نشاء ". # وقرأ زيد بن علي، وابن أبي عبلة والضحاك بن قيس بتاء الخطاب فيهما. ~~وقرأ أبو عبد الرحمن وطلحة الأول بالنون والثاني بالتاء، فمن قرأ بالنون ~~فيهما عطفه على مفعول " نترك " وهو " ما " الموصولة، والتقدير: ~~أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا، أو أن نترك أن نفعل في أموالنا ~~ما نشاء، وهو بخس الكيل والوزن المقدم ذكرهما. و " أو " للتنويع أو ~~بمعنى الواو، قولان، ولا يجوز عطفه على مفعول " تأمرك "؛ لأن المعنى ~~يتغير، إذ يصير التقدير: أصلواتك تأمرك أن تفعل في أموالنا. # ومن قرأ بالتاء فيهما جاز أن يكون معطوفا على مفعول " تأمرك " ، وأن ~~يكون معطوفا على مفعول " نترك " ، والتقدير: أصلواتك تأمرك أن تفعل أنت ~~في أموالنا ما تشاء أنت، أو أن نترك ما يعبد آباؤنا، أو أن نترك أن ~~تفعل أنت في أموالنا ما تشاء أنت. # ومن قرأ بالنون في الأول وبالتاء في الثاني كان: " أن تفعل " ~~معطوفا على مفعول: " تأمرك " فقد صار ذلك ثلاثة أقسام، قسم يتعين ~~فيه العطف على مفعول: " نترك " وهي قراءة النون فيهما، وقسم ~~يتعين فيه العطف على مفعول " تأمرك " ، وهي قراءة النون في " ~~نفعل " والتاء في " تشاء " ، وقسم يجوز فيه الأمران وهي قراءة التاء ~~فيهما. # والظاهر من حيث المعنى في قراءة التاء فيهما، أو في " تشاء " أن ~~المراد بقولهم ذلك هو إيفاء المكيال والميزان؛ لأنه كان يأمرهم بهما. # وقال الزمخشري: " المعنى: تأمرك بتكليف أن نترك، ms4846 فحذف المضاف لأن ~~الإنسان لا يؤمر بفعل غيره ". # واعلم أن قوله: { أن نترك ما يعبد ءاباؤنآ } إشارة إلى ~~أنه أمرهم بالتوحيد. وقوله: { أن نفعل في أموالنا ما ~~نشاء } إشارة إلى أنه أمرهم بترك البخس. # فصل # قيل: المراد بالصلاة هنا الدين والإيمان؛ لأن الصلاة أظهر شعائر ~~الدين؛ فجعلوا ذكر الصلاة كناية عن الدين. وقيل: أصل الصلاة ~~الاتباع، ومنه أخذ المصلي من خيل المسابقة، وهو الذي يتلو السابق؛ ~~لأن رأسه يكون على صلوي السابق، وهما ناحيتا الفخذين، والمعنى: دينك ~~يأمرك بذلك. وقيل: المراد هذه الأفعال المخصوصة، روي أن شعيبا كان ~~كثير الصلاة، وكان قومه إذا رأوه يصلي يتغامزون ويتضاحكون، فقصدوا ~~بقولهم: أصلاتك تأمرك السخرية والاستهزاء. # { إنك لأنت الحليم الرشيد }. # قال ابن عباس: أرادوا السفيه الغاوي؛ لأن العرب قد تصف الشيء بضده ~~فيقولون: للديغ سليم، وللفلاة مفازة. # وقيل: قالوه على وجه الاستهزاء، كما يقال للبخيل الخسيس " لو رآك ~~حاتم، لسجد لك " ، وقيل: الحليم، الرشيد بزعمك. # وقيل: على الصحة أي: إنك يا شعيب فينا حليم رشيد لا يحصل بك شق ~~عصا قومك، ومخالفة دينهم، وهذا كما قال قوم صالح: # قد كنت فينا مرجوا قبل هذا # [هود:62]. # قوله: { أرءيتم } قد تقدم مرارا [يونس:50]. وقال الزمخشري ~~هنا: فإن قلت: أين جواب " أرأيتم " وما له لم يثبت كما ثبت في قصة ~~نوح، وصالح؟ قلت جوابه محذوف، وإنما لم يثبت؛ لأن إثباته في ~~القصتين دل على مكانه، ومعنى الكلام ينادي عليه، والمعنى: أخبروني إن ~~كنت على حجة واضحة ويقين من ربي ونبيا على الحقيقة، أيصح أن لا ~~آمركم بترك عبادة الأوثان والكف عن المعاصي، والأنبياء لا يبعثون ~~إلا لذلك؟. # قال أبو حيان: وتسمية هذا جوابا ل " أرأيتم " ليس بالمصطلح، بل ~~هذه الجملة التي قدرها في موضع المفعول الثاني ل " أرأيتم " ~~لأن " أرأيتم " إذا ضمنت معنى أخبرني تعدت إلى مفعولين، ~~والغالب في الثاني أن يكون جملة استفهامية ينعقد منها، ومن المفعول ~~الأول في الأصل جملة ابتدائية كقول العرب: " أرأيتك زيدا ما صنع " ~~وقال الحوفي: " وجواب الشرط محذوف لدلالة الكلام ms4847 على تقديره: ~~أأعدل عما أنا عليه ". # وقال ابن عطية: " وجواب الشرط الذي في قوله: " إن كنت " محذوف ~~تقديره أضل كما ضللتم، أو أترك تبليغ الرسالة، ونحو هذا مما يليق ~~بهذه المحاجة ". # قال أبو حيان: وليس قوله: " أضل " جوابا للشرط؛ لأنه إن كان ~~مثبتا فلا يمكن أن يكون جوابا لأنه لا يترتب على الشرط، وإن كان ~~استفهاما حذف منه الهمزة فهو في موضع المفعول الثاني ل " أرأيتم " ~~وجواب الشرط محذوف يدل عليه الجملة السابقة مع متعلقها. # فصل # المعنى { أرأيتم إن كنت على بينة من ربي } بصيرة ~~وبيان من ربي { ورزقني منه رزقا حسنا } حلالا. # قيل: كان شعيب كثير المال الحلال. # وقيل: الرزق الحسن: العلم والمعرفة أي: لما أتاني جميع هذه السعادات، ~~فهل ينبغي لي مع هذه النعم أن أخون في وحيه، أو أن أخالف أمره ونهيه، ~~وإذا كان العز من الله، والإذلال من الله، وذلك الرزق إنما حصل من ~~عند الله فأنا لا أبالي بمخالفتكم، ولا أفرح بموافقتكم، وإنما أكون ~~على تقرير بدين الله وإيضاح شرائعه. # قوله: { ومآ أريد أن أخالفكم } قال الزمخشري: خالفني ~~فلان إلى كذا: إذا قصده وأنت مول عنه، وخالفني عنه إذا ولى عنه وأنت ~~قاصده، ويلقاك الرجل صادرا عن الماء فتسأله عن صاحبه فيقول: " خالفني ~~إلى الماء " ، يريد أنه ذاهب إليه واردا، وأنا ذاهب عنه صادرا، ومنه ~~قوله تعالى: { ومآ أريد أن أخالفكم إلى مآ أنهاكم ~~عنه } يعني أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها لأستبد بها ~~دونكم. # وهذا الذي ذكره الزمخشري معنى حسن لطيف، ولم يتعرض لإعراب مفرداته؛ ~~لأن بفهم المعنى يفهم الإعراب. # فيجوز أن يكون قوله: " أن أخالفكم " في موضع مفعول ب " أريد ~~" ، أي: وما أريد مخالفتكم، ويكون " فاعل " بمعنى " فعل " نحو: جاوزت ~~الشيء وجزته، أي: وما أريد أن أخالفكم، أي: أكون خلفا منكم. # وقوله: { إلى مآ أنهاكم } يتعلق ب " أخالفكم " ، ~~ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال، أي: مائلا إلى ما أنهاكم ~~عنه، ولذلك قدر بعضهم محذوفا يتعلق به هذا الجار تقديره: وأميل ~~إلى ms4848 أن أخالفكم، ويجوز أن يكون " أن أخالفكم " مفعولا من أجله، ~~وتتعلق " إلى " بقوله " أريد " بمعنى: وما أقصد لأجل مخالفتكم إلى ما ~~أنهاكم عنه. # ولذلك قال الزجاج: وما أقصد بخلافكم إلى ارتكاب ما أنهاكم عنه. # ويجوز أن يراد بأن أخالفكم معناه من المخالفة، وتكون في موضع المفعول ~~به ب " أريد " ، ويقدر مائلا إلى. # والمعنى: وما أريد فيما آمركم به وأنهاكم عنه: { إلا الإصلاح ~~ما استطعت }. # قوله: " ما استطعت " يجوز في " ما " هذه وجوه: # أحدها: أن تكون مصدرية ظرفية أي: مدة استطاعتي. # والثاني: أن تكون " ما " موصولة بمعنى " الذي " بدلا من " الإصلاح " ~~والتقدير: إن أريد إلا المقدار الذي أستطيعه من الصلاح. # الثالث: أن يكون على حذف مضاف، أي: إلا الإصلاح إصلاح ما استطعت، ~~وهو أيضا بدل. # الرابع: أنها مفعول بها بالمصدر المعرف، أي: إن أريد إلا أن ~~أصلح ما استطعت إصلاحه؛ كقوله: [المتقارب] # 3006- ضعيف النكاية أعداءه # يخال الفرار يراخي الأجل # ذكر هذه الأوجه الثلاثة الزمخشري، إلا أن إعمال المصدر المعرف ~~قليل عند البصريين، ممنوع إعماله في المفعول به عند الكوفيين، وتقدم ~~الجاران في " عليه " و " إليه " للاختصاص أي: عليه لا على غيره، ~~وإليه لا إلى غيره. # فصل # اعلم أن القوم كانوا قد أقروا إليه بأنه حليم رشيد؛ لأنه ~~كان مشهورا بهذه الصفة، فكأنه عليه الصلاة والسلام قال لهم: إنكم ~~تعرفون من حالي أني لا أسعى إلا في الإصلاح وإزالة الفساد، فلما ~~أمرتكم بالتوحيد وترك إيذاء الناس؛ فاعلموا أنه دين حق وأنه لي ~~غرضي منه إيقاع الخصومة، وإثارة الفتنة، فأنتم تعرفون أني أبغض ذلك ~~الطريق، ولا أسعى إلا إلى ما يوجب الصلاح بقدر جهدي وطاقتي، وذلك هو ~~الإبلاغ والإنذار وأما الإجبار على الطاعة فلا أقدر عليه، ثم أكد ~~ذلك بقوله: { وما توفيقي إلا بالله } والتوفيق تسهيل سبيل ~~الخير " عليه توكلت " اعتمدت " وإليه أنيب " أرجع فيما ينزله ~~علي من النوائب، وقيل: في المعاد. # قوله: " لا يجرمنكم " العامة على فتح ياء المضارعة من " ~~جرم " ثلاثيا. وقرأ الأعمش وابن وثاب بضمها من " أجرم " وقد تقدم ~~[هود ms4849 22] أن " جرم " يتعدى لواحد ولاثنين مثل: كسب، فيقال: ~~جرم زيد مالا نحو: كسبه، وجرمته ذنبا، أي: كسبته إياه فهو ~~مثل كسب؛ وأنشد الزمخشري على تعدية لاثنين قوله: [الكامل] # 3007- ولقد طعنت أبا عيينة طعنة # جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا # فيكون الكاف والميم هو المفعول الأول. # والثاني: هو " أن يصيبكم " أي: لا تكسبنكم عداوتي إصابة العذاب ~~وقد تقدم أن جرم وأجرم بمعنى، أو بينهما فرق. # ونسب الزمخشري ضم الياء من أجرم لابن كثير. # والعامة أيضا على ضم لام " مثل " رفعا على أنه فاعل " ~~يصيبكم " وقرأ مجاهد والجحدري بفتحها وفيها وجهان: # أحدهما: أنها فتحة بناء وذلك أنه فاعل كحاله في القراءة المشهورة، ~~وإنما بني على الفتح؛ لإضافته إلى غير متمكن؛ كقوله تعالى: # إنه لحق مثل مآ أنكم تنطقون # [الذاريات:23] وكقوله: [البسيط] # 3008- لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت # حمامة في غصون ذات أوقال # وقد تقدم تحقيق هذه القاعدة في الأنعام [الأنعام94]. # والثاني: أنه نعت لمصدر محذوف فالفتحة للإعراب، والفاعل على هذا مضمر ~~يفسره سياق الكلام، أي: يصيبكم العذاب إصابة مثل ما أصاب. # فصل # والمعنى: لا يكسبنكم " شقاقي " خلافي: " أن يصيبكم " عذاب ~~الاستئصال في الدنيا " مثل ما أصاب قوم نوح " من الغرق، وقوم هود ~~من الريح، وقوم صالح من الصيحة والرجفة، وقوم لوط من الخسف. # قوله: { وما قوم لوط منكم ببعيد } أتى ب " بعيد " ~~مفردا وإن كان خبرا عن جمع لأحد أوجه: إما لحذف مضاف تقديره: وما ~~إهلاك قوم، وإما باعتبار زمان، أي: بزمان بعيد، فإن إهلاك قوم لوط ~~أقرب الإهلاكات التي عرفها الناس في زمان شعيب، وإما باعتبار مكان، ~~أي: بمكان بعيد؛ لأن بلاد قوم لوط قريبة من مدين، وإما باعتبار ~~موصوف غيرهما، أي: بشيء بعيد، كذا قدره الزمخشري، وتبعه أبو ~~حيان، وفيه إشكال من حيث إن تقديره بزمان يلزم منه الإخبار ~~بالزمان عن الجثة. وقال الزمخشري أيضا ويجوز أن يسوي في " ~~قريب " و " بعيد " و " قليل " و " كثير " بين المذكر والمؤنث ~~لورودها على زنة المصادر التي هي كالصهيل، والنهيق ونحوهما. # ثم قال: ms4850 { واستغفروا ربكم } أي: من عبادة الأوثان، ثم ~~توبوا إلى الله - عز وجل من البخس والنقصان { إن ربي ~~رحيم } بأوليائه: " ودود " الودود: بناء مبالغة من ود الشيء ~~يوده ودا، وودادا، وودادة وودادة أي: أحبه وآثره. # والمشهور " وددت " بكسر العين، وسمع الكسائي " وددت " بفتحها، ~~والودود بمعنى فاعل أي: يود عباده ويرحمهم. # وقيل: بمعنى مفعول بمعنى أن عباده يحبونه ويوادون أولياءه، ~~فهم بمنزلة " المواد " مجازا. # قال ابن الأنباري: الودود - في أسماء الله تعالى - المحب ~~لعباده، من قولهم: وددت الرجل أوده. # قال الأزهري - في " شرح كتاب أسماء الله الحسنى " -: ويجوز أن يكون " ~~ودودا فعولا بمعنى مفعول، أي: إن عباده الصالحين يودونه لكثرة ~~إفضاله وإحسانه على الخلق. # قال ابن الخطيب: واعلم أن هذا الترتيب الذي راعاه شعيب في ذكر هذه ~~الوجوه الخمسة ترتيب لطيف. # لأنه ذكر أولا أن ظهور البينة له وكثرة الإنعام عليه في ~~الظاهر والباطن يمنعه من الخيانة في وحي الله، ويصده عن التهاون في ~~تبليغه. # ثم بين ثانيا أنه مواظب على العمل بهذه الدعوة، ولو كانت باطلة ~~لما اشتغل هو بها مع اعترافهم بكونه حليما رشيدا. # ثم بين صحته بطريق آخر، وهو أنه كان معروفا بتحصيل موجبات الصلح، ~~والصلاح وإخفاء موجبات الفتن، فلو كانت هذه الدعوة باطلة لما اشتغل ~~بها، ثم لما بين صحة طريقته أشار إلى نفي المعارض وقال: لا تحملكم ~~عداوتي على مذهب ودين تقعون بسببه في العذاب الشديد من الله، كما وقع ~~فيه أقوام الأنبياء المتقدمين، ثم إنه لما صحح مذهب نفسه بهذه ~~الدلائل عاد إلى تقرير ما ذكره أولا وهو التوحيد والمنع من البخس بقوله: ~~{ ثم توبوا إليه } ثم بين لهم أن سبق الكفر والمعصية منهم ~~لا ينبغي أن يمنعهم من الإيمان والطاعة؛ لأنه تعالى رحيم ودود ~~يقبل الإيمان من الكافر والفاسق؛ لأن رحمته بعباده وحبه لهم يوجب ~~ذلك، وهذا تقرير في غاية الكمال. # قوله: { قالوا يشعيب ما نفقه كثيرا مما تقول }. # قيل: المعنى: ما نفقه كثيرا مما تقول؛ لأنهم كانوا لايلقون إليه ~~أفهامهم لشدة نفورهم من كلامه، ms4851 كقوله: # وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه # [الأنعام:25] وقيل: إنهم فهموه، ولكنهم ما أقاموا له وزنا، فذكروا ~~هذا الكلام على سبيل الاستهانة، كقول الرجل لمن لم يعبأ بحديثه: ما ~~أدري ما تقول. # وقيل: ما ندري صحة الدليل الذي ذكرته على صحة التوحيد والنبوة ~~والبعث، وما يجب من ترك الظلم والسرقة. # فصل # استدلوا بهذه الآية على أن الفقه: اسم لعلم مخصوص، وهو معرفة غرض ~~المتكلم من كلامه؛ لأنه أضاف الفقه إلى القول، ثم صار اسما لنوع ~~معين من علوم الدين، وقيل: إنه اسم لمطلق الفهم، يقال: أوتي فلان ~~فقها في الدين، أي: فهما. قال عليه الصلاة والسلام: # " يفقهه في الدين " # أي: يفهمه تأويله. # ثم قال: { وإنا لنراك فينا ضعيفا } قيل: الضعيف الذي ~~يتعذر عليه منع القوم عن نفسه. # وقيل: هو الأعمى بلغة حمير وهذا ضعيف؛ لأنه ترك للظاهر بغير دليل، ~~وأيضا فقوله: " فينا " يبطل هذا الوجه؛ لأنهم لو قالوا: إنا ~~لنراك أعمى فينا كان فاسدا؛ لأن الأعمى أعمى فيهم وفي غيرهم، ~~وأيضا قولهم بعد ذلك " ولولا رهطك لرجمناك " فنفوا عنه ~~القوة التي أثبتوها في رهطه وهي النصرة؛ فوجب أن تكون القوة التي ~~نفوها عنه هي النصرة. # واستدل بعض العلماء بهذه الآية على تجويز العمى على الأنبياء - ~~عليهم الصلاة والسلام-. وذلك اللفظ لا يدل عليه، لما بيناه. # قال بعض المعتزلة: لا يجوز العمى على الأنبياء، فإن الأعمى لا ~~يمكنه التجوز عن النجاسات، ولأنه يخل بجواز كونه حاكما وشاهدا؛ ~~فلأن يمنع من النبوة أولى. # قوله: { ولولا رهطك لرجمناك } " الرهط " جماعة الرجل. ~~وقيل: الرهط والراهط لما دون العشرة من الرجال، ولا يقع ~~الرهط، والعصب، والنفر، إلا على الرجال. # وقال الزمخشري: " من الثلاثة إلى العشرة، وقيل: إلى السبعة " ، ~~ويجمع على " أرهط " و " أرهط " على " أراهط "؛ قال: [مجزوء الكامل] # 3009- يا بؤس للحرب التي # وضعت أراهط فاستراحوا # قال الرماني: وأصل الكلمة من الرهط، وهو الشد، ومنه " ~~الترهيط " وهو شدة الأكل والراهطاء اسم لجحر من جحرة ~~اليربوع؛ لأنه يتوثق به ويحيا فيه أولاده. # فصل # المعنى: ولولا حرمة رهطك ms4852 عندنا لكونهم على ملتنا لرجمناك. # والرجم في اللغة: عبارة عن الرمي، وذلك قد يكون بالحجارة عند قصد ~~القتل، ولما كان هذا الرجم سببا للقتل سموا القتل رجما، وقد يكون ~~بالقول الذي هو القذف كقوله تعالى: # رجما بالغيب # [الكهف:22] وقوله: # ويقذفون بالغيب # [سبأ:53]، وقد يكون بالشتم واللعن، ومنه الشيطان الرجيم، وقد يكون ~~بالطرد، قال تعالى: # رجوما للشياطين # [الملك:5] فعلى هذه الوجوه يكون المعنى: لقتلناك، أو لشتمناك وطردناك. # قوله: { ومآ أنت علينا بعزيز } قال الزمخشري " وقد دل ~~إيلاء ضميره حرف النفي على أن الكلام واقع في الفاعل لا في المفعول ~~كأنه قيل: وما أنت بعزيز علينا بل رهطك هم الأعزة علينا؛ فلذلك ~~قال في جوابهم: " أرهطي أعز عليكم من الله " ولو قيل: " ~~وما عززت علينا " لم يصح هذا الجواب ". # والمعنى: أنك لما لم تكن علينا عزيزا، سهل علينا الإقدام على قتلك ~~وإيذائك. # واعلم أن هذه الوجوه التي ذكروها ليست مانعة لما قرره شعيب من ~~الدلائل، بل هي جارية مجرى مقابلة الدليل والحجة بالشتم والسفاهة. # قوله: { يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا } # اعلم أنهم لما خوفوه بالقتل، وزعموا أنهم إنما تركوا قتله ~~رعاية لجانب قومه، قال: أنتم تزعمون أنكم تركتم قتلي إكراما ~~لرهطي، فالله تعالى أولى أن يتبع أمره، أي: حفظكم إياي رعاية لأمر ~~الله أولى من حفظكم إياي رعاية لحق رهطي. # قوله: " واتخذتموه " يجوز أن تكون المتعدية لاثنين. # أولهما: " الهاء " # والثاني: " ظهريا " ويجوز أن يكون الثاني هو الظرف و " ~~ظهريا " حال، وأن تكون المتعدية لواحد؛ فيكون " ظهريا " حالا ~~فقط. # ويجوز في " وراءكم " أن يكون ظرفا للاتخاذ، وأن يكون حالا من ~~ظهريا " ، والضمير في " اتخذتموه " يعود على الله؛ لأنهم ~~يجهلون صفاته، فجعلوه أي: جعلوا أوامره ظهريا، أي: منبوذة وراء ~~ظهورهم. # والظهري: هو المنسوب إلى " الظهر " والكسر من تغييرات النسب ~~كقولهم في النسبة إلى " أمس " ، " وإمسي " بكسر الهمزة، وإلى ~~الدهر: دهري بضم الدال. # وقيل: الضمير يعود على العصيان، أي: واتخذتم العصيان عونا على ~~عداوتي، فالظهري على هذا بمعنى المعين المقوي. ms4853 # ثم قال: { إن ربي بما تعملون محيط } أي: عالم بأحوالكم، ~~فلا يخفى عليه شيء منها. # قوله تعالى: { ويقوم اعملوا على مكانتكم } الآية. # المكانة: الحالة التي يتمكن بها صاحبها من عمله، أي اعملوا حال كونكم ~~موصوفين بغاية المكنة والقدرة، وكل ما في وسعكم، وطاقتكم من إيصال الشر ~~إلي فإني أيضا عامل بقدر ما آتاني الله من القدرة. " سوف ~~تعلمون " أينا الجاني على نفسه، والمخطئ في فعله. # قوله: " من يأتيه " تقدم نظيره في قصة نوح. قال ابن عطية - ~~بعد أن حكى عن الفراء أن تكون موصولة مفعولة ب " تعلمون " وأن ~~تكون استفهامية مبتدأة معلقة ل " تعلمون " -: " والأول أحسن " ~~ثم قال: " ويقضى بصلتها أن المعطوفة عليها موصولة لا محالة ". # وهي قوله: { ومن هو كاذب }. # قال أبو حيان: " لا يتعين ذلك، إذ من الجائز أن تكون الثانية ~~استفهامية أيضا معطوفة على الاستفهامية قبلها، والتقدير: سوف ~~تعلمون أينا يأتيه عذاب، وأينا هو كاذب ". # قال الزمخشري: فإن قلت: أي فرق بين إدخال الفاء ونزعها في " ~~سوف تعلمون "؟. # قلت: إدخال الفاء وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل، ونزعها وصل خفي ~~تقديري بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدر كأنهم قالوا: فماذا ~~يكون إذا عملنا نحن على مكانتنا، وعملت أنت على مكانتك؟ فقيل سوف ~~تعلمون، فوصل تارة بالفاء، وتارة بالاستئناف للتفنن في البلاغة، ~~كما هو عادة البلغاء من العرب، وأقوى الوصلين وأبلغهما الاستئناف ~~". # ثم قال: { وارتقبوا إني معكم رقيب } أي: وانتظروا ~~العذاب إني معكم منتظر. والرقيب: بمعنى الراقب من رقبه كالضريب ~~والصريم بمعنى الضارب والصارم، أو بمعنى المراقب، أو بمعنى المرتقب ~~كالفقير والرفيع بمعنى المفتقر والمرتفع. # قوله تعالى: { ولما جآء أمرنا } الآية. # قال الزمخشري: فإن قلت: ما بال ساقتي قصة عاد وقصة مدين جاءتا ~~بالواو، والساقتان الوسطيان بالفاء؟ قلت: قد وقعت الوسطيان بعد ذكر ~~الوعد، وذلك قوله: # إن موعدهم الصبح # [هود:81] # ذلك وعد غير مكذوب # [هود:65] فجاء بالفاء التي للتسبب كما تقول: " وعدته فلما جاء ~~المعياد كان كيت وكيت " ، وأما الأخريان فلم تقعا بتلك المنزلة، ~~وإنما وقعتا مبتدأتين فكان حقهما ms4854 أن تعطفا بحرف الجمع على ما قبلهما، ~~كما تعطف قصة على قصة ". # قوله: { نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة ~~منا }. # روى الكلبي عن ابن عباس قال: لم يعذب الله أمتين بعذاب واحد ~~إلا قوم شعيب وقوم صالح، فأما قوم صالح؛ فأخذتهم الصحية من تحتهم، ~~وقوم شعيب أخذتهم من فوقهم. # وقوله: { ولما جآء أمرنا } يحتمل أن يكون المراد منه، ولما ~~جاء وقت أمرنا ملكا من الملائكة بتلك الصيحة، ويحتمل أن يكون المراد ~~من الأمر العذاب، وعلى التقديرين فأخبر الله أنه نجى شعيبا ومن ~~معه من المؤمنين. # وفي قوله: " برحمة منا " وجهان: # الأول: أنه تعالى إنما خلصه من ذلك العذاب لمحض رحمته، تنبيها ~~على أن كل ما يصل إلى العبد ليس إلا بفضل الله ورحمته. # والثاني: أن المراد من الرحمة الإيمان والطاعة وهي أيضا ما حصلت ~~إلا بتوفيق الله. # ثم قال: { وأخذت الذين ظلموا الصيحة } وعرف " ~~الصيحة " بالألف واللام إشارة إلى المعهود السابق وهي صيحة جبريل ~~{ فأصبحوا في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا ~~فيهآ } تقدم الكلام على ذلك [هود:67، 68] وإنما ذكر هذه اللفظة، وقاس ~~حالهم على ثمود؛ لأنه تعالى عذبهم بمثل عذاب ثمود. # قوله: { كما بعدت ثمود } العامة: على كسر العين من " بعد ~~يبعد " بكسر العين في الماضي وفتحها في المضارع بمعنى هلك؛ قال: ~~[الطويل] # 3010- يقولون لا تبعدوهم يدفنونه # ولا بعد إلا ما تواري الصفائح # أرادت العرب أن تفرق بين المعنيين بتغيير فقالوا: " بعد " بالضم ~~ضد القرب، و " بعد " بالكسر ضد السلامة، والمصدر البعد بالفتح في ~~العين. # وقرأ السلمي وأبو حيوة " بعدت " بالضم أخذه من ضد القرب؛ لأنهم ~~إذا هلكوا فقد بعدوا، ومن هذا قول الشاعر: [الكامل] # 3011- من كان بينك في التراب وبينه # شبران فهو بغاية البعد # وقال النحاس: المعروف في اللغة: بعد يبعد بعدا ~~وبعدا، إذا هلك، وبعد يبعد في ضد القرب. # وقال ابن قتيبة: بعد يبعد إذا كان بعده هلكة، وبعد يبعد إذا ~~نأى فهو موافق للنحاس. # وقال المهدوي: " بعد " يستعمل في الخير والشر، و " بعد " في ~~الشر خاصة. # وقال ms4855 ابن الأنباري: من العرب من يسوي بين الهلاك والبعد ~~والذي هو ضد القرب، فيقول فيهما: بعد يبعد، وبعد يبعد؛ ~~وأنشدوا قول مالك: [الطويل] # 3012- يقولون لا تبعد وهم يدفنونني # وأين مكان البعد إلا مكانيا # قيل: يروى " لا تبعد " بالوجهين. # وفي هذه الآية نوع من علم البيان يسمى الاستطراد، وهو أن تمدح شيئا ~~أوتذمه، ثم تأتي آخر الكلام بشيء هو غرضك في أوله، قالوا: ولم ~~يأت في القرآن غيره، وأنشدوا في ذلك قول حسان: [الكامل] # 3013- إن كنت كاذبة الذي حدثتني # فنجوت منجى الحارث بن هشام # ترك الأحبة أن يقاتل دونهم # ونجا برأس طمرة ولجام ### || [11.96-99] # قوله تعالى: { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان ~~مبين } القصة. # قيل: المراد ب " الآيات " التوارة مع ما فيها من الشرائع ~~والأحكام، ومن السلطان المبين المعجزات الباهرة. # وقيل:المراد ب " الآيات " المعجزات، وبالسلطان الحجة كقوله: # إن عندكم من سلطان بهذآ # [يونس:68] وقوله: و # مآ أنزل الله بها من سلطان # [يوسف:40] وقيل: المراد بالسلطان المبين: العصا؛ لأنها أبهر الآيات، ~~وذلك أن الله تعالى أعطى موسى تسع آيات بينات، وهي: العصا، واليد ~~البيضاء، والطوفان، والجراد والقمل، والضفادع، والدم ونقص ~~من الثمرات والأنفس، ومنهم من أبدل نقص الثمرات والأنفس بإظلال الجبل ~~وفلق البحر واختلفوا في تسمية الحجة بالسلطان، فقيل: لأن صاحب ~~الحجة يقهر من لا حجة له عند النظر كما يقهر السلطان غيره. # وقال الزجاج: السلطان هو الحجة، وسمي السلطان سلطانا؛ ~~لأنه حجة الله في أرضه، واشتقاقه من السليط الذي يستضاء به، ومنه ~~قيل للزيت السليط. وقيل: مشتق من التسليط، والعلماء سلاطين بسبب ~~كمالهم في القوة العلمية، والملوك سلاطين بسبب قدرتهم ومكنتهم، ~~إلا أن سلطنة العلماء أكمل، وأبقى من سلطنة الملوك؛ لأن سلطنة ~~العلماء لا تقبل النسخ والعزل، وسلطنة الملوك تقبلهما، وسلطنة ~~العلماء من جنس سلطنة الأنبياء وسلطنة الملوك من جنس سلطنة الفراعنة، ~~وسلطنة الملوك تابعة لسلطنة العلماء. # فإن قيل: إذا حملتم الآيات على المعجزات والسلطان على الدلائل، ~~والمبين أيضا معناه كونه سببا للظهور، فما الفرق بين هذه المراتب ~~الثلاث؟. # فالجواب: أن الآيات ms4856 اسم للقدر المشترك بين العلامات التي تفيد ~~الظن، وبين الدلائل التي تفيد اليقين، وأما السلطان فهو اسم ~~لما يفيد القطع واليقين. # وكانت معجزة موسى هكذا، فلا جرم وصفها الله تعالى بأنها سلطان مبين. # ثم قال: { إلى فرعون وملئه } أي: جماعته. { فاتبعوا ~~أمر فرعون } قيل: أمره إياهم بالكفر بموسى، وقيل: الأمر الطريق. # ثم قال: { ومآ أمر فرعون برشيد } أي: بمرشد إلى خير. # وقيل: ذو رشد؛ لأنه كان دهريا نافيا للصانع وللمعاد، فلهذا كان ~~خاليا عن الرشد بالكلية. # ثم وصفه فقال: { يقدم قومه يوم القيامة } يقال: قدم ~~فلان فلانا بمعنى تقدمه، ومنه قادمة الرجل كما يقال: قدمه ~~بمعنى تقدمه، ومنه: مقدمة الجيش. # والمعنى: أن فرعون كان قدوة لقومه في الضلال حال ما كانوا في ~~الدنيا، وكذلك مقدمهم إلى النار، وهم يتبعونه ويجوز أن يكون معنى ~~قوله: { ومآ أمر فرعون برشيد } أي: وما أمره بصالح حميد ~~العاقبة، ويكون قوله: " يقدم قومه " تبيينا لذلك وإيضاحا، أي: كيف ~~يكون أمره رشيدا مع أن عاقبته هكذا؟. # قوله: " فأوردهم " يجوز أن تكون هذه المسألة من باب الإعمال، ~~وذلك أن " يقدم " يصلح أن يتسلط على " النار " بحرف الجر، أي: ~~يقدم قومه إلى النار، وكذا: " أوردهم " يصح تسلطه عليها أيضا، ~~ويكون قد أعمل الثاني للحذف من الأول، ولو أعمل الأول لتعدى ب " ~~إلى " ولأضمر في الثاني، ولا محل ل " أورد " لاستئنافه، وهو ماض ~~لفظا مستقبل معنى؛ لأنه عطف على هو نص في الاستقبال. # والهمزة في " أورد " للتعدية؛ لأنه قبلها يتعدى لواحد، قال ~~تعالى: # ولما ورد مآء مدين # [القصص:23]. # وقيل: أوقع المستقبل بلفظ الماضي هنا لتحققه. وقيل: بل هو ماض على ~~حقيقته، وهذا قد وقع وانفصل وذلك أنه أوردهم في الدنيا النار. قال ~~تعالى: # النار يعرضون عليها غدوا وعشيا # [غافر:46] وقيل: أوردهم موجبها وأسبابها، وفيه بعد لأجل العطف ~~بالفاء. # والورد: يكون مصدرا بمعنى الورود، ويكون بمعنى الشيء المورد ~~كالطحن والرعي. # ويطلق أيضا على الوارد، وعلى هذا إن جعلت الورد مصدرا أو بمعنى ~~الوارد فلا بد من حذف مضاف تقديره: وبئس ms4857 مكان الورد المورود، وهو ~~النار، وإنما احتيج إلى هذا التقدير؛ لأن تصادق فاعل " نعم ~~" و " بئس " ومخصوصهما شرط، لا يقال: نعم الرجل الفرس. وقيل: ~~بل المورود صفة للورد، والمخصوص بالذم محذوف تقديره: بئس الورد ~~المورود النار، جوز ذلك أبو البقاء، وابن عطية، وهو ظاهر كلام ~~الزمخشري. # وقيل: التقدير: بئس القوم المورود بهم هم، فعلى هذا " الورد " ~~المراد به الجمع الواردون، قال تعالى: # ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا # [مريم:86] والمورود صفة لهم، والمخصوص بالذم الضمير المحذوف وهو ~~" هم " ، فيكون ذلك للواردين لا لموضع الورد كذا قاله أبو حيان وفيه ~~نظر من حيث إنه: كيف يراد بالورد الجمع الواردون، ثم يقول: ~~والمورود صفة لهم؟. # وفي وصف مخصوص " نعم " و " بئس " خلاف بين النحويين منعه ابن ~~السراج وأبو علي. # قال الواحدي: لفظ " النار " مؤنث، فكان ينبغي أن يقال: وبئست الورد ~~المورود، إلا أن لفظ " الورد " مذكر؛ فكان التذكير والتأنيث ~~جائزين، كما تقول: نعم المنزل دارك، ونعمت المنزل دارك، فمن ذكر عن ~~المنزل ومن أنث عن الدار. # فصل # والمعنى: أدخلهم النار وبئس المدخل المدخول؛ وذلك لأن الورد ~~إنما يراد لتسكين العطش وتبريد الأكباد، والنار ضده. # ثم قال: { وأتبعوا في هذه لعنة } أي: أن اللعن من ~~الله، والملائكة، والأنبياء ملتصق بهم في الدنيا والآخرة لا يزول ~~عنهم، كقوله: # وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ~~هم من المقبوحين # [القصص:42]. # ثم قال: { بئس الرفد المرفود } والكلام فيه كالذي قبله. ~~وقوله: { ويوم القيامة } عطف على موضع " في هذه " والمعنى: ~~أنهم ألحقوا لعنة في الدنيا وفي الآخرة، ويكون الوقف على هذا ~~تاما، ويبتدأ بقوله " بئس ". # وزعم جماعة أن التقسيم: هو أن لهم في الدنيا لعنة، ويوم ~~القيامة بئس ما يرفدون به، فهي لعنة واحدة أولا، وقبح إرفاد ~~آخرا. وهذا لايصح؛ لأنه يؤدي إلى إعمال " بئس " فيما تقدم ~~عليها، وذلك لا يجوز لعدم تصرفها؛ أما لو تأخر لجاز؛ كقوله: ~~[الكامل] # 3014- ولنعم حشو الدرع أنت إذا # دعيت نزال ولج في الذعر # وأصل الرفد كما قال الليث: العطاء والمعونة، ومنه رفادة ms4858 قريش، ~~رفدته أرفده رفدا بكسر الراء وفتحها: أعطيته وأعنته. وقيل ~~بالفتح مصدر، وبالكسر اسم، كأنه نحو: الرعي والذبح ويقال: ~~رفدت الحائط، أي: دعمته، وهو من معنى الإعانة. ### || [11.100-102] # قوله: { ذلك من أنبآء القرى نقصه } الآية. # " ذلك " إشارة إلى الغائب، والمراد منه ههنا الإشارة إلى القصص ~~المتقدمة، وهي حاضرة إلا أن الجواب عنه تقدم في قوله: # ذلك الكتاب لا ريب فيه # [البقرة:2]. # ولفظ " ذلك " إشارة إلى الواحد والجماعة، كقوله: # لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك # [البقرة:68]. # ويحتمل أن يكون ذلك الذي ذكرناه هو كذا وكذا. # قال الزمخشري: " ذلك " مبتدأ، و " نقصه عليك " خبر بعد خبر، أي ~~ذلك المذكور بعض أنباء القرى مقصوص عليك وقال شهاب الدين: يجوز أن ~~يكون " نقصه " خبرا و " من أنباء " حال، ويجوز العكس، قيل: ~~وثم مضاف محذوف، أي من أنباء أهل القرى، ولذلك أعاد الضمير عليهم في ~~قوله: " وما ظلمناهم ". # ثم قال: ويجوز في " ذلك " أوجه: # أحدهما: أنه مبتدأ كما تقدم [هود:49]. # والثاني: أنه منصوب بفعل مقدر يفسره " نقصه " فهو من باب ~~الاشتغال، أي: نقص ذلك في حال كونه من أنباء القرى، وقد تقدم في ~~قوله: # ذلك من أنبآء الغيب نوحيه إليك # [يوسف:44] أوجه، وهي عائدة هنا. # قوله: { منها قآئم وحصيد } " حصيد " مبتدأ محذوف الخبر، ~~لدلالة خبر الأول عليه، أي: ومنها حصيد، وهذا لضرورة المعنى. # و " الحصيد " بمعنى المحصود، وجمعه: حصدى وحصاد مثل: مريض ~~ومرضى ومراض، وهذا قول الأخفش، ولكن باب " فعيل " ، و " فعلى ~~" أن يكون في العقلاء؛ نحو: قتيل وقتلى. والضمير في " منها " ~~عائد على القرى، شبه ما بقي من آثار القرى وجدرانها بالزرع القائم على ~~ساقة، وما عفا منها وبطل بالحصيد. # والمعنى: أن تلك القرى بعضها بقي منه شيء وبعضها هلك وما بقي منه أثر ~~ألبتة. # قال بعض المفسرين: القائم: العامر، والحصيد: الخراب: وقيل: القائم ~~ما بقيت حيطانه، وسقطت سقوفه، وحصيد: انمحى أثره. وقال مقاتل: قائم يرى ~~له أثر، وحصيد لا يرى له أثر. # ثم قال: " وما ظلمناهم " بالعذاب والإهلاك: { ولكن ~~ظلموا أنفسهم } بالكفر ms4859 والمعصية وقيل: الذي نزل بالقوم ليس ~~بظلم من الله، بل هو عدل وحكمة؛ لأن القوم أولا ظلموا أنفسهم ~~بإقدامهم على الكفر والمعاصي، فاستوجبوا بتلك الأعمال من الله العذاب. # وقال ابن عباس: وما نقصناهم في الدنيا من النعم والرزق، ولكن نقصوا ~~حظ أنفسهم حيث استخفوا بحقوق الله تعالى. # { فمآ أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون ~~الله من شيء } أي: ما نفعتهم تلك الآلهة في شيء ألبتة. # قوله: { لما جآء أمر ربك } أي: عذاب ربك. # قال الزمخشري: " لما " منصوب ب " أغنت " وهو بناء منه على أن ~~" لما " ظرفية. # والظاهر أن " ما " نافية، أي: لم تغن. ويجوز أن تكون استفهامية، ~~و " يدعون " حكاية حال، أي: التي كانوا يدعون، و " ما زادوهم " ~~الضمير المرفوع للأصنام، والمنصوب لعبدتها وعبر عنهم بواو العقلاء؛ ~~لأنهم نزلوهم منزلتهم. # والتتبيب: التخسير، يقال: تب الرجل غيره إذا أوقعه في ~~الخسران. يقال تبب غيره وتب هو بنفسه، فيستعمل لازما ومتعديا، ~~ومنه # تبت يدا أبي لهب وتب # [المسد:1] وتببته تتبيبا، أي: خسرته تخسيرا قال لبيد: # 3015- ولقد بليت وكل صاحب جدة # لبلى يعود وذاكم التتبيب # وقيل: التتبيب: التدمير. والمعنى: أن الكفار يعتقدون في الأصنام ~~أنها تنفع وتدفع المضار، ثم أخبر أنهم عند الحاجة إلى المعين ما ~~وجدوا فيها شيئا لا جلب نفع، ولا دفع ضرر، وإنما وجدوا ضد ذلك، ~~وهذا أعظم الخسران. # قوله: " وكذلك " خبر مقدم، و " أخذ " مبتدأ مؤخر، والتقدير: ~~ومثل ذلك الأخذ أي: أخذ الله الأمم السالفة أخذ ربك. # و " إذا " ظرف متمحض، ناصبه المصدر قبله، وهو قريب من حكاية الحال، ~~والمسألة من باب التنازع فإن الأخذ يطلب " القرى " ، و " أخذ " ~~الفعل أيضا يطلبها، وتكون المسألة من إعمال الثاني للحذف من الأول. # وقرأ عاصم وأبو رجاء والجحدري " أخذ ربك، إذا أخذ " جعلهما ~~فعلين ماضيين، و " ربك " فاعل وقرأ طلحة بن مصرف كذلك إلا أنه ~~ب " إذا ". # قال ابن عطية وهي قراءة متمكنة المعنى، ولكن قراءة الجماعة تعطي ~~الوعيد، واستمراره في الزمان، وهوالباب في وضع المستقبل موضع الماضي. # وقوله: " وهي ظالمة ms4860 " جملة حالية. والضمير في " وهي ظالمة " ~~عائد إلى القرى، وهو في الحقيقة عائد إلى أهلها، كقوله: # وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة # [الأنبياء:11] # وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها # [القصص:58]. # ثم لما بين كيفية أخذ الأمم الظالمة أكده بقوله: { إن ~~أخذه أليم شديد } فوصف ذلك العذاب بالإيلام وبالشدة. ### || [11.103-109] # ثم قال: { إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة } ~~قال القفال: تقرير الكلام أن يقال: إن هؤلاء إنما عذبوا في الدنيا ~~لتكذيبهم الأنبياء، وإشراكهم بالله، فإذا عذبوا في الدنيا على ذلك ~~وهي دار العمل، فلأن يعذبوا عليه في الآخرة التي هي دار الجزاء، ~~كان أولى. وهذا قول كثير من المفسرين. # قال ابن الخطيب: وعلى هذا الوجه الذي ذكره القفال يكون ظهور عذاب ~~الاستئصال في الدنيا دليلا على أن القول بالقيامة والبعث حق، ~~وظاهر الآية يقتضي أن العلم بأن القيامة حق كالشرط في حصول الاعتبار ~~بعذاب الاستئصال، وهذا المعنى كالمضاد لما ذكره القفال؛ لأن القفال ~~يجعل العلم بعذاب الاستئصال أصلا للعلم بأن القيامة حق؛ فبطل ما ذكره ~~القفال، والأصوب عندي أن يقال: العلم بأن القيامة حق موقوف على العلم ~~بأن لوجود السموات والأرض فاعل مختار لا موجب بالذات، وما لم يعلم ~~الإنسان أن إله العالم فاعل مختار وقادر على كل الممكنات، وأن جميع ~~الحوادث الواقعة في السموات والأرض لا تحصل إلا بتكوينه وقضائه، لا ~~يمكنه أن يعتبر بعذاب الاستئصال؛ لأن الذين يذهبون إلى ان المؤثر في ~~وجود هذا العالم موجب بالذات، لا فاعل مختار، يزعمون أن هذه ~~الأحوال التي ظهرت في أيام الأنبياء؛ كالغرق، والخسف، والمسخ، ~~والصيحة كلها إنما حدثت بسبب قرانات الكواكب وإيصال بعضها ببعض، وإذا ~~كان الأمر كذلك، فحينئذ لا تكون حصولها دالا على صدق الأنبياء. # فأما المؤمن بالقيامة؛ فلا يتم له ذلك الإيمان إلا إذا اعتقد أن إله ~~العالم فاعل مختار، وأنه عالم بجميع الجزئيات، وإذا كذلك لزم القطع بأن ~~حدوث هذه الوقائع العظيمة إنما كان بسبب أن إله العالم خلقها وأوجدها ~~لا بسبب طوالع الكواكب واتصالاتها، وحينئذ ms4861 يسمع هذه القصص، ويستدل بها ~~على صدق الأنبياء؛ فثبت بذلك صحة قوله: { إن في ذلك لآية ~~لمن خاف عذاب الآخرة }. # قوله تعالى: { ذلك يوم مجموع له الناس } " ذلك ": ~~إشارة إلى يوم القيامة المدلول عليه بالسياق من قوله: { عذاب ~~الآخرة } و " مجموع " صفة ل " اليوم " جرت على غير من هي له، ~~فلذلك رفعت الظاهر وهو " الناس " وهذا هو الإعراب نحو: " مررت ~~برجل مضروب غلامه ". # وأعرب ابن عطية " الناس " مبتدأ مؤخرا، و " مجموع " خبره ~~مقدما عليه. وفيه ضعف إذ لو كان كذلك لقيل: مجموعون، كما يقال: ~~الناس قائمون ومضربون، ولا يقال: قائم ومضروب إلا بضعف. وعلى ~~إعرابه يحتاج إلى حذف عائد، إذ الجملة صفة لليوم، أي: الناس مجموع ~~له، و " مشهود " متعين لأن يكون صفة فكذلك ما قبله. # وقوله: " مشهود " من باب الاتساع في الظرف بأن جعله مشهودا، ~~وإنما هو مشهود فيه؛ وهو كقوله: [الطويل] # 3016- ويوم شهدناه سليما وعامرا # قليل سوى الطعن النهال نوافله # والأصل: مشهود فيه، وشهدنا فيه، فاتسع فيه بأن وصل الفعل إلى ~~ضميره من غير واسطة، كما يصل إلى المفعول به. # قال الزمخشري: " فإن قلت: أي فائدة في أن أوثر اسم المفعول على ~~فعله؟ قلت: لما في اسم المفعول من دلالته على ثبات معنى الجمع لليوم، ~~وأنه لا بد أن يكون ميعادا مضروبا لجمع الناس له، وأنه هو ~~الموصوف بذلك صفة لازمة " قال ابن عباس: يشهده البر والفاجر. وقيل: ~~يشهده أهل السموات وأهل الأرض. # قوله: " وما نؤخره " الضمير يعود على " يوم ". # وقال الحوفي: " على الجزاء " وقرأ الأعمش: " وما يؤخره " - ~~بالياء - أي: الله تعالى. " إلا لأجل معدود " وكل ما له عدد، فهو ~~متناه، وكل ما كان متناهيا، فلا بد أن يفنى، فتأخير القيامة ينتهي ~~إلى وقت لا بد وأن يقيم الله القيامة فيه، وكل ما هو آت قريب. # قوله: " يوم يأت " قرأ أبو عمرو والكسائي ونافع " يأتي " ~~بإثبات الياء وصلا وحذفها وقفا. # وقرأ ابن كثير بإثباتها وصلا ووقفا وباقي السبعة: قرءوا بحذفها ~~وصلا ووقفا. # وقد وردت المصاحف بإثباتها وحذفها: ففي ms4862 مصحف أبي إثباتها، وفي مصحف ~~عثمان حذفها، وإثباتها هو الوجه؛ لأنها لام الكلمة، وإنما حذفوها ~~في القوافي، والفواصل، لأنها محل وقوف وقالوا: لا أدر، ولا أبال. # وقال الزمخشري " والاجتزاء بالكسرة عن الياء كثيرة في لغة هذيل ~~". # وأنشد ابن جرير في ذلك: [الرجز] # 3017- كفاك كف ما تليق درهما # جودا وأخرى تعط بالسيف الدما # والناصب لهذا الظرف فيه أوجه: # أحدها: أنه " لا تكلم " والتقدير: لا تكلم نفس يوم يأتي ذلك ~~اليوم. وهذا معنى جيد لا حاجة إلى غيره. # الثاني: أن ينتصب ب " اذكر " مقدرا. # والثالث: أن ينتصب بالانتهاء المحذوف في قوله: " إلا لأجل " أي: ~~ينتهي الأجل يوم يأتي. # والرابع: أنه منصوب ب " لا تكلم " مقدرا، ولا حاجة إليه. # والجملة من قوله: " لا تكلم " في محل نصب على الحال من ضمير ~~اليوم المتقدم في " مشهود " أو نعتا له لأنه نكرة. والتقدير: لا ~~تكلم نفس فيه إلا بإذنه، قاله الحوفي. # وقال ابن عطية: " لا تكلم نفس " يصح أن تكون جملة في موضع الحال ~~من الضمير الذي في " يأت " وهو العائد على قوله: { وذلك يوم ~~} ، ويكون على هذا عائد محذوف تقديره: لا تكلم نفس فيه، ويصح أن ~~يكون قوله: { لا تكلم نفس } صفة لقوله: { يوم يأت }. # وفاعل " يأت " فيه وجهان: # أظهرهما: أنه ضمير " يوم " المتقدم. # والثاني: أنه ضمير الله تعالى كقوله: # هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله # [البقرة:210] وقوله: " أو يأتي ربك ". # والضمير في قوله: " فمنهم " الظاهر عوده على " الناس " في ~~قوله: { مجموع له الناس } وجعله الزمخشري عائدا على أهل ~~الموقف وإن لم يذكروا، قال: لأن ذلك معلوم، ولأن قوله: { لا ~~تكلم نفس } يدل عليه " وكذا قال ابن عطية. # وقوله: " وسعيد " خبره محذوف: أي: ومنهم سعيد، كقوله: # منها قآئم وحصيد # [هود:100]. # فصل # هذه الآية توهم المناقضة لقوله # يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها # [النحل:111] ولقوله # هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون # [المرسلات: 35-36] وقوله: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام:23]. # والجواب: قال بعضهم: إنه حيث ورد المنع من الكلام، فهو محمول على ms4863 ~~ذكر الأعذار الكاذبة الباطلة، وحيث ورد الإذن في الكلام، فهو محمول ~~على الجوابات الصحيحة؛ قال تعالى: # لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال ~~صوابا # [النبأ:38] وقيل: إن ذلك اليوم يوم طويل، وله مواقف، ففي بعضها ~~يجادلون عن أنفسهم، وفي بعضها يختم على أفواههم، وتتكلم أيديهم وتشهد ~~أرجلهم. # وقيل: ورد المنع عن الكلام مطلقا، وورد مقيدا بالإذن فيحمل المطلق على ~~المقيد. # قوله: { فمنهم شقي وسعيد } قال الزمخشري: الضمير في ~~قوله: " منهم " لأهل الموقف ولم يذكروا؛ لأنه مفهوم، ولأن ~~قوله: { لا تكلم نفس إلا بإذنه } يدل عليه؛ ولأنه ~~مذكور في قوله: { مجموع له الناس }. # واستدل القاضي بهذه الآية على فساد القول بأن أهل الأعراف لا في ~~الجنة ولا في النار. # وجوابه: أن الأطفال والمجانين أيضا خارجون عن هذا التقسيم؛ ~~لأنهم لا يحاسبون، فلم لا يجوز أيضا أن يقال: إن أصحاب الأعراف ~~خارجون عنه أيضا؛ لأنهم لا يحاسبون لأن الله - تعالى - علم من حالهم ~~أن ثوابهم يساوي عذابهم، فلا فائدة في حسابهم. # واستدل القاضي أيضا بهذه الآية على أن كل من حضر عرضة القيامة ~~فلا بد وأن يكون ثوابه زائدا أو عذابه، فأما من كان ثوابه مساويا ~~لعقابه، فإنه وإن كان جائزا في العقل، إلا أن هذا النص يدل على ~~أنه غير موجود. # وأجيب بأن تخصيص هذين القسمين بالذكر لا يدل على نفي القسم ~~الثالث؛ لأن أكثر الآيات مشتملة على ذكر المؤمن والكافر، وليس فيه ذكر ~~ثالث لا يكون مؤمنا ولا كافرا مع أن القاضي أثبته، فإذا لم يلزم من ~~عدم ذكر الثالث عدمه فكذلك لا يلزم من عدم ذكر هذا الثالث عدمه. # فصل # " روى أبو عبد الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب- رضي الله عنه - قال: ~~خرجنا على جنازة، فبينما نحن بالبقيع إذ خرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وبيده مخصرة، فجاء، فجلس، ثم نكت بها الأرض ساعة، ثم قال: " ما ~~من نفس منفوسة إلا قد كتب مكانها من الجنة، أو النار، ~~وإلا قد كتبت شقية، أو سعيدة " قال: فقال ms4864 رجل: أفلا نتكل على ~~كتابنا يا رسول الله وندع العمل؟ قال: " لا، ولكن اعملوا فكل ميسر ~~لما خلق له، وأما أهل الشقاء فسييسرون لعمل أهل الشقاء، وأما أهل ~~السعادة فسييسرون لعمل أهل السعادة " # ثم تلا: # فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى ~~فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى ~~وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى # [الليل:5-10]. # قوله: { فأما الذين شقوا } الجمهور على فتح الشين؛ لأنه ~~من " شقى " فعل قاصر وقرأ الحسن بضمها فاستعمله متعديا، فيقال: ~~شقاه الله، كما يقال: أشقاء الله وقوله: { لهم فيها زفير } في ~~هذه الجملة احتمالان: # أحدهما: أنها مستأنفة، كأن سائلا سأل حين أخبر أنهم في ~~النار: ماذا يكون لهم؟ فقيل: لهم كذا. # والثاني: أنها منصوبة المحل، وفي صاحبها وجهان: # أحدهما: أنه الضمير في الجر والمجرور وهي " ففي النار ". # الثاني: أنها حال من " النار " و " الزفير " بمنزلة ابتداء صوت ~~الحمار، والشهيق " آخره قال رؤبة: [الرجز] # 3018- حشرج في الصدر صهيلا أو شهق # حتى يقال ناهق وما نهق # وقال ابن فارس: الزفير ضد الشهيق؛ لأن الشهيق رد النفس ~~والزفير: إخراج النفس من شدة الحزن مأخوذ من الزفر وهو ~~الحمل على الظهر، لشدته. # وقال الزمخشري نحوه؛ وأنشد للشماخ: [الطويل] # 3019- بعيد مدى التطريب أول صوته # زفير ويتلوه شهيق محشرج # وقيل الشهيق: النفس الممتد، مأخوذ من قولهم: " جبل شاهق أي: ~~عال ". # وقال الليث: الزفير: أن يملأ الرجل صدره حال كونه في الغم ~~الشديد من النفس ويخرجه، والشهيق أن يخرج ذلك النفس، وهو قريب ~~من قولهم: تنفس الصعداء. # قال ابن الخطيب: إن الإنسان إذا عظم غمه انحصر روح قلبه في داخل ~~القلب، فتقوى الحرارة وتعظم، وعند ذلك يحتاج الإنسان إلى النفس القوي ~~لأجل أن يستدخل هواء باردا حتى يقوى على ترويح تلك الحرارة، فلهذا ~~السبب يعظم في ذلك الوقت استدخال الهواء في داخل الصدر، وحينئذ ~~يرتفع صدره، ولما كانت الحرارة الغريزية، والروح الحيواني محصورا ~~في داخل القلب؛ استولت البرودة على الأعضاء الخارجة؛ فربما عجزت ~~آلات النفس عن دفع ذلك الهوى فيبقى ذلك الهواء الكثير منحصرا في ~~الصدر. ms4865 # فعلى قول الأطباء: الزفير: هو استدخال الهواء الكثير لترويح الحرارة ~~الحاصلة في القلب بسبب انحصار الروح فيه، والشهيق: هو إخراج ذلك الهواء ~~عند مجاهدة الطبيعة في إخراجه، وكل من هاتين الحالتين تدل على كرب ~~شديد. # وقال أبو العالية والربيع بن أنس: الزفير في الحلق، والشهيق في ~~الصدر وقيل: الزفير للحمار والشهيق للبغل. # وقال ابن عباس: الزفير الصوت الشديد، والشهيق الصوت الضعيف وقال ~~الضحاك ومقاتل: الزفير أول صوت الحمار, والشهيق آخره، إذا رده في ~~صدره وقال الحسن: الزفير لهيب جهنم يرفعهم بقوته حتى إذا وصلوا ~~إلى أعلى جهنم، وطمعوا في أن يخرجوا منها ضربتهم الملائكة بمقامع من ~~حديد وردوهم إلى الدرك الأسقل من جهنم، وهو قوله تعالى: # كلمآ أرادوا أن يخرجوا منهآ أعيدوا فيها # [السجدة:20] فارتفاعهم في النار هو الزفير، وانحطاطهم مرة أخرى هو ~~الشهيق. # وقال أبو مسلم: الزفير ما يجتمع في الصدر من النفس عند البكاء ~~الشديد فيقطع النفس، والشهيق هو الصوت الذي يظهر عند اشتداد الكرب، ~~وربما تبعه الغشية، وربما حصل عقيبه الموت. وروي عن ابن عباس في قوله: ~~{ لهم فيها زفير وشهيق } أي: ندامة ونفسا عاليا وبكاء لا ~~ينقطع وحزنا لا يندفع. # قوله: " خالدين " منصوب على الحال المقدرة. # قال شهاب الدين: " ولا حاجة إلى قولهم " مقدرة " ، وإنما ~~احتاجوا إلى التقدير في مثل قوله: # فادخلوها خالدين # [الزمر:73]؛ لأن الخلود بعد الدخول، بخلافه هنا ". # قوله: " ما دامت " " ما " مصدرية ظرفية، أي: مدة دوامهما. و " ~~دام " هنا تامة، لأنها بمعنى: بقيت. # فصل # اختلفوا في تأويل هذا، قالت طائفة منهم الضحاك: المعنى ما دامت سموات ~~الجنة والنار وأرضهما، والسماء كل ما علاك وأظلك، والأرض ما استقر ~~عليه قدمك، قال تعالى: # وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشآء # [الزمر:74] وقيل: أراد السماء والأرض المعهودتين في الدنيا؛ وأجرى ذلك ~~على عادة العرب في الإخبار عن دوام الشيء وتأبيده، كقولهم: " لا آتيك ما ~~جن ليل، أو سال سيل، وما اختلف الليل والنهار ". # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أن جميع الأشياء المخلوقة أصلها من ~~نور ms4866 العرش، وأن السموات والأرض في الآخرة تردان إلى النور الذي ~~أخذتا منه، فهما دائمتان أبدا في نور العرش. # فصل # قال ابن الخطيب: قال قوم: إن عذاب الكفار منقطع، وله نهاية، ~~واحتجوا بالقرآن والمعقول، أما القرآن فبآيات منها هذه الآية، ~~والاستدلال بها من وجهين: # أحدهما: قوله: { ما دامت السماوات والأرض } يدل على أن ~~مدة عقابهم مساوية لمدة بقاء السموات والأرض، ثم توافقنا على أن مدة ~~بقاء السموات والأرض متناهية؛ فلزم أن تكون مدة عقاب الكفار منقطعة. # والثاني: قوله: { إلا ما شآء ربك } استثناء من مدة ~~عقابهم، وذلك يدل على أن زوال ذلك العقاب في وقت هذا الاستثناء، ~~ومنها قوله تعالى: # لابثين فيهآ أحقابا # [النبأ:23] بين تعالى أن لبثهم في ذلك العقاب لا يكون إلا ~~أحقابا، والأحقاب معدودة. # وأما العقل فمن وجهين: # الأول: أن معصية الكافر متناهية، ومقابلة الجرم المتناهي بعذاب لا ~~نهاية له ظلم وإنه لا يجوز. # الثاني: أن ذلك العقاب ضرر خال عن النفع فيكون قبيحا. # بيان خلوه عن النفع أن ذلك النفع لا يجوز أن يرجع إلى الله تعالى ~~لتعاليه عن النفع والضرر، ولا إلى ذلك العقاب؛ لأنه في حقه ضرب ~~محض، ولا إلى غيره؛ لأن أهل الجنة مشغولون بلذاتهم، فلا فائدة لهم في ~~الالتذاذ بالعقاب الدائم في حق غيرهم؛ فثبت أن ذلك العذاب ضرر ~~خال عن جميع النفع؛ فوجب أن لا يجوز # وهذا قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وعبد الله بن مسعود وأبي هريرة ~~وأنس بن مالك - رضي الله عنهم - وذهب إليه الحسن البصري وحماد بن ~~سلمة وبه قال علي بن طلحة وجماعة من المفسرين، رواه عنهم ابن تيمية. # وأما الجمهور الأعظم من الأمة، فقد اتفقوا على أن عذاب الكافر ~~دائم، وعند هذا احتاجوا إلى الجواب عن التمسك بهذه الآية، فذكروا ~~جوابين: # أحدهما: قالوا المراد سماوات الآخرة وأرضها، قالوا: والدليل على أن ~~في الآخرة سماء وأرضا قوله تعالى: # يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات # [إبراهيم:48] وقوله: # وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشآء # [الزمر:74] وأيضا: لا ms4867 بد لأهل الآخرة مما يقلهم ويظلهم؛ وذلك هو ~~الأرض والسموات. # ولقائل أن يقول: التشبيه إنما يصح ويجوز إذا كان حال المشبه به ~~مقررا معلوما، فيشبه غيره به تأكيدا لثبوت الحكم المشبه، ووجود ~~السموات والأرض في الآخرة غير معلوم، وبتقدير أن يكون وجوده معلوما ~~إلا أن بقاءهما على وجه لا يفنى ألبتة غير معلوم، فإذا كان أصل ~~وجودهما مجهولا لأكثر الخلق، ودوامهما أيضا مجهولا للأكثرين، كان ~~تشبيه عقاب الأشقياء به في الدوام بهما كلاما عديم الفائدة: أقصى ما ~~في الباب أن يقال: لما ثبت بالقرآن وجود سموات وأرض في الآخرة، وثبت ~~دوامهما؛ وجب الاعتراف به، وحينئذ يحسن التشبيه، إلا أنا ~~نقول: لما كان الطريق في إثبات دوام سموات أهل الآخرة، ودوام ~~أرضهم هو السمع، ثم السمع دل على دوام عقاب الكافر، فحينئذ ~~الدليل الذي دل على ثبوت الحكم في الأصل حاصل بعينه في الفرع، وفي ~~هذه الصورة أجمعوا على أن القياس ضائع والتشبيه باطل، فكذا ههنا. # الوجه الثاني - في الجواب - قالوا: إن العرب يعبرون عن الدوام ~~والأبد بقولهم: لا آتيك ما دامت السموات والأرض، وقولهم: ما اختلف الليل ~~والنهار، وما طما البحر، وما أقام الجبل وأنه تعالى خاطب القوم ~~على عرفهم في كلامهم، فلما ذكروا هذه الأشياء بناء على اعتقادهم ~~أنها باقية أبدا، علمنا أن هذه الألفاظ في عرفهم تفيد الأبد ~~والدوام. # ولقائل أن يقول: هل تسلمون أن قول القائل: { خالدين فيها ما دامت ~~السموات والأرض إلا ما شاء الله } يمنع من بقائها موجودة بعد فناء ~~السموات؟ أو تقولون: إنه لا يدل على هذا المعنى، فإن كان الأول؛ ~~فالإشكال لازم؛ لأن النص لما دل على أنه يجب أن تكون مدة ~~مقامهم في النار مساوية لمدة بقاء السموات والأرض، ويمنع من حصول ~~بقائهم في النار بعد فناء السموات، وثبت أنه لا بد من فناء ~~السموات، فعند هذا يلزمكم القول بانقطاع ذلك العقاب، وإن قلتم إن هذا ~~لا يمنع من بقائهم في النار بعد فناء السموات والأرض، فلا حاجة ~~بكم إلى هذا الجواب ms4868 ألبتة، فثبت أن هذا الجواب على كلا التقريرين ~~ضائع. # قال: والحق عندي أن المفهوم من الآية أنه متى كانت السموات ~~والأرض دائمتين، كان كونهم في النار باقيا، وهذا يقتضي أنه كلما حصل ~~الشرط حصل المشروط، ولا يقتضي أنه إذا عدم الشرط أن يعدم المشروط، ~~ألا ترى أنا نقول: إن كان هذا إنسان فهو حيوان، فإذا قلنا: لكنه ~~إنسان، فإنه ينتج أنه حيوان، أما إذا قلنا لكنه ليس بإنسان لم ~~ينتج أنه ليس بحيوان؛ لأن يثبت في علم المنطق أن استثناء نقيض ~~المقدمة لا ينتج شيئا، فكذا ههنا إذا قلنا: متى دامت السموات والأرض دام ~~عقابهم، فإذا قلنا: لكن السموات والأرض دائمة لزم أن يكون عقابهم حاصلا، ~~أما إذا قلنا: لكنه ما بقيت السموات والأرض لم يلزم عدم دوام عقابهم. # فإن قالوا: إذا كان العقاب حاصلا سواء بقيت السموات، أو لم تبق، لم ~~يبق لهذا التشبيه فائدة. # قلنا: بل فيه أعظم الفوائد، وهو أنه يدل على بقاء ذلك العذاب زمانا ~~دائما طويلا، لا يحيط العقل بطوله وامتداده، فأما أنه هل يحصل له ~~آخر أم لا؟ فذلك يستفاد من دليل آخر. # وأما الشبهة الثانية وهي تمسكهم بقوله تعالى: { إلا ما شآء ~~ربك } فذكروا عنه أجوبة: # أحدها: قال ابن قتيبة وابن الأنباري والفراء هذا استثناء استثناه ~~الله تعالى، ولا يفعله ألبتة، كقولك: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ~~ذلك، وعزيمتك أن تضربه. # ولقائل أن يقول: هذا ضعيف؛ لأنه إذا قال: لأضربنك إلا أن أرى غير ~~ذلك، معناه: لأضربنك إلا إذا رأيت أن الأولى ترك الضرب، وهذا لايدل ~~ألبتة على أن الرؤية قد حصلت أم لا؟ بخلاف قوله: { خالدين ~~فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شآء ربك } ~~فإن معناه الحكم بخلودهم فيها إلا المدة التي شاء ربك، فهاهنا اللفظ ~~يدل على أن هذه المشيئة قد حصلت جزما، فكيف يحصل قياس هذا الكلام ~~على ذلك الكلام. # وثانيها: قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى الاستثناء في قوله تعالى: { ~~إلا ما شآء ربك } وقد ثبت خلود ms4869 أهل الجنة والنار في الأبد ~~من غير استثناء؟ قلت: هو استثناء من الخلود في عذاب أهل النار، ومن ~~الخلود في نعيم أهل الجنة، وذلك أن أهل النار لا يخلدون في ~~عذابها وحده، بل يعذبون بالزمهرير، وبأنواع أخر من العذاب، وبما ~~هو أشد من ذلك وهو سخط الله عليهم، وكذا أهل الجنة لهم مع نعيم الجنة ~~ما هو أكثر منه كقوله: # ورضوان من الله أكبر # [التوبة:72] والدليل عليه قوله: { عطآء غير مجذوذ } ~~[هود:108] وفي مقابله قوله: { إن ربك فعال لما يريد } ~~[هود: 107] أي: يفعل بهم ما يريد من العذاب، كما يعطي أهل الجنة ما ~~لا انقطاع له. قال أبو حيان: ما ذكره في أهل النار قد يتمشى؛ ~~لأنهم يخرجون من النار إلى الزمهرير فيصح الاستثناء، وأما أهل ~~الجنة، فلا يخرجون من الجنة، فلا يصح فيهم الاستثناء. # قال شهاب الدين: والظاهر أنه لا يصح فيهما؛ لأن أهل النار ~~مع كونهم يعذبون بالزمهرير هم في النار أيضا. # وثالثها: أنه استثناء من الزمان الدال عليه قوله: { خالدين ~~فيها ما دامت السماوات والأرض }. # والمعنى: إلا الزمان الذي شاء الله فلا يخلدون فيها. # ورابعها: إنه استثناء من الضمير المستتر في الجار والمجرور، وهو ~~قوله: " ففي النار " و " ففي الجنة " لأنه لما وقع خبرا ~~تحمل ضمير المبتدأ. # وخامسها: أنه استثناء من الضمير المستتر في الحال وهو: " خالدين ~~" ، وعلى هذين القولين تكون " ما " واقعة على من يعقل عند من يرى ذلك، ~~أو على أنواع من يعقل كقوله: # ما طاب لكم من النسآء # [النساء:3] والمراد ب " ما " حينئذ العصاة من المؤمنين في طرف أهل ~~النار، وأما في طرف أهل الجنة فيجوز أن يكونوا هم، أو أصحاب ~~الأعراف؛ لأنهم لم يدخلوا الجنة لأول وهلة، ولا خلدوا فيها ~~خلود من دخلها أولا. # وسادسها: قال ابن عطية: قيل: إن ذلك على طريق الاستثناء الذي ندب ~~الشارع إلى استعماله في كل كلام، فهو كقوله: # لتدخلن المسجد الحرام إن شآء الله آمنين # [الفتح:27] استثناء في واجب، وهذا الاستثناء هو في حكم الشرط، كأنه ~~قال: ms4870 إن شاء الله؛ فليس يحتاج أن يوصف بمتصل، ولا منقطع. # وسابعها: هو استثناء من طول المدة، ويروى عن ابن مسعود وغيره أن ~~جهنم تخلوا من الناس وتخفق أبوابها فذلك قوله تعالى: { إلا ما ~~شآء ربك } وهذا مردود بظواهر الكتاب والسنة، وما ذكر عن ابن ~~مسعود فتأويله: أن جهنم في الدرك الأعلى، وهي تخلو العصاة ~~المؤمنين، هذا على تقدير صحة ما نقل عن ابن مسعود. # وثامنها: أن " إلا " حرف عطف بمعنى الواو، والمعنى: وما شاء ~~ربك زائدا على ذلك. # وتاسعها: أن الاستثناء منقطع، فيقدر ب " لكن " أو ب " سوى " ، ~~ونظروه بقولك: " لي عليك ألفا درهم، إلا الألف التي كنت أسلفتك " أي: ~~سوى تلك، فكأنه قال: خالدين فيها ما دامت السموات والأرض سوى ما ~~شاء ربك زائدا على ذلك. # وقيل: سوى ما أعد لهم من عذاب غير عذاب النار كالزمهرير ونحوه. # عاشرها: أنه استثناء من مدة السموات والأرض التي فرضت لهم في الحياة ~~الدنيا. # وحادي عشرها: أنه استثناء من البرزخ الذي بين الدنيا والآخرة. # وثاني عشرها: أنه استثناء من المسافات التي بينهم في دخول ~~النار، إذ دخولهم إنما هو زمرا بعد زمر. # وثالث عشرها: أنه استثناء من قوله: " ففي النار " كأنه قال: ~~إلا ما شاء ربك من تأخر قوم عن ذلك، وهذا مروي عن أبي سعيد ~~الخدري وجابر. # ورابع عشرها: أن " إلا ما شاء " بمنزلة: كما شاء؛ كقوله: # ما نكح آباؤكم من النسآء إلا ما قد سلف # [النساء:22]، أي: كما سلف. # وخامس عشرها: أن معناه: لو شك ربك، لأخرجهم منها، ولكنه لا يشاء؛ ~~لأنه حكم لهم بالخلود، فتكون " ما " نافية. # وسادس عشرها: أنه استثناء من قوله: { ففي النار } و { ففي ~~الجنة } ، أي: إلا الزمان الذي شاءه الله فلا يكون في النار ~~ولا في الجنة، ويمكن أن يكون هذا الزمان المستثنى هو الزمان الذي ~~يفصل فيه بين الخلق يوم القيامة إذا كان الاستثناء من الكون في ~~النار، أو في الجنة؛ لأنه زمان يخلو فيه الشقي والسعيد من ~~دخول النار والجنة، وأما إذا كان ms4871 الاستثناء من الخلود فيمكن ذلك ~~بالنسبة إلى أهل النار، ويكون الزمان المستثنى هو الزمان الذي فات ~~أهل النار العصاة من المؤمنين الذي يخرجون من النار ويدخلون ~~الجنة، فليسوا خالدين في النار، إذ قد أخرجوا منها وصاروا إلى ~~الجنة، وهذا مروي عن قتادة والضحاك وغيرهما والذين شقوا على هذا ~~شامل للكفار والعصاة هذا في طرف الأشقياء العصاة ممكن، وأما في ~~الطرف الآخر فلا يتأتى هذا التأويل فيه، إذ ليس منهم من يدخل الجنة ~~ثم لا يخلد فيها. # قال أبو حيان: يمكن ذلك باعتبار أن يكون أريد الزمان الذي فات أهل ~~النار العصاة من المؤمنين فيها الجنة وخلدوا فيها صدق على ~~العصاة المؤمنين وأصحاب الأعراف أنهم ما خلدوا في الجنة تخليد من ~~دخلها لأول وهلة. # ثم قال: { إن ربك فعال لما يريد } وهذا يحس انطباقه ~~على هذه الآية إذا حملنا الاستثناء على إخراج الفساق من النار، ~~كأنه تعالى يقول: اظهرت القهر والقدرة، ثم أظهرت المغفرة والرحمة؛ ~~لأني فعال لما أريد، وليس لأحد علي حكم ألبتة. # قوله: { وأما الذين سعدوا } # قرأ الأخوان وحفص " سعدوا " بضم السين. والباقون بفتحها، فالأولى ~~من قولهم: سعده الله، أي: أسعده حكى الفراء عن هذيل أنها تقول: ~~سعده الله بمعنى أسعده. # وقال الجوهري: سعد فهو سعيد ك: سلم فهو سليم وسعد فهو ~~مسعود. وقال ابن القشيري: ورد سعده الله فهو مسعود، وأسعده فهو ~~مسعد. # وقيل: يقال: سعده وأسعده فهو مسعود، استغنوا باسم مفعول الثلاثي. # وحكي عن الكسائي أنه قال: هما لغتان بمعنى يعني: فعل وأفعل. وقال أبو ~~عمرو ابن العلاء: يقال: سعد الرجل، كما يقال: جن، وقيل: سعده ~~لغة مهجورة. # وقد ضعف جماعة قراءة الأخوين. قال المهدوي: من قرأ " سعدوا " فهو ~~محمول على مسعود، وهو شاذ قليل؛ لأنه لا يقال: سعده الله، إنما ~~يقال: أسعده الله وقال بعضهم: احتج الكسائي بقولهم: " مسعود " قيل: ~~ولا حجة فيه؛ لأنه يقال: مكان مسعود فيه ثم حذف " فهي " وسمي به. ~~وكان علي بن سليمان يتعجب من قراءة الكسائي " سعدوا " مع علمه ~~بالعربية، ولعجب ms4872 من تعجبه. # قال مكي: قراءة حمزة والكسائي " سعدوا " بضم السين حملا على ~~قوله: " مسعود " وهي لغة قليلة شاذة، وقولهم: " مسعود " ، إنما جاء ~~على حذف الزوائد: كأنه من أسعده الله، ولا يقال: سعده الله، وهو مثل ~~قولهم: أجنه الله فهو مجنون، أتى على جنة الله، وإن كان لا يقال ~~ذلك، كما لا يقال: سعده الله. وضم السين بعيد عند أكثر النحويين إلا ~~على حذف الزوائد وقال أبو البقاء: وهذا غير معروف في اللغة، ولا هو ~~مقيس. # فصل # قال ابن الخطيب: الاستثناء في باب السعداء يجب حمله على كل ~~الوجوه المذكورة فيما تقدم، وها هنا وجه آخر، وهو أنه ربما اتفق ~~لبعضهم أن يرفع من الجنة إلى المنازل الرفيعة التي لا يعلمها إلا ~~الله تعالى، لقوله: # وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات # [التوبة:72] إلى أن قال: # ورضوان من الله أكبر # [التوبة:72]. # قوله: " عطآء " نصب على المصدر المؤكد من معنى الجملة قبله؛ لأن ~~قوله: ففي الجنة خالدين " يقتضي إعطاء وإنعاما فكأنه قيل: ~~يعطيهم عطاء، و " عطاء " اسم مصدر والمصدر في الحقيقة الإعطاء على ~~الأفعال، أو يكون على حذف الزوائد، كقوله: # أنبتكم من الأرض نباتا # [نوح:17]، أو منصوب بمقدر موافق له، أي: فنبتم نباتا، وكذلك هنا، ~~يقال: عطوت بمعنى: تناولت. و " غير مجذوذ " نعته، والمجذوذ: ~~المقطوع، ويقال لفتات الذهب والفضة والحجارة " جذاذ " من ذلك، وهو ~~قريب من الجد وبالمهملة في المعنى، إلا أن الراغب جعل جد ~~بالمهملة بمعنى: قطع الأرض المستوية، ومنه: جد في سيره يجد جدا، ~~ثم قال: " وتصور من جددت الأرض القطع المجرد، فقيل: جددت الثوب ~~إذا قطعته على وجه الإصلاح، وثوب جديد أصله المقطوع، ثم جعل لكل ما أحدث ~~إنشاؤه " والظاهر أن المادتين متقاربتان في المعنى، وقد ذكرت لها ~~نظائر نحو: عتا وعثا، وكتب وكثب. # فصل # قال ابن زيد: أخبرنا الله بالذي يشاء لأهل الجنة، فقال: { عطآء ~~غير مجذوذ } ولم يخبر بالذي يشاء لأهل النار. # وقال ابن مسعود: ليأتين على جهنم زمان ليس فيها أحد، وذلك بعدما ~~يلبثون فيها أحقابا وعن أبي ms4873 هريرة مثله، وقد تقدم، ومعناه عند أهل ~~السنة: ألا يبقى فيها أحد من أهل الإيمان، وأما مواضع الكفار ~~فممتلئة أبدا. # قوله: { فلا تك في مرية } أي: شك " مما يعبد هؤلاء " لما ~~شرح أقاصيص عبدة الأوثان، وأتبعه بأحوال الأشقياء، وأحوال السعداء شرح ~~للرسول - عليه الصلاة والسلام- أحوال الكفار من قومه، فقال: " فلا تك ~~في مرية مما يعبد هؤلاء " وحذف النون؛ لكثرة الاستعمال؛ ولأن ~~النون إذا وقعت طرف الكلام، لم يبق عند التلفظ به إلا مجرد الغنة، فلا ~~جرم أسقطوه و " ما " في " مما يعبدون " و " مما يعبد آباؤنا " ~~مصدرية، ويجوز أن تكون الأولى اسمية دون الثانية، والمعنى: أنهم ضلال ~~" ما يعبدون إلا كما يعبد " ، وفيه إضمار، أي: كما كان يعبد آباؤهم ~~من قبل، " وإنا لموفوهم نصيبهم " حقهم من الجزاء " غير منقوص ~~" ويحتمل أن يكون المراد أنهم، وإن كفروا، وأعرضوا عن الحق، فإنا ~~موفوهم نصيبهم من الرزق والخيرات الدنيوية، ويحتمل أن يكون المراد: ~~إنا لموفوهم نصيبهم من إزاحة العذر وإظهار الدلائل وإرسال الرسل ~~وإنزال الكتب. # قوله " غير منقوص " حال من " نصيبهم " وفي ذلك احتمالان: # أحدهما: أن تكون حالا مؤكدة؛ لأن لفظ التوفيه يشعر بعدم النقص، فقد ~~استفيد معناها من عاملها، وهو شأن المؤكدة. # والثاني: أن تكون حالا مبينة. # قال الزمخشري: فإن قلت: كيف نصب " غير منقوص " حالا عن النصيب ~~الموفى؟ قلت: يجوز أن يوفى، وهو ناقص، ويوفى وهو كامل؛ ألا ~~تراك تقول: " وفيته شطر حقه، وثلث حقه، وحقه كاملا وناقصا ~~" فظاهر هذه العبارة أنها مبنية، إذ عاملها محتمل لمعناها ولغيره. إلا ~~أن أبا حيان قال: هذه مغلطة، إذا قال: " وفيته شطر حقه " فالتوفية ~~وقعت في الشطر، وكذا في الثلث، والمعنى: أعطيته الشطر والثلث ~~كاملا لم أنقصه شيئا، وأما قوله: " وحقه كاملا وناقصا " أما ~~كاملا فصحيح، وهي حال مؤكدة؛ لأن التوفية تقتضي الإكمال، وأما " ~~وناقصا " فلا يقال لمنافاته التوفية. قال شهاب الدين: " وفي منع ~~الشيخ أن يقال: " وفيته حقه ناقصا " نظر، إذ هو شائع في تركيبات ~~الناس المعتبر قولهم؛ لأن المراد بالتوفية مطلق التأدية ms4874 ". ### || [11.110-115] # قوله تعالى: { ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ~~} الآية. # لما بين إصرار كفار مكة على إنكار التوحيد، وبين إصرارهم ~~على إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم بكتابه، بين ~~أن هؤلاء الكفار كانوا على هذه السيرة الفاجرة، مع كل الأنبياء - ~~عليهم الصلاة والسلام -، وضرب لذلك مثلا، وهي إنزال التوراة على موسى ~~فاختلفوا فيه فقبله بعضهم وأنكره بعضهم، وذلك يدل على أن عادة الخلق ~~هكذا. # قوله: { فاختلف فيه } أي: في الكتاب، و " في " على بابها من ~~الظرفية، وهو هنا مجاز، أي: في شأنه. وقيل: هي سببية، أي: هو سبب ~~اختلافهم، كقوله تعالى: # يذرؤكم فيه # [الشورى:11] أي: يكثركم بسببه. ومعنى اختلافهم فيه: أي: فمن مصدق به ~~ومكذب كما فعل قومك بالقرآن، يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم. # وقيل: " في " بمعنى " على " ويكون الضمير لموسى - عليه الصلاة ~~والسلام - أي: فاختلف عليه { ولولا كملة سبقت من ربك } في تأخير ~~العذاب عنهم: " لقضي بينهم " أي: لعذبوا في الحال، لكن قضاؤه ~~أخر ذلك عنهم في دنياهم. # وقيل: معناه أن الله إنما يحكم بين المختلفين يوم القيامة، وإلا ~~لكان الواجب تمييز المحق من المبطل في دار الدنيا. # وقيل: المعنى ولولا أن رحمته سبقت غضبه، وإلا لقضي بينهم. ثم قال: { ~~وإنهم لفي شك منه مريب } يعني أن كفار مكة لفي ~~شك من هذا القرآن " مريب " من أراب إذا حصل الريب لغيره، أو صار هو ~~في نفسه ذا ريب، وقد تقدم. # قوله تعالى: { وإن كلا لما ليوفينهم } الآية. # هذه الآية الكريمة مما تكلم الناس فيها قديما وحديثا، وعسر على ~~أكثرهم تلفيقها وتخريجا فقرأ نافع وابن كثير وأبو بكر عن عاصم " وإن " ~~بالتخفيف، والباقون بالتشديد. وأما " لما " فقرأها مشددة هنا وفي " ~~يس " وفي سورة الزخرف، وفي سورة الطارق، ابن عامر وعاصم وحمزة، إلا ~~أنه عن ابن عامر في الزخرف خلافا، فروى عنه هشام وجهين، وروى عنه ~~ابن ذكوان التخفيف فقط، والباقون قرءوا جميع ذلك بالتخفيف، وتلخص من ~~هذا أن نافعا وابن كثير قرأ " وإن " و " لما " مخففتين، وأن ms4875 أبا ~~بكر عن عاصم خفف " إن " وثقل " لما " وأن ابن عامر وحمزة ~~وحفصا عن عاصم شددوا " إن " و " لما " معا، وأن أبا عمرو ~~والكسائي شددا " إن " وخففا " لما " فهذه أربع مرات للقراء في هذين ~~الحرفين، هذا في المتواتر. # وأما في الشاذ فقد قرىء أربع قراءات أخر: # إحداها: قراءة أبي والحسن وأبان بن تغلب " وإن كل " بتخفيفها، ورفع " ~~كل " ، و " لما " بالتشديد. # الثانية: قراءة اليزيدي وسليمان بن أرقم " لما " مشددة منونة، ولم ~~يتعرضوا لتخفيف " إن " ولا تشديدها. # الثالثة: قراءة الأعمش وهي في حرف ابن مسعود كذلك: " وإن كل " بتخفيف ~~" إن " ورفع " كل ". # الرابعة: قال أبو حاتم: الذي في مصحف أبي " وإن من كل إلا ~~ليوفينهم " وقد اضطرب الناس فيه اضطرابا كثيرا، حتى قال أبو شامة ~~وأما هذه الآية فمعناها على هذه القراءات من أشكل الآيات؛ قال شهاب ~~الدين فأما قراءة الحرميين ففيها إعمال " إن " المخففة، وهي لغة ~~ثانية عن العرب. قال سيبويه: " حدثنا من نثق به أنه سمع من العرب ~~من يقول: " إن عمرا لمنطلق "؛ كما قالوا: [الهزج]. # 3020-.................. # كأن ثدييه حقان # قال: ووجهه من القياس: أن " إن " مشبهة في نصبها بالفعل، ~~والفعل يعمل محذوفا كما يعمل غير محذوف، نحو: " لم يك زيدا ~~منطلقا " " فلا تك في مرية " وكذلك: لا أدر. # قال شهاب الدين: وهذا مذهب البصريين، أعني: أن هذه الأحرف إذا ~~خفف بعضها جاز أن تعمل، وأن تهمل ك: " إن " والأكثر الإهمال، وقد ~~أجمع عليه في قوله: # وإن كل لما جميع لدينا محضرون # [يس:32] وبعضها يجب إعماله ك " أن " بالفتح، و " كأن " ولكنهما ~~لا يعملان في مظهر ولا ضمير بارز إلا ضرورة، وبعضها يجب إهماله عند ~~الجمهور ك " لكن ". # وأما الكوفيون فيوجبون الإهمال في " إن " المخففة، والسماع ~~حجة عليهم؛ بدليل هذه القراءة المتواترة؛ وقد أنشد سيبويه على إعمال ~~هذه الحروف مخففة قول الشاعر:[الطويل] # 3021-.............. # كأن طبية تعطو إلى وارق السلم # وقال الفراء: لم نسمع العرب تخفف وتعمل إلا مع المكني؛ كقوله: ~~[الطويل] # 3022- فلو أنك في يوم الرخاء سألتني # طلاقك لم أبخل وأنت ms4876 صديق # قال: " لأن المكني لا يظهر فيه إعراب، وأما مع الظاهر فالرفع " ~~وقد تقدم ما أنشده سيبويه، وقول الآخر: [الرجز] # 3023- كأن وريديه رشاء خلب # الرشاء: الحبل. والخلب: الليف هذا ما يتعلق ب " إن ". # وأما " لما " في هذه القراءة فاللام فيها هي لام " إن " ~~الداخلة في الخبر، " وما " يجوز أن تكون موصولة بمعنى " الذي " ~~واقعة على ما يعقل، كقوله تعالى: # فانكحوا ما طاب لكم من النسآء # [النساء:3]، فأوقع " ما " على العاقل، واللام في " ليوفينهم " ~~جواب قسم مضمر، والجملة من القسم وجوابه صلة للموصول، والتقدير: وإن ~~كلا للذين والله ليوفينهم، ويجوز أن تكون " ما " نكرة موصوفة، ~~والجملة القسمية وجوابها صفة ل " ما " والتقدير وإن كلا لخلق أو ~~لفريق والله ليوفينهم. # والموصول وصلته أو الموصوف وصفته خبر ل " إن ". # وقال بعضهم: اللام الأولى هي الموطئة للقسم، ولما اجتمع ~~اللامان واتفقا في اللفظ فصل بينهما ب " ما " ، كما فصل بالألف بين ~~النونين في " يضربنان " وبين الهمزتين؛ نحو: آأنت، فظاهر هذه ~~العبارة أن " ما " هنا زائدة جيء بها للفصل، إصلاحا للفظ، وعبارة ~~الفارسي مؤذنة بهذا، إلا أنه جعل اللام الأولى لام " إن " فقال: ~~العرف أن تدخل لام الابتداء على الخبر، والخبر هنا هو القسم، وفيه ~~لام تدخل على جوابه، فلما اجتمع اللامان، والقسم محذوف واتفقا في ~~اللفظ وفي تلقي القسم، فصلوا بينهما ب " ما " كما فصلوا بين " إن " ~~واللام وقد صرح الزمخشري بذلك فقال: واللام في " لما " موطئة ~~للقسم، و " ما " مزيدة. # وقال أبو شامة: واللام في " لما " هي الفارقة بين المخففة من ~~الثقيلة والنافية. وفي هذا نظر؛ لأن الفارقة إنما يؤتى بها عند ~~التباسها بالنافية، والالتباس إنما يجيء عند إهمالها؛ نحو: إن زيد ~~لقائم وهي في الآية الكريمة معملة، فلا التباس بالنافية، فلا يقال: ~~إنها فارقة. # فتلخص في كل من " اللام " ، و " ما " ثلاثة أوجه: # أحدها: في اللام أنها للابتداء الداخلة على خبر " أن ". # الثاني: لام موطئة للقسم. # الثالث: أنها جواب القسم كررت تأكيدا. وأحدها في " ما ": أنها موصولة. ~~الثاني: أنها نكرة الثالث: أنها ms4877 مزيدة للفصل بين اللامين. وأما قراءة ~~أبي بكر ففيها أوجه: # أحدها: قول الفراء وجماعة من نحاة البصرة، والكوفة، وهو أن الأصل ~~" لمن ما " بكسر الميم على أنها " من " الجارة، دخلت على " ما " ~~الموصولة، أو الموصوفة، كما تقرر، أي: لمن الذين الله ليوفينهم، ~~أو لمن خلق والله ليوفينهم، فلما اجتمعت النون ساكنة قبل ميم: ~~" ما " وجب إدغامها؛ فقلبت ميما وأدغمت، فصار في اللفظ ثلاثة أمثال، ~~فخففت الكلمة بحذف إحداها، فصار اللفظ كما ترى " لما " قال نصر بن علي ~~الشيرازي: " وصل " من " الجارة ب " ما " فانقلبت النون أيضا ~~ميما للإدغام، فاجتمعت ثلاث ميمات، فحذفت إحداهن فبقي " لما " ~~بالتشديد ". قال: و " ما " هنا بمعنى " من " وهو اسم لجماعة الناس، ~~كما قال تعالى: # فانكحوا ما طاب لكم من النسآء # [النساء:3] أي: من طاب، والمعنى: وإن كلا من الذين ليوفينهم ربك ~~أعمالهم، أو جماعة ليوفينهم ربك أعمالهم. # وقد عين المهدوي الميم المحذوفة فقال: " حذفت الميم المكسورة، ~~والتقدير: لمن خلق ليوفينهم ". # الثاني: قول المهدوي ومكي: أن يكون الأصل: " لمن ما " بفتح ميم: " ~~من " على أنها موصولة، أو موصوفة، و " ما " بعدها مزيدة، قال: فقلبت ~~النون ميما، وأدغمت في الميم التي بعدها، فاجتمع ثلاث ميمات فحذفت ~~الوسطى منهن، وهي المبدلة من النون، فقيل: " لما " قال مكي ~~والتقدير: وإن كلا لخلق لوفينهم ربك أعمالهم، فترجع إلى معنى ~~القراءة الأولى بالتخفيف، وهذا الذي حكاه الزجاج عن بعضهم فقال: زعم بعض ~~النحويين أن أصله " لمن ما " ثم قلبت النون ميما، فاجتمعت ~~ثلاث ميمات فحذفت الوسطى قال: وهذا القول ليس بشيء؛ لأن " من " لا ~~يجوز بعضها؛ لأنها اسم على حرفين. # وقال النحاس: قال أبو إسحاق: هذا خطأ؛ لأنه تحذف النون من " من " ~~فيبقى حرف واحد وقد رده الفارسي أيضا فقال: إذ لم يقو الإدغام على ~~تحريك الساكن قبل الحرف المدغم في نحو: " قدم مالك " فأن لا يجوز ~~الحذف أجدر قال: على أن في هذه السورة ميمات اجتمعت في الإدغام ~~أكثر مما كانت تجتمع في " لمن ما " ولم يحذف منها شيء، وذلك ms4878 في ~~قوله تعالى: # وعلى أمم ممن معك # [هود:48] فإذا لم يحذف شيء من هذا فأن لا يحذف ثم أجدر. # قال شهاب الدين: اجتمع في " أمم ممن معك " ثمانية ميمات، وذلك أن ~~" أمما " فيها ميمان وتنوين، والتنوين يقلب ميما لإدغامه في ميم " من ~~" ومعنا نونان: نون " من " الجارة، ونون " من " الموصولة فيقلبان ~~أيضا ميما لإدغامهما في الميم بعدهما، ومعنا ميم " معك " فتحصل معنا ~~خمس ميمات ملفوظ بها، وثلاث منقلبة إحداهما عن تنوين، واثنتان نون، ~~واستدل الفراء على أن أصل " لما " " لمن ما " بقول الشاعر: ~~[الطويل] # 3024- وإنا لمما نضرب الكبش ضربة # على رأسه تلقي اللسان من الفم # وقول الآخر: [الطويل] # 3025- وإني لمما أصدر الأمر وجهه # إذا هو أعيا بالسبيل مصادره # وقد تقدم في آل عمران في قراءة من قرأ: { وإذ أخذ الله ميثاق النبين ~~لما آتيتكم } [الآية:81] بتشديد " لما " أن الأصل: " لمن ما " ففعل ~~فيه ما تقدم، وهذا أحد الأوجه المذكورة في تخريج هذا الحرف هناك في ~~سورته، فالتفت إليه. وقال أبو شامة: وما قاله الفراء استنباط حسن، ~~وهو قريب من قولهم في قوله # لكنا هو الله ربي # [الكهف:38] إن أصله: لكن أنا ثم حذفت الهمزة، وأدغمت النون في ~~النون، وكذا في قولهم: أما أنت منطلقا انطلقت، قالوا المعنى لأن كنت ~~منطلقا. وفيما قاله نظر، لأنه ليس فيه حذف ألبتة، وإنما كان ~~يحسن التنظير أن لو كان فيما جاء به إدغام حذف، وأما مجرد ~~التنظير بالقلب والإدغام فغير طائل، ثم قال أبو شامة: وما أحسن ما ~~استخرج الشاهد من البيت يعني: الفراء، ثم الفراء أراد أن يجمع بين ~~قراءتي التخفيف والتشديد من " لما " في معنى واحد، فقال: " ثم ~~تخفف، كما قرأ بعض القراء { والبغ يعظكم } [النحل:90] بحذف ~~الياء عند الياء؛ أنشدني الكسائي: [الوافر]. # 3026- وأشمت العداة بنا فأضحوا # لدي يتباشرون بما لقينا # فحذفت ياؤه لاجتماع الياءات ". قال شهاب الدين: الأولى أن يقال: حذفت ~~ياء الإضافة من " لدي " فبقيت الياء الساكنة قبلها المنقلبة عن ~~الألف في " لدى " وهو مثل قراءة من قرأ { يا بني ms4879 } [هود:42] ~~بالإسكان على ما سبق، وأما الياء من " يتباشرون " فثابتة ~~لدلالتها على المضارعة. # ثم قال الفراء: [الرجز] # 3027- كأن من آخرها إلقادم # يريد: إلى القادم؛ فحذف اللام وتوجيه قولهم من آخرها إلقادم أن ~~ألف " إلى " حذفت لالتقاء الساكنين، وذلك أن ألف " إلى " ساكنة، ~~ولام التعريف من القادم ساكنة، وهمزة الوصل حذفت درجا، فلما التقيا ~~حذف أولهما فالتقى لامان: لام " إلى " ولام التعريف، فحذفت الثانية على ~~رأيه، والأولى حذف الأولى؛ لأن الثانية دالة على التعريف، فلم يبق من ~~حرف " إلى " غير الهمزة فاتصلت بلام " القادم " فبقيت الهمزة على كسرها؛ ~~فلهذا تلفظ بهذه الكلمة " من آخرها إلقادم " بهمزة مكسورة ثابتة ~~درجا؛ لأنها همزة قطع. # قال أبو شامة: وهذا قريب من قولهم: " ملكذب " و " علماء بنو ~~فلان " و " بلعنبر " يريدون: من الكذب، وعلى الماء بنو ~~فلان، وبنو العنبر، قال شهاب الدين - رحمه الله -: يريد قوله: ~~[المنسرح] # 3028- أبلغ أبا دختنوس مألكة # غير الذي قد يقال ملكذب # المألكة: الرسالة، وقول الآخر: [الطويل] # 3029أ- فما سبق القيسي من سوء فعله # ولكن طفت علماء غرلة خالد # الغرلة القلفة، وقول الآخر: [الخفيف] # 3029ب- نحن قوم ملجن في زي ناس # فوق طير لها شخوص الجمال # يريد: من الجن. قال التبريزي في شرح الحماسة: وهذا مقيس، وهو أن لام ~~التعريف، إذا ظهرت في الاسم حذف الساكن قبلها؛ لأن الساكن لا يدغم في ~~الساكن؛ تقول: أكلت مالخبز، وركبت ملخيل، وحملت ~~ملجمل. # وقد رد بعضهم قول الفراء بأن نون " من " لا تحذف إلا ضرورة، ~~وأنشد: [المنسرح] # 3030-............. # .............ملكذب # الثالث: أن أصلها " لما " بالتخفيف، ثم شددت، وإلى هذا ذهب أبو ~~عثمان، قال الزجاج: " وهذا ليس بشيء؛ لأنا لسنا نثقل ما كان ~~على حرفين، وأيضا فلغة العرب على العكس من ذلك يخففون ما كان ~~مثقلا نحو: " رب " في " رب " وقيل: في توجيه إنه لما وقف ~~عليها شددها، كما قالوا: رأيت فرجا، وقصبا، ثم أجرى الوصل مجرى ~~الوقف، وفي هذا نظر؛ لأن التضعيف إنما يكون في الحرف إذا كان ~~آخرا، والميم هنا حشو؛ لأن الألف بعدها، إلا أن يقال: ms4880 إنه أجرى ~~الحرف المتوسط مجرة المتأخر؛ كقوله: [الرجز] # 3031- مثل الحريق وافق القصبا # يريد: القصب، فلما أشبع الفتحة تولدت منها ألف، وضعف الحرف؛ ~~وكذلك قوله: [الرجز] # 3032- ببازل وجناء أو عيهلي # كأن مهواها على الكلكل # شدد اللام مع كونها حشوا بياء الإطلاق، وقد يفرق بأن الألف ~~والياء في هذين البيتين في حكم الطرح؛ لأنهما نشآ من حركة بخلاف ~~ألف: " لما " فإنها أصلية ثابتة، وبالجملة فهو وجه ضعيف جدا. # الرابع: أن أصلها " لما " بالتنوين ثم بني منه " فعلى " فإن جعلت ~~ألفه للتأنيث، لم تصرفه، وإن جعلتها للإلحاق صرفته، وذلك كما قالوا ~~في " تترى " بالتنوين وعدمه، وهو مأخوذ من قولك: لممته: أي ~~جمعته، والتقدير: وإن كلا جميعا ليوفينهم، ويكون " جميعا " ~~فيه معنى التوكيد ك " كل " ، ولا شك أن " جميعا " يفيد معنى ~~زائدا على " كل " عند بعضهم قال: ويدل على ذلك قراءة من قرأ: " لما ~~" بالتنوين. # الخامس: أن الأصل " لما " بالتنوين أيضا، ثم أبدل التنوين ألفا ~~وقفا، ثم أجري الوصل مجرى الوقف، وقد منع من هذا الوجه أبو عبيد قال: ~~لأن ذلك إنما يجوز في الشعر يعني إبدال التنوين ألفا وصلا إجراء ~~له مجرى الوقف، وسيأتي توجيه قراءة " لما " بالتنوين. # وقال ابن الحاجب: " استعمال " لما " في هذا المعنى بعيد، وحذف ~~التنوين من المنصرف في الوصل أبعد، فإن قيل: " لما " فعلى من ~~اللم، ومنع الصرف لأجل ألف التأنيث، والمعنى فيه مثل معنى " لما ~~" المنصرف فهو أبعد، إذ لا يعرف " لما " فعلى بهذا المعنى ولا ~~بغيره، ثم كان يلزم هؤلاء أن يميلوا كمن أمال، وهو خلاف الإجماع، وأن ~~يكتبوها بالياء، وليس ذلك بمستقيم ". # السادس: أن " لما " زائدة كما تزاد " إلا " قاله أبو الفتح وغيره، ~~وهذا وجه لا اعتبار به، فإنه مبني على وجه ضعيف أيضا، وهو أن " ~~إلا " تأتي زائدة. # السابع: أن " إن " نافية بمنزلة " ما " ، و " لما " بمعنى " إلا ~~" فهي كقوله: # إن كل نفس لما عليها حافظ # [الطارق:4] أي: ما كل نفس إلا عليها # وإن كل ذلك لما متاع # [الزخرف:35] أي: ما كل ذلك إلا متاع. ms4881 # واعترض على هذا الوجه بأن " إن " النافية لا تنصب الاسم بعدها، وهذا ~~اسم منصوب بعدها وأجاب بعضهم عن ذلك بأن " كلا " منصوب بإضمار ~~فعل، فقدره قوم منهم أبو عمرو ابن الحاجب: وإن أرى كلا، وإن ~~أعلم ونحوه، قال: ومن هنا كانت أقل إشكالا من قراءة ابن عامر ~~لقبولها هذا الوجه غير مستبعد ذلك الاستعباد وإن كان في نصب ~~الاسم الواقع بعد حرف النفي استبعاد، ولذلك اختلف في مثل:[الوافر] # 3033- ألا رجلا جزاه الله خيرا # يدل على محصلة تبيت # هل هو منصوب بفعل مقدر، أو نون ضرورة؟ فاختار الخليل إضمار ~~الفعل، واختار يونس التنوين للضرورة، وقدره بعضهم بعد " لما " من ~~لفظ: " ليوفينهم " ، والتقدير: وإن كلا إلا ليوفين ~~ليوفينهم. وفي هذا التقدير بعد كبير أو امتناع؛ لأن ما بعد " ~~إلا " لا يعمل فيما قبلها، واستدل على مجيء: " لما " بمعنى: " إلا ~~" بنص الخليل وسيبويه على ذلك ونصره الزجاج. قال بعضهم: وهي لغة ~~هذيل، يقولون: سألتك بالله لما فعلت أي: إلا فعلت. # وأنكر الفراء وأبو عبيد ورود: " لما " بمعنى: " إلا " قال أبو ~~عبيد: " أما من شدد " لما " بتأويل " إلا " فلم نجد هذا في ~~كلام العرب، ومن قال هذا لزمه أن يقول: قام القوم لما أخاك، يريد: ~~إلا أخاك، وهذا غير موجود " وقال الفراء: " وأما من جعل " ~~لما " بمنزلة " إلا " فهو وجه ضعيف، وقد قالت العرب في اليمين: ~~بالله لما قمت عنا، وإلا قمت عنا، فأما في الاستثناء فلم تقله في ~~شعر، ولا في غيره، ألا ترى أن ذلك لو جاز لسمعت في الكلام: ذهب ~~الناس لما زيدا " فأبو عبيد أنكر مجيء " لما " بمعنى " إلا " ~~مطلقا، والفراء جوز ذلك في القسم خاصة، وتبعه الفارسي في ذلك، فقال ~~- في تشديد " لما " ههنا -: " لا يصلح أن تكون بمعنى " إلا " ، ~~لأن " لما " هذه لا تفارق القسم " ورد الناس قوله بما حكاه ~~الخليل وسيبويه، وبأنها لغة هذيل مطلقا، وفيه نظر، فإنهم لما ~~حكوا لغة هذيل حكوها في القسم كما تقدم من نحو: نشدتك بالله لما ~~فعلت، وأسألك بالله لما فعلت. ms4882 وقال أبو علي أيضا مستشكلا لتشديد: " ~~لما " في هذه الآية على تقدير أن " لما " بمعنى " إلا " لا تختص ~~بالقسم ما معناه: أن تشديد " لما " ضعيف سواء شددت " إن " أم ~~خففت، قال: " لأنه قد نصب بها " كلا " ، وإذا نصب بالمخففة ~~كانت بمنزلة المثقلة، وكا لا يحسن: إن زيدا إلا منطلق؛ لأن ~~الإيجاب بعد نفي، ولم يتقدم هنا إلا إيجاب مؤكد، فكذا لا يحسن: إن ~~زيدا لما منطلق، لأنه بمعناه، وإنما ساغ: نشدتك الله إلا ~~فعلت، ولما فعلت؛ لأن معناه الطلب، فكأنه قال: ما أطلب منك ~~إلا فعلك، فحرف النفي مراد مثل # تالله تفتأ # [يوسف:85]، ومثل ذلك أيضا بقولهم: " شر أهر ذا ناب " أي: ما ~~أهره إلا شر، قال: " وليس في الآية معنى النفي ولا الطلب ". # وقال الكسائي: لا أعرف وجه التثقيل في " لما " قال الفارسي: ولم ~~يبعد فيما قال وروي عن الكسائي أيضا أنه قال: الله عز وجل أعلم ~~بهذه القراءة، لا أعرف لها وجها. # الثامن: قال الزجاج: قال بعضهم قولا، ولا يجوز غيره: أن " ~~لما " في معنى " إلا " مثل # إن كل نفس لما عليها حافظ # [الطارق:4] ثم أتبع ذلك بكلام طويل مشكل حاصله يرجع إلى أن معنى " ~~إن زيد لمنطلق: ما زيد إلا منطلق " ، فأجريت المشددة كذلك في ~~المعنى إذا كانت اللام في خبرها، وعملها النصيب في اسمها باق بحالة ~~مشددة ومخففة، والمعنى نفي ب " إن " وإثبات باللام التي بمعنى " ~~إلا " و " لما " بمعنى " إلا " ، وقد تقدم إنكار أبي علي على ~~جواز " إلا " في مثل هذا التركيب، فكيف يجوز " لما " التي ~~بمعناها؟. وأما قراءة ابن عامر وحمزة وحفص ففيها وجوه: # أحدها: أنها " إن " المشددة على حالها، فلذلك نصب ما بعدها على ~~أنه اسمها، وأما " لما " فالكلام فيها كما تقدم من أن الأصل " ~~لمن ما " بالكسر، أو " لمن ما " بالفتح، وجميع تلك الأوجه ~~المذكورة تعود هنا، والقول بكونها بمعنى " إلا " مشكل كما تقدم ~~تحريره عن أبي علي وغيره. الثاني: قال المازني: إن " هي المخففة ~~ثقلت: وهي نافية معنى " ما " كما خففت ms4883 " إن " ومعناها المثقلة، " ~~ولما " بمعنى " إلا " وهذا قول ساقط جدا لا اعتبار به، لأنه ~~لم يعهد تثقيل " إن " النافية، وأيضا ف " كلا " بعدها منصوب، ~~والنافية لا تنصب. # الثالث: أن " لما " هنا هي الجازمة للمضارع حذف مجزومها لفهم ~~المعنى. # قال أبو عمرو بن الحاجب - في أماليه -: " لما " هذه هي الجازمة فحذف ~~فعلها للدلالة عليه، لما ثبت من جواز حذف فعلها في قولهم: " خرجت ~~ولما، وسافرت ولما " وهو سائغ فصيح، ويكون المعنى: وإن كلا ~~لما يهملوا أو يتركوا لما تقدم من الدلالة عليه من تفصيل ~~المجموعين بقوله: # فمنهم شقي وسعيد # [هود:105]، ثم فصل الأشقياء والسعداء، ومجازاتهم ثم بين ذلك ~~بقوله: { ليوفينهم ربك أعمالهم } قال: " وما أعرف ~~وجها أشبه من هذا، وإن كانت النفوس تستبعده من جهة أن مثله لم ~~يرد في القرآن " ، قال: " والتحقيق يأبى استبعاده ". # قال شهاب الدين: وقد نص النحويون على أن " لما " يحذف ~~مجزومها باطراد، قالوا: لأنها لنفي قد فعل، وقد يحذف بعدها الفعل؛ ~~كقوله: [الكامل] # 3034- أفد الترحل غير أن ركابنا # لما تزل برحالنا وكأن قد # أي: وكأن قد زالت، فكذلك منفيه، وممن نص عليه الزمخشري، على حذف ~~مجزومها، وأنشد يعقوب على ذلك في كتاب " معاني الشعر " قول الشاعر: ~~[الوافر] # 3035- فجئت قبورهم بدءا ولما # فناديت القبور فلم يجبنه # قال: " قوله: " بدءا " أي: سيدا وبدء القوم سيدهم، وبدء ~~الجزور خير أنصبائها ". # قال: وقوله: " ولما " أي: ولما أكن سيدا إلا حين ماتوا، ~~فإني سدت بعدهم؛ كقول الآخر: [الكامل] # 3036- خلت الديار فسدت غير مسود # ومن العناء تفردى بالسؤدد # ما نلت ما قد نلت إلا بعدما # ذهب الكرام وساد عير السيد # قال: ونظير السكوت على " لما " دون فعلها السكوت على " قد " ~~دون فعلها في قول النابغة: [الكامل] # 3037- أفد الترحل......... # ...................... # قال شهاب الدين: وهذا الوجه لا خصوصية له بهذا القراءة، بل يجيء ~~في قراءة من شدد " لما " سواء شدد " إن " أو خففها. # وأما قراءة أبي عمرو، والكسائي فواضحة جدا، فإنها " إن " ~~المشددة عملت عملها، واللام الأولى لام الابتداء الداخلة على خبر " ~~إن " ، والثانية جواب ms4884 قسم محذوف، أي: وإن كلا للذين والله ~~ليوفينهم، وقد تقدم وقوع " ما " على العقلاء؟ مقررا، ونظير ~~هذه الآية: # وإن منكم لمن ليبطئن # [النساء:72] غير أن اللام في " لمن " داخلة على الاسم، وفي " ~~لما " داخلة على الخبر. وقال بعضهم: " ما " هذه زائدة زيدت للفصل بين ~~اللامين، لام التوكيد، ولام القسم، وقيل: اللام في " لما " موطئة ~~للقسم مثل اللام في قوله تعالى: # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر:65] والمعنى: وإن جميعهم والله ليوفينهم ربك أعمالهم ~~من حسن وقبح وإيمان وجحود. # وقال الفراء - عند ذكر هذه الآية -: جعل " ما " اسما للناس كما ~~جاز # فانكحوا ما طاب لكم من النسآء # [النساء:3] ثم جعل اللام التي فيها جوابا ل " إن " وجعل اللام ~~التي في " ليوفينهم " لاما دخلت على نية يمين فيما بين " ما ~~" وصلتها، كما تقول: هذا من ليذهبن، وعندي ما لغيره خير منه، ~~ومثله: # وإن منكم لمن ليبطئن # [النساء:72]. # ثم قال بعد ذلك ما يدل على أن اللام مكررة فقال: إذا عجلت ~~العرب باللام في غير موضعها أعادوها إليه، نحو: إن زيدا لإليك ~~لمحسن؛ ومثله: [الطويل] # 3038- ولو أن قومي لم يكونوا أعزة # لبعد لقد لا قيت لا بد مصرعا # قال: أدخلها في " بعد " وليس بموضعها، وسمعت أبا الجراح يقول: " ~~إني ليحمد الله لصالح ". # وقال الفارسي - في توجيه القراءة -: " وجهها بين وهو أنه نصب " ~~كلا " ب " إن " وأدخل لام الابتداء في الخبر، وقد دخلت في الخبر ~~لام أخرى، وهي التي يتلقى بها القسم، وتختص بالدخول على الفعل، ~~فلما اجتمعت اللامان فصل بينهما كما فصل بين " إن " واللام ~~فدخلتها وإن كانت زائدة للفصل، ومثله في الكلام: إن زيدا لينطلقن ". # فهذا ما تلخص من توجيهات هذه القراءات الأربع، وقد طعن بعض الناس ~~في بعضها بما لا تحقق له، فلا ينبغي أن يلتفت إلى كلامه. # قال المبرد - وهي جرأة منه - " هذا لحن " يعنى تشديد " لما " قال: ~~" لأن العرب لا تقول: إن زيدا لما خارج " وهو مردود عليه. # قال أبو حيان: وليس تركيب الآية كتركيب المثال الذي قال وهو: إن ms4885 ~~زيدا لما خارج، هذا المثال لحن. قال شهاب الدين: إن عنى أنه ~~ليس مثله في التركيب من كل وجه فمسلم، ولكن ذلك لا يفيد فيما نحن ~~بصدده، وإن عنى أنه ليس مثله في كونه دخلت " لما " المشددة على خبر " ~~إن " فليس كذلك، بل هو مثله في ذلك، فتسليمه اللحن في المثال ~~المذكور ليس بصواب؛ لأنه يستلزم ما لا يجوز أن يقال. # وقال أبو جعفر: القراءة بتشديدهما عند أكثر النحويين لحن، حكي عن ~~محمد بن يزيد أنه قال: إن هذا لا يجوز، ولا يقال: إن زيدا إلا ~~لأضربنه، ولا " لما لأضربنه " قال: وقال الكسائي: " الله أعلم لا ~~أعرف لهذه القراءة وجها " وقد تقدم ذلك، وتقدم أيضا أن الفارسي قال: ~~كما لا يحسن: إن زيدا إلا لمنطلق؛ لأن " إلا " إيجاب بعد نفي، ~~ولم يتقدم هنا إلا إيجاب مؤكد، فكذا لا يحسن: إن زيدا لما ~~منطلق، لأنه بمعناه، وإنما ساغ نشدتك بالله لما فعلت... إلى آخر ~~كلامه. وهذه أقوال مرغوب عنها؛ لأنها معارضة للمتواتر القطعي. # وأما القراءات الشاذة فأولها قراءة أبي ومن تبعه " وإن كل ~~لما " بتخفيف " إن " ورفع " كل " على أنها " إن " النافية " وكل " ~~مبتدأ، و " لما " مشددة بمعنى " إلا " ، و " ليوفينهم " جواب ~~قسم محذوف، وذلك القسم وجوابه خبر المبتدأ وهي قراءة جلية واضحة ~~كما قرؤوا كلهم # وإن كل لما جميع # [يس:32] ومثله # وإن كل ذلك لما متاع # [الزخرف:35]، ولا التفات إلى قول من نفى أن " لما " بمنزلة " ~~إلا " فقد تقدمت أدلته. # وأما قراءة اليزيدي وابن أرقم " لما " بالتشديد منونة ف " لما " ~~فيها مصدر من قولهم: " لممته- أي: جمعته - لما " ومنه قوله تعالى: # وتأكلون التراث أكلا لما # [الفجر:19] ثم في تخريجه وجهان: # أحدهما: ما قاله أبو الفتح، وهو أن يكون منصوبا بقوله: " ~~ليوفينهم " على حد قولهم: قياما لأقومن؛ وقعودا لأقعدن، ~~والتقدير: توفية جامعة لأعمالهم ليوفينهم، يعني أنه منصوب على المصدر ~~الملاقي لعامله في المعنى دون الاشتقاق. # والثاني: ما قاله أبو علي الفارسي وهو: أن يكون وصفا ل " كل " ~~وصفا بالمصدر مبالغة، وعلى هذا ms4886 فيجب أن يقدر المضاف إليه " كل " ~~نكرة، ليصح وصف " كل " بالنكرة، إذ لو قدر المضاف معرفة ~~لتعرفت " كل " ، ولو تعرفت لامتنع وصفها بالنكرة، فلذلك قدر ~~المضاف إليه نكرة، ونظيره قوله تعالى: # وتأكلون التراث أكلا لما # [الفجر:19] فوقع " لما " نعتا ل " أكلا " وهو نكرة. # قال أبو علي: ولا يجوز أن يكون حالا؛ لأنه لا شيء في الكلام عامل في ~~الحال. وظاهر عبارة الزمخشري أنه تأكيد تابع ل " كلا " كما ~~يتبعها أجمعون، أو أنه منصوب على النعت ل " كلا " فإنه قال: " ~~وإن كلا لما ليوفينهم " كقوله: " أكلا لما " والمعنى: وإن ~~كلا ملمومين بمعنى: مجموعين، كأنه قيل: وإن كلا جميعا كقوله تعالى: # فسجد الملائكة كلهم أجمعون # [الحجر:30] انتهى. لا يريد بذلك أنه تأكيد صناعي، بل فسر معنى ~~ذلك وأراد: أنه صفة ل " كلا " ولذلك قدره: بمجموعين، وقد ~~تقدم في بعض توجيهات " لما " بالتشديد من غير تنوين، أن المنون ~~أصلها، وإنما أجري الوصل مجرى الوقف، وقد عرف ما فيه وخبر " إن " ~~على هذه القراءة هي جملة القسم المقدر وجوابه سواء في ذلك تخريج ~~أبي الفتح وتخريج شيخه. # وأما قراءة الأعمش فواضحة جدا، وهي مفسرة لقراءة الحسن ~~المتقدمة، لولا ما فيها من مخالفة سواد الخط. # وأما قراءة ما في مصحف أبي كما نقلها أبو حاتم ف " إن " فيها ~~نافية، و " من " زائدة في النفي، و " كل " مبتدأ، و " ~~ليوفينهم " مع قسمة المقدر خبرها، فتؤول إلى قراءة الأعمش التي ~~قبلها، إذ يصير التقدير بدون " من ": " وإن كل إلا ~~ليوفينهم " والتنوين في " كلا " عوض من المضاف إليه قال ~~الزمخشري: يعني: وإن كلهم، وإن جميع المختلفين فيه. وقد تقدم ~~أنه على قراءة " لما " بالتنوين في تخريج أبي علي له، لا يقدر ~~المضاف إليه " كل " إلا نكرة لأجل نعتها بالنكرة. # وقد تضمنت هذه الآية الكريمة تأكيدات، فمنها: # التوكيد ب " إن " وب " كل " وبلام الابتداء الداخلة على خبر " ~~إن " وبزيادة " ما " على رأي، وبالقسم المقدر وباللام الواقعة ~~جوابا له، وبنون التوكيد، وبكونها مشددة، وإردافها بالجملة التي بعدها ~~من قوله { إنه ms4887 بما يعملون خبير } فإنه يتضمن وعيدا ~~شديدا للعاصي، ووعدا صالحا للطائع. # وقرأ العامة: " يعملون " بياء الغيبة، جريا على ما تقدم من ~~المختلفين، وقرأ ابن هرمز " بما تعملون " بالخطاب، فيجوز أن يكون ~~التفاتا من غيبة إلى خطاب، ويكون المخاطبون الغيب المتقدمين، ويجوز ~~أن يكون التفاتا إلى خطاب غيرهم. # فصل # معنى الآية: أن من عجلت عقوبته، ومن أخرت ومن صدق الرسل، ومن ~~كذب فحالهم سواء في أنه تعالى يوفيهم أجر أعمالهم في الآخرة، فجمعت ~~الآية الوعد، والوعيد فإن توفية جزاء الطاعات وعد عظيم، وتوفية جزاء ~~المعاصي وعيد عظيم، وقوله: { إنه بما يعملون خبير } ~~توكيد للوعد والوعيد، فإنه لما كان عالما بجميع المعلومات كان ~~عالما بمقادير الطاعات والمعاصي، فكان عالما بالقدر اللائق بكل عمل ~~من الجزاء، فحينئذ لا يضيع شيء من الحقوق وذلك نهاية البيان. # قوله تعالى: { فاستقم كمآ أمرت } الآية. # لما شرح الوعد الوعيد قال لرسوله " فاستقم كما أمرت " وهذه ~~كلمة جامعة لكل ما يتعلق بالعقائد والأعمال، سواء كان مختصا به، ~~أو متعلقا بتبليغ الوحي وبيان الشرائع، ولا شك أن البقاء على ~~الاستقامة الحقيقية مشكل جدا. # قال ابن الخطيب: وأنا أضرب لذلك مثلا يقرب صعوبة هذا المعنى إلى ~~العقل السليم، وهو ان الخط المستقيم الفاصل بين الظل وبين ~~الضوء جزء واحد لايقبل القسمة في العرض، وذلك الخط مما لا يدركه ~~الحس، فإنه إذا قرب طرف الظل من طرف الضوء اشتبه البعض بالبعض في ~~الحس، فلم يقع الحس على إدراك ذلك الخط بعينه بحيث يتميز عن كل ما ~~سواه. # وإذا عرفت هذا في المثال فاعرف مثاله في جميع أبواب العبودية. # فأولها: معرفة الله وتحصيل هذه المعرفة على وجه يبقى العقل مصونا في ~~طرف الإثبات عن التشبيه، وفي طرف النفي عن التعطيل في غاية ~~الصعوبة، واعتبر سائر مقامات المعرفة من نفسك، وأيضا فالقوة الغضبية ~~والقوة الشهوانية حصل لك واحدة منهما طرف إفراط وتفريط، وهما ~~مذمومان، والفاصل هو المتوسط بينهما بحيث لا يميل إلى أحد الجانبين، ~~والوقوف عليه صعب؛ فثبت أن معرفة الصراط المستقيم في ms4888 غاية ~~الصعوبة، وبتقدير معرفته فالبقاء عليه والعمل به أصعب، ولما كان هذا ~~المقام في غاية الصعوبة، لا جرم قال ابن عباس - رضي الله عنه -: ما ~~نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم وبجل ومجد ~~وعظم - في جميع القرآن آية أشق من هذه، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: # " شيبتني هود وأخواتها " # وروي عن بعضهم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، فقلت ~~له: روي عنك أنك قلت: " شيبتني هود وأخواتها " فقال: نعم " ~~قلت: وبأي آية؟ فقال: قوله: " فاستقم كما أمرت ". # قوله: { كمآ أمرت } الكاف في محل النصب، إما على النعت ~~لمصدر محذوف، كما هو المشهور عند المعربين قال الزمخشري: أي استقم ~~استقامة مثل الاستقامة التي أمرت بها على جادة الحق غير عادل ~~منها. وإما على الحال من ضمير ذلك المصدر. # واستفعل هنا للطلب، كأنه قيل: اطلب الإقامة على الدين، كما تقول: ~~استغفر أي: اطلب الغفران. # قوله: { ومن تاب معك } في " من " وجهان، أحدهما: أنه منصوب ~~على المفعول به، كذا ذكره أبو البقاء ويصير المعنى: استقم مصاحبا لمن ~~تاب مصاحبا لك، وفي هذا المعنى نبو عن ظاهر اللفظ. # والثاني: أنه مرفوع فإنه نسق على المستتر في " استقم " ، ~~وأغنى الفصل بالجار عن تأكيده بضمير منفصل في صحة العطف، وقد ~~تقدم هذا البحث في قوله: # اسكن أنت وزوجك # [البقرة:35]، وأن الصحيح أنه من عطف الجمل لا من عطف المفردات، ~~ولذلك قدره الزمخشري فاستقم أنت، وليستقم من تاب معك، فقدر ~~الرافع له فعلا لائقا برفعه الظاهر. # وقال الواحدي: محلها ابتداء تقديره: ومن تاب معك فليستقم # فصل # معنى الآية: { فاستقم كمآ أمرت } على دين ربك، والعمل به، ~~والدعاء إليه، كما أمرت، { ومن تاب معك } أي: من آمن معك ~~فليستقيموا، قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: الاستقامة أن ~~تستقيم على الأمر والنهي، ولا تروغ روغان الثعلب. # روى هشام بن عروة عن أبيه عن سفيان بن عبد الله الثقفي - رضي الله ~~عنه - قال: # " قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام ms4889 قولا لا أسأل عنه ~~أحدا بعدك، قال: " قل آمنت بالله ثم استقم " ". # فصل # هذه الآية أصل عظيم في الشريعة، وذلك أن القرآن لما ورد بترتيب ~~الوضوء في اللفظ وجب اعتبار الترتيب فيه، لقوله: { فاستقم كمآ ~~أمرت } ، ولما ورد الأمر في الزكاة بأداء الإبل من الإبل، ~~والبقر من البقر وجب اعتبارها، وكذا القول في كل ما ورد أمر الله به. # قال ابن الخطيب: وعندي أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس؛ لأنه ~~لما دل عموم النص على حكم وجب العمل بمقتضاه، لقوله تعالى -: { ~~فاستقم كمآ أمرت } فالعمل بالقياس انحراف عنه. ثم قال: { ~~ولا تطغوا } أي: لا تجاوزوا أمري ولا تعصوني وقيل: لا تغلوا ~~فتزيدوا على ما أمرت ونهيت والطغيان: تجاوز الحد. وقيل: لا تطغوا في ~~القرآن فتحلوا حرامه وتحرموا حلاله وقال ابن عباس - رضي الله ~~عنهما -: " تواضعوا لله ولا تتكبروا على أحد " { إنه بما ~~تعملون بصير } قرأ العامة " تعملون " بالتاء جريا على ~~الخطاب المتقدم. # وقرأ الحسن والأعمش وعيسى الثقفي بياء الغيبة، وهو التفات من خطاب ~~لغيبة عكس ما تقدم في { بما يعملون خبير }. # قوله تعالى: { ولا تركنوا } قرأ العامة بفتح التاء ~~والكاف، والماضي من هذا " ركن " بكسر العين ك " علم، وهذه الفصحى، ~~كذا قال الأزهري وقال غيره: " وهي لغة قريش " وقرأ أبو عمرو في رواية: ~~" تركنوا " بكسر حرف المضارعة وقد تقدم ذلك في قوله: " نستعين ~~". # وقرأ قتادة، وطلحة، والأشهب، ورويت عن أبي عمرو " تركنوا " بضم ~~العين وهو مضارع " ركن " بفتحها ك: قتل يقتل، وقال بعضهم: هو ~~من التداخل، يعني من نطق ب " ركن " بكسر العين قال: " يركن " ~~بضمها، وكان من حقه أن يفتح، فلما ضم علمنا أنه استغنى بلغة غيره ~~في المضارع عن لغته، وأما في هذه القراءة فلا ضرورة بنا إلى ادعاء ~~التداخل، بل ندعي أن من فتح الكاف أخذه من: " ركن " بالكسر، ~~ومن ضمها أخذه من " ركن " بالفتح، ولذلك قال الراغب: " والصحيح أن ~~يقال: ركن يركن وركن يركن بالكسر في الماضي مع الفتح في ~~المضارع، وبالفتح في الماضي مع الضم ms4890 في المضارع " وشذ أيضا قولهم: ~~ركن يركن بالفتح فيهما، وهو من التداخل؛ فتحصل من هذا أنه قال: ~~" ركن " بكسر العين وهي اللغة العالية كما تقدم، و " ركن " ~~بفتحها، وهي لغة قيس وتميم، وزاد الكسائي: " ونجد " وفي المضارع ~~ثلاث: الفتح، والكسر، والضم. وقرأ ابن أبي عبلة: " تركنوا " ~~مبنيا للمفعول من: أركنه إذا أماله، فهو من باب " لا أرينك ~~ههنا " و # فلا يكن في صدرك حرج # [الأعراف:2] وقد تقدم. # والركون: الميل، ومنه الركن للاستناد إليه. # قوله: " فتمسكم " منصوب بإضمار " أن " في جواب النهي. وقرأ ~~ابن وثاب وعلقمة، والأعمش في آخرين " فتمسكم " بكسر التاء. # قوله: " وما لكم " هذه الجملة يجوز أن تكون حالية، أي: ~~تمسكم حال انتفاء ناصركم. # ويجوز أن تكون مستأنفة و " من أولياء " " من " فيه زائدة، إما ~~في الفاعل، وإما في المبتدأ، لأن الجار إذا اعتمد على أشياء - ~~أحدها النفي - رفع الفاعل. # قوله: { ثم لا تنصرون } العامة على ثبوت نون الرفع؛ ~~لأنه فعل مرفوع، إذ هو من باب عطف الجمل، عطف جملة فعلية على جملة ~~اسمية. وقرأ زيد بن علي - رضي الله عنهما - بحذف نون الرفع، عطفه على " ~~تمسكم " ، والجملة على ما تقدم من الحالية أو الاستئناف، فتكون ~~معترضة، وأتى ب " ثم " تنبيها على تباعد الرتبة. # فصل # معنى الآية: قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: " ولا تميلوا ". # والركون: هو المحبة والميل بالقلب. وقال أبو العالية: لا ترضوا ~~بأعمالهم. # وقال السدي: لا تداهنوا الظلمة. # وعن عكرمة: لا تطيعوهم وقيل لاتسكنوا إلى الذين ظلموا " فتمسكم " ، ~~فتصيبكم " النار وما لكم من دون الله من أولياء " أي: ليس لكم ~~أولياء ولا أعوان يخلصونكم من عذاب الله، ثم لا تجدوا من ينصركم. # قوله تعالى: { وأقم الصلاة طرفي النهار } الآية. # لما أمره بالاستقامة أردفه بالأمر بالصلاة، وذلك يدل على أن ~~أعظم العبادات بعد الإيمان بالله هو الصلاة. # قوله: { طرفي النهار } ظرف ل " أقم " ويضعف أن يكون ظرفا ~~للصلاة، كأنه قيل: أي أقم الصلاة الواقعة في هذين الوقتين، والطرف، وإن ~~لم يكن ظرفا، ولكنه لما أضيف الظرف أعرب ms4891 بإعرابه، وهو كقولك: ~~أتيته أول النهار، وآخره ونصف الليل، بنصب هذه كلها على الظرف لما ~~أضيفت إليه، وإن كانت ليست موضوعة للظرفية. # وقرأ العامة " زلفا " بضم الزاي، وفتح اللام، وهي جمع " زلفة ~~" بسكون اللام، نحو: غرف في جمع غرفة، وظلم في جمع ظلمه. وقرأ أبو ~~جعفر، وابن أبي إسحاق بضمها، وفي هذه القراءة ثلاثة أوجه: # أحدهما: أنه جمع " زلفة " أيضا، والضم للإتباع، كما قالوا: ~~بسرة وبسر بضم السين إتباعا لضمة الباء. # الثاني: أنه اسم مفرد على هذه الزنة ك: عنق. # الثالث: أنه جمع " زليف " قال أبو البقاء: " وقد نطق به " ، يعنى ~~أنهم قالوا زليف، و " فعيل " يجمع على " فعل " نحو: رغيف ورغف، ~~وقضيب وقضب. # وقرأ مجاهد وابن محيصن بإسكان اللام وفيها وجهان: # أحدهما: أنه يحتمل أن تكون هذه القراءة مخففة من ضم العين ~~فيكون فيها ما تقدم. # والثاني: أنه سكون أصل من باب اسم الجنس نحو: بسرة وبسر من غير ~~إتباع. # وقرأ مجاهد وابن محيصن وأيضا في رواية: " وزلفى " بزنة: " حبلى ~~" جعلوها على صفة الواحدة المؤنثة اعتبارا بالمعنى؛ لأن المعنى على ~~المنزلة الزلفى، أو الساعة الزلفى، أي: القريبة. # وقد قيل: إنه يجوز أن يكون أبدلا التنوين ألفا ثم أجريا الوصل مجرى ~~الوقف فإنهما يقرآن بسكون اللام وهو محتمل. # وقال الزمخشري: والزلفى بمعنى الزلفة، كما أن القربى بمعنى ~~القربة يعنى: أنه مما تعاقب فيه تاء التأنيث وألفه. # وفي انتصاب: " زلفا " وجهان: # أظهرهم: أنه نسق على " طرفي " فينتصب الظرف، إذ المراد بها ساعات ~~الليل القريبة. # والثاني: أن ينتصب انتصاب المفعول به نسقا على الصلاة. # قال الزمخشري - بعد أن ذكر القراءات المتقدمة -: وهو ما يقرب من آخر ~~النهار ومن الليل، وقيل: زلفا من الليل وقربا من الليل، وحقها ~~على هذا التفسير أن تعطف على الصلاة، أي: أقم الصلاة طرفي النهار، وأقم ~~زلفا من الليل على معنى صلوات تتقرب بها إلى الله تعالى في بعض ~~الليل. # والزلفة: أول ساعات الليل، قاله ثعلب. وقال الأخفش وابن قتيبة: " ~~الزلف: ساعات الليل وآناؤه، وكل ساعة منه زلفة ms4892 " فلم يخصصاه بأول ~~الليل؛ وقال العجاج: [الرجز] # 3039- ناج طواه الأين مما وجفا # طي الليالي زلفا فزلفا # سماوة الهلال حتى احقوقفا # وأصل الكلمة من " الزلفى " والقرب، يقال: أزلفه فازدلف، أي: ~~قربه فاقترب قال تعالى: # وأزلفنا ثم الآخرين # [الشعراء:64] وفي الحديث: # " ازدلفوا إلى الله بركعتين ". # وقال الراغب: والزلفة: المنزلة والحظوة، وقد استعملت ~~الزلفة في معنى العذاب كاستعمال البشارة ونحوها، والمزالف: المراقي: ~~وسميت ليلة المزدلفة لقربهم من منى بعد الإفاضة. وقوله: " من الليل ~~" صفة ل " زلفا ". # فصل # معنى " طرفي النهار " أي: الغداة والعشي. قال مجاهد - رحمه الله ~~-: طرفا النهار الصبح، والظهر، والعصر " وزلفا من الليل " يعنى: ~~صلاة المغرب والعشاء. # وقال الحسن: طرفا النهار: الصبح، والظهر والعصر " وزلفا من ~~الليل " المغرب والعشاء وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: طرفا النهار ~~الغداوة والعشي، يعني صلاة الصبح والمغرب. # فصل # قال ابن الخطيب - رحمه الله -: " الأشهر أن الصلوات التي في طرفي ~~النهار هي الفجر والعصر، وذلك لأن أحد طرفي النهار طلوع الشمس، ~~والطرف الثاني غروب الشمس. # فالأول: هو صلاة الفجر. # والطرف الثاني لا يجوز أن يكون صلاة المغرب؛ لأنها داخلة تحت قوله: { ~~وزلفا من الليل } فوجب حمل الطرف الثاني على صلاة العصر. # وإذا تقرر هذا كانت الآية دليلا على قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - ~~في أن التنوير بالفجر أفضل، وفي أن تأخير العصر أفضل؛ لأن ظاهر ~~الآية يدل على وجوب إقامة الصلاة في طرفي النهار، وبينا أن طرفي ~~النهار هما الزمان الأول لطلوع الشمس، والزمان الثاني لغروب الشمس، ~~وأجمعت الأمة على أن إقامة الصلاة في ذلك الوقت من غير ضرورة غير ~~مشروعة فقد تعذر العمل بظاهر الآية، فوجب حلمه على المجاز، وهو أن ~~يكون المراد: إقامة الصلاة في الوقت الذي يقرب من طرفي النهار؛ لأن ما ~~يقرب من الشيء يجوز أن يطلق عليه اسمه، وإذا كان كذلك فكل وقت كان ~~أقرب لطلوع الشمس، وإلى غروبها كان أقرب إلى ظاهر اللفظ، وإقامة صلاة ~~الفجر عند التنوير أقرب إلى وقت الطلوع من إقامتها عند التغليس، وكذلك ~~إقامة صلاة ms4893 العصر عندما يصير ظل كل شيء مثليه، أقرب إلى وقت الغروب من ~~إقامتها عندما يصير ظل كل شيء مثله، والمجاز كلما كان أقرب إلى ~~الحقيقة، كان حمل اللفظ عليه أولى. # فصل # قال أبو بكر الباقلاني - رضي الله عنه -: إن الخوارج تمسكوا بهذه ~~الآية في إثبات أن الواجب ليس إلا الفجر والعشاء من وجهين: # الأول: أنهما واقعان على طرفي النهار؛ فوجب أن يكون هذا القدر ~~كافيا. # فإن قيل: قوله { وزلفا من الليل } يوجب صلوات أخرى. # قلت: لا نسلم، فإن طرفي النهار موصوفان بكونهما زلفا من ~~الليل، فإن ما لا يكون نهارا يكون ليلا غاية ما في الباب أن هذا ~~يقتضي عطف الصفة على الموصوف، وذلك كثير في القرآن والشعر. # الوجه الثاني: أنه تعالى قال: { إن الحسنات يذهبن ~~السيئات } وهذا يقتضي أن من صلى طرفي النهار كان إقامتهما ~~كفارة لكل ذنب، فبتقدير أن يقال: إن سائر الصلوات واجبة إلا أن ~~إقامتها يجب أن تكون كفارة لترك سائر الصلوات، وهذا القول باطل بإجماع ~~الأمة فلا يلتفت إليه. # فصل # قيل قي قوله تعالى: { وزلفا من الليل } أنه يقتضي الأمر ~~بإقامة الصلاة في ثلاث زلف من الليل؛ لأن أقل الجمع ثلاثة، والمغرب ~~والعشاء وقتان؛ فيجب الحكم بوجوب الوتر. # قوله: { إن الحسنات يذهبن السيئات } قال ابن ~~عباس: إن الصلوات الخمس كفارة لسائر الذنوب بشرط اجتناب ~~الكبائر. وروي عن مجاهد - رحمه الله -: " إن الحسنات هي قول العبد: ~~سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. # " وروي أنها نزلت في أبي اليسر، قال: أتتني امرأة تبتاع تمرا، ~~فقلت لها إن في بيتي تمرا أطيب من هذا؛ فدخلت معي في البيت، فأهويت ~~إليها فقبلتها، فأتيت أبا بكر - رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين ~~- فذكرت ذلك له فقال: استر على نفسك وتب، فأتيت عمر - رضي الله عنه ~~- فقال: استر على نفسك وتب فلم أصبر، فأتيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فذكرت ذلك، فقال: " أخلفت غازيا في سبيل الله في أهله بمثل ~~هذا؟ " حتى تمنى أنه لم يكن ms4894 أسلم إلا تلك الساعة حتى ~~ظن أنه من أهل النار. فأطرق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حتى أوحي إليه { وأقم الصلاة طرفي النهار } الآية، ~~فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ألهذا خاصة أم للناس عامة؟ ~~قال: " بل للناس عامة " # وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يقول: # " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان ~~مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر ". # وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال: # " أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس ~~مرات، هل يبقى من درنه شيء "؟ قالوا: لا، قال: " فذلك مثل ~~الصلوات الخمس، يمحوا الله بهن الخطايا ". # فصل # احتج من قال إن المعصية لا تضر مع الإيمان بهذه الآية؛ لأن ~~الإيمان أشرف الحسنات، وأجلها، وأعظمها، ودلت الآية على أن الحسنات ~~تذهب السيئات، والإيمان يذهب الكفر الذي هو أعلى درجة في العصيان؛ فلأن ~~يذهب المعصية التي هي أقل درجة أولى، فإن لم يفد إزالة العقاب بالكلية ~~فلا أقل من أن يفيد إزالة العقاب الدائم المؤبد. # ثم قال تعالى: { ذلك ذكرى للذاكرين } أي: ذلك الذي ذكرناه، ~~وقيل: إشارة إلى القرآن " ذكرى " موعظة، " للذاكرين " أي: لمن ~~ذكره " واصبر " يا محمد على ما تلقى من الأذى. # وقيل: على الصلاة، نظيره: قوله تعالى: # وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها # [طه:132] { فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } في ~~أعمالهم، وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - " يعني المصلين ". ### || [11.116-120] # قوله تعالى: { فلولا كان من القرون من قبلكم } من ~~الآية. # لما بين أن الأمم المتقدمين حل بهم عذاب الاستئصال، بين أن ~~السبب فيه أمران: # الأول: أنه ما كان فيهم قوم ينهون عن الفساد في الأرض، فقال: { ~~فلولا كان من القرون من قبلكم } ، " لولا " تحضيضية ~~دخلها معنى التفجع عليهم، وهو قريب من مجاز قوله تعالى: # يحسرة على العباد # [يس:30] وما يروى عن الخليل - رحمه الله - أنه قال: كل ما كان في القرآن ~~من " لولا ms4895 " فمعناه " هلا " إلا التي في الصافات " فلولا ~~أنه " ، لا يصح عنه لورودها كذلك في غير الصافات # لولا أن تداركه # [القلم:49] # ولولا أن ثبتناك # [الإسراء:74] # ولولا رجال # [الفتح:25]. # و " من القرون " يجوز أن يتعلق ب " كان "؛ لأنها هنا تامة،إذ ~~المعنى: فهلا وجد من القرون، أو حدث، أو نحو ذلك، ويجوز أن ~~يتعلق بمحذوف على أنه حال من: " أولوا بقية " لأنه لو تأخر ~~عنه لجاز أن يكون نعتا له، و " من قبلكم " حال من " القرون " و ~~" ينهون " حال من " أولوا بقية " لتخصصه بالإضافة، ويجوز أن ~~يكون نعتا ل " أولوا بقية " وهو أولى. # ويضعف أن تكون " كان " هذه ناقصة لبعد المعنى من ذلك، وعلى تقديره ~~يتعين تعلق " من القرون " بالمحذوف على أنه حال؛ لأن " ~~كان " الناقصة لا تعمل عند جمهور النحاة، ويكون " ينهون " ~~في محل نصب خبرا ل " كان ". # وقرأ العامة " بقية " بفتح الباء وتشديد الياء، وفيها وجهان: # أحدهما: أنها صفة على " فعيلة " للمبالغة، بمعنى " فاعل "؛ وذلك ~~دخلت التاء فيها، والمراد بها حينئذ جند الشيء وخياره، وإنما ~~قيل لجنده وخياره: " بقية " في قولهم: فلان بقية الناس، وبقية ~~الكرام؛ لأن الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله والرجل يبقى ~~بعده ذكر جوده وفضله؛ وعليه حمل بيت الحماسة: [البسيط] # 3040- إن تذنبوا ثم تأتيني بقيتكم # ................. # وفي المثل: " في الزوايا خبايا، وفي الرجال بقايا ". # والثاني: أنها مصدر بمعنى البقوى قال الزمخشري ويجوز أن تكون ~~البقية بمعنى البقوى كالتقية بمعنى التقوى، أي: فهلا كان منهم ~~ذوو إبقاء على أنفسهم، وصيانة لها من سخط الله وعقابه. والمعنى: فهلا ~~كان منهم أولوا مراقبة وخشية من انتقام الله. # وقرأت فرقة " بقية " بتخفيف الياء، وهي اسم فاعل من بقي ك: ~~شجية من شجي، والتقدير أولوا طائفة بقية أي: باقية. وقرأ أبو ~~جعفر وشيبة " بقية " بضم الفاء وسكون العين. # وقرىء " بقية " على المرة من المصدر. و " في الأرض " متعلق ~~بالفساد، والمصدر المقترن ب " أل " يعمل في المفاعيل الصريحة فكيف في ~~الظروف؟ ويجوز أن يتعلق بمحذوف عل أنه حال من " الفساد ". # فصل # المعنى: فهلا " كان ms4896 من القرون " التي أهلكناهم، " من قبلكم ~~" أولوا تمييز وقيل: أولوا طاعة وقيل: أولوا خير، يقال: فلان على ~~بقية من الخير إذا كان على خصلة محمودة. و " ينهون عن الفساد في ~~الأرض " أي: يقومون بالنهي عن الفساد، ومعناه جحدا، أي: لم يكن ~~فيهم أولو بقية. # قوله: " إلا قليلا " فيه وجهان: # أحدهما: أن يكون استثناء منقطعا؛ وذلك أن يحمل التحضيض على حقيقته، ~~وإذا حمل على حقيقته تعين أن يكون الاستثناء منقطعا لئلا يفسد ~~المعنى. # قال الزمخشري: معناه: ولكن قليلا ممن أنجينا من القرون نهوا عن ~~الفساد، وسائرهم تاركون النهي ثم قال: فإن قلت: هل لوقوع هذا ~~الاستثناء متصلا وجه يحمل عليه؟ قلت: إن جعلته متصلا على ما هو ~~عليه ظاهر الكلام كان المعنى فاسدا؛ لأنه يكون تحضيضا لأولي ~~البقية على النهي عن الفساد إلا للقليل من الناجين منهم، كما ~~تقول: هلا قرأ قومك القرآن إلا الصلحاء منهم، تريد استثناء الصلحاء ~~من المحضضين على قراءة القرآن. فيئول الكلام إلى أن الناجين لم ~~يحضوا على النهي عن الفساد، وهو معنى فاسد. # والثاني: أن يكون متصلا، وذلك بأن يؤول التحضيض على قراءة القرآن ~~بمعنى النفي، فيصح ذلك؛ إلا أنه يؤدي إلى النصب غير الموجب، ~~وإن كان غير النصب أولى. # قال الزمخشري: فإن قلت: في تحضيضهم على النهي عن الفساد معنى نفيه ~~عنهم، فكأنه قيل: ما كان من القرون أولو بقية إلا قليلا كان ~~استثناء متصلا ومعنى صحيحا، وكان انتصابه على أصل الاستثناء، وإن كان ~~الأفصح أن يرفع على البدل. # ويؤيد أن التحضيض هنا في معنى النفي قراءة زيد من علي " إلا ~~قليل " بالرفع، لاحظ معنى النفي فأبدل على الأفصح، كقوله: # ما فعلوه إلا قليل منهم # [النساء:66]. # وقال الفراء: المعنى: فلم يكن؛ لأن في الاستفهام ضربا من الجحد ~~سمى التحضيض استفهاما. # ونقل عن الأخفش أنه كان يرى تعين اتصال هذا الاستثناء كأنه لحظ ~~النفي و " من " في: " ممن أنجينا " للتبعيض. ومنع ~~الزمخشري أن تكون للتبعيض بل للبيان فقال: حقها أن تكون للبيان لا ~~للتبعيض؛ لأن النجاة ms4897 إنما هي للناهين وحدهم، بدليل قوله: # أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ~~ظلموا بعذاب بئيس # [الأعراف:165]. # فعلى الأول يتعلق بمحذوف على أنها صفة ل ": قليلا ". # وعلى الثاني: يتعلق بمحذوف على سبيل البيان، أي: أعني. # قوله: { واتبع الذين ظلموا مآ أترفوا فيه } هذا ~~السبب الثاني في نزول عذاب الاستئصال. # قرأ العامة: " اتبع " بهمزة وصل وتاء مشددة، وياء، مفتوحتين، ~~فعلا ماضيا مبنيا للفاعل وفيه وجهان: # أحدهما: أنه معطوف على مضمر. # والثاني: أن الواو للحال لا للعطف، ويتضح ذلك بقول الزمخشري فإن ~~قلت: علام عطف قوله: { واتبع الذين ظلموا }؟ قلت: إن كان ~~معناه: واتبعوا الشهوات كان معطوفا على مضمر؛ لأن المعنى: ~~إلا قليلا ممن أنجينا منهم نهوا عن الفساد، واتبع الذين ~~ظلموا شهواتهم، فهو عطف على " نهوا " وإن كان معناه: واتبعوا ~~جزاء الإتراف، فالواو للحال، كأنه قيل: أنجينا القليل، وقد اتبع ~~الذين ظلموا جزاءهم. # فجوز في قوله: " ما أترفوا " وجهين: # أحدهما: أنه مفعول من غير حذف مضاف، و " ما " واقعة على الشهوات ~~وما بطروا بسببه من النعم. # والثاني: أنه على حذف مضاف، أي: جزاء ما أترفوا، ورتب على هذين ~~الوجهين القول في " واتبع ". # والإتراف: إفعال من الترف وهو النعمة، يقال: صبي مترف، أي: ~~منعم البدن، وأترفوا نعموا وقيل: الترفه: التوسع في ~~النعمة. # وقال مقاتل: " أترفوا " خولوا. # وقال الفراء: عودوا، أي: واتبع الذين ظلموا ما عودوا من ~~النعيم، وإيثار اللذات على الآخرة. # وقرأ أبو عمرو في رواية الجعفي، وأبو جعفر " وأتبع " بضم همزة القطع ~~وسكون التاء وكسر الباء مبنيا للمفعول، ولا بد حينئذ من حذف ~~مضاف، أي: أتبعوا جزاء ما أترفوا فيه. # و " ما " يجوز أن تكون معنى " الذي، وهو الظاهر لعود الضمير في " ~~فيه " عليه، ويجوز أن تكون مصدرية، أي: جزاء إترافهم. # قوله " وكانوا مجرمين " كافرين وفيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن تكون عطفا على " أترفوا " إذا جعلنا " ما " مصدرية، أي: ~~اتبعوا إترافهم وكونهم مجرمين. # والثاني: أنه عطف على " اتبع " ، أي: اتبعوا شهواتهم وكانوا ~~مجرمين بذلك، لأن تابع الشهوات مغمور بالآثام. # الثالث: أن ms4898 يكون اعتراضا وحكما عليهم بأنهم قوم مجرمون ذكر ذلك ~~الزمخشري. # قال أبو حيان: " ولا يسمى هذا اعتراضا في اصطلاح النحو؛ لأنه ~~آخر آية، فليس بين شيئين يحتاج أحدهما إلى الآخر ". # قوله تعالى: { وما كان ربك ليهلك القرى بظلم } ~~الآية. # في " ليهلك " الوجهان المشهوران، وهما: زيادة اللام في خبر: " كان ~~" دلالة على التأكيد - كما هو رأي الكوفيين - أو كونها متعلقة بخبر " ~~كان " المحذوف، وهو مذهب البصريين، و " بظلم " متعلق ب " يهلك ~~" والباء سببية، وجوز الزمخشري أن تكون حالا من فاعل " ليهلك ~~" ، وقوله " وأهلها مصلحون " جملة حالية. # فصل # قيل: المراد بالظلم هنا: الشرك، قال تعالى: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان:13] والمعنى: أنه تعالى لا يهلك أهل القرى بمجرد كونهم مشركين ~~إذا كانوا مصلحين في المعاملات فيما بينهم، ولهذا قال الفقهاء: إن ~~حقوق الله مبناها على المسامحة، وحقوق العباد مبناها على التضييق ~~والشح، ويقال: إن الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم، ويدل ~~على هذا التأويل أن قوم هود، وصالح، ولوط، وشعيب إنما نزل بهم عذاب ~~الاستئصال، لما حكى الله تعالى عنهم من إيذاء الناس وظلم الخلق وهذا ~~تأويل أهل السنة وقالت المعتزلة: إنه تعالى لو أهلكهم حال كونهم ~~مصلحين لكان ظلما، ولما كان متعاليا عن الظلم، لا جرم أنه إنما ~~يهلكهم لأجل سوء أفعالهم. # وقيل: معنى الآية: أنه لا يهلكهم بظلم منه، وهم مصلحون في ~~أعمالهم، ولكن يهلكهم بكفرهم وركوبهم السيئات، وهذا معنى قول المعتزلة. # ثم قال تعالى: { ولو شآء ربك لجعل الناس أمة ~~واحدة } كلهم على دين واحد، { ولا يزالون مختلفين } ~~على أديان شتى، من يهودي، ونصراني، ومجوسي، ومشرك، ومسلم، وقد ~~تقدم الكلام على ذلك. # قوله: { إلا من رحم ربك } ظاهره أنه متصل، وهو استثناء ~~من فاعل " يزالون " ، أو من الضمير في " مختلفين " وجوز الحوفي ~~أن يكون استثناء منقطعا، أي: لكن من رحم، لم يختلفوا، ولا ضرورة ~~تدعو إلى ذلك. # قوله: " ولذلك " في المشار إليه أقوال كثيرة. # أظهرها: أنه الاختلاف المدلول عليه ب " مختلفين "؛ كقوله: ~~[الوافر]. # 3041- إذا نهي السفيه جرى ms4899 إليه # وخالف والسفيه إلى خلاف # رجع الضمير في " إليه " على السفه المدلول عليه بلفظ " السفيه " ~~، ولا بد من حذف مضاف على هذا، أي: ولثمرة الاختلاف خلقهم، واللام في ~~الحقيقة للصيرورة، أي: خلقهم ليصير أمرهم إلى الاختلاف. # وقيل: المراد به الرحمة المدلول عليها بقوله: " رحم " وإنما ذكر ~~ذهابا بها إلى الخير. وقيل: المراد به المجموع منهما، وإليه نحا ابن ~~عباس - رضي الله عنهما -: كقوله: # عوان بين ذلك # [البقرة:68] وقيل: إشارة إلى ما بعده من قوله: { وتمت كلمة ~~ربك } ففي الكلام تقديم وتأخير، وهو قول مرجوح؛ لأن الأصل عدم ~~ذلك. # فصل # قال الحسن وعطاء: وللاختلاف خلقهم قال أشهب: سألت مالكا - رحمه الله ~~- عن هذه الآية فقال: خلقهم ليكون فريق في الجنة وفريق في السعير. ~~قال أبو عبيد: الذي أختاره قول من قال: خلق فريقا لرحمته، وفريقا ~~لعذابه، ويؤيده قوله تعالى: " وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة ~~والناس أجمعين ". # وقوله صلى الله عليه وسلم: # " خلق الله الجنة وخلق لها أهلا، وخلق النار وخلق لها أهلا ". # وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - ومجاهد، وقتادة، والضحاك رضي الله ~~عنهم: وللرحمة خلقهم، يعني الذين رحمهم، وقال الفراء: خلق أهل ~~الرحمة للرحمة، وأهل الاختلاف للاختلاف ومحصول الآية أن أهل ~~الباطل مختلفون، وأهل الحق متفقون، فخلق أهل الحق للاتفاق، وأهل ~~الباطل للاختلاف. # وذهبت المعتزلة إلى قول ابن عباس، وهو أنه خلقهم للرحمة، ~~قالوا: ولا يجوز أن يقال: وللاختلاف خلقهم، لوجوه: # الأول: أن عود الضمير إلى أقرب المذكورين أولى من عوده إلى أبعدهما: # والثاني: لو خلقهم للاختلاف وأراد منهم ذلك لم يجز أن يعذبهم عليه، إذ ~~كانوا مطيعين له بذلك الاختلاف. # الثالث: أنا إذا فسرنا الآية بالرحمة مطابقا لقوله تعالى: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات:56]. # فإن قيل: لو كان المراد، وللرحمة خلقهم لقال: ولتلك خلقهم، ولم يقل: ~~ولذلك خلقهم. قلنا: إن تأنيث الرحمة لي حقيقيا، فكان محمولا على ~~الفضل والغفران، كقوله: # هذا رحمة من ربي # [الكهف:98] وقوله: # إن رحمت الله قريب من المحسنين # [الأعراف:56]. # فصل # احتج ms4900 من قال بأن الهداية والإيمان لا يحصل إلا بخلق الله تعالى ~~بهذه الآية، وذلك لأنها تدل على أن زوال الاختلاف في الدين لا ~~يحصل إلا لمن خصه الله برحمته، وتلك الرحمة ليست عبارة عن إعطاء ~~القدرة والعقل، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وإزاحة العذر، فإن كل ذلك ~~حاصل للكفار، فلم يبق إلا أن يقال: تلك الرحمة هو أن الله - تعالى - ~~يخلق فيه تلك الهداية والمعرفة. # قوله تعالى: { ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ~~ربك } # قال القاضي معناه: إلا من رحم ربك بأن يصير من أهل الجنة، والثواب، ~~فيرحمه الله بألطافه وتسهيله، وهذان الجوابان في غاية الضعف. # أما الأول فلأن قوله تعالى: { ولا يزالون مختلفين ~~إلا من رحم ربك } بأن يصير من أهل الجنة، يفيد أن ذلك ~~الاختلاف إنما زال بسبب هذه الرحمة؛ فوجب أن تكون هذه الرحمة جارية ~~مجرى السبب المتقدم على زوال هذا الاختلاف، والثواب شيء متأخر عن ~~زوال هذا الاختلاف، فالاختلاف جار مجرى السبب له فحمل هذه الرحمة على ~~الثواب لا يجوز. # وأما الثاني - وهو حمل هذه الرحمة على الألطاف التي فعلها في حق ~~المؤمن - فهي مفعولة أيضا في حق الكافر، وهذه الرحمة أمر اختص به ~~المؤمن؛ فوجب أن يكون شيئا زائدا على تلك الألطاف، وأيضا فحصول ~~الألطاف هل يوجب رجحان وجود الإيمان على عدمه أم لا يوجبه؟ فإن لم يوجبه ~~كان وجود تلك الألطاف وعدمها، بالنسبة إلى حصول هذا المقصود سيان، فلم ~~يك لطفا منه، وإذا وجب الرجحان فقد ثبت في العقليات أنه متى حصل ~~الرجحان، فقد وجب حينئذ أن يكون حصول الإيمان من الله، وما يدل على أن ~~حصول الإيمان لا يكون إلا بخلق الله تعالى؛ لأنه ما لم يتميز ~~الإيمان عن الكفر، والعلم عن الجهل امتنع القصد إلى تكوين الإيمان ~~والعلم، وهذا الامتياز إنما يحصل إذا علم كون احد هذين الاعتقادين ~~مطابقا للمعتقد، وكون الآخر ليس كذلك، وإنما يصح هذا العلم إذا عرف ~~ذلك المعتقد كيف يكون، وهذا يوجب أنه لا يصح من العبد القصد إلى ms4901 ~~تكوين العلم بالشيء إلا بعد أن كان عالما، وذلك يقتضي تكوين الكائن ~~وتحصيل الحاصل وهو محال، فثبت أن زوال الاختلاف في الدين، وحصول ~~العلم والهداية لا يحصل إلا بخلق الله تعالى. # ثم قال تعالى: { وتمت كلمة ربك } وتم حكم ربك { ~~لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين } فقوله: ~~" أجمعين " تأكيد، والأكثر أن يسبق ب " كل " وقد جاء هنا دونها. # والجنة والجن: قيل: واحد، والتاء فيه للمبالغة. # وقيل: الجنة جمع جن، وهو غريب، فيكون مثل " كمء " للجمع، و " ~~كمأة " للواحد. # قوله تعالى: { وكلا نقص عليك } الآية. # لما ذكر القصص الكثيرة في هذه السورة، ذكر في هذه الآية نوعين من ~~الفائدة. # أحدهما: تثبيت الفؤاد على أداء الرسالة، وعلى الصبر واحتمال الأذى؛ ~~وذلك لأن الإنسان إذا ابتلي بمحنة وبلية، فإذا رأى له فيه مشاركا خف ~~ذلك على قلبه؛ كما يقال: المصيبة إذا عمت خفت، فإذا سمع الرسول صلى الله ~~عليه وسلم هذه القصص، وعلم أن حال جميع الأنبياء - عليهم الصلاة ~~والسلام - مع أتباعهم هكذا، سهل عليه تحمل الأذى من قومه، وأمكنه الصبر ~~عليه. # والفائدة الثانية: قوله { وجآءك في هذه الحق وموعظة ~~وذكرى للمؤمنين }. # قوله تعالى: { وكلا نقص } في نصبه أوجه: # أحدها: أنه مفعول به، والمضاف إليه محذوف، عوض منه التنوين، تقديره: ~~وكل نبأ نقص عليك. # و " من أنباء " بيان له أو صفة إذا قدر المضاف إليه نكرة. # وقوله: { ما نثبت به } يجوز أن يكون بدلا من: " كلا " وأن ~~يكون خبر مبتدأ مضمر: أي: هو ما نثبت، أو منصوب بإضمار أعني. # الثاني: أنه منصوب على المصدر، أي: كل اقتصاص نقص، و " من ~~أنباء " صفة: أو بيان، و " ما نثبت " هو مفعول " نقص ". # الثالث: كما تقدم، إلا أنه يجعل " ما " صلة، والتقدير: وكلا نقص ~~من أبناء الرسل نثبت به فؤادك، كذا أعربه أبو حيان وقال: كهي ~~في قوله: # قليلا ما تذكرون # [الأعراف:3]. # الرابع: أن يكون " كلا " منصوبا على الحال من " ما نثبت " وهي ~~في معنى: " جميعا " وقيل: بل هي حال من الضمير في " به " وقيل: بل ms4902 ~~هي حال من " أنباء " وهذان الوجهان إنما يجوزان عند الأخفش، فإنه ~~يجيز تقديم حال المجرور بالحرف عليه؛ كقوله تعالى: # والسماوات مطويات بيمينه # [الزمر:67] في قراءة من نصب " مطويات " وقول الآخر: [الكامل] # 3042- رهط ابن كوز محقبي أدراعهم # فيهم ورهط ربيعة بن حذار # والمعنى: وكل الذي تحتاج إليه من أبناء الرسل، أي: من أخبارهم، وأخبار ~~الأمم نقصها عليك؛ لنثبت به فؤادك؛ لنزيدك يقينا، ونقوي قلبك، وذلك أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمعها كان في ذلك تقوية لقلبه على ~~الصبر لأذى قومه. # { وجآءك في هذه الحق } قال الحسن وقتادة: في هذه ~~الدنيا. وقال الأكثرون: في هذه السورة خص هذه السورة تشريفا، وإن كان قد ~~جاءه الحق في جميع السور. # وقيل: في هذه الآية. # والمراد به " الحق " البراهين الدالة على التوحيد والعدل والنبوة، ~~" موعظة " أي: وجاءتك موعظة " وذكرى للمؤمنين " والمراد ب " ~~الذكرى " الأعمال الباقية الصالحة في الدار الآخرة. ### || [11.121-123] # ثم قال تعالى: { وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على ~~مكانتكم }. # وهذا تهديد ووعيد؛ لأنه تعالى لما بالغ في الإعذار والإنذار ~~والترغيب والترهيب، أتبع ذلك بأن قال للرسول - صلوات الله وسلامه ~~عليه - { وقل للذين لا يؤمنون } ولم تؤثر فيهم هذه ~~البيانات البالغة: { اعملوا على مكانتكم إنا عاملون ~~} وهذا عين ما حكاه عن شعيب - عليه السلام - أنه قال لقومه # وارتقبوا إني معكم رقيب # [هود:93]، والمعنى: افعلوا كل ما تقدرون عليه في حقي من الشر، فنحن ~~أيضا عاملون. # وقوله: " اعملوا " وإن كان صيغته صيغة أمر، إلا أن المراد به ~~التهديد، كقوله: # واستفزز من استطعت منهم بصوتك # [الإسراء:64] وكقوله: # فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر # [الكهف:29] " وانتظروا " ما يعدكم الشيطان من الخذلان ف " إنا ~~منتظرون " ما وعدنا الرحمن من أنواع الغفران والإحسان، قال ابن ~~عباس - رضي الله عنهما -: " وانتظروا " الهلاك ف " إنا ~~منتظرون " لكم العذاب وقيل: " انتظروا " ما يحل بنا من رحمة الله ~~" إنا منتظرون " ما يحل بكم من نقمته. # ثم إنه تعالى ذكر خاتمة شريفة عالية جامعة لكل المطالب الشريفة ~~فقال: { ولله غيب السماوات والأرض } [هود:123] ms4903 أي: علم ~~ما غاب من العباد، أي: أن علمه نافذ في جميع الكليات والجزئيات، ~~والمعدومات، والموجودات { وإليه يرجع الأمر كله } في ~~المعاد. # قرأ نافع وحفص " يرجع " بضم الياء وفتح الجيم، أي: يرد. وقرأ الآخرون ~~بفتح الياء وكسر الجيم، أي: يعود الأمر كله إليه حتى لا يكون للخلق ~~أمر { فاعبده وتوكل عليه } وثق به { وما ربك ~~بغافل عما تعملون } قرأ نافع وابن عامر وحفص " تعملون " ~~بالخطاب، لأن قبله " اعملوا " والباقون بالغيبة رجوعا على قوله: { ~~للذين لا يؤمنون } وهذا الخلاف أيضا في آخر النمل. # قال كعب الأحبار: خاتمة التوارة خاتمة سورة هود. روى عكرمة عن ابن ~~عباس - رضي الله عنهما - قال أبو بكر - رضي الله عنه -: يا رسول الله ~~قد شبت، فقال صلى الله عليه وسلم # " شيبتني هود والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا ~~الشمس كورت " # ويروى: # " شيبتني هود وأخواتها " # ويروى: # " شيبتني هود وأخواتها الحاقة، والواقعة، وعم يتساءلون، ~~وهل أتاك حديث الغاشية ". # قال الحكيم: الفزع يورث الشيب، وذلك أن الفزع يذهل النفس فينشف ~~رطوبة الجسد، وتحت كل شعره منبع، ومنه يعرق، فإذا انتشف الفزغ ~~رطوبته يبست المنابع؛ فيبس الشعر وابيض، كما ترى الزرع بسقائه، ~~فإذا ذهب سقاءه يبس فابيض، وإنما يبيض شعر الشيخ لذهاب رطوبته ~~ويبس جلده، فالنفس تذهل بوعيد الله بالأهوال؛ فتذبل وينشف ماءها ذلك ~~الوعيد والهول الذي جاء به، ومنه تشيب؛ قال تعالى: # يوما يجعل الولدان شيبا # [المزمل:17] وقال الأصم: ما حل بهم من عاجل أمر الله، فأهل اليقين ~~إذا تلوها تراءى على قلوبهم من ملكه وسلطانه البطش بأعدائه، فلو ~~ماتوا من الفزع لحق لهم، ولكن الله - تبارك وتعالى - يلطف بهم في ~~الأحيان حتى يقرؤوا كلامه، وكذلك آخر آية في سورة هود، فإن تلاوة ~~هذه السورة ما يكشف لقلوب العارفين سلطانه وبطشه ما تذهل منه النفوس، ~~وتشيب منه الرءوس. # قال القرطبي: وقيل: إن الذي شيب النبي صلى الله عليه وسلم من ~~سورة " هود " قوله تعالى: # فاستقم كمآ أمرت # [هود:112] وقال عمرو بن أبي عمرو العبدي: قال يزيد بن أبان رأيت النبي ms4904 ~~صلى الله عليه وسلم في المنام فقرأت عليه سورة هود، فلما ختمتها قال لي # " يا يزيد قرأت فأين البكاء " # واسند أبو محمد الدارمي في مسنده عن كعب - رضي الله عنه - قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " اقرؤوا سورة هود يوم الجمعة " # والله أعلم. ### | [12 - سورة يوسف] ### || [12.1-2] # قوله تعالى: { الر تلك آيات الكتاب المبين } قد تقدم ~~الكلام على قوله: { الر تلك آيات الكتاب المبين } في أول ~~سورة يونس، فالإشارة ب " تلك " إلى آيات هذه السورة على الابتداء ~~والخبر. # وقيل: " الر " اسم للسورة، أي: هذه السورة المسماة: { الر تلك ~~آيات الكتاب المبين } والمراد ب " الكتاب ": القرآن، وأما ~~قوله: " المبين " فيحتمل أن يكون من بان، بمعنى: ظهر، أي: المبين ~~حلاله، وحرامه، وحدوده، وأحكامه قال قتادة رحمه الله : " المبين والله ~~بركته، وهداه ورشده ". # وقال الزجاج: " من أبان بمعنى: أظهر، أي: أبان الحق من الباطل، ~~والحلال من الحرام، وقصص الأولين والآخرين ". ويحتمل أن يكون من البينونة ~~بمعنى: التفريق، أي: فرق بين الحق والباطل، والحلال والحرام. # قوله تعالى: { إنآ أنزلناه قرآنا عربيا } يعنى: ~~الكتاب، في نصب: " قرآنا " ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون بدلا من ضمير " أنزلناه " أو حالا موطئة منه، ~~والضمير في: " أنزلناه " على هذين القولين يعود على الكتاب، وقيل: " ~~قرآنا " مفعول به، والضمير في " أنزلناه " ضمير المصدر، و " ~~عربيا " نعت للقرآن، وجوز أبو البقاء: أن يكون حالا من الضمير في: " ~~قرآنا " إذا تحمل ضميرا، يعنى: إذا جعلناه حالا مؤولا بمشتق، ~~أي: أنزلناه مجتمعا في حال كونه عربيا, # والعربي منسوب إلى العرب؛ لأنه نزل بلغتهم، وواحد العرب: عربي، ~~كما أن واحد الروم: رومي، أي: أنزلناه بلغتكم، لكي تعلموا ~~معانيه، وتفهموا ما فيه، و " عربة " بفتح الراء ناحية دار ~~إسماعيل عليه السلام قال الشاعر: [الطويل] # 3043 وعربة أرض ما يحل حرامها # من الناس إلا اللوذعي الحلاحل # سكن راءها ضرورة؛ فيجوز أن يكون العربي منسوبا إلى هذه البقعة. # فصل # احتج الجبائي بهذه الآية: على كون القرآن مخلوقا، لقوله تعالى: { ~~إنآ أنزلناه } والقديم لا يجوز إنزاله ms4905 وتحويله من حال إلى ~~حال؛ ولأنه تعالى وصفه بكونه: " عربيا " والقديم لا يكون ~~عربيا؛ ولأن قوله تعالى { إنآ أنزلناه قرآنا ~~عربيا } يدل على أنه سبحانه وتعالى قادر على أن ينزله لا ~~عربيا؛ ولأن قوله: { تلك آيات الكتاب المبين } يدل ~~على أنه مركب من الآيات والكلمات، والمركب محدث. # قال ابن الخطيب: " والجواب عن هذه الوجوه أن نقول: المركب من الحروف ~~والكلمات محدث، وذلك لا نزاع فيه، إنما الذي ندعي قدمه شيء آخر، ~~فسقط هذا الاستدلال ". # قوله: { لعلكم تعقلون }: قال الجبائي: " كلمة " لعل " ~~نحملها على اللام، والتقدير: إنا أنزلناه قرآنا عربيا لتعقلوا ~~معانيه في أمر الدين، إذ لايجوز أن يراد ب " لعلكم تعقلون ": ~~الشك؛ لأنه على الله تعالى محال، فثبت أن المراد: لكي تعرفوا ~~الأدلة، وذلك يدل على أنه سبحانه وتعالى أراد من كل العباد ~~أن يعقلوا توحيده، وأمر دينه، من عرف منهم، ومن لم يعرف ". # قال ابن الخطيب: " والجواب: هب أن الأمر كما ذكرتم، إلا ~~أنه يدل على أنه تعالى أنزل هذه السورة وأراد منهم معرفة ~~كيفية هذه القصة، لكن لم قلتم: إنها تدل على أنه تعالى ~~أراد من الكل الإيمان والعمل الصالح "؟. ### || [12.3-6] # قوله تعالى: { نحن نقص عليك أحسن القصص } الآية. # { نحن نقص }: مبتدأ وخبر، والقاص: الذي يتتبع الآثار ويأتي ~~بالخبر على وجهه، قال تعالى: # وقالت لأخته قصيه # [القصص:11]، أي: أتبعي أثره، # فارتدا على آثارهما قصصا # [الكهف:64]، أي اتباعا، وسميت الحكاية قصصا؛ لأن الذي يقص ~~الحديث، يذكر تلك القصة شيئا فشيئا، كما يقال: تلا القرآن إذا ~~قرأه؛ لأنه يتلو، أي: يتبع ما حفظ منه آية بعد آية، والمعنى: ~~نبين لك أخبار الأمم السالفة، والقرون الماضية. # روى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: لما أن نزل ~~القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاه عليهم زمانا، ~~فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لو حدثتنا فأنزل ~~الله عز وجل ذكره # الله نزل أحسن الحديث # [الزمر:23] فقالوا: يا رسول الله، لو ذكرتنا، فأنزل الله عز وجل ~~ # ألم يأن ms4906 للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر ~~الله # [الحديد:16]. # قوله: { أحسن القصص } في انتصابه وجهان: # أحدهما: أن يكون منصوبا على المفعول به، وذلك إذا جعلت القصص ~~مصدرا واقعا موقع المفعول، كالخلق بمعنى: المخلوق، أو جعلته فعلا ~~بمعنى: مفعول، كالقبض، والنقض بمعنى: المقبوض، والمنقوض، ~~أي: نقص عليك أحسن الأشياء المقتصة، فيكون معنى قوله: { أحسن ~~القصص }: لما فيه من العبرة، والنكتة، والحكمة، والعجائب التي ~~ليست في غيرها. # فإحدى الفوائد في هذه القصة: أنه لا دافع لقضاء الله، ولا مانع من قدر ~~الله، وأنه تعالى إذا قضى لإنسان بخير؛ فلو اجتمع العالم، لم ~~يقدروا على دفعه. # والفائدة الثانية: أنها تدل على أن الحسد سبب الخذلان، ~~والنقصان. # والفائدة الثالثة: أن الصبر مفتاح الفرج، كما في حق يعقوب عليه ~~الصلاة والسلام؛ فإنه لما صبر، نال مقصوده، وكذلك يوسف صلوات الله ~~وسلامه عليه . # والوجه الثاني: أن يكون منصوبا على المصدر المبين، إذا جعلت القصص ~~مصدرا غير مراد به المفعول، ويكون المقصوص على هذا محذوفا، أي: ~~نقص عليك أحسن الاقتصاص. # وعلى هذا؛ فالحسن يعود إلى حسن البيان، لا إلى القصة، والمراد بهذا ~~الحسن: كون هذه الألفاظ فصيحة بالغة في الفصاحة إلى حد الإعجاز، ألا ~~ترى أن هذه القصة مذكورة في كتب التواريخ، مع أن شيئا منها لا ~~يشبه هذه السورة في الفصاحة، والبلاغة. # و " أحسن ": يجوز أن يكون: أفعل تفضيل على بابها، وأن يكون لمجرد ~~الوصف بالحسن، وتكون من باب إضافة الصفة لموصوفها، أي: القصص الحسن. # قال العلماء رضي الله عنهم : ذكر الله أقاصيص الأنبياء في القرآن، ~~وكررها بمعنى واحد، في وجوه مختلفة، بألفاظ متباينة على درجات ~~المبالغة، وقد ذكر قصة يوسف عليه الصلاة والسلام ولم يكررها؛ فلم ~~يقدر مخالف على معارضة ما تكرر، ولا على معارضة غير المتكرر. # فصل # قال القرطبي: وذكر العلماء لكون هذه القصة أحسن القصص ~~وجوها: # أحدها: أنه ليست قصة في القرآن تتضمن من العبر والحكم، ما تتضمن هذه ~~القصة؛ لقوله تعالى في آخرها # لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب # [يوسف:111]. # وثانيها: لحسن ms4907 مجاوزة يوسف إخوته، وصبره على أذاهم، وعفوه عنهم بعد ~~التقائهم عن ذكر فعلهم،وكرمه في العفو عنهم، حتى قال: # لا تثريب عليكم اليوم # [يوسف:92]. # وثالثها: أن فيها ذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والصالحين، ~~والملائكة، والجن، والشياطين، والإنس، والطير، وسير الملوك، ~~والمماليك، والتجار، والعلماء، والجهال، والرجال، والنساء ~~وحيلهن ومكرهن، وذكر التوحيد، والفقه، والسير، وتعبير ~~الرؤيا، والسياسة، والمعاشرة، وتدبير المعاش، وجمل الفوائد ~~تصلح للدين والدنيا. # ورابعها: أن فيها ذكر الحبيب، والمحبوب، وسيرهما. # وخامسها: أن " أحسن " هنا بمعنى: أعجب. # وسادسها: سميت أحسن القصص؛ لأن كل من ذكر فيها كان مآله إلى ~~السعادة، وانظر إلى يوسف، وأبيه وإخوته، وامرأة العزيز، قيل: والملك ~~أيضا أسلم بيوسف، وحسن إسلامه، ومستعبر الرؤيا، والساقي، والشاهد ~~فيما يقال، فما كان أمر الجميع إلا إلى خير، والله تعالى أعلم. # قوله: { بمآ أوحينآ إليك } " الباء سببية " ، وهي متعلقة ~~ب " نقص " و " ما " مصدرية، أي: بسبب إيحائنا. # قوله: { هذا القرآن } يجوز فيه وجهان: # أظهرهما: أن ينتصب على المفعولية ب " أوحينا ". # والثاني: أن تكون المسألة من باب التنازع، أعني: بين " نقص " وبين ~~" أوحينا " فإن كلا منهما يطلب " هذا القرآن " وتكون المسألة من ~~إعمال الثاني، وهذا إنما يتأتى على جعلنا " أحسن ": منصوبا على ~~المصدر، ولم يقدر ل " نقص " مفعولا محذوفا. # قوله: { وإن كنت من قبله لمن الغافلين } [يوسف:3] ~~تقدم إعراب نظيره، والمعنى: قد كنت من قبله، أي: من قبل وحينا، لمن ~~الغافلين، أي: لمن الساهين عن هذه القصة لا تعلمها. # وقيل: لمن الغافلين: عن الدين والشريعة قبل ذلك، كقوله تعالى : # ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان # [الشورى:52]. # قال بعض المفسرين: سمى قصة يوسف خاصة أحسن القصص؛ لما فيها من ~~العبر، والحكم، والنكت، والفوائد التي تصلح للدين والدنيا، من ~~سير الملوك، والمماليك، والعلماء، ومكر النساء، والصبر على أذى ~~الأعداء، وحسن التجاوز عنهم بعد الالتقاء، وغير ذلك من الفوائد. # قال خالد بن معدان: " سورة يوسف، وسورة مريم يتفكه بهما أهل الجنة ~~في الجنة ". # وقال عطاء رحمه الله : " لا يسمع سورة يوسف محزون إلا استراح ~~لها ". # قوله ms4908 تعالى: { إذ قال يوسف لأبيه } الآية. # روي أن علماء اليهود قالوا لكبراء المشركين: سلوا محمدا لم انتقل ~~يعقوب من الشام إلى مصر؟ وعن كيفية قصة يوسف؟ فأنزل الله تعالى ~~هذه السورة. # وفي العامل في " إذ " أوجه: # أظهرها: أنه منصوب ب " قال يا بني " أي: قال يعقوب: يا بني وقت ~~قول يوسف له: كيت وكيت، وهذا أسهل الوجوه؛ إذ فيه إبقاء " إذ " ~~كونها ظرفا ماضيا. # وقيل: الناصب له: " الغالفين " قاله مكي. # وقيل: هو منصوب ب " نقص " أي: نقص عليك وقت قوله كيت ~~وكيت، وهذا فيه [إخراج] " إذ " عن المضي، وعن الظرفية، وإن ~~قدرت المفعول محذوفا، أي: نقص عليك الحال وقت قوله، لزم إخراجها عن ~~المضي. # وقيل: هو منصوب بمضمر، أي: اذكر. # وقيل: هو منصوب على أنه بدل من " أحسن القصص " بدل اشتمال. # قال الزمخشري: " لأن الوقت يشتمل على القصص وهو المقصوص " و " يوسف ~~" اسم عبراني، ولذلك لا ينصرف، وقيل: هو عربي، فقال الزمخشري: " ~~الصحيح أنه اسم عبراني؛ لأنه لو كان عربيا، لانصرف " وسئل أبو الحسن ~~الأقطع عن الأسف فقال: " الأسف في اللغة: الحزن، والأسف: العبد، ~~واجتمعا في يوسف؛ فسمي بهما ". # روي ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، يوسف بن ~~يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ~~". # قوله: " يا أبت " قرأ ابن عامر: بفتح التاء، والباقون بكسرها، وهذه ~~التاء عوض عن ياء المتكلم؛ ولذلك لا يجوز الجمع بينهما. # وهذا مختص بلفظتين: يا أبت ويا أمت، ولا يجوز في غيرهما من ~~الأسماء، لو قلت: " يا صاحبت " لم يجز ألبتة؛ كما اختصت لفظة ~~الأم والعم بحكم في نحو: " يا ابن أم " ويجوز الجمع بين هذه التاء، ~~وبين كل من الياء والألف ضرورة؛ كقوله: [الرجز] # 3044 يا أبتا علك أو عساكا # وقول الآخر: [المتقارب] # 3045 أيا أبتا لا تزل عندنا # فإنا نخاف بأن تخترم # وقول الآخر: [الطويل] # 3046 أيا أبتي لا زلت فينا فإنما # لنا أمل في العيش ما دمت عائشا # وكلام ms4909 الزمخشري يؤذن بأن الجمع بين التاء والألف ليس ضرورة؛ ~~فإنه قال: " فإن قلت: فما هذه الكسرة؟ قلت: هي الكسرة التي ~~كانت قبل الياء في قولك: " يا أبي " قد زحلقت إلى التاء؛ لاقتضاء ~~تاء التأنيث أن يكون ما قبلها مفتوحا. # فإن قلت: فما بال الكسرة لم تسقط بالفتحة التي اقتضتها ~~التاء، وتبقى التاء ساكنة؟. # قلت: امتنع ذلك فيها؛ لأنها اسم، والأسماء حقها التحريك؛ لأصالتها ~~في الإعراب، وإنما جاز تسكين الياء، وأصلها أن تحرك تخفيفا؛ لأنها ~~حرف لين، وأما التاء، فحرف صحيح، نحو كاف الضمير؛ فلزم تحريكها. # فإن قلت: يشبه الجمع بين هذه التاء وبين هذه الكسرة الجمع بين العوض ~~والمعوض منه؛ لأنها في حكم الياء، إذا قلت: يا غلام، فكما لا ~~يجوز: " يا أبتي " لا يجوز " يا أبت " قلت: الياء والكسرة قبلها ~~شيئان، والتاء عوض من أحد الشيئين، وهو الياء، والكسرة متعرض لها؛ ~~فلا يجمع بين العوض والمعوض منه، إلا إذا جمع بين التاء والياء ~~لاغير؛ ألا ترى إلى قولهم: " يا أبتا " مع كون الألف فيه بدلا من ~~الياء، كيف جاز الجمع بينها وبين التاء، ولم يعد ذلك جمعا بين العوض ~~والمعوض منه؟ فالكسرة أبعد من ذلك. # فإن قلت: قد دلت الكسرة في " يا غلام " على الإضافة؛ لأنها قرينة ~~الياء ولصيقتها، فإن دلت على مثل ذلك في: " يا أبت " فالتاء ~~المعوضة لغو، وجودها كعدمها. # قلت: [بل] حالها مع التاء كحالها مع الياء إذا قلت: " يا أبي ". # وكذا عبارة أبي حيان، فإنه قال: وهذه التاء عوض من ياء الإضافة ~~فلا تجتمعان، وتجامع الألف التي هي بدل من التاء، كما قال: [الرجز] # 3047 يا أبتا علك أو عساكا # وفيه نظر؛ من حيث إن الألف كالتاء لكونها بدلا منها، فينبغي أن لا يجمع ~~بينهما، وهذا تاء أصلها للتأنيث. # قال الزمخشري: " فإن قلت: ما هذه التاء؟ قلت: تاء التأنيث وقعت ~~عوضا من ياء الإضافة، والدليل على أنها تاء التأنيث: قلبها هاء ~~في الوقف ". # قال شهاب الدين: وما ذكره من كونها تقلب هاء في الوقف، قرأ ms4910 به ابن ~~كثير، وابن عامر، والباقون وقفوا عليها بالتاء، كأنهم أجروها مجرى ~~تاء الإلحاق في " بنت وأخت " وممن نص على كونها للتأنيث: سيبويه؛ ~~فإنه قال: " سألت الخليل عن التاء في: " يا أبت " فقال: هي ~~بمنزلة التاء في تاء " يا خالة وعمة " يعنى: أنها للتأنيث " ~~ويدل أيضا على كونها للتأنيث: كتبهم إياها هاء، وقياس من وقف ~~بالتاء: أن يكبها تاء، ك " بنت وأخت ". # ثم قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جاز إلحاق تاء التأنيث بالمذكر؟. # قلت: كما جاز نحو قولك: حمامة ذكر، وشاة ذكر، ورجل ربعة، وغلام يفعة ~~قلت: يعني: أنها جيء بها لمجرد تأنيث اللفظ، كما في الأسماء المستشهد ~~بها. # ثم قال الزمخشري: " فإن قلت: فلم ساغ تعويض تاء التأنيث من ياء ~~الإضافة؟. # قلت: لأن التأنيث والإضافة تناسبان؛ في أن كل واحدة منهما زيادة ~~مضمومة إلى الاسم في آخره ". # قال شهاب الدين: " وهذا قياس بعيد لا يعمل به عند الحذاق، فإنه ~~يسمى الشبه الطردي، أي: أنه شبه في الصورة ". # وقال الزمخشري: إنه قرىء " يا أبت " بالحركات الثلاث: # فأما الفتح والكسر فقد تقدم ذكر من قرأ بهما. # وأما الضم فغريب جدا وهو يشبه من يبني المنادى المضاف لياء المتكلم ~~على الضم؛ كقراءة من قرأ: # قال رب احكم بالحق # [الأنبياء:112] بضم الباء، وسيأتي توجيهها هناك إن شاء الله تعالى ~~ولما قلنا: إنه مضاف للياء، ولم نجعله مفردا من غير إضافة. وقد ~~تقدم توجيه كسر هذه التاء بما ذكره الزمخشري من كونها هي الكسرة ~~التي قبل الياء زحلقت إلى التاء وهذا أحد المذهبين. # والمذهب الآخر: أنها كسرة أجنبية، جيء بها لتدل على الياء ~~المعوض منها. فأما الفتح ففيه أربعة أوجه، ذكر الفارسي منها وجهين: # أحدهما: أنه اجتزأ بالفتحة عن الألف المنقلبة عن الياء؛ كما اجتزأ ~~عنها الآخر بقوله: [الوافر] # 3048 ولست براجع ما فات مني # بلهف ولا بليت ولا لوني # وكما اجتزأ بها في: " يا بن أم " و " يا بن عم ". # والثاني: أنه رخم بحذف التاء، ثم أقحمت التاء مفتوحة؛ كقول النابغة ~~الجعدي: [الطويل] ms4911 # 3049 كليني لهم يا أميمة ناصب # وليل أقاسيه بطيء الكواكب # بفتح تاء أميمة. # الثالث: ما ذكره الفراء، وأبو عبيدة، وأبو حاتم، وقطرب في أحد قوليه: ~~وهو أن الألف في: " يا أبتا " للندبة، ثم حذفها مجتزئا عنها ~~بالفتحة، وهذا قد ينفع في الجواب بين العوض والمعوض منه، ورد بعضهم هذا؛ ~~بأن الموضع ليس موضع ندبة. # الرابع: أن الأصل " يا أبة " بالتنوين، فحذف التنوين، لأن النداء ~~باب حذف، وإلى هذا ذهب قطرب في القول الثاني. # ورد هذا: بأن التنوين لا يحذف من المنادى المنصوب نحو: " يا ~~ضاربا رجلا ". # وقرأ أبو جعفر: " يا أبي " بالياء ولم يعوض منها التاء، وقرأ الحسن، ~~والحسين، وطلحة بن سليمان، رضي الله عنهم " أحد عشر " بسكون ~~العين؛ كأنهم قصدوا التنبيه بهذا التخفيف على أن الاسمين جعلا ~~اسما واحدا. # قوله { والشمس والقمر } يجوز فيه وجهان: # أحدهما: أن تكون الواو عاطفة، وحينئذ: يحتمل أن يكون من باب ذكر ~~الخاص بعد ذكر العام تفصيلا له؛ لأن الشمس والقمر دخلا في قوله: { ~~أحد عشر كوكبا } فهذا كقوله: # وجبريل وميكال # [البقرة:98] بعد قوله: " وملائكته " ويحتمل أن لا تكون كذلك، وتكون ~~الواو لعطف المغايرة؛ فيكون قد رأى الشمس والقمر زيادة على ال " أحد ~~عشر " ومن جملتها الشمس والقمر، وهذان الاحتمالان نقلهما الزمخشري. # والوجه الثاني: أن تكون الواو بمعنى: " مع " إلا أنه مرجوح؛ لأنه ~~متى أمكن العطف من غير ضعف، ولا أخلال بمعنى، رجح على المعية؛ وعلى ~~هذا فيكون كالوجه الذي قبله، بمعنى: أنه رأى الشمس، والقمر زيادة على ~~الأحد عشر كوكبا. # قوله: { رأيتهم لي ساجدين } يحتمل وجهين: # أحدهما: أنها جملة كررت للتوكيد؛ لما طال الفصل بالمفاعيل، كما ~~كررت " أنكم " في قوله تعالى: # أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم ~~مخرجون # [المؤمنون:35]. كذا قاله أبو حيان، وسيأتي تحقيقه إن شاء الله ~~تعالى . # والثاني: أنه ليس [بتأكيد]، وإليه نحا الزمخشري؛ فإنه قال: " فإن قلت: ~~ما معنى تكرار " رأيتهم "؟ قلت: ليس بتكرار؛ إنما هو كلام ~~مستأنف على تقدير سؤال وقع جوابا له؛ كأن يعقوب عليه الصلاة ~~والسلام ms4912 قال له عند قوله: { إني رأيت أحد عشر كوكبا ~~والشمس والقمر } كيف رأيتها؟ سائلا عن حال رؤيتها، فقال: ~~(رأيتهم لي ساجدين) وهذا أظهر؛ لأنه متى دار الكلام بين الحمل على ~~التأكيد والتأسيس، فحمله على التأسيس أولى ". # و " ساجدين ": صفة جمع جمع العقلاء، فقيل: لأنه لما عاملهم ~~معاملة العقلاء في إسناد فعلهم إليهم، جمعهم جمع العقلاء، لأن الشيء قد ~~يعامل معالمة شيء آخر، إذا شاركه في صفة ما؛ كما قال في صفة الأصنام: # وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون # [الأعراف:198]، وكقوله عز وجل: # يأيها النمل ادخلوا مساكنكم # [النمل:18]. # والرؤية هنا: منامية، وقد تقدم أنها تنصب مفعولين؛ كالعلمية؛ ~~وعلى هذا قد حذف المعفول الثاني من قوله: { رأيت أحد عشر ~~كوكبا } ، ولكن حذفه اقتصارا ممتنع، فلم يبق إلا اختصارا، وهو ~~قليل، أو ممتنع عند بعضهم. # وقال بعضهم: إن إحداهما من الرؤية، والأخرى من الرؤيا. # قال القفال: ذكر الرؤية الأولى؛ ليدل على أنه شاهد الكواكب، ~~والشمس والقمر، والثانية؛ ليدل لا على مشاهدة كونها ساجدة له. # فصل # ذكر المفسرون: أن يوسف عليه السلام رأى في المنام أحد عشر كوكبا، ~~والشمس والقمر يسجدون له، كان له أحد عشر من الإخوة يستضاء بهم؛ كما ~~يستضاء بالنجوم، ففسر الكواكب: بالإخوة، والشمس والقمر: بالأب ~~والأم، والسجود: بتواضعهم له، ودخولهم تحت أمره، وإنما حملنا الرؤية ~~على رؤية المنام؛ لأن الكواكب لا تسجد في الحقيقة، ولقول يعقوب عليه ~~الصلاة والسلام : { لا تقصص رؤياك على إخوتك }. # وقال السدي: " القمر: خالته، والشمس: أبوه؛ لأن أمه راحيل كانت ~~قد ماتت ". # وقال ابن جريج: القمر: أبوه، والشمس أمه؛ لأن الشمس مؤنثة، ~~والقمر مذكر. # وقال وهب بن منبه رضي الله عنه : " إن يوسف عليه الصلاة ~~والسلام رأى وهو ابن سبع سنين، إحدى عشرة عصا طوالا كانت مركوزة في ~~الأرض كهيئة الدائرة، وإذا عصا صغيرة وثبت عليها حتى اقتلعتها، فذكر ~~ذلك لأبيه؛ فقال: إياك أن تذكر هذا لإخوتك، ثم رأى وهو ابن اثنتي ~~عشرة سنة، الشمس، والقمر والكواكب، تسجد له؛ فقصها على أبيه؛ فقال: ~~لا تذكرها له ms4913 فيكيدوا لك كيدا ". # روى الزمخشري: رحمه الله : # " أن يهوديا جاء إلى النبي صلى الله عليه سولم، فقال يا محمد: ~~أخبرني عن النجوم التي رآهن يوسف، فسكت النبي عليه الصلاة والسلام ~~؛ فنزل جبريل عليه السلام فأخبره بذلك؛ فقال عليه الصلاة والسلام ~~ لليهودي:إن أخبرتك بذلك هل تسلم؟ قال: نعم؛ فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم وشرف وكرم ومجد وبجل وعظم: حرثان، والطارق والذيال، وقابس، ~~وعمودان، والفليق، والمصبح، والقرع، والضروح ووثاب، وذو الكتفين رآها ~~يوسف، والشمس والقمر [نزلن] من السماء، وسجدن له، فقال اليهودي: ~~أي والله إنها لأسماؤها ". # واعلم أن كثيرا من هذه الأسماء غير مذكورة في الكتب المصنفة في صور ~~الكواكب. # فصل # زعمت طائفة من العلماء: أنه لم يكن في أولاد يعقوب نبي غير يوسف ~~عليه الصلاة والسلام وباقي إخوته لم يوح إليهم، واستدلوا بظاهر ما ~~ذكر من أفعالهم، وأحوالهم في هذه القصة، ومن استدل على نبوتهم، ~~استدل بقوله تعالى : # آمنا بالله ومآ أنزل إلينا ومآ أنزل إلى ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط # [البقرة:136] وزعم أن هؤلاء: هم الأسباط، وهذا استدلال ضعيف؛ لأن ~~المراد بالأسباط: شعوب بني إسرائيل، ما كان يوجد فيهم من الأنبياء الذين ~~نزل عليهم الوحي، وأيضا: فإن يوسف عليه الصلاة والسلام هو ~~المخصوص من بين إخوته بالنبوة والرسالة؛ لأنه نص على نبوته، ~~والإيحاء إليه في آيات من القرآن ولم ينص على أحد إخوته سواه؛ فدل ~~على ما ذكرنا. # فصل # في الآية دليل على تحذير المسلم أخاه المسلم، ولا يكون ذلك داخلا في ~~معنى الغيبة؛ لأن يعقوب قد حذر يوسف أن يقص رؤياه على إخوته؛ ~~فيكيدوا له كيدا، وفيها أيضا: دليل على جواز ترك إظهار النعمة ~~عند من يخشى غائلته حسدا، وفيها أيضا: دليل على معرفة يعقوب عليه ~~الصلاة والسلام بتأويل الرؤيا؛ فإنه علم من تأويلها: أنه سيظهر ~~عليهم. # قوله { يبني لا تقصص } قرأ حفص: " يا بني " بفتح الياء، ~~والباقون بكسرها، وقرأ العامة: بفك الصادين، و هي لغة الحجاز، وقرأ زيد ~~بن علي: بصاد واحدة مشددة، والإدغام لغة تميم، وقد ms4914 تقدم تحقيق هذا في ~~المائدة، عند قوله: # من يرتد منكم # [المائدة:54] والرؤيا مصدر كالبقيا. # وقال الزمخشري: " الرؤيا بمعنى: الرؤية، إلا أنها مختصة بما ~~كان في النوم دون اليقظة، فرق بينهما بحرفي التأنيث؛ كما قيل: ~~القربة والقربى ". # وقرأ العامة: " الرؤيا " مهموزة من غير إمالة، وقرأها الكسائي في ~~رواية الدوري عنه بالإمالة: وأما (الرؤيا) [يوسف:100]: و " رؤياي ~~" الاثنتان في هذه السورة، فأمالهما الكسائي من غير خلاف في المشهور، ~~وأبو عمرو يبدل هذه الهمزة واوا في طريق السوسي. # وقال الزمخشري: وسمع الكسائي: " رياي ورياك " بالادغام، وضم ~~الراء، وكسرها، وهي ضعيفة؛ لأن الواو في تقدير الهمزة؛ فلم يقو ~~إدغامها؛ كما لم يقو إدغام " اتزر " من الإزار، و " اتجر " من " ~~الأجر ". # يعنى: أن العارض لا يعتد به، وهذا هو الغالب، وقد اعتد القراء ~~بالعارض في مواضع يأتي بعضها إن شاء الله تعالى نحو قوله: " رئيا ~~" في قوله: # أحسن أثاثا ورءيا # [مريم:74] عند حمزة، و # عادا الأولى # [النجم:50] وأما كسر " رياك " فلئلا يؤدي إلى ياء ساكنة بعد ~~ضمة، وأما الضم فهو الأصل، والياء قد استهلكت بالإدغام. # قوله " فيكيدوا ": منصوب في جواب النهي، وهو في تقدير شرط ~~وجزاء، وذلك قدره الزمخشري بقوله: " إن قصصتها عليهم كادوك ~~". # و " كيدا " فيه وجهان: # أظهرهما: أنه مصدر مؤكد، وعلى هذا ففي اللام في قوله: " لك " خمسة ~~أوجه: # أحدها: أن يكون " يكيد " ضمن معنى ما يتعدى باللام؛ لأنه في ~~الأصل يتعدى بنفسه، وقال: # فكيدوني جميعا # [هود:55] والتقدير: فيحتالوا لك بالكيد. # قال الزمخشري مقدرا لهذا الوجه: " فإن قلت: هلا قيل: " فيكيدوك " ~~كما قيل: فكيدوني [هود:55]؟. # قلت: ضمن معنى فعل يتعدى باللام؛ ليفيد معنى فعل الكيد مع ~~إفادة معنى الفعل المضمن، فيكون آكد وأبلغ في التخويف، وذلك نحو: ~~فيحتالوا لك؛ ألا ترى إلى تأكيده بالمصدر ". # الوجه الثاني من أوجه اللام: أن تكون اللام معدية، ويكون هذا الفعل ~~مما يعتدى بحرف الجر تارة، وبنفسه أخرى؛ ك " نصح " و " شكر ~~" كذا قاله أبو حيان، وفيه نظر؛ لأن ذلك باب لا ينقاس، إنما يقتصر ~~فيه على ما ms4915 ذكره النحاة، ولم يذكروا منه كاد. # والثالث: أن تكون اللام زائدة في المفعول به؛ كزيادتها في قوله: # ردف لكم # [النمل:72]، قاله أبو البقاء؛ وهو ضعيف؛ لأن اللام لا تزاد إلا بأحد ~~شرطين: تقديم المعمول، أو كون العامل فرعا. # الرابع: أن تكون اللام للعلة، أي: فيكيدوا لأجلك؛ وعلى هذا ~~فالمفعول محذوف اقتصارا، أو اختصارا. # الخامس: أن تتعلق بمحذوف؛ لأنها حال من " كيدا " إذ هي في ~~الأصل يجوز أن تكون صفة له لو تأخرت. # الوجه الثاني من وجهي " كيدا ": أن يكون مفعولا به، أي: فيصنعوا لك ~~كيدا، أي: أمرا يكيدونك به، وهو مصدر في موضع الاسم، ومنه: # فأجمعوا كيدكم # [طه:64]، أي: ما تكيدون به؛ ذكره أبو البقاء، وعلى هذا ففي اللام ~~في: " لك " وجهان فقط: كونها صفة في الأصل، ثم صارت حالا، أو هي ~~للعلة، وأما الثلاثة الباقية، فلا تتأتى بعد، فامتناعها واضح. # ثم قال: { إن الشيطان للإنسان عدو مبين } أي: ~~يزين لهم الشيطان، ويحملهم على الكيد بعداوته القديمة. # فصل # قال أبو سلمة: كنت أرى الرؤيا تهمني، حتى سمعت أبا قتادة يقول: ~~كنت أرى الرؤيا، فتمرضني، حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " الرؤيا الصالحة من الله، فإذا رأى أحدكم ما يحب، فلا ~~يحدث به إلا من يحب، وإذا رأى ما يكره، فلا يحدث به، ~~وليتفل عن يساره، وليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، من شر ما ~~رأى فإنها لن تضره " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " الرؤيا جزء من أربعين أو ستة وأربعين جزءا من النبوة، ~~وهي على رجل طائر فإذا حدث بها وقعت ". قال الراوي: وأحسبه قال: " ~~لاتحدث بها حبيبا، أو لبيبا ". # قال الحكماء: الرؤيا الرديئة يظهر تعبيرها عن قرب، والرؤيا ~~الجيدة، إنما يظهر تعبيرها بعد حين، قالوا: والسبب فيه أن رحمة ~~الله تقتضي ألا يحصل الإعلام بوصول الشر، إلا عند قرب وصوله حتى ~~يقل الحزن، والغم الحاصل بسبب توقعه، وأما الإعلام بالخير، ~~فإنه يحصل متقدما على ظهوره، بزمان طويل؛ حتى يكون السرور ~~الحاصل بسبب توقع حصوله كثيرا. # فصل # قال ms4916 القرطبي: " الرؤيا حالة شريفة، ومنزلة رفيعة، قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " لم يبق بعدي من المبشرات إلا الرؤيا الصالحة، يراها ~~[الرجل] الصالح، أو ترى له " # " وقال صلى الله عليه وسلم: [أصدقكم رؤيا، أصدقكم حديثا " # وحكم صلى الله عليه وسلم] بأنها جزء من ستة وأربعين جزءا من ~~النبوة وروي: من سبعين، وروي: من [تسعة] وأربعين، وروي: من ~~خمسين جزءا، وروي: من ستة وعشرين جزءا من النبوة، وروي: ~~من أربعين، والصحيح: حديث الست والأربعين، ويتلوه في الصحة حديث ~~السبعين. # فإن قيل: إن يوسف عليه الصلاة والسلام كان صغيرا، والصغير لا حكم ~~لفعله، فكيف يكون لرؤياه حكم، حتى يقول له أبو: { لا تقصص ~~رؤياك على إخوتك }. # فالجواب: أن الرؤيا إدراك حقيقة، فتكون من الصغير كما يكون منه ~~الإدراك الحقيقي في اليقظة، وإذا أخبر عما رأى في اليقظة، صدق؛ فكذلك ~~إذا أخبر عما رأى في المنام، وروي: أن يوسف عليه الصلاة والسلام ~~كان ابن اثنتي عشر سنة. # فصل # في الآية دليل على أن الرؤيا لا تقص على غير شقيق ولا ناصح، ولا ~~على امرىء لا يحسن التأويل فيها. # وروى الترمذي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " الرؤيا برجل طائر، ما لم يحدث بها صاحبها، فإذا حدث ~~بها، وقعت، فلا تحدثوا بها إلا عارفا، أو محبا، أو ناصحا ". # قوله { وكذلك يجتبيك ربك } الكاف في موضع نصب، أو رفع. # فالنصب إما على الحال من ضمير المصدر المقدر، وقد تقدم أنه رأي ~~سيبويه، وإما على النعت لمصدر محذوف، والمعنى: مثل ذلك الاجتباء العظيم ~~يجتبيك. # والرفع على أنه خبر ابتداء مضمر، يعني: الأمر كذلك، وقد تقدم نظيره. # قوله: { ويعلمك من تأويل الأحاديث } مستأنف ليس داخلا ~~في حيز التشبيه، والتقدير: وهو يعلمك، والأحاديث: جمع تكسير، فقيل: ~~لواحد ملفوظ به، وهو " حديث " ولكنه شذ جمعه على: أحاديث، وله ~~أخوات في الشذوذ؛ كأباطيل، وأقاطيع، وأعاريض، في " باطل وقطيع ~~وعروض ". # [وزعم] أبو زيد: " أن لها واحدا مقدرا، وهو " أحدوثة " ونحوه، وليس ~~باسم جمع؛ لأن هذه الصيغة مختصة بالتكسير، وإذا كانوا قد ms4917 التزموا ~~ذلك فيما لم يصرح له مفرد من لفظه، نحو: " شماطيط " ، و # أبابيل # [الفيل:3] ففي أحاديث أولى ". # ولهذا رد على الزمخشري قوله: " وهي اسم جمع للحديث، وليس بجمع أحدوثة ~~" بما ذكرنا، ولكن قوله: " ليس بجمع أحدوثة " صحيح؛ لأن مذهب الجمهور ~~خلافه، على أن كلامه قد يريد به غير ظاهره من قوله: " اسم جمع ". # فصل # قال الزجاج: الاجتباء مشتق من جببت الشيء: إذا أخلصته لنفسك، ومنه: ~~جببت الماء في الحوض، والمعنى: كما رفع منزلتك بهذه الرؤيا العظيمة ~~الدالة على الشرف والعز، كذلك يجتبيك ربك، ويصطفيك ربك ~~بالنبوة. # وقيل: بإعلاء الدرجة (ويعلمك من تأويل الأحاديث): يريد تعبير ~~الرؤيا، وسمي تأويلا؛ لأنه يئول أمره إلى ما رأى في منامه، ~~والتأويل: ما يئول إليه عاقبة الأمر، كان عليه الصلاة والسلام غاية ~~في علم التعبير. # وقيل: في تأويل الأحاديث في كتبه تعالى ، والأخبار المروية عن ~~الأنبياء المتقدمين عليهم الصلاة والسلام . # وقيل: الأحاديث: جمع " حديث " ، والحديث هو الحادث، وتأويلها: ~~مآلها ومآل الحوادث إلى قدرة الله تعالى ، وتكوينه، وحكمته، ~~والمراد من تأويل الأحاديث: كيفية الاستدلال بأصناف المخلوقات على قدرة ~~الله تعالى وحكمته، وجلاله. # قوله: { ويتم نعمته عليك } يجوز أن يتعلق " عليك " ب ~~" يتم " وأن يتعلق ب " نعمته " ، وكرر " على في قوله: " ~~وعلى آل " لتمكن العطف على الضمير المجرور، وهذا مذهب البصريين. # وقوله { من قبل } أي: من قبلك: واعلم: أن من فسر الاجتباء ~~بالنبوة، لا يمكنه أن يفسر إتمام النعمة ههنا بالنبوة، وإلا ~~لزم التكرار، بل يفسر إتمام النعمة ههنا: بسعادات الدنيا والآخرة. # أما سعادات الدنيا؛ فالإكثار من الولد، والخدم، والأتباع، والتوسع ~~في المال والجاه، والجلال في قلوب الخلق، وحسن الثناء والحمد، وأما ~~سعادات الآخرة، فالعلوم الكثيرة، والأخلاق الفاضلة. # وقيل: المراد من إتمام النعمة: خلاصته من المحن، ويكون وجه التشبيه ~~ب " إبراهيم وإسحاق عليهما الصلاة والسلام " وهو إنعام الله تعالى ~~ على إبراهيم بإنجائه من النار، وعلى ابنه إسحاق بتخليصه من الذبح. # وقيل: إن إتمام النعمة هو: وصل نعم الدنيا بنعم الآخرة؛ بأن ~~جعلهم في الدنيا أنبياء ملوكا، ونقلهم ms4918 عنها إلى الدرجات ~~العلى في الآخرة. # وقيل::إتمام النعمة على إبراهيم: خلته، وعلى إسحاق بإخراج يعقوب ~~والأسباط من صلبه. # ومن فسر الاجتباء: بالدرجات العالية؛ فسر إتمام النعمة: ~~بالنبوة؛ لأن الكمال المطلق، والتمام المطلق في حق البشر ليس ~~إلا النبوة، يدل عليه قوله تعالى: { وعلى آل يعقوب } ~~أي: على أولاده؛ لأن أولاده كلهم كانوا أنبياء، وقوله: { كمآ ~~أتمهآ على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق } ~~والنعمة التامة التي بها حصل امتياز إبراهيم وإسحاق من سائر الناس ~~ليس إلا النبوة؛ فوجب أن يكون المراد بإتمام النعمة: هو النبوة، وعلى ~~هذا فيلزم الحكم بأن أولاده يعقوب كلهم كانوا أنبياء؛ كقوله تعالى : ~~{ ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب }. # فإن قيل: كيف يجوز أن يكونوا أنبياء، وقد أقدموا على ما أقدموا عليه ~~في حق يوسف عليه السلام ؟. # فالجواب: أن ذلك وقع قبل النبوة، والعصمة، إنما تثبت في وقت ~~النبوة، لا قبلها. # قوله { إبراهيم وإسحاق } " يجوز أن يكونا بدلا من " ~~أبويك " أو عطف بيان، أو على إضمار أعني " ، ثم لما وعد عليه الصلاة ~~والسلام بهذه الدرجات الثلاث، ختم [الآية] بقوله: { إن ربك ~~عليم حكيم } فقوله " عليم " إشارة إلى قوله: # الله أعلم حيث يجعل رسالته # [الأنعام:124]، وقوله: " حكيم " إشارة إلى أنه مقدس عن العبث، فلا ~~يضع النبوة إلا في نفس قدسية. # فإن قيل: هذه البشارات التي ذكرها يعقوب هل كان قاطعا بصحتها، أم لا؟ ~~فإن كان قاطعا بصحتها، فكيف حزن على يوسف؟ وكيف جاز أن يشتبه عليه ~~أن الذئب أكله؟ وكيف خاف عليه من إخوته أن يهلكوه؟ وكيف قال لإخوته: # وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون # [يوسف:13] مع علمه بأن الله تعالى سينجيه، ويبعثه رسولا؟. # وإن قلت: إنه عليه الصلاة والسلام ما كان عالما بهذه الأحوال، فكيف ~~قطع بها؟ وكيف حكم بوقوعها جزما من غير تردد؟. # فالجواب قال ابن الخطيب: " لا يبعد أن يكون قوله: { وكذلك ~~يجتبيك ربك } مشروطا بألا يكيدوه؛ لأن ذكر ذلك قد تقدم، ~~وأيضا: فيبعد أن يقال: إنه عليه الصلاة والسلام سيصل إلى هذه ~~المناصب، ms4919 إلا أنه لا يمتنع أن يقع في المضايق الشديدة، ثم يتخلص منها، ~~أو يصل إلى تلك المناصب، وكان خوفه بهذا السبب، ويكون معنى قوله: # وأخاف أن يأكله الذئب # [يوسف:13] الزجز عن التهاون في حقه وإن كان يعلم أن الذئب لا يصل ~~إليه ". ### || [12.7-14] # قوله تعالى: { لقد كان في يوسف وإخوته } الآية. # قال الزمخشري: " أسماء إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام يهوذا ~~وروبيل، وشمعون، ولاوي، وزبالون، ويشجر، وأمهم: ليا بنت ليان، وهي ابنة ~~خال يعقوب، وولد له من سريتين تسمى إحداهما زلفة والأخرى بلهة أربعة ~~أولاد: دان، ونفتالي، وجاد وآشر، فلما توفيت " ليا " تزوج يعقوب أختها ~~راحيل، فولدت له يوسف وبنيامين ". # قوله تعالى { آيات } قرأ ابن كثير " آية " بالإفراد، والمراد بها: ~~الجنس، والباقون الجمع تصريحا بالمراد؛ لأنها كانت علامات كثيرة، وزعم ~~بعضهم: أن ثم معطوفا محذوفا، تقديره: للسائلين ولغيرهم، ولا حاجة ~~إليه، و " للسائلين ": متعلق بمحذوف نعتا ل " آيات ". # فصل # معنى: { آيات للسائلين } أنه عبرة للمعتبرين؛ فإنها تشتمل على ~~حسد إخوة يوسف، وما آل إليه أمرهم من الحسد، وتشتمل على صبر يوسف عن قضاء ~~الشهود، وعلى الرق والسجن، ما آل إليه أمره من الوصول إلى ~~المراد، وغير ذلك. # وقيل: { آيات للسائلين } ، أي دلالة على نبوة الرسول ~~صلوات الله وسلام عليه . # وقال ابن عباس رضي الله عنهما # " دخل حبر من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمع منه ~~[قراءة] سورة يوسف، فعاد إلى اليهود، فأعلمهم أنه سمع كما في ~~التوراة، فانطلق نفر منهم، فسمعوا كما سمع؛ فقالوا له: من علمك ~~هذه القصة؟ فقال عليه الصلاة والسلام : " الله علمني " # فنزلت: { لقد كان في يوسف وإخوته آيات ~~للسائلين }. # قال ابن الخطيب: " وهذا الوجه عندي بعيد؛ لأن المفهوم من الآية: أن في ~~واقعة يوسف عليه الصلاة والسلام آيات للسائلين، وعلى ما قلناه: ~~ما كانت الآيات في قصة يوسف، بل كانت في إخبار محمد صلى الله عليه ~~وسلم عنها، من تعلم ولا مطالعة. # الثاني: أن أكثر أهل مكة كانوا أقارب الرسول عليه الصلاة ~~والسلام ، وكانوا ms4920 ينكرون نبوته، ويظهرون العداوة الشديدة ~~معه بسبب الحسد، فذكر الله تعالى هذه القصة، وبين أن إخوة ~~يوسف بالغوا في إيذائه لأجل الحسد، وبالآخرة إن الله نصره، وقواه، ~~وجعلهم تحت يده، ومثل هذه الواقعة إذا سمعها العاقل، كانت زاجرة له عن ~~الإقدام على الحسد. # الثالث: أن يعقوب عليه الصلاة والسلام لما عبر رؤيا يوسف، وقع ~~ذلك التعبير، ودخل في الوجود بعد ثمانين سنة، فكذلك أن الله تعالى ~~ كما وعد محمدا صلى الله عليه وسلم بالنصر والظفر، كان الأمر كما ~~قدره الله تعالى لا كما سعى فيه الأعداء في إبطال أمره ". # قوله: { ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا } اللام في ~~" ليوسف ": لام الابتداء أفادت توكيدا لمضمون الجملة، وأرادوا أن ~~زيادة محبته لهما أمر ثابت لا شبهة فيه " وأخوه ": هو بنيامين، ~~وإنما قالوا: " وأخوه " وهم جميعا إخوة؛ لأن أمهما كانت ~~واحدة، و " أحب " أفعل تفضيل، وهو مبني من " حب " المبني ~~للمفعول، وهو شاذ، وإذا بنيت أفعل التفضيل، من مادة الحب ~~والبغض، تعدى إلى الفاعل المعنوي ب " إلى " وإلى المفعول المعنوي ب ~~" اللام " ، أو ب " في " فإذا قلت: زيد أحب إلي من بكر، تعني: ~~أنك تحب زيدا أكثر من بكر، فالمتكلم هو الفاعل، وكذلك: " هو أبغض ~~إلي منه " أنت المبغض، وإذا قلت: زيد أحب إلي من عمرو، أو ~~أحب في منه، أي: إن زيدا يحبني أكثر من عمرو؛ قال امرؤ ~~القيس: [الطويل] # 3050 لعمري لسعد حيث حلت دياره # أحب إلينا منك فافرس حمر # وعلى هذا جاءت الآية الكريمة؛ فإن الأب هو فاعل المحبة. # و " أحب ": خير المبتدأ، وإنما لم يطابق؛ لما عرفت من حكم أفعل ~~التفضيل. # وقيل: اللام في: " ليوسف ": جواب القسم، تقديره: والله ليوسف ~~وأخوه، والواو في: " ونحن عصبة ": للحال، فالجملة بعدها في ~~محل نصب على الحال، والعامة على رفع " عصبة " خبرا ل " نحن ". # وقرأ أمير المؤمنين رضي الله عنه بنصبها على أن الخبر محذوف، ~~والتقدير: ونحن نرى أو نجتمع، فتكون " عصبة " حالا، إلا أنه قليل ~~جدا؛ وذلك لأن الحال لا يسد مسد ms4921 الخبر إلا بشروط ذكرها ~~النحاة، نحو: ضربي زيدا قائما، وأكثر شربي السويق ملتوتا. # قال ابن الأنباري: " هذا كما تقول العرب: إنما العامري ~~عمته، أي: يتعمم عمته ". # قال أبو حيان: " وليس مثله؛ لأن " عصبة " ليس بمصدر ولا هيئة، ~~فالأجود أن يكون من باب: حكمك مسمطا ". # قال شهاب الدين: " ليس مراد ابن الأنباري إلا التشبيه؛ من حيث إنه ~~حذف الخبر، وسد شيء آخر مسده في غير المواضع المنقاس فيها ذلك، ~~ولا نظر لكون المنصوب مصدرا أو غيره ". # وقال المبرد: هو من باب: " حكمك مسمطا " أي: لك حكمك مسمطا، ~~قال الفرزدق: # 3051 يا لهذم حكمك مسمطا # أراد لك حكمك مسمطا. # قال: واستعمل هذا فكثر حتى حذف استخفافا؛ لعلم ما يريد القائل؛ ~~كقولك: الهلال والله، أي: هذا الهلال، والمسمط: المرسل غير المردود ~~وقدره غير المبرد: حكمك ثبت مسمطا،وفي هذا المثال نظر؛ لأن ~~النحويين يجعلون من شرط سد الحال مسد الخير: أن لا يصلح جعل ~~الحال خبرا لذلك المبتدأ، نحو: ضربي زيدا قائما، بخلاف: " ضربي ~~زيدا شديد " فإنها ترفع على الخبرية، وتخرج المسألة من ذلك، وهذه ~~الحال، أعني: " مسمطا " يصلح جعلها خبرا للمبتدأ، إذ التقدير: حكم ~~مرسل لا مردود، فيكون هذا المثل على ما تقرر من كلامهم شاذا. # والعصبة: ما زاد على العشرة، عن ابن عباس رضي الله عنهما ؛ ~~وعنه: مابين العشرة إلى الأربعين. # وقيل: الثلاثة نفر، فإذا زادت على ذلك إلى تسعة؛ فهو رهط، فإذا بلغوا ~~العشرة فصاعدا، فعصبة. # وقيل: مابين الواحد إلى العشرة. # وقيل: من عشرة إلى خمسة عشر. # وقيل: ستة. وقيل: سبعة. والمادة تدل على الإحاطة من العصابة؛ ~~لإحاطتها بالرأس. # فصل # بينوا السبب الذي لأجله قصدوا إيذاء يوسف: وهو أن يعقوب عليه ~~الصلاة والسلام كان يفضل يوسف وأخاه على سائر أولاده في الحب، ~~فتأذوا منه لوجوه: # أحدها: كانوا أكبر منه سنا. # وثانيها: أنهم كانوا أكثر قوة، وأكثر قياما بمصالح الأب منهما. # وثالثها: أنهم القائمون بدفع المضار والآفات، والمشتغلون بتحصيل ~~المنافع والخيرات، وإذا كانوا كذلك لا جرم قالوا: { إن أبانا ~~لفي ضلال مبين ms4922 }. # قال ابن الخطيب: " وها هنا سؤالات: # السؤال الأول: أن من المعلوم أن تفضيل بعض الأولاد على بعض، يورث ~~الحقد والحسد، وهما يورثان الآفات، فلما كان يعقوب عليه الصلاة ~~والسلام عالما بذلك، فلم أقدم على التفضيل؟ وأيضا: فالأسن، ~~والأعلم، والأنفع مقدم، فلم قلب هذه القضية؟. # فالجواب: أنه عليه الصلاة والسلام ما فضلهما على سائر أولاده إلا ~~في المحبة، والمحبة ليست في وسع البشر، فكان معذورا فيه، ولا يلحقه ~~بسبب ذلك لوم، قال عليه الصلاة والسلام : # " اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك " # حين كان يحب عائشة رضي الله عنها . # السؤال الثاني: أن أولاد يعقوب كانوا قد آمنوا بكونه رسولا حقا من ~~عند الله، فكيف اعترضوا؟ وكيف زيفوا طريقته وطعنوا في ~~فعله؟ وإن كانوا مكذبين بنبوته، غير مقرين بكونه رسولا حقا ~~من عند الله، فهذا موجب تكفيرهم؟. # والجواب: أنهم كانوا مؤمنين بنبوة أبيهم، مقرين بكونه رسولا ~~حقا من عند الله، إلا أنهم لعلهم جوزوا من الأنبياء أن ~~يفعلوا أفعالا مخصوصة بمجرد اجتهادهم، ثم إن الاجتهاد أدى إلى تخطئة ~~أبيهم في ذلك الاجتهاد؛ وذلك لأنهم كانوا يقولون: هما صبيان ما بلغا ~~العقل الكامل، ونحن متقدمون عليهما في السن، والعقل، الكفاية، ~~والمنفعة، وكثرة الخدمة، والقيام بالمهمات، فإصراره على تقديم يوسف ~~علينا، يخالف هذا الدليل، وأما يعقوب عليه الصلاة والسلام فلعله ~~كان يقول: زيادة المحبة ليست في الوسع والطاقة، فليس لله علي فيه ~~تكليف، وأما تخصيصهما بمزيد البر، فيحتمل أنه كان لوجوه: # أحدها: أن أمهما ماتت وهم صغار. # وثانيهما: أنه كان يرى فيه من آثار الرشد، والنجابة ما لم يجد في ~~سائر الأولاد، والحاصل: أن هذه المسألة كانت اجتهادية، وكانت بميل ~~النفس، وموجبات الفطرة، فلا يلزم من وقوع الاختلاف فيها طعن أحد ~~الخصمين في دين الآخر، أو في عرضه. # السؤال الثالث: أنهم نسبوا أباهم إلى الضلال المبين، وذلك مبالغة في ~~الذم والطعن، ومن بالغ في الطعن في الرسول كفر، لا سيما إذا كان ~~الطاعن ابنا؛ فإن حق الأبوة يوجب مزيد التعظيم. # والجواب: ms4923 المراد من الضلال: غير رعاية مصالح الدين، لا البعد عن ~~طريق الرشد، والصواب. # السؤال الرابع: أن قولهم: { ليوسف وأخوه أحب إلى ~~أبينا منا } محض الحسد، والحسد من أمهات الكبائر، لا سيما وقد ~~أقدموا بسبب ذلك الحسد على تضييع ذلك الأخ الصالح، وإلقائه في ذل ~~العبودية، وتبعيده عن الأب المشفق، وألقوا أباهم في الحزن الدائم، ~~والأسف العظيم، وأقدموا على الكذب، وأتوا بهذه الخصال المذمومة وكل ~~ذلك يقدح في العصمة. # والجواب: أن المعتبر عصمة الأنبياء في وقت حصول النبوة، فأما ~~قبلها فذلك غير واجب ". # { اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا } الآية. # في نصب " أرضا " ثلاثة أوجه: # أحدهاك أن تكون منصوبة على إسقاط الخافض تخفيفا، أي: في أرض؛ كقوله: # لأقعدن لهم صراطك المستقيم # [الأعراف:16]، وقول الشاعر: [الكامل] # 3052 لدن بهز الكف يعسل متنه # فيه كما عسل الطريق الثعلب # وإليه ذهب ابن عطية. # قال النحاس: " إلا أنه في الآية حسن كثيرا؛ لأنه يتعدى إلى ~~مفعولين، أحدهما بالحرف، فإذا حذفت الحرف، تعدى الفعل إليه ". # والثاني: النصب على الظرفية. # قال الزمخشري: " أرضا منكورة مجهولة بعيدة عن العمران، وهو معنى ~~تنكيرها، وأخلائها من الناس؛ ولإبهامها من هذا الوجه، نصبت نصب ~~الظروف المبهمة ". # ورد ابن عطية هذا الوجه فقال: " وذلك خطأ؛ لأن الظرف ينبغي أن ~~يكون مبهما، وهذه ليست كذلك، بل هي أرض مقيدة بأنها بعيدة، أو ~~قاصية أو نحو ذلك، فزال بذلك إبهامها، ومعلوم أن يوسف لم يخل من ~~الكون في أرض، فتبين أنهم أرادوا أرضا بعيدة، غير التي هو فيها ~~قريبة من أبيه ". # واستحسن أبو حيان هذا الرد، وقال: " وهذا الرد صحيح، لو قلت: ~~" جلست دارا بعيدة، أو مكانا بعيدا " لم يصح إلا بواسطة في ولا ~~يجوز حذفها، إلا في ضرورة شعر، أو مع " دخلت " على الخلاف في " دخلت " ~~أهي لازمة أم متعدية ". # وفي الكلامين نظر؛ إذ الظرف المبهم: عبارة عما ليس له حدود ~~تحصره، ولا أقطار تحويه، و " أرضا " في الآية الكريمة من هذا القبيل. # الثالث: أنها مفعول ثان، وذلك أن معنى: " اطرحوه " أنزلوه، و " ~~أنزلوه ms4924 " يتعدى لاثنين، قال تعالى : # أنزلني منزلا مباركا # [المؤمنين:29] وتقول: أنزلت زيدا الدار. والطرح: الرمي، ويعبر ~~به عن الاقتحام في المخاوف؛ قال عروة بن الورد: [الطويل] # 3053 ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا # من المال يطرح نفسه كل مطرح # والمعنى: اطرحوه إلى أرض تبعد من أبيه، وقي: في أرض تأكله السباع. # و " يخل لكم " جواب الأمر، وفيه الإظهار والإدغام، وتقدم ~~تحقيقها عند قوله # ومن يبتغ غير الإسلام دينا # [آل عمران:85]. # قوله: { وتكونوا } يجوز أن يكون مجزوما نسقا على ما قبله، أو ~~منصوبا بإضمار " أن " بعد الواو في جواب الأمر. # فصل # اعلم: أنه لما قوي الحسد، وبلغ النهاية، قالوا: لا بد من تبعيد ~~يوسف من أبيه، وذلك لا يحصل إلا بأحد طريقين: القتل، أو التغريب، ثم ~~ذكروا العلة فيه، وهي قوله: { يخل لكم وجه أبيكم } أي: ~~أن يوسف شغله عنا، وصرف وجهه إليه، فإذا فقده، أقبل علينا بالميل ~~والمحبة، { وتكونوا من بعده } أي: من بعد قتل يوسف، { ~~قوما صالحين }: أي: نتوب بعد قتله. # وقيل: يصلح شأنكم، تتفرغوا لإصلاح شأن أمهاتكم، واختلفوا في قائل ~~هذا القول. # فقيل: شاوروا أجنبيا؛ فأشار عليهم بقتله، ولم يقل ذلك أحد من ~~إخوته. # وقيل: القائل بعض إخوته، واختلفوا فيه. # فقال وهب: شمعون، وقال كعب: دان، وقال مقاتل: روبيل. # فإن قيل: كيف يليق هذا بهم، وهم أنبياء؟ # فأجاب بعضهم: بأنهم كانوا في هذا الوقت مراهقين لم يبلغوا، وهذا ~~ضعيف؛ فإنه يبعد في مثل يعقوب أن يبعث جماعة من الصبيان من غير أن ~~يكون معهم قائم عاقل يمنعهم من القبائح. # وأيضا: فإنهم قالوا: { وتكونوا من بعده قوما صالحين ~~} وهذا يدل على أنهم قبل النبوة لا يكونوا صالحين، وذلك ينافي ~~كونهم من الصبيان، وأيضا: قولهم: # يأبانا استغفر لنا ذنوبنآ إنا كنا خاطئين # [يوسف:97] والصغير لا ذنب له. # فأجاب بعضهم: بأن هذا من باب الصغائر، وهذا أيضا ضعيف؛ لأن إيذاء ~~الأب الذي هو نبي معصوم، والكيد معه، والسعي في إهلاك الأخ الصغير، ~~فكل واحد من ذلك من أمهات الكبائر، بل الجواب الصحيح: ms4925 أنهم ما ~~كانوا أنبياء، وإن كانوا أنبياء، إلا أن هذه الواقعة أقدموا عليها قبل ~~النبوة. # ثم إن قائلا منهم قال: { لا تقتلوا يوسف }. # قيل: إنه روبيل، وكان ابن خالة يوسف، وكان أحسنهم رأيا فيه؛ فمنعهم ~~من قتله. وقيل: يهوذا، وكان أقدمهم في الرأي والفضل، والسن، وهو ~~الصحيح. # قوله: " في غيابة " قرأ نافع: " غيابات " بالجمع في الحرفين من ~~هذه السورة، جعل ذلك المكان أجزاء، وسمى لك جزء غيابة؛ لأن للجب ~~أقطارا ونواحي، فيكون فيها غيابات، والباقون: بالإفراد؛ لأن المقصود: ~~موضع واحد من الجب يغيب فيه يوسف، وابن هرمز كنافع، إلا أنه شدد ~~الياء، والأظهر في هذه القراءة: أن يكون سمي باسم الفاعل الذي ~~للمبالغة، فهو وصف في الأصل، وألحقه الفارسي بالاسم الجائي على فعال، ~~نحو ما ذكره سيبويه من الفياد قال ابن جني: " ووجدت من ذلك: الفخار: ~~للخزف ". # وقال صاحب اللوامح: " يجوز أن يكو على " فعالات " كحمامات، ويجوز ~~أن يكون على " فيعالات " ، كشيطانات، جمع شيطانه، وكل ~~للمبالغة ". # وقرأ الحسن: " في غيبة " بفتح الياء، وفيه احتمالان: # أحدهما: أن يكون في الأصل مصدرا؛ كالغلبة. # والثاني: أن يكون جمع غائب، نحو: صانع وصنعة. # قال أبو حيان: " وفي حرف أبي: " في غيبة " بسكون الياء، وهي ظلمة ~~الركية ". # قال شهاب الدين: " والضبط أمر حادث، فكيف يعرف ذلك من المصحف، وتقدم ~~نحو ذلك، والغيابة، قال الهروي: شبه لجف أو طاق في البئر فويق الماء ~~يغيب ما فيه عن العيون ". # وقال الكلبي: " الغيابة تكون في قعر الجب؛ لأن أسفله واسع، ~~ورأسه ضيق، فلا يكاد الناظر يرى ما في جوانبه ". # وقال الزمخشري: " هي غورة، وما غب منه عن عين الناظر، وأظلم من أسفله ~~". # قال المنخل: [الطويل] # 3054 فإن أنا يوما غيبتني غيابتي # فسيروا بسيري في العشيرة والأهل # أراد: غيابة حفرته التي يدفن فيها، والجب: البئر الذي لم تطو، ~~وسمي بذلك: إما لكونه محفورا في جبوب الأرض، أي: ما غلظ منها؛ ~~وإما لأنه قطع في الأرض والجب: القطع، ومنه: الجب في الذكر؛ قال ~~الأعشى: [الطويل] # 3055 لئن كنت في جب ms4926 ثمانين قامة # ورقيت أسباب السماء بسلم # ويجمع على جنب، وجباب، وأجباب. # فصل # والألف واللام في " الجب " تقتضي المعهود السابق، واختلفوا فيه: # فقال قتادة: هو جب بئر بيت المقدس، وقيل: بأرض الأردن. # وقال مقاتل: هو على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب، وإنما عينوا ذلك ~~الجب؛ للعلة التي ذكروها، وهي قولهم: " يلتقطه بعض السيارة ~~" لأن تلك البئر كانت معروفة يردون عليها كثيرا، وكانوا يعلمون ~~أنه إذا طرح فيها، كان إلى السلامة أقرب؛ لأن السيارة إذا ~~وردوها، شاهدوا ذلك الإنسان فيه، فيخرجوه، ويذهبوا به فكان إلقاؤه ~~فيها أبعد عن الهلاك. # قوله " يلتقطه " قرأ العامة: " يلتقطه " بالياء من تحت، ~~وهو الأصل وقرأ الحسن، ومجاهد، وأبو رجاء، وقتادة: بالتاء من فوق؛ ~~للتأنيث المعنوي، والإضافة إلى مؤنث، وقالوا: قطعت بعض ~~أصابعه. # قال الشاعر: [الوافر] # 3056 إذا بعض السنين تعرقتنا # كفى الأيتام فقد أبي اليتيم # وتقدم الكلام بأوسع من هذا في الأنعام والأعراف [الأنعام:160 ~~الأعراف:56]. # والإلتقاط: تناول الشيء المطروح، ومنه: اللقطة واللقيط؛ قال ~~الشاعر: [الرجز] # 3057 ومنهل وردته التقاطا # .......................... # قال ابن عرفة: الالتقاط وجود الشيء على غير طلب، ومنه قوله تعالى { ~~يلتقطه بعض السيارة } أي: يجده من غير أن يحتسب. # فصل # اختلفوا في الملقوط فقيل: إن أصله الحرية؛ لغلبة الأحرار على العبيد، ~~وروي الحسين بن علي رضي الله عنهما قضى بأن اللقيط حر، وتلا قوله ~~تعالى: # وشروه بثمن بخس دراهم معدودة # [يوسف:20] وهذا قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه ويروى عن علي وجماعته، ~~وقال إبراهيم النخعي: إن نوى رقه فهو مملوك، وإن نوى الاحتساب فهو حر. # فصل # والسيارة: جمع سيار، وهو مثال مبالغة، وهم الجماعة الذين يسيرون ~~في الطريق للسفر، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : يريد: ~~المارة، ومفعول " فاعلين " محذوف، أي: فاعلين ما يحصل به غرضكم. ~~وهذا إشارة إلى أن الأولى: أن لا تفعلوا شيئا من ذلك، وأما إن كان ولا ~~بد، فاقتصروا على هذا القدر، ونظيره قوله تعالى : # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به # [النحل:126] يعني: الأولى ألا تفعلوا ذلك. # قوله تعالى: { قالوا ms4927 يأبانا ما لك لا تأمنا على ~~يوسف } الآية. # " تأمنا " حال وتقدم نظيره، وقرأ العامة: تأمنا بالإخفاء، وهو ~~عبارة عن تضعيف الصوت بالحركة، والفصل بين النونين؛ لا لأن النون ~~تسكن رأسا؛ فيكون ذلك إخفاء، لا إدغاما. # قال الداني: " وهو قول عامة أئمتنا، وهو الصواب؛ لتأكيد دلالته ~~وصحته في القياس ". # وقرأ بعضهم ذلك: بالإشمام وهو عبارة عن ضم الشفتين، إشارة إلى حركة ~~الفعل مع الإدغام الصريح، كما يشير إليها الواقف، وفيه عسر كثير، ~~قالوا: وتكون الإشارة إلى الضمة بعد الإدغام، أو قبل كماله، والإشمام يقع ~~بإزاء معان هذا من جملتها. # ومنها: [إشراب] الكسرة شيئا من الضم [نحو قيل، # وغيض # [هود:44] وبابه، وقد تقدم في أول البقرة]. # ومنها إشمام أحد الحرفين شيئا من الآخر؛ كإشمام الصاد زايا في # الصراط # [الفاتحة:6]، # ومن أصدق # [النساء:87، 122] وبابهما، وقد تقدم في الفاتحة، والنساء، فهذا خلط حرف ~~بحرف، كما أن ماقبله خلط حركة بحركة. # ومنها: الإشارة إلى الضمة في الوقف خاصة، وإنما يراه البصير دون ~~الأعمى، وقرأ أبو جعفر: الإدغام الصريح من غير إشمام، وقرأ الحسن ذلك: ~~بالإظهار مبالغة في بيان إعراب الفعل. وللمحافظة على حركة الإعراب، ~~اتفق الجمهور على الإخفاء، أو الإشمام، كما تقدم تحقيقه. # وقرأ ابن هرمز: " لا تأمنا " بضم الميم، نقل حركة النون الأولى ~~عند إرادة إدغامها، بعد سلب الميم حركتها، وخط المصحف بنون واحدة، ففي ~~قراءة الحسن مخالفة لها. وقرأ أبو رزين، وابن وثاب: " لا تيمنا " ~~بكسر حرف المضارعة، إلا أن ابن وثاب سهل الهمزة. # قال أبو حيان: " ومجيئه بعد " ما لك " والمعنى: يرشد إلى أنه ~~نفي لا نهي، وليس كقولهم: " ما أحسنا " في التعجب؛ لأنه لو أدغم، ~~لالتبس التعجب بالنفي ". # قال شهاب الدين: وما أبعد هذا عن توهم النهي، حتى ينص عليه ~~بقوله: " لالتبس بالنفي الصحيح ". # فصل # هذا الكلام يدل على أن يعقوب عليه الصلاة والسلام كان يخافهم على ~~يوسف، ولولا ذلك، لما قالوا هذا القول. # واعلم: أنهم لما أحكموا العزم، أظهروا عند أبيهم أنهم في غاية ~~المحبة ليوسف، ونهاية الشفقة عليه، كانت ms4928 عادتهم أن يغيبوا عنه مدة ~~إلى الرعي، فسألوه إرساله معهم، وكان يعقوب عليه والسلام يحب ~~تطييب قلب يوسف، فاغتر بقولهم، وأرسله معهم حين قالوا له: { وإنا ~~له لناصحون } والنصح هنا: القيام بالمصلحة. # وقيل: البر والعطف، أي: عاطفون عليه قائمون بمصلحته، نحفظه ~~حتى نرده إليك. # قيل للحسن: أيحسد المؤمن؟ قال: ما أنساك ببني يعقوب، ولهذا قيل: ~~الأب جلاب، والأخ سلاب، وعند ذلك أجمعوا على التفريق بينه وبين ~~ولده بضرب من الاحتيال، وقالوا ليعقوب عليه الصلاة والسلام { ما ~~لك لا تأمنا على يوسف }. # وقيل: لما تفاوضوا وافترقوا على رأي المتكلم الثاني، عادوا إلى يعقوب ~~ عليه الصلاة والسلام وقالوا هذا القول، إذ فيه دليل على أنهم ~~سألوه قبل ذلك أن يخرج معهم يوسف، فأبى. # قوله: { أرسله معنا غدا يرتع ويلعب } في: " يرتع ~~ويلعب " أربع عشرة قراءة: # أحدها: قراءة نافع: بالياء من تحت، وكسر العين. # الثانية: قراءة البزي، عن ابن كثير: " نرتع ونلعب " بالنون ~~وكسر العين. # الثالثة: قراءة قنبل، وقد اختلف عليه، فنقل عنه ثبوت الياء بعد العين ~~وصلا ووقفا، وحذفها وصلا ووقفا، فيوافق البزي في أحد الوجهين عنه، ~~فعنه قراءتان. # الخامسة: قراءة أبي عمرو، وابن عامر: " نرتع ونلعب " بالنون، ~~وسكون العين، والباء. # السادسة: قراءة الكوفيين: " يرتع ويلعب " بالياء من تحت وسكون ~~العين والباء. # وقرأ جعفر بن محمد: " نرتع " بالنون، " ويلعب " بالياء، ~~ورويت عن ابن كثير. # وقرأ العلاء بن سيابة: " يرتع ويلعب " بالياء فيهما، وكسر العين ~~وضم الباء. # وقرأ أبو رجاء كذلك، إلا أنه بالياء من تحت فيهما. # والنخعي ويعقوب: " نرتع " بالنون، " ويلعب " بالياء. # وقرأ مجاهد، وقتادة، وابن محيصن: " يرتع ويلعب " بالياء، ~~والفعلان في هذه القراءات كلها مبنيان للفاعل. # وقرأ زيد بن علي: " يرتع ويلعب " بالياء من تحت فيهما مبنيين ~~للمعفول. # وقرىء: " نرتعي ونلعب " بثبوت الياء، ورفع الباء. # وقرأ ابن أبي عبلة: " نرعى ونلعب ". # فهذه أربع عشرة قراءة منها ست في السبع المتواتر وثمان في الشواذ. # فمن قرأ بالنون، فقد أسند الفعل إلى إخوة يوسف. # سئل أبو عمرو بن العلاء: كيف قالوا: نلعب وهم ms4929 أنبياء؟ قال: كان ذلك قبل ~~أن ينبئهم الله عز وجل . # قال ابن الأعرابي: الرتع: الأكل بشدة، وقيل: إنه الخصب. # وقيل: المراد من اللعب: الإقدام على المباحات، وهذا يوصف به الإنسان، ~~كما # " روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لجابر: " هلا بكرا ~~تلاعبها وتلاعبك " ". # وقيل: كان لعبهم الاستباق، والغرض منه: تعليم المحاربة، والمقاتلة مع ~~الكفار، ويدل عليه قولهم: " إنا ذهبنا نستبق " وإنما ~~سموه لعبا؛ لأنه في صورة اللعب. # وأما من قرأ بالياء، فقد أسند الفعل إليه دونهم، فالمعنى: أنه يبصر ~~رعي الإبل؛ لتيدرب بذلك، فمرة يرتع، ومرة يلعب؛ كفعل الصبيان. # ومن كسر العين، اعتقد أنه جزم بحذف حرف العلة، وجعله مأخوذا من ~~يفتعل من الرعي؛ كيرتمي من الرمي، ومن سكن العين، اعتقد أنه ~~جزم بحذف الحركة، وجعله مأخوذا من: رتع يرتع، إذا اتسع في ~~الخصب قال: # 3058.................... # وإذا يحلوله الحمى رتع # ومن سكن الباء جعله مجزوما، ومن رفعها، جعله مرفوعا على ~~الاستئناف، أي: وهو يلعب، ومن غاير بين الفعلين، فقرأ بالياء من تحت في ~~" يلعب " دون " نرتع "؛ فلأن اللعب مناسب للصغار، ونرتع: ~~افتعال من: رعيت، يقال: رعى الماشية الكلأ، ترعاها رعيا، إذا ~~أكلته فالارتعاء للمواشي، وأضافوه إلى أنفسهم؛ لأنه السبب، والمعنى: ~~نرتع إبلنا، فنسبوا الارتعاء والقيام بحفظ المال إلى أنفسهم؛ لأنهم ~~بالغون. # ومن قرأ: " نرتع " رباعيا، جعل مفعوله محذوفا، أي: يرعى ~~مواشينا، ومن بناها للمفعول، فالوجه: أنه أضمر المفعول الذي لم يسم ~~فاعله، وهو ضمير الغد، والأصل: # نرتع فيه، ونلعب فيه، ثم اتسع فيه؛ فحذف حرف الجر، فتعدى إليه ~~الفعل بنفسه، فصار نرتعه ونلعبه، فلما بناه للمفعول، قام الضمير ~~المنصوب مقام فاعله، فانقلب مرفوعا فاستتر في رافعه، فهو في الاتساع ~~كقوله: [الطويل] # 3059 ويوم شهدناه سليما وعامرا # ..................... # ومن رفع الفعلين، جعلهما حالين، وتكون مقدرة، وأما إثبات الياء في " ~~نرتعي " مع جزم " يلعب " وهي قراءة قنبل، فقد تجرأ بعض الناس ~~وردها. # وقال ابن عطية: هي قراءة ضعيفة لا تجوز إلا في الشعر، وقيل: هي ~~لغة من يجز بالحركة المقدرة، وأنشد: # 3060 ms4930 ألم يأتيك والأنباء تنمي # ...................... # وقد تقدمت هذه المسألة. # و " نرتع " يحتمل أن يكون وزنه: نفتعل من الرعي وهي أكل ~~المرعى؛ كما تقدم، ويكون على حذف مضاف، أي: نرتع مواشينا، أو من ~~المراعاة للشيء؛ قال: [الخفيف] # 3061 ترتعي السفح فالكثيب فذا قا # ر فروض القطا فذات الرئال # ويحتمل أن يكون وزنه " نفعل " من رتع يرتع: إذا أقام في خصب ~~وسعة، ومنه قول الغضبان بن القبعثرى: " القيد والرتعة وقلة ~~المنعة "؛ وقال الشاعر: [الوافر] # 3062 أكفرا بعد رد الموت عني # وبعد عطائك المائة الرتاعا # قوله: { وإنا له لحافظون }: جملة حالية، والعامل فيها أحد ~~شيئين: إما الأمر، وإما جوابه. # فإن قيل: هل يجوز أن تكون المسألة من الإعمال؛ لأن كلا من العاملين ~~يصح تسلطه على الحال؟. # فالجواب: لا يجوز ذلك؛ لأن الإعمال يستلزم الإضمار، والحال لا تضمر؛ ~~لأنها لا تكون إلا نكرة، أو مؤولة بها. # قوله: { أن تذهبوا به } فاعل: " يحزنني " ، أي: يحزنني ~~ذهابكم، وفي هذه الآية دلالة على أن المضارع المقترن بلام الابتداء لا ~~يكون حالا، والنحاة جعلوها من القرائن المخصصة للحال، ووجه الدلالة: ~~أن " أن تذهبوا " مستقبل؛ لاقترانه بحرف الاستقبال، وهي وما في ~~حيزها فاعل، فلو جعلنا " ليحزنني " حالا، لزم سبق الفعل لفاعله، ~~وهو محل وأجيب عن ذلك بأن الفاعل في الحقيقة مقدر، حذف هو وقام ~~المضاف إليه مقامه، والتقدير: ليحزونني توقع ذهابكم، وقرأ زيد بن علي ~~وابن هرمز، وابن محيصن: " ليحزني " بالإدغام. # وقرأ زيد بن علي: " تذهبوا به " بضم التاء من " أذهب " وهو ~~كقوله: { تنبت بالدهن } [المؤمنون:20] في قراءة من ضم التاء، ~~فتكون التاء زائدة أو حالية. # والذئب يهمز ولا يهمز، وبعدم الهمز قرأ السوسي، والكسائي، ~~وورش، وفي الوقف لا يهمزه حمزة، قالوا وهو مشتق من: تذاءبت الريح ~~إذا هبت من كل جهة؛ لأنه يأتي كذلك، ويجمع على ذائب، وذؤبان، ~~وأذؤب؛ قال: [الطويل] # 3063 وأزور يمشي في بلاد بعيدة # تعاوى به ذؤبانه وثعالبه # وأرض مذأبة: كثيرة الذئاب، وذؤابة الشعر؛ لتحركها، وتقلبها من ~~ذلك. # وقوله: { وأنتم عنه غافلون }: جملة حالية، العامل فيها: ms4931 " ~~يأكله ". # فصل # لما طلبوا منه إرسال يوسف عليه السلام معهم اعتذر إليهم بشيئين: # أحدهما: ليبين لهم أن ذهابهم به مما يحزنه؛ لأنه كان لا يصبر ~~عنه ساعة. # والثاني: خوفه عليه من الذئب إذا غفلوا عنه برعيهم، أو لعبهم أو ~~لقلة اهتامهم به. # فقيل: إنه رأى في النوم أن الذئب شد على يوسف فكان يحذره، فلأجل ~~هذا ذكر ذلك. وقيل: إن الذئاب كانت كثيرة في أرضهم، فلما قال بعقوب ~~عليه الصلاة والسلام هذا الكلام، أجابوه بقولهم: { لئن أكله ~~الذئب ونحن عصبة إنآ إذا لخاسرون } وفائدة اللام ~~في " لئن " من وجهين: # أحدهما: أن كلمة " إن " تفيد كون الشرط مستلزما للجزاء، أي: إن وقعت ~~هذه الواقعة، فنحن خاسرون، فهذه اللام دخلت؛ لتأكيد هذا الاستلزام. # والثاني: قال الزمخشري رحمه الله " هذه اللام تدل على إضمار ~~القسم، [تقديره:] والله لئن أكله الذئب، لكنا خاسرين ". # والواو في: " ونحن عصبة " واو الحال؛ فتكون الجملة من قوله: " ~~ونحن عصبة ": جملة حالية. وقيل: معترضة، و { إنآ إذا ~~لخاسرون } جواب القسم، و " إذا ": حرف جواب، وحذف جواب الشرط، ~~وقد تقدم الكلام فيه مشبعا. # فصل # ونقل أبو البقاء: أنه قرىء " عصبة " بالنصب، وقدر ما تقدم في الآية ~~الأولى. في المراد بقولهم: { إنآ إذا لخاسرون } وجوه: الأول: ~~[عاجزون] ضعفاء، نظيره قوله تعالى : # ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون # [المؤمنون:34] أي: لعاجزون. # الثاني: أنهم يكونون مستحقين لأن يدعى عليهم بالخسارة والدمار، وأن ~~يقال: أخسرهم الله، ودمرهم حين أكل الذئب أخاهم وهم حاضرون ~~عصبة: عشرة تعصب بهم الأمور، تكفي الخطوب بمثلهم. # الثالث: إذا لم نقدر على حفظ أخينا، فقد هلكت مواشينا، وخسرنا. # الرابع: أنهم كانوا قد أتعبوا أنفسهم في خدمة أبيهم، واجتهدوا في ~~القيام بمهماته، ليفوزوا منه بالدعاء والثناء، فقالوا: لو قصرنا في ~~هذه الخدمة، فقد أحبطنا كل تلك الأعمال، وخسرنا كل ما صدر منا من أنواع ~~الخدمة. # فإن قيل: إن يعقوب عليه الصلاة والسلام اعتذر بعذرين: شدة حبه، ~~وأكل الذئب له، فلم أجابوا عن أحدهما دون الآخر؟ # فالجواب: أن حقدهم، وغيظهم كان ms4932 بسبب المحبة، فتغافلوا عنه. ### || [12.15] # قوله تعالى: { فلما ذهبوا به } الآية: لا بد من الإضمار في ~~هذه الآية في موضعين: # الأول: التقدير: قالوا: لئن أكله الثئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون ~~فأذن له، وأرسله معهم، ثم يتصل به قوله تعالى : { فلما ذهبوا ~~به }. # الثاني: في جواب { فلما ذهبوا به } أوجه: # أحدها: أنه محذوف، أي: عرفناه، وأوصلنا إليه الطمأنينة، وقدره ~~الزمخشري: " فعلوا به ما فعلوا من الأذى " وقدره غيره: عظمت فتنتهم، ~~وآخرون: جعلوه فيها، وهذا أولى؛ لدلالة الكلام عليه. # الثاني: أن الجواب مثبت، وهو قوله: # قالوا يأبانا إنا ذهبنا # [يوسف:17] أي:لما كان كيت وكيت، قالوا. وفيه بعد؛ لبعد الكلام ~~من بعضه. # الثالث: أن الجواب هو قوله: " وأوحينا " والواو فيه زائدة، أي: فلما ~~ذهبوا به أوحينا، وهو رأي الكوفيين، وجعلوا من ذلك قوله تعالى : # فلما أسلما وتله للجبين # [الصافات:103] أي: تله، " وناديناه " ، وقوله عز وجل: # حتى إذا جآءوها وفتحت أبوابها # [الزمر:73] وقول امرىء القيس: [الطويل] # 3064 فلما أحزنا ساحة الحي وانتحى # بنا بطن حقف [ذي ركام عقنقل] # تقدم أي فلما أجزنا انتحى وهو كثير عندهم بعد " لما ". # قوله: " أن يجعلوه " " مفعول " " أجمعوا " أي: عزموا على أن ~~يجعلوه؛ لأنه يتعدى بنفسه، وب " على " فإنه يحتمل أن يكون على حذف ~~الحرف، وألا يكون، فعلى الأول: يحتمل موضعه النصب والجر، وعلى الثاني: ~~يتعين النصب، والجعل يجوز أن يكون بمعنى: الإلقاء، وأن يكون بمعنى: ~~التصيير فعلى الأول: يتعلق في " غيابة " بنفس الفعل قبله، وعلى ~~الثاني: بمحذوف، والفعل من قوله: " وأجمعوا " يجوز أن يكون معطوفا ~~على ما قبله، وأن يكون حالا، و " قد " معه مضمرة عند بعضهم، والضمير ~~في " إليه " الظاهر عوده على يوسف، وقيل: يعود على يعقوب عليه ~~الصلاة والسلام . # وقرأ العامة: " لتنبئنهم " بتاء الخطاب، وقرأ ابن عمر: بياء ~~الغيبة، أي: الله سبحانه وتعالى . # قال أبو حيان: " وكذا في بعض مصاحف البصرة " وقد تقدم أن النقط حادث ~~فإن قال: مصحف حادث غير مصحف عثمان رضي الله عنه فليس الكلام في ذلك. # وقرأ سلام: " لننبئنهم " بالنون، وهذا ms4933 صفة لقولهم. وقيل: بدل. ~~وقيل: بيان. # قوله: { وهم لا يشعرون } جملة حالية، يجوز أن يكون العامل فيها ~~" أوحينا " أي: أوحينا إليه من غير شعور إخوته بالوحي، وأن يكون العامل ~~فيها " لتنبئنهم " أي تخبرهم وهم لا يعرفونكم لبعد المدة وتغير ~~الأحوال. # فصل # في المراد بقوله: { وأوحينآ إليه } قولان: # الأول: المراد منه الوحي والنبوة والرسالة، وهو قول أكثر المحققين، ثم ~~اختلف هؤلاء في أنه عليه الصلاة والسلام هل كان في ذلك الوقت بالغا ~~أو كان صبيا؟. # قال بعضهم: كان بالغا وكان ابن سبع عشرة سنة. وقال آخرون: كان صغيرا ~~إلا أن الله - تعالى أكمل عقله وجعله صالحا لقبول الوحي والنبوة كما ~~في حق عيسى عليه الصلاة والسلام حين قالوا: # كيف نكلم من كان في المهد صبيا # [مريم:29] فأجابهم بقوله: # إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا # [مريم:30]. # والقول الثاني: أن المراد بهذا الوحي: الإلهام، كقوله # وأوحينآ إلى أم موسى # [القصص:7] # وأوحى ربك إلى النحل # [النحل:68]. والأول أولى؛ لأنه الظاهر من الوحي. # فإن قيل: كيف يجعله نبيا في ذلك الوقت وليس هناك أحد يبلغه الرسالة؟. # فالجواب: لا يمتنع أن يشرفه الله تعالى بالوحي ويأمره بتبليغ ~~الرسالة بعد أوقات ويكون فائدة تقديم الوحي تأنيسه وزوال الغم والوحشة عن ~~قلبه والفائدة في إخفاء ذلك [الوحي] عن إخوته: أنهم لو عرفوه فربما ازداد ~~حسدهم فكانوا يقصدون قتله. # فصل # إنما حملنا كقوله تبارك وتعالى { وهم لا يشعرون } بأنك ~~يوسف، أي: لا يعرفونك لبعد المدة وتغير الأحوال، لأن هذا أمرا من الله ~~تعالى ليوسف في أن يستر نفسه عن أبيه [وأن لا يخبره بأحوال نفسه، فلهذا ~~السبب كتم أخبار نفسه عن أبيه] طول تلك المدة مع علمه بوجد أبيه عليه ~~خوفا من مخالفة أمر الله تعالى، فصبر على تجرع تلك المرارة، وكان الله ~~سبحانه قد قضى على يعقوب أن يوصل إليه تلك الغموم الشديدة والهموم ~~العظيمة ليوصله إلى الدرجات العالية التي لا يمكن الوصل إليها إلا بتحصيل ~~المحن الشديدة. ### || [12.16-18] # قوله تعالى: { وجآءوا أباهم عشآء يبكون } الآية في ms4934 " ~~عشاء " وجهان: # أصحهما: وهو الذي لا ينبغي أن [يقال] غيره أنه ظرف، أي: ظرف زمان أي: ~~جاءوا في هذا الوقت. قال أهل المعاني: جاءوا في ظلمة العشاء ليكونوا أجرأ ~~على الاعتذار بالكذب. و " يبكون " جملة حالية، أي: جاءوه باكين. # والثاني: أن يكون " عشاء " جمع عاش، كقائم وقيام. # قال أبو البقاء: " ويقرأ بضم العين، والأصل: عشاة، مثل: غاز وغزاة ~~فحذفت الهاء وزيدت الألف عوضا عنها، ثم قلبت الألف همزة ". # وفيه كلام قد تقدم في آل عمران عند قوله # أو كانوا غزى # [آل عمران:156]. # ويجوز أن يكون جمع فاعل على فعال، كما جمع فعيل على فعال، لقرب ما ~~بين الكسر والضم، ويجوز أن يكون كنؤام ورباب وهو شاذ. # وهذه قراءة الحسن، وهو من العشوة. والعشوة: هي الظلام. رواه ابن جني ~~" عشاء " بضم العين وقال: عشوا من البكاء. وقرأ الحسن: " عشا " على ~~وزن " دجى " نحو غاز وغزاة، ثم حذفت منه تاء التأنيث [كما حذفوا تاء ~~التأنيث من] " مألكة " فقالوا: مألك، وعلى هذه الأوجه يكون منصوبا ~~على الحال. وقرأ الحسن أيضا: " عشيا " مصغرا. # و " نستبق " نتسابق. والافتعال والتفاعل يشتركان نحو قولهم: ~~ننتضل ونتناضل ونرتمي ونترامى، و " نستبق " في محل نصب على ~~الحال و " تركنا " حال من نستبق و " قد " معه مضمرة عند بعضهم. # قال الزجاج: " يسابق بعضنا بعضا في الرمي " ، ومنه قوله عليه الصلاة ~~والسلام: " لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر " يعنى بالنصل: ~~الرمي وأصل السبق: الرمي بالسهم، ثم يوصف المتراميان بذلك، يقال: استبقا ~~وتسابقا: إذا فعلا ذلك السبق ليتبين أيهما أسبق. # ويدل على صحة هذا التفسير ما روي في قراءة عبد الله: " إنا ذهبنا ~~ننتضل " وقال السدي ومقاتل: " نستبق " نشتد ونعدو. # فإن قيل: كيف جاز أن يستبقوا وهم رجال بالغون، وهذا من فعل الصبيان ~~فالجواب: أن الاستباق منهم كان مثل الاستباق في الخيل، وكانوا يجربون ~~بذلك أنفسهم ويدربونها على العدو، لأنه كالآلات لهم في محاربة العدو، ~~وقوله " فأكله الذئب " قيل: أكل الذئب يوسف وقيل: عرضوا، وأرادوا ~~أكل الذئب المتاع، والأول ms4935 أصح. # ثم قالوا: " وما أنت بمؤمن لنا " ، أي بمصدق لنا. وقولهم " ولو ~~كنا صادقين " جملة حالية، أي: ما أنت بمصدق لنا في كل حال حتى في ~~حال صدقنا لما غلب على ظنك في تهمتنا ببغض يوسف وكراهتنا له. # فإن قيل: كيف قالوا ليعقوب: أنت لا تصدق الصادقين؟. # قيل: المعنى أنك تتهمنا في هذا الأمر؛ لأنك خفتنا في الابتداء، واتهمتنا ~~في حقه. # وقيل: المعنى لا تصدقنا؛ لأنه لا دليل لنا على صدقنا وإن كنا صادقين عند ~~الله تعالى. # فصل # احتجوا بهذه الآية على أن الإيمان في اللغة عبارة عن التصديق لقوله ~~تعالى: { ومآ أنت بمؤمن لنا } ، أي بمصدق. # روي أن امرأة تحاكمت إلى شريح فبكت، فقال الشعبي: يا أبا أمية: أما ~~تراها تبكي؟ قال: قد جاء إخوة يوسف يبكون وهم ظلمة كذبة لا ينبغي للإنسان ~~أن يقضي إلا بالحق. # قوله تعالى: { وجآءوا على قميصه بدم كذب } الآية " على ~~قميصه " في محل نصب على الحال من الدم. # قال ابو البقاء: " لأن التقدير: جاءوا بدم كذب على قيمصه ". يعنى أنه لو ~~تأخر لكان صفة للنكرة. ورد الزمخشري هذا الوجه. # قال: " فإن قلت: هل يجوز أن تكون حالا متقدمة؟. # قلت: لا، لأن حال المجرور لا يتقدم عليه ". # وهذا الذي رد به الزمخشري أحد قولي النحاة، قد صحح جماعة جوازه؛ ~~وأنشدوا: [الطويل] # 3065................. # فلن يذهبوا فرغا بفتل حبال # وقول الآخر: [الطويل] # 3066 لئن كان برد الماء هيمان صاديا # إلي حبيبا إنها لحبيب # وقول الآخر: [الخفيف] # 3067 غافلا تعرض المنية للمر # ء فيدعى ولات حين إباء # وقال الحوفي: " على قميصه ": متعلق ب " جاءوا " ، وفيه نظر؛ ~~لأن مجيئهم لا يصلح أن يكون على القميص. # وقال الزمخشري: " فإن قلت: " على قميصه " ما محله؟ قلت: محله ~~النصب على [الظرفية]، كأنه قيل: وجاءوا فوق قميصه بدم، كما ~~تقول: جاءوا على جماله بأحمال ". # قال أبو حيان: ولا يساعد المعنى على نصب " على " على الظرفية، ~~بمعنى: فوق لأن العامل فيه إذ ذاك " جاءوا " وليس الفرق ظرفا لهم [بل ~~يستحيل أن يكون ظرفا لهم]. ms4936 # وهذا الرد هو الذي رد به على الحوفي في قوله: إن " على " ~~متعلقة ب: " جاءوا ". # ثم قال أبو حيان رحمه الله : " وأما المثال الذي ذكره وهو: ~~[جاء] على جماله بإحمال، فيمكن أن يكون ظرفا للجائي؛ لأنه تمكن ~~الظرف فيه باعتبار تبدله من حمل إلى حمل، ويكون " بأحمال " في ~~موضع الحال، أي: مصحوبا بأحمال ". # وقرأ العامة: " كذب " بالذال المعجمة، وهو من الوصف بالمصادر، ~~فيمكن أن يكون على سبيل المبالغة، نحو: " رجل عدل ". # وقال الفراء، والمبرد والزجاج، وابن الأنباري: " بدم كذب " ، أي: ~~مكذوب فيه، إلا أنه وصف بالمصدر، جعل نفس الدم كذبا؛ للمبالغة، ~~قالوا: والمفعول، والفاعل يسميان بالمصدر، كما يقال: ماء سكب، أي: ~~مسكوب، والفاعل كقوله: # إن أصبح مآؤكم غورا # [الملك:30]، ولما سميا بالمصدر سمي المصدر بهما، فقالوا للعقل: ~~المعقول، وللجلد: المجلود، ومنه قوله تعالى: # المفتون # [القلم:6] أو على حذف مضاف، أي: ذي كذب، ونسب فعل فاعله إليه. # وقرأ زيد بن علي: " كذبا " بالنصب، فاحتمل أن يكون مفعولا من أجله، ~~واحتمل أن يكون مصدرا في موضع الحال، وهو قليل، أعني: مجيء الحال من ~~النكرة، وقرأت عائشة والحسن [رضي الله عنهما] : " كدب " بالدال ~~المهملة. # قال صاحب اللوامح: " معناه: ذي كدب، أي أثر؛ لأن الكدب هو بياض، ~~يخرج في [أظافير الشبان] ويؤثر فيها، فهو كالنقش، ويسمى ذلك البياض: ~~الفوف، فيكون هذا استعارة لتأثيره في القميص، كتأثير ذلك في الأظافر ". # وقيل: هو الدم الكدر، وقيل: الطري، وقيل: اليابس. # فصل # قال الشعبي: قصة يوسف كلها في قميصه، وذلك أنهم لما ألقوه في ~~الجب، نزعوا قميصه، ولطخوه بالدم،وعرضوه على أبيه، ولما شهد ~~الشاهد قال: # وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من ~~الصادقين فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه ~~من كيدكن إن كيدكن عظيم # [يوسف:27-28] وقال: # اذهبوا بقميصي هذا # [يوسف:93] ولما أتى البشير إلى يعقوب بقميصه، وألقي على وجهه، فارتد ~~بصيرا. # قال القرطبي: " هذا مردود، فإن القميص الذي جاءوا عليه بالدم، ~~غير القميص الذي قد، وغير القميص الذي أتى به البشير، وقيل: إن ~~القميص ms4937 الذي أتى به البشير إلى يعقوب، فارتد بصيرا هو القميص الذي ~~قد من دبر ". # فصل # قال بعض العلماء رضي الله عنهم : لما أرادوا أن يجعلوا الدم ~~علامة على صدقهم؛ قرن الله بهذه العلامة علامة تعارضها، وهي سلامة ~~القميص من التخريق، إذ لا يمكن افتراس الذئب ليوسف، وهو لابس ~~القميص، ويسلم القميص من التخريق ولما تأمل يعقوب عليه السلام ~~ القميص لم يجد فيه خرقا، ولا أثرا، استدل بذلك على كذبهم، وقال ~~لهم: تزعمون أن الذئب أكله، ولو أكله لشق قميصه. # فصل # استدل العلماء بهذه [الآية] في إعمال الأمارات في مسائل من الفقه ~~كالقسامة وغيرها، كما استدل يعقوب عليه الصلاة والسلام على كذكبهم ~~بصحة القميص، فيجب على الناظر أن يلحظ الآيات، والعلامات إذا ~~تعارضت، فما ترجح منها قضى بجانب الترجيح، وهي قوة التهمة، ~~[قال ابن العربي] ولا خلاف في الحكم بها. # فصل # قال محمد بن إسحاق: اشتمل فعلهم على جرائم من قطعيعة الرحم ~~وعقوق الوالد، وقلة الرأفة بالصغير الذي لا ذنب له، والغدر ~~بالأمانة، وترك العهد، والكذب مع أبيهم، وعفا الله عنهم ذلك كله حتى ~~لا ييأس العبد من رحمة الله تعالى. # قال بعض العلماء: إنهم عزموا على قتله، وعصمهم الله رحمة بهم، ولو ~~فعلوا لهلكوا. # قوله تعالى: { بل سولت } قبل هذه الجملة جملة محذوفة تقديرها: لم ~~يأكله الذئب بل سولت، أي: زينت وسهلت، قاله ابن عباس رضي ~~الله عنه. # والتسويل: تقدير معنى في النفس مع الطمع في إتمامه. # قال الأزهري: " كأن التسويل تفعيل من سؤال الإنسان، وهو أمنيته ~~التي يطلبها، فتزين لطالبها الباطل وغيره ". وأصله مهموز على أن العرب ~~يستثقلون فيه الهمز. # قال الزمخشري: " سولت: سهلت من السول، وهو الاسترخاء ". # وإذا عرفت هذا فقوله: " بل " رد لقولهم: " أكله الذئب " كأنه ~~قال: ليس كما تقولون، بل سولت لكم أنفسكم أمرا في شأنه، أي: زينت ~~لكم أنفسكم أمرا غير ما تصفون. # واختلف في السبب الذي عرف به كونهم كاذبين، فقيل: عرف ذلك بسبب أنه ~~كان يعرف الحسد الشديد منهم في قلوبهم، وقيل: كان ms4938 عالما بأنه حي، ~~لقوله ليوسف: # وكذلك يجتبيك ربك # [يوسف:6] وذلك دليل قاطع على كونهم كاذبين في ذلك الوقت. # وقال سعيد بن جبير رضي الله عنه : لما جاءوا على قميصه بدم كذب، ~~وما كان مخرقا، قال: كذبتم لو أكله الذئب لخرق قميصه. وعن السدي أنه ~~قال: إن يعقوب عليه السلام قال: إن هذا الذئب كان رحيما، ~~كيف أكل لحمه، ولم يخرق قميصه؟. # وقيل: إنه عليه الصلاة والسلام لما قال ذلك قال بعضهم: بل قتله ~~اللصوص، فقال: كيف قتلوه، وتركوا قميصه، وهم إلى القميص أحوج منه إلى ~~قتله، فلما اختلفت أقوالهم؛ عرف بذلك كذبهم. # وقال القاضي: " لعل غرضهم في نزع قميصه عند إلقائه في الجب أن ~~يلطخوه بالدم توكيدا لصدقهم؛ لأنه يبعد أن يفعلوا ذلك طمعا ~~في نفس القميص، ولا بد في المعصية من أن يقرن بهذا الخذلان، فلو خرقوه مع ~~لطخه بالدم، لكان الإيهام أقوى، فلما شاهد يعقوب عليه الصلاة ~~والسلام القميص صحيحا؛ علم كذبهم ". # قال عند ذلك: " فصبر جميل " يجوز أن يكون مبتدأ، وخبره محذوف، أي: ~~صبر جميل أمثل بي، ويجوز أن يكون خبرا محذوف المبتدأ، أي: أمري صبر ~~جميل قال الخليل: الذي أفعله صبر جميل. وقال قطرب: معناه فصبري صبر ~~جميل. # وهل يجب حذف مبتدأ هذا الخبر، أو خبر هذا المبتدأ؟. # وضابطه: أن يكون مصدرا في الأصل بدلا من اللفظ بفعله، فعبارة بعضهم ~~تقتضي الوجوب، وعبارة آخرين تقتضي الجواز، ومن التصريح بخبر هذا ~~النوع، ولكنه في صورة شعر، قوله: [الطويل] # 3068 فقالت على اسم الله أمرك طاعة # وإن كنت قد كلفت ما لم أعود # وقول الشاعر: [الرجز] # 3069 يشكو إلي جملي طول السرى # صبر جميل فكلانا مبتلى # ويحتمل أن يكون مبتدأ أو خبرا كما تقدم. # وقرأ أبي وعيسى بن عمر: " فصبرا جميلا " نصبا، ورويت عن الكسائي ~~وكذلك هي في مصحف أنس بن مالك رضي الله عنه وتخريجها على المصدر ~~الخبري، أي: أصبر أنا صبرا، وهذه القراءة صعيفة إن خرجت هذا التخريج؛ ~~لأن سيبويه لا ينقاس ذلك عنده، إلا في ms4939 الطلب، فالأولى أن يجعل ~~التقدير: أن يعقوب رجع، وأمر نفسه، فكأنه قال: اصبري يا نفس ~~صبرا. # وروي البيت أيضا بالرفع، والنصب على ما تقدم، والأمر فيه ~~ظاهر. # فصل # روى الحسن قال: # " سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله " فصبر جميل " فقال ~~عليه الصلاة والسلام : " صبر لا شكوى فيه، فمن بث لم ~~يصبر " # ، ويدل على ذلك قوله: # إنمآ أشكو بثي وحزني إلى الله # [يوسف:86] وقال مجاهد " فصبر جميل " ، أي: من غير جزع. وقال ~~الثوري: " من الصبر ألا تحدث بوجعك، ولا بمصيبتك ". # وقال ابن الخطيب: " وههنا بحث، وهو أن الصبر على قضاء الله ~~واجب، وأما الصبر على ظلم الظالم، فغير واجب، بل الواجب ~~إزالته لا سيما في الضرر العائد إلى الغير، وههنا أن إخوة يوسف ~~قد ظهر كذبهم، وخيانتهم، فلم صبر يعقوب على ذلك؟ ولم لم يبالغ في ~~التفتيش، ولا البحث عنه، ولا السعي في تخليص يوسف من البلية، ~~والشدة إن كان حيا، وفي إقامة القصاص إن صح أنهم قتلوه فثبت أن ~~الصبر في هذا المقام مذموم ". # ويقوي هذا السؤال أنه عليه الصلاة والسلام كان عالما بأنه ~~حي؛ لأنه قال له: # وكذلك يجتبيك ربك # [يوسف:6]. الظاهر أنه إنما قال هذا الكلام من الوحي، وإذا كان ~~عالما بأنه حي سليم؛ فكان من الواجب أن يسعى في طلبه. # وأيضا: فإن يعقوب عليه الصلاة والسلام كان رجلا عظيم القدر في ~~نفسه، وكان من بيت عظيم شريف، وأهل العالم كانوا يعرفونه، ويعتقدون ~~تعظيمه، فلو بالغ في البحث، والطلب لظهر ذلك، واشتهر، ولزال وجه ~~التلبيس، فما السبب في أنه عليه الصلاة والسلام مع شدة رغبته ~~في حضور يوسف، ونهاية حبه له لم يطلبه مع أن طلبه كان من الواجبات؛ ~~فثبت أن هذا الصبر مذموم عقلا وشرعا. # فالجواب أن نقول: إن الله سبحانه وتعالى منعه من الطلب تشديدا ~~للمحنة عليه، وتغليطا للأمر عليه، وأيضا: لعله عرف بقرائن الأحوال ~~أن أولاده أقوياء، وأنهم لا يمكنونه من الطلب، والفحص، وأنه لو ~~بالغ في البحث فربما أقدموا على إيذائه، وأيضا: ms4940 لعلهن عليه الصلاة ~~والسلام علم أن الله تبارك وتعالى سيصون يوسف عليه الصلاة ~~والسلام عن البلاء والمحنة، وأن أمره سيظهر بالآخرة ولم يرد هتك ~~ستر أولاده، وإلقائهم في ألسنة الناس وذلك لأن أحد الولدين إذا ~~ظلم أخاه، وقع أبوه في العذاب الشديد؛ لأنه إذا لم ينتقم؛ يحترق ~~قلبه على الولد المظلوم، وإن انتقم، احترق قلبه على الولد المنتقم ~~منه، فلما وقع يعقوب في هذه البلية رأى أن الأصوب الصبر، ~~والسكون، وتفويض الأمر بالكلية إلى الله تعالى . # فصل # قال ابن أبي رفاعة " ينبغي لأهل الرأي أن يتهموا رأيهم عند ظن ~~يعقوب عليه الصلاة والسلام وهو نبي حين قال له بنوه: { إنا ~~ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله ~~الذئب } [يوسف:17] فقال: { بل سولت لكم أنفسكم ~~أمرا } [يوسف:18] فأصاب هنا، ثم لما قالوا له: # إن ابنك سرق وما شهدنآ إلا بما علمنا وما ~~كنا للغيب حافظين # [يوسف:81]، قال: # بل سولت لكم أنفسكم # [يوسف:83] فلم يصب ". # فصل # قوله: " فصبر جميل " يدل على أن الصبر قسمان: # أحدهما: جميل، والآخر: غير جميل، فالصبر الجميل هو: أن يعرف أن ~~منزل ذلك البلاء هو الله تعالى ثم يعلم أنه سبحانه ~~مالك الملك، ولا اعتراض على المالك في أن يتصرف في ملكه، فيصير ~~استغراق قلبه في هذا المقام مانعا من الشكاية. # وأيضا: يعلم أن منزل هذا البلاء حليم لا يجهل، عالم لا يغفل، ~~وإذا كان كذلك، فكان كل ما صدر عنه حكمة وصوابا، فعند ذلك يسكت ولا ~~يعترض. # وأما الصبر غير الجميل: فهو الصبر لسائر الأغراض، لا لأجل ~~الرضا بقضاء الله سبحانه وتعالى والضابط في جميع الأقوال ~~والأفعال والاعتقادات: أنه لكما كان لطلب عبودية الله تعالى كان ~~حسنا وإلا فلا. # ثم قال: { والله المستعان على ما تصفون } أي: أستعين ~~بالله على الصبر على ما تكذبون. ### || [12.19-21] # قوله تعالى: { وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم } ~~[الآية:19] واعلم أنه تعالى بين كيف السبيل في خلاص يوسف من ~~تلك المحنة فقال: { وجاءت سيارة }. قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما : أي قوم يسيرون من ms4941 مدين إلى مصر فأخطئوا الطريق، وانطلقوا ~~يهيمون على غير طريق، فهبطوا على أرض فيها جب يوسف، وكان الجب في ~~قفر بعيد من العمران لم يكن إلا للرعاة. وقيل: كان ماؤه ~~ملحا، فعذب حين ألقي يوسف فيه، وأرسلوا واردهم الذي يرد الماء ~~ليستقي للقوم قال القرطبي: " فأرسلوا واردهم " ذكر على ~~المعنى، ولو قال: فأرسلت واردها؛ لكان على لفظ " وجاءت ". والوارد: ~~هو الذي يتقدم الرفقة إلى الماء فيهيىء الأرشية، والدلاء، وكان ~~يقال له: مالك بن دعر الخزاعي. # قوله: { فأدلى دلوه } يقال: أدلى دلوه، أي: أرسلها في ~~البئر، ودلاها إذا أخرجها ملأى؛ قال الشاعر: [الرجز] # 3070 لا تقلواها وادلواها دلوا # إن مع اليوم أخاه غدوا # يقال: أدلى يدلي إدلاء: إذا أرسل، ودلا يدلوا دلوا: إذا ~~أخرج وجذب، والدلو معروفة، وهي مؤنثة، فتصغر على " دلية " ، ~~وتجمع على دلاء، أدل والأصل: دلاو، فقلبت الواو همزة، نحو " كساء ~~" ، و " أدلو " ، فأعل إعلال قاض و " دلوو " بواوين، فقلبا ياءين، ~~نحو " عصي ". # قوله: " يابشراي " ههنا محذوف، تقديره: فأظهروا يوسف، قرأ الكوفيون ~~بحذف ياء الإضافة، وأمال ألف " فعلى " الأخوان وأمالها ورش بين بين ~~على أصله، وعن أبي عمرو الوجهان، ولكن الأشهر عنه عدم الإمالة، وليس ~~ذلك من أصله عن ما قرر في علم القراءات، وقرأ الباقون " يا بشراي ~~" مضافة إلى ياء المتكلم. # فصل # في قوله: " يابشراي " قولان: # الأول: أنها كلمة تذكر عند البشارة، كقولهم: يا عجبا من كذا، ~~وقوله: # يأسفا على يوسف # [يوسف:84] وعلى هذا القول ففي تفسير النداء وجهان: # الأول: قال الزجاج " معنى النداء في هذه الأشياء: تنبيه المخاطبين، ~~وتوكيد القصة، فإذا قلت: يا عجباه، فكأنك قلت: اعجبوا ". # الثاني: قال أبو علي: " كأنه يقول: يا أيتها البشرى هذا الوقت وقتك، ~~ولو كنت ممن يخاطب لخوطبت، ولأمرت بالحضور ". # واعلم أن سبب البشارة: أنهم وجدوا غلاما في غاية الحسن فقالوا: ~~نبيعه بثمن عظيم، ويصير ذلك سببا للغناء. # والقول الثاني: قال السدي: الذي نادى كان اسم صاحبه بشرى فناداه ~~فقال: يا بشراي، كما تقول: " يا زيد ". # وعن الأعمش أنه قال: دعا ms4942 امرأة اسمها بشرى. # قال أبو علي الفارسي إن جعلنا البشرى اسما للبشارة، وهو الوجه؛ جاز ~~أن يكون في محل الرفع، كما قيل: " يا رجل " لاختصاصه بالنداء، ~~وجاز أن يكون موضع نصب على تقدير: أنه جعل هذا النداء شائعا في جنس ~~البشرى، ولم يخص كما تقول: يا رجلا، و # يحسرة على العباد # [يس:30]. # وقرأ ورش عن نافع: " يا بشراي " بسكون الياء، وهو جمع بين ساكنين ~~على غير حده في الوصل، وهذا كما تقدم في # عصاي # [طه:18] وقال الزمخشري: " وليس بالوجه، لما فيه من التقاء الساكنين ~~على غير حده إلا أن يقصد الوقف ". # وقرأ الجحدري، وابن أبي إسحاق، والحسن: " يا بشري " بقلب الألف ~~ياء وإغامها في ياء الإضافة، وهي لغة هذلية، تقدم الكلام عليها في ~~البقرة عند قوله: # فمن تبع هداي # [البقرة:38]. # وقال الزمخشري: " وفي قراءة الحسن: " يا بشري " بالياء مكان الألف ~~جعلت الياء بمنزلة الكسرة قبل ياء الإضافة، وهي لغة للعرب مشهورة، ~~سمعت أهل السروات في دعائهم يقولون: يا سيدي، ومولي ". # قوله: " وأسروه " الظاهر أن الضمير المرفوع يعود على ~~السيارة، وقيل: هو ضمير إخوته، فعلى الأول: أن الوارد، وأصحابه أخفوا ~~من الرفقة أنهم وجدوه في الجب، وقالواك إن قلنا للسيارة التقطناه ~~شاركونا، وإن قلنا: اشتريناه سألونا الشركة، فلا يضر أن نقول: إن ~~أهل الماء جعلوه بضاعة عندنا على أن نبيعه بمصر. # وعلى الثاني: نقل ابن عباس: رضي الله عنهما " وأسروه " يعني ~~إخوة يوسف أخفوا كونه أخاهم، بل قالوا: إنه عبد لنا أبق منا، ~~ووافقهم يوسف على ذلك؛ لأنهم توعدوه بالقتل بلسان العبرانية. # و(بضاعة) نصب على الحال. قال الزجاج كأنه قال: " وأسروه حال ما ~~جعلوه بضاعة " ، وقيل: مفعول ثان على أن يضمن " أسروه " ~~معنى صيروه بالسر. # والبضاعة: هي قطعة من المال تعد للتجارة من بضعت، أي: قطعت ومنه: ~~المبضع لما يقطع به. # ثم قال: { والله عليم بما يعملون } والمعنى: أن يوسف ~~لما رأى الكواكب والشمس، والقمر في النوم سجدت له، وذكر ذلك؛ حسده ~~إخوته، فاحتالوا في إبطال ذلك الأمر عليه، فأوقعوه في ms4943 البلاء ~~الشديد، حتى لا يتم له ذلك المقصود؛ فجعل الله تعالى وقوعه في ذلك ~~البلاء سببا لوصوله إلى " مصر " ، ثم تتابع الأمر إلى أن صار ملك ~~مصر، وحصل ذلك الذي رآه في النوم، فكان العمل الذي عمله إخوته دفعا ~~لذلك المطلوب، صيره الله سببا لحصول ذلك المطلوب، ولهذا المعنى قال: ~~{ والله عليم بما يعملون }. # قوله: { وشروه بثمن بخس دراهم } شرى بمعنى اشترى، قال ~~الشاعر: [الطويل] # 3071 ولو أن هذا الموت يقبل فذية # شريت أبا زيد بما ملكت يدي # وبمعنى: باع؛ قال الشاعر: [مجزوء الكامل] # 3072 وشريت بردا ليتني # من بعد برد كنت هامه # فإن قلنا: المراد من الشراء نفس الشراء، فالمعنى: أن القوم اشتروه، ~~وكانوا فيه من الزاهدين؛ لأنهم علموا بقرائن الأحوال أن إخوة يوسف ~~كذبوا في قولهم: إنه عبد لنا، وأيضا عرفوا أنه ولد يعقوب، ~~فكرهوا أيضا شراءه؛ خوفا من الله تعالى - من ظهور تلك الواقعة، إلا ~~أنهم مع ذلك اشتروه بالآخرة؛ لأنهم اشتروه بمثن بخس، وطمعوا ~~في بيعه بمثن عظيم، ويحتمل أن يقال: إنهم اشتروه مع أنهم أظهروا من ~~أنفسهم كونهم فيه من الزاهدين، وغرضهم أن يتوصلوا بذلك إلى تقليل ~~الثمن، ويحتمل أن يقال: إن الإخوة لما قالوا: إنه عبد أبق منا صار ~~المشتري عديم الرغبة فيه. # قال مجاهد رحمه الله كانوا يقولون: لئلا يأبق. # وإن قلنا: إن المراد من الشراء البيع ففي ذلك البائع قولان: # الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما إن إخوة يوسف لما طرحوه ~~في الجب، ورجعوا عادوا بعد ثلاث يتعرفون خبره، فلما لم يروه في ~~الجب، ورأوا آثار السيارة طلبوهم، فلما رأوا يوسف قالوا: هذا عبد ~~لنا أبق منا فقالوا لهم: فبيعوه منا، فباعوه منهم، وإنما وجب حمل ~~الشراء على البيع؛ لأن الضمير في قوله: " وشروه " وفي قوله: { ~~وكانوا فيه من الزاهدين } عائد إلى شيء واحد، وإذا كان ~~كذلك فهم باعوه؛ فوجب حمل الشراء على البيع. # والثاني: أن بائع يوسف هم الذين استخرجوه من الجب. # وقال محمد بن إسحاق: وربك أعلم أإخوته باعوه، ms4944 أم السيارة؟. # والبخس: الناقص، وهو في الأصل مصدر، وصف به مبالغة. # وقيل: هو بمعنى مفعول، و " دراهم " بدل من " بثمن " ، و " ~~فيه " متعلق بما بعده، واغتفر ذلك للاتساع في الظروف، والجار، أو ~~بمحذوف وتقدم [البقرة:130] مثله. # فصل # اعلم أنه تعالى وصف ذلك الثمن بصفات ثلاث: # إحداها: كونه بخسا، قال ابن عباس رضي الله عنهما : يريد حراما؛ ~~لأن ثمن الحر حرام، وقال: وكل بخس في كتاب الله نقصان إلا ~~هذا فإنه حرام. # قال الواحدي: " سمي الحرام بخسا؛ لأن ناقص البركة ". # وقال قتادة: بخس: ظلم، والظلم نقصان، يقال: ظلمه، أي: نقصه وقال ~~عكرمة والشعبي: قليل. وقيل: ناقص عن القيمة نقصانا ظاهرا وقيل: كانت ~~الدراهم زيوفا ناقصة العيار. # قال الواحدي: وعلى الأقوال كلها، فالبخس مصدر وقع موقع الاسم، ~~والمعنى: بثمن مبخوس. # وثانيها: قوله: { دراهم معدودة } قيل: تعد عدا، ولا توزن ~~إلا أنهم كانوا يزنون إذا بلغ الأوقية، وهي أربعون ويعدون ما دونها. ~~فقيل للقليل معدود، لأن الكثير لا يعد لكثرته، بل يوزن قال ابن عباس، ~~وابن مسعود، وقتادة رضي الله عنهم : كانت عشرين درهما، فاقتسموها ~~درهمين درهمين إلا يهوذا، فإنه لم يأخذ شيئا. # الثالث: أن الذين اشتروه كانوا فيه من الزاهدين، وقد سبق توجيه هذه ~~الأقوال. # وقال مجاهد والسدي: اثنين وعشرين درهما. # فإن قيل: إنهم لما ألقوه في الجب حسدا، فأرادوا تضييعه عن أبييه، ~~فلم باعوه؟. # فالجواب: أنهم لعلهم خافوا أن تذكر السيارة أمره، فيردوه إلى أبيه، ~~لأنه كان أقرب إليهم من مصر. # فإن قيل: هب أنهم أرادوا ببيعه أيضا تبعيده عن أبيه؛ فلم أحل له ~~أخذ ثمنه؟. # فالجواب: أن الذي اشترى يوسف كان كافرا، وأخذ مال الكافر حلال. # وثالثها: قوله: { وكانوا فيه من الزاهدين } ومعنى الزهد: ~~قلة الرغبة، يقال زهد فلان في كذا إذا لم يرغب فيه، وأصله من القلة، ~~يقال: رجل زهيد، إذا كان قليل الجدة، وفيه وجوه: # الأول: أن إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام باعوه؛ لأنهم كانوا فيه ~~من الزاهدين, # الثاني: أن السيارة كانوا فيه من الزاهدين؛ لأنهم التقطوه، ~~والملتقط ms4945 يتهاون، ولا يبالي بأي شيء يباع، أو لأنهم خافوا أن ~~يظهر المستحق، فينزعه من يدهم، فلا جرم باعوه بالأوكس من الأثمان. # والضمير في قوله: " فيه " يحتمل أن يعود إلى يوسف، ويحتمل أن يعود إلى ~~الثمن البخس. # فصل # قال القرطبي: " في الآية دليل على شراء الشيء الخطير بالثمن ~~اليسير، ويكون البيع لازما ". # قوله: { وقال الذي اشتراه } [الآية:21] اعلم أنه ثبت أن ~~الذي اشتراه [إما] من الإخوة، وما من الواردين على الماء ذهب به إلى مصر ~~وباعه. # قيل: إن الذي اشتراه هو العزيز، كان اسمه " قطفير " ، وقيل: إطفير ~~الذي يلي خزائن مصر، والملك يومئذ: الريان بن الوليد، رجل من ~~العماليق، وقد آمن بيوسف، ومات في حياة يوسف عليه الصلاة والسلام ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما دخلوا مصر تلقى العزيز مالك بن دعر ~~فابتاع منه يوسف، وهو ابن سبع عشرة سنة، [وأقام في منزله ثلاث عشرة سنة، ~~وقيل: سبع عشرة سنة]، واستوزره الريان، وهو ابن ثلاثين سنة، وآتاه ~~الله العلم، والحكم، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وتوفي، وهو ابن مائة ~~وعشرين سنة. # وقال الذي اشتراه من مصر لا مرأته قيل: كان اسمها زليخا وقيل: " راعيل ~~". قال ابن كثير: " الظاهر أن زليخا لقبها ". # قوله: " من مصر " يجوز فيه أوجه: # أحدها: أن يتعلق بنفس الفعل قبله، أي: اشتراه من مصر، كقوله: ~~اشتريت الثوب من بغداد، فهي لابتداء الغاية، وقول أبي البقاء: ~~أي: " فيها، أو بها " لا حاجة إليه. # والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من " الذي ". # والثالث: أنه حال من الضمير المرفوع في: " اشتراه " فيتعلق بمحذوف ~~أيضا. # وفي هذين نظر؛ إذ لا طائل في هذا المعنى. # و " لامرأته " متعلق ب " قال " فهي للتبليغ، وليست متعلقة ب " ~~اشتراه ". # قوله: " أكرمي مثواه " ، أي: منزله، ومقامه عندك، من قولك: ثويت ~~بالمكان، إذا أقمت فيه، ومصدره الثواء، والمعنى: اجعلي منزلته عندك ~~كريما حسنا مرضيا، بدليل قوله تعالى: # إنه ربي أحسن مثواي # [يوسف:23] قال المحققون: أمر العزيز امرأته بإكرام مثواه دون إكرام ~~نفسه، يدل على أنه كان ms4946 ينظر إليه على سبيل الإجلال، والتعظيم. # { عسى أن ينفعنآ } أي: نبيعه بالربح إذا أردنا بيعه، أو ~~يكفينا إذا بلغ بعض أمورنا { أو نتخذه ولدا } نتبناه. # قال ابن مسعود: " أفرس الناس ثلاثة: العزيز في يوسف حيث قال ~~لامرأته: { أكرمي مثواه عسى أن ينفعنآ } [يوسف:21] وابنة ~~شعيب حين قالت لأبيها في موسى: # استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين # [القصص:26]، وأبو بكر في عمر حين استخلفه ". # قوله: { وكذلك مكنا ليوسف } الكاف كما تقدم في نظائره ~~حال من ضمير المصدر، أو نعت له، أي: ومثل ذلك الإنجاء من الجب والعطف ~~مكنا له، أي: كما أنجيناه، وعطفنا عليه العزيز مكنا له في أرض مصر، ~~أي: صار متمكنا من الأمر والنهي في أرض مصر، وجعلناه على خزائنها. # قوله: { ولنعلمه من تأويل الأحاديث } وهي تعبير ~~الرؤيا. واللام في " ولنعلمه " فيها أوجه: # أحدها: أن تتعلق بمحذوف قبله، أي: وفعلنا ذلك لنعلمه. # والثاني: أنها تتعلق بما بعده، أي: ولنعلمه، فعلنا كيت، وكيت. # [الثالث: أن يتعلق ب " مكنا " على زيادة الواو]. # قوله: { والله غالب على أمره } الهاء في " أمره " يجوز ~~أن تعود على الجلالة أي: أنه تعالى : # فعال لما يريد # [البروج:16] لا يغلبه شيء، ولا يرد حكمه راد، لا دافع لقضائه، ولا ~~مانع من حكمه في أرضه، وسمائه. ويجوز أن تعود على يوسف، أي: أنه يدبره، ~~ولا يكله إلى غيره، فقد كادوه إخوته، فلم يضروه بشيء { ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون } أن الأمر كله بيد الله. ### || [12.22] # قوله تعالى: { ولما بلغ أشده } الآية لما بين تعالى ~~أن إخوته لما أساءوا إليه ثم صبر على تلك الإساءة، والشدائد ~~مكنه الله في الأرض، ثم لما بلغ أشده آتاه الله الحكم، والعلم، ~~والمقصود أن جميع ما قام به من النعم كان جزاء على صبره. # قوله: " أشده " فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: وهو قول سيبويه: أنه جمع مفرده شدة، نحو نعمة وأنعم. # الثاني: قول الكسائي أن " أشده " مفردة: " شد " بزنة " فعل " نحو: ~~" صك " ، وأصك " ويؤيده قول الشاعر: [الكامل] # 3073 عهدي بها شد النهار كأنما ms4947 # خضب البنان ورأسه بالعظلم # والثالث: أنه جمع لا واحد له من لفظه، قاله أبو عبيدة، وخالفه الناس في ~~ذلك، وقد سمع " شده وشد " وهما صالحان له، وهو من الشد، وهو ~~الربط على الشيء، والعقد عليه. # قال الراغب: وقوله تعالى: # حتى إذا بلغ أشده # [الأحقاف:15] فيه تنبيه على أن الإنسان، إذا بلغ هذا القدر استوى ~~خلقه الذي هو عليه، فلا يكاد يزايله، ما أحسن ما [نبه له] الشاعر حين ~~قال: [الطويل] # 3074 إذا المرء وافي الأربعين ولم يكن # له دون ما يهوى حياء و لا ستر # فدعه ولا تنفس عليه الذي مضى # وإن جر أسباب الحياة له العمر # والأشد: منتهى شبابه، وشدته، وقوته. قال مجاهد عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما: ثلاثا وثلاثين سنة. وقال السدي: ثلاثين سنة وقال ~~الضحاك: " عشرين سنة ". وقال الكلبي: ما بين ثماني عشرة سنة إلى ~~ثلاثين سنة. # وسئل مالك رضي الله عنه عن الأشد قال: هو الحلم، وقد تقدم الكلام ~~على الأشد في سورة الأنعام عند قوله: # حتى يبلغ أشده # [الأنعام:152]. # قوله: { ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما } ~~فالحكم: النبوة، والعلم: التفقه في الدين، وقيل: يعني: إصابة في ~~القول، وعلما [بتفاصيل] الرؤيا. وقيل: الفرق بين الحكيم والعالم: ~~أن العالم هو الذي يعلم الأشياء، والحكيم: الذي يحكم بما يوجبه ~~العلم. # قوله: " وكذلك " إما نعت لمصدر محذوف، أو حال من ضمير المصدر، ~~وتقدم نظائره. # { نجزي المحسنين } قال ابن عباس رضي الله عنهما : ~~المؤمنين، وعنه أيضا: المهتدين. وقال الضحاك: الصابرين على النوائب ~~كما صبر يوسف. ### || [12.23-29] # قوله تعالى: { وراودته التي هو في بيتها عن نفسه ~~} [الآية:23] أعلم أن يوسف عليه الصلاة والسلام كان في غاية ~~الجمال، فلما رأته المرأة؛ طمعت فيه. # " وراودته " ، أي طالبته برفق ولين قول، والمراودة: المصدر، ~~والريادة: طلب النكاح، يقال: راود فلان جاريته عن نفسها، ~~وراودته عن نفسه، إذا حاول كل واحد منها الوطء، ومشى رويدا، أي: ~~برفق في مشيته، والرود: الرفق في الأمور، والتأني فيها، ~~وراودت المرأة في مشيها ترود رودانا من ذلك. # والمرودة هذه ms4948 الآية منه، والإرادة منقولة من راد يرود إذا سعى ~~في طلب حاجة، وتقدم ذلك في البقرة:[26]. # وتعدى هنا ب " عن "؛ لأنه ضمن معنى خادعته، أي: خادعته عن نفسه، ~~والمفاعلة هنا من الواحد، نحو: داويت المريض، ويحتمل أن تكون على ~~بابها، فإن كلا منهما كان يطلب من صاحبه شيئا برفق، هي تطلب منه ~~الفعل، وهو يطلب منها الترك. # والتشديد في " غلقت " للتكثير لتعدد المحال، أي: أغلقت الأبواب ~~وكانت سبعة. # قال الواحدي: " وأصل هذا من قولهم في كل فعل تشبث في شيء فلزمه قد ~~غلق، يقال: غلق في الباطل، وغلق في غضبه، ومنه غلق الرهن ثم يعدى بالألف، ~~فيقال: أغلق الباب إذا جعله بحيث يعسر فتحه، والسبب في تغليق الأبواب ~~أن [هذا الفعل] لا يؤتى به إلا في المواضع المستورة لا سيما إذا ~~كان حراما، ومع الخوف الشديد ". # قوله: " هيت لك " اختلف أهل النحو في هذه اللفظة، هل هي عربية ~~أم معربة؟. # فقيل: معربة من القبطية بمعنى: هلم لك، قاله السدي. وقيل: من ~~السريانية، قاله ابن عباس، والحسن. وقيل: من العبرانية، وأصلها: ~~هيتلخ أي: تعاله فعربه القرآن، قاله أبو زيد الأنصاري. وقيل: هي لغة ~~حورانية وقعت [إلى أهل] الحجاز، فتكلموا بها، معناها: تعال، قاله ~~الكسائي والفراء، وهو منقول عن عكرمة. والجمهور على أنها عربية. # قال مجاهد: هي كلمة حث، وإقبال. ثم هي في بعض اللغات تتعين ~~فعليتها وفي بعضها اسميتها، وفي بعضها يجوز الأمران كما ستعرفه من ~~القراءات المذكورة فيها. # فقرأ نافع، وابن ذكوان: " هيت " بكسر الهاء، وسكون الياء، وفتح ~~التاء. # وقرأ ابن كثير " هيت " بفتح الهاء، وسكون الياء، وتاء مضمومة. وقرأ ~~هشام " هئت " بكسر الهاء، وهمزة ساكنة، وتاء مفتوحة، أو مضمومة. وقرأ ~~الباقون: " هيت " بفتح الهاء، وياء ساكنة، وتاء مفتوحة. فهذه خمس ~~قراءات في السبع. # وقرأ ابن عباس، وأبو الأسود، والحسن، وابن محيصن بفتح الهاء، وياء ~~ساكنة وتاء مكسورة. وحكى النحاس: أنه قرىء بكسر الهاء والتاء بينهما ياء ~~ساكنة. # وقرأ ابن عباس رضي الله عنه أيضا: " هييت " بضم الهاء، وكسر ~~الياء ms4949 بعدها ياء ساكنة ثم تاء مضمومة بزنة " حييت ". وقرأ زيد بن ~~علي، وابن إبي إسحاق: بكسر الهاء، وياء ساكنة، وتاء مضمومة، فهذه أربع ~~قراءات في الشاذ، فصارت تسع قراءات. # وقرأ السلمي، وقتادة بكسر الهاء وضم التاء مهموزا، يعنى تهيأت لك، ~~وأنكره أبو عمرو، والكسائي، ولم يحك هذا عن العرب، فيتعين كونها اسم ~~فعل في غير قراءة ابن عباس " هييت " بزنة، " حييت " وفي غير ~~قراءة كسر الهاء سواء كمان ذلك بالياء، أم بالهمز، فمن فتح التاء بناها ~~على الفتح تخفيفا، نحو: أين، وكيف، ومن ضمها كابن كثير شبهها ب " ~~حيث " ، ومن كسر فعلى أصل التقاء الساكنين ك: " جير " ، وفتح ~~الهاء، وكسرها لغتان، ويتعين فعليتها في قراءة ابن عباس " هييت " ~~بزنة: " حييت " فإنها فيها فعل ماض مبني للمفعول مسند لضمير ~~المتكلم من " هيأت الشيء ". # ويحتمل الأمرين في قراءة من كسر الهاء، وضم التاء، فتحتمل أن تكون فيه ~~اسم فعل [بنيت على] الضم، ك " حيث " ، وأن تكون فعلا مسندا لضمير ~~المتكلم، من: هاء الرجل يهيء، ك " جاء يجيء " ، وله حينئذ ~~معنيان: # أحدهما: أن يكون بمعنى: حسنت هيئته. # والثاني: أن يكون بمعنى تهيأ، يقال: " هيئت، أي: حسنت ~~هيئتي، أو تهيأت ". # وجواز أبو البقاء: أن تكون " هئت " هذه من: " هاء يهاء " ك " ~~شاء يشاء ". # وقد طعن جماعة على قراءة هشام التي بالهمز، وفتح التاء، فقال ~~الفارسي: يشبه أن يكون الهمز وفتح التاء وهما من الراوي؛ لأن الخطاب ~~من المرأة ليوسف، ولم يتهيأ لها بدليل قوله: " وراودته " ، و " ~~أني لم أخنه بالغيب " ، وتابعه على ذلك جماعة. وقال مكي بن ~~أبي طالب: " يجب أن يكون اللفظ " هئت لي " أي: تهيأت لي، ولم ~~يقرأ بذلك أحد، وأيضا: فإن المعنى على خلافه؛ لأنه [لم يزل] يفر ~~منها، ويتباعد عنها، وهي تراوده، وتطلبه، وتقد قميصه، فكيف تخبر أنه ~~تهيأ لها؟ ". # وأجاب بعضهم عن هذين الإشكالين بأن المعنى: تهيأ لي أمرك لأنها لم تكن ~~تقدر على الخلوة به في كل وقت، أو يكون المعنى: حسنت هيأتك. و " ~~لك " متعلق بمحذوف على ms4950 سبيل البيان، كأنها قالت: القول لك، أو الخطاب ~~لك، كهي في " سقيا لك ورعيا لك ". # قال شهاب الدين: " واللام متعلقة بمحذوف على كل قراءة إلا ~~قراءة ثبت فيها كونها فعلا، فإنها حينئذ تتعلق بالفعل، إذ لا حاجة ~~إلى تقدير شيء آخر ". # وقال أبو البقاء: " والأشبه أن تكون الهمزة بدلا من الياء، أو تكون ~~لغة في الكلمة التي هي اسم للفعل، وليست فعلا، لأن ذلك يوجب أن يكون ~~الخطاب ليوسف عليه الصلاة والسلام ". وهو فاسد لوجهين: # أحدهما: أنه لم يتهيأ لها، وإنما تهيأت له. # الثاني: أنه قال: " لك " ، ولو أراد الخطاب لقال: " هئت لي " ، ~~وتقدم جوابه وقوله: " إن الهمزة بدل من الياء ". هذا عكس لغة العرب، ~~إذ قد عهدناهم يبدلون الهمزة الساكنة ياء إذا انكسر ما قبلها، نحو: " ~~بير " و " ذيب " ولا يقلبون الياء المكسور ما قبلها همزة، نحو: ميل، ~~وديك، وأيضا: فإن غيره جعل الياء الصريحة مع كسر الهاء كقراءة ~~نافع، وابن ذكوان محتملة؛ لأن تكون بدلا من الهمزة، قالوا فيعود ~~الكلام فيها، كالكلام في قراءة هشام. # واعلم أن القراءة التي استشكلها الفارسي هي المشهورة عن هشام، ~~وأما ضم التاء فغير مشهور عنه. # ثم إنه تعالى أخبر أن المرأة لما ذكرت هذا الكلام، قال يوسف ~~ عليه الصلاة والسلام { معاذ الله إنه ربي أحسن ~~مثواي } " معاذ الله " منصوب على المصدر بفعل محذوف، أي: أعوذ ~~بالله معاذا، يقال: عاذ يعوذ عياذا [وعياذة]، ومعاذا، ~~وعوذا؛ قال: [الطويل] # 3075 معاذ الإله أن تكون كظبية # ولا دمية ولا عقيلة ربرب # قوله " إنه " يجوز أن تكون الهاء ضمير الشأن، وما بعده جملة خبرية ~~له، ومراده بربه: سيده، ويحتمل أن تكون الهاء ضمير الباري تعالى، و " ~~ربي " يحتمل أن يكون خبرها، و " أحسن " جملة حالية لا زمة، وأن ~~تكون مبتدأ، " وأحسن " جملة خبرية له، والجملة خبر ل " إن " وقرأ ~~الجحدري، وأبو الطفيل الغنوي " مثوي " بقلب الألف ياء، وإدغامها ك ~~" بشري " و " هدي ". # و: { إنه لا يفلح } هذه الهاء ضمير الشأن ليس إلا؛ فعلى ~~قولنا: إن الضمير في ms4951 قوله: { إنه ربي } يعود إلى زوجها قطفير، ~~أي: إنه ربي سيدي، ومالكي أحسن مثواي حين قال لها: { أحسن ~~مثواي } ، فلا يليق بالعقل أن أجازيه على ذلك الإحسان بهذه الخيانة ~~القبيحة وقيل: إنها راجعة إلى الله تبارك وتعالى أي: أن الله ربي ~~أحسن مثواي، أي: تولاني، ومن بلاء الجب عافاني: { إنه لا ~~يفلح الظالمون } يعني: إن فعلت هذا فخنته في أهله بعدما أكرم ~~مثواي، فأنا ظالم، ولا يفلح الظالمون. # وقيل: أراد الزناة؛ لأنهم ظالمون لأنفسهم؛ لأن عملهم يقتضي وضع الشيء ~~في غير موضعه. # فصل # ذكر ابن الخطيب هاهنا سؤالات: # الأول: أن يوسف عليه الصلاة والسلام كان حرا، وما كان عبدا، ~~فقوله: { إنه ربي } يكون كذبا، وذلك ذنب وكبيرة. # والجواب: أنه عليه الصلاة والسلام أجرى هذا الكلام بحسب الظاهر على ~~وفق ما كانوا يعتقدون فيه من كونه عبدا. # وأيضا: إنه ربه، وأنعم عليه بالوجوه الكثيرة، فعنى بقوله: { إنه ~~ربي } كونه مربيا وهو من باب المعاريض الحسنة، فإن الظاهر ~~يحملونه على كونه ربا، وهو كأنه يعني به أنه كان مربيا له ومنعما ~~عليه. # السؤال الثاني: ذكر يوسف عليه الصلاة والسلام في الجواب في كلامه ~~ثلاثة أشياء: # أحدها: قوله: " معاذ الله ". # والثاني: قوله: { إنه ربي أحسن مثواي }. # والثالث: قوله: { إنه لا يفلح الظالمون } فما وجه تعلق ~~هذه الجوابات بعضها ببعض؟. # والجواب: هذا الترتيب في غاية الحسن؛ لأن الانقياد لأمر الله تعالى ~~وتكاليفه أهم الأشياء لكثرة إنعامه، وألطافه في حق العبد، فقوله: { ~~معاذ الله } إشارة أن حق الله يمنع من هذا العمل. # وأيضا: حقوق الخلق واجبة الرعاية، فلما كان هذا الرجل قد أنعم في حقي، ~~فيقبح معامله [إنعامه] بالإساءة. # وأيضا: صون النفس عن الضرر واجب، وهذه اللذة قليلة، ويتبعها ~~خزي في الدنيا وعذاب في الآخرة، وهذه اللذة القليلة إذا تبعها ضرر ~~شديد؛ ينبغي تركها والاحتراز عنها، لقوله: { إنه لا يفلح ~~الظالمون } فهذه الجوابات الثلاثة مرتبة على أحسن وجوه: الترتيب. # السؤال الثالث: هل يدل قوله عليه الصلاة والسلام " معاذ الله " ~~على صحة القضاء والقدر؟. # والجواب: أنه ms4952 يدل دلالة ظاهرة؛ لأنه طلب من الله أن يعيذه من العمل، ~~وتلك الإعاذة ليست عبارة من لفظ الفعل، والقدرة وإزاحة الأعذار، وإزالة ~~الموانع وفعل الألطاف؛ لأن كل هذا قد فعله الله تعالى ، فيكون طلبه ~~إما طلبا لتحصيل الحاصل، أو طلبا لتحصيل الممتنع، وأنه محال، ~~فعلمنا أن تلك الإعاذة التي طلبها يوسف من الله تعالى لا معنى لها ~~إلا أن يخلق فيه داعية جازمة في جانب الطاعة، وأن يزيل عن قلبه داعية ~~المعصية، وهو المطلوب. # ويدل على ذلك: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وقع بصره على زينب قال: " يا ~~مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " # وكان المراد منه تقوية داعية الطاعة، وإزالة داعية المعصية، فكذا هنا. # وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام : # " قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن " # قال: والمراد من الأصبعين: داعية الفعل وداعية الترك، وهاتان ~~الداعيتان لا يحصلان إلا بخلق الله تعالى وإلا لافتقرت ~~إلى داعية أخرى، ولزم التسلسل؛ فثبت أن قول يوسف عليه الصلاة ~~والسلام : " معاذ الله " من أدل الدلائل على صحة القول ~~بالقضاء، والقدر. # قوله تعالى: { ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى ~~برهان ربه } [الآية:24] جواب " لولا " ما تقدم عليها، وقوله: ~~" وهم بها " عند من يجيز تقديم جواب أدوات الشرط عليها، وإما محذوف ~~لدلالة هذا عليه عند من لا يرى ذلك، وقد تقدم تقرير المذهبين مرارا، ~~كقولهم: " أنت ظالم إن فعلت " ، أي: فعلت، فأنت ظالم، ولا تقول: ~~إن " أنت ظالم " هو الجواب، بل دل عليه دليل، وعلى هذا فالوقف عند ~~قوله: " برهان ربه " والمعنى: لولا رؤيته برهان ربه لهم بها، ~~لكنه امتنع همه بها لوجود رؤية برهان ربه، فلم يحصل منه هم ~~ألبتة، كقولك: لولا زيد لأكرمتك، فالمعنى: إن الإكرام ممتنع لوجود ~~زيد، وبهذا يتخلص من الإشكال الذي يورد، وهو: كيف يليق بنبي أن يهم ~~بامرأة. # قال الزمخشري: " فإن قلت: قوله: " وهم بها " داخل تحت القسم في ~~قوله: { ولقد همت به } أم خارج عنه؟. قلت: الأمران جائزان، و ~~من حق القارىء إذا قصد ms4953 خروجه من حكم القسم، وجعله كلاما برأسه أن يقف ~~على قوله: { ولقد همت به } ويبتدىء قوله: { وهم بها ~~لولا أن رأى برهان ربه } ، وفيه أيضا إشعار بالفرق بين ~~الهمين. # فإن قلت: لم جعلت جواب " لولا " محذوفا يدل عليه: " هم بها ~~" ، وهلا جعلته هو الجواب مقدما؟. # قلت: لأن " لولا " لا يتقدم عليها جوابها من قبل أنه في حكم الشرط، ~~وللشرط صدر الكلام، وهو وما في حيزه مم الجملتين، مثل كلمة واحدة، ~~ولا يجوز تقديم بعض الكلمة على بعض، وأما حذف بعضها إذا دل عليه ~~دليل؛ فهو جائز ". # فقوله: " وأما حذف بعضها....إلخ " جواب عن سؤال مقدر، وهو أنه إذا ~~كان جواب الشرط مع الجملتين بمنزلة كلمة؛ فينبغي أن لا يحذف منهما ~~شيء؛ لأن الكلمة لا يحذف منها شيء. # فأجاب بأنه يجوز إذا دل دليل على ذلك، وهو كما قال، ثم قال: فإن ~~قلت لم جعلت " لولا " متعلقة ب " هم بها " وحدة، ولم تجعلها ~~متعلقة بجملة قوله: { ولقد همت به وهم بها }؛ لأن الهم ~~لا يتعلق بالجواهر، ولكن بالمعاني، ولا بد من تقدير المخالطة، والمخالطة ~~لا تكون إلا من اثنين معا، فكأنه قيل: هما بالمخالطة لولا أن منع ~~مانع أحدهما؟ # قلت: نعم ما قلت: ولكن الله سبحانه وتعالى قد جاء بالهمين على سبيل ~~التفصيل حيث قال: { ولقد همت به وهم بها } اه. # والزجاج لم يرتض هذه المقالة، أي: كون قوله: " لولا " متعلقة ب " ~~هم بها " فإنه قال: ولو كان الكلام " لهم بها " لكان بعيدا، ~~فيكف مع سقوط الكلام؟ [يعني] الزجاج أنه: لا جائز أن يكون " هم ~~بها " جوابا ل: " لولا "؛ لأنه لو كان جوابها لاقترن باللام؛ ~~لأنه مثبت، وعلى تقدير أنه كان مقترنا باللام كان يبعد من جهة ~~أخرى، وهي تقديم الجواب عليها. # وجواب ما قاله الزجاج: ما تقدم عن الزمخشري من أن الجواب محذوف مدلول ~~عليه بما تقدم. # وأما قوله: [ولو كان] الكلام: " ولهم بها " فغير لازم؛ لأنه متى ~~كان جواب " لو " ، و " لولا " مثبتا جاز فيه الأمران: اللام ~~وعدمها، وإن كان ms4954 الإتيان باللام هو الأكثر. # وتابع ابن عطية في هذا المعنى فقال: " قول من قال: إن الكلام قد ~~تم في قوله: { ولقد همت به } ، وأن جواب " لولا " في ~~قوله: " وهم بها "؛ وأن المعنى: لولا أن رأى البرهان لهم بها، فلم ~~يهم يوسف عليه الصلاة والسلام قال: وهذا قول يرده لسان العرب، ~~وأقوال السلف ". # فقوله: " يرده لسان العرب " فليس كذلك؛ لأن وزن هذه الآية قوله: # إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها # [القصص:10] فقوله: { إن كادت } إما أن تكون جوابا عند من يرى ~~ذلك، وإما أن يكون دالا على الجواب، وليس فيه خروج عن كلام العرب، ~~هذا ما رد عليه أبو حيان. # وكأن ابن عطية إنما يعني بالخروج عن لسان العرب تجرد الجواب من ~~اللام على تقدير جواز تقديمه، والغرض أن اللام لم توجد. # فصل # الهم هو المقاربة من الفعل من غير دخول فيه، فهمها: عزمها على ~~المعصية، وأما همه: فروي عن أبن عباس رضي الله عنهما أنه ~~حل الهميان، وجلس منها مجلس الخاتن. # وعن مجاهد رحمه الله أنه حل سراويله، وجعل يعالج ثيابه، وهذا ~~قول سعيد بن جبير، والحسن، وأكثر المتقدمين رضي الله عنهم . # وقيل غير ذلك. # وقال أكثر المتأخرين: إن هذا لا يليق بحال الأنبياء عليه الصلاة ~~والسلام وقالوا: تم الكلام عند قوله: { ولقد همت به } ، ~~ابتدأ الخبر عن يوسف فقال: { وهم بها لولا أن رأى برهان ~~ربه } على التقديم، والتأخير، أي: لولا أنه رأى برهان ربه لهم ~~بها، لكنه رأى البرهان، فلم يهم. # قال البغوي: " وأنكره النحاة، وقالوا: إن العرب لا تؤخر " ~~لولا " عن الفعل فلا يقولون: قمت لولا زيد، وهي تريد: لولا زيد ~~لقمت ". # وذكر ابن الخطيب عن الواحدي أنه قال في البسيط: " قال المفسرون: ~~هم يوسف أيضا بالمرأة هما صحيحا، وجلس منها مجلس الرجل من المرأة ~~فلما رأى البرهان من ربه؛ زالت كل شهوة عنه. # قال أبو جعفر الباقر بإسناده عن علي كرم الله وجهه أنه قال: ~~طمعت فيه، وطمع فيها ". # ثم إن الواحدي طول ms4955 في كلمات عارية عن الفائدة في هذا الباب، ولم ~~يذكر فيما احتج به حديثا صحيحا يعول عليه في هذه المقالة، وروي ~~أن يوسف عليه الصلاة والسلام لما قال: # ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب # [يوسف:52] قال له جبريل عليه السلام: ولا حين هممت يا يوسف فقال عند ~~ذلك: " وما أبرىء نفسي ". # وقال بعض العلماء رضي الله عنهم : الهم همان: # هم يخطر بالبال من غير أن يبرز إلى الفعل. # وهم يخطر بالبال، ويبرز إلى الفعل، فالأول مغفور، والثاني: غير ~~مغفور إلا أن يشاء الله، ويشهد لذلك قوله تعالى: { ولقد همت ~~به وهم بها } ، فهمه عليه الصلاة والسلام كان خطورا ~~بالبال من غير أن يخرج إلى الفعل، وهمها خرج إلى الفعل بدليل أنها { ~~وغلقت الأبواب وقالت هيت لك } [يوسف:23]، { وقدت ~~قميصه من دبر } [يوسف:25]. # ويشهد للثاني قوله عليه الصلاة والسلام # " إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في ~~النار، فقيل يا رسول الله هذا القاتل فما بال ~~المقتول؟ قال: لأنه كان حريصا على قتل صاحبه ". # قال ابن الخطيب: وقال المحققون من المفسرين، والمتكلمين: إن ~~يوسف عليه الصلاة والسلام كان بريئا من العمل الباطل، ~~والهم المحرم، وبه نقول، وعنه نذب، والدلائل الدالة على ~~وجوب عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مذكورة مقررة ونزيد ~~هاهنا وجوها: # الأول: أن الزنا من منكرات الكبائر، والخيانة في معرض الأمانة ~~أيضا من منكرات الذنوب وأيضا: الصبي إذا تربى في حجر الإنسان، ~~وبقي مكفي المؤنة، مصون العرض من أول صباه إلى زمان شبابه، وكما ~~قوته، فإقدام هذا الصبي على إيصال أقبح أنواع الإساءة إلى ذلك المنعم ~~المفضل من منكرات الأعمال، وإذا ثبت هذا فنقول: إن هذه المعصية إذا ~~نسبوها إلى يوسف عليه الصلاة والسلام كانت موصوفة بجميع الجهالات، ~~ومثل هذه المعصية إذا نسيت إلى أفسق خلق الله، وأبعدهم من كل حسن، ~~لا ستنكف منه، فكيف يجوز إسناده إلى الرسول المؤيد بالمعجزات ~~الباهرة مع قوله تعالى: { كذلك لنصرف عنه السوء ~~والفحشآء } وأيضا فلا يليق بحكمة الله تعالى وذلك يدل على أن ~~ماهية ms4956 السوء، وماهية الفحشاء مصروفة عنه، والمعصية التي نسبوها إليه ~~أعظم أنواع السوء، والفحشاء، وأيضا فلا يليق بحكمة الله تعالى أن ~~يحكي عن إنسان إقدامه على معصية، ثم يمدحه، ويثني عليه بأعظم المدائح ~~والأثنية عقيب ما حكى عنه ذلك الذنب العظيم، فإن مثاله ما إذا حكى ~~السطان عن بعض عبيده أقبح الذنوب، وأفحش الأعمال، ثم يذكره بالمدح ~~العظيم، والثناء البالغ عقيبه، فإن ذلك مستنكر جدا، فكذا هاهنا. # وأيضا: فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام متى صدرت عنهم زلة، أو ~~هفوة؛ استعظموا ذلك، وأتبعوه بإظهار الندامة، والتوبة، والتواضع، ~~ولو كان يوسف أقدم ههنا على هذه الكبيرة المنكرة، لكان من المحال أن لا ~~يتبعها بالتوبة، والاستغفار، ولو أتى بالتوبة لحكى الله ذلك عنه ~~كما في سائر المواضع، وحيث لم يقع شيء من ذلك علمنا أنه ما صدر عنه في ~~هذه الواقعة ذنب، ولا معصية. # وأيضا: فكل من كان له تعلق بهذه الواقعة، فقد شهد ببراءة يوسف عليه ~~الصلاة والسلام عن المعصية، والذين لهم تعلق بهذه الواقعة: يوسف ~~والمرأة وزوجها، والنسوة الشهود، ورب العالم، وإبليس. # فأما يوسف صلوات الله وسلامه عليه فادعى أن الذنب للمرأة ~~وقال: { هي راودتني عن نفسي } [يوسف:26] و # قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه # [يوسف:33] وأما المرأة، فاعترفت بذلك، وقالت للنسوة: # ولقد راودته عن نفسه فاستعصم # [يوسف:32] وقالت: # الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه ~~لمن الصادقين # [يوسف:51] وأما زوج المرأة فقوله: { إنه من كيدكن إن ~~كيدكن عظيم يوسف أعرض عن هذا واستغفري ~~لذنبك } [يوسف:28 29]. # وأما الشهود فقوله تعالى: { وشهد شاهد من أهلهآ إن ~~كان قميصه قد من قبل } [يوسف:26]. # وأما شهادة الله تعالى بذلك فقوله: { كذلك لنصرف عنه ~~السوء والفحشآء إنه من عبادنا المخلصين } ~~[يوسف:24] فقد شهد الله تعالى في هذه الآية على طهارته أربع مرات: # أولها: قوله: { لنصرف عنه السوء }. # وثانيها: قوله: { لنصرف عنه السوء والفحشآء }. # والثالث: قوله: { إنه من عبادنا } مع أنه تعالى قال: # وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ~~وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا ms4957 سلاما # [الفرقان:63]. # والرابع: قوله: " المخلصين " ، وفيه قراءتان تارة باسم الفاعل، ~~وأخرى باسم المفعول وهذا يدل على أن الله تعالى استخلصه لنفسه، ~~واصطفاه لحضرته، وعلى كل [وجه] فإنه أدل الألفاظ على كونه منزها ~~عما أضافوه إليه. # وأما إقرار إبليس بطهارته فقوله: # فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم ~~المخلصين # [ص:8283] فهذا إقرار من إبليس بأنه ما أغواه، وما أضله عن طريق ~~الهدى، فثبت بهذه الدلائل أن يوسف عليه الصلاة والسلام بريء ~~عما يقوله هؤلاء. # وإذا عرفت هذا فنقول: الكلام على ظاهر هذه الآية [يقع] في مقامين: # المقام الأول: أن نقول: إن يوسف عليه الصلاة والسلام ما هم بها، ~~لقوله تعالى: { وهم بها لولا أن رأى برهان ربه } ، ~~وجواب " لولا " ههنا مقدم، وهو كما يقال: قد كنت من الهالكين لولا ~~أن فلانا خلصك، وطعن الزجاج في هذا الجواب من وجهين: # الأول: أن تقديم جواب " لولا " شاذ، وغير موجود في الكلام ~~الفصيح. # الثاني: [أن] " لولا " يجاب جوابها باللام، فلو كان الأمر على ~~ما ذكرتم لقال: ولقد همت به، ولهم بها لولا. # وذكر غير الزجاج سؤالا ثالثا، وهو: أنه لو لم يوجد الهم لما كان ~~لقوله: { لولا أن رأى برهان ربه } فائدة. # واعلم أن ما ذكره الزجاج بعيد؛ لأنا [لا] نسلم أن تأخير ~~جواب " لولا " حسن جائز، إلا أن جوازه لا يمنع من جواز تقديم هذا ~~الجواب، فكيف وقد نقل عن سيبويه أنه قال: " إنهم يقدمون الأهم ~~فالأهم " ، والذي هم بشأنه أعنى؛ فكان الأمر في جواز التقديم، ~~والتأخير مربوطا بشدة الاهتمام، فأما تعيين بعض الألفاظ ~~بالمنع، فذلك مما لا يليق بالحكمة، وأيضا ذكر جواب " لولا " ~~باللام جائز، وذلك يدل على أن ذكره بغير اللام لا يجوز، ومما ~~يدل على فساد قول الزجاج قوله تعالى: # إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها # [القصص:10]. # وأما قوله: لو لم يوجد الهم لم يبق لقوله: { لولا أن رأى ~~برهان ربه } فائدة. # فنقول: بل فيه أعظم الفوائد: وهو بيان أن ترك الهم بها ما كان ~~لعدم رغبته في ms4958 النساء، ولا لعدم قدرته عليهن؛ بل لأجل أن دلائل ~~دين الله منعته عن ذلك العمل، ثم نقول: الذي يدل على أن جواب: " ~~لولا " ما ذكرناه أن " لولا " تستدعي جوابا، وهذا المذكور يصلح ~~جوابا له؛ فوجب الحكم بكونه جوابا له لا يقال: إنا نضمر له جوابا، ~~وترك الجواب ذكر في القرآن، فنقول: لا نزاع أنه ذكر في القرآن، إلا أن ~~الأصل ألا يكون محذوفا. # وأيضا: فالجواب إنما يحسن تركه، وحذفه، إذا حصل في الملفوظ ما يدل ~~على تعيينه، وههنا بعيد أن يكون الجواب محذوفا؛ لأنه ليس في اللفظ ما ~~يدل على تعيين ذلك الجواب، فإن ههنا أنواعا من الإضمارات، يحسن إضمار ~~كل واحد منها، وليس إظمار بعضها أولى من إضمار البعض الباقي فظهر الفرق. # المقام الثاني: سلمنا أن الهم قد حصل إلا أنا نقول: إن قوله: " ~~وهم بها " لا يمكن حمله على ظاهره؛ لأن تعليق الهم بذات المرأة ~~محال؛ لأن الهم من جنس القصد، والقصد لا يتعلق بالذوات؛ فثبت ~~أنه لا بد من إضمار فعل محذوف يجعل متعلق ذلك الفعل غير مذكور، فهم ~~زعموا أن ذلك الفعل المضمر هو إيقاع الفاحشة بها، ونحن نضمر شيئا آخر ~~يغاير ما ذكروه وهو من وجوه: # الأول: المراد أنه عليه الصلاة والسلام هم بدفعها عن نفسه، ومنعها ~~من ذلك القبيح؛ لأن الهم هو القصد، فوجب أن يحمل في حق كل واحد ~~على القصد الذي يليق به، فالأليق بالمرأة القصد إلى تحصيل اللذة، ~~والتمتع، وأليق بالرسول المبعوث إلى الخلق القصد إلى زجر ~~العاصي عن معصيته، وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، # يقال: هممت بفلان، أي: قصدته ودفعته. # فإن قيل: فعلى هذا التقدير لا يبقى لقوله: { لولا أن رأى ~~برهان ربه } فائدة قلنا: بل فيه أعظم الفوائد، وبيانه من وجهين: # الأول: أنه تعالى أعلم يوسف أنه لو هم بدفعها لقتلته، أو لكانت ~~تأمر الحاضرين بقتله، فأعلمه الله تعالى أن الامتناع من ضربها ~~أولى، لصون النفس عن الهلاك. # الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم لو اشتغل بدفعها عن ms4959 نفسه، فربما ~~تعلقت به، فكان يتخرق ثوبه من قدام، وكان في علم الله أن الشاهد ~~سيشهد أن ثوبه لو خرق من قدام، لكان يوسف هو الخائن، ولو كان ثوبه ~~مخرقا من خلفه لكانت المرأة هي الخائنة، والله تعالى أعلمه بهذا ~~المعنى، فلا جرم لم يشتغل بدفعها عن نفسه، بل ولى هاربا منها حتى صارت ~~شهادة الشاهد حجة له على براءته عن المعصية. # الوجه الثاني في الجواب: أن يفسر الهم بالشهوة، وهذا مستعمل في ~~اللغة الشائعة، يقول القائل فيما لا يشتهيه: لا يهمني هذا، وفيما ~~يشتهيه: هذا أحب الأشياء إلي، فسمى الله شهوة يوسف هما. # والمعنى: لقد اشتهته، واشتهاها لولا أن رأى برهان ربه لدخل ذلك العمل ~~في الوجود. # الثالث: أن يفسر الهم بحديث النفس؛ وذلك لأن المرأة الفائقة في ~~الحسن والجمال، إذا تزينت، وتهيأت للرجل الشاب القوي، فلا بد أن يقع ~~هناك بين الشهوة والحكمة، وبين النفس، والعقل محادثات، ومنازعات، فتارة ~~تقوى داعية الطبيعة والشهوة، وتارة تقوى داعية العقل والحكمة، والهم ~~عبارة عن محادثات الطبيعة ورؤية البرهان عبارة عن جواذب العبودية، ~~ومثاله: أن الرجل الصالح الصائم في الصيف الصائف، إذا رأى ~~الجلاب المبرد بالثلج، فإن طبيعته تحمله على شربه إلا أن دينه ~~يمنعه منه، فهذا لا يدل على حصول الذنب، بل كلما كانت هذه الحالة أشد ~~كانت القوة في القيام بلوازم العبودية أكمل، فظهر بحمد الله صحة ~~القول الذي ذهبنا إليه، ولم يبق في يد الواحدي إلا مجرد التصلف، ~~وتعديد أسماء المفسرين، ولو ذكر في تقرير ذلك القول شبهة لأجبنا عنها ~~إلا أنه ما زاد عن الرواية عن بعض المفسرين. # واعلم أن بعض الحشوية روى عن النبي المختار صلى الله عليه وسلم: # " ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات " # فقلت: الأولى ألا تقبل مثل هذه الأخبار فقال على [طريق] الاستنكار: إن ~~لم نقبله لزمنا تكذيب الرواة، فقلت له: يا مسكين إن قبلناه لزمنا ~~الحكم بتكذيب إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه وإن رددناه لزمنا الحكم ~~بتكذيب الرواة، ولا شك أن صون إبراهيم ms4960 صلوات الله وسلامه عليه عن ~~الكذب أولى من صون طائفة من المجاهيل عن الكذب. # إذا عرفت هذا الأصل، فنقول للواحدي: ومن الذي يضمن لنا أن الذين ~~نقلوا هذا القول عن هؤلاء المفسرين كانوا صادقين، أو كاذبين. والله أعلم. # فصل # اختلفوا في البرهان ما هو؟. # فقال المحققون المثبتون للعصمة: رؤية البرهان على وجوه: # الاول: أنه حجة الله تعالى في تحريم الزنا، والعلم بما على ~~الزاني من العذاب. # الثاني: أن الله تعالى طهر نفوس الأنبياء عن الأخلاق الذميمة، بل ~~نقول: إنه تعالى ، طهر نفوس المتصلين بهم عنها، كما قال تعالى: # إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت ويطهركم تطهيرا # [الأحزاب:33] والمراد برؤية البرهان: هو حصول ذلك الإخلاص، وترك ~~الأحوال الداعية به إلى الإقدام على المنكرات. # الثالث: أنه رأى مكتوبا في سقف البيت: # ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وسآء سبيلا # [الإسراء:32]. # الرابع: أنه النبوة المانعة من ارتكاب الفواحش، ويدل عليه أن ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بعثوا لمنع الخلق من القبائح، فلو ~~أنهم منعوا الناس عنها، ثم أقدموا على أقبح أنواعها لدخلوا تحت قوله # لم تقولون ما لا تفعلون # [الصف:2] وايضا: فإن الله تعالى عير اليهود بقوله # أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم # [البقرة:44] وما كان عيبا في حق اليهود، كيف ينسب إلى الرسول صلى الله ~~عليه وسلم المؤيد بالمعجزات. # وأما الذين نسبوا المعصية إلى يوسف عليه الصلاة والسلام فذكروا في ~~ذلك البرهان وجوها: # الأول: أن المرأة قامت إلى صنم مكلل بالدر، والياقوت في زاوية ~~البيت، فسترته بثوب، فقال يوسف عليه الصلاة والسلام ، [ولم؟ قالت: ~~أستحي من إلهي أن يراني على المعصية، فقال يوسف:] أتستحين من صنم ~~لايسمع، ولا يبصر ولا أستحي من إلهي القائم على كل نفس بما كسبت، ~~فوالله لا أفعل ذلك أبدا، قال هذا هو البرهان. # الثاني: نقلوا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه تمثل له ~~يعقوب، فرآه عاضا على أصبعه يقول له: لا تعمل عمل الفجار، وأنت ~~مكتوب في زمرة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فاستحى منه. قالوا: ~~وهو ms4961 قول عكرمة، ومجاهد، الحسن، وسعيد بن جبير. # وروى سعيد بن جبير رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما تمثل ~~له يعقوب، فضرب في صدره فخرجت شهوته من أنامله. # الثالث: قالوا: إنه سمع في الهواء قائلا: يا بن يعقوب، لا تكن ~~كالطير له ريش، فإذا زنا ذهب ريشه. # الرابع: نقلوا عن ابن عباس أن يوسف عليه الصلاة والسلام لم ينزجر ~~بكلام يعقوب حتى ركضه جبريل، فلم يبق به شيء من الشهوة إلا خرج. # قال ابن الخطيب: " ولما ذكر الواحدي هذه الروايات تصلف وقال: هذا ~~الذي ذكرنا قول أئمة التفسير الذين أخذوا التأويل عمن شاهدوا ~~التنزيل فيقال له: إنك لا تأتينا ألبتة إلا بهذه التصلفات التي لا ~~فائدة فيها، فأين هذا من الحجة والدليل الذي ذكرناه، وأيضا: فإن ترادف ~~الدلائل على الشيء الواحد جائز وإنه عليه الصلاة والسلام كان ~~ممتنعا من الزنا بحسب الدلائل الأصلية، فلما انضاف إليها هذه ~~الزواجر ازدادت قوة. # وأيضا: روي أن جبريل عليه الصلاة والسلام امتنع من دخول حجرة النبي ~~المختار صلوات الله وسلامه عليه بسبب وقع هناك بغير علمه؛ قالوا: ~~فامتنع جبريل عليه السلام من الدخول [عليه] أربعين يوما، وههنا زعموا ~~أن يوسف حين اشتغاله بالفاحشة ذهب إليه جبريل، والعجب أيضا أنهم ~~زعموا أنه لم يمتنع عن ذلك العمل بسبب حضور جبريل عليه السلام ، ولو ~~أن أفسق الخلق، وأكفرهم كان مشتغلا بفاحشة، فإذا دخل عليه رجل في ~~زي الصالحين استحى منه؛ وترك [ذلك] العمل وهاهنا يعقوب عليه الصلاة ~~والسلام عض على أنامله، فلم يلتفت، ثم إن جبريل عليه الصلاة ~~والسلام على جلالة قدره دخل عليه، فلم يمتنع أيضا عن ذلك القبيح ~~بدخوله حتى احتاج جبريل إلى أن ركضه على ظهره ". # فنسأل الله أن يصوننا عن الغي في الدين، والخذلان في طلب اليقين. # فصل # والفرق بين السوء، والفحشاء من وجهين: # الأول: أن السوء: جناية اليد، والفحشاء: الزنا. # الثاني: السوء: مقدمات الفاحشة من القبلة، والنظر بالشهوة. ~~والفحشاء: هو الزنا. # قوله: " وكذلك " في هذه الكاف أوجه: # أحدها: أنها ms4962 في محل نصب، وقدره الزمخشري مثل ذلك التثبيت ~~ثبتناه. # وقدره الحرفي أريناه البراهين بذلك، وقدره ابن عطية: جرت ~~أفعالنا، وأقدارنا كذلك، وقدره أبو البقاء: نراعيه كذلك. # الثاني: أن الكاف في محل رفع، فقدره الزمخشري، وأبو البقاء: الأمر ~~مثل ذلك، وقدره ابن عيطة: عصمته كذلك. وقال الحوفي: أمر البراهين ~~بذلك ثم قال: والنصب أجود لمطالبة حروف الجر للأفعال أو معانيها. # الثالث: أن في الكلام تقديما، وتأخيرا، تقديره: همت به، وهم بها ~~كذلك ثم قال: لولا أن رأى برهان ربه، كذلك لنصرف عنه ما هم بها هذا نص ~~ابن عطية. # وليس بشيء؛ إذ مع تسليم جواز التقديم، والتأخير لا معنى لما ~~ذكره. # قال أبو حيان: وأقول: إن التقدير: مثل تلك الرؤية، أو مثل ذلك ~~الرأي نري براهيننا، لنصرف عنه، فتجعل الإشارة إلى الرأي، أو ~~الرؤية، والناصب الكاف مما دل عليه قوله: { لولا أن رأى ~~برهان ربه } ، و " لنصرف " متعلق بذلك الفعل الناصب للكاف، ~~ومصدر " رأى " " رؤية ورأي "؛ قال: [الرجز] # 3067 ورأي عيني الفتى أباكا # [يعطي الجزيل فعليك ذاكا] # وقرأ الأعمش " ليصرف " بياء الغيبة، والفاعل هو الله سبحانه ~~وتعالى قوله تعالى: { المخلصين } قرأ هذه اللفظة [حيث وردت] إذا ~~كانت معرفة بأل مكسورة اللام: ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر أي: الذين ~~أخلصوا دينهم لله على اسم الفاعل، والمفعول محذوف، والباقون بفتحها على ~~أنه اسم مفعول من أخلصهم الله، أي: اجتباهم، واختارهم، وأخلصهم من ~~كل سوء، ويحتمل أن يكون لكونه من ذرية إبراهيم قال فيهم: # إنآ أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار # [ص:46]. # وقرأ الكوفيون في مريم # إنه كان مخلصا # [مريم:51] بفتح اللام بالمعنى المتقدم والباقون بكسرها بالمعنى ~~المتقدم. # قوله تعالى: { واستبقا الباب } [الآية:25] " الباب " منصوب ~~إما على إسقاط الخافض اتساعا، إذ أصل " استبق " أن يتعدى ب " ~~إلى " ، وإما على تضمين " استبق " معنى ابتدر، فينصب مفعولا به. قوله ~~تعالى: { وقدت } يحتمل أن تكون الجملة نسقا على " استبقا " أي: ~~استبق، وقدت، ويحتمل أن يكون في محل نصب على الحال، أي: وقد قدت. ~~والقد: الشق مطلقا، قال بعضهم: ms4963 القد: فيما كان يشق طولا ~~والقط: فيما كان يشق عرضا. # قال ابن عطية " وقرأت فرقة: وقط " قال أبو الفضل بن حرب: رأيت في ~~مصحف " وقط من دبر " أي: شق. # قال يعقوب: القط في الجلد الصحيح، والثوب الصحيح؛ وقال الشاعر: ~~[الطويل] # 3077 تقد السلوقي المضاعف نسجه # وتوقد بالصفاح نار الحباحب # فصل # قال العلماء رضي الله عنهم وهذا الكلام من اختصار القرآن المعجز ~~الذي يجتمع فيه المعاني، وذلك أن يوسف عليه الصلاة والسلام لما رأى ~~برهان ربه، خرج حينئذ هاربا، وتبعته المرأة فتعلقت بقميصه من خلفه، ~~فجذبته إليها حتى لا يخرج " وقدت قميصه " [أي]: فشققته المرأة من ~~دبر. # والاستباق: طلب السبق، أي: يجتهد كل واحد منهما أن يسبق صاحبه ~~فإن سبق يوسف فتح الباب، وخرج، وإن سبقت المرأة أمسكت الباب لئلا يخرج ~~فسبقها يوسف عليه السلام إلى الباب، والمرأة تعدو خلفه، فلم تصل إلا ~~إلى دبر القميص، فتعلقت به فقدته من خلفه، فلما خرجا " ألفيا " ، ~~أي: وجدا " سيدها " ، وإنما لم يقل سيدهما؛ لأن يوسف عليه الصلاة ~~والسلام لم يكن مملوكا لذلك الرجل حقيقة " لدى الباب " أي: عند ~~الباب، والمرأة تقول لبعلها: سيدي. # فإن قيل: فالمرأة أيضا ليست مملوكة لبعلها حقيقة. # فالجواب: أن الزوج لما ملك الانتفاع بالمرأة من الوطء والخلوة، ~~والمباشرة، والسفر بها من غير اختيارها أشبهت المملوكة، فلذلك حسن ~~إطلاق السيد عليه. # قال القرطبي: " والقبط يسمون الزوج سيدا، ويقال: ألفاه، وصادفه، ~~وواله ووالطه، ولاطه، كل بمعنى واحد ". # فعند ذلك، خافت المرأة من التهمة، فبادرت إلى أن رمت يوسف عليه ~~السلام بالفعل القبيح، { وقالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا } يعنى ~~الزنا، ثم خافت عليه أن يقتل فقالت: { إلا أن يسجن } ، أي: يحبس، { ~~أو عذاب أليم } أي: يعاقب بالضرب. # قوله: " ما جزاء " يجوز في " ما " هذه أن تكون نافية، وأن تكون ~~استفهامية، و " من " يجوز أن تكون موصولة، أو نكرة موصوفة. # قوله: { إلا أن يسجن } خبر المبتدأ، ولما كان " أن يسجن " في ~~قوة المصدر عطف عليه المصدر، وهو قوله: " أو عذاب ". و ms4964 " أو " ~~تحتمل معانيها، وأظهرها التنويع. # وقرأ زيد بن علي: (أو عذابا أليما) بالنصب، وخرجه الكسائي على ~~إضمار فعل، أو أن يعذب عذبا أليما. # قوله: " هي " ، ولم يقل هذه، ولا تلك، لفرط استحيائه، وهو أدب حسن ~~حيث أتى بلفظ الغيبة دون الحضور. # فصل # قال ابن الخطيب: في الآية لطائف: # إحداها: أن حبها الشديد ليوسف، حملها على رعاية دقيقتين في هذا ~~الموضع، وذلك لأنها بدأت بذكر السجن، وأخرت ذكر العذاب؛ لأن ~~المحبة لا تسعى في إيلام المحبوب، وأيضا: لم تقل إن يوسف يجب أن ~~يقابل بهذين الأمرين، بل ذكرت ذلك ذكرا كليا صونا للمحبوب عن الذكر ~~بالشر وأيضا قالت: { إلا أن يسجن } والمراد أن يسجن يوما، أو ~~يومين، أو أقل على سبيل التخفيف، فأما الحبس الدائم فإنه لا ~~يعبر عنه بهذه العبارة، بل يقال: يجب أن يجعل من المسجونين، كما قال ~~فرعون لموسى عليه الصلاة والسلام حين هدده # لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من ~~المسجونين # [الشعراء:29] وأيضا: لما شاهدت من يوسف أنه استعصم، مع أنه كان في ~~عنفوان العمر، وكمال القوة، ونهاية الشهوة، وعظم اعتقادها في طهارته، ~~ونزاهته، فاستحيت أن تقول: إن يوسف قصدني بالسوء، ولم تجد من نفسها ~~أن ترميه بالكذب، وهؤلاء نسبوا إليه هذا الذنب القبيح. # وأيضا: يوسف عليه الصلاة والسلام أراد أن يضربها، ويدفعها عن نفسه ~~[وكان] ذلك بالنسبة إليها جاريا مجرى السوء، فقولها { ما جزاء من أراد ~~بأهلك سوءا } له ظاهر وباطن، باطنه أنها التي أرادت السوء، وظاهره ~~دفعه لها ومنعها، فأرادت بقولها: { ما جزاء من أراد بأهلك سوءا } فعل ~~نفسها بقلبها، أو في ظاهر الأمر، أو همت أنه قصدني بما لا ينبغي، ولما ~~لطخت عرض يوسف بهذا الكلام؛ احتاج يوسف إلى إزالة هذه التهمة فقال: { ~~هي راودتني عن نفسي } واعلم أن العلامات الكثيرة دالة على صدق يوسف: # منها: أن يوسف عليه السلام في ظاهر الأمر كان عبدا لهم، والعبد ~~لا يمكنه أن يتسلط على مولاه إلى هذه الحد. # ومنها: أنهم شاهدوا يوسف هاربا ليخرج، والطالب للمرأة لا ms4965 يخرج من ~~الدار على هذا الوجه. # ومنها: أنهم رأوا المرأة زينت نفسها على أكمل الوجوه، ويوسف لم يكن عليه ~~أثر من آثار تزيين النفس. # ومنها: أنهم كانوا شاهدوا أحوال يوسف في المدة الطويلة، فما رأوا ~~عليه حالة تناسب إقدامه على مثل هذا الفعل المنكر. # ومنها: أن المرأة ما نسبته إلى طلب الفاحشة على سبيل التصريح، بل ذكرت ~~كلاما مجملا، وأما يوسف فإنه صرح بالأمر، ولو كان مطاوعا لها، ما ~~قدر على التصريح، فإن الخائن خائف. # وكل هذه الوجوه مما يقوي غلبة الظن ببراءة يوسف في هذه المسألة، ثم ~~إنه تعالى أظهر ليوسف دليلا يقوي تلك الدلائل على براءته من ~~الذنب، وأن المرأة هي المذنبة، وهو قوله تعالى: { وشهد شاهد ~~من أهلهآ } فقوله: " من أهلها " صفة ل: " شاهد " ، وهو ~~المسوغ لمجيء الفاعل من لفظ الفعل، إذ لا يجوز قام القائم، ولا: قعد ~~القاعد، لعدم الفائدة. # واختلفوا في ذلك الشاهد على ثلاثة أقوال: # الأول: أنه كان ابن عمها، وكان رجلا حكيما، واتفق في ذلك الوقت ~~أنه كان مع زوجها، يريد أن يدخل عليها، وفقال الحكيم: { إن كان ~~قميصه قد من قبل } ، فأت صادقة، والرجل كاذب، { وإن كان ~~قميصه قد من دبر } ، فالرجل صادق، وأنت كاذبة فلما نظروا ~~إلى القميص رأوا الشق من خلفه، قال ابن عمها: { إنه من ~~كيدكن إن كيدكن عظيم } [أي: من عملكن] ثم قال ليوسف: ~~" أعرض عن هذا " أي اكتمه، وقال لها: { واستغفري لذنبك ~~} ، وهذا قول السدي، وطائفة من المفسرين. # قال السهيلي: وهذا من باب الحكم بالأمارات، وله أصل في الشرع، قال ~~تعالى: # وجآءوا على قميصه بدم كذب # [يوسف:18] حيث لا أثر لأنياب الذئب فيه، وقال تعالى: { إن كان ~~قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين } وقال ~~عليه الصلاة والسلام في الحد: # " انظروا فإن جاءت به أبيض خاليا فهو للذي رميت ~~به ". # قال السهيلي: كان عامر بن الظرب العدواني لا يكون بين العرب ثائر إلا ~~تحاكموا إليه فيرضون بما يقضي به، فتحاكموا إليه في ميراث خنثى بات ليلة ms4966 ~~ساهرا يرى ماذا يحكم به؟ فرأته جارية له ترعى، وكان اسمها سخيلة، فقالت ~~له: ما لك، لا أبا لك الليلة ساهرا؛ فذكر لها ما هو مفكر فيه، وقال: ~~لعلها يكون عندها في ذلك شيء، فقالت له: " اتبع القضاء المبال " فقال: ~~فرجتها والله يا سخيلة، وحكم بذلك القول. # القول الثاني: منقول عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، والضحاك رضي ~~الله عنهم أن ذلك الشاهد كان صبيا في المهد، أنطقه الله. # قال ابن عباس رضي الله عنه : تكلم في المهد ثلاثة صغار: شاهد ~~يوسف، وعيسى ابن مريم عليه السلام، وصاحب جريج الراهب. # قال الجبائي: القول الأول أولى لوجوه: # الأول: أنه سبحانه وتعالى لو أنطق الطفل بهذا الكلام، لكان مجرد ~~قوله: " إنها كاذبة " كافيا، وبرهانا قاطعا؛ لأنه من المعجزات ~~العجيبة الباهرة والاستدلال بتمزيق القميص من قبل ومن دبر دليل ظني ~~ضعيف، والعدول عن الحجة الواضحة القاطعة حال حصولها إلى الدلالة ~~الظنية لا يجوز. # الثاني: أنه تبارك وتعالى قال: { وشهد شاهد من أهلهآ ~~} يشير بذلك إلى أن شهادة الشاهد على قريبه، أولى بالقبول من ~~شهادته له؛ لأن الظاهر من حال القريب أن يشهد لقريبه، لا أن يشهد عليه، ~~وهذا الترجيح إنما يصار إليه إذا كانت دلالة الشهادة ظنية، وذلك ~~إنما يكون في شهادة الرجل، ولو كان هذا القول صادرا من الصبي الذي ~~كان في المهد، لكان قوله حجة قاطعة، ولا يتفاوت الحال بين أن يكون من ~~أهلها، وبين ألا يكون، وحينئذ لا يبقى لهذا القيد وجه. # الثالث: أن لفظ الشاهد لا يقع في العرف، إلا على من تقدمت معرفته ~~بالواقعة، وإحاطته بها. # القول الثالث: أن هذا الشاهد هو القميص، قال مجاهد رضي الله عنه ~~الشاهد: " قد قيمصه من دبر " ، وهذا في غاية الضعف؛ لأن القميص لا ~~يوصف بهذا ولا ينسب إلى الأهل. # واعلم أن القول الأول عليه إشكال، وذلك أن العلامة المذكورة لا ~~تدل قطعا على براءة يوسف من المعصية؛ لأن من المحتمل أن الرجل قصد ~~المرأة لطلب الزنا، والمرأة غضبت عليه، فهرب الرجل، ms4967 فعدت المرأة خلف ~~الرجل، وجذبته لقصد أن تضربه ضربا وجيعا، فعلى هذا الوجه يكون قد ~~القميص من دبر، مع أن المرأة تكون بريئة عن [الذنب] وأن الرجل يكون ~~مذنبا. # جوابه: أنا بينا أن علامات كذب المرأة كانت كثيرة بالغة مبلغ ~~اليقين، فضم إليها هذه العلامة الأخرى، لا لأجل أن يعولوا في الحكم ~~عليها، بل لأجل أن يكون ذلك جاريا مجرى المقدمات، والمرجحات. # قوله: " إن كان... " هذه الجملة الشرطية، إما معمولة لقول مضمر ~~تقديره: " فقال " إن كان عند البصريين، وإما معمولة " لشهد "؛ لأنه ~~بمعنى القول عند الكوفيين. قوله " من دبر.. " ، و " من قبل... " ~~قرأ العامة جميع ذلك بضمتين، والجر والتنوين، بمعنى: من خلف، من قدام، ~~أي: من خلف القميص، وقدامه وقرأ الحسن، وأبو عمرو في رواية بتسكين العين ~~تخفيفا، وهي لغة الحجاز، وأسد، وقرأ ابن يعمر، وابن أبي إسحاق ~~[والعطاردي والجارود بثلاث ضمات، وروي عن الجارود وابن أبي إسحاق وابن ~~يعمر] أيضا بسكون العين وبنائهما على الضم ووجه ضمهما: أنهم جعلوهما ~~ك " قبل، وبعد " في بنائها على الضم عند قطعهما عن الإضافة، ~~فجعلوهما غاية، ومعنى الغاية: أن يجعل المضاف غاية نفسه، بعد ما كان ~~المضاف إليه غايته، والأصل إعرابهما؛ لأنهما اسمان متمكنان، وليسا ~~بظرفين. # قال أبو حاتم: وهذا رديء في العربية، وإنما هذا البناء في الظروف. # وقال الزمخشري: " والمعنى: من قبل القميص، ومن دبره، وأما التنكير ~~فمعناه: من جهة يقال لها قبل، ومن جهة يقال لها دبر " وعن ابن أبي ~~إسحاق: أنه قرأ " من قبل " ، و " من دبر " بالفتح كأنه ~~جعلهما علمين للجهتين، فمنعهما الصرف للعلمية، والتأنيث، وقد تقدم ~~[البقرة:235] الخلاف في " كان " الواقعة في حيز الشرط، هل تبقى على ~~معناها من المضي، وإليه ذهب المبرد، أم تنقلب إلى الاستقبال كسائر ~~الأفعال، وأن المعنى على التبيين؟. # قوله: " فكذبت " ، و " صدقت " على إضمار " قد " ، لأنها تقرب ~~الماضي من الحال، هذا إذا كان الماضي متصرفا، فأما إذا كان جامدا، ~~فلا يحتاج إلى " قد " لا لفظا، ولا تقديرا. # قوله: { فلما رأى قميصه }: أي: فلما ms4968 رأى زوجها قميصه قد ~~من دبر؛ عرف خيانة امرأته، وبراءة يوسف صلوات الله وسلامه عليه ~~قال لها: " إنه " ، هذا الصنيع، أو قولك { ما جزاء من أراد بأهلك ~~سوءا } { من كيدكن إن كيدكن عظيم } وقيل: هذا من ~~قول الشاهد. # فإن قيل: إنه تعالى قال: # وخلق الإنسان ضعيفا # [النساء:28] فكيف وصف كيد المرأة بالعظيم، وأيضا: فكيد الرجال قد ~~يزيد على كيد النساء؟. # فالجواب عن الأول: أن خلقة الإنسان بالنسبة إلى خلقة الملائكة، ~~والسموات، والكواكب خلقة ضعيفة، وكيد النسوان بالنسبة إلى كيد البشر ~~عظيم؛ ولا منافاة بين القولين، وأيضا: فالنساء لهن من هذا الباب ~~من المكر، والحيل، ما لا يكون للرجال؛ لأن كيدهن في هذا الباب، ~~يورث من العار ما لا يورثه كيد الرجال. # ولما ظهر للقوم براءة يوسف عن ذلك الفعل قال زوجها ليوسف: " أعرض ~~عن هذا " الحديث، فلا تذكرة لأحد حتى لا ينتشر، ولا يحصل العار ~~العظيم وقيل: إنه من قول الشاهد. ثم قال للمرأة [ " واستغفري ~~لذنبك " إي: إلى الله { إنك كنت من الخاطئين } وقيل هذا ~~من قول الشاهد] " واستغفري " ، أي: اطلبي من زوجك المغفرة، والصفح؛ ~~حتى لا يعاقبك. # قال أبو بكر الأصم: إن ذلك الزوج كان قليل الغيرة، فاكتفى منها ~~بالاستغفار وقيل: إن الله تعالى عز وجل سلبه الغيرة لطفا ~~بيوسف، حتى كفى بادرته وحلم عنها. # قال الزمخشري: " وإنما قال: { من الخاطئين }؛ تغليبا للذكور على ~~الإناث " ويحتمل أن يقال: إنك من قبيل الخاطئين، فمن ذلك القبيل جرى ذلك ~~العرف فيك. # قال البغوي رحمه الله : تقديره: إنك من القوم الخاطئين، ولم يقصد ~~به الخبر عن النساء؛ بل قصد الخبر عن كل من يعفعل ذلك؛ كقوله ~~تعالى: # وكانت من القانتين # [التحريم:12]، بيانه قوله: # إنها كانت من قوم كافرين # [النمل:43]. # قوله تعالى: " يوسف " ، منادى محذوف منه حرف النداء. قال ~~الزمشخري: " لأنه منادى قريب مقاطن للحديث، وفيه تقريب له، وتلطيف ~~بمحله " انتهى. # وكل منادي يجوز حذف حرف النداء منه، إلا الجلالة المعظمة، واسم ~~الجنس غالبا، والمستغاث، والمندوب، واسم الإشارة عند البصريين، وفي ~~المضمر إذا ms4969 نودي. # والجمهور على ضم فاء يوسف عليه الصلاة والسلام ؛ لكونه مفردا ~~معرفة، وقرأ الأعمش بفتحها، وقيل لم تثبت هذه القراءة عنه، وعلى تقدير ~~ثبوتها، فقال أبو البقاء: فيها وجهان: # أحدهما: أن يكون أخرجه على أصل المنادى؛ كما جاء في الشعر: [الخفيف] # 3078.................. # يا عديا لقد وقتك الأواقي # يريد بأصل المنادى: أنه مفعول به، فحقه النصب؛ كالبيت الذي أنشده، ~~واتفق أن يوسف لا ينصرف، ففتحته فتحة إعراب. # والثاني، وجعله الأشبه: أن يكون وقف على الكلمة، ثم وصل، وأجرى الوصل ~~مجرى الوقف؛ فألقى حركة الهمزة على الفاء، وحذفها؛ فصار اللفظ بها: " ~~يوسف أعرض "؛ وهذا كما حكي: " الله أكبر، أشهد ألا " ، بالوصل ~~والفتح في الجلالة وفي " أكبر " ، وفي " أشهد "؛ وذلك أنه قدر الوقف ~~على كل كلمة من هذا الكلم، وألقى حركة الهمزة [من] كل من الكلم ~~الثلاث، على الساكن قبله، وأجرى الوصل مجرى الوقف في ذلك. # والذي حكوه الناس، إنما هو في " أكبر " خاصة؛ لأنها مظنة ~~الوقف،و تقدم ذلك في سورة آل عمران [الآية:1]. # وقرىء " يوسف أعرض " بضم الفاء، و " أعرض " فعلا ماضيا، ~~وتخريجها أن يكون " يوسف " مبتدأ، و " أعرض " جملة من فعل وفاعل ~~خبره. # قال أبو البقاء: وفيه ضعف؛ لقوله: " واستغفري " ، وكان الأشبه أن ~~يكون بالفاء: " فاستغفري ". ### || [12.30-32] # قوله تعالى: { وقال نسوة في المدينة } الآية، النسوة فيها ~~أقوال: # [أشهرها]: أنه جمع تكسير للقلة، على فعلة؛ كالصبية والغلمة، ونص ~~بعضهم على عدم أطرادها، وليس لها واحد من لفظها. # الثاني: أنها اسم مفرد، لجمع المرأة قاله الزمخشري. # الثالث: أنها اسم جمع؛ قاله أبو بكر بن السراج رحمه الله ، ~~وكذلك أخواتها، كالصبية، والفتية. # وقيل: على كل قول، فتأنيثها غير حقيقي، باعتبار الجماعة؛ ولذلك لم ~~يلحق فعلها تاء التأنيث. # وقال الواحدي: تقديم الفعل يدعو إلى إسقاط علامة التأنيث، على ~~قياس إسقاط علامة التثنية، والجمع. # والمشهور: كسر نونها، ويجوز ضمها في لغة، ونقلها أبو البقاء عن ~~قراءة، قال القرطبي: وهي قراءة الأعمش، والمفضل والسلمي. # وإذا ضمت نونه، كان اسم جمع بلا خلاف، ويكسر في الكثرة على ~~نسوان، والنساء: ms4970 جمع كثرة أيضا، ولا واحد له من لفظه، كذا ~~قاله أبو حيان. # ومقتضى ذلك ألا يكون النساء جمعا لنسوة؛ لقوله: لا واحد له من ~~لفظه. # و " في المدينة " يجوز تعلقه بمحذوف، صفة ل " نسوة " ، وهو ~~ظاهر، ويقال: ليس بظاهر. # فصل في عدد النسوة # في: إنهن خمس: امرأة حاجب الملك، وامرأة صاحب دوابه، وامرأة ~~الخازن، وامرأة الساقي، وامرأة صاحب السجن، قاله مقاتل. # وقال الكلبي: أربع؛ فأسقط امرأة الحاجب. والأشبه أن تلك الواقعة ~~شاعت في البلد، واشتهرت، وتحدث بها النساء، والمراد بالمدينة: مصر، ~~وقيل: مدينة عين شمس. # قوله: " تراود " خبر " امرأة العزيز " ، وجيء بالمضارع، ~~تنبيها على أن المراودة صارت سجية لها، وديدنا، دون الماضي فلم ~~يقل: راودت، ولام الفتى ياء؛ لقولهم: الفتيان، وفتى، وعلى هذا؛ ~~فقولهم: الفتوة في المصدر شاذ. # قال: " فتاها " ، وهو فتى زوجها؛ لأن يوسف كان عندهم في حكم ~~المماليك، وكان ينفذ أمرها فيه. # وروى مقاتل، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي رضي الله عنه ~~قال: " إن امرأة العزيز استوهبت يوسف من زوجها، فوهبه لها، وقال: ما ~~تصنعين به؟ قالت: أتخذه ولدا، قال: هو لك؛ فربته حتى [أيفع]، وفي ~~نفسها منه ما في نفسها، فكانت تتكشف له، وتتزين، وتدعوه من وجه ~~اللطف؛ فعصمه الله ". # قوله: { قد شغفها حبا } ، وهذه الجملة يجوز أن تكمون خبرا ~~ثانيا، وأن تكون مستأنفة، وأن تكون حالا؛ إما من فاعل " تراود " ~~، , وإما من مفعوله، و " حبا " تمييز؛ وهو منقول من الفاعلية، ~~وإذ الأصل: قد شغفها حبه. # والعامة على " شغفها " بالغين المعجمة المفتوحة، بمعنى: خرق ~~شغاف قلبها، وهو مأخوذ من الشغاف، والشغاف: حجاب القلب، جليدة ~~رقيقة، وقيل: سويداء القلب. # فعلى الأول، يقال: شغفت فلانا، إذا أصبت شغافه؛ كما تقول: كبدته ~~إذا أصبت كبده، فمعنى: " شغفها حبا " أي: خرق الحب الجلد؛ ~~حتى أصاب القلب، أي: أن حبه أحاط بقلبها، مثل إحاطة الشغاف ~~بالقلب، ومعنى إحاطة ذلك الحب بقلبها: هو أن اشتغالها بحبه صار ~~حجابا بينها، وبين كل ما سوى هذه المحبة، فلا يخطر ببالها سواه، وإن ~~قلنا: ms4971 إن الشغاف سويداء القلب، فالمعنى: أن حبه وصل إلى ~~سويداء قلبها. # وقيل: الشغاف داء يصل إلى القلب من أجل الحب، وقيل: جليدة ~~رقيقة يقال لها: لسان القلب، ليست محيطة به. # ومعنى: " شغف قلبه " أي: خرق حجابه، إذا أصابه؛ فأحرقه بحرارة ~~الحب، وهو من شغف البعير بالهناء، إذا طلاه بالقطران، فأحرقه. ~~[والمشغوف من وصل الحب لقلبه] قال الأعشى: [البسيط] # 3079 يعصي الوشاة وكان الحب آونة # مما يزين للمشغوف ما صنعا # وقال النابغة الذبياني: [الطويل] # 3080 وقد حال هم دون ذلك والج # مكان الشغاف تبتغيه الأصابع # وقرأ ثابت البناني: بكسر الغين، وقيل: هي لغة تميم، وقرأ أمير المؤمنين ~~علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ، وعلي بن الحسين، وابنه محمد، ~~وابنه جعفر والشعبي، وقتادة رضي الله عنهم بتفح العين المهملة. # وروي عن ثابت البناني، وأبي رجاء: كسر العين المهملة أيضا، واختلف ~~الناس في ذلك: فقيل: هو من شعف البعير، إذا هنأه، فأحرقه بالقطران، ~~قاله الزمخشري؛ وأنشد: [الطويل] # 3081...................... # كما شعف المهنوءة الرجل الطالي # وهذا البيت لامرىء القيس: [الطويل] # 3082 أتقتلني وقد شعفت فؤادها # كما شعف المهنوءة الرجل الطالي # والناس إنما يروونه بالمعجمة، ويفسرونه بأنه أصاب حبه شغاف قلبها، ~~أي: أحرق حجابه، وهي جليدة رقيقة دونه، كما شغف، أي: كما أحرق، وأراد ~~بالمهنوءة: المطلية بالهناء، أي: القطران، ولا ينشدونه بالمهملة، ~~وكشف أبو عبيدة عن هذا المعنى؛ فقال: " الشغف: إحراق الحب للقلب مع ~~لذة يجدها؛ كما أن البعير إذا طلي بالقطران، بلغ منه مثل ذلك، ثم ~~يستروح إليه ". # وقال أبو البقاء رحمه الله لما حكى هذه القراءة: " من قولك: ~~فلان مشغوف بكذا، أي: مغرم به ". # وقال ابن الأنباري: " الشغف: رءوس الجبال، ومعنى شغف بفلان: ~~إذا ارتفع حبه إلى أعلى موضع من قلبه ". # وعلى هذه الأقوال فمعناهما متقارب، وفرق بعضهم بينهما، فقال ابن زيد: ~~" الشغف يعني بالمعجمة في الحب، والشعف: في البغض ". # وقال الشعبي: الشغف، والمشغوف بالغين منقوطة في الحب، ~~والشعف: الجنون، والمشعوف: المجنون. # قوله: { إنا لنراها في ضلال مبين } ، أي: خطأ مبين ظاهر، ~~وقيل: معناه: ms4972 إنها تركت ما يكون عليه أمثالها من العفاف والستر. # " فلما سمعت " راعيل " بمكرهن "؛ بقولهن، وسمى قولهن ~~مكرا؛ لوجوه: # الأول: أن النسوة، إنما قلن ذلك؛ مكرا بها؛ لتريهن يوسف، كان يوصف ~~لهن حسنه وجماله؛ لأنهن إذا قلن ذلك، عرضت يوسف عليهن؛ ليتمهد ~~عذرها عندهن. # الثاني: أنها أسرت إليهن حبها ليوسف واستكتمتهن، فأفشين ذلك ~~السر؛ فلذلك سماه مكرا. # الثالث: أنهن وقعن في الغيبة، والغيبة إنما تذكر على سبيل الخفية، ~~فأشبهت المكر. # { أرسلت إليهن }: قال المفسرون: اتخذت مأدبة، ودعت جماعة من ~~أكابرهن، " وأعتدت " أي: أعدت " لهن متكئا ". # قرأ العامة: " متكئا " بضم الميم، وتشديد التاء، وفتح الكاف ~~والهمز، وهو مفعول به، ب " أعتدت " أي: هيأت، وأحضرت. # والمتكأ: الشيء الذي يتكأ عليه، من وسادة ونحوها، والمتكأ: مكان ~~الاتكاء، وقيل: طعام يجز جزا. # قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، ومجاهد رضي الله عنهم ~~: " متكئا، أي: طعاما، سماه " متكئا "؛ لأن أهل الطعام ~~إذا جلسوا، يتكئون على الوسائد، فسمى الطعام متكئا؛ على الاستعارة ". # وقيل: " متكئا " ، طعام يحتاج إلى أن يقطع بالسكين؛ لأنه إذا كان ~~كذلك، احتاج الإنسان إلى أن يتكىء عليه عند القطع. # وقال القتبي: يقال: اتكأنا عند فلان، أي أكلنا. # وقال الزمخشري: من قولك: اتكأنا عند فلان، طعمنا على سبيل الكناية؛ ~~لأنه من دعوته ليطعم عندك اتخذت له تكأة يتكىء عليها؛ قال جميل: ~~[الخفيف] # 3083 فظللنا بنعمة واتكأنا # وشربنا الحلال من قلله # فقوله: " وشربنا " مرشح لمعنى " اتكأنا ": أكلنا. # وقرأ أبو جعفر، والزهري رحمهما الله : " متكأ " مشددة التاء، ~~دون همز، وفيه وجهان: # أحدهما: أن يكون أصله: " متكأ " كقراءة العامة، وإنما خفف همزه؛ ~~كقولهم: " توضيت " في توضأت، فصار بوزن " متقى ". # والثاني: أن يكون " مفتعلا " من أوكيت القربة، إذا شددت ~~فاها بالوكاء. # فالمعنى: أعتدت شيئا يشتددن عليه؛ إما بالاتكاء، وإما ~~بالقطع بالسكين، وهذا الثاني تخريج أبي الفتح. # وقرأ الحسن، وابن هرمز: " متكاء " بالتشديد والمد، وهي كقراءة ~~العامة، إلا أنه أشبع الفتحة؛ فتولدت منها الألف؛ كقوله: [الوافر] # 3084................. # ومن ذم الرجال بمنتزاح # وقول الآخر: [الكامل] # 3085 ينباع من ذفرى أسيل ms4973 جسرة # ........................ # وقوله: [الرجز] # 3086 أعوذ بالله من العقراب # الشائلات عقد الأذناب # بمعنى: بمنتزح، وينبع، والعقرب الشائلة. # وقرأ ابن عباس، وابن عمر، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، والجحدري، وأبان ~~بن تغلب رحمهم الله : " متكا " بضم الميم، وسكون التاء، وتنوين ~~الكاف، وكذلك قرأ ابن هرمز، وعبد الله، ومعاذ؛ إلا أنهما فتحا الميم. # والمتك: بالضم والفتح: الأترج، ويقال: الأترنج، لغتان؛ وأنشدوا: ~~[الوافر] # 3087 فأهدت متكة لبني أبيها # تخب بها العثمثمة الوقاح # وقيل هو اسم لجميع ما يقطع بالسكين، كالأترج، وغيره من الفواكه، ~~وأنشدوا: [الحفيف] # 3088 نشرب الإثم بالصواع جهارا # وترى المتك بيننا مستعارا # قيل:هو من متك، بمعنى بتك الشيء، أي: قطعه، فعلى هذا يحتمل أن تكون ~~الميم بدلا من الباء، وهو بدل مطرد في لغة قوم، ويحتمل أن تكون مادة ~~أخرى وافقت هذه. # وقيل: بالضم: العسل الخالص عند الخليل، والأترج عند الأصمعي، ~~ونقل أبو عمرو فيه اللغات الثلاث؛ أعني: ضم الميم، وفتحها، وكسرها، ~~قال: وهو الشراب الخالص. # وقال المفضل: هو بالضم: المائدة، أو الخمر، في لغة كندة، وقال ابن ~~عباس: هو الأترج بالحبشة، وقال الضحاك: الزماورد، وقال عكرمة: كل ~~شيء يقطع بالسكين. # وقوله: " لهن متكئا " إما أن يريد: كل واحدة متكئا؛ ويدل ~~له قوله: { وآتت كل واحدة منهن سكينا } ، وإما أن ~~يريد: الجنس. # والسكين: تذكر وتؤنث، قاله الكسائي: والفراء، وأنكر الأصمعي تأنيثه، ~~والسكينة: فعيلة من السكون، قال الراغب: سمي به لإزالة حركة ~~المذبوح به، فقوله: " وأتت " ، أي: أعطت { كل واحدة ~~منهن سكينا } ، إما لأجل الفواكه، أو لأجل قطع اللحم، ثم أمرت ~~يوسف عليه الصلاة والسلام بأن يخرج عليهن، وأنه عليه الصلاة ~~والسلام ما قدر على مخالفتها؛ خوفا منها. # { فلما رأينه أكبرنه } ، الظاهر أن الهاء ضمير يوسف، ~~ومعنى " أكبرنه ": أعظمنه، ودهشن من حسنه، وقيل: هي هاء السكت؛ ~~قال الزمخشري. # وقيل: " أكبرن " بمعنى: حضن، والهاء للسكت؛ يقال: أكبرت ~~المرأة: إذا حاضت، وحقيقته: دخلت في الكبر؛ لأنها بالحيض تخرج عن حد ~~الصغر إلى الكبر؛ فإن أبا الطيب رحمه الله أخذ من هذا التفسير ~~قوله: [الطويل] # 3089 خف الله ms4974 واستر ذا الجمال ببرقع # فإن لحت حاضت في الخدور العواتق # وكون الهاء للسكت، يرده ضم الهاء، ولو كانت للسكت، لسكنت، وقد ~~يقال: إنه أجراها مجرى هاء الضمير، وأجرى الوصل مجرى الوقف في إثباتها. # قال أبو حيان رحمه الله: " وإجماع القراء على ضم الهاء في الوصل، ~~دليل على أنها ليست هاء السكت، إذا لو كانت هاء السكت، فكان من أجرى ~~الوصل مجرى الوقف لم يضم الهاء ". # قال شهاب الدين: " وهاء السكت قد تحرك بحركة هاء الضمير؛ إجراء ~~لها مجراها " ، وقد تقدم تحقيق هذا في الأنعام، وقد قالوا ذلك في قول ~~المتنبي أيضا: [البسيط] # 3090 واحر قلباه ممن قلبه شبم # قإنه روي بضم الهاء في " قلباه " ، وجعلوها هاء السكت، ويمكن أن ~~يكون " أكبرن " بمعنى حضن، ولا تكون الهاء للسكت؛ بل تجعل ضميرا ~~للمصدر المدلول عليه بفعله، أي: أكبرن الإكبار، وأنشدوا على أن الإكبار ~~بمعنى الحيض، قوله [البسيط] # 3091 يأتي النساء على أطهارهن ولاك # يأتي النساء إذا أكبرن إكبارا # قال الطبري: البيت مصنوع. # فصل في صفة يوسف الخلقية # روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " رأيت ليلة أسري بي إلى السماء يوسف، كالقمر ليلة ~~البدر ". # وقال إسحاق بن أبي فروة: " كان يوسف عليه الصلاة والسلام إذا ~~سار في أزقة مصر يرى تلألؤ وجهه على الجدران، كما يرى ~~نور الشمس في الماء عليها ". # وقال عليه الصلاة والسلام في حديث الإسراء: # " فمررت بيوسف فإذا هو قد أعطي شطر الحسن ". # قال العلماء رضي الله عنهم : معناه أنه كان على النصف من حسن آدم ~~ صلوات الله وسلامه عليه ؛ لأن الله تعالى خلقه بيده؛ فكان في ~~غاية الحسن البشري؛ ولهذا يدخل أهل الجنة على صورته، وكان يوسف على ~~النصف، ولم يكن بينهما أحسن منهما، كما أنه لم يكن بعد حواء ~~عليها السلام أشبه بها من " سارة " امرأة الخليل صلوات الله ~~وسلامه عليه . # قال أبو العالية: " هالهن أمره إنهن من دهشتهن، وحيرتهن؛ ~~قطعن أيديهن، وهن يحسبن أنهن يقطعن الأترج، ولم يجدن ms4975 ~~الألم؛ لشغل قلوبهن بيوسف ". # وقال مجاهد: ما أحسسن إلا بالدم، وذلك كناية عن الجرح، لا ~~أنهن ابن أيديهن، كما قال قتادة. # وقيل: إنهن لما دهشن، صارت المرأة منهن بحيث لا تميز نصاب السكين من ~~حديدها؛ فكانت تأخذ الجانب الحاد من تلك السكين بكفها؛ فكانت تحصل ~~تلك الجراحة بكفها. # قال وهب: ماتت جماعة منهن. # قال ابن الخطيب: وعندي أنه يحتمل وجها آخر، وهو أنهن إنما ~~أكبرنه؛ لأنهن رأين عليه نور النبوة، وبهاء الرسالة وآثار الخضوع، ~~والإنابة، وشاهدن منه معاني الهيبة، والسكينة، وهي عدم الالتفات إلى ~~المطعوم المنكوح، وعدم الاعتداد بهن، واقران هذه الهيبة الإلهية، ~~بذلك الجمال العظيم، فتعجبن من تلك الحالة، فلا جرم أكبرنه، وعظمنه، ~~ووقع الرعب والمهابة في قلوبهن، وهذا عندي أولى. # فإن قيل: كيف يطابق على هذا التأويل قولها: " فذلكن الذي ~~لمتنني فيه "؟ وكيف تصير هذه الحالة عذرا لها في قوة العشق، وإفراط ~~المحبة؟. # قلت: تقرر أن المحبوب متبوع، فكأنها قالت لهن: هذا الخلق العجيب ~~انضم إليه هذه السيرة الملكية الطاهرة المطهرة. فحسنه يوجب الحب ~~الشديد، والسيرة الملكية توجب اليأس عن الوصول إليه، فلهذا وقعت في ~~المحبة والحسرة، وهذا التأويل أحسن، ويؤيده قولهم: { ما هذا ~~بشرا إن هذآ إلا ملك كريم }. # قوله: " حاشا لله " عدها النحويون من الأدوات المترددة بين ~~الحرفية والفعلية، فإن جرت، فهي حرف، وإن نصبت، فهي فعل، هي من أدوات ~~الاستثناء، ولم يعرف سيبويه فعليتها، وعرفها غيره، وحكوا عن العرب: " ~~غفر الله لي، ولمن سمع دعائي، حاشا الشيطان، وابن أبي ~~الأصبع " بالنصب، وأنشدوا: [الوافر] # 3092 حشا رهط النبي فإن منهم # بحورا لا تكدرها الدلاء # بنصب " رهط " ، و " حشا " لغة في " حاشا " كما سيأتي. # قال الزمخشري: " حاشى " كلمة تفيد التنزيه، في باب الاستثناء، تقول: ~~أساء القوم حاشى زيد، وقال: [الكامل] # 3093 حاشى أبي ثوبان إن به # ضنا عن الملحاة والشتم # وهي حرف من حروف الجر؛ فوضعت موضع التنزيه، والبراءة، فمعنى حاشا ~~لله: براءة الله، وتنزيه الله، وهي قراءة ابن مسعود. # قال أبو حيان: وما ذكر أنها تفيد ms4976 التنزيه في باب الاستثناء، غير ~~معروف عند النحويين، لا فرق في قولك: قام القوم إلا زيدا، وقام ~~القوم حاشا زيد ولما مثل بقوله: أساء القوم حاشا زيد، وفهم من هذا ~~التمثيل براءة زيد من الإساءة، جعل ذلك مستفادا منها في كل موضع، ~~وأما ما أنشده من قوله: [الكامل] # حاشا أبي ثوبان # البيت. # فهكذا ينشده ابن عطية، وأكثر النحاة، وهو بيت ركبوا فيه صدر بيت ~~على عجز آخر من بيتين، وهما: [الكامل] # 3094 حاشى أبي ثوبان إن أبا # ثوبان ليس ببكمة فدم # عمرو بن عبد الله إن به # ضنا عن الملحاة والشتم # قال شهاب الدين: " قوله: " إن المعنى الذي ذكره الزمخشري لا ~~يعرفه النحاة " ولم ينكروه؛ وإنما لم يذكروه في كتبهم؛ لأن ~~غالب:فنهم " صناعة الألفاظ دون المعاني، ولما ذكروا مع أدوات ~~الاستنثاء " ليس " ، و " لا يكون " و " غير " ، لم يذكروا ~~معانيها. إذ مرادهم مساواتها ل " إلا " في الإخراج، وذلك لا يمنع ~~من زيادة معنى في تلك الأدوات ". # وزعم المبرد، وغيره كابن عطية: أنها تتعين فعليتها، إذا وقع بعدها ~~حرف جر كالآية الكريمة، قالوا: لأن حرف الجر لا يدخل على مثله إلا ~~تأكيدا؛ كقوله: [الوافر] # 3095...................... # ولا لما بهم أبدا دواء # وقول الآخر: [الطويل] # 3096 فأصبحن لا يسألنه عن بما به # ...................... # فيتعين أن يكون فعلا فاعله ضمير يوسف، أي: حاشى يوسف، و " لله " ~~جار ومجرور، متعلق بالفعل قبله، واللام تفيد العلة، أي: حاشا يوسف ~~أن يقارف ما رمته به؛ لطاعة الله، ولمكانه منه، أو لترفيع الله أن ~~يرمى بما رمته به، أي: جانب المعصية؛ لأجل الله. # وأجاب الناس عن ذلك: بأن " حاشا " في الآية الكريمة، ليست حرفا ~~ولا فعلا وإنما هي اسم مصدر بدل من اللفظ بفعله؛ كأنه قيل: تنزيها ~~لله، وبراءة له، وإنما لم ينون؛ مراعاة لأصله الذي نقل منه، وهو الحرف، ~~ألا تراهم قالوا: " من عن يمينه " فجعلوا " عن " اسما، ولم ~~يعربوه، وقالوا: " من عليه " فلم يثبتوا ألفه مع الضمر بل أبقوا " عن ~~" على بنائه، وقلبوا ألف " على " مع المضمر؛ مراعاة ms4977 لأصلها، كذا أجاب ~~الزمخشري، وتابعه أبو حيان، ولم يعز له الجواب، وفيه نظر؛ أما ~~قوله: " مراعاة لأصله " فيقتضي أنه نقل من الحرفية، إلى الاسمية، وليس ~~ذلك إلا في جانب الأعلام، يعني أنهم يسمون الشخص بالحرف، ولهم ذلك ~~مذهبان: الإعراب، والحكاية. # أما أنهم ينقلون الحرف إلى الاسم، أي: يجعلونه اسما، فهذا غير معروف. # وأما استشهاده ب " عن " ، و " على " فلا يفيده ذلك؛ لأن " عن " ~~حال كونها اسما بنيت، لشبهها بالحرف في الوضع على حرفين، لا أنها ~~باقية على بنائها، وأما قلب ألف " على " مع الضمير، فلا دلالة فيه؛ ~~لأنا عهدنا ذلك، فيما هو ثابت الاسمية بالاتفاق كالذي، والأولى أن ~~يقال: الذي يظهر في الجواب عن قراءة العامة، أنها اسم منصوب كما ~~تقدم، ويدل عليه قراءة أبي السمال: " حاشا لله " منصوبا منونا، ~~ولكنهم أبدلوا التنوين ألفا؛ كما يبدلونه في الوقف، ثم إنهم أجروا الوصل ~~مجرى الوقف، كما فعلوا ذلك في مواضع كثيرة، تقدم منها جملة، وسيأتي ~~مثلها، إن شاء الله تعالى. # وقيل: في الجواب عن ذلك: بل بنيت " حاشا " في حال اسميتها؛ لشبهها ~~ب " حاشا " في حال حرفيتها، لفظا ومعنى، كما بنيت " عن " ، ~~و " على " لما ذكرناه. # وقال بعضهم: إن اللام زائدة، وهذا ضعيف جدا بابه الشعر. # واستدل المبرد وأتباعه على فعليتها، بمجيء المضارع منها؛ قال ~~النابغة الذبياني: [البسيط] # 3097 ولا أرى فاعلا في الناس يشبهه # ولا أحاشى من الأقوام من أحد # قالوا: تصرف الكلمة من الماضي إلى المستقبل، دليل على فعليتها، لا ~~محالة. # وقد أجاب الجمهور عن ذلك: بأن ذلك مأخوذ من لفظ الحرف؛ كما قالوا: ~~سوفت بزيد، ولو كيت له، أي: قلت له: سوف أفعل، وقلت له: لو كان، ولو ~~كان، وهذا من ذلك، وهو محتمل. # وممن رجح جانب الفعلية، أبو علي الفارسي رحمه الله قال: " لا ~~تخلوا حاشى في قوله " حاشى لله " من أن يكون الحرف الجار في ~~الاستثناء، أو يكون فعلا على فاعل، ولا يجوز أن يكون الحرف الجار؛ لأنه ~~لا يدخل على مثله؛ ولأن الحروف لا يحذف ms4978 منها، إذا لم يكن فيها تضعيف، ~~فثبت أنه فاعل من " الحشا " الذي يراد به الناحية. والمعنى: أنه صار ~~في حشا، أي: في ناحية، وفاعل " حاشى " يوسف، والتقدير: بعد من هذا ~~الأمر؛ لله، أي: لخوفه ". # فقوله: " حرف الجر لا يدخل على مثله " مسلم، ولكن ليس هو هنا ~~حرف جر، كما تقدم تقريره. # وقوله: " لا يحذف من الحرف إلا إذا كان مضعفا " ، ممنوع، ويدل ~~له قولهم: " مذ " في " منذ " إذا جر بها، فحذفوا عينها ولا ~~تضعيف، قالوا: ويدل على أن أصلها: " منذ " بالنون، تصغيرها على " ~~منيذ " وهذا مقرر في بابه. # وقرأ أبو عمرو وحده: " حاشا " بألفين ألف بعد الحاء، وألف بعد ~~الشين، في كلمتي هذه السورة وصلا، ويحذفها وقفا؛ اتباعا للرسم، كما ~~سيأتي، والباقون بحذف الألف الأخيرة؛ وصلا، ووقفا. فأما قراءة أب عمرو، ~~فإنه جاء فيها بالكلمة على أصلها، وأما الباقون: فإنهم ابتعوا في ذلك ~~الرسم، ولما طال اللفظ، حسن تخفيفه بالحذف، ولا سيما على قول من ~~يدعي فعليتها، كالفارسي. # قال الفارسي: " وأما حذف الألف، فعلى: لم يك، ولا أدر، وأصاب ~~الناس جهد، ولو تر ما أهل مكة، وقوله: [الرجز] # 3098 وصاني العجاج فيما وصني # في شعر رؤبة، يريد: لم يكن، ولا أدري، ولو ترى، ووصاني ". وقال ~~أبو عبيدة: رأيتها في الذي يقال له إنه الإمام مصحف عثمان رضي الله ~~عنه " حاش لله " بغير ألف، والآخرى مثلها. # وحكى الكسائي: أنه رآها في مصحف عبد الله، كذلك. قالوا: فعلى ما قال ~~أبو عبيد، والكسائي: ترجح هذه القراءة، ولأن عليها ستة من السبعة. # ونقل الفراء: أن الإتمام لغة بعض العرب، والحذف لغة أهل الحجاز، قال: ~~ومن العرب من يقول " حاشى زيدا " أراد " حشى لزيد " ، فقد نقل ~~الفراء: أن اللغات الثلاث مسموعة ولكن لغة أهل الحجاز مرجحة ~~عندهم. # وقرأ الأعمش، في طائفة " حشى لله " بحذف الألفين، وقد تقدم أن ~~الفراء حكاها لغة عن بعض العرب؛ وعليه قوله: [الوافر] # 3099 حشى رهط النبي......... # ........................ # البيت. # وقرأ أبي، وعبد الله: " حاشى الله " بجر الجلالة، وفيها وجهان: # أحدهما: أن ms4979 تكون اسما مضافا للجلالة، نحو سبحان الله، وهو اختيار ~~الزمخشري. # والثاني: أنه حرف استنثاء، جر به ما بعده؛ وإليه ذهب الفارسي. # وفي جعله: " حاشا " حرف جر مرادا به الاستثناء، نظر، إذ لم ~~يتقدم في الكلام شيء يستثنى منه الاسم المعظم، بخلاف: قام القوم ~~حاشا زيد، واعلم أن النحويين لما ذكروا هذا الحرف، جعلوه من ~~المتردد بين الفعلية، والحرفية كما عند من أثبت فعليته، وجعله في ذلك ~~ك " خلا " و " عدا " ، وهذا عند من أثبت حرفيته، وكان ينبغي أن ~~يذكروه من المتردد بين الاسمية، والفعلية، والحرفية، كما فعلوا ذلك في " ~~على " فقالوا: تكون حرف جر في " عليك " ، واسما في قوله: " من ~~عليه " ، وفعلا في قوله: [الطويل] # 3100 علا زيدنا يوم النقا....... # ......................... # وإن كان فيه نظر، تلخيصه: أن " علا " حال كونها فعلا غير " على ~~" ، حال كونها غير فعل؛ بدليل أن الألف الفعلية منقلبة عن واو، ~~ويدخلها التصريف، والاشتقاق دون ذينك. # وقد يتعلق من ينتصر للفارسي بهذا، فيقول: لو كان " حاشا " في قراءة ~~العامة اسما، لذكر ذلك النحويون عند ترددها بين الحرفية، والفعلية، ~~فلما لم يذكروه، دل على عدم اسميتها. # وقرأ الحسن: " حاش " بسكون الشين، وصلا ووقفا، كأنه أجرى الوصل مجرى ~~الوقف، ونقل ابن عطية عن الحسن أنه قرأ: " حاش الإله " قال محذوفا من ~~" حاشا " يعني أنه قرأ بحذف الألف الأخيرة، ويدل على ذلك، ما صرح ~~به صاحب اللوامح، فإنه قال: " بحذف الألف " ثم قال: وهذا يدل على أنه ~~حرف جر، يجر به ما بعده. فأما الإله: فإنه فكه عن الإدغام، وهو مصدر ~~أقيم مقام المفعول، ومعناه: المبعود، وحذف الألف من " حاش "؛ للتخفيف. # قال أبو حيان: " وهذا الذي قاله ابن عطية، وصاحب اللوامح: من أن ~~الألف في " حاشا " في قراءة الحسن، محذوفة، لا يتعين إلا أن ينقل ~~عنه أنه يقف في هذه القراءة بسكون الشين، فإنه لم ينقل عنه في ذلك شيء، ~~فاحتمل أن تكون الألف حذفت؛ لالتقاء الساكنين، والأصل: حاشا الإله، ثم ~~نقل فحذف الهمزة، وحرك اللام بحركتها، ولم يعتد بهذا التحريك؛ ms4980 لأنه ~~عارض، كما تحذف في نحو " يخشى الإله " ولو اعتد بالحركة لم يحذف الألف ~~". # قال شهاب الدين رحمه الله : الظاهر أن الحسن يقف في هذه القراءة ~~بسكون الشين، ويستأنس له، بأنه سكن الشين في الرواية الآخرى عنه، ~~فلما جيء بشيء محتمل، ينبغي أن يحمل على ما خرج به، وقول صاحب اللوامح: ~~وهذا يدل على أنه حرف جر يجر به ما بعده، لا يصح؛ لما تقدم من ~~أنه لو كان حرف جر، لكان مستثنى به، ولم يتقدم ما يستثنى منه ~~بمجروره. # واعلم أن اللام الداخلة على الجلالة، متعلقة بمحذوف على سبيل ~~البيان، كهي في " سقيا لك " ، و " رعيا لزيد " عند الجمهور، ~~وأما عند المبرد، والفارسي: فإنها متعلقة بنفس " حاشى "؛ لأنها فعل ~~صريح، وقد تقدم أن بعضهم يرى زيادتها. # قال المفسرون: معنى قوله: " حاشى لله " أي: تنزه الله تعالى عن ~~العجز، حيث قدر على خلق جميل مثله، وقيل: معاذ الله أن يكون هذا بشرا. # قوله: " ما هذا بشرا " العامة على إعمال " ما " على اللغة الجازية ~~وهي اللغة الفصحى، ولغة تميم الإهمال، وقد تقدم تخفيف هذا، أول ~~البقرة [البقرة:8]، وما أنشده عليه من قوله: [الكامل] # 3101 وأنا النذير بحرة مسودة # ................. # البيتين. # ونقل ابن عطية: أنه لم يقرأ أحد إلا بلغة الحجاز، وقال الزمخشري: ~~ومن قرأ على سليقته من بني تميم، قرأ " بشر " بالرفع، وهي قراءة ابن ~~مسعود. # فادعاء ابن عطية، أنه لم يقرأ به، غير مسلم. وقرأ العامة: " بشرا " ~~بفتح الباء على أنها كلمة واحدة، ونصب بنزع حرف الخفض، أي: ببشر. # وقرأ الحسن، وأبو الحويرث الحنفي: " بشرى " بكسر الباء، وهي باء ~~جر، دخلت على " شرى " فهما كلمتان، جار ومجرور، وفيها تأويلات: # أحدهما: ما هذا بمشترى، فوضع المصدر موضع المفعول به، ك " ضرب ~~الأمير ". # الثاني: ما هذا بمباع، فهو أيضا مصدر واقع موقع المفعول به، ~~إلا أن المعنى مختلف. # الثالث: ما هذا بثمن، يعنين أنه أرفع من أن يجري عليه شيء من هذه ~~الأشياء، وروى عبد الوارث، عن أبي عمرو كقراءة الحسن، وأبي الحويرث، ms4981 ~~إلا أنه قرأ عنه إلا " ملك " بكسر اللام، واحد الملوك، نفوا عنه ~~ذل المماليك، وأثبتوا له عز الملوك، وذكر ابن عطية: كسر اللام ~~عن الحسن، وأبي الحويرث. # وقال أبو البقاء: وعلى هذا قرىء " ملك " بكسر اللام، كأنه فهم أن ~~من قرأ بكسر الباء، وقرأ بكسر اللام أيضا؛ للمناسبة بين المعنيين، ~~ولم يذكر الزمخشري هذه القراءة مع كسر الباء ألبتة؛ بل يفهم من كلامه ~~أنه لم يطلع عليها، فإنه قال: وقرىء ما هذا بشرى أي: ما هو بعبد ~~مملوك لئيم، { إن هذآ إلا ملك كريم } ، تقول: " هذا ~~بشرى " ، أي: حاصل بشرى، بمعنى مشترى، وتقول: هذا لك بشرى، أو ~~بكرى والقراءة هي الأولى؛ لموافقتها المصحف، ومطابقة " بشر " ل " ~~ملك ". # قوله " لموافقتها المصحف " يعني أن الرسم: " بشرا " بالألف، لا ~~بالياء، ولو كان المعنى على " بشرى " لرسم بالياء، وقوله: " ~~ومطابقة بشرا الملك " ، دليل على أنه لم يطلع على كسر اللام، فضلا ~~عمن قرأ بكسر الباء. # فصل # في معنى قوله: { ما هذا بشرا إن هذآ إلا ملك ~~كريم } وجهان: # أشهرهما: أن المقصود منه إثبات الحسن العظيم له، قالوا: لأنه تعالى ~~ركب في الطبائع أن لا حي أحسن من الملك، كما ركب فيها أن لا ~~حي أقبح من الشيطان، ولذلك قال في صفة شجرة جهنم: # طلعها كأنه رءوس الشياطين # [الصافات:65] وذلك لما تقرر في الطبائع، أن أقبح الأشياء، هو ~~الشيطان، فكذا هاهنا، تقرر في الطبائع أن أحسن الأشياء، هو الملك، ~~فلما أرادت النسوة المبالغة في وصف يوسف في الحسن، لا جرم شبهنه ~~بالملك، وقلن: " إن هذا إلا ملك كريم " على الله من الملائكة. # والوجه الثاني: قال ابن الخطيب: وهو الأقرب عندي، أن المشهور عند ~~الجمهور، أن الملائكة مطهرون عن بواعث الشهوة، وحوادث الغضب، ~~ونوازع الوهم، والخيال، فطعامهم توحيد الله، وشرابهم الثناء على الله، ~~ثم إن النسوة لما رأين يوسف، لم يلتفت إليهن، ورأين عليه هيبة ~~النبوة، وهيبة الرسالة، وسيما الطهارة، قلن: ما رأينا فيه أثرا ~~من الشهوة، ولا شيئا من البشرية، ولا صفة من الإنسانية، ودخل ms4982 في ~~الملائكة، فإن قالوا: فإن كان المراد ما ذكرتم، فكيف يتمهد عذر ~~المرأة عند النسوة؟ فالجواب قد سبق. # فصل فيمن احتج بالآية على أن الملك أفضل من البشر # احتج القائلون بأن الملك أفضل من البشر بهذه الآية فقالوا: لا شك أنهن ~~إنما ذكرن هذا الكلام في معرض تعظيم يوسف صلوات الله وسلامه عليه ، ~~فوجب أن يكون إخراجه من البشرية، وإدخاله في الملكية، سببا لتعظيم ~~شأنه، وإعلاء مرتبته، وإنما يكون كذلك، إذا كان الملك أعلى حالا من ~~البشر. # ثم نقول: لا يخلوا إما أن يكون المقصود بيان كماله في الحسن الظاهر، ~~أو بيان كمال حسن الباطن الذي هو الخلق الباطن، والأول باطل لوجهين: # الأول: أنهن وصفنه بكونه كريما؛ بحسب الأخلاق الباطنة، لا بحسب الخلقة ~~الظاهرة. # والثاني: أنا نعلم بالضرورة أن وجه الإنسان لا يشبه وجوه الملائكة ~~ألبتة، وأما كونه بعيدا عن الشهوة، والغضب، معرضا عن اللذات ~~الجسمانية، متوجها إلى عبودية الله، مستغرق القلب والروح، فهو ~~مشترك فيه بين الإنسان الكامل، وبين الملائكة. # إذا ثبت هذا فنقول: تشبيه الإنسان بالملك، في الأمر الذي حصلت ~~المشابهة فيه على سبيل الحقيقة، أولى من تشبيهه بالملك فيما لم تحصل ~~فيه المشابهة ألبتة؛ فثبت أن تشبيه يوسف بالملك في هذه الآية، إنما وقع ~~في الخلق الباطن، لا في الصورة الظاهرة، وإذا كان كذلك، وجب أن يكون ~~الملك أعلى حالا من الإنسان في هذه الفضائل. # قوله: " فذلكن " مبتدأ، والموصول خبره، أشارت إليه إشارة البعيد، ~~وإن كان حاضرا؛ تعظيما له، ورفعا منه لتظهر عذرها في شغفها. # وجوز ابن عطية: " أن يكون " ذلك " إشارة إلى حب يوسف عليه ~~الصلاة والسلام والضمير في " فيه " عائد على الحب، فيكون " ذلك ~~" إشارة إلى غائب على بابه ". # يعنى بالغائب: البعيد، وإلا فالإشارة لا تكون إلا لحاضر مطلقا. # وقال ابن الأنباري: " أشارت بصيغة " ذلك " إلى يوسف بعد انصرافه من ~~المجلس ". # وقال الزمخشري: " إن النسوة كن قلن: إنها عشقت عبدها ~~الكنعاني، فلما رأينه، وقعن في تلك الدهشة، قالت: هذا الذي ~~رأيتموه، هو العبد الكنعاني الذي ms4983 لمتنني فيه، يعني: أنكن لم ~~تصورنه بحق صورته، فلو حصلت في خيالكن صورته، لتركتن هذه الملامة ~~". # واعلم أنها لما أظهرت عذرها عند النسوة، في شدة محبتها له، كشف عن ~~حقيقة الحال؛ فقالت: { ولقد راودته عن نفسه فاستعصم } ~~وهذا تصريح بأنه عليه الصلاة والسلام كان بريئا من تلك التهمة. # وقال السدي: " فاستعصم " بعد حل السراويل. # قال ابن الخطيب: " وما أدري ما الذي حمله على إلحاق هذه الزيادة ~~الفاسدة الباطلة بنص الكتاب؟! وذل أنها صرحت بما فعلت، فقالت: { ~~ولقد راودته عن نفسه فاستعصم } أي: فامتنع، وإنما صرحت ~~به؛ لأنها علمت أنه لا ملامة عليها منهن، وقد أصابهن ما أصابها، من ~~رؤيته. # قوله: " فاستعصم " في هذه السين وجهان: # أحدهما: أنها ليست على بابها من الطلب، بل " استفعل " هنا بمعنى " ~~افتعل " فاستعصم و " اعتصم " واحد وقال الزمخشري: " الاستعصام ~~بناء للمبالغة يدل على الامتناع البليغ، والتحفظ الشديد، كأنه في ~~عصمة، وهو مجتهد في الزيادة فيها، والاستزادة منها، ونحوه: استمسك، ~~واستوسع الفتق، واستجمع الرأي، واستفحل الخطب " فرد ~~السين إلى بابها من الطلب، وهو معنى حسن، ولذلك قال ابن عطية: " معناه ~~طلب العصمة، واستمسك بها وعصاني " قال أبو حيان: ذكره ~~التصريفيون في " استعصم ": أنه موافق ل " اعتصم " ، و " ~~استفعل " فيه: موافق ل " افتعل " وهذا أجود من جعل " استعفل " فيه ~~للطلب؛ لأن " اعتصم " يدل على اعتصامه، وطلب العصمة لا يدل ~~على حصولها، وأما أنه بناء مبالغة يدل على الاجتهاد في الاستزادة من ~~العصمة، فلم يذكر التصريفيون هذا المعنى ل " استفعل " ، وأما " ~~استمسك، واستجمع الرأي، واستوسع الفتق، ف " استفعل ~~" فيه لموافقة " افتعل " ، والمعنى: امتسك، واتسع، واجتمع، وأما " ~~استفحل الخطب " ف " فاستفعل " فيه موافقة ل " تفعل " ~~أي: تفحل الخطب نحو " استكبر وتكبر ". # قوله: " ما آمره " في " ما " وجهان: # أحدهما: مصدرية. # والثاني: أنها موصولة، وهي مفعول بها بقوله: " يفعل " ، والهاء في ~~" آمره " تحتمل وجهين: # أحدهما: العود على " ما " الموصولة، وإذا جعلناها بمعنى الذي. # الثاني: العود على يوسف. # ولم يجوز الزمخشري عودها على يوسف إلا إذا جعلت " ما " مصدرية، فإنه ~~قال: فإن ms4984 قلت: الضمير في: " ما آمره " راجع إلى الموصول أم إلى ~~يوسف؟ قلت: بل إلى الموصول، والمعنى: ما آمر به، فحذف الجار؛ كما في ~~قوله: [البسيط] # 3102 أمرتك الخير........... # ......................... # ويجوز أن تجعل " ما " مصدرية، فيعود على يوسف، ومعناه: ولئن لم يفعل ~~أمري إياه، أي: موجب أمري، ومقتضاه ". # وعلى هذا، فالمفعول الأول محذوف، تقديره: ما آمره به، وهو ضمير يوسف ~~عليه السلام. # قوله: { وليكونا } قرأ العامة بتخفيف نون " وليكونا " ، ويقفون ~~عليها بالألف؛ إجراء لها مجرى التنوين، ولذلك يحذفونها بعد ضمة، أو ~~كسرة، نحو: هل تقومون؛ وهل تقومين؟ في: هل تقومن؟ والنون الموجودة في ~~الوقف، نون الرفع، رجعوا بها عند عدم ما يقتضي حذفها، وقد تقرر فيما ~~تقدم أن نون التوكيد تثقل، وتخفف، والوقف على قوله: " ~~ليسجنن " بالنون؛ لأنها مشددة، على قوله: " وليكونا " ~~بالألف؛ لأنها مخففة، وهي شبيهة بنون الإعراب في الأسماء؛ كقولك: ~~رأيت رجلا، وإذا وقفت قلت: رجلا، بالألف، ومثله: # لنسفعا بالناصية # [العلق:15]. # و " من الصاغرين " من الأذلاء، وقرأت فرقة بتشديدها وفيها ~~مخالفة لسواد المصحف؛ لكتبها فيه ألفا؛ لأن الوقف عليها كذلك؛ كقوله: ~~[الطويل] # 3103 وإياك والميتات لا تقربنها # ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا # أي: فاعبدن، فأبدلها ألفا، وهو أحد الأقوال في قول امرىء القيس: ~~[الطويل] # 3104 قفا نبك........ # ................... # وأجرى الوصل مجرى الوقف. ### || [12.33-34] # قوله: { رب السجن } العامة على كسر الباء؛ لأنه مضاف لياء ~~المتكلم، اجتزىء عنها بالكسرة، وهي الفصحى، و " السجن ": بكسر السين، ~~ورفع النون، على أنه مبتدأ، والخبر: " أحب " و " السجن " ~~الحبسن والمعنى: دخول السجن. # وقرأ بعضهم: " رب السجن " بضم الباء، وجر النون، على أن " ~~رب " مبتدأ و " السجن " خفض بالإضافة، و " أحب ": خبره، والمعنى: ~~ملاقاة صاحب السجن، ومقاساته أحب إلي. # وقرأ عثمان، ومولاه طارق، وزيد بن علي، والزهري، وابن أبي إسحاق، وابن ~~هرمز، ويعقوب: بفتح السين، وفي الباقي كالعامة. # والسجن: مصدر، أي: الحبس أحب [إلي]، و " إلي " متعلق ب " ~~أحب " ، وقد تقدم [يوسف:8]: أن الفاعل هنا يجر ب " إلى " ~~والمفعول باللام. # وفي الحقيقة: ليست هنا " أفعل " على بابها من ms4985 التفضيل؛ لأنه لم يحب ~~ما يدعونه إليه قط، وإنما هذان شران، فآثر أحد الشرين على ~~الآخر. # فصل # الظاهر أن النسوة لما سمعن هذا التهديد، قلن له: لا مصحلة لك في ~~مخالفة أمرها، وإلا وقعت في السجن وفي الصغار، فعند ذلك اجتمع في ~~حق يوسف، أنواع الترغيب في الموافقة: # أحدها: أن " زليخا " كانت في غاية الحسن. # والثاني: أنها كانت على عزم أن تبذل الكل ليوسف، إن طاوعها. # الثالث: أن النسوة اجتمعن عليه، وكل واحدة منهن كانت ترغبه، وتخوفه ~~بطريق غير طريق الأخرى، ومكر النساء في هذا الكتاب شديد. # الرابع: أنه عليه الصلاة والسلام كان خائفا من شرها، ومن إقدامها ~~على قتله، وإهلاكه. # فاجتمع في حقه جميع جهات الترغيب؛ على موافقتها، وجميع جهات ~~التخويف؛ على مخالفتها، فخاف صلى الله عليه وسلم أن تؤثر هذه الأسباب ~~الكثيرة فيه، والقوة البشرية لا تفي بحصول هذه القضية القوية؛ فعند ذلك ~~التجأ إلى الله تعالى وقال: { رب السجن أحب إلي ~~مما يدعونني إليه } وقدم محبته السجن وإن كانت معصية؛ ~~لأنها أخف، وذلك أنه متى لزم ارتكاب أحد قسمين، كل واحد منهما ~~يضر، فارتكاب أقل الضررين أولى؛ والأولى بالمرء أن يسأل الله ~~العافية. # فإن قيل: كيف قال: " يدعونني إليه " وإنما دعته زليخا ~~خاصة؟. # فالجواب: أضافه إليهن؛ خروجا من التصريح إلى التعريض، وأراد ~~الجنس، وقيل إنهن جميعا دعونه إلى أنفسهن، وقيل أراد ترغيبهن له في ~~مطاوعتها. # فصل # { وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن } قرأ ~~العامة بتخفيف الباء، من: صبا يصبو، أي: رق شوقه، والصبوة: ~~الميل إلى الهوى، ومنه " الصبا "؛ لأن النفوس تصبو إليها، أي: ~~تميل إلى نسيمها وروحها، يقال: صبا يصبو صباء وصبوا، ~~وصبي يصبي صبا، والصبا بالكسرة: اللهو، واللعب. # وقرأت فرقة " أصب " بتشديدها من صبيت صبابة، فأنا صب، ~~والصبابة: رقة الشوق، وإفراطه؛ كأنه لفرط حبه ينصب ~~فيما يهواه كما ينصب الماء. # فصل # احتجوا بهذه الآية على أن الإنسان لا ينصرف عن المعصية، إلا إذا ~~صرفه الله عنها. # قالوا: لأن هذه الآية تدل على أنه إن لم يصرفه ms4986 عن ذلك القبيح، وقع ~~فيه. وتقريره: أن الداعي إلى الفعل، والترك، إن استويا، امتنع الفعل؛ ~~لأن الفعل أحد رجحان الطرفين، ومرجوحية الطرف الآخر، وحصولهما ~~حال استواء الطرفين جمع بين النقيضين؛ وهو محال، فإن حص الرجحان في ~~أحد الطرفين، فذلك الرجحان ليس من العبد، وإلا لذهبت المراتب إلى غير ~~نهاية، بل نقول: من الله تعالى ، فالصرف عبارة عن جعله ~~مرجوحا؛ لأنه متى صار مرجوحا، صار ممتنع الوقوع؛ لأن الوقوع ~~رجحان، فلو وقع في حال المرجوحية، لحصل الرجحان حال حصول ~~المرجوحية، وهو مقتضى حصول الجمع بين النقيضين؛ وهو محال. # فثبت بهذا أن انصراف العبد عن القبيح ليس إلا الله من الله. # وأيضا: فإنه كان قد حصل في " يوسف " جميع الأسباب المرغبة في ~~المعصية، وهو الانتفاع بالمال والجاه، والتمتع بالمطعوم، ~~والمنكوح، ولم يحصل في الإعراض عنها جميع الأسباب المنفرة، وإذا كان ~~كذلك، فقد قويت دواعي الفعل، وضعفت الدواعي المعارضة لدواعي المعصية؛ ~~إذ لو لم يحصل هذا التعارض، لحصل الترجيح للوقوع في المعصية خاليا ~~عما يعارضه؛ وذلك يوجب وقوع الفعل، وهو المراد من قوله { أصب ~~إليهن وأكن من الجاهلين } وفيه دليل على أن المؤمن ~~إذا ارتكب ذنبا، يرتكبه عن جهالة. # قوله: { فاستجاب له ربه } ، أجاب له ربه، { فصرف ~~عنه كيدهن }؛ وذلك يدل على أن الصارف عنه، هو الله تعالى ~~ { إنه هو السميع } لدعائه، { العليم } بمكرهن. ### || [12.35-42] # قوله: { ثم بدا لهم } ، في [فاعل " بدا " ] أربعة أوجه: # أحسنها: أنه ضمير يعود على " السجن " فتح السين، أي: ظهر لهم ~~حبسه؛ ويدل على ذلك اللفظ ب " السجن " في قراءة العامة، وهو ~~بطريق اللازم، ولفظ " السجن " في قراءة من فتح السين. # والثاني: أن الفاعل ضمير المصدر المفهوم من الفعل؛ وهو " بدا " ، ~~أي: بدا لهم بداء، وقد صرح الشاعر به في قوله: [الطويل] # 3105................. # بدا لك في تلك القلوص بداء # والثالث: أن الفاعل مضمر يدل عليه السياق، أي: لهم رأي. # والرابع: أن نفس الجملة من " ليسجننه " هي الفاعل، وهذا من ~~أصول الكوفيين، وهذا يقتضي إسناد الفعل إلى فعل آخر؛ واتفق النحاة ms4987 ~~على أن ذلك لا يجوز. # فإذا قلت: " خرج ضرب " ، لم يفذ ألبتة، فقدروا: ثم بدا لهم ~~سجنه، إلا أنه أقيم هذا الفعل مقام ذلك الاسم. # قال ابن الخطيب: الاسم قد يكون خبرا؛ كقولك: زيد قائم، ف " قائم " ~~اسم وخبر، فعلمنا أن كون الشيء خبرا، لا ينافي كونه مخبرا عنه، ~~وفي هذا الباب شكوك: # أحدها: أنا إذا قلنا: " ضرب فعل " ، والمخبر عنه بأنه فعل هو ~~ضرب، فالفعل صار مخبرا عنه. # فإن قالوا: المخبر عنه هو هذه الصيغة، وهذه الصيغة اسم، فنقول: فعلى ~~هذا التقدير؛ يلزم أن يكون المخبر عنه بأنه فعل هو هذه الصيغة وهذه ~~الصيغة اسم، لا فعل، وذلك كذب باطل، بل نقول: المخبر عنه بأنه فعل: ~~إن كان فعلا، فقد ثبت أن الفعل يصح الإخبار عنه، وإن كان اسما، كان ~~معناه: أنا أخبرنا عن الاسم بأنه فعل، وذلك باطل. # و " حتى ": غاية لما قبله، وقوله: " ليسجننه "؛ على قول ~~الجمهور: جواب لقسم محذوف، وذلك القسم وجوابه معمول لقول مضمر، وذلك ~~القول المضمر في محل نصب على الحال، أي: ظهر لهم كذا قائلين: والله، ~~لنسجننه حتى حين. # وقرأ الحسن: " لتسجننه " ، بتاء الخطاب، وفيه تأويلان: # أحدهما: أن يكون خاطب بعضهم بعضا بذلك. # والثاني: أن يكون خوطب به العزيز؛ تعظيما له. # وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه : " عتى " بإبدال حاء " حتى " ~~عينا، وأقرأ بها غيره، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه فكتب ~~إليه: " إن هذا القرآن نزل بلغة قريش فأقرىء الناس ~~بلغتهم " وإبدال الحاء عينا لغة هذيل. # فصل في معنى الآية # المعنى: ثم بدا للعزيز، وأصحابه في الرأي؛ وذلك أنهم أرادوا أن ~~يقتصروا من أمر " يوسف " على الإعراض عنه، ثم بدا لهم أن يحبسوه من ~~بعد ما رأوا الآيات الدالة على براءة " يوسف " من: قد القميص، ~~وكلام الشاهد، وقطع النساء أيديهن، وذهاب عقولهن " ~~ليسجننه حتى حين ": إلى مدة يرون فيها رأيهم. # وقال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهم : إلى أن تنقطع قالة ~~الناس، قال عكرمة: تسع سنين، وقال الكلبي: خمس ms4988 سنين. # قال السدي: وذلك أن المرأة قالت لزوجها: إن هذا العبراني قد ~~فضحني في الناس؛ يخبرهم بأني راودته عن نفسه، فإما أن تأذن ~~لي أن أخرج، فأعتذر إلى الناس، وإما أن تحبسه، فحبسه. # قال ابن عباس عثر يوسف ثلاث عثرات: حين هم بها؛ ~~فسجن، وحين قال: { اذكرني عند ربك } [يوسف:42]؛ { فلبث ~~في السجن بضع سنين } [يوسف:42]، وحين قال لإخوته: # إنكم لسارقون # [يوسف:70]؛ # قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل # [يوسف:77]. # قوله: { ودخل معه السجن فتيان } [يوسف:36] قيل: هما ~~غلامان للملك الأكبر بمصر: # أحدهما: خباز، صاحب طعامه. # والآخر: صاحب شرابه، غضب الملك عليهما فحبسهما. # قوله: " قال أحدهما ": مستأنف لا محل له، ولا يجوز أن يكون ~~حالا؛ لأنهما لم يقولا ذلك حال الدخول، ولا جائز أن تكون مقدرة؛ ~~لأن الدخول لا يئول إلى الرؤيا، و " إني " وما في حيزه: في محل ~~نصب بالقول. # و " أراني ": متعدية لمفعولين عند بعضهم؛ إجراء للحلمية مجرى ~~العلمية؛ فتكون الجملة من قوله: " أعصر " في محل المفعول الثاني، ~~ومن منع، كانت عنده في محل الحال. # وجرت الحلمية مجرى العلمية أيضا في اتحاد فاعلها، ومفعولها ضميرين ~~متصلين؛ ومنه الآية الكريمة؛ فإن الفاعل والمفعول متحدان في ~~المعنى؛ إذ هما للمتكلم، وهما ضميران متصلان، ومثله: رأيتك في المنام ~~قائما، وزيد رآه قائما، ولا يجوز ذلك في غير ما ذكر. # لا تقول: " أكرمتني " ، ولا " أكرمتك " ، ولا " زيد أكرمه "؛ ~~فإن أردت ذلك، قل: أكرمت نفسي، أو إياي ونفسك، أو [أكرمت] ~~إياك ونفسه، وقد تقدم تحقيق ذلك. # وإذا دخلت همزة النقل على هذه الحلمية، تعدت لثالث، وتقدم هذا في قوله ~~تعالى: # إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم ~~كثيرا # [الأنفال:43]. # والخمر: العنب، أطلق عليه ذلك؛ مجازا؛ لأنه آيل إليه؛ كما يطلق ~~الشيء على الشيء؛ باعتبار ما كان عليه؛ كقوله # وآتوا اليتامى # [النساء:2]، ومجاز هذا أقرب، وقيل: بل الخمر: العنب حقيقة في ~~لغة غسان، وإزد عمان. # وعن المعتمر: لقيت أعرابيا حاملا عنبا في وعاء، فقلت: ما ~~تحمل؟ قال: خمرا. # وقراءة " أبي " ، وعبد ms4989 الله: " أعصر عنبا " ، لا تدل على ~~الترادف؛ لإرداتهما؛ التفسير، لا التلاوة، وهذا كما في مصحف عبد الله: " ~~فوق رأسي ثريدا " ، فإنه أراد التفسير فقط. # و " تأكل الطير ": صفة ل " خبزا " ، و " فوق " يجوز أن ~~يكون ظرفا للحمل، وأن يتعلق بمحذوف، حالا من " خبزا " إلا أنه في ~~الأصل صفة له، والضمير في قوله " نبئنا بتأويله ": قال أبو ~~حيان: " عائد على ما قصا عليه، أجري مجرى اسم الإشارة؛ كأنه ~~قيل: تأويله ما رأيت ". # وقد سبقه إليه الزمخشري، وجعله سؤالا، وجوابا، وقال غيره: إنما ~~واحد الضمير؛ لأن كل واحد سأل عن رؤياه؛ وكأن كل واحد منهما قال: ~~نبئنا مارأيت. # و " ترزقانه ": صفة ل " طعام " ، وقوله " إلا نبأتكما ~~": استثناء مفرغ، وفي موضع الجملة بعدها وجهان: # أحدهما: أنها في محل نصب على الحال، وساغ ذلك من النكرة؛ ~~لتخصصها بالوصف. # والثاني: أن تكون في محل رفع؛ نعتا ثانيا ل " طعام ". # والتقدير: لا يأتيكما طعام مرزوق إلا حال كونه منبا بتأويله، أو ~~منبأ بتأويله، و " قبل " الظاهر أنها ظرف ل " نبأتكما ~~" ، ويجوز أن يتعلق بتأويله، أي: نبأتكما بتأويله الواقع قبل إتيانه. # فصل # قيل: إن جماعة من أهل مصر، أرادوا المكر بالملك، فضمنوا لهذين ~~الرجلين مالا، ليسما الملك في طعامه، وشرابه، فأجاباهم، ثم إن ~~الساقي نكل عنه، وقبل الخباز الرشوة فسم الطعام، فلما أحضروا ~~الطعام، قال الساقي: لا تأكل أيها الملك؛ فإن الطعام مسموم، وقال ~~الخباز: لا تشرب أيها الملك؛ فإن الشراب مسموم، فقال الملك ~~للساقي: اشرب، فشربه فلم يضره، وقال للخباز: كل من طعامك، فأبى، ~~فجرب ذلك الطعام على دابة، فأكلته: فهلكت؛ فأمر الملك بحبسهما. # وكان يوسف حين دخل السجن، جعل ينشر علمه، ويقول: إني أعبر ~~الأحلام، فقال أحد الفتيين لصاحبه: هلم فلنجرب هذا العبد العبراني، ~~فتراءيا له، فسألاه من غير أن يكونا رأيا شيئا. # قال ابن مسعود رضي الله عنه : " ما رأيا شيئا وإنما ~~تحالما ليجربا يوسف " عليه السلام . # وقيل: بل رأيا حقيقة، فرآهما يوسف عليه الصلاة والسلام وهما ~~مهمومان، فسألهما عن شأنهما، فذكرا أنهما صاحبا ms4990 الملك حبسهما وقد ~~رأيا رؤية همتهما، فقال يوسف صلوات الله، وسلامه عليه وعلى الأنبياء ~~والمرسلين : قصا علي ما رأيتما! فقصا عليهن فعبر لهما ما ~~رأياه، وعرف حرفة كل واحد من منامه. # وتأويل الشيء، ما يرجع إليه، وهو الذي يئول إليه آخر ذلك الأمر. # ثم قالا: { إنا نراك من المحسنين }: في أمر الدين، أي: ~~نراك تؤثر الإحسان، وتأتي مكارم الأخلاق. # وقيل: { إنا نراك من المحسنين } في علم التعبير؛ وذلك ~~أنه حين عبر لم يخطىء. # [وقيل: إنه كان يعود مرضاهم ويوقر كبيرهم، فقالوا إنا لنراك من ~~المحسنين في حق الأصحاب]. # فصل في حقيقة علم التعبير # وحقيقة علم التعبير: أنه تعالى خلق جوهر النفس الناطقة، بحيث ~~يمكنها الصعود إلى عالم الأفلاك، ومطالعة اللوح المحفوظ، والمانع ~~لها من ذلك: اشتغالها بتدبير البدن، فوقت يقل هذا الاشتغال، يقوى على ~~هذه المطالعة، فإن وقعت على حالة من الأحوال، تركت آثارا مخصوصة مناسبة ~~لذلك الإدراك الروحاني، إلى علم الخيال، فالمعبر يستدل بتلك ~~الآثار الخيالية على تلك الإدراكات القلبية. # قال صلوات الله وسلامه عليه : # " الرؤيا ثلاثة: رؤيا ما يحدث الرجل به نفسه، ورؤيا ~~تحدث من الشيطان، ورؤيا جزء من ستة وأربعين جزءا من ~~النبوة ". # فصل # في قوله يوسف ما أحبني أحد قط الإ دخل علي من حبه بلاء، أو في البلاء ~~الذي حل بيوسف بسبب حب الناس له: روي أن الفتيين لما رأيا يوسف، ~~قالا: لقد أحببناك حين رأيناك، فقال لهما يوسف: ناشدتكما، لا ~~تحباني؛ فوالله ما أحبني أحد قط؛ إلا دخل علي من حبه ~~بلاء، لقد أحبتني عمتي، فدخل علي بلاء، ثم أحبني أبي، ~~فألقيت في الجب، وأحبتني امرأة العزيز، فحبست. # فلما قصا عليه الرؤية، كره يوسف أن يعبر لهما ما سألاه، لما علم ما ~~في ذلك من المكروه على أحدهما، فأعرض عن سؤالهما، وأخذ في غيره، من إظهار ~~المعجزة، والدعاء إلى التوحيد. # فقال: { لا يأتيكما طعام ترزقانه } قيل: أراد به في النوم، أي لا ~~يأتيكما طعام ترزقانه في نومكما، إلا نبأتكما بتأويله في اليقظة، ~~وقيل: أراد ms4991 به في اليقظة؛ فقوله { لا يأتيكما طعام ~~ترزقانه } في منازلكما تطعمانه، وتأكلانه " إلا نبأتكما " ~~أخبرتكما " بتأويله " بقدره، ولونه، والوقت الذي يصل إليكما، قبل أن ~~يصل، وأي طعام أكلتم، وكم أكلتم ومتى أكلتم. # وهذا مثل معجزة عيسى عليه الصلاة والسلام حيث قال: # وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم # [آل عمران:49]. # فقال: هذا فعل القوافين والكهنة، فمن أين لك هذا العلم؟. # فقال: ما أنا بكاهن، وإنما ذلك العلم مما علمني ربي. # ثم قال: { إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله ~~وهم بالآخرة هم كافرون } ، وفي سؤال: # وهو قوله: { إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله ~~} يوهم أنه صلوات الله وسلامه عليه كان في هذه الملة؟. # والجواب من وجوه: # الأول: أن الترك عبارة عن عدم التعرض للشيء، وليس من شرطه أن ~~يكون قد كان خائضا فيه. # والثاني: أن يقال: إنه عليه الصلاة والسلام كان عبدا لهم بحسب ~~زعمهم ولعله قبل ذلك كان لا يظهر التوحيد، والإيمان؛ خوفا ~~منهم، ثم إنه أظهره في هذا الوقت؛ فكان هذا جاريا مجرى ترك ملة ~~أولئك الكفرة بحسب الظاهر. # قوله: (إني تركت) يجوز أن تكون هذه مستأنفة، أخبر بذلك عن نفسه، ويجوز ~~أن تكون تعليلا لقوله: { ذلك مما علمني ربي } ، أي: تركي عبادة غير ~~الله، سبب لتعليمه إياي ذلك، وعلى الوجهين لا محل لها من الإعراب، و ~~" لا يؤمنون ": صفة ل " قوم ". # وكرر " هم " في قوله: { وهم بالآخرة هم كافرون }؛ قال ~~الزمخشري: " للدلالة على أنهم خصوصا كافرون بالآخرة، وأن غيرهم ~~مؤمنون بها ". # قال أبوا حيان: " وليست " هم " عندنا تدل على الخصوص ". # قال شهاب الدين: " لم يقل الزمخشري إنها تدل على الخصوص، ~~وإنما قال: " وتكرير " هم " للدلالة على الخصوص " فالتكرير هو ~~الذي أفاد الخصوص وهو معنى حسن ". # وقيل: كرر " هم "؛ للتوكيد. # وسكن الكوفيون الياء من: " آبائي " ، ورويت عن أبي عمرو، ~~وإبراهيم، وما بعده: بدل، أو عطف بيان، أو منصوب على المدح. # قوله { واتبعت ملة آبآئي إبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب } ، لما ادعى النبوة، وتحدى بالمعجزة وهوعلم ~~التعبير قرر كونه من ms4992 أهل النبوة، وأن أباه وأجداده كانوا أنبياء ~~ عليهم الصلاة والسلام فإن الإنسان متى ادعى حرفة أبيه وجده، لم ~~يستبعد ذلك منه، وأيضا: فكما أن درجة إبراهيم عليه الصلاة والسلام ~~وإسحاق، ويعقوب، كان أمرا مشهورا في الدنيا، فإذا ظهر أنه ولدهم، ~~عظموه، ونظروا إليه بعين الإجلال؛ فكان انقيادهم له أتم وتتأثر ~~قلوبهم بكلامه. # فإن قيل: إنه كان نبيا، فكيف قال: { واتبعت ملة آبآئي ~~} ، والنبي لا بد وأن يكون مختصا بتشريعة نفسه؟. # فالجواب: لعل مراده أن التوحيد كلا يتغير، ولعله كان رسولا من ~~عند الله؛ إلا أنه كان على شريعة إبراهيم صلوات الله وسلام عليه ~~وعلى الأنبياء المرسلين . # قوله: { ما كان لنآ أن نشرك بالله من شيء } فيه ~~سؤال: # وهو أن حال كل من المكلفين كذلك؟. # والجواب: ليس المراد بقوله: " ما كان لنا " أنه حرم ذلك عليهم، ~~بل المراد أنه تبارك وتعالى طهره، وطهر آباءه عن الكفر؛ كقوله # ما كان لله أن يتخذ من ولد # [مريم:35]. # قوله: " من شيء " يحوز أن يكون مصدرا، أي: شيئا من الإشراك، ويجوز ~~أن يكون واقعا على الشرك، أي: ما كان لنا أن نشرك شيئا غيره من ~~ملك، أو إنس، أو جن، فكيف بصنم؟. # و " من " [مزيدة] على التقديرين؛ لوجود الشرطين. # ثم قال: " ذلك " أي: التوحيد والعلم { من فضل الله ~~علينا وعلى الناس } ، بما بين لهم من الهدى؛ { ولكن ~~أكثر الناس لا يشكرون } نعم الله على الإيمان. # حكي أن واحدا من أهل السنة دخل على بشر بن المعتمر، وقال ~~له: يا هذا: هل تشكر الله على الإيمان أم لا؟ فإن قلت لا، فقد خالفت ~~الإجماع، وإن شكرته، فكيف تشكره على ما ليس فعلا له؟. # فقال له بشر: إنا نشكر الله على أنه تعالى أعطانا: القدرة، والعقل، ~~والآلة، فيجب علينا أن نشكره على إعطاء القدرة والآلة، فأما أن ~~نشكره على الإيمان، مع أن الإيمان ليس فعلا، فذلك باطل، فدخل عليهم ~~ثمامة بن الأشرس، وقال: إنا لا نشكر الله على الإيمان، بل الله ~~يشكرنا عليه؛ كما قال تعالى: # فأولئك ms4993 كان سعيهم مشكورا # [الإسراء:19] فقال بشر: " لما صعب الكلام، سهل ". # قال ابن الخطيب: " واعلم أن الذي اقترحه ثمامة باطل؛ بنص هذه الآية؛ ~~لأنه تعالى بين أن عدم الإشراك من فضل الله، ثم بين أن أكثر ~~الناس لا يشكرون هذه النعمة، وإنما ذكره على سبيل الذم، فدل هذا ~~على أنه يجب على كل مؤمن أن يشكر الله على نعمة الإيمان، وحينئذ ~~تقوى الحجة، وتكمل الدلالة ". # قال القاضي: قوله: " ذلك " إن جعلناه إشارة إلى التمسك بالتوحيد، فهو ~~من فضل الله تعالى لأنه إنما حصل بإلطافه، وتسهيله، ويحتمل أن يكون ~~إشارة إلى النبوة. # والجواب: أن " ذلك " إشارة إلى المذكور السابق، وذلك هو ترك ~~الإشراك فوجب أن يكون ترك الإشراك من فضل الله تعالى والقاضي يصرفه ~~إلى الإلطاف والتسهيل؛ فكان هذا تركا للظاهر، وأما صرفه إلى النبوة، ~~فبعيد؛ لأن اللفظ الدال على الإشارة يجب صرفه إلى أقرب المذكورات، ~~وهو هنا عدم الإشراك. # قوله تعالى: { يصاحبي السجن }: يجوز أن يكون من باب الإضافة ~~للظرف؛ إذ الأصل: يا صاحبي في السجن، ويجوز أن تكون من باب الإضافة ~~إلى المشبه بالمفعول به، والمعنى: يا ساكني السجن، وذكر الصحبة، ~~لطول مقامهما فيه؛ كقوله تعالى: # أصحاب النار # [الأعراف:44 50]. # وقوله: { أم الله } ، هنا: متصلة؛ عطفت الجلالة على " أرباب ~~". # فصل # اعلم أنه عليه الصلاة والسلام لما ادعى النبوة في الآية الأولى، ~~وكان إثبات النبوة مبنينا على إثبات الإلهية، لا جرم شرع في هذه ~~الآية في تقرير الإلهيات، ولما كان أكثر الخلق مقرين بوجود الإله ~~العالم القادر، وإنما الشأن في أنهم يتخذون أصناما على صور الأرواح ~~الفلكية، ويعبدونها، ويتوقعون حصول النفع والضر منها، لا جرم ~~كان سعي أكثر الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم في المنع من هذه، ~~وكان الأمر على هذا إلى زمان يوسف صلوات الله وسلامه عليه وعلى ~~الأنبياء والمرسلين . # فلهذا السبب، شرع في ذكر ما يدل على فساد العقول بعبادة الأصنام؛ ~~فقال: { أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد ~~القهار } ، والمراد منه الاستفهام على سبيل الإنكار، وتقرير فساد ~~القول بعبادة الأصنام: ms4994 أنه تعالى بين أن كثرة الآلهة توجب الخلل ~~والفساد في هذا العالم؛ لقوله تعالى: # لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا # [الأنبياء:22] فلما قرر أن كثرة الآلهة توجب الخلل والفساد، ~~وكون الإله واحد، يقتضي حصول الانتظام، وحسن الترتيب قال هاهنا: { ~~أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد ~~القهار }. # وأما تقرير كون كثرة الآلهة، توجب الخلل والفساد في العالم: أنه لو ~~كان اثنان أو ثلاثة، لم نعلم من الذي خلقنا، ورزقنا، ودفع الآفات ~~عنا؛ فيقع الشرك في أنا نعبد هذا أم ذاك. # ومعنى: كونهم متفرقين، أي: شتى، هذا من ذهب، وهذا من فضة، وهذا من ~~حديد، وهذا أعلى، وهذا أوسط، وهذا أدنى، متباينون لا تضر ولا تنفع. # { خير أم الله الواحد القهار } ، " الواحد ": لا ~~ثاني له، " القهار " الغالب عل الكل. # ثم عجز الأصنام، فقال: { ما تعبدون من دونه إلا ~~أسمآء } أي: من دون الله، وإنما ذكر بلفظ الجمع، وقد ابتدأ الخطاب ~~لاثنين؛ لأنه أراد جميع أهل السجن، وكل من هو على مثل حالهما من ~~الشرك. # فإن قيل: لم سماها أربابا، وليست كذلك؟. # فالجواب: لا عتقادهم فيها أنها كذلك، وأيضا: الكلام خرج على سبيل ~~الفرض، والتقدير، والمعنى: أنها إن كانت أربابا، فهي خير أم الله ~~الواحد القهار؟. # فإن قيل: كيف يجوز التفاضل بين الأصنام، وبين الله تعالى ، حتى ~~قيل: إنها خير أم الله؟. # فالجواب: أنه خرج على سبيل الفرض، والمعنى: لو سلمنا أنه حصل فيها ~~ما يوجب الخير، فهي خير أم الله الواحد القهار؟. # قوله تعالى: { إلا أسمآء } ، إما أن يراد بها المسميات، أو على ~~حذف مضاف، أي: ذوات المسميات، و " سمتموها ": صفة، وهي ~~متعدية لاثنين حذف ثانيهما، أي: سميتموها آلهة. # و " ما أنزل ": صفة ل " أسماء " ، و " من ": زائدة في: " ~~من سلطان " ، أي: حجة. # و " إن الحكم ": " إن " نافية، ولا يجوز الإتباع بضمة الحاء؛ ~~كقوله: # وقالت اخرج # [يوسف:31]، ونحوه؛ لأن الألف واللام كلمة مستقلة، فهي فاصلة ~~بينهما. # فصل # قال في الآية: { أأرباب متفرقون خير أم الله ~~الواحد القهار } ، وذلك يدل على وجود ms4995 هذه المسميات، ثم قال ~~في عقبه: { ما تعبدون من دونه إلا أسمآء ~~سميتموهآ } ، وهذا يدل على أن المسمى غير حاصل، وبينها ~~تناقض. # والجواب: أن الذوات موجودة حاصلة إلا أن المسمى بالإله غير ~~حاصل؛ وبيانه من وجهين: # الأول: أن ذوات الأصنام، وإن كانت موجودة، إلا أنها غير موصوفة ~~بصفات الإلهية، وإذا كان كذلك، كان الشيء الذي هو مسمى بالإلهية في ~~الحقيقة غير موجود، ولا حاصل. # الثاني: روي أن عبدة الأصنام مشبهة، فاعتقدوا أن الإله هو ~~النور الأعظم، وأن الملائكة أنوار صغيرة؛ فوضعوا على صورة تلك ~~الأنوار هذه الأرباب، ومعبودهم في الحقيقة هو تلك الأنوار، ثم إن ~~جماعة ممن يعبدون الأصنام، قالوا: نحن لا نقول إن هذه الأصنام آلهة ~~للعالم، بمعنى أنها هي التي خلقت العالم، إلا أنا نسميها آلهة ~~نعبدها؛ لاعتقادنا أن الله أمرنا بذلك. # فأجاب الله تعالى عنه، فقال: أما تسميتها بالآلهة، فما أمر الله ~~بذلك ولا أنزل في هذه التسمية حجة، ولا برهانا، وليس لغير الله ~~حكم يجب قبوله، ولا أمر يجب إلزامه بل الحكم والأمر ليس إلا ~~لله. # ثم إنه تعالى: { أمر ألا تعبدوا إلا إياه }: لأن ~~العبادة نهاية التعظيم؛ فلا يليق إلا بمن حصل منه: الخلق، ~~والإحياء، والعقل، والرزق، والهداية، ونعم الله كثيرة، وإحسانه ~~إلى الخلق غير متناه. # ثم قال تعالى: { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ، ~~وذلك أن أكثر الخلق ينسبون حدوث الحوادث الأرضية إلى الاتصالات ~~الفلكية، والمناسبات الكوكبية؛ لأجل أنه تقرر في العقول أن الحادث ~~لا بد له من سبب، فاعتبروا أحوال الشمس في أرباع الفلك، وربطوا ~~الفصول الأربعة بحركة الشمس. # ثم إنهم لما شاهدوا أحوال النبات والحيوان، تختلف باختلاف الفصول ~~الأربعة غلب على طباع أكثر الخلق، أن المدبر [لحدوث] الحوادث في ~~العالم، هو الشمس والقمر، وسائر الكواكب. # ثم إنه تعالى إذا وفق إنسانا حتى ترقى في هذه الدرجة، ~~وعرف أنها في ذواتها، وصفاتها مفتقرة إلى موجود، مبدع قادر، قاهر، ~~عليم، حكيم، فذلك الشخص يكون في غاية الندرة؛ فلهذا قال: { ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون }. # قوله ms4996 " أمر " يجوز أن يكون مستأنفا، وهو الظاهر، وأن يكون حالا، و " ~~قد " معه مرادة عند بعضهم. # قال أبو البقاء: وهو ضعيف لضعف العامل فيه. # يعني بالعامل: ما تضمنه الجار في قوله " إلا الله " من الاستقرار. # قوله تعالى: { يصاحبي السجن أمآ أحدكما فيسقي } ، ~~العامة على فتح الياء، من سقاه يسقيه، وقرأ عكرمة في رواية " فيسقي ~~" بضم حرف المضارعة من " أسقى " وهما لغتان، قال: سقاه، وأسقاه، ~~وسيأتي أنهما قراءتان في السبع، و # نسقيكم مما في بطونه # [النحل:66]، وهل هما بمعنى أم بينهما فرق؟. # ونقل ابن عطية، عن عكرمة، والجحدري: أنهما قرءا " فيسقى ~~ربه " مبنيا للمعفول، ورفع " ربه " ، ونسبها الزمخشري لعكرمة ~~فقط. # فصل # اعلم أنه صلوات الله وسلامه عليه لما قرر التوحيد والنبوة، عاد ~~إلى الجواب عن السؤال الذي ذكر، ففسر رؤياهما، فقال: { يصاحبي ~~السجن أمآ أحدكما } ، وهو صاحب الشراب " فيسقي ربه ~~": يعني الملك، وأما الآخر: يعنى الخباز، فيدعوه الملك، ويخرجه، ~~ويصلبه؛ فتأكل الطير من رأسه. # قال ابن مسعود رضي الله عنه : " لما سمعا قول يوسف صلوات ~~الله وسلامه عليه قالا: ما رأينا شيئا إنما كنا نلعب " ، ~~قال يوسف: " قضي الأمر الذي فيه تستفتيان ". # فإن قيل: هذا الجواب الذي ذكره يوسف عليه الصلاة والسلام ذكره؛ ~~بناء على أن الوحي من قبل الله تعالى أو بناء على علم التعبير. # والأول باطل؛ لأن ابن عباس رضي الله عنهما نقل أنه إنما ذكره على ~~سبيل التعبير، وأيضا قال الله: { وقال للذي ظن أنه ناج ~~منهما } ، ولو كان ذلك التعبير مبنيا على الوحي، كان الحاصل منه ~~القطع واليقين، لا الظن والتخمين. # والثاني أيضا باطل؛ لأن علم التعبير مبني على الظن، والقضاء: ~~هو الإلزام والجزم والحكم البت، فكيف بني الجزم والقطع على الظن ~~والحسبان؟. # والجواب: لا يبعد أن يقال: إنهما سألاه عن ذلك المنام، صدقا فيه أو ~~كذبا، فإن الله تعالى أوحى إليه أن عاقبة كل واحد منهما تكون ~~على ذلك الوجه المخصوص، فملا نزل الوحي بذلك الغيب عند ذلك السؤال، وقع ~~في الظن أنه ذكره على سبيل ms4997 [التعبير]. # ولا يبعد أيضا أن يقال: إنه بنى ذلك الجواب على علم التعبير. # وقوله { قضي الأمر الذي فيه تستفتيان } ما عنى به ~~أن الذي ذكره واقع لا محالة، بل عنى أن حكمه في تعبير ما سألاه عنه ~~ذلك الذي ذكره. # قوله: " قضي الأمر " قال الزمخشري: " ما استفتيا في أمر ~~واحد، بل في أمرين مختلفين، فما وجه التوحيد؟ قلت: المراد بالأمر ~~ما أتهما به من سم الملك، وما سجنا من أجله، والمعنى: فرغ من ~~الأمر الذي عنه تسألان ". # قوله تعالى: { وقال للذي ظن } ، فاعل " ظن ": يجوز أن ~~يكون يوسف عليه الصلاة والسلام إن كان تأويله بطريق الاجتهاد، وأن ~~يكون الشرابي إن كان تأويله بطريق الوحي، أو يكون الظن بمعنى ~~اليقين؛ كقوله تعالى: # الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم # [البقرة:46] و # إني ظننت أني ملاق حسابيه # [الحاقة:20] قال الزمخشري. يعني أنه إن كان الظن على بابه، فلا ~~يستقيم إسناده إلى يوسف؛ إلا أن يكون تأويله بطريق الاجتهاد، لأنه ~~منتى كان بطريق الوحي، كان يقينا؛ فينسب الظن حينئذ للشرابي ~~لا ليوسف عليه الصلاة والسلام . # وأما إذا كان الظن بمعنى اليقين، فيصح نسبته إلى يوسف عليه ~~الصلاة والسلام إن كان تأويله بطريق الوحي. # وذهب قتادة: إلى كون الظن على بابه وهو مسند إلى يوسف إن كان تأويله ~~بطريق الاجتهاد ، فإنه قال: " الظن هو على بابه؛ لأن عبارة الرؤيا ~~ظن ". # قوله: " منهما " ، يجوز أن يكون صفة ل " ناج " ، وأن يتعلق ~~بمحذوف؛ على أنه حال من الموصول. # قال أبو البقاء: " ولا يكون متعلقا ب " ناج " لأنه ليس المعنى ~~عليه " قال شهاب الدين: لو تعلق ب " ناج " لأفهم أن غيرهما نجا ~~منهما، أي: انفلت منهما، والمعنى: أن أحدهما هو الناجي، وهذا المعنى ~~الذي نبه عليه بعيد توهمه. # والضمير في " فأنساه " ، يعود على الشرابي، وقيل: على يوسف؛ وهو ~~ضعيف. # فصل في الاختلاف فيمن أنساه الشيطان ذكر ربه # قال يوسف عليه الصلاة والسلام للناجي من الرجلين: { اذكرني ~~عند ربك } ، أي: عند الملك، أي: اذكرني عنده أنه مظلوم من جهة ~~إخوته، ms4998 لما أخرجوه، وباعوه، ثم إنه مظلوم في هذه الواقعة؛ التي لأجلها ~~حبس. # ثم قال تعالى: { فأنساه الشيطان ذكر ربه } قيل: أنسى ~~الساقي ذكر يوسف للملك، تقديره: فأنساه الشيطان ذكره لربه. # ورجح بعض العلماء هذا القول، فقال: لو أن الشيطان أنسى يوسف ذكر ~~الله، لما استحق العقاب باللبث في السجن؛ إذ الناسي غير ~~مؤاخذ. # وقد يجاب عن ذلك بأن النسيان قد يكون بمعنى الترك، فلما ترك ~~ذكر الله، ودعاه الشيطان إلى ذلك، عوقب. # وأجيب عن هذا الجواب بقوله تعالى: # وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة # [يوسف:45]، فدل على أن الناسي هو الساقي لا يوسف، مع قوله تعالى: # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان # [الحجر:42]، فكيف يصح أن يضاف نسيانه إلى الشيطان، وليس له على ~~الأنبياء سلطان؟. # وأجيب عن هذا بأن النسيان لا عصمة للأنبياء عنه، إلا في وجه واحد وهو ~~الخبر من الله تعالى، فيما يلقونه؛ فإنهم معصومون فيه، وإذا وقع ~~منهم النيسان حيث يجوز وقوعه، فإنه ينسب إلى الشيطان؛ وذلك إنما ~~يكون فميا أخبر الله عنهم، ولا يجوز لنا نحن ذلك فيهم، قال عليه السلام: # " نسي آدم فنسيت ذريته " # وقال: # " إنما أنا بشر، أنسى كما تنسون ". # وقال ابن عباس رضي الله عنهما وعليه الأكثرون: " أنسى الشيطان ~~يوسف ذكر ربه؛ حتى ابتغى الفرج من غيره، واستعان بمخلوق؛ وتلك غفلة ~~عرضت ليوسف من الشيطان ". # " فلبث ": مكث " في السجن بضع سنين " قال صلى الله عليه وسلم: # " يرحم الله أخي يوسف؛ لو لم يقل: " اذكرني عند ~~ربك "؛ ما لبث في السجن " # ومما يدل على أنه المراد قوله: { فأنساه الشيطان ذكر ~~ربه } ولو كان المراد الساقي لقال فأنساه الشيطان ذكر يوسف. واعلم ~~أن الاستعانة بغير الله في دفع الظلم، جائزة في الشريعة، لا إنكار ~~عليه. # وإذا كان كذلك، فلم صار يوسف عليه الصلاة والسلام مؤاخذا بهذا ~~القدر؟ وكيف لا يصير مؤاخذا بالإقدام على الزنا؟ ومكافأة الإحسان ~~بالإساءة [أولى]؟. # فلما رأينا الله أخذ يوسف بهذا القدر، ولم يؤاخذه في تلك القضية ~~ألبتة، وما عابه، بل ms4999 ذكره بأعظم وجوه المدح والثناء علمنا ~~أنه عليه الصلاة والسلام كان مبرأ مما نسبوه إليه. # فصل في اشتقاق البضع وما يدل عليه # قال الزجاج: " اشتقاق البضع من بضعت بمعنى قطعت ". # قال النواوي: " والبضع بكسر الباء، وقد تفتح: ومعناه القطعة من ~~العدد ". # قال الفراء: لا تذكر إلا مع عشرة، أو عشرين إلى التسعين؛ وذلك ~~يقتضي أن يكون مخصوصا بما بين الثلاثة إلى التسعة، قال: وهكذا رأيت ~~العرب يقولون، وما رأيتهم يقولون: بضع ومائة، قال: وإنما يقال نيف ~~مائة؛ والقرآن يرد عليه. # ويقال: بضع نسوة، وبضعة رجال. # روى الشعبي رضي الله عنه # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: كم البضع؟ قال: ما دون ~~العشرة ". # وقال ابن عباس رضي الله عنهما : " ما دون العشرة ". # وقال مجاهد رضي الله عنه : مابين الثلاث إلى السبع. # وقيل إلى الخمس. # وقال قتادة رضي الله عنه : مابين الثلاث إلى التسع. # وأكثر المفسرين على أن البضع في هذه الآية سبع سنين، وقد لبث قبله ~~خمس سنين فجملته، اثنتا عشرة سنة. # قال ابن عباس رضي الله عنهما : " لما تضرع يوسف صلوات الله ~~وسلامه عليه لذلك الرجل، كان قد قرب وقت خروجه، فلما ذكر ذلك لبث ~~في السجن بعده سبع سنين ". # وقيل: البضع: فوق الخمسة ودون العشرة. # وقد تقدم عند قوله # بضاعة # [يوسف:19]، والبعض قد تقدم أنه من هذا المعنى، عند ذكر البعوضة. # وفي المدة التي أقامها يوسف في السجن أقوال: # أحدها: قال ابن جريج، وقتادة، ووهب بن منبه: أقام أيوب في ~~البلاء سبع سنين، وأقام يوسف في السجن سبع سنين. # وقال ابن عباس: اثنتي عشرة سنة. # وقال الضحاك: أربع عشرة سنة. ### || [12.43-49] # قوله تعالى: { وقال الملك إني أرى سبع بقرات ~~سمان } الآية. # اعلم أنه تعالى عز وجل إذا أراد شيئا، هيأ أسبابه، ولما ~~دنا فرج يوسف عليه الصلاة والسلام رأى ملك مصر في النوم سبع بقرات ~~سمان خرجن من نهر يابس، ثم خرج عقيبهن سبع بقرات عجاف في ~~غاية الهزال، فابتلعت العجاف السمان، ورأى سبع سنبلات خضر، قد ms5000 ~~انعقد حبها، وسبعا أخر يابسات، قد استحصدت، فالتوت اليابسات على ~~الخضر حتى غلبن عليها، فلم يبق من خضرتها شيء؛ فجمع الكهنة، ~~والسحرة، والنجامة، والمعبرين، وقص عليهم رؤياه؛ وهو قوله { ~~يأيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا ~~تعبرون قالوا أضغاث أحلام } ، أخلاط أحلام مشتبهة ~~أهاويل. # فصل # قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : " المعز والبقر إذا دخلت ~~المدينة، فإن كانت سمانا، فهي سني رخاء، وإن كانت عجافا، كانت ~~شدادا، وإن كانت المدينة مدينة بحر، وإبان سفر، قدمت سفن على ~~عددها، وحالها؛ وإلا كانت فتنا مترادفة كأنها وجوه البقر يشبه بعضها ~~بعضا؛ كما قال عليه الصلاة والسلام في الفتن: " كأنها صياصي ~~البقر "؛ لتشابهها، إلا أن تكون صفرا كلها، فإنها أمراض تدخل ~~على الناس، وإن كانت مختلفة الألوان شنيعة القرون، كان الناس ينفرون ~~منها، أو كان النار والدخان يخرج من أفواهها؛ فإنها عسكر، أو غارة أو ~~عدو، يضرب عليهم، وينزل بساحتهم، وقد تدل البقرة على الزوجة، ~~والخادم، والغلة والسنة: لما يكون فهيا من الغلة، والولد، ~~والنبات ". # قوله: " سمان " ، صفة ل " بقرات " ، وهو جمع سمينة، ويجمع " ~~سمين " أيضا عليه يقال: رجال سمان ونساء سمان؛ كما يقال: رجال ~~كرام ونساء كرام، و " السمن ": مصدر سمن يسمن فهو سمين، ~~فالاسم والمصدر، جاءا على غير قياس؛ إذا قياسهما " سمن " بفتح الميم ~~ فهو سمن بسكرها؛ نحو فرح فرحا فهو فرح. # قال الزمخشري: " فإن قلت: هل من فرق بين إيقاع سمان صفة للتمييز: ~~وهو بقرات دون المميز: سبع، وأن نقول: سبع بقرات سمانا؟ قلت: ~~إذا أوقعتها صفة ل " بقرات " ، فقد قصدت إلى أن تميز السبع بنوع من ~~البقرات، وهو السمان منهن، لا بجنسهن، ولو وصفت السبع بها، لقصدت ~~إلى تمييز السبع بجنس البقرات لا بنوع منها، ثم رجعت فوصفت المميز ~~بالجنس بالسمن. # فإن قلت: هلا قيل: " سبع عجاف " على الإضافة. # قلت: التمييز موضوع الجنس، والعجاف وصف لا يقع البيان به وحده، فإن ~~قلت: فقد يقولون: ثلاثة فرسان، وخمسة أصحاب، لبيان؛ قلت: الفارس، ~~والصاحب، والراكب، ونحوها صفات جرت ms5001 مجرى الأسماء؛ فأخذت حكمها، وجاز ~~فيها ما لم يجز في غيرها، ألا تراك ألا تقول: عندي ثلاثة ضخام ولا ~~أربعة غلاظ. # فإن قلت: ذلك مما يشكل، وما نحن بسبيله لا إشكال فيه، ألا ترى أنه لم ~~يقل: وبقرات سبع عجاف؛ لوقوع العلم بأن المراد البقرات قلت: ترك الأصل لا ~~يجوز مع وقوع الاستغناء عما ليس بأصل، وقد وقع الاستغناء عن قولك: سبع ~~عجاف عما تقترحه من التمييز بالوصف " انتهى. # وهي أسئلة وأجوبة حسنة، وتحقيق السؤال الأول وجوابه: أنه يلزم من ~~وصف التمييز بشيء وصف المميز به، ولا يلزم من وصف المميز وصف التمييز ~~بذلك الشيء؛ بيانه: أنك إذا قلت: " عندي أربعة رجال حسان " بالجر، كان ~~معناه: أربعة من الرجال الحسان؛ فيلزم حسن الإربعة؛ لأنهم بعض ~~الرجال الحسان، وإذا قلت: عندي أربعة رجال حسان برفع حسان كان معناه: ~~أربعة من الرجال حسان، وليس فيه دلالة على وصف الرجال بالحسن. # وتحقيق الثاني وجوابه: أن أسماء العدد لا تضاف إلى الأوصاف إلا في ~~ضرورة وإنما يجاء بها تابعة لأسماء [العدد]؛ فيقال: عندي ثلاثة ~~قرشيون، ولا يقال ثلاثة قرشيين بالإضافة إلا في شعر، ثم أعترض ~~بثلاثة فرسان، وأجاب بجريان ذلك مجرى الأسماء. # وتحقيق الثالث: أنه إنما امتنع " ثلاثة ضخام " ونحوه؛ لأنه لا يعلم ~~موصوفه، بخلاف الآية الكريمة، فإن الموصوف معلوم، ولذلك لم يصرح به. # وأجاب عن ذلك: بأن الأصل عدم إضافة العدد إلى الصفة كما تقدم، فلا ~~يترك هذا الأصل مع الاستغناء عنه بالفرع. # وبالجملة: ففي هذه العبارة قلق، هذا ملخصها. # ولم يذكر أبو حيان نصه ولا اعترض عليه، بل لخص بعض معانيه، وتركه ~~على إشكاله. # فصل في اشتقاق " عجاف " # جمع عجفاء: عجاف والقياس: عجف؛ نحو: حمراء، وحمر؛ حملا له ~~على سمان؛ لأنه نقيضه، ومن دأبهم حمل النظير على النظير، ~~والنقيض على النقيض، قاله الزمخشري, # والعجف: شدة الهزال الذي ليس بعده هزال؛ قال: [الكامل] # 3106 عمرو الذي هشم الثريد لقومه # ورجال مكة مسنتون عجاف # قال الليث: العجف: ذهاب السمن، والفعل: عجف يعجف، والذكر: ~~أعجف، ms5002 والأنثى: عجفاء، والجمع عجاف في الذكران والإناث. # وليس في كلام العرب: أفعل، وفعلاء، وجمعها على: فعال غير ~~أعجف، وعجاف، هي شاذة حملوها على لفظ سمان، وعجاف؛ لأنهما نقيضان، ~~ومن عادتهم حمل النظير على النظير، والنقيض على النقيض. # وقال الراغب: هو من قولهم: نصل أعجف، أي: رقيق. # وعجفت نفسي عن الطعام وعن فلان: إذا نبت عنهما، وأعجف الرجل ~~أي: صارت [إبله] عجافا. # " وأخر يابسات " ، قوله: " وأخر " نسق على قوله " سبع " لا ~~على " سنبلات " ويكون قد حذف اسم العدد، من قوله: " وأخر ~~يابسات " والتقدير: سبعا أخر، وإنما حذف؛ لأن التقسيم في ~~البقرات نقيض التقسيم في السنبلات. # قال الزمخشري: " فإن قلت: هل في الآية دليل على أن السنبلات ~~اليابسة كانت كالخضر؟ قلت: الكلام منبي على انصبابه إلى هذا العدد ~~في البقرات السمان والعجاف، والسنبلات الخضر، فوجب أن يتناول معنى ~~الأخر السبع، ويكون قوله: " وأخر يابسات " بمعنى: وسبعا أخر " ~~انتهى. # وإنما لم يجز عطف أخر على التمييز، وهو " سنبلات " ، فيكون أخر ~~مجرورا لا منصوبا؛ لأنه من حيث العطف عليه يكون من جملة مميز سبع ~~ومن جهة كونه أخر يكون مباينا لسبع فتدافعا ولو كان ترتيب الآية ~~الكريمة سبع سنبلات خضر ويابسات، لصح العطف، ويكون من توزيع ~~السنبلات إلى هذين الموضعين أعني: الاخضرار واليبس. # وقد أوضح الزمخشري هذا حيث قال: " فإن قلت: هل يجوز أن يعطف قوله " ~~وأخر يابسات " على " سنبلات خضر " ، فيكون مجرور المحل؟ ~~قلت: يؤدي إلى تدافع؛ وهو أن عطفها على " سنبلات خضر " يقتضي أن ~~يكون داخلا في حكمها فيكون معها مميز للسبع المذكور، ولفظ " أخر " ~~يقتضي أن يكون غير السبع؛ بيانه تقول عنده سبعة رجال قيام وقعود ~~بالجر فيصح لأنك ميزت السبعة برجال موصوفين بالقيام والقعود على ~~أن بعضهم قيام، وبعضهم قعود، فلو قلت: عنده سبعة قيام وآخرين قعود؛ ~~تدافع؛ ففسد ". # قوله للرؤيا فيه أربعة أقوال: # أحدهما: أن اللام فيه مزيدة، فلا تعلق لها بشيء؛ وزيدت لتقدم المعمول ~~مقوية للعامل؛ كما زيدت فيه إذا كان العامل فرعا؛ كقوله تعالى: # فعال لما يريد ms5003 # [هود:107]، ولا تزاد فيما عدا ذينك إلا ضرورة؛ كقوله: [الوافر] # 3107 فلما أن توافينا قليلا # أنخنا للكلاكل فارتمينا # يريد: أنخنا الكلاكل، فزيدت مع فقدان الشرطين، هكذا عبارة بعضهم يقول: ~~إلا في ضرورة. # وبعضهم يقول: الأكثر ألا تزاد، ويتحرز من قوله تعالى # ردف لكم # [النمل:72]، لأن الأصل: ردفكم، فزيدت فيه اللام، ولا تقدم، ولا ~~فرعية، ومن أطلق ذلك جعل الآية من باب التضمين، وسيأتي في مكانه إن ~~شاء الله تعالى ، وقد تقدم من ذلك طرف جيد. # الثاني: أن يضمن تعبرون معنى ما يتعدى باللام، تقديره أي: إن كنتم ~~تنتدبون لعبارة الرؤيا. # الثالث: أن يكون " للرؤيا " خبر " كنتم "؛ كما تقول: " كان فلان ~~لهذا الأمر " ، أي: إذا استقل به متمكنا منه، وعلى هذا فيكون في " ~~تعبرون " وجهان: # أحدهما: أنه خبر ثان ل " كنتم ". # الثاني: أنه حال من الضمير المرتفع بالجار؛ لوقوعه خبرا. # الرابع: أن تتعلق اللام بمحذوف على أنها للبيان؛ كقوله تعالى # وكانوا فيه من الزاهدين # [يوسف:20] تقديره: أعني فيه، وكذلك هذا، تقديره: أعني للرؤيا، وعلى ~~هذا يكون مفعول " تعبرون " محذوفا تقديره: تعبرونها. # وقرأ أبو جعفر: الريا [وبابها الرؤيا] بالإدغام؛ وذلك أنه قلب ~~الهمزة واوا؛ لسكونها بعد ضمة، فاجتمعت " واو " ، و " ياء " وسبقت ~~إحداهما بالسكون؛ فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء. # وهذه القراءة عندهم ضعيفة؛ لأن البدل غير لازم، فكأنه لم يوجد واو؛ ~~نظرا إلى الهمزة. # فصل في معنى " تعبرون " # يقال: عبرت الرؤيا أعبرها عبارة، وعبرة بالتخفيف، قال ~~الزمخشري: " وهو الذي اعتمده الأثبات، ورأيتهم ينكرون " ~~عبرت " بالتشديد، والتعبير والمعبر " قال: وقد عثرت على بيت ~~أشده المبرد في كتاب الكامل لبعض الأعراب: [السريع] # 3108 رأيت رؤيا ثم عبرتها # وكنت للأحلام عبارا # قال وحقيقة تعبير الرؤيا: ذكر عاقبتها، وآخر أمرها؛ كما تقول: عبرت ~~النهر إذا قطعته حتى تبلغ آخر عرضه. # قال الأزهري: " مأخوذ من العبر، وهو جانب النهر، ومعنى عبرت ~~النهر والطريق: قطعته إلى الجانب الآخر، فقيل لعابر الرؤيا: عابر؛ ~~لأنه يتأمل جانبي الرؤيا، ويتفكر في أطرافها وينتقل من أحد ~~الطرفين إلى الآخر ". # قال ms5004 بعض أهل اللغة: العين، والباء، والراء، تضعها العرب: لجوار ~~الشيء، ومضيفه، وقلة تمكنه، ولبثه، وهو فعل، يقال: عبر الرؤيا: أخرجها ~~من حال النوم إلى حال اليقظة، كعبور البحر من جانب إلى جانب. # وناقة عبراء سفار، أي: يقطع بها الطريق ويعبر. # والشعرى: العبور؛ لأنها عبرت المجرة. # والاعتبار بالشيء: هو التمثيل بينه وبين حاكيه. # والعبرة: الدمعة؛ لعبورها العين، وخروجها من الجفن. # والعنبر: منه؛ لأن نونه زائدة، وهو عبر لحي طفاوة على الماء لا ~~يعرف معدته. # والعنبر أيضا سمكة في البحر، والعنبر: اسم قبيلة، ~~والعنبر: شدة الشتاء. # قال بعضهم: ثلاثة أشياء لا يعرف معدنها: # أحدها: العنبر يجيء ظفاؤه على وجه الماء. # وثانيها: المومياء بأرض فارس، ومعناه: موم، أي: شمع الماء لا يعرف من ~~أين يجيء، ولا من أين ينبع، يعمل له حوض في البحر وينصب عليه مصفاة ~~كالغربال يجري منه الماء، وينبع منه وتبقى المومياء؛ فتؤخذ إلى خزانة ~~السلطان. # وثالثها: الكهل: وهو نوع من الخرز أصفر يطفو على وجه الماء في ~~بحر المغرب وبحر طبرستان، ولا يعرف معدنه. # قوله جل وعلا: { أضغاث أحلام } ، خبر متبدإ مضمر، أي: هي ~~أضغاث، يعنون: ما قصصته علينا، والجملة منصوبة بالقول. # والأضغاث: جمع ضغث بكسر الضاد وهو ما جمع من النبات، سواء كان ~~جنسا واحدا، أو أجناسا مختلطة. # قال بن الخطيب: بشرط أن يكون مما قام على ساق، وهو أصغر من الحزمة، ~~وأكبر من القبضة، فمن مجيئه من جنس واحد، قوله تعالى: # وخذ بيدك ضغثا # [ص:44]، ويروى أنه أخذ عثكالا من نخلة، وفي الحديث: " أنه أتي ~~بمريض وحب عليه الحد ففعل به ذلك ". # وقال ابن مقبل: [الكامل] # 3109 خود كأن فراشها وضعت به # أضغاث ريحان غداة شمال # ومن مجيئه من أخلاط النبات قولهم في أمثالهم: " ضغث على إبالة ". # وقال الراغب رحمه الله : الضغث: قبضة ريحان، أو حشيش، أو ~~قصبان، وقد تقدم أنه أكثر من القبضة. # واستعمال الأضغاث هنا من باب الاستعارة، فإن الرؤيا إذا كانت ~~مخلوطة من أشياء غير متناسبة، كانت شبهية بالضغث. # والإضافة في { أضغاث أحلام } ، إضافة ms5005 بمعنى " من " ، ~~والتقدير: أضغاث من أحلام. # والأحلام: جمع حلم، وهو الرؤيا، والفعل منه حلمت أحلم، بفتح اللام في ~~الماضي وضمها في الغابر حلما، وحلما: مثقل، ومخفف. # قوله تعالى: " بتأويل " الباء متعلقة ب " عالمين " ، والباء في " ~~بعالمين " لا تعلق لها؛ لأنها زائدة إما في خبر الحجازية أو ~~التميمية، وقولهم ذلك يحتمل أن يكون نفيا للعلم بالرؤيا مطلقا، وأن ~~يكون نفيا للعلم بتأويل الأضغاث منها خاصة دون المنام الصحيح. # وقال أبو البقاء: أي: بتأويل أضغاث الأحلام لا بد من ذلك؛ لأنهم لم ~~يدعوا الجهل [بتعبير] الرؤيا انتهى. # وقوله " الأحلام " وإنما كان واحدا، قال الزمخشري: " كما تقول: ~~فلان يركب الخيل، ويلبس عمائم الخز، لمن لا يركب إلا فرسا واحدا، ~~ولا يتعمم إلا بعمامة واحدة تأكيدا في الوصف، ويجوز أن يكون قص ~~عليهم مع هذه الرؤيا غيرها ". # والتأويل: هو ما يئول الشيء إليه، أي: يرجع الشيء إليه، ومنه ~~تأول وهو معنى التفسير؛ لأن التأويل تفسير اللفظ الراجع إلى المعنى. # فصل # اعلم أنه سبحانه وتعالى جعل هذه الرؤيا سببا لخلاص يوسف صلوات ~~الله وسلامه عليه من السجن؛ وذلك أن الملك لما رأى ذلك، قلق ~~واضطرب بسببه؛ لأنه شاهد أن الناقص الضعيف استولى على الكامل، فشهدت ~~فطرته بأن هذا أمر عداوة ومقدر بنوع من أنواع الشر، إلا أنه ما عرف ~~كيفية الحال فيه. # والشيء إذا صار معلوما من وجه، وبقي مجهولا من وجه آخر عظم شوق ~~النفس إلى تمام تلك المعرفة، وقويت المعرفة في إتمام الناقص لا ~~سيما إذا كان الإنسان عظيم الشأن، واسع المملكة، وكان ذلك الشيء ~~دالا على الشر من بعض الوجوه، فبهذا الطريق قوى الله داعية ذلك ~~الملك في تحصيل العلم، بتفسير هذه الرؤيا، وأنه تعالى عجز ~~المعبرين الحاضرين عن جواب هذه المسألة؛ ليصير ذلك سببا لخلاص يوسف ~~ عليه الصلاة والسلام من تلك المحنة. # واعلم أن القوم ما نفوا عن أنفسهم كونهم عالمين بعلم التعبير؛ بل ~~قالوا إن علم التعبير على قسمين: # منه ما يكون الرؤيا فيه منتظمة، فيسهل الانتقال من الأمور المتخيلة ms5006 ~~إلى الحقائق العقلية. # ومنه ما يكون مختلطا مضطربا، ولا يكون فيه ترتيب معلوم، وهو ~~المسمى بالأضغاث. # فقالوا: إن رؤيا الملك من قسم الأضغاث، ثم أخبروا أنهم غير ~~عالمين بتعبير هذا القسم، وفيه [إبهام] أن الكامل في هذا العلم، ~~والمتبحر فيه يهتدي إليها، فعند هذه المقالة تذكر الساقي واقعة ~~يوسف عليه الصلاة والسلام لأنه كان يعتقد فيه كونه متبحرا في ~~هذا العلم. # قوله: " وادكر " فيه وجهان: # أظهرهما: أنها جملة حالية، إما من الموصول، وإما من عائده، وهو فاعل ~~نجا. # والثاني: أنها عطف على نجا فلا محل لها؛ لنسقها على ما لا محل له. # والعامة على ادكر بدال مهلمة مشددة، وأصلها: اذتكر، ~~افتعل، من الذكر فوقعت تاء الافتعال بعد الدال؛ فأبدلت دالا، ~~فاجتمع متقاربان؛ فأبدل الأول من جنس الثاني، وأدغم. # قال الزمخشري: وادكر بالدال هو الفصيح. # وقرأ الحسن البصري: بذال معجمة. ووجهوها بأنه أبدل التاء ذالا؛ ~~من جنس الأولى، وأدغم، وكذا الحكم في مدكر كما سيأتي إن شاء الله ~~تعالى . # والعامة: على (أمة) بضم الهمزة، وتشديد الميم، وتاء منونة، وهي المدة ~~الطويلة. # وقرأ الأشهب العقيلي: بكسر الهمزة؛ وفسروها بالنعمة، أي: بعد نعمة ~~[أنعم بها] عليه؛ وهي خلاصه من السجن، ونجاته من القتل؛ وأنشد ~~الزمخشري لعدي: [الخفيف] # 3110 ثم بعد الفلاح والملك والإم # مة وارتهم هناك القبور # وأنشد غيره: [الطويل] # 3111 ألا لا أرى ذا أمة أصبحت به # فتتركه الأيام وهي كما هيا # وقرأ ابن عباس، وزيد بن علي، وقتادة، الضحاك، وأبو رجاء رضي الله ~~عنهم " أمه " فتح الهمزة وتخفيف الميم منونة وهي المدة من الأمة وهو ~~النسيان يقال أمه يأمه أمها بفتح الميم وسكونها، والسكون غير ~~مقيس؛ قال الشاعر: [الوافر] # 3112 أمهت وكنت لا أنسى حديثا # كذاك الدهر يودي بالعقول # وقرأ مجاهد، وشبل بن عزرة: بعد أمه بسكون الميم، وتقدم أنه مصدر ل ~~" أمه " على غير قياس. # قال الزمخشري: " ومن قرأ بسكون الميم، فقد خطىء ". # قال أبو حيان: " وهذه على عادته في نسبة الخطأ إلى القراء ". # قال شهاب الدين رحمه الله : لم ms5007 ينسب إليهم خطأ؛ وإنما حكى أن ~~بعضهم خطأ هذا القارىء؛ فإنه قال: " خطىء " بلفظ ما لم يسم فاعله ~~ولم يقل: فقد أخطأ، على أنه إذا صح أن من ذكره قرأ بذلك فلا سبيل ~~إلى نسبة الخطأ إليه ألبتة. # وبعد منصوب ب " ادكر " وقوله أنا أنبئكم هذه الجملة هي ~~المحكية بالقول. # وقرأ العامة أنبئكم من الإنباء، وقرأ الحسن أنا آتيكم مضارع ~~أتى من الإتيان، وهو قريب من الأول. # فصل # لما اعترف الحاضرون بالعجز عن الجواب، فذكر الشرابي قول يوسف # اذكرني عند ربك # [يوسف:42]، { بعد أمة } بعد حين، بعد سبع سنين، وذلك أن ~~الحين إنما يحصل عند اجتماع الأيام الكثيرة، كما أن الأمة إنما تحصل ~~عند اجتماع الجمع العظيم، فالحين كان أمة من الأيام والساعات. # فإن قيل: قوله { وادكر بعد أمة } يدل على أن الناسي هو ~~الشرابي، وأنتم تقولون: إن الناسي هو يوسف عليه السلام . # فالجواب: قال ابن الأنباري: ادكر بمعنى: ذكر وأخبر، فهذا لا ~~يدل على سبق النسيان، فلعل الساقي إنما لم يذكر يوسف عليه السلام ~~عند الملك، خوفا عليه من أن يكون ادكارا لذنبه الذي من أجله حبس، ~~فترك للشر، ويحتمل أن يكون حصل النسيان ليوسف صلوات الله وسلامه عليه ~~ [وحصل] أيضا لذلك الشرابي. # روي أن الغلام جثا بين يدي الملك، وقال إن بالسجن رجلا ~~يعبر الرؤيا. # " فأرسلون " خطاب، إما للملك، والجمع، أو للملك وحده؛ على سبيل ~~التعظيم، وفيه اختصار، تقديره: فأرسلني إيها الملك إليه، فأرسله فأتى ~~السجن. # قال ابن عباس رضي الله عنه : ولم يكن السجن في المدينة. # فقال: يوسف، أي: يا يوسف " أيها الصديق " والصديق: هو ~~المبالغ في الصدق، وصفه بهذه الصفة؛ لأنه لم يجرب عليه كذبا، وقيل: ~~لأنه صدق في تعبير رؤياه، وهذا يدل على أن الساقي والخباز لم يكذبا ~~على يوسف في منامهما، ولم يذكراه امتحانا له، كما زعم بعضهم ثم إنه ~~أعاد السؤال باللفظ الذي ذكره الملك؛ فإن تعبير الرؤيا قد تخلتف ~~باختلاف الألفاظ؛ كما هو مذكور في علم التعبير لعلي أرجع إلى ~~الناس بفتواك؛ ms5008 لأنه عجز سائر المعبرين على الجواب، فخاف أن يعجز هو ~~أيضا؛ فلهذا السبب قال: { لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون } منزلتك من ~~العلم. # قوله: " تزرعون " ظاهر هذا، إخبار من يوسف عليه الصلاة والسلام ~~بذلك. # وقال الزمخشري: تزرعون خبر في معنى الأمر؛ كقوله # تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون # [الصف:11]، وإنما خرج الأمر في صورة الخبر؛ للمبالغة في إيجاب المأمور ~~به فيجعل كأنه وجد، فهو مخبر عنه؛ والدليل على كونه في معنى الأمر ~~قوله: { فذروه في سنبله }. # قال أبو حيان: ولا يدل الأمر بتركه في سنبله على أن تزرعون في ~~معنى: ازرعوا، بل تزرعون إخبار غيب، وأما فذروه فهو أمر ~~إشارة بما ينبغي أن يفعلوه. # وهذا هو الظاهر، ولا مدخل لأمر الله لهم بالزراعة، لأنهم يزرعون على ~~عادتهم أمرهم، أو لم يأمرهم، وإنما يحتاج إلى الأمر فيما لم يكن من عادة ~~الإنسان أن يفعله كقوله في سنبله. # قوله دأبا قرأ حفص: بفتح الهمزة، والباقون: بسكونها؛ وهما لغتان في ~~مصدر: دأب يدأب دأبا، أي: داوم على الشيء ولازمه. # وقيل: بجد، واجتهاد؛ وهذا كما قالوا: ضأن وضأن، ومعز ومعز: ~~بفتح العين وسكونها. # قال أبو علي الفارسي: الأكثرو في " دأب " الإسكان، ولعل الفتح ~~لغة وفي انتصابه أوجه. # أحدها: وهو قول سيبويه: أنه منصوب بفعل محذوف، تقديره: تدأبون ~~دأبا. # والثاني: وهو قول أبي العباس رضي الله عنه : أنه منصوب ب " ~~تزرعون "؛ لأنه من معناه، فهو من باب: قعدت القرفصاء. # وفيه نظر؛ لأنه ليس نوعا خاصا به بخلاف القرفصاء مع القعود. # والثالث: أنه مصدر واقع موقع الحال، فيكون فيه الأوجه المعروفة، إما ~~للمبالغة وإما وقوعه موقع الصفة، وإما على حذف مضاف، أي: دائبين أو ذوي ~~دأب، أو جعلهم نفس الدأب؛ مبالغة. # وقد تقدم الكلام على الدأب في " آل عمران " عند قوله عز وجل # كدأب آل فرعون # [آل عمران:11]. # قوله: { فما حصدتم } ، ما: يجوز أن تكون شرطية أو موصولة. # قوله: { فذروه في سنبله } أمرهم بترك الحنطة في السنبل؛ لتكون ~~أبقى على الزمان، ولا تفسد. # قوله: { إلا قليلا مما تأكلون ms5009 } ، أي تدرسون قليلا؛ ~~للأكل، أمرهم بحفظ الأكثر، والأكل قدر الحاجة. # وقرأ أبو عبد الرحمن يأكلون بالغيبة، أي: الناس، ويجوز أن يكون ~~التفاتا. # فصل # قال القرطبي: " هذه الآية أصل في القول بالمصالح الشرعية التي هي حفظ ~~للأديان، والنفوس، والعقول والأنساب، والأموال، فكل ما يضمن تحصيل شيء من ~~هذه الأمور، فهو مصلحة وكل ما يفوت شيئا منها، فهو مفسدة؛ ودفعه ~~مصلحة، ولا خلاف أن مقصود الشرائع إرشاد الناس إلى مصالحهم ~~الدنيوية، ليحصل لهم التمكن من معرفة الله تعالى، وعبادته ~~[الموصلتين] إلى السعادة الأخروية، ومراعاة ذلك فضل من الله ورحمة ~~". # قوله تعالى: { ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد } حذف ~~المميز، وهو الموصوف؛ لدلالة ما تقدم عليه، ونسب الأكل إليهن، مجازا؛ ~~كقوله: # والنهار مبصرا # [يونس:67] لما كان الأكل، والإبصار فيهما، جعلا كأنهما واقعان منهما، ~~مبالغة. # و " الشداد ": الصعاب التي تشتد على الناس؛ فلذلك سمى السنين ~~المجدبة شدادا. # يأكلن، أي: يفنين، ويهلكن الطعام إلا قليلا مما تحصنون: ~~تحرزون، وتدخرون؛ للبذر. # " والإحصان: الإحراز، وهو [إبقاء] الشيء في الحصن، يقال: أحصنه ~~إحصانا، إذا جعله في حرز ". # قوله [تعالى]: { يغاث الناس } يجوز أن تكون الألف عن واو، وأن ~~تكون عن ياء: إما من الغوث، وهو الفرج، وفعله رباعي، يقال: أغاثنا ~~الله إذا أنقذنا من كرب أو غم، ومعناه: يغاث الناس من كرب ~~الجدب. # وإما من الغيث، وهو المطر، يقال: أغيثت الأرض، أي: أمطرت، وفعله ~~ثلاثي، يقال: أغاثنا الله من الغيث، وقالت أعرابية: غثنا ما ~~شئنا، أي: أمطرنا ما أردنا. # فصل # يقال: أسنتوا، أي: دخلوا في سنة مجدبة: " وقال المفسرون: السبعة ~~المتقدمة: هي الخصب وكثرة النعم، والسبعة الثانية: هي القحط، ~~وهي معلومة من الرؤيا، وأما حال هذه السنة، فما حصل في ذلك المنام ~~ما يدل عليه، بل حصل ذلك من الوحي ". # قال قتادة رحمه الله : زاده الله علم سنة. # فإن قيل: لما كانت العجاف سبعا، دل على أن السنين المجدبة لا ~~تزيد على هذا العدد، ومن المعلوم أن الحاصل بعد انقضاء القحط، هو ~~الخصب، فكان هذا أيضا من ms5010 مدلولات المنام، فلم قلتم: إنه حصل ~~بالوحي والإلهام؟. # فالجواب: هب أن تبدل القحط بالخصب معلوم، وأما تفصيل الحال فيه، ~~وهو قوله: { فيه يغاث الناس وفيه يعصرون } لا يعلم إلا ~~بالوحي. # قوله يعصرون قرأ الأخوان: " تعصرون " بالخطاب، والباقون بياء ~~الغيبة، وهما واضحتان؛ لتقدم مخاطب أو غائب، فكل قراءة ترجع إلى ما ~~يليق بها. # و " يعصرون " يحتمل أوجها: # أظهرها: أنه من عصر العنب، والزيتون، والسمسم، ونحو ذلك. # والثاني: أنه من عصر الضرع، إذا حلبه. # والثالث: أنه من العصرة، وهي النجاة، والعصر: المنجي. وقال أبو زيد ~~في عثمان رضي الله عنه : [الخفيف] # 3113 صاديا يستغيث غير مغاث # ولقد كان عصرة المنجود # [ويعضد] هذا الوجه مطابقة قوله: { فيه يغاث الناس } يقال: ~~عصره يعصره، أي: أنجاه. وقرأ جعفر بن محمد، والأعرج: " ~~يعصرون " بالياء من تحت، وعيسى بالتاء من فوق، وهو في كلتا ~~القراءتين مبني للمفعول، وفي هاتين القراءتين تأويلان: # أحدهما: أنها من عصره، إذا أنجاه: قال الزمخشري: " وهو مطابق للإغاثة ~~". # والثاني: قاله قطرب أنهما من الإعصار، وهو إمطار السحابة ~~الماء؛ كقوله تعالى: # وأنزلنا من المعصرات مآء ثجاجا # [النبأ:14]، وقال الزمخشري: وقرىء: " يعصرون، تمطرون " ، من ~~أعصرت السحابة، وفيه وجهان: # إما أن يضمن أعصرت معنى مطرت، فيعدى تعديته، وإما أن يقال: ~~الأصل: أعصرت عليهم، فحذف الجار وأوصل الفعل إلى ضميرهم أو يسند ~~الإعصار إليهم؛ مجازا، فجعلوا معصرين. # وقرأ زيد بن علي: " تعصرون " بكسر التاء، والعين، والصاد مشددة، ~~وأصلها يعتصرون، فأدغم التاء في الصاد، وأتبع العين للصاد، ثم ~~أتبع التاء للعين وتقدم [تقريره] في قوله # إلا أن يهدى # [يونس:35]. # ونقل النقاش قراءة " يعصرون " بضم الياء، وفتح العين، وكسر ~~الصاد مشددة؛ من " عصر " للتكثير، وهذه القراءة، وقراءة زيد ~~المتقدمة، تحتملان أن يكونا من العصر للنبات، أو الضرع، أو النجاة؛ ~~كقول الشاعر: [الرمل] # 3114 لو بغير الماء حلقي شرق # كنت كالغصان بالماء اعتصاري ### || [12.50-53] # قوله تعالى: { وقال الملك ائتوني به } الآية. # " اعلم أن الساقي لما رجع إلى الملك، وأخبره بما أفتاه يوسف من تأويل ~~رؤياه، وعرف الملك أن الذي قاله ms5011 كائن قال ائتوني به، فلما جاءه ~~الرسول قال: أجب الملك، فأبى أن يخرج مع الرسول، حتى تظهر براءته، ~~فقال للرسول: ارجع إلى ربك، أي: سيدك، قال عليه الصلاة السلام ~~: " عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله يغفر له حين ~~سئل عن البقرات العجاف والسمان، ولو كنت مكانه ما ~~أخبرتهم حتى أشترط أن يخرجوني ولقد عجبت منه حين ~~أتاه الرسول فقال له: ارجع إلى ربك، ولو كنت مكانه ~~ولبثت في السجن طول ما لبث لأسرعت إلى الإجابة وبادرتهم ~~الباب " ". # قال ابن الخطيب: الذي فعله يوسف عليه الصلاة والسلام من الصبر، ~~والتوقف إلى أن يفحص الملك عن حاله، هو الأليق بالحزم والعقل، ~~وبيانه من وجوه: # الأول: أنه لو خرج في الحال، فربما كان يبقى في قلب الملك أثر ما، فلما ~~التمس من الملك أن يفحص عن حال تلك الواقعة، دل ذلك على براءته من ~~التهمة، فبعد خروجه لا يقدر أحد أن يلطخه بتلك الرذيلة، وأن يتوصل ~~بها إلى الطعن فيه. # والثاني: أن الإنسان الذي يبقى في [السجن] اثنتي عشرة سنة، إذا طلبه ~~الملك، وأمر بإخراجه، فالظاهر أنه يبادر إلى الخروج، فحيث لم يخرج، عرف ~~منه أنه في نهاية العقل، والصبر، والثبات؛ وذلك [يكون] سببا ~~لاعتقاد البراءة فيه عن جميع أنواع التهم، وأن يحكم بأن كل ما قيل ~~فيه، كان كذبا. # الثالث: أن التماسه من الملك أن يفحص عن حاله من تلك النسوة، يدل ~~أيضا على شدة طهارته، إذ لو كان ملوثا بوجه ما، لكان يخاف أن يذكر ~~ما سبق. # الرابع: أنه قال للشرابي: " اذكرني عند ربك " فبقي بسبب هذه ~~الكلمة في السجن [بضع] سنين، وهنا طلبه الملك فلم يلتفت إليه، ولم يقم ~~لطلبه وزنا، واشتغل بإظهار براءته من التهمة، ولعله كان غرضه ~~عليه الصلاة والسلام من ذلك ألا يبقى في قلبه التفات إلى رد الملك ~~وقبوله، وكان هذا العمل جاريا مجرى التلافي، لما صدر منه من التوسل ~~إليه، في قوله: " اذكرني عند ربك " ، وليظهر هذا المعنى لذلك ~~الشرابي؛ فإنه هو الذي كان واسطة ms5012 في الحالين معا. # قوله: { فاسأله ما بال النسوة } قرأ ابن كثير، والكسائي: " ~~فسله " ، بغير همز، والباقون: بالهمز؛ وهما لغتان. # والعامة على كسر نون " النسوة " وضمها عاصم في رواية أبي بكر رضي ~~الله عنهما وليست بالمشهورة، وكذلك قرأها أبو حيوة. # وقرىء " اللائي " بالهمز، وكلاهما جمع ل: " التي " ، و " الخطب ~~": الأمر والشأن الذي فيه خطر؛ وأنشد [الطويل] # 3115 وما المرء ما دامت حشاشة نفسه # بمدرك أطراف الخطوب ولا آل # وهو في الأصل مصدر: خطب يخطب وإنما يخطب في الأمور العظام. # فصل ما في الآية من لطائف # أولها: أن المعنى؛ قوله تعالى { فاسأله } سئل الملك { ما بال ~~النسوة } ليعلم براءتي من تلك التهمة إلا أنه اقتصر على سؤال ~~الملك عن تلك الواقعة؛ لئلا يشتمل اللفظ على ما يجرى مجرى أمر الملك ~~بعمل أو فعل. # وثانيها: أنه لم يذكر سيدته مع أنها التي سعت في إلقائه في السجن ~~الطويل، بل اقتصر على ذكر سائر النسوة. # وثالثها: أن الظاهر أن أولئك النسوة نسبنه إلى عمل قبيح عند الملك، ~~فاقتصر يوسف عليه الصلاة والسلام على مجرد قوله: { ما بال ~~النسوة اللاتي قطعن أيديهن } ، وما شكى منهم على ~~سبيل التعيين، والتفصيل. # ثم قال يوسف عليه الصلاة والسلام { إن ربي بكيدهن عليم }. # وفي المراد بقوله " إن ربي " وجهان: # أحدهما: أنه هو الله تعالى فإنه هو العالم بخفيات الأمور. # والثاني: المراد به الملك، وجعله ربا؛ لكونه مربيا، وفيه إشارة ~~إلى كون ذلك الملك عالما بمكرهن وكيدهن. # واعلم أن كيدهن في حقه يحتمل وجوها: # أحدها: أن كل واحد منهن طمعت فيه، فلما لم يجدن المطلوب أخذن يطعن ~~فيه، وينسبنه إلى القبيح. # وثانيها: لعل كل واحدة منهن بالغت في ترغيب يوسف في موافقته سيدته ~~على مرادها، ويوسف علم أن مثل هذه الخيانة في حق السيد المنعم لا ~~تجوز. # وأشار بقوله: { إن ربي بكيدهن عليم } إلى مبالغتهن في ~~الترغيب في تلك الخيانة. # وثالثها: أنه استخرج منهن وجوها من المكر والحيل في تقبيح صورة يوسف ~~عند الملك، فكان المراد منهم اللفظ ذلك. # ثم ms5013 إنه تعالى حكى أن يوسف عليه السلام لما التمس من الملك ذلك، ~~أمر الملك بإحضارهن، وقال لهن: " ما خطبكن ": ما ~~شأنكن، وأمركن " إذ راودتن يوسف عن نفسه " ، وفيه ~~وجهان: # الأول: أن قوله { إذ راودتن يوسف } ، وإن كان صيغة جمع، ~~فالمراد منها الواحد؛ كقوله جل ذكره: # الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم # [آل عمران:173]. # والثاني: أن المراد منه خطاب الجماعة، ثم هاهنا وجهان: # الأول: أن كل واحدة منهن راودت يوسف عن نفسه. # والثاني: أن كل واحدة منهن راودت يوسف؛ لأجل امرأة العزيز، ~~فاللفظ محتمل لكل هذه الوجوه. # وعند هذا السؤال { قلن حاشا لله ما علمنا عليه من سوء } ، وهذا ~~كالتأكيد؛ لما ذكرنا في أول الأمر في حقه، وهو قولهن: # ما هذا بشرا إن هذآ إلا ملك كريم # [يوسف:31]. # وقوله " إذ روادتن " ، هذا الظرف منصوب ب " خطبكن "؛ لأنه ~~في معنى الفعل إذ المعنى: ما فعلتن، وما أردتن به في ذلك الوقت. # وكانت امرأة العزيز حاضرة، وكانت تعلم أن هذه المناظرات، والتفحصات، ~~إنما وقعت بسببها، ولأجلها. وقيل: إن النسوة أقبلن على امرأة العزيز ~~يقررنها. # وقيل: خافت أن يشهدن عليها؛ فأقرت، وقالت: { الآن حصحص ~~الحق } أي: ظهر، وتبين: { أنا راودته عن نفسه ~~وإنه لمن الصادقين } ، في قوله: # هي راودتني عن نفسي # [يوسف:26]. # هذه شهادة جازمة من تلك المرأة أن يوسف صلوات الله وسلامه عليه ~~راعى جانب العزيز حيث قال: { ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن }؛ ولم ~~يذكر تلك المرأة ألبتة؛ فعرفت المرأة أنه ترك ذكرها؛ رعاية، ~~وتعظيما لجانبها، وإخفاء للأمر عليها؛ فأرادت أن تكافئه على هذا الفعل ~~الحسن، فلا جرم كشفت الغطاء، واعترفت بأن الذنب كله من جانبها، ~~وأن يوسف كان مبرأ عن الكل. # حكي أن امرأة جاءت بزوجها إلى القاضي، فادعت عليه المهر، فأمر ~~القاضي أن يكشف عن وجهها؛ حتى يتمكن الشهود من ~~إقامة الشهادة، فقال الزوح: لا حاجة إلى ذلك؛ فإني مقر ~~بصداقها في دعواها، فقالت المرأة: أكرمتني إلى هذا الحد؟ ~~اشهدوا أني أبرأت ذمته من كل حق لي ms5014 عليه. # قوله " الآن " منصوب بما بعده، و " حصحص " معناه: تبين وظهر بعد ~~خفاء، قاله الخليل رحمه الله . # وقال بعضهم: هو مأخوذ من الحصة، والمعنى: بانت حصة الحق من حصة ~~الباطل، كما تتميز حصص الأراضي وغيرها، وقيل: بمعنى ثبت ~~واستقر. # وقال الراغب: " حصحص الحق " ، أي: وضح ذلك بانكشاف ما ~~يقهره، وحص وحصحص، نحو: كف وكفكف، وكب وكبكب، ~~وحصه: قطعه؛ إما بالمباشرة وإما بالحكم؛ فمن الأول قول الشاعر: ~~[السريع]. # 3116 قد حصت البيضة رأسي فما # ......................... # ومنه: رجل أحص: انقطع بعض شعره، وامرأة حصاء، والحصة: ~~القطعة من الجملة، ويستعمل استعمال النصيب. # وقيل: هو من حصحص البعير، إذا ألقى ثفناته؛ للإناخة؛ قال ~~الشاعر: [الطويل] # 3117 فحصحص في صم القنا ثفناته # وناء بسلمى نوءة ثم صمما # قوله تعالى: " ذلك " خبر مبتدإ مضمر، أي: الأمر ذلك، و " ~~ليعلم " ، متعلق بضمير، أي: أظهر ذلك؛ ليعلم، أو مبتدأ، وخبره ~~محذوف، أي: ذلك الذي صرحت به عن براءته، أمر من الله لا بد منه، ~~و " ليعلم " متعلق بذلك الخبر، أو يكون " ذلك " مفعولا لفعل ~~مقدر يتعلق به هذا الجار أيضا، أي: فعل الله ذلك، أو فعلته أنا ~~بتيسير الله. # قوله: " بالغيب " يجوز أن تكون الباء ظرفية قال الزمخشري: أي ~~مكان الغيب، وهو الخفاء، والاستتار وراء الأبواب السبعة المغلقة، ويجوز ~~أن تكون الباء للحال، إما من الفاعل، على معنى: وأنا غائب عنه خفي ~~عن عينه. # وإما من المعفول على معنى: وهو غائب عني خفي عن عيني. # " وأن الله " نسق على " أني " ، أي: ليعلم الأمرين، وهذا من كلام ~~يوسف صلوات الله وسلامه عليه وبه بدأ الزمخشري، كالمختار له. # وقال غيره: إنه من كلام امرأة العزيز، وهو الظاهر. # فإن قلنا: هو من كلام يوسف عليه الصلاة والسلام فمتى قاله؟. # وروى عطاء، عن ابن عباس رضي الله عنهم : أن يوسف لما دخل على ~~الملك، قال " ذلك " ، وإنما ذكره بلفظ الغيبة تعظيما للملك عن الخطاب. # قال ابن الخطيب: " والأولى أنه صلوات الله وسلامه عليه إنما قال ~~ذلك عند عود الرسول إليه، لأن ذكر هذا ms5015 الكلام في حضرة الملك، سوء أدب ~~". # فإن قيل: هذه الخيانة لو وقعت، كانت في حق العزيز، فكيف قال: { ~~ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب }؟. # فالجواب: قيل: المراد ذلك ليعلم الملك أني لم أخن العزيز بالغيب، ~~فتكون الهاء في " أخنه " تعود على العزيز. # وقيل: إنه إذا خان وزيره، فقد خانه من بعض الوجوه. # وقيل: إن الشرابي لما رجع إلى يوسف عليه السلام وهو في السجن ، ~~قال: { ذلك ليعلم } ، العزيز { أني لم أخنه ~~بالغيب }. # ثم ختم الكلام بقوله: { وأن الله لا يهدي كيد ~~الخائنين } ، ولعل المراد منه: أني لو كنت خائنا، لما خلصني ~~الله من هذه الورطة، وحيث خلصني منها، ظهر أني كنت بريئا مما نسبوني ~~إليه. # وإن قلنا: إن قوله: { ذلك ليعلم أني لم أخنه ~~بالغيب } كلام امرأة العزيز، فالمعنى: أني ولو أدخلت الذنب عليه عند ~~حضوره، لكنني لم أدخل الذنب عليه عند غيبته؛ لأني لم أقل فيه وهو في ~~السجن خلاف الحق، ثم إنها بالغت في تأكيد هذا القول وقالت: { وأن ~~الله لا يهدي كيد الخائنين } ، أي: لما أقدمت على ~~الكيد، والمكر، لا جرم افتضحت؛ فإنه لما كان بريئا، لا جرم أظهره ~~الله عز وعلا . # قال صاحب هذا القول: الي يدل على صحته: أن يوسف صلوات الله ~~وسلامه عليه ما كان حاضرا في ذلك المجلس حتى يقال: لما ذكرت ~~المرأة قولها: { الآن حصحص الحق أنا راودته عن ~~نفسه وإنه لمن الصادقين } ، ففي تلك الحالة قال يوسف: ~~{ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب } ، بل يحتاج فيه ~~إلى أن يرجع الرسول عن ذلك المجلس إلى السجن، ويذكر تلك الحكاية. # ثم إن يوسف يقول ابتداء: { ذلك ليعلم أني لم أخنه ~~بالغيب } ومثل هذا الوصل بين الكلامين الأجنبيين، ما جاء ألبتة في ~~نثر ولا نظم؛ فعلمنا أن هذا من تمام كلام المرأة. # قال القرطبي: وهو متصل بقول امرأة العزيز: " الآن حصحص الحق " ~~أي: أقررت بالصدق؛ { ليعلم أني لم أخنه بالغيب } ~~بالكذب عليه، ولم أذكره بسوء، وهو غائب، بل صدقت، وزجرت عنه الخيانة، ~~ثم قالت: ms5016 " وما أبرىء نفسي "؛ بل أنا راودته، وعلى هذا هي كانت ~~مقرة بالصانع؛ ولهذا قالت: { إن ربي غفور رحيم }. # وقيل: { ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب } ، من ~~قول العزيز، وإني لم أغفل عن مجازاته على أمانته. # { وأن الله لا يهدي كيد الخائنين } معناه: إن الله ~~لا يهدي الخائنين بكيدهم. # فصل # دلت هذه الآية على طهارة يوسف صلوات الله وسلامه عليه من الذنب ~~من وجوه: # الأول: أن الملك لما أرسل إلى يوسف صلوات الله وسلامه عليه وطلبه، ~~فلو كان يوسف متهما بفعل قبيح، وقد كان صدر منه ذنب، وفحش؛ لاستحال ~~بحسب العرف والعادة، أن يطلب من الملك أن يفحص عن تلك الواقعة، وكان ~~ذلك سعيا منه في فضيحة نفسه، وفي حمل الأعداء على أن يبالغوا في إظهار ~~عيوبه. # والثاني: أن النسوة شهدن في المرة الأولى بطهارته، ونزاهته، # وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذآ إلا ملك ~~كريم # [يوسف:31]، وفي المرة الثانية: { قلن حاش لله ما علمنا ~~عليه من سوء }. # والثالث: أن امرأة العزيز اعترفت في المرة الأولى بطهارته، حيث قالت: # ولقد راودته عن نفسه فاستعصم # [يوسف:32]، وفي المرة الثانية قولها: { الآن حصحص الحق أنا راودته عن ~~نفسه وإنه لمن الصادقين } ، وهذا إشارة إلى أنه صادق في قوله: # هي راودتني عن نفسي # [يوسف:26]. # والرابع قول يوسف { ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ~~}. # قال ابن الخطيب: " والحشوية يذكرون أنه لما قال هذا الكلام، قال ~~جبريل عليه السلام : ولا حين هممت، وهذا من رواياتهم الخبيثة، وما ~~صحت هذه الرواية في كتاب معتمد، بل هم يلحقونها بهذا الموضع سعيا ~~منهم في تحريف ظاهر القرآن ". # والخامس: قوله: { وأن الله لا يهدي كيد الخائنين } ، ~~يقتضي أن الخائن لا بد أن يفتضح، فلو كان خائنا، لوجب أن يفتضح؛ ولما ~~خلصه الله من هذه الورطة، دل ذلك على أنه لم يكن من الخائنين. # ووجه آخر: وهو أن في هذا الوقت تلك الواقعة صارت مندرسة، فإقدامه ~~في قوله { ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب } ، مع ~~أنه [خانه] بأعظم وجوه الخيانة ms5017 وأقدم على فاحشة عظيمة، وعلى كذب ~~عظيم من غير أن يتعلق به مصلحة بوجه ما، والإقدام على مثل هذه الوقاحة ~~من غير فائدة أصلا؛ لا يليق بأحد من العقلاء، فكيف يليق إسناده إلى ~~سيد العقلاء، وقدوة الأصفياء، فثبت أن هذه الآية تدل دلالة قطعية ~~على براءته مما يقول الجهال. # قوله تعالى: { ومآ أبرىء نفسي } الآية اعلم أن تفسير هذه ~~الآية يختلف باخلاف ما قبلها؛ لأنه إن قلنا قوله { ذلك ليعلم ~~أني لم أخنه بالغيب } ، كلام يوسف، كان هذا أيضا كلام ~~يوسف، وإن قلنا::إنه من تمام كلام المرأة، كان هذا أيضا كذلك، وإذا ~~قلنا: إنه من كلام يوسف عليه الصلاة والسلام، فقالوا: إنه صلوات الله ~~وسلامه عليه لما قال: { ذلك ليعلم أني لم أخنه ~~بالغيب } ، قال جبريل عليه السلام ولا حين هممت، فعند ~~هذا، قال يوسف عليه الصلاة والسلام : { ومآ أبرىء نفسي ~~إن النفس لأمارة بالسوء } ، أي: بالزنا، { إلا ما ~~رحم ربي } أي عصم، { إن ربي غفور } للهم الذي هم ~~به، " رحيم " ، أي لو فعلته، لتاب علي. # قال ابن الخطيب رحمه الله : " هذا ضعيف؛ فإنا بينا في الآية ~~الأولى برهانا قاطعا على براءته من الذنب ". # فإن قيل: ما جوابكم عن هذه الآية؟. # فنقول: فيه وجهان: # الأول: أنه صلوات الله وسلامه عليه لما قال { ذلك ليعلم ~~أني لم أخنه بالغيب } ، كان ذلك جاريا مجرى المدح لنفسه، ~~وتزكيتها؛ وقال سبحانه # فلا تزكوا أنفسكم # [النجم:32] فاستدركه على نفسه بقوله: { ومآ أبرىء نفسي } ، ~~والمعنى: فلا أزكى نفسي؛ { إن النفس لأمارة بالسوء } ~~، ميالة إلى القبائح، راغب في المعصية. # الثاني: أن الآية لا تدل ألبتة على شيء مما ذكروه؛ لأن يوسف ~~صلوات الله وسلامه عليه لما قال: { ذلك ليعلم أني لم ~~أخنه بالغيب } ، بين أن ترك الخيانة ما كان لعدم الرغبة، ~~ولعدم ميل النفس، والطبيعة؛ لأن النفس أمارة بالسوء، تواقة إلى ~~اللذات، فبين بهذا الكلام أن ترك الخيانة، ما كان لعدم الرغبة، بل ~~لقيام الخوف من الله تعالى . # وإذا قلنا: إن هذا الكلام من بقية كلام المرأة، ms5018 ففيه وجهان: # الأول: { ومآ أبرىء نفسي } ، عن مراودته، ومرادها تصديق ~~يوسف في قوله: # هي راودتني عن نفسي # [يوسف:26]. # والثاني: أنها لما قالت: { ذلك ليعلم أني لم أخنه ~~بالغيب } ، قالت: { ومآ أبرىء نفسي } ، من الخيانة ~~مطلقا؛ فإني قد خنته حين أحلت الذنب عليه، وقلت: # ما جزآء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو ~~عذاب أليم # [يوسف:25]؛ وأودعته في السجن، كأنها أرادت الاعتذار مما كان. # فإن قيل: أيهما أولى، جعل هذا الكلام كلاما ليوسف، أم جعله كلاما ~~للمرأة. # قلنا: جعله كلاما ليوسف مشكل؛ لأن قوله: " قالت امرأة العزيز الآن ~~حصحص الحق " كلام موصول بغضه ببعض إلى آخره، فالقول بأن بعضه ~~كلام المرأة، والبعض كلام يوسف، تخلل الفواصل الكثيرة بين القولين، ~~وبين المجلسين بعيد. # فإن قيل: جعله كلاما للمرأة مشكل أيضا؛ لأن قوله { ومآ أبرىء ~~نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ~~ربي } كلام لا يحسن صدوره إلا ممن احترز عن المعاصي، ثم يذكر ~~هذا الكلام على سبيل كسر النفس، ولا يليق ذلك بالمرأة التي استفرغت ~~جهدها في المعصية. # قوله: { إلا ما رحم ربي } فيه أوجه: # أحدها: أنه مستثنى من الضمير المستكن في " أمارة " كأنه قيل: إن ~~النفس لأمارة بالسوء إلا نفسا رحمها ربي، فيكون أراد بالنفس ~~الجنس؛ فلذلك ساغ الاستثناء منها؛ لقوله تعالى: # إن الإنسان لفى خسر إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات # [العصر:2، 3] وإلى هذا نحا الزمخشري رحمه الله فإنه قال: " إلا ~~البعض الذي رحمه ربي بالعصمة؛ كالملائكة ". # وفيه نظر؛ من حيث إيقاع " ما " على من يعقل، والمشهور خلافه. # قال ابن الخطيب: " ما " بمعنى " من " أي: إ لا من رحم ربي، و " ما " ~~و " من " كل واحد منهما يقوم مقام الآخر؛ قال تعالى: # فانكحوا ما طاب لكم من النسآء # [النساء:3]، وقال: # ومنهم من يمشي على أربع # [النور:45]. # والثاني: أن " ما " في معنى الزمان؛ فيكون مستثنى من الزمن العام ~~المقدر، والمعنى: إن النفس لأمارة بالسوء في كل وقت وأوان، إلا ~~ وقت رحمة ربي إياها بالعصمة. ونظره أبو البقاء بقوله: # ودية مسلمة ms5019 إلى أهله إلا أن يصدقوا # [النساء:92]، وقد تقدم [النساء:92] أن الجمهور لا يجيزون أن تكون " ~~أن " واقعة موقع ظرف الزمان. # والثالث: أنه مستثنى من معفول " أمارة " ، أي: لأمارة صاحبها ~~بالسوء إلا الذي رحمه الله، وفيه إيقاع " ما " على العاقل. # والرابع: أنه استثناء منقطع، قال ابن عطية: وهو قول الجمهور. وقال ~~الزمخشري: ويجوز أن يكن استثناء منقطعا، أي: ولكن رحمة ربي التي ~~تصرف الإساءة؛ كقوله: # ولا هم ينقذون إلا رحمة منا # [يس:43، 44]. # فصل في أن الإيمان والطاعات لا يحصلان للعبد إلا برحمة الله له # هذه الآية تدل على أن الطاعات والإيمان لا يحصلان إلا من الله تعالى؛ ~~لقوله تعالى : { إلا ما رحم ربي } فدل ذلك على أن ~~انصراف النفس من السوء لا يكون إلا برحمة الله، ودلت الآية على أن ~~من حصلت تلك الرحمة له، حصل ذلك الانصراف، ولا يمكن تفسير هذه الرحمة ~~بإعطاء العقل، والقدرة، والألطاف، كما قاله القاضي رحمه الله ؛ ~~لأن كل ذلك مشترك بين الكافر والمؤمن، فوجب تفسيرها بشيء آخر، وهو ~~ترجيح داعية الطاعة على داعية المعصية. ### || [12.54-55] # قوله تعالى: { وقال الملك ائتوني به أستخلصه ~~لنفسي }. # لما تبين للملك عذر يوسف وعرف أمانته وعلمه، قال: { ائتوني ~~به أستخلصه لنفسي } ، أي: أجعله خالصا لنفسي. # قال القرطبي: " انظر إلى قول الملك أولا حين تحقق علمه: " ~~ائتوني به " ، فقط فلما فعل يوسف ما فعل، قال ثانيا: { ائتوني ~~به أستخلصه لنفسي } والاستخلاص: طلب خلوص الشيء من ~~شوائب الإشراك ". # قال القرطبي: " أستخلصه " جزم؛ لأنه جواب الأمر؛ وهذا يدل على أن ~~قوله: " ذلك ليعلم " ، جرى في السجن، ويحتمل أنه جرى عند الملك، ثم ~~قال في جلس آخر: " ائتوني به "؛ تأكيدا. # واختلفوا في هذا الملك، فقيل: هو العزيز، وقيل هو الملك الأكبر. وهذا هو ~~الأظهر لوجهين: # الأول: لقول يوسف عليه الصلاة والسلام : { اجعلني على ~~خزآئن الأرض }. # الثاني: أن قوله: { أستخلصه لنفسي } يدل على أنه قبل ذلك، ~~ما كان خالصا له، وكان خالصا للعزيز، فدل ذلك على أن هذا الملك هو ~~الملك الأكبر. # قوله: " فلما كلمه ms5020 " ، يجوز أن يكون الفاعل ضمير الملك، ~~والمفعول ضمير يوسف صلوات الله وسلامه عليه وهو الظاهر؛ لأن مجالس ~~الملوك لا يحسن لأحد أن يبدأ فيها بالكلام، وإنما الملك هو الذي يبدأ، ~~ويجوز العكس، وفي الكلام اختصار تقديره: فجاء الرسول يوسف، فقال له: أجب ~~الملك الآن. # فصل # روي أنه قام، ودعا لأهل السجن، فقال: اللهم اعطف عليهم ~~قلوب الأخيار، ولا تعم عليهم الأخبار، فهم أعلم الناس بالأخبار في ~~كل بلد. # فلما خرج من السجن، كتب على السجن: هذا قبر الأحياء، وبيت ~~الأحزان، وتجربة الأصدقاء، وشماتة الأعداء، ثم اغتسل، وتنظف من ~~درن السجن، ولبس ثيابا حسنة وقصد الملك. # وقال وهب رحمه الله : كان يوسف يومئذ ابن ثلاثين سنة، ولما ~~دخل عليه دعا، وقال: اللهم إني أسألك بخيرك من خيره، وأعوذ بعزتك ~~وقدرتك من شره، ثم سلم عليه العربية، فقال الملك: ما هذا ~~اللسان؟ قال: لسان عمي، إسماعيل، ثم دعا له بالعبرانية، فقال: ~~ما هذا اللسان؟ قال: لسان آبائي: إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وكان الملك ~~يتكلم بسبعين لسانا، وكلما كلم يوسف بلسان، أجابه بذلك ~~اللسان؛ فأعجب الملك أمره، كان يوسف إذ ذاك ابن ثلاثين سنة، فلما ~~رآه الملك حدثا شابا، قال للشرابي: هذا هو الذي علم تأويل رؤياي؟ ~~قال: نعم، فأقبل على يوسف، فقال الملك: أحب أن أسمع منك تأويل رؤياي ~~شفاها. # فأجابه بذلك الجواب شفاها، وشهد قلبه بصحته؛ فعند ذلك قال له الملك: { ~~إنك اليوم لدينا مكين أمين } يقال: فلان مكين عند ~~فلان، بين المكانة، أي: المنزلة، وهي حالة يتمكن بها صاحبها مما ~~يريد، وقوله: " أمين " أي: قد عرفنا أمانتك، وبراءتك مما نسبت إليه. # واعلم أن قوله: " أمين " كلمة جامعة لكل ما يحتاج إليه من ~~الفضائل، والمناقب؛ وذلك لأنه لا بد في كونه أمينا من القدرة ~~والعلم، أما القدرة؛ فلأن يحصل بها المكنة، وأما العلم؛ فلأن كونه ~~متمكنا من أفعال الخير لا يحصل إلا به، إذ لو لم يكن عالما بما ~~ينبغي، وبما لا ينبغي، لا يمكن تخصيص بيان ما ينبغي بالفعل، ولا تخصيص ms5021 ما ~~لا ينبغي بالترك؛ فثبت أن كونه مكينا لا يحصل إلا بالقدرة ~~والعلم، وأما كونه أمينا، فهو عبارة عن كونه لا يفعل الفعل لداعي ~~الشهوة، وإنما يفعله لداعي الحكمة، فثبت أن كونه مكينا أمينا ~~يدل على كونه قادرا، وعلى كونه عالما بمواضع الصلاح، والفساد، ~~وعلى كونه يفعل لداعي الحكمة، لا لداعي الشهوة، وكل من كان كذلك، ~~فإنه لا يصدر عنه فعل السوء والفحشاء. # ثم حكى سبحانه وتعالى أن يوسف عليه الصلاة والسلام قال في هذا ~~المقام: { اجعلني على خزآئن الأرض إني حفيظ عليم ~~} قال المفسرون: لما عبر يوسف رؤيا الملك بين يديه، قال له الملك: ~~فما ترى أيها الصديق؟ فقال: أرى أن تزرع في هذه السنين المخصبة زرعا ~~كثيرا، وتبني الخزائن، وتجمع فيها الطعام، فإذا جاءت السنون المجدبة ~~بعت الغلات، فيحصل بهذا الطريق مال عظيم، فقال الملك: ومن لي بهذا ~~الشغل؟ فقال يوسف: { اجعلني على خزآئن الأرض } ، أي: على ~~خزائن أرض مصر. أدخل الألف واللام على الأرض والمراد منه المعهود السابق. # روى ابن عباس رضي البله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # " رحم الله أخي يوسف، لو لم يقل: اجعلني على خزائن الأرض لا ~~ستعمله من ساعته لكنه لما قال ذلك أخره عنه سنة ". # قال ابن الخطيب: " وهذا من العجائب؛ لأنه لما تأبى عن الخروج من ~~السجن، سهل الله عليه ذلك على أحسن الوجوه، ولما سارع في ذكر هذا ~~الالتماس، أخر الله ذلك المطلوب عنه، وهذا يدل على أن ترك ~~التصرف، والتفويض إلى الله تعالى أولى. # فإن قيل: لم طلب يوسف الإمارة، # " والنبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الرحمن بن سمرة: يا عبد ~~الرحمن: لا تسأل الإمارة " # ؟. # وأيضا: فكيف طلب الإمارة من سلطان كافر؟ وأيضا: لم لم يصبر ~~مدة فأظهر الرغبة في طلب الإمارة؟ وأيضا: لم طلب أمر الخزائن في ~~أول الأمر، مع أن هذا يورث نوع تهمة؟ وأيضا: كيف مدح نفسه ~~بقوله: " إني حفيظ عليم "؟ مع أنه تعالى قال: # فلا تزكوا أنفسكم # [النجم:32]، وأيضا ms5022 ما الفائدة في قوله: " إني حفيظ عليم "؟ ولم ~~لم يقل: إن شاء الله تعالى ؛ لقوله تعالى # ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن ~~يشآء الله # [الكهف:2324]؟. # فالجواب: أن الأصل في جواب هذه المسألة: أن التصرف في أمور الخلق ~~كان واجبا عليه فجاز له أن يتوصل إليه بأي طريق كان إنما قلنا إن ذلك ~~التصرف كان واجبا عليه لوجوه: # الأول: أنه كان رسولا حقا من الله تعالى إلى الخلق، والرسول تجب ~~عليه مصالح الأمة بقدر الإمكان. # والثاني: أنه عليه الصلاة والسلام علم بالوحي أنه سيحصل ~~القحط والضيق الشديد، الذي ربما أفضى إلى هلاك الخلق، فلعله ~~تعالى أمره بأن يدبر في ذلك الوقت، ويأتي بطريق في آجله يقل ضرر ~~ذلك القحط في حق الخلق. # الثالث: أن السعي في إيصال النفع إلى المستضعفين، ودفع الضرر عنهم ~~ أمر مستحسن في العقول. # وإذا ثبت هذا، فنقول: إنه صلى الله عليه وسلم مكلفا برعاية المصالح ~~من هذه الوجوه،و ما كان يمكنه رعايتها إلا بهذا الطريق، وما لا يتم ~~الواجب إلا به، فهو واجب، فكان هذا الطريق واجبا، ولما كان واجبا، ~~سقطت الأسئلة بالكلية. # وأما ترك الاستثناء، فقال الواحدي: " كان ذلك من خطيئة أوجبت ~~عقوبة وهو أنه تعالى أخر عنه حصول ذلك المقصود سنة ". # قال ابن الخطيب: " لعل السبب فيه أنه لو ذكر هذا الاستثناء، لاعتقد ~~الملك فيه أنه ذكره لعلمه بأنه لا قدرة له على ضبط هذه المصلحة كما ~~ينبغي؛ فلأجل هذا المعنى ترك الاستثناء ". # وأما قوله لم مدح نفسه؟ فجوابه من وجوه: # الأولك لا نسلم أنه مدح نفسه، بل بين كونه موصوفا بهاتين الصفتين ~~الوافيتين بحصول هذا المطلوب، فاحتاج إلى ذكر هذا الوصف؛ لأن الملك ~~ وإن علم كماله في علوم الدين ما كان عالما بأنه يفي بهذا الأمر. # ثم نقول: هب أنه مدح نفسه، إلا أن مدح النفس لا يكون مذموما؛ ~~إلا إذا قصد به الرجل التطاول، والتفاخر، والتوصل إلى ما لا يحل، ~~وأما على هذا الوجه، فلا نسلم أنه يحرم، وقوله تعالى ms5023 # فلا تزكوا أنفسكم # [النجم:23]، والمراد منه: تزكية النفس وهو يعلم كونها غير زكية؛ ~~ويدل عليه قوله تعالى بعده: # هو أعلم بمن اتقى # [النجم:23] أما إذا كان عالما بأنه صدق، فهو غير ممنوع منه، والله ~~أعلم. # وأما القول: ما الفائدة في وصف نفسه بأنه حفيظ عليم؟. # قلنا: إنه جار مجرى أن يقول: حفيظ بجميع الوجوه التي منها يمكن الرجل ~~تحصيل المال، عليم بالجهات التي تصلح لأن يصرف المال إليها، أو حفيظ ~~للخزائن عليم بوجوه مصالحها أو كاتب حاسب، أو حفيظ لما ~~استودعتني، عليم بما وليتني، أو حفيظ للحساب، عليم بالألسن، أعلم ~~لغة من يأتيني. # وقال الكلبي: " حفيظ بتقديره في السنين الخصبة، عليم بوقت الجوع ~~حين يقع في الأرض الجدبة ". # فقال الملك: من أحق به منك فولاه ذلك، وقال له: { إنك ~~اليوم لدينا مكين أمين } ذو مكانة ومنزلة، أمين على ~~خزائن الأرض. ### || [12.56-57] # قوله تعالى: { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض } الآية قال ~~المفسرون: لما التمس من الملك أن يجعله على خزائن الأرض، لم يذكر الله عن ~~الملك أنه قال: قد فعلت؛ بل قال: { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض }؛ فقال ~~المفسرون: في الكلام محذوف تقديره: قال الملك: قد فعلت؛ لأن تمكين ~~الله له في الأرض يدل على أن الملك قد أجابه ما سأل. # قال ابن الخطيب: " وما قالوه حسن، إلا أن هاهنا ما هو أحسن منه، وهو ~~أن ما أجابه الملك في عالم الظاهر، وأما المؤثر الحقيقي، فليس ~~إلا أنه تعالى هو الذي مكنه في الأرض، وذلك؛ لأن الملك كان ~~متمكنا من القبول والرد فنسبة قدرته إلى القبول والرد على التساوي وما ~~دام يبقى هذا التساوي، يمتنع حصول القبول، فلا بد وأن يرجح ~~القبول على الرد في خاطر ذلك الملك؛ وذلك لأن الترجيح لا يكون ~~إلا بمرجع يخلقه الله تعالى وإذا خلق الله ذلك المرجح، حصل ~~القبول لا محالة، فالتمكين ليوسف في الأرض ليس إلا من خلق الله ~~تعالى بمجموع القدرة والداعية الجازمة التي عند حصولها، يجب ألا ~~يؤخر هذا السبب، فترك الله ms5024 إجابة الملك، واقتصر على ذكر التمكين ~~الإلهي؛ لأن المؤثر الحقيقي ليس إلا هو ". # قوله: " وكذلك " الكاف منصوبة بالتمكين، و " ذلك " إشارة إلى ما ~~تقدم أي: ومثل ذلك الإنعام الذي أنعمنا عليه في تقريبنا إياه من قلب ~~الملك، وإنجائنا إياه من غم الحبس، { مكنا له في الأرض }. # وقوله: " ليوسف " يجوز في هذه اللام أن تكون متعلقة ب " مكنا " ~~على أن يكن مفعول " مكنا " محذوفا، تقديره: مكنا ليوسف الأمور، أو ~~على أن يكون المفعول به " حيث " ، كما سيأتي، ويجوز أن تكون زائدة عند ~~من يرى ذلك. # وقد تقدم أن الجمهور يأبون ذلك إلا في موضعين. # وقله " يتبوأ " جملة حالية من " يوسف " ، و " منها " يجوز ~~أن تتعلق ب " يتبوأ " ، وأجاز أبو البقاء: أن يتعلق بمحذوف، ~~على أنها حال من " حيث " ، و " حيث " يجوز أن يكون ظرفا ل " ~~يتبوأ " ، ويجوز أن يكون مفعولا به وقد تقدم تحقيقه في الأنعام. # وقرأ ابن كثير: " نشاء " بالنون على أنها نون العظمة لله تعالى. # وجوز أبو البقاء: أن يكون الفاعل ضمير يوسف صلوات الله وسلامه عليه ~~ قال: " لأن مشيئته من مشيئة الله عز وجل "؛ وفيه نظر؛ لأن نظم ~~الكلام يأباه. # والباقون: بالياء على أنه ضمير يوسف، ولا خلاف في قوله: " نصيب ~~برحمتنا من نشاء " ، أنها بالنون. # وجوز أبو حيان: أن يكون الفاعل في قراءة الياء ضمير الله تعالى، ~~ويكون التفاتا. ومعنى " يتبوأ منها " أي: ينزل منها حيث يشاء ~~ويصنع فيها ما يشاء. # فصل # روى الزمخشري: أن الملك أخرج خاتم الملك، ووضعه في أصبعه، وقلده ~~سيفه، ووضع له سريرا من ذهب مكللا بالدر والياقوت، فقال يوسف ~~عليه الصلاة والسلام أما السرير، فأشد به ملكك، وأما الخاتم، ~~فأدبر به أمرك، وأما التاج، فليس من لباسي، ولا لباس آبائي، ~~وجلس على السرير، ودان له القوم، وأن قطفير زوج المرأة مات بعد ~~ذلك، وزوج يوسف راعيل امرأة قطفير، فلما دخل عليها قال: أليس هذا خيرا ~~مما طلبت؟ فوجدها عذراء، فأصابها، فولدت له إفرائيم، وميشا، وأقام العدل ~~بمصر، وأحبه الرجال والنساء، وأسلم على ms5025 يديه الملك، وكثير من الناس، ~~وفوض الملك أمر مصر إلى يوسف. # قال وهب، والسدي، وابن عباس، وغيرهم: ثم دخلت السنون المخصبة، فأمر ~~يوسف بإصلاح الزراع، وأمرهم أن يتوسعوا في الزراعة، فلما أدركت ~~الغلة أمر بها فجمعت، ثم بنى لها المخازن، فجمعت فيها في تلك السنة ~~غلة ضاقت عنها المخازن؛ لكثرتها، ثم جمع غلة كل سنة كذلك، حتى ~~انقضت السبع المخصبة، وجاءت السنون المجدبة، فنزل جبريل عليه ~~السلام وقال: يا أهل مصر: جوعوا فإن الله سلط عليكم الجوع سبع ~~سنين، فجعل الناس ينادون: الجوع الجوع، وأباع من أهل مصر في سنين ~~القحط بالدراهم والدنانير في السنة الأولى، وبالحلي والجواهر في السنة ~~الثانية، ثم بالدواب، ثم بالضياع، ثم بالعقار، ثم ترقى بهم حتى ~~استرقهم؛ فقالوا: والله، ما رأينا ملكا أعظم ثباتا من هذا، فلما صار ~~كل الخلق عبيدا له، قال: إني أشهد الله أني اعتقت أهل مصر عن ~~آخرهم، ورددت عليهم أملاكهم، وكان لا يبيع من أحد ممن يطلب الطعام أكثر ~~من حمل؛ لئلا يضيق الطعام عن الباقين. # فصل # قال ابن عباس رضي الله عنهما " نصيب برحمتنا من نشاء " ~~أي: بنعتنا. # { ولا نضيع أجر المحسنين } يعني الصابرين، هذا في ~~الدنيا، { ولأجر الآخرة }: ثواب الآخرة خير. # قال ابن الخطيب قوله تعالى: { ولا نضيع أجر المحسنين }؛ ~~لأن إضاعة الأجر إما أن تكون للعجز، أو للجهل، أو للبخل، والكل ~~ممتنع في حق الله سبحانه وتعالى فكانت الإضاعة ممتنعة، وهذه ~~شهادة من الله تعالى على يوسف أنه كان من المحسنين، ولو صدق ~~بأنه جلس بين شعبها الأربع لامتنع أن يقال إنه كان من المحسنين؛ فهاهنا ~~لزم إما تكذيب الله في حكمه على يوسف أنه كان من المحسنين؛ وهو عين ~~الكفر أو لزوم تكذيب ما رووه بأنه جلس منها موضع الرجل من امرأته، ~~وهو عين الإيمان بالحق. # واعلم أن لفظ الخير قد يستعمل لكون أحد الخيرين أفضل من الآخر؛ ~~كما يقال: الجلاب خير من الماء، وقد يستعمل لبيان كونه في نفسه خيرا ~~من غير أن يكون المراد ms5026 منه بيان التفضيل؛ كما يقال: " الثريد خير ~~من عند الله تعالى ". # يعني: الثريد خير من الخيرات حصل من الله. # وإذا ثبت هذا فنقول: قوله: { ولأجر الآخرة خير }:إن حملناه ~~على الوجه الأول، لزم أن تكون ملاذ الدنيا موصوفة بالخيرية أيضا، ~~وإذا حملت على الوجه الثاني، لزم أن يقال: منافع الآخرة خيرات، ولا شك ~~أن قوله تعالى : { ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا ~~وكانوا يتقون } ، شرح حال يوسف عليه الصلاة والسلام ووجب أن ~~يصدق في حقه أنه من { الذين آمنوا وكانوا يتقون } ، وهذا تنصيص من الله ~~ عز وجل أنه كان في الزمن السابق من المتقين، وليس هاهنا زمن ~~سابق ليوسف يحتاج إلى أنه كان فيه من المتقين، إلا الوقت الذي قال ~~الله فيه: # ولقد همت به وهم بها # [يوسف:24]، فكان هذا شهادة من الله تعالى على أنه عليه السلام ~~كان في ذلك الوقت من المتقين. # وأيضا: قوله تعالى: { ولا نضيع أجر المحسنين } شهادة من ~~الله عز وجل أنه عليه الصلاة والسلام من المحسنين، وقوله: # إنه من عبادنا المخلصين # [يوسف:24] وكل هذه التأكيدات تبطل ما رووه عنه، والله أعلم. # فصل # قال القاضي رحمه الله: قوله: { ولأجر الآخرة خير للذين ~~آمنوا وكانوا يتقون } يدل على بطلان قول المرجئة الذين ~~يزعمون أن الثواب يحصل في الآخرة لمن لم يتق الكبائر. # وهذا ضعيف؛ لأنا إن حملنا لفظ " خير " على التفضيل، لزم أن يكون ~~الثواب الحاصل للمتقين أفضل، ولا يلزم ألا يحصل لغيرهم أصلا، وإن ~~حملناه على أصل معنى الخير، فهذا يدل على حصول هذا الخير للمتقين، ولا ~~يدل على أن غيرهم لا يحصل له هذا الخير، والله أعلم. ### || [12.58-61] # قوله: { وجآء إخوة يوسف فدخلوا عليه } الآية: # وروي أن يوسف عليه السلام لا يشبع من طعام في تلك الأيام؛ ~~فقيل له: أتجوع وبيدك خزائن الأرض؟ فقال: أخاف إن شبعت نسيت ~~الجياع، وأمر يوسف طباخي الملك أن يجعلوا غذاءه نصف النهار؛ وأراد ~~بذلك أن يذوق الملك طعم الجوع، ولا ينسى الجائعين، من ثم جعل ~~الملوك غذاءهم نصف النهار. ms5027 # وعم القحط البلاد حتى أصاب أرض كنعان وبلاد الشام. ونزل بيعقوب ~~ما نزل بالناس؛ فأرسل بنيه إلى مصر؛ للميرة، وأمسك بنيامين أخا يوسف ~~لأمه، فذلك قوله تعالى: { وجآء إخوة يوسف } وكانوا عشرة، وكان ~~منزلهم بالقريات من أرض فلسطين بغور الشام، وكانوا أهل بادية، وإبل، ~~وشاء، فقال لهم يعقوب: بلغني أن بمصر ملكا صالحا يبيع الطعام ~~فتجهزوا، واذهبوا؛ لتشتروا منه الطعام، فقدموا على مصر، فدخلوا على ~~يوسف، فعرفهم يوسف. # قال ابن عباس رضي الله عنهما ، ومجاهد: عرفهم بأول ما نظر إليهم، ~~وهم ما عرفوه ألبتة. # وقال الحسن: لم يعرفهم حتى تعرفوا إليه. وكان كل من وصل ~~إلى بابه من البلاد، وتفحص عنهم، وتعرف أحوالهم؛ ليعرف هل هم ~~إخوته أم لا، فلما وصل إخوة يوسف إلى باب داره تفحص عن أحوالهم فظهر ~~له أنهم إخوته، وأما كونهم ما عرفوه؛ فلأنه صلوات الله وسلامه عليه ~~أمر حجابه بأن يوقفوهم على البعد وما كان يتكلم معه إلا ~~بالواسطة أيضا، فمهابة الملك، وشدة الحاجة، توجب كثرة الخوف. # وأيضا: إنما رأوه بعد وفور اللحية، وتغير الزي والهيئة؛ ~~لأنهم رأوه جالسا على سرير، وعليه ثياب الحرير، وفي عنقه طوق من ~~ذهب، وعلى رأسه تاج من ذهب، وأيضا نسوا واقعة يوسف؛ لطول المدة، ~~ويقال: إن من وقت ما ألقوه في الجب إلى هذا الوقت أربعين سنة، ~~وكل واحد من هذه الأسباب يمنع حصول المعرفة لا سيما عند ~~اجتماعها. # قوله: { ولما جهزهم بجهازهم } العامة على فتح الجيم ~~وقرىء بكسرها، وهما لغتان، فيما يحتاجه الإنسان من زاد ومتاع. منه: ~~جهاز العروس، وجهاز الميت. # قال الليث رحمه الله : جهزت القوم تجهيزا: إذا تكلفت ~~لهم جهازهم للسفر، وقال: وسمعت أهل البصرة يقولون: الجهاز ~~بالكسر. # قال الأزهري: " القراء كلهم على فتح الجيم، والكسر لغة ليست ~~بجيدة ". # فصل # قال المفسرون: حمل لكل واحد منهم بعيرا، أكرمهم بالنزول وأعطاهم ~~ما احتاجوا إليه؛ فذلك قوله تعالى: { ولما جهزهم بجهازهم ~~قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم } ولم يقل بأخيكم ~~بالإضافة؛ مبالغة في عدم تعرفه بهم. # ولذلك فرقوا ms5028 بين مررت بغلامك، وبغلام لك. # فإن الأول يقتضي عرفانك بالغلام، وأن بينك وبين مخاطبك نوع ~~عهد. # والثاني لا يقتضي ذلك، وقد تخبر عن المعرفة إخبار النكرة، فتقول: ~~قال رجل كذا، وأنت تعرفه؛ لصدق إطلاق النكرة على المعرفة. # واعلم أنه لا بد من كلام سابق يكون سببا لعرفان يوسف صلوات ~~الله وسلامه عليه [وطلبه ل] أخيهم، وذكروا فيه وجوها: # الأول وهو أحسنها : أن عادة يوسف عليه الصلاة والسلام مع ~~الكل أن يعطي كل واحد حمل بعير، وكان إخوته عشرة؛ فأعطاهم عشرة ~~أحمال؛ فقالوا: إن لنا أبا شيخا كبيرا، وأخا آخر بقي معه، وذكروا ~~أن أباهم لاجل كبر سنه، وشدة حزنه لم يحضر، وأن أخاهم بقي ~~في خدمة أبيه، فلما ذكروا ذلك قال يوسف: هذا يدل على أن حب أبيكم ~~له أزيد من حبه لكم، وهذا شيء عجيب! لأنكم مع جمالكم، وعقلكم، ~~وأدبكم، إذا كانت محبة أبيكم لذلك الأخ أكثر من محبته لكم، دل هذا على ~~أن ذلك أعجوبة في العقل، والفضل، والأدب، فائتوني به حتى أراه. # الثاني: لعلهم لما ذكروا أباهم، قال يوسف: فلم تركتموه وحيدا ~~فريدا؟. # قالوا ما تركناه وحيدا بل بقي عنده واحد، فقال لهم: ولم استخلصه ~~لنفسه؟ لأجل نقص في جسده؟ فقالوا: لا بل لأجل أنه يحبه أكثر من ~~محبته لسائر الأولاد، فقال: لما ذكرتم أن أباكم رجل عالم حكيم، ثم ~~إنه خصه بمزيد المحبة، وجب أن يكون زائدا عليكم في الفضل، والكمال ~~مع أني أراكم فضلاء علماء حكماء؛ فاشتاقت نفسي إلى رؤية ذلك الأخ؛ ~~فائتوني به. # الثالث: قال المفسرون: ولما دخلوا عليه وكلموه بالعبرانية، قال ~~لهم: من أنتم؟ وما أمركم؟ فإني أنكرت شأنكم؟. # قالوا: قوم من أرض الشام رعاة، أصابنا الجهد؛ فجئنا نمتار، ~~فقال: لعلكم جئتم عيونا تنظرون عورة بلادي، قالوا: معاذ الله! ~~ما نحن بجواسيس؛ إنما نحن إخوة بنو أب واحد، وهو شيخ صديق ~~يقال له يعقوب نبي من أنبياء الله تعالى . # قال: كم أنتم؟ قالوا: كنا اثني عشر، هلك منا واحد، وبقي واحد مع ~~الأب؛ ms5029 يتسلى به عن ذلك الولد الذي هلك، ونحن عشرة. # قال: فمن يعلم أن الذي تقولونه حق؟. # قالوا: أيها الملك: إننا ببلاد لا يعرفنا فيها أحد. # قال: فدعوا بعضكم عندي؛ رهينة، وائتوني بأخ لكم، ليبلغ لكم رسالة ~~أبيكم إن كنتم صادقين. # فعند هذا أقرعوا بينهم؛ فأصبت القرعة شمعون، وكان أحسنهم رأيا في ~~يوسف، فخلفوه عنده. # ثم إنه تعالى حكى عنه أنه قال: { ألا ترون إني أوفي الكيل } ، ~~أي: أوفيه، ولا أبخسه، وأزيدكم حمل بعير؛ لأجل أخيكم. # { وأنا خير المنزلين } أي: خير المضيفين؛ لأنه أحسن ~~إنزالهم، وأحسن ضيافتهم. # قال ابن الخطيب رحمه الله : وهذا الكلام يضعف ما نقل عن ~~المفسرين بأنه اتهمهم، ونسبهم إلى أنهم جواسيس، ولم يشافههم ~~بذلك الكلام فلا يليق به أن يقول لهم: { ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا ~~خير المنزلين } ، وأيضا: بعيد من يوسف مع كونه صديقا أن يقول ~~لهم: أنتم جواسيس وعيون، مع أنه يعرف براءتهم عن هذه التهمة؛ لأن ~~البهتان لا يليق بحال الصديق. # ثم قال: { فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي } ، ~~أي: ليس لكم عندي طعام أكيله لكم، { ولا تقربون } أي: لا تقربوا ~~داري وبلادي، وكانوا في نهاية الحاجة إلى الطعام، وما يمكنهم تحصيله ~~إلا من عنده، فإذا منعهم من الحضور، كان ذلك نهاية التخويف. # قوله: { ولا تقربون } يتحمل أن تكون " لا " ناهية؛ فيكون { ~~تقربون } مجزوما، ويحتمل أن تكون لا النافية، وفيها وجهان: # أحدهما: أن يكون داخلا في حيز الجزاء معطوفا عليه، فيكون أيضا ~~مجزوما على ما تقدم. # والثاني: أنه نفي مستقل معطوف على جزاء الشرط، وهو خبر في معنى ~~النهي؛ كقوله: # فلا رفث ولا فسوق # [البقرة:192]. # فصل # لما سمعوا هذا الكلام من يوسف صلوات الله وسلامه عليه { قالوا ~~سنراود عنه أباه } ، أي: نطلبه، ونجتهد في أن يرسله معنا، { ~~وإنا لفاعلون } ما أمرتنا به، والغرض من التكرير؛ ~~التأكيد. # وقيل: " وإنا لفاعلون " أي: كل ما في وسعنا من هذا الباب. ### || [12.62-64] # قوله تعالى: { لفتيانه } قرأ الأخوان، وحفص: " لفتيانه " ، ~~والباقون: " لفتيته " قال أبو علي الفارسي ms5030 رحمه الله : " ~~والفتيان جمع كثرة، والفتية: جمع قلة، فالتكثير بالنسبة إلى ~~المأمورين، والقلة بالنسبة إلى المتناولين، وفتى: يجمع على ~~فتيان، وفتية، وقد تقدم هل فعلة في الجموع اسم جمع، أو جمع ~~تكسير، ومثله " أخ "؛ فإنه جمع على أخوة وإخوان؛ وهما لغتان؛ مثل ~~الصبيان والصبية ". # فصل # اتفق الأكثرون على أنه عليه الصلاة والسلام أمر بوضع تلك البضاعة ~~وهي ثمن طعامهم، في رحالهم بحيث لا يعرفون ذلك. # وقيل: إنهم كانوا عارفين به. # وهي ضعيف؛ لقوله: { لعلهم يعرفونهآ إذا انقلبوا ~~إلى أهلهم لعلهم يرجعون }. # وذكر في السبب الذي لأجله أمر يوسف بوضع بضاعتهم في رحالهم وجوها: # أولها: أنهم إذ فتحوا المتاع، فوجدوا بضاعتهم فيهح علموا أن ذلك ~~كرم من يوسف؛ فيبعثهم ذلك على العود إليه. # وثانيها: خاف ألا يكون عندهم غيره؛ لأنه زمان قحط. # وثالثها: رأى أن أخذ ثمن الطعام من أبيه، وإخوته شدة حاجتهم إلى ~~الطعام لؤم. # ورابعها: قال الفراء رحمه الله : إنهم متى شاهدوا بضاعتهم في ~~رحالهم؛ فيحسبوا أن وقع سهوا، وهم أنبياء وأولاد أنبياء؛ فيحملهم ذلك ~~على رد البضاعة؛ نفيا للغلط ولا يستحلون إمساكها. # وخامسها: أراد أن يحسن إليهم على وجه لا يلحقهم منه عتب، ولا ~~منة. # وسادسها: قال الكلبي: تخوف ألا يكون عند أبيه من الورق ما يرجعون ~~به مرة أخرى. # وسابعها: أن مقصوده أن يعرفوا أنه لم يطلب أخاهم؛ لأجل الإيذاء ~~والظلم؛ وإلا لطلب زيادة في الثمن. # وثامنها: أن يعرف أباه أنه أكرمهم، وطلبهم بعد الإكرام؛ فلا يثقل على ~~أبيه إرسال أخيه. # وتاسعها: أراد أن يكون ذلك المال معونة لهم على شدة الزمن وكان ~~يخاف اللصوص من قطع الطريق، فوضع الدراهم في رحالهم؛ حتى تبقى مخفية ~~إلى أن يصلوا إلى أبيهم. # وعاشرها: أنه قالب مبالغتهم في الإساءة مبالغة في الإحسان إليهم. # وقوله: { يرجعون } يحتمل أن يكون متعديا، وحذف مفعوله، أي: ~~يرجعون البضاعة؛ لأنه عرف دينهم ذلك، وأن يكون قاصرا بمعنى يرجعون ~~إلينا. # قوله تعالى: { فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يأبانا ~~منع منا الكيل } فيه قولان: # أحدهما: أنهم لما ms5031 طلبوا الطعام لأبيهم وللأخ الباقي عند أبيهم، منعوا ~~منه. # والثاني: أنه منع الكيل في المستقبل، وهو قول يوسف: # فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا ~~تقربون # [يوسف:60]، قال الحسن رحمه الله : معناه: يمنع منا الكيل إن لم ~~نحمل أخانا معنا، وهذا أولى؛ لأنه لم يمنعهم الكيل؛ بل اكتال لهم، ~~وجهزهم، ويدل على ذلك قوله تعالى: { فأرسل معنآ أخانا ~~نكتل } ، والمراد بالكيل: الطعام؛ لأنه يكال. # قوله: " نكتل " قرأ الأخوان: بالياء من تحت، أي: يكيل أخونا. # والباقون بالنون، أي: نكيل نحن، وهو الطعام، وهو مجزوم على جواب ~~الأمر. # ويحكى أنه جرى بحضرة المتوكل، أو وزيره ابن الزيات: بين ~~المازني، وابن السكيت مسألة، وهي: ما وزن " نكتل "؟ فقال ~~يعقوب: نفتل، فسخر به المازني وقال: إنما وزنها نفتعل. # قال شهاب الدين رحمه الله : " وهذا ليس بخطأ؛ لأن التصريفيين ~~نصوا على أنه إذا كان في الكلمة حذف أو قلب حذفت في الزنة، وقلبت، ~~فتقول في وزن: قمت، وبعت: فعت، وفعت، ووزن " عدة " " علة ~~" ، وإن شئت أتيت بالأصل؛ فعلى هذا لا خطأ في قوله: وزن " نكتل ": ~~نفتل؛ لأنه اعتبر اللفظ، لا الأصل، ورأيت في بعض الكتب أن وزنها: " ~~نفعل " بالعين، وهذا خطأ محض، على أن الظاهر من أمر يعقوب أنه لم ~~يتقن هذا، ولو أتقنه لقال: وزنه على الأصل كذا، وعلى اللفظ كذا، ولذلك ~~أنحى عليه المازني، فلم يرد عليه بشيء ". # ثم قال سبحانه وتعالى: { وإنا له لحافظون } ضمنوا كونهم ~~حافظين له: لما قالوا ذلك، قال يعقوب عليه السلام { هل آمنكم ~~عليه إلا كمآ أمنتكم على أخيه من قبل } ، ~~والمعنى: أنكم ذكرتم مثل هذا الكلام في يوسف، وضمنتم لي حفظه حيث قلتم: { ~~وإنا له لحافظون } وهاهنا ذكرتم هذا اللفظ بعينه، فهل يكون ~~هاهنا إلا ما كان هناك، فكما لا يحصل الأمان هناك لا يحصل هنا. # قوله: { إلا كمآ أمنتكم } منصوب على نعت مصدر محذوف، أو ~~على الحال منه أي: إلا أئتمانا كائتمانه لكم على أخيه، شبه ائتمانه ~~لهم على هذه بائتمانه لهم على ذلك، ms5032 و " من قبل " متعلق ب " ~~أمنتكم ". # قال: { فالله خير حافظا } ، قرأ الأخوان، وحفص " حافظا " ~~وفيه وجهان: # أظهرهما: أنه تمييز؛ كقوله: هو خيرهم رجلا، ولله دره ~~فارسا. # قال أبو البقاء: " ومثل هذا يجوز إضافته " وقد قرأ بذلك الأعمش: ~~فالله خير حافظ والله تعالى متصف بأن حفظه يزيد على حفظ ~~غيره؛ كقولك: هو أفضل عالم. # والثاني: أنه حال ذكر ذلك الزمخشري وأبوا البقاء، وغيرهما. # قال أبو حيان: وقد نقله عن الزمخشري وحده: " وليس بجيد؛ لأن فيه ~~تقييد خير بهذه الحال ". # قال شهاب الدين: " ولا محذور، فإن هذه الحال لازمة؛ لأنها ~~مؤكدة لا مبينة وليس هذا بأول حال وردت لازمة ". # وقرأ الباقون " حفظا " ولم يجيزوا فيها غير التمييز؛ لأنهم لو ~~جعلوها حالا، لكانت من صفة ما يصدق عليه " خير " ولا يصدق ذلك على ~~ما يصدق عليه " خير "؛ لأن الحفظ معنى من المعاني. # ومن يتأول: " زيد عدل " على المبالغة أو على حذف مضاف، أو على ~~وقوع المصدر موقع الوصف يجيز في " حفظا " أيضا الحالية ~~بالتأويلات المذكورة، وفيه تعسف, # وقرأ أبو هريرة: " خير الحافظين، وأرحم الراحمين " قيل: ~~معناه: وثقت بكم في حفظ يوسف، فكان ما كان، والآن أتوكل على الله ~~في حفظ بنيامين. # فإن قيل: لم بعثه معهم وقد شاهد ما شاهد؟. # فالجواب من وجوه: # الأول: أنهم كبروا، ومالوا إلى الخير والصلاح. # والثاني: أنه كان يشاهد أنه ليس بينهم و بين بنيامين من الحسد، ~~والحقد مثل ما كان بينهم وبين يوسف عليه السلام . # والثالث: أن ضرورة القحط أحوجته إلى ذلك. # والرابع: لعله تعالى أوحى إليه، ضمن له حفظه، وإيصاله إليه، فإن ~~قيل: هل يدل قوله: { فالله خير حافظا } على أنه أذن في ~~ذهاب بنيامين في ذلك الوقت. # فقال الأكثرون: يدل عليه. وقال آخرون: لا يدل عليه، وفيه وجهان: # الأول: أن التقدير: أنه لو أذن في خروجه معهم، لكان في حفظ الله ~~ تعالى لا في حفظهم. # الثاني: لما ذكر يوسف صلوات الله وسلامه عليه قال: { فالله ~~خير حافظا } أي ليوسف؛ لأنه كان يعلم أنه حي. ### || [12.65-67] ms5033 # قوله تعالى: { ولما فتحوا متاعهم } الآية: المتاع: ما ~~يصلح لأن يستمتع به، وهو عام في كل ما يستمتع به، والمراد به ~~ههنا: الطعام الذي حملوه، ويجوز أن يراد به أوعية الطعام، { وجدوا ~~بضاعتهم } ، ثمن البضاعة. # { ردت إليهم }؛ قرأ الأكثرون بضم الراء، وقرأ علقمة ويحيى، ~~والأعمش: " ردت " بكسر الراء، على نقل حركة الدال المدغمة إلى ~~الراء بعد توهم خلوها من حركتها، وهي لغة بني ضبة. # على أن قطربا حكى عن العرب: نقل حركة العين إلى الفاء في الصحيح؛ ~~فيقولون: ضرب زيد، بمعنى: ضرب زيد،و قد تقدم ذلك في قوله: # ولو ردوا لعادوا # [الأنعام:28] في الأنعام. # قوله: " ما نبغي " في " ما " هذه وجهان: # أظهرهما: أنها استفهامية، فهي مفعول مقدم، واجب التقديم؛ لأن لها ~~صدر الكلام، أي: أي شيء نبغي، أعطانا الطعام على أحسن الوجوه، فأي ~~شيء نبغي وراء ذلك. # والثاني: أن تكون نافية ولها معنيان: # أحدهما: قال الزجاج رحمه الله : ما بقي لنا ما نطلب، أي: بلغ ~~الإكرام إلى غاية، ما نبغي وراءها شيئا آخر. وقيل: المعنى أنه ~~رد بضاعتنا إلينا، فنحن لا نبغي عند رجوعنا إليه بضاعة أخرى، فإن ~~هذه التي معنا كافية لنا. # والثاني: ما نبغي، من البغي، أي: ما أفترينا، ولا كذبنا على هذا ~~الملك في إكرامه وإحسانه. # قال الزمخشري: " ما نبغي في القول، وما نتزيد فيما وصفنا لك من ~~إحسان الملك ". # وأثبت القراء هذه الياء في " نبغي " وصلا ووقفا، ولم يجعلوها من ~~الزوائد، بخلاف التي في الكهف، في قوله عز وجل : # ذلك ما كنا نبغ # [الكهف:64]، والفرق أن " ما " هناك موصولة، فحذف عائدها، والحذف ~~يؤنس بالحذف. # وهذه عبارة مستفيضة عند أهل هذه الصناعة؛ يقولون: التغيير يؤنس ~~بالتغيير، بخلافها هنا، فإنها: إما إستفهامية، وإما نافية، ولا حذف على ~~القولين حتى يؤنس بالحذف. # وقرأ عبدالله، وأبو حيوة، وروتها عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " ما تبغي " بالخطاب و " ما " تحتمل الوجهين ~~أيضا في هذه القراءة، والجملة من قوله: " هذه بضاعتنا " ~~يحتمل أن تكون مفسرة لقولهم " ما ms5034 نبغي " وأن تكون مستأنفة. # قوله " ونمير " معطوفة على الجملة الاسمية، وإذا كانت " ما " نافية ~~جاز أن تعطف على " نبغي " فيكون عطف جملة فعلية على مثلها. # وقرأت عائشة، وأبو عبد الرحمن رضي الله عنهما " ونمير " من ~~أماره إذا جعل له الميرة، يقال: ماره يميره، وأماره ~~يميره، والميرة: جلب الخير؛ قال: [الوافر] # 3118 بعثتك مائرا فمكثت حولا # متى يأتي غياثك من تغيث # والبعير لغة يقع على الذكر خاصة، وأطلقه بعضهم على الناقة أيضا وجعله ~~نظير " إنسان " ويجوز كسر بائه إتباعا لعينه، ويجمع في القلة على ~~أبعرة، وفي الكثرة على بعران. # والمعنى: ونزداد كيل بعير بسبب حضور أخينا؛ لأنه كان يكيل لكل رجل ~~حمل بعير. # ثم قال: { ذلك كيل يسير } قال مقاتل رحمه الله : ذلك كيل ~~يسير على هذا الرجل المحسن، وحرصه على البذل، وهو اختيار الزجاج. # وقيل: { ذلك كيل يسير } ، أي قصير المدة ليس سبيل مثله أن تطول ~~مدته بسبب الحبس والتأخير. وقيل: ذلك الذي يدفع إلينا بدون أخينا ~~شيئا يسيرا قليلا، لا يكفينا وأهلنا؛ فابعث أخانا معنا؛ لكي يكثر ما ~~نأخذه. # وقال مجاهد: البعير ههنا الحمار، " كيل بعير " أي: حمل حمار، ~~وهي لغة، يقال للحمير بعير، وهم كانوا أصحاب حمر، والأول أصح؛ ~~بأنه البعير المعروف. # قوله تعالى: { قال لن أرسله معكم حتى تؤتون ~~موثقا من الله } الآية. # الموثق: مصدر بمعنى الثقة، ومعناه: العهد الذي يوثق به، فهو ~~مصدر بمعنى المفعول، يقول: لن أرسله معكم حتى تعطوني عهدا يوثق به. # وقوله " من الله " أي: عهدا موثوقا به؛ بسبب تأكد الشهادة من الله، ~~أو بسبب القسم بالله عليه. # والموثق: العهد المؤكد بالقسم، وقيل: المؤكد بإشهاد الله على ~~نفسه. # قوله: { لتأتنني به } هذا جواب للقسم المضمر في قوله " ~~موثقا "؛ لأن معناه حتى تحلفوا لي لتأتنني به. # قوله { إلا أن يحاط بكم } في هذا الإستثناء أوجه: # أحدها: أنه منقطع، قاله أبو البقاء. يعني فيكون تقدير الكلام: لكن إذا ~~أحيط بكم خرجتم من عتبي، وغضبي عليكم إن لم تأتوني به؛ لوضوح ~~عذركم. # والثاني: أنه متصل، وهو ms5035 استثناء من المفعول له العام. قال الزمخشري: ~~" فإن قلت: أخبرني عن حقيقة هذا الاستثناء، ففيه إشكال؟ قلت: " أن ~~يحاط بكم " معفول له، والكلام المثبت، الذي هو قوله " لتأتنني ~~به " في معنى النفي، معناه: لا تمتنعون من الإتيان به؛ إلا ~~للإحاطة بكم، أو لا تمتنعون منه لعلة واحدة وهي { أن يحاط بكم } ~~فهو استثناء من أعم العام في المفعول له، والاستثناء من أعم العام ~~لا يكون إلا في النفي وحده؛ فلا بد من تأويله بالنفي، ونظيره في ~~الإثبات المتأول بالنفي بمعنى النفي قولهم: أقسمت بالله لما فعلت ~~وإلا فعلت بزيد يريد ما أطلب منك إلا الفعل ". ولوضوح هذا الوجه ~~لم يذكره غيره. # الثالث: أنه مستثنى من أعم العام من الأحوال. قال أبو البقاء: ~~تقديره: لتأتنني به على كل حال، إلا في حال، إلا في حال ~~الإحاطة بكم. # قال شهاب الدين: " قد نصوا على أن أن الناصبة للفعل، لا تقع ~~موقع الحال وإن كانت مؤولة بمصدر، يجوز أن تقع موقع الحال؛ لأنهم لم ~~يغتفروا في المؤول ما يغتفرونه في الصريح، فيجيزون: جئتك ~~ركضا، ولا يجيزون: جئتك أن أركض وإن كانا في تأويله ". # الرابع: أنه مستثنى من أعم العام في الأزمان، والتقدير: ~~لتأتنني به في كل وقت إلا في وقت الإحاطة بكم، وقد تقدم ~~[البقرة:258] الخلاف في هذه المسألة، وأن أبا الفتح أجاز ذلك كما ~~يجوزه في المصدر الصريح، فكما تقول: " آتيك صياح الديك " يجوز أن ~~تقول: آتيك أن يصيح الديك، وجعل من ذلك قول تأبط شرا: ~~[الطويل] # 3119 وقالوا لها: لا تنكحيه فإنه # لأول نصل أن يلاقي مجمعا # وقول أبي ذؤيب الهذلي: [الطويل] # 3120 وتالله ما إن شهلة أم واحد # بأوجد مني أن يهان صغيرها # قال: تقديره: وقت ملاقاته الجمع، ووقت إهانة صغيرها. # قال أبو حيان: " فعلى ما قاله يجوز تخريج الآية، ويبقى { ~~لتأتنني به } على ظاهره من الإثبات ". # قال شهاب الدين رحمه الله : " الظاهر من هذا أنه استثناء مفرغ، ~~ومتى كان مفرغا وجب تأويله بالنفي ". # ومنع ابن الأنباري ذلك في " أن ms5036 " وفي " ما " أيضا، قال: " فيجوز أن ~~تقول: خروجنا صياح الديك، ولا يجوز: خروجنا أن يصيح ~~الديك، أو ما يصيح الديك. فاغتفر في الصريح ما لم يغتفر في ~~المؤول، وهذا قياس ما تقدم في منع وقوع أن وما في حيزها موقع ~~الحال، ولك أن تفرق بينهما بأن الحال تلزم التنكير، و " أن " وما في ~~حيزها نصوا على أنها في رتبة المضمر في التعريف، وذلك يغني عن ~~وقوعها موقع الحال، بخلاف الظرف، فإنه لا يشترط تنكيره، فلا يمتنع ~~وقوع " أن " وما في حيزها موقعه ". # فصل # قال الواحدي: للمفسرين في الإحاطة قولان: # الأول: معناه الهلاك. قال مجاهد: إلا أن تموتوا كلكم فيكون ذلك عذرا ~~عندي، والعرب تقول: أحيط بفلان إذا قرب هلاكه. # قال الزمخشري: قال تعالى: # وأحيط بثمره # [الكهف:42] أي أصابه ما أهلكه، وقال تعالى: # وظنوا أنهم أحيط بهم # [يونس:22]، وأصله؛ أن من أحاط به العدو، وانسدت عليه مسالك ~~النجاة، ودنا هلاكه؛ فقد أحيط به, # والثاني: قال قتادة: ومعناه إلا أن تصيروا مغلوبين مقهورين، ~~لا تقدرون على الرجوع. # { فلما ءاتوه موثقهم } ، أي: أعطوه عهدهم. قال يعقوب صلوات الله ~~وسلامه عليه { الله على ما نقول وكيل } أي: شهيد بمعنى ~~شاهد. # وقيل: حافظا، أي: أنه موكل إليه هذا العهد فإن وفيتم به، جازاكم خير ~~الجزاء، وإن غدرتم به، كافأكم بأعظم العقوبات. # قوله تعالى: { وقال يبني لا تدخلوا من باب واحد } ~~الآية، وذلك أنه كان يخاف عليهم العين؛ لأنهم كانوا أعطوا جمالا، ~~وقوة، وامتداد قامة، وكانوا ولد رجل واحد، فأمرهم أن يتفرقوا في ~~دخولها؛ لئلا يصابوا بالعين، فإن العين حق، ويدل عليه وجوه: # الأول: روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يعوذ الحسن ~~فيقول: # " أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، و من ~~كل عين لامة ". # ويقول: هكذا يعوذ إبراهيم إسماعيل وإسحاق صلوات الله وسلامه عليهم ~~أجمعين. # " وروي عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: دخلت على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في أول النهار فرأيته شديد الوجع، ~~ثم عدت ms5037 إليه آخر النهار فوجدته معافى، فقال: " إن ~~جبريل عليه الصلاة والسلام أتاني فرقاني، فقال: بسم الله ~~أرقيك من كل شيء يؤذيك، ومن كل عين وحاسد الله ~~يشفيك، قال صلوات الله وسلامه عليه فأفقت " # . وأتي بابني جعفر رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وكانوا غلمانا بيضا، فقيل: يا رسول الله " إن العين ~~تسرع إليهما، أفأسترقي لهما من العين، فقال صلوات الله ~~وسلامه عليه : نعم " # . ودخل رسول الله بيت أم سلمة رضي الله عنها وعندها صبي ~~يشتكي فقالوا يا رسول الله: أصابته العين، فقال صلى ~~الله عليه وسلم: " ألا تسترقون له من العين " ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " العين حق ولو كان شيء يسبق القدر لسبقت العين ~~القدر ". # وجاء في الأثر: # " إن العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر # ". وقالت عائشة رضي الله عنها : " كان يأمر العائن أن ~~يتوضأ، ثم يغتسل منه المعين الذي أصيب بالعين ". # والذين أثبتوا العين قالوا: إنه يبدو من العين أجزاء، فتتصل بالشيء ~~المستحسن؛ فتؤثر، وتسري فيه، كما يؤثر السم النار، والنصوص ~~النبوية نطقت به، والتجارب من الزمن القديم ساعدت عليه. # وروى الزمخشري في كتاب " ربيع الأبرار " ، قال الجاحظ: علماء الفرس، ~~والهند، وأطباء اليونانيين، ودهاة العرب، وأهل التجربة من نازلة ~~الأمصار، وحذاق المتكلمين، يكرهون الأكل بين يدي السباع؛ يخافون ~~عيونها؛ لما فيها من النهم، والشره، ولما ينحل عند ذلك من ~~أجوافها من البخار الرديء، وينفصل من عيونها إذا خالط الإنسان نقصه ~~وأفسده، وكانوا يكرهون قيام الخدم بالباب والأشربة على رءوسهم مخافة ~~العين، وكانوا يأمرون بإشباعهم قبل أن يأكلوا، وكانوا يقولون في الكلب ~~والسنور: إما أن يطرد، وإما أن يشغل بما يطرح له، قال: ونظيره: أن ~~الرجل يضرب الحية بعصا؛ فيموت الضارب؛ لأن السم فصل من الحية، ~~فسرى فيه حتى داخله، ويديم الإنسان النظر إلى العين المحمرة؛ فيعتري ~~عينه حمرة. # وعن الأصمعي رحمه الله : أن عيونا كان يقول: إذا رأيت الشيء ~~يعجبني، وجدت حرارة تخرج من عيني. # وعنه: كان عندنا عيانان، فمر أحدهما بحوض من حجارة، ms5038 فقال: بالله، ~~ما رأيت كاليوم مثله، فانصدع فلقتين، فصب، فمر عليه فقال: رأيتك تقل ~~ما خزرت أهلك فيك، فتطاير أربعا. # وسمع آخر صوت بول من وراء جدار فقال: إنك تراني كثير الشخب جيد ~~البول، قالوا: هذا آتيك، قال: وانقطاع ظهراه، فقيل: لا بأس فقال: لا ~~يبول بعدها أبدا، فما بال حتى مات. # وسمع صوت شخب بقرة فأعجبه، فقال: أيتهن هذه، فواروا بأخرى عنها؛ ~~فهلكتا جميعا، المورى بها، والمورى عنها. # والمنقولات في هذا كثيرة؛ فثبت أن الإصابة بالعين حق، لا يمكن ~~إنكاره. # قال القرطبي: وإذا كان هذا معنى الآية؛ فكيون فيها دليل على ~~التحرز من العين، وواجب على كل مسلم إذا أعجبه شيء أن يبرك، فإنه ~~إذا دعا بالبركة صرف المحذور لا محالة، ألا ترى لقوله صلوات الله ~~وسلامه عليه : " ألا بركت " فدل على أن العين لا تضر، ولا ~~تعدوا إذا برك العائن، وأنها إنما تعدو؛ إذا لم يبرك، ~~والتبريك أن يقول: " تبارك الله أحسن الخالقين، اللهم ~~بارك فيه " وإذا أصاب العائن بعينه؛ فإنه يؤمر بالاغتسال، ~~ويجبر على ذلك إن أبى؛ لأن الأمر للوجوب، ولا سيما هنا، فإنه يخاف ~~على المعين الهلاك، ولا ينبغي لأحد أن يمنع أخاه ما ينتفع به، ولا ~~يضره هو، ولا سيما إذا كان بسببه، كان الجاني عليه. # قال القرطبي: " من عرف بالإصابة بالعين منع من ~~مداخلة الناس دفعا للضرورة ". # وقال بعض العلماء: يأمره الإمام بلزوم بيته، وإن كان فقيرا رزقه ما ~~يقوم به، ويكف أذاه عن الناس. # وقيل: ينفى. والذي ورد في الحديث أنه لم ينف العائن، ولا أمره ~~بلزوم بيته ولا حبسه، بل قالوا: يكون الرجل الصالح عائنا، ~~وأنه لا يقدح فيه، ولا يفسق به ومن قال: يحبس، ويؤمر بلزوم بيته؛ ~~فذلك للاحتياط، ودفع ضرره. # قال الجبائي: إن أبناء يعقوب اشتهروا، وتحدث الناس بهم، ~~وبحسنهم، وكمالهم فقال: " لا تدخلوا " تلك المدينة " من باب واحد ~~" على ما أنتم عليه من العدد، والهيئة، ولم يأمن عليهم حسد الناس، أو ~~قال: لم يأمن عليهم أن يخافهم الملك على ms5039 ملكه، فحيبسهم. # وهذا وجه محتمل لا إنكار فيه إلا أن القول الأول أولى؛ لأنه ~~لا امتناع فيه بحسب العقل، والعرف كما بينا، والمتقدمون من ~~المفسرين أطبقوا عليه، فوجب المصير إليه. # ونقل عن الحسن أنه قال: خاف عليهم العين، فقال: { لا تدخلوا من ~~باب واحد } ثم رجع إلى علمه، فقال: { ومآ أغني عنكم ~~من الله من شيء } ، وعرف أن العين ليست بشيء. # وكان قتادة يفسر الآية بإصابة العين، ويقول: ليس في قوله: { ومآ ~~أغني عنكم من الله من شيء } إبطال له؛ لأن العين، وإن ~~صح فالله قادر على دفع أثره. # وقال النخعي: كان عالما بأن مالك مصر هو ولده يوسف إلا أن ~~الله تبارك وتعالى ما أذن له في إظهار ذلك، فلما بعث أولاده إليه، ~~وقال: { لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب ~~متفرقة } ، وكان غرضه أن يصل بنيامين إلى يوسف في وقت الخلوة، ~~وقوله: { ومآ أغني عنكم من الله من شيء } فالإنسان ~~مأمور بأن يراعي الأسباب المعتبرة في هذا العالم، ومأمور بأن يجزم ~~بأنه لا يصل إليه إلا ما قدره الله تعالى وأن الحذر لا ينجي ~~من القدر، فإن الإنسان مأمور بالحذر عن الأشياء المهلكة، ~~والأغذية الضارة، وبالسعي في تحصيل المنافع، ودفع المضار بقدر ~~الإمكان، ثم مع ذلك ينبغي أن يكون جازما بأنه لا يصل إليه إلا ما ~~قدره الله ولا يحصل في الوجود إلا ما أراد الله، فقوله عليه الصلاة ~~والسلام { لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من ~~أبواب متفرقة } إشارة إلى رعاية الأسباب المعتبرة في هذا ~~العالم، وقوله { ومآ أغني عنكم من الله من شيء } إشارة ~~إلى عدم الالتفات إلى الأسباب وإلى الالتفات إلى التوحيد المحض، ~~والبراءة عن كل شيء سوى الله تعالى. # فإن قيل: كيف السبيل إلى الجمع بين هذه القولين؟. # فالجواب: أن هذا السؤال غير مختص به، فإنه لا نزاع في أنه لا ~~بد من إقامة الطاعات والاحتراز من السيئات، مع أنا نعتقد ~~أن السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن ms5040 أمه، فكذ ~~هاهنا. # وأيضا: نأكل، ونشرب، ونحترز عن السموم، وعن الدخول في النار، ~~مع أن الموت والحياة لا يحصلان إلا بتقدير الله سبحانه وتعالى ، ~~فكذا ههنا، فظهر أن السؤال ليس مختصا بهذا المقام، بل هو بحث عن ~~سر مسألة الخير، والشر. # والحق أن العبد يجب عليه أن يسعى بأقصى الجهد، والقدرة، وبعد السعي ~~البليغ، يعلم أن كل ما يدخل في الوجود لا بد وأن يكن بمشيئة الله ~~عز وجل وسابق حكمه، وحكمته. # ثم إنه تعالى أكد هذا المعنى، فقال: { إن الحكم إلا ~~لله } ، وهذا من أدل الدلائل على صحة القول بالقضاء، والقدر؛ ~~لأن الحكم عبارة عن الإلزام والمنع ومنه سميت حكمة الدابة بهذا ~~الاسم؛ لأنها تمنع الدابة من الحركات الفاسدة والحكم إنما يمسى ~~حكما؛ لأنه يرجح أحد طرفي الممكن على الآخر، بحيث يصير الطرف " ~~الآخر " ممتنع الحصول، فبين تعالى أن الحكم ليس إلا لله، وذلك ~~يدل على أن جميع الممكنات ترجع إلى قضائه، وقدرته، ومشيئته، وحكمه ~~إما بواسطة، أو بغير واسطة، ولذلك فوض يعقوب أمره إلى الله ~~تعالى . # ثم قال: { عليه توكلت } اعتمدت: { وعليه فليتوكل ~~المتوكلون } ، والمعنى: أنه لما ثبت أن الكل من الله ~~تعالى ثبت أنه لا يتوكل إلا على الله سبحانه وتعالى. ### || [12.68] # قوله تعالى: { ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم } ~~الآية في جواب " لما " هذه ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنه الجملة المنفية من قوله: { ما كان يغني } ، ~~وفيه حجة لمن يدعي كون [لما] حرفا لا ظرفا، إذ لو كانت ظرفا ~~لعمل فيها جوابها، إذ لا يصلح للعمل سواه لكن ما بعد: " ما " ~~النافية لا يعمل فيها قبلها، ولا يجوز حين قام أبوك ما قام ~~أخوك، مع جواز: لما قام أخوك ما قام أبوك. # والثاني: أن جوابها محذوف، فقدره أبو البقاء رحمه الله : امتثلوا ~~وقضوا حاجته، وإليه نحا ابن عطية أيضا. # وهو تعسف؛ لأن في الكلام ما هو جواب صريح كما تقدم. # والثالث: أن الجواب هو قوله: " آوى " قال أبو البقاء: " وهو جواب: " ~~لما " الأولى، والثانية، كقولك: لما [جئتك]، ms5041 ولما كلمتك ~~أجبتني، وحسن ذلك أن دخولهم على يوسف صلوات الله وسلامه عليه ~~تعقب دخولهم من الأبواب. يعنى أن " آوى " جواب الأولى، والثانية، وهو ~~واضح. # فصل # قال المفسرون: لما قال يعقوب صلوات الله وسلامه عليه : # ومآ أغني عنكم من الله من شيء # [يوسف:67] صدق الله يعقوب فيما قاله، أي: وما كان ذلك التفريق يغني ~~من الله من شيء. # قال ابن عباس رضي الله عنهما : ذلك التفريق ما كان يرد من قضاء ~~الله تعالى ولا أمرا قدره الله تعالى. وقال الزجاج: لو قدر أن يصيبهم ~~لأصابهم،و هم متفرقون كما يصيبهم، [وهم مجتمعون]. # وقال ابن الأنباري: لو سبق في علم الله تعالى أن العين تهلكهم عند ~~الاجتماع؛ لكان تفرقهم كاجتماعهم، وهذه كلمات متقاربة وحاصلها: أن ~~الحذر لا يدفع القدر. # وقوله: " من شيء " يحتمل النصب بالمفعولية، والرفع بالفاعلية. # أما الأول فهو كقولك: ما رأيت من أحد، والتقدير: ما رأيت أحدا، ~~كذا ههنا، وتقدير الآية: أن تفرقهم ما كان يغني من قضاء الله شيئا. # وأما الثاني: فكقولك: ما جاءني من أحد وتقديره: ما جاءني أحد، ~~فيكون التقدير هنا: ما كان يغني عنهم من الله شيء مع قضائه. # قوله: " إلا حاجة " فيه وجهان: # أحدهما: أنه استثناء منقطع، وتقديره: ولكن حاجة في نفس يعقوب قضاها، ~~ولم يذكر الزمخشري غيره. # والثاني: أنه مفعول من أجله، ولم يذكر أبو البقاء غيره، ويكون ~~التقدير: ما كان يغني عنهم بشيء من الأشياء إلا لأجل حاجة كانت في نفس ~~يعقوب عليه السلام، وفاعل: " يغني " ضمير التفريق المدلول عليه من ~~الكلام المتقدم. وفيما أجازه أبو البقاء رحمه الله تعالى نظر من ~~حيث المعنى لا يخفى على متأمله. # و " قضاها " صفة ل: " حاجة ". # فصل # قال بعض المفسرين: من تلك الحاجة: خوفه عليهم من إصابة العين ~~وقيل: خوفه عليهم من حسد أهل مصر، وقيل: خوفه عليهم من أن يصيبهم ملك ~~مصر بسوء. # ثم قال: { وإنه لذو علم لما علمناه } قال الواحدي: " ~~ما " مصدرية، والهاء عائدة إلى يعقوب صلوات الله وسلام عليه أي: ~~وإن يعقوب ms5042 لذو علم من أجل تعليمنا إياه، ويمكن أن تكون بمعنى الذي، ~~والهاء عائدة إليها أي: وإنه علم للشيء الذي علمناه، يعني: أنا لما ~~علمناه شيئا حصل له العلم بذلك الشيء. # والمراد بالعلم: الحفظ، أي: وإنه لذو حفظ لما علمناه. وقيل: المراد ~~بالعلم: العمل، أي وإنه لذو عمل بفوائد ما علمناه. # ثم قال: { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } مثل ما علم ~~يعقوب، لأنهم لم يسلكوا طريق إصابة العلم. # وقيل: لا يعلمون أن يعقوب بهذه الصفة. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما : لا يعلم المشركون ما ألهم الله ~~[أولياءه]. فالمراد ب: " أكثر الناس " المشركون. ### || [12.69] # قوله تعالى: { ولما دخلوا على يوسف } قالوا: هذا أخونا ~~الذي أمرتنا أن نأتيك به قد جئنا به، فأكرمهم، وأحسن إليهم، وأجلس كل ~~اثنين على مائدة، فبقي بنيامين وحده، فقال: لو كان أخي يوسف حيا ~~لأجلسني معه فقال يوسف: بقي أخوكم وحيدا؛ فأجلسه معه على مائدته؛ فجعل ~~يؤاكله فلما كان الليل أمر لهم بمثل ذلك؛ فأمر أن ينزل كل اثنين منهم ~~بيتا، وقال: هذا لا ثاني له أخذه معي، فآواه إليه، فلما خلا به قال: ~~ما اسمك؟ قال: بنيامين قال: وما بنيامين؟ قال: ابن المثكل. وذلك أنه ~~لما ولد؛ هلكت أمه، قال: وما اسم أمك، قال راحيل بن لاوي، فلما رأى ~~تأسفه على أخ له هلك، فقال له أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك؟ ~~قال: ومن يجد أخا مثلك، ولكنك لم يلدك يعقوب ولا راحيل، فبكى ~~يوسف صلوات الله وسلامه عليه ، وسار إليه [وعانقه]. # و: { قال إني أنا أخوك } قال وهب: لم يرد أنه أخوه من ~~النسب، وإنما أراد به: إني أقوم لك مقام أخيك في الإيناس، لئلا ~~تستوحش بالانفراد. # والصحيح: ما عليه سائر المفسرين من أنه أراد تعريف النسب؛ ~~لأن ذلك أقوى في إزالة الوحشة، وحصول الأنس، والأصل في الكلام الحقيقة. # { فلا تبتئس بما كانوا يعملون } قال أهل اللغة: ~~تبتئس: تفتعل من البؤس وهو الضرر والشدة، والابتئاس: ~~اجتلاب الحزن والبؤس. # وقوله: { بما كانوا يعملون } من إقامتهم ms5043 على حسدنا، والحرص ~~على انصراف وجه أبينا عنا. # وقال ابن إسحاق وغيره: " أخبره بأنه أخوه حقيقة، واستكتمه، وقال له: ~~لا تبالي بكل ما تراه من المكروه في تحيلي في أخذك منهم ". # وعلى هذا التأويل يحتمل أن يشير بقوله: { بما كانوا يعملون ~~} إلى ما يعمله فتيان يوسف من أمر السقاية، ونحو ذلك. # وقيل: إن يوسف صلوات الله وسلامه عليه ما بقي في قلبه شيء من ~~العداوة وصار صافيا لإخوته؛ فأراد أن يجعل قلب أخيه صافيا معهم أيضا، ~~فقال: { فلا تبتئس بما كانوا يعملون } أي: لا تلتفت إلى ~~صنيعهم فيما تقدم. # وقيل: إنما فعلوا بيوسف ما فعلوا حسدا لإقبال الأب عليه، وتخصيصه بمزيد ~~الإكرام فخاف بنيامين أن يحسدوه، بسبب تخصيص الملك له بالإكرام، فآمنه ~~منهم، وقال: لا تفتلت إلى ذلك، فإن الله قد جمع بيني وبينك. # وروى الكلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن إخوة يوسف عليه ~~السلام: كانوا يعيرون يوسف، أخاه بسبب أن جدهما أبا أمهما كان ~~يعبد الأصنام، فإن أم يوسف أمرت يوسف بسرقة جونة كانت لأبيها، فيها ~~أصنام رجاء أن يترك عبادتها، إذا فقدها، فقال له: { فلا تبتئس ~~بما كانوا يعملون } أي: من التعيير لنا بما كان عليه جدنا. ~~والله أعلم. ### || [12.70-75] # قوله تعالى: { فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية ~~في رحل أخيه }. # تقدم الكلام في الجهاز. وأما قوله: { جعل السقاي } ~~فالعامة على: " جعل " بلا واو قبلها، وقرأ عبد الله " وجعل " وهي ~~تحتمل وجهين: # أحدهما: أن الجواب محذوف. # والثاني: أن الواو مزيدة في الجواب على رأي الكوفيين، والأخفش. # قال أبو حيان: وقرأ عبد الله فيما نقل عن الزمخشري { وجعل السقاية في ~~رحل أخيه }: أمهلهم حتى انطلقوا. { ثم أذن مؤذن } ، وفي ~~نقل ابن عطية: " وجعل " بزيادة واو في: " جعل " دون الزيادة ~~التي زادها الزمخشري، بعد قوله: " في رحل أخيه " فاحتمل أن تكون ~~الواو زائدة على مذهب الكوفيين، واحتمل أن يكون جواب: " لما " ~~محذوفا تقديره: فقدها حافظها كما قيل: إنما أوحي إلى يوسف بأن يجعل ~~السقاية فقط، ثم إن صاحبها فقدها ms5044 فنادى برأيه فيما ظهر له، ~~ورجحه الطبري، وتفتيتش الأوعية يرد هذا القول. # قال شهاب الدين: " لم ينقل الزمخشري هذه الزيادة كلها قراءة عن ~~عبدالله، إنما جعل [الزيادة] المذكورة بعد قوله: " رحل أخيه " ~~تقدير جواب من عنده، وهذا نصه: # قال الزمخشري: " وقرأ ابن مسعود: وجعل السقاية " على حذف جواب ~~" لما " كأنه قيل: فلما جهزهم بجهازهم، وجعل السقاية في رحل أخيه؛ ~~أمهلهم حتى انطلقوا، ثم أذن مؤذن فهذا من الزمخشري إنما هو ~~تقدير لا تلاوة منقولة عن عبد الله، ولعله وقع للشيخ نسخة سقيمة ~~". # فصل # قال الزمخشري: " السقاية: مشربة يسقى بها وهي الصواع ". # قيل: كان يسقى بها الملك، ثم جعلت صاعا يكال به، وقيل: كانت ~~الدواب تسقى بها، ويكال بها أيضا، وقيل: كانت من فضة، وقيل: ~~كانت من ذهب، وقيل: كانت مرصعة بالجواهر. # والأولى أن يقال: كان ذلك الإناء شيئا له قيمة، أما إلى هذا ~~الحد الذي ذكروه فلا. # فصل # روي أن يوسف صلوت الله وسلامه عليه قال لأخيه: لا تعلمهم ~~شيئا مما أعلمتك، ثم أوفى يوسف لإخوته الكيل، وحمل لكل واحد ~~بعيرا، ولبنيامين بعير باسمه، ثم أمر بسقاية الملك، فجعلت في رحل ~~بنيامين. # قال السدي رحمه الله : لما قال له يوسف: # إني أنا أخوك # [يوسف:69] قال بنيامين: فأنا لا أفارقك، فقال له يوسف: قد علمت اغتمام ~~والدي بي، وإذا أجلستك، ازداد غمه ولا يمكنني هذا إلا بعد أن أشهرك ~~بأمر فظيع، وأنسبك إلى ما لا يحمد، قال لا أبالي فافعل ما بدا لك؛ ~~فإني لا أفارقك، قال: فإني أدس صاعي في رحلك، ثم أنادي عليك ~~بالسرقة ليتهيأ لي ردك بعد تسريحك، قال: فافعل. # فعند ذلك جعل السقاية في طعام أخيه بنيامين، إما بنفسه بحيث لم ~~يطلع عليه أحد، أو أمر أحدا من بعض خواصه بذلك، ثم ارتحلوا، ~~وأمهلهم يوسف حتى نزلوا منزلا. # وقيل: حتى خرجوا من العمارة، ثم بعث خلفهم من استوقفهم، وحبسهم. # { ثم أذن مؤذن } نادى مناد: { أيتها العير } ، وهي ~~القافلة التي فيها الأحمال، يقال: أذن، أي: أعلم. # وفي الفرق ms5045 بين " أذن " ، و " آذن " وجهان: # قال ابن الأنباري: " أذن بمعنى أعلم إعلاما بعد إعلام، لأن " فعل ~~" يوجب تكرير الفعل، قال: ويجوز أن يكون إعلاما واحدا، من قبل أن ~~العرب يجعل فعل بمعنى أفعل، في كثير من المواضع ". # وقال سيبويه: الفرق بين أذنت وآذنت معناه: أعلمت، لا فرق بينهما ~~والتأذين معناه: النداء، والتصويت بالإعلام. # { أيتها العير } منادى حذف منه حرف النداء، والعير مؤنث، ~~ولذلك أنث أي المتوصل بها إلى ندائه، والعير فيها قولان: # أحدهما: أنها في الأصل جماعة الإبل، سميت بذلك؛ لأنها تعير، أي: تذهب ~~وتجيء به. # والثاني: أنها في الأصل قافلة الحمير؛ كأنها جمع عير، والعير: ~~الحمار؛ قال الشاعر: [البسيط] # 3121 ولا يقيم على ضيم يراد به # إلا الأذلان عير الحي والوتد # وأصل " عير " ، بضم العين، ثم فعل به ما فعل ب " بيض " ، والأصل ~~[بيض] بضم الأول، ثم أطلق العير على كل قافلة حمير كن أو غيرها، ~~وعلى كل فتقدير نسبة النداء إليها على سبيل المجاز؛ لأن المنادى في ~~الحقيقة أهلها، ونظره الزمخشري بقوله: " يا خيل الله اركبي " ولو ~~التفت لقال: " اركبوا ". ويجوز أن يعبر عن أهلها بها للمجاورة، فلا ~~يكون من مجاز الحذف، بل من مجاز العلاقة، وتجمعه العرب قاطبة على " ~~عيرات " بفتح الياء، وهذا مما اتفق على شذوذه؛ لأن فعلة المعتلة ~~العين حقها في جمعها بالألف والتاء أن تسكن عينها، نحو: قيمة وقيمات، ~~وديمة وديمات، وكذلك " فعل " دون ياء إذا جمع حقه أن تسكن عينه؛ ~~قال امرؤ القيس: [الطويل] # 3122 غشيت ديار الحي بالبكرات # فعارمة فبرقة العيرات # قال الأعلم الشنتمري: العيرات هنا موضع الأعيار، وهي الحمر. # قال شهاب الدين: " وفي عيرات " شذوذ آخر، وهو جمعها بالألف، ~~والتاء مع جمعها على أعيار أيضا جمع تكسير، وقد نصوا على ذلك، قيل: ~~ولذلك لحن المتنبي في قوله: [الطويل] # 3123 إذا كان بعض الناس سيفا لدولة # ففي الناس بوقات لها وطبول # قالوا: فجمع: " بوقا " على: " بوقات " مع تكسيرهم له على " أبواق ~~". # وقال أبو الهيثم: " كل ما يسير عليه من الإبل، والحمير، والبغال ms5046 فهو ~~عير خلافا لقول من قال: العير: الإبل خاصة ". # فإن قيل: هل كان ذلك النداء بأمر يوسف عليه السلام، أو ما كان بأمره؟ ~~فإن كان بأمره فكيف يليق بالرسول الحق من عند الله أن يتهمهم وينسبهم ~~إلى السرقة كذبا وبهتانا؟. # وإن لم يكن بأمره، فهلا أظهر براءتهم عن تلك التهمة؟. # فالجواب من وجوه: # الأول: ما تقدم من أنه صلوات الله وسلامه عليه أظهر لأخيه أنه ~~يوسف وقال: لا سبيل إلى حبسك هنا إلا بهذه الحيلة، فرضي أخوه بها، ولم ~~يتألم قلبه. # والثاني: أراد إنكم لسارقون يوسف من أبيه، والمعاريض لا تكون إلا كذلك. # والثالث: أن [المؤذن] إنما نادى مستفهما. # والرابع: هو الظاهر أنهم نادوا من عند أنفسهم؛ لأنهم طلبوا ~~السقاية فلم يجدوها، ما كان هناك غيرهم، فغلب على ظنهم أنهم هم ~~الذين أخذوها، وليس في القرآن أنهم نادوا عن أمر يوسف صلوات الله ~~وسلامه عليه . # وقيل: إنهم لما كانوا باعوا يوسف استجاز أن يقال لهم هذا، وأنه عوقب ~~على ذلك بأن قالوا: # فقد سرق أخ له من قبل # [يوسف:77]. # وقيل: أراد أيتها العير حالكم حال السارق، والمعنى: إن شيئا لغيركم ~~صار عندكم، من غير رضى الملك، ولا علم له. # وقيل: إن ذلك كان حيلة لاجتماع شمله بأخيه، وفصله عنهم إليه، وهذا ~~بناء على أن بنيامين لم يعلم بدس الصاع في رحله، ولا أخبره بنفسه. # وقيل: معنى الكلام: الاستفهام، أي: أو إنكم لسارقون، كقوله: # وتلك نعمة تمنها علي # [الشعراء:22] والغرض ألا يعزى الكذب إلى يوسف. # فإن قيل: كيف رضي بنيامين بالقعود طوعا، وفيه عقوق الأب بزيادة الحزن، ~~ووافقه على ذلك يوسف؟. # فالجواب: أن الحزن كان قد غلب على يعقوب بحيث لا يؤثر فيه فقد ~~بنيامين كل التأثير، ألا تراه لما فقده قال: { يا أسفا على يوسف } ، ولم ~~يعرج على بنيامين ولعل يوسف إنما وافقه على القعود بوحي، فلا اعتراض. # قوله: { وأقبلوا عليهم } هذه الجملة حالية من فاعل قالوا ~~أي: قالوا: وقد أقبلوا، أي: في حال إقبالهم عليهم. # { ماذا تفقدون } تقدم الكلام ms5047 على هذه المسألة أول الكتاب. # وقرأ العامة: " تفقدون " بفتح حرف المضارعة؛ لأن المستعمل منه " ~~فقد " ثلاثيا وقرأ السلمي بضمة من أفقدته إذا وجدته مفقودا ~~كأحمدته وأبخلته، [إذا] وجدته محمودا وبخيلا. # وضعف أبو حاتم هذه القراءة، ووجهها ما تقدم. # قوله: { نفقد صواع الملك } " الصواع: هو المكيال، وهو ~~السقاية المتقدمة سماه تارة كذا، وتارة كذا ". # وقال بعضهم: الصواع اسم، والسقاية وصف، كقولهم: كوز وسقاء، ~~الكوز اسم والسقاية: وصف. # وقيل: " ذكر؛ لأنه صاع، وأنث لأنه سقاية. # والصواع السقاية: إناء له رأسان في وسطه مقبض، كان الملك يشرب منه ~~من الرأس الواحدة ويكال الطعام بالرأس الآخر. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما : كل شيء يشرب به فهو صواع؛ ~~وأنشد: [الخفيف] # 3124 نشرب الخمر بالصواع جهارا # .................... # قيل: إنما كان الطعام بالصواع مبالغة في إكرامهم. # وقال مجاهد، وأبو صالح: الصواع الطرجهالة بلغة حمير. وإنما اتخذ ~~هذا الإناء مكيلا لعزة ما يكال به في ذلك الوقت. وفيه قراءات كلها ~~لغات في ذلك الحرف، ويذكر، ويؤنث فالعامة: " صواع " بزنة: " ~~غراب " ، العين مهملة، وقرأ ابن جبير، والحسن كذلك إلا أنه بالغين ~~المعجمة وقرأ يحيى بن يعمر كذلك؛ إلا أنه حذف الألف، وسكن الواو، وقرأ ~~زيد بن علي " صوغ " كذلك إلا أنه فتح الصاد، وجعله مصدرا ل: " ~~صاغ " يصوغ. والقراءتان [قبله] مشتقان منه وهو واقع موقع مفعول. أي: ~~مصوغ الملك. # وقرأ أبو حيوة وابن جبير والحسن رضي الله عنهم في رواية عنهما " ~~صواع " كالعامة إلا أنهم كسروا الفاء. وقرأ أبو هريرة ومجاهد رضي ~~الله عنهما : " صاع " بزنة باب وألفه كألفه في كونها منقلبة عن واو ~~مفتوحة وقرأ أبو رجاء: " صوع " بزنة " قوس ". # وقرأ عبد الله بن عون كذلك إلا أنه ضم الفاء فهذه ثمان قراءات متواترة ~~وواحدة في الشاذ. # قوله: { ولمن جآء به حمل بعير } أي من الطعام، { وأنا ~~به زعيم }. # قال مجاهد: الزعيم هو المؤذن الذي أذن، والزعيم: الكفيل. # قال الكلبي: الزعيم: هو الكفيل بلسان أهل اليمن. # روى أبو عبيدة عن الكسائي: زعمت به أزعم زعما وزعامة، أي: ~~تكفلت ms5048 به. # وهذه الآية تدل على أن الكفالة كانت صحيحة في شرعهم، وقد حكم بها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: # " الزعيم غارم ". # فإن قيل: هذه الكفالة شيء مجهول؟. # فالجواب: حمل البعير من الطعام كان معلوما عندهم، فصحت الكفالة به ~~إلا أن هذه الكفالة مال لرد السرقة، وهي كفالة بما لم يجب؛ لأنه ~~لا يحل للسارق أن يأخذ شيئا على رد السرقة، ولعل مثل هذه ~~الكفالة كانت تصح عندهم. # فصل # قال القطربي: " تجوز الكفالة عن الرجل؛ لأن المؤذن هو الضامن ~~وهو غير يوسف صلوات الله وسلامه عليه . # قال علماؤنا: إذا قال الرجل: تحملت، أو [تكفلت] أو ضمنت، أو أنا ~~حميل لكل أو زعيم، أو كفيل، أو ضامن، أو قبيل، أو لك عندي، أو علي، ~~أو إلي، أو قبلي، فذلك كله [حمالة] لازمة. # واختلفوا فيمن تكفل بالنفس، أو بالوجه هل يلزمه ضمان المال ". # فقال الشافعي رضي الله عنه في المشهور عنه، وأحمد: من تكفل ~~بالنفس لم يلزمه الحق الذي على المطلوب إن مات. # وقال مالك، والليث، والأوزاعي: إذا تكفل نفسه، وعليه مال، فإن لم ~~يأت به غرم المال، ويرجع به على المطلوب، فإن اشترط ضمان نفسه، أو وجهه، ~~وقال: لا أضمن المال، فلا شيء عليه من المال ". # فصل # واختلفوا فيما إذا تكفل رجل عن رجل بمال، هل للطالب أن يأخذ من شاء ~~منهما؟. # فقال الأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق: يأخذ من شاء منهما، وهذا ~~كان قول مالك، ثم رجع عنه فقال: لا يأخذ من الكفيل إلا أن يفلس ~~الغريم، أو يغيب؛ لأن البداءة بالذي عليه الحق أولى إلا أن يكون ~~معدما، فإنه يأخذ من الحميل؛ لأنه معذور في أخذه في هذه الحالة، ~~وهذا قول حسن، والقياس: أن للرجل مطالبة من شاء منهما. # وقال ابن أبي ليلى: إذا ضمن الرجل عن صاحبه مالا؛ تحول على ~~الكفيل، وبرىء الأصيل، إلا أن يشترط المكفول له عليهما أن يأخذ من ~~أيهما شاء. # قوله " تالله " التاء حرف قسم، وهي عند الجمهور بدل من واو القسم ولذلك ms5049 ~~لا تدخل إلا على الجلالة المعظمة، أو الرب مضافا للكعبة، أو الرحمن في ~~قول ضعيف، ولو قلت: تالرحمن " لم يجز، وهي فرع الفرع. وهذا مذهب ~~الجمهور. # وزعم السيهلي: أنها أصل بنفسها، ويلازمها التعجب غالبا كقوله: ~~(تالله تفتأ تذكر يوسف). # وقال ابن عطية: " والتاء في " تالله " بدل من واو، كما أبدلت في ~~تراث، وفي التوراة، وفي التخمة، ولا تدخل التاء في القسم، إلا ~~في المكتوبة، من بين أسماء الله تعالى وغير ذلك لا تقول تالرحمن، ~~وتا الرحيم " انتهى وقد تقدم أن السهيلي خالف في كونها بدلا ~~من واو. # وأما قوله: " في التوراة " يريد عند البصريين، وزعم بعضهم أن ~~التاء فيها زائدة، وأما قوله " إلا في المكتوبة " هذا هو ~~المشهور، وقد تقدم دخولها على غير ذلك. # قوله: " ما جئنا " يجوز أن يكون معلقا للعلم، ويجوز أن يضمن العلم ~~نفسه معنى القسم فيجاب بما يجاب به القسم، وقيل هذان القولان في قول ~~الشاعر: [الكامل] # 3125 ولقد علمت لتأتين منيتي # إن المنايا لا تطيش سهامها # قوله { وما كنا سارقين } يحتمل أن يكون جوابا للقسم فيكونون ~~قد أقسموا على شيئين: نفي الفساد، ونفي السرقة. # فصل # قال المفسرون: حلفوا على أمرين: # أحدهما: على أنهم ما جاءوا لأجل الفساد في الأرض؛ لأنه ظهر من ~~أحوالهم وامتناعهم من التصرف في أموال الناس بالكلية لا بأكل، ولا ~~بإرسال في مزارع الناس حتى روي أنهم كانوا يسدون أفواه دوابهم لئلا ~~يفسد زرع الناس، وكانوا مواظبين على أنواع الطاعات. # والثاني: أنهم ما كانوا سارقين، وقد حصل لهم فيه شاهد قاطع، وهو أنهم ~~لما وجدوا بضاعتهم في رحالهم حملوها من بلادهم إلى مصر، ولم يستحلوا ~~أخذها والسارق لا يفعل ذلك ألبتة، فلما بينوا براءتهم من تلك التهمة ~~قال أصحاب يوسف صلوات الله عليه: { فما جزآؤه إن كنتم ~~كاذبين } فأجابوه، { قالوا جزآؤه من وجد في رحله ~~فهو جزاؤه } قال ابن عباس رضي الله عنهما : كانوا يستعبدون في ~~ذلك الزمان كل سارق بسرقته، فلذلك قالوا: { جزآؤه من وجد في ~~رحله فهو جزاؤه } أي: فالسارق ms5050 جزاؤه، أي: فيسلم السارق ~~إلى المسروق منه، وكان ذلك سنة آل يعقوب في حكم السارق، وكان حكم ملك ~~مصر أن يضرب السارق، ويغرمه ضعفي قيمة المسروق، فأراد يوسف أن يحبس ~~أخاه عند فرد الحكم إليهم؛ ليتمكن من حبسه عنده على حكمهم. # قوله تعالى: { جزآؤه من وجد في رحله } فيه أربعة أوجه: # أحدها: أن يكون " جزاؤه " مبتدأ، والضمير للسارق، و " من " ~~شرطية أو موصولة مبتدأ ثان، والفاء جواب الشرط، أو مزيدة في خبر ~~الموصول لشبهه بالشرط و " من " وما في حيزها على وجهيها خبر المبتدأ ~~الأول، قاله ابن عطية، وهو مردود؛ لعدم رابط بين المبتدأ، وبين ~~الجملة الواقعة خبرا عنه، هكذا رده أبو حيان عليه. # وليس بظاهر؛ لأنه يجاب عنه بأن هذه المسألة من باب إقامة الظاهر مقام ~~المضمر ويتضح هذا بتقدير الزمخشري رحمه الله فإنه قال: " ويجوز ~~أن يكون " جزاؤه " مبتدأ، والجملة الشرطية كما هي خبره،وعلى إقامة ~~الظاهر فيها مقام المضمر، والأصل: جزاؤه، من وجد في رحله فهو هو، فوضع ~~الجزاء موضع " هو " كما تقول لصاحبك: من أخوا زيد؟ فيقول لك: من ~~يقعد إلى جنبه فهو هو يرجع الضمير الأول إلى: " من " ، والثاني ~~إلى الأخ، فتقول: " فهو أخوه " مقيما الظاهر مقام المضمر ". # وأبو حيان جعل هذا المحكي عن الزمخشري وجها ثانيا بعد الأول، ~~ولم يعتقد أنه هو بعينه، ولا أنه جواب عما رد به على ابن عطية. # ثم قال: " وضع الظاهر موضع المضمر للربط، وإنما هو فصيح في ~~مواضع التفخيم والتهويل، وغير فصيح فيما سوى ذلك، نحو: قام زيد، وينزه ~~عنه القرآن. # قال سيبويه: " لو قلت: كان زيد منطلقا زيد " لم يكن حد الكلام وكان ~~ههنا ضعيفا، ولم يكن كقولك: مازيد منطلقا هو؛ لأنك قد استغنيت عن ~~إظهاره، وإنما ينبغي لك أن تضمره ". # قال شهاب الدين: ومذهب الأخفش أنه جائز مطلقا، وعليه بنى ~~الزمخشري، وقد جوز أبو البقاء ما توهم أنه جواب عن ذلك فقال: # والوجه الثالث: أن يكون " جزاؤه " مبتدأ، و " من وجد " مبتدأ ~~ثان، و " هو " مبتدأ ثالث، ms5051 و " جزاؤه " خبر الثالث، والعائد على ~~المبتدأ الأول الهاء الأخيرة وعلى الثاني " هو " انتهى. # وهذا الذي ذكره أبو البقاء لا يصح؛ إذ يصير التقدير: فالذي وجد في رحله ~~جزاؤه الجزاء؛ لأنه جعل " هو " عبارة عن المبتدأ الثاني، وهو: { من ~~وجد في رحله } وجعل الهاء الأخيرة، وهي التي في: " جزاؤه " ~~الأخير عائدة على: " جزاؤه " الأول، فصار التقدير كما ذكرنا. # الوجه الثاني من الأوجه المتقدمة: أن يكون: " جزاؤه " مبتدأ، والهاء ~~تعود على المسروق، و { من وجد في رحله } خبره، و " من " بمعنى ~~الذي، والتقدير: جزاء الصواع الذي وجد في رحله. # ولذلك كانت شريعتهم يسترق السارق؛ فلذلك استفتوا في جزائه، وقوله: { ~~فهو جزاؤه } تقدير للحكم، أي فأخذ السارق نفسه هو جزاؤه لا غير، ~~كقولك: حق زيد أن يكسى، ويطعم، وينعم عليه، فذلك حقه، أي: ~~فهو حقه لتقرر ما ذكرته من استحقاقه ويلزمه ما قاله الزمخشري. # ولما ذكر أبو البقاء هذا الوجه قال: استعباد من وجد في رحله وقوله: { ~~فهو جزاؤه } مبتدأ، وخبر مؤكد لمعنى الأولد، ولما ذكر أبو حيان ~~هذا الوجه ناقلا له عن الزمخشري، قال: " وقال معناه ابن عطية إلا ~~أنه جعل القول الواحد قولين، قال: ويصح أن يكون " من " خبرا على ~~أن المعنى: جزاء السارق من وجد في رحله، ويكون قوله: { فهو ~~جزاؤه } زيادة بيان وتأكيد، ثم قال: ويحتمل أن يكون التقدير: جزاؤه ~~استرقاق من وجد في رحله، ثم يؤكد بقوله: { فهو جزاؤه } ، وهذا ~~القول هو الذي قبله غير أنه أبرز المضاف المحذوف في قوله: استرقاق من ~~وجد في رحله، وفيما قبله لا بد من تقديره؛ لأن الذات لا تكون ~~خبرا عن المصدر، فالتقدير في القول قبله: جزاؤه أخذ من وجد في رحله ~~أو استرقاقه، هذا لا بد منه على هذا الإعراب. # وهذا ظاهره، أنه جعل المقول الواحد قولين. # الوجه الثالث من الأوجه المتقدمة: أن يكون: " جزاؤه " خبر مبتدأ محذوف ~~أي: المسئول عنه جزاؤه، ثم أفتوا بقولهم: { من وجد في رحله ~~فهو جزاؤه } كما تقول: من يستفتي في جزاء صيد المحرم ms5052 ~~جزاء صيد المحرم، ثم يقول: # ومن قتله منكم متعمدا فجزآء مثل ما قتل من ~~النعم # [المائدة:95] قاله الزمخشري. # قال أبو حيان: " وهو متكلف، إذ تصير الجملة من قوله " المسئول عنه ~~جزاؤه " على هذا التقدير، ليس فيه كبير فائدة، إذ قد علم من قوله: " فما ~~جزاؤه " أي الشيء المسئول عنه جزاء سرقته، فأي فائدة في نطقهم بذلك، ~~وكذلك القول في المثال الثاني الذي مثل به من قول المستفتي ". # قال شهاب الدين: " قوله: " ليس فيه كبيرة فائدة " ممنوع، بل فيه ~~فائدة الإضمار المذكور في علم البيان، وفي القرآن أمثال ذلك ". # الوجه الرابع: أن يكون " جزاؤه " مبتدأ، وخبره محذوف، تقديره: جزاؤه ~~عندنا كجزائه عندكم، والهاء تعود على السارق، أو على المسروق، وفي ~~الكلام المتقدم دليل عليهما، ويكون قوله: { من وجد في رحله ~~فهو جزاؤه } على ما تقدم في الوجه الذي قبله وبهذا الوجه بدأ ~~أبوا البقاء رحمه الله ولم يذكره الشيخ. # قوله: { كذلك نجزي الظالمين } محل الكاف نصب إما على ~~أنها نعت لمصدر محذوف، إما حال من ضميره، أي: مثل ذلك الجزاء الفظيع ~~نجزي الظالمين أي: إذا سرق استرق. # قيل: هذا من بقية كلام إخوة يوسف صلوات الله وسلامه عليه. # وقيل: إنهم لما قالوا: { جزآؤه من وجد في رحله فهو ~~جزاؤه } قال أصحاب يوسف: { كذلك نجزي الظالمين } ما ليس ~~لهم فعله من سرقة مال الغير، فعند ذلك قال لهم المؤذن: لا بد من ~~تفتيش أوعيتكم، فانصرف بهم إلى يوسف. ### || [12.76-77] # { فبدأ } يوسف: { بأوعيتهم قبل وعآء أخيه } لإزالة ~~التهمة. # قرأ العامة: " وعاء " بكسر الواو. وقرأ الحسن بضمها، وهي لغة نقلت عن ~~نافع أيضا، وقرأ سعيد بن جبير: " من إعاء أخيه " بإبدال الواو همزة ~~وهي لغة هذيلية، يبدلون من الواو المكسورة، أول الكلمة همزة، ~~فيقولون: إشاح وإسادة، وإعاء في " وشاح، ووسادة، ووعاء " وقد ~~تقدم ذلك في الجلالة المعظمة أول الكتاب. # والأوعية: جمع وعاء. هو كل ما إذا وضع فيه أحاط به. # قوله تعالى: { ثم استخرجها } في الضمير المنصوب قولان: # أحدهما: أنه عائد على الصواع؛ لأن ms5053 فيه التذكير، والتأنيث، كما ~~تقدم. # وقيل: لأنه حمل على معنى السقاية. قال أبو عبيد: قولك: " الصواع " ~~يؤنث من حيث هو سقاية، ويذكر من حيث هو صواع. # قالوا: وكأن أبا عبيد لم يحفظ في الصواع التأنيث. # وقال الزمخشري: " قالوا رجع بالتأنيث على السقاية " ثم قال: " ~~ولعل يوسف كان يسمه سقاية، وعبيدة صواعا، فقد وقع فيما يتصل به من ~~الكلام سقاية، وفيما يتصل بهم منه صواعا ". # وهذا الأخير أحسن. # والثاني: أن الضمير عائد على السرقة. # وفيه نظر؛ لأن السرقة لا تستخرج إلا بمجاز. # فصل # قال قتادة: ذكر لنا أنه كان لا يفتح متاعا، ولا ينظر من وعاء ألا ~~استغفر الله تعالى تائبا مما قذفهم به، حتى إذا لم يبق إلا رحل ~~بنيامين قال: ما أظن هذا أخذه، فقال إخوته: والله لا يترك حتى ينظر ~~في رحله، فإنه أطيب لنفسك، ولأنفسنا، فلما فتحوا متاعه استخرجوه منه؛ ~~فنكس إخوته رءوسهم من الحياء وقالوا: إن هذه الواقعة عجيبة، إن ~~راحيل ولدت ولدين لصين، وأقبلوا على بنيامين، وقالوا: أيش الذي صنعت، ~~فضحتنا، وسودت وجوهنا، يا بني راحيل لا يزال لنا منكم بلاء [حتى أخذت ~~هذا الصواع، فقال بنيامين: بل بنو راحيل لا يزال لهم منكم بلاء] ذهبتهم ~~بأخي، ثم أهلكتموه في البرية، ثم تقولون لي هذا الكلام، قالوا له: كيف ~~خرج الصواع من رحلك؟ فقال: وضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع البضاعة ~~في رحالكم، قالوا: فأخذ بنيامين رقيقا. # قوله: { كذلك كدنا } الكلام في: { كذلك كدنا } [75] ~~كالكلام فيما كان قبلها أي: مثل ذلك الكيد العظيم، أي: كما فعلوا في ~~الابتداء بيوسف من الكيد فعلنا بهم، وقد مقال يعقوب ليوسف صلوات الله ~~وسلامه عليه # فيكيدوا لك كيدا # [يوسف:5]، فكدنا ليوسف في أمرهم. # فالمراد من هذا الكيد: هو أنه تعالى ألقى في قلب إخوته: أن ~~احكموا بأن جزاء السارق هو أن يسترق، لا جرم لما ظهر الصواع في ~~رحله؛ حكموا عليه بالاسترقاق؛ وصار ذلك سببا لتمكن يوسف صلوات الله ~~وسلام عليه من إمساك أخيه عند نفسه. # واعلم أن ms5054 الكيد يشعر بالحيلة، والخديعة، وذلك في حق الله تعالى ~~محال إلا أنه قد تقدم أصل معتبر في هذا الباب، وهو أن أمثال هذه ~~الألفاظ في حق الله تعالى تحمل على نهايات الأغراض، لا على بداياتها، ~~وتقرر ذلك عند قوله: # إن الله لا يستحى # [البقرة:26] فالكيد: السعي في الحيلة، والخديعة، ونهايته اشتغال ~~الإنسان من حيث لا يشعر في أمر مكروه، ولا سبيل له إلى دفعه، فالكيد ~~في حق الله محمول على هذا المعنى. # وقيل: المراد بالكيد ههنا: أن إخوة يوسف سعوا في إبطال أمره، والله ~~نصره وقواه، وأعلى أمره. # قال القرطبي: قال ابن عباس رضي الله عنهما : " كدنا " معناه: ~~صنعنا. وقال القتبي: دبرنا. وقال ابن الأنباري: أردنا؛ قال الشاعر: ~~[الكامل] # 3126 كادت وكدت وتلك خير إرادة # لو عاد من عهد الصبا ما قد مضى # قوله: { ما كان ليأخذ أخاه } تفسير للكيد، وبيان له، وذلك ~~أنه كان في زمان ملك مصر أن يغرم السارق مثلي ما أخذ لا أنه يستعبد. # فصل # قال القرطبي: " في الآية دليل على جواز التوصل إلى الأغراض بالحيل ~~إذا لم تخالف شريعة، ولا هدمت أصلا خلافا لأبي حنيفة رضي الله عنه ~~في تجويز الحيل وإن خالفت الأصول، وخرمت التحليل، وأجمعوا على أن ~~للرجل التصرف في ماله قبل حلول الحول بالبيع، والهبة إذا لم ~~ينوا الفرار من الزكاة، وأجمعوا على أنه إذا حال الحول، وأظل ~~الساعي أنه لا يحل له التحيل، ولا النقصان ولا أن يفرق بين مجتمع ~~ولا أن يجمع بين متفرق ". # فصل # قال ابن العربي: قال بعض الشافيعة: في قوله تعالى: # وكذلك مكنا ليوسف في الأرض # [يوسف:21] دليل على وجه الحيلة إلى المباح، واستخراج الحقوق، وهذا وهم ~~عظيم، وقوله تعالى: # وكذلك مكنا ليوسف في الأرض # [يوسف:21] قيل فيه: لما مكنا ليوسف ملك نفسه عن امرأة العزيز ~~مكنا له ملك الأرض عند العزيز، وهذا لا يشبه ما ذكروه. # قال الشفعوي: ومثله قوله: # وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث # [ص:44] هذا ليس حيلة، إنما هو حمل [اليمين] على ms5055 الألفاظ، أو على ~~المقاصد. # قوله: { إلا أن يشآء الله } فيه وجهان: # أحدهما: أنه استنثاء منقطع تقديره: ولكن بمشيئة الله أخذه في دين غير ~~دين الملك، وهو دين آل يعقوب أن الاسترقاق جزاء للسارق. # قال ابن عباس رضي الله عنه : " في دين الملك " أي في سلطانه. # { إلا أن يشآء الله } أي: أن يوسف لم يتمكن من حبس أخيه في ~~حكم الملك لولا ما كدنا له بلطفنا، حتى وجد السبيل إلى ذلك، وهو ما جرى ~~على [ألسنة] الإخوة أن جزاء السارق الاسترقاق فحصل مراد يوسف بمشيئة ~~الله. # والثاني: أنه مفرغ من الأحوال العامة، والتقدير: ما كان ليأخذه من ~~كل حال إلا في حال التباسه بمشيئة الله عز وجل أي: إذنه في ~~ذلك. # وكلام ابن عطية محتمل فإنه قال والاستثناء حكاية حال، والتقدير: ~~إلا أن يشاء الله ما وقع من هذه الحيلة. # قوله: { نرفع درجات من نشآء } تقدم القراءتان فيها في ~~الأنعام [الأنعام:83]. # وقرأ يعقوب بالياء من تحت " يرفع " ، و " يشاء " والفاعل الله ~~تعالى . # وقرأ عيسى البصري " نرفع " بالنون " درجات " منونة، و " يشاء ~~" بالياء. # قال صاحب اللوامح: " وهذه قراءة مرغوب عنها تلاوة، وجملة، وإن لم ~~يمكن إنكارها ". # قال شهاب الدين رحمه الله : " وتوجيهها: أنه التفت في قوله " ~~يشاء " من التكلم إلى الغيبة، والمراد واحد ". # قوله: { وفوق كل ذي علم عليم } قرأ عبد الله بن مسعود: ~~(وفوق كل ذي عالم). وفيها ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون " عالم " هنا مصدرا، قالوا: مثل الباطل فإنه مصدر ~~فهي كالقراءة المشهورة. # الثاني: أن ثم مضافا محذوفا، تقديره: وفوق كل ذي مسمى عالم؛ ~~كقوله: [الطويل] # 3127 إلى الحول ثم اسم السلام عليكما # أي: مسمى السلام. # الثالث: أن " ذو " زائدة؛ كقوله الكميت: [الطويل] # 3128.......ذوي آل النبي....... # ................. # فصل # قوله: { نرفع درجات من نشآء } بالعلم كما رفعنا درجة يوسف ~~على إخوته والمعنى: أنه خصه بأنواع العلوم. # وهذه الآية تدل على أن العلم أشرف المقامات، وأعلى الدرجات لأنه ~~تعالى لما هدى يوسف إلى هذه الحيلة مدحه لأجل ذلك فقال: { نرفع ~~درجات من نشآء ms5056 }. # ثم قال: { وفوق كل ذي علم عليم } قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما : { وفوق كل ذي علم } عالم إلى أن ينتهي العلم ~~إلى الله عز وجل فالله فوق كل عالم. # والمعنى: أن إخوة يوسف كانوا علماء فضلاء، إلا أن يوسف كان زائدا ~~عليهم في العلم. # واحتج المعتزلة بهذه الآية على أنه تعالى عالم لذاته؛ لأنه ~~لو كان عالما بالعلم، لكان ذا علم، ولو كان كذلك لحصل فوقه عليم تمسكا ~~بهذه الآية. # قال ابن الخطيب: " وهذا باطل؛ لأن أصحابنا قالوا: دلت سائر الآيات ~~على إثبات العلم لله تعالى وهو قوله: # إن الله عنده علم الساعة # [لقمان:34] # أنزله بعلمه # [النساء:166]، # ولا يحيطون بشيء من علمه # [البقرة:255]، # ولا تضع إلا بعلمه # [فاطر:11] وإذا وقع التعارض، فنحن نحمل الآية التي تمسك بها ~~الخصم على واقعة يوسف وإخوته، غاية ما في الباب أنه يوجب تخصيص عموم إلا ~~أنه لا بد من المصير إليه؛ لأن العالم مشتق من العلم، والمشتق منه ~~مفرد، وحصول المركب بدون حصول المفرد محال في بديهة العقل، فكان ~~الترجيح من جانبنا ". # قوله: { فقد سرق } الجمهور على " سرق " مخففا مبنيا للفاعل، ~~وقرأ أحمد بن جبير الأنطاكي، وابن شريح عن الكسائي، والوليد بن ~~حسان عن يعقوب في آخرين: " سرق " مشددا مبنيا للمفعول أي: نسب إلى ~~السرقة؛ لأنه ورد في التفسير: أن عمته ربته، فأخذاه أبوه منها؛ ~~فشدت في وسطه منطقة كانوا يتوارثونها من إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه ~~ففتشوا فوجدوها تحت ثيابه، فقالت: هو لي، فأخذته كما في شريعتهم، ومن هنا ~~تعلم يوسف وضع السقاية في رحل أخيه، كما فعلت به عمته، وهذه القراءة ~~منطبقة على هذا. # وقال سعيد بن جبير: كان لجده أبي أمه صنم يعبده، فأخذه سرا، ~~وكسره وألقاه في الطريق. # وقال مجاهد: أخذ بيضة من البيت فأعطاها سائلا. وقيل: دجاجة وقال ~~وهب رحمه الله : كان يخبىء الطعام من المائدة للفقراء فقالوا ~~للملك: إن هذا ليس بغريب منه، فإن أخاه الذي هلك كان أيضا ~~سارقا، أي إنا لسنا على طريقته، ولا على ms5057 سيرته، وهو وأخوه مختصان بهذه ~~الطريقة؛ لأنهما من أم أخرى. # قوله: " فأسرها " قال بعضهم: الضمير المنصوب مفسر لسياق الكلام، ~~أي: فأسر الحزازة التي حصلت له من قولهم: { فقد سرق أخ له ~~}؛ كقوله: [الطويل] # 3129 أماوي ما يغني الثراء عن الفتى # إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # فالضمير في " حشرجت " يعود على النفس، كذا ذكره أبو حيان. # وقد جعل بعضهم البيت مما فسر فيه الضمير بذكر ما هو كل لصاحب ~~الضمير، فلا يكون مما فسر فيه بالسياق. # وقال الزمخشري إضمار على شريطة التفسير، يفسره " أنتم شر ~~مكانا " وإنما أنث؛ لأن قوله: " شر مكانا " جملة، أو كلمة ~~على تسميتهم الطائفة من الكلام كلمة، كأنه قيل: فأسر الجملة، أو ~~الكلمة التي هي قوله: { أنتم شر مكانا } قال: لأن قوله: { ~~أنتم شر مكانا } بدل من " أسرها ". # قال شهاب الدين: وهذا عند من يبدل الظاهر من المضمر في غير المرفوع؛ ~~نحو ضربته زيدا، والصحيح وقوعه؛ كقوله: [الرجز] # 3130 فلا تلمه أن يخاف البائسا # وقرأ عبد الله وابن أبي عبلة: " فأسره " بالتذكير قال ~~الزمخشري " يريد القول، أو الكلام ". # قال أبو البقاء: " الضمير يعود إلى نسبتهم إياه إلى السرقة، وقد ~~دل عليه الكلام ". # وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، وتقديره: قال في نفسه: { أنتم ~~شر مكانا } وأسرها أي هذه الكلمة. # قال شهاب الدين: ومثل هذا ينبغي ألا يقال، فإن القرآن ينزه عنه و ~~" مكانا " تمييز، أي: منزلة من غيركم، والمعنى: أنتم شر منزلا عند ~~الله ممن رميتموه بالسرقة في صنيعكم بيوسف؛ لأنه لم يكن من يوسف سرقة ~~حقيقة، وخيانتكم حقيقة. # وقد طعن الفارسي رحمه الله على كلام الزمخشري من وجهين: # الأول: قال الإضمار على شريطة التفسير يكون على ضربين: # أحدهما: أن يفسر بمفرد، كقولنا: نعم رجلا زيد، ففي: " نعم " ~~ضمير فاعلها و " رجلا " تفسير لذلك الفاعل المضمر. # والآخر: أن يفسر بجملة، وأصل هذا يقع به الابتداء، كقوله: # فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا # [الأنبياء:97] و # قل هو الله أحد # [الإخلاص:1] والمعنى: القصة شاخصة أبصار الذين كفروا والأمر: الله ms5058 ~~أحد، ثم إن العوامل الداخلة على المبتدأ والخبر تدخل عليه أيضا، ~~كقوله # إنه من يأت ربه مجرما # [طه:74] # فإنها لا تعمى الأبصار # [الحج:46]. # وإذا عرفت هذا فنقول: نفس المضمر على شريطة التفسير في كلا الجملتين ~~متصل بالجملة التي فيها الإضمار، ولا يكون خارجا عن تلك الجملة، ولا ~~مباينا لها، وههنا التفسير منفصل عن الجملة التي حصل فيها الإضمار؛ ~~فوجب ألا يحسن. # والثاني: أنه تعالى قال: { أنتم شر مكانا } وذلك يدل ~~على أنه ذكر ذكر ذلك الكلام، ولو قلنا: إنه صلوات الله وسلامه عليه ~~ أضمر هذا الكلام لكان قوله: { أنتم شر مكانا } كذبا. # قال ابن الخطيب: " وهذا الطعن ضعيف من وجوه: # الأول: لا يلزم من حسن القسمين الأولين قبح قسم ثالث. # وأما الثاني: فلأنا نحمل ذلك على أنه صلوات الله وسلامه عليه قال ~~ذلك على سبيل الخفية، وبهذا [التقسيم] سقط السؤال. # والوجه الثاني: وهو أن الضمير في قوله: " فأسرها " عائد إلى ~~الإجابة، كأنهم لما قالوا: { إن يسرق فقد سرق أخ له ~~من قبل } أسر يوسف عليه السلام إجابتهم في نفسه في ذلك الوقت، ولم ~~يبدها لهم في تلك الحالة إلى وقت ثان، ويجوز أن يكون إضمارا للمقالة، ~~والمعنى: أسر يوسف مقالتهم، والمراد من المقالة متعلق تلك المقالة؛ ~~كما يراد بالخلق المخلوق، وبالعلم المعلوم، يعني: أسر يوسف ~~كيفية تلك السرقة،و لم يبين لهم أنها كيف وقعت، وأنه ليس فيها ما يوجب ~~الطعن ". # روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: عوقب يوسف ثلاث ~~مرات: لأجل همه بها؛ فعوقب بالحبس، وبقوله: # اذكرني عند ربك # [يوسف:42]؛ عوقب بالحبس الطويل، وبقوله: " إنكم لسارقون "؛ عوقب ~~بقوله: { فقد سرق أخ له من قبل }. # ثم قال: { أنتم شر مكانا } ، أي: أنتم شر منزلة عند الله، ~~بما أقدمتم عليه من ظلم أخيكم، وعقوق أبيكم؛ فأخذتم أخاكم، وطرحتموه في ~~الجب، ثم قلت لأبيكم: " أكله الذئب " وأنتم كاذبون، ثم بعتموه بعشرين ~~درهما، ثم بعد المدة الطويلة، والزمان المديد، ما زال الحقد ~~والغضب عن قلوبكم؛ فرميتموه بالسرقة، { والله أعلم بما ~~تصفون ms5059 } ، أي: إن سرقة يوسف كانت لله رضا؛ فلا توجب عود ~~الذم،واللوم إليه. ### || [12.78-79] # قوله تعالى: { يأيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا ~~} الآية. # اعلم: أنهم لما قالوا: { إن سرق فقد سرق أخ له من قبل } ، أحبوا ~~موافقته، والعدول إلى طريق الشفاعة، وأنهم، وإن كانوا قد اعترفوا بأن ~~حكم الله في السارق أن يستعبد، إلا أن العفو وأخذ الفداء كان أيضا ~~جائزا؛ فقالوا: { يأيها العزيز إن له أبا شيخا ~~كبيرا } ، في السن، ويجوز أن يكون في القدر، والدين؛ لأن قولهم: " ~~شيخا " يعلم منه كبر سنه، وإنما ذكروا ذلك؛ لأن كونه ابنا لرجل ~~كبير القدر يوجب العفو [والصفح]. # قوله: " مكانه " فيه وجهان: # أظهرهما: أن " مكانه ": نصب [على الظرف]، والعامل فيه: " خذ ". # والثاني: أنه ضمن " خذ " معنى: " اجعل " ، فيكون: " مكانه " ~~في محل المفعول الثاني. # وقال الزمخشري: " فخذ بدله على جهة الاسترهان؛ حتى نرد الفداء ~~إليك، أو الاستعباد ". # ثم قالوا: { إنا نراك من المحسنين } ، لو فعلت ذلك. # وقيل: من المحسنين إلينا في توفية الكيل، وحسن الضيافة، ورد ~~البضاعة. # وقيل: من المحسنين في أفعالك، وقيل: لما اشتد القحط على القوم، ولم ~~يجدوا ما يشترون به من الطعام، وكانوا يبيعون أنفسهم، فصار ذلك سببا ~~لصيرورة أكثر أهل مصر عبيدا له، ثم إنه أعتق الكل قالوا: { إنا ~~نراك من المحسنين } إلى عامة الناس بالإعتاق، فكن محسنا ~~أيضا إلى هذا الإنسان بالإعتاق من هذه المحنة. # فقال يوسف: { معاذ الله } أي أعوذ بالله معاذا { أن نأخذ ~~إلا من وجدنا متاعنا عنده } أي أعوذ بالله أن نأخذ ~~بريئا بمذنب. # قال الزجاج: " موضع " أن " نصب، والمعنى: أعوذ بالله من أخذ أحد ~~بغيره، فلما سقطت كلمة: " من " تعدى الفعل ". # وقوله: { إنآ إذا } حرف جواب وجزاء، تقدم الكلام [النساء:67 ~~البقرة:14] على أحكامها. # والمعنى: لقد تعديت، وظلمت، إن أخذت بريئا بجرم صدر من غيره، فقال: ~~{ معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا ~~عنده } ولم يقل: " من سرق " تحرزا من الكذب. # فإن قيل: هذه الواقعة من أولها إلى آخرها، تزوير وكذب، فكيف يجوز ~~ليوسف ms5060 مع رسالته الإقدام على التزوير، وإيذاء الناس من غير ذنب لا ~~سيما ويعلم أنه إذا حبس أخاه عنده بهذه التهمة فإنه يعظم حزن ~~أبيه، ويشتد غمه، فكيف يليق بالرسول المعصوم المبالغة في التزوير ~~إلى هذا الحد؟!. # فالجواب: لعله تعالى أمره بذلك تشديدا للمحنة على يعقوب، ونهاه ~~عن العفو والصفح، وأخذ البدل، كما أمر تعالى صاحب موسى عليه ~~الصلاة والسلام بقتل من لو بقي لطغى وكفر. ### || [12.80-82] # قوله: { فلما استيأسوا } " استفعل " هنا بمعنى " فعل ~~" المجرد يقال: يئس، واستيأس [بمعنى] نحو " عجب واستعجب، ~~وسخر، واستسخر. # وقال الزمخشري: وزيادة التاء والسين في المبالغة نحو ما مر في: " ~~استعصم " وقرأ البزي عن ابن كثير بخلاف عنه: " استأيسوا " ~~بألف بعد التاء ثم ياء وكذلك في هذه السورة: # ولا تيأسوا من روح الله # [يوسف:87] إنه لا ييأس # حتى إذا استيأس الرسل # [يوسف:110]، وفي الرعد: # أفلم ييأس # [الرعد:31] الخلاف واحد. # فأما قرأءة العامة: فهي الأصل، إذ يقال: يئس، فالفاء ياء، والعين ~~همزة وفيه [لغة] أخرى، وهي القلب [الرعد:31] بتقديم العين على الفاء، ~~فيقال: أيس، ويدل على ذلك شيئان: # أحدهما: المصدر الذي هو اليأس. # والثاني: أنه لو لم يكن مقلوبا للزم قلب الياء ألفا، لتحركها، ~~وانفتاح ما قبلها، ولكن منع من ذلك كون الياء في موضع لا تعل فيه ما ~~وقعت موقعه، وقراءة ابن كثير من هذا، ولما قلب الكلمة أبدل من الهمزة ~~ألفا لسكونها بعد فتحة، إذ صارت كهمزة رأس، وكأس، وإن لم يكن من أصله ~~قلب الهمزة الساكنة حتى علة وهذا كما تقدم أنه يقرأ " القرآن " ~~بالألف، وأنه يحتمل أن يكون نقل حركة الهمزة، وإن لم يكن من أصله ~~النقل. # قال أبو شامة بعد أن ذكر هذه الكلمات الخمس التي وقع فيها الخلاف " ~~وكذلك رسمت في المصحف، يعني كما قرأها البزي يعنى بالألف مكان الياء، ~~وبياء مكان الهمزة ". # وقال أبو عبد الله: واختلفت هذه الكلمات في الرسم، فرسم: " يأيس " ، ~~" ولا تأيسوا " بألف، ورسم الباقي بغير ألف. # قال شهاب الدين: " وهذا هو الصواب، وكأنه غفلة من أبي ms5061 شامة ". # ومعنى الآية: " فلما أيسوا من يوسف أن يجيبهم إلى ما سألوا ". # وقال أبو عبيدة: " استيأسوا ": استيقنوا أن الأخ لا يرد إليهم. # قوله: { خلصوا نجيا } قال الواحدي: يقال: خلص الشيء يخلص ~~خلوصا إذا انفصل من غيره، ثم فيه وجهان: # أحدهما: قال الزجاج، خلصوا: أي: انفردوا، وليس معهم أخوهم. # وقال الباقون: تميزوا عن الأجانب، وهذا هو الأظهر، أي: خلا بعضهم ببعض ~~يتناجون ويتشاورون لا يخالطهم غيرهم. # وأما قوله: " نجيا " حال من فاعل: " خلصوا " أي: اعتزلوا في هذه ~~الحال وإنما أفردت الحال، وصاحبها جمع، إما لأن النجي فعيل ~~بمعنى مفاعل كالعشير والخليط بمعنى المخالط والمعاشر، كقوله # وقربناه نجيا # [مريم:52] أي: مناجيا وهذا في الاستعمال يفرد مطلقا، يقال: هم ~~خليطك وعشيرتك، أي: مخالطوك ومعاشروك وإما لأنه صفة على فعيل ~~بمنزلة صديق، وبابه يوحد، لأنه يزنة المصارد كالصهيل، والوجيب ~~والذميل، وإما لأنه مصدر بمعنى التناجي كما قيل: النجوى ~~بمعناه، قال تعالى: # وإذ هم نجوى # [الإسراء:47]، وحينئذ يكون فيه التأويلات المذكورات في: " رجل عدل ~~" وبابه، ويجمع على " أنجية " ، وكان من حقه إذا جعل وصفا أن يجمع ~~على " أفعلاء " ، ك " غني " ، وأغنياء " و " شقي، وأشقياء ~~"؛ ومن مجيئه على " أنجية " قول الشاعر: [الرجز] # 3131 إني إذا ما القوم كانوا أنجيه # واضطرب القوم اضطراب الأرشيه # هناك أوصيني ولا توصي بيه # وقول لبيد: [الكامل] # 3132 وشهدت أنجية الأفاقة عاليا # كعبي وأرداف الملوك شهود # وجمعه كذلك يقوي كونه جامدا، إذ يصير كرغيب، وأرغفة. # وقال البغوي: النجي يصلح للجماعة، كما قال ههنا، وللواحد كما قال: # وقربناه نجيا # [مريم:52] وإنما جاز للواحد والجمع؛ لأنه مصدر جعل نعتا كالعدل، ومثله: ~~النجوى يكون اسما، ومصدرا، قال تعالى # وإذ هم نجوى # [الإسراء:47] أي: متناجين، وقال حل ذكره # ما يكون من نجوى ثلاثة # [المجادلة:7] وقال في المصدر # إنما النجوى من الشيطان # [المجادلة:10]. # قال ابن الخطيب: " وأحسن الوجوه أن يقال: إنهم تمحضوا تناجيا؛ ~~وأن من كمل حصول أمر من الأمور فيه وصف بأنه صار غير ذلك الشيء ~~فلما أخذوا في التناجي على غاية الجد؛ صاروا كأنهم في ms5062 أنفسهم صاروا ~~نفس التناجي في الحقيقة ". # " قال كبيرهم " في العقل، والعلم لا في السن، وهو " يهوذا " ، ~~قاله ابن عباس، والكلبي. # وقال مجاهد: شمعون، وكانت له الرئاسة على إخوته. # وقال قتادة، والسدي، والضحاك: وهو روبيل، كان أكبرهم في السن، وهو ~~الذي نهاهم عن قتل يوسف عليه السلام . # { ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم ~~موثقا }: عهدا: { من الله } ، وأيضا: نحن متهمون ~~بواقعة يوسف. # قوله { ومن قبل ما فرطتم } في هذه الآية وجوه ستة: # أظهرها: أن " ما " مزيدة فيتعلق الظرف بالفعل بعدها، والتقدير: ~~ومن قبل هذا فرطتم، أي: قصرتم في حق يوسف، وشأنه، وزيادة " ما " ~~كثيرة، وبه بدأ الزمخشري وغيره. # الثاني: أن تكون " ما " مصدرية في محل رفع بالابتداء، والخبر الظرف ~~المتقدم قال الزمخشري: على أن محل المصدر الرفع بالابتداء، والخبر ~~الظرف وهو " من قبل " ، والمعنى: وقع من قبل تفريطكم في يوسف عليه ~~الصلاة والسلام وإلى هذا نحا ابن عطية أيضا فإنه قال: ولا يجوز ~~أن يكون قوله: " من قبل " متعلقا ب: " ما فرطتم " ، وأن ~~" ما " تكون على هذا مصدرية، والتقدير: ومن قبل تفريطكم في يوسف ~~واقع، أو مستقر وبهذا المقدر يتعلق قوله: " من قبل ". # قال أبو حيان: هذا وقول الزمخشري راجعان إلى معنى واحد، وهو أن " ~~ما فرطتم " يقدر بمصدر مرفوع بالابتداء، و: " من قبل " في ~~موضع الخبر وذهلا عن قاعدة عربية، وحق لهما أن يذهلا وهي أن هذه ~~الظروف التي هي غايات إذا بنيت لا تقع أخبارا للمبتدأ جرت، أو لم ~~تجر، تقول: يوم السبت مبارك والسفر بعده، ولا تقول: والسفر ~~بعد و " عمرو وزيد خلفه " ولا يجوز: عمرو وزيد خلف، وعلى ما ~~ذكراه يكون: " تفريطكم " مبتدأ، و " من قبل " خبر وهو مبني ~~وذلك لا يجوز، وهو مقرر في علم العربية ". # قال شهاب الدين: " قوله: " وحق لهما أن يذهلا " تحامل على ~~هذين الرجلين، وموضعهما من العلم معروف، وأما قوله: " إن الظرف ~~المقطوع لا يقع خبرا " ، فمسلم، قالوا: لأنه لا يفيد، وما لا يفيد، ~~لا يقع خبرا، ولذا لا يقع صفة، ms5063 ولا صلة، ولا حالا والآية الكريمة من ~~هذا القبيل لو قلت: " جاء الذي قبل " أو " مررت برجل قبل " لم يجز لما ~~ذكرت. # ولقائل أن يقول: إنما امتنع ذلك؛ لعدم الفائدة، وعدم الفائدة لعدم ~~العلم بالمضاف إليه المحذوف، فينبغي إذا كان المضاف إليه معلوما ~~مدلولا عليه أن يقع ذلك الظرف المضاف إلى ذلك المحذوف خبرا، وصفة، ~~وصلة، وحالا والآية الكريمة من هذا القبيل، أعني مما علم فيه المضاف ~~إليه كما مر تقريره ". # ثم هذا الرد الذي رد به أبو حيان سبقه إليه أبو البقاء، فقال: " ~~وهذا ضعيف؛ لأن " قبل " إذا وقعت خبرا أو صلة لا تقطع عن الإضافة لئلا ~~تبقى ناقصة ". # الثالث: أنها مصدرية أيضا، في محل رفع بالابتداء، والخبر هو قوله " في ~~يوسف " أي: وتفريطكم كائن، أو مستقر في يوسف، وإلى هذا ذهب الفارسي ~~كأنه استشعر أن الظرف المقطوع لا يقع خبرا؛ فعدل إلى هذا، وفيه نظر؛ ~~لأن السياق، والمعنى يجريان إلى تعلق: " في يوسف " ب " ~~فرطتم " ، فالقول بما قاله الفارسي يؤدي إلى تهيئة العامل ~~[للعمل]، وقطعه عنه. # الرابع: أنها مصدرية أيضا، ولكن محلها النصب على أنها منسوقة على ~~" أن أباكم قد أخذ " أي: ألم تعلموا أخذ أبيكم الميثاق، وتفريطكم ~~في يوسف. # قال الزمخشري: " كأنه قيل: ألم تعلموا أخذ أبيكم عليكم موثقا، وتفريطكم ~~من قبل في يوسف " وإلى هذا ذهب ابن عطية أيضا. # قال أبو حيان: " وهذا الذي ذهبا إليه ليس بجيد؛ لأن فيه الفصل ~~بالجار والمجرور بين حرف العطف الذي هو حرف واحد، وبين المعطوف؛ فصار ~~نظير: ضربت زيدا، وبسيف عمرا، وقد زعم الفارسي أنه لا يجوز ذلك ~~إلا في ضرورة الشعر ". # قال شهاب الدين: هذا الرد سبقه إليه أبو البقاء، ولم يرتضه ~~وقال: " وقيل: هو ضعيف؛ لأن فيه الفصل بين حرف العطف، والمعطوف، ~~وقد بينا في سورة النساء أن هذا ليس بشيء ". # قال شهاب الدين: " يعني أن منع الفصل بين حرف العطف، والمعطوف ليس ~~بشيء، وقد تقدم إيضاح هذا، وتقريره في سورة النساء، كما أشار إليه ~~أبو البقاء ms5064 ". # ثم قال أبو حيان: " وأما تقدير الزمخشري: وتفريطكم من قبل في ~~يوسف؛ فلا يجوز؛ لأن فيه تقديم معمول المصدر المنحل لحرف مصدري، والفعل ~~عليه، وهو لا يجوز ". # وقال شهاب الدين: " ليس في تقدير الزمخشري شيء من ذلك؛ لأنه ~~لما صرح بالمقدر أخر الجارين، والمجرورين عن لفظ المصدر المقدر كما ~~ترى، وكذا هو في سائر النسخ، وكذا ما نقله عنه الشيخ بخطه، فأين تقديم ~~المعمول على المصدر ولو رد عليه، وعلى ابن عطية بأنه يلزم من ذلك ~~تقديم معمول الصلة على الموصول لكان ردا واضحا، فإن: " من ~~قبل " متعلق ب " فرطتم " ، وقد تقدم الكلام على ما ~~المصدرية، وفيه خلاف مشهور ". # الخامس: أن تكون مصدرية أيضا، ومحلها النصب عطفا على اسم: " أن " ~~أي: ألم تعلموا أن أباكم، وأن تفريطكم من قبل في يوسف، وحينئذ يكون في ~~خبر " أن هذه المقدرة وجهان: # أحدهما: هو: " من قبل ". # والثاني: هو " في يوسف " واختاره أبو البقاء، وقد تقدم ما في كل ~~منهما، ويرد على هذا الوجه الخامس ما رد به على ما قبله من الفصل بين ~~حرف العطف، والمعطوف، وقد عرف ما فيه. # السادس: أن تكون موصولة اسمية، ومحلها الرفع، والنصب على ما تقدم ~~في المصدرية. # قال الزمخشري: بمعنى ومن قبل هذا ما فرطتموه، أي: قدمتموه في حق ~~يوسف من الجناية، ومحلها الرفع، أو النصب على الوجهين. # يعنى بالوجهين رفعها بالابتداء، وخبرها " من قبل " ، ونصبها على ~~مفعول " ألم تعلموا " ، فإنه لم يذكر في المصدرية غيرهما، وقد ~~تقدم ما اعترض به عليهما، وما قيل في جوابه. # فتحصل في " ما " ثلاثة أوجه: # الزيادة، وكونها مصدرية، أو بمعنى الذي، وأن في محلها وجهين: الرفع، أو ~~النصب. # قوله تعالى: { فلن أبرح الأرض } برح هنا تامة، ضمنت معنى ~~أفارق ف: " الأرض " معفول به، ولا يجوز أن تكون تامة من غير تضمين؛ ~~لأنها إذا كانت كذلك؛ كان معناها: ظهر أو ذهب، ومنه: برح الخفاء، أي: ~~ظهر، أو ذهب، ومعنى الظهور لا يليق، والذهاب لا يصل إلى الظرف ~~المخصوص إلا بواسطة " في ": تقول: ms5065 " ذهبت في الأرض " ولا يجوز ~~ذهبت الأرض، وقد جاء شيء لا يقاس عليه. # وقال أبو البقاء: " ويجوز أن يكون ظرفا ". # قال شهاب الدين: " يحتمل أن يكون سقط من النسخ لفظ " لا " ، ~~وكان: " ولا يجوز أن يكون ظرفا ". # واعلم أنه لا يجوز في " أبرح " هنا أن تكون ناقصة؛ لأنه لا ينتظم ~~من الضمير الذي فيها، وما " من الأرض " مبتدأ أو خبر، ألا ترى أنك لو ~~قلت: أنا الأرض لم يجز من غير " في " بخلاف " أنا في الأرض وزيد في ~~الأرض ". # قوله: { أو يحكم الله } في نصبه وجهان: # أظهرهما: عطفه على: " يأذن ". # والثاني: أنه منصوب بإضمار " أن " في جواب النفي، وهو قوله: { ~~فلن أبرح الأرض } أي: لن أبرح الأرض إلا أن يحكم، ~~كقولهم: لالزمنك أو تقضيني حقي، أي: إلا أن تقضيني. # قال أبو حيان: " ومعناه ومعنى الغاية متقاربان ". # قال شهاب الدين: " وليس المعنى على الثاني، بل سياق المعنى على ~~عطفه على " بأذن " فإنه غيا الأمر بغايتين: أحداهما خاصة، وهي إذن ~~أبيه والثانية عامة؛ لأن إذن أبيه له في الانصراف هو من حكم الله ~~عز وجل ". # فصل # اعلم أنهم لما أيسوا من تخليصه، وتناجوا فيما بينهم، قال كبيرهم: { ~~ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا ~~} أي: عهدا { من الله ومن قبل } هذا فرطتم في شأن يوسف، ~~ولم تحفظوا عهد أبيكم، { فلن أبرح الأرض } التي أنا بها، وهي ~~أرض مصر، فلن أفارق أرض مصر { حتى يأذن لي أبي } في ~~الانصراف إليه والخروج منها { أو يحكم الله لي } بالخروج منها ~~برد أخي إلي، أو خروجي، وترك أخي، أو بالانتصاف ممن أخذ أخي. # وقيل: أو يحكم الله لي بالسيف، وأقاتلهم واسترد أخي { وهو خير ~~الحاكمين }؛ لأنه لا يحكم إلا بالعدل، والحق، فحينئذ تفكروا في ~~الأصوب ما هو؟ فظهر لهم أن الأصوب هو الرجوع، وأن يذكروا لأبيهم ~~كيفية الواقعة، فقال الأخ المحتبس بمصر لإخوته: { ارجعوا إلى ~~أبيكم فقولوا يأبانا إن ابنك } بنيامين " سرق ". # قرأ العامة: " سرق " مبنيا للفاعل مخففا، وابن عباس، وأبو رزين، ~~والضحاك، والكسائي في ms5066 رواية " سرق " بضم السين، كسر الراء ~~مشددا مبنيا للمفعول يعني: نسب إلى السرقة، كما يقال: خونته، أي: ~~نسبته إلى الخيانة، قال الزجاج: " سرق " يحتمل معنيين: # أحدهما: علم منه السرقة، والآخر: اتهم بالسرقة. # قال الجوهري: " والسرق والسرقة بكسر الراء فيهما هو اسم ~~الشيء المسروق، والمصدر: سرق، يسرق،سرقا بالفتح ". # وقرأ الضحاك: " سارق " جعله اسم فاعل. # { وما شهدنآ إلا بما علمنا } فإنا رأينا أخراج صاع من ~~متاعه. وقيل: معناه { وما شهدنآ } أي: ما كانت منا شهادة في ~~عمرنا على الشيء إلا بما علمنا، وليست هذه الشهادة منا، إنما ~~هو خبر عن صنيع ابنك بزعمهم. # فإن قيل: كيف حكموا عليه بأنه سرق من غير بينة، لا سيما وقد أجابهم ~~بالنفي فقال: الذي جعل الصواع في رحلي، وهو الذي جعل البضاعة في ~~رحالكم؟ فالجواب من وجوه: # أحدها: أنهم شاهدوا أن الصواع كان موضوعا في [محل] لم يدخله غيرهم، ~~فلما شاهدوا إخراج الصواع من رحله؛ غلب على ظنهم أنه هو الذي أخذ ~~الصواع. # وأما قوله: " وضع الصواع في رحلي الذي وضع البضاعة في رحالكم " ~~فالفرق ظاهر؛ لأنهم لما رجعوا بالبضاعة إليهم اعترفوا بأنهم هم الذين ~~وضعوها في رحالهم، وأما الصواع، فلم يعترف أحد بأنه هو الذي وضع ~~الصواع؛ فلهذا غلب على ظنونهم أنه سرق؛ فشهدوا بناء على غلبة ~~الظن، ثم بينوا أنهم غير قاطعين بهذا الأمر بقولهم: { وما ~~شهدنآ إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين }. # وثانيها: تقدير الكلام: { إن ابنك سرق } في قول الملك، ~~وأصحابه، ومثله كثير في القرآن، قال تعالى: # ذق إنك أنت العزيز الكريم # [الدخان:49] أي: عند نفسك وأما عندنا فلا فكذا هاهنا. # وثالثها: أن ابنك ظهر عليه ما يشبه السرقة، ومثل هذا المعنى قد ~~يسمى سرقة، فإن إطلاق أحد الشيئين على الشبيه الآخر جائز، ومثله في ~~القرآن # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى:40]. # ورابعها: أنهم ما كانوا أنبياء في ذلك الوقت، فلا يبعد أن يقال: إنهم ~~ذكروا هذا الكلام على سبيل المجازفة، لا سيما، وقد شاهد سائرهم ذلك. # وخامسها: قراءة ابن عباس رضي ms5067 الله عنه المتقدمة " سرق " أي: ~~نسب إلى السرقة، فهذه لا تحتاج إلى تأويل، إلا أنه تقدم أن ~~أمثال هذه القراءة لا تدفع السؤال؛ لأن الإشكال إنما يندفع إذا ~~كانت القراءة الأولى باطلة، وهذه القراءة حق أما إذا كانت الأولى حق، ~~كان الإشكال باقيا صحت القراءة، أو لم تصح، فلا بد من الرجوع إلى ~~أحد الوجوه المذكورة. # فصل # دل قولهم: { وما شهدنآ إلا بما علمنا } على أن ~~الشهادة غير العلم؛ لأن هذا الكلام يقتضي كون الشهادة مغايرة للعلم، ~~ولقوله عليه الصلاة والسلام : " إذا علمت مثل الشمس فاشهد ~~"... وليست الشهادة عبارة عن قوله " اشهد "؛ لأنه إخبار عن ~~الشهادة، والإخبار عن الشهادة غير الشهادة. # وإذا ثبت هذا؛ فنقول: الشهادة عبارة عن الحكم الذهني وهو الذي ~~يسميه المتكلمون ب " الكلام " النفسي ". # فصل # قال القرطبي: تضمنت هذه الآية جواز الإشهاد بأي [وجه] حصل العلم بها ~~فإن الشهادة مرتبطة بالعلم عقلا وشرعا، فلا تسمع إلا ممن ~~علم، ولا تقبل إلا منهم، وهذا هو الأصل في الشهادات. # ولهذا قال أصحابنا: شهادة الأعمى جائزة، وشهادة المستمع جائزة، وشهادة ~~الأخرس إذا فهمت إشارته جائزة، وكذلك الشهادة على الخط أي: إذا ~~تبين أنه خطه، أو خط فلان صحيحة، فكل من حصل له العلم بشيء؛ ~~جاز أن يشهد به، وإن لم يشهده المشهود عليه. قال الله تعالى: # إلا من شهد بالحق وهم يعلمون # [الزخرف:86] وقال عليه الصلاة والسلام : # " ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادة قبل أن ~~يسألها ". # قوله تعالى: { وما كنا للغيب حافظين } قال مجاهد وقتادة: ~~وما كنا نعلم أن ابنك يسرق، ويصير أمرنا إلى هذا، ولو علمنا بلك ما ~~ذهبنا به معنا، وإنما قلنا: ونحفظ أخانا مما لنا إلى حفظه من سبيل. # وقال عكرمة: لعل الصواع دفن في الليل، فإن الغيب هو اسم لليل ~~على بعض اللغات. # وقيل: رأيناهم أخرجوا الصواع من رحله، أما حقيقة الحال، فغير معلومة ~~لنا، فإن الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما ما كنا لليله، ونهاره، ومجيئه، ~~وذهابه حافظين. ms5068 # وقيل: إن يعقوب عليه الصلاة والسلام قال لهم: فهب أنه سرق، ولكن ~~كيف علم الملك أن شرع بني إسرائيل أنه من سرق يسترق بل أنتم ~~ذكرتموه له لغرض لكم، فقالوا عند ذلك: إنا ذكرنا له هذا الحكم قبل أن ~~نعلم أن هذه الواقعة نقع فيها، فقوله: { وما كنا للغيب ~~حافظين } أي: ما كنا نعلم أن الواقعة تصيبنا. # فإن قيل: فهل يجوز من يعقوب أن يخفي حكم الله؟. # فالجواب: لعل ذلك الحكم كان مخصوصا بما إذا كان المسروق منه مسلما، ~~فلهذا أنكر ذلك الحكم عند الملك الذي ظنه كافرا. # قوله تعالى: { واسأل القرية } يحتمل ثلاثة أوجه: # أشهرها: أنه على حذف مضاف، أي: واسأل أهل القرية، وأهل العير، وهو ~~مجاز شائع، قاله ابن عطية وغيره. # وقال أبو علي الفارسي: ودافع جواز هذا في اللغة كدافع الضرورات، ~~وجاحد المحسوسات، وهذا على خلاف في المسألة، هل الإضمار من باب ~~المجاز، أو غيره؟ المشهور أنه قسم منه، وعليه أكثر الناس. # قال أبو المعالي: قال بعض المتكلمين: " هذا من الحذف، وليس من المجاز ~~إنما المجاز لفظة استعيرت لغير ما هي له، قال: وحذف المضاف هو عين ~~المجاز وعظمه، هذا مذهب سيبويه وغيره، وحكي أنه قول الجمهور ". # وقال ابن الخطيب: إن الإضمار، والمجاز [قسمان لا قسيمان]، فهما ~~متباينان. # الثاني: أنه مجاز، ولكنه من باب إطلاق اسم المحل على الحال للمجاورة ~~كالراوية. # الثالث: أنه حقيقة لا مجاز فيه، ولذلك قال أبو بكر الأنباري: # المعنى: واسأل القرية والعير؛ فإنها تجيبك، وتذكر لك صحة ما ~~ذكرنا؛ لأنك من أكابر الأنبياء، فيجوز أن ينطق الله لك الجماد، والبهائم. # وقيل: إن الشيء إذا ظهر ظهورا تاما كاملا فقد يقال فيه: سل ~~السماء والأرض وجميع الأشياء عنه، والمراد أنه بلغ في الظهور إلى ~~الغاية حتى لم يبق للشك فيه مجال، والمراد من القرية: مصر، وقيل: ~~قرية على باب مصر قال ابن عباس رضي الله عنه: هي قرية من قرى مصر، كانوا ~~ارتحلوا منها. # وأما قوله: { والعير التي أقبلنا فيها } أي القافلة ~~التي كنا ms5069 فيها. # قال المفسرون: كان صحبهم قوم من الكنعانيين من جيران يعقوب. # قال ابن إسحاق: عرف الأخ المحتبس بمصر أن إخوته أهل تهمة عند أبيهم ~~لما كانوا صنعوا في أمر يوسف عليه السلام، فأمرهم أن يقولوا هذا لأبيهم. # ثم إنهم لما بالغوا في التأكيد، والتقرير قالوا: { وإنا ~~لصادقون } يعنى سواء نسبتنا إلى التهمة، أم لم تنسب؛ فنحن صادقون، ~~وليس غرضهم أن يثبتوا صدق أنفسهم؛ لأن هذا يجري مجرى إثبات الشيء ~~بنفسه، بل الإنسان، إذا قدم ذكر الدليل القاطع على صحة الشيء، فقد ~~يقول بعده: وأنا صادق في ذلك، يعني فتأمل فيما ذكرته من الدلائل، ~~والبينات. # فصل # قال القرطبي: " دلت هذه الآية على أن كل من كان على حق، وعلم أنه ~~قد يظن به أنه على [خلاف] ما هو عليه، أو يتوهم أن يرفع التهمة، ~~وكل ريبة عن نفسه ويصرح بالحق الذي هو عليه، حتى لا يبقى متكلم، ~~وقد فعل هذا نبينا عليه الصلاة والسلام بقوله للرجلين اللذين ~~مرا، وهو قد خرج مع صفية بن حيي من المسجد: " على رسلكما، إنما هي ~~صفية بن حيي "؛ فقالا: سبحان الله! وكبر عليهما، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني ~~خشيت أن يقذف في قلوبكما شرا، أو قال: شيئا " # متفق عليه. # فإن قيل: كيف استجاز يوسف أن يعمل هذا بأبيه، ولم يخبره بمكانه، ويحبس ~~أخاه مع علمه بشدة وجد أبيه عليه، ففيه معنى العقوق، وقطيعة الرحم، ~~وقلة الشفقة؟. # فالجواب: أنه فعل ذلك بأمر الله عز وجل أمره به ليزيد في ~~بلاء يعقوب، فيضاعف له الأجر، ويلحقه في الدرجة بآبائه الماضين. # وقيل: إنه لم يظهر نفسه لإخوته؛ لأنه لم يأمن أن يدبروا في أمره ~~تدبيرا، فيكتموه عن أبيه، والأول أصح. ### || [12.83-87] # قوله: { قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا } هذا الإضراب ~~لا بد له من كلام قبله متقدم عليه يضرب هذا عنه، والتقدير: فرجعوا إلى ~~أبيهم، وذكروا له ما قال كبيرهم، فقال يعقوب: ليس الأمر كما ذكرتم حقيقة، ms5070 ~~{ بل سولت }: زينت { لكم أنفسكم أمرا } أي حمل أخيكم إلى ~~مصر، وليس المراد منه الكذب كواقعة يوسف. # وقيل: { سولت لكم أنفسكم } أنه سرق، ما سرق. # { فصبر جميل } وتقدم الكلام على نظيره، وقال هناك: { والله المستعان ~~على ما تصفون } وقال ههنا { عسى الله أن يأتيني بهم جميعا }. # قال بعضهم: يعنى يوسف، وبنيامين، وأخاهم المقيم بمصر. # وإنما حكم بهذا الحكم؛ لأنه لما طال حزنه وبلاؤه علم أن الله ~~سيجعل له فرجا ومخرجا عن قريب، فقال ذلك على سبيل حسن الظن برحمة ~~الله تعالى. # وقيل: لعله كان قد أخبر من بعد محنته بيوسف أنه حي، أو ظهرت له علامات ~~على ذلك. # ثم قال: { إنه هو العليم الحكيم } العليم بحقائق ~~الأمر، الحكيم فيها على الوجه المطابق للفضل، والإحسان. # وقيل: العليم بحزني، ووجدي على فقدهم، الحكيم في تدبير خلقه. # قوله تعالى: { وتولى عنهم وقال يأسفا على يوسف ~~وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم } الآية. # لما سمع يعقوب كلام بنيه، ضاق قلبه، وهاج حزنه على يوسف، فأعرض عنهم: { ~~وقال يا أسفى على يوسف } يا حزنا على يوسف. # والأسف: أشد الحزن، وإنما عظم حزنه على مفارقة يوسف عند هذه ~~الواقعة لوجوه: # الأول: أن الحزن القديم الكامل إذا وقع عليه حزن آخر كان أوجع، قال ~~متمم بن نويرة: [الطويل] # 3133 فقال أتبكي كل قبر رأيته # لميت ثوى بين اللوى والدكادك # فقلت له: إن الأسى يبعث الأسى # فدعني فهذا كله قبر مالك # وذلك؛ لأنه كلما رأى قبرا تجد عليه حزنه على أخيه مالك، فلاموه؛ ~~فأجاب: إن الأسى يبعث الأسى. # الثاني: أن ينيامين، ويوسف كانا من أم واحدة، وكانت المشابهة بينهما ~~في الصفة متقاربة، فكان يعقوب عليه الصلاة والسلام يتسلى برؤيته ~~عن رؤية يوسف عليه السلام، فلما وقع ما وقع، زال ما يوجب السلوة، فعظم ~~الألم. # الثالث: أن المصيبة بيوسف كانت أصل مصائبه التي عليها ترتب سائر ~~المصائب، فكان الأسف عليه أسفا على الكل. # الرابع: أن هذه المصائب كانت أسبابها جارية مجرى الأمور المعلومة، ~~فلم يبحث عنها وأما واقعة يوسف ms5071 صلوات الله وسلامه عليه فهو عليه السلام ~~كان يعلم كذبهم في السبب الذي ذكروه، وأما السبب الحقيقي، فلم ~~يعلمه. # وأيضا: أنه عليه الصلاة والسلام كان يعلم حياة هؤلاء، وأما يوسف ~~فما كان يعلم أنه حي، أو ميت، فلهذه الأسباب عظم حزنه على مفارقته. # قوله: { يأسفا } الألف منقلبة عن ياء المتكلم، وإنما قلبت ألفا؛ ~~لأن الصوت معها أتم، ونداؤه على سبيل المجاز، كأنه قال: هذا ~~أوانك فاحضر، نحو: " يا حسرتا ". # وقيل هذه ألف الندبة، وحذفت هاء السكت وصلا. # قال الزمخشري: والتجانس بين لفظتي الأسف، ويوسف مما يقع مطبوعا ~~غير متعمل فيملح، ويبدع، ونحوه: # اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم # [التوبة:38] # ينهون عنه وينأون عنه # [الأنعام:26] # يحسبون أنهم يحسنون # [الكهف:10] # من سبإ بنبإ # [النمل:22]. # قال شهاب الدين: ويسمى هذا النوع تجنيس التصريف، وهو أن تشترك ~~الكلمتان في لفظ، ويفرق بينهما بحرف ليس في الأخرى، وقد تقدم ~~[الأنعام:26]. # وقرأ ابن عباس، ومجاهد " من الحزن " بفتحتين، وقتادة بضمتين ~~والعامة بضمة فسكون. # فالحزن، والحزن، كالعدم، والعدم، والبخل والبخل، وأما ~~الضمتان فالثانية إتباع. وقال الواحدي: اختلفوا في الحزن، الحزن، ~~فقال قوم: الحزن: البكاء والحزن ضد الفرح، وقال قوم: هما لغتان، ~~يقال: أصابه حزن شديد وحزن شديد، إذا كان في مواضع النصب، ~~فتحوا الحاء، والزاي كقوله: # تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا # [التوبة:92]، وإذا كان في موضع الرفع، والخفض فبضم الحاء، كقوله: { ~~من الحزن } وقوله: { إنمآ أشكو بثي وحزني إلى ~~الله } قال: هما في موضع رفع بالابتداء. # و " كظيم " يجوز أن يكون مبالغة بمعنى فاعل، وأن يكون بمعنى مفعول، ~~كقوله: # وهو مكظوم # [القلم:48] وبه فسره الزمخشري، فإن كان بمعنى الكاظم فهو الممسك ~~على حزنه فلا يظهره، وإن كان بمعنى المكظوم، فقال ابن قتيبة: " معناه ~~المملوء من الهم، والحزن مع سد طريق نفسه المصدور، من كظم السقاء، ~~إذا اشتد على ملئه، ويجوز أن يكون بمعنى مملوء من الغيظ على أولاده ~~". # فصل # تقدم الكلام على الأسف، وأما قوله: { وابيضت عيناه من ~~الحزن } فقيل: إنه لما قال: { يأسفا على يوسف } غلبه ~~البكاء، ms5072 وعند غلبة البكاء يكثر الماء في العين، فتصير العين ~~كأنها ابيضت من بياض ذلك الماء، فقوله: { وابيضت عيناه } ~~كناية عن غلبة البكاء. رواه الواحدي عن ابن عباس. وقال مقاتل: كناية ~~عن العمى، فلم يبصر بهما شيئا حتى كشفه الله تعالى بقميص يوسف ~~عليه الصلاة والسلام بقوله: # فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا # [يوسف:93]، وقال: # فلمآ أن جآء البشير ألقاه على وجهه فارتد ~~بصيرا # [يوسف:96]: ولأن الحزن الدائم، يوجب البكاء الدائم وهو يوجب العمى؛ ~~لأنه يوجب كدورة على سواد العين. # وقيل: ما عمي، ولكنه صار بحيث يدرك إدراكا ضعيفا؛ كما قال: ~~[الطويل] # 3134 خليلي إني قد غشيت من البكا # فهل عند غيري مقلة استعيرها # قيل: ما صحت عينا يعقوب من وقت فراق يوسف إلى حين لقائه، وتلك المدة ~~ثمانون سنةن وما كان على وجه الأرض أكرم على الله من يعقوب عليه الصلاة ~~والسلام . # قوله: " تفتؤ " هذا جواب القسم في قوله: " تالله " وهو على حذف لا ~~أي: لا تفتؤ كقول الشاعر: [البسيط] # 3135 تالله على الأيام ذو حيد # بمشمخر به الظيان والآس # أي: لا تبقى، ويدل على حذفها: أنه لو كان مثبتا؛ لاقترن بلام ~~الابتداء ونون التوكيد معا عند البصريين، أو إحداهما عن الكوفيين، ~~وتقول: والله أحبك: تريد لأحبك، وهو من التورية، فإن كثيرا من ~~الناس يتبادر ذهنه إلى إثبات المحبة، و " تفتأ " هنا ناقصة بمعنى ~~لا تزال. # قال ابن السكيت: " ما زلت أفعله، ما فتئت أفعله، ما برحت ~~أفعله، ولا يتكلم بهن إلا في الجحد ". # قال ابن قتيبة: " يقال: ما فترت وما فتئت، لغتان، ومعناه: ما نسيته، ~~وما انقطعت عنه " ، وإذا كانت ناقصة؛ فهي ترفع الاسم، وهو الضمير، وتنصب ~~الخبر، وهو الجملة من قوله: " تذكر " أي: لا تزال ذاكرا له، يقال: ~~ما فتىء زيد ذاهبا؛ قال أوس بن حجر: [الطويل] # 3136 فما فتئت حتى كأن غبارها # سرادق يوم ذي رياح ترفع # وقال أيضا: [الطويل] # 3137 فما فتئت خيل تثوب وتدعي # ويلحق منها لاحق وتقطع # وعن مجاهد: لا تفتر؛ قال الزمخشري: كأنه ms5073 جعل الفتوء، والفتور ~~أخوين، كما تقدم عن ابن قتيبة، وفيهما لغتان: " فتأ " على وزن " ~~ضرب " ، و " أفتأ " على وزن " أكرم " ، وتكون تامة بمعنى: " ~~سكن وأطفأ " كذا قاله ابن مالك. # وزعم أبو حيان: أنه تصحيف منه، وإنما هي فثأ بالثاء المثلثة، ~~ورسمت هذه اللفظة " تفتؤ " بالواو، والقياس " تفتأ " بالألف، ~~وكذلك يوقف لحمزة بالوجهين اعتبارا بالخط، والقياس. # قوله: " حرضا ": الحرض: الإشفاء على الموت، يقال منه: حرض ~~الرجل يحرض حرضا بفتح الراء، فهو حرض بكسرها، فالحرض مصدر من هذه ~~المادة فيجيء في الآية الأوجه التي في " رجل عدل " كما تقدم. # ويطلق المصدر من هذه المادة على: " الجثث " إطلاقا شائعا؛ ولذلك ~~يستوي فيه المفرد، والمثنى، والمجموع، والمذكر، والمؤنث، تقول: هو حرض، ~~وهما حرض وهم حرض، وهي حرض، وهن حرض؛ ويقال: رجل حرض ~~بضمتين، نحو: جنب،وشلل. ويقال: أحرضه كذا، أي أهلكه؛ قال: ~~[البسيط] # 3138 إني أمرؤ لج بي حب فأحرضني # حتى بليت وحتى شفني السقم # فهو محرض.. قال الشاعر: [الطويل] # 3139 أرى المرء كالأذواد يصبح محرضا # كإحراض بكر في الديار مريض # وقرأ بعضهم " حرضا " بكسر الراء. # وقال الزمخشري: " وجاءت القراءة بهما جميعا " يعنى بفتح الراء، ~~وكسرها. # وقرأ الحسن: " حرضا " بضمتين، وقد تقدم أنه ك: " جنب، وشلل ~~" ، وزاد الزمخشري: " وغرب ". # وقال الراغب: الحرض: ما لا يعتد به، ولا خير فيه، ولذلك يقال ~~لمن أشرف على الهلاك: حرض، قال تعالى: { حتى تكون حرضا } ~~[يوسف:85]، وقد أحرصه كذا قال الشاعر: [البسيط] # 3140 إني امرؤ لج بي هم فأحرضني # والحرضة: من لا يأكل إلا لحم الميسر لنذالته، والتحريض: ~~الحث على الشيء بكثرة التزيين، وتسهيل الخطب فيه، كأنه إزالة ~~الحرض نحو: قذيته، أي: أزلت عنه القذى، وأحرضته: أفسدته، نحو: ~~أقذيته: إذا جعلت فيه القذى " انتهى ". # والحرض: الأشنان، لإزالته الفساد، والمحرضة: وعاؤه، وشذوذها ~~كشذوذ: منخل، ومسعط، ومكحلة. # وحكى الواحدي عن أهل المعاني: أن أصل الحرض: فساد الجسم، والعقل ~~للحزن، والحب، وقولهم: حرضت فلانا على فلان، تأويله: أفسدته ~~وأحميته عليه، قال الله تعالى: # حرض المؤمنين على القتال # [الأنفال:65]. # وإذا عرفت هذا فوصف ms5074 الرجل بأنه حرض إما أن يكون المراد منه: ذو حرض ~~فحذف المضاف، أو المراد منه: أنه لما تناهى في الفساد، والضعف؛ ~~فكأنه صار عين الحرض، ونفس الفساد، وأما الحرض بكسر الراء ~~فهو الصفة كما قرىء بها وللمفسرين فيه عبارات: # أحدها: الحرض، والحارض، وهو الفساد في جسمه، وعقله. # وثانيها: قال نافع بن الأزرق: سئل ابن عباس رضي الله عنهما ~~فقال: الفاسد الرأي. # وثالثها: أنه هو الذي يكون لا كالأحياء، ولا كالأموات. # وذكر أبو روق أن أنس بن مالك قرأ: { حتى تكون حرضا } بضم ~~الحاء وسكون الراء. # ثم قال تعالى: { أو تكون من الهالكين } من الأموات، ~~والمعنى: لا تزال تذكر يوسف بالحزن، والبكاء عليه حتى تصير بحيث لا تنتفع ~~بنفسك، أو تموت من الغم، وأرادوا بذلك منعه من كثرة البكاء، والأسف. # فإن قيل: لم حلفوا على ذلك مع أنهم لم يعلموا ذلك قطعا؟. # فاالجواب: أنهم بنوا الأمر على الظاهر. # قال المفسرون: القائل هذا الكلام، وهو قوله: { تالله تفتؤ تذكر يوسف } ~~هم إخوة يوسف، وقال بعضهم: ليسوا الإخوة، بل الجماعة الذين كانوا في ~~الدار من أولاده وخدمه، فقال يعقوب عليه الصلاة والسلام : { إنما ~~أشكو بثي وحزني إلى الله } والبث: أشد الحزن، كأنه لقوته لا يطاق ~~حمله، فيبثه الإنسان، أي: يفرقه، ويذيعه وقد تقدم [آل عمران:186] ~~أن أصل هذه المادة الدلالة على الانتشار، وجوز فيه الراغب هنا ~~وجهين: # أحدهما: أنه مصدر في معنى المفعول، قال: " أي: غمي الذي يبثه عن ~~كتمان، فهو مصدر في تقدير مفعول، أو يعني غمي الذي بث فكري، فيكون ~~في معنى الفاعل ". # وقرأ الحسن وعيسى " وحزني " بفتحتين، و قتادة بضمتين، وقد تقدم. # فصل # المعنى: أن يعقوب عليه السلام لما رأى غلظتهم، قال: إنما أشكو ~~شدة حزني إلى الله، وسمى شدة الحزن بثا؛ لأن صاحبه لا يصبر ~~عليه حتى يبثه، أي: [يظهره]. # وقال الحسن: بثي، أي: حاجتي، والمعنى: أن هذا الذي أذكره لا أذكره ~~معكم، وإنما أذكره في حضرة الله تعالى والإنسان إذا ذكر شكواه إلى ~~الله تعالى كان في زمرة ms5075 المحققين. # وروي أنه قيل له: يا يعقوب: ما الذي أذهب بصرك، وقوس ظهرك؟ قال: ~~أذهب بصري بكائي على يوسف، وقوس ظهري حزني على أخيه؛ فأوحى الله إليه: ~~أتشكوني وعزتي لا أكشف ما بك حتى تدعوني، فعند ذلك قال: { إنمآ ~~أشكو بثي وحزني إلى الله } ثم قال: { وأعلم من ~~الله ما لا تعلمون } أي: أعلم من رحمته وإحسانه ما لا تعلمون، ~~وهو أنه تعالى يأتيني بالفرج من حيث لا أحتسبه، وهو إشارة إلى أنه ~~كان يتوقع رجوع يوسف إليه، وذكروا لسبب هذا التوقع وجوها: # أحدها: أن مالك الموت أتاه فقال له: يا مالك الموت! هل قبضت روح ~~ابني يوسف قال: لا يا نبي الله، ثم أشار إلى جانب مصر، وقال: اطلبه ~~هاهنا. # وثانيها: أنه علم من رؤيا يوسف عليه السلام أنها صادقة، وأنا وأنتم ~~سنسجد له. # وثالثها: لعله تعالى أوحى إليه أنه سيوصله إليه، ولكنه ~~تعالى ما عين الوقت؛ فلهذا بقي في القلب. # ورابعها: قال السدي: لما أخبره بنوه بسيرة الملك، وحاله في أقواله، ~~وأفعاله؛ طمع أن يكون هو يوسف، وقال: لا يبعد أن يملك الكفار مثل ~~هذا. # وخامسها: علم قطعا أن بنيامين لا يسرق، وسمع أن الملك ما آذاه، ولا ~~ضربه؛ فغلب على [ظنه] أن ذلك الملك هو يوسف عليه السلام، فعند ذلك قال: ~~{ يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه } أي: استقصوا خبره بحواسكم، ~~والتحسس: طلب الشيء بالحاسة. # قال ابن الأنباري " يقال: تحسست عن فلان، ولا يقال: من فلان، ~~وقيل: ههنا من يوسف؛ لأنه أقيم: " من " مقام: " عن " قال: ولا يجوز ~~أن يقال: " من " للتبعيض، والمعنى: تحسسوا خبرا من أخبار يوسف، ~~واستعملوا بعض أخبار يوسف فذكرت كلمة " من " لما فيها من الدلالة على ~~التبعيض ". # والتحسس: يكون في الخير والشر، وقيل: بالحاء في الخير، وبالجيم في ~~الشر، ولذلك قال هاهنا: " فتحسسوا " ، وفي الحجرات: # ولا تجسسوا # [الحجرات:12]. # وليس كذلك فإنه قد قرىء بالجيم هنا. # ثم قال: { ولا تيأسوا من روح الله } وتقدم الخلاف في ~~قوله: { ولا تيأسوا }. # وقرأ الأعرج: " ولا تيسوا ms5076 " وقرأ العامة: " روح الله " بالفتح، ~~وهو رحمته وتنفيسه. # قال الأصمعي رحمه الله " الروح ما يجده الإنسان من نسيم الهوى، ~~فيسكن إليه، وتركيب الراء، والواو، والحاء يفيد الحركة، وهو الاهتزاز، ~~فكل ما يهتز له الإنسان، ويلتذ بوجوده فهو روح ". # قال ابن عباس رضي الله عنهما : { لا تيأسو من روح الله } أي من رحمته ~~وعن قتادة من فضل الله، وقيل: من فرج الله. # وقرأ الحسن، وعمر بن عبد العزيز، وقتادة رضي الله عنهم بضم الراء. # قال الزمخشري: " لا تيأسوا، أي: من رحمته التي يحيى بها العباد ". # وقال ابن عطية: وكأن معنى هذه القراءة لا تيأسوا من حي معه روح الله ~~الذي وهبه فإن من بقي روحه يرجى؛ ومن هذا قول الشاعر: [الطويل] # 3141..................... # وفي غير من قد وارت الأرض فاطمع # ومن هذا قول عبيد بن الأبرص: [مخلع البسيط] # 3142 وكل ذي غيبة يئوب # وغائب الموت لا يئوب # وقرأ أبي: من رحمة الله، و " عند الله ": " من فضل الله " ~~تفسير لا تلاوة. # وقال أبو البقاء: " والجمهور على فتح الراء، وهو مصدر في معنى ~~الرحمة إلا أن استعمال الفعل منه قليل، وإنما يستعمل بالزيادة، ~~مثل أراح، وروح، ويقرأ بضم الراء، وهي لغة فيه، وقيل: هو اسم ~~للمصدر، مثل الشرب والشرب ". # ثم قال: { إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم ~~الكافرون } قال ابن عباس: إن المؤمن من من الله على خير يرجوه في ~~البلاء، ويحمده في الرخاء. واعلم أن اليأس من رحمة الله لا يحصل ~~إلا إذا اعتقد الإنسان أن إله العالم غير قادر على الكمال، أو غير ~~عالم بجميع المعلومات، أو ليس بكريم، بل هو بخيل، وكل واحد من هذه ~~الثلاثة يوجب الكفر، والمعنى: أن اليأس لا يحصل إلا لمن كان كافرا، ~~والله أعلم. # فصل # روي عن عبدالله بن يزيد بن أبي فروة: أن يعقوب كتب كتابا إلى يوسف ~~عليه الصلاة والسلام حين حبس بنيامين: # " من يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله ~~صلوات الله وسلامه عليه إلى ملك مصر، ms5077 أما بعد: # فإنا أهل بيت، وكل بنا البلاء، أما جدي إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام فشدت يداه، ورجلاه، وألقي في النار؛ فجعلها الله عليه ~~بردا وسلاما، وأما أبي فشدت يداه ورجلاه، ووضع السكين على قفاه؛ ~~ففداه الله، وأما أنا فكان لي ابن، وكان أحب أولادي إلي، فذهب به ~~إخوته إلى البرية، ثم أتوني بقميصه ملطخا بالدم، فقال: أكله ~~الذئب؛ فذهبت عيناي، ثم كان لي ابن، وكان أخاه من أمه، وكنت أتسلى ~~به، وإنك حبسته، وزعمت أنه سرق، وإنا أهل بيت لا نسرق، ولا ~~نلد سارقا، فإن رددته علي، وإلا دعوت عليك دعوة ~~تدرك السابع من ولدك ". # فلما قرأ يوسف لم يتمالك البكاء، [وعيل] صبره، وأظهر نفسه على ما يأتي ~~إن شاء الله تعالى. # قال ابن الخطيب: في الآية سؤالات: # الأول: أن بلوغ يعقوب في محبة يوسف إلى هذا الحد العظيم لا يليق ~~إلا لمن كان غافلا عن الله تعالى ؛ لأن من عرف الله؛ أحبه، من ~~أحب الله لم يتفرغ قلبه بحب شيء سوى الله تعالى وأيضا: القلب ~~الواحد لا يسع الحب المستغرب لشيئين، فلما كان قلبه مستغرقا في حب ~~ولده؛ امتنع أن يقال: إنه كان مستغرقا في حب الله تعالى ؟. # السؤال الثاني: أنه عند استيلا ء الحزن الشديد عليه؛ كان من ~~الواجب عليه أن يشتغل بذكر الله تعالى والتفويض، والتسليم لقضائه. # وأما قوله: { يا أسفى على يوسف } ، فذلك لا يليق بأهل الدين والعلم ~~فضلا عن أكابر الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين؟. # السؤال الثالث: لا شك أن يعقوب عليه الصلاة والسلام كان من أكابر ~~الأنبياء وكان أبوه، وجده، وعمه كلهم من أكابر الأنبياء المشهورين في ~~جميع الأنبياء ومن كان كذلك، ثم وقعت له واقعة هائلة في أعز أولاده، ~~لم تبق تلك الواقعة خفية، بل لا بد، وأن تبلغ في الشهرة إلى حيث ~~يعرفها كل أحد، لا سيما، وقد انقضت المدة الطويلة فيها، وبقي يعقوب ~~على حزنه الشديد، وأسفه العظيم، وكان يوسف في مصر، وكان يعقوب في بعض ~~[بوادي] الشام قريبا من ms5078 مصر، فمع قرب المسافة يمتنع بقاء هذه الواقعة ~~خفية. # السؤال الرابع: لم لم يبعث يوسف إلى يعقوب ويعلمه أنه من الحياة ~~صلاة الله عليهما وفي السلامة ولا يقال: إنه كان يخاف إخوته؛ لأنه ~~بعد أن صار ملكا قاهرا يمكنه إرسال الرسول إليه، وإخوته ما كانوا ~~يقدرون على دفع رسوله؟. # السؤال الخامس: كيف جاز ليوسف عليه الصلاة والسلام أن يضع الصواع ~~في وعاء أخيه، ثم يستخرجه ويلصق به تهمة السرقة مع أنه كان بريئا ~~عنها. # السؤال السادس: كيف رغب في إلصاق هذه التهمة له، وحبسه عند نفسه مع ~~أنه كان يعلم أنه يزداد حزن أبيه ويقوى؟. # والجواب عن الأول: أن مع مثل هذه المحبة الشديدة يكون كثير الرجوع ~~إلى الله تعالى كثير الاشتغال بالدعاء، والتضرع، وذلك يكون سببا ~~لكمال الاستغراق وعن الثاني: أن الداعية الإنسانية لا تزول في الحياة ~~العاجلة، فتارة كان يقول { يا أسفى على يوسف } وتارة كان يقول: { فصبر ~~جميل والله المستعان على ما تصفون } وأما بقية الأسئلة، فالقاضي أجاب ~~عنها فقال: هذه الوقائع التي نقلت إلينا إما أن يمكن تخريجها على ~~الأحوال المعتادة أو لا يمكن، فإن كان الأول، فلا إشكال وإن كان ~~الثاني فنقول: كان الزمان زمان الأنبياء، وخرق العادة في ذلك الزمان ~~غير مستبعد، فلم يمتنع أن يقال: إن بلدة يعقوب مع أنها كانت قريبة من ~~بلدة يوسف عليه والسلام ولكن لم يصل خبر أحدهما إلى الآخر على سبيل ~~يقتضي العلم. ### || [12.88-93] # قوله تعالى: { فلما دخلوا عليه قالوا يأيها ~~العزيز } الآية اتفق المفسرون على أن هنا محذوفا، وتقديره: ~~فخرجوا راجعين إلى مصر، ودخلوا على يوسف، فقالوا: يا أيها العزيز. # فإن قيل: إذا كان يقعوب أمرهم أن يتحسسوا من يوسف وأخيه، فلم عادوا إلى ~~الشكوى؟. # فالجواب: أن المتحسس يصل إلى مطلوبه بجميع الطرق، والاعتراف ~~بالعجز، وضموا رقة الحال، وقلة المال، وشدة الحاجة، وذلك مما ~~يرقق القلب، فقالوا: نجربه في هذه الأمور، فإن رق قلبه لنا ~~ذكرنا له المقصود، وإلا سكتنا، فلهذا قدموا ذكر ذلك فقالوا: " يا ~~أيها ms5079 العزيز " والعزيز: الملك القادر الممتنع: " مسنا وأهلنا ~~الضر " وهو الفقر، والحاجة، وكثرة العيال وقلة الطعام، وعنوا ~~بأهلهم من خلفهم. # قوله: " مزجاة " أي مدفوعة يدفعها كل أحد عنه لزهادته فيها، ومنه: # ألم تر أن الله يزجي سحابا # [النور:43] أي: يسوقها بالريح؛ وقال حاتم [الطويل] # 3143 ليبك على ملحان ضيف مدفع # وأرملة تزجي مع الليل أرملا # ويقال: أزجيت رديء الدرهم فزجي، ومنه استعير زجا الجراح ~~تزجوا زجا وجراح زاج. وقول الشاعر: [البسيط] # 3144 وحاجة غير مزجاة من الحاج # أي: غير يسيرة يمكن دفعها، وصرفها لقلة الاعتداد بها، فألف " ~~مزجاة " منقلبة عن واو. # فصل # وإنما وصفوا تلك البضاعة بأنها مزجاة إما لنقصانها، أو لدناءتها أو ~~لهما جميعا، قال بعضهم: المزجاة القليلة. وقيل: كانت رديئة. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما كانت دراهم رديئة لا تقبل في ثمن ~~الطعام وقيل: أمتعة رديئة. وقيل: متاع الأعراب الصوف والسمن. ~~وقيل: الحبة الخضراء، وقيل: الأقط، وقيل: النعال والأدم، وقيل: سويق ~~المقل. # وقيل: إن الدراهم كانت منقوشة عليها صورة يوسف، والدراهم التي ~~جاؤا بها، ما كان فيها صورة يوسف. # وإنما سميت البضاعة القليلة الرديئة مزجاة، قال الزجاج: من قولهم: ~~فلان يزجي العيش، أي: يدفع الزمان بالقليل، أي: إنا جئنا ~~ببضاعة مزجاة ندافع بها الزمان، وليست مما ينتفع بها، وعلى هذا ~~فالتقدير ببضاعة مزجاة ندافع بها الأيام. # قال أبو عبيد: إنما قيل للدراهم الرديئة مزجاة؛ لأنها مردودة ~~مدفوعة غير مقبولة ممن ينفقها، قال: وهي من الإزجاء، والإزجاء عند ~~العرب: الدفع. # وقيل: مزجاة، أي: مؤخرة مدفوعة عن الإنفاق لا يقبل مثلها إلا من ~~اضطر، واحتاج إليها لفقد غيرها مما هو أجود منها. # وقال الكلبي: " مزجاة لغة العجم، وقيل: هي من لفظ القبط ". # قال ابن الأنباري: لا ينبغي أن يجعل لفظ عربي معروف الاشتقاق منسوبا ~~إلى القبط. # وقرأ حمزة والكسائي: " مزجاة " بالإمالة؛ لأن أصله الياء، والباقون ~~بالفتح والتفخيم. # ثم لما وصفوا شدة حالهم، ووصفوا بضاعتهم بأنها مزجاة قالوا له: " ~~فأوف لنا الكيل: يجوز أن يراد به حقيقة من الآلة، وأن يراد ms5080 به ~~الكيل، فيكون مصدرا، والمعنى إنا نريد أن نقيم الناقص مقام ~~الزائد أو نقيم الرديء مقام الجيد. # { وتصدق علينآ }: أي تفضل علينا بما بين الثمنين الجيد، ~~والرديء، وسامحنا ولا تنقصنا. # وقال ابن جريج، والضحاك، أي: تصدق علينا برد أخينا لنا: { إن ~~الله يجزي المتصدقين } يثيب المتصدقين. # قال الضحاك: لم يقولوا: إن الله يجزيك؛ لأنهم لم يعلموا أنه ~~مؤمن. # وسئل سفيان بن عيينة: هل حرمت الصدقة على نبي من الأنبياء سوى نبينا ~~ صلوات الله وسلامه عليه ؟. # قال سفيان: ألم تسمع قوله: { وتصدق علينآ إن الله ~~يجزي المتصدقين }. # يريد: أن الصدقة كانت حلالا لهم، وأنكر الباقون ذلك، وقالوا: حال ~~الأنبياء وحال أولاد الأنبياء في طلب الصدقة سواء؛ لأنهم يأنفون من ~~الخضوع إلى المخلوقين ويغلب عليهم الانقطاع إلى الله، والاستغناء به ~~عمن سواه. # وروي عن الحسن ومجاهد: أنهما كرها أن يقول الرجل في دعائه: ~~اللهم تصدق علينا، قالوا: لأن الله لا يتصدق، وإنما ~~التصدق بمعنى الثواب، وإنما يقول اللهم أعطني وتفضل علينا. # فصل # قال القرطبي: " استدل العلماء بهذه الآية على أن أجرة الكيال على ~~البائع، لقولهم ليوسف عليه الصلاة والسلام " فأوف لنا الكيل " ~~فكان يوسف هو الذي يكيل، وكذلك الوزان، العداد وغيرهم؛ لأن ~~الرجل إذا باع عدة من طعامه معلومة، وأوجب العقد عليه؛ وجب عليه أن ~~يبرزها، ويميز حق المشتري من حقه إلا إن كان المبيع فيه معينا ~~صبره، أو ما ليس فيه حق موفيه، فيخلي ما بينه وبينه، وما جرى على المبيع ~~فهو ضمان المبتاع، وليس كذلك ما يتعلق به حق موفيه من كيل أو وزن، ~~ألا ترى: أنه لا يستحق البائع الثمن إلا بعد التوفية، كذلك أجرة ~~النقد على البائع أيضا؛ لأن المتباع الدافع لدراهمه يقول: إنها ~~طيبة فأنت الذي تدعي الرداءة، فانظر لنفسك، ليقع له فكان الأجر عليه، ~~وكذلك لا يجب أجرة القاطع على من يجب عليه القصاص لأنه لا يجب عليه أن ~~يقطع نفسه، ولا أن يمكن من ذلك طائعا؛ ألا ترى أن فرضا عليه أن يفدي ~~يده، ويصالح ms5081 عليه، إذا طلب المقتص ذلك. # وقال الشافعي: إن الأجرة على المقتص منه كالبائع؛ لأنه يجب عليه ~~تسليم يده. # فصل # روي: أنهم لما قالوا: { مسنا وأهلنا الضر } وتضرعوا ~~إليه، أدركته الرقة، فارفض دمعه، فباح بالذي كان يكتم، فقال: { ~~هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه } وقيل: دفعوا إليه ~~كتاب يعقوب، فلما قرأ الكتاب ارتعدت مفاصله واقشعر جلده، ولان قلبه، ~~وكثر بكاؤه؛ فصرح بأنه يوسف. # قوله: { هل علمتم } يجوز أن تكون استفهامية للتوبيخ، وهو ~~الأظهر وقيل: هو خبر و " هل " بمعنى " قد ". # وقال الكلبي: " إنما قال: { هل علمتم ما فعلتم بيوسف ~~} حين حكى لإخوته أن مالك بن دعر قال: إني وجدت غلاما في بئر من ~~حاله كيت وكيت فأبتعته بكذا وكذا درهما، فقالوا أيها الملك: نحن ~~بعنا ذلك الغلام منه؛ فغاظ يوسف عليه السلام ذلك، وأمر بقتلهم، ~~فذهبوا بهم ليقتلوهم، فولى يهوذا وهو يقول: كان يعقوب قد حزن لفقد ~~واحدة منا حتى كف بصره، فكيف إذا أتاه قتل بنيه كلهم، ثم قالوا ~~له: إن فعلت ذلك، فابعث بأمتعتنا إلى أبينا، فإنه بمكان كذا وكذا، ~~فذلك حين رحمهم وبكى، وقال ذلك القول ". # وفي هذه الآية تصديق قوله تعالى: # وأوحينآ إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم ~~لا يشعرون # [يوسف:15]، وأما قوله: " وأخيه " فالمراد ما فعلتم من تعريضه ~~للغم بسبب إفراده عن أخيه لأبيه وأمه، وأيضا: كانوا يؤذونه، ومن ~~جملة الإيذاء، قالوا في حقه: # إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل # [يوسف:77] وأما قوله: { إذ أنتم جاهلون } فهو يجرى مجرى الغدر ~~لهم كأنه قال: أنتم أقدمتم على ذلك الفعل القبيح المنكر حال كونكم من ~~حالة الصبا، وفي جهالة الغرور، يعني: والآن لستم كذلك، ونظيره قوله ~~تعالى: # ما غرك بربك الكريم # [الانفطار:6] وقيل: إنما ذكر تعالى ذلك الوصف ليكون ذلك جاريا مجرى ~~الجواب، فيقول العبد: يا رب غرني كرمك، فكذا ههنا إنما قال ~~لهم يوسف ذلك الكلام إزالة للخجل عنهم، وتخفيفا للأمر عليهم. # وقيل: المعنى: إذ أنتم جاهلون بما يئول إليه أمر يوسف صلوات الله وسلامه ~~عليه. ms5082 فإن قيل: كيف قال: { ما فعلتم بيوسف وأخيه } ، ولم ~~يكن منهم إلى أخيه شيء، ولم يسعوا في حبسه؟. # قيل: هو قولهم حين أخرجوا الصواع من رحله، ما رأينا منكم يا بني راحيل ~~إلا البلاء. # وقيل: تفريقهم بينه، وبين أخيه يوسف، وكانوا يؤذونه بعد فقد يوسف. # قوله: " أئنك " قرأ ابن كثير، وأبو جعفر: " إنك " بهمزة واحدة ~~على الخبر والباقون بهمزتين استفهاما، وقد تقدم قراءتهم في هاتين ~~الهمزتين تخفيفا، وتسهيلا وغير ذلك، فأما قراءة ابن كثير، فيحتمل أن ~~تكون خبرا محضا واستبعد هذا من حيث تخالف القراءتين مع أن القائل ~~واحد. # وقد أجيب عن ذلك بأن بعضهم قاله استفهاما، وبعضهم قاله خبرا، ويحتمل ~~أن يكون استفهاما حذف منه الأداة لدلالة السياق، والقراءة الأخرى ~~عليه، وقد تقدم نحو هذا في الإعراب. # وقرأ أبي (أوأنت يوسف) فمن قرأ بالاستفهام قالوا: إن يوسف لما ~~قال لهم: { هل علمتم ما فعلتم } تبينوا يوسف، فأبصروا ثناياه كاللؤلؤ ~~المنظوم. # وروى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما لما قال هذا القول ~~تبسم فرأوا ثناياه كاللؤلؤ، فشبهوه بيوسف، ولم يعرفوه، فقالوا ~~استفهاما: { أإنك لأنت يوسف } ويدل على أنه استفهام قوله: " ~~أنا يوسف " ، وإنما أجابهم عما استفهموا عنه، ومن قرأ على ~~الخبر فحجته ما روى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ~~إن أخوة يوسف لم يعرفوه حتى وضع التاج عن رأسه، وكان في قرنه شامة ~~وكان لإسحاق، ويعقوب مثلها تشبه التاج عرفوه بتلك العلامة. # وقال ابن إسحاق: " كان يتكلم من وراء ستر، فلما قال: { هل ~~علمتم ما فعلتم بيوسف } رفع الحجاب فعرفوه " وقيل: قالوه ~~على التوهم. # " واللام في: " لأنت " لام الابتداء، و " أنت " مبتدأ، و " يوسف " ~~خبره والجملة خبر " إن " ويجوز أن تكون " أنت " فصلا، ولا يجوز أن ~~يكن تأكيدا لاسم " إن " لأن هذه اللام لا تدخل على التوكيد ". # وقرأ أبي: (أئنك أو أنت يوسف) وفيها وجهان: # أحدهما: قال أبوا الفتح: إن الأصل: أئنك لغير يوسف، أو أنت يوسف فحذف ~~خبر " إن " لدلالة المعنى عليه. # والثاني: ما ms5083 قاله الزمخشري: المعنى: أئنك يوسف، أو أنت يوسف فحذف ~~الأول لدلالته، وهذا كلام متعجب مستغرب لما يسمع، فهو يكرر الاستثبات ~~فقال: { أنا يوسف وهذا أخي } وإنما صرح بالاسم تعظيما ~~لما نزل به من ظلم إخوته، وما عوضه الله من الظفر والنصر، فكأنه قال: ~~أنا الذي ظلمتموني على أعظم الوجوه، والله أوصلني إلى أعظم المناصب، أنا ~~ذلك العاجز الذي قصدتم قتله، وإلقاءه في الجب، ثم صرت كما ترون، ~~ولهذا قال: " وهذا أخي " مع أنهم كانوا يعرفونه؛ لأن مقصوده أن يقول: ~~وهذا أيضا كان مظلوما كما كنت، ثم إنه صار منعما عليه من قبل الله كما ~~ترون. { قد من الله علينآ } قال ابن عباس رضي الله عنه ~~بكل عز في الدنيا والآخرة.. وقيل: بالجمع بيننا بعد الفرقة. # قوله: { إنه من يتق ويصبر } قرأ قنبل " يتقي " بإثبات ~~الياء وصلا ووقفا، والباقون بحذفها فيهما. # فأما قراءة الجماعة فواضحة؛ لأنه مجزوم، وأما قراءة قنبل، ~~فاختلف فيها الناس على قولين: # أحدهما: أن إثبات حرف العلة في الجزم لغة لبعض العرب؛ وأنشدوا: ~~[الوافر] # 3145 ألم يأتيك والأنباء تنمي # بما لاقت لبون بني زياد # وقول الآخر: [البسيط] # 3146 هجوت زبان ثم جئت معتذرا # من هجو زبان لم تهجوا ولم تدع # وقول الآخر: [الرجز] # 3147 إذا العجوز غضبت فطلق # ولا ترضاها ولا تملق # وقول الآخر: [الرجز] # 3148 إني إذا ما ما القوم كانوا أنجيه # واضطرب القوم اضطراب الأرشيه # هناك أوصيني ولا توصي بيه # ومذهب سيبويه: أن الجازم بحذف الحركة المقدرة، وإنما تبعها حرف ~~العلة في الحذف تفرقة بين المرفوع، والمجزوم. # واعترض عليه: بأن الجازم يبين أنه مجزوم، وعدمه يبين أنه غير ~~مجوزم. # وأجيب: بأنه في بعض الصور يلتبس فاطرد الحذف، بيانه: أنك إذا قلت " ~~زرني أعطتك " بثبوت الياء، احتمل أن يكون " أعطيك " جزاء ~~الزيارة، وأن يكون خبرا مستأنفا، فإذا قلت: " أعطك " بحذفها تعين أن ~~يكون جزاء له؛ فقد وقع اللبس بثبوت حرف العلة، وفقد بحذفه، فيقال: ~~حرف العلة يحذف عند الجازم لا به. # ومذهب ابن السراج: أن الجازم أثر ms5084 في نفس الحرف فحذفه، وفيه ~~البحث المتقدم. # والثاني: أنه مرفوع غير مجزوم و " من " موصولة، والفعل صلتها؛ ~~فلذلك لم يحذف لامه. # واعترض على هذا بأنه قد عطف عليه مجزوم وهو قوله: " ويصبر " ~~فإن قنبلا لم يقرأ إلا بإسكان الراء. # وأجيب عن ذلك: بأن التسكين لتوالي الحركات، وإن كان من كلمتين ~~كقراءة أبي عمرو { ينصركم } [آل عمران:160]، و { يأمركم } [آل ~~عمران:80]، وأجيب أيضا: بأنه جزم على التوهم يعني لما كانت " من " ~~الموصولة تشبه " من " الشرطية، وهذه العبارة فيها غلط على القرآن، ~~فينبغي أن يقال فيها مراعاة للشبهة اللفظي، ولا يقال للتوهم. # وأجيب أيضا: بأنه سكن للوقف ثم أجرى الوصل مجرى الوقف. # وأجيب أيضا: بأنه إنما جزم حملا ل " من " الموصولة على " من " ~~الشرطية؛ لأنها مثلها في المعنى، ولذلك دخلت [الفاء] في خبرها. # قال شهاب الدين: وقد يقال على هذا: يجوز أن تكون " من " شرطية، ~~وإنما ثبتت الياء، ولم تجزم " من " لشبهها ب " من " الموصولة ثم ~~لم يعتبر هذا الشبه في قوله: " ويصبر " ، فلذلك جزمه، إلا أنه يبعد ~~من جهة أن العامل لم يؤثر فيما بعده، ويليه، ويؤثر فيما هو بعيد منه، ~~وقد تقدم الكلام على مثل هذه المسألة أول السورة في قوله: # يرتع ويلعب # [يوسف:12]. # وقوله: { فإن الله لا يضيع أجر } الرابط بين جملة ~~الشرط، وبين جوابها: إما العموم في " المحسنين " ، وإما ~~الضمير المحذوف، أي: المحسنين منهم، وإما لقيام: " أل " مقامه، ~~والأصل: محسنيهم، فقامت " أل " مقام ذلك الضمير. # فصل # معنى الآية: من يتق معاصي الله، ويصبر على أذى الناس. # وقيل: من يتق بأداء الفرائض، واجتناب المعاصي ويصبر على ما حرم الله ~~عليه. # وقال ابن عباس رضي الله عنه : يتقي في الزنا، ويصبر على ~~العزوبة، وقال مجاهد: يتقي المعصية، ويصبر على السجن. # { فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } قال ابن الخطيب: ~~" واعلم أن يوسف عليه السلام وصف نفسه في هذا المقام الشريف ~~بكونه متقيا، ولو أنه أقدم على المعصية كما قالوه في حق زليخا، لكان ~~هذا القول كذبا منه، وذكر الكذب في ms5085 مثل هذا المقام الذي يؤمن فيه ~~الكافر، ويتوب فيه العاصي لا يليق بالعقلاء ". # قوله: { تالله لقد آثرك الله علينا } أي تفضل عليك، ~~والإيثار: التفضيل بأنواع جميع العطايا، آثره يؤثره إيثارا، وأصله ~~من الأثر، وهو تتبع الشيء، فكأنه يستقصي جميع أنواع المكارم، وفي ~~الحديث: # " ستكون بعدي أثرة " # أي: يستأثر بعضكم على بعض، ويقال: استأثر بكذا، أي: اختص به، واستأثر ~~الله بفلان، كناية عن اصطفائه له. # وقال الشاعر: [الرجز] # 3149 والله اسماك سما مباركا # آثرك الله به إيثاركا # قال الأصمعي: يقال: آثرك الله إيثارا، أي: فضلك، والمعنى: لقد ~~فضلك الله علينا بالعلم، والعمل، والحسن، والملك. # فصل # احتج بعضهم بهذه الآية على أن إخوة يوسف ما كانوا أنبياء؛ لأن ~~جميع المناصب المغايرة لمنصب النبوة كالعدم بالنسبة لمنصب النبوة فلو ~~كانوا شاركوه في منصب النبوة لما قالوا: { تالله لقد آثرك ~~الله علينا } ، وعلى هذا يذهب سؤال من يقول: آثره عليهم بالملك، ~~وإن شاركوه في النبوة؛ لأنا بينا أن سائر المناصب لا تعتبر في جنب ~~منصب النبوة. # ثم قالوا: { وإن كنا لخاطئين } والخاطىء: هو الذي أتى ~~بالخطيئة عمدا وهذا هو الفرق بين الخاطىء، ولهذا يقال للمجتهد ~~الذي لم يصب أنه مخطىء، ولا يقال: إنه خاطىء. # فصل # أكثر المفسرين على أن الذي اعتذروا منه هو إقدامهم على إلقائه في ~~الجب وبيعه وتبعيده عن أبيه. # وقال أبو علي الجبائي: لم يعتذروا من ذلك؛ لأن ذلك كان منهم قبل ~~البلوغ، فلا يكون ذنبا، فلا يعتذر منه، وإنما اعتذروا من حيث إنهم ~~أخطئوا بعد ذلك بأن لم يظهروا لأبيهم ما فعلوه ليعلم أنه حي، وأن ~~الذئب لم يأكله. # وأجاب ابن الخطيب عن ذلك: " بأنه لا يجوز أن يقال: إنهم أقدموا على ~~ذلك الفعل في زمن الصبا؛ لأنه من البعيد في [مثل] يعقوب جمعا غير ~~بالغين من غير أن يبعث معهم رجلا عاقلا يمنعهم عما لا ينبغي، ويحملهم ~~على ما ينبغي ". # قوله: { لا تثريب عليكم } عليكم يجوز أن يكون خبر " لا " و " ~~اليوم " يحتمل أن يتعلق بما تعلق به هذا ms5086 الخبر أي: لا تثريب مستقر ~~عليكم ويجوز أن يكون " اليوم " خبر " لا " ، و " عليكم " متعلق ~~بما تعلق به هذا الظرف ويجوز أن يكون: " عليكم " صفة لاسم: " لا " ، و " ~~اليوم " خبرها أيضا ولا يجوز أن يتعلق كل من الظرف، والجار ب: " ~~تثريب "؛ لأنه يصير مطولا شبيها بالمضاف ومتى كان كذلك أعرب ~~ونون، نحو: " لا خيرا من زيد عندك " ويزيد عليه الظرف بأنه ~~يلزم الفصل بين المصدر المؤول بالموصول، ومعموله بأجنبي وهو: " عليكم ~~" لأنه إما خبر وإما صفة. # وقد جوز الزمخشري: أن يكون الظرف متعلقا ب: تثريب " فقال: ~~فإن قلنا: بم يتعلق " اليوم "؟ قلت: بالتثريب، أو بالمقدر في " عليكم ~~" من معنى الاستقرار أو ب:يغفر " ، فجعله أنه متعلق ب " تثريب " ~~وفيه ما تقدم. # وقد أجرى بعضهم الاسم العامل مجرى المضاف لشبهه به، فنزع ما فيه من ~~تنوين أو نون؛ وجعل الفارسي من ذلك قول الشاعر: [الطويل] # 3150 أراني ولا كفران لله أية # لنفسي لقد طالبت غير منيل # قال: فأية منصوب ب: " كفران " أي: أكفر الله أية لنفسي، ولا يجوز أن ~~تنصب " أية " ب: " أويت " مضمرا، لئلا يلزم الفصل بين مفعولي: " ~~أرى " بجملتين أي: ب " لا " ، وما في خبرها، وب " أويت " المقدرة، ~~ومعنى " أويت " رققت وجعل منه ابن مالك ما جاء في الحديث: # " لا صمت يوم إلى الليل " # برفع " يوم " على أنه مرفوع بالمصدر المنحل لحرف مصدري، وفعل مبني ~~للمفعول وفي بعض ما تقدم خلاف، وأما تعليقه بالاستقرار المقدر ~~فواضح، ولذلك وقف أكثر القراء عليه، وابتدأ ب: " يغفر الله لكم " ~~وأما تعليقه ب: " يغفر " فواضح أيضا ولذلك وقف بعض القراء على: " ~~عليكم " ، وابتدأ: " اليوم يغفر الله لكم " وجوزوا أن يكون " ~~عليكم " بيانا ك " لك " في قولهم: " سقيا لك " فعلى هذا يتعلق ~~بمحذوف؛ ويجوز أن يكون خبر: " لا " محذوفا، و " عليكم " ، و " ~~اليوم " كلاهما متعلقان بمحذوف آخر يدل عليه: " تثريب " ، ~~والتقدير: لا تثريب يتثرب عليكم اليوم كما قدروا في: # لا عاصم اليوم من أمر الله # [هود:43] لا عاصم يعصم اليوم. # قال أبو حيان: " لو قيل ms5087 به لكان قويا " ، وقد يفرق بينهما: بأن ~~هنا يلزم كثرة المجاز، وذلك أنك تحذف الخبر، وتحذف هذا الذي تعلق به ~~الظرف وحرف الجر، وتنسب الفعل إليه، لأن التثريب لا يثرب إلا مجازا، ~~كقولهم: " شعر شاعر " بخلاف: " لا عاصم يعصم " فإن نسبة الفعل ~~إلى العاصم حقيقة، فهناك حذف شيء واحد من غير مجاز، وهنا حذف شيئين مع ~~مجاز. # والتثريب: العتب، والتأنيب، وعبر بعضهم عنه بالتعيير من ~~عيرته بكذا إذا عتبته وفي الحديث: # " إذا زنت أمة أحدكم، فليجلدها، ولا يثرب " # أي: لا يعير، وأصله من الثرب، وهو ما تغشى الكرش من الشحم، ~~ومعناه: إزالة الثرب، كما أن التجليد إزالة الجلد، فإذا قلت: ~~ثربت فلانا، فكأنك لشدة عتبك له أزلت ثربه، فضرب مثلا في تزيق ~~الأعراض. # وقال الراغب: " ولا يعرف من لفظه إلا قولهم: الثرب، وهو ~~شحمة رقيقة وقوله تعالى: # يأهل يثرب # [الأحزاب:13] يصح أن يكون أصله من هذا الباب، والياء فيه مزيدة ". # فصل # قال المفسرون: التثريب: التوبيخ، قال عطاء الخراساني: طلب ~~الحوائج إلى الشباب أسهل منها إلى الشيوخ ألا ترى إلى قول يوسف ~~عليه الصلاة والسلام " لا تثريب عليكم " ، وقول يعقوب عليه ~~الصلاة والسلام # سوف أستغفر لكم ربي # [يوسف:98]. # واعلم أنا إذا جعلنا: " اليوم " متعلقا ب: " لا تثريب " أي: ~~لا أثربكم اليوم وهو اليوم الذي مظنته التثريب، فما ظنكم بسائر ~~الأيام، ويحتمل أني حكمت في هذا اليوم ألا تثريب مطلقا؛ لأن ~~قوله: " لا تثريب " نفي للماهية، ونفي الماهية يقتضي نفي أفراد ~~جميع الماهية، فكان ذلك مفيدا للنفي المتناول لكل الأوقات والأحوال. # ثم إنه أزال عنهم ملامة الدنيا طلب من الله أن يزيل عنهم عقاب ~~الآخرة، فدعا لهم بقوله: { يغفر الله لكم }. # وإن قلنا: " اليوم " متعلق بقوله: { يغفر الله لكم } كأنه ~~لما نفى الذنب عنهم مطلقا بشرهم بأن الله يغفر ذنبهم في ذلك ~~اليوم، وذلك أنهم لما خجلوا، واعترفوا وتابوا، فالله تعالى قبل ~~توبتهم، وغفر ذنوبهم؛ فلذلك قال: { اليوم يغفر الله لكم }. # " روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بعضادتي الكعبة ms5088 يوم ~~الفتح وقال لقريش: ما ترون؟ # قالوا: خيرا أخ كريم، وابن أخ كريم، وقد قدرت، قال: أقول ما ~~قال أخي يوسف: " لا تثريب عليكم " ". # وروي أن أبا سفيان لما جاء ليسلم، قال له العباس رضي الله عنه ~~: # " إذا أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتل عليه: { قال لا ~~تثريب عليكم } ففعل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم غفر ~~الله لك ولمن علمك ". # وروي: أن أخوة يوسف لما عرفوه أرسلوا إليه: إنا نستحي منك لما صدر ~~منا من الإساءة إليك، فقال يوسف: إن أهل مصر لو ملكت فيهم، فإنهم ~~ينظرون إلي بالعين الأولى، ويقولون: سبحان الذي بلغ عبدا بيع ~~بعشرين درهما ما بلغ، ولقد شرفت بإتيانكم، وعظمت في العيون لما ~~جئتم، علم الناس أنكم إخوتي، وأني من حفدة إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام ثم سألهم عن أبيه، فقال: ما فعل أبي من بعدي قالوا: ذهبت ~~عيناه؛ فأعطاهم قميصه وقال: { اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت ~~بصيرا } أي يعيده مبصرا، وقيل: يأتيني بصيرا. # قال الحسن رضي الله عنه: لم يعلم أنه يعود بصيرا إلا بالوحي؛ لأن ~~العقل لا يدل عليه وقال الضحاك: كان ذلك القميص من نسيج الجنة. # وعن مجاهد: أمره جبريل صلوات الله عليه أن يرسل قميصه، وكان ذلك ~~القميص قميص إبراهيم عليه السلام وذلك أنه جرد من ثيابه، وألقي في ~~النار عريانا، فآتاه جبريل بقميص من حرير الجنة، فألبسه إياه، فكان ~~ذلك عند إبراهيم فلما مات إبراهيم عليه السلام ورثه إسحاق، فلما مات ~~إسحاق ورثه يعقوب، فلما شب يوسف عليه السلام جعل ذلك يعقوب في ~~قصبة من فضة وسد رأسها، وعلقها في عنقه لما كان يخاف عليه من العين ~~وكانت لا تفارقه، فلما ألقى في الجب عريانا جاءه جبريل عليه ~~السلام وعلى يوسف ذلك التعويذ؛ فأخرج القميص منه، وألبسه، ففي ذلك ~~الوقت جاءه جبريل، وقال: أرسل ذلك القميص فإن فيه ريح الجنة لا يقع ~~على مبتلى، ولا سقيم إلا عوفي، فدفع يوسف ذلك القميص إلى إخوته، وقال: ms5089 ~~{ فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا } أي: مبصرا وإنما ~~أفرد بالذكر تعظيما له، وقال في الباقين: { وائتوني بأهلكم أجمعين }. # قال ابن الخطيب: " ويمكن أن يقال: لعل يوسف علم أن أباه ما صار ~~أعمى إلا من كثرة البكاء، وضيق القلب، وذلك يضعف البصر، وإذا ألقي ~~عليه قميصه، فلا بد وأن ينشرح صدره، وأن يحصل في قلبه الفرح الشديد، ~~وذلك يقوي الروح، ويزيل الضعف عن القوى فحينئذ يقوى بصره، ويزول ~~عنه ذلك، فهذا القدر مما يمكن معرفته بالقلب فإن القوانين ~~الطبية تدل على صحة هذا المعنى ". # قوله: " بقميصي " يجوز أن يتعلق بما قبله على أن الباء معدية ~~كهي في " ذهبت به " وأن تكون للحال فتتعلق بمحذوف، أي: اذهبوا معكم ~~بقميصي، و " هذا " نعت له، أو بدل، أو بيان، و " بصيرا " حال، و ~~" أجمعين " توكيد له، وقد أكد بها دون كل، ويجوز أن تكون حالا. ### || [12.94-98] # قوله: { ولما فصلت العير } يقال: فصل فلان عن فلان ~~فصولا إذا خرج من عنده، و " فصل " كذا إذا أنفذ، و " فصل " يكون ~~لازما، ومتعديا، فإن كان لازما فمصدره فصولا، وإن كان متعديا ~~فمصدره فصلا. # قال المفسرون: لما توجه العير من مصر إلى كنعان، قال يعقوب لمن كان ~~عنده من ولد ولده: { إني لأجد ريح يوسف } قال مجاهد: أصاب ~~يعقوب ريح القميص من مسيرة ثلاثة أيام. # وعن ابن عباس رضي الله عنه من مسيرة ثماني ليال. # وقال الحسن: كان بينهما ثمانون فرسخا، وقال مجاهد: هب ريح يوسف فصفق ~~القميص؛ ففاحت روائح الجنة في الدنيا، واتصلت بيعقوب عليه الصلاة ~~والسلام فعلم أنه ليس في الدنيا من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك ~~القميص فمن ثم قال: { إني لأجد ريح يوسف } وروي أن ريح ~~الصبا استأذنت ربها أن تأتي يعقوب بريح يوسف قبل أن يأتيه البشير. # واعلم أن وصول تلك الرائحة إلى يعقوب من هذه المسافة البعيدة أمر ~~مناقض للعادة فكان ذلك معجزة، ولكن لمن منهما؟ والأقرب أنها ليعقوب ~~حيث أخبروه عنه، ونسبوه إلى ما لا ينبغي؛ فظهر الأمر ms5090 كما قال؛ فكانت ~~معجزة له. # قال أهل المعاني: إن الله تعالى أوصل ريح يوسف عند انقضاء مدة ~~المحنة ومجيء وقت الروح والفرج من المكان البعيد، ومنع من وصول خبره ~~إليه مع قرب إحدى البلدين من الأخرى في مدة ثمانين سنة، وذلك يدل على ~~أن كل سهل فهو في زمن المحنة صعب، وكل صعب في زمن الإقبال ~~سهل، ومعنى: { لأجد ريح يوسف }: أشم، وعبر عنه بالوجود؛ لأنه ~~وجدان له بحاشة الشم. # قوله: { لولا أن تفندون } التفنيد: الإفساد، يقال: فندت ~~فلانا، أي: أفسدت رأيه ورددته. قال الشاعر: [البسيط] # 3150ب يا صاحبي دعا لومي وتفنيدي # فليس ما فات من بمردود # ومنه: أفند الدهر فلانا؛ قال الشاعر: [الطويل] # 3151 دع الدهر يفعل ما أراد فإنه # إذا كلف الإفناد بالناس أفندا # والفند: الفساد؛ قال النابغة: [البسيط] # 3152 إلا سليمان إذ قال الإله له # قم في البرية فاحددها عن الفند # والفند: شمراخ الجبل، وبه سمي الرجل فندا، والفند الزماني ~~أحد شعراء الحماسة من ذلك. # وقال الزمخشري: " يقال: شيخ مفند، ولا يقال: عجوز مفندة؛ ~~لأنها لم تكن في شبيبتها ذات رأي فتفند في كبرها وهو غريب ". # وجواب " لولا " الامتناعية محذوف، تقديره: لصدقتموني ويجوز أن ~~يكون تقديره: لأخبرتكم. # قال ابن الأنباري: " أفند الرجل: إذا انحرف، وتغير ~~عقله، وفند إذا جهل ونسب ذلك إليه ". # وعن الأصمعي قال: إذا كثر كلام الرجل من خرف فهو الفند ~~والتفنيد. # فصل # قال المفسرون: " لولا أن تفندون " تسفهون، وعن ابن عباس رضي ~~الله عنه : تجهلون، وقال الضحاك: تهرمون، تقولون: شيخ كبير ~~قد خرف، وذهب عقله. # " قالوا ": يعني أولاد أولاده { إنك لفي ضلالك القديم } ~~أي في ذهاب عن طريق الصواب. # وقال ابن عباس، وابن زيد، لفي خطئك الماضي من حب يوسف لا تنساه. # وقال مقاتل الضلال هنا الشقاء، يعني: شقاء الدنيا، أي: إنك ~~في شقائك القديم بما تكابد من الأحزان على يوسف. # وقال قتادة: لفي حبك القديم لا تنساه، ولا تذهل عنه، قال قتادة: لقد ~~قالوا كلمة [غليظة] لم يجز قولها لنبي الله عليه الصلاة ms5091 والسلام . # وقال الحسن: إنما خاطبوه بذلك، لاعتقادهم أن يوسف قد مات. { ~~فلمآ أن جآء البشير } وهو المبشر، في موضع: " أن " قولان: # أحدهما: لا محل لها من الإعراب، فقد تذكر تارة كما هنا، وقد تحذف ~~كقوله: # فلما ذهب عن إبراهيم الروع # [هود:74]. # والثاني: قال البصريون: هي في موضع رفع بفعل تقديره: فلما ظهر أن ~~جاء البشير أي: ظهر على البشير؛ فأضمر الرافع. # وقال جمهور المفسيرين البشير هو يهوذا قال: أنا ذهبت بالقميص ~~ملطخا بالدم، وقلت: إن يوسف أكله الذئب، فأذهب اليوم بقميصه، ~~وأخبره أنه حي فأفرحه كما أحزنته، وقيل: البشير مالك بن دعر. # قوله: " ألقاه " الظاهر أن الفاعل هو ضمير البشير، وقيل: هو ضمير ~~يعقوب وفي " بصيرا " وجهان: # أحدهما: حال، أي: يرجع في هذه الحال. # والثاني: أنه خبرها؛ لأنها بمعنى صار عند بعضهم، و " بصيرا " من ~~بصر بالشيء ك " ظريف " من " ظرف ". # وقيل: هو مثال مبالغة، ك " عليم " وفيه دلالة على أنه لم يذهب ~~بصره بالكلية ومعنى الارتداد: انقلاب الشيء إلى حال كان عليها. # وقوله: { فارتد بصيرا } أي صيره الله بصيرا، كما يقال: ~~طالت النخلة والله أطالها. # قال بعضهم: إنه كان قد عمي بالكلية، فجعله الله بصيرا في هذا الوقت. # وقال آخرون: بل كان ضعف بصره من كثرة البكاء والحزن، فلما ألقوا ~~القميص على وجهه، وبشره بحياة يوسف عليه الصلاة والسلام عظم فرحه ~~وانشرح صدره وزالت أحزانه فعند ذلك قوي بصره، وعادت قوته بعد ~~الضعف، وقال: { ألم أقل لكم إني أعلم من الله ~~ما لا تعلمون } من حياة يوسف من جهة رؤياه، وهو أن الله يجمع ~~بيننا، وهو إشارة إلى قوله: # إنمآ أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من ~~الله ما لا تعلمون # [يوسف:86]. # روي أنه قال للبشير: كيف حاله؟ قال: إنه ملك مصر، قال: ما أصنع ~~بالملك، على أي دين تركته؟ قال: على دين الإسلام، قال: الآن تمت ~~النعمة. ثم إن أولاد يعقوب أخذوا يعتذرون، و { قالوا يأبانا ~~استغفر لنا ذنوبنآ إنا كنا خاطئين قال سوف ~~أستغفر لكم ربي } فوعدهم ms5092 بأنه يستغفر لهم. # قال ابن عباس رضي الله عنهما : أخر الاستغفار لهم إلى وقت ~~السحر، وهو الوقت الذي يقول الله فيه: { هل من داع فأستجيب له }. # وروي عن ابن عباس رضي الله عنه رواية أخرى: أنه أخر الاستغفار ~~إلى ليلة الجمعة؛ لأنها أوفق الأوقات لرجاء الإجابة. # وقيل: أخر الاستغفار ليعلم هل تابوا حقيقة أم لا؟ وهل أخلصوا في ~~التوبة أم لا؟. # وقيل: استغفر لهم في الحال، ومعنى: { سوف أستغفر لكم } أي ~~أداوم على الاستغفار في المستقبل. # وروي: أنه كان يستغفر لهم في كل ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة. # روي أن يوسف بعث مع البشير إلى يعقوب مائتي راحلة، وجهازا كثيرا، ~~ليأتوا بيعقوب وأهله وولده، فخرجوا وهم اثنان وسبعون ما بين رجل وامرأة، ~~فلما دنا من مصر كلم يوسف الملك الذي فوقه، فخرج يوسف، والملك في ~~أربعة آلاف من الجند، وركب أهل مصر معهما فتلقوا يعقوب، وهو يتوكأ على ~~يهوذا ماشيا؛ فنظر إلى الجبل، وإلى الناس فقالوا: يا يهوذا: هذا فرعون ~~مصر؟ قال: لا هذا ابنك يوسف، فلما تدانيا ذهب يوسف يبدأ بالسلام، ~~فقال جبريل عليه السلام : لا حتى يبدأ يعقوب بالسلام، فقال يعقوب: ~~السلام عليك. # قال الثوري: لما التقى يعقوب ويوسف صلوات الله وسلامه عليهما ~~عانق لك واحد منهما صاحبه وبكيا، فقال يوسف: يا أبت! بكيت علي حتى ذهب ~~بصرك، ألم تعلم أن القيامة تجمعنا؟ قال: بلى يا بني، ولكن خشيت أن ~~تسلب دينك، فيحال بيني وبينك. # قيل: دخل يعقوب وولده مصر، وهم اثنان وسبعون ما بين رجل، وامرأة، وخرجوا ~~منها مع موسى، والمقاتلون ستمائة ألف وخمسمائة وبضع وسبعون رجلا سوى ~~الصبيان والشيوخ. ### || [12.99-101] # قوله: { فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه } ~~الآية قال أكثر المفسرين المراد: أبوه وخالته " ليا " وكانت أمه قد ~~ماتت في نفاسها ببنيامين وقال الحسن: أبوه وأمه، وكانت حية. # وروي: أن الله تعالى أحيا أمه حتى جاءت مع يعقوب إلى مصر ~~حتى سجدت له تحقيقا لرؤيا يوسف. # وقيل: إن الخالة أم كما أن العم أب، ms5093 قال تعالى: # إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق # [البقرة:133]، ومعنى { آوى إليه أبويه } ضمهما إليه، ~~واعتنقهما. # فإن قيل: ما معنى دخولهما عليه قبل دخولهم مصر؟. # فالجواب: أنه حين استقبلهم أنزلهم في خيمة، أو بيت هناك، فدخلوا عليه ~~وضم إليه أبويه وقال: { ادخلوا مصر إن شآء الله آمنين } ~~، أي: أقيموا بها آمنين، سمى الإقامة دخولا؛ لاقتران أحدهما بالآخر. # قال السدي في هذا الاستثناء قولان: # الأول: أنه عائد إلى الأمن إلى الدخول، والمعنى: ادخلوا مصر آمنين إن ~~شاء الله، كقوله تعالى: # لتدخلن المسجد الحرام إن شآء الله آمنين # [الفتح:27]. # وقيل: إنه عائد إلى الدخول كما تقدم. # وقيل: " إن " هنا بمعنى: " إذ " يريد: إن شاء الله، كقوله: # وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين # [آل عمران:139] أي: إذ كنتم مؤمنين. # ومعنى قوله: " آمنين " أي على أنفسكم، وأموالكم، وأهليكم لا تخافون ~~أحدا، وكان فيما سلف يخافون ملك مصر، وقيل: آمنين من القحط والشدة ~~وقيل آمنين من أن يضرهم يوسف بالجرم السالف. # { ورفع أبويه } من باب التغليب، يريد: أباه وأمه أو خالته ~~ { على العرش } قال أهل اللغة: العرش: السرير الرفيع، قال ~~تعالى: # ولها عرش عظيم # [النمل:23]. # والرفع: هو النقل إلى العلو، و " سجدا " حال. # قال أبو البقاء: " حال مقدرة؛ لأن السجود يكون بعد الخرور ". # فإن قيل: إن يعقوب عليه السلام كان أبا يوسف فحقه عظيم، قال ~~تعالى: # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا # [الإسراء:23] فقرن حق الوالدين بحق نفسه، وأيضا: فإنه كان شيخا ~~كبيرا [والشاب] يجب عليه تعظيم الشيخ وأيضا: كان من أكابر الأنبياء، ~~ويوسف، وإن كان نبيا إلا أن يعقوب كان أعلى حالا منه. # وأيضا: فإن جد يعقوب، واجتهاده في تكثير الطاعات أكثر من جد يوسف، ~~واجتماع هذه الجهات الكثيرة يوجب المبالغة في خدمة يعقوب، فكيف استجاز ~~يوسف أن يسجد له يعقوب؟. # فالجواب من و جوه: # الأول: روى عطاء عن ابن عباس: أن المراد بهذه الآية أنهم خروا ~~سجدا لأجل وجدانه، فيكون سجود شكر لله تعالى لأجل وجدانه يوسف، ويدل ~~عليه قوله تعالى: { ورفع ms5094 أبويه على العرش وخروا له ~~سجدا }. # وذلك يشعر بأنهم صعدوا على السرير، ثم سجدوا لله، ولو أنهم سجدوا ~~ليوسف لسجدوا له قل الصعود على السرير؛ لأن ذلك أدخل في التواضع. # فإن قيل: هذا التأويل لا يطابق قوله: { يأبت هذا تأويل ~~رؤياي من قبل } [يوسف:100]. # والمراد منه قوله: # إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر ~~رأيتهم لي ساجدين # [يوسف:4] قيل: معناه لأجلي، لطلب مصلحتي، وللسعي في إعلاء منصبي، وإذا ~~احتمل هذا سقط السؤال. # الثاني: أن يقال: إنهم جعلوا يوسف كالقبلة وسجدوا لله شكرا لنعمته. # وهذا تأويل حسن، فإنه يقال: صليت للكعبة كما يقال: صليت إلى الكعبة؛ ~~قال حسان رحمه الله : [البسيط] # 3153 أليس أول من صلى لقبلتكم # وأعرف الناس بالآثار والسنن # فدل على أنه يجوز أن يقال: فلان صلى للقلبة، فكذلك يجوز أن ~~يقال: سجد للقبلة. # وقوله: { وخروا له سجدا } أي جعلوه كالقبلة ثم سجدوا لله ~~شكرا لنعمة وجدانه. # الثالث: التواضع يسمى سجودا؛ كقوله: [الطويل] # 3154......................... # ترى الأكم فيها سجدا للحوافر # فالمراد هنا التواضع، وهذا يشكل بقوله تعالى: { وخروا له ~~سجدا } والخرور مشعر بالإتيان بالسجود على أكمل الوجوه. # وأجيب: بأن الخرور يعني به المرور فقط، قال تعالى: # لم يخروا عليها صما وعميانا # [الفرقان:73] يعنى: لم يمروا. # الرابع: أن يقال الضمير في قوله: { وخروا له سجدا } عائد ~~إلى إخوته وإلى سائر من كان يدخل عليه لأجل التهنئة، والتقدير: ورفع ~~أبويه على العرش مبالغة في تعظيمهما، وأما الإخوة وسائر الداخلين، ~~فخروا له ساجدين. # فإن قيل: هذا لا يلائم قوله: { يأبت هذا تأويل رؤياي ~~من قبل }. # فالجواب: أن تعبير الرؤيا لا يجب أن يكون مطابقا للرؤيا بحسب ~~الصورة، والصفة من كل الوجوه، فسجود الكواكب والشمس والقمر ~~معبر بتعظيم الأكابر من الناس ولا شك أن ذهاب يعقوب من كنعان مع ~~أولاده إلى مصر نهاية التعظيم له، فكفى هذا القدر من صحة الرؤيا، ~~فأما كون التعبير مساويا في الصورة والصفة، فلم يوجبه أحد من ~~العقلاء. # الخامس: لعل الفعل الدال على التحية في ذلك الوقت، كان هو ~~السجود ms5095 وكان مقصودهم من السجود تعظيمه، ثم نسخ ذلك في شرعنا. # وهذا بعيد؛ لأن المبالغة في التعظيم كانت أليق بيوسف منها بيعقوب، ~~فلو كان الأمر كما قلتم، لكان من الواجب أن يسجد يوسف ليعقوب عليه الصلاة ~~والسلام. # السادس: لعل إخوته حملتهم الأنفة، والاستعلاء على ألا يسجدوا له على ~~سبيل التواضع، وعلم يعقوب أنهم إن لم يفعلوا ذلك لصار ذلك سببا لثوران ~~النفس، وظهور الأحقاد القديمة بعد كمونها، فيعقوب عليه الصلاة ~~والسلام مع جلالته وعظم قدره بسبب الأبوة والشيخوخة، والتقدم ~~في الدين، والعلم، والنبوة فعل ذلك السجود حتى تصير مشاهدتهم لذلك ~~سببا لزوال تلك الأنفة، والنفرة عن قلوبهم. # السابع: لعل الله تعالى أمر يعقوب بتلك السجدة لحكمة خفية لا ~~يعلمها إلا هو [كما أمر الملائكة بالسجود لآدم صلوات الله وسلامه عليه ~~ لحكمة لا يعلمها إلا هو]، ويوسف ما كان راضيا بذلك في قلبه إلا أنه ~~لما علم أن الله أمره بذلك سكت. # ثم إن يوسف عليه الصلاة والسلام لما رأى هذه الحالة: { وقال ~~يأبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي ~~حقا } ، وهي قوله: # إني رأيت أحد عشر كوكبا # [يوسف:4] وهذا يقوي الجواب السابع. # والمعنى: أنه لا يليق بمثلك على حالتك، في العلم، والدين، والنبوة أن ~~تسجد لولدك إلا أن هذا أمر أمرت به، وأن رؤيا الأنبياء حق، كما أن ~~رؤيا إبراهيم عليه الصلاة والسلام ذبح ولده كان سببا لوجوب ذلك ~~الذبح عليه في اليقظة، لذلك صارت هذه الرؤيا التي رآها يوسف سببا ~~لوجوب السجود على يعقوب. # قوله: { من قبل } يجوز أن يتعلق ب " رؤياي " أي تأويل رؤياي في ~~ذلك الوقت ويجوز أن يكون العامل فيه: " تأويل "؛ لأن التأويل كان من ~~حين وقوعها هكذا والآن ظهر له، ويجوز أن يكون حالا من: " رؤياي " ~~قاله أبو البقاء. # وقد تقدم أن المقطوع عن الإضافة لا يقع حالا. # قوله: { قد جعلها ربي حقا } حال من: " رؤياي " ، ويجوز ~~أن تكون مستأنفة وفي " حقا " وجوه: # أحدها: أنه حال. # والثاني: أنه مفعول ثان. # والثالث: أنه مصدر مؤكد ms5096 لفعل من حيث المعنى، أي: حققها ربي حقا ~~بجعله. # قوله: " أحسن بي " " أحسن " أصله أن يتعدى بإلى، قال تعالى: # وأحسن كمآ أحسن الله إليك # [القصص:77] فقيل: ضمن معنى: " لطف " متعديا بالباء، كقوله تعالى: { ~~وبالوالدين إحسانا } وقول كثير عزة: [الطويل] # 3155 أسيئي بنا، أو أحسني لا ملومة # لدينا ولا مقلية إن تقلت # وقيل: بل يتعدى بها أيضا، وقيل: هي بمعنى " إلى " وقيل: المفعول محذوف. ~~تقديره: أحسن صنعه بى، ف: " بي " متعلقة بذلك المحذوف، وهو تقدير أبي ~~البقاء. # وفيه نظر؛ من حيث حذف المصدر، وإبقاء معموله، وهو ممنوع عند البصريين. # و " إذ " منصوب ب " أحسن " ، أو المصدر المحذوف، قاله أبو البقاء ~~وفيه النظر المتقدم. # والبدو: ضد الحضارة، وهو من الظهور، بدا يبدوا: إذ سكن ~~البادية. # يروى عن عمر رضي الله عنه: " إذا بدونا جفونا " أي: تخلقنا ~~بأخلاق البدويين. # قال الواحدي: البدو بسيط من الأرض يظهر فيه الشخص من بعيد، وأصله ~~من بدا يبدوا بدوا، ثم سمي المكان باسم المصدر، ويقال: بدو ~~وحضر، وكان يعقوب وولده بأرض كعنان أهل مواش وبرية. # وقال ابن عباس رضي الله عنه : [كان يعقوب قد تحول إلى بدا ~~وسكنها] ومنها قدم على يوسف، وبها مسجد تحت جبلها. # قال ابن الأنباري " بدا " اسم موضع معروف، يقال: بين شعيب عليه السلام ~~ وبدا، وهما موضعان ذكرهما جميعا كثير: [الطويل] # 3156 وأنت التي حببت شعبا إلى بدا # إلي وأوطاني بلاد سواهما # والبدو على هذا القول معناه: قصد هذا الموضع الذي يقال له بدا، يقال: ~~بدا القوم بدوا إذا أتوا بدا، كما يقال: غار القوم غورا، ~~إذا أتوا الغور، وكان معنى الآية: وجاء بكم من قصد بدا، وعلى هذا القول ~~كان يعقوب، وولده حضريين، لأن البدو لم يرد به البادية لكن عني به قصد ~~بدا. # فصل # اعلم أن قوله { يأبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد ~~جعلها ربي حقا } وهو قوله: # إني رأيت أحد عشر كوكبا # [يوسف:4]، { وقد أحسن بي } أنعم علي { إذ أخرجني من ~~السجن } ولم يقل من الجب مع كونه أشد ms5097 من السجن استعمالا للكرم ~~كيلا تخجل إخوته بعدما قال: # لا تثريب عليكم اليوم # [يوسف:92] ولو ذكر الجب كان تثريبا لهم؛ ولأن نعمة الله عليه في ~~أخراجه من السجن أعظم؛ لأنه بعد الخروج من الجب صار إلى العبودية ~~والرق وبعد الخروج من السجن صار إلى الملك ولأنه لما خرج من الجب وقع في ~~المضار بسبب تهمة المرأة، ولما خرج من السجن، وصل إلى أبيه وإخوته ~~وزالت عنه التهمة. # وقال الواحدي: " النعمة في إخراجه من السجن أعظم؛ لأن دخوله في ~~السجن كان بسبب ذنب هم به، وهذا ينبغي أن يحمل على ميل الطبع، ورغبة ~~النفس، وهذا وإن كان في محل العفو في حق غيره إلا أنه كان سببا ~~للمؤاخذة في حقه؛ لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين ". # فصل دلت هذه الآية على أن فعل العبد خلق الله تعالى ؛ لأنه ~~أضاف إخراجه من السجن إلى [الله تعالى] ومجيئهم من البدو إليه، وهذا ~~صريح في أن فعل العبد فعل الله تعالى فإن حملوه على أن المراد أن ~~ذلك إنما حصل بإقدار الله، وتدبيره، فذلك عدول عن الظاهر. # ثم قال: { من بعد أن نزغ الشيطان } أفسد وأغوى، وأصله من ~~نزغ الراكض الدابة حملها على الجري إذا نخسها. # احتج الجبائي، والكعبي، والقاضي أبو إسحاق بهذه الآية: على ~~بطلان الجبر قالوا لأنه تعالى أخبر عن يوسف عليه الصلاة والسلام ~~ أنه أضاف الإحسان إلى الله تعالى وأضاف النزغ إلى الشيطان، ~~ولو كان ذلك أيضا من الرحمن، لوجب أن لا ينسب إلا إليه كما في النعمة. # الجواب: أن إضافة هذا القول إلى الشيطان مجاز؛ لأن عندكم الشيطان ~~لا يتمكن من الكلام الخفي، كما أخبر الله عنه، فقال: # وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي # [إبراهيم:22] فظاهر القرآن يقتضي إضافة هذا الفعل إلى الشيطان مع أنه ~~ليس كذلك، وأيضا: فإن كان إقدام المرء على المعصية بسبب الشيطان، ~~فإقدام الشيطان على المعصية إن كان بسبب شيطان آخر؛ لزم التسلسل وهو ~~محال، وإن لم يكن بسبب شيطان آخر، فليقل ms5098 مثله في حق الإنسان، فثبت أن ~~إقدام المرء على الجهل والفسق بسب الشيطان وليس بسبب نفسه لأن أحدا لا ~~يميل طبعه إلى اختيار الجهل والفسق الذي يوجب وقوعه في الذم في ~~الدنيا، وعذاب الآخرة ولما كان وقوعه في الكفر، والفسق لا بد له من ~~موقع، وقد بطل القسمان لم يبق إلا أن يقال: ذلك من الله تعالى ويؤيد ~~ذلك قوله: { أخرجني من السجن وجآء بكم من البدو ~~} وهذا صريح في أن الكل من الله تعالى . # ثم قال: { إن ربي لطيف لما يشآء } " لطيف " أصله أن ~~يتعدى بالباء، وإنما يتعدى باللام لتضمنه معنى مدبر، أي: أنت بلطفك ~~لما تشاء. # والمعنى: أنه ذو لطف لما يشاء، وقيل: بمن يشاء، وحقيقته اللطف: الذي ~~يوصل الإحسان إلى غيره بالرفق. # والمعنى: أن اجتماع يوسف، وإخوته مع الألف، والمحبة، وطيب العيش، ~~وفراغ البال كان في غاية البعد عن العقول، إلا أنه تعالى لطيف، ~~فإذا أراد حصول شيء سهل أسبابه، فحصل، وإن كان في غاية البعد عن ~~الحصول. # { إنه هو العليم الحكيم } يعني أن كونه لطيفا في ~~أفعاله إنما كان لأنه عليم بجميع الاعتبارات الممكنة التي لا نهاية ~~لها، فيكون عالما بالوجه الذي يسهل تحصيل ذلك الصعب. # فصل # اختلفوا في مقدار الوقت ما بين الرؤيا واجتماعهم. فقيل: ثمانون سنة، ~~وقيل: سبعون، وقال الأكثرون: أربعون، ولذلك يقولون: إن تأويل الرؤيا ~~إنما صحت بعد أربعين سنة. وقيل: ثماني عشرة سنة وبقي في العبودية، ~~والملك، والسجن ثمانين سنة، ثم وصل إليه أقاربه، وعاش بعد ذلك ثلاثا ~~وعشرين سنة. وقال: أقام يعقوب بمصر عند يوسف أربعا وعشرين سنة، ثم مات ~~بمصر، فلما حضرته الوفاة أوصى ابنه يوسف أن يحمل جسده حتى يدفن عد أبيه ~~إسحاق، ففعل يوسف ومضى به حتى دفنه بالشام، ثم رجع إلى مصر. # قال سعيد بن جبير: نقل يعقوب في تابوت من ساج إلى بيت المقدس فوافق ~~ذلك يوم مات عيصو، فدفنا في قبر واحد، وكانا ولدا في بطن واحد، وكان ~~عمرهما مائة وسبعة وأربعين سنة، وعاش يوسف ms5099 بعد ذلك عشرين سنة، وقيل: ستين ~~سنة ومات وهو ابن مائة عشرين سنة، وفي التوراة مائة وعشرين، وولد له ~~إفرائيم، وميشا وولد لإفرائيم نون ولاوي، ويوشع فتى موسى عليه الصلاة ~~والسلام ورحمة امرأة أيوب عليه الصلاة والسلام وأنه تمنى الموت. ~~وقيل: ما تمناه نبي قبله، ولا بعده فتوفاه الله طيبا طاهرا، ~~فتخاصم أهل مصر في دفنه كل أحد يحب أن يدفنه في محلتهم، فرأوا أن ~~الأصلح أن يعمل له صندوقا من مرمر، ويجعلوه فيه، ويدفنوه في النيل ~~ليمر الماء عليه، ويصل إلى مصر، وبقي هناك إلى أن بعث موسى عليه الصلاة ~~والسلام ، فأخرج عظامه من مصر، ودفنه عند أبيه. # قوله تعالى: { رب قد آتيتني من الملك } الآية قرأ عبد ~~الله: (آتيتن وعلمتن) بغير ياء فيهما. وحكى ابن عطية أن أبا ذر قرأ: " ~~أتيتني " بغير ألف بعد الهمزة، و " من " في " من الملك " ، ~~وفي: " من تأويل " للتبعيض والمفعول محذوف أي: عظيما من الملك، فهي ~~صفة لذلك المحذوف. وقيل: زائدة. وقيل: لبيان الجنس، وهذان بعيدان. و " ~~فاطر " يجوز أن يكون نعتا ل " رب " ويجوز أن يكون بدلا أو ~~بيانا، أو منصوبا بإضمار أعني أو نداء ثانيا. # فصل # لما جمع الله شمل يوسف عليه الصلاة والسلام علم أن نعيم ~~الدنيا لا يدوم فسأل الله حسن العاقبة، فقال: { رب قد ءاتيتني من الملك ~~} يعني ملك مصر، والملك اتساع المقدور لمن له السياسة، والتدبير. { ~~وعلمتني من تأويل الأحاديث } يعني تعبير الرؤيا. # قوله: { فاطر السماوات والأرض } يعني: يا فاطر السموات ~~والأرض، أي: خالقهما قال ابن عباس رضي الله عنهما : ما كنت أدري ما ~~معنى الفاطر حتى احتكم إلي اعرابيان في بئر، فقال أحدهما: أنا ~~فطرتها وأنا ابتدأت حفرها. # وقل أهل اللغة: أصل الفطر: الشق، يقال: فطرت ناب البعير، إذا ~~بدا، وفطرت الشيء، فانفطر، إذا شققته، فانشق، وتفطرت الأرض ~~بالنبات والشجر بالورق، إذا تصدعت. # هذا أصله في اللغة، ثم صارت عبارة عن الإيجاد؛ لأن ذلك الشيء في حال ~~عدمه كأنه في ظلمة وخفاء، فلما دخل في الوجود، ms5100 صار كأنه انشق، ~~وخرج ذلك الشيء منه. # { توفني مسلما وألحقني بالصالحين } أي: اقبضني ~~إليك مسلما، وألحقني بالصالحين يريد بآبائي النبيين. # قال قتادة: لم يسأل نبي من الأنبياء الموت إلا يوسف، وبه قال جماعة من ~~المفسرين. # وقال ابن عباس رضي الله عنه في رواية عطاء: يريد: إذا توفيتني، ~~فتوفني على الإسلام. # فصل # دل قوله { توفني مسلما } على أن الإيمان من الله؛ لأنه لو ~~كان من العبد، لكان تقديره: كأنه يقول: افعل يا من لا يفعل. # قالت المعتزلة: إذا كان الفعل من الله، فكيف يجوز أن يقال للعبد: افعل ~~مع أنك لست فاعلا؟ فيقال لهم: إذا كان تحصيل الإيمان، وابقاؤه من ~~العبد لا من الله، فكيف يطلب ذلك من الله تعالى . # قال الجبائي والكعبي: معناه: أطلب اللطف في الإقامة على الإسلام إلى ~~أن أموت عليه، وهذا الجواب ضعيف، لأن السؤال وقع عن الإسلام، فحمله على ~~اللطف عدول عن الظاهر، وأيضا: فكل ما كان في مقدور الله من الإلطاف، ~~فقد فعله، كان طلبه من الله محالا. # فإن قيل: الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يعلمون أنهم يموتون لا ~~محالة على الإسلام، فكان هذا الدعاء طلبا لتحصيل الحاصل، وأنه لا ~~يجوز. # فالجواب: أن كمال حال المسلم: أن يستسلم لحكم الله على وجه يستقر قلبه ~~على ذلك الإسلام، ويرضى بقضاء الله، وتطمئن النفس، وينشرح الصدر في هذا ~~الباب، وهذه حالة زائدة عن الإسلام الذي هو ضد الكفر، والمطلوب هاهنا ~~هو الإسلام بهذا المعنى. # فإن قيل: إن يوسف عليه الصلاة والسلام كان من أكابر الأنبياء، ~~والصلاح أول درجات المؤمنين؛ فالواصل إلى الغاية كيف يليق به أن يطلب ~~البداية؟. # قال ابن عباس رضي الله عنه وغيره: يعني ب " آبائه ": إبراهيم، ~~وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. # والمعنى: ألحقني بهم في ثوابهم، ودرجاتهم، ومراتبهم. # " روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، عن جبريل عليه السلام عن رب ~~العزة قال: " من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما ~~أعطي السائلين " ". # فلهذا من أراد الدعاء، لا بد وأن يقدم عليه ms5101 الثناء على الله ~~تعالى فههنا يوسف عليه الصلاة والسلام لما أراد الدعاء قدم ~~عليه الثناء، فقال { رب قد آتيتني من الملك ~~وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات ~~والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة } ثم دعا عقبه، ~~فقال: { توفني مسلما وألحقني بالصالحين } وكذلك فعل ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام فقال: # الذي خلقني فهو يهدين # [الشعراء:78] إلى قوله: # يوم الدين # [الشعرا:82] فهذا ثناء ثم قال: # رب هب لي حكما # [الشعراء:83] إلى آخر كلامه. ### || [12.102-107] # قوله تعالى: { ذلك من أنبآء الغيب } الآية " ذلك ": ~~مبتدأ و { من أنبآء الغيب }: خبره، و " نوحيه ": حال، ~~ويجوز أن يكون خبرا ثانيا، أو حالا من الضمير في الخبر، وجوز ~~الزمخشري: أن يكون موصولا بمعنى: الذي، وتقدم نظيره، والمعنى: ذلك ~~الذي ذكرت من أنباء الغيب نوحيه إليك، وما كنت يا محمد عند أولاد ~~يعقوب، { إذ أجمعوا أمرهم } أي عزموا على إلقاء يوسف في ~~الجب، وما كنت هناك، ذكره على وجه التهكم، وتقدم الكلام على هذا ~~اللفظ عند قوله: # فأجمعوا أمركم # [يونس:71] وقوله: { وهم يمكرون } أي: بيوسف والمقصود من هذا ~~إخبار عن الغيب، فيكون معجزا؛ لأن محمدا صلوات الله وسلامه عليه ~~لم يطالع الكتب، ولم يتلمذ لأحد، ما كانت بلدته بلدة العلماء؛ فإتيانه ~~بهذه القصة الطويلة، على وجه لم يقع فيها تحريف، ولا غلط من غير ~~مطالعة، ولا تعلم، كيف لا يكون معجزا؟. # روي أن اليهود وقريشا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة ~~يوسف؛ فلما أخبرهم على موافقة التوراة لم يسلموا، فحزن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فقيل: إنهم لا يؤمنون، ولو حرصت على إيمانهم. # قوله { وهم يمكرون }: حال، { ولو حرصت } معترض بين " ~~ما " وخبرها، وجواب " لو " محذوف؛ لدلالة ما تقدم عليه. # قال أبو بكر الأنباري رحمه الله: " جواب " لو " محذوف؛ لأن جواب " ~~لو " لا يكون مقدما عليها، فلا يجوز أن يقال: قمت لو قمت ". # وقال الفراء في " المصادر ": حرص يحرص حرصا، وفي لغة أخرى: ~~حرص يحرص حرصا، ومعنى الحرص: طلب الشيء بأقصى ما يكون من ~~الاجتهاد، { إلا ms5102 وهم مشركون }: حال. # قوله { وما تسألهم } على تبليغ الرسالة، والدعاء إلى الله ~~عز وجل " من أجر " جعلوا خبر " إن " هو " ما " أي: القرآن، " ~~إلا ذكر ": عظة وتذكير " للعالمين ". # ثم قال: " وكأين ": وكم، " من آية ": عبرة ودلالة، { في ~~السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها ~~معرضون }: لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون. # واعلم: أن دلائل التوحيد، والعلم، والقدرة، والحكمة والرحمة لا بد وأن ~~تكون من أمور محسوسة، وهي: إما الأجرام الفلكية، وإما الأجرام ~~العنصرية. # أما الأجرام الفلكية فهي قسمان: إما الأفلاك، وإما الكواكب. # فأما الأفلاك فقد يستدل بمقاديرها المعينة على وجود الصانع، وقد يستدل ~~بكون بعضها فوق بعضه أو تحته، وقد يستدل بحركاتها، إما بسرعة حركتها، ~~وإما باختلاف جهة تلك الحركات. # وأما الأجرام الكوكبية، فتارة تدل على وجود الصانع بمقاديرها، ~~وأجرامها، وحركاتها في سرعتها وبطئها، وتارة بألوانها وأضوائها، وتارة ~~بتأثيراتها في حصول الأضواء والظلال. # وأما دلائل الأجرام العنصرية: فإما أن تكون مأخوذة من بسائطها، وهو ~~البر والبحر، وإما مأخوذة من [المواليد]، وهي أقسام: # أحدها: العلوية كالرعد، والبرق، والسحاب، والمطر، والثلج، والهواء، ~~وقوس قزح. # وثانيها: المعادن على اختلاف طبائعها وصفاتها، وكيفياتها. # وثالثها: النبات وخاصية الخشب والورق بخصوصه. # ورابعها: اختلاف حال الحيوانات في أشكالها، وطبائعها، وأصواتها، وخلقها. # وخامسها: تشريح أبدان الناس، وتشريح القوى الإنسانية، وبيان المنافع ~~الحاصلة منها، ومن هذا الباب أيضا قصص الأولين والملوك الذين استولوا ~~على الأرض، وقهروا العباد، وخربوا البلاد. ماتوا ولم يبق لهم في الدنيا ~~خبر، ثم بقي الوزر والعقاب عليهم، قال ابن الخطيب: فلهذا ضبط أنواع هذه ~~الدلائل. # فصل # الجمهور على جر الأرض عطفا على السموات، والضمير في " عليها " ~~للآية، فيكون " يمرون " صفة للآية، وحالا لتخصصها بالوصف بالجر. # وقيل: يعود الضمير في " عليها " للأرض فيكون " يمرون عليها " ~~حالا منها. # وقال أبو البقاء: وقيل: منها ومن السموات، أي: يكون الحال من الشيئين ~~جميعا، وهذا لا يجوز؛ إذا كان يجب أن يقال: عليهما، وأيضا: فإنهم لا ~~يمرون في السماوات إلا أن يراد: يمرون على آياتها، فيعود المعنى ~~على عود الضمير للآية، وقد ms5103 يجاب عن الأول بأنه من باب الحذف؛ كقوله ~~تعالى : # والله ورسوله أحق أن يرضوه # [التوبة:62]. # وقرأ السدي: " والأرض " بالنصب، ووجهه أنه من باب الاشتغال، ~~ويفسر الفعل بما يوافقه معنى، أي: يطوفون الأرض، أو يسلكون الأرض. # " يمرون عليها " كقولك: زيدا مررت به، وقرأ عكرمة، وعمرو بن ~~فايد: " والأرض " على الابتداء، وخبره الجملة بعده، والضمير في هاتين ~~القراءتين يعود على الأرض فقط. # قوله { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم ~~مشركون } والمعنى: أنهم كانوا مقرين بوجود الإله، قال تعالى ~~: # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله # [الزمر:38] إلا أنهم كانوا [يثبتون] له شريكا في العبودية. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت في تلبية المشركين من العرب، ~~كانوا يقولون: " لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك ~~إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك ". # وعن عطاء رضي الله عنه هذا في الدعاء، وذلك أن الكفار نسوا ربهم ~~في الرخاء؛ فإذا أصابهم البلاء، أخلصوا في الدعاء، قال تعالى: # وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين ~~له الدين # [يونس:22] # فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون # [العنكبوت:65]. # وعن ابن عباس: إن أهل مكة قالوا: الله ربنا لا شريك له، والملائكة ~~بناته، فلم يوحدوا بل أشركوا، وقالت اليهود: ربنا الله وحده، وعزيز ~~ابن الله، وقالت النصارى: الله وحده، والمسيح ابن الله. # واحتجت الكرامية بهذه الآية على أن الإيمان: عبارة عن الإقرار باللسان ~~فقط؛ لأنه تعالى حكم بكونهم مؤمنين مع أنهم مشركون، وذلك يدل على ~~أن الإيمان عبارة عن مجرد الإقرار، وجوابه معلوم. # قوله تعالى: { أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب ~~الله }: عقوبة تغشاهم، وتنبسط عليهم، وتغمرهم. # { أو تأتيهم الساعة بغتة }. # قرأ أبو حفص، ومبشر بن عبد الله: { أو تأتيهم الساعة ~~بغتة } بالياء من تحت؛ لأنه مؤنث مجازي؛ وللفصل أيضا، و " ~~بغتة ": نصب على الحال، يقال: بغتهم الأمر بغتا وبغتة، إذا ~~فاجأهم من حيث لم يتوقعوا. # وقوله: { وهم لا يشعرون } الناصب لقوله: " بغتة ". ### || [12.108] # قوله: { قل هذه سبيلي } الآية. # قل يا محمد هذه الدعوة التي أدعو ms5104 إليها، والطريقة التي أنا عليها، ~~سنتي ومنهاجي، وسمي الدين سبيلا، لأنه الطريق الذي يؤدي إلى ~~الثواب، ومثله: # ادع إلى سبيل ربك # [النحل:125] والسبيل في أصل اللغة: الطريق، ثم شبهوا بها التعبدات؛ ~~لأن الإنسان يمر عليها إلى الجنة. # قوله: { أدعو إلى الله } يجوز أن يكون مستأنفا، وهو الظاهر، ~~وأن يكون حالا من الياء، و { على بصيرة } حال من فاعل " أدعوا ~~" أي: أدعوا كائنا على بصيرة. # وقيل: تم الكلام عند قوله: { أدعو إلى الله } ثم استأنف { ~~على بصيرة أنا ومن اتبعني }. # قوله { ومن اتبعني } عطف عليه، أي: على فاعل " أدعوا " ولذلك ~~أكد بالضمير المنفصل، ويجوز أن يكون مبتدأ، والخبر محذوف، أي: ومن ~~اتبعني يدعو أيضا، ويجوز أن يكون " على بصيرة ": خبرا مقدما، و ~~" أنا ": مبتدأ مؤخر، و " من اتبعني " عطف عليه أيضا، ومفعول " ~~أدعوا " يجوز أن لا يراد، أي: أنا من أهل الدعاء إلى الله، ويجوز أن ~~يقدر: أن أدعواالناس. وقرأ عبد الله: " هذا سبيلي " بالتذكير، ~~وقد تقدم [الأنعام:55] أنه يذكر ويؤنث. # فصل # والمعنى: أدعوا إلى الله على بصيرة على يقين، والبصيرة: هي المعرفة ~~التي يميز بها بين الحق والباطل، وهي الحجة والبرهان، " أنا ومن ~~اتبعني ": آمن بي، وسار في طريقي، وسيره: اتباع الدعوة إلى ~~الله عز وجل . # قال الكلبي، وابن زيد: حق على من اتبعه أن يدعو إلى ما دعى إليه ~~ويذكر بالقرآن. # قال ابن عباس رضي الله عنه : يعني: أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كانوا على أحسن طريقة، وأقصد هداية معدن العلم، وكنز الإيمان ~~وجند الرحمن. # قال عليه الصلاة والسلام : # " العلماء أمناء الرسل على عباده، حيث يحفظون ما ~~يدعون إليه ". # ثم قال { وسبحان الله } أي: وقل: سبحان الله تنزيها عما ~~يشركون. # { ومآ أنا من المشركين } الذين اتخذوا من الله ضدا ~~وندا. وهذه الآية تدل على أن علم الأصول حرفة الأنبياء صلوات ~~الله وسلامه عليهم ، وأن الله تعالى ما بعثهم إلى الخلق إلا لأجلها. ### || [12.109-110] # قوله تعالى: { ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا } الآية: ~~وهذا يدل على أنه ما ms5105 بعث رسولا إلى الخلق من النسوان، ولا من أهل ~~البادية، وقال عليه الصلاة والسلام : " من بدا جفا ". # قول: " نوحي " العامة على " يوحى " بالياء من تحت مبنيا للمفعول. # وقرأ حفص: " نوحي " بالنون، وكسر الحاء مبنيا للفاعل، اعتبارا ~~بقوله: # ومآ أرسلنا # [النحل:43] وكذلك قرأ ما في النحل، وأول الأنبياء، ووافقه الأخوان على ~~قوله: { نوحي إليهم } في الأنبياء على ما سيأتي إن شاء الله ~~تعالى والجملة صفة ل " رجالا " و { من أهل القرى } صفة ~~ثانية، وكان تقديم هذه الصفة على ما قبلها أكثر استعمالا، لأنها ~~أقرب إلى المفرد، وقد تقدم تحريره في المائدة. # فصل # قوله: { من أهل القرى } أي من أهل الأمصار دون أهل البوادي؛ ~~لأن أهل الأمصار أعقل وأفضل وأعلم وأحلم. # قال الحسن: لم يبعث الله نبيا من أهل البادية ولا من الجن ولا من ~~الملائكة وقيل إنما لم يبعث من أهل البادية لغلظهم وجفاهم كا تقدم. # { أفلم يسيروا في الأرض } يعني: [هؤلاء] المشركين المكذبين، ~~{ فينظروا كيف كان عاقبة }: آخر أمر، { الذين من ~~قبلهم } يعنى: الأمم المكذبين فيعتبروا، { ولدار الآخرة ~~خير للذين اتقوا } يقول سبحانه وتعالى : هذا فعلنا بأهل ~~ولايتنا وطاعتنا أن ننجهم عند نزول العذاب، وما في الدرار الآخرة لهم ~~خير، فترك ذلك اكتفاء به لدلالة الكلام عليه، والمعنى: ولدار الحال ~~الآخرة. # وقيل: هو إضافة الشيء إلى نفسه؛ كقوله: # إن هذا لهو حق اليقين # [الواقعة:95]، وكقولهم: يوم الخميس، وربيع الآخر، { أفلا ~~تعقلون } فتؤمنون، قرأ نافع، وابن عامر، ورواية عن عاصم: " ~~تعقلون " بتاء الخطاب، والباقون بياء الغيبة. # قوله تعالى: { حتى إذا استيأس الرسل } الآية. # ليس في الكلام شيء يكون، " حتى " غاية له؛ فلذلك اختلفوا في تقدير شيء ~~يصح جعله مغيا ب " حتى ". # فقدره الزمخشري: ما أرسلنا من قبلك رجالا، فتراخى نصرهم حتى. # وقدره القرطبي: ما أرسلنا من قبلك يا محمد إلا رجالا، ثم لم نعاقب ~~أممهم بالعقاب حتى إذا. # وقدره ابن الجوزي: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا، فدعوا قومهم ~~فكذبوهم، فطال دعاؤهم، وتكذيب قومهم حتى إذا، وأحسنها المقدم. # وذكر ابن عطية ms5106 شيئا من معنى قوله: { أفلم يسيروا في ~~الأرض فينظروا } فقال: ويتضمن قوله " أفلم يسيروا " إلى من ~~قبلهم، أن الرسل الذين بعثهم الله تعالى من أهل القرى دعوهم، فلم ~~يؤمنوا حتى نزلت به المثلاث، فصبروا في حيز من يعتبر بعاقبته؛ فلهذا ~~المضمن حسن أن تدخل " حتى " في قوله: " حتى إذا ". # قال أبو حيان: ولم يتلخص لنا من كلامه شيء يكون ما بعد " حتى " غاية ~~له؛ لأنه علق الغاية بما ادعى أنه فهم ذلك من قوله: " أفلم ~~يسيروا " ، قال شهاب الدين: قوله: " دعوهم فلم يؤمنوا " هو ~~المغيا. # قوله { وظنوا أنهم قد كذبوا } قرأ الكوفيون: " ~~كذبوا " بالتخفيف، والباقون بالتثقيل. # فأما قراءة التثقيل، فاضطربت فيه الأقوال: فروي إنكارها عن عائشة ~~رضي الله عنها قالت: " معاذ الله؛ لم تكن الرسل لتظن ذلك ~~بربها " وينبغي ألا يصح لك عنها؛ لتواتر هذه القراءة، وقد وجهت ~~بأربعة [أوجه]: # أحدها: أن الضمير في " وظنوا " عائد على المرسل إليهم؛ لتقدمهم في ~~قوله: { كيف كان عاقبة الذين من قبلهم } ولأن الرسل ~~تستدعي مرسلا إليهم، والضمير في " أنهم " و " كذبوا " عائد على ~~الرسل والمعنى: وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوا، أي: كذبهم من ~~أرسلوا إليه بالوحي، وينصرهم عليهم. # الثاني: أن الضمائر الثلاثة عائدة على الرسل. # قال الزمخشري في تقديره هذا الوجه: " حتى إذا استيئسوا من ~~النصر، وظنوا أنهم قد كذبوا، أي كذبتهم أنفسهم حين حدثتهم أنهم ~~ينصرون، أو رجاؤهم؛ لقولهم: رجاء صادق، ورجاء كاذب، والمعنى: أن ~~مدة التكذيب والعداوة من الكفار، وانتظار النصر من الله تعالى ، ~~وتأميله قد تطاولت عليهم وتمادت؛ حتى استشعروا القنوط، وتوهموا أن لا ~~نصر لهم في الدنيا؛ فجاءهم نصرنا " انتهى. # فقد جعل الفاعل المقدر: إما " أنفسهم " ، وإما " رجاؤهم " ، وجعل ~~الظن بمعنى: التوهم، فأخرجه عن معناه الأصلي، وهو يرجح أحد ~~الطرفين، وعن مجازه، وهو استعماله في المتيقن. # الثالث: أن الضمائر كلها عائدة على الرسل، والظن على بابه من ~~الترجيح، وإلى هذا نحا ابن عباس، وابن مسعود، وابن جبير، وقالوا: ~~والرسل بشر؛ فضعفوا، وساء ظنهم. # وهذا لا ينبغي أن ms5107 يصح عن هؤلاء: فإنها عبارة غليظة على الأنبياء، ~~وحاشا الأنبياء من ذلك، ولذلك ردت عائشة، وجماعة كثيرة هذا التأويل، ~~وأعظموا أن ينسبوا الأنبياء إلى شيء من ذلك. # قال الزمخشري: " إن صح هذه عن ابن عباس، فقد أراد بالظن؛ ما ~~يخطر بالبال، ويهجس في القلب من شبه الوسوسة، وحديث النفس على ما ~~عليه البشرية، وأما الظن الذي هو ترجيح أحد الجائزين عل الآخر؛ فغير ~~جائز على رجل من المسلمين، فما بال رسل الله الذين هم أعرف بربهم ~~". # قال شهاب الدين: " ولا يجوز أيضا أن يقال: خطر ببالهم شبه الوسوسة، ~~فإن الوسوسة من الشيطان، وهم معصومون منه ". # وقال الفارسي أيضا: " إن ذهب ذاهب إلى أن المعنى: ظن الرسل الذين ~~وعد الله أممهم على لسانهم قد كذبوا؛ فقد أتى عظيما لا يجوز أن ينسب ~~مثله إلى الأنبياء، ولا إلى صالح عباد الله، وكذلك من زعم: أن ابن ~~عباس ذهب إلى أن الرسل قد ضعفوا، [فظنوا] أنهم قد أخلفوا؛ لأن الله لا ~~يخلف الميعاد، ولا مبدل لكلماته ". # وقد روي عن ابن عباس أيضا، أنه قال: معناه: وظنوا حين ضعفوا وغلبوا؛ ~~أنهم قد أخفلوا ما وعدهم الله به من النصر،وقال: وكانوا بشرا؛ وتلا قوله ~~تعالى: # وزلزلوا حتى يقول الرسول # [البقرة:214]. # الرابع: أن الضمائر كلها ترجع إلى المرسل إليهم أي: وظن المرسل ~~إليهم أن الرسل قد كذبوهم فيما ادعوه من النبوة، وفيما يوعدون به من ~~لم يؤمن بهم من العقاب قبل، وهذا هو المشهور من تأويل ابن عباس، وابن ~~مسعود، وابن جبير، ومجاهد، قالوا: " و لايجوز عود الضمائر على الرسل؛ ~~لأنهم معصومون ". # ويحكى: أن ابن جبير حين سئل عنها، فقال: نعم، حتى إذا استيأس الرسل ~~من قومهم أن يصدقوهم، وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوهم؛ فقال ~~الضحاك بن مزاحم وكان حاضرا : " لو رحلت في هذه إلى اليمن ~~كان قليلا ". # وأما قراءة التشديد فواضحة، وهو أن تعود الضمائر كلها على الرسل، أي: ~~وظن الرسل أنهم قد كذبهم أممهم فيما جاءوا به؛ لطول البلاء عليهم. # وفي صحيح ms5108 البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: # " إنهم أتباع الأنبياء الذين آمنوا بربهم وصدقوا، ~~طال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر، حتى إذا ~~استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم، وظنت الرسل ~~أنهم قد كذبوهم، جاءهم نصر الله عند ذلك ". # وبهذا يتحد معنى القراءتين، والظن هنا يجوز أن يكون على بابه، وأن ~~يكون بمعنى: اليقين، وأن يكن بمعنى: التوهم كما تقدم. # وقرأ ابن عباس، ومجاهد، والضحاك رضي الله عنهم : " كذبوا " ~~بالتخفيف مبنيا للفاعل، والضمير على هذه القراءة في " وظنوا " عائد ~~على الأمم، في أنهم قد كذبوا، عائد على الرسل، أي: ظن المرسل إليهم ~~أن الرسل قد كذبوهم فيما وعدوهم به من النصر، أو من العقاب. # ويجوز أن يعود الضمير في " ظنوا " على الرسل، وفي " أنهم قد ~~كذبوا " على المرسل إليهم، أي: وظن الرسل أن الأمم كذبتهم فميا ~~وعدهم به من أنهم لا يؤمنون به، والظن هنا بمعنى: اليقين واضح. # ونقل أبو البقاء: " أنه قرىء مشددا مبنيا للفاعل، وأوله: بأن الرسل ~~ظنوا أن الأمم قد كذبوهم ". # وقال الزمخشري بعد ما حكى قراءة المبني للفاعل: " ولو قرىء بها مشددة ~~لكان معناه: وظن الرسل أن قومهم قد كذبوهم فيما وعدوهم " فلم يحفظها ~~قراة، وهي غريبة، وكان قد جوز في القراءة المتقدمة: أن الضمائر ~~كلها تعود على الرسل، وأن يعود الأول على المرسل إليهم وما بعده على ~~الرسل، فقال: " وقرأ مجاهد: " كذبوا " بالتخفيف على البناء للفاعل، ~~على: وظن الرسل أنهم قد كذبوا فيما حدثوا به قومهم من النصرة: ~~إما على تأويل ابن عباس، وإما على أن قومهم إذا لم يروا لموعدهم ~~أثرا، قالوا لهم: قد كذبتمونا، فيكونون كاذبين عند قومهم، أي: وظن ~~المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوا ". # وقوله " جاءهم ": جواب الشرط، وتقدم الكلام في " حتى " هذه ما ~~هي؟. أي: لما بلغ الحال إلى الحد المذكور؛ جاءهم نصرنا. # فإن قيل: لم يجر ذكر المرسل إليهم فيما سبق، فكيف يحسن عود الضمير ~~إليهم؟. # فالجواب: ذكر الرسل يدل على ذكر المرسل إليهم، أو يقول: إن ذكرهم جرى ms5109 ~~في قولهم: { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان ~~عاقبة الذين من قبلهم } ويكون الضمير عائدا على الذين من ~~قبلهم، من مكذبي الرسل. # قوله: { فنجي من نشآء } قرأ عاصم، وابن عامر بنون واحدة، ~~وجيم مشددة، وياء مفتوحة؛ على أنه فعل ماض مبني للمفعول، و " من ~~": قائمة مقام الفاعل، والباقون بنونين ثانيتهما ساكنة والجيم خفيفة، ~~والياء الساكنة على أنه مضارع أنجى، و " من " مفعولة، والفاعل ضمير ~~المتكلم المعظم نفسه على الاستقبال، على معنى: فنفعل بهم ذلك، وهذه حكاية ~~حال، ألا ترى أن القصة فيما مضى، وإنما حكى الحال؛ كقوله تعالى # هذا من شيعته وهذا من عدوه # [القصص:15] إشارة إلى الحاضر، والقصة ماضية. # وقرأ الحسن، والجحدري، ومجاهد في آخرين كقراءة عاصم، إلا أنهم ~~سكنوا الياء، والأجود في تخريجها ما تقدم، وسكنت الياء تخفيفا، ~~كقراءة: # تطعمون أهليكم # [المائدة:89] وقد سكن الماضي الصحيح، فكيف بالمعتل؟ # كقوله: [مجزوء الرمل] # 3157................ # قد خلط بجلجلان # وتقدم من أمثاله. # وقيل: الأصل " ننجي " بنونين؛ فأدغم النون في الجيم، وليس بشيء؛ إذا ~~النون لا تدغم في الجيم على أنه قد قيل بذلك في قوله: # ننجي المؤمنين # [الأنبياء:88] كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى . # وقرأ جماعة كقراءة الباقين إلا أنهم فتحوا الياء، قال ابن عطية: " ~~رواها ابن هبيرة، عن حفص، عن عاصم، وهي غلط من ابن هبيرة ". # قال شهاب الدين: توهم ابن عطية أنه مضارع باق على رفعه، فأنكر ~~فتح لامه وغلط راويها، وليس بغلط؛ وذلك أنه إذا وقع بعد الشرط والجزاء ~~معا مضارع مقرون بالفاء، جاز فيه أوجه: # أحدها: نصبه بإضمار " أن " بعد الفاء، وقد تقدم عند قوله: # وإن تبدوا ما في أنفسكم # [البقرة:284] إلى أن قال: " فيغفر " قرىء بنصبه، وقد تقدم توجيهه، ~~ولا فرق بين أن تكون أداة الشرط جازمة كآية البقرة، أو غير جازمة كهذه ~~الآية. # وقرأ الحسن أيضا " فننجي " بنونين، والجيم مشددة، والياء ساكنة ~~مضارع " نجى " مشددة للتكثير، وقرأ هو أيضا، ونصر بن عاصم، وأبو ~~حيوة: " فنجا " فعلا ماضيا مخففا، و " من " فاعله. # ونقل الداني: أنه قرأ ms5110 لابن محيصن كذلك، إلا أنه شدد الجيم، والفاعل ~~ضمير النصر، و " من " مفعوله، ورجح بعضهم قراءة عاصم؛ بأن المصاحف ~~اتفقت على كتبها " فنجي " بنون واحدة، نقله الداني، ونقل مكي: أن ~~أكثر المصاحف عليها، فأشعر هذا بوقوع الخلاف في الرسم، ورجح أيضا: ~~بأن فيها مناسبة لما قبلها من الأفعال الماضية، وهي جارية على طريقة ~~كلام الملوك والعظماء، منحيث بناء الفعل [للمفعول]. # وقرأ أبو حيوة: " يشاء " بالياء، وتقدم أنه قرأ " فنجا " ، أي: ~~فنجا من يشاء الله نجاته، وهم المؤمنون المطيعون. # قوله: { ولا يرد بأسنا }: عذابنا، وقرأ الحسن " بأسه " ~~والضمير لله، وفيها مخالفة للشواذ، " عن القوم المجرمين " أي: ~~المشركين. ### || [12.111] # قوله: { لقد كان في قصصهم } أي: في خبر يوسف وإخوته، " ~~عبرة ": موعظة " لأولي الألباب ". # قرأ أبو عمرو في رواية عبد الوارث، والكسائي في رواية الأنطاكي: " ~~قصصهم " بكسر القاف هو جمع قصة، وبهذه القراءة رجح الزمخشري عود ~~الضمر في " قصصهم " في القراءة المشهورة على الرسل وحدهم. # وحكى غيره: أنه يجوز أن يعود على الرسل، وعلى يوسف وإخوته جميعا كما ~~تقدم. # قال أبو حيان: " ولا ينصره يعني هذه القراءة ؛ إذ قصص يوسف، وأبيه، ~~إخوته تشتمل على قصص كثيرة، وأنباء مختلفة ". # فصل # الاعتبار: عبارة عن العبور من الطريق المعلومة إلى الطريق المجهولة، ~~والمراد منه: التأمل والتفكر، ووجه الاعتبار بقصصهم أمور: # أحدها: أن الذي قدر على إعزاز يوسف عليه الصلاة والسلام ، بعد ~~إلقائه في الجب وإعلائه بعد سجنه، وتمليكه مصر بعد أن كانوا يظنون أنه ~~عبد لهم وجمعه مع أبيه وإخوته على ما أحب بعد المدة الطويلة؛ لقادر ~~على إعزاز محمد صلى عليه وسلم، وإعلاء كلمته. # وثانيها: أن الإخبار عنه إخبار عن الغيب، وفكان معجزة دالة على صدق ~~محمد صلوات الله وسلامه عليه . # وثالثها: أنه قال في أول السورة: # نحن نقص عليك أحسن القصص # [يوسف:3] ثم قال هنا: { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي ~~الألباب } وذلك تنبيه على أن حسن هذه القصة، إنما هو لأجل حصول ~~العبرة منها، ومعرفة الحكمة والقدرة. # فإن قيل: لم قال: { عبرة لأولي ms5111 الألباب } مع أن قوم محمد صلى ~~الله عليه وسلم كانوا ذوي عقول وأحلام، وقد كان الكثير منهم لم يعتبر؟. # فالجواب: أن جميعهم كانوا متمكنين من الاعتبار، والمراد من وصف هذه ~~القصة بكونها عبرة كونها بحيث يعتبرها العاقل. # قوله { ما كان حديثا يفترى } في " كان " ضمير عائد على ~~القرآن، أي: ما كان القرآن المتضمن لهذه القصة الغريبة حديثا مختلقا. # وقيل: بل هو عائد على القصص، أي: ما كان القصص المذكور في قوله: { ~~لقد كان في قصصهم }. # وقال الزمخشري: " فإن قلت: فإلام يرجع الضمير في: { ما كان حديثا ~~يفترى } فيمن قرأ بالكسر؟ قلت: إلى القرآن أي: ما كان القرآن حديثا ~~". # قال شهاب الدين: " لأنه لو عاد على " قصصهم " بكسر القاف؛ لوجب أن ~~يكون " كانت " بالتاء " لإسناد الفعل حينئذ إلى ضمير مؤنث، وإن كان ~~مجازيا. # قوله: { ولكن تصديق } العامة عل نصب " تصديق " والثلاثة بعده، ~~على أنها منسوقة على خبر " كان " أي: ولكن كان تصديق. # وقرأ حمران بن أعين، وعيسى الكوفي، وعيسى القفي: برفع " تصديق " وما ~~بعده، على أنها أخبار لمبتدأ مضمر، أي: ولكن هو تصديق، أي: الحديث ذو ~~تصديق، وقد سمع من العرب مثل هذا بالنصب والرفع؛ قال ذو الرمة: ~~[الطويل] # 3158 وما كان مالي من ثراث ورثته # ولا دية كانت ولا كسب مأثم # ولكن عطاء الله من كل رحلة # إلى كل محجوب السرادق خضرم # وقال لوط بن عبيد الله: [الطويل] # 3159 وإني بحمد الله لا مال مسلم # أخذت ولا معطي اليمين مخالف # ولكن عطاء الله من كل فاجر # قصي المحل معور للمقارف # يروى: " عطاء الله " في البيتين منصوبا على: " ولكن كان عطاء الله " ~~ومرفوعا على: " ولكن هو عطاء الله ". # قال الفراء والزجاج: ونصب " تصديق " على تقدير: ولكن كان تصديق الذي ~~بين يديه، كقوله تعالى : # ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم ولكن ~~رسول الله # [الأحزاب:40] ثم قالا: ويجوز رفعه في قياس النحو على معنى: ولكن هو ~~تصديق الذي بين يديه؛ فكأنهما لم يطلعا على أنهما قراءة. # فصل # معنى الآية: أن محمدا صلى ms5112 الله عليه وسلم لا يصح منه أن يفتري هذه ~~القصة، بحيث تكون مطابقة لها من غير تفاوت. # وقيل: إن القرآن ليس بكذب في نفسه؛ لأنه لا يصح أن يفترى، ثم أكد ~~كونه غير مفترى بقوله: { ولكن تصديق الذي بين يديه } ~~وهو إشارة إلى أن هذه القصة وردت موافقة لما في التوراة، وسائر الكتب ~~الإلهية، ثم وصفه بأن فيه: { وتفصيل كل شيء }. # قيل: كل شيء في واقعة يوسف مع أبيه، وإخوته. # وقيل: يعود على كل القرآن؛ كقوله تعالى : # ما فرطنا في الكتاب من شيء # [الأنعام:38]. # والأولى: أن يجعل هذا الوصف وصفا لكل القرآن، ويكون المراد ما ~~تضمنه من الحلال، والحرام، وسائر ما يتصل بالدين. # قال الواحدي: وعلى هذين التفسيرين جميعا؛ فهو من العام الذي أريد به ~~الخاص؛ كقوله تعالى : # ورحمتي وسعت كل شيء # [الأعراف:156] يريد: وسعت كل شيء أن يدخل فيها، # وأوتيت من كل شيء # [النمل:23]. # ثم وصفه بكونه هدى في الدنيا، وسببا لحصول الرحمة في القيامة، { ~~لقوم يؤمنون } خصهم الله بالذكر؛ لأنهم الذين انتفعوا ~~به، كقوله تعالى # هدى للمتقين # [البقرة:2]. # وروى أبي بن كعب رضي الله عنه ، قال: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرف كرم وبجل وعظم: " ~~علموا أرقاءكم سورة يوسف عليه الصلاة والسلام ، فإنه ~~أيما مسلم تلاها، وعلمها أهله وما ملكت يمينه، هون ~~الله عليه سكرات الموت، وأعطاه القوة أن لا يحسد ~~مسلما " ". ### | [13 - سورة الرعد] ### || [13.1-4] # قوله تعالى: { المر تلك آيات الكتاب } قال ابن عباس: معناه ~~أنا الله أعلم. # وقال أيضا في رواية عطاء: أنا الله الملك الرحمن. وأمالها أبو ~~عمرو والكسائي وفخمها عاصم، وجماعة. # قوله { تلك آيات } يجوز في " تلك " أن تكون مبتدأ، والخبر " ~~آيات " ، والمشار إليه آيات السورة، والمراد ب " الكتاب ": ~~السورة. # وقيل: إشارة إلى ما قص عليه من أنباء الرسل، وهذا الجملة لا محل لها ~~إن قيل: إن " المر " كلام مستقل، أو قصد به مجرد التنبيه، وفي محل ~~رفع على الخبر إن قيل: " المر " مبتدأ، ويجوز أن يكون " تلك " خبرا ~~ل " المر " و ms5113 { آيات الكتاب } بدل، أو بيان، وتقدم تقرير هذا ~~أول الكتاب. # قوله: { والذي أنزل إليك } يجوز في أوجه: # أحدها: أن يكون مبتدأ، و " الحق " خبره. # الثاني: أن يكون مبتدأ و " من ربك " خبره، وعلى هذا ف " الحق " ~~خبر مبتدأ مضمر، أي هو الحق. # الثالث: أن " الحق " خبر بعد خبر. # الرابع: أن يكون " من ربك الحق " كلاهما خبر واحد، قاله أبو ~~البقاء، والحوفي وفيه بعد، إذ ليس هو مثل: " حلو حامض. # الخامس: أن يكون " الذي " صفة للكتاب. # قال أبو البقاء: " وأدخلت الواو في لفظه، كما أدخلت في " النازلين ~~والطيبين " يعني أن الواو تدخل على الوصف، والزمخشري يجيزه، ويجعل ~~الواو في ذلك تأكيدا، وسيأتي إن شاء الله تعالى في الحجر في قوله # إلا ولها كتاب معلوم # [الحجر:4]. # وقوله: (في النازلين والطيبين) يشير إلى بيت الخرنق بنت هفان في مدحها ~~لقومها: [الكامل] # 3160 لا يبعدن قومي الذين هم # سم العداة وآفة الجزر # النازلين بكل معترك # والطيبين معاقد الأزر # فعطف " الطيبين " على " النازلين " وهما صفتان لقوم معينين، إلا ~~أن القوم بين الآية، والبيت واضح، من حيث إن البيت فيه عطف صفة على ~~مثلها، والآية ليست كذلك. # وقال أبو حيان: أن تكون الآية مما عطف [فيه] وصف على مثله، فقال: ~~وأجاز الحوفي أيضا أن يكون " والذي " في موضع رفع عطفا على " آيات ~~" ، وأجاز هو، وابن عطية: أن يكون " والذي " في موضع خفض، وعلى هذين ~~الإعرابين، يكون " الحق " خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الحق، ويكون " ~~والذي " مما عطف فيه الوصف على الوصف، وهما لشيء واحد، كما تقول: ~~جاءني الظريف العاقل، وأنت تريد شخصا واحدا، من ذلك قول الشاعر: ~~[المتقارب] # 3161 إلى الملك القرم وابن الهمام # وليث الكتيبة في المزدحم # قال شهاب الدين: وأين الوصف المعطوف عليه؛ حتى نجعله مثل البيت الذي ~~أنشده. # السادس: أن يكون " الذي " مرفوعا نسقا على " آيات " كما تقدمت ~~حكايته عن الحوفي. وجوز الحوفي أيضا: أن يكون " الحق " نعتا ل " ~~الذي " حال عطفه على " آيات الكتاب ". # فتلخص في " الحق " خمسة أوجه. # أنه خبر أول، ms5114 أو ثان، أو هو ما قبله، أو خبرا لمبتدأ مضمر، أو ~~صفة ل " الذي " إذا جعلناه معطوفا على " آيات ". # فصل # قال ابن عباس رضي الله عنه : أراد ب:الكتاب " القرآن ومعناه: ~~هذه آيات الكتاب، يعني: القرآن، ثم ابتدأ، وهذا القرآن { والذي ~~أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس ~~لا يؤمنون } وهذا زجر وتهديد. # وقال مقاتل: نزلت في مشركي مكة حين قالوا: إن محمدا صلى الله عليه ~~وسلم يقوله من تلقاء نفسه فرد قولهم. # فصل # تمسك نفاة القياس بهذه الآية وقالوا: الحكم المستنبط بالقياس غير ~~ما نزل من عند الله تعالى وإلا لكان من لم يحكم به كافر، لقوله ~~تعالى # ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون # [المائدة:44]، وبالإجماع لا يكفر، فثبت أن الحكم المثبت بالقياس غير ~~نازل من عند الله تعالى ، وإذا كان كذلك، وجب ألا يكون حقا، وإذا ~~لم يكن حقا، وجب أن يكون باطلا، لقوله تعالى: # فماذا بعد الحق إلا الضلال # } [يونس:32] وأجيب: بأن الحكم المثبت بالقياس نازل أيضا؛ لأنه ~~تعالى أمر العمل بالقياس، فكان الحكم الذي دل عليه القياس ~~نازلا من عند الله تعالى . # قوله تعالى { الله الذي رفع السماوات بغير عمد ~~ترونها } [الآية:2] لما ذكر أن أكثر الناس لا يؤمنون، ذكر عقبه ~~ما يدل على صحة التوحيد، والمعاد، وهو هذه الآية. # قوله: " الله " قال الزمخشري: " الله " مبتدأ، و { الذي رفع ~~السماوات } خبره بدليل قوله تعالى: { وهو الذي مد الأرض ~~} ويجوز أن يكون { الذي رفع السماوات } صفة، وقوله: { ~~يدبر الأمر يفصل الآيات } خبرا ". # وقوله: " بغير عمد " هذا الجار في محل نصب على الحال من " ~~السموات " أي: رفعها خالية من عمد، ثم في هذا الكلام وجهان: # أحدهما: انتفاء العمد، والرؤية جميعا، أي: لا عمد؛ فلا رؤية، يعني: لا ~~عمد لها؛ فلا ترى، وإليه ذهب الجمهور. # والثاني: أن لها عمدا، ولكنها غير مرئية. # وعن ابن عباس: ما يدريك أنها بعمد لا ترى، وإليه ذهب مجاهد وهذا ~~قريب من قولهم: " ما رأيت رجلا صالحا " ، ونحو: # لا يسألون الناس ms5115 إلحافا # [البقرة:273] [الطويل] # 3162 على لا حب لا يهتدى بمناره # ................... # وقد تقدم هذا، إذا قلنا: إن " ترونها " صفة أما إذا قلنا: ~~إنها مستأنفة كما سيأتي؛ فيتعين أن لا عمد لها. # والعامة على فتح العين، والميم، وهو اسم جمع، وعبارة بعضهم: أنه جمع ~~نظرا إلى المعنى دون الصناعة، وفي مفرده احتمالان: # أحدهما: أنه عماد مثل " إهاب وأهب ". # والثاني: أنه عمود، كأديم وأدم، وقضيتم وقضم، كذا قاله أبو ~~حيان: وقال أبو البقاء: " جمع عماد، أو عمود مثل: أديم وأدم، وأفيق ~~وأفق، وإهاب وأهب، ولا خامس لها " ، فجعلوا فعولا كفعيل في ذلك. # وفيه نظر؛ لأن الأوزان لها خصوصية، فلا يلزم من جمع " فعيل " على كذا ~~أن يجمع عليه " فعول " ، فكان ينبغي أن ينظروه بأن: " فعولا " جمع على ~~" فعل " ، ثم قول أبي البقاء " ولا خامس لها " يعني أنه لم يجمع على: ~~" فعل " إلا هذه الخمسة " عماد وعمود وأديم وأفيق وإهاب ~~". # وهذا الحصر ممنوع لما تقدم من نحو: قضيم وقضم، ويجمعان في ~~القلة على أعمدة. وقرأ أبو حيوة، ويحيى بن وثاب: " عمد " بضمتين، ~~ومفرده يحتمل أن يكون عمادا، كشهاب، وشهب، وكتاب، وكتب، وأن ~~يكون عمودا، كرسول، ورسل وقد قرىء في السبع: # في عمد ممددة # [الهمز:9] بالوجهين. # وقال ابن عطية في " عمد " اسم جمع عمود، والباب في جمعه " عمد " بضم ~~الحروف الثلاثة، كرسول ورسل. # قال أبو حيان: " وهذا وهم، وصوابه: بضم الحرفين؛ لأن الثالث هو حرف ~~الإعراب، فلا يعتبر ضمه في كيفية الجمع ". # والعماد والعمود: ما يعمد به، أي: يسند، ويقال: عمدت الحائط ~~أعمده عمدا، أي: أدعمته، فاعتمد الحائط على العماد، ~~والعمد: الأساطين قال النابغة: [البسيط] # 3163 وخيس الجن إني قد أذنت لهم # يبنون تدمر بالصفاح والعمد # والعمد: قصد الشيء، والاستناد إليه، فهو ضد السهو، وعمود ~~الصبح: ابتداء ضوئه تشبيها بعمود الحديد في الهيئة، ~~والعمدة: ما يعتمد عليه من مال وغيره والعميد: السيد الذي ~~يعمده الناس، أي: يقصدونه. # قوله " ترونها " في الضمير المنصوب وجهان: # أحدهما: أنه عائد على: " عمد " ، وهو أقرب مذكور، وحينئذ تكون ~~الجملة في ms5116 محل جر صفة ل " عمد " ، ويجيء فيه الاحتمالان ~~المتقدمان من كون العمد موجودة لكنها لا ترى، أو غير موجودة ~~ألبتة. # والثاني: أن الضمير عائد على " السموات " ، ثم في هذه الجملة ~~وجهان: # أحدهما: أنها مستأنفة لا محل لها، أي: استشهد برؤيتهم لها لذلك، ولم ~~يذكر الزمخشري غيره. # والثاني: أنها في محل نصب على الحال من هاء: " ترونها " وتكون حالا ~~مقدرة؛ لأنها حين رفعها لم نكن مخلوقين، والتقدير: رفعها مرئية لكم. # وقرأ أبي: " ترونه " بالتذكير مراعة للفظ " عمد " إذ هو اسم ~~جمع، وهذه القراءة رجح بها الزمخشري كون الجملة صفة ل " عمد " ، وزعم ~~بعضهم أن " ترونها " خبر لفظا، ومعناه الأمر، أي روها، وانظروا ~~إليها لتعتبروا بها، وهو بعيد؛ ويتعين على هذا أن يكون مستأنفا، لأن ~~الطلب لا يقع صفة، ولا حالا. # و " ثم " في " ثم استوى " لمجرد العطف لا للترتيب؛ لأن ~~الاستواء على العرش غير مرتب على رفع السموات. # قوله: { ثم استوى على العرش } علا عليه: { وسخر ~~الشمس والقمر } لمنافع خلقه، فهما مقهوران يجريان على ما يريد ~~الله عز وجل . # قال ابن عباس: للشمس مائة وثمانون منزلا كل يوم لها منزل، ~~وذلك يتم في ستة أشهر، ثم تعود مرة أخرى إلى واحد منها في ستة ~~أشهر أخرى، وكذلك للقمر ثمانية وعشرون منزلا، فهذا هو المراد من قوله ~~سبحانه وتعالى: { كل يجري لأجل مسمى }. # وتحقيقه: أن الله قدر لكل واحد من هذه الكواكب سيرا خاصا إلى ~~جهة خاصة بمقدار خاص من السرعة، والبطء، وإذا كان كذلك؛ لزم أن ~~يكون لها بحسب كل لحظة ولمحة حالة أخرى لم تكن حاصلة قبل ذلك. # وقيل: المراد بقوله: { كل يجري لأجل مسمى } كونهما ~~متحركين إلى يوم القيامة فتنقطع هذه الحركات كما وصف تعالى في قوله: # إذا الشمس كورت # [التكوير:1] # إذا السمآء انشقت # [الانشقاق:1] و # إذا السمآء انفطرت # [الانفطار:1] # وجمع الشمس والقمر # [القيامة:9] كقوله تعالى: # ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده # [الأنعام:2]. # قوله: { يدبر الأمر يفصل الآيات } قرأ العامة هذين ~~الحرفين بالياء من تحت جريا على ضمير اسم ms5117 الله تعالى وفيهما وجهان: # أظهرهما: أنهما مستأنفان للإخبار بذلك. # والثاني: أن الأول حال من فاعل " سخر " ، والثاني حال من فاعل: " ~~يدبر ". # وقرأ النخعي، وأبان بن تغلب: (ندبر الأمر نفصل) بالنون فيهما، والحسن ~~والأعمش: " نفصل " بالنون " يدبر " بالياء. # قال المهدوي: لم يختلف في: " يدبر " يعني أنه بالياء، وليس كما ~~ذكر لما تقدم عن النخعي، وأبان بن تغلب. # فصل # قوله: { يدبر الأمر } يقضيه وحده، وحمل كل واحد من المفسرين ~~التدبير على نوع آخر من أحوال العالم، والأولى حمله على الكل، فهو ~~يدبرهم بالإيجاد، والإعدام والإحياء، والإماتة، والاعتماد، ~~والانقياد، ويدخل فيه إنزال الوحي، وبعث الرسل وتكليف العباد، وفيه ~~دليل عجيب على كمال القدرة والرحمة؛ لأن هذا العالم من أعلى العرش ~~إلى أطباق الثرى يحتوي على أجناس، وأنواع لا يحيط بها إلا الله ~~تعالى . # والدليل المذكور على تدبير كل واحد بوصفه في موضعه وطبيعته، ومن ~~المعلوم أن من اشتغل بتدبير شيء، فإنه لا يمكنه تدبير شيء آخر، ~~فإنه لا يشغله شأن عن شأن، وإذا تأمل العاقل في هذه الآية علم أنه ~~ تعالى يدبر عالم الأجسام ويدبر عالم الأرواح، ويدبر الكبير كما ~~يدبر الصغير، ولا يشغله شأن عن شأن، ولا يمنعه تدبير عن تدبير، وذلك يدل ~~على أنه تعالى في ذاته، وصفاته، وعلمه، وقدرته غير مشابه للمخلوقات، ~~والممكنات. # قوله { يفصل الآيات } يبين الدلالات الدالة على إلاهيته، ~~وعلمه، وحكمه. # واعلم أن الدلائل الدالة على وجود الصانع قسمان: # أحدهما: الموجودات الباقية الدائمة كالأفلاك، والشمس، والقمر، ~~والكواكب وهذا القسم تقدم ذكره. # والثاني: الموجودات الحادثة المتغيرة، وهي الموت بعد الحياة، والفقر ~~بعد الغنى، والهرم بعد الصحة، وكون الأحمق في أهنأ العيش، والعاقل في ~~أشد الأحوال، فهذا النوع من الموجودات، والأحوال دلالتها على وجود ~~الصانع الحكيم ظاهرة. # فقوله: { يفصل الآيات } إشارة إلى أنه يحدث بعضها عقيب بعض على ~~سبيل التمييز، والتفصيل. # ثم قال: { لعلكم بلقآء ربكم توقنون } لكي توقنوا ~~بوعده، وتصدقوا. # واعلم أن الدلائل الدالة على وجود الصانع الحكيم تدل أيضا على ~~صحة القول بالحشر والنشر؛ لأن من قدر على ms5118 خلق هذه الأشياء، وتدبيرها ~~على عظمها، وكثرتها فبأن يقدر على الحشر، والنشر أولى. # وروي أن رجلا قال لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه : كيف ~~بحاسب الله الخلق دفعة واحدة؟ قال: كما يرزقهم الآن دفعة واحدة، وكما ~~يسمع نداءهم ويجيب دعاءهم الآن دفعة واحدة. # واعلم أنه تعالى كما قدر على بقاء الأجرام الفلكية، والنيرات ~~الكوكبية في الجو العالي، وكما يمكنه تدبير ما فوق العرش إلى ما تحت ~~الثرى لا يشغله شأن عن شأن، كذلك يحاسب الخلق بحيث لا يشغله شأن عن ~~شأن. # واعلم أن لفظ " اللقاء " يدل على رؤية الله تعالى وقد تقدم ~~تقريره. # { وهو الذي مد الأرض } [الآية:3] لما قرر الدلائل السماوية ~~أردفها بتقرير الدلائل الأرضية فقال: { وهو الذي مد الأرض } ~~بسطها، قال الأصم: المد: البسط إلى ما لا يدرك منتهاه فقوله: { مد ~~الأرض } ليشعر بأنه تعالى جعل حجم الأرض حجما عظيما، لا يقع البصر ~~على منتهاه، وقال قوم كانت الأرض مكورة فمدها، ودحاها من مكة من تحت ~~البيت، فذهبت كذا وكذا وقال آخرون: كانت مجتمعة عند بيت المقدس، فقال ~~لها: اذهبي كذا، وكذا. # قال ابن الخطيب: وهذا القول إنما يتم إذا قلنا: الأرض مسطحة لا ~~كرة وأصحاب هذا القول، احتجوا عليه بقوله تعالى: # والأرض بعد ذلك دحاها # [النازعات:30] وهو مشكل من وجهين: # الأول: أنه ثبت بالدليل أن الأرض كرة، فإن قالوا: قوله تعالى: مد ~~الأرض ينافي كونها كرة. # قلنا: لا نسلم؛ لأن الأرض جسم عظيم، والكرة إذا كانت في غاية الكبر ~~كان كل قطعة منها تشاهد كالسطح، والتفاوت الحاصل بينه، وبين ~~السطح، لا يحصل إلا في علم الله تبارك وتعالى إلا في قوله تعالى # والجبال أوتادا # [النبأ:7] مع أن العالم من الناس يستقرون عليه، فكذلك هنا. # والثاني: أن هذه الآية إنما ذكرت ليستدل على وجود الصانع؛ والشرط ~~فيه أن يكون ذلك أمرا مشاهدا معلوما، حتى يصح الاستدلال به على وجود ~~الصانع لأن الشيء إذا رأيت حجمه، ومقداره، صار ذلك الحجم، وذلك المقدار ~~عبرة؛ فثبت أن قوله: { مد الأرض ms5119 } إشارة إلى أنه تعالى هو الذي ~~جعل الأرض مختصة بمقدار معين لا يزيد ولا ينقص، والدليل عليه أن كون ~~الأرض أزيد مقدارا مما هو الآن، وأنقص منه أمر جائز ممكن في نفسه، ~~فاختصاصه بذلك المقدار المعين لا بد وأن يكون بتخصيص مخصص، وتقدير ~~مقدر. # قوله: { وجعل فيها رواسي } وهي الجبال الثوابت، وقاعدة هذا ~~الوصف لا تطرد إلا الإناث إلا أن المكسر مما لا يعقل يجري مجرى جمع ~~الإناث، وأيضا كثرة استعماله كالجوامد، فجمع حائط حوائط، وكاهل كواهل. ~~وقيل: هو جمع راسية، والهاء للمبالغة، والرسو: الثبوت، قال الشاعر: ~~[الطويل] # 3164 به خالدات ما يرمن وهامد # وأشعث أرسته الوليدة بالفهر # فصل # قال ابن عباس رضي الله عنه : كان أبو قبيس أول جبل وضع على وجه ~~الأرض. # واعلم أن الاستدلال بوجود الجبال على وجود الصانع القادر الحكيم من ~~وجوه: # أولها: أن طبيعة الأرض واحدة، فحصول الجبل في بعض جوانبها دون البعض ~~لا بد وأن يكون بتخليق القادر العليم. # قالت الفلاسفة: الجبال إنما تولدت من البخارات؛ لأن البخارات كانت ~~في هذا الجانب من العالم، كان تتولد في البحر طينا لزجا، ثم يقوى فيه ~~تأثير الشمس؛ فينقلب حجرا كما نشاهده، ثم إن الماء كان يفور ويقل؛ ~~فلهذا السبب تولدت هذه الجبال وإنما حصلت هذه الجبال في هذا الجانب من ~~العالم: لأن في الدهر الأقدم كان حضيض الشمس في جانب الشمال، والشمس متى ~~كانت في حضيضها كانت أقرب إلى الأرض، فكان التسخين أقوى، وشدة ~~والسخونة توجب انجذاب الرطوبات، فحين كان الحضيض في جانب الشمال، كان ~~البخار في جانب الشمال، ولما انتقل الأوج إلى جانب الشمال، والحضيض إلى ~~جانب الجنوب انتقلت البحار إلى جانب الجنوب فبقيت هذه الجبال في جانب ~~الشمال. وهذا ضعيف من وجوه: # الأول: أن حصول الطين في البحر أمر عام، ووقوع الشمس عليها أيضا ~~أمر عام، فلم حصل هذا الجبل في بعض الجوانب دون البعض؟. # الثاني: أنا نشاهد بعض الجبال كأن تلك الأحجار موضوعة أقساما كأن ~~البناء بناه من لبنات كثيرة موضوع بعضها فوق ms5120 بعض، ويبعد حصول مثل ~~هذا التركيب من السبب الذي ذكروه. # الثالث: أن أوج الشمس الآن قريب من أول السرطان، فعلى هذا من ~~أول الوقت الذي انتقل أوج الشمس إلى الجانب الشمالي مضى قريبا من ~~تسعة آلاف سنة، وبهذا التقدير: أن الجبال في هذه المدة الطويلة كانت ~~في التفتت، فوجب أن لايبقى من الأحجار شيء، لكن ليس الأمر كذلك؛ فعلمنا ~~أن السبب الذي ذكروه ضعيف. # الوجه الثاني من الاستدلال بأحوال الجبال على وجود الصانع: ما يحصل ~~فيها من المعادن، ومواضع الجواهر النفيسة، وما يحصل فيها من معادن الدخان ~~ومعادن النفط، والكبريت، فتكون طبيعة الأرض واحدة، وكون الجبل واحدا في ~~الطبع وكون تأثير الشمس واحدا في الكل يدل ظاهرا على أن بتقدير ~~قادر قاهر متعال عن مشابهة المحدثات. # الوجه الثالث من الاستدلال بأحوال الجبال: وذلك أن بسببها تتولد ~~الأنهار على وجه الأرض؛ لأن الحجر جسم صلب، فإذا تصادعت الأبخرة من ~~قعر الأرض، ووصلت إلى الجبال انحبست هناك، فلا تزال تتكامل، فيحصل بسبب ~~الجبل مياه عظيمة ثم إنها لكثرتها، وقوتها تثقب، وتخرج، وتسيل على ~~وجه الأرض، فمنفعة الجبال في تولد الأنهار هو من هذا الوجه، ولهذا ~~السبب ما ذكره الله الجبال إلا وذكر بعدها الأنهار في أكثر الأمر ~~كهذه الآية، وقوله تعالى: # وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم مآء ~~فراتا # [المرسلات:27]. # فصل # قال القرطبي: في هذه الآية رد على من زعم أن الأرض كالكرة لقوله: { ~~مد الأرض } ، ورد على من زعم أن الأرض تهوي أبدا بما عليها، وزعم ~~ابن الرواندي: أن تحت الأرض جسما صاعدا كالريح الصعادة، وهي ~~منحدرة فاعتدل الهاوي، والصعادي في الجرم والقوة فتوافقا. # وزعم آخرون: أن الأرض مركبة من جسمين. # أحدهما: منحدر، والآخر: مصدع فاعتدلا، فلذلك وقفت، والذي عليه ~~المسلمون، وأهل الكتاب القول بوقوف الأرض، وسكونها، ومدها، وأن ~~حركتها إنما تكون في العادة بزلزلة تصيبها والله أعلم. # قوله: { ومن كل الثمرات } يجوز فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يتعلق ب " جعل " [بعده]، أي: وجعل فيها زوجين اثنين من ~~كل صنف من أصناف ms5121 الثمرات، وهو ظاهر. # والثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من: " اثنين "؛ لأنه في ~~الأصل صفة له. # الثالث: أن يتم الكلام على قوله: { ومن كل الثمرات } فيتعلق ~~ب " جعل " الأولى على أنه من باب عطف المفردات، يعني عطف على معمول " ~~جعل " الأولى تقديره: أنه جعل في الأرض كذا، وكذا ومن كل الثمرات. # قال أبو البقاء: ويكون " جعل " الثاني مستأنفا، و " يغشي الليل ~~" تقدم الكلام فيه، وهو إما مستأنف، وإما حال من فاعل الأفعال. # فصل # المعنى: ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين، أي: صنفين اثنين: أصفر، ~~وأحمر، وحلوا، وحامضا. # وهذا النوع الثالث في الاستدلال بعجائب خلقة النبات. # واعلم أن الحبة إذا وقعت في الأرض ربت وكبرت؛ فبسبب ذلك ينشق أعلاها ~~وأسفلها، فيخرج من الشق الأعلى الشجرة الصاعدة، ويخرج من الشق الأسفل ~~العروق الغائصة في الأرض، وهذا من العجائب؛ لأن طبيعة تلك الحبة ~~واحدة وتأثير الطبائع، والأفلاك، والكواكب فيها واحد، ثم إنه يخرج من ~~الجانب الأعلى من تلك الحبة جرم صاعد إلى الهواء، ومن الجانب الأسفل ~~جرم غائص في الأرض، ومن المحال أن يتولد من الطبيعة الواحدة طبيعتان ~~متضادتان، فعلمنا أن ذلك إنما كان بتدبير المدبر العليم الحكيم لا ~~بسبب الطبع، والخاصة، ثم إن الشجرة النامية في تلك الجهة بعضها ~~يكون خشبا، وبعضها يكون نورا، وبعضها يكون ثمرة، ثم إن تلك الثمرة ~~أيضا يحصل فيها أجسام مختلفة الطبائع مثل الجوز ففيه أربعة أنواع من ~~القشور، فالقشرة الأعلى، وتحته القشرة الخشبية، وتحته القشرة المحيطة ~~باللب، وتحت تلك القشرة قشرة أخرى في غاية الرقة تمتاز عما فوقها ~~حال كون الجوز واللوز رطبا وأيضا: فقد يحصل في الثمرة الواحدة الطبائع ~~المختلفة فالأترج قشره جار يابس ولحمه حار رطب، وحامضه بارد يابس ~~وبذره حار يابس، وكذلك العنب قشره وعجمه باردان يابسان ولحمه وماؤه ~~حاران رطبان؛ فثبت أن هذه الطبائع المختلفة من الحبة الواحدة مع ~~تساوي تأثيرات الطبائع، وتأثيرات الأنجم، والأفلاك على زعم من يدعيه ~~لا بد وأن يكون بتدبير العليم القدير. # فإن قيل: الزوجان لا بد ms5122 وأن يكونا اثنين، فما الفائدة في قوله: " ~~زوجين اثنين "؟. # فالجواب: أنه تعالى أول ما خلق العالم، وخلق فيه الأشجار، خلق من ~~كل نوع من الأنواع اثنين فقط، فلو قال: " زوجين " لم يعلم أن ~~المراد النوع، أو الشخص فلما قال: " اثنين " علمنا أنه تعالى ~~أول ما خلق من كل زوجين اثنين [لا أقل ولا أزيد، والحاصل أن الناس فيهم ~~الآن كثرة، إلا أنهم ابتدءوا من زوجين اثنين] بالشخص وهما: آدم وحواء ~~عليهما السلام وكذلك القول في جميع الأشجار، والزروع، والله أعلم. # النوع الرابع: الاستدلال بأحوال الليل، والنهار، وإليه الإشارة بقوله: { ~~يغشي الليل النهار } وقد سبق الكلام فيه فأغنى عن الإعادة. # ثم قال تعالى: { إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } ~~فيستدلون، والتفكر: تصرف القلب في طلب المعاني. # قوله: { وفي الأرض قطع متجاورات } العامة على رفع: " ~~قطع " " وجنات " إما على الابتداء، وإما على الفاعلية بالجار ~~قبله. # وقرىء " قطعا متجاورات " بالنصب، وكذلك هي في بعض المصاحف على ~~إضمار جعل. وقرأ الحسن: " وجنات " بكسر التاء وفيها أوجه: # أحدها: أنه جر عطفا على " كل الثمرات ". # الثاني: أنه نصب نسقا على: " زوحين اثنين " قاله الزمخشري. # الثالث: أنه نصبه نسقا على: " رواسي ". # الرابع: أنه نصبه بإضمار جعل، وهو أولى لكثرة الفواصل في الأوجه قبله. # قال أبو البقاء: " ولم يقرأ أحد منهم " وزرعا " بالنصب ". # قوله: { وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان } قرأ ابن ~~كثير، وأبو عمرو، وحفص: بالرفع في الأربعة، والباقون بالخفض، فالرفع في ~~" زرع ونخيل " للنسق على " قطع " وفي " صنوان " لكونه تابعا ~~ل " نخيل " ، و " غير " لعطفه عليه. # وعاب أبو حيان على ابن عطية قوله: " عطفا على: قطع ". قال: ~~وليست عبارة محررة؛ لأن فيها ما ليس بعطف، وهو " صنوان ". # قال شهاب الدين: " ومثل هذا [غير معيب]؛ لأنه عطف محقق غاية ما فيه ~~أن بعض ذلك تابع، فلا يقدح في هذه العبارة، والخفض مراعاة ل " أعناب ~~". # وقال ابن عطية: عطفا على " أعناب " ، وعابها أبو حيان بما تقدم ~~وجوابه ما تقدم. # وقد طعن قوم على هذه القراءة، وقالوا: ليس الزرع من ms5123 الجنات، وروي ~~لك عن أبي عمر. # وقد أجيب عن ذلك: بأن الجنة احتوت على النخيل، والأعناب، لقوله ~~تعالى # جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما ~~بنخل وجعلنا بينهما زرعا # [الكهف:32]. # وقال أبو البقاء: " وقيل: المعنى، ونبات زرع فعطفه على المعنى ". # قال شهاب الدين: " ولا أدري ما هذا الجواب؛ لأن الذي يمنع أن يكون ~~الجنة من الزرع يمنع أن يكون من نبات الزرع، وأي فرق ". والصنوان: ~~جمع صنو كقنوان جمع قنو، وقد تقدم تحقيق هذا التنبيه في الأنعام. # و " الصنو ": الفرع يجمعه وفرعا آخر أصل واحد، وأصله المثل، وفي ~~الحديث: # " عم الرجل صنو أبيه " # ، أي: مثله؛ أو لأنهما يجمعهما أصل واحد والعامة على كسر الصاد. # وقرأ السلمي، وابن مصرف، وزيد بن علي: بضمها، وهي لغة قيس، وتميم ~~كذئب، وذؤبان. # وقرأ الحسن، وقتادة: بفتحها، وهو اسم جمع لا جمع تكسير؛ لأنه ليس من ~~أبنية " فعلان " ، ونظير " صنوان " بالفتح " السعدان " هذا جمعه في ~~الكثرة، وأما في القلة، فيجمع على " أصناء " ك " جمل، وأجمال ~~". # قوله: { يسقى بمآء واحد } قرأ ابن عامر، وعاصم " يسقى " ~~بالياء من تحت أي يسقى بما ذكرنا، والباقون بالتاء من فوق مراعاة للفظ ما ~~تقدم، وللتأنيث في قوله " وجنات " ، ولقوله: " بعضها ". # قوله " ونفضل " قرأه بالياء من تحت مبنيا للفاعل: الأخوان، ~~والباقون بنون العظمة، ويحيى بن يعمر، وأبو حيوة: " يفضل " بالياء ~~منبيا للمفعول و " بعضها " رفعا. # وقال أبو حاتم: وجدته كذلك في مصحف يحيى بن يعمر، وهو أول من نقط ~~المصاحف، وتقدم [الخلاف] في الأكل في البقرة. # وفي " الأكل " وجهان: # أظهرهما: أنه ظرف [ل " نفضل " ]. # والثاني: أنه حال من " بعضها " ، أي: نفضل بعضها مأكولا، أي: ~~وفيه الأكل، قاله أبو البقاء. # وفيه بعد جهة المعنى، والصناعة. # فصل # قوله: { وفي الأرض قطع متجاورات } قال الأصم: أرض ~~قريبة من أرض أخرى واحدة طيبة، وأخرى سبخة، وأخرى رملة، وأخرى حصباء ~~وحصى، وأخرى تكون حمراء، وأخرى تكون سوداء. # وبالجملة: فاختلاف بقاع الأرض في الارتفاع، والانخفاض، والطبع، ~~والخاصية أمر معلوم. # " وجنات " بساتين: { من أعناب وزرع ونخيل صنوان ~~وغير صنوان ms5124 } تقدم الكلام على الصنو، والصنوان، وهي النخلات ~~يجمعهن أصل واحد، " وغير صنوان " هي النخلة المنفردة بأصلها. # قال المفسريون: الصنوان: المجتمع، وغير الصنوان متفرق، ولا فرق في ~~الصنوان، والقنوان بين التثنية والجمع إلا في الإعراب، وذلك أن ~~النون في التثنية مكسورة غير منونة وفي الجمع منونة. # { يسقى بمآء واحد } والماء: جسم رقيق مائع به حياة كل نام. # { ونفضل بعضها على بعض في الأكل } في الثمر، ~~والطعم، جاء في الحديث: " ونفصل بعضها على بعض في الأكل " ~~قال: " الفارسي والدقل والحلو والحامض ". # قال مجاهد: كمثل بني آدم صالحهم وخبيثهم وأبوهم واحد. # وحكى الواحدي عن الزجاج: أن الأكل: الثمر الذي يؤكل، وحكى عن غيره ~~أن الأكل: المهيأ للأكل. # قال ابن الخطيب: " وهذا أولى؛ لقوله تعالى في صفة الجنة: # أكلها دآئم وظلها # [الرعد:35]: وهو عام في جميع المطعومات ". # قال الحسن: هذا مثل ضرب لقلوب بني آدم، كانت الأرض طينة واحدة في يد ~~الرحمن، فسطحها؛ فصارت قطعا متجاورات، فينزل عليها الماء من السماء ~~فتخرج هذه زهرتها، وشجرتها، ونباتها، وثمرها، وتخرج هذه سبخها وملحها ~~وخبيثها، وكل يسقى بماء واحد، كذلك الناس خلقوا من آدم عليه ~~الصلاة والسلام فتنزل عليهم من السماء تذكرة، فترق قلوب قوم، فتخشع، ~~وتقسو قلوب قوم فتلهو. # قال الحسن: والله ما جالس القرآن أحد، إلا قام من عنده بزيادة، أو ~~نقصان، قال الله تعالى: # وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة ~~للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا # [الإسراء:82] { إن في ذلك } الذي ذكر: { لآيات لقوم ~~يعقلون }. # فصل # قال ابن الخطيب: المقصود من هذه الآية: إقامة الدلالة على أنه لا ~~يجوز أن يكون حدوث الحوادث في هذا العالم لأجل الاتصالات الفلكية ~~والحركات الكوكبية من وجهين: # الأول: أنه جعل الأرض قطعا مختلفة في الماهية والطبيعة، وهي مع ذلك ~~متجاورة، فبعضها سبخة، وبعضها طيبة، وبعضها صلبة وبعضها حجرية، ~~وبعضها رملية، وتأثير الشمس، وتأثير الكواكب في تلك القطع على ~~السوية؛ فدل ذلك على أن اختلافها في صفاتها بتقدير العليم القدير. # الثاني: أن القطعة الواحدة من الأرض تسقى بماء ms5125 واحد، ويكون تأثير ~~الشمس فيها [متساويا]، ثم إن تلك الثمار تجيء مختلفة في اللون، ~~والطعم، والطبيعة، والخاصية؛ حتى أنك قد تأخذ عنقودا واحدا من ~~العنب، فتكون جميع حباته ناضجة حلوة إلا حبة واحدة منه، فإنها تبقى ~~حامضة يابسة، ونحن نعلم بالضرورة أن نسبة الطبائع والأفلاك إلى الكل على ~~السوية، بل نقول ههنا ما هو أعجب منه، وهو أنه يوجد في بعض أنواع الورد ~~ما يكون في أحد وجهيه في غاية الحمرة، والوجه الثاني في غاية السواد، ~~مع أن ذلك الورد يكون في غاية الرقة والنعومة، ويستحيل أن يقال: وصل ~~تأثير الشمس إلى أحد طرفيه دون الثاني، وهذا يدل دلالة [قطعية] على ~~أن الكل بتقدير الفاعل المختار لا بسبب الاتصالات الفلكية، وهذا هو ~~المراد بقوله تعالى: { يسقى بمآء واحد ونفضل بعضها ~~على بعض في الأكل } ، ولهذا قال: { إن في ذلك لآيات ~~لقوم يعقلون }. # فصل # قال القرطبي: هذه الآية تدل على بطلان القول بالطبع، إذ لو كان ذلك ~~بالماء، والتراب، والفاعل له الطبيعة؛ لما وقع الاختلاف. # وذهب الكفرة لعنهم الله إلى أن كل حادث يحدث من نفسه لا من ~~صانع وادعوا ذلك في الثمار الخارجة من الأشجار، وأقروا بحدوثها، ~~وأنكروا الأعراض، وقالت فرقة بحصول الثمار لا من صانع، وأثبتوا ~~للأعراض فاعلا. # والدليل على أن الحادث لا بد له من محدث: أنه يحدث في وقت، ~~ويحدث ما هو من جنسه في وقت آخر، فلو كان حدوثه في وقته لاختصاصه به؛ ~~لوجب أن يحدث في وقته كل ما هو من جنسه، وإذا بطل اختصاصه بوقته صح أن ~~اختصاصه لأجل مخصص خصصه به، لولا تخصيصه إياه لم يكن حدوثه في وقته ~~أولى من حدوثه قبل ذلك أو بعده. ### || [13.5-7] # قوله: { وإن تعجب فعجب قولهم } الآية لما ذكر الدليل ~~على معرفة المبدأ ذكر بعده ما يدل على المعاد. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: " إن تعجب من تكذيبهم إياك بعد ما ~~حكموا عليك بأنك من الصادقين، فهذا عجب ". # وقيل: إن تعجب يا محمد من عبادتهم ما ms5126 لا يملك لهم ضرا، ولا نفعا ~~بعد ما عرفوا الدلائل الدالة على التوحيد، فهذا عجب. # وقيل: تقدير الكلام: وإن تعجب يا محمد صلوات الله عليه فقد تعجبت في ~~موضع العجب، لأنهم لما اعترفوا بأنه تعالى مدبر السموات، ~~والأرضيين، وخالق الخلق أجمعين، وأنه هو الذي رفع السموات بغير عمد ~~ترونها، وأنه الذي سخر الشمس، والقمر على وفق مصالح العباد، وهو الذي ~~أظهر في العالم أنواع العجائب، والغرائب، فمن كانت قدرته وافية بهذه ~~الأشياء العظيمة، كيف لا تكون وافية بإعادة الإنسان بعد موته؛ لأن ~~القادر على الأقوى يكون قادرا على الأضعف بطريق الأولى، وهذا تقرير ~~موضع التعجب. # قوله: { فعجب قولهم } يجوز فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه خبر مقدم، و " قولهم " مبتدأ مؤخر، ولا بد من حذف ~~[صفة] لتتم الفائدة، أي: فعجب أي عجب، أو غريب، ونحوه. # الثاني: أنه مبتدأ، وسوغ الابتداء ما ذكر من الوصف المقدر، ولا يضر ~~حينئذ كون خبره معرفه، هذا كما أعرب سيبويه: كم مالك وخير من أقصد رجلا ~~خير منه أبوه مبتدأين لمسوغ الابتداء بهما، وخبرهما معرفة، قاله أبو ~~حيان. # وللنزاع فيه مجال؛ على أن هناك علة لا تتأتى هنا، وهي: أن الذي حمل ~~سيبويه على ذلك من المسألتين أن أكثر ما تقع موقع " كم " ، وخبر " ما ~~" هو مبتدأ؛ فلذلك حكم عليهما بحكم الغالب بخلاف ما نحن فيه. # الثالث: أن " عجب " مبتدأ بمعنى معجب، و " قولهم " فاعل به، ~~قاله أبو البقاء. # ورد عليه أبو حيان: بأنهم نصوا على أن " فعلا وفعلة وفعلا " ~~ينوب عن " مفعول " في المعنى، ولا يعمل عمله، فلا تقول: مررت ~~برجل [ذبح] كبشه ولا غرف ماءه ولا قبض ماله، وأيضا فإن ~~الصفات لا تعمل إلا إذا اعتمدت على أشياء مخصوصة وليس منها هنا شيء. # والعجب: تغير النفس برؤية المستبعد في العادة. # وقال القرطبي: العجب تغير النفس بما يخفى أسبابه. # قوله تعالى: { أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد } ~~يجوز في هذه الجملة الاستفهامية وجهان: # أظهرهما: أنها منصوبة المحل لحكايتها بالقول. # والثاني: أنها، وما في حيزها ms5127 في محل رفع بدلا من: " قولهم " وبه ~~بدأ الزمخشري وعلى هذا فقولهم بمعنى مقولهم ويكون بدل كل من كل؛ ~~لأن هذا هو نفس " قولهم " ، و " إذا " هنا ظرف محض، وليس فيها ~~معنى الشرط، والعامل فيها مقدر يفسره { لفي خلق جديد } ~~تقديره: أئذا كنا ترابا نبعث، أو نحشر، ولا يعمل فيها: { خلق ~~جديد }؛ لأن ما بعد " إذا " لا يعمل فيما قبلها، ولا يعمل فيها " ~~كنا " لإضافتها إليها. # واختلف القراء في هذا الاستفهام المكرر اختلافا منتشرا، وهو في أحد ~~عشر موضعا في تسع سور من القرآن ولا بد من تعيينها، [وبيان] مراتب ~~القراء فيها، فإن ضبطها عسر ليسهل ذلك بعون الله تعالى . # فأولها: ما في هذه السورة. # والثاني، والثالث: الإسراء وهما: # أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا ~~جديدا # [الإسراء:49] موضعان. # الرابع في المؤمنون: # أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون # [المؤمنون:82]. # الخامس في النمل: # أإذا كنا ترابا وآبآؤنآ أإنا لمخرجون # [النمل:67]. # السادس في العنكبوت: # إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد ~~من العالمين أئنكم لتأتون الرجال # [العنكبوت:28، 29]. # السابع في " الم " السجدة: # أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد # [السجدة:10]. # الثامن، والتاسع في الصافات موضعان [الصافات:16]. # العاشر: في الواقعة: # أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون # [الواقعة:47]. # الحادي عشر في النازعات: # أإنا لمردودون في الحافرة أإذا كنا عظاما ~~نخرة # [النازعات:10، 11]. # فهذه هي المواضع المختلف فيها، وأما ضبط الخلاف فيها بالنسبة إلى ~~القراء فيه طريقان: # أحدهما: بالنسبة إلى ذكر القراء. # والثاني: بالنسبة إلى ذكر السور. # فاعلم أن هذه المواضع تنقسم قسمين: قسم منها سبعة مواضع لها حكم ~~واحد، وقسم منها أربعة مواضع، لكل منها حكم على حدته. # أما القسم الأول فمنه في هذه السورة، والثاني، والثالث في: " ~~سبحان " والرابع: في " المؤمنون " ، والخامس: في " الم " السجدة، ~~والسادس، والسابع: في الصافات وحكمها: أن نافعا، والكسائي يستفهمان في ~~الأول، ويخبران في الثاني، وأن ابن عامر يخبر في الأول، ويستفهم في ~~الثاني، والباقين يستفهمون في الأول والثاني. # وأما القسم الثاني، فأوله ما في سورة النمل، ms5128 وحكمه: أن نافعا يخبر في ~~الأول، ويستفهم في الثاني، وأن ابن عامر والكسائي بعكسه، وأن الباقين ~~يستفهمون فيهما. # الثاني: ما في العنكبوت، وحكمه: أن نافعا، وابن كثير، وابن عامر، ~~وحفصا يخبرون في الأول، ويستفهمون في الثاني، والباقون، يستفهمون فيهما. # الثالث: ما في سورة الواقعة، وحكمه: أن نافعا، والكسائي يستهفمان في ~~الأول، ويخبران في الثاني، والباقون يستفهمون فيهما. # الرابع: ما في سورة النازعات، وحكمه: أن نافعا وابن عامر والكسائي ~~يستفهمون في الأول، ويخبرون في الثاني، والباقين يستفهمون فيهما. # وأما الطريق الآخر بالنسبة إلى القراء؛ فإنهم فيها على أربع مراتب: # الأولى: أن نافعا قرأ بالاستفهام في الأول، وبالخبر في الثاني، إلا في ~~النمل والعنكبوت فإنه عكس. # المرتبة الثانية: أن ابن كثير، وحفصا قرآ بالاستفهام في الأول ~~والثاني إلا الأول من العنكبوت فقرآه بالخبر. # المرتبة الثالثة: أن ابن عامر قرأ بالخبر في الأول، والاستفهام في ~~الثاني إلا في النمل، والواقعة، والنازعات، فقرأ في النمل، والنازعات ~~بالاستفهام في الأول، وبالخبر في الثاني، وفي الواقعة بالاستفهام فيهما. # المرتبة الرابعة: الباقون وهم: أبو عمرو، وحمزة، وأبو بكر رضي الله ~~عنهم أجمعين قرءوا بالاستفهام في الأول، والثاني، ولم يخالف أحد منهم ~~أصله. # قال شهاب الدين: " وإنما ذكرت هذين الطريقين لعسرهما، وصعوبة استخراجهما ~~من كتب القراءات. # فأما وجه قراءة من استفهم في الأول، والثاني؛ فقصد المبالغة في ~~الإنكار، فأتى به في الجملة الأولى، وأعاده في الثانية تأكيدا له، ووجه ~~من أتى به مرة واحدة: حصول المقصود به؛ لأن كل جملة مرتبطة بالأخرى، ~~فإذا أنكر في إحداهما حصل الإنكار في الأخرى، وأما من خالف أصله في ~~شيء من ذلك، فلاتباع الأثر ". # فصل # هذا الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومعناه: أنك تعجب من ~~إنكارهم النشأة الأخرى مع إقرارهم بابتداء الخلق، فعجب أمرهم، وكان ~~المشركون ينكرون البعث مع إقرارهم بابتداء الخلق من الله عز وجل ~~وقد تقرر في القلوب أن الإعادة أهون من الابتداء، فهذا موضع العجب. # ثم قال: { أولئك الذين كفروا بربهم } وهذا يدل ~~على أن من أنكر ms5129 البعث والقيامة فهو كافر، وإنما لزم من إنكار البعث ~~الكفر بالله تعالى؛ لأن إنكار البعث لا يتم إلا بإنكار القدرة، ~~والعلم، والصدق، وأما إنكار القدرة فكقوله: الله غير قادر على الإعادة، ~~وأما إنكار العلم فكقوله: الله غير عالم بالجزيئات، فلا يمكنه تمييز ~~المطيع عن العاصي، وأما إنكار الصدق فكقولهم: إنه أخبر عنه، ولكنه ~~لا يفعل؛ لأن الكذب جائز عليه، وكل ذلك كفر بالله تعالى . # ثم قال: { وأولئك الأغلال في أعناقهم } قال الأصم: ~~المراد بالأغلال: كفرهم وذلهم، وانقيادهم للأصنام، ونظيره قوله تعالى: # إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا # [يس:8]؛ وقال الشاعر: [البسيط] # 3165.................. # لهم عن الرشد أغلال وأقياد # ويقال للرجل: هذا غل في عنقك للعمل الرديء، معناه: أنه ~~[ملازم] لك، وأنت مجازى عليه بالعذاب. # قال القاضي: هذا وإن كان محتملا؛ لكن حمل اللفظ على الحقيقة أولى. # قال ابن الخطيب: " أقول على نصرة الأصم، بأن ظاهر الآية يقتضي حصول ~~الأغلال في أعناقهم في الحال، وذلك غير حاصل، فإنهم يحملون هذا اللفظ ~~على أنه سيحصل هذا المعنى، ونحن نحمله على أنه حاصل في الحال، ~~والمراد بالأغلال ما ذكره فكل واحد منا تارك للحقيقة من بعض الوجوه، ~~فلم كان قولكم أقوى؟ ". # وقيل: المعنى: أنه تعالى يجعل الأغلال في أعناقهم يوم القيامة، ~~ويدل عليه قوله تعالى: # إذ الأغلال في أعناقهم # [غافر:71] إلى قوله: # ثم في النار يسجرون # [غافر:72]. # ثم قال: { وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } ~~والمراد منه التهديد بالعذاب المخلد المؤبد، وذلك يدل على أن ~~العذاب المؤبد ليس إلا للكفار؛ لأن قولهم: { هم فيها خالدون } ~~يدل على أنهم هم الموصوفون بالخلود لا غيرهم فدل على أن أهل ~~الكبائر لا يخلدون في النار. # فإن قيل: العجب هو الذي لا يعرف بسبب، وذلك في حق الله تعالى ~~محال، فكيف قال: " فعجب قولهم "؟. # فالجواب: المعنى: فعجب عنك. # فإن قيل: قرأ بعضهم: " بل عجبت " بإضافة العجب إلى نفسه. # فالجواب: أنا قد بينا أن مثل هذه الألفاظ يجب تنزيهها عن مبادئ ~~الأعراض ويجب حملها على نهايات الأعراض ونهاية التعجب أن الإنسان ms5130 إذا ~~تعجب من الشيء أنكره، فكان التعجب في حق الله تعالى محمولا على ~~الإنكار. # قوله تعالى: { ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة } ~~واعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يهددهم تارة بعذاب القيامة، ~~وتارة بعذاب الدنيا، والقوم كلما هددهم بعذاب القيامة، أنكروا القيامة، ~~والبعث، والنشر كما تقدم في الآية الأولى، وكلما هددهم بعذاب الدنيا ~~استعجلوه، وذلك أن مشركي مكة كانوا يطلبون العقوبة بدلا من العافية ~~استهزاء منهم يوقلون: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال:32]. # قوله " قبل الحسنة " فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق بالاستعجال ظرفا له. # والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال مقدرة من السيئة، قاله أبو ~~البقاء. قوله: " وقد خلت " يجوز أن تكون حالا وهو الظاهر، ويجوز أن ~~تكون مستأنفة. # والعامة على فتح الميم، وضم المثلثة الواحدة مثله، ك " سمرة، ~~وسمرات " و " صدقة وصدقات " وهي العقوبة الفاضحة. # قال ابن عباس: " العقوبات المتأصلات كمثلات قطع الأذن، والأنف، ونحوهما ~~". # سميت بذلك لما بين العقاب، والمعاقب عليه من المماثلة، كقوله تعالى: # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى:40]، ولأخذها من المثال بمعنى القصاص. # يقال: أمثلت الرجل من صاحبه، وأقصصته بمعنى واحد، أو لأخذها من ضرب ~~المثل لعظم شأنها. # وقرأ ابن مصرف " المثلات " بفتح الميم، وسكون الثاء، وقيل: وهي لغة ~~الحجاز في مثله. # وقرأ ابن وثاب: بضم الميم، وسكون الثاء، وهي لغة تميم. # وقرأ الأعمش، ومجاهد بفتحهما، وعيسى بن عمرو، وأبو بكر في رواية بضمهما. # فأما الضم، والإسكان: فيجوز أن يكون أصلا بنفسه لغة، وأن يكون مخففا ~~في قراءة من ضمهما، وأما ضمهما فيحتمل أيضا أن يكون أصلا بنفسه لغة، ~~وأن يكون اتباعا من قراءة الضم، والإسكان نحو " العشر في العشر " ~~وقد عرف ما فيه. # قال ابن الأنباري: " المثلة: العقوبة المبينة في المعاقب شيئا، وهو ~~تغيير تبقى الصورة معه قبيحة، وهو من قولهم: مثل فلان بفلان: إذا قبح ~~صورته إما بقطع أنفه، أو أذنه، أو سمل عينيه، أو بقر بطنه؛ فهذا هو ~~الأصل، ثم ms5131 يقال للعار الباقي والخزي الدائم اللازم مثله ". # وقال الواحدي: " وأصل هذا الحرف من المثل الذي هو الشبه، ولما كان الأصل ~~أن يكون العقاب مشابها للمعاقب عليه، ومماثلا له سمي بهذا الاسم ". # والمعنى: يستعجلونك بالعذاب الذي لم نعاجلهم به، وقد علموا ما نزل من ~~عقوباتنا بالأمم الخالية، أفلا يعتبرون بها. # ثم قال { وإن ربك لذو مغفرة للناس على ~~ظلمهم } وهذا يدل على أنه سبحانه وتعالى قد يعفو عن صاحب ~~الكبيرة قبل التوبة، لأن قوله: { لذو مغفرة للناس على ~~ظلمهم } ، أي: حال اشتغالهم بالظلم كما يقال: رأيت الأمير على أكله، ~~أي حال اشتغاله بالأكل، وهذا يقتضي كونه تعالى غافرا للناس حال اشتغالهم ~~بالظلم، ومعلوم أن حال اشتغال الإنسان بالظلم لا يكون تائبا؛ فدل ~~هذا على أنه تعالى قد يغفر الذنوب قبل الاشتغال بالتوبة، وترك ~~العمل بهذا الدليل في حق الكفر؛ فوجب أن يبقى معمولا به في حق غير ~~الكفرة، وهو المطلوب. # ويقال: إنه تعالى لم يقتصر على قوله: { وإن ربك لذو ~~مغفرة للناس على ظلمهم } بل عطف عليه قوله: { وإن ~~ربك لشديد العقاب }؛ فوجب أن يحمل الأول على أصحاب الكبائر، ~~ويحمل الثاني على الكفار. # قال المفسريون: " لذو مغفرة " لذو تجاوز عن المشركين إذا آمنوا وعن ~~المذنبين إذا تابوا. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: أرجى آية في القرآن هذه الآية: { ~~وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ~~ربك لشديد العقاب } إذا أصروا على الكفر. # وروى حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى ~~قال: لما نزلت: { وإن ربك لذو مغفرة للناس على ~~ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب } قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " لولا عفو الله ورحمته وتجاوزه لما هنأ أحدا عيش ~~ولولا عقابه ووعيده وعذابه لاتكل كل أحد ". # فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد: لذو مغفرة لأهل الصغائر لأجل ~~أن عقوبتهم مكفرة، ثم نقول: لم لا يجوز أن يكون المراد إن ربك لذو ~~مغفرة إذا تابوا، وأنه تعالى إنما لا يعجل ms5132 العقاب إمهالا لهم في ~~الإتيان بالتوبة، فإن تابوا فهو ذو مغفرة لهم، ويكون المراد من هذه ~~المغفرة [تأخير العقاب] إلى الآخرة، بل نقول: يجب حمل اللفظ عليه؛ لأن ~~القوم طلبوا تعجيل العذاب، فيجب أن تحمل المغفرة على تأخير العذاب حتى ~~ينطبق الجواب على السؤال. # ثم يقال: لم لا يجوز أن يكون المراد بقوله: { لذو مغفرة } ~~إمهالهم بالتوبة، ولا يعجل بالعقوبة، فإن تابوا، فهو ذو مغفرة، وإن لم ~~يتوبوا؛ فهو شديد العقاب؟. # فالجواب عن الأول: أن تأخير العذاب لا يسمى مغفرة، وإلا لوجب أن ~~يقال: إن الكفار كلهم مغفور لهم؛ لأن الله تعالى أخر عقابهم ~~إلى الآخرة. # وعن الثاني: أن الله تمدح بهذا، التمدح إنما يحصل بالتفضيل، أما ~~أداء الواجب، فلا تمدح فيه، وعندكم يجب غفران الصغائر. # وعن الثالث: أن ظاهر الآية يقتضي حصول المغفرة؛ فسقطت الأسئلة. # قوله: { على ظلمهم } حال من " الناس " والعامل فيها، قال أبو ~~البقاء " مغفرة " يعني: أنه هو العامل في صاحبها. # قوله تعالى: { ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه ~~آية من ربه } الآية لما بين تعالى أنهم طعنوا في النبوة ~~بسبب طعنهم في الحشر والنشر ثم طعنوا في النبوة أيضا بسبب طعنهم في ~~صحة ما ينذرهم به من نزول العذاب، بين أيضا أنهم طعنوا في نبوته، ~~وطلبوا منه المعجزة. # والسبب في كونهم أنكروا كون القرآن معجزة: أنهم قالوا هذا كتاب مثل ~~سائر الكتب، وإتيان الإنسان بتصنيف معين لا يكون معجزا، وإنما يكون ~~المعجز مثل معجزات موسى. # واعلم أن من الناس من زعم أنه لم يظهر معجزة لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم سوى القرآن، قالوا: لأن هذا الكلام إنما يصح إذا طعنوا في كون ~~القرآن معجزا ولم يظهر معجزا غيره؛ لأنه لو ظهر معجز غيره لم يحسن أن ~~يقال: { لولا أنزل عليه آية من ربه } وهذا يدل على ~~أنه عليه الصلاة والسلام ما كان له معجزة سوى القرآن. # والجواب: عنه من وجهين: # الأول: لعل المراد منه طلب معجزات سوى المعجزات التي شاهدوها من حنين ~~الجزع، ونبع الماء من ms5133 بين أصابعه، وإشباع الخلق الكثير الطعام القليل؛ ~~فطلبوا منه معجزات قاهرة غير هذه، مثل: فلق البحر لموسى، وقلب العصا ~~ثعبانا. # فإن قيل: فما السبب في أن الله منعهم، وما أعطاهم؟. # فالجواب: أن الله تعالى لما أظهر المعجزة الواحدة، فقد تم الغرض، ~~فيكون طلب الثاني تحكما، وظهور القرآن معجزة، فما كان مع ذلك حاجة إلى ~~معجزات آخر. # وأيضا: فلعله تعالى علم أنهم يصرون على العناد بعد ظهور ~~المعجزة الملتمسة وكونهم يصيرون حينئذ يستوجبون عذاب الاستئصال، فلهذا ~~السبب ما أعطاهم مطلوبهم، وقد بين الله تعالى ذلك بقوله: # ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو ~~أسمعهم لتولوا وهم معرضون # [الأنفال:23] فبين أنه لم يعطهم مطلوبهم، لعلمه أنهم لا ينتفعون ~~به. # وأيضا: ففتح هذا الباب يفضي إلى ما لا نهاية له، وهو أنه كلما أتى ~~بمعجزة جاء آخر، وطلب معجزة أخرى، وذلك يوجب سقوط دعوة الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام وهو باطل. # والوجه الثاني: لعل الكفار قالوا ذلك قبل مشاهدة سائر المعجزات. # ثم قال: " إنما أنت منذر " مخوف. # قوله: { ولكل قوم هاد } فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن هذا الكلام مستأنف مستقبل من مبتدأ، وخبر. # والثاني: أن " لكل قوم " متعلق " هاد " ، و " هاد " نسق ~~على " منذر " ، أي: إنما أنت منذر وهاد لكل قوم، وفي هذا الوجه ~~الفصل بين حرف العطف، والمعطوف بالجار وفيه خلاف تقدم. # ولما ذكر أبو حيان هذا الوجه، لم يذكر هذا الإشكال، ومن عادته ذكره ~~ردا به على الزمخشري. # الثالث: أن " هاد " خبر مبتدأ محذوف، تقديره: إنما أنت منذر، وهو ~~لكل قوم هاد، ف " لكل " متعلق به أيضا. # ووقف ابن كثير على " هاد " [الرعد:33] [الزمر:23، 36] و " واق " حيث ~~وقعا، وعلى " وال " نا و " باق " [النحل:96] [الرعد:34، 37] في النحل ~~بإثبات الياء، وحذفها الباقون. # ونقل ابن مجاهد عنه: أنه يقف بالياء في جميع الياءات. ونقل عن ورش: ~~أنه خير في الوقف بين الياء، وحذفها. # والباب: هو كل منقوص منون غير منصرف، واتفق القراء على التوحيد في " ~~هاد ". # فصل # إذا جعلنا " ولكل قوم هاد " كلاما مستأنفا، ms5134 فالمعنى: أن الله ~~تعالى خص كل قوم بنبي، ومعجزة تلائمهم، فلما كان الغالب في ~~زمن موسى عليه السلام السحر؛ جعل معجزته ما هو أقرب إلى طريقهم، ولما ~~كان الغالب في زمن عيسى عليه الصلاة والسلام الطب، جعل معجزته ما كان ~~من تلك الطريقة، وهي إحياء الموتى، وإبراء الأكمة، والأبرص، ولما كان ~~الغالب في زمان محمد صلى الله عليه وسلم الفصاحة، والبلاغة جعل معجزته ~~ما كان لائقا بذلك الزمان، وهو فصاحة القرآن، فلما لم يؤمنوا بهذه ~~المعجزة مع أنها أليق بطبائعهم، فبأن لا يؤمنون بباقي المعجزات أولى، ~~هذا تقرير القاضي، وبه ينتظم الكلام. # وقيل: المعنى أنهم إذا جحدوا كون القرآن معجزة لا تضيق قلبك بسببه، و " ~~إنما أنت منذر " ، أي ما عليك إلا الإنذار، وأما الهداية ~~فليست إليك، فإن: { ولكل قوم هاد } قادر على هدايتهم. # والمعنى: أن الهداية من الله. # فصل # قيل: المنذر، والهادي شيء واحد، والتقدير: إنما أنت منذر { ~~ولكل قوم هاد } منذر على حدة، ومعجزة كل واحد غير معجزة ~~الآخر. # وقيل: المنذر محمد صلى الله عليه وسلم والهادي: هو الله تعالى قاله ~~ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والضحاك. # وقال عكرمة: الهادي محمد صلى الله عليه وسلم يقول: أنت منذر، وأنت هاد ~~لكل قوم، أي: داع. ### || [13.8-11] # قوله تعالى: { الله يعلم ما تحمل كل أنثى } الآية في ~~النظم وجوه: # أحدها: أن الكفار لما طلبوا آيات أخر غير ما أتى به الرسول عليه ~~الصلاة والسلام بين أنه تعالى عالم بجميع المعلومات، فلو علم من ~~حالهم أنهم إنما طلبوا الآية الآخرى للاسترشاد، وطلب البيان أظهرها، وما ~~منعهم، لكنه تعالى عالم أنهم لم يقولوا ذلك إلا لمحض العناد؛ فلذلك ~~منعهم، ونظيره قوله تعالى: # ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه فقل ~~إنما الغيب لله # [يونس:20]، وقوله: # إنما الآيات عند الله # [العنكبوت:50]. # وثانيها: أنه تعالى لما قال: # وإن تعجب فعجب قولهم # [الرعد:5] في إنكار البعث بسبب أن أجزاء أبدان الحيوانات تتفرق، ~~وتختلط بعضها ببعض، ولا يتميز، فبين الله تعالى أنه إنما لم يتميز ms5135 ~~في حق من لا يكون عالما بجميع المعلومات فأما من: { يعلم ما ~~تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد ~~وكل شيء عنده بمقدار } كيف لا يميزها؟. # وثالثها: أنه متصل بقوله: # ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة # [الرعد:6]. # والمعنى: أنه تعالى عالم بجميع المعلومات، فهو إنما ينزل العذاب ~~بحسب ما يعلم كونه مصلحة فيه. # قوله: { الله يعلم } يجوز في الجلالة وجهان: # أحدهما: أنها خبر مبتدأ مضمر، أي: هو الله، وهذا على قول من فسر " ~~هاد " بأنه هو الله [تعالى، فكان هذه الجملة تفسير له، وهذا [ما] عنى ~~الزمخشري بقوله: وأن يكون المعنى: هو الله] تفسيرا ل " هاد " على ~~الوجه الأخير، ثم ابتدأ فقال: " يعلم ". # والثاني: أن الجلالة مبتدأ " ويعلم " خبرها، وهو كلام مستأنف ~~مستقل. # قال أبو حيان، " و " يعلم " هاهنا متعدية إلى واحد؛ لأنه لا ~~يراد هنا النسبة إنما المراد تعلق العلم بالمفردات ". # قال شهاب الدين رحمه الله : " وإذا كانت كذلك، كانت غير فائتة " وقد ~~تقدم أنه لا ينبغي أنه يجوز نسبة هذا إلى الله عز وجل وتقدم ~~تحقيقه في الأنفال فالتفت إليه. # قوله: " ما تحمل " " ما " تحتمل ثلاثة أوجه: # أحدها: أن تكون موصولة اسمية، والعائد محذوف، أي: ما تحمله. # والثاني: أن تكون مصدرية، فلا عائد. # والثالث: أن تكون استفهامية، وفي محلها وجهان: # أحدهما: أنها في محل رفع بالابتداء، و " تحمل " خبره، والجملة ~~معلقة للعلم. # والثاني: أنها في محل نصب ب " تحمل " قاله أبو البقاء. # وهو أولى؛ لأنه لا يحتاج إلى حذف عائد لا سيما عند البصريين؛ فإنهم ~~لا يجيزون زيدا ضربت. # ولم يذكر أبو حيان غير هذا، ولم يتعرض لهذا الاعتراض. # و " ما " في قوله: { وما تغيض الأرحام وما تزداد } ~~محتملة للأوجه المتقدمة و " غاض، وزاد " سمع تعديهما، ولزومهما، ولك ~~أن تدعي حذف العائد على القول بتعديهما، وأن تجعلها مصدرية على القول ~~بمصدريتها. # فصل # إذا كانت " ما " موصولة فالمعنى: أنه تعالى يعلم ما تحمل كل أنثى من ~~الولد أهو ذكر، أم أنثى، وتام، أم ناقص، وحسن، أم قبيح، وطويل، أم ~~قصير ms5136 أو غير ذلك من الأحوال. # وقوله سبحانه: { وما تغيض الأرحام } الغيض: النقصان سواء كان ~~لازما، أو متعديا فيقال: غاض الماء وغضته أنا، ومنه قوله تعالى: # وغيض المآء # [هود:44] والمعنى: ما تغيضه الأرحام إلا أنه حذف الرافع. # و " ما تزداد " ، أي تأخذه زيادة، تقول: أخذت منه حقي، وازددت منه ~~كذا، ومنه قوله تعالى: # وازدادوا تسعا # [الكهف:25]. # ثم اختلفوا فيما تفيضه الرحم، وما تزداده على وجوه: # الأول: عدد الولد فإن الرحم قد يشتمل على واحد، وعلى اثنين، ~~وثلاثة، وأربعة. # يروى أن شريكا كان رابع أربعة في بطن أمه. # الثاني: عند الولادة قد تكون زائدة، وقد تكون ناقصة. # الثالث: [مدة ولادته] قد تكون تسعة أشهر [فأزيد] إلى سنتين عند أبي ~~حنيفة رحمه الله وإلى أربع عند الشافعي رضي الله عنه ، وإلى خمس ~~عند مالك رضي الله عنه . # قيل: إن الضحاك ولد لسنتين، وهرم بن حيان بقي في بطن أمه أربع سنين، ~~ولذلك سمي هرما. # الرابع: الدم؛ فإنه تارة يقل، وتارة يكثر. # الخامس: ما ينقص بالسقط من غير أن يتم، وما يزداد بالتمام. # السادس: ما ينقص بظهور دم الحيض؛ لأنه إذا سال الدم في وقت الحمل ~~ضعف الولد، ونقص بمقدار ذلك النقصان، وتزداد أيام الحمل، لتصير هذه ~~الزيادة جابرة لذلك النقصان. # قال ابن عباس رضي الله عنه : " كلما سال الحيض في وقت الحمل ~~يوما، زاد في مدة الحمل يوما، ليحصل الجبر، ويعتدل الأمر ". # وهذا يدل على أن الحامل تحيض، وهو مذهب مالك، وأحد قولي الشافعي ~~لقول ابن عباس في تأويل هذه الآية: إنه حيض الحبالى، وهو قول عائشة ~~رضي الله عنها وأنها كانت تفتي النساء الحوامل إذا حضن أن يتركن ~~الصلاة. # وقال المخالف: لو كانت الحامل تحيض مكان ما تراه المرأة من الدم ~~حيضا، لما صح استراء الأمة بحيضة، وهذا بالإجماع. # السابع: أن دم الحيض فضلة تجتمع في [بطن] المرأة، فإذا امتلأت عروقها من ~~تلك الفضلات؛ فاضت، وخرجت، وسالت من دواخل تلك العروق، ثم إذا سالت تلك ~~المواد، امتلأت تلك العروق مرة أخرى. # هذا ms5137 كله إذا قلنا: إن " ما " موصولة. # فإذا قلنا: إنها مصدرية: فالمعنى أنه تعالى يعلم حمل كل ~~شيء، ويعلم غيض الأرحام، وازديادها لا يخفى عليه شيء من ذلك، ولا ~~أوقاته، وأحواله. # ثم قال: { وكل شيء عنده بمقدار } يحتمل أن يكون المراد ~~بالعندية: العلم ومعناه: أنه تعالى يعلم كمية كل شيء، وكيفيته على ~~الوجه المفصل المبين ومتى كان الأمر كذلك امتنع وقوع التغيير في تلك ~~المعلومات، ويحتمل أن يكون المراد من العندية أنه تعالى خصص كل ~~حادث بوقت معين، وحال معينة بمشيئته الأزلية وإرادته السرمدية. # وعند حكماء الإسلام: أنه تعالى وضع أشياء كلية، وأودع فيها قوى، ~~وخواص، وحركها بحيث يلزم من حركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة أحوال ~~جزئية متعينة ومناسبات مخصوصة [مقدرة]، ويدخل في هذه الآية أفعال ~~العباد، وأحوالهم، وخواطرهم، وهي من أدل الدلائل على بطلان قول ~~المعتزلة. # قوله: " عنده " يجوز أن يكون مجرور المحل صفة ل " شيء " ، أو ~~مرفوعه صفة ل " كل " ، أو منصوبة ظرفا لقوله: " بمقدار " ، أو ~~ظرفا للاستقرار الذي تعلق به الجار لوقوعه خبرا. # قوله: { عالم الغيب } يجوز أن يكون مبتدأ، وخبره: " الكبير ~~المتعال " ، وأن يكون خبرا لمبتدأ محذوف، أي: هو عالم. # وقرأ زيد بن علي " عالم " نصبا على المدح. # ووقف ابن كثير، وأبو عمرو في رواية على ياء " المتعال " وصلا ~~ووقفا، وهذا هو الأشهر في لسانهم، وحذفها الباقون وصلا ووقفا لحذفها ~~في الرسم. # واستسهل سيبويه حذفها في الفواصل، والقوافي، ولأن " أل " تعاقب ~~التنوين، فحذفت معها إجراء لها مجراها. # فصل # قال ابن عباس رضي الله عنه : يريد علم ما غاب عن خلقه وما شاهدوه. # قال الواحدي: " فعلى هذا " الغيب " مصدر يراد به الغائب، والشهادة ~~أراد بها الشاهد ". # واختلفوا في المراد بالغائب، والشاهد؛ فقيل: المراد بالغائب: ~~[المعدوم]، وبالشاهد: الموجود. وقيل: الغائب مالا يعرفه الخلق. # واعلم أن المعلومات قسمان: المعدومات، والموجودات. # والمعدومات منها معدومات يمتنع وجودها، ومعدومات لا يمتنع وجودها. # والموجودات قسمان: موجودات يمتنع عدمها، وموجودات لا يمتنع عدمها، وكل ~~واحد من هذه الأقسام الأربعة له أحكام، وخواص، والكل معلوم لله تعالى ms5138 ~~. # قال إمام الحرمين: لله تعالى معلومات لا نهاية لها وله في كل واحد ~~من تلك المعلومات معلومات أخرى لا نهاية لها؛ لأن الجوهر الفرد يعلم الله ~~تعالى من حاله أنه يمكن وقوعه في أحياز لا نهاية لها على البدل، وموصوف ~~بأوصاف لا نهاية لها على البدل، وهو تعالى عالم بكل الأحوال على ~~التفصيل وكل هذه الأقسام داخلة تحت قوله: { عالم الغيب ~~والشهادة }. # ثم قال: " الكبير المتعال " وهو تعالى يمتنع أن يكون كبيرا ~~بحسب الجثة والمقدار؛ فوجب أن يكون كبيرا بحسب القدرة الإلهية، و " ~~المتعال " المتنزه عن كل ما لا يجوز عليه في ذاته، وصفاته. # قوله تعالى: { سوآء منكم من أسر القول ومن جهر ~~به }. # في " سواء " وجهان: # أحدهما: أنه خبر مقدم، و: " من أسر " ، و " من جهر " هو ~~المبتدأ، وإنما لم يثن الخبر؛ لأنه في الأصل مصدر، وهو ههنا بمعنى ~~مستو، و " منكم " على هذا حال من الضمير المستتر في " سواء "؛ ~~لأنه بمعنى مستو. # قال أبو البقاء: " ويضعف أن يكون حالا من الضمير في " أسر " ، و " ~~جهر " لوجهين: # أحدهما: تقديم ما في الصلة على الموصول، أو الصفة على الموصوف. # والثاني: تقديم الخبر على " منكم " وحقه أن يقع بعده ". # قال شهاب الدين رحمه الله : " وحقه أن يقع بعده يعني: بعده، ~~وبعد المبتدأ، ولا يصير كلامه لا معنى له ". # والثاني: أنه مبتدأ، وجاز الابتداء به لوصفه بقوله: " منكم ". # وأعرب سيبويه: " سواء " عليه الجهر والسر كذلك، وقول بن عطية: إن ~~سيبويه ضعف ذلك بأنه ابتداء بنكرة غلط عليه. # قال ابن الخطيب: لفظ " سواء " يطلب اثنين، تقول: " سواء زيد، وعمرو " ، ~~ثم فيه وجهان: # الأول: أن " سواء " مصدر، والمعنى: ذو سواء، كما تقول: عدل زيد ~~وعمرو، أي: ذو عدل. # الثاني: أن يكون " سواء " بمعنى مستو، وعلى هذا التقدير، فلا حاجة إلى ~~الإضمار، إلا أن سيبويه يستقبح أن يقال: مستو زيد وعمرو؛ لأن اسماء ~~الفاعل إذا كانت نكرة لا يبتدأ بها. # ولقائل أن يقول: بل هذا الوجه أولى؛ لأن حمل الكلام عليه يغني عن ~~التزام الإضمار ms5139 الذي هو خلاف الأصل. # قوله: { وسارب بالنهار } فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون معطوفا على " مستخف " ، ويراد ب " من " حينئذ ~~اثنان، وحمل المبتدأ الذي هو لفظ " هو " على لفظها، فأفرده، والخبر على ~~معناها فثناه. # والوجه الثاني: أن يكون عطفا على " من هو " في " ومن هو مستخف ~~" لا على: " مستخف " وحده. # ويوضح هذين الوجهين ما قاله الزمخشري قال: " فإن قلت: كان حق العبارة ~~أن يقال: ومن هو مستخف بالليل، ومن هو سارب بالنهار حتى يتناول ~~معنى الاستواء المستخفي، والسارب، وإلا فقد تناول واحد هو مستخف وسارب. # قلت: فيه وجهان: # أحدهما: أن قوله: " سارب " عطف على: " من هو مستخف " [لا ~~على: " مستخف ". # والثاني: أنه عطف على: " مستخف " ] إلا أن: " من " في معنى ~~الاثنين؛ كقوله: [الطويل] # 3166................ # نكن مثل من يا ذئب يصطحبان # كأنه قيل: سواء منكم اثنان مستخف بالليل، وسارب بالنهار ". # قال شهاب الدين: وفي عبارته بقوله: كان حق العبارة كذا سوء أدب، ~~وقوله كقوله: " نكن مثل من يا ذئب " يشير إلى البيت المشهور في ~~قصة بعضهم مع ذئب يخاطبه: [الطويل] # 3167 تعش فإن عاهدتني لا تخونني # نكن مثل من يا ذئب يصطحبان # وليس في البيت حمل على اللفظ والمعنى، وإنما فيه حمل على المعنى ~~فقط، وهو مقصوده. # وقوله: " وإلا فقد تناول واحد هو مستخف وسارب " لو قال بهذا قائل لأصاب ~~الصواب وهو مذهب ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد ذهبا إلى أن ~~المستخفي والسارب شخص واحد يستخفي بالليل، ويسرب بالنهار، ليري تصرفه ~~في الناس. # الثالث: أن يكون على حذف " من " الموصولة، أي: ومن هو سارب، وهذا ~~إنما يتمشى عند الكوفيين، فإنهم يجيزون حذف الموصول، وقد تقدم ~~استدلالهم على ذلك. # والسارب: اسم فاعل من " سرب، يسرب " ، أي: تصرف كيف يشاء؛ ~~قال: [الكامل] # 3168 أنى سربت وكنت غير سروب # وتقرب الأحلام غير قريب # وقال آخر: [الطويل] # 3169 وكل أناس قاربوا قيد فحلهم # ونحن خلعنا قيده فهو سارب # أي: متصرف كيف توجه، ولا يدفعه أحد عن مرعى قومه بالمنعة، والقوة. # فصل # معنى الكلام: أي: يستوي ms5140 في علم الله المسر في القول، والجاهر به. وفي ~~المستخفي، والسارب وجهان: # الأول: يقال: أخفيت الشيء أخفيه إخفاء فخفي، واستخفى فلان من فلان، أي: ~~توارى واستتر منه. # والسارب: قال الفراء والزجاج: أي: ظاهر بالنهار في سربه، أي: طريقه ~~يقال: خلا له سربه، أي: طريقه، والسرب بفتح السين، وسكون الراء ~~الطريق. # وقال الأزهري: " تقول العرب: سربت الإبل تسرب سربا، أي: مضت في ~~الأرض ظاهرة حيث شاءت ". # فمعنى الآية: سواء كان الإنسان مستخفيا في الظلمات، وكان ظاهرا في ~~الطرقات فعلم الله تعالى محيط بالكل. # قال ابن عباس: " سواء ما أضمرته القلوب، أو أظهرته الألسنة ". # وقال مجاهد: سواء من أقدم على القبائح في ظلمات الليل، ومن أتى بها في ~~النهار الظاهر على سبيل التوالي. # وقال ابن عباس أيضا: " هو صاحب ريبة مستخف بالليل، وإذا خرج بالنهار ~~أرى الناس أنه بريء من الإثم ". # والقول الثاني: نقل الواحدي عن الأخفش، وقطرب قال: المستخفي: الظاهر ~~والسارب: المتواري، ومنه يقال: خفيت الشيء، أي: أظهرته، وأخفيت الشيء أي: ~~استخرجته، ويسمى النباش: المستخفي، والسارب: المتواري، أي: الداخل ~~سربا، وانسرب الوحش: إذا دخل في السرب، أي: في كناسه. # قال الواحدي: " وهذا الوجه صحيح في اللغة إلا أن الأول هو المختار ~~لإطباق أكثر المفسرين عليه، وأيضا: فالليل يدل على الاستتار، والنهار ~~على الظهور ". # قوله: { له معقبات } الضمير فيه أربعة أوجه: # أحدها: أنه عائد على " من " المكررة، أي: لمن أسر القول، ولمن جهر به ~~ولمن استخفى: " معقبات " ، أي: جماعة من الملائكة يعقب بعضهم بعضا. # الثاني: أنه يعود على " من " الأخيرة، وهو قول ابن عباس. # قال ابن عطية: والمعقبات على هذا: حرس الرجل وجلاوزته الذين يحفظونه، ~~قالوا: والآية على هذا في الرؤساء الكفار، واختاره الطبري وآخرون إلا ~~أن الماوردي ذكر على هذا التأويل: أن الكلام نفي، والتقدير: لا ~~يحفظونه، وهذا ينبغي ألا يسمع ألبتة، كيف يبرز كلام موجب، ويراد به نفي، ~~وحذف " لا " إنما يجوز إذا كان المنفي مضارعا في جواب قسم، نحو # تالله تفتأ # [يوسف:85] وقد تقدم تحريره وإنما معنى الكلام كما ms5141 قال المهدوي: ~~يحفظونه من أمر الله في ظنه، وزعمه. # الثالث: أن الضمير في " له " يعود على الله تعالى وفي " ~~يحفظونه " للعبد أي: لله ملائكة يحفظون العبد من الآفات، ويحفظون ~~عليه أعماله قاله الحسن رضي الله عنه . # الرابع: عود الضميرين على النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يجر له ذكر ~~قريب، ولتقدم ما يشعر به في قوله: " لولا أنزل عليه ". # و " معقبات " جمع معقب بزنة مفعل، من عقب الرجل إذا جاء على عقب ~~الآخر؛ لأن بعضهم يعقب بعضا، أو لأنهم يعقبون ما يتكلم به. # وقال الزمخشري: " والأصل: معتقبات، فأدغمت التاء في القاف، كقوله: # وجآء المعذرون # [التوبة:90]، أي: المعتذرون، ويجوز " معقبات " بكسر العين ولم يقرأ ~~به ". # وقال أبو حيان: " وهذا وهم فاحش، لا تدغم التاء في القاف، ولا ~~القاف في التاء لا من كلمة، ولا من كلمتين، وقد نص التصريفيون على ~~أن القاف، والكاف كل منهما تدغم في الأخرى، ولا يدغمان في غيرهما، ~~ولا يدغم غيرهما فيهما، وأما تشبيهه بقوله: # وجآء المعذرون # [التوبة:90] فلا يتعين أن يكون أصله " المتعذرون " وقد تقدم ~~توجيهه، وأنه لا يتعين ذلك فيه. # وأما قوله: ويجوز " معقبات " بكسر العين، فهذا لا يجوز؛ لأنه بناه ~~على أن أصله: معتقبات، فأدغمت التاء في القاف، وقد بينا أن ذلك وهم ~~فاحش وفي " معقبات " احتمالان: # أحدهما: أن يكون معقبة بمعنى معقب، والتاء للمبالغة، كعلامة، ~~ونسابة. أي: ملك معقب، ثم جمع هذا كعلامات، ونسابات. # والثاني: أن يكون معقبة صفة لجماعة، ثم جمع هذا الوصف، وذكر ابن جرير: ~~أن معقبة جمع معقب، وشبه ذلك ب " رجل، ورجال، ورجالات ". قال أبو ~~حيان: وليس كما ذكر، إنما ذلك ك " جمل، وجمال، وجمالات " ~~ومعقب، ومعقبات إنما هو كضارب، وضاربات. # ويمكن أن يجاب عنه: بأنه يمكن أن يريد بذلك أنه أطلق من حيث الاستعمال ~~على جمع معقب، وإن كان أصله أن يطلق على مؤنث " معقب " ، فصار مثل: " ~~الواردة " للجماعة الذين يريدون، وإن كان أصله للمؤنثة من جهة أن جموع ~~التكسير في العقلاء تعامل معاملة المؤنثة في الإخبار، ms5142 وعود الضمير، ~~ومنه قولهم: الرجال وأعضادها، والعلماء ذاهبة إلى كذا، وتشبيهه ذلك ~~برجل، ورجالات من حيث المعنى لا الصناعة ". # وقرأ أبي، وإبراهيم، وعبيد الله بن زياد: له معاقيب. # قال الزمخشري: " جمع معقب، أو معقبة، والياء عوض من حذف إحدى القافين ~~في التكسير ". # ويوضح هذا ما قاله ابن جني؛ فإنه قال: " معاقيب " تكسير معقب ~~بسكون العين، وكسر القاف، ك " مطعم، ومطاعم " و " مقدم، ~~ومقاديم " ، فكأن " معقبا " جمع على معاقبة، ثم جعلت الياء في " ~~معاقيب " عوضا من الهاء المحذوفة في " معاقبة ". # فصل # قال: المعقب من كل شيء ما خلف يعقب ما قبله، ويجوز أن يكون عقبه، إذا ~~جاء على عقب، والمعنى في كلا الوجهين واحد. # والتعقيب: العود بعد البدء، وإنما ذكر بلفظ التأنيث؛ لأن واحدها ~~معقب وجمعه معقبة، ثم جمع المعقبة معقبات، كقولك: رجالات مكسر، وقد ~~تقدم. # وفي المراد ب " المعقبات " قولان: # أشهرهما: أن المراد الحفظة، وإنما وصفوا بالمعقبات، إما لأجل أن ~~ملائكة الليل تعقب ملائكة النهار، وبالعكس، وإما لأجل أنهم يعقبون ~~أعمال العباد ويتبعونها بالحفظ، والكتابة، وكل من عمل عملا ثم معاد ~~إليه؛ فقد عقبه. # فعلى هذا المراد من المعقبات: ملائكة الليل، والنهار، قال تعالى ~~جل ذكره # وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما ~~تفعلون إن الأبرار لفي نعيم # [الانفطار:10، 11، 12،13]. # قوله: { من بين يديه } يجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة ل ~~" معقبات " ويجوز أن يتعلق ب " معقبات " ، و " من " لابتداء ~~الغاية، ويجوز أن تكون حالا من الضمير الذي هو الظرف الواقع خبرا ~~والكلام على هذه الأوجه تام عند قوله: { ومن خلفه }. # وقد عبر أبو البقاء رحمه الله عن هذه الأوجه بعبارة مشكلة، وهي ~~قوله: { من بين يديه } يجوز أن يكون صفة ل " معقبات " ، ~~وأن يكون ظرفا، وأن يكون حالا من الضمير الذي فيه، فعلى هذا يتم ~~الكلام عنده " انتهى ". # ويجوز أن يتعلق ب " يحفظونه " أي: يحفظونه من بين يديه، ومن خلفه. # فإن قيل: كيف يتعلق حرفان متحدان لفظا ومعنى بعامل واحد، وهما " ~~من " الداخلة على " بين " و " من " الداخلة ms5143 على: " أمر الله ~~"؟. # فالجواب: أن " من " الثانية مغايرة للأولى في المعنى كما ستعرفه. # قوله: " يحفظونه " يجوز أن يكون صفة ل " معقبات " ، ويجوز أن ~~يكون حالا من الضمير المستكن في الجار الواقع [خبرا]، و " من أمر ~~الله " متعلق به، و " من " إما للسبب أي: بسبب أمر الله. # ويدل له على قراءة علي بن أبي طالب، وابن عباس، وزيد بن علي، ~~وعكرمة رضي الله عنهم : بأمر الله. # وقيل: المعنى على هذا يحفظون عمله بإذن الله، فحذف المضاف. # قال ابن الأنباري: كلمة " من " معناها الباء، وتقديره: يحفظونه بأمر ~~الله وإعانته، والدليل عليه: أنه لا بد من المصير إليه؛ لأنه لا قدرة ~~للملائكة، ولا لأحد من الخلق على أن يحفظوا أحدا من أمر الله، ومما ~~قضاه الله عليه؛ وإما أن تكون على بابها. # قال أبو البقاء: " من أمر الله " من الجن، والإنس، فتكون " من ~~" على بابها. # " يعني: أن يراد بأمر الله: نفس ما يحفظ منه كمردة الإنس، والجن، فتكون ~~" من " لابتداء الغاية ". # ويجوز أن تكون بمعنى " عن " ، وليس عليه معنى يليق بالآية الكريمة، ~~ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة ل: " معقبات " أيضا فيجيء ~~الوصف بثلاثة أشياء في بعض الأوجه المتقدمة بكونها { من بين ~~يديه ومن خلفه } وبكونها " يحفظه " ، وبكونها " من أمر ~~الله " ولكن يتقدم الوصف بالجملة على الوصف بالجار، وهو جائز فصيح، ~~وقد ذكر الفراء فيه وجهين: # الأول: أنه على التقديم، والتأخير، والتقدير: له معقبات من أمر الله ~~يحفظونه من بين يديه. # قال شهاب الدين رحمه الله : " والأصل عدم ذلك مع الاستغناء عنه ". # والثاني: أن فيه إضمارا، أي: ذلك الحفظ من أمر الله، أي: مما أمر ~~الله به، فحذف الاسم، وأبقى خبره، كما يكتب على الكيس: ألفان، والمراد ~~الذي فيه ألفان. # فصل # ذكر المفسرون: أن لله ملائكة يتعاقبون بالليل، والنهار؛ فإذا صعدت ~~ملائكة الليل جاء في عقبها ملائكة النهار، وإذا صعدت ملائكة النهار، ~~جاء في عقبها ملائكة الليل، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال ms5144 # " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ~~يجتمعون عند صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج ~~الذين باتوا فيكم؛ فيسألهم وعو أعلم بهم: كيف تركتم ~~عبادي؟ فيقولون: تركناهم، وهم يصلون، وأتيناهم، ~~وهم يصلون ". # وقوله: { من بين يديه ومن خلفه } يعنى من قدام، هذا ~~استخفى بالليل والسارب بالنهار، ومن وراء ظهره يحفظونه من أمر الله ~~يعني بإذن الله ما لم يجىء القدر، فإذا جاء القدر خلوا عنه. # وقيل: يحفظونه مما أمر الله به من الحفظ عنه. # قال مجاهد: ما من عبد إلا وله ملك موكل به يحفظه في نومه ويقظته من ~~الجن والإنس، والهوام. # وقيل: المراد بالآية الملكين القاعدين على اليمين، وعلى الشمال يكتبان ~~الحسنات والسيئات " يحفظونه " أي يحفظون عليه، " من أمر الله " يعني ~~الحسنات والسيئات قال الله تعالى: # ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد # [ق.18]. # وقال عبدالرحمن بن زيد: نزلت هذه الآية في عامر بن الطفيل وأربد بن ~~ربيعة، وكانت قصتهما على ما روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما، قال: # " أقبل عامر بن الطفيل، وأربد بن ربيعة، وهما عامريان يريدان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وهو جالس في المسجد في نفر من أصحابه، فدخلا ~~المسجد، فاستشرف الناس لجمال عامر، وكان أعور، وكان من أجمل ~~الناس، فقال رجل: يا رسول الله هذا عامر بن الطفيل قد أقبل نحوك ~~فقال: دعه؛ فإن يرد الله به خيرا يهده، فأقبل حتى قام عليه، فقال: يا ~~محمد ما لي إن أسلمت؛ فقال صلى الله عليه وسلم: لك ما للمسلمين، وعليك ما ~~على المسلمين، قال: تجعل لي الأمر بعدك؛ قال: ليس ذلك إلي، إنما ذلك ~~إلى الله عز وجل يجعله حيث يشاء، فقال: تجعلني على الوبر وأنت على ~~المدر، قال: لا، قال: فما تجعل لي؟ قال أجعل لك أعنة الخيل تغزو ~~عليها قال: أوليس ذلك لي اليوم، قم معي أكلمك، فقام معه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وكان عامر أوصى إلى أربد بن ربيعة: إذا رأيتني أكلمه ~~فدر من ms5145 خلفه، فاضربه بالسيف، فجعل يخاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ويراجعه، فدار أربد من خلف النبي ليضربه، فاخترط من سيفه شبرا، ثم ~~حبسه الله عز وجل عنده، فلم يقدر على سله، وجعل عامر يومىء ~~إليه، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى أربد وما يصنع بسيفه، ~~فقال: " اللهم أكفنيهما بما شئت " فأرسل الله على أربد ~~صاعقة في يوم صحو صائف، فأحرقته، وولى عامر بن الطفيل هاربا، وقال: ~~يا محمد! دعوت ربك فقتل أربد، والله لأملأنها عليك خيلا جردا، ~~وفتيانا مردا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " يمنعك الله من ~~هذا، وأبناء قيلة " يريد الأوس، والخزرج؛ فنزل عامر بيت امرأة ~~سلولية فلما أصبح، ضم عليه سلاحه، وقد تغير لونه، فخرج يركض في الصحراء ~~ويقول: ابرز يا ملك الموت، ويقول الشعر، ويقول: واللات لئن أصبح لي ~~محمد وصاحبه يعني ملك الموت لأنفذتهما برمحي؛ فأرسل الله تبارك ~~وتعالى ملكا فلطمه بجناحه، فأذراه في التراب، وخرجت على ركبته في ~~الوقت غدة عظيمة، فعاد إلى بيت السلولية، وهو يقول: " غدة كغدة ~~البعير، وموت في بيت سلولية " ، ثم دعا بفرسه، فركبه، ثم ~~أجراه حتى مات على ظهره، فأجاب الله دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقتل عامر بالطعن، وأربد بالصاعقة " # ، وأنزل الله في هذه القصة: { سوآء منكم من أسر ~~القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل ~~وسارب بالنهار له معقبات } يعنى للرسول صلى الله عليه ~~وسلم معقبات يحفظونه من بين يديه ومن خلفه من أمر الله، يعني: تلك ~~المعقبات من أمر الله، وفيه تقديم وتأخير. # ونقل عن ابن عباس رضي الله عنهما واختاره أبو مسلم الأصفهاني ~~رحمه الله أن المراد يستوي في علم الله السر، والجهر، والمستخفي في ~~ظلمة الليل والسارب بالنهار المستظهر بالمعاونين، والأنصار، وهم ~~الملوك، والأمراء فمن لجأ إلى الله فلن يفوت الله سبحانه وتعالى أمره، ~~ومن سار نهارا بالمعقبات، وهم الأحراس والأعوان الذين يحفظونه لم ينجه ~~حراسه من الله تعالى والمعقب هو العون؛ لأنه إذا نصر هذا ذاك؛ فلا ms5146 بد ~~وأن ينصر ذاك هذا؛ فنصر كل واحد منهما معاقبة لنصرة الآخر؛ فهذه المعقبات ~~لا تخلص من قضاء الله، وقدره، وهم وإن ظنوا أنهم يخلصون مخدومهم من أمر ~~الله، ومن قضائه؛ فإنهم لا يقدرون على ذلك ألبتة. # والمقصود من الكلام: بعث السلاطين، والأمراء، والكبراء على أن يطلبوا ~~الخلاص من المكاره من الله، ويعولوا على حفظه وعصمته ولا يعولوا في دفعها ~~على الأعوان والأنصار؛ ولذلك قال تعالى جل ذكره بعده: { وإذا ~~أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من ~~دونه من وال }. # قال القرطبي: " قيل: إن في الكلام نفيا محذوفا تقديره: لا يحفظونه من ~~أمر الله تعالى ذكره الماوردي. # قال المهدوي: ومن جعل المعقبات: الحرس، فالمعنى: يحفظونه من أمر الله ~~على ظنه، وزعمه. # وقيل: سواء من أسر القول، ومن جهر، فله حراس، وأعوان يتعاقبون عليه، ~~فيحملونه على المعاصي، و " يحفظونه " من أن ينجع فيه وعظ. # قال القشيري: وهذا لا يمنع الرب من الإمهال إلى أن يحق العذاب، وهو ~~إذا غير هذا العاصي ما بنفسه بطول الإصرار، فيصير ذلك سببا للعقوبة، ~~فكأنه الذي يحل العقوبة ". # وقال عبد الرحمن بن زيد: " المعقبات: ما تعاقب من أمر الله تعالى ~~وقضائه في عباده ". # قال الماوردي: " ومن قال بهذا القول، ففي تأويل قوله: { يحفظونه ~~من أمر الله } وجهان: # أحدهما: يحفظونه من الموت ما لم يأت أجله، قاله الضحاك. # الثاني: يحفظونه من الجن، والهوام المؤذية، ما لم يأت قدر، قاله أبو ~~أمامة، وكعب الأحبار رضي الله عنهما فإذا جاء القدر خلوا عنه ". # قوله: { إن الله لا يغير ما بقوم }: من العافية ~~والنعمة { حتى يغيروا ما بأنفسهم } من [الحالة ~~الجميلة] فيعصون ربهم. # قال الجبائي، والقاضي: هذه الآية تدل على مسألتين: # الأولى: أنه سبحانه لا يعاقب أطفال المشركين بذنوب آبائهم؛ لأنهم ~~لم يغيروا ما بأنفسهم من نعمه، فيغير الله حالهم من النعمة إلى ~~العذاب. # الثانية: قالوا: الآية تدل على بطلان قول المجبرة: إنه تعالى ابتدأ ~~العبد بالضلال، والخذلان أول ما يبلغ؛ لأن ذلك أبلغ في العقاب، مع ms5147 ~~أنه ما كان منه تغيير. # قال ابن الخطيب: " والجواب أن ظاهر الآية يدل على أن فعل الله تعالى في ~~التغيير يترتب على فعل العبد، وقوله # وما تشآءون إلا أن يشآء الله # [التكوير:29] يدل على أن فعله مقدم على فعل العبد، فوقع التعارض. # وقوله تعالى: { وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد ~~له } يدل على أن العبد غير مستقل بالفعل، فلو كان العبد مستقلا ~~بتحصيل الإيمان، لكان قادرا على رد ما أراد الله تعالى من كفره، ~~وحينئذ يبطل قوله: { وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا ~~مرد له }؛ فثبت أن الآية السابقة، وإن أشعرت بمذهبهم إلا أن هذا ~~من أقوى الدلائل على مذهبنا. # روى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنه : لم تغن المعقبات شيئا وقال ~~عطاء عنه: لا راد لعذابي، و لا ناقض لحكمي: { وما لهم من دونه ~~من وال } ، أي: ليس لهم من دون الله من يتولاهم، ويمنع قضاء الله ~~عنهم، أي: ما لهم وال يتولى أمرهم، ويمنع العذاب عنهم. # قوله: { وإذا أراد الله } " العامل في " إذا " محذوف لدلالة ~~جوابها عليه تقديره: لم يرد أو وقع، أو نحوهما، ولا يعمل فيها جوابها؛ ~~لأن ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها. ### || [13.12-15] # قوله تعالى: { هو الذي يريكم البرق } الآية لما خوف ~~العباد بإنزال ما لا مرد له، أتبعه بذكر هذه الآيات المشتملة على قدرة ~~الله تعالى وحكمته، وهي تشبه النعم والإحسان من بعض الوجوه، وتشبه ~~العذاب، والقهر من بعض الوجوه. # قوله: " خوفا وطمعا " يجوز أن يكونا مصدرين ناصبهما محذوف، أي: يخافون ~~خوفا، ويطمعون طمعا، ويجوز أن يكونا مصدرين في موضع نصب على الحال، ~~وفي صاحب الحال حينئذ وجهان: # أحدهما: أنه مفعول: " يريكم " الأول، أي: خائفين طامعين، أي: تخافون ~~صواعقه وتطمعون في مطره، كما قال المتنبي: [الطويل] # 3170 فتى كالسحاب الجون يخشى ويرتجى # يرجى الحيا منها وتخشى الصواعق # والثاني: أنه البرق، أي: يريكموه حال كيف ذا خوف وطمع، إذ هو في ~~نفسه خوف وطمع على المبالغة، والمعنى كما تقدم. # ويجوز أن يكون ms5148 مفعولا من أجله، ذكره أبو البقاء، ومنعه الزمخشري لعدم ~~اتحاد الفاعل، يعني أن " الإرادة " وهو الله تعالى غير فاعل ~~الخوف، والطمع، وهو ضمير المخاطبين، فاخلتف فاعل الفعل المعلل، وفاعل ~~العلة وهذا يمكن أن يجاب عنه: بأن المفعول في قوة الفاعل، فإن معنى " ~~يريكم " يجعلكم رائين، فتخافون، وتطمعون. # ومثله في المعنى قول النابغة الذبياني: [الطويل] # 3171 وحلت بيوتي في يفاع ممنع # تخال به راعي الحمولة طائرا # حذارا على ألا تنال مقادتي # ولا نسوتي حتى يمتن حرائرا # ف " حذارا " مفعول من أجله، فاعله هو المتكلم، والفعل المعلل الذي هو: ~~" حلت " فاعله " بيوتي " فقد اختلف الفاعل، قالوا: لكن لما كان ~~التقدير: وأحللت بيوتي حذارا صح ذلك. وقد جوز الزمخشري ذلك أيضا ~~على حذف مضاف فقال: " إلا على تقدير حذف مضاف، أي: إرادة خوف، وطمع، ~~وجوزه، أيضا على أن بعض المصادر ناب عن بعض. يعني أن الأصل: يريكم ~~البرق إخافة، وإطماعا ". # فإن المرئي، والمخيف، والمطمع هو الله تعالى فناب خوف عن إخافة، ~~وطمع عن إطماع، نحو: # أنبتكم من الأرض نباتا # [نوح:17] على أنه قد ذهب ابن خروف، وجماعة على أن اتحاد الفعل ليس ~~بشرط. # فصل # في كون البرق خوفا وطمعا وجوه: # قيل: يخاف منه نزول الصواعق، وطمع في نزول الغيث. وقيل: يخاف المطر ~~من يتضرر به كالمسافر، ومن في جرابه التمر والزبيب، والحب، ويطمع فيه من ~~له فيه نفع. # وقيل: يخاف منه في غير مكانه، وأمانه، ويطمع فيه إذا كان في مكانه ~~وأمانه، ومن البلدان إذا مطروا، قحطوا، وإذا لم يمطروا خصبوا. # قال ابن الخطيب: " البرق جسم مركب من أجزاء رطبة مائية، ومن أجزاء ~~هوائية ولا شك أن الغالب عليه الأجزاء المائية، والماء جسم بارد ~~رطب، والنار جسم حار يابس فظهور الضد من الضد التام على خلاف ~~العقل، فلا بد من صانع مختار يظهر الضد من الضد ". # ثم قال: " وينشىء السحاب الثقال " بالمطر، ويقال: أنشأ الله ~~السحابة، فنشأت، أي: أبدأها فبدأت. # قال الزمخشري: " السحاب: اسم جنس الواحدة سحابة، والثقال: جمع ثقيلة؛ ~~لأنك تقول: سحابة ms5149 ثقيلة وسحاب ثقال، كما تقول: امرأة كريمة، ~~ونساء كرام ". # وقال البغوي: " السحاب جمع، واحدتها: سحابة، ويقال في الجمع: سحب ~~وسحائب أيضا، قال علي: السحاب غربال الماء ". # فصل # قال ابن الخطيب: " وهذا من دلائل القدرة والحكمة، وذلك لأن هذه ~~الأجزاء المائية إما أن يقال: حدثت في جو الهواء أو تصاعدت من وجه ~~الأرض، فإن كان الأول وجب أن يكون [حدوثها] بأحداث محدث حكيم قادر، وهو ~~المطلوب، وإن كان الثاني هو أن يقال: تلك الأجزاء تصاعدت من الأرض، ~~فلما وصلت إلى الطبقة الباردة من الهواء بردت، فثقلت، فرجعت إلى الأرض. # فنقول: هذا باطل؛ لأن الأمطار مختلفة، فتارة تكون القطرات كبيرة، وتارة ~~تكون صغيرة، وتارة تكون متقاربة، وأخرى تكون متباعدة، وتارة تطول مدة ~~نزول المطر، وتارة تقصر واختلاف الأمطار في هذه الصفات مع أن طبيعة ~~الأرض واحدة، وطبيعة الشمس واحدة فلا بد وأن يكون تخصيص الفاعل المختار، ~~وأيضا فالتجربة دلت على أن للدعاء، والتضرع في نزول الغيث أثرا ~~عظيما كما في الاستسقاء ومشروعيته، فعلمنا أن المؤثر فيه [قدرة] ~~الفاعل لا الطبيعة، والخاصية ". # قوله: { ويسبح الرعد بحمده } قال أكثر المفسرين: ~~الرعد اسم ملك يسوق السحاب، والصوت المسموع تسبيحه. # قال ابن عباس رضي الله عنه : " من سمع صوت الرعد فقال: ~~سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ~~وهو على كل شيء قدير، فإن أصابه صاعقة فعلى دينه ". # وعن ابن عباس: أن اليهود سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الرعد ~~ما هو؟. فقال صلى لله عليه وسلم # " ملك من الملائكة وكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق ~~بها السحاب حيث شاء الله، قالوا: فما الصوت الذي نسمع؟ ~~قال: زجرة السحاب ". # وعن الحسن: أنه خلق من خلق الله ليس بملك. # قال ابن الخطيب: فعلى هذا القول: الرعد هو الملك الموكل بالسحاب، ~~وذلك الصوت يسمى بالرعد، ويؤكد هذا ما روي عن النبي صلى الله ~~عليه سلم أنه قال: # " إن الله ينشىء السحاب، فتنطق أحسن النطق وتضحك ~~أحسن الضحك فنطقه الرعد وضحكه برق ". # وهذا القول غير مستبعد؛ ms5150 لأن عند أهل السنة البنية ليست شرطا لحصول ~~الحياة، فلا يبعد من الله تعالى أن يخلق الحياة، والعلم، والقدرة، ~~والنطق في أجزاء السحاب، فيكون هذا الصوت المسموع فعلا له، وكيف ~~يستبعد ذلك، ونحن نرى أن السمندل يتولد في النار، والضفادع تتولد في ~~الماء، والدودة العظيمة ربما تولدت في الثلوج القديمة، وأيضا: فإذا ~~لم يبعد تسبيح الجبال في زمن داود صلوات الله وسلامه عليه ولا ~~تسبيح الحصى في زمن محمد صلى الله عليه وسلم فكيف يبعد تسبيح ~~السحاب؟. # وعلى هذا القول ففي هذا المسموع قولان: # أحدهما: أنه ليس بملك؛ لأنه عطف عليه الملائكة فقال: { ~~والملائكة من خيفته } والمعطوف عليه مغاير للمعطوف. # والثاني: لا يبعد أن يكون من جنس الملائكة، وإنما أفرده بالذكر ~~تشريفا كقوله تعالى: # وملائكته ورسله وجبريل وميكال # [البقرة:98] وقوله تعالى: # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن ~~نوح # [الأحزاب:7]. # وقيل: الرعد اسم لهذا الصوت المخصوص، ومع ذلك فإنه يسبح، قال تعالى # وإن من شيء إلا يسبح بحمده # [الإسراء:44]. # وقيل: المراد من كون الرعد مسبحا، أن من يسمع الرعد فإنه يسبح ~~الله تعالى فلهذا المعنى أضيف التسبيح إليه. # قوله: { والملائكة من خيفته } ، أي: والملائكة يسبحون من ~~خيفة الله، وخشيته، وقيل: أراد بهؤلاء الملائكة أعوان الرعد جعل الله ~~تعالى له أعوانا، فهم خائفون خاضعون طائعون. # قال ابن عباس رضي الله عنهما : " خائفون من الله لا كخوف بني آدم، ~~فإن أحدهم لا يعرف من على يمينه، ومن على يساره لا يشغله عن عبادة الله ~~طعام، ولا شراب ولا شيء ". # قال ابن الخطيب: " والمحققون من الحكماء يقولون: إن هذه الآثار ~~العلوية إنما هي تتم بقوى روحانية فلكية، فللسحاب روح معين في ~~الأرواح الفلكية يدبره، وكذا الرياح، وسائر الآثار العلوية، وهذا عين ~~ما قلنا: إن الرعد اسم لملك من الملائكة يسبح الله تعالى . # فالذي قاله المفسرون بهذه العبارة، هو عين ما ذكره المحققون من ~~الحكماء، فكيف يليق بالعاقل الإنكار؟ ". # قوله: { ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشآء } كما ~~أصاب أربد بن ربيعة. # " الصواعق " جمع صاعقة، ms5151 وهي العذاب المهلك ينزل من البرق، فتحرق من ~~تصيبه وتقدم الكلام عليه في أول البقرة. # قال المفسرون: نزلت هذه الآية في عامر الطفيل، وأربد بن ربيعة أخي أسد ~~بن ربيعة كما قدمنا. # واعلم أن أمر الصاعقة عجيب جدا؛ لأنها نار تتولد في السحاب، ~~وإذا نزلت من السحاب فربما غاصت في البحر، وأحرقت الحيتان. # قال محمد بن علي الباقر: " الصاعقة تصيب المسلم، وغير المسلم، ولا ~~تصيب الذاكر ". # قوله: { وهم يجادلون في الله } يجوز أن تكون الجملة مستأنفة ~~أخبر عنهم بذلك ويجوز أن تكون حالا. # وظاهر كلام الزمخشري أنها حال من مفعول " تصيب " فإنه قال: " ~~وقيل: الواو للحال، أي: يصيب بها من يشاء في حال جدالهم " وجعلها غيره: ~~حالا من مفعول " يشاء ". # فصل # معنى الكلام: أنه تعالى بين دلائل العلم بقوله: # يعلم ما تحمل كل أنثى # [الرعد:8]، ودلائل كمال القدرة في هذه الآية، ثم قال تعالى: { وهم ~~يجادلون في الله } يعنى أن الكفار مع ظهور هذه الدلائل ~~يجادلون في الله. # قيل: المراد بها الرد على الكافر يعني أربد بن ربيعة الذي قال: أخبرنا ~~عن ربنا، أهو من نحاس، أم من حديد، أم من در، أم من ياقوت، أم من ~~ذهب؟ فنزلت الصاعقة من السماء؛ فأحرقته. # وقيل: المراد جدالهم في إنكار البعث، وقيل المراد الرد على جدالهم في ~~طلب سائر المعجزات. # وقيل: المراد الرد عليهم في استنزال عذاب الاستئصال. # " وسئل الحسن عن قوله: { ويرسل الصواعق } الآية قال: كان رجل ~~من طواغيت العرب بعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم يقر بدعوته إلى الله ~~ورسوله، فقال لهم: أخبروني عن رب محمد، هذا الذي تدعوني إليه، مم ~~هو؟ من ذهب، أو فضة، أو حديد أو نحاس؟ فاستعظم القوم مقالته، فانصرفوا ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله: ما رأينا رجلا ~~أكفر قلبا، ولا أعتى على الله منه، فقال: صلى الله عليه وسلم: " ارجعوا ~~إليه " فرجعوا إليه؛ فجعل لايزيدهم على مثل مقالته الأولى، وقال: أجيب ~~محمدا إلى رب لا أراه، ولا أعرفه! وانصرفوا، ms5152 وقالوا: يا رسول الله: ما ~~زادنا على مقالته الأولى، وأخبث. فقال صلى الله عليه وسلم: " ارجعوا إليه ~~" ، فرجعوا إليه، فبينما هم عنده ينازعونه ويدعونه، وهو يقول هذه ~~المقالة، إذا ارتفعت سحابة، فكانت فوق رءوسهم، فرعدت، وبرقت ورمت بصاعقة؛ ~~فأحرقت الكافر، وهم جلوس، فجاءوا يسعون؛ ليخبروا رسول الله صلى الله ~~عليه سلم؛ فاستقبلهم قوم من أصحاب رسول الله صلى لله عليه وسلم فقالوا: ~~" احترق صاحبكم " فقالوا: من أين علمتم؟ فقالوا: أوحى الله إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم { ويرسل الصواعق فيصيب بها من ~~يشآء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال } ". # قوله: { وهو شديد المحال } هذه الجملة حال من الجلالة ~~الكريمة، ويضعف استنافها. # وقرأ العامة: بكسر الميم وهو القوة والإهلاك. # قال عبدالمطلب: [الكامل] # 3172 لا يغلبن صليبهم # ومحالهم عدوا محالك # وقل الأعشى: [الخفيف] # 3173 فرغ نبغ يهتز في غصن المج # د عظيم الندى شديد المحال # والمحال أيضا: أشد المكايدة، والمماكرة، يقال: ما حله، ومنه تمحل ~~فلان بكذا أي: تكلف له استعمال الحيلة. # وقال أبو زيد: هو النقمة. وقال ابن عرفة: هو الجدال، وفيه على هذا ~~مقابلة معنوية كأنه قيل: وهم يجادلون في الله، وهو شديد المحال. # وقال علي رضي الله عنه : شديد الأخذ. وقال ابن عباس رضي الله ~~عنه شديد المحول. # وقال الحسن: شديد الحقد. # قالوا: وهذا لا يصلح للحقد؛ لأن الحقد لا يمكن في حق الله تعالى ~~إلا أنه تقدم أن أمثال هذه الكلمات إذا وردت في حق الله تعالى ~~ فإنها تحمل على نهايات الأغراض لا على مبادي الأعراض، فيكون المراد ~~بالحقد ههنا: هو أنه تعالى يريد إيصال الشر إليه، مع أنه أخفى عنه ~~تلك الإرادة. # وقال مجاهد: شديد القوة. وقال أبو عبيدة: شديد العقوبة. # وقيل: شديد المكر، والمحال، والمماحلة، والمماكرة، والمغالبة. # واختلفوا في ميمه: فالجمهور على أنها أصلية من المحل، وهو المكر، ~~والكيد، وزنها فعال: كمهاد. # وقال القتبي: إنه من الحيلة، وميمه مزيدة، ك " مكان " من الكون، ~~ثم يقال: تمكنت، وقد غلطه الأزهري، وقال: لو كان: " مفعلا " من ~~الحيلة ms5153 لظهرت الواو، مثل: مرود، ومحول، ومحود. وقرأ الأعرج والضحاك ~~بفتحها والظاهر أنه لغة في المكسورة، وهو مذهب ابن عباس رضي الله عنه ~~فإنه فسره بالحول كما تقدم، وفسره غيره: بالحيلة. # وقال الزمخشري: " وقرأ الأعرج بفتح الميم على أنه مفعل من: من حال يحول ~~محالا إذا احتال، ومنه: " أحول من ذئب " أي: أشد حيلة، ويجوز أن ~~يكون المعنى شديد الفقار، ويكون مثلا في القوة، والقدرة كما جاء: فساعد ~~الله أشد، وموساه أحد؛ لأن الحيوان إذا اشتد محاله كان منعوتا بشدة ~~القوة، والإضطلاع بما يعجز عنه غيره ألا ترى إلى قولهم: فقرته ~~الفواقر، وذلك أن الفقار عمود الظهر، وقوامه ". # قوله: { له دعوة الحق } من باب إضافة الموصوف إلى الصفة، ~~والأصل له الدعوة الحق، كقوله # ولدار الآخرة # [يوسف:109] على أحد الوجهين. # وقال الزمخشري فيه وجهان: # أحدهما: أن تضاف الدعوة إلى الحق الذي هو نقيض الباطل، كما يضاف الكلمة ~~إليه في قوله: " كلمة الحق ". # الثاني: أن تضاف إلى " الحق " الذي هو " الله " على معنى: دعوة المدعو ~~الحق الذي يسمع فيجيب. # قال أبو حيان: " وهذا الوجه الثاني لا يظهر؛ لأنه مآله إلى تقدير: لله ~~دعوة الله، كما تقول: " لزيد دعوة زيد " ، وهذا التركيب لا يصح ". # قال شهاب الدين: " وأين هذا مما قاله الزمخشري حتى يرد عليه به "؟. # فصل # معنى قوله: " دعوة الحق " ، أي لله دعوة الصدق. # قال علي: دعوة الحق: التوحيد. وقال ابن عباس رضي الله عنه ~~شهادة أن لا إله إلا الله. وقيل: الدعاء بالإخلاص عند الخوف، فإنه لا ~~يدعى فيه إلا أياه، كما قال: # ضل من تدعون إلا إياه # [الإسراء:67]. # قال الماوردي: وهو أشبه لسياق الآية؛ لأنه قال: { والذين ~~يدعون من دونه } يعنى الأصنام: { لا يستجيبون لهم ~~بشيء } ، أي لا يجيبون لهم دعاء، ولا يسمعون لهم نداء. # { إلا كباسط كفيه إلى المآء ليبلغ فاه وما ~~هو ببالغه }. ضرب الله عز وجل الماء مثلا لما يأتيهم من ~~الإجابة لدعائهم. # قوله: { والذين يدعون } يجوز أن يراد ب " الذين " ~~المشركون، فالواو في: " يدعون " عائدة، ومفعوله محذوف، ms5154 وهو الأصنام، ~~والواو في " لا يستجيبون " عائدة على مفعول " تدعون " المحذوف، وعاد ~~عليه الضمير كالعقلاء لمعاملتهم إياه معاملتهم، والتقدير: والمشركون ~~الذي يدعون الأصنام لا تستجيب لهم الأصنام وإلا استجابة كاستجابة باسط ~~كفيه أي: كاستجابة الماء من بسط كفيه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه، والماء ~~جماد، ولا يشعر ببسط كفيه، ولا بعطشه، ولا يقدر أن يجيبه، ويبلغ فاه، قال ~~معناه الزمخشري. # وما ذكره أبو البقاء قريب من هذا، وقدر التقدير المذكور، قال: " والمصدر ~~في هذا التقدير مضاف إلى المفعول، كقوله: # لا يسأم الإنسان من دعآء الخير # [فصلت:49] وفاعل هذا المصدر مضمر، وهو ضمير الماء أي: لا يجيبونهم إلا ~~كما يجيب الماء باسط كفيه إليه، والإجابة هنا كناية عن الانقياد ". # وقيل: ينزلون في قلة فائدة دعائهم لآلهتهم منزلة من أراد أن يغرف ~~الماء بيده؛ ليشرب، فيبسطها ناشرا أصابعه، ولم تصل كفاه إلى ذلك الماء، ~~ولم يبلغ مطلوبه من شربه. # قال الفراء: المراد بالماء هاهنا: البئر؛ لأنها معدن الماء، ويجوز أن ~~يراد ب " الذين " الأصنام أي: والآلهة، والذين يدعونهم من دون الله ~~لا يستجيبون لهم بشيء إلا استجابة، والتقدير: كما تقدم في الوجه قبله. # وإنما جمعهم جمع العقلاء؛ إما للاختلاط، لأن آلهتهم عقلاء وجماد، ~~وإما لمعاملتهم إياها معاملة العقلاء في زعمهم، قالوا: الواو في " ~~يدعون " للمشركين والعائد المحذوف للأصنام، وكذا واو: " يستجيبون ~~". # وقرأ اليزيدي عن أبي عمرو: " تدعون " بالخطاب: " كباسط ~~كفيه " بالتنوين وهي مقوية للوجه الثاني، ولم يذكر الزمخشري غيره. # قوله: " ليبلغ " اللام متعلقة ب " باسط " ، وفاعل: " يبلغ " ~~ضمير الماء. # قوله: { وما هو ببالغه } في " هو " ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه ضمير الماء، والهاء في: " ببالغه " للفم، أي: وما الماء ~~ببالغ فيه. # الثاني: أنه ضمير الفم، والهاء في " ببالغه " للماء، أي: وما الفم ~~ببالغ الماء إذ كل واحد منهما لا يبلغ الآخر على هذه الحال، فنسبة ~~الفعل إلى كل واحد وعدمه صحيحان. # الثالث: أن يكون ضمير الباسط، والهاء في: " ببالغه " للماء، أي: وما ~~باسط كفيه إلى الماء ببالغ الماء. # ولا يجوز أن يكون ms5155 " هو " ضمير " الباسط " ، وفاعل " ببالغه " ~~مضمرا والهاء في " ببالغه " للماء؛ لأنه حينئذ يكون من باب جريان ~~الصفة على غير من هي له، ومتى كان كذلك لزم إبراز الفاعل، فكان التركيب ~~هكذا: وما هو ببالغ الماء، فإن جعلنا الضمير في " ببالغه " للماء؛ جاز ~~أن يكون: " هو " ضمير الباسط كما تقدم تقريره. # والكاف في " كباسط " إما نعت لمصدر محذوف، وإما حال من ذلك المصدر، كما ~~تقدم تقريره. # وقال أبو البقاء: " والكاف في " كباسط " إن جعلتها حرفا كان فيها ~~ضمير يعود على الموصوف المحذوف، وإن جعلتها اسما لم يكن فيها ضمير ". # قال شهاب الدين: " وكون الكاف اسما في الكلام، لم يقل به الجمهور، ~~بل الأخفش. ويعني بالموصوف ذلك المصدر، والذي قدره فيما تقدم ". # ثم قال: { وما دعآء الكافرين } أصنامهم: { إلا في ضلال ~~} يضل عنهم إذا احتاجوا إليه، كقوله تعالى: # وضل عنهم ما كانوا يدعون # [فصلت:48]. # وعن ابن عباس رضي الله عنه : { وما دعآء الكافرين } ربهم: ~~{ إلا في ضلال }؛ لأن أصواتهم محجوبة عن الله عز وجل. # وقيل: { إلا في ضلال }؛ في ضياع لا منفعة فيه؛ لأن الله لم ~~يجبهم، وإن دعوا الآلهة لم تستطع إجابتهم. # قوله: { ولله يسجد من في السماوات والأرض } الآية في ~~المراد بهذا السجود قولان: # أحدهما: السجود بوضع الجبهة على الأرض، وعلى هذا القول، ففيه وجهان: # أحدهما: أن اللفظ، وإن كان عاما إلا أن المراد المؤمنون، فبعضهم ~~يسجد لله طوعا بنشاط، وبعضهم يسجد لله كرها لصعوبة ذلك عليه، ويتحمل ~~مشقة العبادة. # وقيل: المراد بقوله: " طوعا " الملائكة، والمؤمنون، و " كرها " ~~المنافقون، والكافرون الذين أكرهوا على السجود بالسيف. # والثاني: أن اللفظ عام. # فإن قيل: ليس المراد: { من في السماوات والأرض } يسجد لله؛ ~~لأن الكفار لا يسجدون. # فالجواب من وجهين: # الأول: أن المعنى أنه يجب على كل من في السموات، والأرض أن يعترف ~~بعبودية الله، كما قال: # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله # [الزمر:38]. # والقول الثاني: أن السجود عبارة عن الانقياد، والخضوع، وترك ~~الامتناع، وكل من في السموات، والأرض ساجد لله بهذا ms5156 المعنى؛ لأن ~~قدرته، ومشيئته نافذة في الكل. # قوله: { طوعا وكرها } إما مفعول من أجله، وإما حال، أي: ~~طائعين، وكارهين وإما منصوب على المصدر المؤكد بفعل مضمر. # قوله: { وظلالهم بالغدو والآصال } قرأ أبو مجلز: والإيصال، ~~بالياء قبل الصاد وخرجها ابن جني على أنه مصدر " آصل " ، كضارب، أي: ~~دخل في الأصيل، كأصبح أي: دخل في الصباح، و " ظلالهم " عطف على " من ~~" ، و " بالغدو " متعلق ب " يسجد " والباء بمعنى " في " ، أي: ~~في هذين الوقتين. # قال المفسرون: كل شخص سواء كان مؤمنا، أو كافرا فإن ظله يسجد لله. # قال مجاهد: ظل المؤمن يسجد لله طوعا، وهو طائع، وظل الكافر يسجد لله ~~كرها وهو كاره. # وقال الزجاج: " جاء في التفسير أن الكافر يسجد لغير الله، وظله يسجد ~~لله ". # وعند هذا قال ابن الأنباري: لا يبعد أن يخلق تعالى للظلال عقولا، ~~وأفهاما تسجد بها، وتخشع كما جعل للجبال أفهاما حتى اشتغلت بتسبيح الله ~~وظهر اسم التجلي فيها، كما قال تعالى: # فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا # [الأعراف:143]. # قال القشيري رحمه الله : " وفي نظر؛ لأن الجبل عين، فيمكن أن يكون ~~له عقل بشرط تقدير الحياة، وأما الظلال، فآثار وأعراض، ولا يتصور تقدير ~~الحياة لها ". # وقيل: المراد من سجود الظلال [ميلانها] من جانب إلى جانب، وطولها بسبب ~~انحطاط الشمس، وقصرها بسبب ارتفاع الشمس، وهي منقادة [مستسلمة] في ~~طولها، وقصرها وميلها من جانب إلى جانب، وإنما خص الغدو، والآصال ~~بالذكر؛ لأن الظلال إنما تعظم، وتكثر في هذين الوقتين. # و " الآصال " جمع الأصل، والأصل: جمع الأصيل، وهو ما بين العصر إلى ~~غروب الشمس. # وقيل: " ظلالهم " ، أي: أشخاصهم بالغدو، والآصال بالبكر والعشايا. ### || [13.16-18] # قوله تعالى: { قل من رب السماوات والأرض } الآية لما ~~بين أن كل من في السموات، والأرض ساجد لله بمعنى كونه خاضعا له، ~~عدل إلى الرد على عبدة الأصنام فقال: { قل من رب السماوات ~~والأرض قل الله } ولما كان هذا الجواب يقر به المسئول ~~ويعترف به، ولا ينكره، أمره عليه الصلاة والسلام أن يكون هو الذاكر ~~لهذا الجواب تنبيها ms5157 على أنهم لا ينكرونه ألبتة. # قال القشيري: " ولا يبعد أن تكون الآية واردة فيمن لا يعترف بالصانع، ~~أي: سلهم عن خالق السموات والأرض؛ فإنه يسهل تقرير الحجة عليهم ويقرب ~~الأمر من الضرورة، فإن عجز الجماد، وعجز كل مخلوق عن خالق السموات، ~~والأرض معلوم ". # ولما بين الله أنه هو الرب لكل الكائنات [قاله له]: قل لهم على طريق ~~الإلزام للحجة فلم اتخذتم من دونه أولياء، وهي جمادات، وهي لا تملك ~~لأنفسها نفعا، ولا ضرا، ولما كانت عاجزة عن تحصيل المنفعة [لأنفسها، ~~ودفع المضرة عن نفسها، فلأن تكون عاجزة عن تحصيل المنفعة] لغيرها، ودفع ~~المضرة عن غيرها بطريق الأولى، وإذا كانت عاجزة عن ذلك كانت عبادتها محض ~~العبث، والسفه، ولما ذكر هذه الحجة الظاهرة بين أن الجاهل بمثل هذه ~~الحجة لا يساوي العالم بها. # فقال: { قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل ~~تستوي الظلمات والنور } قرأ الأخوان، وأبو بكر عن عاصم: " ~~يستوي " بالياء من تحت، والباقون بالتاء من فوق، والوجهان واضحان ~~باعتبار أن الفاعل مجازي التأنيث، فيجوز في فعله التذكير، والتأنيث، ~~كنظائر له مرت. وهذه مثل ضربه الله سبحانه وتعالى للكفار؟ # قوله: " أم هل " هذه أم المنقطعة، فتقدر ب " بل " ، والهمزة عند ~~الجمهور، وب " بل " وحدها عند بعضهم، وقد تقدم تحريره، وهذه الآية قد ~~يتقوى بها من يرى تقديرها ب " بل " فقط بوقوع: " هل " بعدها، فلو ~~قدرناها ب " بل " والهمزة لزم اجتماع حرفي معنى؛ فتقدرها ب " بل " ~~وحدها، " ولا " تقوية له، فإن الهمزة قد جامعت: " هل " في اللفظ، ~~كقوله الشاعر: [البسيط] # 3173.................... # أهل رأونا بوادي القف ذي الأكم # فأولى أن يجامعها تقديرا. # ولقائل أن يقول: لا نسلم أن: " هل " هذه استفهامية، بل بمعنى: " ~~قد " ، وإليه ذهب جماعة، وإن لم تجامعها همزة، كقوله تعالى: # هل أتى على الإنسان حين من الدهر # [الإنسان:1] أي: قد أتى، فههنا أولى، والسماع قد ورد بوقوع: " هل " ~~بعد: " أم " وبعدمه. فمن الأول هذه الآية، ومن الثاني: ما بعدها من قوله: ~~" أم جعلوا ". # وقد جمع الشاعر بين الاستعمالين في قوله: ms5158 [البسيط] # 3175 هل ما علمت وما استودعت مكتوم # أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم # أم هل كثير بكى لم يقض عبرته # إثر الأحبة يوم البين مشكوم # فصل # قوله: { هل يستوي الأعمى والبصير } كذلك لا يستوي ~~المؤمن، والكافر: { أم هل تستوي الظلمات والنور } أي ~~كما لا تستوي الظلمات والنور، لا يستوي الكفر، والإيمان. # قوله: { أم جعلوا لله شركآء خلقوا كخلقه } الجملة ~~من قوله: " خلقوا " صفة ل: " شركاء " ، { فتشابه الخلق ~~عليهم } ، أي: اشتبه ما خلقوه بما خلقه الله عز وجل فلا ~~يدرون ما خلق الله، وما خلق آلهتهم. # والمعنى: أن هذه الأشياء التي زعموا أنها شركاء لله ليس لها خلق ~~يشبه خلق الله حتى يقولوا: إنها تشارك الله في الخالقية؛ فوجب أن ~~تشاركه في الإلهية بل هؤلاء المشركون يعلمون بالضرورة أن هذه الأصنام ~~لم يصدر عنها فعل، ولا خلق، ولا أثر ألبتة، وإذا كان كذلك كان حكمهم ~~بكونها شركاء لله في الإلهية محض السفه، والجهل. # فصل # قال ابن الخطيب: " زعمت المعتزلة أن العبد يخلق حركات، وسكنات مثل ~~الحركات، والسكنات التي يخلقها الله، وعلى هذا التقدير: فقد { جعلوا ~~لله شركآء خلقوا كخلقه } والله تعالى إنما ذكر هذه ~~الآية في معرض الذم، والإنكار؛ فدلت على أن العبد لا يخلق أفعال ~~نفسه ". # قال القاضي: " نحن وإن قلنا: إن العبد يخلق إلا أنا لا نطلق القول ~~بأنه يخلق كخلق الله؛ لأن أحدا ما يفعل كقدرة الله، وإنما يفعل لجلب ~~منفعة، ودفع مضرة، والله تعالى منزه عن ذلك؛ فثبت أن بتقدير كون ~~العبد خالقا إلا أنه لا يكون خلقه كخلق الله، وأيضا: فهذا الإلزام ~~للمجبرة أيضا؛ لأنهم يقولون عين ما هو خلق الله تعالى فهو كسب ~~للعبد، وفعل له، وهذا عين الشرك؛ لأن الإله، والعبد في ذلك الكسب ~~كالشريكين اللذين لا مال لأحدهما إلا وللآخر فيه أيضا نصيب، وهو أنه ~~تعالى إنما ذكر هذا الكلام عيبا للكفار أن يقولوا: إن الله ~~تعالى خلق هذا الكفر فينا؛ فلم يذمنا، ولم ينسبنا للجهل، والتقصير، مع ~~أنه حصل فينا بغير ms5159 فعلنا، ولا باختيارنا ". # والجواب عن الأول: هو أن لفظ الخلق عبارة عن الإخراج من العدم إلى ~~الوجود، أو عبارة عن التقديرين، وعلى الوجهين: فبتقدير أن يكون العبد ~~محدثا، فإنه لا بد أن يكون حادثا، أما قوله: والعبد وإن كان خالقا ~~إلا أنه ليس خلقه كخلق الله تعالى . # قلنا: الخلق عبارة عن الإيجاد والتكوين والإخراج من العدم إلى الوجود، ~~ومعلوم أن الحركة الواقعة بقدرة العبد لما كانت مثلا للحركة الواقعة ~~بقدرة الله تعالى كان أحد المخلوقين مثلا للمخلوق الثاني، وحينئذ ~~يصح أن يقال: إن هذا الذي هو مخلوق للعبد مثل لما هو مخلوق لله ~~تعالى ، ولا شك في حصول المخالفة في سائر الاعتبارات، إلا أن حصول ~~المخالفة في سائر الوجوه لا يقدح في المماثلة من هذا الوجه، وهذا القدر ~~يكفي في الاستدلال. # وأما قوله: " هذا لازم على المجبرة حيث قالوا: إن فعل العبد مخلوق لله ~~ تعالى ". # فنقول: هذا غير لازم؛ لأن هذه الآية [دالة] على أنه لا يجوز أن يكون ~~العبد مثلا كخلق الله تعالى ونحن لا نثبت للعبد خلقا ألبتة، فكيف ~~يلزمنا ذلك؟. # وأما قوله: " لو كان فعل العبد خلقا لله لما حسن ذم الكفار على هذا ~~المذهب ". # قلنا: حاصلة يرجع إلى أنه لما حصل الوجود، وجب أن يكون العبد مستقلا ~~بالفعل وهو منقوض؛ لأنه تعالى ذم أبا لهب على كفره مع أنه علم ~~منه أنه يموت على الكفر، وخلاف المعلوم محال الوقوع. # قوله: { قل الله خالق كل شيء وهو الواحد ~~القهار } وهذا يدل على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى ؛ لأن ~~فعل العبد شيء، فوجب أن يكون خالقه هو الله تعالى وأيضا: فقوله: { ~~وهو الواحد القهار } لا يقال فيه: إنه تعالى واحد في أي ~~المعاني، بل الواحد في الخالقية؛ لأن المذكور السابق هو الخالقية، فوجب ~~أن يكون المراد هو الواحد في الخالقية، القهار لكل ما سواه. # فصل # زعم جهم أن الله تعالى لا يقع عليه اسم الشيء. # قال الخطيب: " وهذا الخلاف ليس إلا في اللفظ، وهو أن اسم الشيء ms5160 هل يقع ~~عليه أم لا؟ فزعم قوم أنه لا يقع، وجوزه قوم ". # واحتج المانعون: بأنه لو كان شيئا لوجب أن يكون خالقا لنفسه، لقوله ~~تعالى: # خالق كل شيء # [الزمر:62] وذلك محال؛ فثبت أنه لا يقع عليه اسم الشيء، ولا يقال: إن ~~هذا عام دخله التخصيص؛ لأن العام المخصوص إنما يحسن إذا كان المخصوص ~~أقل من الباقي، وأحسن منه، كما يقال: أكلت هذه الرمانة مع أنه سقطت ~~حبات ما أكلها، وههنا ذات الله أعلى الموجودات، وأشرفها، فكيف يمكن ذكر ~~اللفظ العام الذي يتناوله مع كون الحكم مخصوصا في حقه. # واستدلوا أيضا بقوله تعالى: # ليس كمثله شيء # [الشورى:11] والمعنى: ليس مثل مثله شيء، ومعلوم أن كل حقيقة [فإنها] ~~مثل مثل نفسها، فالباري تعالى مثل مثل نفسه مع أنه تعالى نص ~~على أن مثل مثله ليس بشيء، فهذا تنصيص على أنه تعالى غير مسمى باسم ~~الشيء. # واستدلوا أيضا بقوله تعالى: # ولله الأسمآء الحسنى فادعوه بها # [الأعراف:180] قالوا: دلت على أنه لا يجوز أن يدعى الله إلا بالأسماء ~~الحسنى، ولفظ الشيء يتناول أحد الموجودات، فلا يكون هذا اللفظ مشعرا ~~بمعنى حسن؛ فوجب ألا يجوز دعاء الله بهذا اللفظ. # وتمسك من جوز إطلاق هذه التسمية عليه بقوله تعالى: # قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني ~~وبينكم # [الأنعام:19]. # وأجاب الأولون: بأن هذا سؤال متروك الجواب، وقوله: # قل الله شهيد بيني وبينكم # [الأنعام:19] مبتدأ مستقل بنفسه لا تعلق له بما قبله. # فصل # تمسك المعتزلة بهذه الآية في أنه تعالى عالم لذاته لا بالعلم ~~وقادر لذاته لا بالقدرة، وقالوا: لأنه لو حصل لله تعالى علم، وقدرة ~~وحياة لكانت هذه الصفات إما أن تحصل بخلق الله تعالى أو لا تحصل ~~بخلق الله والأول باطل، وإلا لزم التسلسل، والثاني باطل؛ لأن قول الله ~~تعالى: # خالق كل شيء # [الزمر:62] يتناول الذات، والصفات حكمنا بدخول التخصيص في ذات الله ~~تعالى ؛ فوجب أن يبقى على عمومه في سائر الأشياء، والقرآن ليس هو الله؛ ~~فوجب أن يكون مخلوقا لدخوله في هذا العموم. ms5161 # والجواب أن يقال: أقصى ما في الباب أن الصيغة عامة؛ لأن تخصيصها في ~~حق صفات الله تعالى بالدلائل العقلية. # قوله تعالى: { أنزل من السمآء مآء } الآية لما شبه المؤمن ~~والكافر، والإيمان، والكفر بالأعمى، والبصير، والظلمات، والنور، ضرب ~~للإيمان، والكفر مثلا آخر فقال: { أنزل من السمآء مآء } " ~~أنزل " يعني الله: { من السمآء مآء } يعني المطر " فسالت " ~~من ذلك الماء: { أودية بقدرها } أي: في الصغر، والكبر { ~~فاحتمل السيل } الذي حدث من ذلك الماء: { زبدا رابيا } ~~الزبد: الخبث الذي يظهر على وجه الماء وكذلك على وجه القدر " رابيا " ~~أي: عاليا مرتفعا فوق الماء، فالماء الصافي الباقي هو الحق، ~~والذاهب الزائل الذي يتعلق بالأشجار، وجوانب الأودية هو الباطل. # وقيل: هذا مثل القرآن: { أنزل من السمآء مآء } وهو القرآن، ~~والأودية: قلوب العباد، يريد: ينزل القرآن، فيحتمل منه القلوب على قدر ~~اليقين، والعقل والشك وكما أن الماء يعلوه زيد، والأجساد يخالطها ~~خبث، ثم إن ذلك الزبد، والخبث يذهب، ويضيع، ويبقى جوهر الماء، وجوهر ~~الأجساد السبعة، كذلك ههنا بيانات القرآن يختلط بها شكوك وشهبات، ثم ~~إنها تزول بالآخرة وتضيع ويبقى العلم والدين والحكمة في العاقبة كذلك ~~ههنا. # قوله: " أودية " جمع واد، وجمع فاعل على أفعلة، قال أبو البقاء: " ~~شاذ، ولم نسمعه في غير هذا الحرف. ووجهه: أن فاعلا قد جاء بمعنى ~~فعيل، وكما جاء فعيل وأفعلة كجريب وأجربة كذلك فاعل ". # قال شهاب الدين: " قد سمع فاعلة، وأفعلة في حرفين آخرين: # أحدهما: قولهم جائر وأجورة. # والثاني: ناج وأنجية ". # وقال الفارسي: " أودية: جع واد ولا نعلم فاعلا جمع على أفعلة " ، ~~قال: " ويشبه أن يكون ذلك لتعاقب فاعل، وفعيل على الشيء الواحد، كعالم ~~وعليم، وشاهد وشهيد، وناصر ونصير، ووزن فاعل يجمع على أفعال ~~كصاحب وأصحاب، وطائر وأطيار، [ووزن] فعيل يجمع على أفعلة ~~كجريب، وأجربة، ثم لما حصلت المناسبة المذكورة بين فاعل، وفعيل لا ~~جرم يجمع الفاعل جمع الفعيل، فيقال: واد وأودية، ويجمع الفعيل على جمع ~~الفاعل فيقال: يتيم وأيتام، وشريف وأشراف ". # وقال غيره: نظير واد، وأودية: ناد، وأندية للمجالس وسمي ms5162 واديا: ~~لخروجه وسيلانه، والوادي على هذا اسم للماء السائل. # وقال أبو علي: " سالت أودية " فيه توسع، أي: يسال ماؤها فحذف، ~~ومعنى " بقدرها " أي: بقدر مياهها؛ لأن الأودية ما سالت بقدر ~~نفسها. # قوله: " بقدرها " فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق ب " سالت ". # والثاني: أنه متعلق بمحذوف؛ لأنه صفة للأودية. # وقرأ العامة بفتح الدال، وزيد بن علي، والأشهب العقيلي، وأبو عمرو في ~~رواية بسكونها، وقد تقدم في البقرة. # قال الواحدي رحمه الله: القدر والقدر: مبلغ الشيء، يقال: كم ~~قدر هذه الدراهم وقدرها ومقدارها؟ أي: كم بلغ في القدر وما ~~يكون مساويا لها في الوزن فهو قدرها ". # والمعنى: بقدرها، من الماء فإن صغر الوادي قل الماء، وإن اتسع الوادي ~~كثر الماء. # و " احتمل " بمعنى حمل فافتعل بمعنى المجرد، وإنما نكر ~~الأودية، وعرف السيل؛ لأن المطر ينزل في البقاع على المناوبة، فيسيل ~~بعض أودية الأرض دون بعض، وعرف السيل؛ لأنه قد فهم من الفعل قبله، وهو ~~قوله: " فسالت " ، وهو لو نكر لكان نكرة، فلما أعيد أعيد بلفظ ~~التعريف نحو " رأيت رجلا فأكرمت الرجل ". # والزبد: وضر الغليان وخبثه؛ قال النابغة: [البسيط] # 3176 فما الفرات إذا هب الرياح له # ترمي غواربه العبرين بالزبد # وقيل: هو ما يحمله السيل من غثاء ونحوه، وما يرمى به ضفتاه من ~~الحباب، وقيل: هو ما يطرحه الوادي إذا [سال] ماؤه، وارتفعت أمواجه، وهي ~~عبارات متقاربة. # والزبد: المستخرج من اللبن. قيل: هو مشتق من هذه لمشابهته إياه ~~في اللون، ويقال: زبدته زبدا، أي: أعطيته مالا كالزبد يضرب به المثل ~~في الكثرة، وفي الحديث: # " غفرت ذنوبه، ولو كانت مثل زبد البحر ". # وقوله تعالى: " رابيا " قال الزجاج: طافيا عاليا فوق الماء ". # وقال غيره: زائدا بسبب انتفاخه، يقال: ربا يربو إذا زاد. # قوله { ومما يوقدون } هذا الجار خبر مقدم، و " زبد " مبتدأ، و ~~" مثله " صفة المبتدأ، والتقدير: ومن الجواهر التي هي كالنحاس، ~~والذهب، والفضة زبد، أي: خبث مثله، أي: " مثل زبد الماء ". # و " من " في قوله: { ومما يوقدون } تحتمل وجهين: # [أحدهما]: أن تكون لابتداء الغاية، أي: ms5163 ومنه ينشأ زبد مثل زبد الماء. # والثاني: أنها للتبعيض بمعنى: وبعض زبد، هذا مثل آخر. # فالأول: ضرب المثل بالزبد الحاصل من المثال، ووجه المماثلة: أن ~~كلا منهما ناشىء من الأكدار. # وقرأ الأخوان، وحفص: " يوقدون " بالياء من تحت، أي: الناس، والباقون ~~بالتاء من فوق على الخطاب، و " عليه " متعلق ب: " توقدون ". # وأما " في النار " ففيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق ب " توقدون " وهو قول الفارسي، والحوفي، وأبي ~~البقاء. # والثاني: أنه متعلق بمحذوف، أي: كائنا، أو ثابتا، قاله مكي، وغيره ~~ومنعوا تعلقه ب " يوقدون "؛ لأنهم زعموا أنه لا يوقد على ~~الشيء إلا وهو في النار، وتعليق حرف الجر ب " توقدون " يقتضي ~~تخصيص حال من حال أخرى، وهذا غير لازم. # قال أبو علي رحمه الله تعالى: وقد يوقد على الشيء، وإن لم يكن في ~~النار، كقوله تعالى: # فأوقد لي يهامان على الطين # [القصص:28] فالطين لم يكن [فيها]، وإنما يصيبه لهبها، وأيضا: فقد ~~يكون ذلك على سبيل التوكيد، كقوله تعالى: # ولا طائر يطير بجناحيه # [الأنعام:38]. والمراد بالحيلة: الذهب، والفضة، والمتاع: كل ما يتمتع ~~به. # قوله: " ابتغاء حلية " فيه وجهان: # أظهرهما: أنه مفعول من أجله. # والثاني: أنه مصدر في موضع الحال، أي: مبتغين حلية، و " حلية " ~~مفعول [في] المعنى، " أو متاع " نسق على " حلية ". # فالحلية: ما تتزين به. والمتاع: ما يقضون به حوائجهم كالمساحي من ~~الحديد ونحوها. # قوله: " جفاء " حال، والجفاء: قال ابن الأنباري: المتفرق، يقال: ~~جفأت الريح السحاب، أي: قطعته وفرقته، وقال الفراء: الجفاء: ~~الرمي، والاطراح. # يقال: جفا الوادي، أي: غثاءه يجفوه: جفاء، إذا رماه، والجفاء اسم ~~للمجتمع منه [المنضم] بعضه إلى بعض، ويقال: جفأت القدر بزبدها ~~تجفأ، وحفاء السيل: زبده، وأجفأ وأجفل وباللام قرأ رؤبة بن ~~العجاج. # قال أبو حاتم: لا يقرأ بقراءة رؤبة؛ لأنه كان يأكل الفأر، يعني أنه ~~أعرابي جاف وقد تقدم ثناء الزمخشري عليه أول البقرة، وذكروا فصاحته، ~~وقد وجهوا قراءته بأنها من أجفأت الريح الغيم، أي: فرقته قطعا، فهي ~~في المعنى كقراءة العامة بالهمزة. # وفي همزة " جفأ " وجهان: # أظهرهما: أنها ms5164 أصل لثبوتها في تصاريف هذه المادة. # والثاني: أنه بدل من واو، وكأنه مختار أبي البقاء. # وفيه نظر؛ لأن مادة " جفا يجفو " لا يليق معناها، والأصل: عدم ~~الاشتراك. # فصل # المعنى: أن الباقي الصافي من هذه الجواهر مثل الحق، والزبد الذي ~~لا ينتفع به مثل الباطل، فأما الزبد الذي علا السيل والفلز، فيذهب ~~جفاء، أي: ضائعا باطلا، والجفاء، ما رمى به الوادي من الزبد، والقدر ~~إلى جنباته. # والمعنى: أن الباطل، وإن علا في وقت فإنه يضمحل، ويبقى الحق ظاهرا ~~لا يشوبه شيء من الشبهات. # قوله: { كذلك يضرب الله } الكاف في محل نصب، أي: مثل ذلك ~~الضرب يضرب. # قيل: إنما تم الكلام عند قوله: { كذلك يضرب الله ~~الأمثال } ثم استأنف الكلام بقوله تعالى: { للذين استجابوا ~~لربهم الحسنى } ومحله الرفع بالابتداء، و " للذين " خبره، ~~وتقديره: لهم الخصلة الحسنى، أو الحالة الحسنى. # وقيل: متصل بما قبله، والتقدير: كأنه الذي يبقى، وهو مثل المستجيب، ~~والذي يذهب جفاء مثل الذي لا يستجيب، ثم بين الوجه في كونه مثلا، أي: ~~لمن يستجيب " الحسنى " وهي الجنة، ولمن لا يستجيب الحسرة والعقوبة. # وفيه وجه آخر: وهو أن التقدير: كذلك يضرب الله الأمثال للذين استجابوا ~~لربهم الحسنى، أي: الاستجابة الحسنى. # واعلم أنه تعالى ذكر هاهنا أحوال السعداء، وأحوال الأشقياء، أما أحوال ~~السعداء، فهي قوله جل ذكره: { للذين استجابوا لربهم ~~الحسنى } ، أي: أن الذين أجابوه إلى ما دعاهم إليه من التوحيد، ~~والتزام الشرائع، فلهم الحسنى. # قال ابن عباس: " الحسنى " الجنة. # وأما أحوال الأشقياء، فهي قوله عز وجل : { والذين لم ~~يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ~~ومثله معه لافتدوا به } ، أي لبذلوا ذلك يوم القيامة ~~افتداء من النار. # قوله: { للذين استجابوا } فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق ب " يضرب " ، وبه بدأ الزمخشري قال: " أي: ~~كذلك يضرب الله الأمثال للمؤمنين الذين استجابوا؛ وللكافرين الذين لم ~~يستجيبوا، و " الحسنى " صفة لمصدر " استجابوا " ، أي: استجابوا ~~الاستجابة الحسنى، وقوله { لو أن لهم ما في الأرض } كلام ~~مبتدأ في ذكر ما أعد لغير المستجيبين ". # قال أ ms5165 بو حيان: " والتفسير الأول أولى " يعني به أن " للذين " خبر ~~مقدم و " الحسنى " مبتدأ مؤخر كما سيأتي. # إيضاحه قال: " لأن فيه ضرب الأمثال غير مقيد بمثل هذين، والله تعالى ~~قد ضرب أمثالا كثيرة في هذين وفي غيرهما؛ ولأن فيه ذكر ثواب ~~المتسجيبين بخلاف قول الزمخشري، فكما ذكر ما لغير المستجيبين من العقاب ~~ذكر للمستجيبين من الثواب؛ ولأن تقديره: الاستجابة الحسنى مشعر بتقييد ~~الاستجابة ومقابلها ليس نفي الاستجابة مطلقا، إنما مقابلها نفي ~~الاستجابة الحسنى، والله سبحانه وتعالى قد # نفى الاستجابة مطلقا، ولأنه على قوله يكون قوله: { لو أن لهم ~~ما في الأرض جميعا } كلاما مفلتا مما قبله، أو كالمفلت، إذ ~~يصير المعنى: كذلك يضرب الله الأمثال للمؤمنين، والكافرين لو أن لهم ما ~~في الأرض، فلو كان التركيب بحذف رابط " لو " بما قبلها زال التفلت، ~~وأيضا: فتوهم الاشتراك في الضمير، وإن كان تخصيص ذلك بالكافرين معلوما ~~". # قال شهاب الدين: " قوله: " لأن فيه ضرب الأمثال غير مقيد " ليس في قول ~~الزمخشري ما يقتضي التقييد، وقوله: لأن فيه ذكر ثواب المستجيبين إلى آخر ~~ما ذكره الزمخشري أيضا. على أن يؤخذ من فحواه ثوابهم، وقوله: " والله ~~تعالى نفي الاستجابة مطلقا " ممنوع، بل نفى تلك الاستجابة الأولى لا ~~يقال: فثبتت لنا استجابة غير حسنى؛ لأن هذه الصفة لا مفهوم لها، إذ ~~الواقع أن الاستجابة لله لا تكون إلا حسنى. # وقوله: " يصير مفلتا " كيف يكون مع قول الزمخشري مبتدأ في ~~ذكر ما أعد لهم، وقوله " وأيضا فيتوهم الاشتراك " كيف يتوهم هذا ~~بوجه من الوجوه؟ وكيف يقول ذلك مع قوله: وإن كان تخصيص ذلك بالكافرين ~~معلوما؟ فإذا علم كيف يتوهم؟ ". # والوجه الثاني: أن يكون " للذين " خبرا مقدما، والمبتدأ " ~~الحسنى " ، و { والذين لم يستجيبوا } مبتدأ، و خبره ~~الجملة الامتناعية بعده. # وإنما خص بضرب الأمثال الذين استجابوا لانتفاعهم دون غيرهم ومفعول " ~~افتدوا " محذوف، تقديره: لا فتدوا به أنفسهم، أي: جعلوه فداء أنفسهم من ~~العذاب، والهاء في " به " عائدة إلى: " ما " في قوله: " ما في الأرض ~~". # ثم قال: { أولئك لهم سوء ms5166 الحساب }. # [قال الزجاج: وذلك لأن كفرهم أحبط أعمالهم. # وقال إبراهيم النخعي رضي الله عنه : سوء الحساب] أن يحاسب الرجل ~~بذنبه كله، ولا يغفر له منه شيء " ومأواهم " في الآخرة: { جهنم ~~وبئس المهاد } والفراش، أي: بئس ما مهد لهم. ### || [13.19-24] # قوله تعالى: { أفمن يعلم أنمآ أنزل إليك من ربك ~~الحق } الآية قد تقدم تقرير القولين في " أفلم " وهو نظير " ~~أفمن " ، ومذهب الزمخشري فيه بعد هنا. # والمعنى: أن العالم بالشيء كالبصير، والجاهل به كالأعمى، وليس ~~أحدهما كالآخر، لأن الأعمى إذا مشى من غير قائد، فربما وقع في ~~المهالك، أو أفسد ما كان في طريقه من الأمتعة النافعة، وأما البصير، ~~فإنه يكون آمنا [الهلاك]، والإهلاك. # قيل: نزلت في حمزة، وأبي جهل، وقيل: في أبي عمار، وأبي جهل، ~~فالأول حمزة، أو عمار، والثاني: أبو جهل، وهو الأعمى، أي: لا يستوي ~~من يبصر الحق ويتبعه، ومن لا يبصره، ولا يتبعه. { إنما يتذكر } ~~يتعظ { أولوا الألباب } ذوو العقول. # { الذين يوفون بعهد الله } بما أمرهم به، وفرضه عليهم، ~~ولا يخالفونه. ويجوز أن يكون قوله: { الذين يوفون } صفة ل " أولي ~~الألباب " ، ويجوز أن يكون صفة لقوله عز وجل : { أفمن يعلم ~~أنمآ أنزل إليك من ربك الحق }. # وقيل: { الذين يوفون بعهد الله } مبتدأ: و { أولئك ~~لهم عقبى الدار } خبره لقوله تعالى: # والذين ينقضون عهد الله # [الرعد:25] أولئك لهم اللعنة. وهذه الآية من أولها إلى آخرها جملة ~~واحدة شرطية، وشرطها مشتمل على قيود. # القيد الأول قوله: { الذين يوفون بعهد الله } قال ابن ~~عباس رضي الله عنه : يريد الذين عاهدهم حين كانوا في صلب آدم صلوات ~~الله وسلامه عليه : # وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا ~~بلى # [الأعراف:172] وقيل: المراد ب " عهد الله " كل أمر قام الدليل على ~~صحته. # والقيد الثاني: قوله سبحانه: { ولا ينقضون الميثاق } ، وهذا ~~قريب من الوفاء بالعهد؛ فإن الوفاء بالعهد قريب من عدم نقض الميثاق؛ ~~فهما متلازمان. # وقيل: الميثاق ما وثقه المكلف على نفسه من الطاعات كالنذر، والوفاء ~~بالعهد ما كلف العبد به ابتداء. # وقيل: الوفاء بالعهد: عهد ms5167 الربوبية، والعبودية، والمراد بالميثاق: ~~المواثيق المذكورة في التوراة والإنجيل وسائر الكتب الإلهية على وجوب ~~الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم عند ظهوره. # وقيل: المراد من الوفاء بالعهد: أن لا يغدر فيه، قال عليه أفضل الصلاة ~~والسلام: # " من عاهد الله فغدر كان فيه خصلة من النفاق ". # القيد الثالث: قوله تعالى: { والذين يصلون مآ أمر الله ~~به أن يوصل }. # قيل: أراد به الإيمان بجميع الكتب والرسل، و: # لا نفرق بين أحد من رسله # [البقرة:285]. # وقال الأكثرون: المراد صلة الرحم. # فإن قيل: الوفاء بالعهد، وترك نقض الميثاق اشتمل على وجوب الإتيان ~~بجميع المأمورات، والاحتراز عن كل المنهيات. فما الفائدة في ذكر هذه ~~القيود بعدهما؟ # فالجواب من وجهين: # [الأول]: ذكر ذلك لئلا يظن ظان أن ذلك، فيما بينه، وبين ربه، فلا ~~جرم أفرد ما بينه، وبين العباد، بالذكر. # والثاني: أنه تأكيد، وفي [تفسير] هذه الصلة وجوه: # أحدها: صلة الرحم، قال صلوات الله وسلامه عليه حاكيا عن ربه ~~عز وجل أنا الرحمن، وهي الرحم شققت لها اسما من اسمي فمن ~~وصلها وصلته ومن قطها [قطعته] قال تعالى: # فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض ~~وتقطعوا أرحامكم # [محمد:22]. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " ثلاثة يأتين يوم القيامة لها ذلق: تأتي الرحم تقول: ~~أي رب قطعت، والأمانة تقول: أي رب تركت، والنعمة تقول: أي ~~رب كفرت ". # وثانيها: المراد صلة محمد صلى الله عليه وسلم ومؤازرته ونصرته في ~~الجهاد. # وثالثا: رعاية جميع الحقوق الواجبة للعباد، فيدخل فيه صلة الرحم، ~~وأخوة الإيمان قال تعالى: # إنما المؤمنون إخوة # [الحجرات:10] ويدخل في هذه الصلة أيضا إمدادهم بالخيرات، ودفع الآفات ~~بقدر الإمكان، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز، وإفشاء السلام والتبسم في ~~وجوههم، وكف الأذى عنهم، ويدخل فيه كل حيوان حتى الهرة، والدجاجة. # القيد الرابع: قوله: " ويخشون ربهم " معناه: أن العبد، وإن ~~قام بكل ما جاء عليه من تعظيم الله، والشفقة على خلق الله إلا أنه ~~لا بد من وأن تكون الخشية من الله عز وجل والخوف منه مستويان. # والفرق بين الخشية، ms5168 والخوف: أن الخشية أن تخشى وقوع خلل إما ~~بزيادة، أو نقص فيما يأتي به، والخوف: هو مخافة الهيبة والجلال. # القيد الخامس: قوله عز وجل : { ويخافون سوء الحساب }. # وهذا القيد هو المخافة من سوء الحساب، وهو خوف الجلال، والعظمة، ~~والمهابة، وإلا لزم التكرار. # القيد السادس: قوله تعالى: { والذين صبروا ابتغاء وجه ~~ربهم }. # قال ابن عباس رضي الله عنهما : " على أمر الله ". وقال عطاء: ~~" على المصائب ". وقيل: على الشهوات. # واعلم أن العبد قد يصبر لوجوه: # إما أن يصبر ليقال: ما أصبره، وما أشد قوته على تحمل النوائب. # وإما أن يصبر لئلا يعاب على الجزع. # وإما أن يصبر لئلا تحصل شماتة الأعداء، وإما أن يصبر لعلمه أن الجزع ~~لا فائدة فيه. # فإذا كان أتى بالصبر لأحد هذه الوجوه، لم يكن داخلا في كمال النفس، ~~أما إذا صبر على البلاء لعلمه أن البلاء قسمة القاسم الحكيم العلام ~~المنزه عن العبث، والباطل، والسفه وأن تلك القسمة مشتملة على حكمة ~~بالغة، ومصلحة راجحة، ورضي بذلك؛ لأنه لا اعتراض على المالك في ~~تصرفه في ملكه، فهذا هو الذي يصدق عليه أنه صبر ابتغاء وجه ربه؛ لأنه ~~صبر لمجرد طلب رضوان الله. # القيد السابع: قوله تعالى: { وأقاموا الصلاة } واعلم أن ~~الصلاة، والزكاة، وإن كانتا داخلتين في الجملة الأولى، إلا أنه ~~تعالى أفردهما بالذكر تنبيها على كونهما أشرف سائر العبادات، ولا ~~يمتنع دخول النوافل فيه أيضا. # القيد الثامن: قوله تعالى: { وأنفقوا مما رزقناهم سرا ~~وعلانية } قال الحسن رضي الله عنه : المراد الزكاة المفروضة ~~فإن لم يتهم بتركها أداها سرا، وإن اتهم بتركها فالأولى أداؤها ~~في العلانية. وقيل: السر: ما يؤديه بنفسه، والعلانية: ما يؤديه إلى ~~الإمام. # وقيل: العلانية: الزكاة، والسر: صدقة التطوع. # القيد التاسع: قوله تعالى: { ويدرءون بالحسنة السيئة ~~} قيل: إذا أتوا المعصية، درءوها، أو دفعوها بالحسنة. # قال ابن عباس رضي الله عنهما : يدفعون بالصالح من العمل السيىء من ~~العمل، وهو معنى قوله تعالى: # إن الحسنات يذهبن السيئات # [هود:14]. # وقال صلوات الله وسلامه عليه لمعاذ بن جبل رضي الله ms5169 عنه: " إذا ~~عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها، السر ~~بالسر، والعلانية بالعلانية ". # وقيل: لا تقابلوا الشر بالشر، بل قابلوا الشر بالخير، كما قال ~~تعالى: # وإذا مروا باللغو مروا كراما # [الفرقان:72] # وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما # [الفرقان:63] قال الحسن: إذا حرموا أعطوا، وإذا ظلموا عفوا، وإذا قطعوا ~~وصلوا. # قال عبد الله بن المبارك رضي الله عنه : " فهذه ثمان خلال مشيرة إلى ~~ثمانية أبواب الجنة ". # واعلم أن هذه القيود هي القيود المذكورة في الشرط، وأما القيود ~~المذكورة في الجزاء، فهي قوله تعالى: { أولئك لهم عقبى ~~الدار } ، أي عاقبة الدار، وهي الجنة. # قال الواحدي: " العقبى كالعاقبة، ويجوز أن يكون مصدرا كالشورى ~~والقربى والرجعى، وقد يجيء مثل هذا أيضا على " فعلى " كالنجوى ~~والدعوى وعلى " فعلى " كالذكرى والضيزى، ويجوز أن يكون اسما ~~وهو هاهنا مصدر مضاف إلى الفاعل، والمعنى: أولئك لهم أن تعقب أحوالهم ~~الدار التي هي الجنة ". # قوله: " أؤلئك " مبتدأ، و " عقبى الدار " يجوز أن يكون مبتدأ ~~خبره الجار قبله والجملة خبر " أولئك " ، ويجوز أن يكون " لهم " خبر " ~~أولئك " و " عقبى " فاعل بالاستقرار. قوله: " جنات عدن " يجوز أن يكون ~~بدلا من " عقبى " وأن يكون بيانا، وأن يكون خبر مبتدأ مضمر، وأن ~~يكون متبدأ خبره " يدخلونها ". # وقرأ النخعي: " جنة " بالإفراد، وتقدم الخلاف في # يدخلونها # [الرعد:23] والجملة من " يدخلونها " تحتمل الاستئناف أو الحالية ~~المقدرة. # قوله: " ومن صلح " يجوز أن يكون مرفوعا عطفا على الواو، وأغنى ~~الفصل بالمفعول عن التأكيد بالضمير المنفصل، وأن يكون منصوبا على ~~المفعول معه، وهو مرجوح. # وقرأ ابن أبي عبلة " صلح " بضم اللام، وهي لغة مرجوحة. # قوله: { من آبائهم } في محل الحال من " من صلح " و " من " ~~لبيان الجنس. # وقرأ عيسى الثقفي: " ذريتهم " بالتوحيد؟ # فصل # قوله تعالى: { جنات عدن } هو القيد الثاني، وقد تقدم الكلام في { ~~جنات عدن } عند قوله # ومساكن طيبة في جنات عدن # [التوبة:72]. # والقيد الثالث: هو قوله " ومن صلح " قال ابن عباس: يريد من صدق بما ~~صدقوا به وإن لم يعمل مثل أعمالهم. # وقال الزجاج: " بين تعالى أن الأنساب لا ms5170 تنفع إذا لم يحصل معها ~~أعمال صالحة " ، بل الآباء والأزواج والذريات لا يدخلون الجنة إلا ~~بالأعمال الصالحة. # قال الواحدي: " والصحيح ما قاله ابن عباس؛ لأن الله تعالى جعل من ~~ثواب المطيع سروره بحضور أهله في الجنة، وذلك يدل على أنهم يدخلونها ~~كرامة للمطيع، الآتي بالأعمال الصالحة، ولو دخلوها بأعمالهم الصالحة لم ~~يكن في ذلك كرامة للمطيع، فلا فائدة في الوعد به، إذ كل من كان صالحا في ~~عمله فهو يدخل الجنة ". # قال ابن الخطيب: " وهذه الحجة ضعيفة؛ لأن المقصود بشارة المطيع بكل ما ~~يزيده سرورا وبهجة، فإذا بشر الله المكلف أنه إذا دخل الجنة يجد أباه ~~وأولاده، فلا شك يعظم سروره بذلك وهذا الذي قاله وإن كان فيه مزيد سرور، ~~لكنه إذا علم أنهم إنما دخلوا الجنة إكراما له كان سروره أعظم وبهجته ~~أتم ". # قوله: " وأزواجهم " ليس فيه ما يدل على التمييز بين زوجة وزوجة، ~~ولعل الأولى من مات عنها أو ماتت عنه، قاله ابن الخطيب. # وفيه نظر؛ لأنه لو مات عنها فتزوجت بعده غيره لم تكن من أزواجه، بل ~~الأولى أن يقال: إن من ماتت في عصمته فقط. # والقيد الرابع: { والملائكة يدخلون عليهم من كل ~~باب } [قيل: من أبواب الجنة، وقيل: من أبواب القصور، وقال الأصم: من كل ~~باب] من أبواب البر كباب الصلاة وباب الزكاة وباب الصبر، يقولون: نعم ما ~~أعقبكم الله بهذه الدار. # فصل # تمسك بعضهم بهذه الآية على أن الملك أفضل من البشر فقال: إنه سبحانه ~~ ختم مراتب سعادات البشر بدخول الملائكة عليهم على سبيل التحية والإكرام ~~والتعظيم والسلام، فكانوا أجل مرتبة من البشر لما كان دخولهم عليهم ~~موجبا علو درجتهم وشرف مراتبهم، ألا ترى أن من عاد من سفره أو مرضه ~~فعاده الأمير والوزير والقاضي والمفتي فتعظم درجته عند سائر الناس فكذا ~~هاهنا. # قوله: { سلام عليكم } الآية قال الزجاج: " ههنا محذوف تقديره ~~والملائكة يدخلون عليهم من كل باب ويقولون: سلام عليكم، فأضمر القول ~~ههنا؛ لأن في الكلام دليلا عليه والجملة محكية بقول مضمر والقول المضمر ms5171 ~~حال من فاعل " يدخلون " أي يدخلون قائلين. قوله " بما صبرتم " ~~متعلق بما تعلق به " عليكم ". # قال ابن الخطيب: متعلق بمحذوف، أي: أن هذه الكرامات التي ترونها إنما ~~حصلت بصبركم و " ما " مصدرية، أي: سبب صبركم، ولا يتعلق ب " سلام " ، ~~لأنه لا يفصل بين المصدر ومعموله بالخبر قاله أبو البقاء. # وقال الزمخشري: ويجوز أن يتعلق ب " سلام " أي: نسلم عليكم ونكرمكم ~~بصبركم ". # ولما نقله عنه أبو حيان لم يعترض عليه بشيء. والظاهر أنه لا يعترض عليه ~~بما تقدم لأن ذلك في المصدر المؤول بحرف مصدري وفعل هذا المصدر ليس من ~~ذلك، والباء إما سببية كما تقدم، وإما بمعنى بدل أي: بدل صبركم، أي: بما ~~احتملتم مشاق الصبر. # وقيل: " بما صبرتم " خبر مبتدأ مضمر، أي: هذا [الثواب] الجزيل بما ~~صبرتم. # وقرأ الجمهور: " فنعم " بكسر النون وسكون العين، وابن يعمر بالفتح ~~والكسر وقد تقدم أنها الأصل؛ كقوله: [الرمل] # 3177................... # نعم الساعون في الأمر الشطر # وابن وثاب بالفتح والسكون، وهي تخفيف الأصل، ولغة تميم تسكين عين فعل ~~مطلقا والمخصوص بالمدح محذوف، أي: الجنة. ### || [13.25-29] # قوله: { والذين ينقضون } مبتدأ، والجملة من قوله { ~~أولئك لهم اللعنة } خبره، والكلام في " اللعنة " تقدم في ~~" عقبى الدار ". # ولما ذكر صفة السعداء وما يترتب عليها من الأحوال الشريفة، ذكر صفة ~~الأشقياء وما يترتب عليها من الأحوال المخزية، وأبتع الوعد بالوعيد فقال ~~عز وجل { والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه } ~~وقد تقدم أن عهد الله ما ألزم عباده مما يجب الوفاء به وهذا في الكفار، ~~والمراد من نقض العهد: ألا ينظر في الأدلة وحينئذ لا يكون العمل بموجبها ~~أو ينظر ويعلم صحتها ثم يعاند فلا يعمل بعمله أو ينظر في الشبهة فيعتقد ~~خلاف الحق، والمراد من قوله: " من بعد ميثاقه " أن وثق الله تلك ~~الأدلة وأحكامها. # فإن قيل: العهد لا يكون إلا مع الميثاق، فما فائدة اشتراطه بقوله: { من ~~بعد ميثاقه }؟. # فالجواب: لا يمتنع أن يكون المراد بالعهد هو ما كلف العبد به والمراد ~~بالميثاق الأدلة؛ لأنه تعالى قد يؤكد [العهد] ms5172 بدلائل أخر سواء كانت ~~تلك المؤكدات دلائل عقلية أو سمعية. # ثم قال { ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل } فيدخل ~~فيه قطع كل ما أوجب الله وصله مثل: أن يؤمنوا ببعض الأنبياء ويكفرون ~~ببعض، ويقطعون وصل الرسول بالموالاة والمعاونة، ووصل المؤمنين ووصل ~~الأرحام وسائر ما تقدم. # ثم قال: { ويفسدون في الأرض } إما بالدعاء إلى غير دين الله ~~وإما بالظلم كما في النفوس والأموال وتخريب البلاد ثم قال: { ~~أولئك لهم اللعنة } وهي الإبعاد من خيري الدنيا والآخرة { ~~ولهم سوء الدار } وهي جهنم. # قوله { الله يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر } الآية ~~لما حكى عن ناقضي العهد في التوحيد والنبوة بأنهم ملعونون ومعذبون في ~~الآخرة فكأنه قيل: لو كانوا أعداء الله لما أنعم عليهم في الدنيا؟ فأجاب ~~الله تعالى عنه بهذه الآية وهو أنه تعالى يبسط الرزق على البعض، ~~وبسط الرزق لا تعلق له بالكفر والإيمان، فقد يوجد الكافر موسعا عليه دون ~~المؤمن، والدنيا دار امتحان. # قال الواحدي: " ومعنى القدر في اللغة: قطع الشيء على مساواة غيره من غير ~~زيادة ولا نقصان ". # وقال المفسرون في معنى " يقدر " ههنا: يضيق، لقوله # ومن قدر عليه رزقه # [الطلاق:7] ومعناه: أنه يعطيه بقدر كفايته لا يفضل عنه شيء. # وقرأ زيد بن علي: " ويقدر " بضم العين. # قوله: " وفرحوا " هذا استئناف إخبار. وقيل: بل هو عطف على صلة " ~~الذين " قبل. # وفيه نظر؛ من حيث الفصل بين أبعاض الصلة بالخبر، وأيضا: فإن هذا ماض ~~وما قبله مستقبل ولا يدعي التوافق في الزمان إلا أن يقال: المقصود ~~استمرارهم بذلك أو أن الماضي متى وقع صلة صلح [للماضي] والاستقبال. # قوله " في الآخرة " ، أي في جنب الآخرة. # " إلا متاع " وهذا الجار في موضع الحال تقديره: وما الحياة القريبة ~~الكائنة في جنب الآخرة إلا متاع ولا يجوز تعلقه بالحياة ولا بالدنيا ~~لأنهما لا يقعان إلا في الآخرة. # ومعنى الآية: أن [مشركي] مكة أشروا وبطروا، والفرح: لذة في القلب بنيل ~~المشتهى وفيه دليل على أن الفرح بالدنيا حرام محال { وما الحياة ~~الدنيا في الآخرة إلا ms5173 متاع } أي قليل ذاهب. # قوله: { ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية ~~من ربه } الآية اعلم أن كفار مكة قالوا: يا محمد إن كنت رسولا ~~فأتنا بآية ومعجزة مثل معجزات موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام ~~فأجابهم الله بقوله { إن الله يضل من يشآء ويهدي ~~إليه من أناب }. # وبيان كيفية هذا الجواب من وجوه: # أحدها: كأنه يقول: إن الله أنزل عليه آيات ظاهرة ومعجزات قاهرة، لكن ~~[الإضلال] والهداية من الله فأضلهم عن تلك الآيات وهدى إليها آخرين، فلا ~~فائدة في تكثير الآيات والمعجزات. # وثانيها: أنه كلام يجري مجرى التعجب من قولهم، وذلك لأن الآيات الباهرة ~~المتكاثرة التي ظهرت على رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام كانت ~~أكثر من أن تصير مشتبهة على العاقل فلما طلبوا بعدها آيات أخر كان في ~~موضع التعجب والاستنكار، فكأنه قيل لهم: ما أعظم عنادكم { إن الله ~~يضل من يشآء } من كان على صنيعكم من التصميم على الكفر فلا سبيل ~~إلى هدايتكم وإن نزلت كل آية: " ويهدي " من كان على خلاف صنيعكم. # وثالثها: لما طلبوا سائر الآيات والمعجزات فكأنه قال لهم: لا فائدة في ~~ظهور الآيات والمعجزات، فإن الإضلال والهداية من الله تعالى فلو حصلت ~~الآيات الكثيرة ولم تحصل الهداية من الله فإنه لم يحصل الانتفاع بها. # ورابعها: قال الجبائي: المعنى: أنه يضل من يشاء عن رحمته وثوابه عقوبة ~~له على كفره فلستم ممن يجيبه الله تعالى إلى ما يسأل لاستحقاقكم ~~الإضلال عن الثواب { ويهدي إليه من أناب } ، أي: يهدي إلى ~~جنته من [تاب] وآمن، قال: وهذا يبين أن الهدى هو الثواب من حيث إنه عقبه ~~بقوله: " من أناب " ، أي: من تاب. # والهدى الذي يفعله بالمؤمن هو الثواب؛ لأنه يستحقه على إيمانه وذلك يدل ~~على أنه تعالى إنما يضل عن الثواب بالعقاب لا عن الدين بالكفر على ما ~~ذهب إليه من خالفنا هذا تمام كلام الجبائي. # والضمير في " إليه " عائد على الله، أي: إلى دينه وشرعه. وقيل على ~~الرسول صلوات الله وسلامه عليه . # وقيل: على القرآن. # قوله: ms5174 { الذين آمنوا } يجوز فيه خمسة أوجه: # أحدها: أن يكون مبتدأ خبره الموصول الثاني وما بينهما اعتراض. # الثاني: أنه بدل من " من أناب ". # والثالث: أنه عطف بيان له. # الرابع: أنه خبر مبتدأ مضمر. # الخامس: أنه منصوب بإضمار فعل. # فصل # قال ابن عباس رضي الله عنهما: إذا سمعوا القرآن خشعت قلوبهم واطمأنت. # فإن قيل: أليس قال في سورة الأنفال: # إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم # [الأنفال:2] والوجل ضد الاطمئنان، فكيف وصفهم هنا بالاطمئنان؟. # فالجواب من وجوه: # أحدها: أنهم إذا ذكروا العقوبات ولم يأمنوا أن [يقربوا] المعاصي فهناك ~~الوجل وإذا ذكروا ما وعد الله به من الثواب والرحمة سكنت قلوبهم، فإن أحد ~~الأمرين لا ينافي الآخر؛ لأن الوجل هو بذكر العقاب والطمأنينة بذكر ~~الثواب. # وثانيها: أن المراد أن يكون القرآن معجزا يوجب حصول الطمأنينة لهم في ~~كون محمد صلى الله عليه وسلم نبيا حقا من عند الله، ولما شكوا في أنهم ~~أتوا بالطاعات كاملة فيوجب حصول الوجل في قلوبهم. # وثالثها: أنه حصل في قلوبهم أنهم هل أتوا بالطاعات الموجبة للثواب أم ~~لا؟ وهل احترزوا عن المعصية الموجبة للعقاب أم لا؟. # وقيل: الوجل عند ذكر الله: الوعيد والعقاب، الطمأنينة عند ذكر الله عز ~~وجل: الوعد والثواب، فالقلوب توجل إذا ذكرت عدل الله وشدة حسابه، وتطمئن ~~إذا ذكرت فضل الله وكرمه { ألا بذكر الله تطمئن ~~القلوب } تسكن قلوب المؤمنين ويستقر فيه اليقين. # قال ابن عباس رحمه الله : " هذا في الحلف، يقول: إذا حلف السملم ~~بالله على شيء تسكن قلوب المؤمنين إليه ". # قوله { بذكر الله } يجوز أن يتعلق ب " تطمئن " فتكون الباء ~~سببية، أي: بسبب ذكر الله. # وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون مفعولا به، أي: الطمأنينة تحصل لهم ~~بذكر الله. # الثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من " قلوبهم " ، أي: تطمئن وفيها ~~ذكر الله. # قوله: { الذين آمنوا وعملوا الصالحات } فيه أوجه: # أن يكون بدلا من " القلوب " على حذف مضاف أي: قلوب الذين أمنوا وأن ~~يكون بدلا من " من أناب " ، وهذا على قول من ms5175 لم يجعل الموصول الأول ~~بدلا من " من أناب " وإلا كان يتوالى بدلان، وأن يكون مبتدأ، و " ~~طوبى " جملة خبرية، وأن تكون خبر مبتدأ مضمر، وأن يكون منصوبا بإضمار ~~فعل، والجملة من " طوبى لهم " على هذين الوجهين حال مقدرة، العامل ~~فيها " ءامنوا " و " عملوا ". # قوله " طوبى لهم " واو " طوبى " منقلبة عن ياء، لأنها من الطيب ~~وإنما قلبت لأجل الضمة قبلها، كموسر وموقن من اليسر واليقين واختلفوا ~~فيها، فقيل: هي اسم مفرد مصدر، كبشرى ورجعى من طاب يطيب. # وقيل: بل هي جميع طيبة، كما قالوا: كوسى في جمع كيسة، وضوقى في جمع ~~ضيقة. # ويجوز أن يقال: طيبى، بكسر الباء، وكذلك الكيسى والضيقى. وهل هي ~~اسم شجرة بعينها أو اسم للجنة بلغة الهند أو الحبشة؟. # وجاز الابتداء ب " طوبى " إما لأنها علم لشيء بعينه، وإما لأنها نكرة ~~في معنى الدعاء، كسلام عليك، وويل لك، كذا قال سيبويه. # وقال ابن مالك رحمه الله : " إنه يلتزم رفعها بالابتداء، ولا يدخل ~~عليها نواسخه " وهذا يرد عليه: أن بعضهم جعلها في هذا الآية منصوبة ~~بإضمار فعل، أي: وجعل لهم طوبى، وقد تأيد ذلك بقراءة عيسى الثقفي " ~~وحسن مآب " بنصب النون، قال: إنه معطوف على " طوبى " وأنها في موضع ~~نصب. # قال ثعلب: و " طوبى " على هذا مصدر، كما قال: " سقيا ". # وخرج هذه القراءة صاحب اللوامح على النداء، كيا أسفى على الفوت، يعنى ~~أن " طوبى " مضاف للضمير معه واللام مقحمة؛ كقوله: [البسيط] # 3178.............. # يا بؤس للجهل ضرارا الأقوام # وقوله: [مجزوء الكامل] # 3179 يا بؤس للحرب التي # وضعت أراهط قاستراحوا # ولذلك سقط التنوين من " بؤس " كأنه قيل: يا طيبا، أي: ما أطيبهم وأحسن ~~مآبهم. # قال الزمخشري: ومعنى " طوبى لك ": أصبت خيرا، و " طيبا " ومحلها ~~النصب أو الرفع، كقولك: طيبا لك وطيب لك، وسلاما لك وسلام لك والقراءة ~~في قوله " وحسن مآب " بالنصب والرفع يدل على محلها، واللام في " ~~لهم " للبيان مثلها في " سقيا لك " فهذا يدل على أنها تتصرف، ولا يلزم ~~الرفع بالابتداء. # وقرأ مكوزة الأعرابي: " طيبى " بكسر الطاء لتسلم الياء، ms5176 نحو: بيض ~~ومعيشة. # وقرىء: " وحسن مآب " بفتح النون ورفع " مآب " على أنه فعل ماض، ~~أصله حسن فنقلت ضمة العين إلى الفاء قصدا للمدح، كقوله: حسن ذا أدب، ~~و " مآب " فاعله. # فصل # قال ابن عباس رضي الله عنهما: طوبى، فرح لهم وقرة عين. # وقال عكرمة: نعم ما لهم. وقال قتادة: حسنى لهم. # وقال معمر عن قتادة: هذه كلمة عربية، يقول الرجل: طوبى لك، أي: أصبت ~~خيرا. # وقال إبراهيم رحمه الله : خير لهم وكرامة. وقال الفراء: وفيه لغتان: ~~تقول العرب: طوباك، وطوبى لك، أي لهم الطيب " وحسن مآب " أي: حسن ~~المنقلب. # وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: " طوبى " اسم الجنة بالحبشية. # وقال الربيع: البستان بلغة الهند. وقال الزجاج: العيش الطيب لهم وروي عن ~~أبي أمامة وأبي هريرة وأبي الدرداء قالوا: طوبى شجرة في الجنة تظل الجنان ~~كلها وقيل فيها غير ذلك. ### || [13.30] # قوله: { كذلك أرسلناك } الكاف في محل نصب كنظائرها. # قال الزمخشري: " مثل ذلك الإرسال أرسلناك يعن: إرسالا له شأن ". # وقيل: الكاف متعلقة بالمعنى الذي قبله في قوله: # إن الله يضل من يشآء ويهدي إليه من أناب # [الرعد:27]، أي كما أنفذ الله هذا كذلك أرسلناك. # وقال ابن عطية: " الذي يظهر لي أن المعنى كما أجرينا العادة بأن الله ~~يضل ويهدي لا بالآيات المقترحة فكذلك فعلنا أيضا في هذه الأمة أرسلناك ~~إليها بوحي لا بأيآت مقترحة ". # وقال أبو البقاء: وكذلك: " الأمر كذلك " فجعلها في موضع رفع. # وقال الحوفي: الكاف للتشبيه في موضع نصب، أي: كفعلنا الهداية والإضلال ~~والإشارة بذلك إلى ما وصف به نفسه من أن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ~~وتكون الكاف للتشبيه. # قال ابن عباس والحسن رضي الله عنهم أي: أرسلناك كما أرسلنا الأنبياء ~~قبلك. # وقيل: كما أرسلنا إلى أمم وأعطيناهم كتبا تتلى عليهم كذلك [أعطيناك] ~~هذا الكتاب وأنت تتلوه عليهم. # قوله: " قد خلت " جملة في محل جر صفة ل " أمة " ، و " لتتلو " ~~متعلق ب " أرسلناك " والمعنى: أنه فسر كيف أرسله فقال: { في ~~أمة قد خلت من قبلهآ ms5177 أمم } أي: أرسلناك في أمة قد ~~تقدمها أمم وهم آخر الأمم وأنت آخر الأنبياء " لتتلو " لتقرأ عليهم الذي ~~أوحينا إليك وهو الكتاب العظيم. # قوله: { وهم يكفرون } يجوز أن تكون هذه الجملة استئنافية، وأن ~~تكون حالية والضمير في " وهم يكفرون " عائد على " أمة " من حيث ~~المعنى، ولو عاد على لفظها لكان التركيب: وهي تكفر. # وقيل: الضمير عائد على " أمة " وعلى " أمم ". وقيل: عائد على الذين ~~قالوا: " لولا أنزل ". # فصل # قال قتادة ومقاتل وابن جريح: الآية مدنية نزلت في صلح الحديبية وذلك أن ~~سهل بن عمرو لما جاءوا واتفقوا على أن يكتبوا كتاب الصلح، فقال رسول الله ~~ صلوات الله وسلامه عليه لعلي كرم الله وجهه : اكتب: بسم الله ~~الرحمن الرحيم. قالوا لا نعرف إلى الرحمن إلا صاحب اليمامة يعنون: مسيلمة ~~الكذاب، اكتب كما كنت تكتب: باسمك اللهم فهذا معنى قوله: { وهم ~~يكفرون بالرحمن } والمعروف أن الآية مكية، وسبب نزولها: أن ~~أبا جهل سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الحجر يدعو يا الله يا رحمن ~~فرجع إلى المشركين، وقال: إن محمدا يدعو إلهين: يدعو الله ويدعو الرحمن ~~إلها آخر يسمى الرحمن، ولا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة فنزلت هذه ~~الآية، ونزل قوله تعالى: # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما ~~تدعوا فله الأسمآء الحسنى # [الإسراء:110] # وروى الضحاك عن ابن عباس: أنها نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم: " اسجدوا للرحمن " ، قالوا: وما ~~الرحمن؟ قال الله تعالى: " قل لهم يا محمد إن الرحمن الذي أنكرتم معرفته ~~هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت " اعتمدت " وإليه متاب " ، أي: توبتي ~~ومرجعي. # فصل # اعلم أن قوله { يكفرون بالرحمن } أنا إن حملناه على هذه ~~الروايات كان معناه: يكفرون بإطلاق هذا الاسم على الله تعالى لا أنهم ~~كفروا بالله تعالى وقال آخرون: بل كفروا بالله إما جحدا له، وإما ~~لإثباتهم الشركاء معه. قال القاضي: وهذا القول أليق بالظاهر؛ لأن قوله ~~تعالى { وهم يكفرون بالرحمن } يقتضي أنهم ms5178 كفروا بالله ~~وهو المفهوم من الرحمن، وليس المفهوم منه الاسم كما لو قال قائل: كفروا ~~بمحمد وكذبوا به فكان المفهوم هو دون اسمه تعالى. # قوله: # ولو أن قرآنا سيرت به الجبال # [الرعد:31] نزلت في نفر من مشركي مكة منهم: أبو جهل بن هشام وعبد الله ~~بن أمية المخزومي جلسوا في فناء الكعبة فأتاهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وعرض عليهم الإسلام، فقال عبد الله بن أمية المخزومي: إن سرك أن ~~نتبعك فسير لنا جبال مكة بالقرآن فأذهبها حتى تنفسح علينا فإنها أرض ~~ضيقة لمزارعنا، واجعل لنا فيها عيونا وأنهارا لنغرس الأشجار ونزرع، ~~فلست كما زعمت بأهون على ربك من داود حيث سخر له الجبال تسبح معه، أو ~~[سخر لنا الريح، فنركبها إلى الشام والبلاد لميرتنا وحوائجنا، ونرجع في ~~يومنا؛ فقد] سحر الريح لسليمان صلوات الله وسلامه عليه كما زعمت فلست ~~على ربك بأهون من سليمان، أو أحي لنا جدك قصي، أو من شئت من موتانا ~~نسأله عن أمرك، أحق ما تقول أوة باطل فقد كان عيسى يحيي الموتى، ولست ~~بأهون على الله منه، فأنزل الله عز وجل # ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به ~~الأرض # [الرعد:31] أي: شققت فجلعت أنهارا وعيونا # أو كلم به الموتى # [الرعد:31]. ### || [13.31] # قوله: { ولو أن قرآنا سيرت } جوابها محذوف، أي: لكان هذا ~~القرآن، لأنه في غاية ما يكون من الصحة، واكتفى بمعرفة السامعين من ~~مراده؛ كقوله الشاعر: [الطويل] # 3180 فأقسم لو شيء أتانا رسوله # سواك ولكن لم نجد عنك مدفعا # أراد: لرددناه، وهذا معنى قول قتادة: قالوا: لو فعل هذا بقرآن قبل ~~قرآنكم لفعل بقرآنكم. # وقيل: تقديره لما آمنوا. # ونقل عن الفراء: جواب " لو " هي الجملة من قوله # وهم يكفرون بالرحمن # [الرعد:30] وفي الكلام تقديم وتأخير وما بينهما اعتراض، وتقدير الكلام: ~~وهم يكفرون بالرحمن لو أن قرآنا سيرت به الجبال كأنه قيل: لو سيرت به ~~الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم الموتى به لكفروا بالرحمن ولم يؤمنوا لما ~~سبق من علمنا ms5179 فيهم، كقوله: # ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة وكلمهم ~~الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ~~ليؤمنوا # [الأنعام:111] وهذا في الحقيقة دال على الجواب. # وإنما حذفت التاء في قوله { أو كلم به الموتى } وثبتت في ~~الفعلين قبله؛ لأنه من باب التغليب، لأن الموتى تشمل المذكر والمؤنث. # ثم قال: { بل لله الأمر جميعا } إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، ~~وليس لأحد عليه اعتراض. # قوله { أفلم ييأس الذين آمنوا } أصل اليأس: قطع الطمع ~~عن الشيء والقنوط منه، واختلف الناس فه ههنا، فقال بعضهم هو هنا على ~~بابه، والمعنى أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمان الكفار من قريش، وذلك أنهم ~~لما سألوا هذه الآيات طمعوا في إيمانهم وطلبوا نزول هذه الآيات ليؤمن ~~الكفار، وعلم الله أنهم لا يؤمنون فقال: أفلم ييأس الذين آمنوا من آيات ~~الكفار، أي: ييأس من إيمانهم قال الكسائي. # وقال الفراء: " أوقع الله للمؤمنين أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ~~فقال: أفلم ييأسوا علما " يقول: يؤيسهم العلم، فكان فيهم العلم مضمرا ~~كما تقول في الكلام: " يئست منك إن لا تفلح " كأنه قال: علمه علما، قال: ~~فيئست بمعنى علمت، وإن لم يكن سمع فإنه يتوجه لذلك بالتأويل ". # وقال ابن عطية: ويحتمل أن يكون اليأس في هذه الآية على بابه وذلك لأنه ~~لما أبعد إيمانهم في قوله عز وجل { ولو أن قرآنا سيرت ~~} على [التأويلين] في المحذوف المقدر، قال في هذه الآية " أفلم ييأس ~~" المؤمنون من إيمان هؤلاء علما منهم { أن لو يشآء الله ~~لهدى الناس جميعا }. # وقال الزمخشري: " ويجوز أن يتعلق { أن لو يشآء الله } ب " ~~آمنوا " على أو لم يقنط عن إيمان هؤلاء الكفرة الذين آمنوا بأن لو يشاء ~~الله لهدى الناس جميعا ولهداهم ". # وهذا قد سبقه إليه أبو العباس رضي الله عنه . # وقال أبو حيان: ويحتمل عندي وجه آخر غير الذي ذكروه، وهو: أن الكلام تام ~~عند قوله تعالى { أفلم ييأس الذين آمنوا } إذ هو تقرير، ~~أي: قد يئس المؤمنون من إيمان هؤلاء المعاندين، و { أن لو ms5180 يشآء ~~الله } جواب قسم محذوف، أي: وأقسم أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا، ~~ويدل على هذا القسم [وجود] " أن " مع " لو " في قول الشاعر: [الوافر] # 3181 أما والله أن لو كنت حرا # وما بالحر أنت ولا العتيق # وقول الآخر: [الطويل] # 3182 فأقسم أن لو التقينا وأنتم # لكان لكم يوم من الشر مظلم # وقد ذكر سيبويه أن " أن " تأتي بعد القسم، وجعلها ابن عصفور رابطة للقسم ~~بالجملة المقسم عليها، وقال بعضهم بل هو ههنا بمعنى " علم " و " ~~تبين ". # قال القاسم بن معن وهو من ثقاب الكوفيين : هي من لغة هوازن. # وقال الكلبي: هي لغة حي من النخع، ومنه قول رباح بن عدي: [الطويل] # 3183 ألم ييأس الأقوام أني أنا ابنه # وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا # وقول سحيم بن وثيل الرياحي: [الطويل] # 3184 أقول لهم بالشعب إذ يأسرونني # ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم # وقول الآخر: [الكامل] # 3185 حتى إذا يئس الرماة فأرسلوا # غضفا دواجن قافلا أعصامها # ورد الفراء هذا وقال: " لم أسمع " يئست " بمعنى علمت ". # ورد عليه بأن من حفظ حجة على من لم يحفظ، ويدل على ذلك: قراءة علي ~~وابن عباس وعكرمة وابن أبي مليكة والجحدري وعلي بن الحسين وابنه زيد ~~وجعفر بن محمد وابن يزيد المدني وعبد الله بن يزيد، وعلي بن بذيمة: (أفلم ~~يتبين) من: " تبينت كذا " إذا عرفته، وقد افترى من قال: إنما كتبه الكاتب ~~وهو ناعس، كان أصله: " أفلم يتبين " فسوى هذه الحروف [فتوهم] أنها سين. # قال الزمخشري: " وهذا ونحوه مما لا يصدق في كتاب الله الذي لا يأتيه ~~الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وكيف يخفى هذا حتى يبقى بين دفتي ~~الإمام، وكان متقلبا في أيدي أولئك الأعلام المحتاطين في دين الله ~~المهيمنين عليه، لا يغفلون عن جلائله ودقائقه خصوصا عن القانون الذي ~~إليه المرجع، والقاعدة التي عليها المبنى، هذه والله فرية ما فيها مرية ~~". # وقال الزمخشري أيضا: " وقيل: إنما استعمل اليأس بمعنى العلم؛ لأن الآيس ~~عن الشيء عالم بأنه لا يكون، ms5181 كما استعمل الرجاء في معنى الخوف، والنسيان ~~في معنى الترك لتضمنه ذلك ". # وتحصل في " أن " قولان: # أحدهما: أنها " أن " المخففة من الثقيلة، فاسمها ضمير الشأن، والجملة ~~الامتناعية بعدها خبرها، وقد وقع الفصل ب " لو " و " أن " وما في حيزها ~~إن علقناها ب " ءامنوا " يكون في محل نصب، أو جر على الخلاف بين الخليل ~~وسيبويه، إذ أصلها الجر بالحرف، أي: آمنوا بأن لو يشاء الله، وإن علقناها ~~ب " ييأس " على أنه بمعنى علم كانت في محل نصب لسدها سمد المفعولين. # والثاني: رابطة بين القسم والمقسم عليه، كما تقدم. # فصل # قال المفسرون: إن أصحاب رسول الله صلوات الله وسلامه عليه لما سمعوا ~~كلام المشركين طمعوا في أن يفعل الله تعالى ما سألوا فيؤمنوا، فنزل { ~~أفلم ييأس الذين آمنوا } يعني الصحابة من إيمان هؤلاء، ~~يعني: ألم ييأسوا وكل من علم شيئا ييأس عن خلافه. # يقول: ألم يؤيسهم العلم { أن لو يشآء الله لهدى الناس ~~جميعا }. # فصل # احتج أهل السنة بقوله: { أن لو يشآء الله لهدى الناس ~~جميعا } وكلمة " لو " تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره، والمعنى: أنه ~~ تعالى ما شاء هداية جميع الناس والمعتزلة تارة يحملون هذه المشيئة ~~على مشيئة الإلجاء، وتارة يحملون هذه المشيئة على مشيئة الهداية إلى طريق ~~الجنة، ومنهم من يجري الكلام على الظاهر، ويقول: إنه تعالى ما شاء هداية ~~جميع الناس لأنه ما شاء هداية الأطفال والمجانين فلا يكون مباينا لهداية ~~جميع الناس، وقد تقدم الكلام على هذه المسألة مرارا. # قوله تعالى: { ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما ~~صنعوا قارعة أو تحل } ألآية قيل: أراد جميع الكفار؛ لأن ~~الوقائع الشديدة [التي وقعت لبعض الكفار من القتل والسبي، أوجب حصول ~~الغم] في قلوب الكل. # وقيل: أراد بعض الكفار وهم جماعة معينون، فتكون الألف واللام للعهد، ~~والمعنى لا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا من كفرهم وأعمالهم القبيحة ~~" قارعة " أي: نازلة وداهية تقرعهم من أنواع البلاء أحيانا بالجدب ~~وأحيانا بالسلب وأحيانا بالقلب. # يقال: قرعه أمر إذا أصابه، والجمع قوارع، والأصل في القرع: ms5182 الضرب أي: لا ~~يزال الكافرون تصيبهم داهية مهلكة من صاعقة كما أصاب أربد، أو من قتل أو ~~أسر أو جدب أو غير ذلك من العذاب والبلاء كما نزل يخاطب المستهزئين من ~~رؤساء المشركين. # وقال ابن عباس رضي الله عنه : أراد كفار قريش يصيبهم بما صنعوا برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من العداوة والتكذيب بأن لايزال يبعث السرايا ~~فتغير حول مكة وتختطف منهم وتصيب من مواشيهم. # قوله " أو تحل " يجوز أن يكون فاعله ضمير الخطاب، أي: تحل أنت يا ~~محمد وأن يكون ضمير القارعة، وهذا أبين، أي: تصيبهم قارعة أو تحل ~~القارعة، وموضعها نصب عطف علىخبر " يزال ". # وقرأ ابن جبير ومجاهد: " أو يحل " بالياء من تحت، والفاعل على ما ~~تقدم إما ضمير القارعة وإنما ذكر الفعل؛ لأنها بمعنى العذاب ولأن التاء ~~للمبالغة، والمراد: قارع وإما ضمير الرسول صلوات الله وسلامه عليه ~~أتى به غائبا، وقرأ أيضا: " من ديارهم " جمعا، وهي واضحة. # المعنى: أو تحل القارعة أو أنت يا محمد صلوات الله وسلامه عليك ~~بجيشك قريبا من دارهم كما حل بالحديبية { حتى يأتي وعد ~~الله } وهو فتح مكة، وكان قد وعده ذلك. وقيل: يوم القيامة. # { إن الله لا يخلف الميعاد } والغرض منه: [تقوية] قلب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وإزالة الحزن عنه وتسليته. # فصل # قال القاضي: قوله تعالى: { إن الله لا يخلف الميعاد } ~~يدل على بطلان قول من يجوز الخلف على الله تعالى في ميعاده، وهذه ~~الآية وإن كانت واردة في حق الكفار إلا أن العبرة بمعموم اللفظ لا بخصوص ~~السبب وعمومه يتناول كل وعيد ورد في حق [الفساق] من العناد. # والجواب: أن الخلق غير، وتخصيص العموم غير، ونحن لا نقول بالخلف، ولكننا ~~تخصص عمومات الوعيد بالآيات الدالة على العفو. ### || [13.32-34] # قوله تعالى: { ولقد استهزىء برسل من قبلك } الآية ~~لما طلبوا المعجزات من الرسول صلوات الله وسلامه عليه على سبيل ~~الاستهزاء، وكان يتأذى من تلك الكلمات، فأنزل الله تعالى هذه الآية ~~تسلية له وتصبيرا على سفاهتهم فقال: إن أقوام سائر ms5183 الأنبياء عليه ~~الصلاة والسلام استهزؤوا بهم كما أن قومك يستهزئون بك { فأمليت ~~للذين كفروا } أمهلتهم وأطلت لهم المدة بتأخير [العقوبة] { ~~ثم أخذتهم } عاقبتهم في الدنيا بالقتل، وفي الآخرة بالنار { ~~فكيف كان عقاب } لهم؟. # والإملاء: الإمهال وإن تركوا مدة من الزمان في خفض وأمن كالبهيمة يملى ~~لها في المرعى، ومنه الملوان وهو الليل والنهار؟ # قوله: { أفمن هو قآئم } " من " موصولة، وصلتها " هو قائم ~~" والموصول مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف تقديره: كمن ليس كذلك من ~~شركائهم التي لا تضر ولا تنفع، ودل على هذا المحذوف، قوله { وجعلوا ~~لله شركآء } ونحوه قوله # أفمن شرح الله صدره للإسلام # [الزمر:22] تقديره: كمن قسا قلبه. # يدل عليه أيضا # فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله # [الزمر:22] وإنما حسن حذفه كون الخبر مقابلا للمبتدأ، وقد جاء مبينا، ~~كقوله # أفمن يخلق كمن لا يخلق # [النحل:17] # أفمن يعلم أنمآ أنزل إليك من ربك الحق ~~كمن هو أعمى # [الرعد:19]. # والمعنى: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت، أي: حافظها ورازقها وعالم ~~بها ومجازيها بما علمت، وجوابه محذوف، تقديره: كمن ليس بقائم بل عاجز عن ~~نفسه. # قوله { وجعلوا لله } يجوز أن يكون استئنافا، وهو الظاهر، جيء ~~به للدلالة على الخبر المحذوف كما تقدم تقريره. # وقال الزمخشري: " ويجوز أن تقدر ما يقع خبر للمبتدأ ويعطف عليه: " ~~وجعلوا " وتمثيله: أفمن هو بهذه الصفة لم يوحدوه " جعلوا له " وهو ~~الله تعالى أي: وهو الذي يستحق العبادة ". # قال أبو حيان: " وفي هذا التوجيه إقامة الظاهر مقام المضمر في قوله ~~تعالى { وجعلوا لله شركآء } أي: له، وفيه حذف الخبر غير ~~المقابل، وأكثر ما جاء الخبر مقابلا ". # وقيل: الواو للحال، والتقدير: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت موجودة ~~والحال أنهم جعلوا له شركاء، فأقيم الظاهر وهو " الله " مقام المضمر ~~تقريرا للإلهية وتصريحا بها، قاله صاحب العقد. # وقال ابن عطية: " ويظهر أن القول مرتبط بقوله { وجعلوا لله ~~شركآء } كان التقدير: أفمن له القدرة والوحدانية، ويجعل له شريك أهل ~~ينتقم ويعاقب أم لا؟ ". # وقيل: " وجعلوا " عطف على " استهزىء ms5184 " بمعنى: وقد استهزؤوا ~~وجعلوا. # وقال أبو البقاء: " هو معطوف على " كسبت " أي: ويجعلهم لله شركاء " ~~ولما قرر هذه الحجة زاد في الحجاج فقال: " قل سموهم " وإنما يقال ~~ذلك في الأمر المستحقر الذي بلغ في الحقارة إلى ألا يذكر، ولا يوضع له ~~اسم فعند ذلك يقال: سمه إن شئت، يعني أنه [أخس] من أن يسمى ويذكر، ولكن ~~إن شئت أن تضع له أسما فافعل، وقيل: " سموهم ": أي: صفوهم، ثم انظروا: ~~هل هي أهل أن تعبد؟ على سبيل التهديد، والمعنى: سواء سميتموهم باسم ~~الآلهة أو لم تسموهم فإنها في الحقارة بحيث لا تستحق أن يلتفت العاقل ~~إليها، ثم زاد في الحجاج. # قوله { أم تنبئونه } " أم " هذه منقطعة مقدرة ب " بل " ~~والهمزة والاستفهام للتوبيخ بل أتنبؤنه شركاء لا يعلمهم في الأرض و نحوه # قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ~~ولا في الأرض # [يونس:18] فجعل الفاعل ضميرا عائدا على الله، والعائد على " ما " ~~محذوف تقديره: بما لا يعلمه الله، وقد تقدم في تلك الآية: أن الفاعل ضمير ~~يعود على " ما " وهو جائز هنا أيضا. # قوله " أم بظاهر " أنها منقطعة. والظاهر هنا، قيل: الباطن؛ وأنشدوا: ~~[الطويل] # 3186 أعيرتنا ألبانها ولحومها # وذلك عار يا ابن ريطة ظاهر # أي: باطن. # وفسره مجاهد: بكذب، وهو موافق لهذا. # وقيل: " أم " متصلة، أي: تنبئونه بظاهر لا حقيقة له. # والمعنى: أم يخبرون الله بأمر يعلمونه وهو لايعلمه، فإنه لا يعلم لنفسه ~~شريكا وإنما خص الأرض بنفي الشريك عنها وإن لم يكن له شريك البتة؛ لأنهم ~~ادعوا أن له شريكا في الأرض لا في غيرها أم تموهون بظاهر من القول لا ~~حقيقة له وهو كقوله # ذلك قولهم بأفواههم # [التوبة:30]. # ثم إنه تعالى بعد هذا الحجاج بين طريقتهم، فقال على وجه التحقير لما هم ~~عليه { زين للذين كفروا مكرهم }. # قال الواحدي: " معنى " بل " ههنا كأنه يقول: دع ذلك زين لهم مكرهم ~~لأنه تعالى لما ذكر الدلائل على فساد قولهم فكأنه يقول: دع ذلك ~~الدليل فإنه لا فائدة فيه، لأن زين لهم ms5185 كفرهم ومكرهم فلا ينتفعون بذكر ~~هذه الدلائل ". # فصل # قالت المعتزلة: لا شبهة في أنه إنما ذكر ذلك لأجل أن يذمهم به وإذا ~~كان كذلك امتنع أن يكون ذلك المزين هو الله تعالى، فلا بد إما أن يكون ~~شياطين الإنس وما شياطين الجن. # قال ابن الخطيب رحمه الله : وهذا التأويل ضعيف من وجوه: # الأول: أنه إن كان المزين هو أحد شياطين الإنس أو الجن فالمزين لذلك ~~الشيطان إن كان شيطانا آخر لزم التسلسل، وإن كان هو الله فقد زال ~~السؤال. # والثاني: أن أفعال القلوب لا يقدر عليها إلا الله عز وجل . # والثالث: أنا دللنا على أن ترجيح الداعي لا يحصل إلا من الله عز وجل ~~وعند حصوله يجب الفعل. # قوله { وصدوا عن السبيل } قرأ الكوفيون ويعقوب " وصدوا " ~~مبنيا للمفعول، وفي غافر # وصد عن السبيل # [غافر:37] كذلك، وباقي السبعة مبنيين للفاعل، و " صد " جاء لازما ~~ومتعديا، فقراءة الكوفية من التعدي فقط، وقراءة الباقين: يحتمل أن تكون ~~من المتعدي ومفعوله محذوف، أي: صدوا غيرهم أو أنفسهم، وأن يكون من ~~اللازم، أي: أعرضوا وتولوا. # وقرأ ابن وثاب: " وصدوا عن السبيل " بكسر الصاد، وهو مبني للمفعول ~~أجراه مجرى " قيل " و " بيع " فهو كقراءة: # ردت إلينا # [يوسف:65]. وقوله: [الطويل] # 3187 وما حل من جهل حبا حلمائنا # ........................ # وقد تقدم. فأما قراءة المبني للمفعول، فعند أهل السنة: أن الله صدهم. ~~وللمعتزلة وجهان: # قيل: الشيطان وبعضهم لبعض، هو قول أبي مسلم رحمه الله . ومن فتح ~~الصاد: يعني الكفار أعرضوا إن كان لازما، وصدوا غيرهم إن كان متعديا. ~~وحجة القراءة الأولى مشاكلتها لما قبلها من بناء الفعل للمفعول، وحجة ~~القراءة الثانية قوله جل ذكره # الذين كفروا وصدوا # [محمد:1] ثم قال: { ومن يضلل الله فما له من هاد }. # وتمسك أهل السنة بهذه الآية من وجوه: أحدها: قوله { زين للذين ~~كفروا مكرهم } وقد تقدم بالدليل أن المزين هو الله تعالى. ~~وثانيها: قوله { وصدوا عن السبيل } بضم الصاد، وبينا أيضا أن ~~ذلك الصاد هو الله تعالى. # وثالثها: قوله سبحانه وتعالى: { ومن يضلل الله ms5186 فما له من ~~هاد } ، وهو صريح في المقصود، ثم قال تعالى: { لهم عذاب في ~~الحياة الدنيا } بالقتل والأسر { ولعذاب الأخرة أشق ~~} أي: أشد { وما لهم من الله من واق } مانع يمنعهم من ~~العذاب. وقال الواحي: أكثر القراء وقفوا على القاف من غير إثبات ياء، مثل ~~قوله عز وجل # ومن يضلل الله فما له من هاد # [غافر:33] وكذلك # من ولي ولا واق # [الرعد:37] وهو الوجه؛ لأنه يقال في الوصل: " هاد ووال وواق " محذوف ~~الياء لسكونها والتقائها مع التنوين، فإذا وقفت انحذف التنوين في الوقف ~~في الرفع والجر، والياء [كانت] انحذفت في الوصل فيصادف الوقف الحركة التي ~~كسرت فتحذف كما يحذف سائر الحركات التي يوقف عليها، فيقال: " هاد " و " ~~وال " و " واق ". # وابن كثير يقف بالياء، ووجهه ما حكى سيبويه: أن بعض من يوثق به من العرب ~~يقفون بالياء، وقد تقدم. ### || [13.35-37] # قوله: { مثل الجنة التي وعد المتقون } الآية لما ~~ذكر عذاب الكفار في الدنيا والآخرة أتبعه بذكر ثواب المتقين فقال " مثل ~~الجنة ". # قال سيبويه: " مثل الجنة " مبتدأ، وخبره محذوف، والتقدير: فيما ~~قصصنا أو فما يتلى عليكم مثل الجنة وعلى هذا فقوله { تجري من ~~تحتها الأنهار } تفسير لذلك المثل. # وقال أبو البقاء: " فعلى هذا " تجري " حال من العائد المحذوف في " ~~وعد " أي: وعدها مقدرا جريان أنهارها ". # ثم نقل عن الفراء: أنه جعل الخبر قوله: " تجري " قال: وهذا خطأ عند ~~البصريين، قال: لأن المثل لا تجري من تحته الأنهار وإنما هو من صفات ~~المضاف إليه، وشبهته: أن المثل هنا بمعنى الصفة فهو كقوله: صفة زيد أنه ~~طويل ويجوز أن يكون " تجري " مستأنفا. # وهذا الذي ذكره أبو البقاء نقل نحوه الزمخشري، ونقل غيره عن الفراء في ~~الآية تأويلين آخرين: # أحدهما: على حذف لفظة " أنها " والأصل: صفة الجنة أنها تجري وهذا منه ~~تفسير معنى لا إعراب، وكيف تحذف " أنها " من غير دليل؟. # والثاني: أن لفظة " مثل " زائدة، والأصل: الجنة تجري من تحتها الأنهار، ~~وزيادة " مثل " في لسانهم كثير، ومنه # ليس كمثله شيء # [الشورى:11] # فإن آمنوا ms5187 بمثل مآ آمنتم به # [البقرة:137] وقد تقدم. # قال الزمخشري: " وقال غيره، أي غير سيبويه : الخبر { تجري من ~~تحتها الأنهار } كما تقول: صفة زيد أسمر ". # قال أبو حيان: " وهذا أيضا لا يصح أن يكون " تجري " خبرا عن الصفة ~~ولا " أسمر " خبرا عن الصفة، وإنما يتاول " تجري " على إسقاط " أن " ~~ورفع الفعل، والتقدير أن تجري، أي: جريانها ". # وقال الزجاج: " مثل الجنة " " جنة " على حذف المضاف تمثيلا لما غاب ~~بما نشاهده. # ورد عليه أبو علي قال: " لا يصح ما قال الزجاج لا على معنى الصفة ولا ~~على معنى الشبه؛ لأن الجنة التي قدرها جثة ولا تكون الصفة، ولأن الشبه ~~عبارة عن المماثلة بين المتماثلين وهوحدث والجنة جثة فلا تكون [المماثلة] ~~". # والجمهور على أن المثل هنا بمعنى الصفة، فليس هنا ضرب مثل، فهو كقوله ~~تعالى: # ولله المثل الأعلى # [النحل:60]، وأنكر أبو علي أن يكون بمعنى الصفة، وقال: معناه: الشبه. # وقرأ علي وابن مسعود " أمثال الجنة " ، أي: صفاتها وقد تقدم خلاف ~~القراء فيه في البقرة. # فصل # اعلم أنه تعالى وصف الجنة بصفات ثلاث: # أولها: { تجري من تحتها الأنهار }. # وثانيها: { أكلها دآئم } أي: لا ينقطع ثمرها ونعيهما بخلاف جنات ~~الدنيا. # و " أكلها دائم " كقوله: " تجري " في الاستئناف التفسيري، أو الخبري، أو ~~الحالية، وقد تقدم. # وثالثها: ظلها ظليل لا يزول، أي: ليس هناك حر ولا برد ولا شمس ولا قمر ~~ولا ظله نظيره قوله تعالى: # لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا # [الإنسان:13] وهذا رد على الجهمية حيث قالوا: نعيم الجنة يفنى. # ولما وصف الجنة بهذه الصفات الثلاث، بين أن تلك عقبى المتقين، أي: ~~عاقبتهم، يعنى الجنة، وعاقبة الكافرين النار. # قوله: { والذين آتيناهم الكتاب } يعنى القرآن وهم أصحاب ~~محمد صلوات الله وسلامه عليه { يفرحون بمآ أنزل إليك } ~~من القرآن { ومن الأحزاب } أي: الجماعات، يعني الكفار الذين ~~تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى { من ~~ينكر بعضه } هذا قول الحسن وقتادة. # فإن قيل: الأحزاب ينكرون كل القرآن. # فالجواب: أن الأحزاب لا ينكرون كل القرآن؛ لأنه ms5188 ورد في إثبات لله ~~تعالى وإثبات قدرته وعلمه وحكمه وقصص الأنبياء عليه الصلاة والسلام ~~وهم لا ينكرون هذه الأشياء. # وقيل: المراد بالكتاب: التوراة والإنجيل، وعلى هذه ففي الآية قولان: # الأول: قال ابن عباس رضي الله عنه : { الذين ءاتيناهم الكتاب } كعبد ~~الله بن سلام وكعب وأصحابهما ومن آمن من النصارى وهم ثمانون رجلا: ~~أربعون بنجران وثمانية باليمن، واثنان وثلاثون بأرض الحبشة، فرحوا ~~بالقرآن، لأنهم آمنوا به وصدقوه. # وسبب فرحهم به أن ذكر الرحمن كان في القرآن قليلا في الابتداء فلما ~~أسلم عبد الله بن سلام وأصحابه ساءهم قلة ذكره في القرآن مع كثرة ذكره في ~~التوراة فلما كرر الله ذكره في القرآن فرحوا به فنزلت الآية. والأحزاب ~~بقية أهل الكتاب وسائر المشركين. # قال القاضي: وهذا القول أولى من الأول؛ لأنه لا شبهة في أن من أوتي ~~القرآن فإنهم يفرحون بالقرآن، فإذا حملناه على هذا الوجه ظهرت الفائدة. # ويمكن أن يقال: إن الذين أوتوا القرآن يزداد فرحهم به لما رأوا فيه من ~~العلوم الكثيرة والفوائد العظيمة، ولهذا السبب حكى الله فرحهم به. # والثاني: أن الذين أتيناهم الكتاب: اليهود أعطوا التوراة، والنصارى ~~الإنجيل يفرحون بما أنزل في القرآن، لأنه مصدق لما معهم { ومن ~~الأحزاب } سائر الكفار { من ينكر بعضه } وهو قول مجاهد. # قال القاضي: وهذا لا يصح لقوله { يفرحون بمآ أنزل إليك } ~~أي جميع ما أنزل الله إليك ويمكن أن يجاب فيقال: إن قوله { بمآ أنزل ~~إليك } لا يفيد العموم بدليل جواز إدخال لفظة الكل والبعض عليه، ولو ~~كانت كلمة " ما " للعموم لكان إدخال لفظ الكل عليه تكرارا، وإدخال لفظ ~~البعض عليه نقصا. # ثم إنه تعالى لما بين هذا جمع كل ما يحتاج المرء إليه في معرفة ~~المبدأ والمعاد في ألفاظ قليلة فقال { قل إنمآ أمرت أن ~~أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مآب ~~} وهذا كلام جامع لكل ما ورد التكليف به، وفيه فوائد. # أولها: كلمة " إنما " للحصر، ومعناه: إني ما أمرت إلا بعبادة الله ~~تعالى وذلك يدل على أنه لا ms5189 تكليف ولا أمر ولا نهي إلا بذلك. # وثانيها: أن العبادة غاية التعظيم، وذلك يدل على أن المرء كلف بذلك. # وثالثها: أن عبادة الله لا تمكن إلا بعد معرفته ولا سبيل إلى معرفته إلا ~~بالدليل وهذا يدل على أن المرء مكلف بالنظر والاستدلال، في معرفة الصانع ~~وصفاته وما يجب ويجوز ويستحيل عليه. # ورابعها:أن عبادة الله واجبة، وهي تبطل قول نفاة التكليف ويبطل القول ~~بالجبر المحض. # وخامسها: قوله { ولا أشرك به } وهذا يدل على نفي الأضداد ~~والأنداد بالكلية ويدخل فيه إبطال قول كل من أثبت معبودا سوى الله ~~تعالى من الشمس والقمر والكواكب والأصنام والأوثان والأرواح، وهو على ~~ما يقوله المجوس أو النور والظلمة على ما تقوله الثنوية. # وسادسها: قوله (إليه أدعو) أي: كلما وجب عليه الإتيان بهذه العبادات يجب ~~عليه الدعوة إلى [عبودية] الله تعالى وهو إشارة إلى الحشر والنشر ~~والبعث والقيامة. # قوله: { ولا أشرك } قرأ نافع في رواية عنه برفع " ولا أشرك " ~~وهي تحتمل القطع، أي: وأنا لا أشرك. وقيل: هي حال. # وفيه نظر؛ لأن المنفي ب " لا " كالمثبت في عدم مباشرة واو الحال. # قوله: { وكذلك أنزلناه حكما عربيا } الكاف في محل ~~نصب، أي: وكما يسرنا هؤلاء للفرح وهؤلاء لإنكار البعض كذلك { ~~أنزلناه حكما } و " حكما " حال من مفعول " أنزلناه ". # وقيل: شبه إنزاله حكما عربيا بما أنزل على من تقدم من الأنبياء أي: ~~كما أنزلنا الكمتب على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بلسانهم كذلك ~~أنزلنا إليك القرآن. # وقيل: كما أنزلنا إليك الكتاب يا محمد فأنكره الأحزاب كذلك أنزلنا الحكم ~~والدين " عربيا " نسب إلى العرب، لأنه منزل بلغتهم فكذب به الأحزاب، ~~ولما كان القرآن مشتملا على جميع أنواع التكاليف وكان سببا للحكم جعل ~~نفس الحكم مبالغة. # فصل # قالت المعتزلة: دلت الآية على حدوث القرآن من وجوه: # الأول: أنه تعالى وصفه بكونه منزلا وذلك لا يليق إلا بالمحدث. # والثاني: وصفه بكونه عربيا، والعربي هو الذي حصر بوضع العرب واصطلاحهم ~~وما كان كذلك كان محدثا. # والثالث: أن الآية دلت على أنه إنما كان حكما ms5190 عربيا؛ لأن الله جعله ~~كذلك والموصوف بهذه الصفة محدث. # والجواب: أن كل هذه الوجوه دالة على أن المركب من الحروف والأصوات محدث ~~لا نزاع فيه. # قوله: { ولئن اتبعت أهواءهم } روي أن المشركين كانوا ~~يدعونه إلى ملة آبائهم، فتوعده الله على موافقتهم على تلك المذاهب مثل أن ~~يصلي إلى قبلتهم بعد ما حوله الله عنها. # قال ابن عباس رضي الله عنه : الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~والمراد أمته. # وقيل: المراد منه حث الرسول عليه الصلاة والسلام على القيام بحق ~~الرسالة وتحذيره من خلافها، وذلك يتضمن تحذير جميع المكلفين بطريق ~~الأولى. ### || [13.38-39] # قوله تعالى: { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك } الآية اعلم ~~أن القوم كانوا يذكرون أنواعا من الشهبات في [إبطال] النبوة: # فالشهبة الأولى: قولهم: # مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في ~~الأسواق # [الفرقان:7] وهذه الشبهة ذكرها الله في سورة أخرى. # والشبهة الثانية: قولهم: الرسول الذي يرسله الله تعالى إلى الخلق لا بد ~~أن يكون من جنس الملائكة كما قال: # لولا أنزل عليه ملك # [الأنعام:8] وقالوا: # لو ما تأتينا بالملائكة # [الحجر:7]. # الشهبة الثالثة: عابوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكثرة الزوجات، ~~وقالوا لو كان رسولا من عند الله لما اشتغل بالنسوة بل كان معرضا عنهن ~~مشتغلا بالنسك والزهد فأجاب الله عز وجل بقوله { ولقد ~~أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا ~~وذرية } وهذا أيضا يصلح أن يكون جوابا عن الشبهات المتقدمة فقد ~~كان لسليمان صلوات الله وسلامه عليه ثلاثمائة امرأة ممهرة وسبعمائة ~~سرية، ولداود صلوات الله وسلامه عليه مائة امرأة. # والشبهة الرابعة: قولهم: لو كان رسولا من عند الله لكان أي شيء طلبناه ~~منه من المعجزات أتى به ولم يتوقف، فأجاب الله تعالى عنه بقوله { وما ~~كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله }. # الشبهة الخامسة: أنه صلوات الله وسلامه عليه كان يخوفهم بنزول ~~العذاب [وظهور النصرة له ولقومه، فلما تأخر ذلك احتجوا بتأخره للطعن في ~~نبوته وصدقه، فأجاب الله تعالى عنه بقوله: { لكل أجل كتاب } ~~يعنى نزول العذاب على ms5191 الكفار] وظهور النصر والفتح للأولياء فقضى الله ~~بحصولها في أوقات معينة ولكل حادث وقت معين و { لكل أجل كتاب } ~~فقيل: حضور ذلك الوقت لا يحدث ذلك الحادث، وتأخر تلك المواعيد لا يدل على ~~كونه كاذبا. # الشبهة السادسة: قالوا: لو كان صادقا في دعوى الرسالة لما نسخ الأحكام ~~التي نص الله على ثبوتها في الشرائع المتقدمة، كالتوراة والإنجيل، لكنه ~~نسخها وحرفها كما في القبلة، ونسخ أكثر أحكام التوراة والإنجيل، فوجب أن ~~لا يكون نبيا حقا. # فأجاب الله تعالى عنه بقوله { يمحو الله ما يشآء ~~ويثبت وعنده أم الكتاب } ويمكن أيضا أن يكون قوله: { ~~لكل أجل كتاب } كالمقدمة لتقرير هذا الجواب، وذلك لأنا نشاهد ~~أنه تعالى يخلق حيوانا عجيب الخلقة بديع الفطرة من قطرة من النطفة، ~~ثم يبقيه مدة مخصوصة، ثم يميته ويفرق أجزاءه وأبعاضه، فلما لم يمتنع أن ~~يحيي أولا ثم يميت ثانيا، فكيف يمتنع أن يشرع الحكم في بعض الأوقات؟ ~~فكان المراد من قوله { لكل أجل كتاب } ما ذكرنا. # ثم إنه تعالى لما قرر تلك المقدمة قال { يمحو الله ما يشآء ~~ويثبت وعنده أم الكتاب } أي: أنه يوجد تارة ويعدم أخرى، ~~ويحيي تارة ويميت أخرى، ويغني تارة ويفقر أخرى، فكذلك لا يبعد أن يشرع ~~الحكم تارة ثم ينسخه أخرى بحسب ما تقضيه المشيئة الإلهية عند أهل السنة، ~~أو بحسب رعاية المصالح عند المعتزلة. # قوله { لكل أجل كتاب } أي: لكل شيء وقت مقدر وقيل: لكل حادث ~~وقت معين قضي الله حصوله فيه كالحياة والموت والغنى والفقر والسعادة ~~والشقاوة، ولا يتغير البتة عن ذلك الوقت. # وقيل: هذا من المقلوب أي: فيه تقديم وتأخير، أي: لكل كتاب أجل ينزل فيه، ~~أي: لكل كتاب وقت يعمل به، فوقت العمل بالتوراة قد انقضى، ووقت العمل ~~بالقرآن قد أتى وحضر. # وقيل: { لكل أجل كتاب } عند الملائكة، فللإنسان أحوال: # أولها نطفة ثم علقة ثم مضغة يصير شابا ثم يصير شيخا، وكذلك القول في ~~جميع الأحوال من الإيمان والكفر والسعادة والشقاوة والحسن والقبح. # وقيل: لكل وقت مشتمل على ms5192 مصلحة خفية ومنفعة لا يعلمها إلا الله عز وجل ~~ فإذا جاء ذلك الوقت حدث الحادث، ولا يجوز حدوثه في غيره. # وهذه الآية صريحة من أن الكل بقضاء الله وقدره. # قوله: { يمحو الله ما يشآء ويثبت } قرأ ابن كثير وأبو ~~عمرو وعاصم: " ويثبت " مخففا من " أثبت " والباقون بالتشديد ~~والتضعيف، والهمزة للتعدية ولا يصح أن يكون التضعيف للتكثير، إذ من شرطه ~~أن متعديا قبل ذلك، ومفعول " يثبت " محذوف، أي: ويثبت ما يشاء ~~والمحو: ذهاب أثر الكتابة، يقال: محاه يمحوه محوا، إذا أذهب ~~أثره. # قوله: " ويثبت " قال النحويون: ويثبته إلا أنه استغنى بتعدية الفعل ~~الأول عن تعدية الفعل الثاني، وهو كقوله عز وجل # والحافظين فروجهم والحافظات # [الأحزاب:35]. # فصل # قال سعيد بن جبير وقتادة " يمحو الله ما يشاء " من الشرائع والفرائض ~~فينسخه ويبدله " ويثبت " ما يشاء منها فلا ينسخه. # وقال ابن عباس رضي الله عنه: { يمحو الله ما يشآء ~~ويثبت } الرزق والأجل والسعادة والشقاوة. # وعن ابن عمر وابن مسعود رضي الله عنهما أنهما قالا: " يمحو السعادة ~~والشقاوة ويمحو الرزق والأجل ويثبت ما يشاء ". # وروي عن عمر رضي الله عنه : أنه كان يطوف بالبيت وهو بيكي يقول: " ~~اللهم إن كنت كتبتي في أهل السعادة فأثبتني فيها، وإن كنت كتبتني في أهل ~~الشقاوة فامحني منها بفضلك وأثبتني في أهل السعادة والمغفرة، فإنك تمحو ~~ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب ". # ومثله عن ابن مسعود وفي بعض الآثار: أن الرجل قد يكون بقي له من عمره ~~ثلاثون سنة، فيقطع رحمه فيرد إلى ثلاثة أيام، والرجل قد بقي له من عمره ~~ثلاثة أيام فيصل رحمه فيرد إلى ثلاثين سنة. # روي عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه سلم: # " ينزل الله سبحانه وتعالى في آخر ثلاث ساعات يبقين من ~~الليل فنظر في الساعة الأولى منهن في أم الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد ~~غيره فيمحو ما يشاء ويثبت ". # وقيل: الحفظة يكتبون جميع أعمال بني آدم وأقوالهم فيمحوا الله من ديوان ~~الحفظة ما ليس ms5193 فيه ثواب ولا عقاب، كقوله: أكلت. شربت. دخلت. خرجت، ونحوها ~~من الكلام هو صادق فيه، ويثبت ما فيه ثواب وعقاب، قاله الضحاك والكلبي ~~ورواه أبو بكر الأصم لأن الله تعالى قال في وصف الكتاب # لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها # [الكهف:49]. # وقال تعالى: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # [الزلزلة:78]. # فأجاب القاضي عنه: بأنه لا يغادر من الذنوب صغير ولا كبيرة، ويمكن أن ~~يجاب عن هذا: بأنكم خصصتم الكبيرة والصغيرة بالذنوب بمجرد اصطلاحكم، وأما ~~في أصل اللغة فالصغيرة والكبيرة تتناول كل فعل وعرض، لأنه إن كان حقيرا ~~فهو صغير وإن كان غير ذلك فهو كبير، وعلى هذا يتناول المباحات. # وقال عطية عن ابن عباس رضي الله عنهما : " هو الرجل يعمل بطاعة الله ~~ثم يعود لمعصية الله فيموت على ضلاله، فهو الذي يمحو والذي يثبت هو الرجل ~~يعمل بطاعة الله فيموت في طاعته فهو الذي يثبت ". # وقال الحسن: { يمحو الله ما يشآء } أي: من جاء أجله يذهب به ~~ويثبت من لم يجىء أجله إلى أجله. # وعن سعيد بن جبير رضي الله عنه: يمحو الله ما يشاء: من ذنوب العباد ~~ويغفرها وثبت ما يشاء فلا يغفرها. # وقال عكرمة: ما يشاء من الذنوب بالتوبة، ويثبت بدل الذنوب حسنات، كما ~~قال الله تعالى # فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات # [الفرقان:70] وقيل غير ذلك. # قوله { وعنده أم الكتاب } أي: أصل الكتاب وهو اللوح المحفوظ ~~الذي لا يبدل ولا يغير، والأم: أصل الشيء، والعرب تسمي كل ما يجري مجرى ~~الأصل للشيء أما له، ومنه أم الرأس للدماغ، وأم القرى لمكة، وكد مدينة ~~فهي أم لما حولها من القرى. # قال ابن عباس في رواية عكرمة: هما كتابان: كتاب سمي أم الكتاب يمحو ما ~~يشاء منه ويثبت وأم الكتاب لا يغير منه شيء، وعلى هذا فالكتاب الذي يمحو ~~منه ويثبت هو الكتاب الذي تكتبه الملائكة على الخلق. # وعن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهم قال: إن لله لوحا محفوظا ~~مسيرة خمسمائة ms5194 عام من درة بيضاء له دفتان من ياقوت، لله فيه كل يوم ~~ثلاثمائة وستون لحظة يمحوا ما يشاء ويثبت { وعنده أم الكتاب } ~~[وسأل ابن عباس كعبا عن أم الكتاب] فقال: " علم الله ما خلقه ما هو ~~خالقه إلى يوم القيامة ". ### || [13.40] # قوله: { وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم } من العذاب ~~قبل وفاتك { أو نتوفينك } قبل ذلك { فإنما عليك ~~البلاغ } ليس عليك إلا ذلك { وعلينا الحساب } والجزاء يوم ~~القيامة. # قوله: { فإنما عليك البلاغ } جواب للشرط قبله. قال أبو ~~حيان: " والذي تقدم شرطان، لأن المعطوف على الشرط شرط، فأما كونه جوابا ~~للشرط الأول فليس بظاهر؛ لأنه لا يترتب عليه، إذ يصير المعنى: وإما نرينك ~~بعض ما نعدهم من العذاب { فإنما عليك البلاغ } وأما كونه ~~جوابا للشرط الثاني وهو { أو نتوفينك } فكذلك لأنه يصير ~~التقدير: إنما نتوفينك فإنما عليك البلاغ ولا يترتب جواب التبليغ عليه ~~وعلى وفاته صلى الله عليه وسلم لأن التكليف ينقطع [عند الوفاة] فيحتاج ~~إلى تأويل، وهو أن يقدر لكل شرط ما يناسب أن يكون جزاء مترتبا عليه، ~~والتقدير: وإما نرينك بعض الذي نعدهم به من العذاب فذلك شافيك من أعدائك ~~أو نتوفينك قبل حلوله بهم، فلا لوم عليك ولا عتب ". ### || [13.41-43] # قوله تعالى: { أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها ~~من أطرافها } الآية. # لما وعد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه بأن يريه بعض ما وعده أو ~~يتوفاه قبل ذلك، بين ههنا أن آثار حصول تلك المواعيد وعلاماتها قد ظهرت، ~~فقال { أولم يروا } يعني أن أهل مكة الذين يسألون محمدا عليه ~~الصلاة والسلام الآيات { أنا نأتي الأرض ننقصها من ~~أطرافها } أكثر المفسرين على أن المراد: فتح ديار الشرك فإن ما زاد ~~من دار الإسلام قد نقص من دار الشرك؛ لأن المسلمين يستولون على أطراف مكة ~~ويأخذونها من الكفرة قهرا وجبرا، فانتقاض أحوال الكفرة وازدياد قوة ~~المسلمين من أقوى العلامات على أن الله تبارك وتعالى ينجز وعده فلا ~~يعتبرون بهذا ونظيره قوله تعالى: # أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافهآ ms5195 ~~أفهم الغالبون # [الأنبياء:44] وقوله تعالى: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم # [فصلت:53]. # وقال قوم: هو خراب الأرض، أي: أو لم يروا أنا نأتي الأرض فنخربها، ونهلك ~~أهلها، أفلا تخافون أن يفعل بكم ذلك؟ وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~ أيضا: ننقصها من أطرافها، المراد موت كبرائها وأشرافها وعلمائها وذهاب ~~الصلحاء. قال الواحدي: " وهذا القول وإن احتمله اللفظ إلا أن اللائق بهذا ~~الموضع هو الوجه الأول، ويمكن أن يقال: هذا الوجه أيضا لا يليق بهذا ~~الموضع؛ لأن قوله { أولم يروا } أنا نحدث في الدنيا من ~~الاختلافات خراب بعد عمارة، وموت بعد حياة، وذل بعد عز، ونقص بعد كمال، ~~وإذا كانت هذه التغيرات مشاهدة محسوسة فما الذي يؤمنهم أن الله يقلب ~~الأمر على هؤلاء الكفرة ويصيرهم ذليلين بعد عزهم ومقهورين بعد قهرهم، ~~فناسب هذا الكلام ما قبله ". # قوله " ننقصها " حال إما من فاعل " نأتي " أو من مفعوله. # وقرأ الضحاك " ننقصها " بالتضعيف، عداه بالتضعيف. # قوله: " لا معقب " جملة حالية، وهي لازمة. والمعقب: هو الذي يكر ~~على الشيء فيبطله، قال لبيد: [الكامل] # 3188................. # طلب المعقب حقه المظلوم # والمعنى: والله يحكم لا راد لحكمه. والمعقب: هو الذي يعقبه بالرد ~~والإبطال ومنه قيل لصاحب الحق معقب؛ لأنه يعقب غريمه بالاقتضاء والطلب ~~كأنه قيل: والله يحكم نافذا حكمه خاليا عن المدافع والمعارض والمنازع { ~~وهو سريع الحساب } قال بان عباس رضي الله عنه: الانتقام. # قوله: { وقد مكر الذين من قبلهم } يعني من قبل مشركي ~~مكة والمكر: إيصال المكروه إلى الإنسان من حيث لا يشعر { فلله ~~المكر جميعا } أي: عند الله جزاء مكرهم. # قال الواحدي رحمه الله : يعني أن مكر جميع الماكرين حاصل بتخليقه ~~وإرادته لأنه تعالى هو الخالق لجميع العباد والمكر لا يضر إلا بإذنه، ~~ولا يؤثر إلا بتقديره وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وأمان له من ~~مكرهم، فكأنه قيل: إذا كان حدوث المكر من الله وتأثيره في المأمور به من ~~الله تعالى وجب أن لا يكون الخوف إلا من الله. # ثم قال جل ذكره { يعلم ms5196 ما تكسب كل نفس } ، أي: أن ~~اكتساب العباد معلوم لله تعالى وخلاف المعلوم ممتنع الوقوع، وإذا كان ~~كذلك فلا قدرة للعبد على الفعل والترك، فكان الكل من الله تعالى . # قالت المعتزلة: الآية الأولى إن دلت على قولكم، فقوله { يعلم ما ~~تكسب كل نفس } دليل على قولنا، لأن الكسب هو الفعل المشتمل على ~~دفع مضرة أو جلب منفعة، ولو كان حدوث الفعل [بخلق] الله تعالى لم تكن ~~لقدرة العبد فيه أثر، فوجب أن لا يكون للعبد فيه كسب. # والجواب: أن جميع القدرة مع الداعي مستلزم للفعل وعلى هذا التقدير ~~فالكسب حاصل للعبد. # ثم إنه تعالى أكد ذلك التهديد فقال جل ذكره { وسيعلم ~~الكفار } قرأ ابن عامر والكوفيون " الكفار " جمع تكسير والباقون: ~~" الكافر " بالإفراد ذهابا إلى الجنس. # وقرأ عبد الله " الكافرون " جمع سلامة. # قال الزمخشري: " قرىء: الكفار والكافرون والذين كفروا، والكافر ~~". # قال المفسرون: والمراد بالكافر: الجنس، كقوله تعالى: # إن الإنسان لفى خسر # [العصر:2]. # وقال عطاء رحمه الله تعالى: يريد المستهزئين وهم خمسة، والمقتسمين وهم ~~ثمانية وعشرون. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما : يريد أبا جهل، والأول هو الصواب. # قوله: { ويقول الذين كفروا لست مرسلا } الآية لما ~~حكى عن القوم أنهم أنكروا كونه رسولا من عند الله احتج عليهم بأمرين: # الأول: شهادة الله تعالى على نبوته، والمراد من تلك الشهادة تعالى ~~ أظهر المعجزات على صدقه في ادعاء الرسالة، وهذا أعظم مراتب الشهادة لأن ~~الشهادة قول يفيد غلبة الظن، وإظهار المعجزة فعل مخصوص يوجب القطع بكونه ~~رسولا من عند الله، فكان إظهار المعجزة أعظم مراتب الشهادة. # والثاني: قوله { ومن عنده علم الكتاب } العامة على فتح ميم ~~" من " وهي موصولة، وفي محلها أوجه: # أحدها: أنها مجرورة المحل نسقا على لفظ الجلالة، أي: بالله وبمن ~~عنده علم الكتاب كعبد الله بن سلام ونحوه. # والثاني: أنها في محل رفع عطفا على محل الجلالة، إذ هي فاعلة، والباء ~~مزيدة فيها. # والثالث: أن يكون مبتدأ وخبره محذوف، أي: ومن عنده علم الكتاب أعدل ~~وأمضى قولا، و { عنده علم الكتاب ms5197 } يجوز أن يكون الظرف صلة و ~~" علم " فاعل به، واختاره الزمخشري وتقدم تقريره. # وأن يكون مبتدأ، وما قبله الخبر، والجملة صلة ل " من ". # والمراد بمن عنده علم الكتاب: ابن سلام، أو جبريل عليه الصلاة والسلام. # قال ابن عطية: " ويعترض هذا القول بأن فيه عطف الصفة على الموصوف ولا ~~يجوز وإنما يعطف الصفات ". # فاعترض أبو حيان عليه: بأن " من " لا يوصف بها ولا بغيرها من ~~الموصولات إلا ما استثني، وبأن عطف الصفات بعضها على بعض لا يجوز إلا ~~بشرط الاختلاف. # قال شهاب الدين: إنما عنى ابن عطية الوصف المعنوي لا الصناعي، وأما شرط ~~الاختلاف فمعلوم. # وقرأ أبي وعلي وابن عباس وعكرمة وعبد الرحمن بن أبي بكرة والضحاك وابن ~~أبي إسحاق ومجاهد رضوان الله عليهم في خلق كثير { ومن عنده ~~علم الكتاب } جعلوا " من " حرف جر، و " عنده " مجرور بها، وهذا ~~الجار خبر مقدم، و " علم " مبتدأ مؤخر، و " من " لابتداء الغاية أي: ~~ومن عند الله حصل علم الكتاب. # وقرأ علي أيضا والحسن وابن السميفع { ومن عنده علم الكتاب ~~} يجعلون " من " جارة، و " علم " مبنيا للمفعول و " الكتاب " رفع ~~به. وقرىء كذلك؛ إلا أنه بتشديد " علم " والضمير في " عنده " على ~~هذه القراءات لله تعالى فقط. # وقرىء أيضا: " وبمن " بإعادة الباء الداخلة على " من " عطفا على [ ~~" بالله " ]. # فصل # على هذه القراءة الأولى المراد: شهادة مؤمني أهل الكتاب، كعبد الله بن ~~سلام وسلمان الفارسي وتميم الداري. وقال أبو البشر: قلت لسعيد بن جبير: { ~~ومن عنده علم الكتاب } أهو عبد الله بن سلام؟، فقال: وكيف ~~يكون عبد الله بن سلام وهذه السورة مكية، وهو ممن آمنوا بالمدينة بعد ~~الهجرة؟. # وأجيب: بأن هذه السورة وإن كانت مكية إلا أن هذه الآية مدنية. # ويعترض هذا أيضا: بأن إثبات النبوة بقول الواحد والاثنين مع كونهما غير ~~معصومين لا يجوز. # وقال الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير والزجاج { ومن عنده علم ~~الكتاب } هو الله سبحانه وتعالى . # وقال الأصم: { ومن عنده علم الكتاب } أي: ومن عنده علم ~~القرآن. # والمعنى: أن الكتاب ms5198 الذي جئتكم به معجز قاهر، إلا أنه لا يحصل العلم ~~بكونه معجزا إلا لمن علم ما فيه من الفصاحة والبلاغة واشتماله على ~~الغيوب وعلى العلوم الكثيرة فمن عرف هذا الكتاب من هذا الوجه دل على كونه ~~معجزا. # وقيل: { ومن عنده علم الكتاب } أي: الذي حصل عنده علم ~~التوراة والإنجيل يعني كل من كان عالما بهذين الكتابين علم اشتمالهما ~~على البشارة بمقدم محمد صلوات الله وسلامه عليه فإذا أنصف ذلك العالم ~~ولم يكذبه كان ذلك شاهدا على أن محمدا رسول حق من عند الله صلوات ~~الله وسلامه عليه . # وأما معنى القراءة الثانية: أي: أن أحدا لا يعلم الكتاب إلا من فضله ~~وإحسانه وتعليمه، والمراد العلم الذي هو ضد الجهل. # وأما القراءة على ما لم يسم فاعله، فالمعنى: أنه تعالى لما أمر نبيه ~~صلى الله عليه وسلم أن يحتج عليهم بشهادة الله على نبوته، وكان لا معنى ~~لشهادة الله على نبوته إلا إظهار القرآن على وفق دعواه، ولا يعلم كون ~~القرآن معجزا إلا بعد الإحاطة بمعاني القرآن وأسراره، بين الله تعالى ~~أن هذا العلم لا يحصل إلا من عند الله، والمعنى: أن الوقوف على كون ~~القرآن معجزا لا يحصل إلا لمن شرفه الله من عباده بأن يعلمه علم القرآن. # روى ابن عباس عن أبي بن كعب رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " من قرأ سورة الرعد أعطي من الأجر عشر حسنات ~~بوزن كل سحاب مضى وكل سحاب يكون إلى يوم القيامة، ~~وكان يوم القيامة من الموفين بعهد الله عز وجل ~~سبحانه لا إله إلا هو الملك الحق المبين ". ### | [14 - سورة ابراهيم] ### || [14.1-3] # قوله تعالى: { الر كتاب أنزلناه إليك } يجوز أن يرتفع " ~~كتاب " على أنه خبر ل " الر ":إن قلنا: إنها مبتدأ، والجملة بعده ~~صفة، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمر، أي: هذا، وأن يرتفع بالابتداء وخبره ~~الجملة بعده، وجاز الابتداء بالنكرة؛ لأنها موصوفة تقديرا، تقديره: ~~كتاب، أي: كتاب يعني عظيما من بين الكتب السماوية. # قالت المعتزلة: النازل، ms5199 والمنزل لا يكون قديما. # والجواب: أن الموصوف بالمنزل هو هذه الحروف وهي محدثة. # قوله: { لتخرج الناس } متعلق ب " أنزلناه ". وقرىء ~~(ليخرج الناس) بفتح الياء وضم الراء، من خرج يخرج. " ~~الناس " رفعا على الفاعلية. # قالت المعتزلة: اللام في " لتخرج " لام الغرض والحكمة، تدل على ~~أنه تعالى إنما أنزل هذا الكتاب لهذا الغرض، فدل على أن أقوال الله ~~ تعالى وأفعاله معللة برعاية المصالح. # وأجيب: بأن من فعل فعلا لأجل شيء أخر، فهذا إنما يفعله إذا كان ~~عاجزا عن تحصيل ذلك المقصود إلا بهذه الواسطة، وذلك محال في حق ~~الله تعالى ، وإذا ثبت بالدليل منع تعليل أفعال الله تعالى ~~وأحكامه بالعلل؛ ثبت أن كل ظاهر أشعر به فهو مؤول على معنى آخر. # فصل # قوله تعالى: { من الظلمات إلى النور } أي: لتدعوهم من ظلمات ~~[الضلال] إلى نور الإيمان. # قال القاضي رحمه الله : هذه الآية تبطل القول بالجبر من جهات: # أحدها: أنه تعالى لو خلق الكفر في الكافر، فكيف يصح إخراجه منه ~~بالكتاب. # وثانيها: أنه تعالى أضاف الإخراج من الظلمات إلى النور إلى ~~الرسول عليه الصلاة والسلام فإن كان خالق الكفر هو الله تعالى ~~فكيف يصح من الرسول صلوات الله وسلامه عليه إخراجهم منه، وكان ~~للكافر أن يقول: إنك تقول: إن الله خلق الكفر فينا فكيف يصح منك أن ~~تخرجنا؟. # فإن قال لهم: أنا أخرجكم من الظلمات التي هي كفر مستقبل لا واقع فلهم ~~أن يقولوا: إنه كان الله سيخلقه فينا لم يصح ذلك الإخراج، وإن لم يخلقه ~~الله فنحن خارجون منه بلا إخراج. # وثالثها: أنه صلوات الله وسلامه عليه إنما يخرجهم من الكفر ~~بالكتاب بأن يتلوه عليه ليتدبروهن؛ ولينظروا فيه فيعلموا بالنظر، ~~والاستدلال كونه تعالى عالما قادرا حكيما، ويعلموا بكون القرآن ~~معجزة صدق الرسول صلوات الله وسلامه عليه فحينئذ يقبلوا منه كل ما ~~جاءهم من الشرائع، وذلك إنما يكون إذا كان الفعل ويقع باختيارهم، ~~ويصح منهم أن يقدموا عليه ويتصرفوا فيه. # والجواب عن الكل: أن يقال: الفعل الصادر من العبد. # إما أن يصدر عنه ms5200 حال استواء الداعي إلى الفعل والترك. # أو حال رجحان أحد الطرفين على الآخر. # والأول باطل؛ لأن صدور الفعل يقتضي رجحان جانب الوجود على جانب العدم ~~وحصول الرجحان حال حصول الاستواء محال، والثاني عين قولنا؛ لأنه ~~يمتنع صدور الفعل عنه إلا بعد حصول الرجحان، فإن كان ذلك الرجحان منه ~~عاد السؤال، وإن لم يكن منه بل من الله، فحينئذ يكون المؤثر الأول هو ~~الله تعالى وهو المطلوب. # قوله: { بإذن ربهم } يجوز أن يتعلق بالإخراج، أي: بتيسيره ~~وتسهيله، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من فاعل: " يخرج " ~~أي: مأذونا لك. # وهذا يدل على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى، فإن قوله: { بإذن ~~ربهم } معناه: أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه لا يمكنه ~~إخراج الناس من الظلمات إلى النور إلا بإذن الله تعالى. # والمراد بهذا الإذن: إما الأمر وإما العلم وإما المشيئة والخلق، وحمل ~~الإذن على الأمر محال، لأن الإخراج من الجهل إلى العلم لا يتوقف على ~~الأمر فإنه سواء حصل الأمر أم لم يحصل، فإن الجهل متميز على العلم، ~~والباطل متميز عن الحق. # وأيضا: حمل الإذن على العلم محال؛ لأن العلم يتبع المعلوم على ما هو ~~عليه فالعلم بالخروج من الظلمات إلى النور تابع لذلك الخروج، ولا ~~يمتنع أن يقال: إن حصول ذلك الخروج تابع للعلم بحصول ذلك الخروج، ولما ~~بطل هذان القسمان لم يبق إلا أن المراد من الإذن: المشيئة، والتخليق، ~~وذلك يدل على أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه لا يمكنه إخراج ~~الناس من الظللمات إلى النور إلا بمشيئة الله تعالى. # فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد من الإذن الإلطاف؟. # فالجواب: لفظ الإذن مجمل، ونحن نفصل القول فيه. # فنقول: المراد بالإذن إما أن يكون أمرا يقتضي رجحان جانب الوجود على ~~جانب العدم، أو لا يقتضي ذلك، فإن كان الثاني لم يكن له فيه أثر ألبتة، ~~وامتنع أن يقال: إنه إنما حصل بسببه، ولأجله فبقي الأول، وهو أن ~~المراد من الإذن معنى يقتضي رجحان ترجيح جانب الوجود على ms5201 جانب العدم، ~~ومتى حصل الرجحان فيه حصل الوجود ولا معنى لذلك إلا الداعية الموجبة وهو ~~قولنا. # فصل # دلت الآية على أن طرق الكفر، والضلالات كثيرة، وأن طريق الحق ليس ~~إلا واحدا؛ لأن الله تعالى عبر عن الجهل، والكفر بالظلمات، وهي ~~صيغة جمع، وعبر عن الإيمان والهداية بالنور وهو لفظ مفرد. # قوله: { إلى صراط } فيه وجهان: # أحدهما: أنه بدل من قوله " إلى النور " بإعادة العامل، ولا يضر ~~الفصل بالجار؛ لأنه من معمولات العامل في المبدل منه. # والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: إلى ~~أي نور؟ فقيل: " إلى صراط " ، والمراد بالصراط: الدين والعزيز ~~هو الغالب و " الحميد " المستحق للحمد. # وقدم ذكر العزيز على ذلك الحميد؛ لأن أول العلم بالله العلم بكونه ~~تعالى قادرا، ثم بعد ذلك يعلم كونه عالما، ثم بعد ذلك يعلم كونه ~~غنيا عن جميع الحاجات والعزيز هو القادر، والحميد هو العالم الغني؛ ~~فلذلك قدم ذكر " العزيز " على ذكر " الحميد ". # قوله: { الله الذي } قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر برفع الجلالة ~~والباقون بالجر ورواها الأصمعي، وكان يعقوب إذا وصل خفض. # وأما الرفع فعلى وجهين: # أحدهما: أنه مبتدأ خبره الموصول بعده، أو محذوف، تقديره: الله الذي له ~~ما في السموات، وما في الأرض العزيز الحميد، حذف لدلالة ما تقدم. # والثاني: أنه خبر لمبتدأ مضمر، أي: هو الله، وذلك على المدح، وأما ~~الجر فعلى البدل عند أبي البقاء، والحوفي، وابن عطية والبيان عند ~~الزمخشري قال: " لأنه جرى مجرى الأسماء لغلبته على المعبود بحق، ~~كالنجم للثريا ". # قال أبو حيان: " وهذا التعليل لا يتم إلا أن يكون أصله " الإله " ثم ~~فعل فيه ما تقدم أول الكتاب ". # وقال ابن عصفور: " لا تقدم صفة على موصوف إلا حيث سمع " وهو قليل، ~~وللعرب فيه وجهان: # أحدهما: أن تتقدم الصفة بحالها، وفيه إعرابان للنحويين: # أحدهما: أن يعرب صفة متقدمة. # والثاني: أن يجعل الموصوف بدلا من صفته. # والثاني من الأولين أن تضيف الصفة إلى الموصوف، فعلى هذا يجوز أن ~~يعرب " العزيز الحميد " صفة متقدمة. ms5202 ومن مجيء تقديم الصفة قوله: ~~[البسيط] # 3189 والمؤمن العائذات الطير يمسحها # ركبان مكة بين الفيل والسعد # وقل الآخر: [الرجز] # 3190 وبالطويل العمر عمرا حيدرا # يريد: الطير العائذات، وبالعمر الطويل. # قال شهاب الدين رحمه الله : " وهذا فيما لم يكن الموصوف نكرة، ~~أما إذا كان نكرة فتنصب تلك الصفة على الحال ". # قال ابن الخطيب: " الله " اسم علم لذاته المخصوصة وإذا كان كذلك، فإذا ~~أردنا أن نذكر الصفات ذكرنا أولا قولنا: " الله " ، ثم وصفناه كقوله: # هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب ~~والشهادة هو الرحمن الرحيم # [الحشر:22] الملك القدوس، ولا يمكننا أن نعكس الأمر فنقول: هو الرحمن ~~الرحيم الله، فعلمنا أن " الله " اسم علم للذات المخصوصة، وسائر ~~الألفاظ دالة على الصفات. # وإذا ظهرت هذه المقدمة فالترتيب الحسن: أن يذكر الاسم ثم يذكر عقيبه ~~الصفات، كقوله: # هو الله الخالق البارىء المصور # [الحشر:24] فأما أن تعكس فتقول: هو الخالق المصور البارىء الله؛ فذلك ~~غير جائز، وإذا ثبت هذا فنقول: الذين قرؤوا برفع الجلالة على أنه ~~مبتدأ، وما بعده خبر هو الصحيح، والذين قرءوا بالجر إتباعا لقوله: { ~~العزيز الحميد } مشكل لما بينا من أن الترتيب الحسن أن يقال: ~~الله الخالق، وعند هذا اختلفوا في الجواب: # فقال أبو عمرو بن العلاء: القراءة بالخفض على التقديم، والتأخير، ~~والتقدير: صراط الله العزيز الحميد الذي له ما في السموات [والأرض]. # وقيل: لا يبعد أن تذكر الصفة أولا ثم يذكر الاسم، ثم تذكر الصفة ~~مرة أخرى كما يقال: الإمام الأجل محمد الفقيه، وهو بعينه نظير قوله: { ~~صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في ~~السماوات وما في الأرض }. # وتحقيق القول فيه: أنا بينا أن الصراط إنما يكون ممدوحا ~~محمودا إذا كانا صراطا للعالم القادر الغني، والله تعالى عبر عن هذه ~~الأمور الثلاثة بقوله: { العزيز الحميد } فوقعت الشبهة في أن ~~ذلك: { العزيز الحميد } من هو؟ فعطف عليها قوله { الله ~~الذي له ما في السماوات وما في الأرض } إزالة لتلك ~~الشبهة. # قوله: " وويل " مبتدأ، وجاز الابتداء به؛ لأنه دعاء ك " سلام ms5203 ~~عليكم " ، و " للكافرين " خبره، و " من عذاب " متعلق ~~بالويل. # ومنعه أبو حيان؛ لأنه يلزم منه الفصل بين المصدر ومعموله، وهو ~~ممنوع حيث يتقدم المصدر بحرف مصدري وفعل، وقد تقدم. # ولذلك جوزوا تعلق " بما صبرتم " ب # سلام # [الرعد:24]، ولم يعترضوا عليه بشيء، ولا فرق بين الموضعين. # وقال الزمخشري: " فإن قلت: ما وجه اتصال قوله: { من عذاب ~~شديد } بالويل؟ قلت: لأن المعنى يولولون من عذاب شديد ". # قال أبو حيان: فظاهره يدل على تقدير عامل يتعلق به { من عذاب ~~شديد }. # ويجوز أن يتعلق بمحذوف؛ لأنه صفة للمبتدأ، وفيه سلامة من الاعتراض ~~المتقدم ولا يضر الفصل بالخبر. # فصل # والمعنى: أنهم لما تركوا عبادة الله المالك للسموات، والأرض، وكل ما ~~فيها وعبدوا ما لا يملك نفعا، ولا ضرا، ويخلق، ولا يخلق، ولا ~~إدراك له، فالويل كل الويل لمن هو كذلك، وإنما خصهم بالويل، لأنهم ~~يولولون من عذاب شديد، ويقولون: يا ويلاه نظيره قوله تعالى: # دعوا هنالك ثبورا # [الفرقان:13] ثم وصفهم الله تعالى بثلاثة أنواع: # الأول: قوله: { الذين يستحبون } يجوز أن يكون مبتدأ، خبره: " ~~أولئك " وما بعده. # وأن يكون خبر مبتدأ مضمر، أي هم الذين. # وأن يكون منصوبا بإضمار فعل على [المدح] فيهما. # وأن يكون مجرورا على البدل، أو البيان، أو النعت، قاله الزمخشري، ~~وأبو البقاء والحوفي وغيرهم. # ورده أبو حيان: بأن فيه الفصل بأجنبي، وهو قوله جل ذكره { من ~~عذاب شديد } قال: " ونظيره إذا كان صفة أن تقول: الدار لزيد ~~الحسنة القرشي وهذا لا يجوز، لأنك فصلت بين " زيد " وصفته بأجنبي ~~منهما، وهو صفة الدار وهو لا يجوز، والتركيب الصحيح أن تقول: الدار ~~الحسنة لزيد القرشي، أو الدار لزيد القرشي الحسنة ". # و " يستحبون " استفعل فيه بمعنى أفعل، كاستجاب بمعنى ~~أجاب، أو يكون على بابه، وضمن معنى الإيثار، ولذلك تعدى ب " على ". # وقرأ الحسن: " يصدون " بضم الياء من " أصد " ، و " أصد " ~~منقول من " صد " اللازم، والمفعول محذوف، أي: غيرهم أو أنفسهم، ومنه ~~قوله: [الطويل] # 3191 أناس أصدوا الناس بالسيف عنهم # ......................... # { ويبغونها عوجا } تقدم مثله [آل عمران:99]. ms5204 # قوله تعالى: { الذين يستحبون الحياة الدنيا على ~~الآخرة } فيه إضمار تقديره: يستحبون الحياة الدنيا، ويؤثرونها على ~~الآخرة؛ فجمع تعالى بين هذين الوصفين ليبين بذلك أن الاستحباب ~~للدنيا وحده لا يكون مذموما إلا أن يضاف إليه إيثارها على الآخرة، ~~[وأما] من أحبها ليصل بها إلى منافع النفس بثواب الآخرة؛ فذلك لا ~~يكون مذموما. # والنوع الثاني من أوصاف الكفار: قوله عز وجل { ويصدون عن ~~سبيل الله } أي: يمنعوا الناس من قبول دين الله. # والنوع الثالث من تلك الصفات قوله: { ويبغونها عوجا }. واعلم ~~أن الإضلال على مرتبتين. # الأولى: أن يسعى في صد الغير. # والثانية: أن يسعى في إلقاء الشكوك، والشبهات في المذهب الحق، ويحاول ~~تقبيح الحق بكل ما يقدر عليه من الحيل، وهذا هو النهاية في الضلال، ~~والإضلال، وإليه أشار بقوله: { ويبغونها عوجا }. # قال الزمخشري: " الأصل في الكلام أن يقال: ويبغون لها عوجا؛ فحذف ~~الجار وأوصل الفعل ". # وقيل: الهاء راجعة إلى الدنيا معناه: يطلبون الدنيا على طريق الميل ~~عن الحق، أي: بجهة الحرام. # ولما ذكر الله تعالى هذه المراتب قال في وصفهم: { أولئك في ~~ضلال بعيد } وإنما وصف الله تعالى هذا الضلال بالبعد لوجوه: # الأول: أن أقصى مراتب الضلال هو البعد عن الطريق الحق، فإن شرط ~~الضدين أن يكونا في غاية التباعد كالسواد، والبياض. # الثاني: أن المراد بعد ردهم عن الضلال إلى الهدى. # الثالث: أن المراد بالضلال: الهلاك، والتقدير: أولئك في هلاك يطول ~~عليهم فلا ينقطع، وأراد بالبعد: امتداده وزوال انقطاعه. ### || [14.4-8] # قوله: { ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه } ~~الآية لما ذكر في أول السورة: # كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات ~~إلى النور # [إبراهيم:1] فكان هذا إنعاما من الله على الرسول من حيث إنه فوض إليه ~~ صلوات الله وسلامه عليه هذا الأمر العظيم وإنعاما على الخلق حيث ~~أرسل إليهم من خلصهم من ظلمات الكفر [إلى الرشد]، وأرشدهم إلى نور ~~الإيمان. ذكر في هذه الآية ما يجري مجرى تعهد النعمة، والإحسان في ~~الوجيهن؛ أما بالنسبة إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه ؛ فلأنه ms5205 ~~تعالى بين أن سائر الأنبياء عليه الصلاة والسلام أجمعين كانوا ~~مبعوثين إلى قومهم خاصة، وأنت يا محمد فمبعوث إلى عالم البشر، فكان هذا ~~الإنعام في حقك أفضل وأكمل، وأما بالنسبة إلى عامة الخلق فهو أنه تعالى ~~ ما بعث رسولا إلى قوم إلا بلسانهم ليسهل عليهم فهم تلك الشريعة فهذا ~~وجه النظم. # قوله: { إلا بلسان قومه } يجوز أن يكون حالا، أي: إلا ~~[متكلما] بلغة قومه. # قال القرطبي: " وحد اللسان، وإن أضافه إلى القوم؛ لأن المراد به اللغة ~~فهو اسم جنس يقع على القليل، والكثير ". # وقرأ العامة: " بلسان " بزنة كتاب، أي: بلغة قومه. وقرأ أبو ~~الجوزاء وأبو السمال وأبو عمران الجوني: بكسر اللام وسكون السين، وفيه ~~قولان: # أحدهما: أنهما بمعنى واحد، كالريش والرياش. # والثاني: أن اللسان يطلق على العضو المعروف وعلى اللغة، وأما ~~اللسن فخاص باللغة، ذكره ابن عطية، وصاحب اللوامح. # وقرأ أبو رجاء، وأبو المتوكل، والجحدري: بضم اللام والسين، وهو جمع ~~لسان ككتاب وكتب، وقرىء بسكون السين فقط، وهو تخفيف للقراءة ~~قبله، نحو " رسل في رسل " ، و " كتب " في " كتب " ، والهاء في " ~~قومه " الظاهر عودها على " رسول " المذكور وعن الضحاك أنها تعود ~~على محمد صلوات الله وسلامه عليه وغلطوه في ذلك إذ يصير المعنى: إن ~~التوراة وغيرها أنزلت بلسان العرب ليبين لهم النبي عليه الصلاة والسلام ~~ التوراة. # فصل # احتج بعضهم بهذه الآية على أن اللغات اصطلاحية، فقال: لأن ~~التوقيف لجميع الرسل لا يكون إلا بلغة قوم، وذلك يقتضي تقدم حصول ~~اللغات على إرسال الرسل، وإذا كان كذلك؛ امتنع حصول تلك اللغات بالتوقيف؛ ~~فوجب حصولها بالاصطلاح. # ومعنى الآية: وما أرسلنا من رسول إلا بلغة قومه. # فإن قيل: هذه الآية تدل على أن النبي المصطفى صلوات الله وسلامه ~~عليه إنما بعث للعرب خاصة، فكيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله ~~صلى الله عليه وسلم: # " وبعثت إلى الناس عامة ". # فالجواب: بعث إلى العرب بلسانهم والناس تبع لهم، ثم بعث الرسل ~~إلى الأطراف يدعوهم إلى الله تعالى ويترجمون لهم بألسنتهم. # وقيل: المراد من قومه أهل ms5206 بلدته، وليس المراد من قومه أهل دعوته بدليل ~~عموم الدعوة في قوله: # قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا # [الأعراف:158] وإلى الجن أيضا؛ لأن التحدي ثابت لهم في قوله تعالى: # قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرآن # [الإسراء:88]. # قال القرطبي: " ولا حجة للعجم، وغيرهم في هذه الآية؛ لأن كل من ترجم ~~له ما جاء به النبي صلوات الله وسلامه عليه ترجمة يفهمها لزمته ~~الحجة وقد قال الله عز وجل # ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس بشيرا ونذيرا # [سبأ:28]، وقال عليه الصلاة والسلام : # " أرسل كل نبي إلى أمته بلسانها وأرسلني الله إلى كل ~~أحمر وأسود من خلقه ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي، ولا نصراني ~~ثم لم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب ~~النار " # وخرجه مسلم رحمه الله . # فصل # زعمت طائفة من اليهود يقال لهم: [العيسوية] أن محمدا رسول الله ولكن ~~إلى العرب خاصة، وتمسكوا بهذه الآية من وجهين: # الأول: أن القرآن لما نزل بلغة العرب لم يعرف كونه معجزة بسبب ما فيه ~~من الفصاحة إلا العرب، فلا يكون القرآن حجة إلا على العرب، ومن لم يكن ~~عربيا لم يكن القرآن حجة عليه؛ لأنه ليس بمعجزة في حقه لعدم علمه ~~بفصاحته. # الثاني: قوله تعالى: { ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان ~~قومه } ، ولسانه لسان العرب فدل على أنه ليس له قوم سوى العرب. # والجواب ما تقدم في السؤال قبله. # قوله: " فيضل " استنئاف إخبار، ولا يجوز أن نصبه عطفا على ما ~~قبله؛ لأن المعطوف كالمعطوف عليه في المعنى، والرسل أرسلت للبيان لا ~~[للإضلال]. # قال الزجاج: " لو قرىء بنصبه على أن اللام لام العاقبة جاز ". # قوله: { فيضل الله من يشآء ويهدي من يشآء وهو ~~العزيز الحكيم } تمسك أهل السنة بهذه الآية على أن ~~الهداية، والضلال من الله سبحانه وتعالى جل ذكره . # قالوا: ومما يؤكد هذا المعنى أن أبا بكر، وعمر رضوان الله عنهما ~~وعن الصحابة أجمعين أقبلا في جماعة من الناس، ms5207 وقد ارتفعت أصواتهما، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما هذا؟ فقال بعضهم يا رسول الله: يقول ~~أبو بكر: الحسنات من الله، والسيئات من أنفسنا ويقول عمر: كلاهما من ~~الله، وتبع بعضهم أبا بكر، وتبع بعضهم عمر، فتعرف الرسول ما قاله أبو بكر ~~ رضي الله عنه وأعرض عنه حتى عرف في وجهه، ثم أقبل على عمر رضي الله ~~عنه فتعرف ما قاله، وعرف السرور في وجهه، فقال صلوات الله وسلامه ~~عليه : " أقضي بينكما كما قضى إسرافيل بين جبريل وميكائيل صلوات الله ~~وسلامه عليهما فقال جبريل مثل مقالتك يا عمر، وقال ميكائيل مثل مقالتك ~~يا أبا بكر، فقضاء إسرافيل صلوات الله عليه أن القدر كله خيره وشره ~~من الله تعالى وهذا قضائي بينكما ". # قالت المعتزلة: لا يمكن أجراء هذه الآية على ظاهرها لوجوه: # الأول: أنه تبارك وتعالى قال: { ومآ أرسلنا من رسول ~~إلا بلسان قومه ليبين لهم } أي: ليبين لهم التكاليف ~~بلسانهم فيكون إدراكهم لذلك التبيان أسهل ووقوفهم على الغرض أكمل وهذا ~~الكلام إنما يصح إذا كان مقصود الله تعالى من إرسال الرسول ~~صلوات الله وسلامه عليه حصول الإيمان للمكلفين، فلو كان مقصوده ~~الإضلال، وخلق الكفر فيهم لم يكن ذلك الكلام ملائما لهذا المقصود. # والثاني: أنه عليه الصلاة والسلام إذا قال لهم: إن الله يخلق ~~الكفر والإضلال فيكم، فلهم أن يقولوا: فما لنبوتك فائدة، وما المقصود من ~~إرسالك؟ وهل يمكننا أن نزيل كفرا خلقه الله فينا؟ وحينئذ تبطل دعوة ~~النبوة، وتفسد بعثة الرسل. # الثالث: إذا كان الكفر حاصلا بتخليق الله تعالى ومشيئته، فيجب أن ~~يكون الرضا به واجبا؛ لأن الرضا بقضاء الله واجب، وذلك لا يقوله عاقل. # الرابع: أن مقدمة الآية، وهي قوله جل ذكره # لتخرج الناس من الظلمات إلى النور # [إبراهيم:1] يدل على العدل، وأيضا مؤخر الآية يدل عليه وهو قوله ~~جل ذكره { وهو العزيز الحكيم } فكيف يكون حكيما من كان ~~خالقا للكفر والقبائح؛ فثبت بهذه الوجوه أنه لا يمكن جعل قوله: { ~~فيضل الله من يشآء ويهدي من يشآء } دليل ms5208 على خلق ~~الكفر في العبد، فوجب المصير إلى التأويل وهو من وجوه: # الأول: المراد من الإضلال هو الحكم بكونه ضالا كما يقال: فلان ~~يكفر فلانا ويضله أي: يحكم بكونه كافر ضالا. # والثاني: أن الإضلال عبارة عن الذهاب بهم عن طريق الجنة إلى ~~النار. # والثالث: أنه يقال: إنه تعالى لما ترك الضال على ضلاله، ولم يتعرض له ~~فكأنه أضله والمهتدي أنه بالألطاف صار كأنه هداه. # قال الزمخشري: " المراد بالإضلال التخلية، ومنع الإلطاف وبالهداية: ~~اللطف، والتوفيق ". # قال ابن الخطيب رحمه الله :والجواب قوله عز وجل { ~~ليبين لهم } لا يليق به أن يضلهم. # قلنا: قال الفراء: إذا ذكر فعل، وبعده فعل آخر، فإن كان الفعل الثاني ~~مشاكلا للأول نسقه عليه، وإن لم يكن مشاكله، استأنفه ورفعه، نظيره: # يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى ~~الله # [التوبة:32] وفي موضع رفع لا يجوز إلا ذلك؛ لأنه لا يحسن أن يقال: ~~يريدون أن يأبى الله، فلما لم يمكن وضع الثاني في موضع الأول بطل العطف. # ونظيره أيضا قوله: # لنبين لكم ونقر في الأرحام # [الحج:5] ومن ذلك قولهم: " أردت أن أزورك فمنعني المطر " بالرفع ~~غير منسوق على ما قبله كما ذكرناه؛ ومثله قول الشاعر: [الرجز] # 3192 يريد أن يعربه فيعجمه # وإذا عرفت هذا فنقول: ههنا قال الله تعالى: { ليبين لهم } ثم ~~قال: { فيضل الله من يشآء ويهدي من يشآء } ذكر: " ~~فيضل " بالرفع فدل على أنه مذكور على سبيل الاستئناف وأنه غير ~~معطوف على ما قبله، وتقديره من حيث المعنى كأنه قال عز وجل : ~~وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليكون بيانه لهم الشرائع بلسانهم الذي ~~ألفوه واعتادوه، ثم قال: ومع أن الأمر كذلك فإنه تعالى يضل من ~~يشاء، ويهدي من يشاء، والغرض منه: التنبيه على أن تقوية البيان لا توجب ~~حصول الهداية، وإنما كان الأمر كذلك؛ لأن الهداية، والضلال لا يحصلان ~~إلا من الله تعالى . # وأما قولهم: لو كان الضلال حاصلا بخلق الله تعالى لكان للكافر أن ~~يقول: ما الفائدة في نبوتك ودعوتك؟ فالخصم يسلم أن ms5209 هذه الآيات إخبار ~~عن كونه ضالا فيقول له الكافر: لما أخبر إلهك عن كوني كافرا فإن آمنت ~~صار إلهك كاذبا، وهل أقدر على جعل علمه جهلا؟ وإذا لم أقدر عليه، فكيف ~~يأمرني بهذا الإيمان؟ فالسؤال وارد عليه. # وأما قولهم ثالثا: يلزم أن يكون الرضا بالكفر واجبا؛ لأن الرضا ~~بقضاء الله واجب قلنا: ويلزم أيضا على مذهبك أن يكون السعي في تكذيب ~~الله وفي تجهيله واجبا؛ لأنه تعالى لما أخبر عن كفره، وعلم كفره، ~~فإزالته الكفر عن قلب علمه جهلا، وخبره الصدق كذبا، وما لا يتم ~~الواجب إلا به فهو واجب؛ فيلزمك على مذهبك، وهذا أشد استحالة مما ~~ألزمته علينا. # وأما قولهم رابعا: إن مقدمة الآية، و هو قوله تعالى: # لتخرج الناس من الظلمات إلى النور # [إبراهيم:1] يدل على صحة الاعتزال. # فنقول: قد ذكرنا أن قوله: # بإذن ربهم # [إبراهيم:1] يدل على صحة مذهب أهل السنة. # وأما قولهم خامسا: إنه تعالى وصف نفسه في آخر الآية بكونه ~~حكيما، وذلك ينافي كونه تعالى خالقا للكفر مريدا له، فنقول: وصف ~~نفسه بكونه عزيزا، والعزيز: هو الغالب القاهر، فلو أراد الإيمان من ~~الكافر مع أنه لا يحصل، وأراد عدم الكفر منهم، وقد حصل لما بقي عزيزا ~~غالبا؛ فثبت أن الوجوه التي ذكروها صعيفة، وقد تقدم البحث في هذه ~~المسألة في البقرة عند قوله جل ذكره : # يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا # [البقرة:26]. # قوله تعالى: { ولقد أرسلنا موسى بآياتنآ أن أخرج ~~قومك من الظلمات إلى النور } الآية لما بين أنه إنما ~~أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم ليخرجهم من الظلمات إلى النور، وذكر ~~كمال نعمة الله عليه وعلى قومه بذلك الإرسال أتبع ذلك بشرح بعثة سائر ~~الرسل صلوات الله وسلامه عليهم إلى أقوامهم ليكون ذلك تصبيرا للرسول ~~ صلوات الله وسلامه عليه على أذى قومه فقال: { ولقد أرسلنا ~~موسى بآياتنآ } قال الأصم: آيات موسى عليه الصلاة والسلام وهي ~~العصا، واليد، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، وفلق البحر، وانفجار ~~العيون من الحجر، وإظلال الجبل، وإنزال المن والسلوى. # وقال الجبائي ms5210 آياته: دلائله وكتبه المنزلة عليه، فقال في صفة محمد ~~عليه الصلاة والسلام : # كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات ~~إلى النور # [إبراهيم:1] وقال في حق موسى صلوات الله وسلامه عليه { أن ~~أخرج قومك من الظلمات إلى النور } [إبراهيم:5] ~~والمقصود من بعثة سائر الرسل عليهم الصلاة والسلام واحد وهو أن يسعوا ~~في إخراج الخلق من الضلالات إلى نور الهدايات. # قوله: " أن أخرج " يجوز أن تكون " أن " مصدرية، أي: بأن أخرج ~~والباء في " بآياتنا " للحال، وهذه للتعدية، ويجوز أن تكون مفسرة ~~للرسالة بمعنى أي، ويكون المعنى: أي: أخرج قومك من الظلمات، أي: قلنا له: ~~أخرج قومك كقوله # وانطلق الملأ منهم أن امشوا # [ص:6]. وقيل: بل هي زائدة، وهو غلط. # قوله: " وذكرهم " يجوز أن يكون منسوقا على: " أخرج " فيكون من ~~التفسير، ويجوز أن لا يكون منسوقا؛ فيكون مستأنفا. # و " أيام " عبارة عن نعمه تعالى؛ كقوله: [الوافر] # 3193 وأيام لنا غر طوال # عصينا الملك فيها أن ندينا # أو نقمه؛ كقوله: [الطويل] # 3194 وأيامنا مشهورة في عدونا # .......................... # ووجهه: أن العرب تتجوز فتسند الحدث إلى الزمان، مجازا أو تضيفه إليها ~~كقولهم: نهار صائم، وليل قائم، و # مكر الليل # [سبأ:33]. # قال الواحدي: " أيام جمع يوم، واليوم هو مقدار المدة من طلوع ~~الشمس إلى غروبها، وكان في الأصل: أيوام، فاجتمعت الياء، والواو، ~~وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء، وأدغمت إحداهما في الأخرى ~~فقلبت ياء ". # فصل # قال ابن عباس، وأبي بن كعب، ومجاهد وقتادة رضي الله عنهم ~~وذكرهم بنعم الله. وقال مقاتل: بوقائع الله في الأمم السالفة. يقال: ~~فلان عالم بأيام العرب، أي: بوقائعهم، فأراد بما كان في أيام الله من ~~النعمة، والمحنة فاجتزأ بذكر الأيام عنه؛ لأنها كانت معلومة عندهم، ~~والمعنى: عظهم بالترغيب والترهيب، والوعد، والوعيد، فالترغيب، والوعد: ~~أن يذكرهم ما أنعم الله عليهم وعلى من قبلهم ممن آمن بالله ممن سلف من ~~الأمم والترهيب والوعيد أن يذكرهم بأس الله وعذابه النازل بمن كذب بالرسل ~~فيما سلف من الأيام، كعاد، وثمود وغيرهم. # واعلم أن أيام الله في حق ms5211 موسى عليه الصلاة والسلام منها ما ~~كانت أيام محنة وبلاء، وهي الأيام التي كانت بنو إسرائيل تحت قهر فرعون. # ومنها: ما كانت راحة ونعما كأيام إنزال المن، والسلوى، وفلق البحر، ~~وتظليل الغمام. # { إن في ذلك } التذكر " لآيات " دلائل { لكل صبار } ~~كثير الصبر { شكور } كثير الشكر. # فإن قيل: ذلك التذكر آيات للكل، فلم خص الصبار الشكور ~~بالذكر؟. # فالجواب: أنهم هم المنتفعون بالذكر بتلك الآيات كقوله: # هدى للمتقين # [البقرة:2]. # وقيل: لأن الانتفاع بهذا النوع من الذكر لا يمكن حصوله إلا للصبار ~~الشكور. # ولما أمر موسى عليه الصلاة والسلام أن يذكرهم بأيام الله، وحكى عن ~~موسى عليه الصلاة والسلام أنه ذكرهم فقال تعالى: { وإذ قال ~~موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ ~~أنجاكم من آل فرعون }. # فقوله: { أنجاكم } ظرف للنعمة، بمعنى الإنعام، أي: اذكروا نعمة الله ~~عليكم في ذلك الوقت. # قوله: { إذ أنجاكم } يجوز في ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون منصوبا ب " نعمة ". # الثاني: أن يكون منصوبا ب " عليكم " ، ويوضح ذلك ما ذكره الزمخشري ~~رحمه الله فإنه قال: " إذ أنجاكم " ظرف للنعمة بمعنى الإنعام، أي: ~~إنعامه عليكم ذلك الوقت. # فإن قلت: هل يجوز أن ينتصب ب " عليكم ". # قلت: " لا يخلو إما أن يكون [إنعامه] صلة للنعمة بمعنى الإنعام [أو ~~غير] صلة، إذا أردت بالنعمة العطية، فإذا كان صلة لم يعمل فيه، وإذا كان ~~غير صلة بمعنى اذكروا نعمة الله مستقرة عليكم عمل فيه، ويتبين الفرق بين ~~الوجهين، أنك إذا قلت: نعمة الله عليكم، فإن جعلته صلة لم يكن كلاما ~~حتى تقول فائضة أو نحوها وإلا كان كلاما ". # الثالث: أنه بدل من نعمة أي: اذكروا وقت إنجائكم، وهو بدل اشتمال، وتقدم ~~الكلام في " يسومونكم ". # قوله: " ويذبحون " حال أخرى من آل فرعون، وفي البقرة دون " واو " لأن ~~قصد التفسير لسؤال العذاب، وفي التفسير لا يحسن ذكر الواو، تقول: أتاني ~~القوم: زيد وعمرو، وذلك قوله تعالى: # ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف # [الفرقان:68، 69] لما فسر الآثام بمضاعفة العذاب حذف الواو، وهاهنا أدخل ~~الواو بمعنى أنهم يعذبونهم ms5212 بالتذبيح وبغيره، فالسوم هنا غير السوم هناك. # وقرأ بان محيصن " يذبحون " مخففا، و " يستحيون نساءكم " يتركونهن ~~أحياء، " وفي ذلك بلاء من ربكم عظيم " ، وفي كونه بلاء وجهان: # الأول: أن تمكين الله إياهم من ذلك الفعل بلاء من الله. # والثاني: أن ذلك إشارة إلى الإنجاء، وهو بلاء عظيم، والبلاء هو ~~الابتلاء، وذلك قد يكون بالنعمة تارة، وبالمحنة أخرى، قال تعالى: # ونبلوكم بالشر والخير فتنة # [الأنبياء:35] وهذا أولى لأنه موافق لأول الآية وهو قوله: { اذكروا ~~نعمة الله عليكم } ، قاله ابن الخطيب رحمه الله . # قوله: { وإذ تأذن ربكم } يجوز أن يكون نسقا على: { إذ ~~أنجاكم } ، وأن يكون منصوبا ب " اذكروا " مفعولا لا ظرفا. # وجوز فيه الزمخشري: أن يكون نسقا على: " نعمة " فهو من قول موسى، ~~والتقدير وإذ قال موسى اذكروا نعمة الله، واذكروا حين تأذن، وقد تقدم ~~نظير ذلك في الأعراف. # ومعنى: " تأذن " آذن ربكم إيذانا بليغا، أي: أعلم، يقال: أذن ~~وتأذن بمعنى واحد مثل: أوعد وتوعد، روي ذلك عن الحسن وغيره ومنه ~~الأذان؛ لأنه إعلام قال الشاعر: [الوافر] # 3195 فلم نشعر بضوء الصبح حتى # سمعنا في مجالسنا الأذينا # وكان ابن مسعود يقرأ " وإذ قال ربكم " والمعنى واحد. # فيقال: " لئن شكرتم " نعمتي، وآمنتم، وأطعتم: " لأزيدنكم " في ~~النعمة. # وقيل: لئن شكرتم بالطاعة " لأزيدنكم " في الثواب. # والآية نص في أن الشكر سبب المزيد: " ولئن كفرتم " نعمتي ~~فجحدتموها، ولم تشكروها: " إن عذابي لشديد ". # وقيل: المراد الكفر؛ لأن كفران النعمة لا يحصل إلا عند الجهل بكون تلك ~~النعمة من الله تعالى . # قوله: { وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض ~~جميعا فإن الله لغني حميد } أي: غني عن خلقه حميد ~~محمود في أفعاله. # والمعنى: أن منافع الشكر ومضار الكفر لا تعود إلا إلى الشاكر والكافر، ~~أما المعبود والمشكور فإنه متعال عن أن ينتفع بالشكر، أو يستضر ~~بالكفران، فلا جرم قال تعالى: { وقال موسى إن تكفروا ~~أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد ~~}. # والغرض منه: بيان أنه تعالى إنما أمر بهذه الطاعات لمنافع عائدة ~~إلى العابد ms5213 لا إلى المعبود. ### || [14.9-14] # ثم قال: { ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم } الآية ~~النبأ: الخبر، والجمع الأنباء؛ قال الشاعر: [الوافر] # 3196 ألم يأتيك والأنباء تنمي # ........................ # قال أبو مسلم: " يحتمل أن يكون خطابا من موسى صلوات الله وسلامه عليه ~~ [لقومه، يخوفهم بمثل هلاك من تقدمهم، ويجوز أن يكون مخاطبة من الله ~~تعال على لسان موسى عليه السلام ] لقومه: يذكرهم أمر القرون الأولى؛ ~~ليعتبروا بأحوال المتقدمين ". # روي عن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية ثم ~~قال: " كذب النسابون ". # وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: بين إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام وبين عدنان ثلاثون [أبا] لا يعلمهم إلا الله وكان مالك ~~ابن أنس رضي الله عنه يكره أن ينسب الإنسانت [نفسه أبا أبا] إلى ~~آدم صلوات الله وسلامه عليه وكذلك في حق النبي صلوات الله وسلامه ~~عليه ؛ لأنه لا يعلم أولئك الآباء أحد إلا الله تعالى، ونظيره: قوله ~~تعالى # وقرونا بين ذلك كثيرا # [الفرقان:38] وقوله: # منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص ~~عليك # [غافر:78] وكان صلوات الله وسلامه عليه في نسبه لا يجاوز معد بن ~~عدنان. # وقال عليه الصلاة والسلام : # " تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم وتعلموا من ~~النجوم ما تستدلون به على الطريق ". # وقيل: المراد بقولهم: " لا يعلمهم " أي: عددهم، وأعمارهم، ~~وكيفياتهم. # وقال عروة بن الزبير: " ما وجدنا أحدا يعرف ما بين عدنان، وإسماعيل ". # قوله: " قوم نوح " بدل، أو عطف. # قوله: { والذين من بعدهم } " يجوز أن يكون عطفا من الموصول ~~الأول، أو على المبدل منه، وأن يكون مبتدأ خبره: { لا يعلمهم ~~إلا الله } ، { جآءتهم } خبر آخر وعلى ما تقدم يكون: { لا ~~يعلمهم إلا الله } حالا من " الذين " أو من الضمير في: " ~~من بعدهم " لوقوعه صلة ". # وهذا عنى أبو البقاء بقوله: حال من الضمير في: " من بعدهم " ولا ~~يريد به الضمير المجرور؛ لأن مذهبه منع الحال من المضاف، وإن كان بعضهم ~~جوزه في صوره وجوز أيضا هو والزمخشري أن يكون استئنافا. # وقال الزمخشري: " والجملة ms5214 من قوله: { لا يعلمهم إلا الله } ~~اعتراض ". # ورد عليه أبو حيان: بأن الاعتراض إنما يكون بين جزءين، أحدهما يطلب ~~الآخر. # ولذلك لما أعرب الزمخشري: " والذين " مبتدأ، و " لا يعلمهم " ~~خبره، قال: " والجملة من المبتدأ، والخبر اعتراض " ، واعترضه أبو حيان ~~أيضا بما تقدم. # ويمكن أن يجاب عنه في الموضعين: بأن الزمخشري يمكن أن يعتقد أن: " ~~جاءتهم " حال مما تقدم، فيكون الاعتراض واقعا بين الحال وصاحبها، ~~وهو كلام صحيح. # قوله تعالى: { فردوا أيديهم في أفواههم } يجوز أن ~~تكون الضمائر للكفار، أي: فرد الكفار أيديهم في أفواههم من الغيظ، ~~لقوله: # عضوا عليكم الأنامل من الغيظ # [آل عمران:119] قاله أبن عباس، وابن مسعود، والقاضي. # قال القرطبي: وهذا أصح الأقوال، قال الشاعر: [الرجز] # 3197 لو أن سلمى أبصرت تخددي # ودقة في عظم ساقي ويدي # وبعد أهلي وجفاء عودي # عضت من الوجد بأطراف اليد # وقد مضى هذا المعنى في آل عمران [119] ف " في " على بابها من الظرفية، ~~أي: فردوا أيديهم على أفواههم ضحكا، واستهزاء، ف " في " بمعنى " ~~على " وأشاروا إلى ألسنتهم وما نطقوا به من قولهم: إنا كفرنا، ف " ~~عن " بمعنى " إلى " ويجوز أن يكون المرفوع للكفار، والأحزان للرسل ~~صلوات الله وسلامه عليهم على أن يراد بالأيدي: النعم، أي: ردوا نعم ~~الرسل وهي مصالحهم في أفواه الرسل؛ لأنهم إذا كذبوها كأنهم رجعوا بها من ~~حيث جاءت على سبيل المثال، ويجوز أن يراد المعنى، والمراد بالأيدي: ~~الجوارح، ويجوز أن يكون الأولان للكفار، والأخير للرسل، فرد الكفار ~~أيديهم في أفواههم أي في أفواه الرسل، أي أطبقوا أفواههم يشيرون إليهم ~~بالسكوت، أو وضعوها على أفواههم يمنعونهم بذلك من الكلام. # وقيل: " في " هنا بمعنى الباء. قال الفراء: " قد وجدنا من العرب من يجعل ~~" في " موضع الباء، يقال: أدخلت بالجنة، أدخلت في الجنة " وأنشد: ~~[الطويل] # 3198 وأرغب فيها عن لقيط ورهطه # ولكنني عن سنبس لست أرغب # أي: أرغب بها. # وقال أبو عبيد رحمه الله : هذا ضرب مثل يقوله العرب: رد يده إلى فيه ~~إذا ترك ما أمره به. # ورد عليه: بأن ms5215 من حفظ حجة على من لم يحفظ. # وقال أبو مسلم: المراد باليد: ما نطقت به الرسل من الحجج؛ لأن ~~إسماع الحجة إنعام عظيم، والإنعام يسمى يدا، يقال لفلان عندي يد، إذا ~~أولاه معروفا وقد يذكر اليد والمراد منها صفقة البيع والعقد، كقوله ~~تعالى: # إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد ~~الله فوق أيديهم # [الفتح:10] فالبينات التي ذكرها الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ~~وقرروها لهم نعم وأياد، وأيضا: العهود التي أتوا بها مع القوم أيادي. ~~وجمع اليد في القلة: أيدي، وفي الكثرة أيادي. # وإذا ثبت أن بيانات الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وعهودهم يصح ~~تسميتها بالأيدي والنصائح، والعهود إنما تظهر من الفم، فإذا لم تقبل ~~صارت مردودة إلى حيث جاءت فلما كان القبول تلقيا بالأفواه عن الأفواه ~~كان الدفع ردا في الأفواه. # ونقل محمد بن جرير عن بعضهم: أن معنى قوله تعالى: { فردوا ~~أيديهم في أفواههم } أي: سكتوا عن الجواب، يقال للرجل إذا ~~أمسك عن الجواب: رد يده في فيه، إذ لم يجبه، ثم زيف هذا الوجه وقال: ~~إنهم أجابوا بالتكذيب وقالوا: إنا بما أرسلتم به كافرون وقالوا: " ~~إنا كفرنا بما أرسلتم به " # قوله تعالى: { وإنا لفي شك مما تدعوننآ إليه ~~مريب } قرأ طلحة: " تدعونا " بإدغام نون الرفع في نون الضمير كما ~~يدغم في نون الوقاية، والمعنى: في شك مريب موقع في الريبة أي: ذي ريبة ~~من أرابه، والريبة: لقلق النفس، وألا [تطمئن] إلى الأمر. # فإن قيل: لما ذكروا أنهم قالوا: إنا كافرون برسالتكم، وإن لم ندع هذا ~~الجزم واليقين، فلا أقل من أن نكون شاكين مرتابين في صحة نبوتكم وعلى هذا ~~التقدير فلا سبيل إلى الاعتراف بنبوتكم. # قوله تعالى: { قالت رسلهم أفي الله شك } الآية لما ~~قالوا للرسل: وإنا لفي شك، قالت لهم رسلهم وهل تشكون في الله، وهو ~~فاطر السموات، والأرض وفاطر أنفسنا، وأرواحنا، وأرزاقنا إنا لا ندعوكم ~~إلا لعبادة هذا الإله المنعم، ولا نمنعكم إلا من عبادة غيره، وهذه ~~المعاني يشهد لها العقل بصحتها، فكيف قلتم: وإنا لفي ms5216 شك؟. # قوله: { أفي الله شك } استفهام بمعنى الإنكار، وفي " شك " ~~وجهان: # أظهرهما: أنه فاعل بالجار قبله، وجاز ذلك لاعتماده على الاستفهام. # والثاني: أنه مبتدأ، وخبره الجار، والأولى أولى؛ بل كان ينبغي أن يتعين؛ ~~لأنه يلزم من الثاني الفصل بين الصفة، والموصوف بأجنبي، وهو المبتدأ ~~وهذا بخلاف الأول، فإن الفاصل ليس أجنبيا، إذ هو فاعله، والفاعل ~~كالجزء من رافعه. # ويدل على ذلك تجويزهم: " ما رأيت رجلا أحسن في عينه ~~الكحل منه في عين زيد " بنصب " أحسن " صفة ورفع " الكحل ~~" فاعلا ب " أفعل " ولم يضر الفصل به بين " أفعل " وبين " من " ~~لكونه كالخبر من رافعه ولم يجيزوا رفع: " أحسن " خبرا مقدما، و " ~~الكحل " مبتدأ مؤخر لئلا يلزم الفصل بين " أفعل " وبين " من " بأجنبي. # ووجه الاستشهاد في هذه المسألة: أنهم جعلوا المبتدأ أجنبيا بخلاف ~~الفاعل ولهذه المسألة موضع غير هذا. # وقرأ العامة " فاطر " بالجر وفيه وجهان: النعت والبدلية. # قال أبو البقاء وفيه نظر؛ لأن الإبدال بالمشتقات يقل ولو جعله عطف ~~بيان كان أسهل. # قال الزمخشري: " أدخلت همزة الإنكار على الظرف؛ لأن الكلام ليس في ~~الشك إنما هو في المشكوك فيه، وأنه لا يحتمل الشك لظهور ~~الأدلة، وشهادته عليه ". # قوله: { يدعوكم ليغفر } اللام متعلقة بالدعاء، أي: لأجل ~~غفران ذنوبكم؛ كقوله: [المتقارب] # 3199 دعوت لما نابني مسورا # فلبى فلبي يدي مسور # ويجوز أن تكون اللام معدية كقولك: " دعوتك لزيد " ، وقوله: " إذا تدعون ~~إلى الإيمان " ، والتقدير: يدعوكم إلى غفران ذنوبكم. # لما استفهم بعمنى نفي ما اعتقدوه، أردفه بالدلائل الدالة على وجود ~~الصانع المختار، فقال: { فاطر السموات والأرض }: أي خالق السماوات والأرض ~~{ يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم } أي: ذنوبكم و " من " صلة، وقيل: " من " ~~تبعيضية، وقيل: بمعنى البدل، أي: بدل عقوبة ذنوبكم كقوله تعالى: # أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة # [التوبة:38] وسيأتي الكلام على هذه الوجوه. # { ويؤخركم إلى أجل مسمى } إلى حين استيفاء أجلكم، ~~ولا يعاجلكم بالعذاب، قال بعض العلماء: إن الفطرة شاهدة بوجود الصانع ~~المختار قبل الوقوف على الدلائل، وذلك من وجوه: # الأول: قال بعض العقلاء: إن ms5217 من لطم وجه صبي لطمة، فتلك اللطمة تدل على ~~وجود الصانع المختار، وعلى وجود التكليف، وعلى وجود دار الجزاء، وعلى ~~وجود النبي صلى الله عليه وسلم. # أما دلالتها على وجود الصانع؛ فإن الصبي العاقل إذا لطم يصيح ويقول من ~~ذا الذي لطمني؟ وما ذاك إلا أن فطرته شاهدة بأن هذه اللطمة لما حدثت بعد ~~عدمها وجب أن يكون حدوثها لأجل فعل فاعلها، فلما شهدت فطرته الأصلية ~~بافتقار ذلك الحادث الحقير إلى الفاعل، فبأن تشهد جميع حوادث العالم ~~بالافتقار إلى الفاعل أولى. # وأما دلالتها على وجود التكليف؛ فبأن الصبي يصيح ويقول: ضربني ذلك ~~الضارب، وهذا يدل على أن فطرته شهدت بأن الأفعال الإنسانية داخلة تحت ~~الأمر والنهي، ومندرجة تحت التكليف، وأن الإنسان ما خلق ليفعل ما اشتهى. # وأما دلالتها على وجود دار الجزاء فهو: أن ذلك الصبي يطلب بطبعة الجزاء ~~على تلك اللطمة ولا يتركه، فلما شهدت فطرته الأصلية بوجوب الجزاء على ~~ذلك العمل القليل، فبأن تشهد على وجوب الجزاء على جميع العباد والأعمال ~~أولى. # وأما دلالتها على وجوب النبوة للنبي صلى الله عليه وسلم فإنهم يحتاجون ~~إلى إنسان يبين لهم مقدار العقوبة الواجبة في تلك الجناية، كم هي؟ ولا ~~معنى للنبي إلا الإنسان الذي قدر هذه ويبين هذه الأحكام؛ فثبت أن فطرة ~~العقل حاكمة بأن الإنسان لا بد له من هذه الأربعة. # الوجه الثاني في أن الإقرار بوجود الصانع بديهي: وهو أن الفطرة ~~شاهدة بأن حدوث دار بنقوش عجيبة، وتركيبات لطيفة موافقة للحكمة، والمصلحة ~~تستحيل إلا من نقاش عالم، وبان حكيم، ومعلوم أن آثار الحكمة في ~~العالم العلوي، والسفلي أكثر من الآثار الموجودة في تلك الدار المختصرة، ~~فلما شهدت الفطرة الأصلية بافتقار النقش إلى النقاش، والبناء إلى ~~الباني، فبأن تشهد بافتقار كل هذا العالم إلى الفاعل المختار الحكيم ~~أولى. # الوجه الثالث: أن الإنسان إذا وقع في محنة شديدة، فإنه بأصل فطرته، ~~وخلقته يتضرع إلى من يخلصه منها، وما ذاك إلا شهادة فطرته بالافتقار ~~إلى الصانع القادر المدبر. # الرابع: أن الموجود ms5218 إما أن يكون غنيا عن المؤثر، أو لا يكون، فإن ~~كان غنيا عن المؤثر فهو الموجود الواجب لذاته؛ لأنه لا معنى للواجب ~~لذاته إلا الموجود الذي لا حاجة له إلى غيره، وإن لم يكن غنيا عن ~~المؤثر فهو محتاج، والمحتاج لا بد له من المحتاج إليه، وذلك هو الصانع ~~المختار. # الوجه الخامس: أن الاعتراف بوجود الصانع المختار المكلف وبوجود المعاد ~~أحوط فوجب المصير إليه، أما كون الإقرار بوجود الصانع أحوط لأنه لو لم ~~يكن موجودا فلا ضرر في الإقرار بوجوده، وإن كان موجودا ففي إنكاره أعظم ~~المضار. # وأما كون الإقرار بكونه فاعلا مختارا أحوط، فلأنه إن لم يكن موجودا ~~فلا خير في الإقرار بكونه مختارا. # أما لو كان موجودا ففي إنكار كونه مختارا أعظم المضار. # وأما كان كون الإقرار بكونه مكلفا لعباده أحوط، فلأنه لو لم يكلف أحدا ~~من عبيده شيئا فلا ضرر في اعتقاد أنه كلف العباد ففي إنكار التكاليف ~~أعظم المضار. # وأما كون الإقرار [بوجود] المعاد أحوط؛ فلأنه إن كان الحق أن لا معاد؛ ~~فلا ضرر في الإقرار بوجود المعاد فإنه لا يفوت إلا هذه اللذات الجسمانية، ~~وهي منقضية فانية، فإن كان الحق وجوب المعاد ففي إنكاره أعظم المضار، ~~فظهر أن الإقرار بهذه المقامات أحوط فوجب المصير إليه، لأن بديهة العقل ~~حاكمة بوجوب دفع الضرر عن النفس بقدر الإمكان، والله أعلم. # فصل # لما استدل بكونه فاطر السموات والأرض وصف نفسه بكمال الرحمة والكرم، ~~والجود من وجهين: # الأول: قوله: { يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم }. # قال الزمخشري رحمه الله : " لو قال قائل: ما معنى التبعيض في قوله ~~تعالى: { من ذنوبكم } "؟. # ثم أجاب: فقال ما جاء هكذا إلا في خطاب الكفار، كقوله تعالى # واتقوه وأطيعون يغفر لكم من ذنوبكم # [نوح:3، 4]، و # يقومنآ أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر ~~لكم من ذنوبكم # [الأحقاف:31] وقال في الخطاب للمؤمنين: # هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم # [الصف:10] إلى أن قال: # يغفر لكم ذنوبكم # [الصف:12] قال: والاستقراء يدل على صحة ما ذكرناه. # ثم قال: ms5219 وكان ذلك للتفرقة بين الخطابين لئلا يسوى بين الفريقين في ~~المعاد. # وقيل: أريد به: يغفر لهم ما بينهم وبين الله بخلاف ما بينهم وبين العباد ~~من المظالم. # وقال الواحدي: قال أبو عبيدة: " من " زائدة، وأنكر سيبويه زيادتها ~~وإذا قلنا: ليست بزائدة، ففيها وجهان: # أحدهما: أنه ذكر البعض ههنا، وأراد الجمع توسعا. # والثاني: أن " من " ههنا للبدل، أي: لتكون المغفرة بدلا من الذنوب ~~فدخلت " من " لتضمن المغفرة معنى إبدالها من الذنوب. # وقال القاضي: ذكر الأصم أن كلمة " من " ههنا تفيد التبعيض، أي: أنكم ~~إذا [تبتم] يغفر لكم الذنوب التي هي من الكبائر، وأما التي تكون من ~~الصغائر، فلا حاجة إلى غفرانها؛ لأنها في أنفسها مغفورة. # قال القاضي: وقد أبعد في هذا التأويل؛ لأن الكفار صغائرهم، ككبائرهم ~~لا تغفر إلا بالتوبة، وإنما تكون الصغائر مغفورة من الموحدين من حيث ~~يزيد ثوابهم على عقابهم فأما من لا ثواب له أصلا، فلا يكون شيء من ~~ذنوبه صغيرة، فلا يغفر له شيء، ثم قال: وفيه وجه آخر: وهو أن الكافر قد ~~ينسى بعض ذنوبه في حال توبته، وإيمانه؛ فلا يغفر له شيء من ذنوبه، فلا ~~تكون المغفرة إلا لما ذكره وتاب عنه. # فصل # قال ابن الخطيب: دلت الآية على أنه تعالى يغفر الذنوب من غير توبة ~~في حق المؤمن، لأنه قال { يدعوكم ليغفر لكم من ~~ذنوبكم } وعد بغفران الذنوب مطلقا من غير اشتراط التوبة؛ فوجب أن ~~يغفر بعض الذنوب مطلقا من غير التوبة، وذلك البعض ليس هو الكفر لانعقاد ~~الإجماع على أنه تعالى لا يغفر الكفر إلا بالتوبة عنه والدخول في ~~الإيمان؛ فوجب أن يكون البعض الذي يغفر من غير التوبة ما عدا الكفر من ~~الذنوب. # فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إن كلمة " من " صلة على ما قاله أبو ~~عبيدة أو نقول: المراد منه تمييز خطاب المؤمن عن الكافر على ما قاله ~~الزمخشري، أو نقول: المراد تخصيص الغفران بالكبائر على ما قاله الأصم، ~~أو نقول: المراد منه الذنوب التي ذكرها الكافر عند إسلامه، ms5220 كما قاله ~~القاضي. # فنقول هذه الوجوه بأسرها ضعيفة، أما كونها صلة فمعناه الحكم على كلمة ~~من كلام الله عز وجل بأنها عبث والعاقل لا يجوز له المصير ~~إليه من غير ضرورة. # وأما قوله الواحدي: المراد من كلمة " من " ههنا الكل فهو عين ما قاله ~~أبو عبيدة؛ لأن حاصله أن قوله تعالى جل ذكره { ليغفر لكم ~~من ذنوبكم } أي: يغفر لكم ذنوبكم، وهذا عين ما نقله عن أبي ~~عبيدة، وحكى عن سيبويه إنكاره. # وأما قوله: المراد منه إبدال السيئة بالحسنة، فليس في اللغة أن كلمة " ~~من " تفيد الإبدال. # وأما قول الزمخشري: المراد تمييز خطاب المؤمنين من خطاب الكافرين بمزيد ~~التشريف فهو من باب الطاعات، لأن هذا التبعيض إن حصل، فلا حاجة إلى ذكر ~~هذا الجواب وإن لم يحصل كان هذا الكلام فاسدا. # وأما قول الأصم، فقد سبق بطلانه. # وأما قول القاضي: فجوابه أن الكافر إذا أسلم؛ غفرت ذنوبه ~~بأسرها، لقوله عليه السلام : " التائب من الذنب كمن لا ذنب ~~له ". # وقال تعالى: # قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد ~~سلف # [الأنفال:38] فثبت أن جميع ما ذكروه من التأويلات ضعيف ساقط، بل ~~المراد ما ذكرناه هو أنه يغفر بعض ذنوبه من غير توبة؛ بشرط أن يأتي ~~بالإيمان، فبأن تحصل هذه الحال للمؤمن أولى. # قال تعالى: { ويؤخركم إلى أجل مسمى }. قيل: ~~المعنى: إن آمنتم، أخر الله موتكم إلى أجل مسمى، وإلا عاجلكم بعذاب ~~الاستئصال. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما : يمنعكم في الدنيا باللذات إلى ~~الموت. # فإن قيل: أليس قال: # فإذا جآء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون # [الأعراف:34]. فكيف قال هنا: { ويؤخركم إلى أجل ~~مسمى }؟. # قلنا: تقدم الكلام في هذه المسألة في قوله: # ثم قضى أجلا وأجل مسمى # [الأنعام:2] في الأنعام. # ولما ذكر الرسل عليهم الصلاة والسلام هذا الكلام للكفار قالوا: { ~~إن أنتم إلا بشر مثلنا } وهذا الكلام يشتمل على ثلاثة ~~أنواع من الشبه: # الأولى: أن الأشخاص الإنسانية متساوية في تمام الماهية فيمتنع أن يبلغ ~~التفاوت بين تلك الأشخاص إلى هذا ms5221 الحد وهو أن الواحد منهم رسولا من الله ~~تعالى مطلعا على الغيب، مخالطا لزمرة الملائكة، والباقون غافلون عن هذه ~~الأحوال أيضا كانوا يقولون: إن كنت قد فارقتنا في هذه الأحوال العالية ~~الإلهية الشريفة وجب أيضا أن تفارقنا في الأحوال الخسيسة، وهي الحاجة ~~إلى الأكل، والشرب، والحديث والوقاع، وهذه الشبهة هي المراد من قولهم { ~~إن أنتم إلا بشر مثلنا }: أي في الصورة ولستم ملائكة، ~~وإنما تريدون بقولكم أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا. # وهذه الشبهة الثانية: وهي التمسك بالتقليد، وهي أنهم وجدوا آباءهم ~~وعلماءهم مطبقين على عبادة الأوثان. # قالوا: ويبعد أن أولئك القدماء على كثرتهم وقوة خاطرهم لم يعرفوا بطلان ~~هذا الدين. # الشبهة الثالثة: قالوا: المعجز لا يدل على الصدق؛ لأن الذي جاء به ~~أؤلئك الرسل طعنوا فيه وزعموا أنها أمور معتادة ليست من باب المعجزات ~~الخارجة عن قوة البشر؛ فلذلك قالوا: " فأتونا بسلطان مبين " ~~أي: بحجة بينة على صحة دعواكم. # قوله " تريدون " يجوز أن يكون صفة ثانية ل " بشر " وحمل على ~~معناه، لأنه بمنزلة القوم والرهط، كقوله: # أبشر يهدوننا # [التغابن:6] وأن يكون مستأنفا. # وقوله: " أن تصدونا " العامة على تخفيف النون، وقرأ طلحة بتشديدها ~~كما شدد: " تدعونا " وفيها تخريجان: # أحدهما: ما تقدم في نظيرتها على أن تكون هي المخففة لا الناصبة، ~~واسمها ضمير الشأن، وشذ عدم الفصل بينها، وبين الجملة الفعلية. # والثاني: أنها ناصبة، ولكن أهملت حملا على " ما " المصدرية كقراء: # أن يتم # [البقرة:233]. برفع " يتم " وقد تقدم القول فيه. # قوله تعالى: { قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر ~~مثلكم } الآية لما حكى عن الكفار طعنهم في النبوة حكى عن ~~الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم جوابهم فقالوا: { إن نحن ~~إلا بشر مثلكم } سلموا أن الأمر كذلك لكنهم بينوا أن ~~التماثل في البشرية لا يمنع من اختصاص بعض البشر بمنصب النبوة؛ لأن ~~هذا المنصب يمن الله به على من يشاء من عباده، وإذا كان كذلك سقطت ~~شبهتكم. # وأما الجواب عن شبهة التقليد وهي قولهم: إطباق السلف لذلك الدين يدل ~~على كونه حقا، ms5222 فجوابه عين الجواب المذكور، وهو أنه لا يبعد أن يظهر ~~للرجل الواحد مالم يظهر للخلق الكثير؛ لأن التمييز بين الحق، والباطل، ~~والصدق، والكذب عطية من الله وفضل منه؛ فلا يبعد أن يخص عبده بهذه ~~العطية، ويحرم الجمع العظيم منها. # وأما الجواب عن الشبهة الثالثة وهي قولهم: إنا لا نرضى بهذه المعجزات ~~التي أتيتم بها، وإنما نريد معجزات قاهرة أقوى منها، فأجابوا عنها ~~بقولهم: { وما كان لنآ أن نأتيكم بسلطان إلا ~~بإذن الله } أي: أن المعجزة التي أتينا بها حجة قاطعة قوية ~~ودليل تام، وأما الأشياء التي طلبتموها، فأمور زائدة والحكم فيه لله ~~تعالى فإن أظهرها فله الفضل، وإن لم يظهرها فله العدل، ولا يحكم بعد ~~ظهور قدر الكفاية. # قوله: { وما كان لنآ أن نأتيكم } يجوز أن يكون خبر: " ~~كان " " لنا " ، و: " أن نأيتكم " اسمها، أي: وما كان لنا ~~إتيانكم بسورة، و { إلا بإذن الله } حال، ويجوز أن يكون الخبر ~~{ إلا بإذن الله } ، و " لنا " تبيين. # والظاهر أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لما أجابوا عن ~~شبهاتهم بهذا الجواب أخذ القوم التخويف، والوعيد فعند ذلك قال الأنبياء ~~ صلوات الله وسلامه عليهم لا نخاف من تخويفكم بعد أن توكلنا على الله: ~~{ وعلى الله فليتوكل المؤمنون }. # قوله: { وما لنآ ألا نتوكل على الله } كقوله سبحانه: # وما لنآ ألا نقاتل في سبيل الله # [البقرة:246]. # والمعنى: وما لنا أن لا نتوكل على الله، وقد عرفنا أنه لا ينال شيء إلا ~~بقضائه وقدره: { وقد هدانا سبلنا } بين لنا الرشد وبصرنا طريق ~~النجاة. # قوله: " ولنصبرن " جواب قسم، وقوله: { على مآ آذيتمونا } ~~يجوز أن تكون " ما " مصدرية، وهو الأرجح لعدم الحاجة إلى رابط ادعي حذفه ~~على غير قياس. # والثاني: أنها موصولة اسمية، والعائد محذوف على التدريج؛ إذ الأصل: ~~آذيتمونا به، ثم حذف الباء فوصل الفعل إليه بنفسه وقرأ الحسن رحمه الله ~~: بكسر لام الأمر في " فليتوكل " وهو الأصل. # والمراد بهذا التوكل على الله في دفع شر الكفار فلا يلزم التكرار وقيل: ~~الأول لاستحداث التوكل، والثاني طلب دوامه. # قوله ms5223 تعالى: { وقال الذين كفروا لرسلهم } الآية لما ~~حكى عن الأنبياء صلوات لله وسلامه عليهم توكلهم على الله في دفع شرور ~~أعدائهم حكى عن الكفار أنهم بالغوا في لسفاهة وقالوا: { ~~لنخرجنكم من أرضنآ أو لتعودن في ملتنا } ~~أي لا بد من أحد الأمرين. # قوله: " لنخرجنكم " جواب قسم مقدر، كقوله: " ولنصبرن " وقوله: " أو ~~لتعودن " في " أو " ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها على بابها من كونها لأحد الشيئين. # والثاني: أنها بمعنى " حتى ". # والثالث: أنها بمعنى " إلا " كقولهم: لألزمنك أو تقضيني ~~حقي. # والقولان: الأخيران مردودان، إذ لا يصح تركيب " حتى " ولا تركيب " ~~إلا " مع قوله " لتعودن " بخلاف المثال المتقدم، والعود هنا يحتمل ~~أن يكون على بابه أي: لترجعن و " في ملتنا " متعلق به، وأن يكون بمعنى ~~الصيرورة، فيكون الجار في محل نصب خبرا لها. # فإن قيل: هذا يوهم أنهم كانوا على ملتهم في أول الأمر حتى يعودوا فيها. ~~فالجواب من وجوه: # أحدها: أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم إنما نشئوا في تلك ~~البلاد؛ وكانوا من تلك القبائل وفي أول الأمر ما ظهروا المخالفة مع ~~الكفار، بل كانوا ساكتين إلى حين الوحي فظن القوم أنهم كانوا على ملتهم ~~لسكوتهم، فلهذا قالوا: { أو لتعودن في ملتنا }. # وثانيها: أن هذا الكلام الكفار ولا يجب في كل ما قالوه أن يكونوا ~~صادقين. # وثالثها: قال الزمخشري: " العود هنا بمعنى الصيرورة كثير في كلام ~~العرب كثرة فاشية لا تكاد تسمعهم يستعملون: " صار " ولكن عاد: ما عدت ~~أراه، وعاد لا يكلمني ما عاد لفلان مال ". # ورابعها: أن الخطاب وإن كان في الظاهر مع الرسل إلا أن المقصود بهذا ~~الخطاب أتباعهم وأصحابهم، فغلبوا في الخطاب الجماعة، ولا بأس أن يقال: ~~إنهم قبل ذلك الوقت كانوا على دين أولئك الكفار. # وخامسها: لعل أولئك الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم كانوا قبل ~~إرسالهم على ملة من الملل، ثم إنه تعالى نسخ تلك الملة وأمرهم ~~بشريعة أخرى وبقي تلك الأقوام على تلك الشريعة المنسوخة مصرين عليها، ~~وعلى هذا التقدير، فلا يبعد أن يطلبوا من الأنبياء صلوات الله ms5224 عليهم أن ~~يعودوا إلى تلك الملة. # ولما ذكر الكفار هذا الكلام أوحى الله عز وجل أليهم { ~~لنهلكن الظالمين }. # قوله: " لنهلكن " جوب قسم مضمر، وذلك القسم وجوابه فيه وجهان: # أحدهما: أنه على إضمار القول، أي: قال لنهلكن. # والثاني: أنه أجرى الإيحاء مجرى القول؛ لأنه ضرب منه. # وقرأ أبو حيوة " ليهلكن " و " ليسكننكم " بياء الغيبة ~~مناسبة لقوله: " ربهم " والمراد بالأرض: أرض الظالمين، وديارهم، ~~وأموالهم وقال عليه الصلاة والسلام : # " من أذى جاره ورثه الله داره " # وهذه الآية تدل على أن من يتوكل على الله في دفع عدوه كفاه الله أمر ~~عدوه. # قوله: { لمن خاف مقامي وخاف وعيد } " ذلك " مبتدأ، وهو ~~مشار به إلى توريث الأرض، ولمن خاف " هو الخبر، و " مقامي " فيه ~~ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه مقحم، وهو بعيد؛ إذ الأسماء لا تقحم. # الثاني: أنه مصدر مضاف للفاعل. # قال الفراء: " مقامي " مصدر مضاف لفاعله أي: مقامي عليه بالحفظ. # الثالث: أنه اسم مكان. # قال الزجاج: " مكان وقوفه بين يدي الحساب، كقوله تعالى: # ولمن خاف مقام ربه # [الرحمن:46] فأضاف قيام العبد إلى نفسه، كقولك: ندمت على ضربك، ~~أي: على ضربي أياك، و " خاف وعيد " أي: عقابي، أثبت الياء هنا، ~~وفي " ق " في موضعين: # كل كذب الرسل فحق وعيد # [ق:14]، # فذكر بالقرآن من يخاف وعيد # [ق:45] وصلا، وحذفها وقفا ورش، والباقون وصلا ووقفا ". # فصل # في تفسير المقام وجوه: # الأول: موقفي وهو موقف الحساب؛ لأنه الذي يقف فيه العباد يوم القيامة، ~~كقوله تعالى: # وأما من خاف مقام ربه # [النازعات:40]. # الثاني: أن المقام مصدر كالقيام، يقال: قام قياما، ومقاما، أي: ~~لمن خاف مقامي، أي: مقام العباد عندي، وهو من باب إضافة المصدر إلى ~~المفعول. # الثالث: لمن خاف مقامي، أي: لمن خافني، وذكر المقام هنا، كقولك سلام ~~على المجلس الفلاني، والمراد: السلام على فلان. # قوله: { وخاف وعيد } قال الواحدي: الوعيد اسم من أوعد إيعادا ~~وهو التهديد. # قال ابن عباس: خاف ما أوعدت من العذاب. # وهذه الآية تدل على أن الخوف من الله تعالى غير الخوف من وعيده؛ ~~لأن العطف ms5225 يقتضي المغايرة. ### || [14.15-17] # قوله: { واستفتحوا } العامة على " استفتحوا " فعلا ماضيا، ~~وفي ضميره أقوال: # أحدها: أنه عائد على الرسل الكرام، ومعنى الاستفتاح: الاستنصار ~~كقوله: # إن تستفتحوا فقد جآءكم الفتح # [الأنفال:19]. # وقيل: طلب الحكم من الفتاحة، وهي الحكومة، كقوله تعالى: # ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت ~~خير الفاتحين # [الأعراف:89]. # الثاني: أن يعود على الكفار، أي استفتح أمم الرسل عليهم؛ كقوله تعالى: # فأمطر علينا حجارة من السمآء # [الأنفال:32] وقيل: عائد على الفريقين؛ لأن كلا طلب النصر على صاحبه. # وقيل: يعود على قريش؛ لأنهم في سني الجدب استمطروا فلم يمطروا، وهو على ~~هذا مستأنف، وأما علىغيره من الأقوال فهو عطف على قوله: " فأوحى إليهم ". # وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن محيصن رضي الله عنهم " واستفتحوا " على لفظ ~~الأمر أمرا للرسل بطلب النصرة، وهي تقوية لعوده في المشهورة على الرسل، ~~والتقدير: قال لهم: لنهلكن، وقال لهم: استفتحوا. # قوله: " وخاب " هو في قراءة العامة عطف على محذوف، وتقديره: استفتحوا، ~~فنصروا، وخاب، ويجوز أن يكون عطفا على " استفتحوا " على أن الضمير فيه ~~للكفار، وفي غيرها على القول المحذوف وقد تقدم أنه يعطف الطلب على الخبر ~~وبالعكس. # إن قلنا: المستفتحون الرسل عليهم الصلاة والسلام، فنصروا وظفروا، وهو ~~قول مجاهد وقتادة، وذلك أنهم لما أيسوا من إيمان قومهم استنصروا الله، ~~ودعوا على قومهم بالعذاب، كما قال نوح صلوات الله عليه : # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا # [نوح:26]. # وإن قلنا: المستفتحون الكفرة كان المعنى أن الكفار استفتحوا على الرسل ~~ظنا منهم أنهم على الحق والرسل على الباطل، وذلك أنهم قالوا: " اللهم ~~إن كان هؤلاء الرسل صادقين فعذبنا " نظيره: # وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من ~~عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا ~~بعذاب أليم # [الأنفال:32]. " وخاب " ما أفلح. وقيل: خسر. وقيل: هلك كل جبار عنيد. ~~والجبار الذي لا يرى فوقه أحدا، والجبرية طلب العلو بما لا غاية ~~وراءه، وهذا الوصف لا يكون إلا لله عز وجل . # وقيل: الجبار الذي يجبر الخلق على مراده، والجبار هنا: ms5226 المتكبر على ~~طاعة الله سبحانه وتعالى وعبادته، ومنه قوله تعالى: # ولم يكن جبارا عصيا # [مريم:14]. # قال أبو عبيدة: " الأجبر يقال فيه جبرية، وجبروة، وجبروت ". # وحكى الزجاج: " الجبر، والجبرية، والجبارة، الجبرياء ". # قال الواحدي: " فهذه سبع لغات في مصدر الجبار، ومنه الحديث: # " أن امرأة حضرت النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها بأمر فأبت ~~عليه، فقال عليه الصلاة والسلام : " دعوها فإنها جبارة " # أي: مستكبرة " ، وأما العنيد فقال أهل اللغة في اشتقاقه: # قال البصريون: أصل العنود: الخلاف، والتباعد، والترك. # وقال غيرهم: أصله من العند وهو الناحية، يقال: هو يمشي عندا، أي: ~~ناحية فهو المعاند للحق بجانبه، قاله مجاهد. # وقال ابن عباس رضي الله عنه: هوالمعرض عن الحق. وقال مقاتل: هو ~~المتكبر وقال قتادة: العنيد الذي أبى أن يقال: لا إله إلا الله. # ثم ذكر كيفية عذابه فقال: " من ورائه " جملة في محل جر صفة ل " ~~جبار " ويجوز أن تكون الصفة وحدها الجار، و " جهنم " فاعل به. # وقوله: " ويسقى " صفة معطوفة على الصفة قبلها. عطف جملة فعلية على اسمية ~~فإن جعلت الصفة الجار وحده، وعلقته بفعل كان من عطف فعلية على فعلية. # وقيل: عطف على محذوف، أي: يلقى فيها، ويسقى. # و " وراء " هنا على بابها، وقيل بمعنى أمام، فهو من الأضداد، وهذا ~~عنى الزمخشري بقوله: " من بين يديه " وأنشد: [الوافر] # 3200 عسى الكرب الذي أمسيت فيه # يكون وراءه فرج قريب # وهو قول أبي عبيدة وابن السكيت، وقطرب، وابن جرير؛ وقال الشاعر في ~~ذلك: [الطويل] # 3201 أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي # وقوم تميم والفلاة ورائيا # أي: قدامي؛ وقال الآخر: [الطويل] # 3202 أليس ورائي إن تراخت منيتي # لزوم العصا تحنى عليها الأصابع # وقال ثعلب: هو اسم لما توارى عنك سواء كان خلفك، أم قدامك فيصح إطلاق ~~لفظ الوراء على الخلف وقدام، ويقال: الموت وراء كل أحد، وقال ~~تعالى: # وكان ورآءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا # [الكهف:79] أي: أمامهم. # وقال ابن الأنباري: وراء بمعنى بعد، قال الشاعر: [الطويل] # 3203................... # وليس وراء الله للخلق مهرب # ومعنى الآية: أنه بعد الخيبة ms5227 يدخلهم جهنم. # قوله: { من مآء صديد } في " صديد " ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه نعت ل " ماء ". وفيه تأويلان: # أحدهما: أنه على حذف أداة التشبيه، أي: ماء مثل صديد، وعلى هذا فليس ~~الماء الذي تشربونه صديدا، بل مثله في النتن، والغلظ، والقذارة، ~~كقوله تعالى: # وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل # [الكهف:29]. # والثاني: أن الصديد لما كان يشبه الماء أطلق عليه ماء، وليس هو بماء ~~حقيقة، وعلى هذا فيكون يشربون نفس الصديد المشبه للماء، وهو قول ابن ~~عطية، وإلى كونه صفة ذهب الحوفي وغيره. وفيه نظر، إذ ليس بمشتق إلا ~~على من فسره بأنه صديد بمعنى مصدود، أخذه من الصد، وكأنه لكراهته ~~مصدود عنه، أي: يمتنع عليه كل أحد. # الثاني: أنه عطف بيان ل " ماء " ، وإليه ذهب الزمخشري، وليس مذهب ~~البصريين [جريانه] في النكرات إنما قال به الكوفيون وتبعهم الفارسي ~~أيضا. # الثالث: أن يكون بدلا، وأعرب الفارسي " زيتونة " من قوله تعالى # من شجرة مباركة زيتونة # [النور:35] عطف بيان أيضا. # واستدل من جوز كونه عطف بيان، ومتبوعه نكرتين بهاتين الآيتين. # والصديد: ما يسيل من أجساد أهل النار. وقيل: ما حال بين الجلد ~~واللحم من القيح. # قوله: " يتجرعه " يجوز أن تكون الجملة صفة ل " ماء " وأن تكون ~~حالا من الضمير في " يسقى " ، وأن تكون مستأنفة، وتجرع: " تفعل ~~" وفيه احتمالات: # أحدها: أنه مطاوع ل " جرعته " نحو " علمته فتعلم ". # والثاني: أنه يكون للتكلف، نحو " تحلم " ، أي: يتكلف جرعه، ولم ~~يذكر الزمخشري غيره. # الثالث: أنه دال على المهلة، نحو تفهمته، أي: يتناوله شيئا فشيئا ~~بالجرع كما يفهم شيئا فشيئا بالتفهيم. # الرابع: أنه بمعنى جرع المجرد، نحو: عددت الشيء وتعديته. # والمعنى: يتحساه ويشربه لا بمرة واحدة، بل يجرعه لمرارته ~~وحرارته. # قوله: { ولا يكاد يسيغه } في " يكاد " قولان: # أحدهما: أن نفيه إثبات، وإثباته نفي، فقوله: { ولا يكاد ~~يسيغه } أي: يسيغه بعد إبطاء؛ لأن العرب تقول: ما كدت أقوم أي: قمت ~~بعد إبطاء، قال تعالى: # فذبحوها وما كادوا يفعلون # [البقرة:71] أي: فعلوا بعد إبطاء، ويدل على حصول الإساغة قوله: # يصهر به ما ms5228 في بطونهم # [الحج:20] ولا يحصل الصهر إلا بعد الإساغة. وقوله: " يتجرعه " يدل ~~على أنهم ساغوا الشيء بعد الشيء. # والقول الثاني: أن " كاد " للمقاربة، فقوله " ولا يكاد " لنفي ~~المقاربة يعني ولم يقارب أن يسيغه، فكيف تحصل الإساغة؟. # كقوله تعالى: # لم يكد يراها # [النور:40]، أي: لم يقرب من رؤياها، فكيف يراها؟. # فإن قيل: فقد ذكرتم الدليل على الإساغة، فكيف يجمع بين القولين؟. # فالجواب من وجهين: # أحدهما: أن المعنى: ولا يسيغ جميعه. # والثاني: أن الدليل الذي ذكرتم إنما دل على وصول بعض ذلك ~~الشراب إلى جوف الكافر، إلا أن ذلك ليس بإساغة؛ لأن الإساغة في ~~اللغة: إجراء الشرب في [الحلق] بقبول النفس، واستطابة المشروب، والكافر ~~يتجرع ذلك الشرب على كراهية ولا يسيغه، أي: لا يستطيبه ولا يشربه شربا ~~مرة واحدة وعلى هذين الوجهين يصح حمل: " لا يكاد " على نفي المقاربة. # قوله: { ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ~~} أي: أن موجبات الموت أحاطت به من جميع الجهات. # واعلم أن الموت يقع على أنواع بحسب أنواع الحياة. # فمنها: ما هو بإزاء القوة النامية الموجودة في الحيوان والنبات، كقوله ~~تعالى: # يحيي الأرض بعد موتها # [الحديد:17]. # ومنها: زوال القوة العاقلة، وهي الجهالة، كقوله تعالى: # أو من كان ميتا فأحييناه # [الأنعام:122] # إنك لا تسمع الموتى # [النمل:80]. # ومنها: الحزن والخوف المكدران للحياة، كقوله تعالى: { ويأتيه ~~الموت من كل مكان وما هو بميت } [إبراهيم:17]. # ومنها: النوم، كقوله تعالى عز وجل # والتي لم تمت في منامها # [الزمر:42]. # وقد قيل: النوم: الموت الخفيف، والموت: النوم الثقيل، وقد يستعار ~~الموت للأحوال الشاقة كالفقر والذل، والسؤال، والهرم، والمعصية، وغير ~~ذلك، ومنه الحديث " أول من مات إبليس لأنه أول من عصى ". # وحديث موسى صلوات الله وسلامه عليه حين قال له ربه: " [أما] ~~تعلم أن من أفقرته فقد أمته ". # ولنرجع إلى التفسير، فنقول: قيل: بحدوث ألم الموت من كل مكان من أعضائه. # وقيل: يأتيه الموت من الجهات الست { وما هو بميت } فيستريح. # قال ابن جريج: تعلق روحه عند حنجرته، ولا تخرج من فيه فيموت، ms5229 ولا ترجع ~~إلى مكانها من جوفه فيستريح فتنفعه الحياة، نظيره: # لا يموت فيها ولا يحيى # [طه:74]. # قوله: { ومن ورآئه عذاب غليظ } في الضمير وجهان: # أظهرهما: أنه عائد على " كل جبار ". # والثاني: أنه عائد على العذاب المتقدم. # قيل: العذاب الغليظ: الخلود في النار. # وقيل: إنه في كل وقت يستقبله يتلقى عذابا أشد مما قبله، وتقدم ~~الكلام على معنى " من ورائه ". ### || [14.18-20] # قوله تعالى: { مثل الذين كفروا بربهم } الآية لما ذكر ~~أنواع عذابهم بين بعده أن سائر أعمالهم تصير ضائعة باطلة، وذلك هو ~~الخسران الشديد. # وفي ارتفاع: " مثل " أوجه: # أحدها: وهو مذهب سيبويه أنه مبتدأ محذوف الخبر، تقديره: فيما يتلى ~~عليكم مثل الذين كفروا ربهم، وتكون الجملة من قوله: { أعمالهم ~~كرماد } مستأنفة جوابا لسؤال مقدر، كأنه قيل: كيف مثلهم؟ فقيل: ~~كيت وكيت " والمثل: مستعار للصفة التي فيها غرابة، كقوله: صفة ~~زيد عرضه مصون، وماله مبذول ". # الثاني: أن يكون " مثل " مبتدأ، و " أعمالهم " مبتدأ ثان، و " كرماد ~~" خبر الثاني، والثاني وخبره خبر المبتدأ الأول. # قال ابن عطية: " وهذا عندي أرجح الأقوال، وكأنك قلت: المتحصل في ~~النفس مثالا للذين كفروا هذه الجملة المذكورة " وإليه نحا الحوفي. # قال أبو حيان: " وهو لا يجوز؛ لأن الجملة التي وقعت خبرا للمبتدأ لا ~~رابط فيها يربطها بالمبتدأ، وليست نفس المبتدأ فيستغنى عن رابط ". # قال شهاب الدين رحمه الله : " بل الجملة نفس المبتدأ، فإن نفس ~~مثلهم هو " أعمالهم كرماد " في أن كلا منهما لا يفيد شيئا، ~~ولا يبقى له أثر، فهو نظير قولك: " هجيرى أبي بكر لا إله إلا ~~الله " وإلى هذا الوجه ذهب الزمخشري أيضا؛ فإنه قال: " أي صفة الذين ~~كفروا أعمالهم كرماد، كقولك: " صفة زيد عرضه مصون وماله مبذول " ~~فنفس عرضه مصون هو نفس صفة زيد ". # الثالث: أن " مثل " زائدة، قاله الكسائي والفراء، أي: الذين كفروا ~~أعمالهم كرماد، ف " الذين " مبتدأ، و " أعمالهم " مبتدأ ثان و " ~~كرماد " خبره، وزيادة الأسماء ممنوعة. # الرابع: أن يكون " مثل " مبتدأ، و " أعمالهم " بدل منه على تقدير: ~~مثل أعمالهم و " كرماد " الخبر، ms5230 قاله الزمخشري. وعلى هذا فهو بدل كل ~~من كل على حذف مضاف كما تقدم. # الخامس: أنه يكون " مثل " مبتدأ، و " أعمالهم " بدل منه بدل اشتمال و " ~~كرماد " الخبر. كقول الزباء: [الرجز] # 3204 ما للجمال مشيها وئيدا # أجندلا يحملن أم حديدا # السادس: أن يكون التقدير: مثل أعمال الذين كفروا، أو هذه الجملة خبرا ~~لمبتدأ، قال الزمخشري. # السابع: أن يكون " مثل " مبتدأ، و " أعمالهم " خبره، أي: مثل ~~أعمالهم فحذف المضاف، و " كرماد " على هذا خبر مبتدأ محذوف. # وقال أبو البقاء حين ذكر وجه البدل: " ولو كان في غير القرآن لجاز ~~إبدال " أعمالهم " من: " الذين " ، وهو بدل اشتمال ". # يعنى أنه كان يقرأ " أعمالهم " مجرورة لكنه لم يقرأ به. # " والرماد معروف وهو ما سحقته النار من الأجرام، وجمعه في الكثرة على ~~رمد وفي القلة على أرمدة، كجماد وجمد وأجمدة، وجمعه على ~~أرمداء شاذ ". # والرماد: الشبه المحكم، يقال: أرمد الماء، أي: صار بلون ~~الرماد. # والأرمد: ما كان على لون الرماد، وقيل للبعوض: رمد لذلك، ~~ويقال: رماد رمدد، أي: صار هباء. # قوله تعالى: { اشتدت به الريح } في محل جر صفة ل " رماد " ~~، و " في يوم " متعلق ب " اشتدت " وفي " عاصف " أوجه: # أحدها: أنه على تقرير: عاصف ريحه، أو عاصف الريح، ثم حذف الريح وجعلت ~~الصفة ل " يوم " مجازا، كقولهم: يوم ماطر، وليل قائم. # قال الهروي: فحذفت لقتدم ذكرها، كما قال: [الطويل] # 3205 إذا جاء يوم مظلم الشمس كاسف # .................... # أي: كاسف الشمس. # الثاني: أنه عائد على النسب، أي: ذي عصوف، كلابن وتامر. # الثالث: أنه خفض على الجوار، أي: كان الأصل أن يتبع العاصف الريح في ~~الإعراب، فيقال: اشتدت به الريح العاصفة في يوم، فلما وقع بعد اليوم ~~أعرب بإعرابه، كقولهم: " جحر ضب خرب ". # وفي جعل هذا من باب الخفض على الجوار نظر؛ لأن من شرطه أني يكون بحيث ~~لو جعل صفة لما قطع عن إعرابه ليصح كالمثال المذكور، وهنا لو جعلت صفة ~~للريح لم يصح لتخالفها تعريفا، وتنكيرا في هذا [التركيب] الخاص. # وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق: ms5231 [ " يوم عاصف " ] وهني على حذف ~~الموصوف، أي: في يوم ريح عاصف، فحذف لفهم المعنى الدال على ذلك. # ويجوز أن يكون من باب إضافة الموصوف إلى صفته عند من يرى ذلك نحو: " ~~البقلة الحمقاء ". ويقال: ريح عاصف ومعصف، وأصله من العصف، ~~وهو ما يكبر من الزرع، فقيل ذلك للريح الشديد؛ لأنها تعصف، أي: تكسر ما ~~تمر به, # قوله: " لا يقدرون " مستأنف، ويضعف أن يكون صفة ب " يوم " على ~~حذف العائد أي: لا يقدرون فيه، و " مما كسبوا " متعلق بمحذوف لأنه ~~حال من " شيء " إذ لو تأخر لكان صفة، والتقدير: على شيء مما كسبوا. # فصل # وجه المشابهة بين هذا المثل وبين أعمالهم: هو أن الريح العاصفة تطير ~~الرماد وتفرق أجزاءه بحيث لا يبقى لذلك الرماد أثر، فكذا كفرهم يبطل ~~أعمالهم ويحبطها بحيث لا يبقى من أعمالهم معه أثر. واختلفوا في المراد ~~بتلك الأعمال، فقيل: ما عملوه من أعمال البر كالصدقة، وصلة الرحم، وبر ~~الواليدن، وإطعام الجائع، فتبطل وتحبط بسبب كفرهم بالله، ولولا كفرهم ~~لانتفعوا بها. # وقيل: المراد بتلك الأعمال عبادتهم الأصنام، وكفرهم الذي اعتقدوه ~~إيمانا وطريقا لخلاصهم، وأتعبوا أبدانهم دهرا طويلا لينتفعوا بها، ~~فصارت وبالا عليهم. # وقيل: المراد من أعمالهم كلا القسمين؛ لأن أعمالهم التي كانت في ~~أنفسها خيرات قد بطلت، والأعمال التي اعتقدوها خيرا، وأفنوا فيها ~~أعمالهم بطلت أيضا، وصارت في أعظم الموجبات لعذابهم، ولا شك أنه يعظم ~~حسرتهم وندامتهم ولذلك قال: { هو الضلال البعيد }. # قوله: { ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض ~~بالحق } الآية لما بين بطلان أعمالهم بسبب كفرهم، وإعراضهم عن قبول ~~الحق، وأن الله تعالى لا يبطل أعمال المخلصين ابتداء، وكيف يليق ~~بالحكمة أن يفعل ذلك والله تعالى ما خلق هذا العالم إلا لرعاية الحكمة ~~والصواب. # قوله تعالى: { ألم تر } قرأ أبو عبد الرحمن رحمه الله تعالى: بسكون ~~الراء، وفيه وجهان: # أحدهما: أنه أجرى الوصل مجرى الوقف. # والثاني: أن العرب حذفت لام الكلمة عند عدم الجازم، فقالوا: " ولو ~~تر ما الصبيان " فلما دخل الجازم تخيلوا أن الراء محل ms5232 الجزم، ~~ونظيره " لم أبل " فإن أصله: أبالي، ثم حذفوا لامه رفعا، فلما ~~جزموه لم يعتدوا بلامه، وتوهموا الجزم في اللام، والرؤية هنا قلبية ف ~~" أن " في محل المفعولين، أو أحدهما على الخلاف. # وقرأ الأخوان هنا: " (خالق السماوات والأرض) " خالق " اسم فاعل مضاف ~~لما بعده فلذلك خفضوا ما عطف عليه، وهو " الأرض " ، وفي " النور ": " ~~خالق كل دابة " [أية:45] اسم فاعل مضاف لما بعده، والباقون: " ~~خلق " فعلا ماضيا، ولذلك نصبوا: " الأرض " و # كل دآبة # [النور:45] وكسر " السموات " في قراءة الأخوين خفض، وفي قراءة غيرهما ~~نصب، ولو قيل: في قراءة الأخوين: يجوز نصب " الأرض " على أحد وجهين، ~~إما على المحل وإما على حذف التنوين لالتقاء الساكنين، فتكون " ~~السموات " منصوبة لفظا وموضعا لم يمتنع ولكن لم يقرأ به. # و " بالحق " متعلق به " خلق " على أن الباء سببية، أو بمحذوف ~~على أنها حالية إما من الفاعل، أي: محقا، أو من المفعول، أي: ~~متلبسة بالحق. # قوله " بالحق " تقدم نظيره في يونس # ما خلق الله ذلك إلا بالحق # [يونس:5] أي: لم يخلق ذلك عبثا بل لغرض صحيح. # ثم قال عز وجل { إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق ~~جديد } والمعنى: من كان قادرا على خلق السموات والأرض بالحق، فبأن ~~يقدر على [إفناء] قوم إماتتهم وعلى إيجاد آخرين أولى؛ لأن القادر على ~~الأصعب الأعظم؛ يقدر على الأسهل الأضعف بطريق الأولى. # قال ابن عباس رضي الله عنهما : هذا الخطاب مع كفار مكة يريد ~~أميتكم يا معشر الكفار، وأخلق قوما خيرا منكم وأطوع منكم. # { وما ذلك على الله بعزيز } أي: ممتنع لما ذكرنا من ~~الأولوية. ### || [14.21-23] # قوله: { وبرزوا لله جميعا } الآية لما ذكر عذاب الكفار ~~وبطلان أعمالهم ذكر هنا كيفية حجتهم عند تمسك أتباعهم، وكيفية افتضاحهم ~~عندهم. # و " برز " معناه في اللغة: ظهر بعد الخفاء، ومنه يقال للمكان ~~الواسع البراز لظهوره. # وقيل: في قوله تعالى: # وترى الأرض بارزة # [الكهف:47] أي: ظاهرة لا يسترها شيء وامرأة برزة: إذا كانت تظهر ~~للناس، ويقال: فلان برز على أقرانه، إذا فاقهم وسبقهم، وأصله في الخيل ~~إذا ms5233 سبق أحدهما قيل: برز عليها كأنه قد خرج من غمارها. # وورد بلفظ الماضي وإن كان معناه الاستقبال؛ لأن كل ما أخبر الله عنه ~~فهو حق وصدق، فصار كأنه قد حصل، ودخل في الوجود، كقوله تعالى: # ونادى أصحاب النار # [الأعراف:50]. # فصل # البروز في اللغة قد تقدم أنه بمعنى الظهور بعد الاستتار وهذا ~~في حق الله محال، فلا بد من التأويل، وهو من وجوه: # الأول: أنهم كانوا يستترون من الغير عند ارتكاب الفواحش ويظنون أن ذلك ~~يخفى على الله تعالى فإذا كان يوم القيامة انكشفوا عند الله تعالى ~~ وعلموا أن الله لا يخفى عليه خافية. # والثاني: أنهم خرجوا من قبورهم، فبرزوا لحساب الله تعالى قالت ~~الحكماء: # إن النفس إذا فارقت الجسد فكأنه زال الغطاء، وبقيت متجردة بذاتها ~~عارية عن كل ما سواها وذلك هو البروز لله تعالى . # ثم حكى أن الضعفاء يقولون للرؤساء " إنا كنا لكم تبعا " أي: إنما ~~اتبعناكم لهذا اليوم " فهل أنتم مغنون " دافعون: { عنا من ~~عذاب الله من شيء }. # و " تبعا " يجوز أن يكون جمع تابع، كخادم وخدم، وغائب وغيب ~~ونافر ونفر، وحارس وحرس، وراصد ورصد. # ويجوز أن يكون مصدرا، نحو: قوم عدل، ففيه التأويلات المشهورة. # قوله: { من عذاب الله من شيء } في " من " و " من " ~~[أربعة] أوجه: # أحدها: أن " من " الأولى للتبيين، والثانية للتبعيض، تقديره: مغنون ~~عنا بعض الشيء الذي هو عذاب الله، قاله الزمشخري. # قال أبو حيان: هذا يقتضي التقديم في قوله: " من شيء " على قوله: " من ~~عذاب الله "؛ لأنه جعل " من شيء " هو المبين بقوله: " من عذاب الله " و " ~~من " التبيينية مقدم عليها ما تبينه ولا يتأخر. # قال شهاب الدين: كلام الزمخشري صحيح من حيث المعنى؛ فإن " من عذاب ~~الله " لو تأخر عن " شيء " كان صفة له، ومبينا، فلما تقدم انقلب إعرابه ~~من الصفة إلى الحال، وأما معناه وهو البيان فباق لم يتغير. # الثاني: أن يكونا للتبعيض معا، بمعنى: هل أنتم مغنون عنا بعض شيء هو ~~بعض عذاب الله؛ أي: بعض بعض عذاب الله، قاله الزمخشري. ms5234 # قال أبو حيان: وهذا يقتضي أن يكون بدلا، فيكون بدل عام من خاص، وهذا لا ~~يقال؛ فإن بعضية الشيء مطلقة، فلا يكون لها بعض. # قال شهاب الدين: لا نزاع أنه يقال: بعض البعض، وهي عبارة متداولة، وذلك ~~البعض المتبعض هو كل لأبعاضه بعض لكله، وهذا كالجنس المتوسط، هو نوع لما ~~فوقه، جنس لما تحته. # الثالث: أن " من " في " من شيء " مزيدة، و " من " في " من ~~عذاب " فيها وجهان: # أحدهما: أن تتعلق بمحذوف؛ لأنها في الأصل صفة ل " شيء " فلما تقدمت ~~نصبت على الحال. # والثاني: أنها تتعلق بنفس " مغنون " على أن يكون " من شيء " واقعا موقع ~~المصدر، أي: غناء، ويوضح هذا ما قاله أبو البقاء رحمه الله تعالى ~~قال: و " من " زائدة أي شيئا كائنا من عذاب الله سبحانه وتعالى، ويكون ~~محمولا على المعنى، تقديره: هل تمنعون عنا شيئا؟ ويجوز أن يكون " شيء " ~~واقعا موقع المصدر، أي غناء، فيكون " من عذاب الله " متعلقا ب " مغنون ~~" ، و " من " في " من شيء " لاستغراق الجنس زائدة للتوكيد. # فصل # هذه التبعية يحتمل أن يكون المراد منها التبعية في الكفر، ويحتمل أن ~~يكون المراد منها التبعية في أحوال الدنيا، فعند ذلك قال الذين استكبروا ~~للضعفاء: " لو هدانا الله لهديناكم " قال ابن عباس رضي الله عنهما: معناه ~~لو أرشدنا الله لأرشدناكم. قال الواحدي: معناه أنهم إنما دعوهم إلى ~~الضلال؛ لأن الله تعالى أضلهم فلم يهدهم، فدعوا أتباعهم إلى الضلال، ولو ~~هداهم لدعوهم إلى الهدى. # قال الزمخشري: لعلهم قالوا ذلك مع أنهم كذبوا فيه، ويدل عليه قوله تعالى ~~حكاية عن المنافقين: # يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما ~~يحلفون # [المجادلة:18]. # واعلم أن المعتزلة لا يجوزون صدور الكذب على أهل القيامة، فكان هذا ~~القول منه مخالفا لأصول مشايخه، فلا يقبل. # وقال الزمخشري: يجوز أن يكون المعنى: لو كنا من أهل اللطف، فلطف بنا ~~ربنا فهدانا إلى الإيمان لهديناكم إلى الإيمان. # وذكر القاضي هذا الوجه وزيفه بأن قال: لا يجوز حمل هذا على اللطف؛ لأن ~~ذلك قد فعله الله تعالى. ms5235 # وقيل: لو خلصنا الله من العذاب، وهدانا إلى طريق الجنة، لهديناكم؛ بدليل ~~أن هذا هو الذي التمسوه وطلبوه. # قوله: { سوآء علينآ } إلى آخره فيه قولان: # أحدهما: أنه من كلام المستكبرين. # والثاني: أنه من كلام المستكبرين والضعفاء معا، وجاءت كل جملة مستقلة ~~من غير عاطف دلالة على أن كلا من المعاني مستقل بنفسه كاف في الإخبار، ~~وقد تقدم الكلام في التسوية والهمزة بعده في أول البقرة. # والجزع: عدم احتمال الشدة، قال امرؤ القيس: [الطويل] # 3206 جزعت ولم أجزع من البين مجزعا # وعزيت قلبا بالكواعب مولعا # وقال الراغب: " أصل الجزع: قطع الحبل، يقال: جزعته فانجزع ~~ومنه: جزع الوادي لمنقطعه، ولانقطاع اللون بتغيره. # وقيل للخرز المتلون: جزع، واللحم المجزع: ما كان ذا لونين ~~والبسرة المجزعة: أن تبلغ الأرطاب نصفها، والجاذع: خشبة تجعل في وسط ~~البيت فتلقى عليها رؤوس الخشب من الجانبين، وصور الجزعة لما حمل عليه من ~~العبء أو لقطعه بطوله وسط البيت ". # والجزع أخص من الحزن، فإن الجزع حزن يصرف الإنسان عما هو بصدده. # والمحيص: يكون مصدرا كالمغيب والمشيب، ويكون اسم مكان، ~~كالمبيت والمضيق ويقال: حاص عنه وحاض بمعنى واحد، ويقال: خاض ~~بالضاد المعجمة، وجصنا بها بالجيم. # والمعنى: ما لنا من ملجأ ولا مهرب. فقام إبليس عند ذلك فخطبهم فقال { ~~إن الله وعدكم وعد الحق }. # قوله: { وعد الحق } يجوز أن يكون من باب إضافة الموصوف لصفته، ~~كقوله تعالى: # وحب الحصيد # [ق:9] ومسجد الجامع، أي: الوعد الحق، وأن يراد ب " الحق " صفة الباري ~~ تعالى ، أي: وعدكم الله وعده الحق، وأن يراد ب " الحق " البعث، ~~والجزاء على الأعمال، فتكون إضافة صريحة. # وقيل: وعدكم الحق ثم ذكر المصد تأكيدا، وفي الكلام إضمار من وجهين: # الأول: التقدير: أن الله وعدكم وعد الحق فصدقكم ووعدتكم فأخلفتكم وحذف ~~لدلالة الحال على صدق ذلك الوعد؛ لأنهم شاهدوه. # والثاني: قوله: ووعدتكم فأخلفتكم الوعد، يقتضي مفعولا ثانيا، وحذف ~~للعلم به تقديره: ووعدتكم أن لا جنة، ولا نار، ولا حشر، ولا حساب. # فصل # لما [ذكر] الله سبحانه وتعالى المناظرة التي وقعت بين ms5236 الرؤساء ~~والأتباع أردفها بالمناظرة التي وقعت بين الشيطان وأتباعه فقال: { ~~وقال الشيطان لما قضي الأمر } قال المفسرون: إذا استقر ~~أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار أخذ أهل النار في لوم ~~إبليس وتقريعه، فيقوم فيما بينهم خطيبا، فيقول: " إن الله وعدكم ~~وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم ". # وقيل: المراد من قوله تعالى: { لما قضي الأمر } أي: لما انقضت ~~المحاسبة والمراد من الشيطان: إبليس لعنه الله!. # قوله تعالى: { وما كان لي عليكم من سلطان } أي: قدرة ~~وتسلط، وقهر فأقهركم على الكفر والمعاصي. # قوله: { إلا أن دعوتكم } فيه وجهان: # أظهرهما: أنه استثناء منطقع؛ لأن دعاءه ليس من جنس السلطان، وهو ~~الحجة البينة فهو كقولكم: ما تحيتم إلا الضرب. # والثاني: أنه متصل؛ لأن القدرة على حمل الإنسان على الشر تارة تكون ~~بالقهر وتارة بتقوية الداعية في قلبه بإلقاء الوسوسة في قلبه، فهو نوع من ~~التسلط. # وقرىء " فلا يلوموني " بالياء من تحت الالتفات، كقوله تعالى: # حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم # [يونس:22]. # ظاهر هذه الآية يدل على أن الشيطان لا قدرة له على صرع الإنسان وتعويج ~~أعضائه وجوارحه وإزالة عقله كما يقوله العوام. # ومعنى الآية: ما كان مني إلا الدعاء والوسوسة وأنتم سمعتم دلائل الله ~~وشاهدتم مجيء أنبياء الله؛ فكان من الواجب أن لا تغتروا بقولي، ولا ~~تلتفتوا إلي، فلما رجحتم الوسوسة على الدلائل الظاهرة كان اللوم ~~عليكم لا علي. # قالت المعتزلة: هذه الآية تدل على أشياء: # أحدها: أنه لو كان الكفر والمعصية من الله تعالى لوجب أن يقال: فلا ~~تلوموني ولا تلوموا أنفسكم فإن الله تعالى قضى عليكم بالكفر، ~~وأجبركم عليه. # والثاني: أن ظاهر هذه الآية يدل على أن الشيطان لا قدرة له على ~~تصريع الإنسان، ولا على تعويج أعضائه وإزالة عقله. # والثالث: يدل على أن الإنسان لا يجوز لومه، وذمه، وعقابه بسبب فعل ~~الغير، وعند هذا يظهر أنه لا يجوز عقاب أولاد الكفار بسبب كفر آبائهم. # وأجاب بعضهم عن هذه الوجوه: بأن هذا قول الشيطان، فلا يجوز التمسك به. # وأجاب الخصم عنه: ms5237 بأنه لو كان هذا القول منه باطلا لبينه الله تعالى ~~ وأظهر إنكاره، فلا فائدة من ذلك اليوم في ذكر الكلام الباطل، والقول ~~الفاسد. # ألا ترى أن قوله: { إن الله وعدكم وعد الحق ~~ووعدتكم فأخلفتكم } كلام حق، وقوله { وما كان لي ~~عليكم من سلطان } قول حق بدليل قوله تعالى: # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من ~~اتبعك من الغاوين # [الحجر:42]. # قال ابن الخطيب رحمه الله : دلت هذه الآية على أن الشيطان [الأصلي] ~~هو النفس؛ لأن الشيطان بين أنه ما أتى إلا بالوسوسة، فلولا الميل ~~الحاصل بسبب الشهوة، والغضب، والوهم، والخيال لم يكن لوسوسته تأثير ~~ألبتة، فدل على أن الشيطان الأصلي هو النفس. # فإن قيل: لم قال الشيطان: " فلا تلوموني ولوموا أنفسكم " وهو ~~ملوم بسبب وسوسته؟. # فالجواب: أراد لا تلوموني على فعلكم: " ولوموا أنفسكم " عليه؛ لأنكم ~~عدلتم عما توجه من هداية الله تعالى لكم. # قوله تعالى: { مآ أنا بمصرخكم ومآ أنتم بمصرخي ~~} العامة على فتح الياء؛ لأن الياء المدغم فيها تفتح أبدا، لا سيما ~~وقبلها كسرتان. # وقرأ حمزة بكسرها، وهي لغة بني يربوع، وقد اضطربت أقوال الناس في هذه ~~القراءة اضطرابا شديدا، فمن مجترىء عليها، ملحن لقارئها، ومن مجوز ~~لها من غير ضعف قال: إنها لغة بني يربوع، والأصل: بمصرخين لي [فحذفت] ~~النون للإضافة وأدغمت ياء الجماعة في ياء الإضافة، ومن مجوز لها بضعف. # قال حسين الجعفي رحمه الله : سألت أبا عمرو عن كسر الياء؛ فأجازه ~~وهذه الحكاية تحكى عنه بطرق كثيرة منها ما تقدم. # ومنها: سألت أبا عمرو، قلت: إن أصحاب النحو يلحنوننا فيها، فقال: هي ~~جائزة أيضا، إنما أراد تحريك الياء، فلست تبالي إذا حركتها إلى أسفل ~~أم إلى فوق. # وعنه: من شاء فتح، ومن شاء كسر. # ومنها: أنه قال: بالخفض حسنة، وعنه قال: قدم علينا أبو عمرو بن العلاء ~~فسألته عن القرآن، فوجدته به عالما، فسألته عن شيء قرأ به الأعمش، ~~[واستقرأ] به: { ومآ أنتم بمصرخي } بالجر، فقال: هي جائزة، ~~فلما أجازها وقرأ بها الأعمش أخذت بها. # وقد ms5238 أنكر أبو حاتم على أبي عمرو تحسينه لهذه القراءة، ولا التفات إليه؛ ~~لأنه علم من أعلام القرآن، واللغة، والنحو، واطلع على ما لم يطلع عليه ~~من فوق السجستاني: [البسيط] # 3207 وابن اللبون إذا ما لز في قرن # لم يستطع صولة البزل القناعيس # ثم ذكر العلماء في ذلك توجيهات: # منها: أن الكسر على أصل التقاء الساكنين، وذلك أن ياء الإعراب ساكنة ~~وياء المتكلم أصلها السكون، فلما التقيا كسرت؛ لالتقاء الساكنين. # الثاني: أنها تشبه هاء الضمير في أن كلا منهما ضمير على حرف واحد و ~~" هاء " الضمير توصل بواو إذا كانت مضمومة، وبياء إذا كانت مكسورة، وتكسر ~~بعد الكسرة والياء ساكنة؛ فتكسر كما تكسر الهاء في: " عليه " ، وبنو ~~يربوع يصلونها بياء كما يصل ابن كثير نحو " عليهي " بياء، فحمزة كسر هذه ~~الياء من غير صلة، إذ أصله يقتضي عدمها. # وزعم قطرب أنها لغة بني يربوع. # قال: يزيدون على ياء الإضافة ياء؛ وأنشد: [الرجز] # 3208 ماض إذا ما هم بالمضي # قال لها: هل لك يا تافي # وأنشده الفراء وقال: فإن يك ذلك صحيحا، فهو مما يلتقي من الساكنين ~~فنخفض الآخر منها. # وقال أبو علي: قال الفراء في كتاب التصريف له: زعم القاسم بن معن ~~أنه صواب، وكان ثقة بصيرا. # وممن طعن عليها أبو إسحاق قال: هذه القرءاة عند جميع النحويين رديئة ~~مرذولة، ولا وجه لها إلا وجه ضعيف. # وقال أبو جعفر: " صار هذا إدغاما، ولا يجوز أن يحمل كتاب الله عز ~~وجل على الشذوذ ". # وقال الزمخشري: هي ضعيفة، واستشهدوا لها ببيت مجهول: [الرجز] # 3209 قال لها: هل لك يا تافي # قالت له: ما أنت بالمرضي # وكأن قدر ياء الإضافة ساكنة، وقبلها ياء ساكنة فحركها بالكسر لما عليه ~~أصل التقاء الساكنين، ولكنه غير صحيح؛ لأن ياء الإضافة لا تكون إلا ~~مفتوحة حيث قبلها ألف نحو: عصاي، فما بالها وقبلها ياء؟. # فإن قلت: جرت الياء الأولى مجرى الحرف الصحيح لأجل الإدغام، فكأنها ياء ~~وقعت بعد حرف صحيح ساكن فحركت بالكسر على الأصل. # قلت: هذا قياس ms5239 حسن، ولكن الاستعمال المستفيض الذي هو بمنزلة الخبر ~~المتواتر تتضاءل إليه القياسات. # قال أبو حيان رحمه الله تعالى : " أما قوله: واستشهدوا لها ببيت ~~مجهول، فقد ذكر غيره أنه للأغلب العجلي، وهي لغة باقية في أفواه كثير من ~~الناس إلى اليوم، يقولون: ما في أفعل كذا بكسر الياء ". # قال شهاب الدين: الذي ذكره صاحب هذا الرجز هو الشيخ أو شامة قال ~~ورأيته أنا في أول ديوانه، وأول هذا الرجز: # 3210 أقبل في ثوب معافري # عند اختلاط الليل والعشي # ثم قال أبو حيان: وأما التقدير الذي ذكره فهو توجيه الفراء نقله عن ~~الزجاج وأما قوله: في غضون كلامه حيث قبلها ألف، فلا أعلم " حيث " يضاف ~~إلى الجملة المصدرة بالظرف، نحو: " قعد زيد حيث أمام عمرو بكر، فيحتاج ~~هذا التركيب إلى سماع ". # قال شهاب الدين رحمه الله : " إطلاق النحاة قولهم: إنها تضاف إلى ~~الجمل كاف في هذا، ولا يحتاج تتبع كل فرد فرد مع إطلاقهم القوانين ~~الكلية ". # ثم قال: وأما قوله: لأن ياء الإضافة إلى آخره، قد روي بسكون الياء بعد ~~الألف، وقد قرأ بذلك القراء، نحو: # ومحياي # [الأنعام:162]. # قال شهاب الدين: مجيء السكون في هذه الياء لا يفيده ههنا، وإنما كان ~~يفيده لو جاء بها مكسورة بعد الألف فإنه محل البحث، وأنشد النحاة بيت ~~الذبياني بالكسر والفتح، وهو قوله: [الطويل] # 3211 علي لعمرو نعمة بعد نعمة # لوالده ليست بذات عقارب # وقال الفراء في كتاب " المعاني " له: " وقد خفض الياء من " مصرخي " ~~الأعمش ويحيى بن وثاب جميعا حدثني بذلك القاسم بن معن عن الأعمش، ~~ولعلها من وهم القراء فإنه قل من سلم منهم من الوهم، ولعله ظن أن ~~الياء في { بمصرخي } خافضة للفظ كله، والياء للمتكلم خارجة عن ~~ذلك، قال: ومما [نرى] أنهم وهموا فيه قوله # نوله ما تولى ونصله جهنم # [النساء:115] بالجزم في الهاء " ، ثم ذكر غير ذلك. # وقال أبوعبيد: أما الخفض فإنا نراه غلطا؛ لأنهم ظنوا أن الياء ~~تكسر كل ما بعدها، وقد كان في القراء من يجعله لحنا، ولا أحب ms5240 أن أبلغ ~~به هذا كله، ولكن وجه القراءة عندنا غيرها. # وقال الأخفش: " ما سمعت بهذا من أحد من العرب ولا من أحد من النحويين ". # قال النحاس: فصار هذا إجماعا، ولا يجوز، فقد تقدم ما حكاه الناس ~~من أنها لغة ثابتة لبعض العرب. # وقد انتدب لنصرة هذه القراءة أبو علي الفارسي قال في حجته: " وجه ذلك ~~أن الياء ليست تخلو من أن تكون في موضع نصب أو جر، فالياء في النصب والجر ~~كالهاء فيهما وكالكاف في " أكرمتك " وهذا لك، فكما أن الهاء قد ~~لحقها الزيادة في " هذا لهو، وضربهو " ، ولحق الكاف أيضا الزيادة في قول ~~من قا ل: " أعطاكه " و " أعطيتكه " فيما حكاه سيبويه وهما أختا ~~الياء، ولحقت الياء الزيادة في قول الشاعر: [الهزج] # 3212 رميتيه فأصميت # وما أخطأت [في] الرميه # كذلك الحقوا الياء الزائدة من المد، فقالوا: في، ثم حذفت الياء ~~الزائدة على الياء كما حذفت الزيادة من الهاء في قول من قال: [الطويل] # 3213........................ # ...................... له أرقان # وزعم أبو الحسن: أنها لغة ". ومراد أبي علي بالتنظير بالبيت في قوله: ~~" له أرقان " حذف الصلة، واتفق أن في البيت أيضا حذف الحركة ولو مثل ~~بنحو " عليه " و " فيه " لكان أولى. # ثم قال الفارسي: كما حذفت الزيادة من الكاف فقيل: أعطيتكه، وأعطيتكيه ~~كذلك حذفت الياء اللاحقة للياء كما حذفت من أختها، وأقرت الكسرة التي ~~كانت تلي الياء المحذوفة فبقيت الياء على ما كانت عليه من الكسر. # قال: فإذا كانت الكسرة في الياء على هذه اللغة، وإن كان من غيرها أفشى ~~منها، وعضده من القياس ما ذكرنا ما لم يجز. # لقائل أن يقول: إن القراءة بذلك لحن، [لاستقامة] ذلك في السماع ~~والقياس، وما كان كذلك لا يكون لحنا، وهذا [التوجيه] يوضح التوجيه ~~الثاني الذي تقدم ذكره، وأما التوجيه الأول فأوضحه الفراء أيضا. # قال الزجاج: " أجاز الفراء على وجه ضعيف الكسر؛ لأن أصل التقاء الساكنين ~~الكسر ". # قال الفراء: " ألا ترى أنهم يقولون: مذ اليوم، ومذ اليوم، والرفع في ~~الذال هو الوجه؛ لأنه أصل حركة " مذ " والخفض ms5241 جائز، فكذلك الياء من " ~~مصرخي " خفضت ولها أصل في النصب ". # قال شهاب الدين: تشبيه الفراء المسألة ب " مذ اليوم " فيه نظر؛ لأن ~~الحرف الأول صحيح لم يتوالى قبله كسر، بخلاف ما نحن فيه، وهذا هو الذي ~~عناه الزمخشري بقوله المتقدم: فكأنها وقعت بعد حرف صحيح، وقد اضطرب ~~النقل عن الفراء في هذه المسألة كما ترى من [نقل] بعضهم عنه، التخطئة مرة ~~[والتصويب] أخرى، ولعل الأمر كذلك فإن العلماء يسألون فيجيبون مما ~~يحضرهم حال السؤال، وهي مختلفة التوجيه. # الثالث: أن الكسر للإتباع لما بعدها، وهو كسر الهمزة من " إني " ~~كقراءة " الحمد لله " وكقولهم: بعير وشعير، وشهيد، بكسر ~~أوائلها إتباعا لما بعدها وهو ضعيف جدا. # التوجيه الرابع: أن المسوغ لهذا الكسر في الياء، وإن كان مستقلا أنها ~~لما أدغمت فيها التي قبلها قويت بالإدغام، فأشبهت الحروف الصحاح فاحتملت ~~الكسر لأنه إنما يستثقل فيها إذا حذفت، وانكسر ما قبلها، ألا ترى أن ~~حركات الإعراب تجري على المشدد، ما ذاك إلا إلحاقه بالحروف الصحاح. # والمصرخ: المغيث: يقال: استصرخته فأصرخني، أي: فأغاثني فكأن ~~همزه للسكت، أي: أ زال صراخي. والصارخ: هو المستغيث، قال: ~~[الطويل] # 3214 فلا تجزعوا إني لكم غير مصرخ # وليس لكم عندي غناء ولا نصر # ويقال: صرخ يصرخ صرخا وصرخة؛ قال: [البسيط] # 3215 كنا إذا ما أتانا صارخ فزع # كان الصراخ له قرع الظنابيب # يريد: كان بدل [الصراخ]، فحذف المضاف، وأقام المصدر الثلاثي مقام المصدر ~~الرباعي، نحو # أنبتكم من الأرض نباتا # [نوح:17]. # والصريخ: القوم المستصرخون، قال: [الكامل] # 3216 قوم إذا سمعوا الصريخ رأيتهم # ما بين ملجم مهره أو سافع # والصريخ: أيضا: المعينون، فهو من الأضداد، وهو محتمل أن يكون ~~[وصفا] على " فعيل " كالخليط، وأن يكون مصدرا في الأصل، قال " فلا ~~صريخ لهم " ، فهذا يحتمل، وأن يكون فعيلا بمعنى المفعل، أي: فلا ~~مصرخ لهم، أي: ناصر وتصرخ تكلف الصراخ. # قوله: { إني كفرت بمآ أشركتمون من قبل } يجوز في " ~~ما " وجهان: # [أحدهما: أن يكون بمعنى الذي، ثم في المراد بعد الموصول وجهان:] # أحدهما: أنه الأصنام، ms5242 تقديره: بالصنم الذي أشركتموني به، أي: بالصنم ~~الذي أطعتموني كما أطعتموه، كذا قال أبو البقاء، والعائد محذوف، فقدره ~~أبو البقاء: بما أشركتموني به، ثم حذف يعني بعد حذف الجار، ووصول الفعل ~~إليه، ولا حاجة إلى تقديره مجرورا بالياء؛ لأن هذا الفعل متعد لواحد، ~~نحو: شركت زيدا، فلما دخلت همزة الفعل أكسبته ثانيا، هو العائد، تقول: ~~أشركت زيدا عمرا، أي جعلته شريكا له. # الثاني: أنه الباري تعالى ، أي: بما أشركتموني به، أي: بالله تعالى. # قال القرطبي: المعنى: أن إبليس قال: إني كفرت بالله الذي أشركتموني به ~~من قبل كفركم، أي: أن كفره كان قبل كفر أتباعه، وتكون " ما " بمعنى " ~~من " والكلام في العائد كما تقدم، إلا أن فيه إيقاع " ما " على ~~العاقل والمشهور أنها لغير العاقل. # قال الزمخشري: " ونحو " ما " هذه " ما " في قوله: " سبحان ما ~~سخركن لنا " ومعنى إشراكهم الشيطان بالله تعالى طاعتهم له فيما كان ~~يزينه لهم من عبادة الأوثان ". # قال أبو حيان: " ومن منع ذلك جعل سبحان هنا علما على معنى التسبيح، ~~كما جعل " برة " علما للمبرة، و " ما " مصدرية ظرفية " ، أي: فيكون ~~على حذف مضاف أي: سبحان صاحب تسخيركن؛ لأن التسبيح لا يليق إلا بالله ~~عز وجل .. # الوجه الثاني: أن " ما " مصدرية، اي: بإشراككم إياي مع الله، لي الطاعة. # قوله " من قبل " متعلق ب " كفرت " على القول الأول؛ أي كفرت ~~من قبل حين أبيت السجود لآدم عليه السلام بالذي أشركتموني وهو الله ~~سبحانه وتعالى ، وب " أشركت " على الثاني، أي: كفرت اليوم بإشراككم ~~إياي من قبل هذا اليوم أي: في الدنيا، كقوله # ويوم القيامة يكفرون بشرككم # [فاطر:14]، هذا قول الزمخشري رحمه الله . # وجوز أبو البقاء تعلقه ب " كفرت " وب " أشركتموني " من غير ~~ترتيب على كون: " ما " مصدرية أوموصولة. # فقال: و " من قبل " متعلق ب " أشركتموني " ، أي: كفرت الآن ~~بما أشركتموني من قبل. # وقيل: هي متعلقة ب " كفرت " أي: كفرت من قبل إشراككم، فلا أنفعكم ~~شيئا. # وقرأ أبو عمرو بإثبات الياء في " أشركتموني " وصلا، وحذفها وقفا، ~~وحذفها الباقون وصلا ms5243 ووقفا، وهنا تم كلام الشيطان. # وقوله { إن الظالمين } من كلام الله تعالى ، ويجوز أن يكون ~~من كلام الشيطان. # و " عذاب " يجوز رفعه بالجار قبله على أنه الخبر، وعلى الابتداء ~~وخبره الجار. # قوله تعالى: { وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~} الآية لما شرح حال الأشقياء شرح أحوال السعداء فقال ، عز وجل ~~{ وأدخل الذين آمنوا } قرأ العامة " أدخل " ماضيا مبنيا ~~للمفعول، والفاعل الله أو الملائكة. # وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد: " أدخل " مضارعا مستندا للمتكلم وهو الله ~~ تعالى فمحل الموصول على الأولى رفع، وعلى الثانية نصب. # قوله: { بإذن ربهم } في قراءة العامة يتعلق ب " أدخل " أي: ~~أدخلوا بأمره، وتيسيره. # ويجوز تعلقه بمحذوف على أنه حال، أي: ملتبسين بأمر ربهم. # وجوز أبو البقاء أن يكون من تمام: " خالدين " يعني: أنه متعلق به، ~~وليس بممتنع، وكذا على قراءة الشيخين. # فقال الزمخشري: فإن قلت: " فبم يتعلق في القراءة الأخرى، وقولك: ~~وأدخل أنا بإذن ربهم كلام غير ملتئم؟. # قلت: الوجه في هذه القراءة أنه يتعلق بما بعده، أي: تحيتهم فيها سلام ~~بإذن ربهم ". # ورد عليه أبو حيان هذا بأنه لا يتقدم معمول المصدر عليه. # وقد علقه غير الزمخشري ب " أدخل " ، ولا تنافر في ذلك؛ لأن كل ~~أحد يعلم أن المتكلم في قوله: " وأدخل " أنه هو الله تعالى . # وأحسن من هذين أن يتعلق بما بعده، أي: تحيتهم فيها سلام بإذن ربهم ورد ~~في هذه القراءة بمحذوف على أنه حال كما تقدم تقديره. # و " تحيتهم " مصدر مضاف لمفعوله، أي: يحييهم الله تعالى، أو ~~ملائكته، ويجوز أن يكون مضافا لفاعله، أي: يحيى بعضهم بعضا. # ويعضد الأول # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام ~~عليكم # [الرعد:23، 24] و { فيها } متعلق به. # فصل # أعلم أن الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم، فأشار بقوله ~~تعالى: { وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~جنات تجري من تحتها الأنهار } إلى المنفعة الخالصة وأشار ~~بقوله: { خالدين فيها } إلى دوامها، وأشار إلى كونها مقرونة ~~بالتعظيم بقوله { بإذن ربهم } أي: بإذن الله وأمره، وبقوله ~~عز وجل # وتحيتهم فيها سلام # [يونس:10] أي: أنهم ms5244 يحيى بعضهم بعضا بهذه الكلمة، أو الملائكة يحيونهم ~~بها، كما قال تعالى: # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام ~~عليكم # [الرعد:23، 24] والرب الرحيم أيضا يحييهم [بهذه الكلمة] # سلام قولا من رب رحيم # [يس:58] والسلام مشتق من السلامة، أي: أنهم سلموا من آفات الدنيا آمنوا ~~من أمراضها وأسقامها. ### || [14.24-27] # قوله تعالى: { ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة ~~طيبة كشجرة طيبة } الآية لما شرح أحوال الأشقياء، وأحوال ~~السعداء ذكر مثالا للقسمين وفي " ضرب " ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه متعد لواحد بمعنى اعتمد مثلا ووضعه، و " كلمة " على ~~منصوبة بمضمر، أي: جعل كلمة طيبة كشجرة طيبة، وهو تفسير لقوله: " ضرب ~~الله مثلا " كقولك: شرف الأمير زيدا كساه حلة، وحمله على ~~ضربين، وبه بدأ الزمخشري. # قال أبو حيان رحمه الله : " وفيه تكلف إضمار، ولا ضرورة تدعو إليه ". # قال شهاب الدين: " بل معناه محتاج إليه فيضطر إلى تقديره محافظة على لمح ~~هذا المعنى الخاص ". # الثاني: أن " ضرب " متعدية لاثنين؛ لأنها بمعنى " صير " لكن مع ~~لفظ المثل خاصة، وقد تقدم تقرير هذا أول الكتاب، فيكون " كلمة " ~~مفعولا أول، و " مثلا " هوالثاني مقدم. # الثالث: أنه متعد لواحد، وهو " مثلا " ، و " كلمة " بدل منه، ~~و " كشجرة " خبر مبتدأ مضمر، أي: هي كشجرة طيبة وعلى الوجهين قبله ~~يكون " كشجرة " نعتا ل: " كلمة ". # وقرىء " كلمة " بالرفع، وفيه وجهان: # أحدهما: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: هو، أي: المثل كلمة طيبة، ويكون " ~~كشجرة " على هذا نعتا ل " كلمة ". # والثاني: أنها مرفوعة بالابتداء، و " كشجرة " خبر. # وقرأ أنس بن مالك رضي الله عنه " ثابت أصلها ". # قال الزمخشري: فإن قلت: أي فرق بين القراءتين؟ قلت: قراءة الجماعة ~~أقوى معنى؛ لأن قراءة أنس أجرت الصفة على الشجرة، ولو قلت: مررت ~~برجل أبوه قائم، فهو أقوى من " رجل قائم أبوه "؛ لأن ~~المخبر عنه إنما هو الأب، لا " رجل ". والجملة من قوله: " أصلها ~~ثابت " في محل جر نعتا ل " شجرة ". # وكذلك " تؤتي أكلها " ويجوز فيهما أن يكونا مستأنفين، وجوز أبو البقاء ~~في " توتي " أن يكون حالا من ms5245 معنى الجملة التي قبلها، أي: ترتفع مؤتية ~~أكلها، وتقدم الخلاف في " أكلها ". # فصل # المعنى: ألم تعلم، والمثل: قول سائر كتشبيه شيء بشيء: " كلمة طيبة ~~" هي قول: لا إله إلا الله " كشجرة طيبة " وهي النخلة يريد: ~~كشجرة طيبة الثمر. # وقال أبو ظبيان عن ابن عباس رضي الله عنه : هي شجرة في الجنة ~~أصلها ثابت في الأرض، وفرعها أعلاها في السماء، كذلك أصل هذه الكلمة راسخ ~~في قلب المؤمن بالمعرفة، والتصديق، فإذا تكلم بها عرجت، فلا تحجب حتى ~~تنتهي إلى الله عز وجل قال تعالى: # إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه # [فاطر:10]. ووصف الشجرة بكونها طيبة وذلك يشمل طيب الصورة والشكل ~~والمنظر، والطعم، والرائحة والمنفعة ويكون أصلها ثابت، أي: راسخ آمن من ~~الانقطاع، والزوال ويكون فرعها في السماء؛ لأن ارتفاع الأغصان يدل على ~~ثبات الأصل، وأنها متى ارتفعت كانت بعيدة عن عفونات الأرض، فكانت ~~ثمارها نقية طاهرة عن جميع الشوائب، ووصفها أيضا بأنها: " تؤتي ~~أكلها كل حين بإذن ربها " والحين في اللغة هو الوقت، والمراد أن ~~ثمار هذه الشجرة تكون أبدا حاضرة دائمة في كل الأوقات ولا تكون مثل ~~الأشجار التي تكون ثمارها حاضرة في بعض الأوقات دون بعض. # وقال مجاهد وعكرمة: والحين: سنة كاملة؛ لأن النخلة تثمر كل سنة. ~~وقال سعيد بن جبير، وقتادة والحسن: ستة أشهر من وقت إطلاعها إلى حين ~~صرامها وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنه. # وقيل: أربعة أشهر من حين ظهورها إلى إدراكها. # وقال سعيد بن المسيب: شهران من حين أن يؤكل منها إلى الصرام. # وقال الربيع بن أنس رضي الله عنه : كل حين، أي: كل غدوة، وعشية، لأن ~~ثمرة النخل تؤكل أبدا ليلا ونهارا صيفا وشتاء إما تمرا رطبا أو ~~بسرا، كذلك عمل المؤمن يصعد أول النهار وآخره، وبركة إيمانه لا تنقطع ~~أبدا، بل تتصل في كل وقت. # والحكمة في تمثيل الإيمان بالشجرة، وهي أن الشجرة لا تكون إلا ثلاثة ~~أشياء: # عرق راسخ، وأصل قائم، وفرع عال، كذلك الإيمان لا يتم إلا ~~بثلاثة ms5246 أشياء: تصديق بالقلب وقول باللسان، وعمل بالأبدان. # ثم قال تعالى جل ذكره { ويضرب الله الأمثال للناس ~~لعلهم يتذكرون } والمعنى: أن في ضرب الأمثال زيادة إفهام، ~~وتذكير وتصوير للمعاني. # وقوله: { ومثل كلمة خبيثة } قرىء بنصب " مثل " عطفا على: " ~~مثل " الأول. # و " اجتثت " " صفة ل " شجرة " ، ومعنى: " اجتثت " قلعت ~~جثتها، أي: شخصها والجثة شخص الإنسان قاعدا أو قائما ويقال: اجتث الشيء ~~أي اقتلعه، فهو افتعال من لفظ الجثة، وجثثت الشيء: قلعته. # قال لقيط الإيادي: [البسيط] # 3217 هذا الجلاء الذي يجتث أصلكم # فمن رأى مثل ذا يوما ومن سمعا # وقال الراغب: " جثة الشيء: شخصه الناتىء، والمجثة: ما يجث ~~به والجثيثة لما بان جثته بعد طبخه، والجثجاث: نبت ~~". # و " من قرار " يجوز أن يكون فاعلا بالجار قبله لاعتماده على ~~النفي، وأن يكون مبتدأ، والجملة المنفية إما نعت ل " شجرة " ~~وإما حال من ضمير: " اجتثت ". # فصل في المراد بالشجرة الخبيثة # الكلمة الخبيثة هي الشرك: " كشجرة خبيثة " وهي الحنظل وقيل: هي ~~الثوم. # وقيل: هي الكشوث وهل العسة، وهي شجرة لا ورق لها، ولا عروق في الأرض. # [قال الشاعر:] [البسيط] # 3218.......................... # وهي كشوث فلا أصل ولا ثمر # وعن ابن عباس رضي الله عنه أنها شجرة لم تخلق على وجه الأرض. # " اجتثت " اقتلعت من فوق الأرض " ما لها من قرار " ثابت، أي: ليس ~~لها أصل ثابت في الأرض ولا فرع صاعد إلى السماء، كذلك الكافر لا خير ~~فيه، ولا يصعد له قول طيب، ولا عمل صالح. # فصل # قوله تعالى: { يثبت الله الذين آمنوا بالقول ~~الثابت } كلمة التوحيد، وهي قوله: لا إله إلا الله { في الحياة ~~الدنيا } يعني قبل الموت، { وفي الآخرة } يعني في القبر هذا قول ~~أكثر المفسرين. # وقيل: { في الحياة الدنيا } في القبر عند السؤال { وفي ~~الآخرة } عند البعث، والأول أصح، لما روى البراء بن عازب أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # " المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا ~~الله، وأن محمدا رسول الله، فذلك قوله سبحانه { ~~يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ms5247 في ~~الحياة الدنيا وفي الآخرة } قال حين يقال له: من ~~ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: الله ربي، وديني ~~الإسلام، ونبيي محمد " # واالمشهور أن هذه الآية وردت في سؤال الملكين في القبر، فيلقن الله ~~المؤمن كلمة الحق في القبر عند السؤال، ويثبته على الحق. # ومعنى " الثابت " هو أن الله تعالى إنما يثبتهم في القبر ~~لمواظبتهم في الحياة الدنيا على هذا القول. # قوله: " بالقول " فيه وجهان: # أحدهما: تعلقه ب " يثبت ". # والثاني: أنه متعلق ب " آمنوا ". # وقوله تعالى: { في الحياة } متعلق ب " يثبت " ويجوز أن يتعلق ~~ب " الثابت ". # ثم قال تعالى: { ويضل الله الظالمين } أي: لا يهدي ~~المشركين للجواب بالصواب في القبر { ويفعل الله ما يشآء } من ~~التوفيق والخذلان والتثبيت، وترك التثبيت. ### || [14.28-30] # قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله ~~كفرا } الآية اعلم أنه تعالى عاد إلى وصف الكافرين فقال عز ~~وجل { ألم تر إلى الذين بدلوا }. # قال ابن عباس رضي الله عنهما : { الذين بدلوا نعمة ~~الله كفرا } هم والله كفار قريش " بدلوا " أي: غيروا " نعمة ~~الله " عليهم في محمد صلوات الله وسلامه عليه حيث ابتعثه الله منهم ~~كفروا به: " أحلوا " أنزلوا: " قومهم " من تابعهم على كفرهم: " ~~دار البوار " الهلاك. # ثم بين دار البوار فقال: { جهنم يصلونها وبئس ~~القرار } المستقر، وقال علي: هم كفار قريش نحروا يوم بدر. # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه هم الأفجران من قريش بنو أمية وبنو ~~[مخزوم]، فأما بنو أمية فمتعوا إلى حين، وأما بنو مخزوم، [فأهلكوا] ~~يوم بدر قاله على بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما . # وعن ابن عباس وقتادة رضي الله عنهما : نزلت في متنصري العرب جبلة بن ~~الأيهم وأصحابه. # وقال الحسن رضي الله عنه : هي عامة في جميع المشركين. # قوله تعالى: { بدلوا نعمة الله كفرا } فيه أوجه: # أحدها: أن الأصل: بدلوا شكر نعمة الله كفرا، كقوله تعالى: # وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون # [الواقعة:83] أي شكر رزقكم؛ وجب عليهم الشكر؛ فوضعوا موضعه الكفر. # والثاني: أنهم بدلوا نفس النعمة كفرا على ms5248 أنهم لما كفروها سلبوها، ~~فبقوا مسلوبي النعمة موصوفين بالكفر حاصلا لهم، قالهما الزمخشري، وعلى ~~هذا فلا يحتاج إلى حذف مضاف، وقد تقدم أن " بدل " يتعدى لاثنين: # أولهما: من غير حرف. # والثاني: بالباء، وأن الجمهور هو المتروك والمنصوب هو الحاصل، ويجوز حذف ~~الحرف فيكون المجرور بالباء هنا هو " نعمة "؛ لأنها المتروكة. # وإذا عرف أن قول الحوفي، وأبي البقاء: أن " كفرا " هو المفعول ~~الثاني ليس بجيد؛ لأنه هو الذي يصل إليه الفعل بنفسه لا بحرف الجر، ~~وما كان كذا فهو المفعول الأول. # قوله: { جهنم } فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه بدل من " دار ". # الثاني: أنه عطف بيان لها، وعلى هذين الوجهين؛ فالإحلال يقع في الآخرة. # الثالث: أن ينتصب على الاشتغال بفعل مقدر، وعلى هذا، فالإحلال يقع في ~~الدنيا، لأن قوله: { جهنم يصلونها } أي: واقع في الآخرة. # ويؤيد هذا التأويل: قراءة ابن أبي عبلة " جهنم " بالرفع على ~~أنها مبتدأ، والجملة بعده الخبر. # وتحتمل قراءة ابن أبي عبلة وجها آخر: وهو أن ترتفع على خبر [مبتدأ] ~~مضمر. # و " يصلونها " حال إما من: " قومهم " ، وإما من " دار " ، ~~وإما من: " جهنم ". # وهذا التوجيه أولى من حيث إنه لم يتقدم ما يرجح النصب، ولا ما يجعله ~~مساويا والقراء الجماهير على النصب، فلم يكونوا ليتركوا الأفصح؛ إلا ~~لأن المسألة ليست من الاشتغال في شيء، وهذا الذي ذكرناه أيضا مرجح ~~لنصبه على البدلية أو البيان على انتصابه على الاشتغال. # و " البوار ": الهلاك؛ قال الشاعر: [الوافر] # 3219 فلم أر مثلهم أبطال حرب # غداة الروع إذ خيف البوار # وأصله من [الكساد] كما قيل: كسد حتى فسد، ولما كان الكساد ~~يؤدي إلى الفساد والهلاك أطلق عليه البوار. # ويقال: بار يبور بورا وبوارا، ورجل جائر بائر، وقوله ~~عز وجل : # وكنتم قوما بورا # [الفتح:12] ويحتمل أن يكون مصدرا وصف به الجمع، وأن يكون جمع بائر في ~~المعنى، ومن وقوع " بور " على الواحد قوله: [الخفيف] # 3220 يا رسول المليك إن لساني # راتق ما فتقت إذ أنا بور # أي: هالك. # قوله: { وجعلوا لله أندادا ليضلوا } والمراد بهذا ms5249 ~~الجعل: الحكم والاعتقاد، والفعل، والأنداد الأشباه، والشركاء. # " ليضلوا " قرأ ابن كثير وأبو عمرو هنا: { وجعلوا لله ~~أندادا ليضلوا } بفتح الياء والباقون بضمها من أصله، واللام ~~هي لام الجر مضمرة: " أن " بعدها، وهي لام العاقبة لما كان مآلهم إلى ~~ذلك ويجز أن تكون لللتعليل. # وقيل: هي مع فتح الياء للعاقبة فقط، ومع ضمها محتملة للوجهين كأن هذا ~~القائل توهم أنهم لم يجعلوا الأنداد لضلالهم، وليس كما زعم، لأن منهم من ~~كفر عنادا واتخذ الآلهة ليضل بنفسه. # قوله تعالى: { قل تمتعوا } عيشوا في الدنيا: { فإن ~~مصيركم إلى النار } { إلى النار } خبر " إن " والمصير ~~مصدر، و " صار " التامة، أي: فإن مرجعكم كائن إلى النار. # وأجاز الحوفي أن يتعلق { إلى النار } ب " مصيركم ". # وقد رد هذا بعضهم: بأنه لو جعلناه مصدرا صار بمعنى انتقل، و { ~~إلى النار } متعلق به، بقيت " إن " بلا خبر، لا يقال: خبرها حينئذ ~~محذوف؛ لأن حذفه في مثل هذا يقل، وإنما يكثر حذفه إذا كان الاسم ~~نكرة، والخبر ظرفا أو جارا، كقوله: [المنسرح] # 3221 إن محلا وإن مرتحلا # وإن في السفر ما مضى مهلا ### || [14.31-34] # لما هدد الكفار، وأوعدهم بالتمتع بنعيم الدنيا أمر المؤمنين بترك ~~التمتع في الدنيا، والمبالغة في الجهاد بالنفس والمال. # وفي " يقيموا " أوجه: # أحدها: أنه مجزوم بلام محذوفة، تقديره: ليقيموا، فحذفت وبقي عملها، كما ~~يحذف الجار ويبقى عمله، كقوله: [الوافر] # 3222 محمد تفد نفسك كل نفس # إذا ما خفت من شيء تبالا # يريد: لتفد. # وأنشده سيبويه إلا أنه خصه بالشعر. # قال الزمخشري: " ويجوز أن يكون: " يقيموا " ، و " ينفقوا " ~~بمعنى: ليقيموا ولينفقوا، وليكون هذا هو المقول، قالوا: وإنما جاز ~~حذف اللام؛ لأن الأمر الذي هو " قل " عوض منها، ولو قيل: يقيموا ~~الصلاة، وينفقوا بحذف اللام لم يجز ". # ونحا ابن مالك رحمه الله إلى قريب من هذا، فإنه جعل حذف هذه اللام ~~على أضرب: قليل، وكثير ومتوسط. فالكثير: أن يكون قبله قول بصيغة الأمر، ~~كالآية الكريمة. # والقليل: ألا يتقدم قول؛ كقوله: [الوافر] # 3223 محمد تفد.......... # ...................... # والمتوسط: أن يتقدم بغير ms5250 صيغة الأمر، كقوله: [الرجز] # 3224 قلت لبواب لديه درها # تيذن فإني حمؤها وجارها # الثاني: أن " يقيموا " مجزوم على جواب: " قل " ، وإليه نحا الأخفش ~~والمبرد. # وقد رد الناس عليهما هذا؛ بأنه لا يلزم من قوله لهم: أقيموا أن ~~يفعلوا ذم من تخلف عن هذا الأمر. # وقد أجيب عن هذا: بأن المراد بالعباد المؤمنون، ولذلك أضافهم إليه ~~تشريفا والمؤمنون متى أمروا؛ امتثلوا. # الثالث: أنه مجزوم على جواب المقول المحذوف، تقديره: قل لعبادي ~~أقيموا وأنفقوا، أي: يقيموا وينفقوا، قاله أبو البقاء رحمه الله ~~وعزاه للمبرد، كذا ذكره جماعة ولم يتعرضوا لإفساده، وهو فاسد من ~~وجهين: # أحدهما: أن جواب الشرط يخالف الشرط إما في الفعل، وإما في الفاعل، ~~أو فيهما وأما إذا كان مثله في الفعل والفاعل، فهو خطأ، كقولك: قم ~~يقم، والتقدير على ما ذكره في وهذا الوجه: أن يقيموا يقيموا. # والوجه الثاني: أن الأمر المقدر للمواجهة، و " يقيموا " على لفظ ~~الغيبة، وهو خطأ إذا كان الفاعل واحدا. # قال شهاب الدين: " أما الإفساد الأول فقريب، وأما الثاني، فليس ~~بشيء لأنه يجوز أن يقول: قل لعبدي أطعني يطعك، وإن كان للغيبة بعد ~~المواجهة باعتبار حكاية الحال ". # الرابع: أن التقدير: أن يقول لهم: أقيموا يقيموا، وهذا مروي عن سيبويه ~~فيما حكاه ابن عطية، وهذا هو القول الثاني. # الخامس: قال ابن عطية: " يحتمل أن يكون " يقيموا " جواب الأمر الذي ~~يعطينا معناه قوله " قل " وذلك أن تجعل " قل " في هذه الآية بمعنى ~~بلغ وأد الشريعة يقيموا الصلاة ". # السادس: قال الفراء: الأمر معه شرط مقدر، تقول: أطع الله يدخلك ~~الجنة والفرق بين هذا، وبين ما قبله: أن ما قبله ضمن فيه الأمر نفسه ~~معنى الشرط، وفي هذا قدر فعل الشرط بعد فعل الأمر من غير تضمين. # السابع: قال الفارسي إنه مضارع صرف عن الأمر إلى الخبر، ومعناه: ~~أقيموا. # وهذا مردود؛ لأنه كان ينبغي أن تثبت نونه الدالة على إعرابه. # وأجيب عن هذا: بأنه بني لوقوعه موقع المبني، كما بني المنادى في نحو: ~~يا زيد لوقوعه موضع الضمير. # ولو ms5251 قيل: بأنه حذفت نونه تخفيفا على حد حذفها في قوله: " لا تدخلوا ~~الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابروا ". # وفي معمول " قل " ثلاثة أوجه: # الأول: الأمر المقدر، أي: قل لهم أقيما يقيموا. # الثاني: أنه نفس " يقيموا " على ما قاله ابن عطية. # الثالث: أنه الجملة من قوله: { الله الذي خلق السماوات ~~والأرض } إلى آخره، قاله ابن عطية. # وفيه تفكيك النظم، وجعل الجملة: { يقيموا الصلاة } إلى آخرها ~~مفلتا مما قبله وبعده، أو يكون جوابا فصل به بين القولين، ومعموله، ~~لكنه لا يترتب على قوله ذلك: إقامة الصلاة، والإنفاق إلا بتأويل بعيد ~~جدا. # وقرأ حمزة والكسائي: " لعبادي " بسكون الياء، والباقون بفتح الياء ~~لالتقاء الساكنين. # قوله: { سرا وعلانية } في نصبهما ثلاثة أوجه: # أحدها: أنهما حالان مما تقدم، وفيهما الثلاث التأويلات في: زيد ~~عدل، أي: ذوي سر، وعلانية، أو مسرين معلنين، أو جعلوا نفس ~~السر والعلانية مبالغة. # الثاني: أنهما منصوبان على الظرف، أي: وقتي سر وعلانية. # الثالث: أنهما منصوبان على المصدر، أي: إنفاق سر، وإنفاق علانية. # قوله: { من قبلكم } متعلق ب: " يقيموا " و " ينفقوا " أي: ~~يفعلون ذلك قبل هذا اليوم. # وقد تقدم خلاف القراء في: " لا بيع فيه ولا خلال ". # والخلال المخالة، وهي المصاحبة، يقال: خاللته خلالا، ومخالة؛ ~~قال طرفة: [السريع] # 3225 كل خليل كنت خاللته # لا ترك الله له واضحه # وقال امرؤ القيس: [الطويل] # 3226 صرفت الهوى عنهن من خشية الردى # ولست بمقلي الخلال ولا قال # وقال الأخفش: خلال جمع ل " خلة " ، نحو " برمة وبرام ". # فصل # قال مقاتل: يوم لا بيع فيه، ولا شراء، ولا مخاللة، ولا قرابة. وقد ~~تقدم الكلام على نحو هذه الآية في البقرة [254]. # فإن قيل: كيف نفى الخلة هاهنا وأثبتها في قوله: # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين # [الزخرف:67]؟. # فالجواب: أن الآية الدالة على نفي المخالة محمولة على نفي المخاللة ~~بسبب ميل الطبع، ورغبة النفس، و الآية الدالة على حصول المخاللة، ~~محمولة على الخلة الحاصلة بسبب عبودية الله تعالى ومحبته. # قوله تعالى: { الله الذي خلق السماوات والأرض } الآية ~~لما ms5252 وصف أحوال السعداء، وأحوال الأشقياء، وكانت العمدة العظمى في حصول ~~السعادة معرفة الله تعالى بذاته وصفاته، وحصول الشقاوة فقدان هذه ~~المعرفة لا جرم ختم الله تعالى هذين الوصفين بالدلائل الدالة على ~~وجود الصانع، وكمال علمه وقدرته وذكر ههنا عشرة أنواع من الدلائل: # أولها: خلق السموات. # وثانيها: خلق الأرض. # وثالثها: قوله: { وأنزل من السمآء مآء فأخرج به من ~~الثمرات رزقا لكم }. # " من السماء " يجوز أن يتعلق ب " أنزل " ، و " من " لابتداء ~~الغاية، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من " ماء "؛ لأنه صفته في ~~الأصل، وكذلك " من الثمرات " في الوجهين. # وجوز الزمخشري وابن عطية: أن تكون: " من " لبيان الجنس، أي: ورزقا ~~هو الثمرات. # ورد عليهما بأن التي للبيان إنما تجيء بعد المبهم، وقد يجاب عنهما؛ ~~بأنهما أرادا ذلك من حيث المعنى لا الإعراب، وقد تقدم ذلك في البقرة ~~[البقرة 23، 25]. # ورابعها: قوله تعالى: { وسخر لكم الفلك لتجري في ~~البحر بأمره } يجوز أن يتعلق " بأمره " ب " تجري " أي: ~~بسببه، أو بمحذوف على أنها للحال، أي: ملتبسة به. # وخامسها: قوله { وسخر لكم الأنهار }. # وسادسها، وسابعها: { وسخر لكم الشمس والقمر دآئبين ~~} دائبين حال من " الشمس والقمر " ، وتقدم اشتقاق الدأب. # وثامنها وتاسعها: { وسخر لكم الليل والنهار }. # وعاشرها: قوله تعالى: { وآتاكم من كل ما سألتموه } ~~العامة على إضافة: " كل " إلى ما. وفي " من " قولان: # أحدهما: أنها زائدة في المفعول الثاني، أي: كل ما سألتموه وهذا إنما ~~يتأتى على قول الأخفش. # والثاني: أن تكون تبعيضية، أي: آتاكم بعض جميع ما سألتموه نظرا لكم ~~ولمصالحكم وعلى هذا فالمفعول محذوف، تقديره: وآتاكم من كل ما سألتموه، ~~وهو رأي سيبويه و " ما " يجوز فيها أن تكون موصولة اسمية، أو حرفية، أو ~~نكرة موصوفة، والمصدر واقع موقع المفعول، أي: مسئولكم، فإن كانت مصدرية ~~فالضمير في: " سألتموه " عائد على الله تعالى وإن كانت موصولة، أو ~~موصوفة كان عائدا عليها، ولا يجوز أن يكون عائدا على الله تعالى، وعائد ~~الموصول أو الموصوف محذوف، لأنه إما أن يقدر متصلا سألتموهوه، أو ~~منفصلا سألتموه إياه، وكلاهما لا ms5253 يجوز فيه الحذف لما تقدم أول البقرة ~~في قوله: { ومما رزقناهم ينفقون }. # وقرأ ابن عباس، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، والحسن، والضحاك، وعمرو بن ~~فائد وقتادة، وسلام، ويعقوب، ونافع رضي الله عنهم في رواية: " من ~~كل " منونة، وفي " ما " على هذه القراءة وجهان: # أحدهما: أنها نافية، وبه بدأ الزمخشري، فقال: و " ما سألتموه " ~~نفي ومحله النصب على الحال، أي: آتاكم من جميع ذلك غير سائلين. # قال شهاب الدين: ويكون المفعول الثاني هو الجار من قوله: " من كل " ~~كقوله تعالى # وأوتينا من كل شيء # [النمل:16]. # والثاني: أنها موصولة بمعنى الذي، وهي المفعول الثاني ل " آتاكم ". # وهذا التخريج الثاني أولى؛ لأن في الأول منافاة في الظاهر لقراءة ~~العامة. # قال أبو حيان: " ولما أحس الزمخشري بظهور التنافي بين هذه القراءة، ~~وبين تلك قال: ويجوز أن تكون: " ما " موصولة على: وآتاكم من كل ذلك ما ~~احتجتم إليه، ولم تصلح أحوالكم ولا معايشكم إلا به، فكأنكم طلبتموه، ~~وسألتموه بلسان الحال فتأول: " ما سألتموه " بمعنى ما احتجتم إليه ~~". # فصل # اعلم أنه تعالى بدأ بذكر خلق السموات، والأرض، لأنهما الأصلان ~~اللذان يتفرع عليهما سائر الأدلة المذكورة بعده. # ثم قال: { وأنزل من السمآء مآء فأخرج به من ~~الثمرات رزقا لكم } فإنه لولا السماء لم يصح إنزال الماء ~~منها، ولولا الأرض لم يوجد ما يستقر الماء فيه، فلا بد من وجودهما حتى ~~يصح هذا المقصود. # واعلم أن الماء إنما ينزل من السحاب إلى الأرض، وسمي السحاب سماء ~~اشتقاقا من السمو؛ وقيل: ينزل من السماء إلى السحاب، ثم ينزل من السحاب ~~إلى الأرض ثم قال تعالى: { فأخرج به من الثمرات رزقا ~~لكم }. # قال أبو مسلم رحمه الله : لفظ " الثمرات " يقع في الأغلب على ما ~~يحصل من الأشجار، ويقع أيضا على الزرع والنبات، كقوله تعالى: # كلوا من ثمره إذآ أثمر وآتوا حقه يوم حصاده # [الأنعام:141]. # ثم قال تعالى: { وسخر لكم الفلك لتجري في البحر ~~بأمره } [إبراهيم:32] نظيره # ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام # [الشورى:32]. # واعلم أن الانتفاع بما ينبت من ms5254 الأرض إنما يكمل بوجود الفلك؛ لأن ~~الله تعالى خص كل طرف من أطراف الأرض بنوع آخر من النعم حتى إن نعمة ~~هذا الطرف إذا نقلت إلى الطرف الآخر من الأرض، وبالعكس، كثرت الأرباح في ~~التجارات وهذا الفعل لا يمكن إلا بسفن البر، وهي الجمال، أو بسفن البحر، ~~وهي الفلك. # فإن قيل: ما معنى: { وسخر لكم الفلك } مع أن تركيب ~~السفينة من أعمال العباد؟. # فالجواب: أن فعل العبد خلق الله تعالى عند أهل السنة، فلا ~~سؤال. # وأما عند المعتزلة: فلأنه تعالى خلق الأشجار التي تركب منها ~~السفن وخلق الحديد، وسائر الآلات، وعرف العباد صنعه التركيب، وخلق ~~الرياح، وخلق الحركات القوية فيها، ووسع الأنهار وعمقها تعميقا لجري ~~السفن فيها، ولولا ذلك لما حصل الانتفاع بالسفن. # وأضاف التسخير إلى أمره؛ لأن الملك العظيم لا يوصف بأنه فعل، ~~وإنما يقال: أمر، قال تعالى: # إنما قولنا لشيء إذآ أردناه أن نقول له كن ~~فيكون # [النحل:40] وسخر الفلك مجازا؛ لأنها جمادات، ولما كانت تجري على وجه ~~الماء، وعلى وفق إرادة الملاح صارت كأنها حيوان مسخر. # ثم قال تعالى: { وسخر لكم الأنهار } ، لأن ماء البحر لا ~~ينتفع به في الزراعات، فأنعم الله تعالى على الخلق بتفجير الأنهار، ~~والعيون حتى انبعث الماء منها إلى موضع الزرع والنبات، وأيضا: فماء ~~البحر لا يصلح للشرب، وإنما يصلح له مياه الأنهار. # ثم قال عز وجل { وسخر لكم الشمس والقمر } والانتفاع ~~بهما عظيم قال الله سبحانه وتعالى # وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا # [نوح:16] # وقمرا منيرا # [الفرقان:61] # هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نورا وقدره ~~منازل لتعلموا عدد السنين والحساب # [يونس:5]، وتأثيرهما في إزالة الظلمة، وإصلاح النبات والحيوان، فالشمس ~~سلطان النهار، والقمر سلطان الليل، فلولا الشمس لما حصلت الفصول الأربعة، ~~ولولاها لاختلت مصالح العالم بالكلية. # ثم قال: { وسخر لكم الليل والنهار } ومنافعهما مذكورة ~~في القرآن، كقوله # وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا # [النبأ:10، 11]، وقوله تعالى: # جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ~~ولتبتغوا من فضله # [القصص:73]. # قال المتكلمون: تسخير الليل، والنهار مجاز؛ ms5255 لأنهما عرض، والأعراض لا ~~تسخر. # ثم قال عز وجل : { وآتاكم من كل ما سألتموه } أي: ~~أنه لم يقتصر على هذه النعم بل أعطى عباده من المنافع ما لا يأتي على ~~بعضها التعداد. # ثم قال { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } قال ~~الواحدي: " النعمة ههنا اسم أقيم مقام المصدر، يقال: أنعم الله ~~عليه ينعم إنعاما، ونعمة، أقيم الاسم مقام الإنعام، كقوله: ~~أنفقت عليك إنفاقا ونفقة شيئا واحدا، ولذلك يجمع لأنه في ~~معنى المصدر ". # وقال غيره: " النعمة هنا بمعنى المنعم به ". # وختمت هذه الآية ب { إن الإنسان لظلوم } ونظيرها في النحل ~~ب # إن الله لغفور رحيم # [النحل:18] لأن في هذه تقدم قوله عز وجل : # ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا # [إبراهيم:28] وبعده # وجعلوا لله أندادا # [إبراهيم:30] فجاء قوله { إن الإنسان } شاهدا بقبح من فعل ذلك ~~فناسب ختمها بذلك. # والتي في النحل ذكر فيها عدة تفضيلات، وبالغ فيها، وذكر قوله جل ~~ذكره # أفمن يخلق كمن لا يخلق # [النحل:17] أي: من أوجد هذه النعم السابق ذكرها كمن لم يقدر منها على ~~شيء، فذكر أيضا أن من جملة تفضلاته اتصافه بهاتين الصفتين. # وقال ابن الخطيب: " كأنه يقول: إذا حصلت النعم الكثيرة؛ فأنت الذي ~~أخذتها وأنا الذي أعطيتها؛ فحصل لك عند أخذها وصفان: وهما: كونك ظلوما ~~كفارا، ولي وصفان عند إعطائها وهما: كوني غفورا رحيما، فكأنه تعالى ~~ يقول: إن كنت ظلوما فأنا غفور، وإنت كنت كفارا فأنا رحيم، أعلم ~~عجزك، وقصورك، فلا أقابل جفاك إلا بالوفاء ". ### || [14.35-41] # قوله تعالى: { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا ~~البلد آمنا } الآية لما استدل على أنه لا معبود إلا الله تعالى ~~ وأنه لا يجوز عبادة غير الله تعالى ألبتة، حكى عن إبراهيم ~~عليه السلام أنه طلب من الله تعالى أشياء: # أحدها: قوله: { رب اجعل هذا البلد آمنا } ، وتقدم ~~تحريره في البقرة " وهذا البلد آمنا " ، ومسول الجعل التصيير. # قال الزمخشري: " فإن قلت: فرق بين قوله: { اجعل هذا البلد ~~آمنا } وبين قوله # هذا بلدا آمنا # [البقرة:126]. # قلت: قد سأل في ms5256 الأول أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها، ولا ~~يخافون، في الثاني أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن ~~كأنه قال: هو بلد مخوف فاجعله آمنا ". # قوله " واجنبني " ، يقال: جنبه شرا، وأجنبه إياه ثلاثيا، ~~ورباعيا، وهي لغة نجد وجنبه إياه مشددا، وهي لغة الحجاز وهو ~~المنع، وأصله من الجانب. # وقال الراغب: " قوله تعالى: { واجنبني وبني } من جنبته عن ~~كذا، أي: أبعدته منه، وقيل: من جنبت الفرس، [كأنما] سأله أن ~~يقوده عن جانب الشرك بألطاف منه وأسباب خفية ". # و " أن نعبد " على حذف الحرف، أي: عن أن نعبد. # وقرأ الجحدري وعيسى الثقفي رحمهما الله " وأجنبني " بقطع الهمزة ~~من " أجنب ". # قال بعضهم: يقال: جنبته الشيء، وأجنبته تجنبا، وأجنبته ~~إجنابا، بمعنى واحد. # فإن قيل: ههنا إشكال من وجوه: # أحدها: أن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه دعا ربه أن يجعل مكة ~~بلدا آمنا وقد خرب جماعة الكعبة، وأغاروا على مكة. # وثانيها: أن الأنبياء عليه الصلاة والسلام معصومون من عبادة ~~الأصنام، فما فائدة هذا الدعاء. # وثالثها: أن كثيرا من أبنائه عبدوا الأصنام؛ لأن كفار قريش كانوا ~~من أولاده وكانوا يعبدون الأصنام فأين الإجابة؟. # فالجواب عن الأول من وجهين: # الأول: أنه نقل عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه لما فرغ من بناء ~~الكعبة دعا بأن يجعل الله الكعبة، وتلك البلدة آمنة من الخراب. # والثاني: أن المراد جعل أهلها آمنين، كقوله تعالى: # واسأل القرية # [يوسف:82] والمراد أهلها، وعلى هذا أكثر المفسرين، وعلى هذا التقدير، ~~فالمراد بالأمن ما اختصت به مكة من زيادة الأمن، وهو أن من التجأ إلى ~~مكة أمن، وكان الناس مع شدة عداوتهم إذا التقوا بمكة لا يخاف بعضهم ~~بعضا، ولذلك أمن الوحش، فإنهم يقربون إذا كانوا بمكة ويستوحشون من ~~الناس إذا كانوا خارج مكة. # وعن الثاني قال الزجاج: معناه: ثبتني على اجتناب عبادتها، كما قال: # واجعلنا مسلمين لك # [البقرة:128] أي: ثبتنا على الإسلام. # ولقائل أن يقول: السؤال باق، لأنه من المعلوم أن الله تبارك وتعالى ~~ ثبت الأنبياء على ms5257 الإسلام، واجتناب عبادة الأصنام، فما الفائدة من هذا ~~السؤال؟. # قال ابن الخطيب: والصحيح عندي في الجواب وجهان: # الأول: أنه صلوات الله وسلامه عليه وإن كان يعلم أن الله تعالى ~~يعصمه من عبادة الأصنام، إلا أنه ذكر ذلك تضعيفا للنفس وإظهارا للحاجة ~~والفاقة إلى فضل الله تعالى في كل المطالب. # والثاني: أن الصوفية يقولون: إن الشرك نوعان: شرك ظاهر، وهو الذي ~~يقوله المشركون، وشرك خفي، وهو تعلق القلب بالأسباب الظاهرة. والتوحيد هو ~~أن يقطع نظره عن الوسائط، وأن لا يرى متوسطا سوى الحق سبحانه وتعالى ~~فيحتمل أن يكون قوله { واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ~~} المراد أن يعصمه عن هذا الشرك الخفي، والله تعالى أعلم. # والجواب عن الثالث من وجوه: # أحدها: قال الزمخشري: " قوله " وبني " أراد بنيه [من صلبه] ". # والفائدة في هذا الدعاء غير الفائدة التي ذكرناها في قوله: " ~~واجنبني وبني ". # وثانيها: قال بعضهم: أراد من أولاده، وأولاد أولاده كل من كان موجودا ~~حال الدعاء، ولا شك أن دعوته مجابة فيهم. # وثالثها: قال مجاهد: لم يعبد أحد من ولد إبراهيم عليه الصلاة والسلام ~~ صنما، والصنم هو التمثال المصور، وما ليس بصنم هو من الوثن، وكفار ~~قريش ما عبدوا التمثال، وإنما كانوا يعبدون أحجارا مخصوصة. # وهذا الجواب ليس بقوي؛ لأنه صلوات الله وسلامه عليه لا يجوز أن ~~يريد بهذا الدعاء إلا عبادة غير الله، والحجر كالصنم في ذلك. # واربعها: أن هذا الدعاء مختص بالمؤمنين من أولاده، بدليل قوله في آخر ~~الآية { فمن تبعني فإنه مني } ، وذلك يفيد أن من لم ~~يتبعه على دينه فإنه ليس منه، وقوله تبارك وتعالى لنوح عليه الصلاة ~~والسلام : # إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح # [هود:46]. # وخامسها: لعله، وإن كان عم في الدعاء إلا أنه تعالى أجاب ~~دعاءه في حق البعض دون البعض، وذلك لا يوجب تحقير الأنبياء صلوات الله ~~وسلامه عليهم ونظيره قوله تعالى في حق إبراهيم صلوات الله وسلامه ~~عليه # قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي ~~قال لا ينال عهدي الظالمين # [البقرة:124]. # قوله: ms5258 { واجنبني وبني أن نعبد الأصنام } دليل على ~~أن الكفر، والإيمان من الله تعالى لأن إبراهيم صلوات الله وسلامه ~~عليه طلب من الله تعالى أن يجنبه، ويجنب أولاده من الكفر. # والمعتزلة يحملون ذلك على الإلطاف، وهو عدول عن الظاهر، وتقدم فساد ~~هذا التأويل. # قوله: { رب إنهن أضللن كثيرا } الضمير في: " إنهن ~~" و " أضللن " عائد على الأصنام، لأنها جمع تكسير غير عاقل. # وقوله: { فمن تبعني فإنه مني } أي: من أشياعي، وأهل ديني. # وقوله { ومن عصاني } شرط، ومحل " من " الرفع بالابتداء، ~~والجواب: { فإنك غفور رحيم } والعائد محذوف، أي: له. # فصل # قال السدي: ومن عصاني ثم تاب. وقال مقاتل: { ومن عصاني } ~~فيما دون الشرك. # وقيل: قال ذلك قبل أن يعلمه الله أنه لا يغفر الشرك، وهذه الآية ~~تدل على إثبات الشفاعة في أهل الكبائر؛ لأنه طلب المغفرة، ~~والرحمة لأولئك العصاة، ولا تخلو هذه الشفاعة من أن تكون للكفار [أو ~~للعصاة، ولا يجوز أن تكون للكفار]؛ لأنه تبرأ منهم بقوله: { ~~واجنبني وبني أن نعبد الأصنام }. # وقوله: { فمن تبعني فإنه مني } فإنه يدل بمفهومه على ~~أن من لم يتبعه على دينه، فليس منه، والأمة مجتمعة على أن الشفاعة في ~~حق الكفار غير جائزة؛ فثبت أن قوله: { ومن عصاني فإنك ~~غفور رحيم } شفاعة في العصاة غير الكفار. # وتلك المعصية: إما أن تكون من الصغائر، أو من الكبائر بعد التوبة ~~[أو من الكبائر قبل التوبة، والأول والثاني باطلان؛ لأن قوله: { ومن ~~عصاني } اللفظ فيه مطلق، فتخصيصه بالصغيرة عدول عن الظاهر، وأيضا ~~فالصغائر والكبائر بعد التوبة] واجبة الغفران عند الخصوم، فلا يمكن حمل ~~اللفظ عليه، فثبت أن هذه الشفاعة في إسقاط العقاب عن أهل الكبائر قبل ~~التوبة. # وإذا ثبت حصول الشفاعة لإبراهيم صلوات الله وسلامه عليه ثبت حصولها ~~لمحمد عليه أفضل الصلاة والسلام لأنه لا قائل بالفرق، ولأن ~~الشفاعة أعلى المناصب، فلو حصلت لإبراهيم عليه الصلاة والسلام مع ~~أنها لم تحصل لمحمد صلى الله عليه وسلم كان ذلك نقصا في حق محمد ~~ صلوات الله وسلامه عليه . # قوله: { ربنآ إني ms5259 أسكنت من ذريتي } يجوز أن يكون ~~هذا الجار صفة لمفعول محذوف، أي: أسكنت ذرية من ذريتي، ويجوز أن تكون " ~~من " مزيدة عند الأخفش. # " بواد " أي: في واد، وهو مكة؛ لأن مكة واد بين جبلين. # وقوله: { بواد غير ذي زرع } كقوله # غير ذي عوج # [الزمر:28]. # قوله: { عند بيتك المحرم } يجوز أن تكون صفة ل " واد ". # وقال أبو البقاء: يجوز أن يكون بدلا منه، يعني أنه يكون بدل بعضه من ~~كل؛ لأن الوادي أعم من حضرة البيت. # وفيه نظر، من حيث أن " عند " لا يتصرف. # فصل # سماه محرما؛ لأنه يحرم عنده ما لا يحرم عند غيره. # وقيل: لأن الله حرم التعرض له، والتهاون به. وقيل: لأنه لم يزل ~~ممتنعا عزيزا يهابه كل جبار كالشيء المحرم الذي يجب أن يجتنب. # وقيل: لأنه حرم من الطوفان، أي: منع منه، كما يسمى عتيقا؛ لأنه ~~أعتق من الطوفان وقيل: لأن موضع البيت حرم يوم خلق الله السموات، ~~والأرض وحف بسبعة من الملائكة وجعل مثل البيت المعمور الذي نباه آدم ~~صلوات الله وسلامه عليه فرفع إلى السماء. # وقيل: إن الله حرم على عباده أن يقربوه الدماء، والأقذار وغيرها. # قوله: " ليقيموا ": يجوز أن تكون هذه اللام لام الأمر، وأن تكون لام ~~علة، وفي متعلقها حينئذ [وجهان]: # أحدهما: أنها متعلقة ب " أسكنت " وهو ظاهر، ويكون النداء معترضا. # الثاني: أنها متعلقة ب " اجنبني " أي: أجنبهم الأصنام. ليقيموا. ~~وفيه بعد. # قوله: { اجعل أفئدة من الناس } العامة على: " أفئدة " ~~جمع فؤاد، ك " غراب وأغربة " وقرأ هشام عن بان عامر بياء بعد ~~الهمزة، فقيل: إشباع؛ كقوله: [الطويل] # 3227........................ # يحبك عظم في التراب تريب # أي: ترب؛ وكقوله: [الرجز] # 3228 أعوذ بالله من العقراب # الشائلات عقد الأذناب # وقد طعن جماعة على هذه القراءة، وقالوا: الإشباع من ضرائر الشعر، فكيف ~~يجعل في أفصح الكلام؟. # وزعم بعضهم: أن هشاما إنما قرأ بتسهيل الهمزة بين بين فظنها الراوي ~~[أنها زائدة] ياء بعد الهمزة، قال: كما توهم عن أبي عمرو اختلاسه في: " ~~بارئكم " ، و " يأمركم " أنه سكن. # وهذا ليس بشيء، ms5260 فإن الرواة أجل من هذا. # وقرأ زيد بن علي: " إفادة " بزنة " رفادة " ، وفيها وجهان: # أحدهما: أن يكون مصدرا ل " أفاد " ك " أقام إقامة " أي: ذوي ~~إفادة، وهم الناس الذين ينتفع بهم. # والثاني: أن يكون أصلها: " وفادة " فأبدلت الواو همزة، نحو إشاح ~~وإعاء. # وقرأت أم الهيثم: " أفودة " بكسر الواو وفيها وجهان: # أحدهما: أن يكون جمع: " فؤاد " المسهل وذلك أن الهمزة المفتوحة ~~المضموم ما قبلها يطرد قلبها واوا، نحو " جون " ففعل في: " فؤاد " ~~المفرد ذلك فأقرت في الجمع على حالها. # والثاني: قال صاحب اللوامح رحمه الله : هي جمع " وفد ". # قال شهاب الدين: " فكان ينبغي أن يكون اللفظ " أوفدة " يتقدم الواو؛ ~~إلا أن يقال: إنه جمع " وفدا " على " أوفدة " ، ثم قلبه فوزنه " ~~أعفلة " كقولهم: آرام " في " أرآم " وبابه، إلا أنه جمع " فعل ~~" على " أفعلة " نحو: " نجد وأنجدة " و " وهي وأوهية " وأم ~~الهيثم امرأة نقل عنها شيء من اللغة. # وقرىء " آفدة " بزنة ضاربة وهو يحتمل وجهين: # أحدهما: أن تكون مقلوبة من " أفئدة " بتقديم الهمزة على الفاء، ~~فقلبت الهمزة ألفا فوزنه: " أعفلة " ك " آرام " في " أرآم ". # والثاني: أنها اسم فاعل: من " أفد يافد " ، أي: " قرب ودنا ~~". والمعنى: جماعة آفدة أو جماعات آفدة. # وقرىء: " أفدة " بالقصر، وفيها وجهان أيضا: # أحدهما: أن تكون اسم فاعل على " فعل " ك " فرح فهو فرح " ، وأن ~~تكون مخففة من " أفئدة " بنقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها، وحذف ~~الهمزة. # و " من " في " من الناس " فيها وجهان: # أحدهما: أنها لابتداء الغاية. قال الزمخشري: " ويجوز أن يكون " من " ~~لابتداء الغاية، كقولك: القلب مني سقيم، تريد: قلبي، كأنه قال: ~~أفئدة ناس، وإنما نكرت المضاف إليه في هذا التمثيل، لتنكير " ~~أفئدة " لأنها في الآية نكرة ليتناول بعض الأفئدة ". # قال أبو حيان: " ولا ينظر كونها للغاية؛ لأنه ليس لنا فعل يبتدأ فيه ~~بغاية ينتهي إليها، إذ لا يصح حعل ابتداء الأفئدة من الناس ". # والثاني: أنها للتبعيض، وفي التفسير: لو لم يقل من الناس لحج الناس ~~كلهم. # قوله " تهوي " هذا هو المفعول الثاني للجعل، والعامة على: " تهوي ~~" بكسر ms5261 العين، بمعنى تسرع وتطير شوقا إليه؛ قال: [الكامل] # 3229 وإذا رميت به الفجاج رأيته # يهوى مخارمها هوي الأجدل # وأصله أن يتعدى باللام، كقوله: [البسيط] # 3230 حتى إذا ما هوت كف الوليد بها # طارت وفي كفه من ريشها بتك # وإنما عدي بإلى؛ لأنه ضمن معنى تميل، كقوله: [السريع] # 3231 يهوي إلى مكة يبغي الهدى # ما مؤمن الجن ككفارها # وقرأ أمير المؤمنين علي، وزيد بن علي ومحمد بن علي وجعفر بن محمد، ~~ومجاهد رضي الله عنهم بفتح الواو، وفيه قولان: # أحدهما: أن " إلى " زائدة، أي: تهواهم. # والثاني: أنه ضمن معنى تنزع وتميل، ومصدر الأول على " هوى "؛ كقوله: ~~[الكامل] # 3232...................... # يهوي مخارمها هوي الأجدل # ومصدر الثاني على " هوى ". # وقال أبو البقاء: " معناهما متقاربان، إلا أن " هوى " يعني بفتح ~~الواو متعد بنفسه، وإنما عدي ب: " إلى " حملا على تميل ". # وقرأ مسلمة بن عبد الله: " تهوى " بضم التاء، وفتح الواو مبنيا ~~للمفعول، من " أهوى " المنقول من " هوى " اللازم، أي: يسرع بها ~~إليهم. # فصل # قال المفسرون: قوله { أسكنت من ذريتي } أدخل " من " ~~للتعبيض، والمعنى: أسكنت من ذريتي ولدا: { بواد غير ذي زرع } ~~وهو مكة؛ لأن مكة واد بين جبلين: { عند بيتك المحرم }. # روي عن ابن عباس رضي الله عنهما : أول ما اتخذ النساء المنطق من ~~قبل أم إسماعيل صلوات الله وسلامه عليه اتخذت منطلقا لتعفي أثرها ~~على سارة، ثم جاء بها إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه وبابنها ~~إسماعيل، وهي ترضعه حتى وضعها عند البيت، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس ~~فيها ماء، ووضع عندها إناء فيه تمر، وسقاء فيه ماء ثم قال إبراهيم ~~صلوات الله وسلامه عليه منطلقا، فتبعته هاجر، فقالت: يا إبراهيم إلى ~~من تكلنا؟ فقال صلوات الله وسلامه عليه إلى الله، فقالت له: الله ~~أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا، ثم رجعت، فانطلق إبراهيم ~~صلوات الله وسلامه عليه حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل ~~بوجهه البيت، ثم دعا الله بقوله: { ربنآ إني أسكنت من ~~ذريتي بواد غير ذي زرع } الآية ثم ms5262 إنها عطشت وعطش ~~الصبي؛ فجعل يتلوى، وهي تنظر إليه، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت ~~الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر ~~أحدا، فلم تر أحدا، وهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف ~~درعها، ثم سمعت سعي المجهود، حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت ~~عليها ونظرت هل ترى أحدا؟ فلم تر أحدا، ففعلت ذلك سبع مرات. # قال ابن عباس رضي الله عنهما : قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~فلذلك سعى الناس بينهما " فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا، ~~فقالت: صه! تريد نفسها، ثم تسمعت فسمعت، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك ~~غواث! فإذا هي بالملك عند موضع زمزم؛ فضرب بعقبه حتى ظهر الماء، أو ~~قال: فضرب بجناحه فغارت عينها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " رحم الله أم إسماعيل لولا أنها عجلت لكانت زمزم ~~عينا معينا ". # ثم إن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه عاد بعد كبر إسماعيل، ~~وأقرا هو وإسماعيل قواعد البيت. # قال القاضي: " أكثر الأمور المذكورة في هذه القصة بعيدة؛ لأنه لا يجوز ~~لإبراهيم صلوات الله وسلامه عليه أن ينقل ولده حيث لا طعام ولا ماء ~~معه مع أنه كان يمكنه أن ينقلهما إلى بلدة أخرى من بلاد الشام لأجل قول ~~سارة إلا إذا قلنا: إن الله أعلمه أنه يجعل هناك ماء وطعام ". # وقوله: { من ذريتي } ، أي إسماعيل وأولاده بهذا الوادي الذي لا ~~زرع فيه. # { ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس } قال ~~المفسرون: جمع، وقد تهوي: تحن وتشتاق إليهم. قال السدي: معناه: وأمل ~~قلوبهم إلى هذا الموضع. # قال مجاهد: لو قال: أفئدة الناس لزاحمكم فارس والروم والترك والهند. # وقال سعيد بن جبير: لحجت اليهود، والمجوس، ولكنه قال: { أفئدة ~~من الناس } فهم المسلمون. # { ارزقهم من الثمرات } مما رزقت سكان القرى ذوات الماء: ~~{ لعلهم يشكرون } وذلك يدعل على أن المقصود من منافع الدنيا: ~~أن يتفرغ لأداء العبادات. # ثم قال صلوات الله وسلامه عليه : { ربنآ إنك تعلم ما ~~نخفي وما نعلن } من أمورنا. ms5263 # قال ابن عباس ومقاتل: من الوجد بإسماعيل، وأمه حيث أسكنهما بواد غير ذي ~~زرع. { وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في ~~السمآء }. # قيل: هذا كله قول إبراهيم عليه السلام، وقال الأكثرون: قول الله تعالى؛ ~~تصديقا لقول إبراهيم صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: { الحمد لله الذي وهب لي على الكبر } ~~في " على " وجهان: # أحدهما: أن " على " على بابها من الاستعلاء المجازي. # والثاني: أنها معنى " مع " كقوله: [المنسرح] # 3233 إني على ما ترين من كبري # أعلم من حيث تؤكل الكتف # قال الزمخشري: " ومحل هذا [الجار] النصب على الحال من الياء في " وهب ~~لي " ". # الآية تدل على أنه تعالى أعطى إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق صلوات ~~الله وسلامه عليهم على الكبر والشيخوخة فأما مقدار السنة فغير معلوم ~~من القرآن، فالمرجع فيه إلى الروايات. # فروي لما ولدت إسماعيل كان سن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه تسعا ~~وتسعين سنة، ولما ولد إسحاق كان سنة مائة واثنتي عشرة سنة. # وقيل: ولد إسماعيل لأربع وستين سنة، وولد إسحاق [لتسعين] سنة. # وعن سعيد بن جبير رضي الله عنه لم يولد لإبراهيم صلى الله عليه وسلم ~~إلا بعد مائة وسبع عشرة سنة، [وإنما ذكر هذا الكبر؛ لأن المنة بهبة الولد ~~في هذا السن أعظم؛] لأنه زمن اليأس من الولد. # فإن قيل: إن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه إنما دعا بهذا ~~الدعاء عندما أسكن هاجر وابنها إسماعيل في ذلك الوادي، وفي ذلك الوقت ~~لم يكن ولد إسحاق فكيف قال: { الحمد لله الذي وهب لي على ~~الكبر إسماعيل وإسحاق }؟. # فالجواب: قال القاضي رحمه الله : " هذا الدليل يقتضي أن إبراهيم ~~صلوات الله وسلامه عليه إنما ذكر هذا الكلام في زمان آخر لا عقيب ما ~~تقدم من الدعاء ويمكن أيضا أنه صلوات الله وسلامه عليه إنما ذكر ~~هذا [الدعاء] بعد كبر إسماعيل وظهور إسحاق صلوات الله وسلامه عليهما ~~وإن كان ظاهر الروايات بخلافه ". # فصل # المناسبة بين قوله { ربنآ إنك تعلم ما نخفي وما ~~نعلن وما يخفى على الله من شيء في ms5264 الأرض ولا ~~في السمآء } وبين قوله { الحمد لله الذي وهب لي على ~~الكبر إسماعيل وإسحاق } ، وذلك أنه كان في قلبه أن يطلب من ~~الله سبحانه وتعالى إعانتهما، وإعانة ذريتهما بعد موته، ولكنه لم ~~يصرح بهذا المطلوب بل قال: { ربنآ إنك تعلم ما نخفي ~~وما نعلن } أي: تعلم ما في قلوبنا وضمائرنا، فقوله: { الحمد ~~لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق } ~~يدل ظاهرا على أنهما يبقيان بعد موته على سبيل الرمز والتعريض، وذلك ~~يدل على أن الاشتغال بالثناء عند الحاجة إلى الدعاء أفضل من الدعاء. # قال صلوات الله وسلامه عليه حاكيا عن ربه عز وجل أنه قال: # " من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي ~~السائلين ". # ثم قال: { إن ربي لسميع الدعآء } لما ذكر الدعاء على سبيل ~~التعريض لا على وجه التصريح، قال: { إن ربي لسميع الدعآء } ~~من قولك: " سمع الأمير كلام فلان " إذا اعتد به وقبله، ومنه " ~~سمع الله لمن حمده ". # قوله: { لسميع الدعآء } فيه أوجه: # أحدهما: أن يكون " فعيل " مثال مبالغة مضافا إلى مفعوله وإضافته من ~~نصب، وهذا دليل سيبويه على أن " فعيلا " يعمل عمل اسم الفاعل، وإن كان ~~قد خالفه جمهور البصريين والكوفيين. # الثاني: أن الإضافة ليست من نصب، وإنما هو كقولك: " هذا ضارب زيد ~~أمس ". # الثالث: أن " سميعا " مضاف لمرفوعه، ويجعل دعاء الله سميعا على المجاز ~~والمراد: سماع الله، قاله الزمخشري. # قال أبو حيان: " وهو بعيد لاستلازمه أن يكون من الصفة المشبهة والصفة ~~متعدية وهذا إنما يتأتى على قول الفارسي رحمه الله تعالى فإنه يجيز أن ~~تكون الصفة المشبهة من الفعل المتعدي بشرط أمن اللبس، نحو: زيد ظالم ~~العبيد، إذا علم أن له عبيد ظالمين، وأما ههنا فاللبس حاصل، إذ الظاهر ~~من إضافة المثل للمفعول لا الفاعل ". # قال شهاب الدين: " واللبس أيضا هنا منتف؛ لأن المعنى على الإسناد ~~المجازي كما تقرر ". # قوله: { رب اجعلني مقيم الصلاة } أي: من المحافظين عليها. # واحتجوا بهذه الآية على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى لأن ~~قول إبراهيم عليه الصلاة ms5265 والسلا م { واجنبني وبني أن ~~نعبد الأصنام } يدل على أن ترك المنهيات لا يحصل إلا من الله ~~تعالى. # وقوله: { رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي } يدل ~~على أن فعل المأمورات لا يحصل إلا من الله تعالى. # قوله: { ومن ذريتي } " عطف على المفعول الأول ل " اجعلني " ~~أي: واجعل بعض ذريتي مقيم الصلاة، وهذا الجار في الحقيقة صفة لذلك ~~المفعول المحذوف، أي: وبعضا من ذريتي ". # وإنما ذكر هذا التبعيض؛ لأنه علم بإعلام الله سبحانه وتعالى أنه ~~يكون في ذريته جمعا من الكفار لقوله: # لا ينال عهدي الظالمين # [البقرة:124]. # قوله { ربنا وتقبل دعآء } قرأ ابو عمرو، وحمزة وورش، ~~والبزي بإثبات الياء وصلا وحذفها وقفا، والباقون بحذفها وصلا ووقفا، ~~ووقد روى بعضهم بإثباتها وقفا أيضا. # قال ابن عباس رضي الله عنه : معناه: تقبل عملي، وعبادتي، سمى العبادة ~~دعاء. # قال صلوات الله وسلامه عليه # " الدعاء مخ العبادة ". # وقال إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه : # وأعتزلكم وما تدعون من دون الله # [مريم:48] وقيل: معناه: استجب دعائي. # قوله: { ربنا اغفر لي ولوالدي } العامة على " والدي " ~~بالألف بعد الواو وتشديد الياء، وإبن جبير كذلك إلا أنه سكن الياء أراد ~~والده وحده، كقوله # واغفر لأبي # [الشعراء:86]. # وقرأ الحسين بن علي، ومحمد بن زيد ابنا علي بن الحسين وابن يعمر رضي ~~الله عنهم : " ولولدي " دون ألف، تثنية " ولد " ، ويعني بهما: ~~إسماعيل، وإسحاق وأنكرها الجحدري بأن في مصحف أبي " ولأبوي " فهي مفسرة ~~لقراءة العامة. # وروي عن ابن يعمر أنه قرأ: " ولولدي " بضم الواو، وسكون الياء، ~~وفيها تأويلان: # أحدهما: أنه جمع ولد كأسد في أسد. # وأن يكون لغة في الولد، كالحزن والحزن، والعدم والعدم، ~~والبخل والبخل، وعليه قول الشاعر: [الطويل] # 3234 فليت زيادا كان في بطن أمه # وليت زيادا كان ولد حمار # وقد قرىء بذلك في مريم، والزخرف، ونوح في السبعة، كما سيأتي إن شاء الله ~~ تعالى . # و " يوم " [نصب] ب " اغفر ". # فإن قيل: طلب المغفرة إنما يكون بعد الذنب، وهو صلوات الله وسلامه ~~عليه كان قاطعا بأن الله يغفر له، فكيف طلب ms5266 ما كان قاطعا بحصوله؟. # فالجواب: المقصود منه الالتجاء إلى الله، وقطع الطمع إلا من فضل ~~الله تعالى وكرمه. # فإن قيل: كيف جاز أن يستغفر لأبويه، وكانا كافرين؟. # فالجواب: من وجوه: # الأول: أن المنع لا يعلم إلا بالتوقيف، فلعله لم يجد [منعا]، فظن ~~جوازهن. # الثاني: أراد بالوالدين آدم وحواء صلوات الله وسلامه عليهما . # الثالث: كان ذلك بشرط الإسلام. # فإن قيل: لو كان الأمر كذلك لما كان ذلك الاستغفار باطلا، ولو لم يكن ~~باطلا لبطل قوله: # إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك # [الممتحنة:4]. # فالجواب: أن الله تعالى بين عذر خليله في استغفاره لأبيه في سورة ~~التوبة. # وقال بعضهم: كانت أمه مؤمنة، ولهذا خص أباه بالذكر في قوله: # فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه # [التوبة:114]. # في قوله: { يوم يقوم الحسابيوم يقوم الحساب } ~~قولان: # الأول: يقوم إلى بيت المقدس، وهو مشتق من قيام القائم على الرجل، ~~كقولهم: قامت الحرب على ساقها، ونظيره: قوله: قامت الشمس أي: اشتعلت، ~~وثبت ضوؤها كأنها قامت على رجل. # الثاني: أن يسند إلى الحساب قيام أهله على سبيل المجاز، كقوله: # واسأل القرية # [يوسف:82]. ### || [14.42-52] # قوله: { ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل ~~الظالمون } لما بين دلائل التوحيد ثم حكى عن إبراهيم صلوات ~~الله وسلامه عليه أنه طلب من الله العظيم أن يصونه عن الشرك، وأن يوفقه ~~للأعمال الصالحة، وأن يخصه بالرحمة والمغفرة في يوم القيامة، ذكر بعده ~~ما يدل على وجود القيامة، فهو قوله عز وجل { ولا تحسبن ~~الله غافلا عما يعمل الظالمون } وذلك تنبيه على أنه ~~ تبارك وتعالى لو لم ينتقم للمظلوم من الظالم للزم إما أن يكون ~~غافلا عن ذلك الظالم، أو عاجزا عن الانتقام، أو كان راضيا بذلك ~~الظلم ولما كانت الغفلة، والعجز، والرضا بالظلم محالا على الله ~~امتنع أن لاينتقم من الظالم للمظلوم. # فإن قيل: كيف يليق بالرسول صلوات الله وسلامه عليه أن يحسب الله ~~ عز وجل موصوفا بالغفلة؟. # فالجواب من وجوه: # الأول: المراد به التثبيت على ما كان عليه من أنه لا يحسب إن ms5267 كان ~~غافلا، كقوله تعالى: # ولا تكونن من المشركين # [الأنعام:14] # ولا تدع مع الله إلها آخر # [القصص:88]. # والثاني: المقصود منه بيان أنه لو لم ينتقم لكان عدم الانتقام لأجل ~~غفلته عن ذلك الظالم، ولما كان امتناع هذه الغفلة معلوما لكل أحد لا جرم ~~كان عدم الانتقام محالا. # الثالث: أن المراد: ولا تحسبنه يعاملهم الله معاملة الغافل عما ~~يعملون، ولكن معاملة الرقيب عليهم المحاسب على النقير، والقطمير. # الرابع: أن هذا الخطاب، وإن كان خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم في ~~الظاهر إلا أنه خطاب مع الأمة. # قال سفيان بن عيينة رضي الله عنه : هذا تسلية للمظلوم، وتهديد ~~للظالم. # قوله: { إنما يؤخرهم } أي: لأجل يوم، فاللام للعلة. # وقيل: بمعنى " إلى " أي: للغاية. # وقرأ العامة " يؤخرهم " بالياء، لتقدم اسم الله تعالى . وقرأ ~~الحسن والسلمي، والأعرج، [وخلائق] رضي الله عنهم : " نؤخرهم " ~~بنون العظمة. # ويروى عن أبي عمرو " نؤخرهم " بنون العظمة. # و " تشخص " صفة ل " يوم ". ومعنى شخوص البصر حدة ~~النظر، وعدم استقراره في مكانه، ويقال: شخص سمعه، وبصره، ~~وأشخصهما صاحبهما، وشخص بصره، أي: لم يطرف جفنه، وشخوص ~~البصر يدل على الحيرة والدهشة، ويقال: شخص من بلده أي: بعد، والشخص: ~~سواد الإنسان المرئي من بعيد. # قوله: { مهطعين مقنعي رءوسهم } حالان من المضاف المحذوف ~~إذا التقدير: أصحاب الأبصار، إذ يقال: شخص زيد بصره، أو تكون ~~الأبصار دلت على أربابها فجاءت الحال من المدلول عليه، قالهما أبو ~~البقاء. # وقيل: " مهطعين " منصوب بفعل مقدر، أي: تبصرهم مهطعين، ويجوز في " ~~مقنعي " أن يكون حالا من الضمير في: " مهطعين " فيكون حالا، ~~وإضافة: " مقنعي " غير حقيقة؛ فلذلك وقع حالا. # والإهطاع: قيل: الإسراع في المشي؛ قال: [البسيط] # 3235 إذا دعانا فأهطعنا لدعوته # داع سميع فلفونا وساقونا # وقال: [الكامل] # 3236 وبمهطع سرح كأن عنانه # في رأس جذع..................... # وقال أبو عبيدة: قد يكون الإسراع [مع] إدامة النظر. # وقال الراغب: " هطع الرجل ببصره إذا صوبه، وبعير ~~مهطع إذا صوب عنقه ". # وقال الأخفش: هو الإقبال على الإصغاء، وأنشد: [الوافر] # 3237 بدجلة دارهم ولقد أراهم # بدجلة مهطعين إلى ms5268 السماع # والمعنى: مقبلين برءوسهم إلى سماع الداعي. # وقال ثعلب: " هطع الرجل إذا نظر بذل وخشوع لا يقلع ببصره ~~إلى السماء ". وهذا موافق لقول أبي عبيدة؛ فقد سمع فيه: " أهطع ~~وهطع " رباعيا وثلاثيا. # والإقناع: رفع الرأس، وإدامة النظر من غير التفات إلى غيره، قاله ~~القتبي، وابن عرفة. # ومنه قوله يصف إبلا ترعى أعالي الشجر؛ فترفع رءوسها : [الوافر] # 3238 يباكرن العضاه بمقنعات # نواجذهن كالحدإ الوقيع # ويقال: أقنع رأسه، أي: طأطأها، ونكسها فهو من الأضداد، والقناعة: ~~الاجتزاء باليسير، ومعنى قنع عن كذا: أي: رفع رأسه عن السؤال. وفم ~~مقنع: معطوف الأسنان إليه داخلة، ورجل مقنع بالتشديد ، ~~ويقال: قنع يقنع قناعة، وقنعا، إذا رضي، وقنع قنوعا، ~~إذا سأل، [فوقع] الفرق بالمصدر. # وقال الراغب: قال بعضهم: أصل هذه الكلمة من القناع، وهو ما يغطي ~~الرأس. # والقانع: من يلج في السؤال فيرضى بما يأتيه، كقوله: [الوافر] # 3239 لمال المرء يصلحه فيغني # مفاقره أعف من القنوع # ورجل مقنع: تقنع به؛ قال: [الطويل] # 3240........................ # شهودي على ليلى عدول مقانع # ومعنى الآية: أن المعتاد فيمن شاهد البلاء أنه يطرق رأسه عنه لئلا ~~يراه، فبين تعالى أن حالهم بخلاف هذا المعتاد، و أنهم يرفعون ~~رءوسهم. # والرءوس: جمع رأس، وهو مؤنث، ويجمع في القلة على أرؤس، وفي ~~الكثرة على " رءوس " والأراس: العظيم الرأس، ويعبر به عن الرجل ~~العظيم كالوجه، والرس مشتق من ذلك ورياس السيف مقبضه، وشاة ~~رأسى: أسودت رأسها. # قوله: { لا يرتد إليهم طرفهم } في محل نصب على الحال من ~~الضمير في: " مقنعي " ويجوز أن يكون بدلا من: " مقنعي " ، كذا ~~قاله أبو البقاء، يعني أنه يحل محله، ويجوز أن يكون استئنافا، والطرف في ~~الأصل مصدر، وأطلق على الفاعل، كقولهم: " ما فيهم عين تطرف " ، ~~الطرف هنا: العين قال الشاعر: [الكامل] # 3241 وأغض طرفي ما بدت لي جارتي # حتى يواري جارتي مأواها # والطرف: الجفن أيضا، يقال: ما طبق طرفه، أي: جفنه على الآخر، ~~والطرف أيضا: تحريك الجفن. # ومعنى الآية: دوام ذلك الشخوص. # قوله: { وأفئدتهم هوآء } " يجوز أن يكون استئنافا، وأن يكون ~~حالا، والعامل ms5269 فيه إما " يرتد " وإما ما قبله من العوامل، ~~وأفرد: " هواء " ، وإن كان خبرا عن جمع؛ لأنه في معنى فارغة متجوفة، ~~ولو لم يقصد ذلك لقال: أهوية ليطابق الخبر مبتدأه ". # والهواء: الخالي من الأجسام ويعبر به عن الجبن، يقال: جوفه ~~هواء، أي: فارغ؛ قال زهير: [الوافر] # 3242 كأن الرجل منها فوق صعل # من الظلمان جؤجؤه هواء # وقال حسان بن ثابت رضي الله عنه : [الوافر] # 3243........................ # فأنت مجوف نخب هواء # النخب: الذي أخذت نخبته أي: خياره، ويقال: قلب فلان هواء: إذا ~~كان جبانا للقوة في قلبه. # والمعنى: أن قلوب الكفار خالية يوم القيامة عن جمع الخواطر، والأفكار ~~لعظم ما نالهم من الحيرة لما تحققوه من العذاب، وخالية من كل سرور ~~لكثرة ما هم فيه من الحزن. # قوله: { وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب } قال أبو ~~البقاء: { يوم يأتيهم } مفعول ثان ل: " أنذر " ، أي: خوفهم ~~عذاب يوم، وكذا قاله الزمخشري. # وفيه نظر، إذ يؤول إلى قولك: أنذرهم عذاب يوم يأتيهم العذاب، ولا حاجة ~~إلى ذلك، ولا جائز أن يكون ظرفا؛ لأن ذلك اليوم لا إنذار فيه سواء ~~قيل: إنه يوم القيامة، أو يوم هلاكهم، أو يوم تلقاهم الملائكة. # والألف واللام في: " العذاب " للمعهود السابق، أي: وأنذرهم يوم ~~يأتيهم العذاب الذي تقدم ذكره، وهو شخوص الأبصار، وكونهم مهطعين مقنعي ~~رءوسهم. # فصل # حمل أبو مسلم قوله: { يوم يأتيهم العذاب } على أنه حال ~~المعاينة، لأن هذه الآية شبيهة بقوله تعالى: # وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي ~~أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى ~~أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين # [المنافقون:10]، وظاهر الآية يشهد بخلافه؛ لأنه تعالى وصف اليوم بأن ~~العذاب يأتيهم فيه، وأنهم يسألون الرجعة، ويقال لهم: { أولم ~~تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال }؟ ولا ~~يليق ذلك إلا بيوم القيامة. # ثم حكى تعالى عنهم ما يقولون في ذلك اليوم: { فيقول الذين ~~ظلموا ربنآ أخرنآ إلى أجل قريب } قال بعضهم: ~~طلبوا الرجعة إلى الدنيا ليتلافوا ما فرطوا فيه. # وقيل: طلبوا الرجوع إلى حال التكليف لقولهم: ms5270 { نجب دعوتك ~~ونتبع الرسل } ، فقوله: " نجب " جواب الأمر. # قوله: { أولم تكونوا أقسمتم من قبل } قال الزمشخري: ~~" على إرادة القول وفيه وجهان: أن تقولوا ذلك أشرا وبطرا، أو تقولوه ~~بلسان الحال حيث بنوة شديدا، وأملوا بعيدا ". # و " ما لكم " جواب القسم، وإنما جاء بلفظ الخطاب لقوله: " ~~أقسمتم " ، ولو جاء بلفظ المقسمين لقيل: " ما لنا ". # وقدر أبو حيان ذلك القول هنا من قول الله عز وجل أو ~~الملائكة عليهم السلام أي: فيقال لهم: " أو لم تكونوا " ، وهو أظهر ~~من الأول، أعني: جريان القول من غيرهم لا منهم، والمعنى: { أولم ~~تكونوا أقسمتم } أراد قوله: # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جآءتهم آية ~~ليؤمنن بها # [الأنعام:109] إلى غير ذلك مما كانوا ينكرونه. # قوله: { وسكنتم في مسكن الذين ظلموا أنفسهم } ~~وأصل " سكن " التعدي ب " في " كما في هذه الآية، وقد يتعدى بنفسه. # قال الزمخشري: " السكنى من السكون الذي هو اللبث، والأصل تعديه ب ~~" في " كقولك: قر في الدار وأقام فيها، ولكنه لما نقل إلى سكون ~~خاص تصرف فيه، فقيل: سكن الدار كما قيل: تبوأها، وأوطنها، ويجوز ~~أن يكون من السكون، أي: قروا فيها واطمأنوا ". # والمعنى: وسكنتم في مساكن الذين كفروا قبلكم كقوم نوح، وعاد، وثمود و: ~~{ ظلموا أنفسهم } بالكفر؛ لأن من شاهد هذه الحال؛ وجب عليه أن ~~يعتبر، وإذا لم يعتبر يستوجب الذم والتقريع. # قوله: " وتبين لكم " فاعله مضمر لدلالة الكلام عليه، أي حالهم ~~وخبرهم وهلاكهم، و " كيف " نصب ب " فعلنا " وجملة الاستفهام ليست ~~معمولة ل " تبين؛ لأنه من الأفعال التي لا تعلق، ولا جائز أن يكون: ~~" كيف " فاعلا؛ لأنها إما شرطية، أو استفهامية وكلاهما لا يعمل ~~فيه ما تقدمه، والفاعل لا يتقدم عندنا. # وقال بعض الكوفيين: إن جملة: " كيف فعلنا " هو الفاعل، وهم ~~يجيزون أن تكون الجملة فاعلا، وقد تقدم هذا في قوله: # ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه # [يوسف:35]. # والعامة على " تبين " فعلا ماضيا، وقرأ عمر بن الخطاب، والسلمي ~~رضي الله عنهما في رواية عنهما: " ونبين " بضم النون الأولى ~~والثانية، مضارع: ms5271 " بين " ، وهو خبر مبتدأ مضمر، والجملة حال، أي: ~~ونحن نبين. # وقرأ السلمي فيما نقل المهدوي كذلك إلا أنه سكن النون للجزم نسقا على ~~" تكونوا " فيكون داخلا في حيز التقدير. # فصل # والمعنى: عرفتم عقوبتنا إياهم، وضربنا لكم الأمثال في القرآن مما يعلم ~~به أنه قادر على الإعادة كما قدر على الابتداء، وقادر على التعذيب ~~المؤجل كما يفعل الهلاك المعجل. # قوله: { وقد مكروا مكرهم } قيل: الضمير عائد إلى الذين ~~سكنوا في مساكن الذين ظلموا أنفسهم. # وقيل: أراد قوم محمد صلى الله عليه سلم لقوله تعالى: { وأنذر ~~الناس يوم يأتيهم العذاب } يا محمد، وقد مكروا قومك مكرهم ~~وذلك في قوله تعالى # وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو ~~يقتلوك أو يخرجوك # [الأنفال:30]. # وقيل: المراد من هذا المكر ما نقل: أن نمروذا حاول الصعود إلى ~~السماء، فاتخذ لنفسه تابوتا، وربط قوائمه الأربعة بأربعة نسور، وكان ~~قد جوعها، وجعل لها في جوانب التابوت الأربعة عصيا، وعلم عليها اللحم، ~~ثم جلس مع صاحب له في التابوت، فلما أبصرت النسور اللحم تصاعدت في الجو ~~ثلاثة أيام، وغابت الدنيا عن عين نمروذ، ثم نكس العصي التي كان ~~عليها اللحم فهبطت النسور إلى الأرض. # قال القاضي رحمه الله : " وهذا بعيد جدا؛ لأن الخطر فيه عظيم، ~~ولا يكاد العاقل يقدم عليه، وما جاء فيه خبر، ولا دليل ". # قال القشيري: وهذا جائز بتقدير خلق الحياة في الحبال، وذكر ~~الماوردي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النمرود بن كنعان بنى ~~الصرح في قرية الرس من سواد الكوفة، وجعل طوله خمسة آلاف ذراع، وخمسة ~~وعشرين ذراعا، وصعد فيه مع النسور، فلما علم أنه ليس له سبيل إلى ~~السماء اتخذ حصنا، وجمع فيه أهله وولده ليتحصن فيه، فأتى الله بنيانه ~~من القواعد، فتداعى الصرح عليهم، فهلكوا جميعا فهذا معنى قوله عز ~~وجل : { وقد مكروا مكرهم }. # قوله: { وعند الله مكرهم } يجوز أن يكون هذا المصدر مضافا ~~لفاعله كالأول بمعنى أن مكرهم الذي مكروه جزاؤه عند الله، أو للمفعول، ~~بمعنى أن عند الله مكرهم الذي ms5272 يمكرهم به، أي: يعذبهم قالهما الزمخشري. # قال أبو حيان: وهذا لايصح إلا إن كان " مكر " يتعدى بنفسه كما ~~قال هو إذ قد يمكرهم به، والمحفوظ أن " مكر " لا يتعدى إلى مفعول ~~به بنفسه، قال تعالى: # وإذ يمكر بك الذين كفروا # [الأنفال:30] وتقول: زيد ممكور به، ولا يحفظ: زيد ممكور بسبب كذا. # قوله: { وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال } قرأ ~~العامة بكسر لام " لتزول " الأولى، والكسائي بفتحها. # فأما القراءة الأولى، ففيها ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها نافية، واللام بعدها لام الجحود؛ لأنها بعد كون ~~منفي، وفي " كان " حينئذ قولان: # أحدهما: أنها تامة، والمعنى؛ تحقير مكرهم، وأنه ما كان لتزول منه ~~الشرائع التي كالجبال في ثبوتها وقوتها. # ويؤيد كونها نافية قراءة عبد الله: (وما كان مكرهم). # القول الثاني: أنها ناقصة، وفي خبرها القولان المشهوران بين البصريين ~~والكوفيين، هل هو محذوف، واللام متعلقة به؟ وإليه ذهب البصريون، أو هو ~~اللام، وما جرته كما [هو مذهب] الكوفيين؟ وقد تقرر هذا في آخر آل ~~عمران. # الوجه الثاني: أن تكون المخففة من الثقيلة. # قال الزمخشري: " وإن عظم مكرهم وتبالغ في الشدة، فضرب زوال الجبال منه ~~مثلا لتفاقمه وشدته، أي: وإن كان مكرهم معدا لذلك ". # وقال ابن عطية: " ويحتمل عندي أن يكون معنى هذه القراءة: تعظيم مكرهم، ~~أي: وإن كان شديدا إنما يفعل ليذهب به عظام الأمور " ، فمفهوم هذين ~~الكلامين أنها مخففة؛ لأنه إثبات. # والثالث: أنها شرطية، وجوابها محذوف، أي: وإن كان مكرهم مقدرا ~~لإزالة أشباه الجبال الرواسي، وهي المعجزات، والآيات، فالله مجازيهم ~~بمكرهم، وأعظم منه. # وقد رجح الوجهان الأخيران على الأول، وهو: أنها نافية؛ لأن فيه ~~معارضة لقراءة الكسائي في ذلك؛ لأن قراءته تؤذن بالإثبات، وقراءة غيره ~~تؤذن بالنفي. # وقد أجاب بعضهم عن ذلك: بأن الجبال في قراءة الكسائي مشار بها إلى ~~أمور عظام غير الإسلام، ومعجزاته لمكرهم صلاحية إزالتها، وفي قراءة ~~الجماعة مشار بها إلى ما جاء به النبي المختار صلوات الله وسلامه ~~عليه من الدين الحق، فلا تعارض إذ لم يتوارد على معنى واحد نفيا، ms5273 ~~وإثباتا. # وأما قراءة الكسائي ففي: " إن " وجهان: # مذهب البصريين أنها المخففة واللام فارقة، ومذهب الكوفيين أنها ~~نافية، واللام بمعنى: " إلا " وقد تقدم تحقيق المذهبين. # وقرأ عمر، وعلي، وعبد الله، وزيد بن علي، وأبو سلمة وجماعة رضي الله ~~عنهم (وإن كاد مكرهم لتزول) كقراءة الكسائي، إلا أنهم جعلوا مكان ~~نون: " كان " دالا، فعل مقاربة، وتخريجها كما تقدم، ولكن الزوال غير ~~واقع. # وقرىء: " لتزول " بفتح اللامين، وتخريجها على إشكالها أنها جاءت على ~~لغة من لا يفتح لام كي. # فصل # في الجبال التي عني زوالها بمكرهم وجهان: # أحدهما: جبال الأرض. # الثاني: الإسلام، والقرآن؛ لأن ثبوته، ورسوخه كالجبال. # وقال القشيري: { وعند الله مكرهم } أي: هو عالم بذلك ~~فيجازيهم، أو عند الله جزاء مكرهم فحذف المضاف. # قوله تعالى: { فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله } ~~لما بين في الآية الأولى أنه ينتصر للمظلوم من الظالم بين هاهنا أنه لا ~~يخلف الوعد. # قوله: { مخلف وعده } العامة على إضافة: " مخلف " إلى " ~~وعده " وفيها وجهان: # أظهرهما: أن " مخلف " يتعدى لاثنين كفعله، فقدم المفعول الثاني، ~~وأضيف إليه إسم الفاعل تخفيفا، نحو: هذا كاسي جبة زيد. # قال الفراء وقطرب: لما تعدى إليهما جميعا، لم يبال بالتقديم ~~والتأخير. # وقال الزمخشري: فإن قلت: هلا قيل: مخلف رسله وعده؟ ولم قدم ~~المفعول الثاني على الأول؟. # قلت: قدم الوعد ليعلم أنه لا يخلف الوعد، ثم قال: " رسله " ليؤذن أنه ~~إذا لم يخلف وعده أحدا، وليس من شأنه إخلاف المواعيد، كيف يخلف رسله؟. # وقال أبو البقاء: هو قريب من قولهم: [الرجز] # 3244 يا سارق الليلة أهل الدار # وأنشد بعضهم نظير الآية الكريمة قول الشاعر: [الطويل] # 3245 ترى الثور فيها مدخل الظل رأسه # وسائره بارد إلى الشمس أجمع # والحسبان هنا: الأمر [المتيقن]، كقوله: [الطويل] # 3246 فلا تحسبن أني أضل منيتي # وكل امرىء كأس الحمام يذوق # الثاني: أنه متعد لواحد، وهو " وعده " ، وأما " رسله " فمنصوب ~~بالمصدر فإنه ينحل بحرف مصدري، وفعل تقديره: مخلف ما وعد رسله، ف " ~~ما " مصدرية لا بمعنى الذي. # وقرأت جماعة: { مخلف وعده رسله } بنصب: ms5274 " وعده " وجر: " ~~رسله " فصلا بالمفعول بين المتضايفين، وهي كقراءة ابن عامر: { قتل ~~أولادهم شكرائهم). # قال الزمخشري جرأة منه : " وهذه في الضعف [كقراءة] (قتل ~~أولادهم شركائهم). # ثم قال: { إن الله عزيز ذو انتقام } غالب لأهل المكر، ذو ~~انتقام لأوليائه منهم. # قوله تعالى: { يوم تبدل الأرض غير الأرض } [لما بين ~~أنه عزيز ذو انتقام، بين وقت انتقامه، فقال: { يوم تبدل الأرض ~~غير الأرض } ] ويجوز في " يوم " عدة أوجه: # أحدها: أن ينتصب منصوبا ب " انتقام " أي: يقع انتقامه في ذلك اليوم. # الثاني: أن ينتصب ب " اذكر ". # الثالث: أن ينتصب بما يتلخص من معنى عزيز ذو انتقام. # الرابع: أن يكون بدلا من: " يوم يأتيهم ". # الخامس: أن ينتصب ب: " مخلف ". # السادس: أن ينتصب ب " وعده " ، و " إن " وما بعدها اعتراض. # ومنع أبو البقاء هذين الآخرين، قال: " لأن ما قبل " إن " لا يعمل فيما ~~بعدها ". # وهذا غير مانع؛ لأنه كما تقدم اعتراض، فلا يبالى به فاصلا. # فصل # التبديل يحتمل وجهين: # الأول: أن تكون الذات باقية، وتبدل الصفة بصفة أخرى، كما تقول: بدلت ~~الحلقة خاتما، إذا أذبتها وسويتها خاتما فنقلتها من شكل إلى شكل آخر، ~~ومنه قوله تعالى: # فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات # [الفرقان:70]، ويقال: بدلت قميصي جبة، إذا قلبت عينه ~~فجعلته جبة، وقال الشاعر: [الطويل] # 3247 فما الناس بالناس الذين عرفتهم # ولا الدار بالدار التي أنت تعلم # الثاني: أن تفني الذات، وتحدث ذاتا أخرى، كقولك: بدلت الدراهم ~~دنانير ومنه قوله تعالى: # وبدلناهم بجنتيهم جنتين # [سبأ:16]. # وإذا عرفت أن اللفظ محتمل للوجهين ففي الآية قولان: # الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما : هي تلك الأرض، إلا أنها تغير ~~صفتها فتسير عنها جبالها، وتفجر أنهارها، وتسوى، فلا # ترى فيها عوجا ولا أمتا # [طه:107] وقال صلى الله عليه وسلم: # " تبدل الأرض غير الأرض، فيبسطها، ويمدها مد الأديم ~~[العكاظي] لا ترى فيها عوجا ولا أمتا " # وتبدل السموات بانتثار كواكبها وانفطارها وتكوير شمسها؛ وخسوف قمرها، ~~وكونها تكن تارة كالمهل، وتارة كالدهان. # والقول الثاني: تبديل الذات. قال ابن مسعود رضي الله عنه ms5275 : تبدل بأرض ~~كالفضة البيضاء النقية، لم يسفك فيها دم، ولم يعمل عليها خطيئة. # والقائلون بالقول الأول هم الذين يقولون عند قيام القيامة: لا يعدم ~~الله الذوات والأجسام، وإنما يعدم صفاتها. # وقيل: المراد من تبديل الأرض والسموات: هو أن الله تعالى يجعل ~~الأرض جهنم، ويجعل السموات الجنة بدليل قوله تعالى: # كلا إن كتاب الفجار لفي سجين # [المطففين:7] وقوله عز وجل # كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين # [المطففين:18]. # وقالت عائشة رضي الله عنها : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~قوله تعالى: { يوم تبدل الأرض غير الأرض ~~والسماوات } [إبراهيم:48] أين تكون الناس يومئذ؟ فقال صلى ~~الله عليه وسلم: # " على الصراط ". # وروى ثوبان رضي الله عنه أن حبرا من اليهود سأل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أين تكون الناس يوم تبدل الأرض غير ~~الأرض؟ قال: # " هم في الظلمة دون الجسر ". # قوله " والسموات " تقديره: وتبدل السموات غير السموات. # وقرىء: " نبدل " بالنون: " الأرض " نصبا " والسموات " نسق عليه. # قوله " وبرزوا " فيه وجهان: # أحدهما: أنها جملة مستأنفة، أي: يبرزون، كذا قدره أبو البقاء، يعنى ~~أنه ماض يراد به الاستقبال، والأحسن أنه مثل # ونادى أصحاب النار # [الأعراف:50] # ونادى أصحاب الجنة # [الأعراف:44] # ربما يود الذين كفروا # [الحجر:2] # أتى أمر الله # [النحل:1] لتحقق ذلك. # والثاني: أنها حال من " الأرض " ، و " قد " معها مرادة، قاله أبو ~~البقاء ويكون الضمير في: " برزوا " للخلق دل عليه السياق، ~~والرابط بين الحال، وصاحبها الواو. # وقرأ زيد بن علي " وبرزوا " بضم الباء، وكسر الراء مشددة على ~~التكثير في الفعل ومفعوله، وتقدم الكلام في معنى البروز عند قوله ~~تعالى # وبرزوا لله جميعا # [إبراهيم:21]، وإنما ذكر " الواحد القهار " هنا؛ لأن الملك إذا ~~كان لمالك واحد غالب لا يغلب، قهار لا يقهر، فلا يستغاث بأحد غيره، ~~فكان الأمر في غاية الصعوبة ولما وصف نفسه تعالى بكونه قهارا، بين ~~عجزهم، وذلتهم فقال: " وترى المجرمين " وصفهم بصفات: # الأولى: قوله: { مقرنين في الأصفاد } " يجوز أن يكون حالا ~~على أن الرؤية بصرية، وأن يكون مفعولا ثانيا على أنها علمية، و " ~~في ms5276 الأصفاد " متعلق به. # وقيل: بمحذوف على أنه حال أو صفة ل " مقرنين " ". # والمقرن: من جمع في القرن، وهون الحبل الذي يربط به، قال: [البسيط] # 3248أ وابن اللبون إذا ما لز في قرن # لم يستطع صولة ا لبزل القناعيس # وقال آخر: [البسيط] # 3248ب والخير والشر ملزوزان في قرن # وقال آخر: [البسيط] # 3248ج إني لدى الباب كلملزوز في قرن # يقال: قرنت الشيء بالشيء إذا شددته به، ووصلته، والقرن: ~~اسم للحبل الذي يشد به، ونكره لكثرة ذلك. # والأصفاد: جمع صفد، وهو الغل، والقيد، يقال: صفده يصفده ~~صفدا، قيده،، والاسم الصفد، وصفده مشددا للتكثير؛ قال: ~~[الوافر] # 3249 فآبوا بالنهاب وبالسبايا # وأبنا بالملوك مصفدينا # والأصفاد من الصفد، وأصفده، أي: أعطاه، ففرقوا بين " فعل " و ~~" أفعل ". # وقيل: بل يستعملان في القيد، والعطاء، قال النابغة الذبياني: ~~[البسيط] # 3250................. # فلم أعرض أبيت اللعن بالصفد # أي: بالإعطاء، وسمي العطاء صفدا، لأنه يقيد من يعطيه، ومنه: أنا ~~مغلول أياديك، وأسير نعمتك. # فصل # قيل: يقرن كل كافر مع شيطان في سلسلة، بيانه قوله: # احشروا الذين ظلموا وأزواجهم # [الصافات:22] يعنى: قرناءهم من الشياطين، وقوله جل ذكره : # وإذا النفوس زوجت # [التكوير:7]. أي قرنت. # وقيل: مقرونة أيديهم، وأرجلهم إلى رقابهم بالأصفاد أي: بالقيود. # قوله: { سرابيلهم من قطران } مبتدأ وخبر في محل نصب على ~~الحال من " المجرمين " وإما من: " مقرنين " ، وإما من ضميره، ~~ويجوز أن تكون مستأنفة وهو الظاهر. # والسرابيل: الثياب،وسربلته، أي: ألبسته السربال؛ قال: ~~[السريع] # 3251................... # أودى بنعلي وسرباليه # وتطلق على ما يحصن في الحرب من الدرع، وشبهه قال تعالى: # وسرابيل تقيكم بأسكم # [النحل:81]. # والقطران: ما يستخرج من شجر يسمى الأبهل، فيطبخ ويطلى به الإبل ~~الجرب ليذهب جربها [بحدته، وقد تصل حرارته إلى داخل الجوف، ومن شأنه أن ~~يسرع فيه اشتعال النار]، وهو أسود اللون منتن الرائحة، وفيه لغات: ~~" قطران " بفتح القاف وكسر الطاء، وهي قراءة العامة. # و " قطران " بزنة سكران، وبها قرأ عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ~~رضي الله عنهما وقال أبو النجم: [الرجز] # 3252 لبسه القطران والمسوحا # و " قطران " بكسر القاف، وسكون ms5277 الطاء بزنة " سرحان " ولم يقرأ بها ~~فيما علمت. # قال شهاب الدين رحمه الله : وقرأ جماعة كثيرة منهم علي بن أبي ~~طالب وابن عباس، وأبو هريرة رضي الله عنهم : " قطر " بفتح القاف، ~~وكسرها وتنوين الراء " آن " بوزن " عان " جعلوها كلمتين، والقطر: ~~النحاس، وال " آن " اسم فاعل من أنى يأني، أي: تناهى في الحرارة؛ ~~كقوله تعالى: # بينها وبين حميم آن # [الرحمن:44]. # وعن عمر رضي الله عنه ليس بالقطران، ولكنه النحاس الذي يصير ~~بلونه. # قال ابن الأنباري: " وتلك النار لا تبطل ذلك القطران، ولا تفنيه، كما ~~لا تهلك أجسادهم النار، والأغلال التي عليهم ". # واعلم أنه يطلى بذلك القطران جلود أهل النار حتى يصير ذلك الطلاء ~~كالسربال، وهو القميص، فيحصل بسببه أربعة أنواع من العذاب: لذع القطران ~~وحرقته، وإسراع النار في جلودهم، واللون الوحش، ونتن الريح، وأيضا: ~~التفاوت بين قطران القيامة، وقطران الدنيا كالتفاوت بين النارين. # قوله: { وتغشى وجوههم النار } قرىء " وتغشى " بتشديد ~~الشين، أي: وتتغشى فحذفت إحدى التاءين. # وقرىء برفع: " وجوههم " ونصب " النار " على سبيل المجاز، جعل ورود ~~الوجوه النار غشيانا. # والجملة من قوله: " وتغشى " قال أبو البقاء: " حال أيضا ". # يعني أنها معطوفة على الحال، ولا يعني أنها حال، والواو للحال، ~~لأنه مضارع مثبت. # فصل # المعنى: [تعلو] النار وجوههم، ونظيره قوله تعالى: # أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب # [الزمر:24] وقوله: # يسحبون في النار على وجوههم # [القمر:48]. # واعلم أن موضع المعرفة والنكرة، والعلم، والجهل هو القلب، وموضع ~~الفكر، والوهم والخيال هو الرأس، وتأثير هذه الأحوال يظهر في الوجه، ~~فلهذا السبب خص الله تعالى هذين العضوين بظهور آثار العقاب فيهما، ~~قال الله تعالى [في القلب]: # نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة # [الهمزة:6، 7] وقال تعالى في الوجه: { وتغشى وجوههم النار ~~}. # قوله: { ليجزي الله كل نفس ما كسبت } في هذه اللام ~~وجهان: # أظهرهما: أنها تتعلق ب " برزوا " وعلى هذا فقوله: " وترى " جملة ~~معترضة بين المتعلق، والمتعلق به. # والثاني: أنها تتعلق بمحذوف، أي: فعلنا بالمجرمين، ذلك ليجزي كل نفس ~~لأنه إذا عاقب المجرم؛ أثاب الطائع. # قال الواحدي: " المراد: ms5278 أنفس الكفار؛ لأن ما سبق ذكره لا يليق أن ~~يكون جزاء لأهل الإيمان، ويمكن إجراء اللفظ على عمومه، وأنه تعالى ~~يجزي كل نفس ما كسبت من عملها اللائق بها، فيجزي الكفار بهذا العقاب ~~المذكور، ويجزي المؤمن المطيع الثواب وأيضا، فالله تعالى لما عاقب ~~المجرمين بجرمهم، فلأن يثيب المطيعين أولى ". # ثم قال تعالى: { إن الله سريع الحساب } أي: لا يظلمهم، ولا ~~يزيد على عقابهم الذي يستحقونه. # قوله تعالى: { هذا بلاغ } إشارة إلى ما تقدم من قوله: " ولا ~~تحسبن " إلى هنا، أو إلى كل القرآن، نزل منزلة الحاضر بلاغ، أي: ~~كافية في الموعظة. # قوله تعالى: { ولينذروا به } فيه أوجه: # أحدها: أنه متعلق بمحذوف، أي: ولينذروا أنزلنا عليك. # الثاني: [أنه معطوف على محذوف، وذلك المحذوف متعلق ب " بلاغ " ، ~~تقديره: لينصحوا ولينذروا]. # الثالث: أن الواو مزيدة: " ولينذروا " متعلق ب " بلاغ " ، وهو ~~رأي الأخفش نقله الماوردي. # الرابع: أنه محمول على المعنى، أي: ليبلغوا، ولينذروا. # الخامس: أن اللام لام الأمر، وهو حسن، لولا قوله: " وليذكر " ~~فإنه منصوب فقط. # قال شهاب الدين: قال بعضهم: لا محذور في ذلك، فإن قوله: " ليذكر " ~~ليس معطوفا على ما تقدمه، بل متعلق بفعل مقدر، أي: وليذكر أنزلناه ~~وأوحيناه. # السادس: أنه خبر لمبتدأ مضمر، التقدير: هذا بلاغ، وهو لينذروا قاله ابن ~~عطية. # السابع: أنه عطف مفردا على مفرد، أي: هذا بلاغ وإنذار، قاله المبرد ~~وهو تفسير معنى لا إعراب. # الثامن: أنه معطوف على قوله: " يخرج الناس " في أول السورة، وهذا ~~غريب جدا. # التاسع: قال أبو البقاء: " المعنى هذا بلاغ للناس، والإنذار متعلق ~~بالبلاغ أو بمحذوف إذا جعلت الناس صفة. # ويجوز أن يتعلق بمحذوف، وتقديره: ولينذروا به أنزل، أو تلي ". # قال شهاب الدين: " فيؤدي التقدير إلى أن يبقى التركيب: هذا بلاغ ~~للإنذار والإنذار لا يتأتي فيه ذلك ". # وقرأ العامة: " لينذروا " مبنيا للمفعول. وقرأ مجاهد وحميد بن ~~قيس: " ولتنذروا " بتاء مضمومة، وكسر الذال كأن البلاغ للعموم، ~~والإنذار للمخاطبين، وقرأ يحيى بن عمارة الدراع من أبيه وأحمد بن يزيد بن ~~أسيد السلمي " ولينذروا " بفتح الياء ms5279 والذال من نذر بالشيء، أي: ~~علم به فاستعد له. # قالوا: ولو لم يعرف مصدر فهو ك " عسى " ، وغيرها من الأفعال التي لا ~~مصادر لها. # فصل # معنى " لينذروا " أي: وليخوفوا به { وليعلموا أنما ~~هو إله واحد } أي: يستدلوا بهذه الآيات على وحدانية الله ~~تعالى : { وليذكر أولوا الألباب } أي: يتعظ أولو ~~العقول. # قال القاضي: أول هذه السورة، وأخرها يدل على أن العبد مستقل بفعله ~~إن شاء أطاع، وإن شاء عصى. # أما أول هذه السورة فقوله تعالى: # لتخرج الناس من الظلمات إلى النور # [إبراهيم:1] وقد ذكرناه هناك. # وأما آخر السورة فقوله تعالى: { وليذكر أولوا الألباب ~~} يدل على أنه تعالى إنما أنزل هذه السورة، وذكر هذه المواعظ؛ ~~لأجل أن ينتفع بها الخلق؛ فيصيروا مؤمنين مطيعين، ويتركوا الكفر ~~والمعصية، وقد تقدم جوابه. # روى أبو أمامة عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة إبراهيم أعطي من الأجر عشر حسنات ~~بعدد من عبد الأصنام، ومن لم يعبدها ". ### | [15 - سورة الحجر] ### || [15.1-9] # قوله تعالى: { الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين } ~~تقدم نظير { تلك آيات } أول الرعد، والإشارة ب " تلك " إلى ما ~~تظمنته السورة من الآيات، ولم يذكر الزمشخري غيره. # وقيل: إشارة إلى الكتاب السالف، وتنكير القرآن للتفخيم، والمعنى: تلك ~~آيات ذلك الكتاب الكامل في كونه كتابا، وفي كونه قرآنا مفيدا للبيان. # والمراد ب " الكتاب " وال " قرآن المبين ": الكتاب الذي وعد به ~~محمد صلوات الله وسلام عليه ، أي: مبين الحلال من الحرام، والحق من ~~الباطل. # فإن قيل: لم ذكر الكتاب، ثم قال: " وقرءان " ، وكلاهما واحد؟. # قيل: كل واحد يفيد فائدة أخرى؛ فإن الكتاب ما يكتب، والقرآن ما ~~يجمع بعضه إلى بعض. # وقيل: المراد ب " الكتاب " التوراة والإنجيل، فيكون اسم جنس، ~~وبال " قرآن ": هذا الكتاب. # قوله: { ربما يود } في " رب " قولان: # أحدهما: أنها حرف جر، وزعم الكوفيون، وأبو الحسن، وابن الطراوة: ~~أنها اسم، ومعناها: التقليل على المشهور. # وقيل: تفيد التكثير في مواضع الافتخار؛ كقوله: [الطويل] # 3253 فيا رب يوم ms5280 قد لهوت وليلة # بآنسة كأنها خط تمثال # وقد أجيب عن ذلك: بأنها لتقليل النظير. # وفيها سبعة عشرة لغة وهي: # " رب " بضم الراء وفتحها كلاهما مع تشديد الباء، وتخفيفها، فهذه ~~أربع، ورويت بالأوجه الأربعة، مع تاء التأنيث المتحركة، و " رب " بضم ~~الراء وفتحها مع إسكان الباء، و " رب " بضم الراء والباء معا مشددة ~~ومخففة، و " ربت ". # وأشهرها: " رب " بالضم والتشديد والتخفيف، وبالثانية قرأ عاصم ~~ونافع وباتصالها بتاء التأنيث، قرأ طلحة بن مصرف، وزيد بن علي: " ~~ربتما " ، ولها أحكام كثيرة: # منها: لزوم تصديرها، ومنها تنكير مجرورها؛ وقوله: [الخفيف] # 3254 ربما الجامل المؤبل فيهم # وعناجيج بينهن المهاري # ضرورة في رواية من جر " الجامل ". # ويجر ضمير لازم التفسير بعده، ويستغنى بتثنيتها وجمعها، وتأنيثها عن ~~تثنية الضمير، وجمعه، وتأنيثه؛ كقوله: [البسيط] # 3255...................... # وربه عطبا أنقذت من عطبه # والمطابقة؛ نحو: ربهما رجلين، نادر، وقد يعطف على مجرورها ما ~~أضيف إلى ضميره، نحو: رب رجل وأخيه، وهل يلزم وصف مجرورها؛ ومضي ~~ما يتعلق به على خلاف، والصحيح عدم ذلك؛ فمن مجيئه غير موصوف قول هند: ~~[مجزوء الكامل] # 3256 يا رب قائلة غدا # يا لهف أم معاويه # ومن مجيء المستقبل، قوله: [الوافر] # 3257 فإن أهلك فرب فتى سيبكي # علي مهذب رخص البنان # وقول هند: [مجزوء الكامل] # 3258 يا رب قائلة غدا # .......................... # وقول سليم: [الطويل] # 3259 ومعتصم بالحي من خشية الردى # سيردى وغاز مشفق سيئوب # فإن حرف التنفيس، و " غدا " خلصاه للاستقبال. # و " رب " تدخل على الاسم، و " ربما " على الفعل، ويقال: رب ~~رجل جاءني، وربما جاءني. # و " ما " في " ربما " ، تحتمل وجهين: # أظهرهما: أنها المهيئة، بمعنى أن " رب " مختصة بالأسماء، فلما ~~جاءت هنا " ما " هيأت دخولها على الأفعال وقد تقدم نظير ذلك [يونس:27] ~~في " إن " وأخواتها ويكفها أيضا عن العمل؛ كقوله: [الخفيف] # 3260 ربما الجامل المؤبل فيهم # .......................... # في رواية من رفعه كما جرى ذلك في كاف التشبيه. # والثاني: أن " ما " نكرة موصوفة بالجملة الواقعة بعدها، والعائد على ~~" ما " محذوف تقديره: رب شيء يوده الذين كفروا، ومن لم يلتزم مضي ms5281 ~~متعلقها، لم يحتج إلى تأويل، ومن التزم ذلك قال: لأن المترقب في إخبار ~~الله تعالى واقع لا محالة، فعبر عنه بالماضي، تحقيقا لوقوعه؛ كقوله ~~تعالى: # أتى أمر الله # [النحل:1] ونحوه. # قوله: " لو كانوا " يجوز في " لو " وجهان: أحدهما: أن تكون ~~الامتناعية، وحينئذ، يكون جوابها محذوفا، تقديره لو كانوا مسلمين ~~لسروا أو تخلصوا مما هم فيه، ومفعول " يود " محذوف على هذا التقدير، ~~أي: ربما يود الذين كفروا النجاة، دل عليه الجملة الامتناعية. # والثاني: أنها مصدرية عند من يرى ذلك، كما تقدم تقريره في البقرة ~~[البقرة:96]؛ وحينئذ يكون هذا المصدر المؤول هو المفعول للودادة، أي: ~~يودون كونه مسلمين، إن جعلنا " ما " كافة، وإن جعلناها نكرة، كانت " ~~لو " وما في حيزها بدلا من " ما ". # فصل # المعنى: يتمنى الذين كفروا لو كانوا مسلمين، واختلفوا في الحال التي ~~يتمنى الكافر فيها. # قال الضحاك: حال المعاينة. # وقيل: يوم القيامة. # والمشهور: أنه حين يخرج الله المؤمنين من النار. # روى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " إذا اجتمع أهل النار في النار، ومعهم من شاء الله من ~~أهل القبلة، قال الكفار لمن في النار من أهل القبلة: ~~ألستم مسلمين؟ قالوا: بلى، قالوا: فما أغنى عنكم ~~إسلامكم، وأنتم معنا في النار، قالوا: كانت لنا ذنوب ~~فأخذنا بها، [فيغفر] الله لهم، بفضل رحمته، فيأمر ~~بإخراج كل من كان من أهل القبلة في النار، فيخرجون ~~منها، فحينئذ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ". # فإن قيل: " ربما " للتقليل، وهذا التمني يكثر من الكفار. # فالجواب: أن " ربما " يراد بها التكثير، والمقصود إظهار الترفع، ~~والاستغناء عن التصريح بالغرض؛ فيقولون: ربما ندمت على ما فعلت، ~~ولعلك تندم على فعلك؛ إذا كان العلم حاصلا بكثر الندم، ~~قال: [البسيط] # 3261 أترك القرن مصفرا أنامله # ......................... # وقيل: التقليل أبلغ في التهديد، والمعنى: أن قليل الندم كاف في الزجر ~~عن هذا العمل، فكيف كثيره؟. # وقيل: إن شغلهم بالعذاب لا يفزعهم للندامة فيخطر ذلك ببالهم أحيانا. # فإن قيل: إذا كان أهل القيامة، يتمنون أمثال ms5282 هذه الأحوال، وجب أن ~~يتمنى المؤمن الذي يقل ثوابه عن درجة المؤمن الذي يكثر ثوابه، ~~والمتمني لما لم يجده يكون في الغصة وتألم القلب. # فالجواب: أحوال أهل الآخرة، لا تقاس بأحوال الدنيا؛ فإن الله تعالى ~~ يرضي كل واحد بما هو فيه، وينزع عن قلوبهم الحسد، وطلب الزيادات؛ ~~كما قال تعالى: # ونزعنا ما في صدورهم من غل # [الحجر:47]. # قوله تعالى: # ذرهم يأكلوا ويتمتعوا # [الحجر:3] الآية، أي دع يا محمد، الكفار يأخذوا حظوظهم من دنياهم، ~~فتلك خلاقهم، ولا خلاق لهم في الآخرة، { ويلههم } يشغلهم " ~~الأمل " عن الأخذ بحظهم من الإيمان والطاعة، { فسوف ~~يعلمون } إذا [وردوا] القيامة، وذاقوا وبال [صنعهم] وهذا تهديد ~~ووعيد. # وقال بعض العلماء: " ذرهم " ، تهديد، و { سوف يعلمون } ، ~~تهديد آخر، فمتى يهدأ العيش بين تهديدين؟! والآية نسختها آية القتال. # قوله: " وذرهم " ، هذا الأمر لا يستعمل له ماض إلا قليلا؛ ~~استغناء عنه ب " ترك " ، بل يستعمل منه المضارع نحو: # ويذرهم # [الأعراف:186]، ومن مجيء الماضي قوله عليه الصلاة والسلام " ذروا ~~الحبشة ما وذرتكم " ، ومثله: دع ويدع، ولا يقال: ودع إلا ~~نادرا، وقد قرىء: # ما ودعك # [الضحى:3] مخففا؛ وأنشدوا: [الرمل] # 3262أ سل أميري ما الذي غيره # عن وصالي اليوم حتى ودعه؟ # و " يأكلوا " مجزوم على جواب الأمر، وقد تقدم [البقرة:17، 278] أن ~~" ترك " و " وذر " يكونان بمعنى " صير " ، فعلى هذا يكون المفعول ~~الثاني محذوفا، أي: ذرهم مهملين. # قوله تعالى: { ويلههم الأمل } ، يقال: لهيت عن الشيء ألهي ~~لهيا؛ جاء في الحديث: أن ابن الزبير رضي الله عنه كان إذا سمع ~~صوت الرعد لهي عن الحديث. # قال الكسائي، والأصمعي: كل شيء تركته، فقد لهيته؛ وأنشد: ~~[الكامل] # 3262ب صرمت حبالك فاله عنها زينب # أي: اتركها، وأعرض عنها. # فصل في سبب شقاء العبد # قال القرطبي: أربعة من الشقاء؛ جمود العين، وقساوة القلب، وطول ~~الأمل، والحرص على الدنيا. # فطول الأمل: داء عضال، ومرض مزمن، ومتى تمكن من القلب فسد مزاجه، ~~واشتد علاجه، ولم يفارقه داء، ولا نجع فيه دواء، بل أعيا الأطباء، ~~ويئس من برئه الحكماء والعلماء. # وحقيقة الأمل: ms5283 الحرص على الدنيا، والانكباب عليها، والحب لها، ~~والإعراض عن الآخرة، قال صلوات الله وسلامه عليه : # " نجا أول هذه الأمة باليقين والزهد، ويهلك آخرها ~~بالبخل والأمل ". # وقال الحسن: ما أطال عبد الأمل، إلا أساء العمل. # قوله: { ومآ أهلكنا من قرية } ، أي: من أهل قرية، { إلا ~~ولها كتاب } فيه أوجه: # أظهرها: أنها واو الحال، ثم لك اعتباران: # أحدهما: أن تجعل الحال وحدها الجار، ويرتفع " كتاب " به فاعلا. # والثاني: أن تجعل الجار مقدما، و " كتاب " مبتدأ، والجملة حال، ~~وهذه الحال لازمة. # الوجه الثاني: أن الواو مزيدة، ويؤيده قراءة ابن أبي عبلة: " إلا ~~لها " بإسقاطها، والزيادة ليست بالسهلة. # الثالث: أن الواو داخلة على الجملة الواقعة صفة؛ تأكيدا، قال ~~الزمخشري: والجملة واقعة صفة ل " قرية " ، والقياس: ألا تتوسط ~~هذه الواو بينهما؛ كما قوله تعالى: # ومآ أهلكنا من قرية إلا لها منذرون # [الشعراء:208] وإنما توسطت، لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف؛ كما تقول: ~~" جاءني زيد عليه ثوبه، وجاءني وعليه ثوبه ". # وقد تبع الزمخشري في ذلك أبا البقاء، وقد سبق له ذلك أيضا في ~~البقرة عند قوله: # وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم # [البقرة:216]. # قال أبو حيان رحمه الله : " ولا نعلم أحدا قاله من النحويين ". # قال شهاب الدين: " وفي محفوظي أن ابن جني سبقهما إلى ذلك ". # ثم قال أبو حيان: " وهو مبني على جواز أن ما بعد " إلا " يكون ~~صفة؛ وقد منعوا ذلك ". # قال الأخفش: لا يفصل بين الصفة والموصوف ب " إلا " ، ثم قال: وأما نحو: ~~" ما جاءني رجل إلا راكب " على تقدير: إلا رجل راكب، ففيه ~~قبح؛ لجعلك الصفة كالاسم. # وقال أبو علي: تقول ما مررت بأحد إلا قائما، وقائما حال، ولا ~~تقول: إلا قائم؛ لأن " إلا " لا تعترض بين الصفة والموصوف. # قال ابن مالك: وقد ذكر ما ذهب إليه الزمخشري في قوله " ما مررت ~~بأحد إلا زيد خير منه ": إن الجملة بعد " إلا " صفة ل ~~" أحد " : إنه مذهب لا يعرف لبصري، ولا كوفي فلا يلتفت إليه، وأبطل ~~قوله: " إن الواو توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف ". # قال ms5284 شهاب الدين رحمه الله : قول الزمخشري قوي من حيث القياس؛ ~~فإن الصفة في المعنى كالحال، وإن كان بينهما فرق من بعض الوجوه. # فكما أن الواو تدخل على الجملة الواقعة حالا؛ كذلك تدخل عليها واقعة ~~صفة، ويقويه أيضا [نصره] به من الآية الأخرى في قوله: # من قرية إلا لها منذرون # [الشعراء:208]. ويقويه أيضا : قراءة ابن أبي عبلة المتقدمة، وقال ~~منذر بن سعيد: هذه الواو هي التي تعطي أن الحالة التي بعدها في اللفظ، ~~هي في الزمن قبل الحالة التي قبل الواو، ومنه قوله تعالى: # حتى إذا جآءوها وفتحت أبوابها # [الزمر:73]. # فصل # لما توعد مكذبي الرسل بقوله: { ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ~~} الآية أتبعه بما يؤكد الزجر، وهو قوله: { ومآ أهلكنا من ~~قرية إلا ولها كتاب معلوم } في الهلاك والعذاب، أي: ~~أجل مضروب، لا يتقدم العذاب عليه، ولا يتأخر عنه، والمراد بهذا الهلاك: ~~عذاب الاستئصال، وقيل: الموت. # قال القاضي: والأول أقرب؛ لأنه أبلغ في الزجر، فبين تعالى أن ~~هذا الإمهال لا ينبغي أن يغتر به العاقل. وقيل: المراد بالهلاك مجموع ~~الأمرين. # قوله: { ما تسبق من أمة أجلها } " من أمة " فاعل " ~~تسبق " ، و " من " مزيدة للتأكيد؛ كقولك: ما جاءني من أحد. # قال الواحدي: " وقيل: ليست بزائدة؛ لأنها تفيد التبعيض، أي: هذا ~~الحكم لم يحصل في بعض من أبعاض هذه الحقيقة، فيكون ذلك في إفادة عموم ~~النفي، آكد ". # قال الزمخشري: " معنى: " سبق ": إذا كان واقعا على شخص، كان معناه ~~أنه [جاز]، وخلف؛ كقولك: سبق زيد عمرا، أي: جاوزه وخلفه ~~وراءه، ومعناه: أنه قصر عنه وما بلغه، وإذا كان واقعا على زمان، كان ~~بالعكس في ذلك، كقولك: سبق فلان عام كذا، معناه: أنه مضى قبل إتيانه، ~~ولم يبلغه، فقوله: { ما تسبق من أمة أجلها وما ~~يستأخرون } معناه: أنه لا يحصل الأجل قبل ذلك الوقت ولا بعده، ~~وإنما يحصل الأجل قبل ذلك الوقت ولا بعده، وإنما يحصل في ذلك الوقت ~~بعينه ". # وحمل على لفظ " أمة " في قوله: " أجلها " ، فأفرد وأنث، وعلى ~~معناها في قوله: { وما يستأخرون } ، فجمع وذكر، ms5285 وحذف متعلق " ~~يستأخرون " وتقديره: عنه؛ للدلالة عليه، ولوقوعه فاصلا. # وهذه الآية تدل على أن كل من مات أو قتل، فإنما مات بأجله، وأن من ~~قال: يجوز أن يموت قبل أجله مخطىء. # قوله: " وقالوا " ، يعنى مشركي مكة { يأيها الذي نزل ~~عليه الذكر } ، أي: القرآن، وأراد به محمدا صلى الله وعليه ~~وسلم. # والعامة على: " نزل " مشددا، مبنيا للمفعول، وقرأ زيد بن علي: ~~" نزل " ، مخففا مبنيا للفاعل. # { إنك لمجنون } وذكروا نزول الذكر؛ استهزاء، وإنما وصفوه ~~بالجنون، إما لأنه صلوات الله وسلامه عليه كان يظهر عليه عند نزول ~~الوحي، حالة شبيهة بالغشي؛ فظنوا أنها جنون، ويدل عليه قوله ~~تعالى: # أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة # [الأعراف:184]. # وإما لأنهم كانا يستبعدون كونه رسولا حقا من عند الله؛ لأن الرجل إذا ~~سمع كلاما مستبعدا من غيره، فربما قال: به جنون. # قوله: { لو ما تأتينا بالملائكة } ، " لو ما ": حرف ~~تحضيض؛ ك " هلا " ، وتكون أيضا حرف امتناع لوجود، وذلك كما أن " ~~لولا " مترددة بين هذين المعنيين، وقد عرف الفرق بينهما، وهو أن ~~التحضيضية لا يليها إلا الفعل ظاهرا أو مضمرا؛ كقوله: [الطويل] # 3263......................... # لولا الكمي المقنعا # والامتناعية لا يليها إلا الأسماء: لفظا أو تقديرا عند البصريين. # وقوله: [الوافر] # 3264 ولولا يحسبون الحلم عجزا # لما عدم المسيئون احتمالي # مؤول؛ خلافا للكوفيين. # فمن مجيء " لوما " حرف امتناع قوله: [البسيط] # 3265 لوما الحياء ولوما الدين عبتكما # ببعض ما فيكما إذ عبتما عوري # واختلف فيها: هل هي بسيطة أم مركبة؟. # فقال الزمخشري: " لو " ركبت مع " لا " ، ومع " ما "؛ لمعنيين، وأما ~~" هل " فلم تركب إلا مع " لا " وحدها؛ للتحضيض. # واختلف أيضا في " لوما " هل هي أصل بنفسها، أم فرع على " ~~لولا " وأن الميم مبدلة من اللام، كقولهم: خاللته، خالمته، فهو ~~خلي وخلمي، أي: صديقي. # وقالوا: استولى على كذا، [واستوى] عليه؛ بمعنى، خلاف مشهور، وهذه ~~الجملة من التحضيض، دالة على جواب الشرط بعدها. # فصل في معنى الآية # المعنى: لو كنت صادقا في ادعائك النبوة، لأتيتنا بملائكة يشهدون ~~عندنا بصدقك فيما تدعيه من الرسالة؛ ونظيره قوله ms5286 تعالى في الأنعام: # وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا ~~لقضي الأمر # [الأنعام:8] ويحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خوفهم بنزول ~~العذاب، قالوا: لو ما تأتينا بالملائكة الذين ينزلون العذاب، وهو المراد ~~من قوله: # ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى ~~لجآءهم العذاب # [العنكبوت:53]. # ثم إنه تعالى أجاب عن شبهتهم بقوله: { ما ننزل الملائكة ~~إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين } فإذا كان المراد ~~الأول، كان تقرير الجواب: أن إنزال الملائكة لا يكون إلا بالحق، وقد ~~علم الله تعالى من حال هؤلاء الكفار، أنه لو أنزل عليهم ملائكة، لبقوا ~~مصرين على كفرهم، فيصير إنزالهم عبثا باطلا، ولا يكون حقا، فلهذا ~~السبب ما أنزل الله تعالى الملائكة. # قال المفسرون: المراد بالحق هنا الموت، أي: لا ينزلون إلا بالموت، ~~أو بعذاب الاستئصال، ولم يبق بعد نزولهم إنظار، ولا إمهال، ونحن لا ~~نريد عذاب الاستئصال بهذه الأمة؛ فلهذا السبب ما أنزلنا الملائكة، وإن ~~كان المراد استعجالهم بنزول العذاب فتقرير الجواب: أن الملائكة لا تنزل ~~إلا بعذاب الاستئصال، ولا تفعل بأمة محمد صلى الله عليه وسلم ذلك؛ بل ~~يمهلهم لما علم من إيمان بعضهم، ومن إيمان أولاد الباقين. # قوله: { ما ننزل الملائكة } ، قرأ أبو بكر رضي الله عنه : ~~" ما تنزل " بضم التاء، وفتح النون، والزاي مشددة، مبنيا ~~للمفعول، " الملائكة ": مرفوعا لقيامه مقام فاعله، وهو موافق لقوله ~~تعالى: # ونزل الملائكة تنزيلا # [الفرقان:25]؛ لأنها لا تنزل إلا بأمر من الله تعالى فغيرها هو ~~المنزل لها، وهو الله تعالى . # وقرأ الأخوان، وحفص: بضم النون الأولى، وفتح الثانية، وكسر الزاي ~~مشددة مبنيا للفاعل المعظم نفسه وهو الباري جل ذكره . # " الملائكة " ، نصبا: مفعول به؛ وهو موافق لقوله تعالى: # ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة # [الأنعام:111]، ويناسب قوله قبل ذلك: " وما أهلكنا " ، وقوله بعده: # إنا نحن نزلنا # [الحجر:9]، وما بعده من ألفاظ التعظيم. # والباقون من السبعة ما تنزل بفتح التاء والنون والزاي مشددة، و " ~~الملائكة " مرفوعة على الفاعلية، والأصل: تتنزل، بتاءين، فحذفت ~~إحداهما، وقد تقدم تقريره في: # تذكرون # [الأنعام:152]، ونحوه، وهو ms5287 موافق لقوله سبحانه وتعالى: # تنزل الملائكة والروح فيها # [القدر:4]. # وقرأ زيد بن علي: " ما نزل " مخففا مبنيا للفاعل، و " الملائكة " ~~مرفوعة على الفاعلية، وهو كقوله: # نزل به الروح الأمين # [الشعراء:193]. # قوله: { إلا بالحق } يجوز تعلقه بالفعل قبله، أو بمحذوف على أنه ~~حال من الفاعل أو المفعول، أي: متلبسين بالحق، وجعله الزمخشري رحمه ~~الله نعتا لمصدر محذوف، أي: إلا تنزلا ملتبسا بالحق. # قوله " إذن " قال الزمخشري: " إذن حرف جواب وجزاء؛ لأنها جواب لهم، ~~وجزاء الشرط مقدر، تقديره: ولو نزلنا الملائكة ما كانوا منظرين، وما أخر ~~عذابهم ". # قال صاحب النظم: " لفظة " إذن " مركبة من " إذ " ، وهو اسم بمنزلة " ~~حين "؛ تقول: أتيتك إذ جئتني، أي: حين جئتني، ثم ضم إليه " ~~إن " فصار: إذ أن، ثم استثقلوا الهمزة؛ فحذفوها، فصار " إذن " ، ~~ومجيء لفظة " أن " دليل على إضمار فعل بعدها، والتقدير: وما كانوا ~~منظرين إذ كان ما طلبوا ". # قوله: " نحن " إما مبتدأ، وإما تأكيد، ولا يكون فصلا؛ لأنه لم يقع ~~بين اسمين، والضمير " له " للذكر، وهو الظاهر، وقيل: للرسول صلوات ~~الله وسلامه عليه قاله الفراء، وقواه ابن الأنباري، قال: لما ذكر ~~الله الإنزال، والمنزل، دل ذلك على المنزل عليه، فحسنت الكناية عنه؛ ~~لكونه أمرا معلوما، كما في قوله تعالى: # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر:1] فإن هذه الكناية عائد على القرآن، مع أنه لم يتقدم ذكره؛ ~~وإنما حسنت الكناية لسبب معلوم، فكذا هاهنا، والأول أوضح ". # فإذا قلنا: الكناية عائدة إلى القرآن، فاختلفوا في أنه تعالى كيف ~~يحفظ القرآن؟. # فقيل: بأن جعله معجزا مباينا لكلام البشر يعجز الخلق عن الزيادة، ~~والنقصان فيه، بحيث لو زادوا فيه أو نقصوا عنه، يغير نظم القرآن. # وقيل: صانه، وحفظه من أن يقدر أحد من الخلق على معارضته. # وقيل: قيض جماعة يحفظونه، ويدرسونه فيما بين الخلق إلى آخر بقاء ~~التكليف. # وقيل: المراد بالحفظ: هو أنه لو أن أحدا حاول بتغيير حرف أو ~~نقطة، لقال له أهل الدنيا: هذا كذب، وتغيير لكلام الله تعالى حتى أن ~~الشيخ المهيب لو اتفق له لحن ms5288 أو هفوة في حرف من كتاب الله تعالى ، ~~لقال له كل الصبيان: أخطأت أيها الشيخ، واعلم أنه لم يتفق لشيء من ~~الكتب مثل هذه الحفظ؛ فإنه لا كتاب إلا وقد دخله التصحيف، والتحريف، ~~والتغيير، إما في الكثير منه، أو في القليل، وبقاء هذا الكتاب مصونا عن ~~جميع جهات التحريف، مع أن دواعي الملاحدة، واليهود، والنصارى، متوفرة ~~على إبطاله وإفساده، فذلك من أعظم المعجزات. # فإن قيل: لم اشتغلت الصحابة بجمع القرآن في المصحف، وقد وعد الله عز ~~وجل بحفظه وما حفظ الله عز وجل فلا خوف عليه؟. # فالجواب: أن جمعهم للقرآن كان من أسباب حفظ الله إياه، فإنه تعالى ~~لما أراد حفظه، فيضهم لذلك، وفي الآية دلالة قوية على كون البسملة ~~آية من كل سورة؛ لأن الله تبارك وتعالى قد وعد بحفظ القرآن، والحفظ ~~لا معنى له إلا أن يبقى مصونا عن التغيير وعن الزيادة، وعن النقصان ~~فلو لو تكن التسمية آية من القرآن، لما كان مصونا من التغيير والزيادة، ~~ولو جاز أن يظن بالصحابة رضي الله عنهم أنهم زادوا، لجاز أيضا ~~أن يظن بهم النقصان؛ وذلك يوجب خروج القرآن عن كونه حجة، وهذا لا ~~دليل فيه؛ لأن أسماء السور أيضا مكتوبة معهم في المصحف، وليست من ~~القرآن بالأجماع. ### || [15.10-15] # قوله: { ولقد أرسلنا } مفعوله محذوف، أي: أرسلنا رسلا { من ~~قبلك } ف { من قبلك } يجوز أن يتعلق ب " أرسلنا " ، وأن ~~يتعلق بمحذوف على أنه نعت للمعفو ل المحذوف. # و { في شيع الأولين } ، قال الفراء: هو من إضافة الموصوف ~~لصفته، والأصل: في الشيع الأولين؛ كصلاة الأولى، وجانب الغربي ~~وحق اليقين، وجين القيمة. # والبصريون: يؤولونه على حذف [الموصوف]، أي: في شيع الأمم الأولين، ~~وجانب المكان الغربي، وصلاة الساعة الأولى. # والشيع: قال الفراء: الشياع واحدهم: شيعة، وشيعة الرجل: ~~أتباعه، والشيعة: وهم القوم المجتمعة المتفقة، سموا بذلك؛ لأن ~~بعضهم يشايع بعضا، وتقدم الكلام على هذا الحرف عند قوله تعالى: # أو يلبسكم شيعا # [الأنعام:65]. # قوله: { وما يأتيهم } قال الزمخشري: " حكاية حال ماضية؛ لأن " ~~ما " لا تدخل على ms5289 المضارع إلا وهو في موضع الحال، ولا على ماض إلا ~~وهو قريب من الحال ". # وهذا الذي ذكره هو الأكثر في لسانهم؛ لكنه قد جاءت ما مقارنة للمضارع ~~المراد به الاستقبال؛ كقوله تعالى: # قل ما يكون لي أن أبدله من تلقآء نفسي # [يونس:15]، وأنشدوا للأعشى يمدح النبي صلى الله عليه وسلم: [الطويل] # 3266 له نافلات ما يغب نوالها # وليس عطاء اليوم مانعه غدا # وقال أبو ذؤيب: [الكامل] # 3267 أودى بني وأودعوني حسرة # عند الرقاد وعبرة ما تقلع # قوله: " إلا كانوا " هذه الجملة يجوز أن تكون حالا من مفعول " تأتيهم ~~" ، ويجوز أن تكون صفة ل " رسول " فيكون في محلها وجهان: الجر ~~باعتبار اللفظ، والرفع باعتبار الموضع، وإذا كانت حالا فهي حال ~~مقدرة. # فصل في معنى الآية # المعنى: أن عادة هؤلاء الجهال مع جميع الأنبياء والرسول صلوات ~~الله وسلامه عليهم الاستهزاء بهم؛ كما فعلوا بك؛ ذكره تسلية للنبي ~~ صلى الله عليه وسلم. # واعلم أن السبب الذي يحمل هؤلاء الجهال على هذه العادة الخبيثة: ~~إما لأن الانتقال من المذاهب يشق على الطباع. # وإما لكون الرسول صلوات الله وسلامه عليه يكون فقيرا، وليس له ~~أعوان، ولا أنصار؛ فالرؤساء يثقل عليهم خدمة من يكون بهذه الصفة. # وأما خذلان الله تعالى لهم، فبإلقاء دواعي الكفر والجهل في قلوبهم، ~~وهذا هو السبب الأصلي. # قوله: { كذلك نسلكه في قلوب المجرمين } ، يجوز في ~~الكاف أن تكون مرفوعة المحل على خبرها مبتدأ مضمر، أي: الأمر كذلك، و " ~~نسلكه " مستأنف، ويجوز أن تكون منصوبة المحل، إما نعتا لمصدر ~~محذوف، أي: مثل ذلك السلك؛ ويجوز نسلكه، أي: نسلك الذكر، إما حالا من ~~المصدر المقدر، والهاء في " نسلكه " يجوز عودها للذكر، وهو الظاهر، ~~وقيل: يعود للاستهزاء، وقيل: على الشرك. # والهاء في " به " يجوز عودها على ما تقدم من الثلاثة، ويكون تأويل ~~عودها على الاستهزاء والشرك، أي: لا يؤمنون بسببه. # وقيل: للرسول صلوات الله وسلامه عليه وقيل: للقرآن. # وقال أبو البقاء: " ويجوز أن يكون حالا، أي: لا يؤمنون مستهزئين " كأنه ~~جعل " به " متعلقا بالحال المحذوفة ms5290 قائمة مقامها. # وهو مردود، لأن الجار إذا وقع حالا أو نعتا أو صلة أو خبرا، ~~تعلق بكون مطلق لا خاص، وكذا الظرف. # ومحل " لا يؤمنون " النصب على الحال، ويجوز ألا يكون لها ~~محل؛ لأنها بيان لقوله { كذلك نسلكه } ، وقوله تعالى: { ~~وقد خلت سنة الأولين } استئناف، والسلك: الإدخال، ~~يقال: سلكت الخيط في الإبرة، والرمح في المطعون ومنه # ما سلككم في سقر # [المدثر:42]. # قال أبو عبيدة، وأبو عبيد: يقال: سلكته وأسلكته، أي: نظمته، قال: ~~[الوافر] # 3268 وكنت لزاز خصمك لم أعرد # وقد سلكوك في يوم عصيب # وقال الآخر في " أسلك ": [البسيط] # 3269 حتى إذا أسلكوهم في قتائدة # شلا كما تطرد الجمالة الشردا # فصل في المعنى الإجمالي للآية # قال الزجاج: المعنى: قد مضت سنة الله في الأولين بأن سلك الكفر ~~والضلال في قلوبهم. # وقيل: إنه تهديد لكفار مكة، أي: قد مضت سنة الله بإهلاك من كذب الرسل ~~من القرون الماضية، والأول أليق بظاهر اللفظ. # قوله تعالى: { ولو فتحنا عليهم بابا من السماء } ~~الآية، هذا هو المراد في سورة الأنعام، في قوله تعالى: # ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس # [الأنعام:7] الآية يعني: أن الذين يقولون: # لو ما تأتينا بالملائكة # [الحجر:7]، فلو أنزلنا الملائكة، " فظلوا فيه " أي: فظلت الملائكة ~~فيها " يعرجون " ، وهم يرونها عيانا. # و " ظل " هذه الناقصة، والضمير في " فظلوا " يعود على الملائكة، ~~وهو الصحيح وقال الحسن رضي الله عنه : يعود على الكفار المفتح لهم ~~الباب. # وقرأ الأعمش، وأبو حيوة " يعرجون " بكسر الراء؛ وهي لغة هذيل في ~~عرج: يعرج، أي: صعد. # قوله: { لقالوا إنما سكرت أبصارنا } قرأ ابن كثير: " ~~سكرت " مبنيا للمفعول، مخفف الكاف، وباقي السبعة كذلك إلا أنهم ~~شددوا الكاف، والزهري: بفتح السين، وكسر الكاف خفيفة مبنيا للفاعل. # فأما القراءة الأولى: فيجوز أن تكون بمعنى المشددة؛ فإن التخفيف يصلح ~~للقليل والكثير، وهما مأخوذتان من: السكر، بكسر السين، هو السد. # والمعنى: حبست أبصارنا، وسدت، وقيل: بمعنى: أخذت، وقيل: بمعنى: ~~سحرت، وقيل المشدد من: سكر الماء بالكسر، والمخفف من سكر ~~الشراب بالضم. # والمشهور أن " سكر ms5291 " لا يتعدى فكيف بني للمفعول؟. # فقال أبو علي: " ويجوز أن يكون سمع متعديا في البصر ". # والذي قاله المحققون من أهل اللغة: أن " سكر " إن كان من: " ~~سكر الشراب، أو من سكر الريح " فالتضعيف فيه للتعدية، وإن ~~كان من " سكر الماء " فالتضعيف فيه للتكثير؛ لأنه متعد مخففا، ~~وذلك أنه يقال: سكرت الريح تسكر سكرا، إذا ركدت، وسكر ~~الرجل من الشراب سكرا، إذا ركد، ولم ينقد لحاجته. # فهذان قاصران فالتضعيف فيها للتعدية، ويقال: سكرت الماء في مجاريه: ~~إذا منعته من الجري، فهذا متعد، فالتضعيف فيه للتكثير. # وأما قراءة ابن كثير: فإن كانت من " سكر الماء " فهي واضحة؛ لأنه ~~متعد، وإن كانت من " سكر الشراب أو سكر الريح " فيجوز أن ~~يكون الفعل استعمل لازما تارة، ومتعديا أخرى، نحو: " رجع زيد، ~~ورجعه غيره، وسعد وسعده غيره " وقال الزمخشري: " ~~وسكرت: حيرت أو حبست من السكر أو السكر، وقرىء: " سكرت " ~~بالتخفيف، أي: حبست كما يحبس المهر عن الجري " ، فجعل قراءة ~~التشديد محتملة لمعنيين، وقراءة التخفيف محتملة لمعنى واحد. # وأما قراءة الزهري، فواضحة، أي: غطيت، وقيل: هي مطاوع: أسكرت ~~المكان فسكر: أي: سددته فانسد. # { بل نحن قوم مسحورون } ، أي عمل فينا السحر، وسحرنا ~~محمد صلى الله عليه وسلم. # فإن قيل: كيف يجوز من الجماعة العظيمة أن يكونوا شاكين في وجود ما ~~يشهدونه بالعين السليمة في النهار الواضح؛ ولو جاز حصول الشك في ذلك، ~~كانت السفسطة لازمة، ولا يبقى حينئذ اعتماد على الحس والمشاهدة؟. # أجاب القاضي رحمه الله : بأنه تعالى ما وصفهم بالشك فيما ~~يبصرون، وإنما وصفهم بأنهم يقولون هذا القول، وقد يجوز أن يقدم الإنسان ~~على الكذب على سبيل العناد والمكابرة، ثم سأل نفسه، أيصح من الجمع ~~العظيم أن يظهر الشك في المشاهدات؟. # وأجاب: بأنه يصح ذلك، إذا جمعهم عليه غرض صحيح معتبر من مواطأة على ~~دفع حجة أو غلبة خصم، وأيضا: فهذه الحكاية إنما وقعت عن قوم مخصوصين، ~~سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم إنزال الملائكة، وهذا السؤال إنما كان ~~من رؤساء القوم، وكانوا قليلي العدد، ms5292 وإقدام العدد القليل على ما ~~يجري مجرى المكابرة، جائز. # قوله: " فظلوا " يقال: ظل فلان نهاره يفعل كذا: إذا فعله ~~بالنهار، ولا تقول العرب: " ظل يظل " إلا لكل عمل ~~بالنهار؛ كما لا يقولون: بات يبيت إلا بالليل، والمصدر الظلول. # والعروج: الصعود، يقال: عرج يعرج عروجا، ومنه: المعارج، ~~وهي المصاعد التي يصعد عليها. # فإن قلنا: إن الضمير في: " فظلوا " للملائكة، فقد تقدم بيانه، وإن ~~قلنا: يعود على المشركين، فقال ابن عباس رضي الله عنهما : " فظل ~~المشركون يصعدون في تلك المعارج، وينظرون إلى ملكوت الله سبحانه ~~وتعالى وقدرته، وسلطانه، وإلى عباده، وملائكته عليهم السلام ~~لشكوا في تلك الرؤية، وأصروا على جهلهم وكفرهم؛ كما جحدوا سائر ~~المعجزات من انشقاق القمر، ومجيء القرآن الذي لا يستطيع الجن والإنس ~~أن يأتوا بمثله ". ### || [15.16-25] # قوله: { ولقد جعلنا في السماء بروجا } الآية، " ~~جعلنا ": يجوز أن يكون بمعنى " خلقنا " فيتعلق به الجار، وأن ~~يكون بمعنى صيرنا؛ فيكون مفعوله الأول: " بروجا " ومفعوله الثاني: ~~الجار، فيتعلق بمحذوف، و " للناظرين " متعلق ب " زيناها " ، ~~والضمير ل " السماء " أي: زيناها بالشمس، والقمر، والنجوم. # وقيل: للبروج: وهي الكواكب، زيناها بالضوء، والنظر عيني. # وقيل: قلبي وحذف متعلقه؛ ليعم. # فصل في دلائل التوحيد السماوية والأرضية # لما أجاب عن منكري النبوة، وقد ثبت أن القول بالنبوة فرع على القول ~~بالتوحيد، أتبعه تعالى بدلائل التوحيد وهي: منها سماوية، ومنها ~~أرضية، فبدأ بذكر السماوية، فقال عز وجل : { ولقد جعلنا في ~~السماء بروجا وزيناها للناظرين }. # قال الليث رحمه الله : البروج واحدها برج من بروج الفلك، ~~والبروج: هي النجوم الكبار، مأخوذة من الظهور، يقال: برجت المرأة، ~~أي: ظهرت، وأراد بها المنازل التي تنزلها الشمس، والقمر، والكواكب ~~السيارة. # والعرب تعد المعرفة بمواقع النجوم، وأبوابها من أجل العلوم، ~~ويستدلون بها على الطرقات، والأوقات، والخصب، والجدب، وقالوا: ~~الفلك: اثنا عشر برجا، كل برج ميلان، ونصف للقمر. # وقال ابن عطية: هي قصور في السماء، وعليها الحرس. # { وحفظناها من كل شيطان رجيم } مرجوم، وقيل: ~~ملعون. # قال ابن عباس رضي الله عنه كانت الشياطين لا يحجبون عن السموات، ms5293 ~~وكانوا يدخلونها، ويأتون بأخبارها؛ فيلقون على الكهنة، فلما ولد عيسى ~~صلوات الله وسلامه عليه منعوا من ثلاث سماوات، فلما و لد محمد صلى ~~الله عليه وسلم من السماوات أجمع، فما منهم من أحد يريد استراق السمع، ~~إلا رمي بشهاب. # فلما منعوا من تلك المقاعد، ذكروا ذلك لإبليس، فقال: حدث في الأرض ~~حدث، قال: فبعثهم، فوجد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه يتلو ~~القرآن، فقالوا والله حدث. # فإن قيل: ما معنى: { وحفظناها من كل شيطان رجيم } ~~والشيطان لا قدرة له على هدم السماء، فأي حاجة إلى حفظ السماء منه؟ ~~قلنا: لما منعه من القرب منها، فقد حفظ السماء من مقاربة الشيطان، فحفظ ~~الله السماء منهم، كما قد يحفظ منازلنا ممن يخشى منه الفساد. # والرمي في اللغة: الرمي بالحجارة، والرجم أيضا: السب والشتم؛ ~~لأنه رمي بالقول القبيح، والرجم: القول بالظن؛ ومنه قوله تعالى: # رجما بالغيب # [الكهف:22]؛ لأنه يرميه بذلك الظن، والرجم أيضا: اللعن، والطرد. # قوله: { إلا من استرق } فيه خمسة أوجه: # أحدها: في محل نصب على الاستثناء المتصل، والمعنى: فإنها لم تحفظ منه؛ ~~قاله غير واحد. # الثاني: منقطع، ومحله النصب أيضا، أي: لكن من استرق السمع. قال الزجاج ~~ رحمه الله . # موضع: " من " نصب على التقدير، قال: " وجاز أن يكون في موضع خفض، ~~والتقدير: إلا ممن ". # الثالث: أنه بدل من " كل شيطان " فيكون محله الجر، قاله الحوفي، ~~وأبو البقاء، وتقدم عن الزجاج، وفيه نظر؛ لأن الكلام موجب. # الرابع: أنه نعت ل " كل شيطان " فيكون محله الجر، على خلاف في ~~هذه المسألة. # الخامس: أنه في محل رفع بالابتداء، وخبره الجملة من قوله تعالى: { ~~فأتبعه } ، وإنما دخلت الفاء؛ لأن " من " إما شرطية، وإما ~~موصولة، مشبهة بالشرطية. قاله أبو البقاء وحينئذ يكون من باب ~~الاستثناء المنقطع. # والشهاب: الشعلة من النار، وسمي بها الكوكب؛ لشدة ~~ضوئه، وبريقه، وكذلك سمي السنان شهابا، ويجمع على: " شهب ~~" في الكثرة، و " أشهب " في القلة، والشهبة: بياض مختلط ~~بسواد؛ تشبيها بالشهاب؛ لاختلاطه بالدخان، ومنه: كتيبة ~~شهباء لسواد القوم، وبياض الحديد، ومن ثم ms5294 غلط الناس في إطلاقهم ~~الشبهة على البياض الخالص. # وقال القرطبي: " أتبعه ": أدركه ولحقه، شهاب مبين، أي: ~~كوكب مضيء، وكذلك: # بشهاب قبس # [النمل:7] أي: شعلة نار في رأس عود، قاله ابن عزيز؛ وقال ذو ~~الرمة: [البسيط] # 3270 كأنه كوكب في إثر عفرية # مسوم في سواد الليل منقضب # وسمي الكوكب شهابا، لأن بريقه يشبه النار. # وقيل: شهاب شعلة من نار تبين لأهل الأرض، فتحرقهم ولا تعود إذا ~~أحرقتهم، كما إذا أحرقت النار، لم تعد، بخلاف الكواكب فإنه إذا أحرق، ~~عاد إلى مكانه. # فصل # قال ابن عباس رضي الله عنه : " إلا من استرق السمع " ~~يريد الخطفة اليسيرة، وذلك أن الشياطين يركب بعضهم بعضا إلى سماء ~~الدنيا يسترقون السمع من الملائكة، فيرمون من الكواكب، فلا تخطيء أبدا، ~~فمنهم من يقتله، ومنهم من يحرق وجهه وجنبه ويده حيث يشاء الله، ومنهم من ~~تخبله؛ فيصير غولا؛ فيقتل الناس في البراري. # روى أبو هريرة رضي الله عنه : قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة ~~بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صنوان، فإذا فزع ~~عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الذي قال ~~الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع، ~~ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض، ووصف سفيان ~~بكفه فحرقها وبدد بين أصابعه، فيسمع الكلمة، ~~فيلقها إلى من تحته ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، ~~حتى يلقيها على لسان الساحر، والكاهن، وربما أدركه ~~الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، ~~فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا اليوم ~~كذا وكذا، فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء ". # وهذا لم يكن ظاهرا قبل أن يبعث الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يذكره ~~شاعر من العرب قبل زمانه عليه السلام وإنما ظهر في بدء أمره وكان ذلك ~~أساسا لنبوته صلى الله عليه وسلم. # قال يعقوب من عتبة بن المغيرة بن الأخنس بن شريق: إن أول من قرع ~~للرمي بالنجوم، هذا الحي من ثقيف، وأنهم جاءوا إلى رجل ms5295 منهم يقال ~~له: عمرو بن أمية، أحد بني علاج، وكان أدهى العرب، فقالوا له: ~~ألم تر ما حدث في السماء من القذف بالنجوم؟ قال: بلى فانظروا، ~~فإن كانت معالم النجوم التي يهتدى بها في البر، والبحر، ويعرف ~~بها الأنواء من الصيف، والشتاء، لما يصلح الناس من معايشهم، هي التي ~~يرمى بها، فهي والله طي الدنيا، وهلاك الخلق الذين فيها، وإن كان ~~نجوما غيرها، وهي ثابتة على حالها، فهذا الأمر أراد الله لهذا الخلق. # قال معمر: قلت للزهري: أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية؟ قال: نعم، ~~قال: أفرأيت قوله: # وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع # [الجن:9] الآية قال: وقد غلظت، وشدد أمرها حين بعث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. # قال ابن قتيبة: إن الرجم كان قبل مبعثه، ولكن لم يكن في شدة الحراسة ~~بعد مبعثه صلى الله عليه وسلم. # وقيل: إن النجم ينقض، ويرمي الشيطان، ثم يعود إلى مكانه. # فصل # قال القرطبي: " اختلفوا في الشهاب: هل يقتل أم لا؟. # فقال ابن عباس رضي الله عنهما الشهاب يجرح، ويحرق، ويخبل، ~~ولا يقتل. # وقال الحسن، وطائفة: يقتل، فعلى هذا في قتلهم بالشهب قبل إلقائها ~~السمع إلى الجن قولان: # أحدهما: يقتلون قبل إلقائهم ما استرقوه من السمع إلى غيرهم من الجن، ~~ولذلك ما يعودون إلى استراقه. # والثاني: أنهم يقتلون بعد إلقائهم، ولو لم يصل لانقطع الاستراق، وانقطع ~~الاحراق، ذكره الماوردي ". # قال القرطبي: " والقول الأول أصح؛ على ما يأتي بيانه في " الصافات " ". # فصل # قال ابن الخطيب: " في هذا الموضع أبحاث دقيقة على ما ذكرناها في سورة ~~الملك، وفي سورة الجن، ونذكر ههنا إشكالا واحدا وهو: أن لقائل أن ~~يقول: إذا جوزتم في الجملة، أن يصعد الشيطان إلى السماوات، ويختلط ~~بالملائكة، ويسمع أخبار الغيوب منهم، ثم إنه ينزل، ويلقي تلك الغيوب، ~~فعلى هذا يجب أن يخرج الإخبار عن المغيبات عن كونه معجزا، لأن كل ~~غيب يخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم يقوم فيه هذا الاحتمال؛ فيخرج ~~عن كونه معجزا دليلا على الصدق، ولا يقال: إن ms5296 الله تعالى أخبر ~~عنهم أنهم عجزوا بعد مولد النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنا نقول: هذا ~~العجز لا يمكن إثباته إلا بعد القطع بكون محمد صلى الله عليه وسلم وبكون ~~القرآن الكريم حقا، والقطع بهذا، لا يمكن إلا بواسطة المعجز، وكون ~~الإخبار عن الغيب معجزا، ولا يثبت إلا بعد إبطال هذا الاحتمال، وحينئذ ~~يلزم الدور، وهو محال باطل. # ويمكن أن يجاب عنه: بأنا نثبت كون محمد صلى الله عليه وسلم رسولا، ~~بسائر المعجزات، ثم بعد العلم بنبوته، نقطع بأن الله عجز الشياطين عن ~~تلقف الغيب، وبهذا الطريق يندفع الدور ". # قوله: { والأرض مددناها } " الأرض ": نصب على الاشتغال، ولم ~~يقرأ بغيره؛ لأنه أرجع من حيث العطف على جملة فعلية قبلها، وهي قوله: # ولقد جعلنا في السماء بروجا # [الحجر:16]. # وقال أبو حيان: " ولما كانت هذه الجملة بعدها جملة فعلية، كان النصب ~~أرجح من الرفع ". # قال شهاب الدين: لم يعدوا هذا من القرائن المرجحة للنصب، إنما عدو ~~عطفها على جملة فعلية قبلها، لا عطف جملة فعلية عليها، ولكنه القياس، إذ ~~يعطف فيه فعلية على مثلها، بخلاف ما لو رفعت، إذ تعطف فعلية على اسمية، ~~لكنهم لم يعتبروا ذلك. # والضمير في " فيها ": للأرض. وقيل: للرواسي. وقيل: لهما. # فصل # لما شرح الدلائل السماوية في تقرير التوحيد، أتبعها بذكر الدلائل ~~الأرضية وهي أنواع: # الأول: قوله: { والأرض مددناها } قال ابن عباس: بسطناها على ~~وجه الماء، وبسطت من تحت الكعبة. # النوع الثاني: قوله: { وألقينا فيها رواسي } وهي الجبال ~~الثوابت واحدها راس، والجمع راسية وجم الجمع رواسي، قال ابن عباس: لما ~~بسط الله الأرض على الماء، مالت بأهلها كالسفينة؛ فأرساها الله بالجبال؛ ~~لكيلا تميل بأهلها. # النوع الثالث: قوله تعالى: { وأنبتنا فيها من كل شيء ~~موزون } ، يجوز في " من " أن تكون تبعيضية، وهو الصحيح، وأن تكون ~~مزيدة عند الكوفيين، والأخفش، والضمير في قوله: " فيها " يحتمل أن يكون ~~راجعا إلى الأرض، وأن يكون راجعا إلى الجبال الرواسي، إلا أن ~~رجوعها إلى الأرض أولى؛ لأن أنواع النبات المنتفع بها، إنما تتولد في ~~الأرض، ms5297 وأما الجبلية، فقليلة النفع. # وقيل: رجوع الضمير إلى الجبال أولى؛ لأن المعادن من الذهب، والفضة، ~~والحديد، والنحاس، وغيرها؛ إنما تتولد في الجبال، والأشياء الموزونة في ~~العرف والعادة، هي المعادن لا النبات. # وفي المراد بالموزون وجوه: # قيل: المقدر بقدر الحاجة، أي: أن الله تعالى يثبت ذلك المقدر ~~بقدر ما يحتاج إليه الناس؛ لقوله: # وكل شيء عنده بمقدار # [الرعد:8] وقوله تعالى: # وما ننزله إلا بقدر معلوم # [الحجر:21]. # وقيل: المناسب المطابق للحكمة كقولهم: كلام موزون، أي: متناسب بعيد عن ~~اللغو، والمعنى: موزون بميزان الحكمة، والعقل. # وقيل: موزون؛ بمعنى أن الذي تنبته الأرض نوعان: المعادن، والنبات، ~~أما المعادن: فهي بأسرها موزونة، وأما النبات: فيرجع عاقبته إلى الوزن، ~~كالمخترف، والفواكه في الأكثر. # قوله تعالى: { وجعلنا لكم فيها معايش } جمع معيشة، أراد ~~الله بها المطاعم، والمشارب، والملابس، وقيل: ما يعيش به المرء في ~~الدنيا، وقد تقدم الكلام على المعايش في الأعراف. # قوله تعالى: { ومن لستم له برازقين } ، يجوز في خمسة ~~أوجه: # أحدها: قول الزجاج: أنه منصوب بفعل مقدر، تقديره: وأغنينا من لستم له ~~برازقين، كالعبد، والدواب، والوحوش. # الثاني: أنه منصوب عطفا على " معايش " ، أي: وجعلنا لكم فيها معايش ~~ومن لستم له برازقين من الدواب المنتفع بها. # الثالث: أنه منصوب عطفا على محل " لكم ". # الرابع: أنه مجرور عطفا على " كم " المجرور بها اللام؛ وجاز ذلك من ~~غير إعادة الجار على رأي الكوفيين، وبعض البصريين، وتقدم تحقيقه في ~~البقرة، عند قوله: # وكفر به والمسجد الحرام # [البقرة:217]. # الخامس: أنه مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف، أي: ومن لستم له برازقين، ~~جعلنا له فيها معايش، وسمع من العرب: ضربت زيدا، وعمرو، برفع " عمرو "؛ ~~مبتدأ محذوف الخبر، أي: وعمرو ضربته، و " من " يجوز أن يراد بها ~~العقلاء، أي: من لستم له برازقين من مواليكم الذين تزعمون أنكم ترزقونهم، ~~أو يراد بها غير العقلاء، أي: من لستم له برازقين من الدواب، وإن كنتم ~~تزعمون أنكم ترزقونهم؛ قال الله تعالى: # فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على ~~رجلين ومنهم من يمشي على أربع ms5298 # [النور:45]، وقال سبحانه: # يأيها النمل ادخلوا مساكنكم # [النمل:18] فذكرها بصيغة جمع العقلاء، ويجوز أن يراد بها النوعان؛ وهو ~~حسن لفظا ومعنى. # قوله تعالى: { وإن من شيء } ، " إن ": نافية، و " من " مزيدة ~~في المبتدإ، و " عندنا " خبره، و " خزائنه " فاعل به؛ لاعتماده ~~على النفي، ويجوز أن يكون " عندنا " خبرا ل " ما " بعده، والجملة ~~خبر الأولى، والأول أولى؛ لقرب الجار من المفرد. # قال الواحدي: " الخزائن: جمع الخزانة، وهي اسم المكان الذي ~~يخزن فيه الشيء، أي: يحفظ، والخزانة أيضا عمل الخازن، ويقال: ~~خزن الشيء يخزنه، إذ أحرزه ". # و " خزائنه " هو المطر؛ لأنه سبب الأرزاق، والمعايش لبني آدم، وسائر ~~الحيوانات. # قوله: " إلا بقدر معلوم " يجوز أن يتعلق بالفعل قبله، ويجوز أن ~~يتعلق بمحذوف على أنه حال من المفعول، أي: إلا ملتبسا بقدر. # قال ابن عباس رضي الله عنه : يريد: قدر الكفاية، لكل أرض حد ~~مقدر، وقال الحكم: ما من عام بأكثر مطر، من عام آخر؛ ولكنه يمطر قوم، ~~ويحرم آخرون، وربما كان في البحر، يعني أنه تعالى ينزل المطر كل ~~عام بقدر معلوم، غير أنه يصرفه إلى من يشاء حيث يشاء. # ولقائل أن يقول: لفظ الآية لا يدل على هذا المعنى، فإن قوله تعالى: { ~~وما ننزله إلا بقدر معلوم } ، لا يدل على أنه ~~تعالى ينزله في جميع الأعوام على قدر واحد، فتفسير الآية بهذا المعنى ~~تحكم بغير دليل. # وقال ابن الخطيب: " وتخصيص قوله تعالى: { وإن من شيء إلا ~~عندنا خزائنه } بالمطر تحكم محض؛ لأن قوله: { وإن من شيء ~~} يتناول جميع الأشياء، إلا ما خصه الدليل ". # روى جعفر، عن محمد، عن أبيه، عن جده، قال: في العرش مثال جميع ما خلق ~~الله في البر، والبحر، وهو تأويل قوله: { وإن من شيء إلا ~~عندنا خزائنه }. # قوله: { وأرسلنا الرياح لواقح } الآية " لواقح ": حال ~~مقدرة من " الرياح " ، وفي اللواقح أقوال: # أحدها: أنها جمع " ملقح "؛ لأنه من ألقح يلقح، فهو ملقح، وجمعه ~~ملاقح، فحذفت الميم؛ تخفيفا، يقال: ألقحت الريح السحاب، كما ~~يقال: ألقح الفحل الأنثى؛ ومثله: الطوائح، وأصله المطاوح؛ ms5299 ~~لأنه من أطاح يطيح، قال: [الطويل] # 3271 ليبك يزيد ضارع لخصومة # ومختبط مما تطيح الطوائح # وهذا قول أبي عبيدة. # والثاني: أنه جمع لاقح، يقال: لقحت الريح: إذا حملت الماء، وقال ~~الأزهري: حوامل تحمل السحاب؛ كقولك: ألقحت الناقة، ~~فلقحت، إذا حملت الجنين: في بطنها، فشبهت الريح بها؛ ~~ومنه قوله: [الطويل] # 3272 إذا لقحت حرب عوان مضرة # ضروس تهر الناس أنيابها عصل # الثالث: أنها جمع لاقح، على النسب؛ كالابن وتامر، أي: ذات لقاح، ~~لأن الريح إذا مرت على الماء، ثم مرت على السحاب، ~~والماء، كان فيها لقاح قاله الفراء. # فصل # قال ابن عباس رضي الله عنهما : الرياح لواقح الشجر والسحاب؛ ~~وهو قول الحسن، وقتادة، والضحاك؛ لأنها تحمل الماء إلى السحاب؛ وأصله من ~~قولهم: لقحت الناقة، وألقحها الفحل، إذا ألقى الماء فيها فحملت. # قال ابن مسعود في تفسير هذه الآية: بعث الله الرياح؛ لتلقيح السحاب، ~~فتحمل الماء، وتمجه في السحاب، ثم إنه يعصر السحاب، ويدره كما يدر ~~اللقحة. # وقال عبيد بن عمير: يبعث الله الريح المبشرة، فتقم الأرض قما، ثم ~~يبعث المثيرة فتثير السحاب، ثم يبعث المؤلفة، فتؤلف السحاب بعضه إلى ~~بعض، فتجعله ركاما، ثم يبعث اللواقح اللواقح، فتلقح الشجر ~~ثم تلا عبيد: " وأرسلنا الرياح لواقح " قال أبو بكر بن عياش رضي ~~الله عنه : لا تقطر القطرة من السماء إلا بعد أن تعمل الرياح الأربعة ~~فيها، فالصبا تهيجه، والشمال تجمعه والجنوب تدره، ~~والدبور تفرقه. # فصل # قال القرطبي: " روي عن مالك رضي الله عنه في قوله تعالى: { ~~وأرسلنا الرياح لواقح } ، أي: ذوات لقح، فلقاح القمح عندي ~~أن يحبب ويسنبل، ولقاح الشجر كلها: أن تثمر ويسقط منها ما يسقط، ~~ويثيبت منها ما يثبت ". # قال ابن العربي رحمه الله : إنما عول مالك على هذا التفسير على ~~تشبيه الشجر بلقاح الجمل، وأن الولد إذا عقد وخلق ونفخ فيه من الروح، ~~كان بمنزلة تحبب الثمر، وتسنبله؛ لأنه سمي باسم تشترك فيه كل ~~حاملة، وهو اللقاح، وعليه جاء الحديث: # " نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الحب حتى ms5300 يشتد ". # قال ابن عبد البر: " الإبار عند أهل العلم في النخل: التلقيح، وهو ~~أن يأخذ شيئا من طلع ذكور النخل؛ فيدخله بين ظهراني طلع الإناث، ~~[ومعنى] ذلك في سائر الثمار [ظهور الثمرة] من التين، وغيره، حتى تكون ~~الثمرة مرئية، حين ينظر إليها، والمعتبر عند مالك رضي الله عنه ~~وأصحابه فيما يذكر من الثمار التذكير، وفيما لا يذكر أن يثبت من نواره ~~ما يثبت ويسقط ما يسقط، وفي الزروع ظهوره من الأرض ". # فصل # قال عليه الصلاة والسلام # " من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر، فثمرتها للبائع، ~~إلا أن يشترط المبتاع " # فلا يدخل الثمر المؤبر مع الأصول في البيع إلا بالشرط؛ لأنها موجودة ~~يحاط بها أمنة من السقوط غالبا، بخلاف التي لم تؤبر، إذ ليس ~~سقوطها غالبا، بخلاف التي لم تؤبر، إذ ليس سقوطها مأمونا، فلم يتحقق ~~لها وجود، فلم يجز للبائع اشتراطها، ولا استثناؤها؛ لأنها كالجنين. # فصل هل يجوز لمن اشترى النخل فقط أن يشتري الثمر قبل طيبه؟ # اشترى النخل، وبقي الثمر للبائع، جاز لمشتري الأصل شراء الثمرة قبل ~~طيبها، في المشهور عن مالك رحمه الله ويرى لها حكم التبعية، وإن ~~انفردت بالعقد، وعنه في رواية أنه لا يجوز، وبه قال الشافعي، وأبو ~~حنيفة، والثوري، وأهل الظاهر. # فصل في النهي عن بيع الملاقح والمضامين # نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الملاقح والمضامين ~~والملاقح: الفحول من الإبل، الواحد مقلح، والملاقح أيضا : ~~الإناث التي في بطونها أولادها، الواحدة: ملقحة بفتح القاف، ~~والملاقيح ما في بطون النوق من الأجنة، الواحدة: ملقوحة، من ~~قولهم: لقحت، كالمحموم من حم، والمجنون من جن، وفي هذا جاء ~~النهي. # قال أبو عبيدة: المضامين ما في البطون وهي الأجنة، والملاقيح: ~~ما في أصلاب الفحول، وهو قول سعيد بن المسيب، وغيره. # وقيل: بالعكس. # ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع [المجر] وهو بيع ما في بطون ~~الأمهات. # قال ابن عباس رضي الله عنهما ما هبت ريح قط إلا جثا ~~النبي صلى الله عليه وسلم على ركبتيه، وقال: # " اللهم اجعلها ms5301 رحمة، ولا تجعلها عذابا، اللهم ~~اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا " # قال ابن عباس رضي الله عنهما في كتاب الله عز وجل : # إنآ أرسلنا عليهم ريحا صرصرا # [القمر:19]، # إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم # [الذاريات:41] وقال تعالى: # وأرسلنا الرياح لواقح # [الحجر:22] وقال تعالى: # يرسل الرياح مبشرات # [الروم:46]. # قوله تعالى: { فأنزلنا من السمآء ماء فأسقيناكموه ~~} ، قد تقدم أن الماء: هل ينزل من السماء أو من السحاب. # وقوله: { فأسقيناكموه } ، قال الأزهري: " تقول العرب ~~لكل ما في بطون الأنعام، ومن السماء، أو نهر يجري: ~~أسقيته، أي: جعلته شربا له، وجعلت له منها مسقى لشرب أرضه أو ~~ماشيته، فإذا كانت السقيا لسقيه، قالوا: سقاه، ولم يقولوا: ~~أسقاه ". # ويؤكده اختلاف القراء في قوله: # نسقيكم مما في بطونه # [النحل:66]، فقرؤا باللغتين، وسيأتي بيانهما في السورة التي بعدها، ولم ~~يختلفوا في قوله: # وسقاهم ربهم # [الإنسان:21]، وفي قوله: # والذي هو يطعمني ويسقين # [الشعراء:79]. # قال أبو علي: سقيته حتى روي، وأسقيته نهرا، جعلته ~~شربا، وقوله: { فأسقيناكموه } جعلناه سقيا لكم، وربما ~~قالوا في " أسقى " سقى؛ كقول لبيد يصف سحابا: [الوافر] # 3273 أقول وصوبه مني بعيد # يحط السيب من قلل الجبال # سقى قومي بني مجد وأسقى # نميرا والقبائل من هلال # فقوله: " سقى قومي " ليس يريد به ما يروى عطاشهم، ولكن يريد رزقهم ~~سقيا لبلادهم، يخصبون بها، وبعيد أن يسأل لقومه ما يروي ~~العطاش به ولغيرهم ما يخصبون به، فأما سقيا السقية، فلا يقال ~~فيها: أسقاه. وأما قول ذي الرمة: [الطويل] # 3274 وأسقيه حتى كاد مما أبثه # تكلمني أحجاره وملاعبه # [يريد بقوله: " أسقيه ": أدعو له بالسقاء، وأقول: سقاه الله]. # واتصل الضميران هنا: لاختلافهما رتبة، ولو فصل ثانيهما، لجاز عند غير ~~سيبويه وهذا كما تقدم في قوله تعالى: # أنلزمكموها # [هود:28]. # قوله تعالى: { ومآ أنتم له بخازنين } جملة مستأنفة، و " ~~له " متعلق ب " خازنين " ، والمعنى: أن المطر في خزائننا، لا ~~في خزائنكم. [وقال سفيان: لستم بمانعين]. # قوله تعالى: { وإنا لنحن نحيي ونميت } الآية، هذا النوع ~~السادس من دلائل التوحيد، وهو الاستدلال بالإحياء، والإماتة على وجود ~~الإله ms5302 القادر المختار. # قوله: " لنحن " يجوز أن يكون مبتدأ، و " نحيي " خبره، والجملة ~~خبر " إنا " ويجوز أن يكون تأكيدا ل " نا " في " إنا " ، ولا يجوز ~~أن يكون فصلا؛ لأنه لم يقع بين اسمين، وقد تقدم نظيره [الحجر:9]. # وقال أبو البقاء: لا يكون فصلا لوجهين: # أحدهما: أن بعده فعلا. # والثاني: أن معه اللام. # قال شهاب الدين رحمه الله : " الوجه الثاني: غلط؛ فإن لام ~~التوكيد لا يمنع دخولها على الفصل، نص النحاة على ذلك، ومنه قوله # إن هذا لهو القصص الحق # [آل عمران:62]، جوزوا فيه الفصل مع إقرانه باللام ". # فصل # من العلماء من حمل الإحياء على القدر المشترك بين إحياء النبات ~~والحيوان، ومنهم من قال: وصف النبات بالإحياء مجاز؛ فوجب تخصيصه بإحياء ~~الحيوان، وقوله جل ذكره : { وإنا لنحن نحيي ونميت } ~~يفيد الحصر، أي: لا قدرة على الإحياء والإماتة إلا لنا، " ونحن ~~الوارثون " إذا مات جميع الخلائق، فحينئذ يزول الملك كل أحد، ~~ويكون الله سبحانه هو الباقي المالك لكل المملوكات، وحده لا شريك ~~له، فكان شبيها بالإرث. # قوله تعالى: { ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد ~~علمنا المستأخرين } قال ابن عباس رضي الله عنهما ~~المستقدمين: الأموات، والمستأخرين: الأحياء. # وقال الشعبي رضي الله عنه : الأولين، والآخرين. # وقال عكرمة: المستقدمون: من خلق الله، والمستأخرون: من لم يخلق. # وقيل: المستقدمين: القرون الأولى، والمستأخرين: أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم. # وقال الحسن: المستقدمين: في الطاعة والخير، والمستأخرين: في صف ~~القتال. # وقال ابن عيينة: أراد من سلم، ومن لم يسلم. # وقال الأوزاعي: أراد المصلين في أول الوقت، المؤخرين إلى آخره. # روى أبو الجوزاء، عن ابن عباس: كانت امرأة حسناء تصلي خلق النبي صلى ~~الله عليه وسلم فكان قوم يتقدمون إلى الصف الأول؛ لئلا يرونها، وآخرون ~~يتأخرون، ليرونها. # وفي رواية: أن النساء كن يخرجن إلى الجماعة، فيقفن خلف الرجال، من ~~النساء من في قلبها ريبة، فتقدم إلى أول صف النساء؛ لتقرب من الرجال؛ ~~فنزلت الآية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " خير صفوف الرجال أولها وشرها أخرها، وخير صفوف ~~النساء آخرها وشرها ms5303 أولها ". # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم رغب في الصف الأول في الصلاة ~~[فازدحم] الناس عليه؛ فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية. # والمعنى: إنا نجزيهم على قدر نياتهم. # فصل # قال القرطبي: " هذه الآية تدل على فضل أول الوقت في الصلاة، وعلى فضل ~~الصف الأول، وكما تدل على فضل الصف الأول في الصلاة، كذلك تدل على ~~فضل الصف الأول في القتال؛ فإن القيام في وجه العدو، وبيع العبد ~~نفسه من الله تعالى لا يوازيه عمل، ولا خلاف في ذلك ". # واعلم أن ظاهر الآية يدل على أنه لا يخفى على الله شيء من أحوالهم؛ ~~فيدخل فيه علمه بتقدمهم، وتأخرهم، في الحدوث، والوجود في الطاعات ~~وغيرها؛ فلا ينبغي أن تخص بحالة دون حالة. # ثم قال تعالى: { وإن ربك هو يحشرهم } على ما علم منهم، ~~وذلك تنبيه على أن الحشر، والنشر، والبعث، والقيامة، أمر واجب { ~~إنه حكيم عليم } أي: أن الحكمة تقتضي وجوب الحشر، والنشر، ~~وعلى ما تقرر في أول سورة يونس عليه السلام . ### || [15.26-44] # قوله تعالى: { ولقد خلقنا الإنسان من صلصال } الآية هذا ~~هو النوع السابع من دلائل التوحيد؛ لأنه ثبت بالدلائل القاطعة أنه يمتنع ~~القول بوجود حوادث لا أول لها، وإذا ثبت هذا وجب انتهاء الحوادث إلى ~~حادث أول، هو أول الحوادث، وإذا كان كذلك، وجب انتهاء الناس إلى ~~إنسان هو أول الناس، وذلك الإنسان الأول، غير مخلوق من الأبوين؛ فيكون ~~مخلوقا لا محالة بقدرة الله تعالى . # فقوله: { ولقد خلقنا الإنسان } إشارة إلى ذلك الإنسان الأول، ~~وأجمع المفسرون على أن المراد آدم صلوات الله وسلامه عليه . # ونقل في كتب الشيعة، عن محمد بن علي الباقر، أنه قال: قد انقضى قبل ~~آدم صلوات الله عليه الذي هو أبونا ألف ألف آدم، أو أكثر. # قال ابن الخطيب رحمه الله : " وهذا لا يقدح في حدوث العالم، بل ~~الأمر كيف كان لا بد من الانتهاء إلى إنسان أول، هو أول الناس، فأما ~~أن ذلك الإنسان الأول هو أبونا آدم، فلا طريق له إلا من جهة ms5304 السمع ". # واعلم أنه تعالى قال: # إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ~~تراب # [آل عمران:59]، وقال تعالى: # إني خالق بشرا من طين # [ص:71]، وقال هاهنا: { ولقد خلقنا الإنسان من صلصال ~~من حمإ مسنون } ، فطريق الجمع أنه جعل التراب طينا، ثم ~~تركه حتى صار حمأ مسنونا، ثم خلقه منه، وتركه حتى جف، ويبس وصار له ~~صلصلة. # واعلم أنه تعالى قادر على خلقه من أي جنس أراد، بل هو قادر على ~~خلقه ابتداء، وإنما خلقه على هذا الوجه؛ إما لمحض المشيئة، أو لما فيه من ~~دلالة الملائكة؛ لأن خلق الإنسان من هذه الأمور أعجب من خلق الشيء ~~من جنسه. # وسمي إنسانا: إما لظهوره وإدراك البصر إياه، وإما من النسيان؛ لأنه ~~عهد إليه فنسي. # عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: بعث الله تعالى جبريل ~~عليه السلام إلى الأرض؛ ليأتيه بطين منها، فقالت الأرض: أعوذ بالله ~~منك أن تنقص مني؛ فرجع ولم يأخذ، فقال يا رب: أنها عاذت بك، ~~فأعذتها، فبعث ميكائيل صلوات الله عليه فعاذت منه، فأعاذها؛ فرجع، ~~فقال كما قال جبريل، فبعث ملك الموت، فعاذت منه، فقال: وأنا أعوذ بالله ~~أن أرجع ولم أنفذ أمره، فأخذ من وجه الأرض، وخلطه، ولم يأخذ من مكان ~~واحد، وأخذ من تربة حمراء، وبيضاء، وسوداء، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين. # وسمي آدم؛ لأنه خلق من أديم الأرض، وصعد به، فقال الله تبارك وتعالى: ~~" أما رحمت الأرض حين تضرعت إليك "؟ فقال: رأيت أمرك وأوجب من ~~قولها، فقال جل ذكره : أنت تقبض أرواح ولده قبل التراب حتى عاد طينا ~~لازبا، وهو يلتصق بعضه ببعض، ثم ترك، حتى أنتن، وصار حمأ مسنونا، وهو ~~المنتن. # ثم قال للملائكة: { إني خالق بشرا من صلصال من حمإ ~~مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا ~~له ساجدين } ، فخلقه الله بيده؛ لئلا يتكبر إبليس عليه، لقول ~~الله تعالى: أتتكبر على ما علمت بيدي، ولم أتكبر أنا عليه؟. # فخلقه فكان جسدا من طين أربعين عاما، فلما رأته الملائكة، فزعوا ~~منه، وكان ms5305 أشدهم منه فزعا إبليس فكان يمر به، فيضربه؛ فيصوت ~~الجسد كما يصوت الفخار، وتكون له صلصلة؛ فذلك قوله: # من صلصال كالفخار # [الرحمن:14]، ويقول: لأمر ما خلقت! ويدخل في فيه، ويخرج من دبره، ويقول ~~للملائكة: لا ترهبوا منه؛ فإنه أجوف، ولئن سلطت عليه، لأهلكنه، ~~فلما نفخ فيه الروح، ووصل إلى رأسه، عطس، فقالت الملائكة عليه السلام ~~: قل: الحمد لله، فقال: الحمد لله، فقال الله له: رحمك ربك، فلما دخل ~~الروح في عينيه، نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخلت الروح جوفه، اشتهى ~~الطعام؛ فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه؛ عجلان إلى ثمار الجنة، فذلك ~~قوله تعالى: # خلق الإنسان من عجل # [الأنبياء:37]. # قوله تعالى: { من صلصال } ، " من ": لابتداء الغاية، أو للتبعيض، ~~والصلصال: قال أبو عبيدة, هو الطين المختلط بالرمل، ثم يجف؛ فيسمع له ~~صلصلة، أي: تصويت، قال: والصلصلة: الصوت؛ وأنشدوا: [الكامل] # 3275 شربت أساوي القطاة من الكدر # وسرت فترمي أحياؤها بصلاصل # أراد: صوت أجنحة أفراخها، حين تطير، أو أصوات أفراخها. # وقال الزمخشري: " الطين اليابس الذي يصلصل من غير طبخ، فإذا ~~طبخ، فهو فخار ". # وقال أبو الهيثم: " هو صوت اللجام، وما أشبهه؛ كالقعقعة في الثوب ". # وقال الزمخشري أيضا : قالوا: إذا توهمت في صوته مدا، فهو صليل، ~~وإن توهمت فيه خفاء، فهو صلصلة، وقيل: هو من تضعيف " صل " ، إذا ~~أنتن انتهى. # و " صلصال " هنا، بمعنى مصلصل؛ كزلزال، بمعنى مزلزل، ~~ويكون " فعلال " أيضا مصدرا، ويجوز كسره أيضا، وفي وزن هذا ~~النوع، أي: ما تكررت فاؤه، وعينه خلاف. # فقيل: وزنه: فعفع؛ كررت الفاء والعين، ولا لام للكلمة؛ قاله ~~الفراء، وغيره. وهو غلط؛ لأن أقل الأصول ثلاثة: فاء، وعين، ولام. # والثاني: أن وزنه " فعفل "؛ وهو قول الفراء. # الثالث: أنه " فعل " بتشديد العين، وأسله " صلل " فلما اجتمع ~~ثلاثة أمثال، أبدل الثاني من جنس فاء الكلمة، وهو مذهب كوفي، وخص ~~بعضهم هذا الخلاف، بما إذا لم يختل المعنى، بسقوط الثالث، نحو " ~~لملم " و " كبكب " فإنك تقول فيهما: " لم " ، و " كب " ، ~~فلو لم يصح المعنى بسقوطه؛ نحو: " سمسم " ، قال: فلا خلاف ms5306 في ~~أصالة الجميع. # قوله تعالى: { من حمإ مسنون } فيه وجهان: # أحدهما: أنه في محل جر صفة ل " صلصال "؛ فيتعلق بمحذوف. # والثاني: أنه بدل من " صلصال " بإعادة الجار. والحمأ: الطين ~~الأسود المنتن. # قال الليث رحمه الله : واحده " حمأة " بتحريك العين جمعله اسم ~~جنس؛ وقد غلط في ذلك؛ فإن أهل اللغة قالوا: لا يقال إلا " حمأة " ~~[بالإسكان]، ولا يعرف التحريك؛ نص عليه أبو عبيدة، وجماعة؛ وأنشدوا ~~لأبي الأسود: [الوافر] # 3276 تجيء بملئها طورا وطورا # تجيء بحمأة وقليل ماء # فلا يكون " الحمأة " واحدة " الحمأ "؛ لاختلاف الوزنين. # والمسنون: المصبوب؛ من قولهم: سننت الشراب، كأنه ~~لرطوبته جعل مصبوبا، كغيره من المائعات، فكأن المعنى: أفرغ صورة ~~إنسان، كما تفرغ الجواهر المذابة. # قال الزمخشري: وحق " مسنون " بمعنى مصور: أن يكون صفة ل " ~~صلصال "؛ كأنه أفرغ الحمأ، فصور منه تمثال شخص. يعني أنه يصير ~~التقدير: من صلصال مصور، ولكن يلزم تقديم الوصف المؤول على الصريح؛ ~~إذا جعلنا: " من حمأ " صفة ل " صلصال " ، أما إذا جعلناه ~~بدلا منه؛ فلا. # وقيل: مسنون: مصور من سنة الوجه، وهي صورته؛ قال الشاعر: [البسيط] # 3277 تريك سنة وجه غير مقرفة # ........................... # وقال الزمخشري: والمسنون: المحكوك، مأخوذ من سننت الحجر، إذا ~~حككته به، فالذي يسيل بينهما سنن ولا يكون إلا منتنا. # ومنه يسمى المسن مسنا؛ لأن الحديد يحك عليه. # وقيل: المسنون: المنسوب إليه، والمعنى ينسب إليه ذريته، وكأن هذا ~~القائد أخذه من الواقع، وقيل: هو من أسن الماء إذا تغير، وهذا غلط؛ ~~لاختلاف المادتين. # روي أن الله تعالى خمر طينة آدم، وتركه حتى صار متغيرا ~~أسود، ثم خلق منه آدم صلوات الله وسلامه عليه . # قوله: { والجآن خلقناه } منصوب على الاشتغال، ورجح نصبه؛ ~~لعطف جملة على جملة فعلية. # والجان: أبو الجن، هو إبليس؛ كآدم أبي الإنس، وقيل: هو اسم ~~لجنس الجن. # وقرأ الحسن: " والجأن " بالهمز، وقد تقدم الكلام في ذلك في أواخر ~~الفاتحة. # فصل # قال ابن عباس رضي الله عنهما : الجان أبو الجن؛ كما أن آدم أبو ~~البشر، وهو قول الأكثرين. # وروي أيضا عن ابن عباس، ms5307 والحسن، ومقاتل، وقتادة رضي الله عنهم : هو ~~إبليس، خلق قبل آدم. # وقيل: الجان أبو الجن، وإبليس أبو الشياطين، وفي الجن: مسلمون، ~~وكافرون، ويحيون ويموتون، وأما الشياطين؛ فليس سفهم مسلمون، ويموتون ~~إذا مات إبليس. # وذكر وهب: أن من الجن من يولد له، ويأكلون، ويشربون بمنزلة ~~الآدميين، ومن الجن من هم بمنزلة الريح: لاتوالدون، ولا يأكلون، ولا ~~يشربون. # قال ابن الخطيب: " والأصح أن الشياطين قسم من الجن، فمن كان منهم ~~مؤمن، فإنه لا يسمى بالشيطان، ومن كان منهم كافر، سمي بهذا الاسم. ~~وسموا جنا؛ لاستتارهم عن الأعين، ومنه يسمى الجنين؛ لاستتاره عن ~~الأعين، في بطن أمه، والجنة: ما تقي صاحبها، وتستره، ومنه سميت ~~الجنة؛ لاستتارها بالأشجار ". # قوله تعالى: { من قبلك } ، و " من نار " متعلقان ب " ~~خلقناه "؛ لأن الأولى لابتداء الغاية، والثانية للتبعيض، وفيه ~~دليل على أن " من " لابتداء الغاية في الزمان، وتأويل البصريين له، ~~ولنظائره بعيد. # فصل # قال ابن عباس رضي الله عنهما : " يريد قبل خلق آدم صلوات الله وسلامه ~~عليه ". والسموم: ما يقتل من إفراط الحر من شمس، أو ريح، أو نار؛ ~~لأنها تدخل المسام فتقتل. # قيل: سميت سموما؛ لأنها بلطفها تدخل في مسام البدن، وهي الخروق ~~الخفية التي تكون في جلد الإنسان، يبرز منها عرقه وبخار بطنه. # وقيل: السموم ما كان ليلا، والحرور ما كان نهارا. وعن ابن عباس: ~~نار لا دخان لها. # قال أبو صالح: والصواعق تكون منها، وهي نار بين السماء وبين الحجاب، ~~فإذا أحدث الله أمرا، خرقت الحجاب فهوت إلى ما أمرت به، فالهدة التي ~~تسمعون؛ خرق ذلك الحجاب. # وقيل: نار السموم: لهب النار. وقيل: نار جهنم. # وروى الضحاك، عن ابن عباس رضي الله عنهما : كان إبليس من جنس من ~~الملائكة، يقال لهم الجن، خلقوا من نار السموم، وخلقت الجن الذين ~~ذكروا من مارج من نار، والملائكة خلقوا من نور. # وقيل: { من نار السموم } من إضافة الموصوف لصفته. # قوله: { وإذ قال ربك للملآئكة إني خالق بشرا ~~من صلصال } الآية، لما استدل بحدوث الإنسان؛ على وجود الإله ~~القادر ms5308 المختار؛ ذلك بعده واقعته، وهو أنه تعالى أمر الملائكة ~~بالسجود له، والمراد بكونه بشرا، أي: جسما يباشر ويلاقى، والملائكة، ~~والجن لا يباشرون؛ للطف أجسامهم، والبشرة: ظاهر الجلد من كل ~~حيوان، وتقدم ذكر الصلصال، والحمأ المسنون. # { فإذا سويته } أي: شكلته بالصورة الإنسانية، والخلقة البشرية. # وقيل: سويت أجزاء بدنه: باعتدال الطبائع، وتناسب الأمشاج، ~~نفخت فيه من روحي؛ فصار بشرا حيا. # والروح: جسم لطيف، يحيا به الإنسان، وقيل: الروح: هي الريح؛ ~~لأن النفخ أخذ الريح في تجاويف جسم آخر؛ فظاهر قوله: { ونفخت ~~فيه من روحي } يشعر بأن الروح هي الريح، وإلا لما صح وصفها ~~بالنفخ، وسيأتي بقية الكلام على الروح عند قوله: # قل الروح من أمر ربي # [الإسراء:85]، وأضاف روح آدم صلوات الله وسلامه عليه إلى نفسه، ~~تشريفا وتكريما. # قوله تعالى: { فقعوا له } ، يجوز أن تتعلق اللام بالفعل قبلها، ~~وأن تتعلق ب " ساجدين ". # فصل # ظاهر قوله: { فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ~~فقعوا له ساجدين } يدل على وجوب السجود على الملائكة؛ لأنه ~~مذكور بفاء التعقيب؛ وذلك يمنع التراخي. # قوله " أجمعون " تأكيد ثان، ولا يفيد الاجتماع في الوقت؛ خلافا ~~لبعضهم. # وقال سيبويه: قوله: { كلهم أجمعون } " توكيد بعد توكيد ". ~~وسئل المبرد عن هذه الآية فقال: لو قال " فسجد الملائكة " احتمل أن ~~يكون سجد بعضهم فلما قال: كلهم زال هذا الاحتمال، فظهر أنهم بأسرهم ~~سجدوا، ثم بعد هذا بقي احتمال وهو أنهم: هل سجدوا دفعة واحدة؟ أو سجد ~~كل واحد في وقت؟. فلما قال: أجمعون ظهر أن الكل سجدوا دفعة ~~واحدة. ولما حكى الزجاج هل القول، عن المبرد، قال: " وقول الخليل، ~~وسيبويه أجود؛ لأن " أجمعين " معرفة؛ فلا يكون حالا ". # قال أبو البقاء: " لكان حالا لا توكيدا ". يعنى أنه يفيد إفادة ~~الحال مع أنه توكيد؛ وفيه نظر؛ إذ لا منافاة بينهما بالنسبة إلى المعنى، ~~ألا ترى أنه يجوز: " جاؤوني جميعا " مع إفادته، وقد تقدم تحرير هذا ~~[البقرة:38]، وحكاية ثعلب مع ابن قادم. # قوله: { إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين } ~~تقدم الكلام على هذا الاستثناء في البقرة. ms5309 # قال القرطبي رحمه الله : " الاستثناء من الجنس غير الجنس صحيح عند ~~الشافعي رضي الله عنه ، حتى ولو قال له: علي دينار إلا ثوبا، أو ~~عشرة أثواب، إلا قفيز حنطة، وما جانس ذلك يكون مقبولا، ويسقط ~~عنه من المبلغ قيمة الثوب، والحنطة ويستوي في ذلك: المكيلات، ~~والموزونات، والمقدرات ". # وقال مالك، وأبو حنيفة رضي الله عنهما : استثناء المكيل من الموزون، ~~والموزون من المكيل جائز؛ حتى لو استثنى الدراهم من الحنطة، والحنطة ~~من الدراهم، قبل، أما إذا استثنى المقومات من المكيلات، أو ~~الموزونات، والمكيلات من المقومات؛ فلا يصح؛ مثل أن يقول: له عشرة ~~دنانير إلا ثوبا، أو عشرة أثواب إلا دينارا، فيلزم المقر جميع ~~المبلغ. # قوله تعالى: { أبى أن يكون } ، استئناف؛ وتقديره: أن قائلا ~~قال: هلا سجد؟ فقيل: أبي ذلك، واستكبر عنه. # قوله تعالى: { قال يإبليس ما لك ألا تكون مع ~~الساجدين قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من ~~صلصال من حمإ مسنون } قال بعض المتكلمين: إنه تعالى أوصل ~~هذا الخطاب إلى إبليس، على لسان بعض رسله؛ وهذا ضعيف؛ لأن إبليس قال في ~~الجواب: { لم أكن لأسجد لبشر خلقته } ، فقوله: " ~~خلقته " خطاب الحضور، لا خطاب الغيبة؛ فظاهره يقتضي أن الله تعالى ~~تكلم مع إبليس بغير واسطة. # فإن قيل: كيف يعقل هذا؛ مع أن مكالمة الله تعالى من غير واسطة من ~~أعظم المناصب، وأعلى المراتب، فكيف يعقل حصوله لرأس الكفرة؟. # فالجواب: أن مكالمة الله إنما تكون منصبا عاليا، إذا كان على سبيل ~~الإكرام والإعظام، فأما إذا كان على سبيل الإهانة، والإذلال، فلا. # وقوله: { لم أكن لأسجد } لتأكيد النفي، معناه: لا يصح مني ~~أن أسجد لبشر. # وحاصل كلامه: أن كون بشرا يشعر بكونه جسما كثيفا، وهو كان روحانيا ~~لطيفا، فكأنه يقول: البشر جسماني كثيف، وأنا روحاني لطيف، والجسماني ~~الكثيف أدون حالا من الروحاني اللطيف، فكيف يكون للأدنى سجود للأعلى؟. # وأيضا: فآدم مخلوق من صلصال، تولد من حمأ مسنون، وهذا الأصل في ~~غاية الدناءة، وأصل " إبليس ": هو النار، والنار هي أشرف العناصر؛ فكان ~~أصل إبليس أشرف ms5310 من أصل آدم؛ فوجب أن يكون إبليس أشرف من آدم، والأشرف ~~يقبح أن يؤمر بالسجود للأدنى؛ فهذا مجموع [شبهة] إبليس. # { قال فاخرج منها فإنك رجيم } ، وهذا ليس جوابا عن ~~الشبهة على سبيل التصريح، بل جواب على سبيل التنبيه. # وتقديره: أن الذي قاله الله تعالى نص، والذي قاله إبليس قياس، ومن ~~عارض النص بالقياس، كان رجيما ملعونا، وتمام الكلام في هذا المعنى ~~مذكور في سورة الأعراف. # والضمير في: " منها ": قيل: من جنة عدن، وقيل: من السموات، وقيل: ~~من زمرة الملائكة. # { وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين } قال ابن عباس ~~ رضي الله عنه : يريد يوم الجزاء حيث يجازى العباد بأعمالهم. # و { إلى يوم } يجوز أن يتعلق بالاستقرار في: " عليك " ، ويجوز ~~أن يتعلق بنفس اللعنة. # فإن قيل: كلمة " إلى " تفيد انتهاء الغاية؛ فهذا يشعر بأن اللعن لا ~~يحصل إلا يوم الدين، وعند القيامة يزول اللعن. # فالجواب من وجوه: # الأول: أن المراد التأبيد، وذكر القيامة أبعد غاية تذكرها الناس في ~~كلامهم؛ كقولهم: # ما دامت السماوات والأرض # [هود:108] في التأبيد. # والثاني: أنك مذموم مدعو عليك باللعنة في السموات والأرض إلى يوم الدين، ~~من غير أن يعذب، فإذا جاء ذلك اليوم، عذب عذابا [ينسى] اللعن معه، ~~فيصير اللعن حينئذ كالزائل؛ بسبب أن شدة العذاب تذهل عنه. # قوله: { قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون } وهذا ~~متعلق بما تقدم، والتقدير: إذا جعلتني رجيما إلى يوم القيامة؛ فأنظرني، ~~أراد ألا يموت، والمراد من قوله: { إلى يوم يبعثون } ، يوم ~~البعث، والنشور، وهو يوم القيامة؛ فقال تعالى: { قال فإنك ~~من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم } قيل: وقت ~~النفخة الأولى حين يموت الخلائق؛ لأن من المعلوم أن تموت الخلائق فيه. # وقيل: سمي معلوما؛ لأنه لا يعلمه إلا الله تعالى؛ لقوله عز وجل : # إن الله عنده علم الساعة # [لقمان:34]. # وقيل: يوم الوقت المعلوم: يوم القيامة. # فإن قيل: لما أجابه الله إلى مطلوبه لزم ألا يموت إلى وقت قيام ~~القيامة، [و] وقت قيام القيامة لا موت، فلزم ألا يموت بالكلية فالجواب: ~~يحمل قوله { إلى ms5311 يوم يبعثون }: إلى ما يكون قريبا منه، ~~و[الوقت] الذي يموت فيه كل المكلفين قريب من يوم البعث. # وقيل: { يوم الوقت المعلوم } لا يعلمه إلا الله. # قيل: لم تكن إجابة الله تعالى له في الإمهال إكراما له، بل كان ~~زيادة في بلائه وشقائه. # قوله: { قال رب بمآ أغويتني } الباء للقسم، و " ما " ~~مصدرية، وجواب القسم { لأزينن لهم } والمعنى: أقسم بإغوائك ~~إياي، لأزينن؛ كقوله: # فبعزتك لأغوينهم أجمعين # [ص:82] إلا أنه في هذا الموضع أقسم بعزة الله تعالى وهي من ~~صفات الذات، وفي قوله: { بمآ أغويتني } ، أقسم بإغواء الله، وهو ~~من صفات الأفعال، والفقهاء قالوا: القسم بصفات الذات صحيح، واختلفوا ~~في القسم بصفات الأفعال. # ونقل الواحدي هنا عن بعضهم: أن الباء هاهنا سببية، أي: بسبب ~~كوني غاويا، لأزينن؛ كقول القائل: " أقسم فلان بمعصيته، ~~ليدخلن النار، وبطاعته ليدخلن الجنة ". # ومعنى: { أغويتني }: أضللتني، وقيل: خيبتني من رحمتك، { ~~لأزينن لهم في الأرض } حب الدنيا، ومعاصيك. # والضمير في: " لهم " لذرية آدم عليه السلام وإن لم يجر لهم ذكر؛ ~~للعلم بهم. # و " لإغوينهم ": لأضلنهم أجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين ~~قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو: " المخلصين " بكسر اللام، ~~والباقون: بفتح اللام. # ومعنى القراءة الأولى: أنهم أخلصوا دينهم عن الشوائب؛ ومن فتح ~~اللام، فمعناه: الذين أخلصهم الله بالهداية. # فصل # قال ابن الخطيب: " واعلم أن الذي حمل " إبليس " على ذكر هذا الاستثناء ~~ألا يصير كاذبا في دعواه، فلما احترز " إبليس " عن الكذب، علمنا أن ~~الكذب في غاية الخساسة ". # فصل # قال رويم: " الإخلاص في العمل: وهو ألا يريد صاحبه عليه عوضا في ~~الدارين، ولا عوضا من المكلفين ". # وقال الجنيد رضي الله عنه : الإخلاص: سر بين العبد، وبين الله ~~تعالى لا يعلمه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا هوى فيميله. # وذكر القشيري، وغيره عن النبي صلى الله علي هوسلم أنه قال: # " سألت جبريل عليه السلام عن الإخلاص ما هو؟ فقال: سألت ~~رب العزة عن الإخلاص ما هو؟ فقال: سري استودعته قلب ~~من أحببته من عبادي ". # قوله تعالى: { قال هذا صراط } " هذا ms5312 " إشارة إلى الإخلاص ~~المفهوم من المخلصين. # وقيل: إلى انتفاء تزيينه، وأغوائه على من مر عليه، أي: على رضواني، ~~وكرامتي. # وقيل: " على " بمعنى: " إلى " ، نقل عن الحسن. # وقال مجاهد: الحق يرجع إلى الله تعالى وعليه طريقه، لا تعرج على ~~شيء. # وقال الأخفش: يعني علي الدلالة على الصراط المستقيم. # وقال الكسائي: هذا على التهديد والوعيد؛ كما يقول الرجل لمن يخاصمه: ~~طريقتك علي أن لا تفلت مني، قال تعالى: # لبالمرصاد # [الفجر:14]. # وقرأ الضحاك، وقتادة، وأبو رجاء، وابن سيرين، ويعقوب في آخرين: " علي ~~" ، أي: عال مرتفع. # وعبر بعضهم عنه: رفيع أن ينال " مستقيم " أن يمال. # قوله تعالى: { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } أعلم ~~أن إبليس لما قال { ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك ~~منهم المخلصين } أوهم أن له سلطانا على غير المخلصين، ~~فبين الله تعالى في هذه الآية أنه ليس له سلطان على أحد من عبيد ~~الله سواء كان مخلصا أو غير مخلص، لكن من اتبع منهم إبليس باختياره؛ ~~ونظيره قوله حكاية عن إبليس: # وما كان لي عليكم من سلطان # [إبراهيم:22]، وقوله تعالى: # إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ~~ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين ~~يتولونه والذين هم به مشركون # [النحل:99، 100] فعلى هذا يكون استثناء منقطعا. # قال الجبائي: " هذه الآية تدل على بطلان قول من زعم أن الشيطان، ~~والجن يمكنهم صرع الناس، وإزالة عقولهم ". # وقيل: الاستثناء متصل؛ لأن المراد ب " عبادي " العموم، طائعهم، ~~وعاصيهم و حينئذ يلزم استثناء الأكثر من الأقل. # وأراد بالعباد الخلص؛ لأنه أضافهم إليه إضافة تشريف، فلم يندرج فيه ~~الغاوون؛ للضمير في موعدهم. # قال القرطبي: " قال العلماء في معنى قوله تعالى: { إن عبادي ~~ليس لك عليهم سلطان }: يعني على قلوبهم ". # وقال ابن عيينة: " يلقيهم في ذنب ثم أمنعهم بعفوي: أو: هم الذين هداهم ~~الله، واجتباهم، واختارهم، واصطفاهم ". # فإن قيل: قد أخبر الله تعالى، عن آدم، وحواء صلوات الله وسلامه عليهما ~~ بقوله: # فأزلهما الشيطان # [البقرة:36] وعن جملة من أصحاب نبيه # إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا # [آل عمران:155]. # فالجواب: أنه ليس ms5313 له سلطان على قلوبهم، ولا موضع إيمانهم، ولا يلقيهم في ~~ذنب يؤول إلى عدم العفو، بل يزيله بالتوبة، ولم يكن خروج آدم عقوبة على ~~ما تقدم بيانه في البقرة. # وأما أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقد مضى القول عليه في " آل ~~عمران " ، ثم إن قوله تعالى: { ليس لك عليهم سلطان } ~~يحتمل أن يكون حاصلا فيمن حفظ الله، ويحتمل أن يكون في أكثر الأوقات، ~~وقد يكون ي تسليطه تفريج كربه، وإزالة غمه؛ كما فعل ببلال، إذ أتاه ~~يهديه، كما يهدى الصبي حتى نام، ونام النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه، فلم يستيقظوا حتى طلعت الشمس، وفزعوا، وقالوا: ما كفارة ما ~~صنعنا في تفريطنا في صلاتنا؟ فقال لهم النبي صلى الله عليه ~~سلم " ليس في النوم تفريط "؛ ففرج عنهم. # وقال ابن عطية: تأكيد فيه معنى الحال من الضمير في " موعدهم " ، ~~والعامل فيه معنى الإضافة، قاله أبو البقاء ". # وفي مجىء الحال من المضاف إليه، خلاف، ولا يعمل فيها الموعد، إن أريد ~~به الكان، فإن أريد به المصدر، جاز أن يعمل؛ لأنه مصدر، ولكن لا بد من ~~حذف مضاف، أي: مكان موعدهم. # قوله تعالى: { لها سبعة أبواب } يجوز في هذه الجملة أن تكون ~~مستأنفة، وهو الظاهر، ويجوز أن تكون خبرا ثانيا، ولا يجوز أن تكون ~~حالا من " جهنم "؛ لأن " إن " لا تعمل في الحال، قال ابو البقاء. ~~وقياس ما ذكروه في " ليت، وكأن، ولعل " من أخواتها من إعمالها في ~~الحال؛ لأنها بمعنى: تمنيت وشبهت، وترجيت أن تعمل فيها " إن " ~~أيضا؛ لأنها بمعنى أكدت، ولذلك عملت عمل الفعل، وهي أصل الباب. # فصل # قال علي كرم الله وجهه : هل تدرون كيف أبواب النار؟ ووضع إحدى ~~يديه على الأخرى، أي: سبعة أبواب، بضعها فوق بعض، وإن الله تعالى ~~وضع الجنان على العرض، ووضع النيران بعضها على بعض. # قال ابن جريج: النار سبع دركات: أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم ~~السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية. # قال الضحاك: الطبقة الأولى: فيها أهل التوحيد، يعذبون على ms5314 قدر أعمالهم ~~ثم يخرجون منها، والثانية: لليهود والثالثة: للنصارى، والرابعة: ~~للصابئين، وروي أن الثانية: للنصارى، والثالثة: لليهود، والرابعة ~~للصابئين، والخامسة: للمجوس، والسادسة: للمشركين، والسابعة: للمنافقين؛ ~~قال تعالى: # إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار # [النساء:145]. # قوله: " منهم " يجوز أن يكون حالا من " جزء "؛ لأنه في الأصل ~~صفة له، فلما قدمت، انتصبت حالا، ويجوز أن يكون حالا من الضمير المستتر ~~في الجار، وهو: " لكل باب " ، والعامل في هذه الحال، ما عمل في هذا ~~الجار، ولا يجوز أن يكون حالا من الضمير المستكن في: " مقسوم "؛ ~~لأن الصفة لا تعمل فيما قبل الموصوف، و لا يجوز أن تكون صفة ل " باب ~~"؛ لأن الباب ليس من الناس. # وقرأ أبو جعفر: " جز " بتشديد الزاي من غير همز، فكأنه ألقى حركة ~~الهمزة على الزاي، ووقف عليها فشددها؛ كقولك: " خب " في " خبء ~~خالد " ثم أجري الوصل مجرى الوقف. # والجزء: بعض الشيء، والجمع: أجزاء، وجزأته: جعلته أجزاء. ~~والمعنى: أنه تعالى يجزىء أتباع إبليس أجزاء، أي: يجعلهم ~~أقساما، ويدخل في كل باب من أبواب جهنم طائفة؛ والسبب في ذلك: أن ~~مراتب الكفر مختلفة بالغلظة والخفة. ### || [15.45-48] # قوله تعالى: { إن المتقين في جنات وعيون } الآيات، ~~لما شرح أحوال أهل العقاب، أتبعه بصفة أهل الثواب. # وروي أن سلمان الفارسي رضي الله عنه لما سمع قوله تعالى: # وإن جهنم لموعدهم أجمعين # [الحجر:43] مر ثلاثة أيام من الخوف لا يعقل، فجيء به إلى رسول ~~الله صلى لله عليه وسلم فسأله، فقال: يا رسول الله، نزلت هذه الآية: # وإن جهنم لموعدهم أجمعين # [الحجر:43]: فوالذي بعثك بالحق نبيا، لقد قطعت قلبي، فأنزل الله ~~تعالى { إن المتقين في جنات وعيون }. # قال ابن عباس رضي الله عنهما : [أراد] بالمتقين: الذين اتقوا الشرك ~~بالله تعالى، والكفر به، وبه قال جمهور الصحابة، والتابعين. # وهو الصحيح؛ لأن المتقي هو الآتي بالتقوى مرة واحدة، كما أن الضارب ~~هو الآتي بالضرب، والقاتل هو الآتي بالقتل مرة واحدة، فكما أنه ليس من ~~شرط صدق الوصف بكونه ضاربا، وقاتلا، أن يكون آتيا بجميع أنواع ms5315 الضرب ~~والقتل، ليس من شرط صدق الوصف بكونه متقيا كونه آتيا بجميع أنواع ~~التقوى؛ لأن الآتي بفرد واحد من أفراد التقوى، يكون آتيا بالتقوى؛ ~~لأن كل فرد من أفراد الماهية، يجب كونه مشتملا على تلك الماهية، ~~وبهذا التحقيق استدلوا على أن الأمر لا يفيد التكرار. # وإذا ثبت هذا فنقول: أجمعت الأمة على أن التقوى عن الكفر شرط في حصول ~~الحكم بدخول الجنة. # وقال الجبائي، وجمهور المعتزلة: المتقين: هم الذين اتقوا جميع ~~المعاصي، قالوا: لأنه اسم مدح، فلا يتناول إلا من [كان] كذلك. # واعلم أن الجنات أربعة؛ لقوله تعالى: # ولمن خاف مقام ربه جنتان # [الرحمن:46] ثم قال: # ومن دونهما جنتان # [الرحمن:62] فيكون [المجموع] أربعة. # قوله: " وعيون ": قرأ ابن كثير، والأخوان، وأبو بكر، وابن ذكوان: ~~بكسر عين " عيون " منكرا، والعين معرف حيث وقع؛ والباقون: بالضم، ~~وهو الأصل. # فصل # الجنات: البساتين، والعيون: يحتمل أن يكون المراد بها الأنهار ~~المذكورة في قوله تعالى: # فيهآ أنهار من مآء غير آسن وأنهار من لبن ~~لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة ~~للشاربين وأنهار من عسل مصفى # [محمد:15]، ويحتمل أن يكون المراد من هذه العيون منافع مغايرة لتلك ~~الأنهار. # قوله: { ادخلوها بسلام آمنين } العامة على وصل الهمزة من: ~~دخل يدخل، وقد تقدم خلاف القراء في حركة هذا التنوين، لالتقاء ~~الساكنين في البقرة: [173]. # وقرأ يعقوب رحمه الله بفتح التنوين وكسر الخاء، وتوجيهها: أنه ~~أمر من: أدخل يدخل فلما وقع بعد " عيون " ألقى حركة الهمزة على ~~التنوين؛ لأنها همزة قطع ثم حذفها، والأمر من الله تعالى ~~للملائكة، أي: أدخلوها إياهم. # وقرأ الحسن، ويعقوب أيضا: " أدخلوها " ماضيا مبنيا للمفعول، إلا ~~أن يعقوب ضم التنوين ووجهه: أنه أخذه من أدخل رباعيا، فألقى حركة ~~همزة القطع على التنوين كما ألقى حركة المفتوحة في قراءته الأولى، ~~والحسن كسره على أصل التقاء الساكنين، ووجهه: أن يكون أجرى همزة القطع ~~مجرى همزة الوصل في الإسقاط. # وقراءة الأمر على إضمار القول، أي: يقال لأهل الجنة: ادخلوها، أو يقال ~~للملائكة: أدخلوها إياهم، وعلى قراءة الإخبار يكون مستأنفا ms5316 من غير ~~إضمار، وقوله " بسلام " حال: أي: ملتبسين بالسلامة أو مسلما عليكم. # و " آمنين " حال أخرى، وهي بدل مما قبلها، إما بدل كل من كل وإما ~~بدل اشتمال؛ لأن الأمن مشتمل على التحية أو بالعكس، والمعنى: آمنين من ~~الموت، والخروج، والآفات. # فإن قيل: إن الله تعالى [حكم] قبل هذه الآية بأنهم في جنات وعيون، ~~وإذا كانوا فيها فكيف يقال لهم: " ادخلوها "؟. # فالجواب: أنهم لما ملكوا جنات كثيرة، فكلما أرادوا أن ينتقلوا من جنة ~~إلى أخرى قيل لهم: { ادخلوها بسلام آمنين }. # قوله تعالى: { ونزعنا ما في صدورهم من غل } الغل: ~~الشحناء، والعداوة الحقد الكامن في القلب، مأخوذ من قولهم: أغل في ~~جوفه، وتغلغل. # قوله: " إخوانا " يجوز أن يكون حالا من " هم " في " صدورهم " ~~، وجاز ذلك؛ لأن المضاف جزء المضاف إليه. # وقال أبو البقاء: والعامل فيها معنى الإلصاق، ويجوز أن يكون حالا من ~~فاعل " ادخلوها " على أنها حال مقدرة، قاله أبو البقاء. ولا حاجة إليه ~~بل هو حال مقارنة. # ويجوز أن يكون حالا من الضمير في قوله: " جنات ". # قوله " على سرر " ، يجوز أن يتعلق بنفس " إخوانا " ، لأنه بمعنى ~~متصافين، أي: متصافين على سرر، قاله أبو البقاء؛ وفيه نظر؛ حيث تأويل ~~جامد بمشتق، بعيد منه. # و " متقابلين " على هذا حال من الضمير في " إخوانا " ، ويجوز أن ~~يتعلق بمحذوف، على أنه صفة ل " إخوانا " ، وعلى هذا ف " متقابلين ~~" حال من الضمير المستكن في الجار، ويجوز أن يتعلق ب " ~~متقابلين " ، أي: متقابلين على سرر، وعلى هذا ف " متقابلين " ~~من الضمير في " إخوانا " أو صفة ل " إخوانا ". # ويجوزم نصبه على المدح، يعني: أنه لا يمكن أن يكون نعتا للضمير فلذلك ~~قطع. # والسرر: جمع سرير، وهو معروف، ويجوز في " سرر " ، ونحوه مما جمع ~~على هذه الصيغة من مضاعف " فعيل " فتح العين؛ تخفيفا؛ وهي لغة بني ~~كلب وتميم، فيقولون: سرر وجدد، وذلك في جمع سرير وجديد. # قال المفضل: لأنهم يستثقلون الضمتين المتواليتين في حرفين من جنس ~~واحد. # فصل # قال بعض أهل المعاني: السرير: مجلس رفيع مهيأ للسرور، وهو ms5317 ~~مأخوذ منه؛ لأنه مجلس سرور. متقابلين: يقابل بعضهم بعضا، لا ينظر أحد ~~منهم إلى قفا صاحبه، والتقابل: التواجه، وهو نقيض التدابر. # قوله: { لا يمسهم فيها نصب } يجوز أن تكون هذه مستأنفة، ~~ويجوز أن تكون حالا من الضمير في " متقابلين ". # والنصب: التعب، يقال منه: نصب ينصب فهو نصب وناصب، ~~وأنصبني كذا، قال: [الطويل] # 3278 تأوبني هم مع الليل منصب # ....................... # وهم ناصب، أي: ذو نصب، كلابن وتامر؛ قال النابغة: [الطويل] # 3279 كليني لهم يا أميمة ناصب # وليل أقاسيه بطيء الكواكب # و " منها " متعلق " بمخرجين ". # وهذه الآية أنص آية في القرآن على الخلود. ### || [15.49-50] # قوله تعالى: { نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم } ~~أثبتت الهمزة الساكنة في " نبىء " صورة، وما أثبتت في قوله: " دفء ~~"؛ لأن ما قبلها ساكن، فهي تحذف كثيرا، وتلقى حركتها على الساكن ~~قبلها ف " نبىء " في الخط على تحقيق الهمزة، وليس قبل همزة " ~~نبى " ساكن؛ فأخروها على قياس الأصل. # وقوله " أنا الغفور " يجوز في " أنا " أن يكون تأكيدا، أن يكون ~~فصلا. # وقوله: { هو العذاب } يجوز في " هو " الابتداء، والفصل، ولا ~~يجوز التوكيد؛ إذ المظهر لا يؤكد بالمضمر. # فصل # ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف المناسب يشعر بغلبة ذلك ~~الوصف، فهاهنا وصفهم بكونهم عباده، ثم ذكر عقب هذا الوصف الحكم بكونه ~~غفورا رحيما، وهذا يدل على أن كل من اعترف بالعبودية، وكان في ~~حقه غفورا رحيما، ومن أنكر ذلك، كان مستوجبا للعذاب الأليم. # وفي الآية لطائف: أولها: أنه أضاف العباد إلى نفسه بقوله: " عبادي " ~~وهذا تشريف عظيم، ويدل عليه قوله: # سبحان الذي أسرى بعبده # [الإسراء:1]. # وثانيها: أنه لما ذكر المغفرة، والرحمة بالغ في التأكيدات بألفاظ ~~ثلاثة: # أولها: قوله: " أني ". # وثانيها: " أنا ". # وثالثها: إدخال الألف واللام على قوله: " الغفور الرحيم " ، ولما ~~ذكر العذاب، لم يقول: إني أنا ولم يصف نفسه بذلك، بل قال عز ~~وجل: { عذابي هو العذاب الأليم }. # وثالثها: أنه تعالى أمر رسوله صلوات الله وسلامه عليه أن يبلغ ~~إليهم هذا المعنى، فكأنه أشهد رسوله على نفسه بالتزام المغفرة، ms5318 والرحمة. # ورابعها: أنه تعالى لما قال: { نبىء عبادي } كان معناه: ~~كل من اعترف بعبوديتي، وهذا يشمل المؤمن، والعاصي، وكل ذلك يدل على ~~تغليب جانب الرحمة من الله تعالى . # قال قتادة: بلغنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لو يعلم العبد قدر عفو الله لما تورع عن حرام، ولو ~~علم قدر عقابه لبخع نفسه " # أي: قتلها. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مر بنفر من أصحابه، وهم ~~يضحكون، فقال: أتضحكون وبين أيديكم النار؟ فنزل جبريل ~~صلوات الله وسلامه عليه بهذه الآية، وقال: " يقول لك يا محمد: ~~لم تقنط عبادي ". # وقال ابن عباس رضي الله عنهما : معنى: { أنا الغفور ~~الرحيم } لمن تاب منهم. ### || [15.51-77] # قوله تعالى: { ونبئهم عن ضيف إبراهيم } القصة: لما ~~قرر أمر النبوة، أردفه بدلائل التوحيد، ثم عقبه بذكر أحوال القيامة، ~~وصفة الأشقياء، والسعداء، أتبعه بذكر قصص الأنبياء، صلوات الله وسلامه ~~عليهم ، ليكون سماعها مرغبا للعبادة الموجبة للفوز بدرجات ~~الأولياء، ومحذرا عن المعصية الموجبة لاستحقاق دركات الأشقياء. # فقوله: " ونبئهم " ، هذا الضمير راجع إلى قوله عز وجل: " عبادي ~~" ، أي: ونبىء عبادي، يقال: أنبأت القوم إنباء ونبأتهم تنبئة ~~إذا أخبرتهم. # قوله: " عن ضيف " ، أي [أضياف إبراهيم]، والضيف في الأصل مصدر ~~ضاف يضيف: إذا أتى إنسانا يطلب القوى، وهو اسم يقع على الواحد، ~~والاثنين، والجمع، والمذكر، والمؤنث. # فإن قيل: كيف سماهم ضيفا، مع امتناعهم من الأكل؟. # فالجواب: لمن ظن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه أنهم إنما ~~دخلوا عليه لطلب الضيافة، جاز تسميتهم ذلك. # وقيل: من دخل [دار] إنسان، والتجأ إليه سمي ضيفا، وإن لم يأكل، وكان ~~إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه يكنى أبا الضيفان، كان لقصره أربعة ~~أبواب، لكي لا يفوته أحد. # وسمي الضيف ضيفا؛ لإضافته إليك، ونزوله عليك. # قال القرطبي رحمه الله : " ضافه مال إليه، وأضافه: [أماله]، ~~ومنه الحديث: حين تضيف الشمس للغروب. وضيفوفة السهم، ~~والإضافة النحوية ". # قوله: { إذ دخلوا عليه } في " إذ " وجهان: # أحدهما: أنه مفعول لفعل مقدر، أي: اذكر إذ دخلوا. # والثاني: أنه ظرف على بابه، وفي ms5319 العامل فيه وجهان: # أحدهما: أنه محذوف، تقديره: خبر ضيف. # والثاني: أنه نفس " ضيف " ، وفي توجيه ذلك وجهان: # أحدهما: أنه لما كان في الأصل مصدرا اعتبر ذلك فيه، ويدل على اعتبار ~~مصدريته بعد الوصف به: عدم مطابقته لما قبله تثنية، وجمعا وتأنيثا في ~~الأغلب، ولأنه قائم مقام وصفه، والوصف يعمل. # والثاني: أنه على حذف مضاف، أي: أصحاب ضيف إبراهيم، أي: ضيافته، فالمصدر ~~باق على حاله، فلذلك عمل. # قال أبو البقاء بعد أن قدر أصحاب ضيافته: والمصدر على هذا مضاف إلى ~~المفعول. # قال شهاب الدين: وفيه نظر، إذ الظاهر إضافته لفاعله؛ لأنه النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: { فقالوا سلاما } ، أي نسلم لك سلاما أو سلمت ~~سلاما، أو سلموا سلاما، قاله القرطبي رحمه الله تعالى. # قال: { إنا منكم وجلون } أي: خائفون؛ لأنهم لم يأكلوا طعامه، ~~وقيل: لأنهم دخلوا بغير إذن، وبغير وقت. # قوله: " لا توجل " العامة على فتح التاء من " وجل " ك: " شرب " ~~يشرب، والفتح قياس " فعل " إلا أن العرب آثرت [يفعل بالكسر] في بعض ~~الألفاظ إذا كانت واوا، نحو: " نبق " وقرأ الحسن: " لا توجل " ~~مبنيا للمفعول من الإيجال. # وقرىء: " لا تأجل " ، والأصل: " توجل " كقراءة العامة، إلا أنه ~~أبدل من الواو ألفا لانفتاح ما قبلها، وإن لم تتحرك كقولهم: " تابة ~~" ، و " صامة " في " توبة " ، و " صومة " وسمع: اللهم تقبل ~~تابتي، وصامتي. وقرىء أيضا: " لا تواجل " من المواجلة. # ومعنى الكلام: لاتخف؛ " إنا نبشرك " ، قرأ حمزة: " إنا ~~نبشرك " بفتح النون وتخفيف الباء، والباقون بضم النون، وفتح الباء، و ~~" إنا نبشرك " استئناف بمعنى التعليل للنهي عن الوجل، والمعنى ~~إنك بمثابة الآمن المبشر فلا توجل. # واعلم أنهم بشروه بأمرين: # أحدهما: أن الولد ذكر، والثاني: أنه عليم. # فقيل: بشروه بنبوته بعده. وقيل: عليم بالدين، فعجب إبراهيم أمره و { ~~قال أبشرتموني على أن مسني الكبر } قرأ الأعرج: ~~" بشرتموني " بإسقاط أداة الاستفهام، فيحتمل الإخبار، ويحتمل ~~الاستفهام، وإنما حذفت أداته للعلم به. # و " على أن مسني " في محل نصب على الحال. # وقرأ ابن محيصن: " الكبر " بزنة " فعل ". قوله: " فبم ms5320 تبشرون " " ~~بم " متعلق ب " تبشرون " ، وقدم وجوبا؛ [لأنه] استفهام وله صدر ~~الكلام. # وقرأ العام: بفتح النون مخففة على أنها نون الرفع؟ ولم يذكر مفعول ~~التبشير، وقرأ نافع بكسرها، والأصل: تبشروني فحذف الياء مجتزئا عنها ~~بالكسرة. # وقد غلطه أبو حاتم، وقال: هذا يكون في الشعر اضطرارا. # وقال مكي: " وقد طعن في هذه القراءة قوم لبعد مخرجها في العربية؛ ~~لأن حذف النون التي تصحب الياء لا يحسن إلا في الشعر، وإن قدر ~~حذف النون الأولى حذفت [علم] الرفع من غير ناصب، ولا جازم؛ ولأن نون ~~الرفع كسرها قبيح، إنما حقها الفتح ". # وهذا الطعن لا يلتفت إليه، لأن ياء المتكلم قد كثر حذفها مجتزءا عنها ~~بالكسرة، وقد قرىء بذلك في قوله تعالى: # قل أفغير الله تأمروني # [الزمر:64] كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى . # ووجهه: أنه لما اجتمع نونان أحدهما نون الرفع، والأخرى نون الوقاية ~~استثقل اللفظ، فمنهم من أدغم، ومنهم من حذف، ثم اختلف في المحذوفة، هل هي ~~الأولى، أو الثانية، وتقدم الكلام على ذلك في سورة الأنعام ~~[الأنعام:80]. # وقرأ ابن كثير بتشديدها مكسورة، أدغم الأولى في الثانية، وحذف ياء ~~الإضافة، والحسن: أثبت الياء مع تشديد النون، ورجح قراءة من أثبت مفعول: ~~" يبشرون " وهو الياء. # قوله: { قالوا بشرناك بالحق } " بشرناك " ، و " ~~بالحق " متعلق بالفعل قبله، وضعف أن يكون حالا، أي: قالوا ~~بشرناك. # ومعنى: " بالحق " هنا استفهام بمعنى التعجب، كأنه قيل: بأي ~~أعجوبة تبشروني؟. # فإن قيل: كيف استبعد قدرة الله تعالى على خلق الولد منه في زمان ~~الكبر؟ وما فائدة هذا الاستفهام مع أنهم قد بينوا ما بشروا به؟. # فأجاب القاضي: بأنه أراد أن يعرف أنه تعالى هل يعطيه الولد مع أنه ~~يبقيه على صفة الشيخوخة، أو يقلبه شابا، ثم يعطيه الولد؟. # وسبب هذا الاستفهام:أن العادة جارية بأنه لا يحصل الولد حال الشيخوخة ~~التامة، وإنما يحصل في حال الشباب. # فإن قيل: فإذا كان معنى الكلام ما ذكرتم، فلم قالوا: { بشرناك ~~بالحق فلا تكن من القانطين }؟. # قلنا: إنهم بينوا أنه تعالى بشره بالولد مع ms5321 إبقائه على صفة ~~الشيخوخة، وقولهم { بشرناك بالحق فلا تكن من ~~القانطين } لا يدل على أنه كان كذلك بدليل أنه صرح في جوابهم بما ~~يدل على أنه ليس كذلك فقال: { ومن يقنط من رحمة ربه ~~إلا الضآلون }. # وأجاب غيره: بأن الإنسان إذا كان عظيم الرغبة في شيء، وفاته الوقت الذي ~~يغلب على ظنه حصول المراد فيه، فإذا بشر بعد ذلك بحصوله عظم فرحه، ~~وسروره، ويصير ذلك الفرح القوي كالمدهش له، والمزيل لقوة فهمه، ~~وذكائه، فربما تكلم بكلمات مضطربة في ذلك الوقت. # وقيل أيضا: إنه يستطيب تلك البشارة، فربما يعيد السؤال ليسمع تلك ~~البشارة مرة أخرى ومرتين وأكثر طلبا للالتذاذ بسماع تلك البشارة، أو ~~طلبا لزيادة الطمأنينة والوثوق، كقوله: # ولكن ليطمئن قلبي # [البقرة:260] وقيل أيضا: استفهم: أبأمر الله تبشروني، أم من عند ~~أنفسكم، واجتهادكم؟. # قوله: { قالوا بشرناك بالحق } قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما يريد بما قضى الله تعالى. # وقوله: { فلا تكن من القانطين } نهي لإبراهيم صلوات الله ~~وسلامه عليه عن القنوط، وقد تقدم أن النهي لإنسان عن الشيء لا ~~يدل على كون المنهي فاعلا للمنهي عنه، كقوله جل وعز # ولا تطع الكافرين والمنافقين # [الأحزاب:48] # ولا تكونن من المشركين # [القصص:78]. # قوله: { ومن يقنط من رحمة ربه } هذا استفهام معناه ~~النفي، ولذلك وقع بعد الإيجاب ب " إلا ". # وقرأ أبو عمرو، والكسائي: " يقنط " بكسر عين هذا المضارع حيث وقع، ~~والباقون بفتحها وزيد بن علي والأشهب بضمها، وفي الماضي لغتان " قنط " ~~بكسر النون، " يقنط " بفتحها، وقنط " يقنط " بكسرها، ولولا أن ~~القراءة سنة متبعة، لكان قياس من قرأ: # من بعد ما قنطوا # [الشورى:28] والفتح في الماضي هو الأكثر، ولذلك أجمع عليه. # قال الفارسي: فتح النون في الماضي، وكسرها في المستقبل من أعلى اللغات، ~~ويرجح قراءة " يقنط " بالفتح قراءة أبي عمرو في بعض الروايات " فلا ~~تكن من القنطين " كفرح يفرح فهو فرح. # والقنوط: شدة اليأس من الخير، وحكى أبو عبيدة: " قنط " ~~يقنط بضم النون. # قال ابن الخطيب: " وهذا يدل على أن " قنط " بفتح النون أكثر؛ لأن ~~المضارع ms5322 من " فعل " يجيء على " يفعل ويفعل " مثل: فسق: ~~ويفسق، ويفسق، لا يجيء مضارع فعل على يفعل ". # فصل # جواب إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه حق؛ لأن القنوط من رحمة الله ~~تعالى لا يحصل إلا عند الجهل بأمور: # أحدها: أن يجهل كونه تعالى قادرا عليه. # وثانيها: أن يجهل كونه تعالى عالما باحتياج ذلك العبد إليه. # وثالثها: أن يجهل كونه تعالى منزها عن البخل، والحاجة. # والجهل بكل هذه الأمور سبب للضلال، والقنوط من رحمة الله كبيرة، ~~كالأمن من مكره. # قوله تعالى: { فما خطبكم } الخطب: الشأن، والأمر، سألهم عما ~~لأجله أرسلهم الله تعالى . # فإن قيل: إن الملائكة لما بشروه بالولد الذكر العليم، كيف قال ~~لهم بعد ذلك " فما خطبكم "؟. # فالجواب: قال الأصم: معناه: ما الذي وجهتم له سوى البشرى؟. # وقال القاضي: إنه علم أنه لو كان المقصود أيضا البشارة، لكان الواحد من ~~الملائكة كافيا، فلما رأى جمعا من الملائكة؛ علم أن لهم غرضا آخر ~~سوى إيصال البشارة، فلا جرم قال: " فما خطبكم "؟. # قيل: إنهم قالوا: إنا نبشرك بغلام عليم لإزالة الخوف، ~~والوجل، ألا ترى أنه لما قال: { إنا منكم وجلون } قالوا له: { لا توجل ~~إنا نبشرك بغلام عليم } ، فلو كان المقصود من المجيء هو البشارة؛ كانوا ~~ذكروا البشارة في أول دخولهم، فلما لم يكن الأمر كذلك علم إبراهيم ~~صلوات الله وسلام عليه أن مجيئهم ما كان لمجرد البشارة، بل لغرض ~~آخر فلا جرم سألهم عن ذلك الغرض، قال: { فما خطبكم أيها ~~المرسلون قالوا إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين ~~} مشركين، وإنما اقتصوار على هذا القدر، لعلم إبراهيم صلوات الله ~~وسلامه عليه بأن الملائكة إذا أرسلوا إلى المجرمين، كان ذلك ~~لأهلاكهم. # ويدل على ذلك قوله: { إلا آل لوط إنا لمنجوهم ~~أجمعين } قوله " إلا آل لوط " فيه وجهان: # أحدهما: أنه استثناء متصل على أنه مسثنى من الضمير المستكن في: " ~~مجرمين " بمعنى أجرموا كلهم إلا آل لوط؛ فإنهم لم يجرموا، ويكون ~~قولهم " إنا لمنجوهم " استئناف إخبار بنجاتهم، لكونهم لم يجرموا ولكون ~~الإرسال حينئذ شاملا للمجرمين ولآل لوط لإهلاك ms5323 أولئك وإنجاء هؤلاء. # والثاني: أنه اسثناء منقطع؛ لأن آل لوط لم يندرجوا في المجرمين آلبتة. # قال أبو حيان: وإذا كان استثناء منقطعا، فهو مما يجب فيه النصب؛ لأنه ~~من الاستثناء الذي لا يمكن توجه العامل إلى المستثنى منه؛ لأنهم لم ~~يرسلوا إليهم، إنما أرسلوا إلى القوم المجرمين خاصة، ويكون قوله: " ~~إنا لمنجوهم " جرى مجرى خبر لكن في اتصاله ب " آل لوط "؛ ~~لأن المعنى: لكن آل لوط منجوهم، وقد زعم بعض النحويين في الاستثناء ~~المنقطع المقدر بلكن، إذ لم يكن بعده ما يصح أن يكون خبرا: أن ~~الخبر محذوف، وأنه في موضع رفع لجريان: " إلا " ، وتقديرها ب " لكن ~~". # قال شهاب الدين: " وفيه نظر؛ لأن قوله لا يتوجه إليه العامل أي: لا ~~يمكن، نحو: ضحك القوم إلا حمارهم، وصهلت الخيل إلا الإبل. وأما هذا، ~~فيمكن الإرسال إليهم من غير منع، وأما قوله: لأنهم لم يرسلوا إليهم ~~فصحيح؛ لأن حكم الاستثناء كله هكذا، وهو أن يكون خارجا عما حكم به ~~على الأول، لكنه لو سلط عليه لصح ذلك بخلاف ما تقدم من أمثلتهم ~~". # قوله: { إنا لمنجوهم أجمعين } قرأ الأخوان: " ~~لمنجوهم " مخففا؛ وكذلك خففا أيضا فعل هذه الصيغة في قوله تعالى في ~~العنكبوت # لننجينه وأهله # [العنكبوت:32]؛ وكذلك خففا أيضا قوله فيها: # إنا منجوك # [العنكبوت:33] فهما جاريتان على سنن واحد. # وقد وافقهما ابن كثير، وأبو بكر على تخفيف: " منجوك " كأنهما جمعا ~~بين اللغتين، وباقي السبعة بتشديد الكل. والتخفيف والتشديد لغتان ~~مشهورتان من: نجى وأنجى، وأنزل، ونزل، وقد نطق بفعلهما، قال: # فلما نجاهم # [العنكبوت:65] وفي موضع # أنجاهم # [يونس:23]. # قوله: { امرأته } فيه وجهان: # أحدهما: أنه استثناء من " آل لوط ". قال أبو البقاء رحمه الله : " ~~والاستنثاء إذا جاء بعد الاستثناء كان الاستثناء الثاني مضافا إلى ~~المبتدأ كقولك: " له عندي عشرة إلا أربعة إلا درهما " فإن الدرهم ~~يستثنى من الأربعة، فهو مضاف إلى العشرة، فكأنك قلت: أحد عشر إلا ~~أربعة، أوعشرة إلا ثلاثة ". # والثاني: أنها مستثناة من الضمير المجرور في قوله " لمنجوهم ". # وقد منع الزمخشري رحمه الله الوجه الأول، ms5324 وعين الثاني فقال: " فإن ~~قلت: قوله: " إلا امرأته " مم استثني؟ وهل هو استثناء من استثناء؟. # قلت: مستثنى من الضمير المجرور في قوله: " لمنجوهم " ، وليس من ~~الاستثناء في شيء؛ لأن الاستثناء من الاستثناء إنما يكون فيما اتحد ~~الحكم فيه، وأن يقال: أهلكناهم إلا آل لوط إلا امرأته، كما اتحد في ~~قول المطلق: أنت طالق ثلاثا إلا اثنين إلا واحدة، وقول المقر: لفلان ~~علي عشرة دراهم إلا ثلاثة إلا درهما، وأما الآية فقد اختلف الحكمان؛ ~~لأن: " آل لوط " متعلق ب " أرسلنا " أو ب " مجرمين " ، و " ~~إلا امرأته " قد تعلق بقوله: " لمنجوهم " فأنى يكون استثناء من ~~استثناء ". # قال أبو حيان: ولما استسلف الزمخشري أن " امرأته " استثناء من ~~الضمير في " لمنجوهم " أبى أن يكون استثناء من استثناء، ومن قال: إنه ~~استثناء من استثناء، فيمكن [تصحيح قوله] بأحد وجهين: # أحدهما: أنه لما كان امرأته مستثنى من الضمير في " لمنجوهم " ، وهو ~~عائد على " آل لوط " صار كأنه مستثنى من: " آل لوط "؛ لأن المضمر ~~هو الظاهر. # والوجه الآخر: أن قوله " إلا آل لوط " لما حكم عليهم بغير الحكم ~~الذي حكم به على قوم مجرمين، اقتضى ذلك نجاتهم فجاء قوله: { إنا ~~لمنجوهم أجمعين } تأكيدا لمعنى الاستثناء، إذ المعنى: إلا ~~آل لوط لم نرسل إليهم بالعذاب، ونجاتهم مرتبة على [عدم] الإرسال إليهم ~~بالعذاب، فصار نظير ذلك: قام القوم إلا زيدا لم يقم أو إلا زيدا ~~فإنه لم يقم، فهذه الجملة تأكيد لما تضمنه الاستثناء من الحكم على ما ~~بعد إلا بضد الحكم السابق على المستثنى منه، ف: " إلا امرأته ~~" على هذا التدقير الذي قررناه مستثنى من: " آل لوط "؛ لأن ~~الاستثناء مما جيء به للتأسيس أولى من الاستثناء مما جيء به ~~للتأكيد. # قوله " قدرنا " قرأ أبو بكر ههنا، وفي سورة النمل بتخفيف الدال، ~~والباقون بتشديدها، وهما لغتان: قدر، وقدر. # قوله: " إنها " كسرت من أجل اللام في خبرها، ولولاها [لفتحت]، ~~وهي معلقة لما قبلها؛ لأن فعل التقدير قد يعلق إجراء له مجرى العلم ~~إما لكونه بمعناه، وإما لأنه مترتب عليه. # قال ms5325 الزمخشري: " فإن قلت: لم جاز تعليق فعل التقدير في قوله: { ~~قدرنآ إنها لمن الغابرين } ، والتعليق من خصائص أفعال ~~القلوب؟ قلت: لتضمن فعل التقدير معنى العلم ". # قال أبو حيان رحمه الله تعالى " وكسرت " إنها " إجراء لفعل ~~التقدير مجرى العلم ". # وهذا لا يصح علة لكسرها، إنما يصح علة لتعليقها الفعل قبلها. # فصل # معنى التقدير في اللغة: جعل الشيء على مقدار غيره، يقال: قدر هذا الشيء ~~بهذا، أي: اجعله على مقداره، وقدر الله سبحانه الأقوات، أي: جعلها ~~على مقدار الكفاية، ثم يفسر التقدير بالقضاء فيقال: قضى الله عليه، ~~وقدر عليه، أي: جعله على مقدار ما يكفي في الخير، والشر. وقيل: معنى: " ~~قدرنا " كتبنا. وقال الزجاج: دبرنا. فإن [قيل] لم أسند الملائكة فعل ~~التقدير إلى أنفسهم مع أنه لله عز وجل؟ # فالجواب: إنما ذكروا هذه العبارة لما لهم من القرب والاختصاص بالله، ~~كما يقول خاصة الملك: دبرنا كذا [وأمرنا بكذا]، والمدبر، والآمر هو الملك ~~لا هم، وإنما يريدون بهذا الكلام إظهار ما لهم من الاختصاص بذلك الملك، ~~فكذا هنا. # قوله تعالى: { إنها لمن الغابرين } في موضع مفعول، التقدير: ~~قضينا أنها تتخلف، وتبقى مع من يبقى حتى يهلك، فتلحق بالهالكين. # قوله تعالى: { فلما جآء آل لوط المرسلون } القصة لما ~~بشروا إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه بالولد، وأخبروه بأنهم مرسلون ~~بالعذاب إلى قوم مجرمين ذهبوا بعد ذلك إلى لوط عليه السلام، وإلى آله، ~~وإن لوطا، وقومه ما عرفوا أنهم ملائكة الله. # فقالوا: { إنكم قوم منكرون }؛ لأنهم لما هجموا عليه؛ ~~استنكرهم، وخاف من دخولهم لأجل شر يوصلونه إليه. # وقيل: خاف؛ لأنهم كانوا شبايا مردا حسان الوجوه، فخاف أن يهجم قومه ~~عليهم لطلبهم، فقال هذه الكلمة. # وقيل: إن النكرة ضد المعرفة، فقوله: { إنكم قوم منكرون ~~} ، أي: لا أعرفكم، ولا أعرف أنكم من أي الأقوام، ولأي غرض دخلتم علي، ~~فقال: { إنكم قوم منكرون }. # قوله: { بل جئناك } إضراب عن الكلام المحذوف، تقديره: ما جئناك ~~بما ينكر، { بل جئناك بما [كانوا فيه يمترون } ]. # وقد تقدم الخلاف في قوله: " فأسر " قطعا ووصلا ms5326 في هود: [81]. # وقرأ اليماني فيما نقل ابن عطية، وصاحب اللوامح: " فسر " من السير. ~~وقرأت فرقة بفتح الطاء، وقد تقدم في يونس أن الكسائي، وابن كثير قرآه ~~بالسكون في قوله " قطعا " والباقون بالفتح. # قوله: قالت الملائكة { بل جئناك بما كانوا فيه يمترون ~~} يشكون أنه نازل بهم، وهو العذاب؛ لأنه كان يوعدهم بالعذاب، فلا ~~يصدقونه، ثم أكدوا ذلك بقولهم: { وآتيناك بالحق } قال ~~الكلبي: بالعذاب، [وقيل باليقين والأمر الثابت الذي لا شك فيه وهو ~~العذاب] ثم أكدوا هذه التأكيد بقولهم { وإنا لصادقون }. # { فأسر بأهلك بقطع من الليل } والقطع والقطع: ~~آخر الليل؛ قال: [الخفيف] # 3280 افتحي الباب وانظري في النجوم # كم علينا من قطع ليل بهيم # { واتبع أدبارهم } ، أي سر خلفهم { ولا يلتفت منكم ~~أحد } لئلا ترتاعوا من أمر عظيم فأنزل بهم من العذاب. # وقيل: معناه الإسراع، وترك الاهتمام لما خلف وراءه، كما يقول: امض ~~لشأنك، ولا تعرج على شيء. # وقيل: المعنى لو بقي [منه] متاع في ذلك الموضع، فلا يرجعن بسببه ~~ألبتة. # وقيل: جعل الله ذلك علامة لمن ينجو من آل لوط. # { وامضوا حيث تؤمرون } قال ابن عباس رضي الله عنهما : ~~يعني " الشام ". # وقال المفضل: حيث يقول لكم جبريل. وقال مقاتل: يعني زغر. وقيل: " ~~الأردن ". # قوله: { حيث تؤمرون } " حيث " على بابها من كونها ظرف مكان ~~مبهم، ولإبهامها تعدي إليها الفعل من غير واسطة، على أنه قد جاء في ~~الشعر تعديته إليها ب " في " كقوله: [الطويل] # 3281 فأصبح في حيث التقينا شريدهم # طليق ومكتوف اليدين ومزعف # وزعم بعضهم أنها هنا ظرف زمان، مستدلا بقوله: { بقطع من ~~الليل } ثم قال { وامضوا حيث تؤمرون } أي: في ذلك ~~الزمان. # وهو ضعيف، ولو كان كما قال، لكان التركيب وامضوا حيث أمرتم على أنه لو ~~جاء التركيب كذا لم يكن فيه دلالة. # قوله: { وقضينآ إليه } ضمن القضاء معنى الإيجاء؛ فلذلك ~~تعدى تعديته " إلى " ، ومثله # وقضينآ إلى بني إسرائيل # [الإسراء:4]. # و " ذلك الأمر " " ذلك " مفعول القضاء، والإشارة به إلى ما وعد ~~من إهلاك قومه، و " الأمر " إما بدل منه، أو ms5327 عطف بيان له. # قوله: { أن دابر هؤلآء } العامة على فتح " أن " وفيها أوجه: # أحدها: أنها بدل من " ذلك " إذا قلنا: " الأمر " عطف بيان. # الثاني: أنها بدل من " الأمر " سواء قلنا: إنه بيان أو بدل مما ~~قبله. # الثالث: أنه على حذف الجار، أي: بأن دابر، ففيه الخلاف المشهور. # وقرأ زيد بن علي، والأعمش بكسرها؛ لأنه بمعنى القول. # وعلله أبو حيان: بأنه لما علق ما هو بمعنى العلم؛ كسر. # وفيه النظر المتقدم. # ويؤيد إضمار القول قراءة ابن مسعود: وقلنا إن دابر هؤلاء. # ودابرهم: آخرهم " مقطوع " مستأصل، يعني مستأصلون عن آخرهم؛ حتى لا ~~يبقى منهم أحد " مصبحين " ، أي في حال ظهور الصبح، فهو حال من الضمير ~~المستتر في: " مقطوع " ، وإنما جمع حملا على المعنى، وجعله ~~الفراء، وأبو عبيدة خبرا لكان المضمرة، قالا: تقديره: إذا كانوا ~~مصبحين، نحو " أنت ماشيا أحسن منك راكبا ". # وهو تكلف، و " مصبحين " داخلين في الصباح. # قوله: { وجآء أهل المدينة } ، أي: مدينة لوط، يعني: " سدوم ~~" " يستبشرون " حال، أي: يستبشرون بأضياف لوط، يبشر بعضهم بعضا ~~في ركوب الفاحشة منهم. # قيل: إن الملائكة لما كانوا في غاية الحسن اشتهر خبرهم. # وقيل: أخبرتهم امرأة لوط بذلك؛ فذهبوا إلى دار لوط؛ طلبا منهم ~~لأولئك المرد. # فقال لهم لوط صلوات الله وسلامه عليه : " هؤلاء ضيفي " وحق على ~~الرجل إكرام ضيفه، " فلا تفضحون " فيهم. # يقال: فضحه يفضحه فضحا، وفضيحة، إذا أظهر من أمره ما يلزمه ~~به العار، والفضيح والفضيحة: البيان، والظهور، ومنه: فضيحة ~~الصبح؛ قال الشاعر: [البسيط] # 3282 ولاح ضوء هلال الليل يفضحنا # مثل القلامة قد قصت من الظفر # إلا أن الفضيحة اختصت بما هو عار على الإنسان عند ظهوره. # ومعنى الآية: أن الضيف يجب إكرامه، فإذا قصدتموه بالسوء كان ذلك ~~إهانة بي، ثم أكد ذلك بقوله: { واتقوا الله ولا تخزون } ~~ولا تخجلون، فأجابوه بقولهم: { أولم ننهك عن العالمين } ، ~~أي: عن أن تضيف أحدا من العالمين. # وقيل: ألم ننهك أن تدخل الغرباء المدينة؛ فإنا نركب منهم الفاحشة. # قوله: { هؤلآء بناتي } يجوز فيه أوجه: # أحدها: أن يكون ms5328 { هؤلآء بناتي } مفعولا بفعل مقدر، أي: ~~تزوجوا هؤلاء، و " بناتي " بدل، أو بيان. # الثاني: أن يكون { هؤلآء بناتي } مبتدأ وخبرا، ولا بد من شيء ~~محذوف تتم به الفائدة، أي: فتزوجوهن. # الثالث: أن يكون " هولاء " مبتدأ، و " بناتي " بدل، أو بيان والخبر ~~محذوف، أي: هن أطهر لكم كما جاء في نظيرتها. # وتقدم الكلام على هذه المعاني في هود. # قوله { لعمرك } مبتدأ محذوف الخبر وجوبا، ومثله: لايمن الله، و ~~" إنهم " ، وما في حيزه جواب القسم، تقديره: لعمرك قسمي، أو يميني ~~إنهم، والعمر والعمر بالفتح والضم هو البقاء، إلا أنهم التزموا ~~الفتح في القسم. # قال الزجاج: لأنه أخف عليهم، وهم يكثرون القسم ب " لعمري ~~ولعمرك ". # وله أحكام كثيرة: # منها: أنه متى اقترن بلام الابتداء؛ ألزم فيه الرفع بالابتداء، وحذف ~~خبره لسد جواب القسم مسده. # ومنها: أنه يصير صريحا في القسم، أي: يتعين فيه، بخلاف غيره نحو: ~~عهد الله ومثاقه. # ومنها: أنه يلزم فتح عينه. # فإن لم يقترن به لام الابتداء، جاز نصبه بفعل مقدر، نحو: عمر الله ~~لأفعلن، ويجوز حينئذ في الجلالة وجهان: # النصب والرفع فالنصب على أنه مصدر مضاف لفاعله، وفي ذلك معنيان: # أحدهما: أن الأصل: أسألك بعمرك الله، أي: بوصفك الله تعالى بالبقاء، ~~ثم حذف زوائد المصدر. # والثاني: أن المعنى: بعبادتك الله، والعمر: العبادة. # حكى ابن الأعرابي: إني عمرت ربي، أي: عبدته، وفلان عامر لربه، ~~أي: عابده. # وأما الرفع: فعلى أنه مضاف لمفعوله. # قال الفارسي رحمه الله: معناه: [عمرك] الله تعميرا، وقال الأخفش: ~~أصله: أسألك بيعمرك الله، فحذف زوائد المصدر، والفعل، والياء، فانتصب، ~~وجاز أيضا ذكر خبره، فتقول: عمرك قسمي لأقومن، وجاز أيضا ضم عينه، ~~وينشد بالوجهين قوله: [الخفيف] # 3283 أيها المنكح الثريا سهيلا # عمرك الله كيف يلتقيان # هي شامية إذا ما استقلت # وسهيل إذا استقل يماني # ويجوز دخول باء الجر عليه؛ نحو: بعمرك لأفعلن؛ قال: [الوافر] # 3284 رقي بعمركم لا تهجرينا # ومنينا المنى ثم امطلينا # وهو من الأسماء اللازمة للإضافة، فلا يقطع عنها، ويضاف لكل شيء، وزعم ~~بعضهم: أنه لا ms5329 يضاف إلى الله تعالى . # قيل: كان هذا يوهم أنه لا يستعمل إلا في الانقطاع، وقد سمع إضافته ~~للباري تعالى. قال الشاعر: [الوافر] # 3285 إذا رضيت علي بنو قشير # لعمر الله أعجبني رضاها # ومنع بعضهم إضافته إلى ياء المتكلم، قال لأنه حلف بحياة المقسم، وقد ~~ورد ذلك، قال النابغة: [الطويل] # 3286 لعمري وما عمري علي بهين # لقد نطقت بطلا علي الأقارع # وقد قلبته العرب لتقديم رائه على لامه، فقالوا: وعملي، وهي رديئة. # " إنهم " العامة على كسر " إن " لوقوع اللام في خبرها، وقرأ أبو ~~عمرو في رواية الجهضمي له " أن " فتحها، وتخريجها على زيادة اللام، وهي ~~كقراءة ابن جبير (ألا أنهم ليأكلون الطعام) بالفتح. # وقرأ الأعمش: " سكرهم " بغير تاء، وابن أبي عبلة " سكراتهم " ~~جمعا، والأشهب: " سكرتهم " بضم السين. # و " يعمهون " حال إما من الضمير المستكن في الجار، وإما من ~~الضمير المجرور بالإضافة، والعامل إما نفس سكرة، لأنها مصدر، وإما ~~معنى الإضافة. # فصل # قيل: إن الملائكة عليهم السلام قالت للوط صلوات الله وسلامه عليه ~~ " لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون ": يتحيرون. # وقال قتادة: يلعبون فكيف يعقلون قولك ويتلفتون إلى نصيحتك؟. # وقيل: إن الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإنه أقسم بحياته ~~وما أقسم بحياة أحد. # روى أبو الجوزاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ما خلق الله ~~نفسا أكرم على الله من محمد صلى الله عليه وسلم، وما أقسم بحياة ~~أحد إلا بحياته. # قال ابن العربي: قال المفسرون بإجماعهم: أقسم الله تعالى ها هنا بحياة ~~محمد صلى الله عليه وسلم تشريفا له، أن قومه من قريش في سكرتهم ~~يعمهون وفي حيرتهم يترددون، وقال القاضي عياض: اتفق أهل التفسير في هذا: ~~أنه قسم من الله تعالى بمدة حياة محمد صلى الله عليه وسلم وأصله ضم ~~العين من العمر، ولكنها فتحت بكثرة. # قال ابن العربي: ما الذي يمنع أن يقسم الله تعالى بحياة لوط، ~~ويبلغ به من التشريف ما شاء، وكل ما يعطيه الله للوط من فضل، يعطي ~~ضعفه لمحمد صلى الله عليه وسلم؛ ms5330 لأنه أكرم على الله منه؛ أو لا تراه ~~سبحانه أعطى إبراهيم الخلة، وموسى التكليم، وأعطى ذلك لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم، فإذا أقسم بحياة لوط، فحياة محمد صلى الله عليه وسلم أرفع، ~~ولا يخرج من كلام إلى كلام لم يجر له ذكر لغير ضرورة. # قال القرطبي: ما قاله حسن، فإنه كان يكون قسمه سبحانه بحياة محمد ~~صلى الله عليه وسلم، كلاما معترضا في قصة لوط. # قال القشيري: يحتمل أن يرجع ذلك إلى قوم لوط؛ أي كانوا في سكرتهم ~~يعمهون، أي لما وعظ لوط قومه وقال: هؤلاء بناتي، قالت الملائكة: يا ~~لوط لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون، ولا يدرون ما يحل بهم صباحا. # فإن قيل: فقد أقسم الله تعالى بالتين، والزيتون، وطور سنين، وما في ~~هذا من الفضل؟ قيل له: ما من شيء أقسم الله به، إلا وفي ذلك دلالة على ~~فضل على ما يدخل في عداده، فكذلك محمد صلى الله عليه وسلم. # ثم قال: { فأخذتهم الصيحة } ، ولم يذكر في الآية صيحة من هي ~~فإن ثبت بدليل قوي أن تلك صيحة جبريل قيل به وإلا فليس في الآية دليل ~~على أنه جاءتهم صيحة مهلكة. # قوله " مشرقين " " حال من مفعول " أخذتهم " ، أي داخلين في ~~الشروق، أي: بزوغ الشمس. # يقال: شرق الشارق يشرق شروقا لكل ما طلع من جانب الشرق، ومنه ~~قوله: ما ذر شارق، أي طلع طالع فكان ابتداء العذاب حين أصبحوا ~~وتمامه حين أشرقوا. # والضمير في: " عاليها وسافلها " للمدينة. وقال الزمخشري: " لقرى ~~قوم لوط ". # ورجح الأول بأنه تقدم ذكر المدينة في قوله { وجآء أهل ~~المدينة } فعاد الضمير إليها بخلاف الثاني، فإنه لم يتقدم لفظ ~~القرى. # { وأمطرنا عليهم حجارة } تقدم الكلام على ذلك كله في ~~هود: [82]. # قوله { للمتوسمين } متعلق بمحذوف على أنه صفة ل " آيات " ~~وأجود أن يتعلق بنفس " آيات "؛ لأنها بمعنى العلامات. # والتوسم: تفعل من الوسم، والوسم أصله: التثبت، والتفكر مأخوذ من ~~الوسم، وهو التأثير بحديد في جلد البعير، أو غيره. # وقال ثعلب: الواسم الناظر إليك من [قرنك] إلى قدمك، وفيه ms5331 معنى ~~التثبيت. # وقال الزجاج: حقيقة المتوسمين في اللغة: المتثبتون في نظرهم حتى ~~يعرفوا سمة الشيء، وصفته وعلامته وهو استقصاء وجوه التعرف قال: ~~[الكامل] # 3287 أو كلما وردت عكاظ قبيلة # بعثت إلي عريفها يتوسم # وقيل: هو تفعل من الوسم، وهو العلامة، توسمت فيك خيرا، أي: ظهر ~~لي ميسمه عليك. # قال ابن رواحة يمدح النبي صلى الله عليه وسلم: [البسيط] # 3288 إني توسمت فيك الخير أعرفه # والله يعلم أني ثابت البصر # وقال آخر: [الطويل] # 3289 توسمته لما رأيت مهابة # عليه، وقلت المرء من آل هاشم # ويقال: اتسم الرجل، إذا اتخذ لنفسه علامة يعرف بها، ~~وتوسم: إذا طلب كلأ الوسمي، أي: العشب النابت في أول المطر. # واختلف المفسرون: فقال ابن عباس رضي الله عنهما للناظرين. # وقال مجاهد للمتفرسين، وقال قتادة للمعتبرين، وقال مقاتل للمتفكرين. # قوله: { وإنها لبسبيل } الظاهر عود الضمير على المدينة، أو ~~القرى وقيل على الحجارة وقيل: على الآيات، والمعنى: بطريق واضح قال ~~مجاهد هذا طريق معلم، وليس بخفي، ولا زائل. # ثم قال: { إن في ذلك لآية للمؤمنين } ، إي: كل من آمن ~~بالله، ويصدق بالأنبياء، والرسل صلوات الله وسلامه عليهم ؛ عرف ~~أنما كان انتقام الله من الجهال لأجل مخالفتهم، وأما الذين لا ~~يؤمنون؛ فيحملونه على حوادث [العالم]، وحصول القرانات الكوكبية، ~~والاتصالات الفلكية. ### || [15.78-79] # قوله تعالى: { وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين } " إن " ~~هي المخففة، واللام فارقة وهي للتأكيد، وقد تقدم حكم ذلك [البقرة:143]. # و " الأيكة ": الشجرة الملتفة، واحدة الإيك. قال: [الكامل] # 3290 تجلو بقادمتي حمامة أيكة # بردا أسف لثاته بالإثمد # ويقال: ليكة، وسيأتي بيانه عند اختلاف القراء فيه الشعراء: [176] ~~إن شاء الله تعالى . # وأصحاب الأيكة: قوم شعيب كانوا أصحاب غياض، وشجر متلف. # قال ابن عباس رضي الله عنهما : وكان عامة شجرهم الدوم، وهو المقل. # { فانتقمنا منهم } بالعذاب. # روي أن الله تعالى سلط عليهم الحر سبعة أيام، فبعث الله ~~سبحانه سحابة فالتجئوا إليها يلتمسون الروح؛ فبعث الله عليهم منها ~~نارا، فأحرقتهم، فهو عذاب يوم الظلة. # قوله تعالى: { وإنهما لبإمام مبين } في ضمير التثنية ~~أقوال: ms5332 # أرجحها: عوده على [قريتي] قوم لوط، وأصحاب الأيكة، وهم: قوم شعيب؛ ~~لتقدمها ذكرا. # وقيل: يعود على لوط وشعيب، [وشعيب] لم يجر له ذكر، ولكن دل عليه ~~ذكر قومه. # وقيل: يعود على الخبرين: خبر هلاك قوم لوط، وخبر إهلاك قوم شعيب. # وقيل: يعود على أصحاب الأيكة، وأصحاب مدين؛ لأنه مرسل إليهما، فذكر ~~أحدهما يشعر بالأخرى. # وقوله جل ذكره { لبإمام مبين } أي: بطريق واضح، والإمام ~~[اسم لما] يؤتم به. # قال الفراء، والزجاج: " إنما جعل الطريق إماما؛ لأنه يؤم، ويتبع ~~". # قال ابن قتيبة: لأن المسافر يأتم به حتى يصير إلى الموضع الذي ~~يريده. # وقوله: " مبين " يحتمل أنه مبين في نفسه، ويحتمل أنه مبين لغيره، لأن ~~الطريق تهدي إلى المقصد. ### || [15.80-86] # قوله: { ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين }. # قال صاحب " ديوان الأدب ": الحجر: بكسر الحاء المهملة، وتسكين ~~الجيم له ستة معان: # فالحجر: منازل ثمود، وهو المذكور هاهنا، والحجر: الأنثى من الخيل. ~~والحجر: الكعبة. والحجر: لغة في الحجر، هو واحد الحجور في قوله ~~تعالى: # وربائبكم اللاتي في حجوركم # [النساء:23] والحجر: العقل، قال تعالى: # هل في ذلك قسم لذى حجر # [الفجر:5]، والحجر: الحرام في قوله تعالى: # وحجرا محجورا # [الفرقان:53] أي: حراما محرما. # فصل # قال " المرسلين " ، وإنما كذبوا صالحا وحده؛ لأن من كذب ~~نبيا؛ فقد كذب الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لأنهم على دين ~~واحد ولا يجوز التفريق بينهم. # وقيل: كذبوا صالحا، وقيل: كذبوا صالحا ومن تقدمه من النبيين ~~أيضا، والله تعالى أعلم. # قال المفسرون: والحجر: اسم واد كان يسكنه ثمود قوم صالح، وهو بين ~~المدينة، والشام، والمراد ب " المرسلين " صالح وحده. # قال ابن الخطيب: " ولعل القوم كانوا براهمة منكرين لكل الرسل ". # { وآتيناهم } يعني الناقة، وولدها، والبئر، والآيات في ~~الناقة: خروجها من الصخرة، وعظم خلقها، وظهور نتاجها عند خروجها، ~~وقرب ولادتها، وغزارة لبنها، وأضاف الإيتاء إليهم، وإن كانت الناقة ~~آية صالح؛ لأنها آيات رسولهم، فكانوا عنها معرضين؛ فذلك يدل على ~~أن النظر، والاستدلال واجب، وأن التقليد مذموم. # { وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا } تقدم كيفية ~~النحت في الأعراف: [74]، وقرأ ms5333 الحسن، وأبو حيوة: بفتح الحاء. # " ءامنين " من عذاب الله. # وقيل: آمنين من الخراب، ووقوع السقف عليهم. # { فأخذتهم الصيحة } ، أي: صيحة العذاب " مصبحين " ، أي ~~وقت الصبح. # قوله: " فما أغنى " يجوز أن تكون نافية، أو استفهامية فيها [معنى] ~~التعجب، وقوله: " ما كانوا " يجوز أن تكون " ما " مصدرية، أي: كسبهم، ~~أو موصوفة، أو بمعنى " الذي " ، والعائد محذوف، أي: شيء يكسبونه، أو ~~الذي يكسبونه. # فصل # وروى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنه # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل الحجر في غزوة تبوك، ~~أمرهم ألا يشربوا من بئرها، ولا يستقوا منها، فقال واحد: عجنا، ~~وأستقينا، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يهريقوا ذلك الماء، ~~وأن يطرحوا ذلك العجين " # ، وفي رواية: # " وأن يعلفوا الإبل العجين ". # وفي هذا دليل على كراهة دخول تلك المواضع، وعلى كراهة دخول مقابر ~~الكفار، وعلى تحريم الانتفاع بالماء المسخوط عليه؛ لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أمرهم بإهراقه وطرح العجين، وهكذا حكم الماء النجس، ويدل ~~على أن ما لا يجوز استعماله من الطعام، والشراب، يجوز أن يعلفه ~~البهائم. # قوله تعالى: { وما خلقنا السماوات والأرض وما ~~بينهمآ إلا بالحق } الآية. لما ذكر إهلاك الكفار، فكأنه ~~قيل: كيف يليق الإهلاك بالرحيم؟. # فأجاب: بأني ما خلقت الخلق إلا ليشتغلوا بعبادي، كما قال تعالى: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات:56] فإذا تركوها، وأعرضوا عنها؛ وجب في الحكمة إهلاكهم، ~~وتطهير وجه الأرض منهم. # وهذا النظم حسن، إلا أنه إنما يستقيم على قول المعتزلة، وفي النظم ~~وجه آخر: وهو أنه تعالى إنما هذه القصة تسلية لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم و أن يصبره على سفاهة قومه، فإنه إذا سمع [أن] الأمم ~~السالفة كانوا يعاملون بمثل هذه المعاملات؛ سهل تحمل تلك السفاهات ~~على محمد صلى الله عليه وسلم ثم:إنه تعالى لما بين أنه أنزل ~~العذاب على الأمم السالفة، قال لمحمد صلى الله عليه وسلم: " إن ~~الساعة لآتية " ، وإن الله لينتقم لك من أعدائك، ويجازيهم، ~~وإياك، فإنه ما خلق السماوات، والأرض، وما بينهما إلا ms5334 بالحق، والعدل ~~والإنصاف، فكيف يليق بحكمته إهمال أمرك؟. # ثم إنه تعالى لما صبره على أذى قومه، رغبه بعد ذلك في الصفح ~~عنهم، فقال: { فاصفح الصفح الجميل }. # قوله:: " إلا بالحق " نعت لمصدر محذوف، أي: ملتبسة بالحق. # قال المفسرون: هذه الآية منسوخة بآية القتال، وهو بعيد؛ لأن المقصود ~~من ذلك أن يظهر الخلق الحسن، والعفو، والصفح، فكيف يصير منسوخا؟. # ثم قال: { إن ربك هو الخلاق العليم } ، أي خلق الخلق ~~مع اختلاف طبائعهم، وتفاوت أحوالهم، مع علمه بكونهم كذلك وإذا كان كذلك، ~~فإنما خلقهم مع هذا التفاوت، ومع العلم بذلك التفاوت، أما على ~~قول أهل السنة فلمحض مشيئته، وإرادته، وعلى قول المعتزلة: لأجل المصلحة، ~~والحكمة. # وقرأ زيد بن علي، والجحدري: { إن ربك هو الخالق } ، وكذا هي في ~~مصحف أبي وعثمان. ### || [15.87-99] # قوله تعالى: { ولقد آتيناك سبعا من المثاني } يحتمل ~~أن يكون سبعا من الآيات، وأن يكون سبعا من السور، وأن يكون سبعا من ~~الفوائد، وليس في اللفظ ما يدل على التعيين. # والثاني: صيغة جمع، واحدة مثناة، والمثناة: كل شيء يثنى، أي: يجعل ~~اثنين من قولك: ثنيت الشيء ثنيا، أي: عطفته، أو ضممت إليه ~~آخر، ومنه يقال لركبتي الدابة ومرفقيها مثاني؛ لأنها تثنى ~~بالفخذ، والعضد؛ ومثاني الوادي معاطفه. # وإذا عرف هذا، فقوله: { سبعا من المثاني } مفهومه سبعة أشياء ~~من جنس الأشياء التي تثنى، وهذا القدر مجمل، ولا سبيل إلى تعيينه، إلا ~~بدليل منفصل، وللناس فيه أقوال: # أحدها: قال عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبو هريرة، والحسن، وأبو ~~العالية، ومجاهد والضحاك، وسعيد بن جبير، وقتادة رضي الله عنهم : إنه ~~فاتحة الكتاب. # روى أبو هريرة رضي الله عنه # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ فاتحة الكتاب، وقال: " هي ~~السبع المثاني " ". # وإنما سميت بالسبع؛ لأنها سبع آيات، وفي تمسيتها بالمثاني وجوه: # أولها: قال ابن عباس رضي الله عنهما والحسن، وقتادة: لأنها تثنى ~~في الصلاة، فتقرأ في كل ركعة. # ثانيها: قال الزجاج: لأنها تثنى مع ما يقرأ معها. # وثالثها: لأنها قسمت قسمين: نصفها ثناء، ونصفها دعاء، كما ورد ms5335 في ~~الحديث المشهور. # ورابعها: قال الحسين بن الفضل: لأنها نزلت مرتين، مرة بمكة، ومرة ~~بالمدينة. # وخامسها: لأن كلماتها مثناة، مثل: # الرحمن الرحيم ملك يوم الدين إياك نعبد ~~وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم صراط ~~الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا ~~الضآلين # [الفاتحة:37]. # وفي قراءة عمر: (غير المغضوب عليهم وغير الضالين). # نقل القاضي عن أبي بكر الأصم أنه قال: كان ابن مسعود رضي الله عنه ~~ لا يكتب في مصحفه فاتحة الكتاب؛ رأى أنها ليست من القرآن. # قال ابن الخطيب: " لعل حجته أنه عطف السبع المثاني على القرآن ~~والمعطوف مغاير للمعطوف عليه؛ فوجب أن تكون غير القرآن العظيم " ، ويشكل ~~هذا بقوله: # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن ~~نوح # [الأحزاب:7]، وكذلك قوله تعالى: # وملائكته ورسله وجبريل وميكال # [البقرة:98]. # وللخصم أن يجيب بأنه يجوز أن يذكر الكل، ثم يعطف عليه ذكر بعض ~~أقسامه لكونه أشرف الأقسام، وأما إذا ذكر شيء آخر كان المذكور أولا ~~مغايرا للمذكور ثانيا، وها هنا ذكر سبع المثاني. ثم عطف عليه القرآن ~~فوجب التغاير. # ويجاب عليه: بأن بعض الشيء مغاير لمجموعه، فلم لا يكفي هذا القدر من ~~المغايرة في حسن العطف؟. # واعلم أنه لما كان المراد بالسبع المثاني هو الفاتحة؛ دل على ~~أنها أفضل سور القرآن، لأن إفرادها بالذكر مع كونها جزءا من القرآن؛ ~~يدل على مزيد اختصاصها بالفضيلة، وأيضا: لما أنزلها مرتين دل ذلك ~~على أفضليتها، وشرفها، ولما واظب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~قرءاتها في جميع الصلوات طول عمره، وما أقام [سورة أخرى] مقامها في شيء ~~من الصلوات، دل ذلك على وجوب قراءتها، وألا يقوم شيء من القرآن مقامها. # القول الثاني: السبع المثاني: هي السبع الطوال، قاله ابن عمر، وسعيد ~~بن جبير في بعض الروايات عن ابن عباس رضي الله عنهما وإنما سميت ~~السبع الطوال مثاني؛ لأن الفرائض، والحدود، والأمثال والخبر، والعبر ~~ثنيت فيها. # وأنكر الربيع هذا القول، وقال: الآية مكية، وأكثر هذه السورة مدنية، ~~وما نزل منها من شيء في مكة، فكيف تحمل هذه ms5336 الآية عليها؟. # وأجاب قوم عن هذا بأنه تعالى جل ذكره أنزل القرآن كله إلى ~~سماء الدنيا، ثم أنزل على نبيه منه نجوما، فلما أنزله إلى سماء ~~الدنيا، وحكم بإنزاله عليه فهو جملة من آتاه، وإن لم ينزل عليه بعد. # وفي هذا الجواب نظر، فإن قوله تعالى: { ولقد آتيناك سبعا ~~من المثاني } ذكره في [معرض] الامتنان، وهذا الكلام إنما يصدق، ~~إذا وصل ذلك إلى محمد صلوات الله وسلامه عليه فأما ما لم يصله ~~بعد، فلا يصدق ذلك عليه. # وأما قوله: إنه لما حكم بإنزاله على محمد، كان ذلك جاريا مجرى ما نزل ~~عليه، فضعيف؛ لأن إقامة مالم ينزل عليه مقام النازل عليه مخالف ~~للظاهر. # القول الثالث: أن السبع المثاني: هو القرآن، وهو منقول عن ابن عباس ~~ رضي الله عنه في بعض الروايات، وهو قول طاوس رضي الله عنه لقوله ~~تعالى: # الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني ~~تقشعر # [الزمر:23] فوصف كل القرآن بكونه مثاني؛ لأنه كرر فيه دلائل ~~التوحيد، والنبوة، والتكاليف. # قالوا: وهو ضعيف؛ لأنه لو كان المراد بالسبع المثاني القرآن لكان ~~قوله: { والقرآن العظيم } ، عطفا على نفسه، وذلك غير جائز. # وأجيب عنه: بأنه إنما حسن العطف فيه لاختلاف اللفظين؛ كقول الشاعر: # 3291 إلى الملك القرم وابن الهمام # وليث الكتيبة في المزدحم # واعلم أن هذا، وإن كان جائزا إلا أنهم أجمعوا على أن الأصل خلافه. # القول الرابع: أنه يجوز أن يكون المراد بالسبع الفاتحة، وبالمثاني كل ~~القرآن، ويكون التقدير: ولقد آتيناك سبع آيات هي الفاتحة، وفي من جملة ~~المثاني الذي هو القرآن، وهذا عين الأول. # و " من " في قوله: " من المثاني ". # قال الزجاج رحمه الله تعالى : فيها وجهان: # أحدهما: أن تكون للتبعيض من القرآن، أي: ولقد آتيناك سبع آيات من جملة ~~الآيات التي يثنى بها على الله، وآتيناك القرآن العظيم. # ويجوز أن تكون " من " صفة، والمعنى: أتيناك سبعا هي المثاني، كقوله ~~تعالى: # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # [الحج:30]، أي اجتنبوا الأوثان؛ لأن بعضها رجس. # قوله: " والقرآن " فيه أوجه: # أحدها: أنه من عطف ms5337 بعض الصفات على بعض، أي: الجامع بين هذه النعتين. # الثاني: أنه من عطف العام على الخاص، إذ المراد بالسبع: إما ~~الفاتحة، أو الطوال، فكأنه ذكر مرتين بجهة الخصوص، ثم باندراجه في ~~العموم. # الثالث: أن الواو مقحمة، وقرىء " والقرآن " بالجر عطفا على: " ~~المثاني ". # قوله تعالى: { لا تمدن عينيك إلى ما متعنا } الآية ~~لما عرف رسوله عظيم نعمه عليه فيما يتعلق بالدين، وهو أنه تعالى آتاه ~~سبعا من المثاني، والقرآن العظيم نهاه عن الرغبة في الدنيا فقال: { لا ~~تمدن عينيك } ، أي لا تشغل سرك، وخاطرك بالالتفات إلى الدنيا، ~~وقد أوتيت القرآن العظيم. # قال أبو بكر رضي الله عنه " من أوتي القرآن فرأى أن أحدا ~~أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي، فقد صغر عظيما وعظم ~~صغيرا ". وتأول سفيان بن عيينة هذه الآية بقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " ليس منا من لم يتغن بالقرآن " # أي لم يستغن. # وقال ابن [عباس] رضي الله عنهما : " لا تمدن عينيك " ، ~~أي لا تتمن ما فضلنا به أحدا من متاع الدنيا. # وقرر الواحدي هذا المعنى فقال: # " إنما يكون مادا عينيه إلى الشيء، إذا أدام النظر نحوه، وإدامة ~~النظر إلى الشيء تدل على استحسانه، وتمنيه، وكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا ينظر إلى ما يستحسن من متاع الدنيا ". # وروي أنه صلى الله عليه وسلم # " نظر إلى نعم بني المصطلق، وقد [عبست] في أبوالها، ~~وأبعارها؛ فتقنع في ثوبه؛ وقرأ هذه الآية ". # قوله: " عبست في أبوالها وأبعارها " هون أن تجف أبعارها، ~~وأبوالها على أفخاذها، إذا تركت من العمل أيام الربيع؛ فيكثر شحومها، ~~ولحومها، وهي أحسن ما تكون. # قوله: { أزواجا منهم }. # قال ابن قتيبة: أي أصنافا من الكفار، والزوج في اللغة: الصنف ~~{ ولا تحزن عليهم }؛ لأنهم لم يؤمنوا، فيتقوى بإسلامهم، ثم ~~قال عز وجل { واخفض جناحك للمؤمنين }. # الخفض: معناه في اللغة: نقيض الرفع، ومنه قوله تعالى في وصف القيامة # خافضة رافعة # [الواقعة:3]، أي: أنها تخفض أهل المعاصي، وترفع أهل الطاعة، وجناح ~~الإنسان: يده. # قال الليث رضي الله عنه يد الإنسان: جناحه، ms5338 قال تعالى: # واضمم إليك جناحك من الرهب # [القصص:32]، وخفض الجناح كناية عن اللين، والرفق، والتواضع، ~~والمقصود: أنه نهاه عن الالتفات إلى الأغنياء من الكفار، وأمره ~~بالتواضع لفقراء المؤمنين [ونظيره] # أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين # [المائدة:54]، وقوله: # أشدآء على الكفار رحمآء بينهم # [الفتح:29]. # قوله: { وقل إني أنا النذير المبين } لما أمر رسوله ~~صلى الله عليه وسلم بالزهد في الدنيا، وخفض الجناح للمؤمنين، أمره أن ~~يقول للقوم: { أنا النذير المبين } ، وهذا يدخل تحته كونه ~~مبلغا لجميع التكاليف، وكونه [شارحا لمراتب] الثواب والعقاب، ~~والجنة والنار، ومعنى " المبين " الآتي بجميع البينات الوافية. # قوله: { كمآ أنزلنا على المقتسمين } فيه أقوال: # أحدها: أن الكاف [تتعلق] ب " آتيناك " ، وإليه ذهب الزمشخري ~~فإنه قال: " أنزلنا عليك " ، مثل ما أنزلنا على أهل الكتاب، وهم ~~المقتسمون: { الذين جعلوا القرآن عضين }. # الثاني: أنه نعت لمصدر محذوف منصوب ب " آتيناك " تقديره: آتيناك ~~إتيانا كما أنزلنا. # الثالث: أنه منصوب نعت لمصدر محذوف، ولكنه ملاق ل " آتيناك " من ~~حيث المعنى لا من حيث اللفظ، تقديره: أنزلنا إليك إنزالا كما أنزلنا؛ ~~لأن " آتيناك " بمعنى أنزلنا إليك. # الرابع: أنه نعت لمصدر محذوف، والعامل فيه مقدر أيضا، تقديره: ~~ومتعناهم تمتيعا كما أنزلنا، والمعنى: نعمنا بعضهم كما عذبنا بعضهم. ~~الخامس: أنه صفة لمصدر دل عليه التقدير، والتقدير: أنا النذير ~~إنذارا كما أنزلنا، أي: مثل ما أنزلنا. # السادس: أنه نعت لمفعول محذوف، الناصب له: " النذير " ، تقديره: ~~النذير عذابا { كمآ أنزلنا على المقتسمين } وهم قوم ~~صالح؛ لأنهم قالوا: " لنبيتنه " وأقسموا على ذلك، أو يراد بهم قريش ~~حين قسموا القرآن إلى سحر، وشعر، وافتراء. # وقد رد بعضهم هذا: بأنه يلزم منه إعمال الوصف موصوفا، وهو غير جائز ~~عند البصريين جائز عند الكوفيين، فلو عمل ثم وصف جاز عند الجميع. # السابع: أنه مفعول به ناصبه: " النذير " أيضا. # قال الزمخشري: " والثاني: أن يتعلق بقوله: { وقل إني أنا ~~النذير المبين } ، أي: وأنذر قريشا مثل ما أنزلنا على ~~المقتسمين، يعني اليهود، وما جرى على بني قريظة، و النضير ". # وهذا مردود بما تقدم من إعمال ms5339 الوصف موصوفا. # قال ابن الخطيب: وهذا الوجه لا يتم إلا بأحد أمرين: إما التزام ~~إضمار، أو التزام حذف. # أما الإضمار فهو أن يكون التقدير: إني أنا النذير [المبين] عذابا، ~~كما أنزلنا على المقتسمين، وعلى هذا الوجه: المفعول محذوف، وهو المشبه، ~~ودل عليه المشبه به، كما تقول: رأيت كالقمر في الحسن، أي: رأيت إنسانا ~~كالقمر في الحسن، وأما الحذف، فهو أن يقال: الكاف زائدة محذوفة، ~~والتقدير: إني أنا النذير [المبين ما] أنزلناه على المقتسمين، وزيادة ~~الكاف له نظير، وهو قوله تعالى: # ليس كمثله شيء # [الشورى:11]. # الثامن: أنه منصوب نعتا لمفعول به مقدر، والناصب لذلك المحذوف مقدر ~~أيضا لدلالة لفظ " النذير " عليه، أي: أنذركم عذابا مثل العذاب ~~المنزل على المقتسمين، وهم قوم صالح، أو قريش، قاله أبو البقاء رحمه ~~الله وكأنه فر من كونه منصوبا بلفظ " النذير " كما تقدم من ~~الاعتراض البصري. # وقد رد ابن عطية على القول السادس بقوله: والكاف في قوله: " كما " ~~متعلقة بفعل محذوف، تقديره: وقل إني أنا النذير المبين عذابا كما ~~أنزلنا، فالكاف: اسم في موضع نصب، هذا قول المفسرين. # وهو غير صحيح؛ لأن: " كما أنزلنا " ليس مما يقوله محمد صلوات الله ~~وسلامه عليه بل هو من كلام الله تعالى فيفصل الكلام، وإنما يترتب ~~هذا القول بأن يقدر أن الله تعالى قال له: أنذر عذابا كما. # والذي أقول في هذا المعنى: " وقل إني أنا النذير المبين كما قال قبلك ~~رسلنا وأنزلنا عليهم كما أنزلنا عليك ". # ويحتمل أن يكون المعنى: وقل: إني أنا النذير المبين، كما قد أنزلنا ~~في الكتب أنك ستأتي نذيرا على أن المقتسمين، هم أهل الكتاب، وقد اعتذر ~~بعضهم عما قاله أبو محمد فقال: الكاف متعلقة بمحذوف دل عليه المعنى، ~~تقديره: أنا النذير بعذاب مثل ما أنزلنا، وإن كان المنزل الله، كما تقول ~~بعض خواص الملك: أمرنا بكذا، وإن كان الملك هو الآمر. # وأما قول أبي محمد: " وأنزلنا عليهم، كما أنزلنا عليك "؛ كلام غير ~~منتظم، ولعل أصله: وأنزلنا عليك كما أنزلنا عليهم:، كذا أصلحه أبو ~~حيان. ms5340 وفيه نظر، كيف يقدر ذلك، والقرآن ناطق بخلافه، وهو قوله: { على ~~المقتسمين }. # التاسع: أنه متعلق بقوله: " لنسألنهم " تقديره: لنسألنهم ~~أجمعين، مثل ما أنزلنا. # العاشر: أن الكاف مزيدة، تقديره: أنا النذير ما أنزلناه على ~~المقتسمين. # ولا بد من تأويل ذلك على أن " ما " مفعول ب " النذير " عند ~~الكوفيين، فإنهم يعملون الوصف للموصوف، أو على إضمار فعل لائق أي: ~~أنذركم ما أنزلناه كما يليق بمذهب البصريين. # الحادي عشر: أنه متعلق ب " قل " ، التقدير: وقل قولا كما أنزلنا على ~~المقتسمين أنك نذير لهم، فالقول للمؤمنين في النذارة كالقول للكفار ~~المقتسمين؛ لئلا يظنوا أن إنذارك للكفار مخالف لإنذار المؤمنين، بل ~~أنت في وصف النذارة لهم بمنزلة واحدة، تنذر المؤمن، كما تنذر الكافر، ~~كأنه قال: أنا النذير لكم، ولغيركم. # فصل # قال ابن عباس رضي الله عنهما : المقتسمون: هم الذين اقتسموا ~~طرق مكة يصدون الناس عن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ويقرب عددهم من أربعين. # وقال مقاتل بن سليمان رحمه الله : كانوا ستة عشر رجلا بعثهم ~~الوليد بن المغيرة أيام الموسم، فاقتسموا شعاب مكة، وطرقها يقولون ~~لمن سلكها: لا تغتروا بالخارج منا، والمدعي للنبوة، فإنه مجنون، ~~وكانوا ينفرون الناس عنه بأنه ساحر، أو كاهن، أو شاعر، فطائفة ~~منهم تقول: ساحر، وطائفة تقول: إنه كاهن، وطائفة تقول: إنه شاعر، ~~فأنزل الله عز وجل بهم خزيا؛ فماتوا أشد ميتة. # وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنهم اليهود، والنصارى { جعلوا ~~القرآن عضين } جزءوه أجزاء، فآمنوا بما وافق التوراة، وكفروا ~~بالباقي. # وقال مجاهد: قسموا كتاب الله تعالى ففرقوه، وبدلوه. # وقيل: قسموا القرآن، وقال بعضهم: سحر، وقال بعضهم: شعر، وقال بعضهم: ~~كذب، وقال بعضهم: أساطير الأولين. # وقيل: الاقتسام هو أنهم فرقوا القول في رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقال بعضهم: شاعر، وقال بعضهم: كاهن. # قوله: { الذين جعلوا } فيه أوجه: # أظهرها: أنه نعت ل " المقتسمين ". # الثاني: أنه بدل منه. # الثالث: أنه بيان. # الرابع: أنه منصوب على الذم. # الخامس: أنه خبر مبتدأ مضمر. # السادس: أنه منصوب ب " النذير المبين ms5341 " كما قاله الزمخشري. # وهو مردود بإعمال الوصف بالموصوف عند البصريين كما تقدم. # و " عضين " جمع عضة، وهي الفرقة، والعضين: الفرق، وتقدم معنى ~~جعله القرآن كذلك، ومعنى العضة: السحر بلغة قريش، يقولون: هو عاضه، ~~وهي عاضهة، قال: [المتقارب] # 3292 أعوذ بربي من النافثا # ت في عقد العاضه المعضه # وفي الحديث: # " لعن الله العاضهة والمستعضهة " # ، أي الساحرة، والمستسحرة وقيل: هو من العضه، وهو: الكذب، ~~والبهتان، يقال: عضهه عضها، وعضيهة، أي: رماه بالبهتان، وهذا قول ~~الكسائي رحمه الله تعالى. # وقيل: هو من العضاه، وهو شجر له شوك مؤذ، قاله الفراء. # وفي لام " عضة " قولان يشهد لكل منهما التصريف: # الأول: الواو، لقولهم: عضوات، واشتقاقها من العضو؛ لأنه جزء من كل ~~كلمة ولتصغيرها على " عضية ". # الثاني: الهاء، لقولهم: عضيهة، وعاضة، وعاضهة، وعضة، وفي ~~الحديث # " لا تعضية في ميراث " # ، وفسر: بأن لا تفريق فيما يضر بالورثة تفريقه كسيف يكسر نصفين فينقص ~~ثمنه. # وقال الزمخشري: " عضين ": أجزاء، جمع عضة، وأصلها عضوة، فعلة ~~من عضى الشاة، إذا جعلها أعضاء؛ قال: [الزاجر] # 3293 وليس دين الله بالمعضى # وجمع " عضة " على " عضين " ، كما جمع سنة، وثبة، وظبة وبعضهم يجري ~~النون بالحركات مع التاء، وقد تقدم تقرير ذلك، وحينئذ تثبت نونه في ~~الإضافة، فيقال: هذه عضينك. # وقيل: واحد العضين: عضة، وأصلها: عضهة، فاستثقلوا الجمع بين ~~هاتين، فقالوا: عضة، كما قالوا: شفة، والأصل: شفهة، بدليل ~~قولهم: شافهنا. # قوله: { فوربك لنسألنهم أجمعين } يحتمل أن يعود ~~الضمير إلى المقتسمين؛ لأن الأقرب، ويحتمل أن يعود إلى جميع المكلفين، ~~لأن ذكرهم تقدم في قوله تعالى: { وقل إني أنا النذير ~~المبين } أي: لجميع [الخلائق]. # { عما كانوا يعملون } قال القرطبي: في البخاري: قال عدة من ~~أهل العلم في قوله تعالى: { فوربك لنسألنهم أجمعين ~~عما كانوا يعملون } عن لا إله إلا الله. # فإن قيل: كيف الجمع بين قوله تعالى: { فوربك لنسألنهم ~~أجمعين } وبين قوله: # فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن # [الرحمن:39]. # فأجابوا بوجوه: # أولها: قال ابن عباس رضي الله عنهما : لا يسألون سؤال استفهام؛ لأنه ~~تعالى عالم ms5342 بكل أعمالهم، بل سؤال تقريع، فيقال لهم: لم فعلتم كذا؟. # وهذا ضعيف؛ لأنه لو كان المراد من قوله: # فيومئذ لا يسأل عن ذنبه # [الرحمن:39] سؤال استفهام، لما كان في تخصيص هذا النفي بقولهم " ~~يومئذ " فائدة؛ لأن مثل هذا السؤال على الله محال في كل الأوقات. # وثانيها: أنه يصرف النفي إلى بعض الأوقات، والإثبات إلى وقت آخر؛ لأن ~~يوم القيامة، يوم طويل، وفيه مواقف يسألون في بعضها، ولا يسألون في ~~بعضها، قاله عكرمة عن ابن عباس ونظيره قوله تعالى: # هذا يوم لا ينطقون # [المرسلات:35]، وقال في آية أخرى: # ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون # [الزمر:31]. # ولقائل أن يقول: قوله: # فيومئذ لا يسأل # [الرحمن:39] الآية: تصريح بأنه لايحصل السؤال في ذلك اليوم، فلو حصل ~~السؤال في جزء من أجزاء اليوم، لحصل التناقض. # وثالثها: أن قوله: # فيومئذ لا يسأل عن ذنبه # [الرحمن:39] تفيد الآية النفي، وفي قوله { فوربك ~~لنسألنهم } يعود إلى المقتسمين، وهذا خاص فيقدم على العام. # قوله: { فاصدع بما تؤمر } أصل الصدع: الشق، صدعته ~~فانصدع، أي: شققته، فانشق. # قال ابن السكيت: الصدع في اللغة: الشق، والفصل؛ وانشد لجرير: ~~[البسيط] # 3294 هذا الخليفة فارضوا ما قضى لكم # بالحق يصدع ما في قوله جنف # ومنه التفرقة أيضا؛ كقوله: # يومئذ يصدعون # [الروم:43] وقال: [الوافر] # 3295..................... # كأن بياض غرته صديع # والصديع: ضوء الفجر لانشقاق الظلمة عنه، يقال: انصدع، ~~وانفلق، وانفجر، وانفطر الصبح، ومعنى " فاصدع " فرق بني ~~الحق والباطل وافصل بينهما. # وقال الراغب: الصدع: الشق في الأجسام الصلبة كالزجاج، والحديد، ~~وصدعته بالتشديد، فتصدع وصدعته بالتخفيف، فانصدع، وصدع الرأس ~~لتوهم الانشقاق فيه، وصدع الفلاة، أي: قطعها، من ذلك، كأنه توهم ~~تفريقها. # ومعنى " فاصدع " قال ابن عباس رضي الله عنه : أظهر. # وقال الضحاك: أعلم. وقال الأخفش: فرق بين الحق والباطل، وقال ~~سيبويه: اقض. # و " ما " في قوله " بما تؤمر " مصدرية، أو بمعنى الذي، والأصل ~~تؤمر به، وهذا الفعل يطرد حذف الجار معه، فحذف العائد فصيح، وليس هو ~~كقولك: جاء الذي مررت، ونحوه: [البسيط] # 3296 أمرتك الخير فافعل ما أمرت ms5343 به # .............................. # والأصل: بالخير. # وقال الزمخشري: " ويجوز أن تكون " ما " مصدرية، أي: بأمرك مصدر مبني ~~للمفعول " انتهى. # وهو كلام صحيح، والمعنى: فاصدع بأمرك، وشأنك. # قالوا: وما زال النبي صلى الله عليه وسلم مستخفيا حتى نزلت هذه الآية. # ونقل أبو حيان عنه أنه قال: ويجوز أن يكون المصدر يراد به " أن " ، ~~والفعل المبني للمفعول. # ثم قال أبو حيان: " والصحيح أن ذلك لا يجوز ". # قال شهاب الدين: الخلاف إنما هو في المصدر، والمصرح به هل يجوز أن ~~ينحل بحرف مصدري، وفعل مبني للمفعول أم لا يجوز؟ خلاف المشهور، أما ~~أن الحرف المصدري هل يجوز فيه أن يوصل بفعل مبني للمفعول، نحو: ~~يعجبني أن يكرم عمرو أم لا يجوز؟ فليس محل النزاع. # ثم قال تعالى: { وأعرض عن المشركين } ، أي لا تبال عنهم، ~~ولا تلتفت إلى لومهم إياك على إظهار الدعوة. # قال بعضهم: هذا منسوخ بآية القتال، وهو ضعيف؛ لأن معنى هذا الإعراض ~~ترك المبالاة، فلا يكون منسوخا. # قوله: { إنا كفيناك المستهزئين } يقول الله لنبيه محمد ~~صلى الله عليه وسلم { فاصدع بما تؤمر } ، ولا تخف أحدا غير ~~الله، فإن الله كافيك أعداءك كما كفاك المستهزيئن، وهم خمسة نفر من ~~رؤساء قريش: الوليد بن المغيرة المخزومي، وكان رأسهم، والعاص بن وائل ~~[السهمي]، والأسود بن عبدالمطلب بن الحرث بن أسد بن عبدالعزى أبو زمعة، ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعا عليه، فقال: " اللهم ~~أعم بصره، وأثكله بولده " ، والأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد ~~مناف بن زهرة، والحرث بن قيس بن الطلالة؛ فأتى جبريل محمدا صلى الله ~~عليه وسلم والمستهزءون يطوفون بالبيت، فقام جبريل صلوات الله وسلامه ~~عليه وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه، فمر به الوليد بن ~~المغيرة، فقال جبريل عليه السلام : يا محمد: كيف تجد هذا؟ قال: " بئس ~~عبدالله " قال: قد كفيتكه، وأؤمأ إلى ساق الوليد، فمر برجل من ~~خزاعة نبال يريش نبلا، وعليه برد يمان، وهو يهز إزاره، فتعلقت ~~شظية نبل بإزاره، فمنعه الكبر أن يتطامن، فينزعها، ms5344 وجعلت تضرب ساقه؛ ~~فخدشته فمرض منها حتى مات. ومر به العاص بن وائل، فقال جبريل: كيف ~~تجد هذا يا محمد؟ قال: بئس عبد الله، فأشار جبريل عليه السلام إلى ~~أخمص رجليه، وقال: قد كفيتكه، فخرج على راحلته، ومعه ابنان له ~~يتنزه؛ فنزل شعبا من تلك الشعاب، فوطىء على شبرقة، فدخلت شوكة في ~~أخمص رجله، فقال: لدغت لدغت؛ فطلبوا، فلم يجدوا شيئا، وانتفخت ~~رجله حتى صارت مثل عنق البعير، فمات مكانه. # ومر به مربد بن الأسود بن المطلب، فقال جبريل: كيف تجد هذا يا محمد؟ ~~قال: " عبد سوء " ، فأشار بيده إلى عينيه، وقال: قد كفيتكه، ~~فعمي. # قال ابن عباس رضي الله عنه : رماه جبريل بورقة خضراء؛ فذهب بصره، ~~ووجعت عينه، فجعل يضرب برأسه الجدار حتى هلك، ومر به الأسود بن عبد ~~يغوث، فقال جبريل عليه السلام : كيف تجد هذا يا محمد؟ قال: بئس ~~عبد الله على أنه [ابن] خالي، فقال جبريل عليه الصلاة والسلام : قد ~~كفيتكه فأشار إلى بطنه فاستسقى فمات، ومر به الحارث بن قيس، فقال ~~جبريل عليه السلام كيف تجد هذا يا محمد؟ صلوات الله وسلامه عليك ، ~~قال: عبد سوء فأومأ، فامتخط قيحا؛ فمات. # قيل: استهزاؤهم، واقتسامهم أن الله تعالى لما أنزل في القرآن ~~سورة البقرة، وسورة النحل، وسورة العنكبوت، كانوا يجتمعون، ويقولون ~~استهزاء، يقول هذا إلى سورة البقرة، ويقول هذا إلى سورة النحل، ويقول هذا ~~إلى سورة العنكبوت فأنزل الله تعالى: { نعلم أنك يضيق ~~صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك }. # قال ابن عباس رضي الله عنهما : فصل بأمر ربك: " وكن من ~~الساجدين " المصلين [المتواضعين]. # قال ابن العربي " ظن بعض الناس أن المراد هنا بالسجود نفسه، فرأى ~~هذا الموضع محل سجود في القرآن، وقد شاهدت الإمام بمحراب زكريا من البيت ~~المقدس طهره الله تعالى يسجد في هذا الموضع، وسجدت معه فيها، ولم ~~يره [جماهير] العلماء ". # قال [القرطبي]، وقد ذكر أبو بكر النقاش أن ههنا سجدة عند أبي حذيفة ~~رضي الله عنه ويمان بن رئاب، ورأى أنها واجبة، قال العلماء: ms5345 إذا أنزل ~~بالعبد بعض المكاره فزع إلى [الطاعات] وروي أن رسول الله صلى لله عليه ~~وسلم # " كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ". # { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما : يريد الموت؛ لأنه أمر متيقن. # فإن قيل: فأي فائدة لهذا التوقيت مع أن كل واحد يعلم أنه إذا ~~مات سقطت عنه العبادات؟. # فالجواب: المراد: " واعبد ربك " في جميع زمان حياتك، ولا تخل لحظة من ~~لحظات الحياة من العبادة. # روى أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من قرأ سورة الحجر كان له من الأجر عشر حسنات ~~بعدد المهاجرين والأنصار والمستهزئين بمحمد " # صلى الله عليه وسلم وشرف، وبجل، ومجد، وعظم. ### | [16 - سورة النحل] ### || [16.1-2] # قوله: { أتى أمر الله } في " أتى " وجهان: # أشهرهما: أنه ماض لفظا مستقبل معنى، إذ المراد به يوم القيامة، ~~وإنما أبرز في صورة ما وقع وانقضى تحقيقا له ولصدق المخبر به. # والثاني: أنه على بابه. # والمراد به مقدماته وأوائله، وهو نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: ~~جاء أمر الله ودنا وقرب. # وقال ابن عرفة: " تقول العرب: أتاك الأمر وهو متوقع بعد أي: أتى أمر ~~الله وعدا فلا تستعجلوه وقوعا ". # وقال قوم: المراد بالأمر ههنا عقوبة المكذبين والعذاب بالسيف وذلك ~~أن النصر بن الحارث قال: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء # [الأنفال: 32] فاستعجل العذاب فنزلت هذه الآية، وقتل النضر يوم بدر ~~صبرا. # وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: قوله تعالى: # اقتربت الساعة # [القمر: 1] قال الكفار بعضهم لبعض: إن هذا يزعم أن القيامة قد قربت ~~فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتى [ننظر] ما هو كائن، فلما لم ينزل، ~~قالوا: ما نرى شيئا، [فنزل قوله تعالى] # اقترب للناس حسابهم # [الأنبياء: 1] فأشفقوا، فلما امتدت الأيام، قالوا: يا محمد ما نرى ~~شيئا مما تخوفنا به، فنزل قوله تعالى { أتى أمر الله } فوثب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفع الناس رءوسهم وظنوا ms5346 أنها قد أتت ~~حقيقة، فنزل قوله { فلا تستعجلوه } فاطمأنوا. # والاستعجال: طلب الشيء قبل حينه. واعلم أنه - صلوات الله وسلامه عليه ~~- لما كثر تهديده بعذاب الدنيا والآخرة ولم يروا شيئا نسبوه إلى الكذب ~~فأجابهم الله - تعالى - بقوله { أتى أمر الله فلا ~~تستعجلوه } وتقرير هذا الجواب من وجهين: # أحدهما: أنه وإن لم يأت العذاب ذلك الوقت إلا أنه واجب الوقوع، ~~والشيء إذا كان بهذه الحالة والصفة فإنه يقال في الكلام المعتاد: إنه ~~قد أتى ووقع إجراء لما يجب وقوعه مجرى الواقع، يقال لمن طلب الإغاثة وقرب ~~حصولها جاء الفوت. # والثاني: أن يقال: إن أمر الله بذلك وحكمه قد أتى وحصل ووقع، فأما ~~المحكوم به فإنما لم يقع، لأن الله - تعالى - حكم بوقوعه في وقت ~~معين فلا يخرج إلى الوجود قبل مجيء ذلك الوقت، والمعنى: أن أمر الله ~~وحكمه بنزول العذاب قد وجد من الأزل إلى الأبد إلا أن المحكوم ~~إنما لم يحصل، لأنه - تعالى - خصص حصوله بوقت معين { فلا ~~تستعجلوه } قبل وقته، فكأن الكفار قالوا: سلمنا لك يا محمد ~~صحة ما تقول: من أنه - تعالى - حكم بإنزال العذاب علينا إما في ~~الدنيا وإما في الآخرة، إلا أنا نعبد هذه الأصنام لتشفع لنا عند الله ~~فنتخلص من العذاب المحكوم به فأجابهم الله - تعالى - بقوله { سبحانه ~~وتعالى عما يشركون }. # قوله: { عما يشركون } يجوز أن تكون " ما " مصدرية فلا عائد لها ~~عند الجمهور أي: عن إشراكهم به غيره، وأن تكون موصولة اسمية. # وقرأ العامة { فلا تستعجلوه } بالتاء خطابا للمؤمنين أو ~~للكافرين وقرأ ابن جبير بالياء من تحت عائدا على الكفار أو على ~~المؤمنين. # وقرأ الأخوان " تشركون " بتاء الخطاب جريا على الخطاب في " ~~تستعجلوه " والباقون بالياء عودا على الكفار، وقرأ الأعمش وطلحة ~~والجحدري وجم غفير بالتاء من فوق في الفعلين. # قوله { ينزل الملائكة } قد تقدم الخلاف في " ينزل " ~~بالنسبة إلى التشديد والتخفيف في البقرة. # وقرأ زيد بن علي والأعمش وأبو بكر عن عاصم " تنزل " [مشددا] ~~مبنيا للمفعول وبالتاء من فوق. " الملائكة " رفعا لقيامه مقام ~~الفاعل، وقرأ ms5347 الجحدري: كذلك إلا أنه خفف الزاي. # وقرأ الحسن، والأعرج، وأبو العالية - رحمهم الله - عن عاصم بتاء واحدة ~~من فوق، وتشديد الزاي مبنيا للفاعل، والأصل تتنزل بتاءين. # وقرأ ابن أبي عبلة: " ننزل " بنونين وتشديد الزاي " الملائكة ~~" نصبا، وقتادة كذلك إلا أنه بالتخفيف. # قال ابن عطية: " وفيهما شذوذ كبير " ولم يبين وجه ذلك. # ووجهه أن ما قبله وما بعده ضمير غائب، وتخريجه على الالتفات. # قوله: " بالروح " يجوز أن يكون متعلقا بنفس الإنزال، وأن يكون ~~متعلقا بمحذوف على أنه حال من الملائكة، أي: ومعهم الروح. # قوله " من أمره " حال من الروح، و " من " إما لبيان الجنس، ~~وإما للتبعيض. # قوله " أن أنذروا " في " أن " ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها المفسرة؛ لأن الوحي فيه ضرب من [القول]، والإنزال بالروح ~~عبارة عن الوحي؛ قال تعالى: # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا # [الشورى: 52] وقال: # يلقي الروح من أمره على من يشآء من عباده # [غافر: 15]. # الثاني: أنها المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، تقديره: ~~أن الشأن أقول لكم: أنه لا إله إلا أنا، قاله الزمخشري. # الثالث: أنها المصدرية التي من شأنها نصب المضارع، ووصلت بالأمر؛ ~~كقولهم: كتبت إليه بأن قم، وتقدم البحث فيه. # فإن قلنا: إنها المفسرة فلا محل لها، وإن قلنا: إنها المخففة، أو ~~الناصبة ففي محلها ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها مجرورة المحل بدلا من " الروح " لأن التوحيد روح ~~تحيا به النفوس. # الثاني: أنها في محل جر على إسقاط الخافض؛ كما هو مذهب الخليل. # الثالث: أنها في محل نصب على إسقاطه؛ وهو مذهب سيبويه. # والأصل: بأن أنذروا؛ فلما حذف الجار جرى الخلاف المشهور. # قوله: { أنه لآ إله إلا أنا } هو مفعول الإنذار، ~~والإنذار قد يكون بمعنى الإعلام؛ يقال: أنذرته، وأنذرته بكذا، أي: ~~أعلموهم بالتوحيد. # وقوله: " فاتقون " التفات إلى التكلم بعد الغيبة. # فصل # وجه النظم: أن الله - تعالى - لما أجاب الكفار عن شبهتهم؛ تنزيها ~~لنفسه - سبحانه وتعالى - عما يشركون؛ فكأن الكفار قالوا: هب أن الله ~~قضى على بعض عبيده بالشر، وعلى آخرين بالخير، ولكن كيف يمكنك أن تعرف ms5348 ~~هذه الأمور التي لا يعلمها إلا الله؟ وكيف صرت بحيث تعرف أسرار الله ~~وأحكامه في ملكه وملكوته؟. # فأجاب الله - تعالى - بقوله: { ينزل الملائكة بالروح ~~من أمره على من يشآء من عباده أن أنذروا ~~أنه لآ إله إلا أنا فاتقون } وتقرير هذا الجواب: ~~أنه - تعالى - ينزل الملائكة على من يشاء من عباده، ويأمر ذلك العبد أن ~~يبلغ إلى سائر الخلق أن إله الخلق كلفهم بالتوحيد، وبالعبادة، وبين لهم ~~أنهم إن فعلوا، فازوا بخير الدنيا والآخرة، فهذا الطريق ضرب مخصوص ~~بهذه المعارف من دون سائر الخلق. # فصل # روى عطاء عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: يريد ب " الملائكة " ~~جبريل وحده. # وقال الواحدي: يسمى الواحد بالجمع؛ إذا كان ذلك الواحد رئيسا ~~مقدما جائز، كقوله تعالى: # إنآ أرسلنا # [القمر: 19]، و # إنآ أنزلنا # [النساء: 105]، و # إنا نحن نزلنا # [الحجر: 9]. # والمراد بالروح الوحي كما تقدم، وقيل: المراد بالروح هنا النبوة، وقال ~~قتادة رحمه الله تعالى: الرحمة، وقال أبو عبيدة: إن الروح ههنا جبريل ~~عليه السلام. # والباء في قوله " بالروح " بمعنى " مع " كقولهم: " خرج فلان ~~بثيابه " أي: ومعه ثيابه. # والمعنى: ننزل الملائكة مع الروح؛ وهو جبريل، وتقرير هذا الوجه: ~~أنه - تعالى - ما أنزل على محمد - صلوات الله وسلامه عليه - جبريل ~~وحده في أكثر الحوال؛ بل كان ينزل مع جبريل - عليه السلام - ~~أقواما من الملائكة؛ كما في يوم بدر، وفي كثير من الغزوات، وكان ينزل ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم تارة ملك الجبال، وتارة ملك البحار، ~~وتارة رضوان، وتارة غيرهم. # وقوله " من أمره " أي أن ذلك النزول لا يكون إلا بأمر الله؛ ~~كقوله: # وما نتنزل إلا بأمر ربك # [مريم: 64] وقوله تعالى: # وهم بأمره يعملون # [الأنبياء: 27]، وقوله: # ويفعلون ما يؤمرون # [التحريم: 6]. # وقوله: { على من يشآء من عباده } يريد الأنبياء المخصوصين ~~برسالته: " أن أنذروا " قال الزجاج: " أن " بدل من " الروح ". # والمعنى: ينزل الملائكة بأن أنذروا، أي: أعلموا الخلائق، أنه لا إله ~~إلا أنا، والإنذار هو الإعلام مع التخويف. # " فاتقون " فخافون. يروى أن جبريل - صلوات الله وسلامه عليه ms5349 - نزل ~~على آدم - عليه الصلاة والسلام - اثنتي عشرة مرة، وعلى إدريس أربع مرات، ~~وعلى نوح - عليه الصلاة والسلام - خمسين مرة، وعلى إبراهيم اثنتين ~~وأربعين مرة وعلى موسى أربع مرات، وعلى عيسى عشر مرات، وعلى محمد صلى ~~الله عليه وسلم وعلى سائر الأنبياء أربعة وعشرين ألف مرة. ### || [16.3-9] # قوله: { خلق السموات والأرض بالحق تعالى } ارتفع ~~{ عما يشركون } اعلم أن دلائل الإلهيات وقعت في القرآن على ~~نوعين: # أحدهما: أن يتمسك بالأظهر مترقيا إلى الأخفى، فالأخفى كما ذكره في ~~سورة البقرة في قوله تعالى: # يأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم # [البقرة: 21] فجعل تغير أحوال الإنسان دليلا على احتياجه إلى الخالق. # ثم استدل بتغير أحوال الآباء، والأمهات؛ قال تعالى: # والذين من قبلكم # [البقرة: 21]. # ثم استدل بأحوال الأرض؛ فقال تعالى: # الذي جعل لكم الأرض فراشا # [البقرة: 22] لأن الأرض أقرب إلينا من السماء. # ثم استدل بأحوال السماء بعد الأرض؛ فقال تعالى: # والسماء بنآء # [البقرة: 22]. # ثم استدل بالأحوال المتولدة من تركيب السماء، والأرض؛ فقال سبحانه: # وأنزل من السمآء مآء فأخرج به من الثمرات ~~رزقا لكم # [البقرة: 22]. # النوع الثاني: أن يستدل بالأشرف، فالأشرف نازلا إلى [الأدون فالأدون]؛ ~~كما ذكر في هذه الآية، فاستدل على وجود الإله المختار بذكر الأجرام ~~الفلكية العلوية، فقال: { خلق السماوات والأرض بالحق ~~تعالى عما يشركون } وقد تقدم الكلام على الاستدلال بذلك أول ~~الأنعام، ثم استدل ثانيا بخلق الإنسان، فقال عز وجل: { خلق ~~الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين }. # واعلم أن أشرف الأجسام بعد الأفلاك والكواكب هو الإنسان. # واعلم أن الإنسان مركب من بدن ونفس، فقوله تعالى: { خلق ~~الإنسان من نطفة } إشارة إلى الاستدلال ببدنه على وجود الصانع ~~الحكيم سبحانه. # وقوله عز وجل: { خصيم مبين } إشارة إلى الاستدلال بأحوال نفسه ~~على الصانع الحكيم جل ذكره، أما الاستدلال ببدنه فإنه النطفة متشابهة ~~الأجزاء بحسب المشاهدة؛ إلا أن بعض الأطباء يقول: إنه مختلف ~~الأجزاء في الحقيقة؛ لأن النطفة تتولد من فضلة الهضم. # الثالث: أن الغذاء يحصل له: في المعدة هضم أول، وفي الكبد هضم ~~ثان، وفي ms5350 العروق هضم ثالث، وعند وضوله إلى جواهر الأعضاء هضم رابع. # ففي هذا الوقت حصل بعض أجزاء الغذاء إلى العظم، وظهر فيه أثر من ~~[الطبيعة] العظيمة، وكذا يقول في اللحم والعصب والعروق، و غيرها. # ثم عند استيلاء الحرارة على البدن عند هيجان الشهوة ويحصل ذوبان من ~~جملة ذلك الأعضاء؛ وذلك هو النطفة، وعلى هذا التقدير تكون النطفة جسما ~~مختلف الأجزاء والطبائع. # وإذا عرف هذا، فالنطفة: إما أن تكون جسما متساوي الأجزاء في ~~الطبيعة، والماهية، أو مختلف الأجزاء، فإن كان الأول لم يجز أن يكون ~~المقتضي لتوليد البدن منها هو الطبيعة الحاصلة في جوهر النطفة ودم ~~الطمث؛ لأن الطبيعة تأثيرها بالذات والإيجاب لا بالتدبير والاختيار، ~~والقوة الطبيعية إذا عملت في مادة متشابهة الأجزاء وجب أن يكون فعلها هو ~~الكره. # وعلى هذا الحرف عولوا في قولهم: البسائط يجب أن يكون شكلها الكرة؛ ~~وحيث لم يكن الأمر كذلك؛ علمنا أن المقتضي لحدوث الأبدان الحيوانية ليس ~~هو الطبيعة؛ بل فاعل مختار، وهو يخلق بالتدبير، والحكمة، والاختيار، ~~وإن قلنا: إن النطفة جسم مركب من أجزاء مختلفة في الطبيعة ~~والماهية، فنقول: بتقدير أن يكون الأمر كذلك، فإنه يجب أن يكون تولد ~~البدن منها تدبير فاعل مختار حكيم، وبيانه من وجهين: # الأول: أن النطفة رطوبة سريعة الاستحالة، وإذا كان كذلك؛ كانت الأجزاء ~~الموجودة فيها لا تحفظ الوضع والنسبة، فالجزء الذي هو مادة الدماغ قد ~~يصير أسفل، والجزء الذي هو مادة القلب قد يحصل فوق، وإذا كان كذلك وجب ~~اختلاف أعضاء الحيوان وحيث لم يكن الأمر كذلك وجب أن لا تكون أعضاء ~~الحيوان على هذا الترتيب المعين أمرا دائما؛ علمنا أن حدوث هذه ~~الأعضاء على هذا الترتيب الخاص ليس إلا بتدبير الفاعل المختار. # الوجه الثاني: أن النطفة بتقدير أنها جسم مركب من أجسام مختلفة ~~الطبائع إلا أنه يجب أن ينتهي تحليل تركيبها إلى آخر يكون كل واحد ~~منها في نفسه جسما بسيطا. # وإذا كان كذلك، فلو كان المدبر لها قوة طبيعية لكان كل واحد من تلك ~~البسائط يجب أن ms5351 يكون شكله هو الكرة فيلزم أن يكون الحيوان على شكل كرات ~~مضمومة بعضها إلى بعض. # وحيث لم يكن الأمر كذلك علمنا أن مدبر أبدان الحيوانات ليس هي ~~الطبائع، ولا تأثيرات النجوم والأفلاك، لأن تلك التأثيرات متشابهة؛ ~~فعلمنا أن مدبر أبدان الحيوانات فاعل مختار حكيم. # قوله تعالى: { من نطفة } متعلق ب " خلق " و " من " لابتداء ~~الغاية. # والنطفة: القطرة من الماء؛ نطف رأسه ماء، أي: قطر، وقيل: هي ~~الماء الصافي، ويعبر بها عن ماء الرجل، ويكنى بها عن اللؤلؤة، ومنه: ~~صبي منطف إذا كان في أذنه لؤلؤة، ويقال: ليلة نطوف إذا جاء فيها ~~المطر، والناطف: ما سال من المائعات يقال: نطف ينطف، أي: سال فهو ~~ناطف، وفلان ينطف بسوء. # قوله: { فإذا هو خصيم } عطف هذه الجملة على ما قبلها، فإن قيل: ~~الفاء تدل على التعقيب، ولا سيما وقد وجد معها " إذا " التي تقتضي ~~المفاجأة، وكونه خصيما مبينا لم يعقب خلقه من نطفة، إنما توسطت ~~بينهما وسائط كثيرة. # فالجواب من وجهين: # أحدهما: أنه من باب التعبير عن حال الشيء بما يؤول إليه، كقوله تعالى: # أعصر خمرا # [يوسف: 36]. # والثاني: أنه أشار بذلك إلى سرعة نسيانهم مبدأ خلقهم. # وقيل: ثم وسائط محذوفة. # والذي يظهر أن قوله " خلق " عبارة عن إيجاده، وتربيته إلى أن يبلغ ~~حد هاتين الصفتين. # و " خصيم ": فعيل مثال مبالغة من خصم بمعنى اختصم، ويجوز ~~أن يكون بمعنى مخاصم، كالخليط والجليس، ومعنى " خصيم " جدول ~~بالباطل. # فصل # اعلم أنه - سبحانه وتعالى - إنما يخلق الإنسان من نطفة بواسطة ~~تغيرات كثيرة مذكورة في قوله: # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين # [المؤمنون: 12] الآيات إلا أنه - تعالى - اختصرها ها هنا استغناء ~~بذكرها هناك. # قال الواحدي رحمه الله: الخصيم بمعنى المخاصم. وقال أهل اللغة: ~~خصيمك الذي يخاصمك، وفعيل بمعنى مفاعل معروف، كالنسيب ~~والعشير. # ووجه الاستدلال بكونه خصيما على وجود الإله المدبر الحكيم: أن ~~[النفوس] الإنسانية في أول الفطرة أقل فهما وذكاء من نفوس سائر ~~الحيوانات؛ ألا ترى أن ولد الدجاجة حالما يخرج من قشر البيضة يميز ~~التصديق والعدو، ms5352 ويهرب من الهرة، ويلتجيء إلى الأم ويميز الغذاء ~~الموافق، والغذاء الذي لم يوافق. # وأما ولد الإنسان فإنه حال انفصاله من بطن الأم لا يميز البتة ~~بين العدو والصديق ولا بين الضار والنافع، فظهر أن الإنسان في أول ~~الحدوث أنقص حالا، وأقل فطنة من سائر الحيوانات. # ثم إن الإنسان بعد كبره يقوى عقله ويعظم فهمه، ويصير بحيث يقوى على ~~مساحة السماوات والأرض، ويقوى على معرفة الله - عز وجل - وصفاته، ~~وعلى معرفة أصناف المخلوقات من الأرواح والأجسام والفلكيات والعنصريات، ~~ويقوى على إيراد الشبهات القوية في دين الله - تعالى - والخصومات الشديدة ~~في كل المطالب، فانتقال نفس الإنسان من تلك البلادة المفرطة إلى هذه ~~الكياسة المفرطة لا بد وأن يكون بتدبير مدبر مختار حكيم بنقل الأرواح ~~من نقصانها إلى كمالاتها، ومن جهالاتها إلى معارفها بحسب الحكمة ~~والاختيار فهذا هو المراد من قوله تعالى: { فإذا هو خصيم ~~مبين }. # وفي معنى كونه خصيما مبينا وجهان: # الأول: أنه يجادل عن نفسه منازعا للخصوم بعد أن كان نطفة قذرة وجمادا، ~~لا حس فيه ولا حركة، والمقصود منه أن الانتقال من تلك الحالة ~~الخسيسة إلى هذه الحالة العالية الشريفة لا يحصل إلا بتدبير مدبر حكيم. # والثاني: فإذا هو خصيم لربه، منكر على خالقه، قائل: # من يحي العظام وهي رميم # [يس: 78] والغرض وصف الإنسان بالإفراط في الوقاحة والجهل والتمادي في ~~كفران النعمة. # كما نقل أنها نزلت في أبي بن خلف الجمحي؛ وكان ينكر البعث جاء بعظم ~~رميم، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: أتقول إن الله - تعالى - يحيي ~~هذه بعدما قد رم؟. # والصحيح أن الآية عامة؛ لأن هذه الآيات ذكرت لتقرير الاستدلال على ~~وجود الصانع الحكيم لا لتقرير وقاحة الناس وتماديهم في الكفر ~~والكفران. # قوله تعالى: { والأنعام خلقها لكم } الآية هذه الدلالة ~~الثالثة؛ لأن أشرف الأجساد الموجودة في العالم السفلي بعد الإنسان ~~سائر الحيوانات لاختصاصها بالقوى الشريفة، وهي الحواس الظاهرة ~~والباطنة والشهوة والغضب. # قوله: { والأنعام خلقها } العامة على النصب، وفيه وجهان: # أحدهما: أنه نصب على الاشتغال وهو أرجح من الرفع ms5353 لتقدم جملة فعلية. # والثاني: أنه نصب على عطفه على " الإنسان " ، قاله الزمخشري، وابن ~~عطية فيكن " خلقها " على هذا مؤكدا، وعلى الأول مفسرا. # وقرئ شاذا " والأنعام " رفعا وهي مرجوحة. # قوله: { لكم فيها دفء } يجوز أن يتعلق " لكم " ب " خلقها " ، ~~أي: لأجلكم ولمنافعكم، ويكون " فيها " خبرا مقدما، و " دفء " مبتدأ ~~مؤخر، ويجوز أن يكون " لكم " هو الخبر، أو يكون " فيها " هو الخبر، ~~و " لكم " متعلق بما تعلق به الخبر، أو يكون " فيها " حالا من " ~~دفء " لأنه لو تأخر لكان صفة له، أو يكون " فيها " هو الخبر، و " لكم ~~" متعلق بما تعلق به، أو يكون حالا من " دفء " قاله أبو البقاء. # ورده أبو حيان: بأنه إذا كان العامل في الحال معنويا، فلا ~~يتقدم على الجملة بأسرها، ولا يجوز " قائما في الدار زيد " فإن ~~تأخرت نحو " زيد في الدار قائما " جاز بلا خلاف، أو توسطت ~~بخلاف أجازه الأخفش ومنعه غيره. # ولقائل أن يقول: لما تقدم العامل فيها، وهي معه جاز تقديمها عليه بحالها ~~إلا أن نقول: لا يلزم من تقديمها وهو متأخر تقديمها عليه وهو متقدم ~~لزيادة الفتح. # وقال أبو البقاء أيضا: " ويجوز أن يرتفع " دفء " ب " لكم " أو ~~ب " فيها " والجملة كلها حال من الضمير المنصوب ". # قال أبو حيان " ولا يسمى جملة، لأن التقدير: خلقها كائن لكم فيها ~~دفء، أو خلقها لكم كائنا فيها دفء ". # قال شهاب الدين: " قد تقدم الخلاف في تقدير متعلق الجار إذا وقع ~~حالا أو صفة أو خبرا، هل يقدر فعلا أو اسما، ولعل أبا البقاء نحا ~~إلى الأول فتسميته له جملة صحيح على هذا ". # والدفء: اسم لما يدفأ به، أي: يسخن. # قال الأصمعي: ويكون الدفء السخونة، يقال: اقعد في دفء هذا الحائط، ~~أي: في كنفه، وجمعه أدفاء، ودفىء يومنا فهو دفيء، ودفىء ~~الرجل يدفأ دفأة فهو دفآن، وهي دفأى، كسكران، وسكرى. # والمدفئة بالتخفيف والتشديد، الإبل الكثيرة الوبر والشحم، وقيل: ~~الدفء: نتاج الإبل وألبانها وما ينتفع به منها. # وقرأ زيد بن علي: " دف " بنقل حركة الهمزة إلى الفاء، والزهري: ms5354 ~~كذلك إلا أنه شدد الفاء، كأنه أجرى الوصل مجرى الوقف، نحو قولهم: ~~هذا فرخ بالتشديد وقفا. # وقال صاحب اللوامح: " ومنهم من يعوض من الهمزة فيشدد الفاء وهو أحد ~~وجهي حمزة بن حبيب وقفا ". # قال شهاب الدين: والتشديد وقفا: لغة مستقلة وإن لم يكن ثم حذف من ~~الكلمة الموقوف عليها. # قوله " ومنافع " أراد النسل، والدر، والركوب، والحمل، ~~وغيرها، فعبر عن هذا الوصف بالمنفعة؛ لأنه الأعم، والدر والنسل قد ~~ينتفع به بالبيع بالنقود، وقد ينتفع به بأن تبدل بالثياب، وسائر ~~الضروريات، فعبر عن جملة الأقسام بلفظ المنافع ليعم الكل. # فصل # الحيوانات قسمان: # منها ما ينتفع به الإنسان، ومنها ما لا يكون كذلك، والقسم المنتفع به ~~[أفضل] من الثاني، والمنتفع به إما أن ينتفع به الإنسان في ضروراته، ~~مثل الأكل واللبس أو في غير ضروراته، والأول أشرف وهو الأنعام، فلهذا ~~بدأ بذكره فقال: { والأنعام خلقها لكم } وهي عبارة عن ~~الأزواج الثمانية، وهي الضأن والمعز والبقر والإبل. # قال الواحدي: تم الكلام عند قوله: { والأنعام خلقها } ثم ~~ابتدأ وقال: { لكم فيها دفء }. # قال صاحب النظم: أحسن الوجهين أن يكون الوقف عند قوله: " خلقها ~~"؛ لأنه عطف عليه { ولكم فيها جمال } والتقدير: لكم فيها دفء ~~ولكم فيها جمال. # ولما ذكر الأنعام، أتبعه بذكر المنافع المقصودة منها، وهي إما ضرورية، ~~أو غير ضرورية، فبدأ بذكر المنافع الضرورية؛ فقال: { لكم فيها ~~دفء } وقد ذكر هذا المعنى في آية أخرى، فقال سبحانه: # ومن أصوافها وأوبارها وأشعارهآ أثاثا ومتاعا ~~إلى حين # [النحل: 80]. # والمعنى: ملابس ولحفاء يستدفئون بها، ثم قال: " ومنافع " والمراد ~~ما تقدم من نسلها ودرها. # ثم قال: { ومنها تأكلون } ، " من " ها هنا لابتداء الغاية، ~~والتبعيض هنا ضعيف. # قال الزمخشري: " فإن قلت: تقديم الظرف مؤذن بالاختصاص، وقد يؤكل من ~~غيرها، قلت: الأكل منها هو الأصل الذي يعتمده الناس، وأما غيرها من ~~البط والدجاج ونحوها من الصيد، فكغير المعتد به؛ بل جار مجرى ~~التفكه ". # قال ابن الخطيب: " ويحتمل أن غالب أطعمتكم منها؛ لأنكم تحرثون بالبقر، ~~والحب والثمار التي تأكلونها، وتكتسبون بها، وأيضا ms5355 بإكراء الإبل ~~وتبيعون نتاجها، وألبانها، وجلودها، وتشترون بها جميع أطعمتكم ". # فإن قيل: منفعة الأكل مقدمة على منفعة اللبس، فلم أخر منفعة الأكل ~~في الذكر؟. # فالجواب: أن الملبوس أكثر من المطعوم؛ فلهذا قدم عليه في الذكر ~~فهذه المنافع الضرورية الحاصلة من الأنعام، وأما المنافع غير الضرورية ~~الحاصلة من الأنعام فأمور: # الأول: قوله { ولكم فيها جمال } كقوله { لكم فيها دفء ~~}. # و " حين " منصوب بنفس " جمال " أو بمحذوف، على أنه صفة له، أو ~~معمول لما عمل في " فيها " أو في " لكم ". # وقرأ عكرمة، والضحاك، والجحدري - رحمهم الله -: " حينا " بالتنوين؛ ~~على أن الجملة بعده صفة له، والعائد محذوف، أي: حينا تريحون فيه ~~وحينا تسرحون فيه، كقوله: # واتقوا يوما ترجعون فيه # [البقرة: 281] وقدمت الإراحة على [السرح]؛ لأن الأنعام فيها أجمل ~~لملء بطونها وتحفل ضروعها، بخلاف التسريح؛ فإنها عند خروجها إلى ~~المرعى تخرج جائعة عادمة اللبن ثم تتفرق وتنتشر. # فصل # قد ورد الحين على أربعة أوجه: # الأول: بمعنى الوقت كهذه الآية. # الثاني: منتهى الأجل، قال: # ومتعناهم إلى حين # [يونس: 98]، أي: إلى منتهى آجالهم. # الثالث: إلى ستة اشهر، قال تعالى: # تؤتي أكلها كل حين # [إبراهيم: 25]. # الرابع: أربعون سنة، قال تعالى: # هل أتى على الإنسان حين من الدهر # [الإنسان: 1]. # أي: أربعون سنة، يعني آدم - صلوات الله وسلامه عليه - حين خلقه من طين ~~قبل أن ينفخ فيه الروح. # والجمال: مصدر جمل بضم الميم يجمل فهو جميل وهي جميلة، ~~وحكى الكسائي: جملاء كحمراء؛ وأنشد: [الرمل] # 3297- فهي جملاء كبدر طالع # بذت الخلق جميعا بالجمال # ويقال أراح الماشية وهراحها بالهاء بدلا من الهمزة، وسرح الإبل يسرحها ~~سرحا، أي: أرسلها، وأصله أن يرسلها لترعى، والسرح: شجر له ثمر، ~~الواحدة سرحة، قال أبي: [الطويل] # 3298- أبى الله إلا أن سرحة مالك # علي كل أفنان العضاه تروق # وقال: [الكامل] # 3299أ- بطل كأن ثيابه في سرحة # يحذى نعال السبت ليس بتوءم # ثم أطلق على كل إرسال، واستعير أيضا للطلاق، يقال: سرح فلان ~~امرأته كما استعير الطلاق أيضا من إطلاق الإبل من عقلها، واعتبر من ~~السرح المضي فقيل: ناقة ms5356 [سرح]، أي: سريعة، وقيل: [الكامل] # 3299ب- سرح اليدين كأنها... # ...................... # وحذف مفعولي " تريحون وتسرحون " مراعاة للفواصل مع العلم بها. # فصل # الإراحة: رد الإبل بالعشي إلى مراحها حيث تأوي إليه ليلا، وسرح ~~القوم إبلهم سرحا، إذا أخرجوها بالغداة إلى المرعى. # قال أهل اللغة: هذه الإراحة أكثر ما تكون أيام الربيع إذا سقط الغيث، ~~وكثر الكلأ، وخرجت العرب للنجعة، وأحسن ما يكون النعم في ذلك الوقت. # ووجه التجمل بها أن الراعي إذا روحها بالعشي وسرحها بالغداة ~~تزينت عند تلك الإراحة والتسريح الأفنية، وكثر فيها النفاء والرغاء، وعظم ~~وقعهم عند الناس لكونهم مالكين لها. # والمنفعة الثانية قوله: { وتحمل أثقالكم إلى بلد لم ~~تكونوا بالغيه }. # الأثقال: جمع ثقل، وهو متاع السفر إلى بلد. قال ابن عباس - رضي ~~الله عنهما-: " يريد من مكة إلى [المدينة] والشام ومصر ". # وقال الواحدي - رحمه الله-: " والمراد كل بلد لو تكلفتم بلوغه على ~~غير إبل لشق عليكم ". # وخص ابن عباس - رضي الله عنهما - هذه البلاد لأنها متاجر أهل مكة. # قوله { لم تكونوا } صفة ل " بلد " ، و " إلا بشق " حال من ~~الضمير المرفوع في " بالغيه " ، أي: لم تبلغوه إلا ملتبسين بالمشقة. # والعامة على كسر الشين. وقرأ أبو جعفر ورويت عن نافع، وأبي عمرو ~~بفتحها؛ فقيل: هما مصدران بمعنى واحد، أي: المشقة فمن الكسر قول ~~الشاعر: [الطويل] # 3300- رأى إبلا تسعى ويحسبها له # أخي نصب من شقها ودءوب # أي: من مشقتها. # وقيل: المفتوح المصدر، والمكسور الاسم. # وقيل: بالكسر نصف الشيء. وفي التفسير: إلا بنصف أنفسكم، كما تقول: ~~لم تنله إلا بقطعه من كيدك على المجاز. # فصل # أذا حملنا الشق على المشقة كان المعنى: لم تكونوا بالغيه إلا ~~بالمشقة، وإن حملناها على نصف الشيء كان المعنى: لم تكونوا بالغيه إلا ~~عند ذهاب نصف قوتكم ونقصانها. # قال بعضهم: المراد من قوله تعالى { والأنعام خلقها لكم } ~~الإبل فقط، لأنه وصفها في آخر الآية بقوله - عز وجل - { وتحمل ~~أثقالكم } وهذا لا يليق إلا بالإبل فقط. # والجواب: أن هذه الآيات وردت لتعديد منافع الأنعام، فبعض تلك المنافع ~~حاصل في الكل، ms5357 وبعضها يختص بالبعض، لأن قوله تعالى: { ولكم ~~فيها جمال } حاصل في البقر والغنم أيضا. # { إن ربكم لرءوف رحيم } بخلقه حيث جعل لهم هذه المنافع. # فصل # احتج منكرو كرامات الأولياء بهذه الآية، لأن هذه الآية دلت على ~~أن الإنسان لا يمكنه الانتقال من بلد إلى بلد إلا بشق الأنفس، ~~وحمل الأثقال على [الجمال]، فيكون الانتقال من بلد إلى بلد بعيد في ~~ليلة واحدة من غير تعب، وتحمل مشقة خلاف هذه الآية، فيكون باطلا. # ولما بطل القول بالكرامات في هذه الصورة، بطل القول بها في سائر ~~الصور؛ لأنه لا قائل بالفرق. # والجواب: أنا نخص هذه الآية بالأدلة الدالة على وقوع الكرامات. # قوله: { والخيل والبغال والحمير } العامة على نصبها؛ ~~نسقا على الأنعام، وقرأ ابن أبي عبلة برفعها على الابتداء، والخبر ~~محذوف، أي: مخلوقة ومعدة لتركبوها، وليس هذا مما ناب فيه الجار ~~مناب الخبر لكونه كونا خاصا. # قال القرطبي: " وسميت الخيل خيلا لاختيالها في مشيها، وواحد الخيل ~~خائل، كضائن واحد ضأن. وقيل: لا واحد له، ولما أفرد - سبحانه وتعالى - ~~الخيل، والبغال، والحمير، بالذكر؛ دل على أنها لم تدخل في لفظ ~~الأنعام. وقيل: دخلت؛ ولكن أفردها بالذكر لما يتعلق بها من الركوب، ~~فإنه يكثر في الخيل والبغال والحمير ". # قوله: " وزينة " في نصبها أوجه: # أحدها: أنه مفعول من أجله وإنما وصل الفعل إلى الأول باللام في قوله ~~تعالى: { لتركبوها } وإلى هذا بنفسه لاختلاف الشرط في الأول، ~~وعدم اتحاد الفاعل، وأن الخالق الله والراكب المخاطبون. # الثاني: أنها منصوبة على الحال، وصاحب الحال إما مفعول " خلقها ~~" وإما مفعول " لتركبوها " فهو مصدر، وأقيم مقام الحال. # الثالث: أن ينتصب بإضمار فعل، فقدره الزمخشري - رحمه الله - وخلقها ~~زينة. # وقدره ابن عطية وغيره: وجعلها زينة. # الرابع: أنه مصدر لفعل محذوف أي: " ولتتزينوا بها زينة ". # وقرأ قتادة عن ابن أبي عامر: " لتركبوها زينة " بغير واو، ~~وفيها الأوجه المتقدمة؛ ويريد أن يكون حالا من فاعل " لتركبوها " ~~متزينين. # فصل # لما ذكر منافع الحيوان التي ينتفع بها من المنافع الضرورية، ذكر بعده ~~منافع الحيوانات التي ليست ms5358 بضرورية فقال: { والخيل والبغال ~~والحمير لتركبوها وزينة } ، والخيل اسم جنس لا واحد له ~~من لفظه كالإبل. # واحتج القائلون بتحريم لحوم الخيل؛ وهو قول ابن عباس، والحكم، ~~ومالك، وأبي حنيفة - رضي الله عنهم - بهذه الآية، قالوا: منفعة الأكل ~~أعظم من منفعة الركوب، فلو كان أكل لحوم الخيل جائزا؛ لكان هذا المعنى ~~أولى بالذكر، وحيث لم يذكره الله - تعالى - علمنا تحريم أكله. # ويقوي هذا الاستدلال: أنه قال - تعالى - في صفة الأنعام { ومنها ~~تأكلون } وهذه الكلمة تفيد الحصر، فيقتضي أن لا يجوز الأكل من غير ~~الأنعام فوجب أن يحرم أكل لحوم الخيل بمقتضى هذا الحصر. # ثم إنه - تعالى - ذكر بعد هذا الكلام الخيل والبغال والحمير، وذكر ~~سبحانه أنها مخلوقة للركوب، وهذا يقتضي أن منفعة الأكل مخصوصة بالأنعام. # وأيضا قوله تعالى: { لتركبوها } يقتضي أن تمام المقصود من خلق ~~هذه الأشياء الثلاثة، هو الركوب والزينة، ولو حل أكلها لما كان تمام ~~المقصود من خلقها هو الركوب، بل كان حل أكلها أيضا مقصودا؛ وحينئذ ~~يخرج جواز ركوبها عن أن يكون تمام المقصود؛ بل يصير بعض المقصود. # وأجاب الواحدي - رحمه الله-: بأنه لو دلت هذه الآية على تحريم أكل ~~الخيل؛ لكان تحريم أكلها معلوما في مكة؛ لأن هذه السورة مكية. # ولو كان الأمر كذلك لكان قول عامة المفسرين والمحدثين إن تحريم لحوم ~~الحمر الأهلية كان عام خيبر باطلا؛ لأن التحريم لما كان حاصلا قبل ~~هذا اليوم، لم يبق لتخصيص هذا التحريم بهذه [السنة] فائدة. # وأجاب غيره: بأنه ليس المراد من الآية بيان التحليل والتحريم؛ بل ~~المراد منه أن يعرف الله - تعالى - عباده نعمه، وتنبيههم على كمال ~~قدرته وحكمته. # واحتجوا بقول جابر - رضي الله عنه-: " نهى النبي صلى الله عليه ~~وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر ورخص في لحوم الخيل ". # ولما ذكر - تعالى - أصناف الحيوانات المنتفع بها، ذكر بعده الأشياء ~~التي لا ينتفع غالبا بها فذكرها على سبيل الإجمال. # فقال سبحانه وتعالى: { ويخلق ما لا تعلمون } وذلك لأن ~~أنواعها وأصنافها خارجة عن الإحصاء؛ فذكر ذلك على سبيل الإجمال. ms5359 # وروى عطاء ومقاتل والضحاك عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: " إن ~~عن يمين العرش نهرا من نور مثل السموات السبع ~~والبحار السبعة والأرضين السبع يدخل فيه جبريل - عليه الصلاة ~~والسلام - كل سحر فيزداد نورا إلى نوره وجمالا إلى جماله، ~~ثم ينتفض فيخلق الله - سبحانه وتعالى - من كل نقطة تقع ~~من ريشه كذا وكذا ألف ملك، يدخل منهم كل يوم سبعون ~~ألفا البيت المعمور، وفي الكعبة أيضا سبعون ألفا لا ~~يعودون إلى يوم القيامة ". # قوله: { وعلى الله قصد السبيل } الآية والمعنى: إنما ذكرت ~~هذه الدلائل وشرحتها؛ إزاحة للعذر؛ وإزالة للعلة # ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن ~~بينة # [الأنفال: 42]. # قوله: { ومنها جآئر } الضمير يعود على السبيل؛ لأنها تؤنث # قل هذه سبيلي # [يوسف: 108] أو لأنها في معنى سبل، فأنث على معنى الجمع، ~~والقصد مصدر يوصف به فهو بمعنى قاصد، يقال: سبيل قصد وقاصد، أي: ~~مستقيم، كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك لا يعدل عنه. # وقيل: الضمير يعود على الخلائق؛ ويؤيده قراءة عيسى، وما في مصحف عبد ~~الله: " ومنكم جائر " ، وقراءة علي: " فمنكم جائر " ~~بالفاء. # وقيل: " أل " في " السبيل " للعهد؛ وعلى هذا يعود الضمير على السبيل ~~التي تتضمنها معنى الآية؛ لأنه قيل: ومن السبيل فأعاد عليها، وإن لم ~~يجر له ذكر؛ لأن مقابلها يدل عليها، وأما إذا كانت " أل " للجنس ~~فيعود على لفظها. # والجور: العدول عن الاستقامة؛ قال النابغة: [الطويل] # 3301-..................... # يجور بها الملاح طورا ويهتدي # وقال آخر: [الكامل] # 3302- ومن الطريقة جائر وهدى # قصد السبيل ومنه ذو دخل # وقال أبو البقاء: و " قصد " مصدر بمعنى إقامة السبيل، أو تعديل ~~السبيل، وليس مصدر قصدته بمعنى أتيته. # فصل # قوله: { وعلى الله قصد السبيل } يعني بيان طريق الهدى من ~~الضلالة، وقيل: بيان الحق من الباطل بالآيات والبراهين، والقصد: ~~الصراط المستقيم. # { ومنها جآئر } يعني: ومن السبيل جائر عن الاستقامة معوج، ~~والقصد من السبيل دين الإسلام، والجائر منها: اليهودية والنصرانية ~~وسائر ملل الكفر. # قال جابر بن عبد الله: " قصد السبيل " بيان الشرائع والفرائض. # وقال ابن المبارك ms5360 وسهل بن عبد الله: " قصد السبيل " السنة، " ~~ومنها جائر " الأهواء والبدع؛ لقوله تعالى: # وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا ~~السبل # [الأنعام: 153]. # فصل # قالت المعتزلة: دلت الآية على أنه يجب على الله الإرشاد والهداية إلى ~~الدين وإزالة العلل [والأعذار]؛ لقوله { وعلى الله قصد ~~السبيل } وكلمة " على " للوجوب، قال تعالى: # ولله على الناس حج البيت # [آل عمران: 97] ودلت الآية أيضا على أنه تعالى لا يضل أحدا ولا ~~يغويه ولا يصده عنه، لأنه لو كان - تعالى - فاعلا للضلال؛ لقال { ~~وعلى الله قصد السبيل } وعليه جائرها، أو قال: وعليه الجائر ~~فلما لم يقل ذلك، بل قال في قصد السبيل أنه عليه، ولم يقل في جور ~~السبيل أنه عليه، بل قال: " ومنها جائر " دل على أنه - تعالى - ~~لا يضل عن الدين أحدا. # وأجيب: بأن المراد على أن الله - تعالى - بحسب الفضل والكرم؛ أن ~~يبين الدين الحق، والمذهب الصحيح، فأما أن يبين كيفية الإغواء ~~والإضلال؛ فذلك غير واجب. # قوله تعالى: { ولو شآء لهداكم أجمعين } يدل على أنه - ~~تعالى - ما شاء هداية الكفار، وما أراد منهم الإيمان؛ لأن كلمة " لو ~~" تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره، أي: ولو شاء هدايتكم لهداكم أجمعين، ~~وذلك يفيد أنه - تعالى - ما شاء هدايتهم فلا جرم ما هداهم. # وأجاب الأصم: بأن المراد: لو شاء أن يلجئكم إلى الإيمان لهداكم، ~~وهذا يدل على أن مشيئة الإلجاء لم تحصل. # وأجاب الجبائي: بأن المعنى: ولو شاء لهداكم إلى الجنة وإلى نيل ~~الثواب؛ لكنه لا يفعل ذلك إلا بمن يستحقه، ولم يرد به الهدى إلى ~~الإيمان؛ لأنه مقدور جميع المكلفين. # وأجاب بضعهم؛ فقال المراد: ولو شاء لهداكم إلى الجنة ابتداء على سبيل ~~التفضل، إلا أنه - تعالى - [عرفكم] للمنزلة العظيمة بما نصب من ~~الأدلة وبين، فمن تمسك بها فاز، ومن عدل عنها فاتته وصار إلى العذاب. ~~وتقدم الجواب عن ذلك مرارا. ### || [16.10-17] # قوله تعالى: { هو الذي أنزل من السماء مآء } لما ~~استدل على وجود الصانع الحكيم بأحوال الحيوان، أتبعه بذكر الاستدلال ~~على وجود الصانع الحكيم بعجائب أحوال ms5361 النبات. # واعلم أن الماء المنزل من السماء هو المطر وهو قسمان: # أحدهما: الذي جعله الله شرابا لنا، ولكل حي. # فإن قيل: دلت الآية على أن شراب الخلق ليس إلا من المطر، ومن ~~المعلوم أن الخلق يشربون من المياه التي في قعر الأرض؛ وأجاب القاضي - ~~رحمه الله-: بأنه تعالى بين أن المطر شرابنا، ولم ينف أن نشرب من ~~غيره. # وأجاب غيره: بأنه لا يمتنع أن يكون الماء العذب تحت الأرض من جملة ما ~~ينزل من السماء؛ لقوله تعالى: # وأنزلنا من السمآء مآء بقدر فأسكناه في ~~الأرض # [المؤمنون: 18] ولا يمتنع أيضا في العذاب من الأنهار أن يكون أصلها من ~~المطر. # والقسم الثاني من المياه النازلة من السماء ما يجعله الله سببا لتكوين ~~النبات، وهو قوله { ومنه شجر فيه تسيمون }. # قوله: " لكم " يجوز أن يتعلق ب " أنزل " ويجوز أن يكون صفة ل " ~~ماء " فيتعلق بمحذوف، فعلى الأول يكون [ " شراب " مبتدأ، و " منه " ~~خبره مقدم عليه، والجملة أيضا صفة ل " ماء " ، وعلى الثاني يكون " شراب ~~" فاعلا] بالظرف، و " منه " حال من " شراب " ، و " من " الأولى ~~للتبعيض، وكذا الثانية عند بعضهم، لكنه مجاز؛ لأنه لما كان سقاه ~~بالماء جعل كأنه من الماء؛ كقوله: [الرجز] # 3303- أسنمة الآبال في ربابه # أي: في سحابة، يعني به المطر الذي ينبت به الكلأ الذي تأكله الإبل فتسمن ~~أسنمتها. # وقال ابن الأنباري - رحمه الله-: " هو على حذف مضاف إما من الأول؛ ~~يعني قبل الضمير، أي: ومن جهته أو سقيه شجر، وإما من الثاني، يعني قبل ~~شجر، أي: شرب شجر أو حياة شجر ". # وجعل أبو البقاء: الأولى للتبعيض، والثانية للسببية؛ أي: وبسببه إنبات ~~شجر، ودل عليه قوله - سبحانه وتعالى - { ينبت لكم به الزرع ~~}. # والشجر ها هنا: كل نبات من الأرض حتى الكلأ، وفي الحديث: # " لا تأكلوا ثمن الشجر فإنه سحت " # يعني: الكلأ ينهى عن تحجر المباحات المحتاج إليها، وأنشدوا شعرا: ~~[الرجز] # 3304- نطعمها اللحم إذا عز الشجر # يريد: يسقون الخيل اللبن إذا أجدبت الأرض، قاله الزجاج. # وقال ابن قتيبة في هذه الآية: المراد ms5362 من الشجر: الكلأ. # فإن قيل: قال المفسرون في قوله تعالى: # والنجم والشجر يسجدان # [الرحمن: 6]: إن المراد بالنجم: ما ينجم من الأرض مما ليس له ساق، ومن ~~الشجر ما له ساق، وأيضا: عطف الشجر على النجم؛ فيوجب مغايرة الشجر ~~للنجم. # فالجواب: أن عطف الجنس على النوع وبالضد مشهور وأيضا: فلفظ الشجر ~~يشعر بالاختلاط، يقال: تشاجر القوم إذا اختلط أصوات بعضهم ببعض، وتشاجرت ~~الرماح إذا اختلطت، وقال تعالى: # حتى يحكموك فيما شجر بينهم # [النساء: 65]، ومعنى الاختلاط حاصل في العشب، والكلأ؛ فوجب إطلاق لفظ ~~الشجر عليه. # وقيل المراد بالشجر ما له ساق؛ لأن الإبل تقدر على رعي ورق الأشجار ~~الكبار وإطلاق الشجر على الكلأ مجاز. # قوله: { فيه تسيمون } هذه صفة أخرى ل " ماء " ، والعامة على " ~~تسيمون " بضم التاء من أسام، أي: [أرسلها] لترعى. # وقرأ زيد بن علي بفتحها، فيحتمل أن يكون متعديا، ويكون فعل وأفعل ~~بمعنى، ويحتمل أن يكون لازما على حذف مضاف، أي: تسيم مواشيكم. # يقال: أسمت الماشية إذا خليتها ترعى، وسامت هي تسوم سوما، إذا ~~رعت حيث شاءت فهي سوام وسائمة. # قال الزجاج - رحمه الله-: " أخذ ذلك من السومة وهي العلامة؛ لأنها ~~تؤثر في الأرض برعيها علامات ". # وقال غيره: لأنها تعلم الإرسال والمرعى، وتقدم الكلام في هذه المادة ~~في آل عمران عند قوله تعالى: # والخيل المسومة # [الآية: 14]. # قوله تعالى: { ينبت لكم } تحتمل هذه الجملة الاستئناف والتبعية، ~~كما في نظيرتها، ويقال: أنبت الله الزرع فهو منبوت، وقياسه: ~~منبت. وقيل: أنبت قد يجيء لازما، ك " نبت "؛ وأنشد الفراء: ~~[الطويل] # 3305- رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم # قطينا لهم حتى إذا أنبت البقل # وأباه الأصمعي؛ والبيت حجة عليه، وتأويله: ب " أنبت " البقل نفسه على ~~المجاز بعيد جدا. # وقرأ أبو بكر " ننبت " بنون العظمة، والزهري " تنبت " بالتشديد، ~~والظاهر أنه تضعيف التعدي، وقيل: بل للتكرير، وقرأ أبي: " ~~تنبت " بفتح الياء وضم الباء. " الزرع " وما بعده رفع ~~بالفاعلية، وتقدم خلاف القراء في رفع " الشمس " وما بعدها ونصبها، ~~وتوجيه ذلك في سورة الأعراف. # فصل # النبات قسمان: # أحدهما: لرعي الأنعام؛ وهو ms5363 المراد من قوله " تسيمون ". # والثاني: المخلوق لأكل الإنسان؛ وهو المراد من قوله: { ينبت لكم ~~به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب }. # فإن قيل: إنه - تعالى - بدأ في هذه الآية بذكر مأكول [الحيوان] وأتبعه ~~بذكر مأكول الإنسان، وفي آية أخرى عكس الترتيب؛ فقال: # كلوا وارعوا أنعامكم # [طه: 54] فما الفائدة فيه؟. # فالجواب: أن هذه الآية مبنية على مكارم الأخلاق؛ وهو أن يكون ~~اهتمام الإنسان بمن يكون تحت يده، أكمل من اهتمامه بنفسه، وأما الآية ~~الأخرى، فمبنية على قوله - عليه الصلاة والسلام-: # " ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول ". # فصل # اعلم أن الإنسان خلق محتاجا إلى الغذاء، والغذاء، إما من ~~الحيوانات، وإما من النبات، والغذاء الحيواني أشرف من الغذاء ~~النباتي؛ لأن تولد أعضاء الإنسان من [أكل] أعضاء الحيوان أسهل من ~~تولدها من غذاء النبات؛ لأن المشابهة هناك أكمل وأتم، والغذاء الحيواني ~~إنما يحصل من إسامة الحيوانات وتنميتها بالرعي؛ وهو الذي ذكره الله في ~~الإسامة. # وأما الغذاء النباتي، فقسمان: حبوب، وفواكه: أما الحبوب، فإليها ~~الإشارة بقوله: " الزرع " ، وأما الفواكه، فأشرفها: الزيتون، ~~والنخيل، والأعناب أما الزيتون؛ فلأنه فاكهة من وجه، وإدام من وجه ~~آخر؛ لما فيه من الدهن، ومنافع الدهن كثيرة: للأكل، والطلاء، وإشعال ~~السراج. # وأما امتياز النخيل والأعناب من سائر الفواكه، فظاهر معلوم، وكما ~~أنه - تعالى - لما ذكر الحيوانات المنتفع بها على التفصيل، ثم وصف ~~البقية بقوله تعالى: # ويخلق ما لا تعلمون # [النحل: 8] فكذلك ههنا، لما ذكر الأنواع المنتفع بها من النبات، قال ~~في وصف البقية: { ومن كل الثمرات } تنبيها على أن تفصيل ~~أنواعها، وأجناسها، وصفاتها، ومنافعها، ما لم يكن ذكره، فالأولى أن يقتصر ~~فيه على الكلام المجمل، ثم قال سبحانه وتعالى: { إن في ذلك ~~لآية لقوم يتفكرون }. # واعلم أن وجه الدلالة من هذه الآية على وجود الله - تعالى -: هو أن ~~الحبة الواحدة تقع في الطين، فإذا مضى عليها زمن معين، نفذت في تلك ~~الحبة أجزاء من رطوبة الأرض؛ فتنتفخ وتنشق أعلاها وأسفلها؛ فيخرج من ~~أعلاها شجرة صاعدة إلى الهواء، ومن أسفلها شجرة أخرى غائصة في [قعر] ~~الأرض؛ ms5364 وهي عروق الشجر، ثم إن تلك الشجرة لا تزال تزداد، وتنمو ~~وتقوى، ثم يخرج منها الأوراق، والأزهار، والأكمام، والثمار، ثم إن ~~تلك الشجرة تشتمل على أجسام مختلفة الطبائع؛ كالعنب فإن قشوره وعجمه ~~باردان يابسان كثيفان، ولحمه وماؤه حار رطب، فنسبة هذه الطبائع السفلية ~~إلى هذا الجسم متشابهة، ونسبة التأثيرات الفلكية، والتحريكات الكوكبية ~~إلى الكل متشابهة، فمع تشابه هذه الأشياء، ترى هذه الأجسام مختلفة في ~~الطبع، والطعم، واللون، والرائحة، والصفة؛ فدل صريح العقل على أن ~~ذلك ليس إلا بفعل فاعل قادر حكيم رحيم. # وختم هذه الآية بقوله: { يتفكرون } لأنه تعالى ذكر أنه أنزل من ~~السماء ماء، فأنبت به الزرع، والزيتون، والنخيل، والأعناب، فكأن ~~قائلا قال: لا نسلم أنه - تعالى - هو الذي أنبتها، بل يجوز أن يكون ~~حدوثها لتعاقب الفصول الأربعة، وتأثيرات الشمس والقمر والكواكب، فما ~~لم يقم الدليل على فساد هذا الاحتمال لا يكون هذا الدليل وافيا بإفادة ~~هذا المطلوب، بل يكون مقام الفكر والتأمل باقيا، فلهذا ختم الآية بقوله: ~~{ لقوم يتفكرون }. # قوله تعالى: { وسخر لكم الليل والنهار والشمس ~~والقمر } الآية وهذه الآية هي الجواب عن السؤال المتقدم تقريره من ~~وجهين: # الأول: أن يقول: هب أن حدوث الحوادث في هذا العالم السفلي مستندة إلى ~~الاتصالات الفكلية إلا أنه لا بد لحركتها واتصالاتها من أسباب، ~~وأسباب تلك الحركات: إما ذواتها، وإما أمور مغايرة لها، والأول باطل ~~من وجهين: # الأول: أن الأجسام متماثلة، فلو كان الجسم علة لصفة، لكان كل جسم ~~واجب الاتصاف بتلك الصفة؛ وهو محال. # والثاني: أن ذات الجسم لو كانت علة لحصول هذه الحركة، لوجب دوام ~~هذه الحركة بدوام تلك الذات، ولو كان كذلك لوجب بقاء الجسم على حالة ~~واحدة من غير تغيير أصلا؛ وذلك يوجب كونه ساكنا لذاته، وما أفضى ~~ثبوته إلى عدمه، كان أصلا باطلا. # فثبت أن الجسم يمتنع أن يكون متحركا لكونه جسما، فبقي أن يكون ~~متحركا لغيره، وذلك الغير: إما أن يكون ساريا فيه، أو مباينا عنه، ~~والأول باطل لأن البحث المذكور عائد في أن ذلك ms5365 الجسم بعينه لم اختص بتلك ~~القوة بعينها دون سائر الأجسام؛ فثبت أن محرك أجسام الأفلاك والكواكب ~~أمور مباينة عنها، وذلك المباين إن كان جسما أو جسمانيا، عاد التقسيم ~~الأول فيه، وإن لم يكن جسما ولا جسمانيا، فإما أن يكون موجبا بالذات ~~أو فاعلا مختارا، والأول باطل لأن نسبة ذلك الموجب بالذات إلى جميع ~~الأجسام على التسوية؛ فلم يكن بعض الأجسام بقبول بعض الآثار المعينة ~~أولى من بعض؛ فثبت أن محرك تلك الأفلاك والكواب هو الفاعل القادر ~~المختار المنزه عن كونه جسما، وجسمانيا؛ وذلك هو الله - تعالى -. # فالحاصل أنا وإن حكمنا باستثناء حوادث العالم السفلي إلى الحركات ~~الفلكية والكوكبية، فهذه الحركات الفلكية لا يمكن إسنادها إلى [أفلاك ~~أخرى]؛ وإلا لزم التسلسل؛ وهو محال؛ فوجب أن يكون خالق هذه الحركات ~~ومدبرها هو الله - تعالى - وإذا كان كذلك، كان هذا اعترافا بأن ~~الكل من الله - تبارك وتعالى - وبإحداثه وتخليقه، وهذا هو المراد من ~~قوله عز وجل: { وسخر لكم الليل والنهار والشمس ~~والقمر } يعني: أن تلك الحوادث كانت لأجل تعاقب الليل والنهار، ~~وحركات الشمس والقمر، فهذه الأشياء لا بد وأن يكون حدوثها بتخليق ~~الله - تعالى - وتسخيره؛ قطعا للتسلسل. # ولما تم هذا الدليل، ختم الآية بقوله: { إن في ذلك لآيات ~~لقوم يعقلون } أي: كل عاقل يعلم أن القول بالتسلسل باطل، ~~وأنه لا بد من الانتهاء إلى الفاعل المختار. # والجواب الثاني عن ذلك السؤال: أن تأثير الطبائع، والأفلاك، والكواكب؛ ~~بالنسبة إلى الكل واحد، ثم إنا نرى تولد العنب: قشره على طبع، ~~وعجمه على طبع، ولحمه على طبع ثالث، وماؤه على طبع رابع، ونرى في الورد ~~ما يكون أحد وجهي الورقة الواحدة منه في غاية الصفرة، والوجه الثاني ~~من تلك الورقة في غاية الحمرة، وتلك الورقة في غاية الرقة واللطافة، ~~ونعلم بالضرورة أن نسبة الأنجم، والأفلاك، إلى وجهي تلك الورقة ~~الرقيقة نسبة واحدة، والطبيعة الواحدة هي المادة الواحدة لا تفعل إلا ~~فعلا واحدا؛ ألا ترى أنهم قالوا: شكل البسيط هو الكرة؛ لأن تأثير ~~الطبيعة الواحدة في المادة ms5366 الواحدة يجب أن يكون متشابها، والشكل الذي ~~يتشابه جميع جوانبه هو الكرة، وأيضا إذا أضأنا الشمع، فإذا استضاء خمسة ~~أذرع من ضوء ذلك الشمع من أحد الجوانب، وجب أن يحصل مثل هذا الأثر في ~~جميع الجوانب؛ لأن الطبيعة المؤثرة يجب أن تتشابه نسبتها إلى كل الجوانب، ~~وإذا ثبت هذا، فنسبة الشمس، والقمر، والأنجم، والأفلاك، والطبائع إلى ~~وجهي تلك الورقة اللطيفة نسبة واحدة، والطبائع إلى وجهي تلك الورقة ~~اللطيفة نسبة واحدة، وثبت أن الطبيعة المؤثرة، متى كانت نسبتها واحدة ~~كان الأثر متشابها، وثبت أن الأثر غير متشابه؛ لأن أحد وجهي تلك ~~الورقة في غاية الصفرة، والوجه الثاني منها في غاية الحمرة، وهذا يفيد ~~القطع بأن المؤثر في حصول تلك الصفات، والألوان، والأحوال - ليس هو ~~الطبيعة؛ بل الفاعل فيها هو الفاعل المختار الحكيم، وهو الله - تعالى - ~~وهذا هو المراد من قوله تعالى: { وما ذرأ لكم في الأرض ~~مختلفا ألوانه }. # ولما كان مدار هذه الحجة على أن المؤثر الموجب بالذات وبالطبيعة، ~~يجب أن تكون نسبته إلى الكل متشابهة - لا جرم ختم الآية بقوله تعالى: { ~~إن في ذلك لآية لقوم يذكرون } فلما دل الحس ~~في هذه الأحكام النباتية على اختلاف صفاتها، وتنافر أحوالها - على أن ~~المؤثر فيها ليس هو الطبيعة - ظهر أن المؤثر فيها ليس موجبا ~~بالذات؛ بل الفاعل المختار - سبحانه وتعالى-. # فإن قيلك لا يقال: سخرت هذا الشيء مسخرا. # فالجواب: أن المعنى: أنه - تعالى - سخر لنا هذه الأشياء حال كونها ~~مسخرة تحت قدرته وإذنه. # فإن قيل: التسخير عبارة عن القهر والقسر، ولا يليق ذلك إلا بمن هو ~~قادر يجوز أن يقهر؛ فكيف يصح ذلك في الليل والنهار، وفي الجمادات؛ ~~كالشمس والقمر؟. # فالجواب من وجهين: # الأول: أنه - تعالى - لما دبر هذه الأشياء على طريقة واحدة مطابقة ~~لمصالح العباد، صارت شبيهة بالعبد المنقاد المطواع؛ فلهذا المعنى أطلق ~~على هذا النوع من التدبير لفظ التسخير. # والجواب الثاني: لا يستقيم إلا على مذهب علماء الهيئة؛ لأنهم يقولون: ~~الحركة الطبيعية للشمس والقمر، هي الحركة من المغرب إلى المشرق، ms5367 والله ~~تعالى سخر هذه الكواكب بواسطة حركة الفلك الأعظم من المشرق إلى المغرب، ~~فكانت هذه الحركة قسرية؛ فلذلك أطلق عليها لفظ التسخير. # فإن قيل: إذا كان لا يحصل للنهار والليل وجود إلا بسبب حركات الشمس؛ كان ~~ذكر الليل والنهار مغنيا عن ذكر الشمس، فالجواب: حدوث النهار والليل ~~ليس بسبب [حدوث] حركة الشمس؛ بل حدوثهما سبب حركة الفلك الأعظم الذي ~~دل الدليل على أن حركته ليست إلا بتحريك الله - تعالى - وأما حركة ~~الشمس، فإنها علة لحدوث السنة، لا لحدوث اليوم. # فإن قيل: المؤثر في التسخير هو القدرة، لا الأمر؛ فكيف قال الله: { ~~مسخرات بأمره }؟. # فالجواب: هذه الآية مبنية على أن الأفلاك والكواكب جمادات، أم لا، ~~وأكثر المسلمين على أنها جمادات؛ فلهذا حملوا الأمر في هذه الآية على ~~الخلق [والتقدير]، ولفظ الأمر بمعنى الشأن والفعل كثير؛ قال تعالى: # إنما قولنا لشيء إذآ أردناه أن نقول له كن ~~فيكون # [النحل: 40]. # ومنهم من قال: إنها ليست بجمادات، فههنا يحمل الأمر على الإذن ~~والتكليف. # قوله: { وما ذرأ } عطف على الليل والنهار؛ قاله الزمخشري؛ يعني: ما ~~خلق فيها من حيوان وشجر. # وقال أبو البقاء: " في موضع نصب بفعل محذوف؛ أي: وخلق، أو أنبت ". # كأنه استبعد تسلط " وسخر " على ذلك؛ فقدر فعلا لائقا، و " ~~مختلفا " حال منه، و " ألوانه " فاعل به. # وختم الآية الأولى بالتفكر؛ لأن ما فيها يحتاج إلى تأمل ونظر، ~~والثانية بالعقل؛ لأن مدار ما تقدم عليه، والثالثة بالتذكر؛ لأنه نتيجة ~~ما تقدم. # وجمع " آيات " في الثانية دون الأولى والثالثة؛ لأن ما يناط بها ~~أكثر؛ ولذلك ذكر معها الفعل. # قوله تعالى: { وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه ~~لحما طريا } الآية لما استدل على إثبات الإله أولا بأجرام ~~السموات، وثانيا ببدن الإنسان، وثالثا بعجائب خلق الحيوانات، ~~ورابعا بعدائب النبات - ذكر خامسا عجائب العناصر فبدأ بالاستدلال ~~بعنصر الماء. # قال علماء الهيئة: ثلاثة أرباع كرة الأرض غائصة بالماء، وذلك هو البحر ~~المحيط، وحصل في هذا الرابع المسكون سبعة أبحر؛ قال تعالى: # والبحر يمده من بعده سبعة أبحر # [لقمان: ms5368 27] والبحر الذي سخره الله للناس هو هذه البحار، ومعنى تسخيرها ~~للخلق: جعلها بحيث يتمكن [الناس] من الانتفاع بها: إما بالركوب، أو ~~بالغوص. # واعلم أن منافع البحار كثيرة، فذكر منها - تعالى - هنا ثلاثة ~~أنواع: # الأول: قوله تعالى { لتأكلوا منه لحما طريا } يجوز في " ~~منه " تعلقه ب " لتأكلوا " وأن يتعلق بمحذوف؛ لأنه حال من النكرة ~~بعده، و " من " لابتداء الغاية أو للتبعيض، ولا بد من حذف مضاف، ~~أي: من حيوان، و " طريا " فعيل من: طرو يطرو طراوة؛ ك " ~~سرو يسرو سراوة ". # وقال الفراء: [بل يقال:] " طري يطرى طراء ممدودا وطراوة؛ ~~كما يقال: شقي يشقى شقاء وشقاوة ". # والطراوة ضد اليبوسة أي: غضا جديدا، ويقال: طريت كذا، أي: ~~جددته، ومنه الثياب المطراة، والإطراء: مدح تجدد ذكره؛ ~~وأما " طرأ " بالهمز، فمعناه: طلع. # قال ابن الأعرابي - رحمه الله-: لحم طري غير مهموز، وقد طرو ~~يطرو طراوة. # فصل # اعلم أنه - تعالى - لما أخرج من البحر الملح الزعاق الحيوان الذي ~~لحمه في غاية العذوبة، علم أنه إنما حدث لا بحسب الطب؛ بل بقدرة ~~الله - تعالى - وحكمته بحيث أظهر الضد من الضد. # فصل # لو حلف لا يأكل اللحم فأكل لحم السمك، قال أبو حنيفة - رضي الله عنه ~~-: لا يحنث؛ لأن لحم السمك ليس بلحم. وقال آخرون: يحنث لأن الله ~~- تعالى - نص على تسميته لحما، وليس فوق بيان الله بيان. # روي أن أبا حنيفة - رضي الله عنه - لما قال بهذا، وسمعه سفيان الثوري ~~فأنكر عليه ذلك محتجا بهذه الآية؛ فبعث إليه أبو حنيفة رجلا وسأله عن ~~رجل حلف لا يصلي على البساط فصلى على الأرض، هل يحنث أم لا؟. # فقال سفيان - رحمه الله -: لا يحنث، فقال السائل: أليس أن الله - ~~تعالى - قال: # والله جعل لكم الأرض بساطا # [نوح: 19] قال: فعرف سفيان أن ذلك بتلقين أبي حنيفة - رضي الله عنه - ~~قاله ابن الخطيب. # وهذا ليس بقوي؛ لأن أقصى ما في الباب أنا تركنا العمل بظاهر ~~القرآن في لفظ البساط لدليل قام، فكيف يلزمنا ترك العمل بظاهر القرآن في ~~آية أخرى من ms5369 غير دليل، والفرق بين الصورتين من وجهين: # الأول: أنه لما حلف لا يصلي على البساط، فلو أدخلنا الأرض تحت لفظ ~~البساط؛ لزمنا أن نمنعه من الصلاة؛ لأنه إن صلى على الأرض حنث، وإن ~~صلى على البساط حنث، بخلاف ما إذا أدخلنا لحم السمك تحت لفظ اللحم؛ ~~لأنه ليس في منعه من أكل اللحم على الإطلاق محذور. # الثاني: أنا نعلم بالضرورة من عرف أهل اللغة، أن وقوع اسم البساط ~~على الأرض مجاز ولم نعرف أن وقوع اسم اللحم على لحم السمك مجاز وحجة أبي ~~حنيفة - رضي الله عنه-: أن الأيمان مبناها على العرف؛ لأن الناس إذا ~~ذكروا اللحم على الإطلاق، لا يفهم منه لحم السمك؛ بدليل أنه إذا قال ~~لغلامه: " اشتر بهذا الدرهم لحما " فجاء بلحم سمك استحق الإنكار. # والجواب: أنا رأيناكم في كتاب الأيمان تارة تعتبرون اللفظ، وتارة ~~تعتبرون المعنى، وتارة تعتبرون العرف، وليس لكم ضابط؛ بدليل أنه إذا ~~قال لغلامه: اشتر بهذا الدرهم لحما فجاء بلحم العصفور استحق الإنكار، مع ~~أنكم تقولون: إنه يحنث بأكل لحم العصفور؛ فثبت أن العرف مضطرب، ~~والرجوع إلى نص القرآن متعين. # النوع الثاني من منافع البحر: قوله: { وتستخرجوا منه ~~حلية تلبسونها } " الحلية: اسم لما يتحلى به، وأصلها ~~الدلالة على الهيئة؛ كالعمة والخمرة ". # " تلبسونها " صفة، و " منه " يجوز فيه ما جاز في " منه " ~~قبل، والمراد بالحلية: اللؤلؤ والمرجان. # فصل # المراد: يلبسهم لبس نسائهم؛ لأنهن من جملتهم، ولأن تزينهن لأجلهم ~~فكأنها زينتهم، وتمسك بعض العلماء في عدم وجوب الزكاة في الحلي ~~المباح لقوله - عليه الصلاة والسلام-: # " لا زكاة في الحلي ". # ويمكن أن يجاب على تقدير صحة الحديث: بأن لفظ " الحلي " مفرد ~~محلى بالألف واللام؛ فيحمل على المعهود السابق، وهو المذكور في هذه ~~الآية، فيصير تقدير الحديث: لا زكاة في اللآلىء، وحينئذ يسقط الاستدلال ~~بالحديث. # النوع الثالث من منافع البحر: قوله تعالى: { وترى الفلك ~~مواخر فيه ولتبتغوا من فضله } قال أهل اللغة: مخر ~~السفينة شقها الماء بصدرها. وعن الفراء: أنه صوت جري الفلك ~~بالرياح. # إذا عرفت هذا، ms5370 فقول ابن عباس: " مواخر " أي: جواري، إنما حسن ~~التفسير به؛ لأنها لا تشق الماء إلا إذا كانت جارية. وقوله تعالى: { ~~ولتبتغوا من فضله } يعني: لتركبوه للتجارة؛ فتطلبوا الريح من ~~فضل الله، وإذا وجدتم فضل الله تعالى وإحسانه؛ فلعلكم تقدمون على شكره. # قال القرطبي: امتن الله على الرجال والنساء امتنانا عاما بما ~~يخرج من البحر، فلا يحرم عليهم شيء منه، وإنما حرم الله - تعالى - ~~على الرجال الذهب والحرير. # قال - صلوات الله وسلامه عليه - في الحرير والذهب: # " هذا حرام على ذكور أمتي حل لإناثها ". # وروى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من فضة ~~ونقش فيه محمد رسول الله. # فصل # من حلف لا يلبس حليا، فلبس لؤلؤا لم يحنث، وهو قول أبي حنيفة - رضي ~~الله عنه -. # وقال بعض المالكية: " هذا، وإن كان الاسم اللغوي يتناوله فلم يقصده ~~باليمين، والأيمان مبنية على العرف، ألا ترى أنه لو حلف لا ينام على فراش ~~فنام على الأرض لم يحنث وكذلك لو حلف لا يستضيء بسراج، وجلس في ضوء الشمس ~~لا يحنث، وإن كان الله سمى الأرض فراشا والشمس سراجا ". # قوله: { وترى الفلك مواخر فيه } ، " ترى " جملة معترضة ~~بين التعليلين: وهما " لتأكلوا " ، " ولتبتغوا " ، وإنما كانت ~~اعتراضا، لأنه خطاب لواحد بين خطابين لجمع. # و " فيه " يجوز أن يتعلق ب " ترى " وأن يتعلق ب " مواخر " ~~لأنها بمعنى شواق، وأن يتعلق بمحذوف؛ لأنه حال من " مواخر " أو من ~~الضمير المستكن فيه. # و " مواخر " جمع ماخرة، والمخر: الشق، يقال: مخرت ~~السفينة البحر، أي: شقته، تمخره مخرا ومخورا، ويقال ~~للسفن: بنات مخر وبخر، بالميم والباء بدل منها. # وقال الفراء: هو صوت جري الفلك، وقيل: صوت شدة هبوب الريح، ~~وقيل بنات مخر لسحاب [ينشأ] صيفا، وامتخرت الريح ~~واستخرتها: إذا استقبلتها بأنفك. # وفي الحديث: # " استمخروا الريح وأعدوا النبل " # يعني في الاستنجاء، أي: ينظر أين مجراها وهبوبها؛ فليستدبرها؛ حتى لا ~~يرد عليه البول. # والماخور: الموضع الذي يباع فيه الخمر، و " ترى " هنا بصرية فقط. # قوله { ولتبتغوا } فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: عطف على ms5371 " لتأكلوا " وما بينهما اعتراض كما تقدم، وهذا هو ~~الظاهر. # وثانيها: أنه عطف على علة محذوفة، تقديره: لتنتفعوا بذلك ولتبتغوا، ~~ذكره ابن الأنباري. # وثالثها: أنه متعلق بفعل محذوف، أي: فعل ذلك لتبتغوا. وفيهما تكلف ~~لا حاجة إليه. # ومعنى { ولتبتغوا من فضله } يعني: لتركبوها للتجارة؛ ~~لتطلبوا الربح من فضل الله، فإذا وجدتم فضل الله فلعلكم تشكرونه. # قوله تعالى: { وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم } ~~والمقصود منه: ذكر بعض النعم التي خلقها الله في الأرض، وتقدم ذكر ~~الرواسي. # قوله { أن تميد بكم } أي: كراهة أن تميد، أو لئلا تميد، أي: ~~تتحرك، والميد: هو الاضطراب [والتكفؤ]، ومنه قيل للدوار الذي يعتري ~~راكب البحر: ميد. # قال وهب: " لما خلق الله الأرض جعلت تمور؛ فقالت الملائكة: إن هذه ~~غير مقرة أحد على ظهرها، [فأصبحت] وقد أرسيت بالجبال، فلم تدر ~~الملائكة مم خلقت الجبال؛ كالسفينة إذا ألقيت في الماء، فإنها تميل من ~~جانب إلى جانب، وتضطرب، فإذا وضعت الأجرام الثقيلة فيها، استقرت على وجه ~~الماء ". # قال ابن الخطيب - رحمه الله - وهذا مشكل من وجوه: # الأول: أن هذا التعليل؛ إما أن يكون مع القول بأن حركات هذه ~~الأجسام بطبعها، أو ليست بطبعها؛ بل هي واقعة بتحريك الفاعل المختار، ~~أما على التقدير الأول فمشكل؛ لأن الأرض أثقل من الماء، والأثقل من ~~الماء يغوص في الماء، ولا يبقى طافيا عليه، وإذا لم يبق طافيا، امتنع ~~أن يقال: إنها تميل، وتميد وتضطرب، وهذا بخلاف السفينة؛ لأنها متخذة ~~من الخشب، وفي داخل الخشب تجويفات مملوءة من الهواء، فلهذا السبب تبقى ~~الخشبة طافية على الماء، [فحينئذ] تميل وتميد وتضطرب على وجه الماء، ~~فإذا أرسيت بالأجرام الثقيلة، استقرت وسكنت؛ فافترقا. # وأما على التقدير الثاني: وهو أنه ليس للأرض والماء طبع يوجب الثقل ~~والرسوب، وإنما - الله تعالى - أجرى عادته بجعلها كذلك، وصار الماء ~~محيطا بالأرض لمجرد إجراء العادة، وليس ههنا طبيعة للأرض، ولا للماء، ~~توجب حالة مخصوصة، فعلى هذا التقدير؛ علة سكون الأرض: هي أن الله - ~~تعالى - خلق فيها السكون. # وعلة كونها مائدة مضطربة: ms5372 هي أن الله يخلق فيها الحركة، وعلى هذا، ~~فيفسد القول بأن الأرض كانت مائدة مائلة، فخلق الله تعالى الجبال ~~وأرساها بها؛ لتبقى ساكنة؛ لأن هذا إنما يصح إذا كانت طبيعة الأرض ~~توجب الميلان، وطبيعة الجبال توجب الإرساء، والثبات، ونحن نتكلم على ~~تقدير نفي الطبائع الموجبة لهذه الأحوال، فثبت أن هذا التعليل مشكل على ~~كل تقدير. # الثاني: أن إرساء الأرض بالجبال إنما كان؛ لأجل أن تبقى الأرض على ~~وجه الماء ساكنة من غير أن تميد وتميل، وهذا إنما يعقل إذا كان الماء ~~الذي استقرت الأرض على وجهه واقفا. # فنقول: فما المقتضي لسكونه في ذلك الحيز المخصوص؟ فإن كان طبعه ~~المخصوص أوجب وقوفه في ذلك الحيز المعين، فلم لا نقول مثله في الأرض؟ ~~وهو أن طبيعة الأرض المخصوصة أوجبت وقوفها في ذلك الحيز المعين، ~~وحينئذ يفسد القول بأن الأرض إنما وقفت؛ بسبب أن الله أرساها ~~بالجبال، وإن كان المقتضي لسكون الماء في حيزه المعين، هو أن الله - ~~تعالى - سكن الماء بقدرته في ذلك الحيز المخصوص، فلم لا نقول مثله في ~~سكون الأرض؟ وحينئذ يفسد هذا التعليل أيضا. # الثالث: أن الأرض كلها جسم، فبتقدير أن تميل وتضطرب على وجه البحر ~~المحيط، فلم لم تظهر تلك الحالة للناس؟. # فإن قيل: أليس أن الأرض تحركها البخارات المحتبسة في داخلها عند ~~الزلزال، وتظهر تلك الحركات للناس، فبم تنكرون على من يقول: إنه لولا ~~الجبال لتحركت الأرض، إلا أنه - تعالى - لما أرساها بالجبال الثقال، ~~لم تقو الريح على تحريكها؟. # قلنا: تلك البخارات احتبست في [داخل] قطعة صغيرة من الأرض، فلما حصلت ~~الحركة في تلك القطعة الصغيرة، ظهرت تلك الحركة، فظهور تلك الحركة في تلك ~~القطعة المعينة من الأرض يجري مجرى اختلاج يحصل في عضو معين من بدن ~~الإنسان، أما لو تحركت كلية الأرض لم تظهر تلك الحركة؛ ألا ترى أن ~~الساكن في السفينة لا يحس بحركة كلية السفينة، وإن كانت على أسرع ~~الوجوه، وأقواها، فكذا ها هنا. # قال ابن الخطيب - رحمه الله-: والذي عندي ههنا أن يقال: ms5373 ثبت بالدلائل ~~اليقينية أن الأرض كرة، وثبت أن الجبال على سطح الكرة جارية مجرى ~~خشونات تحصل على وجه هذه الكرة. # وإذا ثبت هذا فنقول: لو فرضنا أن هذه الخشونات ما كانت حاصلة؛ بل ~~كانت الأرض كرة حقيقية، خالية عن الخشونات، والتضريسات - لصارت بحيث ~~تتحرك بالاتسدارة بأدنى سبب؛ لأن الجرم البسيط المستدير: إما ن يجب ~~كونه متحركا بالاستدارة؛ وإن لم يجب ذلك عقلا، إلا أنها بأدنى سبب ~~تتحرك على [هذا الوجه]، فلما حصل على ظاهر سطح الكرة من الأرض هذه ~~الجبال، وكانت الخشونات الواقعة على وجه الكرة، فكل واحد من هذه ~~الجبال إنما يتوجه بطبعه نحو مركز العالم، وتوجه ذلك الجبل نحو مركز ~~العالم بثقله العظيم، وقوته الشديدة، يكون جاريا مجرى الوتد الذي يمنع ~~كرة الأرض من الاستدارة، فكان تخليق هذه الجبال على وجه الأرض كالأوتاد ~~المغروزة في الكرة المانعة من الحركة المستديرة، فكانت مانعة للأرض من ~~الميد، والميل، والاضطراب، بمعنى أنها منعت الأرض من الحركة ~~المستديرة والله أعلم. # قوله: " وأنهارا " عطف على " رواسي "؛ لأن الإلقاء بمعنى ~~الخلق، وادعى ابن عطية رحمه الله: أنه منصوب بفعل مضمر، أي: ~~وجعل فيها أنهارا. # وليس كما ذكر. # وقيل: الإلقاء معناه الجعل، قال تعالى: # وجعل فيها رواسي من فوقها # [فصلت: 10] وقدره أبو البقاء: " وشق فيها أنهارا " وهو مناسب. # واعلم أنه ثبت في العلوم العقلية، أن أكثر الأنهار إنما يتفجر ~~منابعها في الجبال، فلهذا [السبب] لما ذكر الجبال، أتبع ذكرها بتفجير ~~العيون والأنهار. # قوله " وسبلا " أي: وذلل، أو وجعل فيها طرقا؛ لتهتدوا بها في ~~أسفاركم؛ كقوله تعالى: # وسلك لكم فيها سبلا # [طه: 53] إلى ما تريدون. # وقوله: { وعلامات } أي: وضع فيها علامات. # قوله: " وبالنجم " متعلق ب " يهتدون " والعامة على فتح النون، ~~وسكون الجيم، بالتوحيد، فقيل: المراد به: كوكب بعينه وهو الجدي أو ~~الثريا. # وقيل: بل هو اسم جنس، وقرأ ابن وثاب: بضمهما، والحسن: بضم النون ~~فقط، وعكس بعضهم النقل عنهما. # فأما قراءة الضمتين، ففيها تخريجان: # أظهرهما: أنه جمع صريح؛ لأن فعلاء يجمع على فعل؛ نحو: " سقف ~~وسقف، ms5374 وزهر وزهر ". # والثاني: أن أصله النجوم، وفعل يجمع على فعول؛ نحو: فلس وفلوس، ثم ~~خفف بحذف الواو، كما قالوا: أسد وأسود وأسد. # قال أبو البقاء: وقالوا في " خيام: خيم " يعني أنه نظيره من حيث ~~حذفوا فيه حرف المد. # وقال ابن عصفور: " إن قولهم: " النجم " من ضرورات الشعر " ~~وأنشد: [الرجز] # 3306- إن الذي قضى بذا قاض حكم # أن ترد الماء إذا غاب النجم # يريد النجوم. كقوله: [الرجز] # 3307- حتى إذا بلت حلاقيم الحلق # يريد الحلوق. # وأما قراءة الضم، والسكون، ففيها وجهان: # أحدهما: أنها تخفيف من الضم. # والثاني: أنها لغة مستقلة. وتقديم كل من الجار، والمبتدأ، يفيد ~~الاختصاص، قال الزمخشري - رحمه الله-: " فإن قلت: قوله تعالى: { ~~وبالنجم هم يهتدون } مخرج عن سنن الخطاب مقدم فيه " النجم " ~~مقحم فيه " هم " كأنه قيل: وبالنجم خصوصا هؤلاء خصوصا، فمن المراد ~~بهم؟. # قلت: كأنه أراد قريشا كان لهم اهتداء بالنجوم في مسائرهم، وكان لهم به ~~علم لم يكن لغيرهم؛ فكان الشكر عليهم أوجب، ولهم ألزم ". # وقال بعض المفسرين: قوله تعالى: { وبالنجم هم يهتدون } ~~مختص بسفر البحر؛ لأنه تعالى لما ذكر صفة البحر، ومنافعه، بين أن ~~من يسير فيه يهتدون بالنجم. # وقال بعضهم: هو مطلق في سفر البحر والبر. # فصل في المراد بالعلامات # المراد بالعلامات: معالم الطريق، وهي الأشياء التي يهتدى بها، وهذه ~~العلامات هي الجبال والرياح. # قال ابن الخطيب: " ورايت جماعة يشمون التراب؛ فيعرفون الطرقان ~~بشمه ". # قال الأخفش - رحمه الله-: تم الكلام عند قوله: " وعلامات " ثم ابتدأ: ~~{ وبالنجم هم يهتدون }. # وقال محمد بن كعب القرظي، والكلبي - رحمهما الله-: الجبال علامات ~~النهار، والنجوم علامات الليل. # قال السدي: أراد بالنجم: الثريا، وبنات نعش، والفرقدين، والجدي، ~~يهتدى بها إلى الطرق، والقبلة. # قال القرطبي: # " سأل ابن عباس رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم - عن ~~النجم؛ فقال - صلوات الله وسلامه عليه-:هو الجدي عليه قبلتكم ~~وبه تهتدون في بركم وبحركم " # ، وذلك أن آخر الجدي بنات نعش الصغرى، والقطب الذي تستوي عليه ~~القبلة بينهما. # قوله تعالى: { أفمن يخلق كمن لا يخلق } الآية لما ms5375 ذكر ~~الدلائل الدالة على وجود الإله القادر الحكيم، أتبعه بذكر إبطال عبادة ~~غير الله - تعالى - والمقصود أنه لما دلت الدلائل [القاهرة] على وجود ~~إله قادر حكيم، وثبت أنه هو المولي لجميع هذه النعم، والمعطي لكل ~~هذه الخيرات، فكيف يحسن في العقول الاشتغال بعبادة غيره، لا سيما إن ~~كان غيره جمادا لا يفهم، ولا يعقل؟. # فلهذا قال تعالى: { أفمن يخلق } هذه الأشياء التي ذكرناها { ~~كمن لا يخلق } ، أي كمن لا يقدر على شيء ألبتة؛ { أفلا ~~تذكرون } فإن هذا القدر لا يحتاج إلى تدبر، ونظر؛ بل يكفي فيه ~~أن تتنبهوا على ما في عقولكم، من أن العبادة لا تليق إلا بالمنعم ~~الأعظم، وأنتم ترون في الشاهد إنسانا عاقلا فاهما ينعم بالنعم العظيمة ~~ومع ذلك فتعلمون أن عبادته تقبح، فهذه الأصنام جمادات محضة، ليس لها ~~فهم، ولا قدرة ولا إحساس، فكيف تعبدونها؟. # قوله { كمن لا يخلق } إن أريد ب { كمن لا يخلق } جميع ~~ما عبد من دون الله، كان ورود " من " واضحا؛ لأن العاقل يغلب على ~~غيره، فيعبر عن الجميع ب " من " ولو جيء أيضا ب " ما " لجاز، وإن ~~أريد به الأصنام، ففي إيقاع " من " عليهم أوجه: # أحدها: إجراؤهم لها مجرى أولي العلم في عبادتهم إياها، واعتقاد ~~أنها تضر، وتنفع كقول الشاعر: [الطويل] # 3308- بكيت إلى سرب القطا إذ مررن بي # فقلت: ومثلي بالبكاء جدير # أسرب القطا هل من يعير جناحه؟ # لعلي إلى من قد هويت أطير # فأوقع " من " على السرب، لما عاملها معاملة العقلاء. # الثاني: المشاكلة بينه وبين " من يخلق ". # [الثالث: تخصيصه بمن يعلم، والمعنى: أنه إذا حصل التباين بين من يخلق] ~~وبين " من لا يخلق " من أولي العلم، وأن غير الخالق لا يستحق ~~العبادة ألبتة، فكيف يستقيم عبادة الجماد المنحط رتبة، الساقط منزلة ~~عن المخلوق من أولي العلم؛ كقوله تعالى: # ألهم أرجل يمشون بهآ # [الأعراف: 195] إلى آخره؛ وأما من يجيز إيقاع " من " على غير ~~العقلاء من غير شرط كقطرب فلا يحتاج إلى تأويل. # قال الزمخشري - رحمه الله-: فإن قلت: هو إلزام للذين ms5376 عبدوا الأوثان، ~~ونحوها؛ تشبيها بالله تعالى - جل ذكره - وقد جعلوا غير الخالق مثل ~~الخالق - سبحانه لا إله إلا هو - فكان حق الإلزام أن يقال لهم: أفمن ~~لا يخلق كمن يخلق. # قلت: حين جعلوا غير الله مثل الله عز وجل، بتسميتهم والعبادة له، جعلوا ~~الله من جنس المخلوقات، وتشبيها بها، فأنكر عليهم ذلك بقوله: { أفمن ~~يخلق كمن لا يخلق }. # فصل في الاحتجاج بالآية # احتج أهل السنة بهذه الآية على أن العبد غير خالق لأفعال نفسه؛ ~~لأنه سبحانه - عز وجل - ميز نفسه عن الأشياء التي يعبدونها بصفة ~~الخالقية؛ لأن الغرض من قوله تعالى: { أفمن يخلق كمن لا ~~يخلق } بيان تميزه عن الأصنام بصفة الخالقية، وأنه إنما يستحق ~~الإلهية، والمعبودية؛ لكونه خالقا، وهذا يقتضي أن العبد لو كان ~~خالقا لشيء؛ وجب أن يكون إلها معبودا، ولما كان ذلك باطلا، علمنا ~~أن العبد لا يقدر على الخلق، والإيجاد. # أجاب المعتزلة من وجوه: # الأول: المراد من قوله تعالى { أفمن يخلق } ما تقدم ذكره من ~~السماوات والأرض، والإنسان، والحيوان، والنبات، والبحار، والنجوم، ~~والجبال، كمن لا يقدر على خلق شيء أصلا، وهذا يقتضي أن من كان خالقا ~~لهذه الأشياء؛ فإنه يكون إلها، ولم يلزم منه أنه إن قدر على خلق أفعال ~~نفسه أن يكون إلها. # الثاني: أن معنى الآية: أن من كان خالقا كان أفضل ممن لا يكون ~~خالقا، فوجب امتناع التسوية بينهما في الإلهية، والمعبودية، وهذا ~~القدر لا يدل على ان كل من كان خالقا؛ فإنه يجب أن يكون إلها؛ ~~لقوله: # ألهم أرجل يمشون بهآ # [الأعراف: 195]. # ومعناه أن الذي له رجل يمشي بها يكون أفضل من الذي له رجل لا يمشي ~~بها، وهذا يوجب كون الإنسان أفضل من الصنم، والأفضل لا يليق به عبادة ~~الأخس. # فهذا هو المقصود من هذه الآية، ثم إنها لا تدل على أن من له رجل يمشي ~~بها أن يكون إلها، فلذلك ها هنا المقصود من هذه الآية: أن الخالق أفضل ~~من غير الخالق، فيمتنع التسوية بينهما في الإلهية والمعبودية، ولا يلزم ms5377 ~~منه أنه بمجرد حصول صفة الخالقية يكون إلها. # الثالث: أن كثيرا من المعتزلة لا يطلقون لفظ الخالق على العبد. قال ~~الكعبي في تفسيره: إنا لا نقول: إنا لا نخلق أفعالنا، ومن أطلق ذلك ققد ~~أخطأ؛ إلا في مواضع ذكرها الله تعالى؛ كقوله تعالى: # وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير # [المائدة: 110]؛ وفي قوله عز وجل: # فتبارك الله أحسن الخالقين # [المؤمنون: 14] واعلم أن أصحاب أبي هاشم يطلقون لفظ الخالق على العبد ~~حقيقة؛ حتى إن أبا عبد الله البصري بالغ وقال: إطلاق لفظ الخالق ~~حقيقة على العبد، وعلى الله مجاز؛ لأن الخلق عبارة عن التقدير، وذلك ~~عبارة عن الظن، والحسبان، وهو في حق العبد حاصل، وفي حق الله تعالى ~~محال. ### || [16.18-21] # قوله تعالى: { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ } ~~لما بين أن الاشتغال بعبادة غير الله باطل، بين ههنا أن العبد ~~لا يمكنه الإتيان بعبادة الله، وشكر نعمه على سبيل التمام، والكمال، ~~بل العبد وإن أتعب نفسه في القيام بالطاعات، والعبادات، وبالغ في شكر ~~نعم الله؛ فإنه يكون مقصرا؛ لأن الاشتغال بشكر النعم مشترط بعلمه ~~بتلك النعم على سبيل التفصيل، فإن من لا يكون متصورا، ولا مفهوما ~~يمتنع الاشتغال بشكره، والعلم بنعمة الله على سبيل التفصيل غير حاصل ~~للعبد؛ لأن نعم الله كثيرة، وأقسامها عظيمة، وعقول الخلق قاصرة عن ~~الإحاطة بمبادئها فضلا عن غايتها، لكن الطريق إلى ذلك أن يشكر الله ~~على جميع نعمه مفصلها، ومجملها. # ثم قال - جل ذكره-: { إن الله لغفور رحيم } ، " ~~لغفور " لتقصيركم في شكر نعمه، " رحيم " بكم حيث لم يقطع نعمه ~~عنكم لتقصيركم. قال بعضهم: إنه ليس لله على [الكافر] نعمة. وقال ~~الأكثرون: لله على الكافر والمؤمن نعم كثيرة؛ لأن الإنعام بخلق ~~السموات، والأرض، وخلق الإنسان من نطفة، والإنعام بخلق الخيل، والبغال ~~والحمير، وجميع المخلوقات المذكورة للإنعام يشترك فيها المؤمن، والكافر. # قوله تعالى: { والله يعلم ما تسرون وما تعلنون } ~~قرأ العامة " تسرون " و " تعلنون " بتاء الخطاب، وأبو جعفر، ~~وشيبة بالياء من تحت، وقرأ عاصم وحده: " يدعون " بالياء، والباقون ~~بالتاء ms5378 من فوق، وقراءة " يدعون " مبنيا للمفعول، وهن واضحات، ~~والمعنى: أن الكفار كانوا مع اشتغالهم بعبادة غير الله يسرون ضروبا ~~من المكر بمكايد الرسول؛ فذكر هذا زجرا لهم عنها. # قوله تعالى: { والذين يدعون من دون الله لا يخلقون ~~شيئا وهم يخلقون } تكرير؛ لأن قوله تعالى: { أفمن ~~يخلق } يدل على أن الأصنام لا تخلق شيئا. # فالجواب: أن الأول أنهم لا يخلقون شيئا، وههنا أنهم لا يخلقون ~~شيئا، وأنهم مخلوقون كغيرهم؛ فكان هذا زيادة في المعنى. # قوله " أموات " يجوز أن يكون خبرا ثانيا، أي: وهم يخلقون وهم أموات، ~~ويجوز أن يكون " يخلقون " ، و " أموات " كلاهما خبر من باب: هذا ~~حلو حامض ذكره أبو البقاء رحمه الله تعالى، ويجوز أن يكون خبر ~~مبتدأ مضمر، أي: هم أموات. # قوله: { غير أحيآء } يجوز فيه ما تقدم ويكون تأكيدا. # وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون قصد بها أنهم في الحال غير أحياء؛ ليدفع ~~به توهم أن قوله تعالى: { أموات } فيما بعد، إذ قال تعالى: # إنك ميت وإنهم ميتون # [الزمر: 30]. # قال شهاب الدين: " وهذا لا يخرجه عن التأكيد الذي ذكره قبل ذلك ". # فصل في وصف الأصنام # اعلم أنه - تعالى - وصف الأصنام بصفات: # أولها: أنها لا تخلق شيئا. # وثانيها: أنها مخلوقة. # وثالثها: أنهم أموات غير أحياء، أي: أنها لو كانت آلهة حقيقية؛ لكانت ~~أحياء غير أموات، أي: لا يجوز عليها الموت، كالحي الذي لا يموت - ~~سبحانه - وهذه الأصنام بالعكس. # فإن قيل: لما قال " أموات " علم أنها " غير أحياء " ، فما فائدة ~~قوله تعالى: { غير أحياء }؟. # والجواب: أن الإله هو الحي الذي لا يحصل عقيب حياته موت، وهذه ~~الأصنام أموات لا يحصل عقيب موتها حياة، وأيضا: فهذا الكلام مع عبدة ~~الأوثان، وهم في نهاية الجهالة، ومن تكلم مع الجاهل الغر الغبي، فقد ~~يعبر عن المعنى الواحد، بعبارات كثيرة، وغرضه الإعلام بأن ذلك المخاطب ~~في غاية الغباوة، وإنما يعيد تلك الكلمات؛ لأن ذلك السامع في نهاية ~~الجهالة، وأنه لا يفهم المعنى المقصود بالعبارة الواحدة. # ورابعها: قوله: { وما يشعرون أيان يبعثون } والضمير في ms5379 ~~قوله: " يشعرون " عائد على الأصنام، وفي الضمير في قوله: " ~~يبعثون " قولان: # أحدهما: أنه عائد إلى العابد للأصنام، أي: ما يدري الكفار عبدة الأصنام ~~متى يبعثون. # الثاني: أنه يعود إلى الأصنام، أي: الأصنام لا يشعرون متى يبعثها الله ~~تعالى. # قال ابن عباس - رضي الله عنه: إن الله - تعالى - يبعث الأصنام لها ~~أرواح، ومعها شياطينها، فتتبرأ من عابديها، فيؤمر بالكل إلى ~~النار. # فصل هل توصف الأصنام بموت أو حياة # الأصنام جمادات، والجمادات لا توصف بأنها أموات، ولا توصف بأنها لا ~~تشعر بكذا وكذا. # فالجواب من وجوه: # الأول: أن الجماد قد يوصف بكونه ميتا؛ قال تعالى: # يخرج الحي من الميت # [الأنعام: 95]. # الثاني: أنهم لما وصفوا بالإلهية قيل لهم: ليس الأمر كذلك؛ بل هي ~~أموات، لا يعرفون شيئا، فخوطبوا على وفق معتقدهم. # الثالث: أن المراد بقوله تعالى: { والذين يدعون من دون ~~الله } [الملائكة] وكان أناس من الكفار يعبدونهم؛ فقال الله تعالى: ~~إنهم " أموات " أي: لا بد لهم من الموت " غير أحياء " أي: غير ~~باقية حياتهم، { وما يشعرون أيان يبعثون } أي لا علم ~~لهم بوقت بعثهم. انتهى. # قوله تعالى: " أيان " منصوب بما بعده لا بما قبله؛ لأنه استفهام، ~~وهو معلق ل " ما يشعرون " فجملته في محل نصب على إسقاط الخافض، ~~هذا هو الظاهر. # وقيل: إن " أيان " ظرف لقوله # إلهكم إله واحد # [النحل: 22] يعني: أن الإله واحد يوم القيامة، ولم يدع أحد ~~[تعدد] الآلهة في ذلك اليوم، بخلاف أيام الدنيا، فإنه قد وجد فيها ~~من ادعى ذلك، وعلى هذا فقد تم الكلام على قوله " يشعرون " إلا ~~أن هذا القول مخرج ل " أيان " عن [موضوعها]، وهو إما الشرط، ~~وإما الاستفهام إلى محض الظرفية، بمعنى وقت مضاف للجملة بعده؛ كقولك " ~~وقت يذهب عمرو منطلق " ف " وقت ": منصوب ب " منطلق ~~" مضاف ل " يذهب ". ### || [16.22-23] # قوله تعالى: { إلهكم إله واحد } لما زيف طريقة عبدة ~~الأصنام وفساد مذاهبهم، قال { إلهكم إله واحد } ثم ذكر ما لأجله أصر ~~الكفار على الشرك؛ فقال: { فالذين لا يؤمنون بالأخرة ~~قلوبهم منكرة } جاحدة { وهم مستكبرون } مستعظمون ms5380 أي: ~~إن المؤمنين في الآخرة يرغبون بالفوز في الثواب الدائم، ويخافون العقاب ~~الدائم، فإذا سمعوا الدلائل خافوا، وتأملوا، وتفكروا فيما يسمعون، فلا ~~جرم ينتفعون بسماع الدلائل، ويرجعون إلى الحق. # وأما الذين لا يؤمنون بالآخرة وينكرونها، فإنهم لا يرغبون في الثواب ~~ولا يرهبون عن الوقوع في العقاب، فيبقون منكرين لكل كلام يخالف قولهم، ~~ويستكبرون عن الرجوع إلى قول غيرهم، فيبقون مصرين على الجهل والضلال. # قوله تعالى: { لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما ~~يعلنون إنه لا يحب المستكبرين }. # قد تقدم الكلام على لفظة " لا جرم " في سورة هود - عليه السلام - ~~والعامة على فتح الهمزة من " أن الله " ، وكسرها عيسى الثقفي رحمه الله، ~~وفيها وجهان: # أظهرهما: الاستئناف. # والثاني: جريان " لا جرم " مجرى القسم فيتلقى بما يتلقى به. # وقال بعض العرب: " لا جرم والله لا [فارقتك] " وهذا يضعف كونها ~~للقسم؛ لتصريحه بالقسم بعدها، وإن كان أبو حيان أتى بذلك مقويا ~~لجريانها مجرى القسم. # قوله: { إنه لا يحب المستكبرين } ، أي: أن إصرارهم ~~على الكفر ليس لأجل شبهة تصوروها، بل لأجل التقليد لأسلافهم، ~~والتكبر؛ قال عليه الصلاة والسلام: # " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من ~~كبر، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال ذرة من ~~إيمان، فقال رجل: يا رسول الله - صلى الله عليك - إن ~~الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا، قال صلى الله عليه وسلم: ~~إن الله - تعالى - جميل يحب الجمال، الكبر: بطر ~~الحق، وغمط الباطل ". ### || [16.24-32] # قوله تعالى: { وإذا قيل لهم ماذآ أنزل ربكم قالوا ~~أساطير الأولين } الآيات. # لما قرر دلائل التوحيد، وأبطل مذاهب عبدة الأصنام، ذكر بعد ذلك شبهات ~~منكري النبوة مع الجواب عنها. # فالشبهة الأولى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما احتج على صحة ~~بعثته بكون القرآن معجزة؛ طعنوا فيه، وقالوا: إنه أساطير الأولين، ~~واختلفوا في هذا القول. # فقيل: هو كلام بعضهم لبعض. # وقيل: قول المسلمين لهم. # وقيل: قول المقتسمين الذين اقتسموا [مكة] ومداخل مكة؛ ينفرون عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ms5381 سألهم وفود الحاج عما أنزل الله ~~على رسوله. # قوله: " ماذا " تقدم الكلام عليها أول البقرة. # وقال الزمخشري: " أو مرفوع بالابتداء، بمعنى أي شيء أنزله ربكم ". # قال أبو حيان: " وهذا غير جائز عند البصريين ". يعني: من كونه حذف ~~عائده المنصوب، نحو " زيد ضربت " وقد تقدم خلاف الناس في هذا، ~~والصحيح جوازه، والقائم مقام الفاعل، قيل: الجملة من قوله { ماذآ ~~أنزل ربكم } لأنها المقولة، والبصريون يأبون ذلك، ويجعلون القائم ~~مقامه ضمير المصدر؛ لأن الجملة لا تكون فاعلة، ولا قائمة مقام الفاعل، ~~و الفاعل المحذوف: إما المؤمنون، وإما بعضهم، وإما المقتسمون. # وقرىء " أساطير " بالنصب على تقدير: أنزل أساطير، على سبيل التهكم، ~~أو ذكرتم أساطير. # والعامة برفعه على أنه خبر مبتدأ مضمر فاحتمل أن يكون التقدير: ~~المنزل أساطير على سبيل التهكم، أو المذكور أساطير، وللزمخشري ~~هنا عبارة [فظيعة]. # قوله " ليحملوا " لما حكى شبهتهم قال: " ليحملوا " وفي هذه ~~اللام ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها لام الأمر الجازمة على معنى الحتم عليهم، والصغار الموجب ~~لهم، وعلى هذا فقد تم الكلام عند قوله: " الأولين " ثم استؤنف ~~أمرهم بذلك. # الثاني: أنها لام العاقبة، أي: كان عاقبة [قولهم] ذلك؛ لأنهم لم ~~يقولوا أساطير ليحملوا؛ فهو كقوله تعالى: # ليكون لهم عدوا وحزنا # [القصص: 8]. # قال: [الوافر] # 3309- لدوا للموت وابنوا للخراب # ................. # الثالث: أنها للتعليل، وفيه وجهان: # أحدهما: أنه تعليل مجازي. # قال الزمخشري رحمه الله: واللام للتعليل من غير أن تكون غرضا؛ نحو ~~قولك " خرجت من البلد مخافة الشر ". # والثاني: أنه تعليل حقيقة. # قال ابن عطية بعد حكاية وجه لام العاقبة: " ويحتمل أن يكون صريح لام ~~كي؛ على معنى قدر هذا؛ لكذا " انتهى. # لكنه لم يعلقها بقوله " قالوا " إنما قدر لها عاملا، وهو " قدر ~~" هذا. # وعلى قول الزمخشري يتعلق ب " قالوا " لأنها ليست لحقيقة العلة، و " ~~كاملة " حال، والمعنى لا يخفف من عقابهم شيء، بل يوصل ذلك العقاب ~~بكليته إليهم، وهذا يدل على أنه - تعالى - قد يسقط بعض العقاب عن ~~المؤمنين إذ لو كان هذا المعنى حاصلا للكل، لم يكن لتخصيص هؤلاء ~~الكفار بهذا ms5382 التكميل فائدة. # قال - صلوات الله وسلامه عليه-: # " أيما داع دعى إلى الهدى، فاتبع، كان له مثل أجر ~~من اتبعه لا ينقص من أجورهم شيء، وأيما داع دعى إلى ~~الضلال فاتبع؛ كان عليه وزر من اتبعه لا ينقص من ~~آثامهم شيء ". # قوله: { ومن أوزار } فيه وجهان: # أحدهما: أن " من " مزيدة، وهو قول الأخفش، أي: وأوزار الذين، على ~~معنى: ومثل أوزار؛ كقوله - عليه الصلاة والسلام-: # " كان عليه وزرها ووزر من عمل بها ". # الثاني: أنها غير مزيدة، وهي للتبعيض، أي: وبعض أوزار الذين، وقدر أبو ~~البقاء: مفعولا حذف، وهذه صفته، أي: وأوزار من أوزار، ولا بد من حذف " ~~مثل " أيضا. # ومنع الواحدي أن تكون " من " للتبعيض، قال: " لأنه يستلزم تخفيف ~~الأوزار عن الأتباع، وهو غير جائز، لقوله - صلوات الله وسلامه عليه-: # " من غير أن ينقص من أوزارهم شيء " لكنها للجنس، أي: ~~ليحملوا من جنس أوزار الأتباع ". # قال أبو حيان: " والتي لبيان الجنس لا تقدر هكذا؛ وإنما تقدر ~~الأوزار التي هي أوزار الذين يضلونهم فهو من حيث المعنى موافق لقول ~~الأخفش، وإن اختلفا في التقدير ". # قوله تعالى: { بغير علم } حال وفي صاحبها وجهان: # أحدهما: أنه مفعول " يضلون " أي: يضلون من لا يعلم أنهم ضلال؛ ~~قاله الزمخشري. # والثاني: أنه الفاعل، ورجح هذا بأنه المحدث عنه، وتقدم الكلام في ~~إعراب نحو: " ساء ما يزرون " وأنها قد تجري مجرى بئس، والمقصود ~~منه المبالغة في الزجر. # فإن قيل: إنه - تعالى - حكى هذه الشبهة عنهم، ولم يجب عنها، بل اقتصر ~~على محض الوعيد، فما السبب فيه؟. # فالجواب: أنه - تعالى - بين كون القرآن معجزا بطريقين: # الأول: أنه - صلوات الله وسلامه عليه - تحداهم تارة بكل القرآن، وتارة ~~بعشر سور، وتارة بسورة واحدة، وتارة بحديث واحد، وعجزوا عن ~~المعارضة؛ وذلك يدل على كون القرآن معجزا. # الثاني: أنه - تعالى - حكى هذه الشبهة بعينها في قوله: # اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا # [الفرقان: 5]، وأبطلها بقوله: # قل أنزله الذي يعلم السر في السموات # [الفرقان: 6] أي: أن القرآن مشتمل على الإخبار عن الغيوب، وذلك لا ~~يتأتى ms5383 إلا ممن يكون عالما بأسرار السماوات، والأرض، ولما ثبت كون ~~القرآن معجزا بهذين الطريقين، وتكرر شرحهما مرارا؛ لا جرم اقتصر ههنا ~~على مجرد الوعيد. # قوله تعالى: { قد مكر الذين من قبلهم } ذكر هذه الآية ~~مبالغة في وصف أولئك الكفار. # قال بعض المفسرين: المراد بالذين من قبلهم نمرود بن كنعان بنى صرحا ~~عظيما ببابل طوله خمسة آلاف ذراع، وعرضه ثلاثة آلاف ذراع - وقيل: ~~فرسخا - ورام منه الصعود إلى السماء؛ ليقاتل أهلها، فهبت ريح ~~وألقت رأسها في البحر، وخر عليهم الباقي وهم تحته، ولما سقط الصرح ~~تبلبلت ألسن الناس من الفزع يومئذ؛ فتكلموا بثلاثة وسبعين لسانا؛ ~~فلذلك سميت بابل، وكانوا يتكلمون قبل ذلك بالسريانية؛ فذلك قوله تعالى: ~~{ فأتى الله بنيانهم من القواعد } أي: قصد تخريب ~~بنيانهم من أصولها. # والصحيح: أن هذا عام في جميع المبطلين الذين يحاولون إلحاق الضرر ~~والمكر بالمحقين. # واعلم أن الإتيان ها هنا عبارة عن إتيان العذاب، أي: أنهم لما ~~كفروا؛ أتاهم الله بزلزال تقلقلت منها بنيانهم من القواعد، و الأساس؛ ~~والمراد بهذا محض التمثيل والمعنى: أنهم رتبوا منصوبات؛ ليمكروا ~~بها أنبياء الله؛ فجعل هلاكهم مثل قوم بنوا بنيانا، وعمدوه بالأساطين، ~~فانهدم ذلك البناء، وسقط السقف عليهم؛ كقولهم: " من حفر بئرا ~~لأخيه أوقعه الله فيه ". # وقيل: المراد منه ما دل عليه الظاهر. # قوله تعالى: { من القواعد } " من " لابتداء الغاية، أي: من ~~ناحية القواعد، أي: أتى أمر الله وعذابه. # قوله " من فوقهم " يجوز أن يتعلق ب " خر " ، وتكون " من " ~~لابتداء الغاية، ويجوز يتعلق بمحذوف على أنها حال من " السقف " ~~وهي حال مؤكدة؛ إذ " السقف " لا يكون تحتهم. # وقيل: ليس قوله: " من فوقهم " تأكيد؛ لأن العرب تقول: " خر ~~علينا سقف، ووقع علينا حائط " إذا كان عليه، وإن لم يقع ~~عليه، فجاء بقوله " من فوقهم " ليخرج به هذا الذي في كلام العرب، ~~أي: عليهم وقع، وكانوا تحته فهلكوا. # وهذا غير طائل، والقول بالتوكيد أظهر. # وقرأ العامة: " بنيانهم " ، وقوم: بنيتهم، وفرقة منهم أبو ~~جعفر: بيتهم. والضحاك: بيوتهم. # والعامة: " السقف " أيضا مفردا، وفرقة: بفتح ms5384 السين، وضم القاف ~~بزنة " عضد " وهي لغة في " السقف " ولعلها مخففة من المضموم، وكثر ~~استعمال الفرع؛ لخفته، كقولهم في لغة تميم " رجل " ولا يقولون: ~~رجل. # وقرأ الأعرج: " السقف " بضمتين، وزيد بن علي: بضم السين، وسكون ~~القاف، وقد تقدم مثل ذلك في قراءة # وبالنجم هم يهتدون # [النحل: 16] ثم قال: { وأتاهم العذاب من حيث لا ~~يشعرون } إن حملنا الكلام على محض التمثيل؛ فالمعنى: أنهم ~~اعتمدوا على منصوباتهم، ثم تولد البلاء منها بأعيانها، وإن حملناه على ~~الظاهر، فالمعنى: أن السقف نزل عليهم بغتة. # ثم بين - تعالى - أن عذابهم لا يكون مقصورا على هذه القدر، بل الله - ~~تعالى - يخزيهم [يوم] القيامة، و الخزي: هو العذاب مع الهوان؛ فإنه ~~يقول لهم: { أين شركآءي الذين كنتم تشاقون فيهم ~~}. # قال أبو العباس المقريزي - رحمه الله-: ورد لفظ " الخزي " في ~~القرآن على أربعة [معان]: # الأول: بمعنى العذاب؛ كهذه الآية؛ وكقوله تعالى: # ولا تخزني يوم يبعثون # [الشعراء: 87] أي: لا تعذبني. # الثاني: بمعنى القتل؛ قال تعالى: # فما جزآء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في ~~الحيوة الدنيا # [البقرة: 85]، أي: القتل. # قيل: نزلت في بني قريظة، ومثله: # ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا ~~خزي # [الحج: 9] أي: فضيحة. قيل: نزلت في النضر بن الحارث. # الثالث: بمعنى الهوان، قال تعالى: # كشفنا عنهم عذاب الخزي # [يونس: 98] أي الهوان. # الرابع: بمعنى الفضيحة قال تعالى: # ربنآ إنك من تدخل النار فقد أخزيته # [آل عمران: 192] أي فضحته، ومثله: # ولا تخزني يوم يبعثون # [الشعراء: 87] ومثله: # ولا تخزون في ضيفي # [هود: 78] ومثله: # أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي # [المائدة: 33]. # قوله: { أين شركآءي } مبتدأ وخبر، والعامة على " شركائي " ~~مدودا، مهموزا، مفتوح الياء، وفرقة كذلك تسكنها فتسقط وصلا؛ لالتقاء ~~الساكنين، وقرأ البزي - بخلاف عنه - بقصره مفتوح الياء، وقد أنكر جماعة ~~هذه القراءة، وزعموا أنها غير مأخوذ بها؛ لأن قصر الممدود لا يجوز ~~إلا ضرورة. # وتعجب أبو شامة من أبي عمرو الداني، حيث ذكرها في كتابه؛ مع ضعفها، ~~وترك قراءات شهيرة واضحة. # قال شهاب الدين: " وقد روى ابن ms5385 كثير - أيضا - قصر التي في القصص، ~~وروي عنه - أيضا - قصر " ورائي " في مريم، وروي عنه أيضا قصر: # أن رآه استغنى # [العلق: 7] في سورة العلق، فقد روى عنه قصر بعض الممدودات، فلا يبعد ~~رواية ذلك هنا عنه ". # وبالجملة: قصر الممدود ضعيف؛ ذكره غير واحد؛ لكن لا يصل به على حد ~~الضرورة. # قوله: " تشاقون " قرأ نافع: بكسر النن خفيفة، والأصل: تشاقوني ~~فحذفها مجتزئا عنها بالكسرة. # والباقون: بفتحها، خفيفة، ومفعوله محذوف، أي: تشاقون المؤمنين، أو ~~تشاقون الله؛ بدليل القراءة الأولى. # وضعف أبو حاتم هذه القراءة؛ أعني: قراءة نافع، وقرأت فرقة: بتشديدها ~~مكسورة، والأصل: تشاقونني؛ فأدغم، وقد تقدم تفصيل ذلك في: # أتحاجوني # [الأنعام: 80] و # فبم تبشرون # [الحجر: 54] وسيأتي في قوله تعالى: # أفغير الله تأمروني # [الزمر: 64]. # فصل # قال الزجاج: قوله { أين شركآءي } ، أي: في زعمكم، واعتقادكم، ~~ونظيره: # أين شركآؤكم الذين كنتم تزعمون # [الأنعام: 22] وحسنت هذه الإضافة لأنه يكفي في حسن الإضافة أدنى سبب؛ ~~كما يقال لمن يحمل خشبة: " خذ طرفك، وآخذ طرفي " فأضاف الطرف ~~إليه. # ومعنى " تشاقون " أي: تعادون، وتخاصمون المؤمنين في شأنهم، ~~والمشاقة: عبارة عن كون أحد الخصمين في شق، والخصم الآخر في الشق ~~الآخر. # ثم قال تعالى: { قال الذين أوتوا العلم } قال ابن عباس: ~~يريد الملائكة، وقال آخرون: هم المؤمنون الذين يقولون حين يرون خزي ~~الكفار في القيامة: { إن الخزي اليوم والسوء } العذاب { ~~على الكافرين } وفائدة هذا الكلام: أن الكفار كانوا يتكبرون ~~على المؤمنين في الدنيا، فإذا ذكر المؤمنون هذا الكلام يوم القيامة؛ كان ~~هذا الكلام في إيذاء الكفار أكمل وحصول الشماتة أقوى. # فصل في احتجاج المرجئة بالآية # احتج المرجئة بهذه الآية على أن العذاب مختص بالكافرين، [قالوا:] ~~فإن قوله تعالى: { إن الخزي اليوم والسوء } في يوم ~~القيامة مختص بالكافرين، ويؤكد هذا قول موسى - عليه السلام-: # إنا قد أوحي إلينآ أن العذاب على من كذب ~~وتولى # [طه: 48]. # قوله: " اليوم " منصوب ب " الخزي " وعمل المصدر فيه " أل " ~~وقيل: هو منصوب بالاستقرار في { على الكافرين } إلا أن فيه ~~فصلا بالمعطوف بين العامل ومعموله؛ واغتفر ذلك؛ ms5386 لأنهم يتوسعون في ~~الظروف. # قوله: { الذين تتوفاهم } يجوز أن يكون الموصول مجرور ~~المحل؛ نعتا لما قبله، أو بدلا منه، أو بيانا له، وأن يكون منصوبا ~~على الذم أو مرفوعا عليه، أو مرفوعا بالابتداء، والخبر قوله { ~~فألقوا السلم } والفاء مزيدة في الخبر؛ قاله ابن عطية. # وهذا لا يجيء إلا على رأي الأخفش؛ في إجازته زيادة الفاء في الخبر ~~مطلقا؛ نحو: " زيد فقام " ، أي: قام، ولا يتوهم أن هذه الفاء هي ~~التي تدخل مع الموصول المضمن معنى الشرط؛ لأنه لو صرح بهذا الفعل ~~مع أداة الشرط، لم يجز دخول الفاء عليه؛ فما ضمن معناه أولى بالمنع؛ ~~كذا قاله أبو حيان، وهو ظاهر. # وعلى الأقوال المتقدمة، خلا القول الأخير يكون " الذين " وصلته ~~داخلا في القول، وعلى القول الأخير، لا يكون داخلا فيه، وقرأ " ~~يتوفاهم " بالياء في الموضعين حمزة، والباقون: بالتاء من فوق؛ وهما ~~واضحتان مما تقدم في قوله: # فنادته الملائكة # [آل عمران: 39] وناداه، وقرأت فرقة: بإدغام إحدى التاءين في الأخرى، وفي ~~مصحف عبد الله: " توفاهم " بتاء واحدة، وهي محتملة للقراءة بالتشديد ~~على الإدغام، وبالتخفيف على حذف إحدى التاءين. # و { ظالمي أنفسهم } حال من مفعول " تتوفاهم " ، و " ~~تتوفاهم " يجوز أن يكون مستقبلا على بابه؛ إن كان القول واقعا في ~~الدنيا، وإن كان ماضيا على حكاية الحال إن كان واقعا يوم القيامة. # قوله " فألقوا " يجوز فيه أوجه: # أحدها: أنه خبر الموصول، وقد تقدم فساده. # الثاني: أن يكون عطفا على " قال الذين ". # الثالث: أن يكون مستأنفا، والكلام قد تم عند قوله: " أنفسهم " ~~ثم عاد بقوله: " فألقوا " إلى حكاية كلام المشركين يوم القيامة؛ فعلى ~~هذا يكون قوله: { قال الذين أوتوا العلم } إلى قوله " ~~أنفسهم " جملة اعتراض. # الرابع: أن يكون معطوفا على " تتوفاهم " قاله أبو البقاء. # وهذا إنما يتمشى على أن " تتوفاهم " بمعنى المضي؛ ولذلك لم ~~يذكر أبو البقاء في " تتوفاهم " سواه. قوله { ما كنا نعمل ~~من سوء } فيه أوجه: # أحدها: أن يكون تفسيرا للسلم الذي ألقوه؛ لأنه بمعنى القول؛ بدليل ~~الآية الأخرى: # فألقوا إليهم القول # [النحل: 86] قاله ms5387 أبو البقاء، ولو قال: يحكى بما هو بمعنى القول؛ لكان ~~أوفق لمذهب الكوفيين. # الثاني: أن يكون منصوبا بقول مضمر، ذلك القول منصوب على الحال، أي: ~~فألقوا السلم قائلين ذلك. # و " من سوء " مفعول " نعمل " زيدت فيه " من " ، و " بلى " ~~جواب ل " ما كنا نعمل " فهو إيجاب له. # فصل # قال ابن عباس رضي الله عنه: استسلموا، وأقروا لله بالعبودية عند ~~الموت، وقالوا { ما كنا نعمل من سوء } ، والمراد من هذا ~~السوء الشرك، فقالت الملائكة تكذيبا لهم { بلى إن الله ~~عليم بما كنتم تعملون } من التكذيب، والشرك، وقيل: تم ~~الكلام عند قوله: { ظالمي أنفسهم } ثم عاد إلى حكاية كلام ~~المشركين إلى يوم القيامة، والمعنى: أنهم يوم القيامة ألقوا السلم؛ ~~وقالوا: { ما كنا نعمل من سوء } على سبيل الكذب، ثم ههنا ~~اختلفوا: فالذين جوزوا الكذب على أهل القيامة قالوا: إن قولهم: { ~~ما كنا نعمل من سوء } لغاية الخوف، والذين لم يجوزوا ~~الكذب عليهم قالوا: المعنى: ما كنا نعمل من سوء عند أنفسنا وفي ~~اعتقادنا، وقد تقدم الكلام في قوله الأنعام: # ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ~~ما كنا مشركين # [الأنعام: 23] هل يجوز الكذب على أهل القيامة، أم لا؟. # وقوله: { بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون } ~~يحتمل أن يكون من كلام الله أو بعض الملائكة. # ثم يقال لهم: { فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها } ~~وهذا يدل على تفاوت منازلهم في العقاب، وصرح بذكر الخلود؛ ليكون ~~الغم [والحزن] أعظم. # قوله: " فلبئس " هذه لام التأكيد؛ وإنما دخلت على الماضي لجموده ~~وقربه من الأسماء، والمخصوص بالذم محذوف، أي: جهنم. # قوله تعالى: { وقيل للذين اتقوا ماذآ أنزل ربكم ~~قالوا خيرا } الآية. # لما بين أحوال الكافرين، أتبعه ببيان أحوال المؤمنين. # قال القاضي [المتقي هو:] تارك جميع المحرمات وفاعل جميع الواجبات. # وقال غيره: المتقي: هو الذي يتقي الشرك. # قوله: " خيرا " العامة على نصبه، أي: أنزل خيرا. # قال الزمخشري: " فإن قلت: لم رفع " أساطير الأولين " ونصب هذا؟. # قلت: فصلا بين جواب المقر، وجواب الجاحد، يعني: أن هؤلاء لما ms5388 سئلوا ~~لم يتلعثموا، وأطبقوا الجواب على السؤال بينا مكشوفا مفعولا ~~للإنزال ف " قالوا خيرا " أي: أنزل خيرا وأولئك عدلوا بالجواب عن ~~السؤال، فقالوا: هو أساطير الأولين، وليس هو من الإنزال في شيء ". # وقرأ زيد بن علي: " خير " بالرفع، أي: المنزل خير، وهي ~~مؤيدة لجعل " ماذا " موصولة، وهو الأحسن؛ لمطابقة الجواب لسؤاله، ~~وإن كان العكس جائزا، وقد تقدم تحقيقه في البقرة. # قوله: { للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة } ~~هذه الجملة يجوز فيها أوجه: # أحدها: أن تكون منقطعة عما قبلها استئناف إخبار بذلك. # الثاني: أنها بدل من " خيرا ". قال الزمخشري: " هو بدل من " ~~خيرا "؛ حكاية لقول " الذين اتقوا " ، أي: قالوا هذا القول ~~فقدم تسميته خبرا ثم حكاه ". # الثالث: أن هذه الجملة تفسير لقوله: " خيرا " ، وذلك أن الخير هو ~~الوحي الذي أنزل الله فيه: من أحسن في الدنيا بالطاعة؛ فله حسنة في ~~الدنيا، وحسنة في الآخرة. # وقوله: { في هذه الدنيا } الظاهر تعلقه ب " أحسنوا " ، ~~أي: أوقعوا الحسنة في دار الدنيا، ويجوز أن يكون متعلقا بمحذوف على ~~أنه حكاية حال من " حسنة " ، إذ لو تأخر؛ لكان صفة لها، ويضعف تعلقه ~~بها نفسها؛ لتقدمه عليها. # فصل # قال المفسرون: إن أحياء من العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم ~~بخبر النبي صلى الله عليه وسلم فإذا جاء [سائل] المشركين الذين قعدوا على ~~الطريق عن محمد - صلوات الله وسلامه عليه - فيقولون: ساحر، وكاهن، وشاعر ~~وكذاب، كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم، فيأتي المؤمنين فيسألهم عن محمد ~~صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه؛ فيقولون " خيرا " ، أي أنزل خيرا، ~~ثم ابتدأ فقال: { للذين أحسنوا في هذه الدنيا ~~حسنة } أي كرامة من الله. # قال ابن عباس - رضي الله عنه-: هي تضعيف الأجر إلى العشرة. وقال ~~الضحاك: هي النصرة والفتح. وقال مجاهد: هي الرزق الحسن، ويحتمل أن يكون ~~الذي قالوه من الجواب موصوف بأنه خير. # وقولهم " خيرا " جامع لكونه حقا وصوابا، ولكونهم معترفين بصحته، ~~ولزومه وهذا بالضد من قول الذين لا يؤمنون: إن ذلك أساطير الأولين. ~~وتقدم الكلام على " خير ms5389 " في سورة الأنعام في قوله تعالى: # وللدار الآخرة خير # [الأنعام: 32]. # ثم قال تعالى: { ولنعم دار المتقين جنات عدن } ، أي ~~ولنعم دار المتقين دار الآخرة فحذفت؛ لسبق ذكرها. # هذا إذا لم تجعل هذه الآية متصلة بما بعدها، فإن وصلتها بما بعدها قلت: ~~{ ولنعم دار المتقين جنات عدن } برفع " جنات " ~~على أنها اسم ل " نعم " كما تقول: نعم الدار دار ينزلها ~~زيد. # قوله { جنات عدن } يجوز أن يكون هو المخصوص بالمدح؛ فيجيء فيها ~~ثلاثة أوجه: # رفعها بالابتداء، والجملة المتقدمة خبرها. # أو رفعها بالابتداء، والخبر محذوف؛ وهو أضعفها، وقد تقدم تحقيق ذلك. # ويجوز أن يكون " جنات عدن " خبر مبتدإ مضمر لا على ما تقدم، بل ~~يكون المخصوص [بالمدح] محذوفا؛ تقديره: ولنعم دار المتقين دارهم هي ~~جنات. # وقدره الزمخشري: { ولنعم دار المتقين دار الآخرة } ويجوز أن ~~يكون مبتدأ، والخبر جملة، من قوله " يدخلونها " ويجوز أن يكون الخبر ~~مضمرا، تقديره: لهم جنات عدن، ودل على ذلك قوله: { للذين ~~أحسنوا في هذه الدنيا حسنة }. # والعامة على رفع " جنات " على ما تقدم، وقرأ زيد بن ثابت، والسلمي ~~" جنات " نصبا على الاشتغال بفعل مضمر، تقديره: بدخلون جنات ~~عدن يدخلونها، وهذا يقوي أن يكون " جنات " مبتدأ، و " ~~يدخلونها " الخبر في قراءة العامة، وقرأ زيد بن علي: " ~~ولنعمت " بتاء التأنيث، مرفوعة بالابتداء و " دار " خفض بالإضافة، ~~فيكون " نعمت " مبتدأ و " جنات عدن " الخبر. و " يدخلونها " في ~~جميع ذلك نصب على الحال، إلا إذا جعلناه خبرا ل " جنات " ، وقرأ نافع ~~في رواية: " يدخلونها " بالياء من تحت؛ مبنيا للمفعول. # وقرأ أبو عبد الرحمن: " تدخلونها " بتاء الخطاب مبنيا للفاعل. # قوله: { تجري من تحتها الأنهر } يجوز أن يكون منصوبا على ~~الحال من " جنات " قاله ابن عطية، وأن يكون في موضع الصفة ل " ~~جنات " قاله الحوفي، والوجهان مبنيان على القول في " عدن " هل ~~هي معرفة؛ لكونه علما، أو نكرة؟ فقائل الحال: لحظ الأول، وقائل ~~النعت: لحظ الثاني. # قوله: { لهم فيها ما يشآءون } الكلام في هذه الجملة، كالكلام ~~في الجملة قبلها، والخبر إما " لهم " وإما " فيها ms5390 ". # قوله: " كذلك " الكاف في محل نصب على الحال من ضمير المصدر؛ أو نعتا ~~لمصدر مقدر، أو في محل رفع خبر المبتدأ مضمر، أي: الأمر كذلك و { ~~يجزي الله المتقين } مستأنف. # فصل # قال الحسن: دار المتقين هي الدنيا؛ لأن أهل التقوى يتزودون ~~فيها للآخرة. # وقال أكثر المفسرين: هي الجنة، ثم فسرها فقال: { جنات عدن ~~يدخلونها } فقوله " جنات عدن " يدل على القصور، والبساتين، ~~وقوله: " عدن " يدل على الدوام، وقوله: { تجري من تحتها ~~الأنهر } يدل على أنه حصل هناك أبنية يرتفعون عليها، والأنهار جارية ~~من تحتهم، { لهم فيها ما يشآءون } من كل الخيرات، { ~~كذلك يجزي الله المتقين } أي: هذا جزاء التقوى. # ثم وصف المتقين فقال: { الذين تتوفاهم الملائكة ~~طيبين } وهذا مقابل لقوله # الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم # [النحل: 28]. # وقوله: " طيبين " كلمة مختصرة جامعة لمعان كثيرة؛ فيدخل فيها ~~إتيانهم بالمأمورات، واجتنابهم عن المنهيات، واتصافهم بالأخلاق الفاضلة، ~~وبراءتهم عن الأخلاق المذمومة. # وأكثر المفسرين يقول: إن هذا التوفي قبض الأرواح. # وقال الحسن: إنه وفاة الحشر؛ لقوله بعد { ادخلوا الجنة } ~~واحتج الأولون بأن الملائكة لما بشروهم بالجنة، صارت الجنة كأنها دارهم، ~~فيكون المراد بقوله: { ادخلوا الجنة } أي: خاصة لكم، " ~~يقولون " يعني الملائكة: " سلام عليكم " وقيل: يبلغونهم ~~سلام الله. # قوله: { الذين تتوفاهم } يحتمل ما ذكرناه فيما تقدم، وإذا ~~جعلنا " يقولون " خبرا فلا بد من عائد محذوف، أي: يقولون لهم، ~~وإذا لم نجعله خبرا، كان حالا من الملائكة؛ فيكون " طيبين " حالا ~~من المفعول، و " يقولون " حالا من الفاعل، وهي يجوز أن تكون حالا ~~مقارنة، أي: كان القول واقعا في الدنيا، ومقدرة إن كان واقعا في ~~الآخرة. # ومعنى " طيبين " ، أي ظاهرين من الشرك، وقيل: صالحين، وقيل: زاكية ~~أعمالهم وأقوالهم، وقيل: طيبي الأنفس؛ ثقة بما يلقونه من ثواب الله - ~~تعالى - وقيل: طيبة نفوسهم، بالرجوع إلى الله، وقيل: طيبين، أي: يكون ~~وفاتهم طيبة سهلة. # و " ما " في " بما " مصدرية، أو بمعنى الذي؛ فالعائد محذوف. ### || [16.33-37] # قوله تعالى: { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملآئكة ~~أو يأتي أمر ربك } الآية. # هذه شبهة ثانية لمنكري ms5391 النبوة؛ فإنهم طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن ينزل الله ملكا من السماء؛ يشهد على صدقه في ادعاء النبوة؛ فقال ~~تعالى: { هل ينظرون } في التصديق بنبوتك { إلا أن تأتيهم ~~الملآئكة } شاهدين بذلك، ويحتمل أن القوم لما طعنوا في القرآن ~~بقولهم: { أساطير الأولين } وذكر أنواع التهديد، و الوعيد، ثم ~~أتبعه بذكر الوعد لمن وصف القرآن بكونه خيرا، عاد إلى بيان أن أولئك ~~الكفار لا ينزجرون عن كفرهم، وأقوالهم الباطلة بالبيانات التي ذكرناها، ~~إلا إذا جاءتهم الملائكة بالتهديد، أو أتاهم أمر ربك، وهو عذاب ~~الاستئصال، وعلى كلا التقديرين قال تعالى: { كذلك فعل الذين ~~من قبلهم } ، أي: أفعال هؤلاء، وكلامهم يشبه كلام الكفار ~~المتقدمين وأفعالهم، وتقدم الكلام على قوله: # إلا أن تأتيهم الملائكة # [الأنعام: 158] في آخر الأنعام، وأن الأخوين يقرآن بالياء من تحت، و ~~الباقين بالتاء من فوق، وهما واضحتان؛ لكونه تأنيثا مجازيا. # قوله: { وما ظلمهم الله } بتعذيبه إياهم، فإنه أنزل بهم ما ~~استحقوه بكفرهم { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } أي ~~ولكنهم ظلموا أنفسهم؛ بكفرهم، وتكذيبهم الرسل. # { فأصابهم سيئات ما عملوا } أي: عقاب سيئات ما عملوا، ~~فقوله: " فأصابهم " عطف على " فعل الذين " وما بينهما اعتراض، ~~" وحاق " نزل " بهم " على وجه الإحاطة بجوانبهم، { ما كانوا ~~به يستهزئون } أي: عقاب استهزائهم. # قوله تعالى: { وقال الذين أشركوا لو شآء الله ما ~~عبدنا } الآيات. # هذه شبهة ثالثة لمنكري النبوة لأنهم تمسكوا بالقول بالجبر على الطعن ~~في النبوة؛ فقالوا: لو شاء الله الإيمان، لحصل لنا سواء جئت، أو لم تجىء، ~~ولو شاء الكفر لحصل الكفر، جئت أو لم تجىء، فالكل من الله، ولا فائدة ~~في مجيئك ولا في إرسالك وهذا غير ما حكاه الله عنهم في سورة الأنعام في ~~قوله: # سيقول الذين أشركوا # [الأنعام: 148]. # واستدلال المعتزلة به، مثل استدلالهم بتلك الآية، والكلام فيه استدلال ~~واعتراض عين ما تقدم هناك، فلا فائدة، ولا بأس بأن نذكر منه القليل، ~~فنقول: الجواب عن هذه الشبهة هي: أنهم قالوا: لما كان الكل من الله - ~~تعالى - كانت بعثة الأنبياء عبثا؛ فنقول: هذا ms5392 اعتراض - على الله - ~~تعالى فإن قولهم: إذا لم يكن في بعثة الرسول مزيد فائدة في حصول الإيمان، ~~ودفع الكفر؛ كانت بعثة الأنبياء غير جائزة من الله - تعالى -. # فهذا القول جار مجرى طلب العلة في أحكام الله - تعالى - وفي أفعاله، ~~وذلك باطل؛ بل الله تعالى يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ولا يعترض عليه ~~في أفعاله. # وقال بعض المتكلمين والمفسرين: إنهم ذكروا هذا الكلام استهزاء؛ كقول ~~قوم شعيب: # إنك لأنت الحليم الرشيد # [هود: 87] ولو قالوا ذلك اعتقادا لكانوا مؤمنين. # قوله: { فهل على الرسل إلا البلاغ المبين } قالت ~~المعتزلة: إنه - سبحانه وتعالى - ما منع أحدا من الإيمان، وما أوقعه في ~~الكفر، والرسل ليس عليهم إلا التبليغ. # وأهل السنة قالوا: معناه أنه - تعالى - أمر الرسول بالتبليغ فوجب عليهم، ~~فأما أن الإيمان هل يحصل، أو لا يحصل؟ فذلك لا يتعلق بالرسول - صلوات ~~الله وسلامه عليه - ولكنه تعالى يهدي من يشاء بإحسانه، ويضل من يشاء ~~بخذلانه، ويدل عليه قوله تعالى: { ولقد بعثنا في كل أمة ~~رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } فإنه ~~يدل على أنه - تعالى - كان أبدا في جميع الأمم؛ آمرا بالإيمان، ~~وناهيا عن الكفر. # ثم قال: { فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت ~~عليه الضلالة } أي: فمنهم من هداه الله إلى الإيمان، ومنهم من ~~أضله عن الحق، وأوقعه في الكفر، وهذا يدل على أن أمر الله لا يوافق ~~إرادته؛ بل قد يأمر بالشيء ولا يريده، وينهى عن الشيء ويريده، وقد تقدم ~~تأويلات المعتزلة، وأجوبتهم مرارا. # والطاغوت: كل معبود من دون الله، وقيل: اجتنبوا الطاغوت: أي طاعة ~~الشيطان. # قوله: { أن اعبدوا الله } يجوز في " أن " أن تكون تفسيرية؛ ~~لأن البعث يتضمن قولا، وأن تكون مصدرية، أي: بعثناه بأن اعبدوا. # قوله: { فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت ~~عليه الضلالة } يجوز في " من " الأولى أن تكون نكرة موصوفة، ~~والعائد على كلا التقديرين محذوف من الأول، وقوله " حقت " يدل على صحة ~~مذهب أهل السنة؛ لأنه تعالى لما أخبر عنه أنه حقت عليه الضلالة، ~~امتنع أن لا ms5393 يصدر منه الضلالة، وإلا لانقلب خبر الله تعالى الصدق ~~كذبا، وهو محال؛ ويؤيده قوله: # فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة # [الأعراف: 30]، وقوله: # إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون # [يونس: 96] وقوله: # لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون # [يس: 7] ثم قال - عز وجل -: { فسيروا في الأرض فانظروا ~~كيف كان عاقبة المكذبين } أي: مآل أمرهم، وخراب منازلهم ~~بالعذاب، والهلاك؛ فتعتبروا، ثم أكد أن من حقت عليه الضلالة؛ فإنه لا ~~يهتدي؛ فقال تعالى: { إن تحرص على هداهم } أي: تطلب بجهدك ~~ذلك؛ { فإن الله لا يهدي من يضل }. # قوله { إن تحرص على هداهم } قرأ العامة بكسر الراء، مضارع ~~حرص بفتحها، وهي اللغة الغالبة لغة الحجاز. # وقرأ الحسن، وأبو حيوة: " تحرص " بفتح الراء، مضارع حرص بكسرها، وهي ~~لغة لبعضهم، وكذلك النخعي: إلا أنه زاد واوا قبل: " إن " فقرأ: " ~~وإن تحرص ". # قوله: " لا يهدي " قرأ الكوفيون بفتح الياء، وكسر الدال، وهذه ~~القراءة تحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون الفاعل ضميرا عائدا على الله - تعالى - أي: لا يهدي ~~الله من يضله؛ ف " من " مفعول " يهدي "؛ ويؤيده قراءة أبي: { فإن ~~الله لا هادي لمن يضل ولمن أضل } وأنه في معنى قوله: # من يضلل الله فلا هادي له # [الأعراف: 186]. # والثاني: أن يكون الموصول هو الفاعل، أي: لا يهدي المضلين، و " يهدي " ~~يجيء في معنى يهتدي، يقال: هداه فهدى، أي: اهتدى. # ويؤيد هذا الوجه: قراءة عبد الله " يهدي " بتشديد الدال المكسورة، ~~والأصل يهتدي؛ فأدغم. # ونقل بعضهم في هذه القراءة كسر الهاء على الإتباع، وتحقيقه ما تقدم في ~~يونس، والعائد على " من " محذوف، أي: الذي يضله الله. # والباقون " لا يهدى " بضم الياء، وفتح الدال، مبنيا للمفعول، و " ~~من " قائم مقام فاعله، وعائده محذوف أيضا. # وجوز أبو البقاء: أن تكون " من " مبتدأ، و " لا يهدي " خبره - ~~يعني - تقدم عليه. # وهذا خطأ؛ لأنه متى كان الخبر فعلا رافعا لضمير مستتر وجب تأخيره ~~نحو: " زيد لا يضرب " ، ولو قدمت لالتبس بالفاعل. # وقرئ " لا يهدي " بضم الياء وكسر الدال. # قال ابن عطية - رحمه ms5394 الله-: " وهي ضعيفة ". # قال ابن حيان: " وإذا ثبت أن " هدى " لازم بمعنى اهتدى، لم تكن ~~ضعيفة؛ لأنه أدخل همزة التعدية على اللازم، فالمعنى لا يجعل مهتديا من ~~أضله الله ". # وقوله تعالى: " وما لهم " حمل على معنى " من " فلذلك جمع. # وقرىء: " من يضل " بفتح الياء من " ضل " أي: لا يهدي من ضل ~~بنفسه { وما لهم من ناصرين } ، أي: [ما يقيهم] من العذاب. ### || [16.38-47] # قوله: { وأقسموا بالله جهد أيمانهم } الآية هذه شبهة ~~رابعة لمنكري النبوة، وهو قولهم: بأن الحشر، والنشر، باطل، لأن هذه ~~البنية إذا مات صاحبها، وتفرقت أجزاؤه، امتنع عوده بعينه، وإذا بطل ~~القول بالبعث، بطل القول بالنبوة من وجهين: # الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى تقرير القول بالمعاد، وهو ~~باطل؛ فيكون داعيا إلى الباطل؛ ومن كان كذلك لم يكن رسولا. # والثاني: أنه يقرر نبوة نفسه، ووجوب طاعته؛ بناء على الترغيب في الثواب ~~والترهيب من العقاب، وإذا بطل ذلك، بطلت نبوته. # فقوله: { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث ~~الله من يموت }. # معناه: أنهم كانوا يدعون العلم الضروري بأن الشيء إذا فني وعدم، فإنه ~~لا يعود بعينه، وأن عوده بعينه محال في بديهة العقل. # وأما بيان أنه لما أبطل القول بالبعث بطل القول بالنبوة، فلم ~~يصرحوا به، فتركوه، لأنه كلام متبادر إلى العقول، ثم إنه تعالى ~~بين أن القول بالبعث ممكن؛ فقال: " بلى وعدا عليه حقا " أي ~~حق على الله التمييز بين المطيع، والعاصي، وبين المحق، والمبطل، وبين ~~المظلوم، والظالم؛ وهو قوله تعالى: # { ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم ~~الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين } وسيأتي بيان تقرير ~~هذه الطريقة في سورة " يس " إن شاء الله تعالى، ثم بين إمكان الحشر، ~~والنشر؛ بأن كونه - تعالى - موجدا للأشياء، لا يتوقف على سبق مادة، ولا ~~مدة، ولا آلة؛ وهو تعالى إنما يكونها بقوله: " كن ". # فقال: { إنما قولنا لشيء إذآ أردناه أن نقول ~~له كن فيكون } وكما أنه قدر على ابتداء إيجاده؛ وجب أن يكون ~~قادرا على إعادته. # قوله: " وأقسموا " ظاهره أنه استئناف ms5395 خبر، وجعله الزمخشري نسقا ~~على { وقال الذين أشركوا } إيذانا بأنهما كفرتان عظيمتان، ~~وقوله " بلى " إثبات لما بعد النفي. قوله { وعدا عليه حقا } ~~هذان المصدران منصوبان على المصدر المؤكد، أي: وعد ذلك وعدا وحق حقا. # وقيل: " حقا " نعت ل " وعدا " والتقدير: بلى يبعثهم، وعد بذلك ~~وعدا حقا. # وقرأ الضحاك: { وعد عليه حق } برفعهما؛ على أن " وعد " خبر ~~مبتدأ مضمر، أي: بلى يبعثهم وعد على الله، و " حق " نعت ل " وعد ". # قوله: " ليبين " هذه اللام متعلقة بالفعل المقدر بعد حرف ~~الإيجاب، أي: بلى يبعثهم، ليبين، وقوله " كن فيكون " تقدم في ~~البقرة، " واللام " في " لشيء " وفي " له " لام التبليغ؛ كهي في ~~قوله قلت له قم فقام، وجعلها الزجاج للسبب فيهما، أي: لأجل شيء أن ~~يقول لأجله، وليس بواضح. # وقال ابن عطية: " وقوله " أن نقول " ينزل منزلة المصدر، كأنه قال: ~~قولنا؛ ولكن " أن " مع الفعل تعطي استقبالا ليس في المصدر في أغلب ~~أمرها، وقد يجيء في مواضع لا يلحظ فيها الزمن؛ كهذه الآية؛ وكقوله - ~~سبحانه وتعالى-: # ومن ءاياته أن تقوم السمآء والأرض بأمره # [الروم: 25] إلى غير ذلك ". # قال أبو حيان: وقوله: " ولكن " أن " مع الفعل يعني المضارع " وقوله: ~~" في أغلب أمرها " ليس بجيد؛ بل تدل على المستقبل في جميع أمورها، ~~وقوله: " قد تجيء... إلى آخره " لم يفهم ذلك من دلالة " أن " وإنما فهم ~~من نسبة قيام السماء، والأرض بأمر الله؛ لأنه يختص بالمستقبل دون ~~الماضي في حقه - تعالى -. # ونظيره: # وكان الله غفورا رحيما # [الأحزاب: 5] فكان تدل على اقتران مضمون الجملة بالزمن الماضي، وهو - ~~سبحانه وتعالى - متصف بذلك في كل زمان. # قوله " قولنا " مبتدأ، و " أن نقول " خبره، و " كن فيكون ": " ~~كن " من " كان " التامة التي بمعنى الحدوث والوجود، أي: إذا أردنا ~~حدوث شيء، فليس إلا أن نقول له احدث فيحدث عقيب ذلك من غير توقف. # وقرأ ابن عامر، والكسائي " فيكون " بنصب النون، والباقون بالرفع. # قال الفراء: ولقراءة الرفع وجهها: أن يجعل قوله " أن نقول له " كلاما ~~تاما، ثم يخبر عنه بأنه سيكون، كما يقال: ms5396 " إن زيدا يكفيه إن ~~أمر فيفعل " برفع قولك " فيفعل " على أن تجعله كلاما مبتدأ. # وأما وجه القراءة الأولى: فأن تجعله عطفا على " أن نقول " والمعنى: ~~أن نقول كن فيكون. هذا قول الجمهور. # وقال الزجاج: " ويجوز أن يكون نصبا على جواب " كن " ". # ويجاب بأن قوله كن وإن كانت على لفظ الأمر، فليس القصد به ههنا الأمر، ~~إنما هو - والله أعلم - الإخبار عن كون الشيء وحدوثه، وإذا كان كذلك بطل ~~قوله: إنه نصب على جواب " كن ". # فإن قيل: قوله " كن " إن كان خطابا مع المعدون؛ فهو محال، وإن كان ~~خطابا مع الموجود، كان أمرا بتحصيل الحاصل؛ وهو محال. # فالجواب: أن هذا تمثيل لنفي الكلام والمعاياة وخطاب مع قوم يعقلون ليس ~~هو خطاب المعدوم؛ ولأن ما أراده فهو كائن على كل حال، وعلى ما أراده ~~من الإسراع، ولو أراد خلق الدنيا، والآخرة بما فيهما من السماوات، ~~والأرض، في قدر لمح البصر لقدر على ذلك؛ ولكن خاطب العباد بما يعقلون. # فصل في دلالة الآية على قدم كلام الله # دلت هذه الآية على قدم القرآن؛ لأن قوله تعالى { إنما قولنا ~~لشيء إذآ أردناه أن نقول له كن فيكون } فلو كان ~~قوله حادثا؛ لافتقر إحداثه إلى أن يقول له: كن فيكون، وذلك يوجب ~~التسلسل؛ وهو محال؛ فثبت أن كلام الله قديم. # قال ابن الخطيب: وهذا الدليل عندي ليس بالقوي من وجوه: # أحدها: أن كلمة " إذا " لا تفيد التكرار؛ لأن الرجل إذا قال لامرأته: ~~" إذا دخلت الدار فأنت طالق " فدخلت الدار مرة واحدة طلقت ~~واحدة، ولو دخلت ثانيا لم تطلق طلقة ثانية، فعلمنا أن ذلك لا يفيد ~~التكرار؛ وإذا كان كذلك ثبت أنه لا يلزم من كل ما يحدثه الله تعالى أن ~~يقول له: كن فيكون، فلم يلزم التسلسل. # وثانيها: أن هذا الدليل إن صح، لزم القول بقدم لفظ " كن " وهذا معلوم ~~البطلان بالضرورة؛ لأن لفظة " كن " مركبة من الكاف والنون، وعند ~~حصول الكاف لم تكن النون حاضرة، وعند مجيء النون تفوت الكاف، وهذا يدل ~~على أن ms5397 لفظة " كن " يمتنع كونها قديمة، وإنما الذي يدعي أصحابنا ~~قدمه صفة [مغايرة] للفظ: " كن " فالذي تدل عليه الآية لا يقول به ~~أصحابنا، والذي يقولون به لا تدل عليه الآية؛ فسقط التمسك به. # ثالثها: أن الرجل إذا قال: إن فلانا لا يقدم على قول، ولا على ~~فعل، إلا ويستعين فيه بالله كان عاقلا؛ لأنا نقول إن استعانته بالله فعل ~~من أفعاله؛ فيلزم أن يكون كل استعانة مسبوقة باستعانة أخرى إلى غير ~~نهاية؛ وهذا كلام باطل بحسب العرف؛ فكذلك ما قالوه. # ورابعها: أن هذه الآية مشعرة بحدوث الكلام من وجوه: # الأول: أن قوله تعالى { إنما قولنا لشيء إذآ أردناه ~~أن نقول له } يقتضي كون القول واقعا بالإرادة؛ فيكون محدثا. # الثاني: أنه علق القول بكلمة " إذا " وهي إنما تدخل للاستقبال. # الثالث: أن قوله تعالى: { أن نقول له كن فيكون } لا خلاف ~~أن ذلك ينبىء عن الاستقبال. # الرابع: أن قوله " كن فيكون " كلمة مقدمة على حدوث الكون بزمان ~~واحد، والمتقدم على المحدث بزمان واحد؛ يجب أن يكون محدثا. # الخامس: أنه معارض بقوله تعالى: # وكان أمر الله مفعولا # [الأحزاب: 37] و # وكان أمر الله قدرا مقدورا # [الأحزاب: 38] و # الله نزل أحسن الحديث # [الزمر: 23] و # فليأتوا بحديث مثله # [الطور: 24] و # ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة # [الأحقاف: 12] فإن قيل: فهب أن هذه الآية لا تدل على قدم الكلام لكنكم ~~ذكرتم أنها تدل على حدوث الكلام، فما الجواب عنه؟. # قلنا: نصرف هذه الدلائل إلى الكلام المسموع الذي هو مركب من الحروف، ~~والأصوات، ونحن نقول بكونه محدثا. # قوله: { والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا } ~~الآية. # لما حكى عن الكفار أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم، على إنكار البعث، ~~دل ذلك على تماديهم في الغي والجهل، ومن هذا حاله، لا يبعد إقدامه ~~على إيذاء المسلمين؛ بالضرب، وغيره من العقوبات؛ وحينئذ يلزم على ~~المؤمنين أن يهاجروا عن ديارهم، ومساكنهم فذكر - تعالى - في هذه الآية ~~حكم تلك الهجرة، وبين ما للمهاجرين من الحسنة في الدنيا والآخرة؛ من ~~حيث هاجر، وصبر، وتوكل ms5398 على الله - عز وجل - وذلك ترغيب لغيرهم في طاعة ~~الله - عز وجل -. # قال ابن عباس - رضي الله عنه-: نزلت هذه الآية في صهيب، وبلال، وعمار، ~~وخباب، وعابس، وجبير، وأبي جندل بن سهيل، أخذهم المشركون بمكة فجعلوا ~~يعذبونهم؛ ليردوهم عن الإسلام، فأما صهيب فقال لهم: أنا رجل كبير إن كنت ~~لكم لم أنفعكم، وإن كنت عليكم لم أضركم؛ فافتدى منهم بماله، فلما رآه أبو ~~بكر الصديق - رضي الله عنه - قال: ربح البيع يا صهيب، وقال عمر رضي ~~الله عنه: " نعم الرجل صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه " ~~، يريد لو لم يخلق الله النار لأطاعه. # وقال قتادة - رضي الله عنه-: هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ظلمهم ~~أهل مكة، وأخرجوهم من ديارهم؛ حتى لحق طائفة منهم بالحبشة، ثم بوأهم ~~الله المدينة بعد ذلك؛ فجعلها لهم دار هجرة، وجعلهم أنصارا للمؤمنين، ~~وبسبب هجرتهم ظهرت قوة الإسلام، كما أن نصرة الأنصار قوت شوكتهم، ودل ~~عليه قوله تعالى: { والذين هاجروا في الله } على أن ~~الهجرة إذا لم تكن لله، لم يكن لها موقع، وكانت بمنزلة الانتقال من بلد ~~إلى بلد. # وقوله تعالى: { من بعد ما ظلموا } أي أنهم كانوا مظلومين في ~~أيدي الكفار. # قوله: " حسنة " فيها أوجه: # أحدها: أنها نعت لمصدر محذوف، أي: تبوئة حسنة. # الثاني: أنها منصوبة على المصدر الملاقي لعامله في المعنى؛ لأن معنى " ~~لنبوئنهم " لنحسنن إليهم. # الثالث: أنها مفعول ثان؛ لأن الفعل قبلها مضمن لمعنى لنعطينهم، و " ~~حسنة " صفة لموصوف محذوف، أي: دارا حسنة؛ وفي تفسير الحسن: دار حسنة ~~وهي المدينة على ساكنها - أفضل الصلاة والسلام-. # وقيل: تقديره: منزلة حسنة، وهي الغلبة على أهل المشرق. # وقيل: حسنة بنفسها هي المفعول من غير حذف موصوف. # وقرأ أمير المؤمنين، وابن مسعود، ونعيم بن ميسرة: " لنثوينهم " ~~بالثاء المثلثة والياء، مضارع أثوى المنقول بهمزة التعدية من " ثوى ~~بالمكان " أقام فيه وسيأتي أنه قرىء بذلك في السبع في العنكبوت، و " ~~حسنة " على ما تقدم. # ويريد أنه يجوز أن يكون على نزع الخافض أي " في حسنة ms5399 " والموصول ~~مبتدأ، والجملة من القسم المحذوف وجوابه خبره، وفيه رد على ثعلب؛ حيث ~~منع وقوع جملة القسم خبرا. # وجوز أبو البقاء في: " الذين " النصب على الاشتغال بفعل مضمر، ~~أي: لنبوأن الذين. # ورده أبو حيان: بأنه لا يجوز أن يفسر عاملا، إلا ما جاز أن يعمل، وإن ~~قلت " زيدا لأضربن " لم يجز، فكذا لا يجوز " زيدا لأضربنه ". # قوله: { لو كانوا يعلمون } يجوز فيه أن يعود الضمير على ~~الكفار، أي: لو كانوا يعلمون ذلك لرجعوا مسلمين. # أو على المؤمنين، أي: لاجتهدوا في الهجرة والإحسان كما فعل غيرهم. # فصل: الإحسان عند الإعطاء # روي أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان إذا أعطى الرجل من ~~المهاجرين عطاء يقول: خذه بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله ~~في الدنيا وما ادخر لك في الآخرة أفضل، ثم تلا هذه الآية. # وقيل: المعنى: لنحسنن إليهم في الدنيا. وقيل: الحسنة في الدنيا التوفيق ~~والهداية. # قوله تعالى: { الذين صبروا } محله رفع على أنه خبر لمبتدأ ~~محذوف تقديره: هم الذين صبروا، أو نصب على تقدير أمدح، ويجوز أن يكون ~~تابعا للموصول قبله نعتا، أو بدلا، أو بيانا فمحله محله. # والمعنى: أنهم صبروا على العذاب، وعلى مفارقة الوطن، وعلى الجهاد، ~~وبذل الأموال، و الأنفس في سبيل الله. # قوله تعالى: { ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا } الآية ~~هذه الآية شبهة خامسة لمنكري النبوة، كانوا يقولون: الله أعلى، وأجل من ~~أن يكون رسوله واحدا من البشر؛ بل لو أراد بعثة رسول إلينا كان يبعث ~~ملكا، وتقدم تقرير هذه الشبهة في سورة الأنعام؛ فأجاب الله عن هذه ~~الشبهة بقوله: { ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا ~~نوحي إليهم } والمعنى: أن عادة الله من أول زمان التكليف لم ~~يبعث رسولا إلا من البشر، وهذه العادة مستمرة، فلا يلتفت إلى طعن ~~هؤلاء الجهال. # ودلت هذه الآية على أنه ما أرسل أحدا من النساء، ودلت على أنه -تعالى ~~- ما أرسل ملكا، إلا أن ظاهر قوله تعالى: # جاعل الملائكة رسلا # [فاطر: 1] يدل على أن الملائكة رسل الله ms5400 إلى سائر الأنبياء - عليهم ~~الصلاة والسلام -، ثم قال الله تعالى: { فسألوا أهل الذكر }. # قال ابن عباس - رضي الله عنه-: يريد أهل التوراة، ويدل عليه قوله تعالى: # ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر # [الأنبياء: 105] يعني التوراة. وقال الزجاج: معناه سلوا كل من يذكر ~~بعلم وتحقيق. # واختلف الناس في أنه هل يجوز للمجتهد تقليد المجتهد؟ منهم من أجازه ~~محتجا بهذه الآية؛ فقال: لما لم يكن أحد المجتهدين عالما، وجب عليه ~~الرجوع إلى المجتهد العالم بالحكم؛ لقوله تعالى: { فسألوا أهل ~~الذكر إن كنتم لا تعلمون } فإن لم يجب؛ فلا أقل من الجواز. # واحتج نفاة القياس بهذه الآية فقالوا: المكلف إذا نزلت به واقعة، فإن ~~كان عالما بحكمها، لم يجز له القياس، وإن لم يكن عالما بحكمها، وجب ~~عليه سؤال من كان عالما بها؛ لظاهر هذه الآية، ولو كان القياس حجة، لما ~~وجب عليه سؤال العالم؛ لأنه يمكنه استنباط ذلك الحكم بالقياس، فثبت أن ~~تجويز العمل بالقياس يوجب ترك العمل بظاهر هذه الآية؛ فوجب أن لا يجوز. # والجواب: أنه ثبت جواز العمل بالقياس بإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - ~~فالإجماع أقوى من هذا الدليل. # قوله " بالبينات " فيه ثمانية أوجه: # أحدها: أنه متعلق بمحذوف على أنه صفة ل " رجالا " فيتعلق بمحذوف، ~~أي رجالا ملتبسين بالبينات، أي: مصاحبين لها وهو وجه حسن لا محذور فيه، ~~ذكره الزمخشري. # الثاني: أنه متعلق ب " أرسلنا " ذكره الحوفي، والزمخشري، ~~وغيرهما، وبه بدأ الزمخشري، فقال: " يتعلق ب " أرسلنا " داخلا ~~تحت حكم الاستثناء مع " رجالا " أي: وما أرسلنا إلا رجالا بالبينات، ~~كقولك: ما ضربت إلا زيدا بالسوط؛ لأن أصله: ضربت زيدا ~~بالسوط ". # وضعفه أبو البقاء: بأن ما قبل " إلا " لا يعمل فيما بعدها، إذا تم ~~الكلام على " إلا " وما يليها، قال: إلا أنه قد جاء في الشعر: [البسيط] # 3310- نبئتهم عذبوا بالنار جارتهم # ولا يعذب إلا الله بالنار # وقال أبو حيان: " وما أجازه الحوفي، والزمخشري، لا يجيزه البصريون؛ إذ ~~لا يجيزون أن يقع بعد " إلا " إلا مستثنى، أو مستثنى منه، أو تابع ~~لذلك، ms5401 وما ظن بخلافه قدر له عامل، وأجاز الكسائي أن يليها معمول ما بعدها ~~مرفوعا، أو منصوبا أو مخفوضا، نحو: ما ضرب إلا عمرا زيد، وما ~~ضرب إلا زيد عمرا، وما مر إلا زيد بعمرو ". # ووافقه ابن الأنباري في المرفوع، والأخفش، في الظرف، وعديله؛ فما قالاه ~~يتمشى على قول الكسائي، والأخفش. # الثالث: أنه يتعلق ب " أرسلنا " أيضا؛ إلا أنه على نية التقديم ~~قبل أداة الاستثناء تقديره: وما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر إلا ~~رجالا؛ حتى لا يكون ما بعد " إلا " معمولين متأخرين لفظا ورتبة ~~داخلين تحت الحصر لما قبل " إلا " ، حكاه ابن عطية. # وأنكر الفراء ذلك وقال: " إن صلة ما قبل " إلا " لا يتأخر إلى ما ~~بعد " إلا " لأن المستثنى منه هو مجموع ما قبل " إلا " مع صلته، فلما ~~لم يصر هذا المجموع مذكورا بتمامه؛ امتنع إدخال الاستثناء عليه ". # الرابع: أنه متعلق ب " نوحي " كما تقول: أوحى إليه بحق. ذكره ~~الزمخشري، وأبو البقاء. # الخامس: أن الباء مزيدة في " بالبينات " وعلى هذا؛ فيكون " ~~البينات " هو القائم مقام الفاعل؛ لأنها هي الموحاة. # السادس: أن الجار متعلق بمحذوف؛ على أنه حال من القائم مقام ~~الفاعل، وهو " إليهم " ذكرهما أبو البقاء. وهما ضعيفان جدا. # السابع: أن يتعلق ب " لا تعلمون " على أن الشرط في معنى: ~~التبكيت والإلزام؛ كقول الأجير: إن كنت عملت لك فأعطني حقي. # قال الزمخشري: وقوله تعالى: { فسألوا أهل الذكر } اعتراض ~~على الوجوه المتقدمة، ويعني بقوله: " فاسئلوا " الجزاء وشرطه، وأما ~~على الوجه الأخير، فعدم الاعتراض واضح. # الثامن: أنه متعلق بمحذوف جوابا لسؤال مقدر؛ كأنه قيل: بم أرسلوا؟ ~~فقيل: أرسلوا بالبينات، والزبر، كذا قدره الزمخشري. وهو أحسن من تقدير ~~أبي البقاء: بعثوا لموافقته للدال عليه لفظا ومعنى. # فصل في تأويل " إلا " # قال البغوي - رحمه الله-: " إلا " بمعنى " غير " ، أي: وما أرسلنا ~~قبلك بالبينات، والزبر، غير رجال يوحى إليهم، ولو لم نبعث إليهم ملائكة. # وقيل: تأويله: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا يوحى إليهم بالبينات ~~والزبر، والبينات والزبر: كل ما يتكامل به الرسالة؛ لأن مدارها ms5402 على ~~المعجزات الدالة على صدق مدعي الرسالة، وهي البينات على التكاليف، التي ~~يبلغها الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - إلى العباد، وهي الزبر. # ثم قال تعالى: { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ~~ما نزل إليهم } أراد بالذكر الوحي وكان - عليه الصلاة والسلام ~~- مبينا للوحي، وبيان الكتاب يطلب من السنة. انتهى. # فصل القرآن ليس كله مجملا بل منه المجمل والمبين # ظاهر هذه الآية يقتضي أن هذا الذكر مفتقر على بيان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والمفتقر إلى [البيان] مجمل، فهذا النص يقتضي أن هذا القرآن ~~كله مجمل؛ فلهذا قال بعضهم: متى وقع التعارض بين القرآن والخبر وجب تقديم ~~الخبر؛ لأن القرآن مجمل بنص هذه الآية، والخبر مبين لهذه الآية، والمبين ~~مقدم على المجمل. وأجيب: بأن القرآن منه محكم، ومنه متشابه، والمحكم يجب ~~كونه مبينا؛ فثبت أن القرآن كله ليس مجملا، بل فيه المجمل. # فقوله: { لتبين للناس ما نزل إليهم } محمول على تلك ~~المجملات. # فصل هل الرسول مبين لكل ما أنزل الله # ظاهر هذه الآية يقتضي أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم هو لمبين لكل ~~ما أنزل الله على المكلفين، وعند هذا قال نفاة القياس: لو كان القياس ~~حجة، لما وجب على الرسول بيان كل ما أنزل الله تعالى على المكلفين من ~~الأحكام؛ لاحتمال أن يبين لمكلف ذلك الحكم بطريق القياس، ولما دلت هذه ~~الآية على أن المبين للتكاليف، والأحكام؛ هو الرسول، علمنا أن القياس ~~ليس بحجة. # وأجيب عنه: بأنه صلى الله عليه وسلم لما بين أن القياس حجة فمن رجع ~~في تبيين الأحكام والتكاليف إلى القياس؛ كان ذلك في الحقيقة رجوعا إلى ~~بيان الرسول صلى الله عليه وسلم. # قالوا: لو كان البيان بالقياس من بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ~~وقع فيه اختلاف. # قوله تعالى: { أفأمن الذين مكروا السيئات } الآية في ~~" السيئات " ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها نعت لمصدر محذوف، أي: المكرات السيئات. # الثاني: أنه مفعول به على تضمين: " مكروا " عملوا وفعلوا، وعلى هذين ~~الوجهين، فقوله { أن يخسف الله بهم ms5403 الأرض } مفعول ب " ~~أمن ". # الثالث: أنه منصوب ب " أمن " ، أي: أمنوا العقوبات السيئات، وعلى هذا ~~فقوله { أن يخسف الله } بدل من " السيئات ". # والمكر في اللغة: هو السعي بالفساد خفية، ولا بد هنا من إضمار، ~~تقديره المكرات السيئات، والمراد أهل مكة، ومن حول المدينة. # قال الكلبي: المراد بهذا المكر: اشتغالهم بعبادة غير الله - تعالى - ~~والأقرب أن المراد سعيهم في إيذاء الرسول، وأصحابه على سبيل الخفية، ~~أي: يخسف الله بهم الأرض؛ كما خسف بالقرون الماضية. # قوله: { أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون } ~~أي: يأتيهم العذاب من السماء من حيث يفجؤهم؛ فيهلكهم بغتة؛ كما فعل ~~بالقرون الماضية. # { أو يأخذهم في تقلبهم } أي: أسفارهم # لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد # [آل عمران: 196]. # وقال ابن عباس - رضي الله عنه-: في اختلافهم. وقال ابن جريج: في إقبالهم ~~وإدبارهم. # وقيل: في حال تلقبهم في أمكارهم، فيحول الله بينهم، وبين إتمام تلك ~~الحيل. # وحمل التقلب على هذا المعنى، مأخوذ من قوله تعالى: # وقلبوا لك الأمور # [التوبة: 48]. { أو يأخذهم على تخوف } هذا الجار ~~متعلق بمحذوف؛ فإنه حال، إما من فاعل " يأخذهم " وإما من مفعوله، ~~ذكرهما أبو البقاء. # والظاهر كونه حالا من المفعول دون الفاعل. # والتخوف: تفعل من الخوف، يقال: خفت الشيء، وتخوفته. # والتخوف: التنقص، أي: نقص من أطرافهم، ونواحيهم، الشيء بعد ~~الشيء حتى يهلك جميعهم، يقال: تخوفته الدهر؛ وتخوفه، إذا نقصه، ~~وأخذ ماله، وحشمه، ويقال: هذه لغة بني هذيل. # وقال الأعرابي: تخوفت الشيء وتخيفته إذا تنقصته. # حكى الزمخشري أن عمر - رضي الله عنه - سألهم على المنبر عن هذه الآية ~~فسكتوا، فقام شيخ من هذيل، فقال: هذه لغتنا، التخوف التنقص، فقال ~~عمر: فهل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟. # قال: نعم، قال شاعرنا: [البسيط] # 3311- تخوف الرحل منها تامكا قردا # كما تخوف [عود] النبعة السفن # فقال عمر - رضي الله عنه-: أيها الناس عليكم بديوانكم لا تضلوا، ~~قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية؛ فإن فيه تفسير كتابكم، وكان ~~الزمخشري نسب البيت قبل ذلك لزهير، وكأنه سهو؛ فإنه لأبي كبير الهذلي؛ ~~ويؤيد ms5404 ذلك قول الرجل: قال شاعرنا، وكان هذيليا كما حكاه هو، فعلى هذا ~~يكون المراد ما يقع في أطراف بلادهم، كما قال تعالى: # أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافهآ # [الأنبياء: 44] أي: لا نعاجلهم بالعذاب، ولكن ننقص من أطراف بلادهم حتى ~~يصل إليهم فيهلكهم. # ويحتمل أن النقص من أموالهم وأنفسهم يكون قليلا قليلا حتى يفنوا ~~جميعهم. # وقال الضحاك، و الكلبي: من الخوف، أي: لا يأخذهم بالعذاب، أولا؛ بل ~~يخيفهم، أو بأن يعذب طائفة؛ فتخاف التي يليها. # ثم قال: { فإن ربكم لرءوف رحيم } أي يمهل في أكثر ~~الأمر؛ لأنه رءوف رحيم، فلا يعاجل بالعذاب. ### || [16.48-55] # قوله: { أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء } ~~الآية قرأ الأخوان: " تروا " بالخطاب جريا على قوله: " فإن ~~ربكم ". # والباقون: بالياء جريا على قوله: # أفأمن الذين مكروا # [النحل: 45]. # وأما قوله # أولم يروا إلى الطير # [الملك: 19] فقراءة حمزة أيضا بالخطاب، ووافقه ابن عامر فيه؛ فحصل من ~~مجموع الآيتين: أن حمزة بالخطاب فيهما، والكسائي بالخطاب في الأولى، ~~والغيبة في الثانية، وابن عامر بالعكس، والباقون: بالغيبة فيهما. # وأما توجيه الأولى فقد تقدم، وأما الخطاب في الثانية؛ فجريا على قوله ~~تعالى: # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم # [النحل: 78] وأما الغيبة؛ فجريا على قوله تعالى # ويعبدون من دون الله # [النحل: 73] إلى آخره، وأما تفرقة الكسائي، وابن عامر بين الموضعين؛ ~~فجمعا بين الاعتبارين، وأن كلا منهما صحيح. # فصل # لما خوف المشركين بأنواع العذاب المتقدمة، أردفه بما يدل على ~~كمال قدرته في تدبير أحوال العالم العلوي، والسفلي؛ ليظهر لهم أن مع ~~كمال هذه القدرة القاهرة والقوة الغير متناهية، كيف يعجز عن إيصال العذاب ~~إليهم؟ وهذه الرؤية لما كانت بصرية وصلت ب " إلى "؛ لأن المراد بها ~~الاعتبار، والاعتبار لا يكون بنفس الرؤية، حتى يكون مع النظر إلى الشيء ~~الكامل في أحواله. # قوله: { من شيء } هذا بيان ل " ما " في قوله: { ما خلق ~~الله } فإنها موصولة بمعنى الذي. # فإن قيل: كيف يبين الموصول وهو مبهم ب " شيء " وهو مبهم؛ بل أبهم مما ~~قبله؟. # فالجواب: أن شيئا ms5405 قد اتضح، وظهر بوصفه بالجملة بعده؛ وهي: " يتفيؤ ~~ظلاله ". # قال الزمخشري: و " ما " موصولة ب " خلق الله " وهو مبهم؛ بيانه في ~~قوله { من شيء يتفيأ ظلاله }. # وقال ابن عطية: " من شيء " لفظ عام في كل ما اقتضته الصفة من قوله: ~~" يتفيؤ ظلاله ". # فظاهر هاتين العبارتين: أن جملة " يتفيؤ ظلاله " صفة ل " شيء " ~~فأما غيرهما؛ فإنه قد صرح بعدم كون الجملة صفة؛ فإنه قال: والمعنى: من كل ~~شيء له ظل من جبل، وشجر، وبناء، وجسم قائم، وقوله " يتفيؤ ظلاله ~~" إخبار من قوله " من شيء " ليس بوصف له، وهذا الإخبار يدل على ذلك ~~الوصف المحذوف الذي تقديره: هو له ظل. وفيه تكلف لا حاجة إليه، والصفة ~~أبين و " من شيء " في محل نصب على الحال من الموصول، أو متعلق ~~بمحذوف على جهة البيان؛ أعني: من شيء. # والتفيؤ: تفعل من فاء يفيء، أي: رجع، و " فاء ": قاصر ~~فإذا أريد تعديته عدي بالهمزة كقوله # مآ أفآء الله على رسوله # [الحشر: 7] أو بالتضعيف نحو: فيأ الله الظل فتفيأ، وتفيأ: ~~مطاوع فيأ، فهو لازم، ووقع في شعر أبي تمام متعديا في قوله: ~~[الكامل] # 3312-........................ # وتفيأت ظلالها ممدودا # واختلف في الفيء، فقيل: هو مطلق الظل، سواء كان قبل الزوال، أو بعده، ~~وهو الموافق لمعنى الآية ههنا. # وقيل: ما كان قبل الزوال فهو ظل فقط، وما كان بعده فهو ظل وفيء، ~~فالظل أعم. يروى ذلك عن رؤبة بن العجاج، وأنكر بعضهم ذلك، وأنشد أبو ~~[زيد] للنابغة الجعدي: [الخفيف] # 3313- فسلام الإله يغدو عليهم # وفيوء الفردوس ذات الظلال # فأوقع لفظ " الفيء " على ما لم تنسخه الشمس؛ لأن ظل الجنة ما حصل ~~بعد أن كان زائلا بسبب ضوء الشمس. # وقيل: بل تختص الظل: بما قبل الزوال، والفيء: بما بعده. # قال الأزهري: تفيؤ الظلال: رجوعها بعد انتصاف النهار، ~~فالتفيؤ: لا يكون إلا بالعشي بعدما انصرفت عنه الشمس، والظل ما يكون ~~بالغداة، وهو ما لم تنله الشمس؛ قال الشاعر: [الطويل] # 3314- فلا الظل من برد الضحى تستطيعه # ولا الفيء من برد العشي تذوق # وقال امرؤ ms5406 القيس: [الطويل] # 3315- تيممت العين التي عند ضارج # يفيء عليها الظل عرمضها طام # وقد خطأ ابن قتيبة الناس في إطلاقهم الفيء على ما قبل الزوال وقال: إنما ~~يطلق على ما بعده؛ واستدل بالاشتقاق؛ فإن الفيء هو الرجوع، وهو متحقق بما ~~بعد الزوال [قال: وإنما يطلق على ما بعده]، فإن الظل يرجع إلى جهة ~~المشرق بعد الزوال بعد ما نسخته الشمس قبل الزوال. # وتقول العرب في جمع فيء: " أفياء " للقليل، و " فيؤ " للكثير؛ ~~كالبيوت، والعيون، وقرأ أبو عمرو " تتفيؤ " بالتاء من فوق مراعاة ~~لتأنيث الجمع، وبها قرأ يعقوب، والباقون بالياء لأنه تأنيث مجازي. # وقرأ العامة: " ظلاله " جمع ظل، وعيسى بن عمر " ظلله " جمع ظلة؛ ~~ك " غرفة، وغرف ". # قال صاحب اللوامح في قراءة عيسى " ظلله ": والظلة: الغيم: ~~وهو جسم، وبالكسر: الفيء، وهو عرض فرأى عيسى: أن التفيؤ الذي هو الرجوع ~~بالأجسام أولى منه بالإعراض، وأما في العامة فعلى الاستعارة. # قال الواحدي: " ظلاله " أضاف الظلال إلى مفرد، ومعناه الإضافة إلى ذوي ~~الظلال، وإنما حسن هذا؛ لأن الذي يرجع إليه الضمير، وإن كان واحدا في ~~اللفظ، وهو قوله تعالى { إلى ما خلق الله } إلا أنه كثير في ~~المعنى؛ كقوله تعالى # لتستووا على ظهوره # [الزخرف: 13] فأضاف الظهور، وهو جمع إلى ضمير مفرد؛ لأنه يعود إلى ~~واحد أريد به الكثرة في المعنى، وهو قوله تعالى: { ما تركبون } ~~انتهى. # قوله تعالى: { عن اليمين } فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يتعلق ب " يتفيؤ " ومعناها المجاوزة أي: يتجاوز الظلال ~~عن اليمين إلى الشمائل. # الثاني: أنها متعلقة بمحذوف على أنها حال من " ظلاله ". # الثالث: أنها اسم بمعنى جانب، فعلى هذا يبنتصب " إلى " على الظرف. # وقوله: { عن اليمين والشمآئل } فيه سؤالان: # أحدهما: ما المراد باليمين والشمائل؟. # والثاني: كيف أفرد الأول، وجمع الثاني؟. # وأجيب عن الأول بأجوبة: # أحدها: أن اليمين يمين الفلك؛ وهو المشرق، والشمائل شماله، وهو ~~المغرب، وخص هذان الجانبان؛ لأن أقوى الإنسان جانباه؛ وهما يمينه ~~وشماله، وجعل المشرق يمينا؛ لأن منه تظهر حركة الفلك اليومية. # الثاني: البلدة التي عرضها أقل من الميل ms5407 تكون الشمس صيفا عن يمين ~~البلد فيقع الظل عن يمينهم. # الثالث: أن المنصوب للعبرة كل جرم له ظل، كالجبل، والشجر، والذي ~~يترتب فيه الأيمان، والشمائل، إنما هو البشر فقط، ولكن ذكر الأيمان، ~~والشمائل، هنا على سبيل الاستعارة. # الرابع: قال الزمخشري: { أولم يروا إلى ما خلق الله ~~} من الأجرام التي لها ظلال متفيئة عن أيمانها، وشمائلها عن جانبي كل ~~واحد منها وشقيه استعارة من يمين الإنسان، وشماله لجانبي الشيء، أي: ~~يرجع من جانب إلى جانب. # وهذا قريب مما قبله، وأجيب عن الثاني بأجوبة: # أحدها: أن الابتداء يقع من اليمين، وهو شيء واحد؛ فلذلك وحد اليمين، ~~ثم ينتقص شيئا فشيئا وحالا بعد حال، فهو بمعنى الجمع، فصدق على كل حال ~~لفظة الشمائل؛ فتعدد بتعدد الحالات، وإلى قريب منه نحا أبو البقاء - ~~رحمه الله -. # والثاني: قال الزمخشري: واليمين بمعنى الأيمان، يعني أنه مفرد قائم ~~مقام الجمع، وحينئذ فهما في المعنى جمعا؛ كقوله تعالى # ويولون الدبر # [القمر: 45] أي الأدبار. # الثالث: قال الفراء: لأنه إذا وحد ذهب إلى واحد من ذوات الظلال، ~~وإذا جمع ذهب إلى كلها؛ لأن قوله تعالى { ما خلق الله من ~~شيء } لفظه واحد، ومعناه الجمع، فعبر عن أحدهما بلفظ الواحد؛ كقوله ~~تعالى # وجعل الظلمات والنور # [الأنعام: 1] وقوله عز وجل: # ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم # [البقرة: 7]. # الرابع: أنا إذا فسرنا اليمين بالمشرق؛ كانت النقطة التي هي مشرق ~~الشمس واحدة بعينها، فكانت اليمين واحدة، وأما الشمائل فهي عبارة عن ~~الانحرافات الواقعة في تلك الظلال بعد وقوعها على الأرض، وهي كثيرة؛ ~~فلذلك عبر عنها بصيغة الجمع. # الخامس: قال الكرماني: " يحتمل أن يراد بالشمائل الشمال، والخلف، ~~والقدام؛ لأن الظل يفيء من الجهات كلها، فبدأ باليمين؛ لأن ابتداء ~~الفيء منها، أو تيمنا بذكرها، ثم جمع الباقي على لفظة الشمال؛ لما بين ~~اليمين، والشمال من التضاد، ونزل القدام والخلف منزلة الشمال؛ لما ~~بينهما وبين اليمين من الخلاف ". # السادس: قال ابن عطية: " وما قال بعض الناس من أن اليمين أول وقعة ~~للظل بعد الزوال، ثم الآخر إلى ms5408 الغروب، هي عن الشمائل؛ ولذلك جمع ~~الشمائل، وأفرد اليمين؛ فتخليط من القول، ومبطل من جهات ". # وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: " إذا صليت الفجر كان ما بين مطلع ~~الشمس، ومغربها ظلا، ثم بعث الله عليه الشمس دليلا؛ فقبض إليه الظل؛ ~~فعلى هذا فأول دورة الشمس فالظل عن يمين مستقبل الجنوب، ثم يبدأ ~~الانحراف، فهو عن الشمائل؛ لأنه حركات كثيرة، وظلال منقطعة، فهي ~~شمائل كثيرة؛ فكان الظل عن اليمين متصلا واحدا عاما لكل شيء ". # السابع: قال ابن الضائع رحمه الله: " وجمع بالنظر إلى الغايتين؛ لأن ~~ظل الغداة يضمحل حتى لا يبقى منه إلا اليسير، فكأنه في جهة واحدة، وهي ~~بالعشي - على العكس - لاستيلائه على جميع الجهات، فلحظت الغايتان في ~~الآية، هذا من جهة المعنى، وأما من جهة اللفظ، ففيه مطابقة؛ لأن " ~~سجدا " جمع، فطابقه جمع الشمائل؛ لاتصاله به؛ فحصل في الآية مطابقة ~~اللفظ للمعنى، ولحظهما معا؛ وتلك الغاية في الإعجاز ". # قوله " سجدا " حال من " ظلاله " ، وسجدا جمع ساجد، كشاهد ~~وشهد وراكع وركع. # والسجود: الميل، يقال: سجدت النخلة إذا مالت، وسجد البعير ~~إذا طأطأ رأسه؛ وقال الشاعر: [الطويل] # 3316-........................ # ترى الأكم فيها سجدا للحوافر # فالمراد بهذا السجود التواضع. # واعلم أن انتقاص الظل بعد كماله إلى غاية محدودة ثم ازدياده بعد ~~غاية نقصانه، وتنقله من جهة إلى أخرى على وفق تدبير الله، وتقديره بحسب ~~الاختلافات اليومية الواقعة في شرق الأرض، وغربها، وبحسب الاختلافات ~~الواقعة في طول السنة على وجه مخصوص، وترتيب معين لا يكون إلا لكونها ~~منقادة لله تعالى خاضعة لتقديره وتدبيره؛ فكان السجود عبارة عن تلك ~~الحال. # فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: اختلاف هذه الظلال معلل باختلاف سير ~~الشمس لا لأجل تقدير الله؟. # فالجواب: أنا وإن سلمنا ذلك، فمحرك الشمس بالحركة الخاصة ليس إلا ~~الله - تعالى - فدل على أن اختلاف أحوال هذه الظلال لم يقع إلا بتدبير ~~الله تعالى، وقيل: هذا سجود حقيقة؛ لأن هذه الظلال واقعة على الأرض ~~ملتصقة بها على هيئة الساجد، قال أبو العلاء المعري، في صفة واد: ms5409 ~~[الطويل] # 3317- بخرق يطيل الجنح فيه سجوده # وللأرض زي الراهب المتعبد # فلما كان شكل الأظلال يشبه شكل الساجدين، أطلق عليه السجود، وكان ~~الحسن يقول: أما ظلك، فسجد لربك، وأما أنت، فلا تسجد له؛ بئسما ~~صنعت. # وعن مجاهد: ظل الكافر يصلي، وهو لا يصلي، وقيل: ظل كل شيء ~~يسجد لله، سواء كان ذلك ساجدا لله، أم لا. # قوله: { وهم داخرون } في هذه الجملة ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها حال من الهاء في " ظلاله ". قال الزمخشري: " لأنه في ~~معنى الجمع، وهو ما خلق الله من كل شيء له ظل، وجمع بالواو والنون؛ ~~لأن الدخور من أوصاف العقلاء، أو لأن في جملة ذلك من يعقل فغلب ". # وقد رد أبو حيان هذا بأن الجمهور لا يجيزون مجيء الحال من المضاف ~~إليه، وهو نظير جاءني غلام هند ضاحكة، قال: " ومن أجاز مجيئها ~~منه إذا كان المضاف جزءا، أو كالجزء جوز الحالية منه هنا؛ لأن الظل ~~كالجزء؛ إذ هو ناشيء عنه ". # الثاني: أنها حال من الضمير المستتر في " سجدا " فهي حال متداخلة. # الثالث: أنها حال من " ظلاله " فينتصب عنه حالان، ثم لك في هذه الواو ~~اعتباران: # أحدهما: أن تجعلها عاطفة حالا على مثلها، فهي عاطفة، وليست بواو حال، ~~وإن كان خلو الجملة الاسمية الواقعة حالا من الواو قليلا أو ممتنعا ~~على رأي، وممن صرح بأنها عاطفة: أبو البقاء. # والثاني: أنها واو الحال، وعلى هذا فيقال: كيف يقتضي العامل حالين؟. # فالجواب: أنه جاز ذلك؛ لأن الثانية بدل من الأولى، فإن أريد بالسجود ~~التذلل والخضوع، فهو بدل كل من كل، وإن أريد به [حقيقته]، فهو بدل ~~اشتمال، إذ السجود مشتمل على الدخور. # ونظير ما نحن فيه: " جاء زيد ضاحكا وهو شاك " فقولك: " وهو شاك " ~~يحتمل الحالية من " زيد " أو ضمير " ضاحكا " ، والدخور: ~~التواضع؛ قال الشاعر: [الطويل] # 3318- فلم يبق إلا داخر في مخيس # ومنجحر في غير أرضك في جحر # وقيل: هو القهر والغلبة، ومعنى " داخرون " أذلاء صاغرين. # قوله تعالى: { ولله يسجد ما في السموات وما في ~~الأرض } الآية قد تقدم أن ms5410 السجود على نوعين: # سجود كسجود الصلاة بوضع الجبهة على الأرض، وسجود هو انقياد وخضوع؛ فلهذا ~~قال بعضهم: المراد بالسجود ههنا: الانقياد والخضوع؛ لأنه اللائق ~~بالدابة. # وقيل: السجود حقيقة؛ لأنه اللائق بالملائكة عليهم الصلاة والسلام. # وقيل: السجود لفظ مشترك بين المعنيين، وحمل اللفظ المشترك [على إفادة ~~مجموع معنيين جائز، فيحمل لفظ السجود ههنا على المعنيين معا، أما في حق ~~الدابة فبمعنى التواضع، وأما في حق الملائكة فبمعنى السجود الحقيقي؛ وهذا ~~ضعيف؛ لأن استعمال اللفظ المشترك] في جميع مفهوماته معا غير جائز. # قوله تعالى: { من دآبة } يجوز أن يكون بيانا ل { ما في ~~السموات وما في الأرض } ويكون لله تعالى في سمائه خلق؛ يدبون ~~كما يدب الخلق الذي في الأرض، ويجوز أن يكون بيانا ل { ما في ~~الأرض } فقط. # قال الزمخشري: " فإن قلت: هلا جيء ب " من " دون " ما " تغليبا ~~للعقلاء على غيرهم؟. # قلت: إنه لو جيء ب " من " لم يكن فيه دليل على التغليب، بل كان ~~متناولا للعقلاء خاصة، فجيء بما هو صالح للعقلاء، وغيرهم؛ إرادة للعموم ~~". # قال أبو حيان: " وظاهر السؤال تسليم أن من قد تشتمل العقلاء، ~~وغيرهم على جهة التغليب، وظاهر الجواب تخصيص " من " بالعقلاء، وأن ~~الصالح للعقلاء ما دون " من " ، وهذا ليس بجواب لأنه أورد السؤال على ~~التسليم، ثم أورد الجواب على غير التسليم، فصار المعنى أن من يغلب ~~بها؛ والجواب لا يغلب بها، وهذا في الحقيقة ليس بجواب ". # فصل # قال الأخفش: قوله: " من دابة " يريد من الدواب، وأخبر بالواحد؛ ~~كما تقول: ما أتاني من رجل مثله، وما أتاني من الرجال مثله. # وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: " يريد كل دابة على الأرض ". # فإن قيل: ما الوجه في تخصيص الملائكة، والدواب بالذكر؟. # فالجواب من وجهين: # الأول: أنه تعالى بين في آية الظلال أن الجمادات بأسرها منقادة لله ~~- سبحانه وتعالى - وبين بهذه الآية أن الحيوانات بأسرها منقادة لله - ~~تعالى - لأن أخسها الدواب، وأشرفها الملائكة - عليهم الصلاة والسلام ~~- فلما بين في أخسها، وفي أشرفها كونها منقادة خاضعة لله - تعالى - كان ms5411 ~~ذلك دليلا على أنها بأسرها منقادة خاضعة لله تعالى. # الثاني: قال حكماء الإسلام: الدابة: اشتقاقها من الدبيب، والدبيب ~~عبارة عن الحركة الجسمانية؛ فالدابة اسم لكل حيوان يتحرك ويدب، ~~فلما ميز الله الملائكة عن الدابة؛ علمنا أنها ليست مما يدب؛ بل هي ~~أرواح محضة مجردة، وأيضا فإن الطيران بالجناح مغاير للدبيب؛ لقوله # وما من دآبة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه # [الأنعام: 38]. # { وهم لا يستكبرون } يجوز أن تكون الجملة استئنافا أخبر ~~عنهم بذلك، وأن يكون حالا من فاعل " يسجد ". # قوله " يخافون " فيها وجهان: # أن تكون مفسرة لعدم استكبارهم، كأنه قيل: ما لهم يستكبرون؟ فأجيب بذلك، ~~ويحتمل أن يكون حالا من فاعل " لا يستكبرون " ، ومعنى " ~~يخافون ربهم " ، أي: عقابه. # قوله: " من فوقهم " يجوز فيه وجهان: # أحدهما: أنه يتعلق ب " يخافون " ، أي: يخافون عذاب ربهم كائنا من ~~فوقهم فقوله " من فوقهم " صفة للمضاف، وهو عذاب، وهي صفة كاشفة؛ ~~لأن العذاب إنما ينزل من فوق. # الثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من " ربهم " ، أي: يخافون ~~ربهم عاليا عليهم علو الرتبة والقدرة قاهرا لهم، ويدل على هذا ~~المعنى قوله تعالى: # وهو القاهر فوق عباده # [الأنعام: 18]. # فصل دلالة الآية على عصمة الملائكة # دلت الآية على عصمة الملائكة عن جميع الذنوب؛ لأن قوله { وهم لا ~~يستكبرون } يدل على أنهم منقادون لخالقهم، وأنهم ما خالفوه في ~~أمر من الأمور، كقوله # وما نتنزل إلا بأمر ربك # [مريم: 64]، وقوله: # لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون # [الأنبياء: 27]، وكذلك قوله - جل وعز-: # ويفعلون ما يؤمرون # [التحريم: 6] وذلك يدل على أنهم فعلوا كل ما أمروا به، فدل على عصمتهم ~~عن كل الذنوب. # فإن قيل: هب أن الآية دلت على أنهم فعلوا كل ما أمروا به، فلم قلتم: ~~إنها تدل على أنهم تركوا كل ما نهوا عنه؟. # فالجواب: أن كل من نهى عن شيء، فقد أمر بتركه؛ وحينئذ يدخل في ~~اللفظ، فإذا ثبت بهذه الآية كون الملائكة معصومين من كل الذنوب، وثبت ~~أن إبليس ما كان معصوما من الذنوب، بل كان كافرا؛ لزم ms5412 القطع بأن ~~إبليس ما كان من الملائكة، وأيضا: فإنه - تعالى - قال في صفة الملائكة: ~~{ وهم لا يستكبرون } ، ثم قال عز وجل لإبليس # أستكبرت أم كنت من العالين # [ص: 75] وقال: # فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها # [الأعراف: 13] وثبت أن الملائكة لا يستكبرون، وثبت أن إبليس تكبر، ~~واستكبر، فوجب أن لا يكون من الملائكة. # وللخصم أن يجيب بأن إبليس لو لم يكن من الملائكة، لما ذم على تركه ~~المعهود من ترك مخالفة الأمر، ومن الاستكبار، فلما خالف الأمر، واستكبر، ~~خرج من حيز الملائكة، ولعن، وطرد؛ لأنه خالف المعهود من حاله. # قال ابن الخطيب - رحمه الله - " ولما ثبت بهذه الآية وجوب عصمة ~~الملائكة، ثبت أن القصة الخبيثة التي يذكرونها في حق هاروت وماروت ~~باطلة، فإن الله - تبارك وتعالى - وهو أصدق القائلين لما شهد في هذه ~~الآية على عصمة الملائكة وبراءتهم من كل ذنب؛ وجب القطع بأن تلك القصة ~~باطلة كاذبة ". # واحتج الطاعنون في عصمة الملائكة بهذه الآية فقالوا: إن الله - ~~تعالى - وصفهم بالخوف، ولولا أنهم يجوزون من أنفسهم الإقدام على ~~الذنوب، وإلا لم يحصل الخوف والجواب من وجهين: # الأول: أنه - تعالى - حذرهم من العقاب؛ فقال # ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك ~~نجزيه جهنم # [الأنبياء: 29] فللخوف من العذاب يتركون الذنب. # الثاني: أن ذلك الخوف خوف الإجلال؛ هكذا نقل عن ابن عباس؛ كقوله تعالى # إنما يخشى الله من عباده العلماء # [فاطر: 28] وكقول النبي صلى الله عليه وسلم # " إني لأخشاكم لله " # حين قالوا له وقد بكى: أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ~~ذنبك وما تأخر؟. # وهذا يدل على أنه كلما كانت معرفة الله أتم، كان الخوف منه أعظم. ~~وهذا الخوف لا يكون إلا خوف الإجلال والكبرياء. # فصل في استدلال المشبهة بالآية والرد عليهم # استدل المشبهة بقوله تعالى: { يخافون ربهم من فوقهم } ~~على أنه - تعالى - فوقهم بالذات. # والجواب: أن معناه: يخافون ربهم؛ من أن ينزل عليهم العذاب من فوقهم، ~~وإذا احتمل اللفظ هذا المعنى؛ سقط استدلالهم، وأيضا يجب حمل هذه الفوقية ms5413 ~~على الفوقية بالقدرة، والقهر والغلبة؛ لقوله تعالى: # وإنا فوقهم قاهرون # [الأعراف: 127]. # ويقوي هذا الوجه أنه تعالى قال: { يخافون ربهم من ~~فوقهم } فوجب أن يكون المقتضي لخوفهم هو كون ربهم فوقهم؛ لأن ~~الحكم المرتب على وصف يشعر بكون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف، وهذا ~~التعليل، إنما يصح إذا كان المراد بالفوقية، القهر والقدرة؛ لأنها هي ~~الموجبة للخوف، وأما الفوقية بالجهة، والمكان، فلا توجب الخوف؛ لأن ~~حارس البيت فوق الملك بالمكان والجهة مع أنه أخس عبيده. # فصل في أن الملك أفضل من البشر # تمسك قوم بهذه الآية على أن الملك أفضل من البشر من وجوه: # الأول: قوله تعالى: { ولله يسجد ما في السموات وما ~~في الأرض من دآبة والملائكة } وقد تقدم أن تخصيص هذين ~~النوعين بالذكر، إنما يحسن إذا كان أحد الطرفين أخس المراتب، وكان ~~الطرف الثاني أشرفها، حتى يكون ذكر هذين الطرفين منبها على الباقي، ~~وإذا كان كذلك، وجب أن يكون الملائكة أشرف خلق الله - عز وجل-. # الثاني: أن قوله { وهم لا يستكبرون } يدل على أنه ليس في ~~قلوبهم تكبر، وترفع، وقوله تعالى: { ويفعلون ما يؤمرون } يدل ~~على أن أعمالهم خالية عن الذنب، و المعصية، فمجموع هذين الكلامين يدل ~~على أن بواطنهم، وظواهرهم، مبرأة عن الأخلاق الفاسدة، والأفعال ~~الباطلة، وأما البشر، فليسوا كذلك ويدل عليه القرآن والخبر. # أما القرآن فقوله تعالى: # قتل الإنسان مآ أكفره # [عبس: 17] وهذا الحكم عام في الإنسان، وأقل مراتبه أن تكون طبيعة ~~الإنسان مقتضية لهذه الأحوال الذميمة. # وأما الخبر، فقوله عليه الصلاة والسلام-: # " ما منأ إلا وقد عصى أو هم بمعصية غير يحيى بن زكريا ~~". # ونعلم بالضرورة أن المبرأ عن المعصية، ومن لم يهم بها أفضل ممن ~~عصى، أو هم بها. # الثالث: أن الله - تعالى - خلق الملائكة - عليهم الصلاة والسلام - قبل ~~البشر بأدوار متطاولة، وأزمان ممتدة، ثم إنه - تعالى - وصفهم بالطاعة، ~~والخضوع، والخشوع طول هذه المدة، وطول العمر مع الطاعة يوجب مزيد ~~الفضيلة لوجهين: # الأول: قوله - صلوات الله وسلامه عليه -: # " الشيخ في قومه كالنبي في أمته " # فضل ms5414 الشيخ على الشاب؛ وما ذاك إلا لأنه لما كان عمره أطول، ~~فالظاهر أن طاعته أكثر؛ فكان أفضل. # والثاني: قوله - عليه الصلاة والسلام-: # " من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى ~~يوم القيامة " # فلما كان شروع الملائكة في الطاعات قبل شروع البشر فيها، لزم أن يقال: ~~إنهم هم الذين سنوا هذه السنة، وهي طاعة الخالق، والبشر إنما جاءوا ~~بعدهم، واستنوا بسنتهم؛ فوجب بمقتضى هذا الخبر أن كل ما حصل ~~للبشر من الثواب، فقد حصل مثله للملائكة، ولهم ثواب القدر الزائد من ~~الطاعة؛ فوجب كونهم أفضل. # قوله تعالى: { وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين ~~} الآية لما بين أن كل ما سوى الله فهو منقاد لجلاله وكبريائه، ~~أتبعه في هذه الآية بالنهي عن الشرك، وبأن كل ما سواه، فهو ملكه؛ وأنه ~~غني عن الكل. # قوله تعالى: " اثنين " فيه قولان: # أحدهما: أنه مؤكد ل " إلهين " وعليه أكثر الناس، و " لا تتخذوا ~~" على هذا يحتمل أن تكون متعدية لواحد، وأن تكون متعدية لاثنين، والثاني ~~منهما محذوف، أي: لا تتخذوا اثنين إلهين، وفيه بعد. # وقال أبو البقاء: " هو مفعول ثان ". وهذا كالغلط؛ إذ لا معنى لذلك ~~ألبتة. # وكلام الزمخشري هنا يفهم أنه ليس بتأكيد؛ فإنه قال: " فإن قلت: ~~إنما جمعوا بين العدد، والمعدود؛ فيما وراء الواحد والاثنين، فقالوا: ~~عندي رجال ثلاثة، وأفراس أربعة؛ لأن المعدود عار عن الدلالة عن ~~العدد الخاص، فأما رجل ورجلان، وفرس وفرسان؛ فمعدودان فيهما دلالة ~~على العدد؛ فلا حاجة إلى أن يقال: رجل واحد، ورجلان اثنان، فما وجه قوله ~~تعالى: { إلهين اثنين }؟. # قلت: الاسم الحامل لمعنى الإفراد، والتثنية دال على شيئين، على الجنسية، ~~والعدد المخصوص، فإذا أريدت الدلالة على أن المعني به منهما، والذي ~~يساق إليه الحديث هو العدد شفع بما يؤكد العدد، فدل به على القصد إليه، ~~والعناية به، ألا ترى أنك لو قلت: " إنما هو إله " ، ولم تؤكده ~~بواحد لم يحسن، وخيل أنك أثبت الإلهية، لا الواحدانية ". # وقال أبو حيان رحمه الله: " لما كان الاسم الموضوع للإفراد، ms5415 والتثنية ~~قد يتجوز فيه؛ فيراد به [الجنس]؛ نحو: نعم الرجل زيد، ونعم ~~الرجلان الزيدان. وقول الشاعر: [الوافر] # 3319- فإن النار بالعودين تذكى # وإن الحرب أولها الكلام # أكد الوضوع لهما بالوصف، فقيل: إلهين اثنين، وقيل: إله واحد ". # فصل # قال ابن الخطيب: الفائدة في قوله: " اثنين ": أن الشيء إذا كان ~~مستنكرا مستقبحا، فإذا أريد المبالغة في التنفير عنه عبر عنه بعبارات ~~كثيرة ليصير توالي تلك العبارات سببا لوقوف العقل على قبحه، والقول ~~بوجود إلهين مستقبح في العقول؛ فإن أحدا من العقلاء لم يقل بوجود ~~إلهين متساويين في الوجود، والعدم، وصفات الكمال فالمقصود من تكرير " ~~اثنين " تأكيد التنفير عنه، وتوقيف العقل على ما فيه من القبح، ~~وأيضا فقوله " إلهين " لفظ واحد يدل على أمرين: ثبوت الإله، ~~وثبوت التعدد. # فإذا قيل: { لا تتخذوا إلهين } لم يفهم من هذا اللفظ أن ~~النهي، وقع عن إثبات الإله، وعن إثبات التعدد، وعن مجموعهما، فلما قال: { ~~لا تتخذوا إلهين اثنين } ظهر أن قوله: " لا ~~تتخذوا " نهي عن إثبات التعدد فقط، وأيضا فإن التثنية منافية ~~للإلهية، وتقريره من وجوه: # الأول: أنا لو فرضنا موجودين، يكون كل واحد منهما واجبا لذاته؛ ~~لكانا مشتركين في الوجوب الذاتي، ومتباينين بالتعيين، وما به المشاركة، ~~غير ما به المباينة؛ فكل واحد منهما مركب من جزءين، وكل مركب فهو ~~ممكن؛ فثبت أن القول بأن واجب الوجود أكثر من واحد ينفي القول ~~بكونهما واجبي الوجود. # الثاني: أنا لو فرضنا إلهين، وحاول أحدهما تحريك جسم، والآخر تسكينه؛ ~~امتنع كون أحدهما أولى بالفعل من الثاني؛ لأن الحركة الواحدة والسكون ~~الواحد، لا يقبل القسمة أصلا، ولا التفاوت أصلا؛ وإذا كان كذلك امتنع ~~أن تكون القدرة على أحدهما أكمل من القدرة على الثاني؛ وإذا ثبت هذا، ~~امتنع كون إحدى القدرتين أولى بالتأثير من الثانية، وإذا ثبت هذا، فإما ~~أن يحصل مراد كل منهما، وهو محال، أو لا يحصل مراد كل واحد منهما ~~ألبتة؛ وحينئذ يكون كل واحد منهما عاجزا؛ والعاجز لا يكون إلها. ~~فثبت أن كونهما اثنين ينفي كون كل واحد ms5416 منهما إلها. # الثالث: لو فرضنا إلهين اثنين، لكان إما أن يقدر أحدهما على أن يستر ~~ملكه عن الآخر، أو لا يقدر، فإن قدر؛ فذلك الآخر ضعيف، وإن لم يقدر، فهو ~~ضعيف. # الرابع: أن أحدهما: إما أن يقوى على مخالفة الآخر، أو لا يقوى عليه، ~~فإن لم يقو عليه، فهو ضعيف، وإذا قوي عليه، فالأول المغلوب ضعيف؛ فثبت ~~أن الاثنينية والإلهية متضادان. # فالمقصود من قوله { لا تتخذوا إلهين اثنين } هو ~~التنبيه على حصول المنافاة، والمضادة بين الإلهية، وبين الاثنينية. # ولما ذكر هذا الكلام قال: { إنما هو إله واحد } ، أي: إنه ~~لما دل الدليل على أنه لا بد للعالم من الإله، وثبت أن القول بوجود ~~إلهين محال؛ ثبت أنه لا إله إلا الواحد الأحد. # ثم قال { فإيي فارهبون } وهذا رجوع من الغيبة إلى حضور، ~~والتقدير: أنه لما ثبت أن الإله واحد، وأن المتكلم بهذا الكلام إله؛ ~~ثبت حينئذ أنه لا إله للعالم إلا المتكلم بهذا الكلام، فحينئذ يحسن ~~منه أن يعدل من الغيبة إلى الحضور؛ ويقول: { فإيي فارهبون }. # قوله تعالى: { فإيي } منصوب بفعل مضمر مقدر بعده، يفسره هذا ~~الظاهر، أي: إياي ارهبوا فارهبون، وقدره ابن عطية: ارهبوا إياي، ~~فارهبون. # قال أبو حيان: وهو ذهول عن القاعدة النحوية؛ وهي أن المفعول إذا ~~كان ضميرا متصلا، والفعل متعد لواحد، وجب تأخير الفعل؛ نحو: # إياك نعبد # [الفاتحة: 5] ولا يجوز أن يتقدم إلا في ضرورة؛ كقوله: [الرجز] # 3320- إليك حتى بلغت إياكا # وقد مر تقريره أول البقرة. # وقد يجاب عن ابن عطية: بأنه لا يقبح في الأمور التقديرية ما يقبح ~~في اللفظية. # وفي قوله: " إياي " التفات من غيبة؛ وهي قوله " وقال الله " إلى ~~تكلم، وهو قوله " فإياي " ثم التفت إلى الغيبة أيضا، في قوله تعالى: { ~~وله ما في السموات والأرض }. # فصل # قوله " فارهبون " يفيد الحصر، وهو أنه لا يرهب الخلق إلا منه، ~~ثم قال: { وله ما في السموات والأرض }. # قال ابن عطية: " والواو في قوله: { وله ما في السموات ~~والأرض } عاطفة على قوله " إله واحد " ، ويجوز أن ms5417 تكون واو ابتداء ~~". # قال أبو حيان: " ولا يقال: واو ابتداء إلا لواو الحال، ولا يظهر ~~هنا الحال ". # قال شهاب الدين: وقد يطلقون واو ابتداء، ويريدون بها واو الاستئناف؛ ~~أي: التي لم يقصد بها عطف ولا تشريك، وقد نصوا على ذلك؛ فقالوا: قد ~~يؤتى بالواو أول الكلام، من غير قصد إلى عطف، واستدلوا على ذلك ~~بإتيانهم بها في أول أشعارهم وهو كثير جدا. # ومعنى قوله: " عاطفة على قوله: إله واحد " أي: أنها عطفت جملة على ~~مفرد، فيجب تأويلها بمفرد؛ لأنها عطفت على الخبر؛ فيكون خبرا، ويجوز - ~~على كونها عاطفة - أن تكون عاطفة على الجملة بأسرها، وهي قوله تعالى: { ~~إنما هو إله واحد }. # وكأن ابن عطية - رحمه الله - قصد بواو الابتداء هذا؛ فإنها ~~استئنافية. # فصل # قال أهل السنة: هذه الآية تدل على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى؛ ~~لأنها من جملة ما في السماوات والأرض، وليس المراد من كونها لله، ~~أنها مفعولة لأجله، ولطاعته؛ لأن فيها المباحات، والمحظورات التي ~~يؤتى بها، لغرض الشهوة، واللذة، لا لغرض الطاعة؛ فوجب أن يكون ~~المراد من كونها لله تعالى أنها واقعة بتكوينه وتخليقه. # قوله: { وله الدين واصبا } حال من " الدين " والعامل فيها ~~الاستقرار المتضمن الجار الواقع خبرا، والواصب: الدائم؛ قال ~~حسان: [المديد] # 3321- غيرته الريح تسفي به # وهزيم رعده واصب # وقال ابو الأسود: [الكامل] # 3322- لا أبتغي الحمد القليل بقاؤه # يوما بذم الدهر أجمع واصبا # والواصب: العليل لمداومة السقم له؛ قال تعالى: # ولهم عذاب واصب # [الصافات: 9] أي: دائم، وقيل: من الوصب، وهو التعب؛ ويكون حينئذ ~~على النسب، أي: ذا وصب؛ لأن الدين فيه تكاليف، ومشاق على ~~العباد؛ فهو كقوله: [المتقارب] # 3323-....................... # أضحى فؤادي به فاتنا # أي: ذا فتون، وقيل: الواصب: الخالص، ويقال: وصب الشيء، يصب ~~وصوبا، إذا دام، ويقال واظب على الشيء، وواصب عليه إذا دام، ~~ومفازة واصبة، أي: بعيدة، لا غاية لها. # وقال ابن قتيبة: ليس من أحد يدان له، ويطاع إلا انقطع ذلك بسبب في ~~حال الحياة، أو بالموت إلا الحق - سبحانه وتعالى - فإن طاعته دائمة ~~لا ms5418 تنقطع. # قال ابن الخطيب: وأقول: الدين قد يعنى به الانقياد؛ يقال: يا من ~~دانت له الرقاب، أي: انقادت لذاته، أي: وله الدين واصبا، أي: ~~انقياد كل ما سواه له لازم أبدا؛ لأن انقياد غيره له معلل، بأن ~~غيره ممكن لذاته، والممكن لذاته يلزم أن يكون محتاجا إلى السبب، في ~~طرفي الوجود، والعدم، فالماهيات يلزمها الإمكان لزوما ذاتيا ~~والإمكان يلزمه الاحتياج إلى المؤثر لزوما ذاتيا، ينتج أن الماهيات ~~يلزمها الاحتياج إلى المؤثر لزوما ذاتيا، فهذه [الماهيات] موصوفة ~~بالانقياد لله - تعالى - اتصافا، دائما، واجبا، لازما، ممتنع ~~التغير. # ثم قال { أفغير الله تتقون } ، أي: تخافون؛ استفهام على ~~طريق الإنكار، أي: أنكم بعد ما عرفتم أن إله العالم واحد، وأن كل ما ~~سواه محتاج إليه، في حدوثه وبقائه، فبعد العلم بهذه الأصول، كيف يعقل أن ~~يكون للإنسان رغبة في غير الله أو رهبة من غير الله؟!. # قوله تعالى: { وما بكم } يجوز في " ما " وجهان: # أحدهما: أن تكون موصولة، والجار صلتها، وهي مبتدأ، والخبر قوله: " ~~فمن الله " والفاء زائدة في الخبر؛ لتضمن الموصول معنى الشرط، ~~تقديره: والذي استقر بكم، و " من نعمة " بيان للموصول. # وقدر بعضهم متعلق " بكم " خاصا، فقال: " وما حل بكم أو ~~نزل بكم ". # وليس بجيد؛ إذ لا يقدر إلا كونا مطلقا. # الثاني: أنها شرطية، وفعل الشرط بعدها محذوف، وإليه نحا الفراء، وتبعه ~~الحوفي وأبو البقاء. # قال الفراء: التقدير " وما يكن بكم ". وقد رد هذا؛ بأنه لا يحذف ~~فعل إلا بعد " إن " خاصة في موضعين: # أحدهما: أن يكون من باب الاشتغال؛ نحو # وإن أحد من المشركين استجارك فأجره # [التوبة: 6] لأن المحذوف في حكم المذكور. # الثاني: أن تكون " إن " متلوة ب " لا " النافية، وأن يدل على الشرط ~~ما تقدمه من الكلام؛ كقوله: [الوافر] # 3324- فطلقها فلست لها بكفء # وإلا يعل مفرقك الحسام # أي: وإلا تطلقها، فحذف؛ لدلالة قوله " فطلقها " عليه. # فإن لم توجد " لا " النافية، أو كانت الأداة غير " إن " لم تحذف إلا ~~ضرورة، مثال الأول قول الشاعر: [الرجز] # 3325- قالت بنات العم: يا سلمى وإن ms5419 # كان فقيرا معدما؛ قالت: وإن # أي: وإن كان فقيرا راضية؛ ومثال الثاني قول الشاعر: [الرمل] # 3326- صعدة نابتة في حائر # أينما الريح تميلها تمل # وقول الآخر: [الخفيف] # 3327- فمتى واغل ينبهم يحيو # ه وتعطف عليه كأس الساقي # فصل # لما بين أن الواجب على العاقل أن لا يتقي غير الله، بين ههنا أنه ~~يجب عليه أن لا يشكر أحدا إلا الله تعالى؛ لأن الشكر إنما يلزم على ~~النعمة، وكل نعمة تحصل للإنسان، فهي من الله تعالى، لقوله { وما ~~بكم من نعمة فمن الله }. # واحتجوا على أن الإيمان حصل بتخليق الله بهذه الآية؛ فقالوا: ~~الإيمان نعمة وكل نعمة فهي من الله، فالإيمان من الله تعالى، وأيضا: ~~فالنعمة عبارة عن كل ما ينتفع به، وأعظم الأشياء نفعا هو الإيمان، فثبت ~~أن الإيمان نعمة، وكل نعمة فهي من الله؛ لقوله { وما بكم من ~~نعمة فمن الله } وهذا اللفظ يفيد العموم، وأيضا: فالموجود ~~إما واجب لذاته، وهو الله - تعالى - وإما ممكن لذاته، والممكن لذاته، ~~لا يوجد إلا لمرجح؛ إن كان واجبا لذاته، كان حصول ذلك الممكن بإيجاد ~~الله - تعالى - وإن كان ممكنا لذاته، عاد التقسيم الأول فيه ~~والتسلسل؛ وهو محال، فلا بد أن ينتهي إلى إيجاد الواجب لذاته؛ فثبت ~~بهذا أن كل نعمة فهي من الله. # واعلم أن النعم: إما دينية أو دنيوية، أما النعم الدينية: فهي ~~إما معرفة الحق لذاته، وإما معرفة الخير؛ لأجل العمل به، وأما النعم ~~الدنيوية فهي: إما نفسانية، وإما بدنية، وإما خارجية، وكل واحد من ~~هذه الثلاثة جنس تحته أنواع خارجة عن الحصر والتحديد؛ كما قال: # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها # [إبراهيم: 34] انتهى. # قوله: { إذا مسكم الضر } قال ابن عباس - رضي الله عنهما-: ~~يريد الأسقام، والأمراض، والقحط، والحاجة. # [قوله]: { فإليه تجأرون } الفاء جواب " إذا " والجؤار: رفع ~~الصوت؛ قال رؤبة يصف راهبا: [المتقارب] # 3328- يداوم من صلوات الملي # ك طورا سجودا وطورا جؤار # ومنهم من قيده بالاستغاثة؛ وأنشد الزمخشري: [الكامل] # 3329 # - جأر ساعات النيام لربه # ................ # وقيل: الجؤار: كالخوار، جأر الثور، وخار: واحد، إلا ms5420 ~~أن هذا مهموز العين، وذلك معتلها. # وقال الراغب: " جأر إذا أفرط في الدعاء، والتضرع تشبيها ~~بجؤار الوحشيات " وقرأ الزهري: " تجرون " محذوف الهمزة، وإلقاء ~~حركتها على الساكن قبلها، كما قرأ نافع: " ردا " في # ردءا # [القصص: 34]. # ومعنى الآية: أنه - تعالى - بين أن جميع النعم من الله، ثم إذا ~~اتفق لأحد مضرة تزيل تلك النعم؛ فإلى الله يستغيث؛ لعلمه بأنه لا ~~مفزع للخلق إلا الله، فكأنه - تعالى- قال لهم: فأين أنتم عن هذه الطريقة ~~في حال الرخاء، والسلامة. # قوله: { ثم إذا كشف الضر } " إذا " الأولى شرطية، ~~والثانية: فجائية جوابها، وفي الآية دليل على أن " إذا " الشرطية لا ~~تكون معمولة لجوابها؛ لأن ما بعد " إذا " الفجائية لا يعمل فيما ~~قبلها. # [وقرأ قتادة]: " كاشف " على فاعل. قال الزمخشري: " بمعنى " فعل " ~~وهو أقوى من " كشف " لأن بناء المغالبة يدل على المبالغة ". # قوله: " منكم " يجوز أن يكن صفة ل " فريق " ، و " من " ~~للتبعيض، ويجوز أن يكون للبيان، قال الزمخشري: " كأنه قال: إذا فريق ~~كافر، وهم أنتم ". # فصل # بين - تعالى - أن عند كشف الضر، وسلامة الأحوال، يفترقون: فريق منهم ~~يبقى على ما كان عليه عند الضراء، أي: لا يفزع إلا إلى الله، وفريق ~~منهم يتغيرون فيشركون بالله - تعالى - غيره؛ وهذا جهل وضلال؛ لأنه ~~لما شهدت فطرته الأصلية عند نزول البلاء، والضر في ألا يفزع إلا ~~إلى الله، ولا يستغاث إلا بالله - فعند زوال البلاء يجب ألا يزول عن ~~ذلك الاعتقاد؛ ونظير هذه الآية قوله تعالى: # فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد # [لقمان: 13]. # قوله: { ليكفروا بمآ ءاتيناهم } في هذه اللام ثلاثة ~~أوجه: # أحدها: أن تكون لام كي، وهي متعلقة ب " يشركون " ، أي: أن إشراكهم ~~سببه كفرهم به. # الثاني: أنها لام الصيرورة، أي: صار أمرهم إلى ذلك. # الثالث: أنها لام الأمر، وإليه نحا الزمخشري. # وقرأ ابو العالية، ورواها مكحول عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم " فيمتعوا " بضم الياء من تحت، ساكن الميم، مفتوح الياء ~~مضارع " متع " مبنيا للمفعول، " فسوف يعلمون " بالياء من تحت ~~أيضا، وهذا المضارع في ms5421 هذه القراءة، يجوز أن يكون حذف منه النون فيه؛ ~~إما للنصب، عطفا على " ليكفروا " وإن كانت لام " كي " ، أو ~~للصيرورة، وإما للنصب أيضا، ولكن على جواب الأمر إن كانت اللام للأمر، ~~ويجوز أن يكون حذفها للجزم؛ عطفا على " ليكفروا " وإن كانت للأمر ~~أيضا. # فصل # قال بعض المفسرين: هذه لام العاقبة؛ كقوله تعالى: # فالتقطه ءال فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا # [القصص: 8] يعني: أن عاقبته تلك التضرعات، ما كانت إلا هذا الكفر. # والمراد بقوله: " بما ءاتيناهم " كشف الضر، وإزالة المكروه، ~~وقيل: المراد به القرآن وما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من النبوة ~~والشرائع. # ثم توعدهم فقال: " فتمتعوا " ، [والمراد منه التهديد]؛ كقوله # فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر # [الكهف: 29] وقوله: { فسوف تعلمون } أمركم، وما ينزل بكم من ~~العذاب. ### || [16.56-64] # قوله: { ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا } الآية لما ~~بين فساد قول أهل الشرك بالدلائل القاهرة، شرح في هذه الآية تفاصيل ~~أقوالهم. # قوله: { لما لا يعلمون } الضمير في قوله: " يعلمون " يجوز ~~أن يعود للكفار، أي: لما يعلم، ومعنى " لا يعلمون " أنهم يسمونها ~~آلهة، ويعتقدون أنها تضر، وتنفع، وتشفع؛ وليس الأمر كذلك. # ويجوز أن تكون للآلهة، وهي الأصنام، أي: الأشياء غير موصوفة بالعلم. # قال بعضهم: والأول أولى؛ لأن نفي العلم عن الحي حقيقة، وعن الجماد ~~مجاز، وأيضا: الضمير في " ويجعلون " عائد غلى المشركين، فكذلك في ~~قوله { لما لا يعلمون } ، وأيضا فقوله: { لما لا يعلمون ~~} جمع بالواو والنون؛ وهو بالعقلاء أليق منه بالأصنام. # وقيل: الثاني أولى؛ لأنا إذا أعدناه إلى المشركين؛ افتقرنا إلى إضمار؛ ~~فإن التقدير: ويجعلون لما لا يعلمون إلها، أو لما لا يعلمون كونه نافعا ~~ضارا، وإذا أعدناه إلى الأصنام، لم نفتقر إلى الإضمار؛ لأن التقدير: ~~ويجعلون لما لا علم لها. # وأيضا: لو كان هذا العلم مضافا إلى المشركين، لفسد المعنى؛ لأنه من ~~المحال أن يجعلوا نصيبا مما رزقهم، لما لا يعلمونه. # فإذا قلنا بالقول الأول، احتجنا إلى الإضمار، وذلك يحتمل وجوها: # أحدها: ويجعلون لما لا يعلمون له حقا، ولا يعلمون في طاعته ms5422 [نفعا]، ~~ولا في الإعراض عنه ضرا. # قال مجاهد: يعلمون أن الله خلقهم ويضرهم وينفعهم، ثم يجعلون لما لا ~~يعلمون أنه ينفعهم، ويضرهم نصيبا. # وثانيها: ويجعلون لما لا يعلمون إلهيتها. # وثالثها: ويجعلون لما لا يعلمون السبب في صيرورتها آلهة معبودة. # قوله " نصيبا " هو المفعول الأول للجعل، والجار قبله هو الثاني، ~~أي: ويصيرون الأصنام. # [وقوله:] { مما رزقناهم } يجوز أن يكون نعتا ل " نصيبا " ~~وأن يتعلق بالجعل؛ ف " من " على الأول للتبعيض، وعلى الثاني للابتداء. # فصل # في المراد بالنصيب احتمالات: # أحدها: أنهم جعلوا لله نصيبا من الحرث، والأنعام؛ يتقربون به إلى ~~الله، ونصيبا للأصنام؛ يتقربون به إليها، كما تقدم في آخر سورة الأنعام. # والثاني: قال الحسن - رحمه الله -: المراد بهذا النصيب: البحيرة، و ~~السائبة، والوصيلة، والحام. # والثالث: ربما اعتقدوا في بعض الأشياء، أنه لما حصل بإعانة بعض تلك ~~الأصنام، كما أن المنجمين يوزعون موجودات هذا العالم على الكواكب ~~السبعة، فيقولون: لرجل كذا وكذا من المعادن، والنبات، والحيوان، ~~وللمشتري أشياء أخرى. # ثم لما حكى عن المشركين هذا المذهب، قال: { تالله لتسألن ~~} وهذا في هؤلاء الأقوام خاصة بمنزلة قوله: # فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون # [الحجر:92، 93]، فأقسم الله سبحانه وتعالى - جل ذكره - على نفسه أنه ~~يسألهم، وهذا تهديد شديد؛ لأن المراد من هذا أنه يسألهم سؤال توبيخ، ~~وتهديد، وفي وقت هذا السؤال احتمالان: # الأول: أنه يقع هذا السؤال عند قرب الموت، ومعاينة ملائكة العذاب، وقيل: ~~عند عذاب القبر، وقيل: في الآخرة. # الثاني: أنه يقع ذلك في الآخرة، وهذا أولى؛ لأنه - تعالى - قد أخبر بما ~~يجري هناك من ضروب التوبيخ عند المسألة، فهو إلى الوعيد أولى. # النوع الثاني من كلماتهم الفاسدة: قوله: { ويجعلون لله ~~البنات } ونظيره قوله: # وجعلوا الملآئكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا # [الزخرف: 19] كانت خزاعة، وكنانة تقول: الملائكة بنات الله. # قال ابن الخطيب: " أظن أن العرب إنما أطلقوا لفظ البنات على ~~الملائكة؛ لأن الملائكة - عليهم الصلاة والسلام - لما كانوا مستترين عن ~~العيون، أشبهوا النساء في الاستتار، فأطلقوا عليهم البنات ". # وهذا الذي ظنه ليس بشيء، ms5423 فإن الجن أيضا مستترون عن العيون، ولم ~~يطلقوا عليها لفظ البنات. # ولما حكى عنهم هذا القول قال: " سبحانه " والمراد: تنزيه ذاته عن ~~نسبة الولد إليه. # وقيل: تعجيب الخلق من هذا الجهل الصريح، وهو وصف الملائكة بالأنوثة، ~~ثم نسبتها بالولدية إلى الله - سبحانه وتعالى - والمعنى: معاذ الله. # قوله: { ولهم ما يشتهون } يجوز فيه وجهان: # أحدهما: أن هذا الجملة من مبتدأ، وخبر، أي: يجعلون لله البنات، ثم ~~أخبر أن لهم ما يشتهون. # وجوز الفراء، والحوفي، والزمخشري، وأبو البقاء - رحمة الله عليهم ~~- أن تكون " ما " منصوبة المحل؛ عطفا على " البنات " و " لهم " ~~عطف على الله، أي: ويجعلون لهم ما يشتهون. # قال أبو حيان: وقد ذهلوا عن قاعدة نحوية، وهو أنه لا يتعدى فعل ~~المضمر إلى ضميره المتصل، إلا في باب " ظن " وفي " عدم " و " ~~فقد " ولا فرق بين أن يتعدى الفعل بنفسه، أو بحرف الجر؛ فلا يجوز: ~~زيد ضربه، أي: ضرب نفسه، ولا " زيد مر به " ، أي: مر بنفسه، ~~ويجوز: " زيد ظنه قائما " ، و " زيد فقده وعدمه " أي: [ظن نفسه قائما، ~~وفقد] نفسه، وعدمها. إذا تقرر هذا، فجعل " ما " منصوبة عطفا على " ~~البنات " يؤدي إلى تعدي فعل الضمير المتصل، وهو واو " يجعلون ~~" إلى ضميره المتصل، وهو " هم " في " لهم " انتهى. # وهذا يحتاج إلى إيضاح أكثر من هذا، وهو أنه لا يجوز تعدي فعل الضمير ~~المتصل، ولا فعل الظاهر إلى ضميرها المتصل، إلا في باب " ظن " وأخواتها ~~من أفعال القلوب، وفي " فقد " و " عدم " فلا يجوز زيد ضربه زيد، ~~أي: ضرب نفسه، ويجوز: زيد ظنه قائما، وظنه زيد قائما، ~~وزيد فقده وعدمه، وفقده وعدمه زيد، ولا يجوز تعدي فعل المضمر ~~المتصل إلى ظاهر، في باب من الأبواب، لا يجوز: زيد ضرب نفسه، وفي ~~قولنا " إلى ضميرها المتصل " قيدان: # أحدهما: كونه ضميرا، فلو كان ظاهرا كالنفس لم يمتنع، نحو: زيد ~~ضرب نفسه وضرب نفسه زيد. # والثاني: كونه متصلا، فلو كان منفصلا؛ جاز، نحو: زيد ما ضرب إلا ~~إياه، وما ضرب زيد إلا إياه، وأدلة هذه ms5424 المسألة مذكورة في كتب ~~النحو. # وقال مكي: " وهذا لا يجوز عند البصريين، كما لا يجوز: جعلت لي طعاما ~~إنما يجوز جعلت لنفسي طعاما، فلو كان لفظ القرآن: ولأنفسهم ما ~~يشتهون، جاز ما قال الفراء عند البصريين، وهذا أصل يحتاج إلى تعليل، ~~وبسط كثير ". # وقال أبو حيان - بعدما حكى أن " ما " في موضع نصب عن الفراء، ~~ومن تبعه-: وقال أبو البقاء، وقد حكاه؛ وفيه نظر. # قال شهاب الدين: " وأبو البقاء لم يجعل النظر في هذا الوجه، إنما ~~جعله في تضعيفه، بكونه يؤدي غلى تعدي فعل المضمر المتصل إلى ضميره ~~المتصل في غير ما استثني، فإنه قال: " وضعف قوم هذا الوجه، وقالوا: لو ~~كان كذلك لقال: ولأنفسهم، وفيه نظر " فجعل النظر في تضعيفه لا فيه ". # وقد يقال: وجه النظر أن الممتنع تعدى ذلك الفعل، أي: وقوعه على ما ~~جر بالحرف، نحو: " زيد مر به " فإن المرور واقع ب " زيد " ، ~~وأما ما نحن فيه، فليس الجعل واقعا بالجاعلين، بل ما يشتهون. # وكان أبو حيان يعترض دائما على القاعدة المتقدمة بقوله تعالى: # وهزي إليك بجذع النخلة # [مريم: 25] # واضمم إليك جناحك من الرهب # [القصص: 32]. # والجواب عنهما ما تقدم، وهو أن الهز، والضم ليسا واقعين بالكاف، ~~وقد تقدم لنا هذا البحث في مكان آخر، وإنما أعدته لصعوبته، ~~وخصوصيته، هذا بزيادة فائدة، وأراد بقوله: # ولهم ما يشتهون # [النحل: 57] أي: الشيء الذي يشتهونه، وهو الستر. # ثم إنه - تعالى - ذكر أن الواحد من هؤلاء المشركين لا يرضى بالبنت ~~لنفسه فالذي لا يرتضيه لنفسه كيف ينسبه لله - تعالى - فقال تعالى: { ~~وإذا بشر أحدهم بالأنثى }. # التبشير في عرف اللغة: مختص بالخبر الذي يفيد السرور، إلا أن ~~أصله عبارة عن الخبر الذي يؤثر في تغيير بشرة الوجه، ومعلوم أن ~~السرور كما يوجب تغير البشرة، فكذلك الحزن يوجبه؛ فوجب أن يكون ~~التبشير حقيقة في القسمين، ويؤكده قوله تعالى: # فبشرهم بعذاب أليم # [آل عمران: 21]. وقيل: المراد بالتبشير ههنا الإخبار. # قوله: { ظل وجهه مسودا } يجوز أن تكون " ظل " ليست على ~~بابها من كونها تدل على ms5425 الإقامة نهارا على الصفة المسندة إلى اسمها، ~~وأن تكون بمعنى: " صار " وعلى التقديرين هي ناقصة، و " مسودا " ~~خبرها. # وأما " وجهه " ففيه وجهان: # أشهرهما، وهو المتبادر إلى الذهن أنه اسمها. # والثاني: أنه بدل من الضمير المستتر في " ظل ": بدل بعض من كل، ~~أي: ظل أحدهم وجهه، أي: ظل وجه أحدهم. # قوله: " كظيم " يجوز أن يكون بمعنى فاعل، وأن يكون بمعنى مفعول ~~كقوله: # وهو مكظوم # [القلم: 48]، والجملة حال، وبجوز أن يكون: " وهو كظيم " حالا من ~~الضمير في " ظل " أو من " وجهه " أو من الضمير في: " مسودا ". # وقال أبو البقاء: " فلو قرىء هنا " مسود " يعني بالرفع، لكان ~~مستقيما على أن يجعل اسم " ظل " مضمرا فيها، والجملة خبرها ". # وقال في سورة الزخرف [الآية: 17]: " ويقرآن بالرفع على أنه مبتدأ، وخبر ~~في موضع خبر ظل ". # قوله: { يتورى } يحتمل أن تكون مستأنفة، وأن تكون حالا مما ~~كانت الأولى حالا منه إلا " وجهه " فإنه لا يليق ذلك به، ويجوز أن ~~يكون حالا من الضمير في: " كظيم ". # قوله { من القوم من سوء } تعلق هنا جاران بلفظ واحد لاختلاف ~~معناهما فإن الأولى للابتداء، والثانية للعلة، أي: من أجل سوء ما ~~بشر به. # قوله: " أيمسكه " قال أبو البقاء: " في موضع الحال، تقديره: يتوارى، ~~أي: مترددا هل يمسكه أم لا؟ ". # وهذا خطأ عند النحويين؛ لأنهم نصوا على أن الحال، لا تقع جملة ~~طلبية، و الذي يظهر أن هذه الجملة الاستفهامية معمولة لشيء محذوف هو ~~حال من فاعل " يتوارى " ، ليتم الكلام، أي: يتوارى ناظرا، أو ~~متفكرا: " أيمسكه على هون... أم يدسه " على تذكير الضمائر ~~اعتبارا بلفظ " ما ". # وقرأ الجحدري: أيمسكها، أم يدسها مراعاة للأنثى، أو لمعنى " ما ~~". # وقرىء: أيمسكه أم يدسها، والجحدري، وعيسى - رحمهما الله - على " ~~هوان " بزنة فدان، وفرقة على " هون " وهي قلقة؛ لأن الهون بفتح ~~الهاء: الرفق، واللين، ولا يناسب معناه هنا، وأما الهوان فمعنى " ~~هون " المضموم. # قوله: { على هون } فيه وجهان: # أحدهما: أنه حال من الفاعل، وهو مروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ~~فإنه قال: أيمسكه مع [رضاه] بهوان ms5426 نفسه، وعلى رغم أنفه. # والثاني: أنه حال من المفعول، أي: يمسكها ذليلة مهانة. # والدس: إخفاء الشيء، وهو هنا عبارة عن الوأد. # فصل # معنى الآية: أن وجهه يتغير تغير المغموم، ويقال لمن لقي مكروها قد ~~اسود وجهه غما، وحزنا، وإنما جعل اسوداد الوجه كناية عن الغم؛ لأن ~~الإنسان إذا قوي فرحه انشرح صدره، وانبسط روح قلبه من داخل البدن، ووصل ~~إلى الأطراف، ولا سيما إلى الوجه لما بين القلب، والدماغ من التعلق ~~الشديد، وإذا وصل الروح إلى ظاهر الوجه أشرق الوجه، وتلألأ، واستنار، ~~وإذا قوي غم الإنسان احتقن الروح في داخل القلب، ولم يبق منه أثر ~~قوي في ظاهر الوجه، فلا جرم يصفر الوجه، ويسود، ويظهر فيه أثر ~~الأرضية، والكآبة؛ فثبت أن من لوازم الفرح استنارة الوجه، وإشراقه، ومن ~~لوازم الغم كمودة الوجه، وغبرته، وسواده، فلهذا قال: { ظل وجهه ~~مسودا وهو كظيم } أي ممتلىء غما " يتوارى " به من القوم ~~يتنحى عنهم ويتغيب من سوء ما بشر. # قال المفسرون: كان الرجل في الجاهلية إذا ظهر آثار الطلق بامرأته ~~توارى واختفى عن القوم إلى أن يعلم ما يولد له، فإن كان ذكرا؛ ابتهج به ~~وإن كان أنثى حزن، ولم يظهر أياما يدبر فيها رأيه ماذا يصنع بها؟ وهو ~~قوله: { أيمسكه على هون } ، أي: أيحتبسه؟ والإمساك هنا: ~~الحبس، كقوله: # أمسك عليك زوجك # [الأحزاب: 37] والهون: الهوان. # قال النضر بن شميل: يقال: إنه أهون عليه هونا، وهوانا، وأهنته ~~هونا وهوانا، وقد تقدم الكلام فيه في سورة الأنعام عند قوله تعالى: # عذاب الهون # [الأنعام: 93]. # { أم يدسه في التراب } والدس: إخفاء الشيء في الشيء، ~~كانت العرب يدفنون البنات أحياء خوفا من الفقر عليهن، وطمع غير الأكفاء ~~فيهن. # " قال قيس بن عاصم: يا رسول الله: إني واريت ثماني بنات في الجاهلية، ~~فقال - صلوات الله وسلامه عليه -: " أعتق عن كل واحدة منهن ~~رقبة " ، فقال: يا نبي الله إني ذو إبل، فقال - عليه الصلاة ~~والسلام - " أهد عن كل واحدة منهن هديا " ". # " وروي أن رجلا قال: يا رسول الله: والذي بعثك بالحق ms5427 نبيا ما أجد ~~حلاوة الإسلام منذ أسلمت قد كان لي بنت في الجاهلية، وأمرت امرأتي ~~أن تزينها وتطيبها، فأخرجتها إلي فلما انتهيت بها إلى ~~واد بعيد القعر ألقيتها فيه، فقالت: يا أبت قتلتني، ~~فكلما تذكرت قولها لم ينفعني شيء، فقال صلى الله عليه ~~وسلم " ما كان في الجاهلية فقد هدمه الإسلام، وما كان في ~~الإسلام يهدمه الاستغفار ". # واعلم أنهم كانوا مختلفين في قتل البنات، فمنهم من يذبحها، ومنهم من ~~يحفر الحفيرة، ويدفنها إلى أن تموت، ومنهم من يرميها من شاهق جبل، ومنهم ~~من يغرقها، وكانوا يفعلون ذلك تارة للغيرة، وتارة للحمية، وتارة خوفا ~~من الفقر، والفاقة، ولزوم النفقة. # وكان صعصعة عم الفرزدق إذا أحس شيئا من ذلك، وجه إلى والد البنت ~~إبلا يستحييها بذلك، فقال الفرزدق مفتخرا به: [المتقارب] # 3330- وعمي الذي منع الوائدات # وأحيا الوئيد فلم توءد # { ألا سآء ما يحكمون }؛ لأنهم بلغوا في الاستنكاف من البنت ~~إلى أعظم الغايات. # أولها: أنه يسود وجهه. # ثانيها: أنه يختفي عن القوم من شدة نفرته عنها. # وثالثها: يقدم على قتلها مع أن الولد محبوب بالطبع، وذلك يدل على ~~أن النفرة من البنت تبلغ مبلغا لا مزيد عليه، فالشيء الذي يبلغ ~~الاستنكاف عنه إلى هذا الحد العظيم، كيف يليق بالعاقل أن ينسبه لإله ~~العالم القديم المقدس العالي عن مشابهة جميع المخلوقات؟. # ونظير هذه الآية قوله تعالى: # ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى # [النجم: 21، 22]. # فصل # قال القرطبي: ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من ابتلي من البنات بشيء، فأحسن إليهن كن له سترا ~~من النار ". # وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " من عال جاريتين حتى تبلغا، جاء يوم القيامة أنا ~~وهو كهاتين، وضم أصابعه " # أخرجهما مسلم. # فصل # قال القاضي: " دلت هذه الآية على بطلان الجبر؛ لأنهم يضيفون إلى ~~الله - تعالى - من الظلم، والفواحش ما إذا أضيف إلى أحدهم أجهد نفسه ~~في البراءة منه، والتباعد عنه، فحكمهم في ذلك مشابه ms5428 لحكم هؤلاء ~~المشركين، بل أعظم؛ لأن إضافة البنات إلى الله إضافة قبح واحد، وذلك ~~أسهل من إضافة كل القبائح والفواحش إلى الله - تعالى - ". # وجوابه: لما ثبت بالدليل استحالة الصاحبة والولد على الله أردفه الله ~~- تعالى - بذكر هذا الوجه الإقناعي، وإلا فليس كل ما قبح في العرف قبح من ~~الله - تعالى - ألا ترى أنه لو زين رجل إماءه، وعبيده، وبالغ في ~~تحسين صورهم، ثم بالغ في تقوية الشهوة فيهم وفيهن، ثم جمع بين الكل، ~~وأزال الحائل، والمانع، فإن هذا بالاتفاق حسن من الله - تعالى - ~~وقبيح من كل الخلق، فعلمنا أن التعويل بالوجوه المبنية على العرف ~~إنما تحسن إذا كانت مسبوقة بالدلائل القطعية اليقينية، وقد ثبت ~~بالبراهين القطعية امتناع الولد على الله، فلا جرم حسنت تقويتها بهذه ~~الوجوه الإقناعية. # وأما أفعال العباد فقد ثبت بالدلائل القطعية أن خالقها هو الله ~~سبحانه وتعالى فكيف يمكن إلحاق أحد البابين بالآخر. # ثم قال: { للذين لا يؤمنون بالأخرة مثل السوء } ~~والمثل السوء: عبارة عن الصفة السوء، وهي احتياجهم إلى الولد، ~~وكراهيتهم الإناث خوفا من الفقر والعار { ولله المثل ~~الأعلى } ، أي: الصفة العالية المقدسة، وهي كونه تعالى منزها عن ~~الولد. # قال ابن عباس - رضي الله عنه-: مثل السوء: النار، والمثل الأعلى ~~شهادة أن لا إله إلا الله { وهو العزيز الحكيم }. # فإن قيل: كيف جاء { ولله المثل الأعلى } مع قوله تعالى: # فلا تضربوا لله الأمثال # [النحل: 74]. # فالجواب: أن المثل الذي يضربه الله حق وصدق، والذي يذكره غيره ~~باطل. # قال القرطبي في الجواب: " إن قوله تعالى: { فلا تضربوا لله ~~الأمثال } ، أي: الأمثال التي توجب الأشباه، والنقائص، أي: لا ~~تضربوا لله مثلا يقتضي نقصا وتشبها بالخلق، والمثل الأعلى: وصفه بما ~~لا شبيه له ولا نظير ". # قوله تعالى: { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم } الآية ~~لما حكى عن القوم عظيم كفرهم، وقبيح قولهم، بين أنه يمهل هؤلاء الكفار، ~~ولا يعاجلهم بالعقوبة إظهارا للفضل، والرحمة، والكرم. # قالت المعتزلة: هذه الآية دالة على أن الظلم والمعاصي ليست فعلا ~~لله تعالى، بل تكون أفعالا للعباد؛ ms5429 لأنه - تعالى - أضاف ظلم العباد ~~إليهم، فقال - عز وجل - { ولو يؤاخذ الله الناس ~~بظلمهم } ، وأيضا: لو كان خلقا لله لكانت مؤاخذتهم بها ظلما من ~~الله، ولما منع الله - تعالى - العباد من الظلم، فبأن يكون منزها عن ~~الظلم أولى؛ ولأن قوله تعالى: " بظلمهم " الباء فيه تدل على ~~العلية، كما في قوله تعالى: # ذلك بأنهم شآقوا الله ورسوله # [الحشر: 4]. وقد تقدم الجواب مرارا. # فصل # ظاهر الآية يدل على أن إقدام الناس على الظلم؛ يوجب إهلاك جميع ~~الدواب، وذلك غير جائز؛ لأن الدابة لما لم يصدر عنها ذنب، فكيف ~~يجوز إهلاكها بسبب ظلم الناس؟. # وأجيب بوجهين: # أحدهما: أنا لا نسلم أن قوله: { ما ترك على ظهرها من ~~دآبة } يتناول جميع الدواب. # قال الجبائي - رحمه الله-: إن المراد لو يؤاخذهم الله بما كسبوا من كفر، ~~ومعصية لعجل هلاكهم، وحينئذ لا يبقى لهم نسل، ومن المعلوم أنه لا أحد ~~إلا وفي أحد آبائه من يستحق العذاب، وإذا هلكوا؛ فقد بطل نسلهم، فكان ~~يلزمه أن لا يبقى في العالم أحد من الناس، وإذا [هلكوا]، وجب ألا يبقى ~~أحد من الدواب أيضا، لأن الدواب مخلوقة لمنافع العباد، وهذا وجه ~~حسن. # الثاني: أن الهلاك إذا ورد على الظلمة، ورد أيضا على سائر الناس ~~والدواب، فكان ذلك الهلاك في حق الظلمة عذابا، وفي حق [غيرهم ~~امتحانا]، وقد وقعت هذه الواقعة في زمن نوح - عليه الصلاة والسلام -. # الثالث: أنه تعالى لو أخذهم لانقطع القطر، وفي انقطاعه انقطاع النبت، ~~فكان لا يبقى على ظهرها دابة. # عن أبي هريرة - رضي الله عنه - سمع رجلا يقول: إن الظالم لا يضر ~~إلا نفسه فقال: " لا والله، بل إن الحبارى لتموت في وكرها بظلم ~~الظالم ". # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه: كاد الجعل يهلك في جحره بذنب ابن ~~آدم؛ فهذه الوجوه الثلاثة مبنية على أن لفظ الدابة يتناول جميع ~~الدواب. # والجواب الثاني: أن المراد بالدابة الكافر، قوله تعالى: # أولئك كالأنعام بل هم أضل # [الأعراف:179]، والكناية في قوله: " عليها " عائدة إلى الأرض، ولم ~~يسبق لها ذكر، ms5430 إلا أن ذكر الدابة يدل على الأرض، فإن الدابة إنما ~~تدب على الأرض. # قوله: { ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى } كي يتوالدوا. # قال عطاء عن ابن عباس - رضي الله عنه -: يريد أجل يوم القيامة. # وقيل: منتهى العمر: # فإذا جآء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون # [الأعراف: 34]. # قوله: { ويجعلون لله ما يكرهون } ، أي: البنات التي ~~يكرهونها لأنفسهم ومعنى: " ويجعلون ": يصفون الله بذلك، ويحكمون به له، ~~كقولك: جعلت زيدا على الناس، أي: حكمت بهذا الحكم. وتقدم معنى ~~الجعل عند قوله تعالى: # ما جعل الله من بحيرة # [المائدة: 103]. # قوله: { وتصف ألسنتهم الكذب } العامة على أن " ~~الكذب " مفعول به، و " أن لهم الحسنى " بدل منهم بدل كل من ~~كل، أو على إسقاط الخافض، أي: بأن لهم الحسنى. # وقرأ الحسن " ألسنتهم " بسكون التاء تخفيفا، وهي تشبه تسكين لام # بلى ورسلنا لديهم يكتبون # [الزخرف: 80]، وهمزة # بارئكم # [البقرة: 54] ونحوه. # والألسنة: جمع لسان مرادا به التذكير، فجمع كما جمع فعال المذكر نحو: ~~" حمار وأحمرة " ، وإذا أريد به التأنيث جمع جمع أفعل، كذراع، ~~وأذرع. # وقرأ معاذ بن جبل رضي الله عنه: " الكذب " بضم الكاف والذال، ورفع ~~الباء، على أنه جمع كذوب، كصبور وصبر، وهو مقيس. # وقيل: هو جمع كاذب، نحو " شارف وشرف "؛ كقول الشاعر: [الوافر] # 3331- ألا يا حمز للشرف النواء # ............. # وهو حينئذ صفة ل: " ألسنتهم " ، وحينئذ يكون " أن لهم ~~الحسنى " مفعولا به والمراد بالحسن: البنون. # وقال يمان: يعني بالحسنة: الجنة في المعاد. # فإن قيل: كيف يحكمون بذلك، وهم منكرون القيامة؟. # فالجواب: أن جميعهم لم ينكر القيامة، فقد قيل: إنه كان في العرب ~~جمع يقرون بالبعث، ولذلك كانوا يربطون البعير النفيس على قبر، ~~ويتركنه إلى أن يموت ويقولون: إن ذلك الميت إذا حشر؛ يحشر معه مركوبه. # وقيل: إنهم كانوا يقولون: إن كان محمدا صادقا في قوله بالبعث، تحصل ~~لنا الجنة بهذا الدين الذي نحن عليه. # قيل: وهذا القول أولى، لقوله بعد: " لا جرم أن لهم النار " فرد ~~عليهم قولهم، وأثبت لهم النار؛ فدل على أنهم حكموا لأنفسهم بالجنة. # قوله: { لا جرم ms5431 أن لهم النار } ، أي: حقا. قال ابن ~~عباس - رضي الله عنه - نعم إن لهم النار. # قال الزجاج: " لا " رد لقولهم، أي: ليس الأمر كما وصفوا، " جرم " ~~[فعلهم] أي: كسب ذلك القول لهم النار، فعلى هذا اللفظ " أن " في محل ~~نصب بوقوع الكسب عليه. # وقال قطرب: " أن " في موضع رفع، والمعنى: وجب أن لهم النار، وكيف ~~كان الإعراب، فالمعنى: أنه يحق لهم النار، ويجب. # قوله: { وأنهم مفرطون } قرأ نافع بكسر الراء، اسم فاعل من ~~أفرط، إذا تجاوز فالمعنى: أنهم متجاوزون الحد في معاصي الله - تعالى - أو ~~في الإفراط، فأفعل هنا قاصر. # وقال الفارسي: كأنه من أفرط، أي: صار ذا فرط، مثل: أجرب، أي: صار ذا ~~جرب، والمعنى: أنهم ذو فرط إلى النار كأنهم قد أرسلوا إلى من ~~يهيىء لهم مواضع إلى النار. # والباقون بفتحها، اسم مفعول من: أفرطته، وفيه معنيان: # أحدهما: أنه من أفرطته خلفي، أي: تركته ونسيته، حكى الفراء أن العرب ~~تقول أفرطت منهم ناسا، أي: خلفتهم، والمعنى: أنهم منسيون ~~متروكون في النار. # والثاني: أنه من أفرطته، أي: قدمته إلى كذا، وهو منقول بالهمزة من فرط ~~إلى كذا، أي: تقدم إليه، كذا قاله أبو حيان، وأنشد للقطامي: [البسيط] # 3332- واستعجلونا وكانوا من صحابتنا # كما تعجل فراط لوراد # فجعل " فرط " قاصرا، و " أفرط " منقولا. # وقال الزمخشري: " بمعنى مقدمون إلى النار معجلون إليها، من ~~أفرطت فلانا وفرطته، إذا قدمته إلى الماء ". # فجعل " فعل " ، و " أفعل " بمعنى؛ لأن " أفعل " منقول من " ~~فعل " والقولان محتملان، ومنه الفرط، أي: المتقدم، قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " أنا فرطكم على الحوض " # ، أي: سابقكم، ومنه " جعله فرطا لأبويه وذخرا " ، أي: متقدما ~~بالشفاعة، وبتثقيل الموازين، والمعنى على هذا: أنهم قدموا إلى النار، ~~وأنهم فرط الذين يدخلون بعدهم. # وقرأ أبو جعفر في رواية " مفرطون " بتشديد الراء مكسورة من ~~فرط في كذا، أي: قصر، وفي رواية مفتوحة من فرطته معدى بالتضعيف؛ ~~أي من " فرط " بالتخفيف أي: تقدم، وسبق. # وقرأ عيسى بن عمر والحسن - رضي الله عنهما - " لا جرم إن لهم النار ~~وإنهم ms5432 " بكسر " إن " فيهما على أنهما جواب قسم، أغنت عنه: " لا جرم ". # ثم بين - تعالى - أن هذا الصنع الذي صدر من مشركي قريش، قد صدر عن ~~سائر الأمم السابقة في حق أنبيائهم - صلوات الله وسلامه عليهم-. # فقال: { تالله لقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك ~~فزين لهم الشيطن أعمالهم } أي: كما أرسلنا إلى هذه ~~الأمة، وهذا تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم فيما كان يناله من الغم ~~بسبب جهالات القوم. # قالت المعتزلة: هذه الآية تدل على فساد قول المجبرة من وجوه: # أحدها: أنه إذا كان خالق أعمالهم هو الله - تعالى -، فلا فائدة في ~~التزيين. # والثاني: أن ذلك التزيين لما كان بخلق الله - تعالى - لم يجز ذم ~~الشيطان بسببه. # والثالث: أن ذلك التزيين هو الذي يدعو الإنسان إلى الفعل، وإذا كان ~~حصول الفعل بخلق الله - تعالى - كان ضروريا، فلم يكن التزيين داعيا. # والرابع: أن على قولهم: الخالق لذلك العمل، أجدر بأن يكون وليا لهم ~~من الداعي إليه. # الخامس: أنه - تعالى - أضاف التزيين إلى الشيطان، ولو كان ذلك ~~المزين هو الله - تعالى - لكانت إضافته إلى الشيطان كذبا. # والجواب: إن كان مزين القبائح في أعين الكفار هو الشيطان، فمزين تلك ~~الوساوس في عين الشيطان إن كان شيطانا آخر؛ لزم التسلسل، وإن كان هو ~~الله - تعالى - فهو المطلوب. # قوله: { فهو وليهم اليوم } يجوز أن تكون هذه الجملة حكاية ~~حال ماضية، أي: فهو ناصرهم، أو آتية. # ويراد باليوم يوم القيامة، والمعنى: فهو ولي أولئك الذين زين لهم ~~أعمالهم يوم القيامة، وأطلق اسم اليوم على يوم القيامة لشهرته، ~~والمقصود أنه لا ولي لهم، ولا ناصر لهم؛ لأنهم إذا عاينوا العذاب، ~~وقد نزل بالشيطان كنزوله بهم، رأوا أنه لا مخلص له منه كما لا مخلص ~~لهم منه؛ جاز أن يوبخوا بأن يقال لهم: " هذا وليكم اليوم " على وجه ~~السخرية. # وجوز الزمخشري أن يعود الضمير على قريش، فيكون حكاية حال في الحال لا ~~ماضية، ولا آتية، والمعنى: أن الشيطان يتولى إغواءهم، وصرفهم عنك كما ~~فعل بكفار الأمم قبلك، فعلى هذا ms5433 رجع عن الإخبار عن الأمم الماضية إلى ~~الإخبار عن كفار مكة، وسماه وليا لهم؛ لطاعتهم له، ولهم عذاب أليم ~~في الآخرة. # وجوز الزمخشري أيضا أن يكون عائدا على " أمم " ، ولكن على حذف مضاف ~~تقديره: فهو ولي أمثالهم اليوم. # واستبعده أبو حيان، وكأن الذي حمله على ذلك قوله: " اليوم " فإنه ظرف ~~خال، وقد تقدم أنه على حكاية الحال الماضية، أو الآتية. # ثم ذكر - تعالى - أنه مع هذا الوعيد الشديد، قد أقام الحجة، وأزاح ~~العلة فقال تعالى: { ومآ أنزلنا عليك الكتاب إلا ~~لتبين لهم الذي اختلفوا فيه } ، أي وما أنزلنا عليك ~~القرآن إلا لتبين بواسطة بيانات القرآن الأشياء التي اختلفوا فيها يعني ~~أهل الملل، والنحل، والأهواء، مثل التوحيد، والشرك، والجبر، والقدر، ~~وإثبات المعاد ونفيه، ومثل: تحريمهم الحلال كالبحيرة والسائبة وغيرهما، ~~وتحليلهم أشياء محرمة كالميتة. # فصل # قالت المعتزلة: واللام في " لتبين " تدل على أن أفعال الله ~~معللة بالأغراض، كقوله تعالى: # كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس # [إبراهيم: 1] وقوله عز وجل # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56]. # والجواب: أنه لما ثبت بالعقل امتناع التعليل، وجب صرفه إلى التأويل. # قوله: { وهدى ورحمة } فيه وجهان: # أحدهما: أنهما انتصبا على أنهما مفعولان من أجلهما؛ والناصب: { ~~وأنزلنا إليك } ولما اتحد الفاعل في العلة، والمعلول؛ وصل ~~الفعل إليهما بنفسه، ولما لم يتحد في قوله: { ومآ أنزلنا ~~عليك الكتاب إلا لتبين } ، أي: لأن تبين على أن هذه ~~اللام لا تلزم من جهة أخرى، وهي كون مجرورها " أن " ، وفيه خلاف في ~~خصوصية هذه المسألة، وهذا معنى قول الزمخشري فإنه قال: " معطوفان على ~~محل " لتبين " إلا أنهما انتصبا على أنهما مفعول بهما؛ لأنهما فعلا ~~الذي أنزل الكتاب، ودخلت اللام على: " لتبين "؛ لأنه فعل المخاطب لا ~~فعل المنزل، وإنما ينتصب مفعولا له ما كان فعلا لذلك الفعل المعلل ". # قال أبو حيان - رحمه الله -: " قوله: معطوفان على محل " لتبين " ~~ليس بصحيح؛ لأن محله ليس نصبا، فيعطف منصوب، ألا ترى أنه لو نصبه ~~لم يجز لاختلاف الفاعل ". # قال شهاب الدين: " الزمخشري لم يجعل النصب لأجل ms5434 العطف على ~~محله إنما جعله بوصول الفعل إليهما لاتحاد الفاعل، كما صرح به ~~فيما تقدم آنفا، وإنما جعل العطف لأجل التشريك في العلة لا غير، ~~يعني: أنهما علتان، كما أن " لتبين " علة، ولئن سلمنا أنه نصب ~~عطفا على المحل، فلا يضر ذلك، وقوله: " لأن محله ليس نصبا " ممنوع، ~~وهذا ما لا خلاف فيه من أن محل الجار، والمجرور النصب؛ لأنه فضلة، إلا أن ~~تقوم مقام مرفوع، ألا ترى إلى تخريجهم قوله: " وأرجلكم " في قراءة ~~النصب على العطف على محل " برءوسكم " ، ويجيزون: مررت بزيد وعمرو على ~~خلاف في ذلك بالنسبة إلى القياس، وعدمه لا في أصل المسألة، وهذا بحث ~~حسن ". # فصل # قال الكلبي: وصف القرآن بكونه هدى، ورحمة لقوم يؤمنون، يدل على أنه ~~ليس كذلك في حق الكل، لقوله في أول البقرة: # هدى للمتقين # [البقرة: 2]، وإنما خص المؤمنين بالذكر؛ لأنهم هم المنتفعون به، ~~كقوله: # إنمآ أنت منذر من يخشاها # [النازعات: 45]؛ لأن المنتفع بالإنذار هؤلاء القوم فقط. ### || [16.65-67] # قوله تعالى: { والله أنزل من السمآء مآء } الآية اعلم ~~أن المقصود الأعظم من هذا القرآن العظيم تقرير أصول أربعة: الإلهيات، ~~والنبوات، والمعاد، وإثبات القضاء والقدر، والمقصود الأعظم من هذه الأصول ~~الأربعة: تقرير الإلهيات، فلهذا السبب كلما امتد الكلام في فصل من ~~الفصول، عاد إلى تقرير الإلهيات، فههنا لما امتد الكلام في وعيد ~~الكفار، عاد إلى تقرير الإلهيات، فقال: { والله أنزل من ~~السمآء مآء } وقد تقدم تقرير هذه الدلائل. # وقال تعالى: { إن في ذلك لآية لقوم يسمعون } سماع ~~إنصاف وتدبر؛ والمراد: سماع القلوب لا سماع الآذان. # والنوع الثاني من الدلائل: الاستدلال بعجائب أحوال الحيوانات. # قوله تعالى: { وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم ~~} والعبرة: العظة. # قرأ ابن كثير، و أبو عمرو، وحفص عن عاصم، وحمزة والكسائي " نسقيكم " ~~بضم النون هنا، وفي المؤمنين، والباقون بفتح النون فيهما. # وهذه الجملة يجوز أن تكون مفسرة للعبرة، كأنه قيل: كيف العبرة؟ فقيل: ~~نسقيكم من بين فرث، ودم لبنا خالصا، ويجوز أن يكون خبرا لمبتدأ، ~~[مضمر]، والجملة جواب لذلك السؤال، أي: ms5435 هي، أي: العبرة نسقيكم، ويكون ~~كقوله: " تسمع بالمعيدي خير من أن تراه ". # واختلف الناس: هل سقى، وأسقى لغتان بمعنى واحد، أم بينهما فرق؟. # خلاف مشهور، فقيل: هما بمعنى واحد، وأنشد جمعا بين اللغتين فقال: ~~[الوافر] # 3333- سقى قومي بني مجد وأسقى # نميرا والقبائل من هلال # دعى للجميع بالسقي، والخصب، و " نميرا " هو المفعول الثاني، أي: ما ~~نميرا، وقال أبو عبيدة: من سقى الشفة: " سقى " فقط، ومن سقى الشجر ~~والأرض: " أسقى " ، وللداعي لأرض بالسقيا وغيرها: أسقى فقط. # وقال الأزهري - رحمه الله -: العرب تقول لكل ما كان من بطون ~~الأنعام، ومن السماء، أو نهر يجري أسقيته، أي: جعلته شربا له، وجعلت ~~له منه مسقى، فإذا كان للمنفعة قالوا: " سقى " ، ولم يقولوا: " أسقى ~~". # وقال الفارسي: " سقيته حتى روي، وأسقيته نهرا جعلته ~~له شربا ". # وقيل: سقاه إذا ناوله الإناء؛ ليشرب منه، ولا يقال من هذا أسقاه. # وقرأ أبو رجاء " يسقيكم " بضم الياء من أسفل، وفي فاعله وجهان: # أحدهما: هو الله - تعالى -. # والثاني: أنه ضمير النعم المدلول عليه بالأنعام، أي: نعما يجعل لكم ~~سقياه. # وقرىء: " تسقيكم " بفتح التاء من فوق. قال ابن عطية: وهي ضعيفة. # قال أبو حيان: " وضعفها عنده - والله أعلم - أنه أنث في: " ~~نسقيكم " وذكر في قوله: " مما في بطونه " ، ولا ضعف من هذه الجهة؛ ~~لأن التذكير، والتأنيث باعتبارين ". # قال شهاب الدين: وضعفها عنده من حيث المعنى، وهو أن المقصود ~~الامتنان على الخلق، فنسبة السقي إلى الله هو الملائم لا نسبته إلى ~~الأنعام. # قوله: { مما في بطونه } يجوز أن تكون " من " للتبعيض، وأن ~~تكون لابتداء الغاية وعاد الضمير ها هنا على الأنعام مفردا مذكرا. # قال الزمخشري: ذكر سيبويه الأنعام في باب ما لا ينصرف في الأسماء ~~المفردة الواردة على أفعال، كقولهم " ثوب أسمال " ، ولذلك رجع الضمير ~~إليه مفردا، وأما # في بطونها # [المؤمنون: 21] في سورة المؤمنين، فلأن معناه الجمع، ويجوز أن يقال في ~~" الأنعام " وجهان: # أحدهما: أن يكون جمع تكسير: " نعم " كأجبال في جبل. # وأن يكون اسما مفردا مقتضيا لمعنى الجمع، فإذا ذكر، فكما يذكر ms5436 " ~~نعم " في قوله: [الرجز] # 3334- في كل عام نعم يحوونه # يلقحه قوم وينتجونه # وإذا أنث ففيه وجهان: أنه تكسير نعم، وأنه في معنى الجمع. # قال أبو حيان: أما ما ذكره عن سيبويه، ففي كتابه في هذا الباب، ما ~~كان على مثال مفاعل، ومفاعيل ما نصه: " وأما أجمال، وفلوس فإنها ~~تنصرف، وما أشبهها؛ لأنها ضارعت الواحد، ألا ترى أنك تقول: أقوال، ~~وأقاويل، وأعراب، وأعاريب، وأيد، وأياد فهذه الأحرف تخرج إلى ~~مثال: مفاعل، ومفاعيل كما يخرج إليه الواحد، إذا كسر الجمع، وأما ~~مفاعل، ومفاعيل، فلا يكسر؛ فيخرج الجمع إلى بناء غير هذا البناء؛ لأن ~~هذا البناء هو الغاية فلما ضارعت الواحد صرفت ". # ثم قال: وكذلك الفعول لو كسرت مثل الفلوس؛ لأن يجمع جمعا لأخرجته إلى ~~فعائل كما تقول: جدود، وجدائد، وركوب، وركائب، وركاب. # ولو فعلت ذلك بمفاعل، ومفاعيل، لم يجاوز هذا البناء، ويقوي ذلك أن بعض ~~العرب تقول: " أتي " للواحد فيضم الألف، وأما أفعال؛ فقد تقع للواحد، ~~من العرب من يقول: " هو الأنعام " ، قال - الله عز وجل -: { ~~نسقيكم مما في بطونه }. وقال أبو الخطاب: سمعت من العرب ~~من يقول: هذا ثوب أكياش. # قال: والذي ذكره سيبويه: هو الفرق بين مفاعل ومفاعيل، وبين أفعال وفعول ~~وإن كان الجميع أبنية للجمع من حيث إن مفاعل، ومفاعيل لا يجمعان، ~~وأفعال وفعول قد يخرجان إلى بناء شبه مفاعل، أو مفاعيل فلما كانا قد ~~يخرجان إلى ذلك انصرفا، ولم ينصرف " مفاعل " و " مفاعيل " لشبه ذينك ~~بالمفرد من حيث إنه يمكن جمعها وامتناع هذين من الجمع، ثم قوي شبههما ~~بالمفرد بأن بعض العرب يقول في " أتى " " أتى " بضم الهمزة، يعني أنه ~~قد جاء نادرا فعول، من غير المصدر للمفرد، وبأن بعض العرب قد يوقع ~~أفعالا للمفرد من حيث أفرد الضمير فيقول: هو الأنعام، وإنما ذلك على ~~سبيل المجاز؛ لأن الأنعام في معنى النعم والنعم يفرد؛ كما قال ~~الشاعر: [الوافر] # 3335- تركنا الخيل والنعم المفدى # وقلنا للنساء بها: أقيمي # ولذلك قال سيبويه: " وأما أفعال فقد يقع للواحد " فقوله: " قد يقع ~~للواحد ms5437 " دليل على أنه ليس ذلك بالوضع، فقول الزمخشري: " إنه ذكره ~~في الأسماء المفردة على أفعال " تحريف في اللفظ، وفهم عن سيبويه ما لم ~~يرده، ويدل على ما قلناه: أن سيبويه حين ذكر أبنية الأسماء المفردة ~~نص على أن أفعالا ليس من أبنيتها. # قال سيبويه في باب ما لحقته الزيادة من بنات الثلاثة: " وليس في ~~الكلام أفعيل، ولا أفعول، ولا أفعال، ولا أفعيل، ولا أفعال إلا ~~أن تكسر عليه اسما للجمع " ، قال: " فهذا نص منه على أن أفعالا ~~لا يكون في الأسماء المفردة ". # قال شهاب الدين: الذي ذكره الزمخشري، وهو ظاهر عبارة سيبويه، وهو ~~كاف في تسويغ عود الضمير مفردا، وإن كان أفعالا قد يقع موقع الواحد ~~مجازا، فإن ذلك ليس بصائر فيما نحن بصدده، ولم يحرف لفظه، ولم يفهم ~~عنه غير مراده لما ذكرناه من هذا المعنى الذي قصده. # وقيل: إنما ذكر الضمير؛ لأنه يعود على البعض، وهو الإناث؛ لأن ~~الذكور لا ألبان لها، والعبرة إنما هي في بعض الانعام. # وقال الكسائي - رحمه الله -: " أي في بطون ما ذكر ". # قال المبرد: وهذا سائغ في القرآن، قال تعالى: # كلا إنها تذكرة فمن شآء ذكره # [عبس: 11، 12]، أي: هذا الشيء الطالع، ولا يكون هذا إلا في ~~التأنيث المجازي. # ولا يجوز: جاريتك ذهب، وغلامك ذهبت، وعلى هذا خرج قوله: [الرجز] # 3336- فيها خطوط من سواد وبلق # كأنه في الجلد توليع البهق # أي: كأن المذكور. # وقيل: جمع التكسير فيما لا يعقل يعامل معاملة الجماعة، ومعاملة الجمع. # ففي هذه السورة اعتبر معنى الجمع، وفي سورة المؤمنين، اعتبر معنى ~~الجماعة، ومن الأول قول الشاعر: [الرجز] # 3337- مثل الفراخ نتفت حواصله # وقيل: لأنه يسد مسد الواحد يفهم الجمع فإنه يسد مسده نعم، ونعم ~~يفهم الجمع؛ ومثله قول الشاعر: [الرجز] # 3338- وطاب ألبان اللقاح وبرد # لأنه يسد مسدها " لبن ". # ومثله قولهم هو أحسن الفتيان، وأجمله أي: أحسن فتى إلا أن هذا لا ~~ينقاس عند سيبويه وأتباعه. # وذكر أبو البقاء ستة أوجه تقدم منها في غضون ما ذكر خمسة، والسادس: ~~أنه يعود على ms5438 الفحل؛ لأن اللبن يكون من طرق الفحل الناقة، فأصل ~~اللبن من الفحل. # قال: " وهذا ضعيف؛ لأن اللبن، وإن نسب إلى الفحل، فقد جمع البطون وليس ~~في فحل الأنعام إلا واحدا، ولا للواحد بطون، فإن قيل: أراد الجنس، فقد ~~ذكر ". # يعني أنه قد تقدم أن التذكير باعتبار جنس الأنعام، فلا حاجة إلى ~~تقدير عوده على فحل المراد به الجنس، وهذا القول نقله مكي عن إسماعيل ~~القاضي - رحمه الله - ولم يعقبه بنكير. # قال القرطبي: واستنبط القاضي إسماعيل من عود هذا الضمير أن لبن الفحل ~~يقبل التحريم. # وقال: إنما جيء به مذكرا؛ لأنه راجع إلى ذكر النعم؛ لأن ~~اللبن للذكر محسوب ولذلك قضى النبي صلى الله عليه وسلم بأن اللبن ~~محرم حين أنكرته عائشة - رضي الله عنها - في حديث: # " أفلح أخي أبي القعيس فللمرأة السقي وللرجل اللقاح ". # قوله: { من بين فرث ودم } يجوز فيه أوجه: # أحدها: أنه متعلق بالسقي على أنها لابتداء الاية، فإن جعلنا ما ~~قبلها كذلك، تعين أن يكون مجرورها بدلا من مجرور " من " الأولى، لئلا ~~يتعلق عاملان متحدان لفظا ومعنى [بمعمول] واحد، وهو ممتنع إلا في ~~بدل الاشتمال؛ لأن المكان مشتمل على ما حل فيه، وإن جعلتها ~~للتبعيض هان الأمر. # الثاني: أنها في محل نصب على الحال من " لبنا " ، إذ لو تأخرت، ~~لكانت مع مجرورها نعتا. قال الزمخشري: " وإنما قدم؛ لأنه موضع ~~العبرة، فهو قمن بالتقدم ". # الثالث: أنها مع مجرورها حال من الضمير الموصول قبلها. # والفرث: فضالة ما يبقى من العلف في الكرش، وكثيف ما يبقى من الأكل ~~في الأمعاء، ويقال: فرث كبده، أي: فتتها، وأفرث فلان فلانا؛ أوقعه في ~~بلية يجرى مجرى الفرث. # روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: " ~~إذا استقر العلف في الكرش، صار أسفله فرثا، وأعلاه دما، وأوسطه ~~لبنا، فيجري الدم في العروق واللبن في الضرع، ويبقى الفرث كما هو ~~". # قوله: " لبنا " هو المفعول الثاني للسقي. # وقرىء: " سيغا " بتشديد الياء، بزنة " سيد " وتصريفه كتصريفه. ~~وخفف عيسى بن عمر، نحو " ميت ms5439 " ، و " هين " ، ولا يجوز أن يكون ~~فعلا، إذ كان يجب أن يكون سوغا كقول. # ومعنى: " سائغا للشاربين " ، أي هنيئا يجري بسهولة في الحلق، ~~وقيل: إنه لم [يشرق] أحد باللبن قط. # فصل # قال ابن الخطيب: اللبن والدم لا يتولدان ألبتة في الكرش، ~~والدليل عليه الحس، فإن هذه الحيوانات تذبح ذبحا متواليا، وما ~~رأى أحد في كرشها لا دما، ولا لبنا، ولو كان تولد الدم، واللبن في ~~الكرش؛ لوجب أن يشاهد ذلك في بعض الأحوال، والشيء الذي دلت المشاهدة ~~على فساده؛ لم يجز المصير إليه، بل الحق أن الحيوان إذا تناول الغذاء، ~~ووصل ذلك العلف إلى معدته إن كان إنسانا، وإلى كرشه إن كان من الأنعام ~~وغيرها، فإذا طبخ، وحصل الهضم الأول فيه، فما كان منه صافيا انجذب إلى ~~الكبد، وما كان كثيفا، نزل إلى الأمعاء، ثم ذلك الذي يحصل منه في ~~الكبد ينطبخ فيها، ويصير دما، وذلك هو الهضم الثاني، ويكون ذلك الدم ~~مخلوطا بالصفراء، والسوداء، وزيادة المادة المائية، أما الصفراء، ~~فتذهب إلى المرارة، والسوداء إلى الطحال، والماء إلى الكلية، ومنها ~~إلى المثانة، وأما ذلك الدم فإنه يدخل في الأوردة، وهي العروق النابتة ~~من الكبد، وهناك يحصل الهضم الثالث، وبين الكبد، وبين الضرع عروق ~~كثيرة، فينصب الدم من تلك العروق إلى الضرع والضرع لحم غددي رخو ~~أبيض، فيقلب الله - تعالى - الدم عند إصبابه إلى ذلك اللحم الغددي ~~الرخو الأبيض، من صورة الدم إلى صورة اللبن فهذا هو القول الصحيح ~~في كيفية تولد اللبن. # فإن قيل: هذه المعاني حاصلة في الحيوان الذكر، فلم لم يحصل منه ~~اللبن؟ قلنا: الحكمة الإلهية قد اقتضت تدبير كل شيء على الوجه ~~اللائق به الموافق لمصلحته، فمزاج الذكر من كل حيوان يجب أن يكون ~~حارا يابسا، ومزاج الأنثى يجب أن يكون باردا رطبا، والحكمة فيه أن ~~الولد إنما يتكون في داخل بدن الأنثى؛ فوجب أن يكون بدن الأنثى ~~مختصا بمزيد الرطوبات لوجهين: # الأول: أن الولد إنما يتولد من الرطوبات، فوجب أن يحصل في بدن ~~الأنثى رطوبات كثيرة ms5440 لتصير مادة لتولد الولد. # والثاني: أن الولد إذا كبر، وجب أن يكون بدن الأم قابلا للتمدد؛ ~~حتى يتسع لذلك الولد، فإذا كانت الرطوبات غالبة على بدن الأم، كان ~~بدنها قابلا للتمدد؛ فيتسع للولد، فثبت بما ذكرنا أنه - تعالى - خص ~~بدن الأنثى من كل حيوان بمزيد الرطوبات لهذه الحكمة، ثم إن تلك ~~الرطوبات التي كانت تصير مادة لازدياد بدن الجنين حين كان في رحم الأم، ~~فعند انفصال الجنين، تنصب إلى الثدي، والضرع، ليصير مادة لغذاء ذلك ~~الطفل الصغير، فظهر أن السبب الذي لأجله يتولد اللبن من الدم ~~في حق الأنثى غير حاصل في حق الذكر، فظهر الفرق. # وقد تقدم ما نقل عن ابن عباس - رضي الله عنه - في أن الفرث يكون في ~~أسفل الكرش، والدم يكون في أعلاه، و اللبن يكون في الوسط، وبينا ~~أن هذا القول على خلاف الحس والتجربة. # واعلم أن حدوث اللبن في الثدي، واتصافه بالصفات الموافقة لتغذية ~~الطفل مشتمل على حكم عجيبة، يشهد صريح العقل بأنها لا تحصل إلا ~~بتدبير الفاعل الحكيم والمدبر الرحيم، وبيانه من وجوه: # الأول: أنه - تعالى - خلق في أسفل المعدة منفذا يخرج منه ثقل الغذاء ~~فإذا تناول الإنسان غذاء، أو شربة رقيقة؛ انطبق ذلك المنفذ انطباقا ~~كليا، لا يخرج منه شيء من ذلك المأكول، والمشروب إلى أن يكمل انهضامه ~~في المعدة، وينجذب ما صفا منه إلى الكبد، ويبقى الثقل هناك، فحينئذ ينفتح ~~ذلك المنفذ، وينزل منه ذلك الثقل، وهذا من العجائب التي لا يمكن حصولها ~~إلا بتدبير الفاعل الحكيم؛ لأنه متى كانت الحاجة إلى خروج ذلك الجسم من ~~المعدة انفتح فحصل الانطباق تارة، و الانفتاح أخرى، بحسب الحاجة، وتقدير ~~المنفعة مما لا يتأتى إلا بتدبير الفاعل الحكيم. # الثاني: أنه - تعالى - أودع في الكبدة قوة، تجذب الأجزاء اللطيفة ~~الحاصلة في ذلك المأكول، والمشروب، ولا تجذب الأجزاء الكثيفة، وخلق في ~~الأمعاء قوة تجذب تلك الأجزاء الكثيفة التي هي الثقل، ولا تجذب ~~الأشياء اللطيفة ألبتة، ولو كان الأمر بالعكس، لاختلفت مصلحة البدن، ~~ولفسد نظام هذا التركيب. ms5441 # الثالث: أنه - سبحانه وتعالى - أودع في الكبد قوة هاضمة طابخة، حتى ~~إن تلك الأجزاء اللطيفة؛ تنطبخ في الكبد، وتنقلب دما، ثم إنه - ~~تعالى - أودع في المرارة قوة جاذبة للصفراء، وفي الطحال قوة جاذبة ~~للسوداء، وفي الكلية قوة جاذبة لزيادة المائية، حتى يبقى الدم ~~الصافي الموافق لتغذية البدن، وتخصيص كل واحد من هذه الأعضاء بتلك ~~القوة الحاصلة، لا يمكن إلا بتدبير الحكيم العليم. # الرابع: أن في الوقت الذي يكون الجنين في رحم الأم ينصب من ذلك الدم ~~نصيب وافر إليه حتى يصير مادة تنمي أعضاء ذلك الولد، وازدياده، فإذا ~~انفصل ذلك الجنين عن الرحم ينصب ذلك النصيب إلى جانب الثدي ليتولد ~~منه اللبن الذي يكون غذاء له، فإذا كبر ذلك الولد لم ينصب ذلك النصيب ~~لا إلى الرحم، ولا إلى الثدي، بل ينصب على مجموع بدن المتغذي، ~~فانصباب ذلك الدم في كل وقت إلى عضو آخر انصبابا موافقا ~~للمصلحة، والحكمة لا يتأتى إلا بتدبير الفاعل المختار الحكيم. # الخامس: أن عند تولد اللبن في الضرع أحدث - تعالى - في حلمة الثدي ~~ثقوبا صغيرة ومساما ضيقة، وجعلها بحيث إذا اتصل المص، أو الحلب ~~بتلك الحلمة، انفصل اللبن عنها من تلك المسام الضيقة، ولما كانت ~~هذه المسام ضيقة جدا، فحينئذ لا يخرج منها إلا ما كان في غاية ~~الصفاء، واللطافة، وأما الأجزاء الكثيفة فإنه لا يمكنها الخروج ~~من تلك المنافذ الضيقة فتبقى في الداخل، والحكمة في إحداث تلك ~~الثقوب الصغيرة والمنافذ الضيقة في رأس الحلمة؛ لكي تكون ~~كالمصفاة، فكل ما كان لطيفا خرج، وما كان كثيفا؛ احتبس في الداخل، ~~فبهذا الطريق يصير ذلك اللبن خالصا موافقا لبدن الصبي " سائغا ~~للشاربين ". # السادس: أنه - تعلى - ألهم ذلك الصبي إلى المص؛ فإن الأم إذا ألقت ~~حلمة الثدي في فم الصبي، فذلك الصبي في الحال يأخذ في المص، ولولا ~~أن الفاعل المختار الرحيم قد ألهم ذلك الطفل الصغير ذلك العمل المخصوص، ~~وإلا لم يحصل تخليق ذلك اللبن في الثدي. # السابع: أنا بينا أنه - تعالى - إنما خلق اللبن من فضلة ms5442 الدم، ~~وإنما خلق الدم من الغذاء الذي يتناوله الحيوان، فالشاة لما تناولت ~~العشب، وتولد منه الدم، وتولد اللبن من بعض أجزاء ذلك الدم، ثم ~~إن اللبن حصلت فيه أجزاء ثلاثة على طبائع متضادة، فما فيه من الدهن يكون ~~حارا رطبا، وما فيه من المائية يكون باردا رطبا، وما كان فيه من ~~الجبنية يكون باردا يابسا، وهذه الطبائع ما كانت حاصلة في العشب الذي ~~تناولته الشاة، فظهر بهذين أن هذه الأجسام لا تزال تنقلب من صفة إلى ~~صفة، ومن حالة إلى حالة، مع أنه لا يناسب بعضه بعضا، ولا يشاكل بعضه ~~بعضا، وعند ذلك فإن هذه الأحوال إنما تحدث بتدبير فاعل مختار حكيم ~~رحيم، يدبر أحوال هذا العالم على وفق مصالح العباد. # قال المحققون - رضي الله عنهم-: اعتبار حدوث اللبن كما يدل على وجود ~~الصانع المختار، فكذلك يدل على إمكان الحشر والنشر؛ لأن العشب الذي ~~يأكله الحيوان إنما يتولد من الماء والأرض، فخالق العالم دبر تدبيرا ~~آخر، فقلب ذلك العشب دما، ثم دبر تدبيرا آخر فقلب ذلك الدم لبنا ~~خالصا، ثم أحدث من ذلك اللبن الدهن والجبن، وهذا الاستقرار يجل على ~~أنه - تعالى - قادر على تقليب هذه الأجسام من صفة إلى صفة، ومن حالة إلى ~~حالة، وإذا كان كذلك، لم يمتنع أيضا أن يكون قادرا على قلب أجزاء أبدان ~~الموات إلى صفة الحياة والعقل كما كانت قبل ذلك، فبهذا الاعتبار يدل من ~~هذا الوجه على أن البعث والقيامة أمر ممكن غير ممتنع. # قوله: { ومن ثمرات النخيل } فيه أربعة أوجه: # أحدها: أنه متعلق بمحذوف، فقدره الزمخشري: ونسقيكم من ثمرات النخيل ~~والأعناب، أي: من عصيرها؛ وحذف لدلالة " نسقيكم " قبله عليه قال: " ~~وتتخذون بيان وكشف عن كيفية الإسقاء ". # وقدره أبو البقاء: خلق لكم أو جعل لكم وما قدره الزمخشري أليق. # لا يقال: لا حاجة إلى تقدير نسقيكم، بل قوله: " ومن ثمرات " عطف على ~~قوله: " مما في بطونه " فيكون عطف بعض متعلقات الفعل الأول على بعض؛ ~~كما تقول: سقيت زيدا من اللبن ومن العسل، فلا ms5443 يحتاج إلى تقدير ~~فعل قبل قولك: من العسل. # لا يقال ذلك؛ لن " نسقيكم " الملفوظ به وقع تفسير ل " عبرة " ~~الأنعام، فلا يليق تعلق هذا به؛ لأنه ليس من العبرة المتعلقة ~~بالأنعام. # قال أبو حيان: وقيل: متعلق ب " نسقيكم " فيكون معطوفا على " ~~مما في بطونه " أو: ب " نسقيكم " محذوفة دل عليها " نسقيكم " ~~انتهى. # ولم يعقبه تنكير، وفيه ما تقدم. # الثاني: أنه متعلق ب " تتخذون " ، و " منه " تكرير للظرف ~~توكيدا؛ نحو: زيد في الدار فيها، قاله الزمخشري - رحمه الله تعالى - ~~وعلى هذا فالهاء في " منه " فيها ستة أوجه: # أحدها: أنها تعود على المضاف المحذوف الذي هو العصير؛ كما رجع في قوله ~~تعالى: # أو هم قآئلون # [الأعراف: 4] إلى الأهل المحذوف. # الثاني: أنها تعود على معنى الثمرات؛ لأنها بمعنى الثمر. # الثالث: أنها تعود على النخيل. # الرابع: أنها تعود على الجنس. # الخامس: أنها تعود على البعض. # السادس: أنها تعود على المذكور. # الوجه الثالث من الأوجه الأول: أنه معطوف على قوله: " في الأنعام " ~~فيكون في المعنى خبرا عن اسم إن في قوله - عز وجل-: { وإن لكم ~~في الأنعام لعبرة } التقدير: وإن لكم في الأنعام ومن ثمرات ~~النخيل لعبرة، ويكون قوله: " تتخذون " بيانا وتفسيرا للعبرة، كما ~~وقع " نسقيكم " تفسيرا لها أيضا. # الرابع: أن يكون خبرا لمبتدإ محذوف، فقدره الطبري: ومن ثمرات ~~النخيل والأعناب ما تتخذون. # قال أبو حيان: " وهو لا يجوز على مذهب البصريين ". # قال شهاب الدين: وفيه نظر؛ لأن له أن يقول: ليست " ما " هذه موصولة، ~~بل نكرة موصوفة، وجاز حذف الموصوف والصفة جملة؛ لأن في الكلام " من ~~" ، ومتى كان في الكلام " من " اطرد الحذف، نحو: " منا ظعن ~~ومنا أقام "؛ ولهذا نظره مكي بقوله - تعالى -: # وما منآ إلا له مقام معلوم # [الصافات: 164]، أي: إلا من له مقام معلوم، قال: فحذفت " من " ~~لدلالة " من " عليها في قوله: " وما منا إلا له ". # ولما قدر الزمخشري الموصوف، قدره: " ثمر تتخذون منه "؛ ونظره ~~بقول الشاعر: [الرجز] # 3339- يرمي بكفي كان من أرمى البشر # تقديره: بكفي رجل، إلا أن الحذف في البيت ms5444 شاذ؛ لعدم " من ". # ولما ذكر أبو البقاء هذا الوجه؛ قال: " وقيل: هو صفة لمحذوف تقديره: ~~شيئا تتخذون منه بالنصب، أي: وإن من ثمرات النخيل وإن شئت " شيء " - ~~بالرفع - على الابتداء، و " من ثمرات " خبره ". # قال الواحدي: " و " الأعناب " عطف على الثمرات لا على " النخيل "؛ ~~لأنه يصير التقدير: ومن ثمرات الأعناب، والعنب نفسه ثمرة وليس له ثمرة ~~أخرى ". # والسكر: بفتحتين فيه أقوال: # أحدها: أنه من أسماء الخمر؛ كقول الشاعر: [البسيط] # 3340- بئس الصحاة وبئس الشرب شربهم # إذا جرى فيهم المزاء والسكر # الثاني: أنه في الأصل مصدر، ثم سمي به الخمر، يقال: سكر يسكر ~~سكرا وسكرا؛ نحو: رشد يرشد رشدا ورشدا؛ قال الشاعر: ~~[الوافر] # 3341- وجاءونا بهم سكر علينا # فأجلى اليوم والسكران صاحي # قاله الزمخشري. # الثالث: أنه اسم للخل بلغة الحبشة؛ قاله ابن عباس. # الرابع: أنه اسم للعصير ما دام حلوا؛ كأنه سمي بذلك لمآله لذلك لو ~~ترك. # الخامس: أنه اسم للطعم، قاله ابو عبيدة؛ وأنشد: [الرجز] # 3342- جعلت أعراض الكرام سكرا # أي: تنقلت بأعراضهم. # وقيل في البيت بأنه من الخمر، وأنه إذا انتهك أعراض الناس كان يخمر ~~بها. # وقال الضحاك والنخعي ومن يبيح شرب النبيذ: السكر هو النبيذ؛ وهو ~~نقيع التمر والزبيب إذا اشتد، والمطبوخ من العصير. # ومن حرمه يقول: المراد من الآية: الإخبار لا الإحلال. # قوله: { ورزقا حسنا } يجوز أن يكون من عطف المتغايرات، وهو ~~الظاهر؛ كما قال المفسرون: إنه كالزبيب والخل والدبس ونحو ذلك وأن ~~يكون من عطف الصفات بعضها على بعض، أي: تتخذون منه ما يجمع بين ~~السكر والرزق الحسن؛ كقوله: [المتقارب] # 3343 # - إلى الملك القرم وابن الهمام # ................... # فصل # ذهب ابن مسعود، وابن عمر، وسعيد بن جبير، والحسن، ومجاهد إلى أن السكر ~~الخمر، والرزق الحسن الخل والرب والتمر والزبيب. # قالوا: وهذا قبل تحريم الخمر؛ لأن هذه السورة مكية، وتحريم الخمر نزل في ~~سورة المائدة. # قال بعضهم: ولا حاجة إلى التزام النسخ؛ لأنه - تعالى - ذكر ما في هذه ~~الأشياء من المنافع، وخاطب المشركين بها؛ لأنها من أشربتهم، فهي منفعة في ~~حقهم. # ثم ms5445 إنه - تعالى - نبه في هذه الآية أيضا على تحريمها؛ لأنه ميز ~~بينها وبين الرزق الحسن في الذكر، فوجب أن السكر لا يكون رزقا ~~حسنا؛ وهو حسن بحسب الشهوة، فوجب أن يقال: بأن الرجوع عن كونه حسنا ~~بحسب الشريعة، وإنما يكون كذلك إذا كانت محرمة. # ثم إنه - تعالى - لما ذكر هذه الوجوه التي هي دلائل على التوحيد ~~من وجه، وتعديد للنعم العظيمة من وجه آخر - قال - جل ذكره-: { إن ~~في ذلك لآية لقوم يعقلون } أي: من كان عاقلا، علم ~~بالضرورة أن هذه الأحوال لا يقدر عليها إلا الله - تعالى -، فيحتج ~~بأصولها على وجود الإله القادر الحكيم. ### || [16.68-74] # قوله - تعالى - { وأوحى ربك إلى النحل } الآية لما ~~بين أن إخراج الألبان من النعم، وإخراج السكر من ثمرات النخيل ~~والأعناب دلائل قاهرة على أن لهذا العالم إلها قادرا مختارا حكيما ~~فكذلك إخراج العسل من النحل دليل قاطع على إثبات هذا المقصود. # اعلم أنه - تعالى - قال: { وأوحى ربك إلى النحل } يقال: ~~وحى وأوحى وهو هنا الإلهام، والمعنى: أنه - تعالى - قرر في أنفسها ~~هذه الأعمال العجيبة التي يعجز عنها العقلاء من البشر، وبيانه من وجوه: # الأول: أنها تبني البيوت مسدسة من أضلاع متساوية، لا يزيد بعضها على ~~بعض بمجرد طبائعها، والعقلاء من البشر لا يمكنهم بناء مثل تلك البيوت ~~إلا بآلات وأدوات مثل: المسطرة والبيكار. # الثاني: أنه ثبت في الهندسة أن تلك البيوت لو كانت مشكلة بأشكال سوى ~~المسدسات، فإنه يبقى بالضرورة فيما بين تلك البيوت فرج خالية ضائقة ~~أما إذا كانت تلك البيوت مسدسة، فإنه لا يبقى فيها فرج خالية ضائقة ~~فاهتداء ذلك الحيوان الضعيف إلى تلك الحكمة الخفية الدقيقة ~~اللطيفة من الأعاجيب. # الثالث: أن النحل يحصل فيما بينها واحد يكون كالرئيس للبقية، وذلك ~~الواحد يكون أعظم جثة من الباقي، ويكون نافذ الحكم على البقية وهم ~~يخدمونه ويحملونه عند تعبه، وذلك أيضا من الأعاجيب. # الرابع: أنها إذا نفرت وذهبت من وكرها مع الجماعة إلى موضع آخر، فإذا ~~أرادوا عودها إلى وكرها، ضربوا الطبول وآلات الموسيقى، ms5446 وبواسطة تلك ~~الألحان يقدرون على ردها إلى أوكارها، وهذه أيضا حالة عجيبة، فلما ~~امتاز هذا الحيوان بهذه الخواص العجيبة الدالة على مزيد الذكاء ~~والكياسة، ليس إلا على سبيل الإلهام، وهي حالة شبيهة بالوحي، لا جرم قال ~~- سبحانه وتعالى - في حقها: { وأوحى ربك إلى النحل }. # فصل # قال أبو العباس أحمد بن علي المقري - رحمه الله -: الوحي يرد على ستة ~~أوجه: # الأول: الرسالة؛ قال - تعالى -: # إنآ أوحينآ إليك # [النساء: 163]، أي: أرسلنا إليك. # الثاني: الإلهام؛ قال - تعالى -: { وأوحى ربك إلى النحل ~~} [النحل: 68]. # الثالث: الإيماء، قال - تعالى -: # فأوحى إليهم أن سبحوا # [مريم: 11] أي: أومأ إليهم. # الرابع: الكتابة، قال - تعالى -: # وإن الشيطين ليوحون إلى أوليآئهم ~~ليجادلوكم # [الأنعام: 121] أي: يكتبون إليهم. # الخامس: الأمر، قال - تعالى -: # بأن ربك أوحى لها # [الزلزلة: 5]، أي: أمرها. # السادس: الخلق، قال - تعالى -: # وأوحى في كل سمآء أمرها # [فصلت: 12]، أي: خلق. # قال القرطبي: الإلهام هو ما يخلقه الله - تعالى - في القلب ابتداء من ~~غير سبب ظاهر؛ قال - تعالى -: # ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها # [الشمس: 7، 8] ومن غير ذلك البهائم وما يخلقه الله فيها من إدراك ~~منافعها، واجتناب مضارها، وتدبير معاشها، وقد أخبر الله - تعالى - عن ~~الأرض فقال: # تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها # [الزلزلة: 4، 5]. # واعلم أن الوحي قد ورد في حق الأنبياء؛ قال - تعالى -: # وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ~~ورآء حجاب # [الشورى: 51]، وفي حق الأولياء؛ قال - تعالى -: # وإذ أوحيت إلى الحواريين # [المائدة: 111] وبمعنى الإلهام في حق بقية البشر؛ قال - تعالى-: # وأوحينآ إلى أم موسى # [القصص: 7] وفي حق سائر الحيوانات بمعنى خاص. # قال الزجاج: يجوز أن يقال: سمي هذا الحيوان نحلا؛ لأن الله - تعالى - ~~نحل الناس العسل الذي يخرج من بطونها. # وقال غيره: النحل يذكر ويؤنث على قاعدة أسماء الأجناس، فالتأنيث ~~فيها لغة الحجاز، ولذلك أنثها الله - تعالى - وكذلك كل جمع ليس بينه وبين ~~واحده إلا الهاء. # وقرأ ابن وثاب: " النحل " بفتح الحاء، فيحتمل أن يكون لغة مستقلة، ~~وأن يكون إتباعا. # قوله " أن اتخذي " يجوز أن تكون مفسرة، وأن ms5447 تكون مصدرية. # واستشكل بعضهم كونها مفسرة، قال: لأن الوحي هنا ليس فيه معنى القول؛ ~~إذ هو الإلهام لا قول فيه. # وفيه نظر؛ لأن القول لكل شيء بحسبه. # و " من الجبال " " من " فيه للتبعيض؛ إذ لا يتهيأ لها ذلك في كل ~~جبل ولا شجر، وتقدم القول في " يعرشون " ومن قرأ بالكسر والضم في ~~الأعراف. # والمراد ب " مما يعرشون " ما يبنون لها من الأماكن التي تأوي ~~إليها، وقرىء: " بيوتا " بكسر الباء. # فصل # اعلم أن النحل نوعان: # أحدهما: ما يسكن الجبال والغياض ولا يتعهدها أحد من الناس. # والثاني: ما يسكن البيوت ويتعهدها الناس، فالأول هو المراد بقوله عز ~~وجل: { أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر }. # والثاني هو المراد بقوله - عز وجل - { ومما يعرشون } وهو خلايا ~~النحل، واختلفوا فيه. # فقال بعضهم: لا يبعد أن يكون لهذه الحيوانات عقول مخصوصة، بحيث يمكن أن ~~يتوجه عليها أمر الله ونهيه. # وقال آخرون: المراد منه أنه - تعالى - خلق غرائز وطبائع توجب هذه ~~الأحوال، وسيأتي الكلام على ذلك في قوله - تعالى -: # يأيها النمل # [النمل: 18] إن شاء الله - تعالى -. # ثم قال - تعالى -: { ثم كلي من كل الثمرات } " من " هنا ~~للتبعيض؛ لأنها لا تأكل من كل الثمرات؛ فهو كقوله: # وأوتيت من كل شيء # [النحل: 23] أو لابتداء الغاية. # قال ابن الخطيب: رأيت في كتب الطب أن الله - تعالى - دبر هذا ~~العالم على وجه يحدث في الهواء طل لطيف في الليل، ويقع ذلك الطل على ~~أوراق الأشجار، وقد تكون الأجزاء الطلية لطيفة صغيرة متفرقة على ~~الأوراق والأزهار، وقد تكون كثيرة بحيث يجمع منها أجزاء متساوية محسوسة ~~كالترنجبين، فإنه طل ينزل من الهواء يجتمع على أطراف أوراق الشجر في ~~بعض البلدان، وذلك محسوس، فالقسم الأول: هو الذي ألهم الله - تعالى - هذا ~~النحل، حتى أنها تلتقط تلك الذرات من الأزهار والأوراق والأشجار ~~بأفواهها، وتأكلها وتتغذى بها، فإذا شبعت، التقطت بأفواهها مرة أخرى ~~شيئا من تلك الأجزاء، ثم تذهب بها إلى بيوتها وتضعها هناك كأنها تدخر ~~لنفسها غذاءها، فإذا اجتمع في بيوتها من تلك الأجزاء ms5448 الطلية شيء كثير، ~~فذلك هو العسل. # ومنهم من يقول: إن النحل تأكل من الزهار الطيبة والأوراق العطرة ~~أشياء، ثم إنه - تعالى - يقلب تلك الأجسام في داخل أبدانها عسلا، ثم ~~إنها تقيء مرة أخرى؛ فذلك هو العسل. # والأول أقرب، ولا شك أنه طل يحدث في الهواء ويقع على أطراف الأشجار ~~والأزهار، فكذلك ههنا، ونحن نشاهد أن النحل إنما يتغذى بالعسل؛ ~~ولذلك إذا أخرجوا العسل من بيوت النحل تركوا لها بقية من العسل لأجل أن ~~يتغذى بها، فعلمنا أنها تتغذى بالعسل، وأنها إنما تقع على الأشجار ~~والأزهار؛ ليتغذى بتلك الأجزاء الطلية العسلية الواقعة من الهواء، ~~وإذا كان ذلك، فقوله: " من كل الثمرات " أن " من " هنا لابتداء ~~الغاية لا للتبعيض. # قوله: { فاسلكي سبل ربك } أي: إذا أكلت من كل الثمرات، ~~فاسلكي سبل ربك الطرق التي ألهمك وأفهمك في عمل العسل، أو اسلكي في طلب ~~تلك الثمرات سبل ربك. # قوله تعالى: " ذللا " جمع ذلول، ويجوز أن يكون حالا من السبل، أي: ~~ذللها لها الله - تعالى -؛ كقوله - عز وجل -: # جعل لكم الأرض ذلولا # [الملك: 15] وأن يكون حالا من فاعل " اسلكي " ، أي: مطيعة منقادة، ~~بمعنى أن أهلها ينقلونها من مكان إلى مكان ولها يعسوب إذا وقف وقفت ~~وإذا سار سارت. # وانتصاب " سبل " يجوز أن يكون على الظرفية، أي: فاسلكي ما أكلت في ~~سبل ربك، أي في مسالكه التي يحيل فيها بقدرته النوار ونحوه عسلا، وأن ~~يكون مفعولا به أي: اسلكي الطرق التي أفهمك وعلمك في عمل العسل. # قوله: { يخرج من بطونها } التفات وإخبار بذلك، والمقصود منه أن ~~يحتج المكلف به على قدرة الله وحكمته وحسن تدبيره. # واعلم أنا إذا حملنا الكلام على أن النحل تأكل الأوراق والثمرات ~~ثم تتقيأ، فذلك هو العسل فظاهر، وإذا ذهبنا إلى أن النحل يلتقط ~~الأجزاء الطلية بفمه، فالمراد من قوله: { يخرج من بطونها } ، ~~أي: من أفواهها، فكل تجويف في داخل البدن يسمى بطنا، كقولهم: بطون ~~الدماغ، أي: تجاويف الدماغ، فكذا قوله - تعالى - { يخرج من ~~بطونها } أي: من أفواهها. # قوله: { شراب مختلف ms5449 ألوانه } أنه تارة يشرب وحده، وتارة ~~نتخذ منه الأشربة، و { مختلف ألوانه } أبيض وأحمر وأصفر. # وقوله - تعالى-: { فيه شفآء للناس } ، أي: في العسل. # روى أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: # " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أخي استطلق ~~بطنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسقه عسلا، فسقاه، ~~ثم جاء فقال: إني سقيته فلم يزده إلا استطلاقا، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسقه عسلا ثلاث مرات، ثم ~~جاء الرابعة، فقال صلوات الله وسلامه عليه: اسقه عسلا فقال: قد ~~سقيته فلم يزده إلا استطلاقا فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " صدق الله وكذب بطن أخيك، فسقاه فبرأ " ". # وقال عبد الله بن مسعود: " العسل شفاء من كل داء ". # فإن قيل: كيف يكون شفاء للناس وهو يضر بالصفراء ويهيج المرار؟. # فالجواب: أنه - تعالى - لم يقل: إنه شفاء لكل الناس وشفاء لكل داء ~~في كل حال، بل لما كان شفاء للبعض ومن بعض الأدواء، صلح بأن يوصف ~~بأنه فيه شفاء؛ والذي يدل على أنه شفاء في الجملة: أنه قل معجون من ~~المعاجين إلا وتمامه وكماله إنما يحصل بالعجن بالعسل، والأشربة المتخذة ~~منه في الأمراض البلغمية عظيمة النفع. # وقال مجاهد - رحمه الله-: المراد بقوله - تعالى -: { فيه شفآء ~~للناس } القرآن؛ لقوله - تعالى -: # وشفآء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين # [يونس: 57]. # وقال - صلوات الله وسلامه عليه -: # " عليكم بالشفاءين: العسل والقرآن ". # وعلى هذا تم الكلام عند قوله: { مختلف ألوانه } ، ثم ابتدأ ~~وقال: { فيه شفآء للناس } أي: في هذا القرآن. # وهذا القول ضعيف؛ لما تقدم من الحديث؛ ولأن الضمير يجب عوده إلى أقرب ~~مذكور وهو الشراب، وأما عوده إلى غير مذكور، فلا يناسب. # فإن قيل: ما المراد بقوله - صلوات الله وسلامه عليه -: # " وكذب بطن أخيك " # فالجواب: لعله - صلوات الله وسلامه عليه - علم بالوحي أن ذلك العسل ~~سيظهر نفعه بعد ذلك، فلما لم يظهر نفعه في الحال - مع أنه - عليه ~~الصلاة و السلام - كان عالما بأنه سيظهر نفعه بعد ذلك - كان ms5450 هذا جاريا ~~مجرى الكذب، فلهذا أطلق عليه هذا اللفظ. # ثم إنه - تعالى - ختم الآية بقوله - تعالى-: { إن في ذلك لآية ~~لقوم يتفكرون } أي: ما ذكرنا من اختصاص النحل بتلك العلوم ~~الدقيقة والمعارف الغامضة؛ مثل بناء البيوت المسدسة واهتدائها إلى جمع ~~تلك الأجزاء الواقعة من جو الهواء على أطراف أوراق الأشجار بعد تفرقها، ~~فكل ذلك أمور عجيبة دالة على أن إله هذا العالم رتبه على رعاية ~~الحكمة والمصلحة. # قوله - تعالى -: { والله خلقكم ثم يتوفاكم } الآية ~~لما ذكر - تعالى - عجائب أحوال الأنهار والنبات والأنعام والنحل، ~~ذكر بعض عجائب أحوال الناس في هذه الآية. # واعلم أن العقلاء ضبطوا مراتب عمر الإنسان في أربع مراتب: # أولها: سن النشوء والنماء. # وثانيها: سن الوقوف وهو سن الشباب. # وثالثها: سن الانحطاط القليل، وهو سن الكهولة. # ورابعها: الانحطاط الكبير، وهو سن الشيخوخة. # فاحتج - تعالى - بانتقال الحيوان من بعض هذه المراتب إلى بعض، على أن ~~ذلك الناقل هو الله - تعالى - ثم قال: { ثم يتوفاكم } عند ~~قضاء آجالكم صبيانا، أو شبابا، أو كهولا أو شيوخا. # { ومنكم من يرد إلى أرذل العمر } ، أي: أردأه لقوله ~~- عز وجل-: # واتبعك الأرذلون # [الشعراء: 111] وقوله - تعالى-: # إلا الذين هم أراذلنا # [هود: 27]. # قال مقاتل: يعني الهرم. وقال قتادة: تسعون سنة. # وقيل: ثمانون سنة. # قيل: هذا مختص بالكافر؛ لأن المسلم لا يزداد بطول العمر إلا كرامة على ~~الله، ولا يجوز أن يقال إنه رده إلى أرذل العمر؛ لقوله - تعالى -: # ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات # [التين: 5، 6]، فبين أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ما ردوا إلى ~~أسفل سافلين. # وقال عكرمة: من قرأ القرآن، لم يرد إلى أرذل العمر. # قوله: " لكيلا " في هذه اللام وجهان: # أحدهما: أنها لام التعليل، و " كي " بعدها مصدرية ليس إلا وهي ناصبة ~~بنفسها للفعل بعدها، وهي منصوبة في تأويل مصدر مجرور باللام، واللام ~~متعلقة ب " يرد ". # قال الحوفي: إنها لام " كي " ، و " كي: للتأكيد. # وفيه نظر؛ لأن اللام للتعليل و " كي " بعدها مصدرية لا إشعار ~~لها بالتعليل والحالة هذه، وأيضا فعملها ms5451 مختلف. # والثاني: أنها لام الصيرورة. # قوله: " شيئا " يجوز فيه التنازع؛ لأنه تقدمه عاملان: يعلم وعلم، ~~أي: الفعل والمصدر، فعلى رأي البصريين - وهو المختار - يكون منصوبا ب ~~" علم " وعلى رأي الكوفيين يكون منصوبا ب " يعلم ". # وهو مردود؛ إذ لو كان كذلك لأضمر في الثاني، فيقال: لكيلا يعلم بعد علم ~~إياه شيئا. # ومعنى الآية: لا يعقل بعد عقله الأول شيئا، إن الله عليم قدير. # قال ابن عباس - رضي الله عنه -: يريد بما صنع أولياؤه وأعداؤه، " ~~قدير " على ما يريد. # فصل # هذه الآية كما دلت على وجود الإله العالم القادر الفاعل المختار، فهي ~~أيضا تدل على صحة البعث والقيامة؛ لأن الإنسان كان معدوما محضا، ~~ثم أوجده الله، ثم أعدمه مرة ثانية، فدل على أنه لما كان ~~معدوما في المرة الأولى، وكان عوده إلى العدم في المرة الثانية ~~جائزا؛ فلذلك لما صار موجودا ثم عدم، وجب أن يكون عوده إلى الوجود في ~~المرة الثانية جائزا، وأيضا: كان ميتا حين كان نطفة، ثم صار حيا، ~~ثم مات فلما كان الموت الأول جائزا، كان عود الموت جائزا؛ وكذلك ~~لما كانت الحياة الأولى جائزة، وجب أن يكون عود الحياة جائزا في ~~المرة الثانية، وأيضا الإنسان في أول طفولته جاهل لا يعرف شيئا، ثم ~~صار عالما عاقلا، فلما بلغ أرذل العمر، عاد إلى ما كان عليه في زمان ~~الطفولة؛ وهو عدم العقل والفهم فعدم العقل والفهم في المرة الأولى عاد ~~بعينه في آخر العمر، فكذلك العقل الذي حصل ثم زال، وجب أن يكون جائز ~~العود في المرة الثانية، وإذا ثبتت هذه الجملة، ثبت أن الذي مات وعدم ~~فإنه يجوز عود وجوده، وعود حياته، وعود عقله مرة أخرى، ومتى كان الأمر ~~كذلك، ثبت أن القول بالبعث والحشر والنشر حق. # قوله: { والله فضل بعضكم على بعض في الرزق } ~~الآية هذا اعتبار بحال أخرى من أحوال الإنسان؛ لأنا نرى أكيس الناس ~~وأكثرهم عقلا يفني عمره في طلب القدر القليل من الدنيا ولا يتيسر له ~~ذلك، ونرى أجلاف الناس وأقلهم عقلا وفهما ms5452 ينفتح عليه أبواب الدنيا، ~~وكل شيء خطر بباله أو دار في خياله، فإنه يحصل له في الحال، ولو كان ~~السبب هو جهد الإنسان وعقله، لوجب أن يكون العاقل أفضل في هذه ~~الأحوال، فلما رأينا أن الأعقل الأفضل أقل نصيبا، والأجهل الأخس ~~أوفر نصيبا - علمنا أن ذلك بسبب قسمة القسام؛ كما قال - تعالى -: # نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا # [الزخرف: 32] وهذا التفاوت غير مختص بالمال، بل حاصل في الذكاء ~~والبلادة، والحسن والقبح، والعقل والحمق والصحة والسقم وغير ذلك. # قوله: { فما الذين فضلوا برآدي رزقهم على ما ~~ملكت أيمانهم } فيه قولان: # الأول: أن المراد من هذا الكلام تقرير ما تقدم من أن السعادة ~~والنحوسة لا يحصلان إلا من الله - تعالى -، والمعنى: إنا رزقنا الموالي ~~والمماليك جميعا، فهم في رزقي سواء، فلا يحسبن الموالي أنهم يرزقون ~~مماليكهم من عندهم شيئا، وإنما ذلك رزقي أجريته على أيديهم إلى ~~مماليكهم. # والحاصل: أن الرزاق هو الله - تعالى -، وأن المالك لا يرزق العبد؛ ~~وتحقيق القول فيه: أنه ربما كان العبد أكمل عقلا، وأقوى جسما، وأكثر ~~وقوفا على المصالح والمفاسد من المولى؛ وذلك يدل على أن ذلة العبد ~~وعزة ذلك المولى من الله؛ كما قال جل ذكره -: # وتعز من تشآء وتذل من تشآء # [آل عمران: 26]. # الثاني: أن المراد من الآية: الرد على من أثبت شريكا لله - عز وجل ~~-، وعلى هذا القول ففيه وجهان: # الأول: أن يكون هذا ردا على عبدة الأصنام؛ كأنه قيل: إنه - تعالى - ~~فضل الملوك على مماليكهم، فجعل المملوك لا يقدر على ملك مع مولاه، ~~فإذا لم يكن عبيدكم معكم سواء في الملك، فكيف تجعلون هذه الجمادات معي ~~سواء في العبودية. # والثاني: قال ابن عباس - رضي الله عنه-: " نزلت هذه الآية في نصارى ~~نجران، حين قالوا: إن عيسى ابن مريم ابن الله " ، والمعنى: أنكم لا ~~تشركوني عبيدكم فيما ملكتم فتكونوا سواء، فكيف جعلتم عبدي ولدا وشريكا ~~لي في هذه الألوهية؟. # قوله: { فهم فيه سوآء } في هذه الجملة أوجه: # أحدها: أنها على حذف أداة الاستفهام، تقديره: ms5453 أفهم فيه سواء، ومعناه ~~النفي، أي: ليسوا مستوين فيه. # الثاني: أنها إخبار بالتساوي، بمعنى أن ما يطعمونه ويلبسونه ~~لمماليكهم، إنما هو رزقي أجريته على أيديهم فهم فيه سواء. # الثالث: قال أبو البقاء: إنها واقعة موقع الفعل، ثم جوز في ذلك الفعل ~~وجهين: # أحدهما: أنه منصوب في جواب النفي، تقديره: فما الذين فضلوا ~~برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم، فيستووا. # الثاني: أنه معطوف على موضع " برادي " فيكون مرفوعا، تقديره: فما ~~الذين فضلوا يردون، فما يستوون. # قوله: { أفبنعمة الله يجحدون } [فيه وجهان: # أحدهما: لا شبهة في أن المراد من قوله { أفبنعمة الله ~~يجحدون } الإنكار على المشركين الذين أورد الله تعالى هذه الحجة ~~عليهم. # الثاني]: الباء في قوله: { أفبنعمة الله } يجوز أن تكون ~~زائدة؛ لأن الجحود لا يتعدى بالباء؛ كما تقول: خذ الخطام ~~وبالخطام، وتعلقت زيدا وبزيد، ويجوز أن يراد بالجحود الكفر، ~~فعدي بالباء لكونه بمعنى الكفر. # وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: " تجحدون " بالخطاب؛ لقوله: " ~~بعضكم " و " خلقكم " ، والباقون بالغيبة؛ مراعاة لقوله - عز ~~وجل-: { فما الذين فضلوا برآدي رزقهم } وقوله: { ~~فهم فيه سوآء } واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم؛ لقرب المخبر عنه، ~~وأيضا فظاهر الخطاب أن يكون مع المسلمين، والمسلمون لا يخاطبون بجحد ~~النعمة، وهذا إنكار على المشركين. # فإن قيل: كيف يصيرون جاحدين بنعمة الله عليهم بسبب عبادة الأصنام؟. # فالجواب من وجهين: # الأول: أنه لما كان المعطي لكل الخيرات هو الله - تعالى -، فالمثبت ~~له شريكا، فقد أضاف إليه بعض تلك الخيرات، فكان جاحدا لكونها من عند ~~الله، وأيضا فإن أهل الطبائع وأهل النجوم يضيفون أكثر هذه النعم إلى ~~الطبائع وإلى النجوم، وذلك يوجب كونهم جاحدين لكونها من عند الله. # الثاني: قال الزجاج: إنه - تعالى - لما بين الدلائل، وأظهرها بحيث ~~يفهمها كل عاقل، كان ذلك إنعاما عظيما منه على الخلق، فعند ذلك قال: { ~~أفبنعمة الله يجحدون } في تقرير هذه البيانات وإيضاح هذه ~~البينات " يجحدون ". # قوله: { والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا } الآية ~~هذا نوع آخر من أحوال الناس استدل به على وجود الإله المختار ms5454 الحكيم، ~~وتنبيها على إنعام الله على عبيده بمثل هذه النعم، وهذا الخطاب للكل، ~~فتخصيصه بآدم وحواء - صلوات الله وسلامه عليهما - خلاف للدليل، ~~والمعنى: أنه - تعالى - خلق النساء ليتزوج بها الذكور، ومعنى " من ~~أنفسكم " كقوله - تعالى -: # فاقتلوا أنفسكم # [البقرة: 54] وقوله: # فسلموا على أنفسكم # [النور: 61]، أي: بعضكم بعضا؛ ونظيره: # ومن ءاياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا # [الروم: 21]. # قال الأطباء وأهل الطبيعة: المني إذا انصب إلى الخصية اليمنى من ~~الذكر، ثم انصب منه إلى الجانب الأيمن من الرحم، كان الولد ذكرا ~~تاما، وإن انصب إلى الخصية اليسرى، ثم انصب منها إلى الجانب ~~الأيسر من الرحم، كان الولد أنثى تاما في الأنوثة، وإن انصب منها ~~إلى الخصية اليمنى، وانصب منها إلى الجانب الأيسر من الرحم، كان ~~ذكرا في طبيعة الإناث، وإن انصب إلى الخصية اليسرى، ثم انصب إلى ~~الجانب الأيمن من الرحم، كان هذا الولد أنثى في طبيعة الذكور. # وحاصل كلامهم: أن الذكور الغالب عليها الحرارة واليبوسة، والغالب على ~~الإناث البرودة والرطوبة، وهذه العلة ضعيفة، فإنا رأينا في النساء ~~من كان مزاجه في غاية السخونة، وفي الرجال من كان مزاجه في غاية ~~البرودة، ولو كان الموجب للذكورة والأنوثة ذلك، لامتنع ذلك؛ فثبت أن ~~خالق الذكر والأنثى هو الإله القادر الحكيم. # قوله: " وحفدة " فيه أوجه: # أظهرها: أنه معطوف على " بنين " بقيد كونه من الأزواج، وفسر هذا ~~بأنه أولاد الأولاد. # الثاني: أنه من عطف الصفات لشيء واحد، أي: جعل لكم بنين خدما، والحفدة: ~~الخدم. # الثالث: أنه منصوب ب " جعل " مقدرة، وهذا عند من يفسر الحفدة ~~بالأعوان والأصهار، وإنما احتيج إلى تقدير " جعل "؛ لأن " جعل " ~~الأولى مقيدة بالأزواج، والأعوان والأصهار ليسوا من الأزواج، ~~والحفدة: جمع حافد؛ كخادم وخدم. # قال الواحدي - رحمه الله-: " ويقال في جمعه: الحفد بغير هاء؛ كما يقال: ~~الرصد، ومعنى الحفدة في اللغة: الأعوان والخدم ". # وفيهم للمفسرين أقوال كثيرة، واشتقاقهم من قولهم: حفد يحفد ~~حفدا وحفودا وحفدانا، أي: أسرع في الطاعة، وفي الحديث: # " وإليك نسعى ونحفد " # ، أي: نسرع في طاعتك؛ وقال الآخر: [الكامل] # 3344- حفد ms5455 الولائد حولهن وأسلمت # بأكفهن أزمة الأجمال # ويستعمل " حفد " أيضا متعديا؛ يقال: حفدني فهو حافد؛ وأنشد ~~أيضا: [الرمل] # 3345- يحفدون الضيف في أبياتهم # كرما ذلك منهم غير ذل # وحكى أبو عبيدة أنه يقال: أحفد رباعيا، وقال بعضهم: الحفدة ~~الأصهار؛ وأنشد: [الطويل] # 3346- فلو أن نفسي طاوعتني لأصبحت # لها حفد مما يعد كثير # ولكنها نفس علي أبية # عيوف لإصهار اللئام قذور # ويقال: سيف محتفد، أي: سريع القطع؛ وقال الأصمعي: أصل الحفد ~~مقاربة الخطى. # قوله: { ورزقكم من الطيبات } ولما ذكر إنعامه على عبيده ~~بالمنكوح وما فيه من المنافع والمصالح، ذكر إنعامه عليهم بالمطعومات ~~الطبية، و " من " في " من الطيبات " للتبعيض. # ثم قال { أفبالباطل يؤمنون } قال ابن عباس - رضي الله عنه ~~- يعني: بالأصنام وقال مقاتل: يعني: بالشيطان، وقال عطاء: يصدقون أن لي ~~شريكا وصاحبة وولدا. # { وبنعمت الله هم يكفرون } أي: بأن يضيفوها إلى غير ~~الله ولا يضيفونها إلى الله، وقيل: يكفرون بالتوحيد والإسلام. # وقيل: يحرمون على أنفسهم طيبات أحلها الله لهم؛ مثل: البحيرة ~~والسائبة والوصيلة والحام، ويبيحون لأنفسهم محرمات حرمها الله ~~عليهم، وهي الميتة ولحم الخنزير # وما ذبح على النصب # [المائدة: 3]، أي: يجحدون ويكفرون إنعام الله في تحليل الطيبات وتحريم ~~الخبائث، ويحكمون بتلك الأحكام الباطلة. # قوله - تعالى-: { ويعبدون من دون الله ما لا يملك ~~لهم رزقا } الآية لما شرح الدلائل الدالة على صحة التوحيد، ~~وأتبعها بذكر أقسام النعم العظيمة، أتبعها بالرد على عبدة الأصنام؛ ~~قال { ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا ~~من السموات } يعني: المطر والأرض، ويعني النبات والثمار. # قوله تعالى: { من السموات } فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه متعلق ب " يملك " ، وذلك على الإعرابين الأولين في نصب ~~" شيئا ". # الثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه صفة ل " رزقا ". # الثالث: أن يتعلق بنفس " رزقا " إن جعلناه مصدرا. # وقال ابن عطية - بعد أن ذكر إعمال المصدر منونا-: والمصدر يعمل مضافا ~~باتفاق؛ لأنه في تقدير الانفصال، ولا يعمل إذا دخله الألف واللام؛ ~~لأنه قد توغل في حال الأسماء وبعد عن الفعلية، وتقدير الانفصال في ~~الإضافة حسن عمله؛ ms5456 وقد جاء عاملا مع الألف واللام في قول الشاعر: ~~[المتقارب] # 3347- ضعيف النكاية أعداءه # ................... # وقوله: [الطويل] # 3348-................... # .......... فلم أنكل عن الضرب مسمعا # قال أبو حيان: أما قوله: " باتفاق " إن عنى به من البصريين، ~~فصحيح، وإن عنى به من النحويين، فليس بصحيح؛ إذ قد ذهب بعضهم إلى ~~أنه وإن أضيف لا يعمل، فإن وجد بعده منصوب أو مرفوع قدر له عاملا، ~~وأما قوله: " في تقدير الانفصال " فليس كذلك، إلا أن تكون إضافته غير ~~محضة؛ كما قال به ابن الطراوة وابن برهان، ومذهبهما فاسد؛ لأن هذا المصدر ~~قد نعت وأكد بالمعرفة، وقوله: " لا يعمل... إلى آخره " ناقضه بقوله: " ~~وقد جاء عاملا... إلى آخره ". # قال شهاب الدين: فغاية ما في هذا أنه نحا إلى أقوال قال بها غيره، ~~وأما المناقضة، فليست صحيحة؛ لأنه عنى أولا أنه لا يعمل في السعة، ~~وثانيا أنه قد جاء عاملا في الضرورة، ولذلك قيده فقال: " في قول ~~الشاعر ". # قوله: " شيئا " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: انه منصوب على المصدر، أي: لا يملك لهم ملكا، أي: شيئا من ~~الملك. # والثاني: أنه بدل من " رزقا " أي: لا يملك لهم رزقا شيئا، وهذا ~~غير مقيد؛ إذ من المعلوم أن الرزق شيء من الأشياء، ويؤيد ذلك أن ~~البدل يأتي لأحد معنيين: البيان أو التأكيد، وهذا ليس فيه بيان؛ لأنه ~~أعم، ولا تأكيد. # الثالث: أنه منصوب ب " رزقا " على أنه اسم مصدر، واسم المصدر يعمل ~~عمل المصدر، على خلاف في ذلك. # ونقل مكي: أن اسم المصدر لا يعمل عند البصريين إلا في شعر، وقد اختلف ~~النقلة عن البصريين؛ فمنهم من نقل المنع، ومنهم من نقل الجواز. # وقد ذكر الفارسي انتصابه ب " رزقا " كما تقدم. # ورد عليه ابن الطراوة: بأن الرزق اسم المرزوق، كالرعي، والطحن. ~~ورد على ابن الطراوة؛ بأن الرزق بالكسر أيضا مصدر، وقد سمع فيه ذلك، ~~وظاهر هذا أنه مصدر بنفسه لا اسم مصدر. # قوله تعالى: { ولا يستطيعون } يجوز في الجملة وجهان: # العطف على صلة " ما " ، والإخبار عنهم بنفي الاستطاعة على سبيل ~~الاستئناف، ويكون قد ms5457 جمع الضمير العائد على " ما " باعتبار معناها؛ إذ ~~المراد بذلك آلهتهم. # ويجوز أن يكون الضمير عائدا على العابدين. # فإن قيل: قال - تعالى -: { ويعبدون من دون الله ما لا ~~يملك } فعبر عن الأصنام بصيغة " ما " وهي لغير العاقل، ثم جمع ~~بالواو والنون فقال: " ولا يستطيعون " ، وهو مختص بأولي العلم. # فالجواب: أنه عبر عنها بلفظ " ما " اعتبارا باعتقادهم أنا آلهة، ~~والفائدة في قوله: " ولا يستطيعون " أن من لا يملك شيئا قد يوصف ~~باستطاعته أن يمتلكه بطريق من الطرق فبين - تعالى - أن هذه الأصنام ~~لا تملك وليس لها استطاعة تحصيل الملك. # ثم قال - تعالى -: { فلا تضربوا لله الأمثال } يعني: ~~الأشباه فتشبهونه بخلقه وتجعلون له شريكا؛ فإنه واحد لا مثل له - سبحانه ~~وتعالى -. # ثم قال: { إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون } يعني: أن ~~الله يعلم ما عليكم من العقاب العظيم، وأنتم لا تعلمون خطأ ما تضربون من ~~الأمثال، وحذف مفعول العلم اختصارا أو اقتصارا. ### || [16.75-77] # ثم ضرب مثلا للمؤمن والكافر؛ فقال - تعالى-: { ضرب الله مثلا ~~عبدا مملوكا لا يقدر على شيء } ، هذا مثل الكافر ~~رزقه الله مالا فلم يقدم فيه خيرا. # قوله: { ومن رزقناه } يجوز في " من " هذه أن تكون موصولة، وأن ~~تكون موصوفة، واختاره الزمخشري رحمه الله، قال: " كأنه قيل: وحرا ~~رزقناه ليطابق عبدا " ومحلها النصب على " عبدا " ، وقد تقدم الكلام ~~[إبراهيم: 24] في المثل الواقع بعد " ضرب ". # وقوله: { سرا وجهرا } يجوز أن يكون منصوبا على المصدر، أي: ~~إنفاق سر وجهر، ويجوز أن يكون حالا. # وهذا مثل المؤمن من أعطاه الله مالا، فعمل فيه بطاعة الله وأنفقه في ~~رضاه سرا وجهرا، فأثابه الله عليه الجنة. # قوله تعالى: { هل يستوون } إنما جميع الضمير وإن تقدمه ثنان؛ ~~لأن المراد: جنس العبيد والأحرار المدلول عليهما ب " عبدا " وب " ~~من رزقناه ". # وقيل: على الأغنياء والفقراء المدلول عليهما بهما أيضا، وقيل: اعتبارا ~~بمعنى " من " فإن معناها جمع فراعى معناها بعد أن راعى لفظها. # فصل # قيل: المراد بقوله: { عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ~~} هو الصنم؛ لأنه عبد بدليل قوله: ms5458 # إن كل من في السموات والأرض إلا ءاتي ~~الرحمن عبدا # [مريم: 93] وهو مملوك لا يقدر على شيء، والمراد بقوله: { ومن ~~رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا ~~وجهرا }: عابد الصنم؛ لأن الله - تعالى - رزقه المال، فهو ينفق ~~منه على نفسه وعلى أتباعه سرا وجهرا فهما لا يتساويان في بديهة العقل، ~~بل صريح العقل شاهد بأن عابد الصنم أفضل من الصنم، فكيف يجوز الحكم ~~بأنه مساو لرب العالمين في المعبودية؟. # وقيل: المراد بالعبد: المملوك عبد معين، قيل: أبو جهل، وب { ومن ~~رزقناه منا رزقا حسنا } أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -. # وقيل: عام في كل عبد بهذه الصفة، وفي كل حر بهذه الصفة. # فصل # دلت هذه الآية على أن العبد لا يملك شيئا. # فإن قيل: دلت الآية على أن عبدا من العبيد لا يقدر على شيء، فلم ~~قلتم: إن كل عبد كذلك؟. # فالجواب: أنه ثبت في أصول الفقه: أن الحكم المذكور عقيب الوصف المناسب ~~يدل على كون ذلك الوصف علة لذلك الحكم، وكونه عبدا وصف مشعر ~~بالذل والمقهورية وقوله: { لا يقدر على شيء } حكم مذكور ~~عقيبه، وهذا يقتضي أن العلة لعدم القدرة على شيء، هو كونه عبدا، ~~وأيضا قال بعده: { ومن رزقناه منا رزقا حسنا } [فميز ~~هذا القسم الثاني عن القسم الأول، وهو العبد بهذه الصفة، وهو أنه رزقه ~~رزقا حسنا] فوجب ألا يحصل هذا الوصف للعبد، حتى يحصل الامتياز بين ~~الثاني وبين الأول، ولو ملك العبد، لكان الله قد آتاه رزقا حسنا؛ لن ~~الملك الحلال رزق حسن. # ثم اختلفوا؛ فروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - وغيره التشدد في ذلك، ~~حتى قال: لا يملك الطلاق أيضا. # وأكثر الفقهاء على أنه يملك الطلاق، واختلفوا في أن المالك إذا ملكه ~~شيئا، هل يملكه ام لا؟ وظاهر الآية ينفيه. # فإن قيل: لم قال: { عبدا مملوكا لا يقدر على شيء } ~~وكل عبد فهو مملوك وغير قادر على التصرف؟. # فالجواب: ذكر المملوك ليحصل الامتياز بينه وبين الحر؛ لأن الحر قد ~~يقال: إنه عبد الله، ms5459 وأما قوله: { لا يقدر على شيء } ~~للتمييز بينه وبين المكاتب والعبد المأذون؛ لأنهما يقدران على ~~التصرف. # قوله { الحمد لله } قال ابن عباس - رضي الله عنه-: على ما فعل ~~بأوليائه وأنعم عليهم بالتوحيد. # وقيل: المعنى أن الحمد كله لله، وليس شيء من الحمد للأصنام؛ لأنها ~~لا نعمة لها على أحد. # وقوله عز وجل-: { بل أكثرهم لا يعلمون } ، أي: أنهم ~~لا يعلمون أن كل الحمد لي، وليس شيء منه للأصنام. # وقال القاضي - رحمه الله -: قال للرسول - صلوات الله وسلامه عليه-: # قل الحمد لله # [النمل: 59]. # وقيل: هذا خطاب لمن رزقه الله رزقا حسنا أن يقول: الحمد لله على أن ~~ميزه في هذه القدرة على ذلك العبد الضعيف. # وقيل: لما ذكر هذا المثل مطابقا للغرض كاشفا عن المقصود، قال بعده: { ~~الحمد لله } يعني: الحمد لله على قوة هذه الحجة وظهور هذه ~~البينة. # ثم قال: { بل أكثرهم لا يعلمون } ، أي: أنها مع غاية ~~ظهورها ونهاية وضوحها، لا يعلمونها هؤلاء الجهال. # قوله - تعالى -: { وضرب الله مثلا رجلين أحدهمآ ~~أبكم } الآية وهذا مثل ثان لإبطال قول عبدة الأصنام؛ وتقريره: ~~أنه لما تقرر في أوائل العقول أن الأبكم العاجز لا يساوي في الفضل ~~والشرف الناطق القادر الكامل مع استوائهما في البشرية فلأن يحكم ~~بأن الجماد لا يكون مساويا لرب العالمين في المعبودية أولى. # قال الواحدي: قال أبو زيد: الأبكم هو العيي المفحم، وقد بكم بكما ~~وبكامة وقال أيضا: الأبكم: الأقطع اللسان، وهو الذي لا يحسن الكلام. # روى ثعلب عن ابن الأعرابي: الأبكم الذي لا يعقل. وقال الزجاج: الأبكم ~~المطبق الذي لا يسمع ولا يبصر. # ثم قال: { لا يقدر على شيء } إشارة إلى العجز التام ~~والنقصان الكامل. # وقوله: { كل على مولاه } الكل الثقيل، والكل العيال، ~~والجمع: كلول، والكل: من لا ولد له ولا والد، والكل أيضا: ~~اليتيم. سمي بذلك؛ لثقله على كافله؛ قال الشاعر: [الطويل] # 3349- أكول لمال الكل قبل شبابه # إذا كان عظم الكل غير شديد # قال أهل المعاني: " أصل الكل من الغلط الذي هو نقيض الحدة، يقال ~~كل ms5460 السكين: إذا غلظت شفرته فلم تقطع، وكل اللسان: إذا غلظ فلم ~~يقدر على الكلام، وكل فلان عن الأمر: إذا ثقل عليه فلم ينبعث فيه، ~~فمعنى " كل على مولاه " ، أي: غليظ وثقيل على مولاه أهل ولايته ". # قوله: { أينما يوجهه لا يأت } شرط وجزاؤه، وقرأ ابن ~~مسعود، وابن وثاب، وعلقمة: " يوجه " بهاء واحدة ساكنة للجزم، وفي ~~فاعله وجهان: # أحدهما: ضمير الباري - تعالى -، ومفعوله محذوف؛ [تقديره كقراءة العامة]. # والثاني: أنه ضمير الأبكم، ويكون " يوجه " لازما بمعنى " ~~يتوجه ". # يقال: وجه وتوجه بمعنى، وقرأ علقمة أيضا وطلحة كذلك، إلا أنه ~~بضم الهاء، وفيها أوجه: # أحدها: أن " أينما " ليست هنا شرطية، و " يوجه " خبر مبتدأ ~~مضمر، أي: أينما هو يوجه، أي: الله - تعالى-، والمفعول محذوف، وحذفت ~~الياء من قوله: " لا يأت " تخفيفا؛ كما حذفت في قوله: # يوم يأت # [هود: 105] و # إذا يسر # [الفجر: 4]. # والثاني: أن لام الكلمة حذفت تخفيفا لأجل التضعيف، وهذه الهاء هي ~~الضمير، فلم يحلها جزم، ذكر هذين الوجهين أبو الفضل الرازي. # الثالث: أن " أينما " أهملت حملا على " إذا "؛ لما بينهما من ~~الأخوة في الشرط؛ كما حملت " إذا " عليها في الجزم في بعض المواضع، ~~وحذفت الباء من " يأت " تخفيفا أو جزم على التوهم، ويكون " يوجه ~~" لازما بمعنى: " يتوجه " كما تقدم. # وقرأ عبد الله أيضا: " توجهه " بهاءين بتاء الخطاب، وقال أبو حاتم ~~- وقد حكى هذه القراءة-: " إن هذه القراءة ضعيفة؛ لأن الجزم لازم " ~~وكأنه لم يعرف توجيهها، وقرأ علقمة وطلحة أيضا: " يوجه " بهاء واحدة ~~ساكنة للجزم، والفعل مبني للمفعول؛ وهي واضحة. # وقرأ ابن مسعود أيضا: " توجهه " كالعامة إلا أنه بتاء الخطاب، ~~وفيه التفات، وفي الكلام حذف وهو حذف المقابل؛ لقوله: { أحدهما ~~أبكم } كأنه قيل: والآخر ناطق متصرف في ماله، وهو خفيف على مولاه { ~~أينما يوجهه لا يأت بخير } ، ودل على ذلك { هل ~~يستوي هو ومن يأمر بالعدل }. # ونقل أبو البقاء - رحمه الله - أنه قرىء: " أينما توجه " ~~بالتاء وفتح الجيم والهاء فعلا ماضيا فاعله ضمير الأبكم. # قوله: { ومن يأمر بالعدل } الراجح أن يكون مرفوعا؛ عطفا ~~على ms5461 الضمير المرفوع في " يستوي " ، وسوغه الفصل بالضمير، والنصب ~~على المعية مرجوح، والجملة من قوله: { وهو على صراط } إما ~~استئناف أو حال. # فصل # لما وصف الله أحد الرجلين بهذه الصفات الأربع، وهذه صفات ~~الأصنام وهو أنه أبكم لا يقدر على شيء، أي: عاجز كل على مولاه، ~~ثقيل، أينما يرسله لا يأت بخير؛ لأن أبكم لا يفهم، قال: هل يستوي هذا ~~الموصوف بهذه الصفات الأربع، وهذه صفات الأصنام لا تسمع ولا تعقل ولا ~~تنطق، وهو كل على عابده يحتاج إلى أن يحمله ويخدمه ويضعه، { هل ~~يستوي هو ومن يأمر بالعدل } يعني: الله قادر متكلم ~~يأمر بالتوحيد، { وهو على صراط مستقيم }. # قال الكلبي: يدلكم على صراط مستقيم. # وقيل: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقيل: كلا المثلين للمؤمن والكافر، يرويه عطية عن ابن عباس رضي الله ~~عنه. # قال عطاء: الأبكم: أبي بن خلف، { ومن يأمر بالعدل }: حمزة، ~~وعثمان بن عفان وعثمان بن مظعون - رضي الله عنهم-. # وقال مقاتل: نزلت في هاشم بن عمرو بن الحارث بن ربيعة القرشي، وكان قليل ~~الخير، يعادي رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقيل: نزلت في عثمان بن عفان ومولاه، كان مولاه يكره الإسلام. # وقيل: المراد كل عبد موصوف بهذه الصفات الذميمة، وكل حر موصوف بتلك ~~الصفات الحميدة، وهذا أولى من القول الأول؛ لأن وصفه - تعالى - إياهما ~~بكونهما رجلين يمنع من حمل ذلك على الوثن، وكذلك وصف الآخر بأنه على صراط ~~مستقيم يمنع من حمله على الله - تعالى -. # قوله - تعالى-: { ولله غيب السموات والأرض } الآية ~~لما مثل الكافر بالأبكم العاجز، ومثل نفسه بالذي يأمر بالعدل وهو على ~~صراط مستقيم، ومعلوم أنه لا يكون آمرا بالعدل وهو على صراط مستقيم إلا ~~إذا كان كاملا في العلم والقدرة فذكر في هذه الآية بيان كونه كاملا ~~في العلم والقدرة. # أما بيان كمال العلم، فقوله - تعالى -: { ولله غيب ~~السموات والأرض } أفاد الحصر بأن العلم بهذه الغيوب ليس إلا ~~لله - تعالى -. # وأما بيان كمال القدرة، فقوله - عز وجل-: { ومآ أمر الساعة ~~إلا ms5462 كلمح البصر } والساعة: هي الوقت الذي تقوم فيه القيامة، ~~سميت ساعة؛ لأنها تفجأ الإنسان في ساعة يموت الخلق كلهم بصيحة واحدة ~~أي إذا قال له: # كن فيكون # [يس: 82] والمراد ب " لمح البصر ": طرفة العين وهو النظر بسرعة، ~~يقال: لمحه ببصره لمحا ولمحانا، وقيل: أصله من لمحان ~~البرق، وقولهم: لأرينك لمحا باصرا، أي: أمرا واضحا، ~~والمراد بيان كمال القدرة. # وقوله: { أو هو أقرب } ليس المراد منه الشك، بل المراد: بل هو ~~أقرب. # قال الزجاج: المراد به: الإبهام على المخاطبين أنه - تعالى - يأتي ~~بالساعة إما بقدر لمح البصر، أو بما هو أسرع؛ لأن لمح البصر عبارة ~~عن انتقال الطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها، والحدقة مركبة من أجزاء ~~لا تتجزأ، فلمح البصر عبارة عن المرور على جملة أجزاء الحدقة، ولا ~~شك أن تلك الأجزاء كثيرة، والزمان الذي يحصل فيه لمح البصر مركب ~~من أزمان متعاقبة، والله - تعالى - قادر على إقامة القيامة في زمان ~~واحد من تلك الأزمان؛ فلهذا قال - تعالى -: { أو هو أقرب } ~~تنبيها على ذلك، فقوله: { أو هو أقرب } ، أي: أمره، فالضمير ~~للأمر، والتقدير: أو أمر الساعة أقرب من لمح البصر. # { إن الله على كل شيء قدير } نزلت في الكفار الذين ~~استعجلوا القيامة استهزاء. ### || [16.78-83] # قوله - تعالى -: { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم } ~~لما بين كمال القدرة والعلم، عاد إلى الدلائل الدالة على وجود الصانع ~~المختار، فقال: { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم }. # قرأ حمزة والكسائي: " إمهاتكم " بكسر الهمزة، والباقون بضمها، ~~وأصل " أمهاتكم ": إماتكم، إلا أنه زيدت الهاء فيه كما زيدت في " ~~أراق " فقيل: أهراق، وشذت زيادتها في الواحدة في قوله: [الرجز] # 3350- أمهتي خندف والياس أبي # والجملة من قوله: { لا تعلمون شيئا } حال من مفعول " ~~أخرجكم " غير عالمين و " شيئا " إما مصدر، أي: شيئا من العلم، ~~وإما مفعول به والعلم هنا العرفان، وتقدم الكلام في " أمهاتكم ~~" في النساء. # فصل # خلق الإنسان في مبدأ الفطرة خاليا عن معرفة الأشياء. # ثم قال تعالى -: { وجعل لكم السمع والأبصار ~~والأفئدة } والمعنى: أن النفس الإنسانية كانت في أول ms5463 الخلقة ~~خالية عن المعارف والعلوم ثم إن الله تعالى أعطاها هذه الحواس؛ لتستفيد ~~بها المعارف والعلوم، وتحقيق الكلام فيه أن يقال: التصورات ~~والتصديقات إما أن تكون كسبية أو بديهية؛ والكسبية لا يمكن ~~حصولها إلا بواسطة تركيبات البديهيات، فلا بد من سبق العلوم ~~البديهية. # فإن قيل: هذه العلوم البديهية إما أن يقال: كانت حاصلة منذ خلقنا، أو ~~ما كانت حاصلة؛ والأول باطل؛ لأنا بالضرورة نعلم أنا حين كنا جنينا ~~في رحم الأم ما كنا نعرف أن النفي والإثبات لا يجتمعان، وما كنا ~~نعرف أن الكل أعظم من الجزء. # وأما القسم الثاني: فإنه يقتضي أن هذه العلوم البديهية حصلت في نفوسنا ~~بعد أنها ما كانت حاصلة، وحينئذ لا يمكن حصولها إلا بكسب وطلب، وكل ~~ما كان كسبا فهو مسبوق بعلوم أخرى إلى غير نهاية، وذلك محال. # فالجواب: أن هذه العلوم البديهية ما كانت حاصلة في نفوسنا أولا، ثم ~~إنها حدثت، وحصلت، أما قوله: فيلزم أن تكون كسبية، فهذه المقدمة ممنوعة، ~~بل نقول: إنها إنما حدثت في نفوسنا بعد عدمها، بواسطة إعانة الحواس ~~التي هي السمع والبصر، فإن النفس كانت في مبدأ الخلقة خالية عن جميع ~~العلوم، إلا أنه تعالى خلق السمع والبصر فإذا أبصر الطفل شيئا أو سمعه ~~مرة بعد أخرى، ارتسم في خياله ماهية ذلك المبصر والمسموع؛ وكذلك القول ~~في سائر الحواس، فيصير حصول الحواس سببا لحضور ماهيات المحسوسات ~~في النفس والعقل. # ثم إن تلك الماهيات على قسمين: # أحدهما: ما يكون حضوره موجبا تاما في جرم الذهن، بإسناد بعضها إلى ~~بعض بالنفي أو الإثبات، مثل أنه إذا حضر في الذهن أن الواحد ما هو؟ ~~وأن نصف الاثنين ما هو؟ كان حضور هذين التصورين في الذهن علة ~~تامة في جرم الذهن؛ بأن الواحد محكوم عليه بأنه نصف الاثنين، وهذا ~~القسم هو العلوم البديهية. # والقسم الثاني: ما لا يكون كذلك، وهو العلوم النظرية؛ مثل أنه إذا ~~حضر في الذهن بأن الجسم ما هو؟ والمحدث ما هو؟ فإن مجرد هذين ~~التصورين في الذهن لا ms5464 يكفي في جزم الذهن بأن الجسم محدث، بل لا ~~بد فيه من [دليل] منفصل وعلوم سابقة. # والحاصل أن العلوم الكسبية إنما يمكن اكتسابها بواسطة العلوم ~~البديهية، وحدوث العلوم البديهية إنما تكون عند حدوث تصور ~~موضوعاتها، وتصور محمولاتها، وحدوث التصورات إنما كان بسبب إعانة ~~هذه الحواس على إحداثها؛ فظهر أن السبب الأول لحدوث هذه المعارف في ~~النفوس والعقول هو أنه - تعالى - أعطى هذه الحواس. # فلهذا قال - تعالى-: { والله أخرجكم من بطون ~~أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع ~~والأبصار والأفئدة } ليصير حصول هذه الحواس سببا لانتقال ~~نفوسكم من الجهل إلى العلم بالطريق المذكور. # وقال المفسرون: " وجعل لكم السمع " لتسمعوا مواعظ الله تعالى، ~~" والأبصار " لتبصروا دلائل [آلاء] الله، " والأفئدة " لتعقلوا ~~عظمة الله. # و " الأفئدة " جمع فؤاد؛ نحو: أغربة وغراب، قال الزجاج: ولم ~~يجمع " فؤاد " على أكثر العدد، وما قيل: " فئدان " كما قيل: " ~~غراب وغربان ". # ولعل الفؤاد إنما جمع على جمع القلة؛ تنبيها على أن السمع ~~والبصر كثيران، وأن الفؤاد قليل؛ لأن الفؤاد إنما خلق للمعارف ~~الحقيقية، والعلوم اليقينية، وأكثر الخلق ليسوا كذلك، بل يكونوا ~~مشغولين بالأفعال البهيمية والصفات السبعية، فكأن فؤادهم ليس بفؤاد؛ ~~فلهذا جمع جمع القلة قاله ابن الخطيب. # وقال الزمخشري - رحمه الله تعالى -: إنه من الجموع التي استعملت ~~للقلة والكثرة، ولم يسمع فيها غير القلة، نحو: " شسوع " ، فإنها ~~للكثرة، وتستعمل في القلة، ولم يسمع غير شسوع. كذا قال وفيه نظر فقد ~~سمع فيهم " أشساع " فكان ينبغي أن يقال: غلب " شسوع ". # فإن قيل: قوله - عز وجل-: { وجعل لكم السمع والأبصار } ~~، عطف على قوله: " أخرجكم " وهذا يقتضي أن يكون جعل السمع والبصر ~~متأخرا عن الإخراج من البطن؛ وليس كذلك. # فالجواب: أن حرف الواو لا يوجب الترتيب، وأيضا إذا حملنا السمع على ~~الإسماع والبصر على الرؤية، زال السؤال، هذا إذا جعلنا قوله - تعالى -: " ~~وجعل " معطوفا على " أخرجكم " فيكون داخلا فيما أخبر به عن ~~المبتدأ ويجوز أن يكون مستأنفا. # فصل # قيل: معنى الكلام: لا تعلمون شيئا مما أخذ عليكم من الميثاق في أصلاب ~~آبائكم، ms5465 وقيل: لا تعلمون شيئا مما قضى عليكم به من السعادة ~~والشقاوة، وقيل: لا تعلمون شيئا، أي: من منافعكم. # قال البغوي - رحمه الله -: " تم الكلام عند قوله - تعالى-: { لا ~~تعلمون شيئا } ثم ابتدأ فقال: { وجعل لكم السمع ~~والأبصار والأفئدة }؛ لأن الله - تعالى - جعل هذه الأشياء ~~لهم قبل الخروج من بطون الأمهات، وإنما أعطاهم العلم بعد الخروج ". # وسيأتي الكلام في حكمة ذكره السمع بلفظ المصدر، والأبصار والأفئدة بلفظ ~~الاسم في سورة السجدة إن شاء الله - تعالى -. # وقوله - تعالى-: { وجعل لكم السمع } ، أي لتسمعوا به الأمر ~~والنهي، " والأبصار " أي: لتبصروا بها آثار منفعة الله، " والأفئدة ~~" لتصلوا بها إلى معرفته - سبحانه وتعالى - وقوله: { ولعلكم ~~تشكرون } ، أي: نعمه. # قوله - تعالى-: { ألم يروا إلى الطير مسخرات } ~~الآية هذا دليل آخر على كمال قدرة الله وحكمته. # قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي: " ألم تروا " بالتاء من فوق، ~~والباقون: بالياء على الحكاية لمن تقدم ذكره من الكفار. # قوله: { ما يمسكهن } يجوز أن تكون الجملة حالا من الضمير ~~المستتر في " مسخرات " ، ويجوز أن تكون حالا من الطير، ويجوز أن ~~تكون مستأنفة. # ومعنى " مسخرات ": مذللات، " في جو السماء " وهو الهواء بين ~~السماء والأرض؛ قال: [الطويل] # 3351- فلست لإنسي ولكن لملأك # تنزل من جو السماء يصوب # وقيل: الجو ما يلي الأرض في سمت العلو واللوح والسكاك أبعد منه. # قال كعب الأحبار - رضي الله عنه-: إن الطير يرتفع اثنا عشر ميلا ولا ~~يرتفع فوق هذا، وفوق الجو السكاك، وفوق السكاك السماء، و { ما ~~يمسكهن إلا الله } تعالى، أي: في حال القبض، والبسط، و ~~الاصطفاف ينزلهم كيف يعتبرونها في وحدانيته. # { إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون } خص هذه الآيات ~~بالمؤمنين؛ لأنهم هم المنتفعون بها. # فصل # جسد الطائر جسم ثقيل، يمتنع بقاؤه في الجو معلقا بلا علاقة ولا ~~دعامة، فوجب أن يكون الممسك له في الجو هو الله - تعالى-، والظاهر أن ~~إبقاءه في الجو فعله باختياره، وهذا يدل على أن فعل العبد خلق الله ~~- تعالى -. # قال القاضي - رحمه الله -: إنما أضاف - تعالى - هذا الإمساك إلى نفسه؛ ms5466 ~~لأنه - تعالى - هو الذي أعطى الآلات التي يمكن الطير بها من تلك الأفعال، ~~فلما كان - تعالى جل ذكره - هو المسبب لذلك، صحت هذه الإضافة. # والجواب: هذا ترك للظاهر من غير دليل. # قوله - تعالى -: { والله جعل لكم من بيوتكم سكنا } ~~الآية وهذا نوع آخر من دلائل التوحيد. # قوله: " سكنا " يجوز أن يكون مفعولا أولا، على أن الجعل تصيير ~~والمفعول الثاني أحد الجارين قبله، ويجوز أن يكون الجعل بمعنى الخلق ~~فيتعدى لواحد، وإنما وحد السكن؛ لأنه بمعنى ما يسكنون فيه، قاله أبو ~~البقاء. # وقد يقال: إنه في الأصل مصدر، وإليه ذهب ابن عطية، فتوحيده واضح إلا أن ~~أبا حيان منع كون مصدرا ولم يذكر وجه المنع، وكأنه اعتمد على قول أهل ~~اللغة: إن السكن " فعل " بمعنى " مفعول ": كالقبض والنقض بمعنى ~~المنقوض والمقبوض؛ وأنشد الفراء فقال: [البسيط] # 3352- جاء الشتاء ولما أتخذ سكنا # يا ويح نفسي من حفر القراميص # والسكن: ما سكنت إليه وما سكنت فيه، قال الزمخشري: " السكن ما ~~يسكن إليه وينقطع إليه من بيت أو إلف ". # واعلم أن البيوت التي يسكن فيها الإنسان على قسمين: # أحدهما: البيوت المتخذة من الحجر والمدر، وهي المرادة من قوله: { ~~جعل لكم من بيوتكم سكنا } وهذا القسم لا يمكن نقله بل ~~الإنسان ينتقل إليه. # والثاني: البيوت المتخذة من القباب والخيام والفساطيط، وهي المرادة ~~بقوله: { وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا ~~تستخفونها } وهذا القسم يمكن نقله مع الإنسان. # قوله: { يوم ظعنكم } قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو بفتح ~~العين، والباقون بإسكانها، وهما لغتان كالنهر والنهر. # وزعم بعضهم أن الأصل الفتح، والسكون تخفيف لأجل حرف الحلق؛ كالشعر ~~والشعر. # والظعن مصدر ظعن، أي: ارتحل، والظعينة: الهودج فيه المرأة وإلا ~~فهو محمل، ثم كثر حتى قيل للمرأة: ظعينة. # فصل # والمعنى: جعل لكم من جلود الأنعام بيوتا، يعني: الخيام، والقباب ~~والأخبية، والفساطيط من الأنطاع والأدم:، " تستخفونها " أي: يخف ~~عليكم حملها { يوم ظعنكم } رحلتكم في سفركم، والظعن: سير ~~[البادية] لنجعة أو لحضور ماء أو طلب مرتع، والظعن أيضا: الهودج؛ ~~قال: [الهزج] # 3353- ألا هل ms5467 هاجك الأظعان إذ بانوا # وإذ جادت بوشك البين غربان # { ويوم إقامتكم } في بلدكم لا يثقل عليكم في الحالتين، و " ~~من " راجعة إلى الحالتين { ومن أصوافها وأوبارها ~~وأشعارهآ } يعني: أصواف الضأن، وأوبار الإبل، وأشعار المعز، ~~والكنايات راجعة إلى الأنعام، وذكر الأصواف والأوبار ولم يذكر القطن ~~والكتان؛ لأنهما لم يكونا ببلاد العرب. # قوله: " أثاثا " فيه وجهان: # أحدهما: أنه منصوب عطفا على " بيوتا " أي: وجعل لكم من أصوافها ~~أثاثا، وعلى هذا يكون قد عطف مجرورا على مجرور، ومنصوبا على منصوب، ~~ولا فصل هنا بين حرف العطف والمعطوف حينئذ. # وقال أبو البقاء - رحمه الله-: " وقد فصل بينه وبين حرف العطف بالجار ~~والمجرور، وهو قوله عز وجل: { ومن أصوافها } وهو ليس بفصل مستقبح ~~كما زعم في الإيضاح؛ لأن الجار والمجرور مفعول، و تقديم مفعول على ~~مفعول قياس ". # وفيه نظر؛ لأنه عطف مجرورا على مثله، ومنصوبا على مثله. # والثاني: أنه منصوب على الحال، ويكون قد عطف مجرورا على مثله تقديره: ~~وجعل لكم من جلود الأنعام، ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها بيوتا حال ~~كونها أثاثا، ففصل بالمفعول بين المتعاطفين، وليس المعنى على هذا، إنما ~~هو على الأول. # والأثاث: متاع البيت إذا كان كثيرا، وأصله: من أث الشعر ~~والنبات؛ إذا كثفا وتكاثرا؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] # 3354- وفرع يغشي المتن أسود فاحم # أثيث كقنو النخلة المتعثكل # ونساء أثائث، أي: كثيرات اللحم كأن عليهن أثاثا، وفلان كثر أثاثه. ~~وقال الزمخشري: الأثاث ما جد من فرش البيت، والخرثي: ما قدم منها؛ ~~وأنشد: [البسيط] # 3355- تقادم العهد من أم الوليد بنا # دهرا وصار أثاث البيت خرثيا # وهل له واحد من لفظه؟ فقال الفراء: لا، وقال أبو زيد: واحده أثاثة ~~وجمعه في القلة: أثثة؛ ك " بتات " و " أبتة " ، وقال أبو حيان: ~~وفي الكثير على أثث، وفيه نظر؛ لأن " فعالا " المضعف يلزم جمعة على ~~أفعلة في القلة والكثرة، ولا يجمع على " فعل " إلا في لفظتين شذتا، ~~وهما: عين وحجج جمع عيان وحجاج، وقد نص النحاة على منع القياس ~~عليهما، فلا يجوز: زمام وزمم بل أزمة وقال ms5468 الخليل: الأثاث والمتاع ~~واحد، وجمع بينهما لاختلاف لفظهما؛ كقوله: [الوافر] # 3356-.................. # وألفى قولها كذبا ومينا # وقوله: [الطويل] # 3357-.................. # وهند أتى من دونها النأي والبعد # وقيل: متاعا: بلاغا ينتفعون به، " إلى حين " يعني: الموت، وقيل: إلى ~~حين البلى. # قوله - تعالى -: { والله جعل لكم مما خلق ظلالا } ~~الآية فالإنسان إما أن يكون مقيما أو مسافرا، والمسافر إما أن يكون ~~غنيا يستصحب معه الخيام أو لا. # فالقسم الأول أشار إليه بقوله: { جعل لكم من بيوتكم سكنا ~~} ، وأشار إلى القسم الثاني بقوله: { وجعل لكم من جلود ~~الأنعام بيوتا } وأشار إلى القسم الثالث بقوله تعالى: { جعل ~~لكم مما خلق ظلالا } فإن المسافر إذا لم يكن له خيمة يستظل ~~بها، فإنه لا بد وأن يستظل إما بجدار أو شجر أو بالغمام؛ كما قال - ~~سبحانه -: # وظللنا عليهم الغمام # [الأعراف: 160]. # قوله تعالى: { وجعل لكم من الجبال أكنانا } جمع " كن ~~"؛ وهو ما حفظ من الريح والمطر، وهو في الجبل: الغار، وقيل: كل ~~شيء وقى شيئا، ويقال: استكن وأكن، إذا صار في كن. # واعلم أ بلاد العرب شديدة الحر، وحاجتهم إلى الظل ودفع الحر ~~شديدة؛ فلهذا ذكر الله - تعالى - هذه المعاني في معرض النعمة العظيمة، ~~وذكر الجبال ولم يذكر السهول وما جعل لهم من السهول أكثر؛ لأنهم كانوا ~~أصحاب جبال، كما قال - تعالى -: { ومن أصوافها وأوبارها ~~وأشعارهآ }؛ لأنهم كانوا أصحاب وبر وشعر، كما قال - عز وجل -: # وينزل من السمآء من جبال فيها من برد # [النور: 43] وما أنزل من الثلج أكثر لكنهم كانوا لا يعرفون الثلج. ~~وقال { تقيكم الحر } وما يقي من البرد أكثر؛ لأنهم كانوا أصحاب ~~حر. # ولما ذكر الله - تعالى - أمر المسكن، ذكر بعده أمر الملبوس؛ فقال - ~~جل ذكره -: { وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر } ~~والسرابيل: القمص واحدها سربال. # قال الزجاج - رحمه الله-: " كل ما لبسته فهو سربال، من قميص أو ~~درع أو جوشن أو غيره "؛ وذلك لأن الله - تعالى - جعل السرابيل ~~قسمين: # أحدهما: ما يقي الحر والبرد. والثاني: ما يتقى به من البأس والحروب. # فإن قيل: لم ذكر الحر ولم يذكر ms5469 البرد؟. # فالجواب من وجوه: # أحدها: قال عطاء الخراساني: المخاطبون بهذا الكلام هم العرب، وبلادهم ~~حارة [يابسة]، فكانت حاجتهم إلى ما يدفع الحر أشد من حاجتهم إلى ما ~~يدفع البرد: كما قال - سبحانه وتعالى - { ومن أصوافها ~~وأوبارها وأشعارهآ } وسائر أنواع الثياب أشرف، إلا أنه - ~~تعالى - ذكر هذا النوع؛ لأن عادتهم بلبسها أكثر. # والثاني: قال المبرد: ذكر أحد الضدين تنبيه على الآخر؛ كقوله: ~~[الطويل] # 3358- كأن الحصى من خلفها وأمامها # إذا حذفته رجلها خذف أعسرا # لما ثبت في العلوم العقلية أن العلم بأحد الضدين يستلزم العلم ~~بالضد الآخر، فإن الإنسان إذا خطر بباله الحر، خطر بباله البرد أيضا ~~وكذا القول في النور والظلمة، والسواد والبياض. # الثالث: قال الزجاج: " وما وقى من الحر وقى من البرد، فكان ذكر ~~أحدهما مغنيا عن الآخر ". # فإن قيل: هذا بالضد أولى؛ لأن دفع الحر يكفي فيه السرابيل التي هي ~~القمص دون تكلف زيادة، أما البرد فإنه لا يندفع إلا بزيادة تكلف. # فالجواب: أن القميص الواحد لما كان دافعا للحر، كانت السرابيل التي ~~هي الجمع دافعة للبرد. # قوله: { كذلك يتم } ، أي: مثل ذلك الإتمام السابق، { يتم ~~نعمته عليكم } في المستقبل. # وقرأ ابن عباس - رضي الله عنهما -: " تتم " بفتح التاء الأولى، " ~~نعمته " بالرفع على الفاعلية، وقرأ أيضا: " نعمه " جمع نعمة ~~مضافة لضمير الله - تعالى -، وقرأ أيضا: " لعلكم تسلمون " بفتح ~~التاء واللام مضارع سلم من السلامة، وهو مناسب لقوله: " تقيكم ~~بأسكم "؛ فإن المراد به الدروع الملبوسة في الحرب، أو تؤمنوا ~~فتسلموا من عذاب الله. # قوله: " فإن تولوا " يجوز أن يكون ماضيا، ويكون التفاتا من الخطاب ~~المتقدم، وأن يكون مضارعا، والأصل: تتولوا، فحذف نحو: " تنزل ~~وتذكرون " ولا التفات على هذا، بل هو جار على الخطاب السابق. # ومعنى الكلام: فإن أعرضوا، فلا يلحقك في ذلك عتب ولا تقصير، وليس عليك ~~إلا ما فعلت من التبليغ التام. # قوله: { فإنما عليك البلاغ } هو جواب الشرط، وفي الحقيقة ~~جواب لشرط محذوف، أي: فأنت معذور، وأتى ذلك على إقامة السبب مقام ~~المسبب؛ وذلك لأن تبليغه سبب في ms5470 عذره، فأقيم السبب مقام المسبب، ثم ~~ذمهم بأنهم يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها، وذلك نهاية في كفران ~~النعمة، وجيء ب " ثم " هنا للدلالة أن إنكارهم أمر مستبعد بعد ~~حصول المعرفة؛ لأن من عرف النعمة حقه أن يعترف لا أن ينكر، وفي ~~المراد بالنعمة وجوه: # قال القاضي: هي جميع ما ذكر الله تعالى في الآيات المتقدمة، ومعنى ~~إنكارهم: أنهم ما أفردوه - تعالى - بالشكر والعبادة، بل شكروا غيره ~~وقالوا: إنما حصلت هذه النعمة بشفاعة الأصنام. # وقيل: المراد بالنعمة هنا: نبوة محمد صلى الله عليه وسلم عرفوا ~~أنها حق ثم أنكروها، ونبوته نعمة عظيمة؛ كما قال - تعالى -: # ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين # [الأنبياء: 107]. # وقيل: { يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها } ، أي: لا ~~يستعملونها في طلب رضوان الله، ثم قال جل ذكره: { وأكثرهم ~~الكافرون }. # فإن قيل: ما معنى قوله: { وأكثرهم الكافرون } مع أنهم ~~كلهم كافرون؟. # فالجواب من وجوه: # الأول: إنما قال - عز وجل - { وأكثرهم الكافرون }؛ لأنه كان ~~فيهم من لم تقم عليه الحجة؛ كالصبي وناقص العقل، فأراد بالأكثر؛ ~~البالغين الأصحاء. # والثاني: أن المراد بالكافر: الجاحد المعاند، فقال: " وأكثرهم "؛ ~~لأنه كان فيهم من لم يكن معاندا، بل جاهلا بصدق الرسول - صلوات الله ~~وسلامه عليه - ولم يظهر له كونه نبيا حقا من عند الله. # الثالث: ذكر الأكثر وأراد الجميع؛ لأن أكثر الشيء، يقوم مقام الكل؛ ~~كقوله: # الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون # [لقمان: 25]. ### || [16.84-88] # قوله: { ويوم نبعث من كل أمة شهيدا } الآية لما ~~بين أنهم عرفوا نعمة الله ثم أنكروها، وذكر أن أكثرهم كافرون أتبعه ~~بذكر الوعيد؛ فذكر حال يوم القيامة. # قوله: { ويوم نبعث } فيه أوجه: # أحدها: منصوب بإضمار " اذكر ". # الثاني: بإضمار " خوفهم ". # الثالث: تقديره: ويوم نبعث، وقعوا في أمر عظيم. # الرابع: أنه معطوف على ظرف محذوف، أي: ينكرونها اليوم ويوم نبعث. # والمراد بأولئك الشهداء: الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم؛ كما قال - ~~سبحانه وتعالى -: # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا # [النساء: 41]. # قوله: { ثم لا يؤذن للذين كفروا } قال الزمخشري: " فإن ~~قلت: ms5471 ما معنى " ثم " هذه؟ قلت: معناه: أنهم يمنعون بعد شهادة ~~الأنبياء عليه السلام بما هو أطم منه، وهو أنهم يمنعون الكلام، فلا يؤذن ~~لهم في إلقاء معذرة ولا [إدلاء] حجة ". انتهى. # ومفعول الإذن محذوف، أي: لا يؤذن لهم في الكلام؛ كما قال - تعالى-: # ولا يؤذن لهم فيعتذرون # [المرسلات: 36] أي: في الرجوع إلى الدنيا. # وقيل: لا يؤذن لهم في الكلام أصلا، { ولا هم يستعتبون } ~~أي: لا تزال عتابهم وهي ما يعتبون عليها ويلامون؛ يقال: استعتبت ~~فلانا بمعنى: أعتبته، أي: أزلت عتباه، و " استفعل " بمعنى: " ~~أفعل " غير مستنكر، قالوا: استدنيت فلانا وأدنيته بمعنى ~~واحد. # وقيل: السين على بابها من الطلب، ومعناه: أنهم لا يسألون أن يرجعوا ~~عما كانوا عليه في الدنيا، فهذا استعتاب معناه طلب عتابهم. # وقال الزمخشري " ولا هم يسترضون، أي: لا يقال لهم: أرضوا ربكم؛ لأن ~~الآخرة ليست بدار عمل ". وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله - تعالى - في ~~سورة حم السجدة؛ لأنه أليق لاختلاف القراء فيه. ثم إنه - تعالى - أكد ~~هذا الوعيد فقال: { وإذا رأى الذين ظلموا العذاب } أي: ~~أن هؤلاء المشركين إذا رأوا العذاب ووصلوا إليه، فعند ذلك { فلا ~~يخفف عنهم ولا هم ينظرون } ولا يؤخرون ولا يمهلون؛ ~~لأن التوبة هناك غير موجودة. # قوله: " فلا يخفف " هذه الفاء وما حيزها جواب " إذا " ، ولا ~~بد من إضمار مبتدأ قبل هذه الفاء، أي: فهو لا يخفف؛ لأن جواب " إذا " ~~متى كان مضارعا، لم يحتج إلى فاء سواء كان موجبا؛ كقوله - تعالى -: # وإذا تتلى عليهم ءاياتنا بينات تعرف # [الحج: 72] أم منفيا؛ نحو: " إذا جاء زيد لا يكرمك ". # قوله تعالى: { وإذا رأى الذين أشركوا شركآءهم } ~~وهذا من بقية وعيد المشركين، وفي الشركاء قولان: # الأول: أن الله - تعالى -: يبعث الأصنام فتكذب المشركين، ويشاهدونها ~~في غاية الذل والحقارة، وكل ذلك مما يوجب زيادة الغم والحسرة في ~~قلوبهم. # والثاني: أن المراد بالشركاء: الشياطين الذين دعوا الكفار إلى ~~الكفر؛ قاله الحسن - رضي الله عنه -، وإنما ذهب إلى هذا القول؛ - لأنه ~~- تعالى - حكى عن الشركاء أنهم كذبوا ms5472 الكفار، والأصنام جمادات فلا ~~يصح منهم هذا القول. # وهذا بعيد؛ لأن الله - تعالى - قادر على خلق الحياة في الأصنام وعلى ~~خلق العقل والنطق فيها. # قوله: { وألقوا إلى الله يومئذ السلم } العامة على ~~فتح السين واللام. # وقرأ أبو عمرو في رواية بسكون اللام، ومجاهد بضم السين واللام، ~~وكأنه جمع سلام؛ نحو: قذال وقذل، والسلام والسلم واحد، وقد ~~تقدم الكلام عليهما في سورة النساء. # فصل # والمعنى: أن المشركين إذا رأوا تلك الشركاء، { قالوا ربنا ~~هؤلآء شركآؤنا الذين كنا ندعوا من دونك } ، ~~وفائدة هذا القول من وجهين: # الأول: قال أبو مسلم - رحمه الله-: " مقصود المشركين إحالة الذنب على ~~الأصنام؛ ظنا منهم أن ذلك ينجيهم من عذاب الله، أو ينقص من عذابهم، عند ~~هذا تكذبهم تلك الأصنام ". # قال القاضي: " هذا بعيد؛ لأن الكفار يعلمون علما ضروريا في الآخرة ~~أن العذاب ينزل بهم، ولا ينفعهم فدية ولا شفاعة ". # والثاني: أن المشركين يقولون هذا الكلام تعجبا من حضور تلك الأصنام، ~~مع أنه لا ذنب لها، واعترافا بأنهم كانوا مخطئين في عبادتها. # ثم حكى - تعالى - أن الأصنام يكذبونهم، فقال: { فألقوا ~~إليهم القول إنكم لكاذبون } ، والمعنى: أنه - تعالى - ~~يخلق الحياة والعقل والنطق في تلك الأصنام فيلقوا إليهم، أي: يقولون لهم: ~~" إنكم لكاذبون ". # فإن قيل: إن المشركين لم يقولوا، بل أشاروا إلى الأصنام، فقالوا: هؤلاء ~~شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك، وقد كانوا صادقين في كل ذلك، فكيف ~~قالت الأصنام " إنكم لكاذبون "؟. # فالجواب من وجوه: # أصحها: أن المراد من قولهم: " هؤلاء شركاؤنا " ، أي: أن هؤلاء هم ~~الذين كنا نقول: إنهم شركاء الله في المعبودية، فالأصنام كذبوهم في ~~إثبات هذه الشركة. # وقيل: المراد: إنهم لكاذبون في قولهم: إنا نستحق العذاب بدليل ~~قوله - تعالى - # كلا سيكفرون بعبادتهم # [مريم: 82]. # ثم قال: { وألقوا إلى الله يومئذ السلم } قال ~~الكلبي: استسلم العابد والمعبود، وأقروا لله بالربوبية وبالبراءة عن ~~الشركاء والأنداد. # وقيل: استسلم المشركون يومئذ إلى الله تعالى وإنفاذ الحكمة فيهم ولم ~~تغن عنهم آلهتهم شيئا، { وضل عنهم ما كانوا يفترون }: ~~زال عنهم ما كانوا ms5473 يفترون من أنها تشفع لهم عند الله، وقيل: ذهب ما ~~زين لهم الشيطان من أن لله صاحبة وشريكا. # وقوله: { الذين كفروا } يجوز أن يكون مبتدأ، والخبر " زدناهم ~~" وهو واضح، وجوز ابن عطية أن يكون " الذين كفروا " بدلا من فاعل ~~" يفترون " ، ويكون " زدناهم " مستأنفا. # ويجوز أن يكون " الذين كفروا " نصبا على الذم أو رفعا عليه، ~~فيضمر الناصب والمبتدأ وجوبا. # فصل # لما ذكر وعيد الذين كفروا، أتبعه ب " وعيد " من ضم إلى كفره صد ~~الغير عن سبيل الله، وهو منعهم عن طريق الحق. # وقيل: صدهم عن المسجد الحرام، { زدناهم عذابا فوق العذاب ~~}؛ لأنهم زادوا على كفرهم صد الغير عن الإيمان. # قال - عليه الصلاة والسلام -: # " من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل ~~بها ". # قال ابن عباس - رضي الله عنه - [ومقاتل]: " المراد بتلك الزيادة خمسة ~~أنهار من صفر مذاب؛ تسيل من تحت العرش، يعذبون بها ثلاثة بالليل ~~واثنان بالنهار ". # وقال سعيد بن جبير: زدناهم عذابا بحيات كالبخت، وعقارب كالبغال ~~تلسعهم، وقيل: يخرجون من حر النار إلى زمهرير. # وقيل: يضعف لهم العذاب بما كانوا يفسدون، أي: بذلك الصد. ### || [16.89] # قوله تعالى: { ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم ~~من أنفسهم } الآية. # وهذا نوع آخر من التهديد، والأمة عبارة عن القرن والجماعة، والمراد أن ~~كل نبي شاهد على أمته؛ لأن الأنبياء كانت تبعث إلى الأمم من ~~أنفسهم لا من غيرهم. # وقيل: المراد أن كل جمع وقرن يحصل في الدنيا، فلا بد وأن يحصل فيهم ~~واحد يكون شهيدا عليهم، أما الشهيد على الذين كانوا في عصر الرسول ~~- صلوات الله وسلامه عليه - فهو الرسول؛ لقوله - تعالى -: # ويكون الرسول عليكم شهيدا # [البقرة: 143] وقوله: { وجئنا بك شهيدا على هؤلآء }. # وقال الأصم: المراد بالشهيد هو أنه - تعالى - ينطق عشرة من أعضاء ~~الإنسان تشهد عليه، وهي: الأذنان، والعينان، والرجلان، واليدان، والجلد ~~واللسان. # قال: والدليل عليه أنه قال في صفة الشهيد أنه من أنفسهم، وهذه ~~الأعضاء لا شك أنها من أنفسهم. # وأجاب القاضي عنه: بأنه - تعالى - قال: { شهيدا عليهم } ، أي: ~~على ms5474 الأمة، فيجب أن يكون غيرهم، وأيضا قال: " من كل أمة " فيجب أن ~~يكون ذلك الشهيد من الأمة، وآحاد الأعضاء لا يصح وصفها أنها من ~~الأمة، وأما حمل الشهداء على الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - ~~فبعيد؛ لأن كونهم مبعوثين إلى الخلق أمر معلوم بالضرورة، فلا فائدة في ~~حمل هذه الآية عليه. # قوله: { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا } يجوز أن يكون " ~~تبيانا " في موضع الحال، ويجوز أن يكون مفعولا من أجله، وهو مصدر ~~ولم يجىء من المصادر على هذه الزنة إلا لفظتان: هذا والتلقاء، وفي ~~الأسماء كثيرا، نحو " التمساح والتمثال " وأما المصادر فقياسها فتح ~~الأول؛ دلالة على التكثير ك " التطواف " و " التجوال ". # وقال ابن عطية: إن " التبيان " اسم وليس بمصدر والنحويون على ~~خلافه. # قال شهاب الدين - رحمه الله -: وقد روى الواحدي بإسناده، عن الزجاج ~~أنه قال: " التبيان " اسم في معنى البيان. # وجه تعلق هذا الكلام بما قبله: أنه - تعالى - قال: { وجئنا بك ~~شهيدا على هؤلآء } أي: أنه أزاح علتهم فميا كلفوا، فلا ~~حجة لهم ولا معذرة. # وقال نفاة القياس: دلت هذه الآية على أن القرآن تبيان لكل شيء، ~~والعلوم إما دينية، أو غير دينية، فالتي ليست دينية، لا تعلق لها ~~بهذه الآية؛ لأنا نعلم بالضرورة أنه تعالى إنما مدح القرآن بكونه ~~مشتملا على علوم الدين، وأما غير ذلك، فلا التفات إليه، وأما علوم ~~الدين: فإما الأصول، وإما الفروع. # فأما علم الأصول: فهو بتمامه موجود في القرآن. # وأما علم الفروع: فالأصل براءة الذمة، إلا ما ورد على سبيل التفصيل ~~في هذا الكتاب، وذلك يدل على أنه لا تكليف من الله إلا ما ورد في هذا ~~القرآن، وإذا كان كذلك، كان القول بالقياس باطلا، وكان القرآن وافيا ~~بتبيان كل الأحكام. # قال الفقهاء: إنما كان القرآن " تبيانا لكل شيء "؛ لأنه دل ~~على أن الإجماع حجة، وخبر الواحد، والقياس حجة، فإذا ثبت حكم من ~~الأحكام بأحد هذه الأصول، كان ذلك الحكم ثابتا بالقرآن، وقد تقدمت هذه ~~المسألة في سورة الأعراف. # قال المفسرون: " تبيانا لكل شيء " يحتاج إليه ms5475 الأمر، والنهي ~~والحلال، والحرام، والحدود، والأحكام، " وهدى " من الضلالة، " ~~ورحمة " و " بشرى " وبشارة " للمسلمين " ، قوله: " للمسلمين " متعلق ~~ب " بشرى " ، وهو متعلق من حيث المعنى ب " هدى ورحمة " أيضا. # وفي جواز كون هذا من التنازع، نظر، من حيث لزوم الفصل بين المصدر، ~~ومعموله بالظرف، حال إعمالك غير الثالث؛ فتأمله. # وقياس من جوز [التنازع] في فعل التعجب، والتزام إعمال الثاني؛ لئلا ~~يلزم الفصل أن يجوز هذا على هذه الحالة. ### || [16.90-97] # قوله تعالى: { إن الله يأمر بالعدل والإحسان } ~~الآية لما شرح الوعد، والوعيد، والترغيب، والترهيب، أتبعه بقوله: { ~~إن الله يأمر بالعدل والإحسان } فجمع في هذه الآية ~~ما يتصل بالتكاليف؛ فرضا، ونفلا، وما يتصل بالأخلاق، والآداب: عموما ~~وخصوصا. # روى ابن عباس - رضي الله عنه-: أن عثمان بن مظعون الجمحي قال: ما ~~أسلمت أولا إلا حياء من محمد - صلوات الله وسلامه عليه - ولم يتقرر ~~الإسلام في قلبي فحضرته ذات يوم، فبينما هو يحدثني، إذ رأيت بصره شخص ~~إلى السماء، ثم خفضه عن يمينه، ثم عاد لمثل ذلك؛ فسألته - صلوات الله ~~وسلامه عليه - فقال: " بينما أنا أحدثك إذ بجبريل - صلوات الله وسلامه ~~عليه - ينزل عن يميني، فقال: يا محمد، إن الله - تعالى - يأمرك بالعدل: ~~شهادة أن لا إله إلا الله، والإحسان: القيام بالفرائض، وإيتاء ذي القربى، ~~أي: صلة القربى، وينهى عن الفحشاء: الزنا، والمنكر: ما لا يعرف في ~~شريعة، ولا سنة، والبغي: الاستطالة ". قال عثمان: فوقع الإيمان في قلبي، ~~فأتيت أبا طالب؛ فأخبرته، فقال: يا معشر قريش، اتبعوا ابن أخي؛ ~~ترشدوا، ولئن كان صادقا أو كاذبا، فإنه ما يأمركم إلا بمكارم الأخلاق، ~~فلما رأى الرسول صلى الله عليه وسلم من عمه اللين قال: يا عماه، ~~أتأمر الناس أن يتبعوني، وتدع نفسك! وجهد عليه؛ فأبى أن يسلم؛ فنزل: # إنك لا تهدي من أحببت # [القصص: 56]. # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - " إن أجمع آية في القرآن لخير وشر ~~هذه الآية ". # وعن قتادة: ليس في القرآن من خلق حسن، كان في الجاهلية يعمل، ويستحسن، ~~إلا أمر الله - تعالى - به ms5476 في هذه الآية، وليس من خلق سيىء، إلا ~~نهى عنه في هذه الآية. # وعن علي - رضي الله عنه - أنه قال: " أمر الله - تعالى - نبيه أن ~~يعرض نفسه على قبائل العرب؛ فخرج، وأنا معه وأبو بكر - رضي الله عنه - ~~فوقفنا على مجلس عليهم الوقار، فقال أبو بكر - رضي الله عنه-: ممن ~~القوم؟ فقالوا: من شيبان، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~الشهادتين إلى أن ينصروه؛ فإن قريشا كذبوه، فقال مقرون بن عمرو: ~~إلام تدعونا، أخا قريش؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { إن ~~الله يأمر بالعدل والإحسان } الآية فقال مقرون: دعوت ~~والله، إلى مكارم [الأخلاق] ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم كذبوك، ~~وظاهروا عليك ". # فصل # قال ابن عباس - رضي الله عنه-: العدل: التوحيد، والإحسان: أداء ~~الفرائض، وعنه: العدل: الإخلاص في التوحيد، وهو معنى قوله صلى الله ~~عليه وسلم: # " أن تعبد الله كأنك تراه " # وسمي هذا إحسانا؛ لأنه محسن إلى نفسه. # وقيل: العدل: في الأفعال، والإحسان: في الأقوال؛ فلا تفعل إلا ما هو ~~عدل، ولا تقل إلا ما هو إحسان. # قوله: { وإيتآء ذي القربى } مصدر مضاف لمفعوله، ولم يذكر ~~متعلقات العدل والإحسان والبغي؛ ليعم جميع ما يعدل فيه، ويحسن به ~~وإليه ويبغي فيه، ولذلك لم يذكر المفعول الثاني للإيتاء، ونص على الأول ~~حضا عليه؛ لإدلائه بالقرابة، فإن إيتاءه صدقة وصلة. قال - صلوات الله ~~وسلامه عليه -: # " إن أعجل الطاعة ثوابا صلة الرحم ". # وقوله: { وينهى عن الفحشاء } قيل: الزنا، وقيل: البخل، ~~وقيل: كل [ذنب] صغيرة كانت أو كبيرة، وقيل: ما قبح من القول أو الفعل، ~~وأما المنكر فقيل: الكفر بالله، وقيل: ما لا يعرف في شريعة ولا سنة، ~~والبغي: التكبر والظلم. # فصل # قال ابن الخطيب - رحمه الله تعالى - كلاما حاصله: إن في المأمورات ~~كثرة، وفي المنهيات كثرة، وإنتما يحسن في تفسير لفظ بمعنى إذا كان بين ~~ذلك اللفظ والمعنى مناسبة، وألا يكون ذلك التفسير فاسدا، فإذا فسرنا ~~العدل بشيء مثلا، وجب أن يتبين مناسبة العدل لذلك المعنى، وألا يكون ~~مجرد تحكم، فنقول: ms5477 إنه - تعالى - أمر في هذه الآية بثلاثة أشياء؛ وهي: ~~العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، ونهى عن ثلاثة أشياء؛ وهي: الفحشاء ~~والمنكر والبغي، فوجب أن يكون كل ثلاثة منها متغايرة؛ لأن العطف يوجب ~~المغايرة، فنقول: العدل عبارة عن الأمور المتوسطة بين طرفي الإفراط ~~والتفريط، وذلك واجب الرعاية في جميع الأشياء، فنقول: التكليف ~~إما في الاعتقادات وإما في أعمال الجوارح. # أما الاعتقاد فنذكر منه أمثلة: # أحدها: ما قاله ابن عباس - رضي الله عنهما -: إن العدل هو قولنا: لا ~~إله إلا الله، وتحقيقه: أن نفي الإله تعطيل محض، وإثبات أكثر من ~~إله واحد إشراك وتشبيه، وهما مذمومان، والعدل هو إثبات إله واحد. # وثانيها: أن القول بأن الإله ليس بموجود ولا شيء تعطيل محض، والقول ~~بأنه جسم مركب ومتحيز تشبيه محض، والعدل: إثبات إله واحد موجود ~~منزه عن الجسمية والأجزاء والمكان. # وثالثها: أن القول بأن الإله غير موصوف بالصفات من العلم والقدرة ~~تعطيل محض، و القول بأن صفاته حادثة متغيرة تشبيه محض، العدل: إثبات ~~أن الإله عالم قادر حي، وأن صفاته ليست محدثة ولا متغيرة - سبحانه ~~وتعالى -. # ورابعها: أن القول بأن العبد ليس له قدرة ولا اختيار جبر محض، والقول ~~بأن العبد مستقل بأفعاله قدر محض؛ وهما مذمومان، والعدل أن يقال: إن ~~العبد يفعل الفعل بواسطة قدرة وداعية يخلقهما الله فيه. # وأما رعاية العدل في أفعال الجوارح فنذكر منه أمثلة: # أحدها: قال قوم: لا يجب على العبد شيء من الطاعات، ولا يجب عليه ~~الاحتراز عن شيء من المعاصي، ونفورا التكاليف أصلا. # وقال المانوية وقوم من الهند: إنه يجب على الإنسان أن يجتنب ~~الطيبات، ويحترز عن كل ما يميل الطبع إليه، ويبالغ في تعذيب نفسه، ~~حتى إن المانوية يخصون أنفسهم ويحترزون عن التزوج، ويحترزون عن أكل ~~الطعام الطيب، والهند يحرقون أنفسهم، ويرمون أنفسهم من شاهق الجبل، ~~فهذان الطريقان مذمومان، والعدل هو شرعنا. # وثانيها: قيل: إنه كان في شرع موسى - صلوات الله وسلامه عليه - في ~~القتل العمد استيفاء القصاص لا محالة، وفي شرع عيسى - صلوات الله ms5478 ~~وسلامه عليه - العفو، وأما في شرعنا: فإن شاء استوفى القصاص، وإن شاء ~~عفا عن الدية، وإن شاء عفا مطلقا. # وقيل: كان في شرع موسى - صلوات الله وسلامه عليه - الاحتراز العظيم عن ~~الحائض؛ حتى إنه يجب إخراجها من الدار، وفي شرع عيسى صلى الله عليه ~~وسلم حل وطئها، والعدل ما حكم به شرعنا؛ وهو تحريم وطئها فقط. # وثالثها: قال - تعالى-: # وكذلك جعلنكم أمة وسطا # [البقرة: 143] وقال - جل ذكره -: # والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ~~وكان بين ذلك قواما # [الفرقان: 67] وقال - جل ذكره -: # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها ~~كل البسط # [الإسراء: 29]، وقال صلى الله عليه وسلم: # " خير الأمور أوسطها ". # ورابعها: أن شريعتنا أمرت بالختان، والحكمة فيه: أن رأس الذكر جسم ~~شديد الإحساس، فلو بقيت القلفة، لبقي العضو على كمال قوته، فيعظم ~~الالتذاذ، أما إذا قطعت الجلدة، بقي العضو عاريا، فيلقى الثياب وسائر ~~الأجسام، فيتصلب فيضعف حسه ويقل شعوره، فيقل الالتذاذ بالوقاع، ~~فتقل الرغبة فيه، فأمرت الشريعة بالختان؛ سعيا في تقليل تلك اللذة، ~~حتى يصير ميل الإنسان إلى الوقاع معتدلا، وألا تصير الرغبة فيه ~~داعية غالبة على الطبع. # فالذي ذهب إليه المانوية من الإخصاء وقطع الآلات مذموم؛ لأنه إفراط، ~~وإبقاء تلك الجلدة مبالغة في تقوية تلك اللذة، والعدل الوسط هو الختان. # واعلم أن الزيادة على العدل قد تكون إحسانا، وقد تكون إساءة؛ فالعدل ~~في الطاعات هو أداء الواجبات، والزيادة على الواجبات طاعات، فهي من ~~جملة الإحسان؛ ولهذا قال - صلوات الله وسلامه عليه - لجبريل - صلوات ~~الله وسلامه عليه - حين سأله عن الإحسان: # " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه ~~يراك ". # وسمي هذا المعنى بالإحسان؛ لأنه بالمبالغة في الطاعة، كأنه يحسن إلى ~~نفسه بإيصال الخير والفعل الحسن، ويدخل في الإحسان التعظيم لأمر الله، ~~والشفقة على خلق الله، ويدخل في الشفقة على خلق الله أقسام كثيرة، ~~وأعظمها: صلة الرحم؛ فلهذا أفرده - تعالى - بالذكر، فقال - تعالى -: { ~~وإيتآء ذي القربى } وأما الثلاثة التي نهى الله عنها؛ وهي: " ~~الفحشاء والمنكر والبغي " فنقول: ms5479 إنه - تعالى - أودع في النفس البشرية ~~قوى اربعة؛ وهي: الشهوانية البهيمية، والغضبية والسبعية، ~~والوهمية الشيطانية، والعقلية الملكية. # فالعقلية الملكية لا يحتاج الإنسان إلى تهذيبها؛ لأنه من جوهر ~~الملائكة. # وأما القوة الشهوانية فرغبتها في تحصيل اللذات الشهوانية، وهذا ~~النوع مخصوص بالفحشاء، ألا ترى أنه - تعالى - سمى الزنا فاحشة؛ فقال - ~~جل ذكره -: # إنه كان فاحشة # [الإسراء: 32]، وقوله - تعالى -: { وينهى عن الفحشاء } ~~المراد منه: المنع من تحصيل اللذات الشهوانية. # وأما القوة الغضبية السبعية: فهي أبدا تسعى في إيصال الشرور والأذى ~~إلى سائر الناس، وهذا مما ينكره الناس، فالمنكر عبارة عن الإفراط ~~الحاصل من آثار القوة الغضبية. # وأما القوة الوهمية الشيطانية: فهي أبدا تسعى في الاستعلاء على الناس، ~~والترفع وإظهار الرياسة والتكبر، وذلك هو المراد من البغي؛ فإنه لا ~~معنى للبغي إلا التطاول على الناس والترفع عليهم. # قوله: " يعظكم " يجوز أن يكون مستأنفا في قوة التعليل للأمر بما ~~تقدم، أي: أن الوعظ سبب في أمره لكم بذلك، وجوز أبو البقاء أن يكون ~~حالا من الضمير في " ينهى ". # وفي تخصيصه الحال بهذا الفاعل فقط نظر؛ إذ يظهر جعله حالا من فاعل " ~~يأمر " أيضا، بل أولى؛ فإن الوعظ يكون بالأوامر والنواهي، فلا ~~خصوصية له بالنهي. # ثم قال تعالى: { لعلكم تذكرون } قال الكعبي: دلت الآية ~~على أنه - تعالى - لا يخلق الجور والفحشاء من وجوه: # الأول: أنه - تعالى - كيف ينهاهم عما يخترعه فيهم، وكيف ينهى ويريد ~~تحصيله فيهم؟ ولو كان الأمر ما قالوه، لكان كأنه - تعالى - قال: إنما ~~يأمركم بخلاف ما خلقه فيكم، وينهاكم عن أفعال خلقها فيكم، وذلك باطل في ~~بديهة العقل. # الثاني: أنه - تعالى - أمر بالعدل، والإحسان، وإيتاء ذي القربى، ونهى عن ~~الفحشاء والمنكر والبغي، فلو أنه - تعالى - أمر بتلك الثلاثة، ثم إنه - ~~تعالى - ما فعلها، لدخل تحت قوله - تعالى -: # أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم # [البقرة: 44]، وقوله - عز وجل -: # لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن ~~تقولوا ما لا تفعلون # [الصف: 2، 3]. # الثالث: أن قوله - تعالى -: { لعلكم تذكرون } ليس المراد ~~منه الترجي والتمني؛ فإن ms5480 ذلك محال على الله - تعالى -، فوجب أن يكون ~~معناه: أنه - تعالى - يعظكم لإرادة أن يذكروا طاعته، وذلك يدل على أنه ~~يريد الإيمان من الكل. # الرابع: أنه - تعالى - لو صرح وقال: إن الله يأمر بالعدل، والإحسان، ~~وإيتاء ذي القربى، ولكنه يمنع منه ويصد عنه، ولا يمكن العبد منه، ثم ~~قال - تعالى -: { وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ~~} ، ولكنه يوجد كل هذه الثلاثة في العبد شاء أم أبى، وأراده منه ومنعه ~~من تركه، ومن الاحتراز عنه؛ لحكم كل واحد عليه بالركاكة وفساد النظم ~~والتركيب، وذلك يدل على كونه - تعالى - منزها عن فعل القبائح. # والمعتمد في الجواب مسألة العلم والداعي. # فصل # اتفق المتكلمون من أهل السنة ومن المعتزلة على أن تذكر الأشياء ~~من فعل الله - تعالى - لا من فعل العبد؛ لأن التذكر عبارة عن طلب ~~المتذكر، فحال الطلب إما أن يكون لديه شعور أو لا يكون؛ فإن كان له ~~شعور به، فذلك الذكر حاصل، والحاصل لا يطلب تحصيله، وإن لم يكن له به ~~شعور، فكيف يطلبه بعينه؛ لأن توجيه الطلب إليه بعينه حال ما لا يكون ~~بعينه متصورا محال. # إذا ثبت هذا، فقوله: { لعلكم تذكرون } معناه: أن المقصود من ~~هذا الوعظ أن يقدموا على تحصيل ذلك التذكر، فإذا لم يكن التذكر فعلا ~~له، فكيف طلب منه تحصيله؟ وهذا هو الذي يحتج به أهل السنة على أن ~~قوله: { لعلكم تذكرون } لا يدل على أنه - تعالى - يريد ذلك ~~منه. # قوله - تعالى -: { وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم } ~~الآية لما جمع المأمورات والمنهيات في الآية الأولى على سبيل الإجمال، ~~ذكر في هذه الآية بعض تلك الأقسام، فبدأ بذكر الوفاء بالعهد. # قال الزمخشري: عهد الله: هي البيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~الإسلام؛ لقوله - تعالى -: # إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله # [الفتح: 10]، { ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها } ~~وقيل: كل عهد يلتزمه الإنسان باختياره. قال ابن عباس - رضي الله عنه ~~-: والوعد من العهد. # وقال ميمون بن مهران: من عاهدته، أوف بعهده مسلما كان أو كافرا، ~~فإنما وفاء العهد ms5481 لله - تعالى -. # وقال الأصم: المراد منه الجهاد، وما فرض الله في الأموال من حق، وقيل: ~~عهد الله هو اليمين بالله. # قال الشعبي: العهد يمين الله، وكفارته كفارة يمين، وإنما يجب الوفاء ~~باليمين إذا لم يكن الصلاح في خلافه؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام -: # " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت ~~الذي هو خير وليكفر عن يمينه ". # واعلم أن قوله - تعالى -: { وأوفوا بعهد الله إذا ~~عاهدتم } يجب أن يكون مختصا بالعهود التي يلتزمها الإنسان باختيار ~~نفسه، ويؤيده قوله - عز وجل - بعد ذلك: { وقد جعلتم الله ~~عليكم كفيلا } ، وأيضا: يجب ألا يحمل العهد على اليمين؛ لأنا ~~لو حملناه على اليمين، لكان قوله بعد ذلك: { ولا تنقضوا ~~الأيمان بعد توكيدها } تكرار؛ لأن الوفاء بالعهد والمنع من ~~النقض متقاربان؛ لأن الأمر بالفعل يستلزم النهي عن الترك؛ إلا إذا ~~قلنا: إن الوفاء بالعهد عام يدخل تحته اليمين، ثم إنه تعالى - خص ~~اليمين بالذكر؛ تنبيها على أنه أولى أنواع العهد على ما تقدم، ~~يلتزمه الإنسان باختياره، ويدخل فيه عهد الجهاد، وعهد الوفاء بالملتزمات ~~من المنذورات والمؤكدات بالحلف. # قوله: " بعد توكيدها " متعلق بفعل النهي، والتوكيد مصدر وكد ~~يوكد بالواو وفيه لغة أخرى: أكد يؤكد بالهمز، ومعناه: التقوية؛ ~~وهذا كقولهم: أرخت الكتاب وورخته، وليست الهمزة بدلا من واو ~~كما زعم أبو إسحاق؛ لأن الاستعمالين في المادتين متساويان، فليس ~~ادعاء كون أحدهما أصلا أولى من الآخر، وتبع مكي الزجاج - رحمهما الله ~~تعالى - في ذلك، ثم قال: " ولا يحسن أن يقال: الواو بدل من الهمزة، كما ~~لا يحسن أن يقال ذلك في " أحد " ، إذ أصله " وحد " فالهمزة بدل من ~~الواو " يعني: أنه لا قائل [بالعكس]. # وكذلك تبعه في ذلك الزمخشري أيضا، و " توكيدها " مصدر مضاف ~~لمفعوله، وأدغم أبو عمرو الدال في التاء، ولا ثاني له في القرآن، ~~أعني: أنه لم يدغم دال مفتوحة بعد ساكن إلا في هذا الحرف. # قوله تعالى: { وقد جعلتم الله } الجملة حال: إما من فاعل " ~~تنقضوا " ، وإما من فاعل المصدر وإن كان محذوفا. # فصل # المعنى: ms5482 ولا تنقضوا الأيمان بعد تشديدها فتحنثوا فيها، و { وقد ~~جعلتم الله عليكم كفيلا }: شهيدا عليكم بالوفاء. # { إن الله يعلم ما تفعلون } قالت الحنفية: يمين ~~اللغو هي يمين الغموس؛ لقوله - تعالى -: { ولا تنقضوا ~~الأيمان بعد توكيدها } فنهى عن نقض الأيمان فوجب أن يكون كل ~~يمين قابلا للبر والحنث، ويمين الغموس غير قابلة للبر والحنث، فوجب ألا ~~يكون من الأيمان. # وقال غيرهم: هي قول الإنسان في معرض حديثه: لا والله، وبلى والله؛ لأن ~~قوله - تعالى - { بعد توكيدها } إنما تقال للفرق بين الأيمان ~~المؤكدة بالعزم وبالعقد، وبين غيرها. # واعلم أن قوله - تعالى -: { ولا تنقضوا الأيمان بعد ~~توكيدها } عام دخله التخصيص؛ لما تقدم من قوله - عليه الصلاة ~~والسلام -: # " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها، فليأت الذي ~~هو خير وليكفر عن يمينه ". # ثم إنه - تعالى - ضرب مثلا لنقض العهد، فقال - جل ذكره-: { ولا ~~تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة } ، أي: من ~~بعد إبرامه وإحكامه. # قال الكلبي ومقاتل - رحمهما الله تعالى -: هي امرأة خرقاء حمقاء من ~~قريش، يقال لها: ريطة بنت عمرو بن سعد بن كعب بن زيد مناة بن تميم، وتلقب ~~ب " جعراء " ، وكانت بها وسوسة وكانت اتخذت مغزلا بقدر ذراع، وصنارة ~~مثل الأصبع، وفلكة عظيمة على قدرها، وكانت تغزل الغزل من الصوف أو الشعر ~~والوبر هي وجواريها، فكن يغزلن إلى نصف النهار، فإذا انتصف ~~النهار، أمرتهن بنقض جميع ما غزلن، فكان هذا دأبها. # والمعنى: أنها لم تكف عن العمل، ولا حين عملت كفت عن النقض، فكذلك ~~أنتم إذا نقضتم العهد لا كفيتم عن العهد، ولا حين [عهدتم] وفيتم به. # وقيل: المراد بالمثل: الوصف دو التعيين؛ لأن القصد بالأمثال صرف ~~المكلف عن الفعل إذا كان قبيحا، والدعاء إليه إذا كان حسنا، وذلك ~~يتم دون التعيين. # قوله تعالى: " أنكاثا " فيه وجهان: # أظهرهما: أنه حال من " غزلها " ، والأنكاث: جمع نكث بمعنى ~~منكوث، أي: منقوض. # والثاني: أنه مفعول ثان لتضمين " نقضت " معنى صيرت؛ كما تقول: ~~فرقته أجزاء. # وجوز الزجاج فيه وجها ثالثا، وهو النصب على ms5483 المصدرية؛ لأن معنى ~~نكثت: نقضت، ومعنى نقضت: نكثت؛ فهو ملاق لعامله في المعنى. # قيل: وهذا غلط منه؛ لأن الأنكاث جمع نكث، وهو اسم لا مصدر، فكيف يكون ~~قوله: " أنكاثا " بمعنى المصدر؟. # والأنكاث: الأنقاض، واحدها نكث؛ وهو ما نقض بعد الفتل غزلا كان أو ~~حبلا. # فصل # قال ابن قتيبة: هذه الآية متصلة بما قبلها، والتقدير: وأوفوا بعهد ~~الله إذا عاهدتم، ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها، فإنكم إن فعلتم ذلك، ~~كنتم مثل امرأة غزلت غزلا وأحكمته، فلما استحكم، نقضته فجعلته أنكاثا. # قوله تعالى: { تتخذون } يجوز أن يكون الجملة حالا من واو " ~~تكونوا " ، أو من الضمير المستتر في الجار؛ إذ المعنى: تكونوا مشبهين ~~كذا حال كونكم متخذين، وهذا استفهام على سبيل الإنكار. # قوله: " دخلا بينكم " هو المفعول الثاني ل " تتخذون " ، ~~والدخل: الفساد والدغل. # وقيل: " دخلا " مفعول من أجله، وقيل: الدخل: الداخل في الشيء ليس ~~منه. # قال الواحدي - رحمه الله تعالى -: " الدخل والدغل: الغش ~~والخيانة ". # وقيل: الدخل: ما أدخل في الشيء على فساد، وقيل: الدخل والدغل: أن ~~يظهر الوفاء به ويبطن الغدر والنقض. # وقوله تعالى: " أن تكون " أي: بسبب أن تكون، أو مخافة أن تكون، و " ~~تكون " يجوز أن تكون تامة؛ فتكون " أمة " فاعلها، وأن تكون ناقصة، ~~فتكون " أمة " اسمها وهي مبتدأ، و " أربى " خبره، والجملة في محل ~~نصب على الحال على الوجه الأول، وفي موضع الجر على الوجه الثاني، وجوز ~~الكوفيون أن تكون " أمة " اسمها، و " هي " عماد، أي: ضمير فصل، و " ~~أربى " خبر " تكون " ، والبصريون لا يجيزون ذلك؛ لأجل تنكير الاسم، ~~فلو كان الاسم معرفة، لجاز ذلك عندهم. # فصل # قال مجاهد - رحمه الله -: كانوا يحالفون الحلفاء، فإذا وجدوا قوما أكثر ~~منهم وأعز، نقضوا حلف هؤلاء، وحالفوا الأكثر، فالمعنى: طلبتم العز بنقص ~~العهد؛ بأن كانت أمة أكثر من أمة، فنهاهم الله - تعالى - عن ذلك. # ومعنى " أربى من أمة "؛ أي: أزيد في العدد، والقوة، والشرف. # ثم قال - جل ذكره -: { إنما يبلوكم الله به } ، أي ~~يختبركم الله بأمره إياكم بالوفاء بالعهد. # والضمير في " به " يجوز ms5484 أن يعود على المصدر المنسبك من " أن تكون " ~~، تقديره: إنما يبلوكم الله بكون أمة، أي: يختبركم بذلك. # وقيل: يعود على الربا المدلول عليه بقوله: " هي أربى ". # وقيل: على الكثرة؛ لأنها في معنى الكثير. # قال ابن الأنباري رحمه الله تعالى: لما كان تأنيثها غير حقيقي، حملت على ~~معنى التذكير؛ كما حملت الصيحة على الصياح ولم يتقدم للكثرة للفظ، ~~وإنما هي مدلول عليها بالمعنى من قوله تعالى: { هي أربى من ~~أمة }. # ثم قال: { وليبينن لكم يوم القيمة ما كنتم ~~فيه تختلفون } في الدنيا، فيميز المحق من المبطل. # قوله - تعالى-: { ولو شآء الله لجعلكم أمة واحدة ~~} الآية لما أمر القوم بالوفاء بالعهد وتحريم نقضه، أتبعه ببيان أنه - ~~تعالى - قادر على أن يجمعهم على هذا الوفاء، وعلى سائر أبواب الإيمان، ~~ولكنه - سبحانه وتعالى جل ذكره - بحكم الألوهية يضل من يشاء ويهدي من ~~يشاء. # والمعتزلة حملوا ذلك على الإلجاء، أي: لو أراد أن يلجئهم إلى الإيمان أو ~~إلى الكفر، لقدر عليه، إلا أن ذلك يبطل التكليف، فلا جرم ما ألجأهم ~~إليه، وفوض الأمر إلى اختيارهم، وقد تقدم البحث في ذلك. # وروى الواحدي رحمه الله: أن عزيرا قال: رب، خلقت الخلق فتضل من ~~تشاء وتهدي من تشاء، فقال: يا عزير، أعرض عن هذا، فأعاده ثانيا، فقال: ~~يا عزير أعرض عن هذا، فأعاده ثالثا، فقال: أعرض عن هذا وإلا محوت اسمك ~~من [ديوان] النبوة. # قالت المعتزلة: ومما يدل على أن المراد من هذه المشيئة مشيئته الإلجاء ~~أنه - تعالى - قال بعده: { ولتسألن عما كنتم تعملون } ~~فلو كانت أعمال العباد بخلق الله - تعالى -، لكان سؤالهم عنها عبثا، ~~وتقدم جوابه. # قوله تعالى-: { ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم } ~~الآية لما حذر في الآية الأولى عن نقض العهود والأيمان مطلقا، قال ~~في هذه الآية: { ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم } ~~وليس المراد منه التحذير عن نقض مطلق الأيمان، وإلا لزم التكرار ~~الخالي عن الفائدة في موضع واحد، بل المراد نهي أولئك الأقوام المخاطبين ~~بهذا الخطاب عن بعض أيمان مخصوصة أو أقدموا عليها. # فلهذا ms5485 قال المفسرون: المراد: نهي الذين بايعوا الرسول - صلوات الله ~~وسلامه عليه - عن نقض عهده؛ لأن قوله: { فتزل قدم بعد ~~ثبوتها } لا يليق بنقض عهد قبله، وإنما يليق بنقض عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على الإيمان به وبشرائعه. # وقوله - تعالى-: { فتزل قدم بعد ثبوتها } منصوب بإضمار " ~~أن " على جواب النهي. # وهذا مثل يذكر لكل من وقع في بلاء بعد عافية، أو سقط في ورطة بعد ~~سلامة، أو محنة بعد نعمة. # قوله: { بما صددتم عن سبيل الله } " ما " مصدرية، و " ~~صددتم " يجوز أن يكون من الصدود، وأن يكون من الصد، ومفعوله ~~محذوف، ونكرت " قدم "؛ قال الزمخشري " فإن قلت: لم وحدث القدم ~~ونكرت؟. # قلت: لاستعظام أن تزل قدم واحدة عن طريق الحق بعد أن ثبتت عليه، ~~فكيف بأقدام كثيرة؟ ". # قال أبو حيان: الجمع تارة يلحظ فيه المجموع من حيث هو مجموع، وتارة ~~يلحظ فيه اعتبار كل فرد فرد، فإذا لوحظ فيه المجموع، كان الإسناد معتبرا ~~فيه الجمعية، وإذا لوحظ فيه كل فرد فرد، فإن الإسناد مطابق للفظ ~~الجمع كثيرا، فيجمع ما أسند إليه، ومطابق لكل فرد فرد فيفرد؛ كقوله: # وأعتدت لهن متكئا وءاتت # [يوسف: 31] لما كان لوحظ في قوله: " لهن " معنى لكل واحدة، ولو جاء ~~مرادا به الجمعية أو على الكثير في الوجه الثاني، لجمع المتكأ؛ وعلى ~~هذا يحمل قول الشاعر: [الطويل] # 3359- فإني رأيت الضامرين متاعهم # يموت ويفنى فارضخي من وعائيا # أي: رأيت كل ضامر، ولذلك أفرد الضمير في " يموت ويفنى " ، ~~ولما كان المعنى: لا يتخذ كل واحد منكم جاء " فتزل قدم " مراعاة ~~لهذا المعنى. # ثم قال: " وتذوقوا السوء " مراعاة للمجموع أو للفظ الجمع على الوجه ~~الكثير، إذا قلنا: إن الإسناد لكل فرد فرد، فتكون الآية قد تعرضت ~~للنهي عن اتخاذ الأيمان دخلا باعتبار المجموع، وباعتبار كل فرد فرد، ~~ودل على ذلك بإفراد " قدم " وبجمع الضمير في " وتذوقوا ". # قال شهاب الدين - رضي الله عنه -: وبهذا التقدير الذي ذكره أبو حيان ~~يفوت المعنى الجزل الذي اقتنصه الزمخشري من تنكير " قدم " وإفرادها، ~~وأما ms5486 البيت المذكور، فإن النحويين خرجوه على أن المعنى: يموت من ثم ~~ومن ذكر، وأفرد الضمير لذلك لا لما ذكر. # فصل # المعنى: وتذوقوا العذاب بصدكم عن سبيل الله، وقيل: معناه: سهلتم نقض ~~العهد على الناس بنقضكم العهد، { ولكم عذاب عظيم } ، أي: ذلك ~~السوء الذي تذوقونه " عذاب عظيم ". # ثم أكد هذا التحذير فقال - جل ذكره -: { ولا تشتروا بعهد ~~الله ثمنا قليلا } أي: لا تنقضوا عهودكم تطلبون بنقضها عرضا ~~قليلا من الدنيا، ولكن أوفوا بها فإن ما عند الله من الثواب لكم على ~~الوفاء { هو خير لكم إن كنتم تعلمون } فضل ما بين ~~العوضين. # ثم ذكر الدليل القاطع على أن ما عند الله خير فقال: { ما عندكم ~~ينفد وما عند الله باق } ، أي الدنيا وما فيها تفنى، { وما ~~عند الله باق } فقوله: { ما عندكم ينفد } مبتدأ وخبر، ~~والنفاد: الفناء والذهاب، يقال: " نفد " بكسر العين " ينفد " ~~بفتحها نفادا ونفودا، وأما نقذ بالذال المعجمة ففعله نفذ الفتح ~~ينفذ بالضم، وسيأتي. # ويقال: أنفد القوم إذا فني زادهم، وخصم منافد لينفد حجة صاحبه، ~~يقال: نافدته فنفدته. # وقوله: " باق " تقدم الكلام عليه في الوقف في سورة الرعد، وهذه ~~الآية حجة عليه. قوله تعالى: { ولنجزين الذين صبروا } ~~قرأ ابن كثير، وعاصم وابن ذكوان: " ولنجزين " بنون العظمة التفاتا ~~من الغيبة إلى التكلم، وتقدم تقرير الالتفات. # والباقون بياء الغيبة رجوعا إلى الله - تعالى -؛ لتقدم ذكره العزيز في ~~قوله: { ما عندكم ينفد وما عند الله باق }. # قوله: { بأحسن ما كانوا } يجوز أن يكون [ " أفعل " ] على بابها ~~من التفضيل، وإذا جازاهم بالأحسن، فلأن يجازيهم بالحسن أولى. # وقيل: ليست للتفضيل، وكأنهم فروا من مفهوم أفعل؛ إذ لا يلزم من ~~المجازاة بالأحسن المجازاة بالحسن، وهو وهم، لما تقدم من أنه من ~~مفهوم الموافقة بطريق الأولى، والمعنى: ولنجزين الذين صبروا على الوفاء ~~في السراء والضراء { بأحسن ما كانوا يعملون }. # ثم إنه رغب المؤمنين في الإتيان بكل ما كان من شرائع الإسلام؛ فقال ~~تعالى: { من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو ~~مؤمن } وفيه سؤال: وهو أن ms5487 لفظة " من " في قوله: " من عمل " ~~تفيد العموم، فما الفائدة في ذكر الذكر والأنثى؟. # والجواب: أن هذه الآية للوعد بالخيرات، والمبالغة في تقرير الوعد من ~~أعظم دلائل الكرم والرحمة، فأتى بذكر الذكر والأنثى للتأكيد، وإزالة ~~الوهم بالتخصيص. # قوله: " من ذكر " " من " للبيان، فتتعلق بمحذوف، أعني: من ذكر، ~~ويجوز أن يكون حالا من فاعل " عمل " ، وقوله: " وهو مؤمن " جملة ~~حالية أيضا. # وهذه الآية تدل على أن الإيمان مغاير للعمل الصالح؛ لأنه - تعالى - ~~جعل الإيمان شرطا في كون العمل الصالح موجبا للثواب، وشرط الشيء ~~مغاير لذلك الشيء. # فإن قيل: ظاهر الآية يقتضي أن الإتيان بالعمل الصالح إنما يفيد ~~الأثر بشرط الإيمان، وظاهر قوله تعالى: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره # [الزلزلة: 7] يدل على أن العمل الصالح يفيد الأثر سواء كان مع الإيمان ~~أو عدمه. # فالجواب: أن إفادة العمل الصالح للحياة الطيبة مشروط بالإيمان، أما ~~إفادته لأثر غير هذه الحياة الطيبة وهو تخفيف العذاب؛ فإنه لا يتوقف ~~على الإيمان. # فصل # قال سعيد بن جبير - رحمه الله - وعطاء: " الحياة الطيبة: هي ~~الرزق الحلال " وقال الحسن: هي القناعة، وقال مجاهد وقتادة: هي الجنة. # قال القاضي: الأقرب أنها تحصل في الدنيا؛ لقوله تعالى: { ~~ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } ~~والمراد: ما [لا] يكون في الآخرة. # قوله: " ولنجزينهم " راعى معنى " من " ، فجمع الضمير بعد أن ~~راعى لفظها، فأفرد في " لنحيينه " وما قبله، وقرأ العامة: " ولنجزينه " ~~بنون العظمة؛ مراعاة لما قبله، وقرأ ابن عامر في رواية بياء الغيبة، وهذا ~~ينبغي أن يكون على إضمار قسم ثان، فيكون من عطف جملة قسمية على جملة ~~قسمية مثلها، حذفتا وبقي جوابهما، ولا جائز أن يكون من عطف جواب على ~~جواب؛ لإفضائه إلى [إخبار] المتكلم عن نفسه إخبار الغائب، ولا يجوز؛ لو ~~قلت: " زيد قال: والله لأضربن هندا ولينفينها زيد " لم يجز، ~~فإن أضمرت قسما آخر، جاز، أي: وقال: والله لينفينها فإن لك في مثل هذا ~~التركيب أن تحكي لفظه، ومنه # وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى # [التوبة: 107] وأن يحكي معناه، ومنه # يحلفون ms5488 بالله ما قالوا # [التوبة: 74] ولو جاء على اللفظ، لقيل ما قلنا. ### || [16.98-111] # قوله - تعالى - { فإذا قرأت القرآن } الآية لما قال - تعالى ~~-: # ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون # [النحل: 97]، أرشد إلى العمل الذي به يخلص أعماله من الوساوس، فقال - ~~جل ذكره -: { فإذا قرأت القرآن } أي: فإذا أردت، فأضمر ~~الإرادة. # قال الزمخشري: " لأن الفعل يوجد عند القصد والإرادة من غير فاصل، وعلى ~~حسبه، فكان منه بسبب قوي وملابسة ظاهرة ". # وقال ابن عطية: " " فإذا " وصلة بين الكلامين، والعرب تستعملها في ~~هذا، وتقدير الآية: فإذا أخذت في قراءة القرآن، فاستعذ ". # وهذا مذهب الجمهور من القراء والعلماء، وقد أخذ بظاهر الآية - فاستعاذ ~~بعد أن قرأ - من الصحابة - أبو هريرة - رضي الله عنه -، ومن الأئمة: مالك ~~وابن سيرين وداود، ومن القراء حمزة - رضي الله عنهم؛ قالوا: لأن ~~الفاء في قوله: { فاستعذ بالله } للتعقيب، والفائدة فيه: أنه ~~إذا قرأ القرآن يستحق به ثوابا عظيما، فإذا لم يأت بالاستعاذة، وقعت ~~الوسوسة في قلبه، وذلك الوسواس يحبط ثواب القراءة، فإذا استعاذ بعد ~~القراءة، اندفعت تلك الوساوس، وبقي الثواب مصونا عن الانحطاط. # وذهب الأكثرون: إلى أن الاستعاذة مقدمة على القراءة، والمعنى: إذا ~~أردت أن تقرأ القرآن، فاستعذ؛ كقوله: إذا أكلت، فقل: بسم الله، وإذا ~~سافرت، فتأهب، وقوله - تعالى - # إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم # [المائدة: 6]، وأيضا: قد ثبت أن الشيطان ألقى الوسوسة في أثناء قراءة ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ بدليل قوله - عز وجل -: # ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا ~~إذا تمنى ألقى الشيطن في أمنيته # [الحج: 52]، ومن الظاهر أنه - تعالى - إنما أمر الرسول - صلوات الله ~~وسلامه عليه - بالاستعاذة عند القراءة؛ لدفع تلك الوساوس، وهذا المقصود ~~إنما يحصل عند تقديم الاستعاذة. # وذهب عطاء إلى أن الاستعاذة واجبة عند قراءة القرآن، كانت في ~~الصلاة أو غيرها. # ولا خلاف بين العلماء في أن التعوذ قبل القراءة في الصلاة أوكد. # واعلم أن هذا الخطاب للرسول - صلوات الله وسلامه عليه-، والمراد منه ~~الكل؛ لأن الرسول - عليه الصلاة والسلام - إذا كان محتاجا ms5489 ~~للاستعاذة عند القراءة، فغيره أولى، والمراد بالشيطان في هذه الآية: ~~قيل: إبليس، وقيل: الجنس؛ لأن جميع المردة لهم حظ في الوسوسة. # ولما أمر رسوله - صلوات الله وسلامه عليه - بالاستعاذة من الشيطان، وكان ~~ذلك يوهم أن للشيطان قدرة على التصرف في أبدان الناس، فأزال الله ~~تعالى هذا الوهم وبين أنه لا قدرة له ألبتة على الوسوسة؛ فقال - ~~تعالى -: { إنه ليس له سلطان على الذين ءامنوا ~~وعلى ربهم يتوكلون } ويظهر من هذا أن الاستعاذة إنما ~~تفيد إذا حضر في قلب الإنسان كونه ضعيفا، وأنه لا يمكنه التحفظ عن ~~وسوسة الشيطان إلا بعصمة الله -تعالى -، ولهذا المعنى قال المحققون: لا ~~حول عن معصية الله إلا بعصمة الله تعالى، ولا قوة على طاعة الله إلا ~~بتوفيق الله، والتفويض الحاصل على هذا الوجه هو المراد من قوله: { ~~وعلى ربهم يتوكلون } ، والاستعاذة بالله هي الاعتصام به. # ثم قال: { إنما سلطانه على الذين يتولونه } قال ~~ابن عباس - رضي الله عنهما -: يطيعونه، يقال: توليته، أي: أطعته، ~~وتوليت عنه، أي: أعرضت عنه. # قوله: { والذين هم به مشركون } الضمير في " به " الظاهر ~~عوده على الشيطان، لتتحد الضمائر، و المعنى: والذين هم به مشركون بسببه؛ ~~كما تقول للرجل إذا تكلم بكلمة مؤدية إلى الكفر: كفرت بهذه الكلمة، ~~أي: من أجلها؛ فكذلك قوله: { والذين هم به مشركون } ~~والمعنى: من أجل حمله إياهم على الشرك صاروا مشركين. # وقيل: والذين هم بإشراكهم إبليس مشركون بالله، ويجوز أن يعود على " ~~ربهم ". # قوله: { وإذا بدلنآ ءاية مكان ءاية } اعلم أنه - ~~سبحانه جل ذكره - شرع في حكاية شبهات منكري نبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم. # قال ابن عباس - رضي الله عنه -: كان المشركون إذا نزلت آية فيها شدة، ~~ثم نزلت آية ألين منها يقولون: إن محمدا يسخر بأصحابه؛ يأمرهم اليوم ~~بأمر وينهاهم عنه غدا، ما هو إلا مفتر يتقوله من تلقاء نفسه، فأنزل ~~الله - تعالى -: { وإذا بدلنآ ءاية مكان ءاية } ~~والتبديل: رفع الشيء مع وضع غيره مكانه، وهو هنا النسخ. # قوله: { والله أعلم بما ينزل } في هذه ms5490 الجملة وجهان: # أظهرهما: أنها اعتراض بين الشرط وجوابه. # والثاني: أنها حالية؛ فعلى الأول يكون المعنى: والله أعلم بما ~~ينزل من الناسخ والمنسوخ، والتغليظ والتخفيف، أي: هو أعلم بجميع ذلك في ~~مصالح العباد، وهذا توبيخ للكفار على قولهم: " إنما أنت مفتر " ~~، أي: إذا كان هو أعلم بما ينزل، فما بالهم ينسبون محمدا إلى ~~الافتراء؛ لأجل التبديل والنسخ، وقوله: { بل أكثرهم لا ~~يعلمون } أي: لا يعلمون حقيقة القرآن، وفائدة النسخ والتبديل، وأن ~~ذلك لمصالح العباد، وقولهم: " إنما أنت مفتر " نسبوا إليه صلى الله ~~عليه وسلم الافتراء بأنواع من المبالغات وهي الحصر والخطاب، واسم الفاعل ~~الدال على الثبوت والاستقرار، ومفعول " لا يعلمون " محذوف للعلم به، ~~أي: لا يعلمون أن في نسخ الشرائع وبعض القرآن حكما بالغة. # قوله: { قل نزله روح القدس } تقدم تفسيره في البقرة. # قال الزمخشري رحمه الله: " روح القدس: جبريل - صلوات الله وسلامه عليه ~~- أضيف إلى القدس وهو الطهر؛ كما تقول: حاتم الجود، وزيد الخير، ~~والمراد: الروح المقدس، وحاتم الجواد، وزيد الخير ". # و " من " في قوله: " من ربك " صلة للقرآن، أي أن جبريل نزل ~~القرآن من ربك؛ ليثبت الذين آمنوا، أي: ليبلوهم بالنسخ، حتى إذا ~~قالوا فيه: هو الحق من ربنا، حكم لهم بثبات القدم في الدين، وصحة ~~اليقين بأن الله حكيم فلا يفعل إلا ما هو حكمة وصواب. # قوله تعالى: { وهدى وبشرى } يجوز أن يكون عطفا على محل " ~~ليثبت " فينصبان، أو على لفظه باعتبار المصدر المؤول؛ فيجران، ~~والتقدير: تثبيتا لهم، وإرشادا وبشارة، وقد تقدم كلام الزمخشري في ~~نظيرهما وما رد به أبو حيان عليه وجوابه. # وجوز أبو البقاء ارتفاعهما خبر مبتدإ محذوف، أي: وهو هدى، والجملة حال ~~وقرىء: " ليثبت " مخففا من " أثبت ". # فصل # قد تقدم أن أبا مسلم الأصفهاني ينكر النسخ في هذه الشريعة، فقال: ~~المراد ههنا: وإذا بدلنا آية مكان آية، أي: في الكتب المتقدمة؛ مثل آية ~~تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، قال المشركون: أنت مفتر في هذا ~~التبديل، وأكثر المفسرين على خلافه، وقالوا: إن النسخ واقع ms5491 في هذه ~~الشريعة. # فصل # قال الشافعي - رضي الله عنه -: القرآن لا ينسخ بالسنة؛ لقوله - تعالى -: ~~{ وإذا بدلنآ ءاية مكان ءاية } وهذا يقتضي أن الآية لا ~~تنسخ إلا بآية أخرى، وهذا ضعيف؛ لأن هذه الآية تدل على أنه - تعالى - ~~يبدل آية بآية أخرى، ولا دلالة فيها على أنه - تعالى - لا يبدل آية ~~إلا بآية، وأيضا: فجبريل - عليه السلام - قد ينزل بالسنة كما ينزل ~~بالآية. # قوله - تعالى -: { ولقد نعلم أنهم يقولون إنما ~~يعلمه بشر } الآية هذه حكاية شبهة أخرى من شبهات منكري نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم؛ وذلك لأنهم كانوا يقولون: إن محمدا - صلوات ~~الله وسلامه عليه - إنما يذكر هذه القصص، وهذه الكلمات إنما يستفيدها ~~من إنسان آخر ويتعلمها منه. # واختلفوا في ذلك البشر: فقال ابن عباس - رضي الله عنه -: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يعلم فتى بمكة اسمه " بلعام " ، وكان نصرانيا ~~أعجمي اللسان يقال له: أبو ميسرة، وكان يتكلم بالرومية، فكان المشركون ~~يرون رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل عليه ويخرج، فكانوا يقولون: إنما ~~يعلمه " بلعام ". # وقال عكرمة: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرىء غلاما لبني ~~المغيرة، يقال له: " يعيش " ، وكان يقرأ الكتب، فقالت قريش: إنما يعلمه ~~" يعيش ". # وقال الفراء: كان اسمه " عائش " مملوك لحويطب بن عبد العزى، وكان قد ~~أسلم وحسن إسلامه، وكان أعجميا، وقيل: اسمه " عداس " غلام " عتبة بن ~~ربيعة ". # وقال ابن إسحاق: كان رسول الله - صلوات الله وسلامه عليه - كثيرا ما ~~يجلس عند المروة إلى غلام رومي نصراني عبد لبني الحضرمي، يقال له: " ~~جبر " ، وكان يقرأ الكتب، وقال عبد الله بن مسلم الحضرمي: كان لنا ~~عبدان من أهل عين التمر، يقال لهما: يسار ويكنى: أبا فكيهة، وجبر، ~~وكانا يصنعان السيوف بمكة، وكانا يقرآن التوراة والإنجيل، فربما مر ~~بهما النبي صلى الله عليه وسلم وهما يقرآن، فيقف ويسمع. # قال الضحاك: وكان - صلوات الله وسلامه عليه - إذا آذاه الكفار يقعد ~~إليهما، فيستروح بكلامهما، فقال المشركون: إنما يتعلم محمد منهما فنزلت ~~الآية. # وقيل: سلمان الفارسي ms5492 رضي الله عنه، فكذبهم الله - تعالى - بقوله: { ~~لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان ~~عربي مبين }. # قوله تعالى: { لسان الذي } العامة على إضافة " لسان " إلى ما ~~بعده، و المراد باللسان هنا: القرآن، والعرب تقول للغة: لسان. # وقرأ الحسن - رضي الله عنه -: اللسان معرفا ب " أل " ، و " الذي ~~" نعت له وفي هذه الجملة وجهان: # أحدهما: لا محل لها؛ لاستئنافها، قاله الزمخشري. # والثاني: أنها حال من فاعل " يقولون " ، أي: يقولون ذلك والحال ~~هذه؛ أي: علمهم بأعجمية هذا البشر، وإبانة عربية هذا القرآن كان ~~ينبغي أن يمنعهم من تلك المقالة؛ كقولك: تشتم فلانا وهو قد أحسن ~~إليك، أي: وعلمك بإحسانه إليك كان يمنعك من شتمه، قاله أبو حيان رحمه ~~الله. # ثم قال: " وإنما ذهب الزمخشري إلى الاستئناف لا إلى الحال؛ لأن من ~~مذهبه أن مجيء الحال جملة اسمية من غير واو شاذ، وهو مذهب مرجوح ~~تبع فيه الفراء ". # و " أعجمي " خبر على كلتا القراءتين، والإلحاد في اللغة: الميل، ~~يقال: لحد وألحد؛ إذا مال عن القصد، ومنه يقال للعادل عن الحق: ~~ملحد. # وقرأ حمزة والكسائي: " يلحدون " بفتح الياء والحاء، والباقون بضم ~~الياء وكسر الحاء. # قال الواحدي - رحمه الله -: والأولى ضم الياء؛ لأنه لغة القرآن، ويدل ~~عليه قوله - تعالى -: # ومن يرد فيه بإلحاد # [الحج: 25] وتقدم خلاف القراء في المفتوح في الأعراف. # والإلحاد قد يكون بمعنى الإمالة؛ ومنه يقال: الحدت له لحدا؛ إذا ~~حفرت له في جانب القبر مائلا عن الاستواء، وقبر ملحد وملحود، ومنه ~~الملحد؛ لأنه أمال مذهبه عن الأديان كلها، لم يمله عن دين إلى ~~دين، وفسر الإلحاد في هذه الآية بالقولين. # قال الفراء: يميلون من الميل. وقال الزجاج: يميلون من ~~الإمالة، أي: لسان الذي يميلون القول إليه أعجمي. # والأعجمي: قال أبو الفتح الموصلي: " تركيب " " ع ج م " وضع في كلام ~~العرب للإبهام والإخفاء، وضده البيان والإيضاح؛ ومنه قولهم: رجل ~~أعجم وامرأة عجماء؛ إذا كانا لا يفصحان، والأعجمي: من لم يتكلم ~~بالعربية. وقال الراغب: العجم خلاف العرب، والعجم منسوب إليهم، والأعجم: ~~من في لسانه ms5493 عجمه عربيا كان أو غير عربي؛ اعتبارا بقلة فهمه من ~~العجمة. # والأعجمي منسوب إليه، ومنه قيل للبهيمة: عجماء؛ لأنها لا تفصح عما في ~~نفسها، وصلوات النهار عجماء، أي: لا يجهر فيها، والعجم: النوى ~~لاختفائه. # قال بعضهم: معناه أن الحروف المجردة لا تدل على ما تدل عليه ~~الموصولة وأعجمت الكتاب ضد أعربته، وأعجمته: أزلت عجمته؛ ~~كأشكيته: أزلت شكايته. # قال الفراء وأحمد بن يحيى: الأعجم: هو الذي في لسانه عجمة، وإن كان من ~~العرب، والأعجمي والعجمي: الذي أصله من العجم قال أبو علي الفارسي: الذي ~~لا يفصح سواء كان من العرب أو من العجم؛ ألا ترى أنهم قالوا: زياد ~~الأعجم؛ لأنه كانت في لسانه عجمة مع أنه كان عربيا؟ وسيأتي لهذا مزيد ~~بيان إن شاء الله تعالى في " الشعراء " ، و " حم السجدة ". # وقال بعضهم: العجمي منسوب إلى العجم وإن كان فصيحا، والعربي منسوب إلى ~~العرب وإن لم يكن فصيحا. # فصل # المعنى: إن لسان الذي ينسبون التعلم منه أعجمي، وهذا القرآن عربي ~~فصيح، فتقرير هذا الجواب كأنه قال: هب أنه يتعلم المعاني من ذلك ~~الأعجمي، إلا أن القرآن إنما كان معجزا لما في ألفاظه من الفصاحة، ~~فبتقدير أن تكونوا صادقين في أن محمدا - عليه الصلاة والسلام - يتعلم ~~تلك المعاني من ذلك الرجل، إلا أن ذلك لا يقدح في المقصود؛ لأن القرآن ~~إنما كان معجزا لفصاحته اللفظية. # ولما ذكر - تعالى - هذا الجواب، أردفه بالتهديد؛ فقال - عز وجل -: { ~~إن الذين لا يؤمنون بآيت الله لا يهديهم ~~الله } قال القاضي: لا يهديهم إلى طريق الجنة لقوله بعده: { ~~ولهم عذاب أليم } أي: أنهم لما تركوا الإيمان بالله، لا يهديهم ~~الله إلى الجنة، بل يسوقهم إلى النار، ثم إنه - تعالى - بين كونهم ~~كاذبين في ذلك القول، فقال - تعالى -: { إنما يفتري الكذب ~~الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم ~~الكاذبون } والمقصود منه أنه - تعالى - بين في الآية السابقة أن ~~الذي قالوه بتقدير أن يصح لم يقدح في المقصود، ثم بين في هذه الآية أن ~~الذي قالوه لم يصح، وهم ms5494 كذبوا فيه، والدليل على كذبهم وجوه: # أحدها: أنهم لا يؤمنون بآيات الله تعالى وهم كافرون، وإذا كان الأمر ~~كذلك، كانوا أعداء للرسول - صلوات الله وسلامه عليه - وكلام العدو ضرب من ~~الهذيان ولا شهادة لمتهم. # وثانيها: أن التعلم لا يتأتى في جلسه واحدة ولا يتم بالخفية، بل ~~التعلم إنما يتم إذا اختلف المتعلم إلى المعلم أزمنة متطاولة، ~~وإذا كان كذلك، اشتهر فيما بين [الخلق] أن محمدا - صلوات الله وسلامه ~~عليه - يتعلم العلوم من فلان ومن فلان. # وثالثها: أن العلوم الموجودة في القرآن كثيرة، وتعلمها لا يتأتى إلا ~~إذا كان المعلم في غاية الفضل والتحقيق، فلو حصل فيهم إنسان بلغ في العلم ~~والتحقيق إلى هذا الحد، لكان مشارا إليه بالأصابع في التحقيق والتدقيق ~~في الدنيا، فكيف يمكن تحصيل هذه العلوم العالية الشريفة والمباحث النفيسة ~~من عند فلان وفلان؟ # وإذا كان الأمر كذلك، فالطعن في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بأمثال ~~هذه الكلمات الركيكة يدل على أن الحجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كانت ظاهرة باهرة، وهذه الآية تدل على أن الكذب من أكبر الكبائر وأفحش ~~الفواحش؛ لأن كلمة " إنما " للحصر، والمعنى: أن الكذب والفرية لا يقدم ~~عليهما إلا من كان غير مؤمن بآيات الله - تعالى -. # فإن قيل: قوله { لا يؤمنون بآيات الله } فعل، وقوله تعالى: ~~{ وأولئك هم الكاذبون } اسم وعطف الجملة الاسمية على ~~الجملة الفعلية قبيح فما السبب في حصولها ههنا؟. # فالجواب: الفعل قد يكون لازما وقد يكون مفارقا، ويدل عليه قوله - ~~تعالى -: # ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه # [يوسف: 35] ذكره بلفظ الفعل تنبيها على أن ذلك الحبس لا يدوم. # وقال فرعون لموسى: # لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من ~~المسجونين # [الشعراء: 29] ذكره بصيغة الاسم تنبيها على الدوام، وقالوا في قوله - ~~تعالى -: # وعصى ءادم ربه فغوى # [طه: 121] لا يجوز أن يقال: إن آدم - صلوات الله وسلامه عليه - عاص ~~وغاو؛ لأن صيغة الفعل لا تفيد الدوام، وصيغة الاسم تفيده. # إذا عرفت هذه المقدمات، فقوله - تعالى -: { إنما يفتري ~~الكذب الذين ms5495 لا يؤمنون بآيات الله } تنبيه على أن ~~من أقدم على الكذب فإنه دخل في الكفر. # ثم قال - جل ذكره - { وأولئك هم الكاذبون }؛ تنبيها على ~~أن صفة [الكذب] فيهم ثابتة [راسخة] دائمة؛ كما تقول: كذبت، وأنت كاذب، ~~فيكون قولك: " وأنت كاذب " زيادة في الوصف بالكذب، ومعناه: إن عادتك أن ~~تكون كاذبا. # واعلم أن الآية تدل على ان الكاذب المفتري هو الذي لا يؤمن بآيات ~~الله، والأمر كذلك؛ لأنه لا معنى للكفر إلا إنكار الإلهية ونبوة ~~الأنبياء، ولا معنى لهذا الإنكار. # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: هل يكذب المؤمن؟ قال: ~~" لا " ثم قرأ هذه الآية. # قوله تعالى: { من كفر بالله } يجوز فيه أوجه: # أحدهما: أن يكون بدلا من " الذين لا يؤمنون " ، أي: إنما ~~يفتري الكذب من كفر، واستثنى منهم المكره، فلم يدخل تحت الافتراء. # الثاني: أنه بدل من " الكاذبون ". # الثالث: أنه بدل من " أولئك " ، قاله الزمخشري. # فعلى الأول يكون قوله: { وأولئك هم الكاذبون } جملة ~~معترضة بين البدل والمبدل منه. # واستضعف ابو حيان الأوجه الثلاثة؛ فقال: " لأن الأول يقتضي أنه لا ~~يفتري الكذب إلا من كفر بالله من بعد إيمانه، والوجود يقتضي أن المفتري ~~هو الذي لا يؤمن بالله سواء كان ممن كفر بعد إيمانه أو كان ممن لم يؤمن ~~قط؛ بل الأكثر الثاني، وهو المفتري. # قال: وأما الثاني: فيؤول المعنى إلى ذلك؛ إذ التقدير: وأولئك، أي: الذين ~~لا يؤمنون هم من كفر بالله من بعد إيمانه، والذين لا يؤمنون هم المفترون. # وأما الثالث: فكذلك؛ إذ التقدير: أن المشار إليهم هم من كفر بالله من ~~بعد إيمانه، مخبرا عنهم بأنهم الكاذبون ". # الوجه الرابع: قال الزمخشري: " أن ينتصب على الذم ". # قال ابن الخطيب: وهو أحسن الوجوه عندي وأبعدها من التعسف. # الخامس: أن يرتفع على أنه خبر مبتدأ مضمر على الذم. # السادس: أن يرتفع على الابتداء، والخبر محذوف، تقديره: فعليهم غضب؛ ~~لدلالة ما بعد " من " الثانية عليه. # السابع: أنها مبتدأ أيضا، وخبرها وخبر " من " الثانية قوله: " ~~فعليهم غضب ". # قال ابن عطية ms5496 رحمه الله: " إذ هو واحد بالمعنى؛ لأن الإخبار في قوله - ~~تعالى -: { من كفر بالله } إنما قصد به الصنف الشارح بالكفر ". # قال أبو حيان: " وهذا وإن كان كما ذكر، إلا أنهما جملتان شرطيتان، ~~وقد فصل بينهما بأداة الاستدراك، فلا بد لكل واحدة منهما على انفرادها ~~من جواب لا يشتركان فيه، فتقدير الحذف أجرى على صناعة الإعراب، وقد ~~ضعفوا مذهب الأخفش في ادعائه أن قوله - تعالى -: # فسلام لك من أصحاب اليمين # [الواقعة: 91] وقوله - جل ذكره -: # فروح وريحان # [الواقعة: 89] جواب ل " أما " و " إن " ، هذا، وهما أداتا شرط وليست ~~إحداهما الأخرى ". # الثامن: أن تكون " من " شرطية، وجوابها مقدر، تقديره: فعليهم غضب؛ ~~لدلالة ما بعد " من " الثانية عليه، وقد تقدم أن ابن عطية جعل ~~الجزاء لهما معا، وتقدم الكلام معه فيه. # قوله تعالى: { إلا من أكره } فيه أوجه: # أحدها: أنه مستثنى مقدم من قوله: " فأولئك عليهم غضب " وهذا يكون فيه ~~منقطعا؛ لأن المكره لم يشرح بالكفر صدرا. # وقال أبو البقاء: وقيل: ليس بمقدم؛ فهو كقول لبيد: [الطويل] # 3360- ألا كل شيء ما خلا الله باطل # .................. # فظاهر كلامه يدل على أن بيت لبيد لا تقديم فيه، وليس كذلك؛ فإنه ظاهر ~~في التقديم جدا. # الثاني: أنه مستثنى من جواب الشرط، أو من خبر المبتدأ المقدر، تقديره: ~~لعليهم غضب من الله إلا من أكره، ولذلك قدر الزمخشري جزاء الشرط قبل ~~الاستثناء وهو استثناء متصل؛ لأن الكفر يكون بالقول من غير اعتقاد ~~كالمكره، وقد يكون - والعياذ بالله - باعتقاد، فاستثنى الصنف الأول. # { وقلبه مطمئن } جملة حالية { إلا من أكره } في ~~هذه الحالة، وهذا يدل على أن محل الإيمان القلب، والذي [محله] القلب ~~إما الاعتقاد، وإما كلام النفس؛ فوجب أن يكون الإيمان عبارة: إما عن ~~المعرفة، وإما عن التصديق بكلام النفس. # قوله تعالى: { ولكن من شرح } الاستدراك واضح؛ لأن قوله: { ~~إلا من أكره } قد يسبق الوهم إلى الاستثناء مطلقا، فاستدرك ~~هذا، وقوله: { وقلبه مطمئن } لا ينفي ذلك الوهم، و " من " ~~إما شرطية أو موصولة، ولكن متى جعلت شرطية، فلا بد من ms5497 إضمار مبتدأ ~~قبلها، لأنه لا يليها الجمل الشرطية، قاله أبو حيان؛ ثم قال: ومثله: ~~[الطويل] # 3361-.................... # ولكن متى يسترفد القوم أرفد # أي: ولكن أنا متى يسترفد القوم. # وإنما لم تقع الشرطية بعد " لكن "؛ لأن الاستدراك لا يقع في ~~الشروط، هكذا قيل، وهو ممنوع. # وانتصب " صدرا " على أنه مفعول للشرح، والتقدير: ولكن من شرح بالكفر ~~صدره، وحذف الضمير؛ لأنه لا يشكل بصدر غيره؛ إذ البشر لا يقدر على شرح ~~صدر غيره، فهو نكرة يراد بها المعرفة، والمراد بقوله: { من شرح ~~بالكفر صدرا } ، أي: فتحه ووسعه لقبول الكفر. # فصل # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: نزلت هذه الآية في عمار بن ياسر؛ ~~وذلك أن المشركين أخذوه وأباه ياسر وأمه سمية وصهيبا وبلالا ~~وخبابا وسالما فعذبوهم. # وأما سمية: فإنها ربطت بين بعيرين ووجىء في قبلها بحربة، فقتلت وقتل ~~زوجها، وهما أول قتيلين في الإسلام - رضي الله عنهما-. # وقال مجاهد: أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأبو بكر، وخباب، وصهيب، وبلال، وعمار، وسمية - رضي الله عنهم -. # أما الرسول صلى الله عليه وسلم فمنعه أبو طالب، وأما أبو بكر - رضي ~~الله عنه - فمنعه قومه، وأخذ الآخرون، وألبسوا الدروع الحديد، ثم أجلسوهم ~~في الشمس، فبلغ منهم الجهد لحر الحديد والشمس، وأتاهم أبو جهل يشتمهم ~~ويشتم سمية، ثم طعنها في فرجها بحربة. # وقال آخرون: ما نالوا منهم غير بلال؛ فإنهم جعلوا يعذبونه، ويقول: ~~أحد أحد، حتى ملوه فتركوه. # وقال خباب: ولقد أوقدوا لي نارا ما أطفأها إلا ودك ظهري، وقال مقاتل: ~~نزلت في جبر مولى عامر الحضرمي، أكرهه سيده على الكفر، فكفر مكرها ~~وقلبه مطمئن بالإيمان، ثم أسلم مولى جبر وحسن إسلامهما، وهاجر جبر مع ~~سيده. # فصل # الإكراه الذي يجوز عنده التلفظ بكلمة الكفر: هو أن يعذب بعذاب لا ~~طاقة له به؛ مثل: التخويف بالقتل؛ ومثل الضرب الشديد، والإتلافات ~~القوية، وأجمعوا على أن عند ذكر كلمة الكفر يجب عليه أن يبرىء قلبه عن ~~الرضا، وأن يقتصر على التعريضات؛ مثل أن يقول: إن محمدا ms5498 كذاب، ~~ويعني عند الكفار أو يعني به محمدا آخر، أو يذكره على نية الاستفهام ~~بمعنى الإنكار، وهنا بحثان: # الأول: أنه إذا أعجله من أكرهه عن إحضار هذه النية، أو لأنه لما عظم ~~خوفه زال عن قلبه ذكر هذه النية كان ملوما وعفو الله متوقع. # البحث الثاني: لو ضيق المكره الأمر عليه وشرح له أقسام التعريضات، ~~وطلب منه أن يصرح بأنه ما أراد شيئا منها، وما أراد إلا ذلك المعنى ~~- فههنا يتعين إما التزام الكذب، وإما تعريض النفس للقتل، فمن الناس من ~~قال: يباح له الكذب ههنا، ومنهم من قال: ليس له ذلك، وهو الذي اختاره ~~القاضي؛ قال: لأن الكذب إنما يقبح لكونه كذبا، فوجب أن يقبح على كل حال، ~~ولو جاز أن يخرج عن القبح لرعاية بعض المصالح، لم يمنع أن يفعل الله ~~الكذب لرعاية بعض المصالح، وحينئذ لا يبقى وثوق بوعد الله ولا وعيده؛ ~~لاحتمال أنه فعل ذلك الكذب لرعاية بعض المصالح التي لا يعرفها إلا الله ~~- تعالى -. # فصل # أجمعوا على أنه لا يجب عليه التكلم بكلمة الكفر، ويدل عليه وجوه: # أحدها: أن بلالا صبر على العذاب، وكان يقول: أحد أحد، ولم يقل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بئس ما صنعت، بل عظمه عليه، فدل ذلك على أنه ~~لا يجب التكلم بكلمة الكفر. # وثانيها: ما روي أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين، فقال لأحدهما: ما تقول ~~في محمد؟ فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما تقول في؟ ~~قال: أنت أيضا فتركه، وقال للآخر: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله، ~~فقال: ما تقول في؟ قال: أنا أصم، فأعاد عليه ثلاثا، فأعاد جوابه، ~~فقتله، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أما الأول فقد أخذ ~~برخصة الله، وأما الثاني: فقد صدع بالحق، فهنيئا له فسمى التلفظ ~~بكلمة الكفر رخصة، وعظم حال من أمسك عنه حتى قتل. # وثالثها: أن بذل [النفس] في تقرير الحق أشق، فوجب أن يكون أكثر ثوابا؛ ~~لقوله - صلوات الله وسلامه عليه-: # " أفضل العبادات ms5499 أحمزها " # أي: أشقها. # ورابعها: أن الذي أمسك عن كلمة الكفر طهر قلبه ولسانه عن الكفر، ~~وأما الذي تلفظ بها فهب أن قلبه طاهر، إلا أن لسانه في الظاهر قد ~~تلطخ بتلك الكلمة الخبيثة؛ فوجب أن يكون حال الأول أفضل. # فصل # الإكراه له مراتب: # أحدها: أن يجب الفعل المكروه عليه؛ كما لو أكره على شرب الخمر، وأكل ~~الخنزير، وأكل الميتة، فإذا أكره عليه بالسيف فهاهنا، يجب الأكل؛ وذلك ~~لأن صون الروح عن الفوات واجب، ولا سبيل إليه في هذه الصورة إلا ~~بالأكل، وليس في هذا الأكل ضرر على حيوان، وإلا إهانة لحق الله، فوجب ~~أن يجب؛ لقوله - تعالى -: # ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة # [البقرة: 195]. # المرتبة الثانية: أن يصير ذل الفعل مباحا ولا يصير واجبا؛ كما لو أكره ~~على التلفظ بكلمة الكفر، فههنا يباح له ذلك، ولكنه لا يجب. # المرتبة الثالثة: أنه لا يجب ولا يباح، بل يحرم؛ كما لو أكرهه إنسان على ~~قتل إنسان، أو على قطع عضو من أعضائه، فههنا يبقى الفعل على الحرمة ~~الأصلية، وهل يسقط القصاص عن المكره أم لا؟. # قال الشافعي - رضي الله عنه - في أحد قوليه: يجب القصاص؛ لأنه قتله ~~عمدا عدوانا، فوجب عليه القصاص؛ لقوله - تعالى -: # يأيها الذين ءامنوا كتب عليكم القصاص في ~~القتلى # [البقرة: 178]، وأيضا: أجمعنا على أن المكره إذا قصد قتله فإن له أن ~~يدفعه عن نفسه ولو بالقتل، فلما كان يوهم إقدامه على القتل، أوجب إهدار ~~دمه، فلأن يكون عند صدور القتل عنه حقيقة يصير دمه مهدرا أولى. # فصل # من الأفعال ما يمكن الإكراه عليه كالقتل والتكلم بكلمة الكفر، ومنها ما ~~لا يقبل الإكراه، قيل: وهو الزنا؛ لأن الإكراه يوجب الخوف الشديد، وذلك ~~يمنع من انتشار الآلة، فحيث دخل الزنا في الوجود، دل على أنه وقع ~~بالاختيار لا على سبيل الإكراه. # وقيل: الإكراه على الزنا مقصور؛ كما لو انتشر ذكره وهو نائم ~~فاستدخلته المرأة في تلك الحالة، أو كان به مرض الانتصاب، فلا يزال ~~منتشرا، أو علم أنه لا يخلص من الإكراه ms5500 إلا باستحضار الأسباب الموجبة ~~للانتشار. # فصل # قال القرطبي - رحمه الله تعالى -: ذهب بعض العلماء إلى أن الرخصة ~~إنما جاءت في القول، وأما في الفعل فلا رخصة فيه؛ مثل أن يكره على ~~السجود لغير الله تعالى أو الصلاة لغير القبلة، أو قتل مسلم، أو ~~ضربه، أو أكل ماله، أو الزنا، أو شرب الخمر، أو أكل الربا، روي ذلك ~~عن الحسن البصري، وهو قول الأوزاعي والشافعي وبعض المالكية - رضي الله ~~تعالى عنهم -. # فصل # قال القرطبي: وأما بيع المكره والمضغوط فله حالتان: # الأول: أن يبيع ماله في حق وجوب عليه، فذلك ماض سائغ لا رجوع فيه؛ ~~لأنه يلزمه أداء الحق من غير المبيع، وأما بيع المكره ظلما أو ~~قهرا، فذلك لا يجوز عليه، وهو أولى بمتاعه يأخذه بلا ثمن، ويتبع المشتري ~~بالثمن ذلك الظالم فإن فات المتاع، رجع بثمنه أو بقيمته بالأكثر من ~~ذلك على الظالم إذا كان المشتري غير عالم بظلمه، وأما يمين المكره فغير ~~لازمة عند مالك والشافعي - رضي الله عنهما - وأكثر العلماء، قال ابن ~~العربي: " واختلفوا في الإكراه على الحنث هل يقع أم لا؟ ". # قال ابن العربي رحمه الله: " وأي فرق بين الإكراه على اليمين في أنها ~~لا تلزم، وبين الحنث في أنه لا يقع ". # فصل # إذا أكره الرجل على أن يحلف وإلا أخذ ماله، فقال مالك: لا تقية في ~~المال، فإنما يدرأ المرء بيمينه عن بدنه. # وقال ابن الماجشون: " لا يحنث وإن درأ عن ماله أيضا ". # قال القرطبي: " وأجمع العلماء على أن من أكره على الكفر فاختار القتل، ~~أنه يكون أعظم أجرا عند الله ممن اختار الرخصة ". # فصل # قال الشافعي وأحمد - رضي الله عنهما -: لا يقع طلاق المكره، وقال أبو ~~حنيفة - رضي الله عنه -: يقع. # واستدل الشافعي - رضي الله عنه - بقوله - تعالى -: # لا إكراه في الدين # [البقرة: 256]، ولا يمكن أن يكون المراد نفي ذاته؛ لأن ذاته موجودة؛ ~~فوجب حمله على نفي آثاره، أي: لا أثر له ولا عبرة به، وقال - صلوات الله ~~وسلامه عليه-: # " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ms5501 وما استكرهوا عليه ". # وقال - عليه الصلاة والسلام -: # " لا طلاق في إغلاق " # ، أي: إكراه. # فإن قالوا: طلقها، فيدخل تحت قوله - تعالى -: # فإن طلقها فلا تحل له # [البقرة: 230]. # فالجواب: لما تعارضت الدلائل، وجب أن يبقى ما كان على ما كان هو لنا. # فصل # قال القرطبي - رحمه الله -: " وأما نكاح المكره: فقال سحنون: أجمع ~~أصحابنا على إبطال نكاح المكره والمكرهة وقالوا: لا يجوز المقام عليه؛ ~~لأنه لم ينعقد، فإن وطئها المكره على النكاح، لزمه المسمى من ~~الصداق ولا حد عليه ". # قوله: { فعليهم غضب من الله } أي: إنه - تعالى - حكم ~~عليهم بالعذاب، ثم وصف ذلك العذاب فقال - تعالى -: { ولهم عذاب ~~عظيم }. # قوله: { ذلك بأنهم } مبتدأ وخبره؛ كما تقدم، والإشارة ب " ~~ذلك " إلى ما ذكر من الغضب والعذاب؛ ولذلك وحد، كقوله: " بين ذلك " و: ~~[الرجز] # 3362- كأنه في الجلد.............. # قوله: { استحبوا الحيوة الدنيا على الآخرة } أي: ~~ذلك الارتداد وذلك الإقدام على الكفر؛ لأجل أنهم رجحوا الدنيا على ~~الآخرة، { وأن الله لا يهدي القوم الكافرين } أي: ~~ذلك الارتداد إنما حصل لأجل أنه - تعالى - ما هداهم إلى الإيمان، وما ~~عصمهم عن الكفر. # قال القاضي: المراد أن الله تعالى لا يهديهم إلى الجنة، وهذا ضعيف؛ ~~لأن قوله - تعالى -: { وأن الله لا يهدي القوم ~~الكافرين } معطوف على قوله: { ذلك بأنهم استحبوا ~~الحياة الدنيا على الآخرة } فوجب أن يكون قوله: { وأن ~~الله لا يهدي القوم الكافرين } علة وسببا موجبا ~~لإقدامهم على ذلك الارتداد، وعدم الهداية يوم القيامة إلى الجنة ليس ~~سببا لذلك الارتداد ولا علة، بل كسبا عنه ولا معلولا له، فبطل هذا ~~التأويل. # ثم أكد أنه - تعالى - صرفهم عن الإيمان؛ فقال - عز وجل -: { أولئك ~~الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم ~~وأبصارهم } قال القاضي: الطبع ليس يمنع من الإيمان لوجوه: # الأول: أنه - تعالى - أشرك ذكر ذلك في معرض الذم، ولو كانوا عاجزين عن ~~الإيمان به لما استحقوا الذم بتركه. # الثاني: أنه - تعالى - أشرك بين السمع، والبصر، والقلب في هذا الطبع، ~~ومعلوم أن مع فقد السمع والبصر قد يصح أن يكون مؤمنا، ms5502 فضلا عن طبع ~~يلحقهما في القلب. # الثالث: وصفهم بالغفلة، ومن منع من الشيء لا يوصف بأنه غافل عنه، فثبت ~~أن المراد بهذا الطبع السمة والعلامة التي يخلقها في القلب، وتقدم ~~الجواب في أول سورة البقرة. # ثم قال - تعالى -: { وأولئك هم الغافلون } قال ابن عباس ~~- رضي الله عنهما -: أي: عما يراد بهم في الآخرة. # ثم قال: { لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون } ، ~~أي: المغبونون، والموجب لهذا الخسران أنه - تعالى - وصفهم بصفات ستة: # أولها: أنهم استوجبوا غضب الله. # وثانيها: أنهم استحقوا العذاب الأليم. # وثالثها: أنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة. # ورابعها: أنه - تعالى - حرمهم من الهداية. # وخامسها: أنه - تعالى - طبع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم. # وسادسها: أنه - تعالى - جعلهم من الغافلين عما يراد بهم من العذاب ~~الشديد يوم القيامة، فكل واحد من هذه الصفات من أعظم الموانع عن الفوز ~~بالسعادات والخيرات، ومعلوم أنه - تعالى - إنما أدخل الإنسان في الدنيا؛ ~~ليكون كالتاجر الذي يشتري بطاعته سعادات الآخرة، فإذا حصلت هذه الموانع ~~العظيمة، عظم خسرانه؛ فلهذا قال - تعالى -: { لا جرم أنهم في ~~الآخرة هم الخاسرون } أي هم الخاسرون لا غيرهم. # قوله - تعالى -: { ثم إن ربك للذين هاجروا } الآية ~~لما ذكر في الآية المتقدمة حال من كفر بالله من بعد إيمانه، وحال من أكره ~~على الكفر ذكر [بعده] حال من هاجر من بعد ما فتن. # في خبر " إن " هذه ثلاثة أوجه: # أحدها: قوله - تعالى -: { لغفور رحيم } ، و " إن ربك " ~~الثانية، واسمها تأكيد للأولى واسمها؛ فكأنه قيل: ثم إن ربك إن ~~ربك لغفور رحيم، وحينئذ يجوز في قوله: " للذين " وجهان: # أحدهما: أن يتعلق بالخبرين على سبيل النتازع، أو بمحذوف على سبيل ~~البيان؛ كأنه قيل: الغفران والرحمة للذين هاجروا. # الثاني: أن الخبر هو نفس الجار بعدها؛ كما تقول: إن زيدا لك، أي: هو ~~لك لا عليك، بمعنى: هو ناصرهم لا خاذلهم، قال معناه الزمخشري، ثم قال: " ~~كما يكون الملك للرجل لا عليه، فيكون محميا منفوعا غير مضرور ". # قال شهاب الدين: " قد يتوهم أن قوله: " منفوعا " استعمال غير ms5503 ~~جائز؛ لما قاله الأهوازي عليه رحمة الله في شرح موجز الرماني: إنه لا ~~يقال: " منفوع " اسم مفعول من نفعته، فإن الناس قد ردوا على ~~الأهوازي ". # الثالث: أن خبر الأولى مستغنى عنه بخبر الثانية، يعني: أنه محذوف ~~لفظا؛ لدلالة ما بعده عليه، وهذا معنى قول أبي البقاء: " وقيل: لا خبر ~~ل " إن " الأولى في اللفظ؛ لأن خبر الثانية أغنى عنه ". # وحينئذ لا يحسن رد أبي حيان عليه بقوله: " وهذا ليس بجيد؛ لأنه ~~ألغى حكم الأولى، وجعل الحكم للثانية، وهو عكس ما تقدم، وهو لا يجوز ". # قوله: { من بعد ما فتنوا } قرأ ابن عامر: " فتنوا " مبنيا ~~للفاعل، أي: فتنوا أنفسهم فإن عاد الضمير على المؤمنين، فالمعنى: فتنوا ~~أنفسهم بما أعطوا المشركين من القول ظاهرا، أو أنهم صبروا على عذاب ~~المشركين، فكأنهم فتنوا أنفسهم. # وإن عاد على المشركين، فهو واضح، أي: فتنوا المؤمنين. # والباقون " فتنوا " مبنيا للمفعول، والضمير في " بعدها " للمصادر ~~المفهومة من الأفعال المتقدمة، أي: من بعد الفتنة، والهجرة، والجهاد. # وقال ابن عطية: " عائد على الفتنة، أو الفتنة والهجرة أو الجهاد أو ~~التوبة ". # فصل # وجه القراءة الأولى أمور: # الأول: أن يكون المراد أن أكابر المشركين - وهم الذين آذوا فقراء ~~المسلمين - لو تابوا وهاجروا وصبروا، فإن الله يقبل توبتهم. # والثاني: أن " فتن " و " أفتن " بمعنى واحد؛ كما يقال: مان وأمان ~~بمعنى واحد. # والثالث: أن أولئك الضعفاء لما ذكروا كلمة الكفر على سبيل التقية؛ ~~فكأنهم فتنوا أنفسهم؛ لأن الرخصة في إظهار كلمة الكفر ما نزلت في ذلك ~~الوقت. # وأما وجه القراءة الثانية فظاهر؛ لأن أولئك المفتونين هم المستضعفون ~~الذين حملهم المشركون على الرجوع عن الإيمان، فبين - تعالى - أنهم إذا ~~هاجروا وجاهدوا وصبروا، فإن الله تعالى يغفر لهم تكلمهم كلمة الكفر. # فصل # يحتمل أن يكون المراد بالفتنة: هو وأنهم عذبوا، وأنهم خوفوا ~~بالتعذيب، ويحتمل أن يكون المراد: أن أولئك المسلمين ارتدوا. # وقال الحسن - رضي الله عنه -: هؤلاء الذين هاجروا من المؤمنين كانوا ~~بمكة، فعرضت لهم فتنة فارتدوا، وشكوا في الرسول - صلوات الله ~~وسلامه عليه - ثم ms5504 أسلموا وهاجروا، ونزلت هذه الآية فيهم. # وقيل: نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وكان يكتب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم فاستزله الشيطان فلحق بالكفار، فأمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم يوم فتح مكة بقتله، فاستجار له عثمان، وكان أخاه لأمه، فأجاره ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إنه أسلم وحسن إسلامه فأنزل الله هذه ~~الآية؛ قاله الحسن وعكرمة. # وهذه الرواية إنا تصح إذا جعلنا هذه السورة مدنية أو جعلنا هذه ~~الآية منها مدنية، ويحتمل أن يكون المراد: أن أولئك الضعفاء ~~المعذبين تكلموا بكلمة الكفر على سبيل التقية، فقوله: { من بعد ~~ما فتنوا } يحتمل كل واحد من هذه الوجوه، وليس في اللفظ ما يدل ~~على التعيين. # وإذا كان كذلك، فهذه الآية إن كانت نازلة فيمن أظهر الكفر، فالمراد أن ~~ذلك مما لا إثم فيه، وأن حاله إذا هاجر وجاهد وصبر كحال من لم يكره، وإن ~~كانت نازلة فيمن ارتد، فالمراد أن التوبة والقيام بما يجب عليه يزيل ~~ذلك العقاب، ويحصل له الغفران والرحمة. # قوله: { يوم تأتي كل نفس } يجوز أن ينتصب " يوم " ب " ~~رحيم " ولا يلزم من ذلك [تقييد] رحمته بالظرف؛ لأنه إذا رحم في هذا ~~اليوم، فرحمته في غيره أحرى وأولى. # وأن ينتصب ب " اذكر " مقدرة، وراعى معنى " كل " فأنث الضمائر في ~~قوله " تجادل... إلى آخره "؛ ومثله قوله: [الكامل] # 3363- جادت عليه كل عين ثرة # فتركن كل قرارة كالدرهم # إلا أنه زاد في البيت الجمع على المعنى، وقد تقدم أول الكتاب. # وقوله: { وهم لا يظلمون } حملا على المعنى؛ فلذلك جمع. # فإن قيل: النفس لا تكون لها نفس أخرى، فما معنى قوله: " تجادل عن ~~نفسها "؟. # فالجواب: أن النفس قد يراد بها بدن [الإنسان] الحي، وقد يراد بها ~~ذات الشيء وحقيقته، فالنفس الأولى هي الجثة والبدن، والثانية: عينها ~~وذاتها؛ فكأنه قيل: يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته، ولا يهمه شأن غيره، ~~قال - تعالى -: # لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه # [عبس: 37]. # روي أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ms5505 - قال لكعب الأحبار: خوفنا، قال ~~يا أمير المؤمنين: والذي نفسي بيده لو وافيت يوم القيامة بمثل عمل سبعين ~~نبيا، لأتت عليك تارات وأنت لا يهمك إلا نفسك، وإن لجهنم زفرة ما ~~يبقى ملك مقرب، ولا نبي مرسل إلا وقع جاثيا على ركبتيه، حتى إن ~~إبراهيم خليل الرحمن - صلوات الله وسلامه عليه - ليدلي بالخلة فيقول: ~~يا رب، أنا خليلك إبراهيم لا أسألك إلا نفسي، وأن تصديق ذلك الذي أنزل ~~عليكم: { يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها } ، ~~ومعنى المجادلة عنها: الاعتذار؛ كقولهم: { # هؤلاء أضلونا # [الأعراف: 38]، وكقولهم: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23]. # { وتوفى كل نفس ما عملت } فيه محذوف، أي: جزاء ما ~~عملت من غير بخس ولا نقصان، { وهم لا يظلمون } لا ينقصون. # روى عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنه - في هذه الآية قال: " ما تزال ~~الخصومة بين الناس يوم القيامة، حتى تخاصم الروح الجسد، فتقول الروح: ~~يا رب، لم تكن لي يد أبطش بها، ولا رجل أمشي بها، ولا عين أبصر بها، ~~ولا أذن أسمع بها، ولا عقل أعقل به، حتى جئت فدخلت في هذا الجسد فضعف ~~عليه أنواع العذاب، ونجني، ويقول الجسد: يا رب، أنت خلقتني بيدك، ~~فكنت كالخشبة، وليس لي يد أبطش بها، ولا رجل أمشي بها، ولا عين أبصر ~~بها، ولا سمع أسمع به، فجاء هذا كشعاع النور، فيه نطق لساني، وأبصرت ~~عيني، ومشت رجلي، وسمعت أذني، فضعف عليه أنواع العذاب، ونجني منه، ~~قال: فيضرب الله لهما مثلا؛ أعمى ومقعدا دخلا [بستانا] فيه ثمار، ~~فالأعمى لا يبصر الثمر، والمقعد لا يتناوله، فحمل الأعمى المقعد فأصابا ~~من الثمر، [فغشيهما] العذاب ". ### || [16.112-114] # قوله - تعالى -: { وضرب الله مثلا قرية } الآية. # اعلم أنه - تعالى - هدد الكفار بالوعيد الشديد في الآخرة، وهددهم ~~أيضا بآفات الدنيا، وهي الوقوع في الجوع والخوف؛ كما ذكر - تعالى - في ~~هذه الآية. # واعلم أن المثل قد يضرب بشيء موصوف بصفة معينة، سواء كان ذلك الشيء ~~موجودا أو لم يكن، وقد يضرب بشيء موجود معين، فهذه القرية يحتمل ms5506 أن ~~تكون موجودة ويحتمل أن تكون غير موجودة. # فعلى الأول، قيل: إنها مكة، كانت آمنة، لا يهاج أهلها ولا يغار ~~عليها، مطمئنة قارة بأهلها لا يحتاجون إلى الانتجاع كما يفعله سائر ~~العرب، { يأتيها رزقها رغدا من كل مكان } يحمل إليها ~~من البر والبحر، { فكفرت بأنعم الله } جمع النعمة، ~~وقيل: جمع نعمى، مثل: بؤسى وأبؤس فأذاقهم لباس الجوع، ابتلاهم الله ~~بالجوع سبع سنين، وقطعت العرب عنهم الميرة بأمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، حتى جهدوا وأكلوا العظام المحرقة، والجيف، والكلاب الميتة ~~والعلهز: وهو الوبر يعالج بالدم. # قال ابن الخطيب: والأقرب أنها غير مكة؛ لأنها ضربت مثلا لمكة، ~~ومثل مكة يكون غير مكة. # وهذا مثل أهل مكة؛ لأنهم كانوا في الطمأنينة والخصب، ثم أنعم الله ~~عليهم بالنعمة العظيمة، وهو محمد صلى الله عليه وسلم فكفروا به، ~~وبالغوا في إيذائه، فسلط الله عليهم البلاء، وعذبهم بالجوع سبع سنين، ~~وأما الخوف فكان يبعث إليهم السرايا فيغيرون عليهم. وفي الآية ~~سؤالات: # السؤال الأول: أنه - تعالى - وصف القرية بصفات: # أحدها: كونها آمنة، والمراد: أهلها، لأنها مكان الأمن، ثم قال " ~~مطمئنة " ، والاطمئنان هو الأمن، فلزم التكرار. # والجواب: أن قوله: " آمنة " إشارة إلى الأمن، وقوله: " مطمئنة ~~" إشارة إلى الصحة؛ لأن هواء هذه البلد لما كان ملائما لأمزجتهم، ~~فلذلك اطمأنوا واستقروا فيه؛ قال العقلاء: [الرجز] # 3364- ثلاثة ليس لها نهايه # الأمن والصحة والكفايه # السؤال الثاني: الأنعم جمع قلة، فكان المعنى: أن أهل تلك القرية ~~كفرت بأنواع قليلة من نعم الله، فعذبها الله، وكان اللائق أن يقال: ~~إنهم كفروا بنعم عظيمة لله تعالى، فاستوجبوا العذاب، فما السبب في ذكر ~~جمع القلة؟. # والجواب: أن المقصود التنبيه بالأدنى على الأعلى، يعني: أن كفران ~~النعم القليلة لما أوجب العذاب، فكفران النعم الكثيرة أولى بإيجاب ~~العذاب. # و " أنعم " فيها قولان: # أحدهما: أنها جمع " نعمة "؛ نحو: " شدة وأشد ". قال الزمخشري: " ~~جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتاء؛ كدرع وأدرع ". # وقال قطرب: هي جمع " نعم " ، والنعم: النعيم؛ يقال: " هذه أيام ~~طعم ونعم فلا تصوموا ". # السؤال الثالث: نقل ms5507 أن ابن الراوندي قال لابن الأعرابي الأديب: هل ~~يذاق اللباس؟ قال ابن الأعرابي: لا باس ولا لباس؛ يا أيها ~~النسناس، هب أنك تشك أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان نبيا ~~أوما كان عربيا؟ وكان مقصود ابن الراوندي الطعن في هذه الآية، ~~وهو أن اللباس لا يذاق بل يلبس، فكان الواجب أن يقال: فكساهم الله ~~لباس الجوع، أو يقال: فأذاقهم الله طعم الجوع. # والجواب: من وجوه: # الأول: أن ما أصابهم من الهزال والشحوب، وتغيير ظاهرهم عما كانوا عليه ~~من قبل كاللباس لهم. # الثاني: أن الأحوال التي حصلت لهم عند الجوع نوعان: # أحدهما: المذوق هو الطعام، فلما فقدوا الطعام صاروا كأنهم يذوقون ~~الجوع. # والثاني: أن ذلك الجوع كان شديدا كاملا، فصار كأنه أحاط بهم من كل ~~الجهات، فأشبه اللباس. # فالحاصل أنه حصل في ذلك الجوع حالة تشبه المذوق، وحالة تشبه الملبوس، ~~فاعتبر تعالى كلا الاعتبارين، فقال: { فأذاقها الله لباس ~~الجوع والخوف }. # الثالث: أن التقدير: عرفها الله لباس الجوع والخوف، إلا أنه - تعالى - ~~عبر عن التعريف بلفظ الإذاقة، وأصل الذوق بالفم، ثم يستعار فيوضع ~~موضع التعريف والاختيار الذواق بالفم، تقول: ناظر فلانا وذق ما ~~عنده؛ قال الشاعر: [الطويل] # 3365- ومن يذق الدنيا فإني طعمتها # وسيق إلينا عذبها وعذابها # ولباس الجوع والخوف: ما ظهر عليهم من الضمور، وشحوب اللون، ونهكة البدن ~~وتغير الحال؛ كما تقول: تعرفت سوء أثر الخوف والجوع على فلان، فكذلك ~~يجوز أن تقول: ذقت لباس الجوع والخوف على فلان. # الرابع: أن يحمل لفظ اللباس على المماسة، فصار التقدير: فأذاقها الله ~~مساس الجوع والخوف. # ثم قال - تعالى -: { بما كانوا يصنعون } قال ابن عباس - رضي ~~الله عنهما -: يريد تكذيبهم للنبي صلى الله عليه وسلم وإخراجه من مكة ~~وهمهم بقتله صلى الله عليه وسلم. # قال الفراء: ولم يقل بما صنعت، ومثله في القرآن كثير؛ كقوله: # فجآءها بأسنا بياتا أو هم قآئلون # [الأعراف: 4] ولم يقل: قائلة. # وتحقيق الكلام: أنه - تعالى - وصف القرية بأنها مطمئنة يأتيها رزقها ~~رغدا فكفرت بأنعم الله، فكل هذه الصفات وإن أجريت ms5508 بحسب اللفظ على ~~القرية، إلا أن المراد في الحقيقة أهل القرية، فلذلك قال: { بما ~~كانوا يصنعون }. # قوله: " والخوف " العامة على جر " الخوف " نسقا على " الجوع ~~" ، وروي عن أبي عمرو نصبه، وفيه [أوجه]: # أحدها: أنه يعطف على " لباس ". # الثاني: أنه يعطف على موضع الجوع؛ لأنه مفعول في المعنى للمصدر، التقدير ~~أي: ألبسهم الجوع والخوف، قاله أبو البقاء. # وهو بعيد؛ لأن اللباس اسم ما يلبس وهو استعارة بليغة. # الثالث: أن ينتصب بإضمار فعل؛ قاله أبو الفضل الرازي. # الرابع: أن يكون على حذف مضاف، أي: ولباس الخوف، ثم حذف المضاف وأقيم ~~المضاف إليه مقامه، قاله الزمخشري. # ووجه الاستعارة ما قال الزمخشري: " فإن قلت: الإذاقة واللباس استعارتان، ~~فما وجه صحتهما والإذاقة المستعارة موقعة على اللباس المستعار فما وجه ~~صحة إيقاعها عليه؟. # قلت: الإذاقة جرت عندهم مجرى الحقيقة؛ لشيوعها في البلايا، والشدائد، ~~وما يمس الناس منها، فيقولون: ذاق فلان البؤس والضر وإذاقة العذاب شبه ~~ما يدرك من أثر الضرر والألم، بما يدرك من طعم المر والبشع، ~~وأما اللباس فقد شبه به؛ لاشتماله على اللابس ما غشي الإنسان، ~~والتبس به من بعض الحوادث، وأما إيقاع الإذاقة على لباس الجوع والخوف، ~~فلأنه لما وقع عبارة عما يغشى منهما ويلابس؛ فكأنه قيل: فأذاقهم ما ~~غشيهم من الجوع والخوف، ولهم في هذا طريقان: # أحدهما: أن ينظروا فيه إلى المستعار له، كما نظروا إليه ههنا؛ ونحوه قول ~~كثيرة عزة: [الكامل] # 3366- غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا # غلقت لضحكته رقاب المال # استعار الرداء للمعروف، لأنه يصون عرض صاحبه صون الرداء لما يلقى ~~عليه، ووصفه بالغمر الذي هو وصف المعروف والنوال لا وصف الرداء؛ نظرا ~~إلى المستعار له. # والثاني: أن ينظر فيه إلى المستعار؛ كقوله: [الوافر] # 3367- ينازعني ردائي عبد عمرو # رويدك يا أخا عمرو بن بكر # لي الشطر الذي ملكت يميني # ودونك فاعتجر منه بشطر # أراد بردائه: سيفه، ثم قال: " فاعتجر منه بشطر " فنظر إلى ~~المستعار في لفظ الاعتجار، ولو نظر إليه فيما نحن فيه لقال: فكساهم لباس ~~الجوع والخوف، ولقال كثير: صافي ms5509 الرداء إذا تبسم ضاحكا " انتهى. # وهذا نهاية ما يقال في الاستعارة. # وقال ابن عطية: لما باشرهم، صار ذلك كاللباس؛ وهذا كقول الأعشى: ~~[المتقارب] # 3368- إذا ما الضجيع ثنى جيدها # تثنت عليه فكانت لباسا # ومثله قوله - تعالى -: # هن لباس لكم وأنتم لباس لهن # [البقرة: 187]؛ ومثله قول الشاعر: [الطويل] # 3369- وقد لبست بعد الزبير مجاشع # لباس التي حاضت ولم تغسل الدما # كأن العار لما باشرهم ولصق بهم، كأنهم لبسوه. # وقوله: " فأذاقها " نظير قوله # ذق إنك أنت العزيز الكريم # [الدخان: 49]؛ ونظيره قول الشاعر: [الرجز] # 3370- دونك ما جنيته فاحس وذق # وفي قراءة عبد الله: " فأذاقها الله الخوف والجوع " وفي مصحف أبي: " ~~لباس الخوف والجوع ". # قوله: { بما كانوا يصنعون } يجوز أن تكون " ما " مصدرية أو ~~بمعنى الذي، والعائد محذوف، أي: بسبب صنعهم، أو بسبب الذي كانوا يصنعونه. # والواو في " يصنعون " عائدة على " أهل " المقدر قبل " قرية " ~~، ونظيره قوله: # أو هم قآئلون # [الأعراف: 4] بعد قوله: # وكم من قرية أهلكناها # [الأعراف: 4]. # قوله - تعالى -: { ولقد جآءهم رسول منهم } الآية لما ~~ذكر المثل ذكر الممثل فقال: " ولقد جاءهم " يعني: أهل مكة، " رسول ~~منهم " ، أي: من أنفسهم يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم { ~~فكذبوه فأخذهم العذاب } قال ابن عباس - رضي الله عنه ~~-: يعني الجوع. # وقيل: القتل يوم بدر، والأول أولى؛ لقوله - تعالى - بعده: { فكلوا ~~مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمت ~~الله إن كنتم إياه تعبدون } ، أي: إن ذلك الجوع بسبب ~~كفرهم، فاتركوا الكفر حتى تأكلوا. # وقوله: # مما رزقكم الله # [المائدة: 88]، أي من [الغنائم]؛ قاله ابن عباس - رضي اله عنه -. # وقال الكلبي: " إن رؤساء مكة كلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حين جهدوا، وقالوا: عاديت الرجال، فما بال النساء والصبيان؟ وكانت ~~الميرة قد قطعت عنهم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأذن بحمل ~~الطعام إليهم ". # قوله تعالى: { واشكروا نعمت الله } صرح هنا بالنعمة؛ ~~لتقدم ذكرها مع من كفر بها، ولم يجىء ذلك في البقرة، بل قال: # واشكروا لله # [البقرة: 172] لما تقدم ذلك، وتقدم نظير ما هنا. ### || [16.115-117] # قوله - تعالى -: { إنما ms5510 حرم عليكم الميتة والدم ~~} الآية وقد تقدم الكلام عليها في سورة البقرة، وحصر المحرمات في هذه ~~الأشياء الأربعة مذكور عليها في سورة الأنعام؛ عند قوله - تعالى -: # قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما # [الأنعام: 145]، وفي سورة المائدة في قوله: # أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم # [المائدة: 1]، وأجمعوا على أن المراد بقوله: { إلا ما يتلى ~~عليكم } هو قوله - تعالى - في سورة البقرة: # إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم ~~الخنزير ومآ أهل به لغير الله # [البقرة: 173] وقوله - تعالى -: # والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة ~~ومآ أكل السبع إلا ما ذكيتم # [المائدة: 3] فهذه الأشياء داخلة في الميتة. ثم قال - تعالى -: # وما ذبح على النصب # [المائدة: 3] وهذا أحد الأقسام الداخلة تحت قوله # ومآ أهل به لغير الله # [البقرة: 173]، فثبت أن هذه السور الأربعة دالة على حصر المحرمات، ~~فيها سورتان مكيتان، وسورتان مدنيتان، فإن البقرة مدنية، وسورة ~~المائدة من آخر ما أنزل الله تعالى بالمدينة، فمن أنكر حصر التحريم في ~~هذه الأربعة، إلا ما خصه الإجماع والدلائل القاطعة كان في محل أن ~~يخشى عليه؛ لأن هذه السورة دلت على أن حصر المحرمات في هذه الأربعة ~~كان مشروعا ثابتا في أول زمان مكة وآخره، وأول زمان المدينة وآخره ~~وأنه - تعالى - أعاد هذا البيان في هذه السورة، قطعا للأعذار وإزالة ~~للريبة. # قوله - تعالى -: { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم ~~الكذب هذا حلال وهذا حرام } الآية لما حصر المحرمات ~~في تلك الأربعة، بالغ في تأكيد زيادة الحصر، وزيف طريقة الكفار في ~~الزيادة على هذه الأشياء الأربعة تارة، وفي النقصان عنها أخرى؛ ~~فإنهم كانوا يحرمون البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، ~~وكانوا يقولون: # ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ~~ومحرم على أزواجنا # [الأنعام: 139] فقد زادوا في المحرمات وزادوا أيضا في المحللات؛ ~~لأنهم حللوا الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل به لغير الله، ~~فبين - تعالى - أن المحرمات هذه هي الأربعة، وبين أن الأشياء التي ~~يقولون: هذا حلال وهذا حرام، كذب وافتراء على الله تعالى، ثم ذكر ~~الوعيد الشديد على هذا الكذب. ms5511 # قوله: " الكذب " العامة على فتح الكاف، وكسر الذال، ونصب الباء، ~~وفيه أربعة أوجه: # أظهرها: أنه منصوب على المفعول به، وناصبه: " تصف " ، و " ما " ~~مصدرية ويكون معمول القول الجملة من قوله: { هذا حلال وهذا ~~حرام } ، و " لما تصف " علة للنهي عن قول ذلك، أي: ولا ~~تقولوا: هذا حلال وهذا حرام؛ لأجل وصف ألسنتكم بالكذب، وإلى هذا نحا ~~الزجاج [رحمه الله تعالى] والكسائي. # والمعنى: لا تحللوا ولا تحرموا لأجل قول تنطق به ألسنتكم من غير ~~حجة. # فإن قيل: حمل الآية عليه يؤدي إلى التكرار؛ لأن قوله: { ~~لتفتروا على الله الكذب } عين ذلك. # فالجواب: أن قوله: { لما تصف ألسنتكم } ليس فيها بيان أنه ~~كذب على الله تعالى، فأعاد قوله: { لتفتروا على الله ~~الكذب } ليحصل فيه هذا البيان الزائد؛ ونظائره في القرآن كثيرة وهو ~~أنه تعالى يذكر كلاما، ثم يعيده بعينه مع فائدة زائدة. # الثاني: أن ينتصب مفعولا به للقول، ويكون قوله: " هذا حلال " بدلا ~~من " الكذب "؛ لأنه عينه، أو يكون مفعولا بمضمر، أي: فيقولوا: هذا ~~حلال وهذا حرام، و " لما تصف " علة أيضا، والتقدير: ولا تقولوا ~~الكذب لوصف ألسنتكم، وهل يجوز أن تكون المسألة من باب التنازع على هذا ~~الوجه؛ وذلك أن القول يطلب الكذب، و " تصف " أيضا يطلبه، أي: ولا ~~تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم، وفيه نظر. # الثالث: أن ينتصب على البدل من العائد المحذوف على " ما " ، إذا قلنا: ~~إنها بمعنى الذي، والتقدير: لما تصفه، ذكر ذلك الحوفي وأبو البقاء ~~رحمهما الله تعالى. # الرابع: أن ينتصب بإضمار أعني؛ ذكره أبو البقاء، ولا حاجة إليه ولا معنى ~~عليه. # وقرأ الحسن، وابن يعمر، وطلحة: " الكذب " بالخفض، وفيه وجهان: # أحدهما: أنه بدل من الموصول، أي: ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذب، أو ~~للذي تصفه ألسنتكم الكذب، جعله نفس الكذب؛ لأنه هو. # والثاني: - ذكره الزمخشري -: أن يكون نعتا ل " ما " المصدرية. # ورده أبو حيان: بأن النحاة نصوا على أن المصدر المنسبك من " أن " ~~والفعل لا ينعت؛ لا يقال: يعجبني أن تخرج السريع، ولا فرق بين باقي ~~الحروف ms5512 المصدرية وبين " أن " في النعت. # وقرأ ابن أبي عبلة، ومعاذ بن جبل - رحمهما الله -: بضم الكاف ~~والذال، ورفع الباء صفة للألسنة، جمع كذوب؛ كصبور وصبر، أو جمع ~~كاذب، كشارف وشرف، أو جمع كذاب؛ نحو " كتاب وكتب " ، وقرأ ~~مسلمة بن محارب فيما نقله ابن عطية كذلك، إلا أنه نصب الباء، وفيه ~~ثلاثة أوجه ذكرها الزمخشري: # أحدها: أن تكون منصوبة على الشتم، يعني: وهي في الأصل نعت للألسنة؛ ~~كما في القراءة قبلها. # الثاني: أن تكون بمعنى الكلم الكواذب، يعني: أنها مفعول بها، والعامل ~~فيها إما " تصف " ، وإما القول على ما مر، أي: لا تقولوا الكلم ~~الكواذب أو لما تصف ألسنتكم الكلم الكواذب. # الثالث: أن يكون جمع الكذاب، من قولك: كذب كذابا، يعني: فيكون منصوبا ~~على المصدر؛ لأنه من معنى وصف الألسنة، فيكون نحو: كتب في جمع كتاب. # وقد قرأ الكسائي: " ولا كذابا " بالتخفيف، كما سيأتي في سورة النبأ ~~إن شاء الله - تعالى -. # واعلم أن قوله: { تصف ألسنتكم الكذب } من فصيح الكلام ~~وبليغه، كأن ماهية الكذب وحقيقته مجهولة، وكلامهم الكذب يكشف عن حقيقة ~~الكذب، ويوضح ماهيته، وهذه مبالغة في وصف كلامهم بكونه كذبا؛ ونظيره ~~قول ابي العلاء المعري: [الوافر] # 3371- سرى برق المعرة بعد وهن # فبات برامة يصف الكلالا # المعنى: إذا سرى ذلك البرق يصف الكلال، فكذا هاهنا. # فصل # وروى الدارمي بإسناده عن الأعمش قال: " ما سمعت إبراهيم قط يقول: ~~حلالا ولا حراما، ولكن كان يقول: كانوا يتكرهون، وكان يستحبون " ~~وقال ابن وهب: قال مالك: لم يكن من فتيا الناس أن يقولوا: هذا حلال ~~وهذا حرام، ولكن يقولوا: إياكم كذا وكذا، لم أكن لأصنع هذا، ومعنى ~~هذا: أن التحليل والتحريم إنما هو لله - عز وجل - وليس لأحد أن ~~يقول أو يصرح بهذا في عين من الأعيان، إلا أن يكون الباري - سبحانه ~~وتعالى - فيخبر بذلك عنه، فأما ما يئول إليه اجتهاده، فإنه يحرم عليه أن ~~يقول ذلك، بل يقول: إني أكره كما كان مالك - رضي الله عنه - يفعل. # قوله: " لتفتروا " في هذه اللام ثلاثة أوجه: ms5513 # أحدها: قال الواحدي: إنه بدل من " لما تصف "؛ لأن وصفهم الكذب هو ~~افتراء [على الله]. # قال أبو حيان: " وهو على تقدير جعل " ما " مصدرية، أما إذا كانت بمعنى ~~الذي، فاللام فيها ليست للتعليل، فيبدل منها ما يفهم التعليل، ~~وإنما اللام في " لما " متعلقة ب " لا تقولوا " على حد تعلقها ~~في قولك: لا تقولوا لما أحل الله هذا حرام، أي: لا تسموا الحلال ~~حراما، وكما تقول: لا تقل لزيد: عمرو أي: لا تطلق عليه هذا الاسم ". # قال شهاب الدين: وهذا وإن كان ظاهرا، إلا أنه لا يمنع من إرادة التعليل ~~وإن كانت بمعنى الذي. # الثاني: أنها للصيرورة؛ إذ لم يفعلوه لذلك الغرض؛ لأن ذلك الافتراء ما ~~كان غرضا لهم. # والمعنى: أنهم كانوا ينسبون ذلك التحريم والتحليل إلى الله - تعالى - ~~ويقولون: إن الله أمرنا بذلك. # قال ابن الخطيب: فعلى هذا تكون لام العاقبة؛ كقوله - تعالى -: # ليكون لهم عدوا وحزنا # [القصص: 8]. # الثالث: أنها للتعليل الصريح، ولا يبعد أن يصدر عنهم مثل ذلك. ثم إنه ~~- تعالى - أوعد المفترين فقال: { إن الذين يفترون على ~~الله الكذب لا يفلحون } ثم بين أن ما هم فيه من [متاع] ~~الدنيا يزول عنهم عن قرب، فقال: { متاع قليل } قال الزجاج: معناه: ~~متاعهم قليل. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: بل متاع كل الدنيا متاع ~~قليل، ثم يردون إلى عذاب أليم. # وفي " متاع " وجهان: # أحدهما: أنه مبتدأ، و " قليل " خبره. # وفيه نظر؛ للابتداء بالنكرة من غير مسوغ، فإن ادعي إضافة نحو: ~~متاعهم قليل، فهو بعيد جدا. # الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: بقاؤهم، أو عيشهم، أو منفعتهم فيما هم ~~عليه. ### || [16.118-119] # قوله تعالى -: { وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا ~~عليك } الآية لما بين ما يحل وما يحرم لأهل الإسلام، أتبعه ببيان ~~ما خص اليهودية من المحرمات، فقال: { وعلى الذين هادوا ~~حرمنا ما قصصنا عليك من قبل } وهو المذكور في سورة ~~الأنعام عند قوله - تعالى -: # وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر # [الأنعام: 146]. # وقوله: " من قبل " متعلق ب " حرمنا " أو ب ms5514 " قصصنا " ~~والمضاف إليه قبل تقديره: من قبل تحريمنا على أهل ملتك. # " وما ظلمناهم " بتحريم ذلك عليهم { ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون } فحرمنا عليهم ببغيهم، وهو قوله: # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات # [النساء: 160]. # قوله - تعالى -: { ثم إن ربك للذين عملوا السوء ~~بجهالة } الآية بين ههنا أن الافتراء على الله ومخالفة أمره، لا ~~يمنعهم من التوبة وحصول المغفرة والرحمة، ولفظ " السوء " يتناول كل ما ~~لا ينبغي، وهو الكفر والمعاصي، وكل من يفعل السوء فإنما يفعله جهلا، أما ~~الكفر فلأن أحدا لا يرضى به مع العلم بكونه كفرا؛ لأنه لو لم يعتقد ~~كونه حقا، فإنه لا يختاره ولا يرتضيه، وأما المعصية، فلأن العالم لم ~~تصدر عنه المعصية ما لم تصر الشهوة غالبة للعقل، فثبت أن كل من عمل ~~السوء فإنما يقدم عليه بسبب الجهالة، ثم تابوا من بعد ذلك، أي: من بعد ~~تلك السيئة. # وقيل: من بعد تلك الجهالة، ثم إنهم بعد التوبة عن تلك السيئات ~~أصلحوا، أي: آمنوا وأطاعوا الله. # قوله: " من بعدها " أي: من بعد عمل السوء والتوبة، والإصلاح، وقيل: على ~~الجهالة، وقيل: على السوء، لأنه في معنى المعصية. # " بجهالة " حال من فاعل " عملوا " ، ثم أعاد قوله: " إن ربك من بعدها " ~~على سبيل التأكيد، " لغفور رحيم " لذلك السوء الذي صدر عنه بسبب ~~الجهالة. ### || [16.120-123] # قوله - تعالى -: { إن إبراهيم كان أمة قانتا لله ~~حنيفا } الآية. # لما زيف مذاهب المشركين في مواضع من هذه السورة، وهب إتيانهم ~~الشركاء والأنداد لله تعالى، وطعنهم في نبوة الأنبياء عليهم السلام، ~~وقولهم: لو أرسل الله إليهم رسولا، لكان من الملائكة، وتحليل الأشياء ~~المحرمة، وتحريم الأشياء المحللة، وبالغ في إبطال مذاهبهم، وكان ~~إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - رئيس الموحدين، وهو الذي دعا الناس ~~إلى التوحيد والشرائع، وإبطال الشرك، وكان المشركون يفتخرون به ويعترفون ~~بحسن طريقته، [ويقرون] بوجوب الاقتداء به، لا جرم ذكره الله تعالى في آخر ~~هذه السورة، وحكى على طريقته بالتوحيد؛ ليصير ذلك حاملا لهؤلاء المشركين ~~على الإقرار بالتوحيد والرجوع عن الشرك. # قوله تعالى: " أمة " تطلق الأمة ms5515 على الرجل الجامع لخصال محمودة؛ ~~قال ابن هانىء: [السريع] # 3372- وليس على الله بمستنكر # أن يجمع العالم في واحد # وقيل: " فعلة " تدل على المبالغة، " فعلة " بمعنى المفعول، ~~كالدخلة والنخبة، فالأمة: هو الذي يؤتم به؛ قال - تعالى -: # إني جاعلك للناس إماما # [البقرة: 124] قال مجاهد: كان مؤمنا وحده، والناس كلهم كانوا ~~كفارا، فلهذا المعنى كان وحده أمة، وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول في زيد بن عمرو بن نفيل: # " يبعثه الله أمة وحده ". # وقيل: إنه - صلوات الله وسلامه عليه - هو السبب الذي لأجله جعلت ~~أمته ممتازين عمن سواهم بالتوحيد والدين الحق، ولما جرى مجرى ~~السبب لحصول تلك الأمة سماها الله تعالى بالأمة إطلاقا لاسم المسبب ~~على السبب. # وعن شهر بن حوشب: لم تبق أرض إلا وفيها أربعة عشر، يدفع الله بهم ~~البلاء عن أهل الأرض، إلا زمن إبراهيم - صلوات الله وسلامه عليه - ~~فإنه كان وحده. والأمة تطلق عل الجماعة؛ لقوله - تعالى -: # أمة من الناس يسقون # [القصص: 23] وتطلق على أتباع الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -، كقولك: ~~نحن من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وتطلق على الدين والملة؛ كقولهم: # إنا وجدنآ ءابآءنا على أمة # [الزخرف: 23] وتطلق على الحين والزمان؛ كقوله - تعالى -: # إلى أمة معدودة # [هود: 8] وقوله - جل ذكره-: # وادكر بعد أمة # [يوسف: 45] أي: بعد حين، وتطلق على القامة، يقال: فلان حسن الأمة، أي: ~~حسن القامة، وتطلق على الرجل المنفرد بدين لا يشرك فيه غيره؛ كقوله - ~~عليه الصلاة والسلام -: # " يبعث زيد بن عمرو بن نفيل يوم القيامة أمة ~~وحده ". # وتطلق على الأم، يقال: هذه أمة فلان يعني: أمه، وتطلق أيضا على كل ~~جنس من أجناس الحيوان؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام -: # " لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها ". # وقال ابن عباس: - رضي الله عنه -: خلق الله ألف أمة ستمائة في البحر، ~~وأربعمائة في البر. # قوله تعالى: { قانتا لله } القانت: هو القائم بأمر الله تعالى. ~~وقال ابن عباس: مطيعا لأمر الله تعالى. # قوله تعالى: " حنيفا ": [مائلا] إلى ملة الإسلام ميلا لا يزول ~~عنه، وقيل حنيفا: ms5516 مستقيما على دين الإسلام. وقيل: مخلصا. # قال ابن عباس: إنه أول من اختتن وأقام مناسك الحج، وهذه صفة الحنيفية. # { ولم يك من المشركين } أي: أنه كان من الموحدين في ~~الصغر والكبر، أما في حال صغره: فإنكاره بالقول للكواكب على عدم ~~ربوبيتها، وأما في كبره: فمناظرته لملك زمانه، وكسر الأصنام حتى آل أمره ~~أنه ألقي في النار. # قوله تعالى: " شاكرا " يجوز أن يكون خبرا ثالثا، أو حالا من أحد ~~الضميرين في " قانتا " و " حنيفا ". قوله: " لأنعمه " يجوز ~~تعلقه ب " شاكرا " أو ب " اجتباه " ، و " اجتباه " إما حال ~~وإما خبر آخر ل " كان " و " إلى صراط " يجوز تعلقه ب " اجتباه " ~~وب " هداه " على [قاعدة] التنازع. # فإن قيل: لفظ الأنعم جمع قلة، ونعم الله على إبراهيم - صلوات الله ~~وسلامه عليه - كانت كثيرة فلم قال: " شاكرا لأنعمه "؟. # فالجواب: أنه كان شاكرا لجميع نعم الله سبحانه وتعالى القليلة، فكيف ~~الكثيرة؟. # ومعنى " اجتباه ": اختاره واصطفاه للنبوة، والاجتباء: هو أن يأخذ ~~الشيء بالكلية، وهو " افتعال " من " جبيت " وأصله جمع الماء في ~~الحوض، والجابية هي الحوض، { وهداه إلى صراط مستقيم } ~~إلى دين الحق. # { وآتيناه في الدنيا حسنة } يعني: الرسالة والخلة. ~~وقيل: لسان صدق، وقال مقاتل بن حيان: هو قول المصلي: اللهم صل ~~على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم. # وقال قتادة - رضي الله عنه - إن الله حببه إلى كل الخلق. وقيل: ~~أولادا أبرارا على الكبر. { وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين }: في أعلى مقامات الصالحين في الجنة. # قوله - تعالى -: { ثم أوحينآ إليك أن اتبع ملة ~~إبراهيم } الآية. # لما وصف إبراهيم - صلوات الله وسلامه عليه - بهذه الصفات العالية ~~الشريفة، قال - جل ذكره - { ثم أوحينآ إليك أن اتبع ~~ملة إبراهيم }. قال الزمخشري في " ثم " هذه: إنها تدل على ~~تعظيم منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجلال محله، والإيذان بأن ~~الشرف ما أوتي خليل الرحمن من الكرامة، وأجل ما أولي من النعمة: ~~اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ملته، من قبل أنها دلت على تباعد ~~هذا النعت في ms5517 المرتبة من بين سائر النعوت التي أثنى الله - سبحانه ~~وتعالى - عليه بها. # قوله تعالى: { أن اتبع } يجوز أن تكون المفسرة، وأن تكون ~~المصدرية، فتكون مع منصوبها مفعول الإيحاء. # قوله تعالى: " حنيفا " حال، وتقدم تحقيقه في البقرة [الآية: 135]. # وقال ابن عطية: قال مكي: ولا يكون - يعني: " حنيفا " - حالا من " ~~إبراهيم " عليه السلام؛ لأنه مضاف إليه. # وليس كما قال؛ لأن الحال قد يعمل فيها حروف الجر، إذا عملت في ذي ~~الحال؛ كقولك: مررت به قائما. # وما ذكره مكي من امتناع الحال من المضاف إليه، فليس على إطلاقه؛ كما ~~تقدم تفصيله في البقرة. # وأما قول ابن عطية - رحمه الله -: إن العامل الخافض، فليس كذلك؛ إنما ~~العامل ما تعلق به الخافض، وكذلك إذا حذف الخافض، نصب مخفوضه. # فصل # قال قوم: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان على شريعة إبراهيم - صلوات ~~الله وسلامه عليه - وليس له شرع معين، بل المقصود من بعثته: إحياء ~~[شرع] إبراهيم صلى الله عليه وسلم بهذه الآية، وهذا ضعيف؛ لأنه - تعالى - ~~وصف إبراهيم - عليه السلام - في هذه الآية بأنه ما كان من المشركين، فلما ~~قال { أن اتبع ملة إبراهيم } ، كان المراد ذلك. # فإن قيل: النبي صلى الله عليه وسلم إنما نفى الشرك وأثبت التوحيد؛ بناء ~~على الدلائل القطعية، وإذا كان كذلك، لم يكن متابعا له، فيمتنع حمل ~~قوله: " أن اتبع " على هذا المعنى؛ فوجب حمله على الشرائع التي يصح ~~حصول المتابعة فيها. # فالجواب: أنه يحتمل أن يكون المراد بمتابعته في كيفية الدعوة إلى ~~التوحيد؛ وهي أن يدعو بطريق الرفق، والسهولة، وإيراد الدلائل مرة بعد ~~أخرى بأنواع كثيرة على ما هو الطريقة المألوفة في القرآن. # قال القرطبي: وفي هذه الآية دليل على جواز اتباع الأفضل للمفضول؛ لما ~~يؤدي إلى الثواب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء - صلوات ~~الله وسلامه عليهم - وقد أمر بالاقتداء بهم؛ فقال - تعالى -: # فبهداهم اقتده # [الأنعام: 90]، وقال - تعالى - هنا: { ثم أوحينآ إليك أن ~~اتبع ملة إبراهيم حنيفا }. ### || [16.124-128] # قوله - تعالى -: { إنما جعل السبت على الذين ~~اختلفوا ms5518 فيه } الآية. # لما أمر محمدا - صلوات الله وسلامه عليه - بمتابعة إبراهيم - عليه ~~الصلاة والسلام - وكان محمد اختار يوم الجمعة، وهذه المتابعة إنما ~~تحصل إذا قلنا: إن إبراهيم - صلوات الله وسلامه عليه - كان قد اختار في ~~شرعه يوم الجمعة، وعند هذا القائل أن يقول: فلم اختار اليهود يوم السبت؟. # فأجاب الله - تعالى - عنه بقوله: { إنما جعل السبت على ~~الذين اختلفوا فيه } ، وفي الآية قولان: # الأول: روى الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: ~~" أمرهم موسى - صلوات الله وسلامه عليه - بالجمعة، وقال: تفرغوا لله في ~~كل سبعة أيام يوما واحدا، وهو يوم الجمعة لا تعملوا فيه شيئا من ~~أعمالكم، فأبوا أن يفعلوا ذلك، وقالوا: لا نريد إلا اليوم الذي فرغ فيه ~~من الخلق، وهو يوم السبت، فجعل الله - تعالى - السبت لهم، وشدد عليهم ~~فيه، ثم جاءهم عيسى - عليه الصلاة والسلام - أيضا بالجمعة، فقالت ~~النصارى: لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا، واتخذوا الأحد ". # وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " إن الله كتب يوم الجمعة على من قبلنا، فاختلفوا ~~فيه وهدانا الله إليه، فهم لنا فيه تبع، اليهود غدا ~~والنصارى بعد غد ". # واعلم أن أهل الملل اتفقوا على أنه - تعالى - خلق العالم في ستة ~~أيام، وبدأ - تعالى - بالخلق والتكوين في يوم الأحد، وتم في يوم ~~الجمعة، وكان يوم السبت يوم الفراغ، فقالت اليهود: نحن نوافق ربنا في ترك ~~الأعمال، فعينوا يوم السبت لهذا المعنى، وقالت النصارى: مبدأ الخلق ~~والتكوين يوم الأحد، فنجعل هذا اليوم عيدا لنا. # وأما وجه جعل يوم الجمعة عيدا؛ فلأنه يوم كمال الخلق وتمامه، وحصول ~~التمام والكمال يوجب الفرح الكامل والسرور العظيم، فجعل يوم الجمعة ~~يوم العيد أولى. # والقول الثاني: اختلافهم في السبت هو أنهم أحلوا الصيد فيه تارة ~~وحرموه [تارة]. # قوله - تعالى -: { إنما جعل } العامة على بنائه للمفعول، وأبو ~~حيوة على بنائه للفاعل، و " السبت " مفعول به. # { وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيمة فيما ~~كانوا فيه يختلفون ms5519 } ، أي: يحكم للمحقين بالثواب، وللمبطلين ~~بالعقاب. # قوله - تعالى -: { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ~~والموعظة الحسنة } الآية لما أمر محمدا - صلوات الله وسلامه ~~عليه - باتباع إبراهيم صلى الله عليه وسلم، بين الشيء الذي أمره ~~بمتابعته فيه؛ فقال - عز وجل -: { ادع إلى سبيل ربك ~~بالحكمة والموعظة }. # يجوز أن يكون مفعول " ادع " مرادا، أي: ادع الناس، وإلا يكون ~~مرادا، أي: افعل، و " بالحكمة " حال، أي ملتبسا بها. # واعلم أنه - تعالى - أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو الناس ~~بأحد هذه الطرق الثلاثة، وهي: { بالحكمة والموعظة ~~الحسنة } ، والمجادلة بالطريق الأحسن، وذكر - تعالى - هذا الجدل في ~~آية أخرى، فقال - تعالى -: # ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن # [العنكبوت: 46] ولما ذكر الله - تعالى - هذه الطرق الثلاثة، وعطف - ~~تعالى - بعضها على بعض وجب أن تكون طرقا متغايرة. # واعلم أن الدعوة إلى المذاهب لا بد وأن تكون مبنية على حجة وبينة، ~~والمقصود من ذكر تلك الحجة: إما تقرير ذلك المذهب، وذلك على قسمين: لأن ~~تلك الحجة إما أن تكون حجة قطعية مبرأة عن احتمال النقيض، أو لا تكون ~~كذلك، بل تكون حجة تفيد الظن الظاهر، والإقناع الكامل، فظهر بهذا التقسيم ~~انحصار الحجج في هذه الأقسام الثلاثة: # أولها: الحجة القطعية المفيدة للعقائد اليقينية، وذلك هو المسمى ~~بالحكمة. # وثانيها: الأمارات الظنية، و الدلائل الإقناعية، وهي الموعظة الحسنة. # وثالثها: الدلائل التي يكون المقصود منها: إلزام الخصوم وإقحامهم، وذلك ~~هو الجدل، ثم هذا الجدل على قسمين: # أحدهما: أن يكون دليلا مركبا من مقدمات مسلمة عند الجمهور، أو من ~~مقدمات مسلمة عند ذلك الخصم، وهذا هو الجدل الواقع على الوجه الأحسن. # والقسم الثاني: أن يكون ذلك الدليل مركبا من مقدمات فاسدة باطلة، إلا ~~أن قائلها يحاول ترويجها على المستمعين، بالسفاهة والشغب، والحيل ~~الباطلة، والطرق الفاسدة، وهذا القسم لا يليق بأهل [الفضل]، إنما اللائق ~~بهم القسم الأول، وهو المراد بقوله: { وجادلهم بالتي هي ~~أحسن }. # فصل # قال المفسرون: قوله: " بالحكمة " أي: بالقرآن، " والموعظة ~~الحسنة " يعني: مواعظ القرآن. وقيل " الموعظة الحسنة " هو الدعاء ms5520 ~~إلى الله - تعالى - بالترغيب والترهيب، وقيل: بالقول اللين من غير ~~غلظ ولا تعنيف. # { وجادلهم بالتي هي أحسن } ناظرهم بالخصومة، " التي ~~هي أحسن " أي: أعرض عن أذاهم، أي: ولا تقصر في تبليغ الرسالة، ~~والدعاء غلى الحق، والآية نسختها آية القتال. # { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو ~~أعلم بالمهتدين } ، أي: إنك يا محمد مكلف بالدعوة إلى ~~الله، وأما حصول الهداية فلا يتعلق بك، فهو أعلم بالضالين وأعلم ~~بالمهتدين. # قوله - تعالى -: { وإن عاقبتم فعاقبوا } العامة على " ~~المفاعلة " وهي بمعنى: " فعل "؛ كسافر، وابن سيرين: " عقبتم ~~" بالتشديد بمعنى: قفيتم [بالانتصار فقفوا] بمثل ما فعل بكم. # وقيل: تتبعتم، والباء معدية، وفي قراءة ابن سيرين إما للسببية ~~وإما مزيدة. # فصل # قال الواحدي رحمه الله: هذه الآية فيها ثلاثة أقوال: # أحدها: وهو قول ابن عباس في رواية عطاء وأبي بن كعب والشعبي - رضي ~~الله عنهم -: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى حمزة وقد مثلوا ~~به، قال: # " والله لأمثلن بسبعين منهم مكانك " # فنزل جبريل - صلوات الله وسلامه عليه - بخواتيم سورة النحل، فكف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأمسك عما أراد؛ وعلى هذا قالوا: سورة النحل ~~مكية إلا هذه الثلاث آيات. # والقول الثاني: أن هذا كان قبل الأمر بالسيف والجهاد، حين كان ~~المسلمون لا يبدءون بالقتال، ولا يقاتلون إلا من قاتلهم، ويدل عليه ~~قوله - تعالى -: # وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا ~~تعتدوا # [البقرة: 190] وفي هذه الآية أمروا بأن يعاقبوا بمثل ما يصيبهم من ~~العقوبة ولا يزيدوا، فلما أعز الله الإسلام وأهله، نزلت " براءة " ~~وأمروا بالجهاد، ونسخت هذه الآية، قاله ابن عباس والضحاك. # والقول الثالث: أن المقصود من هذه الآية نهي المظلوم عن استيفاء الزيادة ~~من الظالم، وهذا قول مجاهد، والنخعي، وابن سيرين. # وقال ابن الخطيب: وحمل هذه الآية على قصة لا تعلق لها بما قبلها، يوجب ~~حصول سوء الترتيب في كلام الله - تعالى - وهو في غاية البعد، بل الأصوب ~~عندي أن يقال: إنه - تعالى - أمر محمدا صلى الله عليه وسلم بدعوة ~~الخلق إلى ms5521 الدين الحق بأحد الطرق الثلاثة، وهي الحكمة، والموعظة، ~~والجدال بالطريق الأحسن، ثم إن تلك الدعوة تتضمن أمرهم بالرجوع عن دين ~~آبائهم وأسلافهم، والحكم عليهم بالكفر والضلالة، وذلك مما يشوش قلوبهم، ~~ويوحش صدورهم، ويحمل أكثرهم على قصد ذلك الداعي بالقتل تارة، وبالضرب ~~ثانيا، وبالشتم ثالثا، ثم إن ذلك الداعي المحق إذا تسمع تك ~~السفاهات، لا بد وأن يحمله طبعه على تأديب أولئك السفهاء؛ تارة بالقتل، ~~وتارة بالضرب، فعند هذا أمر المحقين في هذا المقام برعاية العدل ~~والإنصاف، وترك الزيادة، فهذا هو الوجه الصحيح الذي يجب حمل الآية عليه. # فإن قيل: فكيف تقدحون فيما روي أنه - صلوات الله وسلامه عليه - ترك ~~العزم على المثلة، وكفر عن يمينه بسبب هذه الآية؟. # قلنا: لا حاجة إلى القدح في تلك الرواية؛ لأنا نقول: تلك الواقعة داخلة ~~في عموم هذه الآية، فيمكن التمسك بتلك الواقعة بعموم هذه الآية، وذلك ~~لا يوجب سوء الترتيب في كلام الله - تعالى -. # فصل # في هذه الآية دليل على جواز التماثل في القصاص، فمن قتل بحديد قتل ~~بمثلها، ومن قتل بحجر، قتل بمثله، ولا يتعدى قدر الواجب، واختلفوا فيمن ~~ظلمه رجل فأخذ ماله، ثم ائتمن الظالم المظلوم على مال، هل يجوز للمظلوم ~~خيانة الظالم في القدر الذي ظلمه؟. # فقال ابن سيرين، والنخعي، وسفيان، ومجاهد: له ذلك لعموم هذه الآية. # وقال مالك وجماعة: لا يجوز؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك " # رواه الدارقطني. # وقال القرطبي: " ووقع في مسند ابن إسحاق: أن هذا الحديث إنما ورد في ~~رجل زنا بامرأة آخر، ثم تمكن الآخر من زوجة الثاني بأن تركها عنده ~~وسافر، فاستشار ذلك الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمر، فقال ~~له: # " أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك " # وعلى هذا يقوى قول مالك - رضي الله عنه - في المال؛ لأن الخيانة لاحقة ~~في ذلك ". # فصل # اعلم أنه - تعالى - أمر برعاية العدل والإنصاف في هذه الآية ورتب ذلك ~~على أربع مراتب: ms5522 # الأولى: قوله: { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما ~~عوقبتم به } يعني: إن رغبتم في استيفاء القصاص، فاقنعوا بالمثل ~~ولا تزيدوا عليه؛ فإن استيفاء الزيادة ظلم، والظلم ممنوع منه في عدل ~~الله ورحمته، وفي قوله - تعالى -: { وإن عاقبتم فعاقبوا ~~بمثل ما عوقبتم به } دليل على أن الأولى ألا يفعل؛ كما يقول ~~الطبيب للمريض: إن كنت تأكل الفاكهة، فكل التفاح، فإن معناه: الأولى بك ~~ألا تأكله، فذكر - تعالى - بطريق الرمز والتعريض [على] أن الأولى ~~تركه. # والمرتبة الثانية: الانتقال من التعريض إلى التصريح، وهو قوله - عز ~~وجل -: { ولئن صبرتم لهو خير للصابرين } وهذا تصريح ~~بأن الأولى ترك ذلك الانتقام؛ لأن الرحمة أفضل من القسوة، والانتفاع ~~أفضل من الإيلام. # المرتبة الثالثة: وهو الأمر بالجزم بالترك، وهو قوله: " واصبر "؛ ~~لأن في المرتبة الثانية ذكر أن الترك خير وأولى، وفي هذه المرتبة ~~الثالثة صرح بالأمر بالصبر في هذا المقام، ولما كان الصبر في هذا ~~المقام شديدا شاقا، ذكر بعده ما يفيد سهولته؛ فقال - تعالى -: { وما ~~صبرك إلا بالله } أي: بتوفيقه ومعونته، وهذا هو السب الكلي ~~الأصلي في حصول جميع أنواع الطاعات. # ولما ذكر هذا السبب الكلي الأصلي، ذكر بعده ما هو السبب الجزئي ~~القريب؛ فقال - جل ذكره -: { ولا تحزن عليهم ولا تك في ~~ضيق مما يمكرون }؛ وذلك لأن إقدام الإنسان على الانتقام، ~~وعلى [إنزال] الضرر بالغير لا يكون إلا من هيجان الغضب، وشدة الغضب لا ~~تحصل إلا لأحد أمرين: # أحدهما: فوات نفع كان حاصلا في الماضي، وإليه الإشارة بقوله تعالى: { ~~ولا تحزن عليهم } قيل: معناه: ولا تحزن على قتلى " أحد " ، ~~أي: ولا تحزن بفوات أولئك الأصدقاء وقيل: ولا تحزن عليهم في إعراضهم عنك، ~~ويرجع حاصله إلى فوات النفع. # والسبب الثاني: أن شدة الغضب قد تكون لتوقع ضرر في المستقبل، وإليه ~~الإشارة بقوله: { ولا تك في ضيق مما يمكرون } ، ومن وقف ~~على هذه اللطائف، عرف أنه لا يمكن كلام [أدخل] في الحسن والضبط من ~~هذا الكلام. # قوله: " للصابرين " يجوز أن يكون عاما، أي: الصبر خير لجنس ~~الصابرين، وأن ms5523 يكون من وقوع الظاهر موقع المضمر، أي: صبركم خير لكم. # قوله: " إلا بالله " أي: بمعونته، فهي للاستعانة. # قوله: " في ضيق " قرأ ابن كثير هنا وفي النمل: بكسر الضاد، ~~والباقون: بالفتح، فقيل: هما لغتان بمعنى في هذا المصدر؛ كالقول ~~والقيل. # وقيل: المفتوح مخفف من " ضيق "؛ ك " ميت " في " ميت " ، أي: ~~في أمر ضيق، فهو مثل هين في هين، و " لين " في " لين " ، قاله ~~ابن قتيبة. # ورده الفارسي: بأن الصفة غير خاصة بالموصوف، فلا يجوز ادعاء الحذف ~~ولذلك جاز: مررت بكاتب، وامتنع بآكل. # وأما وجه القراءة بالفتح، قال أبو عبيدة الضيق بالكسر في قلة ~~المعاش والمساكن، وما كان في القلب، فإنه الضيق. # وقال أبو عمرو: " الضيق بالكسر: الشدة، والضيق بالفتح: الغم ~~". # قوله تعالى: { مما يمكرون } متعلق ب " ضيق " و " ما " ~~مصدرية، أو بمعنى الذي، والعائد محذوف. # فصل # هذا من الكلام المقلوب؛ لأن الضيق صفة، والصفة تكون حاصلة في الموصوف، ~~ولا يكون الموصوف حاصلا في الصفة، فيكون المعنى: فلا يكن الضيق فيك؛ لأن ~~الفائدة في قوله: { ولا تك في ضيق } هو أن الضيق إذا عظم ~~وقوي، صار كالشيء المحيط بالإنسان من الجوانب، وصار كالقميص المحيط به، ~~فكانت الفائدة في هذا اللفظ هذا المعنى. # المرتبة الرابعة: قوله: { إن الله مع الذين اتقوا } ~~المناهي، { والذين هم محسنون } وهذا يجري مجرى التهديد؛ ~~لأنه في المرتبة الأولى: رغب في ترك الانتقام على سبيل الرمز، وفي ~~الثانية: عدل عن الرمز إلى التصريح، وهو قوله - عز وجل -: { ولئن ~~صبرتم لهو خير للصابرين } ، وفي المرتبة الثالثة: أمر ~~بالصبر على سبيل الجزم، وفي هذه المرتبة الرابعة: كأنه ذكر الوعيد على ~~فعل الانتقام، فقال: { إن الله مع الذين اتقوا } عن ~~استيفاء الزيادة، { والذين هم محسنون }: في ترك أصل ~~الانتقام؛ فكأنه قال: إن أردت أن أكون معك، فكن من المتقين ومن ~~المحسنين، وهذه المعية بالرحمة والفضل والتربية. # وقوله - تعالى -: { الذين اتقوا } إشارة غلى التعظيم لأمر الله، ~~وقوله - جل ذكره - { والذين هم محسنون } إشارة إلى الشفقة ~~على خلق الله، وذلك يدل على أن كمال ms5524 سعادة الإنسان في التعظيم لأمر ~~الله، والشفقة على خلق الله - تعالى -. # قيل لهرم بن حيان عند قرب وفاته: أوص، فقال: إنما الوصية في المال ~~ولا مال لي، ولكن أوصيك بخواتيم سورة النحل، قال بعضهم: إن قوله - جل ~~ذكره -: { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ~~ولئن صبرتم لهو خير للصابرين } منسوخ بآية السيف، ~~وهذا في غاية البعد؛ لأن المقصود من هذه الآية تعليم حسن الأدب في ~~كيفية الدعوة إلى الله - سبحانه وتعالى -، وترك التعدي وطلب ~~الزيادة، ولا تعلق بهذه الأشياء بآية السيف والله أعلم بمراده. # روى أبو أمامة، عن أبي بن كعب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة النحل، لم يحاسبه الله - تعالى - بالنعيم ~~الذي أنعم عليه في دار الدنيا، وأعطي من الأجر كالذي مات ~~فأحسن الوصية ". ### | [17 - سورة الإسراء] ### || [17.1] # قوله تعالى: { سبحان الذي أسرى بعبده ليلا } الآية. # قال النحويون: " سبحان " اسم علم للتسبيح يقال: سبحت تسبيحا ~~فالتسبيح هو المصدر، وسبحان اسم على للتسبيح؛ كقوله: " كفرت اليمين ~~تكفيرا وكفرانا " ، وتقدم الكلام عليه في أول البقرة، ومعناه ~~تنزيه الله عن كل سوء. # والنصب على المصدر، كأنه وضع موضع " سبحت الله تسبيحا " وهو مفرد، ~~إذا أفرد، وفي آخره زائدتان: الألف والنون، فامتنع من الصرف؛ للتقدير ~~والزيادتين. # وعن سيبويه أن من العرب من ينكره؛ فيقول: " سبحانا " بالتنزيه. # وقال أبو عبيد: لا ينتصب على النداء، فكأنه قال: " يا سبحان الله، ~~يا سبحان الذي أسرى بعبده ". # قال القرطبي: سبحان، اسم موضوع موضع المصدر، وهو غير متمكن؛ لأنه ~~لا يجري بوجوه الإعراب، ولا يدخل فيه الألف واللام، ولم يجر منه فعل، ~~ولم ينصرف؛ لأن في آخره زائدتين، ومعناه التنزيه، والبراءة لله، فهو ~~ذكر؛ فلا يصلح لغيره، فأما قول من قال: [السريع] # 3373- أقول لما جاءني فخره # سبحان من علقمة الفاخر # فإنما ذكره على طريق النادر. # روى طلحة بن عبيد الله أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: " ما ~~معنى سبحان لله " فقال: " تنزيه الله عن كل سوء ". # وقال ms5525 صاحب النظم: " السبح في اللغة التباعد؛ قال تعالى: # إن لك في النهار سبحا طويلا # [المزمل: 7] أي: تباعدا طويلا فمعنى " سبح ": تنزيهه عما لا ينبغي ~~". # وللتسبيح معان أخر؛ قد يكون بمعنى الصلاة؛ كقوله: # فلولا أنه كان من المسبحين # [الصافات: 143] أي المصلين والسبحة: صلاة النافلة، وإنما قيل ~~للمصلي: " مسبح "؛ لأنه معظم لله بالصلاة، ومنزه له عما لا ~~ينبغي. # وقد يرد التسبيح بمعنى الاستثناء؛ كقوله تعالى: # قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون # [القلم: 28] أي تستثنون. # وتأويله أيضا يعود إلى تعظيم الله في الاستثناء بمشيئته، وجاء في ~~الحديث: # " لأحرقت سبحات وجهه " # قيل: معناه: وجهه وقيل: معناه: نور وجهه الذي إذا رآه الرائي، قال: " ~~سبحان الله ". ويكون " سبحان الله " بمعنى التعجب. # وقوله: " أسرى " و " سرى " لغتان، وتقدم الكلام عليهما في سورة ~~هود [آية: 81]، وأن بعضهم خص " أسرى " بالليل. # قال الزمخشري هنا: فإن قلت: الإسراء لا يكون إلا ليلا؛ فما معنى ~~ذكر الليل؟. # قلت: أراد بقوله " ليلا " بلفظ التنكير، تقليل مدة الإسراء، وأنه ~~أسري به في بعض الليل، من " مكة " إلى " الشام " مسيرة أربعين ليلة؛ ~~وذلك أن التنكير دل على البعضية، ويشهد لذلك قراءة عبد الله وحذيفة ~~" من الليل " ، أي: بعضه؛ كقوله: # ومن الليل فتهجد به # [الإسراء: 79]. انتهى. # فيكون " سرى " و " أسرى " ك " سقى " و " أسقى " والهمزة ليست ~~للتعدية؛ وإنما المعدى الباء في " بعبده " ، وقد تقدم أنها لا تقتضي ~~مصاحبة الفاعل للمفعول عند الجمهور، في البقرة، خلافا للمبرد. # وزعم ابن عطية أن مفعول " أسرى " محذوف، وأن التعدية بالهمزة؛ فقال: ~~" ويظهر أن " " أسرى " معداة بالهمزة إلى مفعول محذوف، أي: أسرى ~~الملائكة بعبده؛ لأنه يقلق أن يسند " أسرى " وهو بمعنى " سرى " إلى ~~الله تعالى؛ إذ هو فعل يقتضي النقلة؛ ك " مشى، وجرى، وأحضر، وانتقل ~~" فلا يحسن إسناد شيء من هذا مع وجود مندوحة عنه، فإذا وقع في الشريعة ~~شيء من ذلك، تأولناه؛ نحو: أتيته هرولة. # وهذا كله إنما بناه؛ اعتقادا على أن التعدية بالباء تقتضي مصاحبة ~~الفاعل للمفعول في ذلك، وتقدم الرد على هذا المذهب في أول ms5526 البقرة ~~في قوله تعالى: # ولو شآء الله لذهب بسمعهم # [البقرة: 20]. # ثم جوز أن يكون " أسرى " بمعنى " سرى " على حذف مضاف؛ كقوله: # ذهب الله بنورهم # [البقرة: 17] يعني: فيكون التقدير: الذي أسرى ملائكته بعبده، والحامل ~~له على ذلك ما تقدم من اعتقاد المصاحبة. والعبد هو محمد صلى الله عليه ~~وسلم. # قوله: " ليلا " منصوب على الظرف، وقد تقدم فائدة تنكيره. و " من ~~المسجد " " من " لابتداء الغاية. # فصل في وقت الإسراء # قال مقاتل: " كان قبل الهجرة بستة عشر شهرا " ، ونقل الزمخشري عن أنس ~~والحسين: كان قبل البعثة، واختلفوا في المكان الذي أسري به منه، فقيل: ~~هو المسجد الحرام بعينه؛ لظاهر القرآن، وقوله - عليه الصلاة والسلام -: # " بينا أنا في المسجد الحرام عند البيت بين النائم ~~واليقظان، إذ أتاني جبريل عليه السلام بالبراق ". # وقيل: أسري به من دار أم هانىء بنت أبي طالب، وعلى هذا، فالمراد ~~بالمسجد الحرام الحرم. # قال ابن عباس: " الحرم كله مسجد " ، وهذا قول الأكثرين. وقوله: ~~{ إلى المسجد الأقصى }. # اتفقوا على أنه بيت المقدس، وسمي بالأقصى؛ لبعد المسافة بينه وبين ~~المسجد الحرام. # وقوله: { باركنا حوله }. # قيل: بالأزهار والثمار. # وقيل: لأنه مقر الأنبياء، ومهبط الملائكة. # واعلم أن كلمة: " إلى " لانتهاء الغاية، فمدلول قوله: { إلى ~~المسجد الأقصى } أنه وصل إلى ذلك، فأما أنه دخل المسجد أم لا، ~~فليس في اللفظ دلالة عليه، إلا أنه ورد الحديث أنه صلى الله عليه ~~وسلم صلى فيه. # قوله: " حوله " فيه وجهان: أظهرهما: أنه منصوب على الظرف، وقد ~~تقدم في تحقيق القول فيه أول البقرة. # والثاني: أنه مفعول. قال أبو البقاء: " أي: طيبنا ونمينا ". # يعني ضمنه معنى ما يتعدى بنفسه، وفيه نظر؛ لأنه لا يتصرف. # قوله: " لنريه " قرأ العامة بنون العظمة؛ جريا على " باركنا " ~~وفيهما التفات من الغيبة في قوله " الذي أسرى بعبده " إلى التكلم ~~في " باركنا " و " لنريه " ، ثم التفت إلى الغيبة في قوله: " إنه ~~هو " إن أعدنا الضمير إلى الله تعالى، وهو الصحيح، ففي الكلام ~~التفاتان. # وقرأ الحسن " ليريه " بالياء من تحت، أي: الله تعالى، وعلى هذه ~~القراءة ms5527 يكون في هذه الآية أربعة التفاتات: وذلك أنه التفت أولا من ~~الغيبة في قوله " الذي أسرى بعبده " إلى التكلم في قوله " ~~باركنا " ثم التفت ثانيا من التكلم في " باركنا " إلى الغيبة في ~~" ليريه " على هذه القراءة، ثم التفت ثالثا من هذه الغيبة إلى ~~التكلم في " آياتنا " ، ثم التفت رابعا من هذا التكلم إلى الغيبة في ~~قوله " إنه هو " على الصحيح في الضمير؛ أنه لله، وأما على قول نقله ~~أبو البقاء أن الضمير في " إنه هو " للنبي صلى الله عليه وسلم فلا ~~يجيء ذلك، ويكون في قراءة العامة التفات واحد، وفي قراءة الحسن ~~ثلاثة. وأكثر ما ورد الالتفات فيه ثلاث مرات على ما قاله الزمخشري ~~في قول امرىء القيس: [المتقارب] # 3374- تطاول ليلك بالأثمد # .................. # الأبيات. وتقدم النزاع معه في ذلك، وبعض ما يجاب به عنه أول ~~الفاتحة. # ولو ادعى مدع أن ها هنا خمسة التفاتات لاحتيج في دفعه إلى ~~دليل واضح، والخامس: الالتفات من " إنه هو " إلى التكلم في ~~قوله # وءاتينآ موسى الكتاب # [الإسراء: 2] الآية. # والرؤية هنا بصرية. وقيل: قلبية، وإليه نحا ابن عطية، فإنه قال: " ~~ويحتمل أن يريد: لنري محمدا للناس آية، أي: يكون النبي صلى الله ~~عليه وسلم آية في أن يصنع الله ببشر هذا الصنيع " فتكون الرؤية قلبية ~~على هذا. # فصل في معنى " لنريه " # معنى الرؤية هو ما رأى في تلك الليلة من العجائب والآيات الدالة على ~~قدرة الله تعالى. # فإن قيل: قوله: { لنريه من ءاياتنآ } يدل على أنه تعالى ~~ما أراه إلا بعض الآيات؛ لأن كلمة " من " للتبعيض وقال في حق ~~إبراهيم: # وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض # [الأنعام: 75] فيلزم أن يكون معراج إبراهيم - عليه السلام - أفضل من ~~معراج محمد صلى الله عليه وسلم قلنا: فالجواب أن الذي رآه إبراهيم ملكوت ~~السموات والأرض، والذي رآه محمد بعض آيات الله، ولا شك أن آيات الله ~~أفضل. # ثم قال: { إنه هو السميع البصير } أي: السميع لأقوال ~~محمد صلى الله عليه وسلم أي: المجيب لدعائه البصير: أي: لأفعاله ~~العالم بكونها خالصة ms5528 عن شوائب الرياء، مقرونة بالصدق والصفاء. # فصل في كيفية الإسراء # اختلفوا في كيفية ذلك الإسراء، فالأكثرون على أنه أسري بجسد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # وروي عن عائشة وحذيفة: أن ذلك كان رؤيا، قالا: ما فقد جسد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ولكن الله أسرى بروحه. فالكلام في هذا ~~الباب في مقامين. # الأول: في إثبات الجواز العقلي. # والثاني: في الوقوع. # فالمقام الأول؛ وهو الجواز العقلي: فنقول: الحركة الواقعة في السرعة ~~إلى هذا الحد ممكنة في نفسها، والله - تعالى - قادر على جميع ~~الممكنات، والدليل على أن هذه الحركة السريعة ممكنة غير ممتنعة ~~تفتقر إلى مقدمتين: # الأولى: أن الحركة الواقعة إلى هذا الحد يدل عليها وجوه: # الأول: أن الفلك الأعظم يتحرك من أول الليل إلى آخره ما يقرب من ~~نصف الدور، وثبت في الهندسة أن نسبة القطر إلى الدور نسبة الواحد ~~إلى ثلاثة وسبعة فيلزم أن تكون نسبة نصف القطر إلى نصف الدور نسبة ~~الواحد إلى ثلاثة وسبعة فبتقدير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتفع ~~من مكة إلى ما فوق الفلك الأعظم، فهو لم يتحرك إلا مقدار نصف القطر، ~~فلما حصل في ذلك القدر من الزمان حركة نصف الدور، كان حصول الحركة ~~بمقدار نصف القطر أولى بالإمكان، فهذا برهان قاطع على أن الارتفاع ~~من مكة إلى ما فوق العرش في مقدار ثلث الليل أمر ممكن في نفسه، ~~وإذا كان كذلك، كان حصوله في كل الليل أولى بالإمكان. # الثاني: ثبت في الهندسة أن قرص الشمس يساوي كرة الأرض مائة وستين ~~مرة، وكذا وكذا وكذا، ثم إنا نشاهد أن طلوع القرص يحصل في زمان ~~لطيف سريع، فدل على أن بلوغ الحركة في السرعة إلى هذا الحد ~~أمر ممكن في نفسه. # الثالث: أنه كما يستبعد في العقل صعود الجسم الكثيف عن مركز العالم ~~إلى ما فوق العرش، فكذلك يستبعد نزول الجسم اللطيف الروحاني من فوق ~~العرش إلى مركز العالم، فإن كان القول بمعراج محمد صلى الله عليه وسلم ~~في الليلة الواحدة ms5529 ممتنعا في العقول، فإن القول بنزول جبريل - عليه ~~السلام - من العرش إلى مكة في اللحظة الواحدة ممتنعا، ولو حكمنا بهذا ~~الامتناع، كان ذلك طعنا في نبوة جميع الأنبياء - عليهم السلام - ~~والقول بثبوت المعراج فرع على تسليم جواز أصل النبوة؛ فيلزم القائل ~~بامتناع حصول حركة سريعة إلى هذا الحد، القول بامتناع جبريل - عليه ~~السلام - من الانتقال في اللحظة من العرش إلى مكة، ولما كان ذلك ~~باطلا، كان ما ذكروا أيضا باطلا. # فإن قالوا: نحن لا نقول: إن جبريل - عليه السلام - جسم ينتقل من ~~مكان إلى مكان، وإنما نقول: المراد من نزول جبريل- عليه السلام - هو ~~زوال الحجب الجسمانية عن جسم محمد صلى الله عليه وسلم حتى يظهر ~~في روحه من المكاشفات والمشاهدات بعض ما كان حاضرا متجليا في ذات ~~جبريل - عليه السلام -. # قلنا: تفسير الوحي بهذا الوجه هو قول الحكماء، أما جمهور المسلمين ~~فيقولون: إن جبريل - عليه السلام - جسم، وأن نزوله عبارة عن انتقاله ~~من عالم الأفلاك [إلى مكة]، وإذا كان كذلك، كان الإلزام المذكور ~~قويا. # " روي أنه - عليه السلام - لما ذكر قصة المعراج كذبه الكل، ~~وذهبوا إلى أبي بكر، وقالوا له: " إن صاحبك يقول كذا وكذا " ، فقال ~~أبو بكر: " إن كان قد قال ذلك، فهو صادق " ، ثم أتى إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فذكر الرسول له تلك التفاصيل، وكلما ذكر شيئا، قال أبو ~~بكر - رضي الله عنه-: " صدقت " ، فلما تم الكلام، قال أبو بكر: ~~" أشهد أنك رسول الله حقا " ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ~~وأشهد أنك صديق حقا ". # وحاصل الكلام أن أبا بكر كأنه قال: لما سلمت رسالته فقد صدقته ~~فيما هو أعظم من هذا، فكيف أكذبه في هذا؟!. # الرابع: أكثر أرباب الملل والنحل يسلمون وجود إبليس، ويسلمون ~~أنه هو الذي يلقي الوسوسة في قلوب بني آدم، فلما جوزوا مثل هذه الحركة ~~السريعة في حق إبليس ويسلمون، فلأن يسلموا جوازها في حق أكابر ~~الأنبياء أولى، وهذا الإلزام قوي على من يسلم أن إبليس جسم ينتقل ~~من مكان إلى مكان. ms5530 # وأما من يقول: إنه من الأرواح الخبيثة الشريرة، وأنه ليس بجسم، ~~ولا جسماني، فلا يرد عليهم هذا الإلزام إلا أن أكثر أرباب الملل ~~والنحل يوافقون على أنه جسم لطيف ينتقل. # فإن قالوا: إن الملائكة والشياطين يصح في حقهم مثل هذه الحركة ~~السريعة، إلا أنهم اجسام لطيفة، فلا يمتنع حصول مثل هذه الحركة ~~السريعة في ذواتها، أما الإنسان فإنه جسم كثيف، وكيف يعقل حصول مثل ~~هذه الحركة فيه؟ قلنا: نحن إنما استدللنا بأحوال الملائكة والشياطين ~~على أن حصول حركة منتهية في السرعة إلى هذا الحد ممكن في نفس الأمر. # فأما بيان أن هذه الحركة، لما كانت ممكنة الوجود في نفسها، كانت ~~أيضا ممكنة الحصول في جسم البدن الإنساني، فذاك مقام آخر يأتي تقريره ~~إن شاء الله تعالى. # الخامس: أنه جاء في القرآن أن الرياح كانت تسير بسليمان - صلوات الله ~~عليه - إلى المواضع البعيدة في الأوقات القليلة؛ قال تعالى: # غدوها شهر ورواحها شهر # [سبأ: 12] بل نقول: الحس يدل على أن الرياح تنتقل عند شدة هبوبها ~~من مكان إلى مكان في غاية البعد في اللحظة الواحدة، وذلك أيضا يدل ~~على أن مثل هذه الحركة السريعة في نفسها ممكنة. # السادس: أن القرآن يدل على أن الذي عنده علم من الكتاب أحضر عرش ~~بلقيس من أقصى اليمن إلى أقصى الشام في مقدار لمح البصر، قال تعالى: # قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به ~~قبل أن يرتد إليك طرفك # [النمل: 40]. # وإذا كان ذلك ممكنا في حق بعض الناس، علمنا أنه في نفسه ممكن. # السابع: أن من الناس من يقول: إن الحيوان إنما يبصر المرئيات ~~لأجل أن الشعاع يخرج من عينيه ويتصل بالمرئيات، فإذا فتحنا ~~العين، ونظرنا إلى شخص، رأيناه، فعلى قول هؤلاء انتقل شعاع العين من ~~أبصارنا إلى الشخص في تلك اللحظة اللطيفة، وذلك يدل على أن الحركة ~~الواقعة على هذا الحد من السرعة من الممكنات لا من الممتنعات، فثبت ~~بهذه الوجوه أن حصول الحركة المنتهية في السرعة إلى هذا الحد أمر ممكن ~~الوجود ms5531 في نفسه. # المقدمة الثانية: في بيان أن هذه الحركة، لما كانت ممكنة الوجود في ~~نفسها، وجب ألا يمتنع حصولها في جسم محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه ~~ثبت بالدلائل القطعية أن الأجسام متماثلة في تمام ماهيتها، فلما ~~صح حصول مثل هذه الحركة في حق بعض الأجسام، وجب إمكان حصولها في سائر ~~الأجسام، وذلك يوجب القطع بأن حصول مثل هذه الحركة في جسد محمد صلى ~~الله عليه وسلم أمر ممكن الوجود في نفسه. # وإذا ثبت هذا فنقول: ثبت بالدليل أن خالق العالم قادر على كل ~~الممكنات، وثبت أن حصول الحركة البالغة في السرعة إلى هذا الحد في ~~جسد محمد صلى الله عليه وسلم ممكن؛ فوجب كونه تعالى قادرا عليه، فلزم ~~من مجموع هذه المقامات: أن القول بثبوت هذا المعراج أمر ممكن الوجود في ~~نفسه، أقصى ما في الباب أنه يبقى التعجب، إلا أن التعجب غير ~~مخصوص بهذا المقام، بل هو حاصل في جميع المعجزات، فانقلاب العصا ~~ثعبانا يبلع سبعين ألف حبل من الحبال والعصي، ثم تعود في الحال ~~عصا صغيرة، كما كانت أمر عجيب، وخروج الناقة من الجبل الأصم أمر ~~عجيب، وإظلال الجبل في الهواء أمر عجيب، وكذا سائر المعجزات، فإن كان ~~مجرد التعجب يوجب الإنكار والدفع، لزم الجزم بفساد القول بنبوة كل ~~الأنبياء عليهم السلام، لكن القول بإثبات المعجزات فرع على تسليم أصل ~~النبوة، وإن كان مجرد التعجب لا يوجب الإنكار والإبطال، فكذا هنا. # فصل في ترجيح القول بالإسراء بالجسد والروح # قال المحققون: إنه تعالى أسرى بروح محمد صلى الله عليه وسلم ~~وجسده من مكة إلى المسجد الأقصى؛ ويدل عليه القرآن والخبر: أما ~~القرآن، فهذه الآية؛ وتقرير الدليل أن العبد اسم لمجموع الجسد والروح، ~~قال تعالى: # أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى # [العلق: 9-10] وقال تعالى: # وأنه لما قام عبد الله يدعوه # [الجن: 19]. # وأما الخبر، فما روى أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " فرج عن سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل - عليه ~~السلام - ففرج صدري، ثم ms5532 غسله بماء زمزم، ثم ~~جاء بطست من ذهب ممتلىء حكمة وإيمانا، ففرغه في ~~صدري، ثم أطبقه ". # وروى مالك بن صعصعة أن نبي الله صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة ~~الإسراء به قال: # " بينا أنا في الحطيم - وربما قال: في الحجر - بين ~~النائم واليقظان، فأتيت بطست من ذهب مملوءة حكمة ~~وإيمانا، فشق من النحر إلى مراق البطن واستخرج قلبي، ~~فغسل، ثم حشي، ثم أعيد ". # وفي رواية سعيد وهشام: # " ثم غسل البطن بماء زمزم، ثم ملىء إيمانا ~~وحكمة، ثم أتيت بالبراق، وهو دابة أبيض طويل فوق ~~الحمار، ودون البغل، تقع حافره عند منتهى طرفه، ~~فركبته فانطلقت مع جبريل عليه السلام، حتى أتيت البيت ~~المقدس قال: فربطته في الحلقة التي تربط بها الأنبياء ~~" قال: " ثم دخلت المسجد، فصليت فيه ركعتين، ثم ~~خرجت، فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن، ~~فأخذت اللبن، فقال جبريل: أخذت الفطرة، فانطلق بي ~~جبريل؛ حتى أتى السماء الدنيا.. " # الحديث. # واحتج المنكرون بوجوه عقلية ونقلية: # أما العقلية: فأولها: أن الحركة البالغة في السرعة إلى هذا الحد ~~غير معقولة. # وثانيها: أن صعود الجرم الثقيل إلى السموات غير معقول. # وثالثها: أن صعوده إلى السماوات يوجب انخراق الأفلاك، وذلك محال، ~~ولأن هذا المعنى، لو صح، لكان أعظم من سائر معجزاته، فكان يجب أن ~~يظهر ذلك عند اجتماع الناس حتى يستدلوا به على صدقه في ادعاء ~~النبوة، فأما أن يحصل ذلك في وقت لا يراه أحد، ولا يشاهده يكون ~~عبثا؛ وذلك لا يليق بالحكيم. # وأما النقل: فقوله تعالى: { لنريه من ءاياتنآ } [الإسراء: ~~1] وقوله: # وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة ~~للناس # [الإسراء: 60] وما تلك الرؤيا إلا حديث المعراج، والرؤيا لما في ~~المنام، وإنما كانت فتنة للناس؛ لأن كثيرا ممن آمن به، لما سمع ~~هذا الكلام كذبه وكفر، وكان حديث المعراج سبب فتنة الناس. # وأيضا: فحديث المعراج اشتمل على أشياء بعيدة. # منها: ما روي من شق بطنه وتطهيره بماء زمزم، وهو بعيد؛ لأن ~~الذي يمكن غسله بالماء هو النجاسات العينية، ولا تأثير لذلك ms5533 في ~~تطهير القلب عن العقائد الباطلة، والأخلاق الذميمة. # وأيضا: فما روي من ركوب البراق - وهو بعيد - لأنه تعالى، لما ~~سيره من هذا العالم إلى عالم الأفلاك، فأي حاجة إلى البراق. # وما روي أنه تعالى أوجب خمسين صلاة، ثم إن محمدا صلى الله عليه ~~وسلم لا زال يتردد بين يدي الله، وبين موسى عليه السلام. # قال القاضي: وهذا يقتضي نسخ الحكم قبل حضور وقته، فإنه يوجب البداء، ~~وذلك على الله محال؛ فثبت أن ذلك الحديث مشتمل على ما لا يجوز قبوله، ~~فكان مردودا. # فالجواب عن الوجوه العقلية قد سبق. # وأما قوله: { لنريه من ءاياتنآ } ، فهذا كلام مجمل، وفي ~~شرحه وجوه: # الأول: أن خيرات الجنة عظيمة، وأهوال النار شديدة، فلو أنه - عليه ~~السلام - ما شاهدهما في الدنيا، ثم شاهدهما في ابتداء يوم القيامة، ~~فربما رغب في خيرات الجنة، أو خاف من أهوال النار، أما لما ~~شاهدهما في الدنيا في ليلة المعراج، فحينئذ لا يعظم وقعهما في قلبه يوم ~~القيامة، فلا يبقى مشغول القلب بهما، وحينئذ يتفرغ للشفاعة. # الثاني: لا يمتنع أن تكون مشاهدته ليلة المعراج للأنبياء والملائكة ~~سببا لتكامل مصلحته أو مصلحتهم. # الثالث: لا يبعد أنه إذا صعد الفلك، وشاهد أحوال السماوات، والكرسي، ~~والعرش، صارت مشاهدة أحوال هذا العالم وأهواله حقيرة في عينه، فيحصل له ~~زيادة قوة في القلب، باعتبارها يكون شروعه في الدعوة إلى الله تعالى ~~أكمل، وقلة التفاته إلى أعداء الله أقوى، يبين ذلك أن من عاين قدرة ~~الله في هذا الباب لا يكون حاله في قوة النفس وثبات القلب على ~~احتمال المكاره في الجهاد وغيره إلا أضعاف ما يكون لمن لم يعاين، فقوله: ~~{ لنريه من ءاياتنآ } كالدلالة على أن فائدة ذلك الإسراء ~~مختصة به، وعائدة إليه؛ على سبيل التعيين وأما قوله: # وما جعلنا الرؤيا التي أريناك # [الإسراء: 60] فيأتي الجواب عند تفسير تلك الآية في هذه السورة، ونبين ~~أن تلك الرؤيا رؤيا عيان لا رؤيا منام. # وأما حديث المعراج، فلا اعتراض على الله - تعالى - في أفعاله يفعل ما ~~يشاء، ويحكم ms5534 ما يريد. # واعلم أن العروج إلى السماء، وإلى ما فوق العرش، فهذه الآية لا تدل ~~عليه، ومنهم من استدل عليه بأول سورة النجم، ومنهم من استدل عليه ~~بقوله: # لتركبن طبقا عن طبق # [الانشقاق: 19] وسيأتي تفسيرها في موضعه إن شاء الله تعالى. # فصل # روي لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم أسري به فكان ب " ذي ~~طوى " قال: # " يا جبريل: إن قومي لا يصدقونني، قال: يصدقك أبو بكر، ~~وهو الصديق " # قال ابن عباس وعائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لما كانت ليلة أسري بي، فأصبحت بمكة، فضقت ~~بأمري، وعرفت الناس مكذبين " ، فروي أنه - عليه السلام - قعد ~~معتزلا حزينا، فمر به أبو جهل بن هشام، فجلس إليه، فقال ~~كالمستهزىء: هل استفدت من شيء؟ قال: نعم، أسري بي ~~الليلة، قال: إلى أين؟ قال: إلى بيت المقدس، قال: ثم ~~أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: نعم، قال أبو جهل: يا معشر ~~بني كعب بن لؤي هلم، فانفضت إليه المجالس، ~~فجاءوا حتى جلسوا إليهما قال: قحدث قومك ما ~~حدثتني، قال: نعم، إني أسري بي الليلة، قالوا: إلى ~~أين؟ قال: إلى بيت المقدس، قالوا: ثم أصبحت بين ~~ظهرانينا؟ قال: نعم قال: فمن بين مصفق، ومن بين ~~واضع يده على رأسه متعجبا، وارتد ناس ممن كان آمن ~~به وصدقه، وسعى رجل من المشركين إلى أبي بكر، فقال: ~~هل لك في صاحبك يزعم أنه أسري به إلى بيت المقدس؟ ~~قال: أو قد قال؟ قالوا: نعم، قال: لئن قال ذلك، لقد ~~صدق، قالوا: وتصدقه أنه ذهب إلى بيت المقدس في ~~ليلة، وجاء قبل أن يصبح؟ قال: نعم إني لأصدقه ~~بما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء بغدوة أو ~~روحة، ولذلك سمي أبو بكر " الصديق " ، قال: وفي القوم ~~من قد أتى المسجد الأقصى، فقالوا: هل تستطيع أن ~~تنعته لنا؟ قال: نعم، قال: فذهبت أنعت وأنعت، ~~فما زلت أنعت حتى التبس علي، فجيء بالمسجد، وأنا أنظر ~~إليه، فقال قوم: أما النعت فوالله لقد أصاب، ثم ~~قالوا: يا محمد، أخبرنا ms5535 عن عيرنا، فهي أهم إلينا، هل ~~لقيت منها شيئا؟ قال: نعم، مررت على عير بني فلان، ~~وهي بالروحاء، وقد أضلوا بعيرا لهم، وهم في طلبه، وفي ~~رحالهم قدح من ماء، فعطشت فأخذته فشربته، ثم ~~وضعته، فسلوهم: هل وجدوا الماء في القدح حين رجعوا ~~إليه، قالوا: هذه آية. # قال: ومررت بعير بني فلان وفلان وفلان راكبان قعودا ~~لهما بذي موضع، فنفر بعيرهما مني فرمى فلانا، ~~فانكسرت يده، فسلوهما عن ذلك قالوا: وهذه آية. # قالوا: فأخبرنا عن عيرنا، قال: مررت بها بالتنعيم، ~~قالوا: فما عدتها وأحمالها، وهيئتها، ومن فيها؟ فقال: ~~نعم هيئتها كذا وكذا، وفيها فلان، يقدمها جمل أورق، ~~عليه غرارتان مخيطتان، تطلع عليكم عند طلوع الشمس، ~~قالوا: وهذه آية أخرى، ثم خرجوا يشتدون نحو الثنية ~~يقولون: لقد قص محمد بيننا وبينه، حتى أتوا كدى ~~فجلسوا عليها، فجعلوا ينتظرون متى تطلع الشمس ~~فيكذبونه، إذ قال قائل منهم: " والله هذه الشمس قد طلعت " ~~وقال آخرون: والله، هذه الإبل قد طلعت، يقدمها بعير أورق، وفيها ~~فلان كما قال لهم فلم يؤمنوا، وقالوا: " إن هذا إلا سحر ~~مبين ". # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لقد رأيتني في الحجر، وقريش تسألني عن مسراي، ~~فسألتني عن أشياء من بيت المقدس، لم أثبتها ~~فكربت كربا ما كربت مثله قط، قال: فرفعه الله إلي ~~أنظر إليه، ما يسألونني عن شيء إلا أنبأتهم به، ~~وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، فإذا موسى قائم ~~يصلي، فإذا رجل بثوب جعد، كأنه من رجال شنوءة، ~~وإذا عيسى قائم يصلي، أقرب الناس به شبها عروة بن ~~مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم قائم يصلي، أشبه الناس به ~~شبها صاحبكم - يعني نفسه - فحانت الصلاة، فأممتهم ~~فلما فرغت من الصلاة، قال لي قائل: هذا مالك صاحب ~~النار، فسلم عليه، فالتفت إليه فبدأني بالسلام " # فصل # اختلفوا في الرؤية، فقال ابن عباس: رآه بفؤاده مرتين، وأبو هريرة ~~أطلق الرؤية، وصرح ابن خزيمة وآخرون بالرؤية بالعينين، وهو اختيار ~~أبي الحسن الأشعري والنووي في فتاويه، واستدل من ms5536 منع ذلك بما روى ~~مسلم # " عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله، هل رأيت ربك قال: " ~~نور " وفي رواية: " رأيت نورا " ". # وقالوا: لم يمكن رؤية الباقي بالعين الفانية، ولهذا قال تعالى لموسى ~~فيما روي في الكتب الإلهية: " يا موسى، إنه لا يراني حي إلا ~~مات ولا يابس إلا تدهده ". # قالت عائشة وجماعة: " إن ذلك كان رؤيا منام ". # وقال غيرهما من الصحابة: إن ذلك كان في اليقظة، فإنه صلى الله عليه ~~وسلم كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. # واختلف العلماء في أن الإسراء والمعراج، هل كانا في ليلة واحدة، أو ~~كل واحد في ليلة؟ فمنهم من زعم أن الإسراء في اليقظة، والمعراج في ~~المنام، وذهب آخرون إلى أن الإسراء كان مرتين، مرة بروحه مناما، ~~ومرة بروحه وجسده يقظة، وذهب آخرون إلى تعدد الإسراء في اليقظة، ~~وقالوا: " إنها أربع إسراءات " لتعدد الروايات في الإسراء، واختلاف ~~ما يذكر فيها، فبعضهم يذكر شيئا لم يذكره الآخر، وبعضهم يذكر شيئا ذكره ~~الآخر، وهذا لا يدل على التعدد؛ لأن بعض الرواة قد يحذف بعض الخبر؛ ~~للعلم به، أو ينساه، أو يذكر ما هو الأهم عنده، أو يبسط تارة، فيسوقه ~~كله، وتارة يحدث المخاطب بما هو الأنفع له، ومن جعل كل رواية إسراء ~~على حدة، فقد أبعد هذا؛ لأن كل السياقات فيها السلام على الأنبياء، ~~وفي كل منها تعريفه بهم، وفي كلها تفرض عليه الصلوات، فكيف يمكن أن ~~يدعى تعدد ذلك؛ وما عدد ذلك؟ هذا في غاية البعد والاستحالة، والله أعلم، ~~ذكر هذا الفصل ابن كثير. ### || [17.2] # قوله تعالى: { وءاتينآ موسى الكتاب } الآية. # لما ذكر الله - تعالى - في الآية الأولى إكرامه محمدا صلى الله عليه ~~وسلم أنه أسرى به، ذكر في هذه الآية إكرام موسى - عليه السلام - قبله ~~بالكتاب الذي آتاه. # وفي " آتينا " ثلاثة أوجه: # أحدها: أن تعطف هذه الجملة على الجملة السابقة من تنزيه الرب تبارك ~~وتعالى، ولا يلزم في عطف الجمل مشاركة في خبر ولا غيره. # الثاني: قال العسكري: إنه معطوف ms5537 على " أسرى " واستبعده أبو حيان. # ووجه الاستبعاد: أن المعطوف على الصلة صلة، فيؤدي التقدير إلى ~~صيرورة التركيب: سبحان الذي اسرى وآتينا، وهو في قوة: الذي آتينا موسى، ~~فيعود الضمير على الموصول ضمير تكلم من غير مسوغ لذلك. # والثالث: أنه معطوف على ما في قوله " أسرى " من تقدير الخبر، كأنه ~~قال: أسرينا بعبدنا، وأريناه آياتنا وآتينا، وهو قريب من ~~تفسير المعنى لا الإعراب. # قوله: " وجعلنأه " يجوز أن يعود ضمير النصب للكتاب، وهو الظاهر، ~~وأن يعود لموسى - عليه السلام -. # وقوله: " لبني إسرائيل " يجوز تعلقه بنفس " هدى " كقوله: # يهدي للحق # [يونس: 35]، وأن يتعلق بالجعل، أي: جعلناه لأجلهم، وأن يتعلق بمحذوف ~~نعتا ل " هدى ". # قوله: " ألا تتخذوا " يجوز أن تكون " أن " ناصبة على حذف حرف ~~العلة، أي: وجعلناه هدى لئلا تتخذوا. وقيل: " لا " مزيدة، و ~~التقدير: كراهة أن تتخذوا، وأن تكون المفسرة بمعنى " أي " و " لا " ~~ناهية، فالفعل منصوب على الأول، مجزوم على الثاني، وأن تكون مزيدة عند ~~بعضهم، والجملة التي بعدها معمولة لقول مضمر، أي: مقولا لهم: لا ~~تتخذوا، أو قلنا لهم: لا تتخذوا، قاله الفارسي. وهذا ظاهر في قراءة ~~الخطاب. وهذا مردود بأنه ليس من مواضع زيادة " أن ". # وقرأ أبو عمرو " ألا يتخذوا " بياء الغيبة؛ جريا على قوله " ~~لبني إسرائيل " والباقون بالخطاب التفاتا. ومعنى الآية: { ~~وجعلناه هدى لبني إسرائيل }؛ لئلا يتخذوا من دوني ~~وكيلا أي: ربا يكلون إليه أمورهم. # و " أن " في قراءة من قرأ بالياء في " ألا يتخذوا " في موضع نصب ~~على حذف الخافض، أي: لئلا يتخذوا، ومن قرأ بالتاء فتحتمل " أن " ~~ثلاثة أوجه: # أن تكون لا موضع لها، وهي التفسيرية. # وأن تكون زائدة، ويكون الكلام خبرا بعد خبر؛ على إضمار القول. # وأن تكون في موضع نصب و " لا " زائدة، وحرف الجر محذوف مع " أن " ~~قاله مكي. ### || [17.3] # قوله: { ذرية من حملنا مع نوح }. # العامة على نصب " ذرية " وفيها أوجه: # أحدها: انها منصوبة على الاختصاص، وبه بدأ الزمخشري. # الثاني: أنها منصوبة على البدل من " وكيلا " ، أي: ألا تتخذوا من ~~دوني ذرية ms5538 من حملنا. # الثالث: أنها منصوبة على البدل من " موسى " ذكره أبو البقاء، وفيه ~~بعد. # الرابع: أنها منصوبة على المفعول الأول ل " تتخذوا " والثاني هو " ~~وكيلا " فقدم، ويكون " وكيلا " مما وقع مفرد اللفظ، والمعني به ~~جمع، أي: لا تتخذوا ذرية من حملنا مع نوح وكيلا كقوله: # ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين ~~أربابا # [آل عمران: 80]. # الخامس: أنها منصوبة على النداء، أي: يا ذرية من حملنا، وهو قول مجاهد ~~وخص الواحدي هذا الوجه بقراءة الخطاب في " تتخذوا " وهو واضح ~~عليها، إلا أنه لا يلزم، وإن كان مكي قد منع منه؛ فإنه قال: " فأما ~~من قرأ " لا يتخذوا " بالياء ف " ذرية " مفعول لا غير، ويبعد النداء؛ ~~لأن الياء للغيبة، والنداء للخطاب، فلا يجتمعان إلا على بعد " وليس كما ~~زعم؛ إذ يجوز أن ينادي الإنسان شخصا، ويخبر عن آخر، فيقول: " يا زيد، ~~ينطلق بكر، وفعلت كذا " و " يا زيد ليفعل عمرو كيت ~~وكيت ". # السادس: قال مكي: وقيل: نصب على إضمار " أعني ". وقرأت فرقة " ~~ذرية " بالرفع، وفيها وجهان: # أحدهما: أنها خبر مبتدأ مضمر تقديره: هم ذرية، ذكره أبو البقاء وليس ~~بواضح. # والثاني: أنها بدل من واو " تتخذوا " قال ابن عطية: " ولا يجوز ذلك في ~~القراءة بالتاء، لأنك لا تبدل من ضمير المخاطب، لو قلت: " ضربتك ~~زيدا " على البدل، لم يجز ". # ورد عليه أبو حيان هذا الإطلاق، وقال: " ينبغي التفصيل، وهو إن كان ~~بدل بعض أو اشتمال، جاز، وإن كان كلا من كل، وأفاد الإحاطة؛ نحو: " ~~جئتم كبيركم وصغيركم " جوزه الأخفش والكوفيون ". # قال: " وهو الصحيح ". # قال شهاب الدين: وتمثيل ابن عطية بقوله " ضربتك زيدا " قد يدفع ~~عنه هذا الرد. # وقال مكي: " ويجوز الرفع في الكلام على قراءة من قرأ بالياء على البدل ~~من المضمر في " يتخذوا " ولا يحسن ذلك في قراءة التاء؛ لأن المخاطب ~~لا يبدل منه الغائب، ويجوز الخفض على البدل من بني إسرائيل ". # قال شهاب الدين: أما الرفع، فقد تقدم أنه قرىء به، وكأنه لم ~~يطلع عليه، وأما الجر فلم يقرأ به فيما علمت، ms5539 ويرد عليه في قوله " ~~لأن المخاطب لا يبدل منه الغائب " ما ورد على ابن عطية، بل أولى؛ ~~لأنه لم يذكر مثالا يبين مراده، كما فعل ابن عطية. # قوله: { من حملنا }: يجوز أن تكون موصولة، وموصوفة. # قال قتادة: الناس كلهم ذرية نوح - عليه السلام - لأنه كان معه في ~~السفينة ثلاث بنين: سام وحام ويافث، والناس كلهم من ذرية ~~أولئك، فكأن قوله: يا ذرية من حملنا مع نوح قام مقام # يأيها الناس # [البقرة: 21]. # وهذا يدل على أنه ذهب إلى أنه منصوب على النداء، وقد تقدم نقله عن ~~مجاهد أيضا. # ثم إنه تعالى أثنى على نوح، فقال: { إنه كان عبدا شكورا } ~~أي: كثير الشكر، # " روي أنه - عليه السلام - كان إذا أكل قال: " الحمد لله الذي ~~أطعمني، ولو شاء لأجاعني " ، وإذا شرب، قال " الحمد ~~لله الذي أسقاني ولو شاء لأظمأني " ، وإذا اكتسى، قال: " ~~الحمد لله الذي كساني، ولو شاء أعراني " ، وإذا احتذى، ~~قال: " الحمد لله الذي حذاني، ولو شاء أحفاني " ، وإذا ~~قضى حاجته، قال: " الحمد لله الذي أخرج عن الأذى في ~~عافية، ولو شاء حبسه " ". # وروي أنه كان إذا أراد الإفطار، عرض طعامه على من آمن به فإن وجده ~~محتاجا، آثره به. # فإن قيل: ما وجه ملائمة قوله: { إنه كان عبدا شكورا } بما ~~قبله؟ فالجواب: التقدير: كأن قيل: لا تتخذوا من دوني وكيلا، ولا ~~تشركوا بي؛ لأن نوحا - عليه السلام - كان عبدا شكورا، وإنما يكون ~~شكورا، إذا كان موحدا لا يرى حصول شيء من النعم إلا من فضل الله، ~~وأنتم ذرية قومه، فاقتدوا بنوح، كما أن آباءكم اقتدوا به. ### || [17.4] # لما ذكر إنعامه على بني إسرائيل بإنزال التوراة، وبأنه جعل التوراة ~~هدى لهم، بين أنهم ما اهتدوا بهداه، بل وقعوا في الفساد، فقال: { ~~وقضينآ إلى بني إسرائيل في الكتاب } والقضاء في ~~اللغة عبارة عن وضع الأشياء عن إحكام، ومنه قوله: # فقضاهن سبع سموات # [فصلت: 12]. # وقول الشاعر: [الكامل] # 3375- وعليهما مسرودتان قضاهما # ...................... # ويكون أمرا؛ كقوله تعالى: # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه # [الإسراء: 23]. # ويكون حكما؛ كقوله: ms5540 # إن ربك يقضي بينهم # [يونس: 93] ويكون خلقا؛ كقوله: { فقضاهن سبع سماوات } ~~ومعناه [في] الآية: أعلمناهم، وأخبرناهم فيما آتيناهم من ~~الكتب أنه سيفسدون. # وقال ابن عباس وقتادة: " وقضينا عليهم ". # و " إلى " بمعنى " على " والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ. # و " قضى " يتعدى بنفسه: # فلما قضى زيد منها وطرا # [الأحزاب: 37] # فلما قضى موسى الأجل # [القصص: 29]، وإنما تعدى هنا ب " إلى " لتضمنه معنى: أنفذنا ~~وأوحينا، أي: وأنفذنا إليهم بالقضاء المحتوم. ومتعلق القضاء محذوف، ~~أي: بفسادهم. # وقوله " لتفسدن " جواب قسم محذوف تقديره: والله لتفسدن في ~~الأرض مرتين وهذا القسم مؤكد لمتعلق القضاء. # ويجوز أن يكون " لتفسدن " جوابا لقوله: " وقضينا " ، لأنه ~~ضمن معنى القسم، ومنه قولهم: " قضاء الله لأفعلن " فيجرون القضاء ~~والنذر مجرى القسم، فيتلقيان بما يتلقى به القسم. # والعامة على توحيد " الكتاب " مرادا به الجنس، وابن جبير وأبو ~~العالية " في الكتب " جمعا، جاءوا به نصا في الجمع. # وقرأ العامة بضم التاء وكسر السين مضارع " أفسد " ، ومفعوله ~~محذوف تقديره: لتفسدن الأديان، ويجوز ألا يقدر مفعول، أي: ~~لتوقعن الفساد. # وقرأ ابن عباس ونصر بن علي وجابر بن زيد " لتفسدن " ببنائه ~~للمفعول، أي: ليفسدنكم غيركم: إما من الإضلال أو من الغلبة. ~~وقرأ عيسى بن عمر بفتح التاء وضم السين، أي: فسدتم بأنفسكم. # قوله: " مرتين " منصوب على المصدر، والعامل فيه " لتفسدن " لأن ~~التقدير: مرتين من الفساد. # وقوله: " علوا " العامة على ضم العين واللام مصدر علا يعلو، وقرأ ~~زيد بن علي " عليا " بكسرهما والياء، والأصل الواو، وإنما أعل على ~~اللغة القليلة؛ وذلك أن فعولا المصدر، الأكثر فيه التصحيح؛ نحو: عتا ~~عتوا، والإعلال قليل؛ نحو # أشد على الرحمن عتيا # [مريم: 69] على أحد الوجهين؛ كما سيأتي، وإن كان جمعا، فالكثير ~~الإعلال، نحو: " جثيا " وشذ: بهو وبهو، ونجو ونجو، ~~وقاسه الفراء. # فصل # معنى { وقضينآ }: أوحينا { إلى بني إسرائيل في ~~الكتاب لتفسدن في الأرض } ، أي بالمعاصي وخلاف أحكام ~~التوراة. # { في الأرض } يعني أرض الشام وبيت المقدس. # { ولتعلن علوا كبيرا } أي: يكون استعلاؤكم على الناس ~~بغير الحق استعلاءا عظيما؛ لأنه يقال لكل متكبر متجبر: قد ~~علا ms5541 وتعظم. ### || [17.5-6] # قوله: { وعد } أي: موعود، فهو مصدر واقع موقع مفعول، وتركه ~~الزمخشري على حاله، لكن بحذف مضاف، أي: وعد عقاب أولاهما. وقيل: ~~الوعد بمعنى الوعيد، وقيل: بمعنى الموعد الذي يراد به الوقت، فهذه أربعة ~~أوجه، والضمير عائد على المرتين. # قوله: " عبادا لنا " العامة على " عباد " بزنة فعال، وزيد بن ~~علي والحسن " عبيدا " على فعيل، وتقدم الكلام على ذلك. # وقوله: " فجاسوا " عطف على " بعثنا " ، أي: ترتب على بعثنا إياهم ~~هذا. وجوس بفتح الجيم وضمها مصدر جاس يجوس، أي: فتش ونقب، قاله ~~أبو عبيد، وقال الفراء: " قتلوا " قال حسان: [الطويل] # 3376- ومنا الذي لاقى بسيف محمد # فجاس به الأعداء عرض العساكر # وقال أبو زيد: " الجوس والجوس والحوس والهوس طلب الطوف ~~بالليل ". وقال قطرب: " جاسوا: نزلوا ". وأنشد: [المتقارب] # 3377- فجسنا ديارهم عنوة # وأبنا بساداتهم موثقينا # وقيل: " جاسوا بمعنى داسوا " ، وأنشد: [الرجز] # 3378- إليك جسنا الليل بالمطي # وقيل: الجوس: التردد. قال الليث: الجوس، والجوسان: التردد ~~وقيل: طلب الشيء باستقصاء، ويقال: " حاسوا " بالحاء المهملة، وبها ~~قرأ طلحة وأبو السمال، وقرىء " فجوسوا " بالجيم، بزنة ~~نكسوا. # و " خلال الديار " العامة على " خلال " وهو محتمل لوجهين: # أحدهما: أنه جمع خلل؛ كجبال في جبل، وجمال في جمل. # والثاني: أنه اسم مفرد بمعنى وسط، ويدل له قراءة الحسن " خلل ~~الديار ". # قوله: " وكان وعدا " ، أي: وكان الجوس، أو وكان وعد أولاهما، أو ~~وكان وعد عقابهم. # قوله تعالى: { الكرة }: مفعول " رددنا " وهي في الأصل مصدر ~~كر يكر، أي: رجع، ثم يعبر بها عن الدولة والقهر. # قوله: " عليهم " يجوز تعلقه ب " رددنا " ، أو بنفس الكرة؛ ~~لأنه يقال: كر عليه، فتتعدى ب " على " ويجوز أن تتعلق بمحذوف على ~~أنها حال من " الكرة ". # قوله: " نفيرا " منصوب على التمييز، وفيه أوجه: # أحدها: أنه فعيل بمعنى فاعل، أي: أكثر نافرا، أي: من ينفر معكم. # الثاني: أنه جمع نفر؛ نحو: عبد وعبيد، قاله الزجاج؛ وهم الجماعة ~~الصائرون إلى الأعداء. # الثالث: أنه مصدر، أيك أكثر خروجا إلى الغزو؛ قال الشاعر: [المتقارب] # 3379- فأكرم بقحطان من والد # وحمير أكرم بقوم نفيرا # والمفضل عليه ms5542 محذوف، فقدره بعضهم: أكثر نفيرا من أعدائكم، وقدره ~~الزمخشري: أكثر نفيرا مما كنتم. # فصل في معنى الآية # معنى الآية: { فإذا جآء وعد أولاهما } يعني أول المرتين. # قال قتادة: " إفسادهم في المرة الأولى ما خالفوا من أحكام التوراة ~~وركبوا المحارم ". # وقال ابن إسحاق: " إفسادهم في المرة الأولى قتل شعيا في الشجرة، ~~وارتكابهم المعاصي ". # { بعثنا عليكم عبادا لنآ }. # قال قتادة: " يعني جالوت وجنوده، وهو الذي قتله داود، فذاك هو عود ~~الكرة ". # وقال سعيد بن جبير: " سنحاريب من أرض نينوى " وقال ابن إسحاق: " ~~بختنصر البابلي وأصحابه " وهو الأظهر، فقتل منهم أربعين ألفا ~~ممن يقرأ التوراة، وذهب بالبقية إلى أرضه، فبقوا هناك في الذل إلى ~~أن قيض الله ملكا آخر من أهل بابل، واتفق أن تزوج بامرأة من بني ~~إسرائيل، فطلبت تلك المرأة من ذلك الملك أن يرد بني إسرائيل إلى بيت ~~المقدس، ففعل، وبعد مدة قامت فيهم الأنبياء، ورجعوا إلى أحسن ما كانوا، ~~وهو قوله: { ثم رددنا لكم الكرة عليهم }. # وقال آخرون: يعني بقوله: { بعثنا عليكم عبادا لنآ } هو ~~أنه تعالى ألقى الرعب من بني إسرائيل في قلوب المجوس، فلما كثرت ~~المعاصي فيهم، أزال ذلك الرعب عن قلوب المجوس، فقصدوهم، وبالغوا في ~~قتلهم، وإفنائهم، وإهلاكهم. # واعلم أنه لا يتعلق كثير غرض في معرفة الأقوام بأعيانهم، بل المقصود هو ~~أنهم لما أكثروا من المعاصي، سلط الله عليهم أقواما قتلوهم وأفنوهم. # فصل في الاحتجاج على صحة القضاء والقدر # احتجوا بهذه الآية على صحة القضاء والقدر من وجهين: # الأول: أنه تعالى قال: { وقضينآ إلى بني إسرائيل في ~~الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين } ، وهذا القضاء ~~أقل احتمالاته الحكم الجزم والخبر الحتم، فثبت أنه تعالى أخبر عنهم ~~أنهم سيقدمون على الفساد والمعاصي خبرا وجزما، حتما، لا يقبل النسخ؛ ~~لأن القضاء معناه الحكم الجزم، ثم إنه الله تعالى أكد القضاء بقوله: ~~{ وكان وعدا مفعولا }. # فنقول: عدم وقوع ذلك الفساد منهم يستلزم انقلاب خبر الله الصدق كذبا، ~~وانقلاب حكمه الجازم باطلا، وانقلاب علمه الحق جهلا، وكل ذلك محال، ~~فكان عدم ms5543 إقدامهم على ذلك الفساد محالا، وكان إقدامهم عليه واجبا ~~ضروريا، لا يقبل النسخ والرفع، مع أنهم كلفوا بتركه، ولعنوا على ~~فعله؛ وذلك يدل على أن الله قد يأمر بالشيء ويصد عنه وقد ينهى عن الشيء ~~ويسعى فيه. # الثاني: قوله: { بعثنا عليكم عبادا لنآ أولي بأس ~~شديد } والمراد به الذين تسلطوا على بني إسرائيل بالقتل والنهب ~~والأسر، فبين تعالى أنه هو الذي بعثهم على بني إسرائيل، ولا شك أن ~~قتل بني إسرائيل ونهب أموالهم وأسر أولادهم كان مشتملا على الظلم الكبير ~~والمعاصي العظيمة. # ثم إنه تعالى أضاف كل ذلك إلى نفسه بنفسه بقوله: { ثم بعثنا } ~~وذلك يدل على أن الخير والشر والطاعة والمعصية من الله تعالى. أجاب ~~الجبائي عنه من وجهين: # الأول: قوله: " بعثنا " هو أنه تعالى أمر أولئك القوم بغزو بني ~~إسرائيل؛ لما ظهر فيهم من الفساد، فأضيف ذلك الفعل إلى الله من حيث ~~الأمر. # والثاني: أن المراد: خلينا بينهم وبين بني إسرائيل، وما ألقينا ~~الخوف من بني إسرائيل في قلوبهم، فالمراد من هذا البعث التخلية وعدم ~~المنع. # والجواب الأول ضعيف؛ لأن الذين قصدوا تخريب بيت المقدس، وإحراق ~~التوراة، وقتل حفاظ التوراة لا يجوز أن يقال: إنهم فعلوا ذلك بأمر ~~الله. # والجواب الثاني أيضا ضعيف؛ لأن البعث عبارة عن الإرسال، والتخلية ~~عبارة عن عدم المنع، فالأول فعل، والثاني ترك، فتفسير البعث بالتخلية ~~تفسير لأحد الضدين بالآخر، وإنه لا يجوز، فثبت صحة ما ذكرناه. ### || [17.7-8] # قوله تعالى: { إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم } الآية لما ~~حكى تعالى عنهم بأنهم لما عصوا، سلط الله عليهم أقواما قصدوهم ~~بالقتل والنهب، فعند ذلك ظهر أنهم أطاعوا، فقال تعالى: إن أطاعوا، فقد ~~أحسنوا إلى أنفسهم، وإن أصروا على المعصية، فقد أساءوا إلى أنفسهم، وقد ~~تقرر في العقول أن الإحسان إلى النفس حسن مطلوب، وأن الإساءة ~~إليها قبيحة، فلهذا المعنى قال تعالى: { إن أحسنتم أحسنتم ~~لأنفسكم وإن أسأتم فلها }. # قوله تعالى: { فلها }: في اللام أوجه: أحدها: أنها بمعنى " على " أي: ~~فعليها كقوله: [الطويل] # 3380-................... # فخر صريعا لليدين وللفم # أي: ms5544 على اليدين. وحروف الإضافة يقوم بعضها مقام بعض؛ كقوله: # بأن ربك أوحى لها # [الزلزلة: 5] أي: إليها. # والثاني: أنها بمعنى " إلى ". # قال الطبري: " أي: فإليها ترجع الإساءة ". # الثالث: أنها على بابها، وإنما أتى بها دون " على " للمقابلة في قوله: " ~~لأنفسكم " فأتى بها ازدواجا. # وهذه اللام يجوز أن تتعلق بفعل مقدر كما تقدم في قول الطبري، ~~وإما بمحذوف على أنها خبر لمبتدأ محذوف تقديره: فلها الإساءة لا ~~لغيرها. # قال الواحدي: لا بد في الآية من إضمار؛ والتقدير: وقلنا: " إن ~~أحسنتم، أحسنتم لأنفسكم " والمعنى: إن أحسنتم بفعل الطاعات، ~~فقد أحسنتم إلى أنفسكم من حيث إن تفعلوا تلك الطاعة يفتح الله عليكم ~~أبواب الخيرات والبركات وإن أسأتم بفعل المحرمات، أسأتم إلى أنفسكم من ~~حيث إن شؤم تلك المعاصي يفتح الله عليكم أبواب العقوبة. # قال أهل المعاني: " هذه الآية تدل على أن رحمة الله تعالى غالبة على ~~غضبه؛ بدليل أنه لما حكى عنهم الإحسان، أعاده مرتين؛ فقال: { إن ~~أحسنتم أحسنتم لأنفسكم } ولما حكى عنهم الإساءة، اقتصر ~~على ذكرها مرة واحدة، فقال: { وإن أسأتم فلها } ولولا أن جانب ~~الرحمة غالب، وإلا لما كان ذلك ". # قوله: " فإذا جاء وعد الآخرة " ، أي: المرة الآخرة، فحذفت " ~~المرة " للدلالة عليها، وجواب الشرط محذوف، تقديره: بعثناهم، ~~ليسوءوا وجوهكم، وإنما حسن هذا الحذف لدلالة ما تقدم عليه من ~~قوله: # بعثنا عليكم عبادا لنآ # [الإسراء: 5] والمرة الآخرة هي إقدامهم على قتل زكريا ويحيى - عليهما ~~الصلاة والسلام - وقصدهم قتل عيسى حين رفع. # قال الواحدي: " فبعث الله عليهم بختنصر البابلي المجوسي، فسبى ~~بني إسرائيل، وقتل، وخرب بيت المقدس، وسلط عليهم الفرس والروم: ~~خردوش وطيطوس؛ حتى قتلوهم، وسبوهم، ونفوهم عن ديارهم ". # قال ابن الخطيب: " والتواريخ تشهد أن يختنصر كان قبل بعث عيسى ~~وزكريا بسنين متطاولة، ومعلوم أن الملك الذي انتقم من اليهود بسبب ~~هؤلاء ملك من الروم، يقال له: قسطنطين ". # قوله: { ليسوءوا وجوهكم } متعلق بالجواب المقدر. # يقال: ساءه يسوءه، أي: أحزنه وإنما عزا الإساءة إلى الوجوه؛ ~~لأن آثار الأعراض النفسانية الحاصلة في القلب إنما تظهر على ms5545 الوجه، ~~فإن حصل الفرح في القلب ظهرت النضرة والإشراق والإسفار في الوجه، وإن ~~حصل الحزن والخوف في القلب ظهر الكلوح والغبرة والسواد في الوجه، فلهذا ~~عزيت الإساءة إلى الوجوه في هذه الآية، ونظير هذا المعنى في القرآن ~~كثير. # وقرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر " ليسوء " بالياء المفتوحة وهمزة ~~مفتوحة آخرا. # والفاعل: إما الله تعالى، وإما الوعد، وإما البعث، وإما ~~النفير، والكسائي بنون العظمة، أي: لنسوء نحن، وهو موافق لما ~~قبله من قوله { بعثنا عليكم عبادا لنآ } و " رددنا " و ~~" أمددنا " وما بعده من قوله: " عدنا " و " جعلنا " # وقرأ الباقون " ليسوءوا " مسندا إلى ضمير الجمع العائد على العباد ~~أو أولي البأس، أو على النفير؛ لأنه اسم جمع، وهو موافق لما بعده من ~~قوله { وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة ~~وليتبروا ما علوا } وفي عود الضمير على النفير نظر؛ لأن ~~النفير المذكور من المخاطبين، فكيف يوصف ذلك النفير بأنه يسوء وجوههم؟ ~~اللهم إلا أن يريد هذا القائل أنه عائد على لفظه، دون معناه؛ من باب " ~~عندي درهم ونصفه ". # وقرأ أبي " لنسوءن " بلام الأمر ونون التوكيد الخفيفة ونون ~~العظمة، وهذا جواب ل " إذا " ولكن على حذف الفاء، أي: فلنسوءن، ~~ودخلت لام الأمر على فعل المتكلم؛ كقوله تعالى # ولنحمل خطاياكم # [العنكبوت: 12]. # وقرأ ابن أبي طالب " ليسوءن " و " لنسوءن " بالياء والنون ~~التي للعظمة، ونون التوكيد الشديدة، واللام التي للقسم، وفي مصحف أبي " ~~ليسوء " بضم الهمزة من غير واو، وهذه القراءة تشبه أن تكون على لغة ~~من يجتزىء عن الواو بالضمة؛ كقوله: [الوافر] # 3381- فلو أن الأطبا كان حولي # ................. # يريد: " كانوا حولي " وقول الآخر: [الكامل] # 3382-...................... # .... إذا ما الناس جاع وأجدبوا # يريد " جاعوا " ، فكذا هذه القراءة، أي: ليسوءوا، كما في القراءة ~~الشهيرة، فحذف الواو. # وقرىء " ليسيء " بضم الياء وكسر السين وياء بعدها، أي: ليقبح ~~الله وجوهكم، أو ليقبح الوعد، أو البعث. وفي مصحف أنس " وجهكم " ~~بالإفراد؛ كقوله: [الوافر] # 3383- كلوا في بعض بطنكم تعفوا # ...................... # وكقوله: [الرجز] # 3384-....................... # في حلقكم عظم وقد شجينا # وكقوله: # 3385-........................ # وأما جلدها فصليب # قوله: " وليدخلوا " من جعل ms5546 الأولى لام " كي " كانت هذه أيضا لام " ~~كي " معطوفة عليها، عطف علة على أخرى، ومن جعلها لام أمر كأبي، أو ~~لام قسم؛ كعلي بن أبي طالب، فاللام في " ليدخلوا " تحتمل وجهين: الأمر ~~والتعليل، و " كما دخلوه " نعت مصدر محذوف، أو حال من ضميره، ~~كما يقول سيبويه، أي: دخولا كما دخلوه، و " أول مرة " ظرف زمان، ~~وتقدم الكلام عليها في براءة. # والمراد بالمسجد بيت المقدس ونواحيه. # قوله: { وليتبروا ما علوا تتبيرا } التتبير الهلاك، ~~يقال: تبر الشيء تبرا وتبارا وتبرية إذا هلك، وتبره: أهلكه، وكل ~~شيء جعلته مكسرا مفتتا، فقد تبرته، ومنه قيل: تبرالزجاج، وتبر ~~الذهب لمكسره، ومنه قوله تعالى: # إن هؤلاء متبر ما هم فيه # [الأعراف: 139]، وقوله: # ولا تزد الظالمين إلا تبارا # [نوح: 28] وقوله: " ما علوا " يجوز في " ما " أن تكون مفعولا بها، ~~أي: ليهلكوا الذي علوه، أي: غلبوا عليه وظفروا وقيل: ليهدموه: ~~كقوله: [الطويل] # 3386- وما الناس إلا عاملان، فعامل # يتبر ما يبني وآخر رافع # ويحتمل: " ويتبروا ما داموا غالبين " أي: ما دام سلطانهم جاريا ~~على بني إسرائيل، وعلى هذا تكون ظرفية، أي: مدة استعلائهم، وهذا يحوج ~~إلى حذف مفعول، اللهم إلا أن يكون القصد مجرد ذكر الفعل؛ نحو: هو ~~يعطي ويمنع. # وقوله: " تتبيرا " ذكر للمصدر على معنى تحقيق الخبر، وإزالة الشك ~~في صدقه كما في قوله تعالى: # وكلم الله موسى تكليما # [النساء: 164] أي حقا، والمعنى ليدمروا ويخربوا ما غلبوا عليه. # ثم قال: { عسى ربكم أن يرحمكم } والمعنى: لعل ربكم ~~أن يرحمكم، ويعفو عنكم يا بني إسرائيل بعد انتقامه منكم برد ~~الدولة إليكم. # { وإن عدتم عدنا } أي: إن عدتم إلى المعصية، عدنا إلى ~~العقوبة، قال القفال: وإنما حملنا هذه الآية على عذاب الدنيا؛ لقوله ~~تعالى في سورة الأعراف خبرا عن بني إسرائيل: # وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم ~~القيمة من يسومهم سوء العذاب # [الأعراف: 167] ثم قال: { وإن عدتم عدنا } أي وإنهم قد عادوا ~~إلى فعل ما لا ينبغي، وهو التكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم وكتمان ما ~~ورد في التوراة ms5547 والإنجيل، فعاد الله عليهم بالتعذيب على أيدي العرب، فجرى ~~على بني النضير، وقريظة وبني قينقاع، ويهود خيبر ما جرى من القتل ~~والجلاء، ثم الباقون منهم مقهورون بالجزية، لا ملك لهم ولا سلطان. ثم قال ~~تعالى: { وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا }. # يجوز أن تكون " حصيرا " بمعنى فاعل، أي: حاصرة لهم، محيطة بهم، وعلى ~~هذا: فكان ينبغي أن تؤنث بالتاء كجبيرة. وأجيب: بأنها على النسب، أي ~~ذات حصر؛ كقوله: # السمآء منفطر به # [المزمل: 18]، أي ذات انفطار، وقيل: الحصير: الحبس، قال لبيد: ~~[الكامل] # 3387- ومقامة غلب الرجال كأنهم # جن لدى باب الحصير قيام # وقال أبو البقاء: " لم يؤنثه؛ لأن فعيلا بمعنى فاعل " وهذا منه ~~سهو؛ لأنه يؤدي إلى أن تكون الصفة التي على فعيل، إذا كانت بمعنى ~~فاعل، جاز حذف التاء منها، وليس كذلك لما تقدم من أن فعيلا بمعنى فاعل ~~يلزم تأنيثه، وبمعنى مفعول يجب تذكيره، وما جاء شاذا من النوعين ~~يؤول. # وقيل: إنما لم يؤنث لأن تأنيث " جهنم " مجازي. # وقيل: لأنها في معنى السجن والمحبس، وقيل: لأنها بمعنى فراش. # ويجوز أن تكون بمعنى مفعول أي: جعلناها موضعا محصورا لهم، والمعنى: ~~أن عذاب الدنيا، وإن كان شديدا إلا أنه قد يتفلت بعض الناس عنه، ~~والذي يقع فيه يتخلص عنه إما بالموت، أو بطريق آخر، وأما عذاب ~~الآخرة، فإنه يكون محيطا به، لا رجاء في الخلاص منه. ### || [17.9-10] # قوله تعالى: { إن هذا القرءان يهدي للتي هي ~~أقوم } الآية. # لما شرح فعله في حق عباده المخلصين، وهو الإسراء برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وإيتاء التوراة لموسى - عليه السلام، وما فعله في حق ~~العصاة، وهو تسليط البلاء عليهم - كان ذلك تنبيها على أن طاعة الله ~~توجب كل خير، ومعصيته توجب كل بلية، ولا جرم أثنى على القرآن، فقال ~~تعالى: { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم }. # قوله تعالى: { للتي هي أقوم }: نعت لموصوف محذوف أي: ~~للحالة، أو للملة، أو للطريقة قال الزمخشري: " وأيتما قدرت؛ لم ~~تجد مع الإثبات ذوق البلاغة الذي تجده مع الحذف؛ لما في ms5548 ~~إبهام الموصوف بحذفه من فخامة تفقد مع إيضاحه ". # قال ابن الخطيب: وقولنا: هذا الشيء أقوم من ذاك إنما يصح في شيئين ~~اشتركا في معنى الاستقامة، ثم كان حصول معنى الاستقامة في إحدى الصورتين، ~~أكثر وأكمل من حصوله في الصورة الثانية، وهذا هنا محال؛ فكان وصفه بأنه ~~أقوم مجازا، إلا أن لفظ " أفعل " قد جاء بمعنى الفاعل، كقولنا: " ~~الله أكبر " ، أو يحمل هذا اللفظ على الظاهر المتعارف، ومثل هذه ~~الكناية كثيرة الاستعمال في القرآن؛ كقوله تعالى: # ادفع بالتي هي أحسن # [المؤمنون: 96] أي بالخصلة التي هي أحسن. # ومعنى " هي أقوم " أي: إلى الطريقة التي هي أصوب. # وقيل: إلى الكلمة التي هي أعدل وهي شهادة أن لا إله إلا الله { ~~ويبشر } - يعني القرآن - { المؤمنين الذين يعملون ~~الصالحات أن لهم } أي: بأن لهم { أجرا كبيرا } وهو ~~الجنة. # قوله تعالى: { وأن الذين لا يؤمنون }: فيه وجهان: # أحدهما: أن يكون عطفا على " أن " الأولى، أي: يبشر المؤمنين ~~بشيئين: بأجر كبير، وبتعذيب أعدائهم، ولا شك أن ما يصيب عدوك ~~سرور لك، وقال الزمخشري: " ويحتمل أن يكون المراد: ونخبر بأن الذين ~~". # قال أبو حيان: " فلا يكون إذ ذاك داخلا تحت البشارة ". قال شهاب ~~الدين: قول الزمخشري يحتمل أمرين: # أحدهما: أن يكون قوله " ويحتمل أن يكون المراد: ويخبر بأن " من باب ~~الحذف، أي: حذف " ويخبر " وأبقى معموله، وعلى هذا فيكون " أن ~~الذين " غير داخل في حيز البشارة بلا شك، ويحتمل أن يكون قصده: ~~أنه يريد بالبشارة مجرد الإخبار، سواء كان بخير أم بشر، وهل هو ~~فيهما حقيقة أو في أحدهما، وحينئذ يكون جمعا بين الحقيقة والمجاز؛ أو ~~استعمالا للمشترك في معنييه؛ وفي المسألتين خلاف مشهور، وعلى هذا: فلا ~~يكون قوله " وأن الذين لا يؤمنون " غير داخل في حيز البشارة، ~~إلا أن الظاهر من حال الزمخشري: أنه لا يجيز الجمع بين ~~الحقيقة والمجاز، ولا استعمال المشترك في معنييه. # فصل # اعلم أن العمل الصالح، كما يوجب لفاعله النفع الأكمل الأعظم، كذلك ~~تركه يوجب الضرر الأكمل الأعظم، فإن قيل: كيف يليق لفظ ms5549 البشارة ~~بالعذاب؟. # فالجواب: هذا مذكور على سبيل التهكم، أو من باب إطلاق أحد الضدين ~~على الآخر؛ كقوله تعالى: # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40] وتقدم الكلام عليه قبل الفصل، فإن قيل: هذه الآية ~~[واردة] في شرح أحوال اليهود، وهم ما كانوا ينكرون الإيمان بالآخرة، ~~فكيف يليق بهذا الموضع قوله تعالى: { وأن الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما }؟. # فالجواب عنه من وجهين: # أحدهما: أن أكثر اليهود ينكرون الثواب والعقاب الجسمانيين. # والثاني: أن بعضهم قال: # لن تمسنا النار إلا أياما معدودات # [آل عمران: 24] فهم بهذا القول صاروا كالمنكرين للآخرة. ### || [17.11] # في الباءين ثلاثة أوجه: # أحدها: أنهما متعلقتان بالدعاء على بابهما؛ نحو: " دعوت بكذا " ~~والمعنى: أن الإنسان في حال ضجره قد يدعو بالشر، ويلح فيه، كما ~~يدعو بالخير ويلح فيه. # والثاني: أنهما بمعنى " في " بمعنى أن الإنسان إذا أصابه ضر، دعا ~~وألح في الدعاء، واستعجل الفرج؛ مثل الدعاء الذي كان يحب أن ~~يدعوه في حالة الخير، وعلى هذا: فالمدعو به ليس الشر ولا الخير، وهو ~~بعيد. # الثالث: أن تكون للسبب، ذكره أبو البقاء، والمعنى لا يساعده، والمصدر ~~مضاف لفاعله. # وحذفت الواو ولفظها الاستقبال باللام الساكنة؛ كقوله تعالى: # سندع الزبانية # [العلق: 18] وحذف في الخط أيضا، وهي غير محذوفة في المعنى. # فصل في نظم الآية # وجه النظم: أن الإنسان بعد أن أنزل الله - تعالى - عليه هذا القرآن، ~~وخصه بهذه النعم العظيمة، قد يعدل على التمسك بشرائعه، والرجوع إلى ~~بيانه، ويقدم على ما لا فائدة فيه، فقال: { ويدع الإنسان ~~بالشر دعآءه بالخير }. # واختلفوا في المراد من دعاء الإنسان بالشر، فقيل: المراد منه النضر بن ~~الحارث، حيث قال: اللهم، إن كان هذا هو الحق من عندك. فأجاب الله ~~دعاءه، وضربت رقبته، وكان بعضهم يقول: ائتنا بعذاب الله، ~~وآخرون يقولون: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين، وإنما فعلوا ذلك؛ ~~للجهل، ولاعتقاد أن محمدا - صلوات الله وسلامه عليه - كاذب فيما ~~يقول. # وقيل: المراد أن الإنسان في وقت الضجر يلعن نفسه، وأهله وولده، ~~وماله؛ كدعائه ربه أن يهب له ms5550 النعمة والعافية، ولو استجاب الله دعاءه ~~على نفسه في الشر، كما يستجيب له في الخير، لهلك، ولكن الله لا ~~يستجيب؛ لفضله. # روي # " أن النبي المصطفى - صلوات الله وسلامه عليه - دفع إلى سودة بنت ~~زمعة أسيرا، فأقبل يئن بالليل، فقالت له: ما لك تئن؟ ~~فشكى ألم القد، فأرخت له من كتافه، فلما نامت أخرج ~~يده، وهرب فلما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم دعا به، فأعلم ~~بشأنه، فقال صلوات الله وسلامه عليه: اللهم اقطع يدها، ~~فرفعت سودة - رضي الله عنها - يدها تتوقع أن يقطع الله ~~يدها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني سألت الله أن ~~يجعل دعائي على من لا يستحق عذابا من أهلي رحمة؛ ~~لأني بشر أغضب كما تغضبون ". # وقيل: يحتمل أن يكون المراد أن الإنسان قد يبالغ في الدعاء طلبا ~~للشيء، يعتقد أن خيره فيه، مع أن ذلك الشيء منبع لشره وضرره، وهو ~~يبالغ في طلبه؛ لجهله بحال ذلك الشيء، وإنما يقدم على مثل هذا العمل؛ ~~لكونه عجولا مغترا بظواهر الأمور غير متفحص عن حقائقها، ~~وأسرارها. # ثم قال تعالى: { وكان الإنسان عجولا }. # قيل: المراد بهذا الإنسان آدم - صلوات الله وسلامه عليه - لأنه لما ~~انتهت الروح إلى سرته، نظر إلى جسده، فأعجبه ما رأى، فذهب لينهض، ~~فلم يقدر، فهو قوله جل ذكره: { وكان الإنسان عجولا }. # وقيل: المراد الجنس؛ لأن أحدا من الناس لا يعرى عن عجلة، ولو ~~تركها، لكان تركها أصلح له في الدين والدنيا، ومعنى القولين واحد؛ ~~لأنا إذا حملنا الإنسان على آدم - صلوات الله وسلامه عليه - فهو أبو ~~البشر وأصلهم، فإذا وصف بالعجلة، كانت الصفة لازمة لأولاده. # وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: " عجولا " ضجورا لا صبر له ~~على سراء ولا ضراء. ### || [17.12] # قوله: { وجعلنا الليل والنهار ءايتين } الآية. # في تقرير النظم وجوه: # أحدها: أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة ما أوصل إلى الخلق من ~~نعم الدين، وهو القرآن، أتبعه بما أوصله إليهم من نعم الدنيا، فقال ~~عز وجل: { وجعلنا الليل والنهار ءايتين } فكما ~~أن القرآن ms5551 ممتزج من المحكم والمتشابه، فكذلك الزمان مشتمل على الليل ~~والنهار، فالمحكم كالنهار، والمتشابه كالليل، وكما أن المقصود من ~~التكليف لا يتم إلا بذكر المحكم والمتشابه، فكذلك الوقت والزمان لا ~~يكمل الانتفاع به إلا بالليل والنهار. # وثانيها: أنه تعالى لما بين أن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، وليس ~~الأقوم إلا ذكر الدلائل الدالة على التوحيد والنبوة، لا جرم ~~أردفه بذكر دلائل التوحيد، وهو عجائب العالم العلوي والسفلي. # وثالثها: أنه لما وصف الإنسان بكونه عجولا، أي: متنقلا من صفة إلى ~~صفة، ومن حالة إلى حالة بين أن أحوال كل هذا العالم كذلك، وهو ~~الانتقال من النور إلى الظلمة وبالضد، وانتقال نور القمر من الزيادة ~~إلى النقصان. # قوله تعالى: { آيتين }: يجوز أن يكون هو المفعول الأول، و " ~~الليل والنهار " ظرفان في موضع الثاني، قدما على الأول، ~~والتقدير: وجعلنا آيتين في الليل والنهار، والمراد بالآيتين: إما ~~الشمس والقمر، وإما تكوير هذا على هذا، وهذا على هذا، ويجوز أن يكون " ~~آيتين " هو الثاني، و " الليل والنهار " هما الأول، ثم فيه ~~احتمالان: # أحدهما: أنه على حذف مضاف: إما من الأول، أي:نيري الليل والنهار، ~~وهما القمر والشمس، وإما من الثاني، أي: ذوي آيتين. # والثاني: أنه لا حذف، وأنهما علامتان في أنفسهما، لهما دلالة على شيء ~~آخر. قال أبو البقاء: " فلذلك أضاف في موضع، ووصف في آخر " يعني أنه ~~أضاف الآية إليهما في قوله " آية الليل " و " آية النهار " ~~ووصفهما في موضع آخر بأنهما آيتان؛ لقوله: { وجعلنا الليل ~~والنهار ءايتين } هذا كله إذا جعلنا الجعل تصييرا متعديا ~~لاثنين، فإن جعلناه بمعنى " خلقنا " كان " آيتين " حالا، وتكون ~~حالا مقدرة. # واستشكل بعضهم أن يكون " جعل " بمعنى صير، قال: " لأنه يستدعي ~~أن يكون الليل والنهار موجودين على حالة، ثم انتقل عنها إلى أخرى ". # فصل في المقصود ب: " آيتين " # ومعنى " آيتين " أي: علامتين دالتين على وجودنا، ووحدانيتنا، ~~وقدرتنا. # قيل: المراد من الآيتين نفس الليل والنهار، أي أنه تعالى جعلهما ~~دليلين للخلق على مصالح الدين والدنيا. # أما في الدين فلأن كل واحد ms5552 منهما مضاد للآخر، مغاير له، مع ~~كونهما متعاقبين على الدوام من أقوى الدلائل على أنهما غير موجودتين ~~بذاتيهما، بل لا بد لهما من فاعل يدبرهما، ويقدرهما بالمقادير ~~المخصوصة. # وأما في الدنيا؛ فلأن مصالح الدنيا لا تتم إلا بالليل والنهار، ~~فلولا الليل، لما حصل السكون والراحة، ولولا النهار، لما حصل الكسب ~~والتصرف. # ثم قال تعالى: { فمحونآ ءاية الليل } وعلى هذا تكون ~~الإضافة في آية الليل والنهار للتبيين، والتقدير: فمحونا الآية التي هي ~~الليل، وجعلنا الآية التي هي النهار مبصرة، ونظيره قولنا: نفس الشيء ~~وذاته، فكذلك آية الليل هي نفس الليل، ومنه يقال: " دخلت بلاد ~~خراسان " أي: دخلت البلاد التي هي خراسان، فكذا ها هنا. # وقيل: على حذف مضاف، أي: وجعلنا نيري الليل والنهار، وقد تقدم. # وفي تفسير " المحو " قولان: # الأول: ما يظهر في القمر من الزيادة والنقصان، فيبدو في أول الأمر ~~في صورة الهلال، ثم يتزايد نوره، حتى يصير بدرا كاملا، ثم ينقص ~~قليلا قليلا، وذلك هو المحو، إلى أن يعود إلى المحاق. # والثاني: أن نور القمر هو الكلف الذي يظهر في وجهه، يروى أن الشمس ~~والقمر كانا سواء في النور. # قال ابن عباس رضي الله عنه: " جعل الله تعالى نور الشمس سبعين ~~جزءا، ونور القمر سبعين جزءا، فمحا من نور القمر تسعة وستين ~~جزءا، فجعلها مع نور الشمس، فأرسل الله تعالى جبريل - عليه الصلاة ~~والسلام - فأمر جناحه على وجه القمر، فطمس عنه الضوء ". # ومعنى " المحو " في اللغة: إذهاب الأثر، تقول: محوته أمحوه، ~~وانمحى، وامتحى: إذا ذهب أثره. # وحمل المحو ها هنا على الوجه الأول أولى؛ لأن اللام في قوله: { ~~لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد ~~السنين والحساب } متعلق بالوجه الأول، وهو محو آية الليل، وجعل ~~آية النهار مبصرة؛ لأن بسبب اختلاف أحوال نور القمر تعرف السنون ~~والحساب، ويبتغى فضل الله تعالى. # وأهل التجارب بينوا أن اختلاف أحوال القمر في مقادير النور له أثر ~~عظيم في أحوال هذا العالم ومصالحه، مثل أحوال البحار في المد والجزر، ~~ومثل أحوال التجربات على ما ms5553 يذكره الأطباء في كتبهم، وبسبب زيادة نور ~~القمر ونقصانه تحصل الشهور، وبسبب معاودة الشهور تحصل السنون العربية ~~المبنية على رؤية الهلال. # ويمكن أيضا إذا حملنا المحو على الكلف أن يكون برهانا قاهرا على ~~صحة قول المسلمين في المبدأ والمعاد؛ لن جرم القمر بسيط عند الفلاسفة، ~~فحصول الأحوال المختلفة الحاصلة بسبب المحو يدل على أنه ليس بسبب ~~الطبيعة، بل لأجل أن الفاعل المختار خصص بعض أجزائه بالنور الضعيف ~~وبعض اجزائه بالنور القوي، وذلك يدل على أن مدبر العالم فاعل مختار ~~بالذات، واعتذر الفلاسفة عنه بأنه ارتكز في وجه القمر أجسام قليلة ~~الضوء مثل ارتكاز وجه الكواكب في أجرام الأفلاك، فلما كانت تلك الأجرام ~~أقل ضوءا من جرم القمر، لا جرم شوهدت تلك الأجرام في وجه القمر، ~~كالكلف في وجه الإنسان، وهذا ليس بشيء؛ لأن جرم القمر لما كان متشابه ~~الأجزاء، فحصول تلك الأجرام الظلمانية في بعض أجزاء القمر دون سائر ~~الأجزاء ليس إلا لمخصص حكيم، وكذلك القول في أحوال الكواكب؛ لأن ~~الفلك جرم بسيط متشابه الأجزاء، فلم يكن حصول جرم الكواكب في بعض ~~جوانبه أولى من حصوله في سائر الجوانب، وذلك يدل على أن اختصاص ذلك ~~الكوكب بذلك الموضع المعين من الفلك لأجل تخصيص العالم الفاعل ~~المختار. # روي أن ابن الكواء سأل عليا - رضي الله عنه - عن السواد الذي في ~~القمر، فقال: هو أثر المحو. # قوله: " مبصرة " فيه أوجه: # أحدها: أنه من الإسناد المجازي؛ لأن الإبصار فيها لأهلها؛ كقوله: # وءاتينا ثمود الناقة مبصرة # [الإسراء: 59] لما كانت سببا للإبصار؛ لأن الإضاءة سبب لحصول ~~الإبصار، فأطلق الإبصار على الإضاءة إطلاقا لاسم المسبب على السبب. # وقيل: " مبصرة ": مضيئة، وقال أبو عبيدة: قد أبصر النهار، إذا صار ~~الناس يبصرون فيه، فهو من باب أفعل، والمراد غير من أسند الفعل إليه؛ ~~كقولهم: " أضعف الرجل " أي: ضعفت ماشيته، و " أجبن الرجل " ~~إذا كان أهله جبناء، فالمعنى أن أهلها بصراء. # وقرأ علي بن الحسين وقتادة " مبصرة " بفتح الميم والصاد، وهو مصدر ~~أقيم مقام الاسم، وكثر هذا في صفات ms5554 الأمكنة نحو: " مذأبة ". # ثم قال - عز وجل -: { لتبتغوا فضلا من ربكم } أي ~~لتبصروا كيف تتصرفون في أعمالكم، { ولتعلموا عدد السنين ~~والحساب } أي لو ترك الله الشمس والقمر كما خلقهما، لم يعرف الليل ~~من النهار؛ ولم يدر الصائم متى يفطر، ولم يدر وقت الحج، ولا وقت حلول ~~الآجال، ولا وقت السكون والراحة. # واعلم أن الحساب مبني على أربع مراتب: الساعات، والأيام، والشهور، ~~والسنون، فالعدد للسنين، والحساب لما دون السنين، وهي الشهور، ~~والأيام، والساعات، وبعد هذه المراتب الأربعة لا يحصل إلا التكرار؛ ~~كما أنهم رتبوا العدد على أربع مراتب: الآحاد، والعشرات، والمئات، ~~والألوف، وليس بعدها إلا التكرار. # قوله: { وكل شيء فصلناه } فيه وجهان: # أحدهما: أنه منصوب على الاشتغال، ورجح نصبه؛ لتقدم جملة فعلية؛ وكذلك ~~" وكل إنسان ألزمناه ". # والثاني - وهو بعيد: - أنه منصوب نسقا على " الحساب " ، أي: لتعلموا ~~كل شيء أيضا، ويكون " فصلناه " على هذا صفة. # والمعنى: أنه تعالى لما ذكر أحوال آيتي الليل والنهار، وهما من ~~وجه: دليلان قاطعان على التوحيد، ومن وجه آخر: نعمتان عظيمتان من ~~الله على الخلق، فلما شرح الله تعالى حالهما، وفصل ما فيهما من وجوه ~~الدلالة على الخالق؛ ومن وجوه النعم العظيمة على الخلق، كان ذلك ~~تفصيلا نافعا وبيانا كاملا، فلا جرم قال: { وكل شيء ~~فصلناه تفصيلا } أي: فصلنا لكم كل ما تحتاجون إليه في ~~مصالح دينكم ودنياكم، فهو كقوله: # ما فرطنا في الكتاب من شيء # [الأنعام: 38] وقوله: # ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء # [النحل: 89] وإنما ذكر المصدر، وهو قوله: " تفصيلا " لأجل تأكيد ~~الكلام وتقريره، فكأنه قال: " وفصلناه حقا على الوجه الذي لا ~~مزيد عليه ". ### || [17.13-14] # قوله: { وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه } ~~الآية. # في كيفية النظم وجوه: # أولها: أنه تعالى لما قال: # وكل شيء فصلناه تفصيلا # [الإسراء: 12] كان معناه أن ما يحتاج إليه من شرح دلائل التوحيد، ~~والنبوة، والمعاد، فقد صار مذكورا وأن كل ما يحتاج إليه من شرح ~~أحوال الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، فقد صار مذكورا، وإذا كان ~~الأمر كذلك، فقد أزيحت الأعذار، وأزيلت العلل، ms5555 فلا جرم: كل من ورد عرصة ~~القيامة، ألزمناه طائره في عنقه، ونقول له: { اقرأ كتابك كفى ~~بنفسك اليوم عليك حسيبا }. # وثانيها: أنه تعالى، لما بين أنه أوصل إلى الخلق أصناف الأشياء ~~النافعة لهم في الدين والدنيا مثل آيتي الليل والنهار، وغيرهما، كان ~~منعما عليهم بجميع وجوه النعم، وذلك يقتضي وجوب اشتغالهم بخدمته ~~وطاعته، فلا جرم: كل من ورد عرصة القيامة، فإنه يكون مسئولا عن أعماله ~~وأقواله. # وثالثها: أنه تعالى بين أنه ما خلق الخلق إلا ليشتغلوا بعبادته، كما ~~قال تعالى: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56] فلما شرح أحوال الشمس والقمر والنهار والليل، كان ~~المعنى: إنما خلقت هذه الأشياء لتنتفعوا بها، فتصيروا متمكنين من ~~الاشتغال بطاعتي وخدمتي، وإذا كان كذلك، فكل من ورد عرصة القيامة، سألته، ~~هل أتى بتلك الخدمة والطاعة، أو تمرد وعصى. # وقرىء " في عنقه " بإسكان النون وهو تخفيف شائع. # فصل # اختلفوا في الطائر، فقال ابن عباس - رضي الله عنه -: " عمله، وما قدر ~~عليه من خير أو شر، فهو ملازمه، أينما كان ". # وقال الكلبي ومقاتل: " خيره وشره معه لا يفارقه حتى يحاسبه " ، وقال ~~الحسن: يمنه وشؤمه، وعن مجاهد: " ما من مولود إلا في عنقه ورقة، مكتوب ~~فيها شقي أو سعيد ". # وقال أهل المعاني: أراد بالطائر ما قضى عليه أنه عامله، وما هو صائر ~~إليه من سعادة أو شقاوة، سمي طائرا على عادة العرب فيما كانت تتفاءل ~~وتتشاءم به من سوانح الطير وبوارحها، فكانوا إذا أرادوا الإقدام على عمل ~~من الأعمال، وأرادوا أن يعرفوا أن ذلك العمل يسوقهم إلى خير أو إلى ~~شر، اعتبروا أحوال الطير، وهو أنه يطير بنفسه، أو يحتاج إلى إزعاجه، ~~وإذا طار، فهو يطير متيامنا أو متياسرا، أو صاعدا إلى الجو، أو إلى ~~غير ذلك من الأحوال التي كانوا يعتبرونها، ويستدلون بكل واحد منها على ~~أحوال الخير والشر بالطائر، فلما كثر ذلك منهم، سمي الخير والشر بالطائر ~~تسمية للشيء باسم لازمه، ونظيره قوله تعالى: # إنا تطيرنا بكم # [يس: 18] وقوله عز وجل: # قالوا طائركم معكم ms5556 # [يس: 19] فالمعنى: أن كل إنسان ألزمناه عمله في عنقه. # وقال أبو عبيدة والقتيبي: الطائر عند العرب الحظ، وتسميه الفرس ~~البخت، فالطائر ما طار له من خير وشر من قولهم: طار سهم فلان بكذا، ~~وخص العنق من سائر الأعضاء؛ لأنه موضع القلائد والأطواق وغيرهما مما ~~يزين، أو يشين، فما يزين، فهو كالتطوق والحلي، وما يشين، فهو ~~كالغل، فعمله إن كان خيرا فهو زينة كالتطوق، أو كان شرا، فهو شين ~~كالغل في رقبته، فقوله: " في عنقه " كناية عن اللزوم؛ كما يقال: ~~جعلت هذا في عنقك أي: قلدتك هذا العمل، وألزمتك الاحتفاظ به، ويقال: ~~قلدتك كذا، وطوقتك كذا، أي: صرفته إليك، وألزمتك إياه، ومنه " ~~قلده السلطان كذا " أي صارت الولاية في لزومها له في موضع ~~القلادة، ومكان الطوق، ومنه يقال: فلان يقلد فلانا أي: جعل ذلك ~~الاعتقاد كالقلادة المربوطة في عنقه. # وهذه الآية أدل دليل على أن كل ما قدره الله - تعالى - على ~~الإنسان، وحكم به عليه في سابق علمه، فهو واجب الوقوع، ممتنع العدم؛ ~~لأنه تعالى بين أن ذلك العمل لازم له، وما كان لازما للشيء؛ كان ~~ممتنع الزوال عنه، واجب الحصول له، وأيضا: فإن الله - تعالى - أضاف ~~ذلك الإلزام إلى نفسه بقوله: " ألزمناه " ، وذلك تصريح بأن ~~الإلزام إنما صدر منه كقوله تعالى: # وألزمهم كلمة التقوى # [الفتح: 26] وقال - صلوات الله وسلامه عليه -: # " جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة ". # قوله تعالى: { ونخرج له يوم القيمة كتابا }. # العامة على " نخرج " بنون العظمة مضارع " أخرج " ، و " كتابا " ~~فيه وجهان: # أحدهما: أنه مفعول به. # والثاني: أنه منصوب على الحال من المفعول المحذوف؛ إذ التقدير: ونخرجه ~~له كتابا، أي: ونخرج الطائر. # ويروى عن أبي جعفر: " ويخرج " مبنيا للمفعول، كتابا نصب على ~~الحال، والقائم مقام الفاعل ضمير الطائر، وعنه أنه رفع " كتابا " ~~وخرج على أنه مرفوع بالفعل المبني للمفعول، والأولى قراءة قلقة. # وقرأ الحسن: " ويخرج " بفتح الياء وضم الراء، مضارع " خرج " " ~~كتاب " فاعل به، وابن محيصن ومجاهد كذلك، إلا أنهما نصبا " كتابا " على ~~الحال، والفعال ضمير ms5557 الطائر، أي: ويخرج له طائره في هذا الحال، وقرىء " ~~ويخرج " بضم الياء وكسر الراء، مضارع " أخرج " والفاعل ضمير ~~الباري تعالى، " كتابا " مفعول. # قوله تعالى: " يلقاه " صفة ل " كتابا " ، و " منشورا " حال ~~من هاء " يلقاه " وجوز الزمخشري وأبو البقاء وأبو حيان أن يكون ~~نعتا ل " كتابا " ، وفيه نظر؛ من حيث إنه يلزم تقدم الصفة غير ~~الصريحة، على الصريحة، وقد تقدم ما فيه. # وقرأ ابن عامر وأبو جعفر " يلقاه " بضم الياء وفتح اللام وتشديد ~~القاف، مضارع لقي بالتشديد قال تعالى: # ولقاهم نضرة وسرورا # [الإنسان: 11] والباقون بالفتح والسكون والتخفيف مضارع " لقي ". # فصل # قال الحسن: بسطنا لك صحيفة، ووكل بك ملكان، فهما عن يمينك، وعن ~~شمالك، فأما الذي عن يمينك، فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن شمالك، فيحفظ ~~سيئاتك؛ حتى إذا مت طويت صحيفتك، وجعلت معك في قبرك؛ حتى تخرج ~~لك يوم القيامة، فقوله: { ونخرج له } أي: من قبره. # قوله تعالى: { اقرأ كتابك }: على إضمار القول، أي: يقال له: اقرأ، ~~وهذا القول: إما صفة أو حال، كما في الجملة قبله. وهذا القائل هو ~~الله تعالى. # قال الحسن: " يقرءوه أميا كان، أو غير أمي ". # وقال أبو بكر بن عبد الله - رضي الله عنه-: يؤتى المؤمن يوم القيامة ~~بصحيفته، وحسناته في ظهرها، يغبطه الناس عليها، وسيئاته في جوف صحيفته، ~~وهو يقرؤها، حتى إذا ظن أنها قد أوبقته، قال الله له: # " قد غفرت لك فيما بيني وبينك " # فيعظم سروره ويصير من الذين قال الله - عز وجل - في حقهم: # وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة # [عبس: 38، 39]. # قوله تعالى: { كفى بنفسك } فيه ثلاثة أوجه: # المشهور عند المعربين: أن " كفى " فعل ماض، والفاعل هو المجرور ~~بالباء، وهي فيه مزيدة، ويدل عليه أنها إذا حذفت ارتفع؛ كقوله: ~~[الطويل] # 3388- ويخبرني عن غائب المرء هديه # كفى الهدي عما غيب المرء مخبرا # وقوله: [الطويل] # 3389-................. # كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا # وعلى هذا؛ فكان ينبغي أن يؤنث الفعل؛ لتأنيث فاعله، وإن كان مجرورا؛ ~~كقوله # مآ ءامنت قبلهم من قرية # [الأنبياء: 6] # وما تأتيهم من ءاية # [الأنعام: 4]. وقد يقال: إنه ms5558 جاء على أحد الجائزين؛ فإن التأنيث ~~مجازي. # والثاني: أن الفاعل ضمير المخاطب، و " كفى " على هذا اسم فعل أمر، أي: ~~اكتف، وهو ضعيف؛ لقبول " كفى " علامات الأفعال. # الثالث: أن فاعل " كفى " ضمير يعود على الاكتفاء، وتقدم الكلام على ~~هذا. و " اليوم " نصب ب " كفى ". # قوله: " حسيبا " فيه وجهان: # أحدهما: أنه تمييز، قال الزمخشري: " وهو بمعنى حاسب؛ كضريب القداح؛ ~~بمعنى ضاربها، وصريم بمعنى صارم، ذكرهما سيبويه، و " على " متعلقة به من ~~قولك: حسب عليه كذا، ويجوز أن يكون بمعنى الكافي ووضع موضع الشهيد، ~~فعدي ب " على " لأن الشاهد يكفي المدعي ما أهمه، فإن قلت: ~~لم ذكر " حسيبا "؟ قلت: لأنه بمنزلة الشاهد، والقاضي، والأمين، ~~وهذه المور يتولاها الرجال؛ فكأنه قيل: كفى بنفسك رجلا حسيبا، ~~ويجوز أن تتأول النفس بمعنى الشخص، كما يقال: ثلاثة أنفس ". قلت: ~~ومنه قول الشاعر: [الوافر] # 3390- ثلاثة أنفس وثلاث ذود # لقد جار الزمان على عيالي # والثاني: أنه منصوب على الحال، وذكر لما تقدم، وقيل: حسيب بمعنى محاسب؛ ~~كخليط وجليس بمعنى: مخالط ومجالس. # قال الحسن - رضي الله عنه -: " عدل، والله، في حقك من جعلك ~~حسيب نفسك ". # وقال السدي: " يقول الكافر يومئذ: إنك قضيت أنك لست بظلام ~~للعبيد، فاجعلني أحاسب نفسي فيقال له: اقرأ كتابك، كفى بنفسك اليوم ~~عليك حسيبا ". ### || [17.15] # هذه الآية تدل على أن ثواب العمل الصالح مختص بفاعله، وعقاب ~~الذنب مختص بفاعله، لا يتعدى منه إلى غيره، كقوله تعالى: # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف ~~يرى # [النجم: 39، 40]. # قال الكعبي: " الآية دالة على أن العبد متمكن من الخير والشر، ~~وأنه غير مجبور على فعل بعينه أصلا؛ لأن قوله تعالى جل ذكره: { ~~من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما ~~يضل عليها } إنما يليق بالقادر على الفعل المتمكن منه، كيف شاء ~~وأراد، وأما المجبور على أحد الطرفين، الممنوع من الطرف الثاني، ~~فهذا لا يليق بهذه الآية " وتقدم الجواب. ثم إنه تعالى أعاد تقرير ~~أن كل أحد مختص بعمل نفسه، فقال تعالى: { ولا تزر وازرة ~~وزر أخرى }. # قال ms5559 الزجاج: يقال: وزر يزر، فهو وازر ووزر وزرا وزرة، ~~ومعناه: أثم يأثم إثما. # وقال: في تأويل الآية وجهان: # الأول: أن المذنب لا يؤاخذ بذنب غيره، بل كل أحد مختص بذنب ~~نفسه. # والثاني: أنه لا ينبغي أن يعمل الإنسان بالإثم؛ لأن غيره عمله كقول ~~الكفار: # إنا وجدنآ ءابآءنا على أمة وإنا على ~~ءاثارهم مقتدون # [الزخرف: 23]. # فصل # دلت هذه الآية على أحكام: # الأول: قال الجبائي: في الآية دلالة على أنه تعالى لا يعذب الأطفال ~~بكفر آبائهم، وإلا لكان الطفل يؤاخذ بذنب أبيه. وذلك خلاف ظاهر الآية. # الثاني: روى ابن عمر - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه ". # وطعنت عائشة - رضي الله عنها - في صحة هذا الخبر بهذه الآية. فإن ~~تعذيب الميت ببكاء أهله أخذ للإنسان بجرم غيره، وهو خلاف هذه الآية. # والحديث لا شك في صحته؛ لأنه في الصحيحين. # وفي الصحيحين أيضا عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الميت يعذب ببكاء الحي ". # وفي صحيح البخاري: # " الميت يعذب في قبره بما نيح عليه ". # وفي الصحيحين عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # " إنه من نيح عليه يعذب بما نيح عليه ". # وقال- صلوات الله وسلامه عليه -: " الميت يعذب ببكاء الحي، ~~إذا قالت النائحة: واعضداه، وناصراه، وكاسياه حبذا ~~الميت، قيل له: أنت عضدها، أنت ناصرها، أنت كاسيها ". # وفي رواية: " ما من ميت يموت فيقوم باكيهم، فيقول: ~~واجبلاه، وسنداه وأنساه، ونحو ذلك، إلا وكل به ملكان يلهذانه ~~أهكذا كنت " اللهذ واللهز مثل اللكز والدفع. # وروى البخاري عن النعمان بن بشير، قال: أغمي على عبد الله بن رواحة، ~~فجعلت أخته عمرة تبكي، وتقول: واجبلاه واكذا واكذا، تعدد عليه، ~~فقال حين أفاق: ما قلت شيئا إلا قيل لي: أنت كذلك؟ ~~فلما مات لم تبك عليه. # فإن قيل: أنكرت عائشة وغيرها ذلك، وقالت لما ذكر لها حديث ابن عمر: ~~يغفر الله لأبي عبد ms5560 الرحمن، أما إنه لم يكذب ولكنه نسي أو ~~أخطأ إنما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على يهودية يبكى عليها، ~~فقال صلى الله عليه وسلم: # " إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها " # متفق عليه. # ولمسلم: إنما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبر يهودي، ~~فقال: # " إنه ليعذب بخطيئته أو بذنبه، وإن أهله ليبكون ~~عليه الآن ". # وفي رواية متفق عليها: إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه " # وقالت: حسبكم القرآن { ولا تزر وازرة وزر أخرى } ~~[الإسراء: 15] وقال بعض العلماء: إنما هذا فيمن أوصى أن يناح عليه كما ~~كان أهل الجاهلية. # والجواب أنه يجب قبول أن الحديث لا يمكن رده؛ لثبوته وإقرار أعيان ~~الصحابة له على ظاهره. # وعائشة - رضي الله عنها - لم تخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم نفى ~~ذلك، وإنما تأولت على ظاهر القرآن، ومن أثبت وسمع حجة على من نفى ~~وأنكر. # وظاهر القرآن لا حجة فيه؛ لأن الله - تعالى - نفى أن يحمل أحد من ~~ذنب غيره شيئا، والميت لا يحمل من ذنب النائحة شيئا، بل إثم ~~النوح عليها، وهو قد يعذب من جهة أخرى بطريق نوحها، كمن سن سنة ~~سيئة، مع من عمل بها، ومن دعا إلى ضلالة، مع من أجابه. # والحديث الذي روته حديث آخر لا يجوز أن يرد به خبر الصادق؛ لأن ~~القوم قد يشهدون كثيرا مما لا تشهد، مع أن روايتها تحقق ذلك ~~الحديث؛ فإن الله - تعالى - إذا جاز أن يزيد الكافر عذابا ببكاء أهله، ~~جاز أن يعذب الميت ابتداء ببكاء أهله. # ثم في حديث ابن رواحة وغيره مما تقدم ما ينص على أن ذلك في ~~المسلم؛ فإن ابن رواحة كان مسلما، ولم يوص بذلك، ثم إن الصحابة ~~الذين رووه، لو فهموا منه الموصي، لما عجبوا منه، وأنكره من أنكره؛ فإن ~~من المعلوم أن من أمر بمنكر، كان عليه إثمه، ولو كان ذلك خاصا ~~بالموصي، لما خص بالنوح، دون غيره من المنكرات، ولا بالنوح ms5561 على ~~نفسه، دون غيره من الأموات. # وقال بعض العلماء: لما كان الغالب على الناس النوح على الميت، ~~وهو من أمور الجاهلية التي لا يدعونها في الاسلام، ولا يتناهى عنها ~~أكثر الناس خرج الحديث على الأعم الأغلب فيمن لم ينه عن النائحة، ~~وهي عادة الناس، فيكون تركه للنهي مع غلبة ظنه بأنها تفعل ~~إقرارا للمنكر وتركا لإنكاره، فيعذب على ما تركه من الإنكار، ورضي به ~~من المنكر، وأما من نهى عنه، وعصي أمره، فالله أكرم من أن يعذبه. # قال ابن تيمية: وهذا قريب. وأجود منه، إن شاء الله - تعالى - أن العذاب ~~على قسمين: # أحدهما: ألم وأذى يلحق الميت بسبب غيره، وإن لم يكن من فعله؛ كما ~~يلحق أهل القبور من الأذى بمجاورة الجار السيىء، وبالأعمال القبيحة ~~عند القبور، والجلوس على القبر، أو التغوط عليه، إلى غير ذلك من ~~الأشياء التي يتألم الإنسان بها حيا وميتا، وإن لم تكن من فعله. ~~فهذا الميت لما عصي الله بسببه، ونيح عليه، لحقه عذاب وألم من هذه ~~المعصية. # قال القاضي: سئلت عن ميت دفن في داره، وبقرب قبره أولاد يشربون ~~ويستعملون آلة اللهو، هل يتأذى الميت؟. # فأجبت: أنه يتأذى. # وروى بإسناده عن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " إن الميت يؤذيه في قبره ما يؤذيه في بيته ". # وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: إذا مات لأحدكم الميت، فأحسنوا ~~كفنه، وعجلوا إنفاذ وصيته، وأعمقوا له في قبره، وجنبوه جار ~~السوء. # قيل: يا رسول الله: وهل ينفع الجار الصالح في الآخرة؟ قال: ~~وهل ينفع في الدنيا؟ قالوا: نعم، قال: وكذلك ينفعه في ~~الآخرة. # الثاني: أن طبع البشر يحب في حياته أن يبكى عليه بعد موته؛ لما ~~فيه من الشرف والذكر، كما يحب أن يثنى عليه، ويذكر بما يحب، وكما ~~يحب أن يكون المال والسلطان لعقبه، وإن أيقن أنه لا لذة له بذلك ~~بعد الموت، فعوقب بنقيض هذه الإرادة من عذاب النوح والبكاء؛ ليعلم ~~الناس بذلك، فيتناهون عن هذه أو يكرهونه، فمن ms5562 لم يكره النوح والبكاء، ~~فهو باق على موجب طبعه، ومن كرهه، كانت تلك الكراهة مانعة من لحوق ~~الذم به. # الثالث: قال القاضي: دلت هذه الآية على أن الوزر والإثم ليس من ~~فعل الله - تعالى -، وذلك من وجوه: # أحدها: أنه لو كان كذلك، لامتنع أن يؤاخذ العبد به، كما لا يؤاخذ بوزر ~~غيره. # وثانيها: أنه كان يحب ارتفاع الوزر أصلا؛ لأن الوزر إنما ~~يصح أن يوصف بذلك، إذا كان مختارا يمكنه التحرز، ولهذا المعنى لا ~~يوصف الصبي بذلك. # الرابع: أن جماعة من الفقهاء المتقدمين امتنعوا من ضرب الدية على ~~العاقلة، قالوا: لأن ذلك يفضي إلى مؤاخذة الإنسان بفعل الغير، وذلك ~~مضاد لهذه الآية. # ونجيب عنها بأن المخطىء [غير مؤاخذ] على ذلك الفعل، فكيف يصير غيره ~~مؤاخذا بسبب ذلك الفعل، بل ذلك تكليف واقع ابتداء من الله تعالى. # ثم قال تعالى: { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ~~}. # إقامة للحجة وقطعا للعذر. # واستدلوا بهذه الآية على أن وجوب شكر النعم لا يثبت بالعقل، بل ~~بالسمع؛ كقوله تعالى: { وما كنا معذبين حتى نبعث ~~رسولا }. # وذلك لأن الوجوب لا يتقرر إلا بترتيب العقاب على الترك، ولا ~~عقاب قبل الشرع بهذه الآية، وبقوله تعالى: # رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على ~~الله حجة بعد الرسل # [النساء: 165]. # وقوله تعالى: # ولو أنآ أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ~~ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع ءاياتك ~~من قبل أن نذل ونخزى # [طه: 134]. # ولقائل أن يقول: هذا الاستدلال ضعيف من وجهين: # الأول: أنه لو لم يثبت الوجوب العقلي، لم يثبت الوجوب الشرعي ألبتة، ~~وهذا باطل. # فذلك باطل، وبيان الملازمة من وجوه: # أنه إذا جاء الشارع، وادعى كونه نبيا من عند الله - تعالى - وأظهر ~~المعجزة، فهل يجب على المستمع استماع قوله، والتأمل في معجزاته، أو لا ~~يجب؟. # فإن وجب بالعقل، فقد ثبت الوجوب العقلي، وإن وجب بالشرع، فهو باطل؛ ~~لأن ذلك الشارع إما أن يكون هو ذلك المدعي أو غيره، والأول باطل؛ ~~لأنه يرجع حاصل الكلام إلى أن ذلك الرجل يقول: الدليل ms5563 على أنه يجب قبول ~~قولي أني أقوله. وهذا إثبات للشيء بنفسه، وإن كان الشارع غيره، كان ~~الكلام كما في الأول، ولزم الدور والتسلسل، وهما محالان. # وثانيها: أن الشارع، إذا جاء، وأوجب بعض الأفعال، وحرم بعضها، فلا ~~معنى للإيجاب أو التحريم إلا أن يقول: إن تركت كذا، أو فعلت كذا، ~~عاقبتك، فنقول: إما أن يجب عليه الاحتراز عن العقاب، وذلك الاحتراز ~~إما أن يجب بالعقل، أو بالسمع، فإن وجب بالعقل، فهو المقصود، وإن ~~وجب بالسمع، لم يتقرر معنى هذا الوجوب إلا بسبب ترتيب العقاب عليه، ~~وحينئذ يعود التقسيم الأول، ويلزم التسلسل. # وثالثها: أن مذهب أهل السنة أنه يجوز من الله - تعالى - أن يعفو عن ~~العقاب على ترك الواجب، وإذا كان كذلك ماهية الوجوب حاصلة، مع عدم ~~العقاب، فلم يبق إلا أن يقال: ماهية الوجوب إنما تتقرر بسبب حصول ~~الخوف من الذم والعقاب؛ فثبت بهذه الوجوه أن الوجوب العقلي لا يمكن ~~دفعه، وإذا ثبت هذا فنقول: في الآية قولان: # الأول: أن نجري الآية على ظاهرها، ونقول: العقل هو رسول الله إلى الخلق، ~~بل هو الرسول الذي لولاه، لما تقررت رسالة أحد من الرسل. # فالعقل هو الرسول الأصلي، فكان معنى الآية: حتى نبعث رسولا؛ أي رسول ~~العقل. # والثاني: أن نخصص عموم الآية، فنقول: المراد وما كنا معذبين حتى ~~نبعث رسولا أي رسول العقل في الأعمال التي لا سبيل إلى معرفة وجوبها ~~إلا بالشرع لا بعد مجيء الشرع، وتخصيص العموم وإن كان عدولا عن ~~الظاهر إلا أنه يجب المصير إليه عند قيام الدلالة، وقد بينا قيام ~~الدلائل الثلاثة على أنا لو نفينا الوجوب العقلي، لزمنا نفي الوجوب ~~الشرعي. # قال ابن الخطيب: والذي نذهب إليه: أن مجرد العقل يدل على أنه يجب ~~علينا فعل ما ينتفع به، وترك ما يتضرر به؛ لأنا مجبولون على طلب ~~النفع، والهرب من الضرر، فلا جرم: كان العقل وحده كافيا في الوجوب في ~~حقنا، أما مجرد العقل فلا يدل على أنه يجب على الله تعالى شيء، وذلك ~~لأنه منزه عن ms5564 طلب النفع، والهرب من الضرر، فامتنع أن يحكم العقل عليه ~~بوجوب فعل أو تركه. ### || [17.16] # قرأ العامة " أمرنا " بالقصر والتخفيف، وفيه وجهان: # أحدهما: أنه من الأمر الذي هو ضد النهي، ثم اختلف القائلون بذلك في ~~متعلق هذا لأمر، فعن ابن عباس - رضي الله عنهما - في آخرين: أنه ~~أمرناهم بالطاعة، ففسقوا، وقد رد هذا الزمخشري ردا شديدا، وأنكره ~~إنكارا بليغا في كلام طويل، حاصله: أنه حذف ما لا دليل عليه، وقدر هو ~~متعلق الأمر: الفسق، أي: أمرناهم بالفسق، قال: " أي: أمرناهم بالفسق، ~~فعملوا، لأنه يقال: أمرته، فقام، وأمرته، فقرأ، وهذا لا يفهم منه إلا ~~أن المأمور به قيام أو قراءة، فكذا هاهنا، لما قال: { أمرنا ~~مترفيها ففسقوا فيها }. وجب أن يكون المعنى: أمرناهم بالفسق، ~~ففسقوا، ولا يقال: هذا يشكل بقوله: أمرته فعصاني، أو فخالفني؛ ~~فإن هذا لا يفهم منه إلا أن المأمور به قيام أو قراءة، فكذا ~~هاهنا، كما قال: { أمرنا مترفيها، ففسقوا فيها }. وجب أن ~~يكون المعنى: أمرناهم بالفسق، ففسقوا، ولا يقال: هذا يشكل بقوله: ~~أمرته فعصاني، أو فخالفني؛ فإن هذا لا يفهم منه أني أمرته ~~بالمعصية، والمخالفة؛ لأن المعصية مخالفة للأمر، ومناقضة له، ~~فيكون كونها مأمورا بها محالا. # فلهذا الضرورة تركنا هذا الظاهر، وقلنا: الأمر مجاز؛ لأن حقيقة أمرهم ~~بالفسق أن يقول لهم: افسقوا، وهذا لا يكون، فبقي أن يكون مجازا، ووجه ~~المجاز: أنه صب عليهم النعمة صبا، فجعلوها ذريعة إلى المعاصي، ~~واتباع الشهوات، فكأنهم مأمورون بذلك؛ لتسبب إيلاء النعمة ~~فيه، وإنما خولهم فيها ليشكروا ". # ثم قال: " فإن قلت: فهلا زعمت أن معناه: أمرناهم بالطاعة ففسقوا؟ ~~قلت: لأن حذف ما لا دليل عليه غير جائز، فكيف حذف ما الدليل قائم على ~~نقيضه؟ وذلك أن المأمور به، إنما حذف لأن " ففسقوا " يدل ~~عليه، وهو كلام مستفيض؛ يقال: " أمرته، فقام " و " أمرته فقرأ ~~" لا يفهم منه إلا أن المأمور به قيام أو قراءة، ولو ذهبت تقدر ~~غيره، رمت من مخاطبك علم الغيب، ولا يلزم [على] هذا قولهم: أمرته، ~~فعصاني " أو " فلم ms5565 يمتثل " لأن ذلك مناف للأمر مناقض له، ولا ~~يكون ما يناقض الأمر مأمورا به، فكان محالا أن يقصد أصلا؛ حتى يجعل ~~دالا على المأمور به، فكان المأمور به في هذا الكلام غير منوي، ولا ~~مراد؛ لأن من يتكلم بهذا الكلام لا ينوي لأمره مأمورا به؛ فكأنه ~~يقول: كان مني أمر، فكان منه طاعة، كما أن من يقول: " فلان يأمر ~~وينهى، ويعطي ويمنع " لا يقصد مفعولا. # فإن قلت: هلا كان ثبوت العلم بأن الله لا يأمر بالفحشاء دليلا على ~~أن المراد: أمرناهم بالخير؟. # قلت: لأن قوله " ففسقوا " يدافعه؛ فكأنك أظهرت شيئا، وأنت تضمر ~~خلافه، ونظير " أمر ": " شاء " في أن مفعوله استفاض حذف مفعوله؛ ~~لدلالة ما بعده عليه؛ تقول: لو شاء، لأحسن إليك، ولو شاء، لأساء إليك، ~~تريد: لو شاء الإحسان، ولو شاء الإساءة، ولو ذهبت تضمر خلاف ما أظهرت، ~~وقلت: قد دلت حال من أسندت إليه المشيئة أنه من أهل الإحسان، أو من ~~أهل الإساءة، فاترك الظاهر المنطوق، وأضمر ما دلت عليه حال المسند ~~إليه المشيئة، لم تكن على سداد. # وتتبعه أبو حيان في هذا، فقال: أما ما ارتكبه من المجاز، فبعيد ~~جدا، وأما قوله: " لأن حذف ما لا دليل عليه غير جائز " فتعليل لا ~~يصح فيما نحن بسبيله، بل ثم ما يدل على حذفه، وقوله: " فكيف يحذف ما ~~الدليل على نقيضه قائم " إلى " علم الغيب " فنقول: حذف الشيء تارة يكون ~~لدلالة موافقه عليه، ومنه ما مثل به في قوله " أمرته، فقام " ، ~~وتارة يكون لدلالة خلافه أو ضده، أو نقيضه؛ كقوله تعالى: # وله ما سكن في الليل والنهار # [الأنعام: 13] أي: ما سكن وتحرك، وقوله: # سرابيل تقيكم الحر # [النحل: 81]، أي: والبرد، وقول الشاعر: [الوافر] # 3391- وما أدري إذا يممت أرضا # أريد الخير أيهما يليني # أألخير الذي أنا أبتغيه # أم الشر الذي هو يبتغيني # أي: وأجتنب الشر، وتقول: " أمرته، فلم يحسن " فليس المعنى: ~~أمرته بعدم الإحسان، بل المعنى: أمرته بالإحسان، فلم يحسن، والآية من ~~هذا القبيل، يستدل على حذف النقيض بنقيضه، كما يستدل على ms5566 حذف ~~النظير بنظيره، وكذلك: " أمرته، فأساء إلي " ليس المعنى: أمرته ~~بالإساءة، بل أمرته بالإحسان، وقوله: " ولا يلزم هذا قولهم: أمرته ~~فعصاني " نقول: بل يلزم، وقوله " لأن ذلك مناف " أي: لأن ~~العصيان مناف، وهو كلام صحيح، وقوله: " فكان المأمور به غير مدلول ~~عليه ولا منوي " لا يسلم بل مدلول عليه ومنوي لا دلالة الموافق بل ~~دلالة المناقض؛ كما بينا، وقوله: " لا ينوي مأمورا به " لا يسلم، ~~وقوله " لأن " ففسقوا " يدافعه، إلى آخره " قلنا: نعم، نوى شيئا، ~~ويظهر خلافه؛ لأن نقيضه يدل عليه، وقوله: ونظير " أمر " " شاء " ~~ليس نظيره؛ لأن مفعول " أمر " كثر التصريح به. قال سبحانه جل ذكره: # إن الله لا يأمر بالفحشآء # [الأعراف: 28] # أمر ألا تعبدوا إلا إياه # [يوسف: 40] # يأمر بالعدل # [النحل: 76] # أمر ربي بالقسط # [الأعراف: 29] # أم تأمرهم أحلامهم بهذآ # [الطور: 32]، وقال الشاعر: [البسيط] # 3392- أمرتك الخير فافعل ما أمرت به # ..................... # قال شهاب الدين رحمه الله: والشيخ رد عليه رد مستريح من النظر، ~~ولولا خوف السآمة على الناظر، لكان للنظر في كلامهما مجال. # قال ابن الخطيب: ولقائل أن يقول: كما أن قوله: " أمرته، ~~فعصاني " يدل على أن المأمور به شيء غير المعصية من حيث إن ~~المعصية منافية للأمر مناقضة له، فكذلك قوله: أمرته ففسق يدل على أن ~~المأمور به شيء غير الفسق؛ لأن الفسق عبارة عن الإتيان # بضد المأمور به، فكونه فسقا ينافي كونه مأمورا به، كما أن كونها ~~معصية ينافي كونها مأمورا بها؛ فوجب أن يدل هذا اللفظ على أن ~~المأمور به ليس بفسق، وهذا في غاية الظهور. # الوجه الثاني: أن " أمرنا " بمعنى كثرنا قال الواحدي: العرب ~~تقول: أمر القوم: إذا أكثروا. ولم يرض به الزمخشري في ظاهر عبارته، ~~فإنه قال: وفسر بعضهم " أمرنا " ب كثرنا " وجعله من باب: " ~~فعلته، ففعل " ك " ثبرته فثبر ". وفي الحديث: # " خير المال سكة مأبورة، ومهرة مأمورة " # ، أي: كثيرة النتاج. وقد حكى أبو حاتم هذه اللغة، يقال: أمر القوم، ~~وأمرهم الله، ونقله الواحدي عن أهل اللغة، وقال أبو علي: " الجيد ~~في " أمرنا " أن يكون بمعنى ms5567 " كثرنا " واستدل أبو عبيدة بما ~~جاء في الحديث، فذكره؛ يقال: أمر الله المهرة، أي: كثر ولدها، قال: " ~~ومن أنكر " أمر الله القوم " أي: كثرهم [لم يلتفت إليه؛ لثبوت ذلك ~~لغة " ويكون مما لزم وتعدى بالحركة المختلفة؛ إذ يقال: أمر القوم، ~~كثروا، وأمرهم الله: كثرهم]، وهو من باب المطاوعة: أمرهم الله، ~~فأتمروا، كقولك: شتر الله عينه، فشترت، وجدع أنفه فجدع، ~~وثلم سنه، فثلمت. # وقرأ الحسن، ويحيى بن يعمر، وعكرمة " أمرنا " بكسر الميم؛ بمعنى " ~~أمرنا " بالفتح، حكى أبو حاتم، عن أبي زيد: أنه يقال: " أمر الله ~~[ماله،] وأمره " بفتح الميم وكسرها، وقد رد الفراء هذه القراءة، ولا ~~يلتفت لرده؛ لثبوتها لغة بنقل العدول، وقد نقلها قراءة عن ابن عباس ~~أبو جعفر، وأبو الفضل الرازي في " لوامحه " فكيف ترد؟. # وقرأ علي بن أبي طالب، وابن أبي إسحاق وأبو رجاء - رضي الله عنهم - في ~~آخرين " آمرنا " بالمد، ورويت هذه قراءة عن ابن كثير وأبي عمرو، ~~وعاصم ونافع، واختارها يعقوب، والهمزة فيه للتعدية. # وقرأ علي أيضا، وابن عباس، وأبو عثمان النهدي: " أمرنا " ~~بالتشديد، وفيه وجهان: # أحدهما: أن التضعيف للتعدية، عداه تارة بالهمزة، وأخرى بتضعيف ~~العين، كأخرجته وخرجته. # والثاني: أنه بمعنى جعلناهم أمراء، واللازم من ذلك " أمر " قال ~~الفارسي: " لا وجه لكون " أمرنا " من الإمارة؛ لأن رئاستهم لا تكون ~~إلا لواحد بعد واحد، والإهلاك إنما يكون في مدة واحدة ". # ورد على الفارسي: بأنا لا نسلم أن الأمير هو الملك؛ حتى يلزم ما ~~قلت، بل الأمير عند العرب من يأمر ويؤتمر به، ولئن سلم ذلك، لا يلزم ~~ما قال؛ لأن المترف إذا ملك، ففسق، ثم آخر بعده، ففسق، ثم كذلك، كثر ~~الفساد، ونزل بهم على الآخر من ملوكهم العذاب، واختار أبو عبيدة قراءة ~~العامة وقال: فإن المعاني الثلاثة تجتمع فيها، يعني: الأمر، والإمارة، ~~والكثير. # المترف في اللغة: المنعم، والغني: الذي قد أبطرته النعمة، ~~وسعة العيش. # قوله تعالى: { ففسقوا فيها } أي: خرجوا عما أمرهم الله. # { فحق عليها القول }: أي: وجب عليها العذاب. # { فدمرناها تدميرا } أي: خربناها، وأهلكنا من ms5568 فيها، وهذا ~~كالتقرير، لقوله - تعالى -: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15]. وقوله تعالى: # وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها ~~رسولا # [القصص: 59]. # فصل في الاحتجاج لأهل السنة # استدل أهل السنة بهذه الآية على صحة مذهبهم من وجوه: # الأول: أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى أراد إهلاكهم ابتداء، ثم ~~توسل إلى إهلاكهم بهذا الطريق؛ وهذا يدل على أنه تعالى أراد إيصال ~~الضرر إليهم ابتداء. # الثاني: دل ظاهر الآية على أنه - تعالى - إنما خص المترفين بذلك ~~الأمر لعلمه بأنهم يفسقون، وذلك يدل على أنه تعالى أراد منهم ~~الفسق. # الثالث: أنه - تعالى - قال: { فحق عليها القول } أي: حق ~~عليها القول بالتعذيب والكفر، ومتى حق عليها القول بذلك، امتنع صدور ~~الإيمان منهم؛ لأن ذلك لا يستلزم انقلاب خبر الله الصدق كذبا، وذلك ~~محال، والمفضي إلى المحال محال. # قال الكعبي - رحمه الله - إن سائر الآيات دلت على أنه - تعالى - ~~لا يبتدىء بالتعذي والإهلاك؛ لقوله تعالى # إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم # [الرعد: 11]. وقوله عز وجل: # ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وءامنتم # [النساء: 147] وقوله - عز ذكره: # وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون # [القصص: 59]. # وكل هذه الآيات تدل على أنه لا يبتدىء بالإضرار، وأيضا: ما قبل هذه ~~الآية يدل على هذا المعنى، وهو قوله - تعالى -: # من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل ~~فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى # [الإسراء: 15]. # ومن المحال أن يقع بين آيات القرآن تناقض؛ فثبت أن هذه الآيات محكمة، ~~والآيات التي نحن في تفسيرها مجملة؛ فيجب حمل هذه الآية على تلك الآيات. # واعلم أن أحسن الناس كلاما في تأويل هذه الآية على وجه يوافق قول ~~المعتزلة: " القفال " - رحمه الله تعالى - فإنه ذكر وجهين: # الأول: أنه - تعالى - أخبر أنه لا يعذب أحدا بما يعلمه منه، ما لم ~~يعمل به أي: لا يجعل علمه حجة على من علم أنه إذا أمره عصاه، بل ~~يأمره، فإذا ظهر عصيانه للناس، فحينئذ يعاقبه. # وقوله - تعالى -: { وإذآ أردنآ ms5569 أن نهلك قرية أمرنا ~~مترفيها }. # معناه: وإذا أردنا إمضاء ما سبق من القضاء بإهلاك قوم بظهور معاصيهم، ~~فحينئذ { أمرنا مترفيها }. أي: أمرنا المنعمين فيها ~~المتعززين الظانين أن أموالهم وأولادهم وأنصارهم ترد عنهم بأسنا ~~بالإيمان والعمل بشرائع ديني، على ما يبلغهم عني رسولي، ففسقوا، ~~فحينئذ يحق عليهم القضاء السابق بإهلاكهم، لظهور معاصيهم، فحينئذ ~~أدمرها. # والحاصل: أن المعنى: وإذا اردنا أن نهلك قرية بسبب علمنا بأنهم لا ~~يقدمون إلا على المعصية لم نكتف [في تحقيق] ذلك الإهلاك بمجرد ذلك ~~العلم، بل أمرنا مترفيها، ففسقوا، فإذا ظهر منهم ذلك الفسق، فحينئذ نوقع ~~العذاب الموعود به. # الوجه الثاني: أن التأويل: وإن أردنا أن نهلك قرية بسبب ظهور المعاصي ~~من أهلها، لم نعاجلهم بالعذاب في أول ظهور المعاصي بينهم، بل أمرنا ~~مترفيها بالرجوع عن تلك المعاصي. # وإنما خص المترفين بذلك الأمر؛ لأن المترف هو المنعم، ومن كثرت ~~نعمة الله عليه، كان قيامه بالشكر أوجب، فإذا أمرهم بالتوبة والرجوع عن ~~المعاصي مرة بعد أخرى، مع أنه لا يقطع عنهم تلك النعم، بل يزيدها حالا ~~بعد حال، فحينئذ يظهر عنادهم وتمردهم وبعدهم عن الرجوع عن الباطل إلى ~~الحق، فحينئذ يصب الله البلاء عليهم صبا. ثم قال القفال - رحمه الله ~~-: وهذان التأويلان راجعان إلى أن الله - تعالى - أخبر عن عباده أنه ~~لا يعاجل بالعقوبة أمة ظالمة؛ حتى يعذر إليهم غاية الإعذار، الذي يقع منه ~~اليأس من إيمانهم، كما قال - تعالى - في قوم نوح - عليه السلام -: # ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا # [نوح: 27]، وقال عز وجل: # أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد ءامن # [هود: 36] وقال تعالى في غيرهم: # فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل # [الأعراف: 101] فأخبر الله تعالى عنهم أولا أنه لا يظهر العذاب إلا ~~بعد بعثة الرسل، ثم أخبر ثانيا في هذه الآية: أنه - تعالى - إذا بعث ~~الرسل أيضا، فكذبوا، لم يعاجلهم بالعذاب، بل يتابع عليهم النصائح ~~والمواعظ، فإن بقوا مصرين، فهناك ينزل عليهم عذاب الاستئصال. # وأجاب الجبائي فقال: ليس المراد من الآية أنه تعالى يريد ms5570 إهلاكهم ~~قبل أن يعصوا ويستحقوا ذلك؛ لأنه لا يظلم، وهو على الله محال، بل ~~المراد من الإرادة قرب تلك الحالة، فكان التقدير: وإذا قرب وقت إهلاك ~~قرية أمرنا مترفيها، ففسقوا فيها، وهو كقول القائل: إذا أراد المريض أن ~~يموت ازدادت أمراضه شدة، وإذا أراد التاجر أن يفتقر أتاه الخسران من ~~كل جهة، وليس المراد أن المريض يريد أن يموت على الذنوب، ~~والتاجر يريد أن يفتقر، وإنما يعنون أنه سيصير كذلك؛ فكذا هاهنا. # واعلم أن هذه الوجوه جواب عن الوجه الأول من الوجوه الثلاثة ~~المتقدمة في التمسك بهذه الآية، وكلها عدول عن ظاهر اللفظ، وأما الوجه ~~الثاني والثالث فبقي سليما عن الطعن. ### || [17.17] # والمراد منه أن الطريق الذي ذكرناه هو عادتنا مع الذين يفسقون، ~~ويتمردون فيما تقدم من القرون الذين كانوا بعد نوح؛ كعاد وثمود، ~~وغيرهم، ثم إنه - تعالى - خاطب رسوله - صلوات الله عليه - بما يكون ~~خطابا وردعا وزجرا للكل، فقال جل ذكره: { وكفى بربك ~~بذنوب عباده خبيرا بصيرا } وهذا تخويف لكفار " مكة ". # و " كم " نصب بأهلكنا، و " من القرون " تمييز ل " كم " و " ~~من بعد نوح ": " من " لابتداء الغاية، والأولى للبيان، فلذلك ~~اتحد متعلقهما، وقال الحوفي: " الثانية بدل من الأولى " ، وليس ~~كذلك؛ لاختلاف معنييهما، والباء بعد " كفى " تقدم الكلام عليها، وقال ~~ابن عطية: " إنما يجاء بهذه الباء في موضع مدح أو ذم " والباء في " ~~بذنوب " متعلقة ب " خبيرا " وعلقها الحوفي ب " كفى ". # قال الفراء - رحمه الله -: لو ألغيت الباء؛ من قوله: " بربك " جاز، ~~وإنما يجوز دخول الباء في المرفوع إذا كان يمدح به أو يذم؛ كقولك: ~~كفاك به، وأكرم به رجلا، وطاب بطعامك طعاما، وجاد بثوبك ثوبا. # أما إذا لم يكن مدحا أو ذما، لم يجز دخولها، فلا يجوز أن يقال: " ~~قام بأخيك " وأنت تريد: " قام أخوك ". # فصل في مقدار القرن # قال عبد الله بن أبي أوفى: القرن: عشرون ومائة سنة، فبعث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أول قرن، وكان آخره يزيد بن معاوية، وقيل: مائة سنة. # روي عن ms5571 محمد بن القاسم عن عبد الله بن بسر المازني: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وضع يده على رأسه، وقال: # " سيعيش هذا الغلام قرنا " # وقال محمد بن القاسم - رضي الله عنه -: فما زلنا نعد له؛ حتى تمت له ~~مائة سنة، ثم مات. # وقال الكلبي: ثمانون سنة. # وقيل: أربعون سنة. ### || [17.18-20] # قوله - تعالى -: { من كان يريد العاجلة عجلنا له } ~~الآية. # " من " شرطية، و " عجلنا " جوابها، و " ما يشاء " مفعولها، و " ~~لمن نريد " بدل بعض من كل، من الضمير في " له " بإعادة العامل، و ~~" لمن نريد " تقديره: لمن نريد تعجيله له. # [قوله:] " ثم جعلنا له جهنم " " جعل " هنا تصييرية. # وقوله: " يصلاها " الجملة حال: إما من الضمير في " له " وإما ~~من " جهنم " و " مذموما " حال من فاعل " يصلاها " قيل: وفي ~~الكلام حذف، وهو حذف المقابل؛ إذ الأصل: من كان يريد العاجلة، وسعى لها ~~سعيها، وهو كافر لدلالة ما بعده عليه، وقيل: بل الأصل: من كان يريد ~~العاجلة بعمله للآخرة كالمنافق. # ومعنى " يصلاها ": يدخلها. # " مذموما ": مطرودا، " مدحورا ": مبعدا. # وقوله: " سعيها ": فيه وجهان: # أحدهما: أنه مفعول به؛ لأن المعنى: وعمل لها عملها. # والثاني: أنه مصدر، و " لها " أي: من أجلها. # والجملة من قوله: " وهو مؤمن " هذه الجملة حال من فاعل " سعى ". # قوله تعالى: { كلا نمد }: " كلا " منصوب ب " نمد " و " ~~هؤلاء " بدل، " وهؤلاء " عطف عليه، أي: كل فريق نمد هؤلاء الساعين ~~بالعاجلة، وهؤلاء الساعين للآخرة، وهذا تقدير جيد، وقال الزمخشري في ~~تقديره: " كل واحد من الفريقين [نمد] ". قال أبو حيان: " كذا ~~قدره الزمخشري، وأعربوا " هؤلاء " بدلا من " كلا " ولا يصح أن ~~يكون بدلا من " كل " على تقدير: كل واحد؛ لأنه إذ ذاك بدل كل ~~من بعض، فينبغي أن يكون التقدير: كل الفريقين ". # و " من عطاء " متعلق ب " نمد " والعطاء اسم مصدر واقع موقع اسم ~~المفعول. # والمحظور: الممنوع، وأصله من الحظر، وهو: جمع الشيء في حظيرة، ~~والحظيرة: ما يعمل من شجر ونحوه؛ لتأوي إليه الغنم، والمحتظر: من يعمل ~~الحظيرة. # فصل # قال القفال - رحمه الله -: هذه الآية ms5572 داخلة في معنى قوله: # وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه # [الإسراء: 13]: ومعناه: أن العمال في الدنيا قسان: # منهم من يريد بعمله الدنيا والرياسة، فهذا يأنف من الانقياد للأنبياء - ~~عليه الصلاة والسلام -، والدخول في طاعتهم؛ خوفا من زوال الرياسة ~~عنهم، فهذا قد جعل طائر نفسه شؤما؛ لأنه في قبضة الله؛ فيؤتيه الله في ~~الدنيا منها قدرا لا كما يشاء ذلك الإنسان، بل كما يشاء الله. # بل إن عاقبته جهنم يدخلها فيصلاها بحرها مذموما ملوما، مدحورا ~~مطرودا من رحمة الله. # وفي لفظ هذه الآية فوائد: # أحدها أن العقاب عبارة عن مضرة مقرونة بالإهانة بشرط أن تكون دائمة ~~خالية عن المنفعة. # وثانيها: أن من الجهال من إذا ساعدته الدنيا اغتر بها، وظن أن ذلك ~~لأجل كرامته على الله - تعالى - فبين - تعالى - بهذه الآية أن مساعدة ~~الدنيا لا ينبغي أن يستدل بها على رضا الله تعالى لأن الدنيا قد تصلح ~~مع أن عاقبتها المصير إلى العذاب والإهانة، فهذا الإنسان أعماله تشبه ~~طائر السوء في لزومها له، وكونها سائقة له إلى أشد العذاب. # وثالثها: قوله: { لمن نريد } يدل على أنه لا يحصل الفوز ~~بالدنيا لكل أحد، بل كثير من الكفار يعرضون عن الدين في طلب ~~الدنيا، ثم يبقون محرومين عن الدنيا، وعن الدين، فهؤلاء هم الأخسرون ~~أعمالا الذي ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون ~~صنعا. # وأما القسم الثاني: وهو قوله تعالى: { ومن أراد الآخرة ~~وسعى لها سعيها وهو مؤمن } فشرط تعالى فيه ثلاثة شروط: # أحدها: أن يريد بعمله الآخرة أي: ثواب الآخرة، فإنه إن لم ينو ذلك، لم ~~ينتفع بذلك العمل؛ لقوله تعالى: # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى # [النجم: 37] وقوله - صلوات الله وسلامه عليه -: # " إنما الأعمال بالنيات ". # والثاني: قوله جل ذكره: { وسعى لها سعيها وهو مؤمن } ~~، وذلك يقتضي أن يكون ذلك العمل من باب القرب والطاعات، وكثير من ~~الضلال يتقربون بعبادة الأوثان، ولهم فيها تأويلان: # أحدهما: أنهم يقولون: إله العالم أجل وأعظم من أن يقدر الواحد منا ~~على إظهار عبوديته، وخدمته، ms5573 ولكن غاية قدرتنا أن نشتغل بعبودية بعض ~~المقربين من عباد الله، مثل أن نشتغل بعبادة الكواكب، أو ملك من ~~الملائكة، ثم إن الملك أو الكواكب يشتغلون بعبادة الله - تعالى -. # فهؤلاء يتقربون إلى الله - تعالى - بهذا الطريق، وهذه طريق فاسدة، فلا ~~جرم لم ينتفع بها. # والتأويل الثاني: أنهم قالوا: اتخذنا هذه التماثيل على صور الأنبياء ~~والأولياء، والمراد من عبادتها أن يصير أولئك الأنبياء والأولياء شعفاءنا ~~عند الله - تعالى -، وهذا الطريق أيضا فاسد؛ فلا جرم لم ينتفع بها. # وأيضا: نقل عن الجنيد أنهم يتقربون إلى الله - تعالى - بقتل أنفسهم ~~تارة، وبإحراق أنفسهم أخرى، وهذا الطريق أيضا فاسد، فلا جرم لم ينتفع ~~بها، وكذا القول في جميع فرق المبطلين الذين يتقربون إلى الله - تعالى ~~- بمذاهبهم الباطلة. # والشرط الثالث: قوله تعالى: { وهو مؤمن }. # وهذا الشرط معتبر؛ لأن الشرط في كون أعمال البر موجبة للثواب هو ~~الإيمان، فإذا لم يوجد، لم يحصل المشروط، ثم إنه - تعالى - أخبر أن ~~عند حصول هذه الشرائط يصير السعي مشكورا، والعمل مبرورا. # واعلم أن الشكر عبارة عن مجموع أمور ثلاثة: # اعتقاد كونه محسنا في تلك الأعمال، والثناء عليه بالقول، والإتيان ~~بأفعال تدل على كونه معظما عند ذلك الشاكر، والله - تعالى - يعامل ~~المطيعين بهذه الأمور الثلاثة، فإنه تعالى عالم بكونهم محسنين في تلك ~~الأعمال، وإنه تعالى يثني عليهم بكلامه؛ وإنه تعالى يعاملهم بمعاملة ~~دالة على كونهم مطيعين عند الله - تعالى -. # وإذا كان مجموع هذه الثلاثة حاصلا، كانوا مشكورين على طاعتهم من قبل ~~الله - تعالى -. # يروى في كتب المعتزلة: أن جعفر من حرب حضر عنده رجل من أهل السنة، ~~وقال: الدليل على أن الإيمان حصل بخلق الله تعالى: أنا نشكر على الإيمان، ~~ولو لم يكن الإيمان حاصلا بإيجاده، لامتنع أن نشكره عليه؛ لأن مدح ~~الإنسان وشكره على ما ليس من عمله قبيح. قال الله - تعالى -: # ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا # [آل عمران: 188]. # فعجز الحاضرون على الجواب، فدخل ثمامة بن الأشرس، وقال: إنا نمدح ~~الله - تعالى - ونشكره على ما أعطانا من القدرة، ms5574 والعقل، وإنزال الكتب، ~~وإيضاح الدلائل، والله - تعالى - يشكرنا على فعل الإيمان، قال الله - ~~تعالى -: { فأولئك كان سعيهم مشكورا } قالوا: فضحك ~~جعفر بن حرب وقال: صعبت المسألة، فسهلت. # واعلم أن قولنا: مجموع القدرة مع الداعي يوجب الفعل كلام واضح؛ لأنه " ~~تعالى " هو الذي أعطى الموجب التام لحصول الإيمان، فكان هو المستحق ~~للشكر، ولما حصل الإيمان للعبد، وكان الإيمان موجبا للسعادة ~~التامة، صار العبد أيضا مشكورا، ولا منافاة بين الأمرين. # فصل # اعلم أن كل من أتى بفعل، فإما أن يقصد به تحصيل خيرات الدنيا، ~~أو تحصيل الآخرة، أو يقصد به مجموعهما، أو لم يقصد به واحد منهما. # فإن قصد به تحصيل خيرات الدنيا فقط، أو تحصيل الآخرة فقط، فالله - ~~تعالى - ذكر حكم هذين القسمين في هذه الآية، وأما القسم الثالث فينقسم ~~ثلاثة أقسام: إما أن يكون طلب الآخرة راجحا أو مرجوحا، أو يكون ~~الطلبان متعادلين. # فإن كان طلب الآخرة راجحا، فهل يكون هذا العمل مقبولا عند الله تعالى ~~بحيث يحتمل أن يقال: إنه غير مقبول؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم ~~حاكيا عن الله - تعالى - أنه قال: # " أنا أغنى الأغنياء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه ~~غيري تركته وشريكه " # وأيضا: طلب رضوان الله - تعالى - إما أن يكون سببا مستقلا بكونه ~~باعثا على ذلك الفعل، وداعيا إليه، وإما ألا يكون. فإن كان الأول ~~امتنع أن يكون لغيره مدخل في ذلك البعث والدعاء؛ لأن الحكم إذا أسند ~~إلى سبب كامل تام، امتنع أن يكون لغيره مدخل فيه، وإن كان الثاني، ~~فيكون الداعي إلى ذلك الفعل هو المجموع، وذلك المجموع ليس هو طلب ~~الرضوان من الله - تعالى -؛ لأن المجموع الحاصل من الشيء ومن غيره ~~يجب أن يكون مغايرا لطلب رضوان الله؛ فوجب ألا يكون مقبولا، ويحتمل أن ~~يقال: لما كان طلب الآخرة راجحا على طلب الدنيا تعارض المثل بالمثل، ~~فيبقى القدر الزائد داعية خالصة لطلب الآخرة؛ فوجب كونه مقبولا. # وأما إذا كان طلب الدنيا وطلب الآخرة متعادلين، أو كان طلب الدنيا ~~راجحا، فقد اتفقوا ms5575 على أنه غير مقبول، إلا أنه على كل حال خير ~~مما إذا كان طلب الدنيا خاليا بالكلية عن طلب الآخرة. # وأما القسم الرابع، وهو الإقدام على الفعل من غير داع، فهو مبني على ~~أن صدور الفعل من القادر، هل يتوقف على حصول الداعي أم لا؟. # فالذين يقولون: إنه متوقف على حصول الداعي، قالوا: هذا القسم ممتنع ~~الحصول، والذين قالوا: إنه لا يتوقف، قالوا: هذا الفعل لا أثر له ~~في الباطن، وهو محرم في الظاهر؛ لأنه عبث. # فصل في معنى الآية # معنى الآية أنه تعالى يمد الفريقين بالأموال، ويوسع عليهما في ~~الرزق، والعز والزينة في الدنيا؛ لأن عطاءه ليس بضيق على أحد ~~مؤمنا كان أو كافرا؛ لأن الكل مخلوق في دار العمل؛ فوجب إزاحة ~~العذر وإزالة العلة عن الكل. # والتنوين في " كلا " عوض من المضاف إليه، أي كل واحد من الفريقين. ### || [17.21] # " كيف " نصب: إما على التشبيه بالظرف، وإما على الحال، وهي معلقة ل ~~" انظر " بمعنى فكر، أو بمعنى أبصر. # والمعنى: أنا أوصلنا إلى مؤمن، وقبضنا عن مؤمن آخر، وأوصلنا إلى ~~كافر، وقبضنا عن كافر آخر، وقد بين - تعالى - وجه الحكمة في هذا ~~التفاوت، فقال جل ذكره: # نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحيوة الدنيا ~~ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات # [الزخرف: 32]. # وقال تعالى في آخر سورة الأنعام: # ورفع بعضكم فوق بعض درجات # [الأنعام: 165] الآية. # ثم قال تعالى: { وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا ~~} أي: من درجات الدنيا، ومن تفضيل الدنيا، و المعنى: أن الآخرة أعظم ~~وأشرف من الدنيا. # أي: أن المؤمنين يدخلون الجنة، والكافرين يدخلون النار، فتظهر فضيلة ~~المؤمنين على الكافرين، ونظيره قوله - تعالى -: # أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن ~~مقيلا # [الفرقان: 24]. ### || [17.22] # لما بين تعالى أن الناس فريقان؛ منهم: من يريد بعمله الدنيا فقط، ~~وهم أهل العذاب، ومنهم: من يريد طاعة الله، وهم أهل الثواب، ثم شرط في ~~ذلك ثلاثة شروط: أن يريد الآخرة، وأن يعمل عملا، ويسعى سعيا موافقا ~~لطلب الآخرة، وأن تكون مؤمنا لا جرم فصل في هذه الآية تلك ms5576 المجملات، ~~فبدأ أولا بشرح حقيقة الإيمان، وأشرف أجزاء الإيمان هو التوحيد، ~~ونفي الشرك، فقال عز وعلا: { لا تجعل مع الله إلها ~~آخر }. # ثم ذكر عقيبه سائر الأعمال التي يكون المشتغل بها ساعيا سعي الآخرة. # قال المفسرون: الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره كقوله ~~تعالى: # يأيها النبي إذا طلقتم النسآء # [الطلاق: 1] وقيل: الخطاب للإنسان، وهذا أولى؛ لأنه تعالى عطف عليه ~~قوله - تعالى -: # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه # [الإسراء: 23] إلى قوله تعالى: # إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما # [الإسراء: 23]. # وهذا لا يليق بالنبي - صلوات الله وسلامه عليه - لأن أبويه ما بلغا ~~الكبر عنده. # والمعنى: أن من أشرك بالله، كان مذموما مخذولا؛ ويدل على ذلك وجوه: # الأول: أن المشرك كاذب، والكاذب يستوجب الذم، والخذلان. # الثاني: أنه لما ثبت بالدليل: أنه لا إله ولا مدبر إلا الواحد ~~الأحد، فحينئذ: يكون جميع النعم حاصلة من الله - تعالى -، فمن أشرك ~~بالله، فقد أضاف بعض تلك النعم إلى غير الله، مع أن الحق أن كلها ~~من الله، فحينئذ يستحق الذم؛ لأن المستحق للشكر على تلك النعم ~~هو الخالق لها، فلما جحد كونها من الله - تعالى - فقد قابل إحسان الله ~~- تعالى - بالإساءة والجحود، فاستوجب الذم، ويستحق الخذلان؛ لأنه ~~لما أثبت لله شريكا، استحق أن يفوض أمره إلى ذلك الشريك، ولما كان ~~ذلك الشريك معدوما، بقي بلا ناصر ولا حافظ ولا معين، وذلك عين ~~الخذلان. # الثالث: أن الكمال في الوحدة، والنقصان في الكثرة، فمن أثبت الشريك، ~~فقد وقع في جانب النقصان. # قوله تعالى: { فتقعد }: يجوز أن تكون على بابها، فينتصب ما بعدها ~~على الحال، ويجوز أن تكون بمعنى " صار " فينتصب على الخبرية، وإليه ذهب ~~الفراء والزمخشري، وأنشدوا في ذلك. # 3393- لا يقنع الجارية الخضاب # ولا الوشاحان ولا الجلباب # من دون أن تلتقي الأركاب # ويقعد الأير له لعاب # أي: ويصير، و البصريون لا يقيسون هذا، بل يقتصرون به على المثل في ~~قولهم: " شحذ شفرته؛ حتى قعدت كأنها حربة ". # وقال الواحدي: " فتقعد ": انتصب؛ لأنه وقع بعد الفاء؛ ms5577 جوابا ~~للنهي، وانتصابه بإضمار " أن " كقولك: لا تنقطع عنا، فنجفوك، والتقدير: ~~لا يكن منك انقطاع؛ فيحصل أن نجفوك، فما بعد الفاء متعلق بالجملة ~~المتقدمة بحرف الفاء، وإنما سماه النحويون جوابا؛ لكونه مشابها ~~للجزاء في أن الثاني مسبب عن الأول؛ ألا ترى أن المعنى: إن انقطعت ~~جفوتك، كذلك تقدير الآية إن جعلت مع الله إلها آخر، قعدت مذموما ~~مخذولا. # فصل في معنى القعود في الآية # ذكروا في هذا القعود وجوها: # أحدها: أن معناه المكث أي: فتمكث في الناس مذموما مخذولا، وهذه ~~اللفظة مستعملة في لسان العرب والفرس في هذا المعنى، إذا سأل الرجل ~~غيره: ما يصنع فلان في تلك البلدة؟ فيقول المجيب: هو قاعد بأسوأ حال. # معناه: المكث، سواء كان قائما أو قاعدا # وثانيها: أن من شأن المذموم المخذول أن يقعد نادما متفكرا على ما ~~فرط منه. # وثالثها: أن المتمكن من تحصيل الخيرات يسعى في تحصيلها، والسعي إنما ~~يتأتى بالقيام، وأما العاجز عن تحصيلها، فإنه لا يسعى، بل يبقى جالسا ~~قاعدا عن الطلب، فلما كان القيام على الرجل أحد الأمور التي ~~يتم بها الفوز بالخيرات، وكان القعود والجلوس علامة على عدم تلك المكنة ~~والقدرة، لا جرم جعل القيام كناية عن القدرة على تحصيل الخيرات، والقعود ~~كناية عن العجز والضعف. ### || [17.23-24] # قوله تعالى: { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه }. # لما ذكر في الآية المتقدمة ما هو الركن الأعظم في الإيمان، أتبعه بذكر ~~ماهو من شعائر الإيمان وشرائعه، وهي أنواع: # الأول: أن يشتغل الإنسان بعبادة الله سبحانه وتعالى، ويتحرز عن عبادة ~~غير الله تعالى. # والقضاء: الحكم الجزم البت الذي لا يقبل النسخ؛ لأن الواحد منا، ~~إذا أمر غيره بشيء لا يقال: قضى عليه، فإذا أمره أمرا جزما، وحكم عليه ~~بذلك على سبيل البت والقطع، فها هنا يقال: قضى عليه، وروى ميمون بن ~~مهران عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال في هذه الآية: كان الأصل: ~~" ووصى ربك " ، فالتصقت إحدى الواوين بالصاد، فصارت قافا فقرىء " ~~وقضى ربك ". # ثم قال: ولو كان على القضاء ms5578 ما عصى الله أحد قط؛ لأن خلاف قضاء الله ~~ممتنع، هذا رواه عنه الضحاك بن مزاحم، وسعيد بن جبير، وهو قراءة علي ~~وعبد الله. # وهذا القول بعيد جدا؛ لأنه يفتح باب أن التحريف والتغيير قد تطرق ~~إلى القرآن، ولو جوزنا ذلك، لارتفع الأمان عن القرآن، وذلك يخرجه عن ~~كونه حجة، وذلك طعن عظيم في الدين. # وقرأ الجمهور " قضى " فعلا ماضيا، فقيل: هي على موضوعها الأصلي؛ قال ~~ابن عطية: " ويكون الضمير في " تعبدوا " للمؤمنين من الناس إلى يوم ~~القيامة ". # وقال ابن عباس وقتادة والحسن بمعنى: أمر. # وقال مجاهد: بمعنى: أوصى. # وقال الربيع بن أنس: أوجب وألزم. # وقيل بمعنى: حكم. # وقرأ بعض ولد معاذ بن جبل: " وقضاء ربك " اسما مصدرا مرفوعا ~~بالابتداء، و " ألا تعبدوا " خبره. # قوله تعالى: { ألا تعبدوا إلا إياه }: يجوز أن تكون " ~~أن " مفسرة؛ لأنها بعد ما هو بمعنى القول، و " لا " ناهية، ويجوز أن ~~تكون الناصبة، و " لا " نافية، أي: بأن لا، ويجوز أن تكون المخففة، ~~واسمها ضمير الشأن، و " لا " ناهية أيضا، والجملة خبرها، وفيه إشكال؛ من ~~حيث وقوع الطلب خبرا لهذا الباب، ومثله في هذا الإشكال قوله: # أن بورك من في النار # [النمل: 8]، وقوله: # أن غضب الله عليهآ # [النور: 9] لكونه دعاء، وهو طلب أيضا، ويجوز أن تكون الناصبة، و " لا ~~" زائدة. [قال أبو البقاء: " ويجوز أن يكون في موضع نصب، [أي:] ألزم ~~ربك عبادته و " لا " زائدة " ]. قال أبو حيان: " وهذا وهم؛ لدخول " ~~إلا " على مفعول " تعبدوا " فلزم أن يكون نفيا، أو نهيا ". # قوله تعالى: { وبالوالدين إحسانا } قد تقدم نظيره في ~~البقرة. # وقال الحوفي: " الباء متعلقة ب " قضى " ويجوز أن تكون متعلقة بفعل ~~محذوف تقديره: وأوصى بالوالدين إحسانا، و " إحسانا " مصدر، أي: يحسنون ~~بالوالدين إحسانا ". # وقال الواحدي: " الباء من صلة الإحسان، فقدمت عليه؛ كما تقول: ~~بزيد فانزل " وقد منع الزمخشري هذا الوجه؛ قال: " لأن المصدر لا ~~يتقدم عليه معموله ". قال شهاب الدين: والذي ينبغي أن يقال: إن هذا ~~المصدر إن عنى به أنه ينحل لحرف مصدري، ms5579 وفعل، فالأمر على ما ذكر ~~الزمخشري، وإن كان بدلا من اللفظ بالفعل، فالأمر على ما قال ~~الواحدي، فالجواز والمنع بهذين الاعتبارين. # وقال ابن عطية: " قوله { وبالوالدين إحسانا } عطف على " أن ~~" الأولى، أي: أمر الله ألا تعبدوا إلا إياه، وأن تحسنوا بالوالدين ~~إحسانا ". واختارأبو حيان أن يكون " إحسانا " مصدرا واقعا موقع ~~الفعل، وأن " أن " مفسرة، و " لا " ناهية، قال: فيكون قد عطف ما هو ~~بمعنى الأمر على نهي؛ كقوله: [الطويل] # 3394-................. # يقولون: لا تهلك أسى وتجمل # قلت: و " أحسن " و " أساء " يتعديان ب " إلى " وب " الباء ". ~~قال تعالى: # وقد أحسن بي # [يوسف: 100] وقال كثير عزة: [الطويل] # 3395- أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة # ................... # وكأنه ضمن " أحسن " لمعنى " لطف " فتعدى تعديته. # فصل في نظم الآية # لما أمر بعبادة نفسه أتبعه ببر الوالدين، ووجه المناسبة بين الأمرين ~~أمور: # أولها: أن السبب الحقيقي لوجود الإنسان هو تخليق الله وإيجاده، ~~والسبب الظاهري هو الأبوان، فأمر بتعظيم السبب الحقيقي، ثم أتبعه بالأمر ~~بتعظيم السبب الظاهري. # وثانيها: أن الموجود: إما قديم، وإما محدث، ويجب أن تكون معاملة ~~الإنسان مع الإله القديم بالتعظيم والعبودية، ومع المحدث بإظهار الشفقة، ~~وهو المراد من قوله - صلوات الله البر الرحيم وسلامه عليه -: # " والتعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله " # وأحق الخلق بالشفقة الأبوان؛ لكثرة إنعامهما على الإنسان. فقوله ~~تعالى: { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه } إشارة ~~إلى التعظيم لأمر الله تعالى، وقوله تعالى: { وبالوالدين ~~إحسانا } إشارة إلى الشفقة على خلق الله. # وثالثها: أن الاشتغال بشكر المنعم واجب، ثم المنعم الحقيقي هو ~~الخالق سبحانه وتعالى جل ذكره لا إله إلا هو، وقد يكون بعض المخلوقين ~~منعما عليك، وشكره أيضا واجب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: # " من لم يشكر الناس، لم يشكر الله " # ، وليس لأحد من الخلائق نعمة على الإنسان مثل ما للوالدين، وتقريره من ~~وجوه: # أحدها: أن الولد قطعة من الوالدين؛ قال - عليه السلام -: # " فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها ". # وأيضا شفقة الوالدين على الولد عظيمة، وجدهما في إيصال الخير إلى الولد ~~أمر طبيعي، واحترازهما ms5580 عن إيصال الضرر إليه أمر طبيعي أيضا؛ فوجب ~~أن تكون نعم الوالدين على الولد كثيرة، بل هي أكثر من كل نعمة تصل من ~~إنسان إلى إنسان. # وأيضا: حال ما يكون الإنسان في غاية الضعف ونهاية العجز يكون جميع ~~أصناف نعم الأبوين في ذلك الوقت واصلة إلى الولد، وإذا وقع الإنعام على ~~هذا الوجه، كان موقعه عظيما. # وأيضا: فإيصال الخير إلى الغير قد يكون لداعية إيصال الخير إليه، ~~وإيصال الخير إلى الولد ليس لهذا الغرض، فكان الإنعام فيه أتم وأكمل، ~~فثبت بهذه الوجوه أنه ليس لأحد من المخلوقين نعمة على غيره مثل ما ~~للوالدين على الولد، فلهذا بدأ الله بشكر نعمة الخالق؛ فقال تعالى: { ~~وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه } ثم أردفه بشكر ~~نعمة الوالدين، فقال تعالى: { وبالوالدين إحسانا }. فإن قيل: ~~إن الوالدين إنما طلبا تحصيل اللذة لأنفسهما؛ فلزم منه دخول الولد ~~في الوجود، ودخوله في عالم الآفات والمخافات، فأي إنعام للأبوين على ~~الولد. # يحكى أن بعض المنتسبين للحكمة كان يضرب أباه، ويقول: هو الذي أدخلني في ~~عالم الكون والفساد، وعرضني للموت، والفقر، والعمى، والزمانة. # وقيل لأبي العلاء المعري: ماذا تكتب على قبرك؟ فقال اكتبوا عليه: ~~[الكامل] # 3396- هذا جناه أبي علي # ي وما جنيت على أحد # وقال في ترك التزوج والولد: [الكامل] # 3397- وتركت فيهم نعمة ال # عدم التي سبقت نعيم العاجل # ولو أنهم ولدوا لعانوا شدة # ترمي بهم في موبقات الآجل # وقيل للإسكندر: أستاذك أعظم ملة عليك أم والدك؟ فقال: الأستاذ أعظم ~~منة؛ لأنه تحمل أنواع الشدائد عند تعليمي وأوقفني في نور العلم، ~~وأما الوالد فإنه طلب تحصيل لذة الوقاع لنفسه، فأخرجني إلى آفات ~~عالم الكون والفساد. ومن الكلمات المشهورة المأثورة: " خير الآباء ~~من علمك " والجواب: # هب أنه في أول الأمر طلب لذة الوقاع، إلا أن الاهتمام بإيصال ~~الخيرات إليه، ودفع الآفات من أول دخوله في الوجود إلى وقت بلوغه ~~الكبر، أليس أنه أعظم من جميع ما يصل إليه من جهات الخيرات والمبرات؟ ~~فسقطت هذه الشبهات. # واعلم أن لفظ الآية يدل ms5581 على معان كثيرة، كل واحد منها يوجب المبالغة ~~في الإحسان إلى الوالدين، منها أنه تبارك وتعالى قال في الآية المتقدمة: # ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ~~فأولئك كان سعيهم مشكورا # [الإسراء: 19]، ثم أردفه بهذه الآية المشتملة على الأعمال التي يحصل بها ~~الفوز بسعادة الآخرة. وذكر من جملتها البر بالوالدين، وذلك يدل على ~~أن هذه الطاعة من أصول الطاعات التي تفيد سعادة الآخرة. # ومنها أنه تعالى بدأ بذكر الأمر بالتوحيد، وثنى بطاعة الله، ~~وثلث ببر الوالدين، وهذه درجة عالية ومبالغة عظيمة في تعظيم هذه ~~الطاعة. # ومنها: أنه تعالى لم يقل: " وإحسانا بالوالدين " ، بل قال: { ~~وبالوالدين إحسانا } ، فتقديم ذكرهما يدل على شدة ~~الاهتمام. ومنها: أنه تعالى قال: " إحسانا " بلفظ التنكير، والتنكير ~~يدل على التعظيم، أي: إحسانا عظيما كاملا؛ لأن إحسانهما إليك قد ~~بلغ الغاية العظيمة؛ فوجب أن يكون إحسانك إليهما كذلك، وإن لم تحسن ~~إليهما كذلك، فلا تحصل المكافأة؛ لأن إنعامهما عليك كان على سبيل ~~الابتداء، وفي الأمثال المشهورة: " إن البادىء بالبر لا يكافأ ~~". # قوله تعالى: { إما يبلغن } قرأ الأخوان " يبلغان " بألف ~~التثنية قبل نون التوكيد المشددة المكسورة، والباقون دون ألف وبفتح ~~النون، فأما القراءة الأولى، ففيها أوجه: # أحدها: أن الألف ضمير الوالدين؛ لتقدم ذكرهما، و " أحدهما " بدل ~~منه، و " أو كلاهما " عطف عليه، وإليه نحا الزمخشري وغيره، واستشكله ~~بعضهم بأن قوله " أحدهما " بدل بعض من كل، لا كل من كل؛ لأنه ~~غير واف بمعنى الأول، وقوله بعد ذلك " أو كلاهما " عطف على البدل، فيكون ~~بدلا، وهو من بدل الكل من الكل؛ لأنه مرادف لألف التثنية، لكنه لا ~~يجوز أن يكون بدلا؛ لعروه عن الفائدة؛ إذ المستفاد من ألف التثنية هو ~~المستفاد من " كلاهما " فلم يفد البدل زيادة على المبدل منه. # قال شهاب الدين: هذا معنى قول أبي حيان، وفيه نظر؛ إذ لقائل أن يقول: ~~مسلم أنه لم يفد البدل زيادة على المبدل منه، لكنه لا يضر؛ لأنه ~~شأن التأكيد، ولو أفاد زيادة أخرى غير مفهومة من الأول كان تأسيسا ms5582 لا ~~تأكيدا، وعلى تقدير تسليم ذلك، فقد يجاب عنه بما قال ابن عطية؛ فإنه ~~قال بعد ذكره هذا الوجه: وهو بدل مقسم؛ كقول الشاعر: [الطويل] # 3398- وكنت كذي رجلين رجل صحيحة # ورجل رمى فيها الزمان فشلت # إلا أن أبا حيان تعقب كلامه، فقال: " أما قوله: بدل مقسم؛ ~~كقوله: # 3399- " وكنت.................. " # فليس كذلك؛ لأن شرطه العطف بالواو، وأيضر فشرطه: ألا يصدق المبدل ~~منه على أحد قسميه، لكن هنا يصدق على أحد قسميه؛ ألا ترى أن الألف، وهي ~~المبدل منه يصدق على أحد قسميها، وهو " كلاهما " فليس من البدل المقسم ~~". ومتى سلم له الشرطان، لزم ما قاله. # الثاني: أن الألف ليست ضميرا، بل علامة تثنية، و " أحدهما " فاعل ~~بالفعل قبله، و " أو كلاهما " عطف عليه، وقد رد هذا الوجه: بأن ~~شرط الفعل الملحق به علامة تثنية: أن يكون مسندا لمثنى؛ نحو: قاما ~~أخواك، أو إلى مفرق بالعطف بالواو خاصة على خلاف فيه؛ نحو: " قاما ~~زيد وعمرو " ، لكن الصحيح جوازه؛ لوروده سماعا كقوله: [الطويل] # 3400-...................... # وقد أسلماه مبعد وحميم # والفعل هنا مسند إلى " أحدهما " وليس مثنى، ولا مفرقا بالعطف ~~بالواو. # الثالث: نقل عن الفارسي أن " كلاهما " توكيد، وهذا لا بد من إصلاحه ~~بزيادة، وهو أن يجعل " أحدهما " بدل بعض من كل، ويضمر بعده فعل رافع ~~لضمير تثنية، ويقع " كلاهما " توكيدا لذلك الضمير تقديره: أو يبلغا ~~كلاهما، إلا أنه فيه حذف المؤكد وإبقاء التوكيد، وفيها خلاف، أجازها ~~الخليل وسيبويه نحو: " مررت بزيد، ورأيت أخاك أنفسهما " ~~بالرفع والنصب، فالرفع على تقدير: هما أنفسهما، والنصب على تقدير أعينهما ~~أنفسهما، ولكن في هذا نظر؛ من حيث إن المنقول عن الفارسي منع حذف ~~المؤكد وإبقاء توكيده، فكيف يخرج قوله على أصل لا يجيزه؟. # وقد نص الزمخشري على منع التوكيد، فقال: " فإن قلت: لو قيل: " ~~إما يبلغان كلاهما " كان " كلاهما " توكيدا لا بدلا، فما لك ~~زعمت أنه بدل؟ قلت: لأنه معطوف على ما لا يصح أن يكون توكيدا ~~للاثنين، فانتظم في حكمه؛ فوجب أن يكون مثله " قلت: يعني أن " أحدهما " ~~لا يصلح ms5583 أن يكون توكيدا للمثنى، ولا لغيرهما، فكذا ما عطف عليه؛ لأنه ~~شريكه. # ثم قال: " فإن قلت: ما ضرك لو جعلته توكيدا مع كون المعطوف عليه ~~بدلا، وعطفت التوكيد على البدل؟ قلت: لو أريد توكيد التثنية، لقيل: " ~~كلاهما " فحسب، فلما قيل: " أحدهما أو كلاهما " علم أن ~~التوكيد غير مراد، فكان بدلا مثل الأول ". # الرابع: أن يرتفع " كلاهما " بفعل مقدر تقديره: أو يبلغ كلاهما، ~~ويكون " أحدهما " بدلا من ألف الضمير بدل بعض من كل، والمعنى: إما ~~يبلغن عندك أحد الوالدين أو يبلغ كلاهما. # قال البغوي - رحمه الله - فعلى قراءة حمزة والكسائي قوله: " أحدهما ~~أو كلاهما " كلام مستأنف؛ كقوله تعالى: # ثم عموا وصموا كثير منهم # [المائدة: 71] وقوله تعالى: # وأسروا النجوى الذين ظلموا # [الأنبياء: 3] فقوله: { الذين ظلموا } ابتداء. # وأما القراءة الثانية فواضحة، و " إما " هي " إن " الشرطية زيدت ~~عليها " ما " توكيدا، فأدغم أحد المتقاربين في الآخر بعد أن قلب إليه، ~~وهو إدغام واجب، قال الزمخشري: " هي إن الشرطية زيدت عليها " ما " ~~توكيدا لها؛ ولذلك دخلت النون، ولو أفردت " إن " لم يصح دخولها، لا ~~تقول: إن تكرمن زيدا، يكرمك، ولكن: إما تكرمنه ". # وهذا الذي قاله الزمخشري نص سيبويه على خلافه، قال سيبويه: # وإن شئت، لم تقحم النون، كما أنك، إن شئت، لم تجىء ب " ما " ~~قال أبو حيان: " يعني مع النون وعدمها " وفي هذا نظر؛ لأن سيبويه، ~~إنما نص على أن نون التوكيد لا يجب الإتيان بها بعد " أما " وإن ~~كان أبو إسحاق قال بوجوب ذلك، وقوله بعد ذلك: كما أنك إن شئت لم ~~تجىء ب " ما " ليس فيه دليل على جواز توكيد الشرط مع " إن " وحدها. # و " عندك " ظرف ل " يبلغن " و " كلا " مثناة معنى من غير ~~خلاف، وإنما اختلفوا في تثنيتها لفظا: فمذهب البصريين: أنها مفردة ~~لفظا، ووزنها على فعل؛ ك " معى " وألفها منقلبة عن واو، بدليل قلبها ~~تاء في " كلتا " مؤنث " كلا " هذا هو المشهور، وقيل: ألفها عن ياء، ~~وليس بشيء، وقال الكوفيون: هي مثناة لفظا؛ وتبعهم السهيلي ~~مستدلين على ذلك بقوله: ms5584 [الرجز] # 3401- في كلت رجليها سلامى واحده # ................. # فنطق بمفردها؛ ولذلك تعرب بالألف رفعا والياء نصبا وجرا، فألفها ~~زائدة على ماهية الكلمة كألف " الزيدان " ، ولامها محذوفة عند السهيلي، ~~ولم يأت عن الكوفيين نص في ذلك، فاحتمل أن يكون الأمر كما قال ~~السهيلي، وأن تكون موضوعة على حرفين فقط، لأن مذهبهم جواز ذلك في ~~الأسماء المعربة. # قال أبو الهيثم الرازي وأبو الفتح الموصلي، وأبو علي الجرجاني ~~إن " كلا " اسم مفرد يفيد معنى التثنية، ووزنه فعل، ولامه معتل بمنزلة ~~لام " حجى ورضى " وهي كلمة وضعت على هذه الخلقة يؤكد بها الاثنان ~~خاصة، ولا تكون إلا مضافة؛ لأنها لو كانت تثنية، لوجب أن يقال في ~~النصب والخفض: " مررت بكلي الرجلين " بكسر الياء، كما يقال: ~~" بين يدي الرجل " و " من ثلثي الليل " و " يا صاحبي ~~السجن " و " طرفي النهار " ، ولما لم يكن كذلك، علمنا أنها ~~ليست تثنية، بل هي لفظة مفردة، وضعت للدلالة على التثنية، كما أن لفظة ~~" كل " اسم واحد موضوع للجماعة، فإذن أخبرت عن لفظه، كما تخبر عن ~~الواحد؛ كقوله تعالى: # وكلهم آتيه يوم القيمة فردا # [مريم: 95]، فكذا إن أخبرت عن " كلا " أخبرت عن واحد، فقلت: كلا ~~أخويك كان قائما. # قال الله تعالى: # كلتا الجنتين ءاتت أكلها # [الكهف: 33]. ولم يقل: " آتتا ". # وحكمها: أنها متى أضيفت إلى مضمر أعربت إعراب المثنى، أو إلى ظاهر، ~~أعربت إعراب المقصور عند جمهور العرب، وبنو كنانة يعربونها إعراب ~~المثنى مطلقا، فيقولون: رأيت كلى أخويك، وكونها جرت مجرى المثنى ~~مع المضمر، دون الظاهر يطول ذكره. # ومن أحكامها: أنها لا تضاف إلا إلى مثنى لفظا [ومعنى نحو: " كلا ~~الرجلين " ]، أو معنى لا لفظا؛ نحو: " كلانا " ولا تضاف إلى ~~مفرقين بالعطف نحو " كلا زيد وعمرو " إلا في ضرورة؛ كقوله: ~~[الطويل] # 3402- كلا السيف والساق الذي ذهبت به # على مهل باثنين ألقاه صاحبه # وكذا لا تضاف إلى مفرد مراد به التثنية إلا في ضرورة؛ كقوله: ~~[الرمل] # 3403- إن للخير وللشر مدى # وكلا ذلك وجه وقبل # والأكثر مطابقتها فيفرد خبرها وضميرها؛ نحو: كلاهما قائم، وكلاهما ~~ضربته، ms5585 ويجوز في قليل: قائمان، وضربتهما؛ اعتبارا بمعناهما، وقد جمع ~~الشاعر بينهما في قوله: [البسيط] # 3404- كلاهما حين جد الجري بينهما # قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي # وقد يتعين اعتبار اللفظ؛ نحو: كلانا كفيل صاحبه، وقد يتعين اعتبار ~~المعنى، ويستعمل تابعا توكيدا، وقد لا يتبع، فيقع مبتدأ، ومفعولا به، ~~ومجرورا، و " كلتا " في جميع ما ذكر ك " كلا " وتاؤها بدل عن واو، ~~وألفها للتأنيث، ووزنها فعلى؛ كذكرى، وقال يونس: ألفها أصل، وتاؤها ~~مزيدة، ووزنها فعتل، وقد رد عليه الناس، والنسب إليها عند سيبويه: " ~~كلوي " كمذكرها، وعند يونس: كلتوي؛ لئلا تلتبس، ومعنى الآية ~~أنهما يبلغان إلى حالة الضعف والعجز، فيصيران عندك في آخر العمر، كما ~~كنت عندهما في أول العمر. # قوله تعالى: { فلا تقل لهمآ أف } قوله: أف: اسم فعل مضارع ~~بمعنى أتضجر، وهو قليل؛ فإن أكثر باب أسماء الأفعال أوامر، وأقل منه ~~اسم الماضي، وأقل منه اسم المضارع؛ ك " أف " وأوه، أي: أتوجع، ~~ووي، أي: أعجب، وكان من حقها أن تعرب؛ لوقوعها موقع معرب، وفيها ~~لغات كثيرة، وصلها الرماني إلى تسع وثلاثين، وذكر ابن عطية لفظة، ~~بها تمت الأربعون، وهي اثنتان وعشرون مع الهمزة المضمومة: أف، أف، ~~أف، بالتشديد مع التنوين وعدمه، أف، أف، أف، بالتخفيف مع التنوين ~~وعدمه، أف بالسكون والتخفيف؛ أف بالسكون والتشديد، أفه، أفه، ~~أفه، أفا من غير إمالة، وبالإمالة المحضة، وبالإمالة بين بين، أفو ~~أفي: بالواو والباء، وإحدى عشرة مع كسر الهمزة: إف، إف: بالتشديد ~~مع التنوين وعدمه، أف، أف، إف بالتخفيف مع التنوين وعدمه، إفا ~~بالإمالة، وست مع فتح الهمزة: أف أف؛ بالتشديد مع التنوين وعدمه، أف ~~بالسكون، أفا بالألف، فهذه تسع وثلاثون لغة، وتمام الأربعين: " أفاه " ~~بهاء السكت، وفي استخراجها بغير هذا الضابط الذي ذكرته عسر ونصب، يحتاج ~~في استخراجه من كتب اللغة، ومن كلام أهلها، إلى تتبع كثير، وأبو حيان ~~لم يزد على أن قال: " ونحن نسردها مضبوطة كما رأيناها " ، فذكرها، ~~والنساخ خالفوه في ضبطه، فمن ثم جاء فيه الخلل، فعدلنا إلى هذا ~~الضابط المذكور، ولله ms5586 الحمد والمنة. # وقد قرىء من هذه اللغات بسبع: ثلاث في المتواتر، وأربع في الشاذ، ~~فقرأ نافع وحفص بالكسر والتنوين، وابن كثير، وابن عامر بالفتح دون ~~تنوين، والباقون بالكسر دون تنوين، ولا خلاف بينهم في تشديد الفاء، وقرأ ~~نافع في رواية: أف بالرفع والتنوين، وأبو السمال بالضم من غير ~~تنوين، وزيد بن علي بالنصب والتنوين، وابن عباس: " أف " بالسكون. # قال ابن الخطيب: والبحث المشكل ها هنا أنا لما نقلنا أنواعا من اللغات ~~في هذه اللفظة، فما السبب في أنهم تركوا أكثر تلك اللغات في ~~قراءة هذه اللفظة، واقتصروا على وجوه قليلة منها؟. # فصل # في تفسير هذه اللفظة وجوه: # أحدها: قال الفراء: تقول العرب: " لعل فلانا يتأفف من ريح وجدها ~~" معناه: يقول: أف أف. # والثاني: قال الأصمعي: الأف: وسخ الآذان، والتف: وسخ الأظفار، ~~يقال ذلك عند استقذار الشيء، ثم كثر، حتى استعملوه عند محل ما ~~يتأذون. # الثالث: قال أبو عبيدة - رحمه الله -: أصل الأف والتف: الوسخ على ~~الأصابع إذا فتلتها. # الرابع: الأف: ما يكون في المغابن من الوسخ، والتف ما يكون في ~~الأصابع من الوسخ. # الخامس: الأف: وسخ الأظافر، والتف ما رفعت بيدك من الأرض من ~~شيء حقير. # السادس: قيل: أف: معناه قلة، وهو مأخوذ من الأفيف، وهو الشيء ~~القليل، وتف: إتباع له؛ كقولهم شيطان ليطان، خبيث نبيث. # السابع: روى يعلب عن ابن الأعرابي: الأف: الضجر. # الثامن: قال القتبي: أصل هذه الكلمة أنه إذا سقط عليك تراب أو ~~رماد، نفخت فيه لتزيله؛ والصوت الحاصل عند تلك النفخة هو قولك: ~~أف، ثم إنهم توسعوا، فذكروا هذه اللفظة عند كل مكروه يصل إليهم. # قال مجاهد: معنى قوله: { فلا تقل لهمآ أف } أي: لا ~~تتقذرهما: كما أنهما لم يتقذراك حين كنت تخرى وتبول. # وروي عن مجاهد أيضا: إذا وجدت منهما رائحة تؤذيك، فلا تقل لهما: أف. # فصل في دلالة الأف # قول القائل: " لا تقل لفلان: أف " مثل يضرب للمنع من كل مكروه ~~وأذية، وإن خف وقل. # واختلف الأصوليون في أن دلالة هذا اللفظ على المنع ms5587 من سائر أنواع ~~الإيذاء دلالة لفظية، أو دلالة مفهومة بالقياس، فقيل: إنها دلالة ~~لفظية، لأن أهل العرف، إذا قالوا: لا تقل لفلان أف، عنوا به أنه ~~لا يتعرض له بنوع من أنواع الأذى، فهو كقوله: فلان لا يملك نقيرا ولا ~~قطميرا فهو بحسب العرف يدل على أنه لا يملك شيئا. # وقيل: إن هذا اللفظ، إنما دل على المنع من سائر أنواع الأذى ~~بالقياس الجلي. # وتقريره: أن الشرع، إذا نص على حكم في صورة، وسكت عن حكم في ~~صورة أخرى، فإذا أردنا إلحاق الصورة المسكوت عن حكمها بالصورة المذكور ~~حكمها، فهذا على ثلاثة أقسام: # أحدها: أن يكون ثبوت ذلك الحكم في محل السكوت أولى من ثبوته في محل ~~الذكر كهذه الصورة؛ فإن اللفظ إنما دل على المنع من التأفيف، ~~والضرب أولى بالمنع. # وثانيها: أن يكون الحكم في محل السكوت مساويا للحكم في محل ~~الذكر، وهذا يسميه الأصوليون: " القياس في معنى الأصل " كقوله ~~صلوات الله وسلامه عليه: # " من أعتق شركا له في عبد، قوم عليه الباقي " # فإن الحكم في الأمة وفي العبد سواء. # وثالثها: أن يكون الحكم في محل السكوت أخفى من الحكم في محل ~~الذكر، وهو أكثر القياسات. # إذا عرف هذا، فالمنع من التأفيف، إنما دل على المنع من الضرب بالقياس ~~الجلي من باب الاستدلال بالأدنى على الأعلى؛ لأن التأفيف غير الضرب، ~~فالمنع من التأفيف لا يكون منعا من الضرب، وأيضا: المنع من التأفيف لا ~~يستلزم المنع من الضرب عقلا؛ لأن الملك الكبير، إذا أخذ ملكا عظيما، ~~كان عدوا له، فقد يقول للجلاد: إياك أن تستخف به أو تشافهه ~~بكلمة موحشة، لكن اضرب رقبته، وإذا كان هذا معقولا في الجملة، علمنا ~~أن المنع من التأفيف يغاير المنع من الضرب، وغير مستلزم للمنع من الضرب ~~في الجملة إلا أنا علمنا في هذه الصورة: أن المقصود من هذا الكلام ~~المبالغة في تعظيم الوالدين، لقوله تعالى: { وقل لهما قولا ~~كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة }. # فكانت دلالة المنع من التأفيف على المنع من ms5588 الضرب بالقياس من باب ~~الاستدلال بالأدنى على الأعلى. # قوله: " ولا تنهرهما " أي: لا تزجرهما، والنهر: الزجر ~~بصياح وغلظة وأصله الظهور، ومنه " النهر " لظهوره، وقال الزمخشري - ~~رحمه الله تعالى -: " النهي والنهر والنهم أخوات ". # ويقال نهره وانتهره، إذا استقبله بكلام يزجره، قال تعالى: # وأما السآئل فلا تنهر # [الضحى: 10]. # فإن قيل: المنع من التأفيف يدل على المنع من الانتهار؛ بطريق الأولى، ~~فلما قدم المنع من التأفيف، كان المنع من الانتهار بعده عبثا، ولو فرضنا ~~أنه قدم المنع من الانتهار على المنع من التأفيف، كان مفيدا؛ لأنه ~~يلزم من المنع من الانتهار المنع من التأفيف، فما السبب في رعاية هذا ~~الترتيب؟. # فالجواب: أن المراد من قوله تعالى: { فلا تقل لهمآ أف } ~~المنع من إظهار الضجر بالقليل والكثير، والمراد من قوله { ولا ~~تنهرهما } المنع من إظهار المخالفة في القول على سبيل الرد عليه. # قوله تعالى: { وقل لهما قولا كريما } لما منعه من القول ~~المؤذي، وذلك لا يكون أمرا بالقول الطيب، فلا جرم: أردفه بأن أمره ~~بالقول الحسن، فقال: { وقل لهما قولا كريما }. # قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: هو أن يقول له: يا أبتاه يا ~~أماه، وقال عطاء: هو أن تتكلم معهما بشرط ألا ترفع إليهما بصرك. # وقال مجاهد: لا تسمهما و لاتكنهما، فهو كقول عمر - رضي الله عنه ~~-. # فإن قيل: إن إبراهيم - صلوات الله وسلامه عليه - كان أعظم الناس ~~حلما وكرما وأدبا، فكيف قال لأبيه: " يا آزر " على قراءة " لأبيه ~~آزر " بالضم # إني أراك وقومك في ضلال مبين # [الأنعام: 74] فخاطبه بالاسم، وهو إيذاء له، ثم نسبه ونسب قومه إلى ~~الضلال، وهو أعظم أنواع الإيذاء. # فالجواب أن قوله تعالى: { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا ~~إياه وبالوالدين إحسانا } يدل على أن حق الله ~~متقدم على حق الأبوين، فإقدام إبراهيم - صلوات الله وسلامه عليه - ~~على ذلك الإيذاء، إنما كان تقديما لحق الله تعالى على حق الأبوين. # قوله تعالى: { واخفض لهما جناح الذل من الرحمة }. # والمقصود المبالغة في التواضع، وهذه استعارة بليغة. # قال القفال - رحمه الله تعالى ms5589 -: وفي تقريره وجهان: # الأول: أن الطائر، إذا أراد ضم فرخه إليه للتربية خفض له جناحه، ~~فلهذا صار خفض الجناح كناية عن حسن التربية، فكأنه قال للولد: اكفل ~~والديك؛ بأن تضمهما إلى نفسك، كما فعلا ذلك بك حال صغرك. # والثاني: أن الطائر، إذا أراد الطيران، نشر جناحيه، ورفعهما؛ ~~ليرتفع، وإذا أراد ترك الطيران، خفض جناحيه، فجعل خفض الجناح كناية عن ~~التواضع واللين. # وقال الزمخشري: " فإن قلت: ما معنى جناح الذل؟ قلت: فيه وجهان: # أحدهما: أن يكون المعنى: واخفض لهما جناحك، كما قال: # واخفض جناحك للمؤمنين # [الحجر: 88] فأضافه إلى الذل [أو الذل]، كما أضيف حاتم إلى ~~الجود على معنى: واخفض لهما جناحك الذليل أو الذلول. # والثاني: أن تجعل لذله أو لذله جناحا خفيضا؛ كما جعل لبيد ~~للشمال يدا، وللقرة زماما، في قوله: [الكامل] # 3405- وغداة ريح قد كشفت وقرة # إذ أصبحت بيد الشمال زمامها # مبالغة في التذلل والتواضع لهما " انتهى، يعني أنه عبر عن اللين ~~بالذل، ثم استعار له جناحا، ثم رشح هذه الاستعارة بأن أمره بخفض ~~الجناح. # ومن طريف ما يحكى: أن أبا تمام، لما نظم قوله: [الكامل] # 3406- لا تسقني ماء الملام فإنني # صب قد استعذبت ماء بكائي # جاءه رجل بقصعة، وقال له: أعطني شيئا من ماء الملام، فقال: حتى ~~تأتيني بريشة من جناح الذل؛ يريد أن هذا مجاز استعارة كذاك، وقال ~~بعضهم: [الطويل] # 3407- أراشوا جناحي ثم بلوه بالندى # فلم أستطع من أرضهم طيرانا # وقرأ العامة " الذل " بضم الذال، وابن عباس في آخرين بكسرها، وهي ~~استعارة؛ لأن الذل في الدواب؛ لأنه ضد الصعوبة، فاستعير ~~للأناسي، كما أن الذل بالضم ضد العز. # قوله: " من الرحمة " فيه أربعة أوجه: # أحدها: أنها للتعليل، فتتعلق ب " اخفض " ، أي: اخفض من أجل الرحمة. # والثاني: أنها لبيان الجنس؛ قال ابن عطية: " أي: إن هذا الخفض يكون ~~من الرحمة المستكنة في النفس ". # الثالث: أن تكون في محل نصب على الحال من " جناح ". # الرابع: أنها لابتداء الغاية. # قوله: " كما ربياني " في هذه الكاف قولان: # أحدهما: أنها نعت لمصدر محذوف، فقدره ms5590 الحوفي: " ارحمهما رحمة مثل ~~تربيتهما [لي] ". # وقدره أبو البقاء: " رحمة مثل رحمتهما " كأنه جعل التربية رحمة. # والثاني: أنها للتعليل، أي: ارحمهما؛ لأجل تربيتهما؛ كقوله: # واذكروه كما هداكم # [البقرة: 198]. # قال القرطبي: أمر الله تعالى عباده بعبادته وتوحيده، وجعل بر ~~الوالدين مقرونا بذلك، كما قرن شكرهما بشكره، فقال جل ذكره: # أن اشكر لي ولوالديك # [لقمان: 14] ومن البر إليهما أن يحسن إليهما، ولا يسبهما ولا ~~يعقهما؛ فإن ذلك من الكبائر، ولا يخالفهما في أغراضهما الجائزة لهما. # والأحاديث الدالة على الأمر ببر الوالدين كثيرة. # قال القرطبي: ولا يختص بر الوالدين بأن يكونا مسلمين، بل إن كانا ~~كافرين يبرهما، ويحسن إليهما. # قال القفال - رحمه الله -: إنه لم يقتصر في تعليم البر بالوالدين ~~على تعليم الأفعال، بل أضاف إليه تعليم الأقوال، وهو أن يدعو لهما ~~بالرحمة، فيقول: رب ارحمهما، ولفظة الرحمة جامعة لكل الخيرات في ~~الدين والدنيا، ثم يقول: { كما ربياني صغيرا } يعني: رب ~~افعل بهما هذا النوع من الإحسان، كما أحسنا إلي في تربيتهما، والتربية ~~هي التنمية من قولهم: ربا الشيء، إذا انتفخ قال تعالى: # فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت # [الحج: 5]. # واختلف المفسرون في هذه الآية، فقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: إنها ~~منسوخة بقوله تعالى: # ما كان للنبي والذين ءامنوا أن يستغفروا ~~للمشركين # [التوبة: 113] فلا ينبغي للمسلم أن يستغفر لوالديه إذا كانا مشركين، ولا ~~يقول: رب ارحمهما. # وقيل إنها مخصوصة بالمسلمين غير منسوخة، وهذا أولى من القول الأول؛ ~~لأن التخصيص أولى من النسخ. # وقيل: لا نسخ، ولا تخصيص؛ لأن الوالدين، إذا كانا كافرين، فله أن يدعو ~~لهما بالهداية والإرشاد، وأن يطلب الرحمة لهما بعد حصول الإيمان. # فصل في أن الأمر يفيد التكرار أم لا؟ # قوله جل ذكره: { وقل رب ارحمهما } أمر، وظاهر الأمر لا ~~يفيد التكرار، فيكفي في العمل بمقتضى هذه الآية ذكر هذا القول مرة ~~واحدة. # سئل سفيان: كم يدعو الإنسان لوالديه؟ أفي اليوم مرة، أو في الشهر، أو في ~~السنة؟ فقال: نرجو أن يجزئه إذا دعا لهما في أواخر التشهدات؛ كما ms5591 قال ~~تعالى: # يأيها الذين آمنوا صلوا عليه # [الأحزاب: 56] فكانوا يرون أن التشهد يجزي عن الصلاة على النبي - ~~صلوات الله وسلامه عليه -. # وكقوله تعالى: # واذكروا الله في أيام معدودات # [البقرة: 203] فهم يكررون في أدبار الصلاة. ### || [17.25] # قال تعالى: { ربكم أعلم بما في نفوسكم } من بر ~~الوالدين وعقوقهما { إن تكونوا صالحين } ، أي: إنا قد أمرناكم ~~في هذه الآية بإخلاص العبادة لله، وبالإحسان بالوالدين، ولا يخفى على ~~الله ما تضمرونه في أنفسكم من الإخلاص وعدم الإخلاص، فالله تعالى مطلع ~~على ما في نفوسكم. # { إن تكونوا صالحين } أي: إن كنتم برآء عن جهة الفساد في أحوال ~~قلوبكم، وكنتم أوابين، أي: راجعين إلى الله، فإن حكم الله في ~~الأوابين أنه غفور لهم، يكفر عنهم سيئاتهم. # والأواب: على وزن فعال، وهو يفيد المداومة والكثرة؛ كقولهم: ~~قتال، وضراب. # قال سعيد بن المسيب - رحمه الله -: الأواب الذي يذنب، ثم يتوب. وقال ~~سعيد بن جبير: هو الرجاع إلى الخير. # وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: هو الرجاع إلى الله تعالى فيما ~~ينوبه. وعنه أيضا قال: هم المسبحون؛ لقوله تعالى: # يجبال أوبي معه # [سبأ: 10]. # وقال قتادة: المصلون. # وقيل: هو الرجل تكون منه البادرة إلى أبويه، لا يريد بذلك الخير، فإنه ~~لا يؤخذ به. # وقال عون العقيلي: هم الذين يصلون صلاة الضحى؛ لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم خرج إلى أهل قباء، وهم يصلون الضحى، فقال: صلاة ~~الأوابين إذا رمضت الفصال من الضحى. # وروي عن ابن عباس أنه قال: إن الملائكة لتحف بالذين يصلون ~~بين المغرب والعشاء، وهي صلاة الأوابين. ### || [17.26-27] # قيل: هذا خطاب للرسول - صلوات الله وسلامه عليه - بأن يؤتي أقاربه ~~الحقوق التي وجبت لهم في الفيء والغنيمة، وإخراج حق المساكين وأبناء ~~السبيل من هذين المثالين. # وقال الأكثرون: إنه عام، لأنه عطفه على قوله تعالى: # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه # [الإسراء: 23] والمعنى أنك بعد فراغك من بر الوالدين يجب عليك أن ~~تشتغل ببر سائر الأقارب، الأقرب فالأقرب، ثم بإصلاح أحوال المساكين، ~~وأبناء السبيل، واعلم أن قوله تعالى: { وءات ذا ms5592 القربى ~~حقه } مجمل، ليس فيه بيان أن ذلك الحق ما هو، فذهب الشافعي - ~~رضي الله عنه - إلى أنه لا يجب الإنفاق إلا على الولد والوالدين، ~~وقال غيره: يجب الإنفاق على المحارم بقدر الحاجة، واتفقوا على أن من لم ~~يكن من المحارم كأبناء العم، فلا حق لهم إلا الموادة والمؤالفة ~~في السراء والضراء، وأما المسكين وابن السبيل، فتقدم وصفهما في ~~سورة التوبة في آية الزكاة. # قوله تعالى: { ولا تبذر تبذيرا }: التبذير: التفريق ومنه ~~" البذر " لأنه يفرق في الأرض للزراعة، قال: [الوافر] # 3408- ترائب يستضيء الحلي فيها # كجمر النار بذر بالظلام # ثم غلب في الإسراف في النفقة. # قال مجاهد: لو أنفق الإنسان ماله كله في الحق، ما كان تبذيرا. # وسئل ابن مسعود عن التبذير، فقال: إنفاق المال في غير حقه وأنشد ~~بعضهم: [الوافر] # 3409- ذهاب المال في حمد وأجر # ذهاب لا يقال له ذهاب # وقال عثمان بن الأسود: كنت أطوف مع مجاهد حول الكعبة، فرفع رأسه إلى ~~أبي قبيس، وقال: لو أن رجلا أنفق مثل هذا في طاعة الله، لم يكن من ~~المسرفين، ولو أنفق درهما واحدا في معصية الله، كان من المسرفين. # وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - مر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بسعد - رضي الله عنه - وهو يتوضأ، فقال: ما هذا السرف يا ~~سعد؟ فقال: أفي الوضوء سرف؟ قال: " نعم، وإن كنت على نهر ~~جار ". # ثم نبه تعالى على قبح التبذير بإضافته إياه إلى أفعال الشياطين، فقال ~~- جل ذكره -: { إن المبذرين كانوا إخوان ~~الشيطين } والمراد من هذه الأخوة التشبيه بهم في هذا الفعل القبيح؛ ~~لأن العرب يسمون الملازم للشيء أخا له، فيقولون: فلان أخو الكرم ~~والجود، وأخو السفر، إذا كان مواظبا على هذه الأفعال. # وقيل: قوله: { إخوان الشيطين } أي: قرناءهم في الدنيا والآخرة ~~كقوله تعالى # ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطنا ~~فهو له قرين # [الزخرف: 36]. # وقال تعالى: # احشروا الذين ظلموا وأزواجهم # [الصافات: 22] أي: قرناءهم من الشياطين، ثم قال تعالى: { وكان ~~الشيطان لربه كفورا } أي: جحودا للنعمة؛ ms5593 لأنه يستعمل ~~بدنه في المعاصي والإفساد في الأرض، والإضلال للناس، وكذلك من رزقه ~~الله مالا أو جاها، فصرفه إلى غير مرضاة الله، كان كفورا لنعمة الله؛ ~~لأنه موافق للشياطين في الصفة والفعل، ثم إن الشياطين كفورون ~~بربهم، فكذلك المبذر أيضا كفور بربه. # قال بعض العلماء: خرجت هذه الآية على وفق عادة العرب؛ لأنهم كانوا ~~يجمعون الأموال بالنهب والغارة، ثم ينفقونها في طلب الخيلاء والتفاخر، ~~وكان المشركون من قريش وغيرهم ينفقون أموالهم ليصدوا عن الإسلام ~~وتوهين أهله وإعانة أعدائه، فنزلت هذه الآية تنبيها على قبح أفعالهم. ### || [17.28] # نزلت في مهجع، وبلال، وصهيب، وسالم، وخباب، وكانوا يسألون النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الأحايين ما يحتاجون إليه، ولا يجد، فيعرض عنهم حياء ~~منهم، ويمسك ن القول، فنزلت: { وإما تعرضن عنهم } أي: وإن ~~أعرضت عنهم عن هؤلاء الذين أمرتك أن تؤتيهم { ابتغآء رحمة من ~~ربك ترجوها } انتظار رزق من الله ترجوه، أي: يأتيك { فقل ~~لهم قولا ميسورا } لينا، وهو العدة، أي: عدهم وعدا ~~جميلا. # قوله تعالى: { ابتغآء رحمة }: يجوز أن يكون مفعولا من أجله، ~~ناصبه " تعرضن " وهو من وضع المسبب موضع السبب، وذلك أن الأصل: ~~وإما تعرضن عنهم لإعسارك، وجعله الزمخشري منصوبا بجواب الشرط، أي: ~~فقل لهم قولا سهلا؛ ابتغاء رحمة، ورد عليه أبو حيان: بأن ما بعد ~~الفاء لا يعمل فيما قبلها؛ نحو: " إن يقم زيد عمرا فاضرب " فإن ~~حذفت الفاء جاز عند سيبويه والكسائي؛ نحو: " إن يقم زيد عمرا ~~يضرب " فإن كان الاسم مرفوعا؛ نحو " إن تقم زيد يقم " جاز ~~ذلك عند سيبويه على أنه مرفوع بفعل مقدر يفسره الظاهر بعده، أي: ~~إن تقم، يقم زيد يقم. ومنع من ذلك الفراء وشيخه. # وفي الرد نظر؛ لأنه قد ثبت ذلك؛ لقوله تعالى: # فأما اليتيم فلا تقهر # [الضحى: 9] الآية؛ لأن " اليتيم " وما بعده منصوبان بما بعد فاء ~~الجواب. # وقيل: إنه في موضع الحال من فاعل " تعرضن ". # قوله تعالى: { من ربكم } يجوز أن يكون صفة ل " رحمة " ، وأن ~~يكون متعلقا ب " ترجوها " أي: ترجوها ms5594 من جهة ربك، على المجاز. # وقوله: " ترجوها " يجوز أن يكون حالا من فاعل " تعرضن " ، وأن ~~يكون صفة ل " رحمة ". ### || [17.29-30] # قوله تعالى: { ولا تجعل يدك مغلولة } الآية. # لما أمره بالإنفاق في الآية المتقدمة، علمه في هذه الآية أدب ~~الإنفاق. # واعلم أنه تعالى وصف عباده المؤمنين، فقال تعالى # والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ~~وكان بين ذلك قواما # [الفرقان: 67]. # فها هنا أمر رسوله بمثل ذلك الوصف، فقال تعالى: { ولا تجعل يدك ~~مغلولة إلى عنقك } أي لا تمسك عن الإنفاق، بحيث تضيف على ~~نفسك وأهلك في وجوه صلة الرحم، أي: لا تجعل يدك في انقباضها كالمغلولة ~~الممنوعة من الانبساط، { ولا تبسطها كل البسط } أي: ولا ~~تتوسع في الإنفاق توسعا مفرطا بحيث لا يبقى في يدك شيء. # والحكماء ذكروا في كتب الأخلاق أن لكل خلق طرفي إفراط وتفريط، ~~وهما مذمومان، والخلق الفاضل هو العدل والوسط، فالبخل إفراط في الإمساك، ~~والتبذير إفراط في الإنفاق، وهما مذمومان، والمعتدل الوسط. # روى جابر - رضي الله عنه - قال: # " أتى صبي فقال: يا رسول الله، إن أمي تستكسيك درعا، ولم ~~يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قميصه، فقال للصبي: من ~~ساعة إلى ساعة يظهر كذا فعد وقتا آخر، فعاد إلى أمه فقالت: قل ~~له: إن أمي تستكسيك الدرع الذي عليك، فدخل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم داره، ونزع قميصه، فأعطاه، فقعد عريانا، فأذن ~~بلال بالصلاة، فانتظره، فلم يخرج، فشغل قلوب أصحابه، فدخل عليه ~~بعضهم فرآه عريانا " # ، فأنزل الله تعالى { ولا تجعل يدك مغلولة إلى ~~عنقك } يعني لا تمسك يدك عن النفقة في الحق كالمغلولة يده، ولا ~~يقدر على مدها، " ولا تبسطها " بالعطاء " كل البسط " فتعطي ~~جميع ما عندك. # و { كل البسط }: نصب على المصدر؛ لإضافتها إليه، و " فتقعد " ~~نصب على جواب النهي وتقدم الكلام عليه، و " ملوما " إما حال، ~~وإما خبر كما تقدم؛ ومعنى كونه ملوما أنه يلوم نفسه، وأصحابه أيضا ~~يلومونه على تضييع المال وإبقاء الأهل في الضرر والمحنة، أو يلومونه ~~بالإمساك إذا سألوه ms5595 ولم يعطهم، وأما كونه محسورا، فقال الفراء: العرب ~~تقول للبعير: محسور، إذا انقطع سيره، وحسرت الدابة، إذا سيرتها حتى ~~ينقطع سيرها، ومنه قوله تعالى: # ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير # [الملك: 4]. # وقال قتادة - رحمه الله -: محسورا نادما على ما فرط منك ويجمع الحسير ~~على حسرى، مثل: قتلى وصرعى. # قال الشاعر: [الطويل] # 3410- بها جيف الحسرى، فأما عظامها # فبيض وأما جلدها فصليب # وحسر عن كذا، كشف عنه كقوله [الطويل] # 3411-.......... يحسر الماء تارة # ................... # والمحسور: المنقطع السير، ومنه حسرت الدابة، قطعت سيرها، وحسير أي: ~~كال: تعبان بمعنى: محسور. # قال القفال: شبه حال من أنفق كل ماله بمن انقطع في سفره بسبب انقطاع ~~مطيته؛ لأن ذلك المقدار من المال، كأنه مطية تحمل الإنسان إلى آخر ~~السفر، كما أن ذلك البعير يحمله إلى آخر منزله، فإذا انقطع ذلك البعير ~~بقي في وسط الطريق عاجزا متحيرا، فكذلك إذا أنفق الإنسان مقدار ما ~~يحتاج إليه في مدة شهر، بقي في وسط ذلك الشهر عاجزا متحيرا، ومن فعل ~~هذا، لحقه اللوم من أهله والمحتاجين إلى إنفاقه عليهم بسبب سوء تدبيره، ~~وترك الحزم في مهمات معاشه. # ثم قال تعالى: { إن ربك يبسط الرزق } أي يوسعه على ~~البعض " ويقدر " ، أي: يضيق على البعض بحسب ما يعلم من المصالح. # قال تعالى: # ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ~~ولكن ينزل بقدر ما يشآء إنه بعباده خبير ~~بصير # [الشورى: 27] والقدر في اللغة التضييق. قال تعالى: # ومن قدر عليه رزقه # [الطلاق: 7]. # وأمآ إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه # [الفجر: 16] أي: ضيق. ### || [17.31] # قوله تعالى: { ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق } ~~الآية في تقرير النظم وجوه: # الأول: أنه لما بين في الآية الأولى: أنه المتكفل بأرزاق العباد؛ ~~حيث قال: # إن ربك يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر # [الإسراء: 30] قال عز وجل: { ولا تقتلوا أولادكم ~~خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم }. # الثاني: أنه تعالى، لما علم كيفية البر بالوالدين في الآية ~~المتقدمة، علم في هذه الآية كيفية البر بالأولاد، ولهذا قيل: إن ~~الأبرار إنما سموا بذلك؛ لأنهم بروا ms5596 الآباء والأبناء؛ فوجب بر ~~الآباء مكافأة على ما صدر منهم من أنواع البر؛ ووجب بر الأولاد، ~~لأنهم في غاية الضعف والاحتياج ولا كافل لهم غير الوالدين. # الثالث: أن امتناع الأولاد من بر الآباء يوجب خراب العالم؛ لأن ~~الآباء، إذا علموا ذلك، قلت رغبتهم في تربية الأولاد؛ فيلزم خراب العالم، ~~وامتناع الآباء من البر أيضا كذلك. # الرابع: أن قتل الأولاد، إن كان لخوف الفقر، فهو سوء الظن بالله ~~تعالى، وإن كان لأجل الغيرة على البنات فهو سعي في تخريب العالم، ~~فالأول ضد التعظيم لأمر الله تعالى، والثاني ضد الشفقة على خلق ~~الله، وكلاهما مذمومان. # الخامس: أن قرابة الأولاد قرابة الجزئية والبعضية، وهي من أعظم ~~الموجبات للمحبة، فلو لم تحصل المحبة دل ذلك على غلظ شديد في ~~الروح، وقسوة في القلب، وذلك من أعظم الأخلاق الذميمة، فرغب الله في ~~الإحسان إلى الأولاد؛ إزالة لهذه الخصلة الذميمة. # فصل # قرأ العامة " تقتلوا " بالتخفيف، وقرأ ابن وثاب والأعمش " تقتلوا ~~" بالتشديد و " خشية " بكسر الخاء. # قال المفسرون: إن العرب كانوا يقتلون البنات؛ لعجز البنات عن الكسب، ~~وقدرة البنين عليه؛ بسبب إقدامهم على النهب والغارة، وأيضا: كانوا ~~يخافون أن ينفر الأكفاء عنها، وعن الرغبة فيها، فيحتاجون إلى إنكاحها من ~~غير الأكفاء، وفي ذلك عار شديد. # واعلم أن قوله تعالى: { ولا تقتلوا أولادكم } عام في ~~الذكور والإناث، أي: أن الموجب للشفقة والرحمة هو كونه ولدا، وهذا ~~الوصف يشترك فيه الذكور والإناث، وأما ما يخاف من الفقر في البنات، فقد ~~يخاف أيضا في العاجز من البنين، ثم قال تعالى: { نحن نرزقهم ~~وإياكم } أي أن الأرزاق بيد الله، فكما يفتح أبواب الرزق على ~~الرجال، فكذلك يفتح أبواب الرزق على النساء. # قوله تعالى: { إن قتلهم كان خطئا كبيرا }. # قرأ ابن ذكوان: " خطأ " بفتح الخاء والطاء من غير مد، وابن كثير ~~بكسر الخاء والمد، ويلزم منه فتح الطاء، والباقون بكسر الخاء وسكون ~~الطاء. # فأما قراءة ابن ذكوان، فخرجها الزجاج على وجهين: # أحدهما: أن يكون اسم مصدر؛ من أخطأ يخطىء خطأ، أي: إخطاء، ms5597 إذا لم ~~يصب. # والثاني: أن يكون مصدر خطىء يخطأ خطأ، إذا لم يصب أيضا، وأنشد: ~~[الكامل] # 3412- والناس يلحون الأمير إذا هم # خطئوا الصواب ولا يلام المرشد # والمعنى على هذين الوجهين: أن قتلهم كان غير صواب، واستبعد قوم هذه ~~القراءة قالوا: لأن الخطأ ما لم يتعمد، فلا يصح معناه. # وخفي عنهم: أنه يكون بمعنى أخطأ، أو أنه يقال: " خطىء " إذا لم يصب. # وأما قراءة ابن كثير، فهي مصدر: خاطأ يخاطىء خطاء؛ مثل: قاتل ~~يقاتل قتالا، قال أبو علي: " هي مصدر خاطأ يخاطىء، وإن كنا ~~لم نجد " خاطأ " ولكن وجدنا تخاطأ، وهو مطاوع " خاطأ " فدلنا عليه، ~~ومنه قول الشاعر: [المتقارب] # 3413- تخاطأت النبل أحشاءه # وأخر يومي فلم يعجل # وقال الآخر: [الطويل] # 3414- تخاطأه القناص حتى وجدته # وخرطومه في منقع الماء راسب # فكأن هؤلاء الذين يقتلون أولادهم يخاطئون الحق و العدل ". # وقد طعن قوم على هذه القراءة حتى قال أبو جعفر - رحمه الله -: " لا ~~أعرف لهذه القراءة وجها " ولذلك جعلها أبو حاتم غلطا. # قال شهاب الدين: قد عرفه غيرهما، ولله الحمد. # وأما قراءة الباقين فواضحة؛ لأنها من قولهم: خطىء يخطأ خطئا، ~~كأثم يأثم إثما، إذا تعمد الكذب. # وقرأ الحسن: " خطاء " بفتح الخاء والمد، وهو اسم مصدر " أخطأ " ~~كالعطاء اسم للإعطاء. # وقرأ أيضا " خطا " بالقصر، وأصله " خطأ " كقراءة ابن ذكوان، إلا ~~أنه سهل الهمزة بإبدالها ألفا، فحذفت كعصا. # وأبو رجاء والزهري كذلك، إلا أنهما كسرا الخاء ك " زنى " ~~وكلاهما من خطىء في الدين، وأخطأ في الرأي، وقد يقام كل منهما مقام ~~الآخر. # وقرأ ابن عامر في رواية " خطئا " بالفتح والسكون والهمز، مصدر " ~~خطىء " بالكسر. قال المفسرون: معنى الكل واحد، أي: إثما كبيرا. ### || [17.32] # لما أمره بالأشياء الخمسة المتقدم ذكرها، وحاصلها يرجع إلى شيئين: ~~التعظيم لأمر الله تعالى، والشفقة على خلق الله سبحانه - جل ذكره - ~~لا إله إلا هو، أتبعها بالنهي عن أشياء أخر. # أولها: أنه تعالى نهى عن الزنا. # والعامة على قصره، وهي اللغة الفاشية، وقرىء بالمد، وفيه وجهان: # أحدهما: أنه لغة في المقصور. # والثاني: أنه ms5598 مصدر زانى يزاني؛ كقاتل يقاتل قتالا؛ لأنه يكون بين ~~اثنين، وعلى المد قول الفرزدق: [الطويل] # 3415- أبا خالد من يزن يعرف زناؤه # ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكرا # وقول الآخر: [الكامل] # 3416- كانت فريضة ما تقول كما # كان الزناء فريضة الرجم # وليس ذلك على باب الضرورة، لثبوته قراءة في الجملة. # وقوله تعالى: { وسآء سبيلا }. قال ابن عطية: " وسبيلا: نصب ~~على التمييز، أي: وساء سبيلا سبيله ". ورد أبو حيان هذا: ~~بأن قوله نصب على التمييز يقتضي أن يكون الفاعل ضميرا مفسرا بما ~~بعده من التمييز، فلا يصح تقديره: ساء سبيله سبيلا؛ لأنه ليس ~~بمضمر لاسم الجنس. # فصل # قال القفال: إذا قيل للإنسان: لا تقرب هذا، فهو آكد من أن تقول: لا ~~تفعله، ثم علل هذا النهي بكنه { فاحشة وسآء سبيلا }. # واعلم أن الزنا اشتمل على أنواع من المفاسد. # أولها: اختلاط الأنساب واشتباهها، فلا يعرف الإنسان أن الولد الذي أتت ~~به الزانية منه أو من غيره، فلا يقوم بتربيته، وذلك يوجب ضياع الأولاد، ~~وانقطاع النسل، وخراب العالم. # وثانيها: أنه إذا لم يوجد سبب شرعي يوجب اختصاص هذا الرجل بهذه ~~المرأة، لم يبق إلا التواثب والتقاتل، وقد وجد وقوع القتل الذريع ~~بسبب زنا المرأة الواحدة. # وثالثها: أن المرأة، إذا زنت وتمرنت عليه، يستقذرها كل ذي عقل ~~سليم، وحينئذ: لا تحصل الألفة والمحبة، ولا يتم السكن والازدواج، ~~وينفر طباع أكثر الخلق عن مقاربتها. # ورابعها: أنه إذا انفتح باب الزنا، لا يبقى لرجل اختصاص بامرأة، ~~بل كل رجل يمكنه التواثب على أي امرأة أرادت، وحينئذ: لا يبقى بين نوع ~~الإنسان وسائر البهائم فرق في هذا. # وخامسها: أنه ليس المقصود من المرأة مجرد قضاء الشهوة، بل أن تصير ~~شريكة للرجل في ترتيب المنزل وإعداد مهماته من المطعوم والمشروب ~~والملبوس، وحفظ البيت، والقيام بأمور الأولاد والخدم، وهذه المهمات لا ~~تتم إلا إذا كانت المرأة مقصورة الهمة على هذا الرجل الواحد، منقطعة ~~الطمع عن سائر الرجال، وذلك لا يحصل إلا بتحريم الزنا، وسد هذا ~~الباب. # وسادسها: أن الوطء يوجب الذل الشديد، ms5599 ويدل على ذلك وجوه: # الأول: أن أعظم أنواع الشتم عند الناس ذكر ألفاظ الوقاع، ولولا أن ~~الوطء يوجب الذل وإلا لما كان الأمر كذلك. # الثاني: أن جميع العقلاء يستنكفون من ذكر أزواج بناتهم وأخواتهم ~~وأمهاتهم، ولولا أن الوطء ذل، وإلا لما كان كذلك. # الثالث: أن جميع العقلاء لا يقدمون على الوطء إلا خفية في الأوقات التي ~~لا يطلع عليهم أحد، ولولا أنه موجب للذل، وإلا لما كان الأمر كذلك، ~~فلما كان الوطء ذلا، كان السعي في تقليله موافقا للعقول، فاقتصار ~~المرأة الواحدة على الرجل الواحد سعي في تقليل ذلك العمل، وما فيه ن ~~الذل يجبر بالمنافع الحاصلة. # وأما الزنا، فإنه فتح لباب العمل القبيح، ولا يجبر بشيء من ~~المنافع، فيبقى على أصل المنع. # وإذا ثبت ذلك، فنقول: إنه تعالى وصف الزنا بصفات ثلاثة: كونه # فاحشة ومقتا # [النساء: 22] في آية أخرى { وسآء سبيلا } أما كونه فاحشة؛ ~~فلاشتماله على الأمور المذكورة، وأما المقت فلأن الزانية تصير ممقوتة ~~مكروهة؛ لما ذكرنا. # وأما كونه ساء سبيلا: فهو ما ذكرنا من أنه لا يبقى فرق بين الإنسان ~~وبين البهائم في عدم اختصاص الذكران بالإناث، وبقاء الذل والعيب ~~والعار على المرأة من غير أن يجبر بشيء من المنافع. ### || [17.33] # فقوله جل ذكره: { إلا بالحق } أي: إلا بسبب الحق، فيتعلق ب ~~" لا تقتلوا " ويجوز أن يكون حالا من فاعل " لا تقتلوا " أو من ~~مفعوله، أي: لا تقتلوا إلا ملتبسين بالحق أو إلا ملتبسة بالحق، ~~ويجوز أن يكون نعتا لمصدر محذوف، أي: إلا قتلا ملتبسا بالحق. # فصل # والحق المبيح للقتل هو قوله - صلوات الله وسلامه عليه -: # " لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بالله بعد ~~إيمانه، أو زنى بعد أحصانه، أو قتل نفسا بغير نفس ". # فإن قيل: إن أكبر الكبائر بعد الكفر بالله سبحانه وتعالى هو القتل، ~~فما السبب في أنه تعالى بدأ بالنهي عن الزنا، ثم نهى بعده عن القتل. # فالجواب: أنا بينا أن فتح باب الزنا يمنع دخول الإنسان في ~~الوجود، والقتل يدل ms5600 على إعدامه، ودخوله في الوجود مقدم على إعدامه ~~بعد وجوده؛ فلهذا ذكر الزنا أولا، ثم ذكر بعده القتل. # واعلم أن الأصل في القتل هو التحريم، والحل إنما ثبت بسبب عارض؛ ~~فذلك نهى عن القتل بناء على حكم الأصل، ثم استثنى منه الحالة التي يباح ~~فيها القتل، وهو عند حصول الأسباب العرضية، فقال: { إلا بالحق } ~~ويدل على أن الأصل في القتل التحريم وجوه: # أحدها: أن القتل ضرر، والأصل في المضار الحرمة، قال - صلوات الله ~~وسلم عليه -: # " لا ضرر، ولا ضرار ". # وثانيها: قوله صلى الله عليه وسلم: # " الآدمي بنيان الرب، ملعون من هدم بنيان الرب ". # وثالثها: أن الآدمي خلق للعبادة، لقوله تعالى: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56] والعبادة لا تتم إلا بعدم القتل. # ورابعها: أن القتل إفساد، فحرم؛ لقوله تعالى: # ولا تفسدوا # [الأعراف: 56]. # وخامسها: إذا تعارض دليل تحريم القتل، ودليل إباحته، فالإجماع على أن ~~جانب الحرمة راجح، ولولا أن مقتضى الأصل هو التحريم، وإلا لكان ذلك ~~ترجيحا لا لمرجح، وهو محال. # وإذا علم أن الأصل في القتل هو التحريم، فقوله: " ولا تقتلوا " ~~نهي وتحريم. وقوله: " حرم الله " إعادة لذكر التحريم على سبيل ~~التاكيد، ثم استثنى عنه الأسباب العرضية، فقال: إلا بالحق، وها هنا ~~طريقان: # الطريق الأول: أن قوله " إلا بالحق " مجمل ليس فيه بيان أن ذلك ~~الحق ما هو، ثم قال تعالى: { ومن قتل مظلوما فقد جعلنا ~~لوليه سلطانا } أي: في حق استيفاء القصاص؛ فوجب أن يكون ~~المراد من الحق هذه الصورة فقط، فتكون الآية نصا صريحا في تحريم ~~القتل، إلا بهذا السبب الواحد. # الطريق الثاني: أن نقول: دلت السنة على أن ذلك الحق هو أحد الأمور ~~الثلاثة المتقدمة في الخبر. # واعلم أن الخبر من باب الآحاد، فإن قلنا: إن قوله تعالى: { ومن ~~قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا } بيان لذلك ~~الحق، كانت الآية صريحة في أنه لا يحل القتل إلا بهذا السبب ~~الواحد، وحينئذ: يصير الخبر مخصصا للآية، ويصير فرعا لقولنا بصحة ~~تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، وإن قلنا ms5601 بأن قوله تعالى: { ومن قتل ~~مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا } ليس بيانا لذلك ~~الحق، فحينئذ يصير الخبر مفسرا للحق المذكور في الآية، وعلى هذا ~~لا يصير فرعا على جواز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، وهو تنبيه حسن. # فصل في ظاهر الآية # ظاهر الآية يقتضي أنه لا سبيل لحل القتل إلا قتل المظلوم، وظاهر ~~الخبر يقتضي ضم شيئين آخرين إليه، وهو الكفر بعد الإيمان، والزنا بعد ~~الإحصان، ودلت آية أخرى على حصول سبب رابع، وهو قوله تعالى: # إنما جزآء الذين يحاربون الله ورسوله ~~ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو ~~يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف # [المائدة: 33] ودلت آية أخرى على سبب خامس، وهو الكفر الأصلي، قال ~~الله تعالى: # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر # [التوبة: 29]. # وقال تعالى: # واقتلوهم حيث وجدتموهم # [النساء: 89]. # واختلف الفقهاء في أشياء أخرى: # منها: تارك الصلاة، فعند أبي حنيفة - رضي الله عنه - لا يقتل، وعند ~~الشافعي وأحمد - رضي الله عنهما -: يقتل. # وثانيها: اللائط: فعند الشافعي: يقتل، وعند بعضهم: لا يقتل. # وثالثها: الساحر، إذا قال: قتلت بسحري فلانا، فعند أبي حنيفة: لا ~~يقتل، وعند بعضهم: يقتل. # ورابعها: القتل بالمثقل عند الشافعي: يوجب القصاص، وعند أبي حنيفة: ~~لا يوجب. # وخامسها: الانتماع من أداء الزكاة، اختلفوا فيه في زمان أبي بكر - رضي ~~الله عنه -. # وسادسها: إتيان البهيمة أوجب فيه بعضهم القتل، ولم يوجبه الباقون، ~~وحجة القائلين بعدم وجوب القتل في هذه الصورة هو أن هذه الآية صريحة ~~في تحريم القتل على الإطلاق إلا لسبب واحد، وهو قتل المظلوم، ففيما ~~عداه يجب البقاء على أصل التحريم. # وأيضا: فالخبر المذكور يوجب حصر أسباب الحل في تلك الثلاثة، ففيما ~~عداها يجب البقاء على أصل الحرمة، ثم قالوا: وبهذا النص قد تأكد ~~بالدلائل الكثيرة الموجبة لحرمة الدم على الإطلاق، فترك العمل بهذه ~~الدلائل لا يكون إلا لمعارض، وذلك المعارض: إما أن يكون نصا ~~متواترا أو نصا من باب الآحاد، أو قياسا، والنص المتواتر مفقود، ~~وإلا لما بقي الخلاف. # وأما النص من ms5602 باب الآحاد، فهو مرجوح بالنسبة إلى هذه النصوص ~~الكثيرة؛ لأن الظن المستفاد من النصوص الكثيرة أعظم من الظن ~~المستفاد من خبر واحد. # وأما القياس: فلا يعارض النص، فثبت بمقتضى هذا الأصل القوي: أن ~~الأصل في الدماء الحرمة إلا في الصور المعدودة. # قوله سبحانه وتعالى: { ومن قتل مظلوما فقد جعلنا ~~لوليه سلطانا } فيه بحثان: # البحث الأول: هذه الآية تدل على أنه أثبت لولي الدم سلطانا. # فأما بيان هذه السلطنة فيماذا، فليس في قوله: { فقد جعلنا ~~لوليه سلطانا } دلالة عنه، ثم ها هنا طريقان: # الأول: أن قوله تعالى يعده: { فلا يسرف في القتل } يدل على ~~أن تلك السلطنة هس فس استيفاء القتل، وهذا ضعيف؛ لاحتمال أن سكون ~~المراد: { ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه ~~سلطانا } فلا ينبغي أن يسرف ذلك القاتل الظالم في ذلك القتل؛ لأن ~~ذلك المقتول منصور؛ لثبوت السلطنة لوليه. # والطريق الثاني: أن تلك السلطنة مجملة، ثم فسرت بالآية والخبر. # أما الآية: فقوله تعالى: # يأيها الذين ءامنوا كتب عليكم القصاص في ~~القتلى # [البقرة: 178] إلى قوله: # فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف ~~وأدآء إليه بإحسان # [البقرة: 178]. # وقد بينا على أنها تدل على أن الواجب تخيير الولي بين القصاص ~~والدية. # وأما الخبر: فقوله - صلوات الله وسلامه عليه - يوم الفتح # " من قتل له قتيل، فهو بخير النظرين: إما أن يقتل، ~~وإما أن يفدى ". # فعلى هذا: فمعنى قوله: { فلا يسرف في القتل } أنه لما حصلت ~~له سلطنة استيفاء القصاص، وسلطنة استيفاء الدية، إن شاء، قال بعده { ~~فلا يسرف في القتل } أي أن الأولى ألا يقتص، ويكتفي بأخذ ~~الدية أو يعفو، كقوله تعالى: # وأن تعفوا أقرب للتقوى # [البقرة: 237]. # والبحث الثاني: ذكر كونه مظلوما بصيغة التنكير، والتنكير يدل على ~~الكمال، فما لم يكن المقتول كاملا في وصف المظلومية لم يدخل تحت هذا ~~النص، فالمسلم إذا قتل الذمي، لم يدخل تحت هذه الآية؛ لأن الذمي ~~مشرك، والمشرك يحل دمه. # ويدل على أن الذمي مشرك قوله تعالى: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما ms5603 دون ~~ذلك لمن يشآء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا ~~بعيدا # [النساء: 116]. # حكم بأن ما سوى الشرك يغفر في حق البعض، فلو كان كفر اليهودي ~~والنصراني مغايرا للشرك، وجب أن يغفر في حق بعض الناس لهذه الآية، ~~فلما لم يغفر في حق أحد، دل على أن كفرهم شرك، ولأنه تعالى قال: # لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة # [المائدة: 73] فهذا التثليث الذي قال به هؤلاء: إما أن يكون تثليثا ~~في الصفات، وهو باطل؛ لأن ذلك هو الحق، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، ~~فلا يمكن جعله سببا للكفر، وإما أن يكون تثليثا في الذوات، وذلك ~~هو الشرك، فثبت أن الذمي مشرك، والمشرك يجب قتله؛ لقوله تعالى: # وقاتلوا المشركين # [التوبة: 36] فاقتضى هذا الدليل إباحة دم الذمي، فإن لم تثبت ~~الإباحة، فلا أقل من حصول شبهة الإباحة. # وإذا ثبت هذا، ثبت أنه ليس كاملا في المظلومية، فلم يندرج تحت قوله: ~~{ ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا }. # وأما الحر، إذا قتل عبدا، فيدخل تحت هذا، إلا أنا بينا أن قوله ~~تعالى: # كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر ~~والعبد بالعبد # [البقرة: 178] يدل على المنع من قتل الحر بالعبد، وتلك الآية أخص من ~~قوله تعالى: { ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه ~~سلطانا } والخاص مقدم على العام؛ فثبت أن هذه الآية لا يجوز ~~التمسك بها في مسألة أن موجب العمد هو القصاص، ولا في وجوب قتل ~~المسلم بالذمي، ولا في وجوب قتل الحر بالعبد. # فصل في المراد بالإسراف # في معنى الإسراف وجوه: # الأول: أن يقتل القاتل وغير القاتل، وذلك أن أولياء المقتول كانوا إذا ~~قتل واحد من قبيلة شريفة، قتلوا خلقا من القبيلة الدنيئة، فنهى الله ~~عنه وحكم بقتل القاتل وحده. # الثاني: أن الإسراف هو ألا يرضى بقتل القاتل؛ فإن أهل الجاهلية ~~كانوا يقصدون أشرف القبائل، ثم يقتلون منه قوما معينين، ويتركون ~~القاتل. # والثالث: الإسراف هو ألا يكتفي بقتل القاتل، بل يقتله ثم يمثل به، ~~ويقطع أعضاءه. # قال القفال - رحمه الله -: ولا يبعد حمله ms5604 على الكل، لأن جملة هذه ~~المعاني مشتركة في كونها إسرافا. # فصل # قرأ حمزة والكسائي: " تسرف " بالخطاب، وهي تحتمل وجهين: # أحدهما: الخطاب للولي، أي: لا تقتل الجماعة بالواحد، أو السلطان، رجع ~~إلى مخاطبته بعد أن أتى به عاما. # والثاني: أن يكون الخطاب للمبتدىء القتل، أي: لا تسرف أيها الإنسان؛ ~~لأن إقدامه على ذلك القتل ظلم محض، وهو إسراف. # والباقون بالغيبة، وهي تحتمل ما تقدم في قراءة الخطاب. # وقرأ أبو مسلم برفع الفعل على أنه خبر في معنى النهي؛ كقوله تعالى: # فلا رفث # [البقرة: 197]. وقيل: " في " بمعنى الباء، أي: بسبب القتل. # قوله تعالى: { إنه كان منصورا }. # قال مجاهد: الهاء راجعة إلى المقتول في قوله: { ومن قتل ~~مظلوما } أي: أن المقتول منصور في الدنيا بإيجاب القود على قاتله، ~~وفي الآخرة بتكفير خطاياه، وإيجاب النار لقاتله. # وقال قتادة: الهاء راجعة إلى ولي المقتول، أو إلى السلطان، أي أنه ~~منصور على القاتل باستيفاء القصاص، أو الدية، فليكتف بهذا القدر، ولا ~~يطمع في الزيادة. # وقيل: الهاء راجعة إلى القاتل الظالم، أي أن القاتل يكتفى منه ~~باستيفاء القصاص، ولا يطلب منه زيادة؛ لأنه منصور من الله تعالى في ~~تحريم طلب الزيادة منه، أو أنه إذا عوقب في الدنيا، نصر في الآخرة. # وقيل: الهاء راجعة إلى الذم، أو قيل: إلى الحق، روى ابن عباس - رضي ~~الله عنه - قال: قلت لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: وايم الله ~~ليظهرن عليكم ابن أبي سفيان؛ لأن الله تعالى يقول: { ومن ~~قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا } فقال ~~الحسن: والله، ما نصر معاوية على علي إلا بقول الله تعالى: { ~~ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا }. ### || [17.34-35] # قوله تعالى: { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي ~~هي أحسن } الآية. # اعلم أنه تعالى نهى عن الزنا، وقد ذكرنا أنه يوجب اختلاط الأنساب، ~~وذلك يوجب منع تربية الأولاد، ويوجب انقطاع النسل، وذلك مانع من دخول ~~الناس في الوجود، فالنهي عن الزنا وعن القتل يرجع حاصله إلى النهي ~~عن إتلاف النفوس، فلما ذكره تعالى أتبعه ms5605 بالنهي عن إتلاف الأموال؛ ~~لأن أعز الأشياء بعد النفوس الأموال، وأحق الناس بالنهي عن إتلاف ~~أموالهم هو اليتيم؛ لأنه لصغره، وضعفه، وكمال عجزه يعظم ضرره بإتلاف ~~ماله؛ فلهذا خصهم الله تعالى بالنهي عن إتلاف أموالهم، فقال تعالى: { ~~ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن } ~~نظيره قوله تعالى: # ولا تأكلوهآ إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان ~~غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل ~~بالمعروف # [النساء: 6]. # المراد بقوله: { إلا بالتي هي أحسن } أي: إلا بالتصرف ~~الذي ينميه ويكثره. # وروى مجاهد عن ابن عباس، قال: إذا احتاج أكل بالمعروف وإذا أيسر ~~قضاه، فإن لم يوسر، فلا شيء عليه. # واعلم أن الولي، إنما تبقى ولايته على اليتيم إلى أن يبلغ ~~أشده، وهو بلوغ النكاح، كما بينه الله تعالى في قوله: # وابتلوا اليتمى حتى إذا بلغوا النكاح فإن ~~ءانستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم # [النساء:6]. # المراد بالأشد ها هنا بلوغه إلى حيث يمكنه بسبب عقله ورشده القيام ~~بمصالح ماله، فحينئذ تزول ولاية غيره عنه، فإن بلغ غير كامل العقل، لم ~~تزل الولاية عنه. # قوله تعالى: { وأوفوا بالعهد } الآية. # اعلم أنه تعالى أمر بخمسة أشياء أولا، ثم نهى عن ثلاثة أشياء، وهي ~~الزنا، والقتل، وأكل مال اليتيم، ثم أتبعه بهذه الأوامر الثلاثة، ~~فالأول قوله تعالى: { وأوفوا بالعهد }. # واعلم أن كل عقد يعقد لتوثيق أمر وتوكيده، فهو عهد؛ كعقد البيع ~~والشركة، وعقد اليمين والنذر، وعقد الصلح، وعقد النكاح، فمقتضى هذه ~~الآية أن كل عهد وعقد يجري بين إنسانين، فإنه يجب عليهما ~~الوفاء بذلك العقد والعهد، إلا إذا دل دليل منفصل على أنه لا يجب ~~الوفاء به، فمقتضاه الحكم بصحة كل بيع وقع التراضي عليه، وتأكد هذا ~~النص بسائر الآيات الدالة على الوفاء بالعهود والعقود؛ كقوله عز ~~وجل: # والموفون بعهدهم إذا عاهدوا # [البقرة: 177] # والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون # [المؤمنون: 8] # وأحل الله البيع # [البقرة: 275] و # لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن ~~تكون تجارة عن تراض منكم # [النساء: 29] # وأشهدوا إذا تبايعتم # [البقرة: 282]. # يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود # [المائدة: 1]. # وقوله ms5606 - صلوات الله وسلامه عليه -: # " لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيب نفس منه ". # وقوله: # " إذا اختلف الجنسان، فبيعوا كيف شئتم يدا بيد ". # وقوله: # " من اشترى ما لم يره، فله الخيار إذا رآه ". # فجميع هذه الآيات والأخبار دالة على أن الأصل في البياعات والعهود ~~والعقود الصحة ووجوب الالتزام. # فإذا وجدنا نصا أخص من هذه النصوص يدل على البطلان والفساد، ~~قضينا به؛ تقديما للخاص على العام، وإلا قضينا بالصحة على الكل، وأما ~~تخصيص النص بالقياس، فباطل، وبهذا الطريق تصير أبواب المعاملات ~~جميعها مضبوطة معلومة بهذه الآية الواحدة، ويكون المكلف مطمئن القلب ~~والنفس في العمل؛ لأن هذه النصوص دلت على الصحة، وليس بعد بيان ~~الله تعالى بيان. # قوله تعالى: { إن العهد كان مسئولا } عن الوفاء بعهده؛ ~~كقوله عز وجل: # وسأل القرية # [يوسف: 82]. # والثاني: أن الضمير يعود على العهد، ونسب السؤال إليه مجازا؛ كقوله ~~تعالى: # وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت # [التكوير: 8، 9]. # أي: يقال للعهد عن صاحب العهد: لم نقضت، وهلا وفى بك؛ تبكيتا ~~للناكث كقوله: # أأنت قلت للناس اتخذوني # [المائدة: 116]، فالمخاطبة لعيسى - صلوات الله وسلامه عليه - والإنكار ~~على غيره. # وقال السدي: { كان مسئولا } ، أي مطلوبا يطلب من المعاهد ألا ~~يضيعه ويفي به. # وقيل: المراد بوفاء العهد: الإتيان بما أمر الله - تعالى - به، ~~والانتهاء عما نهى الله عنه. # قوله تعالى: { وأوفوا الكيل إذا كلتم } الآية، لما أمر ~~تعالى بإتمام الكيل، ذكرالوعيد الشديد في نقصانه كما في قوله تعالى: # ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس ~~يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون # [المطففين: 1-3]. # ثم قال تعالى: { وزنوا بالقسطاس المستقيم }. # وهذا هو النوع الثالث من الأوامر المذكورة ها هنا، فالآية المتقدمة في ~~إتمام الكيل، وهذه في إتمام الوزن، ونظيره قوله عز وجل: # وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان # [الرحمن: 9] # ولا تبخسوا الناس أشيآءهم # [هود: 85]. # قرأ الأخوان وحفص بكسر القاف ها هنا وفي سورة الشعراء، والباقون بضمها ~~فيهما، وهما لغتان مشهورتان، فقيل: القسطاس في معنى الميزان، إلا أنه ~~في العرف أكبر منه، ولهذا اشتهر في ألسنة ms5607 العامة أنه القبان، وقيل: ~~إنه بلسان الروم أو السرياني، والأصح أنه لغة العرب، وقيل أيضا ~~القرسطون. وقيل: هو كل ميزان، صغر أم كبر، أي: بميزان العدل. # قال ابن عطية - رحمه الله -: هو عربي مأخوذ من القسط، وهو العدل، ~~أي: زنوا بالعدل المستقيم، واللفظة للمبالغة من القسط، ورده أبو حيان ~~باختلاف المادتين، ثم قال: " إلا أن يدعي زيادة السين آخرا ~~كقدموس، وليس من مواضع زيادتها " ويقال بالسين والصاد. # فصل # اعلم أن التفاوت الحاصل بنقصان الكيل والوزن قليل، والوعيد عليه شديد ~~عظيم، فيجب على العاقل الاحتراز منه، وإنما عظم الوعيد فيه؛ لأن جميع ~~الناس محتاجون إلى المعاوضات والبيع والشراء، فبالغ الشرع في المنع من ~~التطفيف والنقصان؛ لأجل إبقاء الأموال؛ ومنعا من تلطيخ النفس بسرقة ~~ذلك المقدار الحقير، ثم قال: " ذلك خير " ، أي الإيفاء بالتمام والكمال ~~خير من التطفيف بالقليل؛ لأن الإنسان يتخلص بالإيفاء عن ذكر القبيح ~~في الدنيا، والعقاب الشديد في الآخرة. # { وأحسن تأويلا } منصوب على التفسير، والتأويل ما يئول إليه ~~الأمر؛ كقوله تعالى: # وخير مردا # [مريم:76]، # وخير أملا # [الكهف: 46] # وخير عقبا # [الكهف: 44]، وإنما حكم الله تعالى بأن عاقبة هذا الأمر أحسن ~~العواقب؛ لأنه إذا اشتهر في الدنيا بالاحتراز عن التطفيف، أحبه الناس، ~~ومالت القلوب إليه، واستغنى في الزمن القليل. # وأما في الآخرة: فيفوز بالجنة والثواب العظيم، والخلاص من ~~العقاب الأليم. ### || [17.36] # لما شرح الأوامر الثلاثة، عاد بعده إلى ذكر النواهي، فنهى عن ~~ثلاثة أشياء، أولها: { ولا تقف ما ليس لك به علم } ~~العامة على هذه القراءة، أي: لا تتبع، من قفاه يقفوه إذا تتبع ~~أثره، قال النابغة: [الطويل] # 3417- ومثل الدمى شم العرانين ساكن # بهن الحياء لا يشعن التقافيا # وقال الكميت: [الوافر] # 3418- فلا أرمي البريء بغير ذنب # ولا أقفو الحواصن إن قفينا # وقرأ زيد بن علي: " ولا تقفو " بإثبات الواو، وقد تقدم في قراءة ~~قنبل في قوله تعالى: # إنه من يتق ويصبر # [يوسف: 90] أن إثبات حرف العلة جزما لغة قوم، وضرورة عند غيرهم، ~~كقوله: # 3419-................... # من هجو زبان لم تهجو ولم تدع # وقرأ ms5608 معاذ القارئ " ولا تقف " بزنة تقل، من قاف يقوف، أي: تتبع ~~أيضا، وفيه قولان: # أحدهما: أنه مقلوب؛ من قفا يقفو. # والثاني - وهو الأظهر-: أنه لغة مستقلة جيدة؛ كجبذ وجذب؛ لكثرة ~~الاستعمالين؛ ومثله: قعا الفحل الناقة وقاعها. # والباء في " به " متعلقة بما تعلق به " لك " ولا تتعلق ب " علم ~~" لأنه مصدر، إلا عند من يتوسع في الجار. # قوله تعالى: { والفؤاد } قرأ الجراح العقيلي بفتح الفاء واو ~~خالصة، وتوجيهها: أنه أبدل الهمزة واوا بعد الضمة في القراءة ~~المشهورة، ثم فتح فاء الكلمة بعد البدل، لأنها لغة في الفؤاد، يقال: ~~فؤاد وفآد، وأنكر أبو حاتم هذه القراءة، وهو معذور. # فصل # يقال: قفوت أثر فلان أقفو قفوا، إذا تتبعت أثره، وسميت ~~قافية الشعر قافية؛ لأن البيت يقفو البيت، وسميت القبيلة المشهورة ~~بالقافة؛ لأنهم يتبعون آثار أقدام الناس، ويستدلون بها على ~~أحوال الإنسان. # وقال تعالى: # ثم قفينا على آثارهم برسلنا # [الحديد: 27]. # وسمي القفا قفا؛ لأنه مؤخر بدن الإنسان ووراءه، كأنه شيء يتبعه ~~ويقفوه. # فقوله: " ولا تقف " أي: لا تتبع ما لا علم لك به، من قول أو فعل، ~~فهو نهي عن الحكم بما لا يكون معلوما، وهذه قضية كلية يندرج تحتها ~~أنواع كثيرة، وكل واحد من المفسرين حمله على واحد من تلك الأنواع، ~~فقيل: المراد نهي المشركين عن اعتقاداتهم وتقليد أسلافهم؛ لأنه تعالى ~~نسبهم في تلك العقائد إلى اتباع الهوى، فقال تعالى: # إن هي إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم مآ ~~أنزل الله بها من سلطان # [النجم: 23]. # { إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس } ~~[النجم:23]. # وقال في إنكارهم البعث # بل ادرك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها ~~بل هم منها عمون # [النمل: 66]. # وحكى عنهم أنهم قالوا: # إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين # [الجاثية: 32]. # وقال: # ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله # [القصص: 50]. # وقال عز وجل: # ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا ~~حلال وهذا حرام # [النحل: 116]. # وقال: # قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنآ إن تتبعون ~~إلا الظن # [الأنعام: 148]. # وقال محمد ms5609 ابن الحنفية: المراد منه شهادة الزور. # وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: لا تشهد إلا بما رأته عيناك، ~~وسمعته أذناك، ووعاه قلبك. # وقيل: المراد النهي عن القذف، وقيل: المراد النهي عن الكذب. # قال قتادة: لا تقل: سمعت، ولم تسمع، ورأيت، ولم تر، وعلمت، ولم ~~تعلم. # وقيل: القفو: هو البهت، وأصله من القفا؛ كأنه يقال: خلفه، وهو في ~~معنى الغيبة. واللفظ عام يتناول الكل، فلا معنى للتقييد. # فصل في الرد على نفاة القياس # احتج نفاة القياس بهذه الآية، قالوا: القياس لا يفيد إلا ~~الظن، والظن مغاير للعلم، فالحكم في دين الله تعالى بالقياس حكم ~~بغير العلم؛ فوجب ألا يجوز لقوله تعالى { ولا تقف ما ليس لك ~~به علم }. # وأجيب عنه بوجوه: # الأول: أن الحكم في الدين بمجرد الظن جائز بإجماع الأمة في ~~صور كثيرة: # منها: العمل بالفتوى عمل بالظن. # ومنها: العمل بالشهادة عمل بالظن. # ومنها: الاجتهاد في القبلة عمل بالظن. # ومنها: قيم المتلفات، وأروش الجنايات عمل بالظن. # ومنها: الفصد، والحجامة، وسائر المعالجات؛ بناء على الظن. # ومنها: كون هذه الذبيحة ذبيحة مسلم مظنون. # ومنها: الحكم على الشخص المعين بكونه مؤمنا مظنون، ثم يبنى على ~~هذا الظن أحكام كثيرة، كالتوارث والدفن في مقابر المسلمين وغيرهما. # ومنها: الأعمال المعتبرة في الدنيا من الأسفار، وطلب الأرباح، ~~والمعاملات إلى الآجال المخصوصة، والاعتماد على صداقة الأصدقاء، وعداوة ~~الأعداء كلها مظنونة، وبناء الأمر على هذه الظنون جائز، وقال - صلوات ~~الله وسلامه عليه -: # " نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر " # وذلك تصريح بأن الظن معتبر في هذه الأنواع، فبطل القول بأنه لا يجوز ~~العمل بالظن. # الثاني: أن الظن قد يسمى بالعلم؛ قال تعالى: # إذا جآءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله ~~أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ~~ترجعوهن إلى الكفار # [الممتحنة: 10]. # ومن المعلوم أنه إنما يمكن العلم بإيمانهن؛ بناء على إقرارهن، وهذا ~~لا يفيد إلا الظن، وقد سمى الله تعالى الظن ها هنا علما. # الثالث: أن الدليل القاطع، لما دل على وجوب العمل بالقياس، كان ذلك ~~الدليل دليلا على أنه متى حصل ms5610 ظن أن حكم الله في هذه الصورة ~~يساوي حكمه في محل النص، فأنتم مكلفون بالعمل على وفق ذلك الظن، ~~فها هنا الظن وقع في طريق الحكم، فأما الحكم، فهو معلوم متيقن. # أجاب نفاة القياس عن الأول؛ فقالوا: # قوله عز وعلا: { ولا تقف ما ليس لك به علم } دخله ~~التخصيص في الصور العشرة المذكورة، فيبقى العموم حجة فيما وراءها، ثم ~~نقول: الفرق بين هذه الصور وبين محل النزاع أن هذه الصور العشر ~~مشتركة في أن تلك الأحكام مختصة بأشخاص معينين في أوقات معينة؛ ~~فإن الواقعة التي يرجع فيها الإنسان المعين إلى الفتى المعين واقعة ~~متعلقة بذلك الشخص المعين، وكذا القول في الشهادة وفي طلب القبلة، ~~وفي سائر الصور؛ والتنصيص على وقائع الأشخاص المعنيين في الأوقات المعينة ~~يجري مجرى التنصيص على ما لا نهاية له، فلهذه الضرورة؛ اكتفينا بالظن، ~~أما الأحكام المثبتة، فهي أحكام كلية معتبرة في وقائع كلية، وهي ~~مضبوطة، والتنصيص عليها مكن، ولذلك فإن الفقهاء الذين استخرجوا تلك ~~الأحكام بطريق القياس ضبطوها، وذكروها في كتبهم. # إذا عرف هذا، فنقول: التنصيص على الأحكام في الصور العشر التي ~~ذكرتموها غير ممكن، فلا جرم: اكتفى الشارع فيها بالظن، أما المسائل ~~المثبتة بالطرق القياسية فالتنصيص عليها ممكن، فلا يجوز الاكتفاء ~~فيها بالظن، فظهر الفرق. # وقولهم: الظن قد يسمى علما، فهذا باطل؛ فإنه يصح أن يقال: هذا ~~مظنون، وغير معلوم، وهذا معلوم، وغير مظنون، فدل على حصول المغايرة، ~~فيدل عليه قوله تعالى: # هل عندكم من علم فتخرجوه لنآ إن تتبعون ~~إلا الظن # [الأنعام: 148] نفى العلم، وأثبت الظن، وذلك يدل على المغايرة. # وأما قوله تعالى: # فإن علمتموهن مؤمنات # [الممتحنة: 10] فالمؤمن هو المقر، وذلك الإقرار معلوم. # وأما الجواب عن الثالث، فنقول: الكلام إنما يتم لو ثبت أن القياس ~~حجة بدليل قاطع، وذلك باطل؛ لأن القياس وهو الذي يفيد الظن لا يجب ~~عقلا أن يكون حجة؛ لأنه لا نزاع أنه يصح من الشرع أن يقول: نهيتكم ~~عن الرجوع إلى القياس، ولو كان كونه حجة أمرا عقليا، لامتنع ذلك. ms5611 # والثاني أيضا باطل؛ لأن الدليل النقلي في كون القياس حجة، إنما ~~يكون قطعيا؛ إذ لو كان منقولا نقلا متواترا، كانت دلالته على ثبوت ~~هذا المطلوب دلالة قطعية غير محتملة للتخصيص، ولو حصل مثل هذا الدليل، ~~لوصل إلى الكل، ولعرفه الكل، ولارتفع الخلاف، وحيث لم يكن كذلك، ~~علمنا أنه لم يحصل في هذه المسألة دليل سمعي قاطع، فثبت أنه لم ~~يوجد في إثبات كون القياس حجة دليل قاطع ألبتة، فبطل قولكم: كون الحكم ~~المثبت بالقياس حجة معلوم لا مظنون. # قال ابن الخطيب: وأحسن ما يمكن أن يجاب عنه أن يقال: التمسك بهذه ~~الآية التي عولتم عليها تمسك بعام مخصوص، والتمسك بالعام ~~المخصوص لا يفيد إلا الظن، فلو دلت هذه الآية على أن التمسك ~~بالظن غير جائز، لدلت على أن التمسك بهذه الآية غير جائز، فالقول ~~بكون هذه الآية حجة يفضي ثبوته إلى نفيه، فكان تناقضا، فسقط الاستدلال ~~به. # وللمجيب أن يجيب عنه، فيقول: نعلم بالتواتر الظاهر من دين محمد - ~~صلوات الله وسلامه عليه - أن التمسك بآيات القرآن حجة في ~~الشريعة، ويمكن أن يجاب عن هذا الجواب بأن كون العام المخصوص حجة غير ~~معلوم بالتواتر. # قوله تعالى: { إن السمع والبصر والفؤاد كل ~~أولئك كان عنه مسئولا }. # قوله تعالى: " أولئك " إشارة إلى ما تقدم من السمع، والبصر، والفؤاد؛ ~~كقوله: [الكامل] # 3420- ذم المنازل بعد منزلة اللوى # والعيش بعد أولئك الأيام # ف " أولئك " يشار به إلى العقلاء وغيرهم من الجموع، واعتذر ابن ~~عطية عن الإشارة به لغير العقلاء، فقال: وعبر عن السمع، والبصر، ~~والفؤاد ب " أولئك " لأنها حواس لها إدراك، وجعلها في هذه الآية ~~مسئولة؛ فهي حالة من يعقل؛ ولذلك عبر عنها بكناية من يعقل، وقد قال ~~سيبويه - رحمه الله - في قوله تعالى: # رأيتهم لي ساجدين # [يوسف: 4] إنما قال " رأيتهم " في نجوم؛ لأن لما وصفها بالسجود - ~~وهو فعل من يعقل - عبر عنها بكناية من يعقل، وحكى الزجاج أن ~~العرب تعبر عمن يعقل وعمن لا يعقل ب " أولئك " وأنشد هو ~~والطبري: [الكامل] # 3421- ذم المنازل بعد منزلة ms5612 اللوى # والعيش بعد أولئك الأيام # وأما حكاية أبي إسحاق عن اللغة فأمر يوقف عنده، وأما البيت فالرواية ~~فيه " الأقوام " ولا حاجة إلى هذا الاعتذار لما عرفت، وأما قوله: " إن ~~الرواية: الأقوام " فغير معروفة والمعروف إنما هو " الأيام ". # قوله: " كل أولئك " مبتدأ، و الجملة من " كان " خبره، وفي اسم " ~~كان " وجهان: # أحدهما: أنه ضمير عائد على " كل " باعتبار لفظها، وكذا الضمير في " ~~عنه " و " عنه " متعلق ب " مسئولا " و " مسئولا " خبرها. # والثاني: أن اسمها ضمير يعود على القافي، وفي " عنه " يعود على " ~~كل " وهو من الالتفات؛ إذ لو جرى على ما تقدم، لقيل: كنت عنه ~~مسئولا، وقال الزمخشري: و " عنه " في موضع الرفع بالفاعلية، أي: كل ~~واحد كان مسئولا عنه، فمسئول مسند إلى الجار والمجرور؛ كالمغضوب في ~~قوله # غير المغضوب عليهم # [الفاتحة: 7] انتهى. وفي تسميته مفعول ما لم يسم فاعله فاعلا خلاف ~~الاصطلاح. # وقد رد أبو حيان عليه قوله: بأن القائم مقام الفاعل حكمه حكمه، ~~فلا يتقدم على رافعه كأصله، وليس لقائل أن يقول: يجوز على رأي ~~الكوفيين؛ فإنهم يجيزون تقديم الفاعل؛ لأن النحاس حكى الإجماع على ~~عدم جواز تقديم القائم مقام الفاعل، إذا كان جارا أو مجرورا، فليس هو ~~نظير قوله { غير المغضوب عليهم } فحينئذ يكون القائم مقام ~~الفاعل الضمير المستكن العائد على " كل " أو على القافي. # فصل في ظاهر الآية # ظاهر الآية يدل على أن الجوارح مسئولة، وفيه وجوه: # الأول: معناه أن صاحب السمع، والبصر، والفؤاد هو المسئول؛ لأن ~~السؤال لا يصح إلا من العاقل، وهذه الجوارح ليست كذلك، بل العاقل ~~الفاهم هو الإنسان، فهو كقوله: # وسئل القرية # [يوسف:82] والمراد أهلها، والمعنى أن يقال للإنسان: لم سمعت ما لا يحل ~~سماعه، ولم نظرت إلى ما لا يحل لك نظره، ولم عزمت على ما لا يحل لك ~~العزم عليه. # والثاني: أن أولئك الأقوام كلهم مسئولون عن السمع، والبصر، والفؤاد، ~~فيقال لهم: استعملتم السمع فيماذا، أفي الطاعة، أو في المعصية؟ وكذلك ~~القول في بقية الأعضاء، وذلك؛ لأن الحواس آلات النفس، ~~والنفس ms5613 كالأمير لها، والمستعمل لها في مصالحها، فإن استعملها في ~~الخيرات، استوجب الثواب، وإذا استعملها في المعاصي، استحق العقاب. # والثالث: أنه تعالى يخلق الحياة في الأعضاء، ثم إنها تسأل؛ لقوله ~~تعالى: # يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم ~~بما كانوا يعملون # [النور: 24] فكذلك لا يبعد أن يخلق العقل، والحياة، و النطق في هذه ~~الأعضاء، ثم إنها تسأل. # روي عن شكل بن حميد - رحمه الله - قال: # " أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، علمني ~~تعويذا، أتعوذ به، فأخذ بيدي، ثم قال: " قل اللهم؛ أعوذ بك ~~من شر سمعي، وشر بصري، وشر لساني، وشر قلبي، وشر منيي " # قال فحفظتها. # قال سعيد: والمني ماؤه. ### || [17.37] # وهذا هو النهي الثاني. # قوله تعالى: " مرحا ": العامة على فتح الراء، وفيه أوجه: # أحدها: أنه مصدر واقع موقع الحال، أي: مرحا بكسر الراء، ويدل عليه ~~قراءة بعضهم فميا حكاه يعقوب " مرحا " بالكسر. # قال الزجاج: " مرحا " مصدر، ومرحا: اسم الفاعل، وكلاهما جائز، إلا ~~أن المصدر هنا أحسن وأوكد، تقول: جاء زيد ركضا وراكضا، وآكد؛ لأنه يدل ~~على توكيد الفعل. # الثاني: أنه على حذف مضاف، أي: ذا مرح. # الثالث: أنه مفعول من أجله. # والمرح: شدة السرور والفرح؛ مرح يمرح مرحا، فهو مرح؛ ~~كفرح يفرح فرحا، فهو فرح. # قوله: { إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال ~~طولا } الآية. # قرأ أبو الجراح " لن تخرق " بضم الراء، وأنكرها أبو حاتم وقال: لا ~~نعرفها لغة البتة. # والمراد من الخرق ها هنا نقب الأرض، وذكروا فيه وجوها: # الأول: أن الشيء إنما يتم بالارتفاع والانخفاض، فكأنه قال إنك حال ~~الانخفاض لا تقدر على خرق الأرض ونقبها، وحال الارتفاع لا تقدر على أن ~~تصل إلى رءوس الجبال، والمعنى: أن الإنسان لا ينال بكبره وبطره شيئا، ~~كمن يريد خرق الأرض، ومطاولة الجبال لا يحصل على شيء. # والمراد التنبيه على كونه ضعيفا عاجزا، فلا يليق به التكبر. # الثاني: أن تحتك الأرض التي لا تقدر على خرقها، وفوقك الجبال التي لا ~~تقدر على الوصول إليها، فأنت محاط بك من ms5614 فوقك، ومن تحتك بنوعين من ~~الجماد، وأنت أضعف منهما بكثير، والضعيف المحصور لا يليق به التكبر، ~~فكأنه قيل له: تواضع، ولا تتكبر؛ فإنك خلق ضعيف من خلق الله، ~~محصور بين حجارة وتراب، فلا تفعل فعل القوي المقتدر. # الثالث: أن من يمشي مختالا يمشي مرة على عقبيه، ومرة على صدور ~~قدميه، فقيل له: إنك لن تنقب الأرض، إن مشيت على عقبيك، ولن تبلغ ~~الجبال طولا، إن مشيت على صدور قدميك. # قال علي - كرم الله وجهه -: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~مشى تكفأ تكفؤا؛ كأنما ينحط من صبب. # وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: " ما رأيت شيئا أحسن من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن الشمس تجري في وجهه، وما ~~رأيت أحدا أسرع مشية من رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما ~~الأرض تطوى له، إنا لنجهد أنفسنا وهو غير مكترث ". # قوله تعالى: " طولا " يجوز أن يكون حالا من فاعل " تبلغ " أو من ~~مفعوله، أو مصدرا من معنى " تبلغ " أو تمييزا، أو مفعولا له، وهذان ~~ضعيفان جدا؛ لعدم المعنى. ### || [17.38] # قرأ ابن عامر والكوفيون بضم الهمزة والهاء، والتذكير، وترك ~~التنوين، والباقون بفتح الهمزة، وتاء التأنيث منصوبة منونة، فالقراءة ~~الأولى أشير فيها بذلك إلى جميع ما تقدم، ومنه السيىء والحسن، فأضاف ~~السيىء إلى ضمير ما تقدم، ويؤيدها ما قرأ به عبد الله: " كل ذلك ~~كان سيآته " بالجمع، مضافا للضمير، وقراءة أبي " خبيثه " ~~والمعنى: كل ما تقدم ذكره مما أمرتم به ونهيتم عنه كان سيئه - ~~وهو ما نهيتم عنه خاصة - أمرا مكروها، هذا أحسن ما يقدر في هذا ~~المكان. # وأما ما استشكله بعضهم من أنه يصير المعنى: كل ما ذكر كان سيئة، ومن ~~جملة كل ما ذكر: المأمور به، فيلزم أن يكون فيه سيىء، فهو ~~استشكال واه؛ لما تقدم من تقرير معناه. # و " مكروها " خبر " كان " وحمل الكلام كله على لفظ " كل " فلذلك ~~ذكر الضمير في " سيئه " والخبر، وهو: مكروه. # وأما قراءة الباقين: فيحتمل أن تقع الإشارة فيها ب ms5615 " ذلك " إلى ~~مصدري النهيين المتقدمين قريبا، وهما: # قفو ما ليس به علم، والمشي في الأرض مرحا. # والثاني: أنه أشير به إلى جميع ما تقدم من المناهي. # و " سيئة " خبر " كان " وأنث؛ حملا على معنى " كل " ثم قال " ~~مكروها " حملا على لفظها. # وقال الزمخشري كلاما حسنا، وهو: أن " السيئة في حكم الأسماء: ~~بمنزلة الذنب والإثم، زال عنه حكم الصفات، فلا اعتبار بتأنيثه، ولا ~~فرق بين من قرأ " سيئة " ومن قرأ " سيئا " ألا ترى أنك تقول: ~~الزنى سيئة، كما تقول: السرقة سيئة، فلا تفرق بين إسنادها إلى ~~مذكر ومؤنث ". # وفي نصب " مكروها " أربعة أوجه: # أحدها: أنه خبر ثان ل " كان " وتعداد خبرها جائز على الصحيح. # الثاني: أنه بدل من " سيئة " وضعف هذا؛ بأن البدل بالمشتق ~~قليل. # الثالث: أنه حال من الضمير المستتر في " عند ربك " لوقوعه صفة ل " ~~سيئة ". # الرابع: أنه نعت ل " سيئة " ، وإنما ذكر لأن " سيئة " تأنيث ~~موصوفه مجازي؛ وقد رد هذا؛ بأن ذلك إنما يجوز حيث أسند إلى المؤنث ~~المجازي، أما إذا أسند إلى ضميره، فلا؛ نحو: " الشمس طالعة " لا ~~يجوز: " طالع " إلا في ضرورة كقوله: # 3422-................. # ولا أرض أبقل إبقالها # وهذا عند غير ابن كيسان، وأما ابن كيسان فيجيز في الكلام: " الشمس ~~طلع، وطالع ". # وقيل: إنما ذكر سيئة وهي الذنب، وهو مذكر [لأن التقدير: كل ذلك كان ~~مكروها وسيئة عند ربك] وقيل فيه تقديم وتأخير، أي كل ذلك كان مكروها ~~سيئة. # فصل # وأما قراءة عبد الله فهي مما أخبر فيها عن الجمع إخبار الواحد؛ ~~لسد الواحد مسده؛ كقوله: # 3423- فإما تريني ولي لمة # فإن الحوادث أودى بها # لو قال: فإن الحدثان، لصح من حيث المعنى، فعدل عنه؛ ليصح الوزن. # وقرأ عبد الله أيضا " كان سيئات " بالجمع من غير إضافة، وهو خبر ~~" كان " وهي تؤيد قراءة الحرميين، وأبي عمرو. # فصل # قال القاضي - رحمه الله -: دلت هذه الآية على أن هذه الأعمال مكروهة ~~عند الله تعالى، والمكروه لا يكون مرادا، فهذه الأعمال غير مراد الله، ~~فبطل قول من يقول: كل ما دخل ms5616 في الوجود، فهو مراد الله تعالى، وإذا ثبت ~~أنها ليست بإرادة الله تعالى، وجب ألا تكون مخلوقة - لله تعالى -؛ ~~لأنها لو كانت مخلوقة لله تعالى، لكانت مرادة، لا يقال: المراد من ~~كونها مكروهة: أن الله تعالى نهى عنها. # وأيضا: معنى كونها مكروهة أن الله تعالى كره وقوعها، وعلى هذا التقدير: ~~فهذا لا يمنع أن الله تعالى أراد وجودها، لأن الجواب أنه عدول عن ~~الظاهر. # وأيضا: فكونها سيئة عند ربك يدل على كونها منهيا عنها، فلو ~~حملت المكروه على النهي، لزم التكرار. # والجواب عن الثاني أنه تعالى إنما ذكر هذه الآية في معرض الزجر عن هذه ~~الأفعال، ولا يليق بهذا الموضع أن يقال: إنه تعالى يكره وقوعها. # وأجيب بأن المراد من المكروه المنهي عنه، ولا باس بالتكرير، لأجل ~~التأكيد. # فصل # قال القاضي دلت هذه الآية على أنه تعالى كما أنه موصوف بكونه ~~مريدا، فكذلك أيضا موصوف بكونه كارها. # وأجيب بأن الكراهية في حقه تعالى محمولة إما على النهي، [وإما ~~هي] إرادة العدم. ### || [17.39] # قوله تعالى: { ذلك ممآ أوحى إليك ربك من ~~الحكمة }: [مبتدأ أو خبر]، اعلم أن قوله " ذلك " إشارة إلى ما ~~تقدم من التكاليف، وهي خمسة وعشرون نوعا، أولها قوله تعالى: # لا تجعل مع الله إلها آخر # [الإسراء: 22]. # وقوله: # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه # [الإسراء: 23]. # وهذا مشتمل على تكليفين: # الأمر بعبادة الله تعالى، والنهي عن عبادة غير الله، فكان المجموع ~~[ثلاثة]. # والرابع: قوله تعالى: # وبالوالدين إحسانا # [الإسراء: 23] وقوله: # فلا تقل لهمآ أف # [الإسراء: 23] وقوله # ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما وقل رب ~~ارحمهما # [الإسراء: 23، 24] # وءات ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ~~ولا تبذر تبذيرا # [الإسراء: 26] وقوله: # فقل لهم قولا ميسورا # [الإسراء: 28] # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها # [الإسراء: 29] # ولا تقتلوا أولادكم # [الإسراء: 31] # ولا تقتلوا النفس # [الإسراء: 33] # ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا ~~يسرف في القتل إنه كان منصورا # [الإسراء: 33] # وأوفوا بالعهد # [الإسراء: 34] وقوله: # وأوفوا الكيل # [الإسراء: 35] # وزنوا بالقسطاس المستقيم # [الإسراء: 35] وقوله: # ولا تقف ما ليس ms5617 لك به علم # [الإسراء: 36] # ولا تمش في الأرض مرحا # [الإسراء: 37] { ولا تجعل مع الله إلها آخر } فهذه ~~خمسة وعشرون تكليفا، بعضها أوامر وبعضها نواه، جمعها الله تعالى في ~~هذه الآيات، وجعل فاتحتها قوله: # لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما ~~مخذولا # [الإسراء: 22]، وخاتمتها قوله: { ولا تجعل مع الله إلها ~~آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا } وإنما سماها ~~حكمة؛ لوجوه: # الأول: أن حاصلها يرجع إلى الأمر بالتوحيد، وأنواع الطاعات والخيرات ~~والإعراض عن الدنيا، والإقبال على الآخرة، والعقول تدل على صحتها، ~~فالآتي بمثل هذه الشريعة لا يكون داعيا إلى دين الشيطان، بل الفطرة ~~الأصلية تشهد بأنه يكون داعيا إلى دين الرحمن. # الثاني: أن هذه الأحكام المذكورة في هذه الآيات شرائع واجبة الرعاية ~~في جميع الأديان والملل، ولا تقبل النسخ والإبطال، فكانت محكمة وحكمة ~~من هذه الاعتبارات. # الثالث: أن الحكمة عبارة عن معرفة الحق لذاته، والخير لأجل العمل ~~به؛ فالأمر بالتوحيد عبارة عن القسم الأول، وسائر التكاليف عبارة عن ~~تعلم الخيرات؛ لأجل العمل بها. # روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أن هذه التكاليف المذكورة كانت في ~~ألواح موسى - صلوات الله عليه - أولها " لا تجعل مع الله إلها آخر ". # قال تعالى: # وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة # [الأعراف: 145]. # فكل ما أمر الله به أو نهى عنه، فهو حكمة. # قوله تعالى: " من الحكمة " يجوز فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون حالا من عائد الموصول المحذوف، تقديره: من الذي أوحاه ~~حال كونه من الحكمة، أو حال من نفس الموصول. # الثاني: أنه متعلق ب " أوحى " ، و " من " إما تبعيضية؛ لأن ~~ذلك بعض الحكمة، وإما للابتداء، وإما للبيان. # وحينئذ تتعلق بمحذوف. # الثالث: أنها مع مجرورها بدل من " مما أوحى ". # فصل # ذكر في الآية أن المشرك يكون مذموما مخذولا. # وذكر ها هنا أن المشرك يلقى في جهنم ملوما مدحورا، فاللوم ~~والخذلان يحصل في الدنيا، وإلقاؤه في جهنم يحصل يوم القيامة، والفرق ~~بين الملوم والمدحور، وبين المذموم والمخذول: أن معنى كونه مذموما: ~~أن يذكر له أن ms5618 الفعل الذي أقدم عليه قبيح ومنكر، وإذا ذكر له ذلك، ~~فعند ذلك يقال له: لم فعلت هذا الفعل؟ وما الذي حملك عليه؟ وما استفدت من ~~هذا العمل، إلا إلحاق الضرر بنفسك؟ وهذا هو اللوم. # وأما الفرق بين المخذول وبين المدحور، فهو أن المخذول هو الضعيف، ~~يقال: تخاذلت أعضاؤه، أي: ضعفت، والمدحور هو المطرود، والطرد عبارة عن ~~الاستخفاف والإهانة، فكونه مخذولا عبارة عن ترك إعانته، وتفويضه إلى ~~نفسه، وكونه مدحورا عبارة عن إهانته، فيصير أول الأمر مخذولا وآخره ~~يصير مدحورا. ### || [17.40] # قوله تعالى: { أفأصفاكم }: ألف " أصفى " عن واو؛ لأنه من " ~~صفا يصفو " وهو استفهام إنكار وتوبيخ. # ويقال: أصفاه بالشيء، إذا آثره به، ويقال للضياع التي يستخصها ~~السلطان لخاصته الصوافي. # قال أبو عبيدة - رحمه الله - في قوله تعالى: { أفأصفاكم }: ~~أفخصكم وقال المفضل: أخلصكم. # قال النحويون: هذه الهمزة همزة تدل على الإنكار على صيغة السؤال عن ~~مذهب ظاهر الفساد، لا جواب لصاحبه، إلا بما فيه أعظم الفضيحة. # واعلم أنه تعالى، لما نبه على فساد طريقة من أثبت لله شريكا، أتبعه ~~بفساد طريقة من أثبت الولد لله تعالى، ثم نبه على كمال جهل هذه الفرقة ~~وهو أن الولد على قسمين، فأشرف القسمين: البنون، وأخسها: البنات، ~~ثم إنهم أثبتوا البنين لأنفسهم، مع علمهم بنهاية عجزهم، وأثبتوا ~~البنات لله تعالى مع علمهم بأن الله تعالى هو الموصوف بالكمال الذي لا ~~نهاية له، وذلك يدل على نهاية جهل القائلين بهذا القول؛ ونظيره قوله ~~تعالى: # أم له البنات ولكم البنون # [الطور: 39] وقوله جل ذكره: # وله الأنثى # [النجم: 21]. # ومعنى الآية أنه اختاركم، فجعل لكم الصفوة، ولنفسه ما ليس بصفوة، يعني ~~اختاركم { بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا }؛ ~~لأنهم كانوا يقولون: إن الملائكة بنات الله تعالى. # قوله تعالى: " واتخذ " يجوز أن يكون معطوفا على " أصفاكم " ~~فيكون داخلا في حيز الإنكار، ويجوز أن تكون الواو للحال، و " قد " ~~مقدرة عند قوم. # و " اتخذ " يجوز أن تكون المتعدية لاثنين، فقال أبو البقاء: " إن ~~ثانيهما محذوف، أي: أولادا، والمفعول الأول هو إناثا " وهذا ليس ms5619 ~~بشيء، بل المفعول الثاني هو " من الملائكة " قدم على الأول، ~~ولولا ذلك لزم أن يبتدأ بالنكرة من غير مسوغ؛ لأن ما صلح أن يكون ~~مبتدأ صلح أن يكون مفعولا أول في هذا الباب، وما لا، فلا، ويجوز أن ~~تكون متعدية لواحد، كقوله: # وقالوا اتخذ الله ولدا # [البقرة: 116]، و " من الملائكة " متعلق ب " اتخذ " أو بمحذوف على ~~أنه حال من النكرة بعده. # ثم قال تعالى: { إنكم لتقولون قولا عظيما } وهذا خطاب ~~لمشركي " مكة " وبيان كون هذا القول عظيما: أن إثبات الولد يقتضي ~~كونه تعالى مركبا من الأجزاء والأبعاض، وذلك يقدح في كونه قديما واجب ~~الوجوب لذاته، وذلك عظيم من القول، وأيضا: فبتقدير ثبوت الولد، فقد ~~جعلوا أشرف القسمين لأنفسهم، وأخس القسمين لله تعالى، وهذا جهل عظيم. ### || [17.41] # قوله تعالى: { ولقد صرفنا }: العامة على تشديد الراء، وفي ~~مفعول " صرفنا " وجهان: # أحدهما: أنه مذكور، و " في " مزيدة فيه، أي: ولقد صرفنا هذا القرآن؛ ~~كقوله: # ولقد صرفناه بينهم # [الفرقان: 50]، ومثله: [الطويل] # 3424-................. # يجرح في عراقيبها نصلي # وقوله تعالى: # وأصلح لي في ذريتي # [الأحقاف: 15] أي: يجرح عراقيبها، وأصلح لي ذريتي، ورد هذا بأن " في ~~" لا تزاد، وما ذكر متأول، وسيأتي إن شاء الله تعالى في الأحقاف. # الثاني: أنه محذوف تقديره: ولقد صرفنا أمثاله، ومواعظه، وقصصه، ~~وأخباره، وأوامره. # وقال الزمخشري في تقدير ذلك: " ويجوز أن يراد ب " هذا القرآن " ~~إبطال إضافتهم إلى الله البنات؛ لأنه مما صرفه، وكرر ذكره، والمعنى: ~~ولقد صرفنا القول في هذا المعنى، وأوقعنا التصريف فيه، وجعلناه مكانا ~~للتكرير، ويجوز أن يريد ب " هذا القرآن " التنزيل، ويريد: ولقد ~~صرفناه، يعني هذا المعنى في مواضع من التنزيل، فترك الضمير؛ لأنه ~~معلوم " ، وهذا التقدير الذي قدره الزمخشري أحسن؛ لأنه مناسب لما ~~دلت عليه الآية وسيقت لأجله، فقدر المفعول خاصا، وهو: إما ~~القول، وإما المعنى، وهو الضمير الذي قدره في " صرفناه " بخلاف ~~تقدير غيره، فإنه جعله عاما. # وقيل: المعنى: لم ننزله مرة واحدة، بل نجوما، والمعنى: أكثرنا ~~صرف جبريل إليك، فالمفعول جبريل - عليه السلام -. # وقرأ الحسن بتخفيف ms5620 الراء، فقيل: هي بمعنى القراءة الأولى، وفعل ~~وفعل قد يشتركان، وقال ابن عطية: " أي: صرفنا الناس فيه إلى الهدى ~~". # والصرف في اللغة: عبارة عن صرف الشيء من جهة إلى جهة؛ نحو: تصريف ~~الرياح، وتصريف الأمور، هذا هو الأصل في اللغة، ثم جعل لفظ التصريف ~~كناية عن التبيين؛ لأن من حاول بيان شيء، فإنه يصرف كلامه من نوع ~~إلى نوع آخر، ومن مثال إلى مثال آخر؛ ليكمل الإيضاح، ويقوي البيان، ~~فقوله تعالى: { ولقد صرفنا } أي: بينا. # قوله: " ليذكروا " متعلق ب " صرفنا " وقرأ الأخوان هنا، ~~وفي الفرقان بسكون الذال، وضم الكاف مخففة مضارع " ذكر " من الذكر ~~أو الذكر، والباقون بفتح الذال، والكاف مشددة، والأصل: يتذكروا، ~~فأدغم التاء في الذال لقرب المخرج وهو من الاعتبار والتدبر. # قال الواحدي: والتذكر هنا أشبه من الذكر؛ لأن المراد منه ~~التدبر والتفكر، وليس المراد منه الذكر الذي يحصل بعد النسيان، ثم ~~قال: وأما قراءة حمزة والكسائي، ففيها وجهان: # الأول: أن الذكر قد جاء بمعنى التأمل والتدبر؛ كقوله سبحانه ~~جل ذكره: # خذوا مآءاتيناكم بقوة واذكروا ما فيه # [البقرة: 63]. والمعنى: وافهموا ما فيه. # والثاني: أن يكون المعنى: صرفنا هذه الدلائل في هذا القرآن؛ لتذكروه ~~بألسنتكم؛ فإن الذكر بألسنتكم قد يؤدي إلى تأثر القلب بمعناه. # فصل # قال الجبائي - رحمه الله تعالى -: قوله عز وجل: { ولقد ~~صرفنا في هذا القرءان ليذكروا } يدل على أنه ~~تعالى يفعل أفعاله لأغراض حكمية، ويدل على أنه تعالى أراد الإيمان ~~من الناس، سواء آمنوا، أو كفروا. # قوله: { وما يزيدهم } ، أي: التصريف، و " نفورا " مفعول ثان ~~وهذه الآية تدل على أنه تعالى ما أراد الإيمان من الكفار؛ لأنه ~~تعالى عالم بأن تصريف القرآن لا يزيدهم إلا نفورا، فلو أراد الإيمان ~~منهم، لما أنزل عليهم ما يزيدهم نفرة عنه؛ لأن الحكيم، إذا أراد تحصيل ~~أمر من الأمور، وعلم أن الفعل الفلاني يصير سببا للعسر والتعذر ~~والنفرة؛ فإنه عند محاولة تحصيل ذلك المقصود يحترز عما يوجب النفرة، ~~فلما أخبر تعالى أن هذا التصرف يزيدهم نفورا، علمنا أنه ما ~~أراد ms5621 الإيمان منهم. ### || [17.42-43] # قوله تعالى: { كما يقولون }: الكاف في موضع نصب، وفيها وجهان: # أحدهما: أنها متعلقة بما تعلقت به " مع " من الاستقرار، قاله ~~الحوفي. # والثاني: أنها نعت لمصدر محذوف، أي: كونا كقولكم؛ قاله أبو البقاء. # وقرأ ابن كثير وحفص " يقولون " بالياء من تحت، والباقون بالتاء من فوق، ~~وكذا قوله بعد هذا { سبحانه وتعالى عما يقولون } ~~[الإسراء: 43]، قرأه بالخطاب الأخوان، والباقون بالغيبة فتحصل من مجموع ~~الأمر؛ أن ابن كثير وحفصا يقرآنهما بالغيبة، وأن الأخوين قرءوا ~~بالخطاب فيهما، وأن الباقين قرءوا بالغيبة في الأول، وبالخطاب في الثاني. # فوجه قراءة الغيب فيهما أنه: حمل الأول على قوله: # وما يزيدهم إلا نفورا # [الإسراء: 41]، وحمل الثاني عليه، ووجه الخطاب فيهما: أنه حمل الأول ~~على معنى: قل لهم يا محمد لو كان معه آلهة كما تقولون، وحمل الثاني ~~عليه. # ووجه الغيب في الأول: أنه حمله على قوله " وما يزيدهم " والثاني ~~التفت فيه إلى خطابهم. # قوله: " إذن " حرف جواب وجزاء، قال الزمخشري: وإذن دالة على ~~أن ما بعدها، وهو " لابتغوا " جواب لمقالة المشركين، وجزاء ل " ~~لو ". # وأدغم أبو عمرو الشين في السين، واستضعفها النحاة؛ لقوة الشين. # فصل في معنى الآية # المعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: { لو كان معه آلهة ~~كما يقولون إذا لابتغوا } لطلبوا - يعني الآلهة - { ~~إلى ذي العرش سبيلا } بالمغالبة والقهر؛ ليزيلوا ملكه؛ كفعل ~~ملوك الدنيا بعضهم ببعض، وهذا يرجع إلى دليل التمانع، وسيأتي - إن شاء ~~الله تعالى - عند قوله - عز وجل - في سورة الأنبياء - صلوات الله ~~عليهم - # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا # [الأنبياء: 22] وقيل: المعنى: لطلبوا - يعني الآلهة - { إلى ذي ~~العرش سبيلا } بالتقرب إليه، لأن الكفار كانوا يقولون: # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى # [الزمر: 3]. # فقال تعالى: لو كانت هذه الأصنام تقربكم إلى الله زلفى، لطلبت لأنفسها ~~أيضا القرب إلى الله تعالى، فكيف يعقل أن تقربكم إلى الله، ثم نزه ~~نفسه فقال: { سبحانه وتعالى عما يقولون علوا ~~كبيرا }. # قوله تعالى: { وتعالى }: عطف على ما تضمنه المصدر، تقديره: ~~تنزه وتعالى. و " عن ms5622 " متعلقة به، أو ب " سبحان " على الإعمال لأن " ~~عن " تعلقت به في قوله # سبحان ربك رب العزة عما يصفون # [الصافات: 180] و " علوا " مصدر واقع موقع التعالي؛ لأنه كان يجب ~~أن يقال: تعاليا كبيرا، فهو على غير المصدر كقوله: # أنبتكم من الأرض نباتا # [نوح: 17] [في كونه على غير الصدر]. والتسبيح عبارة عن تنزيه الله ~~تعالى عما لا يليق به. # والفائدة في وصف ذلك العلو بالكبر: أن المنافاة بين ذاته وصفاته ~~سبحانه وبين ثبوت الصاحبة، والولد، والشركاء، والأضداد، والأنداد، ~~منافاة بلغت في القوة والكمال إلى حيث لا تعقل الزيادة عليها؛ لأن ~~المنافاة بين الواجب لذاته، والممكن لذاته، وبين القديم والمحدث، وبين ~~الغني و المحتاج منافاة لا يعقل الزيادة عليها، فلهذا السبب وصف الله ~~تعالى ذلك العلو بالكبر. ### || [17.44] # قوله تعالى: { تسبح } قرأ أبو عمرو والأخوان، وحفص " تسبح " ~~بالتاء، والباقون بالياء من تحت، وهما واضحتان؛ لأن التأنيث مجازي، ~~ولوجود الفصل أيضا بين الفعل والتأنيث. # وقال ابن عطية: " ثم أعاد على السموات والأرض ضمير من يعقل، لما ~~أسند إليها فعل العاقل، وهو التسبيح وهذا بناء على أن " هن " ~~مختص بالعاقلات، وليس كما زعم، وهذا نظير اعتذاره عن الإشارة ب أولئك ~~" في قوله " كل أولئك " وقد تقدم. وقرأ عبد الله والأعمش " ~~سبحت " ماضيا بتاء التأنيث. # فصل # قال ابن عطية: يقال: فقه، وفقه، وفقه؛ بكسر القاف، وفتحها، ~~وضمها، فالكسر إذا فهم، وبالفتح إذا سبق غيره للفهم، وبالضم إذا صار ~~الفقه له سجية، فيكون على وزن " فعل " بالضم؛ لأنه شأن أفعال ~~السجايا الماضية نحو: ظرف فهو ظريف، وشرف فهو شريف، وكرم فهو ~~كريم، واسم الفاعل من الأوليين فاعل؛ نحو: سمع، فهو سامع، وغلب فهو ~~غالب، ومن الثالث: فعيل؛ فلذلك تقول فقه فهو فقيه. # فصل # روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: وإن من شيء حي إلا يسبح ~~بحمده. # وقال قتادة - رضي الله عنه - يعني الحيوانات والناميات. # وقال عكرمة: الشجرة تسبح، والأسطوانة تسبح. # وعن المقدام بن معدي كرب، قال: " إن التراب يسبح ما لم ~~يبتل، فإذا ms5623 ابتل ترك التسبيح، وإن الخرزة تسبح، ما لم ~~ترفع من موضعها، فإذا رفعت تركت التسبيح، وإن الورقة تسبح ما ~~دامت على الشجرة، فإذا سقطت، تركت التسبيح، وإن الماء يسبح ما ~~دام جاريا، فإذا أركد، ترك التسبيح، وإن الثوب يسبح ما دام ~~جديدا، فإذا وسخ، ترك التسبيح، وإن الطير والوحش تسبح، إذا صاحت، ~~فإذا سكنت، تركت التسبيح ". # وقال إبراهيم النخعي: وإن من شيء جماد وحي إلا يسبح بحمده، ~~حتى صرير الباب، ونقيض السقف. # وقال مجاهد: كل الأشياء تسبح لله، حيا كان أو ميتا، أو جمادا، ~~وتسبيحها: سبحان الله وبحمده. # قال أهل المعاني: تسبيح الحي المكلف بالقول، كقول اللسان: سبحان ~~الله، وتسبيح غير المكلف كالبهائم، ومن لا يكون حيا، كالجمادات ما ~~دلت بلطيف تركيبها، وعجيب هيئتها على خالقها؛ لأن التسبيح باللسان ~~لا يحصل إلا مع الفهم، والعلم، والإدراك، والنطق، وكل ذلك في ~~الجمادات محال. # قالوا: فلو جوزنا في الجماد أن يكون عالما متكلما، لعجزنا عن ~~الاستدلال بكونه تعالى قادرا عالما على كونه حيا، وحينئذ: يفسد ~~علينا باب العلم بكونه حيا، وذلك كفر؛ فإنه إذا جاز للجمادات أن تكون ~~عالمة بذات الله وصفاته، وتسبيحه، مع أنها ليست بأحياء؛ فحينئذ: لا ~~يلزم من كون الشيء عالما قادرا متكلما أن يكون حيا، فلم يلزم من ~~كونه تعالى عالما قادرا كونه حيا، وذلك جهل وكفر، ومن المعلوم ~~بالضرورة أن من ليس بحي لم يكن عالما قادرا متكلما. # واحتج القائلون بأن الجمادات وأنواع النبات والحيوان كلها تسبح ~~لله تعالى بهذه الآية، ولا يمكن تفسير هذا التسبيح بكونها دلائل على كمال ~~قدرة الله تعالى وحكمته؛ لأنه تعالى قال: { ولكن لا تفقهون ~~تسبيحهم } وهذا يقتضي أن تسبيح هذه الأشياء غير معلوم لنا، ~~ودلالتها على وجود قدرة الله تعالى وحكمته معلومة لنا، فوجب أن يكون ~~التسبيح المذكور في هذه الآية مغايرا لكونها دالة على وجود قدرة الله ~~تعالى وحكمته سبحانه. # فأجاب أهل المعاني بوجوه: # أولها: أنك إذا أخذت تفاحة واحدة، فتلك التفاحة مركبة من أشياء كثيرة، ~~لا تتجزأ، وكل واحد ms5624 من تلك الاجزاء دليل تام مستقل على وجود ~~الإله، ولكل واحد من تلك الأجزاء صفات مخصوصة من الطبع، والطعم، ~~واللون، و الرائحة، واختصاص ذلك الجوهر الفرد بتلك الصفة المعينة من ~~الجائزات، ولا يحصل ذلك إلا بتخصيص مخصص قادر حكيم. # إذا عرف هذا ظهر أن كل واحد من أجزاء تلك التفاحة دليل تام على ~~وجود الإله، وكل صفة من تلك الصفات القائمة بذلك الجزء الواحد أيضا ~~دليل تام على وجود الإله، ثم عدد تلك الأجزاء غير معلوم، وأحوال تلك ~~الصفات غير معلومة، فلهذا قال تعالى: { ولكن لا تفقهون ~~تسبيحهم }. # وثانيها: أن الكفار، وإن كانوا يقرون بإثبات إله العالم إلا أنهم ~~ما كانوا يتفكرون في أنواع الدلائل، كما قال تعالى: # وكأين من آية في السموات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # [يوسف: 105]. # فكان المراد من قوله: { ولكن لا تفقهون تسبيحهم } هذا ~~المعنى. # وثالثها: أن القوم، وإن كانوا مقرين بألسنتهم بإثبات إله العالم، ~~إلا أنهم ما كانوا عالمين بكمال قدرته، ولذلك استبعدوا كونه قادرا ~~على الحشر والنشر، فكان المراد ذلك. # ورابعها: قوله لمحمد: " قل " لهم: # لو كان معه ءالهة كما يقولون إذا لابتغوا ~~إلى ذي العرش سبيلا # [الإسراء: 42]، فهم ما كانوا عالمين بهذه الدلائل، فلما قال: { ~~تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن } ~~بصحة هذا الدليل وقوته، وأنتم لا تفقهون هذا الدليل، ولا تعرفونه، بل ~~القوم كانوا غافلين عن أكثر دلائل التوحيد والنبوة والمعاد، فقال ~~تعالى: { ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان ~~حليما غفورا } ، فذكر الحليم الغفور ها هنا يدل على كونهم لا ~~يفقهون ذلك التسبيح، وذلك جرم عظيم صدر عنهم، وهذا إنما يكن جرما، ~~إذا كان المراد من ذلك التسبيح كونها دالة على كمال قدرة الله وحكمته، ~~ثم إنهم لغفلتهم وجهلهم، ما عرفوا وجه تلك الدلائل، ولو حملنا هذا ~~التسبيح على تسبيح الجمادات بأنواعها، لم يكن عدم الفقه لذلك التسبيح ~~جرما، ولا ذنبا، وإذا لم يكن جرما، ولا ذنبا، لم يكن قوله: { إنه ~~كان حليما غفورا } لائقا بهذا الموضع. # واعلم أن القائلين ms5625 بأن الجمادات والحيوانات غير الناطقة تسبح ~~بألفاظها، أضافوا إلى كل حيوان نوعا من التسبيح، وقالوا: إنها إذا ~~ذبحت لم تسبح، مع قولهم بأن الجمادات تسبح، فإذا كان كونه جمادا ~~لا يمنع من كونه مسبحا، فكيف صار ذبح الحيوان مانعا له من ~~التسبيح؟!. # وقالوا: إن عصا الشجرة إذا كسرت، لم تسبح، وإذا كان كونه جمادا، لم ~~يمتنع من كونه مسبحا، فكيف يمنع ذلك من تسبيحها بعد الكسر؟ وهذه كلمات ~~ضعيفة. # فصل في تسبيح السماوات والأرض # دلت هذه الآية على أن السماوات والأرض ومن فيهن يسبح الله تعالى، ~~فتسبيح السماوات والأرض ليس إلا بمعنى تنزيه الله، وإطلاق لفظ التسبيح ~~على هذا المعنى مجاز، وأما تسبيح المكلفين فهو قول: " سبحان الله " ~~، وهذا حقيقة، فيلزم أن يكون قوله " تسبح " لفظا واحدا قد استعمل ~~في الحقيقة والمجاز معا، وهو باطل لم يثبت في أصول الفقه، فالأولى أن ~~يحمل هذا التسبيح على المجاز في حق العقلاء وغيرهم؛ لئلا يلزم هذا ~~المحذور. ### || [17.45-46] # لما تكلم في الآية المتقدمة في إثبات الإلهية، تكلم في هذه ~~الآية في تقرير النبوة، وفيها قولان: # الأول: أن هذه الآية نزلت في قوم كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا قرأ القرآن على الناس. روي أنه - عليه السلام - كان كلما قرأ ~~القرآن قام عن يمينه وعن يساره أحزاب من ولد قصي يصفقون، ويصفرون، ~~ويخلطون عليه بالأشعار. # " وروى سعيد بن جبير عن أسماء رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم جالسا، ومعه أبو بكر - رضي الله عنه -، فنزلت سورة { ~~تبت يدآ أبي لهب } [المسد: 1] فجاءت امرأة أبي لهب، ومعها ~~حجر، تريد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تقول: [الرجز] " # 3425 # - مذمما أبينا # ودينه قلينا # وأمره عصينا # " ولم تره فقال أبو بكر - رضي الله عنه - يا رسول الله معها حجر، ~~أخشى عليك، فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية، فقالت لأبي ~~بكر: قد علمت أني ابنة سيد قريش، وأن صاحبك هجاني، فقال ابو بكر ~~- رضي الله ms5626 عنه -: والله، ما ينطق بالشعر، ولا يقوله، فرجعت، وهي تقول: ~~قد كنت جئت بهذا الحجر؛ لأرضخ رأسه. فقال أبو بكر - رضي الله عنه -: ما ~~رأتك يا رسول الله؟ قال: لا، لم يزل ملك بيني وبينها يسترني ". # وروى ابن عباس - رضي الله عنه - أن أبا سفيان والنضر بن الحارث ~~وأبا جهل وغيرهم، كانوا يجالسون النبي صلى الله عليه وسلم ويستمعون إلى ~~حديثه، فقال النضر يوما: ما أدري ما يقول محمد، غير أني أرى ~~شفتيه تتحركان بشيء، فقال أبو سفيان: إني أرى بعض ما يقوله حقا. # وقال أبو جهل: هو مجنون. # وقال أبو لهب: كاهن، وقال حويطب بن عبد العزى: هو شاعر، فنزلت هذه ~~الآية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد تلاوة القرآن، قرأ ~~قبلها ثلاث آيات، وهي قوله في سورة الكهف # وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه # [الأنعام: 25]. # وفي النحل: # أولئك الذين طبع الله على قلوبهم # [النحل: 108]. # وفي الجاثية: # أفرأيت من اتخذ إلهه هواه # الآية [الجاثية: 23]. # فكان الله تعالى يحجبه ببركات هذه الآيات، عن عيون المشركين، فكانوا ~~يمرون به، ولا يرونه. # قوله تعالى: { مستورا } أن الله تعالى يخلق حجابا في عيونهم ~~يمنعهم ذلك الحجاب عن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم وهو شيء لا يرى، ~~فكان مستورا من هذا الوجه. # واحتجوا بهذه الآية على أنه يجوز أن تكون الحاسة سليمة، ويكون ~~المرئي حاضرا، مع أنه لا يراه الإنسان؛ لن الله تعالى يخلق في ~~عينه مانعا يمنعه عن رؤيته، قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~حاضرا، وكانت حواس الكفار سليمة، ثم إنهم كانوا لا يرونه، وأخبر ~~الله تعالى أن ذلك إنما كان لأجل أن جعل بينه وبينهم حجابا مستورا، ولا ~~معنى للحجاب المستور إلا ما يخلقه الله في عيونهم بمنعهم من رؤيته. # وقيل: مستور على النسب، أي: ذو ستر، كقولهم: مكان مهول، وجارية ~~مغنوجة، أي: ذو هول، وذات غنج، ولا يقال فيهما: هلت المكان، ولا غنجت ~~الجارية. وقيل: وكذلك قولهم: رجل مرطوب: أي ذو رطوبة، ولا يقال: ms5627 رطبة، ~~هو وصف على جهة المبالغة؛ كقولهم: " شعر شاعر " ورد هذا: بأن ذلك ~~إنما يكون في اسم الفاعل، ومن لفظ الأول. # وقال الأخفش وآخرون: المستور ها هنا بمعنى الساتر والمفعول قد يرد ~~بمعنى الفاعل؛ كقولهم: مشئوم وميمون بمعنى: شائم ويامن، وهذا كما جاء اسم ~~الفاعل بمعنى مفعول كماء دافق. # القول الثاني: أن الحجاب هو الطبع الذي على قلوبهم والطبع المنع ~~الذي منعهم عن أن يدركوا لطائف القرآن ومحاسنه وفوائده، فالمراد من ~~الحجاب المستور ذلك الطبع الذي خلقه في قلوبهم. # ثم قال تعالى: { وجعلنا على قلوبهم أكنة أن ~~يفقهوه وفي ءاذانهم وقرا } وهذه الآية مذكورة بعينها في ~~سورة الأنعام. # قوله: " وحده " فيه وجهان: # أحدهما: أنه منصوب على الحال، وإن كان معرفة لفظا، لأنه في قوة النكرة ~~إذ هو في معنى منفردا، وهل هو مصدر، أو اسم موضوع موضع المصدر الموضوع ~~موضع الحال، فوحده وضع موضع إيحاد، وإيحاد وضع موضع موحد. ~~وهو مذهب سيبويه، أو هو مصدر على حذف الزوائد، إذ يقال: أوحده يوحده ~~إيحادا، أو هو مصدر بنفسه ل " وحد " " ثلاثيا ". # قال الزمخشري: " وحد يحد وحدا وحدة، نحو: وعد يعد وعدا ~~وعدة، و " وحده " من باب " رجع عوده على بدئه " ، و " افعله ~~جهدك وطاقتك " في أنه مصدر ساد مسد الحال، أصله: يحد وحده، ~~بمعنى واحدا ". قلت: وقد عرفت أن هذا ليس مذهب سيبويه. # والثاني: أنه منصوب على الظرف وهو قول يونس، واعلم أن هذه الحال ~~بخصوصها، أعني لفظة " وحده " ، إذا وقعت بعد فاعل ومفعول، نحو: " ضرب ~~زيد عمرا وحده " ، فمذهب سيبويه أنه حال من الفاعل، أي: موحدا له ~~بالضرب، ومذهب المبرد أنه يجوز أن يكون حالا من المفعول. قال أبو حيان: ~~" فعلى مذهب سيبويه يكون التقدير: وإذا ذكرت ربك موحدا لله تعالى. # قال المفسرون: معناه: إذا قلت: لا إله إلا الله في القرآن وأنت تتلوه. ~~وعلى مذهب المبرد يجوز أن يكون التقدير: موحدا بالذكر ". # ثم قال: " ولوا على أدبارهم نفورا " وفي " نفورا " وجهان: # أحدهما: أنه مصدر على غير المصدر، لأن التولي ms5628 والنفور بمعنى. # قال الزجاج رحمه الله: بمعنى ولوا كافرين نفورا. # والثاني: أنه حال من فاعل " ولوا " وهو حينئذ جمع نافر، ك " قاعد ~~" ، وقعود، وجالس، وجلوس. والضمير في " ولوا " الظاهر عوده على ~~الكفار، وقيل: يعود على الشياطين، وإن لم يجر لهم ذكر. # قال المفسرون: إن القوم كانوا في استماع القرآن على حالتين، سمعوا من ~~القرآن ما ليس فيه ذكر لله تعالى فبقوا مبهوتين متحيرين؛ لا يفهمون منه ~~شيئا وإذا سمعوا آيات فيها ذكر لله تعالى، وذم المشركين ولوا نفورا ~~وتركوا ذلك المجلس. ### || [17.47-48] # قوله تعالى: { بما يستمعون }: الباء في " بما " متعلق ب " ~~أعلم ". وما كان من باب العلم والجهل في أفعل التفضيل، وأفعل في ~~التعجب تعدى بالباء؛ نحو: أنت أعلم به، وما أعلمك به!! وهو أجهل به، ~~وما أجهله به!! ومن غيرهما يتعدى في البابين باللام؛ نحو: أنت أكسى ~~للفقراء، و " ما " بمعنى الذي، وهي عبارة عن الاستخفاف والإعراض، فكأنه ~~قال: نحن أعلم بالاستخفاف، والاستهزاء الذي يستمعون به، قاله ابن ~~عطية. # قوله: " به " فيه أوجه: # أحدها: أنه حال، فيتعلق بمحذوف. # قال الزمخشري: " وبه في موضع الحال، كما تقول: يستمعون بالهزء، أي: ~~هازئين ". # الثاني: أنها بمعنى اللام، أي: بما يستمعون له. # الثالث: أنها على بابها، أي: يستمعون بقلوبهم أو بظاهر أسماعهم، قالهما ~~أبو البقاء. # الرابع: قال الحوفي: " لم يقل يستمعونه، ولا يستمعونك؛ لما كان ~~الغرض ليس الإخبار عن الاستماع فقط، وكان مضمنا أن الاستماع كان ~~على طريق الهزء بأن يقولوا: مجنون أو مسحور، جاء الاستماع بالباء وإلى، ~~ليعلم أن الاستماع ليس المراد به تفهم المسموع دون هذا المقصد " ~~فعلى هذا ايضا تتعلق الباء ب " يستمعون ". # قوله تعالى: { إذ يستمعون } فيه وجهان: # أحدهما: أنه معمول ل " أعلم ". قال الزمخشري: " إذ يستمعون نصب ب ~~" أعلم " أي: أعلم وقت استماعهم بما به يستمعون، وبما يتناجون؛ إذ هم ~~ذوو نجوى ". # والثاني: أنه منصوب ب " يستمعون " الأولى. # قال ابن عطية - رحمه الله -: " والعامل في " إذ " الأولى، وفي المعطوف ~~" يستمعون " الأولى ". # وقال الحوفي: و " إذ " الأولى تتعلق ب ms5629 " يستمعون " وكذا " وإذ ~~هم نجوى " لأن المعنى: نحن أعلم بالذي يستمعون إليك، وإلى قراءتك ~~وكلامك، إنما يستمعون لسقطك، وتتبع عيبك، والتماس ما يطعنون به عليك، ~~يعني في زعمهم؛ ولهذا ذكر تعديته بالباء و " إلى ". # قوله - عز وجل -: " نجوى " يجوز أن يكون مصدرا، فيكون من إطلاق ~~المصدر على العين مبالغة، أو على حذف مضاف، أي: ذوو نجوى، كما قاله ~~الزمخشري، ويجوز أن يكون جمع نجي، كقتيل وقتلى، قاله أبو البقاء. # قوله تعالى: { إذ يقول } بدل من " إذ " الأولى في أحد القولين، ~~والقول لآخر: أنها معمولة ل " اذكر " مقدرا. # قوله تعالى: " مسحورا " الظاهر أنه اسم مفعول من " السحر " ~~بكسر السين، أي: مخبول العقل، أو مخدوعه، وقال أبو عبيدة: معناه أن له ~~سحرا، أي: رئة بمعنى أنه لا يستغني عن الطعام والشراب، فهو بشر ~~مثلكم، وتقول العرب للجبان: " قد انتفخ سحره " بفتح السين، ولكل من ~~أكل وشرب: مسحور، ومسحر، فمن الأول قول امرىء القيس: [الوافر] # 3426- أرانا موضعين لأمر غيب # ونسحر بالطعام وبالشراب # أي: نغذى ونعلل، ومن الثاني قول لبيد: [الطويل] # 3427- فإن تسألينا فيم نحن فإننا # عصافير من هذا الأنام المسحر # ورد الناس على أبي عبيدة قوله؛ لبعده لفظا ومعنى. قال ابن قتيبة: " ~~لا أدري ما الذي حمل أبا عبيدة على هذا التفسير المستكره مع ما فسره ~~السلف بالوجوه الواضحة ". # قال شهاب الدين: وأيضا فإن " السحر " الذي هو الرئة لم يضرب له ~~فيه مثل؛ بخلاف " السحر " فإنهم ضربوا له فيه المثل، فما بعد الآية ~~من قوله # انظر كيف ضربوا لك الأمثال # [الإسراء: 48] لا يناسب إلا " السحر " بالكسر. # فصل في معنى قوله: { نحن أعلم بما يستمعون به }. # قال المفسرون: معنى الآية { نحن أعلم بما يستمعون ~~به } أي يطلبون سماعه، { إذ يستمعون إليك } وأنت تقرأ ~~القرآن، { وإذ هم نجوى } يتناجون في أمرك، فبعضهم يقول: هذا ~~مجنون، وبعضهم يقول: شاعر { إذ يقول الظالمون } يعني الوليد ~~بن المغيرة وأصحابه: { إن تتبعون إلا رجلا مسحورا } ~~مطبوبا. # وقال مجاهد - رحمه الله -: مخدوعا؛ لأن السحر حيلة وخديعة، وذلك ~~لأن المشركين كانوا ms5630 يقولون: إن محمدا صلى الله عليه وسلم يتعلم من ~~بعض الناس هذه الكلمات، وأولئك الناس يخدعونه بهذه الكلمات، فلذلك ~~قالوا: " مسحورا " أي: مخدوعا. # وأيضا: كانوا يقولون: إن الشيطان يتخيل له، فيظن أنه ملك، ~~فقالوا: إنه مخدوع من قبل الشيطان. # وقيل: مصروفا عن الحق، يقال: ما سحرك عن كذا، اي: ما صرفك، وقيل: ~~المسحور هو الشيء المفسود، يقال: طعام مسحور، إذا فسد، وأرض مسحورة، ~~إذا أصابها من المطر أكثر مما ينبغي فأفسدها. # فإن قيل: إنهم لم يتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف يصح أن ~~يقولوا: { إن تتبعون إلا رجلا مسحورا }. # فالجواب أن معناه: إن اتبعتموه، فقد اتبعتم رجلا مسحورا. ~~ثم قال تعالى: { انظر كيف ضربوا لك الأمثال } ، أي: كل ~~أحد شبهك بشيء، فقالوا: كاهن، وساحر، وشاعر، ومعلم، ومجنون، ~~فضلوا عن الحق، فلا يستطيعون سبيلا، اي: وصولا إلى طريق الحق. ### || [17.49-52] # قوله تعالى: { أءذا كنا عظاما ورفاتا } الآيات. # لما تكلم أولا في الإلهيات، ثم أتبعه بذكر شبهاتهم في ~~النبوات، ذكر في هذه الآيات شبهاتهم في إنكار المعاد، والبعث، ~~والقيامة، وقد تقدم أن مدار القرآن على هذه الأربعة، وهي الإلهيات، ~~والنبوات، والمعاد، والقضاء والقدر، وأيضا فالقوم وصفوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بكونه مسحورا فاسد العقل، فذكروا أن من جملة ما يدل ~~على فساد عقله: أن يدعي أن الإنسان بعدما يصير عظاما ورفاتا يعود ~~حيا، كما كان. # قوله تعالى: { أءذا كنا }: قد تقدم خلاف القراء في مثل هذين ~~الاستفهامين في سورة الرعد، والعامل في " إذا " محذوف [تقديره:] أنبعث ~~أو أنحشر، إذا كنا، دل عليه " المبعوثون " ولا يعمل فيها " ~~مبعوثون " هذا؛ لأن ما بعد " إن " لا يعمل فيما قبلها، وكذا ما ~~بعد الاستفهام، لا يعمل فيما قبله، وقد اجتمعا هنا، وعلى هذا التقدير: ~~تكون " إذا " متمحضة للظرفية، ويجوز أن تكون شرطية، فيقدر العامل ~~فيها جوابها، تقديره: أإذا كنا عظاما ورفاتا نبعث أو نعاد، ونحو ذلك، ~~فهذا المحذوف جواب الشرط عند سيبويه، والذي انصب عليه الاستفهام عند ~~يونس. # والرفات: ما بولغ في ms5631 دقه، وتفتيته، وهو اسم لأجزاء ذلك الشيء ~~المفتت، وقال الفراء: " هو التراب " وهو قول مجاهد ويؤيده أنه قد ~~تكرر في القرآن " ترابا وعظاما ". يقال: رفته يرفته بالكسر ~~[أي: كسره]. # وقيل: حطاما قال الواحدي: الرفت: كسر الشيء بيدك؛ كما يرفت المدر ~~والعظم البالي، يقال: رفت عظام الجزور رفتا، إذا كسرها، ويقال للتبن: ~~الرفت؛ لأنه دقاق الزرع. # قال الأخفش: رفت رفتا، فهو مرفوت، نحو حطم حطما، فهو محطوم. # والفعال يغلب في التفريق كالرفات والحطام والعظام والدقاق والفتات، ~~والجذاذ والرضاض. # قوله تعالى: " خلقا " يجوز فيه وجهان: # أحدهما: أنه مصدر من معنى الفعل، لا من لفظه، أي: نبعث بعثا جديدا. # والثاني: أنه في موضع الحال، أي: مخلوقين. # فصل # تقرير شبهة القوم: هو أن الإنسان، إذا جفت أعضاؤه، وتناثرت وتفرقت ~~في جوانب العالم، واختلطت تلك الأجزاء بسائر أجزاء العالم، فالأجزاء ~~المائية تختلط بمياه العالم، والأجزاء الترابية تختلط بالتراب، ~~والأجزاء الهوائية تختلط بالهواء، وإذا كان كذلك، فكيف يعقل اجتماعها ~~بأعيانها مرة أخرى، وكيف يعقل عود الحياة إليها بأعيانها مرة أخرى؟! ~~هذا تقرير شبهتهم. # والجواب عنها: أن هذا الإشكال لا يتم إلا بالقدح في كمال علم الله ~~تعالى، وفي كمال قدرته. # أما إذا سلمنا كونه تعالى عالما بجميع الجزئيات، فحينئذ، هذه ~~الأجزاء، وإن اختلطت بأجزاء العالم، إلا أنها متميزة في علم الله ~~تعالى، ولما سلم كونه - تعالى - قادرا على كل الممكنات، كان قادرا ~~على إعادة التأليف والتركيب، والحياة، والعقل، إلى تلك الأجزاء بأعيانها، ~~فمتى سلم كمال علم الله تعالى، وكمال قدرته، زالت هذه الشبهة بالكلية. # ثم قال تعالى: { قل كونوا حجارة أو حديدا } وذلك أنهم ~~استبعدوا أن يردهم أحياء بعد أن صاروا عظاما ورفاتا، فإنها صفة ~~منافية لقبول الحياة بحسب الظاهر، فقال: ولقد قدرتم أن هذه الأجسام بعد ~~الموت تصير إلى صفة أخرى أشد منافاة لقبول الحياة من كونها عظاما ~~ورفاتا؛ مثل أن تصير حجارة أو حديدا؛ فإن المنافاة بين الحجرية ~~والحديدية وبين قبول الحياة اشد من المنافاة بين العظمية وبين قبول ~~الحياة؛ لأن العظم كان جزءا ms5632 من بدن الحي، وأما الحجارة والحديد، ~~فما كانا ألبتة موصوفين بالحياة، فبتقدير أن تصير أبدان الناس حجارة أو ~~حديدا بعد الموت، فإن الله تعالى يعيد الحياة إليها، ويجعلها حية عاقلة، ~~كما كان، والدليل على صحة ذلك أن تلك الأجسام قابلة للحياة والعقل؛ إذ ~~لو لم يكن القبول حاصلا، لما حصل العقل والحياة لها في أول الأمر، ~~وإله العالم عالم بجميع الجزئيات، فلا يشتبه عليه أجزاء بدن زيد ~~المطيع بأجزاء بدن عمرو العاصي، وقادر على كل الممكنات. # وإذا ثبت أن عود الحياة إلى تلك الأجزاء ممكن في نفسه، وثبت أن إله ~~العالم عالم بجميع المعلومات، قادر على كل الممكنات، كان عود الحياة ~~إلى تلك الأجزاء ممكنا قطعا سواء صارت عظاما ورفاتا أو أشياء أبعد ~~من العظم في قبول الحياة، مثل أن تصير حجارة أو حديدا، وهذا ليس المراد ~~منه الأمر، بل المراد أنكم لو كنتم كذلك، لما أعجزتم الله تعالى عن ~~الإعادة؛ كقول القائل للرجل: أتطمع في، وأنا ابن فلان؟!! فيقول: كن ~~من شئت كن ابن الخليفة فسأطلب منك حقي. ثم قال تعالى: { أو خلقا ~~مما يكبر في صدوركم } أي: لو فرضتم شيئا آخر أبعد من ~~قبول الحجر والحديد للحياة، بحيث يستبعد عقلكم قبوله للحياة، ولا حاجة ~~إلى تعيين ذلك الشيء؛ لأن المراد أن أبدان الناس، وإن انتهت بعد ~~موتها إلى أي صفة فرضت، وإن كانت في غاية البعد عن قبول الحياة، فإن ~~الله قادر على إعادة الحياة إليها. # قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وأكثر المفسرين - رضي الله عنهم -: ~~إنه الموت؛ فإنه ليس في نفس ابن آدم شيء أكبر من الموت، أي: لو كنتم ~~الموت بعينه، لأميتنكم، ولأبعثنكم، وهذا إنما يحسن ذكره على سبيل ~~المبالغة، أما نفس الأمر بهذا، فهو محال؛ لأن أبدان الناس أجسام، ~~والموت عرض، والجسم لا ينقلب عرضا، وبتقدير أن ينقلب عرضا، فالموت لا ~~يقبل الحياة؛ لأن أحد الضدين يمتنع اتصافه بالضد الآخر. # وقال بعضهم: يعني السماء والأرض. # ثم قال تعالى: { فسيقولون من يعيدنا } ، أي: من الذي يقدر ms5633 على ~~إعادة الحياة، فقال تعالى: { قل } يا محمد: { الذي فطركم ~~أول مرة } أي: خلقكم أول مرة، ومن قدر على الإنشاء قدر على ~~الإعادة. # قوله تعالى: { الذي فطركم }: فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه مبتدأ، وخبره محذوف، أي: الذي فطركم يعيدكم، وهذا التقدير ~~فيه مطابقة بين السؤال والجواب. # والثاني: أنه خير مبتدأ محذوف، أي: معيدكم الذي فطركم. # الثالث: أنه فاعل بفعل مقدر، أي: يعيدكم الذي فطركم، ولهذا صرح ~~بالفعل في نظيره عند قوله: # ليقولن خلقهن العزيز العليم # [الزخرف: 9]. # و " أول مرة " ظرف زمان ناصبه " فطركم ". # قوله تعالى: { فسينغضون إليك رءوسهم } ، أي: يحركونها ~~استهزاء، يقال: أنغض رأسه ينغضها، أي: يحركها إلى فوق، وإلى أسفل ~~إنغاضا، فهو منغض، قال: [الرجز] # 3428- أنغض نحوي رأسه وأقنعا # كأنه يطلب شيئا أطمعا # وقال آخر: [الرجز] # 3429- لما رأتني أنغضت لي الرأسا # وسمي الظليم نغضا لأنه يحرك رأسه وقال أبو الهيثم: " إذا أخبر الرجل ~~بشيء، فحرك رأسه؛ إنكارا له، فقد أنغض ". # قال ذو الرمة: # 3430- ظعائن لم يسكن أكناف قرية # بسيف ولم تنغض بهن القناطر # أي: لم تحرك، وأما نغض ثلاثيا، ينغض وينغض بالفتح والضم، ~~فبمعنى تحرك، لا يتعدى يقال: نغضت سنه، أي: تحركت، تنغض ~~نغضا، ونغوضا. قال: [الرجز] # 3431- ونغضت من هرم أسنانها # ثم قال تعالى: { ويقولون متى هو } ، أي: البعث والقيامة، وهذا ~~سؤال فاسد؛ لأنهم منعوا الحشر والنشر كما تقدم؛ ثم بين تعالى ~~بالبرهان القاطع كونه ممكنا في نفسه، فقولهم " متى هو " كلام لا ~~يتعلق بالبعث؛ فإنه لما ثبت بالدليل العقلي كونه ممكن الوجود في ~~نفسه، وجب الاعتراف بإمكانه، فإنه متى يوجد، فذاك لا يمكن إثباته بالعقل، ~~بل إنما يمكن إثباته بالدليل السمعي، فإن أخبر الله تعالى عن ذلك الوقت ~~المعين، عرف، وإلا فلا سبيل إلى معرفته. # وقد بين الله تبارك وتعالى في القرآن؛ أنه لا يطلع أحدا من الخلق على ~~وقته المعين، فقال جل ذكره: # إن الله عنده علم الساعة # [لقمان: 34] وقال: # إنما علمها عند ربي # [الأعراف: 187] وقال تعالى: # إن الساعة ءاتية أكاد أخفيها # [طه: 15] فلا جرم قال تعالى: ms5634 { عسى أن يكون قريبا }. # قال المفسرون: " عسى " من الله واجب، معناه: أنه قريب، فإن قيل: ~~كيف يكون قريبا، وقد انقرض سبعمائة سنة، ولم يظهر. # فالجواب: قال ابن الخطيب: إن كان معنى: " أكثر ما بقي " كان الباقي ~~قليلا، ويحتمل أن يريد بالقرب أن إتيان الساعة متناه، وكل ما كان ~~متناهيا من الزمان فهو قليل، بل أقل من القليل بالنسبة إلى ~~الزمان الذي بعده؛ لأنه غير متناه؛ كنسبة العدد المتناهي إلى العدد ~~المطلق؛ فإنه لا ينسب إليه بجزء من الأجزاء، ولو قل. # ويقال في المثل " كل آت قريب ". # قوله تعالى: { عسى أن يكون } يجوز أن تكون الناقصة، واسمها مستتر ~~فيها يعود على البعث والحشر المدلول عليهما بقوة الكلام، أو لتضمنه ~~في قوله " مبعوثون " و " أن يكون " خبرها، ويجوز أن تكون التامة ~~مسندة إلى " أن " وما في حيزها، واسم " يكون " ضمير البعث؛ كما تقدم. # وفي " قريبا " وجهان: # أحدهما: أنه خبر " كان " وهو وصف على بابه. # والثاني: أنه ظرف، أي: زمانا قريبا، و " أن يكون " على هذا تامة، ~~أي: عسى أن يقع العود في زمان قريب. # قوله تعالى: { يوم يدعوكم }: فيه أوجه: # أحدها: أنه بدل من " قريبا " ، إذا أعربنا " قريبا " ظرف زمان، كما ~~تقدم. # والمعنى: عسى أن يكون يوم البعث يوم يدعوكم، أي بالنداء الذي يسمعكم ~~وهو النفخة الأخيرة، كقوله تعالى: # يوم يناد المناد من مكان قريب # [ق: 41]. # الثاني: أنه منصوب ب " يكون " قاله أبو البقاء. وهذا عند من يجيز ~~إعمال الناقصة في الظرف، وإذا جعلناها تامة، فهو معمول لها عند الجميع. # الثالث: أنه منصوب بضمير المصدر الذي هو اسم " يكون " أي: عسى أن يكون ~~العود يوم يدعوكم، وقد منعه أبو البقاء قال: " لأن الضمير لا يعمل " ~~يعني عند البصريين، وأما الكوفيون، فيعملون ضمير المصدر، كمظهره، ~~فيقولون: " مروري بزيد حسن، وهو بعمرو قبيح " ف " بعمرو " ~~عندهم متعلق ب " هو " لأنه ضمير المرور، وأنشدوا قول زهير على ذلك: ~~[الطويل] # 3432- وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم # وما هو عنها بالحديث المرجم # ف " هو " ضمير المصدر، وقد ms5635 تعلق به الجار بعده، والبصريون ~~يؤولونه. # الرابع: أنه منصوب بفعل مقدر، أي: اذكر يوم يدعوكم. # الخامس: أنه منصوب بالبعث المقدر، قالهما أبو البقاء. # قوله تعالى: " بحمده " فيه قولان: # أحدهما: أنها حال، أي: تستجيبون حامدين، أي: منقادين طائعين. # وهذا مبالغة في انقيادهم للبعث؛ كقولك لمن تأمره بعمل يشق عليه: ~~ستأتي به، وأنت حامد شاكر، أي: ستأتي إلى حالة تحمد الله وتشكر على أن ~~اكتفى منك بذلك العمل، وهذا يذكر في معرض التهديد. # والثاني: أنها متعلقة ب " يدعوكم " قاله أبو البقاء، وفيه قلق. # قوله تعالى: { إن لبثتم } " إن " نافية، وهي معلقة للظن عن ~~العمل، وقل من يذكر " إن " النافية، في أدوات تعليق هذا الباب، و " ~~قليلا " يجوز أن يكون نعت زمان أو مصدر محذوف، أي: إلا زمانا ~~قليلا، أو لبثا قليلا. # فصل في معنى النداء والإجابة # المعنى: " يوم يدعوكم " بالنداء من قبوركم إلى موقف القيامة، " ~~فتستجيبون " أي: تجيبون، والاستجابة موافقة الداعي فيما دعا إليه، ~~وهي الإجابة، إلا أن الاستجابة تقتضي طلب الموافقة، فهي أوكد من ~~الإجابة. # وقوله " بحمده " قال ابن عباس: بأمره. # وقال قتادة: بطاعته؛ لأنهم لما أجابوه بالتسبيح والتحميد، كان ذلك ~~معرفة منهم وطاعة، ولكنهم لا ينفعنم ذلك في ذلك اليوم. # وقيل: يقرون بأنه خالقهم وباعثهم، ويحمدونه حين لا ينفعهم الحمد، ~~وهذا خطاب للكفار. # وقيل: هذا خطاب للمؤمنين. # قال سعيد بن جبير: يخرجون من قبورهم، وينفضون التراب عن رءوسهم، ~~ويقولون: سبحانك وبحمدك، وهو قوله: { فتستجيبون بحمده }. # وقال أهل المعاني: أي تستجيبون حامدين؛ كما تقول: جاء بغضبه، أي: جاء ~~غضبان، وركب الأمير بسيفه، أي: وسيفه معه، ثم قال: { وتظنون إن ~~لبثتم إلا قليلا } أي: إن لبثتم في الدنيا، أو في القبور { ~~إلا قليلا } لأن الإنسان لو مكث ألوفا من السنين في الدنيا أو ~~في القبور، عد ذلك قليلا في مدة القيامة والخلود. # وقال ابن عباس: يريد بين النفختين الأولى والثانية، فإنه يزال عنهم ~~العذاب في هذا الوقت، ويدل عليه قوله تعالى في سورة يس # من بعثنا من مرقدنا # [يس: 52] وذلك ظنهم بأن ms5636 هذا اللبث قليل، أي: لبثهم فيما بين ~~النفختين. # وقيل: المراد استقلال لبثهم في عرصة القيامة؛ لأنه لما كان عاقبة ~~أمرهم الدخول في النار، استقصروا مدة لبثهم في برزخ القيامة. ### || [17.53] # تقدم إعراب قوله تعالى { وقل لعبادي } في سورة إبراهيم [31]. وفي ~~العباد ها هنا قولان: # الأول: المراد به المؤمنون؛ لأن لفظ العباد في أكثر آيات القرآن ~~مختص بالمؤمنين. قال تعالى: # فبشر عباد الذين يستمعون القول # [الزمر: 17، 18] # فادخلي في عبادي # [الفجر: 29] # عينا يشرب بها عباد الله # [الإنسان: 6]. # وإذا عرف هذا، فإنه تعالى لما ذكر الحجج القطعية في صحة المعاد، ~~وهو قوله تعالى: # قل الذي فطركم أول مرة # [الإسراء: 51] قال ها هنا: قل، يا محمد لعبادي: إذا أردتم الاستدلال على ~~المخالفين، فاذكروا تلك الدلائل بطريق الأحسن من غير شتم، ولا سب، ~~ونظيره قوله تعالى: # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ~~الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن # [النحل: 125] وقوله تعالى: # ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن # [العنكبوت: 46] وذلك لأن ذكر الحجة، إذا اختلط به سب أو شتم، ~~لقابلوكم بمثله، كما قال تعالى: # ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا ~~الله عدوا بغير علم # [الأنعام: 108] ويزداد الغضب، وتكمل النفرة، ويمتنع المقصود، وإذا ~~ذكرت الحجة بالطريق الأحسن، أثر في القلب تأثيرا شديدا، ثم نبه ~~تعالى على وجه المنفعة، فقال تعالى: { إن الشيطن ينزغ ~~بينهم } أي: يفسد بينهم، ويغري بينهم. # قال الكلبي: كان المشركون يؤذون المسلمين، فشكوا إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأنزل الله تعالى: { وقل لعبادي } المؤمنين يقولوا ~~للمشركين التي هي أحسن، ولا يكافئوهم بسفههم. # قال الحسن: يقول له: يهديك الله، وكان هذا قبل الإذن في الجهاد. # وقيل: نزلت في عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - شتمة بعض الكفار، فأمره ~~الله تعالى بالعفو. # وقيل: أمر المؤمنين بأن يقولوا، ويفعلوا الخلة التي هي أحسن. # وقيل: الأحسن قول: لا إله إلا الله. # قوله تعالى: { إن الشيطن ينزغ بينهم } يجوز أن تكون ~~هذه الجملة اعتراضا بين المفسر والمفسر؛ وذلك أن قوله تعالى: # ربكم أعلم بكم إن ms5637 يشأ يرحمكم # [الإسراء: 54] وقع تفسيرا لقوله # بالتي هي أحسن # [الإسراء: 34] وبيانا لها، ويجوز ألا تكون معترضة، بل مستأنفة. # وقرأ طلحة " ينزغ " بكسر الزاي، وهما لغتان، كيعرشون ~~ويعرشون، قاله الزمخشري. قال أبو حيان: ولو مثل ب " ينطح " و " ~~ينطح " كأنه يعني من حيث إن لام كل منهما حرف حلق، وليس ~~بطائل. # والمعنى: أن الشيطان يلقي العداوة بينهم { إن الشيطن كان ~~للإنسان عدوا مبينا } ظاهر العداوة. ### || [17.54] # قوله تعالى: { ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم } ~~يوفقكم، فتؤمنوا { أو إن يشأ يعذبكم } يميتكم على ~~الكفر، فيعذبكم، قاله ابن جريح. # وقال الكلبي: إن يشأ يرحمكم، فينجيكم من أهل مكة، وإن يشأ يعذبكم ~~بتسليطهم عليكم. # { ومآ أرسلناك عليهم وكيلا } حفيظا، وكفيلا، والمقصود ~~إظهار اللين والرفق لهم عند الدعوة؛ فإن ذلك هو المؤثر في ~~القلب قيل: نسختها آية القتال. ### || [17.55-57] # قوله تعالى: { وربك أعلم بمن في السموات والأرض ~~}: في هذه الباء قولان: # أشهرهما: أنها تتعلق ب " أعلم " كما تعلقت الباء ب " أعلم " ~~قبلها، ولا يلزم من ذلك تخصيص علمه بمن في السماوات والأرض فقط. # والثاني: أنها متعلقة ب " يعلم " مقدرا، قاله الفارسي، ~~محتجا بأنه يلزم من ذلك تخصيص علمه بمن في السماوات والأرض، وهو ~~وهم؛ لأنه لا يلزم من ذكر الشيء نفي الحكم عما عداه، وهذا هو الذي ~~يقول الأصوليون: إنه مفهوم اللقب، ولم يقل به إلا أبو بكر ~~الدقاق في طائفة قليلة. # فصل # معنى الآية أن علمه غير مقصور عليكم، ولا على أحوالكم، بل علمه ~~متعلق بجميع الموجودات والمعدومات، وبجميع ذرات الأرضين، والسموات، ~~فيعلم حال كل أحد، ويعلم ما يليق به من المصالح والمفاسد، ولهذا جعلهم ~~مختلفين في صورهم، وأحوالهم، وأخلاقهم، وفضل بعض النبيين على بعض، ~~وآتى موسى التوراة، وداود الزبور، وعيسى الإنجيل، ولم يبعد أيضا أن ~~يؤتي محمدا صلى الله عليه وسلم القرآن مع تفضيله على الخلق. # فإن قيل: ما السبب في تخصيص داود بالذكر هاهنا؟. # فالجواب من وجوه: # الأول: أنه تعالى ذكر أنه فضل بعض النبيين على بعض، ثم قال: ~~{ وآتينا داوود زبورا ms5638 } يعني أن داود آتاه ملكا عظيما، ثم ~~إنه تعالى لم يذكر ما آتاه من الملك، وذكر ما آتاه من الكتب؛ تنبيها ~~على أن التفضيل الذي ذكره قبل ذلك المراد منه التفضيل بالعلم والدين، ~~لا بالمال. # والثاني: أن تخصيصه بالذكر أنه تعالى كتب في الزبور أن ~~محمدا خاتم الأنبياء، وأن امة محمد خير الأمم - صلوات الله ~~وسلامه عليه -. # قال تعالى: # ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض ~~يرثها عبادي الصالحون # [الأنبياء: 105] وهم محمد وأمته. # فإن قيل: هلا عرفه كقوله: { ولقد كتبنا في الزبور }. # فالجواب أن التنكير ها هنا يدل على تعظيم حاله؛ لأن الزبور عبارة عن ~~المزبور، فكان معناه الكتاب، وكان معنى التنكير أنه كامل في كونه كتابا. # ويجوز أن يكون " زبور " علما، فإذا دخلت عليه " أل " كقوله: { ولقد ~~كتبنا في الزبور } كانت للمح الأصل كعباس والعباس، وفضل ~~والفضل. # وقيل: نكره هنا دلالة على التبعيض، أي: زبورا من الزبر، أو زبورا ~~فيه ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلق على القطعة منه زبور، كما ~~يطلق على بعض القرآن، قرآن. # الثالث: أن السبب في تخصيص داود - صلوات الله عليه - أن كفار قريش ~~ما كانوا أهل نظر وجدل، بل كانوا يرجعون إلى اليهود في استخراج ~~الشبهات، واليهود كانوا يقولون: لا نبي بعد موسى، ولا كتاب بعد ~~التوراة، فنقض الله عليهم كلامهم بإنزال الزبور على داود، وتقدم ~~خلاف القراء في الزبور في آخر سورة النساء. # قوله تعالى: { الذين زعمتم }: مفعولا الزعم محذوفان؛ لفهم ~~المعنى، أي: زعمتموهم آلهة، وحذفهما اختصارا جائز، واقتصارا فيه خلاف. # فصل في سبب نزول الآية # قال المفسرون: إن المشركين أصابهم قحط شديد؛ حتى أكلوا الكلاب ~~والجيف واستغاثوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ليدعو لهم، قال الله ~~تعالى { قل } للمشركين { ادعوا الذين زعمتم } أنها آلهة من ~~دونه. # واعلم أنه ليس المراد الأصنام؛ لأنه تعالى قال في صفتهم: # أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون ~~عذابه إن عذاب ربك كان محذورا # [الإسراء: 57] # وابتغاء الوسيلة إلى ms5639 الله تعالى لا يليق بالأصنام البتة، وإذا ثبت ~~هذا، فنقول: إن قوما عبدوا الملائكة، فنزلت هذه الآية فيهم. # وقال ابن عباس رضي الله عنه ومجاهد: إنها نزلت في الذين عبدوا ~~المسيح، وعزيرا، والملائكة، و الشمس، والقمر، والنجوم. # وقيل: إن قوما عبدوا نفرا من الجن، فأسلم النفر، وبقي أولئك ~~الناس متمسكين بعبادتهم، فنزلت فيهم الآية. # قال ابن عباس: كل موضع في كتاب الله ورد فيه لفظ الزعم، فهو كذب. ثم ~~إنه تعالى احتج على فساد مذهب هؤلاء بأن الإله المعبود هو القادر ~~على إزالة الضرر، وإيصال النفع وهذه الأشياء التي يعبدونها، وهي ~~الملائكة، والجن، والمسيح، وعزير لا يقدرون على كشف الضر، ولا على ~~تحصيل النفع، فما الدليل على أن الأمر كذلك؟ فإن قلتم: لأنا نرى ~~أولئك الكفار يتضرعون إليها، ولا تحصل الإجابة. قلنا: ونرى أيضا ~~المسلمين يتضرعون إلى الله تعالى، ولا تحصل الإجابة والمسلمون يقولون ~~بأجمعهم: إن القدرة على كشف الضر، وتحصيل النفع ليست إلا لله ~~تعالى، وعلى هذا التقدير، فالدليل غير تام. # فالجواب: أن الدليل تام كامل؛ لأن الكفار كانوا مقرين بأن ~~الملائكة عباد الله تعالى، وخالق الملائكة، وخالق العالم لا بد وأن ~~يكون أقدر من الملائكة، وأقوى منهم، وأكمل حالا منهم. # وإذا ثبت هذا، فنقول: كمال قدرة الله معلوم متفق عليه، وكمال قدرة غير ~~الله غير معلوم، ولا متفق عليه، بل المتفق عليه أن قدرتهم بالنسبة ~~إلى قدرة الله تعالى قليلة حقيرة، وإذا كان كذلك، وجب أن يكون الاشتغال ~~بعبادة الله أولى من الاشتغال بعبادة الملائكة؛ لأن استحقاق الله ~~العبادة معلوم، وكون الملك كذلك مجهول؛ والأخذ بالمعلوم أولى، وسلك ~~المتكلمون من أهل السنة طريقة أخرى، وهو أنهم أقاموا الحجة ~~العقلية على أنه لا موجد إلا الله تعالى، ولا يخرج الشيء من العدم ~~إلى الوجود إلا الله، وإذا ثبت ذلك ثبت أنه لا ضار ولا نافع إلا الله ~~تعالى، فوجب القطع بأنه لا معبود إلا الله تعالى، وهذه الطريقة لا تتم ~~للمعتزلة، لأنهم لما جوزوا كون العبد موجدا لأفعاله امتنع ms5640 عليهم ~~الاستدلال على أن الملائكة - عليهم السلام - لا قدرة لها على الإحياء ~~والإماتة، وخلق الجسم، وإذا عجزوا عن ذلك، لا يتم لهم هذا الدليل، ~~فهذا هو الدليل القاطع على صحة قوله: { فلا يملكون كشف ~~الضر عنكم ولا تحويلا } ، والتحويل عبارة عن النقل من ~~حال إلى حال، ومن مكان إلى مكان، يقال: حوله، فتحول. # قوله تعالى: { أولئك الذين يدعون }: " أولئك " مبتدأ، ~~وفي خبره وجهان: # أظهرهما: أنه الجملة من " يبتغون " ويكون الموصول نعتا، أو ~~بيانا أو بدلا، والمراد باسم الإشارة الأنبياء أو الملائكة الذين عبدوا ~~من دون الله، والمراد بالواو العباد لهم، ويكون العائد على " الذين ~~" محذوفا، والمعنى: أولئك الأنبياء الذين يدعونهم المشركون، لكشف ضرهم ~~- أو يدعونهم آلهة، فمفعولها أو مفعولاها محذوفان - يبتغون. # ويجوز أن يكون المراد بالواو ما أريد بأولئك، أي: أولئك الأنبياء الذين ~~يدعون ربهم أو الناس إلى الهدى يبتغون، فمفعول " يدعون " محذوف. # والثاني: أن الخبر نفس الموصول، و " يبتغون " على هذا حال من فاعل ~~" يدعون " أو بدل منه. وقرأ العامة " يدعون " بالغيب، وقد تقدم ~~الخلاف في الواو؛ هل تعود على الأنبياء أو على عابديهم، وزيد بن علي ~~بالغيبة أيضا، إلا أنه بناه للمفعول، وقتادة، وابن مسعود بتاء الخطاب، ~~وهاتان القراءتان تقويان أن الواو للمشركين، لا للأنبياء في قراءة ~~العامة. # فصل # إذا أعدنا " يدعون " للعابدين، و " يبتغون " للمعبودين، ~~فالمعنى: أولئك المعبودون يبتغون إلى ربهم الوسيلة؛ لأن الملائكة ~~يرجعون إلى الله في طلب المنافع، ودفع المضار، يرجون رحمته، ويخافون ~~عذابه، وإذا كانوا كذلك، كانوا عاجزين محتاجين، والله - تعالى - أغنى ~~الأغنياء، فكان الاشتغال [بعبادته] أولى. # فإن قيل: لا نسلم أن الملائكة محتاجون إلى رحمة الله تعالى، وخائفون ~~من عذابه. # فالجواب: أن الملائكة: إما أن يقال: إنها واجبة الوجود لذواتها، ~~أو يقال: إنها ممكنة الوجود لذواتها، والأول باطل؛ لأن جميع الكفار ~~كانوا معترفين بأن الملائكة عباد الله، ومحتاجون إليه. # وأما الثاني: فهو يوجب القول بأن الملائكة محتاجون في ذواتها، وفي ~~كمالاتها إلى الله تعالى، فكان الاشتغال بعبادة الله تعالى أولى من ~~الاشتغال بعبادة ms5641 الملائكة. # وإن أعدنا " يدعون " إلى الأنبياء - عليهم السلام - المذكورين في ~~قوله تعالى: { ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض } ~~فالمعنى هو أن الذي عظمت منزلتهم - وهم الأنبياء - لا يعبدون إلا الله ~~تعالى، ولا يبتغون الوسيلة إلا إليه، فأنتم بالاقتداء بهم أحق، فلا ~~تعبدوا غير الله - عز وجل - والمراد بالوسيلة: الدرجة العليا. # وقيل: كل ما يتقرب إلى الله تعالى. # واحتجوا على صحة هذا القول بأن الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ~~فلا يخافون عذابه، فثبت أن هذا غير لائق بالملائكة، وإنما هو لائق ~~بالأنبياء - صلوات الله عليهم -. # وأجيب بأن الملائكة يخافون من عذاب الله، لو اقدموا على الذنب، قال ~~تعالى: # ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك ~~نجزيه جهنم # [الأنبياء: 29] وقال تعالى: # يخافون ربهم من فوقهم # [النحل: 50] ثم قال عز وجل: { إن عذاب ربك كان ~~محذورا } أي من حقه أن يحذر، فإن لم يحذره بعض الناس لجهله، فإنه ~~لا يخرج عن كونه يجب الحذر عنه. # قوله تعالى: { أيهم أقرب } في " أي " هذه وجهان: # أحدهما: أنها استفهامية. # والثاني: أنها موصولة بمعنى " الذي " وإنما كثر كلام المعربين فيها من ~~حيث التقدير، فقال الزمخشري: " وأيهم بدل من واو " يبتغون " و ~~" أي " موصولة، أي: يبتغي من هو أقرب منهم وأزلف، أو ضمن " ~~يبتغون الوسيلة " معنى يحرصون، فكأنه قيل: يحرصون أيهم يكون أقرب ". ~~فجعلها في الوجه الأول موصولة، وصلتها جملة من مبتدأ وخبر، حذف المبتدأ، ~~وهو عائدها، و " أقرب " خبر. واحتملت " أي " حينئذ أن تكون مبنية، ~~وهو الأكثر فيها، وأن تكون معربة، وسيأتي موضعه في مريم: [69] إن شاء ~~الله تعالى وفي الثاني جعلها استفهامية؛ بدليل أنه ضمن الابتغاء معنى ~~شيء تعلق، وهو يحرصون، فيكون " أيهم " مبتدأ و " أقرب " خبره، ~~والجملة في محل نصب على إسقاط الخافض؛ لأن " تحرص " يتعدى ب " ~~على " قال تعالى: # إن تحرص على هداهم # [النحل: 37]، # أحرص الناس على حيوة # [البقرة: 96]. # وقال أبو البقاء: " أيهم " مبتدأ، و " أقرب " خبره، وهو استفهام ~~في موضع نصب ب " يدعون " ، ويجوز أن يكون " أيهم " بمعنى الذي، ~~وهو بدل ms5642 من الضمير في " يدعون ". # قال أبو حيان: " علق " يدعون " وهو ليس فعلا قلبيا، وفي الثاني ~~فصل بين الصلة ومعمولها بالجملة الحالية، ولا يضر ذلك، لأنها ~~معمولة للصلة ". قال شهاب الدين: أما كون " يدعون " لا يعلق، هو ~~مذهب الجمهور، وقال يونس: يجوز تعليق الأفعال مطلقا، القلبية وغيرها، ~~وأما قوله " فصل بالجملة الحالية " يعني بها " يبتغون " فصل بها ~~بين " يدعون " الذي هو صلة " الذين " وبين معموله، وهو " أيهم ~~أقرب " لأنه معلق عنه، كما عرفته، إلا أن الشيخ لم يتقدم في ~~كلامه إعراب " يبتغون " حالا، بل لم يعربها إلا خبرا للموصول، ~~وهذا قريب. # وجعل أبو البقاء أيا الموصولة بدلا من واو " يدعون " ، ولم أر ~~أحدا وافقه على ذلك، بل كلهم يجعلونها من واو " يبتغون " وهو ~~الظاهر. # وقال الحوفي- رحمه الله -: " أيهم أقرب " ابتداء وخبر، والمعنى: ~~ينظرون أيهم أقرب، فيتوسلون به، ويجوز أن يكون " أيهم أقرب " بدلا ~~من واو " يبتغون ". # قال شهاب الدين: فقد أضمر فعلا معلقا، وهو ينظرون فإن كان من نظر ~~البصر، تعدى ب " إلى " وإن كان من نظر الفكر، تعدى ب " في " فعلى ~~التقديرين: الجملة الاستفهامية في موضع نصب بإسقاط الخافض، وهذا إضمار ~~ما لا حاجة إليه. # وقال ابن عطية: " وأيهم ابتداء، و " أقرب " خبره، والتقدير: ~~نظرهم ووكدهم أيهم أقرب، ومنه قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه-: " فبات ~~الناس يدوكون أيهم يعطاها " ، أي: يتبارون في القرب ". قال ~~أبو حيان: " فجعل المحذوف " نظرهم ووكدهم " وهذا مبتدأ، فإن جعلت ~~" أيهم أقرب " في موضع نصب ب " نظرهم " بقي المبتدأ بلا خبر، ~~فيحتاج إلى إضمار خبر، وإن جعلت " أيهم أقرب " الخبر، لم يصح؛ لأن ~~نظرهم ليس هو " أيهم أقرب " وإن جعلت التقدير: " نظرهم في أيهم ~~أقرب " أي: كائن أو حاصل، لم يصح ذلك؛ لأن كائنا وحاصلا ليس ~~مما يعلق ". # فقد تحصل في الآية الكريمة ستة أوجه: # أربعة حال جعل " أي " استفهاما: # الأول: أنها معلقة للوسيلة، كما قرره الزمخشري. # الثاني: أنها معلقة ل " يدعون " كما قاله أبو البقاء. # الثالث: أنها معلقة ل " ينظرون " مقدرا، كما قاله ms5643 الحوفي. # الرابع: أنها معلقة ل " نظرهم " كما قدره ابن عطية. # واثنان حال جعلها موصولة: # الأول: البدل من واو " يدعون " كما قاله أبو البقاء. # الثاني: أنها بدل من واو " يبتغون " كما قاله الجمهور. ### || [17.58] # قوله تعالى: { وإن من قرية } الآية. # فلما قال: # إن عذاب ربك كان محذورا # [الإسراء: 57] بين أن كل قرية مع أهلها، فلا بد وأن يرجع حالها ~~إلى أحد أمرين: إما الإهلاك، وإما التعذيب. # قال مقاتل: أما الصالحة فبالموت، وأما الطالحة، فبالعذاب. # وقيل: المعنى: وإن من قرية من قرى الكفار، فلا بد وأن يكون عاقبتها ~~إما بالاستئصال بالكلية، وهو الهلاك، أو بعذاب شديد من قتل ~~كبرائهم، وتسليط المسلمين عليهم بالسبي، واغتنام الأموال، وأخذ الجزية ~~{ كان ذلك في الكتب مسطورا } في اللوح المحفوظ. # قال صلوات الله وسلامه عليه: # " أول ما خلق الله تعالى القلم قال: أكتب، قال: ما أكتب؟ قال: ~~القدر، وما هو كائن إلى الأبد ". # و " إن " نافية و " من " مزيدة في المبتدأ، لاستغراق الجنس. وقال ابن ~~عطية: هي لبيان الجنس، وفيه نظر من وجهين: # أحدهما: قال أبو حيان: " لأن التي للبيان، لا بد أن يتقدمها ~~مبهم ما، تفسره؛ كقوله تعالى: # ما يفتح الله للناس من رحمة # [فاطر: 2]، وهنا لم يتقدم شيء مبهم " ثم قال " ولعل قوله " لبيان ~~الجنس " من الناسخ، ويكون هو قد قال: لاستغراق الجنس؛ ألا ترى أنه قال ~~بعد ذلك " " وقيل: المراد الخصوص ". # وخبر المبتدأ الجملة المحصورة من قوله: { إلا نحن مهلكوها }. # والثاني: أن شرط ذلك أن يسبقها محلى بأل الجنسية، وأن يقع موقعها ~~" الذي " كقوله: # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # [الحج: 30]. ### || [17.59] # لما استدل على فساد قول المشركين، وأتبعه بالوعيد، أتبعه بذكر مسألة ~~النبوة، واعلم أن الكفار كانوا يقترحون على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إظهار المعجزات، كما حكى الله تعالى عنهم ذلك في قولهم: # فليأتنا بآية كمآ أرسل الأولون # [الأنبياء: 5]. # وقال آخرون: # لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا # [الإسراء: 90] الآيات. # وقال سعيد بن جبير: إنهم قالوا إنك تزعم أنه كان قبلك ms5644 أنبياء ~~منهم من سخرت له الريح، ومنهم من أحيا الموتى، فأتنا بشيء من هذه ~~المعجزات، فأجابهم الله تعالى بهذه الآية. # وفي تفسير هذا الجواب وجوه: # الأول: أن المعنى أني إن أظهرت تلك المعجزات، ثم لم يؤمنوا بها، بل ~~بقوا مصرين على الكفر، فحينئذ: يصيرون مستحقين لعذاب الاستئصال، لكن ~~إنزال عذاب الاستئصال على هذه الأمة غير جائز؛ لأن الله تعالى علم ~~[أن] فيهم من سيؤمن أو يؤمن من أولادهم، فلهذا لم يظهر تلك المعجزات. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما - إن أهل مكة سألوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا، وأن يزيل عنهم الجبال، حتى ~~يزرعوا تلك الأرض، فطلب الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - ذلك من الله ~~تعالى، فقال سبحانه جل ذكره: إن شئت أن أستأني فعلت وإن شئت أن أوتيهم ~~ما شاءوا فعلت لكن بشرط؛ أنهم إن لم يؤمنوا، أهلكتهم، قال: لا أريد ذلك، ~~فنزلت هذه الآية. # الثاني في تفسير هذا الجواب: أنا لا نظهر المعجزات؛ لأن آباءكم ~~رأوها، ولم يؤمنوا بها، وأنتم مقتدون بهم، فلو رأيتموها، لم تؤمنوا بها ~~أيضا. # الثالث: أن الأولين رأوا هذه المعجزات، وكذبوا بها، فعلم الله ~~منكم أيضا: أنكم لو شاهدتموها، لكذبتم بها، فكان إظهارها عبثا، ~~والحكيم لا يفعل العبث. # قوله تعالى: { وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن ~~كذب }: " أن " الأولى وما في حيزها في محل نصب أو جر على اختلاف ~~القولين؛ لأنها على حذف الجار، أي: من أن نرسل، والثانية وما في ~~حيزها في محل رفع بالفاعلية، أي: وما منعنا من إرسال الرسل بالآيات ~~إلا تكذيب الأولين، أي: لو أرسلنا الآيات المقترحة لقريش، لأهلكوا عند ~~تكذيبهم؛ كعادة من قبلهم، لكن علم الله سبحانه أنه يؤمن بعضهم، ~~ويكذب بعضهم من يؤمن، فلذلك لم يرسل الآيات لهذه المصلحة. # وقدر أبو البقاء رحمه الله مضافا قبل الفاعل، فقال: " تقديره: إلا ~~إهلاك التكذيب ". كأنه يعني أن التكذيب نفسه لم يمنع من ذلك، ~~وإنما منع منه ما يترتب على التكذيب، وهو الإهلاك، ولا ms5645 حاجة إلى ~~ذلك؛ لاستقلال المعنى بدونه. # قوله تعالى: { وءاتينا ثمود الناقة مبصرة }. # قرأ العامة بنصب " مبصرة " على الحال، وزيد بن علي يرفعها على ~~إضمار مبتدأ، أي: هي، وهو إسناد مجازي، إذ المراد إبصار أهلها، ولكنها ~~لما كانت سببا في الإبصار، نسب إليها، وقرأ قوم بفتح الصاد، مفعول ~~على الإسناد الحقيقي، وقتادة بفتح الميم والصاد، أي: محل إبصار، ~~كقوله - عليه السلام -: # " الولد مبخلة مجبنة " # ، وكقوله: [الكامل] # 3433-................. # والكفر مخبثة لنفس المنعم # أجرى هذه الأشياء مجرى الأمكنة؛ نحو: أرض مسبعة ومذأبة. # قوله تعالى: { إلا تخويفا } يجوز أن يكون مفعولا له، وأن يكون ~~مصدرا في موضع الحال: إما من الفاعل، أي: مخوفين أو من المفعول، أي: ~~مخوفا [بها]. # فصل # المعنى أن الآية التي التمسوها مثل آية ثمود، وقد آتينا ثمود الناقة ~~مبصرة، أي: واضحة بينة، ثم كفروا بها، فاستحقوا بها عذاب الاستئصال، ~~فكيف يتمناها هؤلاء على سبيل الاقتراح والتحكم. # قال الفراء: مبصرة: مضيئة. # قال تعالى: # والنهار مبصرا # [يونس: 67] أي: مضيئا، وقيل: مبصرة أي: ذات إبصار، أي: فيها إبصار لمن ~~تأملها ببصر بها رشده، ويستدل بها على صدق ذلك الرسول - صلوات الله ~~عليه -. # { فظلموا بها } أي: ظلموا أنفسهم بتكذيبها، أي: فعاجلناهم ~~بالعقوبة. # وقال ابن قتيبة: ظلموا بها، أي: جحدوا بأنها من الله تعالى، ثم قال ~~تعالى { وما نرسل بالآيات إلا تخويفا } قيل: لأنه لا آية ~~إلا وتتضمن التخويف عند التكذيب، إما من العذاب المعجل، أو من ~~العذاب المؤجل عذاب الآخرة. # فإن قيل: المقصود الأعظم من إظهار الآيات أن يستدل بها على صدق ~~المدعى؛ فكيف حصر المقصود من إظهارها في التخويف؟. # فالجواب: أن مدعي النبوة، إذا أظهر الآية، فإذا سمع الخلق منه ذلك، ~~فهم لا يعلمون أن تلك الآية معجزة، أو غير معجزة، إلا أنهم ~~يجوزون كونها معجزة، وبتقدير أن تكون معجزة، فلو لم يتفكروا فيها، ولم ~~يستدلوا على الصدق، لاستحقوا العذاب الشديد، فهذا الخوف هو الذي ~~يحملهم على التفكر والتأمل في تلك المعجزات، فهذا هو المراد من قوله: { ~~وما نرسل بالآيات إلا تخويفا }. ### || [17.60] # قوله ms5646 تعالى: { وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس } ~~الآية. # اعلم أن القوم، لما طالبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمعجزات ~~القاهرة، وأجاب الله بأن إظهارها ليس بمصلحة، صار ذلك سببا لجرأة ~~أولئك الكفار بالطعن فيه، وأن يقولوا له: لو كنت رسولا حقا من عند ~~الله تعالى، لأتيت بهذه المعجزات التي اقترحناها، كما أتى به موسى وغيره ~~من الأنبياء - صلوات الله عليهم-، فعند هذا قوى الله قلبه، وبين له ~~أنه ينصره، ويؤيده، فقال تعالى: { وإذ قلنا لك إن ~~ربك أحاط بالناس } أي: هم في قبضته لا يقدرون على الخروج عن ~~مشيئته، فهو حافظك منهم، فلا تهبهم، وامض لما أمرك به من تبليغ ~~الرسالة، كقوله تعالى: # والله يعصمك من الناس # [المائدة: 67]. # وقيل: المراد بالناس أهل مكة، وإحاطة الله بهم هو أنه تعالى ~~يفتحها للمؤمنين؛ فيكون المعنى: وإذ بشرناك بأن الله أحاط بأهل ~~مكة؛ بمعنى أنه ينصرك، ويظهر دولتك عليهم؛ كقوله تعالى: # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45] وقوله: # قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون # [آل عمران: 12]، ولما كان كل ما أخبر الله عن وقوعه، فهو واجب الوقوع، ~~فكان من هذا الاعتبار كالواقع، فلا جرم قال: { أحاط بالناس }. # " وروي أنه لما تزاحف الفريقان يوم بدر، ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في العريش، مع أبي بكر - رضي الله عنه - كان يدعو، ويقول: ~~اللهم، إني أسألك عهدك ووعدك لي، ثم خرج، وعليه الدرع يحرض ~~الناس ويقول: { سيهزم الجمع ويولون الدبر } " # [القمر: 45]. # ثم قال تعالى: { وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا ~~فتنة للناس }. # والأكثرون على أن المراد منه ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة ~~المعراج من العجائب والآيات. # قال ابن عباس: هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~قول سعيد بن جبير، والحسن، ومسروق، وقتادة، ومجاهد، وعكرمة، وابن ~~جريح والأكثرين. # ولا فرق بين الرؤية والرؤيا في اللغة، يقال: رأيت بعيني رؤية ~~ورؤيا. # وقال بعضهم: هذا يدل على أن قصة الإسراء إنما حصلت في المنام، ~~وتقدم بيان ضعف هذا في أول ms5647 السورة، وقيل: إنه تعالى أراه في المنام ~~مصارع قريش، فحين ورد ماء بدر، قال: والله، لكأني أنظر إلى مصارع ~~القوم، ثم أخذ يقول: هذا مصرع فلان، هذا مصرع فلان، فلما سمعوا ~~قريش ذلك، جعلوا رؤياه سخرية، وكانوا يستعجلون بما وعده رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. # وقيل: المراد رؤياه التي رآها؛ أنه يدخل مكة، وأخبر بذلك أصحابه، ~~وعجل السير قبل الأجل إلى مكة فصده المشركون، فرجع إلى المدينة، فلما ~~منع عن البيت الحرام عام الحديبية، ورجع، كان ذلك فتنة لبعض القوم، وقال ~~عمر لأبي بكر - رضي الله عنهما -: أليس قد أخبرنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنا ندخل البيت ونطوف به؟ فقال أبو بكر - رضي الله عنه -: ~~إنه لم يخبر بأنا نفعل ذلك في هذه السنة، فسنفعل ذلك في سنة أخرى، ~~فلما جاء العام المقبل، دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل الله ~~تعالى: # لقد صدق الله رسوله الرءيا بالحق # [الفتح: 27] واعترضوا على هذين القولين بأن هذه السورة مكية، ~~وهاتان الواقعتان مدنيتان، وهو اعتراض ضعيف؛ لأن هاتين الوقعتين، وإن ~~كانتا مدنيتين، فرؤيتهما في المنام لا تبعد أن تكون مكية. # وقال سعيد بن المسيب: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني أمية ~~ينزون على منبره، [نزو القردة]، فساءه ذلك، وهو قول ابن عباس في ~~رواية عطاء، وفيه الاعتراض المذكور؛ لأن هذه الآية مكية، وما كان ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة منبر. # ويمكن أن يجاب عنه بأنه لا يبعد أن يرى بمكة أن له بالمدينة منبرا ~~يتداوله بنو أمية. # قوله: " والشجرة ": العامة على نصبها نسقا على " الرؤيا " و " ~~الملعونة " نعت، قيل هو مجاز؛ إذ المراد: الملعون طاعموها؛ لأن ~~الشجرة لا ذنب لها، وهي شجرة الزقوم، وقيل: بل على الحقيقة، ولعنها: ~~إبعادها من رحمة الله؛ لأنها تخرج في أصل الجحيم، وقرأ زيد بن علي ~~برفعها على الابتداء، وفي الخبر احتمالان: # أحدهما: هو محذوف، أي: فتنة. # والثاني: - قاله أبو البقاء - أنه قوله " في القرآن " وليس بذاك. # فصل # قال المفسرون: ms5648 هذا على التقديم والتأخير، والتقدير: وما جعلنا ~~الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس. # وقيل: المعنى: والشجرة الملعونة في القرآن كذلك، وهي شجرة الزقوم، ~~والفتنة في الشجرة الملعونة من وجهين: # الأول: أن ابا جهل، قال: زعم صاحبكم أن نار جهنم تحرق الحجر، حيث ~~قال تعالى: # وقودها الناس والحجارة # [البقرة: 24] ثم يقول: إن في النار شجرا، والنار تأكل الشجر، ~~فكيف تولد فيها الشجر. # والثاني: قال ابن الزبعرى: إن محمدا يخوفنا بالزقوم، وما نعلم ~~الزقوم إلا التمر والزبد، فتزقموا منه، فأنزل الله تعالى حين ~~عجبوا أن يكون في النار شجر # إنا جعلناها فتنة للظالمين # [الصافات: 63]. # فإن قيل: ليس في القرآن لعن هذه الشجرة. # فالجواب من وجوه: # الأول: المراد لعن الكفار الذين يأكلونها. # الثاني: أن العرب تقول لكل طعام ضار: إنه ملعون. # الثالث: أن اللعن في اللغة: هو الإبعاد، فلما كانت هذه الشجرة ~~مبعدة عن صفات الخير، سميت ملعونة. # وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: الشجرة الملعونة في القرآن: بنو ~~أمية، يعني: الحكم بن أبي العاص، قال: رأى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في المنام أن ولد مروان يتداولون منبره، فقص رؤياه على أبي ~~بكر وعمر - رضي الله عنهما - في خلوة من مجلسه، فلما تفرقوا، سمع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم يخبر برؤيا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فاشتد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم واتهم عمر في إفشاء ~~سره، ثم ظهر له أن الحكم كان يستمع إليهم، فنفاه صلى الله عليه ~~وسلم. # قال الواحدي - رحمه الله -: هذه القصة كانت في المدينة، والسورة ~~[مكية]، فيبعد هذا التفسير، إلا أن يقال: هذه الآية مدنية، ولم يقل به ~~أحد، ويؤكد هذا التأويل قول عائشة - رضي الله تعالى عنها - لمروان: ~~لعن الله أباك، وأنت في صلبه، فأنت بعض من لعنة الله. # وقيل: الشجرة الملعونة في القرآن هم اليهود؛ لقوله تعالى: # لعن الذين كفروا # [المائدة: 78]. # وقيل: الشجرة الملعونة هي التي تلتوي على الشجر، فتخنقه، يعني " ~~الكشوث ". # فإن قيل: ms5649 إن القوم طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم الإتيان ~~بالمعجزات القاهرة، فأجاب بأنه لا مصلحة في إظهارها؛ لأنها لو ظهرت، ~~ولم يؤمنوا، نزل عليهم عذاب الاستئصال، وذلك غير جائز، فأي تعلق لهذا ~~الكلام بذكر الرؤيا التي صارت فتنة للناس وبذكر الشجرة [التي صارت ~~فتنة للناس]. # فالجواب: أن التقدير كأنه قيل: إنهم لما طلبوا هذه المعجزات، ثم ~~إنك لم تظهرها، صار عدم ظهورها شبهة لهم في أنك لست بصادق في دعوى ~~النبوة، إلا أن وقوع هذه الشبهة لا يضيق صدرك، ولا يوهن أمرك، ولا ~~يصير سببا لضعف حالك؛ ألا ترى أن تلك الرؤيا صارت سببا لوقوع الشبهة ~~العظيمة عندهم، ثم إن قوة تلك الشبهات ما أوجبت ضعفا في أمرك، فكذلك ~~هذه الشبهة الحاصلة بسبب عدم ظهور هذه المعجزات لا يوجب فتورا في حالك، ~~ولا ضعفا في أمرك. # ثم قال تعالى: { ونخوفهم فما يزيدهم } أي التخويف { ~~إلا طغيانا كبيرا } ، أي: تمردا وعتوا عظيما، والمقصود ~~من ذلك وجه آخر في أنه ما أظهر المعجزات التي اقترحوها؛ لأن هؤلاء ~~خوفوا بأشياء كثيرة من الدنيا والآخرة، وبشجرة الزقوم، فما زادهم هذا ~~التخويف إلا طغيانا كبيرا؛ وذلك يدل على قسوة قلوبهم، وتماديهم في ~~الغي والطغيان. # وإذا كان كذلك فبتقدير أن يظهر الله لهم تلك المعجزات التي اقترحوها، لم ~~ينتفعوا بها، ولم يزدادوا إلا تماديا في الجهل والعناد، وإذا كان ~~كذلك، وجب في الحكمة ألا يظهر الله لهم ما اقترحوه من الآيات ~~والمعجزات. # قرأ العامة " ونخوفهم " بنون العظمة، والأعمش بياء الغيبة. ### || [17.61] # في النظم وجوه: # أولها: أنه تعالى، لما ذكر أن الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - ~~كان في محنة عظيمة من قومه، بين أن حال جميع الأنبياء مع أهل ~~زمانهم كذلك؛ ألا ترى أن الأول منهم آدم - صلوات الله وسلامه عليه - ~~ثم إنه كان في محنة من إبليس. # وثانيها: أن القوم، إنما نازعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وعاندوه، واقترحوا عليه الاقتراحات الباطلة لأمرين: الكبر والحسد، فبين ~~سبحانه وتعالى أن هذا الكبر والحسد هما ms5650 اللذان حملا إبليس على الكفر، و ~~الخروج من الإيمان، فهذه بلية عظيمة قديمة. # وثالثها: أنهم لما وصفهم الله تعالى بقوله: # فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا # [الإسراء: 60] بين ما هو السبب لحصول هذا الطغيان، وهو قول إبليس { ~~لأحتنكن ذريته إلا قليلا } فلهذا المقصود ذكر الله تعالى قصة آدم ~~وإبليس. # واعلم أن هذه القصة ذكرها الله تعالى في سبع سور؛ البقرة، ~~والأعراف، والحجر، وهذه السورة، والكهف، وطه، وص، وقد تقدم الاستقصاء ~~عليها في البقرة، فليلتفت إليه. وقوله: { ءأسجد لمن خلقت ~~طينا } استفهام بمعنى الإنكار، معناه: أن أصلي أشرف من أصله؛ فوجب ~~أن أكون أشرف منه، والأشرف لا يخدم الأدنى. # قوله تعالى: " طينا ": فيه أوجه: # أحدها: أنه حال من " لمن " فالعامل فيها " أأسجد " أو من عائد هذا ~~الموصول، أي: خلقته طينا، فالعامل فيها " خلقت " وجاز وقوع طين ~~حالا، وإن كان جامدا، لدلالته على الأصالة؛ كأنه قال: متأصلا من ~~طين. # الثاني: أنه منصوب على إسقاط الخافض، أي: من طين، كما صرح به في ~~الآية الأخرى: # وخلقته من طين # [الأعراف: 12]. # الثالث: أنه منتصب على التمييز، قاله الزجاج، وتبعه ابن عطية، ~~ولا يظهر ذلك؛ إذ لم يتقدم إبهام ذات ولا نسبة. ### || [17.62] # قوله تعالى: { أرءيتك }: قد تقدم مستوفى في الأنعام [الآية: 40]. ~~وقال الزمخشري: " الكاف للخطاب، و " هذا " مفعول به، والمعنى: أخبرني ~~عن هذا الذي كرمته علي، أي: فضلته، لم كرمته، وأنا خير منه؟ ~~فاختصر الكلام ". وهذا قريب من كلام الحوفي - رحمه الله -. # قال ابن عطية: " والكاف في " أرأيتك " حرف خطاب، لا موضع لها من ~~الإعراب، ومعنى " أرأيت " أتأملت ونحوه، كأن المخاطب ينبه ~~المخاطب؛ ليستجمع لما ينص عليه بعد. وقال سيبويه: " هي بمعنى أخبرني " ~~، ومثل بقوله: " أرأيتك زيدا، أبو من هو؟ " وقول سيبويه صحيح؛ حيث ~~يكون بعدها استفهام كمثاله، وأما في الآية فهو كما قلت، وليست التي ذكر ~~سيبويه " قلت: وهذا الذي ذكره ليس بمسلم، بل الآية كمثاله، غاية ما في ~~الباب: أن المفعول الثاني محذوف، وهو الجملة الاستفهامية المقدرة؛ ~~لانعقاد الكلام من مبتدأ وخبر، لو قلت: ms5651 هذا الذي كرمته علي، لم ~~كرمته؟. # وقال الفراء: " الكاف في محل نصب، أي: أرأيت نفسك؛ كقولك: ~~أتدبرت آخر أمرك، فإني صانع فيه كذا، ثم ابتدأ: هذا الذي كرمت ~~علي ". # وقال ابن الخطيب: يمكن أن يقال: " هذا " مبتدأ محذوف عنه حرف ~~الاستفهام، و " الذي " مع صلته خبره، تقديره: أخبرني، أهذا الذي ~~كرمته علي؛ وهذا على وجه الاستصغار، والاستحقار، وإنما حذف حرف ~~الاستفهام؛ لأنه حصل في قوله: " أرأيتك " فأغنى عن تكريره. # وقال أبو البقاء: " والمفعول الثاني محذوف، تقديره: تفضيله أو تكريمه ~~". قال شهاب الدين: وهذا لا يجوز؛ لن المفعول الثاني في هذا الباب لا ~~يكون إلا جملة مشتملة على استفهام. # قال أبو حيان: " ولو ذهب ذاهب إلى أن الجملة القسمية هي المفعول ~~الثاني، لكان حسنا ". قال شهاب الدين: يرد ذلك التزام كون المفعول ~~الثاني جملة مشتملة على استفهام، وقد تقرر جميع ذلك في الأنعام، فعليك ~~باعتباره ههنا. # قوله: { لئن أخرتن } قرأ ابن كثير بإثبات ياء المتكلم ~~وصلا ووقفا، ونافع وأبو عمرو بإثباتها وصلا، وحذفها وقفا، وهذه ~~قاعدة من ذكر في الياءات الزائدة على الرسم، والباقون بحذفها وصلا ~~ووقفا، وكل هذا في حرف هذه السورة، أما الذي في المنافقين [الآية: 10] ~~في قوله # لولا أخرتني # فأثبته الكل؛ لثبوتها في الرسم الكريم. # قوله " لأحتنكن " جواب القسم الموطأ له باللام، ومعنى " ~~لأحتنكن " لأستولين عليهم استيلاء من جعل في حنك الدابة حبلا ~~يقودها به، فلا تأبى ولا [تشمس] عليه، يقال: حنك فلان الدابة، ~~واحتنكها، أي: فعل بها ذلك، واحتنك الجراد الأرض: أكل نباتها، قال: ~~[الرجز] # 3434- نشكو إليك سنة قد أجحفت # جهدا إلى جهد بنا فأضعفت # واحتنكت أموالنا وجلفت # وحكى سيبويه - رحمه الله -: " أحنك الشاتين " ، أي: آكلهما، أي: ~~أكثرهما [أكلا]. # وذكر المفسرون في الاحتناك قولين: # أحدهما: أنه عبارة عن الأخذ بالكلية، يقال: احتنك فلان مال فلان: ~~إذا استقصاه، فأخذه الكلية، واحتنك الجراد الزرع: إذا أكله ~~بالكلية. # والثاني: أنه من قول العرب: حنك الدابة يحنكها، إذا جعل في حنكها ~~الأسفل حبلا يقودها به. # فعلى الأول معناه: لأستأصلنهم بالإغواء. # وعلى ms5652 الثاني: لأقودنهم إلى المعاصي، كما تقاد الدابة بحبلها. # ثم قال: " إلا قليلا " وهم المعصومون الذين استثناهم الله تعالى في ~~قوله تعالى: # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان # [الحجر: 42]. # فإن قيل: كيف ظن إبليس اللعين هذا الظن الصادق بذرية آدم - ~~صلوات الله عليه -؟. # قيل: فيه وجهان: # الأول: أنه سمع الملائكة يقولون: # أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء # [البقرة: 30] فعرف ذلك. # والثاني: أنه وسوس إلى آدم - صلوات الله عليه - فلم يجد له عزما، ~~فقال: الظاهر أن أولاده يكونون مثله في ضعف العزم. # وقيل: لأنه عرف أنه مركب من قوة بهيمية شهوانية، وقوة وهمية ~~شيطانية، وقوة عقلية ملكية، وقوة سبعية غضبية، وعرف أن بعض ~~تلك القوى تكون هي المستولية في أول الخلقة، ثم إن القوة العقلية ~~إنما تكمل في آخر الأمر، ومتى كان الأمر كذلك، كان ما ذكره إبليس لازما. ### || [17.63] # قوله تعالى: { اذهب فمن }: تقدم أن الباء تدغم في الفاء في ~~ألفاظ منها هذه، عند أبي عمرو، والكسائي، وحمزة في رواية خلاد عنه؛ ~~بخلاف في قوله تعالى: # ومن لم يتب فأولئك # [الحجرات: 11]. # وهذا ليس من الذهاب الذي هو ضد المجيء، وإنما معناه: امض لشأنك ~~الذي اخترته، و المقصود التخلية، وتفويض الأمر إليه، كقول موسى - صلوات ~~الله عليه -: # فاذهب فإن لك في الحيوة أن تقول لا مساس # [طه: 97] ثم قال عز وجل: { فمن تبعك منهم فإن ~~جهنم جزآؤكم جزاء موفورا }. # فإن قيل: الأولى أن يقال: فإن جهنم جزاؤهم؛ ليعود الضمير إلى قوله: { ~~فمن تبعك }؟ فالجواب من وجوه: # الأول: تقديره: جزاؤهم وجزاؤكم؛ لأنه تقدم غائب ومخاطب في قوله: { ~~فمن تبعك منهم } فغلب المخاطب على الغائب، فقيل: جزاؤكم. # والثاني: يجوز أن يكون الخطاب مرادا به " من " خاصة، ويكون ذلك على ~~طريق الالتفات. # والثالث: أنه - صلوات الله وسلامه عليه - قال: # " من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل ~~بها إلى يوم القيامة " # فكل معصية توجد فيحصل لإبليس مثل وزر ذلك العامل، فلما كان إبليس هو ~~الأصل في كل المعاصي، صار المخاطب بالوعيد هو إبليس. ms5653 # قوله تعالى: " جزاء " في نصبه أوجه: # أحدها: أنه منصوب على المصدر، الناصب له المصدر قبله، وهو مصدر مبين ~~لنوع المصدر الأول. # الثاني: أنه منصوب على المصدر ايضا، لكن بمضمر، أي: يجازون جزاء. # الثالث: أنه حال موطئة ك " جاء زيد رجلا صالحا ". # الرابع: أنه تمييز، وهو غير متعقل. # و " موفورا " اسم مفعول، من وفرته، ووفر يستعمل متعديا، ومنه قول ~~زهير: [الطويل] # 3435- ومن يجعل المعروف من دون عرضه # يفره ومن لا يتق الشتم يشتم # والآية الكريمة من هذا، ويستعمل لازما، يقال: وفر المال يفر ~~وفورا، فهو وافر، فعلى الأول: يكون المعنى جزاء موفرا، وعلى ~~الثاني: يكون المعنى جزاء وافرا مكملا يقال: وفرته أفره وفرا. ### || [17.64-65] # قوله تعالى: { واستفزز }: جملة أمرية عطفت على مثلها من قوله " ~~اذهب ". و " من استطعت " يجوز فيه وجهان: # أحدهما: أنها موصولة في محل نصب مفعولا للاستفزاز، أي: استفزز الذي ~~استطعت استفزازه منهم. # والثاني: أنها استفهامية منصوبة المحل ب " استطعت " قاله أبو البقاء، ~~وليس بظاهر؛ لأن " استفزز " يطلبه مفعولا به، فلا يقطع عنه، ولو ~~جعلناه استفهاما، لكان معلقا له، وليس هو بفعل قلبي [فيعلق]. # والاستفزاز: الاستخفاف، واستفزني فلان: استخفني حتى خدعني لما ~~يريده. قال: [الطويل] # 3436- يطيع سفيه القوم إذ يستفزه # ويعصي حليما شيبته الهزاهز # ومنه سمي ولد البقرة " فزا ". قال الشاعر: [البسيط] # 3437- كما استغاث بسيء فز غيطلة # خاف العيون ولم ينظر به الحشك # وأصل الفز: القطع، يقال: تفزز الثوب، أي: تقطع. # ويقال: أفزه الخوف، واستفزه، أي: أزعجه، واستخفه. # واعلم أن إبليس، لما طلب من الله تعالى الإمهال إلى يوم القيامة؛ ~~لأجل أن يحتنك ذرية آدم - صلوات الله وسلامه عليه - ذكر الله تعالى ~~أشياء: # أولها: قوله عز وجل: { اذهب } أي: أمهلتك هذه المدة. # وثانيها: قوله تعالى: { واستفزز من استطعت منهم }. # وتقدم أن الاستفزاز: الاستخفاف، وقيل: استنزل واستجهد. # وقوله: " بصوتك ". # قال ابن عباس - رضي الله عنه - وقتادة: بدعائك غلى معصية الله. # وقال الأزهري: ادعهم دعاء تستخفهم به إلى إجابتك. # وقال مجاهد: بصوتك، أي: بالغناء واللهو. # وهذا أمر تهديد، كما يقال: اجتهد ms5654 جهدك؛ فسترى ما ينزل به: # وثالثها: قوله: { وأجلب عليهم } أي: اجمع عليهم الجموع من ~~جندك، يقال أجلب عليه وجلب، أي: جمع عليه الجموع. # قال الفراء: هو من الجلبة، وهو الصياح. # وقال أبو عبيدة: أجلبوا وجلبوا: من الصياح. # وقال الزجاج في " فعل، وأفعل ": أجلب على العدو وجلب، إذا جمع ~~عليه الخيل. # وقال ابن السكيت: يقال: هم يجلبون عليه؛ لمعنى أنهم يعينون عليه. # وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: أجلب الرجل على الرجل، إذا توعده ~~بالشر، وجمع عليه الجمع، فعلى قول الفراء معنى الآية: صح عليهم بخيلك ~~ورجلك، وعلى قول الزجاج: اجمع عليهم كل ما تقدر عليه من مكائدك، وعلى ~~هذا تكون الباء في قوله: " بخيلك " زائدة. # وعلى قول ابن السكيت: معناه: أعن عليهم بخيلك ورجلك ومفعول الإجلاب ~~على هذا القول محذوف، تقديره: استعن على إغوائهم بخيلك ورجلك، وهو يقرب ~~من قول ابن الأعرابي. # والمراد بالخيل والرجل: قال ابن عباس: كل راكب أو راجل في معصية ~~الله، فهو من خيل إبليس وجنوده. # وقال مجاهد وقتادة: إن لإبليس جندا من الشياطين بعضهم راكب، وبعضهم ~~راجل. # وقيل: المراد ضرب المثل؛ كما يقال للرجل المجد في الأمر: جئت بالخيل ~~والرجل، وهذا الوجه أقرب، والخيل يقع على الفرسان، قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " يا خيل الله، اركبي ". # وقد يقع على الأفراس خاصة. # قوله: " ورجلك " قرأ حفص بكسر الجيم والباقون بسكونها، فقراءة حفص " ~~رجل " فيها بمعنى " رجل " بالضم بمعنى: راجل، يقال: رجل يرجل: ~~إذا صار راجلا، مثل: حذر وحذر، وندس وندس، وهو مفرد أريد به ~~الجمع. # وقال ابن عطية: هي صفة، يقال: فلان يمشي راجلا، إذا كان غير راكب، ومنه ~~قول الشاعر: # 3438-.............. # ...............رجلا إلا بأصحاب # يشير إلى البيت المشهور، وهو: [البسيط] # أما أقاتل عن ديني على فرس # ولا كذا رجلا إلا بأصحاب # أراد فارسا ولا راجلا. # وقال الزمخشري: إن " فعلا " بمعنى " فاعل " ، نحو: تعب وتاعب، ~~ومعناه: جمعك الرجل، وبضم جيمه أيضا فيكون مثل: حذر وحذر وندس ~~وندس، وأخوات لهما. # وأما قراءة الباقين، فتحتمل أن تكون تخفيفا ms5655 من " رجل " [رجل] بكسر ~~الجيم أو ضمها، والمشهور: أنه اسم جمع لراجل، كركب وصحب في راكب ~~وصاحب، والأخفش يجعل هذا النحو جمعا صريحا. # وقرأ عكرمة " ورجالك " جمع رجل بمعنى راجل، أو جمع راجل كقائم ~~وقيام. وقرىء " ورجالك " بضم الراء وتشديد الجيم، وهو جمع راجل، ~~كضارب وضراب. # وقال ابن الأنباري - رحمه الله -: أخبرنا ثعلب عن الفراء، قال: يقال: ~~راجل ورجل ورجل ورجلان بمعنى واحد. # والباء في " بخيلك " يجوز أن تكون الحالية، أي: مصاحبا بخيلك، وأن ~~تكون مزيدة كما تقدم، قال: # 3439-................... # .......لا يقرأن بالسور # ورابعها: قوله تعالى: { وشاركهم في الأموال والأولاد } ~~والمشاركة في الأموال، قال مجاهد، والحسن، وسعيد بن جبير: كل ما أصيب ~~من حرام، أو أنفق في حرام. # وقال قتادة: هو جعلهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام. # وقال الضحاك: هو ما يذبحونه لآلهتهم. # وقال عكرمة: هو تبكيتهم آذان الأنعام. # وقيل: هو جعلهم من أموالهم شيئا لغير الله، كقولهم: # هذا لله بزعمهم وهذا لشركآئنا # [الأنعام: 136] والأول أظهر، قاله القاضي. وأما المشاركة في الأولاد، ~~فقال عطاء عن ابن عباس: هو تسمية الأولاد ب " عبد شمس، وعبد ~~العزى، وعبد الحارث، وعبد الدار ونحوها ". # وقال الحسن وقتادة: هو أنهم هودوا أولادهم، ونصروهم ومجسوهم. # وقيل: هو إقدامهم على قتل الأولاد. # وروي عن جعفر بن محمد، أن الشيطان يقعد على ذكر الرجل فإذا لم يقل: ~~بسم الله، أصاب معه امرأته، وأنزل في فرجها كما ينزل الرجل وروي في بعض ~~الأخبار " إن فيكم مغربين، قيل: وما المغربون؟ قال: الذين يشارك ~~فيهم الجن ". وروي أن رجلا قال لابن عباس: إن امراتي استيقظت ~~وفي فرجها شعلة نار، قال: ذلك من وطء الجن. # وفي الآثار: إن إبليس، لما أخرج إلى الأرض، قال: يا رب، ~~أخرجتني من الجنة؛ لأجل آدم فسلطني عليه، وعلى ذريته، قال: ~~أنت مسلط، قال: لا أستطيعه إلا بك، فزدني، قال: استفزز من استطعت منهم ~~بصوتك. # قال آدم: يا رب، أسلطت إبليس علي، وعلى ذريتي، وإنني لا ~~أستطيعه إلا بك، قال: لا يولد لك ولد إلا وكلت به من ~~يحفظونه. ms5656 # قال: زدني! قال: الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بمثلها، قال: ~~زدني، قال: التوبة معروضة ما دام الروح في الجسد، قال: ~~زدني، فقال: # قل يعبادي الذين أسرفوا # الآية [الزمر: 53]. # وخامسها: قوله تعالى { وعدهم }. # قيل: معناه: قل لهم: لا جنة، ولا نار، ولا بعث. # وقيل: [خذ] منهم الجميل في طاعتك، أي بالأماني الباطلة؛ كقوله لآدم - ~~صلوات الله عليه -: # ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن ~~تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين # [الأعراف: 20]. # وقيل: عدهم بشفاعة الأصنام عند الله، والأنساب الشريفة، وإيثار العاجل ~~على الآجل. # واعلم أن مقصود الشيطان الترغيب في اعتقاد الباطل، وعمله، والتنفير ~~عن اعتقاد الحق، ومعلوم أن الترغيب في الشيء لا يمكن إلا بأن يقرر ~~عنده ألا ضرر ألبتة في فعله، ومع ذلك، فإنه يفيد المنافع العظيمة، ~~والتنفير عن الشيء لا يمكن إلا بأن يقرر عنده أنه لا فائدة في فعله، ~~ومع ذلك يفيد المضار العظيمة، وإذا ثبت هذا، فالشيطان إذا دعا إلى ~~معصية، فلا بد وأن يتقرر أولا: أنه لا مضرة في فعله ألبتة، ~~وذلك لا يمكن إلا إذا قال: لا معاد، ولا جنة ولا نار، ولا حياة غير هذه ~~الحياة الدنيا، فإذا فرغ من هذا المقام، قرر عنده أن هذا الفعل يفيد ~~أنواعا من اللذة والسرور، ولا حياة للإنسان في هذه الحياة الدنيا ~~إلا به، فتفويتها غبن وخسران؛ كقوله: [الطويل] # 3440- خذوا بنصيب من نعيم ولذة # فكل وإن طال المدى يتصرم # فهذا هو طريق الدعوة إلى المعصية، وأما طريق التنفير من الطاعات، ~~فهو أن يقرر عنده أولا أنه لا فائدة فيها للعباد والمعبود، فكانت ~~عبثا، وأنها توجب التعب والمحنة، وذلك أعظم المضار. # فقوله: { وعدهم } يتناول جميع هذه الأقسام. # قوله تعالى: { وما يعدهم الشيطن } من باب الالتفات، وإقامة ~~الظاهر مقام المضمر؛ إذ لو جرى على سنن الكلام الأول، لقال: وما ~~تعدهم، بالتاء من فوق. # قوله تعالى: { إلا غرورا } فيه أوجه: # أحدها: أنه نعت مصدر محذوف وهو نفسه [مصدر]، الأصل: إلا وعدا غرورا، ~~فيجيء فيه ما في " رجل عدل " [أي]: إلا ms5657 وعدا ذا غرور، أو على ~~المبالغة، أو على: وعدا غارا، ونسب الغرور إليه مجازا. # الثاني: أنه مفعول من أجله، أي: ما يعدهم مما يعدهم من الأماني ~~الكاذبة إلا لأجل الغرور. # الثالث: أنه مفعول به على الاتساع، أي: ما يعدهم إلا الغرور نفسه. # والغرور: تزيين الباطل مما يظن أنه حق. # فإن قيل: كيف ذكر الله هذه الأشياء، وهو يقول: إن الله لا يأمر ~~بالفحشاء. # قيل: هذا على طريق التهديد؛ كقوله: # اعملوا ما شئتم # [فصلت: 40] وكقول القائل: اعمل ما شئت؛ فسترى. # ولما قال تعالى له: افعل ما تقدر عليه، قال سبحانه: { إن عبادي ~~ليس لك عليهم سلطن }. # قال الجبائي - رحمه الله تعالى -: المراد كل عباد الله تعالى من ~~المكلفين؛ [لأن الله] تعالى استثنى منه في آيات كثيرة من تبعه بقوله: # إلا من اتبعك # [الحجر: 42] ثم استدل بهذا على أنه لا سبيل لإبليس وجنوده على تصريع ~~الناس، وتخبيط عقولهم، وأنه لا قدرة له إلا على الوسوسة، وأكد ذلك ~~بقوله: # وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم # [إبراهيم: 22]. # وأيضا: لو قدر على هذه الأفعال، لكان يجب أن يخبط أهل الفضل والعلم، ~~دون سائر الناس؛ ليكون ضرره أتم، ثم قال: وإنما يزول عقله؛ لأن ~~الشيطان يقدم عليه، فيغلب الخوف عليه، فيحدث ذلك المرض. # وقيل: المراد بقوله تعالى: { إن عبادي } أهل الفضل والإيمان؛ لما ~~تقدم من أن لفظة العباد في القرآن مخصوصة بالمؤمنين؛ لقوله تعالى: # إنما سلطانه على الذين يتولونه # [النحل: 100]. # ثم قال: { وكفى بربك وكيلا } أي: حافظا، ومن توكل الأمور ~~إليه، وذلك أنه تعالى، لما وكل إبليس بأن يأتي بأقصى ما يقدر عليه من ~~الوسوسة، وكان ذلك سببا لحصول الخوف الشديد في قلب الإنسان، قال: { ~~وكفى بربك وكيلا } ، أي أن الشيطان، وإن كان قادرا؛ فإن ~~الله تعالى أقدر منه، وأرحم بعباده، فهو يدفع عنهم كيد الشيطان. # وهذه الآية تدل على أن المعصوم من عصمه الله تعالى، وأن الإنسان ~~لا يمكنه أن يحترز بنفسه عن مواقع الإضلال لأنه ms5658 لو كان الإقدام على ~~الحق، والإحجام عن الباطل، إنما يحصل للإنسان من نفسه، لوجب أن يقال: ~~وكفى للإنسان بنفسه في الاحتراز عن الشيطان، فلما لم يقل ذلك، بل ~~قال: { وكفى بربك } علمنا أن الكل من الله تعالى، ولهذا قال ~~المحققون: لا حول عن معصية الله إلا بعصمته، ولا قوة على طاعة الله إلا ~~بتوفيقه. # فصل # قال ابن الخطيب: في الآية سؤالان: # الأول: أن إبليس، هل كان عالما بأن الذي تكلم معه بقوله: { ~~واستفزز من استطعت منهم } هو إله العالم، أو لم يعلم ~~ذلك؟ فإن علم ذلك، ثم إنه تعالى قال: # فإن جهنم جزآؤكم جزاء موفورا # [الإسراء: 63] فكيف لم يصر هذا الوعيد الشديد مانعا له من المعصية، مع ~~أنه سمعه من الله تعالى من غير واسطة؟ وإن لم يعلم أن هذا القائل هو ~~إله العالم، فكيف قال: " أرأيتك هذا الذي كرمت علي "؟!. # والجواب: لعله كان شاكا في الكل أو كان يقول في كل قسم ما يخطر ~~بباله على سبيل الظن. # والسؤال الثاني: ما الحكمة في كونه أنظره إلى يوم القيامة، ومكنه من ~~الوسوسة، والحكيم إذا أراد أمرا، وعلم أن شيئا من الأشياء يمنع من ~~حصوله، فإنه لا يسعى في تحصيل ذلك المانع؟. # والجواب: أما مذهبنا، فظاهر في هذا الباب، وأما المعتزلة، فقال ~~الجبائي: علم الله أن الذين كفروا عند وسوسته يكفرون، بتقدير ألا يوجد ~~إبليس، وإذا كان كذلك، لم يكن في وجوده مزيد مفسدة. # وقال أبو هاشم: لا يبعد أن يحصل من وجوده مزيد مفسدة، إلا أنه تعالى ~~أبقاه تشديدا للتكليف على الخلق؛ ليستحقوا بسبب ذلك التشديد مزيد ~~الثواب، وقد تقدم الكلام على ذلك في الأعراف والحجر. ### || [17.66-68] # قوله: تعالى: { ربكم الذي يزجي لكم الفلك في ~~البحر } الآية. # اعلم أنه تعالى عاد إلى ذكر الدلائل الدالة على قدرته وحكمته ورحمته، ~~وقد تقدم أن المقصود في هذا الكتاب الكريم تقرير دلائل التوحيد، فإذا ~~امتد الكلام في فصل من الفصول عاد الكلام بعده إلى ذكر دلائل التوحيد، ~~فذكر ها هنا وجوه الإنعامات في ms5659 أحوال ركوب البحر، فأول كيفية حركة ~~الفلك على وجه البحر، فقال جل ذكره: { ربكم الذي يزجي ~~لكم الفلك في البحر } والإزجاء سوق الشيء حالا بعد حال، ~~وقد تقدم في تفسير قوله تعالى: # ببضاعة مزجاة # [يوسف: 88] أي: ربكم الذي يسير لكم الفلك على وجه البحر؛ { ~~لتبتغوا من فضله } في طلب التجارة { إنه كان بكم ~~رحيما } ، و الخطاب في قوله: " ربكم " وفي قوله " بكم " ~~للكل، والمراد من الرحمة: منافع الدنيا ومصالحها. # والثاني: قوله: { وإذا مسكم الضر في البحر } أي: خوف ~~الغرق " ضل " ، بطل { من تدعون } من الآلهة { إلا إياه } ~~إلا الله، فلم تجدوا مغيثا سواه، { فلما نجاكم } من الغرق، ~~والشدة، وأهوال البحر، وأخرجكم { إلى البر أعرضتم } عن ~~الإيمان، والإخلاص، والطاعة؛ كفرا منكم لنعمه، { وكان الإنسان ~~كفورا }. # قوله تعالى: { إلا إياه }: فيه وجهان: # أحدهما: أنه استثناء منقطع؛ لأنه لم يندرج فيما ذكر، إذ المراد به ~~آلهتهم من دون الله. # والثاني: متصل؛ لأنهم كانوا يلجئون إلى آلهتهم، وإلى الله تعالى. # والثالث: { أفأمنتم } بعد ذلك { أن يخسف بكم } ربكم ~~يغور بكم [جانب] البر. # قال الليث - رحمه الله -: الخسف والخسوف دخول الشيء في الشيء، ~~يقال عين خاسفة التي غابت حدقتها في الرأس، وعين من الماء خاسفة، ~~أي: غائرة الماء، وخسفت الشمس أي: احتجبت، وكأنها وقعت تحت حجاب، ~~أو دخلت في جحر، فقوله: { يخسف بكم جانب البر } أي: يغيبكم ~~في جانب البر، وهو الأرض، وإنما قال: جانب البر؛ لأنه ذكر البحر ~~أولا، فهو جانب، والبر جانب، فأخبر الله سبحانه وتعالى؛ أنه كما كان ~~قادرا على أن يغيبهم في الماء، فهو قادر على أن يغيبهم في الأرض، ~~فالغرق تغييب تحت الماء، كما أن الخسف تغييب تحت التراب. # وتقرير الكلام أنه تعالى ذكر أولا أنهم كانوا خائفين من هول البحر، ~~فلما نجاهم منه آمنوا، فقال: هب أنكم نجوتم من هول البحر، فكيف ~~أمنتم من هو البر؛ فإنه قادر على أن يسلط عليكم آفات البر من ~~جانب التحت، أو من جانب الفوق، فأما من جانب التحت، فالخسف، وأما من ~~جانب ms5660 الفوق، فبإمطاركم الحجارة، وهو المراد من قوله { أو يرسل ~~عليكم حاصبا } فكما يتضرعون إلى الله تعالى عند ركوب البحر فكذا ~~يتضرعون إليه في كل الأحوال، والحصب في اللغة: المرمى، يقال: حصبته ~~أحصبه، إذا رميته والحصب: الرمي ومنه قوله تعالى: # حصب جهنم # [الأنبياء: 98]، أي: يلقون فيها، ومعنى قوله " حاصبا " أي عذابا ~~يحصبهم، أي: يرميهم بحجارة. # قال أبو عبيدة والقتيبي: الحاصب: الريح التي ترمي بالحصباء، وهي ~~الحصى الصغار؛ قال الفرزدق: # 3441- مستقبلين شمال الشام تضربهم # حصباء ميل نديف القطن منثور # ويسمى السحاب الذي يرمي بالبرد والثلج حاصبا، لأنه يرمي بهما ~~رميا، ولم يؤنثه: إما لأنه مجازي، أو على النسب، أي: ذات حصب. # وقال الزجاج: الحاصب التراب الذي فيه الحصباء، فالحاصب على هذا هو ذو ~~الحصباء، مثل اللابن والتامر. # { ثم لا تجدوا لكم وكيلا } قال قتادة: مانعا. # قوله تعالى: { أفأمنتم }: استفهام توبيخ وتقريع، وقدر ~~الزمخشري على قاعدته معطوفا عليه، أي: أنجوتم، فأمنتم. # وقوله تعالى جل ذكره ولا إله إلا هو: { جانب البر } فيه وجهان: # أظهرهما: أنه مفعول به، كقوله: # فخسفنا به وبداره الأرض # [القصص: 81]. # والثاني: أنه منصوب على الظرف. و " بكم " [يجوز] أن [تكون] حالية، ~~أي مصحوبا بكم، وأن تكون للسببية. # قيل: ولا يلزم من خسفه بسببهم أن يهلكوا. # وأجيب بأن المعنى: جانب البر الذي أنتم فيه، فيلزم بخسفه هلاكهم، ~~ولولا هذا التقدير، لم يكن في التوعد به فائدة. # قوله: " أن نخسف " " أو نرسل " " أو نعيدكم " " فنرسل " [ " ~~فنغرقكم " ] قرأها بنون العظمة ابن كثير، وأبو عمرو، والباقون بالياء ~~فيها على الغيبة، فالقراءة الأولى على سبيل الالتفات من الغائب في قوله " ~~ربكم " إلى آخره، والقراءة الثانية على سنن ما تقدم من الغيبة. ### || [17.69] # قوله تعالى: { أم أمنتم }: يجوز أن تكون المتصلة، أي: أي ~~الأمرين كائن؟ ويجوز أن تكون المنقطعة، و " أن يعيدكم " مفعول به. # قوله " تارة " بمعنى مرة، وكرة، فهي مصدر، ويجمع على تير ~~وتارات، قال الشاعر: [الطويل] # 3442- وإنسان عيني يحسر الماء تارة # فيبدو، وتارات يجم فيغرق # وألفها تحتمل أن تكون عن واو أو ياء، وقال ms5661 الراغب: " وهو فيما قيل: ~~[من] تار الجرح: التأم ". # قوله تعالى: " قاصفا " القاصف يحتمل أن يكون من " قصف " ~~متعديا، يقال: قصفت الريح الشجر تقصفها قصفا؛ قال أبو تمام: ~~[البسيط] # 3443- إن الرياح إذا ما أعصفت قصفت # عيدان نجد ولم يعبأن بالرتم # فالمعنى: أنها لا تلفي شيئا إلا قصفته، وكسرته. # والثاني: أن يكون من " قصف " قاصرا، أي: صار له قصيف، يقال: ~~قصفت الريح، تقصف، أي: صوتت، و " من الريح " نعت. # قوله تعالى: { بما كفرتم } يجوز أن تكون مصدرية، وأن تكون بمعنى ~~" الذي " والباء للسببية، أي: بسبب كفركم، أو بسبب الذي كفرتم به، ثم ~~اتسع فيه، فحذفت الباء، فوصل الفعل إلى الضمير، وإنما احتيج إلى ~~ذلك؛ لاختلاف المتعلق. # وقرأ أبو جعفر، ومجاهد: " فتغرقكم " بالتاء من فوق أسند الفعل ~~لضمير الريح، وفي كتاب أبي حيان: " فتغرقكم " بتاء الخطاب ~~مسندا إلى " الريح " والحسن وأبو رجاء بياء الغيبة، وفتح الغين، ~~وتشديد الراء، عداه بالتضعيف، والمقرىء لأبي جعفر كذلك إلا أنه بتاء ~~الخطاب. قال شهاب الدين: هو إما سهو، وإما تصحيف من النساخ عليه؛ ~~كيف يستقيم أن يقول بتاء الخطاب، وهو مسند إلى ضمير الريح، وكأنه ~~أراد بتاء التأنيث، فسبقه قلمه أو صحف عليه غيره. # وقرأ العامة " الريح " بالإفراد، وأبو جعفر: " الرياح " بالجمع. # قوله: " به تبيعا " يجوز في " به " أن يتعلق ب " تجدوا " وأن ~~يتعلق ب " تبيعا " ، وأن يتعلق بمحذوف؛ لأنه حال من " تبيعا " ~~والتبيع: المطالب بحق الملازم، قال الشماخ: [الوافر] # 3444-................ # كما لاذ الغريم من التبيع # وقال آخر: [الطويل] # 3445- غدوا وغدت غزلانهم فكأنها # ضوامن من غرم لهن تبيع # فصل # ومعنى الآية { أم أمنتم أن يعيدكم فيه } ، يعني في البحر ~~{ تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا }. # قال ابن عباس - رضي الله عنه -: أي عاصفا، وهي الريح الشديدة وقال ~~أبو عبيدة: هي الريح التي تقصف كل شيء، أي: تدقه وتحطمه { ~~فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا ~~به تبيعا } ناصرا ولا ثائرا، وتبيع بمعنى تابع، أن تابعا ~~مطالبا بالثأر. # وقال الزجاج - رضي الله عنه -: من يتبعنا بإنكار ما نزل بكم، ms5662 ولا من ~~يتتبعنا بأن نصرفه عنكم. ### || [17.70] # وهذه نعمة أخرى عظيمة من نعم الله - تعالى - على الإنسان، وهي تفضيل ~~الإنسان على غيره. # واعلم أنه ليس المراد من الكرم في المال. وعداه بالتضعيف، وهو من ~~كرم بالضم ك " شرف " ، قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: كل شيء ~~يأكل بفيه إلا ابن آدم يأكل بيديه. # وروي عنه أنه قال: بالعقل. # وقال الضحاك: بالنطق والتمييز. # وقال عطاء: بتعديل القامة، وامتدادها. # وينبغي أن يشترط مع هذا شرط، وهو طول العمر، مع استكمال القوة ~~العقلية والحسية والحركية، وإلا فالأشجار أطول قامة من الإنسان، ~~والدواب منكبة على وجوهها. # وقيل: بحسن الصورة؛ كقوله تعالى: # فأحسن صوركم # [غافر: 64] ولما ذكر خلقه للإنسان، قال: # فتبارك الله أحسن الخالقين # [المؤمنون: 14] وقال جل ذكره # صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة # [البقرة: 138]. # وتأمل عضوا واحدا من أعضاء الإنسان، وهو العين، فخلق الحدقة سوداء، ~~ثم أحاط بذلك السواد بياض العين، ثم أحاط بذلك البياض سواد الأشفار، ثم ~~أحاط بذلك السواد بياض الأجفان، ثم خلق فوق بياض الجفن سواد الحاجبين، ثم ~~خلق فوق سواد الحاجببين بياض الجبهة، ثم خلق فوق بياض الجبهة سواد ~~الشعر. # وقيل: الرجال باللحى، والنساء بالذوائب. # وقيل: بأن سخر لهم سائر الأشياء. # وقال بعضهم: من كرامات الآدمي أن آتاه الله الخط. # وتحقيق الكلام: أن العلم الذي يقدر الإنسان على استنباطه يكون قليلا، ~~فإذا أودعه في كتاب، جاء الإنسان الثاني، واستعان بذلك الكتاب، ضم ~~إليه من عند نفسه آخر، ثم لا يزالون يتعاقبون، ويضم كل متأخر مباحث ~~كثيرة إلى علم المتقدمين، فكثرت العلوم، وانتهت المباحث العقلية، ~~والمطالب الشرعية إلى أقصى الغايات، وأكمل النهايات، وهذا لا يتأتى ~~إلا بواسطة الخط، ولهذه الفضيلة؛ قال تعالى: # اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم ~~الإنسان ما لم يعلم # [العلق: 3-5]. # وقال بعضهم: إن المخلوقات أربعة أقسام: # قسم حصلت له القوة العقلية الحكمية، ولم تحصل له القوة ~~الشهواتية، وهم الملائكة - صلوات الله عليهم - وقسم بالعكس، وهم ~~البهائم، وقسم خلا عن القسمين، وهم النبات والجمادات، وقسم حصل ms5663 النوعان ~~فيه، وهو الإنسان، ولا شك أن الإنسان؛ لكونه مستجمعا للقوة ~~العقلية، والقوى الشهوانية، والبهيمية والنفسية والسبعية يكون ~~أفضل من البهيمة والسبع، وهو أيضا أفضل من الخالي عن القوتين؛ كالنبات ~~والجمادات، وإذا ثبت ذلك، ظهر أن الله تعالى فضل الإنسان على أكثر ~~أقسام المخلوقات. # وأيضا: الموجود: إما أن يكون أزليا وأبديا معا، وهو الله تبارك ~~وتعالى. # وإما ألا يكون أزليا ولا أبديا، وهم عالم الدنيا مع ما فيه من ~~المعادن، والنبات، والحيوان، وهذا أخس الأقسام، وإما أن يكون ~~أزليا، ولا يكون أبديا، وهو الممتنع الوجود؛ لأن ما ثبت قدمه، ~~امتنع عدمه، وإما ألا يكون أزليا، ولكنه يكون أبديا، وهو ~~الإنسان، والملك، وهذا القسم أشرف من الثاني والثالث، وذلك يقتضي كون ~~الإنسان أشرف من أكثر المخلوقات. # ثم قال تعالى: { وحملناهم في البر والبحر }. # قال ابن عباس - رضي الله عنه -: في البر على الخيل والبغال ~~والحمير والإبل، وفي البحر على السفن. # { ورزقناهم من الطيبات } يعني لذيذ الطعام والمشارب، ~~{ وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا }. # واعلم أنه قال في أول الآية { ولقد كرمنا بني آدم }. # وقال في آخرها: { وفضلناهم } ولا بد من الفرق بين التكريم ~~والتفضيل، وإلا لزم التكرار، والأقرب أن يقال: إنه تعالى فضل الإنسان ~~على سائر الحيوانات بأمور خلقية طبعية ذاتية؛ كالعقل، والنطق، ~~والخط، والصورة الحسنة، و القامة المديدة، ثم إنه تعالى عرضه بواسطة ~~العقل والفهم لاكتساب العقائد الحقة، والأخلاق الفاضلة، فالأول: هو ~~التكريم، والثاني: هو التفضيل. # فصل # ظاهر الآية يدل على أنه فضلهم على كثير من خلقه، لا على الكل، ~~فقال قوم: فضلوا على جميع الخلق، لا على الملائكة، وهذا قول ابن عباس، ~~واختيار الزجاج على ما رواه الواحدي في " البسيط ". # وقال الكلبي: فضلوا على جميع الخلائف كلهم، إلا على طائفة من ~~الملائكة: جبريل، ميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت - صلوات الله عليهم ~~أجمعين - وأشباههم. # وقال قوم: فضلوا على جميع الخلق، وعلى الملائكة كلهم، وقد يوضع ~~الأكثر موضع الكل؛ كقوله سبحانه # هل أنبئكم على من تنزل الشيطين # [الشعراء: 221] إلى قوله: # وأكثرهم كاذبون ms5664 # [الشعراء: 223] أي: كلهم. # وروى جابر يرفعه: قال " لما خلق الله - عز وجل - آدم، وذريته، ~~قالت الملائكة: يا رب، خلقتهم يأكلون، ويشربون، وينكحون، ~~فاجعل لهم الدنيا، ولنا الآخرة، فقال تعالى: لا أجعل من خلقته ~~بيدي، ونفخت فيه من روحي، كمن قلت له: كن فكان ". # والأولى أن يقال: عوام الملائكة أفضل من عوام المؤمنين، وخواص ~~المؤمنين أفضل من خواص الملائكة، قال تعالى: # إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات أولئك ~~هم خير البرية # [البينة: 7]. # وروي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: " المؤمن أكرم على ~~الله من الملائكة الذين عنده " رواه البغوي وأورده الواحدي ~~في " البسيط ". # واحتج القائلون بتفضيل الملائكة على البشر على الإطلاق بهذه الآية. # قال ابن الخطيب: وهو في الحقيقة تمسك بدليل الخطاب، وتقريره أن يقال: ~~تخصيص الكثير بالذكر يدل على أن الحال في القليل بالضد، وذلك ~~تمسك بدليل الخطاب. ### || [17.71] # لما ذكر كرامات الإنسان في الدنيا، شرح درجات أحواله في الآخرة. # قوله تعالى: { يوم ندعوا }: فيه أوجه: # أحدها: أنه منصوب على الظرفية، والعامل " فضلناهم " أي: فضلناهم ~~بالثواب يوم ندعو، قال ابن عطية في تقريره: وذلك أن فضل البشر على ~~سائر الحيوان يوم القيامة بين، إذ هم المكلفون المنعمون المحاسبون ~~الذين لهم القدر؛ إلا أن هذا يرده أن الكفار [يومئذ] أخسر من ~~كل حيوان؛ لقولهم: # يليتني كنت ترابا # [النبأ: 40]. # الثاني: أنه منصوب على الظرف، والعامل فيه " اذكر " قاله الحوفي ~~وابن عطية، وهذا سهو؛ كيف يعمل فيه ظرفا؟ بل هو مفعول. # الثالث: أنه مرفوع المحل على الابتداء، وإنما بني لإضافته إلى ~~الجملة الفعلية، والخبر الجملة بعده، قال ابن عطية في تقريره: ويصح ~~أن يكون " يوم " منصوبا على البناء، لما أضيف إلى غير متمكن، ويكون ~~موضعه رفعا بالابتداء، وخبره في التقسيم الذي أتى بعده في قوله " فمن ~~أوتي كتابه " إلى قوله " ومن كان " قال أبو حيان: قوله " منصوب ~~على البناء " كان ينبغي أن يقول: مبنيا على الفتح، وقوله " لما أضيف ~~إلى غير متمكن " ليس بجيد؛ لأن المتمكن وغير المتمكن، إنما ~~يكون في الأسماء، لا ms5665 في الأفعال، وهذا أضيف إلى فعل مضارع، ومذهب ~~البصريين فيه أنه معرب، والكوفيون يجيزون بناءه، وقوله: " [والخبر] في ~~التقسيم " إلى آخره، التقسيم عار من رابط يربط جملة التقسيم بالابتداء. ~~قال شهاب الدين: الرابط محذوف للعلم به، أي: فمن أوتي كتابه فيه. # الرابع: أنه منصوب بقوله " ثم لا تجدوا " قاله الزجاج. # الخامس: أنه منصوب ب " يعيدكم " مضمرة، أي: يعيدكم يوم ندعو. # السادس: أنه منصوب بما دل عليه " ولا يظلمون " بعده، أي: لا ~~يظلمون يوم ندعو، قاله ابن عطية وأبو البقاء. # السابع: أنه منصوب بما دل عليه " متى هو ". # الثامن: أنه منصوب بما تقدمه من قوله تعالى: # فتستجيبون بحمده # [الإسراء: 52]. # التاسع: أنه بدل من " يوم يدعوكم ". وهذان القولان ضعيفان ~~جدا؛ لكثرة الفواصل. # العاشر: أنه مفعول به بإضمار " اذكر " وهذا - وإن كان أسهل التقادير - ~~أظهر مما تقدم؛ إذ لا بعد فيه ولا إضمار كثير. # وقرأ العامة " ندعو " بنون العظمة، ومجاهد " يدعو " بياء الغيبة، ~~أي: الله تعالى أو الملك، و " كل " نصب مفعولا به على القراءتين. # وقرأ الحسن فيما نقله الداني عنه " يدعى " مبنيا للمفعول " ~~كل " مرفوع؛ لقيامه مقام الفاعل، وفيما نقله عنه غيره " يدعو " ~~بضم الياء، وفتح العين، بعدها واو، وخرجت على وجهين: # أحدهما: أن الأصل: " يدعون " فحذفت نون الرفع، كما حذفت في قوله - ~~صلوات الله وسلامه عليه -: # " لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى ~~تحابوا " # وقوله: [الرجز] # 3446- أبيت أسري وتبيتي تدلكي # وجهك بالعنبر والمسك الذكي # و " كل " مرفوع بالبدل من الواو التي هي ضمير، أو بالفاعلية، والواو ~~علامة على لغة " يتعاقبون فيكم ملائكة ". # والتخريج الثاني: أن الأصل " يدعى " كما نقله عنه الداني، إلا ~~أنه قلب الألف واوا وقفا، وهي لغة قوم، يقولون: هذه أفعو وعصو، ~~يريدون: أفعى وعصا، ثم أجري الوصل مجرى الوقف. و " كل " مرفوع ~~لقيامه مقام الفاعل على هذا، ليس إلا. # قوله تعالى: { بإمامهم } يجوز أن تكون الباء متعلقة بالدعاء، أي: ~~باسم إمامهم، قال مجاهد: بنبيهم. # ورواه أبو هريرة - رضي الله عنه - مرفوعا، فيقال: يا أمة فلان، وقال ~~أبو ms5666 صالح والضحاك: بكتابهم. # وقال الحسن وأبو العالية: بأعمالهم. # وقال قتادة: بكتابهم الذي فيه أعمالهم؛ بدليل سياق الآية. وقوله تعالى: # أحصيناه في إمام مبين # [يس: 12]. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - وسعيد بن جبير: بإمام زمانهم الذي دعاهم ~~في الدنيا إلى ضلال أو هدى. # قال تعالى: # وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا # [الأنبياء: 73] وقال تعالى: # وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار # [القصص: 41]. # وقيل: بمعبودهم. # وأن تكون للحال، فيتعلق بمحذوف، أي: ندعوهم مصاحبين لكتابهم، ~~والإمام: من يقتدى به، وقال الزمخشري: " ومن بدع التفاسير: أن الإمام ~~جمع " أم " وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم دون آبائهم، وأن ~~الحكمة فيه رعاية حق عيسى - صلوات الله عليه -، وإظهار شرف الحسن ~~والحسين، وألا يفضح أولاد الزنى " قال: " وليت شعري أيهما أبدع: ~~أصحة لفظه، أم بهاء حكمته؟ ". # وهو معذور لأن " أم " لا يجمع على " إمام " هذا قول من لا يعرف ~~الصناعة، ولا لغة العرب، وأما ما ذكروه من المعنى، فإن الله تعالى ~~نادى عيسى - صلوات الله عليه - باسمه مضافا لأمه في عدة مواضع من ~~قوله # يعيسى ابن مريم # [المائدة: 110]، وأخبر عنه كذلك؛ نحو # وإذ قال عيسى ابن مريم # [الصف: 6] وفي ذلك غضاضة من أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وكرم ~~وجهه. # قوله تعالى: { فمن أوتي كتابه } يجوز أن تكون شرطية، وأن تكون ~~موصولة، والفاء لشبهه بالشرط، وحمل على اللفظ أولا في قوله { أوتي ~~كتابه بيمينه } فأفرد، وعلى المعنى ثانيا في قوله: " فأولئك ~~" فجمع. لأن من أوتي كتابه في معنى الجمع. # ثن قال: { ولا يظلمون فتيلا }. # الفتيل: القشرة التي في شق النواة، وسمي بذلك؛ لأنه إذا رام ~~الإنسان إخراجه انفتل، وهذا مثل يضرب للشيء الحقير التافه، ومثله: ~~القطمير والنقير. # والمعنى: لا ينقصون من الثواب بمقدار فتيل ونظيره # ولا يظلمون شيئا # [مريم: 60] وروى مجاهد عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: الفتيل هو ~~الوسخ الذي يفتله الإنسان بين سبابته وإبهامه. # وهو فعيل بمعنى مفعول. # فإن قيل: لم خص أصحاب اليمين بقراءة كتابهم، مع أن أهل الشمال ~~يقرءونه؟! فالجواب: الفرق بينهما أن أهل ms5667 الشمال، إذا طالعوا كتابهم، ~~وجدوه مشتملا على المهلكات العظيمة، والقبائح الكاملة، والمخازي ~~الشديدة، فيستولي الخوف والدهشة على قلبهم، ويثقل لسانهم، فيعجزوا عن ~~القراءة الكاملة، وأما أصحاب اليمين، فعلى العكس، فلا جرم أنهم يقرءون ~~كتابهم على أحسن الوجوه، ثم لا يكتفون بقراءتهم وحدهم، بل يقولون لأهل ~~المحشر: # هآؤم اقرؤا كتابيه # [الحاقة: 19] فظهر الفرق. ### || [17.72] # قوله تعالى: { ومن كان في هذه }: يجوز في " من " ما جاز في ~~" من " قبلها، وأمال الأخوان وأبو بكر " أعمى " في الموضعين من هذه ~~السورة، وأبو عمرو أمال الأول، دون الثاني، والباقون فتحوهما، فالإمالة؛ ~~لكونهما من ذوات الياء، والتفخيم؛ لأنه الأصل، وأما أبو عمرو، فأمال ~~الأول؛ لأنه ليس أفعل تفضيل، فألفه متطرفة لفظا وتقديرا، والأطراف ~~محل التغيير غالبا، وأما الثاني، فإنه للتفضيل، ولذلك عطف عليه " ~~وأضل " فألفه في حكم المتوسطة؛ لأن " من " الجارة للمفضول، ~~كالملفوظ بها، وهي شديدة الاتصال بأفعل التفضيل، فكأن الألف وقعت ~~حشوا، فتحصنت عن التغيير. # كذا قرره الفارسي والزمخشري، وقد رد هذا بأنهم أمالوا # ولا أدنى من ذلك # [المجادلة: 7] مع التصريح ب " من " فلأن يميلوا " أعمى " مقدرا ~~معه " من " أولى وأحرى. # وأما " أعمى " في طه [الآية: 124] فأماله الأخوان، وأبو عمرو، ولم ~~يمله أبو بكر، وإن كان يميله هنا، وكأنه جمع بين الأمرين، وهو مقيد ~~باتباع الأثر، وقد فرق بعضهم: بأن " أعمى " في طه من عمى البصر، ~~وفي الإسراء من عمى البصيرة؛ ولذلك فسروه هنا بالجهل فأميل هنا، ولم ~~يمل هناك؛ للفرق بين المعنيين، والسؤال باق؛ إذ لقائل أن يقول: فلم ~~خصصت هذه بالإمالة، ولو عكس الأمر، لكان الفارق قائما. # ونقل ابن الخطيب - رحمه الله - عن أبي علي الفارسي، قال: الوجه في ~~تصحيح قراءة أبي عمرو أن المراد بالأعمى في الكلمة الأولى كونه في نفسه ~~أعمى، وبهذا التفسير تكون هذه الكلمة تامة، فتقبل الإمالة، وأما في ~~الكلمة الثانية، فالمراد من الأعمى أفعل التفضيل، وبهذا التقدير: لا ~~تكون تامة؛ فلم تقبل الإمالة. # فصل # قال عكرمة: جاء نفر من أهل اليمن إلى ابن عباس، فسأله رجل عن هذه ms5668 ~~الآية، فقال: اقرأ ما قبلها، فقرأ # ربكم الذي يزجي لكم # [الإسراء: 66] إلى قوله # تفضيلا # [الإسراء: 70]. # فقال ابن عباس: من كان أعمى في هذه النعم التي قد رأى وعاين، فهو في ~~الآخرة التي لم يعاين ولم ير أعمى وأضل سبيلا. # وعلى هذا؛ فالإشارة بقوله: " هذه " إلى النعم المذكورة في الآيات ~~المتقدمة. # روى الضحاك عن ابن عباس: من كان في الدنيا أعمى عما يرى من قدرة الله ~~تعالى، وعن رؤية الحق، فهو في الآخرة أعمى أشد عمى { وأضل ~~سبيلا } ، أي: أخطأ طريقا وعلى هذا؛ فالإشارة ب " هذه " إلى الدنيا. # وعلى هذين القولين: فالمراد من كان أعمى عن معرفة الدلائل، والنعم، ~~فبأن يكون في الآخرة أعمى القلب عن معرفة أحوال الآخرة أولى. # وقال الحسن: من كان في الدنيا ضالا كافرا، فهو في الآخرة أعمى، وأضل ~~سبيلا؛ لأنه في الدنيا؛ تقبل توبته، وفي الآخرة، لا تقبل توبته، وحمل ~~بعضهم العمى الثاني على عمى العين والبصر، ويكون التقدير: فمن كان في هذه ~~الدنيا أعمى القلب حشر يوم القيامة أعمى العين و البصر، كما قال تعالى: # ونحشره يوم القيمة أعمى قال رب لم ~~حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك ~~ءاياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى # [طه: 124-126]. # وقال جل ذكره: # ونحشرهم يوم القيمة على وجوههم عميا ~~وبكما وصما # [الإسراء: 97]. # وهذا العمى زيادة في عقوبتهم. ### || [17.73-75] # لما عدد في الآيات المتقدمة أقسام نعمه على خلقه، وأتبعها بذكر درجات ~~الخلق في الآخرة، أردفه بما يجري مجرى تحذير الناس عن الاغترار بوساوس ~~أرباب الضلال والانخداع بكلماتهم المشتملة على المكر والتلبيس، فقال ~~عز وجل: { وإن كادوا ليفتنونك }. # روى عطاء عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في وفد ثقيف أتوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقالوا: نبايعك على أن تعطينا ثلاث خصال، قال: وما ~~هن؟ قالوا: ألا نحني في الصلاة أي لا ننحني ولا نكسر ~~أصنامنا بأيدينا، وأن تمتعنا باللات سنة، من غير أن نعبدها، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا خير في دين لا ركوع فيه ms5669 ولا سجود، وأما أن تكسروا ~~أصنامكم بأيديكم فذلك لكم، وأما الطاغية يعني اللات ~~فإنني غير ممتعكم بها " # وفي رواية: # " وحرم وادينا، كما حرمت مكة شجرها، وطيرها، ووحشها، فأبى ~~ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يجبهم، فقالوا: يا رسول ~~الله إنا نحب أن تسمع العرب أنك أعطيتنا ما لم ~~تعط غيرنا، وإني خشيت أن تقول العرب: أعطيتهم ما لم ~~تعطنا، فقل: الله أمرني بذلك، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ~~فطمع القوم في سكوته أن يعطيهم، فصاح عليهم علي وعمر - ~~رضي الله عنهما - وقالوا: أما ترون أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قد أمسك عن الكلام؛ كراهية لما تذكرونه، فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية ". # وقال سعيد بن جبير: كان النبي صلى الله عليه وسلم يستلم الحجر ~~الأسود، فمنعته قريش، وقالوا: لا ندعك، حتى تلم بآلهتنا وتمسها، ~~فحدث نفسه؛ ما علي إذا فعلت ذلك، والله يعلم أني لها كاره، بعد ~~أن يدعوني، حتى أستلم الحجر، فأنزل الله هذه. # وروى الزمخشري أنهم جاءوا بكتابهم، فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم: ~~هذا كتاب من محمد رسول الله إلى ثقيف: لا يعشرون، ولا يحشرون، ~~فسكت رسول الله، ثم قالوا للكاتب: اكتب ولا يجبون والكاتب ينظر ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ~~- وسل سيفه، وقال: أسعرتم قلب نبينا يا ثقيف، أسعر الله ~~قلوبكم نارا، فقالوا: لسنا نكلمك، إنما نكلم محمدا، ~~فنزلت الآية، وهذه القصة إنما وقعت بالمدينة؛ فلهذا قيل: إن هذه ~~الآيات مدنية. # وروي أن قريشا قالت: اجعل آية رحمة آية عذاب، وآية عذاب آية ~~رحمة؛ حتى نؤمن بك، فنزلت الآية. # قال القفال: ويمكن تأويل الآية من غير تقييد بسبب يضاف إلى نزولها فيه؛ ~~لأن من المعلوم أن المشركين كانوا يسعون في إبطال أمر الرسول - صلوات ~~الله وسلامه عليه - بأقصى ما يقدرون عليه، فتارة كانوا يقولون: إن عبدت ~~آلهتنا عبدنا إلهك، فأنزل الله تعالى: # قل يأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون # [الكافرون: 1، 2]. # ودوا لو تدهن فيدهنون ms5670 # [القلم: 9]. # وعرضوا عليه الأموال الكثيرة، والنسوان الجميلة؛ ليترك إدعاء ~~النبوة، فأنزل الله - تعالى -: # ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به # [طه: 131]. # ودعوه إلى طرد المؤمنين عن نفسه، فأنزل الله تعالى: # ولا تطرد الذين يدعون ربهم # [الأنعام: 52]. # ودعوه إلى طرد الذين يدعون ربهم، فيجوز أن تكون هذه الآيات نزلت في ~~هذا الباب، وذلك أنهم قصدوا أن يفتنوه عن دينه، وأن يزيلوه عن منهجه، ~~فبين الله - تعالى - أنه يثبته على الدين القويم، والمنهج ~~المستقيم، وعلى هذا الطريق، فلا حاجة في تفسير هذه الآيات إلى شيء من ~~تلك الروايات. # قوله تعالى: { وإن كادوا ليفتنونك }: " إن " هذه فيها ~~لمذهبان المشهوران: مذهب البصريين: أنها مخففة، واللام فارقة بينها وبين ~~" إن " النافية، ولهذا دخلت على فعل ناسخ، ومذهب الكوفيين أنها بمعنى " ~~ما " النافية، واللام بمعنى " إلا " وضمن " يفتنونك " معنى " ~~يصرفونك " فلهذا عدي ب " عن " تقديره: ليصرفونك بفتنتهم، و " ~~لتفتري " متعلق بالفتنة. # قوله: { وإذا لاتخذوك } " إذن " حرف جواب وجزاء؛ ولهذا تقع ~~أداة الشرط موقعها، و " لاتخذوك " جواب قسم محذوف، تقديره: إذن، ~~والله لاتخذوك، وهو مستقبل في المعنى؛ لأن " إذن " تقتضي الاستقبال؛ ~~إذ معناها المجازاة، وهو كقوله: # ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا # [الروم: 51] أي: ليظلن، وقول الزمخشري: " أي: ولو اتبعت مرادهم، ~~لاتخذوك " تفسير معنى، لا إعراب، لا يريد بذلك أن " لاتخذوك " ~~جواب ل " لو " محذوفة؛ إذ لا حاجة إليه. # فصل في معنى الآية # قال الزجاج: معنى الكلام: كادوا يفتنونك، ودخلت " إن " و " اللام " ~~للتأكيد، و " إن " مخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين ~~النافية. # والمعنى: الشأن أنهم قاربوا أن يفتنوك، أي: يخدعوك فاتنين، وأصل ~~الفتنة: الاختبار. # يقال: فتن الصائغ الذهب، إذا أدخله النار، وأذابه؛ ليميز ~~جيده من رديه، ثم استعمل في كل ما أزال الشيء عن حده وجهته، ~~فقالوا: فتنة، فقوله تعالى: { وإن كادوا ليفتنونك عن ~~الذي أوحينآ إليك }. أي: يزيلونك، ويصرفونك عن الذي أوحينا ~~إليك، وهو القرآن، أي: عن حكمه؛ وذلك لأن في إعطائهم ما سألوا مخالفة ~~لحكم القرآن. # وقوله: { لتفتري علينا غيره } أي غير ms5671 ما أوحينا إليك، ~~وقوله: { وإذا لاتخذوك خليلا } أي لو فعلت ذلك ما أرادوا ~~لاتخذوك خليلا، وأظهروا للناس أنك موافق لهم على كفرهم وراض بشركهم، ثم ~~قال: { ولولا أن ثبتناك } يعني على الحق، بعصمتنا إياك { ~~لقد كدت تركن إليهم } أي تميل إليهم شيئا قليلا. # قرأ العامة بفتح كاد تركن مضارع ركن بالكسر، وقتادة، وابن مصرف، وابن ~~أبي إسحاق " تركن " بالضم مضارع " ركن " بالفتح، وهذا من التداخل، ~~وقد تقدم تحقيقه في أواخر " هود " و " شيئا " منصوب على المصدر، وصفته ~~محذوفة، أي شيئا قليلا من الركون، أو ركونا قليلا. # قال ابن عباس: يريد حيث سكوتك عن جوابهم. # قال قتادة: لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ". # ثم توعد في ذلك أشد التوعد، فقال: { إذا لأذقناك ضعف ~~الحيوة } أي ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات، يريد عذاب الدنيا ~~وعذاب الآخرة. # قال الزمخشري: فإن قلت: كيف حقيقة هذا الكلام؟ قلت: أصله لأذقناك عذاب ~~الحياة، وعذاب الممات، لأن العذاب عذابان عذاب في الممات، وهو عذاب القبر ~~وعذاب في الحياة الآخرة، وهو عذاب النار، والضعف يوصف به نحو قوله تعالى: # فآتهم عذابا ضعفا من النار # [الأعراف: 38] يعني عذابا مضاعفا، فكان أصل الكلام: لأذقناك عذابا ~~ضعفا عذابا ضعفا في الحياة، وعذابا ضعفا في الممات ثم حذف الموصوف، ~~فأثبت الصفة مقامه وو الضعف، ثم أضيفت الصفة إضافة الموصوف، فقيل: ضعف ~~الحياة، وضعف الممات، لما تقدم في القرآن من وصف العذاب بالضعف في قوله: # من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار # [ص: 61] وحاصل الكلام أنك لو مكنت خواطر الشيطان من قلبك، وعقدت على ~~الركون إليه لاستحققت تضعيف العذاب عليك في الدنيا وفي الآخرة، وصار ~~عذابك مثلي عذاب المشرك في الدنيا ومثلي عذابه في الآخرة، والسبب في ~~تضعيف هذا العذاب أن أقسام نعم الله في حق الأنبياء عليهم السلام أكثر ~~فكانت ذنوبهم أعظم، وكانت العقوبة المستحقة عليها أكثر، ونظيره قوله ~~تعالى: # ينسآء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة ~~يضاعف ms5672 لها العذاب ضعفين # [الأحزاب: 30]. # فإن قيل: قال عليه السلام: # " من سن سنة سيئة فعلية وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة " # فموجب هذا الحديث أنه عليه السلام لو عمل بما قالوه، لكان وزره مثل وزر ~~كل واحد من أولئك الكفار، وعلى هذا التقدير فكان عقابه زائدا على الضعف. # فالجواب: إثبات الضعف لا يدل على نفي الزائد عليه إلا بالبناء على دليل ~~الخطاب، وهو دليل ضعيف، ثم قال تعالى: { ثم لا تجد لك علينا ~~نصيرا } يعني: إذا أذقناك العذاب المضاعف لم تجد أحدا يخلصك من ~~عذابنا. # فإن قيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم معصوما، فكيف يجوز أن يقرب مما ~~طلبوه، وما طلبوه كفر؟. # قيل: كان ذلك خاطر قلب لم يكن عزما، وقد عفا الله عز وجل عن حديث ~~النفس. # والجواب الصحيح هو أن الله تعالى قال: { ولولا أن ثبتناك ~~لقد كدت تركن إليهم }. # وقد ثبته الله، فلم يركن إليهم، وهذا مثل قوله تعالى: # ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم ~~الشيطان # [النساء: 83] وقد تفضل فلم يتبعوا. # فصل # احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء - عليهم السلام - بهذه الآية، فقالوا: ~~هذه الآية تدل على صدور الذنب العظيم منهم من وجوه: # الأول: أن الآية دلت على أنه - عليه السلام - قرب من أن يفتري على الله ~~الكذب، وذلك من أعظم الذنوب. # الثاني: تدل على أنه لولا أن الله - تعالى - ثبته وعمه؛ لقرب من ~~أن يركن إلى دينهم. # الثالث: لولا أنه سبق جرم وجناية، وإلا فلا حاجة إلى ذكر هذا ~~الوعيد الشديد. # والجواب عن الأول: أن " كاد " معناه المقاربة، أي: أنه قرب وقوعه في ~~الفتنة، وهذا لا يدل على الوقوع في تلك الفتنة، بل يدل على عدم ~~الوقوع؛ كقولك: " كاد الأمير أن يضرب فلانا " لا يدل على أنه ~~ضربه. # والجواب عن الثاني: أن " لولا " تفيد انتفاء الشيء؛ لثبوت غيره؛ ~~تقول: لولا علي، لهلك عمرو؛ إذ وجود علي منع من حصول الهلاك لعمرو، ~~فكذلك ها هنا. # فقوله: { ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم ~~}. # معناه: أنه لولا ms5673 حصل تثبيت الله لمحمد صلى الله عليه وسلم فكان حصول ~~ذلك التثبيت مانعا من حصول ذلك الركون. # والجواب عن الثالث: أن التهديد على المعصية لا يدل على الإقدام ~~عليها؛ لقوله - تعالى - # ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه ~~باليمين ثم لقطعنا منه الوتين # [الحاقة: 44-46]. # وقوله تعالى: # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر: 65]. # وقوله: # ولا تطع الكافرين والمنافقين # [الأحزاب: 1]. # فصل في العصمة من المعاصي إلا بتوفيق الله تعالى # احتج أهل السنة على أنه لا عصمة من المعاصي إلا بتوفيق الله ~~تعالى؛ بقوله تعالى: { ولولا أن ثبتناك } الآية، فبين أنه ~~لولا تثبيت الله تعالى له، لمال إلى طريقة الكفار، ولا شك أن ~~محمدا - صلوات الله وسلامه عليه - كان أقوى من غيره في قوة الدين، ~~وصفاء القلب واليقين، فلما بين الله تعالى له أن بقاءه معصوما عن ~~الكفر والضلال، لم يحصل إلا بإعانة الله تعالى وتوفيقه، كان حصول هذا ~~المعنى في حق غيره أولى. # قالت المعتزلة: المراد بهذا التثبيت: الألطاف الصارفة عن ذلك، وهي ~~ما أخطر الله بباله من ذكر وعده ووعيده، ومن ذكر أن كونه نبيا من عند ~~الله يمنع من ذلك. # والجواب: لا شك أن التثبيت عبارة عن فعل فعله الله تعالى، يمنع ~~الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - من ذلك الوقوع في ذلك المحذور، فنقول: ~~لم يوجد المقتضي للإقدام على ذلك العمل المحذور في حق الرسول - صلوات ~~الله وسلامه عليه - لما كان لإيجاد هذا المنع حاجة، وحيث وقعت الحاجة ~~إلى تحصيل هذا المانع علمنا أن ذلك المقتضي قد حصل في حق الرسول - ~~صلوات الله وسلامه عليه - وأن هذا المانع الذي فعله الله تعالى لمنع ~~ذلك المقتضي من العمل، وهذا لا يتم إلا إذا قلنا: إن القدرة مع ~~الداعي توجب الفعل، فإذا حصلت داعية أخرى معارضة للداعي الأول، ~~اختل المؤثر، فامتنع الفعل، ونحن لا نريد إلا إثبات هذا المعنى. ### || [17.76] # قال مجاهد، وقتادة: الأرض: أرض مكة، والآية مكية. هم المشركون في ~~أن يخرجوه منها، فكفهم الله عنه؛ حت أمره بالهجرة، فخرج بنفسه، ms5674 وهذا ~~أليق بالآية؛ لأن ما قبلها خبر عن أهل مكة، وهذا اختيار الزجاج. # وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: لما هاجر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى المدينة حسدته اليهود، وكرهوا قربه منهم، ومقامه بالمدينة، ~~فأتوه، وقالوا: يا أبا القاسم، لقد علمت ما هذه بدار الأنبياء، وأن ~~أرض الأنبياء بالشام، وهي الأرض المقدسة، وبها كان إبراهيم والأنبياء - ~~صلوات الله عليهم - فإن كنت نبيا مثلهم، فأت الشام، وإنما يمنعك من ~~الخروج إليها مخافتك الروم، وإن الله يمنعك من الروم، إن كنت نبيا، ~~فعسكر النبي صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أميال من المدينة، وقيل: بذي ~~الحليفة؛ حتى يجتمع إليه أصحابه، ويراه الناس عازما على الخروج إلى ~~الشام، فيدخلون في دين الله - سبحانه وتعالى - فأنزلت هذه الآية، وهذا ~~قول الكلبي، وعلى هذا، فالآية مدنية، والمراد بالأرض: أرض المدينة، ~~وكثر في التنزيل ذكر الأرض، والمراد منها مكان مخصوص؛ كقوله تعالى: # أو ينفوا من الأرض # [المائدة: 33] أي: من مواضعهم. # وقوله تعالى: # فلن أبرح الأرض # [يوسف: 80]. # يعني: التي كان يقصدها؛ لطلب الميرة. # فإن قيل: قال الله تعالى: # وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك ~~التي أخرجتك # [محمد: 13]. يعني: " مكة "؟!. # فالجواب: أنهم هموا بإخراجه، وهو - صلوات الله وسلامه عليه - ما خرج ~~بسبب إخراجهم، وإنما خرج بأمر الله تعالى؛ فزال التناقض، ~~والاستفزاز: هو الإزعاج بسرعة. # { وإذا لا يلبثون خلافك }: قرأ العامة برفع الفعل بعد " ~~إذن " ثابت النون، وهي مرسومة في مصاحف العامة، ورفعه وعدم إعمال " ~~إذن " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها توسطت بين المعطوف، والمعطوف عليه، قال الزمخشري: فإن ~~قلت: ما وجه القراءتين؟ قلت: أما الشائعة - يعني برفع الفعل - فقد عطف ~~فيها الفعل على الفعل، وهو مرفوع لوقوعه خبر " كاد " وخبر " كاد " واقع ~~موقع الاسم " قلت: فيكون " لا يلبثون " عطفا على قوله " ~~ليستفزونك ". # الثاني: أنها متوسطة بين قسم محذوف وجوابه، فألغيت لذلك، والتقدير: ~~ووالله، إذن لا يلبثون. # الثالث: أنها متوسطة بين مبتدأ محذوف وخبره، فألغيت لذلك، والتقدير: وهم ~~إذن لا يلبثون. # وقرأ أبي بحذف النون، ms5675 فنصبه ب " إذن " عند الجمهور، وب " أن " ~~مضمرة بعدها عند غيرهم، وفي مصحف عبد الله " لا يلبثوا " بحذفها، ووجه ~~النصب: أنه لم يجعل الفعل معطوفا على ما تقدم، ولا جوابا، ولا ~~خبرا، قال الزمخشري: وأما قراءة أبي، ففيها الجملة برأسها التي ~~هي: إذن لا يلبثوا، عطجف على جملة قوله " وإن كادوا ليستفزونك ". # وقرأ عطاء " لا يلبثون " بضم الياء، وفتح اللام والباء، مشددة ~~مبنيا للمفعول، من " لبثه " بالتشديد، وقرأها يعقوب كذلك، إلا أنه ~~كسر الباء، جعله مبنيا للفاعل. # قوله تعالى: " خلافك " قرأ الأخوان، وابن عامر، وخفص: " خلافك " ~~بكسر الخاء، وألف بعد اللام، والباقون بفتح الخاء، وسكون اللام، ~~والقراءتان بمعنى واحد. # قال الأخفش: خلافك: بمعنى: خلفك. # وروى ذلك يونس عن عيسى، وهذا كقوله: # بمقعدهم خلاف رسول الله # [التوبة: 81]. # وأنشدوا في ذلك: [الكامل] # 3447- عفت الديار خلافهم فكأنما # بسط الشواطب بينهن حصيرا # والمعنى: بعد خروجك، وكثر إضافة " قبل " و " بعد " ونحوهما إلى ~~أسماء الأعيان؛ على حذف مضاف، فيقدر من قولك: جاء زيد قبل عمرو، أي: ~~قبل مجيئه. # قوله تعالى: { إلا قليلا } يجوز أن تكون صفة لمصدر، أو لزمان ~~محذوف، أي: إلا لبثا قليلا، أو إلا زمانا قليلا؛ أي: حتى يهلكوا، ~~فالمراد بالقليل: إما مدة حياتهم، وإما ما بين خروج النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى المدينة إلى حين قتلهم ببدر. ### || [17.77] # قوله تعالى: { سنة }: فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن ينتصب على المصدر المؤكد، أي: سن الله ذلك سنة، أو سننا ~~ذلك سنة. # الثاني: - قاله الفراء - رحمه الله - أنه على إسقاط الخافض، أي: ~~كسنة الله تعالى، وعلى هذا لا يوقف على قوله " إلا قليلا ". # الثالث: أن ينتصب على المفعول به، أي: اتبع سنة. # فصل في سنة الله في رسله # سنة الله في الرسل، إذا كذبتهم الأمم: ألا يعذبهم، ما دام ~~نبيهم بين أظهرهم، فإذا خرج نبيهم من بين أظهرهم، عذبهم { ولا ~~تجد لسنتنا تحويلا } أي: إن ما أجرى الله به العادة، لم ~~يتهيأ لأحد أن يقلب تلك العادة؛ لأن اختصاص كل حادث بوقته ~~المعين، وصفته ms5676 المعينة ليس أمرا ثابتا له لذاته، وإلا لزم أن يدوم ~~أبدا على تلك الحالة، وألا يتميز الشيء عما يماثله في تلك ~~الصفات، بل إنما يحصل ذلك التخصيص بتخصيص المخصص، وهو الله تعالى ~~يريد تحصيله في ذلك الوقت، ثم تتعلق قدرته بتحصيله في ذلك الوقت، فنقول: ~~هذه الصفات الثلاث المؤثرة في حصول ذلك الاختصاص، إن كانت حادثة، افتقر ~~حدوثها إلى مخصص آخر، وتسلسل؛ وهو محال، وإن كانت قديمة، فالقديم ~~يمتنع تغيره؛ لأن ما ثبت قدمه، امتنع عدمه، ولما كان التغير على ~~تلك الصفات المؤثرة في ذلك الاختصاص ممتنعا، كان التغير في تلك ~~الأشياء المقدرة ممتنعا، فثبت بهذا البرهان صحة قوله تعالى: { ولا ~~تجد لسنتنا تحويلا }. ### || [17.78-79] # في النظم وجوه: # أولها: أنه تعالى لما قرر الإلهيات والمعاد، والنبوة، أردفها بذكر ~~الآية بالطاعات، وأشرف الطاعات بعد الإيمان الصلاة، فلهذا أمر بها. # وثانيها: أنه تعالى، لما قال: # وإن كادوا ليستفزونك من الأرض # [الإسراء: 76]. # أمره تعالى بالإقبال على عبادته؛ لكي ينصره الله، فكأنه قيل: لا تبال ~~بسعيهم في إخراجك من بلدك، ولا تلتفت إليهم، واشتغل بعبادة الله، والدوام ~~على الصلاة؛ فإنه تعالى يدفع مكرهم وشرهم عنك، ويجعل يدك فوق أيديهم، ~~ودينك عاليا على أديانهم. # نظيره قوله تعالى: # فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل ~~طلوع الشمس وقبل غروبها ومن ؤانآء الليل ~~فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى # [طه: 130]. # وقال تعالى: # ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح ~~بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى ~~يأتيك اليقين # [الحجر: 97-99]. # وثالثها: أن اليهود، لما قالوا له: اذهب إلى الشام، فإنه مسكن ~~الأنبياء، وعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الذهاب إليه، فكأنه ~~قيل له: المعبود واحد في كل البلاد، وما النصر والقوة والدولة إلا ~~بتأييده ونصرته، فدوام على الصلوات، وارجع إلى مقرك ومسكنك، فقل: # رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق # [الإسراء: 80] " واجعل لي " في هذه البلد # من لدنك سلطانا نصيرا # [الإسراء: 80] في تقرير دينك، وإظهار شريعتك. # قوله تعالى: { لدلوك }: في هذه اللام وجهان: ms5677 # أحدهما: أنها بمعنى " بعد " أي: بعد دلوك الشمس، ومثله قول متمم ~~بن نويرة: [الطويل] # 3448- فلما تفرقنا كأني ومالكا # لطول اجتماع لم نبت ليلة معا # ومثله قولهم: " كتبته لثلاث خلون ". # والثاني: أنها على بابها، أي: لأجل دلوك، قال الواحدي: " لأنها ~~إنما تجب بزوال الشمس ". # والدلوك: مصدر دلكت الشمس، وفيه ثلاثة أقوال: # أشهرها: أنه الزوال، وهو نصف النهار. وهو قول ابن عباس - رضي الله ~~عنه - وابن عمر، وجابر، وعطاء، وقتادة، ومجاهد، والحسن، وأكثر ~~التابعين - رضي الله عنهم -. # روى الواحدي في " البسيط " عن جابر - رضي الله عنه - قال: طعم عندي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم خرجوا حين زالت الشمس؛ فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " هذا حين دلكت الشمس ". # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أتاني جبريل صلوات الله عليه لدلوك الشمس، حين زالت ~~الشمس؛ فصلى بي الظهر ". # وقال أهل اللغة: الدلوك في كلام العرب: الزوال، ولذلك قيل للشمس، ~~إذا زالت نصف النهار: دالكة، وقيل لها، إذا أفلت: دالكة؛ لأنها في ~~الحالتين زائلة، قاله الأزهري. # وقال القفال: أصل الدلوك: الميل؛ يقال: مالت الشمس للزوال، ~~ويقال: مالت للغروب. # وإذا ثبت ذلك، وجب أن يكون المراد من الدلوك ها هنا الزوال عن كبد ~~السماء، لأنه تعالى علق إقامة الصلاة بالدلوك، والدلوك عبارة عن ~~الميل والزوال؛ فوجب أن يقال: إنه أول ما حصل الميل والزوال، تعلق ~~به هذا الحكم. # وقال الأزهري: الأولى حمل الدلوك على الزوال في نصف النهار؛ لأنا ~~إذا حملناه عليه كانت الآية جامعة لمواقيت الصلاة كلها؛ فدلوك الشمس ~~يتناول صلاة الظهر والعصر إلى غسق الليل، ثم قال: " وقرآن الفجر " ~~وعلى هذا التقدير: يتناول المغرب والعشاء، وقرآن الفجر صلاة الفجر إذا ~~حملناه على الغروب لم يدخل فيه إلا ثلاث صلوات، وهي المغرب والعشاء ~~والفجر، وحمل كلام الله - تعالى - على ما يكون أكثر فائدة أولى، وأيضا، ~~فالقائلون به أكثر. # القول الثاني: أن الدلوك: هو الغروب، وهو قول ابن مسعود، وبه قال ~~إبراهيم النخعي، ومقاتل بن حيان، والضحاك والسدي، وهو ms5678 اختيار ~~الفراء واحتج له بقول الشاعر: [الرجز] # 3449- هذا مقام قدمي رباح # ذبب حتى دلكت براح # أي: غربت براح، وهي الشمس، وأنشد ابن قتيبة على ذلك قول ذي الرمة: ~~[الطويل] # 3450- مصابيح ليست باللواتي تقودها # نجوم ولا بالآفلات الدوالك # أي: الغاربات. # وهذا استدلال ضعيف؛ لأن الدلوك عبارة عن الميل والتغير، وهو ~~حاصل في الغروب، فكان الغروب نوعا من أنواع الدلوك، فكان وقوع لفظ ~~الدلوك على الغروب لا ينافي وقوعه على الزوال، كما أن وقوع لفظ ~~الحيوان على الإنسان لا ينافي وقوعه على الفرس. # القول الثالث: أنه من الزوال إلى الغروب، قال الزمخشري: " واشتقاقه ~~من الدلك؛ لأن الإنسان يدلك عينه عند النظر إليها " وهذا يفهم ~~أنه ليس بمصدر؛ لأنه جعله مشتقا من المصدر؛ واستدلوا بهذا على أن ~~الدلوك هو الغروب، قالوا: وهذا إنما يصح في الوقت الذي يمكن النظر ~~إليها، أما عند كونها في وسط السماء، ففي ذلك الوقت لا يمكن النظر ~~إليها، فثبت أن الدلوك هو الغروب. # والجواب: أن الحاجة إلى ذلك التبيين عند كونها في وسط السماء ~~أتم، فالذي ذكرتم يدل على أن الدلوك عبارة عن الزوال من وسط ~~السماء؛ بطريق الأولى. # وقال الراغب: " دلوك الشمس: ميلها للغروب، وهو من قولهم: دلكت ~~الشمس: دفعتها بالراح، ومنه: دلكت الشيء في الراحة، ودلكت ~~الرجل: ماطلته، والدلوك: ما دلكته من طيب، والدليك: طعام ~~يتخذ من زبد وتمر ". # قوله: { إلى غسق الليل } في هذا الجار وجهان: # أحدهما: أنه متعلق ب " أقم " فهي لانتهاء غاية الإقامة، وكذلك ~~اللام في " لدلوك " متعلقة به أيضا. # والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من " الصلاة " أي: أقمها ~~ممدودة إلى غسق الليل، قاله أبو البقاء، وفيه نظر: من حيث إنه قدر ~~المتعلق كونا مقيدا، إلا أن يريد تفسير المعنى، لا الإعراب. # والغسق: دخول أول الليل، قاله ابن شميل، وأنشد: [الرجز] # 3451- إن هذا الليل قد غسقا # واشتكيت الهم والأرقا # وقيل:هو سواد الليل، وظلمته، وأصله من السيلان: غسقت العين، أي: ~~سال دمعها، فكأن الظلمة تنصب على العالم، وتسيل عليهم؛ قال: ~~[البسيط] # 3452- ظلت ms5679 تجود يداها وهي لاهية # حتى إذا هجم الإظلام والغسق # ويقال: غسقت العين: امتلأت دمعا، وغسق الجرح: امتلأ دما؛ فكأن ~~الظلمة ملأت الوجود. # وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: الغسق: بدو الليل # وقال قتادة: وقت صلاة المغرب. # وقال مجاهد: غروب الشمس. # والغاسق في قوله: # ومن شر غاسق # [الفلق: 3] قيل: المراد به: القمر، إذا كسف، واسود. # قال - صلوات الله وسلامه عليه - لعائشة - رضي الله عنها - حين رأت كسوف ~~القمر: # " استعيذي من شر الغاسق إذا وقب ". # وقيل: الليل، والغساق، بالتخفيف، والتشديد: ما يسيل من صديد أهل ~~النار، ويقال: غسق الليل، وأغسق، وظلم، وأظلم، ودجى، ~~وأدجى، وغبش، وأغبش، نقله الفراء. # فصل في معنى الغسق # قال الأزهري: غسق الليل عندي: غيبوبة الشفق عند تراكم الظلمة، ~~واشتدادها، يقال: غسقت العين، إذا امتلأت دمعا، وغسقت الجراحة: إذا ~~امتلأت دما. # قال: لأنا إذا حملنا الشفق على هذا المعنى، دخلت الصلوات الأربعة ~~فيه، وهي الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، ولو حملنا الغسق على ظهور ~~أول الظلمة، لم يدخل فيه الظهر والعصر؛ فوجب أن يكون الأول أولى. # واعلم أنه يتفرع على هذين الوجهين بحث حسن؛ فإن فسرنا الغسق ~~بظهور أول الظلمة، كان الغسق عبارة عن أول المغرب، وعلى هذا: يكون ~~المذكور في الآية ثلاثة أوقات: وقت الزوال، ووقت أول المغرب، ووقت ~~الفجر، وهذا يقتضي أن يكون الزوال: وقتا للظهر والعصر، فيكون هذا ~~الوقت مشتركا بين هاتين الصلاتين، وأن يكون أول وقت المغرب وقتا ~~للمغرب والعشاء، فيكون هذا الوقت مشتركا أيضا بين هاتين الصلاتين، فهذا ~~يقتضي جواز الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء مطلقا، إلا ~~أنه دل الدليل على أن الجمع في الحضر من غير عذر لا يجوز؛ فوجب أن ~~يكون الجمع جائزا مع العذر. # وإذا فسرنا الغسق بالتراكم، فنقول: الظلمة المتراكمة، إنما تحصل عند ~~غيبوبة الشفق الأبيض، وكلمة " إلى " لانتهاء الغاية، والحكم الممدود ~~إلى غاية يكون مشروعا قبل حصول تلك الغاية؛ فوجب إقامة الصلوات كلها ~~قبل غيبوبة الشفق الأبيض، وهذا إنما يصح إذا قلنا: إنها تجب عند ~~غيبوبة الشفق الأحمر. ms5680 # قوله تعالى: { وقرءان الفجر } فيه أوجه: # أحدها: أنه عطف على " الصلاة " أي: وأقم قرآن الفجر، والمراد به صلاة ~~الصبح، عبر عنها ببعض أركانها. # والثاني: أنه منصوب على الإغراء، أي: وعليك قرآن الفجر، كذا قدره ~~الأخفش وتبعه أبو البقاء، وأصول البصريين تأبى هذا؛ لأن أسماء الأفعال ~~لا تعمل مضمرة. # الثالث: انه منصوب بإضمار فعل، أي: كثر قرآن، أو الزم قرآن الفجر. # فصل في دلالة الآية # دلت هذه الآية على أمور: # منها: أن الصلاة لا تكون إلا بقراءة؛ لقوله تعالى: { أقم ~~الصلوة }. # ومنها: أنه تعالى أضاف القرآن إلى الفجر، و التقدير: وأقم قرآن الفجر. # ومنها: أنه علق القراءة بحصول الفجر، وفي أول طلوع الصبح قد حصل ~~الفجر؛ لأن الفجر سمي فجرا؛ لانفجار ظلمة الليل عن نور الصباح، ~~وظاهر الأمر الوجوب، فاقتضى هذا اللفظ وجوب إقامة صلاة الفجر من أول ~~طلوعه، إلا أن الإجماع على أن هذا الوجوب غير حاصل؛ فوجب أن يبقى ~~على الندب؛ لأن الوجوب عبارة عن رجحان مانع من الترك، فإذا منع ~~مانع من تحقق الوجوب، وجب أن يرتفع المنع من الترك، وأن يبقى أصل ~~الرجحان؛ حتى تنقل مخالفة الدليل؛ فثبت أن هذه الآية تقتضي أن ~~إقامة الفجر في أول الوقت أفضل؛ وهذا يدل على أن التغليس أفضل من ~~التنوير. # ومنها أن القراءة تكون في هذه الصلاة أطول من القراءة في سائر الصلوات؛ ~~لأن المقصود من قوله تعالى: { وقرءان الفجر إن قرءان ~~الفجر كان مشهودا } الحث على طول القراءة في هذه الصلاة؛ لأن ~~التخصيص بالذكر يدل على أنه أكمل من غيره. # ومنها: قوله تعالى: { إن قرءان الفجر كان مشهودا }. # ومعناه: أن ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون في صلاة الصبح خلف ~~الإمام، تنزل ملائكة النهارعليهم، وهم في الصلاة؛ قبل أن تعرج ~~ملائكة الليل، وإذا فرغ الإمام من الصلاة، عرجت ملائكة الليل، ومكثت ~~ملائكة النهار، ثم إن ملائكة الليل إذا صعدت، قالت: يا رب، إنا ~~تركنا عبادك يصلون لك، وتقول ملائكة النهار: ربنا، أتينا عبادك ~~يصلون لك، فيقول الله تعالى لملائكته: اشهدوا ms5681 أني قد غفرت لهم. # وهذا يدل على أن التغليس أفضل من التنوير، لأن الإنسان، إذا شرع ~~فيها من [أول] الصبح، ففي ذلك الوقت: الظلمة باقية، فتكون ملائكة ~~الليل حاضرين، ثم إذا امتدت الصلاة بسبب ترتيل القراءة، وتكثيرها، ~~زالت الظلمة، وظهر الضوء، وحضرت ملائكة النهار، وأما إذا ابتدأ بهذه ~~الصلاة في وقت التنوير، فهناك لم يبق أحد من ملائكة الليل؛ فلا يحصل ~~المعنى المذكور، فقوله جل ذكره: { كان مشهودا }. يدل على أن ~~التغليس أفضل. # قوله تعالى: { ومن الليل }: في " من " هذه وجهان: # أحدهما: أنها متعلقة ب " تهجد " أي: تهجد بالقرآن بعض الليل. # والثاني: أنها متعلقة بمحذوف، تقديره: وقم قومة من الليل، أو: واسهر من ~~الليل، ذكرهما الحوفي، وقال الزمخشري: " وعليك بعض الليل، فتهجد به ~~" فإن كان أراد تفسير المعنى، فقريب، وإن أراد تفسير الإعراب، فلا ~~يصح؛ لأن المغرى به لا يكون حرفا، وجعله " من " بمعنى " بعض " لا ~~يقتضي اسميتها؛ بدليل أن واو " مع " ليست اسما بإجماع، وإن كانت ~~بمعنى اسم صريح وهو " مع ". # والضمير في " به ": # الظاهر: عوده على القرآن؛ من حيث هو، لا بقيد إضافته إلى الفجر. # والثاني: أنها تعود على الوقت المقدر، أي: وقم وقتا من الليل، فتهجد ~~بذلك الوقت، فتكون الباء بمعنى " في ". # قوله " نافلة " فيها أوجه: # أحدها: أنها مصدر، أي: تنفل نافلة لك على الصلوات المفروضة. # والثاني: أنها منصوبة ب " تهجد " لأنه في معنى " تنفل " فكأنه قيل: ~~تنفل نافلة، والنافلة، مصدر؛ كالعاقبة، والعافية. # الثالث: أنها منصوبة على الحال، أي: صلاة نافلة، قاله أبو البقاء، ~~وتكون حالا من الهاء في " به " إذا جعلتها عائدة على القرآن، لا على ~~وقت مقدر. # الرابع: أنها منصوبة على المفعول بها، وهو ظاهر قول الحوفي، فإنه ~~قال: " ويجوز أن ينتصب " نافلة " بتهجد، إذا ذهبت بذلك إلى معنى: ~~صل به نافلة، أي: صل نافلة لك ". # والتهجد: ترك الهجود، وهو النوم، " وتفعل " يأتي للسلب، ~~نحو: تحرج، وتأثم، وفي الحديث: # " كان يتحنث بغار حراء " # وفي الهجود خلاف بين أهل اللغة، فقيل: هو النوم؛ قال: [الطويل] # 3453- وبرك ms5682 هجود قد أثارت مخافتي # ................. # وقال الآخر: [الطويل] # 3454- ألا طرقتنا والرفاق هجود # ................... # وقال آخر: [الوافر] # 3455- ألا زارت وأهل منى هجود # وليت خيالها بمنى يعود # فهجود: نيام، جمع " هاجد " كساجد، وسجود، وقيل: الهجود: مشترك ~~بين النائم والمصلي، قال ابن الأعرابي: " تهجد: صلى من الليل، ~~وتهجد: نام " وهو قول أبي عبيدة والليث - رحمهما الله تعالى -. # قال الواحدي: الهجود في اللغة: النوم، وهو كثير في الشعر. # يقال: أهجدته وهجدته، أي: أنمته ومنه قول لبيد [الرمل] # 3456- قال: هجدنا فقد طال السرى # ........................... # كأنه قال: نومنا؛ فقد طال السرى؛ حتى غلب علينا النوم، وقال ~~الأزهري: المعروف في كلام العرب: أن الهاجد هو النائم، ثم رأينا في ~~الشرع أن من قام إلى الصلاة من النوم يسمى هاجدا أي ~~متهجدا؛ فيحمل هذا على أنه سمي متهجدا؛ لإلقائه الهجود عن ~~نفسه؛ كما ياقل للعابد: " متحنث "؛ لإلقائه الحنث عن نفسه، وروي أن ~~الحجاج بن عمرو المازني قال: أيحسب أحدكم، إذا قام من الليل، ~~فصلى حتى يصبح أنه قد تهجد، إنما التهجد الصلاة بعد الرقاد، ~~ثم صلاة أخرى بعد رقدة، ثم صلاة أخرى بعد رقدة، هكذا كانت صلاة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم دائما عليه. # والنافلة في اللغة: الزيادة على الأصل، وقد تقدم في الأنفال، وفي ~~تفسير كونها زيادة ها هنا قولان مبنيان على أن صلاة الليل، هل كانت ~~واجبة على النبي صلى الله عليه وسلم أم لا؟. # فقيل: إنها واجبة عليه؛ لقوله سبحانه وتعالى: # يأيها المزمل قم الليل إلا قليلا # [المزمل: 1، 2] ثم نسخت، فصارت نافلة، أي: تطوعا وزيادة على الفرائض. # وذكر مجاهد والسدي في تفسير كونها نافلة وجها حسنا، قالا: إن الله ~~قد غفر للنبي صلى الله عليه وسلم ما تقدم من ذنبه، وما تأخر، فكل ~~طاعة يأتي بها صلى الله عليه وسلم سوى المكتوبة لا تؤثر في كفارة ~~الذنب، بل تؤثر في زيادة الدرجات، وكثرة الثواب؛ فكان المقصود من ~~تلك العبادة زيادة الثواب، فلهذا سمي نافلة؛ بخلاف الأمة؛ فإن لهم ~~ذنوبا محتاجة إلى التكفير، فهذه الطاعة يحتاجون إليها؛ لتكفير ms5683 السيئات ~~عنهم؛ فثبت أن هذه الطاعات إنما تكون زوائد ونوافل في حق النبي صلى ~~الله عليه وسلم لا في حق غيره، فلهذا قال: " نافلة لك " ، فهذا معنى ~~يخصصه. # وأما من قال: إن صلاة الليل كانت واجبة على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقالوا: معنى كونها نافلة له على التخصيص، يعني: أنها فريضة لك، ~~زائدة على الصلوات الخمس، خصصت بها من دون أمتك؛ ويدل على هذا ~~القول قوله تعالى: { فتهجد } والأمر للوجوب، ويرد هنا قوله: { ~~نافلة لك]، لأنه لو كان المراد الوجوب، لقال: " نافلة عليك ~~". # واعلم أن قوله تعالى: { أقم الصلوة لدلوك الشمس ~~إلى غسق الليل وقرءان الفجر } وإن كان ظاهر الأمر ~~فيه مختصا بالرسول - صلوات الله عليه وسلامه - إلا أنه في المعنى ~~عام في حق الأمة؛ ويدل عليه قوله تعالى: { ومن الليل ~~فتهجد به نافلة لك } بين أن الأمر بالتهجد يختص ~~بالرسول - صلوات الله وسلامه عليه - والأمر بالصلوات الخمس غير مخصوص ~~بالرسول - صلوات عليه - وإلا لم يكن لتقييد المر بالتهجد بهذا القيد ~~فائدة. # قوله تعالى: { عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا } في ~~نصب " مقاما " أربعة أوجه: # أحدها: أنه منصوب على الظرف، أي: يبعثك في مقام. # الثاني: أن ينتصب بمعنى " يبعثك "؛ لأنه في معنى " يقيمك "؛ يقال: ~~أقيم من قبره، وبعث منه، بمعنى، فهو نحو: قعد جلوسا. # الثالث: أنه منصوب على الحال، أي: يبعثك ذا مقام محمود. # الرابع: أنه مصدر مؤكد، وناصبه مقدر، أي: فيقوم مقاما. # و " عسى " على الأوجه الثلاثة دون الرابع يتعين فيها أن تكون ~~التامة؛ فتكون مسندة إلى " أن " وما في حيزها؛ إذ لو كانت ناقصة على ~~أن يكون " أن يبعثك " خبرا مقدما، و " ربك " اسما مؤخرا؛ ~~لزم من ذلك محذور: وهو الفصل بأجنبي بين صلة الموصول ومعمولها، فإن " ~~مقاما " على الأوجه الثلاثة الأول: منصوب ب " يبعثك " ، وهو صلة ~~ل " أن " ، فإذا جعلت " ربك " اسمها، كان أجنبيا من الصلة، فلا ~~يفصل به، وإذا جعلته فاعلا، لم يكن أجنبيا، فلا يبالي بالفصل به. # وأما على الوجه الرابع: فيجوز أن ms5684 تكون التامة والناقصة بالتقديم ~~والتأخير؛ لعدم المحذور؛ لأن " مقاما " معمول لغير الصلة. # وقوله: " محمودا " في انتصابه وجهان: # أحدهما: أنه منصوب على الحال من قوله: يبعثك، أي: يبعثك محمودا. # والثاني: أن يكون نعتا للمقام. # فصل في معنى " عسى " من الله # اتفق المفسرون على أن كلمة " عسى " من الله واجب. # قال أهل المعاني: لأنه لفظ يفيد الإطماع، ومن أطمع إنسانا في شيء، ثم ~~حرمه، كان عارا، والله تعالى أكرم من أن يطمع واحدا في شيء، ثم لا ~~يعطيه. # وفي تفسير المقام المحمود أربعة أقوال: # الأول: أنه الشفاعة. # قال الواحدي: أجمع المفسرون على أنه مقام الشفاعة؛ كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم في هذه الآية: " هو المقام الذي أشفع لأمتي فيه ". # قال ابن الخطيب: واللفظ مشعر به؛ لأن الإنسان إنما يصير محمودا إذا ~~حمده حامد، والحمد، إنما يكون على الإنعام، فهذا المقام المحمود يجب أن ~~يكون مقاما أنعم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوم، فحمدوه على ~~ذلك الإنعام، وذلك الإنعام لا يجوز أن يكون تبليغ الدين، وتعليم ~~الشرائع؛ لأن ذلك كان حاصلا في الحال، وقوله: { عسى أن يبعثك ~~ربك } تطميع، وتطميع الإنسان في الشيء الذي حصل له وعده محال؛ فوجب ~~أن يكون ذلك الإنعام الذي لأجله يصير محمودا إنعاما يصل منه بعد ذلك ~~إلى الناس، وما ذاك إلا شفاعته عند الله تعالى. # وأيضا: التنكير في قوله: { مقاما محمودا } يدل على أنه يحصل ~~للنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام حمد بالغ عظيم كامل، ومن ~~المعلوم أن حمد الإنسان على سعيه في التخليص من العذاب أعظم من حمده في ~~السعي في زيادة الثواب؛ لأنه لا حاجة به إليها؛ لأن حاجة الإنسان ~~في رفع الآلام العظيمة عن النفس فوق احتياجه إلى تحصيل المنافع الزائدة ~~التي لا حاجة به إلى تحصيلها، وإذا ثبت هذا، وجب أن يكون المراد من قوله ~~تعالى: { عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا } هو ~~الشفاعة في إسقاط العقاب؛ على ما هو مذهب أهل السنة. # ولما ثبت أن ms5685 لفظ الآية مشعر بهذا المعنى إشعارا قويا، ثم وردت ~~الأخبار الصحيحة في تقرير هذا المعنى، وجب حمل اللفظ عليه، ومما يؤكد ~~ذلك الدعاء المشهور عنه في إجابة المؤذن: " وابعثه المقام المحمود الذي ~~وعدته ". # واتفق الناس على أن المراد منه الشفاعة. # والقول الثاني: قال حذيفة: يجمع الناس في صعيد، فلا تتكلم نفس، ~~فأول من يتكلم محمد - صلوات الله وسلامه عليه - فيقول: لبيك، ~~وسعديك، والشر ليس إليك، والمهدي من هديت، والعبد بين ~~يديك، وبك وإليك، لا منجى ولا ملجأ منك إلا إليك، ~~تباركت، وتعاليت، سبحانك رب البيت ". # قال: فهذا هو المراد من قوله عز وجل: { عسى أن يبعثك ~~ربك مقاما محمودا }. # والقول الأول أولى؛ لأن سعيه في الشفاعة يفيد إقدام الناس على حمده، ~~فيصير محمودا، وأما ذكر هذا الدعاء، فلا يفيد إلا الثواب، أما ~~الحمد، فلا. # فإن قالوا: لم لا يجوز أن يقال: إنه تعالى يحمده على هذا القول؟. # فالجواب: أن الحمد في اللغة: مختص بالثناء المذكور في مقابلة ~~الإنعام بلفظ، فإن ورد لفظ " الحمد " في غير هذا المعنى، فعلى سبيل ~~المجاز. # القول الثالث: المراد مقام تحمد عاقبته، وهذا ضعيف؛ لما ذكرنا. # القول الرابع: قال الواحدي - رحمه الله -: روي عن ابن عباس - رضي ~~الله عنه - أنه قال: يقعد الله محمدا على العرش، وعن مجاهد أنه قال: ~~يجلسه معه على العرش. # قال الواحدي: وهذا قول رذل موحش فظيع، ونص الكتاب يفسد هذا التفسير ~~من وجوه: # الأول: أن البعث ضد الإجلاس، يقال: بعثت الناقة، وبعث الله الميت، ~~أي: أقامه من قبره، فتفسير البعث بالإجلاس تفسير الضد بالضد؛ وهو ~~فاسد. # والثاني: أنه تعالى، لو كان جالسا على العرش، بحيث يجلس عنده محمد - ~~صلوات الله وسلامه عليه - لكان محدودا متناهيا، ومن كان كذلك، فهو ~~محدث. # الثالث: أنه تعالى قال: { مقاما محمودا } ولم يقل: مقعدا، ~~والمقام: موضع القيام، لا موضع القعود. # الرابع: أن جلوسه مع الله على العرش ليس فيه كثير إعزاز؛ لأن هؤلاء ~~الحمقاء يقولون: إن أهل الجنة كلهم يجلسون معه ويرونه، وإنه تعالى ~~يسألهم عن ms5686 أحوالهم التي كانوا عليها في الدنيا، وإذا كانت هذه الحالة ~~حاصلة عندهم لكل المؤمنين، لم يكن في تخصيص محمد صلى الله عليه وسلم ~~بذلك مزيد شرف ومرتبة. # الخامس: أنه إذا قيل: السلطان بعث فلانا، فهم منه أنه أرسله لإصلاح ~~مهماتهم، ولا يفهم أنه أجلسه مع نفسه؛ فثبت أن هذا القول كلام رذل، لا ~~يميل إليه إلا قليل العقل، عديم الدين. ### || [17.80-84] # قوله تعالى: { وقل رب أدخلني مدخل صدق } الآية. # يحتمل أن يكون " مدخل " مصدرا، وأن يكون ظرف مكان، وهو الظاهر، ~~والعامة على ضم الميم فيهما؛ لسبقهما بفعل رباعي، وقرأ قتادة، وأبو ~~حيوة، وإبراهيم بن أبي عبلة، وحميد بفتح الميم فيهما: إما لأنهما ~~[مصدران على حذف الزوائد؛ ك # أنبتكم من الأرض نباتا # [نوح: 17]؛ وإما لأنهما] منصوبان بمقدر موافق لهما، تقديره: فادخل ~~مدخل، واخرج مخرج، وقد تقدم هذا مستوفى في قراءة نافع في سورة النساء ~~[الآية: 31]، وأنه قرأ كذلك في سورة الحج [الآية: 59]. # و " مدخل صدق " ، و " مخرج صدق " من إضافة التبيين، وعند ~~الكوفيين من إضافة الموصوف لصفته؛ لأنه يوصف به مبالغة. # و " سلطانا " هو المفعول الأول للجعل، والثاني أحد الجارين ~~المتقدمين، والآخر متعلق باستقراره، وقوله " نصيرا " يجوز أن يكون ~~محولا من " فاعل " للمبالغة، وأن يكون بمعنى مفعول. # فصل في معنى " مدخل صدق " و " مخرج صدق " # قد تقدم في قوله: # وإن كادوا ليستفزونك من الأرض # [الإسراء: 76] قولان: # أحدهما: أن يكون المراد منه سعي كفار مكة في إخراجه منها. # والثاني: المراد منه اليهود؛ قالوا له: الأولى أن تخرج من المدينة إلى ~~الشام، ثم قال: " أقم الصلاة " واشتغل بعبادة الله تعالى، ولا تلتفت ~~إلى هؤلاء الجهال، فإن الله تعالى يعينك، ثم عاد بعد هذا الكلام ~~إلى شرح تلك الواقعة من أن كفار مكة أرادوا إخراجه، فأراد الله تعالى ~~هجرته إلى المدينة، وقال له: { وقل رب أدخلني مدخل صدق ~~} ، وهو المدينة، { وأخرجني مخرج صدق } ، وهو مكة، وهذا ~~قول ابن عباس، والحسن، وقتادة. # وعلى التفسير الثاني، وهو أن المراد منها أن اليهود حملوه على الخروج ~~من ms5687 المدينة والذهاب إلى الشام، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ثم أمر بأن يرجع إليها، فلما عاد إلى المدينة، قال: " رب أدخلني ~~مدخل صدق " وهي المدينة، " وأخرجني مخرج صدق " يعني: إلى مكة؛ ~~[بالفتح]، أي: افتحها. # وقال الضحاك: " أدخلني مدخل صدق " ظاهرا على مكة بالفتح " ~~وأخرجني مخرج صدق " من مكة، آمنا من المشركين. # وقال مجاهد: أدخلني في أمرك الذي أرسلتني به من النبوة، والقيام بمهمات ~~أداء شريعتك، " وأخرجني " من الدنيا، وقد قمت بما وجب علي من ~~حقها " مخرج صدق " أي: إخراجا لا يبقى علي منها تبعة. # وعن الحسن: " أدخلني مدخل صدق " الجنة، " وأخرجني مخرج ~~صدق " أي: إخراجا لا يبقى علي منها تبعة من مكة. # وقيل: أدخلني في طاعتك، وأخرجني من المناهي. # وقيل: أدخلني القبر مدخل صدق، وأخرجني منه مخرج صدق، وقيل: أدخلني ~~حيث ما أدخلتني بالصدق، وأخرجني بالصدق، أي: لا تجعلني ممن يدخل ~~بوجه، ويخرج بوجه، فإن ذا الوجهين لم يكن عند الله وجيها. # ووصف الإدخال والإخراج بالصدق؛ لما يئول إليه الدخول والخروج من ~~النصر، والعز، ودولة الدين، كما وصف القدم بالصدق؛ فقال: # أن لهم قدم صدق عند ربهم # [يونس: 2]. # { واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا }. # قال مجاهد: حجة بينة ظاهرة تنصرني بها على جميع من خالفني، وقال الحسن: ~~ملكا قويا تنصرني به على من عاداني، وعزا ظاهرا أقيم به دينك، وقد ~~أجاب الله - تعالى - دعاءه، وأعلمه أنه يعصمه من الناس؛ فقال: # والله يعصمك من الناس # [المائدة: 67]. وقال: # ألا إن حزب الله هم المفلحون # [المجادلة: 22]. # وقال: # ليظهره على الدين كله # [التوبة: 33]. # ولما سأل الله تعالى النصرة، بين أنه أجاب دعاءه؛ فقال: { وقل ~~جآء الحق }. وهو دينه وشرعه. # قوله: { وزهق الباطل }. وهو كل ما سواه من الأديان، والشرائع، ~~قاله السدي. # وقيل: جاء الحق، أي: القرآن. وزهق الباطل، أي: ذهب الشيطان، قاله ~~قتادة. # وقيل: الحق: عبادة الله تعالى، والباطل عبادة الأصنام. # وعن ابن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح، ~~وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما، فجعل يضربها بعود ms5688 في يده، وجعل ~~يقول: { جآء الحق وزهق الباطل }. # [أي: ذهب الشيطان] كان الصنم ينكب على وجهه. # قوله: { إن الباطل كان زهوقا }. أي: إن الباطل، وإن كان ~~له دولة، لا يبقى، بل يزول بسرعة. # والزهوق: الذهاب، والاضمحلال؛ قال: [الكامل] # 3457- ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها # إقدامه بمزالة لم يزهق # يقال: زهقت نفسي تزهق زهوقا بالضم، وأما الزهوق، بالفتح، فمثال ~~مبالغة؛ كقوله: [الطويل] # 3458- ضروب بنصل السيف سوق سمانها # ................................. # قوله تعالى: { وننزل من القرءان }: في " من " هذه ثلاثة ~~أوجه: # أحدها: أنها لبيان الجنس، قاله الزمخشري، وابن عطية، وأبو البقاء، ~~ورد عليهم أبو حيان: بأن التي للبيان، لا بد وأن يتقدمها ما تبينه، ~~لا أن تتقدم هي عليه، وهنا قد وجد تقدمها عليه. # الثاني: أنها للتبعيض، وأنكره الحوفي؛ قال: " لأنه يلزم ألا يكون بعضه ~~شفاء " وأجيب عنه: بأن إنزاله إنما هو مبعض، وهذا الجواب ليس ~~بظاهر، وأجاب أبو البقاء بأن منه ما يشفي من المرض. وهذا يؤيده ~~الدليل المتقدم، وأجاز الكسائي: " ورحمة " بالنصب عطفا على ما ~~تظاهر وهذا قد وجد بدليل رقية بعض الصحابة سيد الحي الذي لدغ، ~~بالفاتحة؛ فشفي. # الثالث: أنها لابتداء الغاية، وهو واضح. # والجمهور على رفع " شفاء ورحمة " خبرين ل " هو " ، والجملة صلة ل ~~" ما " وزيد بن علي بنصبهما، وخرجت قراءته على نصبهما على الحال، ~~والخبر حينئذ " للمؤمنين " وقدمت الحال على عاملها المعنوي، كقوله ~~تعالى: { والسموات مطويات } [الزمر: 67] في قراءة من نصب " ~~مطويات " ، وقول النابغة: # 3459- رهط ابن كوز محقبي أدراعهم # فيهم ورهط ربيعة بن حذار # وقيل: منصوبان بإضمار فعل، وهذا عند من يمنع تقديمها على عاملها ~~المعنوي، وقال أبو البقاء: وأجاز الكسائي: " ورحمة " بالنصب عطفا على ~~" ما " فظاهر هذا أن الكسائي [بقى] " شفاء " على رفعه، ونصب " ~~رحمة " فقط عطفا على " ما " الموصولة؛ كأنه قيل: وننزل [من القرآن ~~رحمة، وليس في نقله ما يؤذن بأنه تلاها قرآنا، وتقدم الخلاف في] " ~~وننزل " تخفيفا وتشديدا، والعامة على نون العظمة. ومجاهد " ~~وينزل " بياء الغيبة، أي: الله. # فصل في المراد ب " من " في الآية # قال المفسرون: إن ms5689 " من " هنا للجنس؛ كقوله تعالى: # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # [الحج: 30]. # أي: وننزل من هذا الجنس الذي هو قرآن ما هو شفاء، فجميع القرآن ~~شفاء للمؤمنين، أي: بيان من الضلالة والجهالة يتبين به المختلف، ~~ويتضح به المشكل، ويستشفى به من الشبهة، ويهتدى به من الحيرة، وهو ~~شفاء للقلوب بزوال الجهل عنها. # واعلم أن القرآن شفاء من المراض الروحانية، والأمراض الجسمانية. # أما كونه شفاء من الأمراض الروحانية؛ لأن المرض الروحاني قسمان: # أحدهما: الاعتقادات الباطلة، وأشدها فسادا الاعتقادات الفاسدة في ~~الإلهيات، والنبوات، والمعاد، والقضاء، والقدر؛ والقرآن كله ~~مشتمل على دلائل الحق في هذه المطالب. # والثاني: الأخلاق المذمومة؛ والقرآن مشتمل على تفاصيلها، وتعريف ما فيها ~~من المفاسد، والإرشاد إلى الأخلاق الفاضلة، وكان القرآن شفاء من الأمراض ~~الروحانية. # وأما كونه شفاء من الأمراض الجسمانية؛ فلأن التبرك بقراءته يدفع ~~كثيرا من الأمراض؛ ويؤيده ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من لم يستشف بالقرآن، فلا شفاه الله تعالى ". # وما ورد في حديث الرقية بالفاتحة. # ثم قال: { ولا يزيد الظالمين إلا خسارا } المراد بالظالمين ~~ها هنا: المشركون؛ لأن سماع القرآن يزيدهم غضبا، وغيظا، وحقدا، ~~وكلما نزلت آية يتجدد تكذيب؛ فتزداد خسارتهم. # قال مجاهد وقتادة: لم يجالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو ~~نقصان: قضاء الله الذي قضاه شفاء ورحمة للمؤمنين، ولا يزيد الظالمين ~~إلا خسارا. # ثم إنه تعالى ذكر السبب الأصلي في وقوع هؤلاء الجهال في أودية ~~الضلال، وهو حب الدنيا، والرغبة في المال والجاه، واعتقادهم أن ذلك ~~إنما يحصل بجدهم واجتهادهم، فقال: { وإذآ أنعمنا على ~~الإنسان أعرض ونأى بجانبه }. # قال ابن عباس: الإنسان ها هنا هو الوليد بن المغيرة. # والأولى أن كل إنسان من شأنه إذا فاز بمقصوده، اغتر وصار غافلا عن ~~عبادة الله - تعالى - وتمرد على طاعته؛ كما قال: # كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى # [العلق: 6، 7]. # قوله تعالى: { ونأى }: قرأ العامة بتقديم الهمزة على حرف العلة؛ من ~~النأي، وهو البعد، وابن ذكوان - ونقلها أبو حيان وابن الخطيب عن ابن ms5690 ~~عامر وأبو جعفر: " ناء " مثل " جاء " بتقديم الألف على الهمزة، وفيها ~~تخريجان: أحدهما: أنها من: ناء، ينوء، أي: نهض؛ قال: [الرجز] # 3460- حتى إذا ما التأمت مفاصله # وناء في شق الشمال كاهله # والثاني: أنه مقلوب من " نأى " ، ووزنه " فلع " كقولهم في " رأى ": ~~" راء " إلى غير ذلك فيكونان بمعنى، ولكن متى أمكن عدم القلب، فهو ~~أولى، وهذا الخلاف أيضا في حم السجدة [فصلت: 51]. # وأمال الألف إمالة محضة الأخوان، وأبو بكر، عن عاصم، وبين بين؛ بخلاف ~~عنه، السوسي، وكذلك في فصلت، إلا أبا بكر؛ فإنه لم يمله. # وأمال فتحة النون في السورتين خلف، وأبو الحارث والدوري عن ~~الكسائي. # ثم قال: { وإذا مسه الشر } ، أي: الشدة، والضر { كان ~~يئوسا } أيسا قنوطا. # وقيل: معناه: أنه يتضرع، ويدعو عند الضر والشدة، فإذا تأخرت ~~الإجابة، أيس، ولا ينبغي للمؤمن أن ييئس من الإجابة، وإن تأخرت، ~~فيدع الدعاء. # قوله تعالى: { على شاكلته }: متعلق ب " يعمل " ، ~~والشاكلة: أحسن ما قيل فيها ما قاله الزمخشري والزجاج: أنها مذهبه ~~الذي يشاكل حاله في الهدى والضلالة؛ من قولهم: " طريق ذو شواكل " ، ~~وهي الطرق التي تشعبت منه؛ والدليل عليه قوله تعالى: { فربكم ~~أعلم بمن هو أهدى سبيلا } ، وقيل: على دينه، وقيل: خلقه، ~~وقال ابن عباس: " جانبه " وقال الحسن، وقتادة: على نيته. وقال الفراء: ~~" على طريقته، والمذهب الذي جبل عليه ". # [وهو] من " الشكل " وهو المثل؛ يقال: لست على شكلي، ولا شاكلتي، ~~وأما " الشكل " بالكسر فهو الهيئة؛ يقال: جارية حسنة الشكل، ~~وقال امرؤ [القيس] في " الشكل " بالفتح: [الكامل] # 3461- حي الحمول بجانب العزل # إذ لا يلائم شكلها شكلي # أي: لا يلائم مثلها مثلي. # قال ابن الخطيب: والذي يقوى عندي: أن المراد من المشاكلة ما قاله ~~الزجاج، والزمخشري؛ لقوله بعد ذلك: { فربكم أعلم بمن هو ~~أهدى سبيلا } [الإسراء: 84]. # وفيه وجه آخر: وهو أن المراد: أن كل أحد يفعل على وفق ما يشاكله ~~جوهر نفسه، ومقتضى روحه، فإن كانت مشرقة، ظاهرة، علوية، صدرت منه أفعال ~~فاضلة، وإن كانت نفسه كدرة خبيثة [مضلة ظلمانية، صدرت عنه أفعال ~~خسيسة] فاسدة. ms5691 # وأقول: اختلف العقلاء في أن النفوس الناطقة البشرية، هل هي مختلفة ~~بالماهية، أم لا؟. # منهم من قال: إنها مختلفة بالماهية، وإن اختلاف أحوالها وأفعالها ~~لاختلاف جواهرها وماهياتها. # ومنهم من قال: إنها متساوية في الماهية، واختلاف أحوالها وأفعالها ~~لاختلاف أمزجتها. # والمختار عندي: هو القسم الأول، والقرآن يشعر به؛ لأنه تعالى بين في ~~الآية المتقدمة: أن القرآن بالنسبة إلى البعض يفيد الشفاء، ~~والرحمة، وبالنسبة إلى الآخرين يفيد الخسار، والخزي، ثم أتبعه بقوله: { ~~قل كل يعمل على شاكلته }. # ومعناه: أن اللائق بتلك النفوس أن يظهر فيها القرآن الخير وآثار ~~الذكاء والكمال وبتلك النفوس الكدرة أن يظهر فيها من القرآن آثار الخزي ~~والضلال كما أن الشمس تعقد الملح وتلين الدهن وتبيض ثوب القصار، وتسود ~~وجهه، وهذا الكلام لا يتم المقصود به، إلا إذا كانت الأرواح والنفوس ~~مختلفة ماهياتها، فبعضها مشرقة صافية يظهر فيها من القرآن نور على ~~نور، وبعضها كدرة ظلمانية، ويظهر فيها من القرآن ضلال عل ضلال، ~~ونكال على نكال. # قوله: " أهدى " يجوز أن يكون من " اهتدى "؛ على حذف الزوائد، وأن ~~يكون من " هدى " المتعدي، وأن يكون من " هدى " القاصر، بمعنى " ~~اهتدى ". وقوله " سبيلا " تمييز. # [والمعنى:] فربكم أعلم بمن هو أوضح طريقا. ### || [17.85-88] # قوله تعالى: { ويسألونك عن الروح } الآية. # روي أن اليهود قالوا لقريش: اسألوا محمدا عن ثلاثة أشياء، فإن أجاب ~~عن كلها، أو لم يجب عن شيء، فليس بنبي، وإن أجاب عن اثنين، وأمسك عن ~~الثالث، فهو نبي؛ فاسألوا عن فتية فقدوا في الزمن الأول، فما ~~كان أمرهم؛ فإنهم كان لهم حديث عجيب؟ وعن رجل بلغ مشرق الشمس، ~~ومغربها، ما خبره؟ وعن الروح؛ فسألوه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " غدا أخبركم " # ولم يقل: إن شاء الله، فانقطع عنه الوحي. # قال مجاهد: اثنتي عشرة ليلة، وقيل: خمسة عشر يوما، وقال عكرمة: أربعين ~~يوما، وأهل مكة يقولون: وعدنا محمد غدا، وقد أصبحنا لا يخبرنا بشيء، ~~حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم من مكث الوحي، وشق عليه ما يقول ~~أهل مكة، ثم نزل ms5692 الوحي بقوله: # ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن ~~يشآء الله # [الكهف: 23، 24]. # ونزل في الفتية: # أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من ~~آياتنا عجبا # [الكهف: 9]. # ونزل فيمن بلغ المشرق والمغرب: # ويسألونك عن ذي القرنين # [الكهف: 83]. # ونزل في الروح: { ويسألونك عن الروح قل الروح من ~~أمر ربي ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا }. # قال ابن الخطيب: ومن الناس من [طعن] في هذه الرواية؛ من وجوه: # أولها: قالوا: ليس الروح أعظم شأنا، ولا أعلى درجة من الله تعالى، فإن ~~كانت معرفة الله تعالى حاصلة ممكنة، فأي مانع يمنع من معرفة الروح؟!. # وثانيها: أن اليهود قالوا: إن أجاب عن قصة أهل الكهف، وقصة ذي ~~القرنين، ولم يجب عن الروح، فهو نبي، وهذا كلام بعيد عن العقلاء؛ لأن ~~قصة أصحاب الكهف، وقصة ذي القرنين ليست إلا حكاية، والحكاية لا تكون ~~دليلا على النبوة. # وأيضا: فالحكاية التي يذكرها: إما أن تعتبر قبل العلم بنبوته، أو بعد ~~العلم بنبوته. # فإن كانت قبل العلم بنبوته، كذبوه فيها، وإن كانت بعد العلم بنبوته، ~~فحينئذ: نبوته معلومة؛ فلا فائدة في ذكر هذه الحكاية وأما عدم الجواب ~~عن حقيقة الروح، فهذا يبعد جعله دليلا على صحة النبوة. # وثالثها: أن مسألة الروح يعرفها أصاغر الفلاسفة، وأراذل المتكلمين، ~~فلو قال الرسول صلى الله عليه وسلم: # " إني لا أعرفها " # لأورث ذلك ما يوجب التحقير، والتنفير؛ فإن الجهل بمثل هذه ~~المسألة يفيد تحقير أي إنسان كان، فكيف الرسول الذي هو أعلم العلماء، ~~وأفضل الفضلاء؟!. # ورابعها: أنه تعالى قال في حقه # الرحمن علم القرءان # [الرحمن: 1، 2]. # وقال: # وعلمك ما لم تكن تعلم # [النساء: 113]. # وقال: # وقل رب زدني علما # [طه: 114]. # وقال في [حقه، أي القرآن، وصفته]: # ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين # [الأنعام: 59]. # وكان صلى الله عليه وسلم يقول: # " أرني الأشياء كما هي ". # فمن هذا حاله وصفته، أيليق به أن يقول: أنا لا أعرف هذه المسألة، مع ~~أنها من المسائل المشهورة المذكورة عند جمهور الخلق؟!. # بل المختار عندنا: أنهم سألوه عن الروح، ms5693 وأنه - صلوات الله عليه - ~~أجابهم على أحسن الوجوه، وتقريره أن المذكور في الآية، أنهم سألوه عن ~~الروح، والسؤال عن الروح يقع على وجوه كثيرة. # أولها: أن يقال: ماهية الروح، هل هي متحيز أو حال في المتحيز. # وثانيها: أن يقال: الروح قديمة، أو حادثة؟. # وثالثها: أن يقال: الروح، هل تبقى بعد الأجسام، أو تفنى؟. # ورابعها: أن يقال: ما حقيقة سعادة الأرواح، وشقاوتها؟. # وبالجملة: فالمباحث المتعلقة بالروح كثيرة. # وقوله تعالى: { ويسألونك عن الروح } ليس فيه ما يدل على ~~أنهم سألوه عن أي المسائل، إلا أنه تعالى ذكر في الجواب عن هذا ~~السؤال: { قل الروح من أمر ربي } وهذا الجواب لا يليق إلا ~~بمسألتين من هذه المسائل التي ذكرناها: # إحداهما: السؤال عن ماهية الروح. # والأخرى: عن قدمها، أو حدوثها. # أما البحث الأول: فهم قالوا: ما حقيقة الروح وماهيته؟! أهو أجسام ~~موجودة داخلة في البدن مولدة من امتزاج الطبائع والأخلاط؟ أو هو عبارة ~~عن نفس هذا المزاج والتركيب؟ أو هو عبارة عن عرض قائم بهذه الأجسام؟ أو ~~هو عبارة عن موجود يغاير هذه الأجسام، والأعراض؟ فأجاب الله عنه بأنه ~~موجود مغاير لهذه الأجسام، ولهذه الأعراض؛ وذلك لأن لهذه الأجسام، ~~ولهذه الأعراض أشياء تحدث عن امتزاج الأخلاط والعناصر. # وأما الروح، فإنه ليس كذلك، بل هو جوهر، بسيط، مجرد، لا يحدث إلا ~~بمحدث يقول له: " كن فيكون " ، فأجاب الله عنه بأنه موجود محدث بأمر ~~الله وتكوينه، وتأثيره في إفادة الحياة بهذا الجسد، ولا يلزم من عدم ~~العلم بحقيقته المخصوصة نفيه؛ فإن أكثر حقائق الأشياء، وماهياتها ~~مجهولة؛ فإنا نعلم أن السكنجبين له خاصية في قطع الصفراء؛ فأما ~~إذا أردنا أن نعرف ماهية تلك الخاصية، وحقيقتها المخصوصة، فذلك غير ~~معلوم؛ فثبت أن أكثر الحقائق مجهولة، ولم يلزم من كونها مجهولة بعينها ~~عدم العلم بخاصيتها، فكذا ها هنا؛ وهذا المراد بقوله: { ومآ ~~أوتيتم من العلم إلا قليلا }. # وأما البحث الثاني: فهو أن لفظ الأمر قد جاء بمعنى الفعل؛ قال ~~تعالى: # ومآ أمر فرعون برشيد # [هود: 97]. # وقال تعالى: # فلما جآء ms5694 أمرنا # [هود: 82] أي: فعلنا. # فقوله تعالى: { قل الروح من أمر ربي }. أي: من فعل ربي. # وهذا الجواب يدل على أنهم سألوه عن الروح، قديمة أو حادثة، فقال: بل ~~حادثة، وإنما حصلت بفعل الله وتكوينه. # ثم احتج على حدوث الروح بقوله: { ومآ أوتيتم من العلم ~~إلا قليلا }. # ثم استدل بحدوث الأرواح بتغيرها من حال إلى حال، وهو المراد ~~بقوله: { ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا }. # وأما أقوال المفسرين في الروح المذكورة ها هنا: # فقيل: الروح: القرآن؛ لأن الله تعالى سمى القرآن في هذه الآية، وفي ~~كثير من الآيات روحا؛ قال تعالى: # أوحينآ إليك روحا من أمرنا # [الشورى: 52]. # ينزل الملائكة بالروح من أمره # [النحل: 2]. # ولأن القرآن تحصل به حياة الأرواح والعقول؛ لأن به تحصل معرفة الله ~~تعالى، ومعرفة ملائكته، وكتبه، ورسله، والأرواح إنما يحصل إحياؤها ~~بهذه المعارف، وتقدم قوله: # وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة ~~للمؤمنين # [الإسراء: 82]. # وقال بعده: { ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا ~~إليك } [الإسراء: 86]. # إلى قوله: { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن ~~يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو ~~كان بعضهم لبعض ظهيرا } [الإسراء: 88]. # فلما كان ما قبل هذه الآية في وصف القرآن، وما بعدها كذلك، وجب أن يكون ~~المراد بالروح القرآن؛ حتى تكون آيات القرآن كلها متناسبة؛ لأن القوم ~~استعظموا أمر القرآن، فسألوا: هل هو من جنس الشعر، أو من جنس الكهانة؟ ~~فأجابهم الله تعالى بأنه ليس من جنس كلام البشر، وإنما هو كلام ظهر بأمر ~~الله، ووحيه، وتنزيله، فقال: { قل الروح من أمر ربي } ، أي: ~~القرآن إنما ظهر بأمر الله ربي، وليس من جنس كلام البشر. # وروي عن ابن عباس: أنه جبريل، وهو قول الحسن وقتادة؛ لقوله تعالى: # نزل به الروح الأمين على قلبك # [الشعراء: 193، 194]؛ وقوله: # فأرسلنآ إليها روحنا # [مريم: 17]. # ويؤكده: { قل الروح من أمر ربي }. # وقال جبريل: # وما نتنزل إلا بأمر ربك # [مريم: 64]. # فسالوا الرسول صلى الله عليه وسلم: كيف جبريل في نفسه؟ وكيف يأتيه؟ وكيف ~~يبلغ الوحي إليه؟. # وقال مجاهد: الروح: خلق ليسوا ms5695 من الملائكة، على صور بني آدم يأكلون، ~~ولهم أيد، وأرجل، ورءوس. # وقال أبو صالح: يشبهون الناس، وليسوا من الناس. # فصل # قال ابن الخطيب: ولم أجد في القرآن، ولا في الأخبار الصحيحة شيئا ~~يمكن التمسك به بهذا القول. # وروي عن علي: أنه ملك له سبعون ألف وجه، لكل وجه سبعون ألف ~~لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة، يسبح الله تعالى بتلك اللغات، ~~ويخلق الله تعالى من كل تسبيحة ملكا يطير مع الملائكة، قالوا: ولم ~~يخلق الله خلقا أعظم من الروح غير العرش، ولو شاء أن يبتلع السموات ~~السبع، والأرضين السبع، وما فيها بلقمة واحدة لفعله، صورة خلقه على ~~صورة الملائكة، وصورة وجهه على صورة الآدميين، يقوم يوم القيامة عن يمين ~~العرش، وهو أقرب الخلق إلى الله عز وجل اليوم عند الحجب السبعين، ~~ويقرب إلى الله يوم القيامة، وهو يشفع لأهل التوحيد، ولولا أن بينه ~~وبين الملائكة سترا من نور، لاحترق أهل السموات من نوره. # فصل في ضعف هذا القول # قال ابن الخطيب: ولقائل أن يقول: هذا القول ضعيف؛ لوجوه: # الأول: أن هذا التفصيل، إذا عرفه علي، فالنبي أولى بأن يعرفه، ويخبر ~~به، وأيضا: فإن الوحي لم يكن ينزل على علي؛ فهذا التفصيل ما عرفه ~~إلا من النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلم ذكر النبي هذا الشرح لعلي، ~~ولم يذكره لغيره؟!. # الثاني: أن ذلك الملك، إن كان حيوانا واحدا، وعاقلا واحدا، فلا ~~فائدة في تكثير تلك اللغات، وإن كان المتكلم بكل لغة ملكا؛ فهذا ~~مجموع ملائكة. # الثالث: أن هذا شيء مجهول الوجود، فكيف يسال عنه؟ أما الروح الذي هو ~~سبب الحياة، فهو شيء تتوفر دواعي العقلاء على معرفته؛ فصرف هذا السؤال ~~إليه أولى. # وقيل: الروح: عيسى؛ فإنه روح الله، وكلمته، والمعنى: أنه ليس كما ~~يقوله اليهود، ولا كما يقوله النصارى. # وقال قوم: هو الروح المركب في الخلق الذي يحيا به الإنسان، وهو ~~الأصح. # واختلفوا فيه؛ فقال بعضهم: هو الدم؛ ألا ترى [أن الإنسان]، إذا مات لا ~~يفوت منه إلا الدم. # وقال قوم: ms5696 هو نفس الحيوان؛ بدليل أنه يموت باحتباس النفس. # وقال قوم: هو عرض. # وقال قوم: هو جسم لطيف. # وقال بعضهم: الروح معنى اجتمع فيه النور، والطيب، والعلو، والعلم، ~~والبقاء؛ ألا ترى أنه إذا كان موجودا، يكون الإنسان موصوفا بهذه الصفات ~~[جميعها]، وإذا خرج ذهب الكل؟!. # فصل # في شرح مذاهب القائلين بأن الإنسان جسم موجود، روح في داخل البدن. # قال ابن الخطيب: اعلم أن الأجسام الموجودة في هذا العالم السفلي: إما ~~أن تكون أحد العناصر الأربعة، أو ما يكون متولدا من امتزاجها، ويمتنع ~~أن يحصل في البدن الإنساني جسم عنصري خالص، بل لا بد وأن يكون ~~الحاصل جسما متولدا من امتزاجات هذه الأربعة. # فنقول: أما الجسم الذي تغلب عليه الأرضية: فهو الأعضاء الصلبة ~~الكثيفة؛ كالعظم، و العروق، والغضروف، والعصب، والوتر، والرباطات ~~لهذا الجسم، واللحم والجلد، ولم يقل أحد من العقلاء الذين قالوا: إن ~~الإنسان بمعنى: روح مغاير لهذا الجسد، بأنه عبارة عن عضو معين من ~~هذه الأعضاء؛ وذلك لأن هذه الأعضاء ثقيلة، كثيفة، ظلمانية، لم يقل ~~أحد من العقلاء بأن الإنسان عبارة عن أحد هذه الأعضاء. # وأما الجسم الذي تغلب عليه المائية؛ فهو الأخلاط الأربعة ولم يقل في ~~شيء منها: إنه الإنسان إلا في الدم؛ فإن فيهم من قال: هو ~~الروح؛ بدليل أنه، إذا خرج، لزم الموت. # وأما الجسم الذي تغلب عليه الهوائية، والنارية؛ فهو الأرواح: وهي ~~نوعان: أجسام هوائية مخلوطة بالحرارة الغريزية، متولدة: إما في ~~القلب، أو في الدماغ، وقالوا: إنما هي الروح الإنساني، ثم اختلفوا. # فمنهم من يقول: هو الروح الذي في القلب. # ومنهم من يقول: إنه جزء لا يتجزأ في الدماغ. # ومنهم من يقول: الروح عبارة عن أجزاء نارية مختلطة بهذه الأرواح ~~القلبية، والدماغية، وتلك الأجزاء النارية: هي المسماة بالحرارة ~~الغريزية، وهي الإنسان. # ومن الناس من يقول: الروح عبارة عن أجسام نورانية، سماوية، لطيفة ~~الجوهر، على طبيعة ضوء الشمس، وهي لا تقبل التحلل، والتبدل، ولا ~~التفرق، والتمزق؛ وهو المراد بقوله: # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي # [الحجر: 29] نفذت تلك ms5697 الأجسام الشريفة السماوية الإلهية في داخل ~~أعضاء البدن نفاذ النار في الفحم، ونفاذ دهن السمسم في السمسم، ~~ونفاذ دهن الورد في جسم الورد؛ وهو المراد من قوله: # ونفخت فيه من روحي # [الحجر: 29]. # ثم إن البدن ما دام سليما، قابلا لنفاذ تلك الأجسام الشريفة، بقي ~~حيا، فإذا تولد في البدن أخلاط غليظة، منعت من سريان تلك الأجسام ~~الشريفة فيها، فانفصلت عن هذا البدن؛ فحينئذ: يعرض الموت. # قال: فأما أن الإنسان جنس موجود خارج البدن، فلا أعرف أحدا ذهب ~~إلى هذا القول. # فصل في الاحتجاج على أن الروح ليست بجسم ولا عرض # احتج ابن الخطيب لمسمى الروح بأنها ليست بجسم، ولا عرض، وأنها غير ~~البدن؛ بوجوه كثيرة عقلية ونقلية. # قال ابن الخطيب: منها أن العلم البديهي حاصل بأن أجزاء هذه الجثة ~~متبدلة بالزيادة والنقصان، والمتبدل مغاير للثابت. # ومنها: أن الإنسان حال كونه مشتغلا بفكره في شيء معين، فإنه في ~~تلك الحالة يكون غافلا عن جميع أجزاء بدنه، وغير غافل عن نفسه؛ فوجب أن ~~يكون الإنسان مغايرا لبدنه. # ومنها: قول الإنسان: رأسي، وبدني، وعيني، ويضيف كل عضو إلى نفسه، ~~والمضاف غير المضاف إليه. # فإن قيل: قد يقول: نفسي وذاتي فيضيف الذات والنفس إلى [نفسه]؛ فيلزم أن ~~يكون الشيء وذاته مغايرة لنفسه، وهو محال، قلنا: قد يريد بنفس الشيء ~~وذاته الحقيقة المخصوصة التي يشير إليها كل أحد بقوله: أنا فلان، ~~فإذا قال: نفسي، وذاتي، كان المراد البدن، وهو مغاير للإنسان، أما إذا ~~أريد بالنفس والذات الحقيقة المخصوصة المشار إليها بقوله: أنا فلان، ~~ثم إن الإنسان يكنه أن يضيف ذلك إلى نفسه بقوله: إنه لي. # ومنها: أن الإنسان قد يكون حيا، حال موت البدن؛ لقوله تعالى: # ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ~~بل أحياء # [آل عمران: 169]. # والحس يرى الجسد ميتا. # وقال تعالى: # النار يعرضون عليها غدوا وعشيا # [غافر: 46]. # وقال - عليه الصلاة والسلام -: # " [ " أنبياء الله لا يموتون " ] ". # وقال - عليه السلام -: # " إذا حمل الميت على نعشه، [رفرف] روحه فوق النعش، ويقول: يا ~~أهلي، ويا ولدي ms5698 ". # وقال تعالى: # يأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك ~~راضية مرضية # [الفجر، 27، 28]. # ومنها: أن الإنسان، إذا قطعت يداه ورجلاه، لم ينقص من عقله، وفهمه شيء. # ومنها: الذين مسخهم الله قردة وخنازير؛ فإن لم يكن ذلك الإنسان حيا، ~~وإلا لكان ذلك المسخ إماتة لذلك الإنسان، وخلقا لذلك الخنزير. # ومنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرى جبريل في صورة دحية، ويرى ~~إبليس في صورة الشيخ النجدي. # ومنها: العضو، وهذا يدل على أن الإنسان شيء غير الجسد، وأن الزاني ~~يزني بفرجه؛ فيضرب على ظهره؛ فيلزم أن يكون الإنسان شيئا آخر، سوى ~~الفرج، وسوى الظهر، وهو شيء يستعمل الظهر في عمل، والفرج في عمل؛ فيكون ~~المتلذذ المتألم هو ذلك الشيء بواسطة ذلك العضو، وكل هذا يدل على أن ~~الإنسان شيء غير الجسد. # ثم قال: واحتج المنكر بثلاثة أوجه: # الأول: لو كانت مساوية لذات الله في كونه ليس بجسم ولا عرض لكانت مساوية ~~له في تمام الماهية، وذلك محال. # الثاني: قوله تعالى: # قتل الإنسان مآ أكفره من أي شيء خلقه من ~~نطفة خلقه فقدره ثم السبيل يسره ثم ~~أماته فأقبره ثم إذا شآء أنشره # [عبس: 17-22]. # وهذا تصريح بأن الإنسان شيء مخلوق من النطفة، وأنه يموت، ويدخل ~~القبر، ثم إنه تعالى يخرجه من القبر، ولو لم يكن الإنسان عبارة عن هذه ~~الجثة، وإلا لم تكن الأحوال المذكورة في هذه الآية صحيحة. # الثالث: # ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا # [آل عمران: 169] إلى قوله: # فرحين # [آل عمران: 170]. # وهذا يدل على أن الروح جسم؛ لأن الارتزاق والفرح من صفات الأجسام. # والجواب عن الأول: أن المساواة في أنه ليس بمتحيز، ولا حال في ~~المتحيز مساواة في صفة سلبية، والمساواة في الصفة السلبية لا ~~توجب المماثلة. # واعلم: أن جماعة من الجهال يظنون أنه لما كان الروح موجودا ليس ~~بمتحيز، ولا حال في المتحيز، وجب أن يكون مثلا للإله، أو جزءا له، ~~وذلك جهل فاحش، وغلط قبيح. # وتحقيق القول: ما ذكرناه من أن المساواة في السلوب، لو أوجبت ms5699 ~~المماثلة، لوجب القول باستواء كل المخالفات؛ فإن كل ماهيتين ~~مختلفتين، لا بد وأن يشتركا في سلب ما عداهما عنهما، فليتفكر في هذه ~~الدقيقة؛ فإنها مغلطة عظيمة للجهال. # والجواب عن الثاني: أنه لما كان الاتصاف في العرف والظاهر عبارة ~~عن هذه الجثة أطلق عليه اسم الإنسان. # وأيضا: لقائل أن يقول: هب أنا نجعل اسم الإنسان عبارة عن هذه ~~الجثة، إلا أنا قد دللنا أن محل العلم والقدرة ليس هو ~~الجثة. # والجواب عن الثالث: أن الرزق المذكور في الآية محمول على ما ~~يقوي حالهم ويكمل كمالهم، وهو معرفة الله ومحبته. # بل نقول: هذا من أدل الدلائل على صحة قولنا؛ لأن أبدانهم قد بليت ~~في التراب، والله يقول: # " إن أرواحهم تأوي في قناديل معلقة تحت العرش " # وهذا يدل على أن الروح غير البدن. # قوله: { ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا }. # أي: في جنب علم الله تعالى. # قال المفسرون: هذا # " خطاب لليهود، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال لهم ذلك، ~~قالوا: نحن مختصون بهذا الخطاب، أم أنت معنا؟ فقال - عليه الصلاة ~~والسلام -: بل نحن وأنتم لم نؤت من العلم إلا قليلا " ، فقالوا ما أعجب ~~شأنك، يا محمد؛ ساعة تقول: { ومن يؤت الحكمة فقد أوتي ~~خيرا كثيرا } [البقرة: 269]. وساعة تقول هذا، فنزل قوله: { ولو ~~أنما في الأرض من شجرة أقلام } " # [لقمان: 27]. # وما ذكروه ليس بلازم؛ لأن الشيء قد يكون قليلا بالنسبة إلى شيء، ~~كثيرا بالنسبة إلى شيء آخر، فالعلوم التي عند الناس قليلة بالنسبة ~~إلى علم الله تعالى، وبالنسبة إلى حقائق الأشياء، ولكنها كثيرة بالنسبة ~~إلى الشهوات الجسمانية، واللذات الجسدانية. # وقيل: هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. # وقيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم معنى الروح، ولم يخبر به ~~أحدا؛ لأن ترك إخباره كان علما لنبوته، وقد تقدم الكلام على ~~ذلك، قال البغوي: الأصح: أن الله تعالى استأثر بعلمه. # قوله: { من العلم }: متعلق ب " أوتيتم " ، ولا يجوز تعلقه ~~بمحذوف على أنه حال من " قليلا "؛ لأنه لو تأخر، لكان صفة؛ لأن ms5700 ~~ما في حيز " إلا " لا يتقدم عليها. # وقرأ عبد الله، والأعمش " وما أوتوا " بضمير الغيبة. # قوله تعالى: { ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينآ ~~إليك } الآية. # لما ذكر أنه ما آتاهم من العلم إلا قليلا، قال ها هنا: إنه لو شاء ~~أن يأخذ منهم ذلك القليل، لقدر عليه، وذلك بأن يمحو حفظه من القلوب، ~~وكتابته من الكتب، والمراد بالذي أوحينا إليك القرآن. # واحتج الكعبي بهذه الآية الكريمة بأن القرآن مخلوق؛ فقال: الذي ~~يقدر على إزالته والذهاب به يستحيل أن يكون قديما، بل يجب أن يكون ~~محدثا. # وأجيب بأن يكون المراد بهذا الإذهاب إزالة العلم به عن القلوب، وإزالة ~~النقش الدال عليه من المصحف؛ وذلك لا يوجب كون ذلك المصكوك المدلول ~~محدثا. # فصل في كيفية رفع القرآن آخر الزمان # قال عبد الله بن مسعود: اقرءوا القرآن قبل أن يرفع؛ فإنه لا تقوم ~~الساعة حتى يرفع، قيل: هذه المصاحف ترفع، فكيف بما في صدور الناس؟ ~~قال: يسري عليه ليلا، فيرفع ما في صدورهم، فيصبحون لا يحفظون شيئا، ولا ~~يجدون في المصاحف شيئا، ثم يفيضون في الشعر. # وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: لا تقوم الساعة حتى يرفع ~~القرآن من حيث نزل، له دوي حول العرش، كدوي النحل؛ فيقول ~~الرب: ما لك؟ فيقول: يا رب، أتلى، ولا يعمل بي. # ثم قال: { ثم لا تجد لك به علينا وكيلا } أي: لا تجد ~~من تتوكل عليه في رد شيء منه. # قوله تعالى: { إلا رحمة }: قيل: استثناء متصل؛ لأنها تندرج في ~~قوله " وكيلا " والمعنى: إلا أن يرحمك ربك؛ فيرده عليك. وقيل: ~~إنه استثناء منقطع، فتتقدر ب " لكن " عند البصريين، و " بل " عند ~~الكوفيين. # والمعنى: إلا رحمة من ربك؛ إذ كل رحمة من ربك تركته غير مذهوب به، ~~أي: لكن لا يشاء ذلك رحمة من ربك، وهذا امتنان من الله؛ وهو نوعان: # الأول: تسهيل ذلك العلم عليه. # والثاني: إبقاء حفظه عليه. # قوله " من ربك " يجوز أن يتعلق ب " رحمة " وأن يتعلق بمحذوف، ~~صفة لها. # ثم قال: { إن ms5701 فضله كان عليك كبيرا }. # بسبب إبقاء العلم والقرآن عليك، وقيل: بسبب أنه جعلك سيد ولد آدم، ~~وختم بك النبيين، وأعطاك المقام المحمود، فلما كان كذلك، لا جرم ~~أنعم عليك بإبقاء العلم والقرآن عليك. # قوله: { قل لئن اجتمعت الإنس والجن } الآيات، وقد ~~تقدم الكلام على مثل هذه الآية. # فصل # قال بعضهم: هب أنه ظهر عجز الإنسان عن معارضته؛ فكيف عرفتم عجز ~~الجن؟ وأيضا: فلم لا يجوز أن يقال: إن هذا الكلام نظم الجن، ألقوه ~~على محمد صلى الله عليه وسلم وخصوه به على سبيل السعي في إضلال ~~الخلق؟ فعلى هذا: إنما تعرفون صدق محمد صلى الله عليه وسلم إذا عرفتم ~~أن محمدا صادق في قوله: إنه ليس من كلام الجن، بل من كلام الله ~~تعالى؛ وحينئذ: يلزم الدور، وليس لأحد أن يقول: كيف يعقل أن يكون هذا ~~من قول الجن؛ لأنا نقول: إن هذه الآية دلت على وقوع التحدي من ~~الجن، وإنما يحسن وقوع هذا التحدي، لو كانوا فصحاء بلغاء، ومتى كان ~~الأمر كذلك، كان الاحتمال المذكور قائما. # فالجواب عن الأول: بأن عجز البشر عن معارضته يكون في إثبات كونه ~~معجزا. # وعن الثاني: أن ذلك، لو وقع، لوجب في حكمة الله: أن يظهر ذلك ~~التلبيس، وحيث لم يظهر ذلك، دل على عدمه، وعلى أن الله تعالى أجاب ~~عن هذه الأسئلة بالأجوبة الشافية في آخر سورة الشعراء؛ في قوله: # هل أنبئكم على من تنزل الشيطين تنزل ~~على كل أفاك أثيم # [الشعراء: 221-222] وسيأتي بيانه - إن شاء الله تعالى -. # قالت المعتزلة: هذه الآية تدل على أن القرآن مخلوق؛ لأن التحدي ~~بالقديم محال، وقد تقدمت هذه الآية في سورة البقرة. # قوله: { لا يأتون }: فيه وجهان: # أظهرهما: أنه جواب للقسم الموطأ له باللام. # والثاني: أنه جواب الشرط، واعتذروا به عن رفعه بأن الشرط ماض؛ فهو ~~كقوله: [البسيط] # 3462- وإن أتاه خليل يوم مسألة # يقول لا غائب مالي ولا حرم # واستشهدوا عليه بقول الأعشى: [البسيط] # 3463- لئن منيت بنا عن غب معركة # لا تلفنا من دماء القوم ننتفل ms5702 # فأجاب الشرط مع تقدم لام التوطئة، وهو دليل للفراء، ومن تبعه على ~~ذلك، وفيه رد على البصريين، حيث يحتمون جواب القسم عند عدم تقدم ~~ذي خبر. # وأجاب بعضهم أن اللام في البيت ليست للتوطئة، بل مزيدة؛ وهذا ليس ~~بشيء؛ لأنه لا دليل عليه، وقال الزمخشري: " لولا اللام الموطئة؛ ~~لجاز أن يكون جوابا للشرط؛ كقوله: [البسيط] # 3464-...................... # يقول لا غائب............ # لأن الشرط وقع ماضيا ". وناقشه أبو حيان: بأن هذا ليس مذهب ~~سيبويه، ولا الكوفيين والمبرد؛ لأن مذهب سيبويه في مثله: أن النية به ~~التقديم، ومذهب الكوفيين، والمبرد: أنه على حذف الفاء، وهذا مذهب ~~ثالث، قال به بعض الناس. # قوله: " ولو كان " جملة حالية، وتقدم تحقيق هذا، وأنه كقوله - ~~عليه السلام -: " أعطوا السائل، ولو جاء على فرس " ، و " لبعض " ~~متعلق ب " ظهيرا ". # فصل في معنى الآية # والمعنى: لو كان بعضهم لبعض عونا، ومظاهرا، نزلت حين قال الكفار: ~~ولو شئنا لقلنا مثل هذا، فكذبهم الله - عز وجل - فالقرآن معجز في ~~النظم، والتأليف، والإخبار عن الغيوب، وهو كلام في أعلى طبقات ~~البلاغة، لا يشبه كلام الخلق؛ لأنه غير مخلوق، ولو كان مخلوقا، لأتوا ~~بمثله. ### || [17.89-93] # قوله: { ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من ~~كل مثل } الآية. # { ولقد صرفنا }: مفعول محذوف، وقيل: " من " زائدة في " من ~~كل مثل " وهو المفعول، قاله ابن عطية، وهو مذهب الكوفيين و الأخفش. # وقرأ الحسن: " صرفنا " بتخفيف الراء، وتقدم نظيره. # فصل في ذكر الوجوه المحتملة في هذا الكلام # هذا الكلام يحتمل وجوها: # أحدها: أنه وقع التحدي بكل القرآن؛ كما في هذه الآية، ووقع التحدي ~~بسورة واحدة؛ كما في قوله: # فليأتوا بحديث مثله # [الطور: 34] فقوله: { ولقد صرفنا للناس في هذا ~~القرءان من كل مثل } يحتمل أن يكون المراد منه التحدي؛ كما ~~شرحناه، ثم إنهم مع ظهور عجزهم عن جميع هذه المراتب، صاروا مصرين على ~~كفرهم. # وثانيها: أن يكون المراد من " من كل مثل ": أنا أخبرناهم بأن ~~الذين بقوا مصرين على الكفر؛ مثل قوم نوح، وعاد، وثمود - ابتلاهم ~~الله بأنواع البلاء - وشرحنا هذه ms5703 الطريقة مرارا - ثم إن هؤلاء الأقوام ~~- يعني أهل مكة - لم ينتفعوا بهذا البيان، بل أصروا على الكفر. # وثالثها: أن يكون المراد من " من كل مثل ": من كل وجه من ~~العبر، والأحكام والوعد، والوعيد، وغيرها. # ورابعها: أن يكون المراد ذكر دلائل التوحيد، ونفي الشركاء في هذا لقرآن ~~مرارا كثيرة، وذكر شبهات منكري النبوة، والمعاد؛ وأجاب عنها، ثم ~~أردفها بذكر الدلائل القاطعة على صحة النبوة، والمعاد، ثم إن هؤلاء ~~الكفار لم ينتفعوا بسماعها، بل بقوا مصرين على الشرك، وإنكار ~~النبوة. # قوله: " إلا كفورا " مفعول به، وهو استثناء مفرغ؛ لأنه في قوة: ~~لم يفعلوا إلا الكفور. # والمعنى: { فأبى أكثر الناس } يعني: أهل مكة، { إلا ~~كفورا } أي: جحودا للحق. # فإن قيل: كيف جاز: { فأبى أكثر الناس إلا كفورا } ولا ~~يجوز أن يقال: ضربت إلا زيدا؟. # فالجواب: إن لفظة: " أبى " تفيد النفي؛ كأنه قيل: فلم يؤمنوا إلا ~~كفورا. # قوله: { وقالوا لن نؤمن لك } الآية. # قرأ الكوفيون [ " تفجر " ] بفتح التاء، وسكون الفاء، وضم الجيم ~~خفيفة، مضارع " فجر " واختاره أبو حاتم؛ قالوا: لأن الينبوع واحد، ~~والباقون، بضم التاء، وفتح الفاء، وكسر الجيم شديدة، مضارع " فجر " ، ~~للتكثير، ولم يختلفوا في الثانية: أنها بالتثقيل للتصريح بمصدرها، وقرأ ~~الأعمش " تفجر " بضم التاء، وسكون الفاء، وكسر الجيم خفيفة، مضارع ~~" أفجر " بمعنى " فجر " فليس التضعيف، ولا الهمزة معديين. # فمن ثقل، أراد كثيرة الانفجار من الينبوع، وهو وإن كان واحدا، فلكثرة ~~الانفجار فيه يحسن أن يثقل؛ كما تقول: ضرب زيد، إذا كثر الضرب ~~منه؛ لكثرة فعله، وإن كان الفاعل واحدا، ومن خفف؛ فلأن الينبوع واحد. # و " ينبوعا " مفعول به، ووزنه " يفعول "؛ لأنه من النبع، ~~والينبوع: العين تفور من الأرض. # فصل فيما يثبت صدق النبوة # اعلم أنه تعالى لما بين بالدليل كون القرآن معجزا، وظهر هذا ~~المعجز على وفق دعوى محمد صلى الله عليه وسلم، فحينئذ: تم الدليل على ~~كونه نبيا صدقا؛ لأنا نقول: إن محمدا صلى الله عليه وسلم ادعى ~~النبوة، وأظهر المعجزة على وفق دعواه، وكل من كان كذلك، كان نبيا ~~صادقا؛ ms5704 فهذا يدل على أن محمدا صلى الله عليه وسلم صادق، وليس من ~~شرط كونه نبيا صادقا تواتر المعجزات الكثيرة، وتواليها؛ لأنا لو ~~فتحنا هذا الباب، للزم ألا ينقطع فيه، وكلما أتى الرسول - عليه ~~الصلاة والسلام - بمعجز، اقترحوا عليه معجزا آخر، ولا ينتهي الأمر فيه ~~إلى حد ينقطع عنده عناد المعاندين؛ لأنه تعالى حكى عن الكفار: أنهم ~~بعد أن ظهر كون القرآن معجزا، التمسوا من الرسول - عليه الصلاة ~~والسلام - ستة أنواع من المعجزات الباهرات، كما روى عكرمة، عن ابن ~~عباس - رضي الله عنهما - # " أن رؤساء أهل مكة، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم جلوس ~~عند الكعبة، فقالوا: يا محمد، إن أرض مكة ضيقة، فسير جبالها؛ لننتفع ~~فيها، وفجر لنا ينبوعا، أي: نهرا، وعيونا نزرع فيها، فقال: " لا ~~أقدر عليه ". # فقال قائل منهم: أو يكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها ~~تفجيرا، فقال: " لا أقدر عليه " فقيل: أو يكون لك بيت من زخرف، ~~أي: من ذهب، فيغنيك عنا، فقال: " لا أقدر عليه " فقيل له: ~~أما تستطيع أن تأتي قومك بمأ يسألونك؟ فقال: لا أستطيع، ~~فقالوا: فإذا كنت لا تستطيع الخير، فاستطع الشر، فأرسل السماء؛ ~~كما زعمت، علينا كسفا ". # قرأ العامة " تسقط " بإسناد الفعل للمخاطب، و " السماء " مفعول ~~بها، ومجاهد على إسناده إلى " السماء " فرفعها به. # وقرأ نافع، و ابن عامر، وعاصم " كسفا " هنا، بفتح السين، وفعل ذلك ~~حفص في الشعراء [الآية: 187] وفي سبأ [الآية: 9]، والباقون يسكنونها في ~~المواضع الثلاثة، وقرأ ابن ذكوان بسكونها في الروم [الآية: 48]؛ بلا ~~خلاف، وهشام عنه الوجهان، والباقون بفتحها. # فمن فتح السين، جعله جمع كسفة؛ نحو: قطعة وقطع، وكسرة وكسر، ~~ومن سكن، جعله جمع كسفة أيضا على حد: سدرة وسدر، وقمحة ~~وقمح. # وجوز أبو البقاء فيه وجهين آخرين: # أحدهما: أنه جمع على " فعل " بفتح العين، وإنما سكن تخفيفا، وهذا ~~لا يجوز؛ لأن الفتحة خفيفة يحتملها حرف العلة، حيث يقدر فيه غيرها، ~~فكيف بالحرف الصحيح؟. # قال: والثاني: أنه " فعل " بمعنى " مفعول "؛ ك " الطحن " بمعنى ~~" مطحون ms5705 "؛ فصار في السكون ثلاثة أوجه. # وأصل الكسف: القطع، يقال: كسفت الثوب قطعته؛ وفي الحديث في قصة ~~سليمان مع الصافنات الجياد: أنه # " كسف عراقيبها " # ، أي: قطعها. # فصل في معنى الكسف # قال الليث: الكسف: قطع العرقوب، قال الفراء: وسمعت أعرابيا يقول ~~لبزاز: أعطني كسفة، وقال الزجاج: " كسف الشيء بمعنى غطاه " ، ~~قيل: ولا يعرف هذا لغيره. # وانتصابه على الحال في القراءتين فإن جعلناه جمعا، كان على حذف مضاف، ~~أي: ذات كسف، وإن جعلناه " فعلا " بمعنى " مفعول " لم يحتج إلى ~~تقدير، وحينئذ: فإن قيل لم لم يؤنث؟ فالجواب: لأن تأنيثه أعني: ~~السماء غير حقيقي، أو بأنها في معنى السقف. # قوله: " كما زعمت ": نعت لمصدر محذوف، أي: إسقاطا مثل مزعومك؛ كذا ~~قدره أبو البقاء. # فصل في المراد بالآية # قال عكرمة: { كما زعمت } ، يا محمد: أنك نبي، " فأسقط " ~~السماء علينا كسفا. # وقيل: كما زعمت أن ربك إن شاء فعل، وقيل: المراد قوله: # أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل ~~عليكم حاصبا # [الإسراء: 68]. # فقيل: اجعل السماء قطعا متفرقة؛ كالحاصب، وأسقطها علينا. # قوله: { أو تأتي بالله والملائكة قبيلا }. # القبيل: بمعنى: المقابل؛ كالعشير، بمعنى: المعاشر. # وقال ابن عباس: فوجا بعد فوج. وقال الليث: كل جند من الجن ~~والإنس قبيل، وقيل: كفيلا، أي ضامنا. # قال الزجاج: يقال: قبلت به أقبل؛ كما يقال: كفلت به أكفل، وعلى هذا: ~~فهو واحد أريد به الجمع؛ كقوله: # وحسن أولئك رفيقا # [النساء: 69]، وقال أبو علي: معناه المعاينة؛ كقوله تعالى: # لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا # [الفرقان: 21]. # قوله: " قبيلا " [حال من " الله، والملائكة " أو من أحدهما، ~~والآخر محذوفة حاله، أي: بالله قبيلا، والملائكة قبيلا؛] كقوله: ~~[الطويل] # 3465-............. كنت منه ووالدي # بريئا............... # وكقوله: [الطويل] # 3466-........................ # فإني وقيار بها لغريب # ذكره الزمخشري، هذا إذا جعلنا " قبيلا " بمعنى كفيلا، أي: " ~~ضامنا " أو بمعنى " معاينة " كما قاله الفارسي، وإن جعلناه بمعنى " ~~جماعة " كان حالا من " الملائكة ". # وقرأ الأعرج " قبلا " من المقابلة. # قوله { أو ترقى }: فعل مضارع [منصوب] تقديرا؛ لأنه معطوف على " ~~تفجر " ، أي: أو حتى ترقى في السماء، [أي:] في ms5706 معارجها، ~~والرقي: الصعود، يقال: رقي، بالكسر، يرقى، بالفتح، رقيا على ~~فعول، والأصل: " رقوي " فأدغم بعد قلب الواو ياء، ورقيا بزنة ضرب، ~~قال الراجز: [الرجز] # 3467- أنت الذي كلفتني رقي الدرج # على الكلال والمشيب والعرج # قوله تعالى: { نقرؤه } يجوز فيه وجهان: # أحدهما: أن يكون نعتا ل " كتابا ". # والثاني: أن يكون حالا من " نا " في " علينا "؛ قاله أبو البقاء، ~~وهي حال مقدرة؛ لأنهم إنما يقرؤونه بعد إنزاله، لا في حال إنزاله. # فصل في سبب نزول الآية # قال المفسرون: لما قال المشركون: { لن نؤمن لك حتى تفجر ~~لنا } الآيات، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام معه عبد الله ~~بن أمية، وهو ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب، فقال: يا محمد، عرض ~~عليك قومك ما عرضوا، فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورا ~~يعرفون بها منزلتك من الله تعالى، فلم تفعل، ثم سألوك أن تعجل ما ~~تخوفهم به، فلم تفعل، فوالله لا أومن بك حتى تتخذ إلى السماء ~~سلما ترقى فيه، وأنا أنظر حتى تأتيها، وتنزل بنسخة منشورة، ومعك ~~نفر من الملائكة يشهدون لك بما تقول. وأيم الله، لو فعلت ذلك، لظننت ~~أني لا أصدقك، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسل حزينا لما يرى من ~~مباعدتهم. # ثم قال تعالى: قل، يا محمد: { سبحان ربي هل كنت إلا ~~بشرا رسولا } أمره بتنزيهه، وتمجيده، أي: أنه لو أراد أن ينزل ~~ما طلبوا، فلعل، ولكن لا ينزل الآيات على ما يقترحه البشر. # واعلم أنه تعالى قد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم من الآيات ~~والمعجزات ما يغني عن هذا كله مثل القرآن، وانشقاق القمر، وتفجير ~~العيون من بين الأصابع، وما أشبهها، والقوم عامتهم كانوا متعنتين، لم ~~يكن قصدهم طلب الدليل؛ ليؤمنوا، فرد الله عليهم سؤالهم. # قوله: { قل سبحان ربي } قرأ ابن كثير، وابن عامر " قال " ~~فعلا ماضيا؛ إخبارا عن الرسول - عليه الصلاة والسلام - بذلك، والباقون ~~" قل " على الأمر أمرا منه تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بذلك، وهي ~~مرسومة في مصاحف المكيين والشاميين: " قال " بألف، ms5707 وفي مصاحف غيرهم " قل ~~" بدونها، فكل وافق مصحفه. # قوله: { إلا بشرا رسولا } يجوز أن يكون " بشرا " خبر " ~~كنت " و " رسولا " صفته، ويجوز أن يكون " رسولا " هو الخبر، و " ~~بشرا " حال مقدمة عليه. # فصل في استدلالهم بهذه الآية # استدلوا بهذه الآية على أن المجيء على الله والذهاب محال؛ لأن كلمة ~~" سبحان " للتنزيه عما لا ينبغي. # فقوله: { سبحان ربي }: تنزيه لله تعالى عن شيء لا يليق به، ~~وذلك تنزيه الله عما نسب إليه مما تقدم ذكره، وليس فيما تقدم ذكره ~~شيء مما لا يليق بالله إلا قولهم: أو تأتي بالله، فدل على أن قوله: ~~" سبحان ربي " تنزيه لله تعالى أن يتحكم عليه المتحكمون في ~~الإتيان، والمجيء؛ فدل ذلك على فساد قول المشبهة. # فإن قالوا: لم لا يجوز أن يكون المراد تنزيه الله تعالى أن يتحكم ~~عليه المتحكمون في اقتراح الأشياء؟. # فالجواب: أن القوم لم يتحكموا على الله، وإنما قالوا للرسول: إن كنت ~~نبيا صادقا، فاطلب من الله أن يشرفك بهذه المعجزات، فالقوم إنما ~~تحكموا على الرسول صلى الله عليه وسلم لا على الله، فلا يليق حمل ~~قوله: { سبحان ربي } على هذا المعنى، فيجب حمله على قولهم { أو ~~تأتي بالله }. # فصل في تقرير هذا الجواب # اعلم أن تقرير هذا الجواب: أن يقال: إما أن يكون مرادكم من هذا ~~الاقتراح أنكم طلبتم الإتيان من عند نفسي بهذه الأشياء، أو طلبتم مني ~~أن أطلب من الله إظهارها على يدي؛ لتدل لكم على كوني رسولا حقا من ~~عند الله. # والأول باطل؛ لأني بشر، والبشر لا قدرة له على هذه الأشياء. # والثاني أيضا: باطل؛ لأني قد أتيتكم بمعجزة واحدة، وهي القرآن، فطلب ~~هذه المعجزات طلب لما لا حاجة إليه، وكان طلبها يجري مجرى التعنت ~~والتحكم، وأنا عبد مأمور ليس لي أن أتحكم على الله؛ فسقط هذا ~~السؤال؛ فثبت كون قوله: { سبحان ربي هل كنت إلا بشرا ~~رسولا } جوابا كافيا في هذا الباب. ### || [17.94-99] # قوله: { وما منع الناس أن يؤمنوا } الاية. # لما حكى الله تعالى شبهة القوم في ms5708 اقتراح المعجزات الزائدة، وأجاب ~~عنها حكى شبهة أخرى وهي أنهم استبعدوا أن يبعث الله للخلق رسولا من ~~البشر، بل اعتقدوا أن الله تعالى، لو أرسل رسولا إلى الخلق، لكان ذلك ~~الرسول من الملائكة، وأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بوجوه: # أحدها: قوله تعالى: { وما منع الناس أن يؤمنوا إذ ~~جآءهم الهدى }. # وتقرير هذا الجواب: أن بتقدير أن يبعث الله ملكا رسولا إلى الخلق، ~~فالخلق إنما يؤمنون بكونه رسولا من عند الله؛ لأجل قيام المعجزات الدالة ~~على صدقه؛ وذلك المعجز هو الذي يهديهم إلى معرفة صدق ذلك الملك في ~~ادعاء رسالته، فالمراد من قوله: { إذ جآءهم الهدى } هو ~~المعجز، [وإذا كان كذلك، فنقول: لما كان الدليل على الصدق هو المعجز] ~~فقط فهذا المعجز سواء ظهر على الملك، أو على البشر، وجب الإقرار ~~برسالته، فقولهم: " لا بد وأن يكون الرسول من الملائكة ": تحكم فاسد ~~باطل. # والجواب الثاني عن شبهتهم، وهي أن أهل الأرض لو كانوا ملائكة، لوجب أن ~~يكون رسولهم من الملائكة؛ لأن الجنس إلى الجنس أميل، فلما كان [أهل ~~الأرض] من البشر، فوجب أن يكون رسولهم من البشر؛ وهذا هو المراد من قوله ~~تعالى: { لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين ~~لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا } [الإسراء: ~~95]. # الجواب الثالث: قوله تعالى: { قل كفى بالله شهيدا بيني ~~وبينكم }. # وتقريره أن الله تعالى، لما أظهر المعجزة على وفق دعواى، كان ذلك ~~شهادة من الله تعالى على كوني صادقا، ومن شهد الله على صدقه، فهو صادق، ~~فقولكم بأن الرسول يجب أن يكون ملكا، فذلك تحكم فاسد؛ لا يلتفت ~~إليه. ولما ذكر الله تعالى هذه الأجوبة الثلاثة، أردفها بما يجري مجرى ~~التهديد، والوعيد؛ فقال: { إنه كان بعباده خبيرا بصيرا ~~} [الإسراء: 96]. أي: يعلم ظواهرهم وبواطنهم، ويعلم أنهم لا يذكرون هذه ~~الشبهات إلا لمحض الحسد، وحب الرياسة. # قوله: { أن يؤمنوا }: مفعول ثان ل " منع " ، أي: ما منعهم ~~إيمانهم؛ و " أن قالوا " هو الفاعل، و " إذ " ظرف ل " منع " ، ~~والتقدير: وما منع الناس من الإيمان وقت مجيء ms5709 الهدى إياهم إلا قولهم: ~~أبعث الله. # وهذه الجملة المنفية يحتمل أن تكون من كلام الله، فتكون مستأنفة، وأن ~~تكون من كلام الرسول، فتكون منصوبة المحل؛ لاندراجها تحت القول في كلتا ~~القراءتين. # قوله: { بشرا رسولا } تقدم في نظيره وجهان، وكذلك قوله { ~~لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا }. # قوله تعالى: { قل لو كان في الأرض }: يجوز في " كان " هذه ~~التمام، أي: لو وجد، وحصل، و " يمشون " صفة ل " ملائكة " و " في ~~الأرض " متعلق به، " مطمئنين " حال من فاعل " يمشون " ، ويجوز أن ~~تكون الناقصة، وفي خبرها أوجه، أظهرها: أنه الجار، و " يمشون " و " ~~مطمئنين " على ما تقدم. # وقيل: الخبر " يمشون " و " في الأرض " متعلق به. # وقيل: الخبر " مطمئنين " و " يمشون " صفة، وهذان الوجهان ضعيفان؛ ~~لأن المعنى على الأول. # فإن قيل: إنه تعالى لو قال: قل لو كان في الأرض ملائكة، لنزلنا ~~عليهم من السماء ملكا رسولا كان كافيا في هذا المعنى. فما الحكمة في ~~قوله: { يمشون مطمئنين }؟!. # فالجواب: أن المراد بقوله: { يمشون مطمئنين } أي: مستوفين ~~مقيمين. # قوله: { ومن يهد الله فهو المهتد } الآية. # لما أجاب عن شبهات القوم في إنكار النبوة، وأردفها بالوعيد بقوله: { ~~إنه كان بعباده خبيرا بصيرا } على الإجمال، ذكر بعده ~~الوعيد الشديد على التفصيل، فقال: { ومن يهد الله فهو ~~المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أوليآء من دونه ~~}. # المراد تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وهو أن الذين حكم لهم ~~بالإسلام والهداية سابقا، وجب أن يصيروا مؤمنين، ومن سبق لهم حكم الله ~~بالضلال والجهل، استحال أن ينقلبوا عن ذلك. # واحتج أهل السنة بهذه الآية على صحة مذهبهم في الهدى والضلال، ~~والمعتزلة حملوا هذا الضلال تارة على طريق الجنة؛ وتارة على منع ~~الألطاف، وتارة على التخلية، وعدم التعرض لهم بالمنع. والواو مندرجة ~~تحت القول، فيكون محلها نصبا، وأن يكون من كلام الله، فلا محل لها؛ ~~لاستئنافها، ويكون في الكلام التفات؛ إذ فيه خروج من غيبة إلى تكلم ~~في قوله: { ونحشرهم }. # وحمل على لفظ " من " في قوله " فهو المهتد " فأفرد، وحمل على ms5710 ~~معنى " من " الثانية في قوله " ومن يضلل، فلن تجد لهم " ، ~~[فجمع]. # ووجه المناسبة في ذلك - والله أعلم -: أنه لما كان الهدي شيئا واحدا ~~غير متشعب السبل، ناسبه التوحيد، ولما كان الضلال له طرق متشعبة؛ ~~نحو: # ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله # [الأنعام: 153] ناسب الجمع الجمع، وهذا الحمل الثاني مما حمل فيه على ~~المعنى، وإن لم يتقدمه حمل على اللفظ، قال أبو حيان: " وهو قليل في ~~القرآن " ، يعني: بالنسبة إلى غيره، ومثله: # ومنهم من يستمعون إليك # [يونس: 42] ويمكن أن يكون المحسن لهذا هنا كونه تقدم حمل على اللفظ، ~~وإن كان في جملة أخرى غير جملته. # وقرأ نافع، وأبو عمرو بإثبات ياء " المهتدي " وصلا، وحذفها وقفا، ~~وكذلك في التي تحت هذه السورة، وحذفها الباقون في الحالين. # قوله: { ونحشرهم يوم القيمة على وجوههم عميا ~~وبكما وصما } يجوز أن يتعلق الجار في قوله { على وجوههم ~~} بالحشر، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من المفعول، أي: كائنين ومسحوبين ~~على وجوههم. # فإن قيل: كيف يمكنهم المشي على وجوههم؟. # فإن قيل: كيف يمكنهم المشي على وجوههم؟. # فالجواب من وجهين: # الأول: أنهم يسحبون على وجوههم، قال تعالى: # يوم يسحبون في النار على وجوههم # [القمر: 48]. # والثاني: # " قال أبو هريرة: قيل: يا رسول الله، كيف يمشون على وجوههم؟ قال: الذي ~~يمشيهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم ". # قوله: " عميا " يجوز أن تكون حالا ثانية من الضمير، أو بدلا من ~~الأولى، وفيه نظر؛ لأنه لا يظهر فيه أنواع البدل، وهي: كل من كل، ولا ~~بعض من كل، ولا اشتمال، وأن تكون حالا من الضمير المرفوع [في الجار] ~~لوقوعه حالا، وأن تكون حالا من الضمير المجرور في " وجوههم ". # فصل في توهم الاضطراب بين بعض الآيات والجواب عنه # قال رجل لابن عباس: أليس أنه تعالى يقول: # ورأى المجرمون النار # [الكهف: 53]. # وقال: # سمعوا لها تغيظا وزفيرا # [الفرقان: 12]. # وقال: # دعوا هنالك ثبورا # [الفرقان: 13]. # وقال: # يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها # [النحل: 111]. # وقال حكاية عن الكفار: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23]. # وأثبت ms5711 لهم الرؤية، والكلام، والسمع، فكيف قال ههنا: " عميا وبكما ~~وصما "؟. # فأجاب ابن عباس وتلامذته من وجوه: # الأول: قال ابن عباس: " عميا ": لا يرون شيئا يسرهم، و " صما ": ~~لا يسمعون شيئا يسرهم، و " بكما " لا ينطقون بحجة. # والثاني: في رواية عطاء: " عميا " عن النظر إلى ما جعله الله إلى ~~أوليائه، و " بكما " عن مخاطبة الله تعالى، ومخاطبة الملائكة ~~المقربين. # الثالث: قال مقاتل: حين قال لهم: # اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون: 108] يصيرون صما بكما، أما قبل ذلك، فهم يرون، ويسمعون، ~~وينطقون. # الرابع: أنهم يكونون رائين، سامعين، ناطقين في الموقف، ولولا ذلك، لما ~~قدروا على مطالعة كتبهم، ولا سمعوا إلزام حجة الله تعالى عليهم، إلا ~~أنهم إذا ذهبوا من الموقف إلى النار، صاروا صما، وبكما، وعميا. # وقيل: يحشرون على هذه الصفة. # قوله: { مأواهم جهنم } يجوز في هذه الجملة الاستئناف، ~~والحالية إما من الضمير المنصوب أو المجرور. # قوله: " كلما خبت " يجوز فيها الاستئناف، والحالية من " جهنم " ، ~~والعامل فيها معنى المأوى. # وخبت النار تخبوا: إذا سكن لهيبها؛ قال الواحدي: خبت سكنت، فإذا ~~ضعف جمرها، قيل: خمدت، فإذا طفئت بالجملة، قيل: همدت؛ قال: # 3468- وسطه كاليراع أو سرج المج # دل طورا يخبو وطورا ينير # وقال آخر: [الهزج] # 3469- لمن نار قبيل الصب # ح عند البيت ما تخبو # إذا ما أخمدت ألقي # عليها المندل الرطب # وأدغم التاء في زاي " زدناهم " أبو عمرو، والأخوان، وورش، وأظهرها ~~الباقون. # قوله: { زدناهم سعيرا }. # قال ابن قتيبة: زدناهم تلهبا. # فإن قيل: إنه تعالى لا يخفف عنهم العذاب. وقوله: { كلما خبت } ~~يدل على أن العذاب محقق في ذلك الوقت. # فالجواب: أن قوله " كلما خبت " يقتضي سكون لهب النار، أما أنه يدل ~~على تخفيف العذاب، فلا؛ لأن الله تعالى قال: # لا يفتر عنهم # [الزخرف: 75]. # وقيل: معناه: " كلما خبت " [أي:] كلما أرادت أن تخبو { زدناهم ~~سعيرا } أي: وقودا. # وقيل: المراد من قوله: { كلما خبت } أي: نضجت جلودهم، واحترقت، ~~أعيدوا إلى ما كانوا عليه. # قوله تعالى: { ذلك جزآؤهم بأنهم } يجوز أن يكون مبتدأ ~~وخبرا، و " بأنهم " متعلق بالجزاء، ms5712 أي: " ذلك العذاب المتقدم جزاؤهم ~~بسبب أنهم " ويجوز أن يكون " جزاؤهم " مبتدأ ثانيا، والجار خبره، ~~والجملة خبر " ذلك " ، ويجوز أن يكون " جزاؤهم " بدلا، أو بيانا، و ~~" بأنهم " الخبر. # وهذه الآية تدل على أن العمل علة الجزاء. # قوله: { وقالوا أءذا كنا عظاما ورفاتا أءنا ~~لمبعوثون خلقا جديدا }. # لما أجاب عن شبهات منكري النبوة، عاد إلى حكاية شبهة منكري المعاد. # وتلك الشبهة: هي أن الإنسان بعد أن يصير رفاتا، ورميما، يبعد أن ~~يعود هو بعينه، فأجاب الله عنه: بأن من قدر على خلق السموات والأرض في ~~عظمتها وشدتها قادر على أن يخلق مثلهم في صغرهم، وضعفهم؛ نظيره قوله ~~تعالى: # لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس # [غافر: 75]. # وفي قوله: { قادر على أن يخلق مثلهم } قولان: # الأول: [معناه] قادر على أن يخلقهم ثانيا، فعبر عن خلقهم بلفظ " ~~المثل "؛ كقوله المتكلمين: إن الإعادة مثل الابتداء. # والثاني: قادر على أن يخلق عبيدا آخرين يوحدونه، ويقرون بكمال ~~حكمته وقدرته، ويتركون هذه الشبهات الفاسدة؛ وعلى هذا، فهو كقوله تعالى: # ويأت بخلق جديد # [إبراهيم: 19] وقوله: # ويستبدل قوما غيركم # [التوبة: 39]. # قال الواحدي: والأول أشبه بما قبله. # ولما بين الله تعالى بالدليل المذكور: أن البعث يمكن الوجود في ~~نفسه، أردفه بأن لوقوعه ودخوله في الوجود وقتا معلوما عند الله ~~تعالى؛ وهو قوله: { وجعل لهم أجلا لا ريب فيه } أي: جعل ~~لهم وقتا لا ريب فيه، { فأبى الظالمون إلا كفورا } أي: ~~الظالمون إلا الكفر والجحود. # قوله: { وجعل لهم }: معطوف على قوله " أو لم يروا "؛ لأنه في ~~قوة: قد رأوا، فليس داخلا في حيز الإنكار، بل معطوفا على جملته ~~برأسها. # وقوله: { لا ريب فيه } صفة ل " أجلا " ، أي: أجلا غير مرتاب ~~فيه، فإن أريد به يوم القيامة، فالإفراد واضح، وإن أريد به الموت، فهو ~~اسم جنس؛ إذ لكل إنسان أجل يخصه. # وقوله: { إلا كفورا } قد تقدم. ### || [17.100] # اعلم أن الكفار، لما قالوا: لن نؤمن لك؛ حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا وطلبوا إجراء الأنهار، والعيون في بلدهم لتكثر أموالهم؛ بين ~~أنهم لو ms5713 ملكوا خزائن رحمة الله، لبقوا على بخلهم وشحهم، ولا أقدموا على ~~إيصال النفع إلى أحد، وعلى هذا التقدير: فلا فائدة في إسعافهم لما ~~طلبوه. # قوله: { لو أنتم تملكون }: فيه ثلاثة أوجه: # أحدها:- وإليه ذهب الزمخشري، والحوفي، وابن عطية، وأبو البقاء، ومكي ~~-: أن المسألة من باب الاشتغال، ف " أنتم " مرفوع بفعل مقدر يفسره ~~هذا الظاهر، لأن " لو " لا يليها إلا الفعل، ظاهرا أو مضمرا، فهي ~~ك " إن " في قوله تعالى: # وإن أحد من المشركين # [التوبة: 6]، وفي قوله: # 3470- وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها # فليس إلى حسن الثناء سبيل # والأصل: لو تملكون، فحذف الفعل؛ لدلالة ما بعده عليه، فانفصل الضمير، ~~وهو الواو؛ إذ لا يمكن بقاؤه متصلا بعد حذف رافعه، ومثله: " وإن هو ~~لم يحمل ": الأصل: وإن لم يحمل، فلما حذف الفعل، انفصل ذلك الضمير ~~المستتر، وبرز، ومثله فيما نحن فيه قول الشاعر: # 3471- " لو ذات سوار لطمتني " # برفع " ذات " وقول المتلمس: # 3472- ولو غير أخوالي أرادوا نقيصتي # ....................... # ف " ذات سوار " مرفوعة بفعل مفسر بالظاهر بعده. # الثاني: أنه مرفوع ب " كان " وقد كثر حذفها بعد " لو " والتقدير: لو ~~كنتم تملكون، فحذف " كان " ، فانفصل الضمير، و " تملكون " في محل ~~نصب ب " كان " المحذوفة، وهو قول ابن الصائغ؛ وقريب منه قوله: ~~[البسيط] # 3473- أبا خراشة أما أنت ذا نفر # ...................... # فإن الأصل: لأن كنت، فحذفت " كان " ، فانفصل الضمير، إلا أن هنا ~~عوض من " كان " " ما " ، وفي [ " لو " ] لم يعوض منها. # الثالث: أن " أنتم " توكيد لاسم " كان " المقدر معها، والأصل " لو ~~كنتم أنتم تملكون " فحذفت " كان " واسمها، وبقي المؤكد، وهو ~~قول ابن فضال المجاشعي، وفيه نظر؛ من حيث إنا نحذف ما في ~~التوكيد، وإن كان سيبويه يجيزه. # وإنما أحوج هذين القائلين إلى ذلك: كون مذهب البصريين في " لو " ~~أنه لا يليها إلا الفعل ظاهرا، ولا يجوز عندهم أن يليها مضمرا ~~مفسرا إلا في ضرورة، أو ندور، كقوله: " لو ذات سوار لطمتني " ~~، فإن قيل: هذان الوجهان أيضا فيهما إضمار فعل، قيل: ليس هو الإضمار ~~المعني؛ فإن الإضمار الذي أبوه هو ms5714 على شريطة التفسير في غير " كان " ~~، وأما " كان " فقد كثر حذفها بعد [ " لو " ] في مواضع كثيرة، وقد وقع ~~الاسم الصريح بعد " لو " غير مذكور بعده فعل؛ وأنشد الفارسي: ~~[الرمل] # 3474- لو بغير الماء حلقي شرق # كنت كالغصان بالماء اعتصاري # إلا أنه أخرجه على أنه مرفوع بفعل مقدر يفسره الوصف من قوله " ~~شرق " ، وقد تقدم الكلام في " لو ". قال أهل المعاني: إن ~~التقديم بالذكر يدل على التخصيص، فقوله: { لو أنتم تملكون } ~~دليل على أنهم هم المختصون بهذه الحالة الخسيسة، والشح الكامل. # واعلم أن خزائن رحمة الله غير متناهية؛ فكان المعنى أنكم لو ملكتم من ~~النعم خزائن لا نهاية لها، لتقيمن على الشح، وهذه مبالغة عظيمة في ~~وصفهم بهذه الصفة. # قوله: " لأمسكتم " يجوز أن يكون لازما؛ لتضمنه معنى " بخلتم " ~~وأن يكون متعديا، ومفعوله محذوف، أي: لأمسكتم المال، ويجوز أن يكون ~~كقوله # يحيي ويميت # [البقرة: 258]. # قوله: { خشية الإنفاق } فيه وجهان: # أظهرهما: أنه مفعول من أجله. # والثاني: أنه مصدر في موضع الحال، قاله أبو البقاء، أي: خاشين الإنفاق، ~~وفيه نظر؛ إذ لا يقع المصدر المعرف موقع الحال، إلا سماعا؛ نحو: " ~~جهدك " و " طاقتك " ، وكقوله: # 3475- وأرسلها العراك.............. # ................... # ولا يقاس عليه، والإنفاق مصدر " أنفق " ، أي: أخرج المال، وقال أبو ~~عبيدة: " هو بمعنى الافتقار، والإقتار ". # قوله: { خزآئن رحمة ربي } ، أي: نعمة ربي. # { إذا لأمسكتم } لبخلتم. # { خشية الإنفاق }: الفاقة. # وقيل: خشية النفاق يقال: أنفق الرجل، أي: أملق، وذهب ماله، ونفق ~~الشر، أي: ذهب. # وقيل: لأمسكتم عن الإنفاق؛ خشية الفقر، ومعنى " قتورا ": قال قتادة: ~~بخيلا ممسكا. # يقال: أقتر يقتر إقتارا، وقتر تقتيرا: إذا قصر في ~~الإنفاق. # فإن قيل: قد حصل في الإنسان الجواد، والكريم. # فالجواب من وجوه: # الأول: أن الأصل في الإنسان البخل؛ لأنه خلق محتاجا، والمحتاج لا بد ~~وأن يحب ما به يدفع الحاجة، وأن يمسكه لنفسه، إلا أنه قد يجود به ~~[لأسباب] من خارج، فثبت أن الأصل في الإنسان البخل. # الثاني: أن الإنسان إنما يبذل؛ لطلب الحمد، وليخرج من عهدة ~~الواجب، ثم للتقرب إلى الله تعالى، فهو في ms5715 الحقيقة إنما أنفق ليأخذ ~~العوض، فهو بخيل، والمراد بهذا الإنسان المعهود السابق، وهم الذين ~~قالوا: # لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا # [الإسراء: 90]. ### || [17.101-104] # قوله تعالى: { ولقد ءاتينا موسى تسع ءايات بينات ~~} الآيات. اعلم أن المقصود من هذا الكلام هو الجواب عن قولهم: لن نؤمن ~~لك؛ حتى تأتينا بهذه المعجزات الباهرة؛ فقال تعالى: ولقد آتينا موسى ~~معجزات مساويات لهذه الأشياء التي طلبتموها، بل أقوى، وأعظم، فلو حصل في ~~علمنا أن جعلها في زمانكم مصلحة، لفعلناها، كما فعلناها في حق موسى؛ ~~فدل هذا على أنا إنما [لم] نفعلها في زمانكم؛ لعلمنا بأنها لا ~~مصلحة في فعلها. # واعلم: أن الله تعالى ذكر في القرآن أشياء كثيرة من معجزات موسى - ~~عليه السلام -. # واعلم: أنه [أزال] القعدة في لسانه. # قال المفسرون: أذهب الأعجمية منه، وبقي فصيحا. # ومنها: انقلاب العصا حية. # ومنها: تلقف الحية حبالهم وعصيهم، مع كثرتها. # ومنها: اليد البيضاء من غير سوء. # ومنها: الطوفان والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. # ومنها: شق البحر. # ومنها: ضربه الحجر بالعصا، فانفجر. # ومنها: إظلال الجبل. # ومنها: إنزال المن والسلوى عليه وعلى قومه. # ومنها: قوله تعالى: # ولقد أخذنآ ءال فرعون بالسنين ونقص من ~~الثمرات # [الأعراف: 130] لأهل القرى؛ فهذه آيتان. # ومنها: الطمس على أموالهم، فجعلها حجارة من النخيل، والدقيق، ~~والأطعمة، والدراهم والدنانير. # روي أن عمر بن عبد العزيز سأل محمد بن كعب، عن قوله: { تسع ءايات ~~بينات } ، فذكر محمد بن كعب في جملة التسعة؛ حل عقدة اللسان، ~~والطمس، فقال عمر بن العزيز: هكذا يجب أن يكون الفقيه، ثم قال: يا ~~غلام، أخرج ذلك الجراب، فأخرجه، فإذا فيه بيض مكسور؛ نصفين، وجوز ~~مكسور، وفول، وحمص، وعدس، كلها حجارة. # وإذا كان كذلك، فإنه تعالى ذكر في القرآن أن هذه المعجزات لموسى صلى ~~الله عليه وسلم وقال في هذه الآية: { ولقد ءاتينا موسى تسع ~~ءايات بينات } وتخصيص التسعة بالذكر لا يقدح فيه ثبوت الزائد ~~عليه؛ لأنه ثبت في أصول الفقه أن تخصيص العدد بالذكر لا يدل على ~~نفي الزائد؛ وهذه الآية دليل ms5716 على هذه المسألة. # واعلم: أن هذه التسعة قد اتفقوا على سبعة منها؛ وهي: العصا، واليد، ~~والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، وبقي اثنتان اختلفت أقوال ~~المفسرين فيهما، ولما لم تكن تلك الأقوال مستندة إلى حجة ظنية؛ ~~فضلا عن حجة يقينية، لا جرم تركت تلك الروايات. # فصل في أجود ما قيل في تفسير التسع آيات # في تفسير قوله: { تسع ءايات بينات } قول هو أجود ما قيل، وهو ~~ما روي عن صفوان بن عسال المرادي: أن يهوديا قال لصاحبه: اذهب بنا ~~إلى هذا النبي نسأله عن تسع الآيات، فقال الآخر: لا تقل: نبي؛ فإنه لو ~~سمع، لصارت له أربعة أعين فأتياه، فسألاه عن هذه الآية { ولقد ~~ءاتينا موسى تسع ءايات بينات }. # فقال: هي ألا تشركوا بالله شيئا، ولا تقتلوا النفس التي حرم ~~الله إلا بالحق، ولا تزنوا، ولا تأكلوا الربا، ولا تسحروا، ~~ولا تمشوا بالبريء للسلطان؛ ليقتله، ولا تسرقوا، ولا تقذفوا المحصنة، ~~ولا تفروا من الزحف، وعليكم - خاصة اليهود - ألا تعدوا في ~~السبت، فقام اليهوديان يقبلان يده، ويقولون: نشهد أنك نبي، ~~قال: فما يمنعكم أن تتبعوني؟ قال اليهودي: إن داود دعا ربه ألا ~~يزال في ذريته نبي، وإنا نخاف إن اتبعناك أن تقتلنا ~~يهود. # قوله تعالى: { تسع ءايات بينات }: [يجوز في " بينات " ] ~~النصب صفة للعدد، والجر صفة للمعدود. # قوله: " إذ جاءهم " فيه أوجه: # أحدها: أن يكون معمولا ل " آتينا " ويكون قوله " فاسأل بني ~~إسرائيل " اعتراضا، وتقديره: ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات؛ إذ ~~جاء بني إسرائيل، فسألهم، وعلى هذا التقدير: فليس المطلوب من سؤال بني ~~إسرائيل أن يستفيد هذا العلم منهم، بل المقصود أن يظهر لعامة اليهود بقول ~~علمائهم صدق ما ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم فيكون هذا السؤال سؤال ~~استشهاد. # والثاني: أنه منصوب بإضمار اذكر. # والثالث: أنه منصوب ب " يخبرونك " مقدرا. # الرابع: أنه منصوب بقول مضمر؛ إذ التقدير: فقلنا له: سل بني إسرائيل ~~حين جاءهم، ذكر هذه الأوجه الزمخشري مرتبة على مقدمة ذكرها قبل [قال:] ~~فاسأل بني إسرائيل، أي: فقلنا له: ms5717 اسأل بني إسرائيل، أي: اسألهم ~~عن فرعون، وقل له: أرسل معي بني إسرائيل، أو اسألهم عن إيمانهم، وحال ~~دينهم، أو اسألهم أن يعاضدوك. ويدل عليه قراءة رسول الله " فسأل " على ~~لفظ الماضي، بغير همز، وهي لغة قريش. # وقيل: فسل، يا رسول الله، المؤمن من بني إسرائيل؛ كعبد الله بن سلام ~~وأصحابه عن الآيات؛ ليزدادوا يقينا وطمأنينة؛ كقوله: # ولكن ليطمئن قلبي # [البقرة: 260] [ثم قال:] فإن قيل بم تعلق " إذ جاءهم "؟ فالجواب: # أما على الوجه الأول: فبالقول المحذوف، [أي]: فقلنا له، سلهم حين ~~جاءهم، أو ب " سال " في القراءة الثانية، وأما على الآخر فب " ~~آتينا " أو بإضمار " اذكر " أو ب " يخبرونك " ومعنى " إذ ~~جاءهم " " إذ جاء آباءهم " ، انتهى. # قال أبو حيان: " ولا يتأتى تعلقه ب " اذكر " ولا ب " يخبرونك ~~"؛ لأنه ظرف ماض ". # قال شهاب الدين: إذا جعله معمولا ل " اذكر " ، أو ل " يخبرونك ~~" لم يجعله ظرفا، بل مفعولا به، كما تقرر مرارا. # الوجه الخامس: أنه مفعول به، والعامل فيه " فسل ". # قال أبو البقاء: " فيه وجهان: # أحدهما: هو مفعول به ب " اسأل " على المعنى إذ التقدير: اذكر لبني ~~إسرائيل؛ إذ جاءهم، وقيل: التقدير: اذكر إذا جاءهم وهي غير " اذكر " ~~الذي قدرت به " اسأل " " ، يعني: أن " اذكر " المقدرة غير " اذكر " ~~التي فسرت " اسأل " بها؛ وهذا يؤيد ما تقدم من أنهم، إذا قدروا " ~~اذكر " جعلوا " إد " مفعولا به، لا ظرفا. # إلا أن أبا البقاء ذكر [حال] كونه ظرفا، ما يقتضي أن يعمل فيه فعل ~~مستقبل، فقال: " والثاني: أن يكون ظرفا، وفي العامل وجوه: # أحدها: " آتينا ". # والثاني: " قلنا " مضمرة. # والثالث: [ " قل " ]، تقديره: قل لخصمك: سل؛ والمراد به فرعون، أي: قل، ~~يا موسى، وكان الوجه أن يقال: إذ جئتهم بالفتح، فخرج من الخطاب، إلى ~~الغيبة ". # فظاهر الوجه الثالث: أن العامل فيه " قل " وهو ظرف ماض، على أن هذا ~~المعنى الذي نحا إليه ليس بشيء؛ إذ يرجع إلى: يا موسى، قل لفرعون: يا ~~فرعون سل بني إسرائيل، فيعود فرعون هو السائل لبني إسرائيل، وليس المراد ~~ذلك قطعا، وعلى ms5718 التقدير الذي تقدم عن الزمخشري - وهو أن المعنى: يا ~~موسى، سل بني إسرائيل، [أي: اطلبهم من فرعون - يكون المفعول الأول للسؤال ~~محذوفا، والثاني هو " بني إسرائيل " ]، والتقدير: سل فرعون بني ~~إسرائيل، وعلى هذا: فيجوز أن تكون المسألة من التنازع، وأعمل الثاني؛ إذ ~~التقدير: سل فرعون، فقال فرعون، فأعمل الثاني، فرفع به الفاعل، وحذف ~~المفعول من الأول، وهو المختار من المذهبين. # والظاهر غير ذلك كله، وأن المأمور بالسؤال سيدنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وبنو إسرائيل كانوا معاصريه. # والضمير [في] " إذ جاءهم ": إما للآباء، وإما لهم على حذف ~~مضاف، أي: جاء آباءهم. # فصل في معنى " واسأل بني إسرائيل " # المعنى: فسل، يا محمد، بني إسرائيل؛ إذ جاءهم موسى، يجوز أن يكون ~~الخطاب معه، والمراد غيره، ويجوز أن يكون خاطبه - عليه الصلاة والسلام - ~~وأمره بالسؤال؛ ليتبين كذبهم مع قومهم، فقال له فرعون: { إني ~~لأظنك يموسى مسحورا }. # وقوله " مسحورا ": وفيه وجهان: # أظهرهما: أنه بمعناه الأصلي، أي: إنك سحرت، فمن ثم؛ اختل كلامك، قال ~~ذلك حين جاءه بما لا تهوى نفسه الخبيثة، قاله الكلبي. # وقال ابن عباس: مخدوعا، وقال: مصروفا عن الحق. # والثاني: أنه بمعنى " فاعل " كميمون ومشئوم، أي: أنت ساحر؛ كقوله: # حجابا مستورا # [الإسراء: 45]. فوضع المفعول موضع الفاعل، قاله الفراء، وأبو عبيدة، ~~وقال ابن جرير: يعطى علم السحر؛ فلذلك تأتي بالأعاجيب، يشير لانقلاب ~~عصاه حية ونحو ذلك. # قوله: { لقد علمت }: قرأ الكسائي بضم التاء أسند الفعل لضمير ~~موسى - عليه السلام - أي: إني متحقق أن ما جئت به هو منزل من عند ~~الله تعالى، والباقون بالفتح على إسناده لضمير فرعون، أي: أنت متحقق ~~أن ما جئت به هو منزل من عند الله، وإنما كفرك عناد، وعن علي - ~~رضي الله عنه - أنه أنكر الفتح، وقال: " ما علم عدو الله قط، ~~وإنما علم موسى " ، [ولو علم، لآمن؛] فبلغ ذلك ابن عباس، ~~فاحتج بقوله تعالى: # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم # [النمل: 14] على أن فرعون وقومه علموا بصحة أمر موسى. # فصل في الخلاف في أجود القراءتين # قال الزجاج: الأجود ms5719 في القراءة الفتح؛ لأن علم فرعون بأنها آيات ~~نازلة من عند الله أوكد في الاحتجاج، واحتجاج موسى على فرعون بعلم فرعون ~~أوكد من الاحتجاج عليه بعلم نفسه. # وأجاب من نصر قراءة علي عن دليل ابن عباس، فقال قوله: { وجحدوا ~~بها واستيقنتهآ أنفسهم } يدل على أنهم استيقنوا أشياء، ~~فأما أنهم استيقنوا كون هذه الأشياء نازلة من عند الله، فليس في الآية ~~ما يدل عليه؛ ويدل بأن فرعون قال: # إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون # [الشعراء: 27]. # قال موسى: " لقد علمت ". # والمعنى: " اعلم أني لست بمجنون " ، ولم يثبت عن علي رفع التاء؛ ~~لأنه يروى عن رجل من مراد عن علي، وذلك الرجل مجهول. # واعلم: أن هذه الآيات من عند الله، ولا تشك في ذلك بسبب سفاهتك ~~والجملة المنفية في محل نصب؛ لأنها معلقة للعلم قبلها وتقدير الآية: ~~ما أنزل هؤلاء " الآيات "؛ ونظيره قوله: [الكامل] # 3476-................ # والعيش بعد أولئك الأيام # أي: للأمام. قوله: " بصائر " حال، وفي عاملها قولان: # أحدهما: أنه " أنزل " هذا الملفوظ به، وصاحب الحال " هؤلاء " وإليه ~~ذهب الحوفي، و ابن عطية، وأبو البقاء، وهؤلاء يجيزون أن يعمل ما قبل " ~~إلا " فيما بعدها، وإن لم يكن مستثنى، ولا مستثنى منه، ولا تابعا له. # والثاني: - وهو مذهب الجمهور -: أن ما بعد " إلا " لا يكون معمولا ~~لما قبله، فيقدر لها عامل، تقديره: أنزلها بصائر، وقد تقدم نظير هذه في ~~" هود " عند قوله # إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي # [هود: 27]. # ومعنى " بصائر " أي: حججا بينة؛ كأنها بصائر العقول، والمراد: ~~الآيات التسع، ثم قال موسى: { وإني لأظنك يفرعون ~~مثبورا }. # قوله: " مثبورا " مفعول ثان، واعترض بين المفعولين بالنداء، و ~~المثبور: المهلك؛ يقال: ثبره الله، أي: أهلكه، قال ابن الزبعرى: ~~[الخفيف] # 3477- إذ أجاري الشيطان في سنن الغي # ي ومن مال ميله مثبور # والثبور: الهلاك؛ قال تعالى: # لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا # [الفرقان: 14]. # وقال ابن عباس: مثبورا، أي: ملعونا، وقال الفراء: مصروفا ممنوعا ~~عن الخير، والعرب تقول: ما ثبرك عن هذا؟ أي: ما منعك عن هذا، وما صرفك ~~عنه؟. # قال أبو ms5720 زيد: يقال ثبرت فلانا عن الشيء، أثبره، أي رددته عنه. # فصل في جواب موسى لفرعون بكونه مثبورا # واعلم أن فرعون لما وصف موسى - عليه السلام - بكونه مسحورا، أجابه ~~موسى بأنك مثبور، أي: أن هذه الآيات ظاهرات، ومعجزات ظاهرة؛ لا ~~يرتاب العاقل في أنها من عند الله؛ وأنه أظهرها لأجل تصديقي، وأنت ~~تنكرها حسدا، وعنادا، ومن كان كذلك، كان عاقبته الدمار والهلاك. # ثم قال تعالى: { فأراد أن يستفزهم من الأرض }. # أي: أراد فرعون أن يخرج موسى - عليه السلام - وبني إسرائيل من الأرض أي: ~~أرض مصر. # قال الزجاج: لا يبعد أن يكون المراد من استفزازهم إخراجهم منها بالقتل، ~~أو بالتنحية، وتقدم الكلام على الاستفزاز، ثم قال: { فأغرقناه ~~ومن معه جميعا }. # وهو معنى ما ذكره الله في قوله: # ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله # [فاطر: 43]، أي: إن فرعون أراد إخراج موسى من أرض مصر؛ لتخلص له تلك ~~البلاد، فأهلك الله فرعون، وجعل تلك الأرض خالصة لموسى ولقومه، وقال من ~~بعد هلاك فرعون لبني إسرائيل: اسكنوا الأرض خالصة لكم، خالية من عدوكم، ~~يعني: أرض مصر والشام، { فإذا جآء وعد الآخرة }. يعني: ~~القيامة { جئنا بكم لفيفا } من ههنا وههنا. # وفي { لفيفا }: وجهان: # أحدهما: أنه حال، وأن أصله مصدر لف يلف لفيفا؛ نحو: النذير ~~والنكير، أي: جئنا بكم منضما بعضكم إلى بعض، من لف الشيء يلفه ~~لفا، والألف: المتداني الفخذين، وقيل: العظيم البطن. # والثاني: أنه اسم جمع، لا واحد له من لفظه، والمعنى: جئنا بكم جميعا، ~~فهو في قوة التأكيد. # واللفيف: الجمع العظيم من أخلاط شتى من الشريف، والدنيء، والمطيع، ~~والعاصي، والقوي، والضعيف، وكل شيء خلطته بشيء آخر، فقد لففته، ومنه ~~قيل: لففت الجيوش: إذا ضرب بعضها ببعض. ### || [17.105-111] # قوله: { وبالحق أنزلناه } الآية. # لما بين أن القرآن معجز قاهر دال على الصدق في قوله تعالى: # قل لئن اجتمعت الإنس والجن # [الإسراء: 88]. # ثم حكى عن الكفار أنهم لم يكتفوا بهذا المعجز، بل طلبوا أشياء أخر، ثم ~~أجاب تعالى بأنه لا حاجة إلى إظهار معجزات أخر، وبين ذلك ms5721 بوجوه ~~كثيرة: # منها: أن قوم موسى آتاهم تسع آيات بينات، فلما جحدوا بها أهلكهم ~~الله، فكذا ههنا، أي: أن المعجزات التي اقترحها قوم محمد صلى الله عليه ~~وسلم ثم كفروا بها؛ فوجب إنزال عذاب الاستئصال بهم، وذلك غير جائز في ~~الحكمة؛ لعلمه تعالى أن فيهم من يؤمن، أو من يظهر من نسله مؤمن. لما ~~تم هذا الجواب، عاد إلى حال تعظيم القرآن؛ فقال: { وبالحق ~~أنزلناه وبالحق نزل } ، أي: ما أردنا بإنزاله إلا إظهار ~~الحق. # قوله: { وبالحق أنزلناه }: في هذا الجار ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه متعلق ب " أنزلناه " ، و الباء سببية، أي: أنزلناه ~~بسبب الحق. # والثاني: أنه حال من مفعول " أنزلناه " ، أي: ومعه الحق. # فتكون الباء بمعنى " مع " قاله الفارسي؛ كما تقول: نزل بعدته، وخرج ~~بسلاحه. # والثالث: أنه حال من فاعله، أي: ملتبسين بالحق، وعلى هذين الوجهين يتعلق ~~بمحذوف. # والضمير في " أنزلناه " الظاهر عوده للقرآن: إما الملفوظ به في ~~قوله قبل ذلك # على أن يأتوا بمثل هذا القرآن # [الإسراء: 88]؛ ويكون ذلك جريا على قاعدة أساليب كلامهم، وهو أن يستطرد ~~المتكلم في ذكر شيء لم يسبق له كلامه أولا، ثم يعود إلى كلامه الأول. ~~وإما للقرآن غير الملفوظ أولا؛ لدلالة الحال عليه؛ كقوله تعالى: # إنآ أنزلناه في ليلة مباركة # [الدخان: 3] وقيل: يعود على موسى؛ كقوله: # وأنزلنا الحديد # [الحديد: 25]، وقيل: على الوعد، وقيل: على الآيات التسع، وذكر ~~الضمير، وأفرده؛ حملا على معنى الدليل والبرهان. # قوله: " وبالحق نزل " فيه الوجهان الأولان، دون الثالث؛ لعدم ضمير ~~آخر غير ضمير القرآن لاحتمال أن يكون التقدير: نزل بالحق؛ كما تقول: ~~نزلت بزيد، وعلى هذا التقدير: فالحق محمد صلى الله عليه وسلم. وفي هذه ~~الجملة وجهان: # أحدهما: أنها للتأكيد؛ وذلك أنه يقال: أنزلته، فنزل، وأنزلته فلم ينزل؛ ~~فجيء بقوله " وبالحق نزل "؛ دفعا لهذا الوهم، وقيل: لست للتأكيد، ~~والمغايرة تحصل بالتغاير بين الحقين، فالحق الأول التوحيد، والثاني ~~الوعد والوعيد، والمر والنهي، وقال الزمخشري: " وما أنزلنا القرآن إلا ~~بالحكمة المقتضية لإنزاله، وما نزل إلا ملتبسا بالحق والحكمة؛ لاشتماله ~~على الهداية ms5722 إلى كل خير، أو ما أنزلناه من السماء إلا بالحق محفوظا ~~بالرصد من الملائكة، وما نزل على الرسول إلا محفوظا بهم من تخليط ~~الشياطين " ، و " مبشرا ونذيرا ": حالان من مفعول " أرسلناك " ~~مبشرا للمطيعين، ونذيرا للعاصين، فإن قبلوا الدين الحق، انتفعوا ~~به، وإلا فليس عليك من كفرهم [شيء]. # قوله تعالى: { وقرءانا فرقناه } الآية: في نصب " قرآنا " ~~أوجه: # أظهرها: أنه منصوب بفعل مقدر، أي: " وءاتيناك قرءانا " يدل عليه ~~قوله # ولقد ءاتينا موسى # [الإسراء: 101]. # الثاني: أنه منصوب؛ عطفا على الكاف في " أرسلناك "؛ قال ابن ~~عطية: " من حيث كان إرسال هذا، وإنزال هذا بمعنى واحد ". # الثالث: أنه منصوب؛ عطفا على " مبشرا ونذيرا " قال الفراء: " هو ~~منصوب ب " أرسلناك " ، أي: ما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا ~~وقرآنا؛ كما تقول: ورحمة يعني: لأن القرآن رحمة " ، بمعنى أنه جعل نفس ~~القرآن مرادا به الرحمة؛ مبالغة، ولو ادعى ذلك على حذف مضاف، كان ~~أقرب، أي: " وذا قرآن " وهذان الوجهان متكلفان. # الرابع: أن ينتصب على الاشتغال، أي: وفرقنا قرآنا فرقناه، واعتذر أبو ~~حيان عن ذلك، أي: عن كونه لا يصح الابتداء به، لو جعلناه مبتدأ؛ لعدم ~~مسوغ؛ لأنه لا يجوز الاشتغال إلا حيث يجوز في ذلك الاسم الابتداء، بأن ~~ثم صفة محذوفة، تقديره: وقرآنا أي قرآن، بمعنى عظيم، و " فرقناه " ~~على هذا: لا محل له؛ بخلاف الأوجه المتقدمة؛ فإن محله النصب؛ لأنه ~~نعت ل " قرآنا ". # وقرأ العامة " فرقناه " بالتخفيف، أي: بينا حلاله وحرامه، أو فرقنا ~~فيه بين الحق والباطل، وقرأ علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - ~~وأبي، وعبد الله، وابن عباس والشعبي، وقتادة، وحميد في آخرين ~~بالتشديد، وفيه وجهان: # أحدهما: أن التضعيف فيه للتكثير، أي: فرقنا آياته بين أمر ونهي، ~~وحكم وأحكام، ومواعظ وأمثال، وقصص وأخبار ماضية ومستقبلة. # والثاني: أنه دال على التفريق والتنجيم. # قال الزمخشري: " وعن ابن عباس: أنه قرأ مشددا، وقال: لم ينزل في ~~يومين، ولا في ثلاثة، بل كان بين أوله وآخره عشرون سنة، يعني أن " فرق ~~" بالتخفيف يدل على فصل متقارب ". # قال أبو حيان: " وقال ms5723 بعض من اختار ذلك - يعني التنجيم - لم ينزل في ~~يوم، ولا يومين، ولا شهر، ولا شهرين، ولا سنة، ولا سنتين؛ قال ابن ~~عباس: كان بين أوله، وآخره عشرون سنة، كذا قال الزمخشري، عن ابن عباس ~~". # قال شهاب الدين: ظاهر هذا: أن القول بالتنجيم: ليس مرويا عن ابن ~~عباس، ولا سيما وقد فصل قوله " قال ابن عباس " من قوله " وقال بعض ~~من اختار ذلك " ، ومقصوده أنه لم يسنده لابن عباس؛ ليتم له الرد على ~~الزمخشري في أن " فعل " بالتشديد لا يدل على التفريق، وقد تقدم له ~~معه هذا المبحث أول هذا الموضوع. # قال ابن الخطيب: والاختيار عند الأئمة: " فرقناه " بالتخفيف، ~~وفسره أبو عمرو: بيناه. # قال ابو عبيدة: التخفيف أعجب إلي؛ لأن معناه: بيناه، ومن قرأ ~~بالتشديد، لم يكن له معنى إلا أنه أنزل متفرقا، [فالتفرق] يتضمن ~~التبيين، ويؤكده ما رواه ثعلب عن ابن الأعرابي أنه قال: فرقت، ~~أو أفرقت بين الكلام، وفرقت بين الأجسام؛ ويدل عليه قوله صلى ~~الله عليه وسلم: # " البيعان بالخيار، ما لم يتفرقا " # ولم يقل: " يفترقا ". # فصل في نزول القرآن مفرقا # قال ابن الخطيب: إن القوم قالوا: هب أن هذا القرآن معجز، إلا أنه ~~بتقدير أن يكون الأمر كذلك، فكان من الواجب أن ينزله الله عليك دفعة ~~واحدة؛ ليظهر فيه وجه الإعجاز؛ فجعلوا إتيان الرسول به مفرقا شبهة في ~~أنه يتفكر في فصل فصل، ويقرؤه عليهم، فأجاب الله عن ذلك أنه إنما ~~فرقه ليكون حفظه أسهل؛ ولتكون الإحاطة والوقوف على دلائله، وحقائقه، ~~ودقائقه أكمل. # قال سعيد بن جبير: نزل القرآن كله في ليلة القدر من السماء العليا ~~إلى السماء السفلى، ثم فصل في السنين التي نزل فيها، ومعنى الآية: ~~قطعناه آية آية، وسورة وسورة. # قوله: " لتقرأه " متعلق ب " فرقناه " ، وقوله " على مكث " ~~فيه ثلاثة أوجه: # الأول: أنه متعلق بمحذوف، على أنه حال من الفاعل، أو المفعول في " ~~لتقرأه " ، أي: متمهلا مترسلا. # الثاني: أنه بدل من " على الناس " قاله الحوفي، وهو وهم؛ لأن ~~قوله " على مكث " من صفات القارىء، ms5724 أو المقروء من جهة المعنى، لا ~~من صفات الناس؛ حتى يكون بدلا منهم. # الثالث: أنه متعلق ب " فرقناه ". # قال ابو حيان: " والظاهر تعلق " على مكث " بقوله " لتقرأه " ، ولا ~~يبالى بكون الفعل يتعلق به حرفا جر من جنس واحد؛ لأنه اختلف معنى ~~الحرفين؛ لأن الأول في موضع المفعول به، والثاني في موضع الحال، أي: ~~متمهلا مترسلا ". # قال شهاب الدين: قوله أولا: إنه متعلق بقوله " لتقرأه ": ينافي ~~قوله في موضع الحال، لأنه متى كان حالا، تعلق بمحذوف، لا يقال: أراد ~~التعلق المعنوي، لا الصناعي؛ لأنه قال: ولا يبالى بكون الفعل يتعلق به ~~حرفا جر من جنس واحد، وهذا تفسير إعراب، لا تفسير معنى. # والمكث: التطاول في المدة، وفيه ثلاثة لغات: الضم، والفتح - ~~ونقل القراءة بهما الحوفي، وأبو البقاء - والكسر، ولم يقرأ به فيما ~~علمت، وفي فعله الفتح والضم وسيأتي بيانه، إن شاء الله تعالى في ~~النمل [الآية: 22] ومعنى " على مكث " أي على تؤدة، وترسل في ~~ثلاث وعشرين سنة { ونزلناه تنزيلا } على الحد المذكور. # قوله: { قل ءامنوا به أو لا تؤمنوا }: يخاطب الذين ~~اقترحوا تلك المعجزات العظيمة؛ على وجه التهديد والإنكار، أي: أنه ~~تعالى، أوضح البينات والدلائل، وأزاح الأعذار، فاختاروا ما تريدون. # { إن الذين أوتوا العلم من قبله } أي: من قبل نزول ~~القرآن، قال مجاهد: هم ناس من أهل الكتاب، كانوا يطلبون الدين قبل ~~مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ثم أسلموا بعد مبعثه؛ كزيد بن عمرو بن ~~نفيل، وسلمان الفارسي، وأبي ذر، وورقة بن نوفل، وغيرهم. # { إذا يتلى عليهم } يعني القرآن. # { يخرون للأذقان سجدا }. يعني: يسقطون للأذقان، قال ابن ~~عباس: أراد به الوجوه. # قوله: { للأذقان }: في اللام ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها بمعنى " على " ، أي: على الأذقان؛ كقولهم: خر على وجهه. # والثاني: أنها للاختصاص، قال الزمخشري: فإن قيل: حرف الاستعلاء ظاهر ~~المعنى، إذا قلت: خر على وجهه، وعلى ذقنه، فما معنى اللام في " خر ~~لذقنه، ولوجهه "؟ قال: [الطويل] # 3478-................ # فخر صريعا لليدين وللفم # قلت: معناه: جعل ذقنه، ووجهه [للخرور]، قال الزجاج: الذقن: مجمع ~~اللحيين، ms5725 وكلما يبتدىء الإنسان بالخرور إلى السجود، فأقرب الأشياء من ~~الجبهة إلى الأرض الذقن. # وقيل: الأذقان اللحى؛ فإن الإنسان، إذا بالغ في السجود، والخضوع، ~~ربما مسح لحيته على التراب؛ فإن اللحية يبالغ في تنظيفها، فإذا ~~عفرها بالتراب، فقد أتى بغاية التعظيم [للخرور]. # واختص به؛ لأن اللام للاختصاص، وقال أبو البقاء: " والثاني: هي ~~متعلقة ب " يخرون " ، واللام على بابها، أي: مذلون للأذقان ". # والأذقان: جمع ذقن، وهو مجمع اللحيين؛ قال الشاعر: [الطويل] # 3479- فخروا لأذقان الوجوه تنوشهم # سباع من الطير العوادي وتنتف # و " سجدا " حال، وجوز أبو البقاء في " للأذقان " أن يكون حالا، ~~قال: " أي: ساجدين للأذقان " وكأنه يعني به " للأذقان " الثانية؛ ~~لأنه يصير المعنى: ساجدين للأذقان سجدا؛ ولذلك قال: " والثالث: أنها - ~~يعني اللام - [بمعنى] " على "؛ فعلى هذا يكون حالا من " يبكون " ، و ~~" يبكون " حال ". # فإن قيل: لم قيل: يخرون للأذقان سجدا، ولم يقل يسجدون؟ # والجواب: أن المقصود من هذا اللفظ مسارعتهم إلى ذلك؛ حتى أنهم يسقطون. # ثم قال: { ويقولون سبحان ربنآ إن كان وعد ربنا ~~لمفعولا } ، أي: كان قولهم في سجودهم: " سبحان ربنا " ، أي: ~~ينزهونه، ويعظمونه { إن كان وعد ربنا لمفعولا } أي: ~~بإنزال القرآن، وبعث محمد - عليه الصلاة والسلام - وهذا يدل على أن ~~هؤلاء كانوا من أهل الكتاب، لأن الوعد ببعثة محمد سبق في كتابهم، وهم ~~كانوا ينتظرون إنجاز ذلك الوعد، ثم قال: { ويخرون للأذقان ~~يبكون }. # والفائدة في هذا التكرير اختلاف الحالين، وهما: # خرورهم في حال كونهم باكين، في حال استماع القرآن، ويدل عليه قوله: ~~{ ويزيدهم خشوعا }. # وجاءت الحال الأولى اسما؛ لدلالته على الاستقرار، والثانية فعلا؛ ~~لدلالته على التجدد والحدوث. # ويجوز أن يكون القول دلالة على تكرير الفعل منهم. # وقوله: " يبكون " ، معناه: الحال، { ويزيدهم خشوعا } ، أي: ~~تواضعا. # قوله: { ويزيدهم }: فاعل " يزيد ": إما القرآن، أو البكاء، أو ~~السجود، أو المتلو، لدلالة قوله: " إذا يتلى ". # قوله تعالى: { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن } ~~الآية. # قال ابن عباس: سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ذات ليلة، فجعل ~~يبكي، ويقول في سجوده: (يا الله، يا ms5726 رحمن). فقال أبو جهل: إن محمدا ~~ينهانا عن آلهتنا، وهو يدعو إلهين، فأنزل الله هذه الآية، ومعناه: ~~أنهما اسمان لواحد، [أي:] أي هذين الاسمين سميتم، فله الأسماء ~~الحسنى. # قوله: { أيا ما تدعوا }: [ " أيا " ] منصوب [ب " تدعوا " ~~] على المفعول به، والمضاف إليه محذوف، أي: أي الاسمين، و " تدعوا " ~~مجزوم بها، فهي عاملة معمولة، وكذلك الفعل، والجواب الجملة الاسمية من ~~قوله " فله الأسماء الحسنى ". وقيل: هو محذوف، تقديره: جاز، ثم ~~استأنف، فقال: فله الأسماء الحسنى، وليس بشيء. # والتنوين في " أيا " عوض من المضاف إليه، وفي " ما " قولان: # أحدهما: أنها مزيدة للتأكيد. # والثاني: أنها شرطية جمع بينهما؛ تأكيدا كما جمع بين حرفي الجر؛ ~~للتأكيد، وحسنه اختلاف اللفظ؛ كقوله: [الطويل] # 3480- فأصبحن لا يسألنني عن بما به # .............. # ويؤيد هذا ما قرأ به طلحة بن مصرف " أيا من تدعوا " فقيل: " ~~من " تحتمل الزيادة على رأي الكسائي؛ كقوله: [الكامل] # 3481- يا شاة من قنص لمن حلت له # .................. # واحتمل أن تكون شرطية، وجمع بينهما؛ تأكيدا لما تقدم، و " تدعوا " ~~هنا يحتمل أن يكون من الدعاء، وهو النداء، فيتعدى لواحد، وأن يكون ~~بمعنى التسمية، فيتعدى لاثنين، إلى الأول بنفسه، وإلى الثاني بحرف ~~الجر، ثم يتسع في الجار فيحذف؛ كقوله: [الطويل] # 3482- دعتني أخاها أم عمرو....... # ................. # والتقدير: قل: ادعوا معبودكم بالله، أو بالرحمن، بأي الاسمين ~~سميتموه، وممن ذهب غلى كونها بمعنى " سمى " الزمخشري. # ووقف الأخوان على " أيا " بإبدال التنوين ألفا، ولم يقفا على " ما ~~"؛ تبيينا لانفصال " أيا " من " ما " ، ووقف غيرهما على " ما "؛ ~~لامتزاجها ب " أي "؛ ولهذا فصل بها بين " أي " ، وبين ما أضيفت إليه في ~~قوله تعالى # أيما الأجلين # [القصص: 28]، وقيل: " ما " شرطية عند من وقف على " ايا " ، وجعل ~~المعنى: أي الاسمين دعوتموه به، جاز، ثم استأنف " ما تدعوا، فله الأسماء ~~الحسنى " ، يعني أن " ما " شرط ثان، و " فله الأسماء " جوابه، ~~وجواب الأول مقدر، وهذا مردود بأن " ما " لا تطلق على آحاد أولي ~~العلم، وبأن الشرط يقتضي عموما، ولا يصح هنا، وبأن فيه حذف الشرط ~~والجزاء معا. # فصل # والمعنى: أيا ما ms5727 تدعوا، فهو حسن؛ لأنه إذا حسنت أسماؤه، فقد حسن هذان ~~الاسمان؛ لأنهما منها، ومعنى حسن أسماء الله كونها مفيدة لمعاني ~~التمجيد والتقديس. # واحتج الجبائي بهذه الآية، فقال: لو كان تعالى خالقا للظلم، ~~والجور، لصح أن يقال: يا ظالم، حينئذ: يبطل ما ثبت بهذه الآية من كون ~~أسمائه بأسرها حسنة. # والجواب: أنا لا نسلم أنه لو كان خالقا لأفعال العباد، لصح وصفه ~~بأنه ظالم، وجائر، كما لا يلزم من كونه خالقا للحركة والسكون، ~~والسواد، والبياض أن يقال: ما متحرك، ويا ساكن، ويا أبيض، ويا أسود. # فإن قيل: فيلزم أن يقال: يا خالق الظلم والجور. # فالجواب: يلزمكم أن تقولوا: يا خالق العذرات، والديدان، والخنافس؛ كما ~~أنكم تقولون: ذلك حق في نفس الأمر، وإنما الأدب أن يقال: يا خالق ~~السموات والأرض، فكذا قولنا ها هنا. # ثم قال تعالى: { ولا تجهر بصلوتك ولا تخافت بها ~~}. # وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يرفع صوته بالقراءة، فإذا سمعه المشركون سبوا ~~القرآن ومن أنزله، ومن جاء به، فأنزل الله تعالى: { ولا تجهر ~~بصلاتك } ، أي: بقراءتك، أي: فيسمعك المشركون؛ فيسبوا القرآن، ~~ويسبوا الله عدوا بغير علم. # قوله: { ولا تخافت بها } فلا يسمعك أصحابك. # قوله: { وابتغ بين ذلك سبيلا }. # روى أبو قتادة # " أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بالليل على دور أصحابه؛ فكان أبو ~~بكر يخفي صوته بالقراءة، وكان عمر يرفع صوته، فلما جاء النهار، وجاء ~~أبو بكر وعمر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هي لك، مررت ~~بك، وأنت تقرأ، وأنت تخفض من صوتك، فقال: إني سمعت من ~~ناجيت، قال: فارفع قليلا، وقال لعمر: مررت بك، وأنت ~~تقرأ، وأنت ترفع من صوتك، فقال: إني أوقظ الوسنان، ~~وأطرد الشيطان، فقال: اخفض قليلا ". # وقيل: المراد (ولا تجهر بصلاتك كلها)، ولا تخافت بها كلها (وابتغ بين ~~ذلك سبيلا) بأن تجهر بصلاة الليل، وتخافت بصلاة النهار. # وقيل: الآية في الدعاء، وهو قول أبي هريرة، وعائشة، والنخعي، ومجاهد، ~~ومكحول، وروي ms5728 مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال في هذه الآية، ~~قال: إنما ذلك في الدعاء والمسالة. # قال عبد الله بن شداد: كان أعراب من بني تميم، إذا سلم النبي صلى ~~الله عليه وسلم قالوا: اللهم ارزقنا مالا وولدا يجهرون، فأنزل الله هذه ~~الآية: { ولا تجهر بصلوتك }. # أي: لا ترفع صوتك بقراءتك، ودعائك، ولا تخافت بها. # والمخافتة: خفض الصوت والسكوت. # يقل: خفت صوته يخفته خفوتا، إذا ضعف وسكن، وصوت خفيت، أي: خفيض. # ومنه يقال للرجل، إذا مات: قد خفت كلامه، أي: انقطع كلامه، وخفت ~~الزرع، إذا ذبل، وخفت الرجل بقراءته، يتخافت بها، إذا لم يبين ~~قراءته برفع الصوت، وقد تخافت القوم، إذا تساروا بينهم. # فصل في المستحب في الدعاء # واعلم أن الجهر بالدعاء منهي عنه، والمبالغة في الإسرار غير مطلوبة، ~~والمستحب التوسط، وهو أن يسمع نفسه؛ كما روي عن ابن مسعود: أنه قال: ~~لم يتخافت من يسمع أذنيه. # واعلم أن العدل هو رعاية الوسط؛ كما مدح الله هذه الأمة بقوله: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا # [البقرة: 143]. # ومدح المؤمنين بقوله: # والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ~~وكان بين ذلك قواما # [الفرقان: 67]. # وأمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها ~~كل البسط # [الإسراء: 29] فكذا ههنا: نهى عن الطرفين، وهما الجهر والمخافتة، وأمر ~~بالتوسط بينهما، فقال: { وابتغ بين ذلك سبيلا }. # وقال بعضهم: الآية منسوخة بقوله - تعالى -: # ادعوا ربكم تضرعا وخفية # [الأعراف: 55]. # وهو بعيد. # واعلم أنه تعالى، لما أمر بأن لا يذكر، ولا ينادى، إلا بأسمائه ~~الحسنى، علم كيفية التمجيد؛ فقال: # { وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم ~~يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من ~~الذل }. # فذكر ثلاثة أنواع من صفات التنزيه والجلال: # الأول: أنه لم يتخذ ولدا، والسبب فيه وجوه: # أولها: أن الولد هو الشيء المتولد من أجزاء ذلك الشيء، فكل من له ~~ولد، فهو مركب من الأجزاء، والمركب محدث، والمحدث محتاج؛ لا يقدر ~~على كمال الإنعام؛ فلا يستحق كمال ms5729 الحمد. # وثانيها: أن كل من له ولد، فهو يمسك جميع النعم لولده، فإذا يكن له ~~ولد، أفاض كل النعم على عبيده. # وثالثها: أن الولد هو الذي يقوم مقام الوالد بعد انقضائه، فلو كان له ~~ولد، لكان منقضيا فانيا، ومن كان كذلك، لم يقدر على كمال الإنعام في ~~جميع الأوقات؛ فوجب ألا يستحق الحمد على الإطلاق. # وهذه الآية رد على اليهود في قولهم # عزير ابن الله # [التوبة: 30]، ورد على النصارى في قولهم # المسيح ابن الله # [التوبة: 31] وعلى مشركي العرب في قولهم: " الملائكة بنات الله ". # والنوع الثاني من الصفات السلبية قوله: { ولم يكن له شريك ~~في الملك }. # والسبب في اعتبار هذه الصفة: أنه لو كان له شريك، فلا يعرف كونه ~~مستحقا للحمد والشكر. # والنوع الثالث: قوله: { ولم يكن له ولي من الذل }. # والسبب في اعتباره: أنه لو جاز عليه ولي من الذل، لم يجب شكره؛ ~~لتجويز أن يكون غيره حمله على ذلك الإنعام. # أما إذا كان منزها عن الولد، وعن الشريك، وعن أن يكون له ولي يلي ~~أمره، كان مستوجبا لأعظم أنواع الحمد والشكر. # قوله: { من الذل }: فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها صفة ل " ولي " ، والتقدير: ولي من أهل الذل، و المراد ~~بهم: اليهود والنصارى؛ لأنهم أذل الناس. # والثاني: أنها تبعيضية. # الثالث: أنها للتعليل، أي: من أجل الذل، وإلى هذين المعنيين نحا ~~الزمخشري فإنه قال: " ولي من الذل: ناصر من الذل، ومانع له منه؛ ~~لاعتزازه به، أو لم يوال أحدا لأجل مذلة به؛ ليدفعها بموالاته ". # وقد تقدم الفرق بين الذل والذل في أول هذه السورة [الآية: 24]. # فصل في معنى قوله: { وكبره تكبيرا } # معنى قوله: { وكبره تكبيرا } ، أي: أن التمجيد يكون مقرونا ~~بالتكبير، والمعنى: عظمه عن أن يكون له شريك، أو ولي؛ قال - عليه ~~الصلاة والسلام - # " أحب الكلام إلى الله تعالى أربع: لا إله إلا الله، و الله أكبر، ~~وسبحان الله، والحمد لله لا يضرك بأيهن بدأت ". # فصل # روى أبي بن كعب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة ms5730 بني إسرائيل، فرق قلبه عند ذكر الوالدين ~~أعطي في الجنة قنطارين من الأجر، والقنطار ألف ~~أوقية، ومائتا أوقية، كل أوقية خير من الدنيا وما ~~فيها ". # وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: قول العبد: " الله أكبر خير من ~~الدنيا وما فيها " وهذه الآية خاتمة التوراة. # وروى مطرف، عن عبد الله بن كعب، قال: " افتتحت التوراة ~~بفاتحة سورة الأنعام، وختمت بخاتمة هذه السورة ". # وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب، علمه: ~~الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا الآية. # وقال عبد الحميد بن واصل: سمعت عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # " من قرأ: { وقل الحمد لله } الآية، كتب الله له من ~~الأجر مثل الأرض والجبال؛ لأن الله تعالى يقول فيمن زعم ~~أن له ولدا: { تكاد السموات يتفطرن منه ~~وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا } ". ### | [18 - سورة الكهف] ### || [18.1-3] # قال ابن الخطيب: تقدم الكلام في الحمد، والذي أقوله ها هنا: إن التسبيح ~~أينما جاء فإنما جاء مقدما على التحميد؛ ألا ترى أنه يقال: " سبحان الله ~~والحمد لله ". # وإذا عرف هذا، فنقول: إنه تعالى - جل جلاله - ذكر التسبيح عندما أخبر ~~أنه أسرى بمحمد صلى الله عليه وسلم فقال: # سبحان الذي أسرى بعبده # [الإسراء: 1] وذكر التحميد عندما ذكر إنزال الكتاب عليه فقال: { ~~الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتب }. # ثم قال: والمشبهة استدلوا بلفظ الإسراء في السورة المتقدمة وبلفظ ~~الإنزال في هذه السورة على أنه تعالى مختص بجهة فوق. # والجواب عنه مذكور في سورة الأعراف في تفسير قوله # ثم استوى على العرش # [الأعراف: 54]. # واعلم: أنه تعالى أثنى على نفسه بإنعامه على خلقه، وخص رسوله صلى الله ~~عليه وسلم بالذكر؛ لأن إنزال الكتاب القرآن عليه كان نعمة عليه على ~~الخصوص وعلى سائر الناس على العموم. # أما كونه نعمة عليه؛ فلأنه تعالى أطلعه بواسطة هذا الكتاب الكريم على ~~أسرار علم التوحيد والتنزيه وصفات الجلال وأحوال الملائكة وأحوال ~~الأنبياء وأحوال القضاء والقدر، ms5731 وتعلق أحوال العالم السفلي بأحوال ~~العالم العلوي، وتعلق أحوال عالم الآخرة بعالم الدنيا، وكيفية نزول ~~القضاء من عالم الغيب، وذلك من أعظم النعم، وأما كونه نعمة علينا؛ ~~فلأنه مشتمل على التكاليف والأحكام والوعد [والوعيد] والثواب ~~والعقاب، فكل واحد ينتفع به بمقدار طاقته وفهمه. # قوله: { ولم يجعل }: في هذه الجملة أوجه، أحدها: أنها معطوفة على ~~الصلة قبلها. والثاني: أنها اعتراضية بين الحال وهي " قيما " وبين ~~صاحبها وهو " الكتاب ". والثالث: أنها حال من " الكتاب " ، ويترتب على ~~هذه الأوجه القول في " قيما ". # قوله: { قيما }: فيه أوجه: الأول: أنه حال من " الكتاب ". والجملة ~~من قوله " ولم يجعل " اعتراض بينهما. وقد منع الزمخشري ذلك فقال: " فإن ~~قلت: بم انتصب " قيما "؟ قلت: الأحسن أن ينتصب بمضمر، ولم يجعل ~~حالا من " الكتاب " لأن قوله " ولم يجعل " معطوف على " أنزل " فهو ~~داخل في حيز الصلة، فجاعله حالا فاصل بين الحال وذي الحال ببعض ~~الصلة " ، وكذلك قال أبو البقاء. وجواب هذا ما تقدم من أن الجملة ~~اعتراض لا معطوفة على الصلة. # الثاني: أنه حال من الهاء في " له ". قال أبو البقاء: " والحال ~~مؤكدة. وقيل: منتقلة ". قال شهاب الدين: القول بالانتقال لا يصح. # الثالث: أنه منصوب بفعل مقدر، تقديره: جعله قيما. قال الزمخشري: " ~~تقديره: ولم يجعل له عوجا، جعله قيما، لأنه إذا نفى عنه العوج فقد ~~أثبت له الاستقامة ". # قال: " فإن قلت: ما فائدة الجمع بين نفي العوج وإثبات الاستقامة وفي ~~أحدهما غنى عن الآخر؟. قلت: فائدته التأكيد فرب مستقيم مشهود له ~~بالاستقامة، ولا يخلو من أدنى عوج عند السير والتصفح ". # الرابع: أنه حال ثانية، والجملة المنفية قبله حال أيضا، وتعدد الحال ~~لذي حال واحد جائز. والتقدير: أنزله غير جاعل له عوجا قيما. # والخامس: أنه حال أيضا، ولكنه بدل من الجملة قبله لأنها حال، وإبدال ~~المفرد من الجملة إذا كانت بتقدير مفرد جائز، وهذا كما أبدلت الجملة من ~~المفرد في قوله: " عرفت زيدا أبو من هو ". # والضمير في " له " فيه وجهان، أحدهما: أنه للكتاب، وعليه التخاريج ~~المتقدمة. والثاني: أنه يعود ms5732 على " عبده " ، وليس بواضح. # وقرأ العامة بتشديد الياء، وأبان بن تغلب بفتحها خفيفة. وقد تقدم ~~القول فيها. # ووقف حفص على تنوين " عوجا " يبدله ألفا، ويسكت سكتة لطيفة من غير ~~قطع نفس، إشعارا بأن " قيما " ليس متصلا ب " عوجا " ، وإنما هو ~~من صفة الكتاب. وغيره لم يعبأ بهذا الوهم فلم يسكت اتكالا على فهم ~~المعنى. # قلت: قد يتأيد ما فعله حفص بما في بعض مصاحف الصحابة: " ولم يجعل ~~له عوجا، لكن جعله قيما ". وبعض القراء يطلق فيقول: يقف على " ~~عوجا " ، ولم يقولوا: يبدل التنوين ألفا، فيحتمل ذلك، وهو أقرب لغرضه ~~فيما ذكرت. # ونقل أبو شامة عن ابن غلبون وأبي علي الأهوازي، يعني الإطلاق. ثم قال: ~~" وفي ذلك نظر - أي في إبدال التنوين ألفا - فإنه لو وقف على التنوين ~~لكان أدل على غرضه، وهو أنه واقف بنية الوصل ". انتهى. # وقال الأهوازي: " ليس هو وقفا مختارا، لأن في الكلام تقديما ~~وتأخيرا، معناه: أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا ". قال ~~شهاب الدين: دعوى التقديم والتأخير وإن كان قال به غيره كالبغوي والواحدي ~~وغيرهما إلا أنها مردودة لأنها على خلاف الأصل، وقد تقدم ~~تحقيقه. # وفعل حفص في مواضع من القرآن مثل فعله هنا من سكتة لطيفة نافية لوهم ~~مخل. فمنها: أنه كان يقف على " مرقدنا " ، ويبتدىء: # هذا ما وعد الرحمن # [يس: 52]. قال: لئلا يتوهم أن " هذا " صفة ل " مرقدنا " ~~فالوقف يبين أن كلام الكفار انقضى، ثم ابتدىء بكلام غيرهم. قيل: هم ~~الملائكة. وقيل: المؤمنون. وسيأتي في يس ما يقتضي أن يكون " هذا " صفة ل ~~" مرقدنا " فيفوت ذلك. # ومنها: # وقيل من راق # [القيامة: 27]. كان يقف على نون " من " ويبتدىء " راق " قال: " ~~لئلا يتوهم أنها كلمة واحدة على فعال اسم فاعل للمبالغة من مرق ~~يمرق فهو مراق ". # ومنها: # بل ران # [المطففين: 14] كان يقف على لام بل، ويبتدىء " ران " لما تقدم. # قال المهدوي: " وكان يلزم حفصا مثل ذلك، فيما شاكل هذه المواضع، وهو ~~لا يفعله، فلم يكن لقراءته وجه من الاحتجاج إلا اتباع الأثر في ms5733 الرواية ~~". قال أبو شامة: " أولى من هذه المواضع بمراعاة الوقف عليها: # ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا # [يونس: 65]، ينبغي الوقف على " قولهم " لئلا يتوهم أن ما بعده ~~هو المقول " ، وكذا # أنهم أصحاب النار الذين يحملون العرش # [غافر: 6، 7] ينبغي أن يعتنى بالوقف على " النار " لئلا تتوهم ~~الصفة. # قال شهاب الدين: وتوهم هذه الأشياء من أبعد البعيد. وقال أبو شامة ~~أيضا: " ولو لزم الوقف على اللام والنون ليظهرا للزم ذلك في كل ~~مدغم ". يعني في " بل ران " وفي " من راق ". # فصل # المعنى: ولم يجعل له عوجا [قيما]، أي مختلفا. # قال تعالى: # ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا # [النساء: 82]. # قال أهل اللغة: العوج في المعاني كالعوج في الأعيان، فالمراد منه نفي ~~التناقض. # وقيل: معناه لم يجعله مخلوقا. # روي عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: # قرءانا عربيا غير ذي عوج # [الزمر: 28] أي غير مخلوق. # وقوله: " قيما " فيما نقل عن ابن عباس أنه قال: يريد مستقيما [قال ~~ابن الخطيب:] وهذا عندي مشكل؛ لأنه لا معنى لنفي الاعوجاج إلا حصول ~~الاستقامة، فتفسير القيم بالمستقيم يوجب التكرار، بل الحق أن يقال: ~~المراد من كونه قيما سببا لهداية الخلق، وأنه يجري بحذو من يكون ~~قيما للأطفال، فالأرواح البشرية كالأطفال، والقرآن كالقيم المشفق ~~القيم بمصالحهم. # قوله: " لينذر " في هذه اللام وجهان، أظهرهما: أنها متعلقة ب " ~~قيما " قاله الحوفي. والثاني: - وهو الظاهر - أنها تتعلق ب " ~~أنزل ". وفاعل " لينذر " يجوز أن يكون " الكتاب " وأن يكون الله، ~~وأن يكون الرسول. # و " أنذر " يتعدى لاثنين: # إنآ أنذرناكم عذابا قريبا # [النبأ: 40] # فقل أنذرتكم صاعقة # [فصلت: 13]. ومفعوله الأول محذوف، يقدره الزمخشري: " لينذر الذين ~~كفروا " ، وغيره: " لينذر العباد " ، أو " لينذركم " ، أو لينذر ~~العالم. وتقديره أحسن لأنه مقابل لقوله " ويبشر المؤمنين " ، وهم ~~ضدهم. # وكما حذف المنذر وأتى بالمنذر به هنا، حذف المنذر به وأتى بالمنذر في ~~قوله # وينذر الذين قالوا # [الكهف: 4] فحذف الأول من الأول لدلالة ما في الثاني عليه، وحذف الثاني ~~من الثاني لدلالة ما في الأول عليه، وهو ms5734 في غاية البلاغة، ولما لم ~~تتكرر البشارة ذكر مفعوليها فقال: { ويبشر المؤمنين ~~الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا }. # قوله: { من لدنه } قرأ أبو بكر عن عاصم بسكون الدال مشمة ~~الضم وكسر النون والهاء موصلة بياء، فيقرأ " من لدنهي " والباقون ~~يضمون الدال، ويسكنون النون ويضمون الهاء، وهم على قواعدهم فيها: فابن ~~كثير يصلها بواو نحو: منهو وعنهو، وغيره لا يصلها بشيء. # وجه أبي بكر: أنه سكن الدال تخفيفا كتسكين عين " عضد " فالنون ~~ساكنة، فالتقى ساكنان فكسر النون لالتقاء الساكنين، وكان حقه أن يكسر ~~الأول على القاعدة المعروفة إلا أنه يلزم منه العود إلى ما فر منه، ~~وسيأتي لتحقيق هذا بيان في قوله تعالى: # ويخش الله ويتقه # [النور: 52] في سورة النور، لما كسر النون إتباعا على قاعدته ووصلها ~~بياء. وأشم الدال إشارة إلى أصلها في الحركة. # والإشمام هنا عبارة عن ضم الشفتين من غير نطق، ولهذا يختص به ~~البصير دون الأعمى، هكذا قرره القراء وفيه نظر؛ لأن الإشمام المشار ~~إليه إنما يتحقق عند الوقف على آخر الكلمة فلا يليق إلا بأن يكون إشارة ~~إلى حركة الحرف الآخر المرفوع إذا وقف عليه نحو: " جاء الرجل " ، وهكذا ~~قدره النحويون. وأما كونه يؤتى به في وسط الكلمة فلا يتصور إلا أن ~~يقف المتكلم على ذلك الساكن ثم ينطق ب " ياء " الكلمة. وإذا جربت نطقك ~~في هذا الحرف الكريم وجدت الأمر كذلك، لا ينطق به بالدال الساكنة مشيرا ~~إلى ضمها إلا حتى يقف عليها، ثم يأتي ب " ياء " في الكلمة. # فإن قلت: إنما آتي بالإشارة إلى الضمة بعد فراغي من الكلمة بأسرها. ~~قيل لك: فاتت الدلالة على تعيين ذلك الحرف المشار إلى حركته. # فالجواب عن هذا بأنه ليس في الكلمة ما يصلح أن يشار إلى حركته وهو ~~الدال. وقد تقدم في " يوسف " أن الإشمام في # لا تأمنا # [يوسف: 11] إذا فسرناه بالإشارة إلى الضمة: منهم من يفعله قبل كمال ~~الإدغام، ومنهم من يفعله بعده، وهذا نظيره. وتقدم أن الإشمام يقع ~~بإزاء معان أربعة تقدم تحقيقها. # و ms5735 " من لدنه " متعلق ب " لينذر ". ويجوز تعلقه بمحذوف نعتا ل ~~" بأسا " ، ويجوز أن يكون حالا من الضمير في " شديدا ". # والبأس مأخوذ من قوله: # بعذاب بئيس # [الأعراف: 165] و { من لدنه } أي: صادرا من عنده. # فصل # قال الزجاج: وفي " لدن " لغات يقال: لد، ولدن، ولدى بمعنى واحد، ~~وهي لا تتمكن ممكن " عند "؛ لأنك تقول هذا القول الصواب عندي، ولا ~~يقال: صواب لدني، ويقال: عندي مال عظيم، [والمال] غائب عنك، ولدني لما ~~يليك لا غير. # وقرىء " ويبشر " بالرفع على الاستئناف. والمراد بالأجر الحسن الجنة. # قوله: { ماكثين }: حال: إما من الضمير المجرور في " لهم " ، أو ~~المرفوع المستتر فيه، أو من " أجرا " لتخصصه بالصفة، إلا أن هذا لا ~~يجيء إلا على رأي الكوفيين. فإنهم لا يشترطون بروز الضمير في الصفة ~~الجارية على غير من هي له إذا أمن اللبس، ولو كان حالا منه عند ~~البصريين لقال: ماكثين هم فيه. ويجوز على رأي الكوفيين أن يكون صفة ~~ثانية ل " أجرا ". قال أبو البقاء: وقيل: هو صفة ل " أجرا " ، ~~والعائد الهاء في " فيه ". ولم يتعرض لبروز الضمير ولا لعدمه بالنسبة ~~إلى المذهبين. # و " أبدا " منصوب على الظرف ب " ماكثين ". # فصل # اعلم أن المقصود من إرسال الرسل إنذار المذنبين وبشارة المطيعين، ~~ولما كان دفع الضر أهم عند ذوي العقول من إيصال النفع، لا جرم ~~قدم الإنذار في اللفظ. # قال الزمخشري: قرىء " ويبشر " بالتخفيف والتثقيل و { ~~ماكثين فيه أبدا } بمعنى خالدين. # فصل # قال القاضي: دلت الآية على صحة قوله في مسائل: # أحدها: أن القرآن مخلوق وبيانه من وجوه: # الأول: أنه تعالى وصفه بالإنزال والنزول، وذلك من صفات المحدثات، ~~فإن القديم لا يجوز عليه التغيير. # والثاني: أنه وصفه بكونه كتابا، و الكتب هو الجمع، وسمي كتابا ~~لكونه مجموعا من الحروف والكلمات، وما صح فيه [من] التركيب والتأليف ~~فهو محدث. # الثالث: أنه تعالى أثبت الحمد لنفسه، على إنزال الكتاب، والحمد ~~إنما يستحق على النعمة، والنعمة محدثة [مخلوقة]. # الرابع: أنه وصفه بأنه غير معوج وبأنه مستقيم، والقديم لا يمكن ~~وصفه بذلك، فثبت ms5736 أنه محدث مخلوق. # وثانيها: خلق الأعمال؛ فإن هذه الآية تدل على قولنا في هذه المسألة ~~من وجوه: # الأول: نفس الأمر بالحمد؛ لأنه لو لم يكن للعبد فعل لم ينتفع ~~بالكتاب، إذ الانتفاع به إنما يحصل إذا قدر أن يفعل ما دل الكتاب على ~~أنه يجب فعله، ويترك ما دل الكتاب على أنه يجب تركه، وهذا إنما كان ~~يعقل لو كان مستقلا بنفسه. # أما إذا لم يكن مستقلا بنفسه لم يكن لعوج الكتاب أثر في اعوجاج ~~فعله، ولم يكن لكون الكتاب " قيما " أمر في استقامة فعله كان العبد ~~قادرا على الفعل مختارا فيه. # والثاني: أنه تعالى لو أنزل بعض الكتاب ليكون سببا لكفر البعض، وأنزل ~~الباقي ليؤمن البعض الآخر، فمن أين أن ذلك الكتاب قيم لا عوج فيه؟ لأنه ~~لو كان فيه عوج لما زاد على ذلك. # والثالث: قوله: " لينذر " وفيه دلالة على أنه تعالى أراد منه صلى ~~الله عليه وسلم إنذار الكل وتبشير الكل، وبتقدير أن يكون خالق الكفر ~~والإيمان هو الله تعالى لم يبق للإنذار والتبشير فائدة؛ لأنه تعالى ~~إذا خلق الإيمان حصل شاء العبد أو لم يشأ، وإذا خلق الكفر [حصل] شاء ~~العبد أو لم يشأ، فيصير الإنذار والتبشير على الكفر والإيمان جاريا ~~مجرى الإنذار والتبشير على كونه طويلا وقصيرا وأبيض وأسود مما لا ~~قدرة للعبد عليه. # الرابع: وصفه المفسرون بأن المؤمنين يعملون الصالحات فإن كان خلقا ~~لله تعالى، فلا علم لهم به ألبتة. # الخامس: إيجابه لهم الأجر الحسن على ما علموا؛ فإن الله تعالى قادر ~~بخلق ذلك فيهم، فلا إيجاب ولا استحقاق. # المسألة الثالثة: دلت الآية على أنه تعالى يفعل أفعاله لأغراض ~~صحيحة، وذلك يبطل قول من يقول: إن فعله غير معلل بالغرض. # فصل # واعلم أن هذه الكلمات قد تكررت في هذا الكتاب فلا فائدة في الإعادة. ### || [18.4-5] # اعلم أن قوله: { وينذر الذين قالوا اتخذ الله ~~ولدا } معطوف على قوله: # لينذر بأسا شديدا من لدنه # [الكهف: 2]، والمعطوف يجب كونه مغايرا للمعطوف عليه، فالأول عام في ~~حق كل ms5737 من استحق العذاب، والثاني خاص بمن قال: إن الله اتخذ ~~ولدا، والقرآن جار بأنه إذا ذكر الله قضية كلية عطف عليها بعض ~~جزئياتها؛ تنبيها على كون ذلك البعض المعطوف أعظم جزئيات ذلك الكلي ~~[أيضا]، كقوله تعالى: # وملائكته ورسله وجبريل وميكل # [البقرة: 98] فكذا ها هنا يدل على أن أعظم أنواع الكفر والمعصية ~~إثبات الولد لله تعالى. # فصل # واعلم أن المثبتين لله تعالى الولد ثلاث طوائف: # الأولى: كفار العرب الذين قالوا: الملائكة بنات الله. # الثانية: النصارى قالوا: المسيح ابن الله. # الثالثة: اليهود، [حيث] قالوا: العزير ابن الله. # واعلم أن إثبات الولد لله كفر عظيم، وتقدم الكلام على ذلك في سورة ~~الأنعام في قوله: # وخرقوا له بنين وبنات بغير علم # [الأنعام: 100] وسيأتي تمامه - إن شاء الله تعالى - في سورة مريم؛ ~~لأنه تعالى أنكر على القائلين بإثبات الولد من وجهين: # الأول: قوله: { ما لهم به من علم ولا لآبائهم }. # فإن قيل: اتخاذ الله تعالى الولد محال في نفسه، فكيف قيل: # ما لهم بذلك من علم # [الزخرف: 20]؟. # فالجواب أن انتفاء العلم بالشيء قد يكون للجهل بالطريق الموصل إليه؛ ~~وقد يكون لأنه في نفسه محال، لا يمكن تعلق العلم به، ونظيره قوله: # ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به # [المؤمنون: 117]. # فصل # تمسك نفاة القياس بهذه الآية، فقالوا: دلت هذه الآية على أن القول ~~في الدين بغير علم باطل، والقول بالقياس الظني قول في الدين بغير ~~علم، فيكون باطلا. # وجوابه تقدم عند قوله: # ولا تقف ما ليس لك به علم # [الإسراء: 36]. # وقوله: { ولا لآبائهم } أي أحدا من أسلافهم، وهذه مبالغة في كون ~~تلك المقالة فاسدة باطلاة جدا. # قوله: { ما لهم به }: أي: بالولد، أو باتخاذه، أو بالقول المدلول ~~عليه ب " اتخذ " وب " قالوا " ، وبالله. # وهذه الجملة المنفية فيها ثلاثة أوجه: # أظهرها: أناه مستأنفة، سيقت للإخبار بذلك. # والثاني: أنها صفة للولد، قاله المهدوي، ورده ابن عطية: بأنه لا ~~يصفه بذلك إلا القائلون، وهم لم يقصدوا وصفه بذلك. # الثالث: أنها حال من فاعل " قالوا " ، أي: قالوه ms5738 جاهلين. # و " من علم " يجوز أن يكون فاعلا، وأن يكون مبتدأ، والجار هو ~~الرافع لاعتماده أو الخبر، و " من " مزيدة على كلا القولين. # قوله: " كبرت كلمة " في فاعل " كبرت " وجهان: # أحدهما: أنه مضمر عائد على مقالتهم المفهومة من قوله: { قالوا ~~اتخذ الله } أي: كبر مقالهم، و " كلمة " نصب على التمييز، ومعنى ~~الكلام على التعجب، أي: ما أكبرها كلمة،و " تخرج " الجملة صفة ل " ~~كلمة " ويؤذن باستعظامها لأن بعض ما يهجس في الخاطر لا يجسر الإنسان ~~على إظهاره باللفظ. # والثاني: أن الفاعل مضمر مفسر بالنكرة بعده المنصوبة على التمييز، ~~ومعناها الذم؛ ك " بئس رجلا " فعلى هذا: المخصوص بالذم محذوف، ~~تقديره: كبرت هي الكلمة كلمة خارجة من أفواههم تلك المقالة الشنعاء. # وقرأ العامة " كلمة " بالنصب، وفيها وجهان: # النصب على التمييز تقديره كبرت الكلمة. # قال الواحدي: ومعنى التمييز: أنك إذا قلت: كبرت المقالة أو الكلمة، ~~جاز أن يتوهم أنها كبرت كذبا، أو جهلا، أو افتراء، فلما قلت: " ~~كلمة " فقد ميزتها من محتملاتها، فانتصبت على التمييز، والتقدير: ~~كبرت الكلمة كلمة، فحصل فيه الإضمار. # وأما من رفع " كلمة " فلا يضمر شيئا. # قال النحويون: النصب أقوى وأبلغ. # وقد تقدم تحقيقه في الوجهين السابقين. # والثاني: النصب على الحال، وليس بظاهر وقيل: نصبا على حذف حرف الجر، ~~والتقدير: " من كلمة " فحذف " من " فانتصب. # قوله: " تخرج " في الجملة وجهان: # أحدهما: هي صفة لكلمة. # والثاني: أنها صفة للمخصوص بالذم المقدر، تقديره: كبرت كلمة خارجة ~~كلمة. # وقرأ الحسن، وابن محيصن، وابن يعمر، وابن كثير - في رواية القواس عنه ~~- " كلمة " بالرفع على الفاعلية، و " تخرج " صفة لها أيضا، وقرىء ~~" كبرت " بسكون الباء، وهي لغة تميم. # قوله: " كذبا " فيه وجهان: # أحدهما: هو مفعول به؛ لأنه يتضمن معنى جملة. # والثاني: هو نعت مصدر محذوف، أي: قولا كذبا. # فصل في المراد من الكلمة # المراد من هذه الكلمة هو قولهم: { اتخذ الله ولدا } فصارت ~~مضمرة في " كبرت " ، وسميت: " كلمة " كما يسمون القصيدة كلمة. # وقوله: { تخرج من أفواههم } أي: هذا الذي يقولونه، لا يحكم ~~به عقلهم وفكرهم ألبتة؛ ms5739 لكونه في غاية الفساد والبطلان، فكأنه يجري ~~على لسانهم على سبيل التقليد { إن يقولون } ، أي: ما يقولون إلا ~~كذبا. # واختلف الناس في حقيقة الكذب، فقيل: هو الخبر الذي لا يطابق المخبر ~~عنه. # وقيل: قال بعضهم: يشترط علم قائله بأنه غير مطابق. # قال ابن الخطيب: وهذا القيد عندنا باطل؛ لأنه تعالى وصف قولهم بإثبات ~~الولد لله بكونه كذبا مع أن الكثير منهم يقول ذلك، ولا يعلم كونه كذبا ~~باطلا، فعلمنا أن كل خبر لا يطابق المخبر عنه، فهو كذب، سواء علم ~~القائل بكونه كذبا، أو لم يعلم. # ويمكن أن يجاب بأن الله تعالى، إنما وصف علماءهم المحرفين للكلم عن ~~مواضعه، ودخل المقلدون على سبيل التبع عليه. # فصل في الرد على النظام # احتج النظام على أن الكلام جسم بهذه الآية، قال: لأنه تعالى ~~وصف الكلمة بأنها تخرج من أفواههم، والخروج عبارة عن الحركة، ~~والحركة لا تصح إلا على الأجسام، وأجيب: بأن الحروف والأصوات ~~إنما تحدث بسبب خروج النفس من الحلق، فلما كان خروج النفس سببا ~~لحدوث الكلمة، أطلق لفظ الخروج على الكلمة. ### || [18.6] # والمقصود منه أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يعظم حزنك ~~وأسفك؛ بسبب كفرهم، فإنا بعثناك منذرا ومبشرا، فأما تحصيل الإيمان ~~في قلوبهم، فلا قدرة لك عليه، والغرض منه تسلية الرسول صلى الله عليه ~~وسلم. # ومعنى: " باخع نفسك " أي: قاتل نفسك. # قال الليث: بخع الرجل نفسه إذا قتلها غيظا من شدة وجده، والفاء ~~في قوله: (فلعلك) قيل: جواب الشرط، وهو قوله: { إن لم ~~يؤمنوا } قدم عليه، ومعناه التأخير. # وقال الجمهور: جواب الشرط محذوف لدلالة قوله: " فلعلك ". # و " لعلك " قيل: للإشفاق على بابها. وقيل: للاستفهام، وهو رأي ~~الكوفيين. وقيل: للنهي، أي: لا تبخع. # والبخع: الإهلاك، يقال: بخع الرجل نفسه يبخعها بخعا ~~وبخوعا، أهلكها وجدا. قال ذو الرمة: [الطويل] # 3483- ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه # لشيء نحته عن يديه المقادر # يريد: نحته بالتشديد، فخفف، قال الأصمعي: كان ينشده: " الوجد " ~~بالنصب على المفعول له، وأبو عبيدة رواه بالرفع على الفاعلية ب ms5740 " ~~الباخع ". # وقيل: البخع: أن تضعف الأرض بالزراعة، قاله الكسائي، وقيل: هو ~~جهد الأرض وعلى هذا معنى " باخع نفسك " أي ناهكها وجاهدها؛ حتى ~~تهلكها، وقيل: هو جهد الأرض في حديث عائشة - رضي الله عنها - عن عمر: " ~~بخع الأرض " تعني جهدها؛ حتى أخذ ما فيها من أموال ملوكها، وهذا ~~استعارة، ولم يفسره الزمخشري هنا بغير القتل والإهلاك، وقال في سورة ~~الشعراء: " البخع ": أن يبلغ بالذبح البخاع بالباء وهو عرق ~~مستبطن الفقار، وذلك أقصى حد الذابح. قال شهاب الدين: وسمعت شيخنا علاء ~~الدين القوني يقول: " تتبعت كتب الطب والتشريح، فلم أجد لهذا ~~أصلا ". # فصل # يحتمل أنه لما ذكروه، سموه باسم آخر؛ لكونه أشهر فميا بينهم. # وقال الراغب: " البخع: قتل النفس غما " ثم قال: " وبخع فلان ~~بالطاعة، وبما عليه من الحق: إذا أقر به، وأذعن مع كراهة شديدة، تجري ~~مجرى بخع نفسه في شدته ". # قوله: " على آثارهم " متعلق ب " باخع " أي: من بعد هلاكهم. # يقال: مات فلان على أثر فلان، أي بعده، وأصل هذا أن الإنسان، إذا ~~مات، بقيت علاماته، وآثاره بعد موته مدة، ثم إنها تنمحي وتبطل ~~بالكلية، فإذا كان موته قريبا من [موت] الأول، كان موته حاصلا حال ~~بقاء آثار الأول، فصح أن يقال: مات فلان على أثر فلان. # قوله: { إن لم يؤمنوا بهذا الحديث } يعني القرآن. # قال القاضي: وهذا يقتضي وصف القرآن بأنه حديث، وذلك يدل على فساد قول ~~من يقول: إنه قديم. # وأجيب بأنه محمول على الألفاظ، وهي حادثة. # قوله: { إن لم يؤمنوا }: قرأ العامة بكسر " إن " على أنها ~~شرطية، والجواب محذوف عند الجمهور؛ لدلالة قوله: " فلعلك " ، وعند ~~غيرهم هو جواب متقدم، وقرىء: " أن لم " بالفتح؛ على حذف الجار، ~~أي: لأن لم يؤمنوا. # وقرىء " باخع نفسك " بالإضافة، والأصل النصب، وقال الزمخشري: ~~" وقرىء " باخع نفسك " على الأصل، وعلى الإضافة. أي: قاتلها ~~ومهلكها، وهو للاستقبال فيمن قرأ " إن لم يؤمنوا " ، وللمضي فيمن ~~قرأ " إن لم تؤمنوا " بمعنى: لأن لم تؤمنوا " يعني أن باخعا ~~للاستقبال في قراءة كسر " إن " فإنها شرطية، وللمضي في ms5741 قراءة فتحها، ~~وذلك لا يأتي إلا في قراءة الإضافة؛ إذ لا يتصور المضي مع النصب عند ~~البصريين، وعلى هذا يلزم ألا يقرأ بالفتح، إلا من قرأ بإضافة " باخع ~~" ، ويحتاج في ذلك إلى نقل وتوقيف. # قوله: " أسفا " يجوز أن يكون مفعولا من أجله، والعامل فيه " باخع " ~~وأن يكون مصدرا في موضع الحال من الضمير في " باخع ". # والأسف: الحزن، وقيل: الغضب، وقد تقدم في الأعراف عند قوله: # غضبان أسفا # [الأعراف: 150] وفي يوسف عند قوله: # يأسفى على يوسف وابيضت # [يوسف: 84]. ### || [18.7-8] # قوله: { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها } الآية. # قال القاضي: وجه النظم كأنه يقول: يا محمد، إني خلقت الأرض، ~~وزينتها، وأخرجت منها أنواع المنافع والمصالح، وأيضا، فالمقصود من ~~خلقها بما فيها من المصالح ابتلاء الخلق بهذه التكاليف، ثم إنهم يكفرون ~~ويتمردون، ومع ذلك، فلا أقطع عنهم مواد هذه النعم، فأنت أيضا يا ~~محمد لا يهمك الحزن؛ بسبب كفرهم إلى أن تترك الاشتغال بدعوتهم إلى ~~الدين. # قوله: { زينة }: يجوز أن ينتصب على المفعول له، وأن ينتصب على الحال، ~~إن جعلت " جعلنا " بمعنى " خلقنا " ويجوز أن يكون مفعولا ثانيا، ~~إن كانت " جعل " تصييرية، و " لها " متعلق ب " زينة " على العلة، ~~ويجوز أن تكون اللام زائدة في المفعول، ويجوز أن تتعلق بمحذوف صفة ل " ~~زينة ". # وقوله: " لنبلوهم " متعلق ب " جعلنا " بمعنييه. # قوله: " أيهم أحسن " يجوز في " أيهم " وجهان: # أحدهما: أن تكون استفهامية مرفوعة بالابتداء، و " أحسن " خبرها، ~~والجملة في محل نصب متعلقة ب " نبلوهم " لأنه سبب العلم، ~~والسؤال، والنظر. # والثاني: أنها موصولة بمعنى الذي و " أحسن " خبر مبتدأ مضمر، ~~والجملة صلة ل " أيهم " ويكون هذا الموصول في محل نصب بدلا من ~~مفعول " لنبلوهم " تقديره لنبلو الذي هو أحسن؛ وحينئذ تحتمل ~~الضمة في " أيهم " أن تكون للبناء، كهي في قوله تعالى: # لننزعن من كل شيعة أيهم أشد # [مريم: 69] على أحد الأقوال، وفي قوله: [المتقارب] # 3484- إذا ما أتيت بني مالك # فسلم على أيهم أفضل # وشرط البناء موجود، وهو الإضافة لفظا، وحذف صدر الصلة، وهذا مذهب ~~سيبويه، ms5742 وأن تكون للإعراب؛ لأن البناء جائز لا واجب، ومن الإعراب ما ~~قرىء به شاذا # أيهم أشد على الرحمن # [مريم: 69] وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه في مريم. # والضمير في " لنبلوهم " و " أيهم " عائد على ما يفهم من السياق، ~~وهم سكان الأرض. وقيل: يعود على ما على الأرض، إذا أريد بها العقلاء، وفي ~~التفسير: المراد بذلك الرعاة. وقيل: العلماء والصلحاء والخلفاء. # فصل في المقصود بالزينة # اختلفوا في تفسير هذه الزينة، فقيل: النبات، والشجر، والأنهار. # كما قال تعالى: # حتى إذآ أخذت الأرض زخرفها وازينت # [يونس: 24] وضم بعضهم إليه الذهب، والفضة، والمعادن، وضم بعضهم ~~إلى ذلك جميع الحيوان، فإن قيل: أي زينة في الحيات والعقارب ~~[والشياطين]. # فالجواب: فيها زينة؛ بمعنى أنها تدل على وحدانية الله تعالى. # وقال مجاهد: أراد الرجال خاصة هم زينة الأرض. # وقيل: أراد به العلماء والصلحاء. # وقيل: أراد به الناس. # وبالجملة، فليس في الأرض إلا المواليد الثلاثة، وهي المعادن، والنبات، ~~والحيوان، وأشرف أنواع الحيوان الإنسان. # قال القاضي: الأولى ألا يدخل المكلف في هذه الزينة؛ لأن الله ~~تعالى قال: { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها ~~لنبلوهم أيهم } فمن يبلوهم يجب ألا يدخل في ذلك. # وأجيب بأن قوله: { زينة لها } أي للأرض، ولا يمتنع أن يكون ما ~~تحسن به الأرض زينة لها، كما جعل الله السماء مزينة بالكواكب. # وقوله: { لنبلوهم } لنختبرهم { أيهم أحسن عملا } ، ~~أي: أصلح عملا. # وقيل: أيهم أترك للدنيا. # فصل # ذهب هشام بن الحكم إلى أنه تعالى لا يعلم الحوادث إلا عند دخولها في ~~الوجود، فعلى هذا: الابتلاء والامتحان على الله جائز؛ واحتج بأنه ~~تعالى لو كان عالما بالجزئيات قبل وقوعها، لكان كل ماعلم وقوعه واجب ~~الوقوع، وكل ما علم عدمه ممتنع الوقوع، وإلا لزم انقلاب علمه جهلا، ~~وذلك محال، والمفضي إلى المحال محال، ولو كان ذلك واجبا، فالذي علم ~~وقوعه يجب كونه فاعلا له، ولا قدرة له على الترك، والذي علم عدمه ~~يكون ممتنع الوقوع، ولا قدرة له على الفعل، وعلى هذا يلزم ألا يكون ~~الله قادرا على ms5743 شيء أصلا، بل يكون موجبا بالذات. # وأيضا، فيلزم ألا يكون للعبد قدرة على الفعل، ولا على الترك؛ لأن ~~ماعلم الله وقوعه، امتنع من العبد تركه، وما علم عدمه، امتنع منه فعله، ~~فالقول بكونه تعالى عالما بالأشياء قبل وقوعها، يقدح في الربوبية، وفي ~~العبودية، وذلك باطل؛ فثبت أنه تعالى إنما يعلم الأشياء عند وقوعها، ~~أي عند ذلك، وعلى هذا التقدير، فالابتلاء والامتحان والاختبار غير جائز ~~عليه، وعند هذا قال: يجرى قوله: { لنبلوهم أيهم أحسن ~~عملا } على ظاهره. # وأما جمهور علماء الإسلام، فقد استبعدوا هذا القول، وقالوا: إنه تعالى ~~من الأزل إلى الأبد عالم بجميع الجزئيات، والابتلاء والامتحان عليه ~~محال، وأينما وردت هذه الألفاظ فالمراد أنه تعالى يعاملهم معاملة، لو ~~صدرت عن غيره، لكانت على سبيل الابتلاء والامتحان. # فصل في تعليل أفعال الله تعالى # قالت المعتزلة: دلت هذه الآية ظاهرا على أن أفعال الله تعالى ~~معللة بالأغراض. # وقال أهل السنة: هذا محال؛ لأن التعليل بالغرض إنما يصح في حق ~~من لا يصح منه تحصيل ذلك الغرض، إلا بتلك الواسطة، وهذا يقتضي العجز، ~~وهو على الله تعالى محال. # قوله: { وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا }. # والمعنى أنه تعالى إنما زين الأرض؛ لأجل الامتحان والابتلاء، لا ~~لأجل أن يبقى الإنسان فيها متنعما بها لا زاهدا فيها أي: لجاعلون ما ~~عليها من هذه الزينة { صعيدا جرزا }. # ونظيره: # كل من عليها فان # [الرحمن: 26]. # وقوله: # فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا # [طه: 106، 107]. # وقوله: # وإذا الأرض مدت وألقت ما فيها وتخلت # [الانشقاق: 3، 4]. # والمعنى أنه لا بد من المجازاة بعد إفناء ما على الأرض، وتخصيص ~~الإهلاك بما على الأرض يوهم بقاء الأرض، إلا أن سائر الآيات دلت ~~أيضا على أن الأرض لا تبقى، وهو قوله: # يوم تبدل الأرض غير الأرض # [إبراهيم: 48]. # قوله: { صعيدا }: مفعول ثان؛ لأن الجعل هنا تصيير ليس إلا، ~~والصعيد: التراب. # وقال أبو عبيدة: الصعيد المستوي من الأرض. # وقال الزجاج: هو الطريق الذي لا طين له، أو لا نبات فيه. وقد تقدم ~~في آية ms5744 التيمم. والجرز: الذي لا نيات به، يقال: سنة جرز، وسنون ~~أجراز: لا مطر فيها، وأرض جرز، وأرضون أجراز: لا نبات فيها قال ~~الفراء: جرزت الأرض؛ فهي مجروزة إذا ذهب نباتها بقحط أو جراز يقال ~~جرزها الجراد والشياة والإبل إذا أكل ما عليها وامرأة مجروز: إذا كانت ~~أكولة. قال الشاعر: [الرجز] # 3485- إن العجوز خبة جروزا # تأكل كل ليلة قفيزا # وسيف جراز، إذا كان مستأصلا. # ونظيره قوله تعالى: # أولم يروا أنا نسوق المآء إلى الأرض الجرز # [السجدة:27]. ### || [18.9-12] # قوله: { أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا ~~من ءاياتنا عجبا } الآية. # معناها: أظننت، يا محمد، أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا ~~عجبا. # وقيل: معناه أنهم ليسوا بأعجب من آياتنا؛ فإن ما خلقت من السموات ~~والأرض وما فيهن من العجائب أعجب منهم، فكيف يستبعد من قدرته ورحمته ~~حفظ طائفة مدة ثلاثمائة سنة وأكثر؟ هذا وجه النظم. # وقد تقدم سبب نزول قصة أصحاب الكهف عند قوله: # ويسألونك عن الروح # [الإسراء: 85]. # والكهف هو الغار في الجبل وقيل: مطلق الغار، وقيل: هو ما اتسع في الجبل، ~~فإن لم يتسع، فهو غار، والجمع " كهوف " في الكثرة، و " أكهف " ~~في القلة. # والرقيم: قيل: بمعنى مرقوم. # وعلى هذا قال أهل المعاني: الرقيم الكتاب. # ومنه قوله: # كتاب مرقوم # [المطففين: 9] أي: مكتوب. # قال الفراء: الرقيم لوح كان فيه أسماؤهم وصفاتهم، وسمي رقيما؛ لأن ~~أسماءهم كانت مرقومة فيه. # قال سعيد بن جبير، ومجاهد: كان لوحا من حجارة، وقيل: من رصاص، ~~كتبنا فيه أسماءهم وصفاتهم، وشد ذلك اللوح على باب الكهف، وهو أظهر ~~الأقوال. # وقيل: بمعنى راقم، وقيل: هو اسم الكلب الذي لأصحاب الكهف، وأنشدوا ~~لأمية بن أبي الصلت: [الطويل] # 3486- وليس بها إلا الرقيم مجاورا # وصيدهم، والقوم بالكهف همد # وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: كل القرآن معلوم إلا أربعة: ~~غسلين، وحنانا، والأواه، والرقيم. # وروى عكرمة عن ابن عباس أنه سئل عن الرقيم فقال: زعم كعب أنها ~~القرية التي خرجوا منها، وهو قول السدي. # وحكي عن ابن عباس: أنه اسم للوادي الذي ms5745 فيه أصحاب الكهف، وعلى هذا هو ~~من رقمة الوادي، وهو جانبه. # وقيل: اسم للجبل الذي فيه الكهف. # قوله: { أم حسبت }: " أم " هذه منقطعة، فتقدر ب " بل " التي ~~للانتقال، لا للإبطال، وبهمزة الاستفهام عند جمهور النحاة، و " بل " ~~وحدها أو بالهمزة وحدها عند غيرهم، وتقدم تحقيق القول فيها. # و " أن " وما في حيزها سادة مسد المفعولين، أو أحدهما، على ~~الخلاف المشهور. # قوله: " عجبا " يجوز أن تكون خبرا، و " من آياتنا " حال منه، ~~وأن يكون خبرا ثانيا، و " من آياتنا " خبرا أول، وأن يكون " ~~عجبا " حالا من الضمير المستتر في " من آياتنا " لوقوعه خبرا، ~~ووحد، وإن كان صفة في المعنى لجماعة؛ لأن أصله المصدر قال ابن الخطيب: ~~عجبا، و " العجب " ها هنا مصدر، سمي المفعول به، والتقدير: " كانوا ~~معجوبا منهم " فسموا بالمصدر. وقالوا: " عجبا " في الأصل صفة ~~لمحذوف، تقديره: آية عجبا، وقيل: على حذف مضاف، أي: آية ذات عجب. # قوله: { إذ أوى }: يجوز أن ينتصب ب " عجبا " وأن ينتصب ب " ~~اذكر "؛ لأنه لا يجوز أن يكون " إذ " ههنا متعلقا بما قبله على ~~تقدير " أم حسبت "؛ لأنه كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبينهم ~~مدة طويلة، فلم يتعلق الحسبان بذلك الوقت الذي أووا فيه إلى الكهف، بل ~~يتعلق بمحذوف. # والتقدير: اذكر إذ أوى الفتية إلى الكهف، والمعنى صاروا إليه، وجعلوه ~~مأواهم، فقالوا: { ربنآ ءاتنا من لدنك رحمة } أي من ~~خزائن رحمتك. # قوله: " وهيىء ": العامة على همزة بعد الياء المشددة، وأبو جعفر ~~وشيبة والزهري بياءين: الثانية خفيفة، وكأنه أبدل الهمزة ياء، وإن ~~كان سكونها عارضا، وروي عن عاصم " وهي " بياء مشددة فقط، فيحتمل ~~أن يكون حذف الهمزة من أول وهلة تخفيفا، وأن يكون أبدلها؛ كما فعل أبو ~~جعفر، ثم أجرى الياء مجرى حرف العلة الأصلي، فحذفه، وإن كان الكثير ~~خلافه، ومنه: # 3487- جريء متى يظلم يعاقب بظلمه # سريعا وإلا يبد بالظلم يظلم # معنى " هيىء لنا " أصلح من قولك " هيأت الأمر، فتهيأ ". # وقرأ أبو رجاء " رشدا " ها هنا بضم الراء وسكون الشين، وتقدم تحقيق ~~ذلك ms5746 في الأعراف، وقراءة العامة هنا أليق؛ لتوافق الفواصل. # والتقدير: هيىء لنا أمرا ذا رشد؛ حتى نكون بسببه راشدين مهتدين. # وقيل: اجعل أمرنا رشدا كله؛ كقولك: رأيت منه رشدا. # قوله: { فضربنا }: مفعوله محذوف، أي: ضربنا الحجاب المانع، و " ~~على آذانهم " استعارة للزوم النوم؛ كقول الأسود: [الكامل] # 3488- ومن الحوادث لا أبا لك أنني # ضربت علي الأرض بالأسداد # وقال الفرزدق: [الكامل] # 3489- ضربت عليك العنكبوت بنسجها # وقضى عليك به الكتاب المنزل # ونص على الآذان؛ لأن بالضرب عليها خصوصا يحصل النوم. وأمال " ~~آذانهم ". # قوله: { في الكهف } وهو ظرف المكان، ومعنى الكلام: إنما هم في ~~الكهف، واسمه خيرم، واسم الجبل الذي هو فيه [مخلوس]. # وقوله: " سنين " ظرف " زمان " ل " ضربنا " و " عددا " يجوز فيه ~~أن يكون مصدرا، وأن يكون " فعلا " بمعنى مفعول، أي من باب تسمية ~~المفعول باسم المصدر، كالقبض والنقض. # فعلى الأول: يجوز نصبه من وجهين: # احدهما: النعت ل " سنين " على حذف مضاف، أي: ذوات عدد، أو على ~~المبالغة على سبيل التأكيد والنصب بفعل مقدر، أي: تعد عددا. # وعلى الثاني: نعت ليس إلا، أي: معدودة. # فصل # [ذكر العدد هنا على سبيل التأكيد] قال الزجاج: ذكر العدد ها هنا يفيد ~~كثرة السنين، وكذلك كل شيء مما يعد إذا ذكر فيه العدد، ووصف به، ~~أريد كثرته؛ لأنه إذا قل، فهم مقداره بدون التعديد، أما إذا كثر ~~فهناك يحتاج إلى التعديد، فإذا قلت: أقمت أياما عددا، أردت به ~~الكثرة. # قوله: { ثم بعثناهم لنعلم }. # اللام لام الغرض؛ فيدل على أن أفعال الله تعالى معللة بالأغراض، وقد ~~تقدم الكلام فيه، ونظير هذه الآية في القرآن كثير، منها ما سبق في هذه ~~السورة، وفي سورة البقرة: # إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب # [البقرة: 143] وفي آل عمران: # ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم # [آل عمران: 142] وقوله: # ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم # [محمد: 31]. # فصل # وقال بعض العلماء: " لنعلم " أي: علم المشاهدة. # وقوله: { لنعلم }: متعلق بالبعث، والعامة على نون العظمة؛ جريا ~~على ما تقدم وقرأ الزهري " ليعلم " بياء الغيبة، والفاعل الله تعالى، ~~وفيه ms5747 التفات من التكلم إلى الغيبة، ويجوز أن يكون الفاعل " أي ~~الحزبين " إذا جعلناها موصولة، كما سيأتي. # وقرىء " ليعلم " مبنيا للمفعول، والقائم مقام الفاعل، قال ~~الزمخشري: " مضمون الجملة، كما أنه مفعول العلم ". ورده أبو حيان ~~بأنه ليس مذهب البصريين، وتقدم تحقيق هذا أول البقرة. # وللكوفيين في قيام الجملة مقام الفاعل أو المفعول الذي لم يسم فاعله: ~~الجواز مطلقا، و التفصيل بين ما تعلق به؛ كهذه الآية فيجوز، فالزمخشري ~~نحا نحوهم على قوليهم، وإذا جعلنا " أي الحزبين " موصولة، جاز أن ~~يكون الفعل مسندا إليه في هذه القراءة أيضا؛ كما جاز إسناده إليه في ~~القراءة قبلها. # وقرىء " ليعلم " بضم الياء، والفاعل الله تعالى، و المفعول الأول ~~محذوف، تقديره: ليعلم الله الناس، و " أي الحزبين " في موضع الثاني ~~فقط، إن كانت عرفانية، وفي موضع المفعولين إن كانت يقينية. # وفي هذه القراءة فائدتان: # إحداهما: أن على هذا التقدير: لا يلزم إثبات العلم المتجدد لله، بل ~~المقصود أنا بعثناهم؛ ليحصل هذا العلم لبعض الخلق. # والثانية: أن على هذا التقدير: يجب ظهور النصب في قوله " أي " لكن ~~لقائل أن يقول الإشكال باق؛ لأن ارتفاع لفظة " أي " بالابتداء لا ~~بإسناده " ليعلم " إليه. # ولمجيب بأن يجيب؛ فيقول: لا يمتنع اجتماع عاملين على معمول واحد؛ ~~لأن العوامل النحوية علامات ومعرفات، ولا يمتنع اجتماع معرفات كثيرة ~~على شيء واحد. # قوله: " أحصى " يجوز فيه وجهان: # أحدهما: أنه أفعل تفضيل، وهو خبر ل " أيهم " و " أيهم " ~~استفهامية، وهذه الجملة معلقة للعلم قبلها، و " لما لبثوا " حال من " ~~أمدا " ، لأنه لو تأخر عنه، لكان نعتا له، ويجوز أن تكون اللام على ~~بابها من العلة، أي: لأجل، قاله أبو البقاء، ويجوز أن تكون زائدة، و " ~~ما " مفعولة: إما ب " أحصى " على رأي من يعمل أفعل التفضيل في ~~المفعول به، وإما بإضمار فعل، و " أمدا " مفعول " لبثوا " أو منصوب ~~بفعل مقدر يدل عليه أفعل عند الجمهور، أو منصوب بنفس أفعل عند من يرى ~~ذلك. # والوجه الثاني: أن يكون " أحصى " فعلا ماضيا [أي: أيهم ضبط أمدا ~~لأوقات ms5748 لبثهم] و " أمدا " مفعوله، و " لما لبثوا " متعلق به، أو حال من ~~" أمدا " أو اللام فيه مزيدة، وعلى هذا: ف " أمدا " منصوب ب " لبثوا ~~" و " ما " مصدرية، أو بمعنى " الذي " واختار الأول - أعني كون " أحصى ~~" للتفضيل - الزجاج والتبريزي، واختار الثاني أبو علي والزمخشري وابن ~~عطية، قال الزمخشري: " فإن قلت: فما تقول فيمن جعله من أفعل التفضيل؟ ~~قلت: ليس بالوجه السديد، وذلك أن بناءه من غير الثلاثي ليس بقياس، ~~ونحو " أعدى من الجرب " و " أفلس من ابن المذلق " شاد، و ~~القياس على الشاذ في غير القرآن ممتنع، فكيف به؟ ولأن " أمدا ": ~~إما أن ينتصب بأفعل، وأفعل لا يعمل، وإما أن ينتصب ب " لبثوا " ~~فلا يسد عليه المعنى، فإن زعمت أني أنصبه بفعل مضمر، كما أضمر في ~~قوله: # 3490-................. # وأضرب منا بالسيوف القوانسا # فقد أبعدت المتناول؛ حيث أبيت أن يكون " أحصى " فعلا، ثم رجعت ~~مضطرا إلى تقديره ". # وناقشه أبو حيان فقال: " أما دعواه أنه شاذ، فمذهب سيبويه خلافه، ~~وذلك أن أفعل فيه ثلاثة مذاهب: الجواز مطلقا، ويعزى لسيبويه، والمنع ~~مطلقا، وهو مذهب الفارسي، والتفصيل: بين أن يكون همزته للتعدية، ~~فيمتنع، وبين ألا تكون، فيجوز، وهذا ليست الهمزة فيه للتعدية، وأما ~~قوله: " أفعل لا يعمل " فليس بصحيح؛ لأنه يعمل في التمييز، و " ~~أمدا " تمييز لا مفعول به، كما تقول: زيد أقطع الناس سيفا، وزيد ~~أقطع للهام سيفا ". # فصل # قال شهاب الدين: الذي أحوج الزمخشري إلى عدم جعله تمييزا، مع ظهوره ~~في بادىء الرأي عدم صحة معناه، وذلك: أن التمييز شرطه في هذا الباب: ~~أن تصح نسبة ذلك الوصف الذي قبله إليه، ويتصف به؛ ألا ترى إلى ~~مثاله في قوله: " زيد أقطع الناس سيفا " كيف يصح أن يسند ~~إليه، فيقال: زيد قطع سيفه، وسيفه قاطع، إلى غير ذلك، وهنا ليس الإحصاء ~~من صفة الأمد، ولا تصح نسبته إليه، وإنما هو من صفات الحزبين، وهو ~~دقيق. # وكان أبو حيان نقل عن ابي البقاء نصبه على التمييز، وأبو البقاء لم يذكر ~~نصبه على التمييز حال جعله " أحصى ms5749 " أفعل تفضيل، وإنما ذكر ذلك حين ~~ذكر أنه فعل ماض، قال أبو البقاء: في أحصى وجهان: # أحدهما: هو فعل ماض، و " أمدا " مفعوله. # و " لما لبثوا " نعت له، قدم، فصار حالا، أو مفعولا له، أي: لأجل ~~لبثهم، وقيل: اللام زائدة و " ما " بمعنى " الذي " و " أمدا " مفعول " ~~لبثوا " وهو خطأ، وإنما الوجه أن يكون تمييزا، والتقدير: لما لبثوه. # والوجه الثاني: هو اسم، و " أمدا " منصوب بفعل دل عليه الاسم انتهى، ~~فهذا تصريح بأن " أمدا " حال جعله " أحصى " اسما، ليس بتمييز بل ~~مفعول به بفعل مقدر، وأنه جعله تمييزا عن " لبثوا " كما رأيت. # ثم قال أبو حيان: " وأما قوله وإما أن ينصب ب " لبثوا " فلا ~~يسد عليه المعنى، أي: لا يكون معناه سديدا، فقد ذهب الطبري إلى أنه ~~منصوب ب " لبثوا " قال ابن عطية: " وهو غير متجه " انتهى، وقد ~~يتجه: وذلك أن الأمد هو الغاية، ويكون عبارة عن المدة من حيث إن ~~المدة غاية هي أمد المدة على الحقيقة، و " ما " بمعنى " الذي " و " ~~أمدا " منصوب على إسقاط الحرف، وتقديره: لما لبثوا من أمد، أي: من مدة، ~~ويصير " من أمد " تفسيرا لما أبهم من لفظ " ما " كقوله: # ما ننسخ من آية # [البقرة: 106] # ما يفتح الله للناس من رحمة # [فاطر: 2] ولما سقط الحرف، وصل إليه الفعل ". # قال شهاب الدين: يكفيه أن مثل ابن عطية جعله غير متجه، وعلى ~~تقدير ذلك، فلا نسلم أن الطبري عنى نصبه ب " لبثوا " مفعولا به، ~~بل يجوز أن يكون عنى نصبه تمييزا؛ كما قاله أبو البقاء. # ثم قال: وأما قوله: فإن زعمت إلى آخره، فنقول: لا يحتاج إلى ذلك؛ ~~لأن لقائل ذلك أن يذهب مذهب الكوفيين في أنه ينصب " القوانس " ~~بنفس " أضرب " ولذلك جعل بعض النحاة أن " أعلم " ناصب ل " من ~~" في قوله: # أعلم من يضل # [الأنعام: 117]، وذلك لأن أفعل مضمن لمعنى المصدر؛ إذ التقدير: " ~~يزيد ضربنا القوانس على ضرب غيرنا ". # قال شهاب الدين: هذا مذهب مرجوح، وأفعل التفضيل ضعيف، ولذلك قصر عن ~~الصفة المشبهة باسم الفاعل؛ ms5750 حيث لم يؤنث، ولم يثن، ولم يجمع. # وإذا جعلنا " أحصى " اسما فجوز أبو حيان في " أي " أن تكون ~~الموصولة، و " أحصى " خبر لمبتدأ محذوف، هو عائدها، وأن الضمة للبناء ~~على مذهب سيبويه لوجود شرط البناء، وهو إضافتها لفظا، وحذف صدر صلتها، ~~وهذا إنما يكون على جعل العلم بمعنى العرفان؛ لأنه ليس في الكلام إلا ~~مفعول واحد، وتقدير آخر لا حاجة إليه، إلا أن في إسناد " علم " ~~بمعنى عرف إلى الله تعالى إشكالا تقدم تحريره في الأنفال وغيرها، ~~وإذا جعلناه فعلا، امتنع أن تكون موصولة؛ إذ لا وجه لبنائها حينئذ، وهو ~~حسن. # فصل في المراد بالحزبين # روى عطاء عن ابن عباس أن المراد بالحزبين الملوك الذين تداولوا ~~المدينة ملكا بعد ملك، فأصحاب الكهف حزب، والملوك حزب. # وقال مجاهد: " الحزبين " من قوم الفتية؛ لأنهم لما انتبهوا، اختلفوا ~~في أنهم كم ناموا؛ لقوله تعالى: # قال قآئل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما ~~أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم # [الكهف: 19]. # وكأن الذين قالوا: " ربكم أعلم بما لبثتم " هم الذين علموا ~~بطول مكثهم. # وقال الفراء: هم طائفتان من المسلمين في زمان أصحاب الكهف اختلفوا في ~~مدة لبثهم. # وقولهم: { أحصى لما لبثوا } أي: أحفظ لما مكثوا في كهفهم ~~نياما { أمدا } أي: غاية. # وقال مجاهد: عددا. ### || [18.13-16] # قوله: { نحن نقص عليك نبأهم بالحق } [أي: نقص عليك ~~نبأهم] على وجه الصدق. # قوله: { إنهم فتية } شبان { ءامنوا بربهم ~~وزدناهم هدى } إيمانا وبصيرة. # وقوله: { ءامنوا بربهم }: فيه التفات من التكلم إلى الغيبة؛ ~~إذ لو جاء على نسق الكلام، لقيل: إنهم فتية آمنوا بنا، وقوله: " ~~وزدناهم " التفات من هذه الغيبة إلى التكلم أيضا. # ومعنى قوله: " وربطنا " وشددنا " على قلوبهم " بالصبر ~~والتثبت، وقويناهم بنور الإيمان، حتى صبروا على هجران ديار قومهم، ~~ومفارقة ما كانوا فيه من خفض العيش، وفروا بدينهم إلى الكهف، ~~والربط: استعارة لتقوية كلمة في ذلك المكان الدحض. # قوله: { إذ قاموا }: منصوب ب " ربطنا ". وفي هذا القيام ~~أقوال: # أحدها: قال مجاهد: كانوا عظماء مدينتهم، فخرجوا، فاجتمعوا وراء المدينة ms5751 ~~من غير ميعاد، فقال أكبرهم: إني لأجد في نفسي شيئا، إن ربي رب ~~السموات والأرض، فقالوا: نحن كذلك نجد في أنفسنا، فقاموا جميعا، فقالوا: ~~{ ربنا رب السموات والأرض }. # والثاني: أنهم قاموا بين يدي ملكهم دقيانوس، حين عاتبهم على ترك عبادة ~~الصنم، { فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ~~ندعوا من دونه إلها } فثبت الله هؤلاء الفتية وعصمهم، ~~حتى عصوا ذلك الجبار، وأقروا بربوبية الله تعالى. # الثالث: قال عطاء ومقاتل: إنهم قالوا ذلك عند قيامهم من النوم، وهذا ~~بعيد؛ لأن الله تعالى استأنف قصتهم فقال: { نحن نقص ~~عليك نبأهم }. # قوله: { لقد قلنآ إذا شططا }. # " إذن " جواب وجزاء، أي: لقد قلنا قولا شططا، إن دعونا من دونه إلها، ~~و " شططا " في الأصل مصدر، يقال: شط شططا وشطوطا، أي: جار وتجاوز ~~حده، ومنه: شط في السوم، وأشط، أي: جاوز القدر حكاه الزجاج ~~وغيره، ومن قوله: " ولا تشطط " وشط المنزل: أي بعد، [من ذلك] وشطت ~~الجارية شطاطا أي: طالت، من ذلك. # فصل # قال الفراء: ولم أسمع إلا " أشط يشط إشطاطا " فالشط البعد عن ~~الحق. # قال ابن عباس: " شططا " أي: جورا. # وقال قتادة: كذبا. وفي انتصابه ثلاثة أوجه: # الأول: مذهب سيبويه النصب على الحال، من ضمير مصدر " قلنا ". # الثاني: نعت لمصدر، أي: قولا ذا شطط، أو هو الشطط نفسه؛ مبالغة. # الثالث: أنه مفعول ب " قلنا " لتضمنه معنى الجملة. # قوله: { هؤلاء قومنا اتخذوا }: يجوز في " قومنا " أن ~~يكون بدلا، أو بيانا، و " اتخذوا " هو خبر " هؤلاء " ويجوز أن يكون ~~" قومنا " هو الخبر، و " اتخذوا " حالا، و " اتخذ " يجوز أن ~~يتعدى لواحد؛ بمعنى " عملوا " لأنهم نحتوها بأيديهم، ويجوز أن تكون ~~متعدية لاثنين؛ بمعنى " صيروا " و " من دونه " هو الثاني قدم، و " ~~آلهة " هو الأول، وعلى الوجه الأول يجوز في " من دونه " أن يتعلق ب " ~~اتخذوا " وأن يتعلق بمحذوف حالا من " آلهة " إذ لو تأخر، لجاز أن ~~يكون صفة ل " آلهة ". # قوله: " لولا يأتون " تحضيض فيه معنى الإنكار، و " عليهم " ~~أي: على عبادتهم، أو على اتخاذهم، فحذف المضاف للعلم ms5752 به، ولا يجوز أن ~~تكون هذه الجملة التحضيضية صفة ل " آلهة " لفساده؛ معنى وصناعة؛ لأنها ~~جملة طلبية. # فإن قلت: أضمر قولا؛ كقوله: [الرجز] # 3491- جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط # فالجواب لم يساعد المعنى لفساده عليه. # فصل في المعني بقوله تعالى: { هؤلاء قومنا } # هذا قول أصحاب الكهف يعنون أهل بلدهم هم الذين كانوا في زمن دقيانوس، ~~عبدوا الأصنام { لولا يأتون } هلا يأتون " عليهم " على ~~عبادتهم " بسلطان " بحجة بينة واضحة، ومعنى الكلام أن عدم البينة ~~بعدم الدليل لا يدل على عدم المدلول، وهذه الآية تدل على صحة هذه ~~الطريقة؛ لأنه تعالى استدل على عدم الشركاء والأضداد؛ لعدم الدليل ~~عليه، ثم قال: { فمن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا } فزعم أن له شريكا، وولدا، يعني أن الحكم بثبوت الشيء مع ~~عدم الدليل عليه ظلم وافتراء على الله وكذب، وهذا من أعظم الدلائل على ~~فساد القول بالتقليد. # قوله: { وإذ اعتزلتموهم }: " إذ " منصوب بمحذوف، أي: وقال ~~بعضهم لبعض وقت اعتزالهم، وجوز بعضهم أن تكون " إذ " للتعليل، أي: ~~فأووا إلى الكهف؛ لاعتزالكم إياهم، ولا يصح. # قوله: " وما يعبدون " يجوز في " ما " ثلاثة أوجه: # أحدها: أن تكون بمعنى " الذي " والعائد مقدر، أي: واعتزلتم الذي يعبدونه ~~وهذا واضح. و " إلا الله " يجوز فيه أن يكون استثناء متصلا، فقد روي ~~أنهم كانوا يعبدون الله ويشركون به غيره، ومنقطعا؛ فقد روي أنهم كانوا ~~يعبدون الأصنام فقط، والمستثنى منه يجوز أن يكون الموصول، وأن يكون ~~عائده، والمعنى واحد. # والثاني: أن تكون مصدرية، أي: واعتزلتم عبادتهم، أي: تركتموها، و " ~~إلا الله " على حذف مضاف، أي: إلا عبادة الله، وفي الاستثناء ~~الوجهان المتقدمان. # الثالث: أنها نافية، وأنه من كلام الله تعالى، وعلى هذا، فهذه الجملة ~~معترضة بين أثناء القصة، وإليه ذهب الزمخشري، و " إلا الله " ~~استثناء مفرغ، أخبر الله عن الفتية أنهم لا يعبدون غيره، وقال أبو ~~البقاء: " والثالث: أنها حرف نفي، فيخرج في الاستثناء وجهان: # أحدهما: هو منقطع، والثاني: هو متصل، والمعنى: وإذ اعتزلتموهم إلا الله ~~وما يعبدون إلا الله ". # فظاهر هذا ms5753 الكلام: أن الانقطاع والاتصال في الاستثناء مترتبان على ~~القول يكون " ما " نافية، وليس الأمر كذلك. # فصل في كلام أهل الكهف # قال المفسرون: إن أهل الكهف قال بعضهم لبعض: { وإذ ~~اعتزلتموهم } يعني قومكم { وما يعبدون إلا الله } ، ~~أي: اعتزلتموهم، وجميع ما يعبدون إلا الله، فإنكم لم تعتزلوا عبادته، ~~فإنهم كانوا يعبدون الله ويعبدون معه الأوثان. # وقرأ أبو مسعود: " وما يعبدون من دون الله، فأووا إلى الكهف ". # قال الفراء: هو جواب " إذ " كما تقول: إذ فعلت كذا فافعل كذا، والمعنى ~~اذهبوا إليه، واجعلوه مأواكم. # { ينشر لكم ربكم من رحمته } أي يبسطها عليكم، { ~~ويهيئ لكم } يسهل لكم { من أمركم مرفقا } ما يعود ~~إليه رفقكم. # قوله: " مرفقا " قرأ الجمهور بكسر الميم، وفتح الفاء. # وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية البرجمي وأبو جعفر بالعكس، وفيها ~~خلاف عند أهل اللغة؛ فقيل: هما بمعنى واحد، وهو ما يرتفق به، وليس بمصدر، ~~وقيل: هو بكسر الميم لليد، وبفتحها للأمر، وقد يستعمل كل واحد منهما ~~موضع الآخر، حكاه الأزهري عن ثعلب، وأنشد الفراء جمعا بين اللغتين في ~~الجارحة: [الرجز] # 3492- بت أجافي مرفقا عن مرفق # و [قد] يستعملان معا في الأمر، وفي الجارحة، حكاه الزجاج. # وحكى مكي، عن الفراء أنه قال: " لا أعرف في الأمر، ولا في اليد، ~~ولا في كل شيء إلا كسر الميم ". # قلت: وتواتر قراءة نافع والشاميين يرد عليه، وأنكر الكسائي كسر ~~الميم في الجارحة، وقال: لا أعرف فيه إلا الفتح، وهو عكس قول تلميذه، ~~ولكن خالفه أبو حاتم، وقال: " هو بفتح الميم: الموضع كالمسجد، وقال أبو ~~زيد: هو بفتح الميم مصدر جاء على مفعل " وقال بعضهم: هما لغتان فيما ~~يرتفق به، فأما الجارحة، فبكسر الميم فقط، وحكي عن الفراء أنه قال: " ~~أهل الحجاز يقولون: " مرفقا " بفتح الميم وكسر الفاء فيما ارتفقت به، ~~ويكسرون مرفق الإنسان، والعرب بعد يكسرون الميم منهما جميعا " وأجاز ~~معاذ فتح الميم والفاء، وهو مصدر كالمضرب والمقتل. # و " من أمركم " متعلق بالفعل قبله، و " من " لابتداء الغاية، أو ~~للتبعيض. # وقيل: هي بمعنى ms5754 بدل، قاله ابن الأنباري، وأنشد: [الطويل] # 3493- فليت لنا من ماء زمزم شربة # مبردة باتت على طهيان # أي: بدلا. ويجوز أن يكون حالا من " مرفقا " فيتعلق بمحذوف. ### || [18.17] # قوله: { وترى الشمس } أي: أنت أيها المخاطب، وليس المراد أن ~~من خوطب بهذا يرى هذا المعنى، ولكن العادة في المخاطبة تكون على هذا ~~النحو. # قوله: { إذا طلعت تزاور عن كهفهم }. # قرأ ابن عامر ويعقوب " تزور " بسكون الزاي بزنة تحمر. # والكوفيون " تزاور " بتخفيف الزاي، والباقون بتثقيلها، ف " تزور ~~" بمعنى " تميل " من الزور، وهو الميل، و " زاره " بمعنى " مال إليه ~~" وقول الزور: ميل عن الحق، ومنه الأزور، وهو المائل بعينه وبغيرها، ~~قال عمر بن أبي ربيعة: [الطويل] # 3494-................ # وجنبي خيفة القوم أزور # وقيل: تزور بمعنى تنقبض من " ازور " أي: انقبض، ومنه قول عنترة: ~~[الكامل] # 3495- فازور من وقع القنا بلبانه # وشكا إلي بعبرة وتحمحم # وقيل: مال، ومثله قول بشر بن أبي خازم: [الوافر] # 3496- يؤم بها الحداة مياه نخل # وفيها عن أبانين ازورار # أي: ميل. # وأما " تزاور " و " تزاور " فأصلهما " تتزاور " بتاءين، ~~فالكوفيون حذفوا إحدى التاءين، وبعضهم أدغم، وقد تقدم نظائر هذا في # تظاهرون # [الآية: 85 من البقرة] و # تسآءلون # [النساء: 1] ونحوهما، ومعنى ذلك الميل أيضا. # وقرأ أبو رجاء، والجحدري، وابن أبي عبلة، وأيوب السختياني " ~~تزوار " بزنة " تحمار " وعبد الله، وأبو المتوكل " تزوئر " ~~بهمزة مكسورة قبل راء مشددة، وأصلها " تزوار " كقراءة أبي رجاء، ومن ~~معه، وإنما كره الجمع بين الساكنين، فأبدل الألف همزة على حد إبدالها ~~في # الجآن # [الرحمن: 15] و # الضآلين # [الفاتحة: 7]. وقد تقدم تحقيقه آخر الفاتحة. # و " إذا طلعت " معمول ل " ترى " أو ل " تزاور " وكذا " إذا غربت ~~" معمول للأول، أو للثاني، وهو " تقرضهم " والظاهر تمحضه ~~للظرفية، ويجوز أن تكون شرطية. # ومعنى " تقرضهم ": تقطعهم، لا تقربهم؛ إذ القرض القطع؛ من القطيعة ~~والصرم، قال ذو الرمة: [الطويل] # 3497- إلى ظعن يقرضن أقواز مشرف # شمالا، وعن أيمانهن الفوارس # والقرض: القطع، وتقدم تحقيقه في البقرة، وقال الفارسي: " معنى ~~تقرضهم: تعطيهم من ضوئها شيئا، ثم تزول سريعا، كالقرض يسترد " وقد ~~ضعف قوله؛ ms5755 بأنه كان ينبغي أن يقرأ " تقرضهم " بضم التاء، لأنه من ~~أقرض. # وقرىء " يقرضهم " بالياء من تحت، أي: الكهف، وفيه مخالفة بين ~~الفعلين وفاعلهما، فالأولى أن يعود على الشمس، ويكون كقوله: [المتقارب] # 3498-................ # ولا أرض أبقل إبقالها # وهو قول ابن كيسان. # و " ذات اليمين " و " ذات الشمال " ظرفا مكان بمعنى جهة اليمين، ~~وجهة الشمال. # فصل # قال المفسرون: " تزاور " بمعنى " تميل " وتعدل عن كهفهم { ذات ~~اليمين } ، أي: جهة ذات اليمين، وأصله أن ذات اليمين صفة أقيمت ~~مقام الموصوف؛ لأنها تأنيث " ذو " في قولهم: " رجل ذو مال، وامرأة ~~ذات مال "؛ فكأنه قال: تزاور عن كهفهم جهة ذات اليمين، { وإذا ~~غربت تقرضهم ذات الشمال }. # قال الكسائي: قرضت المكان، أي: عدلت عنه. # وقال أبو عبيدة: القرض في أشياء، منها القطع، وكذلك السير في البلاد، ~~إذا قطعتها؛ تقول لصاحبك: هل وردت [موضع] كذا؟ فيقول المجيب: إنما ~~قرضته. # فقوله: { تقرضهم ذات الشمال } ، أي: تعدل عن سمت رؤوسهم ~~إلى جهة الشمال. # ثم ها هنا قولان: # الأول: قال ابن قتيبة وغيره: كان كهفهم مستقبل بنات نعش، لا تقع فيه ~~الشمس عند الطلوع، ولا عند الغروب، ولا فيما بين ذلك وكان الهواء ~~الطيب والنسيم الموافق يصل إليهم، فلا جرم بقيت أجسادهم مصونة عن ~~العفونة والفساد. # والثاني: أن الله تعالى منع ضوء الشمس من الوقوع عليهم عند طلوعها، وكذا ~~عند غروبها، وكان ذلك فعلا خارقا للعادة، وكرامة عظيمة، خص الله بها ~~أصحاب الكهف، قاله الزجاج، واحتج على صحته بقوله: { ذلك من ~~ءايات الله } ولو كان الأمر كما ذكره أصحاب القول الأول، لكان ذلك ~~أمراص معتادا مألوفا، ولم يكن من آيات الله تعالى. # ثم قال تعالى: { وهم في فجوة منه } أي متسع من الكهف، ~~وجمعها فجوات. # قال أبو عبيدة: ومنه الحديث: فإذا وجد فجوة نص. # وقال غيره: الفجوة المتسع من الفجاء، وهو تباعد ما بين الفخذين، يقال: ~~رجل أفجأ، وامرأة فجواء، وجمع الفجوة فجاء كقصعة وقصاع. # وقوله: { وهم في فجوة منه } جملة حالية، أي: نفعل هذا مع ~~اتساع مكانهم، وهو أعجب لحالهم؛ إذ ms5756 كان ينبغي أن تصيبهم الشمس لاتساع ~~مكانهم. # فصل # قال المفسرون: اختار الله تعالى لهم مضجعا في مقناة لا تدخل عليهم ~~الشمس، فتؤذيهم بحرها، وتغير ألوانهم، وهم في متسع ينالهم برد ~~الريح، ويدفع عنهم كرب الغار. # قوله: " ذلك " مبتدأ أشأر به إلى جميع ما تقدم من قصتهم. # وقيل: " ذلك " إشارة إلى الحفظ الذي حفظهم الله تعالى في ذلك الغار ~~تلك المدة الطويلة. # قوله: { من ءايات الله } العجيبة الدالة على قدرته، وبدائع ~~حكمته، و { من ءايات الله } الخبر، ويجوز أن يكون " ذلك " خبر ~~مبتدأ محذوف، أي: الأمر ذلك، و { من آيات الله } حال. ثم بين ~~تعالى أنه كما أبقاهم هذه المدة الطويلة مصونين عن الموت والهلاك من ~~لطفه وكرمه، فكذلك رجوعهم أولا عن الكفر، ورغبتهم في الإيمان كان ~~بإعانة الله ولطفه؛ فقال: { من يهد الله فهو المهتد } مثل ~~أصحاب الكهف " ومن يضلل " ، أي: يضلله الله، ولم يرشده؛ ك " دقيانوس ~~" وأصحابه { فلن تجد له وليا } معينا " مرشدا ". ### || [18.18] # قوله: { وتحسبهم أيقاظا } أي: لو رأيتهم، لحسبتهم. # وقال شهاب الدين: لا حاجة إلى هذا التقدير. # { أيقاظا }: جمع " يقظ " بضم القاف، وبجمع على يقاظ، ويقظ ~~وأيقاظ، كعضد وأعضاد، ويقظ ويقاظ، كرجل ورجال، وظاهر كلام ~~الزمخشري أنه يقال: " يقظ " بالكسر؛ لأنه قال: وأيقاظ جمع " يقظ " ~~كأنكاد في " نكد ". # وقال الأخفش، وأبو عبيدة، والزجاج: أيقاظ جمع يقظ ويقظان. # وأنشدوا [لرؤبة]: [الرجز] # 3499- ووجدوا إخوانهم أيقاظا # ............. # وقال البغوي: أيقاظا جمع يقيظ ويقظ، واليقظة: الانتباه عند النوم. # قال الواحدي: وإنما يحسبون أيقاظا؛ لأن أعينهم مفتحة، وهم نيام. # وقال الزجاج: لكثرة تقلبهم يظن أنهم أيقاظ؛ لقوله تعالى: { ~~ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال } والرقود جمع ~~راقد، كقاعد وقعود. # فصل في مدة تقليبهم # اختلفوا في مقدار مدة التقليب: # فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: " أن لهم في كل عام تقليبتين ~~" وعن مجاهد: يمكثون رقودا على أيمانهم تسع سنين، ثم ينقلبون على ~~شمائلهم، فيمكثون رقودا تسع سنين. # وقيل: لهم تقليبة واحدة في يوم عاشوراء. # وقال ابن الخطيب: وهذه التقديرات لا سبيل للعقل إليها، والقرآن لا ms5757 يدل ~~عليها، وما جاء فيه خبر صحيح، فكيف يعرف؟ وقال ابن عباس: فائدة تقليبهم؛ ~~لئلا تأكل الأرض لحومهم وتبليهم. # قال ابن الخطيب: عجبت من ذلك؛ لأن الله تعالى قدر على أن يمسك حياتهم ~~ثلاثمائة سنة وأكثر، فلم لا يقدر على حفظ أجسامهم من غير تقليب؟!. # قوله: " ونقلبهم " قرأ العامة " نقلبهم " مضارعا مسندا ~~للمعظم نفسه. # وقرىء أيضا بالياء من تحت، أي: الله أو الملك، وقرأ الحسن: " ~~يقلبهم " بالياء من تحت ساكن القاف، مخفف اللام، وفاعله، إما الله ~~أو الملك. # وقرأ أيضا " وتقلبهم " بفتح التاء، وضم اللام مشددة مصدر ~~تقلب كقوله: # وتقلبك في الساجدين # [الشعراء: 219] ونصب الباء، وخرجه أبو الفتح على إضمار فعل، أي: ونرى ~~تقلبهم، أو نشاهد تقلبهم، وروي عنه أيضا رفع الباء على الابتداء، ~~والخبر الظرف بعده، ويجوز أن يكون محذوفا، أي: آية عظيمة. وقرأ عكرمة " ~~وتقلبهم " بتاء التأنيث مضارع " قلب " مخففا، وفاعله ضمير ~~الملائكة المدلول عليهم بالسياق. # وقوله: " ذات " منصوب على الظرف، لأن المعنى: ونقلبهم من ~~ناحية اليمين أو على ناحية " اليمين " كما تقدم في قوله: # تزاور عن كهفهم ذات اليمين # [الكهف: 17]. # وقوله: { وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد }. # قرأ العامة " وكلبهم " وقرأ جعفر الصادق " كالبهم " أي: صاحب ~~كلبهم كلابن وتامر، ونقل أبو عمر الزاهد غلام ثعلب " وكالئهم " ~~بهمزة مضمومة اسم فاعل من كلأ يكلأ أي: حفظ يحفظ. # و " باسط " اسم فاعل ماض، وإنما عمل على حكاية الحال، والكسائي يعمله، ~~ويستشهد بالآية. # والوصيد: الباب؛ قاله ابن عباس والسدي. وقيل: العتبة. # والكهف لا يكون له باب، ولا عتبة، وإنما أراد موضع الباب. # وقال الزجاج: الوصيد فناء البيت، وفناء الدار. # وقيل: الصعيد والتراب. # قال الشاعر: [الطويل] # 3500- بأرض فضاء لا يسد وصيدها # علي ومعروفي بها غير منكر # وجمعه: وصائد ووصد. # وقيل: الوصيد: الصعيد والتراب. # قال يونس، والأخفش، والفراء: الأصيد والوصيد لغتان؛ مثل: الوكاف ~~والإكاف. # وقال مجاهد، والضحاك: " الوصيد ": الكهف. # وأكثر المفسرين على أن الكلب كان من جنس الكلاب. # وروي عن ابن جريج: أنه كان أسدا، وسمي الأسد كلبا، فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ms5758 دعا على عتبة بن أبي لهب، فقال: " اللهم سلط عليه ~~كلبا من كلابك " فافترسه الأسد. # قال ابن عباس: كان كلبا أغر، واسمه قطمير، وعن علي: اسمه " ريان ~~". # وقال الأوزاعي: يشور قال السدي: يور. # وقال كعب: صهبا. # وقال مقاتل: كان كلبا أصفر. # وقال الكلبي: لونه كالحليج، وقيل غير ذلك. # قال خالد بن معدان: ليس في الجنة من الدواب إلا كلب أصحاب الكهف، ~~وحمار بلعام. # قال ابن عباس وأكثر المفسرين: هربوا من ملكهم فمروا براع، معه كلب، ~~فتبعهم على دينهم، ومعه كلبه. # وقال الكلبي: مروا بكلب فنبح عليهم، فطردوه، فعاد، ففعلوا ذلك ~~مرارا، فقال لهم الكلب: لا تخشوا جانبي؛ فإني أحب أحباء الله، ~~فناموا؛ حتى أحرسكم. # فصل # قال عبيد بن عمير: كان ذلك كلب صيدهم، ومعنى { باسط ذراعيه } ، ~~أي: ألقاها على الأرض مبسوطتين، غير مقبوضتين. # ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: # " اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط ~~الكلب ". # قال المفسرون: كان الكلب بسط ذراعيه، وجعل وجهه عليهما. # قوله: { لو اطلعت } العامة على كسر الواو من " لو اطلعت " ~~على أصل التقاء الساكنين، وقرأها مضمومة أبو جعفر، وشيبة، ونافع، وابن ~~وثاب، والأعمش؛ تشبيها بواو الضمير، وتقدم تحقيقه. # قوله: { لوليت منهم فرارا } لما ألبسهم الله من الهيبة؛ ~~حتى لا يصل إليهم أحد؛ حتى يبلغ الكتاب أجله، فيوقظهم الله من رقدتهم. # " فرارا " يجوز أن يكون منصوبا على المصدر من معنى الفعل قبله؛ ~~لأن التولي والفرار من واد واحد، ويجوز أن يكون مصدرا في موضع ~~الحال، أي: فارا، ويكون حالا مؤكدة، ويجوز أن يكون مفعولا له. # قوله: { ولملئت منهم رعبا } قرأ ابن كثير، ونافع " ~~لملئت " بالتشديد على التكثير. وأبو جعفر، وشيبة كذلك، إلا أنه ~~بإبدال الهمزة ياء، والزهري بتخفيف اللام والإبدال، وهو إبدال قياسي ~~والباقون بتخفيف اللام، و " رعبا " مفعول ثان: وقيل: تمييز. # قال الأخفش: الخفيفة أجود في كلام العرب. # يقولون: ملأتني رعبا، ولا يكادون يعرفون ملأتني؛ ويدل على هذا أكثر ~~استعمالهم؛ كقوله: [الوافر] # 3501- فتملأ بيتنا أقطا وسمنا # ................ # وقول الآخر: [الطويل] # 3502أ- ومن مالئ عينيه من ms5759 شيء غيره # إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمى # وقال الآخر: [الرجز] # 3502ب- لا تملأ الدلو وعرق فيها # وقال الاخر: [الرجز] # 3503- امتلأ الحوض وقال قطني # وقد جاء التثقيل أيضا، أنشدوا للمخبل السعدي: [الطويل] # 3504- وإذ قتل النعمان بالناس محرما # ................ # وقرأ ابن عامر والكسائي " رعبا " بضم العين في جميع القرآن، ~~والباقون بالإسكان. # فصل في سبب الرعب # اختلفوا في ذلك الرعب كان لماذا؟ فقيل: من وحشة المكان، وقال الكلبي: ~~لأن أعينهم مفتحة، كالمستيقظ الذي يريد أن يتكلم، وهم نيام. # وقيل: لكثرة شعورهم، وطول أظفارهم، وتقلبهم من غير حس، كالمستيقظ. # وقيل: إن الله تعالى، منعهم بالرعب؛ لئلا يراهم أحد. # وروي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: غزونا مع معاوية نحو ~~الروم، فمررنا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف، فقال ~~معاوية: لو كشف لنا عن هؤلاء، لنظرنا إليهم، فقال ابن ~~عباس: قد منع الله ذلك من هو خير منك: { لو اطلعت ~~عليهم لوليت منهم فرارا } ، فبعث معاوية ناسا، فقال: اذهبوا، ~~فانظروا، فلما دخلوا الكهف، بعث الله عليهم ريحا، أخرجتهم. ### || [18.19-20] # قوله: { وكذلك بعثناهم }: الكاف نعت لمصدر محذوف، أي: كما ~~أنمناهم تلك النومة، كذلك بعثناهم؛ ادكارا بقدرته، والإشارة ب " ~~ذلك " إلى المصدر المفهوم من قوله " فضربنا " ، أي: مثل جعلنا ~~إنامتهم هذه المدة المتطاولة آية، جعلنا بعثهم آية، قاله الزجاج ~~والزمخشري. # قوله: { ليتسآءلوا بينهم } متعلقة بالبعث، وقيل: هي ~~للصيرورة؛ لأن البعث لم يكن للتساؤل، قاله ابن عطية، والصحيح أنها ~~على بابها من السببية. # قوله: { كم لبثتم } " كم " منصوبة على الظرف، والمميز محذوف، ~~تقديره: كم يوما؛ لدلالة الجواب عليه، و " أو " في قوله: { أو ~~بعض يوم } للشك منه، وقيل: للتفصيل، أي: قال بعضهم كذا، وبعضهم ~~كذا. # فصل # المعنى كما أنمناهم في الكهف، وحفظنا أجسامهم من البلى، طول الزمان، ~~فكذلك بعثناهم من النوم الذي يشبه الموت؛ { ليتسآءلوا بينهم ~~} ليسأل بعضهم بعضا، واللام لام العاقبة؛ لأنهم لم يبعثوا للسؤال. # فإن قيل: هل يجوز أن يكون الغرض من بعثهم أن يتساءلوا ويتنازعوا؟. # فالجواب: لا يبعد ذلك؛ لأنهم إذا تساءلوا، انكشف لهم من ms5760 قدرة الله ~~أمور عجيبة، وذلك أمر مطلوب. # قاله ابن الخطيب. # ثم قال تعالى: { قال قائل منهم } وهو رئيسهم، واسمه مكسلمينا: ~~{ كم لبثتم } في نومكم، أي: كم مقدار لبثنا في هذا الكهف { ~~قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم }. # قال المفسرون: إنهم دخلوا الكهف غدوة وبعثهم الله في آخر النهار؛ ~~فلذلك قالوا: يوما، فلما رأوا الشمس، قالوا: أو بعض يوم، فلما نظروا إلى ~~شعورهم وأظفارهم " قالوا " أي: علموا أنهم لبثوا أكثر من يوم: { ~~قالوا ربكم أعلم بما لبثتم }. # قيل: إن رئيسهم مكسلمينا، لما [رأى] الاختلاف بينهم قال: دعوا الخلاف. # قوله: { فابعثوا أحدكم بورقكم هذه } يعني يمليخا، ~~قاله ابن عباس. # قوله: " بورقكم " حال من " أحدكم " ، أي: مصاحبا لها، وملتبسا ~~بها، وقرأ أبو عمرو، وحمزة، وأبو بكر بفتح الواو وسكون الراء والفك، ~~وباقي السبعة بكسر الراء، والكسر هو الأصل، والتسكين [تخفيف] ك " نبق ~~" في نبق، وحكى الزجاج كسر الواو، وسكون الراء، وهو نقل، وهذا كما ~~يقال: كبد وكبد وكبد. # وقرأ أبو رجاء، وابن محيصن كذلك، إلا أنه بإدغام الفاق، واستضعفوها من ~~حيث الجمع بين ساكنين على غير حديهما، وقد تقدم ذلك في المتواتر ما ~~يشبه هذه من نحو # تسألون عما # [في الآية: 134 من البقرة] و # لا تعدوا في السبت # [النساء: 154] و # الخلد جزآء # [فصلت: 38] و # في المهد صبيا # [مريم: 29] وروي عن ابن محيصن؛ أنه لما أدغم كسر الراء فرارا مما ~~ذكرنا. # وقرأ أمير المؤمنين " بوارقكم " اسم فاعل، أي: صاحب ورق، ك " لابن " ~~وقيل: هو اسم جمع كجامل وباقر. # والورق: الفضة المضروبة، وقيل: الفضة مطلقا مضروبة كانت، أو غير ~~مضروبة؛ ويدل عليه ما روي أن عرفجة اتخذ أنفا من ورق. # فصل في لغات " الورق " # قال الفراء والزجاج: فيه ثلاث لغات: ورق، وورق، وورق، ك " ~~كبد وكبد وكبد " وكسر الواو أردؤها يقال لها: " الرقة " بحذف ~~الواو، وفي الحديث: " في الرقة ربع العشر " وجمعت شذوذا جمع ~~المذكر السالم. # فصل # قال المفسرون: كان معهم دراهم عليها صورة الملك الذي كان في زمانهم، ثم ~~قال تعالى: { إلى المدينة ms5761 } وهي التي يقال لها اليوم (طرسوس)، ~~وكان اسمها في الجاهلية " أفسوس " ، وهذه الآية تدل على أن السعي في ~~إمساك الزاد أمر مشروع. # قوله: { فلينظر أيهآ أزكى طعاما } [يجوز في " أي " أن ~~تكون استفهامية، وأن تكون موصولة. قال الزجاج: إنها رفع بالابتداء و " ~~أزكى " خبرها، وتقدم الكلام على نظيره في قوله: # أيهم أحسن عملا # [الكهف: 7]، ولا بد ها هنا من حذف " أي " أي: أي أهلها أزكى و " ~~طعاما " ] تمييز، أي: لا يكون من غصب، أي: سبب حرام. # وقيل: لا حذف، والضمير عائد على الأطعمة المدلول عليها من السياق. # قيل: أمروه أن يطلب ذبيحة مؤمن، ولا يكون من ذبيحة من يذبح لغير الله، ~~وكان فيهم مؤمنون ينكرون إيمانهم. # فصل في معنى " أزكى " # قال الضحاك: أزكى طعاما، أي: أطيب. # وقال مقاتل: أجود. # وقال عكرمة: أكثر. # وأصل الزكاة النمو والزيادة. # وقيل: أرخص طعاما { فليأتكم برزق منه } أي: قوت وطعام ~~تأكلونه. # قوله: " وليتلطف " قرأ العامة بسكون لام الأمر، والحسن بكسرها ~~على الأصل، [وقتيبة الميال] " وليتلطف " مبنيا للمفعول، وأبو ~~جعفر وأبو صالح، وقتيبة " ولا يشعرن " بفتح الياء وضم العين. # فإن قيل: " بكم " " أحد " فاعل به. # فالجواب: معنى " وليتلطف " أي: يكون في سترة، وكتمان في دخول ~~المدينة، قاله الزمخشري، ويجوز أن يعود على قومهم؛ لدلالة السياق ~~عليهم. # وقرأ زيد بن علي " يظهروا " مبنيا للمفعول. # فصل # { يظهروا عليكم } ، أي: يطلعوا عليكم، ويعلموا مكانكم. # وقيل: أو يشرفوا على مكانكم أو على أنفسكم من قولهم: ظهرت على فلان، ~~إذا علوته، وظهرت على السطح، إذا صرت فوقه، ومنه قوله تعالى: # فأصبحوا ظاهرين # [الصف: 14] أي عالين. # وقوله: # ليظهره على الدين كله # [التوبة: 33] أي: ليعليه. # قوله: { يرجموكم }. قال ابن جريج: يشتموكم، ويؤذوكم بالقول، ~~وقيل: يقتلوكم بالحجارة، والرجم بمعنى القتل كثير. قال تعالى: # ولولا رهطك لرجمناك # [هود: 91] وقوله: # أن ترجمون # [الدخان: 20] والرجم أخبث القتل، قاله الزجاج. # { أو يعيدوكم في ملتهم } أي يردوكم إلى دينهم. # قوله: { ولن تفلحوا إذا أبدا } أي إن رجعتم إلى دينهم، لم ~~تسعدوا في الدنيا، ولا في الآخرة، ف " إذا " جواب ms5762 وجزاء، أي: إن ~~يظهروا، فلن تفلحوا. # وقال الزجاج: لن تفلحوا، إذا رجعتم إلى ملتهم أبدا، فإن قيل: أليس ~~أنهم لو أكرهوا على الكفر، حتى أظهروا الكفر، لم يكن عليهم مضرة، ~~فكيف قالوا: { ولن تفلحوا إذا أبدا }؟. # فالجواب: يحتمل أن يكون المراد أنهم لو ردوا إلى الكفر، وبقوا ~~مظهرين له، فقد يميل بهم ذلك إلى الكفر، ويصيروا كافرين حقيقة، فكان ~~تخوفهم من هذا الاحتمال. ### || [18.21] # قوله: { وكذلك أعثرنا عليهم }: أي: وكما أنمناهم، ~~وبعثناهم، لما فيه من الحكم الظاهرة؛ أعثرنا، أي: أطلعنا. وتقدم الكلام ~~على مادة " عثر " في المائدة. # يقال: عثرت على كذا، أي: علمته، وأصله أن من كان غافلا عن شيء فعثر ~~به، نظر إليه، فعرفه، وكان العثار سببا لحصول العلم، فأطلق اسم ~~السبب على المسبب " ليعلموا " متعلق ب " أعثرنا " والضمير: ~~قيل: يعود على مفعول " أعثرنا " المحذوف، تقديره: أعثرنا الناس، ~~وقيل: يعود على أهل الكهف. # فصل في سبب تعرف الناس عليهم # اختلفوا في السبب الذي عرف الناس به واقعة أصحاب الكهف، فقيل: لطول ~~شعورهم، وأظفارهم؛ بخلاف العادة، وظهرت في بشرة وجوههم آثار عجيبة ~~يستدل بها على أن مدتهم طالت طولا بخلاف العادة. # وقيل: لأن أحدهم لما ذهب إلى المدينة؛ ليشتري الطعام، أخرج الدراهم ~~لثمن الطعام، فقال صاحب الطعام: هذه النقود غير موجودة في هذا ~~الزمان، وإنها كانت موجودة قبل هذا الوقت بمدة مديدة؛ [فلعلك] وجدت ~~كنزا، فحملوه إلى ملك تلك المدينة، فقال له الملك: أين وجدت تلك ~~الدراهم؟ فقال: بعت بها أمس تمرا، وخرجنا فرارا من الملك دقيانوس، ~~فعرف الملك أنه ما وجد كنزا، وأن الله تعالى بعثه بعد موته. # ومعنى قوله: { ليعلموا أن وعد الله حق } أي: إنما ~~أطلعنا القوم على أحوالهم؛ ليعلم القوم أن وعد الله حق بالبعث ~~والنشر؛ فإن ملك ذلك الزمان كان منكر البعث، فجعل الله أمر الفتية ~~دليلا للملك. # وقيل: اختلف أهل ذلك الزمان، فقال بعضهم: الروح والجسد يبعثان ~~جميعا. # وقال آخرون: إنما يبعث الروح فقط، فكان الملك يتضرع إلى الله ~~تعالى أن يظهر له آية ms5763 يستدل بها على الحق في هذه المسالة، فأطلعه ~~الله تعالى على أصحاب الكهف، فاستدل بهم على صحة بعث الأجساد؛ لأن ~~انتباههم بعد ذلك النوم الطويل يشبه من يموت، ثم يبعث. # قوله: " إذ يتنازعون " يجوز أن يعمل فيه " أعثرنا " أو " ~~ليعلموا " أو لمعنى " حق " أو ل " وعد " عند من يتسع في ~~الظرف، وأما من لا يتسع، فلا يجوز عنده الإخبار عن الموصول قبل ~~تمام صلته. # واختلف في هذا التنازع، فقيل: كانوا يتنازعون في صحة البعث، ~~فاستدل القائلون بصحة هذه الواقعة، وقالوا: كما قدر الله على حفظ ~~أجسادهم مدة ثلاثمائة وتسع سنين، فكذلك يقدر على حشر الأجساد بعد ~~موتها. # وقيل: إن الملك وقومه، لما رأوا أصحاب الكهف، ووقفوا على أحوالهم، عاد ~~القوم إلى كهفهم، فأماتهم الله، فعند هذا اختلف الناس، فقال قوم: إن ~~بعضهم قال: إنهم نيام، كالكرة الأولى. # وقال آخرون: بل الآن ماتوا. # وقيل: إن بعضهم، قال: سدوا عليهم باب الكهف؛ لئلا يدخل أحد عليهم، ~~ويقف على أحوالهم. # وقال آخرون: بل الأولى أن يبنى على باب الكهف مسجد، وهذا القول يدل ~~على أن هؤلاء القوم كانوا عارفين بالله تعالى، ويعترفون بالعبادة و ~~الصلاة. # وقيل: إن الكفار قالوا: إنهم على ديننا، فنتخذ عليهم بنيانا، وقال ~~المسلمون [إنهم] على ديننا، فنتخذ عليهم مسجدا. # وقيل: تنازعوا في مقدار مكثهم. # وقيل: تنازعوا في عددهم، وأسمائهم. # قوله: " بنيانا " يجوز أن يكون مفعولا به، جمع بنيانة، وأن يكون ~~مصدرا. # قوله: { ربهم أعلم بهم } يجوز أن يكون من كلام الله تعالى، ~~وأن يكون من كلام المتنازعين فيهم، ثم قال { قال الذين غلبوا ~~على أمرهم } قيل: هو الملك المسلم، واسمه بيدروس وقيل: رؤساء ~~البلد. # قوله " غلبوا " قرأ عيسى الثقفي، والحسن بضم الغين، وكسر اللام. # قوله: { لنتخذن عليهم مسجدا } يعبد الله فيه، ونستبقي ~~آثار اصحاب الكهف بسبب ذلك المسجد. ### || [18.22] # قوله: { سيقولون ثلاثة }: قيل: إنما أتي بالسين في هذا؛ ~~لأن في الكلام طيا وإدماجا، تقديره: فإذا أجبتهم عن سؤالهم عن قصة ~~أهل الكهف، فسلهم عن عددهم، فإنهم سيقولون. ولم يأت ms5764 بها في باقية ~~الأفعال؛ لأنها معطوفة على ما فيه السين، فأعطيت حكمه من الاستقبال. # وقرأ ابن محيصن " ثلاث " بإدغام الثاء المثلثة في تاء التأنيث؛ لقرب ~~مخرجيهما، ولأنهما مهموسان، ولأنهما بعد ساكن معتل. # { رابعهم كلبهم } الجملة في محل رفع صفة ل " ثلاثة ". # قوله: { ويقولون خمسة } قرأ ابن كثير في رواية بفتح الميم، وهي ~~لغة كعشرة، وقرأ ابن محيصن بكسر الخاء والميم، وبإدغام التاء في السين، ~~يعني تاء " خمسة " في سين " سادسهم " وهي قراءة ثقيلة جدا؛ لتوالي ~~كسرتين وثلاث سينات، قال شهاب الدين: ولا أظن مثل هذا إلا غلطا على ~~مثله، وروي عنه إدغام التنوين في السين من غيرغنة. # و " ثلاثة " و " خمسة " و " سبعة " إخبار المبتدأ محذوف مضمر، ~~أي: هم ثلاثة، وهم خمسة، وهم سبعة، وما بعد " ثلاثة " و " خمسة " من ~~الجملة صفة لهما، كما تقدم، ولا يجوز أن تكون الجملة حالا، لعدم عامل ~~فيها، ولا يجوز أن يكون التقدير: هؤلاء ثلاثة، وهؤلاء خمسة، ويكون ~~العامل اسم الإشارة أو التنبيه، قال أبو البقاء: " لأنها إشارة إلى ~~حاضر، ولم يشيروا إلى حاضر ". # قوله: { رجما بالغيب } فيه أربعة أوجه: # أحدها: أنه مفعول من أجله؛ يقولون ذلك لأجل الرمي بالغيب. # والثاني: أنه في موضع الحال، أي: ظانين. # والثالث: أنه منصوب ب " يقولون " لأنه بمعناه. # والرابع: أنه منصوب بمقدر من لفظه، أي: يرجمون بذلك رجما. # والرجم في الأصل: الرمي بالرجام، وهي الحجارة الصغار، ثم ~~عبر به عن الظن، قال زهير: [الطويل] # 3505- وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم # وما هو عنها بالحديث المرجم # أي: المظنون. # قوله: " وثامنهم " في هذه الواو أوجه: # أحدها: أنها عاطفة، عطفت هذه الجملة على جملة قوله " هم سبعة " ~~فيكونون قد أخبروا بخبرين، الأول: أنهم سبعة رجال على البت. والثاني ~~أن ثامنهم كلبهم، وهذا يؤذن بأن جملة قوله { وثامنهم كلبهم ~~} من كلام المتنازعين فيهم. # الثاني: أن الواو للاستئناف، وأنه من كلام الله تعالى أخبر عنهم بذلك، ~~قال هذا القائل: وجيء بالواو؛ لتعطي انقطاع هذا مما قبله. # الثالث: أنها الواو الداخلة على الصفة؛ تأكيدا، ms5765 ودلالة على لصق الصفة ~~بالموصوف، وإليه ذهب الزمخشري، ونظره بقوله: # من قرية إلا ولها كتاب معلوم # [الحجر: 4]. # ورد أبو حيان عليه: بأن أحدا من النحاة لم يقله، وقد تقدم ~~الكلام عليه في ذلك. # الرابع: أن هذه تسمى واو الثمانية، وأن لغة قريش، إذا عدوا ~~يقولون: خمسة ستة سبعة، وثمانية تسعة، فيدخلون الواو على عقد ~~الثمانية خاصة، ذكر ذلك ابن خالويه، وأبو بكر راوي عاصم، قلت: وقد قال ~~ذلك بعضهم في قوله تعالى: # وفتحت أبوابها # [الزمر: 73] في الزمر، فقال: دخلت في أبواب الجنة؛ لأنها ثمانية، ولذلك ~~لم يجأ بها في أبواب جهنم؛ لأنها سبعة، وسيأتي هذا، إن شاء الله. # قال أصحاب هذا القول: إن السبعة عند العرب أمثل في المبالغة في العدد؛ ~~قال تعالى: # إن تستغفر لهم سبعين مرة # [التوبة: 80]. # ولما كان كذلك، فلما وصلوا إلى الثمانية، ذكروا لفظا يدل على ~~الاستئناف فقالوا: وثمانية، فجاء هذا الكلام على هذا القانون، قالوا: ~~ويدل عليه قوله تعالى: # والناهون عن المنكر # [التوبة: 112]؛ لأن هذا هو العدد الثامن من الأعداد المتقدمة. # وقوله: # حتى إذا جآءوها وفتحت أبوابها # [الزمر: 73] لأن أبواب الجنة ثمانية، وأبواب النار سبعة، فلم يأت ~~بالواو فيها. # وقوله: # ثيبات وأبكارا # [التحريم: 5] هو العدد الثامن مما تقدم. # قال القفال: وهذا ليس بشيء؛ لقوله تعالى: # هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس ~~السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار ~~المتكبر # [الحشر: 23] ولم يذكر الواو في النعت الثامن. # وقرىء: " كالبهم " أي: صاحب كلبهم، ولهذه القراءة قدر بعضهم في ~~قراءة العامة: وثامنهم صاحب كلبهم. # وثلاثة وخمسة وسبعة: مضافة لمعدود محذوف، فقدره أبو حيان: ثلاثة ~~أشخاص، قال: " وإنما قدرنا أشخاصا؛ لأن رابعهم اسم فاعل أضيف إلى ~~الضمير، والمعنى: أنه ربعهم، أي: جعلهم أربعة، وصيرهم إلى هذا العدد، ~~فلو قدرناه رجالا، استحال أن يصير ثلاثة رجال أربعة؛ لاختلاف ~~الجنسين " وهو كلام حسن. # فصل # وقال أبو البقاء: " ولا يعمل اسم الفاعل هنا؛ لأنه ماض " قلت: يعني أن ~~رابعهم فيما مضى، فلا يعمل النصب تقديرا، والإضافة محضة، وليس كما زعم، ~~فإن ms5766 المعنى على: يصير الكلب لهم أربعة، فهو ناصب تقديرا، وإنما عمل، ~~وهو ماض؛ لحكاية الحال ك " باسط ". # فصل # روي أن السيد والعاقب وأصحابهما من نصارى نجران، كانوا عند النبي ~~صلى الله عليه وسلم فجرى ذكر أصحاب الكهف، فقال السيد - وكان يعقوبيا ~~-: كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم. # وقال العاقب - وكان نسطوريا -: كانوا خمسة سادسهم كلبهم. # وقال المسلمون: كانوا سبعة، وثامنهم كلبهم، فحقق الله قول المسلمين ~~بعدما حكى قول النصارى، فقال: " سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم، ~~ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون: سبعة ~~وثامنهم كلبهم ". # قوله: { رجما بالغيب } أي: ظنا وحدسا من غير يقين، ولم يقل ~~هذا في السبعة، فقال: { ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم ~~}. # فصل # قال أكثر المفسرين: هذا هو الحق؛ ويدل عليه وجوه: # الأول: أن الواو في قوله: { وثامنهم } هي الواو التي تدخل على ~~الجملة الواقعة صفة للنكرة، كما تدخل على الجملة الواقعة حالا عن ~~المعرفة في قولك: " جاءني رجل، ومعه آخر " ومررت بزيد، ومعه ~~سيف، ومنه قوله: # ومآ أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم # [الحجر: 4]. # وفائدتها: تأكيد لصوق الصفة بالموصوف، والدلالة على أن اتصافه به أمر ~~ثابت مستقر، فكانت هذه الواو دالة على أن الذين كانوا في الكهف ~~كانوا سبعة وثامنهم كلبهم. # الثاني: أنه تعالى خص هذا الموضع بهذا الحرف الزائد وهو الواو؛ فوجب ~~أن يحصل به فائدة زائدة؛ صونا للفظ عن التعطيل، وليس الفائدة إلا ~~تخصيص هذا القول بالإثبات والتصحيح. # الثالث: أنه تعالى أتبع القولين بقوله: { رجما بالغيب } ولم ~~يقله في السبعة، وتخصيص الشيء بالوصف يدل على أن الحال في الباقي ~~بخلافه، وأنه مخالف لهما في كونه " رجما بالغيب ". # الرابع: أنه قال بعده: { ربي أعلم بعدتهم ما ~~يعلمهم إلا قليل } فدل على أن هذا القول ممتاز عن القولين ~~الأولين بمزيد القوة والصحة. # الخامس: أنه تعالى قال: { ما يعلمهم إلا قليل } فدل على ~~أنه حصل العلم بعدتهم لذلك القليل، وكل من قال من المسلمين قولا في ~~هذا الباب، قال: إنهم كانوا سبعة، وثامنهم كلبهم؛ فوجب أن يكون المراد من ~~ذلك ms5767 القليل هؤلاء الذين قالوا هذا القول، وكان علي - رضي الله عنه - ~~يقول: كانوا سبعة، وثامنهم كلبهم، وأسماؤهم: يمليخا، مكسلمينا، مسلثينا ~~وهؤلاء الثلاثة كانوا أصحاب يمين الملك، وعن يساره: مرنوس، ديرنوس، ~~سادنوس، وكان الملك يستشير هؤلاء الستة، يتصرفون في مهماته، ~~والسابع هو الراعي الذي وافقهم، لما هربوا من ملكهم، واسم كلبهم ~~قطمير، وروي عن ابن عباس أنه قال: مكسلمينا، ويلميخا، ومرطوس وبينويس، ~~وسارينوس، وذونوانس، وكشفيطيطونونس وهو الراعي، وكان ابن عباس يقول: أنا ~~من أولئك العدد القليل. # السادس: أنه تعالى، لما قال: { سبعة وثامنهم كلبهم } ~~قال: { قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا ~~قليل }. # والظاهر أنه لما حكى الأقوال، فقد حكى كل ما قيل من الحق والباطل، ~~ويبعد أنه تعالى ذكر الأقوال الباطلة، ولم يذكر ما هو الحق، فثبت أن ~~جملة الأقوال الحقة والباطلة ليست إلا هذه الثلاثة، ثم خص ~~الأولين بأنه رجم بالغيب؛ فوجب أن يكون الحق هو الثالث. # السابع: أنه قال لرسوله - عليه الصلاة والسلام -: { فلا تمار فيهم ~~إلا مراء ظاهرا، ولا تستفت فيهم منهم أحدا } فمنعه من ~~المناظرة معهم في هذا الباب، وهذا إنما يكون، لو علم حكم هذه الواقعة، ~~ويبعد أن يحصل العلم بذلك لغير النبي صلى الله عليه وسلم ولا يحصل ~~للنبي - عليه السلام - فعلمنا أن العلم بهذه الواقعة حصل للنبي صلى ~~الله عليه وسلم والظاهر أنه لم يحصل ذلك إلا بهذا الوحي؛ لأن الأصل ~~فيما سواه العدم، فيكون الأمر كذلك، ويكون الحق قوله: { سبعة ~~وثامنهم كلبهم } وهذه الوجوه، وإن كان فيها بعض الضعف إلا ~~أنه لما تقوى بعضها ببعض، حصل فيها تمام وكمال. # فصل # في هذه الآية محذوف، وتقديره: سيقولون: هم ثلاثة، فحذف المبتدأ؛ لدلالة ~~الكلام عليه، ثم قال تعالى: { قل ربي أعلم بعدتهم } أي: ~~بعددهم { ما يعلمهم إلا قليل } ، وهذا هو الحق؛ لأن العلم ~~بتفاصيل كائنات العالم، وحوادثه في الماضي والمستقبل، لا يحصل إلا عند ~~الله، أو عند من أخبره الله تعالى، ثم لما ذكر تعالى هذه القصة، نهى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ms5768 عن المراء والاستفتاء، فقال: { فلا ~~تمار فيهم إلا مرآء ظاهرا } ، أي لا تجادل، ولا تقل في ~~عددهم وشأنهم إلا مراء ظاهرا إلا بظاهر ما قصصنا عليك، فقف عنده، { ~~ولا تستفت فيهم منهم أحدا } أي من أهل الكتاب، أي: لا ~~ترجع إلى قولهم بعد أن أخبرناك؛ لأنه ليس عندهم علم في هذا الباب ~~إلا رجما بالغيب. # فصل # واعلم أن نفاة القياس تمسكوا بهذه الآية، قالوا: لأن قوله: { ~~رجما بالغيب } قيل: كان ظنا بالغيب؛ لأنهم أكثروا أن يقولوا ~~رجما بالظن، مكان قولهم: " ظن " حتى لم يبق عندهم فرق بين ~~العبارتين، كما قال: [الطويل] # 3506-.............. # وما هو عنها بالحديث المرجم # أي: المظنون، ثم إنه تعالى، لما ذم هذه الطريقة، رتب عليها المنع من ~~استفتاء هؤلاء الظانين، فدل على أن الفتوى بالمظنون غير جائز عند ~~الله تعالى، وتقدم جوابهم. ### || [18.23-24] # وذلك أن أهل مكة سألوه عن الروح، وعن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، ~~فقال: أخبركم غدا، ولم يقل: إن شاء الله، فلبث الوحي أياما، ثم نزلت ~~هذه الآية. # فصل # اعترض القاضي على هذا الكلام من وجهين: # الأول: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عالما بأنه إذا أخبر ~~أنه سيفعل الفعل الفلاني غدا، فربما جاءته الوفاة قبل الغد، وربما ~~عاقه عائق عن ذلك الفعل غدا، وإذا كانت هذه الأمور محتملة، فلو لم يقل: ~~إن شاء الله، خرج الكلام مخالفا لما عليه، وذلك يوجب التنفير عنه. # أما إذا قال: " إن شاء الله تعالى " كان محترزا عن هذا المحذور ~~المذكور، وإذا كان كذلك، كان من البعيد أن يعد بشيء، ولم يقل: إن شاء ~~الله. # الثاني: أن هذه الآية مشتملة على قواعد كثيرة، وأحكام جمة، فيبعد ~~قصرها على هذا السبب، إذ يمكن أن يجاب عن الأول بأنه لا يمتنع أن الأولى ~~أن يقول: " إن شاء الله تعالى " ، إلا أنه ربما اتفق له نسيان قول ~~" إن شاء الله " لسبب من الأسباب، وكان ذلك من باب ترك الأولى والأفضل، ~~وأنه يجاب عن الثاني بأن اشتماله على الفوائد الكثيرة لا ms5769 يمتنع أن ~~يكون نزوله بسبب واحد منها. # قوله: { إلا أن يشآء الله }: قال أبو البقاء: في المستثنى منه ~~ثلاثة أوجه: # أحدها: هو من النهي. والمعنى: لا تقولن: أفعل غدا، إلا أن يؤذن ~~لك في القول. # الثاني: هو من " فاعل " ، أي: لا تقولن إني فاعل غدا؛ حتى تقرن به ~~قول " إن شاء الله ". # والثالث: أنه منقطع، وموضع " أن يشاء الله " نصب على وجهين: # أحدهما: على الاستثناء، و التقدير: لا تقولن ذلك في وقت إلا وقت أن ~~يشاء الله، أي: يأذن، فحذف الوقت، وهو المراد. # الثاني: هو حال، والتقدير: لا تقولن: أفعل غدا إلا قائلا: " إن شاء ~~الله " وحذف القول كثير، وقيل: التقدير إلا بأن يشاء الله، أي: إلا ~~ملتبسا بقول: " إن شاء الله ". # وقد رد الزمخشري الوجه الثاني، فقال: " إلا أن يشاء " متعلق ~~بالنهي، لا بقوله " إني فاعل " لأنه لو قال: إني فاعل كذا إلا أن يشاء ~~الله، كان معناه: إلا أن تعترض مشيئة الله دون فعله، وذلك مما لا مدخل ~~فيه للنهي. # معناه أن النهي عن مثل هذا المعنى، لا يحسن. # ثم قال: " وتعلقه بالنهي من وجهين: # أحدهما: ولا تقولن ذلك القول، إلا أن يشاء الله أن تقوله بأن يأذن لك ~~فيه. # والثاني: ولا تقولنه إلا بأن يشاء الله، أي: إلا بمشيئته، وهو في ~~موضع الحال، أي: ملتبسا بمشيئة الله، قائلا إن شاء الله. # وفيه وجه ثالث: وهو أن يكون " إلا أن يشاء " في معنى كلمة تأبيد، ~~كأنه قيل: ولا تقولنه أبدا، ونحوه: # وما يكون لنآ أن نعود فيهآ إلا أن يشآء الله ~~ربنا # [الأعراف: 89] لأن عودهم في ملتهم مما لم يشأ الله ". # وهذا الذي ذكره الزمخشري قد رده ابن عطية بعد أن حكاه عن الطبري ~~وغيره، ولم يوضح وجه الفساد. # وقال أبو حيان: " وإلا أن يشاء الله، استثناء لا يمكن حمله على ظاهره؛ ~~لأنه يكون داخلا تحت القول، فيكون من المقول، ولا ينهاه الله أن يقول: ~~إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله؛ لأنه قول صحيح في نفسه، ms5770 لا يمكن ~~أن ينهى عنه، فاحتيج في تأويل هذا الظاهر إلى تقدير، فقال ابن عطية: ~~في الكلام حذف يقتضيه الظاهر، ويحسنه الإيجاز، تقديره: إلا أن يقول: ~~إلا أن يشاء الله، أو إلا أن تقول: إن شاء الله، والمعنى: إلا أن ~~تذكر مشيئة الله، فليس " إلا أن يشاء الله " من القول الذي نهي عنه ". # فصل # قال كثير من الفقهاء: إذا قال الرجل لزوجته: " أنت طالق، إن شاء ~~الله " لم يقع الطلاق؛ لأنه لما علق وقوع الطلاق على مشيئة الله، ~~لم يقع الطلاق إلا إذا علمنا حصول المشيئة، ومشيئة الله غيب لا سبيل ~~لنا إلى العلم بحصولها، إلا إذا علمنا أن متعلق المشيئة وقع وحصل، وهو ~~هذا الطلاق، وعلى هذا لا يعرف حصول المشيئة، إلا إذا وقع الطلاق، ولا ~~يعرف وقوع الطلاق، إلا إذا عرفنا المشيئة، فيوقف كل واحد منهما على ~~العلم بالآخر، وهو دور؛ فلهذا لم يقع الطلاق. # فصل # احتجوا بهذه الآية على أن المعدوم شيء، قالوا: لأن الشيء الذي ~~سيفعله غدا سماه الله تعالى في الحال شيئا، وهو معدوم في الحال. # [وأجيب] بأن هذا الاستدلال لا يفيد إلا أن المعدوم مسمى بكونه ~~شيئا، والسبب فيه أن الذي يصير شيئا يجوز تسميته بكونه شيئا في ~~الحال تسمية للشيء بما يئول إليه؛ لقوله تعالى: # أتى أمر الله # [النحل: 1] والمراد سيأتي أمر الله. # ثم قال تعالى: { واذكر ربك إذا نسيت } قال ابن عباس، ~~ومجاهد، والحسن: معناه: إذا نسيت الاستثناء، ثم ذكرت، فاستثن. # وقال ابن عباس: بالاستثناء المنقطع، وإن كان إلى سنة لهذه الآية. # وقيده الحسن وطاوس بالمجلس. # وعن سعيد بن جبير: بعد سنة، أو شهر، أو أسبوع، أو يوم. # وعن عطاء: بمقدار حلب ناقة غزيرة. # وعند عامة الفقهاء: لا أثر له في الأحكام ما لم يكن موصولا، وقالوا: ~~لأنا لو جوزنا ذلك، لزم ألا يستقر شيء من العهود والإيمان. # [يحكى] أنه بلغ المنصور أن أبا حنيفة خالف ابن عباس في الاستثناء ~~المنفصل، فاستحضره؛ لينكر عليه، فقال له أبو حنيفة: هذا يرجع عليك؛ فإنك ms5771 ~~تأخذ البيعة بالأيمان، أترضى أن يخرجوا من عندك، فيستثنوا، فيخرجوا عليك، ~~فاستحسن المنصور كلامه، ورضي عنه. # واعلم أن هذا تخصيص النص بالقياس، وفيه ما فيه. # وأيضا فلو قال: " إن شاء الله " خفية؛ بحيث لا يسمع، كان دافعا ~~للحنث بالإجماع، مع أن المحظور باق، فما عولوا عليه ليس بقوي، ~~[والأولى] أن يحتج في وجوب كون الاستثناء متصلا بالآيات الكثيرة ~~الدالة على وجوب الوفاء بالعقد والعهد؛ كقوله: # أوفوا بالعقود # [المائدة: 1] # وأوفوا بالعهد # [الإسراء: 34]، فإذا أتى بعهد، وجب عليه الوفاء بمقتضاه بهذه الآيات. # خالفنا الدليل فيما إذا كان متصلا؛ لأن الاستثناء مع المستثنى منه ~~كالكلام الواحد؛ بدليل أن الاستثناء وحده لا يفيد شيئا، فهو جار مجرى ~~بعض الكلمة الواحدة، فجملة الكلام كالكلمة الواحدة المفيدة، وإذا كان ~~كذلك، فإن لم يكن منفصلا، حصل الالتزام التام بالكلام؛ فوجب عليه ~~الوفاء بذلك المتلزم. # وقيل: إن قوله: { واذكر ربك إذا نسيت } كلام مستأنف لا ~~تعلق له بما قبله. # فصل # قال عكرمة: واذكر ربك، إذا غضبت. # وقال وهب: مكتوب في الإنجيل " ابن آدم، اذكرني حين تغضب، أذكرك ~~حين أغضب ". # وقال الضحاك، و السدي: هذا في الصلاة المنسية. # قال ابن الخطيب: وتعلق هذا الكلام بما قبله يفيد إتمام الكلام في هذه ~~القضية، وجعله مستأنفا يصير الكلام مبتدأ منقطعا، وذلك لا يجوز. # ثم قال: { وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا ~~رشدا } وفيه وجوه: # الأول: أن ترك قوله: { إن شآء الله } ليس بحسن، وذكره أحسن من ~~تركه، وهو قوله: { لأقرب من هذا رشدا } المراد منه ذكر هذه ~~الجملة. # الثاني: أنه لما وعدهم بشيء، وقال معه (إن شاء الله تعالى) فيقول: ~~عسى أن يهديني ربي لشيء أحسن وأكمل مما وعدتكم به. # الثالث: أن قوله: { عسى أن يهدين ربي لأقرب من ~~هذا رشدا } إشارة إلى قصة أصحاب الكهف، أي: لعل الله يؤتيني ~~من البينات والدلائل على صحة نبوتي وصدقي في ادعاء النبوة ما هو ~~أعظم في الدلالة، وأقرب رشدا من قصة أصحاب الكهف، وقد فعل الله ذلك ~~حين آتاه من قصص ms5772 الأنبياء، والإخبار بالغيوب ما هو أعظم من ذلك. ### || [18.25-29] # قوله: { ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين ~~وازدادوا تسعا }. # قال قتادة: هذا من كلام القوم؛ لأنه تعالى قال: # سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم # [الكهف: 22] إلى أن قال: { ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة ~~} أي: إن أولئك الأقوام، قالوا ذلك، ويؤيده قوله تعالى بعده { قل ~~الله أعلم بما لبثوا } وهذا يشبه الرد على الكلام ~~المذكور قبله. # ويؤيده أيضا ما ورد في مصحف عبد الله: (وقالوا ولبثوا في كهفهم). # وقال آخرون: هو كلام الله تعالى أخبر عن كمية هذه المدة. # وأما قوله: { سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم } فهو ~~كلام تقدم، وقد تخلل بينه وبين هذه الآية ما يوجب انقطاع أحدهما عن ~~الآخر، وهو قوله: { فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا }. # وقوله تعالى: { قل الله أعلم بما لبثوا } لا يوجب أن ~~ما قبله حكاية؛ لأنه تعالى أراد بل الله أعلم بما لبثوا، فارجعوا إلى ~~خبر الله دون ما يقوله أهل الكتاب، والمعنى أن الأمر في مدة لبثهم، كما ~~ذكرنا، فإن نازعوك فيها، فأجبهم فقل: { الله أعلم بما لبثوا } ~~أي: فهو أعلم منكم، وقد أخبر بمدة لبثهم. # وقيل: إن أهل الكتاب قالوا: إن المدة من لدن دخلوا الكهف إلى ~~يومنا ثلاثمائة وتسع سنين، فرد الله عليهم، وقال: { قل الله ~~أعلم بما لبثوا } يعني بعد قبض أرواحهم إلى يومنا هذا، لا ~~يعلمه إلا الله. # قوله: { ثلاث مائة سنين }: قرأ الأخوان بإضافة " مئة " إلى " ~~سنين " والباقون بتنوين " مئة ". # فأما الأولى: فأوقع فيها الجمع موقع المفرد؛ كقوله: # بالأخسرين أعمالا # [الكهف: 103]. قاله الزمخشري يعني أنه أوقع " أعمالا " موقع " ~~عملا " وقد أنحى أبو حاتم على هذه القراءة ولا يلتفت إليه، وفي مصحف ~~عبد الله " سنة " بالإفراد، وبها قرأ أبي، وقرأ الضحاك " سنون " ~~بالواو على أنها خبر مبتدأ مضمر، أي: هي سنون. # وأما الباقون، فلما لم يروا إضافة " مئة " إلى جمع، نونوا، ~~وجعلوا " سنين " بدلا من " ثلاثمائة " أو عطف بيان. # قال البغوي: فإن قيل لم قال: " ثلاثمائة سنين " ولم يقل سنة؟ ~~فالجواب، لما نزل ms5773 قوله تعالى: { ولبثوا في كهفهم ثلاث ~~مائة } فقالوا: أياما، أو شهورا، أو سنين، فنزلت " سنين ". # وقال الفراء: من العرب من يضع " سنين " موضع سنة. # ونقل أبو البقاء أنها بدل من " مئة " لأنها في معنى الجمع. ولا يجوز ~~أن يكون " سنين " في هذه القراءة تمييزا؛ لأن ذلك إنما يجيء في ~~ضرورة مع إفراد التمييز؛ كقوله: # 3507أ- إذا عاش الفتى مئتين عاما # فقد ذهب اللذاذة والفتاء # فصل # قيل: المعنى: ولبثوا في كهفهم سنين ثلاثمائة { وازدادوا تسعا }. # قال الكلبي: قالت نصارى نجران: أما الثلاثمائة، فقد عرفناها، وأما ~~التسع، فلا علم لنا بها، فنزلت: { قل الله أعلم بما لبثوا ~~}. # روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: عند أهل الكتاب: أنهم لبثوا ~~ثلاثمائة شمسية، والله تعالى ذكر ثلاثمائة سنة قمرية، ~~والتفاوت بين الشمسية والقمرية في كل مائة سنة ثلاث سنين، ~~فيكون ثلاثمائة، وتسع سنين، فلذلك قال: " وازدادوا تسعا ~~". # قال ابن الخطيب: وهذا مشكل؛ لأنه لا يصح بالحساب، فإن قيل: لم لا ~~قيل: ثلاثمائة، وتسع سنين؟. # وما الفائدة في قوله: " وازدادوا تسعا "؟. # فالجواب: أن يقال: لعلهم لما استكمل لهم ثلاثمائة سنة، قرب أمرهم من ~~الانتباه، ثم اتفق ما أوجب [بقاءهم في النوم] تسع سنين. # قوله: " تسعا " أي: تسع سنين، حذف المميز؛ لدلالة ما تقدم عليه؛ ~~إذ لا يقال: عندي ثلاثمائة درهم وتسعة، إلا وأنت تعني: تسعة دراهم، ولو ~~أردت ثيابا ونحوها، لم يجز؛ لأنه إلغاز، و " تسعا " مفعول به، ~~وازداد: افتعل، أبدلت التاء دالا بعد الزاي، وكان متعديا لاثنين؛ ~~نحو: # وزدناهم هدى # [الكهف: 13]، فلما بني على الافتعال، نقص واحدا. # وقرأ الحسن وأبو عمرو في رواية " تسعا " بفتح التاء كعشر. # قوله: { قل الله أعلم بما لبثوا } أنه تعالى أعلم بمقدار ~~هذه المدة من الناس الذين اختلفوا فيها؛ لأنه إله السموات والأرض ~~ومدبر العالم له غيب السموات والأرض. # والغيب: ما يغيب عن إدراكك، والله - تعالى - لا يغيب عن إدراكه ~~شيء، ومن كان عالما بغيب السموات والأرض، يكون عالما بهذه الواقعة، لا ~~محالة. # قوله: { أبصر به }: صيغة تعجب بمعنى ms5774 " ما أبصره " على سبيل ~~المجاز، والهاء لله تعالى، وفي مثل هذا ثلاثة مذاهب: الأصح: أنه بلفظ ~~الأمر، ومعناه الخبر، والباء مزيدة في الفاعل؛ إصلاحا للفظ أي ما أبصر ~~الله بكل موجود، وأسمعه بكل مسموع. # والثاني: أن الفاعل ضمير المصدر. # والثالث: أنه ضمير المخاطب، أي: أوقع أيها المخاطب، وقيل: هو أمر ~~حقيقة لا تعجب، وأن الهاء تعود على الهدى المفهوم من الكلام. # وقرأ عيسى: " أسمع " و " أبصر " فعلا ماضيا، والفاعل الله تعالى، ~~وكذلك الهاء في " به " ، أي: أبصر عباده وأسمعهم. # وتقدم الكلام على هذه الكلمة عند قوله: # فمآ أصبرهم على النار # [البقرة: 175]. # قوله: { ما لهم } أي: ما لأهل السموات والأرض. # قوله: " من دونه " أي: من دون الله. # قوله: " من ولي " أي من ناصر. # و " من ولي " يجوز أن يكون فاعلا، وأن يكون مبتدأ. # قوله: " ولا يشرك " قرأ ابن عامر بالتاء والجزم [عطفا على قوله: # ولا تقولن لشيء # [الكهف: 23] وقوله: { واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى } ~~] أي: ولا تشرك أنت أيها الإنسان، والباقون بالياء من تحت، ورفع الفعل، ~~أي: ولا يشرك الله في حكمه أحدا، فهو نفي محض. # فصل في المراد بالحكم في الآية # قيل: الحكم ها هنا علم الغيب، أي: لا يشرك في علم غيبه أحدا. # وقرأ مجاهد وقتادة: " ولا يشرك " بالياء من تحت والجزم. # قال يعقوب: " لا أعرف وجهه ". قال شهاب الدين: وجهه أن الفاعل ضمير ~~الإنسان، أضمر للعلم به. # والضمير في قوله " ما لهم " يعود على معاصري رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، قال ابن عطية: " وتكون الآية اعتراضا بتهديد " كأنه يعني ~~بالاعتراض: أنهم ليسوا ممن سيق الكلام لأجلهم، ولا يريد الاعتراض ~~الصناعي. # فصل # قوله: { ما لهم من دونه من ولي }. # قيل: ما لأصحاب الكهف من دون الله ولي؛ فإنه هو الذي يتولى حفظهم ~~في ذلك النوم الطويل. # وقيل: ليس لهؤلاء القوم المختلفين في مدة لبث أصحاب الكهف ولي من ~~دون الله، يتولى أمرهم، ويقيم لهم تدبير أنفسهم، فإذا كانوا محتاجين ~~إلى تدبير الله وحفظه، فكيف يعلمون هذه الواقعة ms5775 من غير إعلامه؟!. # فصل # واختلفوا في زمن أصحاب الكهف وفي مكانهم، فقيل: كانوا قبل موسى - عليه ~~الصلاة والسلام - وأن موسى صلى الله عليه وسلم ذكرهم في التوراة، ~~فلهذا سأل اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصتهم. # وقيل: دخلوا الكهف قبل المسيح، وأخبر المسيح بخبرهم، ثم بعثوا في الوقت ~~الذي بين عيسى، وبين محمد صلى الله عليه وسلم. # وقيل: إنهم دخلوا الكهف بعد الميسح، حكى هذا القول القفال عن محمد ~~بن إسحاق، وذكر أنهم لم يموتوا، ولا يموتون إلى يوم القيامة. # وأما مكان الكهف، فحكى القفال عن محمد بن موسى الخوارزمي المنجم: ~~أن الواثق أنفذه؛ ليعرف حال أصحاب الكهف من ملك الروم، قال: فوجه ~~ملك الروم معي أقواما إلى الموضع الذي يقال إنهم فيه. # وقيل: إن الرجل قال: إن الرجل الموكل بذلك الموضع فزعني من ~~الدخول عليهم، قال: فدخلت فرأيت الشعور على صدورهم. # قال: وعرفت أن ذلك تمويه واحتيال، وأن الناس كانوا قد عالجوا تلك ~~الجثث بالأدوية المجففة؛ لتصونها عن البلاء؛ كالتلطيخ بالصبر وغيره. # قال القفال: والذي عندنا أن موضع أصحاب الكهف لا يعرف، ولا عبرة ~~بقول أهل الروم، وذكر الزمخشري عن معاوية " أنه لما غزا الروم، ~~فمر بالكهف، فقال: لو كشف عن هؤلاء، ننظر إليهم، فقال له ابن عباس: ~~أي شيء لك في ذلك؟ قد منع الله من هو خير منك، فقال: { لو اطلعت ~~عليهم، لوليت منهم فرارا، ولملئت منهم رعبا }. # فقال: لا أنتهي عن ذلك، حتى أعلم حالهم، فبعث أناسا، فقال: اذهبوا، ~~فانظروا، فلما دخلوا الكهف بعث الله عليهم ريحا، [فأخرجتهم] ". # فصل # قال ابن الخطيب: والعلم بذلك الزمان، وذلك المكان، ليس للعقل فيه ~~مجال، وإنما يستفاد ذلك من نص، وهو مفقود؛ فثبت أنه لا سبيل إليه. # قال ابن الخطيب: هذه السور الثلاث اشتملت كل واحدة منها على حصول ~~حالة غريبة عجيبة نادرة في هذا العالم: سورة بني إسرائيل اشتملت على ~~الإسراء بالجسد الشريف صلى الله عليه وسلم من مكة إلى الشام، وهي حالة ~~عجيبة، وهذه السورة اشتملت ms5776 على بقاء القوم في النوم مدة ثلاثمائة سنة، ~~وأزيد، وهي أيضا حالة عجيبة وسورة مريم اشتملت على حدوث الولد لا من ~~الأب، وهي أيضا حاله غريبة والمعتمد في بيان هذه العجائب، والغرائب ~~المذكورة: أنه تعالى قادر على كل الممكنات، عالم بجميع المعلومات من ~~الجزئيات والكليات، فإن كل ما كان ممكن الحصول في بعض الأوقات كان ~~ممكن الحصول في سائر الأوقات. # وإذا ثبتت هذه الأصول الثلاثة ثبت القول بإمكان البعث، ولما كان قادرا ~~على الكل وثبت أن بقاء الإنسان حيا في النوم مدة يوم ممكن، فكذلك بقاؤه ~~مدة ثلاثمائة سنة، يوجب أن يكون ممكنا، بمعنى: أن إله العالم يحفظه عن ~~الآفة. # وأما الفلاسفة فإنهم يقولون: لا يبعد وقوع أشكال فلكية غريبة توجب في ~~عالم الكون والفساد حصول أحوال غريبة نادرة، وذكر أبو علي بن سفيان في " ~~باب الزمان " من كتاب " الشفا " أن أرسطاطاليس الحكيم ذكر أنه عرض ~~لقوم من المباطيل حالة شبيهة بأصحاب الكهف. # قال ابن سينا: ويدل التاريخ على أنهم قبل أصحاب الكهف. # قوله تعالى: { واتل مآ أوحي إليك من كتاب ربك } ~~الآية. # اعلم أن كفار قريش اجتمعوا، وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ~~أردت أن نؤمن بك فاطرد هؤلاء الذين آمنوا بك، فنهاه الله عن ذلك، وبين ~~في هذه الآيات أن الذي اقترحوه والتمسوه مطلوب فاسد، ثم إنه تعالى جعل ~~الأصل في هذا الباب شيئا واحدا، وهو أن يواظب على تلاوة الكتاب الذي ~~أوحاه الله إليه، ولا يلتفت إلى اقتراح المقترحين وتعنتهم، فقال: { ~~واتل مآ أوحي إليك } أي التزم قراءة الكتاب الذي أوحي إليك ~~والزم العمل به { لا مبدل لكلماته } أي: لا مغير للقرآن، ~~وهذه آية تدل على أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس؛ لأن معنى الكلام: ~~الزم العمل بمقتضى هذا الكتاب، وذلك يقتضي وجوب العمل بمقتضى ظاهره. # فإن قيل: فيجب ألا يتطرق النسخ إليه أيضا. # فالجواب: أن هذا مذهب أبي مسلم الأصفهاني، وليس ببعيد، وأيضا فالنسخ ~~في الحقيقة ليس بتبديل؛ لأن المنسوخ ثابت في وقته إلى ms5777 وقت طريان الناسخ، ~~فالناسخ كالمغاير، فكيف يكون تبديلا؟ ثم قال: { ولن تجد من دونه ~~ملتحدا } أي: ملجأ، قال أهل اللغة: هو من لحد وألحد: إذا مال، ومنه ~~قوله # الذين يلحدون # [فصلت: 40] والملحد: الماثل عن الدين. # قال ابن عباس: حرزا. # وقال الحسن: مدخلا. # وقال مجاهد: ملجأ. # وقيل: ولن تجد من دونه ملتحدا في البيان والإرشاد. # قوله: { واصبر نفسك } أي: احبسها وثبتها قال أبو ذؤيب: [الكامل] # 3507ب- فصبرت نفسا عند ذلك حرة # ترسو إذا نفس الجبان تطلع # وقوله: " بالغداة " تقدم الكلام عليها في الأنعام. # فصل في نزول الآية # نزلت في عيينة بن حصن الفزاري، أتى النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن ~~يسلم، وعنده جماعة من الفقراء فيهم سلمان، وعليه شملة قد عرق فيها، ~~وبيده خوصة يشقها، ثم ينسجها؛ فقال عيينة للنبي صلى الله عليه وسلم: أما ~~يؤذيك ريح هؤلاء؟ ونحن سادات مضر وأشرافها فإن أسلمنا، أسلم الناس، وما ~~يمنعنا من اتباعك إلا هؤلاء، حتى نتبعك، واجعل لنا مجلسا، ولهم ~~مجلسا، فأنزل الله تعالى: { واصبر نفسك } ، أي: احبس يا محمد ~~نفسك { مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي } ~~طرفي النهار، { يريدون وجهه } أي: يريدون الله، لا يريدون به ~~عرضا من الدنيا. # وقال قتادة: نزلت في أصحاب الصفة، وكانوا سبعمائة رجل فقراء في مسجد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرجعون إلى تجارة، ولا إلى زرع، يصلون ~~صلاة، وينتظرون أخرى، فلما نزلت هذه الآية، قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم " # وهذه القصة منقطعة عما قبلها، وكلام مفيد مستقل، وتقدم نظير هذه ~~الآية في سورة الأنعام، وهو قوله تعالى: # ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي # [الأنعام: 52] ففي تلك الآية نهى الرسول - عليه السلام - عن طردهم، وفي ~~هذه الآية أمره بمجالستهم والمصابرة معهم. # فصل في قراءات الآية # قرأ ابن عامر بالغداة والعشي، بضم الغين، والباقون بالغداة، وهما ~~لغتان، فقيل: المراد كونهم مواظبين على هذا العمل في كل الأوقات كقول ~~القائل: ليس لفلان عمل ms5778 بالغداة والعشي إلا شتم الناس، وقيل: المراد ~~صلاة الفجر والعصر. # وقيل: المراد الغداة هي الوقت الذي ينتقل الإنسان فيه من النوم إلى ~~اليقظة، ومن اليقظة إلى النوم. # قوله: { ولا تعد عيناك عنهم } فيه وجهان: # أحدهما: أن مفعوله محذوف، تقديره: ولا تعد عيناك النظر. # والثاني: أنه ضمن معنى ما يتعدى ب " عن " قال الزمخشري: " ~~يقال: عداه، أي: جاوزه فإنما عدي ب " عن " لتضمين " عدا " معنى ~~نبا وعلا في قولك: نبت عنه عينه، وعلت عنه عينه، إذا اقتحمته، ولم ~~تعلق به، فإن قيل: أي غرض في هذا التضمين؟ وهلا قيل: ولا تعدهم عيناك، ~~أو: ولا تعل عيناك عنهم؟ فالجواب: الغرض منه إعطاء مجموع معنيين، وذلك ~~أقوى من إعطاء معنى [فذ] ألا ترى كيف رجع المعنى إلى قولك: ولا تقتحمهم ~~عيناك متجاوزتين إلى غيرهم، ونحوه # ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم # [النساء: 2]، أي: لا تضموها إليها آكلين لها ". # ورده أبو حيان: بأن مذهب البصريين أن التضمين لا ينقاس، وإنما يصار ~~إليه عند الضرورة، فإذا أمكن الخروج عنه، فلا يصار إليه. # وقرأ الحسن " ولا تعد عينيك " من أعدى رباعيا، وقرأ هو، وعيسى، ~~والأعمش " ولا تعد " بالتشديد، من عدى يعدي مضعفا، عداه في ~~الأولى بالهمزة، وفي الثانية بالتثقيل؛ كقول النابغة: [البسيط] # 3508- فعد عما ترى إذ لا ارتجاع له # وانم القتود على عيرانة أجد # كذا قال الزمخشري، وأبو الفضل، ورد عليهما أبو حيان: بأنه لو كان ~~تعديه في هاتين القراءتين بالهمزة، أو التضعيف، لتعدى لاثنين؛ لأنه ~~قبل ذلك متعد لواحد بنفسه، وقد أقر الزمخشري بذلك؛ حيث قال: " يقال: ~~عداه إذا جاوزه، وإنما عدي ب " عن " لتضمنه معنى علا، ونبا " ~~فحينئذ يكون " أفعل " و " فعل " مما وافقا المجرد وهو اعتراض ~~حسن. # فصل # يقال: عداه، إذا جاوزه، ومنه قولهم: عدا طوره، وجاءني القوم عدا ~~زيدا؛ لأنها تفيد المباعدة، فكأنه تعالى نهى نبيه عن مباعدتهم، ~~والمعنى: لا تزدري فقراء المؤمنين، ولا تثني عينيك عنهم؛ لأجل مجالسة ~~الأغنياء. # ثم قال: " تريد " جملة حالية، ويجوز أن يكون فاعل " تريد " المخاطب، ~~أي: تريد ms5779 أنت، ويجوز أن يكون ضمير العينين، وإنما وحد؛ لأنهما متلازمان ~~يجوز أن يخبر عنهما خبر الواحد، ومنه قول امرىء القيس: [الهزج] # 3509- لمن زحلوفة زل # بها العينان تنهل # وقول الاخر: [الكامل] # 3510- وكأن في العينين حب قرنفل # أو سنبلا كحلت به فانهلت # وفيه غير ذلك، ونسبة الإرادة إلى العينين مجاز، وقال الزمخشري: " ~~الجملة في موضع الحال " قال أبو حيان: " وصاحب الحال، إن قدر " ~~عيناك " فكان يكون التركيب: يريدان ". قال شهاب الدين: غفل عن ~~القاعدة المتقدمة: من أن الشيئين المتلازمين يجوز أن يخبر عنهما ~~إخبار الواحد، ثم قال: " وإن قدر الكاف، فمجيء الحال من المجرور ~~بالإضافة نحو هذا فيه إشكال؛ لاختلاف العامل في الحال، وذي الحال، وقد ~~أجاز ذلك بعضهم، إذا كان المضاف جزءا أو كالجزء، وحسن ذلك أن ~~المقصود هو نهيه - عليه الصلاة والسلام - وإنما جيء بقوله " عيناك " ~~والمقصود هو؛ لأنهما بهما تكون المراعاة للشخص والتلفت له ". # قال شهاب الدين: وقد ظهر لي وجه حسن، لم أر غيري ذكره: وهو أن يكون " ~~تعد " مسندا لضمير المخاطب صلى الله عليه وسلم، و " عيناك " بدلا ~~من الضمير، بدل بعض من كل، و " تريد " على وجهيها من كونها حالا من " ~~عيناك " أو من الضمير في " تعد " إلا أن في جعلها حالا من الضمير ~~في " ولا تعد " ضعفا؛ من حيث إن مراعاة المبدل منه بعد ذكر البدل ~~قليل جدا، تقول: " الجارية حسنها فاتن " ولا يجوز " فاتنة " ~~إلا قليلا، كقوله: # 3511أ- فكأنه لهق السراة كأنه # ما حاجبيه معين بسواد # فقال: " معين " مراعاة للهاء في " كأنه " وكان الفصيح أن يقول: ~~" معينان " مراعاة لحاجبيه الذي هو البدل. # فصل # { تريد زينة الحياة الدنيا } ، أي تطلب مجالسة الأغنياء، ~~والأشراف، وصحبة أهل الدنيا، ولما جاء أمره بمجالسة الفقراء من المسلمين، ~~نهاه عن الالتفات إلى قول الأغنياء والمتكبرين، فقال: { ولا تطع ~~من أغفلنا قلبه عن ذكرنا } يعني عيينة بن حصين، وقيل: ~~أمية بن خلف، { واتبع هواه } في طلب الشهوات { وكان ~~أمره فرطا } قال قتادة ومجاهد: ضياعا. # وقيل: ندما، وقال مقاتل: سرفا. # وقال الفراء: متروكا. ms5780 # وقيل: باطلا. # وقال الأخفش: مجاوزا للحد. # قوله: " أغفلنا قلبه " العامة على إسناد الفعل ل " نا " و " ~~قلبه " مفعول به. # وقرأ عمرو بن عبيد، وعمرو بن فائد، وموسى الأسواري بفتح اللام، ورفع " ~~قلبه " أسندوا الإغفال إلى القلب، وفيه أوجه، قال ابن جني: من ~~ظننا غافلين عنه. وقال الزمخشري: " من حسبنا قلبه غافلين، من ~~أغفلته، إذا وجدته غافلا ". وقال أبو البقاء: فيه وجهان: # أحدهما: وجدنا قلبه معرضين عنه. # والثاني: أهمل أمرنا عن تذكرنا. # قوله: " فرطا " يحتمل أن يكون وصفا على " فعل " كقولهم: " فرس فرط ~~" ، أي: متقدم على الخيل، وكذلك هذا، أي: متقدما للحق، وأن يكون ~~مصدرا بمعنى التفريط، أو الإفراط، قال ابن عطية: الفرط: يحتمل أن يكون ~~بمعنى التفريط والتضييع، أي: أمره الذي يجب أن يلزم، ويحتمل أن يكون ~~بمعنى الإفراط والإسراف. # قال الليث: الفرط: الأمر الذي يفرط فيه، يقال: كل أمر فلان فرط، ~~وأنشد: [الهزج] # 3511ب- لقد كلفتني شططا # وأمرا خائبا فرطا # فصل # دلت هذه الآية على أنه تعالى هو الذي يخلق الجهل والغفلة في قلوب ~~الجهال. # قالت المعتزلة: المراد بقوله: { أغفلنا قلبه عن ذكرنا }: ~~وجدنا قلبه غافلا، وليس المراد منه: خلق الغفلة. # ويدل عليه ما روي عن عمرو بن معدي كرب الزبيدي أنه قال لبني سليم: ~~" قاتلناكم فما أجبناكم، وسألناكم فما أبخلناكم، ~~وهجرناكم فما أفحمناكم " أي ما وجدناكم جبناء، ولا بخلاء، ولا ~~مفحمين. # وحمل اللفظ على هذا المعنى أولى؛ لوجوه: # الأول: لو كان كذلك، لما استحقوا الذم. # الثاني: أنه قال بعد هذه الآية { فمن شآء فليؤمن ومن شآء ~~فليكفر } ولو كان تعالى خلق الغفلة في قلبه، لما صح ذلك. # الثالث: أنه لو خلق الغفلة في قلبه، لوجب أن يقال: ولا تطع من أغفلنا ~~قلبه عن ذكرنا، فاتبع هواه؛ لأن على هذا التقدير: يكون ذلك من أفعال ~~المطاوعة، وهي إنما تعطف بالفاء، لا بالواو، يقال: كسرته، فانكسر، ~~ودفعته فاندفع، ولا يقال: وانكسر، واندفع. # الرابع: قوله: { واتبع هواه } فلو أغفل قلبهم في الحقيقة، لم ~~يجز أن يضاف ذلك إلى { واتبع هواه }. # والجواب عن ms5781 الأول من وجهين: # الأول: أن الاشتراك خلاف الأصل، فوجب أن يكون حقيقة في أحدهما مجازا في ~~الآخر، وجعله حقيقة في التكوين، مجازا في الوجدان أولى من العكس؛ لوجوه: # أحدها: مجيء بناء الأفعال بمعنى التكوين أكثر من مجيئه بمعنى ~~الوجدان، والكثرة دليل على الرجحان. # وثانيها: أن مبادرة الفهم من هذا البناء إلى التكوين أكثر من مبادرته ~~إلى الوجدان، ومبادرة الفهم دليل الرجحان. # وثالثها: إن جعلنا إياه حقيقة في التكوين أمكن من جعله مجازا عن ~~الوجدان؛ لأن العلم بالشيء تابع لحصول المعلوم، فجعل اللفظ حقيقة في ~~المتبوع مجازا في التبع موافق للمعقول، أما لو جعلناه حقيقة في ~~الوجدان، مجازا في الإيجاد، لزم جعله حقيقة في التبع مجازا في الأصل، ~~وهو عكس المعقول. # والوجه الثاني من الجواب: سلمنا كون اللفظ مشتركا بالنسبة إلى ~~الإيجاد وإلى الوجدان، إلا أنا نقول: يجب حمل قوله: " أغفلنا " ~~على إيجاد الغفلة؛ لأن الدليل دل على أنه يمتنع كون العبد موجدا ~~للغفلة في نفسه؛ لأنه إذا حاول إيجاد الغفلة، فإما أن يحاول إيجاد ~~مطلق الغفلة، أو يحاول إيجاد الغفلة عن شيء معين، والأول باطل، وإلا ~~لم يكن حصول الغفلة عن هذا الشيء أولى بأن يحصل له الغفلة عن شيء آخر؛ ~~لأن الطبيعة المشتركة فيها بين الأنواع الكثيرة تكون نسبتها إلى كل ~~تلك [الأنواع] على السوية. # والثاني أيضا باطل؛ لأن الغفلة عبارة عن غفلة لا تمتاز عن سائر ~~الأقسام، إلا بكونها منتسبة إلى ذلك الشيء المعين بعينه، فعلى هذا: ~~لا يمكن أن يقصد إلى إيجاد الغفلة عن كذا، إلا إذا تصور العلم أن كون ~~تلك الغفلة غفلة عن كذا، ولا يمكنه أن يتصور تلك الغفلة غفلة عن كذا ~~إلا إذا تصور كذا؛ لأن العلم بنسبة أمر إلى أمر آخر مشروط بتصور ~~كل واحد من المنتسبين؛ فثبت أنه لا يمكنه القصد إلى إيجاد الغفلة، ~~إلا عند الشعور بكذا، لكن الغفلة عن كذا ضد الشعور بكذا؛ فثبت أن ~~العبد لا يمكنه إيجاد هذه الغفلة إلا عند اجتماع الضدين، وذلك محال، ~~والموقوف على ms5782 المحال محال، فثبت أن العبد غير قادر على إيجاد الغفلة؛ ~~فوجب أن يكون خالق الغفلة وموجدها في العباد هو الله تعالى، وأما المدح ~~والذم فمعارض بالعلم والداعي، وقد تقدم. # وأما قوله: { فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر } ~~[الكهف: 29] فسيأتي الكلام عليه، إن شاء الله تعالى. # وأما قولهم: لو كان المراد إيجاد الغفلة، لوجب ذكر الفاء، فهذا إنما ~~يلزم لو كان خلق الغفلة في القلب من لوازمه حصول اتباع الشهوة ~~والهوى، كما أن الكسر من لوازمه حصول الانكسار، وليس الأمر كذلك؛ لأنه ~~لا يلزم من حصول الغفلة عن الله حصول متابعة الهوى؛ لاحتمال أن يصير ~~غافلا عن ذكر الله، ولا يتبع الهوى، بل يبقى متوقفا حيرانا ~~مدهوشا خائفا. # وذكر القفال في تأويل الآية على مذهب المعتزلة وجوها: # أحدها: أنه تعالى، لما صب عليهم الدنيا صبا، وأدى ذلك إلى حصول ~~الغفلة في قلوبهم، صح أن يقال: إنه تعالى حصل الغفلة في قلوبهم، كقوله ~~تعالى: # فلم يزدهم دعآئي إلا فرارا # [نوح: 6]. # وثانيها: أن معنى { أغفلنا قلبه } أي: تركناه، فلم نسمه بسمة ~~أهل الطهارة والتقوى. # وثالثها: { أغفلنا قلبه } أي خلاه مع الشيطان، ولم يمنعه ~~منه. والجواب عن الأول: أن فتح أبواب لذات الدنيا عليه، هل يؤثر في ~~حصول الغفلة في قلبه أو لا يؤثر؟ فإن أثر، كان أثر إيصال اللذات إليه ~~سببا لحصول الغفلة في قلبه، وذلك عين القول بأنه فعل الله، أي: فعل ما ~~يوجب الغفلة في قلبه، وإن لم يؤثر في حصول الغفلة، فبطل إسناده إليه، ~~وعلى الثاني وهو أنه بمعنى تركناه فهو لا يفيد إلا ما ذكرناه. # وعن الثالث: إن كانت للتخلية؛ بمعنى حصول تلك الغفلة، فهو قولنا، ~~وإلا بطل إسناد تلك الغفلة إلى الله تعالى. # قوله تعالى: { وقل الحق من ربكم } الآية. # في تقرير النظم وجوه: # الأول: أنه تعالى، لما أمر رسوله ألا يلتفت إلى قول الأغنياء، قال: { ~~وقل الحق من ربكم } الآية أي: قل لهؤلاء: هذا الدين الحق ~~من عند الله تعالى، فإن قبلتموه، عاد النفع عليكم، وإن لم ms5783 تقبلوه، عاد ~~الضرر إليكم، ولا تعلق لذلك بالفقر والغنى. # والثاني: أن المراد أن الحق ما جاء من عند الله، والحق الذي ~~جاءنا من عنده أن أصير نفسي مع هؤلاء الفقراء، ولا أطردهم، ولا ألتفت إلى ~~الرؤساء، [ولا أنظر إلى] أهل الدنيا. # والثالث: أن يكون المراد هو أن الحق الذي جاء من عند الله { فمن ~~شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر } وأن الله تعالى لم يأذن ~~في طرد أحد ممن آمن وعمل صالحا؛ لأجل أن يدخل في الإيمان جمع من ~~الكفار. # فإن قيل: أليس أن العقل يقتضي ترجيح الأهم، وطرد أولئك الفقراء لا ~~يوجب إلا سقوط حرمتهم، وهذا ضرر قليل. # وأما عدم طردهم، فإنه يوجب بقاء الكفار [على الكفر وهذا ضرر ~~عظيم؟. # فالجواب: سلمنا أن عدم طردهم يوجب بقاء الكفار على الكفر]، لكن ~~من ترك الإيمان؛ حذرا من مجالسة الفقراء، فإن إيمانه ليس بإيمان، بل ~~هو نفاق؛ فيجب على العاقل ألا يلتفت إلى من هذا حاله. # الرابع: قل يا محمد للذين أغفلنا قلوبهم عن ذكرنا: يا أيها الناس، ~~من ربكم الحق، وإليه التوفيق والخذلان، وبيده الهدى والضلال، ليس ~~إلي من ذلك شيء، وقد بعثت إلى الفقراء والأغنياء { فمن شآء ~~فليؤمن ومن شآء فليكفر } وهذا على طريق التهديد والوعيد، ~~كقوله # اعملوا ما شئتم # [فصلت: 40] والمعنى: لست بطارد المؤمنين لهواكم، فإن شئتم، فآمنوا، وإن ~~شئتم، فاكفروا. # قال ابن عباس: معنى الآية: من شاء الله له الإيمان، آمن، ومن شاء له ~~الكفر، كفر. # فصل # قالت المعتزلة: هذه الآية صريحة في أن الإيمان والكفر والطاعة ~~والمعصية باختيار العبد. # قال ابن الخطيب: وهذه الآية من أقوى الدلائل على صحة مذهب أهل ~~السنة؛ لأن الآية صريحة في أن حصول الإيمان، وحصول الكفر ~~موقوفان على حصول مشيئة الإيمان وحصول مشيئة الكفر، وصريح العقل يدل ~~على أن الفعل الاختياري يمتنع حصوله بدون القصد إليه، وبدون ~~الاختيار. # وإذا عرفت هذا، فنقول: حصول ذلك القصد والاختيار، إن كان بقصد آخر ~~يتقدمه، لزم أن يكون كل قصد واختيار مسبوقا بقصد آخر، واختيار ~~آخر ms5784 إلى غير نهاية، وهو محال؛ فوجب انتهاء ذلك القصد والاختيار إلى قصد ~~واختيار يخلقه الله تعالى في العبد على سبيل الضرورة، وعند حصول ذلك ~~القصد الضروري، والاختيار الضروري، يجب الفعل؛ فالإنسان شاء أو لم ~~يشأ، فإنه تحصل في قلبه تلك المشيئة الجازمة الخالية عن المعاصي، وإذا ~~حصلت تلك المشيئة الجازمة، فشاء أو لم يشأ، يجب حصول الفعل، فالإنسان ~~مضطر في صورة مختار. # فصل # دلت الآية على أن صدور الفعل عن الفاعل بدون القصد والداعي محال، ~~وعلى أن صيغة الأمر لا لمعنى الطلب في كتاب الله كثيرة. # قال علي - رضي الله عنه -: هذه الصيغة تهديد ووعيد، وليست تخييرا. # ودلت أيضا على أنه تعالى لا ينتفع بإيمان المؤمنين، ولا يتضرر بكفر ~~الكافرين، بل نفع الإيمان يعود عليهم، وضرر الكفر يعود عليهم؛ لقوله ~~تعالى: # إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها # [الإسراء: 7]. # قوله: { وقل الحق }: يجوز فيه ثلاثة أوجه: # الأول: أنه خبر لمبتدأ مضمر، أي: هذا، [أي] القرآن، أو ما سمعتم ~~الحق. # الثاني: أنه فاعل بفعل مقدر، دل عليه السياق، أي: جاء الحق، كما ~~صرح به في موضع آخر [في الآية 81 من الإسراء]، إلا أن الفعل لا ~~يضمر إلا في مواضع تقدم التنبيه عليها، منها: أن يجاب به استفهام، أو ~~يرد به نفي، أو يقع بعد فعل مبني للمفعول، لا يصلح إسناده لما بعده؛ ~~كقراءة: # يسبح له فيها بالغدو والآصال # [النور: 36] كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى. # الثالث: أنه مبتدأ، وخبره الجار بعده. # وقرأ أبو السمال قعنب: " وقل الحق " بضم اللام؛ حيث وقع، كأنه ~~إتباع لحركة القاف، وقرأ أيضا بنصب " الحق " قال صاحب " اللوامح ": ~~" هو على صفة المصدر المقدر؛ لأن الفعل يدل على مصدره، وإن لم ~~يذكر، فينصبه معرفة، كما ينصبه نكرة، وتقديره: وقل القول الحق، وتعلق " ~~من " بمضمر على ذلك، أي: جاء من ربكم " انتهى. # وقرأ الحسن والثقفي بكسر لامي الأمر، في قوله: " فليؤمن " و " ~~فليكفر " وهو الأصل. # قوله: { فمن شآء فليؤمن } يجوز في " من " أن تكون شرطية، وهو ~~الظاهر، ms5785 وأن تكون موصولة، والفاء لشبهه بالشرط، وفاعل " شاء ": الظاهر ~~أنه ضمير يعود على " من " وقيل: ضمير يعود على الله، وبه فسر ابن ~~عباس، والجمهور على خلافه. # قوله: { إنا أعتدنا للظالمين نارا } أعددنا وهيأنا، ~~من العتاد، ومن العدة { للظالمين } للكافرين، أي: لمن ظلم نفسه، ~~ووضع العبادة في غير موضعها. # واعلم أنه تعالى، لما وصف الكفر والإيمان، والباطل والحق، أتبعه ~~بذكر الوعيد على الكفر، وبذكر الوعد على الإيمان، و العمل الصالح. # قوله: { أحاط بهم سرادقها } في محل نصب، صفة ل " نارا " ~~والسرادق: قيل: ما أحاط بشيء، كالمضرب والخباء، وقيل للحائط ~~المشتمل على شيء: سرادق، قاله الهوري، وقيل: هو الحجرة تكون حول ~~الفسطاط، وقيل: هو ما يمد على صحن الدار، وقيل: كل بيت من كرسف، ~~فهو سرادق، قال رؤبة: [الرجز - السريع] # 3512- يا حكم بن المنذر بن الجارود # سرادق المجد عليك ممدود # ويقال: بيت مسردق، قال الشاعر: [الطويل] # 3513- هو المدخل النعمان بيتا سماؤه # صدور الفيول بعد بيت مسردق # وكان أبرويز ملك الفرس قد قتل النعمان بن المنذر تحت أرجل الفيلة، ~~والفيول: جمع فيل، وقيل: السرادق: الدهليز، قال الفرزدق: [الطويل] # 3514- تمنيتهم حتى إذا ما لقيتهم # تركت لهم قبل الضراب السرادقا # والسرادق: فارسي معرب، أصله: سرادة، قاله الجواليقي، وقال الراغب: ~~" السرادق فارسي معرب، وليس في كلامهم اسم مفرد، ثالث حروفه ألف ~~بعدها حرفان ". # فصل # أثبت تعالى للنار شيئا شبيها بالسرادق تحيط بهم من سائر الجهات، ~~والمراد: أنهم لا مخلص لهم فيها، ولا فرجة، بل هي محيطة بهم من كل ~~الجوانب. # وقيل: المراد بهذا السرادق الدخان الذي وصفه الله تعالى في قوله: # انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب # [المرسلات: 30]. # وقالوا: هذه الإحاطة بهم إنما تكون قبل دخولهم، فيحيط بهم هذا الدخان ~~كالسرادق حول الفسطاط. # وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " سرادق ~~النار أربعة جدر، كثف كل جدار مسيرة أربعين سنة ". # وقال ابن عباس: السرادق حائط. # قوله: { وإن يستغيثوا } ، أي: يطلبوا الغوث، والياء عن واو؛ إذ ~~الأصل: يستغوثوا، فقلبت الواو ياء كما تقدم ms5786 في قوله: # نستعين # [الفاتحة: 2] وهذا الكلام من المشاكلة والتجانس، وإلا فأي إغاثة ~~لهم في ذلك؟ أو من باب التهكم؛ كقوله: [الوافر] # 3515-............... # تحية بينهم ضرب وجيع # وهو كثير. # وقوله: " كالمهل " صفة ل " ماء " والمهل: دردي الزيت، وقيل: ما ~~أذيب من الجواهر كالنحاس والرصاص والذهب والفضة. # وعن ابن مسعود أنه دخل بيت المال، وأخرج ذهبا وفضة كانت فيه، وأوقد ~~عليها، حتى تلألأت، وقال: هذا هو المهل. # وقيل: هو الصديد والقيح. # وقيل: ضرب من القطران، والمهل بفتحتين: التؤدة والوقار، قال: # فمهل الكافرين # [الطارق: 17]. # قوله: " يشوي الوجوه " يجوز أن تكون الجملة صفة ثانية، وأن تكون حالا ~~من " ماء " لأنه تخصص [بالوصف]، ويجوز أن تكون حالا من الجار، وهو ~~الكاف. # والشيء: الإنضاج بالنار من غير مرقة، تكون مع ذلك الشيء المشوي. # فصل # روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " بماء كالمهل " # قال: كعكر الزيت، فإذا قرب إليه، سقطت فروة وجهه فيه. # وسئل ابن مسعود عن المهل، فدعا بذهب وفضة، فأوقد عليهما النار، حتى ~~ذابا، ثم قال: هذا أشبه شيء بالمهل. # قيل: إذا طلبوا ماء للشرب، فيعطون هذا المهل. # قال تعالى: # تصلى نارا حامية تسقى من عين ءانية # [الغاشية: 4، 5]. # وقيل: إنهم يستغيثون من حر جهنم، فيطلبون ما ء يصبونه على وجوههم ~~للتبريد، فيعطون هذا الماء؛ كما حكى عنهم قولهم: # أفيضوا علينا من المآء # [الأعراف: 50]. # قوله: { بئس الشراب } المخصوص محذوف، تقديره: هو، أي: ذلك الماء ~~المستغاث به. # قوله: { وسآءت مرتفقا } " ساءت " هنا متصرفة على بابها، ~~وفاعلها ضمير النار، ومرتفقا تمييز منقول من الفاعلية، أي: ساء، وقبح ~~مرتفقها. والمرتفق: المتكأ ومنه سمي المرفق مرفقا؛ لأنه يتكأ ~~عليه، وقيل: المنزل قاله ابن عباس. # وقال مجاهد: مجتمعا للرفقة؛ لأن أهل النار يجتمعون رفقاء، كما ~~يجتمع أهل الجنة رفقاء. # فأما رفقاء أهل الجنة، فهم الأنبياء والصديقون والشهداء ~~والصالحون # وحسن أولئك رفيقا # [النساء: 69]. # وأما رفقاء النار، فهم الكفار والشياطين، أي: بئس الرفقاء ~~هؤلاء، وبئس موضع الترافق النار، كما أنه نعم الرفقاء أهل الجنة، ~~ونعم موضع الرفقاء الجنة، قاله ms5787 ابن عباس وقيل: هو مصدر بمعنى الارتفاق، ~~وقيل: هو من باب المقابلة أيضا؛ كقوله في وصف الجنة بعد: # وحسنت مرتفقا # [الكهف: 31]، وإلا فأي ارتفاق في النار؟ قال الزمخشري: إلا أن يكون ~~من قوله: [البسيط] # 3516- إني أرقت فبت الليل مرتفقا # كأن عيني فيها الصاب مذبوح # فهو يعني من باب التهكم. ### || [18.30-31] # قوله تعالى: { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } ~~الأية. # لما ذكر وعيد المبطلين، أردفه بوعد المحقين، وهذه الآية تدل على أن ~~العمل الصالح مغاير للإيمان؛ لأن العطف يوجب المغايرة. # قوله: { إنا لا نضيع }: يجوز أن يكون خبر " إن الذين " ~~والرابط: إما تكرر الظاهر بمعناه، وهو قول الأخفش، ومثله في الصلة ~~جائز، ويجوز أن يكون الرابط محذوفا، أي: منهم، ويجوز أن يكون الرابط ~~العموم، ويجوز أن يكون الخبر قوله: { أولئك لهم جنات } ~~ويكون قوله: { إنا لا نضيع } اعتراضا، قال ابن عطية: ونحوه في ~~الاعتراض قوله: [البسيط] # 3517- إن الخليفة إن الله ألبسه # سربال ملك به تزجى الخواتيم # قال أبو حيان: ولا يتعين أن يكون " إن الله ألبسه " اعتراضا؛ ~~لجواز أن يكون خبرا عن " إن الخليفة ". قال شهاب الدين: وابن عطية ~~لم يجعل ذلك معينا بل ذكر أحد الجائزين فيه، ويجوز أن تكون الجملتان- ~~أعني قوله: { إنا لا نضيع } وقوله { أولئك لهم جنات ~~} - خبرين ل " إن " عند من يرى جواز تعدد الخبر، وإن لم يكونا في معنى ~~خبر واحد. # وقرأ الثقفي " لا نضيع " بالتشديد، عداه بالتشديد، كما عداه ~~الجمهور بالهمزة. # وقيل: ولك أن تجعل " أولئك " كلاما مستأنفا بيانا للأجر المبهم. # فصل # قال ابن الخطيب: قوله: { إنا لا نضيع أجر من أحسن ~~عملا } ظاهره يقتضي أنه استوجب المؤمن على الله بحسن عمله أجرا، ~~وعندنا الاستيجاب حصل بحكم الوعد. وعند المعتزلة: بذات الفعل، وهو باطل؛ ~~لأن نعم الله كثيرة، وهي موجبة للشكر والعبودية، فلا يصير الشكر ~~والعبودية بموجب لثواب آخر؛ لأن أداء الواجب لا يوجب شيئا آخر. # واعلم أنه تعالى، لما أثبت الأجر المبهم، أردفه بالتفصيل، فبين ~~أولا صفة مكانهم، فقال: { أولئك لهم جنات عدن } ~~والعدن في ms5788 اللغة عبارة عن الإقامة، يقال: عدن بالمكان، إذا أقام به، ~~فيجوز أن يكون المعنى: أولئك لهم جنات إقامة [كما يقال: دار إقامة] # ويجوز أن يكون العدن اسما [الموضع] معين في الجنة، وهو وسطها. # وقوله: " جنات " اسم جمع، فيمكن أن يكون المراد ما قاله تعالى # ولمن خاف مقام ربه جنتان # [الرحمن: 46] ثم قال: # ومن دونهما جنتان # [الرحمن: 62] ويمكن أن يكون المراد نصيب كل واحد من المكلفين جنة ~~على حدة، ثم ذكر أن من صفات تلك الجنات أن الأنهار تجري من تحتها، ~~وذلك لأن أحسن مساكن الدنيا البساتين التي تجري فيها الأنهار، ثم ذكر ~~ثانيا أن لباسهم فيها ينقسم قسمين: لباس التستر، ولباس التحلي. # فأما لباس التحلي فقال: { يحلون فيها من أساور من ~~ذهب } فقيل: على كل واحد منهم ثلاثة أسورة: سوار من ذهب لهذه ~~الآية، وسوار من فضة؛ لقوله: # وحلوا أساور من فضة # [الإنسان: 21]، وسوار من لؤلؤ؛ لقوله # ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير # [الحج: 23]. # وأما لباس التستر، فلقوله: { ويلبسون ثيابا خضرا من ~~سندس وإستبرق }. # فالأول: هو الديباج الرقيق. # والثاني: هو الديباج الصفيق. # وقيل: أصله فارسي معرب، وهو " إستبره ": أي غليظ. # قوله: { من أساور }: في " من " هذه أربعة أوجه: # الأول: أنها للابتداء. # والثاني: أنها للتبعيض. # والثالث: أنها لبيان الجنس، أي: أشياء من أساور. # والرابع: أنها زائدة عند الأخفش؛ ويدل عليه قوله: # وحلوا أساور # [الإنسان: 21]. [ذكر هذه الثلاثة الأخيرة أبو البقاء]. # وأساور جمع أسورة، [وأسورة] جمع سوار، كحمار وأحمرة، فهو جمع ~~الجمع. وقيل: جمع إسوار، وأنشد: [الرجز] # 3518- والله لولا صبية صغار # كأنما وجوههم أقمار # أخاف أن يصيبهم إقتار # أو لاطم ليس له إسوار # لما رآني ملك جبار # ببابه ما طلع النهار # وقال أبو عبيدة: هو جمع " إسوار " على حذف الزيادة، وأصله أساوير. # وقرأ أبان، عن عاصم " أسورة " جمع سوار، وستأتي إن شاء الله تعالى ~~في الزخرف [الزخرف: 30] هاتان القراءتان في المتواتر، وهناك يذكر الفرق ~~إن شاء الله تعالى. # والسوار يجمع في القلة على " أسورة " وفي الكثرة على " سور " ~~بسكون الواو، وأصلها كقذل وحمر، وإنما ms5789 سكنت؛ لأجل حرف العلة، وقد ~~يضم في الضرورة، قال: [السريع] # 3519- عن مبرقات بالبرين وتب # دو في الأكف اللامعات سور # وقال أهل اللغة: السوار: ما جعل في الذراع من ذهب، أو فضة، أو ~~نحاس، فإن كان من عاج، فهو قلب. # قوله: " من ذهب " يجوز أن تكون للبيان، أو للتبعيض، ويجوز أن تتعلق ~~بمحذوف؛ صفة لأساور، فموضعه جر، وأن تتعلق بنفس " يحلون " ~~فموضعها نصب. # قوله: " ويلبسون " عطف على " يحلون " وبني الفعل في التحلية ~~للمفعول؛ إيذانا بكرامتهم، وأن غيرهم يفعل بهم ذلك ويزينهم به، كقول ~~امرىء القيس: [الطويل] # 3520- عرائس في كن وصون ونعمة # يحلين ياقوتا وشذرا مفقرا # بخلاف اللبس، فإن الإنسان يتعاطاه بنفسه، وقدم التحلي على ~~اللباس؛ لأنه أشهى للنفس. # وقرأ أبان عن عاصم " ويلبسون " بكسر الباء. # قوله: { من سندس وإستبرق } " من " لبيان الجنس، وهي نعت ~~لثياب. # والسندس: ما رق من الديباج، والإستبرق: ما غلظ منه وعن أبي عمران ~~الجوني قال: السندس: هو الديباج المنسوج بالذهب، وهما جمع ~~سندسة وإستبرقة، وقيل: ليسا جمعين، وهل " إستبرق " عربي الأصل، ~~مشتق من البريق، أو معرب أصله إستبره؟ خلاف بين اللغويين. وقيل: ~~الإستبرق اسم للحرير وأنشد للمرقش: [الطويل] # 3521- تراهن يلبسن المشاعر مرة # وإستبرق الديباج طورا لباسها # وهو صالح لما تقدم، وقال ابن بحر: " الإستبرق: ما نسج بالذهب ". # ووزن سندس: فعلل، ونونه أصلية. # وقرأ ابن محيصن " واستبرق " بوصل الهمزة وفتح القاف غير منونة، فقال ~~ابن جني: " هذا سهو، أو كالسهو " قال شهاب الدين: كأنه زعم أنه ~~منعه الصرف، ولا وجه لمنعه؛ لأن شرط منع الاسم الأعجمي: أن يكون ~~علما، وهذا اسم جنس، وقد وجهها غيره على أنه جعلها فعلا ماضيا من " ~~البريق " و " استفعل " بمعنى " فعل " المجرد؛ نحو: قر، واستقر. ~~وقال الأهوازي في " الإقناع ": " واستبرق بالوصل وفتح القاف حيث ~~كان لا يصرفه " وظاهر هذا أنه اسم، وليس بفعل، وليس لمنعه وجه؛ كما ~~تقدم عن ابن جني، وصاحب " اللوامح " لما ذكر وصل الهمزة، لم يزد ~~على ذلك، بل نص على بقائه منصرفا، ولم يذكر فتح القاف أيضا، وقال ~~ابن ms5790 محيصن: " واستبرق " بوصل الهمزة في جميع القرآن، فيجوز أنه حذف ~~الهمزة تخفيفا؛ على غير قياس، ويجوز أنه جعله عربيا من برق يبرق ~~بريقا، ووزنه استفعل، فلما سمي به، عامله معاملة الفعل في وصل ~~الهمزة، ومعاملة التمكين من الأسماء في الصرف والتنوين، وأكثر التفاسير ~~على أنه عربية، وليس بمستعرب، دخل في كلامهم، فأعربوه. # قوله: " متكئين " حال، والأرائك: جمع أريكة، وهي الأسرة، بشرط ~~أن تكون في الحجال، فإن لم تكن لم تسم أريكة، وقيل: الأرائك: الفرش ~~في الحجال أيضا، وقال الراغب: " الأريكة: حجلة على سرير، فتسميتها ~~بذلك: إما لكونها في الأرض متخذة من أراك، أو من كونها مكانا ~~للإقامة؛ من قولهم: أرك بالمكان أروكا، وأصل الأروك الإقامة على ~~رعي الأراك، ثم تجوز به في غيره من الإقامات ". # وقرأ ابن محيصن " علرائك " وذلك: أنه نقل حركة الهمزة إلى لام ~~التعريف، فالتقى مثلان: لام " على " - فإن ألفها حذفت؛ لالتقاء ~~الساكنين - ولام التعريف، واعتد بحركة النقل، فأدغم اللام في اللام؛ ~~فصار اللفظ كما ترى، ومثله قول الشاعر: [الطويل] # 3522- فما أصبحت علرض نفس بريئة # ولا غيرها إلا سليمان نالها # يريد " على الأرض " وقد تقدم قراءة قريبة من هذه أول البقرة: " ~~بما أنزليك " ، أي: أنزل إليك. # قوله: " نعم الثواب " أي: نعم الجزاء. # قوله: { وحسنت مرتفقا } مجلسا، ومقرا، وهذا في مقابلة ~~قوله: # وسآءت مرتفقا # [الكهف: 29]. ### || [18.32-44] # قوله تعالى: { واضرب لهم مثلا رجلين } الآية. # وجه النظم أن الكفار، لما افتخروا بأموالهم وأنصارهم على فقراء ~~المسلمين، بين الله تعالى أن ذلك مما لا يوجب الافتخار، لاحتمال أن ~~يصير الغني فقيرا، والفقير غنيا، وأما الذي تجب المفاخرة به فطاعة ~~الله وعبادته، وهي حاصلة لفقراء المسلمين، وبين ذلك بضرب هذا المثل؛ ~~فقال: { واضرب لهم مثلا رجلين } أي: مثل حال الكافرين ~~والمؤمنين كحال رجلين، وكانا أخوين في بني إسرائيل: أحدهما: كافر، واسمه ~~[براطوس]، والآخر: مؤمن، اسمه يهوذا، قاله ابن عباس. # وقال مقاتل: اسم المؤمن تمليخا، واسم الكافر قطروس. # وقيل: قطفر، وهما المذكوران في سورة " الصافات " في قوله تعالى: # إني كان لي قرين يقول ms5791 أءنك لمن المصدقين # [الصافات: 51، 52] على ما رواه عبد الله بن المبارك عن معمر عن عطاء ~~الخراساني، قال: كانا رجلين شريكين، لهما ثمانية آلاف دينار. # وقيل: كانا أخوين، وورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار، فأخذ كل واحد ~~منهما أربعة آلاف دينار، فاشترى الكافر أرضا بألف، فقال المؤمن: ~~اللهم، إن أخي اشترى أرضا بألف، وإني أشتري منك أرضا بألف في ~~الجنة، فتصدق به. # ثم [بنى] أخوه دارا بألف، فقال المؤمن: اللهم، إني أشتري منك دارا ~~بألف في الجنة، فتصدق به. # ثم تزوج أخوه امرأة بألف، فقال المؤمن: اللهم، إني جعلت ألفا صداقا ~~للحور العين، وتصدق به. # ثم اشترى أخوه خدما ومتاعا بألف دينار، فقال المؤمن: اللهم، إني ~~اشتريت منك الولدان بألف، فتصدق به، ثم أحاجه، أي: أصابه حاجة، فجلس ~~لأخيه على طريقه، فمر به في خدمه وحشمه، فتعرض له، فقال: فلان؟! ~~قال: نعم، قال: ما شأنك؟ قال: أصابتني حاجة بعدك، فأتيتك لتصيبني بخير، ~~قال: ما فعل مالك، وقد اقتسمنا المال [سوية]، فأخذت شطره؟ فقص عليه ~~قصته، قال: إنك لمن المصدقين، اذهب، فلا أعطيك شيئا. # وقيل: نزلت في أخوين من أهل مكة من بني مخزوم، أحدهما: مؤمن، وهو ~~أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن عبد ياليل، وكان زوج أم سلمة قبل ~~النبي صلى الله عليه وسلم والآخر كافر، وهو الأسود بن عبد الأسد بن عبد ~~ياليل. # قوله: { رجلين }: قد تقدم أن " ضرب " مع المثل، يجوز أن يتعدى ~~لاثنين في سورة البقرة، وقال أبو البقاء: التقدير: مثلا مثل رجلين، و " ~~جعلنا " تفسير ل " مثل " فلا موضع له، ويجوز أن يكون موضعه نصبا ~~نعتا ل " رجلين " كقولك: مررت برجلين، جعل لأحدهما جنة. # قوله: { وحففناهما بنخل } يقال: حف بالشيء: طاف به من جميع ~~جوانبه، قال النابغة: [البسيط] # 3523- يحفه جانبا نيق وتتبعه # مثل الزجاجة لم تكحل من الرمد # وحف به القوم: صاروا طائفين بجوانبه وحافته، وحففته به، أي: جعلته ~~مطيفا به. # والحفاف: الجانب، وجمعه أحفة، والمعنى: جعلنا حول الأعناب ~~النخل. # قال الزمخشري: وهذه الصفة مما ms5792 يؤثرها الدهاقين في كرومهم، وهو أن ~~يجعلوها محفوفة بالأشجار المثمرة، وهو أيضا حسن في [المنظر]. # قوله: { وجعلنا بينهما زرعا } قيل: كان الزرع في وسط ~~الأعناب، وقيل: كان الزرع بين الجنتين، أي: لم يكن بين الجنتين ~~موضع خال. # والمقصود منه أمور: # الأول: أن تكون تلك الأرض جامعة للأقوات والفواكه. # والثاني: أن تكون متسعة الأطراف، متباعدة الأكناف، ومع ذلك، لم ~~يتوسطها ما يقطع بعضها عن بعض. # والثالث: أن مثل هذه الأرض تأتي كل [يوم] بمنفعة أخرى، وثمرة أخرى ~~فكانت منافعها دارة متواصلة. # قوله: { كلتا الجنتين }: قد تقدم في السورة قبلها [الإسراء: ~~23] حكم " كلتا " وهي مبتدأ، و " آتت " خبرها، وجاء هنا على [الكثير: ~~وهو] مراعاة لفظها، دون معناها. # وقرأ عبد الله - وكذلك في مصحفه - " كلا الجنتين " بالتذكير؛ ~~لأن التأنيث مجازي، ثم قرأ " آتت " بالتأنيث؛ اعتبارا بلفظ " ~~الجنتين " فهو نظير " طلع الشمس، وأشرقت ". وروى الفراء عنه ~~قراءة أخرى: " كل الجنتين أتى أكله " أعاد الضمير على اللفظ " ~~أكل ". # واعلم أن لفظ " كل " اسم مفرد معرفة يؤكد به مذكران معرفتان، و ~~" كلتا " اسم مفرد معرفة يؤكد به مؤنثان معرفتان، وإذا أضيفا إلى ~~المظهر كانا بالألف في الأحوال الثلاثة؛ كقولك: " جاءني كلا ~~أخويك، ورأيت كلا أخويك، ومررت بكلا أخويك، وجاءني ~~كلتا أختيك، ورأيت كلتا أختيك، ومررت بكلتا ~~أختيك " ، وإذا أضيفا إلى المضمر، كانا في الرفع بالألف، وفي الجر ~~والنصب بالياء، وبعضهم يقول مع المضمر بالألف في الأحوال الثلاثة ~~أيضا. # فصل # ومعنى { ءاتت أكلها } أعطت كل واحدة من الجنتين { أكلها } ~~ثمرها تاما، { ولم تظلم } لم تنقص، { منه شيئا } ~~والظلم: النقصان، يقول الرجل: ظلمني حقي، أي: نقصني. # قوله: " وفجرنا " العامة على التشديد، وإنما كان كذلك، وهو نهر ~~واحد مبالغة فيه، وقرأ يعقوب، وعيسى بن عمر بالتخفيف، وهي قراءة الأعمش ~~في سورة القمر [القمر: 12]، والتشديد هناك أظهر لقوله " عيونا ". # والعامة على فتح هاء " نهر " وأبو السمال والفياض بسكونها. # قوله: { وكان له } أي: لصاحب البستان. # قوله: { وكان له ثمر }: قد تقدم الكلام فيه في الأنعام ~~[الأنعام: 99]، وتقدم أن " الثمر " بالضم المال، ms5793 فقال ابن ~~عباس: جميع المال من ذهب، وفضة، وحيوان، وغير ذلك، قال النابغة: ~~[البسيط] # 3524- مهلا فداء لك الأقوام كلهم # وما أثمر من مال ومن ولد # وقال مجاهد: هو الذهب والفضة خاصة. # " فقال " يعني صاحب البستان " لصاحبه " أي المؤمن. # " وهو يحاوره " أي: يخاطبه وهذه جملة حالية مبينة؛ إذ لا يلزم ~~من القول المحاورة؛ إذ لمحاورة مراجعة الكلام من حار، أي: رجع، قال ~~تعالى: # إنه ظن أن لن يحور # [الإنشقاق: 14]. وقال امرؤ القيس: [الطويل] # 3525- وما المرء إلا كالشهاب وضوئه # يحور رمادا بعد إذ هو ساطع # ويجوز أن تكون حالا من الفاعل، أو من المفعول. # قوله: { أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا }. # والنفر: العشيرة الذين يذبون عن الرجل، وينفرون معه، وقال قتادة: ~~حشما، وخدما. # وقال مقاتل: ولدا تصديقه قوله: { أنا أقل منك مالا ~~وولدا }. # قوله: { جنته }: إنما أفرد بعد ذكر التثنية؛ اكتفاء بالواحد للعلم ~~بالحال، قال أبو البقاء: كما اكتفي بالواحد عن الجمع في قول الهذلي: ~~[الكامل] # 3526- فالعين بعدهم كأن حداقها # سملت بشوك فهي عور تدمع # ولقائل أن يقول: إنما يجوز ذلك؛ لأن جمع التكسير يجري مجرى ~~المؤنثة، فالضمير في " سملت " وفي " فهي " يعود على الحداق، لا ~~على حدقة واحدة، كما يوهم. # وقال الزمخشري: " فإن قلت: لم أفرد الجنة، بعد التثنية؟ قلت: معناه: ~~ودخل ما هو جنته، ما له جنة غيرها، بمعنى: أنه ليس له نصيب في الجنة ~~التي وعد المتقون، فما ملكه في الدنيا، فهو جنته، لا غير، ولم يقصد ~~الجنتين، ولا واحدة منهما ". # فصل # قال أبو حيان: " ولا يتصور ما قال؛ لأن قوله: { ودخل جنته ~~} إخبار من الله تعالى بأن هذا الكافر دخل جنته، فلا بد أن قصد في ~~الإخبار: أنه دخل إحدى جنتيه؛ إذ لا يمكن أن يدخلهما معا في وقت واحد ~~". قال شهاب الدين: من ادعى دخولهما في وقت واحد، حتى يلزمه بهذا ~~المستحيل في البداية؟ وأما قوله " ولم يقصد الجنتين، ولا واحدة " ~~معناه: لم يقصد تعيين مفرد، ولا مثنى، لا أنه لم يقصد الإخبار بالدخول. # وقال أبو البقاء: ms5794 " إنما أفرد؛ لأنهما جميعا ملكه، فصارا كالشيء ~~الواحد ". # قوله: " وهو ظالم " حال من فاعل " دخل " ، وقوله " لنفسه " ~~مفعول " ظالم " واللام مزيدة فيه؛ لكون العامل فرعا. # قوله: { مآ أظن } فيه وجهان: # أحدهما: أن يكون مستأنفا بيانا لسبب الظلم. # والثاني: أن يكون حالا من الضمير في " ظالم " ، أي: وهو ظالم في ~~حال كونه قائلا. # قوله: " أن تبيد " أي: تهلك، قال: [المقتضب] # 3527- فلئن باد أهله # لبما كان يوهل # ويقال: باد يبيد بيودا وبيدودة، مثل " كينونة " والعمل ~~فيها معروف، وهو أنه حذفت إحدى الياءين، ووزنها فيعلولة. # قوله: { ودخل جنته } يعني الكافر آخذا بيد صاحبه المسلم يطوف ~~به فيها، ويريه بهجتها وحسنها، وأخبره بصنوف ما يملكه من المال { وهو ~~ظالم لنفسه } بكفره، وهذا اعتراض وقع في أثناء الكلام، والمعنى ~~أنه لما اغتر بتلك النعم، وتوسل بها إلى الكفران والجحود؛ لقدرته ~~على البعث، كان واضعا لتلك النعم في غير موضعها، { قال مآ أظن ~~أن تبيد هذه أبدا }. # قال أهل المعاني: لما أذاقه حسنها وزهوتها، توهم أنها لا تفنى أبدا ~~مطلقا، { ومآ أظن الساعة قائمة } فجمع بين كفرين. # الأول: قطعه بأن تلك الأشياء لا تبيد أبدا. # والثاني: إنكار البعث. # فإن قيل: هب أنه شك في القيامة، فكيف قال: ما أظن أن تبيد هذه ~~أبدا، مع أن الحس يدل على أن أحوال الدنيا بأسرها ذاهبة غير ~~باقية؟. # فالجواب: مراده أنها لا تبيد مدة حياته، ثم قال: { ولئن ~~رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا } أي ~~مرجعا وعاقبة، وانتصابه على التمييز، ونظيره قوله تعالى: # ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى # [فصلت: 50]. # وقوله: # لأوتين مالا وولدا # [مريم: 77]. # فإن قيل: كيف قال: ولئن رددت إلى ربي وهو ينكر البعث؟. # فالجواب: معناه: ولئن رددت إلى ربي على زعمك، يعطيني هنالك خيرا ~~منها. # والسبب في وقوعه في هذه الشبهة أنه تعالى لما أعطاه المال ~~والجاه في الدنيا، ظن أنه إنما أعطاه ذلك؛ لكونه مستحقا له، ~~والاستحقاق باق بعد الموت؛ فوجب حصول الإعطاء، والمقدمة الأولى ~~كاذبة؛ فإن فتح باب الدنيا على الإنسان، ms5795 يكون في أكثر الأمر للاستدراج. # وقرأ أبو عمرو والكوفيون " منها " بالإفراد؛ نظرا إلى أقرب مذكور، ~~وهو قوله: " جنته " وهي في مصاحف العراق، دون ميم، والباقون " ~~منهما " بالتثنية؛ نظرا إلى الأصل في قوله: " جنتين " و " ~~كلتا الجنتين " ورسمت في مصاحف الحرمين والشام بالميم، فكل ~~قد وافق رسم مصحفه. # قوله: { قال له صاحبه } أي المسلم. # قوله: { وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ~~} أي: خلق أصلك من تراب، وهذا يدل على أن الشاك في البعث كافر. # ووجه الاستدلال أنه، لما قدر على [الابتداء]، وجب أن يقدر على ~~الإعادة. # وأيضا: فإنه تعالى، لما خلقك هكذا، فلم يخلقك عبثا، وإنما خلقك ~~لهذا المعنى، وجب أن يحصل للمطيع ثواب، وللمذنب عقاب؛ ويدل على هذا ~~قوله: { ثم سواك رجلا } أي: هيأك تهيئة تعقل وتصلح أنت ~~للتكليف، فهل يحصل للعاقل مع هذه الآية إهمال أمرك؟!. # قوله: { من نطفة } النطفة في الأصل: القطرة من الماء الصافي، ~~يقال: نظف ينطف، أي: قطر يقطر، وفي الحديث: # " فخرج، ورأسه ينطف " # وفي رواية: يقطر، وهي مفسرة، وأطلق على المني " نطفة " ~~تشبيها بذلك. # قوله: " رجلا " فيه وجهان: # أحدهما: أنه حال، وجاز ذلك، وإن كان غير منتقل، ولا مشتق؛ لأنه جاء ~~بعد " سواك " إذ كان من الجائز: أن يسويه غير رجل، وهو كقولهم: " ~~خلق الله الزرافة يديها أطول من رجليها " وقول الآخر: ~~[الطويل] # 3528- فجاءت به سبط العظام كأنما # عمامته بين الرجال لواء # والثاني: أنه مفعول ثان ل " سواك " لتضمنه معنى خلقك، وصيرك ~~وجعلك، وهو ظاهر قول الحوفي. # قوله: { لكنا هو الله ربي }: قرأ ابن عامر، ويعقوب، ~~ونافع في رواية بإثبات الألف وصلا ووقفا، والباقون بحذفها وصلا، ~~وبإثباتها وقفا وهي رواية عن نافع، فالوقف وفاق. # والأصل في هذه الكلمة: " لكن أنا " فنقل حركة همزة " أنا " إلى نون " ~~لكن " وحذف الهمزة، فالتقى مثلان، فأدغم، وهذا أحسن الوجهين في تخريج ~~هذا، وقيل: حذف همزة " أنا " [اعتباطا]، فالتقى مثلان، فأدغم، وليس ~~بشيء؛ لجري الأول على القواعد، فالجماعة جروا على مقتضى قواعدهم في حذف ~~ألف " أنا " وصلا، وإثباتها وقفا، ms5796 وقد تقدم لك: أن نافعا يثبت ألفه ~~وصلا قبل همزة مضمومة، أو مكسورة، أو مفتوحة؛ بتفصيل مذكور في البقرة، ~~وهنا لم يصادف همزة، فهو على أصله أيضا، ولو أثبت الألف هنا، لكان أقرب ~~من إثبات غيره؛ لأنه أثبتها في الوصل جملة. # وأما ابن عامر، فإنه خرج عن أصله في الجملة؛ إذ ليس من مذهبه إثبات ~~هذه الألف وصلا في موضع [ما]، وإنما اتبع الرسم. وقد تقدم أنها لغة ~~تميم أيضا. # وإعراب ذلك: أن يكون " أنا " مبتدأ، و " هو " مبتدأ ثان، و " هو " ~~ضمير الشأن، و " الله " مبتدأ ثالث و " ربي " خبر الثالث، والثالث ~~وخبره خبر الثاني، و الثاني وخبره خبر الأول، والرابط [بين الأول] وبين ~~خبره الياء في " ربي " ويجوز أن تكون الجلالة بدلا من " هو " أو ~~نعتا، أو بيانا، إذا جعل " هو " عائدا على ما تقدم من قوله " بالذي ~~خلقك من تراب " لا على أنه ضمير الشأن، وإن كان أبو البقاء أطلق ذلك، ~~وليس بالبين. # وخرجه الفارسي على وجه غريب: وهو أن تكون " لكنا " " لكن " ~~واسمها وهو " نا " والأصل: " لكننا " فحذف إحدى النونات؛ نحو: # إنا نحن # [الحجر: 9] وكان حق التركيب أن يكون " ربنا " " ولا نشرك بربنا " ~~قال: " ولكنه اعتبر المعنى، فأفرد " وهو غريب جدا. # قال الكسائي: فيه تقديم وتأخير، تقديره: " لكن الله هو ربي ". # وقرأ أبو عمرو " لكنه " بهاء السكت وقفا؛ لأن القصد بيان حركة ~~نون " أنا " فتارة تبين بالألف، وتارة بهاء السكت، وعن حاتم الطائي: ~~[الرمل المجزوء] # 3529- هكذا فردي أنه # وقال ابن عطية عن أبي عمرو: روى عنه هارون " لكنه هو الله " بضمير لحق ~~" لكن " قال شهاب الدين: فظاهر هذا أنه ليس بهاء السكت، بل تكون الهاء ~~ضميرا اسما ل " لكن " وما بعدها الخبر ويجوز أن يكون " هو " مبتدأ، ~~وما بعده خبره، وهو وخبره خبر " لكن " ويجوز أن يكون تأكيدا للاسم، ~~وأن يكون فصلا، ولا يجوز أن يكون ضمير شأن؛ لأنه حينئذ لا عائد على اسم ~~" لكن " من هذه الجملة الواقعة خبرا. # وأما في قراءة العامة: فلا يجوز ms5797 أن تكون " لكن " مشددة عاملة؛ لوقوع ~~الضمير بعدها بصيغة المرفوع. # وقرأ عبد الله " لكن أنا هو " على الأصل من غير نقل، ولا إدغام، ~~وروى عنه ابن خالويه " لكن هو الله " بغير " أنا ". وقرىء أيضا " ~~لكننا ". # وقال الزمخشري: " وحسن ذلك - يعني إثبات الألف في الوصل - وقوع ~~الألف عوضا عن حذف الهمزة " ونحوه - يعني إدغام نون " لكن " في نون " ~~نا " بعد حذف الهمزة - قول القائل: # 3530- وترمينني بالطرف أي أنت مذنب # وتقلينني لكن إياك لا أقلي # الأصل: لكن أنا، فنقل، وحذف، وأدغم، قال أبو حيان: " ولا يتعين ما ~~قاله في البيت؛ لجواز أن يكون حذف اسم " لكن " [وحذفه] لدليل كثير، ~~وعليه قوله: # 3531- فلو كنت ضبيا عرفت قرابتي # ولكن زنجي عظيم المشافر # أي: ولكنك، وكذا ها هنا: ولكنني إياك " قال شهاب الدين: لم يدع ~~الزمخشري تعين ذلك في البيت؛ حتى يرد عليه بما ذكره. # ويقرب من هذا ما خرجه البصريون في بيت استدل به الكوفيون عليهم في ~~جواز دخول لام الابتداء في خبر " لكن " وهو: [الطويل] # 3533-.............. # ولكنني من حبها لعميد # فأدخل اللام في خبر " لكن " وخرجه البصريون على أن الأصل: " ولكن من ~~حبها " في قوله: " ولكنني من حبها لعميد " ، فأدغم اللام في ~~خبر " لكن " ، وجوزه البصريون، وخرجه طائفة من البصريين على ~~أن الأصل ولكن إني من حبها، ثم نقل حركة همزة " إني " إلى نون " ~~لكن " بعد حذف الهمزة، وأدغم على ما تقدم، فلم تدخل اللام إلا في خبر " ~~إن " ، هذا على تقدير تسليم صحة الرواية، وإلا فقالوا: إن البيت ~~مصنوع، ولا يعرف له قائل. # والاستدراك من قوله " أكفرت " كأنه قال لأخيه: أنت كافر؛ لأنه ~~استفهام تقرير، لكنني أنا مؤمن؛ نحو قولك: " زيد غائب، لكن ~~عمرا حاضر " لأنه قد يتوهم غيبة عمرو أيضا. # فصل في المقصود بالشرك في الآية # معنى { ولا أشرك بربي أحدا }. # ذكر القفال فيه وجهين: # الأول: أني لا أرى الفقر والغنى إلا منه؛ فأحمده إذا أعطى، وأصبر، ~~إذا ابتلى، ولا أتكبر عندما ينعم علي، ولا أرى كثرة [المال]، ~~والأعوان من نفسي، وذلك ms5798 لأن الكافر، لما [اعتز] بكثرة المال ~~والجاه، فكأنه قد أثبت لله شريكا في إعطاء العز والغنى. # الثاني: أن هذا الكافر، لما أعجز الله عن البعث والحشر، فقد جعله ~~مساويا للخلق في هذا العجز، وإذا أثبت المساواة، فقد أثبت الشريك. # قوله: { ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شآء الله }: ~~" لولا " تحضيضية داخلة على " قلت " و " إذ دخلت " منصوب ب " ~~قلت " فصل به بين " لولا " وما دخلت عليه، ولم يبال بذلك؛ لأنه ليس ~~بأجنبي، وقد عرفت أن حرف التحضيض، إذا دخل على الماضي، كان ~~للتوبيخ. # ومعنى الكلام: هلا إذا دخلت جنتك، قلت: ما شاء الله، أي: الأمر ما ~~شاء الله، وقيل: جوابه مضمر، أي: ما شاء الله كان. # { ما شآء الله } يجوز في " ما " وجهان: # الأول: أن تكون شرطية؛ فتكون في محل نصب مفعولا مقدما وجوبا ب " ~~شاء " أي: أي شيء شاء الله، والجواب محذوف، أي: ما شاء الله، كان ووقع ~~كما تقدم. # والثاني: أنها موصولة بمعنى " الذي " وفيها حينئذ وجهان: # أحدهما: أن تكون مبتدأة، وخبرها محذوف، أي: الذي شاء الله كائن وواقع. # والثاني: أنها خبر مبتدأ مضمر، تقديره: الأمر الذي شاءه الله، وعلى كل ~~تقدير: [فهذه الجملة] في محل نصب بالقول. # قوله: " إلا الله " خبر " لا " التبرئة، والجملة أيضا منصوبة ~~بالقول، أي: هلا قلت هاتين الجملتين. # فإن قيل: معنى { لا قوة إلا بالله } أي: لا أقدر على حفظ ~~مالي، ولا دفع شيء عنه إلا بالله. # روى هشام بن عروة عن أبيه: " أنه كان إذا رأى من ماله شيئا ~~يعجبه، أو دخل حائطا من حيطانه قال: ما شاء الله لا قوة ~~إلا بالله ". # فالجواب: احتج أهل السنة بقوله: { ما شآء الله } على أن ~~كل ما أراده الله واقع، وكل ما لم يقع، لم يرده الله تعالى؛ وهذا ~~يدل على أن الله ما أراد الإيمان من الكافر، وهو صريح في إبطال قول ~~المعتزلة. # فصل في الرد على استدلال المعتزلة بالآية # [ذكر الجبائي] والكعبي بأن تأويل قولهم: " ما شاء الله " مما ~~تولى فعله، لا ms5799 ما هو فعل العباد، كما قالوا: لا مرد لأمر الله، لم ~~يرد ما أمر به العباد، ثم قال: لا يمتنع أن يحصل في سلطانه ما لا يريد، ~~كما يحصل فيه ما ينهى عنه. # واعلم أن الذي ذكره الكعبي ليس جوابا عن الاستدلال، بل هو التزام ~~لمخالفة ظاهر النص، وقياس الإرادة على الأمر باطل؛ لأن هذا النص ~~دال على أنه لا يوجد إلا ما أراده الله، وليس في النصوص ما يدل ~~على أنه لا يدخل في الوجود إلا ما أمر به، فظهر الفرق. # وأجاب القفال عنه بأن قال: هلا إذا دخلت [جنتك]، قلت: ما شاء ~~الله، أي: هذه الأشياء الموجودة في هذا البستان: ما شاء الله؛ كقول ~~الإنسان، إذا نظر إلى شيء عمله زيد: عمل زيد، أي: هذا عمل زيد. # ومثله: # سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم # [الكهف: 22]، أي: قالوا: ثلاثة، وقوله: # وقولوا حطة # [الأعراف: 161] أي: وقولوا: هذه حطة، وإذا كان كذلك، كان [المراد أن] ~~هذا الشيء الموجود في البستان شيء شاء الله تكوينه، وعلى هذا التقدير: ~~لم يلزم أن يقال: وقع كل ما شاء الله؛ لأن هذا الحكم غير عام في ~~الكل، بل يختص بالأشياء المشاهدة في البستان، وهذا التأويل الذي ~~ذكره القفال أحسن مما ذكره الجبائي والكعبي. # فصل # قال ابن الخطيب: وأقول: إنه على جوابه لا يندفع الإشكال عن المعتزلة؛ ~~لأن عمارة ذلك البستان، ربما حصلت بالغصوب، وبالظلم الشديد؛ فلا ~~يصح أيضا على قول المعتزلة أن يقال: هذا واقع بمشيئة الله، اللهم، ~~إلا أن يقال: المراد أن هذه الثمار حصلت بمشيئة الله إلا أن هذا ~~تخصيص لظاهر النص من غير دليل. # وأما أمر المؤمن الكافر بأن يقول: لا قوة إلا بالله، أي: لا ~~قوة لأحد على أمر من الأمور إلا بإعانة الله وإقداره. # ثم إن المؤمن، لما علم الكافر الإيمان، أجابه عن الافتخار بالمال ~~والنفر، فقال: { إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا }. # واعلم أن ذكر الولد ها هنا يدل على أن المراد بالنفر المذكور في ~~قوله: { وأعز نفرا } الأعوان والأولاد. ms5800 # وقوله: { إن ترن أنا أقل } يجوز في " أنا " وجهان: # أحدهما: أن يكون مؤكدا لياء المتكلم. # والثاني: أنه ضمير الفصل بين المفعولين، و " أقل " مفعول ثان، أو حال ~~بحسب الوجهين في الرؤية، هل هي بصرية أو علمية؟ إلا أنك إذا جعلتها ~~بصرية، تعين في " أنا " أن تكون توكيدا، لا فصلا؛ لأن شرطه أن يقع ~~بين مبتدأ وخبر، أو ما أصله المبتدأ والخبر. # وقرأ عيسى بن عمر " أقل " بالرفع، ويتعين أن يكون " أنا " مبتدأ، و ~~" أقل " خبره، والجملة: إما في موضع المفعول الثاني، أو في موضع ~~الحال على ما تقدم في الرؤية. # و " مالا وولدا " تمييز، وجواب الشرط قوله " فعسى ربي ". # قوله: { حسبانا }: الحسبان مصدر حسب الشيء يحسبه، أي: أحصاه، قال ~~الزجاج: " أي عذاب حسبان، أي: حساب ما كسبت يداك " وهو حسن. # فصل في معنى الحسبان # قال الراغب: " قيل: معناه نارا، وعذابا، وإنما هو في الحقيقة ما ~~يحاسب عليه، فيجازى بحسبه " وهذا موافق لما قاله أبو إسحاق، والزمخشري ~~نحا إليه أيضا، فقال: " والحسبان مصدر؛ كالغفران والبطلان بمعنى ~~الحساب، أي: مقدارا حسبه الله وقدره، وهو الحكم بتخريبها ". وهو قول ~~ابن عباس وقيل: جمع حسبانة، وهي السهم. # وقال ابن قتيبة: مرامي من السماء، وهي مثل الصاعقة، أي: قطع من ~~النار. # قوله: { أو يصبح }: عطف على " يرسل " قال أبو حيان: و " أو ~~يصبح " عطف على قوله: " ويرسل " لأن غؤور الماء لا يتسبب ~~عن الآفة السماوية، إلا إن عنى بالحسبان القضاء [الإلهي]؛ فحينئذ ~~يتسبب عنه إصباح الجنة صعيدا زلقا، أو إصباح مائها غورا. # والزلق والغور في الأصل: مصدران وصف بهما للمبالغة. # والعامة على فتح الغين، غار الماء يغور غورا: غاض وذهب في ~~الأرض، وقرأ البرجمي بضم الغين لغة في المصدر، وقرأت طائفة " غؤورا " ~~بضم الغين، والهمزة، وواو ساكنة، وهو مصدر أيضا، يقال: غار الماء ~~غؤورا مثل: جلس جلوسا. # فصل في معنى قوله: { فتصبح صعيدا زلقا } # معنى قوله: { فتصبح صعيدا زلقا } أرضا جرداء ملساء لا نبات ~~فيها، وقيل: تزلق فيها الأقدام. # وقال مجاهد: رملا هائلا، والصعيد وجه ms5801 الأرض. # { أو يصبح مآؤها غورا } أي: غائرا منقطعا ذاهبا لا تناله ~~الأيدي، ولا الدلاء، والغور: مصدر وقع موقع الاسم، مثل زور وعدل. # قوله: { فلن تستطيع له طلبا } أي: فيصير بحيث لا تقدر على ~~رده إلى موضعه. # ثم أخبر الله تعالى أنه حقق ما قدره هذا المؤمن، فقال: { ~~وأحيط بثمره } اي: أحاط العذاب بثمر جنته، وهو عبارة عن إهلاكه ~~بالكلية، وأصله من إحاطة العدو؛ لأنه إذا أحاط به، فقد استولى ~~عليه، ثم استعمل في كل إهلاك، ومنه قوله تعالى: # إلا أن يحاط بكم # [يوسف: 66]. # قوله: { يقلب كفيه }: قرىء " تقلب كفاه " ، أي: ~~تتقلب كفاه، و " أصبح ": يجوز أن تكون على بابها، وأن تكون بمعنى " ~~صار " وهذا كناية عن الندم؛ لأن النادم يفعل ذلك. # قوله: { على مآ أنفق } يجوز أن يتعلق ب " يقلب " وإنما عدي ~~ب " على " لأنه ضمن معنى " يندم ". # وقوله: " فيها " ، أي: في عمارتها، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال ~~من فاعل " يقلب " أي: متحسرا، كذا قدره أبو البقاء، وهو تفسير ~~معنى، والتقدير الصناعي؛ إنما هو كون مطلق. # قوله: " ويقول " يجوز أن يكون معطوفا على " يقلب " ويجوز أن ~~يكون حالا. # فصل في كيفية الإحاطة # قال المفسرون: إن الله تعالى أرسل عليها نارا، فأهلكتها وغار ماؤها، ~~{ فأصبح } صاحبها الكافر { يقلب كفيه } ، أي: يصفق ~~بيديه، إحداهما على الأخرى، ويلقب كفيه ظهرا لبطن؛ تأسفا ~~وتلهفا { على مآ أنفق فيها وهي خاوية } ساقطة { على ~~عروشها } سقوفها، فتسقطت سقوفها، ثم سقطت الجدران عليها. # ويمكن أن يكون المراد بالعروش عروش الكرم، فتسقط العروش، ثم تسقط ~~الجدران عليها. # قوله: { ويقول يليتني لم أشرك بربي أحدا }. # والمعنى: أن المؤمن، لما قال: { لكنا هو الله ربي ~~ولا أشرك بربي أحدا } قال الكافر: يا ليتني قلت كذلك. # فإن قيل: هذا الكلام يوهم أنه إنما هلكت جنته؛ لشؤم شركه، وليس الأمر ~~كذلك؛ لأن أنواع البلاء أكثرها إنما تقع للمؤمنين، قال تعالى: # ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن ~~يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ~~ومعارج عليها يظهرون # [الزخرف: 33]. # وقال صلى ms5802 الله عليه وسلم: # " خص البلاء بالأنبياء، ثم الأولياء، ثم الأمثل ~~فالأمثل ". # وأيضا: فلما قال: { يليتني لم أشرك بربي أحدا } ~~فقدم ندم على الشرك، ورغب في التوحيد؛ فوجب أن يصير مؤمنا، فلم قال ~~بعده: { ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله }؟. # فالجواب عن الأول: أنه لما عظمت حسراته لأجل أنه أنفق عمره في تحصيل ~~الدنيا، وكان معرضا في عمره كله عن طلب الدين، فلما ضاعت الدنيا ~~بالكلية، بقي محروما عن الدنيا والدين. # والجواب عن الثاني: أنه إنما ندم على الشرك؛ لاعتقاده أنه لو ~~كان موحدا غير مشرك، لبقيت عليه جنته، فهو إنما رغب في التوحيد ~~والردة عن الشرك؛ لأجل [طلب] الدنيا؛ فلهذا لم يقبل الله توحيده. # قوله: { ولم تكن له فئة }: قرأ الأخوان [ " يكن " ] ~~بالياء من تحت، والباقون من فوق، وهما واضحتان؛ إذ التأنيث مجازي، وحسن ~~التذكير للفصل. # قوله: " ينصرونه " يجوز أن تكون هذه الجملة خبرا، وهو الظاهر، وأن ~~تكون حالية، والخبر الجار المتقدم، وسوغ مجيء الحال من النكرة تقدم ~~النفي، ويجوز أن تكون صفة ل " فئة " إذا جعلنا الخبر الجار. # وقال: " ينصرونه " حملا على معنى " فئة " لأنهم في قوة ~~القوم والناس، ولو حمل على لفظها، لأفرد؛ كقوله تعالى: # فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة # [آل عمران: 13]. # وقرأ ابن أبي عبلة: " تنصره " على اللفظ، قال أبو البقاء: " ولو كان ~~" تنصره " لكان على اللفظ ". قال شهاب الدين: قد قرىء بذلك، كما عرفت. # [قال بعضهم]: ومعنى " ينصرونه " يقدرون على نصرته، ويمنعونه من ~~عذاب الله { وما كان منتصرا } ممتنعا متنعما، أي: لا يقدر على ~~الانتصار لنفسه، وقيل: لا يقدر على رد ما ذهب عنه. # قوله: { هنالك الولاية لله }: يجوز أن يكون الكلام تم ~~على قوله " منتصرا " وهذه جملة منقطعة عما قبلها، وعلى هذا: فيجوز ~~في الكلام أوجه: # الأول: أن يكون " هنالك الولاية " مقدرا بجملة فعلية، فالولاية فاعل ~~بالظرف قبلها، أي: استقرت الولاية الله، و " لله " متعلق بالاستقرار، ~~أو بنفس الظرف؛ لقيامه مقام العامل، أو بنفس الولاية، أو بمحذوف على ~~أنه حال من ms5803 " الولاية " وهذا إنما يتأتى على رأي الأخفش من حيث إن ~~الظرف يرفع الفاعل من غير اعتماد. # والثاني: أن يكون " هنالك " منصوبا على الظرف متعلقا بخبر " ~~الولاية " وهو " لله " أو بما تعلق به " لله " أو بمحذوف على أنه حال ~~منها، والعامل الاستقرار في " لله " عند من يجيز تقدم الحال على عاملها ~~المعنوي، أو يتعلق بنفس " الولاية ". # والثالث: أن يجعل " هنالك " هو الخبر، و " لله " فضلة، والعامل فيه ~~ما تقدم في الوجه الأول. # ويجوز أن يكون " هنالك " من تتمة ما قبلها، فلم يتم الكلام دونه، ~~وهو معمول ل " منتصرا " ، أي: وما كان منتصرا في الدار الآخرة، و ~~" هنالك " إشارة إليها، وإليه نحا أبو إسحاق. وعلى هذا فيكون الوقف ~~على " هنالك " تاما، والابتداء بقوله " الولاية لله " فتكون جملة ~~من مبتدأ وخبر. # والظاهر في " هنالك ": أنه على موضوعه من ظرفية المكان، كما تقدم، ~~وتقدم أن الأخوين يقرآن بالكسر، والفرق بينهما وبين قراءة الباقين ~~بالفتح في سورة الأنفال، فلا معنى لإعادته. # وحكي عن أبي عمرو والأصمعي أن كسر الواو هنا لحن، قالا: لأن " فعالة ~~" إنما تجيء فيما كان صنعة أو معنى متقلدا، وليس هنالك تولي أمور. # فصل في لغات الولاية ومعانيها # قال الزمخشري: الولاية بالفتح: النصر، والتولي، وبالكسر: السلطان ~~والملك. # وقيل: بالفتح: الربوبية، وبالكسر: الإمارة. # قوله: " الحق " قرأ أبو عمرو، والكسائي برفع " الحق " والباقون ~~بجره، فالرفع من ثلاثة أوجه: # الأول: أنه صفة للولاية وتصديقه قراءة أبي " هنالك الولاية الحق ~~لله ". # والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: هو ما أوحيناه إليك. # الثالث: أنه مبتدأ، وخبره مضمر، أي: الحق ذلك، وهو ما قلناه. # والجر على أنه صفة للجلالة الكريمة؛ كقوله " ثم ردوا إلى الله ~~مولاهم الحق ". # وقرأ زيد بن علي، وأبو حيوة، وعمرو بن عبيد، ويعقوب " الحق " نصبا ~~على المصدر المؤكد لمضمون الجملة؛ كقولك " هذا قول الله الحق " ~~وهذا عبد الله الحق، لا الباطل. # قوله: " عقبا " قرأ عاصم وحمزة بسكون القاف، والباقون بضمها، فقيل: ~~لغتان؛ كالقدس والقدس، وقيل: الأصل الضم، والسكون تخفيف، وقيل ~~بالعكس؛ كالعسر واليسر، وهو ms5804 عكس معهود اللغة، ونصبها ونصب " ثوابا ~~" و { أملا } [الكهف: 46] على التمييز لأفعل التفضيل قبلها، ونقل ~~الزمخشري أنه قرىء " عقبى " بالألف، وهي مصدر أيضا؛ كبشرى، ~~وتروى عن عاصم. # فصل في نظم الآية # اعلم أنه تعالى لما ذكر من قصة الرجلين ما ذكر علمنا أن النصرة ~~والعاقبة المحمودة كانت للمؤمن على الكافر، وعرفنا أن الأمر هكذا يكون في ~~حق كل مؤمن وكافر، فقال: { هنالك الولاية لله الحق } أي: في ~~مثل ذلك الوقت وفي مثل ذلك المقام، تكون الولاية لله يوالي أولياءه؛ ~~فيعليهم على أعدائه، ويفوض أمر الكفار إليهم. # فقوله: " هنالك " إشارة إلى الموضع، والوقت الذي يريد إظهار كرامة ~~أوليائه، وإذلال أعدائه. # وقيل: المعنى في مثل تلك الحالة الشديدة يتولى الله، ويلتجىء إليه ~~كل محتاج مضطر، يعني أن قوله: { يليتني لم أشرك ~~بربي أحدا } فكأنه ألجأ إليها ذلك الكافر، فقالها جزعا مما ~~ساقه إليه شؤم كفره، ولولا ذلك، لم يقلها. # وقيل: المعنى: هنالك الولاية لله ينصر فيها أولياءه المؤمنين على ~~الكفرة، وينتقم لهم ويشفي صدورهم من [أعدائهم]، يعني أنه تعالى نصر ~~المؤمنين على الكفرة، وينتقم لهم ويشفي صدورهم من [أعدائهم]، يعني أنه ~~تعالى نصر المؤمن بما فعل [بأخيه الكافر و] بصدق قوله: { فعسى ربي ~~أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا ~~من السمآء }. # ويعضده قوله: { هو خير ثوابا وخير عقبا } أي: لأوليائه، ~~وقيل: " هنالك " إشارة إلى الدار الآخرة، أي: في تلك الدار ~~الآخرة الولاية لله كقوله: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. # وقوله: { هو خير ثوابا } أي: خير في الآخرة لمن آمن به، و ~~التجأ إليه، { وخير عقبا } أي: هو خير عاقبة لمن رجاه، وعمل ~~لوجهه. ### || [18.45-49] # قوله تعالى: { واضرب لهم مثل الحيوة الدنيا } الآية. # أي: واضرب، يا محمد، لهؤلاء الذين افتخروا بأموالهم، وأنصارهم على فقراء ~~المسلمين { مثل الحيوة الدنيا } ثم ذكر المثل فقال: { ~~كمآء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض ~~}. # قوله: { كمآء }: فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن تكون خبر مبتدأ محذوف، فقدره ابن عطية هي، أي: الحياة ~~الدنيا. # والثاني: ms5805 أنه متعلق بمعنى المصدر، أي: ضربا كماء، قاله الحوفي. وهذا ~~بناء منهما على أن " ضرب " هذه متعدية لواحد فقط. # والثالث: أنه في موضع المفعول الثاني ل " اضرب " لأنها بمعنى " ~~صير " وقد تقدم. # قال أبو حيان بعدما نقل قولي ابن عطية والحوفي: " وأقول: إن " ~~كماء " في موضع المفعول الثاني لقوله " واضرب " ، أي: وصير لهم مثل ~~الحياة، أي: صفتها شبه ماء ". قال شهاب الدين: وهذا قد سبقه إليه أبو ~~البقاء. # و " أنزلناه " صفة ل " ماء ". # قوله: " فاختلط به " يجوز في هذه الباء وجهان: # أحدهما: أن تكون سببية. # الثاني: أن تكون متعدية، قال الزمخشري: " فالتف بسببه، وتكاثف حتى ~~خالط بعضه بعضا، وقيل: تجمع الماء في النبات؛ حتى روي ورف رفيفا، ~~وكان حق اللفظ على هذا التفسير: فاختلط بنبات الأرض، ووجه صحته: أن ~~كل مختلطين موصوف كل واحد منهما بصفة الآخر ". # قوله: { فأصبح هشيما } " أصبح " يجوز أن تكون على بابها؛ ~~فإن أكثر ما يطرق من الآفات صباحا؛ كقوله: # فأصبح يقلب كفيه # [الكهف: 42] ويجوز أن تكون بمعنى " صار " من غير تقييد بصباح؛ كقوله: ~~[المنسرح] # 3533- أصبحت لا أحمل السلاح ولا # أملك رأس البعير إن نفرا # والهشيم: واحده هشيمة، وهو اليابس، وقال الزجاج وابن قتيبة: كل ما كان ~~رطبا، فيبس، ومنه # كهشيم المحتظر # [القمر: 31] ومنه: هشمت الفت والهشيم: المتفتت المتكسر، ومنه ~~هشمت أنفه، وهشم الثريد: إذا فته. # قال: [الكامل] # 3534- عمرو الذي هشم الثريد لقومه # ورجال مكة مسنتون عجاف # قوله: " تذروه " صفة ل " هشيما " والذرو: التفريق، وقيل: ~~الرفع. # والعامة " تذروه " بالواو، وقرأ عبد الله " تذريه " من الذري، ~~ففي لامه لغتان: الواو والياء، وقرأ ابن عباس " تذريه " بضم التاء ~~من الإذراء، وهذه تحتمل أن تكون من الذرو، وأن تكون من الذري، ~~والعامة على " الرياح " جمعا، وزيد بن علي، و الحسن، والنخعي في ~~آخرين " الريح " بالإفراد. # فصل في معنى ألفاظ الآية # و " مثل " معنى المثل، قال ابن عباس: يعني بالماء المطر، نزل من ~~السماء { فاختلط به نبات الأرض } خرج من كل لون وزهرة، " ~~فأصبح " عن قريب " هشيما " يابسا. # وقال الضحاك: ms5806 كسيرا. # " تذروه الرياح ": # قال ابن عباس: تذريه. # وقال أبو عبيدة: تفرقه. # وقال القتبي: تنسفه. # قوله: { وكان الله على كل شيء مقتدرا } قادرا ~~بتكوينه أولا، وتنميته وسطا، وإبطاله آخرا، فأحوال الدنيا كذلك تظهر ~~أولا في غاية الحسن والنضارة، ثم تتزايد قليلا قليلا، ثم تأخذ في ~~الانحطاط إلى أن تنتهي إلى الفناء والذهاب، ومثل هذا الشيء ليس للعاقل ~~أن يبتهج به. # فصل في حسن ترتيب الآيات # قوله تعالى: { المال والبنون زينة الحيوة الدنيا } ~~الآية. # لما بين تعالى أن الدنيا سريعة الانقراض والانقضاء مشرفة على ~~الزوال والبوار والفناء، بين تعالى أن المال والبنين زينة الحياة ~~الدنيا، و المقصود منه إدخال هذا الجزئي تحت ذلك الكلي، فينعقد به ~~قياس بين الإنتاج، وهو أن المال والبنين زينة الحياة الدنيا، وكل ما ~~كان زينة الحياة الدنيا، فهو سريع الانقضاء والانقراض، ومن اليقين ~~البديهي، أن ما كان كذلك، فإنه يقبح بالعاقل أن يفتخر به، أو يقيم له ~~في نظره وزنا، فهذا برهان باهر على فساد قول المشركين الذين افتخروا ~~بكثرة الأموال والأولاد على فقراء [المؤمنين]. # قوله: { زينة الحيوة الدنيا } إنما أفرد " زينة " وإن ~~كانت خبرا عن " بنين " لأنها مصدر، فالتقدير: ذوا زينة، إذ جعلا ~~نفس المصدر؛ مبالغة؛ إذ بهما تحصل الزينة، أو بمعنى مزينتين وقرىء ~~شاذا { زينتا الحيوة الدنيا } على التثنية، وسقطت ألفها ~~لفظا لالتقاء الساكنين، فيتوهم أنه قرىء بنصب " زينة الحياة ". # فصل في بيان رجحان فقراء المؤمنين على أغنياء الكفار # لما أقام البرهان على فساد قول المشركين، ذكر ما يدل على رجحان أولئك ~~الفقراء على أغنياء الكفار، فقال: { والباقيات الصالحات ~~خير عند ربك }. # وبيان هذا الدليل: أن خيرات الدنيا [منقرضة]، وخيرات الآخرة باقية ~~دائمة، والدائم الباقي خير من المنقرض الزائل، وهذا معلوم ~~بالضرورة. # قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: المال والبنون حرث الحياة ~~الدنيا، والأعمال الصالحة حرث الآخرة، وقد يجمعها الله لأقوام. # وقال ابن عباس وعكرمة ومجاهد: الباقيات الصالحات هي قول: سبحان الله، ~~والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. # وقال - عليه الصلاة ms5807 والسلام -: # " أفضل الكلام أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا ~~الله، والله أكبر ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " أكثروا من الباقيات الصالحات قيل: وما هن يا رسول الله؟ ~~قال: الملة. قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: التكبير، والتهليل، ~~والتسبيح، والتحميد، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ~~". # وقال سعيد بن جبير ومسروق وإبراهيم ويروى أيضا عن ابن عباس: ~~الباقيات الصالحات: الصلوات الخمس. # وقال قتادة: ويروى أيضا عن ابن عباس أنها الأعمال الصالحة { خير ~~عند ربك ثوابا } جزاء { وخير أملا } أي: ما يؤمله ~~الإنسان. # قوله: { ويوم نسير الجبال } الآية. # لما بين خساسة الدنيا، وشرف القيامة، أراد أن يعين أحوال ~~القيامة. # قوله: { ويوم نسير }: " يوم " منصوب بقول مضمر بعده، ~~تقديره: نقول لهم يوم نسير الجبال: لقد جئتمونا، وقيل: بإضمار " ~~اذكر " وقيل: هو معطوف على " عند ربك " فيكون معمولا لقوله " ~~خير ". # وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر بضم التاء، وفتح الياء مبنيا ~~للمفعول، " الجبال " بالرفع؛ لقيامه مقام الفاعل، وحذف الفاعل؛ للعلم ~~به، وهو الله، أو من يأمره من الملائكة، وهذه القراءة موافقة لما ~~اتفق عليه في قوله # وسيرت الجبال # [النبأ: 20]، ويؤيدها قراءة عبد الله هنا { وسيرت الجبال } ~~فعلا ماضيا مبنيا للمفعول. # والباقون " نسير " بنون العظمة، والياء مكسورة من " سير " ~~بالتشديد؛ " الجبال " بالنصب على المفعول به، وهذه القراءة مناسبة لما ~~بعدها من قوله { وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا }. # وقرأ الحسن كقراءة ابن كثير، ومن ذكر معه إلا أنه بالياء من تحت؛ ~~لأن التأنيث مجازي وقرأ ابن محيصن، ورواها محبوب عن أبي عمرو: [ " ~~تسير " ] بفتح التاء من فوق ساكن الياء، من سارت تسير، و " الجبال " ~~بالرفع على الفاعلية. # قوله: { وترى الأرض بارزة } " بارزة " حال؛ إذ الرؤية ~~بصرية، وقرأ عيسى { وترى الأرض } مبنيا للمفعول، و " الأرض " قائمة ~~مقام الفاعل. # قوله: { وحشرناهم } فيه ثلاثة أوجه: # الأول: أنه ماض، يراد به المستقبل، أي: ونحشرهم، وكذلك # وعرضوا # [الكهف: 48] و # ووضع الكتاب # [الكهف: 49]. # والثاني: أن تكون الواو للحال، والجملة في محل النصب، أي: نفعل ~~التسيير في ms5808 حال حشرهم؛ ليشاهدوا تلك الأهوال. # والثالث: قال الزمخشري: " فإن قلت: لم جيء ب " حشرناهم " ماضيا ~~بعد " نسير " و " ترى "؟ قلت: للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير، ~~وقيل البروز؛ ليعاينوا تلك الأهوال العظام؛ كأنه قيل: وحشرناهم قبل ~~ذلك ". # فصل # قال أبو البقاء، وأبو حيان: " والأولى أن تكون الواو للحال " فذكر نحوا ~~مما قدمته. # قوله: " فلم نغادر " عطف على " حشرناهم " فإنه ماض معنى، ~~والمغادرة هنا: بمعنى " الغدر " وهو الترك، أي: فلم نترك، والمفاعلة ~~هنا ليس فيها مشاركة، وسمي الغدر غدرا؛ لأن به ترك الوفاء، وغدير ~~الماء من ذلك؛ لأن السيل غادره، أي: تركه، فلم يجئه أو ترك فيه الماء، ~~ويجمع على " غدر " و " غدران " كرغيف ورغفان، واستغدر الغدير: صار ~~فيه الماء، و الغديرة: الشعر الذي ترك حتى طال، والجمع غدائر. قال ~~امرؤ القيس: [الطويل] # 3535- غدائره مستشزرات إلى العلا # ........................ # وقرأ قتادة " فلم تغادر " بالتاء من فوق، والفاعل ضمير الأرض، أو ~~الغدرة المفهومة من السياق، وأبان: " يغادر " مبنيا للمفعول، " أحد ~~" بالرفع، والضحاك: " نغدر " بضم النون، وسكون العين، وكسر الدال، من ~~" أغدر " بمعنى " غدر ". # فصل في المراد بالتسيير # ليس في الآية ما يدل على أن الأرض إلى أين تسير، فيحتمل أن الله ~~يسيرها إلى موضع يريده، ولم يبين ذلك الموضع لخلقه. # والحق أن المراد أنه يسيرها إلى العدم؛ لقوله تعالى: # ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا ~~فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا # [طه: 105-107] # وبست الجبال بسا فكانت هبآء منبثا # [الواقعة: 5، 6] { وترى الأرض بارزة } [الكهف: 47]، أي: لم ~~يبق عليها شيء من الجبال، والعمران، والشجر " بارزة " ظاهرة ليس ~~عليها ما يسترها؛ كما قال: # فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا # [طه: 106، 107]. # وقال عطاء: " بارزة " أبرزت ما في بطنها، وقذفت الموتى المقبورين ~~فيها، أي بارزة البطن والجوف، فحذف ذكر الجوف، ودليله قوله تعالى: # وألقت ما فيها وتخلت # [الإنشقاق: 4] # وأخرجت الأرض أثقالها # [الزلزلة: 2] وقال: # وبرزوا لله جميعا # [إبراهيم: 21]. # { وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا } أي: وحشرناهم ~~أي: وجمعناهم للحساب، فلم نترك من الأولين ms5809 والآخرين أحدا، إلا ~~وجمعناهم لذلك اليوم. # قوله: { وعرضوا على ربك صفا }. # { صفا }: حال من مرفوع " عرضوا " وأصله المصدرية، يقال منه: صف ~~يصف صفا، ثم يطلق على الجماعة المصطفين، واختلف هنا في " صفا ": ~~هل هو مفرد وقع موقع الجمع؛ إذ المراد صفوفا؛ ويدل عليه الحديث الصحيح: # " يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد صفوفا " # وفي حديث آخر: # " أهل الجنة مائة وعشرون صفا، أنتم منها ثمانون ". # ويؤيده قوله تعالى: # يخرجكم طفلا # [غافر: 67] أي أطفالا. وقيل: ثم حذف، أي: صفا صفا، ونظيره قوله ~~في موضع: # وجآء ربك والملك صفا صفا # [الفجر: 22]. وقال في آخر: # يقوم الروح والملآئكة صفا # [النبأ: 38] يريد: صفا صفا؛ بدليل الآية الأخرى، فكذلك هنا، وقيل: ~~بل كل الخلائق تكون صفا [واحدا]، وهو أبلغ في القدرة، وأما الحديثان ~~فيحملان على اختلاف أحوال؛ لأنه يوم طويل، كما شهد له بقوله # كان مقداره خمسين ألف سنة # [المعارج: 4] فتارة يكونون فيه صفا واحدا، وتارة صفوفا. # وقيل: صفا أي: قياما؛ لقوله تعالى: # فاذكروا اسم الله عليها صوآف # [الحج: 36] أي قياما. # قوله: { لقد جئتمونا } على إضمار قول، أي: وقلنا لهم كيت وكيت. # وتقدم أن هذا القول هو العامل في قوله # ويوم نسير الجبال # [الكهف: 47]. ويجوز أن يضمر هذا القول حالا من مرفوع " عرضوا " ، ~~أي: عرضوا مقولا لهم كذا وكذا. # قوله: { كما خلقناكم }: أي: مجيئا مشبها لخلقكم الأول حفاة، ~~عراة غرلا، لا مال، ولا ولد معكم، وقال الزمخشري: " لقد بعثناكم ~~كما أنشأناكم أول مرة " فعلى هذين التقديرين، يكون نعتا ~~للمصدر المحذوف، وعلى رأي سيبويه: يكون حالا من ضميره. # قوله: { كما خلقناكم أول مرة }. # ليس المراد حصول المساواة من كل الوجوه؛ لأنهم خلقوا صغارا، ولا عقل ~~لهم، ولا تكليف عليهم، بل المراد أنه قال للمشركين المنكرين للبعث ~~المفتخرين على فقراءة المؤمنين بالأموال والأنصار: { لقد ~~جئتمونا كما خلقناكم أول مرة } أي حفاة، عراة، بغير ~~أموال، ولا أعوان، ونظيره قوله تعالى: # ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ~~وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم # [الأنعام: 94]. # ثم قال تعالى: { بل زعمتم ألن ms5810 نجعل لكم موعدا } ~~أي كنتم مع التعزز على المؤمنين بالأموال والأنصار، تنكرون البعث، ~~فالآن قد تركتم الأموال والأنصار في الدنيا، وشاهدتم أن البعث والقيامة ~~حق. # قوله: { ألن نجعل لكم موعدا } " أن " هي المخففة، وفصل ~~بينها وبين خبرها؛ لكونه جملة فعلية متصرفة غير دعاء بحرف النفي، و " ~~لكم " يجوز أن يكون مفعولا ثانيا للجعل بمعنى التصيير، و " موعدا " ~~هو الأول، ويجوز أن يكون معلقا بالجعل، أو يكون حالا من " موعدا " ~~إذا لم يجعل الجعل تصييرا، بل لمجرد الإيجاد. # و " بل " في قوله: " بل زعمتم " لمجرد الانتقال، من غير ~~إبطال. # قوله: { ووضع الكتاب }: العامة على بنائه للمفعول، وزيد بن ~~علي على بنائه للفاعل، وهو الله، أو الملك، و " الكتاب " منصوب ~~مفعولا به، و " الكتاب " جنس للكتب؛ إذ من المعلوم أن لكل إنسان ~~كتابا بخصه، وقد تقدم الوقف على " ما لهذا الكتاب " وكيف فصلت لام ~~الجر من مجرورها خطا في سورة النساء عند # فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا # [النساء: 78]. # و " لا يغادر " جملة حالية من " الكتاب ". والعامل الجار والمجرور؛ ~~لقيامه مقام الفعل، أو الاستقرار الذي تعلق به الحال. # قوله: " إلا أحصاها " في محل نصب نعتا لصغيرة وكبيرة، ويجوز أن ~~تكون الجملة في موضع المفعول الثاني؛ لأن " يغادر " بمعنى " يترك " ~~و " يترك " قد يتعدى لاثنين؛ كقوله: [البسيط] # 3536-................. # فقد تركتك ذا مال وذا نشب # في أحد الوجهين. # روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يحشر الناس على ثلاث طرائق راغبين راهبين، فاثنان على ~~بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، ~~وتحشر بقيتهم النار، تقيل معهم، حيث قالوا، وتبيت ~~معهم؛ حيث باتوا، وتصبح معهم، حيث أصبحوا، وتمسي معهم، حيث أمسوا ". # وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: # " قلت: يا رسول الله كيف يحشر الناس يوم القيامة؟ قال: حفاة ~~عراة، قالت: قلت: والنساء؟ قال: والنساء، قالت: قلت: يا رسول ~~الله، أستحي، قال: يا عائشة، الأمر اشد من ذلك؛ أن يهمهم أن ينظر بعضهم ~~لبعض ". # ووضع الكتاب، يعي كتب أعمال العباد، ms5811 توضع في أيدي الناس في أيمانهم. # وقيل: توضع بين يدي الله عز وجل، { فترى المجرمين ~~مشفقين } خائفين { مما فيه } في الكتاب من الأعمال الخبيثة، ~~كيف تظهر لأهل الموقف، فيفتضحون { ويقولون } إذا رأوها: { ~~يويلتنا } يا هلاكنا، والويل والويلة: الهلكة، وكأن كل من ~~وقع في مهلكة، دعا بالويل، ومعنى النداء تنبيه المخاطبين. # { مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة } ~~من ذنوبنا. # قال ابن عباس: الصغيرة: التبسم، والكبيرة: القهقهة. # قال سعيد بن جبير: الصغيرة: اللمم، [والمس، و القبلة]، والكبيرة: ~~الزنا. # { إلا أحصاها } وهو عبارة عن الإحاطة، أي: ضبطها وحصرها، وإدخال ~~تاء التأنيث في الصغيرة والكبيرة، على تقدير أن المراد الفعلة الصغيرة ~~والكبيرة. # قال - عليه الصلاة والسلام -: # " إياكم ومحقرات الذنوب؛ فإنما مثل محقرات الذنوب مثل قوم ~~نزلوا ببطن واد، فجاء هذا بعود، وجاء هذا بعود، وجاء هذا بعود، ~~حتى أنضجوا خبزتهم، وإن محقرات الذنوب لموبقات ". # { ووجدوا ما عملوا حاضرا } مكتوبا في الصحيفة. # { ولا يظلم ربك أحدا } لا ينقص ثواب أحد عمل خيرا. # وقال الضحاك: لم يؤاخذ أحدا بجرم لم يعمله. # فصل في الرد على المجبرة # قال الجبائي: هذه الآية تدل على فساد قول المجبرة في مسائل: # أحدها: أنه لو عذب عباده من غير ذنب صدر منهم، لكان ظالما. # وثانيها: أنه لا يعذب الأطفال بغير ذنب. # وثالثها: بطلان قولهم: لله أن يفعل ما شاء، ويعذب من غير جرم؛ لأن ~~الخلق خلقه، إذ لو كان كذلك، لما كان لنفي الظلم عنه معنى؛ لأن بتقدير ~~أنه إذا فعل أي شيء، لم يكن ظلما منه؛ لم يكن لقوله: " إنه لا يظلم ~~" فائدة. # فإن قيل: أي فائدة في ذلك؟. # فالجواب عن الأول بمعارضة العلم والداعي. # وعن الثاني: أنه تعالى، قال: # ما كان لله أن يتخذ من ولد # [مريم: 35] ولم يدل هذا على أن اتخاذ الولد يصح عليه، فكذلك ها ~~هنا. ### || [18.50-54] # قوله: { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } الآية. # اعلم أن المقصود في الآيات المتقدمة الرد على الذين افتخروا ~~بأموالهم، وأعوانهم على فقراء المسلمين، وهذه الآية المقصود من ذكرها ms5812 عين ~~هذا المعنى؛ وذلك: أن إبليس، إنما تكبر على آدم؛ لأنه افتخر بأصله ~~ونسبه، فقال: # خلقتني من نار وخلقته من طين # [الأعراف: 13] فأنا أشرف منه أصلا ونسبا، فكيف أسجد له، وكيف أتواضع ~~له؟ وهؤلاء المشركون عاملوا فقراء المؤمنين بهذه المعاملة، فقالوا: كيف ~~نجالس هؤلاء الفقراء، مع أنا من أنساب شريفة، وهم من أنساب نازلة، ~~ونحن أغنياء، وهم فقراء؟ فذكر الله هذه القصة؛ تنبيها على أن هذه ~~الطريقة بعينها طريقة إبليس، ثم إنه تعالى حذر عنها، وعن الاقتضاء بها ~~في قوله: { أفتتخذونه وذريته أوليآء } ، وهذا وجه ~~النظم. # قوله: { وإذ قلنا }: أي: اذكر. # قوله: { كان من الجن } فيه وجهان: # أحدهما: أنه استئناف يفيد التعليل؛ جوابا لسؤال مقدر. # والثاني: أن الجملة حالية، و " قد " معها مرادة، قاله أبو البقاء. # قوله: " ففسق " السببية في الفاء ظاهرة، تسبب عن كونه من الجن ~~الفسق، قال أبو البقاء: إنما أدخل الفاء هنا؛ لأن المعنى: " إلا ~~إبليس امتنع ففسق ". قال شهاب الدين. إن عنى أن قوله " كان من الجن " ~~وضع موضع قوله " امتنع " فيحتمل مع بعده، وإن عنى أنه حذف فعل عطف ~~عليه هذا، فليس بصحيح؛ للاستغناء عنه. # قوله: " عن أمر " " عن " على بابها من المجاوزة، وهذ متعلقة ب " ~~فسق " ، أي: خرج مجاوزا أمر ربه، وقيل: هي بمعنى الباء، أي: بسبب ~~أمره؛ فإنه فعال لما يريد. # قوله: " وذريته " يجوز في الواو أن تكون عاطفة، وهو الظاهر، وأن ~~تكون بمعنى " مع " و " من دوني " يجوز تعلقه بالاتخاذ، وبمحذوف ~~على أنه صفة لأولياء. # قوله: { وهم لكم عدو } جملة حالية من مفعول الاتخاذ أو فاعله، ~~لأن فيها مصححا لكل من الوجهين، وهو الرابط. # قوله: " بئس " فاعلها مضمر مفسر بتمييزه، والمخصوص بالذم محذوف، ~~تقديره: بئس البدل إبليس وذريته. وقوله " للظالمين " متعلق ~~بمحذوف حالا من " بدلا " وقيل: متعلق بفعل الذم. # فصل في الخلاف في أصل إبليس # اعلم أنه تعالى بين في هذه الآية أن إبليس كان من الجن، وللناس ~~في الآية أقوال: # الأول: قال ابن عباس: كان من حي من الملائكة، يقال لهم ms5813 الحن، ~~خلقوا من نار السموم، وكونه من الملائكة لا ينافي كونه من الجن، ~~لقوله: # وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا # [الصافات: 158] وقوله: # وجعلوا لله شركآء الجن # [الأنعام: 100] وسمي الجن جنا؛ لاستتارهم، والملائكة داخلون في ذلك. # وأيضا: فإنه كان خازن الجنة، فنسب إلى الجنة؛ كقولهم: كوفي، ~~وبصري. # وعن سعيد بن جبير، قال: كان من الجنانين الذين يعملون في الجنان، وهم ~~حي من الملائكة، يصوغون حلية أهل الجنة منذ خلقوا. # رواه القاضي في تفسيره عن هشام عن سعيد بن جبير. # وقال الحسن: كان من الجن، ولم يكن من الملائكة، فهو أصل الجن، كما ~~أن آدم أصل الإنس. # وقيل: كان من الملائكة، فمسخ وغير، وكما يدل على أنه ليس من ~~الملائكة قوله تعالى: { أفتتخذونه وذريته أوليآء ~~من دوني } والملائكة ليس لهم نسل، ولا ذرية. # بقي أن يقال: لو لم يكن من الملائكة، لما تناوله الأمر بالسجود، فكيف ~~يصح استثناؤه منهم؟. # تقدم الكلام على ذلك في البقرة. # ثم قال تعالى: { ففسق عن أمر ربه }. # قال الفراء: { ففسق عن أمر ربه } ، أي: خرج من طاعته، تقول ~~العرب: فسقت الرطبة عن قشرها، أي خرجت، وسميت الفأرة فويسقة؛ لخروجها من ~~جحرها. # قال رؤبة: [الرجز] # 3537- يهوين في نجد وغورا غائرا # فواسقا عن قصدها جوائرا # وحكى الزجاج عن الخليل وسيبويه، أنه قال: لما أمر فعصى، كان سبب فسقه ~~هو ذلك الأمر، والمعنى: أنه لولا ذلك الأمر السابق، لما حصل ذلك الفسق، ~~فلهذا حسن أن يقال: { ففسق عن أمر ربه } كقوله: # وسئل القرية التي كنا فيها # [يوسف: 82]. # ثم قال: " أفتتخذونه " يعني: يا بني آدم { وذريته ~~أوليآء من دوني وهم لكم عدو } ، أي: أعداء. # روى مجاهد عن الشعبي قال: إني قاعد يوما؛ إذ أقبل رجل فقال: ~~أخبرني، هل لإبليس زوجة؟ قال: إنه لعرس ما شهدته، ثم ذكرت قول ~~الله عز وجل: { أفتتخذونه وذريته أوليآء من ~~دوني } فعلمت أنه لا يكون ذرية إلا من زوجة، فقلت، نعم. # وقال قتادة: يتوالدون، كما يتوالد بنو آدم. # وقيل: إنه يدخل ذنبه في دبره، فيبيض، فتنفلق البيضة ms5814 عن جماعة من ~~الشياطين. # ثم قال: { بئس للظالمين بدلا }. # قال قتادة: بئس ما استبدلوا طاعة إبليس، وذريته بعبادة ربهم. # قوله: { مآ أشهدتهم خلق السموات }: أي: إبليس وذريته، ~~أو ما أشهدت الملائكة، فكيف يعبدونهم؟ أو ما أشهدت الكفار، فكيف ينسبون ~~إلي ما لا يليق بجلالي؟ أو ما أشهدت جميع الخلق. # وقرأ أبو جعفر، [وشيبة] والسختياني في آخرين: " ما أشهدناهم " على ~~التعظيم. # والمعنى: ما أحضرناهم { خلق السموات والأرض ولا خلق ~~أنفسهم } أي: ولا أشهدت بعضهم خلق بعض، يعني: ما أشهدتهم؛ لأعتضد ~~بهم. # قوله: { وما كنت متخذ المضلين عضدا } أي: ما كنت ~~متخذهم، فوضع الظاهر موضع المضمر؛ بيانا لإضلالهم؛ وذما لهم وقوله: ~~" عضدا " أي: أعوانا. # قال ابن الخطيب: والأقرب عندي أنه الضمير الراجع على الكفار الذين ~~قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: إن لم تطرد عن مجلسك هؤلاء الفقراء، لم ~~نؤمن بك، فكأنه - تعالى - قال: إن هؤلاء الذين أتوا بالاقتراح الفاسد، ~~والتعنت الباطل، ما كانوا شركاء في تدبير العالم؛ لأني ما أشهدتهم ~~خلق السموات والأرض، ولا خلق أنفسهم، ولا أعتضد بهم في تدبير الدنيا ~~والآخرة، بل هم كسائر الخلق، فلم أقدموا على هذا الاقتراح الفاسد؟. # ويؤكد هذا أن الضمير يجب عوده على أقرب مذكور، وهو هنا { بئس ~~للظالمين بدلا }. # قوله: { وما كنت متخذ المضلين عضدا } وضع الظاهر موضع ~~المضمر؛ إذ المراد ب " المضلين " من نفى عنهم إشهاد خلق السموات، ~~وإنما نبه بذلك على وصفهم القبيح. # وقرأ العامة " كنت " بضم التاء؛ إخبارا عنه تعالى وقرأ الحسن، ~~والجحدري، وأبو جعفر بفتحها؛ خطابا لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ~~وقرأ علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - { متخذا المضلين } نون ~~اسم الفاعل، ونصب به، إذ المراد به الحال، أو الاستقبال. # وقرأ عيسى " عضدا " بفتح العين، وسكون الضاد، وهو تخفيف سائغ، كقول ~~تميم: سبع ورجل في: سبع ورجل وقرأ الحسن " عضدا " بالضم ~~والسكون؛ وذلك أنه نقل حركة الضاد إلى العين بعد سلب العين حركتها، وعنه ~~أيضا " عضدا " بفتحتين، و " عضدا " بضمتين، والضحاك " عضدا " بكسر ~~العين، وفتح الضاد، ms5815 و هذه لغات في هذا الحرف. # والعضد من الإنسان وغيره معروف، ويعبر به عن العون والنصير؛ يقال: ~~فلان عضدي، ومنه # سنشد عضدك بأخيك # [القصص: 35] أي: سنقوي نصرتك ومعونتك. # قوله: { ويوم يقول }: معمول ل " اذكر " أي: ويوم نقول، يجري ~~كيت وكيت وقرأ حمزة " نقول " بنون العظمة؛ مراعاة للتكلم في قوله: " ~~ما أشهدتهم " إلى آخره، والباقون بياء الغيبة؛ لتقدم اسمه الشريف ~~العظيم الظاهر. # أي: يقول الله يوم القيامة: { نادوا شركآئي } يعني الأوثان. # وقيل: للجن، ولم يذكر تعالى أنهم كيف دعوهم في هذه الآية الكريمة، ~~بين ذلك في آية أخرى، وهو أنهم قالوا: # إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من ~~عذاب الله من شيء # [إبراهيم: 21]. # { الذين زعمتم } أنهم شركاء { فدعوهم } فاستغاثوا بهم، { ~~فلم يستجيبوا لهم } ، أي: لم يجيبوهم، ولم ينصروهم، ولم ~~يدفعوا عنهم ضررا، ثم قال: { وجعلنا بينهم موبقا } أي: ~~مهلكا. قاله عطاء والضحاك. # فصل في بيان الموبق # قال الزمخشري وغيره: والموبق: المهلك، يقال: وبق يوبق ~~وبقا، أي: هلك ووبق يبق وبوقا أيضا: هلك وأوبقه ذنبه، ~~وعن الفراء: " جعل الله تواصلهم هلاكا " فجعل البين بمعنى الوصل، ~~وليس بظرف؛ كقوله: # لقد تقطع بينكم # [الأنعام: 94] على قراءة من قرأ بالرفع، فعلى الأول يكون " موبقا " ~~مفعولا أول للجعل، والثاني الظرف المتقدم، ويجوز أن تكون متعدية ~~لواحد، فيتعلق الظرف بالجعل أو بمحذوف على الحال من " موبقا ". # وعلى قول الفراء ليكون " بينهم " مفعولا أول و " موبقا " مفعولا ~~ثانيا، والموبق هنا: يجوز أن يكون مصدرا، وهو الظاهر، ويجوز أن ~~يكون مكانا. # قال ابن عباس: وهو واد في النار. # وقال ابن الأعربي: كل حاجز بين الشيئين يكون الموبق. # وقال الحسن: " موبقا " أي: عداوة، هي في شدتها هلاك؛ كقولهم: لا ~~يكن حبك كلفا. # وقيل: الموبق: البرزخ البعيد. # وجعلنا بين هؤلاء الكفار وبين الملائكة وعيسى برزخا بعيدا، يهلك فيه ~~النصارى؛ لفرط بعده؛ لأنهم في قاع جهنم، وهو في أعلى الجنان. # قوله: { ورأى المجرمون النار } الآية. # { ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ~~} ، في هذا الظن قولان: # الأول: أنه بمعنى العلم واليقين. ms5816 # والثاني: قال ابن الخطيب: الأقرب إلى المعنى: أن هؤلاء الكفار يرون ~~الناس من مكان بعيد، فيظنون أنهم مواقعوها في تلك الساعة، من غير ~~تأخير من شدة ما يسمعون من تغيظها وزفيرها، كقوله: # إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا ~~وزفيرا # [الفرقان: 12]. # وقوله: { مواقعوها } أي: مخالطوها؛ فإن مخالطة الشيء لغيره، إذا ~~كان تامة قوية، يقال لها: مواقعة. # قوله: " مصرفا " المصرف المعدل، أي: لم يجدوا عنها معدلا. # قال الهذلي: [الكامل] # 3538- أزهير هل عن شيبة من مصرف # أم لا خلود لباذل متكلف # والمصرف يجوز أن يكون اسم مكان، أو زمان، وقال أبو البقاء: " ~~مصرفا: أي انصرافا، ويجوز أن يكون مكانا ". قال شهاب الدين: وهذا ~~سهو، فإنه جعل المفعل بكسر العين مصدرا لما مضارعه يفعل بالكسر من ~~الصحيح، وقد نصوا على أن اسم مصدر هذا النوع مفتوح العين، واسم زمانه ~~ومكانه مكسورا، نحو: المضرب والمضرب. # وقرأ زيد بن علي " مصرفا " بفتح الراء جعله مصدرا؛ لأنه مكسور ~~العين في المضارع، فهو كالمضرب بمعنى الضرب، وليت أبا البقاء ذكر هذه ~~القراءة ووجهه بما ذكره قبل. # قوله: { ولقد صرفنا } بينا { في هذا القرءان ~~للناس من كل مثل }. # اعلم أن الكفار، لما افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة أموالهم ~~وأتباعهم، وأبطل الله أقوالهم الفاسدة، وذكر المثلين المتقدمين، ذكر ~~بعده: { ولقد صرفنا في هذا القرءان للناس من ~~كل مثل } وهو إشارة إلى ما سبق، والتصريف يقتضي التكرير، والأمر ~~كذلك؛ لأنه تعالى أجاب عن شبهتهم التي ذكروها من وجوه كثيرة، والكفار ~~مع تلك الجوابات الصافية، والأمثلة المطابقة لا يتركون المجادلة ~~الباطلة؛ فقال: { وكان الإنسان أكثر شيء جدلا }. # قوله: { من كل مثل }: يجوز أن تكون " من كل " صفة لموصوف ~~محذوف، وهو مفعول " صرفنا " ، أي: صرفنا مثلا من كل مثل، ويجوز ~~أن تكون " من " مزيدة على رأي الأخفش والكوفيين. # قوله: " جدلا " منصوب على التمييز، وقوله: { أكثر شيء جدلا ~~} أي: أكثر الأشياء التي يتأتى منها الجدال، إن فصلتها واحدا ~~واحدا، يعني أن الإنسان أكثر جدلا من كل شيء يجادل، فوضع " شيء " ~~موضع الأشياء، ms5817 وهل يجوز أن يكون جدلا منقولا عن اسم كان؛ إذ الأصل: ~~وكان جدل الإنسان أكثر شيء؟ فيه نظر، وكلام أبي البقاء يشعر بجوازه؛ ~~فإنه قال: " فيه وجهان: # أحدهما: أن شيئا ههنا في معنى فجادل، لأن أفعل يضاف إلى ما هو ~~بعض له، وتمييزه ب " جدلا " يقتضي أن يكون الأكثر مجادلا، وهذا من ~~وضع العام موضع الخاص. # والثاني: أن في الكلام محذوفا، تقديره: وكان جدل الإنسان أكثر شيء، ثم ~~ميزه ". فقوله: " تقديره: وكان جدل الإنسان " يفيد أن إسناد " كان " ~~إلى الجدل جائز في الجملة، إلا أنه لا بد من تتميم لذلك: وهو أن ~~تتجوز، فتجعل للجدل جدلا؛ كقولهم: " شعر شاعر " يعني أن لجدل ~~الإنسان جدلا هو أكثر من جدل سائر الأشياء. # وهذه الآية دالة على أن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - جادلوهم ~~في الدين حتى صاروا مجادلين؛ لأن المجادلة لا تحصل إلا من ~~الطرفين. ### || [18.55-58] # قوله: { وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم ~~الهدى } الآية. # تقدم إعراب نظيرها في آخر السورة قبلها. # فإن قلت: قالت المعتزلة: الآية دالة على أنه لم يوجد ما يمنع عن ~~الإقدام على الإيمان، وذلك يدل على فساد قول من يقول: إنه حصل ~~المانع. # [فالجواب] بأن العلم بأنه لا يؤمن مضاد لوجود الإيمان، وإذا كان ذلك ~~العلم قائما، كان المانع قائما. # وأيضا: قول الداعي إلى الكفر مانع من حصول الإيمان. # وإذا ثبت هذا، ظهر أن المراد مقدار الموانع المحسوسة. # فصل في معنى الآية # المعنى: { وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم ~~الهدى }: القرآن والإسلام والبيان من الله عز وجل. # وقيل: إنه الرسول صلى الله عليه وسلم. # قوله: { ويستغفروا ربهم } ويتوبوا. # قوله: { إلا أن تأتيهم سنة الأولين } وهو عذاب ~~الاستئصال وقيل: إلا طلب أن يأتيهم سنة الأولين من معاينة العذاب، كما ~~قالوا: # إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة من السمآء # [الأنفال: 32]. # قوله: { أو يأتيهم العذاب قبلا }. # قال ابن عباس: أي عيانا من المقابلة. # وقال مجاهد: فجأة. # قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم، وأبو جعفر بضم القاف والباء، ms5818 جمع قبيل: أي ~~أصناف العذاب نوعا نوعا، والباقون بكسر القاف، وفتح الباء، أي عيانا. # وروى الزمخشري: " قبلا " بفتحتين، أي: [مستقبلا، والمعنى:] أنهم لا ~~يقدمون على الإيمان إلا عند نزول العذاب. واعلم أنهم لا يوقفون ~~الإقدام على الإيمان على أحد هذين الشرطين؛ لأن العاقل لا يرضى بحصول ~~الأمرين إلا أن حالهم بحال من وقف العمل على أحد هذين الشرطين. # ثم بين تعالى أنه إنما أرسل الرسل مبشرين ومنذرين بالعقاب على ~~المعصية؛ لكي يؤمنوا طوعا، ومع هذه الأحوال يوجد من الكفار المجادلة ~~بالباطل؛ لغرض دحض الحق؛ وهذا يدل على أن الأنبياء كانوا ~~يجادلونهم، كما تقدم من أن المجادلة إنما تحصل من الجانبين، ~~ومجادلتهم قولهم: # أبعث الله بشرا رسولا # [الإسراء: 94]، وقولهم: # لولا نزل هذا القرءان على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. # قوله: { ليدحضوا }: متعلق ب " يجادل " والإدحاض: الإزلاق، ~~يقال: أدحض قدمه، أي: أزلقها، وأزلها من موضعها. والحجة الداحضة ~~التي لا ثبات لها لزلزلة قدمها، والدحض: الطين؛ لأنه يزلق فيه، ~~قال: [الطويل] # 3539- أبا منذر رمت الوفاء وهبته # وحدت كما حاد البعير عن الدحض # وقال آخر: [الطويل] # 3540- [وردت ونجى اليشكري حذاره # وحاد كما حاد البعير عن الدحض] # و " مكان دحض " من هذا. # قوله: " وما أنذروا " يجوز في " ما " هذه أن تكون مصدرية، ~~وأن تكون بمعنى " الذي " والعائد محذوف، وعلى التقديرين، فهي عطف ~~على " آياتي ". # و " هزوا " مفعول ثان أو حال، وتقدم الخلاف في " هزوا " في ~~قوله { وما أنذروا هزوا } وفيه إضمار أي وما أنذروا به، وهو ~~القرآن " هزوا " أي استهزاء. # قوله تعالى: { ومن أظلم } الآية. # تقدم إعراب نظيرها في الأنعام، واعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار ~~جدالهم بالباطل، وصفهم بالصفات الموجبة للخزي والخذلان، فقال: { ومن ~~أظلم ممن ذكر بآيات ربه }. # أي: لا ظلم أعظم من كفر من ترد عليه الآيات، فيعرض عنها، ويتركها، ولم ~~يؤمن بها ونسي ما قدمت يداه، أي: مع إعراضه عن التأمل في الدلائل ~~والبينات يتناسى ما قدمت يداه من الأعمال المنكرة، والمراد ~~[بالنسيان] التشاغل والتغافل عن كفره المتقدم. # قوله: { إنا ms5819 جعلنا على قلوبهم أكنة } أي: أغطية. # قوله: { أن يفقهوه } لئلا يفقهوه. # قوله: { وفي ءاذانهم وقرا } صمما وثقلا. # قوله: { وإن تدعهم } يا محمد { إلى الهدى } إلى الدين. ~~قوله: { فلن يهتدوا إذا أبدا } وهذا في أقوام، علم الله ~~منهم أنهم لا يؤمنون. # وتقدم الكلام على هذه الآية في سورة الأنعام. # والعجب أن قوله: { ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ~~فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه } متمسك ~~القدرية. # وقوله: { إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن ~~يفقهوه } متمسك الجبرية، وقلما تجد آية في القرآن لأحد هذين ~~الفريقين إلا ومعها آية للفريق الآخر، والتجربة تكشف عن صدق هذا، وما ذاك ~~إلا امتحان من الله ألقاه على عباده، ليتميز العلماء الراسخون عن ~~المقلدين. ثم قال: # { وربك الغفور ذو الرحمة }. # " الغفور ": البليغ المغفرة، وهو إشارة غلى دفع المضار { ذو ~~الرحمة }: الموصوف بالرحمة، وإنما ذكر لفظ المبالغة في المغفرة، ~~لا في الرحمة؛ لأن [المغفرة] ترك [الإضرار]. # قوله: { بل لهم موعد }: يجوز في " الموعد " أن يكون مصدرا ~~أو زمانا أو مكانا. # والموئل: المرجع، من وأل يئل، أي: رجع، وهو من التأويل، وقال ~~الفراء: " الموئل: المنجى، وألت نفسه، أي: نجت " قال الأعشى: ~~[البسيط] # 3541- وقد أخالس رب البيت غفلته # وقد يحاذر مني ثم ما يئل # أي: ما ينجو، وقال ابن قتيبة: " الموئل: الملجأ ". يقال: وأل فلان ~~إلى فلان يئل وألا، ووءولا، إذا لجأ إليه، وهو هنا مصدر. # و " من دونه " متعلق بالوجدان؛ لأنه متعد لواحد، أو بمحذوف على ~~أنه حال من " موئلا ". # وقرأ أبو جعفر " مولا " بواو مكسورة فقط، والزهري: بواو مشددة فقط، ~~والأولى أقيس تخفيفا. ### || [18.59-82] # قوله: { وتلك القرى أهلكناهم } أي قرى الأولين: قوم ~~نوح وعاد وغيرهم، وتلك مبتدأ، والقرى خبره. # و " أهلكناهم " حينئذ: إما خبر ثان، أو حال، ويجوز أن تكون " ~~تلك " مبتدأ، و " القرى " صفتها لأن أسماء الإشارة توصف بأسماء ~~الأجنس أو بيان لها، أو بدل منها، و " أهلكناها " الخبر، ويجوز أن ~~يكون " تلك " منصوب المحل بفعل مقدر على الاشتغال. # والإضمار في " أهلكناهم " عائد على " أهل " المضاف إلى ms5820 القرى، إذ ~~التقدير: وأهل تلك القرى، فراعى المحذوف، فأعاد عليه الضمير، وتقدم ذلك ~~في أول الأعراف [الآية: 4]. # و " لما ظلموا " يجوز أن يكون حرفا، وأن يكون ظرفا، وقد تقدم. # قوله: " وجعلنا لمهلكهم موعدا " قرأ عاصم " مهلك " بفتح الميم، ~~والباقون بضمها، وحفص بكسر اللام، والباقون بفتحها، فتحصل من ذلك ثلاث ~~قراءات، لعاصم قراءتان؛ فتح الميم مع فتح اللام، وهي رواية أبي بكر ~~عنه، والثانية فتح الميم، مع كسر اللام، وهي رواية حفص عنه، والثالثة: ضم ~~الميم، وفتح اللام، وهي قراءة الباقين. # وأما قراءة أبي بكر، ف " مهلك " فيها مصدر مضاف لفاعله، وجوز ~~أبو علي أن يكون مضافا لمفعوله، وقال: إن " هلك " يتعدى دون ~~همز، وأنشد: [الرجز] # 2542- ومهمه هالك من تعرجا # ف " من " معمول ل " هالك " وقد منع الناس ذلك، وقالوا: لا دليل ~~في البيت؛ لجواز أن يكون ذلك من باب الصفة المشبهة، والأصل: هالك من ~~تعرجا. # ف " من تعرج " فاعل الهالك، ثم أضمر في " هالك " ضمير " مهمه " ~~ونصب " من تعرج " نصب " الوجه " في قولك: " مررت برجل حسن الوجه " ~~ثم أضاف الصفة، وهي " هالك " إلى معمولها، فالإضافة من نصب، والنصب من ~~رفع، فهو كقولك: " زيد منطلق اللسان، ومنبسط الكف " ولولا تقدير ~~النصب، لامتنعت الإضافة؛ إذ اسم الفاعل لا يضاف إلى مرفوعه، وقد يقال: ~~لا حاجة إلى تقدير النصب؛ إذ هذا جار مجرى الصفة المشبهة، والصفة ~~المشبهة تضاف إلى مرفوعها، إلا أن هذا مبني على خلاف آخر، وهو: هل ~~يفع الموصول في باب الصفة أم لا؟ والصحيح جوازه، قال الشاعر: [البسيط] # 3543- فعجتها قبل الأخيار منزلة # والطيبي كل ما التاثت به الأزر # وقال الهذلي: [الطويل] # 3544- أسيلات أبدان دقاق خصورها # وثيرات ما التفت عليها الملاحف # وقال أبو حيان في قراءة أبي بكر هذه: " إنه زمان " ولم يذكر غيره، ~~وجوز غيره فيه الزمان و المصدر، وهو عجيب؛ فإن الفعل متى كسرت عين ~~مضارعه، فتحت في المفعل مرادا به المصدر، وكسرت فيه مرادا به الزمان ~~والمكان، وكأنه اشتبهت عليه بقراءة حفص؛ فإنه بكسر اللام، كما ~~تقدم، فالمفعل ms5821 منه للزمان والمكان. # وجوز أبو البقاء في قراءته أن يكون المفعل فيها مصدرا، قال: " وشذ ~~فيه الكسر كالمرجع " وإذا قلنا: إنه مصدر، فهل هو مضاف لفاعله، أو ~~مفعوله؟ يجيء ما تقدم في قراءة رفيقه، وتخريج أبي علي، واستشهاده ~~بالبيت، والرد عليه، كل ذلك عائد هنا. # وأما قراءة الباقين، فواضحة، و " مهلك " فيها يجوز أن يكون مصدرا ~~مضافا لمفعوله أي لإهلاكهم، وأن يكون زمانا، ويبعد أن يراد به المفعول، ~~أي: وجعلنا للشخص، أو للفريق المهلك منهم. # والموعد: مصدر، أو زمان. # قوله تعالى: { وإذ قال موسى لفتاه } الآية: " إذ " منصوب ~~ب " اذكر " أو وقت قال لفتاه: جرى ما قصصنا عليك من خبره. # قال عامة أهل العلم: إنه موسى بن عمران. وقال بعضهم: إنه موسى بن ~~ميشا من أولاد يوسف، والأول أصح، لما روى عمرو بن دينار، قال: أخبرني ~~سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: إن نوفا البكالي يزعم أن ~~موسى صاحب الخضر ليس هو موسى بني إسرائيل، فقال ابن عباس: كذب عدو ~~الله، حدثنا أبي بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟ ~~فقال: أنا، فعتب الله عليه؛ إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى ~~إليه: إن لي عبدا بمجمع البحرين، هو أعلم منك، فقال موسى: ~~يا رب، فكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتا، فتجعله في مكتل، فحيثما ~~فقدت الحوت، فهو ثم؛ فأخذ حوتا، فجعله في مكتل، ثم انطلق، ~~وانطلق معه فتاه يوشع بن نون، حتى أتيا الصخرة، ووضعا ~~رءوسهما، فناما، واضطرب الحوت في المكتل، فخرج منه، فسقط ~~في البحر، فاتخذ سبيله في البحر سربا، وأمسك الله عن ~~الحوت جرية الماء، فصار عليه كالطاق، فلما استيقظ، نسي ~~صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقية يومهما ~~وليلتهما، حتى إذا كان من الغداة، قال موسى لفتاه: آتنا ~~غداءنا، لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا، قال: ولم يجد موسى ~~النصب، حتى جاوز المكان الذي أمره الله تعالى، فقال له فتاه: ~~أرأيت ms5822 إذ أوينا إلى الصخرة، فإني نسيت الحوت وما ~~أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره، واتخذ سبيله في البحر عجبا، ~~قال: وكان للحوت سربا ولموسى وفتاه عجبا، قال موسى: ذلك ما ~~كنا نبغي فارتدا على آثارهما قصصا، رجعا يقصان آثارهما، حتى ~~[انتهيا] إلى الصخرة، فإذا رجل مسجى ثوبا، فسلم عليه موسى، ~~فقال الخضر: وأنى بأرضك السلام؟ فقال: أنا موسى، قال: موسى ~~بني إسرائيل؟ قال: نعم، أتيتك، لتعلمني مما علمت رشدا ~~[وذكر باقي] القصة ". # واعلم أنه كان ليوسف - عليه السلام - ولدان: أفرائيم وميشا، فولد ~~أفرائيم نون وولد نون يوشع بن نون، وهو فتى موسى، وولي عهده بعد وفاته، ~~وأما ولد ميشا، فقيل: إنه جاءته النبوة قبل موسى بن عمران، وأهل ~~التوراة يزعمون أنه هو الذي طلب هذا العالم ليتعلم منه، وهو ~~العالم الذي خرق السفينة، وقتل الغلام، وبنى الجدار، وموسى بن ميشا ~~معه، هذا قول جمهور اليهود. # واحتج القفال على صحة قول الجمهور بأنه موسى صاحب التوراة، قال: ~~إن الله تعالى ما ذكر موسى في كتابه إلا وأراد به موسى صاحب التوراة، ~~فإطلاق هذا الاسم يوجب الانصراف إليه، ولو كان المراد شحصا آخر يسمى ~~موسى غيره، لعرفه بصفة تميزه وتزيل الشبهة كما أنه لما كان المشهور ~~في العرف أن أبا حنيفة هو الرجل المفتي، فلو ذكرنا هذا الاسم، وأردنا ~~به غيره، لقيدناه، كما نقول: أبو حنيفة الدينوري. # فصل في حجة القائلين بأنه موسى بن ميشا # واحتج القائلون بأن موسى بن ميشا بأن الله تعالى بعد أن أنزل عليه ~~التوراة، وكلمه بلا واسطة، وخصه بالمعجزات الباهرة العظيمة التي لم ~~يتفق مثلها لأكثر أكابر الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - يبعد أن ~~يبعثه بعد ذلك إلى التعليم والاستفادة. # [فالجواب] عنه: بأنه ليس ببعيد أن يكون العالم العامل الكامل في أكثر ~~العلوم يجهل بعض الأشياء؛ فيحتاج إلى تعلمها إلى من هو دونه، وهو أمر ~~متعارف. # فصل في اختلافهم في فتى موسى # واختلفوا في فتى موسى، فالصحيح أنه يوشع بن نون؛ كما روي في الحديث ~~المتقدم، وقيل: كان أخا ms5823 يوشع. # وروى عمرو بن عبيد عن الحسن أنه عبد لموسى. # قال القفال والكعبي: يحتمل ذلك. # قال - عليه الصلاة والسلام -: # " لا يقولن أحدكم: عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي ~~". # وهذا يدل على أنهم كانوا يسمون العبد فتى، والأمة فتاة. # قوله: " لا أبرح " يجوز فيها وجهان: # أحدهما: أن تكون ناقصة، فتحتاج إلى خبر. # والثاني: أن تكون تامة، فلا تحتاج إليه، فإن كانت الناقصة، ففيها ~~تخريجان: # أحدهما: أن يكون الخبر محذوفا؛ للدلالة عليه تقديره: لا أبرح أسير ~~حتى أبلغ، إلا أن حذف الخبر في هذا الباب نص بعض النحويين على ~~أنه لا يجوز ولو بدليل، إلا في ضرورة؛ كقوله: [الكامل] # 3545- لهفي عليك للهفة من خائف # يبغي جوارك حين ليس مجير # أي: حين ليس في الدنيا مجير. # والثاني: أن في الكلام حذف مضاف، تقديره: لا يبرح مسيري، حتى ~~أبلغ، ثم حذف " مسير " وأقيمت الياء مقامه، فانقلبت مرفوعة مستترة بعد أن ~~كانت مخفوضة المحل بارزة، وبقي " حتى أبلغ " على حاله هو الخبر. # وقد خلط الزمخشري هذين الوجهين، فجعلهما وجها واحدا، ولكن في عبارة ~~حسنة جدا، فقال: " فإن قلت: " لا أبرح " إن كان بمعنى " لا أزول " ~~من برح المكان، فقد دل على الإقامة، لا على السفر، وإن كان بمعنى " ~~لا أزال " فلا بد من خبر، قلت: هي بمعنى " لا أزال " وقد حذف ~~الخبر؛ لأن الحال والكلام معا يدلان عليه؛ أما الحال، فلأنها كانت ~~حال سفر، وأما الكلام، فلأن قوله " حتى أبلغ " غاية مضروبة تستدعي ~~ما هي غاية له، فلا بد أن يكون المعنى: لا أبرح أسير حتى أبلغ، ~~ووجه آخر: وهو أن يكون المعنى: لا يبرح مسيري، حتى أبلغ على أن " ~~حتى أبلغ " هو الخبر، فلما حذف المضاف، أقيم المضاف إليه مقامه، ~~وهو ضمير المتكلم، فانقلب الفعل من ضمير الغائب إلى لفظ المتكلم، وهو ~~وجه لطيف ". # قال شهاب الدين: وهذا على حسنه فيه نظر لا يخفى، وهو: خلو الجملة ~~الواقعة خبرا عن " مسيري " في الأصل من رابط يربطها به؛ ألا ترى أنه ~~ليس في قوله " حتى أبلغ ms5824 " ضمير يعود على " مسيري " إنما يعود على ~~المضاف إليه المستتر، ومثل ذلك لا يكتفى به. # ويمكن أن يجاب عنه: بأن العائد محذوف، تقديره: حتى أبلغ به، أي: ~~بمسيري. # وإن كانت التامة، كان المعنى: لا أبرح ما أنا عليه، بمعنى: ألزم المسير ~~والطلب، ولا أفارقه، ولا أتركه؛ حتى أبلغ؛ كما تقول: لا أبرح ~~المكان، فعلى هذا: يحتاج أيضا إلى حذف مفعول به، كما تقدم تقريره ~~فالحذف لا بد منه على تقديري التمام والنقصان [في أحد وجهي ~~النقصان]. # وقرأ العامة " مجمع " بفتح الميم، وهو مكان الاجتماع، وقيل: مصدر، وقرأ ~~الضحاك وعبد الله بن مسلم بن يسار بكسرها، وهو شاذ؛ لفتح عين مضارعة. # قوله: " حقبا " منصوب على الظرف، وهو بمعنى الدهر. وقيل: ثمانون ~~سنة، وقيل: سنة واحدة بلغة قريش، وقيل: سبعون، وقرأ الحسن: " حقبا " ~~بإسكان القاف، فيجوز أن يكون تخفيفا، وأن يكون لغة مستقلة، ويجمع على " ~~أحقاب " كعنق وأعناق، وفي معناه: الحقبة بالكسر، قال امرؤ القيس: # 3546- فإن تنأ عنها حقبة لا تلاقها # فإنك مما أحدثت بالمجرب # والحقبة بالضم أيضا، وتجمع الأولى على حقب، بكسر الحاء كقرب، ~~والثانية على حقب، بضمها؛ كقرب. # فإن قيل قوله: " أو أمضي " فيه وجهان: # أظهرهما: أنه منسوق على " أبلغ " يعني بأحد أمرين: إما ببلوغه ~~المجمع، أو بمضيه حقبا. # والثاني: أنه تغيية لقوله " لا أبرح " فيكون منصوبا بإضمار " أن " ~~بعد " أو " بمعنى " إلى " نحو " لألزمنك أو تقضيني حقي ". # فالجواب قال أبو حيان: " فالمعنى: لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين، إلى ~~أن أمضي زمانا، أتيقن معه فوات مجمع البحرين " قال شهاب الدين: فيكون ~~الفعل المنفي قد غيي بغايتين مكانا وزمانا؛ فلا بد من حصولهما ~~معا، نحو: " لأسيرن إلى بيتك إلى الظهر " فلا بد من حصول ~~الغايتين؛ والمعنى الذي ذكره الشيخ يقتضي أنه يمضي زمانا يتيقن فيه ~~فوات مجمع البحرين. # وجعل أبو البقاء " أو " هنا بمعنى " إلا " في أحد الوجهين: # قال: " والثاني: أنها بمعنى: إلا أن أمضي زمانا؛ أتيقن معه فوات ~~مجمع البحرين " وهذا الذي ذكره أبو البقاء معنى صحيح، فأخذ الشيخ ms5825 هذا ~~المعنى، ركبه مع القول بأنها بمعنى " إلى " المقتضية للغاية، فمن ~~ثم جاء الإشكال. # فصل في المراد بمجمع البحرين # قوله: " مجمع البحرين "؛ الذي وعد فيه موسى لقاء الخضر - عليه ~~السلام -: هو ملتقى بحرين فارس والروم مما يلي المشرق، قاله قتادة، ~~[وقال محمد بن كعب: طنجة] وقال أبي بن كعب: إفريقية. # وقيل: البحران موسى والخضر؛ لأنهما كانا بحري علم. وليس في اللفظ ما ~~يدل على تعيين هذين البحرين؛ فإن صح بالخبر الصحيح شيء فذاك، وإلا ~~فالأولى السكوت عنه. # ثم قال: " أو أمضي حقبا ": أو أسير زمانا طويلا. # واعلم أن الله تعالى كان أعلم موسى حال هذا العالم، وما أعلمه بموضعه ~~بعينه، فقال موسى: لا أزال أمشي؛ حتى يجتمع البحران، فيصيرا بحرا ~~واحدا، أو أمضي دهرا طويلا؛ حتى أجد هذا العالم، وهذا إخبار من موسى ~~أنه وطن نفسه على تحمل التعب الشديد، والعناء العظيم في السفر؛ ~~لأجل طلب العلم، وذلك تنبيه على أن المتعلم، لو سار من المشرق إلى ~~المغرب؛ لأجل مسألة واحدة، حق له ذلك. # ثم قال: { فلما بلغا مجمع بينهما }. # أي: انطلقا إلى أن بلغا مجمع بينهما، والضمير في قوله: " بينهما " إلى ~~ماذا يعود؟. # فقيل: لمجمع البحرين. # وقيل: بلغا الموضع الذي وقع فيه نسيان الحوت، وهذا الموضع الذي كان ~~يسكنه الخضر - عليه السلام - أي: يسكن بقربه، ولأجل هذا المعنى، لما ~~رجع موسى وفتاه بعد أن ذكر الحوت، صار إليه، وهو معنى حسن، والمفسرون ~~على القول الأول. # قوله: { نسيا حوتهما }: الظاهر نسبة النسيان إلى موسى وفتاه، ~~يعني نسيا تفقد أمره، فإنه كان علامة لهما على ما يطلبانه، وقيل: نسي ~~موسى أن يأمره بالإتيان به، ونسي يوشع أن يفكره بأمره، وقيل: ~~الناسي يوشع فقط، وهو على حذف مضاف، أي: نسي أحدهما؛ كقوله: # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # [الرحمن: 22]. # قوله: " في البحر سربا " " سربا " مفعول ثان ل " اتخذ " و " ~~في البحر " يجوز أن يتعلق ب " اتخذ " وأن يتعلق بمحذوف على أنه ~~محال من المفعول الأول أو الثاني. # والهاء في " سبيله " تعود على الحوت، وكذا ms5826 المرفوع في " اتخذ ". # قوله: { جاوزا }: مفعوله محذوف، أي: جاوزا الموعد، وقيل: جاوزا مجمع ~~البحرين. # قوله: " هذا " إشارة إلى السفر الذي وقع بعد تجاوزهما الموعد، أو ~~مجمع البحرين، و " نصبا " هو المفعول ب " لقينا " والعامة على فتح ~~النون والصاد، وعبد الله بن عبيد بن عمير بضمهما، وهما لغتان من لغات ~~أربع في هذه اللفظة، كذا قال أبو الفضل الرازي في " لوامحه ". # قوله: { أرأيت }: تقدم الكلام عليها مشبعا في الأنعام، وقال أبو ~~الحسن الأخفش هنا فيها كلاما حسنا، وهو: " أن العرب أخرجتها عن ~~معناها بالكلية، فقالوا: أرأيتك، وأريتك بحذف الهمزة، إذا كانت ~~بمعنى: " أخبرني " وإذا كانت بمعنى " أبصرت " لم تحذف همزتها، ~~وشذت أيضا، فألزمها الخطاب على هذا المعنى، ولا يقال فيها أيضا: " ~~أراني زيدا عمرا ما صنع " ويقال على معنى " اعلم " وشذت ~~أيضا، فأخرجتها عن موضعها بالكلية؛ بدليل دخول الفاء؛ ألا ترى قوله: { ~~أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني } فما دخلت الفاء إلا وقد أخرجت ~~إلى معنى: " أما " أو " تنبه " ، والمعنى: أما إذ أوينا إلى ~~الصخرة، فإني نسيت الحوت، وقد أخرجتها أيضا إلى معنى " أخبرني " ~~كما قدمنا، وإذا كانت بمعنى " أخبرني " فلا بد بعدها من الاسم ~~المستخبر عنه، وتلزم [الجملة] التي بعدها الاستفهام، وقد تخرج لمعنى " ~~أما " ويكون أبدا بعدها الشرط، وظروف الزمان، فقوله " فإني نسيت " ~~معناه: أما إذ أوينا فإني، أو تنبه إذ أوينا، وليست الفاء ~~إلا جوابا ل " أرأيت " لأن " إذ " لا يصح أن يجازى بها إلا ~~مقرونة ب " ما " بلا خلاف ". # قال الزمخشري: " أرأيت " بمعنى " أخبرني " فإن قلت: ما وجه التئام ~~هذا الكلام، فإن كل واحد من " أرأيت " ومن " إذ أوينا " ومن { ~~فإني نسيت الحوت } لا متعلق له. # قلت: لما طلب موسى الحوت، ذكر يوشع ما رأى منه، وما اعتراه من نسيانه ~~إلى تلك الغاية، ودهش، فطفق يسأل موسى عن سبب ذلك، كأنه قال: أرأيت ما ~~دهاني، إذ أوينا إلى الصخرة، فإني نسيت الحوت، فحذف ذلك. # قال أبو حيان: وهذان مفقودان في تقدير الزمخشري: " أرأيت بمعنى ~~أخبرني " يعني بهذين ms5827 ما تقدم في كلام الأخفش من أنه لا بد بعدها من ~~الاسم المستخبر عنه، ولزوم الاستفهام الجملة التي بعدها. # قال النووي في " التهذيب " يقال: أوى زيد بالقصر: إذا كان فعلا ~~لازما، وآوى غيره بالمد: إذا كان متعديا، فمن الأول هذه الآية ~~قوله: # إذ أوى الفتية إلى الكهف # [الكهف: 10]. # ومن المتعدي قوله تعالى: # وءاويناهمآ إلى ربوة # [المؤمنون: 50]. # وقوله: # ألم يجدك يتيما فآوى # [الضحى: 6]. # هذا هو الفصيح المشهور، ويقال في كل واحد بالمد والقصر، لكن بالقصر ~~في اللازم أفصح، والمد في المتعدي أفصح وأكثر. # قوله: " وما أنسانيه " قرأ حفص بضم الهاء، وكذا في قوله: " عليه ~~الله " في سورة الفتح [آية: 10]، قيل: لأن الياء هنا أصلها الفتح، ~~والهاء بعد الفتحة مضمومة، فنظر هنا إلى الأصل، وأما في سورة الفتح؛ ~~فلأن الياء عارضة؛ إذ أصلها الألف، والهاء بعد الألف مضمومة، فنظر إلى ~~الأصل أيضا. # والباقون بالكسر نظرا إلى اللفظ، فإنها بعد ياء ساكنة، وقد جمع حفص ~~في قراءته بين اللغات في هاء الكناية: فإنه ضم الهاء في " أنسانيه " في ~~غير صلة، ووصلها بياء في قوله: # فيه مهانا # [الفرقان: 69] على ما سيأتي، إن شاء الله تعالى، وقرأ كأكثر القراء فيما ~~سوى ذلك. # وقرأ الكسائي " أنسانيه " بالإمالة. # قوله: " أن أذكره " في محل نصب على البدل من هاء " أنسانيه " بدل ~~اشتمال، أي: أنساني ذكره. # وقرأ عبد الله: " أن أذكركه " ، وقرأ أبو حيوة: " واتخاذ سبيله " ~~عطف هذا المصدر على مفعول " أذكره ". # قوله: " عجبا " فيه أوجه: # أحدها: أنه مفعول ثان ل " اتخذ " و " في البحر " يجوز أن يتعلق ~~بالاتخاذ، أو بمحذوف على أنه حال من المفعول الأول أو الثاني. # وفي فاعل " اتخذ " وجهان: # أحدهما: هو الحوت، كما تقدم في " اتخذ " الأولى. # والثاني: هو موسى. # الوجه الثاني من وجهي " عجبا " أنه مفعول به، والعامل فيه محذوف، ~~فقال الزمخشري: " أو قال: عجبا في آخر كلامه تعجبا من حاله، وقوله: { ~~وما أنسانيه إلا الشيطان } اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه ". فظاهر ~~هذا أنه مفعول ب " قال " ، أي: قال هذا اللفظ، والسبب في وقوع ms5828 هذا ~~الاعتراض ما يجري مجرى القدر والعلة لوقوع ذلك النسيان. # الثالث: أنه مصدر، والعامل فيه مقدر، تقديره: فتعجب من ذلك عجبا. # الرابع: أنه نعت لمصدر محذوف، ناصبه " اتخذ " أي: اتخذ سبيله في ~~البحر اتخاذا عجبا، وعلى هذه الأقوال الثلاثة: يكون " في البحر " ~~مفعولا ثانيا ل " اتخذ " إن عديناها لمفعولين. # فصل # دلت الروايات على أنه تعالى بين لموسى صلى الله عليه وسلم أن ~~هذا العالم موضعه مجمع البحرين، إلا أنه ما عين موضعا، إلا أنه ~~جعل انقلاب الحوت حيا علامة على مسكنه المعين، كمن يطلب إنسانا، ~~فيقال له: إن موضعه محلة كذا من كذا، فإذا انتهيت إلى المحلة، فسل ~~فلانا عن داره، فأينما ذهب بك، فاتبعه؛ فإنك تصل إليه، فكذا هنا قيل ~~له: إن موضعه مجمع البحرين، فإذا وصلت إليه، ورأيت انقلاب الحوت حيا ~~وطفر إلى البحر، فيحتمل أنه قيل له: فهناك موضعه، ويحتمل أنه قيل له: ~~فاذهب على موافقة ذلك الحوت؛ فإنك تجده. # وإذا عرفت هذا فنقول: إن موسى وفتاه، لما بلغا مجمع بينهما، طفرت ~~السمكة إلى البحر، وسارت، وفي كيفية طفرها روايات. # فقيل: إن الفتى غسل السمكة، لأنها كانت مملحة، فطفرت وسارت. # وقيل: إن يوشع توضأ في ذلك المكان من عين تسمى " ماء الحياة " ~~لا يصيب ذلك الماء شيئا إلا حيي، فانتضح الماء على الحوت المالح، ~~فعاش ووثب في الماء. # وقيل: انفجر هناك عين من الجنة، ووصلت قطرات من تلك العين إلى ~~السمكة، وهي في المكتل، فاضطربت، وعاشت، فوثبت في البحر. # ثم قال تعالى: { نسيا حوتهما } أي: نسيا كيفية الاستدلال بهذه ~~الحالة المخصوصة على الوصول إلى المطلوب، فإن قيل: انقلاب السمكة ~~المالحة حية [حالة] عجيبة [فلما] جعل الله تعالى حصول هذه الحالة ~~العجيبة دليلا على الوصول إلى المطلوب، فكيف يعقل حصول النسيان في هذا ~~المعنى؟. # فالجواب أن يوشع كان قد شاهد المعجزات الباهرات من موسى - عليه الصلاة ~~والسلام - كثيرا، فلم يبق لهذه المعجزات عنده وقع عظيم، فجاز حصول ~~النسيان. # وهذا الجواب فيه نظر. # قال ابن زيد: أي شيء أعجب ms5829 من حوت يؤكل منه دهرا، ثم صار حيا ~~بعدما أكل بعضه. # فصل في ذكر جواب آخر لابن الخطيب # قال ابن الخطيب: وعندي فيه جواب آخر، وهو أن موسى - عليه السلام - ~~لما استعظم علم نفسه، أزال الله عن قلب صاحبه هذا العلم الضروري؛ ~~تنبيها لموسى عليه السلام - على أن العلم لا يحصل ألبتة إلا بتعليم ~~الله تعالى، وحفظه على القلب. # وقال البغوي: " نسيا " تركا " حوتهما " ، وإنما كان الحوت مع ~~يوشع، وهو الذي نسيه، وأضاف النسيان إليهما؛ لأنهما جميعا لما ~~تزوداه لسفرهما، كما يقال: خرج القوم إلى موضع كذا، وحملوا من الزاد ~~كذا [وإنما حمله واحد منهم. ثم قال: " واتخذ سبيله في البحر سربا " ~~قيل: تقديره سرب في البحر سربا] إلا أنه أقيم قوله: " فاتخذ " مقام ~~قوله: " سربا " ، والسرب هو الذهاب ومنه قوله تعالى: # وسارب بالنهار # [الرعد: 10]. # وقيل: إن الله تعالى أمسك الماء عن الجري، وجعله كالطاق والكوة؛ حتى ~~سرب الحوت فيه، وذلك معجزة لموسى أو الخضر - عليهما السلام -. # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " انجاب الماء عن مسلك الحوت، فصار كوة، لم يلتئم، فدخل موسى ~~الكوة على إثر الحوت، فإذا هو بالخضر ". # وقوله: { فلما جاوزا } أي: موسى وفتاه الموعد المعين، وهو الوصول ~~إلى الصخرة بسبب النسيان المذكور، وذهبا كثيرا، وتعبا، وجاعا. # { قال لفتاه ءاتنا غدآءنا } والغداء: ما يعد للأكل ~~غدوة، والعشاء: ما يعد للأكل عشية { لقد لقينا من سفرنا ~~هذا نصبا } أي: تعبا وشدة، وذلك أنه ألقى على موسى الجوع بعد ~~مجاوزة الصخرة؛ ليتذكر الحوت، ويرجع إلى مطلبه، فقال له فتاه ~~وتذكر: { أرأيت إذ أوينآ إلى الصخرة } الهمزة في " ~~أرأيت " همزة الاستفهام، و " رأيت " على معناه الأصلي، وجاء ~~الكلام هذا على المتعارف بين الناس؛ فإنه إذا حدث لأحدهم أمر عجيب، ~~قال لصاحبه: أرأيت ما حدث لي، كذلك هنا، كأنه قال: أرأيت ما وقع لي، إذا ~~أوينا إلى الصخرة، فحذف مفعول " أرأيت " لأنه - أي لأن قوله: " ~~فإني نسيت الحوت " - يدل عليه، أي: فقدته. # { ومآ أنسانيه إلا الشيطن أن أذكره } أي ms5830 أذكر لك ~~أمر الحوت. # { واتخذ سبيله في البحر عجبا } ووجه كونه عجبا ~~انقلابه من المكتل، وصيرورته حيا، وإلقاء نفسه في البحر على غفلة ~~منهما، ويكون المراد منه ما ذكرنا أنه تعالى جعل الماء عليه كالطاق ~~والسرب، وقيل: تم الكلام عند قوله: { واتخذ سبيله في ~~البحر } ، ثم قال: " عجبا " أي أنه يعجب من رؤية تلك العجيبة، ~~ومن نسيانه لها. # وقيل: إن قوله " عجبا " حكاية لتعجب موسى. # ثم قال موسى: { ذلك ما كنا نبغ } أي: نطلبه؛ لأنه أمارة ~~الظفر بالمطلوب، وهو لقاء الخضر. # قوله: { نبغى }: حذف نافع وأبو عمرو والكسائي ياء " نبغي " وقفا، ~~وأثبتوها وصلا، وابن كثير أثبتها في الحالين، والباقون حذفوها في ~~الحالين؛ اتباعا للرسم، وكان من حقها الثبوت، وإنما حذفت تشبيها ~~بالفواصل، أو لأن الحذف يؤنس بالحذف، فإن " ما " موصولة حذف عائدها، ~~وهذه بخلاف التي في يوسف [الآية: 65]، فإنها ثابتة عند الجميع، كما ~~تقدم. # قوله: " قصصا " فيه ثلاثة أوجه: # الأول: أنه مصدر في موضع الحال، أي: قاصين. # الثاني: أنه مصدر منصوب بفعل من لفظه مقدر، أي: يقصان قصصا. # الثالث: أنه منصوب ب " ارتدا " لأنه في معنى " فقصا ". # قوله: { فوجدا عبدا من عبادنآ } الآية. # قيل: كان ملكا من الملائكة، والصحيح ما ثبت في التواريخ، وصح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه الخضر، واسمه بليا بن ملكان. # وقيل: كان من نسل بني إسرائيل. # وقيل: كان من أبناء الملوك الذين زهدوا في الدنيا، والخضر لقب له، ~~سمي بذلك؛ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إنما سمي خضرا؛ لأنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي ~~تهتز تحته خضرا ". # وقال مجاهد: إنما سمي خضرا؛ لأنه كان إذا صلى، اخضر ما حوله. # روي في الحديث أن موسى - عليه السلام - لما رأى الخضر - عليه السلام ~~- سلم عليه، فقال الخضر: وأنى بأرضك السلام؟ قال: أنا موسى، قال: ~~موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، أتيتك؛ لتعلمني مما علمت رشدا. # فصل في بيان أن الخضر كان نبيا # قال أكثر المفسرين: إنه كان نبيا، واحتجوا بوجوه: # الأول: ms5831 قوله: { ءاتيناه رحمة من عندنا } والرحمة: هي ~~النبوة؛ لقوله تعالى # أهم يقسمون رحمت ربك # [الزخرف: 32]. # وقوله: # وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا ~~رحمة من ربك # [القصص: 86]. # والمراد من هذه الرحمة النبوة، ولقائل أن يقول: سلمنا أن النبوة ~~رحمة، ولكن لا يلزم بكل رحمة نبوة. # الثاني: قوله تعالى: { وعلمناه من لدنا علما } وهذا يدل ~~على أنه علمه لا بواسطة، ومن علمه الله شيئا، لا بواسطة البشر، يجب أن ~~يكون نبيا، وهذا ضعيف؛ لأن العلوم الضرورية تحصل ابتداء من عند ~~الله، وذلك لا يدل على النبوة. # الثالث: قول موسى - عليه السلام -: { هل أتبعك على أن تعلمني ~~مما علمت رشدا } والنبي لا يتبع غير النبي في التعلم. # وهذا أيضا ضعيف؛ لأن النبي لا يتبع غير النبي في العلوم التي ~~باعتبارها صار نبيا، [أما في غير تلك العلوم فلا]. # الرابع: أن ذلك العبد أظهر الترفع على موسى، فقال: { وكيف ~~تصبر على ما لم تحط به خبرا } فأما موسى، فإنه أظهر ~~التواضع له؛ حيث قال: { ولا أعصي لك أمرا } وذلك يدل على أن ~~ذلك العالم كان فوق موسى، ومن لا يكون نبيا، لا يكون فوق النبي، وذلك ~~أيضا ضعيف؛ لأنه يجوز أن يكون غير النبي فوق النبي في علوم لا ~~تتوقف نبوته عليها. # فإن قيل: إنه يوجب تنفيرا. # فالجواب: وتكليمه بغير واسطة يوجب التنفير. # فإن قالوا: هذا لا يوجب التنفير، فكذلك فيما ذكروه. # الخامس: احتج الأصم بقوله: " وما فعلته عن أمري " أي: فعلته بوحي ~~الله تعالى، وذلك يدل على النبوة، وهذا ضعيف أيضا. # روي أن موسى - عليه السلام - لما وصل غليه، فقال: السلام عليك، ~~فقال: وعليك السلام، يا نبي بني إسرائيل، فقال موسى: من عرفك هذا؟ ~~قال: الذي بعثك إلي؛ وهذا يدل على أنه إنما عرف ذلك بالوحي، والوحي ~~لا يكون إلا إلى النبي. # ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون ذلك من باب الكرامات؟. # قال البغوي: ولم يكن الخضر نبيا عند أكثر أهل العلم. # قوله: { آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من ms5832 ~~لدنا علما } أي: علم الباطن إلهاما. # و " علما ": مفعول ثان ل " علمناه " قال أبو البقاء: " ولو كان ~~مصدرا، لكان تعليما " يعني: لأن فعله على " فعل " بالتشديد، وقياس ~~مصدره " التفعيل ". # و " من لدنا " يجوز أن يتعلق بالفعل قبله، أو بمحذوف على أنه حال ~~من " علما ". # قوله: { على أن تعلمن }: في موضع الحال من الكاف في " أتبعك " أي: ~~أتبعك [باذلا لي علمك]. # قوله: " رشدا " مفعول ثان ل " تعلمني " لا لقوله: " مما ~~علمت " قال أبو البقاء: " لأنه لا عائد إذن على الذي " يعني أنه ~~إذا تعدى لمفعول ثان غير ضمير الموصول، لم يجز أن يتعدى لضمير ~~الموصول؛ لئلا يتعدى إلى ثلاثة، ولكن لا بد من عائد على الموصول. # وقد تقدم خلاف القراء في " رشدا " في سورة الأعراف [الآية: 146]، ~~وهل هما بمعنى واحد أم لا؟. # وقوله: " رشدا " أي: علما ذا رشد. # قال القفال: قوله " رشدا " يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون " الرشد " راجعا إلى الخضر، أي: مما علمك الله، ~~وأرشدك به. # والثاني: أن يرجع إلى موسى، أي: على أن تعلمني، وترشدني مما ~~علمت. # فصل في أدب موسى - عليه السلام - في تعلمه من الخضر # دلت هذه الآية على أن موسى - عليه السلام - راعى أنواعا كثيرة من ~~الأدب واللطف عندما أراد أن يتعلم من الخضر. # منها: أنه جعل لنفسه تبعا له في قوله: " هل أتبعك ". # ومنها: أنه استأذن في إثبات هذه التبعية؛ كأنه قال: تأذن لي على ~~أن أجعل نفسي تبعا لك، وهذه مبالغة عظيمة في التواضع. # ومنها: قوله " على أن تعلمني " وهذا إقرار منه على نفسه بالجهل، وعلى ~~أستاذه بالعلم. # ومنها: قوله: " مما علمت " وصيغة " من " للتبعيض، فطلب منه تعليم ~~بعض ما علم، وهذا أيضا إقرار بالتواضع، كأنه يقول: لا أطلب منك أن ~~تجعلني مساويا لك في العلم، بل أطلب منك أن تعطيني جزءا من الجزء، ~~مما علمت. # ومنها: أن قوله: " مما علمت " اعتراف بأن الله تعالى علمه ~~ذلك العلم. # ومنها: قوله " رشدا " طلب منه الإرشاد والهداية. # ومنها أن قوله: { تعلمن مما علمت } طلب منه أن ms5833 يعامله ~~بمثل ما عامله الله به، أي: يكون إنعامك علي عند تعليمك إياي شبيها ~~بإنعام الله عليك في هذا التعليم. # ومنها: قوله: { هل أتبعك } يدل على طلب متابعته مطلقا في جميع ~~الأمور غير مقيد بشيء دون شيء. # ومنها: أنه ثبت [في الأخبار] أن الخضر عرف أولا أنه موسى صاحب ~~التوراة، وهو الرجل الذي كلمه الله من غير واسطة، وخصه بالمعجزات ~~القاهرة الباهرة، ثم إنه - عليه السلام - مع هذه المناصب الرفيعة ~~والدرجات العالية الشريفة أتى بهذه الأنواع الكثيرة من التواضع؛ ~~وذلك يدل على كونه - عليه السلام - آتيا في طلب العلم أعظم أبواب ~~المبالغة في التواضع، وهذا هو اللائق به؛ لأن كل من كانت إحاطته ~~بالعلوم التي علم ما فيها من البهجة والسعادة أكثر، كان طلبه له أشد، ~~وكان تعظيمه لأرباب العلم أكمل وأشد. # ومنها: قوله: { هل أتبعك على أن تعلمن } فأثبت ~~أولا كونه تبعا، ثم طلب منه ثانيا أن يعلمه، وهذا منه ابتداء ~~بالخدمة، ثم في المرتبة الثانية، طلب منه التعليم. # ومنها: قوله: { هل أتبعك } لم يطلب على المتابعة إلا التعليم، ~~كأنه قال: لا أطلب منك على هذه المتابعة المال والجاه، ولا عوض لي إلا ~~طلب العلم. # فصل # روي أنه لما قال موسى: { هل أتبعك على أن تعلمن } ، ~~قال له الخضر: كفى بالتوراة علما، وببني إسرائيل شغلا، فقال له ~~موسى: إن الله أمرني بهذا، فحينئذ قال له: { إنك لن تستطيع ~~معي صبرا } ، وإنما قال ذلك؛ لأنه علم أنه يرى معه أمورا ~~كثيرة منكرة، بحسب الظاهر، ولا يجوز للأنبياء أن يصبروا على المنكرات، ~~ثم بين عذره في ترك الصبر، فقال: { وكيف تصبر على ما ~~لم تحط به خبرا } ، أي: علما. # واعلم أن المتعلم على قسمين: متعلم ليس عنده شيء من المعلوم، ولم ~~يمارس الاستدلال، ولم يتعود التقرير، و الاعتراض، ومتعلم حصل ~~العلوم الكثيرة، ومارس الاستدلال والاعتراض، ثم إنه يريد أن يخالط ~~إنسانا أكمل منه؛ ليبلغ درجة الكمال، فالتعلم في حق هذا القسم الثاني ~~شاق شديد؛ لأنه إذا رأى شيئا، أو سمع كلاما، ms5834 فربما يكون ذلك ~~منكرا بحسب الظاهر، إلا أنه في الحقيقة صواب حق، فهذا المتعلم لأجل ~~أنه ألف الكلام والجدال، يغتر بظاهره، ولأجل عدم كماله، لا يقف على ~~سره وحقيقته، فيقدم على النزاع، والاعتراض، والمجادلة، وذلك مما يثقل ~~سماعه على [الأستاذ] المتبحر، فإذا اتفق مثل هذه الواقعة مرتين أو ~~ثلاثة، حصلت النفرة التامة والكراهة الشديدة العظيمة، وإلى هذا، أشر ~~الخضر بقوله: { إنك لن تستطيع معي صبرا } أي أنه ألف ~~الإثبات والإبطال، والاستدلال والاعتراض. # وقوله: { وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا } ~~إشارة إلى كونه غير عالم بالحقائق، وقد تقدم أنه متى حصل الأمران، ~~[عسر] السكوت، وعسر التعلم، وانتهى الأمر بالآخرة إلى النفرة التامة، ~~وحصول التقاطع. # قوله: " خبرا ": فيه وجهان: # الأول: أنه تمييز لقوله " تحط " وهو منقول من الفاعلية؛ إذ الأصل: ~~مما لم يحط به خبرك. # والثاني: أنه مصدر لمعنى لم تحط؛ إذ هو في قوة: لم يخبره خبرا، وقرأ ~~الحسن " خبرا " بضمتين. # فصل في أن الاستطاعة تحصل قبل الفعل # قال ابن الخطيب: احتج أصحابنا بقوله: { إنك لن تستطيع ~~معي صبرا } على أن الاستطاعة تحصل قبل الفعل. # وقالوا: لو كانت الاستطاعة على الفعل حاصلة قبل [حصول الفعل]، لكانت ~~الاستطاعة على الصبر حاصلة لموسى قبل حصول الصبر، فيلزم أن يكون ~~قوله: { إنك لن تستطيع معي صبرا } كذبا، ولما بطل ~~ذلك، علمنا أن الاستطاعة لا توجد قبل الفعل. # أجاب الجبائي بأن المراد من هذا القول: أنه يثقل عليه الصبر؛ لا ~~أنه لا يستطيعه، يقال في العرف: " إن فلانا لا يستطيع أن يرى فلانا، ~~ولا أن يجالسه " إذا كان يثقل عليه ذلك. # ونظيره قوله تعالى: # ما كانوا يستطيعون السمع # [هود: 20] أي كان يشق عليهم الاستماع. # وأجيب بأن هذا عدول عن الظاهر من غير دليل، وأنه لا يجوز، ومما يؤكد ~~استدلال الأصحاب قوله تعالى: { وكيف تصبر على ما لم تحط ~~به خبرا } استبعد حصول الصبر على ما لا يقف الإنسان على حقيقته، ولو ~~كانت الاستطاعة قبل الفعل لكانت القدرة على الفعل حاصلة قبل حصول ذلك ms5835 ~~العلم، ولو كان كذلك لما كان حصول الصبر عند عدم ذلك العلم مستبعدا؛ لأن ~~القادر على الفعل لا يبعد منه إقدامه على ذلك الفعل ولما حكم الله تعالى ~~باستبعاده، علمنا أن الاستطاعة، تحصل قبل الفعل. # قوله: { ستجدني إن شآء الله صابرا ولا أعصي لك ~~أمرا }. قال ابن الخطيب: احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء بهذه الآية؛ ~~فقالوا إن الخضر قال لموسى: إنك لن تستطيع معي صبرا، وقال موسى: ~~ستجدني إن شاء الله صابرا، وكل واحد من هذين القولين مكذب للآخر، ~~فيلزم إلحاق الكذب بأحدهما، وعلى التقديرين، فيلزم صدور الكذب عن ~~الأنبياء - عليهم السلام-. # وأجيب بأنه يحمل قوله: { إنك لن تستطيع معي صبرا } ~~على الأكثر والأغلب، وعلى هذا، فلا يلزم ما ذكروه، وقد يجاب بجواب آخر، ~~وهو أن موسى - عليه السلام - استثنى في جوابه، فقال: { ستجدني إن ~~شآء الله صابرا } وعلى هذا، فلا يلزم ما ذكروه. # قوله: { ولا أعصي } فيه أربعة أوجه: # أحدها: أنها لا محل لها من الإعراب لاستئنافها، وفيه بعد. # الثاني: أنها في محل نصب؛ عطفا على ستجدني؛ لأنها منصوبة المحل ~~بالقول. # وقال أبو حيان: ويجوز أن يكون معطوفا على " ستجدني " فلا يكون له ~~محل من الإعراب، وهذا سهو؛ فإن " ستجدني " منصوب المحل؛ لأنه ~~منصوب بالقول، فكذلك ما عطف عليه، ولكن الشيخ رأى كلام الزمخشري ~~كذلك، ولم يتأمله، فتبعه في ذلك، فمن ثم جاء السهو قال الزمخشري: ~~" ولا أعصي " في محل النصب عطفا على " صابرا " أي: ستجدني ~~صابرا، وغير عاص أو " لا " في محل رفع عطفا على " ستجدني ". # الثالث: أنه في محل نصب على " صابرا " كما تقدم تقريره. # فصل # دل قوله: { ولا أعصي لك أمرا } على أن ظاهر الأمر للوجوب، ~~وأن تارك المأمور به عاص، والعاصي يستحق العقاب؛ كقوله تعالى: # ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم # [الجن: 23]. # فصل # قوله الخضر لموسى: " وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا " نسبه إلى قلة ~~العلم، فقول موسى: ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا تواضع ~~شديد، وإظهار للتحمل ms5836 التام، وذلك يدل على أن الواجب على ~~المتعلم إظهار التواضع بكل الغايات، وأما المعلم فإن رأى أن في ~~التغليظ على المتعلم ما يفيده نفعا وإرشادا إلى الخير، فالواجب عليه ~~ذكره، فإن السكوت عنه يوقع المتعلم في الغرور، وذلك يمنع من ~~التعلم. # قوله: " فإن اتبعتني " أي صحبتني، ولم يقل: اتبعني، ولكن جعل ~~الاختيار إليه، إلا أنه شرط عليه شرطا، فقال: " فلا تسألني " ~~تقدم خلاف القراء في هذا الحرف، في سورة " هود ". # وقرأ أبو جعفر وابن عامر - هنا - بفتح السين، واللام، وتشديد النون من ~~غير همز، وبغير ياء، وروي عن ابن عامر، ونافع كذلك مع الياء، والمعنى: ~~لا تسألني: لا تستخبرني حين ترى مني ما لم تعلم وجهه حتى أكون أنا ~~المبتدىء بتعليمك إياه، وإخبارك به، وهذا معنى قوله: { حتى ~~أحدث لك منه ذكرا } أي: أبتدىء بذكره، فأبين لك شأنه. # قوله: { فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها ~~} الآية. # اعلم أن موسى - عليه السلام - وذلك العالم، لما تشارطا على الشرط ~~المذكور، سار فانتهيا إلى موضع، احتاجا فيه إلى ركوب السفينة، فوجدا ~~سفينة، فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر، [فحملوهم] من غير نول، فلما ~~لجوا البحر، أقدم ذلك العالم على خرق السفينة. # قال ابن الخطيب: لعله أقدم على إخراق مكان في السفينة؛ لتصير السفينة ~~بذلك السبب معيبة ظاهرة العيب، فلا يتسارع به إلى أهلها الغرق فعند ذلك ~~قال له موسى: { أخرقتها لتغرق أهلها } [لما رأى موسى - عليه ~~السلام - ذلك الأمر المنكر بحسب الظاهر نسي الشرط المتقدم؛ فلهذا قال ~~ما قال]. # وفي اللام وجهان: # أحدهما: هي لام العلة. # والثاني: هي لام الصيرورة، وقرأ الأخوان: " ليغرق " بفتح الياء من ~~تحت، وسكون الغين، وفتح الراء، " أهلها " بالرفع فاعلا، والباقون ~~بضم التاء من فوق، وكسر الراء، أي: لتغرق أنت أهلها، بالنصب مفعولا ~~به، والحسن وأبو رجاء كذلك، إلا أنهما شددا الراء. # والسفينة معروفة، وتجمع على سفن وسفائن، نحو: صحيفة وصحف وصحائف، ~~وتحذف منها التاء مرادا بها الجمع، فتكون اسم جنس؛ نحو: ثمر [وقمح]، ~~إلا أنه هذا في المصنوع ms5837 قليل جدا، نحو: جرة وجر، وعمامة وعمام، قال ~~الشاعر: [الوافر] # 3547- متى تأتيه تأتي لج بحر # تقاذف في غواربه السفين # واشتقاقها من السفن، وهو القشر؛ لأنها تقشر الماء، كما سميت " ~~بنت مخر " لأنها تمخر الماء، أي: تشقه. # قوله: " إمرا " أي شيئا عظيما، يقال: أمر الأمر، أي: عظم ~~وتفاقم، قال: [الرجز] # 3548- داهية دهياء إدا إمرا # والإمر في كلام العرب: الداهية، وأصله كل شيء شديد كثير، يقال: ~~أمر القوم: إذا كثروا، واشتد أمرهم. # ومعنى الآية: لقد جئت شيئا منكرا. # وقال القتيبي: " إمرا " أي عظيما عجيبا منكرا. # روي أن الخضر، لما [خرق] السفينة لم يدخلها الماء. # وروي أن موسى لما رأى ذلك أخذ ثوبه، وحشا به الخرق # قوله: { قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا } ~~أي: قال ذلك الخضر، قال موسى { لا تؤاخذني بما نسيت }. # قال ابن عباس: إنه لم ينس، ولكنه من معاريض الكلام، فكأنه نسي ~~شيئا آخر. # وقيل: معناه: بما تركت من عهدك، والنسيان الترك. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " كانت الأولى من موسى نسيانا، والوسطى شرطا، والثالثة عمدا ". # فصل في الرد على الطاعنين في عصمة الأنبياء # قال ابن الخطيب: احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء بهذه الآية من ~~وجهين: # أحدهما: أنه ثبت بالدليل أن ذلك العالم كان نبيا، ثم قال موسى: " ~~أخرقتها، لتغرق أهلها " ، فإن صدق موسى في هذا القول، دل ذلك ~~على صدور الذنب العظيم من ذلك النبي، وإن كذب، دل ذلك على صدور ~~الذنب [العظيم] من موسى. # والثاني: أنه التزم أنه لا يعترض على ذلك العالم، وجرت العهود ~~المذكورة بذلك، ثم إنه خالف تلك العهود، وذلك ذنب. # فالجواب عن الأول: أن موسى، لما شاهد منه الأمر الخارج عن العادة، قال ~~هذا الكلام، لا لأجل أنه اعتقد فيه أنه فعل قبيحا، بل إنه أحب أن ~~يقف على وجهه وسببه، وقد يقال في الشيء العجيب الذي لا يعرف سببه: إنه ~~إمر. # وعن الثاني: أنه إنما خالف الشرط؛ بناء على النسيان، ثم إنه ~~تعالى حكى عن ذلك العالم ms5838 أنه [لما خالف الشرط] لم يزد على أن قال: { ~~ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا } ، فعندها اعتذر ~~موسى بقوله: { لا تؤاخذني بما نسيت } أراد أنه نسي وصيته، ~~ولا مؤاخذة على الناسي، { ولا ترهقني من أمري عسرا } أي: ~~لا تكلفني مشقة، يقال: أرهقه عسرا وأرهقته عسرا، أي: كلفته ~~ذلك. لا تضيق علي أمري، لا تعسر متابعتك [ويسرها علي] بالإغضاء، ~~وترك المناقشة، و عاملني باليسر، ولا تعاملني بالعسر. # و " عسرا ": مفعول ثان ل " ترهقني " من أرهقه كذا، إذا حمله ~~إياه، وغشاه به، و " ما " في " بما نسيت " مصدرية، أو بمعنى " ~~الذي " والعائد محذوف. # وقرأ أبو جعفر: " عسرا " بضم السين، حيث وقع. # قوله: { فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله } ~~الآية. # اعلم أن لفظ الغلام قد يتناول الشاب البالغ، وأصله من الاغتلام، ~~وهو شدة الشبق، وذلك إنما يكون في الشباب، وقد يتناول هذا اللفظ ~~الصبي الصغير، وليس في القرآن كيف لقياه: هل كان يلعب مع الغلمان، أو ~~كان منفردا؟ أو هل كان مسلما، أو كان كافرا؟ أو هل كان بالغا، أو ~~صغيرا؟ لكن اسم الغلام بالصغير أليق، وإن احتمل الكبير، إلا أن ~~قوله: " بغير نفس " أليق بالبالغ منه بالصبي؛ لأن الصبي لا [يقتل]. # قال ابن عباس: لم يكن نبي الله يقول: أقتلت نفسا زكية بغير نفس إلا ~~وهو صبي لم يبلغ. # وكيفية قتله، هل كان بحز رأسه، أو بضرب رأسه بالجدار، أو بطريق آخر؟ ~~فليس في لفظ القرآن ما يدل على شيء من هذه الأقسام، لكنه روي في ~~الحديث عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الغلام الذي قتله الخضر، طبع كافرا، ولو عاش، لأرهق والديه ~~طغيانا وكفرا ". # فإن قيل: إن موسى استبعد أن يقتل النفس إلا لأجل القصاص، وليس ~~الأمر كذلك، لأنه قد يحل دمه بسبب آخر. # فالجواب: أن السبب الأقوى هو ذاك. # قوله: { زكية }: قرأ " زاكية " بألف وتخفيف الياء: نافع، وابن ~~كثير، وأبو عمرو، وبدون الألف وتشديد الياء: الباقون، فمن قرأ " زاكية " ~~فهو ms5839 اسم فاعل على أصله، ومن قرأ " زكية " فقد أخرجه إلى فعيلة ~~للمبالغة. # قال الكسائي والفراء: معناهما واحد؛ مثل القاسية والقسية، وقال ~~أبو عمرو بن العلاء: الزاكية: التي لم تذنب قط، والزكية: التي ~~أذنبت ثم تابت. # [والغلام: من لم يبلغ]. وقد يطلق على البالغ الكبير. فقيل مجازا ~~باعتبار ما كان. ومنه قول ليلى: [الطويل] # 3549- شفاها من الداء الذي قد أصابها # غلام إذا هز القناة شفاها # وقول الآخر: [الطويل] # 3550- تلق ذباب السيف عني فإنني # غلام إذا هو جيت لست بشاعر # وقيل: بل هو حقيقة، لأنه من الاغتلام وهو الشبق، وذلك إنما يكون في ~~الشاب المحتلم، والذي يظهر أنه حقيقة فيهما عند الاطلاق، فإذا أريد ~~أحدهما، قيد كقوله: " لغلامين يتيمين " وقد تقدم ترتيب أسماء ~~الآدمي من لدن هو جنين إلى أن يصير شيخا، ولله الحمد، في آل عمران. # قال الزمخشري: " فإن قلت: لم قال: " حتى إذا ركبا في السفينة خرقها " ~~بغير فاء، و " حتى إذا لقيا غلاما، فقتله " بالفاء؟ قلت: جعل " ~~خرقها " جزاء للشرط، وجعل " قتله " من جملة الشرط معطوفا عليه، ~~والجزاء " قال: أقتلت " فإن قلت: لم خولف بينهما؟ قلت: لأن الخرق لم ~~يتعقب الركوب، وقد تعقب القتل لقاء الغلام ". # قوله: " بغير نفس " فيه ثلاثة أوجه: # الأول: أنها متعلقة ب " قتلت ". # الثاني: أنها متعلقة بمحذوف، على أنها حال من الفاعل، أو من المفعول، ~~أي: قتلته ظالما، أو مظلوما، كذا قدره أبو البقاء، وهو بعيد جدا. # الثالث: أنها صفة لمصدر محذوف، أي: قتلا بغير نفس. # قوله: " نكرا " قرأ نافع، وأبو بكر، وابن ذكوان بضمتين، والباقون ~~بضمة وسكون، وهما لغتان، أو أحدهما أصل، و " شيئا ": يجوز أن يراد به ~~المصدر، أي: مجيئا نكرا، وأن يراد به المفعول به، أي: جئت أمرا ~~منكرا، وهل النكر أبلغ من الإمر، أو بالعكس؟ فقيل: الإمر أبلغ؛ لأن ~~قتل أنفس بسبب الخرق أعظم من قتل نفس واحدة وأيضا: فالإمر هو الداهية ~~العظيمة فهو أبلغ من النكر، وقيل: النكر أبلغ، لأن معه القتل الحتم، ~~بخلاف خرق السفينة، فإنه يمكن تداركه؛ ولذلك ms5840 قال: " ألم أقل لك " ~~ولم يأت ب " لك " مع " إمرا "؛ لأن هذه اللفظة تؤكد التوبيخ. # وقيل: زاد ذلك، لأنه نقض العهد مرتين، فقال الخضر لموسى - عليهما ~~السلام -: { ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا } فعند ذلك ~~قال موسى: { إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني } ~~وهذا كلام نادم. # قوله: { فلا تصاحبني }: العامة على " تصاحبني " من المفاعلة، ~~وعيسى ويعقوب: " فلا تصحبني " من صحبه يصحبه. # وأبو عمرو في رواية، وأبي بضم التاء من فوق، وكسر الحاء، من أصحب ~~يصحب، ومفعوله محذوف، تقديره: فلا تصحبني نفسك، وقرأ أبي " فلا تصحبني ~~علمك " فأظهر المفعول. # قوله: " من لدني " العامة على ضم الدال، وتشديد النون، وذلك ~~أنهم أدخلوا نون الزيادة أعني الوقاية على " لدن " لتقيها من الكسر؛ ~~محافظة على سكونها، حوفظ على سكون نون " من " و " عن " فألحقت بهما ~~نون الوقاية، فيقولون: مني وعني بالتشديد. # ونافع بتخفيف النون، والوجه فيه: أنه لم يلحق نون الوقاية ل " لدن ~~" إلا أن سيبويه منع من ذلك وقال: " لا يجوز أن تأتي ب " لدن " مع ~~ياء المتكلم، دون نون وقاية " وهذه القراءة حجة عليه، فإن قيل: لم لا ~~يقال: إن هذه النون نون الوقاية، وإنما اتصلت ب " لد " لغة في " ~~لدن " حتى يتوافق قول سيبويه، مع هذه القراءة؟ قيل: لا يصح ذلك من ~~وجهين: # أحدهما: أن نون الوقاية، إنما جيء بها؛ لتقي الكلمة الكسر؛ محافظة ~~على سكونها، ودون النون لا سكون؛ لأن الدال مضمومة، فلا حاجة إلى ~~النون. # الثاني: أن سيبويه يمنع أن يقال: " لدني " بالتخفيف. # وقد حذفت النون من " عن " و " من " في قوله: [الرمل] # 3551- أيها السائل عنهم وعني # لست من قيس ولا قيس مني # وقرأ أبو بكر بسكون الدال، وتخفيف النون، لكنه ألزم الدال الضمة ~~منبهة على الأصل. # ولكن تحتمل هذه القراءة أن تكون النون فيها أصلية، وأن تكون للوقاية ~~على أنها دخلت على " لد " الساكنة الدال، لغة في " لدن " فالتقى ~~ساكنان، فكسرت نون الوقاية على أصلها، وإذا قلنا بأن النون أصلية، ~~فالسكون تخفيف؛ كتسكين ضاد " عضد ms5841 " وبابه واختلف القراء في هذا الإشمام، ~~فقائل: هو إشارة بالعضو من غير صوت، كالإشمام الذي في الوقف، وهذا هو ~~المعروف، وقائل: هو إشارة للحركة المدركة بالحس، فهو كالروم في ~~المعنى، يعني: أنه إتيان ببعض الحركة، وقد تقدم هذا محررا في يوسف ~~عند قوله # لا تأمنا # [يوسف: 11]، وفي قوله في هذه السورة " من لدنه " في قراءة شعبة أيضا، ~~وتقدم بحث يعود مثله هنا. # وقرأ عيسى وأبو عمرو في رواية " عذرا " بضمتين، وعن أبي عمرو أيضا " ~~عذري " مضافا لياء المتكلم. # و " من لدني " متعلق ب " بلغت " أو بمحذوف على أنه حال من " ~~عذرا ". # فصل في معنى الآية # قال ابن عباس: معناه: أعذرت فيما بيني وبينك. # وقيل: حذرتني أني لا أستطيع معك صبرا. # وقيل: اتضح لك العذر في مفارقتي. # والمراد أنه مدحه بهذه الطريقة من حيث إنه احتمله مرتين أولا ~~وثانيا. # روى ابن عباس عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " رحمة الله علينا، وعلى موسى " # وكان إذا ذكر أحدا من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بدأ بنفسه ~~لولا أنه عجل، لرأى العجب، ولكنه أخذته من صاحبه ذمامة، قال: " إن ~~سألتك عن شيء بعدها، فلا تصاحبني، قد بلغت من لدني ~~عذرا؛ فلو صبر، لرأي العجب ". # قوله: { فانطلقا حتى إذآ أتيآ أهل قرية ~~استطعمآ أهلها } الآية. # قال ابن عباس: هي أنطاكية. # وقال ابن سيرين: هي [الأبلة]، وهي أبعد الأرض من السماء وقيل: ~~برقة. # وعن أبي هريرة: بلدة بالأندلس. # { استطعمآ أهلها فأبوا أن يضيفوهما } قال أبي بن ~~كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم: حتى إذا أتيا أهل قرية لئاما، ~~فطافا في المجلس فاستطعما أهلها، فأبوا أن يضيفوهما. # وروي أنهما طافا في القرية، فاستطعماهم، فلم يطعموهما، فاستضافاهم، ~~فلم يضيفوهما. # قال قتادة: شر القرى التي لا تضيف الضيف. # وروي عن أبي هريرة: " أطعمتهما امرأة من أهل بربر بعد أن طلبا من ~~الرجال، فلم يطعموهما؛ فدعوا لنسائهم، ولعنا رجالهم ". # قوله: { استطعمآ أهلها }: جواب " إذا " أي: سألاهم الطعام، وفي ~~تكرير " أهلها " وجهان: # أحدهما: أنه ms5842 توكيد من باب إقامة الظاهر مقام المضمر؛ كقوله: [الخفيف] # 3552- لا أرى الموت يسبق الموت شيء # نغص الموت ذا الغنى والفقيرا # وقول الآخر: [الكامل] # 3553- ليت الغراب غداة ينعب دائما # كان الغراب مقطع الأوداج # والثاني: أنه للتأسيس؛ وذلك أن الأهل المأتيين ليسوا جميع الأهل، ~~إنما هم البعض؛ إذ لا يمكن أن يأتينا جميع الأهل في العادة في وقت ~~واحد، فلما ذكر الاستطعام، ذكره بالنسبة إلى جميع الأهل، كأنهما تتبعا ~~الأهل واحدا واحدا، فلو قيل: استطعماهم، لاحتمل أن الضمير يعود على ~~ذلك البعض المأتي، دون غيره، فكرر الأهل لذلك. # فإن قيل: الاستطعام ليس من عادة الكرام، فكيف أقدم عليه موسى، مع أن ~~موسى كان من عادته طلب الطعام من الله تعالى، كما حكى عنه قوله: # إني لمآ أنزلت إلي من خير فقير # [القصص: 24]. # فالجواب: أن إقدام الجائع على الاستطعام أمر مباح في كل الشرائع، ~~بل ربما وجب عند خوف الضرر الشديد. # فإن قيل: إن الضيافة من المندوبات، فتركها ترك المندوب، وذلك أمر غير ~~منكر، فكيف يجوز من موسى - عليه السلام - مع علو منصبه أن يغضب عليهم ~~الغضب الشديد الذي لأجله ترك العهد الذي التزمه مع ذلك العالم في قوله: { ~~إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني }. # وأيضا مثل هذا الغضب لأجل ترك الأكل في ليلة واحدة، لا يليق بأدون ~~الناس فضلا عن كليم الله؟. # فالجواب: أن الضيافة قد تكون من الواجبات، بأن كان الضيف قد بلغ في ~~الجوع إلى حيث لو لم يأكل، لهلك، وإذا كان كذلك، لم يكن الغضب الشديد ~~لأجل ترك الأكل [ليلة]، بل كان لأجل تركهم الواجب عليهم. # فإن قيل: إنه ما بلغ في الجوع إلى حد الهلاك؛ بدليل أنه قال: { لو ~~شئت لتخذت عليه أجرا } ، ولو كان بلغ في الجوع إلى حد ~~الهلاك، لما قدر على ذلك العمل، فكيف يصح منه طلب الأجرة؟. # فالجواب: لعل ذلك الجوع كان شديدا، إلا أنه ما بلغ حد الهلاك. # قوله: " أن يضيفوهما " مفعول به لقوله " أبوا " والعامة على ~~التشديد من ضيفه يضيفه. والحسن ms5843 وأبو رجاء وأبو رزين بالتخفيف من: ~~أضافه يضيفه وهما مثل: ميله وأماله. # روي أن أهل تلك القرية، لما سمعوا نزول هذه الآية، استحيوا، ~~وجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمل من الذهب، وقالوا: يا ~~رسول الله، نشتري بهذا الذهب أن تجعل الباء تاء؛ حتى تصير القراءة " ~~فأتوا أن يضيفوهما " ، أي: أتوا [لأجل أن] يضيفوهما، أي كان إتيانهم ~~لأجل الضيافة، وقالوا: غرضنا منه أن يندفع عنا هذا اللؤم، فامتنع ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقال: " تغير هذه النقطة يوجب دخول الكذب ~~في كلام الله تعالى، وذلك يوجب القدح في الإلهية ". # قوله: { فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض } أي: فرأيا في ~~القرية حائطا مائلا. # وقوله: " أن ينقض " مفعول للإرادة، و " انقض " يحتمل أن يكون ~~وزنه " انفعل " من انقضاض الطائر، أو من القضة، وهي الحصى الصغار، ~~والمعنى: يريد أن يتفتت، كالحصى، ومنه طعام قضض، إذا كان فيه حصى ~~صغار، وأن يكون وزنه " افعل " ك " احمر " من النقض، يقال: نقض ~~البناء ينقضه، إذا هدمه، ويؤيد هذا ما في حرف عبد الله وقراءة الأعمش " ~~يريد لينقض " مبنيا للمفعول؛ واللام كهي في قوله # يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا # [النساء: 28]. وما قرأ به أبي " يريد أن ينقض " بغير لام كي. # وقرأ الزهري " أن ينقاض " بألف بعد القاف. قال الفارسي: " هو من ~~قولهم قضته فانقاض " أي: هدمته، فانهدم. قال شهاب الدين: فعلى هذا يكون ~~وزنه ينفعل، والأصل: " انقيض " فأبدلت الياء ألفا، ولما نقل أبو ~~البقاء هذه القراءة قال: " مثل: يحمار " ومقتضى هذا التشبيه: أن يكون ~~وزنه " يفعال " ونقل أبو البقاء: أنه قرىء كذلك بتخفيف الضاد، قال: " ~~هو من قولك: انقاض البناء، إذا تهدم ". # وقرأ علي أمير المؤمنين - كرم الله وجهه -، وعكرمة في آخرين " ~~ينقاص " بالصاد مهملة، وهو من قاصه يقيصه، أي: كسره، قال ابن خالويه: ~~" وتقول العرب: انقاصت السن: إذا انشقت طولا " وأنشد لذي ~~الرمة: # 3554-................ # ......... منقاص ومنكثب # وقيل: إذا تصدعت، كيف كان وأنشد لأبي ذؤيب: [الطويل] # 3555- فراق كقيص السن، فالصبر إنه # لكل أناس ms5844 عثرة وجبور # ونسبة الإرادة إلى الجدار مجاز، وهو شائع جدا. # وقد ورد في النثر والنظم، قال الشاعر: [الوافر] # 3556- يريد الرمح صدر أبي براء # ويرغب عن دماء بني عقيل # والآية من هذا القبيل. # وكذا قوله: # ولما سكت عن موسى الغضب # [الأعراف: 154] وقوله: # أتينا طآئعين # [فصلت: 11] ومن أنكر [المجاز] مطلقا أو في القرآن خاصة، تأول ذلك على ~~أنه خلق للجدار حياة وإرادة؛ كالحيوانات، أو أن الإرادة صدرت من ~~الخضر؛ ليحصل له، ولموسى ما ذكره من العجب. # وهو تعسف كبير، وقد أنحى الزمخشري على هذا القائل إنحاء بليغا ~~جدا. # قوله: " فأقامه " قيل: [نقضه]، ثم بناه، قاله ابن عباس. # وقيل: مسحه بيده، فقام، واستوى، وذلك من معجزاته، هكذا ورد في الحديث. ~~وهو قول سعيد بن جبير. # واعلم أن ذلك العالم، لما فعل ذلك، كانت الحالة حالة اضطرار إلى ~~الطعام، فلذلك نسي موسى قوله: { إن سألتك عن شيء بعدها ~~فلا تصاحبني } فلا جرم قال: { لو شئت لتخذت عليه ~~أجرا } ، أي: طلبت على إصلاحك الجدار جعلا، أي لصرفه في تحصيل ~~المطعوم؛ فإنك قد علمت أنا جياع، وأن أهل القرية لم يطعمونا، فعند ~~ذلك قال الخضر: " هذا فراق بيني وبينك ". # قوله: { لتخذت عليه أجرا } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو " ~~لتخذت " بفتح التاء، وكسر الخاء من تخذ يتخذ ك " تعب ~~يتعب ". والباقون " لاتخذت " بهمزة الوصل، وتشديد التاء، وفتح ~~الخاء من الاتخاذ، واختلف: هل هما من الأخذ، والتاء بدل من الهمزة، ثم ~~تخذف التاء الأولى فيقال: تخذ، كتقي من " اتقى " نحو قوله: ~~[الطويل] # 3557-............... # تق الله فينا والكتاب الذي تتلو # أم هما من تخذ، والتاء أصيلة، ووزنهما فعل وافتعل؟ قولان تقدم ~~تحقيقهما في هذا الموضوع، والفعل هنا على القراءتين متعد لواحد؛ ~~لأنه بمعنى الكسب. # قوله: { فراق بيني }: العامة على الإضافة؛ اتساعا في الظرف، ~~وقيل: هو بمعنى الوصل. كقوله: [الطويل] # 3558-................. # وجلدة بين العين والأنف سالم # وحكى القفال عن بعض أهل العربية أن البين هو الوصل؛ لقوله # لقد تقطع بينكم # [الأنعام: 94]، فيكون المعنى هذا فراق اتصالنا، كقول القائل: أخزى الله ~~الكاذب بيني ms5845 وبينك، أي: أحدنا هكذا. قاله الزجاج. # وقرأ ابن أبي عبلة " فراق " بالتنوين على الأصل، وتكرير المضاف إليه ~~عطفا بالواو هو الذي سوغ إضافة " بين " إلى غير متعدد؛ ألا ترى أنك ~~لو اقتصرت على قولك: " المال بيني " لم يكن كلاما؛ حتى تقول: بيننا أو ~~بيني وبين فلان. # وقوله: " هذا " أي: هذا الإنكار على ترك الأجر هو المفرق بيننا. # وقيل: إن موسى - عليه السلام - لما شرط أنه إن سأله بعد ذلك ~~سؤالا آخر، حصل الفراق بقوله: [ { إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني } ~~فلما ذكر هذا السؤال فارقه ذلك العالم، وقال]: { هذا فراق بيني ~~وبينك } أي: هذا الفراق [الموعود]، ثم قال: { سأنبئك ~~بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا }. # قرأ ابن وثاب " سأنبيك " بإخلاص الياء بدل الهمزة. # قوله تعالى: { أما السفينة فكانت لمساكين }: العامة ~~على تخفيف السين، جمع " مسكين ". وقرأ علي أميرالمؤمنين - كرم الله ~~وجهه - بتشديدها جمع " مساك " وفيه قولان: # أحدهما: أنه الذي يمسك سكان السفينة، وفيه بعض مناسبة. # والثاني: أنه الذي يدبغ المسوك جمع " مسك " بفتح الميم، وهي ~~الجلود، وهذا بعيد؛ لقوله: { يعملون في البحر } قال شهاب ~~الدين ولا أظنها إلا تحريفا على أمير المؤمنين، و " يعملون " صفة ~~لمساكين. # قوله: { ورآءهم ملك } " وراء " هنا بمعنى المكان. # وقيل: " وراءهم " بمعنى " أمامهم "؛ كقوله: # من ورآئه جهنم # [إبراهيم: 16] وقيل: " وراءهم " خلفهم، وكان رجوعهم في طريقهم عليه. # والأول أصح؛ لقوله: # من ورآئه جهنم # [إبراهيم: 16] ويؤيده قراءة ابن عباس: وكان أمامهم ملك يأخذ كل ~~سفينة غصبا وقال سوار بن المضرب السعدي: [الطويل] # 3559- أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي # وقومي تميم والفلاة ورائيا # وقال تعالى: # ويذرون ورآءهم يوما ثقيلا # [الإنسان: 27] وتحقيقه: أن كل ما غاب عنك، فقد توارى عنك وتواريت ~~عنه، وقيل: إن تحقيقه أن ما غاب عنك، فقد توارى عنك، وأنت متوار ~~عنه، فكل ما غاب عنك، فهو وراءك، وأمام الشيء وقدامه، إذا كان غائبا ~~عنك، متواريا عنك، فلم يبعد إطلاق لفظة " وراء " عليه، ويراد بها ~~الزمان؛ قال الشاعر: [الطويل] # 3560- أليس ورائي أن أدب على العصا # فيأمن أعدائي ms5846 ويسأمني أهلي # وقال لبيد: [الطويل] # 3561- أليس ورائي إن تراخت منيتي # لزوم العصا تحنى عليها الأصابع # قوله: " غصبا " فيه أوجه: # الأول: أنه مصدر في موضع الحال، أو منصوب على المصدر المبين لنوع الأخذ، ~~أو منصوب على المفعول له، وهو بعيد عن المعنى، وادعى الزمخشري أن في ~~الكلام تقديما وتأخيرا، فقال: " فإن قلت: قوله: " فأردت أن أعيبها " ~~مسبب عن خوفه الغصب عليها، فكان حقه أن يتأخر عن السبب؛ فلم قدم ~~عليه؟ قلت: النية به التأخير؛ وإنما قدم للعناية به، ولأن خوف ~~الغصب ليس هو السبب وحده، ولكن مع كونها للمساكين، فكان بمنزلة قولك: ~~زيد ظني مقيم ". # قوله: { فكان أبواه مؤمنين }: التثنية للتغليب، يريد: أباه ~~وأمه، فغلب المذكر، وهو شائع، ومثله: القمران والعمران، وقد تقدم ~~[في يوسف]: أن الأبوين يراد بهما الأب والخالة، فهذا أقرب. # والعامة على " مؤمنين " بالياء، وأبو سعيد الخدري، والجحدري " ~~مؤمنان " بالألف، وفيه ثلاثة أوجه: # الأول: أنه على لغة بني الحارث، وغيرهم. # الثاني: أن في " كان " ضمير الشأن، و " أبواه مؤمنان " مبتدأ وخبر ~~في محل النصب؛ كقوله: [الطويل] # 3562- إذا مت كان الناس صنفان شامت # ............... # فهذا أيضا محتمل للوجهين. # الثالث: أن في " كان " ضمير الغلام، أي: فكان الغلام، والجملة بعده ~~الخبر، وهو أحسن الوجوه. # قوله: { فخشينآ } أي: فعلمنا { أن يرهقهما } يفتنهما. # وقال الكلبي: يكلفهما طغيانا وكفرا. # وقال سعيد بن جبير: فخشينا أن يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه. # قيل: إن ذلك الغلام كان بالغا، وكان يقطع الطريق، ويقدم على الأفعال ~~المنكرة، وكان يصير ذلك سببا لوقوعهما في الفسق، وربما يؤدي ذلك الفسق ~~إلى الكفر. # وقيل: كان صبيا إلا أن الله تعالى علم منه أنه لو صار بالغا، لحصلت ~~منه تلك المفاسد. # وقيل: الخشية بمعنى الخوف، وغلبة الظن، والله تعالى قد أباح له قتل من ~~غلب على ظنه تولد المفاسد منه. # فإن قيل: هل يجوز الإقدام على قتل الإنسان لمثل هذا الظن؟ # فالجواب: أنه إذا تأكد ذلك الظن بوحي الله تعالى إليه، جاز. # قوله: { فأردنآ أن يبدلهما }: قرأ نافع، وأبو عمرو ms5847 بفتح ~~الباء، وتشديد الدال من " بدل " هنا، وفي التحريم [الآية: 5] # أن يبدله # وفي القلم [الآية: 32] # أن يبدلنا # والباقون بسكون الباء، وتخفيف الدال من " أبدل " في المواضع الثلاثة، ~~فقيل: هما لغتان بمعنى واحد، وقال ثعلب: الإبدال تنحية جوهرة، ~~واستئناف أخرى؛ وأنشد: [الرجز] # 3563- عزل الأمير للأمير المبدل # قال: ألا تراه نحى جسما، وجعل مكانه آخر، والتبديل: تغيير الصورة إلى ~~غيرها، والجوهرة باقية بعينها؛ واحتج الفراء بقوله تعالى: # يبدل الله سيئاتهم حسنات # [الفرقان: 70] قال: والذي قال ثعلب حسن، إلا أنهم يجعلون " أبدلت ~~" بمعنى " بدلت " قال شهاب الدين: ومن ثم، اختلف الناس في قوله تعالى: # يوم تبدل الأرض # [إبراهيم: 48]: هل يتغير الجسم والصفة، أو الصفة دون الجسم؟. # قوله: { يبدلهما ربهما خيرا منه زكوة } أي: ~~يرزقهما الله ولدا خيرا من هذا الغلام " زكاة " أي: دينا، وصلاحا. # وقيل: ذكر الزكاة تنبيها على مقابلة قول موسى - عليه السلام - " ~~أقتلت نفسا زكية بغير نفس " فقال العالم: أردنا أن يرزق الله ~~هذين الأبوين خيرا، بدلا عن ابنهما هذا ولدا يكون خيرا منه بما ذكره ~~من الزكاة، ويكون المراد من الزكاة الطهارة، وكان قول موسى: " ~~أقتلت نفسا زكية " ، أي: طاهرة، لأنها ما وصلت إلى حد ~~البلوغ، فكانت زاكية طاهرة من المعاصي، فقال العالم: إن تلك النفس، وإن ~~كانت طاهرة زاكية في الحال، إلا أنه تعالى علم منها أنها إذا بلغت، ~~أقدمت على الطغيان، والكفر، فأردنا أن يحصل لهما ولد عظيم، أي: أعظم ~~زكاة وطهارة منه، وهو الذي يعلم الله منه أنه عند البلوغ لا يقدم على ~~شيء من هذه المحظورات. # ومن قال: إن ذلك الغلام كان بالغا، قال: المراد من وصف نفسه بكونها ~~زاكية أنه لم يظهر عليه ما يوجب قتله. # قوله: " رحما " قرأ ابن عامر " رحما " بضمتين، والباقون بضة ~~وسكون، وهما بمعنى الرحمة؛ قال رؤبة: [الرجز] # 3564- يا منزل الرحم على إدريسا # ومنزل اللعن على إبليسا # وقيل: الرحم بمعنى الرحم، وهو لائق هنا من أجل القرابة ~~بالولادة؛ ويؤيده قراءة ابن عباس " رحما " بفتح الراء، وكسر الحاء، ~~و " زكاة ورحما " منصوبان ms5848 على التمييز. # والمعنى: هذا البدل يكون [أقرب] عطفا ورحمة بأبويه، وأشفق عليهما. # فصل في المبدل به # قال الكلبي: أبدلهما الله جارية تزوجها نبي من الأنبياء، فولدت له ~~نبيا، فهدى الله على يديه أمة من الأمم. # قوله: { وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في ~~المدينة وكان تحته كنز لهما } وكان اسمهما " أصرم " ~~و " صريم ". # واعلم أنه سمى القرية في قوله: { أتيآ أهل قرية } وسمى ~~القرية هنا مدينة بقوله: " يتيمين في المدينة " فدل على جواز ~~[تسمية] إحداهما بالأخرى، ثم قال: " وكان تحته كنز لهما ". # روى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كان ذهبا، ~~وقضة ". # وقال عكرمة: كان مالا، ويدل على ذلك أن المفهوم من لفظ الكنز هو ~~المال. # وعن ابن عباس قال: " كان لوحا من ذهب مكتوبا فيه: عجبا لمن أيقن ~~بالموت، كيف يفرح، عجبا لمن أيقن بالقدر كيف ينصب، عجبا لمن أيقن ~~بالرزق كيف يتعب، عجبا لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، عجبا لمن أيقن ~~بزوال الدنيا، وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا الله، ~~محمد رسول الله، وفي الخطاب الجانب الآخر: أنا الله، لا إله إلا أنا، ~~وحدي لا شريك لي، خلقت الخير والشر فطوبى [لمن] خلقته للخير، وأجريته ~~على يديه، والويل لمن خلقته للشر، وأجريته على يديه ". # وهذا قول أكثر المفسرين وروي أيضا مرفوعا، قال الزجاج: والكنز إذا ~~أطلق إنما ينصرف إلى كنز المال، ويجوز عند التقييد لكنز العلم، يقال: ~~عنده كنز علم. وهذا اللوح كان جامعا لهما. # " وكان أبوهما صالحا " قيل: كان [اسمه] " كاشح " وكان من ~~الأنبياء، قال ابن عباس: حفظا بصلاح أبيهما، ولهذا قيل: إن الرجل ~~الصالح يكون كنزه العلم لا المال، قيل: كان بينهما وبين الأب الصالح ~~سبعة آباء وهذا يدل على أن صلاح الإنسان يفيد العناية بأحوال أبنائه، ~~فإن قيل: اليتيمان، هل أحد منهما عرف حصول الكنز تحت ذلك الجدار، أو ما ~~عرف أحد منهما ذلك؟ فإن كان الأول امتنع أن يتركوا سقوط ذلك الجدار، وإن ~~كان الثاني فكيف يمكنه بعد البلوغ استخراج ms5849 ذلك الكنز ومعرفته والانتفاع ~~به؟. # الجواب: لعل اليتيمين كانا جاهلين به إلا أن وصيهما كان عالما به، ~~إما أن ذلك الوصي غاب، وأشرف ذلك الجدار في غيبته على السقوط، ثم ~~قال: " فأراد ربك أن يبلغا أشدهما " أي: يبلغا ويعقلا، وقيل: يدركا ~~شدتهما وقوتهما. # وقيل: ثماني عشرة سنة، ويستخرجا حينئذ كنزهما " رحمة من ربك " أي: ~~نعمة من ربك. # وفي نصب " رحمة " ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنه مفعول له. # الثاني: أن يكون في موضع الحال من الفاعل، أي: أراد ذلك راحما، وهي ~~حال لازمة. # الثالث: أن ينتصب انتصاب المصدر؛ لن معنى " فأراد ربك أن يبلغا " ~~معنى: " فرحمهما " ثم قال: " وما فعلته عن أمري " أي: ما فعلته ~~باختياري ورأيي، بل فعلته بأمر الله وإلهامه، بأن الإقدام على تنقيص ~~أموال الناس وإراقة دمائهم، لا يجوز إلا بالوحي والنفي القاطع، " ~~وذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا " أي: لم تطق عليه صبرا. # قوله: " تسطع " قيل أصله " استطاع " فحذفت تاء الافتعال، وقيل: ~~المحذوف الطاء الأصلية، ثم أبدلت تاء الافتعال طاء بعد السين، وهذا ~~تكلف بعيد. # وقيل: السين مزيدة عوضا من قلب الواو ألفا، والأصل: أطاع، ولتحقيق ~~القول فيه موضع غير هذا، ويقال: استتاع - بتاءين، واستاع - بتاء واحدة، ~~فهذه أربع لغات حكاها ابن السكيت. # فصل # اعلم أن أحكام الأنبياء - عليهم السلام - مبنية على الظواهر؛ كما قال ~~- عليه السلام -: # " نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر " # وهذا العالم ما كانت أحكامه مبنية على ظواهر الأمور، بل كانت مبنية على ~~الأسباب الحقيقية الواقعة في نفس الأمر، وذلك لن الظاهر في أموال ~~الناس، وفي أرواحهم في المسالة الأولى والثانية من غير سبب ظاهر لا ~~يبيح ذلك التصرف؛ لأن تخريق السفينة تنقيص لملك الغير من غير سبب ظاهر ~~يبيح ذلك التصرف، والإقدام على قتل الغلام إلحاق بضرر القتل به من ~~غير سبب ظاهر والإقدام على إقامة الجدار المائل تحمل للتعب ~~والمشقة من غير سبب ظاهر، فهذه المسائل الثلاثة ليس حكم ذلك العالم ~~فيها مبنيا على الأسباب الظاهرة، بل كان مبنيا على أسباب معتبرة ms5850 في ~~نفس الأمر، وهذا يدل على أن ذلك العالم كان قد آتاه الله قوة عقلية ~~يقدر بها أن يشرف على بواطن الأمور، ويطلع بها على حقائق الأشياء، ~~فكانت مرتبة موسى - عليه السلام - في معرفة شرائع الأحكام بناء على ~~الظواهر، وهذا العالم مرتبته الوقوف على بواطن الأشياء وحقائقها، فلهذا ~~كانت مرتبته في العلم فوق مرتبة موسى. إذا عرف هذا؛ فنقول: هذه المسائل ~~الثلاثة مبنية على حرف واحد، وهو أنه: إذا تعارض ضرران يجب تحمل الأولى، ~~لدفع الأعلى، فهذا هو الأصل المعتبر في المسائل الثلاثة، أما الأولى: ~~فلأن ذلك العالم علم أنه لو لم يعب السفينة بالتخريق، لغصبها ذلك ~~الملك، وفاتت منافعها بالكلية على ملاكها، فوقع التعارض بين أن ~~يخرقها ويعيبها، ويبقى مع ذلك العيب على ملاكها وبين ألا يخرقها، ~~فيغصبها الملك، وتفوت منافعها على ملاكها بالكلية، ولا شك أن الضرر ~~الأول أقل؛ فوجب تحمله؛ لدفع الضرر الثاني؛ لكونه أعظم ضررا. # وأما المسألة الثانية فكذلك؛ لأن بقاء ذلك الغلام كان مفسدة ~~للوالدين في دينهم، وفي أبنائهم، ولعله علم بالوحي أن المضار الناشئة ~~من قتل ذلك الغلام أقل من المضار الناشئة بسبب حصول تلك المفاسد ~~للأبوين؛ فلهذا السبب أقدم على قتله. # والمسألة الثالثة - أيضا - كذلك؛ لأن المشقة الحاصلة بسبب الإقدام ~~على بناء الجدار المائل أسهل من المضار الحاصلة بسبب ترك إقامته، لأن ~~ذلك الجدار لو سقط، لضاع مال أولئك الأيتام، وفيه ضرر شديد، فالحاصل ~~أن ذلك العالم كان مخصوصا بالوقوف على حقائق الأشياء وببناء الأحكام ~~على حقائقها، وأن موسى - عليه السلام - كانت أحكامه مبنية على ظواهر ~~الأمور، فبهذا ظهر التفاوت بينهما في علمه. # فإن قيل: فحاصل الكلام أنه تعالى أطلعه على حقائق الأشياء، وهذا ~~النوع من العلم ما يمكن تعلمه، وموسى - عليه السلام - إنما ذهب ~~إليه ليتعلم منه العلم، فكان الواجب على ذلك العالم أن يظهر له علما ~~يمكن تعلمه، وهذه المسائل علمها لا يمكن تقاسمه، فما الفائدة في ~~إظهارها؟ # فالجواب: أن العلم بظواهر الأشياء يمكن تحصيله بناء على معرفة الشرائع ~~الظاهرة، وأما ms5851 العلم بحقائق الأشياء، فإنه لا يمكن تحصيله إلا بناء ~~على تصفية الباطن، وتطهير القلب عن العلائق الجسمانية، ولهذا قال تعالى ~~في صفة علم ذلك العالم: { وعلمناه من لدنا علما } ثم إن موسى - ~~عليه السلام - لما كملت مرتبته في علم الشريعة بعثه الله تعالى إلى ذلك ~~العالم، ليعلم موسى أن كمال الدرجة في أن ينتقل الإنسان من علوم ~~الشريعة المبنية على الظواهر إلى علوم البواطن المبنية على الإشراف ~~على حقيقة الأمور. # فصل # احتجوا بهذه الآية على أن الفقير أشد حاجة من المسكين؛ لأنه تعالى ~~سماهم مساكين مع أنهم كانوا يملكون السفينة. # واعلم أن العالم بين مراده من تخريق السفينة، وأنه لم يكن مقصوده ~~تغريق أهلها؛ بل كان مقصوده تعييبها، لئلا يأخذها ذلك الملك الظالم؛ ~~لأنه كان من عادته أخذ السفن الخالية من العيوب، وضرر هذا التخريق أسهل ~~من ضرر الغصب. # فإن قيل: هل يجوز للأجنبي أن يتصرف في ملك الغير لمثل هذا الغرض؟. # فالجواب: هذا مما تختلف أحواله بسبب اختلاف الشرائع، فلعل هذا كان ~~جائزا في تلك الشريعة، وأما في شريعتنا فهذا الحكم غير بعيد، فإنا ~~إذا علمنا أن الذين يقطعون الطريق يأخذون جميع مال الإنسان، فإن دفعنا ~~إلى قاطع الطريق بعض ذلك المال سلم الباقي، فحينئذ يحسن منا أن ندفع ~~بعض مال ذلك الإنسان إلى قاطع الطريق؛ ليسلم الباقي، وكان هذا إحسانا ~~منا لذلك المالك. # كذلك قيل في السفينة المشحونة إذا خيف عليها الغرق، وأنه إذا ألقي منها ~~شيء في البحر خفت وسلم ما فيها جاز الإلقاء، بل يجب كذلك، وكذلك مسألة ~~التترس بالمسلمين. # واعلم بأن هذا التخريق يجب أن يكون على وجه لا يبطل منافع تلك السفينة ~~بالكلية، إذ لو كان كذلك، لم يكن الضرر الحاصل من غصبها أعظم من ~~الضرر الحاصل من تخريقها، وحينئذ لم يكن تخريقها جائزا. # فصل # اعلم أنه قال: { فأردت أن أعيبها } وقال: { فأردنا أن يبدلهما ~~ربهما خيرا منه } ، وقال: { فأراد ربك أن يبلغا أشدهما } ~~فاختلفت الإضافة في هذه الإرادات الثلاثة، وهي كلها قضية واحدة، ms5852 وفائدة ~~ذلك أنه لما ذكر العيب أضافه إلى إرادة نفسه، فقال: { فأردت أن أعيبها ~~} ولما ذكر القتل، عبر عن نفسه بلفظ الجمع تنبيها على أنه من ~~العظماء في علوم الحكمة، فلم يقدم على هذا القتل إلا لحكمة عالية، ~~ولما ذكر رعاية صالح اليتيمين لأجل صلاح أبيهما أضافه إلى الله تعالى، ~~لأن المتكفل بمصالح الأبناء برعاية حق الآباء ليس إلا الله ~~تعالى. # فصل # اختلفوا: هل الخضر حي أم لا؟ فقيل: إن الخضر وإلياس حيان يلتقيان ~~كل سنة بالموسم، قيل: وسبب حياته أن ذا القرنين دخل الظلمات، ~~لطلب عين الحياة، وكان الخضر على مقدمته، فوقع الخضر على عين الحياة، ~~فنزل، واغتسل، وشرب، وقيل: وأخطأ ذو القرنين الطريق، فعاد. # وقيل: إنه ميت، لقول الله تعالى: # وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد # [الأنبياء: 34] وقال عليه الصلاة والسلام بعدما صلى العشاء ليلة: # " أرأيتكم ليلتكم هذه، فإنه على رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو ~~اليوم على ظهر الأرض أحد " # ولو كان الخضر حيا، لكان لا يعيش بعده. # روي أن موسى لما أراد أن يفارقه قال: أوصني، قال: لا تطلب العلم ~~لتحدث به، واطلبه لتعمل به. ### || [18.83-101] # قوله تعالى: { ويسألونك عن ذي القرنين } الآية. # قد تقدم في أول هذه السورة أن اليهود أمروا المشركين أن يسألوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، وعن الروح، ~~فقوله تعالى: { ويسألونك عن ذي القرنين } هو ذلك السؤال، ~~واختلفوا في ذي القرنين، فقيل: هو الإسكندر بن فيلبوس اليوناني، وقيل: ~~كان اسمه مرزبان بن مرزبة من ولد يونان بن يافث بن نوح، وكان أسود، قال ~~بعضهم: كان نبيا، لقوله تعالى: { إنا مكنا له في الأرض } ~~والأولى حمله على التمكين في الدين، والتمكين الكامل في الدين هو ~~النبوة، ولقوله تعالى: { وءاتيناه من كل شيء سببا } ومن ~~جملة الأسباب النبوة، فمقتضى العموم أنه آتاه من النبوة سببا، ولقوله ~~تعالى: { يذا القرنين إمآ أن تعذب وإمآ أن ~~تتخذ فيهم حسنا } والذي يتكلم الله معه لا بد وأن يكون ~~نبيا. ms5853 قال أبو الطفيل، وسئل عن ذي القرنين: أكان نبيا أم ملكا؟ قال: ~~لم يكن نبيا، ولا ملكا، ولكن كان عبدا أحب الله، فأحبه الله، ~~وناصح الله فناصحه. # روي أن عمر - رضي الله عنه - سمع رجلا يقول لآخر: " يا ذا القرنين ~~" فقال: تسميتم بأسماء النبيين، فلم ترضوا حتى تسميتم بأسماء ~~الملائكة. والأكثرون على أنه كان ملكا عادلا صالحا، واختلفوا في سبب ~~تسميته بذي القرنين قيل: لأنه بلغ قرني الشمس: مشرقها ومغربها، وأيضا: ~~بلغ ملكه أقصى الشمال، لأن " يأجوج ومأجوج " قوم من الترك يسكنون ~~في أقصى الشمال، فهذا المسمى بذي القرنين قد دل القرآن على أن ~~ملكه بلغ أقصى المغرب والمشرق والشمال، وهذا نهاية المعمور من الأرض، ~~ومثل هذا الملك البسيط على خلاف العادات، فيجب أن يبقى ذكره مخلدا على ~~وجه الدهر لا يخفى، والذي اشتهر في كتب التواريخ أن الذي بلغ ملكه إلى ~~هذا الحد ليس إلا الإسكندر، وذلك أنه لما مات أبوه جمع ملك الروم بعد ~~أن كان طوائف، ثم قصد ملوك العرب وقهرهم، وأمعن حتى انتهى إلى البحر ~~الأخضر، ثم عاد إلى مصر، فبنى الإسكندرية، وسماها باسم نفسه، ثم دخل ~~الشام، وقصد بني إسرائيل، وورد " بيت المقدس " ، وذبح في مذبحه، ثم ~~انعطف إلى " أرمينية " و " باب الأبواب " ودان له العراقيون، والقبط، ~~والبربر، ثم توجه نحو دارا بن دارا، وهزمه مرات إلى أن قتله صاحب حرسه، ~~واستولى الإسكندر على ممالك الفرس، وقصد الهند والصين، وغزا الأمم ~~البعيدة، ورجع إلى " خراسان " وبنى المدن الكثيرة، ورجع إلى العراق، ومرض ~~ب " شهرزور " ومات، فلما ثبت بالقرآن أن ذا القرنين كان رجلا ملك الأرض ~~أو ما يقرب منها، وثبت من التواريخ أن من هذا شأنه ما كان إلا ~~الإسكندر وجب القطع بأن المراد بذي القرنين هو الإسكندر بن فيلبوس ~~اليوناني. # قيل: وسمي بذي القرنين، لأنه ملك الروم وفارس، وقيل: لأنه دخل النور ~~والظلمة، وقيل: لأنه رأى في المنام كأنه أخذ بقرني الشمس، وقيل: لأنه ~~كانت له ذؤابتان حسنتان، وقيل: لأنه كان له قرنان تواليهما ms5854 العمامة. # وروى أبو الفضل عن علي أنه أمر قومه بتقوى الله، فضربوه على قرنه ~~الأيمن، فمات، فبعثه الله، فأمرهم بتقوى الله، فضربوه على قرنه الأيسر، ~~فمات فأحياه الله. # وقيل: كان لتاجه قرنان، وقيل: لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس، وقيل: ~~لأن الله سخر له النور والظلمة، فإذا سرى يهديه النور من أمامه، وتمتد ~~الظلمة من ورائه. # فروي أن ذا القرنين أمر ببناء مدن كثيرة منها: " الدبوسية " و " حمدان ~~" و " برج الحجارة " ، ولما بلغ " الهند " بنى مدينة " سرنديب " وأن ~~أرباب الحساب قالوا له: إنك لا تموت إلا على أرض من حديد، وسماء من ~~خشب، وكان يدفن كنوز كل بلد فيها، ويكتب ذلك معه بصفته وموضعه، فبلغ " ~~بابل " ، فرعف، فسقط عن دابته، فبسطت له دروع فنام عليها، فآذته الشمس، ~~فأظلوه بترس، فنظر وقال: هذه أرض من حديد وسماء من خشب، فأيقن ~~بالموت، فمات وهو ابن ألف سنة وثلاثمائة سنة. # وقال أبو الريحان البيروني في كتابه المسمى ب " الآثار الباقية عن ~~القرون الخالية ": قيل: إن ذا القرنين هو أبو كرب سمي بن عبرين بن ~~أقريقيش الحميري، وأن ملكه بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وهو الذي افتخر ~~به أحد الشعراء من حمير: [الكامل] # قد كان ذو القرنين قبلي مسلما # ملكا علا في الأرض غير مفند # بلغ المشارق والمغارب يبتغي # أسباب ملك من كريم سيد # ثم قال أبو الريحان: ويشبه أن يكون هذا القول أقرب، لأن الأذواء كانوا ~~من اليمن، وهم الذين لا يخلون أساميهم من " ذي كذا " المنار، و " ذي ~~نواس " ، و " ذي النون " ، و " ذي رعين " والقول الأول أظهر، لما تقدم ~~من الدليل، ولأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " سمي ذا القرنين لأنه طاف قرني الدنيا شرقها وغربها ". # قال ابن الخطيب: إلا أن فيه إشكالا قويا، وهو أن الإسكندر كان ~~تلميذ أرسطاطاليس الحكيم، وكان على مذهبه، فتعظيم الله إياه يوجب ~~الحكم بأن مذهب أرسطاطاليس حق وصدق، وذلك مما لا سبيل إليه. # قال ابن كثير: روي عن ابن عباس: أن ms5855 اسم ذي القرنين عبد الله بن ~~الضحاك. # وقيل: مصعب بن عبد الله بن قينان بن منصور بن عبد الله بن الآزر بن عون ~~بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن قحطان. # وروي أنه كان من حمير، وأمه رومية، وأنه كان يقال له الفيلسوف؛ ~~لعقله. # وقال السهيلي: قيل: كان اسمه مرزبي بن مرذبة ذكره ابن هشام، وهو أول ~~التبابعة. # وقيل: إنه أفريدون بن أثفيان الذي قتل الضحاك ويروى في خطبة قيس بن ~~ساعدة التي خطبها بسوق عكاظ، أنه قال فيها يا معشر إياد أين الصعب ذو ~~القرنين ملك الخافقين، وأول المسلمين، وعمر ألفين، ثم كان ذلك كطرفة ~~عين، وأنشد ابن هشام: [الكامل] # والصعب ذو القرنين أصبح ثاويا # بالحنو حيث أميم مقيم # أما ذو القرنين الثاني فهو الإسكندر بن فيلبس بن مصريم بن هرمس بن ~~هردوس ابن ميطون بن رومي بن نويط بن نوفيل بن ليطى بن يونان بن يافث بن ~~نوح بن سرحون بن رومي بن قريط بن نوفيل بن رومي بن الأصفر بن اليغز بن ~~العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل - عليه السلام - كذا نسبه ابن عساكر ~~المقدوني اليوناني المصري باني الإسكندرية الذي يؤرخ بأيامه الروم، ~~وكان متأخرا عن الأول بدهر طويل، وكان هذا قبل المسيح بنحو من ~~ثلاثمائة سنة، وكان وزيره أرسطاطاليس الفيلسوف، وهو قتل دارا بن دارا ~~[ملك] ملوك الفرس. # وإنما نبهنا على هذا؛ لأن كثيرا من الناس يعتقد أنهما واحد، وأن ~~المذكور في القرآن هو الذي كان أرسطاطاليس وزيره، فيقع بذلك خطأ كثير؛ ~~فإن الأول كان مؤمنا عبدا صالحا، وملكا عادلا، وكان وزيره الخضر - ~~عليهما السلام - وكان نبيا، وأما الثاني فكان مشركا، وكان وزيره ~~فيلسوفا، وكان بين زمانيهما أزيد من ألفي [سنة] فأين هذا من هذا؟. # قوله: " سأتلو ": دخلت السين ها هنا؛ لأن المعنى أني سأفعل هذا إن ~~وفقني الله عليه، وأنزل علي وحيا، وأخبرني عن كيفية تلك الحال. # قوله " منه ذكرا " أي: من أخباره وقصصه. # قوله: " إنا مكنا له ". # ومعنى " مكنا له ms5856 ": أوطأنا، والتمكين: تمهيد الأسباب قال علي: ~~سخر له السحاب، فحمله عليه، ومد له في الأسباب، وبسط له في ~~النور، وكان الليل والنهار عليه سواء، فهذا معنى تمكنيه في الأرض؛ ~~وأنه سهل عليه السير فيها، وذلل له طريقها. # وهذا التمكين بسبب النبوة، ويحتمل أن يكون المراد التمكين بسبب ~~الملك من حيث إنه ملك مشارق العالم ومغاربه، والأول أولى؛ لأن ~~التمكين بسبب النبوة أعلى من التمكين بسبب الملك، وحمل كلام الله تعالى ~~على الوجه الأكمل الأفضل أولى، ثم قال: { وءاتيناه من كل ~~شيء سببا } قالوا: السبب في أصل اللغة عبارة عن الحبل، ثم استعير ~~لكل ما يتوصل به إلى المقصود، وهو يتناول العلم والقدرة والآلة، فلذلك ~~قيل: { وءاتيناه من كل شيء } ما يستعين به الملوك على فتح المدن، ~~ومحاربة الأعداء " سببا " أي: علما يتسبب به إلى كل ما يريد ويسير به ~~في أقطار الأرض، وقيل: قربنا له أقطار الأرض. # واستدلوا بعموم قوله: { وءاتيناه من كل شيء سببا } على ~~أنه كان نبيا كما تقدم، ومن أنكر نبوته قال: المعنى: وآتيناه من كل ~~شيء يحتاج إلى إصلاح ملكه إلا أن تخصيص العموم خلاف الظاهر، فلا يصار ~~إليه إلا بدليل. # قوله: { فأتبع سببا }. # قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو " فاتبع " و " ثم اتبع " في ~~الموضعين بهمزة وصل، وتشديد التاء. والباقون بهمزة القطع في المواضع ~~الثلاثة وسكون التاء. # فقيل: هما بمعنى واحد فيتعديان لمفعول واحد. # وقيل: " أتبع " بالقطع متعد لاثنين حذف أحدهما تقديره: فأتبع ~~سببا سببا آخر، أو فأتبع أمره سببا آخر، ومنه # وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة # [القصص: 42] فعداه لاثنين ومن حذف أحد المفعولين: قوله تعالى: # فأتبعوهم مشرقين # [الشعراء: 60]، أي: أتبعوهم جنودهم. و اختار أبو عبيد " اتبع " ~~بالوصل، قال: " لأنه من المسير " قال: تقول: تبعت القوم واتبعتهم. ~~فأما الإتباع بالقطع فمعناه اللحاق، كقوله تعالى: # فأتبعه شهاب ثاقب # [الصافات: 10]. # وقال يونس، وأبو زيد: " أتبع " بالقطع عبارة عن المجد المسرع ~~الحثيث الطلب. وبالوصل إنما يتضمن الاقتفاء دون هذه الصفات. # قال البغوي: والصحيح الفرق بينهما، فمن قطع الألف، ms5857 فمعناه: أدرك ولحق، ~~ومن قرأ بالتشديد فمعناه: سار، يقال: ما زلت أتبعه حتى اتبعته، أي: ما ~~زلت أسير خلفه حتى لحقته، ومعنى الآية: أنه تعالى لما أعطاه من كل ~~شيء سببه، فإذا أراد سببا أتبع سببا يوصله إليه { حتى إذا بلغ مغرب ~~الشمس وجدها تغرب في عين حمئة }. # عن أبي ذر قال: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم على جمل، فرأى ~~الشمس حين غابت، فقال: أتدري يا أبا ذر، أتدري أين تغرب هذه؟ قلت: ~~الله ورسوله أعلم قال: " فإنها تغرب في عين حامية " وهي قراءة ابن ~~مسعود، وطلحة، وابن عمر، واختارها أبو عبيدة، قال: لأن عليها جماعة من ~~الصحابة. # وأما القراءة الثانية، فهي من الحمأة، وهي الطين، وهي قراءة ابن ~~عباس. # فصل # ثبت بالدليل أن الأرض كرة، وأن السماء محيطة، وأن الشمس في ~~الفلك الرابع، وكيف يعقل دخولها في عين؟ وأيضا قال: " وجد عندها ~~قوما " ومعلوم أن جلوس القوم قرب الشمس غير موجود، وأيضا فالشمس ~~أكبر من الأرض بمرات كثيرة، فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الأرض؟ ~~وإذا ثبت هذا فنقول: تأويل قوله تعالى: { تغرب في عين حمئة } ~~من وجوه: # الأول: أن ذا القرنين لما بلغ موضعا من المغرب، لم يبق بعده شيء من ~~العمارات، وجد الشمس كأنها تغرب في عين مظلمة، وإن لم يكن كذلك ~~في الحقيقة كما أن راكب البحر يرى الشمس كأنها تغيب في البحر إذا لم ~~ير الشط، وهي في الحقيقة تغيب وراء البحر، ذكر هذا التأويل الجبائي ~~في تفسيره. # الثاني: أن للجانب الغربي من الأرض مساكن يحيط البحر بها، فالناظر ~~إلى الشمس يتخيل كأنها تغيب في تلك البحار، ولا شك أن البحار ~~الغربية قوية السخونة، فهي حامية، وهي أيضا حمئة لكثرة ما فيها من ~~الماء ومن الحمأة السوداء، فقوله: { تغرب في عين حمئة } إشارة ~~إلى أن الجانب الغربي من الأرض قد أحاط البحر به، وهو موضع شديد ~~السخونة، قال أهل الأخبار: إن الشمس تغيب في عين كثيرة الماء ~~والحمأة، وهذا في غاية ms5858 البعد؛ وذلك لأنا إذا رصدنا كسوفا قمريا، ~~فإذا اعتبرناه، ورأينا أن المغربيين قالوا: حصل هذا الكسوف في أول ~~الليل، ورأينا المشرقيين، قالوا: حصل في أول النهار علمنا أن أول ~~الليل عند أهل المغرب هو أول النهار الثاني عند أهل المشرق، بل ذلك الوقت ~~الذي هو أول الليل عندنا هو وقت العصر في بلد، ووقت الظهر في بلد آخر، ~~ووقت الضحوة في بلد ثالث، ووقت طلوع الشمس في بلد رابع، ونصف الليل ~~في بلد خامس، وإذا كانت هذه الأحوال معلومة بالاستقراء والأخبار وعلمنا ~~أن الشمس طالعة ظاهرة في كل هذه الأوقات كان الذي يقال: إنها تغيب في ~~الطين والحمأة كلاما على خلاف اليقين؛ وكلام الله تعالى مبرأ عن هذه ~~التهمة، فلم يبق إلا أن يصار إلى التأويل المذكور. # ثم قال: { ووجد عندها قوما } أي: عند العين أمة، وقيل: الضمير [عائد] ~~إلى الشمس. # قال ابن جريج: مدينة لها اثنا عشر ألف باب، لولا ضجيج أهلها لسمعت وجبة ~~الشمس حين تجب. # قوله: { قلنا يذا القرنين } يدل على أنه تعالى كلمه من غير ~~واسطة، وذلك يدل على أنه كان نبيا، فإن قيل: خوطب على ألسنة بعض ~~الأنبياء، فهو عدول عن الظاهر. # وقال بعضهم: المراد منه الإلهام. # قوله: { إمآ أن تعذب }. # يجوز فيه الرفع على الابتداء، والخبر محذوف، أي: إما تعذيبك واقع، ~~والرفع على خبر مضمر، أي: هو تعذيبك، والنصب أي: إما أن تفعل أن ~~تعذب. # وهذا يدل على أن سكان آخر المغرب، كانوا كفارا، فخير الله ذا ~~القرنين فيهم بين التعذيب، إن أقاموا على الكفر، وبين المن عليهم، ~~والعفو عنهم، وهذا التخيير على معنى الاجتهاد في أصلح المرين، كما خير ~~نبيه - محمدا عليه الصلاة و السلام - بين المن على المشركين، وبين ~~قتلهم. # وقال الأكثرون: هذا التعذيب هو القتل، وأما اتخاذ الحسنى فيهم، فهو ~~تركهم أحياء. # ثم قال ذو القرنين: { أما من ظلم } أي: ظلم نفسه؛ بمعنى " كفر " ~~لأنه ذكر في مقابلته: { وأما من ءامن } ثم قال: { فسوف ~~نعذبه } أي بقتله { ثم يرد إلى ربه ms5859 فيعذبه } ~~في الآخرة { عذابا نكرا } أي: منكرا فظيعا. # وهو النار، والنار أنكر من القتل. # قوله تعالى: { وأما من ءامن وعمل صالحا فله جزآء ~~الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا }. # { وأما من ءامن وعمل صالحا فله جزآء الحسنى ~~} الآية. # قوله: { جزآء الحسنى } قرأ الأخوان، وحفص بنصب " جزاء " ~~وتنوينه، والباقون برفعه مضافا، فالنصب على المصدر المؤكد لمضمون ~~الجملة، أو بنصب بمضمر، أو مؤكد لعامل من لفظه مقدر، أي: يجزي جزاء، ~~وتكون الجملة معترضة بين المبتدأ وخبره المقدم عليه، وقد يعترض على ~~الأول: بأن المصدر المؤكد لمضمون جملة لا يتقدم عليها، فكذا لا ~~يتوسط، وفيه نظر يحتمل الجواز والمنع، وهو إلى الجواز أقرب. # الثالث: أنه في موضع الحال. # الرابع: نصبه على التفسير، قاله الفراء؛ يعني التمييز، وهو بعيد. # وقرأ ابن عباس، ومسروق بالنصب والإضافة، وفيها تخريجان: # أحدهما: أن المبتدأ محذوف، وهو العامل في " جزاء الحسنى " التقدير: ~~فله الجزاء جزاء الحسنى. # والثاني: أنه حذف التنوين لالتقاء الساكنين؛ كقوله: [المتقارب] # 3565-................. # ولا ذاكر الله إلا قليلا # ذكره المهدوي. # والقراءة الثانية رفعه فيها على الابتداء، والخبر الجار قبله، و " ~~الحسنى " مضاف إليها، والمراد بالحسنى الجنة، وقيل: الفعلة الحسنى. # وقرأ عبد الله، وابن أبي إسحاق " جزاء " مرفوعا منونا على الابتداء، ~~و " الحسنى " بدل، أو بيان، أو منصوبة بإضمار " أعني " أو خبر ~~مبتدأ مضمر. # و " يسرا " نعت مصدر محذوف، أي: قولا ذا يسر، وقرأ أبو جعفر بضم ~~السين في اليسر حيث ورد. # فصل في اختلاف معنى الآية باختلاف القراءة # قال المفسرون: المعنى على قراءة النصب: فله الحسنى جزاء؛ كما يقال: لك ~~هذا الثوب هبة. # وعلى قراءة الرفع، فيه وجهان: # أحدهما: فله الجزاء الحسنى، والفعلة الحسنى: هي الإيمان، والعمل ~~الصالح. # والثاني: فله جزاء المثوبة الحسنى، وإضافة الموصوف إلى الصفة ~~مشهورة؛ كقوله: # ولدار الآخرة # [يوسف: 109]. و # حق اليقين # [الواقعة: 95]. # وقوله: { وسنقول له من أمرنا يسرا } الآية، أي: لا ~~نأمره بالصعب الشاق، ولكن بالسهل الميسر من الزكاة، والخراج ~~وغيرهما، وتقديره: ذا يسر؛ كقوله: # قولا ميسورا # [الإسراء: 28]. # قوله: { ثم أتبع سببا حتى إذا ms5860 بلغ مطلع ~~الشمس }. # أي: سلك طرقا ومنازل { حتى إذا بلغ مطلع } أي: موضع ~~طلوعها { وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من ~~دونها سترا }. # قال الحسن وقتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس سترا، وليس هناك شجر، ولا ~~جبل، ولا أبنية، تمنع [طلوع] الشمس عليهم؛ لأنهم كانوا في مكان لا ~~يستقر عليهم بناء، وكانوا يكونون في أسراب لهم، حتى إذا زالت الشمس ~~عنهم، خرجوا إلى معايشهم وحروثهم. # وقال الحسن: كانوا إذا طلعت الشمس، يدخلون الماء، فإذا ارتفعت عنهم، ~~خرجوا فرعوا؛ كأنهم بهائم. # قال الكلبي: هم قوم عراة؛ كسائر الحيوان، يفترش أحدهم أذنيه؛ ~~أحدهما تحته، ويلتحف بالأخرى. # فصل فيما يروى عن السد # ذكروا في بعض كتب التفسير: أن بعضهم، قال: سافرت، حتى جاوزت الصين، ~~فسألت عن هؤلاء القوم، فقيل: بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة، فبلغتهم، ~~فإذا أحدهم يفترش إحدى أذنيه، ويلبس الأخرى، فلما قرب طلوع الشمس، سمعت ~~صوتا كهيئة الصلصلة، فغشي علي، ثم أفقت، فلما طلعت الشمس؛ إذ هي ~~فوق الماء؛ كهيئة الزيت، فأدخلونا سربا لهم، فلما ارتفع النهار، ~~جعلوا يصطادون السمك فيطرحونه في الشمس؛ فينضج. # قوله: { مطلع الشمس }. # العامة على كسر اللام من " مطلع " والمضارع " يطلع " بالضم، ~~فكان القياس فتح اللام في المفعل مطلقا، ولكنها مع أخوات لها سمع ~~فيها الكسر، وقياسها الفتح، وقد قرأ به الحسن، وعيسى، وابن محيصن، ورويت ~~عن ابن كثير، وأهل مكة، قال الكسائي: " هذه اللغة قد ماتت " يعني: أي: ~~بكسر اللام من المضارع، والمفعل، وهذا يشعر أن من العرب من كان يقول: ~~طلع يطلع، بالكسر في المضارع. # قوله: { كذلك }: الكاف: إما مرفوعة المحل، أي: الأمر كذلك، أو ~~منصوبته، أي: فعلنا مثل ذلك. # ومعنى الكلام: كذلك فعل ذو القرنين، أتبع هذه الأسباب، حتى بلغ، وقد ~~علمنا حين ملكناه ما عنده من الصلاحية لذلك الملك. # وقيل: كذلك جعل الله أمر هؤلاء القوم على ما قد أعلم رسول الله - عليه ~~السلام - في هذا الذكر. # وقيل: كذلك كانت حاله مع أهل المطلع؛ كما كانت حاله مع أهل المغرب، قضى ~~في ms5861 هؤلاء، كما قضى في أولئك؛ من تعذيب الظالمين، والإحسان إلى المؤمنين. # وقيل: تم الكلام عند قوله: { كذلك }. # والمعنى: أنه تعالى قال: أمر هؤلاء القوم، كما وجدهم عليه ذو القرنين، ~~ثم قال بعده: { وقد أحطنا بما لديه خبرا } أي: كنا ~~عالمين بأن الأمر كذلك. # قوله: { ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ بين ~~السدين } الآية. # و { بلغ بين السدين } " بين " هنا يجوز أن يكون ظرفا، ~~والمفعول محذوف، أي: بلغ غرضه ومقصوده، وأن يكون مفعولا به على ~~الاتساع، أي: بلغ المكان الحاجز بينهما. # وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، بفتح سين " السدين " و " سدا " في هذه ~~السورة، وحفص فتح الجميع، أعني موضعي هذه السورة، وموضعي سورة يس ~~[الآية: 9]، وقرأ الأخوان بالفتح في " سدا " في سورتيه، وبالضم في " ~~السدين " والباقون بالضم في الجميع، فقيل: هما بمعنى واحد، وقيل: ~~المضموم: ما كان من فعل الله تعالى، والمفتوح ما كان من فعل الناس، ~~وهذا مروي عن عكرمة، و الكسائي، وأبي عبيد وابن الأنباري. # قال الزمخشري: لأن السد، بالضم: " فعل " بمعنى " مفعول " ~~أي: هو مما فعله الله، وخلقه، والسد، بالفتح: مصدر حدث يحدثه الناس. ~~وهو مردود: بأن السدين في هذه السورة جبلان، سد ذو القرنين بينهما ~~بسد، فهما من فعل الله، والسد الذي فعله ذو القرنين من فعل المخلوق، ~~و " سدا " في يس من فعل الله تعالى؛ لقوله: " وجعلنا " ومع ذلك قرىء ~~في الجميع، بالفتح، والضم، فعلم أنهما لغتان؛ كالضعف، والضعف، ~~والفقر، والفقر، وقال الخليل: المضموم اسم، والمفتوح مصدر، وهذا هو ~~الاختيار. # فصل في مكان السد # الأظهر: أن موضع السدين في ناحية الشمال، وقيل: جبلان بين ~~أرمينية، وأذربيجان. # وقيل: هذا المكان في مقطع أرض الترك. # وحكى محمد بن جرير الطبري في تاريخه: أن صاحب أذربيجان أيام ~~فتحها، وجه إنسانا إليه من ناحية الخزر، فشاهده، ووصف أنه بنيان ~~رفيع وراء خندق وثيق منيع، وذكر ابن خرداذبة في كتابه " المسالك ~~والممالك " أن الواثق بالله رأى في المنام كأنه فتح هذا الردم، فبعث ~~بعض الخدم إليه ليعاينوه، فخرجوا من باب الأبواب ms5862 حتى وصلوا إليه وشاهدوه، ~~فوصفوا أنه بنيان من لبن من حديد مشدود بالنحاس المذاب، وعليه باب ~~مقفل، ثم إن ذلك الإنسان لما حاول الرجوع، أخرجهم الدليل إلى ~~البقاع المحاذية لسمرقند. # فصل في مقتضى هذا الخبر # قال أبو الريحان البيروني: مقتضى هذا الخبر أن موضعه في الربع ~~الشمالي الغربي من المعمورة. # قوله: { يفقهون }: قرأ الأخوان بضم الياء، وكسر القاف، من أفقه ~~غيره، فالمفعول محذوف، أي: لا يفقهون غيرهم قولا، والباقون بفتحهما، أي: ~~لا يفهمون كلام غيرهم، وهو بمعنى الأول، وقيل: ليس بمتلازم؛ إذ قد يفقه ~~الإنسان كلام غيره، ولا يفقه قوله غيره، وبالعكس. # فصل في كيفية فهم ذي القرنين كلام أولئك القوم # لما بلغ ذو القرنين ما بين السدين { وجد من دونهما } [أي] ~~من ورائهما مجاوزا عنهما " قوما " ، أي: أمة من الناس { لا ~~يكادون يفقهون قولا }. # فإن قيل: كيف فهم ذو القرنين منهم هذا الكلام، بعد أن وصفهم الله تعالى ~~بقوله: { لا يكادون يفقهون قولا }؟. # فالجواب من وجوه: # أحدهما: قيل: كلم عنهم مترجم؛ ويدل عليه قراءة ابن مسعود: لا يكادون ~~يفقهون قولا، قال الذين من دونهم: يا ذا القرنين { إن يأجوج ~~ومأجوج }. # وثانيها: أن قوله: { لا يكادون يفقهون قولا } يدل على ~~أنهم قد يفقهون بمشقة وصعوبة [من إشارة ونحوها]. # وثالثها: أن " كاد " معناه المقاربة؛ وعلى هذا، فلا بد من إضمار، ~~تقديره: لا يكادون يفقهون إلا بمشقة؛ من إشارة ونحوها. # قوله: { يأجوج ومأجوج }: قرأ عاصم بالهمزة الساكنة، والباقون ~~بألف صريحة، واختلف في ذلك؛ فقيل: هما أعجميان، لا اشتقاق لهما، ومنعا ~~من الصرف؛ للعلمية والعجمة، ويحتمل أن تكون الهمزة أصلا، والألف بدلا ~~منها، أو بالعكس؛ لأن العرب تتلاعب بالأسماء الأعجمية، وقيل: بل هما ~~عربيان، واختلف في اشتقاقهما. # فقال الكسائي: يأجوج: مأخوذ من تأجج النار، ولهبها أو شدة ~~توقدها؛ فلسرعتهم في الحركة سموا بذلك، ومأجوج من موج البحر. # وقيل من الأج، وهو الاختلاط أو شدة الحر. # وقال القتيبي: من الأج، وهو سرعة العدو، ومنه قوله: [الطويل] # 3566-................. # تؤج كما أج الظليم المنفر # وقيل: من الأجاج، ms5863 وهو الماء المالح الزعاق. # وقال الخليل: الأج: حب؛ كالعدس، والمج: مج الريق، فيحتمل أن ~~يكونا مأخوذين منهما، ووزنهما يفعول، ومفعول، وهذا ظاهر على قراءة عاصم، ~~وأما قراءة الباقين، فيحتمل أن تكون الألف بدلا من الهمزة الساكنة، ~~إلا أن فيه أن من هؤلاء من ليس أصله قلب الهمزة الساكنة، وهم الأكثر، ~~ولا ضير في ذلك، ويحتمل أن تكون ألفهما زائدتين، ووزنهما " فاعول " من ~~يج، ومج. # ويحتمل أن يكون ماجوج من " ماج، يموج " أي: اضطرب، ومنه الموج، ~~فوزنه مفعول، وأصله: موجوج، قاله أبو حاتم، وفيه نظر؛ من حيث ادعاء ~~قلب حرف العلة، وهو ساكن، وشذوذه كشذوذ " طائي " في النسب إلى طيىء. # وعلى القول بكونهما عربيين مشتقين، فمنع صرفهما؛ للعلمية ~~والتأنيث؛ بمعنى القبيلة؛ كما تقدم في سورة هود، ومثل هذا الخلاف ~~والتعليل جار في سورة الأنبياء [الآية: 93] - عليهم السلام - والهمزة في ~~يأجوج ومأجوج لغة بني أسد، وقرأ رؤبة وأبوه العجاج " آجوج ". # فصل في اصل يأجوج ومأجوج # اختلفوا في أنهم من أي الأقوام، فقال الضحاك: هم جيل من الترك. # وقال السدي: الترك: سرية من يأجوج ومأجوج، خرجت، فضرب ذو القرنين ~~السد، فبقيت خارجة، فجميع الترك منهم. # وعن قتادة: أنهم اثنان وعشرون قبيلة، بنى ذو القرنين السد على إحدى ~~وعشرين قبيلة، وبقيت قبيلة واحدة، وهم الترك، سموا بذلك؛ لأنهم ~~[تركوا] خارجين. # فصل في أجناس البشر # قال أهل التاريخ: أولاد نوح ثلاثة: سام، وحام، ويافث. فسام أبو ~~العرب، والعجم، والروم. # وحام: أبو الحبشة، والزنج، والنوبة. # ويافث: أبو الترك، والخزر، والصقالبة، ويأجوج ومأجوج. # واختلفوا في صفاتهم: # فمن الناس من وصفهم بقصر القامة، وصغر الجثة بكون طول أحدهم شبرا، ~~ومنهم من يصفهم بطول القامة، وكبر الجثة، فقيل: طول أحدهم مائة ~~وعشرون ذراعا، ومنهم من طوله وعرضه كذلك، وأثبتوا لهم مخالب في الأظفار ~~وأضراسا كأضراس السباع، ومنهم من يفترش إحدى أذنيه، ويلتحف بالأخرى. # فصل في إفسادهم # واختلفوا في كيفية إفسادهم: # فقيل: كانوا يقتلون الناس. # وقيل: كانوا يأكلون لحوم الناس، وقيل: كانوا يخرجون أيام الربيع ولا ~~يتركون لهم شيئا أخضر. ms5864 # وبالجملة: فلفظ الفساد يحتمل هذه الأقسام. # ثم إنه تعالى حكى عن أهل ما بين السدين أنهم قالوا لذي ~~القرنين: { فهل نجعل لك خرجا } الآية. # قوله: " خرجا " قرأ ابن عامر " خرجا " هنا وفي المؤمنين [الآية: ~~72] بسكون الراء، والأخوان " خراجا " " فخراج " في السورتين بالألف، ~~والباقون كقراءة ابن عامر في هذه السورة، والأول في المؤمنين، وفي ~~الثاني، وهو " فخراج " كقراءة الأخوين، فقيل: هما بمعنى واحد كالقول ~~والقوال، والنول والنوال، وقيل: " الخراج " بالألف ما ضرب على ~~الأرض من الإتاوة كل عام، وبغير الألف بمعنى الجعل، أي: نعطيك من ~~أموالنا مرة واحدة ما تستعين به على ذلك، وقال أبو عمر: الخرج: ما ~~تبرعت به، والخراج ما لزمك أداؤه. # قال مكي - رحمه الله -: واختيار ترك الألف؛ لأنهم إنما عرضوا عليه: ~~أن يعطوه عطية واحدة على بنائه، لا أن يضرب ذلك عليهم كل عام، وقيل: ~~الخرج: ما كان على الرءوس، والخراج: ما كان على الأرض، قاله قطرب يقال: ~~أد خرج رأسك، وخراج أرضك، قاله ابن الأعرابي، وقيل: الخرج أخص، ~~والخراج أعم، قاله ثعلب، وقيل: الخرج مصدر، والخراج: اسم لما ~~يعطى، ثم قد يطلق على المفعول المصدر؛ كالخلق؛ بمعنى المخلوق. # ثم قال: { على أن تجعل بيننا وبينهم سدا } أي: ~~حاجزا، فلا يصلون إلينا. # قوله: { ما مكني }: " ما " بمعنى " الذي " وقرأ ابن كثير: " ~~مكنني " بإظهار النون، والباقون بإدغامها في نون الوقاية؛ للتخفيف. # وهي مرسومة في مصاحف غير مكة بنون واحدة، وفي مصاحف مكة بنونين، ~~فكل وافق مصحفه. # ومعنى الكلام: ما قواني عليه ربي خير من جعلكم، أي: ما جعلني ~~مكينا من المال الكثير، خير مما تبذلون لي من الخراج؛ فلا حاجة بي ~~إليه، كقول سليمان - عليه السلام -: # فمآ آتني الله خير ممآ آتاكم # [النمل: 36]. # قوله: { فأعينوني بقوة } أي: لا أريد المال، ولكن أعينوني ~~بأيديكم، وقوتكم { أجعل بينكم وبينهم ردما }. # والردم: هو السد، يقال: ردمت الباب، أي: سددته، وردمت الثوب: ~~رقعته؛ لأنه يسد موضع الخرق بالرقع، والردم أكثر من السد؛ من ~~قولهم: ثوب مردم، أي: وضعت عليه رقاع. # قالوا: وما ms5865 تلك القوة؟. قال: فعلة وصناع يحسنون البناء والعمل، ~~والآلة. # قالوا: وما تلك الآلة؟. # قال: { آتوني }: قرأ أبو بكر " ايتوني " بهمزة وصل؛ من أتى يأتي ~~في الموضعين من هذه السورة؛ بخلاف عنه في الثاني، ووافقه حمزة على ~~الثاني، من غير خلاف عنه، والباقون بهمزة القطع فيهما. # ف " زبر " على قراءة همزة الوصل منصوبة على إسقاط الخافض، أي: ~~جيئوني بزبر الحديد، وفي قراءة قطعها على المفعول الثاني؛ لأنه ~~يتعدى بالهمزة إلى اثنين، وعلى قراءة أبي بكر يحتاج إلى كسر التنوين ~~من " ردما " لالتقاء الساكنين؛ لأن همزة الوصل، تسقط درجا، فيقرأ ~~له بكسر التنوين، وبعده همزة ساكنة هي فاء الكلمة، وإذا ابتدأت بكلمتي " ~~ائتوني " في قراءته، وقراءة حمزة، تبدأ بهمزة مكسورة للوصل، ثم ياء ~~صريحة، هي بدل من همزة فاء الكلمة، وفي الدرج تسقط همزة الوصل، فتعود ~~الهمزة؛ لزوال موجب إبدالها. # والباقون يبتدئون، ويصلون بهمزة مفتوحة؛ لأنها همزة قطع، ويتركون ~~تنوين " ردما " على حاله من السكون، وهذا كله ظاهر لأهل النحو، خفي ~~على القراء. # والزبر: جمع زبرة، كغرفة وغرف. # و " زبر الحديد " قطعه. # قال الخليل: الزبرة من الحديد: القطعة الضخمة. # وقرأ الحسن بضم الباء. # قوله: " ساوى " هذه قراءة الجمهور، وقتادة " سوى " بالتضعيف، وعاصم ~~في رواية " سوي " مبنيا للمفعول. # وفيه إضمار، أي: فأتوه بها، فوضع تلك الزبر بعضها على بعض { ~~حتى إذا ساوى } أي سدت ما بين الجبلين إلى أعلاهما. # قوله: " الصدفين " قرأ أبو بكر بضم الصاد، وسكون الدال، وابن ~~كثير، وأبو عمرو، وابن عامر بضمهما، والباقون بفتحهما، وهذه لغات قرىء ~~بها في السبع، وأبو جعفر، وشيبة، وحميد بالفتح والإسكان، والماجشون ~~بالفتح والضم، وعاصم في رواية بالعكس. # والصدفان: ناحيتا الجبلين، وقيل: أن يتقابل جبلان، وبينهما طريق، ~~والناحيتان صدفان؛ لتقابلهما، وتصادفهما، من صادفت الرجل، أي: لاقيته ~~وقابلته، وقال أبو عبيد: " الصدف: كل بناء مرتفع، وقيل: ليس ~~بمعروف، والفتح لغة تميم، والضم لغة حمير ". # فصل في بناء السد # لما أتوه بزبر الحديد، وضع بعضها على بعض؛ حتى ساوت، وسدت ما بين ~~الجبلين، ووضع المنافخ عليها، والحطب، ms5866 حتى إذا صارت كالنار، صب ~~النحاس المذاب على الحديد المحمى، فالتصق بعضه ببعض، فصار جبلا ~~صلدا. # وهذه معجزة تامة؛ لأن هذه الزبر الكثيرة، إذا نفخ عليها؛ حتى ~~تصير كالنار، لم يقدر الحيوان على القرب منها، والنفخ عليها لا يكون ~~إلا بالقرب منها، فكأنه تعالى صرف تأثير تلك الحرارة العظيمة عن أبدان ~~أولئك النافخين عليها. # قيل: إنه وضع الحديد على الحطب، والحطب على الحديد؛ فصار الحطب في ~~خلال الحديد، ثم نفخوا عليه؛ حتى صار نارا، أفرغ عليه النحاس ~~المذاب؛ فدخل في خلال الحديد مكان الحطب؛ لأن النار أكلت الحطب؛ فصار ~~النحاس مكان الحطب؛ حتى لزم الحديد النحاس. # قال قتادة: صار كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء. # فصل فيما بين السدين # قال الزمخشري: قيل: بعد ما بين السدين مائة فرسخ. # وروي: عرضه كان خمسين ذراعا، وارتفاعه مائتي ذراع. # قوله: " قطرا " هو المتنازع فيه، وهذه الآية أشهر أمثلة النحاة في ~~باب التنازع، وهي من إعمال الثاني؛ للحذف من الأول، والقطر: النحاس، ~~أو الرصاص المذاب؛ لأنه يقطر. # قوله: { فما اسطاعوا }: قرأ حمزة بتشديد الطاء، والباقون ~~بتخفيفها، والوجه في الإدغام، كما قال أبو علي: " لما لم يمكن إلقاء ~~حركة [التاء] على السين؛ لئلا يحرك ما لا يتحرك " - يعني: أن ~~سين " استفعل " لا تتحرك - أدغم مع الساكن، وإن لم يكن حرف لين، ~~وقد قرأت القراء غير حرف من هذا النحو؛ وقد أنشد سيبويه " ومسحي " ~~يعني في قول الشاعر: [الرجز] # 3567- كأنه بعد كلال الزاجر # ومسحي مر عقاب كاسر # [يريد " ومسحه " ] فأدغم الحاء في الهاء بعد أن قلب الهاء حاء، وهو ~~عكس قاعدة الإدغام في المتقاربين، وهذه القراءة قد لحنها بعض النحاة، ~~قال الزجاج: " من قرأ بذلك، فهو لاحن مخطىء " وقال أبو علي: " هي ~~غير جائزة ". # وقرأ الأعشى، عن أبي بكر " اصطاعوا " بإبدال السين صادا، والأعمش " ~~استطاعوا " كالثانية. # فصل # حذفت تاء " استطاعوا " للخفة؛ لأن التاء قريبة المخرج من ~~الطاء، ومعنى " يظهروه " أي: يعلونه من فوق ظهره؛ لطوله، وملاسته، ~~وصلابته، وثخانته، ثم قال ذو القرنين: " هذا " إشارة إلى السد ms5867 " ~~رحمة " أي: نعمة من الله، ورحمة على عباده { فإذا جآء وعد ~~ربي } أي: القيامة. # وقيل: وقت خروجهم { جعله دكآء } أي: جعل السد مدكوكا ~~مستويا، مع وجه الأرض. # قوله: { جعله دكآء }: الظاهر أن " الجعل " هنا بمعنى " ~~التصيير " فتكون " دكاء " مفعولا ثانيا، وجوو ابن عطية: أن ~~يكون حالا، و " جعل " بمعنى " خلق " وفيه بعد؛ لأنه إذ ذاك ~~موجود، وتقدم خلاف القراء في " دكاء " في الأعراف. # قوله: { وكان وعد ربي حقا } الوعد هنا مصدر بمعنى " ~~الموعود " أو على بابه. # فصل فيما روي عن يأجوج ومأجوج # روى قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، يرفعه: أن يأجوج ومأجوج ~~يحفرونه كل يوم، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس، قال الذي ~~عليهم: ارجعوا؛ فستحفرونه غدا، فيعيده الله كما كان، حتى إذا ~~بلغت مدتهم، حفروا؛ حتى كادوا يرون شعاع الشمس، قال الذي ~~عليهم: ارجعوا، فستحفرونه، إن شاء الله تعالى غدا، واستثنى، ~~فيعودون إليه، وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه، فيخرجون على الناس ~~[فيشربون] المياه، ويتحصن الناس في حصونهم، فيرمون بسهامهم ~~إلى السماء، فترجع فيها كهيئة الدم، فيقولون: قهرنا أهل ~~الأرض، وعلونا أهل السماء، فيبعث الله عليهم نغفا في أقفائهم، ~~فيهلكون، وإن دواب الأرض لتسمن وتشكر من لحومهم. # وعن النواس بن سمعان، قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الدجال ذات غداة، فخفض فيه ورفع حتى ظنناه في طائفة ~~النخل، فلما رحنا إليه، عرف ذلك فينا، فقال: ما شأنكم؟ قلنا: يا ~~رسول الله، ذكرت الدجال الغداة، فخفضت، ورفعت؛ حتى ~~ظنناه في طائفة النخل؛ فقال: غير الدجال أخوفني عليكم، إن ~~يخرج وأنا فيكم، فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج، ولست فيكم، فكل ~~امرىء حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم؛ إنه شاب قطط، ~~عينه طافية؛ كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن، فمن أدركه منكم، ~~فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنه خارج خلة بين الشام والعراق، ~~فعاث يمينا، وعاث شمالا؛ يا عباد الله فاثبتوا قلنا: يا رسول الله، وما ~~لبثه في الأرض؟ قال: أربعون يوما؛ يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم ~~كجمعة، ms5868 وسائر أيامه كأيامكم، قلنا: يا رسول الله، فذلك اليوم ~~الذي كسنة، يكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، اقدروا له قدره، قلنا: ~~يا رسول الله، وما إسراعه في الأرض؟ قال: كالغيث استدبرته ~~الريح، فيأتي على القوم، فيدعوهم، فيؤمنون به، ويستجيبون ~~له، فيأمر السماء، فتمطر، والأرض فتنبت، وتروح عليهم ~~سارحتهم، أطول ما كانت ذرى، وأسبغه ضروعا، وأمده خواصر، ثم ~~يأتي القوم، فيدعوهم، فيردون عليه قوله، قال: فينصرف عنهم، ~~فيصبحون ممحلين، ليس بايديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة، ~~فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها؛ كيعاسيب النحل، ~~ثم يدعو رجلا ممتلئا شبابا، فيضربه بالسيف، فيقطعه ~~جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه، فيقبل، يتهلل وجهه؛ يضحك، فبينما ~~هو كذلك؛ إذ بعث الله عيسى ابن مريم المسيح - عليه السلام - فينزل عند ~~المنارة البيضاء شرقي دمشق، بين مهرودتين واضعا كفيه على ~~أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه، قطر، وإذا رفعه؛ تحدر منه مثل جمان ~~اللؤلؤ، فلا يحل للكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ~~ينتهي طرفه حتى يدركه بباب لد، فيقتله، ثم يأتي عيسى قوم قد ~~عصمهم الله منه، فيمسح عن وجوههم، ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، ~~فبينما هو كذلك إذ أوحى الله تعالى إلى عيسى: إني قد أخرجت عبادا ~~لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور، ويبعث الله ~~يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة ~~" طبرية " فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم، فيقولون: لقد كان بهذه ~~مرة ماء، ويحصر نبي الله وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا ~~من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، ~~فيرسل الله تعالى عليهم النغف في رقابهم، فيصبحون فرسى كموت ~~نفس واحدة ثم يهبط نبي الله وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في ~~الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى ~~وأصحابه إلى الله، فيرسل الله عليهم طيرا؛ كأعناق البخت، ~~فتحملهم، فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطرا، لا ~~يكن منه بيت مدر، ولا وبر، فيغسل الأرض، حتى يتركها ms5869 ~~كالزلقة، ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك، وردي بركتك، ~~فيومئذ: تأكل العصابة الرمانة، ويستظلون بقحفها، ~~ويبارك في الرسل، حتى إن اللقحة من الإبل، لتكفي الفئام من ~~الناس، وبينما هم كذلك؛ إذ بعث الله ريحا طيبة، فتأخذهم تحت ~~آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن، وكل مسلم، ويبقى شرار الناس ~~يتهارجون فيها تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة. # قوله: { وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض } الآية. # قيل: هذا عند فتح السد، وتركنا يأجوج ومأجوج يموج بعضهم في بعض، أي: ~~يزدحمون كموج الماء، ويختلط بعضهم في بعض؛ لكثرتهم. # وقيل: هذا عند قيام الساعة يدخل الخلق بعضهم في بعض، ويختلط إنسيهم ~~بجنيهم حيارى. # قوله: " يومئذ " التنوين عوض من جملة محذوفة، تقديرها: يوم إذ جاء ~~وعد ربي، أو إذ حجز السد بينهم. # قوله: { يموج }: مفعول ثان ل " تركنا " والضمير في " بعضهم ~~" يعود على " يأجوج ومأجوج " أو على سائر الخلق. # قوله: { ونفخ في الصور }. لأن خروج يأجوج ومأجوج من علامات قرب ~~الساعة، وتقدم الكلام في الصور، { فجمعناهم جمعا } في ~~صعيد واحد. # " وعرضنا ": أبرزنا. # { جهنم يومئذ للكافرين عرضا } حتى يشاهدوها ~~عيانا. # قوله: { الذين كانت }: يجوز أن يكون مجرورا بدلا من " ~~للكافرين " أو بيانا، أو نعتا، وأن يكون منصوبا بإضمار " أذم " ~~وأن يكون مرفوعا خبر ابتداء مضمر. # ومعنى { كانت أعينهم في غطآء }: أي: [غشاء]، والغطاء: ما ~~يغطي الشيء ويستره { عن ذكري }: عن الإيمان والقرآن، والمراد منه: ~~شدة انصرافهم عن قبول الحق، وعن الهدى والبيان، وقيل: عن رؤية ~~الدلائل: { وكانوا لا يستطيعون سمعا }. # أي: سمع الصوت، أي: القبول والإيمان؛ لغلبة الشقاء عليهم. # وقيل: لا يعقلون، وهذا قوله: # فعموا وصموا # [المائدة: 71]. # أما العمى، فهو قوله: { كانت أعينهم في غطآء عن ذكري } ~~وأما الصمم فقوله: { لا يستطيعون سمعا }. # أي: لا يقدرون [أن يسمعوا] من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~يتلوه عليهم؛ لشدة عداوتهم له. ### || [18.102-106] # قوله تعالى: { أفحسب الذين كفروا } الآية. # لما بين إعراض الكافرين عن الذكر، وعن سماع ما جاء به رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أتبعه بقوله: { أفحسب الذين ms5870 كفروا }. # والمعنى: أفظن الذين كفروا أن ينتفعوا بما عبدوه. # والمراد بقوله: { أن يتخذوا عبادي من دوني أوليآء }: ~~أربابا، يريد بالعباد: عيسى، والملائكة. # وقيل: هم الشياطين يتولونهم ويطيعونهم. # وقيل: هم الأصنام، سماها عبادا؛ كقوله: # عباد أمثالكم # [الأعراف: 194]. وهو استفهام توبيخ. # قوله: { أفحسب }: العامة على كسر السين، وفتح الباء؛ فعلا ماضيا، ~~و { أن يتخذوا } ساد مسد المفعولين، وقرأ أمير المؤمنين ~~علي بن أبي طالب، وزيد بن علي، وابن كثير، ويحيى بن يعمر في آخرين، ~~بسكون السين، ورفع الباء على الابتداء، والخبر " أن " وما في حيزها. # والمعنى: أفكافيهم، وحسيبهم أن يتخذوا كذا وكذا. # وقال الزمخشري: " أو على الفعل والفاعل؛ لأن اسم الفاعل، إذا اعتمد ~~على الهمزة، ساوى الفعل في العمل؛ كقولك: " أقائم الزيدان " وهي ~~قراءة محكية جيدة ". # قال أبو حيان: " والذي يظهر أن هذا الإعراب لا يجوز؛ لأن حسبا ~~ليس باسم فاعل، فيعمل، ولا يلزم من تفسير شيء بشيء: أن يجرى عليه ~~أحكامه، وقد ذكر سيبويه أشياء من الصفات التي تجري مجرى الأسماء، وأن ~~الوجه فيها الرفع، ثم قال: وذلك نحو: مررت برجل خير منه أبوه، ~~ومررت برجل سواء عليه الخير والشر، ومررت برجل اب له صاحبه، ومررت ~~برجل حسبك من رجل هو، ومررت برجل أيما رجل هو ". ثم قال أبو حيان: ~~" ولا يبعد أن يرفع به الظاهر، فقد أجازوا في " مررت برجل أبي عشرة ~~أبوه " أن يرتفع " أبوه " ب " أبي عشرة " لأنه في معنى والد عشرة ~~". # قوله: " نزلا " فيه أوجه: # أحدها: أنه منصوب على الحال، جمع " نازل " نحو شارف، وشرف. # الثاني: أنه اسم موضع النزول. قال ابن عباس: " مثواهم " وهو قول ~~الزجاج. # الثالث: أنه اسم ما يعد للنازلين من الضيوف، أي: معدة لهم؛ ~~كالمنزل للضيف، ويكون على سبيل التهكم بهم، كقوله تعالى: # فبشرهم بعذاب أليم # [آل عمران: 21] وقوله: [الوافر] # 3568-.............. # تحية بينهم ضرب وجيع # ونصبه على هذين الوجهين مفعولا به، أي: صيرنا. # وأبو حيوة " نزلا " بسكون الزاي، وهو تخفيف الشهيرة. # قوله: { قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا }. # يعني: الذين أتعبوا أنفسهم في عمل يرجون ms5871 به فضلا ونوالا، فنالوا ~~هلاكا وبوارا. # قال ابن عباس، وسعد بن أبي وقاص: هم اليهود والنصارى. # وهو قول مجاهد. # وقيل: هم الرهبان الذين حبسوا أنفسهم في الصوامع؛ كقوله تعالى: # عاملة ناصبة # [الغاشية: 3]. # وقال علي بن أبي طالب: هم أهل حروراء. # قوله: { أعمالا }: تمييز للأخسرين؛ وجمع لاختلاف الأنواع. # قوله: { الذين ضل }: يجوز فيه الجر نعتا، وبدلا، وبيانا، ~~والنصب على الذم، والرفع على خبر ابتداء مضمر. # ومعنى خسرانهم أن مثلهم كمن يشتري سلعة يرجو منها ربحا، فخسر وخاب ~~سعيه، كذلك أعمال هؤلاء الذين أتعبوا أنفسهم مع ضلالهم، فبطل جدهم ~~واجتهادهم في الحياة الدنيا، { وهم يحسبون } يظنون { أنهم ~~يحسنون صنعا } أي: عملا. # قوله: { يحسبون أنهم يحسنون } يسمى في البديع " ~~تجنيس التصحيف " وتجنيس الخط، وهذا من أحسنه، وقال البحتري: ~~[الطويل] # 3569- ولم يكن المغتر بالله إذ شرى # ليعجز والمعتز بالله طالبه # فالأول: من الغرور، والثاني: من العز، ومن أحسن ما جاء في تجنيس ~~التصحيف قوله: [السريع] # 3570- سقينني ريي وغنينني # بحت بحبي حين بن الخرد # يصحف بنحو: [السريع] # شقيتني ربي وعنيتني # بحب يحيى ختن ابن الجرد # وفي بعض رسائل الفصحاء: # قيل قبل نداك ثراك، عبد عند رجاك رجاك، آمل ~~أمك. # قوله تعالى: { أولئك الذين كفروا بآيت ربهم ~~ولقائه }. # لقاء الله عبارة عن رؤيته؛ لأنه يقال: لقيت فلانا، أي: رأيته. # فإن قيل: اللقيا عبارة عن الوصول؛ قال الله تعالى: # فالتقى المآء على أمر قد قدر # [القمر: 12]. # وذلك في حق الله محال؛ فوجب حمله على ثواب الله. # فالجواب: أن لفظ اللقاء، وإن كان في الأصل عبارة عن الوصول إلا أن ~~استعماله في الرؤية مجاز ظاهر مشهور، ومن قال بأن المراد منه: لقاء ~~ثواب الله، فذلك لا يتم إلا بالإضمار، وحمل اللفظ على المجاز المتعارف ~~المشهور أولى من حمله على ما يحتاج إلى الإضمار. # واستدلت المعتزلة بقوله تعالى: { فحبطت أعمالهم } على أن ~~الإحباط حق، وقد تقدم ذلك في البقرة وقرأ ابن عباس " فحبطت " ~~بفتح الباء والعامة بكسرها. # قوله: { فلا نقيم لهم يوم القيمة وزنا }. # قرأ العامة " نقيم " بنون العظمة، ms5872 من " أقام " ومجاهد وعبيد بن ~~عمير: " فلا يقيم " بياء الغيبة، لتقدم قوله: " بآيات ربهم ~~" فالضمير يعود عليه، ومجاهد أيضا " فلا يقوم لهم " مضارع " قام ~~" متعد، كذا قال أبو حيان، والأحسن من هذا: أن تعرب هذه القراءة على ~~ما قاله أبو البقاء: أن يجعل فاعل " يقوم " " صنيعهم " أو " سعيهم ~~" وينتصب حينئذ " وزنا " على أحد وجهين: إما على الحال، وإما على ~~التمييز. # فصل في معنى الآية # المعنى: أنا نزدري بهم، وليس لهم عندنا وزن ومقدار، تقول العرب: ما ~~لفلان عندي وزن، أي: قدر؛ لخسته، وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " إنه ليأتي يوم القيامة الرجل العظيم السمين، فلا ~~يزن عند الله جناح بعوضة " # وقال: # " اقرءوا: فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ". # وقيل: المعنى: فلا نقيم لهم يوم القيامة ميزانا؛ لأن الميزان إنما ~~يوضع؛ لأجل الحسنات والسيئات من الموحدين؛ لتمييز مقدار الطاعات، ~~ومقدار السيئات. # قال أبو سعيد الخدري: يأتي ناس بأعمال يوم القيامة من عندهم في ~~التعظيم كجبال تهامة، فإذا وزنوها، لم تزن شيئا، فذلك قوله: { ~~فلا نقيم لهم يوم القيمة وزنا }. # وقال القاضي: إن من غلبت معاصيه، صارت طاعاته كأن لم تكن، فلم يدخل ~~في الوزن شيء من طاعته، وهذا التفسير بناه على قول الإحباط والتكفير. # قوله: { ذلك جزآؤهم جهنم }: فيه أوجه كثيرة. # الأول: أن يكون " ذلك " خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر ذلك والمعنى: الذي ~~ذكرت من حبوط أعمالهم وخسة أقدارهم و " جزاؤهم جهنم " جملة ~~برأسها. # الثاني: أن يكون " ذلك " مبتدأ أول، و " جزاؤهم " مبتدأ ثان، و " ~~جهنم " خبره، وهو [وخبره] خبر الأول، والعائد محذوف، أي: جزاؤهم به، ~~كذا قال أبو البقاء، فالهاء في " به " تعود على " ذلك " و " ذلك " ~~مشار به إلى عدم إقامة الوزن. # قال أبو حيان: " ويحتاج هذا التوجيه إلى نظر " قال شهاب الدين: إن ~~عنى النظر من حيث الصناعة، فمسلم، ووجه النظر: أن العائد حذف من ~~غير مسوغ إلا بتكلف؛ فإن العائد على المبتدأ، إذا كان مجرورا، لا ~~يحذف إلا إذا جر بحرف تبعيض، ms5873 أو ظرفية، أو يجر عائدا جر قبله ~~بحرف، جر به المحذوف؛ كقوله: [الطويل] # 3571- أصخ فالذي تدعى به أنت مفلح # ................ # أي: مفلح به، وإن عنى من حيث المعنى، فهو معنى جيد. # الثالث: أن يكون " ذلك " مبتدأ، و " جزاؤهم " بدل، أو بيان، و " ~~جهنم " خبره. # الرابع: أن يكون " ذلك " مبتدأ أيضا، و " جزاؤهم " خبره، و " جهنم " ~~بدل، أو بيان، أو خبر ابتداء مضمر. # الخامس: أن يجعل " ذلك " مبتدأ، و " جزاؤهم " بدل، أو بيان، و " ~~جهنم " خبر ابتداء مضمر، و " بما كفروا " خبر الأول، والجملة ~~اعتراض. # السادس: أن يكون " ذلك " مبتدأ، والجار: الخبر، و " جزاؤهم جهنم ~~" جملة معترضة، وفيه بعد. # السابع: أن يكون " ذلك " إشارة إلى جماعة، وهم مذكورون في وقله: " ~~بالأخسرين " ، وأشير إلى الجمع؛ كإشارة الواحد؛ كأنه قيل: أولئك ~~جزاؤهم جهنم، والإعراب المتقدم يعود على هذا التقدير. # ومعنى الكلام: أن ذلك الجزاء جزاء على مجموع أمرين: كفرهم، ~~واتخاذهم آيات الله ورسله هزوا، فلم يقتصروا على الرد عليهم ~~وتكذيبهم، حتى استهزءوا بهم. # قوله: " واتخذوا " فيه وجهان: # أحدهما: أنه عطف على " كفروا " فيكون محله الرفع؛ لعطفه على خبر " ~~إن ". # الثاني: أنه مستأنف، فلا محل له، والباء في قوله: " بما كفروا " ~~لا يجوز تعلقها ب " جزاؤهم " للفصل بين المصدر ومعموله. ### || [18.107-110] # قوله تعالى: { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } ~~الآية. # لما ذكر وعيد الكفار، ونزلهم، أتبعه بوعيد المؤمنين ونزلهم. قال ~~قتادة: الفردوس: وسط الجنة، وأفضلها. # وعن كعب: ليس في الجنان أعلى من جنة الفردوس، وفيها الآمرون ~~بالمعروف، والناهون عن المنكر. # وعن مجاهد: الفردوس: هو البستان، بالرومية. # وقال عكرمة: هو الجنة بلسان الحبش. # وقال الزجاج: هو بالرومية منقول إلى لفظ العربية. # وقال الضحاك: هي الجنة الملتفة الأشجار. # وقيل: هي التي تنبت ضروبا من النبات. # وقيل: الفردوس: الجنة من الكرم خاصة. # وقيل: ما كان عاليها كرما. # وقيل: كل ما حوط عليه، فهو فردوس. # وقال المبرد: الفردوس فيما سمعت من العرب: الشجر الملتف، ~~والأغلب عليه: أن يكون من العنب، واختلفوا فيه: # فقيل: هو عربي، وقيل: هو أعجمي، وقيل: هو ms5874 رومي، أو فارسي، أو ~~سرياني، قيل: ولم يسمع في كلام العرب إلا في قوله حسان: [الطويل] # 3572- وإن ثواب الله كل موحد # جنان من الفردوس فيها يخلد # وهذا ليس بصحيح؛ لأنه سمع في شعر أمية بن أبي الصلت: [البسيط] # 3573- كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة # فيها الفراديس ثم الثوم والبصل # ويقال: كرم مفردس، أي: معرش، ولهذا سميت الروضة التي دون اليمامة ~~فردوسا. # وإضافة جنات إلى الفردوس إضافة تبيين، وجمعه فراديس؛ قال - عليه ~~الصلاة والسلام -: # " في الجنة مائة درجة ما بين كل درجة مسيرة مائة عام، ~~والفردوس أعلاها درجة، وفيها الأنهار الأربعة، والفردوس من ~~فوقها، فإذا سألتم الله تعالى، فاسألوه الفردوس؛ فإن فوقها ~~عرش الرحمن، ومنها تفجر أنهار الجنة ". # قوله: " نزلا ": فيه ما تقدم: من كونه اسم مكان النزول، أو ما ~~يعد للضيف، وفي نصبه وجهان: # أحدهما: أنه خبر " كانت " و " لهم " متعلق بمحذوف على أنه حال ~~من " نزلا " أو على البيان، أو ب " كانت " عند من يرى ذلك. # والثاني: أنه حال من " جنات " أي: ذوات نزل، والخبر الجار. # وإذا قلنا بأن النزل هو ما يهيأ للنازل، فالمعنى: كانت لهم ~~ثمار جنات الفردوس، ونعيمها نزلا، ومعنى " كانت لهم " أي: في ~~علم الله قبل أن يخلقوا. # قوله: { لا يبغون }: الجملة حال: إما من صاحب " خالدين " ~~وإما من الضمير في " خالدين " فتكون حالا متداخلة. # والحول: قيل: مصدر بمعنى " التحول " يقال: حال عن مكانه ~~حولا؛ فهو مصدر؛ كالعوج، والعود، والصغر؛ قال: [الرجز] # 3574- لكل دولة أجل # ثم يتاح لها حول # والمعنى: لا يطلبون عنها تحولا إلى غيرها؟ # وقال الزجاج: " هو عند قوم بمعنى الحيلة في التنقل " وقال ابن ~~عطية: " والحول: بمعنى التحول؛ قال مجاهد: متحولا " وأنشد ~~الرجز المتقدم، ثم قال: " وكأنه اسم جمع، وكأن واحده حوالة " ~~قال شهاب الدين: وهذا غريب، والمشهور الأول، والتصحيح في " فعل " هو ~~الكثير، إن كان مفردا؛ نحو: " الحول " وإن كان جمعا، فالعكس؛ نحو: " ~~ثيرة " و " كبرة ". # قوله تعالى: { قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي ~~} الآية. # لما ذكر في هذه السورة أنواع ms5875 الدلائل والبينات، وشرح فيها أقاصيص ~~الأولين، نبه على كمال حال القرآن، فقال: { قل لو كان ~~البحر مدادا لكلمات ربي }. # قال ابن عباس: قالت اليهود: يا محمد، تزعم أنك قد أوتينا الحكمة، وفي ~~كتابك # ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا # [البقرة: 269]. # ثم تقول: # ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا # [الإسراء: 85]. # فأنزل الله هذه الآية. # وقيل: لما نزلت: { ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا } ~~قالت اليهود: أوتينا التوراة، وفيها علم كل شيء، فأنزل الله تعالى: { ~~قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد ~~البحر قبل أن تنفد كلمات ربي }. # والمداد: اسم لما تمد به الدواة من الحبر، ولما يمد به ~~السراج من السليط، وسمي المداد مدادا؛ لإمداده الكاتب، وأصله من ~~الزيادة. # وقال مجاهد: لو كان البحر مدادا للقلم والقلم يكتب " لنفد البحر " ~~أي: ماؤه. # قوله: " تنفد ": قرأ الأخوان " ينفد " بالياء من تحت؛ لأن التأنيث ~~مجازي، والباقون بالتاء من فوق؛ لتأنيث اللفظ، وقرأ السلمي - ورويت عن ~~أبي عمرو وعاصم - " تنفد " بتشديد الفاء، وهو مطاوع " نفد " ~~بالتشديد؛ نحو: كسرته، فتكسر، وقراءة الباقين مطاوع " أنفدته ". # قوله: " ولو جئنا " جوابها محذوف لفهم المعنى، تقديره: لنفد، ~~والعامة على " مددا " بفتح الميم، والأعمش قرأ بكسرها، ونصبه على ~~التمييز كقوله: [الطويل] # 3575-................ # فإن الهوى يكفيكه مثله صبرا # وقرأ ابن مسعود، وابن عباس " مدادا " كالأول، ونصبه على التمييز ~~أيضا عند أبي البقاء، وقال غيره - كأبي الفضل الرازي -: إنه منصوب على ~~المصدر، بمعنى الإمداد؛ نحو: # أنبتكم من الأرض نباتا # [نوح: 17] قال: والمعنى: ولو أمددناه بمثله إمدادا. # فصل في معنى الآية # المعنى: ولو كان الخلائق بكتبون، والبحر يمدهم، لنفد ما في ~~البحر، ولم تنفد كلمات ربي { ولو جئنا بمثله } أي بمثل ~~ماء البحر في كثرته. # قوله: { مددا } نظيره قوله تعالى: # ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر ~~يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات ~~الله # [لقمان: 27]. # واستدلوا بهذه الآية على أنها صريحة في إثبات كلمات كثيرة لله ~~تعالى. # قال ابن الخطيب: وأصحابنا حملوا الكلمات على متعلقات علم الله تعالى. # قال ms5876 الجبائي: وأيضا قوله: { قبل أن تنفد كلمات ربي } ~~يدل على أن كلمات الله تعالى، قد تنفد في الجملة، وما ثبت عدمه، ~~امتنع قدمه. # وأيضا قال: { ولو جئنا بمثله مددا }. # وهذا يدل على أنه تعالى قادر على أن يجيء بمثل كلامه، والذي يجيء به ~~يكون محدثا، والذي يكون المحدث كلامه فهو أيضا محدث. # فالجواب: بأن المراد به الألفاظ الدالة على تعلقات تلك ~~الصفات الأزلية. # ولما بين تعالى تمام كلامه أمر محمدا صلى الله عليه وسلم بأن ~~يسلك طريقة التواضع، فقال: { قل إنمآ أنا بشر مثلكم ~~يوحى إلي }. # أي: لا امتياز بيني وبينكم في شيء من الصفات إلا في أن الله تعالى، ~~أوحى إلي أنه لا إله إلا هو الواحد الأحد. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: علم الله - عز وجل - رسوله ~~صلى الله عليه وسلم التواضع، فأمره أن يقر، فيقول: أنا آدمي مثلكم ~~إلا أني خصصت بالوحي. # قوله: { أنمآ إلهكم إله واحد } وهو يدل على ~~مطلوبين: # أحدهما: أن كلمة " أنما " تفيد الحصر. # والثاني: كون الإله واحدا. # قوله: { أنمآ إلهكم }: " أن " هذه مصدرية، وإن كانت مكفوفة ~~ب " ما " وهذا المصدر فائم مقام الفاعل؛ كأنه قيل: إنما يوحى إلي ~~التوحيد. # قوله: { فمن كان يرجوا لقآء ربه }. # الرجاء: هو ظن المنافع الواصلة، والخوف: ظن المضار الواصلة ~~إليه، فالرجاء هو الأمل. # وقيل: معنى " يرجو لقاء ربه " أي: يخاف المصير إليه، فالرجاء يكون ~~بمعنى الخوف، والأمل جميعا؛ قال الشاعر: [الطويل] # 3576- فلا كل ما ترجو من الخير كائن # ولا كل ما ترجو من الشر واقع # فجمع بين المعنيين، وأهل السنة حملوا لقاء الرب على رؤيته. ~~والمعتزلة حملوه على لقاء ثواب الله. # قوله تعالى: { فليعمل عملا صالحا ولا يشرك ~~بعبادة ربه أحدا }. # قرأ العامة: " ولا يشرك " بالياء من تحت، عطف نهي على أمر، وروي ~~عن أبي عمرو " ولا تشرك " بالتاء من فوق؛ خطابا على الالتفات من ~~الغيبة إلى الخطاب، ثم التفت في قوله " بعبادة ربه " إلى الأول، ~~ولو جيء على الالتفات الثاني، لقيل: " ربك " والباء سببية، أي: بسبب. ms5877 ~~وقيل: بمعنى " في ". # فصل في ورود لفظ الشرك في " القرآن الكريم " # قال أبو العباس المقري: ورد لفظ " الشرك " في القرآن بإزاء معنيين: # الأول: بمعنى الشرك في العمل؛ كهذه الآية. # الثاني: بمعنى العدل؛ قال تعالى: # واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا # [النساء: 36]. أي: ولا تعدلوا به شيئا. # فصل في بيان الشرك الأصغر # قال - عليه الصلاة والسلام -: # " أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: وما ~~الشرك الأصغر؟ قال: الرياء ". # وقال - عليه الصلاة والسلام -: # " إن الله تعالى يقول: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، ~~فمن عمل عملا أشرك فيه غيري، فأنا منه بريء، وهو ~~للذي عمله ". # وعن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من ~~فتنة الدجال ". # وعن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من قرأ أول سورة الكهف، كانت له نورا من ~~قدميه إلى رأسه، ومن قرأها، كانت له نورا من الأرض ~~إلى السماء ". # وعن سمرة بن جندب، عن أبيه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ عشر آيات من الكهف حفظا، لم يضره ~~فتنة الدجال، ومن قرأ السورة كلها، دخل الجنة ". # وعن عبد الله بن أبي فروة، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ألا أدلكم على سورة شيعها سبعون ألف ملك، حين ~~نزلت، ملأ عظمها ما بين السماء والأرض، ولتاليها ~~مثل ذلك؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: سورة الكهف من ~~قرأها يوم الجمعة، غفر له إلى الجمعة الأخرى، وزيادة ~~ثلاثة أيام، وأعطي نورا يبلغ السماء، ووقي فتنة ~~الدجال ". ### | [19 - سورة مريم] ### || [19.1] # اعلم أن حروف المعجم على نوعين: ثنائي، وثلاثي، وقد جرت العادة - ~~عادة العرب - أن ينطقوا بالثنائيات المقطوعة ممالة، فيقولوا: با، ~~تا، ثا، وكذلك أمثالها، وأن ينطقوا بالثلاثيات التي في وسطها الألف ~~مفتوحة مشبعة، فيقولون: دال ذال، صاد، ضاد، وكذلك أشكالها. # أما الزاي وحده من بين حروف المعجم، فمعتاد فيه الأمران؛ فإن من ~~أظهر ياءه في النطق حتى يصير ثلاثيا، لم ms5878 يمله، ومن لم يظهر ~~ياءه في النطق؛ حتى يشبه الثنائي، أماله. # واعلم أن إشباع الفتحة في جميع المواضع أصل، والإمالة فرع عليه؛ ~~ولذلك يجوز إشباع كل ممال، ولا يجوز إمالة كل مشبع من ~~المفتوحات. # والعامة على تسكين أواخر هذه الأحرف المقطعة، لذلك كان بعض ~~القراء يقف على كل حرف منها وقفة يسيرة مبالغة في تمييز بعضها من ~~بعض. # وقرأ [الحسن] " كاف " بالضم؛ كأنه جعلها معربة، ومنعها من الصرف؛ ~~للعلمية والتأنيث، وللقراء في إمالة " يا " [و " ها " ] وتفخيمهما، ~~وبعضهم يعبر عن التفخيم بالضم، كما يعبر عن الإمالة بالكسر، ~~وإنما ذكرته؛ لأن عبارتهم في ذلك موهمة. # وأظهر دال " صاد " قبل ذال " ذكر " نافع، وابن كثير، وعاصم؛ لأنه ~~الأصل، وأدغمها فيها الباقون. # والمشهور إخفاء نون " عين " قبل الصاد؛ لأنها تقاربها، ويشتركان ~~في الفم، وبعضهم يظهرها؛ لأنها حروف مقطعة يقصدون تمييز بعضها من بعض. ### || [19.2-6] # قوله: { ذكر }: فيه ثلاثة أوجه: # الأول: أنه مبتدأ محذوف الخبر، تقديره: فيما يتلى عليكم ذكر. # الثاني: أنه خبر محذوف المبتدأ، تقديره: المتلو ذكر، أو هذا ذكر. # الثالث: أنه خبر الحروف المقطعة، وهو قول يحيى بن زياد، قال أبو ~~البقاء " وفيه بعد؛ لأن الخبر هو المبتدأ في المعنى، وليس في الحروف ~~المقطعة ذكر الرحمة، ولا في ذكر الرحمة معناها ". # و " ذكر " مصدر مضاف؛ قيل: إلى مفعوله، وهو الرحمة في نفسها مصدر ~~أيضا مضاف إلى فاعله، و " عبده " مفعول به، والناصب له نفس ~~الرحمة، ويكون فاعل الذكر غير مذكور لفظا، والتقدير: أن ذكر الله ~~ورحمته عبده، وقيل: بل " ذكر " مضاف إلى فاعله على الاتساع، ويكون ~~" عبده " منصوبا بنفس الذكر، والتقدير: أن ذكرت الرحمة عبده، فجعل ~~الرحمة ذاكرة له مجازا. # و " زكريا " بدل، أو عطف بيان، أو منصوب بإضمار " أعني ". # وقرأ يحيى بن يعمر - ونقلها الزمخشري عن الحسن - " ذكر " فعلا ~~ماضيا مشددا، و " رحمة " بالنصب على أنها مفعول ثان، قدمت على الأول، ~~وهو " عبده " والفاعل: إما ضمير القرآن، أو ضمير الباري تعالى، ~~والتقدير: أن ذكر القرآن المتلو - أو ذكر الله - عبده رحمته، ms5879 ~~أي: جعل العبد يذكر رحمته، ويجوز على المجاز المتقدم أن " رحمة ~~ربك " هو المفعول الأول، والمعنى: أن الله جعل الرحمة ذاكرة للعبد، ~~وقيل: الأصل: ذكر برحمة، فلما انتزع الجار نصب مجروره، ولا حاجة ~~إليه. # وقرأ الكلبي " ذكر " بالتخفيف ماضيا " رحمة " بالنصب على المفعول ~~به، " عبده " بالرفع فاعلا بالفعل قبله، " زكريا " بالرفع على ~~البيان، أو البدل، أو على إضمار مبتدأ، وهو نظير إضمار الناصب في ~~القراءة الأولى. # وقرأ يحيى بن يعمر - فيما نقله عنه الداني - " ذكر " فعل أمر، " ~~رحمة " و " عبده " بالنصب فيهما على أنهما مفعولان، وهما على ما ~~تقدم من كون كل واحد، يجوز أن يكون المفعول الأول، أو الثاني، ~~بالتأويل المتقدم في جعل الرحمة ذاكرة مجازا. # فصل في تأويل هذه الحروف المقطعة # قال ابن عباس: هذه الحروف اسم من أسماء الله تعالى، وقال قتادة: اسم ~~من أسماء القرآن. # وقيل: اسم للسورة. # وقيل: هو قسم أقسم الله به ويروى عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في ~~قوله { كهيعص } قال: الكاف من كريم وكبير، والماء من هاد، والياء من ~~رحيم والعين من عليهم، وعظيم، والصاد من صادق. # وعن ابن عباس أيضا أنه حمل الياء على الكريم مرة، وعلى الحكيم ~~أخرى. # وعن ابن عباس في العين أنه من عزيز من عدل. قال ابن الخطيب: وهذه ~~أقوال ليست قوية؛ لأنه لا يجوز من الله تعالى أن يودع كتابه ما ~~لا تدل عليه اللغة، لا بالحقيقة، ولا بالمجاز، لأنا إن جوزنا ~~ذلك، فتح علينا باب قول من يزعم أن لكل ظاهر باطنا، واللغة لا ~~تدل على ما ذكروه؛ لأنها ليست دلالة " الكاف " على الكافي أولى من ~~دلالته على الكريم، والكبير، أو على اسم آخر من أسماء الرسول - عليه ~~الصلاة والسلام - أو الملائكة، أو الجنة، أو النار، فيكون حملها على ~~بعضها دون البعض تحكما. # فصل في المراد بقوله تعالى: { رحمت ربك } # يحتمل أن يكون المراد من قوله { رحمت ربك } أنه عنى عبده ~~زكريا، ثم في كونه رحمة وجهان: # أحدهما: أن يكون " رحمة " على أمته؛ ms5880 لأنه هداهم إلى الإيمان ~~والطاعة. # والثاني: أن يكون رحمة على نبينا محمد - عليه الصلاة والسلام - وعلى ~~أمته؛ لأن الله تعالى، لما شرع لمحمد صلى الله عليه وسلم طريقته ~~في الإخلاص والابتهال في جميع الأمور إلى الله تعالى، وصار ذلك لطفا ~~داعيا له، ولأمته إلى تلك الطريقة زكريا رحمة. # ويحتمل أن يكون المراد أن هذه السورة فيها ذكر الرحمة التي يرحم ~~بها عبده زكريا. # قوله: { إذ نادى ربه ندآء خفيا }. # في ناصب إذ ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه " ذكر " ، ولم يذكر الحوفي غيره. # والثاني: أنه " رحمة " وقد ذكر الوجهين أبو البقاء. # والثالث: أنه بدل من " زكريا " بدل اشتمال؛ لأن الوقت مشتمل ~~عليه، وسيأتي مثل هذا عند قوله # واذكر في الكتاب مريم # [مريم: 16] ونحوه. # فصل في أدب زكريا في دعائه # راعى سنة الله في إخفاء دعوته؛ لأن الجهر والإخفاء عند الله ~~سيان، وكان الإخفاء أولى؛ لأنه أبعد عن الرياء، وأدخل في الإخلاص. # وقيل: أخفاه؛ لئلا يلام على طلب الولد في زمان الشيخوخة وقيل: ~~أسره من مواليه الذين خافهم. # وقيل: خفت صوته؛ لضعفه، وهرمه، كما جاء في صفة الشيخ: صوته ~~خفات، وسمعه تارات. # فإن قيل: من شرط النداء الجهر، فكيف الجمع بين كونه نداء وخفيا؟. # فالجواب من وجهين: # الأول: أنه أتى بأقصى ما قدر عليه من رفع الصوت؛ إلا أن صوته كان ~~ضعيفا؛ لنهاية ضعفه بسبب الكبر، فكان نداء؛ نظرا إلى القصد، خفيا ~~نظرا إلى الواقع. # الثاني: أنه دعاه في الصلاة؛ لأن الله تعالى، أجابه في الصلاة؛ ~~لقوله تعالى: # فنادته الملائكة وهو قآئم يصلي في المحراب ~~أن الله يبشرك # [آل عمران: 39] فتكون الإجابة في الصلاة تدل على كون الدعاء في ~~الصلاة؛ فوجب أن يكون النداء فيها خفيا. # وفي التفسير: " إذ نادى ": دعا " ربه " في محرابه. # قوله: { ندآء خفيا } دعا سرا من قومه في جوف الليل. # قوله: { قال رب إني وهن العظم مني } الآية. # قوله: { قال رب }: لا محل لهذه الجملة؛ لأنها تفسير لقوله " ~~نادى ربه " وبيان، ولذلك ترك العاطف بينهما؛ لشدة الوصل. # قوله: " وهن ms5881 " العامة على فتح الهاء، وقرأ الأعمش بكسرها، وقرىء ~~بضمها، وهذه لغات في هذه اللفظة، ووحد العظم لإرادة الجنس؛ يعني: ~~أن هذا الجنس الذي هو عمود البدن، وأشد ما فيه، وأصلبه، قد أصابه ~~الوهن، ولو جمع، لكان قصدا آخر: وهو أنه لم يهن منه بعض عظامه، ولكن ~~كلها، قاله الزمخشري، وقيل: أطلق المفرد، والمراد به الجمع؛ ~~كقوله: [الطويل] # 3577- بها جيف الحسرى فأما عظامها # فبيض وأما جلدها فصليب # أي: جلودها، ومثله: [الوافر] # 3578- كلوا في بعض بطنكم تعفوا # فإن زمانكم زمن خميص # أي: بطونكم. # و " مني " حال من " العظم " وفيه رد على من يقول: إن الألف ~~واللام تكون عوضا من الضمير المضاف إليه؛ لأنه قد جمع بينهما هنا، وإن ~~كان الأصل: وهن عظمي، ومثله في الدلالة على ذلك ما أنشد شاهدا على ما ~~ذكرت: [الطويل] # 3579- رحيب قطاب الجيب منها رفيقة # بجس الندامى بضة المتجرد # ومعنى { وهن العظم مني }: ضعف، ورق العظم من الكبر. # فصل # قال قتادة: اشتكى سقوط الأضراس. # قوله: { واشتعل الرأس شيبا } أي: ابيض شعر الرأس ~~شيبا. # وفي نصب " شيبا " ثلاثة أوجه: # أحدها - وهو المشهور -: أنه تمييز منقول من الفاعلية؛ إذ الأصل: اشتعل ~~شيب الرأس، قال الزمخشري: " شبه الشيب بشواظ النار في ~~بياضه، وانتشاره في الشعر، وفشوه فيه، وأخذه منه كل مأخذ ~~باشتعال النار، ثم أخرجه مخرج الاستعارة، ثم أسند الاشتعال إلى ~~مكان الشعر، ومنبته، وهو الرأس، وأخرج الشيب مميزا، ولم ~~يضف الرأس؛ اكتفاء بعلم المخاطب: أنه رأس زكريا، فمن ثم، ~~فصحت هذه الجملة، وشهد لها بالبلاغة " انتهى، وهذا من استعارة ~~محسوس لمحسوس، ووجه الجمع: الانبساط والانتشار. # والثاني: أنه مصدر على غير الصدر، فإن " اشتعل الرأس " ~~معناه " شاب ". # الثالث: أنه مصدر واقع موقع الحال، شائبا، أو ذا شيب. # وأدغم السين في الشين أبو عمرو. # وقوله: " بدعائك " فيه وجهان: # أحدهما: أن المصدر مضاف لمفعوله، أي: بدعائي إياك. # والمعنى: عودتني الإجابة فيما مضى، ولم تخيبني. # والثاني: أنه مضاف لفاعله، أي: لم أكن بدعائك لي إلى الإيمان شقيا، ~~أي: لما دعوتني إلى الإيمان، آمنت، ولم ms5882 أشق. # قوله: { وإني خفت الموالي }: العامة على " خفت " بكسر ~~الخاء، وسكون الفاء، وهو ماض مسند لتاء المتكلم، و " الموالي " ~~مفعول به؛ بمعنى: أن مواليه كانوا شرار بني إسرائيل، فخافهم على ~~الدين، قاله الزمخشري. # قال أبو البقاء: " لا بد من حذف مضاف، أي: عدم الموالي، أو جور ~~الموالي ". # وقال الزهري كذلك، إلا أنه سكن ياء " الموالي " وقد تقدم أنه ~~قد تقدر الفتحة في الياء، والواو، وعليه قراءة زيد بن علي { ~~تطعمون أهاليكم } [المائدة: 89]. وتقدم إيضاح هذا. # وقرأ عثمان بن عفان، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وسعيد بن جبير، ~~وسعيد بن العاص، ويحيى بن يعمر، وعلي بن الحسين في آخرين: " خفت ~~" بفتح الخاء، والفاء مشددة، وتاء تأنيث، كسرت؛ لالتقاء ~~الساكنين، و " الموالي " فاعل به؛ بمعنى: درجوا، وانقرضوا ~~بالموت. # قوله: " من ورائي " هذا متعلق في قراءة الجمهور بما تضمنه ~~الموالي من معنى الفعل، أي: الذين يلون الأمر بعدي، ولا يتعلق ب " ~~خفت " لفساد المعنى، وهذا على أن يراد ب " ورائي " معنى: ~~خلفي، وبعدي، وأما في قراءة " خفت " بالتشديد، فيتعلق ~~الظرف بنفس الفعل، ويكون " ورائي " بمعنى قدامي، والمعنى: أنهم ~~خفوا قدامه، ودرجوا، ولم يبق منهم من به تقو واعتضاد، ذكر هذين ~~المعنيين الزمخشري. # والموالي: بنو العم يدل على ذلك تفسير الشاعر لهم بذلك في ~~قوله: [البسيط] # 3580- مهلا، بني عمنا؛ مهلا موالينا # لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا # وقال آخر: [الوافر] # 3581- ومولى قد دفعت الضيم عنه # وقد أمسى بمنزلة المضيم # وهو قول الأصم. # وقال مجاهد: العصبة. # وقال أبو صالح: الكلالة. # وقال ابن عباس والحسن والكلبي: الورثة. # وعن أبي مسلم: المولى يراد به الناصر، وابن العم، والمالك، ~~والصاحب، وهو هنا من يقوم بميراثه مقام الولد، والمختار، أن المراد ~~من الموالي الذين يخلفون بعده، إما في السياسة، أو في المال، أو في ~~القيام بأمر الدين؛ وهو يدل على معنى القرب والدنو، ويقال: ~~وليته أليه وليا، أي: دنوت منه، وأوليته إياه، وكل مما ~~يليك، وجلست مما يليه، ومنه الولي، وهو المطر الذي يلي ~~الوسمي، والولية: البرذعة [التي] تلي ms5883 ظهر الدابة، وولي ~~اليتيم، والبلد، وولي القتيل؛ لأن من تولى أمرا، فقد قرب منه. # وقوله تعالى: # فول وجهك شطر المسجد الحرام # [البقرة: 144] من قولهم: ولاه بركنه، أي جعله ما يليه، وأما ولى ~~عني، إذا أدبر، فهو من باب تثقيل الحشو للسلب، وقولهم: فلان أولى من ~~فلان، أي: أحق؛ أفعل التفضيل من الوالي أو الولي، كالأدنى، والأقرب من ~~الداني، والقريب، وفيه معنى القرب أيضا؛ لأن من كان أحق بالشيء، ~~كان أقرب إليه، والمولى: اسم لموضع الولي، كالمرمى والمبنى: اسم ~~لموضع الرمي والبناء. # والجمهور على " ورائي " بالمد، وقرأ ابن كثير - في رواية عنه - " ~~وراي " بالقصر، ولا يبعد ذلك عنه، فإنه قد قصر { شركاي } [النحل: ~~27] في النحل؛ كما تقدم، وسيأتي أنه قرأ { أن رآه استغنى ~~} في العلق [الآية: 7]؛ كأنه كان يؤثر القصر على المد؛ لخفته، ~~ولكنه عند البصريين لا يجوز سعة. # قوله: { وكانت امرأتي عاقرا } أي: لا تلد، والعقر في ~~البدن: الجرح، وعقرت الفرس بالسيف، ضربت قوائمه. # قوله " من لدنك " يجوز أن يتعلق ب " هب " ويجوز أن يتعلق ~~بمحذوف على أنه حال من " وليا " لأنه في الأصل صفة للنكرة، ~~فقدم عليها. # { يرثني ويرث }: قرأ أبو عمرو، والكسائي بجزم الفعلين على ~~أنهما جواب للأمر؛ إذ تقديره: إن يهب، يرث، والباقون برفعهما؛ على ~~أنهما صفة ل " وليا ". # وقرأ علي - رضي الله عنه - وابن عباس، والحسن، ويحيى بن يعمر، ~~والجحدري، وقتادة في آخرين: " يرثني " بياء الغيبة، والرفع، ~~وأرث مسندا لضمير المتكلم. # فصل فيما قرىء به من قوله: { يرثني ويرث } # قال صاحب " اللوامح ": " في الكلام تقديم وتأخير؛ والتقدير: يرث ~~نبوتي، إن مت قبله وأرث ماله، إن مات قبلي ". ونقل هذا عن ~~الحسن. # وقرأ علي أيضا، وابن عباس، والجحدري " يرثني وارث " جعلوه ~~اسم فاعل، أي: يرثني به وارث، ويسمى هذا " التجريد " في علم ~~البيان. # وقرأ مجاهد " أويرث " وهو تصغير " وارث " والأصل: " وويرث ~~" بواوين، وجب قلب أولاهما همزة؛ لاجتماعهما متحركتين أول كلمة، ونحو " ~~أويصل " تصغير " واصل " والواو الثانية بدل عن ألف " فاعل " و ~~" أويرث " مصروف؛ لا يقال: ينبغي أن ms5884 يكون غير مصروف؛ لأن فيه ~~علتين: الوصفية، ووزن الفعل، فإنه بزنة " أبيطر " مضارع " بيطر ~~" وهذا مما يكون الاسم فيه منصرفا في التكبير ممتنعا في التصغير، لا ~~يقال ذلك لأنه غلط بين؛ لأن " أويرثا " وزنه فويعل، لا ~~أفيعل؛ بخلاف " أحيمر " تصغير " أحمر ". # وقرأ الزهري: " وارث " بكسر الواو، ويعنون بها الإمالة. # قوله: " رضيا " مفعول ثان، وهو فعيل بمعنى فاعل، وأصله " ~~رضيو " لأنه من الرضوان. # فصل # معنى قوله: { فهب لي من لدنك وليا } أعطني من أبناء. # واعلم أن زكريا - عليه السلام - قدم السؤال؛ لأمور ثلاثة: # الأول: كونه ضعيفا. # والثاني: أن الله تعالى ما رد دعاءه. # والثالث: كون المطلوب سببا للمنفعة في الدين، ثم بعد ذلك صرح ~~بالسؤال. # أما كونه ضعيفا، فالضعيف: إما أن يكون في الباطن، أو في ~~الظاهر، والضعف في الباطن أقوى من ضعف الظاهر، فلهذا ابتدأ ببيان ~~ضعف الباطن، فقال: { وهن العظم مني } وذلك لأن العظم أصلب ~~أعضاء البدن، وجعل كذلك لمنفعتين: # الأولى: ليكون أساسا وعمدا يعتمد عليها بقية الأعضاء؛ لأنها ~~موضوعة على العظام، والحامل يجب أن يكون أقوى من المحمول عليه. # الثاني: أنها في بعض المواضع وقاية لغيرها. # واحتج أصحاب القول الأول أنه إذا... أولا، ثم رد بأنها تكون ~~كغيرها من الأعضاء كعظام الصلف وقحف الرأس، وما كان كذلك، فيجب أن ~~يكون صلبا؛ ليصبر على ملاقاة الآفات، ومتى كان العظم صلبا، فمتى وصل ~~الضعف إليه، كان ضعف ما عداه مع رخاوته أولى؛ ولأن العظم حامل لسائر ~~الأعضاء، فوصول الضعف إلى الحامل موجب لوصوله إلى المحمول، فلهذا خص ~~العظم بالوهن من بين سائر الأعضاء. # وأما ضعف الظاهر، فلاستيلاء ضعف الباطن عليه، وذلك مما يزيد الدعاء ~~تأكيدا؛ لما فيه من الارتكان على حول الله وقوته. # وأما كونه غير مردود الدعاء، فوجه توسله به من وجهين: # الأول: أنه إذا قبله أولا، فلو رده ثانيا، لكان الرد محبطا ~~للإنعام الأول، والمنعم لا يسعى في إحباط إنعامه. # والثاني: أن مخالفة العادة تشق على النفس، فإذا تعود الإنسان ~~إجابة الدعاء، فلو رد بعد ذلك، لكان ذلك ms5885 في غاية المشقة، والجفاء ~~ممن يتوقع منه الإنعام يكون أشق، فكأن زكريا - عليه السلام - قال: ~~إنك إن رددتني بعدما عودتني القبول مع نهاية ضعفي، كان ذلك ~~بالغا إلى النهاية القصوى في [ألم] القلب، فقال: { ولم أكن ~~بدعآئك رب شقيا }. # تقول العرب: سعد فلان بحاجته: إذا ظفر بها، وشقي بها: إذا خاب، ~~ولم [يبلغها]. # وأما كون المطلوب منتفعا به في الدين، فهو قوله: { وإني ~~خفت الموالي من ورآئي }. # فصل في اختلافهم في المراد من قوله: { خفت الموالي } # قال ابن عباس والحسن: الموالي: الورثة وقد تقدم. # واختلفوا في خوفه من الموالي، فقيل: خافهم على إفساد الدين. # وقيل: خاف أن ينتهي أمره إليهم بعد موته في مال، وغيره، مع أنه عرف ~~من حالهم قصورهم في العلم والقدرة عن القيام ببعضه. # وقيل: يحتمل أن يكون الله قد أعلمه أنه لم يبق من أنبياء إسرائيل ~~نبي له أب إلا نبي واحد، فخاف أن يكون ذلك الواحد من بني ~~عمه، إذا لم يكن له ولد، فسأل الله أن يهب له ولدا، يكون هو ذلك ~~النبي، والظاهر يقتضي أن يكون خائفا في أمر يهتم بمثله الأنبياء، ~~ولا يمتنع أن يكون زكريا كان إليه مع النبوة الربانية من جهة الملك؛ ~~فخاف منهم بعده على أحدهما أو عليهما. # وقوله: " خفت " خرج على لفظ أصل الماضي، لكنه يفيد أنه في المستقبل ~~أيضا؛ كقول الرجل: قد خفت أن يكون كذا، أي: " أنا خائف " لا يريد ~~أنه قد زال الخوف عنه. # قوله: { وكانت امرأتي عاقرا } أي: أنها عاقر في الحال؛ ~~لأن العاقر لا يجوز [أن تحبل في العادة]، ففي الإخبار عنه بلفظ الماضي ~~إعلام بتقادم العهد في ذلك، والغرض من هذا بيان استبعاد حصول ~~الولد، فكان إيراده بلفظ الماضي أقوى، وأيضا: فقد يوضع الماضي، أي: ~~مكان المستقبل، وبالعكس؛ قال الله تعالى: # وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت ~~للناس اتخذوني وأمي إلهين # [المائدة: 116]. # وقوله: { من ورآئي } قال أبو عبيدة: من قدامي، وبين يدي. # وقال آخرون: بعد موتي. # فإن قيل: كيف علم ms5886 حالهم من بعده، وكيف علم أنهم يبقون بعده، فضلا ~~عن أن يخاف شرهم؟. # فالجواب: أنه قد يعرف ذلك بالأمارات والظن في حصول الخوف، وربما عرف ~~ببعض الأمارات استمرارهم على عادتهم في الفساد. # وقوله: { فهب لي من لدنك وليا } الأكثر على أنه طلب ~~الولد، وقيل: بل طلب من يقوم مقامه، ولدا كان، أو غيره. # والأول أقرب؛ لقوله تعالى في سورة آل عمران؛ حكاية عنه # رب هب لي من لدنك ذرية طيبة # [آل عمران: 38]. # وأيضا: فقوله ها هنا " يرثني " يؤيده. # وأيضا: يؤيده قوله تعالى في سورة الأنبياء: # وزكريآ إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا # [الأنبياء: 89] فدل على أنه سأل الولد؛ لأنه أخبر ها هنا أن له ~~موالي، وأنه غير منفرد عن الورثة، وهذا إن أمكن حمله على وارث ~~يصلح أن يقوم مقامه، لكن حمله على الولد أظهر. # واحتج أصحاب القول [الثالث] بأنه لما بشر بالولد، استعظمه على ~~سبيل التعجب؛ وقال " أنى يكون لي غلام " ولو كان دعاؤه لطلب ~~الولد، ما استعظم ذلك. # وأجيب بأنه - عليه السلام - سأل عما يوهب له، أيوهب له وهو ~~وامرأته على هيئتهما؟ أو يوهب له بأن يحولا شابين، يولد ~~لمثلهما؟! وهذا يحكى عن الحسن. # وقيل: إن قول زكريا - عليه السلام - في الدعاء " وكانت ~~امراتي عاقرا " إنما سأل ولدا من غيرها أو منها؛ بأن يصلحها الله ~~تعالى للولد، فكأنه - عليه السلام - قال: أيست أن يكون لي منها ~~ولد، فهب لي من لدنك وليا، كيف شئت: إما بأن تصلحها للولادة، ~~وإما أن تهبه لي من غيرها، فلما بشر بالغلام، سأل أن يرزق منها، ~~أو من غيرها، فأخبر بأنه يرزقه منها. # فصل في المراد بالميراث في الآية # واختلفوا ما المراد بالميراث، فقال ابن عباس، والحسن، والضحاك: ~~وراثة المال في الموضعين. # وقال أبو صالح: وراثة النبوة. # وقال السدي، ومجاهد، والشعبي: يرثني المال، ويرث من آل يعقوب ~~النبوة. # وهو مروي أيضا عن ابن عباس، والحسن، والضحاك. # وقال مجاهد: يرثني العلم، ويرث من آل يعقوب النبوة. واعلم أن ~~لفظ الإرث يستعمل في جميعها: ms5887 أما في المال فلقوله تعالى: # وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم # [الأحزاب:27] وأما في العلم، فلقوله تعالى: # وأورثنا بني إسرائيل الكتاب # [غافر: 53]. # وقال - عليه الصلاة والسلام -: # " العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ~~ولا درهما، وإنما ورثوا العلم ". # وقال تعالى: # وورث سليمان داوود # [النمل: 16] وهذا يحتمل وراثة الملك، ووارثة النبوة، وقد يقال: ~~أورثني هذا غما وحزنا. # فصل في أولي ما تحمل عليه الآية # قال الزجاج: الأولى أن يحمل على ميراث غير المال؛ لقوله - عليه الصلاة ~~والسلام -: # " نحن معاشر الأنبياء - لا نورث، ما تركنا صدقة " # ولأنه يبعد أن يشفق زكريا - وهو نبي من الأنبياء - أن يرث بنو ~~عمه ماله. # والمعنى: أنه خاف تضييع بني عمه دين الله، وتغيير أحكامه على ما كان ~~شاهده من بني إسرائيل من تبديل الدين، وقتل من قتل من الأنبياء، فسأل ~~ربه وليا صالحا يأمنه على أمته، ويرث نبوته وعلمه؛ لئلا ~~يضيع الدين. # قوله: { ويرث من آل يعقوب }؛ الآل: خاصة الرجل الذي يئول ~~أمرهم إليه، ثم قد يئول أمرهم إليه لقرابة المقربين تارة؛ وبالصحابة ~~أخرى؛ كآل فرعون، وللموافقة في الدين؛ كآل النبي - عليه الصلاة ~~والسلام -. # وأكثر المفسرين على أن يعقوب هنا: هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - ~~عليه السلام - لأن زوجة زكريا - عليه السلام - هي أخت مريم، وكانت ~~من ولد سليمان بن داود من ولد يهوذا بن يعقوب، وأما زكريا - عليه ~~السلام - فهو من ولد هارون أخي موسى، وهارون وموسى من ولد لاوي بن يعقوب ~~بن إسحاق، وكانت النبوة في سبط يعقوب؛ لأنه هو إسرائيل - عليه ~~السلام -. # وقال بعض المفسرين: ليس المراد من يعقوب هاهنا ولد إسحاق بن ~~إبراهيم، بل يعقوب بن ماثان، [أخو عمران بن ماثان]، وكان آل يعقوب ~~أخوال يحيى بن زكريا، وهذا قول الكلبي ومقاتل. # وقال الكلبي: كان بنو ماثان رءوس بني إسرائيل وملوكهم، وكان ~~زكريا رئيس الأحبار يومئذ، فأراد أن يرثه حبورته، ويرث بنو ماثان ~~ملكهم. # فصل في تفسير " رضيا " # اختلفوا في تفسير " رضيا " فقيل: برا تقيا مرضيا. # وقيل: مرضيا من الأنبياء، ولذلك استجاب ms5888 الله له؛ فوهب له يحيى ~~سيدا، وحصورا، ونبيا من الصالحين، لم يعص، ولم يهم بمعصية. # وقيل: " رضيا " في أمته لا يتلقى بالتكذيب، ولا يواجه ~~بالرد. # فصل في الاحتجاج على خلق الأفعال # احتجوا بهذه الآية على مسألة خلق الأفعال؛ لأن زكريا - عليه السلام ~~- سأل الله تعالى أن يجعله رضيا؛ فدل على أن فعل العبد مخلوق لله ~~تعالى. # فإن قيل: المراد: أن يلطف به بضروب الألطاف فيختار ما يصير به رضيا ~~عنده، فنسب ذلك إلى الله تعالى. # فالجواب من وجهين: # الأول: لو حملناه على جعل الألطاف، وعندها يصير إليه المرء باختياره ~~رضيا؛ لكان ذلك مجازا، وهو خلاف الأصل. # الثاني: أن جعل تلك الألطاف واجبة على الله تعالى، لا يجوز الإخلال ~~به، وما كان واجبا لا يجوز طلبه بالدعاء والتضرع. ### || [19.7-15] # قوله: { يزكريآ إنا نبشرك بغلام }. # اختلفوا في المنادي، فالأكثرون على أنه هو الله تعالى؛ لأن زكريا ~~إنما كان يخاطب الله تعالى، ويسأله بقوله: # رب إني وهن العظم مني # [مريم:4]، وبقوله: # ولم أكن بدعآئك رب شقيا # [مريم:4] وبقوله: " فهب لي " ، وبقوله بعده: { رب أنى يكون ~~لي غلام } ، فوجب أن يكون هذا النداء من الله تعالى، وإلا لفسد ~~[المعنى و] النظم، وقيل: هذا النداء من الملك؛ لقوله: # فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب ~~أن الله يبشرك بيحيى # [آل عمران: 39]. # وأيضا: فإنه لما قال: { وقد بلغت من الكبر عتيا ~~قال كذلك قال ربك هو علي هين } [مريم: 8، 9]. # وهذا لا يجوز أن يكون كلام الله؛ فوجب أن يكون كلام الملك. # ويمكن أن يجاب بأنه يحتمل أنه يحصل النداءان: نداء الله تعالى، ~~ونداء الملائكة. # ويمكن أن يكون قوله: { كذلك قال ربك } من كلام الله تعالى، ~~كما سيأتي بيانه - إن شاء الله تعالى -. # فصل # [في] الكلام اختصار، تقديره: استجاب الله دعاءه، فقال: { يزكريآ ~~إنا نبشرك بغلام }: بولد، ويقال: زكرياء " بالمد والقصر ~~" ، ويقال: زكرى أيضا، نقله ابن كثير. # فإن قيل: كان دعاؤه بإذن، فما معنى البشارة؟ وإن كان بغير إذن؛ ~~فلماذا أقدم عليه؟. # فالجواب: يجوز أن يسأل بغير ms5889 إذن، ويحتمل أنه أذن له فيه، ولم يعلم ~~وقته، فبشر به. # قوله: " يحيى ": فيه قولان: # أحدهما: أنه اسم أعجمي، لا اشتقاق له، وهذا هو الظاهر، ومنعه من ~~الصرف؛ للعلمية والعجمة، وقيل: بل هو منقول من الفعل المضارع، ~~كما سموا ب " يعمر " و " يعيش " و " يموت " وهو يموت بن ~~المزرع. # والجملة من قوله: " اسمه يحيى " في محل جر صفة ل " غلام " ~~وكذلك " لم نجعل " و " سميا " كقوله: " رضيا " إعرابا وتصريفا، ~~لأنه من السمو، وفيه دلالة لقول البصريين: أن الاسم من السمو، ~~ولو كان من الوسم، لقيل: وسيما. # فصل # قال ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وقتادة: إنه لم ~~يسم أحد قبله بهذا الاسم. # وقال سعيد بن جبير، وعطاء: لم نجعل له شبها ومثلا؛ لقوله تعالى: # هل تعلم له سميا # [مريم: 65] أي: مثلا. # والمعنى: أنه لم يكن له مثل؛ لأنه لم يعص، ولم يهم بمعصية قط؛ ~~كأنه جواب لقوله # واجعله رب رضيا # [مريم:6] فقيل له: إنا نبشرك بغلام، لم نجعل له شبيها في ~~الدين، ومن كان كذلك، كان في غاية الرضا. # وفي هذا نظر؛ لأنه يقتضي تفضيله على الأنبياء قبله؛ كآدم، ونوح، ~~وإبراهيم، وموسى، [وعيسى]؛ وذلك باطل. # وقيل: لم يكن له مثل في أمر النساء؛ لأنه كان سيدا وحصورا. # وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: لم تلد العواقر مثله ~~ولدا. وقيل: لأن كل الناس، إنما يسمونهم آباؤهم وأمهاتهم بعد ~~دخولهم في الوجود، وأما يحيى فإن الله سماه قبل دخوله في الوجود، ~~فكان ذلك من خواصه. # وقيل: لأنه ولد شيخ، وعجوز عاقر. # فصل في سبب تسميته بيحيى # واختلفوا في سبب تسميته بيحيى، فعن ابن عباس: لأن الله أحيا به عقر ~~أمه، ويرد على هذا قصة إبراهيم، وزوجته، قالت: # يويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا # [هود: 72] فينبغي أن يكون اسم ولدهم يحيى. # وعن قتادة: لأن الله تعالى أحيا قلبه بالإيمان والطاعة، والله ~~تعالى سمى المطيع حيا، والعاصي ميتا؛ بقوله: # أو من كان ميتا فأحييناه # [الأنعام: 122]. # وقال: # إذا دعاكم لما يحييكم ms5890 # [الأنفال: 24]. # وقيل: لأن الله تعالى أحياه بالطاعة؛ حتى لم يعص، ولم يهم ~~بمعصية. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ما من أحد إلا وقد عصى، أو هم إلا يحيى بن زكريا، ~~فإنه لم يهم ولم يعملها " # وفي هذا نظر؛ لأنه كان ينبغي أن تسمى الأنبياء كلهم والأولياء ب " يحيى ~~". # وقال ابن القاسم بن حبيب: لأنه استشهد، والشهداء أحياء عند ربهم، قال ~~تعالى: # بل أحياء عند ربهم # [آل عمران: 169] وفي ذلك نظر؛ لأنه كان يلزم منه أن يسمى الشهداء ~~كلهم بيحيى. # وقال عمرو بن المقدسي: أوحى الله تعالى، إلى إبراهيم - عليه السلام - ~~أنه قل لسارة بأني مخرج منها عبدا، لا يهم بمعصية اسمه حيى، ~~فقال: هبي له من اسمك حرفا، فوهبته حرفا من اسمها، فصار يحيى، ~~وكان اسمها يسارة، فصار اسمها سارة. # وقيل: لأن يحيى أول من آمن بعيسى، فصار قلبه حبا بذلك الإيمان. # وقيل: إن أم يحيى كانت حاملا به، فاستقبلتها مريم، وقد حملت بعيسى، ~~فقالت لها أم يحيى: يا مريم، أحامل أنت؟ فقالت: لم تقولين؟ فقالت: ~~أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك. # قوله: { قال رب أنى يكون لي غلام } أي: من أين يكون ~~لي غلام، والغلام: هو الإنسان الذكر في ابتداء شهوته في الجماع، ~~ويكون في التلميذ، يقال: غلام ثعلب. # { وكانت امرأتي عاقرا }. أي: وامرأتي عاقر، ولم يقل: ~~عاقرة؛ لأن من كان على " فاعل " من صفة المؤنث مما لم يكن ~~للمذكر، فإنه لا تدخل فيه الهاء، كامرأة عاقر وحائض. # قال الخليل: هذه صفات المذكر، وصف بها المؤنث، كما وصف المذكر ~~بالمؤنث؛ حيث قال: رجل نكحة، وربعة، وغلام نفعة. # قوله: " عتيا ": فيه أربعة أوجه: # أظهرها: أنه مفعول به، أي: بلغت عتيا من الكبر، فعلى هذا " من ~~الكبر " يجوز أن يتعلق ب " بلغت " ويجوز أن يتعلق بمحذوف؛ على ~~أنه حال من " عتيا " لأنه في الأصل صفة له؛ كما قدرته لك. # الثاني: أن يكون مصدرا مؤكدا من معنى الفعل؛ لأن بلوغ الكبر في ~~معناه. # الثالث: أنه مصدر واقع موقع ms5891 الحال من فاعل " بلغت " أي: عاتيا، ~~ذا عتي. # الرابع: أنه تمييز، وعلى هذه الأوجه الثلاثة " من " مزيدة، ذكره أبو ~~البقاء، والأول هو الوجه. # والعتو: بزنة فعول، وهو مصدر " عتا، يعتو " أي: يبس، ~~وصلب، قال الزمخشري: " وهو اليبس والجساوة في المفاصل، والعظام؛ ~~كالعود القاحل؛ يقال: عتا العود وجسا، أو بلغت من مدارج ~~الكبر، ومراتبه ما يسمى عتيا " يريد بقوله: " أو بلغت " أنه ~~يجوز أن يكون من " عتا يعتو " أي: فسد. # والأصل: " عتوو " بواوين، فاستثقل واوان بعد ضمتين، فكسرت التاء؛ ~~تخفيفا، فانقلبت الواو الأولى ياء؛ لسكونها وانكسار ما قبلها، فاجتمع ~~ياء وواو، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت فيها ~~الأولى، وهذا الإعلال جار في المفرد هكذا، والجمع: نحو: " عصي " إلا ~~أن الكثير في المفرد التصحيح؛ كقوله: # وعتو عتوا كبيرا # [الفرقان: 21] وقد يعل كهذه الآية، والكثير في الجمع الإعلال، وقد ~~يصحح؛ نحو: " إنكم لتنظرون في نحو كثيرة " وقالوا: فتي ~~وفتو. # وقرأ الأخوان " عتيا " و { صليا } [مريم: 70] و " بكيا " ~~[مريم: 58] و { جثيا } [مريم: 72] بكسر الفاء للإتباع، والباقون ~~بالضم على الأصل. # وقرأ عبد الله بن مسعود بفتح الأول من " عتيا " و " صليا " ~~جعلهما مصدرين على زنة " فعيل " كالعجيج والرحيل. # وقرأ عبد الله وأبي بن كعب " عسيا " بضم العين، وكسر السين ~~المهملة، وتقدم اشتقاق هذه اللفظة في الأعراف، وتصريفها. # والعتي والعسي: واحد. # يقال: عتا يعتو عتوا، وعتيا، فهو عات، وعسا يعسو ~~عسوا وعسيا فهو عاس، والعاسي: هو الذي غيره طول الزمان إلى ~~حال البؤس. وليل عات: طويل، وقيل: شديد الظلمة. # فصل # في هذه الآية سؤالان: # أحدهما: لم تعجب زكريا - عليه الصلاة والسلام - بقوله: { أنى ~~يكون لي غلام } مع أنه هو الذي طلب الغلام؟. # والسؤال الثاني: قوله: { أنى يكون لي غلام } هذا التعجب ~~يدل على الشك في قدرة الله تعالى على ذلك، وذلك كفر، وهو غير جائز على ~~الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -؟. # فالجواب عن الأول: أما على قول من قال: ما طلب الولد، فالإشكال ~~زائل، وأما على قول من قال: إنه طلب الولد، فالجواب أن المقصود ms5892 من ~~قوله: { أنى يكون لي غلام } هو البحث على أنه تعالى يجعلهما ~~شابين، ثم يرزقهما، أو يتركهما شيخين، ويرزقهما الولد، مع الشيخوخة؟ ~~ويدل عليه قوله تعالى: # وزكريآ إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت ~~خير الوارثين فاستجبنا له ووهبنا له يحيى ~~وأصلحنا له زوجه # [الأنبياء: 89، 90]. # وما هذا الإصلاح إلا أنه تعالى أعاد قوة الولادة. # وذكر السدي في الجواب وجها آخر، فقال: إنه لما سمع النداء ~~بالبشارة جاءه الشيطان، فقال: إن هذا الصوت ليس من الله تعالى، بل ~~من الشيطان يسخر منك، فلما شك زكريا قال: { رب، أنى يكون لي ~~غلام } ، وغرض السدي من هذا أن زكريا - عليه السلام - لو علم أن ~~المبشر بذلك هو الله تعالى، لما جاز له أن يقول ذلك، فارتكب هذا. # وقال بعض المتكلمين: هذا باطل باتفاق؛ إذ لو جوز الأنبياء في ~~بعض ما يرد عن الله تعالى أنه من الشيطان، لجوزوا في سائره، ولزالت ~~الثقة عنهم في الوحي، وعنا فيما يوردونه إلينا. # ويمكن أن يجاب عنه: بأن هذا الاحتمال قائم في أول الأمر، وإنما ~~يزول بالمعجزة، فلعل المعجزة لم تكن حاصلة في هذه الصور، فحصل ~~الشك هنا فيها دون ما عداها. # والجواب عن السؤال الثاني من وجوه: # الأول: أن قوله: { إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى }. # ليس نصا في كون ذلك الغلام ولدا له، بل يحتمل أن يكون زكريا - عليه ~~الصلاة والسلام - راعى الأدب، ولم يقل: هذا الغلام، هل يكون ولدا لي، أم ~~لا، بل ذكر أسباب حصول الولد في العادة؛ حتى أن تلك البشارة، إن ~~كانت بالولد، فإن الله تعالى يزيل الإبهام، ويجعل الكلام صريحا، فلما ~~ذكر ذلك، صرح الله تعالى بكون الولد منه، فكان الغرض من كلام زكريا ~~هذا، لا أنه كان شاكا في قدرة الله تعالى عليه. # الثاني: أنه ما ذكر ذلك للشك، لكن على وجه التعظيم لقدرته، وهذا كالرجل ~~الذي يرى صاحبه قد وهب الكثير الخطير، فيقول: أنى سمحت نفسك بإخراج ~~مثل هذا من ملكك! تعظيما وتعجبا. # الثالث: أن من شأن من ms5893 بشر بما يتمناه؛ أن يتولد له فرط السرور به ~~عند أول ما يرد عليه استثبات ذلك الكلام؛ إما لأن شدة فرحه به توجب ~~ذهوله عن مقتضيات العقل والفكر، وهذا كما أن امرأة إبراهيم عليه السلام ~~بعد أن بشرت بإسحاق قالت # قالت يويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي ~~شيخا إن هذا لشيء عجيب # [هود: 72] فأزيل تعجبها بقوله: # أتعجبين من أمر الله # [هود: 73]، وإما طلبا للالتذاذ بسماع ذلك الكلام مرة أخرى، وإما ~~مبالغة في تأكيد التفسير. # قوله: " كذلك ": في محل هذه الكاف وجهان: # أحدهما: أنه رفع على خبر ابتداء مضمر، أي: الأمر كذلك، ويكون الوقف ~~على: " كذلك " ، ثم يبتدأ بجملة أخرى. # والثاني: أنها منصوبة المحل، فقدره أبو البقاء ب " أفعل " مثل ~~ما طلبت، وهو كناية عن مطلوبه، فجعل ناصبه مقدرا، وظاهره أنه مفعول ~~به. # وقال الزمخشري: " أو نصب ب " قال " و " ذلك " إشارة إلى مبهم ~~يفسره " هو علي هين " ، ونحوه: # وقضينآ إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلآء مقطوع ~~مصبحين # [الحجر: 66]. وقرأ الحسن " وهو علي هين " ، ولا يخرج هذا إلا ~~على الوجه الأول، أي: الأمر كما قلت، وهو على ذلك يهون علي. # ووجه آخر: وهو أن يشار ب " ذلك " إلى ما تقدم من وعد الله، لا ~~إلى قول زكريا، و " قال " محذوف في كلتا القراءتين. يعني قراءة ~~العامة وقراءة الحسن - أي: قال: هو علي هين، قال: وهو علي ~~هين، وإن شئت لم تنوه؛ لأن الله هو المخاطب، والمعنى أنه قال ذلك، ~~ووعده وقوله الحق ". # وفي هذا الكلام قلق؛ وحاصله يرجع إلى أن " قال " الثانية هي الناصبة ~~للكاف. # وقوله: " وقال محذوف " يعني تفريعا على أن الكلام قد تم عند " ~~قال ربك " ويبتدأ بقوله: " هو علي هين ". وقوله: " وإن شئت ~~لم تنوه " ، أي: لم تنو القول المقدر؛ لأن الله هو المتكلم ~~بذلك. # وظاهر كلام بعضهم: أن " قال " الأولى مسندة إلى ضمير الملك، وقد ~~صرح بذلك ابن جرير، وتبعه ابن عطية. # قال الطبري: " ومعنى قوله " قال كذلك " أي: الأمران اللذان ذكرت من ~~المرأة العاقر والكبر هو ms5894 كذلك، ولكن قال ربك، والمعنى عندي: قال ~~الملك: كذلك، أي: على هذه الحال، قال ربك، هو علي هين " انتهى. # وقرأ الحسن البصري " علي " بكسر ياء المتكلم؛ كقوله [الطويل] # 3582 أ- علي لعمرو نعمة بعد نعمة # لوالده ليست بذات عقارب # أنشدوه بالكسر. وتقدم الكلام على هذه المسألة في قراءة حمزة " ~~بمصرخي " [إبراهيم: 22]. # قوله: " وقد خلقتك " هذه الجملة مستأنفة، وقرأ الأخوان " ~~خلقناك " أسنده إلى الواحد المعظم نفسه، والباقون " خلقتك " ~~بتاء المتكلم. # وقوله: " ولم يك شيئا " جملة حالية، ومعنى نفي كونه شيئا، أي: ~~شيئا يعتد به؛ كقوله: [البسيط] # 3582 ب-............................... # إذا رأى غير شيء ظنه رجلا # وقالوا: عجبت من لا شيء، ويجوز أن يكون قال ذلك؛ لأن المعدوم ليس ~~بشيء. # فصل # قيل: إطلاق لفظ " الهين " في حق الله تعالى مجاز؛ لأن ذلك إنما يجوز ~~في حق من يجوز أن يصعب عليه شيء، ولكن المراد؛ أنه إذا أراد شيئا كان. # ووجه الاستدلال بقوله تعالى { وقد خلقتك من قبل ولم تك ~~شيئا } فنقول: إنه لما خلقه من العدم الصرف والنفي المحض، كان ~~قادرا على خلق الذوات والصفات والآثار، وأما الآن، فخلق الولد من الشيخ ~~والشيخة لا يحتاج فيه إلا إلى تبديل الصفات، والقادر على خلق الذوات ~~والصفات والآثار معا أولى أن يكون قادرا على تبديل الصفات، وإذا أوجده ~~عن العدم، فكذا يرزقه الولد بأن يعيد إليه وإلى صاحبته القوة التي عنها ~~يتولد الماءان اللذان من اجتماعهما يخلق الولد. # فصل # الجمهور على أن قوله: " قال: كذلك قال ربك " يقتضي أن القائل ~~لذلك ملك مع الاعتراف بأن قوله { يزكريآ إنا نبشرك } قول ~~الله تعالى، وقوله { هو علي هين } قول الله تعالى، وهذا بعيد؛ ~~لأنه إذا كان ما قبل هذا الكلام وما بعده قول الله تعالى، فكيف يصح ~~إدراج هذه الألفاظ فيما بين هذين القولين، والأولى أن يقال: قائل هذا ~~القول أيضا هو الله تعالى؛ كما أن الملك العظيم، إذا وعد عبده شيئا ~~عظيما، فيقول العبد: من أين يحصل لي هذا، فيقول: إن سلطانك ضمن لك ~~ذلك؛ كأنه ينبه ms5895 بذلك على أن كونه سلطانا مما يوجب عليه الوفاء بالوعد، ~~فكذا ههنا. # قوله: { قال رب اجعل لي ءاية قال ءايتك ألا ~~تكلم الناس ثلاث ليال سويا }. # أي: اجعل لي علامة ودلالة على حمل امرأتي. # فصل # قال بعض المفسرين: طلب الآية لتحقيق البشارة، وهذا بعيد؛ لأن بقول ~~الله تعالى قد تحققت البشارة، فلا يكون إظهار الآية أقوى في ذلك من ~~صريح القول، وقال آخرون: البشارة بالولد وقعت مطلقة، فلا يعرف وقتها ~~بمجرد البشارة، فطلب الآية ليعرف بها وقت الوقوع، وهذا هو الحق. # واتفقوا على أن تلك الآية هي تعذر الكلام عليه، فإن مجرد السكوت مع ~~القدرة على الكلام لا يكون معجزة، ثم اختلفوا على قولين: # أحدهما: أنه اعتقل لسانه أصلا. # والثاني: أنه امتنع عليه الكلام مع القوم على وجه المخاطبة، مع أنه كان ~~متمكنا من ذكر الله، ومن قراءة التوراة، وهذا القول عندي أصح؛ لأن ~~اعتقال اللسان مطلقا قد يكون لمرض، وقد يكون من فعل الله، فلا يعرف ~~زكريا عليه السلام أن ذلك الاعتقال معجز إلا إذا عرف أنه ليس لمرض، بل ~~لمحض فعل الله تعالى مع سلامة الآلات، وهذا مما لا يعرف إلا بدليل آخر، ~~فتفتقر تلك الدلالة إلى دلالة أخرى، أما لو اعتقل لسانه عن الكلام، مع ~~القوم، مع اقتداره على التكلم بذكر الله تعالى وقراءة التوراة، علم ~~بالضرورة؛ أن ذلك الاعتقال ليس لعلة ومرض، بل هو لمحض فعل الله، ~~فيتحقق كونه آية ومعجزة، ومما يقوي ذلك قوله تعالى: { ءايتك ألا ~~تكلم الناس ثلاث ليال سويا } خص ذلك بالتكلم مع الناس؛ ~~وهذا يدل بطريق المفهوم؛ أنه كان قادرا على التكلم مع غير الناس. # قوله: " سويا ": حال من فاعل " تكلم " ، وعن ابن عباس: أن " ~~سويا " من صفة الليالي بمعنى " كاملات " ، فيكون نصبه على النعت ~~للظرف، والجمهور على نصب ميم " تكلم " جعلوها الناصبة. # وابن أبي عبلة بالرفع، جعلها المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن ~~محذوف، و " لا " فاصلة، وتقدم تحقيقه. # وقوله: " أن سبحوا ": يجوز في " أن " أن تكون مفسرة ل " أوحى ms5896 ~~" ، وأن تكون مصدرية مفعولة بالإيحاء، و " بكرة وعشيا " ظرفا ~~زمان للتسبيح، وانصرفت " بكرة "؛ لأنه لم يقصد بها العلمية، فلو ~~قصد بها العلمية امتنعت من الصرف، وسواء قصد بها وقت بعينه؛ نحو: ~~لأسيرن الليلة إلى بكرة، أم لم يقصد؛ نحو: بكرة وقت نشاط؛ لأن ~~علميتها جنسية؛ كأسامة، ومثلها في ذلك كله " غدوة ". # وقرأ طلحة " سبحوه " بهاء الكناية، وعنه أيضا: " سبحن " ~~بإسناد الفعل إلى ضمير الجماعة مؤكدا بالثقيلة، وهو كقوله: # ليقولن ما يحبسه # [هود: 8]، وقد تقدم تصريفه. # قوله تعالى: { فخرج على قومه من المحراب } ، وكان ~~الناس من وراء المحراب ينتظرونه؛ أن يفتح لهم الباب، فيدخلون ويصلون؛ إذ ~~خرج عليهم زكريا متغيرا لونه، فأنكروه، فقالوا: ما لك يا زكريا { ~~فأوحى إليهم }. # قال مجاهد: كتب لهم الأرض، { أن سبحوا } ، أي صلوا لله، { ~~بكرة } ، غدوة، { وعشيا } ، معنا أنه كان يخرج على قومه بكرة ~~وعشيا، فيأمرهم بالصلاة، فلما كان وقت حمل امرأته، ومنع الكلام خرج ~~إليهم، فأمرهم بالصلاة إشارة. # قوله عز وجل: { ييحيى } ، قيل: فيه حذف معناه: وهبنا له يحيى، ~~وقلنا له: يا يحيى، { خذ الكتب } ، يعني التوراة، وقيل يحتمل أن ~~يكون كتابا خص الله به يحيى، كما خص الله تعالى الكثير من الأنبياء ~~بذلك، والأول أولى؛ لأن حمل الكلام ههنا على المعهود السابق أولى، ولا ~~معهود إلا التوراة. # وقوله { ييحيى خذ الكتب } يدل على أن الله تعالى بلغ ~~بيحيى المبلغ الذي يجوز أن يخاطبه بذلك، فحذف ذكره؛ لدلالة الكلام عليه. # قوله: " بقوة " حال من الفاعل أو المفعول، أي: ملتبسا أنت، أو ~~ملتبسا هو بقوة؛ وليس المراد بالقوة القدرة على الأخذ؛ لأن ذلك معلوم ~~لكل أحد، فيجب حمله على معنى يفيد المدح، وهو الجد والصبر على القيام ~~بأمر النبوة، وحاصلها يرجع إلى حصول ملكة تقتضي سهولة الإقدام على ~~المأمور به، والإحجام عن المنهي عنه. # قوله: { وءاتيناه الحكم صبيا }. # قال ابن عباس: الحكم: النبوة " صبيا "؛ وهو ابن ثلاث سنين وقيل: ~~الحكم فهم الكتاب، فقرأ التوراة وهو صغير. # وقيل: هو العقل، وهو قول معمر. # وروي أنه قال: ما ms5897 للعب خلقنا. # والأول أولى؛ لأن الله تعالى أحكم عقله في صباه، وأوحى إليه، فإن ~~الله تعالى بعث عيسى ويحيى - عليهما الصلاة والسلام - وهما صبيان، لا ~~كما بعث موسى ومحمدا - عليهما الصلاة والسلام - وقد بلغا الأشد. # فإن قيل: كيف يعقل حصول العقل والفطنة والنبوة حال الصبا. # فالجواب: هذا السائل إما أن يمنع خرق العادات، أو لا يمنع منه، ~~فإن منع منه، فقد سد باب النبوات؛ لأن الأمر فيها على المعجزات، ولا ~~معنى لها إلا خرق العادات، وإن لم يمنع منه، فقد زال هذا الاستبعاد؛ ~~فإنه ليس استبعاد صيرورة الصبي عاقلا أشد من استبعاد انشقاق ~~القمر، وانفلاق البحر، و " صبيا ": حال من " هاء " آتيناه. # قوله " وحنانا ": يجوز أن يكون مفعولا به، نسقا على " الحكم " ~~أي: وآتيناه تحننا. والحنان: الرحمة واللين، وأنشد أبو ~~عبيدة قول الحطيئة لعمر بن الخطاب: [المتقارب] # 3583 أ - تحنن علي هداك المليك # فإن لكل مقام مقالا # قال: وأكثر استعماله مثنى؛ كقولهم: حنانيك، وقوله: # 3583 ب -......................... # حنانيك بعض الشر أهون من بعض # [وجوز] فيه أبو البقاء أن يكون مصدرا، كأنه يريد به المصدر الواقع ~~في الدعاء؛ نحو: سقيا ورعيا، فنصبه بإضمار فعل [كأخواته]، ويجوز ~~أن يرتفع على خبر ابتداء مضمر؛ نحو: # فصبر جميل # [يوسف: 18] و # سلام عليكم # [الأعراف: 46] في أحد الوجهين، وأنشد سيبويه: [الطويل] # 3584- وقالت حنان ما أتى بك ههنا # أذو نسب أم أنت بالحي عارف # وقيل لله تعالى: حنان، كما يقال له " رحيم " قال الزمخشري: " ~~وذلك على سبيل الاستعارة ". # فصل في المراد ب " حنانا " # اعلم أن الحنان: أصله من الحنين، وهو الارتياح، والجزع للفراق كما ~~يقال: حنين الناقة، وهو صوتها، إذا اشتاقت إلى ولدها، ذكره الخليل. # وفي الحديث: أنه - عليه الصلاة والسلام - كان يصلي إلى جذع في ~~المسجد، فلما اتخذ المنبر، وتحول إليه، حنت تلك الخشبة، حتى ~~سمع حنينها، وهذا هو الأصل، ثم يقال: تحنن فلان على فلان، ~~إذا [تعطف] عليه ورحمه. # واختلف الناس في وصف الله تعالى بالحنان، فأجازه بعضهم، وجعله بمعنى ~~الرؤوف الرحيم، ومنهم من أباه؛ لما ms5898 يرجع إليه أصل الكلمة. # قالوا: ولم يصح الخبر بهذه اللفظة في أسماء الله تعالى. # وإذا عرف هذا، فنقول: في الحنان ها هنا وجهان: # الأول: أن نجعله صفة لله تعالى. # والثاني: أن نجعله صفة ل " يحيى " ، فإن جعلناه صفة لله تعالى، فيكون ~~التقدير: وآتيناه الحكم حنانا، أي: رحمة منا. # ثم هاهنا احتمالات: # الأول: أن يكون الحنان من الله تعالى ل " يحيى " ، والمعنى: وآتيناه ~~الحكم صبيا حنانا [منا] عليه، أي: رحمة عليه، " وزكاة " أي: ~~وتزكية، وتشريفا له. # والثاني: أن يكون الحنان من الله تعالى لزكريا، والمعنى: أنا استجبنا ~~لزكريا دعوته بأن أعطيناه ولدا ثم آتيناه الحكم صبيا وحنانا من ~~لدنا على زكريا فعلنا ذلك " وزكاة " أي: تزكية له عن أن يصير ~~مردود الدعاء. # الثالث: أن يكون الحنان من الله تعالى لأمة يحيى - عليه السلام - ~~والمعنى: آتيناه الحكم صبيا حنانا على أمته؛ لعظيم انتفاعهم بهدايته ~~وإرشاده. # وإن جعلناه صفة ليحيى - عليه السلام - ففيه وجوه: # الأول: آتيناه الحكم والحنان على عبادنا، أي والتعطف عليهم وحسن ~~النظر لهم، كما وصف محمدا - صلى الله عليه وسلم - بقوله: # حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم # [التوبة: 128] وقوله: # فبما رحمة من الله لنت لهم # [آل عمران: 159] وقوله: " وزكاة " أي: شفقة، ليست داعية إلى ~~الإخلال بالواجب؛ لأن الرأفة واللين ربما أورثا ترك الواجب؛ ألا ~~ترى إلى قوله: # ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله # [النور: 2] وقال: # قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا ~~فيكم غلظة # [التوبة: 123] وقال: # أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ~~يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم # [المائدة: 54]. # والمعنى: أنا جمعنا له التعطف على عباد الله، مع الطهارة عن ~~الإخلال بالواجبات، ويحتمل أنا آتيناه التعطف على الخلق، والطهارة ~~[عن المعاصي]، فلم يعص، ولم يهم بمعصية. # الثاني: قال عطاء بن أبي رباح: { وحنانا من لدنا }: ~~تعظيما من لدنا. # والمعنى: آتيناه الحكم صبيا؛ تعظيما إذ جعلناه نبيا وهو صبي، ~~ولا تعظيم أكثر من هذا؛ ويدل عليه ما روي أن ورقة بن نوفل مر ~~على بلال، وهو يعذب، قد ألصق ظهره ms5899 برمضاء البطحاء، وهو يقول: أحد، ~~أحد، فقال: والذي نفسي بيده، لئن قتلتموه، لاتخذنه حنانا، أي: ~~معظما. # قوله: " من لدنا " صفة له. # قوله: " وزكاة ". قال ابن عباس: هي الطاعة، والإخلاص. # وقال قتادة والضحاك: هو العمل الصالح. # والمعنى: آتيناه رحمة من عندنا، وتحننا على العباد؛ ليدعوهم إلى ~~طاعة ربهم، وعملا صالحا في إخلاص. # وقال الكلبي: صدقة تصدق الله بها على أبويه، وقيل: زكيناه بحسن ~~الثناء، أي كما يزكي الشهود الإنسان. وهذه الآية تدل على أن فعل ~~العبد خلق لله تعالى لأنه جعل طهارته وزكاته من الله تعالى، وحمله ~~على الألطاف بعيد؛ لأنه عدول عن الظاهر. # قوله: { وكان تقيا } مخلصا مطيعا، والتقي: هو الذي ~~يتقي ما نهى الله عنه [فيجتنبه]، ويتقي مخالفة أمر الله، فلا يهمله، ~~وأولى الناس بهذا الوصف من لم يعص الله، ولا هم بمعصية، وكان يحيى ~~- عليه الصلاة والسلام - كذلك. # فإن قيل: ما معنى قوله { وكان تقيا } وهذا حين ابتداء تكليفه. # فالجواب: إنما خاطب الله تعالى الرسول بذلك وأخبر عن حاله حيث كان ~~كما أخبر عن نعم الله تعالى عليه. # قوله: " وبرا ": يجوز أن يكون نسقا على خبر " كان " أي: كان تقيا ~~برا. ويجوز أن يكون منصوبا بفعل مقدر، أي: وجعلناه برا، وقرأ ~~الحسن " برا " بكسر الباء في الموضعين، وتأويله واضح، كقوله: # ولكن البر من آمن # [البقرة: 177] وتقدم تأويله، و " بوالديه " متعلق ب " برا ~~". # و " عصيا " يجوز أن يكون وزنه " فعولا " والأصل: " عصوي " ~~ففعل فيه ما يفعل في نظائره، و " فعول " للمبالغة ك " صبور " ~~ويجوز أن يكون وزنه فعيلا، وهو للمبالغة أيضا. # فصل في معنى الآية # قوله: { وبرا بوالديه } أي: بارا لطيفا بهما محسنا ~~إليهما، { ولم يكن جبارا عصيا }. الجبار المتكبر. # وقال سفيان: الجبار الذي يضرب ويقتل على الغضب؛ لقوله تعالى: # أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن ~~تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض # [القصص: 19]؛ ولقوله تعالى: # وإذا بطشتم بطشتم جبارين # [الشعراء: 130] والجبار أيضا: القهار، قال تعالى # العزيز الجبار # [الحشر: 23]. # والعصي: العاصي، والمراد: وصفة بالتواضع، ولين الجانب، وذلك ms5900 من ~~صفات المؤمنين؛ كقوله تعالى: # واخفض جناحك للمؤمنين # [الحجر: 88] وقوله تعالى: # ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك # [آل عمران: 159]. # وقيل: الجبار: هو الذي لا يرى لأحد على نفسه حقا. وقيل غير [ذلك] ~~وقوله: " عصيا " وهو أبلغ من العاصي، كما أن العليم أبلغ من العالم. # قوله: { وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم ~~يبعث حيا }. # قال محمد بن جرير الطبري { وسلام عليه يوم ولد } أي: ~~أمان من الله يوم ولد من أن تتناوله الشياطين، كما تناول سائر بني آدم ~~{ ويوم يموت } أي: وأمان عليه من عذاب القبر، { ويوم ~~يبعث حيا } أي: ومن عذاب يوم القيامة. # وقال سفيان بن عيينة: أوحش ما يكون الإنسان في هذه الأحوال [الثلاثة ~~يوم يولد]، فيرى نفسه خارجا [مما كان فيه، ويوم يموت، فيرى يوما، ~~لم يكن عاينه، ويوم يبعث، فيرى نفسه] في محشر عظيم، لم ير مثله، ~~فأكرم الله يحيى - عليه السلام - فخصه بالسلامة في هذه المواطن ~~الثلاثة. # قال عبد الله بن نفطويه: { وسلام عليه يوم ولد } أي: ~~أول ما رأى الدنيا، { ويوم يموت } أي: أول يوم يرى فيه أمر ~~الآخرة { ويوم يبعث حيا } أي: أول يوم يرى فيه الجنة ~~والنار. # فصل في مزية السلام على يحيى # السلام يمكن أن يكون من الله، وأن يكون من الملائكة، وعلى التقديرين، ~~فيدل على شرفه وفضله؛ لأن الملائكة لا يسلمون إلا عن أمر الله. # ويدل على أن ليحيى مزية في هذا السلام على ما لسائر الأنبياء؛ كقوله ~~تعالى: # سلام على نوح # [الصافات: 79] # سلام على إبراهيم # [الصافات: 109]. وقال ليحيى: { يوم ولد ويوم يموت ويوم ~~يبعث حيا }. وليس لسائر الأنبياء. # وروي أن عيسى - عليه السلام - قال ليحيى - عليه السلام -: أنت أفضل ~~مني؛ لأن الله تعالى قال: سلام عليك وأنا سلمت على نفسي؛ لأن ~~عيسى معصوم، لا يفعل إلا ما أمره الله به. # واعلم: أن السلام عليه يوم ولد يكون تفضلا من الله تعالى؛ لأنه ~~لم يتقدمه عمل يكون ذلك السلام جزاء له، وأما السلام عليه يوم ~~يموت، ويوم يبعث ms5901 حيا، عمل يكون ذلك السلام جزاء له، وأما ~~السلام عليه يوم يموت، ويوم يبعث حيا، فيجوز أن يكون ثوابا؛ ~~كالمدح والتعظيم. # فصل في فوائد هذه القصة # في فوائد هذه القصة [أمور] منها: # تعليم آداب الدعاء، وهو قوله: " نداء خفيا " يدل على أفضل ~~الدعاء خفية ويؤكده قوله تعالى: # ادعوا ربكم تضرعا وخفية # [الأعراف: 55]؛ ولأن رفع الصوت مشعر بالقوة والجلادة، وإخفاء ~~الصوت مشعر بالضعف والانكسار، وعمدة الدعاء الانكسار والتبري عن حول ~~النفس وقوتها، والاعتماد على فضل الله تعالى وإحسانه. # ويستحب أن يذكر في مقدمة الدعاء عجز النفس وضعفها؛ كقوله: { ~~وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا } ثم يذكر نعم ~~الله تعالى؛ كقوله: { ولم أكن بدعآئك رب شقيا } ويكون ~~الدعاء لما يتعلق بالدين لا لمحض الدنيا، كقوله: { وإني خفت ~~الموالي } وأن يكون الدعاء بلفظ: يا رب. # كما ذكر فيها بيان فضل زكريا، ويحيى - عليهما السلام - أما زكريا؛ ~~فلتضرعه وانقطاعه إلى الله تعالى بالكلية، وإجابة الله تعالى دعاءه، ~~وأن الله تعالى بشره، وبشرته الملاشكة، واعتقال لسانه عن الكلام ~~دون التسبيح. # وأما يحيى؛ فلأنه لم يجعل له من قبل سميا، وقوله { ييحيى ~~خذ الكتب بقوة وءاتيناه الحكم صبيا } ، وكونه ~~رحيما حنانا وطاهرا، وتقيا، وبرا بوالديه، ولم يكن جبارا، ولم ~~يعص قط، ولا هم بمعصية، ثم سلم عليه يوم ولد، ويوم يموت، ويوم ~~يبعث حيا. # ومنها: كونه تعالى قادرا على خلق الولد، وإن كان الأبوان في نهاية ~~الشيخوخة ردا على أهل الطبائع. # ومنها: أن المعدوم ليس بشيء؛ لقوله: { ولم تك شيئا }. # فإن قيل: المراد " ولم تك شيئا مذكورا " كما في قوله: # هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا ~~مذكورا # [الإنسان: 1]. # فالجواب: أن الإضمار خلاف الأصل، وللخصم أن يقول: الآية تدل على ~~أن الإنسان لم يكن شيئا مذكورا، ونحن نقول به؛ لأن الإنسان عبارة ~~عن جواهر متألفة قامت بها أعراض مخصوصة، والجواهر المتألفة ~~الموصوفة بالأغراض المخصوصة ليس ثابتة في العدم، وإنما الثابت هو ~~[أعيان] تلك الجواهر مفردة غير مركبة، وهي ليست بالإنسان، فظهر أن ~~الآية ms5902 لا دلالة فيها على المطلوب. ومنها أن الله تعالى ذكر هذه القصة في ~~" آل عمران " ، وذكرها في هذه السورة، فلنعتبر حالها في الموضعين، فنقول: ~~إن الله تعالى بين في هذه السورة أنه دعا ربه، ولم يبين الوقت، وبينه ~~في " آل عمران " بقوله تعالى: # كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها ~~رزقا # [آل عمران: 37] إلى أن قال: " هنالك دعا زكريا ربه قال: رب هب لي من ~~لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء " ، والمعنى أن زكريا - عليه السلام - ~~لما رأى خرق العادة في حق مريم، طمع في حق نفسه، فدعا ربه، وصرح في " آل ~~عمران " بأن المنادي هو الملائكة، بقوله: # فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب # [آل عمران: 39]، والأظهر أن المنادي ههنا بقوله: " يا زكريا إنا نبشرك " ~~هو الله تعالى، وقد تقدم أنه لا منافاة بينهما. # وقال في آل عمران # أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي ~~عاقر # [آل عمران: 40] فذكر أولا كبر نفسه، ثم عقر المرأة وهاهنا قال: { ~~وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا ~~} وجوابه: أن الواو لا تقتضي الترتيب. # وقال في " آل عمران ": # وقد بلغني الكبر # [آل عمران: 40] وقال هاهنا: { وقد بلغت من الكبر عتيا ~~} وجوابه: أن ما بلغك فقد بلغته. # وقال في آل عمران: # ءايتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا ~~واذكر # [آل عمران: 41]. # وقال هاهنا { ثلاث ليال سويا }. # وجوابه: أنه دلت الآيتان على أن المراد ثلاثة أيام ولياليهن. ~~والله أعلم. ### || [19.16-33] # قوله تعالى: { واذكر في الكتاب مريم } القصة. # اعلم أن الله تعالى إنما قدم قصة يحيى - عليه الصلاة والسلام - ~~على قصة عيسى - عليه الصلاة والسلام - لأن الولد أعني: لأن خلق الولد ~~من شيخين فانيين أقرب إلى مناهج العادات من خلق الولد من الأب ألبتة، ~~وأحسن طرق التعليم والتفهيم الترقي من الأقرب فالأقرب، وإلى الأصعب ~~فالأصعب. # قوله: { إذ انتبذت }: في " إذ " أوجه: # أحدها: أنها منصوبة ب " اذكر " على أنها خرجت على الظرفية؛ ~~إذ يستحيل أن تكون باقية على [مضيها]، والعامل فيها ما هو نص ms5903 في ~~الاستقبال. # الثاني: أنه منصوب بمحذوف مضاف لمريم، تقديره: واذكر خبر مريم، أو ~~نبأها؛ إذا انتبذت، ف " إذ " منصوب بذلك الخبر، أو النبأ. # والثالث: أنه منصوب بفعل محذوف، تقديره: وبين، أي: الله تعالى، فهو ~~كلام آخر، وهذا كما قال سيبويه في قوله: # انتهوا خيرا لكم # [النساء: 171] وهو في الظرف أقوى، وإن كان مفعولا به. # والرابع: أن يكون منصوبا على الحال من ذلك المضاف المقدر، أي: خبر ~~مريم، أو نبأ مريم، وفيه بعد، قاله أبو البقاء. # والخامس: أنه بدل من " مريم " بدل اشتمال، قال الزمخشري: " لأن ~~الأحيان مشتملة على ما فيها، وفيه: أن المقصود بذكر مريم ذكر وقتها هذا؛ ~~لوقوع هذه القصة العجيبة فيه ". # قال أبو البقاء - بعد أن حكى عن الزمخشري هذا الوجه -: " وهو بعيد؛ ~~لأن الزمان إذا لم يكن حالا من الجثة، ولا خبرا عنها، ولا صفة لها ~~لم يكن بدلا منها " انتهى. وفيه نظر؛ لأنه لا يلزم من عدم صحة ما ~~ذكر عدم صحة البدلية؛ ألا ترى نحو " " سلب زيد ثوبه " ف " ~~ثوبه " لا يصح جعله خبرا عن " زيد " ولا حالا منه، ولا وصفا ~~له، ومع ذلك، فهو بدل اشتمال. # السادس: أن " إذ " بمعنى " أن " المصدرية؛ كقولك: " لا أكرمك إذ ~~لم تكرمني " أي: لأنك لا تكرمني، فعلى هذا يحسن بدل الاشتمال، ~~أي: واذكر مريم انتباذها، ذكره أبو البقاء. # وهو في الضعف غاية. و " مكانا ": يجوز أن يكون ظرفا، وهو الظاهر ~~وأن يكون مفعولا به على معنى: إذ أتت مكانا. قوله: { انتبذت } ~~الانتباذ: افتعال من النبذ، وهو الطرح، والإلقاء، ونبذة: ~~بضم النون، وفتحها أي: ناحية، وهذا إذا جلس قريبا منك؛ حتى لو نبذت ~~إليه شيئا، وصل إليه، ونبذت الشيء: رميته، ومنه النبيذ؛ ~~لأنه يطرح في الإناء. # ومنه المنبوذ، وهو أصله، فصرف إلى " فعيل " ، ومنه قيل للقيط: ~~منبوذ؛ لأنه رمي به. # ومنه النهي عن المنابذة في البيع، وهو أن يقول: إذا نبذت إليك ~~الثوب، أو الحصاة، فقد وجب البيع فقوله: { انتبذت من ~~أهلها مكانا شرقيا }: تباعدت واعتزلت عن أهلها مكانا ms5904 في ~~الدار، مما يلي المشرق، ثم إنها مع ذلك اتخذت من دون أهلها ~~حجابا. # قال ابن عباس: سترا، وقيل: جلست وراء جدار، وقال مقاتل: وراء ~~جبل. # فصل # اختلف المفسرون في سبب احتجابها، فقيل " إنها لما رأت الحيض، ~~تباعدت عن مكان عبادتها تنتظر الطهر لتغتسل، وتعود، فلما طهرت، ~~جاءها جبريل - عليه السلام -. # وقيل: طلبت الخلوة للعبادة. # وقيل: تبادعت لتغتسل من الحيض، محتجبة بشيء يسترها. # وقيل: كانت في منزل زوج أختها زكريا، وفيه محراب تسكنه على حدة، ~~وكان زكريا إذا خرج يغلق عليها، فتمنت أن تجد خلوة في الجبل؛ ~~لتفلي رأسها، فانفرج السقف لها، فخرجت في المشرقة وراء الجبل، ~~فأتاها الملك. # وقيل: عطشت؛ فخرجت إلى المفازة لتستقي، وكل هذه الوجوه محتملة. # واعلم أن المكان الشرقي هو الذي يلي شرقي بيت المقدس، أو شرقي ~~دارها. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: إني لأعلم خلق الله، لأي ~~شيء اتخذت النصارى المشرق قبلة؛ لقوله: { مكانا شرقيا } ~~فاتخذوا ميلاد عيسى قبلة، وهو قول الحسن - رحمه الله تعالى -. # قوله تعالى: { فأرسلنآ إليهآ روحنا }. # الجمهور على ضم الراء من " روحنا " وهو ما يحيون به، وقرأ أبو ~~حيوة، وسهل بفتحها، أي: ما فيه راحة للعباد، كقوله تعالى: # فروح وريحان # [الواقعة: 89] وحكى النقاش: أنه قرىء " روحنا " بتشديد النون، ~~وقال: هو اسم ملك من الملائكة. # قوله: " بشرا سويا " حال من فاعل " تمثل " وسوغ وقوع ~~الحال جامدة وصفها، فلما وصفت النكرة وقعت حالا. # فصل في المراد بالروح # اختلفوا في هذا الروح، فالأكثرون على أنه جبريل - صلوات الله عليه - ~~لقوله تعالى: # نزل به الروح الأمين # [الشعراء: 193] وسمي روحا؛ لأن الدين يحيى به. # وقيل: سمي روحا على المجاز؛ لمحبته، وتقريبه، كما تقول لحبيبك: ~~روحي. # وقيل: المراد من الروح: عيسى - صلوات الله عليه - جاء في صورة بشر، ~~فحملت به، والأول أصح، وهو أن جبريل عرض لها في صورة شاب أمرد، ~~حسن الوجه، جعد الشعر، سوي الخلق وقيل: في صورة ترب لها، اسمه ~~يوسف، من خدم بيت المقدس. # قيل: إنما تمثل لها في صورة بشر؛ لكي ms5905 لا تنفر منه، ولو ظهر في صورة ~~الملائكة، لنفرت عنه، ولم تقدر على استماع كلامه، وهاهنا إشكالات: # الأول: أنه لو جاز أن يظهر الملك في صورة الإنسان المعين، فحينئذ؛ ~~لا يمكننا القطع بأن هذا الشخص الذي نراه في الحال هو زيد الذي رأينا ~~بالأمس؛ لاحتمال أن الملك، أو الجني تمثل بصورته، وفتح هذا الباب ~~يؤدي إلى السفسطة، ولا يقال: هذا إنما يجوز في زمان [جواز] ~~البعثة، فأما في زماننا فلا يجوز. # لنا أن نقول: هذا الفرق إنما يعلم بالدليل، فالجاهل بذلك الدليل ~~يجب ألا يقطع بأن هذا الشخص الذي رآه الآن هو الذي رآه بالأمس. # الثاني: أنه جاء في الأخبار أن جبريل - صلوات الله عليه - شخص عظيم ~~جدا، فذلك الشخص - كيف صار بدنه في مقدار جثة الإنسان، وذلك يوجب ~~تداخل الأجزاء، وهو محال. # الثالث: أنا لو جوزنا أن يتمثل جبريل - صلوات الله عليه - في صورة ~~الآدمي، فلم لا يجوز تمثله في صورة أصغر من الآدمي؛ كالذباب، ~~والبق، والبعوض، ومعلوم أن كل مذهب جر إلى هذا، وهو باطل. # الرابع: أن تجويزه يفضي إلى القدح في خبر التواتر، فلعل الشخص ~~الذي حارب يوم بدر، لم يكن محمدا - صلوات الله عليه وسلامه - بل كان ~~شخصا يشبهه، وكذا القول في الكل. # والجواب عن الأول: أن ذلك التجويز لازم على الكل؛ لأن من اعترف ~~بافتقار العالم إلى الصانع المختار، فقد قطع بكونه قادرا على أن ~~يخلق شخصا آخر؛ مثل زيد في خلقه وتخطيطه، وإذا جوزنا ذلك، فقد لزم ~~الشك في أن زيدا المشاهد الآن هو الذي شاهدناه بالأمس، أم لا، ومن ~~أنكر الصانع المختار، وأسند الحوادث إلى اتصالات الكواكب، وتشكلات ~~الفلك، لزمه [تجويز] أن يحدث اتصال غريب في الأفلاك يقتضي حدوث شخص، ~~مثل زيد في كل الأمور، وحينئذ يعود التجويز المذكور. # وعن الثاني: أنه لا يمتنع أن يكون جبريل - عليه السلام - له أجزاء ~~أصلية، وأجزاء فاضلة، فالأجزاء الأصلية قليلة جدا؛ فحينئذ: ~~يكون متمكنا من التشبه بصورة الإنسان، هذا إذا جعلناه جسمانيا، ~~فإذا جعلناه روحانيا، فأي ms5906 استبعاد في أن يتنوع بالهيكل ~~العظيم، وأخرى بالهيكل الصغير. # وعن الثالث: أن أصل التجويز قائم في العقل، وإنما عرف فساده بدلائل ~~السمع، وهو الجواب عن السؤال الرابع. # قوله: { قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت ~~تقيا }. # أي: إن كان يرجى منك أن تتقي الله، فإني عائذة به منك؛ لأنها علمت ~~أن الاستعاذة لا تؤثر في التقى، فهو كقول القائل: إن كنت مسلما، ~~فلا تظلمني، أي: ينبغي أن تكون تقواك مانعا لك من الفجور. # كقوله تعالى: # وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين # [البقرة: 278]. # أي: أن شرط الإيمان يوجب هذا؛ لا أن الله تعالى يخشى في حال ~~دون حال. # وقيل: كان في ذلك الزمان إنسان فاجر يتبع النساء، اسمه تقي، ~~فظنت مريم أن ذلك الشخص المشاهد هو ذاك، والأول أصح. قوله: { إن ~~كنت تقيا } جوابه محذوف، أو متقدم. # قوله تعالى: { لأهب }: قرأ نافع، وأبو عمرو " ليهب " بالياء ~~والباقون " لأهب " بالهمزة، فالأولى: الظاهر فيها أن الضمير ~~للرب، أي: ليهب الرب، وقيل: الأصل: لأهب، بالهمز، وإنما ~~قلبت الهمزة ياء تخفيفا؛ لأنها مفتوحة بعد كسرة، فتتفق ~~القراءتان، وفيه بعد، وأما الثانية، فالضمير للمتكلم، والمراد به ~~الملك، وأسنده لنفسه؛ لأنه سبب فيه ويؤيده: أن في بعض المصاحف: " أمرني ~~أن أهب لك "؛ ويجوز أن يكون الضمير لله تعالى، ويكون على الحكاية بقول ~~محذوف. # قوله تعالى: { قال إنمآ أنا رسول ربك لأهب لك ~~غلاما زكيا }. # فصل # لما علم جبريل - صلوات الله عليه - خوفها، قال: { إنمآ أنا ~~رسول ربك } ليزول عنها ذلك الخوف، ولكن الخوف لا يزول بمجرد ~~هذا القول، بل لا بد من دلالة تدل على أنه كان جبريل - صلوات الله ~~عليه -، فيحتمل أن يكون قد ظهر معجز، عرفت به أنه جبريل - صلوات ~~الله عليه -، ويحتمل أنها عرفت صفة الملائكة من جهة زكريا - صلوات ~~الله عليه - فلما قال لها: { إنمآ أنا رسول ربك } أظهر ~~لها من جسده ما عرفت به أنه ملك؛ فيكون ذلك هو العلم، والذي يظهر ~~أنها كانت تعرف صفة الملك بالأمارات، حين كان ms5907 يأتيها بالرزق في ~~المحراب، وقال لها زكريا: # يمريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله # [آل عمران: 37]. # قوله: { غلاما زكيا } ولدا صالحا طاهرا من الذنوب. # { قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ~~ولم أك بغيا } إنما تعجبت مما بشرها جبريل؛ لأنها قد عرفت ~~بالعادة أن الولادة لا تكون إلا من رجل، والعادات عند أهل ~~المعرفة معتبرة في الأمور، وإن جوزنا خلاف ذلك في القدرة، فليس في ~~قولها هذا دلالة على أنها لم تعلم أنه تعالى قادر على خلق الولد ~~ابتداء، وكيف، وقد عرفت أنه تعالى خلق أبا البشر على هذا الحد؛ ~~ولأنها كانت منفردة بالعبادة، ومن يكون كذلك، لا بد أن يعرف قدرة ~~الله تعالى على ذلك. # فإن قيل: قولها { ولم يمسسني بشر } كاف في المعنى، فلم ~~قالت: { ولم أك بغيا } فالجواب من وجهين: # أحدهما: أنها جعلت المس عبارة عن النكاح الحلال؛ لأنه كناية عنه ~~قال تعالى: # من قبل أن تمسوهن # [البقرة: 237] والزنا، إنما يقال فيه: فجر بها، أو ما أشبهه. # والثاني: أن إعادتها؛ لتعظيم حالها؛ كقوله تعالى: # حافظوا على الصلوت والصلوة الوسطى # [البقرة: 238] وقوله تعالى: # وملائكته ورسله وجبريل وميكال # [البقرة: 98]. فكذا هاهنا: إن من لم تعرف من النساء بزوج، فأغلظ ~~أحوالها، إذا أتت بولد: أن تكون زانية، فأفردت ذلك البغي بعد دخوله ~~في الكلام؛ لأنه أعظم ما في بابه. # قوله تعالى: " بغيا ": في وزنه قولان: # أحدهما - وهو قول المبرد - أن وزنه " فعول " والأصل " بغوي " ~~فاجتمعت الياء، والواو، [ففعل فيه ما هو معروف]، قال أبو البقاء: " ~~ولذلك لم تلحق تاء التأنيث؛ كما لم تلحق في صبور وشكور " ونقل ~~الزمخشري عن أبي الفتح في كتابه " التمام " أنها فعيل، قال: " ولو ~~كانت فعولا، لقيل: بغو، كما يقال: فلان نهو عن المنكر " ولم ~~يعقبه بنكير، ومن قال: إنها " فعيل " فهل هي بمعنى " فاعل " أو ~~بمعنى " مفعول "؟ فإن كانت بمعنى " فاعل " فينبغي أن تكون بتاء ~~التأنيث؛ نحو: امرأة قديرة وبصيرة، وقد أجيب عن ذلك: بأنها معنى ~~النسب؛ كحائض وطالق، أي ذات بغي، ms5908 وقال أبو البقاء، حين جعلها بمعنى " ~~فاعل ": " ولم تلحق التاء أيضا؛ لأنها للمبالغة " فجعل العلة في ~~عدم اللحاق كونه للمبالغة؛ وليس بشيء، وإن قيل بأنها بمعنى " ~~مفعول " فعدم الياء واضح. # وتقدم الكلام على قوله: { قال كذلك قال ربك هو علي ~~هين } وهو كقوله في آل عمران # كذلك الله يخلق ما يشآء إذا قضى أمرا ~~فإنما يقول له كن فيكون # [آل عمران: 47] لا يمتنع عليه ما يريد خلقه، ولا يحتاج في إنشائه إلى ~~الآلات والمواد. # قوله: " ولنجعله " يجوز أن يكون علة، ومعلله محذوف، ~~تقديره: لنجعله آية للناس فعلنا ذلك، ويجوز أن يكون نسقا على علة ~~محذوفة، تقديره: لنبين به قدرتنا، ولنجعله آية، والضمير عائد ~~على الغلام، واسم " كان " مضمر فيها، أي: وكان الغلام، أي: خلقه وإيجاده ~~أمرا مقضيا: أي لا بد منه. # والمراد ب " الآية " العلامة، أي: علامة للناس، ودلالة على ~~قدرتنا على أنواع الخلق؛ فإنه تعالى خلق آدم - صلوات الله عليه وسلامه - ~~من غير ذكر ولا أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى - صلوات ~~الله عليه - من أنثى بلا ذكر، وخلق بقية الناس من ذكر وأنثى. # { ورحمة منا } أي: ونعمة لمن تبعه على دينه، { وكان ~~أمرا مقضيا } محكوما مفروغا منه، لا يرد، ولا يبدل. # قوله تعالى: { فحملته فانتبذت به }. # قيل: إن جبريل - صلوات الله عليه وسلامه - رفع درعها، فنفخ في جيبه، ~~فحملت حين لبست. # وقيل: نفخ جبريل من بعيد، فوصل الريح إليها، فحملت بعيسى في الحال. # وقيل: إن النفخة كانت في فيها، فوصلت إلى بطنها. # وقيل: كان النافخ هو الله تعالى؛ لقوله عز وجل: # فنفخنا فيه من روحنا # [التحريم: 12]. # وظاهره؛ يفيد أن النافخ هو الله تعالى؛ ولأنه تعالى قال: # إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم # [آل عمران: 59]. # ومقتضى التشبيه حصول المشابهة إلا فيما أخرجه الدليل، وفي حق ~~آدم النافخ هو الله تعالى؛ لقوله عز وجل: # ونفخت فيه من روحي # [الحجر: 29] فكذا هاهنا، وإذا عرفت هذا، ظهر أن في الكلام حذفا، ~~تقديره: " فنفخ فيها، فحملته ". # قيل: حملت، وهي ms5909 بنت [ثلاث عشرة سنة]. # وقيل: بنت عشرين، وقد كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل، وليس في القرآن ~~ما يدل على شيء من هذه الأحوال. # قوله تعالى: { فانتبذت به }: الجار والمجرور في محل نصب على ~~الحال، أي: انتبذت، وهو مصاحب لها؛ كقوله: [الوافر] # 3585-............................. # تدوس بنا الجماجم والتريبا # والمعنى: اعتزلت، وهو في بطنها؛ كقوله: # تنبت بالدهن # [المؤمنون: 20] أي: تنبت، والدهن فيها. # { مكانا قصيا }: بعيدا من أهلها. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: أقصى الوادي، وهو وادي بيت لحم؛ ~~فرارا من قومها أن يعيروها بولادتها من غير زوج. # واختلفوا في علة الانتباذ؛ فروى الثعلبي في " العرائس " عن وهب ~~قال: إن مريم لما حملت بعيسى - صلوات الله عليه - كان معها ابن عم ~~لها يسمى " يوسف النجار " ، وكانا منطلقين إلى المسجد الذي عند ~~" جبل صهيون " ، وكانت مريم ويوسف يخدمان ذلك المسجد، ولا يعلم ~~من أهل زمانهما أحد أشد اجتهادا منهما، وأول من عرف حمل مريم ~~يوسف، فتحير في أمرها، فكلما أراد أن يتهمها، ذكر صلاحها، وعبادتها، ~~وأنها لم تغب عنه ساعة قط؛ فقال: إنه قد وقع في نفسي من أمرك ~~شيء، وقد حرصت على كتمانه، فغلبني ذلك، فرأيت أن الكلام فيه أشفى ~~لصدري فقالت: قل قولا جميلا. # قال: أخبريني يا مريم، هل ينبت زرع بغير بذر؟ وهل ~~تنبت شجرة من غير غيث؟ وهل يكون ولد من غير ذكر؟ ~~قالت: نعم، ألم تعلم أن الله تعالى أنبت الزرع يوم ~~خلقه من غير بذر، وهذا البذر إنما حصل من الزرع الذي ~~أنبته من غير بذر. # ألم تعلم أن الله أنبت الشجرة بغير غيث، وبالقدرة جعل ~~الغيث حياة الشجرة، بعدما خلق الله كل واحد منها على ~~حدة؟ أو تقول: إن الله لا يقدر على أن ينبت الشجرة حتى ~~استعان بالماء، ولولا ذلك، لم يقدر على إنباتها؟!. # قال يوسف: لا أقول هذا، ولكني أقول: إن الله تعالى قادر على ~~ما يشاء، فيقول: كن فيكون، فقالت له مريم: أو لم تعلم ~~أن الله خلق آدم وامرأته حواء من غير ذكر، ms5910 ولا أنثى، فعنده ~~زالت التهمة عن قلبه، وكان ينوب عنها في خدمة المسجد؛ ~~لاستيلاء الضعف عليها؛ بسبب الحمل، وضيق القلب، فلما قرب ~~نفاسها، أوحى الله تعالى إليها أن اخرجي من أرض قومك؛ لئلا ~~يقتلوا ولدك، فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له، فلما ~~بلغت تلك البلاد، وأدركها النفاس، فألجأها إلى أصل نخلة، وذلك ~~في زمان برد، فاحتضنتها، [فوضعت] عندها. # وقيل: إنها استحيت من زكريا، فذهبت إلى مكان بعيد، لئلا يعلم ~~بها زكريا - صلوات الله عليه -. # وقيل: لأنها كانت مشهورة في بني إسرائيل بالزهد؛ لنذر ~~أمها، وتشاح الأنبياء في تربيتها، وتكفل زكريا بها، وكان ~~الرزق يأتيها من عند الله تعالى، فلما كانت في نهاية الشهرة ~~استحيت من هذه الواقعة، فذهبت إلى مكان بعيد. # وقيل: خافت على ولدها من القتل، لو ولدته بين أظهرهم. وكل هذه ~~الوجوه محتملة، وليس في القرآن ما يدل على شيء منها. # فصل في بيان حمل مريم # اختلفوا في مدة حملها، فروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ~~أنها تسعة أشهر؛ كسائر النساء في الغالب. # وقيل: ثمانية أشهر، وكان ذلك آية أخرى؛ لأنه لم يعش ولد يولد ~~لثمانية أشهر إلا عيسى - صلوات الله عليه -. # وقال عطاء، وأبو العالية، والضحاك: سبعة أشهر وقيل: ستة أشهر. # وقال مقاتل بن سليمان: ثلاث ساعات، حملت به في ساعة، وصور في ~~ساعة، ووضعته حين زالت الشمس من يومها. # وقال ابن عباس: كان الحمل والولادة في ساعة واحدة، ويدل عليه ~~وجهان: # الأول: قوله: { فحملته فانتبذت به } { فأجآءها ~~المخاض } { فناداها من تحتهآ } ، والفاء: للتعقيب؛ فدلت ~~هذه الفاءات على أن كل واحد من هذه الأحوال حصل عقيب الآخر من ~~غير فصل؛ وذلك يوجب كون مدة الحمل ساعة واحدة لا يقال: انتباذها ~~مكانا قصيا كيف يحصل في ساعة واحدة؛ لأنا نقول: السدي فسر ~~بأنها ذهبت إلى أقصى موضع في جانب محرابها. # الثاني: أن الله تعالى قال في وصفه # إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من ~~تراب ثم قال له كن فيكون # [آل عمران: 59]، فثبت ms5911 أن عيسى - صلوات الله عليه - كما قال الله تعالى: ~~" كن " فكان، وهذا مما لا يتصور فيه مدة الحمل، إنما يتصور ~~مدة الحمل في المتولد عن النطفة. # والقصي: البعيد. # يقال: مكان قاص، وقصي بمعنى واحد؛ مثل: عاص وعصي. # قوله تعالى: { فأجآءها }: الأصل في " جاء ": أن يتعدى لواحد ~~بنفسه، فإذا دلت عليه الهمزة، كان القياس يقتضي تعديه لاثنين، قال ~~الزمخشري: " إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى ~~الإلجاء، ألا تراك لا تقول: جئت المكان، وأجاءنيه زيد؛ كما تقول: ~~بلغته وأبلغنيه، ونظيره " آتى " حيث لم يستعمل إلا في الإعطاء، ولم ~~تقل: أتيت المكان وآتانيه فلان ". # وقال أبو البقاء: الأصل " جاءها " ثم عدي بالهمزة إلى مفعول ~~ثان، واستعمل بمعنى " ألجأها ". # قال أبو حيان: قوله: إن " أجاءها " [استعمل] بمعنى " ألجأها " ~~يحتاج إلى نقل أئمة اللغة المستقرئين لذلك من لسان العرب، والإجاءة ~~تدل على المطلق، فتصلح لما هو بمعنى " الإلجاء " ولما هو بمعنى " ~~الاختيار " كما تقول: " أقمت زيدا " فإنه يصلح أن تكون إقامتك له ~~قسرا أو اختيارا، وأما قوله: " ألا تراك لا تقول " إلى آخره، ~~فمن رأى أن التعدية بالهمزة قاس، أجاز ذلك، وإن لم يسمع، ومن منع، ~~فقد سمع ذلك في " جاء " فيجيز ذلك، وأما تنظيره ذلك ب " أتى " ~~فليس تنظيرا صحيحا؛ لأنه بناه على أن همزته للتعدية، وأن أصله " ~~آتى " بل " آتى " مما بني على " أفعل " ولو كان منقولا من " أتى ~~" المتعدي لواحد، لكان ذلك الواحد هو المفعول الثاني، والفاعل هو ~~الأول، إذا عديته بالهمزة، تقول: " أتى المال زيدا " و " آتى ~~عمرو زيدا المال " فيختلف التركيب بالتعدية؛ لأن " زيدا " عند ~~النحويين هو المفعول الأول، و " المال " هو المفعول الثاني، وعلى ما ~~ذكره الزمخشري، كان يكون العكس، فدل على أنه ليس ما قاله، وأيضا، ~~ف " أتى " مرادف ل " أعطى " ، فهو مخالف من حيث الدلالة في ~~المعنى، وقوله: " ولم تقل: أتيت المكان، وآتانيه " هذا غير ~~مسلم، بل تقول::أتيت المكان " كما تقول: " جئت المكان " وقال ~~الشاعر: [الوافر] # 3586- أتوا ناري فقلت منون أنتم # فقالوا الجن قلت ms5912 عموا ظلاما # ومن رأى التعدية بالهمزة قياسا، قال: " آتانيه " قال شهاب الدين: وهذه ~~الأبحاث التي ذكرها الشيخ - رحمه الله - معه ظاهرة الأجوبة، فلا ~~نطول بذكرها. # وقرأ الجمهور " فأجاءها " أي: ألجأها وساقها، ومنه قوله: ~~[الوافر] # 3587- وجار سار معتمدا إليكم # أجاءته المخافة والرجاء # وقرأ حماد بن سلمة " فاجأها " بألف بعد الفاء، وهمزة بعد الجيم، ~~من المفاجأة، بزنة " قابلها " ويقرأ بألفين صريحتين؛ كأنهم خففوا ~~الهمزة بعد الجيم، وبذلك رويت بين بين. # والجمهور على فتح الميم من " المخاض " وهو وجع الولادة، وروي عن ~~ابن كثير بكسر الميم، فقيل: هما بمعنى، وقيل: المفتوح: اسم مصدر؛ ~~كالعطاء والسلام، والمكسور مصدر؛ كالقتال واللقاء، والفعال: قد ~~جاء من واحد؛ كالعقاب والطراق، قاله أبو البقاء، والميم أصلية؛ لأنه ~~من " تمخضت الحامل تتمخض ". # و " إلى جذع " يتعلق في قراءة العامة ب " أجاءها " أي: ساقها ~~إليه. # وفي قراءة حماد بمحذوف، لأنه حال من المفعول، أي: فاجأها مستندة ~~إلى جذع النخلة. # فصل في معنى الآية # المعنى: ألجأها المخاض، وهو وجع الولادة إلى جذع النخلة؛ ~~لتستند إليها، وتتمسك بها عند وجع الولادة، وكانت نخلة يابسة في ~~الصحراء في شدة الشتاء، ولم يكن لها سعف، ولا خضرة، والتعريف ~~فيها: إما أن يكون من تعريف الأسماء الغالبة؛ كتعريف النجم ~~[والصعق] أو كانت تلك الصحراء كان فيها جذع نخلة مشهور عند ~~الناس. # فإن قيل: جذع النخلة فهم منه ذلك دون سائره، وإما يكون تعريف ~~الجنس، أي: إلى جذع هذه الشجرة خاصة؛ كأن الله تعالى أرشدها ~~إلى النخلة؛ ليطعمها منها الرطب الذي هو أشبه الأشياء موافقة ~~للنفساء، ولأن النخلة أشد الأشياء صبرا على البرد، ولا ~~تثمر إلا عند اللقاح، وإذا قطع رأسها، لم تثمر، فكأن ~~الله تعالى قال: كما أن الأنثى لا تلد إلا مع الذكر، فكذا ~~النخلة لا تثمر إلا باللقاح، ثم إنه أظهر الرطب من غير ~~اللقاح؛ ليدل ذلك على جواز ظهور الولد من غير ذكر. { قالت ~~يليتني مت قبل هذا } تمنت الموت. # فإن قيل: كيف تمنت الموت مع أنها كنت تعلم أن الله تعالى ms5913 بعث جبريل ~~- صلوات الله عليه - ووعدها بأن يجعلها وولدها آية للعالمين. # فالجواب من وجوه: # الأول: تمنت الموت استحياء من الناس، فأنساها الاستحياء بشارة ~~الملائكة بعيسى - صلوات الله عليه -. # الثاني: أن عادة الصالحين - رضي الله تعالى عنهم - إذا وقعوا في ~~بلاء: أن يقولوا ذلك، كما روي عن أبي بكر - رضي الله عنه - أنه ~~[نظر إلى طائر] على شجرة، فقال: طوبى لك، يا طائر؛ تقع على ~~الشجر، وتأكل من الثمر، وددت أني ثمرة ينقرها الطائر. # وعن عمر - رضي الله عنه - أنه أخذ تبنة من الأرض، فقال: يا ليتني ~~هذه التبنة، يا ليتني لم أكن شيئا. # وعن علي كرم وجهه يوم الجمل: ليتني مت قبل هذا اليوم ~~بعشرين سنة. # وعن بلال - رضي الله عنه -: ليت بلالا لم تلده أمه. # فثبت أن هذا الكلام يذكره الصالحون عند اشتداد الأمر عليهم. # الثالث: - لعلها قالت ذلك؛ لئلا تقع المعصية ممن يتكلم فيها، ~~وإلا فهي راضية بما بشرت به. # قوله تعالى: " نسيا " الجمهور على النون وسكون السين، وبصريح الياء ~~بعدها، وقرأ حمزة وحفص وجماعة بفتح النون، فالمكسور " فعل " بمعنى " ~~مفعول " كالذبح والطحن، ومعناه الشيء الحقير الذي من شأنه أن ~~ينسى؛ كالوتد، والحبل، وخرقة الطمث، ونحوها. تمنت لو كانت شيئا ~~تافها لا يؤبه له من حقه أن ينسى عادة. # قال ابن الأنباري - رحمه الله -: " من كسر فهو اسم لما ينسى، ~~كالنقص؛ اسم لما ينقص، والمفتوح: مصدر يسد مسد الوصف " وقال في ~~الفراء: هما لغتان؛ كالوتر والوتر، والكسر أحب إلي ". # وقرأ محمد بن كعب القرظي " نسئا " بكسر النون، والهمزة بدل ~~الياء، وروي عنه أيضا، وعن بكر بن حبيب السهمي فتح النون مع الهمزة، ~~قالوا: وهو من نسأت اللبن، إذا صببت فيه ماء، فاستهلك فيه، فالمكسور ~~أيضا كذلك الشيء المستهلك، والمفتوح مصدر؛ كما كان ذلك من النسيان. # ونقل ابن عطية عن بكر بن حبيب " نسا " بفتح النون، والسين، والقصر؛ ~~ك " عصا " ، كأنه جعل فعلا بمعنى مفعول؛ كالقبض بمعنى المقبوض. # و " منسيا " نعت على المبالغة، وأصله " منسوي " فأدغم، وقرأ ~~أبو جعفر، ms5914 والأعمش " منسيا " بكسر الميم؛ للإتباع لكسرة السين، ولم ~~يعتدوا بالساكن؛ لأنه حاجز غير حصين؛ كقولهم: " منتن " و " ~~منخر " ، والمقبرة والمحبرة. # قوله تعالى: { فناداها من تحتهآ }: قرأ الأخوان، ونافع، وحفص ~~بكسر ميم " من " وجر " تحتها " على الجار والمجرور، والباقون بفتحها، ~~ونصب " تحتها " فالقراءة الأولى تقتضي أن يكون الفاعل في " نادى " ~~مكرا، وفيه تأويلان: # أحدهما: هو جبريل، ومعنى كونه " من تحتها، أنه في مكان أسفل منها؛ ~~ويدل على ذلك قراءة ابن عباس " فناداها ملك من تحتها " فصرح به. # ومعنى كونه أسفل منها: إما أن يكونا معا في مكان مستو، وهناك مبدأ ~~معين، وهو عند النخلة، وجبريل بعيد عنها، فكل من كان أقرب، كان ~~فوق، وكل من كان أبعد، كان تحت، وبهذا فسر الكلبي قوله تعالى: # إذ جآءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم # [الأحزاب: 10]. # ولهذا قال بعضهم: ناداها من أقصى الوادي. # وقيل: كانت مريم على أكمة عالية، وجبريل أسفل؛ قاله عكرمة. # وروي عن عكرمة: أن جبريل ناداها من تحت النخلة. # و " من تحتها " على هذا فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق بالنداء، أي: جاء النداء من هذه الجهة. # والثاني: أنه حال من الفاعل، أي: فناداها، وهو تحتها. # وثاني التأويلين: أن الضمير لعيسى، أي: فناداها المولود من تحت ~~ذيلها، والجار فيه الوجهان: من كونه متعلقا بالنداء، أو بمحذوف على ~~أنه حال، والثاني أوضح. # والقراءة الثانية: تكون فيها " من " موصولة، والظرف صلتها، ~~والمراد بالموصول: إما جبريل، وإما عيسى. # وقرأ زر، وعلقمة: " فخاطبها " مكان " فناداها ". # فصل في اختلافهم في المنادي # قال الحسن وسعيد بن جبير: إن المنادي هو عيسى - صلوات الله عليه - ~~وقال ابن عباس والسدي، وقتادة، والضحاك، وجماعة: إنه جبريل - ~~صلوات الله عليه - وكانت مريم على أكمة [وجبريل] وراء الأكمة تحتها. # وقال ابن عيينة، وعاصم: المنادي على القراءة بالفتح وهو عيسى، وعلى ~~القراءة بالكسر هو الملك، والأول أقرب لوجوه: # الأول: أن قوله: { فناداها من تحتها } بفتح الميم إنما ~~يستعمل إذا كان قد علم قبل ذلك أن تحتها أحدا، والذي علم كونه ~~تحتها هو عيسى - صلوات الله ms5915 عليه - فوجب حمل اللفظ عليه، وأما قراءة كسر ~~الميم، فلا تقتضي كون المنادي " جبريل " صلوات الله عليه. # الثاني: أن ذلك الموضع موضع اللوث والنظر إلى العورة، وذلك لا ~~يليق بالملائكة. # الثالث: أن قوله " فناداها " فعل، ولا بد أن يكون فاعله قد ~~تقدم ذكره، والذي تقدم ذكره هو جبرائيل، وعيسى - صلوات الله عليهما ~~-، إلا أن ذكر عيسى أقرب؛ لقوله عز وجل: { فحملته ~~فانتبذت } والضمير عائد إلى المسيح، فكان حمله عليه أولى. # الرابع: أن عيسى - صلوات الله عليه - لو لم يكن كلمها، لما علمت ~~أنه ينطق، ولما كانت تشير إلى عيسى بالكلام. # فصل في معنى الآية على القولين # من قال: المنادي: هو عيسى، فالمعنى: أن الله تعالى أنطقه لها حين ~~وضعته تطييبا لقلبها، وإزالة للوحشة عنها؛ حتى تشاهد في أول الأمر ~~ما بشرها به جبريل - صلوات الله عليه - من علو شأن ذلك الولد. # ومن قال: المنادي هو جبريل - صلوات الله عليه - قال: إنه أرسل إليها؛ ~~ليناديها بهذه الكلمات؛ كما أرسل إليها في أول الأمر؛ تذكيرا ~~للبشارات المتقدمة. # قوله: " ألا تحزني " يجوز في " أن " أن تكون مفسرة؛ لتقدمها ~~ما هو بمعنى القول، و " لا " على هذا: ناهية، وحذف النون للجزم؛ وأن ~~تكون الناصبة، و " لا " حينئذ نافية، وحذف النون للنصب، ومحل " ~~أن " إما نصب، أو جر؛ لأنها على حذف حرف الجر، أي: فناداها ~~بكذا، والضمير في " تحتها ": إما لمريم - صلوات الله عليها - وإما ~~للنخلة، والأول أولى؛ لتوافق الضميرين. # قوله تعالى: [ " سريا " ] يجوز أن يكون مفعولا أول، و " تحتك " ~~مفعول ثان؛ لأنها بمعنى صير " ويجوز أن تكون بمعنى " خلق " فتكون " ~~تحتك " لغوا. # والسري: فيه قولان: # أحدهما: إنه الرجل المرتفع القدر، من " سرو يسرو " ك " ~~شرف، يشرف " فهو سري، وأصله سريو؛ فأعل سيد، فلامه ~~واو، والمراد به في الآية عيسى ابن مريم - صلوات الله عيله -، ويجمع " ~~سري " على " سراة " بفتح السين، وسرواء؛ كظرفاء، وهما جمعان شاذان، ~~بل قياس جمعه " أسرياء " كغني، وأغنياء، وقيل: السري: من " ~~سروت الثوب " أي: نزعته، وسروت الجل عن الفرس، أي: نزعته؛ ms5916 ~~كأن السري سرى ثوبه؛ بخلاف المدثر، والمتزمل، قاله الراغب. # والثاني: أنه النهر الصغير، ويناسبه " فكلي واشربي " واشتقاقه ~~من " سرى، يسري " لأن الماء يسري فيه، فلامه على هذا ياء؛ ~~وأنشدوا للبيد: [الرجز] # 3588- فتوسطا عرض السري فصدعا # مسجورة متجاوزا قلامها # فصل # قال الحسن، وابن زيد: السري هو عيسى، والسري: هو النبيل ~~الجليل. # يقال: فلان من سروات قومه، أي: من أشرافهم، وروي أن الحسن رجع عنه. # وروي عن قتادة وغيره: أن الحسن تلا هذه الآية وإلى جنبه حميد بن عبد ~~الرحمن الحميري - رضي الله عنه -: { قد جعل ربك تحتك ~~سريا }. # فقال: إن كان لسربا، وإن كان لكريما، فقال له حميد: يا أبا سعيد، ~~إنما هو الجدول، فقال له الحسن " من ثم [تعجبني مجالستك " ~~]. # واحتج من قال: هو النهر # " بأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن السري، فقال - صلوات ~~الله عليه وسلامه - هو الجدول " # وبقوله سبحانه وتعالى: { فكلي واشربي } فدل على أنه النهر؛ ~~حتى ينضاف الماء إلى الرطب، فتأكل وتشرب. # واحتج من قال: إنه عيسى بأن النهر لا يكون تحتها، بل إلى جنبها، ~~ولا يجوز أن يكون يجاب عنه بأن المراد أنه جعل النهر تحت أمرها ~~يجري بأمرها، ويقف بأمرها؛ لقوله: # وهذه الأنهر تجري من تحتي # [الزخرف: 51] لأن هذا حمل اللفظ على مجازه، ولو حملناه على عيسى، لم ~~يحتج إلى هذا المجاز. # وأيضا: فإنه موافق لقوله: # وجعلنا ابن مريم وأمه آية # [المؤمنون: 50]. # وأجيب: بما تقدم أن المكان المستوي، إذا كان فيه مبدأ معين، فكل ~~من كان أقرب منه، كان فوق، وكل من كان أبعد منه، كان تحت. # فصل في التفريع على القول بأن السري النهر # إذا قيل: إن السري: هو النهر، ففيه وجهان: # الأول: قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: إن جبرائيل - صلوات الله ~~عليه وسلامه - ضرب برجله الأرض. # وقيل: عيسى؛ فظهرت عين ماء عذب، وجرى. # وقيل: كان هناك ماء جار؛ والأول أقرب؛ لأن قوله { قد جعل ~~ربك تحتك سريا } يدل على الحدوث في ذلك الوقت؛ ولأن الله ~~تعالى ذكره تعظيما لشأنها، وذلك ms5917 لا يدل إلا على الوجه الذي قلناه. # وقيل: كان هناك نهر يابس أجرى الله فيه الماء، وحيث النخلة اليابسة، ~~فأورقت، وأثمرت، وأرطبت. # قال أبو عبيدة والفراء: السري: هو النهر مطلقا. # وقال الأخفش: هو النهر الصغير. # قوله تعالى: { وهزى إليك بجذع النخلة }: يجوز أن تكون ~~الباء في " بجذع " زائدة، كهي في قوله تعالى: # ولا تلقوا بأيديكم # [البقرة: 195] [وقوله]: # 3589-.............................. # ..........لا يقرأن بالسور # وأنشد الطبري - رحمة الله تعالى -: [الطويل] # 3590- بواد يمان ينبت السدر صدره # وأسفله بالمرخ والشبهان # أي: ينبت المرخ أي: هزي جذع النخلة. # أو حركي جذع النخلة. قال الفراء: العرب تقول: هزه، وهز به، ~~وأخذ الخطام وأخذ بالخطام، وزوجتك فلانة، وبفلانة ويجوز أن يكون ~~المفعول محذوفا، والجار حال من ذلك المحذوف، تقديره: وهزي إليك ~~رطبا كائنا بجذع النخلة، ويجوز أن يكون هذا محمولا على المعنى؛ إذ ~~التقدير: هزي الثمرة بسبب هز الجذع، أي: انفضي الجذع، وإليه ~~نحا الزمخشري؛ فإنه قال: " أو افعلي الهز "؛ كقوله: [الطويل] # 3591-................................ # يجرح في عراقيبها نصلي # قال أبو حيان: وفي هذه الآية، وفي قوله تعالى: # واضمم إليك جناحك # [القصص: 32] ما يرد على القاعدة المقررة في علم النحو: من أنه ~~لا يتعدى فعل المضمر المتصل إلى ضميره المتصل، إلا في باب " ~~ظن " وفي لفظتي " فقد، وعدم " لا يقال: ضربتك، ولا ~~ضربتني، أي: ضربت أنت نفسك، وضربت أنا نفسي، وإنما يؤتى ~~في هذا بالنفس، وحكم المجرور بالحرف المنصوب؛ فلا يقال: هززت ~~إليك، ولا زيد هز إليه؛ ولذلك جعل النحويون " عن " و " على " ~~اسمين في قول امرىء القيس: [الطويل] # 3592- دع عنك نهبا صيح في حجراته # ولكن حديثا ما حديث الرواحل # وقول الآخر: [المتقارب] # 3593- هون عليك فإن الأمور # بكف الإله مقاديرها # وقد ثبت بذلك كونهما اسمين؛ لدخول حرف الجر عليهما في قوله: ~~[الطويل] # 3594- غدت من عليه بعدما تم ظمؤها # تصل وعن قيض ببيداء مجهل # وقول الآخر: [البسيط] # 3595- فقلت للركب لما أن علا بهم # من عن يمين الحبيا نظرة قبل # وأما " إلى " فحرف بلا خلاف، فلا يمكن فيها أن تكون اسما؛ ك " ~~عن " و ms5918 " على " ثم أجاب: بأن " إليك " في الآيتين لا تتعلق ~~بالفعل قبله، إنما تتعلق بمحذوف على جهة البيان، تقديره: " أعني ~~إليك " قال: " كما تأولوا ذلك في قوله: # إني لكما لمن الناصحين # [الأعراف: 21] في أحد الأوجه ". # قال شهاب الدين - رضي الله تعالى عنه -: وفي ذلك جوابان آخران: # أحدهما: أن الفعل الممنوع إلى الضمير المتصل، إنما هو من حيث يكون ~~الفعل واقعا بذلك الضمير، والضمير محل له؛ نحو: " دع عنك " و " ~~هون عليك " وأما الهز والضم، فليسا واقعين بالكاف، فلا محذور. # والثاني: أن الكلام على حذف مضاف، تقديره: هزي إلى جهتك ونحوك ~~واضمم إلى جهتك ونحوك. # فصل في المراد بجذع النخلة # قال [القفال]: الجذع من النخلة: هو الأسفل، وما دون الرأس الذي ~~عليه الثمرة. # وقال قطرب: كل خشبة في أصل شجرة، فهي جذع. # قوله: " تساقط " قرأ حمزة " تساقط " بفتح التاء، وتخفيف السين، ~~وفتح القاف، والباقون - غير حفص - كذلك إلا أنهم شددوا السين، ~~وحفص، بضم التاء، وتخفيف السين، وكسر القاف. # فأصل قراءة غير حفص " تتساقط " بتاءين، مضارع " تساقط " فحذف حمزة ~~إحدى التاءين تخفيفا؛ نحو: { تنزل } [القدر: 4] و { تذكرون } ~~[الأنعام: 152]، والباقون أدغموا في السين، وقراءة حفص مضارع " ~~ساقط ". # وقرأ الأعمش، والبراء [بن عازب] " يساقط " كالجماعة، إلا أنه ~~بالياء من تحت، أدغم التاء في السين؛ إذ الأصل: " يتساقط " فهو ~~مضارع " اساقط " وأصله " يتساقط " فأدغم، واجتلبت همزة ~~الوصل؛ ك " ادارأ " في " تدارأ ". # ونقل عن أبي حيوة ثلاث قراءات: # وافقه مسروق في الأولى، وهي " تسقط " بضم التاء، وسكون السين، ~~وكسر القاف من " أسقط ". # والثانية: كذلك إلا أنه بالياء من تحت. # الثالثة كذلك إلا أنه رفع " رطبا جنيا " بالفاعلية. # وقرىء " تتساقط " بتاءين من فوق، وهو أصل قراءة الجماعة، ~~وتسقط ويسقط، بفتح التاء والياء، وسكون السين، وضم القاف، فرفع ~~الرطب بالفاعلية، وتعطي من الأفعال ما يوافقه في القراءات المتقدمة، ومن ~~قرأ بالتاء من فوق، فالفعل مسند: إما للنخلة، وإما للثمرة ~~المفهومة من السياق، وإما للجذع، وجاز تأنيث فعله؛ لإضافته إلى ~~مؤنث؛ فهو كقوله: [الطويل] # 3596-........................ # كما شرقت صدر القناة من الدم ms5919 # وكقراءة { تلتقطه بعض السيارة } [يوسف: 10] ومن قرأ بالياء من ~~تحت، فالضمير للجذع، وقيل: للثمر المدلول عليه بالسياق. # وأما نصب " رطبا " فلا يخرج عن كونه تمييزا، أو حالا موطئة، ~~إن كان الفعل قبله لازما، أو مفعولا به، إن كان الفعل متعديا، ~~[والذكي] يرد كل شيء إلى ما يليق به من القراءات، وجوز ~~المبرد في نصبه وجها غريبا: وهو أن يكون مفعولا به ب " هزي " ~~وعلى هذا، فتكون المسألة من باب التنازع في بعض القراءات: وهي أن يكون ~~الفعل فيها متعديا، وتكون المسألة من إعمال الثاني، للحذف من ~~الأول. # وقرأ طلحة بن سليمان " جنيا " بكسر الجيم إتباعا لكسرة النون. # والرطب: اسم جنس لرطبة؛ بخلاف " تخم " فإنه جمع لتخمة، ~~والفرق: أنهم لزموا تذكيره، فقالوا: هو الرطب، وتأنيث ذاك، فقالوا: ~~هي التخم، فذكروا " الرطب " باعتبار الجنس، وأنثوا " ~~التخم " باعتبار الجمعية، وهو فرق لطيف، ويجمع على " أرطاب " ~~شذوذا كربع وأرباع، والرطب: ما قطع قبل يبسه وجفافه، وخص الرطب ~~بالرطب من التمر، وأرطب النخل؛ نحو: أتمر وأجنى. # والجني: ما طاب، وصلح للاجتناء، وهو " فعيل " بمعنى مفعول أي ~~رطبا مجنيا، وقيل: بمعنى فاعل، أي: طريا، والجنى والجني ~~أيضا: المجتنى من العسل، وأجنى الشجر: أدرك ثمره، وأجنت ~~الأرض: كثر جناها، واستعير من ذلك " جنى فلان جناية " كما استعير " ~~اجترم جريمة ". # فصل في معنى الآية # المعنى جمعنا لك بين الشرب والأكل. # قال عمرو بن ميمون: ليس شيء خير من الثمر والرطب، ثم تلا هذه ~~الآية. # وقال بعض العلماء: أكل الرطب والثمرة للمرأة التي ضربها ~~الطلق يسهل عليها الولادة. # قال الربيع بن خيثم " ما للنفساء عندي خير من الرطب، ولا ~~للمرض خير من العسل. # قالت المعتزلة: هذه الأفعال الخارقة للعادة كانت معجزة لزكريا ~~وغيره من الأنبياء؛ وهذا باطل؛ لأن زكريا - صلوات الله عليه وسلامه ~~- ما كان له علم بحالها ومكانها، فكيف بتلك المعجزات؟ بل الحق أنها ~~كانت كرامات لمريم، أو إرهاصا لعيسى - صلوات الله عليهما -، لأن ~~النخلة لم تكن مثمرة، إذ ذاك؛ لأن ميلاده كان في زمان الشتاء، وليس ~~ذاك ms5920 وقت ثمر. # قوله تعالى: { وقري عينا }: نصب " عينا " على التمييز منقول ~~من الفاعل؛ إذ الأصل: لتقر عينك، والعامة على فتح القاف من " ~~قري " أمرا من قرت عينه تقر، بكسر العين في الماضي، وفتحها في ~~المضارع. # وقرىء بكسر القاف، وهي لغة نجد؛ يقولون: قرت عينه تقر، بفتح ~~العين في الماضي، وكسرها في المضارع، والمشهور: أن مكسور العين في ~~الماضي ل " العين " ، والمفتوحها في " المكان " يقال: قررت ~~بالمكان أقر به، وقد يقال: قررت بالمكان بالكسر، وسيأتي ذلك في قوله ~~تعالى # وقرن في بيوتكن # [الأحزاب: 33]. # وفي وصف العين بذلك تأويلان: # أحدهما: أنه مأخوذ من " القر " وهو البرد: وذلك أن العين، إذا ~~فرح صاحبها، كان دمعها قارا، باردا، وإذا حزن، كان حارا؛ ولذلك ~~قالوا في الدعاء عليه: " أسخن الله عينه " وفي الدعاء له: " أقر ~~الله عينه " وما أحلى قول أبي تمام - رحمه الله تعالى -: [الطويل] # 3597- فأما عيون العاشقين فأسخنت # وأما عيون الشامتين فقرت # والثاني: أنه مأخوذ من الاستقرار، والمعنى: أعطاه الله ما يسكن عينه ~~فلا تطمح إلى غيره. # المعنى: فكلي من الرطب واشربي من النهر " وقري عينا " وطيبي نفسا، ~~وقدم الأكل على الشرب؛ لأن حاجة النفساء، إلى الرطب أشد من ~~احتياجها إلى شرب الماء؛ لكثرة ما سال منها من الدم، قيل: " قري ~~عينا " بولدك عيسى، وتقدم معناه. # فإن قيل: إن مضرة الخوف أشد من مضرة الجوع والعطش؛ لأن ~~الخوف ألم الروح، والجوع ألم البدن، وألم الروح أقوى من ألم ~~البدن، يروى أنه أجيعت شاة، فقدم إليها علف، وعندها ذئب، فبقيت ~~الشاة مدة مديدة لا تتناول العلف، مع جوعها؛ خوفا من الذئب، ثم كسر ~~رجلها، وقدم العلف إليها، فتناولت العلف، مع ألم البدن؛ فدل ذلك على ~~أن ألم الخوف أشد من ألم البدن، وإذا كان كذلك، فلم قدم دفع ضرر ~~الجوع والعطش على دفع ضرر الخوف؟. # فالجواب: لأن هذا الخوف كان قليلا؛ لأن بشارة جبريل - صلوات الله ~~عليه - كانت قد تقدمت، فما كانت تحتاج إلى التذكرة مرة أخرى. # قوله تعالى: { فإما ترين } دخلت " إن " الشرطية ms5921 على " ما " ~~الزائدة للتوكيد، فأدغمت فيها، وكتبت متصلة، و " ترين " تقدم ~~تصريفه. # أي: " أن تري " ، فدخلت عليه نون التوكيد، فكسرت الياء، لالتقاء ~~الساكنين. # معناه: فإما ترين من البشر أحدا، فسألك عن ولدك والعامة على ~~صريح الياء المكسورة، وقرأ أبو عمرو في رواية " ترئن " بهمزة مكسورة ~~بدل الياء، وكذلك روي عنه " لترؤن " بإبدال الواو همزة، قال ~~الزمخشري: " هذا من لغة من يقول: لبأت بالحج، وحلأت السويق " ~~- يعني بالهمز - وذلك لتآخ بين الهمز وحروف اللين " وتجرأ ابن ~~خالويه على أبي عمرو؛ فقال: " هو لحن عند أكثر النحويين ". # وقرأ أبو جعفر قارىء المدينة، وشيبة، وطلحة " ترين " بياء ~~ساكنة، ونون خفيفة، قال أبن جني: " وهي شاذة ". قال شهاب الدين: ~~لأنه كان ينبغي أن يؤثر الجازم، فيحذف نون الرفع؛ كقول الأفوه: ~~[السريع] # 3598- إما تري رأسي أزرى به # ماس زمان ذي انتكاث مئوس # ولم يؤثر هنا شذوذا، وهذا نظير قول الآخر: [البسيط] # 3599- لولا فوارس من نعم وأسرتهم # يوم الصليفاء لم يوفون بالجار # فلم يعمل " لم " وأبقى نون الرفع. # و " من البشر " حال من " أحدا " لأنه لو تأخر، لكان وصفا، وقال ~~أبو البقاء: " أو مفعول " يعني متعلق بنفس الفعل قبله. # قوله تعالى: " فقولي " بين هذا الجواب، وشرطه جملة محذوفة، تقديره: ~~فإما ترين من البشر أحدا، فسألك الكلام، فقولي، وبهذا المقدر ~~نخلص من إشكال: وهو أن قولها { فلن أكلم اليوم إنسيا } ~~كلام؛ فيكون ذلك تناقضا؛ لأنها قد كلمت إنسيا بهذا الكلام، وجوابه ~~ما تقدم. # ولذلك قال بعضهم: إنها ما نذرت في الحال، بل صبرت؛ حتى أتاها ~~القوم، فذكرت لهم: { إني نذرت للرحمن صوما فلن ~~أكلم اليوم إنسيا }. # وقيل: المراد بقوله " فقولي " إلى آخره، أنه بالإشارة، وليس بشيء؛ بل ~~المعنى: فلن أكلم اليوم إنسيا بعد هذا الكلام. # وقرأ زيد بن علي " صياما " بدل " صوما " وهما مصدران. # فصل في معنى صوما # معنى قوله تعالى: " صوما ": أي صمتا، وكذلك كان يقرأ ابن مسعود - ~~رضي الله عنه -، والصوم في اللغة، الإمساك عن الطعام والكلام. # قال السدي: كان في بني إسرائيل من إذا ms5922 أراد أن يجتهد، صام عن الكلام، ~~كما يصوم عن الطعام، فلا يتكلم حتى يمسي. # قيل: كانت تكلم الملائكة، ولا تكلم الإنس. # قيل: أمرها الله تعالى بنذر الصمت؛ لئلا تشرع مع من اتهمها في ~~الكلام؛ لمعنيين: # أحدهما: أن كلام عيسى - صلوات الله عليه - أقوى في إزالة التهمة من ~~كلامهما، وفيه دلالة على أن تفويض [الأمر] إلى الأفضل أولى. # الثانية: كراهة مجادلة السفهاء، وفيه أن السكوت عن السفيه ~~واجب، ومن أذل الناس سفيه لم يجد مسافها. # قوله تعالى: { فأتت به قومها تحمله }: " به " في محل ~~نصب على الحال من فاعل " أتت " ، [أي: أتت] مصاحبة له؛ نحو: جاء ~~بثيابه، أي: ملتبسا بها، ويجوز أن تكون الباء متعلقة بالإتيان، وأما ~~" تحمله " فيجوز أن يكون حالا ثانية من فاعل " أتت " ويجوز أن يكون ~~حالا من الهاء في " به " وظاهر كلام أبي البقاء: أنها حال من ضمير ~~مريم وعيسى معا؛ وفيه نظر. # قوله تعالى: " شيئا " مفعول به، أي: فعلت شيئا، أو مصدر، أي: ~~نوعا من المجيء غريبا، والفري: العظيم من الأمر؛ يقال في الخير ~~والشر، وقيل: الفري: العجيب، وقيل: المفتعل، ومن الأول، ~~الحديث في وصف عمر - رضي الله عنه -: " فلم أر عبقريا يفري ~~فريه " والفري: قطع الجلد للخرز والإصلاح، والإفراء: إفساده، ~~وفي المثل: جاء يفري الفري، أي: يعمل العمل العظيم؛ وقال: ~~[الكامل] # 3600- فلأنت تفري ما خلقت وبع # ض القوم يخلق ثم لا يفري # وقرأ أبو حيوة فيما نقل عنه ابن خالويه " فريئا " بالهمز، وفيما نقل ~~ابن عطية " فريا " بسكون الراء. # وقرأ عمر بن لجأ { ما كان أباك امرؤ سوء } جعل النكرة الاسم، ~~والمعرفة الخبر؛ كقوله: [الوافر] # 3601-........................ # يكون مزاجها عسل وماء # وقوله: [الوافر] # 3062-........................ # ولا يك موقف منك الوداعا # وهنا أحسن لوجود الإضافة في الاسم. # فصل في كيفية ولادة مريم وكلام عيسى لها ولقومه # قيل: إنها ولدته ثم حملته في الحال إلى قومها. # وقال ابن عباس، والكلبي: احتمل يوسف النجار مريم، [وابنها] عيسى ~~إلى غار، ومكث أربعين يوما؛ حتى طهرت من نفاسها، ثم حملته مريم ~~إلى قومها، فكلمها ms5923 عيسى في الطريق؛ فقال: يا أماه، أبشري؛ فإني ~~عبد الله، ومسيحه، فلما دخلت على أهلها ومعها الصبي، بكوا، ~~وحزنوا، وكانوا أهل بيت صالحين؛ فقالوا { يمريم لقد جئت ~~شيئا فريا } عظيما منكرا. # قال أبو عبيدة: كل أمر فائق من عجب، أو عمل، فهو فري؛ وهذا ~~منهم على وجه الذم، والتوبيخ؛ لقولهم بعده: { يأخت هارون ما ~~كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا }. # قوله تعالى: { يأخت هارون } يريدون: يا شبيهة هارون، قال ~~قتادة، وكعب، وابن زيد، والمغيرة بن شعبة - رضي الله عنهم -: كان ~~هارون رجلا صالحا عابدا مقدما في بني إسرائيل، روي أنه تبع ~~جنازته يوم مات أربعون ألفا، كلهم يسمى هارون من بني إسرائيل سوى ~~سائر الناس، شبهوها به على معنى أننا ظننا أنك مثله في ~~الصلاح، وليس المراد منه الأخوة في النسب؛ كقوله سبحانه وتعالى: # إن المبذرين كانوا إخوان الشيطين # [الإسراء: 27]. # روى المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - قال: لما قدمت [خراسان] ~~سألوني، فقالوا: إنكم تقرءون: { يأخت هارون } وموسى قبل عيسى ~~بكذا وكذا، فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألته عن ~~ذلك، فقال: إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم. # قال ابن كثير: وأخطأ محمد بن كعب القرظي في زعمه أنها أخت موسى ~~وهارون نسبا؛ فإن بينهما من الدهور الطويلة ما لا يخفى على من ~~عنده أدنى علم، وكأنه غره أن في التوراة أن مريم - أخت موسى، ~~وهارون - ضربت بالدف يوم نجى الله موسى وقومه، وغرق فرعون ~~وجنوده، فاعتقد أن هذه هي تلك، وهذا في غاية البطلان ومخالفة للحديث ~~الصحيح المتقدم. # وقال الكلبي: كان هارون أخا مريم من أبيها، وكان أمثل رجل في بني ~~إسرائيل. # وقال السدي: إنما عنوا به هارون أخا موسى، لأنها كانت من نسله، ~~كما يقال للتميمي: يا أخا تميم، ويا أخا همدان، أي: يا واحدا منهم. # وقيل: كان هارون فاسقا في بني إسرائيل معلنا بالفسق، فشبهوها ~~به. وقول الكلبي أقرب؛ لوجهين: # الأول: أن الأصل في الكلام الحقيقة؛ فيحمل الكلام على أخيها المسمى ~~ب ms5924 " هارون ". # الثاني: أنها أضيفت إليه، ووصف أبواها بالصلاح؛ وحينئذ يصير ~~التوبيخ أشد، لأن من كان حال أبويه وأخيه هذا الحال، يكون صدور ~~الذنب منه أفحش. # ثم قالوا: { ما كان أبوك امرأ سوء }. # قال ابن عباس: أي: زانيا، " وما كانت أمك " حنة " بغيا " أي: ~~زانية، فمن أين لك هذا الولد. # قوله تعالى: { فأشارت إليه }: الإشارة معروفة تكون باليد ~~والعين وغير ذلك، وألفها عن ياء، وأنشدوا لكثير: [الطويل] # 3603- فقلت وفي الأحشاء داء مخامر # ألا حبذا يا عز ذاك التشاير # قوله تعالى: { من كان في المهد صبيا } في " كان " هذه ~~أقوال: # أحدها: أنها زائدة، وهو قول أبي عبيد، أي: كيف نكلم من في ~~المهد، و " صبيا " على هذا: نصب على الحال من الضمير المستتر في ~~الجار والمجرور الواقع صلة، وقد رد أبو بكر هذا القول - أعني كونها ~~زائدة - بأنها لو كانت زائدة، لما نصبت الخبر، وهذه قد نصبت " صبيا " ~~وهذا الرد مرود بما ذكرته من نصبه على الحال، لا الخبر. # الثاني: أنها تامة بمعنى حدث ووجد، والتقدير: كيف نكلم من وجد ~~صبيا، و " صبيا " حال من الضمير في " كان ". # الثالث: أنها بمعنى صار، أي: كيف نكلم من صار في المهد صبيا، و " ~~صبيا " على هذا: خبرها؛ فهو كقوله: [الطويل] # 3604-....................... # قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها # الرابع: أنها الناقضة على بابها من دلالتها على اقتران مضمون الجملة ~~بالزمان الماضي، من غير تعرض للانقطاع؛ كقوله تعالى: # وكان الله غفورا رحيما # [النساء: 96] ولذلك يعبر عنها بأنها ترادف " لم تزل " قال ~~الزمخشري: " كان " لإيقاع مضمون الجملة في زمان ماض مبهم صالح ~~للقريب والبعيد، وهو هنا لقريبه خاصة، والدال عليه معنى الكلام، ~~وأنه مسوق للتعجب، ووجه آخر: وهو أن يكون " نكلم " حكاية حال ~~ماضية، أي: كيف عهد قبل عيسى أن يكلم الناس في المهد حتى نكلمه ~~نحن؟ # وأما " من " فالظاهر أنها موصولة بعنى الذي، وضعف جعلها نكرة ~~موصوفة، أي: كيف نكلم شخصا، أو مولودا، وجوز الفراء والزجاج فيها ~~أن تكون شرطية، و " كان " بمعنى " يكن " وجواب الشرط: إما ms5925 ~~متقدم، وهو " كيف نكلم " أو محذوف، لدلالة هذا عليه، أي: من ~~يكن في المهد صبيا، فكيف نكلمه؟ فهي على هذا: مرفوعة المحل ~~بالابتداء، وعلى ما قبله: منصوبته ب " نكلم " وإذا قيل بأن " ~~كان " زائدة؛ هل تتحمل ضميرا، أم لا؟ فيه خلاف، ومن جوز، استدل ~~بقوله: [الوافر] # 3605- فكيف إذا مررت بدار قوم # وجيران لنا كانوا كرام # فرفع بها الواو، ومن منع، تأول البيت، بأنها غير زائدة، وأن ~~خبرها هو " لنا " قدم عليها، وفصل بالجملة بين الصفة، والموصوف. # وأبو عمرو يدغم الدال في الصاد، والأكثرون على أنه إخفاء. # فصل في مناظرة مريم لقومها # لما بالغوا في توبيخ مريم سكتت، وأشارت إلى عيسى، أن كلموه. # قال ابن مسعود: لما لم يكن لها حجة، أشارت إليه؛ ليكون كلامه ~~حجة لها، أي: هو الذي يجيبكم، إذا ناطقتموه. # قال السدي: لما أشارت إليه؛ ليكون كلامه حجة، غضبوا، وقالوا: ~~لسخريتها بنا أشد من زناها، و { قالوا كيف نكلم من ~~كان في المهد صبيا } ، والمهد: هو حجرها. # وقيل: هو المهد بعينه. # والمعنى: كيف نكلم صبيا سبيله أن ينام في المهد؟! # قال السدي: فلما سمع عيسى - صلوات الله عليه - كلامهم، وكان يرضع، ~~ترك الرضاع، وأقبل عليهم بوجهه، واتكأ على يساره، وأشار بسبابة ~~يمينه، فقال: { إني عبد الله }. # وقيل: كلمهم بذلك، ثم لم يتكلم؛ حتى بلغ مبلغا يتكلم فيه ~~الصبيان، وقال وهب: أتاها زكريا - عليه الصلاة والسلام - عند ~~مناظرتها اليهود، فقال لعيسى: انطق بحجتك، إن كنت أمرت بها، ~~فقال عيسى عند ذلك وهو ابن أربعين يوما - وقال مقاتل: بل هو يوم ولد ~~-: إني عبد الله، أقر على نفسه بالعبودية لله - عز وجل - أول ~~ما تكلم لئلا يتخذ إلها، وفيه فوائد: # الأولى: أن ذلك الكلام في ذلك الوقت: كان سببا لإزالة الوهم الذي ~~ذهب إليه النصارى؛ فلا جرم: أول ما تكلم، قال: { إني عبد ~~الله }. # الثانية: أن الحاجة في ذلك الوقت، إنما هو نفي تهمة الزنا عن ~~مريم، ثم إن عيسى - صلوات الله عليه - لم ينص على ذلك، وإنما نص ~~على ms5926 إثبات عبودية نفسه، كأنه جعل إزالة التهمة عن الله تعالى ~~أولى من إزالة التهمة عن الأم؛ فلهذا: أول ما تكلم إنما تكلم ~~بقوله: { إني عبد الله }. # الثالثة: أن التكلم بإزالة التهمة عن [الله تعالى] يفيد إزالة ~~التهمة عن الأم؛ لأن الله تعالى لا يخص الفاجرة بولد في هذه ~~الدرجة العالية، والمرتبة العظيمة، أما التكلم بإزالة التهمة عن ~~الأم، فلا يفيد إزالة التهمة عن [الله تعالى]، فكان الاشتغال ~~بذلك هاهنا أولى. # فصل في إبطال قول النصارى # في إبطال قول النصارى وجوه: # الأول: أنهم وافقونا على أن ذاته - سبحانه وتعالى - لم تحل في ~~ناسوت عيسى، بل قالوا: الكلمة حلت فيه، والمراد من الكلمة العلم، ~~فنقول: العلم، لما حصل لعيسى، ففي تلك الحالة: إما أن يقال: إنه ~~بقي في ذات الله تعالى، أو ما بقي. # فإن كان الأول، لزم حصول الصفة الواحدة في محلين، وذلك ~~غير معقول، ولأنه لو جاز أن يقال: العلم الحاصل في ذات عيسى هو ~~العلم الحاصل في ذات الله بعينه، فلم لا يجوز في حق كل واحد ذلك ~~حتى يكون العلم الحاصل لكل واحد هو العلم الحاصل لذات الله ~~تعالى؟ وإن كان الثاني، لزم أن يقال: إن الله تعالى لا يبقى عالما بعد ~~حلول علمه في عيسى، وذلك مما لا يقوله عاقل. # قال ابن الخطيب: # وثانيها: مناظرة جرت بيني وبين بعض النصارى، فقلت له: هل تسلم ~~أن عدم الدليل لا يدل على عدم المدلول، أم لا؟ فإن أنكرت، لزمك ~~لا يكون الله قديما؛ لأن دليل وجوده هو العالم، فإذا لزم من ~~عدم الدليل عدم المدلول، لزم من عدم العالم في الأزل عدم الصانع في ~~الأزل، وإن سلمت أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول، فنقول: ~~إذا جوزت اتحاد كلمة الله بعيسى أو حلولها فيه، فكيف عرفت أن ~~كلمة الله تعالى ما حلت في زيد وعمر؟ بل كيف عرفت أنها ما حلت ~~في هذه الهرة، وفي هذا الكلب؟ فقال: إن هذا السؤال لا يليق بك؛ ~~لأنا إنما أثبتنا ذلك ms5927 الاتحاد، أو الحلول، بناء على ما ظهر على يد ~~عيسى من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه، والأبرص، فإذا لم نجد شيئا من ~~ذلك ظهر على يد غيره، فكيف نثبت الاتحاد، أو الحلول؟ فقلت له: إني ~~عرفت بهذا الكلام أنك ما عرفت أول الكلام؛ لأنك سلمت لي ~~أن عدم الدليل لا يدل على عدم المدلول، وإذا كان هذا الحلول غير ~~ممتنع في الجملة، فأكثر ما في هذا الباب أنه وجد ما يدل على ~~حصوله في حق عيسى، ولم يوجد ذلك الدليل في حق زيد وعمرو، ولكن ~~عدم الدليل لا يدل على عدم المدلول؛ فلا يلزم من عدم ظهور هذه ~~الخوارق على يد زيد وعمرو، وعلى السنور والكلب عدم ذلك ~~الحلول، فثبت أنك مهما جوزت القول بالاتحاد، والحلول، لزمك ~~تجويز حصول ذلك الاتحاد، والحلول في حق كل أحد، بل في حق كل ~~حيوان ونبات، ولكن المذهب الذي يسوق [قائله] إلى مثل هذا [القول] ~~الركيك، يكون باطلا قطعا، ثم قلت [له] وكيف دل إحياء الموتى، ~~وإبراء الأكمه، والأبرص على ما قلت؟ أليس انقلاب العصا ثعبانا أبعد ~~من انقلاب الميت حيا، فإذا ظهر على يد موسى، ولم يدل على إلهيته، ~~فبأن لا يدل هذا على إلهية عيسى أولى. # وثالثها: أن دلالة أحوال عيسى على العبودية أقوى من دلالتها على ~~الربوبية؛ لأنه كان مجتهدا في العبادة، والعبادة لا تليق إلا ~~بالعبد، وأنه كان في نهاية البعد عن الدنيا، والاحتراز عن أهلها ~~حتى قالت النصارى: إن اليهود قتلوه، ومن كان في الضعف هكذا، فكيف ~~يليق به الربوبية؟. # ورابعها: أن المسيح: إما أن يكون قديما، أو محدثا، والقول بقدمه ~~باطل؛ لأنا نعلم بالضرورة أنه ولد، وكان طفلا، ثم صار ~~شابا، وكان يأكل ويشرب، ويعرض له ما يعرض لسائر البشر، وإن كان ~~محدثا، كان مخلوقا، ولا معنى للعبودية إلا ذلك. # فإن قيل: المعني بالإلهية أنه حلت فيه صفة [الإلهية، قلنا:] ~~هب أنه كان كذلك، لكن الحال هو صفة الإله، والمسيح هو المحل، ~~والمحل محدث مخلوق، فالمسيح عبد محدث، فكيف ms5928 يمكن وصفه ~~بالإلهية؟. # وخامسها: أن الولد لا بد وأن يكون من جنس الوالد، فإن كان لله ~~تعالى ولد، فلا بد أن يكون من جنسه، فإذا قد اشتركا في بعض الوجوه، ~~فإن لم يتميز أحدهما عن الآخر بأمر ما، فكل واحد منهما هو الآخر، ~~وإن حصل الامتياز، فما به الامتياز غير ما به الاشتراك؛ فيلزم وقوع ~~التركيب في ذات الله تعالى، وكل مركب ممكن، [فالواجب] ممكن؛ ~~هذا خلف، هذا على الاتحاد، والحلول. # فإن قيل: قالوا: معنى كونه إلها أنه سبحانه خص نفسه أو بدنه ~~بالقدرة على خلق الأجسام، والتصرف في هذا العالم، فهذا أيضا باطل؛ ~~لأن النصارى نقلوا عنه الضعف والعجز، وأن اليهود قتلوه، فلو ~~كان قادرا على خلق الأجسام، لما قدروا على قتله، بل كان هو ~~يقتلهم ويخلق لنفسه عسكرا يذبون عنه. # فإن قيل: قالوا: معنى كونه إلها أنه اتخذه ابنا لنفسه؛ على سبيل ~~التشريف، وهو قد قال به قوم من النصارى، يقال لهم الآريوسية، وليس فيه ~~كثير خطأ إلا في اللفظ. # قوله تعالى: { ءاتني الكتب } قيل: معناه: سيؤتيني الكتاب، ~~ويجعلني نبيا. # روى عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنهما - # " أن هذا إخبار عما كتب له في اللوح المحفوظ؛ كما قيل للنبي ~~صلى الله عليه وسلم: متى كنت نبيا؟ قال: " كنت نبيا، وآدم ~~بين الروح والجسد " # وعن الحسن - رضي الله عنه - أنه ألهم التوراة، وهو في بطن أمه. # وقال الأكثرون: إنه أوتي الإنجيل، وهو صغير طفل، وكان يعقل عقل ~~الرجال. # فمن قال: الكتاب: هو التوراة، قال: لأن الألف واللام للعهد، ولا ~~معهود حينئذ إلا التوراة، ومن قال: الإنجيل، قال " الألف واللام ~~للاستغراق، وظاهر كلام عيسى - صلوات الله عليه - أن الله تعالى آتاه ~~الكتاب، وجعله نبيا، وأمره بالصلاة والزكاة، وأن يدعو إلى الله ~~تعالى، وإلى دينه، وشريعته من قبل أن يكلمهم، وأنه تكلم مع أمه ~~وأخبرها بحاله، وأخبرها بأنه يكلمهم بما يدل على براءتها، فلهذا ~~أشارت إليه بالكلام. # قال بعضهم: أخبر أنه نبي، ولكنه ما كان رسولا؛ لأنه في ذلك ~~الوقت ms5929 ما جاء بالشريعة، ومعنى كونه نبيا: رفيع القدر عالي الدرجة؛ ~~وهذا ضعيف لأن النبي في عرف الشرع هو الذي خصه الله بالنبوة ~~وبالرسالة، خصوصا إذا قرن إليه ذكر الشرع، وهو قوله: { وأوصاني ~~بالصلوة والزكوة } ثم قال: { وجعلني مباركا أين ~~ما كنت }. # وقال مجاهد - رضي الله عنه - معلما للخير. # وقال عطاء: أدعو إلى الله، وإلى توحيده وعبادته. # وقيل: مباركا على من اتبعني. # روى قتادة أن امرأة رأته، وهو يحيى الموتى، ويبرىء الأكمه ~~والأبرص، فقالت: طوبى لبطن حملك، وثدي أرضعت به، فقال عيسى مجيبا لها: ~~طوبى لمن تلا كتاب الله واتبع ما فيه، وعمل به، ولم يكن ~~جبارا شقيا. # قوله تعالى: { أين ما كنت } يدل على أن حاله لم يتغير كما ~~قيل: إنه عاد إلى حال الصغر، وزوال التكليف. # قوله: { أين ما كنت }: هذه شرطية، وجوابها: إما محذوف مدلول ~~عليه بما تقدم، أي: أينما كنت، جعلني مباركا، وإما متقدم عند ~~من يرى ذلك، ولا جائز أن تكون استفهامية؛ لأنه يلزم أن يعمل فيها ما ~~قبلها، وأسماء الاستفهام لها صدر الكلام، فيتعين أن تكون شرطية؛ ~~لأنها منحصرة في هذين المعنيين. # ثم قال: { وأوصاني بالصلوة والزكوة } أي: أمرني بهما. # فإن قيل: لم يكن لعيسى مال، فكيف يؤمر بالزكاة؟ قيل: معناه: ~~بالزكاة، لو كان له مال. # فإن قيل: كيف يؤمر بالصلاة والزكاة، مع أنه كان طفلا صغيرا، ~~والقلم مرفوع عن الصغير؛ لقوله - صلوات الله عليه وسلامه -: # " رفع القلم عن ثلاث " # الحديث. # فالجواب من وجهين: # الأول: أن قوله: { وأوصاني بالصلوة والزكوة } لا ~~يدل على أنه تعالى أوصاه بأدائهما في الحال، بل بعد البلوغ، ~~فيكون المعنى على أنه تعالى أوصاني بأدائهما في وقت وجوبهما علي، ~~وهو وقت البلوغ. # الثاني: لعل الله تعالى، لما انفصل عيسى عن أمه - صلوات الله عليه ~~- صيره بالغا، عاقلا، تام الخلقة؛ ويدل عليه قوله تعالى: # إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم # [آل عمران: 59] فكما أنه تعالى خلق آدم - صلوات الله عليه وسلامه - ~~تاما كاملا دفعة، فكذا القول في عيسى صلوات الله عليه ms5930 وهذا أقرب ~~إلى ظاهر اللفظ، لقوله: { ما دمت حيا } فإنه يفيد أن هذا ~~التكليف متوجه عليه في جميع زمان حياته، ولكن لقائل أن يقول: لو كان ~~الأمر كذلك، لكان القوم حين رأوه، فقد رأوه شخصا كامل الأعضاء، تام ~~الخلقة، وصدور الكلام عن مثل هذا الشخص لا يكون عجبا؛ فكان ينبغي ~~ألا يعجبوا. # والجواب أن يقال: إنه تعالى جعله مع صغر جثته قوي التركيب، ~~كامل العقل، بحيث كان يمكنه أداء الصلاة والزكاة، والآية ~~دالة على أن تكليفه لم يتغير حين كان في الأرض، وحين رفع إلى ~~السماء، وحين ينزل مرة أخرى؛ لقوله { ما دمت حيا }. # قوله تعالى: { ما دمت حيا } " ما " مصدرية ظرفية، وتقدم " ما ~~" على " دام " شرط في إعمالها، والتقدير: مدة دوامي حيا، ونقل ابن ~~عطية عن عاصم، وجماعة: أنهم قرءوا " دمت " بضم الدال، وعن ابن ~~كثير، وأبي عمرو، وأهل المدينة: " دمت " بكسرها، وهذا لم نره ~~لغيره، وليس هو موجودا في كتب القراءات المتواترة والشاذة الموجودة ~~الآن، فيجوز أن يكون اطلع عليه في مصنف غريب، ولا شك أن في " ~~دام " لغتين، يقال: دمت تدوم، وهي اللغة الغالية، ودمت تدام؛ ~~كخفت تخاف، وتقدم نظير هذا في مات يموت ومات يمات. # قوله تعالى: { وبرا بوالدتي }: العامة على فتح الباء، وفيه ~~تأويلان: # أحدهما: أنه منصوب نسقا على " مباركا " أي: وجعلني برا. # والثاني: أنه منصوب بإضمار فعل، واختير هذا على الأول؛ لأن ~~فيه فصلا كثيرا بجملة الوصية ومتعلقها. # قال الزمخشري: جعل ذاته برا؛ لفرط بره، ونصبه بفعل في معنى " ~~أوصاني " وهو " كلفني " لأن أوصاني بالصلاة، وكلفني ~~بها واحد. # وقرىء " برا " بكسر الباء: إما على حذف مضاف، وإما على ~~المبالغة في جعله نفس المصدر، وقد تقدم في البقرة: أنه يجوز أن يكون ~~وصفا على فعل، وحكى الزهراوي، وأبو البقاء أنه قرىء بكسر ~~الباء، والراء، وتوجيهه: أنه نسق على " الصلاة " أي: وأوصاني ~~بالصلاة وبالزكاة، وبالبر، و " بوالدتي " متعلق بالبر، أو ~~البر. # فصل فيما يشير إليه قوله " وبرا بوالدتي " # قوله: { وبرا بوالدتي } إشارة إلى تنزيه أمه عن ms5931 الزنا؛ إذ ~~لو كانت زانية، لما كان الرسول المعصوم مأمورا بتعظيمها وبرها؛ ~~لأنه تأكد حقها عليه؛ لتمحض إذ حقها لا والد له سواها. # قوله تعالى: { ولم يجعلني جبارا شقيا } يدل على أن ~~فعل العبد مخلوق لله تعالى؛ لأنه لما أخبر أنه تعالى، جعله برا، وما ~~جعله جبارا، إنما يحسن لو أن الله تعالى جعل غيره جبارا، وجعله ~~[غير] بر بأمه؛ فإن الله تعالى، لو فعل ذلك بكل أحد، لم يكن ~~لعيسى مزية تخصيص بذلك، ومعلوم أنه - صلوات الله عليه وسلامه - ~~إنما ذكر ذلك في معرض التخصيص، ومعنى قوله: { ولم يجعلني ~~جبارا } أي ما جعلني جبارا متكبرا، بل أنا خاضع لأمي، ~~متواضع لها، ولو كنت جبارا، كنت عاصيا شقيا. # قال بعض العلماء: لا تجد العاق إلا جبارا شقيا، وتلا: { وبرا ~~بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا } ولا تجد سيىء ~~الملكة إلا مختالا فخورا، وقرأ: # وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان ~~مختالا فخورا # [النساء:36]. # قوله تعالى: { والسلام علي }: الألف واللام في " السلام " ~~للعهد؛ لأنه قد تقدم لفظه في قوله - عز وجل -: # وسلام عليه # [الآية: 15] فهو كقوله: # كمآ أرسلنآ إلى فرعون رسولا فعصى فرعون ~~الرسول # [المزمل: 15، 16] أي: ذلك السلام الموجه إلى يحيى موجه إلي، ~~وقال الزمخشري - رحمه الله -: " والصحيح أن يكون هذا التعريف تعريضا ~~باللعنة على متهمي مريم - عليها السلام - وأعدائها من اليهود، ~~وتحقيقه: أن اللام لاستغراق الجنس، فإذا قال: وجنس السلام علي ~~خاصة، فقد عرض بأن ضده عليكم، ونظيره قول موسى - صلوات الله عليه ~~وسلامه -: # والسلام على من اتبع الهدى # [طه: 47]. # يعني: أن العذاب على من كذب، وتولى، وكان المقام مقام اللجاج ~~والعناد، فيليق به هذا التعريض ". # فصل في الفرق بين السلام على يحيى، والسلام على عيسى # روي أن عيسى - صلوات الله عليه وسلامه - قال ليحيى: أنت خير مني؛ ~~سلم الله عليك، وسلمت على نفسي. وأجاب الحسن، فقال: إن تسليمه على ~~نفسه تسليم الله؛ لأنه إنما فعله بإذن الله. # قال القاضي: السلام عبارة عما يحصل به الأمان، ومنه السلامة ~~في ms5932 النعم، وزوال الآفات، فكأنه سأل ربه ما أخبر الله تعالى أنه ~~فعل بيحيى، وأعظم احتياج الإنسان إلى السلامة في هذه الأحوال ~~الثلاثة، وهي يوم الولادة، أي: السلامة عند الولادة من طعن ~~الشيطان، ويوم الموت، أي: عند الموت من الشرك، ويوم البعث من ~~الأهوال. # قال المفسرون: لما كلمهم عيسى بهذا، علموا براءة مريم، ثم سكت ~~عيسى - صلوات الله عليه وسلامه -، فلم يتكلم بعد ذلك حتى بلغ المدة ~~التي يتكلم فيها الصبيان. # قوله: " يوم ولدت " منصوب بما تضمنه " علي " من الاستقرار، ولا ~~يجوز نصبه ب " السلام " للفصل بين المصدر ومعموله، وقرأ زيد ~~بن علي " ولدت " جعله فعلا ماضيا مسندا لضمير مريم، والتاء ~~للتأنيث، و " حيا " حال مؤكدة. # فصل في الرد على اليهود والنصارى # اعلم أن اليهود والنصارى ينكرون أن عيسى - صلوات الله عليه ~~- تكلم في زمان الطفولية؛ واحتجوا بأن هذا من الوقائع العجيبة، ~~التي تتوافر الدواعي على نقلها، فلو وجدت، لنقلت بالتواتر، ولو ~~كان كذلك، لعرفه النصارى، لا سيما وهم أشد الناس بحثا عن ~~أحواله، وأشد الناس غلوا فيه؛ حتى ادعوا كونه إلها، ولا ~~شك أن الكلام في الطفولية من المناقب العظيمة، فلما لم يعرفه ~~النصارى مع شدة الحب، وكمال البحث عنه، علمنا أنه لم يوجد؛ ~~ولأن اليهود أظهروا عداوته حين ادعى النبوة والرسالة، فلو ~~أنه - صلوات الله عليه - تكلم في المهد، لكانت عداوتهم معه أشد، ~~ولكان قصدهم قتله أعظم، فحيث لم يحصل شيء من ذلك، علمنا أنه ما ~~تكلم. # وأما المسلمون، فاحتجوا بالعقل على أنه تكلم، فقالوا: لولا ~~كلامه الذي دلهم على براءة أمه عن الزنا، لما تركوا إقامة الحد ~~عليها، ففي تركهم لذلك دلالة على أنه - صلوات الله عليه - تكلم ~~في المهد. # وأجابوا عن الشبهة الأولى بأنه ربما كان الحاضرون عند كلامه ~~قليلين؛ فلذلك لم يشتهر. # وعن الثاني: لعل اليهود ما حضروا هناك، وما سمعوا كلامه، ~~وإنما سمع كلامه أقاربه؛ لإظهار براءة أمه؛ فلذلك لم ~~يشتغلوا بقتله. ### || [19.34-36] # قوله تعالى: { ذلك عيسى ابن مريم قول الحق }: يجوز ~~أن يكون " عيسى ms5933 " خبرا ل " ذلك " ويجوز أن يكون بدلا، أو عطف بيان، ~~و " قول الحق " خبره، ويجوز أن يكون " قول الحق " خبر مبتدأ ~~مضمر، أي: هو قول، و " ابن مريم " يجوز أن يكون نعتا، أو ~~بدلا، أو بيانا، أو خبرا ثابتا. # وقرأ عاصم، وحمزة، وابن عامر " قول الحق " بالنصب، والباقون ~~بالرفع، فالرفع على ما تقدم، قال الزمخشري - رحمه الله -: " وارتفاعه ~~على أنه خبر، بعد خبر، أو بدل ". قال أبو حيان: " وهذا الذي ذكره ~~لا يكون إلا على المجاز في قول: وهو أن يراد به كلمة الله، لأن ~~اللفظ لا يكون الذات ". # والنصب: يجوز فيه أن يكون مصدرا مؤكدا لمضمون الجملة؛ كقولك: ~~" هو عبد الله الحق، لا الباطل " أي: أقول قول الحق، فالحق ~~الصدق، وهو من إضافة الموصوف إلى صفته، أي: القول الحق؛ كقوله: # وعد الصدق # [الأحقاف: 16] أي: الوعد الصدق، ويجوز أن يكون منصوبا على المدح، ~~إن أريد بالحق الباري تعالى، و " الذي " نعت للقول، إن أريد به ~~عيسى، وسمي قولا كما سمي كلمة، لأنه عنها نشأ. # وذلك أن الحق هو اسم الله تعالى، فلا فرق بين أن نقول: عيسى هو كلمة ~~الله، وبين أن نقول: عيسى قول الحق. # وقيل: هو منصوب بإضمار " أعني " وقيل: هو منصوب على الحال من " ~~عيسى " ويؤيد هذا ما نقل عن الكسائي في توجيه الرفع: أنه صفة ~~لعيسى. # وقرأ الأعمش " قال " برفع اللام، وهي قراءة ابن مسعود أيضا، وقرأ ~~الحسن " قول " بضم القاف، ورفع اللام وكذلك في الأنعام { قوله ~~الحق } [الأنعام: 73]، وهي مصادر ل " قال " يقال قال يقول ~~قولا وقولا؛ كالرهب، والرهب، والرهب، وقال أبو البقاء: " ~~والقال: اسم للمصدر؛ مثل: القيل، وحكي " قول الحق " بضم ~~القاف؛ مثل " الروح " وهي لغة فيه ". قال شهاب الدين: الظاهر أن ~~هذه مصادر كلها، ليس بعضها اسما للمصدر، كما تقدم تقريره في ~~الرهب والرهب والرهب. # وقرأ طلحة والأعمش " قال الحق " جعل " قال " فعلا ماضيا، و " ~~الحق " فاعل، والمراد به الباري تعالى، أي: قال الله الحق: ~~إن عيسى هو كلمة الله، ويكون قوله " الذي ms5934 فيه يمترون " ~~خبرا لمبتدأ محذوف. # وقرأ علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - والسلمي، وداود بن أبي ~~هند، ونافع، والكسائي في رواية عنهما [ " تمترون " بتاء] ~~الخطاب، والباقون بياء الغيبة، وتمترون: تفتعلون: إما من ~~المرية، وهي الشك، وإما من المراء، وهو الجدال. # وتقدم الكلام على نصب " فيكون ". # فصل فيما تشير إليه " ذلك " # " ذلك " إشارة إلى ما تقدم. # قال الزجاج - رحمه الله -، أي: ذلك الذي قال: # إني عبد الله # [مريم: 30] عيسى ابن مريم إشارة إلى أنه ولد هذه المرأة، لا أنه ~~ابن الله [كما زعمت النصارى]. # وقوله: { الذي فيه يمترون } ، أي: يختلفون، وأما امتراؤهم ~~في عيسى، فقائل يقول: هو ابن الله، وقائل يقول: هو الله، وقائل ~~يقول: هو ساحر كاذب، وتقدم الكلام على ذلك في آل عمران. # وروي أن عيسى - صلوات الله عليه - لما رفع، حضر أربعة من [أكابر] ~~علمائهم، فقيل للأول: ما تقول في عيسى؟ قال: هو الله هبط إلى الأرض، ~~خلق، وأحيى، ثم صعد إلى السماء، فتبعه على ذلك خلق، وهم ~~اليعقوبية، وقيل للثاني: ما تقول؟ قال: هو ابن الله، فتابعه ~~على ذلك ناس، وهم النسطورية، [وقيل للثالث: ما تقول؟ قال: هو إله، وأمه ~~إله، والله إله، فتابعه على ذلك أناس، وهم الإسرائيلية]، وقيل للرابع: ما ~~تقول؟ فقال: عبد الله ورسوله، وهو المؤمن المسلم، وقال: أما ~~تعلمون أن عيسى كان يطعم، ونيام، وأن الله تعالى لا يجوز ذلك ~~عليه، فخصمهم. # قوله تعالى: { ما كان لله أن يتخذ من ولد } نفى عن نفسه ~~الولد، أي: ما كان من نعته اتخاذ الولد. # والمعنى: أن ثبوت الولد له محال، فقوله: { ما كان لله أن ~~يتخذ من ولد } كقولنا: ما كان لله أن يكون له ثان وشريك، أي: ~~لا يصح ذلك، ولا ينبغي، بل يستحيل؛ فلا يكون نفيا على الحقيقة، وإن ~~كان بصورة النفي. # وقيل: اللام منقولة، أي: ما كان ليتخذ من ولد، والمراد: ما كان ~~الله أن يقول لأحد، إنه ولدي؛ لأن مثل [هذا] الخبر كذب، والكذب ~~لا يليق بحكمة الله تعالى وكماله، ms5935 فقوله: { ما كان لله أن ~~يتخذ من ولد } كقولنا: ما كان لله أن يظلم، أي: لا يليق ~~بحكمته، وكمال إلهيته. # قوله تعالى: { إذا قضى أمرا } إذا أراد أن يحدث أمرا، { ~~فإنما يقول له كن فيكون } ، وهذا كالحجة على تنزيهه ~~عن الولد، وبيانه: أن الذي يجعل لله ولدا، إما أن يكون الولد ~~قديما أزليا، فهو محال؛ لأنه [لو كان واجبا لذاته، لكان واجب ~~الوجود أكثر من واحد،] ولو كان [ممكنا] لذاته، لافتقر في وجوده إلى ~~الواجب لذاته؛ لأن الواجب لذاته غني لذاته، فلو كان مفتقرا في ~~وجوده إلى الواجب لذاته، كان ممكنا لذاته، والممكن لذاته محتاج ~~لذاته، فيكون عبدا له؛ لأنه لا معنى للعبودية إلا ذلك. # وإن كان الولد محدثا، فيكون وجوده بعد عدمه بخلق ذلك القديم، ~~وإيجاده، وهو المراد من قوله تعالى: { إذا قضى أمرا فإنما ~~يقول له كن فيكون }. # فيكون عبدا، لا ولدا؛ فثبت أنه يستحيل أن يكون لله ولد. # فصل في قدم كلام الله تعالى # دلت هذه الآية على قدم كلام الله تعالى؛ لأنه إذا أراد إحداث شيء، ~~قال له: { كن فيكون } فلو كان بقوله: " كن " محدثا، لافتقر ~~حدوثه إلى قول آخر، ولزم التسلسل؛ وهو محال؛ فثبت أن قول الله ~~تعالى، قديم، لا محدث. # واحتج المعتزلة بالآية على حدوث كلام الله تعالى من وجوه: # أحدها: أنه تعالى أدخل كلمة " إذا " وهي دالة على الاستقبال؛ فوجب ~~ألا يحصل ذلك القول إلا في الاستقبال. # ثانيها: أن " الفاء " للتعقيب، و " الفاء " في قوله: " فإنما ~~يقول " يدل على تأخير ذلك القول عن ذلك القضاء والمتأخر عن غيره ~~محدث. # وثالثها: " الفاء " في قوله " فيكون " يدل على حصول ذلك الشيء ~~عقيب ذلك القول من غير فصل، فيكون قول الله تعالى متقدما على ~~حدوث الحادث تقديما بلا فصل، والمتقدم على المحدث تقديما بلا فصل ~~يكون محدثا، فقول الله محدث. # قال ابن الخطيب - رحمه الله - واستدلال الفريقين ضعيف. # أما الأول؛ فلأنه يقتضي أن يكون قوله " كن " قديما، وذلك باطل ~~بالاتفاق. # وأما الاستدلال المعتزلة؛ فلأنه يقتضي أن ms5936 يكون قول الله تعالى ~~الذي هو مركب من الحروف، والأصوات محدثا؛ وذلك لا نزاع فيه، [لأن] ~~المدعى قدمه شيء آخر. # فصل في أقوال الناس في قوله " كن " # من الناس من أجرى الآية على ظاهرها، وزعم أنه تعالى، إذا أحدث ~~شيئا، قال له: كن، وهذا ضعيف؛ لأنه إما أن يقول له: كن قبل ~~حدوثه، أو حلل حدوثه، فإن كان الأول، كان خطابا مع المعدوم، وهو ~~عبث، وإن كان حال حدوثه، فقد وجد بالقدرة، والإرادة، لا بقوله " ~~كن " ومن الناس من زعم أن المراد من قوله: " كن " هو التخليق ~~والتكوين؛ لأن القدرة على الشيء غير، وتكوين الشيء غير فإن ~~الله تعالى قادر في الأزل، وغير مكون في الأزل؛ ولأنه الآن قادر ~~على عالم سوى هذا العالم، وغير مكون له، فالقادرية غير ~~المكونية، والتكوين ليس هو نفس المكون؛ لأن المكون إنما حدث؛ ~~لأن الله تعالى كونه، وأوجده، فلو كان التكوين نفس المكون؛ لكان ~~قولنا: " المكون إنما وجد بتكوين الله " بمنزلة قولنا: " ~~المكون إنما وجد بنفسه " وذلك محال؛ فثبت أن التكوين غير ~~المكون، فقوله " كن " إشارة إلى الصفة [المسماة] بالتكوين. # وقال آخرون: قوله سبحانه وتعالى: " كن " عبارة عن نفاذ قدرة الله ~~تعالى ومشيئته في الممكنات؛ فإن وقوعها بتلك القدرة والإرادة من ~~غير امتناع واندفاع يجري مجرى العبد المطيع المنقاد لأوامر ~~الله تعالى، فعبر الله تعالى عن ذلك المعنى بهذه العبارة على سبيل ~~الاستعارة. # قوله: { وإن الله }: قرأ ابن عامر، والكوفيون " وإن " بكسر ~~" الهمزة " على الاستئناف، ويؤيدها قراءة أبي " إن الله " بالكسر، ~~دون واو، وقرأ الباقون بفتحها، وفيها أوجه: # أحدها: أنها على حذف حرف الجر متعلقا بما بعده، والتقدير: ولأن ~~الله ربي وربكم فاعبدوه؛ كقوله تعالى: # وأن المسجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا # [الجن: 18] والمعنى: لوحدانيته أطيعوه، وإليه ذهب الزمخشري تابعا ~~للخيل وسيبويه - رحمة الله عليهم -. # الثاني: أنها عطف على " الصلاة " والتقدير: وأوصاني بالصلاة، ~~وبأن الله، وإليه ذهب الفراء، ولم يذكر مكي غيره؛ ويؤيده ما في ~~مصحف أبي " وبأن الله ربي " بإظهار الباء الجارة، ms5937 وقد استبعد ~~هذا القول؛ لكثرة الفواصل بين المتعاطفين، وأما ظهور الباء في ~~مصحف أبي؛ فلا يرجح هذا؛ لأنها باء السببية، والمعنى: بسبب ~~أن الله ربي وربكم فاعبدوه، فهي كاللام. # الثالث: أن تكون " أن " وما بعدها نسقا على " أمرا " المنصوب ب ~~" قضى " والتقدير: وإذا قضى أمرا، وقضى أن الله ربي وربكم، ذلك ~~أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء، واستبعد الناس صحة هذا النقل عن ~~أبي عمرو؛ لأنه من الجلالة في العلم والمعرفة بمنزل يمنعه من هذا ~~القول؛ وذلك لأنه إذا عطف على " أمرا " لزم أن يكون داخلا في ~~حيز الشرط ب " إذا " وكونه تبارك وتعالى ربنا لا يتقيد بشرط ~~ألبتة، بل هو ربنا على الإطلاق، ونسبوا هذا الوهم لأبي عبيدة؛ لأنه ~~كان ضعيفا في النحو، وعدوا له غلطات، ولعل ذلك منها. # الرابع: أن يكون في محل رفع خبر ابتداء مضمر، تقديره: والأمر أن ~~الله ربي وربكم، ذكر ذلك عن الكسائي، ولا حاجة إلى هذا الإضمار. # الخامس: أن يكون في محل نصب نسقا على " الكتاب " في قوله " قال إني ~~عبد الله آتاني الكتاب " على أن يكون المخاطب بذلك معاصري عيسى - ~~عليه صلوات الله - والقائل لهم ذلك عيسى، وعن وهب، عهد إليهم عيسى: ~~أن الله ربي وربكم، قال هذا القائل: ومن كسر الهمزة يكون قد عطف " ~~إن الله " على قوله " إني عبد الله " فهو داخل في حيز القول، ~~وتكون الجمل من قوله " ذلك عيسى ابن مريم " إلى آخرها جمل اعتراض. # وهذا من البعد بمكان كأنه قال: إني عبد الله، والله ربي وربكم، ~~فاعبدوه، وهذا قول أبي مسلم، الأصفهاني، وهو بعيد. # فصل في دلالة الآية # قوله: { وإن الله ربي وربكم } يدل على أن مدبر ~~العالم، ومصلح أمورهم هو الله سبحانه وتعالى [على] خلاف قول ~~المنجمين: أن المدبر للناس، ومصلح أمورهم في السعادة ~~والشقاوة هي الكواكب، ويدل أيضا على أن الإله واحد؛ لأن لفظ ~~" الله " اسم علم له سبحانه، لا إله إلا هو، فلما قال: { وإن ~~الله ربي وربكم } ، أي: لا رب للمخلوقات سوى ms5938 الله؛ وذلك ~~يدل على التوحيد. # وقوله " فاعبدوه " قد ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على ~~الوصف المناسب مشعر بالعلية، فهاهنا وقع الأمر بالعبادة مرتبا ~~على ذكر وصف الربوبية، فدل على أنه إنما يلزمنا عبادته سبحانه؛ ~~لكونه ربا لنا؛ وذلك يدل على أنه تعالى إنما تجب عبادته لكونه ~~منعما على الخلائق بأنواع النعم؛ ولذلك فإن إبراهيم - صلوات الله ~~عليه وسلامه - لما منع أباه من عبادة الأوثان، قال: # لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك ~~شيئا # [مريم: 42] أي: إنها لما لم تكن منعمة على العباد، لم تجز عبادتها، ~~وبين هاهنا أنه لما ثبت أن الله تعالى لما كلن ربا ومربيا، ~~وجبت عبادته، فقد ثبت طردا وعكسا تعلق العبادة بكون المعبود ~~منعما، ثم قال: { هذا صراط مستقيم } [يعني القول ~~بالتوحيد ونفي الولد والصاحبة صراط مستقيم، وسمي هذا القول صراطا ~~مستقيما] تشبيها بالطريق؛ لأنه المؤدي إلى الجنة. ### || [19.37-40] # قوله تعالى: { فاختلف الأحزاب من بينهم }. # قيل: المراد النصارى، سموا أحزابا؛ لأنهم تحزبوا ثلاث فرق في ~~أمر عيسى: النسطورية، والملكانية [واليعقوبية] وقيل: المراد ~~بالأحزاب الكفار بحيث يدخل فيهم اليهود، والنصارى، والكفار الذين ~~كانوا في زمان محمد - صلوات الله وسلامه عليه - وهذا هو الظاهر؛ ~~لأنه تخصيص فيه، ويؤيده قوله تعالى: { فويل للذين ~~كفروا }. # قوله: { من مشهد يوم عظيم }: " مشهد " مفعل: إما من ~~الشهادة، وإما من الشهود، وهو الحضور، و " مشهد " هنا: يجوز أن ~~يراد به الزمان، أو المكان، أو المصدر: فإذا كان من الشهادة، والمراد ~~به الزمان، فتقديره: من وقت شهادة، وإن أريد به المكان، فتقديره: من ~~مكان شهادة يوم، وإن أريد به المصدر، فتقديره: من شهادة ذلك اليوم، ~~وأن تشهد عليهم ألسنتهم، وأيديهم، وأرجلهم، والملائكة ، والأنبياء، ~~وإذا كان من الشهود فيه، وهو الموقف، أو من وقت الشهود، وإذا كان ~~مصدرا بحالتيه المتقدمتين، فتكون إضافته إلى الظرف من باب الاتساع؛ ~~كقوله # ملك يوم الدين # [الفاتحة: 4]. ويجوز أن يكون المصدر مضافا لفاعله على أن يجعل اليوم ~~شاهدا عليهم: إما حقيقة، وإما مجازا. # ووصف ذلك ms5939 المشهد بأنه عظيم؛ لأنه لا شيء أعظم مما يشاهد ذلك ~~اليوم من أهواله. # قوله: { أسمع بهم وأبصر }: هذا لفظ أمر، ومعناه: التعجب، ~~وأصح الأعاريب فيه، كما تقرر في علم النحو: أن فاعله هو المجرور ~~بالباء، والباء زائدة، وزيادتها لازمة؛ إصلاحا للفظ؛ لأن " أفعل ~~" أمرا لا يكون إلا ضميرا مستترا، ولا يجوز حذف الباء إلا مع ~~أن وأن؛ كقوله: [الطويل] # 3606- تردد فيها ضوؤها وشعاعها # فأحصن وأزين لامرىء أن تسربلا # أي: بأن تسربل، فالمجرور مرفوع المحل، ولا ضمير في " أفعل " ~~ولنا قول ثان: أن الفاعل مضمر، والمراد به المتكلم؛ كأن المتكلم ~~يأمر نفسه بذلك، والمجرور بعده في محل نصب، ويعزى هذا للزجاج. # ولنا قول ثالث: أن الفاعل ضمير المصدر، والمجرور منصوب المحل ~~أيضا، والتقدير: أحسن، يا حسن، بزيد، ولشبه هذا الفاعل عند الجمهور ~~بالفضلة لفظا، جاز حذفه للدلالة عليه كهذه الآية، فإن تقديره: ~~وأبصر بهم، وفيه أبحاث موضوعها كتب النحو. # فصل في التعجب # قالوا: التعجب استعظام الشيء، مع الجهل؛ بسبب عظمه، ثم يجوز استعمال ~~لفظ التعجب عند مجرد الاستعظام من غير خفاء السبب، أو من غير أن ~~تكون العظمة سبب حصوله. # قال الفراء: قال سفيان: قرأت عن شريح: { بل عجبت ~~ويسخرون } [الصافات: 12] فقال: إن الله لا يعجب من شيء، إنما ~~يعجب من لا يعلم، قال: فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي - رضي الله عنه - ~~فقال: إن شريحا شاعر يعجبه علمه، وعبد الله أعلم بذلك منه قرأها { ~~بل عجبت ويسخرون }. # ومعناه: أنه صدر من الله تعالى فعل، لو صدر مثله عن الخلق، لدل على ~~حصول التعجب في قلوبهم، وبهذا التأويل يضاف المكر والاستهزاء إلى ~~الله تعالى، وإذا عرفت هذا، فللتعجب صيغتان: # إحداهما: ما أفعله، والثانية أفعل به. # كقوله تعالى: { أسمع بهم وأبصر } والنحويون ذكروا له ~~تأويلان: # الأول: قالوا: أكرم بزيد، أصل " أكرم زيد " أي: صار ذا كرم، ك " ~~أغد البعير " أي: صار ذا غدة، إلا أنه خرج على لفظ الأمر، ~~ومعناه الخبر، كما أخرج على لفظ الأمر ما معناه الخبر، كما أخرج لفظ ~~الخبر ما ms5940 معناه الأمر؛ كقوله سبحانه وتعالى: # والمطلقات يتربصن بأنفسهن # [البقرة: 228]، # والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين # [البقرة: 233]، # قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن ~~مدا # [مريم: 75] أي: يمد له الرحمن، والباء زائدة. # الثاني: أن يقال: إنه أمر لكل أحد بأن يجعل زيدا كريما، أي: ~~بأن يصفه بالكرم، والباء زائدة؛ كما في قوله: # ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة # [البقرة: 195]. # قال ابن الخطيب: وسمعت لبعض الأدباء فيه تأويلا ثالثا؛ وهو أن ~~قولك: أكرم بزيد، يفيد أن زيدا بلغ في الكرم إلى حيث كأنه في ~~ذاته صار كرما؛ حتى لو أردت جعل غيره كريما، فهو الذي يلصقك ~~بمقصودك ويحصل لك غرضك. # فصل في معنى الآية # المشهور أن معنى قوله: { أسمع بهم وأبصر } " ما ~~أسمعهم، وما أبصرهم " والتعجب على الله تعالى محال، وإنما ~~المراد أن أسماعهم وأبصارهم يومئذ جديرة بأن يتعجب منها بعدما ~~كانوا صما عميا في الدنيا. # وقيل: معناه التهديد مما يسمعون وسيبصرون ما يسوءهم، ويصدع ~~قلوبهم. # وقال القاضي: ويحتمل أن يكون المراد: أسمع هؤلاء وأبصرهم، أي: عرفهم ~~حال القوم الذين يأتوننا؛ ليعتبروا وينزجروا. # وقال الجبائي: ويجوز: أسمع الناس بهؤلاء، وأبصرهم بهؤلاء، ~~ليعرفوا أمرهم، وسوء عاقبتهم، فينزجروا عن الإتيان بمثل فعلهم. # قوله تعالى: { يوم يأتوننا } معمول ل " أبصر ". [ولا يجوز ~~أن يكون معمولا ل " أسمع " لأنه لا يفصل بين فعل التعجب، ~~ومعموله؛ ولذلك كان الصحيح أنه] لا يجوز أن تكون المسألة من التنازع، ~~وقد جوزه بعضهم ملتزما إعمال الثاني، وهو خلاف قاعدة الإعمال، وقيل: ~~بل هو أمر حقيقة، والمأمور به رسول الله صلى الله عليه وسلم والمعنى: ~~أسمع الناس، وأبصرهم بهم وبحديثهم ماذا يصنع بهم من العذاب؟ وهو ~~منقول عن أبي العالية. # قوله تعالى: { لكن الظالمون اليوم }. # نصب " اليوم " بما تضمنه الجار من قوله " في ضلال مبين " أي: ~~لكن الظالمون استقروا في ضلال مبين اليوم، ولا يجوز أن يكون هذا ~~الظرف هو الخبر، والجار لغو؛ لئلا يخبر عن الجثة [بالزمان؛ بخلاف] ~~قولك: القتال اليوم في دار زيد؛ فإنه يجوز الاعتباران. # فصل في معنى الآية ms5941 # المعنى: { لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين } أي: ~~خطأ بين، وفي الآخرة يعرفون الحق. # وقيل: لكن الظالمون اليوم في الآخرة في ضلال عن الجنة؛ بخلاف ~~المؤمنين. # وقوله { لكن الظالمون } من إيقاع الظاهر موقع المضمر. # قوله: { وأنذرهم يوم الحسرة } هذا أمر لمحمد - صلوات ~~الله عليه وسلامه - بأن ينذر من في زمانه، والإنذار: التخويف من العذاب، ~~لكي يحذروا ترك عبادة الله تعالى، ويوم الحسرة: هو يوم القيامة؛ لأنه ~~يكثر التحسر من أهل النار. # وقيل: يتحسر أيضا في الجنة، إذا لم يكن من السابقين إلى الدرجات ~~العالية؛ لقول رسول الله - صلوات الله عليه وسلامه -: # " ما من أحد يموت إلا ندم، قالوا: فما ندمه يا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم؟ قال صلى الله عليه وسلم: إن كان محسنا، ندم ~~ألا يكون ازداد، وإن كان مسيئا ندم ألا يكون نزع " # والأول أصح؛ لأن الحسرة [هم]، ولا تليق بأهل الجنة. # قوله: { إذ قضي الأمر }: يجوز أن يكون منصوبا بالحسرة، ~~والمصدر المعرف ب " أل " يعمل في المفعول الصريح عند بعضهم، ~~فكيف بالظرف؟ ويجوز أن يكون بدلا من " يوم " فيكون معمولا ل " ~~أنذر " كذا قال أبو البقاء، والزمخشري وتبعهما أبو حيان، ولم يذكر ~~غير البدل، وهذا لا يجوز إن كان الظرف باقيا على حقيقته؛ إذ يستحيل ~~أن يعمل المستقبل في الماضي، فإن جعلت " اليوم " مفعولا به، أي: ~~خوفهم نفس اليوم، أي: إنهم يخافون اليوم نفسه، صح ذلك ~~لخروج الظرف إلى حيز المفاعيل الصريحة. # فصل في قوله تعالى { إذ قضي الأمر } # في قوله تعالى: { إذ قضي الأمر } وجوه: # أحدها: قضي الأمر ببيان الدلائل، وشرح أمر الثواب والعقاب. # وثانيها: [إذ قضي الأمر يوم الحسرة بفناء الدنيا، وزوال التكليف، ~~والأول أقرب؛ لقوله: { وهم لا يؤمنون }. # وثالثها:] { إذ قضي الأمر } فرغ من الحساب، وأدخل أهل ~~الجنة الجنة، وأهل النار النار، وذبح الموت؛ كما روي أنه # " سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله: { إذ قضي الأمر } ~~فقال: " حين يجاء بالموت على صورة كبش أملح، فيذبح، والفريقان ~~ينظران؛ فيزداد أهل الجنة فرحا ms5942 إلى فرح، وأهل النار غما إلى غم ~~" ". # قوله تعالى: { وهم في غفلة وهم لا يؤمنون } جملتان ~~حاليتان، وفيهما قولان: # أحدهما: أنهما حالان من الضمير المستتر في قوله { في ضلال مبين } أي: ~~استقروا في ضلال مبين على هاتين الحالتين السيئتين. # والثاني: أنهما حالان من مفعول " أنذرهم " [أي: أنذرهم على هذه ~~الحال، وما بعدها، وعلى الأول يكون قوله " وأنذرهم " ] اعتراضا. # والمعنى: وهم في غفلة عما يفعل بهم في الآخرة { وهم لا ~~يؤمنون } ولا يصدقون بذلك اليوم. # قوله تعالى: { إنا نحن نرث الأرض ومن عليها } أي: ~~نميت سكان الأرض، ونهلكهم جميعا، ويبقى الرب وحده، فيرثهم ~~{ وإلينا يرجعون } ، فنجزيهم بأعمالهم. # [وقرأ العامة " يرجعون " بالياء من تحت مبنيا للمفعول، ~~والسلمي، وابن أبي إسحاق، وعيسى مبنيا للفاعل، والأعرج بالتاء من ~~فوق مبنيا للمفعول على الخطاب، ويجوز أن يكون التفاتا، وألا يكون]. ### || [19.41-50] # قوله تعالى: { واذكر في الكتب إبراهيم } اعلم أن ~~منكري التوحيد الذين اثبتوا معبودا سوى الله تعالى فريقان: # منهم: من أثبت معبودا غير الله تعالى حيا، عاقلا، فاهما، وهم ~~النصارى. # ومنهم: من أثبت معبودا غير الله، جمادا ليس بحي ولا عاقل، وهم ~~عبدة الأوثان. # والفريقان، وإن اشتركا في الضلال، إلا أن ضلال عبدة الأوثان أعظم، ~~فلما بين الله تعالى ضلال الفريق الأول، تكلم في ضلال الفريق ~~الثاني، وهم عبدة الأوثان؛ فقال: { واذكر في الكتب } والواو ~~في قوله: { واذكر } عطف على قوله # ذكر رحمت ربك عبده زكريآ # [مريم: 2] كأنه لما انتهت قصة زكريا ويحيى، وعيسى - صلوات الله ~~عليهم - قال: قد ذكرت حال زكريا، فتذكر حال إبراهيم - صلوات الله ~~عليه - وإنما أمره بالذكر لأنه - صلوات الله عليه - ما كان هو، ~~ولا قومه، ولا أهل بلده مشتغلين بالتعليم، ومطالعة الكتب، فإذا أخبر ~~عن هذه القصة، كما كانت من غير زيادة، ولا نقصان، كان ذلك إخبارا عن ~~الغيب، ومعجزا [قاهرا] دالا على نبوته، وإنما ذكر ~~الاعتبار بقصة إبراهيم - صلوات الله وسلامه عليه - لوجوه: # الأول: أن إبراهيم - صلوات الله عليه وسلامه - كان أبا العرب، وكانوا ~~مقرين بعلو شأنه، وطهارة دينه ms5943 على ما قال تعالى # ملة أبيكم إبراهيم # [الحج: 78]، وقال تعالى: # ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه # [البقرة: 130] فكأنه تعالى قال للعرب: إن كنتم مقلدين لآبائكم على ~~قولكم # إنا وجدنآ ءابآءنا على أمة # [الزخرف: 23] فأشرف آبائكم وأعلاهم قدرا هو إبراهيم - صلوات الله ~~عليه - فقلدوه في ترك عبادة الأوثان، وإن كنتم [مستدلين]، فانظروا في ~~هذه الدلائل التي ذكرها إبراهيم - صلوات الله وسلامه عليه - لتعرفوا ~~فساد عبادة الأوثان، وبالجملة: فاتبعوا إبراهيم، إما تقليدا، أو ~~استدلالا. # الثاني: أن كثيرا من الكفار في زمان رسول الله - صلوات الله عليه ~~وسلامه - كانوا يقولون: نترك دين آبائنا، وأجدادنا؟ فذكر الله تعالى ~~قصة إبراهيم - صلوات الله عليه وسلامه - و [بين] أنه ترك دين أبيه، ~~وأبطل قوله بالدليل، ورجح متابعة الدليل على متابعة أبيه. # الثالث: أن كثيرا من الكفار كانوا يتمسكون بالتقليد، ~~[وينكرون] الاستدلال؛ كما حكى الله تعالى عنهم # قالوا وجدنآ ءابآءنا لها عابدين # [الأنبياء: 53] فحكى الله عن إبراهيم التمسك بطريقة الاستدلال؛ ~~تنبيها للكفار على سقوط طريقتهم، ثم قال تعالى في صفة إبراهيم - ~~صلوات الله وسلامه عليه - { إنه كان صديقا نبيا } ، ~~والصديق مبالغة في الكثير الصدق، القائم عليه، يقال: رجل خمير، ~~وسكير للمولع بهذه الأفعال. # وقيل: هو الذي يكون كثير التصديق بالحق؛ حتى يصير مشهورا به، ~~والأول أولى؛ لأن المصدق بالشيء لا يوصف بكونه صديقا إلا إذا ~~كان صادقا في ذلك التصديق، فيعود الأمر إلى الأول. # فإن قيل: أليس قد قال الله تعالى # والذين ءامنوا بالله ورسله أولئك هم ~~الصديقون # [الحديد: 19] فالجواب: المؤمنون بالله [ورسله] صادقون في ذلك ~~التصديق. # واعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم يجب أن يكون صادقا في كل ما ~~أخبر؛ لأن الله تعالى صدقه، ومصدق الله صادق؛ فلزم من هذا كون ~~الرسول صادقا فيما يقوله، ولأن الرسل شهداء الله على الناس؛ ~~لقوله تعالى: # وجئنا بك على هؤلاء شهيدا # [النساء: 41] والشهيد: إنما يقبل قوله، إذا لم يكن كاذبا؛ فإن ~~قيل: فما قولكم في قول إبراهيم # بل فعله كبيرهم # [الأنبياء: 63] و # إني سقيم # [الصافات: ms5944 89]. # فالجواب مشروح في هذه الآيات، وبينا أن شيئا من ذلك ليس بكذب، ~~ولما ثبت أن كل نبي يجب أن يكون صديقا، ولا يجب في كل ~~صديق أن يكون نبيا؛ ظهر بهذا قرب مرتبة الصديق من مرتبة ~~النبي، فلهذا انتقل من ذكر كونه صديقا إلى ذكر كونه نبيا. # وأما النبي: فمعناه: كونه رفيع القدر عند الله، وعند الناس، وأي ~~رفعة أعلى من رفعة من جعله الله واسطة بينه، وبين عباده، وقوله: { ~~كان صديقا } معناه: صار، وقيل: وجد صديقا نبيا، أي: كان من ~~أول وجوده إلى انتهائه موصوفا بالصدق والصيانة. # قوله تعالى: { إذ قال لابيه }: يجوز أن يكون بدلا من " ~~إبراهيم " بدل اشتمال؛ كما تقدم في { إذ انتبذت } [الآية: 16] ~~وعلى هذا، فقد فصل بين البدل، والمبدل منه؛ بقوله: { إنه كان ~~صديقا نبيا } نحو: " رأيت زيدا - ونعم الرجل أخاك " ~~وقال الزمخشري: ويجوز أن تتعلق " إذ " ب " كان " أو ب " صديقا ~~نبيا " ، أي: كان جامعا لخصائص الصديقين، والأنبياء، حين خاطب أباه ~~بتلك المخاطبات ولذلك جوز أبو البقاء أن يعمل فيه " صديقا نبيا " ~~أو معناه. # قال أبو حيان: " الإعراب الأول - يعني البدلية - يقتضي تصرف " إذ ~~" وهي لا تتصرف، والثاني فيه إعمال " كان " في الظرف، وفيه خلاف، ~~والثالث لا يكون العامل مركبا من مجموع لفظين، بل يكون العمل ~~منسوبا للفظ واحد، ولا جائز أن يكون معمولا ل " صديقا " لأنه ~~قد وصف، إلا عند الكوفيين، ويبعد أن يكون معمولا ل " نبيا " لأنه ~~يقتضي أن التنبئة كانت في وقت هذه المقالة ". # قال شهاب الدين: العامل فيه ما لخصه أبو القاسم، ونضده بحسن ~~صناعته من مجموع اللفظين في قوله: " أي: كان جامعا لخصائص الصديقين ~~والأنبياء حين خاطب أباه ". # وقد تقدمت قراءة ابن عامر " يا أبت " وفي مصحف عبد الله " وا ~~أبت " ب " وا " التي للندبة. # والتاء عوض من ياء الإضافة، ولا يقال: يا أبتي، لئلا يجمع بين ~~العوض، والمعوض منه، وقد يقال: يا أبتا لكون الألف بدلا من الياء. # قوله تعالى: { لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا ms5945 ~~يغني عنك شيئا } وصف الأوثان بصفات ثلاث، كل واحدة منها ~~فادحة في الإلهية وبيان ذلك من وجوه: # أحدها: أن العبادة غاية التعظيم، فلا يستحقها إلا من له غاية ~~الإنعام، وهو الإله الذي منه أصول النعم، وفروعها على [ما تقدم] ~~في تفسير قوله تعالى: # إن الله ربي وربكم # [آل عمران: 51]، وقوله: # كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم # [البقرة: 28]، وكما أنه لا يجوز الاشتغال بشكرها، لما لم يكن ~~منعمة، وجب ألا يجوز الاشتغال بعبادتها. # وثانيها: أنها إذا لم تسمع، ولم تبصر، ولم تميز من يطيعها عمن ~~يعصيها، فأي فائدة في عبادتها، وهذا تنبيه على أن الإله يجب أن يكون ~~عالما بكل المعلومات. # وثالثها: أن الدعاء مخ العبادة، فإذا لم يسمع الوثن دعاء ~~الداعي، فأي منفعة في عبادته؟ وإذا لم يبصر تقرب من يتقرب ~~إليه، فأي منفعة في ذلك التقرب؟. # ورابعها: أن السامع المبصر الضار النافع أفضل ممن كان ~~عاريا عن كل ذلك، والإنسان موصوف بهذه الصفات؛ فيكون أفضل، ~~وأكمل من الوثن، فكيف يليق بالأفضل عبودية الأخس؟. # وخامسها: إذا كانت لا تنفع، ولا تضر، فلا يرجى منها منفعة، ولا ~~يخاف من ضررها، فأي فائدة في عبادتها؟!. # وسادسها: إذا كانت لا تحفظ نفسها عن الكسر والإفساد، حين جعلها إبراهيم ~~- صلوات الله وسلامه عليه - جذاذا، فأي رجاء فيها للغير؟!، فكأنه ~~- صلوات الله وسلامه عليه - قال: ليست الإلهية إلا لرب يسمع ~~ويبصر، ويجيب دعوة الداعي، إذا دعاه. # فإن قيل: إما أن يقال: إن أبا إبراهيم - صلوات الله عليه - كان ~~يعتقد في تلك الأوثان أنها آلهة قادرة، مختارة، خالقة. # أو يقال: إنه ما كان يعتقد ذلك؛ بل كان يعتقد أنها تماثيل ~~للكواكب، والكواكب هي الآلهة المدبرة للعالم؛ فتعظيم تماثيل الكواكب ~~يوجب تعظيم الكواكب. # أو كان يعتقد أن هذه الأوثان تماثيل أشخاص معظمة عند الله من ~~البشر، فتعظيمها يقتضي كون أولئك الأشخاص شفعاء لهم عند الله. # أو كان يعتقد أن تلك الأوثان طلسمات ركبت بحسب اتصالات ~~مخصوصة للكواكب، قلما يتفق مثلها، أو لغير ذلك. # فإن كان أبو إبراهيم ms5946 من القسم الأول، كان في نهاية الجنون؛ لأن ~~العلم بأن هذا الخشب المنحوت في هذه الساعة ليس خالقا للسموات ~~والأرض من أجلى العلوم الضرورية، فالشاك فيه يكونه مجنونا، ~~والمجنون لا يناظر، ولا يورد عليه الحجة، وإن كان من القسم ~~الثاني، فهذه الدلائل لا تقدح في شيء من ذلك؛ لأن ذلك المذهب إنما ~~يبطل بإقامة الدلائل على أن الكواكب ليست أحياء، ولا قادرة، ~~والدليل المذكور هنا لا يفيد ذلك. # فالجواب: لا نزاع في أنه لا يخفى على العاقل: أن الخشب المنحوت لا ~~يصلح لخلق العالم، وإنما مذهبهم هذا على الوجه الثاني، وإنما أورد ~~إبراهيم - صلوات الله وسلامه عليه - هذه [الدلائل] عليهم؛ لأنهم كانوا ~~يعتقدون أن عبادتها تفيد نفعا؛ إما على سبيل الخاصية الحاصلة ~~من الطلمسات، أو على سبيل أن الكواكب تنفع، وتضر، فبين إبراهيم ~~- صلوات الله عليه وسلامه - أنه لا منفعة في طاعتها، ولا مضرة في ~~الإعراض عنها؛ فوجب أن تجتنب عبادتها. # قوله: { يأبت إني قد جآءني من العلم } بالله، ~~والمعرفة { ما لم يأتك فاتبعني } على ديني { أهدك ~~صراطا سويا } مستقيما. { يأبت لا تعبد الشيطن } ~~أي: لا تطعه فيما يزين لك من الكفر والشرك؛ لأنهم ما كانوا ~~يعبدون الشيطان؛ فوجب حمله على الطاعة { إن الشيطن كان ~~للرحمن عصيا } أي: عاصيا، و " كان " بمعنى الحال، أي: هو ~~كذلك. # فإن قيل: هذا القول يتوقف على إثبات أمور: # أحدها: إثبات الصانع. # وثانيها: إثبات الشيطان. # وثالثها: أن الشيطان عاص [لله]. # ورابعها: أنه لما كان عاصيا، لم تجز طاعته في شيء من الأشياء. # وخامسها: أن الاعتقاد الذي كان عليه آزر مستفاد من طاعة الشيطان، ~~ومن شأن الدلالة التي تورد على الخصم: أن تكون مركبة من مقدمات ~~معلومة، يسلمها الخصم، ولعل أبا إبراهيم كان منازعا في كل هذه ~~المقدمات، وكيف، والمحكي عنه: أنه ما كان يثبت إلها سوى ~~نمروذ؛ فكيف يسلم وجود الرحمن؟. # وإذا لم يسلم وجوده، فكيف يسلم أن الشيطان عاص في الرحمن؟ ~~وبتقدير تسليم ذلك؛ فكيف يسلم الخصم بمجرد هذا الكلام أن مذهبه ~~مقتبس من ms5947 الشيطان، بل لعله يقلب ذلك على خصمه. # فالجواب: # أن الحجة المعول عليها في إبطال مذهب " آزر " هو قوله: { لم ~~تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا } ~~وهذا الكلام يجري مجرى التخويف والتحذير الذي يحمله على النظر في ~~تلك الدلالة، فسقط السؤال. # قوله تعالى: { يأبت إني أخاف أن يمسك عذاب }. # قال الفراء - رحمه الله -: أخاف: أعلم، والأكثرون على أنه محمول ~~على ظاهره، والقول الأول إنما يصح، لو كان إبراهيم - صلوات الله ~~وسلامه عليه - عالما بأن أباه سيموت على الكفر، وذلك لم يثبت؛ فوجب ~~إجراؤه على ظاهره؛ فإنه كان يجوز أن يؤمن؛ فيصير من أهل الثواب، ~~ويجوز أن يدوم على الكفر؛ فيكون من أهل العقاب، ومن كان كذلك، كان ~~خائفا لا قاطعا، والأولون فسروا الآية، فقالوا: أخاف، بمعنى ~~أعلم ب { أن يمسك عذاب } يصيبك عذاب من الرحمن، إن أقمت على الكفر، ~~{ فتكون للشيطن وليا } قرينا؛ لأن الولاية سبب المعية، فأطلق ~~اسم السبب على المسبب مجازا. # وقيل: المراد بالعذاب هنا: الخذلان، والتقدير: إني أخاف أن ~~يمسك خذلان من الله، فتصير مواليا للشيطان، ويتبرأ الله منك. # فصل في نظم الآية # أعلم أن إبراهيم - صلوات الله وسلامه عليه - رتب هذا الكلام في ~~غاية الحسن؛ لأنه ذكر أولا ما يدل على المنع من عبادة الأوثان، ~~ثم أمره باتباعه في النظر، والاستدلال، وترك التقليد، ثم ذكر ~~أن طاعة الشيطان غير جائزة في العقول، ثم ختم الكلام بالوعيد ~~الزاجر عن الإقدام على ما لا ينبغي، ثم إنه - صلوات الله عليه - أورد ~~هذا الكلام الحسن مقرونا باللطف والرفق؛ فإن قوله في مقدمة كل ~~كلامه: " يا أبت " دليل على شدة الحب، والرغبة في صونه عن العقاب، ~~وإرشاده إلى الصواب، وختم الكلام بقوله: { إني أخاف أن ~~يمسك } وذلك يدل على شدة تعلق قلبه بمصالحه، وإنما فعل ذلك ~~لوجوه: # الأول: لقضاء حقا الأبوة على ما قال سبحانه وتعالى: # وبالوالدين إحسانا # [الإسراء: 23] والإرشاد إلى الدين من أعظم أنواع الإحسان، فإذا انضم ~~إليه رعاية الأدب والرفق، كان نورا على نور. # والثاني: ms5948 أن الهادي إلى الحق لا بد وأن يكون رفيقا لطيفا لا ~~يورد الكلام على سبيل العنف؛ لأن إيراده على سبيل العنف يصير ~~كالسبب في إعراض المستمع؛ فيكون ذلك في الحقيقة سعيا في الإغواء. # وثالثها: - ما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: قال - صلوات الله ~~عليه وسلامه -: # " أوحى الله - تبارك وتعالى - إلى إبراهيم أنك خليلي فحسن ~~خلقك ولو مع الكفار تدخل مداخل الأبرار؛ فإن كلمتي سبقت لمن ~~حسن خلقه، أن أظله تحت عرشي، وأسكنه حظيرة القدس، وأدنيه ~~من جواري ". # قوله: { أراغب أنت }: يجوز فيه وجهان: # أحدهما: أن يكون " راغب " مبتدأ؛ لاعتماده على همزة الاستفهام، و " ~~أنت " فاعل سد مسد الخبر. # والثاني: أنه خبر مقدم، و " أنت " مبتدأ مؤخر، ورجح الأول ~~بوجهين: # أحدهما: أنه ليس فيه تقديم، ولا تأخير؛ إذ رتبه الفاعل التأخير عن ~~رافعه. # والثاني: أنه لا يلزم منه الفصل بين العامل ومعموله بما ليس معمولا ~~للعامل؛ وذلك أن " عن آلهتي " متعلق ب " راغب " فإذا جعل " ~~أنت " فاعلا قد فصل بما هو كالجزء من العامل؛ بخلاف جعله خبرا؛ ~~فإنه أجنبي؛ إذ ليس معمولا ل " راغب ". # فصل فيما قابل به آزر دعوة إبراهيم # اعلم أن إبراهيم - صلوات الله عليه - لما دعا أباه إلى التوحيد، ~~وذكر الدلالة على فساد عبادة الأوثان، وأردف ذلك بالوعظ البليغ، ~~مقرونا باللطف والرفق قابله أبوه بجواب [مضاد] لذلك، فقابل ~~حجته بالتقليد بقوله: { أراغب أنت عن ءالهتي } فأصر ~~على ادعاء إلهيتها جهلا وتقليدا، وقابل وعظه بالسفاهة؛ حيث هدده ~~بالضرب والشتم، وقابل رفقه في قوله " يا أبت " بالعنف، فلم يقل ~~له: يا بني، بل قال له: يا إبراهيم، وإنما حكى الله تبارك وتعالى ~~ذلك لمحمد - صلوات الله وسلامه عليه - تخفيفا على قلبه ما كان يصل ~~إليه من أذى المشركين، ويعلم أن الجهال منذ كانوا على هذه ~~السيرة المذمومة، ثم قال: { لئن لم تنته لأرجمنك }. # قال الكلبي: ومقاتل، والضحاك، لأشتمنك، ولأبعدنك عني بالقول ~~القبيح، ومنه قوله سبحانه وتعالى: # والذين يرمون المحصنات # [النور: 4]؛ أي: بالشتم، ومنه: الرجيم، أي: المرمي باللعن. # قال ms5949 مجاهد: كل رجم في القرآن بمعنى الشتم، وهذا ينتقض بقوله ~~تعالى: # رجوما للشيطين # [الملك: 5]. # وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: لأضربنك. # وقال الحسن: لأرجمنك بالحجارة وهو قول أبي مسلم؛ لأن أصله الرمي ~~بالرجام، فحمله عليه أولى. # وقال المؤرج: " لأقتلنك " بلغة قريش، ومما يدل على أنه أراد ~~الطرد، والإبعاد قوله: { واهجرني مليا }. # قوله تعالى: " مليا " في نصبه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه منصوب على الظرف الزماني، أي: زمنا طويلا، ومنه " ~~الملوان " لليل والنهار، وملاوة الدهر، بتثليث الميم قال: ~~[الطويل] # 3607- فعسنا بها من الشباب ملاوة # فللحج آيات الرسول المحبب # وأنشد السدي على ذلك لمهلهل قال: [الكامل] # 3608- فتصدعت صم الجبال لموته # وبكت عليه المرملات مليا # أي: أبدا. # والثاني: أنه منصوب على الحال، معناه: سالما سويا، قال ابن عباس: ~~[اعتزلني سالما؛ لا يصيبك مني معرة] فهو حال من فاعل " اهجرني " ~~وكذلك فسره ابن عطية؛ قال: " معناه: مستبدا، أي: غنيا عني من ~~قولهم: هو ملي بكذا وكذا " قال الزمخشري: " أي: مطيقا ". # والمعنى: مليا بالذهاب عني، والهجران، قيل: أن أثخنك بالضرب؛ ~~حتى لا تقدر أن تبرح. # والثالث: أنه نعت لمصدر محذوف، أي: هجرا مليا، يعني: واسعا ~~متطاولا؛ كتطاول الزمان الممتد. # قال الكلبي - رحمه الله - اجتنبني طويلا. # والمراد بقوله: واهجرني، أي: بالمفارقة من الدار والبلد، وهي كهجرة ~~النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، أي: تباعد عني؛ لكي لا أراك. # وقيل: اهجرني [بالقول، وعطف " واهجرني " على معطوف عليه محذوف يدل عليه: ~~" لأرجمنك " أي: فاحذرني، واهجرني]؛ لئلا أرجمنك، فلما سمع إبراهيم - ~~صلوات الله وسلامه عليه - كلام أبيه، أجاب بأمرين: # أحدهما: أنه وعده بالتباعد منه؛ موافقة وانقيادا لأمر أبيه. # والثاني: قوله: { سلام عليك } توديع، ومتاركة، أي: سلمت مني ~~لا أصيبك بمكروه، وذلك لأنه لم يؤمر بقتاله على كفره؛ كقوله تعالى: # لنآ أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا ~~نبتغي الجاهلين # [القصص: 55]، # وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما # [الفرقان: 63]. # وهذا يدل على جواز متاركة المنصوح، إذا ظهر منه اللجاج، وعلى أنه ~~تحسن مقابلة الإساءة بالإحسان، ويجوز أن يكون دعا له بالسلامة؛ ~~استمالة له. # ألا ms5950 ترى أنه وعده بالاستغفار؛ فيكون سلام بر ولطف، وهو جواب ~~الحليم للسفيه؟!. # كقوله سبحانه: # وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما # [الفرقان: 63]. # وقرأ أبو البرهسم " سلاما " بالنصب، [وتوجيهها] واضح مما تقدم. # قوله: { سأستغفر لك ربي } ، أي: لما أعياه أمره، وعده ~~أن يراجع الله فيه، فيسأله أن يرزقه التوحيد، ويغفر له، والمعنى: ~~سأسأل الله لك توبة تنال بها المغفرة: { إنه كان بي حفيا } ~~برا لطيفا. # واحتج بهذه الآية من طعن في عصمة الأنبياء - صلوات الله عليهم - ~~وذلك أن إبراهيم - صلوات الله عليه وسلامه - استغفر لأبيه، وأبوه كان ~~كافرا، والاستغفار للكفار غير جائر؛ فثبت أن إبراهيم - صلوات ~~الله عليه - فعل ما لا يجوز. # أما استغفاره لأبيه؛ فلقوله: { سأستغفر لك ربي } وقوله: # واغفر لأبي إنه كان من الضآلين # [الشعراء: 86]. # وأما كون أبيه كان كافرا؛ فبالإجماع، ونص القرآن. # وأما أن الاستغفار [للكافر] لا يجوز؛ فلقوله تعالى: # ما كان للنبي والذين ءامنوا أن يستغفروا ~~للمشركين ولو كانوا أولي قربى # [التوبة: 113] ولقوله - عز وجل - في سورة الممتحنة # قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم # [الممتحنة:4] إلى قوله: # إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك # [الممتحنة: 4]. # والجواب: أن الآية تدل على أنه لا يجوز لنا التأسي به في ذلك؛ ~~لكن المنع من التأسي به في ذلك لا يدل على أن ذلك كان معصية؛ ~~فإن كثيرا من الأشياء هي من خواص رسول الله - صلوات الله عليه وسلامه ~~- ولا يجوز لنا التأسي به فيها، مع أنها كانت مباحة له. # وأيضا: لعل هذا الاستغفار كان من باب ترك الأولى، وحسنات الأبرار ~~سيئات المقربين. # قوله: { وأعتزلكم وما تدعون من دون الله }. # قال مقاتل - رحمه الله -: كان اعتزاله إياهم أنه فارقهم من " ~~كوثى " ، فهاجر منها إلى الأرض المقدسة، والاعتزال عن الشيء هو ~~التباعد عنه، " وأدعو ربي " أعبد ربي الذي يضر وينفع، والذي ~~خلقني، وأنعم علي { عسى ألا أكون بدعآء ربي شقيا } ~~، أي: عسى ألا أشقى بدعائه وعبادته؛ كما تشقون أنتم بعبادة ~~الأصنام، ذكر ذلك على سبيل التواضع؛ كقوله تعالى: # والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي ms5951 يوم الدين # [الشعراء: 82]. # وقوله: " شقيا " فيه تعريض لشقاوتهم في دعاء آلهتهم. # وقيل: عسى أن يجيبني، إن دعوته. # قوله تعالى: { فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون ~~الله }. # ذهب مهاجرا إلى ربه، فعوضه أولادا أنبياء بعد هجرته، ولا حالة في ~~الدين والدنيا للبشر أرفع من أن يجعله الله رسولا إلى خلقه، ويلزم ~~الخلق طاعته، والانقياد له مع ما يحصل له من عظيم المنزلة في الآخرة. # قوله تعالى: { وكلا جعلنا نبيا }: " كلا " مفعول مقدم ~~هو الأول، و " نبيا " هو الثاني. # ثم إنه مع ذلك وهب لهم من رحمته، قال الكلبي: المال والولد، وهو قول ~~الأكثرين، قالوا: هو ما بسط لهم في الدنيا من سعة الرزق. # وقيل: الكتاب والنبوة. { وجعلنا لهم لسان صدق عليا ~~}: # يعني: ثناء حسنا رفيعا في كل أهل الأديان، وعبر باللسان عما ~~يوجد باللسان، كما عبر باليد عما يوجد باليد، وهو العطية، ~~فاستجاب الله دعوته في قوله: # واجعل لي لسان صدق في الآخرين # [الشعراء: 84]، فصيره قدوة، حتى ادعاه أهل الأديان كلهم. فقال ~~سبحانه وتعالى: # ملة أبيكم إبراهيم # [الحج: 78]. ### || [19.51-57] # قوله تعالى: { واذكر في الكتب موسى } قرأ أهل الكوفة ~~مخلصا، بفتح اللام، أي: مختارا اختاره الله تعالى، واصطفاه. # وقيل: أخلصه الله من الدنس. # والباقون بالكسر، ومعناه: أخلص التوحيد لله والعبادة، ومتى ورد ~~القرآن بقراءتين، فكل منهما ثابت مقطوع به، فجعل الله تعالى من صفة ~~موسى - صلوات الله عليه - كلا الأمرين. # ثم قال عز وجل: { وكان رسولا نبيا } وهذان وصفان ~~مختلفان، لكن المعتزلة زعموا كونهما متلازمين؛ فكل رسول نبي، ~~وكل نبي رسول، ومن الناس من أنكر ذلك، ويأتي الكلام عليه - إن شاء ~~الله تعالى - في سورة الحج عند قوله تعالى # ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي # [الحج: 52] ثم قال: # { وناديناه من جانب الطور } يعني: يمين موسى، والظاهر أن ~~الأيمن صفة للجانب؛ بدليل أنه تبعه في قوله تعالى: # وواعدناكم جانب الطور الأيمن # [طه: 80] وقيل: إنه صفة للطور، إذ اشتقاقه من اليمن والبركة، ~~والطور: جبل بين مصر ومدين، ويقال: إن اسمه الزبير، وذلك ms5952 حين ~~أقبل من مدين، ورأى النار، فنودي # يموسى إني أنا الله رب العالمين # [القصص: 30] # قوله تعالى: { وقربناه نجيا } ، أي: مناجيا، والنجي: ~~المناجي؛ كما يقال: جليس ونديم، و " نجيا ": حال من مفعول " ~~قربناه " وأصله " نجيوا " لأنه من نجل ينجو # قال ابن عباس - رضي الله عنه - معناه: قربه وكلمه. # وقيل: أنجيناه من أعدائه، ومعنى التقريب: إسماعه كلامه. # وقيل: رفعه على الحجب؛ حتى سمع صرير القلم؛ حيث تكتب التوراة في ~~الألواح، وهو قول أبي العالية. # قال القاضي: المراد بالقرب: أنه رفع قدره، وشرفه بالمناجاة؛ ~~لأن استعمال القرب في الله، قد صار في التعارف لا يراد به إلا ~~المنزلة؛ كما يقال في العبادة: تقرب، وفي الملائكة - عليهم السلام -: ~~إنهم مقربون. # قوله تعالى: { ووهبنا له من رحمتنآ }: في " من " هذه ~~وجهان: # أحدهما: أنها تعليلية، أي: من أجل رحمتنا، و " أخاه " على هذا مفعول ~~به، و " هارون " بدل، أو عطف بيان، أو منصوب بإضمار أعني، و " ~~نبيا " حال. # والثاني: أنها تبعيضية، أي: بعض رحمتنا، قال الزمخشري: " وأخاه " على ~~هذا بدل، و " هارون " عطف بيان. قال أبو حيان: " الظاهر أن " ~~أخاه " مفعول " وهبنا " ولا ترادف " من " بعضا، فتبدل " أخاه " ~~منها ". # فصل في نبوة هارون # قال ابن عباس رضي الله عنه: كان هارون أكبر من موسى - صلوات الله ~~عليه - وإنما وهب الله تعالى له نبوته، لا شخصه وأخوته، وذلك ~~إجابة لدعائه في قوله: # واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به ~~أزري # [طه: 29- 31] فأجابه الله تعالى بقوله: # قد أوتيت سؤلك يموسى # [طه: 36] وقوله: # سنشد عضدك # [القصص: 35]. # قوله تعالى: { واذكر في الكتب إسماعيل }. # وهو إسماعيل بن إبراهيم جد النبي صلى الله عليه وسلم { إنه ~~كان صادق الوعد }. # قال مجاهد لم يعد شيئا إلا وفى به. # وروي عن ابن عباس أنه [واعد] صاحبا له أن ينتظره في مكان، ~~فانتظره سنة. وأيضا: وعد من نفسه الصبر على الذبح، فوفى حيث ~~قال: # ستجدني إن شآء الله من الصابرين # [الصافات: 102] ويروى أن عيسى - صلوات الله عليه - قال له رجل: ~~انتظرني؛ حتى آتيك، ms5953 فقال عيسى: نعم، وانطلق الرجل، ونسي الميعاد، ~~فجاء إلى حاجته إلى ذلك المكان، وعيسى - صلوات الله عليه - هناك للميعاد. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه واعد رجلا، [ونسي ذلك ~~الرجل]، فانتظره من الضحى إلى قريب [من] غروب الشمس، وسئل ~~الشعبي عن الرجل يعد ميعادا: إلى أي وقت ينتظر؟ قال: إن واعده ~~نهارا، فكل النهار، وإن واعده ليلا، فكل الليل. # وسئل إبراهيم بن زيد عن ذلك، فقال: إذا وعدته في وقت الصلاة، ~~فانتظره إلى وقت صلاة أخرى، ثم قال: { وكان رسولا نبيا } ~~وقد مر تفسيره، { وكان يأمر أهله بالصلوة ~~والزكوة } ، والمراد بالأهل: قومه. # وقيل: أهله جميع أمته. # قال المفسرون: إنه كان رسولا إلى " جرهم ". # والمراد بالصلاة هناك [قال] ابن عباس - رضي الله عنهما -: يريد التي ~~افترضها الله عليهم، وهي الحنيفية التي افترضها علينا. # قيل: كان يبدأ بأهله في الأمر للعبادة، ليجعلهم قدوة لمن سواهم؛ كما ~~قال تعالى: # وأنذر عشيرتك الأقربين # [الشعراء: 214] # وأمر أهلك بالصلوة # [طه: 132] # قوا أنفسكم وأهليكم # [التحريم: 6]، وأما الزكاة، فعن ابن عباس - رضي الله عنه - أنها ~~طاعة الله، والإخلاص؛ فكأنه تأوله على ما يزكو به الفاعل عند ~~ربه، والظاهر: أنه إذا قرنت الصلاة بالزكاة: أن يراد بها ~~[الصدقات] الواجبة. # قوله تعالى: { وكان عند ربه مرضيا } قائما بطاعته. # وقيل: رضيه لنبوته ورسالته. # والعامة على قراءته كذلك معتلا وأصله مرضوو، بواوين: الأولى ~~زائدة؛ كهي في مضروب: والثانية: لام الكلمة؛ لأنه من الرضوان، فأعل ~~بقلب الواو [ياء، وأدغمت] الأخيرة ياء، واجتمعت الياء والواو، فقلبت ~~الواو ياء، وأدغمت، ويجوز النطق بالأصل، وقد تقدم تحرير هذا. # وقرأ ابن أبي عبلة بهذا الأصل، وهو الأكثر؛ ومن الإعلال قوله: ~~[الطويل] # 3609- لقد علمت عرسي مليكة أنني # أنا المرء معديا عليه وعاديا # وقالوا: أرض مسنية، ومسنوة، أي: مسقاة بالسانية. # قوله تعالى: { واذكر في الكتاب إدريس } الآية إدريس هو ~~جد أبي نوح - صلوات الله عيله وسلامه - وهو نوح بن لمك بن متوشلخ ~~بن أخنوخ، وهو إدريس - عليه السلام -. # قيل: سمي " إدريس " لكثرة دراسة الكتب، وكان خياطا، وهو ms5954 أول ~~من خط بالقلم، وخاط الثياب، ولبس المخيط، وكان قبله يلبسون ~~الجلود، وأول من اتخذ السلاح، وقاتل الكفار، وأول من نظر ~~في علم الحساب { إنه كان صديقا نبيا }. # { ورفعناه مكانا عليا }. # قيل: يعني في الجنة، وقيل: هي الرفعة بعلو الرتبة في ~~الدنيا؛ كقوله تعالى: # ورفعنا لك ذكرك # [الشرح: 4] وقيل: إنه رفع إلى السماء؛ روى أنس بن مالك - رضي الله ~~عنه - عن مالك بن صعصعة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى إدريس - ~~صلوات الله عليه - في السماء الرابعة، ليلة المعراج وكان سبب رفع ~~إدريس على ما قاله " كعب " وغيره - أنه [سار] ذات يوم في ~~حاجة، فأصابه وهج الشمس؛ فقال: يا رب، أنا مشيت يوما فيها؛ فأصابني ~~المشقة الشديدة من وهج الشمس، وأضرني حرها ضررا بليغا - فكيف ~~يحملها مسيرة خمسائة عام في يوم واحد؟! اللهم، خفف عنه من ~~ثقلها، وحرها، فلما أصبح الملك، وجد من خفة الشمس، وحرها ما لا ~~يعرف؛ فقال: يا رب، ما الذي قضيت فيه؟ قال: إن عبدي إدريس سألني أن ~~أخفف عنك حملها، وحرها؛ فأجبته، فقال: رب، اجعل بيني وبينه ~~خلة، فأذن له؛ حتى أتى إدريس، فكان يسأله إدريس، فقال له: إني ~~أخبرت أنك أكرم الملائكة، وأمكنهم عن ملك الموت؛ فاشفع لي إليه؛ ~~ليؤخر أجلي؛ فأزداد شكرا وعبادة، فقال الملك: يؤخر الله نفسا، ~~إذا جاء أجلها، وأنا مكلمه، فرفعه إلى السماء، ووضعه عند مطلع ~~الشمس، ثم أتى ملك الموت، فقال: حاجة لي إليك؛ صديق لي من بني ~~آدم، تشفع بي إليك؛ لتؤخر أجله، قال: ليس ذلك إلي، ولكن إن أحببت، ~~أعلمته أجله؛ فيتقدم في نفسه، قال: نعم، فنظر في ديوانه، فقال: ~~إنك كلمتني في إنسان، ما أراه أن يموت أبدا، قال: وكيف؟ قال: لا ~~أجده يموت إلا عند مطلع الشمس، قال: فإني أتيتك، وتركته هناك: قال: ~~انطلق، فلا أراك تجده إلا وقد مات؛ فوالله، ما بقي من أجل إدريس ~~شيء؛ فرجع الملك، فوجده ميتا. # واختلفوا في أنه حي في السماء، أم ميت؛ فقيل: هو ميت، وقيل: ms5955 ~~حي، وقيل: أربعة من الأنبياء أحياء، اثنان في الأرض؛ " الخضر، ~~وإلياس " واثنان في السماء " إدريس، وعيسى " صلوات الله عليهم. ### || [19.58] # قوله تعالى: { أولئك الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين } الآية. # " من " الأولى؛ للبيان؛ لأن كل الأنبياء منعم عليهم، ~~فالتبعيض محال؛ والثانية للتبعيض؛ فمجرورها بدل مما قبله بإعادة ~~العامل، بدل بعض من كل. # وقوله: " وإسرائيل " عطف على [ " إبراهيم ". # قوله: " وممن هدينا " يحتمل أن يكون عطفا على " من النبيين ~~" وأن يكون عطفا على] { من ذرية آدم }. # فصل # اعلم أنه تعالى أثنى على كل واحد ممن تقدم ذكره [من الأنبياء]، ~~بما يخصه من الثناء، ثم جمعهم آخرا؛ فقال تعالى: { أولئك ~~الذين أنعم الله عليهم } أي: بالنبوة، وغيرها، و " ~~أولئك " إشارة إلى المذكورين في هذه السورة من " زكريا " إلى " ~~إدريس " - صلوات الله عليهم - ثم جمعهم في كونهم من ذرية آدم. # ثم خص بعضهم بأنهم من ذرية آدم، ممن حمله مع نوح، ومنهم ~~من هو من ذرية آدم، دون من حمله مع نوح؛ وهو إدريس - عليه السلام - ~~فقد كان سابقا على نوح. # والذين هم من ذرية من حمل مع نوح، وهو " إبراهيم "؛ لأنه [ولد] ~~سام بن نوح، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب من ذرية إبراهيم. # ثم خص بعضهم أنه من ولد إسرائيل، أي: يعقوب، وهم: موسى، وهارون، ~~وزكريا، ويحيى، وعيسى؛ من قبل الأم. # فرتب الله تعالى أحوال الأنبياء الذين ذكرهم على هذا الترتيب؛ منبها ~~بذلك على أنهم كما فضلوا بأعمالهم، فلهم منزلة في الفضل بولادتهم ~~من هؤلاء الأنبياء. # ثم بين أنهم ممن هدينا، واجتبينا؛ منبها بذلك على أنهم ~~خصوا بهذه المنازل؛ لهداية الله تعالى لهم، ولأنهم اختارهم ~~للرسالة. # قوله: " إذا تتلى " جملة شرطية فيها قولان: # أظهرهما: أنها لا محل لها؛ لاستئنافها. # والثاني: أنها خبر " أولئك " والموصول قبلها صفة لاسم الإشارة، وعلى ~~الأول؛ يكون الموصول نفس الخبر. # وقرأ العامة " تتلى " بتاءين من فوق، وقرأ عبد الله، وشيبة، ~~وأبو جعفر، وابن كثير، وابن عامر، وورش عن نافع في روايات شاذة: ~~بالياء أولا من تحت، والتأنيث مجازي؛ فلذلك جاز في ms5956 الفعل الوجهان. # قوله تعالى: " سجدا " حال مقدرة؛ قال الزجاج: " لأنهم وقت ~~الخرور ليسوا سجدا ". # و " بكيا " فيها وجهان: # أظهرهما: أنه جمع باك، وليس بقياس، بل قياس جمعه على فعلة؛ كقاض ~~وقضاة، ولم يسمع فيه هذا الأصل، وقد تقدم أن الأخوين يكسران فاءه ~~على الإتباع. # والثاني: أنه مصدر على فعول؛ نحو: جلس جلوسا، وقعد قعودا؛ ~~والأصل فيه على كلا القولين " بكوي " بواو وياء، فأعل الإعلال ~~المشهور في مثله، وقال ابن عطية: " وبكيا بكسر الباء، وهو مصدر لا ~~يحتمل غير ذلك " قال أبو حيان: " وليس بسديد، بل الإتباع جائز فيه " ~~وهو جمع؛ كقولهم: عصي ودلي، جمع عصا ودلو، وعلى هذا؛ فيكون " ~~بكيا ": إما مصدرا مؤكدا لفعل محذوف، أي: وبكوا بكيا، أي: ~~بكاء، وإما مصدرا واقعا موقع الحال، أي باكين، أو ذوي بكاء، أو ~~جعلوا نفس البكاء مبالغة. # قال الزجاج: " بكيا " جمع باك؛ مثل شاهد وشهود، وقاعد ~~وقعود، ثم قال: الإنسان في حال خروره لا يكون ساجدا، والمراد: ~~خروا مقدمين للسجود، ومن قال في " بكيا ": إنه مصدر، فقد ~~أخطأ؛ لأن سجدا جمع ساجد، وبكيا معطوف عليه. # فصل # قال المفسرون: إن الأنبياء - عليهم السلام - كانوا إذا سمعوا آيات ~~الله؛ والمراد: الآيات التي تتضمن الوعد والوعيد، والترغيب ~~والترهيب خروا سجدا جمع ساجد، وبكيا: جمع باك خشوعا ~~وخضوعا، وحذرا وخوفا. # قال بعضهم: المراد بالسجود: الصلاة. # وقال بعضهم: المراد: سجود التلاوة. # وقيل: المراد بالسجود: الخضوع والخشوع عند التلاوة. # قال - صلوات الله وسلامه عليه -: # " اتلوا القرآن، وابكوا، فإن لم تبكوا، فتباكوا ". ### || [19.59-63] # قوله تعالى: { فخلف من بعدهم خلف } الآية. # لما وصف الأنبياء بالمدح ترغيبا لنا في التأسي بهم ذكر بعدهم من بالضد ~~منهم، فقال: { فخلف من بعدهم } أي من بعد هؤلاء الأنبياء " ~~خلف " من أولادهم، يقال: خلفه إذا عقبه خلف سوء - بإسكان اللام - ~~والخلف - بفتح اللام - الصالح، كما قالوا: وعد في ضمان الخير، ووعيد في ~~ضمان الشر، وفي الحديث: # " في الله خلف من كل هالك " # وفي الشعر: # 3610- ذهب الذين يعاش في أكنافهم # وبقيت في خلف كجلد الأجرب # قال ms5957 السدي: أراد بهم اليهود ومن لحق بهم. وقال مجاهد وقتادة: هم في ~~هذه الأمة. " أضاعوا الصلاة " تركوا الصلاة المفروضة. وقال ابن مسعود ~~وإبراهيم: أخروها عن وقتها. وقال سعيد بن المسيب: هو أن لا يصلي الظهر ~~حتى يأتي العصر، ولا يصلي العصر حتى تغرب الشمس. " واتبعوا الشهوات ~~" قال ابن عباس: هم اليهود تركوا الصلاة وشربوا الخمور، واستحلوا نكاح ~~الأخت من الأب. وقال مجاهد: هؤلاء قوم يظهرون في آخر الزمان ينزو بعضهم ~~على بعض في الأسواق والأزقة. { فسوف يلقون غيا } قال وهب وابن ~~عباس وعطاء وكعب: هو واد في جهنم بعيد قعره. # وقال أبو أمامة: مجازاة الآثام. وقال الضحاك: " غيا ": خسرانا. ~~وقيل: هلاكا وقيل: عذابا، ونقل الأخفش أنه قرىء " يلقون " بضم ~~الياء وفتح اللام وتشديد القاف من لقاه مضاعفا. وقوله: " يلقون " ~~ليس معناه " يرون " فقط بل معناه الاجتماع والملابسة مع الرؤية. قوله: { ~~إلا من تاب } فيه وجهان: # أظهرهما: أنه استثناء متصل. وقال الزجاج: هو منقطع. وهذا بناء منه على ~~أن المضيع للصلاة من الكفار. # وقرأ عبد الله والحسن والضحاك وجماعة " الصلوات " جمعا. # وقرأ الحسن هنا وجميع ما في القرآن " يدخلون " مبنيا للمفعول. # فصل # " احتجوا " بقوله: { إلا من تاب وءامن وعمل صالحا } ~~على أن الإيمان غير العمل، لأنه عطف العمل على الإيمان، والمعطوف غير ~~المعطوف عليه. # أجاب الكعبي: بأنه تعالى فرق بين التوبة والإيمان، والتوبة من الإيمان ~~فكذلك العمل الصالح يكون من الإيمان وإن فرق بينهما. # وهذا الجواب ضعيف، لأن عطف الإيمان على التوبة يقتضي المغايرة بينهما، ~~لأن التوبة عزم على الترك، والإيمان إقرار بالله، وهما متغايران، فكذلك ~~في هذه الصورة. # ولما بين وعيد من لم يتب بين أن من تاب وآمن وعمل صالحا فلهم الجنة ~~ولا يلحقهم ظلم. # وهنا سؤالان: # السؤال الأول: الاستثناء دل على أنه لا بد من التوبة والإيمان والعمل ~~الصالح، وليس الأمر كذلك، لأن من تاب عن الكفر ولم يدخل وقت الصلاة أو ~~كانت المرأة حائضا فإن الصلاة لا تجب عليه، وكذلك الصوم والزكاة فلو مات ~~في ذلك الوقت ms5958 كان من أهل النجاة مع أنه لم يصدر عنه عمل، فلم يجز توقف ~~الأجر على العمل الصالح. # والجواب: أن هذه الصورة نادرة، والأحكام إنما تناط بالأعم الأغلب. # السؤال الثاني: قوله: { ولا يظلمون شيئا } يدل على أن الثواب ~~مستحق بالعمل لا بالتفضل، لأنه لو كان بالتفضل، لاستحال حصول الظلم، لكن ~~من مذهبكم أنه لا استحقاق للعبد بعمله إلا بالوعد. # وأجيب بأنه لما أشبهه أجري على حكمه. # قوله: { جنات عدن } العامة على كسر التاء نصبا على أنها بدل من ~~" الجنة ". وعلى هذه القراءة يكون قوله: { ولا يظلمون شيئا } ~~فيه وجهان: # أحدهما: أنه اعتراض بين البدل والمبدل منه. # والثاني: أنه حال. كذا قال أبو حيان. # وفيه نظر من حيث إن المضارع المنفي ب " لا " كالمثبت في أنه لا تباشره ~~واو الحال. # وقرأ أبو حيوة، وعيسى بن عمر، والحسن، والأعمش: " جنات " بالرفع وفيه ~~وجهان: # أحدهما: أنه خبر مبتدأ مضمر، تقديره: تلك أو هي جنات عدن. # والثاني: وبه قال الزمخشري: أنها مبتدأ، يعني ويكون خبرها " التي ~~وعد ". # وقرأ الحسن بن حي، وعلي بن صالح، والأعمش في رواية " جنة عدن " ~~نصبا مفردا. واليماني، والحسن، والأزرق عن حمزة، " جنة " رفعا " ~~مفردا ". وتخريجها واضح مما تقدم. # قال الزمخشري: لما كانت مشتملة على جنات عدن أبدلت منها، كقولك أبصرت ~~دارك القاعة والعلالي، و " عدن " معرفة بمعنى العدن، وهو الإقامة كما ~~جعلوا فينة، وسحر، وأمس فيمن لم يصرفه أعلاما لمعاني الفينة والسحر ~~والأمس، فجرى مجرى العدن لذلك، أو هو أعلم لأرض الجنة، لكونها دار إقامة، ~~ولولا ذلك لما ساغ الإبدال، لأن النكرة لا تبدل من المعرفة إلا موصوفة، ~~ولما ساغ وصفها ب " التي ". # قال أبو حيان: وما ذكره متعقب، أما دعواه: إن عدنا علم لمعنى العدن. ~~فيحتاج إلى توقيف وسماع من العرب، وكذا دعواه العلمية الشخصية فيه، وأما ~~قوله: ولولا ذلك، إلى قوله: موصوفة؛ فليس مذهب البصريين، لأن مذهبهم جواز ~~إبدال النكرة من المعرفة إن لم تكن موصوفة، وإنما ذلك شيء قاله ~~البغداديون، وهم محجوجون بالسماع على ما بيناه، وملازمته ms5959 فاسدة. وأما ~~قوله: ولما ساغ وصفها ب " التي " ، فلا يتعين كون " التي " صفة، وقد ~~ذكرنا أنه يجوز إعرابه بدلا. # قال شهاب الدين: إن " التي " صفة، والتمسك بهذا الظاهر كاف وأيضا: فإن ~~الموصول في قوة المشتقات، وقد نصوا على أن البدل بالمشتق، ضعيف، فكذلك ما ~~في معناه. # قوله: " بالغيب " فيه وجهان: # أحدهما: أن الباء حالية، وفي صاحب الحال احتمالان: # أحدهما: ضمير الجنة، وهو عائد الموصول، أي: وعدها وهي غائبة عنهم لا ~~يشاهدونها. # والثاني: أن يكون هو " عباده " ، أي: وهم غائبون عنها لا يرونها، ~~إنما آمنوا بها بمجرد الإخبار عنه. # والوجه الثاني: أن الباء سببية، أي: بسبب تصديقه الغيب، وبسبب الإيمان " ~~به ". # قوله: " إنه كان ". يجوز في هذا الضمير وجهان: # أحدهما: أنه ضمير الباري تعالى يعود على " الرحمن " أي: إن الرحمن كان ~~وعده مأتيا. # والثاني: أنه ضمير الأمر والشأن، لأن مقام تعظيم وتفخيم. # وعلى الأول يجوز أن يكون في " كان " ضمير هو اسمها يعود على الله - ~~تعالى - و " وعده " بدل من ذلك الضمير بدل اشتمال، و " مأتيا " ~~خبرها. # ويجوز أن لا يكون فيها ضمير، بل هي رافعة ل " وعده " و " مأتيا " ~~الخبر أيضا. # وهو نظير: إن زيدا كان أبوه منطلقا. # و " مأتيا " فيه وجهان: # أحدهما: أنه مفعول على بابه، والمراد بالوعد: الجنة، أطلق عليها المصدر، ~~أي: موعود، نحو درهم ضرب الأمير. # وقيل: الوعد مصدر على بابه، و " مأتيا " مفعول بمعنى فاعل. ولم يرتضه ~~الزمخشري فإنه قال: قيل في " مأتيا " مفعول بمعنى فاعل، والوجه أن الوعد ~~هو الجنة، وهم يأتونها، أو هو من قولك: أتى إليه إحسانا، أي: كان وعده ~~مفعولا منجزا. # وقال الزجاج: كل ما وصل إليك فقد وصلت إليه، وما أتاك فقد أتيته. # والمقصود من قوله: { إنه كان وعده مأتيا } بيان أن وعده ~~تعالى - وإن كان بأمر غائب - فهو كأنه مشاهد حاصل، والمراد تقرير ذلك في ~~القلوب. # قوله: { لا يسمعون فيها لغوا }. اللغو من الكلام: ما يلقى ~~ويطرح، وهو المنكر من القول كقوله: # لا تسمع فيها لاغية # [الغاشية: 11]. وقال مقاتل: هي ms5960 اليمين الكاذبة وفيه دلالة على وجوب ~~اجتناب اللغو، لأن الله - تعالى - نزه عنه الدار التي لا تكليف فيها، ~~ولقوله: # وإذا مروا باللغو مروا كراما # [الفرقان: 72]، وقوله: # وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه # [القصص: 55] الآية. # أبدى الزمخشري فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون معناه: إن كان تسليم بعضهم على بعض، أو تسليم الملائكة ~~عليهم لغوا، فلا يسمعون لغوا إلا ذلك، فهو من وادي قوله: # 3611- ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم # بهن فلول من قراع الكتائب # الثاني: أنهم لا يسمعون فيها إلا قولا يسلمون فيه من العيب والنقصان ~~على الاستثناء المنقطع. # الثالث: أن معنى السلام هو الدعاء بالسلامة، ودار السلامة هي دار ~~السلامة، وأهلها أغنياء عن الدعاء بالسلامة، فكان ظاهره من باب اللغو ~~وفضول الحديث، لولا ما فيه من فائدة الإكرام. # وظاهر هذا أن الاستثناء على الأول والأخير متصل، فإنه صرح بالمنقطع في ~~الثاني وأما اتصال الثالث فواضح، لأنه أطلق اللغو على السلام بالاعتبار ~~الذي ذكره. # وأما الاتصال في الأول فعسر، إذ لا يعد ذلك عيبا، فليس من جنس الأول ~~وسيأتي تحقيق هذا إن شاء الله - تعالى - عند قوله: # لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى # [الدخان: 56]. # قوله: { ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا } فيه سؤالان: # السؤال الأول: أن المقصود من هذه الآيات وصف الجنة بآيات مستعظمة ووصول ~~الرزق إليهم بكرة وعشيا ليس من الأمور المستعظمة. # والجواب من وجهين: # الأول: قال الحسن: أراد تعالى أن يرغب كل قوم بما أحبوه في الدنيا، ~~فلذلك ذكر أساور الذهب والفضة، ولبس الحرير التي كانت عادة العجم، ~~والأرائك التي هي الحجال المضروبة على الأسرة، وكانت عادة أشراف اليمن، ~~ولا شيء كان أحب إلى العرب من الغداء والعشاء فوعدهم بذلك. # الثاني: المراد دوام الرزق، تقول: أنا عند فلان صباحا ومساء، تريد ~~الدوام، ولا تقصد الوقتين المعلومين. # السؤال الثاني: قال تعالى: # لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا # وقال عليه السلام: # " لا صباح عند ربك ولا مساء بل هم في نور أبدا ". # والبكرة والعشي لا يوجدان إلا عند وجود الصباح والمساء. ms5961 # والجواب: أنهم يأكلون على مقدار الغداة والعشي، لا أن في الجنة غدوة ولا ~~عشيا، إذ لا ليل فيها. # وقيل: إنهم يغرفون النهار برفع الحجب، ووقت الليل بإرخاء الحجب. # وقيل: المراد رفاهية العيش، وسعة الرزق، أي: لهم رزقهم متى شاءوا. # قوله: { تلك الجنة التي نورث } صحت الإشارة ب " تلك " ~~إلى " الجنة " لأنها غائبة. # وقرأ الأعمش: " نورثها " بإبراز عائد الموصول. # وقرأ الحسن، والأعرج، وقتادة: " نورث " بفتح الواو وتشديد الراء من ~~ورث مضعفا، وقوله: " نورث " استعارة، أي: نبقي عليه الجنة كما نبقي ~~على الوارث مال الموروث، وقيل: معناه: ننقل تلك المنازل ممن لو أطاع ~~لكانت له إلى عبادنا الذين اتقوا ربهم، فجعل هذا النقل إرثا، قاله ~~الحسن. # المتقي: هو من اتقى المعاصي؛ واتقى ترك الواجبات. # قال القاضي: هذه الآية دالة على أن الجنة يدخلها من كان تقيا، والفاسق ~~المرتكب للكبائر لم يوصف بذلك. # وأجيب بأن هذه الآية تدل على أن المتقي يدخلها، وليس فيها دلالة على أن ~~غير المتقي لا يدخلها؛ وأيضا: فصاحب الكبيرة متق عن الكفر، ومن صدق ~~عليه أنه متق (عن الكفر، فقد صدق عليه أنه متق)، لأن المتقي جزء مفهوم ~~قولنا: المتقي عن الكفر، وإذا كان صاحب الكبيرة (يصدق عليه أنه متق، وجب ~~أن) يدخل الجنة، (فالآية بأن تدل على أن صاحب الكبيرة يدخل الجنة) أولى ~~من أن تدل على أنه لا يدخلها. ### || [19.64-72] # قوله تعالى: { وما نتنزل إلا بأمر ربك } الآية. قال ~~ابن عطية: الواو عاطفة جملة كلام على أخرى، واصلة بين القولين، وإن لم ~~يكن معناهما واحدا. # وقد أغرب النقاش في حكاية قول: وهو أن قوله: " وما نتنزل " متصل ~~بقوله: # قال إنمآ أنا رسول ربك لاهب لك # [مريم: 19]. # وقال أبو البقاء: " وما نتنزل " أي: وتقول الملائكة. فجعله ~~معمولا لقول مضمر. # وقيل: هو من كلام أهل الجنة. وهو أقرب مما قبله. و " نتنزل " ~~مطاوع نزل - بالتشديد - ويقتضي العمل في مهلة وقد لا يقتضيها. قال ~~الزمخشري: التنزل على معنيين: معنى النزول على مهل، ومعنى النزول على ~~الإطلاق، كقوله: # 3612- فلست لإنسي ms5962 ولكن لملأك # تنزل من جو السماء يصوب # لأنه مطاوع نزل، ونزل يكون بمعنى أنزل، ويكون بمعنى التدرج، واللائق ~~بهذا الموضع هو النزول على مهل، والمراد: أن نزولنا في الأحايين وقتا ~~بعد وقت. # قال شهاب الدين: وقد تقدم أنه يفرق بين نزل وأنزل في أول هذا الموضوع. # وقرأ العامة " نتنزل " بنون الجمع. وقرأ الأعرج " يتنزل " ~~بياء الغيبة، وفي الفاعل حينئذ قولان: # أحدهما: أنه ضمير جبريل - عليه السلام -. # قال ابن عطية: ويرده قوله: { له ما بين أيدينا وما ~~خلفنا } ، لأنه لا يطرد معه، وإنما يتجه أن يكون خبرا عن جبريل أي: ~~القرآن لا يتنزل إلا بأمر الله في الأوقات التي يقدرها. وقد يجاب ابن ~~عطية بأنه على إضمار القول، أي: قائلا ما بين أيدينا. # والثاني: أنه يعود على الوحي، وكذا قال الزمخشري على الحكاية عن جبريل، ~~والضمير للوحي. ولا بد من إضمار هذا القول أيضا. # قوله: { له ما بين أيدينا }. استدل بعض النحاة على أن الأزمنة ~~ثلاثة: ماض، وحاضر، ومستقبل بهذه الآية وهو كقول زهير: # 3613- واعلم علم اليوم والأمس قبله # ولكنني عن علم ما في غد عم # فصل # روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يا جبريل ما منعك أن تزورنا " # فنزلت { وما نتنزل إلا بأمر ربك } الآية. وقال عكرمة ~~والضحاك وقتادة ومقاتل، والكلبي: # " احتبس جبريل - عليه السلام - عن النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله ~~قومه عن أصحاب الكهف، وذي القرنين، والروح فقال: " أخبركم غدا " ، ولم ~~يقل: إن شاء الله حتى شق على النبي صلى الله عليه وسلم فقال المشركون ~~ودعه ربه وقلاه، ثم نزل بعد أيام، فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم " أبطأت علي حتى ساء ظني، واشتقت إليك " فقال له جبريل - عليه ~~السلام - إني كنت إليك أشوق، ولكنني عبد مأمور، إذا بعثت نزلت، وإذا حبست ~~احتبست " # فنزل قوله: { وما نتنزل إلا بأمر ربك } ، وقوله: # ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن ~~يشآء الله # [الكهف: 23، 24] وسورة الضحى وفي هذه الآية سؤال: وهو أن ms5963 قوله: # تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا # [مريم: 63] كلام الله، وقوله: { وما نتنزل } كلام غير الله، ~~فكيف جاز هذا على ما قبله من غير فصل؟. # وأجيب: بأنه إذا كانت القرينة ظاهرة لم يقبح كقوله - تعالى -: # إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون # [مريم: 35]، (وهذا كلام الله تعالى، ثم عطف عليه) # وإن الله ربي وربكم فاعبدوه # [مريم: 36]. واعلم أن ظاهر قوله: { وما نتنزل إلا بأمر ~~ربك } خطاب جماعة لواحد، وذلك لا يليق بالذين ينزلون على الرسول، ~~فلذلك ذكروا في سبب النزول ما تقدم. ثم قال: { له ما بين ~~أيدينا وما خلفنا } أي: علم ما بين أيدينا قال سعيد بن جبير ~~وقتادة، ومقاتل: { ما بين أيدينا } من أمر الآخرة، والثواب, ~~والعقاب، " وما خلفنا " من أمر الدنيا، { وما بين ذلك } ما ~~يكون في هذا الوقت إلى قيام الساعة. وقيل: { ما بين أيدينا } من ~~أمر الآخرة، " وما خلفنا " من أمر الدنيا، { وما بين ذلك } ~~أي: بين النفختين، وبينهما أربعون سنة. # وقيل: { ما بين أيدينا } ما بقي من أمر الدنيا، " وما خلفنا " ~~ما مضى منها، { وما بين ذلك } هذه حياتنا. وقيل: { ما بين ~~أيدينا } بعد أن نموت، " وما خلفنا " قبل أن نخلق، { وما بين ~~ذلك } مدة الحياة. وقيل: { ما بين أيدينا } الأرض إذا أردنا ~~النزول إليها، " وما خلفنا " السماء وما أنزل منها، { وما بين ~~ذلك } الهواء، يريد أن ذلك كله لله - عز وجل - فلا يقدر على شيء إلا ~~بأمره. ثم قال: { وما كان ربك نسيا } أي: ناسيا، أي: ما ~~نسيك ربك بمعنى تركك، والناسي التارك، كقوله: # ما ودعك ربك وما قلى # [الضحى: 3] أي: ما كان امتناع النزول لترك الله لك وتوديعه إياك. # قوله: { رب السموات } فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه بدل من " ربك ". # الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: هو رب. # الثالث: كونه مبتدأ والخبر الجملة الأمرية بعده. وهذا ماش رأي الأخفش، ~~إذ يجوز زيادة الفاء في خبر المبتدأ مطلقا. # قوله: " لعبادته " متعلق ب " اصطبر " فإن قيل: لم لم ~~يقل: واصطبر ms5964 على عبادته، لأنها صلته، فكان حقه تعديه ب " على "؟. # فالجواب: أنه ضمن معنى الثبات، لأن العبادة ذات تكاليف قل من يصبر ~~لها، فكأنه قيل: واثبت لها مصطبرا. واستدلوا بهذه الآية على أن فعل ~~العبد خلق لله - تعالى -، لأن فعل العبد حاصل بين السموات والأرض، وهو ~~رب لكل شيء حاصل بينهما. # قوله: { هل تعلم له سميا } أدغم الأخوان، وهشام، وجماعة لام ~~" هل " في " التاء ". # وأنشدوا على ذلك بيت مزاحم العقيلي: # 3614- فذر ذا ولكن هتعين متيما # على ضوء برق آخر الليل ناصب # فصل # دل ظاهر الآية على أنه - تعالى - رتب الأمر بالعبادة والأمر ~~بالمصابرة عليها أنه لا سمي له، والأقرب أنه ذكر الاسم وأراد هل تعلم له ~~نظيرا فيما يقتضي العبادة والتي يقتضيها كونه منعما بأصول (النعم ~~وفروعها، وهي خلق الأجسام، والحياة والعقل، وغيرها، فإنه لا يقدر على ~~ذلك) أحد سواه - سبحانه وتعالى - وإذا كان قد أنعم عليك بغاية الإنعام، ~~وجب أن تعظمه بغاية التعظيم، وهي العبادة. # قال ابن عباس: هل تعلم له مثلا. # وقال الكلبي: ليس له شريك في اسمه. وذلك لأنهم وإن كانوا يطلقون لفظ ~~الإله على الوثن فما أطلقوا لفظ الله - تعالى - على شيء. قال ابن عباس: ~~لا يسمى بالرحمن غيره. وأيضا: هل تعلم من سمي باسمه على الحق دون ~~الباطل، لأن التسمية على الباطل كلا تسمية، لأنها غير معتد بها، والقول ~~الأول أقرب. # قوله تعالى: { ويقول الإنسان أإذا ما مت } الآية. " إذا ~~" منصوب بفعل مقدر مدلول عليه بقوله تعالى: { لسوف أخرج } ، ~~تقديره: إذا مت أبعث أو أحيا، ولا يجوز أن يكون العامل فيه " أخرج " ~~لان ما بعد لام الابتداء لا يعمل ما قبلها قال أبو البقاء: لأن ما بعد ~~اللام وسوف لا يعمل فيما قبلها ك " إن " قال شهاب الدين: قد جعل ~~المانع مجموع الحرفين، أما اللام فمسلم وأما حرف التنفيس فلا مدخل له في ~~المنع، لأن حرف التنفيس يعمل ما بعده فيما قبله، تقول: زيدا سأضرب ~~وسوف أضرب، ولكن فيه خلاف ضعيف، والصحيح الجواز، وأنشدوا عليه: # 3615- فلما ms5965 رأته آمنا هان وجدها # وقالت أبونا هكذا سوف يفعل # ف " هكذا " منصوب ب " يفعل " بعد (حرف التنفيس)، (وقال ابن ~~عطية): واللام في قوله: " لسوف " مجلوبة على الحكاية لكلام تقدم بهذا ~~المعنى، كأن قائلا قال للكافر: (إذا مت) يا فلان لسوف تخرج حيا، ~~فقرر الكلام على الكلام على جهة الاستبعاد، وكرر اللام حكاية للقول ~~الأول. قال أبو حيان: ولا يحتاج إلى هذا التقدير، ولا أن هذا حكاية لكلام ~~تقدم بل هو من كلام الكافر، وهو استفهام فيه معنى الجحد والاستبعاد. وقال ~~الزمخشري: فإن قيل: لام الابتداء الداخلة على المضارع تعطي معنى الحال، ~~فكيف جامعت حرف الاستقبال؟ قلت: لم تجامعها إلا مخلصة للتوكيد كما ~~أخلصت الهمزة في يا الله للتعويض، واضمحل عنها معنى التعريف. # قال أبو حيان: وما ذكر من أن اللام تعطي " معنى " الحال مخالف فيه، فعلى ~~مذهب من لا يرى ذلك يسقط السؤال، وأما قوله: كما أخلصت الهمزة. # فليس ذلك إلا على مذهب من يزعم أن أصله: إله، وأما من يزعم أن أصله: ~~لاه. فلا تكون الهمزة فيه للتعويض " إذ لم يحذف منه شيء، ولو قلنا: إن ~~أصله إله، وحذفت فاء الكلمة لم يتعين أن الهمزة فيه في النداء للتعويض " ~~، إذ لو كانت عوضا من المحذوف لثبتت دائما في النداء وغيره، ولما جاز ~~حذفها في النداء، قالوا: يا لله بحذفها، وقد نصوا على أن " قطع " همزة ~~الوصل في النداء شاذ. # وقرأ الجمهور: " أءذا " بالاستفهام، وهو استبعاد كما تقدم. وقرأ أبو ~~ذكوان بخلاف عنه، وجماعة " إذا " بهمزة واحدة على الخبر أو الاستفهام ~~وحذف أداته للعلم بها، ولدلالة القراءة الأخرى عليها. # وقرأ طلحة بن مصرف " لسأخرج " بالسين دون سوف. هذا نقل الزمخشري ~~عنه. وغيره نقل " سأخرج " دون لام الابتداء، وعلى هذه القراءة يكون ~~العامل في الظرف نفس " أخرج " ، ولا يمنع حرف التنفيس على الصحيح. # وقرأ العامة " أخرج " مبنيا للمفعول. والحسن، وأبو حيوة " أخرج " ~~مبنيا للفاعل. و " حيا " حال مؤكدة، لأن من لازم خروجه أن يكون ~~حيا، وهو كقوله: # أبعث حيا # [مريم: 33]. # فصل ms5966 # لما أمر بالعبادة والمصابرة عليها، فكأن سائلا سأل وقال: هذه ~~العبادات لا منفعة فيها في الدنيا، وأما في الآخرة فقد أنكرها قوم، فلا ~~بد من ذكر الدلالة على القول بالحشر حتى تظهر فائدة الاشتغال ~~بالعبادة، فلهذا حكى الله - تعالى - قول منكري الحشر، فقال: { ويقول ~~الإنسان } الآية: قالوا ذلك على سبيل افنكار والاستبعاد وذكروا في ~~الإنسان وجهين: # أحدهما: أن يكون المراد الجنس كقوله: # هل أتى على الإنسان # [الإنسان: 1]. # فإن قيل: كلهم غير قائلين بذلك، فكيف يصح هذا القول؟. # فالجواب من وجهين: الأول: أن هذه المقولة لما كانت موجودة في جنسهم ~~صح اسنادها إلى جميعهم، كما يقال: بنو فلان قتلوا فلانا، وإنما ~~القاتل رجل منهم. # الثاني: أن هذا الاستبعاد موجود ابتداء في طبع كل أحد إلا أن ~~بعضهم تركه للدلالة القاطعة على صحة القول به. # القول الثاني: أن المراد بالإنسان شخص معين، فقيل: أبي بن خلف ~~الجمحي. # وقيل: أبو جهل. وقيل: المراد جنس الكفار القائلين بعدم البعث. # ثم إن الله - تعالى - أقام للدلالة على صحة البعث فقال: { أولا ~~يذكر الإنسان } الآية قرأ نافع، وابن عامر، وعاصم، وجماعة: " ~~يذكر " مضارع ذكر. # والباقون بالتشديد مضارع تذكر. والأصل: يتذكر، فأدغمت التاء في الذال. ~~وقد قرأ بهذا الأصل وهو " يتذكر " أبي. # والهمزة في قوله: " أو لا يذكر " مؤخرة على حرف العطف تقديرا كما هو ~~قول الجمهور وقد رجع الزمخشري إلى قول الجمهور هنا فقال: الواو عطفت " لا ~~يذكر " على " يقول " ووسطت همزة الإنكار بين المعطوف " عليه " وحرف ~~العطف. # ومذهبه: أن يقدر بين حرف العطف وهمزة الاستفهام جملة يعطف عليها ما ~~بعدها. # وقد فعل هذا أعني الرجوع إلى قول الجمهور في سورة الأعراف كما نبه ~~عليه في موضعه. # قوله: " من قبل " أي: من قبل بعثه، وقدره الزمخشري: من قبل الحالة ~~التي هو فيها، " وهي حالة " بقائه. # فصل # قال بعض العلماء: لو اجتمع كل الخلائق على إيراد حجة في البعث على هذا ~~الاختصار ما قدروا عليه، إذ لا شك أن الإعادة ثانيا أهون من الإيجاد ~~أولا، ونظيره قوله ms5967 تعالى # قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة # [يس: 79]، وقوله: # وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه # [الروم: 27] واحتجوا بهذه الآية على أن المعدوم ليس بشيء، وهو ضعيف؛ ~~لأن الإنسان عبارة عن مجموع جواهر متألفة قامت بها أعراض، وهذا المجموع ~~ما كان شيئا، ولكن لم قلت: إن كل واحد من تلك الأجزاء ما كان شيئا قبل ~~كونه موجودا فإن قيل: كيف أمر الله - تعالى - الإنسان بالتذكر مع أن ~~التذكر هو العلم بما علمه من قبل ثم تخللهما سهو؟. # فالجواب: المراد أو لا يتفكر فيعلم خصوصا إذا قرىء " أو لا يذكر " ~~مشددا، أما إذا قرىء " أو لا يذكر " مخففا، فالمراد أو لا يعلم ذلك ~~من حال نفسه لأن كل أحد يعلم أنه لم يكن حيا في الدنيا ثم صار حيا. # ثم إنه تعالى لما قرر المطلوب بالدليل أردفه بالتشديد فقال { ~~فوربك لنحشرنهم والشيطين } أي: لنجمعنهم في ~~المعاد، يعنى المشركين المنكرين للبعث مع الشياطين، وذلك أنه يحشر كل ~~كافر مع شيطان في سلسلة. # وفائدة القسم أمران: أحدهما: أن العادة جارية بتأكيد الخبر باليمين. # والثاني: أن في إقسام الله - تعالى - باسمه مضافا إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم رفعا منه لشأنه كما رفع من شأن السماء والأرض في قوله: # فورب السمآء والأرض إنه لحق # [الذاريات: 23]. والواو في " والشياطين " يجوز أن تكون للعطف، وبمعنى ~~" مع " وهي بمعنى " مع " أوقع. والمعنى، أنهم يحشرون مع قرنائهم من ~~الشياطين الذين أغروهم. { ثم لنحضرنهم حول جهنم } ~~أي: نحضرهم على أذل صورة لقوله: " جثيا " لأن البارك على ركبتيه ~~صورته صورة الذليل، أو صورة العاجز. # فإن قيل: هذا المعنى حاصل للكل لقوله: # وترى كل أمة جاثية # [الجاثية: 28]، ولأن العادة جارية بأن الناس في مواقف مطالبات ~~الملوك يتجاثون على ركبهم لما في ذلك من القلق، أو لما يدهمهم من شدة ~~الأمر التي لا يطيقون معه القيام على أرجلهم وإذا كان حاصلا للكل، فكيف ~~يدل على مزيد ذل الكفار. # فالجواب: لعل المراد أنهم يكونون من وقت الحشر إلى وقت الحضور ms5968 في الموقف ~~على هذه الحال، وذلك يوجب مزيد ذلهم. # قوله: " جثيا " حال مقدرة من مفعول " لنحضرنهم ". و " ~~جثيا " جمع جاث جمع على فعول، نحو قاعد وقعود، وجالس وجلوس، ~~وفي لامه لغتان: # أحدهما: الواو. # والأخرى: الياء. # يقال: جثا يجثو جثوا، وجثا يجثي جثيا. # فعلى التقدير الأول: يكون أصله جثوو. بواوين الأولى زائدة علامة للجمع ~~والثانية لام الكلمة، ثم أعلت إعلال عصي ودلي، وتقدم تحقيقه في " ~~عتيا ". # وعلى الثاني يكون الأصل: جثويا، فأعل إعلال هين وميت. # وعن ابن عباس: أنه بمعنى جماعات جماعات، جمع جثوة، وهو المجموع من ~~التراب والحجارة، وفي صحته عنه نظر من حيث إن فعله لا يجمع على فعول. ~~ويجوز في " جثيا " أن يكون مصدرا على فعول، وأصله كما تقدم في حال ~~كونه جمعا، إما جثوو، وإما جثوي. # وقد تقدم أن الأخوين يكسران فاءه، والباقون يضمونها. # والجثو: القعود على الركب. # قوله: { ثم لننزعن من كل شيعة } أي: ليخرجن من كل أمة ~~وأهل دين من الكفار والشيعة فعلة كفرقة: ومنه الطائفة التي شاعت، أي: ~~تبعت غاويا من الغواة. # قال تعالى: # إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا # [الأنعام: 159]. والمعنى: أنه - تعالى - يحضرهم أولا حول جهنم، ثم يميز ~~البعض من البعض، فمن كان منهم أشد تمردا في كفره خص بعذاب عظيم، لأن ~~عذاب الضال المضل يجب أن يكون فوق عذاب من يضل تبعا لغيره، وليس عذاب من ~~يتمرد ويتجبر كعذاب المقلد، ومعنى الآية: أنه ينزع من كل فرقة من كان أشد ~~عتيا وتمردا ليعلم أن عذابه أشد وفائدة هذا التمييز التخصيص " بشدة ~~العذاب لا التخصيص " بأصل العذاب، فلذلك قال في جميعهم: { ثم لنحن ~~أعلم بالذين هم أولى بها صليا } ولا يقال: " أولى ~~" إلا مع اشتراكهم في العذاب. # قوله: { أيهم أشد } فيه أقوال كثيرة، أظهرها عند جمهور ~~المعربين، وهو مذهب سيبويه: أن " أيهم " موصولة بمعنى " الذي " ، ~~وأن حركتها حركة بناء، بنيت عند سيبويه لخروجها عن النظائر. # و " أشد " خبر مبتدأ مضمر، والجملة صلة ل " أيهم " ، و " ~~أيهم " وصلتها في محل نصب مفعولا بها ms5969 بقوله: " لننزعن ". # و ل " أي " أحوال الأربعة: إحداها تبنى فيها، وهي كما في هذه الآية أن ~~تضاف ويحذف صدر صلتها، ومثله قول الآخر: # 3616- إذا ما أتيت بني مالك # فسلم على أيهم أفضل # بضم " أيهم ". # وتفاصيلها مقررة في كتب النحو. # وزعم الخليل - رحمه الله - أن " أيهم " هنا مبتدأ، و " أشد " ~~خبره، وهي استفهامية، والجملة محكية بالقول مقدرا، والتقدير: ~~لننزعن من كل شيعة المقول فيهم أيهم. # وقوى الخليل تخريجه بقول الشاعر: # 3617- ولقد أبيت من الفتاة بمنزل # فأبيت لا حرج ولا محروم # قال: فأبيت يقال في: لا حرج ولا محروم. # وذهب يونس إلى أنها استفهامية مبتدأ، وما بعدها خبرها كقول الخليل ~~إلا أنه زعم أنها متعلقة ل " ننزعن " ، فهي في محل نصب، ~~لأنه يجوز التعليق في سائر الأفعال، ولا يخصه " بأفعال القلوب كما يخصه ~~" بها الجمهور. # وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون النزع واقعا على { من كل شيعة } ~~كقوله: # ووهبنا لهم من رحمتنا # [مريم: 50]، أي: لننزعن بعض كل شيعة، فكأن قائلا قال: من هم؟ ~~فقيل: أيهم أشد عتيا. # فجعل " أيهم " موصولة أيضا، ولكن هي في قوله خبر مبتدأ محذوف أي: ~~هم الذين هم أشد. قال أبو حيان: وهذا تكلف ما لا حاجة إليه، وادعاء إضمار ~~غير محتاج إليه، وجعل ما ظاهره أنه جملة واحدة جملتين. وحكى أبو البقاء ~~عن الأخفش والكسائي أن مفعول " ننزعن ": " من كل شيعة " و " ~~من " مزيدة، قال: وهما يجيزان زيادة " من " " في الواجب " ، و " ~~أيهم " استفهام أي: لننزعن كل شيعة. # وهذا مخالف في المعنى تخريج الجمهور، فإن تخريجهم يؤدي إلى التبعيض، ~~وهذا يؤدي إلى العموم، إلا أن يجعل " من " لابتداء الغاية لا للتبعيض ~~فيتفق التخريجان، وذهب الكسائي إلى أن معنى " لننزعن " ~~لننادين، فعومل معاملته، فلم يعمل في " أي ". قال المهدوي: " ونادى ~~" يعلق إذا كان بعده جملة نصب، فيعمل في المعنى ولا يعمل في اللفظ. وقال ~~المبرد: " أيهم " متعلق ب " شيعة " فلذلك ارتفع، والمعنى من الذين ~~تشايعوا أيهم أشد، كأنهم يتبادرون إلى هذا. " ويلزمه على هذا " أن يقدر ~~مفعولا ل " ننزعن ms5970 " محذوفا وقدر بعضهم في قول المبرد: من الذين ~~تعاونوا فنظروا أيهم. # قال النحاس وهذا قول حسن. وقد حكى الكسائي تشايعوا بمعنى تعاونوا قال ~~شهاب الدين: وفي هذه العبارة المنسوبة للمبرد قلق، ولا بين الناقل عنه ~~وجه الرفع عن ماذا يكون، وبينه أبو البقاء، لكن جعل " أيهم " فاعلا ~~لما تضمنه " شيعة " " من معنى الفعل، قال: التقدير: لننزعن من كل " ~~فريق يشيع أيهم. وهي على هذا بمعنى " الذي " , ونقل الكوفيون أن " ~~أيهم " في الآية بمعنى الشرط، والتقدير: إن اشتد عتوهم أو لم يشتد، ~~كما تقول: ضرب القوم أيهم غضب. # المعنى: إن غضبوا أو لم يغضبوا. وقرأ طلحة بن مصرف " ومعاذ بن مسلم ~~الهراء أستاذ الفراء، وزائدة " عن الأعمش " أيهم " نصبا. # فعلى هذه القراءة والتي قبلها ينبغي أن يكون مذهب سيبويه جواز إعرابها ~~وبنائها، وهو المشهور عند النقلة عنه، " وقد نقل عنه " أنه يحتم ~~بناءها. # قال النحاس: ما علمت أحدا من النحويين إلا وقد خطأ سيبويه، " قال: ~~وسمعت أبا إسحاق الزجاج يقول: ما يبين لي أن سيبويه " غلط في كتابه ~~إلا في موضعين هذا أحدهما. قال: وقد أعرب سيبويه " أيا " وهي مفردة، ~~لأنها تضاف فكيف يبينها مضافة. وقال الجرمي: خرجت من البصرة فلم أسمع ~~منذ فارقت الخندق إلى مكة أحدا يقول: لأضربن أيهم قائم، بالضم بل ~~ينصب. # قوله: " على الرحمن " متعلق ب " أشد " ، و " عتيا " منصوب ~~على التمييز وهو محول عن المبتدأ، " إذ التقدير ": أيهم هو عتوه أشد. ~~ولا بد من محذوف يتم به الكلام، التقدير: فيلقيه في العذاب، أو فنبدأ ~~بعذابه. قال الزمخشري: فإن قلت: بم يتعلق " على " ، و " الباء " ، فإن ~~تعلقهما بالمصدرين لا سبيل إليه. # قلت: هما للبيان لا للصلة، أو يتعلقان بأفعل، أي: عتوهم أشد على ~~الرحمن، وصليهم أولى بالنار، كقولهم: هو أشد على خصمه، وهو أولى بكذا. # يعني ب " على " قوله: " على الرحمن " ، وب " الباء " قوله: " ~~بالذين هم " وقوله: بالمصدرين. يعني بهما " عتيا " و " صليا ~~". # " وأما كونه لا سبيل إليه " ، فلأن المصدر في نية الموصول، ولا يتقدم ~~معمول الموصول ms5971 عليه " وجوز بعضهم " أن يكون " عتيا " ، و " صليا ~~" في هذه الآية مصدرين كما تقدم وجوز أن يكون جمع عات وصال ~~فانتصابهما على هذا الحال. وعلى هذا يجوز أن يتعلق " على " و " الباء " ~~بهما لزوال المحذوف المذكور. # قال المفسرون: معنى قوله: { ثم لنحن أعلم بالذين هم ~~أولى بها صليا } أي أحق بدخول النار. يقال: صلي يصلى ~~صليا مثل لقي يلقى لقيا، وصلى يصلي صليا مثل مضى ~~يمضي مضيا، إذا دخل النار، وقاسى حرها. # قوله تعالى: { وإن منكم إلا واردها } الآية. الواو في " ~~وإن " فيها وجهان: # أحدهما: أنها عاطفة لهذه الجملة على ما قبلها. وقال ابن عطية: { وإن ~~منكم إلا واردها } قسم، والواو تقتضيه، ويفسره قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم # " من مات له ثلاث من الولد لم تمسه النار إلا تحله القسم " # وأراد بالقسم قوله تعالى: { وإن منكم إلا واردها }. قال ~~أبو حيان: " وذهل عن " قول النحويين: إنه لا يستغنى عن القسم بالجواب ~~لدلالة المعنى إلا إذا كان الجواب باللام أو ب " إن " ، والجواب هنا ~~على زعمه ب " إن " النافية، فلا يجوز حذف القسم على ما نصوا. وقوله: ~~والواو تقتضيه. يدل على أنها عنده واو القسم، ولا يذهب نحوي إلى ~~أن مثل هذه الواو واو القسم، لأنه يلزم عن ذلك حذف المجرور وإبقاء ~~الجار، ولا يجوز بذلك إلا إن وقع في شعر أو نادر كلام بشرط أن تقوم صفة ~~المحذوف مقامه، كما أولوا في قولهم: نعم السير على بئس العير. ~~أي: على عير بئس العير، وقول الشاعر: # 3618- والله ما ليلي بنام صاحبه # أي: بليل نام صاحبه، وهذه الآية ليست من هذا الضرب، إذ لم يحذف ~~المقسم " به " وقامت صفته مقامه. و " إن " حرف نفي، " و " منكم " صفة ~~لمحذوف تقديره: وإن أحد منكم " ويجوز أن يكون التقدير: وإن منكم إلا من ~~هو واردها وقد تقدم لذلك نظائر. والخطاب في قوله: " منكم " يحتمل ~~الالتفات وعدمه. # قال الزمخشري: التفات إلى الإنسان، ويعضده قراءة ابن مسعود وعكرمة، " ~~وإن منهم " أو خطاب للناس من غير التفات ms5972 إلى المذكور. # والحتم: القضاء، والوجوب حتم، أي: أوجبه حتما، ثم يطلق الحتم على ~~الأمر المحتوم كقوله تعالى: # هذا خلق الله # [لقمان: 11]، وهذا درهم ضرب الأمير. و " على ربك " متعلق ب " حتم ~~" ، لأنه في معنى اسم المفعول ولذلك وصفه ب " مقضيا ". # فصل # المعنى: وما منكم إلا واردها، والورود هو موافاة المكان. وقيل القسم فيه ~~مضمر، أي: والله ما منكم من أحد إلا واردها. واختلفوا في معنى الورود هنا ~~فقال ابن عباس والأكثرون: الورود ههنا هو الدخول، والكناية راجعة إلى ~~النار، وقالوا: يدخلها البر والفاجر، ثم ينجي الله المتقين فيخرجهم منها، ~~ويدل على أن الورود هو الدخول قوله تعالى: # يقدم قومه يوم القيمة فأوردهم النار # [هود: 98]. # روى ابن عيينة عن عمرو بن دينار أن نافع بن الأزرق مارى ابن عباس في ~~الورود فقال ابن عباس: هو الدخول. وقال نافع: ليس الورود الدخول، فتلى ~~ابن عباس # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ~~أنتم لها واردون # [الأنبياء:98] أدخلها هؤلاء أم لا؟ ثم قال: يا نافع أما والله أنا وأنت ~~سنردها، وأنا أرجو أن يخرجني الله، وما أرى الله أن يخرجك منها بتكذيبك. # ويدل عليه أيضا قوله تعالى { ثم ننجي الذين اتقوا } ، ~~أي: ننجي من الواردين من اتقى، ولا يجوز أن يقول { ثم ننجي الذين ~~اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا } إلا والكل واردون. # والأخبار المروية دل على هذا القول، وهو ما # " روي عن عبد الله بن رواحة قال: أخبر الله تعالى عن الورود ولم يخبر ~~بالصد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " يا ابن رواحة " اقرأ ما بعدها { ~~ثم ننجي الذين اتقوا } فدل على أن ابن رواحة فهم من الورود ~~الدخول، ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وعن جابر أنه ~~سئل عن هذه الآية، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ~~الورود الدخول، ولا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمنين ~~بردا وسلاما، حتى إن للنار ضجيجا من بردها ". # وقيل: المراد من تقدم ذكره من الكفار، ms5973 فكنى عنهم أولا كناية الغيبة ثم ~~خاطب خطاب المشافهة. قالوا: ولا يجوز أن يدخل النار مؤمن أبدا لقوله ~~تعالى: # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك ~~عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها # [الأنبياء:101،102] والمبعد عنها لا يوصف بأنه واردها، ولو وردوا جهنم ~~لسمعوا حسيسها. # وقوله: # وهم من فزع يومئذ ءامنون # [النمل: 89]. والمراد في قوله: { وإن منكم إلا واردها } ~~الحضور والرؤية لا الدخول، كقوله: # ولما ورد مآء مدين # [القصص: 23] أراد به الحضور. وقال عكرمة: الآية في الكفار يدخلونها ولا ~~يخرجون منها. # وقال ابن مسعود: { وإن منكم إلا واردها } يعني القيامة ~~والكناية راجعة إليها. # وقال البغوي: والأول أصح، وعليه أهل السنة أنهم جميعا يدخلون النار، ثم ~~يخرج الله منها أهل الإيمان، لقوله تعالى: { ثم ننجي الذين ~~اتقوا } أي: الشرك، وهم المؤمنون، والنجاة إنما تكون مما دخلت فيه. # قوله: { كان على ربك حتما مقضيا } أي: كان ورودكم ~~جهنم حتما لازما مقضيا قضاه الله عليكم. # قوله: " ثم ننجي ". قرأ العامة " ثم ننجي " بضم " ثم " ~~على أنها العاطفة. # وقرأ علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وابن مسعود، وابن عباس، وأبي، ~~والجحدري ويعقوب " ثم " بفتحها على أنها الظرفية، ويكون منصوبا بما ~~بعده، أي: هناك ننجي الذين اتقوا. # وقرأ الجمهور " ننجي " بضم النون الأولى وفتح الثانية وتشديد الجيم ~~من نجى مضعفا. وقرأ الكسائي والأعمش وابن محيصن " ننجي " من ~~أنجى. # والفعل على هاتين القراءتين مضارع. # وقرأت فرقة " نجي " بنون واحدة مضمومة وجيم مشددة، وهو على هذه ~~القراءة ماض مبني للمفعول، وكان من حق قارئها أن يفتح الياء، ولكنه سكنه ~~تخفيفا. # وتحتمل هذه القراءة توجيها آخر سيأتي في قراءة متواترة في آخر سورة ~~الأنبياء. # وقرأ علي بن أبي طالب - أيضا - " ننحي " بحاء مهملة من التنحية. # ومفعول " اتقوا " محذوف مراد للعلم به، أي: اتقوا الشرك والظلم. # قوله: " جثيا " إما مفعول ثان إن كان " نذر " يتعدى لاثنين ~~بمعنى " نترك ونصير ". # وإما حال إن جعلت " نذر " بمعنى نخليهم. و " جثيا " على ما ~~تقدم. # و " فيها " يجوز أن يتعلق ب " نذر " ، وأن يتعلق ms5974 ب " جثيا " إن ~~كان حالا ولا يجوز ذلك فيه إن كان مصدرا، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على ~~أنه حال من " جثيا " ، لأنه في الأصل صفة لنكرة قدم عليها فنصب ~~حالا. # فصل # اختلفوا في أنه كيف يندفع عن المتقين ضرر النار إذا ورودها بأن ~~القول هو الدخول. فقيل: " البقعة المسماة بجهنم لا يمتنع أن يكون في ~~خلالها ما لا نار فيه، وإذا كان كذلك لا يمتنع " أن يدخل الكل في جهنم، ~~ويكون المؤمنون في تلك المواضع الخالية عن النار والكفار في وسط النار، ~~وعن جابر أن رسول الله صلى الله عيله وسلم قال # " إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول بعضهم لبعض: أليس وعدنا ربنا أن نرد ~~النار؟ فيقال لهم: قد دخلتموها وهي خامدة ". # وقيل: إن الله - تعالى - يخمد النار فيعبرها المؤمنون، وتنهار ~~بالكافرين. قال ابن عباس: يردونها كأنها إهالة. وقيل: إن الله - ~~تعالى - يجعل النار الملاصقة لأبدان المؤمنين بردا وسلاما كما جاء في ~~الحديث المتقدم، وكما في حق إبراهيم - عليه السلام -، وكما في حق الكوز ~~الواحد من الماء يشربه القبطي فيكون دما، ويشربه الإسرائيلي فيكون ماء ~~عذبا، وفي الحديث: # " تقول النار للمؤمن جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي " # وعن مجاهد في قوله تعالى: { وإن منكم إلا واردها } قال: من ~~حم من المسلمين فقد وردها. وفي الخبر " الحمى كنز من جهنم، وهي حظ ~~المؤمن من النار " واعلم أنه لا بد من أحد هذه الوجوه في الملائكة ~~الموكلين بالعذاب حتى يكونوا في النار مع المعاقبين. فإن قيل: إذا لم يكن ~~على المؤمنين عذاب في دخولهم فما الفائدة في ذلك الدخول؟ فالجواب: أن ~~ذلك مما يزيدهم سرورا إذا علموا الخلاص منه. وأيضا: فيه مزيد غم على ~~أهل النار حيث تظهر فضيحتهم عند من كان يخوفهم من النار فما كانوا ~~يلتفتون إليه وأيضا: إن المؤمنين إذا كانوا معهم في النار يبكتونهم ~~فيزداد غم الكفار وسرور المؤمنين. وأيضا: فإن المؤمنين كانوا يخوفونهم ~~بالحشر والنشر، ويستدلون على ذلك، فما كانوا يقبلون تلك الدلائل، فإذا ~~دخلوا جهنم ms5975 معهم أظهروا لهم أنهم كانوا صادقين فيما قالوه، وأن ~~المكذبين بالحشر والنشر كانوا كاذبين. وأيضا: إنهم إذا شاهدوا ذلك ~~العذاب صار سببا لمزيد التذاذهم بنعيم الجنة على ما قيل: وبضدها تتبين ~~الأشياء. ### || [19.73-76] # قوله تعالى: { وإذا تتلى عليهم ءاياتنا بينات } ~~الآية. # لما أقام الحجة، على مشركي قريش المنكرين للبعث، وأتبعه بالوعيد حكى ~~عنهم أنهم عارضوا حجة الله بكلام، فقالوا: لو كنتم أنتم على الحق وكنا ~~على الباطل لكان حالكم في الدنيا أحسن من حالنا، لأن الحكيم لا يليق ~~به أن يوقع أولياءه المخلصين في الذل وأعداءه المعرضين عن خدمته في العز ~~والراحة، وإنما كان الأمر بالعكس، فإن الكفار في النعمة والراحة ~~والاستعلاء، والمؤمنين كانوا في ذلك الوقت في الخوف والقلة، فدل على أن ~~الحق ليس من المؤمنين، هذا حاصل شبهتهم. # وقوله: { ءاياتنا بينات } أي: واضحات، وقيل: مرتلات، وقيل: ~~ظاهرات الإعجاز. # { قال الذين كفروا } يعني النضر بن الحارث وذويه من قريش { ~~للذين ءامنوا } يعني فقراء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وكانت فيهم قشافة، وفي عيشهم خشونة، وفي ثيابهم رثاثة، وكان المشركون ~~يرجلون شعورهم، ويلبسون خير ثيابهم، فقالوا للمؤمنين { أي ~~الفريقين خير مقاما } منزلا ومسكنا، وهو موضع الإقامة، " ~~وأحسن نديا " أي: مجلسا، ومثله النادي. # قوله: " مقاما ". قرأ ابن كثير " مقاما " بالضم. # ورويت عن أبي عمرو، وهي قراءة ابن محيصن وهو موضع الإقامة والمنزل. # والباقون بالفتح وفي كلتا القراءتين يحتمل أن يكون اسم مكان " أو اسم ~~مصدر من قام ثلاثيا، أو من أقام أي: خير مكان " قياما أو إقامة. # فصل # قالوا: زيد خير من عمرو، وشر من بكر، ولم يقولوا: أخير منه، ولا ~~أشر منه، لأن هاتين اللفظتين كثر استعمالهما فحذفت همزتاهما، ولم ~~يثبتا إلا في فعل التعجب، " فقالوا: أخير بزيد وأشرر بعمرو، وما أخير ~~زيدا وما أشر عمرا. # والعلة في إثباتها في فعلي التعجب أن " استعمال هاتين اللفظتين اسما ~~أكثر من استعمالهما فعلا، فحذفت الهمزة في موضع " الكثرة، وبقيت على ~~أصلها في موضع " القلة ثابتة. والندي فعيل، أصله: نديو، لأن لامه ms5976 ~~واو، يقال: ندوتهم أندوهم، أي: أتيت ناديهم والنادي، مثله، ~~ومنه: # فليدع ناديه # [العلق:17] أي: أهل ناديه. والندي والنادي مجلس القوم ومحدثهم. # وقيل: هو مشتق من الندى، وهو الكرم، لأن الكرماء يجتمعون فيه. ~~وانتديت المكان والمنتدى كذلك، " وقال حاتم ": # 3619- ودعيت في أولى الندي ولم # ينظر " إلي بأ " عين خزر # والمصدر الندو. و " مقاما " و " نديا " منصوبان على التمييز من ~~أفعل. # وقرأ أبو حيوة والأعرج وابن محيصن " يتلى " بالياء من تحت، والباقون ~~بالتاء من فوق. واللام في " اللذين " يحتمل أن تكون للتبليغ، وهو ~~الظاهر، وأن تكون للتعليل. # قوله: { وكم أهلكنا }. " كم " مفعول مقدم، واجب التقديم، ~~لأن له مصدر الكلام، لأنها إما استفهامية أو خبرية، وهي محمولة على ~~الاستفهامية. # و " أهلكنا " متسلط على " كم " ، أي: كثير من القرون أهلكنا. # و " من قرن " تمييز ل " كم " مبين لها. # قوله: " هم أحسن " في هذه الجملة وجهان: # أحدهما: وإليه ذهب الزمخشري وأبو البقاء: أنه في محل نصب صفة ل " ~~كم " قال الزمخشري: ألا ترى أنك لو أسقطت " هم " لم يكن بد من نصب ~~" أحسن " على الوصفية. # وفي هذا نظر، لأن النحويين نصوا على أن " كم " الاستفهامية ~~والخبرية لا توصف ولا يوصف بها. # الثاني: أنها في محل جر صفة ل " قرن " ، ولا محذور في هذا. وإنما ~~جمع في قوله: " هم " ، لأن " قرن " " وإن كان لفظه " مفردا ~~فمعناه جمع، ف " قرن " كلفظ " جميع " ، و " جميع " يجوز مراعاة ~~لفظه تارة فيفرد كقوله تعالى # نحن جميع منتصر # [القمر: 44]، ومراعاة معناه أخرى فيجمع كقوله: # لما جميع لدينا محضرون # [يس: 32]. # فصل # لما ذكروا شبهتهم أجاب الله عنها بقوله: { وكم أهلكنا ~~قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورءيا } أي: متاعا ~~وأموالا. # قوله: " ورئيا " الجمهور على " رئيا " بهمزة ساكنة بعدها ياء صريحة ~~وصلا ووقفا. وحمزة إذا وقف يبدل هذه الهمزة ياء على أصله في تخفيف ~~الهمز، ثم له بعد ذلك وجهان: الإظهار اعتبارا بالأصل، والإدغام اعتبارا ~~باللفظ. # وفي الإظهار صعوبة لا تخفى، وفي الإدغام إيهام أنها مادة أخرى، وهو ~~الري الذي هو بمعنى الامتلاء ms5977 والنضارة، ولذلك ترك أبو عمرو أصله في ~~تخفيف الهمزة. # وقرأ قالون عن نافع، وابن ذكوان عن ابن عامر " وريا " بياء مشددة بعد ~~الراء. # فقيل: هي مهموزة الأصل، ثم أبدلت الهمزة ياء، وأدغمت. والرئي ~~بالهمز قيل: من رؤية العين، وفعل فيه معنى مفعول أي: مرئي. وقيل: ~~من الرواء وحسن المنظر. وقيل: بل هو من الري ضد العطش، وليس مهموز ~~الأصل، والمعنى: أحسن منظرا، لأن الري والامتلاء أحسن من ضديهما، ~~ومعناه الارتواء من النعمة، فإن المنعم يظهر فيه ارتواء النعمة، ~~والفقير يظهر عليه ذبول الفقر. وقرأ حميد وأبو بكر عن عاصم في رواية ~~الأعمش " وريئا " بياء ساكنة بعدها همزة وهو مقلوب من " رئيا " في ~~قراءة العامة، ووزنه " فلع " ، وهو من راءه يراؤه كقول الشاعر: # 3620- وكل خليل راءني فهو قائل # من أجلك هذا هامة اليوم أو غد # وفي القلب من القلب ما فيه. وروى اليزيدي قراءة " ورياء " بياء بعدها ~~ألف " بعدها همزة " ، وهي المراءاة، أي: يرى بعضهم حسن بعض، ثم خفف ~~الهمزة الأولى بقلبها ياء، وهو تخفيف قياسي. # " وقرأ ابن عباس أيضا في رواية طلحة " وريا " بياء فقط مخففة، ولها ~~وجهان: # أحدهما: أن يكون " أصلها كقراءة قالون، ثم خففت الكلمة بحذف إحدى ~~الياءين، وهي الثانية، لأن بها حصل الثقل، ولأنها لام الكلمة، والأواخر ~~أحرى بالتغيير. # والثاني: أن يكون أصلها كقراءة حميد " وريئا " بالقلب، ثم نقل حركة ~~الهمزة إلى الياء قبلها، وحذف الهمزة على قاعدة تخفيف الهمزة بالنقل، ~~فصار " وريا " كما ترى. وتجاسر بعضهم فجعل هذه القراءة لحنا، وليس ~~اللاحن غيره، لخفاء توجيهها عليه. وقرأ ابن عباس - أيضا - وابن جبير ~~وجماعة " وزيا " بزاي وياء مشددة. # والزي: البزة الحسنة والآلات المجتمعة، لأنه من زوى كذا ~~يزويه، أي: يجمعه، والمتزين يجمع الأشياء التي تزينه وتظهر زيه. # قوله: { من كان في الضلالة }. " من " يجوز أن تكون شرطية، ~~وهو الظاهر، وأن تكون موصولة، ودخلت الفاء في الخبر، لما تضمنه الموصول ~~من معنى الشرط. # وقوله: " فليمدد " فيه وجهان: # أحدهما: أنه طلب على بابه، ومعناه الدعاء. # والثاني: لفظه لفظ الأمر ms5978 ومعناه الخبر. قال الزمخشري: أي: مد له ~~الرحمن بمعنى أمهله " وأملى له في العمر " فأخرج على لفظ الأمر ~~إيذانا بوجوب ذلك... أو فيمد له في معنى الدعاء بأن يمهله الله وينفس في ~~مدة حياته. # قوله: " حتى إذا " في " حتى " هذه ما تقدم في نظائرها من كونها حرف ~~جر أو حرف ابتداء، وإنما الشأن فيما هي غاية له في كلا القولين. # فقال الزمخشري: وفي هذه الآية وجهان: # الأول: أن تكون متصلة بالآية التي هي رابعتها، والآيتان اعتراض بينهما، ~~أي: قالوا: { أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا } ، { حتى ~~إذا رأوا ما يوعدون } ، أي: لا يبرحون يقولون هذا القول، ويتولعون ~~به لا يتكافون عنه إلى أن يشاهدوا الموعد رأي العين. # فقوله: { فسيعلمون من هو شر مكانا } مذكور في مقابلة ~~قوله " خير مقاما " ، و " أضعف جندا " في مقابلة قولهم: " ~~وأحسن نديا ". فبين تعالى أنهم إن ظنوا في الحال أن منزلتهم ~~أفضل من حيث فضلهم الله بالمقام والندي، فسيعلمون من بعد أن الأمر ~~بالضد من ذلك وأنهم شر مكانا، فإنه لا مكان شر من النار والمناقشة ~~في الحساب، " وأضعف جندا " فقد كانوا يظنون وهم في الدنيا أن ~~اجتماعهم ينفع، فإذا رأوا أن لا ناصر لهم في الآخرة عرفوا عند ذلك أنهم ~~كانوا في الدنيا مبطلين فيما ادعوه. # " ثم قال: " والثاني: أن تتصل بما يليها، والمعنى أن الذين في الضلالة ~~ممدود لهم، ثم ذكر كلاما كثيرا، ثم قال: إلى أن يعاينوا نصرة الله ~~المؤمنين، أو يشاهدوا الساعة ومقدماتها، فإن قلت: " حتى " هذه ما هي؟ ~~قلت: هي التي تحكى بعدها الجمل، ألا ترى أن الجملة الشرطية واقعة ~~بعدها، وهي { إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون } قال أبو حيان: ~~مستبعدا الوجه الأول، وهو في غاية البعد، لطول الفصل بين قوله: " أي ~~الفريقين " وبين الغاية، وفيه الفصل بجملتي اعتراض، ولا يجيزه أبو ~~علي. # وهذا الاستبعاد قريب. # وقال أبو البقاء: " حتى " تحكي ما بعدها ههنا، وليست متعلقة بفعل. # قوله: { إما العذاب وإما الساعة } تقدم الكلام في " إما ~~" من كونها حرف عطف ms5979 أو لا، ولا خلاف أن أحد معانيها التفصيل كما في ~~الآية الكريمة. # و " العذاب " و " الساعة " بدلا من قوله: " ما يوعدون " ~~المنصوبة ب " رأوا " ، و " فسيعلمون " جواب الشرط. { من هو ~~شر مكانا } يجوز أن تكون " من " موصولة بمعنى " الذي " ، ويكون ~~مفعولا ل " يعلمون " ويجوز أن تكون استفهامية في محل رفع ~~بالابتداء، و " هو " مبتدأ ثان، و " شر " خبره، والمبتدأ والخبر خبر ~~الأول، ويجوز أن تكون الجملة معلقة لفعل الرؤية، فالجملة في محل نصب على ~~التعليق. # فصل # قال المفسرون: مد له الرحمن، أي: أمهله، وأملى له في الأمر، فأخرج ~~على لفظ الأمر ومعناه الخبر، أي: يدعه في طغيانه، ويمهله في كفره { ~~حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب } وهو الأسر، ~~والقتل في الدنيا، و " إما الساعة " يعني القيامة، فيدخلون النار. # وقوله: " وإما الساعة " يدل على أن المراد بالعذاب عذاب يحصل ~~قبل يوم القيامة، فيحتمل أن يكون المراد به الأسر والقتل كما تقدم، ~~ويحتمل أن يكون عذاب القبر، ويمكن أن يكون تغير أحوالهم من العز إلى ~~الذل، ومن الغنى إلى الفقر، ومن الصحة إلى المرض، ومن الأمن إلى الخوف. ~~" فسيعلمون " عند ذلك { من هو شر مكانا } منزلا، " وأضعف ~~جندا " أقل ناصرا، لأنهم في النار والمؤمنون في الجنة، وهذا رد ~~عليهم في قولهم: { أي الفريقين خير مقاما وأحسن ~~نديا }. # قوله: " ويزيد الله " في هذه الجملة وجهان: # أحدهما: أنها لا محل لها، لاستئنافها، فإنها سيقت للإخبار بذلك. # وقال الزمخشري: إنها معطوفة على موضع " فليمدد " لأنه واقع موقع ~~الخبر، تقديره من كل في الضلالة يمد له الرحمن مدا ويزيد، أي: في ~~ضلالهم بذلك المد. # قال أبو حيان: ولا يصح أن يكون " ويزيد " معطوفا على " فليمدد " ~~سواء كان دعاء أو خبرا بصورة الأمر؛ لأنه في موضع الخبر إن كانت " من ~~" موصولة، أو في موضع الجواب إن كانت " من " شرطية، وعلى كلا التقديرين ~~فالجملة من قوله { ويزيد الله الذين اهتدوا هدى } عارية من ضمير ~~يعود على " من " يربط جملة الخبر بالمبتدأ، أو جملة الشرط بالجزاء، " ~~الذي هو ms5980 " فليمدد " ، وما عطف عليه، لأن المعطوف على الخبر خبر، ~~والمعطوف على جملة الجزاء " جزاء، وإذا كانت أداة الشرط اسما لا ظرفا ~~تعين أن يكون في جملة الجزاء ضميره أو ما يقوم مقامه، وكذا في الجملة ~~المعطوفة عليها. # وذكره أبو البقاء - أيضا - كما ذكر الزمخشري. قال شهاب الدين: وقد يجاب ~~عما قالاه بأنا نختار على هذا التقدير أن تكون " من " شرطية. وقوله: ~~" ولا بد من ضمير يعود على اسم الشرط غير الظرف " ممنوع، لأنه فيه خلافا ~~تقدم تحقيقه، ودليله في سورة البقرة فيكون الزمخشري وأبو البقاء من ~~القائلين بأنه لا يشترط. # فصل # اعلم أنه - تعالى - لما بين أنه يعامل الكفار " بعد ذلك " بما ذكره، ~~فكذلك يزيد المؤمنين المهتدين هدى، أي إيمانا وإيقانا على يقينهم. # ومن الناس من حمل زيادة الهدى على الثواب، أي: يزيدهم ثوابا على ذلك ~~الاهتداء ومنهم من فسر الزيادة بالعبادة المرتبة على الإيمان. # ثم قال: { والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا ~~}. قال المحققون: هي الإيمان، والأعمال الصالحة تبقى لصاحبها وبعضهم قال: ~~الصلوات، وبعضهم قال: التسبيح وقد تقدم. ثم قال: { خير عند ربك ~~ثوابا وخير مردا } عاقبة ومرجعا. ولا يجوز أن يقال: هذا خير إلا ~~والمراد أنه خير من غيره، فالمراد إذا: أنه خير مما ظنه الكفار ~~بقولهم: { خير مقاما وأحسن نديا }. ### || [19.77-82] # قوله تعالى: { أفرأيت الذي كفر بآياتنا } الآية. # " أفرأيت " عطف بالفاء إيذانا بإفادة التعقيب، كأنه قيل: أخبر ~~أيضا بقصة هذا الكافر عقيب قصة أولئك. وأرأيت بمعنى: أخبرني كما تقدم، ~~والموصول هو المفعول الأول، والثاني هو الجملة الاستفهامية من قوله: " ~~أطلع الغيب ". # و " لأوتين " جواب قسم مضمر، والجملة القسمية كلها في محل نصب ~~بالقول. # وقوله هنا " وولدا " ، وفي آخر السورة: # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا # [مريم: 88] موضعان وفي الزخرف # إن كان للرحمن ولد # [الآية: 81]، وفي نوح # ماله وولده # [الآية: 21]. # وقرأ الأخوان الأربعة بضم الواو وسكون اللام، ووافقهما ابن كثير وأبو ~~عمرو على الذي في نوح دون السورتين، والباقون وهم نافع وابن عامر وعاصم ~~قرأوا ذلك كله بفتح اللام والواو. ms5981 فأما القراءة بفتحتين فواضحة، وهو ~~اسم مفرد قائم مقام الجمع. # وأما قراءة الضم والإسكان، فقيل: هي كالتي قبلها في المعنى، يقال: ~~ولد وولد كما يقال: عرب وعرب، وعدم وعدم. # وقيل: بل هي جمع ل " ولد " نحو أسد وأسد، " وأنشدوا على ذلك: # 3621- ولقد رأيت معاشرا # قد ثمروا مالا وولدا " # وأنشدوا شاهدا على أن الولد والولد مترادفان قول الآخر: # 3622- فليت فلانا كان في بطن أمه # وليت فلانا كان ولد حمار # وقرأ عبد الله ويحيى بن يعمر " وولدا " بكسر الواو، وهي لغة في الولد، ~~ولا يبعد أن أن يكون هذا من باب الذبح والرئي، فيكون ولد بمعنى مولود، ~~وكذلك في الذي بفتحتين نحو القبض بمعنى المقبوض. # قوله: " أطلع " هذه همزة استفهام سقط من أجلها همزة وصل، وقد قرىء ~~بسقوطها درجا، وكسرها ابتداء على أن همزة الاستفهام قد حذفت لدلالة " ~~أم " عليها، كقوله: # 3623- لعمرك ما أدري وإن كنت داريا # بسبع رمين الجمر أم " بثمان " # و " أطلع " من قولهم: اطلع فلان الجبل، أي: ارتقى أعلاه. # قال جرير: # 3624- لاقيت مطلع الجبال " وعورا " # و " الغيب " مفعول به، لا على إسقاط حرف الجر، أي: على الغيب، كما ~~زعم بعضهم. # فصل # لما استدل على صحة البعث، وأورد شبهة المنكرين، وأجاب عنها ذكر عنهم ~~ما قالوه استهزاء طعنا بالقول في الحشر فقال: { أفرأيت الذي ~~كفر بآياتنا }. قال الحسن: نزلت في الوليد بن المغيرة والمشهور ~~أنها نزلت في العاص بن وائل، قال خباب بن الأرت: كان لي عليه دين، فأتيت ~~أتقاضاه، فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد. فقلت: لا والله لا ~~أكفر بمحمد حيا ولا ميتا. وفي رواية: حتى تموت ثم تبعث. فقال: وإني ~~لميت ثم مبعوث؟ قلت: نعم. قال: إنكم تزعمون أنكم تبعثون، وأن في الجنة ~~ذهبا وفضة وحريرا فأنا أقضيك ثم، فإنه سيكون لي مال وولد. # ثم قال تعالى: { أطلع الغيب }. " قال ابن عباس: أنظر في اللوح ~~المحفوظ ". # وقال مجاهد: أعلم علم الغيب حتى يعلم أفي الجنة هو أم لا؟. # والمعنى: أن الذي ادعى حصوله لا يتوصل ms5982 إليه إلا بأحد هذين الطريقين: ~~إما علم الغيب، وإما عهد من عالم الغيب، فبأيهما توصل إليه. # قيل: العهد كلمة الشهادة. وقال قتادة: عملا صالحا قدمه، فهو يرجو ~~بذلك ما يقول. وقال الكلبي: عهد إليه أن يدخله الجنة. # " كلا " رد عليه، أي: إنه لم يفعل ذلك. # قوله: " كلا " للنحويين في هذه اللفظة ستة مذاهب: # أحدها: وهو مذهب جمهور البصريين كالخليل وسيبويه وأبي الحسن الأخفش وأبي ~~العباس أنها حرف ردع وزجر. # وهذا معنى لائق بها حيث وقعت في القرآن، وما أحسن ما جاءت في هذه الآية ~~حيث زجرت وردعت ذلك القائل. # والثاني: وهو مذهب النضر بن شميل أنها حرف تصديق بمعنى نعم، فيكون ~~جوابا، ولا بد حينئذ من أن يتقدمها شيء لفظا أو تقديرا، وقد تستعمل في ~~القسم. # والثالث: وهو مذهب الكسائي، وأبي بكر بن الأنباري، " ونصر بن يوسف " ~~وابن واصل أنها بمعنى حقا. # والرابع: وهو مذهب أبي عبد الله محمد بن الباهلي أنها رد لما قبلها. ~~وهذا قريب من معنى الردع. # الخامس: أنها صلة في الكلام بمعنى " إي " كذا قيل. وفيه نظر، فإن " إي " ~~حرف جواب، ولكنه مختص بالقسم. # السادس: أنها حرف استفتاح، وهو قول " أبي حاتم ولتقرير هذه المذاهب موضع ~~يليق به. # وقد قرىء هنا بالفتح والتنوين في كلا " هذه، وتروى عن ابن نهيك وحكى ~~الزمخشري هذه القراءة، وعزاها لابن نهيك في قوله: " { كلا ~~سيكفرون } كما سيأتي ويحكى أيضا قراءة بضم الكاف والتنوين، ~~ويعزيها لابن نهيك أيضا ". # فأما قولهم: ابن نهيك، فليس لهم ابن نهيك، إنما لهم أبو نهيك بالكنية. # وفي قراءة الفتح " والتنوين أربعة أوجه: # أحدها: أنه منصوب على المصدر بفعل مقدر من لفظها تقديره ": كلوا ~~كلا، أي: أعيوا عن الحق إعياء، أو كلوا عن عبادة الله، لتهاونهم ~~بها من قول العرب: كل السيف، إذا نبا عن الضرب، وكل زيد، أي: ~~تعب. وقيل: المعنى: كلوا في دعواهم وانقطعوا. # والثاني: أنه مفعول به بفعل مقدر من معنى الكلام، تقديره: حملوا ~~كلا. والكل أيضا: الثقل: تقول: فلان كل على الناس، ومنه ms5983 قوله ~~تعالى: # وهو كل على مولاه # [النحل: 76]. # والثالث: أن " التنوين بدل من ألف " " كلا " ، وهي التي يراد بها ~~الردع والزجر، فتكون حرفا أيضا. # قال الزمخشري: ولقائل أن يقول: إن صحت هذه الرواية، فهي " كلا " التي ~~للردع قلب الواقف عليها ألفها نونا كما في قوله: " قواريرا ". # قال أبو حيان: وهذا ليس بجيد، لأنه قال: التي للردع، " والتي للردع " ~~حرف، ولا وجه لقلب ألفها نونا، وتشبيهه ب " قواريرا " ليس بجيد، ~~لأن " قوارير " اسم يرجع به إلى أصله، فالنون ليس بدلا من ألف بل ~~هو تنوين الصرف، وهذا الجمع مختلف فيه أيتحتم منع صرفه أم يجوز؟ ~~قولان. # ومنقول أيضا: أن بعض لغة العرب يصرفون ما لا ينصرف، فهذا القول، إما ~~على قول من لا يرى بالتحتم، أو على تلك اللغة. # والرابع: أنه نعت ل " آلهة " ، قاله ابن عطية. وفيه نظر، إذ ليس ~~المعنى على ذلك، وقد يظهر له وجه، " أن يكون وصف " الآلهة بالكل الذي ~~هو المصدر بمعنى الإعياء والعجز، كأنه قيل: آلهة كالين، أي: عاجزين ~~منقطعين. ولما وصفهم وصفهم بالمصدر وحده. وروى ابن عطية والداني وغيره ~~عن أبي نهيك أنه قرأ " كلا " بضم الكاف والتنوين، وفيها تأويلان: # أحدهما: أن ينتصب على الحال، أي: سيكفرون جميعا؛ كذا قدره أبو البقاء، ~~واستبعده. # والثاني: أنه منصوب بفعل مقدر، أي: يرفضون، أي: يجحدون، أو يتركون ~~كلا، قاله ابن عطية. وحكى ابن جرير أن أبا نهيك قرأ " كل " بضم ~~الكاف ورفع اللام منونة على أنه مبتدأ والجملة الفعلية بعده خبره. # وظاهر عبارة هؤلاء أنه لم يقرأ بذلك إلا في " كلا " الثانية. وقرأ ~~علي بن أبي طالب " ونمد " من أمد، وقد تقدم القول في مده ~~وأمده. # قوله: { ونرثه ما يقول }. يجوز في " ما " وجهان: # أحدهما: أن يكون مفعولا بها، والضمير في " نرثه " منصوب على إسقاط ~~الخافض تقديره: ونرث منه " ما يقوله ". # والثاني: أن يكون بدلا من الضمير في " نرثه " بدل اشتمال. وقدر ~~بعضهم مضافا قبل الموصول، أي: نرثه معنى ما يقول: أو مسمى ما يقول، ~~وهو المال والولد، ms5984 لأن نفس القول لا يورث. " و " فردا " حال إما ~~مقدرة نحو # فادخلوها خالدين # [الزمر: 73]، أو مقارنة، وذلك مبني على اختلاف معنى الآية ". # قوله تعالى: " سنكتب " سنحفظ " ما يقول " فنجازيه في الآخرة. # وقيل: نأمر الملائكة حتى يكتبوا ما يقول. { ونمد له من ~~العذاب مدا } أي: نزيده عذابا فوق العذاب، وقيل: نطيل عذابه. و { ~~نرثه ما يقول } " أي: ما عنده من المال والولد بإهلاكنا إياه ~~وإبطال قوله، وقوله " ما يقول " ، لأنه زعم أن له مالا وولدا، ~~أي: لا نعطيه ونعطي غيره، فيكون الإرث راجعا إلى ما تحت القول لا إلى ~~نفس القول. # وقيل: معنى قوله { ونرثه ما يقول } أي: نحفظ ما يقول حتى ~~نجازيه به " ويأتينا فردا " يوم القيامة بلا مال ولا ولد ". # قوله تعالى: { واتخذوا من دون الله } الآية. لما تكلم ~~في مسألة الحشر والنشر تكلم الآن في الرد على عباد الأصنام فقال: { ~~واتخذوا من دون الله ءالهة } يعني كفار قريش اتخذوا ~~الأصنام آلهة يعبدونها { ليكونوا لهم عزا } أي منعة بحيث يكونون ~~لهم شفعاء وأنصارا ينقذونهم من الهلاك. ثم أجاب الله - تعالى - بقوله: " ~~كلا " ليس الأمر كما زعموا { سيكفرون بعبادتهم } أي: " ~~كلهم سيكفرون بعبادة " هذه الأوثان. # قوله: " سيكفرون " يجوز أن يعود الضمير على الآلهة، لأنه أقرب ~~مذكور، ولأن الضمير في " يكونون " أيضا عائد عليهم فقط، ومثله # وإذا رءا الذين أشركوا شركآءهم # [النحل: 86] ثم قال # فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون # [النحل: 86]. # قيل: أراد بذلك الملائكة، لأنهم يكفرون بعبادتهم " ويتبرءون منهم " ~~ويخاصمونهم وهو المراد بقوله: # أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون # [سبأ: 40]. # وقيل: إن الله - تعالى - يحيي الأصنام يوم القيامة حتى يوبخوا ~~عبادها ويتبرءوا منهم فيكون ذلك أعظم لحسرتهم. # وقيل: الضمير يعود على المشركين، ومثله قوله: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام:23] إلا أن فيه عدم توافق الضمائر، إذ الضمير في " ~~يكونون " عائد إلى الآلهة. # و " بعبادتهم " مصدر مضاف إلى فاعله، إن عاد الضمير في عبادتهم على ~~المشركين العابدين، وإلى المفعول إن عاد على الآلهة. # قوله: " ضدا " إنما وحده وإن كان خبرا عن جمع لأحد ms5985 وجهين: إما ~~لأنه مصدر في الأصل، " والمصادر موحدة مذكرة، وإما لأنه مفرد في ~~معنى الجمع. # قال الزمخشري ": والضد: العون، وحد توحيد قوله عليه السلام: # " وهم يد على من سواهم " # لاتفاق كلمتهم، وأنهم كشيء واحد لفرط تضامهم وتوافقهم. والضد: ~~العون والمعاونة، ويقال: من أضدادكم، أي: أعوانكم. # قيل: سمي العون ضدا، لأنه يضاد من يعاديك وينافيه بإعانته لك عليه. # وفي التفسير: إن الضد هنا الأعداء. وقيل: القرن. وقيل: البلاء. ~~وهذه تناسب معنى الآية. # قيل: ذكر ذلك في مقابلة قولهم " عزا " ، والمراد ضد العز، وهو ~~الذل والهوان، أي: يكونون عليهم ضدا لما قصدوه وأرادوه. كأنه قيل: ~~ويكون عليهم ذلا لهم. ### || [19.83-98] # قوله تعالى: { ألم تر أنآ أرسلنا } الآية. # لما ذكر حال هؤلاء الكفار مع الأصنام في الآخرة ذكر بعده حالهم مع ~~الشياطين في الدنيا، وأنهم يتولونهم وينقادون لهم، فقال: { ألم تر ~~أنآ أرسلنا الشاطين على الكافرين } احتج أهل السنة ~~بهذه الآية على أن الله - تعالى - سلطهم عليهم لإرادة أن يستولوا ~~عليهم، ويتأكد هذا بقوله " تؤزهم أزا " فإن معناه لتؤزهم أزا، ~~ويتأكد بقوله: # واستفزز من استطعت منهم بصوتك # [الإسراء: 64]. # قال القاضي: حقيقة اللفظ توجب أنه تعالى أرسل الشياطين إلى الكفار كما ~~أرسل الأنبياء، بأن حملهم رسالة يؤدونها إليهم، ولا يجوز في تلك الرسالة ~~إلا ما أرسل عليه الشياطين من الإغواء، فكان يجب في الكفار أن يكونوا ~~بقبولهم من الشياطين مطيعين، وذلك كفر من قائله، ولأن من العجب تعلق ~~المجبرة بذلك، لأن عندهم أن ضلالهم من قبله - تعالى - خلق فيهم الكفر ~~وقدر الكفر، فلا تأثير لما لا يكون من الشياطين. وإذا بطل حمل اللفظ على ~~ظاهره فلا بد من التأويل، فنحمله على أنه - تعالى - خلى بين الشياطين ~~وبين الكفار، وما منعهم من إغوائهم، وهذه التخلية تسمى إرسالا في سعة ~~اللغة، كما إذا لم يمنع الرجل كلبه من دخول بيت جيرانه يقال: أرسل كلبه ~~علينا، وإن لم يرد أذى الناس. # وهذه التخلية وإن لم يكن فيها تشديد للمحنة عليهم فهم متمكنون بأن لا ~~يقبلوا منهم، ويكون ms5986 ثوابهم على ترك القبول أعظم، والدليل عليه قوله ~~تعالى: # وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم # [إبراهيم:22]. # قال ابن الخطيب: وهذا لا يمكن حمله على ظاهره، فإن قوله: الشياطين لو ~~أرسلهم الله - تعالى - إلى الكفار " لكان الكفار مطيعين له بقبول قول ~~الشياطين. # قلنا: الله - تعالى - ما أرسل الشياطين إلى الكفار " بل أرسلهم عليهم، ~~والإرسال عليهم هو التسليط لإرادة أن يصير مستوليا عليه، فأين هذا من ~~الإرسال إليهم. # وقوله: ضلال الكافر من قبل الله - تعالى -، فأي تأثير للشياطين فيه. # قلنا: لم لا يجوز أن سماع الشياطين إياه تلك الوسوسة يوجب في قلبه ~~الضلال بشرط سلامة فهم السامع، لأن كلام الشياطين " من خلق الله - تعالى ~~- فيكون ذلك الضلال الحاصل في قلب الكافر منتسبا إلى الشيطان، وإلى الله ~~- تعالى - من هذين الوجهين. وقوله: لم لا يجوز أن يكون بالإرسال ~~التخلية. # قلنا: كما خلى بين الشياطين والكفرة " فقد خلى بينهم وبين الأنبياء، ~~ثم إنه - تعالى - خص الكافر بأنه أرسل الشياطين عليه، فلا بد من فائدة ~~زائدة ههنا. # ولأن قوله " تؤزهم أزا " أي: تحركهم تحريكا شديدا، فالغرض من ~~ذلك الإرسال موجب أن يكون ذلك الأز مرادا لله - تعالى - إذ يحصل ~~المقصود منه. # قوله: " أزا " مصدر مؤكد. والأز، والأزيز، والاستفزاز. قال ~~الزمخشري: أخوات وهو التهيج وشدة الإزعاج، أي: تغريهم على المعاصي، ~~وتهيجهم لها بالوساوس. # قال ابن عباس: " تؤزهم أزا " أي: تزعجهم في المعاصي إزعاجا من ~~الطاعة إلى المعصية. # والأز أيضا: شدة الصوت، ومنه: أز المرجل أزا وأزيزا، أي: ~~غلا واشتد غليانه حتى سمع له صوت، وفي الحديث " فكان له أزيز " أي ~~للجذع حين فارقه النبي صلى الله عليه وسلم. # قوله: { فلا تعجل عليهم } أي: لا تعجل بطلب عقوبتهم، يقال: ~~عجلت عليه بكذا إذا استعجلت منه " إنا نعد لهم عدا ". # قال الكلبي: يعنى الليالي والأيام والشهور والأعوام. # وقيل: الأنفاس التي يتنفسون بها في الدنيا إلى الأجل الذي أجل ~~لعذابهم. # وقيل: نعد أنفاسهم وأعمالهم فنجازيهم على قليلها وكثيرها. # وقيل: نعد ms5987 الأوقات، أي: الوقت الأجل المعين " لكل أحد " الذي لا ~~يتطرق إليه الزيادة والنقصان. # قوله: " يوم نحشر " منصوب ب " سيكفرون " ، أو ب " ~~يكونون " عليهم ضدا " أو ب " نعد " " لأن " نعد " تضمن ~~معنى المجازاة، أو بقوله: " لا يملكون " الذي بعده، أو بمضمر وهو " ~~اذكر " أو " احذر ". # وقيل: هو معمول لجواب سؤال مقدر كأنه قيل: " متى يكون ذلك؟ فقيل ": يكون ~~يوم نحشر. # وقيل: تقديره: يوم نحشر ونسوق: نفعل بالفريقين ما لا يحيط به الوصف. # قوله: " وفدا " نصب على الحال، وكذا " وردا ". # والوفد: الجماعة الوافدون، يقال: وفد يفد وفدا ووفودا ~~ووفادة، أي: قدم على سبيل التكرمة، فهو في الأصل مصدر ثم أطلق على ~~الأشخاص كالضيف. # وقال أبو البقاء: وفد جمع وافد مثل راكب وركب، وصاحب وصحب. # وهذا الذي قاله ليس مذهب سيبويه، لأن فاعلا لا يجمع على فعل عند ~~سيبويه. وأجازه الأخفش. # فأما ركب وصحب فاسما جمع لا جمع بدليل تصغيرها على ألفاظها، قال: # 3625- أخشى رجيلا وركيبا عاديا # فإن قيل: لعل أبا البقاء أراد الجمع اللغوي. # فالجواب: أنه قال بعد قوله هذا: والورد اسم لجمع وارد. فدل على أنه ~~قصد الجمع صناعة المقابل لاسم الجمع. والورد اسم للجماعة العطاش ~~الواردين للماء، وهو أيضا في الأصل مصدر أطلق على الأشخاص، يقال: ورد ~~الماء يرده وردا وورودا، قال الشاعر: # 3626- ردي ردي ورد قطاة صما # كدرية أعجبها برد الما # وقال أبو البقاء: هو اسم لجمع وارد، " وقيل: هو بمعنى وارد " وقيل: هو ~~محذوف من وراد، وهو بعيد. # يعني أنه يجوز أن يكون صفة على فعل. وقرأ الحسن والجحدري " يحشر ~~المتقون " " ويساق المجرمون " على ما لم يسم فاعله. # فصل # قال المفسرون: اذكر لهم يا محمد اليوم الذي يجمع فيه من اتقى الله في ~~الدنيا بطاعته إلى الرحمن إلى جنته وفدا، أي جماعات، جمع وافد مثل راكب ~~وركب وصاحب وصحب. وقال ابن عباس: ركبانا: وقال أبو هريرة: على ~~الإبل. # وقال علي بن أبي طالب - " رضي الله عنه " -: ما يحشرون والله على ~~أرجلهم، ولكن على نوق رجالها الذهب، ونجائب سروجها ms5988 ياقوت إن هموا بها ~~سارت وإن هموا طارت. { ونسوق المجرمين إلى جهنم ~~وردا } أي: مشاة، وقيل: عطاشا قد تقطعت أعناقهم من العطش. # وقوله " ونسوق المجرمين " يدل على أنهم يساقون إلى النار بإهانة ~~واستخفاف كأنهم عطاش تساق إلى الماء، والورد للعطاش وحقيقة الورد ~~الميسر إلى الماء، فسمي به " الواردون ". # فصل # طعن الملاحدة في قوله: { يوم نحشر المتقين إلى ~~الرحمن } فقالوا: هذا إنما يستقيم أن لو كان الحشر عند غير ~~الرحمن، أما إذا كان الحشر عند الرحمن، فهذا الكلام لا ينتظم. وأجاب ~~المسلمون: بأن التقدير: يوم نحشر المتقين إلى محل كرامة الرحمن. # قوله: " لا يملكون " في هذه الجملة وجهان: # أحدهما: أنها مستأنفة سيقت للإخبار بذلك. # والثاني: أنها في محل نصب على الحال مما تقدم. # وفي هذه الواو قولان: # أحدهما: أنها علامة للجمع ليست ضميرا ألبتة، وإنما هي علامة، كهي في ~~لغة أكلوني البراغيث والفاعل " من اتخذ " لأنه في معنى الجمع قاله ~~الزمخشري وفيه بعد، وكأنه قيل: لا يملكون الشفاعة إلا المتخذون ~~عهدا. # قال أبو حيان: ولا ينبغي حمل القرآن على هذه اللغة القليلة، مع وضوح ~~جعل الواو ضميرا. وقد قال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: إنها لغة ~~ضعيفة. # قال شهاب الدين: قد قالوا ذلك في قوله: # عموا وصموا كثير منهم # [المائدة: 71] # وأسروا النجوى الذين ظلموا # [الأنبياء: 3] فلهذا الموضع بهما أسوة. ثم قال أبو حيان: وأيضا فالألف، ~~والواو، والنون التي تكون علامات لا ضمائر لا يحفظ ما يجيء بعدها فاعلا ~~إلا بصريح الجمع، وصريح التثنية، " أو العطف " ، أما أن يأتي بلفظ مفرد ~~ويطلق على جمع أو مثنى، فيحتاج في إثبات مثل ذلك إلى نقل، وأما عود ~~الضمائر مثناة أو مجموعة على مفرد في اللفظ يراد به المثنى والمجموع ~~فمسموع معروف في لسان العرب، على أنه يمكن قياس هذه العلامات على تلك ~~الضمائر ولكن الأحوط أن لا يقال إلا بسماع. # والثاني: أن الواو ضمير، وفيما يعود عليه حينئذ أربعة أوجه: # أحدها: أنها تعود على الخلق جميعهم، لدلالة ذكر الفريقين المتقين ~~والمجرمين عليهم، إذ هما ms5989 قسماه. # والثاني: أنه يعود على المتقين والمجرمين، وهذا لا يظهر مخالفته للأول ~~أصلا. لأن هذين القسمين الخلق كله. # والثالث: أنه يعود على المتقين فقط، أو المجرمين فقط، وهو تحكم. # قوله: { إلا من اتخذ } هذا الاستثناء يترتب على عود الواو على ~~ماذا؟ فإن قيل بأنها تعود على الخلق، أو على الفريقين المذكورين " أو على ~~المتقين فقط ". # فالاستثناء حينئذ متصل، وفي محل المستثنى الوجهان المشهوران إما الرفع ~~على البدل، وإما النصب على أصل الاستثناء. وإن قيل: إنه يعود على ~~المجرمين فقط كان استثناء منقطعا، وفيه حينئذ اللغتان المشهورتان: لغة ~~الحجاز التزام النصب، ولغة تميم جوازه مع جواز البدل " كالمتصل ". وجعل ~~الزمخشري هذا الاستثناء من الشفاعة على وجهي البدل وأصل الاستثناء نحو: ~~ما رأيت أحدا إلا زيدا. # وقال بعضهم: إن المستثنى منه محذوف، والتقدير: لا يملكون الشفاعة لأحد ~~إلا اتخذ عن الرحمن عهدا، فحذف المسثنى " منه للعلم " به، فهو كقول ~~الآخر: # 3627- نجا سالم والنفس منه بشدقه # ولم ينج إلا جفن سيف ومئزرا # أي: ولم ينج بشيء. # وجعل ابن عطية الاستثناء متصلا، وإن عاد الضمير في " لا يملكون " ~~على المجرمين فقط على أن يراد بالمجرمين الكفرة والعصاة من المسلمين. قال ~~أبو حيان: وحمل المجرمين على الكفار والعصاة بعيد. قال شهاب الدين: ولا ~~بعد فيه، وكما استبعد إطلاق المجرمين على العصاة كذلك يستبعد غيره إطلاق ~~المتقين على العصاة، بل إطلاق المجرم على العاصي أشهر من إطلاق المتقي ~~عليه. # فصل # قال بعضهم: لا يملكون أن يشفعوا لغيرهم كما يملك المؤمنون. # وقال آخرون: لا يملك غيرهم أن يشفع لهم. وهذا أولى، لأن الأول يجري مجرى ~~إيضاح الواضح. وإذا ثبت ذلك دلت الآية على حصول الشفاعة لأهل الكبائر. ~~لأنه قال عقيبه { إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا } ، والتقدير: ~~لا يشفع الشافعون إلا لمن اتخذ عند الرحمن عهدا، يعني للمؤمنين، ~~كقوله: # ولا يشفعون إلا لمن ارتضى # [الأنبياء: 28] فكل من اتخذ عند الرحمن عهدا وجب دخوله فيه، وصاحب ~~الكبيرة اتخذ عند الرحمن عهدا، وهو التوحيد، فوجب دخوله تحته، ويؤكده ما ms5990 ~~روى ابن مسعود أنه - عليه السلام - # " قال لأصحابه يوما: " أيعجز أحدكم أن يتخذ عند كل صباح ~~ومساء " عند الرحمن عهدا " قالوا: وكيف ذلك؟ قال: " يقول عند ~~كل صباح ومساء ": اللهم فاطر السموات والأرض عالم ~~الغيب والشهادة إني أعهد إليك بأني أشهد أن لا إله ~~إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمدا عبدك ورسولك، ~~فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر، وتباعدني من ~~الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل لي عهدا توفنيه ~~يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد. فإذا قال ذلك طبع عليه ~~بطابع ووضع تحت العرش، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين ~~الذين لهم عند الرحمن عهد؟ فيدخلون الجنة " ". # فظهر أن المراد من العهد كلمة الشهادة، وظهر وجه الدلالة على ثبوت ~~الشفاعة لأهل الكبائر. # قوله تعالى: { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا } تقدم خلاف ~~القراء في قوله " ولدا " بفتح اللام وسكونها، وأنهما لغتان مثل العرب ~~والعرب والعجم والعجم. # واعلم أنه لما رد على عبدة الأوثان عاد إلى الرد على من أثبت له ~~ولدا. # فقالت اليهود: عزيز ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وقالت ~~العرب: الملائكة بنات الله. وههنا الرد على الذين قالوا: الملائكة بنات ~~الله، وهم العرب الذين يعبدون الأوثان، لأن الرد على النصارى تقدم أول ~~السورة. # قوله: { لقد جئتم شيئا إدا }. العامة على كسر الهمزة من " ~~إدا " ، وهو الأمر العظيم المنكر المتعجب منه. قاله ابن عباس. " وقال ~~مجاهد: عظيما " وقرأ أمير المؤمنين والسلمي بفتحها. وخرجوه على حذف ~~مضاف، أي شيئا ذا أد " لأن الأد - بالفتح - يقال: أد الأمر ~~وأدني يؤدني أدا. أي: أثقلني. # وكان أبو حيان ذكر: أن الأد والإد - بفتح الهمزة وكسرها - هو ~~العجب، وقيل: ". هو العظيم المنكر، والإدة: الشدة. وعلى قوله: إن ~~الأد والإد بمعنى واحد ينبغي أن لا يحتاج إلى حذف مضاف " إلا أن يريد ~~أنه أراد بكونهما بمعنى العجب في المعنى لا في المصدرية وعدمها، ~~والإدد في كلام العرب الدواهي. # قوله: " تكاد ". قرأ نافع والكسائي بالياء من تحت. والباقون بالتاء ~~من فوق ms5991 وهما واضحتان، إذ التأنيث مجازي. وكذا في سورة الشورى. # وقرأ أبو عمرو: وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم، وحمزة " ينفطرن " مضارع ~~انفطر، لقوله تعالى: # إذا السمآء انفطرت # [الانفطار:1] والباقون: " يتفطرن " " مضارع تفطر " بالتشديد في ~~هذه السورة، وأما التي في الشورى فقرأها حمزة وابن عامر بالياء والتاء ~~وتشديد الطاء. والباقون على أصولهم في هذه السورة. فتلخص من ذلك أن أبا ~~بكر وأبا عمرو يقرآن بالياء والنون في السورتين. وأن نافعا وابن كثير ~~والكسائي وحفصا عن عاصم يقرءون بالياء والتاء وتشديد الطاء فيهما، وأن ~~حمزة وابن عامر في هذه السورة بالياء والنون، وفي الشورى بالياء والتاء ~~وتشديد الطاء " فالانفطار من فطره إذا شقه، " والتفطر من فطره إذا ~~شققه " ، وكرر فيه الفعل. # قال أبو البقاء: وهو هنا أشبه بالمعنى، أي: التشديد. # و " يتفطرن " في محل نصب " خبرا ل " كان " " وزعم الأخفش ~~أنها هنا بمعنى الإرادة، وأنشد: # 3628- كادت وكدت وتلك خير إرادة # لو عاد من زمن الصبابة ما مضى # فصل # يقال: انفطر الشيء وتفطر أي تشقق. # وقرأ ابن مسعود " يتصدعن ". # و " تنشق الأرض " أي تخسف بهم، والانفطار في السماء، أي: تسقط ~~عليهم. # { وتخر الجبال هدا } أي: تهد هدا، بمعنى: تنطبق عليهم. ~~فإن قيل من أين يؤثر القول بإثبات الولد لله في انفطار السموات وانشقاق ~~الأرض وخرور الجبال؟ فالجواب من وجوه: # " الأول: أن الله - تعالى - يقول: كدت أفعل هذا بالسموات والأرض ~~والجبال عند وجود " هذه الكلمة غضبا مني على من تفوه بها، لولا ~~حلمي، وإني لا أعجل بالعقوبة، كقوله - تعالى -: # إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن ~~زالتآ إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان ~~حليما غفورا # [فاطر: 41]. # الثاني: أن يكون استعظاما للكلمة، وتهويلا من فظاعتها، وهدمها لأركان ~~الدين وقواعده. # الثالث: أن السموات والأرض والجبال تكاد أن تفعل ذلك لو كانت تعقل ~~من غلظ هذا القول، وهذا تأويل أبي مسلم. # الرابع: أن السموات والأرض والجبال كانت سليمة من كل العيوب، فلما ~~تكلم بنو آدم بهذا القول ظهرت العيوب فيها. # قوله: " هدا " فيه ثلاثة ms5992 أوجه: # أحدها: أنه مصدر وفي مضع الحال، أي: مهدودة، وذلك على أن يكون هذا ~~المصدر من هد زيد الحائط يهده هدا، أي: " هدمه ". # والثاني: وهو قول أبي جعفر: أنه مصدر على غير المصدر لما كان في معناه، ~~لأن الخرور: السقوط والهدم، وهذا على أن يكون من هد الحائط يهد ~~- بالكسر - انهدم، فيكون لازما. # الثالث: أن يكون مفعولا من أجله، قال الزمخشري: أي: لأنها تهد. # قوله: " أن دعوا " في محله خمسة أوجه: # أحدها: أنه في محل نصب على المفعول من أجله، قاله أبو البقاء، والحوفي، ~~ولم يبينا ما العامل فيه، ويجوز أن يكون العامل " تكاد " ، أو " ~~تخر " ، أو " هدا " ، أي: تهد لأن دعوا، ولكن شرط النصب هنا ~~مفقود، وهو اتحاد " الفاعل في المفعول له والعامل فيه، فإن عنيا على أنه ~~على إسقاط اللام مطرد في " أن " فقريب ". وقال الزمخشري: وأن يكون ~~منصوبا بتقدير سقوط اللام " وإفضاء الفعل، أي هدا لأن دعوا " ، علل ~~الخرور بالهد، والهد بدعاء الولد للرحمن. # فهذا تصريح منه على أنه بإسقاط الخافض. " وليس مفعولا له صريحا. # الوجه الثاني: أن يكون مجرورا بعد إسقاط الخافض " كما هو مذهب الخليل ~~والكسائي. # والثالث: أنه بدل من الضمير في " منه " كقوله: # 3629- على حالة لو أن في القوم حاتما # على جوده لضن بالماء حاتم # بجر " حاتم " الأخير بدلا من الهاء في " جوده ". # قال أبو حيان: وهو بعيد لكثرة الفصل بين البدل والمبدل منه بجملتين. # الوجه الرابع: أن يكون مرفوعا ب " هدا ". قال الزمخشري: أي هدها ~~دعاء الولد للرحمن. قال أبو حيان: وفيه بعد، لأن الظاهر في " هدا " ~~أن يكون مصدرا توكيديا، والمصدر التوكيدي لا يعمل، ولو فرضناه غير ~~توكيدي لم يعمل بقياس إلا إذا كان أمرا، أو مستفهما عنه نحو ضربا ~~زيدا، وأضربا زيدا؟ على خلاف فيه، وأما إن كان خبرا كما قدره ~~الزمخشري، أي: هدها دعاء الولد للرحمن. فلا ينقاس، بل ما جاء من ذلك هو ~~نادر كقول امرىء القيس: # 3630- وقوفا بها صحبي علي مطيهم # يقولون لا تهلك أسى وتجمل # أي: وقف ms5993 صحبي. # الخامس: أنه خبر مبتدأ محذوف، تقديره: الموجب لذلك دعاؤهم. كذا قدره ~~أبو البقاء. و " دعا " يجوز أن يكون بمعنى سمى، فيتعدى لاثنين، ويجوز ~~جر ثانيهما بالباء، قال الشاعر: # 3631- دعتني أخاها أم عمرو ولم أكن # أخاها ولم أرضع لها بلبان # دعتني أخاها " بعدما كان بيننا # من الفعل ما لا يفعل الأخوان " # وقول الآخر: # 3632- ألا رب من يدعى نصيحا وإن تغب # تجده بغيب منك غير نصيح # وأولهما في الآية محذوف، قال الزمخشري: طلبا للعموم والإحاطة بكل ما ~~يدعى له ولد، ويجوز أن يكون من " دعا " بمعنى نسب الذي مطاوعه ما في ~~قوله - عليه السلام -: # " من ادعى إلى غير مواليه " # ، وقول الشاعر: # 3633- إنا بني نهشل لا ندعي لأب # عنه ولا هو بالأبناء يشرينا # أي: لا ننتسب إليه. # " ينبغي " مضارع انبغى، وانبغى مطاوع لبغى، أي: طلب، و " أن ~~يتخذ " فاعله. وقد عد ابن مالك " ينبغي " في الأفعال التي لا ~~تتصرف. # وهو مردود عليه، لأنه قد سمع فيه الماضي قالوا: انبغى. وكرر لفظ ~~" الرحمن " تنبيها على أنه - تعالى - هو الرحمن وحده، لأن أصول ~~النعم وفروعها ليست إلا منه. # فصل # قال ابن عباس وكعب: فزعت السموات والأرض والجبال وجميع الخلائق ~~إلا الثقلين، وكادت أن تزول، وغضبت الملائكة، واستعرت جهنم حين قالوا: ~~لله ولد، ثم نفى الله - تعالى - عن نفسه فقال: { وما ينبغي ~~للرحمن أن يتخذ ولدا } أي: ما يليق به " اتخاذ الولد " ، لأنة ~~ذلك محال؛ أما الولادة المعروفة فلا مقالة في امتناعها، وأما التبني، ~~فلأن الولد لا بد وأن يكون شبيها بالوالد، ولا شبيه لله - تعالى -، ولأن ~~اتخاذ الولد إنما يكون لأغراض إما لسرور، أو استعانة، أو ذكر جميل، ~~وكل ذلك لا يصح في الله - تعالى -. # قوله: { إن كل من في السموات والأرض }. يجوز في " من ~~" أن تكون نكرة موصوفة، وصفتها الجار بعدها، ولم يذكر أبو البقاء غير ~~ذلك، وكذا الزمخشري إلا أن ظاهر عبارته تقتضي أنه لا يجوز غير ذلك، فإنه ~~قال: " من " موصوفة فإنها وقعت بعد " كل " " نكرة أشبهت وقوعها بعد " ~~رب " في ms5994 قوله: # 3634- رب من أنضجت غيظا صدره # انتهى ". # ويجوز أن تكون موصولة. قال أبو حيان: ما كل الذي في السموات، و " كل ~~" تدخل على الذي، لأنها تأتي للجنس كقوله - تعالى -: # والذي جآء بالصدق وصدق به # [الزمر: 33] ونحوه: # 3635- " وكل الذي " حملتني أتحمل # يعني أنه لا بد " من تأويل " الموصول بالعموم حتى تصح إضافة " كل " ~~إليه، ومتى أريد به معهود بعينه لشخص استحال إضافة " كل " إليه. # و " آت الرحمن " خبر " كل " جعل مفردا حملا على لفظها، ولو جمع ~~لجاز، وقد تقدم أول الكتاب: أنها متى أضيفت لمعرفة جاز الوجهان. وقد تكلم ~~السهيلي في ذلك فقال: " كل " إذا ابتدئت وكانت مضافة لفظا يعني ~~لمعرفة فلا يحسن إلا إفراد الخبر حملا على المعنى، تقول: كلكم ذاهب، ~~أي: كل واحد منكم ذاهب، هكذا هذه المسألة في القرآن والحديث والكلام ~~الفصيح. فإن قلت في قوله: { وكلهم ءاتيه }: إنما هو حمل على ~~اللفظ، لأنه اسم مفرد. قلنا: بل هو اسم للجمع، واسم الجمع لا يخبر عنه ~~بإفراد، تقول: القوم ذاهبون، ولا تقول: ذاهب، وإن كان لفظ " القوم " ~~لفظ المفرد، وإنما حسن " كلكم ذاهب " لأنهم يقولون: كل واحد منكم ~~ذاهب، فكان الإفراد مراعاة لهذا المعنى. # قال أبو حيان: ويحتاج " كلكم ذاهبون " ونحوه إلى سماع ونقل عن ~~العرب. # قال شهاب الدين: وتسمية الإفراد حملا على المعنى غير الاصطلاح بل ذلك ~~حمل على اللفظ والجمع هو الحمل على المعنى. # وقال أبو البقاء: ووحد " آتي " حملا على لفظ " كل " ، وقد جمع في ~~موضع آخر حملا على معناها. # قال شهاب الدين: قوله: في موضع آخر. إن عنى في القرآن فلم يأت الجمع إلا ~~و " كل " مقطوعة عن الإضافة نحو # كل في فلك يسبحون # [الأنبياء: 33] # وكل أتوه داخرين # [النمل: 87]، وإن عنى في غيره فيحتاج إلى سماع عن العرب كما تقدم. # والجمهور على إضافة " آتي " إلى " الرحمن ". # وقرأ عبد الله بن الزبير وأبو حيوة وطلحة وجماعة بتنوينه ونصب " ~~الرحمن " وانتصب " عبدا " و " فردا " على الحال. # فصل # المعنى: أن كل معبود من الملائكة في السموات وفي ms5995 الأرض من الناس إلا ~~يأتي الرحمن يلتجىء إلى ربوبيته عبدا منقادا مطيعا ذليلا خاضعا كما ~~يفعل العبيد. ومنهم من حمله على يوم القيامة خاصة. # والأول أولى، لأنه لا تخصيص فيه. # { لقد أحصاهم وعدهم عدا } أي: عد أنفاسهم وأيامهم ~~وآثارهم، فكلهم تحت تدبيره وقهره محيط بهم لا يخفى عليه شيء من أمورهم، { ~~وكلهم آتيه } أي: كل واحد منهم يأتيه { يوم القيمة ~~فردا } وحيدا ليس معه من الدنيا شيء " ويبرأ المشركون منهم ". # قوله تعالى: { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } ~~إلى آخر السورة. # لما رد على الكفرة، وشرح أقوالهم في الدنيا والآخرة ختم السورة بذكر ~~أحوال المؤمنين. قوله: " ودا " العامة على ضم الواو. وقرأ أبو الحارث ~~الحنفي بفتحها، وجناح بن حبيش بكسرها. فيحتمل أن يكون المفتوح مصدرا، ~~والمكسور والمضموم اسمين. # قال المفسرون: سيجعل لهم الرحمن محبة، قال مجاهد: يحبهم الله ~~ويحببهم إلى عباده المؤمنين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا أحب الله العبد قال لجبريل - عليه السلام -: " قد أحببت ~~فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن ~~الله - تعالى - قد أحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم ~~يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض العبد " # قال مالك: لا أحسبه إلا قال في البغض مثل ذلك. والسين في " سيجعل ~~" إما لأن السورة مكية، وكان المؤمنون حينئذ ممقوتين بين الكفرة، فوعدهم ~~الله ذلك إذا جاء الإسلام. # والمعنى: سيحدث لهم في القلوب مودة. وإما أن يكون ذلك يوم ~~القيامة يحببهم إلى خلقه بما يظهر من حسناتهم. روي عن كعب قال: مكتوب في ~~التوراة لا محبة في الأرض حتى يكون ابتداؤها من الله - تعالى - ينزلها ~~على أهل السماء، ثم على أهل الأرض. وتصديق ذلك في القرآن قوله: { ~~سيجعل لهم الرحمن ودا }. وقال أبو مسلم: معناه يهب ~~لهم ما يحبون. والود والمحبة سواء، يقال: آتيت فلانا محبته، ~~وجعلت له وده، ومن كلامهم: يود لو كان كذا، " ووددت أن لو كان كذا ~~أي أحببت " ، فالمعنى: سيعطيهم الرحمن ودهم، أي: محبوبهم في الجنة. # والقول الأول أولى، ms5996 لتفسير الرسول - عليه السلام -، ولأن حمل المحبة على ~~المحبوب مجاز، " ولأن رسول الله قرأ هذه الآية وفسرها بذلك فكانت أولى ~~". # قال أبو مسلم: القول الثاني أولى لوجوه: # أحدها: كيف يصح القول الأول مع علمنا بأن المسلم التقي يبغضه الكفار، ~~وقد يبغضه كثير من المسلمين. # وثانيها: أن مثل هذه المحبة قد تحصل للكفار والفساق أكثر، فكيف يمكن ~~جعله إنعاما في حق المؤمنين؟. # وثالثها: أن محبتهم في قلوبهم من فعلهم لا أن الله - تعالى - فعله، ~~فكان حمل الآية على إعطاء المنافع الأخروية أولى. # وأجيب عن الأول: بأن المراد يجعل له محبة عند الملائكة والأنبياء. # وعن الثاني: ما روي عنه - عليه السلام -: # " أنه حكى عن ربه - سبحانه وتعالى - أنه قال: " وإذا ذكرني عبدي في ~~نفسه ذكرته (في نفسي، وإن ذكرني) في ملأ ذكرته في ملأ أطيب منهم ~~وأفضل " # والكافر والفاسق ليسا كذلك. # وعن الثالث: أنه محمول على فعل الألطاف، وخلق داعية إكرامه في قلوبهم. # قوله: " بلسانك " يجوز أن يكون متعلقا بمحذوف على أنه حال، ~~واللسان هنا اللغة، أي: أنزلناه كائنا بلسانك. # وقيل: هي بمعنى " على " ، وهذا لا حاجة إليه، بل لا يظهر له معنى، " و " ~~لدا " جمع " ألد " ، وهو الشديد الخصومة كالحمر جمع أحمر. # قال أهل اللغة: اللد جمع الألد، وهو المعوج في المناظرة الرواغ من ~~الحق الميال عنه، وفي الحديث # " إن أبغض الرجال إلى الله الخصم الألد " # أي المعوج " قوله: " يسرناه " سهلناه يعني القرآن " بلسانك " ~~يا محمد " لنبشر به المتقين " يعني المؤمنين، وهذا كلام مستأنف " ~~بين به عظيم " موقع هذه السورة لما فيها من ذكر التوحيد والنبوة ~~والحشر، والرد على فرق المبطلين، فبين - تعالى - أنه يسر ذلك بلسانه، ~~ليبشر وينذر، ولولا أنه - تعالى - نقل قصصهم إلى اللغة العربية لما ~~تيسر ذلك على الرسول. وكما ذكر أنه يبشر به المتقين ذكر في مقابلته من ~~هو في مخالفة التقوى أبلغ، وهو الألد الذي يتمسك بالباطل ويجادل فيه ~~فقال: " وينذر به قوما لدا " ، وهو جمع الألد، " وهو الشديد ~~الخصومة. وقال مجاهد: هو الظالم الذي لا ms5997 يستقيم. وقال أبو عبيدة الألد " ~~الذي لا يقبل الحق ويدعي الباطل. وقال الحسن: الألد الأصم عن الحق. # ثم ختم السورة بموعظة بليغة فقال: { وكم أهلكنا قبلهم من قرن ~~} لأنهم إذا تأملوا وعلموا أنه لا بد من زوال الدنيا، وأنه لا بد فيها من ~~الموت خافوا سوء العاقبة في الآخرة فكانوا إلى الحذر من المعاصي أقرب، ثم ~~أكد تعالى ذلك فقال: { هل تحس منهم من أحد }. قرأ الناس ~~بضم التاء وكسر الحاء من أحس. # وقرأ أبو حيوة، وأبو جعفر، وابن أبي عبلة " نحس " " بفتح التاء وضم ~~الحاء " وقرأ بعضهم: " تحس " بالفتح والكسر، من حسه: أي شعر به، ومنه ~~الحواس الخمس. و " منهم " حال من " أحد " ، إذ هو في الأصل صفة له. و ~~" من أحد " مفعول زيدت فيه " من. وقرأ حنظلة " تسمع " بضم التاء ~~وفتح الميم مبنيا للمفعول. و " ركزا " مفعول على كلتا القراءتين، إلا ~~أنه مفعول ثان في القراءة " الشاذة ". والركز: الصوت الخفي دون نطق ~~بحروف ولا فم، " ومنه ركز الرمح " أي غيب طرفه في الأرض وأخفاه، ومنه ~~الركاز، وهو المال المدفون لخفائه واستتاره، وأنشدوا: # 3636- فتوجست ركز الأنيس فراعها # عن ظهر غيب، والأنيس سقامها # فصل # قال المفسرون: " هل تحس " هل ترى، وقيل: هل تجد. # { منهم من أحد } ، لأن الرسول - عليه السلام - إذا لم يحس ~~منهم أحدا برؤية وإدراك ووجدان، ولا يسمع لهم ركزا، أي: صوتا خفيا ~~دل ذلك على انقراضهم وفنائهم بالكلية. # قال الحسن: بادوا جميعا، فلم يبق عين ولا أثر. # روى الثعلبي عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من قرأ سورة مريم أعطي من الأجر بعدد من صدق بزكريا، ويحيى، وعيسى، ~~وموسى، وهارون، وإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وإسماعيل عشر حسنات، وبعدد من ~~دعا لله ولدا، وبعدد من لم يدع له ولدا ". ### | [20 - سورة طه] ### || [20.1-8] # (بسم الله الرحمن الرحيم). قوله تعالى: " طه " قرأ أبو ~~عمرو بفتح الطاء وكسر الهاء، وكسرهما جميعا حمزة والكسائي وأبو بكر ~~والباقون بفتحهما. قال الزجاج: وتقرأ " طه " بفتح الطاء وسكون الهاء، ms5998 ~~وكلها لغات. قال الزجاج: من فتح الطاء والهاء، فلأن ما قبل الألف مفتوح. ~~ومن كسر الطاء والهاء أمال إلى الكسر، لأن الحرف مقصور، والمقصور يغلب ~~عليه الإمالة إلى الكسر. # فصل # قد تقدم الكلام في الحروف المقطعة أول الكتاب، وفي هذه، وفي هنا قولان، ~~الصحيح أنها من ذلك. # وقيل: إنه مفيد. فقال الثعلبي: (طا) شجرة طوبى (والهاء) الهاوية. فكأنه ~~أقسم بالجنة والنار. وقال سعيد بن جبير: هو افتتاح اسمه الطيب الطاهر ~~الهادي. وقيل: يا مطمع الشفاعة للأمة، ويا هادي الخلق إلى الملة. # وقيل: (الطاء) تسعة في الحساب، و (الهاء) خمسة يكون أربعة عشر، ومعناه ~~يا أيها البدر، وقيل غير ذلك. # فصل # قيل: معنى (طه) يا رجل، وهو مروي عن ابن عباس والحسن ومجاهد وسعيد ~~ابن جبير، وقتادة، وعكرمة، والكلبي، ثم قال سعيد بن جبير: بالنبطية، وقال ~~قتادة: بالسريانية، (وقال عكرمة): بالحبشية، وقال الكلبي: بلغة عك، وقيل: ~~عكل، وهي لغة يمانية. # وقال الكلبي: إنك لو قلت في عك، يا رجل لم تجب حتى تقول: طه. # وقال الطبري: طه في عك بمعنى يا رجل، وأنشد قول شاعرهم: # 3637- دعوت بطه في القتال فلم يجب # فخفت عليه أن يكون موائلا # وقول الآخر: # 3638- إن السفاهة طه في خلائقكم # لا قدس الله أرواح الملاعين # قال الزمخشري: وأثر الصنعة ظاهر في البيت المستشهد به. # وقال السدي: معناه يا فلان. وقال الزمخشري أيضا: ولعل عكا تصرفوا ~~في " يا هذا " كأنهم في لغتهم قالبون الياء طاء، فقالوا في (يا ~~هذا): طا هذا، واختصروا (هذا) (فاقتصروا على ها). # فكأنه قيل في الآية الكريمة: يا هذا، وفيه بعد كبير. واعترض ~~عليه بعضهم فقال: لو كان كذلك لوجب أن يكتب أربعة أحرف طاها. # قال أبو حيان: ثم تخرص وحرز على عك ما لم يقله نحوي، وهو أنهم ~~يقلبون " ياء " التي للنداء (طاء)، ويحذفون اسم الإشارة ويقتصرون منه على ~~(ها) التي للتنبيه وقيل: (طه أصله): طأها بهمزة، (طأ) أمر، من وطىء ~~يطأ، و (ها) ضمير مفعول يعود على الأرض، ثم أبدل الهمزة لسكونها ألفا ms5999 ~~ولم يحذفها في الأمر نظرا إلى أصلها، أي: طأ الأرض بقدميك، وقد جاء في ~~الحديث: # " أنه قام حتى تورمت قدماه " # وقرأ الحسن، وعكرمة، وأبو حنيفة، وورش في اختياره " طه " بإسقاط الألف ~~بعد الطاء، و (هاء) ساكنة وفيها وجهان: # أحدهما: أن الأصل (طأ) بالهمزة، أمرا أيضا من وطىء يطأ، ثم أبدلت ~~الهمزة هاء كإبدالهم لها في: هرقت، وهرحت، وهنرت، والأصل: أرقت، وأرحت، ~~وأنرت. # والثاني: أنه أبدل الهمزة ألفا، كأنه أخذه من وطىء يطأ بالبدل كقوله: # 3639-.......................... # .......... لا هناك المرتع # ثم حذف الألف حملا للأمر على المجزوم، وتناسبا لأصل الهمز ثم ألحق هاء ~~السكت، وأجرى الوصل مجرى الوقف وقد تقدم في أول يونس الكلام على إمالة " ~~طا " و " ها ". قوله: " أنزلنا " هذه قراءة العامة. # وقرأ طلحة: " ما نزل " مبنيا للمفعول " القرآن " رفع لقيامه ~~مقام فاعله. # وهذه الجملة يجوز أن تكون مستأنفة إن جعلت " طه " تعديدا لأسماء ~~الحروف. ويجوز أن تكون خبرا ل (طه) إن جعلتها اسما للسورة، ويكون ~~القرآن ظاهرا واقعا موقع المضمر؛ لأن (طه) قرآن أيضا، ويجوز أن تكون ~~(جواب قسم) إن جعلت (طه) مقسما به. وقد تقدم تفصيل ذلك. # فصل # قال الكلبي: لما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي بمكة اجتهد ~~في العبادة حتى كان بين قدميه في الصلاة لطول قيامه، وكان يصلي الليل ~~كله، فأنزل الله هذه الآية، وأمره أن يخفف على نفسه فقال: { مآ ~~أنزلنا عليك القرءان لتشقى } [طه: 2]. # وقيل: لما رأى المشركون اجتهاده في العبادة قالوا: إنك لتشقى حين تركت ~~دين آبائك أي: لتتعنى وتتعب وما أنزل عليك القرآن يا محمد لشقائك، ~~فنزلت: { ما أنزلنا عليك القرءان لتشقى }. وأصل الشقاء ~~في اللغة العناء. # وقيل المعنى: إنك لا ترم على كفر قومك كقوله: { لست عليهم ~~بمسيطر } وقوله # ومآ أنت عليهم بوكيل # [الأنعام: 107]، أي: إنك لا تؤاخذ بذنبهم. # وقيل: إن هذه السورة من أوائل ما نزل بمكة، وكان عليه السلام في ذلك ~~الوقت مقهورا تحت ذل الأعداء، فكأنه تعالى قال: لا تظن أنك تبقى أبدا ~~على هذه الحالة، ms6000 بل يعلو أمرك ويظهر قدرك فإنا ما أنزلنا عليك مثل هذا ~~القرآن لتبقى شقيا فيما بينهم بل لتصير معظما مكرما. # قوله: " إلا تذكرة " في نصبه أوجه: # أحدها: أن يكون مفعولا من أجله، والعامل فيه فعل الإنزال، وكذلك " ~~لتشقى " علة له أيضا، ووجب مجيء الأول مع اللام، لأنه ليس لفاعل ~~الفعل المعلل ففاته شريطة الانتصاب على المفعولية. # والثاني: جاز قطع اللام عنه ونصبه، لاستجماعه الشرائط هذا كلام ~~الزمخشري، ثم قال: فإن قلت: هل يجوز أن تقول: " ما أنزلنا أن ~~تشقى " ، كقوله: { أن تحبط أعمالكم } قلت: بلى ولكنها نصبة ~~طارئة كالنصبة في { واختار موسى قومه } ، وأما النصبة في " ~~تذكرة " فهي كالتي في ضربت زيدا، لأنه أحد المفاعيل الخمسة التي ~~هي أصول وقوانين لغيرها. # قال شهاب الدين: قد منع أبو البقاء أن يكون " تذكرة " ، مفعولا له ~~ل " أنزلنا " المذكورة لأنها قد تعدت إلى مفعول له وهو " لتشقى ~~" فلا تتعدى إلى آخر من جنسه. # وهذا المنع ليس بشيء، لأنه يجوز أن يعلل الفعل بعلتين فأكثر، وإنما هذا ~~بناء منه على أنه لا يقتضي العامل من هذه الفضلات إلا شيئا واحدا إلا ~~بالبدلية أو العطف. # الثاني: أن تكون " تذكرة " بدلا من محل " لتشقى " وهو رأي ~~الزجاج، وتبعه ابن عطية، واستبعده أبو جعفر، ورده الفارسي، بأن التذكرة ~~ليست بشقاء وهو رد واضح. وقد أوضح الزمخشري هذا فقال: فإن قلت هل يجوز أن ~~تكون " تذكرة " بدلا من محل " لتشقى "؟ قلت: لا لاختلاف ~~الجنسين ولكنها نصب على الاستثناء المنقطع الذي (إلا) إلا بمعنى (لكن). # قال أبو حيان: يعني باختلاف الجنسين أن نصبه " تذكرة " نصبة صحيحة ~~ليست بعارضة، والنصبة التي تكون في " لتشقى " بعد نزع الخافض نصبة ~~عارضة، والذي نقول إنه ليس له محل ألبتة فيتوهم البدل منه. # قال شهاب الدين: ليس مراد الزمخشري باختلاف الجنسين إلا ما نقل عن ~~الفارسي ردا على الزجاج، وأي أثر لاختلاف النصبتين في ذلك. # الثالث: أن يكون نصبا على الاستثناء المنقطع أي: لكن أنزلنا ~~تذكرة. # الرابع: أنه مصدر مؤكد لفعل مقدر، أي: لكن ms6001 ذكرنا، أو تذكرته أنت ~~تذكرة. # وقيل التقدير: ما أنزلنا عليك القرآن لتحمل متاعب التبليغ إلا ~~ليكون تذكرة، كما يقال: (ما شافهناك بهذا الكلام لتتأذى ~~إلا ليعتبر بك غيرك). # الخامس: أنه مصدر في موضع الحال، أي إلا مذكرا. # السادس: أنه بدل من القرآن، ويكون القرآن هو التذكرة. قاله الحوفي. # السابع: أنه مفعول له أيضا، ولكن العامل فيه " لتشقى " ، ويكون ~~المعنى كما قال الزمخشري: إنا أنزلنا عليك القرآن لتتحمل ~~متاعب التبليغ، ومقاومة العتاة من أعداء الإسلام ومقابلتهم، وغير ذلك من ~~أنواع المشاق، وتكاليف النبوة وما أنزلنا هذا المتعب الشاق إلا ~~ليكون تذكرة. وعلى هذا الوجه يجوز أن تكون تذكرة حالا ~~ومفعولا له. انتهى. # فإن قيل: من أين أخذت أنه لما جعله حالا ومفعولا له أن العامل فيه " ~~لتشقى " ، وما المانع أن يريد بالعامل فيه فعل الإنزال؟ # فالجواب: أن هذا الوجه قد تقدم له في قوله: وكل واحد من " لتشقى " ~~، و " تذكرة " علة للفعل، وأيضا فإن تفسيره للمعنى المذكور منصب ~~على تسلط " لتشقى " على " تذكرة " إلا أن أبا البقاء لما لم ~~يظهر له هذا المعنى الذي ظهر للزمخشري منع من عمل " لتشقى " في " ~~تذكرة " ، فقال: ولا يصح أن يعمل فيها " لتشقى " لفساد المعنى ~~وجوابه: ما تقدم. # (ولا غرو في تسمية التعب شقاء)، قال الزمخشري: والشقاء يجيء في معنى ~~التعب، ومنه المثل: أتعب من رائض مهر، وأشقى من رائض ~~مهر. # و " لمن يخشى " متصل ب " تذكرة " وزيدت اللام في المفعول، ~~تقوية للعامل لكونه فرعا. ويجوز أن يكون متعلقا بمحذوف على أنه صفة ل ~~" تذكرة ". # وخص من يخشى بالتذكر، لأنهم المنتفعون بها، كقوله: " هدى ~~للمتقين ". # قوله: " تنزيلا " في نصبه أوجه: # أحدها: أن يكون بدلا من " تذكرة " إذا جعل حالا لا إذا كان ~~مفعولا، لأن الشيء لا يعلل بنفسه، لأنه يصير التقدير: ما أنزلنا ~~القرآن إلا للتنزيل. # الثاني: أن ينتصب ب " نزل " مضمرا. # الثالث: أن ينتصب ب " أنزلنا " ، لأن معنى ما أنزلنا إلا ~~تذكرة: أنزلناه تذكرة. # الرابع: أن ينتصب على المدح والاختصاص. # الخامس: أن ينتصب ب ms6002 " يخشى " مفعولا به، أي أنزله للتذكرة لمن ~~يخشى تنزيل الله، وهو معنى حسن وإعراب بين. قال أبو حيان: والأحسن ~~ما قدمناه أولا من أنه منصوب ب " نزل " مضمرة، وما ذكره ~~الزمخشري من نصبه على غيره فمتكلف: أما الأول ففيه جعل " تذكرة " و ~~" تنزيلا " حالين وهما مصدران، وجعل المصدر حالا لا ينقاس. وأيضا ~~فمدلول " تذكرة " ليس مدلولا " تنزيلا " ، ولا " تنزيلا " ~~بعض " تذكرة " فإن كان بدلا فيكون بدل اشتمال على مذهب من يرى أن ~~الثاني مشتمل على الأول؛ لأن التنزيل مشتمل على التذكرة، وغيرها. وأما ~~قوله: لأن معنى ما أنزلناه إلا تذكرة أنزلناه تذكرة، فليس كذلك، ~~لأن معنى الحصر يفوت في قوله: " أنزلناه تذكرة. وأما نصبه على المدح ~~فبعيد. # وأما نصبه على " يخشى " ففي غاية البعد، لأن " يخشى " رأس آية ~~وفاصلة فلا يناسب أن يكون " تنزيلا " منصوبا ب " يخشى " ، ~~وقوله: وهو معنى حسن وإعراب بين عجمة وبعد عن إدراك الفصاحة. قال ~~شهاب الدين: ويكفيه رد الشيء الواضح من غير دليل ونسبة هذا الرجل إلى عدم ~~الفصاحة ووجود العجمة. # قوله: " ممن خلق ". يجوز في (من) أن يتعلق ب " تنزيلا " ، ~~وأن يتعلق بمحذوف على أنه صفة ل " تنزيلا ". # وفي " خلق " (التفات) من تكلم في قوله: " ما أنزلنا " إلى ~~الغيبة وجوز الزمخشري أن يكون " ما أنزلنا " حكاية لكلام جبريل عليه ~~السلام وبعض الملائكة فلا التفات على هذا. # قوله: " العلى " جمع عليا، نحو دنيا ودنى، ونظيره في الصحيح ~~كبرى وكبر، وفضلى وفضل، يقال سماء عليا وسموات على. # ومعنى الآية: { تنزيلا ممن خلق } أي: (من الله الذي خلق ~~الأرض والسموات العلى) يعني العالية الرفيعة. # وفائدة وصف السموات بالعلى: الدلالة على عظم قدرة من يخلق مثلها في ~~علوها (وبعد مرتقاها). # قوله: " الرحمن " العامة على رفعه، وفيه أوجه: # أحدها: أنه بدل من الضمير المستكن في " خلق " ذكره ابن عطية، ورده ~~أبو حيان بأن البدل يحل محل المبدل منه، ولو حل محله لم يجز لخلو الجملة ~~الموصولة بها من رابط يربطها به. # الثاني: أن يرتفع على خبر مبتدأ مضمر تقديره: ms6003 هو الرحمن. # الثالث: أن يرتفع على الابتداء مشارا إلى " من خلق " والجملة بعده ~~خبر. وقرأ جناح بن حبيش: " الرحمن " مجرورا، وفيه وجهان: # أحدهما: أنه بدل من الموصول. لا يقال: إنه يؤدي إلى البدل بالمشتق وهو ~~قليل، لأن (الرحمن) يجري مجرى الجوامد لكثرة إيلائه العوامل. # والثاني: أن يكون صفة للموصول أيضا. # قال أبو حيان: ومذهب الكوفيين أن الأسماء النواقص ك " من " و " ما " ~~لا يوصف منها إلا الذي وحده، فعلى مذهبهم لا يجوز أن يكون صفة. قال ذلك ~~كالراد على الزمخشري. # والجملة في قوله: { على العرش استوى } خبر لقوله " ~~الرحمن " على القول: بأنه مبتدأ، أو خبر مبتدأ مضمر، إن قيل: إنه ~~مرفوع على خبر مبتدأ مضمر، وكذلك في قراءة من جره. وفاعل " استوى ~~" ضمير يعود على " الرحمن ". # وقيل: بل فاعله " ما " الموصولة بعده، أي: استوى الذي له ما في السموات ~~قال أبو البقاء: وقال بعض الغلاة: " ما " فاعل " استوى " ، وهذا ~~بعيد، ثم هو غير نافع له في التأويل، إذ يبقى قوله: { الرحمن ~~على العرش استوى } كلاما تاما ومنه هرب. # قال شهاب الدين: هذا يروى عن ابن عباس، وأنه كان يقف على لفظ " ~~العرش " ثم يبتدىء ب { استوى له ما في السموات } ، ~~وهذا لا يصح عنه. # قوله: الثرى: هو التراب الندي، ولامه ياء بدليل تثنيته على ~~ثريين وقولهم: ثريت الأرض تثرى ثرى. والثرى يستعمل في ~~انقطاع المودة، قال جرير: # 3640- فلا تنبشوا بيني وبينكم الثرى # فإن الذي بيني وبينكم مثري # والثراء بالمد: كثرة المال، قال: # 3641- أماوي ما يغني الثراء عن الفتى # إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # وما أحسن قول ابن دريد في قصيدته التي جمع فيها بين الممدود ~~والمقصور باختلاف معنى. # فصل # قال المفسرون: معنى له ما في السموات وما في الأرض } ~~لما شرح ملكه بقوله: { الرحمن على العرش استوى } ، ~~والملك لا ينتظم إلا بالقدوة والعلم لا جرم عقبه بالقدرة ثم بالعلم. أما ~~القدرة فهي هذه الآية، والمعنى: أنه تعالى مالك لهذه الأقسام الأربعة فهو ~~مالك لما في السموات من ملك ونجم ms6004 وغيرهما، ومالك لما في الأرض من ~~المعادن والفلزات، ومالك لما بينهما من الهواء، ومالك لما تحت الثرى. # قال الضحاك: يعني ما روى الثرى من شيء. # وقال ابن عباس: إن الأرضين على ظهر النون، والنون على بحر ورأسه وذنبه ~~يلتقيان تحت العرش، والبحر على صخرة خضراء اخضرت السموات منها. وهي ~~الصخرة التي ذكر الله تعالى في قصة لقمان " فتكن في صخرة " ، ~~والصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى، و { ما تحت الثرى } لا ~~يعلمه إلا الله تعالى. وذلك الثور فاتح فاه، فإذا جعل الله البحار بحرا ~~واحدا سالت في جوف الثور فإذا وقعت في جوفه يبست. # وأما العلم فقوله: { وإن تجهر بالقول فإنه يعلم ~~السر وأخفى } قال الحسن السر: ما أسر الرجل إلى غيره، وأخفى من ~~ذلك ما أسر في نفسه. وعن ابن عباس وسعيد بن جبير: السر ما تسر في نفسك، ~~وأخفى من السر: ما يلقيه الله في قلبك من بعد، ولا تعلم أنك ستحدث به ~~نفسك لأنك تعلم ما تسر اليوم ولا تعلم ما تسر غدا، والله يعلم ما أسررت ~~اليوم وما تسر غدا. # وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: السر ما أسر ابن آدم في نفسه، ~~وأخفى: ما خفي عليه مما هو فاعله قبل أن يعلمه. # وقال مجاهد: السر العمل الذي يسر من الناس وأخفى: الوسوسة وقيل: ~~السر هو العزيمة (وأخفى: ما يخطر على القلب ولم يعزم عليه. وقال زيد ~~بن أسلم: " يعلم السر) وأخفى " أي: يعلم أسرار العباد، وأخفى ~~سره من عباده فلا يعلمه أحد. # قوله: " وأخفى " جوزوا فيه وجهين: # أحدهما: أنه أفعل تفضيل، أي: وأخفى من السر. # والثاني: أنه فعل ماض، أي: وأخفى عن عباده غيبه كقوله: { ولا ~~يحيطون به علما }. # قوله: { الله لا إله إلا هو } الجلالة إما مبتدأ والجملة ~~المنفية خبرها، وإما خبر لمبتدأ محذوف، أي هو الله. والحسنى تأنيث ~~الأحسن، وقد تقدم أن جمع التكسير في غير العقلاء يعامل معاملة المؤنثة ~~الواحدة. # ولما ذكر صفاته وحد نفسه فقال: { الله لا إله ms6005 إلا ~~هو له الأسمآء الحسنى }. # فصل # قالوا: كلمة " لا " ههنا دخلت على الماهية، فانتفت الماهية، وإذا انتفت ~~الماهية تنتفي كل أفرادها. وإنما " الله " اسم علم للذات المعينة، إذ لو ~~كان اسم معنى لكان كلها محتملا للكثرة فلم تكن هذه الكلمة مفيدة ~~للتوحيد. # وقالوا: " لا " استحقت عمل " إن " لمشابهتها لها من وجهين: # الأول: ملازمة الأسماء. # والآخر: تناقضهما. فإن أحدهما لتأكيد الثبوت، والآخر لتأكيد النفي، ومن ~~عادتهم تشبيه أحد الضدين بالآخر في الحكم، وإذا كان كذلك، فنقول: لما ~~قالوا: إن زيدا ذاهب كان يجب أن يقولوا: (لا رجلا ذاهب) إلا أنهم ~~بنوا " لا " مع ما دخل عليه من الاسم المفرد على الفتح: أما البناء فلشدة ~~اتصال حرف النفي بما دخل عليه كأنهما صارا مفردا واحدا وأما الفتح ~~فلأنهم قصدوا البناء على الحركة المستحقة توفيقا بين الدليل الموجب ~~للإعراب، والدليل الموجب للبناء. # وخبره محذوف تقديره: لا إله في الوجود، ولا حول ولا قوة لنا، وهذا ~~يدل على أن الوجود زائد على الماهية. فإن قيل: تصور الثبوت مقدم على تصور ~~السلب، فإن السلب ما لم يضف إلى الثبوت لا يمكن تصوره، فكيف قدم هنا ~~السلب على الثبوت؟ # فالجواب: لما كان هذا السلب من مؤكدات الثبوت لا جرم قدم عليه. # فصل # ينبغي لأهل لا إله إلا الله أن يحصلوا أربعة أشياء حتى يكونوا من ~~أهل لا إله إلا الله: التصديق، والتعظيم والحلاوة والحرية، فمن ليس له ~~التصديق فهو منافق، ومن ليس له التعظيم فهو مبتدع، ومن ليس له الحلاوة ~~فهو مراء ومن ليس له الحرية فهو فاجر. # فصل # (قال بعضهم) قوله تعالى: { ألم تر كيف ضرب الله مثلا ~~كلمة طيبة كشجرة طيبة } [إبراهيم:24] أنه لا إله ~~إلا الله. { إليه يصعد الكلم الطيب } [فاطر:10] لا إله ~~إلا الله { وتواصوا بالحق } [العصر:3] لا إله إلا الله. { ~~قل إنما أعظكم بواحدة } [سبأ:46] بلا إله إلا الله. { ~~وقفوهم إنهم مسئولون } [الصافات:24] عن قول لا إله إلا ~~الله. { بل جاء بالحق وصدق المرسلين } [الصافات:37] هو ~~لا إله إلا الله. { يثبت ms6006 الله الذين آمنوا بالقول ~~الثابت في الحياة الدنيا } [إبراهيم:27] هو لا إله إلا ~~الله. { ويضل الله الظالمين } [إبراهيم:27] عن قول: لا إله ~~إلا الله. # فصل # قال عليه السلام: # " أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء أستغفر الله " ، ثم تلا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فاعلم أنه لا إله إلا الله ~~واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات " # وقال عليه السلام: # " إن الله تعالى خلق ملكا من الملائكة قبل أن خلق السموات ~~والأرض وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله مادا بها صوته لا يقطعها، ~~ولا يتنفس فيها، ولا يتمها، فإذا أتمها أمر إسرافيل بالنفخ في الصور ~~وقامت القيامة تعظيما لله تعالى ". # وعن أنس قال عليه السلام: # " ما زلت أشفع إلى ربي ويشفعني، وأشفع إليه ويشفعني، حتى قلت: يا رب ~~فيمن قال: لا إله إلا الله. قال: يا محمد هذه ليست لك ولا لأحد وعزتي ~~وجلالي، لا أدع أحدا في النار قال لا إله إلا الله " # وقال سفيان الثوري: سألت جعفر بن محمد عن " حم عسق " فقال: الحاء حكمه، ~~والميم ملكه، والعين عظمته، والسين سناؤه والقاف قدرته، يقول الله عز ~~وجل: بحكمي وملكي وعظمتي وسنائي وقدرتي لا أعذب بالنار من قال: لا إله ~~إلا الله محمد رسول الله. # وعن ابن عمر قال عليه السلام: # " من قال في السوق: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك ~~وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير ~~وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف حسنة ومحا ~~عنه ألف سيئة وبنى له بيتا في الجنة " # وروي عن موسى بن عمران عليه السلام قال: يا رب علمني شيئا أذكرك به ~~قال: قل: لا إله إلا الله، قال: كل عبادك يقول: لا إله إلا الله. ~~فقال: قل: لا إله إلا الله. قال: إنما أردت شيئا تخصني به. قال يا ~~موسى: لو أن السموات السبع ومن فوقهن في كفة ولا إله إلا الله في كفة ~~لمالت بهن لا إله إلا الله. # فصل ms6007 # قيل: إن لله تعالى أربعة آلاف اسم لا يعلمها إلا الله والأنبياء أما ~~الألف الرابعة فإن المؤمنين يعلمونها، فثلثمائة في التوراة، وثلثمائة في ~~الإنجيل، وثلثمائة في الزبور ومائة في القرآنه تسعة وتسعون ظاهرة وواحد ~~مكنون فمن أحصاها دخل الجنة. # واعلم أن الأسماء الواردة في القرآن منها ما ليس بانفراده ثناء ومدحا، ~~كقوله: جاعل، وفالق، وصانع. فإذا قيل: " فالق الإصباح وجاعل ~~الليل سكنا " صار مدحا وأما الاسم الذي يكون مدحا فمنه ما إذا ~~قرن بغيره أبلغ نحو قولنا: حي، فإذا قيل: الحي القيوم، أو ~~الحي الذي لا يموت. كان أبلغ. وأيضا بديع. فإذا قلت: بديع ~~السموات والأرض، ازداد المدح. # ومن هذا الباب ما كان اسم مدح ولكن لا يجوز إفراده، كقولنا: دليل، ~~وكاشف، فإذا قيل: يا دليل المتحيرين، يا كاشف الضر والبلوى جاز. # ومنه ما يكون اسم مدح مفردا ومقرونا كقولنا: الرحيم الكريم (ومن ~~الأسماء ما يكون تقارنها أحسن كقولك: الأول الآخر، المبدىء المعيد، ~~الظاهر الباطن، العزيز الحكيم). ### || [20.9-11] # قوله تعالى: { وهل أتاك حديث موسى إذ رأى نارا }... ~~الآية: لما عظم حال القرآن، وحال الرسول عليه السلام بما كلفه أتبع ذلك ~~بما يقوي قلب رسوله من ذكر أحوال الأنبياء تقوية لقلبه في الإبلاغ، ~~كقوله تعالى: # وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت ~~به فؤادك # [هود: 120]. وبدأ بموسى لأن فتنته كانت أعظم (ليتسلى قلب الرسول ~~عليه السلام بذلك، ويصبر على تحمل المكاره. قوله: " وهل أتاك " ~~يحتمل أن يكون هذا أول ما أخبر به من أمر موسى فقال: " وهل أتاك " ~~أي لم يأتك إلى الآن) وقد أتاك الآن فتنبه له، وهذا قول الكلبي. ويحتمل ~~أن يكون قد أتاه ذلك في الزمان المتقدم فكأنه قال: أليس قد أتاك، وهذا ~~قول مقاتل والضحاك عن ابن عباس، وهذا وإن كان على لفظ الاستفهام الذي لا ~~يجوز على الله تعالى لكن المقصود منه تقرير الخبر في قلبه، وهذه الصورة ~~أبلغ في ذلك كقولك لصاحبك: هل بلغك عني كذا؟ فيتطلع السامع إلى معرفة ~~ما يرمي إليه، ولو ms6008 كان المقصود هو الاستفهام لكان الجواب يصدر من قبل ~~موسى لا من قبل الله (تعالى). # قوله: " إذ رأى " يجوز أن يكون منصوبا بالحديث وهو الظاهر ويجوز أن ~~ينتصب ب (اذكر) مقدرا قاله أبو البقاء. أو بمحذوف بعده، أي إذا رأى ~~نارا كان كيت وكيت كما قاله الزمخشري. و " هل " على بابها من كونها ~~استفهام تقرير. وقيل: بمعنى قد. وقيل: بمعنى النفي. وقرأ " لإهله ~~امكثوا " بضم الهاء حمزة، وقد تقدم أنه الأصل وهو لغة الحجاز. # وقاله أبو البقاء: إن الضم (للإتباع). # قوله: " آنست " أي أبصرت، والإيناس: الإبصار والتبين ومنه إنسان ~~العين، لأنه يبصر به الأشياء، والإنس لظهورهم كما قيل: الجن لاستتارهم. ~~وقيل: هو الوجدان. وقيل: هو الإحساس فهو أعم من الإبصار. وأنشدوا للحارث ~~بن حلزة: # 3642- آنست نبأة وأفزعها القن # ناص عصرا وقد دنا الإمساء # والقبس: الجذوة من النار، وهي الشعلة في رأس عود أو قصبة ونحوهما ~~وهو فعل بمعنى مفعول كالقبض والنفض بمعنى المقبوض والمنفوض. ويقال: ~~أقبست الرجل علما، وقبسته نارا، ففرقوا بينهما، هذا قول ~~المبرد. وقال الكسائي: إن فعل وأفعل يقالان في المعنيين فيقال: ~~قبسته نارا وعلما وأقبسته أيضا (نارا وعلما). وقوله: " ~~منها " يجوز أن يتعلق (ب " آتيكم " أو) بمحذوف على أنه حال من " ~~قبس " وأما بعضهم ألف " هدى " وقفا، والجيد أن لا تمال، لأن الأشهر ~~أنها بدل من التنوين. # فصل # قال المفسرون: استأذن موسى شعيبا في الرجوع من مدين إلى مصر لزيارة ~~والدته وأخته، فأذن له، فخرج بأهله، وأخذ على غير الطريق مخافة ملوك ~~الشام. # فولدت امرأته في ليلة شاتية، وكانت ليلة الجمعة فألجأه السير إلى جانب ~~الطور الغربي الأيمن، فقدح زنده فلم يوره، فبينما هو في مزاولة ذلك إذ ~~أبصر نارا من بعيد على يسار الطريق من جانب الطور. # قال السدي: فظن أنها نار من نيران الرعاة. # وقال آخرون: إنه عليه السلام رآها في شجرة وليس في القرآن ما يدل على ~~ذلك. وقال بعضهم: الذي رآه لم يكن نارا (بل تخيله نارا) والصحيح أنه ~~رأى نارا ليكون صادقا ms6009 في خبره، إذ الكذب لا يجوز على الأنبياء. قيل: ~~النار أربعة أقسام: # نار تأكل ولا تشرب، وهي نار الدنيا. ونار تشرب ولا تأكل وهي نار الشجر ~~لقوله تعالى: # جعل لكم من الشجر الأخضر نارا # [يس: 80]. # ونار تأكل وتشرب وهي نار المعدة. ونار لا تأكل ولا تشرب، وهي نار موسى ~~عليه السلام. # وقيل أيضا: النار أربعة: أحدها: نار لها نور بلا حرقة، وهي نار موسى ~~عليه السلام. # ونار لها حرقة بلا نور، وهي نار جهنم. ونار لها حرقة ونور، وهي نار ~~الدنيا. ونار لا حرقة لها ولا نور وهي نار الأشجار. فلما أبصر النار " ~~قال لأهله امكثوا " يجوز أن يكون هذا الخطاب للمرأة وولدها ~~والخادم. # ويجوز أن يكون للمرأة وحدها خرج على ظاهر لفظ الأهل فإن الأهل يقع على ~~الجمع وأيضا فقد يخاطب الواحد بلفظ الجمع تفخيما، أي: أقيموا في ~~مكانكم. { إني آنست نارا }. أي أبصرت نارا، والإيناس: الإبصار ~~وقيل: إبصار ما يؤنس به ولما وجد الإيناس - وكان منتفيا - حقيقة ~~لهم أتى بكلمة " إني " ليوطن أنفسهم. ولما كان الإتيان بالقبس ووجود ~~الهدى مترقبين متوقعين بنى الأمر فيهما على الرجاء والطمع، فقال: " ~~لعلي " ولم يقطع فيقول: إني آتيكم، لئلا يعد ما لم يتيقن الوفاء ~~به، والنكتة فيه أن قوما قالوا: كذب إبراهيم للمصلحة وهو محال، لأن ~~موسى عليه السلام قبل نبوته احترز فلم يقل: إني آتيكم، بل قال " ~~لعلي آتيكم ". والقبس: النار المقتبسة في رأس عود أو فتيلة ~~أو غيرهما. { أو أجد على النار هدى } أي ما يهتدي به وهو اسم ~~مصدر، فكأنه قال: أجد على النار ما أهتدي به من دليل أو علامة. # ومعنى الاستعلاء على النار: (أن أهل النار) يستعلون المكان القريب ~~منها، ولأن المصطلين بها إذا أحاطوا بها مشرفين عليها، فكأنه قال: أجد ~~على النار من يدلني. " فلما أتاها " أي النار، قال ابن ~~عباس: رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها أطافت بها نار بيضاء تتقد ~~كأضوأ ما يكون فوقف متعجبا من شدة ضوء تلك النار وشدة خضرة تلك ms6010 الشجرة، ~~فلا النار تغير خضرتها، ولا كثرة ماء الشجرة تغير ضوء النار. # قال ابن مسعود: كانت الشجرة سمرة خضراء. # وقال قتادة ومقاتل والكلبي: كانت من العوسج. # وقال وهب: كانت من العليق. وقيل: كانت من العناب. # قال أكثر المفسرين: إن الذي رآه موسى لم يكن نارا بل كان نور الرب ~~(تبارك وتعالى) ذكر بلفظ النار، لأن موسى عليه السلام حسبه نارا ~~فلما دنا منها سمع تسبيح الملائكة ورأى نورا عظيما. # قال وهب: ظن موسى أنها نار أوقدت، فأخذ من دقاق الحطب وهو الحشيش اليابس ~~ليقتبس من لهبها فمالت إليه كأنها تريده، فتأخر عنها وهابها، ثم لم تزل ~~تطعمه، ويطمع فيها، ثم لم يكن بأسرع من خمودها كأنها لم تكن ثم رمى موسى ~~ببصره إلى فروعها، فإذا خضرتها ساطعة في السماء، وإذا نور بين السماء ~~والأرض له شعاع تكل عنه الأبصار، فلما رأى موسى ذلك وضع يديه على عينيه، ~~فنودي يا موسى. # قال القاضي: الذي يروى من أن الزند ما كان يروى فجائز، وما روي من أن ~~النار كانت تتأخر عنه، فإن كانت النبوة قد تقدمت له جاز ذلك وإلا فهو ~~ممنوع إلا أن يكون معجزة لغيره من الأنبياء، لأن قوله: # وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى # [طه:13] دليل على أنه إنما أوحي إليه في هذه الحالة، وجعله نبيا. وعلى ~~هذا يبعد ما ذكروه من تأخر النار عنه وبين فساد ذلك، قوله تعالى: ~~فلمآ أتاها نودي } ولو كانت تتأخر عنه حالا بعد حال لما ~~صح ذلك، ولما بقي لفاء التعقيب فائدة. # والجواب: أن القاضي بنى هذا الاعتراض على مذهبه في أن الإرهاص ~~غير جائز. وذلك باطل، فبطل قوله، وأما التمسك بفاء التعقيب فقريب، ~~لأن تخلل الزمان القليل بين المجيء والنداء لا يقدح في فاء التعقيب. # قوله: " نودي " القائم مقام الفاعل ضمير موسى. # وقيل: ضمير المصدر، أي نودي النداء، وهو ضعيف. ومنعوا أن يكون ~~القائم مقامه الجملة من " يا موسى " ، لأن الجملة لا تكون فاعلا. ### || [20.12] # قوله: " إني " قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالفتح ms6011 على تقدير الباء أي: ~~بأني، لأن النداء يوصل بها. تقول: ناديته بكذا، وأنشد الفارسي قول ~~الشاعر: # 3643- ناديت باسم ربيعة بن مكدم # إن المنوه باسمه الموثوق # وجوز ابن عطية أن تكون بمعنى: لأجل، وليس بظاهر. والباقون بالكسر إما ~~على إضمار القول عند الكوفيين. وقوله: " أنا " يجوز أن يكون مبتدأ وما ~~بعده خبره والجملة خبر (إن) ويجوز أن يكون توكيدا للضمير المنصوب. ~~ويجوز أن يكون (فصلا). # فصل # قال المفسرون: لما نودي يا موسى أجاب سريعا ما يدري من دعاه، ~~فقال: إني أسمع صوتك ولا أرى مكانك، فأين أنت؟ فقال: أنا فوقك، ~~ومعك، وأمامك، وخلفك، وأقرب إليك من نفسك. فعلم أن ذلك لا ~~ينبغي إلا لله عز وجل فأيقن به. " فاخلع نعليك " روى ابن ~~مسعود مرفوعا في قوله: " اخلع نعليك " قيل: كانتا من جلد حمار ~~ميت. ويروى غير مدبوغ. # وقال عكرمة ومجاهد: ليباشر بقدميه تراب الأرض المقدسة، فيناله ~~بركتها، لأنه قدست مرتين، فخلعهما وألقاهما من وراء الوادي. # قيل: إنه عرف أن المنادي هو الله تعالى، لأنه رأى النار في الشجرة ~~الخضراء بحيث أن الخضرة ما كانت تطفىء تلك النار، وتلك النار ما كانت ~~تنضر بتلك الخضرة، وهذا لا يقدر عليه أحد إلا الله تعالى. # قوله: " طوى " قرأ الكوفيون وابن عامر " طوى " بضم الطاء والتنوين. # وقرأ الباقون: بضمها من غير تنوين. # وقرأ الأعمش والحسن وأبو حيوة وابن محيصن بكسر الطاء منونا، وأبو زيد ~~عن أبي عمرو بكسرها غير منون. # فمن ضم ونون فإنه صرفه: لأنه أوله بالمكان. ومن منعه فيحتمل ~~أوجها: # أحدها: أنه منعه للتأنيث باعتبار البقعة والعلمية. # الثاني: أنه منعه للعدل إلى فعل، وإن لم يعرف اللفظ المعدول عنه ~~وجعله كعمر وزفر. # الثالث: أنه اسم أعجمي فمنعه للعلمية والعجمة. ومن كسر ولم ~~ينون فباعتبار البقعة أيضا. فإن كان اسما فهو نظير عنب، وإن كان ~~صفة فهو نظير عدى وسوى. ومن نونه فباعتبار المكان. # وعن الحسن البصري: أنه بمعنى الثناء بالكسر والقصر، والثناء المتكرر ~~مرتين فيكون معنى هذه القراءة: أنه طهر مرتين، فيكون مصدرا ms6012 منصوبا بلفظ ~~(المقدس)، لأنه بمعناه، كأنه قيل: المقدس مرتين من التقديس. # وقرأ عيسى بن عمر والضحاك " طاوي اذهب ". وطوى: إما بدل من ~~الوادي أو عطف بيان له. أو مرفوع على إضمار مبتدأ، أو منصوب على إضمار ~~أعني. # فصل # استدلت المعتزلة بقوله: " اخلع نعليك " على أن كلام الله تعالى ~~ليس بقديم، إذ لو كان قديما لكان الله قائلا قبل وجود موسى: اخلع ~~نعليك يا موسى، ومعلوم أن ذلك سفه، فإن الرجل في الدار الخالية ~~إذا قال يا يزيد افعل، ويا عمرو لا تفعل مع أن زيدا وعمرا لا يكونان ~~حاضرين يعد ذلك جنونا وسفها. # فكيف يليق ذلك بالإله سبحانه وتعالى؟ وأجيب عن ذلك بوجهين: # الأول: أن كلامه تعالى وإن كان قديما إلا أنه في الأزل لم يكن أمرا ~~ولا نهيا. # الثاني: أنه كان أمرا بمعنى أنه وجد في الأزل شيء لما استمر إلى ما لا ~~يزال صار الشخص به مأمورا من غير وقوع التغير في ذلك الشيء، كما أن ~~القدرة تقتضي صحة الفعل، ثم إنها كانت موجودة في الأزل من غير هذه الصحة، ~~فلما استمرت إلى ما لا يزال حصلت الصحة، فكذا ههنا، وهذا كلام فيه غموض ~~وبحث دقيق. # فصل # قال بعضهم: في الآية دلالة على كراهة الصلاة والطواف في النعل، والصحيح ~~عدم الكراهة، لأنا عللنا الأمر بخلع النعلين لتعظيم الوادي، وتعظيم كلام ~~الله تعالى كان الأمر مقصورا على تلك الصورة. # وإن عللناه بأن النعلين كانتا من جلد حمار ميت، فجائز أن يكون ~~محظورا لبس جلد الحمار الميت، وإن كان مدبوغا، فإن كان ذلك فهو منسوخ ~~بقوله عليه السلام: # " أيما إهاب دبغ طهر " # " وقد صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في نعليه ثم خلعهما في الصلاة، ~~فخلع الناس نعالهم فلما سلم قال: ما لكم خلعتم نعالكم؟ قالوا: خلعت ~~فخلعنا قال: " فإن جبريل عليه السلام أخبرني أن فيهما قذرا ~~" # فلم يكره النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة في النعل، وأنكر على الخالعين ~~خلعها، وأخبرهم أنه إنما خلعهما لما فيهما من القذر. # فصل ms6013 # قال عكرمة وابن زيد: طوى: اسم للوادي. # قال الضحاك: طوى: واد مستدير عميق الطوي في استدارته. # وقيل: طوى معناه مرتين نحو ثنى. أي: قدس الوادي مرتين أي: نودي ~~موسى نداءين يقال: ناديته طوى أي: مثنى. وقيل: طوى أي؛ طيا. ~~قال ابن عباس: إنه مر بذلك الوادي ليلا فطواه، فكان المعنى بالوادي ~~الذي طويته طيا أي: قطعته حتى ارتفعت إلى أعلاه، ومن ذهب إلى هذا قال: ~~طوى مصدر أخرج عن لفظه كأنه قال: طويته أطوي طوى كما يقال: هدى ~~يهدي هدى. ### || [20.13-14] # قوله تعالى: " وأنا اخترتك " أي للرسالة والكلام. # قرأ حمزة " وأنا اخترناك " بفتح الهمزة فضمير المتكلم المعظم ~~نفسه. # وقرأ السلمي والأعمش وابن هرمز كذلك إلا أنهم كسروا الهمزة. # والباقون: " وأنا اخترتك " بضمير المتكلم وحده. وقرىء " أني ~~اخترتك " بفتح الهمزة. # فأما قراءة حمزة فعطف على قوله { أني أنا ربك } وذلك أنه يفتح ~~الهمزة هناك ففعل ذلك لما عطف غيرها عليها. وجوز أبو البقاء أن يكون ~~الفتح على تقدير: ولأنا اخترناك فاستمع، فعلقه باستمع. ~~والأول أولى. # ومن كسرها فلأنه يقرأ { إني أنا ربك } بالكسر. وقراءة أبي ~~كقراءة حمزة بالنسبة للعطف. ومفعول " اخترتك " الثاني محذوف، أي ~~اخترتك من قومك. # قوله: " لما يوحى " الظاهر تعلقه ب " استمع " ويجوز أن تكون ~~اللام مزيدة في المفعول على حد قوله تعالى " ردف لكم " وجوز ~~الزمخشري وغيره أن تكون المسألة من باب التنازع بين " اخترتك " وبين ~~" استمع " كأنه قيل: " اخترتك لما يوحى فاستمع لما ~~يوحى ". قال الزمخشري: فعلق اللام باستمع أو باخترتك وقد رد ~~أبو حيان هذا بأن قال: ولا يجوز التعليق باخترتك لأنه من باب ~~الإعمال فكان يجب أو يختار إعادة الضمير مع الثاني، فكان يكون: ~~فاستمع له لما يوحى، فدل على أنه من باب إعمال الثاني. # قال شهاب الدين: والزمخشري عنى التعليق المعنوي من حيث الصلاحية وأما ~~تقدير الصناعة فلم يعنه. # (و " ما " ) يجوز أن تكون مصدرية وبمعنى الذي، أي فاستمع للوحي أو ~~للذي يوحى). # فصل # هذه الآية تدل على النبوة لا تحصل بالاستحقاق، لأن قوله: ms6014 " وأنا ~~اخترتك " يدل على أن ذلك المنصب العالي إنما حصل لأنه تعالى ~~اختاره له ابتداء لا أنه يستحقه على الله تعالى. # وقوله: { فاستمع لما يوحى } أي: إليك فيه نهاية الهيبة ~~والجلالة كأنه قال: لقد جاءك أمر عظيم فتأهب له، واجعل كل ~~عقلك وخاطرك مصروفا إليه. # ثم قال: { إنني أنا الله لا إله إلا أنا ~~فاعبدني } ولا تعبد غيري، وهذا يدل على أن علم الأصول مقدم على علم ~~الفروع: لأن التوحيد من علم الأصول والعبادة من علم الفروع. # وأيضا فالفاء في قوله: " فاعبدني " تدل على أن عبادته إنما لزمت ~~لإلهيته. # فصل # احتجوا بهذه الآية على أنه يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة من وجهين: # الأول: أنه تعالى بعد أن أمره بالتوحيد أمره بالعبادة، ولم يذكر كيفية ~~العبادة فثبت أنه يجوز ورود المجمل منفكا عن البيان. # الثاني: أنه قال: " أقم الصلاة لذكري " ولم يبين كيفية ~~الصلاة. # قال القاضي: لا يمتنع أن موسى عليه السلام - قد عرف الصلاة إلى تعبد ~~الله تعالى - بها شعيبا - عليه السلام - وغيره من الأنبياء، فتوجه ~~الخطاب إلى ذلك، ويحتمل أنه تعالى بين له في الحال، وإن كان المنقول في ~~القرآن لم يذكر فيه إلا هذا القول. # وأجيب عن الأول: بأنه لا يتوجه في قوله تعالى: " فاعبدني " وأيضا ~~فحمل مثل هذا الخطاب العظيم على فائدة جديدة أولى من حمله على أمر ~~معلوم، لأن موسى - عليه السلام - ما كان يشك في وجوب الصلاة التي جاء بها ~~شعيب - عليه السلام -، فلو حملنا قوله: { وأقم الصلوة ~~لذكري } على ذلك لم يحصل من هذا الخطاب العظيم فائدة زائدة، أما لو ~~حملناه عى صلاة أخرى لحصلت فائدة زائدة. وقوله: لعل الله بينه في ~~ذلك الموضع، وإن لم يحكه في القرآن قلنا: لا شك أن البيان (أكثر فائدة) ~~من المجمل، فلو كان مذكورا لكان أولى بالحكاية. # قوله: " لذكري " يجوز أن يكون المصدر مضافا لفاعله، أي: لأني ~~ذكرتها في الكتب، أو لأني أذكرك. (ويجوز أن يكون مضافا لمفعوله، أي: ~~لأن تذكرني) وقيل: معناه ذكر الصلاة بعد ms6015 نسيانها، لقوله - عليه ~~السلام -: # " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ~~". # قال الزمخشري: وكان حق العبارة لذكرها ثم قال: ومن يتمحل له أن ~~يقول إذا ذكر الصلاة فقد ذكر الله أو على حذف مضاف أي لذكر صلاتي، أو ~~لأن الذكر والنسيان من الله تعالى في الحقيقة وقرأ أبو رجاء والسلمي " ~~للذكرى " بلام التعريف وألف التأنيث. وبعضهم: " لذكري " منكرة ~~وبعضهم: " للذكر " بالتعريف والتذكير. # فصل # ذكروا في قوله تعالى: " لذكري " وجوها: # أحدها: لذكري بمعنى لتذكرني، فإن ذكري أن أعبد ~~ويصلى لي. # والثاني: لتذكرني منها لاشتمال الصلاة على الأذكار؛ عن مجاهد. # وثالثها: لأني ذكرتها في الكتب وأمرت بها. # ورابعها: لأن أذكرك بالمدح والثناء. # وخامسها: لذكري خاصة لا يشوبه ذكر غيري. # وسادسها: لتكون لي ذاكرا غير ناس فعل المخلصين، كقوله: # لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله # [النور: 37]. # وسابعها: لأوقات ذكري، وهي مواقيت الصلاة، لقوله: # إن الصلوة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا # [النساء: 103]. # وثامنها: أقم الصلاة حين تذكرها أي: إنك إذا نسيت صلاة ~~فاقضها إذا ذكرتها، قال عليه السلام: # " من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة ~~لها إلا ذلك " # ثم قرأ " أقم الصلاة (لذكري " ). قال الخطابي هذا الحديث ~~يحتمل وجهين: # أحدهما: لا يكفرها غير قضائها. # والآخر: أنه لا يلزمه في نسيانها غرامة، ولا كفارة، كما تلزم الكفارة في ~~ترك صوم رمضان من غير عذر، وكما يلزم المحرم إذا ترك شيئا فدية من دم أو ~~طعام إنما يصلي ما ترك فقط. # فإن قيل: حق العبادة أن يقول: صل الصلاة لذكرها، كما قال عليه ~~السلام: # " إذا ذكرها " # فالجواب: قوله: " لذكري " معناه: للذكر الحاصل بخلقي. أو ~~بتقدير حذف مضاف أي: لذكر صلاتي. # (فصل) # لو فاتته صلاة يستحب أن يقضيها على ترتيب الأداء، فلو ترك الترتيب في ~~قضائها جاز عند الشافعي - رحمه الله -، ولو دخل عليه وقت فريضة وتذكر ~~فائتة، فإن كان في الوقت سعة استحب أن يبدأ بالفائتة، ولو بدأ بصلاة ~~الوقت جاز، وأن ضاق الوقت بحيث لو بدأ بالفائتة فاتت صلاة الوقت ms6016 فيجب ~~البداءة بصلاة الوقت لئلا تفوت الأخرى. ولو تذكر الفائتة بعد ما شرع في ~~صلاة الوقت أتمها ثم قضى الفائتة. ويستحب أن يعيد صلاة الوقت بعدها، ~~ولا يجب. وقال أبو حنيفة رحمه الله: يجب الترتيب في قضاء الفوائت ما لم ~~تزد على صلاة يوم الجمعة حتى قال: ولو تذكر في خلال صلاة الوقت فائتة ~~تركها اليوم يبطل فرض الوقت، فيقضي الفائتة، ثم يعيد صلاة الوقت إلا أن ~~يكون الوقت ضيقا فلا يبطل، واستدل بالآية والخبر والقياس والأثر. أما ~~الآية فقوله تعالى: " أقم الصلاة لذكري " أي لتذكرها و " اللام ~~" بمعنى " عند " كقوله تعالى: # أقم الصلوة لدلوك الشمس # [الإسراء: 78] أي عند دلوك الشمس، فالمعنى: أقم الصلاة عند ~~تذكرها، وذلك يقتضي وجوب الترتيب. وأما الخبر فقوله عليه السلام: # " من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها " # والفاء للتعقيب. وروي في الصحيحين # " أن عمر بن الخطاب جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم ~~الخندق فجعل يسب كفار قريش ويقول: والله يا رسول الله ما صليت ~~العصر حتى كادت الشمس تغرب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~وأنا والله ما صليتها بعد " قال: فنزل إلى بطحان فصلى العصر ~~(بعد ما غربت الشمس) ثم صلى بعدها المغرب " # والاستدلال به من وجهين: # أحدهما: أنه قال: # " صلوا كما رأيتموني أصلي " # وقد صلى الفوائت على الولاء فيجب علينا اتباعه. # والثاني: أن فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج مخرج البيان ~~للمجمل كان حجة، وهذا الفعل خرج بيانا لمجمل قوله: " أقيموا ~~الصلاة " ولهذا قالوا: إن الفوائت إذا كانت قليلة يجب مراعاة الترتيب ~~فيها، فإذا كثرت سقط الترتيب للمشقة. وأما الأثر: فروي عن ابن عمر أنه ~~قال: # " من فاته صلاة فلم يذكرها إلا في صلاة الإمام فليمض في ~~صلاته، فإذا قضى صلاته مع الإمام يصلي ما فاته، ثم ليعد التي ~~صلاها مع الإمام " # وروي ذلك مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. # وأما القياس: فإنهما صلاتا فرض جمعهما وقت واحد في اليوم والليلة، ~~فأشبهتا صلاتي عرفة والمزدلفة، فلما لم يجب إسقاط ms6017 الترتيب فيهما، وجب أن ~~يكون حكم الفوائت فيما دون اليوم والليلة كذلك. # واحتج الشافعي رحمه الله بما روى أبو قتادة: # " أنهم لما ناموا عن صلاة الفجر ثم انتبهوا ~~بعد طلوع الشمس أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يقودوا رواحلهم ثم صلاها " # ولو كان وقت التذكير معينا للصلاة لما جاز ذلك، فعلمنا أن ذلك الوقت ~~وقت لتقرر الوجوب عليه، لكن لا على سبيل التضييق بل على سبيل التوسع، ~~وإذا ثبت هذا فنقول: إيجاب قضاء الفوائت، وإيجاب أداء فرض الوقت الحاضر ~~يجري مجرى التخيير بين الواجبين، فوجب أن يكون المكلف مخيرا في تقديم ~~أيهما شاء، ولأنه لو كان الترتيب واجبا في الفوائت لما سقط بالنسيان، ~~ألا ترى أنه إذا صلى الظهر والعصر بعرفة في يوم غيم، ثم تبين أنه صلى ~~الظهر قبل الزوال (والعصر بعد الزوال) فإنه يعيدهما جميعا، ولم يسقط ~~الترتيب بالنسيان لما كان شرطا فيهما، فهاهنا أيضا لو كان الترتيب ~~شرطا فيهما لما كان يسقط بالنسيان. ### || [20.15-16] # قوله تعالى: { إن الساعة ءاتية أكاد أخفيها }. # (لما خاطب موسى عليه السلام بقوله: { فاعبدني وأقم ~~الصلوة لذكري } أتبعه بقوله: { إن الساعة آتية ~~أكاد أخفيها } )، وما أليق هذا بتأويل من تأول قوله: " لذكري ~~" أي لأذكرك بالإثابة والكرامة فقال عقيب ذلك { إن الساعة ~~ءاتية } لأنها وقت الإثابة ووقت المجازاة، ثم قال: " أكاد ~~أخفيها ". العامة على ضم الهمزة من " أخفيها ". # وفيها تأويلات: # أحدها: أن الهمزة في " أخفيها " للسلب والإزالة، أي: أزيل خفاءها ~~نحو: أعجمت الكتاب أي: أزلت عجمته، وأشكيته أي أزلت شكواه، ثم في ~~ذلك معينان: # أحدهما: أن الخفاء بمعنى (الستر)، ومتى أزال سترها فقد أظهرها، ~~والمعنى: أنها لتحقق وقوعها وقربها أكاد أظهرها لولا ما تقتضيه الحكمة ~~من التأخير. # والثاني: أن الخفاء هو الظهور كما سيأتي، والمعنى: أزيل ظهورها، وإذا ~~أزال ظهورها فقد استترت، والمعنى: أن لشدة إبهامها أكاد أخفيها فلا ~~أظهرها ألبتة وإن كان لا بد من إظهارها، ولذلك يوجد في بعض المصاحف كمصحف ~~أبي: " أكاد أخفيها من نفسي فكيف أظهركم عليها " وهو على ms6018 عادة ~~العرب في المبالغة في الإخفاء، قال الشاعر: # 3644- أيام تصحبني هند وأخبرها # ما كدت أكتمه عني من الخبر # وكيف يتصور كتمانه من نفسه؟ قال القاضي: هذا بعيد، لأن الإخفاء إنما ~~يصح ممن يصح له الإظهار، وذلك مستحيل عليه تعالى، لأن كل معلوم معلوم ~~له، فالإظهار والإسرار فيه مستحيل. ويمكن أن يجاب بأن ذلك واقع على ~~التقدير، بمعنى لو صح مني إخفاؤه عن نفس لأخفيته عني، والإخفاء وإن كان ~~محالا في نفسه إلا أنه يمتنع أن يذكر على هذا التقدير، مبالغة في عدم ~~إطلاع الغير عليه. # والتأويل الثاني: أن (كاد) زائدة قاله ابن جبير، وأنشد غيره شاهدا ~~عليه قول زيد الخيل: # 3645- سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه # فما إن يكاد قرنه يتنفس # وقول الآخر: # 3646- وأن لا ألوم النفس مما أصابني # وأن لا أكاد بالذي نلت أنجح # ولا حجة في شيء منه. # والتأويل الثالث: أن الكيد ورد بمعنى الإرادة، قاله الأخفش وجماعة، ~~وهو قول أبي مسلم، فهو كقوله: ( # كذلك كدنا ليوسف # [يوسف:76]ومن أمثالهم المتداولة: لا أفعل ذلك ولا أكاد. # أي: لا أريد أن أفعله، وهذا) لا ينفع فيما قصدوه. # التأويل الرابع: أن خبرها محذوف، تقديره: أكاد آتي بها لقربها، ~~وأنشدوا قول ضابىء البرجمي: # 3647- همست ولم أفعل وكدت وليتني # تركت على عثمان تبكي حلائله # أي: وكدت أفعل. فالوقف على " أكاد " والابتداء ب " أخفيها " ، ~~واستحسنه أبو جعفر. # وذكر ابن الخطيب هنا سؤالا: فقال: إن (كاد) نفيه إثبات وإثباته نفي، ~~قال تعالى: # وما كادوا يفعلون # [البقرة:71]، أي: ففعلوا ذلك، فقوله: " أكاد أخفيها " يقتضي أنه ~~ما أخفاها. # وذلك باطل لوجهين: # أحدهما: لقوله تعالى: # إن الله عنده علم الساعة # [لقمان: 34] # الثاني: إن قوله: { لتجزى كل نفس بما تسعى } إنما ~~يليق بالإخفاء لا بالإظهار. ثم أجاب بوجوه: الأول: أن " كاد " موضوع ~~للمقاربة فقط من غير بيان النفي والإثبات، فقوله: " أكاد أخفيها " ~~معناه: قرب الأمر فيه من الإخفاء. وأما أنه هل حصل ذلك الإخفاء أو ~~ما حصل فهو غير مستفاد من اللفظ بل بقرينة قوله: { لتجزى كل ~~نفس بما تسعى ms6019 } فإن ذلك إنما يليق بالإخفاء لا بالإظهار. # الثاني: أن " كاد " من الله: وجب، فمعنى قوله: أكاد أخفيها ~~أي: أنا أخفيها عن الخلق، كقوله: # عسى أن يكون قريبا # [الإسراء: 51] أي هو قريب قاله الحسن. وذكر باقي التأويلات المتقدمة. # وقرأ أبو الدرداء وابن جبير والحسن ومجاهد وحميد: " أخفيها " بفتح ~~الهمزة والمعنى: أظهرها بالتأويل المتقدم، يقال: خفيت الشيء: أظهرته ~~وأخفيته سترته هذا هو المشهور وقد نقل عن أبي الخطاب أن خفيت ~~وأخفيت بمعنى. وحكى عن أبي عبيد أن أخفى من الأضداد يكون بمعنى ~~أظهر وبمعنى ستر. وعلى هذا تتحد (القراءتان). ومن مجيء خفيت ~~بمعنى أظهرت قول امرىء القيس: # 3648- خفاهن من أنفاقهن كأنما # خفاهن ودق من عشي مجلب # (وقول الآخر: # 3649- فإن تدفنوا الداء لا نخفه # وإن توقدوا الحرب لا نقعد) # قال الزجاج: وهذه القراءة أبين، لأن معناها: أكاد أظهرها (فيفيد ~~أنه قد أخفاها). والحكمة في إخفاء الساعة وإخفاء وقت الموت: أن الله ~~تعالى وعد قبلها التوبة عند قربهما، فلو عرف وقت الموت لاشتغل بالمعصية ~~إلى وقت قرب ذلك الوقت ثم يتوب فيتخلص من عقاب المعصية، فتعريف وقت الموت ~~كالإغراء بفعل معصية وهو لا يجوز. قوله: " لتجزى " هذه لام كي، وليست ~~بمعنى القسم أي: لتجزين كما نقله أبو البقاء عن بعضهم، وتتعلق هذه ~~اللام بأخفيها. وجعلها بعضهم متعلقة ب (ءاتية)، وهذا لا يتم إلا ~~إذا قدرت أن " أكاد أخفيها " معترضة بين المتعلق والمتعلق به، أما ~~إذا جعلتها صفة (ءاتية) فلا يتم على مذهب البصريين، لأن اسم الفاعل ~~متى وصف لم يعمل فإن عمل ثم وصف جاز. # وقال أبو البقاء: وقيل: ب (ءاتية)، ولذلك وقف بعضهم على ذلك وقفة ~~يسيرة إيذانا بانفصالها عن (أخفيها). # قوله: " بما تسعى " متعلق ب " لتجزى ". و " ما " يجوز أن ~~تكون مصدرية أو موصولة اسمية، ولا بد من مضاف، أي: لتجزى بعقاب ~~سعيها، أو: بعقاب ما سعته. # فصل # لما حكم بمجيء الساعة ذكر الدليل عليه، وهو أنه لولا القيامة لما ~~تميز المطيع من العاصي، وهو المعني بقوله: # أم نجعل المتقين كالفجار # [ص: ms6020 28]. # واحتجت المعتزلة بهذه الآية على أن الثواب مستحق على العمل، لأن ~~(الباء) للإلصاق، فقوله: " بما تسعى " يدل على أن المؤثر في ذلك ~~الجزاء هو ذلك السعي واحتجوا بها أيضا على أن فعل العبد غير مخلوق لله ~~تعالى، لأن الآية صريحة في إثبات سعي العبد، ولو كان الفعل مخلوقا لله ~~تعالى لم يكن للعبد سعي ألبتة ". # قوله: { فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها } من لا يؤمن ~~هو المنهي صورة، والمراد غيره، فهو من باب: لا أرينك ههنا. وقيل: ~~إن صد الكافرين عن التصديق بها سبب للتكذيب، فذكر السبب ليدل على ~~المسبب. والضميران في " عنها " و " بها " للساعة قاله ابن عباس: ~~وذلك لأنه يجب عود الضمير إلى أقرب مذكور وهو هنا الساعة. وقيل: للصلاة. # وقال أبو مسلم: الضمير في (عنها) للصلاة، وفي (بها) للساعة، ~~قال: وهذا جائز في اللغة، فالعرب تلف الخبرين ثم ترمي بجوابهما جملة ليرد ~~السامع إلى كل خبر حقه. # وأجيب بأن هذا إنما يصار إليه عند الضرورة ولا ضرورة (ههنا). # قوله: " فتردى " يجوز فيه أن ينتصب في جواب النهي بإضمار (أن) وأن ~~يرتفع على خبر ابتداء مضمر تقديره: فأنت تردى. # وقرأ يحيى: " تردى " بكسر التاء، وقد تقدم أنها لغة والردى الهلاك ~~يقال: ردي يردى ردى، قال دريد (بن الصمة): # 3650- تنادوا فقالوا أردت الخيل فارسا # فقلت أعبد الله ذلكم الردي # فصل # الخطاب في قوله: " فلا يصدنك " يحتمل أن يكون مع موسى، وأن ~~يكون مع محمد - عليهما السلام -. والأقرب أنه مع موسى - عليه السلام -، ~~لأن جميع الكلام خطاب له. وعلى كلا الوجهين فلا معنى لقول الزجاج: ~~إنه ليس بمراد وإنما أريد به غيره، وذلك لأنه ظن أن النبي - عليه ~~السلام - لما لم يجز عليه مع النبوة أن يصده أحد عن الإيمان بالساعة ~~لم يجز أن يكون مخاطبا بذلك، وليس الأمر كما ظن، لأنه إذا كان ~~مكلفا بأن لا يقبل الكفر بالساعة من أحد وكان قادرا على ذلك جاز أن ~~يخاطب به، (ويكون المراد) هو وغيره. ويحتمل أيضا أن يكون المراد ms6021 بقوله: ~~{ فلا يصدنك عنها } النهي عن الميل إليهم ومقاربتهم. # فصل # المقصود نهي موسى - عليه السلام - عن التكذيب بالبعث، ولكن الظاهر ~~اللفظ يقتضي نهي من لم يؤمن عن صد موسى - عليه السلام - وفيه وجهان: # أحدهما: أن صد الكافر عن التصديق بها سبب للتكذيب، فذكر السبب ليدل ~~على المسبب. (ذلك أن صد الكافر مسبب عن رخاوة الرجل في الدين، فذكر ~~المسبب ليدل حمله على السبب) كقولهم: لا أرينك ههنا. المراد نهيه ~~عن مشاهدته والكون بحضرته فهكذا ههنا، كأنه قيل: لا تكن رخوا بل كن في ~~الدين شديدا. # فصل # دلت الآية على وجوب تعلم علم الأصول، لأن قوله: " فلا يصدنك " ~~يرجع معناه إلى صلابته في الدين، وتلك الصلابة إن كان المراد بها التقليد ~~لم يتميز المبطل فيه عن المحق، فلا بد وأن يكون المراد بهذه الصلابة كونه ~~قويا في تقرير الدلائل، وإزالة الشبهات حتى لا يتمكن الخصم من إزالته عن ~~الدين بل يكون هو متمكنا من إزالة المبطل عن بطلانه. # (فصل) # قوله: " فلا يصدنك " يدل على أن العباد هم الذين يصدون، ولو ~~كان تعالى هو الخالق لأفعالهم لكان هو الصاد دونهم، فدل ذلك على ~~بطلان القول بالجبر. وأجيب بالمعارضة بمسألة العلم (والداعي). ثم قال ~~تعالى: " واتبع هواه " والمعنى أن منكر البعث إنما أنكره ~~اتباعا للهوى لا للدليل، وهذا من أعظم الدلائل على فساد التقليد، لأن ~~المقلد متبع للهوى (لا للحجة) ثم قال: " فتردى " أي: فتهلك. ### || [20.17-21] # قوله تعالى: { وما تلك بيمينك } الآية. (ما) مبتدأة ~~استفهامية و (تلك) خبره، و " بيمينك " متعلق بمحذوف، لأنه حال ~~كقوله: # وهذا بعلي شيخا # [هود:72]، والعامل في الحال المقدرة معنى الإشارة وجوز الزمخشري أن ~~تكون (تلك) موصولة بمعنى (التي) و (بيمينك) صلتها. ولم يذكر ابن ~~عطية غيره. وهذا ليس مذهب البصريين أنهم لم يجعلوا (من أسماء) الإشارة ~~موصولا إلا (ذا) بشروط تقدمت. وأما الكوفيون فيجيزون ذلك جميعها، ومنه ~~هذه الآية عندهم أي: وما التي بيمينك وأنشدوا: # 3651- نجوت وهذا تحملين طليق # أي والذي تحملين. # وقال الفراء معناه: وما هذه التي ms6022 في يمينك. # فصل # السؤال إنما يكون لطلب العلم، وهو على الله تعالى محال. فما فائدة قوله: ~~{ وما تلك بيمينك }؟ # والجواب فيه فوائد، الأولى: حكمة هذا السؤال تنبيهه وتوقيفه على ~~أنها عصا، حتى إذا قلبها حية علم أنها معجزة عظيمة، وهذا على عادة ~~العرب يقول الرجل لغيره: هل تعرف هذا؟ وهو لا يشك أنه يعرفه، ويريد ~~أن ينضم إقراره بلسانه إلى معرفته بقلبه. # الثانية: أن يقرر عنده أنها خشبة حتى إذا قلبها ثعبانا لا يخافها. # الثالثة: أنه تعالى لما أراه الأنوار المتصاعدة من الشجرة إلى السماء، ~~وأسمعه كلام نفسه، ثم أورد عليه التكليف الشاق، وذكر له المعاد، وختم ~~ذلك بالتهديد العظيم، فتحير موسى - عليه السلام - ودهش، (فقيل له: { ~~وما تلك بيمينك } ، وتكلم معه بكلام البشر إزالة لتلك الدهشة ~~والحيرة). # فصل هذا خطاب من الله مع موسى بلا واسطة، ولم يحصل ذلك لمحمد عليه ~~السلام فيلزم أن يكون موسى أفضل من محمد عليهما السلام. # فالجواب: أنه تعالى كما خاطب موسى فقد خاطب محمدا في قوله: # فأوحى إلى عبده مآ أوحى # [النجم:10] إلا أن الفرق أن الذي ذكره مع موسى عليه السلام أفشاه إلى ~~الخلق، والذي ذكره مع محمد كان سرا لم يستأهل له أحدا من الخلق. وأيضا ~~إن كان موسى تكلم معه فأمة محمد يخاطبون الله تعالى في كل يوم مرات على ~~ما قاله عليه السلام: # " المصلى يناجي ربه " # والرب يتكلم مع آحاد أمة محمد يوم القيامة بالتسليم والتكريم لقوله: # سلام قولا من رب رحيم # [يس: 58]. # قوله: " هي عصاي " هي يعود على المستفهم عنه. # وقرأ العامة " عصاي " بفتح الياء. والجعفري وابن أبي إسحاق " ~~عصي " بالقلب والإدغام. وقد تقدم توجيه ذلك أول البقرة، ولمن ~~تنسب هذه اللغة والشعر المروي في ذلك. # وروي عن أبي عمرو ابن أبي إسحاق أيضا (والحسن " عصاي " بكسر الياء ~~لالتقاء الساكنين، وعن أبي إسحاق) " عصاي " بسكونها وصلا وقد فعل ذلك ~~نافع مثل ذلك في " محياي " فجمع بين ساكنين وصلا، وقد تقدم الكلام ~~هناك. # قوله: " أتوكأ " يجوز أن يكون خبرا ms6023 ثانيا ل " هي " ويجوز أن ~~يكون حالا إما من " عصاي " وإما من " الياء " وفيه بعد، ~~لأن مجيء الحال من المضاف إليه قليل، وله مع ذلك شروط ليس فيه شيء منها ~~هنا. # ويجوز أن تكون مستأنفة. وجوز أبو البقاء نقلا عن غيره: أن يكون " ~~عصاي " منصوبة بفعل مقدر، و " أتوكأ " هو الخبر. ولا ينبغي أن ~~يقال ذلك. # والتوكؤ: التحامل على الشيء، وهو بمعنى الاتكاء، وقد تقدم ~~تفسيره في يوسف فهما من مادة واحدة، وذكر هنا، لاختلاف وزنيهما. # والهش بالمعجمة: الخبط، يقال: هششت الورق أهشه أي: ~~خبطته ليسقط، والمعنى: أخبط بها وأضرب أغصان الشجر ليسقط ~~ورقها على غنمي لتأكله وأما هش يهش - بكسر العين في المضارع - ~~فبمعنى البشاشة وقد قرأ النخعي بذلك، فقيل: هو بمعنى: أهش - بالضم - ~~والمفعول محذوف في القراءتين أي: أهش الورق أو الشجر وقيل: هو في ~~هذه القراءة من هش هشاشة إذا مال. وقرأ الحسن وعكرمة: " وأهس " ~~بضم الهاء والسين المهملة وهو السوق، ومنه الهس (والهساس) ~~وعلى هذا فكان ينبغي أن يتعدى بنفسه، ولكنه ضمن معنى ما يتعدى بعلى وهو ~~أقوم (وأهون). # ونقل ابن خالوية عن النخعي أنه قرأ " وأهس " بضم الهمزة وكسر الهاء ~~من (أهس) رباعيا بالمهملة. ونقلها عنه الزمخشري بالمعجمة، فيكون عنه ~~قراءتان ونقل صاحب اللوائح عن مجاهد وعكرمة " وأهش " بضم الهاء وتخفيف ~~الشين، قال ولا أعرف لها وجها إلا أن يكون قد استثقل التضعيف مع تفشي ~~الشين فخفف، وهي بمعنى قراءة العامة. # وقرأ بعضهم: " غنمي " (بسكون النون)، وقرىء " علي " بتشديد الياء ~~والمآرب: جمع مأربة، وهي الحاجة وكذلك الإربة أيضا. وفي (راء) ~~المأربة الحركات الثلاث. # وإنما قاال: " مآرب " في معنى جماعة، فكأنه قال جماعة من الحاجات ~~أخرى، ولم يقل أخر لرؤوس الآي (و " أخرى " ) كقوله: " الأسماء ~~الحسنى " وقد تقدم قريبا. # قال أبو البقاء: ولو قال: أخر لكان على اللفظ. يعني أخر كقوله: { ~~فعدة من أيام أخر } [البقرة:184،185] بضم الهمزة وفتح الخاء ~~واللفظ لفظ الجمع. ونقل الأهوازي عن شيبة والزهري: مارب قال: بغير همز ~~كذا أطلق والمراد بغير ms6024 همز محقق بل مسهل بين بين وإلا فالحذف ~~بالكلية شاذ. # فصل # قيل: كما قال: " هي عصاي " فقد تم الجواب إلا أنه عليه السلام ذكر ~~الوجوه الأخر، لأنه كان يحب المكالمة مع ربه تعالى، فجعل ذلك كوسيلة إلى ~~تحصيل هذا الغرض. # " أتوكأ عليها " التوكؤ والاتكاء واحد كالتوقي ~~والاتقاء، أي أعتمد عليها إذا عييت، أو وقفت على رأس القطيع { وأهش ~~بها على غنمي } أي: أضرب أغصان الشجر ليسقط ورقها على الغنم ~~(فتأكله). # { ولي فيها مآرب أخرى } أي حوائج ومنافع، وإنما أجمل في ~~المآرب رجاء أن يسأله ربه عن تلك المآرب، فيسمع كلام الله مرة أخرى، ~~ويطول أمر المكالمة بسبب (ذلك). # قال وهب: كانت ذات شعبتين (ومحجن، فإذا طلب ثمر الشجرة جناه بالمحجن، ~~فإذا حاول كسره لواه بالشعبتين). فإذا سار وضعها على عاتقه يعلق عليها ~~أداته من القوس والكنانة والثياب، وإذا كان في البرية ركزها وألقى عليها ~~كساء فكان ظلا. # وقيل: كان فيها من المعجزات أنه كان يستقي بها فتطول طول البئر، ~~وتصير شعبتاها دلوا، ويصيران شمعتين في الليل وإذا ظهر عدو حاربت عنه، ~~وإذا اشتهى ثمرة ركزها فأورقت وأثمرت، وكان يحمل عليها زاده وماءه وكانت ~~يابسة ويركزها فينبع الماء، وإذا رفعها نضب، وكان تقيه الهوام قال مقاتل: ~~كان اسمها نبعة. # وروي عن ابن عباس: أنها كانت تماشيه وتحدثه. # قال الله تعالى: { ألقها يا موسى } أي انبذها. # قال وهب ظن موسى أنه يقول أرفضها " فألقاها " على وجه الأرض ثم ~~نظر إليها { فإذا هي حية تسعى } صفراء أعظم ما تكون من ~~الحيات تمشي بسرعة لها عرف كعرف الفرس، وكان بين لحييها أربعون ذراعا، ~~صارت شعبتاها شدقين لها والمحجن عنقا يهتز، وعيناها متقدان كالنار، ~~وتمر بالصخرة العظيمة مثل الخلفة من الإبل فتلتقمها، وتقصف الشجرة ~~العظيمة بأنيابها، ويسمع لأسنانها (صريف عظيم). # وهذا خارق عظيم وبرهان قاطع على أن الذي يكلمه هو الذي يقول للشيء كن ~~فيكون. # فصل # والحكمة في قلب العصا حية في ذلك الوقت من وجوه: # أحدها: لتكون معجزة لموسى - عليه السلام - يعرف بها نبوة ms6025 نفسه، لأنه ~~عليه السلام - إلى هذا الوقت ما سمع إلا النداء. والنداء وإن كان مخالفا ~~للعادات إلا أنه لم يكن معجزا، لاحتمال أن يكون ذلك من عادات الملائكة ~~أو الجن، فقلب العصا حية ليكون دليلا قاهرا على الممعجزة. # الثاني: أنه تعالى عرضها عليه ليشاهدها أولا، فإذا شاهدها عند فرعون ~~لا يخافها. # وثالثها: أنه كان راعيا فقيرا ثم نصب للمنصب العظيم فلعله بقي ~~يتعجب من ذلك، فقلب العصا حية تنبيا على أني لما قدرت على ذلك، فكيف ~~يستبعد مني نصرة مثلك في إظهار الدين. # فإن قيل: كيف قال ههنا " حية " وفي موضع آخر " جان " وهو الحية ~~الخفية الصغيرة، وقال في موضع " ثعبان " وهو أكبر ما يكون من الحيات؟ # فالجواب: أن الحية اسم جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير والكبير ~~وأما الجان فقيل: عبارة عن ابتداء حالها فإنها كانت حية على قدر ~~العصا ثم تورمت وتزايدت وانتفخت حتى صارت ثعبانا. # وقيل: كانت في عظم الثعبان وسرعة الجان لقوله تعالى: # فلما رءاها تهتز كأنها جآن # [النمل: 10، القصص: 31]. # (و " تسعى " ) يجوز أن تكون خبرا ثانيا عند من يجوز ذلك ويجوز أن ~~تكون صفة ل " حية " فلما عاين موسى ذلك " ولى مدبرا " ، وهرب ~~ثم ذكر ربه فوقف استحياء فنودي: { خذها ولا تخف سنعيدها ~~سيرتها } (وهيئتها) " الأولى " أي نردها عصا كما كانت. قوله: " ~~سيرتها " في نصبها أوجه: # أحدها: أن تكون منصوبة على الظرف، أي في سيرتها أي: طريقتها. # الثاني: أن تكون منصوبة على البدل من " ها " " سنعيدها " بدل ~~اشتمال لأن السيرة الصفة، أي سنعيدها صفتها وشكلها. # الثالث: أنها منصوبة على إسقاط الخافض أي: إلى سيرتها. # قال الزمخشري: ويجوز أن يكون مفعولا من عاد أي عاد إليه، فيتعدى ~~لمفعولين، ومنه بيت زهير: # 3652- وعادك أن تلاقيها عداء # وهذا هو (معنى قول من قال: إنه على إسقاط (إلى) و) كان قد جوز أن يكون ~~ظرفا كما تقدم، إلا أن أبا حيان رده بأنه ظرف مختص فلا يصل إليه ~~الفعل إلا بواسطة (في) إلا فيما (شذ. والسيرة) فعلة تدل على ms6026 الهيئة ~~من السير كالركبة من الركوب، ثم اتسع فعبر بها عن المذهب والطريقة، ~~قال خالد الهذلي: # 3653- فلا تغضبن من سيرة أنت سرتها # فأول راض سيرة من يسيرها # وجوز أيضا أن ينتصب بفعل مضمر، أي: يسير سيرتها الأولى، وتكون هذه ~~الجملة المقدرة في محل نصب على الحال؛ أي: سنعيدها سائرة سيرتها. # فإن قيل: لما نودي يا موسى، وخص بتلك الكرامات العظيمة وعلم أنه ~~مبعوث من عند الله تعالى إلى الخلق فلماذا خاف؟ فالجواب من وجوه: # أحدها: أن ذلك الخوف كان من نفرة الطبع لأنه - عليه السلام - ما شاهد ~~مثل ذلك قط، وهذا معلوم بدلائل العقول. قال أبو القاسم الأنصاري: وذلك ~~الخوف من أقوى الدلائل على صدقه في النبوة، لأن الساحر يعلم أن الذي أتى ~~به تمويه فلا يخافه البتة. # وثانيها: خاف لأنه عليه السلام عرف ما لقي آدم منها. # وثالثها: أن مجرد قوله " ولا تخف " لا يدل على حصول الخوف كقوله: # ولا تطع الكافرين # [الأحزاب: 1، 48] لا يدل على وجود تلك الطاعة، لكن قوله: # فلما رءاها تهتز كأنها جآن ولى مدبرا # [النمل: 10، القصص: 31] يدل عليه. # فصل # قال المفسرون: كان على موسى مدرعة من صوف قد خللها بعيدان. فلما ~~قال له: " خذها " لف طرف المدرعة على يده، فأمره الله أن يكشف ~~يده، فكشف. وقيل: إن ملكا قال: أرأيت لو أذن الله بما تحاذره أكانت ~~المدرعة تغني عنك شيئا؟ فقال: لا ولكني ضعيف، ومن ضعف خلقت، ~~فكشف يده، ثم وضعها في فم الحية فإذا هي عصا كما كانت، ويده في شعبتيها ~~في الموضع الذي يضعها إذا توكأ. واعلم إن إدخاله يده في فم الحية من ~~غير ضرر معجزة وانقلابها خشبا معجز آخر، وانقلاب العصا حية معجز آخر، ~~ففيها توالي معجزات مع المآرب التي تقدمت. ### || [20.22-23] # قوله: { واضمم يدك إلى جناحك } لا بد هنا من حذف ~~والتقدير: واضمم يدك تنضم وأخرجها تخرج، فحذف من الأول والثاني وأبقى ~~مقابليهما ليدلان على ذلك إيجازا واختصارا وإنما احتيج إلى هذا، لأنه ~~لا يترتب على مجرد الضم الخروج. وقوله: ms6027 " بيضاء " حال من فاعل تخرج. # قوله: { من غير سوء } يجوز أن يكون متعلقا ب " تخرج " وأن ~~يكون متعلقا ب " بيضاء " لما فيها من معنى الفعل حو ابيضت من غير ~~سوء. (ويجوز) أن يكون متعلقا بمحذوف على أنه حال من الضمير في " ~~بيضاء ". # وقوله: { من غير سوء } يسمى عند أهل البيان الاحتراس، وهو أن ~~يؤتى بشيء يرفع توهم من يتوهم غير المراد، وذلك أن البياض قد يراد به ~~البرص والبهق فأتى بقوله: { من غير سوء } نفيا لذلك. # قوله: " آية " فيها أوجه: # أحدها: أن يكون حالا، أعني أنها بدل من " بيضاء " الواقعة حالا. # الثاني: أنها حال من الضمير في " بيضاء ". # الثالث: أنها حال من (الضمير في) الجار والمجرور. # والرابع: أنها منصوبة بفعل محذوف، فقدره أبو البقاء: جعلناها آية، ~~(أو آتيناك) آية. وقدره الزمخشري: خذ آية، وقدر أيضا: دونك آية. ~~ورد أبو حيان هذا، لأن ذلك من باب الإغراء، ولا يجوز إضمار الظروف في ~~الإغراء. قال: لأن العامل حذف وناب هذا مكانه، فلا يجوز أن يحذف النائب ~~أيضا، وأيضا فإن أحكامها تخالف العامل الصريح، فلا يجوز إضمارها وإن ~~جاز إضمار الأفعال. # فصل # يقال لكل ناحيتين، جناحان كجناحي العسكر لطرفيه، وجناحا الإنسان ~~جانباه والأصل المستعار منه جناحا الطائر، لأنه يجنحها عند الطيران. # وجناحا الإنسان عضداه أي: اضمم يدك إلى إبطك تخرج بيضاء نيرة ~~مشرقة من غير سوء وعن ابن عباس: " إلى جناحك " أي إلى صدرك. # والأول أولى، لأن يدي الإنسان يشبهان جناحي الطائر، ولأنه قال: " ~~تخرج بيضاء " ولو كان المراد بالجناح الصدر لم يكن لقوله " ~~تخرج " معنى. ومعنى ضم اليد إلى الجناح ما قاله في آية أخرى # وأدخل يدك في جيبك # [النمل:12]، لأنه إذا أدخل يده في جيبه كان كأنه قد ضم يده إلى جناحه. # والسوء: الرداءة والقبح في كل شيء، وكنى عن البرص كما كنى عن ~~العورة بالسوأة، والبرص أبغض شيء إلى العرب، فكان جديرا بأن ~~يكنى عنه بالسوء، وكان عليه السلام شديد الأدمة فكان إذا أدخل يده ~~اليمنى في جيبه، وأدخلها تحت ms6028 إبطه الأيسر وأخرجها فكانت تبرق مثل البرق، ~~وقيل: مثل الشمس، من غير برص، ثم إذا ردها عادت إلى لونها الأول. # " آية أخرى " دلالة على صدقك سوى العصا. # قوله: " لنريك " متعلق بما دلت عليه " آية " أي: دللنا بها ~~لنريك، أو ب (جعلناها)، أو ب (آتيناك) المقدر. وقدره ~~الزمخشري: لنريك فعلنا ذلك، وجوز الحوفي أن يتعلق ب " اضمم ~~". وجوز غيره أن يتعلق (بتخرج). ولا يجوز أن يتعلق بلفظ آية، لأنها ~~قد وصفت. وقدره الزمخشري أيضا: لنريك خذ هذه الآية أيضا. # قوله: { من آياتنا الكبرى }. # يجوز أن يتعلق " من آياتنا " بمحذوف على أنه حال من " الكبرى " ~~ويكون " الكبرى " على هذا مفعولا ثانيا " لنريك " والتقدير: " ~~لنريك الكبرى " حال كونها من آياتنا، على هذا مفعولا ثانيا " ~~لنريك " والتقدير: " لنريك الكبرى " حال كونها من آياتنا، أي: ~~بعض آياتنا ويجوز أن يكون المفعول الثاني نفس " من آياتنا " فيتعلق ~~بمحذوف أيضا، و " الكبرى " على هذه صفة ل " آياتنا " ووصف الجمع ~~المؤنث غير العاقل وصف الواحد على حد " مآرب أخرى " و " الأسماء ~~الحسنى ". # وهذان الوجهان قد نقلهما الزمخشري والحوفي (وأبو البقاء) واختار أبو ~~حيان الثاني قال: لأنه يلزم من ذلك أن تكون آياته كلها هي الكبرى، لأن ~~ما كان بعض الآيات الكبر صدق عليه آية الكبرى، لأنها هي المتصفة ~~بأفعل التفضيل، وأيضا إذا جعلت " الكبرى " مفعولا فلا يمكن أن يكون ~~صفة للعصا واليد معا، إذ كان يلزم التثنية، ولا جائز أن يخص أحدهما ~~بالوصف دون الأخرى، لأن التفضيل في كل منهما. # فصل # قال المفسرون: قال: { لنريك من ءاياتنا الكبرى } ولم ~~يقل: الكبر لرؤوس الآي. وقيل: فيه إضمار معناه: لنريك من آياتنا ~~الآية الكبرى ويدل عليه قول ابن عباس: كانت يد موسى أكبر آياته وهو قول ~~الحسن قال: اليد أعظم في الإعجاز من العصا، فإنه جعل " الكبرى " ~~مفعولا ثانيا لنريك وجعل ذلك (راجعا للآية القريبة، وقد) ضعف ذلك ~~بأنه ليس في اليد إلا تغير اللون، (وأما العصا ففيها تغير اللون) وخلق ~~الزيادة في الجسم وخلق الحياة والقدرة والأعضاء المختلفة، وابتلاع ms6029 الشجر ~~والحجر، ثم عادت عصا بعد ذلك، فقد وقع التغير مرة أخرى في كل هذه الأمور ~~فكانت العصا أعظم. # وأما قوله: { لنريك من ءاياتنا الكبرى } فقد ثبت أنه ~~عائد إلى الكلام، وأنه غير مختص باليد. ### || [20.24-35] # قوله تعالى: { اذهب إلى فرعون إنه طغى } لما أظهر له ~~الآيات عقبها بأن أمره بالذهاب إلى فرعون، وبين العلة في ذلك، وهو ~~أنه طغى، وإنما خص فرعون بالذكر مع أنه بعث موسى إلى الكل لأنه ادعى ~~الإلهية وتكبر، وكان متبوعا فكان ذكره أولى. ومعنى " طغى " جاوز ~~الحد في العصيان والتمرد، فبلغه رسالتي وادعه إلى عبادتي ~~وحذره نقمتي. # قال موسى: { رب اشرح لي صدري } وسعه للحق. # (قال ابن عباس): يريد حتى لا أخاف غيرك. والسبب في هذا السؤال ما حكى ~~الله تعالى عنه في موضع آخر # ويضيق صدري ولا ينطلق لساني # [الشعراء: 13] وذلك أن موسى كان يخاف فرعون خوفا شديدا، لشدة شوكته ~~وكثرة جنوده، وكان يضيق صدرا (بما كلف) من مقاومة فرعون فسأل الله ~~تعالى أن يوسع قلبه حتى يعلم أن أحدا لا يقدر على مضرته إلا بإذن الله ~~تعالى، وإذا علم ذلك لم يخف فرعون وشدة شوكته وكثرة جنوده. # (قوله: " لي) صدري " متعلق ب " اشرح " ، قال الزمخشري: فإن قلت: ~~(لي) في قوله: { اشرح لي صدري ويسر لي أمري } ما جدواه ~~والأمر مستتب بدونه. قلت: قد أبهم الكلام أولا فقال: " اشرح لي " " ~~ويسر لي " فعلم أن ثم مشروحا وميسرا، ثم بين ورفع الإبهام ~~بذكرهما، فكان آكد لطلب الشرح لصدره، والتيسير لأمره. # ويقال: يسرته لكذا، ومنه " فسنيسره لليسرى " ويسرت ~~له كذا، ومنه هذه الآية. # قوله: { ويسر لي أمري } أي سهل علي ما أمرتني به من تبليغ ~~الرسالة إلى فرعون. وذلك لأن كل ما يصدر من العبد من الأفعال، والأقوال ~~والحركات، والسكنات فما لم يصر العبد مريدا له استحال أن يصير فاعلا ~~له، فهذه الإرادة صفة محدثة، ولا بد لها من فاعل، وفاعلها إن كان هو ~~العبد افتقر في تحصيل تلك الإرادة إلى إرادة أخرى ولزم التسلسل ms6030 بل لا بد ~~من الانتهاء إلى إرادة يخلقها مدبر العالم ففي الحقيقة هو الميسر للأمور. # قوله: { واحلل عقدة من لساني } ، وذلك أن موسى كان في حجر ~~فرعون ذات يوم في صغره، فلطم فرعون لطمة، وأخذ بلحيته، فقال فرعون لآسية ~~امرأته: إن هذا عدوي وأراد أن يقتله، فقالت آسية: إنه صبي لا يعقل ~~ولا يميز جربه إن شئت، فجاء بطشتين في أحدهما جمر، والآخر جوهر، ~~فوضعهما بين يدي موسى، فأراد أن يأخذ الجوهر، فأخذ جبريل عليه السلام يد ~~موسى فوضعها على النار، فأخذ جمرة فوضعها في فيه، فاحترق لسانه، (وصارت ~~عليه عقدة). # وقيل: قربا إليه ثمرة وجمرة، فأخذ الجمرة فوضعها في فيه فاحترق ~~لسانه. # [قالوا]: ولم تحترق اليد، لأنها آلة أخذ العصا. # وقيل: كان ذلك التعقد خلقة فسأل الله تعالى إزالته. واختلفوا في أنه ~~لم طلب حل العقدة؟ فقيل: لئلا يقع في خلل في أداء الوحي. وقيل: لئلا ~~يستخف بكلامه فينفروا عنه ولا يلتفتوا إليه. وقيل: لإظهار المعجزة كما أن ~~حبس لسان زكريا عن الكلام كان معجزا في حقه، فكذا إطلاق لسان موسى - ~~عليه السلام - معجز في حقه. # فصل # قال الحسن: إن تلك العقدة زالت بالكلية، لقوله تعالى: # قد أوتيت سؤلك يموسى # [طه:36]، وقيل: هذا ضعيف، لأنه عليه السلام لم يقل: واحلل العقدة من ~~لساني بل قال: { واحلل عقدة من لساني } ، فإذا حل عقدة ~~واحدة فقد آتاه الله سؤله، والحق أنه انحل أكثر العقد وبقي منها شيء ~~لقوله حكاية عن فرعون # أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد ~~يبين # [الزخرف:52] مع بقاء قدر من الانعقاد في لسانه وأجيب عنه بوجهين: # أحدهما: أن المراد بقوله: { ولا يكاد يبين } أي لا يأتي ببيان ~~وحجة. # والثاني: أن (كاد) بمعنى قرب. فلو كان المراد هو البيان اللساني، ~~لكان معناه: أنه لا يقارب البيان، فكان فيه نفي البيان بالكلية، وذلك ~~باطل، لأنه خاطب فرعون وقومه، وكانوا يفهمون، فكيف يمكن نفي البيان، بل ~~إنما قالوا ذلك تمويها ليصرفوا الوجوه عنه. واعلم أن النطق فضيلة ms6031 عظيمة، ~~ويدل عليه وجوه: # الأول: قوله تعالى: # خلق الإنسان علمه البيان # [الرحمن: 3، 4]، ولهذا قيل للإنسان: هو الحيوان الناطق. # الثاني: اتفاق العقلاء على تعظيم أمر اللسان قال زهير: # 3654- لسان الفتى نصف ونصف فؤاده # فلم يبق إلا صورة اللحم والدم # وقالوا: ما الإنسان لولا اللسان إلا بهيمة مرسلة. أي لو ذهب النطق ~~اللساني لم يبق من الإنسان إلا القدر الحاصل في البهائم. # وقالوا: المرء بأصغريه أي قلبه ولسانه. # وقالوا: " المرء مخبوء تحت لسانه ". # الثالث: أن في مناظرة آدم - عليه السلام - مع الملائكة ما ظهرت الفضيلة ~~إلا بالنطق حيث قال: # يآءادم أنبئهم بأسمآئهم فلمآ أنبأهم ~~بأسمآئهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب ~~السموات والأرض # [البقرة: 33]. # قوله: " من لساني " يجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة ل " عقدة ~~" أي: من عقد لساني، ولم يذكر الزمخشري غيره. ويجوز أن يتعلق بنفس " ~~احلل " ، والأول أولى. قوله: { واجعل لي وزيرا } يجوز أن يكون ~~مفعولا ثانيا مقدما و " وزيرا " هو المفعول الأول، و " من ~~أهلي " على هذا يجوز أن يكون صفة ل " وزيرا " ، ويجوز أن يكون ~~متعلقا بالجعل، و " هارون " بدل من " وزيرا " وجوز أبو البقاء أن ~~يكون " هارون " عطف بيان ل " وزيرا ". ولم يذكر الزمخشري غيره. ~~ولما حكى أبو حيان هذا لم يعقبه بنكير، وهو عجب منه فإن عطف البيان ~~يشترط فيه التوافق تعريفا وتنكيرا، وقد عرفت أن وزيرا نكرة، وهارون ~~معرفة. # والزمخشري قد تقدم له مثل ذلك في قوله تعالى: # فيه ءايات بينات مقام إبراهيم # [آل عمران: 97]، وتقدم الكلام معه هناك، وهو عائد هنا. # ويجوز أن يكون " هارون " منصوبا بفعل محذوف كأنه قال: أخص من بينهم ~~هارون من بين أهلي ويجوز أن يكون " وزيرا " مفعولا ثانيا و " هارون ~~" هو الأول، وقدم الثاني عليه اعتناء بأمر الوزارة. وعلى هذا فقوله: " ~~لي " يجوز أن يتعلق بنفس الجعل، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من " ~~وزيرا " إذ هو في الأصل صفة له، و " من أهلي " على ما تقدم من ~~وجهيه ويجوز أن يكون " وزيرا " مفعولا أول، و " من ms6032 أهلي " هو ~~الثاني. وقوله: " لي " مثل قوله: # ولم يكن له كفوا أحد # [الإخلاص: 4] يعنون أنه به يتم المعنى. ذكر ذلك أبو البقاء. # ولما حكاه أبو حيان لم يعقبه بنكير، وهو عجب، لأن شرط المفعولين في باب ~~النواسخ صحة انعقاد الجملة الاسمية، وأنت لو ابتدأت بوزير وأخبرت عنه ب ~~(من أهلي) لم يجز، إذ لا مسوغ للابتداء به. و " أخي " بدل أو ~~عطف بيان ل " هارون ". # وقال الزمخشري: وإن جعل عطف بيان آخر جاز وحسن. # قال أبو حيان: ويبعد فيه عطف البيان، لأن عطف البيان الأكثر فيه ~~أن يكون الأول دونه في الشهرة، وهذا بالعكس. # قال شهاب الدين: لم يرد الزمخشري أن " أخي " عطف بيان ل " ~~هارون " حتى يقول الشيخ: إن الأول وهو " هارون " أشهر من الثاني ~~وهو " أخي " ، إنما عنى الزمخشري أنه عطف بيان أيضا ل " وزيرا " ، ~~ولذلك قال: آخر، ولا بد من الإتيان بلفظه ليعرف أنه لم يرد إلا ما ذكرته. # قال: " وزيرا " و " هارون " مفعولا قوله: " اجعل " ، أو " لي ~~وزيرا " مفعولاه، و " هارون " عطف بيان للوزير، و " أخي " في ~~الوجهين بدل من " هارون " ، وإن جعل عطف بيان آخر جاز وحسن فقوله: ~~(آخر) يعين أن يكون عطف بيان لما جعل عنه عطف بيان قبل ذلك. # وجوز الزمخشري (في " أخي " ) أن يرتفع بالابتداء، ويكون خبره الجملة ~~من قوله: " اشدد به " ، وذلك على قراءة الجمهور له بصيغة الدعاء، ~~وعلى هذا فالوقف على " هارون ". وقرأ ابن عامر " أشدد " للمضارعة، ~~وجزم الفعل جوابا للأمر، " وأشركه " بضم الهمزة للمضارعة، وجزم ~~الفعل نسقا على ما قبله حكاية عن موسى: أنا أفعل ذلك. # وقرأ الباقون بحذف همزة الوصل من الأول، وفتح همزة القطع في الثاني على ~~أنهما دعاء من موسى لربه بذلك، وعلى هذه الجملة قد ترك فيها العطف خاصة ~~دون ما تقدمها من جمل الدعاء وقرأ الحسن " أشدد " مضارع شدد ~~بالتشديد. # والوزير: قيل: مشتق من الوزر، وهو الثقل. وسمي به لأنه تحمل أعباء ~~الملك ومؤنه، فهو معين على أمر الملك وقائم بأمره. # وقيل: هو من ms6033 الوزر، وهو الحبل الذي يتحصن به وهو الملجأ لقوله تعالى: { ~~كلا لا وزر } قال: # 3655- من السباع الضواري دونها وزر # والناس شرهم ما دونه وزر # كم معشر سلموا لم يؤذهم سبع # ولا ترى بشرا لم يؤذهم بشر # وقيل: من المؤازرة، وهي المعاونة، نقله الزمخشري عن الأصمعي قال: ~~وكان القياس أزيرا يعني بالهمزة، لأن المادة كذلك، قال الزمخشري: ~~(فقلبت): الهمزة إلى الواو، ووجه قلبها إليها أن فعيلا جاء بمعنى ~~مفاعل مجيئا صالحا كقولهم: عشير، وجليس، وخليط وصديق، ~~وخليل، ونديم فلما قلبت في أخيه قلبت فيه، وحمل الشيء على نظيره ليس ~~بعزيز، ونظر إلى يؤازر وإخوته وإلى المؤازرة. يعني أن وزيرا بمعنى ~~مؤازر، ومؤازر تقلب فيه الهمزة واوا قليلة قياسا، لأنها همزة مفتوحة ~~بعد ضمة فهو نظير مؤجل ويؤاخذكم وشبهه، فحمل أزير عليه في القلب، ~~وإن لم يكن فيه سبب القلب. والمؤازرة مأخوذة من إزار الرجل، وهو ~~الموضع الذي يشده الرجل إذا استعد لعمل متعب. # فصل # اعلم أن طلب الوزير إما أنه خاف على نفسه العجز عن القيام بذلك الأمر ~~فطلب المعين، أو لآنه رأى أن التعاون على الدين والتظاهر عليه مع ~~مخالصة الود وزوال التهمة قربة عظيمة في الدعاء إلى الله تعالى، ولذلك ~~قال عيسى ابن مريم: # من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار ~~الله # [آل عمران: 52]، وقال لمحمد عليه السلام # يأيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من ~~المؤمنين # [الأنفال: 64] وقال عليه السلام: # " إن لي في السماء وزيرين، وفي الأرض وزيرين ~~فاللذان في السماء جبريل وميكائيل (عليهما السلام) ~~واللذان في الأرض أبو بكر وعمر (رضي الله عنهما " ) ". # وقال عليه السلام: # " إذا أراد الله بملك خيرا قيض الله له وزيرا ~~صالحا إن نسي ذكره، وإن نوى خيرا أعانه، وإن أراد ~~شرا كفه " # وقال أنوشروان: لا يستغني أجود السيوف عن الصقل، ولا أكرم ~~الدواب عن السوط (ولا أعلم الملوك عن الوزير). وأراد موسى - عليه ~~السلام - أن يكون ذلك الوزير من أهله أي من أقاربه، وأن يكون أخاه هارون، ~~والسبب فيه إما لأن التعاون ms6034 على الدين منفعة عظيمة فأراد أن لا تحصل ~~هذه الدرجة إلا بأهله، أو لأن كل واحد منهما كان في غاية المحبة لصاحبه. # وكان هارون أكبر سنا من موسى بأربع سنين، وكان أفصح منه لسانا، ~~وأجمل وأوسم أبيض اللون، وكان موسى آدم اللون أقنى جعدا. # و " اشدد به (أزري " قو) ظهري، { وأشركه في أمري } ~~في النبوة. والأزر القوة، وآزره: قواه. وقال أبو عبيدة: ~~أزري: ظهري. وفي كتاب الخليل: الأزر الظهر. # ثم إنه تعالى حكى عنه ما لأجله دعا بهذا الدعاء فقال: { كي ~~نسبحك كثيرا } قال الكلبي: نصلي لك كثيرا، ونحمدك، ونثني ~~عليك. # والتسبيح: تنزيه الله تعالى في ذاته وصفاته عما لا يليق به. " ~~ونذكرك كثيرا " أي: نصفك بصفات الجلال والكبرياء. # قوله: " كثيرا " نعت لمصدر محذوف، أو حال من ضمير المصدر كما هو رأي ~~سيبويه. # وجوز أبو البقاء: أن يكون نعتا لزمان محذوف، أي: زمانا كثيرا. # قوله: { إنك كنت بنا بصيرا } أي عالما بأنا لا نريد بهذه ~~الطاعات إلا وجهك ورضاك، أو بصيرا بأن الاستعانة بهذه الأشياء لأجل ~~حاجتي في النبوة إليه، أو بصيرا بوجوه مصالحنا فأعطنا ما هو أصلح ~~لنا. ### || [20.36-39] # قوله تعالى: { قال قد أوتيت سؤلك يا موسى. ولقد ~~مننا عليك مرة أخرى } فعل بمعنى مفعول كقولك: خبز ~~بمعنى مخبوز وأكل بمعنى مأكول، ولا ينقاس و " مرة " مصدر، و ~~" أخرى " تأنيث آخر بمعنى: غير، وزعم بعضهم أنها بمعنى آخرة فتكون ~~مقابلة للأولى، وتخيل لذلك بأن قال سماها أخرى وهي أولى، لأنها ~~أخرى في الذكر. # فصل # إن موسى عليه السلام لما سأل ربه تلك الأمور الثمانية، وكان في المعلوم ~~أن قيامه بما كلفه (لا يتم إلا بإجابته إليها، لا جرم أجابه الله تعالى ~~إليها ليكون أقدر على إبلاغ ما كلف به) فقال: { قال قد أوتيت ~~سؤلك يا موسى. ولقد مننا عليك مرة أخرى } ~~فنبه بذلك على أمور: # أحدها: كأنه تعالى قال: إني راعيت مصلحتك قبل سؤالك فكيف لا ~~أعطيك مرادك بعد السؤال. # وثانيها: إني كنت ربيتك فلو منعتك الآن كان ذلك ms6035 ردا بعد القبول وإساءة ~~بعد الإحسان، فكيف يليق بكرمي. # وثالثها: إنا أعطيناك في الأزمنة السالفة كل ما احتجت إليه، ~~ورقيناك إلى الدرجة العالية، وهي درجة النبوة، فكيف يليق بمثل هذه ~~الرتبة المنع عن المطلوب. ومعنى " مننا عليك " أنعمنا ~~عليك " مرة أخرى " فإن قيل: لم ذكر تلك النعم بلفظ ~~المنة مع أن هذه اللفظة مؤذية والمقام مقام التلطف؟ # فالجواب: إنما ذكر ذلك ليعرف موسى عليه السلام أن هذه النعم التي وصل ~~إليها ما كان مستحقا لشيء منها، بل إنما خصه الله بها لمحض التفضل ~~والإحسان. # فإن قيل: لم قال: " مرة أخرى " مع أنه تعالى ذكر " مننا " ~~كثيرة؟ # فالجواب: لم يعن ب " مرة أخرى " مرة واحدة من المنن، لأن ~~ذلك قد يقال في القليل والكثير. # قوله: " إذ أوحينا " العامل في " إذ مننا " أي مننا عليك في ~~وقت إيحائنا إلى أمك، وأبهم في قوله: " ما يوحى " للتعظيم كقوله ~~تعالى: # فغشيهم من اليم ما غشيهم # [طه: 78] وهذا وحي إلهام، لأن الأكثرين على أن أم موسى - عليه السلام - ~~ما كانت من الأنبياء، وذلك لأن المرأة لا تصلح للقضاء والإمامة، ولا تمكن ~~عند أكثر العلماء من تزويج نفسها، ويدل على ذلك قوله تعالى: # ومآ أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم # [الأنبياء: 7]. # والوحي قد جاء في القرآن لا بمعنى النبوة قال تعالى: # وأوحى ربك إلى النحل # [النحل: 68] # وإذ أوحيت إلى الحواريين # [المائدة: 111] ثم اختلفوا في المراد بهذا الوحي على وجوه: # الأول: أنه رؤيا رأتها أم موسى، وكان تأويلها وضع موسى عليه السلام في ~~التابوت، وقذفه في البحر، وأن الله تعالى يرده إليها. # الثاني: أنه عزيمة جازمة وقعت في قلبها دفعة واحدة. # الثالث: المراد منه خطور البال وغلبته على القلب. # فإن قيل: الإلقاء في البحر قريب من الإهلاك، وهو مساو للخوف الحاصل من ~~القتل المعتاد من فرعون، فكيف يجوز الإقدام على أحدهما لأجل الصيانة عن ~~الثاني؟ فالجواب لعلها عرفت بالاستقراء صدق رؤياها، فكان الإلقاء في ~~البحر إلى السلامة أغلب على ظنها من وقوع الولد في يد فرعون، أو ms6036 لعله ~~أوحى إلى بعض الأنبياء في ذلك الزمان كشعيب أو غيره، ثم أن ذلك ~~النبي عرفها إما مشافهة، أو مراسلة. # واعترض عليه بأن الأمر لو كان كذلك لما لحقها الخوف. وأجيب: ذلك الخوف ~~كان من لوازم البشرية، كما أن موسى - عليه السلام - كان يخاف من فرعون مع ~~أن الله - تعالى - كان أمره بالذهاب إليه مرورا. # الرابع من الأوجه: لعل بعض الأنبياء المتقدمين كإبراهيم وإسحاق ويعقوب - ~~عليهم السلام - أخبروا بذلك الخبر، وانتهى ذلك الخبر إلى أمه. أو لعل ~~الله بعث إليها ملكا لا على وجه النبوة كما بعث إلى مريم في قوله: # فتمثل لها بشرا سويا # [مريم: 17]. # وأما قوله: " ما يوحى " معناه: أوحينا إلى أمك ما يجب أن يوحى، ~~وإنما وجب ذلك الوحي، لأن الواقعة عظيمة، ولا سبيل إلى معرفة المصلحة ~~فيها إلا بالوحي، فكان الوحي فيها واجبا. # قوله: " أن اقذفيه " يجوز أن تكون " أن " مفسرة، لأن الوحي ~~بمعنى القول، ولم يذكر الزمخشري غيره. وجوز غيره أن تكون مصدرية، ومحلها ~~حينئذ النصب بدلا من " ما يوحى " والضمائر في (قوله: " أن) اقذفيه ~~" إلى آخرها عائدة على موسى - عليه السلام - لأنه المحدث عنه. # وجوز بعضهم أن يعود الضمير في قوله: { فاقذفيه في اليم } ~~للتابوت، وما بعده وما قبله لموسى - عليه السلام - وعابه الزمخشري ~~وجعله تنافرا ومخرجا للقرآن عن إعجازه فإنه قال: والضمائر كلها ~~راجعة إلى موسى، ورجوع بعضها إليه وبعضها إلى التابوت فيه هجنة لما يؤدي ~~إليه من تنافر النظم، فإن قلت: المقذوف في البحر هو التابوت، وكذلك ~~الملقى إلى الساحل قلت: ما ضرك لو جعلت المقذوف والملقى إلى الساحل هو ~~موسى في جوف التابوت حتى لا تفرق الضمائر، فيتنافر عليك النظم الذي هو أم ~~إعجاز القرآن، والقانون الذي وقع عليه التحدي، ومراعاته أهم ما يجب على ~~المفسر. # قال أبو حيان: ولقائل أن يقول: إن الضمير إذا كان صالحا لأن يعود ~~على الأقرب وعلى الأبعد، كان عوده على الأقرب راجحا، وقد نص النحويون ~~على هذا، فعوده على التابوت في قوله: { فاقذفيه في اليم ms6037 ~~فليلقه اليم } راجح، والجواب: أن أحدهما إذا كان محدثا عنه ~~والآخر فضلة كان عوده على المحدث عنه أرجح، ولا يلتفت إلى القرب ولهذا ~~رددنا على أبي محمد بن جزم في دعواه أن الضمير في قوله تعالى: " فإنه ~~رجس " عائد على (خنزير) لا على (لحم)، لكونه أقرب مذكور، فيحرم ~~بذلك شحمه، وغضروفه وعظمه وجلده، فإن المحدث عنه هو لحم خنزير لا ~~خنزير. # وقد تقدمت هذه المسألة في الأنعام. # قوله: " فليلقه اليم " هذا أمر معناه الخبر، ولكونه أمرا ~~لفظا جزم جوابه في قوله " يأخذه " ، وإنما خرج بصيغة الأمر مبالغة ~~إذ الأمر أقطع الأفعال وآكدها، قال الزمخشري: لما كانت مشيئة الله ~~وإرادته أن يجري ماء اليم، ويلقى بذلك التابوت إلى الساحل سلك في ذلك ~~سبيل المجاز، وجعل اليم كأنه ذو تمييز أمر بلك ليطيع الأمر، ويتمثل ~~رسمه فقيل: { فليلقه اليم بالساحل }. و " بالساحل " ~~يحتمل أن يتعلق بمحذوف على أن الباء للحال. أي: ملتبسا بالساحل. وأن ~~يتعلق بنفس الفعل على أن الباء ظرفية بمعنى (في) والقذف يستعمل بمعنى ~~الإلقاء والوضع، ومنه قوله: # وقذف في قلوبهم الرعب # [الأحزاب: 26] واليم البحر، والمراد به ههنا نيل مصر (في قول ~~الجميع) واليم: اسم يقع على النهر والبحر العظيم. # قال الكسائي: والساحل فاعل بمعنى مفعول، سمي بذلك لأن الماء ~~يسحله أي: يغمره إلى أعلاه. # فصل # روي أنها اتخذت تابوتا. # قال مقاتل: إن الذي صنع التابوت حزيقيل مؤمن آل فرعون وجعلت في ~~التابوت قطنا محلوجا، ووضعت فيه موسى، وقيرت رأسه وشقوقه بالقير، ثم ~~ألقته في النيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، فبينما فرعون جالس ~~على رأس البركة مع امرأته آسية إذا بتابوت يجيء به الماء، فأمر الغلمان ~~والجواري بإخراجه، فأخرجوه، وفتحوا رأسه، فإذا صبي من أصبح الناس ~~وجها، فلما رآه فرعون أحبه بحيث لم يتمالك، فذلك قوله: { وألقيت ~~عليك محبة مني } قال ابن عباس: أحبه وحببه إلى ~~خلقه. # وقال عكرمة: ما رآه أحد إلا أحبه. # فإن قيل: قوله: { يأخذه عدو لي وعدو له } ولم يكن ~~موسى في ms6038 ذلك الوقت معاديا له. # فالجواب: من وجهين: # الأول: كونه كافرا عدوا لله، وكونه عدوا لموسى - عليه السلام -، ~~فإنه بحيث لو ظهر له حاله لقتله. # والثاني: عدوا بحيث يؤول أمره إلى عداوته. # قوله: " مني " فيه وجهان: قال الزمخشري: " مني " لا يخلو إما أن ~~يتعلق ب " ألقيت " فيكون المعنى: على أني أحببتك، ومن أحبه الله ~~أحبته القلوب. # وإما أن يتعلق بمحذوف هو صفة ل " محبة " أي: محبة حاصلة وواقعة ~~مني قد ركزتها أنا في القلوب، وزرعتها فيها، فلذلك أحبتك امرأة فرعون ~~حتى قالت: # قرة عين لي ولك لا تقتلوه # [القصص: 9]. روي أنه كان على وجهه مسحة جمال، وفي عينيه ملاحة، لا يكاد ~~يصبر عنه من رآه، وهو كقوله - تعالى-: # سيجعل لهم الرحمن ودا # [مريم: 96] قال القاضي: هذا الوجه أقرب، لأنه حال صغره لا يكاد يوصف ~~بمحبة الله تعالى التي ظاهرها من جهة الدين؛ لأن ذلك إنما يستعمل في ~~المكلف من حيث استحقاق الثواب. # فالمراد أول ما ذكر في كيفيته في الخلقة يستحلى ويغتبط به، وكذلك كانت ~~حاله مع فرعون وامرأته. (ويمكن أن يقال) بل الاحتمال الأول أرجح لأن ~~الاحتمال الثاني يحوج إلى الإضمار، وهو أن يقال: وألقيت عليك ~~محبة حاصلة مني وواقعة بتخليقي، وعلى الأول لا حاجة إلى ~~الإضمار. # وأما قوله: إنه حال صباه لا يحصل له محبة الله. فممنوع، لأن معنى الله ~~هو اتصال النفع إلى عباده، وهذا المعنى كان حاصلا في حقه في زمان صباه، ~~وعلم الله أن ذلك يستمر إلى آخر عمره، فلا جرم أطلق عليه لفظ المحبة. ~~قوله: " ولتصنع " قرأ العامة بكسر اللام وضم التاء وفتح النون على ~~البناء للمفعول، ونصب الفعل بإضمار (أن) بعد لام (كي)، وفيه وجهان: # أحدهما: أن هذه العلة معطوفة على علة مقدرة قبلها. # والتقدير: ليتلطف بك ولتصنع، (أو ليعطف عليك). وترأم ولتصنع، وتلك العلة ~~المقدرة متعلقة بقوله: " وألقيت " أي: ألقيت عليك المحبة (ليعطف ~~عليك ولتصنع، ففي الحقيقة هو متعلق بما قبله من إلقاء المحبة). # والثاني: أن هذه اللام تتعلق بمضمر بعدها، تقديره: ولتصنع ms6039 على عيني فعلت ~~ذلك، أي: ألقيت عليك محبة مني، أو كان كيت وكيت. # ومعنى " ولتصنع " أي لتربى ويحسن إليك، وأنا مراعيك، ~~ومراقبك كما يراعى الإنسان الشيء بعينه إذا اعتنى به. قال الزمخشري. # ومجاز هذا أن من صنع للإنسان شيئا وهو حاضر ينظر إليه صنعه كما ~~يحب، ولا يمكنه أن يخالف غرضه فكذا هنا. وفي كيفية المجاز قولان: # الأول: المراد من العين العلم، أي تربى على علم مني، ولما كان ~~العالم بالشيء يحرسه عن الآفات أطلق لفظ العين على العلم (لاشتباههما) ~~من هذا الوجه. # الثاني: المراد من العين الحراسة، لأن الناظر إلى الشيء يحرسه عما لا ~~يريده، فالعين كأنها سبب الحراسة، فأطلق اسم السبب على المسبب مجازا وهو ~~كقوله تعالى: # إنني معكمآ أسمع وأرى # [طه: 46]. ويقال: عين الله عليك، إذا دعا له بالحفظ (والحياطة). # وقرأ الحسن وأبو نهيك: " ولتصنع " بفتح التاء. # (قال ثعلب): معناه لتكون حركتك وتصرفك على عين مني. # وقال قريبا منه الزمخشري. # وقال أبو البقاء: أي: لتفعل ما آمرك بمرأى مني. وقرأ أبو جعفر وشيبة " ~~ولتصنع " بسكون اللام والعين وضم التاء، (وهو أمر معناه: لترب ~~وليحسن إليك). وروي عن أبي جعفر في هذه القراءة كسر لام الأمر. # ويحتمل مع كسر اللام أو سكونها حالة تسكين العين أن تكون لام كي، وإنما ~~سكنت تشبيها بكتف وكبد، والفعل منصوب، والتسكين في العين لأجل ~~الإدغام لأنه لا يقرأ في الوصل إلا بإدغام فقط. ### || [20.40] # قوله: " إذ تمشي " (في عامل هذا الظرف أوجه: # أحدها: أن العامل فيه " ألقيت " ، أي: ألقيت عليك محبة ~~مني وقت مشي أختك. # الثاني: أنه منصوب بقوله: " ولتصنع " ، أي: لتربى ويحسن إليك ~~في هذا الوقت: قال الزمخشري: والعامل في " إذ تمشي " " ألقيت " ~~أو " لتصنع " وقال أبو البقاء: " إذ تمشي " يجوز أن يتعلق بأحد ~~الفعلين. يعني بالفعلين ما تقدم من " ألقيت " أو " لتصنع " ). ~~وعلى هذا فيجوز أن تكون المسألة من باب التنازع لأن كلا من هذين ~~العاملين يطلب هذا الظرف من حيث المعنى، ويكون من إعمال الثاني للحذف من ~~الأول، وهذا ms6040 إنما يتجه كل الاتجاه إذا جعلت " ولتصنع " معطوفا على ~~علة محذوفة متعلقة ب " ألقيت ". # أما إذا جعلته متعلقا بفعل مضمر بعده فيبعد ذلك، أو يمتنع لكون ~~الثاني صار من جملة أخرى. # الثالث: أن يكون " إذ تمشي " بدلا من " إذ أوحينا ". # قال الزمخشري: فإن قلت: كيف يصح البدل والوقتان مختلفان متباعدان؟ قلت: ~~كما يصح وإن اتسع الوقت وتباعد طرفاه أن يقول لك الرجل: لقيت فلانا ~~سنة كذا، فتقول: وأنا لقيته إذ ذاك، وربما لقيه هو في أولها ~~وأنت في آخرها. قال أبو حيان: وليس كما ذكره، لأن السنة تقبل الاتساع، ~~فإذا وقع لقيهما فيها بخلاف هذين الطرفين، فإن كل واحد منهما ضيق ليس ~~بمتسع لتخصيصهما بما أضيفا إليه، فلا يمكن أن يقع الثاني في الطرف الذي ~~وقع فيه الأول، إذ الأول ليس متسعا لوقوع الوحي فيه ووقع مشي الأخت، ~~فليس وقت وقوع الوحي مشتملا على أجزاء وقع في بعضها المشي بخلاف السنة. # قال شهاب الدين: وهذا تحامل منه عليه، فإن زمن اللقاء أيضا ضيق لا يسع ~~فعليهما، وإنما ذلك مبني على التساهل، إذ المراد أن الزمان مشتمل على ~~فعليهما. # وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون بدلا من (إذ) الأولى: لأن مشي أخته ~~كان منة عليه. # يعني أن قوله: " إذ أوحينا " منصوب بقوله: ( " مننا " ) فإذا ~~جعل " إذ تمشي " بدلا منه كان أيضا ممتنا به عليه. # الرابع: أن يكون العامل فيه مضمرا تقديره: اذكر إذ تمشي، وهو على ~~هذا مفعول به (لفساد المعنى على الظرفية). # قوله: { إذ تمشي أختك } (اسمها مريم). # يروى أنه فشا الخبر بمصر أن آل فرعون أخذوا غلاما في النيل، وكان لا ~~يرتضع من ثدي كل امرأة يؤتى بها، لأن الله - تعالى - حرم عليه المراضع ~~غير أمه واضطروا إلى تتبع النساء فخرجت أخته متعرفة خبره، فجاءت إليهم ~~متنكرة فقالت: { هل أدلكم على من يكفله } أي على امرأة ~~ترضعه؟ قالوا نعم: فجاءت الأم، فقبل ثديها، فذلك قوله: { ~~فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها } بلقائك. # قوله: { كي تقر عينها }. قرأ العامة " تقر ms6041 " بفتح التاء ~~والقاف وقرأت فرقة: " تقر " بكسر القاف، وقد تقدم في سورة مريم أنهما ~~لغتان. # وقرأ جناح بن حبيش " تقر " بضم التاء وفتح القاف على البناء للمفعول ~~" عينها " رفعا لما لم يسم فاعله. # فإن قيل: (لو قال): كي لا تحزن وتقر عينها كان الكلام مفيدا لأنه لا ~~يلزم من عدم حصول الحزن حصول السرور لها، فلما قال أولا { كي تقر ~~عينها } كان قوله " ولا تحزن " فضلا، لأنه متى حصل السرور وجب ~~زوال الغم لا محالة. # فالجواب: المراد تقر عينها بسبب وصولك إليها، ويزول عنها الحزن بسبب ~~عدم وصول لبن غيرها إلى باطنك. قوله: { وقتلت نفسا ~~فنجيناك من الغم } ، وهذه المنة الخامسة. قال ابن عباس: هو ~~الرجل القبطي الذي قتله خطأ بأن (وكزه) حيث استغاثه الإسرائيلي إليه، ~~فحصل له الغم من وجهين: # الأول: من عقاب الدنيا، وهو اقتصاص فرعون منه على ما حكى الله تعالى عنه # فأصبح في المدينة خآئفا يترقب # [القصص: 18]. # والثاني: من عقاب الله حيث قتله لا بأمر الله. فنجاه الله - تعالى - من ~~الغمين، أما من فرعون فوفق له المهاجرة إلى مدين، وأما من عقاب الآخرة ~~(فلأن الله تعالى غفر له ذلك). (قال كعب الأحبار: كان عمره إذ ذاك ابن ~~اثنتي عشرة سنة). # قوله: " فتونا " فيه وجهان: # أحدهما: أنه مصدر على فعول كالقعود والجلوس، إلا أن فعولا ~~قليل في المتعدي ومنه الشكور والكفور والثبور واللزوم قال ~~تعالى: # لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا # [الفرقان: 62] وهذا على مذهبهم في تأكيد الأخبار بالمصادر، كقوله تعالى: # وكلم الله موسى تكليما # [النساء: 164]. # والثاني: أنه جمع فتن أو فتنة على ترك الاعتداء بتاء التأنيث ~~كحجوز وبدور في حجرة وبدرة، أي: فتناك ضروبا من الفتن. ~~عن ابن عباس أنه ولد في عام يقتل فيه الولدان، وألقته أمه في البحر، ~~وقتل القبطي، وأجر نفسه عشر سنين، وضل عن الطريق وتفرقت غنمه في ~~ليلة مظلمة. ولما سأل سعيد بن جبير عن ذلك أجاب بما تقدم، وصار يقول عند ~~كل واحدة: فهذه فتنة يا ابن جبير، قال ms6042 معناه الزمخشري. # وقال غيره: بفتون من الفتن أي المحن مختبر بها. # وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن الفتون وقوعه في محنة خلصه الله منها، ~~أولها أن أمه حملت في السنة التي كان فرعون يذبح فيها الأطفال، ثم ~~إلقاؤه في البحر في التابوت، ثم منعه من الرضاع إلا من ثدي أمه، ثم ~~أخذه بلحية فرعون حتى هم بقتله، ثم تناوله الجمرة بدل الجوهرة ثم ~~قتله القبطي، وخروجه إلى مدين خائفا. # فعلى هذا معنى: فتناك أخلصناك من تلك المحن كما يفتن الذهب بالنار ~~فيتخلص من كل خبث فيه. # فإن قيل: إنه تعالى عدد أنواع مننه على موسى في هذا المقام، فكيف ~~يليق بهذا قوله: " وفتناك فتونا "؟ # فالجواب من وجهين: # الأول: ما تقدم من أن " فتناك " بمعنى خلصناك تخليصا. # والثاني: أن الفتنة تشديد المحنة يقال: فتن فلان عن دينه إذا اشتدت ~~عليه المحنة حتى رجع عن دينه. قال تعالى: # فإذآ أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب ~~الله # [العنكبوت: 10]، وقال: # أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا ~~يفتنون # [العنكبوت: 2] وقال: # ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله ~~الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين # [العنكبوت: 3]، ولما كان التشديد في المحنة مما يوجب كثرة الثواب عده ~~الله من جملة النعم. # فإن قيل: هل يصح إطلاق الفتان عليه سبحانه اشتقاقا من قوله: " ~~وفتناك فتونا "؟ # فالجواب: لا لأنه صفة ذم في العرب، وأسماء الله تعالى توقيفية لا سيما ~~فيما يوهم ما لا ينبغي. # قوله: { فلبثت سنين في أهل مدين } والتقدير: " ~~وفتناك فتونا " فخرجت خائفا إلى أهل مدين فلبثت سنين فيهم وهي ~~إما عشرا وثمان لقوله تعالى: # على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا ~~فمن عندك # [القصص: 27] وقال وهب: لبث موسى عند شعيب عليهما السلام ثمانيا ~~وعشرين سنة منها عشر سنين مهر امرأته. # ويرده قوله تعالى: # فلما قضى موسى الأجل (وسار بأهله # [القصص: 29] أي) الأجل المشروط عليه في تزويجه. # ومدين: بلدة شعيب على ثمان مراحل من مصر. # قوله: { ثم جئت على قدر يا موسى } هذا ms6043 الجار متعلق ~~بمحذوف على أنه حال من فاعل " جئت " أي جئت موافقا لما قدر لك، ~~كذا قدره أبو البقاء، وهو تفسير معنى، والتفسير الصناعي: ثم جئت مستقرا ~~أو كائنا على مقدار معين، كقول الآخر: # 3656- نال الخلافة أو جاءت على قدر # كما أتى ربه موسى على قدر # ولا بد من حذف في الكلام، أي: على قدر أمر من الأمور. # وقال محمد بن كعب: جئت على القدر الذي قدرت أنك تجيء فيه وقال مقاتل: ~~كان موعدا (في تقدير الله. # وقال عبد الرحمن بن كيسان: كان على رأس أربعين سنة، وهو القدر الذي) ~~يوحي فيه إلى الأنبياء. وهذا قول أكثر المفسرين، أي على الوعد الذي وعده ~~الله وقدر أنه يوحي إليه بالرسالة، وهو أربعون سنة. ### || [20.41-42] # قوله: " واصطنعتك لنفسي " (أي اخترتك واصطفيتك افتعال من ~~الصنع لوحيي ورسالتي. وأبدلت التاء طاء)، لأجل حرف الاستعلاء. # وهذا مجاز عن قرب منزلته، ودنوه من ربه، لأن أحدا لا يصطنع إلا من ~~يختاره. # قال القفال: واصطنعتك أصله من قولهم: اصطنع فلان فلانا إذا أحسن ~~إليه حتى يضاف إليه فيقال: هذا صنيع فلان وجريح فلان. وقوله: " ~~لنفسي " أي: لأصرفك في أوامري لئلا تشتغل إلا بما أمرتك به، وهو ~~إقامة حجتي وتبليغ رسالتي، وأن تكون في حركاتك وسكناتك لي لا لنفسك ولا ~~لغيرك. # وقال الزجاج: اخترك لأمري، وجعلتك القائم بحجتي، والمخاطب بيني وبين ~~خلقي: كأني الذي أقمت عليهم الحجة وخاطبتهم. # قوله: { اذهب أنت وأخوك بآيتي } لما قال: " ~~واصطنعتك لنفسي " عقبه بذكر ما له اصطنعه، وهو الإبلاغ ~~والأداء، و " الياء " في " بآياتي " بمعنى (مع)، لأنهما لو ذهبا إليه ~~بدون آية معهما لم يلزمه الإيمان، وذلك من أقوى الدلائل على فساد ~~التقليد. # قال ابن عباس: يعني الآيات التسع التي بعث الله بها موسى. وقيل: إنها ~~العصا واليد، لأنهما اللذان جرى دكرهما في هذا الموضع، ولم يذكر أنه - ~~عليه السلام - أوتي قبل مجيئه إلى فرعون، لا بعد مجيئه حتى لقي فرعون ~~فالتمس منه آية غير هاتين الآيتين، قال تعالى حكاية عن فرعون # إن ms6044 كنت جئت بآية فأت بهآ إن كنت من الصادقين ~~فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده ~~فإذا هي بيضآء للناظرين # [الأعراف:106-107-108]، وقال: # فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه # [القصص: 32]. # فإن قيل: كيف يطلق لفظ الجمع على الاثنين؟ # فالجواب من وجوه: # أحدها: أن العصا كانت آيات، انقلابها حيوانا، ثم إنها كانت في أول ~~الأمر صغيرة، لقوله تعالى: # تهتز كأنها جآن # [النمل: 10]، [القصص: 31] ثم كانت تعظم وهذه آية أخرى، ثم إنه كان عليه ~~السلام يدخل في يده في فمها فلم تضره وهذه آية أخرى، ثم كانت تنقلب عصا ~~وهذه آية أخرى، وكذلك اليد فإن بياضها آية، وشعاعها آية أخرى، ثم ~~زوالهما بعد ذلك آية أخرى، فدل ذلك على أنهما كانتا آيات كثيرة. # وثانيها: هب أن العصا أمر واحد ولكن فيها آيات، لأن انقلابها حية ~~يدل على وجود إله قادر على الكل عالم بالكل حكيم، ويدل على نبوة موسى، ~~ويدل على جواز الحشر حيث انقلب الجماد حيوانا، فهذه آيات كثيرة، ولذلك ~~قال: # إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا # [آل عمران: 96]... إلى قوله... # فيه ءايات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان ~~ءامنا # [آل عمران: 97] فهاهنا أولى. # وثالثها: قال بعضهم: أقل الجمع اثنان. # وقيل: معنى قوله: " بآياتي " أمدكما بآياتي، وأظهر على أيديكما من ~~الآيات ما تزاح به العلل من فرعون وقومه، والمعنى: فإن آياتي معكما كما ~~يقال: اذهب فإن جندي معك أي: إني أمدك بهم من احتجت. # وقيل: الآيات: العصا، واليد، وحل العقدة من لسانه، وذلك أيضا معجزة. # قوله: " ولا تنيا " يقال: ونى يني ونيا كوعد يعد ~~وعدا، إذا فتر. # والوني الفتور، ومنه: امرأة أناة، وصفوها بفتور القيام كناية ~~عن ضخامتها. قال زهير: # 3657- منا الأناة وبعض القوم يحسبنا # أنا بطاء وفي إبطائنا سرع # بكسر السين وفتح الراء مصدر (سرع) بفتح السين وضم الراء. # تقول: سرع سرعا كصغر صغرا. # والأصل: وناة، فأبدلوا الهمزة من الواو كأحد في وحد وليس بالقياس، ~~وفي الحديث: # " إن فيك لخصلتين يحبهما الله الحلم والأناة ". # والواني: المقصر في ms6045 أمره، قال الشاعر: # 3658- فما أنا بالواني ولا الضرع الغمر # وونى فعل لازم يتعدى وزعم بعضهم أنه يكون من أخوات (زال وانفك) ~~فيعمل بشرط النفي أو شبهه عمل (كان)، فيقال: ما وني زيد قائما، ~~وأنشد ابن مالك شاهدا على ذلك قوله: # 3659- لا يني الحب شيمة الحب ما دا # م فلا يحسبنه ذا ارعواء # أي: لا يزال الحب بضم الحاء شيمة الحب أي: بكسرها وهو المحب. ومن ~~منع ذلك يتأول البيت على حذف حرف الجر، لأن هذا الفعل يتعدى تارة ب ~~(عن) وتارة ب (في) يقال: ما ونيت عن حاجتك، أو: في حاجتك فالتقدير: ~~لا يفتر الحب في شيمة المحب، وفيه مجاز بليغ وقد عدي في الآية الكريمة ب ~~(في). # قرأ يحيى بن وثاب " ولا تنيا " بكسر التاء إتباعا لحركة النون، ~~وسكن الياء في " ذكري ". # وقرأ أهل الحجاز وأبو عمرو " لنفسي اذهب " و " ذكري ~~اذهبا " و { إن قومي اتخذوا } [الفرقان:30] و { من بعدي ~~اسمه } [الصف:6] بفتح الياء فيهن وافقهم أبو بكر في { من بعدي ~~اسمه }. # وقرأ الآخرون بإسكانها. # والمراد بالذكر تبليغ الرسالة. وقيل: لا تفترا عن ذكر الله. (والحكمة ~~فيه) أن من ذكر جلال الله استخف غيره، فلا يخاف أحدا، ويقوى روحه ~~بذلك الذكر فلا يضعف في مقصوده، ومن ذكر الله فلا بد وأن يكون ذاكرا ~~إحسانه (وذاكر إحسانه) لا يفتر في أداء أوامره. # وقيل: لا تنيا في ذكري عند فرعون، وكيفية الذكر أن يذكرا لفرعون ~~وقومه أن الله تعالى لا يرضى منهم الكفر، ويذكرا لهم أمر الثواب ~~والعقاب، والترغيب والترهيب. ### || [20.43-44] # قوله: { اذهبآ إلى فرعون إنه طغى } ذكر المذهوب إليه ~~في قوله: { اذهبا إلى فرعون } وحذفه في الأول في قوله: { ~~اذهب أنت وأخوك } اختصارا في الكلام. # وقال القفال: فيه وجهان: # أحدهما: أن قوله: # اذهب أنت وأخوك # [طه: 42] يحتمل أن يكون كل واحد منهما مأمورا بالذهاب على الانفراد، ~~فقيل مرة أخرى: " اذهبا " ليعرفا أن المراد منه أن يشتغلا بذلك جميعا ~~لا أن ينفرد به أحدهما دون الآخر. # والثاني: أن قوله: { اذهب أنت ms6046 وأخوك بآيتي } أمر بالذهاب ~~إلى كل الناس من بني إسرائيل وقوم فرعون، ثم قوله: { اذهبا إلى ~~فرعون } أمر بالذهاب إلى فرعون وحده. # قيل: وهذا فيه بعد، بل الذهابان متوجهان لشيء واحد وهو فرعون، وقد ~~حذف من كل الذهابين ما أثبته في الآخر، وذلك أنه حذف المذهوب إليه من ~~الأول وأثبته في الثاني، وحذف المذهوب به، وهو " بآياتي " من الثاني ~~وأثبته في الأول. # فإن قيل: قوله: { اذهبا إلى فرعون } خطاب من موسى وهارون، ~~(وهارون عليه السلام) لم يكن حاضرا هناك، وكذا في قوله تعالى: # قالا ربنآ إننا نخاف أن يفرط علينآ أو أن ~~يطغى # [طه: 45] وأجاب القفال بوجوه: # أحدها: أن الكلام كان مع موسى إلا أنه كان متبوع هارون، فجعل الخطاب معه ~~خطابا مع هارون، (وكلام هارون) على سبيل التقدير بالخطاب في تلك الحالة، ~~وإن كان مع موسى - عليه السلام - وحده، إلا أنه تعالى أضافه إليهما كما ~~في قوله تعالى: # وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها # [البقرة: 72] وقوله: # لئن رجعنآ إلى المدينة ليخرجن الأعز منها ~~الأذل # [المنافقون: 8] روي أن القائل هو عبد الله ابن أبي وحده. # وثانيها: يحتمل أن الله تعالى لما قال: # قد أوتيت سؤلك يموسى # [طه: 36] سكت حتى لقي أخاه، ثم إن الله - تعالى - خاطبهما بقوله: { ~~اذهبا إلى فرعون }. # وثالثها: حكي في مصحف ابن مسعود " قال ربنا إننا نخاف " أي ~~أنا وأخي. # قوله: { فقولا له قولا لينا } قرأ أبو معاذ: " قولا ~~لينا " وهو تخفيف من لين كميت في ميت. # وقوله: " لعله " فيه أوجه: # أحدها: أن " لعل " على بابها للترجي، وذلك بالنسبة إلى المرسل وهو ~~موسى وهارون، أي: اذهبا على رجائكما وطمعكما في إيمانه أي اذهبا مترجين ~~طامعين، وهذا معنى قول الزمخشري ولا يستقيم أن يرد ذلك في حق الله ~~تعالى، إذ هو عالم بعواقب الأمور. وعن سيبويه: كل ما ورد في القرآن من ~~(لعل، وعسى) فهو من عند الله واجب. يعني أنه يستحيل بقاء معناه في ~~حق الله تعالى. # والثاني: أن " لعل " بمعنى (كي) فتفيد العلية، وهذا قول الفراء ~~قال: ms6047 كما تقول: اعمل لعلك تأخذ أجرك، أي: كي تأخذ. # والثالث: أنها استفهامية، أي: هل يتذكر أو يخشى؟ # وهذا قول ساقط، وذلك أنه يستحيل الاستفهام في حق الله تعالى كما يستحيل ~~الترجي، فإذا كان لا بد من التأويل فجعل اللفظ على مدلوله باقيا أولى ~~من إخراجه عنه. # فإن قيل: لم أمر الله تعالى باللين مع الكافر الجاحد؟ فالجواب من ~~وجهين: # أحدهما: أنه قد ربى موسى - عليه السلام - فأمره أن يخاطبه بالرفق ~~رعاية لتلك الحقوق، وهذا تنبيه على نهاية تعظيم حق الأبوين. # والثاني: أن من عادة الجبابرة إذا غلظ لهم في الوعظ أن يزدادوا ~~عتوا وتكبرا. # والمقصود من البعثة حصول النفع لا حصول زيادة الضرر، فلهذا أمر الله ~~تعالى بالرفق. # قوله: { لعله يتذكر أو يخشى } أي يتعظ ويخاف. # فصل # اختلفوا في ذلك القول اللين، فقال ابن عباس: لا تعنفا في قولكما. # وقال السدي وعكرمة: كنياه، فقولا: يا أبا العباس. وقيل: يا أبا ~~الوليد. # وقال مقاتل: القول اللين: # هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى # [النازعات: 18- 19]، وقولهما: # إنا رسولا ربك # [طه: 47] إلى قوله: # والسلام على من اتبع الهدى # [طه: 47]. # وقال السدي: القول اللين أن موسى أتاه ووعده على قبول الإيمان شبابا ~~لا يهرم، وملكا لا ينزع منه إلا بالموت، وتبقى عليه لذة المطعم، ~~والمشرب، والمنكح إلى حين موته، وإذا مات دخل الجنة. فأعجبه ذلك، وكان لا ~~يقطع أمرا دون هامان، وكان غائبا، فلما قدم أخبره بالذي دعاه إليه ~~موسى، قال: أردت أن أقبل منه. فقال له هامان: كنت أرى لك عقلا ~~ورأيا، أنت رب تريد أن تكون مربوبا، وأنت تعبد تريد أن ~~تعبد، فقلبه عن رأيه. # فصل # قال ابن الخطيب: هذا التكليف لا يعلم سره إلا الله تعالى لما علم أنه لا ~~يؤمن قط كان إيمانه ضدا لذلك العلم الذي يمتنع زواله، فيكون سبحانه ~~عالما بامتناع ذلك الإيمان، وإذا كان عالما بذلك، فكيف أمر موسى بذلك ~~الرفق، وكيف بالغ في الأمر بتلطف دعوته إلى الله - تعالى - مع علمه ~~باستحالة حصول ذلك ms6048 منه؟ ثم هب أن المعتزلة ينازعون في هذا الامتناع من ~~غير أن يذكروا شبهة قادحة في هذا السؤال، ولكنهم سلموا أنه كان عالما ~~بأنه لا يحصل ذلك الإيمان، وسلموا أن فرعون لا يستفيد ببعثة موسى - عليه ~~السلام - إلا استحقاق العذاب، والرحيم الكريم كيف يليق به أن يدفع سكينا ~~من علم قطعا أنه يمزق به بطن نفسه، ثم يقول: إني ما أردت بدفع ~~السكين إليه إلا الإحسان إليه؟ يا أخي: العقول قاصرة عن معرفة هذه ~~الأسرار، ولا سبيل فيها إلا التسليم، وترك الاعتراض والسكوت بالقلب ~~واللسان، ويروى عن كعب أنه قال: والذي يحلف به كعب إنه لمكتوب في التوراة ~~" فقولا له قولا لينا وسأقسي قلبه فلا يؤمن ". ### || [20.45-46] # قوله: { قالا ربنآ إننا نخاف أن يفرط علينا أو ~~أن يطغى } قد تقدم أن هارون لم يكن حاضرا هناك، فكيف قال: { قالا ~~ربنا } وتقدم جوابه. # فإن قيل: إن موسى - عليه السلام - قال: # رب اشرح لي صدري # [طه: 25] وأجابه (الله تعالى) بقوله: # قد أوتيت سؤلك يموسى # [طه: 36] وهذا يدل أنه شرح صدره، ويسر، وعين له ذلك الأمر، فكيف قال ~~بعده: " إننا نخاف " ، فإن حصول الخوف يمنع من حصول شرح الصدر، ~~فالجواب: أن شرح الصدر عبارة عن قوته على ضبط تلك الأوامر والنواهي وحفظ ~~تلك الشرائع على وجه لا يتطرق إليها السهو والتحريف، وذلك شيء آخر غير ~~زوال الخوف. فإن قيل: أما علم موسى وهارون - عليهما السلام - وقد ~~حملهما الله تعالى الرسالة أنه تعالى يؤمنهما من القتل. # فالجواب: قد أمنا ذلك وإن جوزا أن ينالهما السوء من قبل تمام الأداء أو ~~بعده، وأيضا فإنهما استظهرا بأن سألا ربهما ما يزيد في ثبات قلبهما على ~~دعائه، وذلك بأن ينضاف الدليل النقلي إلى العقلي زيادة في الطمأنينة كما ~~في قوله تعالى: # ولكن ليطمئن قلبي # [البقرة: 260]. # فإن قيل: لما تكرر الأمر من الله - تعالى - بالذهاب، فعدم الذهاب ~~والتعلل بالخوف هل يدل على المعصية؟ # فالجواب: إن اقتضى الأمر الفور كان كذلك من أقوى الدلائل على المعصية، ~~لا سيما وقد ms6049 أكثر الله - تعالى - من أنواع التشريف، وتقوية القلب، وإزالة ~~الغم، ولكن الأمر ليس على الفور، فزال السؤال، وهذا من أقوى الدلائل على ~~أن الأمر لا يقتضي الفور إذا ضممت إليه ما يدل على أن المعصية غير جائزة ~~على الرسل. # قوله: { أن يفرط علينا } مفعول " يخاف " ، ويقال: فرط ~~يفرط سبق وتقدم، ومنه الفارط وهو الذي يتقدم الواردة إلى الماء، وفرس ~~فرط تسبق الخيل، أي: نخاف أن يعجل علينا بالعقوبة ويبادرنا بها. قاله ~~الزمخشري. ومن ورود الفارط بمعنى المتقدم على الواردة قول الشاعر: # 3660- واستعجلونا وكانوا من صحابتنا # كما تقدم فراط لوراد # وفي الحديث: # " أنا فرطكم على الحوض " # أي سابقكم ومتقدمكم. # وقرأ يحيى بن وثاب وابن محيصن وأبو نوفل " يفرط " بضم حرف المضارعة ~~وفتح الراء على البناء للمفعول، والمعنى: خافا أن يسبق في العقوبة أي ~~يحمله حامل عليها وعلى المعاجلة بها إما قومه وإما الشيطان وإما حبه ~~الرياسة، وإما ادعاؤه الإلهية. # وقرأ ابن محيصن في رواية الزعفراني: " أن يفرط " بضم حرف المضارعة ~~وكسر الراء من أفرط. # قال الزمخشري: من أفرطه غيره، إذا حمله على العجلة خافا أن يحمله ~~حامل على المعاجلة بالعقاب. # وقال كعب بن زهير: # 3661- تنفي الرياح القذى عنه وأفرطه # من صوب سارية بيض يعاليل # أي سبقت هذه البيض لتملاه. # وفاعل يفرط ضمير فرعون، وهذا هو الظاهر الذي ينبغي أن لا يعدل عنه، ~~وجعله أبو البقاء مضمرا لدلالة الكلام عليه، فقال: فيجوز أن يكون ~~التقدير: أن يفرط علينا منه قول فأضمر القول لدلالة الحال عليه كما ~~تقول: فرط مني قول، وأن يكون الفاعل ضمير فرعون كما كان في " يطغى ~~". # فصل # قال ابن عباس: " يفرط علينا " يعجل علينا بالقتل والعقوبة. ~~يقال: فرط علينا فلان إذا عجل بمكروه، وفرط منه أمر أي بدر وسبق ~~{ أو أن يطغى } يجاوز الحد بالتخطي إلى أن يقول فيك ما لا ينبغي ~~لجرأته عليك. واعلم أن من أمر بشيء فحاول دفعه لأعذار يذكرها فلا بد أن ~~يختم كلامه بما هو الأقوى، كما أن الهدهد ختم عذره بقوله: # وجدتها وقومها ms6050 يسجدون للشمس من دون الله # [النمل: 24]، فكذا هاهنا بدأ موسى بقوله { أن يفرط علينا } ، ~~وختم بقوله { أو أن يطغى } لما كان طغيانه في حق الله - تعالى - ~~أعظم من إفراطه في حق موسى وهارون. # قوله: { قال لا تخافآ إنني معكمآ أسمع وأرى } لا ~~تخافا مما عرض في قلبكما من الإفراط والطغيان، لأن ذلك هو المفهوم من ~~الكلام، لأنه - تعالى - لم يؤمنهما من الرد، ولا من التكذيب بالآيات ~~ومعارضة السحرة وقوله: " إنني معكما " أي: بالحراسة والحفظ ~~وقوله: " أسمع وأرى " قال ابن عباس: اسمع دعاءكما فأجيبه، وأرى ما ~~يراد بكما فأمنع لست بغافل عنكما فلا تهتما. # وقال القفال: (قوله: " أسمع وأرى " يحتمل أن يكون مقابلا لقوله { ~~يفرط علينا أو أن يطغى } " يفرط علينا " بأن لا ~~يسمع منا { أو أن يطغى } بأن يقتلنا، فقال الله تعالى: { ~~إنني معكمآ أسمع } كلامكما فأسخره للاستماع منكما، " ~~وأرى " أفعاله فلا أتركه حتى يفعل بكما ما تكرهانه واعلم أن مفعول) ~~(أسمع وأرى) محذوف، فقيل: تقديره: أسمع أقوالكما وأرى أفعالكما. # وعن ابن عباس: أسمع جوابه لكما (وأرى ما يفعل بكما). # أو يكون من حذف الاقتصار، نحو " يحيي ويميت ". ### || [20.47-48] # قوله: " فأتياه " أعاد التكليف المتقدم فقال: { فأتياه ~~فقولا له } وذلك أنه تعالى قال أولا # اذهب إلى فرعون # [طه: 24] وثانيا قال: # اذهب أنت وأخوك # [طه: 42] وقال ثالثا: # اذهبآ إلى فرعون # [طه: 43]. ورابعا (قال هاهنا " فأتياه " ). # فإن قيل: إنه تعالى أمرهما بأن يقولا له " قولا لينا " ، وهاهنا ~~أمرهما بأن يقولا { إنا رسولا ربك (فأرسل معنا بني ~~إسرائيل ولا تعذبهم } وفي هذا تغليظ من وجوه: # الأول: { إنا رسولا ربك } ) وهذا يقتضي انقياده لهما والتزامه ~~لطاعتهما، وذلك يعظم على الملك المتبوع. # والثاني: قوله: { فأرسل معنا بني إسرآئيل } فيه إدخال ~~النقص على ملكه، لأنه كان محتاجا إليهم فيما يريده من الأعمال وأيضا: ~~أمرهم بالإرسال يقتضي وجوب الطاعة والانقياد فيصير تحت أمرهم. # والثالث: نهيهم له بقولهم: " ولا تعذبهم ". # والرابع: قوله: { قد جئناك بآية من ربك }. # فما الفائدة في القول اللين أولا والتغليظ ثانيا؟ # فالجواب: أن الإنسان إذا ms6051 أظهر اللجاجة فلا بد له من التغليظ. # فإن قيل: أليس أن الأولى أن يقولا إنا رسولا ربك قد جئناك ~~بآية فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم، فإن ذكر ~~المعجز مقرونا بادعاء الرسالة أولى من تأخيره عنه؟ # فالجواب: بل هذا أولى، لأنهم ذكروا مجموع الدعاوى ثم استدلوا على ذلك ~~المجموع بالمعجز. # قوله: { قد جئناك بآية من ربك } قال الزمخشري: هذه ~~الجملة جارية من الجملة الأولى وهي { إنا رسولا ربك } مجرى ~~البيان والتفسير، لأن دعوى الرسالة لا تثبت إلا ببينتهما التي هي مجيء ~~الآية. # فإن قيل: إن الله تعالى أعطاه آيتين، وهما العصا واليد ثم قال: # اذهب أنت وأخوك بآياتي # [طه: 42]، وذلك يدل على ثلاث آيات وقال هاهنا { قد جئناك بآية ~~} ، وذلك يدل على أنها كانت واحدة (فكيف الجمع)؟ # أجال القفال: بأن معنى الآية هاهنا الإشارة إلى جنس الآيات كأنه قال: ~~جئناك ببيان من عند الله. ثم يجوز أن يكون ذلك حجة واحدة أو حججا ~~كثيرة. # وقال غيره: المراد في هذا الموضوع تثبيت الدعوى ببرهانها فكأنه قال: # قد جئناك بمعجزة وبرهان وحجة على ما ادعينا من الرسالة كقوله: # قد جئتكم ببينة من ربكم # [الأعراف: 105]، وقوله: # فأت بآية إن كنت من الصادقين # [الشعراء:154] وقوله: # أولو جئتك بشيء مبين # [الشعراء: 30]. # وتقدم الجواب عن التثنية والجمع، وأن في العصا واليد آيات. # قوله: { والسلام على من اتبع الهدى } يحتمل أن يكون ~~تسليما منهما ولم يؤمرا به، فتكون الجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب ~~قال بعضهم: إن (على) بمعنى (اللام) أي والسلام لمن اتبع الهدى كقوله ~~تعالى: # لهم اللعنة ولهم سوء الدار # [الرعد: 25] أي: عليهم اللعنة، وقال تعالى: # من عمل صالحا فلنفسه ومن أسآء فعليها # [فصلت: 46] وقال: # إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم ~~فلها # [الإسراء: 7]. # وهذا وعد منهما لمن آمن وصدق بالسلامة له من عقوبات الدنيا والآخرة ~~والسلام بمعنى السلامة، كما يقال: رضاع ورضاعة. # وقيل: هذا من كلام الله تعالى كأنه قال: " فقولا إنا رسولا ~~ربك وقولا له والسلام على من اتبع الهدى " ، وليس ~~المراد منه ms6052 التحية إنما معناه سلم من عذاب الله من أسلم. # قوله: { أرسل معنا بني إسرآئيل } خل عنهم وأطلقهم عن أعمالك ~~" ولا تعذبهم " لا تتعبهم في العمل، وكان فرعون يستعملهم في ~~الأعمال الشاقة. # قوله تعالى: { إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من ~~كذب وتولى } هذه الآية من أقوى الدلائل على أن عقاب المؤمن لا ~~يدوم، لأن الألف واللام للاستغراق، أو الإفادة (الماهية، وعلى) التقديرين ~~يقتضي انحصار هذا الجنس في { من كذب وتولى } فوجب أن لا تحصل لغير المكذب ~~المتولي. # وظاهر هذه الآية يقتضي القطع بأنه لا يعاقب أحدا من المؤمنين بترك ~~العمل به في بعض الأوقات، فوجب أن يبقى على أصله في نفي الدوام، ولأن ~~العقاب المتناهي إذا حصل بعده السلامة مدة غير متناهية صار ذلك العقاب ~~كأنه لا عقاب، فلذلك يحسن مع حصول ذلك القدر أن يقال: إنه لا عقاب. # وأيضا فقوله: { والسلام على من اتبع الهدى } يقتضي ~~حصول السلامة لكل من اتبع الهدى، إذا فسرنا السلام بالسلامة. والعارف ~~بالله قد اتبع الهدى، فوجب أن يكون صاحب السلامة. ومعنى الآية: إنما يعذب ~~الله من كذب بما جئنا به وأعرض عنه. # قوله: " أن العذاب " " أن " وما في خبرها في محل رفع لقيامه مقام ~~الفاعل الذي حذف في " أوحي إلينا " وسبب بنائه للمفعول (خوفا أن ~~يبدر من فرعون بادرة لمن أوحي لو سمياه فطويا ذكره تعظيما له واستهانة ~~بالمخاطب). ### || [20.49-50] # قوله: { قال فمن ربكما يا موسى } وحده بعد مخاطبته لهما ~~معا إما لأن موسى هو الأصل في الرسالة وهارون تبع وردء ووزير وإما ~~لأن فرعون كان لخبثه يعلم الرتة التي في لسان موسى، ويعلم فصاحة ~~هارون بدليل قوله: # وأخي هارون هو أفصح مني لسانا # [القصص: 34] وقوله: # ولا يكاد يبين # [الزخرف: 52] فأراد استنطاقه دون أخيه. # وإما لأنه حذف المعطوف للعلم به أي: يا موسى وهارون قاله أبو البقاء ~~وبدأ به. وقد يقال: حسن الحذف كون موسى فاصلة، لا يقال: كان يغني في ~~ذلك أن يقدم هارون ويؤخر موسى فيقال: يا هارون وموسى فتحصل ms6053 مجانسة ~~الفواصل من غير حذف، لأن نداء موسى أهم فهو المبدوء به. واعلم أن في ~~الكلام حذف، لأنه لما قال { فأتياه فقولا إنا رسول ربك ~~أن أرسل معنا بني إسرآئيل } إلى قوله: { أن العذاب ~~على من كذب وتولى } أمر من الله تعالى لموسى بأن يقول ~~لفرعون ذلك الكلام والتقدير: فذهبا إلى فرعون فقالا له ذلك فقال مجيبا ~~لهما من ربكما؟ # قوله: { أعطى كل شيء خلقه } في هذه الآية وجهان: # أحدهما: أن يكون " كل شيء " مفعولا أول و " خلقه " مفعولا ~~ثانيا على معنى أعطى كل شيء شكله وصورته التي تطابق المنفعة المنوطة به ~~كما أعطى العين الهيئة التي تطابق الإبصار، والأذن الهيئة التي تطابق ~~الاستماع وتوافقه، وكذلك اليد والرجل واللسان. قاله مجاهد. أو أعطى كل ~~حيوان نظيره في الخلق والصورة حيث جعل الحصان والحجر زوجين، والناقة ~~والبعير، والرجل والمرأة، ولم يزاوج شيئا منها غير جنسه، ولا ما هو ~~مخالف لخلقه. # (وقيل: المعنى أعطى كل شيء مخلوق خلقه، أي هو الذي ابتدعه). # وقيل: المعنى أعطى كل شيء مما خلق خلقته وصورته على ما يناسبه من ~~الإتقان، لم يجعل خلق الإنسان في خلق البهائم، ولا بالعكس، بل خلق كل ~~شيء فقدره تقديرا. # الثاني: أن يكون " كل شيء " مفعولا ثانيا و " خلقه " هو ~~الأول فقدم الثاني عليه، والمعنى: أعطى خليقته كل شيء يحتاجون ~~إليه ويرتفقون به. # وقرأ عبد الله والحسن والأعمش وأبو نهيك وابن أبي إسحاق ونصر عن ~~الكسائي وجماعة من أصحاب رسول الله " خلقه " بفتح اللام فعلا ~~ماضيا، وهذه الجملة في هذه القراءة تحتمل أن تكون منصوبة المحل لكل ~~أو في محل جر صفة لشيء. وهذا معنى قول الزمخشري: صفة المضاف يعني " كل ~~" (أو للمضاف إليه يعني " شيء " )، والمفعول الثاني على هذه القراءة ~~محذوف، فيحتمل أن يكون حذفه حذف اختصار للدلالة عليه. أي: أعطى كل شيء ~~خلقه ما يحتاج إليه ويصلحه أو كماله، ويحتمل أن يكون حذفه حذف اقتصار)، ~~والمعنى أن كل شيء خلقه الله تعالى لم يخله من إنعامه وعطائه. # فصل # اعلم ms6054 أن فرعون كان شديد القوة عظيم الغلبة كثير العسكر، ثم إن موسى لما ~~دعاه إلى ربه لم يبطش به، ولم يؤذه، بل خرج معه في المناظرة، لأنه لو ~~أذاه لنسب إلى الجهل والسفاهة، فاستنكف من ذلك وشرع في المناظرة، ~~وذلك يدل على السفاهة من غير حجة شيء لم يرضه فرعون مع كمال جهله وكفره ~~فكيف يليق ذلك بمن يدعي الإسلام والعلم؟ ثم إن فرعون لما سأل موسى - عليه ~~السلام - عن ذلك قبل موسى ذلك السؤال، واشتغل بإقامة الدلالة على وجود ~~الصانع، وذلك يدل على فساد التقليد، ويدل أيضا على قول التعليمية الذين ~~يقولون: نستفيد معرفة الإله من قول الرسول، لأن موسى - عليه السلام - ~~اعترف هاهنا بأن معرفة الله تجب أن تكون مقدمة على معرفة الرسول. ودلت ~~الآية أيضا على أنه يجوز حكاية كلام المبطل، لأنه تعالى حكى كلام فرعون ~~في إنكاره الإله، وحكى شبهات منكري النبوة، وشبهات منكري الحشر إلا أنه ~~يجب أن يذكر الجواب مقرونا بالسؤال (كما فعل الله تعالى في هذه المواضع ~~لئلا يبقى الشك). # ودلت الآية على أن المحق يجب عليه استماع كلام المبطل ويجيب عنه من غير ~~إيذاء ولا إيحاش، كما فعل موسى عليه السلام بفرعون هاهنا، ولقوله تعالى: # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ~~الحسنة # [النحل: 125]، وقال: # وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى ~~يسمع كلام الله # [التوبة: 6]. # فصل # قال بعضهم: إن فرعون كان عارفا بالله تعالى إلا أنه كان يظهر ~~الإنكار تكبرا وتجبرا، لقوله تعالى: # لقد علمت مآ أنزل هؤلاء إلا رب السموات ~~والأرض # [الإسراء: 102] فيمن نصب التاء في " علمت " كان ذلك خطابا لموسى - ~~عليه السلام - مع فرعون، وذلك يدل على أن فرعون كان عالما بذلك، وقوله: # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا # [النمل: 14]. ولأنه لو لم يكن عاقلا لم يجز تكليفه، والعاقل يعلم ~~بالضرورة أنه وجد بعد العدم، ويعلم أن من كان كذلك افتقر إلى مدبر، ~~وهذان العلمان الضروريان يستلزمان العلم بوجود المدبر، ولأن قول موسى - ~~عليه السلام - { ربنا الذي أعطى كل شيء ms6055 خلقه ثم ~~هدى } يقتضي ذلك، لأن كلمة " الذي " تقتضي وصف المعرفة بجملة ~~معلومة عند المخاطب. وأيضا فإن ملك فرعون لم يتجاوز القبط، ولم يبلغ ~~الشام، ولما هرب موسى إلى مدين قال له شعيب: # لا تخف إنك من الآمنين # [القصص: 31]، فمع هذا كيف يعتقد أنه إله العالم؟ # وقال آخرون: إنه كان جاهلا بربه. # واتفقوا على أن العاقل لا يجوز أن يعتقد في نفسه أنه خالق هذه ~~السموات والأرض والشمس والقمر، وأنه خالق نفسه، لأنه يعلم بالضرورة عجزه ~~عنها، ويعلم بالضرورة أنها كانت موجودة قبله، فحصل له العلم الضروري ~~بأنه ليس موجدا لها ولا خالقا لها. # واختلفوا في كيفية جهله بالله تعالى، فيحتمل أنه كان دهريا نافيا ~~للمدبر، ويحتمل أنه كان فلسفيا قائلا بالعلة الموجبة، ويحتمل أنه كان ~~من عبدة الكواكب، ويحتمل أنه كان من الحلولية، وأما ادعاؤه الربوبية ~~لنفسه فبمعنى أنه يجب عليهم طاعته والانقياد له. # فصل # قال هاهنا: { فمن ربكما يا موسى } ، وقال في سورة الشعراء: # وما رب العالمين # [الشعراء:23]، وهو سؤال عن الماهية، فهما سؤالان مختلفان، والواقعة ~~واحدة، والأقرب أن يقال: سؤال " من " كان مقدما على سؤال " ما " ، ~~لأنه كان يقول: أنا الله والرب، فقال: " فمن ربكما " ، فلما ~~أقام موسى الدلالة على الوجود، وعرف أنه لا يمكنه أن يقاومه في هذا ~~المقام، لظهوره وجلائه، عدل إلى طلب الماهية، وهذا ينبه على أنه كان ~~عالما بالله، لأنه ترك المنازعة في هذا المقام لعلمه بغاية ظهوره؛ وشرع ~~في المقام الصعب، لأن العلم بماهية الله تعالى غير حاصل للبشر. # قوله: { قال فمن ربكما } ولم يقل: " فمن إلهكما " لأنه ~~أثبت نفسه ربا في قوله: # ألم نربك فينا وليدا # [الشعراء: 18]، فذكر ذلك على سبيل التعجب كأنه قال: أنا ربك فلم ~~تدعي ربا آخر، وهذا يشبه كلام نمروذ حين قال له إبراهيم # ربي الذي يحيي ويميت # [البقرة: 258] قال نمروذ: # أنا أحيي وأميت # [البقرة: 258] ولم يكن الإحياء والإماتة التي ذكرها إبراهيم هي التي ~~عارضه نمروذ بها إلا في اللفظ، فكذا هاهنا لما ادعى موسى - عليه السلام ms6056 - ~~ربوبية الله تعالى ذكر فرعون هذا الكلام، أي: أنا الرب الذي ربيتك، ~~ومعلوم أن الربوبية التي ادعاها موسى لله تعالى غير هذه الربوبية في ~~المعنى وأنه لا مشاركة بينهما إلا في اللفظ. # فصل # استدل موسى عليه السلام - على إثبات الصانع بأحوال المخلوقات، وهو قوله: ~~{ ربنا لذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } ، وهذه ~~الدلالة هي التي ذكرها الله تعالى لمحمد - عليه السلام - في قوله: # سبح اسم ربك الأعلى لذي خلق فسوى والذي ~~قدر فهدى # [الأعلى: 1، 2، 3]وقال إبراهيم - عليه السلام -: # فإنهم عدو لي إلا رب العالمين الذي خلقني ~~فهو يهدين # [الشعراء: 77، 78]. # واعلم أن الخلق عبارة عن تركيب القوالب والأبدان، والهداية عبارة عن ~~إيداع القوى المدركة والحركة في تلك الأجسام، فالخلق مقدم على الهداية ~~كما قال تعالى: # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين # [المؤمنون: 12] إلى أن قال: # ثم أنشأناه خلقا آخر # [المؤمنون: 14]. # واعلم أن عجائب حكمة الله تعالى في الخلق والهداية بحر لا ساحل له ~~ولنذكر منه أمثلة: # أحدها: أن الطبيعي يقول: الثقيل هابط، والخفيف صاعد، وأثقل الأشياء ~~الأرض ثم الماء، وأخفها النار ثم الهواء، فلذلك وجب أن تكون النار أعلى ~~العنصريات والأرض أسفلها، ثم إنه تعالى قلب هذا في خلقة الإنسان؛ فجعل ~~أعلى الأشياء منه العظم والشعر، وهما أيبس ما في البدن، وهما بمنزلة ~~الأرض، ثم جعل تحته الدماغ الذي هو بمنزلة الماء، وجعل تحته النفس الذي ~~هو بمنزلة الهواء، وجعل تحته الحرارة الغريزية التي في القلب، وهي بمنزلة ~~النار، فجعل مكان الأرض من البدن الأعلى، وجعل مكان النار من البدن ~~الأسفل ليعلم أن ذلك بتدبير القادر الحكيم لا باقتضاء العلة والطبيعة. # وثانيها: أنك إذا نظرت إلى عجائب النحل في تركيب البيوت المسدسة ~~وقسمتها، وعجائب أحوال البق والبعوض والنمل في اهتدائها إلى مصالح أنفسها ~~لعرفت أن ذلك لا يمكن إلا بإلهام مدبر عالم بجميع المعلومات. # وثالثها: أنه تعالى هو الذي أنعم على الخلائق بما به قوامهم من المطعوم، ~~والمشروب، والملبوس، والمنكوح، ثم هداهم إلى كيفية الانتفاع بها ~~فيستخرجون المعادن من ms6057 الجبال، واللآلىء من البحار، ويركبون الأدوية ~~والدرياقات النافعة، ويجمعون بين الأشياء المختلفة، ويستخرجون لذائذ ~~الأطعمة، فدل ذلك على أنه تعالى هو الذي خلق الأشياء ثم أعطاهم العقول ~~التي بها يتوصلون إلى كيفية الانتفاع بها، وليس هذا مختص بالإنسان بل عام ~~في جميع الحيوان، فأعطى الإنسان إنسانة، والحمار حمارة، والبعير ناقة ~~هداه لها ليدوم التناسل، وهدى الأولاد لثدي الأمهات، بل هذا غير مختص ~~بالحيوانات، بل هو حاصل في أعضائها، فخلق اليد على تركيب خاص، وأودع فيها ~~قوة الأخذ، وخلق الرجل على تركيب خاص، فخلق اليد على تركيب خاص، وأودع ~~فيها قوة الأخذ، وخلق الرجل على تركيب خاص، وأودع فيها قوة المشي، ~~وكذا العين، والأذن، وجميع الأعضاء، ثم ربط البعض بالبعض على وجه يحصل من ~~ارتباطها مجموع واحد هو الإنسان. # وإنما دلت هذه الأشياء على وجود الصانع، لأن اتصاف كل جسم من هذه ~~الأجسام بتلك الصفة أعني التركيب والقوة الهادية إما أن يكون واجبا أو ~~جائزا، والأول باطل لأنا نشاهد تلك الأجسام بعد الموت منفكة عن ذلك ~~التركيب والقوى، فدل على أن ذلك جائز، والجائز لا بد له من مرجح، وليس ~~ذلك المرجح هو الإنسان، ولا قواه، لأن فعل ذلك يستدعي قدرة عليه، ~~وعلما بما فيه من المصالح والمفاسد، والأمران نائيان عن الإنسان، لأنه ~~بعد كمال عقله يعجز عن تغيير شعرة واحدة، وبعد البحث الشديد عن كتب ~~التشريح لا يعرف من منافع الأعضاء ومصالحها إلا القدر القليل؛ فلا بد وأن ~~يكون المتولي لتدبيرها وترتيبها موجودا آخر، وذلك الموجود لا يجوز أن ~~يكون جسما، لأن الأجسام متساوية في الجسمية، واختصاص ذلك الجسم بتلك ~~المؤثرية لا بد وأن يكون جائزا فيفتقر إلى سبب آخر، والدور والتسلسل ~~محالان، فلا بد من الانتهاء في سلسلة الحاجة إلى مدبر ليس بجسم ولا ~~جسماني، ثم تأثير ذلك المؤثر إما أن يكون بالذات أو بالاختيار، والأول ~~محال لأن الموجب لا يميز مثلا عن مثل، وهذه الأجسام متساوية في الجسمية ~~فلم اختص بعضها بالصورة الفلكية وبعضها بالصورة العنصرية وبعضها ~~بالنباتية، ms6058 وبعضها بالحيوانية؟ # فثبت أن المؤثر والمدبر قادر، والقادر لا يمكنه مثل هذه الأفعال العجيبة ~~إلا إذا كان عالما، ثم إن هذا المدبر الذي ليس بجسم ولا جسماني ولا بد ~~وأن يكون واجب الوجود في ذاته وصفاته، وإلا لافتقر إلى مدبر آخر، ولزم ~~التسلسل، وهو محال، وإذا كان واجب الوجود في قادريته وعالميته، والواجب ~~لذاته لا يتخصص ببعض الممكنات دون البعض، فوجب أن يكون عالما بكل ما صح ~~أن يكون معلوما، وقادرا على كل ما صح أن يكون مقدورا، فظهر بهذه ~~الدلالة التي تمسك بها موسى وقررها احتياج العالم إلى مدبر ليس بجسم ولا ~~جسماني، وهو واجب الوجود في ذاته وصفاته عالم بكل المعلومات، قادر على كل ~~المقدورات، وذلك هو الله سبحانه وتعالى. ### || [20.51-55] # قوله: { قال فما بال القرون الأولى } البال: الفكر، يقال: ~~خطر بباله كذا، ولا يثنى ولا يجمع، وشذ جمعه على بالات، ويقال للحال ~~المكترث بها، وكذلك يقال: ما باليت بالة، والأصل بالية كعافية فحذفت ~~لامه تخفيفا. # فصل # قال المفسرون: البال، الحال، أي ما حال القرون الماضية والأمم ~~الخالية كقوم نوح وعاد وثمود. # وفي ارتباط هذا الكلام بما قبله وجوه: # الأول: أن موسى - عليه السلام - لما قرر أمر المبدأ قال فرعون: إن ~~كان إثبات المبدأ ظاهرا إلى هذا الحد { قال فما بال القرون ~~الأولى } ما أثبتوه بل تركوه، فكأن موسى - عليه السلام - لما استدل ~~على إثبات الصانع بالدلالة القاطعة قدح فرعون في تلك الدلالة بقوله: ~~إن كان الأمر على ما ذكرت من قوة الدلالة وجب على أهل القرون الماضية ~~أن لا يغفلوا عنها. فعارض الحجة بالتقليد. # الثاني: أن موسى - عليه السلام - لما هدده بالعذاب في قوله: { أن ~~العذاب على من كذب وتولى } قال فرعون: { قال فما ~~بال القرون الأولى } فإنها كذبت ولم يعذبوا؟ # الثالث: وهو الأظهر، أن فرعون لما قال: { فمن ربكما يا ~~موسى } فذكر موسى - عليه السلام - دليلا ظاهرا على صحة دعواه فقال: ~~{ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } خاف ~~فرعون أن يزيد في تلك الحجة، ms6059 فيظهر للناس صدقه، وفساد طريق فرعون، فأراد ~~أن يصرفه عن ذلك الكلام، ويشغله بالحكايات فقال: { فما بال ~~القرون الأولى } فلم يلتفت موسى - عليه السلام - إلى ذلك الحديث ~~وقال: { علمها عند ربي في كتاب } ولا يتعلق غرضي بأحوالهم، ~~ولا أشتغل بها، ثم عاد إلى تتميم كلامه الأول، وإبراز الدلائل الظاهرة ~~على الوحدانية فقال { الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك ~~لكم فيها سبلا } ، وهذا الوجه هو المعتمد في صحة النظم. # فإن قيل: العلم الذي عند الرب، كيف يكون في الكتاب؟ وذلك أن علم الله ~~صفة قائمة به، فكون صفة الشيء حاصلة في كتاب غير معقول، فذكروا في الجواب ~~وجهين: # الأول: معناه: أنه تعالى أثبت تلك الأحكام في كتاب عنده ليكون ما كتبه ~~فيه ظاهرا للملائكة، فيكون ذلك زيادة لهم في الاستدلال على أنه تعالى ~~عالم بكل المعلومات ينزه عن السهو والغفلة، ولقائل أن يقول: قوله: " في ~~كتاب " يوهم احتياجه سبحانه في العلم إلى ذلك الكتاب، وهذا وإن كان ~~غير واجب لا محالة ولكنه لا أقل من أن يوهمه في أول الأمر لا سيما ~~للكافر، فكيف يحسن ذكره مع معاند مثل فرعون في وقت الدعوة؟ # الوجه الثاني: أن يفسر ذلك بأن بقاء تلك المعلومات في علمه سبحانه ~~كبقاء المكتوب في الكتاب، فيكون الغرض من هذا الكلام تأكيد القول بأن ~~أسرارها مغلومة لله تعالى بحيث لا يزول منها شيء عن علمه، ويؤكد هذا ~~التفسير قوله بعد ذلك: { لا يضل ربي ولا ينسى }. # وقيل: إنما رد موسى علم ذلك إلى الله، لأنه لم يعلم ذلك فإن التوراة ~~أنزلت بعد هلاك فرعون والمراد بالكتاب: اللوح المحفوظ. # قوله: { علمها عند ربي } في خبر هذا المبتدأ وجوه: # أحدها: أنه " عند ربي " وعلى هذا فقوله: " في كتاب " متعلق ~~بما تعلق به الظرف من الاستقرار، أو متعلق بمحذوف على أنه حال من الضمير ~~المستتر في الظرف، أو خبر ثان. # الثاني: أن الخبر قوله: " في كتاب " ، فعلى هذا قوله: " عند ~~ربي " معمول للاستقرار الذي تعلق به " في كتاب " كما تقدم في ms6060 عكسه، أو ~~يكون حالا من الضمير المستتر في الجار الواقع خبرا، وفيه خلاف أعني ~~تقديم الحال على عاملها المعنوي، والأخفش يجيزه ويستدل بقراءة: # والسموات مطويات بيمينه # [الزمر: 67] وقوله: # 3662- رهط ابن كوز محقبي أدراعهم # فيهم ورهط ربيعة بن حذار # وقال بعض النحويين: إنه إذا كان العامل معنويا والحال ظرف أو عديله ~~حسن التقديم عند الأخفش وغيره، وهذا منه، أو يكون ظرفا للعلم نفسه، ~~أو يكون حالا من المضاف إليه، وهو الضمير في " علمها " ولا يجوز أن ~~يكون " في كتاب " متعلقا ب " علمها " على قولنا: إن " عند ~~ربي " الخبر، كما جاز تعلق " عند " به، لئلا يلزم الفصل بين ~~المصدر ومعموله بأجنبي وقد تقدم أنه لا يخبر عن الموصول إلا بعد تمام ~~صلته. # الثالث: أن يكون الظرف وحرف الجر معا خبرا واحدا في المعنى فيكون ~~بمنزلة: هذا حلو حامض، قاله أبو البقاء. وفيه نظر إذ كل منهما يستقل ~~بفائدة الخبرية بخلاف هذا حلو حامض. والضمير في " علمها " فيه ~~وجهان: أظهرهما: عوده على " القرون " والثاني: عوده على القيام لدلالة ~~ذكر " القرون " على ذلك لأنه سأله عن بعث الأمم، والبعث يدل على يوم ~~القيامة. # قوله: { لا يضل ربي } في هذه الجملة وجهان: # أحدهما: أنها في محل جر صفة ل " كتاب " ، والعائد محذوف تقديره: ~~في كتاب لا يضله ربي، أو لا يضل حفظه ربي، ف " ربي " ~~، فاعل " يضل " على هذا التقدير. # وقيل: تقديره: لا يضل الكتاب ربي، فيكون في " يضل " ضمير ~~يعود على الكتاب، و " ربي " منصوب على التعظيم، وكان الأصل عن ربي، ~~فحذف الحرف اتساعا. # يقال: ضللت كذا وضللته بفتح اللام وكسرها لغتان مشهورتان ~~وأشهرهما الفتح. # والثاني: أنها مستأنفة لا محل لها من الإعراب - ساقها الله - تعالى - ~~لمجرد الإخبار بذلك حكاية عن موسى. # وقرأ الحسن وقتادة والجحدري وعيسى الثقفي وابن محيصن وحماد بن سلمة " لا ~~يضل " بضم الياء، أي لا يضل ربي الكتاب، أي: لا يضيعه، ~~يقال: أضللت الشيء أي أضعته و " ربي " فاعل على هذا التقدير. # وقيل: تقديره: لا يضل أحد ربي عن علمه، ms6061 أي من علم الكتاب، فيكون ~~الرب منصوبا على التعظيم. وفرق بعضهم بين ضللت وأضللت، ~~فقال: ضللت منزلي بغير ألف، وأضللت بعيري ونحوه من الحيوان ~~بالألف، نثل ذلك الرماني عن العرب. # وقال الفراء: يقال: ضللت الشيء إذا أخطأت في مكانه، وضللت ~~لغتان، فلم تهتد له كقوله: ضللت الطريق والمنزل، ولا يقال: ~~أضللته إلا إذا ضاع منك كالدابة انفلتت وشبهها. # قوله: " ولا ينسى " في فاعل " ينسى " قولان: # أحدهما: أنه عائد على " ربي " أي: ولا ينسى ربي ما أثبته في ~~الكتاب. # والثاني: أن الفاعل ضمير عائد على " الكتاب " على سبيل المجاز كما ~~أسند إليه الإحصاء مجازا في قوله: " إلا أحصاها " لما كان محلا ~~للإحصاء. # فصل # قال مجاهد في قوله: { لا يضل ربي ولا ينسى }: إن معنى ~~اللفظين واحد أي: لا يذهب عليه شيء ولا يخفى عنه. وفرق الأكثرون بينهما، ~~فقال القفال: لا يضل عن الأشياء ومعرفتها، وما علم من ذلك لم ينسه، ~~فاللفظ الأول إشارة إلى كونه عالما بكل المعلومات، وقوله: " ولا ~~ينسى " دليل على بقاء ذلك العلم أبد الآباد، وهو إشارة إلى نفي ~~التغير. # وقال مقاتل: لا يخطىء ذلك الكتاب ربي، ولا ينسى ما فيه. # (وقال الحسن: لا يخطىء وقت البعث ولا ينساه. وقال أبو عمرو: وأصل الضلال ~~الغيبوبة، والمعنى: لا يغيب عن شيء ولا يغيب عنه شيء. # وقال ابن جرير: لا يخطىء في التدبير، فيعتقد فيما ليس بصواب كونه ~~صوابا، وإذا عرفه لا ينساه). وكلها متقاربة، والتحقيق هو الأول. واعلم ~~أن فرعون لما سأل موسى عن الإله فقال: " فمن ربكما " وكان ذلك ~~مما سبيله الاستدلال، أجاب بالصواب بأوجز عبارة، وأحسن معنى، ولما سأله ~~عن القرون الأولى، وكان ذلك مما سبيله الإخبار لم يأته خبر من ذلك، ~~وكلها إلى عالم الغيوب. # قوله: { الذي جعل لكم } في هذا الموصول وجهان: # أحدهما: أنه خبر مبتدأ مضمر، أو منصوب بإضمار أمدح، وهو على هذين ~~التقديرين من كلام الله تعالى لا من كلام موسى، وإنما احتجنا إلى ذلك، ~~لأن قوله: " فأخرجنا به " وقوله: { كلوا وارعوا ~~أنعامكم ms6062 } وقوله: " منها خلقناكم " إلى قوله: { ولقد ~~أريناه } لا يتأتى أن يكون من كلام موسى، فلذلك جعلناه من كلام ~~الباري تعالى، ويكون فيه التفات من ضمير الغيبة إلى ضمير المتكلم المعظم ~~نفسه. # فإن قلت: أجعله من كلام موسى يعني: أنه وصف ربه تعالى بذلك، ثم ~~التفت إلى الإخبار عن الله - تعالى - بلفظ التكلم؟ # قيل: إنما جعلناه التفاتا في الوجه الأول، لأت المتكلم واحد بخلاف هذا ~~فإنه لا يتأتى فيه الالفتات المذكور وأخواته من كلام الله. # والثاني: أن " الذي " صفة ل " ربي " ، فيكون في محل رفع أو نصب ~~على حسب ما تقدم من إعراب " ربي ". وفيه ما تقدم من الإشكال في نظم ~~الكلام من قوله: " فأخرجنا " وأخواته من عدم جواز الالتفات، وإن كان ~~قد قال بذلك الزمخشريي والحوفي. وقال ابن عطية: إن كلام موسى تم عند ~~قوله: { وأنزل من السماء ماء } وأن قوله: " فأخرجنا " ~~إلى آخره من كلام الله تعالى. وفيه بعد وقرأ الكوفيون " مهدا " بفتح ~~الميم وسكون الهاء من غير ألف. والباقون: " مهادا " بكسر الميم وفتح ~~الهاء وألف بعدها. وفيه وجهان: # أحدهما: قال المفضل: إنهما مصدران بمعنى واحد يقال: مهدته ~~مهدا ومهادا. # والثاني: أنهما مختلفان، فالمهاد هو الاسم، والمهد هو الفعل كالفرش ~~والفراش، فالفرش المصدر، والفراش اسم لما يفرش. أو أن مهادا جمع ~~مهد نحو فرخ وفراخ وكعب وكعاب. ووصف الأرض بالمهد إما ~~مبالغة، وإما على حذف مضاف أي ذات مهد. # قال أبو عبيد: الذي أختاره مهادا وهو اسم والمهد الفعل. # وقال غيره: المهد الاسم والمهاد الجمع كالفرش والفراش. # أجاب أبو عبيد: بأن الفرش والفراش فعل. # قوله: " شتى " فعلى، وألفه للتأنيث، وهو جمع الشتيت نحو مرضى ~~في جمع مريض، وجرحى في جمع جريح، وقتلى في جمع قتيل. # يقال: شت الأمر يشت شتا وشتاتا فهو شت أي تفرق، ~~وشتان اسم فعل ماض بمعنى: افترق، ولذلك لا يكتفي بواحد. وفي " ~~شتى " أوجه: # أحدها: أنها منصوبة نعتا لأزواج، أي أزواجا متفرقة، بمعنى مختلفة ~~الألوان (والطعوم). # والثاني: أنها منصوبة على الحال من أزواج، وجاز مجيء ms6063 الحال من النكرة ~~لتخصصها بالصفة، وهي " من نبات ". # الثالث: أن تنتصب على الحال أيضا من فاعل الجار، لأنه لما وقع وصفا ~~وقع ضميرا فاعلا. # الرابع: أنه في محل جر نعتا لنبات، قال الزمخشري: يجوز أن يكون صفة ~~لنبات، ونبات مصدر سمي به النبات كما سمي بالنبت، واستوى فيه الواحد ~~والجمع، يعني: أنها شتى مختلفة النفع والطعم واللون والرائحة والشكل، ~~بعضها يصلح للناس وبعضها للبهائم. ووافقه أبو البقاء أيضا، والظاهر ~~الأول. # قوله: " كلوا " منصوب بقول محذوف، وذلك القول منصوب على الحال من فاعل ~~" أخرجنا " تقديره: فأخرجنا كذا قائلين كلوا. # وترك مفعول الأكل على حد تركه في قوله تعالى: " وكلوا واشربوا " " ~~وارعوا " (رعى) يكون لازما ومتعديا، يقال: رعى دابته رعيا فهو ~~راع، ورعت الدابة ترعى رعيا فهي راعية، وجاء في الآية متعديا، و ~~" النهى " فيه قولان: أحدهما أنه جمع نهية كغرف جمع غرفة. # والثاني: أنها اسم مفرد، وهو مصدر كالهدى والسرى، قاله أبو علي ~~وقد تقدم أول الكتاب أنهم قالوا لم يأت مصدر على " فعل " من المعتل ~~اللام إلا سرى وهدى وبكى، وأن بعضهم زاد لقى، وأنشد عليه بيتا. ~~وهذا لفظ آخر فيكون خامسا. والنهى: العقل سمي العقل به، لأنه ~~صاحبه عن ارتكاب القبائح. # فصل # لما ذكر موسى - عليه السلام - الدلالة الأولى، وهي (دلالة عامة) ~~تتناول جميع المخلوقات من الحيوان والنبات والجماد ذكر بعده دلائل خاصة ~~فقال: { الذي جعل لكم الأرض مهادا } أي جعلها بحيث يتصرف ~~العباد، وغيرهم عليها من النوم، والقعود، والقيام، والزراعة، وجميع ~~المنافع المذكورة في تفسير قوله تعالى: # الذي جعل لكم الأرض فراشا # [البقرة: 22]. # { وسلك لكم فيها سبلا } السلك: إدخال الشيء في الشيء، ~~أي: أدخل في الأرض لأجلكم طرقا تسلكونها. # قال ابن عباس: سهل لكم فيها طرقا. # وأنزل من السمآء مآء # [البقرة:22] تقدم الكلام فيه في البقرة { فأخرجنا به أزواجا ~~} تقدم أن هذا من كلام موسى تقديره: يقول ربي الذي جعل كذا وكذا " ~~فأخرجنا " نحن معاشر عباده بذلك الماء بالحراسة { أزواجا من ~~نبات }. # وتقدم أن الصحيح أنه من كلام ms6064 الله تعالى، لأن ما بعده لا يليق بموسى ~~- عليه السلام -، ولأن أكثر ما في قدرته صرف المياه إلا سقي الأراضي ~~والحراسة، فأما إخراج النبات على أصناف طبائعه وألوانه وأشكاله فليس من ~~موسى عليه السلام، فثبت أنه كلام الله تعالى. # وقوله: " أزواجا " أي أصنافا سميت بذلك، لأنها مزدوجة مقترنة بعضها ~~ببعض. " شتى " مختلفة الألوان والطعوم والمنافع بعضها يصلح للناس ~~وبعضها للبهائم. # " كلوا " أمر إباحة. " وارعوا أنعامكم " تقول العرب: ~~رعيت الغنم فرعت أي أسيموا أنعامكم ترعى. { إن في ~~ذلك } أي فيما أنزلت لكم من هذه النعم " لآيات " لعبرة ودلالات. " ~~لأولي النهى " لذوي العقول. # (قال الضحاك) " لأولي النهى " الذي ينتهون عما حرم الله عليهم. # وقال قتادة: لذوي الورع. # قوله تعالى: " منها خلقناكم " الآية، لما ذكر منافع الأرض ~~السماء بين أنها غير مخلوقة لذواتها، بل بكونها وسائل إلى منافع ~~الآخرة، فقال: " منها خلقناكم " أي من الأرض. # فإن قيل: إنما خلقنا من النطفة على ما بين في سائر ~~الآيات. # فالجواب من وجوه: # الأول: أنه لما خلق أصلنا وهو آدم - عليه السلام - من تراب كما ~~قال تعالى: # كمثل آدم خلقه من تراب # [آل عمران: 59] حسن إطلاق ذلك علينا. # الثاني: أن تولد الإنسان إنما هو من النطفة ودم الطمث، وهما ~~يتولدان من الأغذية، والغذاء إما حيواني أو نباتي، والحيواني ينتهي إلى ~~النباتي، والنبات إنما يحدث من امتزاج الماء والتراب، فصح أنه سبحانه ~~خلقنا منها، وذلك لا ينافي كوننا مخلوقين من النطفة. # الثالث: روى ابن مسعود أن ملك الأرحام يأتي إلى الرحيم حين يكتب ~~أجل المولود ورزقه، والأرض التي يدفن فيها، وأنه يأخذ من تراب تلك ~~البقعة وينثره على النطفة، ثم يدخلها في الرحم. ثم قال: " وفيها ~~نعيدكم " أي عند الموت، { ومنها نخرجكم تارة أخرى ~~} عند البعث. ### || [20.56-59] # قوله تعالى: { ولقد أريناه ءاياتنا } الآية. هذه الرؤية ~~بصرية فلما دخلت همزة النقل تعدت بها إلى اثنين أولهما الهاء والثاني " ~~ءاياتنا ". والمعنى: أبصرناه، والإضافة هنا قائمة مقام التعريف ~~العهدي، أي: الآيات المعروفة كالعصا واليد ونحوهما. وإلا فلم ير الله ~~تعالى ms6065 فرعون جميع آياته. # وجوز الزمخشري أن يراد بها الآيات على العموم، بمعنى أن موسى - عليه ~~السلام - أراه الآية التي بعث بها وعدد عليه الآيات التي جاءت بها الرسل ~~قبله عليهم السلام وهو نبي صادق لا فرق بين ما يخبر عنه وبين ما يشاهد ~~به. # قال أبو حيان: وفيه بعد، لأن الإخبار بالشيء لا يسمى رؤية له إلا ~~بمجاز بعيد وقيل: بل الرؤية هنا قلبية، فالمعنى: أعلمناه، وأيد ذلك ~~أنه لم يره إلا العصا واليد فقط. # ومن جوز استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، أو إعمال المشترك في معنييه ~~يجيز أن يراد المعنيان جميعا. # وتأكيد الآيات ب " كلها " يدل على إرادة العموم، لأنهم قالوا: فائدة ~~التوكيد بكل وأخواتها رفع توهم وضع الأخص موضع الأعم فلا يدعى أنه ~~أراد بالآيات آيات مخصوصة، وهذا يتمشى على أن الرؤية قلبية. # ويراد بالآيات ما يدل على وحدانية الله تعالى وصدق المبلغ، فأما ~~الآيات الدالة على الوحدانية فقوله: # الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى # [طه: 50]، وقوله: # الذي جعل لكم الأرض مهدا # [طه: 53] إلى آخره. وما ذكره في سورة الشعراء: # قال فرعون وما رب العالمين قال رب السموات ~~والأرض وما بينهمآ # [الشعراء: 23- 24] الآيات. وأما الآيات الدالة على صدق المبلغ فهي ~~الآيات التسع المختصة بموسى - عليه السلام -، وهي العصا، واليد، وفلق ~~البحر، والحجر، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، ونتق ~~الجبل. ومعنى " أريناه " عرفناه صحتها، وأوضحنا له وجه الدلالة ~~فيها. وإنما أضاف الآيات إلى نفسه سبحانه وتعالى مع أن المظهر لها ~~موسى، لأنه أجراها على يديه، كما أضاف نفخ الروح إلى نفسه فقال: # فنفخنا فيها من روحنا # [الأنبياء: 91] مع أن النفخ كان من جبريل (عليه السلام) - ولم يذكر ~~مفعول التكذيب والإباء تعظيما له، وهو معلوم. # قوله: { ولقد أريناه ءاياتنا } يعني الآيات التسع " ~~فكذب " بها وزعم أنها سحر " وأبى " أن يسلم. # فإن قيل: قوله: " كلها " يفيد العموم، والله - تعالى - ما أراه جميع ~~الآيات، لأن من جملة الآيات ما أظهرها على أيدي الأنبياء قبل موسى - عليه ~~السلام وبعده. # فالجواب: لفظ الكل وإن ms6066 كان للعموم لكن قد يستعمل في الخصوص مع ~~القرينة، كما يقال: دخلت السوق فاشتريت كل شيء، أو يقال إن موسى - ~~عليه السلام - أراه آياته، وعدد عليه آيات غيره من الأنبياء، فكذب ~~فرعون بالكل، أو يقال: تكذيب بعض المعجزات يقتضي تكذيب الكل، فحكى ~~الله - تعالى - ذلك على الوجه الذي يلزم. # قال القاضي: الإباء الامتناع، وإنه لا يوصف به إلا من كذب بتمكن من ~~الفعل والترك، ولأنه تعالى ذمه بأنه كذب، وبأنه أبى، وإن لم يقدر ~~على ما هو فيه لم يصح. وهذا السؤال وجوابه تقدم في سورة البقرة في # إبليس أبى واستكبر # [البقرة:34]. # قوله: { أجئتنا لتخرجنا من أرضنا } يعني مصر { ~~بسحرك يا موسى } وتركيب هذه الشبهة عجيب، وذلك لأنه ألقى في ~~مسامعهم ما يصيرون مبغضين له جدا بقوله: { أجئتنا لتخرجنا ~~من أرضنا } ، لأن هذا مما يشق على الإنسان في النهاية، ولذلك جعله ~~الله تعالى مساويا للقتل في قوله # اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم # [النساء: 66]، ثم لما صاروا في نهاية البغض له أورد الشبهة الطاعنة في ~~نبوته - عليه السلام - وهي أن ما جئتنا به سحر لا معجز، ولما علم ~~أن المعجز إنما يتميز عن السحر، لكون المعجز مما يتعذر بمعارضته قال: { ~~فلنأتينك بسحر مثله }. # قوله: " فلنأتينك " جواب قسم محذوف تقديره: والله لنأتينك. ~~وقوله " بسحر " يجوز أن يتعلق بالإتيان وهذا هو الظاهر. ويجوز أن ~~يتعلق بمحذوف على أنه حال من فاعل الإتيان أي ملتبسين بسحر. # قوله: " موعدا " يجوز أن يكون زمانا كقوله: # إن موعدهم الصبح # [هود: 81] ويرجحه قوله: " موعدكم يوم الزينة " ، (والمعنى: ~~عين لنا وقت اجتماعنا، ولذلك أجابهم بقوله: " موعدكم يوم ~~الزينة " وضعفوا هذا بأنه ينبو عنه قوله: " موعدكم يوم ~~الزينة " ). # وبقوله: " لا نخلفه ". وأجاب عن قوله: " لا نخلفه " بأن ~~المعنى: لا نخلف الوقت في الإجتماع فيه. ويجوز أن يكون مكانا. والمعنى: ~~بين لنا مكانا معلوما نعرفه نحن وأنت فنأتيه، ويؤيد بقوله: " ~~مكانا سوى ". قال فهذا يدل على أنه مكان، وهذا ينبو عنه قوله: { ~~موعدكم يوم الزينة } ، ويجوز أن يكون مصدرا أي ms6067 اجعل بيننا ~~وبينك وعدا لا نخلفه، ويؤيد هذا قوله: { لا نخلفه نحن ولا ~~أنت } ، لأن الموعد هو الذي يصح وصفه بالخلف وعدمه، وإلى هذا نحا جماعة ~~مختارين له ويرد عليهم بقوله: " موعدكم يوم الزينة " ~~(فإنه لا يطابقه). # وقال الزمخشري: إن جعلته زمانا نظرا في أن قوله: " موعدكم يوم ~~الزينة " مطابق له، لزمك شيئان: أن تجعل الزمان مخلفا، وأن يعضل ~~عليك ناصب مكانا، (وإن جعلته مكانا) لقوله: " مكانا سوى " لزمك ~~أيضا أن توقع الإخلاف على المكان، وأن لا يطابق قوله: " موعدكم ~~يوم الزينة " ، وقراءة الحسن غير مطابقة له زمانا ومكانا ~~جميعا، لأنه قرأ " يوم الزينة " بالنصب، فقي أن يجعل مصدرا ~~يعني الوعد، ويقدر مضاف محذوف أي: مكان الوعد، ويجعل الضمير في " ~~تخلفه " للموعد، و " مكانا " بدل من المكان المحذوف. # فإن قلت: فكيف طابقه قوله: " موعدكم يوم الزينة " ولا بد من ~~أن تجعله زمانا والسؤال واقع عن المكان لا عن الزمان؟ قلت: هو مطابق ~~معنى وإن لم يطابقه لفظا، لأنهم لا بد لهم أن يجتمعوا يوم الزينة في ~~مكان بعينه مشتهر باجتماعهم فيه في ذلك الزمان، فبذكر الزمان علم المكان ~~وأما قراءة الحسن فالموعد فيها مصدر لا غير، والمعنى: إنجاز وعدكم يوم ~~الزينة، وطابق هذا أيضا من طريق المعنى، ويجوز أن لا يقدر مضاف محذوف ~~ويكون المعنى: اجعل بيننا وبينك وعدا لا نخلفه. # وقال أبو البقاء: هو هنا مصدر لقوله: { لا نخلفه نحن ولا ~~أنت } والجعل هنا بمعنى التصير و " موعدا " مفعول أول، والظرف هو ~~الثاني، والجملة من قوله: " لا نخلفه " صفة لموعد، و " نحن " ~~توكيد مصحح للعطف على الضمير المرفوع المستتر في " نخلفه " و " ~~مكانا " بدل من المكان المحذوف كما قدره الزمخشري. وجوز أبو علي الفارسي ~~وأبو البقاء أن ينتصب " مكانا " على المفعول الثاني ل " اجعل " ~~قال: و " موعدا " على هذا مكان أيضا، ولا ينتصب بموعد لأنه مصدر قد ~~وصف. # يعني أنه يصح (نصبه مفعولا ثانيا، ولكن بشرط أن يكون الموعد بمعنى ~~المكان ليطابق المبتدأ الخبر) في الأصل. وقوله: ولا ينتصب ms6068 بالمصدر يعني ~~أنه لا يجوز أن يدعي انتصاب " مكانا " بموعد، والمراد بالموعد المصدر، ~~وإن كان جائزا من جهة المعنى، لأن الصناعة تأباه (وهو وصف المصدر. ~~والمصدر شرط إعماله: عدم وصفه قبل العمل عند الجمهور). # وهذا الذي منعه الفارسي وأبو البقاء جوزه الزمخشري وبدأ به فقال: فإن ~~قلت: فيم ينتصب " مكانا "؟ قلت: بالمصدر أو بما يدل عليه المصدر. فإن ~~قلت: كيف يطابقه (فالجواب): فقلت: أما على قراءة الحسن فظاهر، وأما على ~~قراءة العامة فعلى تقدير: (وعدكم وعد يوم زينة. # قال أبو حيان: وقوله: إن " مكانا " ينتصب بالمصدر) ليس بجائز، لأنه ~~قد وصف قبل العمل بقوله: " لا نخلفه " ، وهو موصول، والمصدر إذا وصف ~~قبل العمل لم يجز أن يعمل عندهم. قال شهاب الدين: الظروف والمجرورات يتسع ~~فيها ما لا يتسع في غيرها، وفي المسألة خلاف مشهور. وأبو القاسم نحا إلى ~~جواز ذلك. # وجعل الحوفي انتصاب " مكانا " على الظرف وانتصابه ب " اجعل " ~~فتحصل في نصب " مكانا " خمسة أوجه: # أحدها: أنه بدل من (مكانا) المحذوف. # الثاني: أنه مفعول ثان للجعل. # الثالث: أنه نصب بإضمار فعل. # الرابع: أنه منصوب بنفس المصدر. # الخامس: أنه منصوب على الظرف بنفس " اجعل ". # وقرأ أبو جعفر وشيبة: " لا نخلفه " بالجزم على جواب الأمر والعامة ~~بالرفع على الصفة لموعدكم كما تقدم. # وقرأ ابن عامر وحمزة وعاصم والحسن: " سوى " بضم السين منونا وصلا. # والباقون: بكسرها. وهما لغتان مثل: عدى وعدى وطوى وطوى، فالكسر ~~والضم على أنها صفة بمعنى مكان عدل إلا أن الصفة على فعل كثيرة ~~نحو لبد وحطم (وقليلة على فعل. # ولم ينون الحسن " سوى " أجرى الوصل مجرى الوقف ولا جائز أن يكون منع ~~صرفه للعدل وعلى فعل كعمر، لأن ذلك في الأعلام، وأما فعل في الصفات ~~فمصروفة نحو حطم، ولبد). # وقرأ عيسى بن عمر " سوى " بالكسر من غير تنوين وهي كقراءة الحسن في ~~التأويل. (وسوى معناه: عدلا ونصفة. قال الفارسي: كأنه قال قربه منكم ~~قربة منا. # قال الأخفش): " سوى " مقصور إن كسرت سينه أو ضممت، وممدود إن فتحتها، ~~ثلاث لغات، ms6069 ويكون فيها جميعها بمعنى غير، وبمعنى عدل ووسط بين ~~الفريقين، قال الشاعر: # 3663- وإن أبانا كان حل ببلدة # سوى بين قيس قيس عيلان والفزر # قال: وتقول: مررت برجل سواك وسواك وسوائك أي غيرك، ويكون للجميع ~~وأعلى هذه اللغات الكسر. قاله النحاس. # وزعم بعض أهل اللغة والتفسير أن معنى: " مكانا سوى " مستو من ~~الأرض لا وعر فيه ولا جبل. # فصل # قال مقاتل وقتادة: مكانا وعدلا بيننا وبينك. وعن ابن عباس نصفا أي: ~~يستوى مسافة الفريقين إليه. وقال مجاهد: منصفا بيننا. قال الكلبي: ~~مكانا سوى هذا المكان الذي نحن فيه. # وقال ابن زيد: مستو لا يحجب العين ما فيه من الارتفاع والانخفاض حتى ~~يشاهد كل الحاضرين كل ما يجري. # وقيل: " سوى " أي يستوي حالنا في الرضا به. # قوله: " موعدكم يوم الزينة " العامة على رفع " يوم ~~الزينة " خبرا ل " موعدكم " ، فإن جعلت " موعدكم " ~~زمانا لم يحتج إلى حذف مضاف، إذ التقدير: زمان الوعد يوم الزينة. ~~(وإن جعلته مصدرا احتجت إلى حذف مضاف تقديره: وعدكم وعد يوم ~~الزينة). # وقرأ الحسن والأعمش وعيسى وعاصم في بعض طرقه وأبو حيوة وابن أبي عبلة ~~وقتادة والجحدري (وهبيرة) " يوم " بالنصب، وفيه أوجه: # أحدها: أن يكون خبرا لموعدكم أن المراد بالموعد المصدر، أي ~~وعدكم كائن في يوم الزينة كقولك: القتال يوم كذا والسفر غدا. # الثاني: أن يكون " موعدكم " مبتدأ، والمراد به الزمان، و " ضحى " ~~خبره على نية التعريف فيه، لأنه ضحى ذلك اليوم بعينه. قاله الزمخشري ولم ~~يبين ما الناصب ل " يوم الزينة " ولا يجوز أن يكون منصوبا ب " ~~موعدكم " على هذا التقدير، لأن مفعلا مرادا به الزمان أو المكان ~~لا يعمل وإن كان مشتقا، فيكون الناصب له فعلا مقدرا. # وواخذه أبو حسان في قوله: على نية التعريف. قال: لأنه وإن كان ضحى ذلك ~~اليوم بعينه فليس على نية التعريف بل هو نكرة، وإن كان من يوم بعينه، ~~لأنه ليس معدولا عن الألف واللام كسحر، ولا هو معرف بالإضافة، ولو ~~قلت: جئت يوم الجمعة بكرا، لم ندع أن بكرا معرفة ms6070 وإن كنت تعلم أنه من ~~يوم بعينه. # الثالث: أن يكون " موعدكم " مبتدأ، والمراد به المصدر، و " يوم ~~الزينة " (ظرف له، و " ضحى " منصوب على الظرف خبرا للموعد كما ~~أخبر عنه في الوجه الأول ب " يوم الزينة " ) نحو: القتال يوم ~~كذا. # قوله: { وأن يحشر الناس } في محله وجهان: # أحدهما: الجر نسقا (على الزينة أي: موعدكم يوم الزينة ويوم أن ~~يحشر ويوم حشر الناس). # والثاني: الرفع نسقا على " يوم ". التقدير: موعدكم يوم كذا وموعدكم أن ~~يحشر الناس أي حشرهم. # وقرأ ابن مسعود والجحدري وأو نهيك وعمرو بن فائد " وأن تحشر الناس ~~" بتاء الخطاب في " تحشر " وروي عنهم " يحشر " بياء الغيبة، و " ~~الناس " نصب في كلتا القراءتين (على المفعولية) والضمير في القراءتين ~~لفرعون أي وأن تحشر أنت يا فرعون (أو وأن يحشر فرعون). # وجوز بعضهم أن يكون الفاعل ضمير اليوم في قراءة الغيبة، وذلك مجاز لما ~~كان الحشر واقعا فيه نشب إليه نحو: نهاره صائم، وليله قائم. # و " ضحى " نصب على الظرف العامل فيه " يحشر " ويذكر ويؤنث " ~~والضحاء " بالمد وفتح الضاد فوق الضحى، لأن الضحى ارتفاع النهار ~~والضحاء بعد ذلك، وهو مذكر لا غير. # فصل # قال مجاهد وقتادة والسدي: " يوم الزينة " كان يوم عيد لهم ~~يتزينون فيه، ويجتمعون في كل سنة. وقيل: هو يوم النيروز، قاله مقاتل. # وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: يوم عاشوراء. # واختلفوا في القائل { موعدكم يوم الزينة } فقيل: هو فرعون ~~بين الوقت. قال: القاضي: لأن المطالب بالاجتماع هو فرعون. # والظاهر أنه من كلام موسى لأن جواب لقول فرعون { فاجعل بيننا ~~وبينك موعدا } وأيضا: إن تعيين يوم الزينة يقتضي اطلاع الكل ~~على ما سيقع فيه، فتعيينه إنما يليق بالمحق الذي يعرف أن اليد له لا ~~بالمبطل الذي يعرف أنه لس معه إلا التلبيس. # وأيضا: فقوله: " موعدكم " خطاب للجميع، فلو جعلناه من فرعون ~~لموسى وهارون لزم إما حمله على التعظيم وذلك لا يليق بحال فرعون معهما، ~~أو على أن أقل الجمع اثنان وهو غير جائز، أما لو جعلناه من موسى إلى ms6071 ~~فرعون وقومه استقام الكلام. # وإنما أوعدهم ذلك اليوم، ليكون علو كلمة الله، وظهور دينه وكبت ~~الكافرين، وزهوق الباطل على رؤوس الأشهاد في المجمع العام ليكثر المحدث ~~بذلك الأمر العجيب في كل بدو وحضر، ويشيع في جميع أهل الوبر والمدر. قال ~~القاضي: إنه عين اليوم بقوله " يوم الزينة " ، ثم عين من اليوم ~~وقتا معينا بقوله: { وأن يحشر الناس ضحى } أي: وقت الضحوة ~~نهارا جهارا. ### || [20.60-62] # قوله: { فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى } ~~التولي: قد يكون إعراضا وقد يكون انصرافا، والظاهر أنه هنا بمعنى ~~الانصراف، وهو مفارقة موسى عن الحق " فجمع كيده " مكره، وقومه، ~~وحيله، وسحرته، وآلاته " ثم أتى " الموضع بما جمعه. # قال ابن عباس: كانوا اثنين وسبعين ساحرا مع كل واحد منهم حبل وعصا. # وقيل: كانوا أربعمائة. وقال كعب: اثني عشر ألفا. وقيل: أكثر من ذلك. ثم ~~ضربت لفرعون قبة فجلس فيها ينظر إليها، وكان طول القبة سبعون ذراعا. ~~فقال لهم موسى عند ذلك يعني للسحرة الذين جمعهم فرعون { ويلكم لا ~~تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب } أي: لا ~~تزعموا أن الذي جئت به ليس بحق، وأنه سحر، وأنكم متمكنون من معارضتي، ~~فيسحتكم الله بعذاب أي: فيهلككم، قاله مقاتل والكلبي. # وقال قتادة: فيستأصلكم { وقد خاب من افترى }. # الخيبة: الحرمان والخسران. # قوله: " ويلكم " قال الزجاج: يجوز في انتصاب " ويلكم " أن ~~يكون المعنى ألزمهم الله ويلا إن افتروا على الله، ويجوز على النداء ~~كقوله: # يويلتا أألد وأنا عجوز # [هود: 72] # قالوا يويلنا من بعثنا من مرقدنا # [يس: 52]. # قوله: " فيسحتكم " قرأ الأخوان وحفص عن (عاصم " فيسحتكم " ~~بضم الياء وكسر الحاء. والباقون بفتحهما. # فقراءة الأخوين من أسحت رباعيا وهي لغة نجد وتميم. # قال) الفرزدق التميمي: # 3664- وعض زمان يا ابن مروان لم يدع # من المال إلا مسحتا أو مجلف # وقراءة الباقين من سحته ثلاثيا وهي لغة الحجاز، وأصل هذه المادة ~~الدلالة على الاستقصاء والنفاد، ومنه سحت الحالق الشعر أي استقصاه، فلم ~~يترك منه شيئا، ويستعمل في الإهلاك والإذهاب، ونصبه بإضمار أن في جواب ~~النهي. # ولما أنشد الزمخشري ms6072 قول الفرزدق: # ................................ # ..........(إلا مسحتا أو مجلف) # قال بعد ذلك: في بيت لم تزل الركب تصطك في تسوية إعرابه. # قال شهاب الدين: يعني: أن هذا البيت صعب الإعراب، وإذ قد ذكر ذلك ~~فلنذكر ما ورد في هذا البيت من الروايات، وما قاله الناس في ذلك على حسب ~~ما يليق بهذا الموضوع، فأقول وبالله الحول: روي هذا البيت بثلاث روايات ~~كل واحدة لا تخلو من ضرورة. الأولى: (لم يدع) بفتح الياء والدال، ~~ونصب مسحت وفي هذه خمسة أوجه: # الأول: أن معنى (لم يدع من المال مسحتا) لم يبق إلا ~~مسحت، فلما كان هذا في قوة الفاعل عطف عليه قوله: (أو مجلف) ~~(بالرفع)، وبهذا البيت استشهد الزمخشري على قراءة أبي والأعمش { ~~فشربوا منه إلا قليل } [البقرة: 249] (برفع قليل) وقد ~~تقدم. # الثاني: أنه مرفوع بفعل مقدر دل عليه (لم يدع) والتقدير: أو بقي ~~مجلف. # الثالث: أن (مجلف) مبتدأ وخبره مضمر، تقديره: أو مجلف كذلك وهو ~~تخريج الفراء. # الرابع: أنه معطوف على الضمير المستتر في " مسحتا " وكان من حق هذا ~~أن يفصل بينهما بتأكيد ما إلا أن القائل بذلك وهو الكسائي لا يشترط، ~~وأيضا: فهو جائز (في الضرورة) عند الكل. # الخامس: أن يكون (مجلف) مصدرا بزنة اسم المفعول، كقوله تعالى: # كل ممزق # [سبأ: 7] أي تجليف وتمزيق، وعلى هذا فهو نسق على " عض زمان " إذ ~~التقدير: رمت بنا هموم المنى وعض زمان أو تجليف فهو ~~فاعل لعطفه على الفاعل، وهو قول الفارسي، وهو أحسنها. # الرواية الثانية: فتح الياء وكسر الدال ورفع مسحت، وتخريجها واضح، ~~وهو أن يكون من ودع في بيته يدع فهو وادع بمعنى بقي يبقى فهو باق، فيرتفع ~~" مسحت " بالفاعلية، ويرفع (مجلف) بالعطف عليه ولا بد حينئذ من ~~ضمير محذوف تقديره: من أجله أو بسببه ليرتبط الكلام. # الرواية الثالثة: (يدع) بضم الياء وفتح الدال على ما يسم فاعله و ( ~~مسحت) بالرفع لقيامه مقام الفاعل و (مجلف) عطف عليه، وكان من حق ~~الواو أن لا تحذف بل تثبت، لأنها لم تقع بين ياء وكسرة، وإنما ms6073 حذفت حملا ~~للمبني للمفعول على المبني للفاعل. # وفي البيت كلام أطول من هذا تركته اختصارا، وهذا لبه، وقد ذكرته في ~~البقرة، وفسرت معناه ولغته، وصلته بما قبله فعليك بالالتفات إليه. # قوله: { فتنازعوا أمرهم بينهم } أي: تفاوضوا ~~وتشاوروا واستقروا على شيء واحد. # وقال مقاتل: اختلفوا فيما بينهم. # قال محمد بن إسحاق ووهب: لما قال لهم موسى { لا تفتروا على ~~الله كذبا } قال بعضهم لبعض: ما هذا بقول ساحر. # قال بعض المفسرين إن فرعون وقومه دخلوا مع السحرة في التنازع. # وقال آخرون: إنما تنازع السحرة وحدهم، أي تناظروا وتشاوروا في أمر موسى ~~سرا من فرعون. # قال الكلبي: قالوا سرا إن غلبنا موسى اتبعناه. وهو قول ابن عباس. # قوله: { وأسروا النجوى } أي المناجاة يكون مصدرا واسما، ~~أي: أسروا النحوى من فرعون. # قال ابن عباس: إن نجواهم إن غلبنا موسى اتبعناه. # وقال قتادة: إن كان ساحرا فسنغلبه وإن كان من السماء فله أمر. # وقال السدي: نجواهم هو قولهم: # إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من ~~أرضكم # [طه: 63]. ### || [20.63] # قوله: " إن هذان " اختلف القراء في هذه الآية فقرأ بن كثير وحده: " ~~إن هذان " بتخفيف " إن " والألف وتشديد النون. وحفص كذلك إلا أنه ~~خفف نون " هذان " وقرأ أبو عمر " إن " بالتشديد " هذين " بالياء ~~وتخفيف النون. والباقون كذلك إلا أنهم قرءوا " هذان " بالألف. # فأما القراءة الأولى، وهي قراءة ابن كثير وحفص فأوضح القراءات معنى ~~ولفظا وخطا، وذلك أنهما جعلا (إن) المخففة من الثقيلة فأهملت، ولما ~~أهملت كما هو الأفصح من وجهها خيف التباسها بالنافية فجيء باللام فارقة ~~في الخبر، ف " هذان " مبتدأ، و " لساحران " خبره، ووافقت خط ~~المصحف، فإن الرسم " هذان " دون ألف ولا ياء (وسيأتي بيان ذلك). # وأما تشديد نون " هذان " فعلى ما تقدم في سورة النساء متقنا، وأما ~~الكوفيون فيزعمون أن " أن " نافية (بمعنى (ما)) واللام (إلا) وهو خلاف ~~مشهور، وقد وافق تخريجهم هنا قراءة بعضهم { ما هذان إلا ساحران ~~}. # وأما قراءة أبي عمرو فواضحة من حيث الإعراب والمعنى، أما الإعراب ف " ~~هذين " اسم " إن ms6074 " وعلامة نصبه الياء، و " لساحران " خبرها، ~~ودخلت اللام توكيدا، وأما من حيث المعنى فإنهم أثبتوا لهما السحر بطريق ~~تأكيدي من طرفيه، ولكنهم استشكلوها من حيث خط المصحف، وذلك أنه رسم " ~~هذان " بدون ألف ولا ياء، فإتيانه بالياء زيادة على خط المصحف. # قال أبو إسحاق: لا أجيز قراءة أبي عمرو لأنها خلاف المصحف. # وقال أبو عبيد: رأيتها في الإمام مصحف عثمان " هذان " ليس فيها ألف ~~وهكذا رأيت رفع الاثنين في ذلك المصحف بإسقاط الألف، وإذا كتبوا النصب ~~والخفض كتبوه بالياء ولا يسقطونها. # قال شهاب الدين: وهذا لا ينبغي أن يرد به على أبي عمرو، وكم جاء في ~~الرسم أشياء خارجة عن القياس، وقد نصوا على أنه لا يجوز القراءة بها، ~~فليكن هذا منها أعني: مما خرج عن القياس، فإن قلت ما نقلته عن أبي عبيد ~~مشترك الإلزام بين أبي عمرو وغيره، فإنهم كما اعترضوا عليه بزيادة الياء ~~يعترض عليهم بزيادة الألف، فإن الألف ثابتة في قراءتهم ساقطة من خط ~~المصحف. # فالجواب ما تقدم من قول أبي عبيد أنه رآهم يسقطون الألف من رفع الاثنين ~~فإذا كتبوا النصب والخفض كتبوه بالياء، وذهب جماعة منهم عائشة - رضي الله ~~عنها - وأبو عمرو إلى أن هذا مما لحن فيه الكاتب وأفهم بالصواب يعنون ~~أنه كان من حقه أن يكتبه بالياء فلم يفعل، فلم يقرأه الناس إلا بالياء ~~على الصواب. # وأما قراءة الباقين ففيها أوجه: # أحدها: أن " إن " بمعنى نعم، و " هذان " مبتدأ، و " ~~لساحران " خبره، ومن ورود " إن " بمعنى نعم قوله: # 3665- بكر العواذل في المشي # ب يلمنني وألومهنه # ويقلن شيب قد علا # ك وقد كبرت فقلت إنه # أي فقلت: نعم، والهاء للسكت، وقال رجل لابن الزبير: لعن الله ناقة ~~حملتني إليك. فقال: إن صاحبها. أي نعم ولعن صاحبها. # وهذا رأي المبرد وعلي بن سليمان. # وهو مردود من وجهين: # أحدهما: عدم ثبوت " إن " بمعنى " نعم " وما أوردوه يؤول، أما البيت ~~فإن الهاء اسمها، والخبر محذوف لفهم المعنى تقديره: إنه كذلك، وأما قول ~~ابن الزبير فذاك من ms6075 حذف المعطوف عليه وإبقاء المعطوف، وحذف خبر " إن " ~~للدلالة عليه تقديره: إنها وصاحبها ملعونان وفيه تكلف لا يخفى. # والثاني: دخول اللام على خبر المبتدأ دون المؤكد بأن المكسورة، لأن ~~مثله لا يقع إلا ضرورة، كقوله: # 3666- أم الحليس لعجوز شهربه # ترضى من اللحم بعظم الرقبه # وقد يجاب عنه بأن " لساحران " يجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف دخلت ~~عليه هذه اللام تقديره لهما ساحران، وقد فعل ذلك الزجاج كما سيأتي ~~حكايته عنه. # الثاني: أن اسمها ضمير القصة وهو " ها " التي قبل " ذان " ، وليست ~~ب " ها " التي للتنبيه الداخلة على أسماء الإشارة، والتقدير: إنها القصة ~~ذان لساحران. # وقد ردوا هذا من وجهين: # أحدهما: من جهة الخط (وهو أنه) لو كان كذلك لكان ينبغي أن يكتب إنها، ~~فيصلوا الضمير بالحرف قبله كقوله تعالى: # فإنها لا تعمى الأبصار # [الحج: 46] فكتبهم إياها مفصولة من " إن " متصلة باسم الإشارة يمنع ~~كونها ضميرا وهو أوضح. # الثاني: أنه يؤدي إلى دخول لام الابتداء في الخبر غير المنسوخ وقد يجاب ~~عنه بما تقدم. # الثالث: أن اسمها ضمير الشأن محذوف والجملة من المبتدأ والخبر بعده في ~~محل رفع خبر لأن التقدير: إنه أي: الأمر والشأن. وقد ضعف هذا بوجهين: # أحدهما: حذف اسم " إن " وهو غير جائز إلا في شعر بشرط أن لا تباشر " ~~إن " فعلا، كقوله: # 3667- إن من يدخل الكنيسة يوما # يلق فيها جآذرا وظباءا # والثاني: دخول اللام في الخبر، وقد أجاب الزجاج بأنها داخلة على مبتدأ ~~محذوف تقديره: لهما ساحران، وهذا قد استحسنه شيخه المبرد أعني ~~جوابه بذلك. # الرابع: أن " هذان " اسمها و " لساحران " خبرها. # وقد رد هذا بأنه كان ينبغي أن يكون " هذين " بالياء كقراءة أبي ~~عمرو، وقد أجيب عن ذلك بأنه على لغة بني الحرث وبني الصخم وبني العنبر ~~وزبيد وعذرة وسراة وخثعم وكنانة، وحكى هذه اللغة الأئمة الكبار كأبي ~~الخطاب وأبي زيد الأنصاري (والكسائي). # قال أبو زيد: سمعت من العرب من يقلب كل ياء ينفتح ما قبلها ألفا، ~~يجعلون المثنى كالمقصور، فيثبتون ألفا في جميع أحواله، ويقدرون ms6076 إعرابه ~~بالحركات، وأنشدوا قوله: # 3668- فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى # مساغا لناباه الشجاع لصمما # أي لنابيه. # وقوله: # 3669- إن أباها وأبا أباها # قد بلغا في المجد غايتاها # أي غايتيها. # قال الفراء: وحكى بعض بني أسد قال: هذا خط يدا أخي أعرفه وقال قطرب: ~~هؤلاء يقولون: رأيت رجلان، واشتريت ثوبان قال: وقال رجل من بني ضبة ~~جاهلي: # 3670- (أعرف منها الأنف والعينانا # ومنخرين أشبها ظبيانا) # وقال آخر: # 3671- كأن صريف ناباه إذا ما # أمرهما قديم الخطبان # (الخطبان: ذكر الصردان). # وروى ابن جني عن قطرب: # 3672- هياك أن تبكي بشعشعان # خب الفؤاد مائل اليدان # قال الفراء: وذلك - وإن كان قليلا - أقيس. لأن ما قبل حرف التثنية ~~مفتوح فينبغي أن يكون ما بعده ألفا لانفتاح ما قبلها, وذكر قطرب أنهم ~~يفعلون ذلك فرارا إلى الألف التي هي أخف حروف المد ويقولون: كسرت يداه، ~~وركبت علاه، يعني يديه وعليه، وقال شاعرهم: # 3673- تزود منا بين أذناه ضربة # دعته إلى هابي التراب عقيم # إلى غير ذلك من الشواهد. # واستدل لقراءة أبي عمرو بأنها قراءة عثمان وعائشة وابن الزبير وسعيد بن ~~جبير، روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة - رضي الله عنها - أنها سئلت عن ~~قوله تعالى: { إن هذان لساحران } وعن قوله: # إن الذين ءامنوا والذين هادوا والصابئون ~~والنصارى # [في المائدة: 69]، وعن قوله: # لكن الراسخون في العلم منهم # [النساء: 162] إلى قوله: # والمقيمين الصلوة والمؤتون الزكوة # [النساء: 162]، فقالت: يا ابن أخي هذا خطأ من الكاتب. وروي عن عثمان أنه ~~نظر في المصحف، فقال: أرى فيه لحنا وستقيمه العرب بألسنتها. # وعن ابن عمرو أنه قال: إني لأستحي أن أقرأ { إن هذان ~~لساحران }. # وقرأ ابن مسعود: { وأسروا النجوى أن هذان ساحران } بفتح ~~" أن " وإسقاط اللام على أنها وما في خبرها بدل من " النجوى " كذا ~~قاله الزمخشري، وتبعه أبو حيان ولم ينكره، وفيه نظر، لأن الاعتراض ~~بالجملة القولية بين البدل والمبدل منه لا يصح. # وأيضا: فإن الجملة القولية مفسرة للنجوى في قراءة العامة. وكذا قاله ~~الزمخشري أولا فكيف يصح أن يجعل { أن هذان ساحران } بدلا ms6077 من ~~النجوى؟ # وقرأ حفص عن عاصم بتخفيف النونين. # وعن الأخفش: { إن هذان لساحران } خفيفة بمعنى ثقيلة وهي لغة ~~لقوم يرفعون بها ويدخلون اللام ليفرقوا بينها وبين التي تكون في معنى ~~(ما). # وروي عن أبي بن كعب { ما هذان إلا ساحران } ، وروي عنه أيضا { ~~إن هذان إلا ساحران } ، وعن الخليل بمثل ذلك. # وعن أبي أيضا: { إن ذان لساحران }. # فصل # قال المحققون: هذه القراءات لا يجوز تصحيحها، لأنها منقولة بطريق ~~الآحاد، والقرآن يجب أن يكون منقولا بالتواتر، ولو جوزنا إثبات زيادة في ~~القرآن بطريق الآحاد لما أمكننا القطع بأن هذا الذي هو عندنا كل القرآن، ~~لأنه لما جاز في هذه القراءات أنها من القرآن مع كونها ما نقلت بالتواتر ~~جاز في غيرها ذلك. # فثبت أن تجويز كون هذه القراءات من القرآت يطرق جواز الزيادة والنقصان ~~والتغيير في القرآن، وذلك يخرج القرآن عن كونه حجة، ولما كان ذلك باطلا ~~فكذلك ما قرىء. # وأما الطعن في القراءة المشهورة فلو حكمنا ببطلانها جاز مثله في جميع ~~القرآن، وذلك يفضي إلى القدح في التواتر، وإلى القدح في كل القرآن، وهو ~~باطل، وإذا ثبت ذلك امتنع صيرورته معارضا بخبر الواحد المنقول عن بعض ~~الصحابة. # وأيضا: فإن المسلمين أجمعوا على أن ما بين الدفتين كرم الله، وكلام ~~الله لا يجوز أن يكون لحنا وغلطا ولذلك ذكر النحويون وجه تصحيح القراءة ~~المشهورة كما تقدم. # فصل # اعلم أنه تعالى لما ذكر ما أسروه من النجوى حكى عنهم ما أظهروه بما يدل ~~على التنفير عن متابعة موسى، وهو أمور: # أحدها: قولهم { إن هذين لساحران } وهذا طعن منهم في معجزات ~~موسى ومبالغة في التنفير عنه، لأن كل طبع سليم ينفر عن السحر وعن رؤية ~~الساحر لأن الإنسان يعلم أن السحر لا بقاء له، فإذا اعتقدوا فيه ~~السحر قالوا: كيف نتبعه، وهو لا بقاء له ولا لدينه؟ # وثانيها: قوله: { يريدان أن يخرجاكم من أرضكم } وهذا ~~نهاية التنفير، لأن مفارقة الوطن والمنشأ شديدة على القلب. وهذا كقول ~~فرعون: تريد أن تخرجنا من أرضنا بسحرك ms6078 يا موسى، ~~فكأن السحرة تلقفوا هذه الشبهة من فرعون ثم أعادوها. # وثالثها: قوله: { ويذهبا بطريقتكم المثلى } ، وهذا ~~أيضا له تأثير شديد في القلب، فإن العدو إذا استولى على جميع المناصب ~~والأشياء التي يرغب فيها كذلك يكون في نهاية المشقة على القلب. قال ابن ~~عباس: يعني براءة قومكم وأشرافهم يقال: هؤلاء طريقة قومهم أي: ~~أشرافهم. # والمثلى تأنيث الأمثل (وهو الأفضل. وسمي الأفضل بالأمثل)، لأن ~~الأمثل هو الأشبه بالحق وقيل: الأمثل: الأوضح الأظهر وحدث الشعبي عن ~~علي قال: يصرفان وجوه الناس إليهما. # وقال قتادة: " طريقتكم المثلى " يومئذ بنو إسرائيل، كانوا أكثر ~~القوم عددا (وأموالا)، فقال عدو الله يريد أن يذهبا بهم لأنفسهم. # وقيل: بطريقتكم أي بسنتكم ودينكم الذي أنتم عليه. والمثلى: نعت ~~الطريقة، تقول العرب: فلان على الطريقة المثلى يعني على الهدى ~~المستقيم. # وقيل: الطريقة المثلى الجاه والمنصب والرياسة. # قوله: " بطريقتكم " الياء معدية كالهمزة، والمعنى بأهل ~~طريقتكم. قال الزجاج: هذا من باب حذف المضاف. وإذا كانت الطريقة عبارة عن ~~العادة فلا حذف. ### || [20.64] # قوله: " فأجمعوا " قرأ أبو عمرو " فاجمعوا " بوصل الألف وفتح ~~الميم. والباقون: بقطعها مفتوحة وكسر الميم، وقد تقدم تحقيق ذلك في سورة ~~يونس. # و " كيدكم " مفعول به، وقيل: هو على إسقاط الخافض أي: على كيدكم ~~وليس بشيء. فأما قراءة أبي عمرو في من الجمع أي لا تدعوا شيئا من ~~كيدكم إلا جئتم به بدليل قوله: " فجمع كيده ". # ومعنى قراءة الباقين قيل: معناه الجمع أيضا تقول العرب: أجمعت الشيء ~~وجمعته بمعنى واحد. # والصحيح أن معناه العزم والإحكام قال الفراء: الإجماع الإحكام والعزيمة ~~على الشيء. أي أجمعوا كلكم على كيده مجتمعين له ولا تختلفوا فيختل ~~أمركم. # { ثم ائتوا صفا } أي: جميعا، قاله مقاتل والكلبي. # وقيل: أي: مصطفين مجتمعين، ليكون أنظم لأمركم وأشد لهيبتكم. # وقال أبو عبيدة، والزجاج: الصف موضع الجمع، ويسمى المصلى صفا، أي: ~~ائتوا المكان الموعود الذي تجتمعون فيه لعيدكم. # قوله: " صفا " يجوز أن يكون حالا من فاعل " ائتوا " أي ائتوا ~~مصطفين أي ذوي صف فهو مصدر في الأصل. # وقيل: هو ms6079 مفعول به أي: ائتوا قوما صفا، وفيه التسمية بالمصدر. أو ~~هو على حذف مضاف أي ذوي صف. # قوله: " وقد أفلح " قال الزمخشري: اعتراض بمعنى: وقد فاز من غلب. # يعني بالاعتراض: أنه جيء بهذه الجملة (أجنبية من كلامهم ومقولهم، لأن من ~~جملة قولهم: # قالوا يموسى إمآ أن تلقي # [طه: 65]، وهذه الجملة) أعني: قوله: " وقد أفلح " من كلام الله ~~تعالى، فهي اعتراض بهذا الاعتبار. وفيه نظر. لأن الظاهر أنها من مقولاتهم ~~قالوا هذا تحريضا لقومهم على القتال وحينئذ فلا اعتراض. ### || [20.65-70] # قوله: { قالوا يا موسى إما أن تلقي } الآية: وهنا حذف ~~والتقدير: فحضروا الموضع قالوا السحرة يا موسى. # قوله: { إما أن تلقي } فيه أوجه: # أحدها أنه منصوب بإضمار فعل تقديره: اختر أحد الأمرين. كذا قدره ~~الزمخشري. # قال أبو حيان: هذا تفسير معنى لا تفسير إعراب، وتفسير الإعراب إما أن ~~تختار الإلقاء. # والثاني: أنه مرفوع على خبر ميتدأ محذوف تقديره: الأمر إما إلقاؤك أو ~~إلقاؤنا. كذا قدره الزمخشري. # الثالث: أن يكون مبتدأ وخبره محذوف، تقديره: إلقاؤك أول، ويدل عليه ~~قوله: { وإما أن نكون أول من ألقى } ، واختار أبو ~~حيان، وقال: فتحسن المقابلة من حيث المعنى، وإن لم تحسن المقابلة من حيث ~~التركيب اللفظي. قال: وفي تقدير الزمخشري الأمر إلقاؤك فيه. وتقدم نظير ~~هذا في الأعراف. # فصل # معنى الكلام: إما أن تلقي ما معك قبلنا (وإما أن نلقي ما معنا قبلك) ~~وهذا التخيير مع تقديمه في الذكر حسن أدب منهم وتواضع، فلا جرم رزقهم ~~الله الإيمان ببركته، ثم إن موسى - عليه السلام - قابل أدبهم بأدب فقال: ~~" بل ألقوا ". # فإن قيل: كيف يجوز أن يقول موسى " بل ألقوا " فيأمرهم بما هو سحر ~~وكفر لأنهم إذا قصدوا بذلك تكذيب موسى - عليه السلام - كان كفرا؟ # فالجواب من وجوه: # الأول: لا نسلم أن نفس الإلقاء كفر، لأنهم إذا ألقوا وكان غرضهم أن ~~يظهروا، الفرق بين ذلك الإلقاء وبين معجزة موسى - عليه السلام - (كان ذلك ~~الإلقاء إيمانا إنما الكفر هو القصد إلى تكذيب موسى - عليه السلام -، ~~وهو عليه السلام) ms6080 إنما أمر بالإلقاء لا بالقصد إلى التكذيب فزال السؤال. # والثاني: ذلك الأمر كان مشروطا، والتقدير: ألقوا ما أنتم ملقون إن كنتم ~~محقين، كقوله تعالى: # فأتوا بسورة من مثله # [البقرة: 23] (أي: إن كنتم قادرين). # الثالث: أنه لما تعين ذلك طريقا إلى كشف الشبهة صار ذلك جائزا، وهذا ~~كالمحقق إذا علم في أن قلب واحد شبهة، وأنه لو لم يطالبه بذكرها وتقريرها ~~بأقصى ما يقدر عليه لبقيت تلك الشبهة في قلبه ويخرج بسببها عن الدين، فإن ~~للمحق أن يطالبه بتقريرها على أقصى الوجوه، ويكون غرضه من ذلك أن يجيب ~~عنها، ويزيل أثرها عن قلبه، فمطالبته بذكر الشبهة لهذا الغرض جائز فكذا ~~ههنا. # الرابع: أن لا يكون ذلك أمرا بل معناه: إنكم إن أردتم فعله فلا مانع ~~منه حسا لكي ينكشف الحق. # الخامس: أن موسى - عليه السلام - لا شك أنه كان كارها لذلك ولا شك أنه ~~نهاهم عن ذلك بقوله: # ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم ~~بعذاب # [طه: 61] وإن كان كذلك استحال أن يأمرهم بذلك، لأن الجمع بين كونه ~~ناهيا آمرا بالفعل الواحد محال، فعلمنا أن أمره غير محمول على ظاهره، ~~وحينئذ يزول الإشكال. # فإن قيل: لم قدمهم في الإلقاء على نفسه مع أن تقديم إسماع الشبهة على ~~إسماع الحجة غير جائز، فكذا تقديم إرائة الشبهة على إرائة الحجة يجب أن ~~لا يجوز، لاحتمال أنه ربما أدرك الشبهة ثم لا يتفرغ لإدراك الحجة بعده، ~~فيبقى حينئذ في الكفر والضلال، وليس لأحد أن يقول: إن ذلك كان بسبب أنهم ~~لما قدموه على أنفسهم فهو - عليه السلام - قابل ذلك بأن قدمهم، لأن أمثال ~~ذلك إنما يحسن فيما يرجع إلى حظ النفس فأما ما يرجع إلى الدليل والشبهة ~~فغير جائز. # فالجواب أنه - عليه السلام - كان قد أظهر المعجزة مرة واحدة فما كان ~~به حاجة إلى إظهارها مرة أخرى، والقوم إنما جاءوا لمعارضته، فقال - عليه ~~السلام - لو أظهرت المعجزة أولا لكنت كالسبب في إقدامهم على إظهار السحر ~~وقصد إبطال المعجزة وهو لا يجوز، ولكنني أفوض الأمر ms6081 إليهم باختيارهم ~~يظهرون ذلك السحر، ثم أظهر أنا ذلك المعجز الذي يبطل سحرهم، فيكون هذا ~~التقديم سببا لدفع الشبهة فكان أولى. # قوله: " فإذا حبالهم " هذه الفاء عاطفة على (جملة محذوفة دل ~~عليها السياق، والتقدير: فألقوا فإذا، وإذا هي التي للمفاجأة وفيها ~~ثلاثة أقوال تقدمت: # أحدها: أنها باقية على ظرفية الزمان. # الثاني: أنها ظرف مكان. # الثالث: أنها حرف. # قال الزمخشري: والتحقيق فيها أنها الكائنة بمعنى الوقت الطالبة ناصبا ~~لها، وجملة تضاف إليها، خصت في بعض المواضع بأن يكون الناصب لها فعلا ~~مخصوصا، وهو فعل المفاجأة، والجملة ابتدائية لا غير، فتقدير قوله: { ~~فإذا حبالهم وعصيهم } ففاجأ موسى وقت تخييل سعي ~~حبالهم وعصيهم، وهذا تمثيل، والمعنى: على مفاجأته حبالهم وعصيهم ~~مخيلة إليه السعي. # قال أبو حيان: قوله: إنها زمانية قول مرجوح، وهو مذهب الرياشي. # وقوله: الطالبة ناصبا لها صحيح. وقوله: وجملة تضاف إليها ليس صحيحا ~~عند بعض أصحابنا، لأنها إما أن تكون هي خبرا لمبتدأ، وإما أن تكون ~~معمولة لخبر المبتدأ، وإذا كان كذلك استحال أن تضاف إلى الجملة، لأنها ~~إما أن تكون بعض الجملة أو معمولة لبعضها، فلا يمكن الإضافة. # وقوله: خصت في بعض المواضع إلى آخره. قد بينا الناصب لها. وقوله: ~~والجملة بعدها ابتدائية لا غير هذا الحصر ليس بصحيح، بل جوز الأخفش على ~~أن الجملة الفعلية المقترنة بقد تقع بعدها نحو خرجت فإذا قد ضرب زيد ~~عمرا وبنى على ذلك مسألة الاشتغال نحو: خرجت فإذا زيد قد ضربه عمرو، ~~برفع زيد ونصبه على الاشتغال. # وقوله: والمعنى على مفاجأته حبالهم وعصيهم مخيلة إليه السعي، فهذا ~~عكس ما قدر بل المعنى على مفاجأة حبالهم وعصيهم إياه. # فإذا قلت: خرجت فإذا السبع، فالمعنى: أنه فاجأني وهجم ظهوره. انتهى. # قال شهاب الدين: وما رد به غير لازم له، لأنه رد عليه بقول بعض ~~النحاة، وهو لا يلزم ذلك القول حتى يرد به عليه لا سيما إذا كان المشهور ~~غيره ومقصوده تفسير المعنى. وقال أبو البقاء: الفاء جواب ما حذف وتقديره: ~~فألقوا فإذا، ف " إذا ms6082 " في هذا ظرف مكان العامل فيه " ألقوا ". وفي ~~هذا نظر.، لأن " ألقوا " هذا المقدر لا يطلب جوابا حتى يقول: الفاء ~~جوابه، بل كان ينبغي أن يقول: الفاء عاطفة هذه الجملة الفجائية على جملة ~~أخرى مقدرة، وقوله: ظرف مكان هذا مذهب المبرد، وظاهر قول سيبويه أيضا ~~وإن كان المشهور بقاؤها على الزمان وقوله: إن العامل فيها " فألقوا " ~~لا يجوز لأن الفاء تمنع من ذلك. هذا كلام أبي حيان. ثم قال بعده: ولأن " ~~إذا " هذه إنما هي معمولة لخبر المبتدأ الذي هو حبالهم وعصيهم إن لم ~~يجعلها هي في موضع الخبر، لأنه يجوز أن يكون) الخبر " يخيل " ، ويجوز ~~أن تكون " إذا " و " يخيل " في موضع الحال، وهذا نظير: خرجت فإن ~~الأسد رابض ورابضا، وإذا رفعت رابضا كانت إذا معمولة له والتقدير: ~~فبالحضرة الأسد رابض، أو في المكان، وإذا نصبت كانت " إذا " خبرا، ولذلك ~~يكتفى بها وبالمرفوع بعدها كلاما نحو خرجت فإذا الأسد. # قوله: " يخيل إليه " قرأ العامة " يخيل " بضم الياء الأولى ~~وفتح الثانية مبنيا للمفعول، و " أنها تسعى " مرفوع بالفعل قبله ~~لقيامه مقام الفاعل تقديره: يخيل إليه سعيها. # وجوز أبو البقاء فيه وجهين: # أحدهما: (أن يكون القائم مقام الفاعل ضمير الحبال والعصي وإنما ~~ذكر ولم يقل " تخيل " بالتاء من فوق، لأن تأنيث الحبال غير حقيقي. # الثاني: أن القائم مقام الفاعل ضمير يعود على الملقي، فلذلك ذكر. وعلى ~~الوجهين: ففي قوله: " أنها تسعى " وجهان أحدهما): أنه بدل اشتمال ~~من ذلك الضمير المستتر في " يخيل " والثاني: أنه مصدر في موضع نصب ~~على الحال من الضمير المستتر أيضا، والمعنى: يخيل إليه هي أنها ذات ~~سعي. ولا حاجة إلى هذا، وأيضا فقد نصوا على أن المصدر المؤول لا يقع ~~موقع الحال، لو قلت: جاء زيد أن ركض، تريد ركضا بمعنى ذا ركض لم يجز. # وقرأ ابن ذكوان: " تخيل " بالتاء من فوق، وفيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن الفعل مسند لضمير الحبال والعصي، أي: تخيل الحبال ~~(والعصي، و) " أنها تسعى " بدل اشتمال من ذلك الضمير. # الثاني: كذلك إلا ms6083 " أنها تسعى " حال، أي: ذات سعي كما تقدم ~~تقريره قبل ذلك. # الثالث: أن الفعل مسند لقوله: " أنها تسعى " كقراءة العامة في أحد ~~الأوجه وإنما أنث الفعل لاكتساب المرفوع التأنيث بالإضافة، إذ ~~التقدير: تخيل إليه سعيها، فهو كقوله: # 3674- شرقت صدر القناة من الدم # ( { فله عشر أمثالها } ). # وقرأ أبو السمال: " تخيل " بفتح التاء والياء مبنيا للفاعل، ~~والأصل: تتخيل، فحذف إحدى التاءين نحو " تنزل الملائكة " ~~، و " أنها تسعى " بدل اشتمال أيضا من ذلك الضمير. وجوز ابن ~~عطية أيضا أنه مفعول من أجله. ونقل ابن جبارة الهذلي: قراءة أبي السمال: ~~" تخيل " بضم التاء من فوق وكسر الياء، فالفعل مسند لضمير الحبال، و ~~" أنها تسعى " مفعول، أي: تخيل الحبال سعيها. # ونسب ابن عطية هذه القراءة للحسن وعيسى الثقفي. # وقرأ أبو حيوة: " نخيل " بنون العظمة، و " أنها تسعى " مفعول ~~به أيضا على هذه القراءة. # وقرأ الحسن والثقفي " عصيهم " بضم العين حيث وقع، وهو الأصل، وإنما ~~كسرت العين إتباعا (للصاد، وكسرت الصاد إتباعا) للياء نحو دلو ~~ودلي، وقوس وقسي، والأصل: عصوو، بواوين فأعل كما ترى بقلب ~~الواوين ياءين استثقالا لهما، فكسرت الصاد لتصح الياء، وكسرت العين ~~إتباعا. # ونقل صاحب اللوامح: أن قراءة الحسن " عصيهم " بضم العين وسكون ~~الصاد وتخفيف الياء مع الرفع، وهو أيضا جمع كالعامة إلا أنه على فعل، ~~والأول على فعول كفلوس. # والجملة من " تخيل " يحتمل أن تكون في محل رفع خبرا لهي على أن " ~~إذا " الفجائية فضلة. وأن تكون في محل نصب على الحال على أن " إذا " ~~الفجائية هي الخبر والضمير في " إليه " الظاهر عوده على موسى. وقيل ~~يعود على (فرعون) (ويدل للأول) قوله تعالى: { فأوجس في نفسه ~~خيفة موسى }. # وفيه إضمار أي: فألقوا فإذا حبالهم وعصيهم، جمع حبل وعصا. # فصل # قال ابن عباس: ألقوا حبالهم وعصيهم وأخذوا أعين الناس فرأى ~~موسى والقوم كأن الأرض امتلأت حيات وكانت أخذت ميلا من كل جانب، ~~وأنها تسعى فخاف، و { أوجس في نفسه خيفة } وأوجس: أضمر في ~~نفسه خوفا. (وقيل: وجد في نفسه خيفة). # فإن قيل: كيف ms6084 استشعر الخوف وقد عرض عليه المعجزات الباهرة كالعصا واليد، ~~فجعل العصا حية عظيمة، ثم إنه تعالى أعادها لما كانت، ثم أعطاه ~~الاقتراحات الثمانية، وذكر ما أعطاه قبل ذلك من المنن وقال له بعد ذلك ~~كله: # إنني معكمآ أسمع وأرى # [طه: 46]، فمع هذه المقدمات الكثيرة كيف وقع الخوف في قلبه؟ # فالجواب من وجوه: أحدها: قال الحسن: إن ذلك الخوف إنما كان لطبع البشرية ~~من ضعف القلب وإن كان قد علم موسى أنهم لا يصلون إليه وأن الله ناصره. # والثاني: قال مقاتل: خاف على القوم أن يلتبس عليهم الأمر فيشكوا في ~~أمره، فيظنون أنهم قد ساووا موسى - عليه السلام - ويؤكده قوله تعالى: { ~~لا تخف إنك أنت الأعلى }. # الثالث: خاف حيث بدأوا وتأخر إلقاؤه أن ينصرف بعض القوم قبل مشاهدة ما ~~يلقيه، فيدوموا على اعتقاد باطل. # الرابع: لعله - عليه السلام - كان مأمورا بأن لا يفعل شيئا إلا ~~بالوحي، فلما تأخر نزول الوحي في ذلك الجمع بقي في الخجل. # الخامس: لعله - عليه السلام - خاف من أنه لو أبطل سحرهم، فلعل فرعون ~~قد أعد أقواما آخرين فيحتاج مرة أخرى إلى إبطال سحرهم وهلم جرا، فلا ~~يظهر له مقطع وحينئذ لا يتم الأمر ولا يحصل المقصود. # فصل # اختلفوا في عدد السحرة، فقال الكلبي: كانوا اثنين وسبعين ساحرا، اثنان ~~من القبط، وسبعون من بني إسرائيل، أكرههم فرعون على ذلك مع كل واحد منهم ~~عصا وحبل. # وقال ابن جريج: تسعمائة، ثلاثمائة من الفرس، وثلاثمائة من الروم، ~~وثلاثمائة من الإسكندرية. وقال وهب: خمسة عشر ألفا. وقال السدي: بضعة ~~وثلاثون ألفا. # وقال القاسم بن سلام: سبعون ألفا. وظاهر القرآن لا يدل على شيء من هذه ~~الأقوال. ثم إنه تعالى أزال ذلك الخوف بقوله: { لا تخف إنك أنت ~~الأعلى } أي الغالب: يعني: لك الغلبة والظفر، وذلك يدل على أن خوفه ~~كان لأمر يرجع إلى أن أمره لا يظهر للقوم، فآمنه الله بقوله: { إنك ~~أنت الأعلى } ، وفيه أنوع من المبالغة: أحدها: ذكر كلمة التأكيد ~~وهي (إن). وثانيها تكرير الضمير. وثالثها: لام التعريف. ms6085 ورابعها: لفظ ~~العلو، وهو الغلبة الظاهرة. # قوله: { وألق ما في يمينك } وهاهنا سؤال، وهو أنه لم لم يقل ~~وألق عصاك؟ # والجواب: جاز أن يكون تصغيرا لهما، أي: لا تبال بكثرة حبالهم ~~وعصيهم، وألق العويد الفرد الصغير الجرم الذي بيمينك، فإنه بقدرة ~~الله يتلقفها على وحدته وكثرتها، وصغره وعظمها. # وجاز أن يكون تعظيما لها أي لا تخيفك هذه الأجرام الكثيرة فإن في ~~يمينك شيئا أعظم منها كلها، وهذه على كثرتها أقل شيء عندها، فألقه ~~يتلقفها بإذن الله ويمحقها. قوله: " تلقف " أي: تلقم وتبتلع " ~~ما صنعوا " بسرعة. # قرأ العامة بفتح اللام وتشديد القاف وجزم الفاء على جواب الأمر، وقد ~~تقدم أن حفصا يقرأ " تلقف " بسكون اللام وتخفيف القاف، وقرأ ابن ~~ذكوان هنا " تلقف " بالرفع إما على الحال، وإما على الاستئناف، ~~وأنث الفعل في " تلقف " حملا على معنى " ما " لأن معناها العصا، ~~ولو ذكر ذهابا إلى لفظها لجاز ولم يقرأ به. # وقال أبو البقاء: إنه يجوز أن يكون فاعل " تلقف " ضمير موسى فعلى ~~هذا يجوز أن يكون " تلقف " في قراء الرفع حالا من موسى، وفيه بعد. # و ( " صنعوا " ههنا: اختلقوا وزوروا) والعرب تقول في الكذب: هو ~~كلام مصنوع. قوله: { إنما صنعوا كيد ساحر } العامة على رفع " ~~كيد " على أنه خبر " إن " و " ما " موصولة، و " صنعوا " صلتها، ~~والعائد محذوف، والموصول هو الاسم، والتقدير: إن الذي صنعوه كيد ~~ساحر. # ويجوز أن تكون " ما " مصدرية فلا حاجة إلى العائد، والإعراب بحاله ~~والتقدير: (إن صنعهم) كيد ساحر. # (وقرأ مجاهد وحميد وزيد بن علي " كيد " بالنصب على أنه مفعول به و " ~~ما " مزيدة مهيئة. وقرأ الأخوان: " كيد سحر " على أن) المعنى: ~~كيد ذوي سحر، (أو جعلوا نفس السحر مبالغة وتبيينا للكيد، أي ~~حيلة سحر، لأنه يكون سحرا وغير سحر) كما تميز سائر الأعداد بما يفسره ~~نحو مائة درهم، وألف دينار، ومثله علم فقه وعلم نحو. وقال أبو ~~البقاء: " كيد ساحر " إضافة المصدر إلى الفاعل، و " كيد سحر ~~" إضافة الجنس من النوع. والباقون: ( " ساحر " ). وأفرد ساحرا وإن ~~كان ms6086 المراد به جماعة، قال الزمخشري: لأن القصد في هذا الكلام إلى معنى ~~الجنسية لا إلى معنى العدد (فلو جمع لخيل أن المقصود هو العدد). ~~وقرىء " ساحرا " بالنصب على أن " ما " كافة. ثم قال: { ولا ~~يفلح الساحر حيث أتى } من الأرض. قال ابن عباس: لا يسعد ~~حيث كان. وقيل معناه: حيث احتال. # قوله: { فألقي السحرة سجدا } لما ألقى ما في يمينه، وصار ~~حية، وتلقف ما صنعوا، وظهر الأمر، خروا عند ذلك سجدا، لأنهم كانوا في ~~أعلى طبقات السحر، فلما رأوا ما فعل موسى - عليه السلام - خارجا عن ~~صناعتهم عرفوا أنه ليس من السحر البتة، روي أن رئيسهم قال: كنا ~~نغلب الناس بالسحر، وكانت (الآلات) تبقى علينا، فلو كان هذا سحرا ~~فأين ما ألقيناه؟ فاستدل بتغير أحوال الأجسام على الصانع القادر ~~العالم، وبظهوره على يد موسى - عليه السلام - على كونه رسولا صادقا من ~~عند الله فلا جرم تابوا وآمنوا وأتوا بما هو النهاية في الخضوع وهو ~~السجود. قال الأخفش: إنهم في سرعة ما سجدوا كأنهم خروا. قال الزمخشري: ما ~~أعجب أمرهم قد ألقوا حبالهم للكفر والحجود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة ~~للشكر والسجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين. روي أنهم لم يرفعوا رؤوسهم ~~حتى رأوا الجنة، والنار، ورأوا ثواب أهلها، وعن عكرمة: لما خروا سجدا ~~أراهم الله في سجودهم منازلهم التي يصيرون إليها في الجنة. # قال القاضي: هذا بعيد، لأنهم لو أراهم عيانا لصاروا ملجئين، وذلك لا ~~يليق به قولهم: # إنآ آمنا بربنا ليغفر لنا # [طه: 73]. # وأجيب: أنه لما جاز لإبراهيم مع قطعه بكونه مغفورا له أن يقول: # والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي # [الشعراء: 82] فلم لا يجوز في حق السحرة؟ # قوله: { ءامنا برب هارون وموسى } احتج التعليمية بهذه ~~الآية وقالوا: إنهم آمنوا بالله الذي عرفوه من قبل هارون وموسى، ~~وفي الآية فائدتان: # الفائدة الأولى: أن فرعون ادعى الربوبية في قوله: " أنا ربكم ~~". والإلهية في قوله: # ما علمت لكم من إله غيري # [القصص: 38] فلو قالوا: آمنا برب العالمين، لكان فرعون يقول: إنهم ms6087 ~~آمنوا بي لا بغيري، فلقطع هذه التهمة اختاروا هذه العبارة، ويدل عليه ~~تقديمهم ذكر هارون على موسى، لأن فرعون كان يدعي ربوبية موسى (بناء على ~~أنه رباه)، وقال: # ألم نربك فينا وليدا # [الشعراء: 18]، فالقوم لما احترزوا على إيهامات (فرعون قدموا ذكر هارون ~~على موسى قطعا لهذا الخيال. # الفائدة الثالثة: هي أنهم لما شاهدوا) ما خصهما الله تعالى به من ~~المعجزات العظيمة والدرجات الشريفة قالوا: { رب هارون وموسى }. ### || [20.71] # (فصل) # قوله: { ءامنتم له قبل أن ءاذن لكم إنه ~~لكبيركم الذي علمكم السحر } اعلم أن فرعون لما شاهد ~~منهم السجود والإقرار خاف أن يصير ذلك سببا لاقتداء سائر الناس بهم في ~~الإيمان بالله وبرسوله ففي الحال ألقى هذه الشبهة في النبي، وهي مشتملة ~~على التنفير من وجهين: # الأول: أن الاعتماد على أول خاطر لا يجوز بل لا بد فيه من البحث، ~~والمناظرة، والاستعانة بخواطر الغير، فلما لم تفعلوا شيئا من ذلك بل ~~في الحال " آمنتم له " دل ذلك على أن إيمانكم ليس عن بصيرة بل ~~لسبب آخر. # والثاني: قوله: { إنه لكبيركم الذي علمكم السحر ~~} يعني: أنكم تلامذته في السحر، فاصطلحتم على أن تظهروا العجز من أنفسكم ~~ترويجا لأمره وتفخيما لشأنه. ثم بعد إيراد هذه الشبهة اشتغل بالتهديد ~~تنفيرا لهم عن الإيمان، وتنفيرا لغيرهم عن الاقتداء بهم، فقال: { ~~فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف }. # قوله: " لأقطعن " تقدم نحوه، و " من خلاف " حال أي مختلفة و ~~" من " لابتداء الغاية، وتقدم تحرير هذا، وما قرىء به وقوله: " في ~~جذوع النخل " يحتمل أن يكون حقيقة، ففي التفسير أنه نقر جذوع ~~النخل حتى جوفها ووضعهم فيها فماتوا جوعا وعطشا وأن يكون مجازا، ~~وله وجهان: # أحدهما: أنه وضع (في) مكان (على)، والأصل: على جذوع النخل، كقول ~~الآخر: # 3675- بطل كأن ثيابه في سرحة # يحذى نعال السبت ليس (بتوأم) # والثاني: أنه شبه تمكنهم بتمكن من حواء الجذع واشتمل عليه، شبه تمكن ~~المصلوب في الجذع بتمكن الشيء الموعى في وعائه، فلذلك قيل " في ~~جذوع النخل ". ومن تعدي (صلب) ب (في) قوله: # 3676- وقد ms6088 صلبوا العبدي في جذع نخلة # فلا عطست شيبان إلا بأجدعا # قوله: " أينا أشد " مبتدأ وخبر، وهذه الجملة سادة مسد المفعولين ~~إن كانت (علم) على بابها، ومسد واحد إن كانت عرفانية. ويجوز على ~~جعلها عرفانية أن تكون " أينا " موصولة بمعنى (الذي) وبنيت لأنها قد ~~أضيفت وحذف صدر صلتها و " أشد " خبر مبتدأ محذوف، والجملة من ذلك ~~المبتدأ وهذا الخبر صلة ل " أي " ، و " أي " وما في خبرها في محل ~~نصب مفعولا به كقوله تعالى: # ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على ~~الرحمن # [مريم: 69] في أحد وجهيه كما تقدم. و " أشد عذابا " أي: أنا ~~على إيمانكم به أو رب موسى على ترك الإيمان به، " وأبقى " أي: ~~أدوم. # فإن قيل: إن فرعون مع قرب عهده بمشاهدة انقلاب العصا حية عظيمة، ~~وذكر أنها قصدت ابتلاع قصر فرعون، وآل الأمر إلى أن استغاث بموسى من ~~شر ذلك الثعبان، فمع قرب عهده بذلك، وعجزه عن دفعه كيف يعقل أن يهدد ~~السحرة، ويبالغ في وعيدهم إلى هذا الحد، ويستهزىء بموسى، ويقول: { أينا ~~أشد عذابا }؟ # فالجواب: يجوز أن يقال: إنه كان في أشد الخوف في قلبه إلا أنه كان ~~يظهر الجلادة والوقاحة تمشية لناموسه، وترويجا لأمره. # ومن استقرى أحوال أهل العالم علم أن العاجز قد يفعل أمثال هذه ~~الأشياء، ويدل على صحة ذلك أن كل عاقل يعلم بالضرورة أن عذاب الله أشد ~~من عذاب البشر، ثم إنه أنكر ذلك. # وأيضا: فقد كان عالما بكذبه في قوله: { إنه لكبيركم الذي علمكم ~~السحر } لأنه علم أن موسى ما خالطهم البتة، وما لقيهم، وكان يعرف من ~~سحرته ويعرف أستاذ كل واحد من هو، وكيف حصل ذلك العلم، ثم إنه مع ذلك ~~قال هذا الكلام، فثبت أن سبيله في ذلك ما ذكرناه، وقال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: كانوا في النهار سحرة، وفي آخره شهداء. ### || [20.72-73] # قوله: { قالوا لن نؤثرك على ما جآءنا من ~~البينات } أي لن نختارك على ما جاءنا من الدلالات. لما هددهم ~~فرعون أجابوه بما يدل على حصول ms6089 اليقين التام والبصيرة الكاملة في أصول ~~الدين، فقالوا: " لن نؤثرك " ، وهذا يدل على أن فرعون طلب منهم ~~الرجوع عن الإيمان وإلا فعل بهم وما وعدهم، (فأجابوه بقولهم): " لن ~~نؤثرك " ، وبينوا العلة، وهي أن الذي جاءهم ببينات وأدلة، ~~والذي يذكره فرعون محض الدنيا. # وقيل: كان استدلالهم أنهم قالوا: لو كان هذا سحرا فأين حبالنا ~~وعصينا. # قوله: " والذي فطرنا " فيه وجهان: # أحدهما: أن الواو عاطفة عطفت (هذا الموصول) على " ما جاءنا " أي: ~~لن نؤثرك على الذي جاءنا ولا على الذي فطرنا، أي على طاعة الذي ~~فطرنا وعلى عبادته، وإنما أخروا ذكر الباري تعالى لأنه من باب الترقي ~~من الأدنى إلى الأعلى. # والثاني: أنه واو قسم، والموصول مقسم به، وجواب القسم محذوف، أي وحق ~~الذي فطرنا لن نؤثرك على الحق، ولا يجوز أن يكون الجواب " لن ~~نؤثرك " عند من يجوز تقديم الجواب، لأنه لا يجاب القسم ب " لن " ~~إلا في شذوذ من الكلام. # قوله: { فاقض مآ أنت قاض } يجوز في " ما " وجهان: # أظهرهما: أنها موصولة بمعنى الذي، و " أنت قاض " صلتها والعائد ~~محذوف، أي قاضية، وجاز حذفه وإن كان مخفوضا، لأنه منصوب المحل، أي فاقض ~~الذي أنت قاضيه. # والثاني: أنها مصدرية ظرفية، والتقدير: فاقض أمرك مدة ما أنت قاض. # ذكر ذلك أبو البقاء. ومنع بعضهم جعلها مصدرية، قال: لأن " ما " ~~المصدرية لا توصل بالجمل الاسمية. وهذا المنع ليس مجمعا عليه بل جوز ~~ذلك جماعة كثيرة، ونقل ابن مالك أن ذلك إذا دلت (ما) على الظرفية ~~وأنشد: # 3677- واصل خليلك ما التواصل ممكن # فلأنت أو هو عن قليل ذاهب # ويقل إن كانت غيره ظرفية وأنشد: # 3678- أحلامكم لسقام الجهل شافية # كما دماؤكم تشفي من الكلب # قوله: { إنما تقضي هذه الحياة الدنيا } يجوز في " ما ~~" هذه وجهان: # أحدهما: أن تكون المهيئة لدخول " إن " على الفعل، و " الحياة ~~الدنيا " ظرف ل " تقضي " ، ومفعوله محذوف، أي: يقضي غرضك وأمرك. ~~ويجوز أن تكون الحياة مفعولا به على الاتساع في الظرف بإجرائه مجرى ~~المفعول به كقولك صمت يوم الجمعة، وبدل لذلك ms6090 قراءة أبي حيوة: " ~~تقضى هذه الحياة " ببناء الفعل للمفعول، ورفع " الحياة " ~~لقيامها مقام الفاعل، وذلك أنه اتسع فيه فقام مقام الفاعل فرفع. # والثاني: أن تكون " ما " مصدرية هي اسم " إن " ، والخبر الظرف ~~والتقدير: إن قضاءك في هذه الحياة الدنيا، يعني: إن لك الدنيا فقط، ~~ولنا الآخرة. # وقال أبو البقاء: فإن كان قد قرىء بالرفع فهو خبر " إن " يعني لو ~~قرىء برفع " الحياة " لكان خبرا ل " إن " ، ويكون اسمها حينئذ " ~~ما " وهي موصولة بمعنى الذي، وعائدها محذوف تقديره: إن الذي تقضيه هذه ~~الحياة الدنيا لا غيرها. # قوله: " وما أكرهتنا " يجوز في " ما " هذه وجهان: # أحدهما: أنها موصولة بمعنى " الذي " ، وفي محلها احتمالان: # أحدهما: أنها منصوبة المحل نسقا على " خطايانا " أي ليغفر لنا ~~أيضا الذي أكرهتنا. والاحتمال الثاني: أنها مرفوعة المحل على ~~الابتداء، والخبر محذوف تقديره: والذي أكرهتنا عليه من السحر محطوط عنا، ~~أو لا يؤاخذ به (ونحوه) والوجه الثاني: أنها نافية، قال أبو البقاء: ~~وفي الكلام تقديم تقديره: ليغفر لنا خطايانا من السحر ولم تكرهنا عليه. ~~وهذا بعيد عن المعنى، والظاهر هو الأول. و " من السحر " يجوز أن ~~يكون حالا من الهاء في " عليه " أو من الموصول. ويجوز أن تكون لبيان ~~الجنس. # فصل # قال المفسرون: لما علم السحرة أنهم متى أصروا على الإيمان أوقع ~~بهم فرعون ما أوعدهم به فقالوا: " اقض ما أنت قاض " لا على وجه ~~الأمر، لكن أظهروا أن ذلك الوعيد لا يزيلهم عن إيمانهم البتة، ثم ~~بينوا ما لأجله يسهل عليهم احتمال ذلك، فقالوا: { إنما تقضي ~~هذه الحيوة الدنيا } أي قضاؤك وحكمك أن يكون في هذه الحياة ~~(الدنيا). وهي نافية تزول عن قريب، ومطلوبنا سعادة الآخرة، وهي باقية. ~~والعقل يقتضي تحمل الضرر الفاني للتوصل إلى السعادة الباقية. ثم ~~قالوا: { إنا ءامنا بربنا ليغفر لنا خطايانا } ، ~~ولما كان أقرب خطاياهم عهدا ما أظهروه من السحر قالوا: { ومآ ~~أكرهتنا عليه من السحر } ، وفي ذلك الإكراه وجوه: # الأول: قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: إن ملوك ذلك الزمان كانوا ~~يأخذون بعض ms6091 رعيتهم ويكلفونهم تعلم السحر، فإذا شاخ أحدهم بعثوا إليه ~~أحداثا ليعلمهم ليكون في كل وقت من يحسنه، فقالوا ذلك أي: كنا في ~~التعلم الأول والتعليم ثانيا تكرهنا، وهو قول الحسن. وقال مقاتل: كانت ~~السحرة اثنين وسبعين اثنان من القبط وسبعون من بني إسرائيل كان فرعون ~~أكرههم على تعليم السحر. وقال عبد العزيز بن أبان: قالت السحرة لفرعون ~~أرنا موسى إذا نام، فأراهم نائما، فوجدوه تحرسه عصان، فقالوا ~~لفرعون: إن هذا ليس بسحر، إن الساحر إذا نام بطل سحره فأبى عليهم إلا أن ~~يعارضوه. # وقال الحسن: إن السحرة جروا من المدائن ليعارضوا موسى فأحضروا ~~بالحشر وكانوا مكرهين في الحضور لقوله # وابعث في المدآئن حاشرين يأتوك بكل سحار ~~عليم # [الشعراء: 36، 37] # وقال عمرو بن عبيد: دعوة السلطان إكراه. وهذا ضعيف، لأن دعوة السلطان ~~إذا لم يكن معها خوف لم تكن إكراها. ثم قالوا: { والله خير ~~وأبقى } قال محمد بن إسحاق: خير منك ثوابا، وأبقى عقابا لمن ~~عصاه. # وقال محمد بن كعب: خير منك إن أطيع وأبقى عذابا منك إن عصي. # (وهذا جواب لقوله: { ولتعلمن أينآ أشد عذابا ~~وأبقى } ). ### || [20.74-76] # قوله: { إنه من يأت ربه مجرما } قيل: هذا ابتداء كلام ~~من الله تعالى وقيل: من تمام قول السحرة ختموا كلامهم بشرح أحوال ~~المجرمين وأحوال المؤمنين في عرصة القيامة. والهاء في " إنه " ضمير ~~الشأن، والجملة الشرطية خبرها، و " مجرما " حال من فاعل " يأت ". ~~وقوله: " لا يموت " يجوز أن يكون حالا من الهاء في " له " وأن ~~يكون حالا من جهنم، لأن في الجملة ضمير كل منهما. والمراد بالمجرم ~~المشرك الذي مات على الشرك { فإن له جهنم لا يموت فيها ~~} فيستريح " ولا يحيى " حياة ينتفع بها. فإن قيل: الجسم الحي ~~لا بد وأن يبقى حيا أو ميتا فخلوه عن الوصفين محال. فالجواب: أن ~~المعنى يكون في جهنم بأسوأ حال لا يموت موتة مريحة ولا يحيى حياة ~~(ممتعة). # وقال بعضهم: إن لنا حالا ثالثة، وهي كحالة المذبوح قبل أن يهدى فلا هو ~~حي، لأنه قد ذبح ذبحا لا ms6092 يبقى الحياة معه، ولا هو ميت، لأن الروح لم ~~تفارقه بعد فهي حالة ثانية. # فصل # استدلت المعتزلة بهذه الآية في القطع على وعيد أصحاب الكبائر: قالوا: ~~صاحب الكبيرة مجرم، وكل مجرم فإن له جهنم لقوله: { من يأت ~~ربه مجرما } وكلمة (من) في معرض الشرط تفيد العموم بدليل أنه ~~يجوز استثناء كل واحد منها، والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل. # وأحبيت بأنه لا نسلم أن صاحب الكبيرة مجرم، لأنه تعالى جعل المجرم ~~في مقابلة المؤمن لقوله: { ومن يأته مؤمنا } ، وقال: # إن الذين أجرموا كانوا من الذين ءامنوا ~~يضحكون # [المطففين: 29]، وأيضا: فإنه لا يليق بصاحب الكبيرة أن يقال في حقه، ~~فإن له جهنم لا يكون بهذا الوصف، وفي الخبر الصحيح " ~~يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان ". قال ابن ~~الخطيب: وهذه اعتراضات ضعيفة أما قوله: # إن الله تعالى جعل المجرم في مقابلة المؤمن فمسلم لكن هذا إنما ينفع ~~لو ثبت أن صاحب الكبيرة مؤمن، ومذهب المعتزلة أنه ليس بمؤمن، فهذا ~~المعترض كأنه بنى هذا الاعتراض على مذهب نفسه وذلك ساقط. وقوله ثانيا: ~~إنه لا يليق بصاحب الكبيرة (أن يقال في حقه): إن له جهنم لا ~~يموت فيها ولا يحيى. قلنا: لا نسلم فإن عذاب جهنم في غاية ~~الشدة قال تعالى: # ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته # [آل عمران: 192] وأما الحديث فقالوا: القرآن متواتر فلا يعارضه خبر ~~الواحد، ويمكن أن يقال: ثبت في أصول الفقه أنه يجوز تخصيص القرآن بخبر ~~الواحد، وللخصم أن يجيب بأن ذلك يفيد الظن فيجوز الرجوع إليه في ~~العمليات، وهذه المسألة ليست من العمليات بل من الاعتقادات، فلا يجوز ~~الرجوع إليها ههنا. # واعترض آخر فقال: أجمعنا على أن هذه المسألة مشروطة بنفي التوبة وبأن لا ~~يكون عقابه محبطا بثواب طاعته، والقدر المشترك بين الصورتين هو أن لا ~~يوجد ما يحبط ذلك العقاب، لكن عندنا العفو محبط للعقاب، وعندنا أن ~~المجرم الذي لا يوجد في حقه العفو لا بد وأن يدخل جهنم. # قال ابن ms6093 الخطيب: وهذا الاعتراض أيضا ضعيف. أما شرط نفي التوبة فلا ~~حاجة إليه، لأنه قال: { من يأت ربه مجرما } ، لأن المجرم اسم ~~ذم، فلا يجوز إطلاقه على صاحب الصغيرة، بل الاعتراض الصحيح أن يقول: عموم ~~هذا الوعيد معارض بما جاء بعده من عموم الوعد، وهو قوله تعالى: { ومن ~~يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم ~~الدرجات العلى } ، وكلامنا فيمن أتى بالإيمان (والأعمال ~~الصالحة) ثم أتى بعد ذلك ببعض الكبائر. # فإن قيل: عقاب المعصية يحبط ثواب الطاعة. قلنا: لم لا يجوز أن يقال: ~~ثواب الإيمان يدفع عقاب المعصية؟ فإن قالوا: فلو كان كذلك لوجب أن لا ~~يجوز إقامة الحد عليه. قلنا: أما اللعن فغير جائز عندنا، وأما إقامة الحد ~~فقد يكون على سبيل المحنة كما في حق التائب، وقد يكون على سبيل التنكيل. ~~قالت المعتزلة: قوله تعالى: # والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزآء بما ~~كسبا نكالا من الله # [المائدة: 38] فالله تعالى نص على أنه يجب عليه إقامة الحد على ~~سبيل التنكيل، وكل من كان كذلك استحال أن يكون مستحقا للمدح والتعظيم، ~~وإذا لم يبق ذلك لم يبق الثواب على قولنا: إن عذاب الكبيرة أولى بإزالة ~~ثواب الطاعة المتقدمة من الطاعات بدفع عقاب الكبيرة الطارئة. فقد انتهى ~~كلامهم في مسألة الوعيد. # قلنا: حاصل الكلام يرجع إلى أن هذا النص الدال على إقامة الحد عليه ~~على سبيل التنكيل صار معارضا للنصوص الدالة على كونه مستحقا للثواب، ~~فلم كان ترجيح أحدهما على الآخر أولى من العكس، وذلك لأن المؤمن كما ~~ينقسم إلى السارق وإلى غير السارق، فالسارق ينقسم إلى المؤمن وغير ~~المؤمن، فلم يكن لأحدهما مزية على الآخر في العموم والخصوص، وإذا تعارضا ~~تساقطا. ثم نقول: لا نسلم أن كلمة " من " في إفادة العموم قطيعة ~~بل ظنية (ومسألتنا قطعية) فلا يجوز التعويل على ما ذكرتموه. # فصل # تمسك المجسمة بقوله: { من يأت ربه } فقالوا: الجسم إنما ~~يأتي ربه لو كان الرب في المكان. # وجوابه أن الله تعالى جعل إتيانهم موضع الوعد إتيانا إلى الله ~~مجازا كقول إبراهيم ms6094 عليه السلام: # إني ذاهب إلى ربي سيهدين # [الصافات: 99]. # قوله: { ومن يأته مؤمنا }. # قرأ أبو عمرو ساكنة الهاء، ويختلسها أبو جعفر وقالون ويعقوب والآخرون ~~بالإشباع. " مؤمنا " مات على الإيمان " قد عمل " أي وقد عمل ~~الصالحات، واعلم أن قوله: { قد عمل الصالحات } يقتضي أن يكون ~~آتيا بكل الصالحات وذلك بالاتفاق غير معتبر ولا ممكن، فينبغي أن يحمل ~~ذلك على أداء الواجبات، ثم ذكر أن من أتى بالإيمان والأعمال الصالحة ~~كانت لهم الدرجات العلا، ثم فسر الدرجات العلا فقال: { جنات عدن ~~تجري من تحتها الأنهر } وفي الآية تنبيه على حصول العفو ~~لأصحاب الكبائر، لأنه تعالى جعل الدرجات العلا من الجنة لمن أتى بالإيمان ~~والأعمال الصالحة فسائر الدرجات التي هي غير عالية ولا بد وأن تكون ~~لغيرهم، وما هم إلا العصاة من أهل الإيمان. # والعلا: جميع العليا، والعليا تأنيث الأعلى. # قوله: " جنات " بدل من " الدرجات " أو بيان، قال أبو البقاء: ~~ولا يجوز أن يكون التقدير: هي جنات، لأن " خالدين " على هذا ~~التقدير لا يكون في الكلام ما يعمل في الثاني، وعلى الأول يكون في الحال ~~الاستقرار، أو معنى الإشارة. # قوله: { وذلك جزآء من تزكى } قال ابن عباس: يريد من قال: لا ~~إله إلا الله ومعنى " تزكى " تطهر من الذنوب، قال عليه السلام # " إن أهل الدرجات العلى لترونهم من تحتهم ~~كما ترون الكوكب الدري في أفق السماء، وإن أبا ~~بكر وعمر منهم " # واعلم أنه ليس في القرآن أن فرعون فعل بأولئك القوم المؤمنين ما ~~أوعدهم، ولم يثبت في الأخبار. ### || [20.77-79] # قوله تعالى: { ولقد أوحينآ إلى موسى أن أسر ~~بعبادي } الآية. وفي هذه الآية دلالة على أن موسى - عليه السلام - ~~في تلك (الحال كثرة مستجيبوه) فأراد الله تعالى تمييزهم من طائفة فرعون، ~~فأوحى إليه أن يسري بهم ليلا، والسرى سير الليل، والإسراء مثله ~~والحكمة في السرى بهم: لئلا يشاهدهم العدو فيمنعهم عن مرادهم، أو ~~ليكون ذلك عائقا لفرعون عن طلبه ومتبعيه أو ليكون إذا تقارب العسكران لا ~~يرى عسكر موسى عسكر فرعون فلا يهابونهم. # قوله: { فاضرب ms6095 لهم طريقا } في نصب " طريقا " وجهان: # أحدهما: أنه مفعول به، وذلك في سبيل المجاز، وهو أن الطريق ~~متسبب عن ضرب البحر، إذ المعنى: اضرب البحر لينفلق لهم فيصير طريقا ~~فبهذا يصح نسبة الضرب إلى الطريق. وقيل: ضرب هنا بمعنى جعل، أي: اجعل ~~لهم طريقا وأشرعه فيه. # والثاني: أنه منصوب على الظرف، قال أبو البقاء: التقدير موضع طريق فهو ~~مفعول به على الظاهر، ونظيره قوله: أن اضرب بعصاك البحر وهو مثل ~~ضربت زيدا. وقيل: ضرب هنا بمعنى جعل وشرع مثل قولهم: ضربت له ~~بسهم. انتهى. فقوله على الظاهر، يعني أنه لولا التأويل لكان ظرفا. ~~قوله: " يبسا " صفة ل " طريقا " وصف به لما يؤول إليه، لأنه لم يكن ~~يبسا بعد إنما مرت عليه الصبا فجففته كما روي في التفسير. وقيل: ~~في الأصل مصدر وصف به مبالغة، (أو على حذف مضاف أو جمع يابس كخادم ~~وخدم، وصف به الواحد مبالغة) كقوله: # 3679-...................................... # ................ومعى جياعا # أي: كجماعة جياع، وصف به لفرط جوعه. # وقرأ الحسن: " يبسا " بالسكون، وهو مصدر أيضا. # وقيل: المفتوح اسم، (والساكن مصدر). وقرأ أبو حيوة: " يابسا " اسم ~~فاعل جعله بمعنى الطريق. ومن قرأ " يبسا " بتحريك الباء، فالمعنى: ~~طريقا ذا يبس. ومن قرأ بتسكين الباء فهو مخفف عن اليبس فالمعنى ما كان ~~فيه وحل ولا نداوة فضلا عن الماء، وذلك أن الله - تعالى - أيبس لهم ~~الطريق في البحر. # قوله: " لا تخاف " العامة على " لا تخاف " مرفوعا، وفيه أوجه: # أحدها: أنه مستأنف فلا محل له من الإعراب. # الثاني: أنه في محل نصب على الحال من فاعل " اضرب " ، أي اضرب غير ~~خائف. # والثالث: أنه صفة ل " طريقا " ، والعائد محذوف، أي: لا تخاف فيه ~~وحمزة وحده من السبعة: " لا تخف " بالجزم، وفيه أوجه: # أحدها: أن يكون نهيا مستأنفا. # الثاني: أنه نهي أيضا في محل نصب على الحال من فاعل " اضرب " ، أو ~~صفة ل " طريقا " كما تقدم في قراءة العامة إلا أن ذلك يحتاج إلى إضمار ~~قول، أي مقولا لك، أو طريقا مقولا فيها: لا تخف كقوله: # 3680- جاءوا ms6096 بمذق هل رأيت الذئب قط # الثالث: مجزوم على جواب الأمر، أي: إن تضرب طريقا يبسا لا ~~تخف. # قوله: " دركا " قرأ أبو حيوة " دركا " بسكون الراء. والدرك ~~والدرك اسمان من الإدراك، أي: لا يدركك فرعون وجنوده وتقدم ~~الكلام عليهما في سورة النساء، وأن الكوفيين قرءوه بالسكون كأبي حيوة ~~هنا. # قوله: " ولا تخشى " لم يقرأ بإثبات الألف، وكان من حق من قرأ " لا ~~تخف " جزما أن يقرأ " لا تخش " بحذفها كذا قال بعضهم وليس بشيء، ~~لأن القراءة سنة، وفيها أوجه: # أحدها: أن تكون حالا، وفيه إشكال، وهو أن المضارع المنفي بلا كالمثبت ~~في عدم مباشرة الواو له، وتأويله على حذف مبتدأ، أي وأنت لا تخشى، كقوله: # 3681- نجوت وأرهنهم مالكا # والثاني: أنه مستأنف أخبره تعالى أنه لا يحصل له خوف. # والثالث: أنه مجزوم بحذف الحركة تقديرا، كقوله: # 3682- إذا العجوز غضبت فطلق # ولا ترضاها ولا تملق # وقوله: # 3683- كأن لم ترى قبلي أسيرا يمانيا # ومنه " فلا تنسى " في أحد القولين إجراء لحرف العلة مجرى الحرف ~~الصحيح، وقد تقدم ذلك في سورة يوسف عند قوله تعالى " من يتقي ". # الرابع: أنه مجزوم أيضا بحذف حرف العلة، وهذه الألف ليست تلك، أعني لام ~~الكلمة، إنما هي ألف إشباع أتي بها موافقة للفواصل ورؤوس الآي، فهي ~~كالألف في قوله: " الرسولا " و " السبيلا " ، و " الظنونا ". # وهذه الأوجه إنما يحتاج إليها في قراءة جزم " لا تخف " ، وأما من ~~قرأه مرفوعا فهذا معطوف عليه، أي لا تخاف إدراك فرعون ولا تخشى ~~الغرق. # قوله: { فأتبعهم فرعون بجنوده } قال أبو مسلم: يزعم ~~رواة اللغة أن " أتبعهم وتبعهم " واحد، وذلك جائز ويحتمل أن ~~تكون الباء زائدة، أي أتبعهم فرعون جنوده كقوله: " لا تأخذ ~~بلحيتي " (أسرى بعبده). # وقال غيره: في باء " بجنوده " أوجه: # أحدهما: أن تكون الباء للحال، وذلك على أن " أتبع " متعد لاثنين حذف ~~ثانيهما، والتقدير: فأتبعهم فرعون عقابه، وقدره أبو حيان: ~~رؤساءه وحشمه. # قال شهاب الدين: والأول أحسن. # والثاني: أن الباء زائدة في المفعول الثاني. والتقدير: فأتبعهم ~~فرعون جنوده، كقوله تعالى: # ولا تلقوا بأيديكم ms6097 # [البقرة: 195]. # 3684- (..................................... # ........... لا يقرأن بالسور) # وأتبع قد جاء متعديا لاثنين مصرح بهما قال تعالى: وأتبعناهم ~~ذرياتهم. # والثالث: أنها معدية على أن " أتبع " ، قد يتعدى لواحد بمعنى تبع ~~ويجوز على هذا الوجه أن تكون الباء للحال أيضا، بل هو الأظهر. وقرأ أبو ~~عمرو في رواية والحسن " فاتبعهم " بالتشديد، وكذلك قراءة الحسن في ~~جميع القرآن إلا في قوله: { فأتبعه شهاب ثاقب } قوله: " ما ~~غشيهم " فاعل " غشيهم " وهذا من باب الاختصار وجوامع الكلم أي: ~~ما يقل لفظها ويكثر معناها، أي فغشيهم ما لا يعلم كنهه إلا الله ~~تعالى وقراءة الأعمش " فغشاهم " مضعفا، وفي الفاعل حينئذ ثلاثة ~~أوجه: # أحدها: أنه " ما غشاهم " كالقراءة قبله، أي غطاهم من اليم ما ~~غطاهم. # والثاني: هو ضمير الباري تعالى. أي: فغشاهم الله. # والثالث: هو ضمير فرعون، لأنه السبب في إهلاكهم. # وعلى هذين الوجهين: ف " ما غشاهم " في محل نصب مفعولا ثانيا. # فصل # قيل: أمر فرعون جنوده أن يتبعوا موسى وقومه، وكان هو فيهم " ~~فغشيهم " أصابهم { من اليم ما غشيهم } ، وهو الغرق. # وقيل: " غشيهم " ، علاهم وسترهم { من اليم ما غشيهم } ~~يريد بعض ماء اليم لا كله. # وقيل: غشيهم من اليم ما غشي قوم موسى فغرقوا هم ونجا موسى ~~وقومه. # قوله: { وأضل فرعون قومه وما هدى } أي بما أرشدهم، ~~وهذا تكذيب لفرعون، وتهكم به في قوله: # ومآ أهديكم إلا سبيل الرشاد # [غافر: 29] احتج القاضي بقوله: { وأضل فرعون قومه } وقال: ~~لو كان الضلال من خلق الله لما جاز أن يقال: " وأضل فرعون " بل ~~وجب أن يقال: " الله أضلهم " ، لأن الله ذمه بذلك، فكيف يكون ~~خالقا للكفر، لأن من ذم غيره بشيء لا بد وأن يكون المذموم هو ~~الذي فعله وإلا استحق الذم. # فصل # قال ابن عباس: لما أمر تعالى موسى أن يقطع بقومه البحر، وكان بنو ~~إسرائيل استعاروا من قوم فرعون الحلي والدواب لعيد يخرجون إليه، فخرج ~~بهم ليلا. وكان يوسف عليه السلام عهد إليهم عند موته أن يخرجوا بعظامه ~~معهم من مصر، فلم يعرفوا مكانها حتى دلتهم عجوز على موضع العظم ms6098 فأخذوه، ~~وقال موسى عليه السلام للعجوز: احتكمي. فقالت: أكون معك في الجنة. فلما ~~خرجوا تبعهم فرعون، فلما انتهى موسى إلى البحر، (قال: هنا أمرت، ~~فأوحى الله إليه أن اضرب بعصاك البحر)، فضربه فانفلق، فقال ~~لهم موسى: ادخلوا فيه قالوا: كيف وهي رطبة؟ فدعا ربه فهبت عليهم الصبا ~~فجفت. فقالوا: نخاف الغرق في بعضنا، فجعل بينهم كوى حتى يرى بعضهم ~~بعضا، ثم دخلوا حتى جازوا، وأقبل فرعون إلى تلك الطرق، فقال له قومه: ~~إن موسى قد سحر البحر كما ترى، وكان على فرس حصان فأقبل جبريل ~~عليه السلام (على فرس أنثى في ثلاثة وثلاثين من الملائكة، فصار ~~جبريل عليه السلام بين يدي فرعون). فأبصر الحصان الفرس فاقتحم بفرعون ~~على أثرها، وصاحت الملائكة في الناس الحقوا حتى إذا دخل آخرهم، وكاد ~~أولهم أن يخرج التقى البحر عليهم، فغرقوا، فرجع بنو إسرائيل حتى ينظروا ~~إليهم، وقالوا: يا موسى ادع الله أن يخرجهم لنا (حتى ننظر إليهم)، ~~فلفظهم البحر إلى الساحل وأصابوا من سلاحهم. # قال ابن عباس: إن جبريل عليه السلام قال: يا محمد لو رأيتني وأنا ~~أدس فرعون في الماء والطين مخافة أن يتوب. فهذا معنى { فغشيهم ~~من اليم ما غشيهم } قال ابن الخطيب: وفي القصة أبحاث: # الأول: قال بعض المفسرين: إن موسى لما ضرب البحر انفرق اثنا عشر ~~طريقا يابسا، وبقي الماء قائما بين الطريقين كالطود العظيم وهو الجبل، ~~فأخذ كل سبط من بني إسرائيل في طريق، وهو معنى قوله تعالى: # فكان كل فرق كالطود العظيم # [الشعراء: 63] ومنهم من قال: إنما حصل طريق واحد لقوله: { فاضرب ~~لهم طريقا في البحر يبسا } ويمكن حمله على الجنس. # الثاني: أن قول بني إسرائيل بعد أن أظهر لهم الطرق وبينها تعنتوا وقالوا ~~نريد أن يرى بعضنا بعضا فهذا كالبعيد، لأن القوم لما أبصروا مجيء ~~فرعون صاروا في نهاية الخوف، والخائف إذا وجد طريق الفرار والخلاص كيف ~~يتفرغ للتعنت البارد. # الثالث: أن فرعون كان عاقلا بل كان في نهاية الدهاء فكيف اختار ~~إلقاء نفسه في التهلكة، فإنه ms6099 كان يعلم من نفسه أن انفلاق البحر ليس ~~بأمره، وذكروا عند هذا وجهين: # أحدهما: أن جبريل - عليه السلام - كان على الرمكة فتبعه فرس ~~فرعون. ولقائل أن يقول: هذا بعيد، لأنه يبعد أن يكون خوض الملك في ~~أمثال هذه المواضع مقدما على خوض جميع العسكر. وأيضا فلو كان الأمر على ~~ما قالوا لكان فرعون في ذلك الدخول كالمجبور، وذلك مما يزيده خوفا، ~~ويحمله عن الإمساك على الدخول. وأيضا: فأي حاجة لجبريل عليه السلام ~~إلى هذه الحيلة، وقد كان يمكنه أن يأخذه مع فرسه ويرميه في الماء ابتداء؟ ~~بل الأولى أن يقال: إنه أمر مقدمة العسكر بالدخول فدخلوا وما غرقوا فغلب ~~على ظنه السلامة، فلما دخل أغرقهم الله. # الرابع: أن قولهم عن جبريل إنه كان يدسه في الماء والطين خوفا من أن ~~يؤمن فبعيد، لأن المنع من الإيمان لا يليق بالملائكة والأنبياء. # الخامس: روي أن موسى عليه السلام كلم البحر فقال انفلق لي لأعبر، ~~فقال البحر: لا يمر علي رجل عاص. وهذا غير ممتنع على أصول أهل ~~السنة، لأن عندهم البنية ليست شرطا للحياة، وعند المعتزلة أن ذلك على ~~لسان الحال لا على المقال. ### || [20.80-82] # قوله تعالى: { يبني إسرائيل قد أنجيناكم من ~~عدوكم } الآية. # قرأ الأخوان " قد أنجيتكم " و " واعدتكم " و " ~~رزقتكم " بتاء المتكلم. والباقون: " أنجيناكم " و " ~~واعدناكم " و " رزقناكم " بنون العظمة واتفقوا على " ~~ونزلنا " وتقدم خلاف أبي عمرو في " وعدنا " في البقرة. # وقرأ حميد " نجيناكم " بالتشديد. وقرىء " الأيمن " بالجر. قال ~~الزمخشري: خفض على الجوار كقولهم: جحر ضب خرب. # وجعله أبو حيان: شاذا ضعيفا، وخرجه على أنه نعت " الطور ". # قال: وصف به لما فيه من اليمن، أو لكونه على يمين من يستقبل الجبل ~~و " جانب " مفعول ثان على حذف مضاف، أي إتيان جانب. ولا يجوز أن يكون ~~المفعول الثاني محذوفا، " وجانب " ظرف للوعد، والتقدير: وواعدناكم ~~التوراة في هذا المكان، لأنه ظرف مكان مختص لا يصل إليه الفعل بنفسه، ~~وكما لو قيل: إنه توسع في هذا الظرف فجعل مفعولا به: أي جعل نفس ms6100 ~~الموعود نحو: سير عليه فرسخان وبريدان. قوله: " فيحل " قرأ العامة ~~فيحل بكسر الحاء واللام من " يحلل ". والكسائي بضمهما. # وابن عيينة وافق العامة في الحاء، والكسائي في اللام. فالعامة من حل ~~عليه كذا، أي: وجب، من حل الدين يحل، أي: وجب قضاؤه، ومنه ~~قوله: { حتى يبلغ الهدي محله } [البقرة:196]، ومنه أيضا: ~~{ ويحل عليه عذاب مقيم } [هود:39]. [الزمر:40]. # وقراءة الكسائي من حل يحل، أي نزل، ومنه { أو تحل قريبا ~~من دارهم } [الرعد:31] والمشهور أن فاعل " يحل " في القراءتين ~~هو " غضبي " وقال صاحب اللوامح: إنه مفعول به وأن الفاعل ترك لشهرته ~~والتقدير: فيحل عليكم طغيانكم غضبي، ودل على ذلك " ولا ~~تطغوا " ولا يجوز أن يسند إلى " غضبي " فيصير في موضع رفع بفعله. ~~ثم قال: وقد يحذف المفعول للدليل عليه وهو العذاب ونحوه قال شهاب الدين: ~~فعنده أن حل متعد بنفسه، لأنه من الإحلال كما صرح هو به، وإذا كان ~~من الإحلال تعدى لواحد، وذلك المتعدي إليه إما " غضبي " (على أن ~~الفاعل) ضمير عائد على الطغيان كما قدره، وإما محذوف والفاعل " ~~غضبي " ، وفي عبارته قلق. وقرأ طلحة " لا يحلن عليكم " ~~بلا الناهية للطغيان فيحق عليكم غضبي، وهو من باب لا أرينك هاهنا. # وقرأ زيد بن علي " ولا تطغوا " بضم الغين من طغى يطغو كغزا ~~يغزو. # وقوله: " فيحل " يجوز أن يكون مجزوما عطفا على " لا تطغوا " ~~كذا قال أبو البقاء. # وفيه نظر، إذ المعنى ليس على نهي الغضب أن يحل بهم. # والثاني: أنه منصوب بإضمار (أن) في جواب النهي، وهو واضح. # فصل # اعلم أن الله تعالى لما أنعم على قوم موسى - عليه السلام - بأنواع ~~النعم ذكرهم، ولا شك أن إزالة الضرر يجب تقديمه على إيصال المنفعة، ~~وإيصال المنفعة الدينية أعظم من إيصال المنفعة الدنيوية، فلهذا بدأ تعالى ~~بإزالة الضرر بقوله: { أنجيناكم من عدوكم } ، فإن فرعون ~~كان ينزل بهم أنواع الظلم، والإذلال، والأعمال الشاقة. ثم ذكر المنفعة ~~الدينية وهي قوله: { وواعدناكم جانب الطور الأيمن } ~~وذلك أنه أنزل عليهم في ذلك الوقت كتابا فيه بيان دينهم وشريعتهم، ms6101 أو ~~لأنهم حصل لهم شرف بسبب ذلك. # قال المفسرون: وليس للجبل يمين ولا يسار بل المراد أن طور سيناء عن ~~يمين السالك من مصر إلى الشام. ثم ثلث بذكر المنفعة الدنيوية فقال: { ~~ونزلنا عليكم المن والسلوى } { كلوا من ~~طيبات ما رزقناكم } أمر إباحة. # ثم زجرهم عن العصيان فقال: { ولا تطغوا فيه } قال ابن عباس: لا ~~يظلم بعضكم بعضا فيأخذه من صاحبه. وقال مقاتل والضحاك: لا تظلموا ~~فيه أنفسكم بأن تجاوزوا حد الإباحة وقال الكلبي: لا تكفروا ~~النعمة أي لا تستعينوا بنعمتي على مخالفتي ولا تعرضوا عن الشكر، ولا ~~تعدلوا عن الحلال إلى الحرام والمراد بالطيبات هاهنا اللذائذ، لأن ~~المن والسلوى من لذائذ الأطعمة. وقال الكلبي ومقاتل: الطيبات ~~الحلال، وذلك لأن الله تعالى أنزله إليهم، ولم يمسه يدي الآدميين. روي ~~أنهم كانوا يصبحون فيجدونه بين بيوتهم فيأخذون منه قدر حاجتهم في ذلك ~~اليوم إلى الغد، ومن ادخر لأكثر من ذلك فسد، ومن أخذ منه قليلا كفاه، أو ~~كثيرا لم يفضل عنه، فيصنعون منه مثل الخبز وهو في غاية البياض والحلاوة، ~~فإن كان آخر النهار غشيهم طير السلوى فيقنصون منها بلا كلفة ما ~~يكفيهم لعشائهم، وإذا كان الصيف ظلل عليهم الغمام يقيهم حر الشمس. ثم ~~قال: { فيحل عليكم غضبي } أي يجب عليكم غضبي { ومن ~~يحلل عليه غضبي فقد هوى } أي هلك وقيل: شقي. وقيل: ~~وقع في الهاوية: هوى يهوي هويا إذا سقط من علو إلى سفل. # ثم قال: { وإني لغفار لمن تاب وءامن }. # واعلم أنه تعالى وصف نفسه بكونه غافرا وغفورا وغفارا، وبأن له ~~غفرانا ومغفرة، وعبر عنه بلفظ الماضي والمستقبل والأمر. أما كون وصفه ~~غافرا فقوله: # غافر الذنب # [غافر:3] وأما كونه غفورا فقوله: # وربك الغفور # [الكهف: 58] (وأما كونه غفارا فقوله: # وإني لغفار) لمن تاب وءامن # [طه: 82] وأما الغفران فقوله: # غفرانك ربنا # [البقرة: 285]. # وأما المغفرة فقوله: # وإن ربك لذو مغفرة للناس # [الرعد: 6]. # وأما صيغة الماضي فقوله في حق داود: # فغفرنا له # [ص: 25]. # وأما صيغة المستقبل فقوله: # ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء ms6102 # النساء: [48، 116] وقوله: # إن الله يغفر الذنوب جميعا # [الزمر: 13] وقوله: # ليغفر لك الله # [الفتح: 2] وأما لفظ الاستغفار فقوله: # استغفروا ربكم # [هود: 3، 52، 90] و [نوح: 10] # ويستغفرون للذين ءامنوا # [غافر:7] وهاهنا نكتة وهي أن العبد له أسماء ثلاثة: الظالم، ~~والظلوم، والظلام إذا كثر منه الظلم، ولله في مقابلة كل واحد من ~~هذه الأسماء اسما فكأنه تعالى قال: إن كنت ظالما فأنا غافر، وإن كنت ~~ظلوما فأنا غفور، وإن كنت ظلاما فأنا غفار. # قال ابن عباس: " من تاب " عن الشرك " وآمن " وحد الله وصدقه ~~" وعمل صالحا " أدى الفرائض " ثم اهتدى " علم أن ذلك ~~توفيق من الله عز وجل. وقال قتادة وسفيان الثوري: لزم الإسلام حتى مات ~~عليه. وقال الشعبي ومقاتل والكلبي: علم أن لذلك ثوابا. وقال زيد بن ~~أسلم: تعلم العلم لتهتدي كيف يعمل. وقال سعيد بن جبير: أقام على السنة ~~والجماعة. # فصل # قال بعضهم: تجب التوبة عن الكفر أولا ثم الإتيان ثانيا، لهذه الآية، ~~فإنه قدم التوبة على الإيمان. # ودلت هذه الآية أيضا على أن العمل الصالح غير داخل في الإيمان، ~~لأنه تعالى عطف العمل الصالح على الإيمان، والمعطوف يغاير المعطوف عليه. ### || [20.83-85] # قوله: " وما أعجلك " مبتدأ وخبر. و " ما " استفهامية عن سبب ~~التقدم على قومه. # قال الزمخشري: فإن قلت: " ما أعجلك " سؤال عن سبب العجلة، فكان ~~الذي ينطبق عليه من الجواب أن يقال: طلب زيادة رضاك، أو الشوق إلى ~~كلامك وتنجز موعدك. وقوله: { هم أولاء على أثري } كما ~~ترى غير منطبق عليه. # قلت: قد تضمن ما واجهه به رب العزة شيئين: # أحدهما: إنكار العجلة في نفسها. # والثاني: السؤال عن سبب التقدم والحامل عليه، فكان أهم الأمرين إلى موسى ~~بسط العذر، وتمهيد العلة في نفس ما أنكر عليه فاعتل بأنه لم يوجد ~~مني إلا تقدم يسير مثله لا يعتد به في العادة، ولا يحتفل به، وليس ~~بيني وبين من سبقته إلا مسافة قريبة يتقدم بمثلها الوفد رأسهم ومقدمتهم، ~~ثم عقبه بجواب السؤال عن السبب فقال: { وعجلت إليك رب ~~لترضى }. # وأجاب غيره عن هذا السؤال ms6103 بأنه - عليه السلام - ورد عليه من هيبة عتاب ~~الله ما أذهله عن الجواب المنطبق المرتب على حدود الكلام. # فصل # في الآية سؤالات: # الأول: قوله: " وما أعجلك " استفهام، وهو على الله تعالى محال. # والجواب: أنه إنكار في صيغة الاستفهام ولا امتناع فيه. # الثاني: أن موسى - عليه السلام - إما أن يقال: إنه كان ممنوعا عن ~~ذلك التقدم، أو لم يكن ممنوعا عنه، فإن كان ممنوعا كان ذلك التقدم ~~معصية فيلزم وقوع المعصية من الأنبياء، وإن لم يكن ممنوعا كان ذلك ~~الإنكار غير جائز. # والجواب: لعله - عليه السلام - ما وجد نصا في ذلك إلا أنه باجتهاده ~~تقدم فأخطأ في ذلك الاجتهاد فاستوجب العتاب. # الثالث: قوله: " وعجلت " والعجلة مذمومة. # والجواب: أنها ممدوحة في الدين قال الله تعالى: # وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة # [آل عمران: 133]. # الرابع: قوله: " لترضى " يدل على أنه - عليه السلام - إنما فعل ~~ذلك ليحصل الرضا لله تعالى، وذلك باطل من وجهين: # أحدهما: يلزم تجدد صفة الله. # والآخر: أنه - تعالى - قبل حصول ذلك الرضا يجب أن يقال: (إنه ما) كان ~~راضيا عن موسى، لأن تحصيل الحاصل محال، ولما لم يكن راضيا عنه وجب ~~أن يكون ساخطا عليه، وذلك لا يليق بحال الأنبياء. # والجواب المراد تحصيل دوام الرضا كقوله: " ثم اهتدى " المراد دوام ~~الاهتداء. # الخامس: قوله { وعجلت إليك رب لترضى } يدل على أنه ذهب ~~إلى الميعاد قبل الوقت الذي عينه الله له وإلا لم يكن تعجيلا، ثم ظن ~~أن مخالفة أمر الله سبب لتحصيل رضاه، وذلك لا يليق بأجهل الناس فضلا ~~عن كليم الله. # والجواب: أن ذلك كان باجتهاد وأخطأ فيه. # السادس: قوله: " إليك " يقتضي كون الله في الجهة، لأن " إلى " ~~لانتهاء الغاية. # والجواب: اتفقنا على أن الله - تعالى - لم يكن في الجبل، فالمراد إلى ~~مكان وعدك. # فصل # دلت الآية على أنه تعالى أمره بحضور الميقات مع قوم مخصوصين فقال ~~المفسرون: هم السبعون الذين اختارهم الله من جملة بني إسرائيل، يذهبون ~~معه إلى الطور ليأخذوا التوراة، فسار بهم موسى، ثم عجل موسى من ms6104 بينهم ~~شوقا إلى ربه، وخلف السبعين وأمرهم أن يتبعوه إلى الجبل، فقال الله له: ~~{ ومآ أعجلك عن قومك يا موسى } قال مجيبا لربه { هم ~~أولاء على أثري } أي: بالقرب مني يأتون من بعدي { وعجلت ~~إليك رب لترضى } لتزداد رضى. # قوله: { هم أولاء على أثري } كقوله: # ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم # [البقرة: 85] و { على أثري } يجوز أن يكون خبرا ثانيا، وأن يكون ~~حالا وقرأ الجمهور: " أولاء " بهمزة مكسورة. # والحسن وابن معاذ بياء مكسورة، وإبدال الهمزة ياء (تخفيفا). # وابن وثاب " أولى " بالقصر دون همزة. # وقرأت طائفة " أولاي " بياء مفتوحة، وهي قريبة من الغلط والجمهور " ~~على أثري " بفتح الهمزة والثاء. # وأبو عمرو في رواية عبد الوارث، وزيد بن علي " إثري " بكسر الهمزة ~~وسكون الثاء وعيسى بضمها وسكون الثاء، وحكاها الكسائي (لغة). # قوله: { فإنا قد فتنا قومك من بعدك } أي: ابتلينا ~~الذين خلفتهم مع هارون، وكانوا ستمائة ألف، فأفتنوا بالعجل غير ~~اثني عشر ألفا من بعدك انطلاقك إلى الجبل. # فصل # قالت المعتزلة: لا يجوز أن يكون المراد أن الله - تعالى - خلق فيهم ~~الكفر لوجهين: # الأول: الدلائل العقلية (الدالة على) أنه لا يجوز من الله - تعالى - أن ~~يفعل ذلك. # والثاني: أنه قال: " وأضلهم السامري ". # وأيضا: فلأن موسى لما طالبهم بذكر سبب الفتنة، فقال: # أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم ~~غضب من ربكم # [طه: 86] فلو حصل ذلك بخلق الله لكان لهم أن يقولوا السبب فيه أن الله ~~خلقه فينا لا ما ذكرت، فكان يبطل كلام موسى - عليه السلام -. وأيضا ~~فقوله: # أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم # [طه: 86] ولو كان ذلك بخلقه لاستحال أن يغضب عليهم فيما هو الخالق له، ~~ولما بطل ذلك وجب أن يكون لقوله: " فتنا " معنى آخر، وذلك لأن ~~الفتنة قد تكون بمعنى الامتحان، يقال: فتنت الذهب بالنار إذا ~~امتحنته بالنار فتميز الجيد من الرديء، فهاهنا شدد الله التكليف عليهم، ~~لأن السامري، لما أخرج لهم العجل صاروا مكلفين بأن يستدلوا بحدوث ~~جملة العالم والأجسام على أن له إلها بجسم وحينئذ ms6105 يعرفون أن العجل لا ~~يصلح للإلهية فكان هذا التعبد تشديدا في التكليف، (والتشديد في التكليف) ~~موجود. # قال تعالى: # أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ءامنا وهم ~~لا يفتنون # [العنكبوت: 2]. # والجواب: ليس في ظهور صوت من عجل متخذ من الذهب شبهة أعظم مما في ~~الشمس والقمر، والدليل الذي ينفي كون الشمس والقمر إلها أولى بأن ينفي ~~كون العجل إلها، فحينئذ لا يكون حدوث العجل تشديدا في التكليف ولا يصح ~~حمل الآية عليه، فوجب حمله على خلق الضلال فيهم. # وقوله: أضاف الإضلال إلى السامري. قلنا: أليس أن جميع المسببات ~~العادية تضاف إلى أسباب من الظاهر وإن كان الموجد هو الله - تعالى - فكذا ~~هاهنا. وأيضا قرىء " وأضلهم السامري " أي: وأشد ضلالهم ~~السامري، وعلى هذا لا يبقى للمعتزلة استدلال، ثم الذي يحسم مادة الشغب ~~مسألة الداعي. قوله: " وأضلهم السامري " العامة على أنه فعل ~~ماض مسند إلى السامري. # وقرأ أبو معاذ " وأضلهم " مرفوعا بالابتداء، وهو أفعل تفضيل، و " ~~السامري " خبره. # ومعنى " أضلهم " أي: دعاهم وصرفهم إلى عبادة العجل، وأضاف ~~الإضلال إلى السامري، لأنهم ضلوا بسببه. قال ابن عباس في رواية سعيد ~~بن جبير: كان السامري علجا من أهل كرمان وقع إلى مصر، وكان من قوم ~~يعبدون البقر، والأكثرون على أنه كان من عظماء بني إسرائيل من قبيلة يقال ~~لها: السامرة. قاله الزجاج. # وقال عطاء عن ابن عباس كان الرجل من القبط جارا لموسى وقد آمن روي ~~أنهم أقاموا بعد مفارقة موسى عشرين ليلة وحسبوها أربعين مع أيامها، ~~وقالوا قد أكملنا العدة، ثم كان أمر العجل بعد ذلك. # فإن قيل: كيف التوفيق بين هذا وبين قوله لموسى عند مقدمه { فإنا ~~قد فتنا قومك من بعدك }. # فالجواب من وجهين: # الأول: أنه تعالى أخبر عن الفتنة المترقبة بلفظ الموجودة الكائنة على ~~عادته كقوله: # اقتربت الساعة # [القمر: 1] # ونادى أصحاب الجنة # [الأعراف: 44] إلى غير ذلك. # الثاني: أن السامري شرع في تدبير الأمر لما غاب موسى - عليه السلام - ~~ثم رجع موسى إلى قومه بعد ما استوفى الأربعين ذا القعدة وعشر ذي ms6106 الحجة. ### || [20.86-87] # قوله: " غضبان أسفا " حالان، وقد تقدم في سورة الأعراف قيل: ~~الأسف شدة الغضب، فلا يلزم التكرار، لأن " غضبان " يفيد أصل الغضب، ~~و " أسفا " يفيد كماله. وقال الأكثرون: حزنا وجزعا، يقال: أسف ~~يأسف أسفا فهو أسف، إذا حزن. وقيل: الأسف: المغتاظ، وفرق بين ~~الاغتياظ والغضب، لأن الله تعالى لا يوصف بالغيظ ويوصف من حيث أن ~~الغضب إرادة الإضرار بالمغضوب عليه، والغيظ تغير يلحق المغتاظ وذلك ~~لا يصح إلى على الأجسام كالضحك والبكاء، ثم إن موسى - عليه السلام - ~~عاتبهم بعد رجوعه فقال: { يا قوم ألم يعدكم ربكم ~~وعدا حسنا } قيل: المراد بالوعد الحسن إنزال التوراة. وقيل: الثواب ~~على الطاعات. # وقال مجاهد: العهد. وهو قوله: # ولا تطغوا فيه # [طه: 81] إلى قوله: # ثم اهتدى # [طه: 82] (ويدل عليه قوله بعد ذلك) { أفطال عليكم العهد ~~أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم } فكأنه ~~قال أفنسيتم ذلك الذي قال الله لكم: " ولا تطغوا " وقيل: الوعد الحسن ~~هاهنا يحتمل أن يكون وعدا حسنا في منافع الدين وأن يكون في منافع ~~الدنيا. أما منافع الدين: فهو الوعد بإنزال الكتاب الهادي إلى الشرائع، ~~والوعد بحصول الثواب العظيم في الآخرة. وأما منافع الدنيا فإن الله تعالى ~~قد وعدهم قبل إهلاك فرعون أن يورثهم أرضهم (وديارهم). # فإن قيل: قوله: { ألم يعدكم ربكم } هذا الكلام إنما يتوجه ~~عليهم لو كانوا معترفين بإله آخر سوى العجل، وأما لما اعتقدوا أنه ~~لا إله سواه على ما أخبر الله عنهم أنهم قالوا: # هذآ إلهكم وإله موسى # [طه: 88] كيف يتوجه عليهم هذا الكلام؟ # فالجواب: أنهم كانوا معترفين بالإله لكنهم عبدوا العجل على التأويل الذي ~~يذكره عباد الأصنام. # قوله: " وعدا حسنا " يجوز أن يكون مصدرا مؤكدا، والمفعول محذوف ~~تقديره: وعدكم بالكتاب والهداية، أو يترك المفعول الثاني ليعم. ويجوز أن ~~يكون الوعد بمعنى الموعود فيكون هو المفعول الثاني. # قوله: { أفطال عليكم العهد } أي أقصيتم ذلك العهد. ~~وقيل: أفطال عليكم مدة مفارقتي إياكم. وطول العهد يحتمل أمورا: # أحدها: أفطال عليكم العهد بنعم الله من إنجائكم من فرعون، ms6107 وغير ذلك ~~من النعم المذكورة في أول سورة البقرة كقوله تعالى: # فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم ~~فاسقون # [الحديد: 16]. # وثانيها: روي أنهم عرفوا أن الأجل أربعون ليلة فجعلوا كل يوم ~~بإزاء ليلة وردوه إلى عشرين. قال القاضي: هذا ركيك لأن ذلك لا يكاد ~~يشتبه على أحد. # وثالثها: أن موسى - عليه السلام - وعدهم ثلاثين ليلة فلما زاده الله ~~فيها عشرة أخرى طال العهد. # قوله: { أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم ~~} هذا لا يمكن إجراؤه على ظاهره لأن أحدا لا يريد ذلك، ولكن المعضية ~~(لما كانت) توجب ذلك، ومريد السبب مريد للمسبب، أي أردتم أن تفعلوا ~~فعلا يوجب عليكم الغضب من ربكم. # { فأخلفتم موعدي } ، وهذا يدل على موعد كان فيه - عليه ~~السلام - مع القوم، فقيل: المراد ما وعدوه من اللحاق والمجيء على أثره. ~~وقيل: ما وعدوه من الإقامة على دينه إلى أن يرجع إليهم من الطور و " ~~موعدي " مصدر يجوز أن يكون مضافا لفاعله بمعنى أوجدتموني ~~أخلفتكم ما وعدتكم. وأن يكون مضافا لمفعوله بمعنى: أنهم ~~وعدوه أن يتمسكوا بدينه وسنته. # قوله: " بملكنا " قرأ الأخوان بضم الميم، ونافع وعاصم بفتحها ~~والباقون بكسرها. فقيل: لغات بمعنى واحد كالنقض والنقض والنقض، ~~فهي مصادر، ومعناها القدرة والتسلط. وفرق الفارسي وغيره بينهما، فقال: ~~المضموم معناه: لم يكن ملك فتخلف موعدك بسلطانه، وإنما فعلناه ~~بنظر واجتهاد، فالمعنى على أن ليس له ملك كقول ذي الرمة: # 3685- لا يشتكى سقطة منها وقد رقصت # بها المفاوز حتى ظهرها حدب # أي لا يقع منها سقطة فتشتكي. # وفتح الميم مصدر من ملك أمره، والمعنى: ما فعلناه بأنا ملكنا ~~الصواب، بل غلبتنا أنفسنا. وكسر الميم كثر فيما تحوزه اليد وتحويه، ~~ولكنه يستعمل في الأمور التي يبرمها الإنسان، ومعناها كمعنى التي قبلها. # والمصدر في هذين الوجهين مضاف لفاعله، والمفعول محذوف أي: بملكنا ~~الصواب. قوله: " حملنا " قرأ نافع وابن كثير وحفص بضم الحاء وكسر ~~الميم المشددة وأبو جعفر كذلك إلا أنه خفف الميم. (والباقون بفتحها خفيفة ~~الميم). فالقراءة الأولى والثانية نسبوا فيهما الفعل ms6108 إلى غيرهم. # وفي الثالثة نسبوه إلى أنفسهم و " أوزارا " مفعول ثان غير القراءة ~~الثالثة. و " من زينة " يجوز أن يكون متعلقا ب " حملنا " ، ~~وأن يكون متعلقا بمحذوف على أنه صفة ل " أوزارا ". # وقوله: " فكذلك " نعت لمصدر أو حال من ضميره عند سيبويه أي: إلقاء ~~مثل إلقائنا. # فصل # اختلفوا في القائل { مآ أخلفنا موعدك بملكنا } على ~~وجهين: # فقيل: القائل هم الذين لم يعبدوا العجل كأنهم قالوا: ما أخلفنا ~~موعدك بأمر كنا نملكه، وقد يضيف الرجل فعل قرينه إلى نفسه، كقوله ~~تعالى: # وإذ فرقنا بكم البحر # [البقرة: 50] # وإذ قتلتم نفسا # [البقرة: 72] وإن كان القائل بذلك آباءهم، فكأنهم قالوا: الشبهة قويت ~~على عبدة العجل، فلم نقدر على منعهم عنه ولم نقدر أيضا على مفارقتهم، ~~لأنا خفنا أن يصير ذلك سببا لوقوع الفرقة، وزيادة الفتنة. # وقيل: هذا قول عبدة العجل، والمعنى أن غيرنا أوقع الشبهة في قلوبنا، ~~وفاعل السبب فاعل المسبب، فمخلف الوعد هو الذي أوقع الشبهة، فإنه كان ~~كالمالك لنا. فإن قيل: كيف يعقل رجوع قريب من ستمائة ألف إنسان من ~~العقلاء المكلفين عن الدين الحق دفعة واحدة إلى عبادة عجل يعرف ~~فسادها بالضرورة، ثم إن مثل هذا الجمع لما فارقوا الدين وأظهروا الكفر ~~فكيف يعقل رجوعهم دفعة واحدة عن ذلك الدين بسبب رجوع موسى - عليه السلام ~~- وحده إليهم؟ # فالجواب: هذا غير ممتنع في حق البله من الناس. # ثم إن القوم فروا من العذر الحامل لهم على ذلك الفعل فقالوا { ~~ولكنا حملنآ أوزارا من زينة القوم } فمن قرأ ~~بالتخفيف فالمعنى حملنا في أنفسنا ما كنا استعرضناه من القوم. ومن قرأ ~~بالتشديد فقيل: إن موسى - عليه السلام - أمرهم باستعاره الحلي والخروج ~~بها فكأنه ألزمهم ذلك. والمراد بالأوزار حلي قوم فرعون. # وقيل: جعلنا كالضامن لها أن نؤديها إلى حيث يأمرنا الله. # وقيل: إن الله تعالى حملهم ذلك، أي: ألزمهم حكم المغنم. # قيل: أخذوها على وجه العارية ولم يردوها حين خرجوا من مصر استعاروها ~~لعيدهم. # وقيل: إن الله تعالى لما أغرق فرعون نبذ البحر حليهم فأخذوها ms6109 وكانت ~~غنيمة، ولم تكن الغنيمة حلالا لهم في ذلك الزمان، فسماها الله أوزارا ~~لذلك، لأنه يجب عليهم حفظها من غير فائدة فكانت أوزارا. # وقيل: سميت أوزارا لكثرتها وثقلها، والأوزار: الأثقال. وقيل المراد ~~بالأوزار الآثام، والمعنى حملنا آثاما، روي أن هارون - عليه السلام ~~- قال إنها نجسة فتطهروا منها، وقال السامري إن موسى إنما احتبس ~~عقوبة بالحلي. فيجوز أن يكونوا أرادوا هذا القول، وقد يقول الإنسان ~~للشيء الذي يلزمه رده هذ كله إثم وذنب. # وقيل: إن ذلك الحلي كان للقبط يتزينون به في مجامع لهم يجري فيها ~~الكفر، فلذلك وصف بكونها أوزارا كما يقال مثله في آلات المعاصي. # وقوله: " فقذفناها " أي فطرحناها في الحفيرة، وذلك أن هارون ~~قال لهم: إن تلك غنيمة لا تحل فاحفروا، فحفروا حفيرة، ثم ألقوه ~~فيها حتى يرجع موسى فيرى فيها رأيه، ففعلوا. # وقيل: قذفوها في موضع أمرهم السامري بذلك. # وقيل: في موضع جمع فيه النار، ثم قالوا: وكذلك ألقى السامري ما معه من ~~الحلي فيها. ### || [20.88-89] # قوله: { فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار }. # قال ابن عباس: أوقد هارون نارا وقال: اقذفوا ما معكم فيها فألقوا فيها، ~~ثم ألقى السامري ما كان معه من تربة حافر فرس جبريل - عليه السلام -. # قال قتادة: كان قد صير قبضة من ذلك التراب في عمامته، { فأخرج ~~لهم عجلا جسدا له خوار }. # واختلفوا هل كان ذلك الجسد حيا أم لا؟ # فقيل: لا لأنه لا يجوز إظهار خرق العادة على يد الضال بل السامري صور ~~صورة على شكل العجل، وجعل فيها منافذ وتخاريق بحيث تدخل فيها الرياح، ~~فيخرج صوت يشبه صوت العجل. # وقيل: إنه صار حيا، وخار كما يخور العجل، لقوله: # فقبضت قبضة من أثر الرسول # [طه: 96]، ولو لم يصر حيا لما بقي لهذا الكلام فائدة، ولأنه تعالى ~~سماه عجلا، والعجل حقيقة هو الحيوان، وسماه جسدا وهو إنما يتناول ~~الحي. # وأثبت له الخوار. # وأما ظهور خارق العادة على يد الضال فجائز، لأنه لا يحصل الالتباس ~~وهاهنا كذلك فوجب أن لا يمتنع. # وروى عكرمة عن ms6110 ابن عباس أن هارون - عليه السلام - مر بالسامري وهو ~~يصنع العجل، فقال ما تصنع؟ فقال أصنع ما ينفع ولا يضر فادع لي فقال: ~~اللهم أعطه ما سأل، فلما مضى هارون، قال السامري اللهم إني أسألك أن ~~تجعل له خوارا. # وفي رواية: فألقى التراب في فم العجل، وقال: كن عجلا يخور، فكان ~~كذلك يدعوه هارون وعلى هذا التقدير يكون ذلك معجزا للنبي. # قوله: { فقالوا هذا إلهكم وإله موسى } وهاهنا إشكال ~~وهو أن القوم إن كانوا في الجهالة بحيث اعتقدوا أن ذلك العجل المعمول في ~~تلك الساعة هو الخالق للسموات والأرض فهم مجانين، وليسوا مكلفين، ولأن ~~هذا محال على مثل ذلك الجمع العظيم، وإن لم يعتقدوا ذلك، فكيف قالوا: { ~~هذا إلهكم وإله موسى }؟ # وجوابه لعلهم كانوا من الحلولية: فجوزوا حلول الإله وحلول صفة من صفاته ~~في ذلك الجسم، وإن كان ذلك أيضا في غاية البعد، لأن ظهور الخوارق لا ~~يناسب الإلهية، ولكن لعل القوم في نهاية البلادة. # قوله: " فنسي " قرأ العامة بكسر السين. وقرأ الأعمش بسكون السين، وهي ~~لغة فصيحة والضمير في " نسي " يجوز أن يعود على السامري " ، وعلى ~~هذا قيل: إنه من كلام الله تعالى، كأنه أخبر عن السامري أنه نسي ~~الاستدلال على حدوث الأجسام، وإن الإله لا يحل في شيء ولا يحل فيه ~~شيء، ثم إنه تعالى بين المعنى الذي يجب الاستدلال به وهو قوله: { ~~أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا } أي: لم يخطر ~~ببالهم أن من لا يتكلم ولا ينفع ولا يضر لا يكون إلها، ولا يكون للإله ~~تعلق بالحالية (والمحلية). # ويجوز أن يعود على " موسى " وعلى هذا قيل: هذا قول السامري، والمعنى ~~أن هذا إلهكم وإله موسى، فنسي موسى أن هذا هو الإله فذهب يطلبه في موضع ~~آخر وهو قول الأكثرين. وقيل: فنسي وقت الموعد في الرجوع. # قوله: { أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا } أي: أن ~~العجل لا يكلمهم، لا يجيبهم إذا دعوه، { ولا يملك لهم ضرا ~~ولا نفعا }. وهذا استدلال على عدم أنه إله بأنه لا يتكلم ms6111 ولا ينفع ~~ولا يضر. وهذا يدل على أن الإله لا بد وأن يكون موصوفا بهذه الصفات، وهو ~~كقوله تعالى في قصة إبراهيم - عليه السلام - # لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر # [مريم: 42] وأن موسى - عليه السلام - في الأكثر لا يعول إلى على دلائل ~~إبراهيم (عليه السلام). # قوله: { ألا يرجع } العامة على رفع " يرجع " لأنها المخففة ~~من الثقيلة، ويدل على ذلك وقوع أصلها وهو المشددة في قوله: # ألم يروا أنه لا يكلمهم # [الأعراف: 148]. # قال الزجاج: الاختيار الرفع بمعنى: أنه لا يرجع كقوله: # وحسبوا ألا تكون فتنة # [المائدة: 71] بمعنى: أنه لا تكون. # وقرأ أبو حيوة والشافعي (رضي الله عنه) وأبان بنصبه، جعلوها الناصبة. # والرؤية على الأولى يقينية، وعلى الثانية بصرية، وقد تقدم تحقيق هذين ~~القولين (في المائدة). # والسامري: منسوب لقبيلة يقال لها سامرة. # فصل # دلت الآية على وجوب النظر في معرفة الله تعالى، وقال في آية أخرى # ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا # [الأعراف: 148]، وهو قريب من قوله في ذم عبدة الأصنام # فاسألوهم إن كانوا ينطقون # [الأنبياء: 63]، أي لو كان يكلمهم لكان إلها، والشيء يجوز أن يكون ~~مشروطا بشروط كثيرة، وفوات واحد منها يقتضي فوات المشروط، وحصول الواحد ~~منها لا يقتضي حصول المشروط. # قال بعض اليهود لعلي - رضي الله عنه - ما دفنتم نبيكم حتى ~~اختلفتم. # فقال: اختلفنا عنه وما اختلفنا فيه، وأنتم ما جفت أقدامكم من ماء ~~البحر حتى قلتم لنبيكم اجعل لنا إلها كما لهم آلهة. ### || [20.90-93] # قوله: { ولقد قال لهم هرون من قبل } إنما قال ذلك شفقة ~~منه على نفسه وعلى الخلق، أما شفقته على نفسه، فلأنه كان مأمورا من عند ~~الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان مأمورا من عند أخيه موسى - ~~عليه السلام - # اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل ~~المفسدين # [الأعراف: 142]، فلو لم يشتغل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن ~~المنكر كان مخالفا لأمر الله ولأمر موسى وذلك لا يجوز. وأما الشفقة على ~~الخلق فلأن الإنسان يجب أن يكون مشفقا على خلق الله خصوصا على ms6112 أبناء ~~جنسه، وأي شفقة أعظم من أن يرى جمعا يتهافتون على النار فيمنعهم منها. ~~ولما ثبت أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والشفقة على المسلمين ~~واجب، ثم إن هارون - عليه السلام - رأى القوم متهافتين على النار فلم ~~يبال بكثرتهم بل صرح بالحق فقال: { يا قوم إنما فتنتم به }. # (واعلم أن هارون عليه السلام سلك في هذا الوعط أحسن الوجوه، لأنه ~~زجرهم عن الباطل أولا بقوله: { إنما فتنتم به } ، ثم دعاهم إلى ~~معرفة الله ثانيا بقوله: { وإن ربكم الرحمن } ) ثم دعا ~~إلى ثالثا إلى النبوة بقوله: " فاتبعوني " ثم دعاهم رابعا بقوله ~~" وأطيعوا أمري ". # وهذا هو الترتيب الجيد، لأنه لا بد قبل كل شيء من إماطة الأذى عن ~~الطريق، وهو إزالة الشبهات، ثم معرفة الله تعالى، فإنها هي الأصل، ثم ~~النبوة، ثم الشريعة، فثبت أن هذا الترتيب أحسن الوجوه. وإنما قال: { ~~وإن ربكم الرحمن } فخص هذا الموضع باسم الرحمن، تنبيها ~~على أنهم متى تابوا قبل الله توبتهم، لأنه هو الرحمن، ومن رحمته أن ~~خلصهم من آفات فرعون، ثم إنهم لجهلهم قابلوا هذا الترتيب الحسن في ~~الاستدلال بالتقليد فقالوا: { لن نبرح عليه عاكفين حتى ~~يرجع إلينا موسى } كأنهم قالوا: لا نقبل حجتك ولكن نقبل قول ~~موسى، وهذه عادة المقلد. # قوله: " إنما فتنتم ". # قرأ العامة: " إنما فتنتم " { وإن ربكم الرحمن } ~~بالكسر فيهما، لأنها بعد القول لا بمعنى الظن وقرأت فرقة بفتحهما، ~~وخرجت على لغة سليم، وهي أنهم يفتحون " أن " بعد القول مطلقا. # وقرأ أبو عمرو في رواية الحسن وعيسى بن عمر بفتح " أن ربكم " فقط، ~~وخرجت على وجهين: # أحدهما: أنها وما بعدها في تأويل مصدر في محل رفع خبرا لمبتدأ محذوف ~~تقديره: والأمر أن ربكم الرحمن، فهو من عطف الجمل لا من عطف ~~المفردات. # والثاني: أنها مجرورة بحرف مقدر، أي: لأن ربكم الرحمن. # " فاتبعوني " وقد تقدم القول في نظير ذلك بالنسبة إلى هذه الفاء. # فصل # لما قالوا لهارون { لن نبرح عليه عاكفين } أي: مقيمين ~~على عبادة العجل { حتى يرجع إلينا موسى } اعتزلهم هارون في ms6113 ~~اثني عشر ألفا الذين لم يعبدوا العجل، فلما رجع موسى وسمع الصياح ~~والجلبة، وكانوا يرقصون حول العجل قال للسبعين الذين معه: هذا صوت ~~الفتنة، فلما رأى هارون أخذ شعر رأسه بيمينه ولحيته بشماله. # وقال له: { ما منعك إذ رأيتهم ضلوا } أشركوا. # قوله: " إذ " منصوب ب " منعك " ، أي: أي شيء منعك وقت ضلالهم. # و " لا " فيها قولان: # أحدهما: أنها مزيدة، أي ما منعك من أن تتبعني. # والثاني: أنها دخلت حملا على المعنى، إذ المعنى ما حملك على أن لا ~~تتبعني، وما دعاك إلى أن لا تتبعني، ذكره علي بن عيسى. # وقد تقدم تحقيق هذين القولين في (سورة الأعراف، والقراءة في)، " ~~يبنؤم ". # فصل # ومعنى تتبعني تتبع أمري ووصيتي، يعني هلا قاتلتهم، وقد علمت ~~أني لو كنت فيهم لقاتلتهم على كفرهم، وقيل: { أن لا تتبعني } ~~أي: ما منعك من اللحوق بي وإخباري بضلالهم فتكون مفارقتك إياهم زجرا ~~لهم عما أتوا { أفعصيت أمري }. # فصل # تمسك الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية من وجوه: # أحدها: أن موسى - عليه السلام - إما أن يكون قد أمر هارون باتباعه أو ~~لم يأمره، فإن أمره، فإما أن يكون هارون قد اتبعه أو لم يتبعه، فإن اتبعه ~~كان كلام موسى لهارون معصية وذنبا، لأن ملامة غير المجرم معصية. # وإن لم يتبعه كان هارون تاركا للواجب فكان فاعلا للمعصية، وإن قلنا: ~~إن موسى ما أمره باتباعه كانت ملامته إياه بترك الاتباع معصية، وعلى ~~جميع التقديرات يلزم إسناد المعصية إما إلى موسى أو إلى هارون. # وثانيها: قول موسى { أفعصيت أمري } استفهام على سبيل الإنكار، ~~فوجب أن يكون هارون قد عصاه، وأن يكون ذلك العصيان منكرا، وإلا كان موسى ~~كاذبا، وهو معصية، وإذا فعل هارون ذلك فقد فعل المعصية. # ثالثها: قوله: # يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي # [طه: 94] وهذا معصية، لأن هارون - عليه السلام - قد فعل ما قدر عليه، ~~فكان الأخذ بلحيته وبرأسه معصية، وإن فعل ذلك قبل تعرف الحال كان ذلك ~~معصية. # ورابعها: أن هارون قال: # لا تأخذ بلحيتي ولا ms6114 برأسي # [طه: 94]، فإن كان الأخذ بلحيته ورأسه جائزا كان قول هارون " لا ~~تأخذ " منعا له عما كان له أن يفعله، فيكون ذلك القول معصية. وإن لم ~~يكن ذلك الأخذ جائزا كان موسى - عليه السلام - فاعلا للمعصية. # والجواب عن الكل: أن حاصل هذه الوجوه تمسك بظواهر قابلة للتأويل، ~~ومعارضة ما يبعد عن التأويل بما يتسارع إليه التأويل غير جائز. وإذا ثبتت ~~هذه المقدمة ففي الجواب وجوه: # أحدها: أنا وإن اختلفنا في جواز عصمة الأنبياء لكن اتفقنا على جواز ~~ترك الأولى عليهم. # وإذا كان كذلك فالفعل الذي يفعله أحدهما ويمنع منه الآخر، أعني: موسى ~~وهارون - عليهما السلام - لعله كان أحدهما أولى، والآخر كان ترك الأولى، ~~فلذلك فعله أحدهما وتركه الآخر. فإن قيل: هذا التأويل غير جائز، لأن كل ~~واحد منهما كان جازما فيما يأتي به فعلا كان أو تركا، وفعل المندوب ~~وتركه لا يجزمونه قلنا: تقييد المطلق بالدليل غير ممتنع، فيحمل الجزم في ~~الفعل والترك على أن المراد افعل ذلك أو اتركه إن كنت تريد الأصلح، وقد ~~يترك ذلك الشرط إذا كان تواطؤهما على رعايته معلوما متقررا. # وثانيها: أن موسى - عليه السلام - أقبل وهو غضبان على قومه فأخذ برأس ~~أخيه وجره إليه كما يفعل الإنسان بنفسه مثل ذلك الغضب، فإن الغضبان ~~المتفكر قد يعض على شفتيه وأصابعه ويفتل لحيته، فأجرى موسى أخاه هارون ~~مجرى نفسه، لأنه كان أخاه وشريكه، فصنع به ما يصنع الرجل بنفسه في حال ~~الفكر والغضب، وأما قوله: # لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي # [طه: 94] فلا يمتنع أن يكون هارون - عليه السلام - خاف من أن يتوهم بنو ~~إسرائيل أنه منكر عليه، فبين أنه معاون له، ثم أخذ في شرح القصة فقال: # إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرآئيل # [طه: 94]. # وثالثها: أن بني إسرائيل كانوا على نهاية سوء الظن بموسى، حتى إن ~~هارون غاب عنهم غيبة فقالوا لموسى: أنت قتلته، فلما وعد الله موسى، وكتب ~~له في الألواح من كل شيء، ثم رجع فرأى من قومه ما رأى، أخذ برأس ms6115 أخيه ~~ليدنيه فيتفحص عن كيفية الواقعة فخاف هارون أن يسبق إلى قلوبهم ما لا ~~أصل له، فقال إشفاقا على موسى: # لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي # [طه: 94]، لئلا يظن القوم ما لا يليق بك. # ورابعها: قال الزمخشري: كان موسى - عليه السلام - رجلا حديدا مجبولا ~~على الحدة، والخشونة، والتصلب في كل شيء، شديد الغضب لله ولدينه فلم ~~يتمالك حين رأى قومه يعبدون عجلا من دون الله بعد ما رأوا من الآيات ~~العظام أن ألقى ألواح التوراة لما غلب عليه من الدهشة العظيمة غضبا لله ~~وحمية، وعنف بأخيه وخليفته على قومه، فأقبل عليه إقبال العدو. # قال ابن الخطيب: وهذا الجواب ساقط، لأنه يقال: هب أنه كان شديد الغضب، ~~ولكن مع ذلك الغضب الشديد هل كان يبقى عاقلا مكلفا أم لا؟ # فإن بقي عاقلا فالأسئلة باقية بتمامها، أكثر ما في الباب أنك ذكرت أنه ~~يغضب شديدا وذلك من جملة المعاصي. فإن قلتم: إنه في ذلك الغضب لم يبق ~~عاقلا ولا مكلفا فهذا مما لا يرتضيه مسلم البتة، فهذه أجوبة من لم ~~يجوز الصغائر، وأما من جوزها فالسؤال ساقط. # وجواب آخر: وهو أن موسى - عليه السلام - لما رجع إلى بني إسرائيل ~~كان عالما بأنهم قد فتنوا، وأن السامري قد أضلهم، والدليل عليه قوله ~~تعالى لموسى ( { إنا قد فتنا) قومك من بعدك } وإذا كان ~~كذلك فموسى - عليه السلام - إنما جاء وهو عالم بحالهم، فإنكاره على هارون ~~لعلمه بحالهم قبل مجيئه إليهم لا لما أثبتوه في سؤالهم. # وقوله: { أفعصيت أمري } يدل على أن تارك المأمور به عاص، ~~والعاصي مستحق للعقاب، لقوله: # ومن يعص الله (ورسوله فإن له نار جهنم) # [الجن:23] فمجموع الآيتين يدل على أن الأمر للوجوب. ### || [20.94] # قوله: { يا بن أم } قيل: إنما خاطبه بذلك ليدفعه عنه، ويتركه. # وقيل: كان أخاه لأمه. # واعلم أنه ليس في القرآن دلالة على أنه فعل ذلك، فإن النهي عن ~~الشيء لا يدل على كون المنهي فاعلا للمنهي عنه لقوله تعالى: # ولا تطع الكافرين والمنافقين # [الأحزاب: 1، 48] وإنما في القرآن أنه أخذ ms6116 برأس أخيه يجره إليه.، وهذا ~~القدر لا يدل على الاستحقاق بل قد يفعل لسائر الأغراض على ما بيناه. # قوله: { لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي } الجمهور على كسر ~~اللام من اللحية، وهي الفصحى. وفيها الفتح وبه قرأ عيسى بن سليمان ~~الحجازي، والفتح لغة الحجاز ويجمع على لحى كقرب. ونقل فيها الضم كما ~~قالوا: صور بالكسر وحقها بالضم. # والباء في " بلحيتي " ليست زائدة إما لأن المعنى لا يكن منك أخذ ~~وإما لأن المفعول محذوف أي لا تأخذني. ومن زعم زيادتها كهي في # ولا تلقوا بأيديكم # [البقرة: 195] فقد تعسف. # فصل # معنى قوله: " برأسي " أي بشعر رأسي، وكان قد أخذ بذؤابته " إني ~~خشيت " لو أنكرت عليهم لصاروا حريين بقتل بعضهم بعضا، فتقول أنت { ~~فرقت بين بني إسرآئيل ولم ترقب قولي } ولم ~~تحفظ وصيتي حين قلت لك: # اخلفني في قومي وأصلح # [الأعراف: 142] أي ارفق بهم. # قوله: { ولم ترقب قولي } هذه الجملة محلها النصب نسقا على { ~~فرقت بين بني إسرآئيل } أي أن تقول: فرقت بينهم وأن ~~تقول: { ولم ترقب قولي }. # وقرأ أبو جعفر " ترقب " بضم حرف المضارعة من أرقب. فإن قيل: إن قول ~~موسى - عليه السلام - " وما منعك أن لا تتبعن أفعصيت أمري " يدل ~~على أنه أمره بشيء، فكيف يحسن في جوابه أن يقال: إنما لم أمتثل قولك ~~خوفا من أن تقول " ولم ترقب قولي " ، وهل يجوز مثل هذا الكلام ~~على العاقل؟ # فالجواب: لعل موسى - عليه السلام - إنما أمره بالذهاب إليه بشرط أن لا ~~يؤدي ذلك إلى فساد القوم، فلما قال موسى " ما منعك أن لا ~~تتبعني " قال لأنك إنما أمرتني باتباعك إذا لم يحصل الفساد، فلو ~~جئتك مع حصول الفساد ما كنت مراقبا لك. ### || [20.95-96] # قوله: { قال فما خطبك يا سامري }. " ما خطبك " مبتدأ ~~وخبر، وتقدم الكلام على الخطب في يوسف، ومعناه هنا: ما أمرك وشأنك، أي ~~ما حملك على ما صنعت. # وقال ابن عطية هنا: إنه يقتضي إشهارا، كأنه قال: ما نحسك وما ~~شؤمك. # ورد عليه أبو حيان بقوله: # قال فما خطبكم أيها المرسلون ms6117 # [الحجر: 57]، [الذاريات: 31]. # قوله: " بصرت " يقال: بصر الشيء، أي: علمه، وأبصره أي: نظر إليه ~~كذا قال الزجاج. # وقال غيره: بصر بالشيء وأبصره بمعنى: علمه. والعامة علم ضم الصاد في ~~الماضي ومضارعه وقرأ الأعمش وأبو السمال " بصرت " بالكسر " يبصروا ~~" بالفتح وهي لغة. # وعمرو بن عبيد بالبناء للمفعول في الفعلين، أي أعلمت بما لم يعلموا ~~به، وقرأ الأخوان " تبصروا " خطابا لموسى وقومه أو تعظيما له ~~كقوله: # إذا طلقتم النسآء # [البقرة:231،232]. # 3686- حرمت النساء سواكم # والباقون بالغيبة من قومه والعامة على فتح القاف من " قبضة " وهي ~~المرة من القبض. # قال الزمخشري: وأما القبضة فالمرة من القبض، وإطلاقها على المقبوض من ~~تسمية المفعول بالمصدر. # قال شهاب الدين: والنحاة يقولون: إن المصدر الواقع كذلك لا يؤنث بالتاء ~~تقول: هذه حلة نسج اليمن، ولا تقول: نسجة اليمن، ويعترضون بهذه الآية، ~~ثم يجيبون بأن الممنوع إنما هو التاء الدالة على التحديد لا على مجرد ~~التأنيث، وهذه التاء دالة على مجرد التأنيث، وكذلك قوله: # والأرض جميعا قبضته # [الزمر: 67]. # وقرأ الحسن " قبضة " بضم القاف وهي كالغرفة والمضغة في معنى ~~المغروف والمقبوض. وروي عنه " قبصة " بالصاد المهملة. والقبض ~~بالمعجمة بجمع الكف، وبالمهملة بأطراف الأصابع، وله نظائر كالخضم وهو ~~الأكل بجميع الفم والقضم بمقدمه، والقضم قطع بانفصال والفصم بالفاء ~~باتصال، وقد تقدم شيء من ذلك في البقرة. وأدغم ابن محيصن الضاد المعجمة ~~في تاء المتكلم مع إبقائه الإطباق. وأدغم الأخوان وأبو عمرو الذال في ~~التاء من " فنبذتها ". # فصل # لما أجاب هارون أخاه موسى بالجواب المتقدم أقبل موسى على السامري وقال ~~له: " ما خطبك " أي: ما حملك على ما فعلت؟ فقال: { بصرت ~~بما لم يبصروا به } أي: رأيت ما لم يروا بنو إسرائيل وعرفت ما ~~لم يعرفوا. # قال ابن عباس: علمت ما لم يعلموا، ومنه قولهم: رجل بصير، أي: عالم ~~قاله أبو عبيدة وأراد أنه رأى جبريل عليه السلام فأخذ من موضع حافر دابته ~~قبضة من تراب، فقال: { فقبضت قبضة من أثر الرسول }. # وقرأ ابن مسعود: " من أثر فرس الرسول " والمراد بالرسول ~~جبريل - عليه ms6118 السلام - (عند عامة المفسرين، وأراد بأثره التراب الذي) ~~أخذه من موضع حافر دابته لما رآه يوم فلق البحر. # وعن علي - رضي الله عنه - أن جبريل - عليه السلام - لما نزل ليذهب ~~موسى إلى الطور أبصره السامري من بين الناس. # واختلفوا في أنه كيف اختص السامري برؤية جبريل ومعرفته بين الناس؟ # فقال ابن عباس في رواية الكلبي: إنما عرفه، لأنه رآه في صغره، وحفظه ~~من القتل حين أمر فرعون بذبح أولاد بني إسرائيل، فكانت المرأة إذا ولدت ~~طرحت ولدها حيث لا يشعر به آل فرعون، فيأخذ الملائكة الولدان ويربونهم ~~حتى يترعرعوا ويختلطوا بالناس، فكان السامري ممن أخذه جبريل - عليه ~~السلام -، وجعل كف نفسه في فيه وارتضع منه اللبن والعسل ليربيه - فلما ~~قضي على يديه من الفتنة فلم يزل يختلف إليه حتى عرفه. # قال ابن جريج: فعل هذا قوله: { بصرت بما لم يبصروا به } ~~يعني رأيت ما لم يروه. ومن فسر الإبصار بالعلم فهو صحيح، ويكون المعنى ~~علمت أن تراب فرس جبريل - عليه السلام - له خاصة الإحياء، وذلك أنه كان ~~كلما رفع الفرس يديه أو رجليه في مشيه على الطريق اليبس يخرج تحته النبات ~~في الحال. # وقال أبو مسلم: ليس في القرآن تصريح بما ذكره المفسرون فهنا وجه آخر، ~~وهو أن يكون المراد بالرسول موسى - عليه السلام -، وبأثره سنته ورسمه ~~الذي أمر به فقد يقول الرجل: إن فلانا يقفوا أثر فلان يقتص أثره ~~إذا كان يمتثل رسمه، والتقدير أن موسى - عليه السلام - لما أقبل على ~~السامري باللوم والمسألة عن الأمر الذي دعاه إلى إضلال القوم في ~~العجل فقال: { بصرت بما لم يبصروا به } أي عرفت أن الذي ~~أنتم عليه (ليس بحق)، وقد كنت قبضت قبضة من أثرك أيها الرسول أي: ~~شيئا من دينك، فنبذته أي: طرحته، فعند ذلك أعلمه موسى - عليه السلام - ~~بما له من العذاب في الدنيا والآخرة، وإنما أورد بلفظ الإخبار عن غائب ~~كما يقول الرجل لرئيسه وهو مواجه له: ما يقول الأمير في كذا، أو بماذا ~~يأمر الأمير. وأما ادعاؤه ms6119 أن موسى - عليه السلام - رسول مع جحده ~~وكفره فعلى مذهب من حكى الله عنه قوله: # يأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون # [الحجر:6] وإن لم يؤمنوا بالإنزال. # قال ابن الخطيب: وهذا الذي ذكره أبو مسلم (ليس فيه إلا أنه مخالف ~~للمفسرين، ولكنه أقرب إلى التحقيق لوجوه: # أحدها: أن جبريل - عليه السلام -) ليس معهودا باسم الرسول، ولم يجز له ~~فيما تقدم ذكر حتى تجعل لام التعريف إشارة إليه، فإطلاق لفظ الرسول ~~لإرادة جبريل كأنه تكليف بعلم الغيب. # وثانيها: أنه لا بد فيه من الإضمار وهو قبضة من أثر حافر دابة الرسول ~~والإضمار خلاف الأصل. # وثالثها: أنه لا بد من التعسف في بيان أن السامري كيف اختص من بين ~~جميع الناس برؤية جبريل ومعرفته، ثم كيف عرف أن تراب حافر دابته يؤثر هذا ~~الأثر، والذي ذكروه من أن جبريل - عليه السلام - هو الذي رباه فبعيد، ~~لأن السامري إن عرف أنه جبريل حال كمال عقله عرف قطعا أن موسى - ~~عليه السلام - نبي صادق، فكيف يحاول الإضلال، وإن كان ما عرفه حال ~~البلوغ فأنى ينفعه كون جبريل - عليه السلام - (مربيا له) حال ~~الطفولية في حصول تلك المعرفة. # ورابعها: أنه لو جاز إطلاع بعض الكفرة على تراب هذا شأنه لكان لقائل أن ~~يقول: فلعل موسى اطلع أيضا على شيء آخر يشبه ذلك، فلأجله أتى بالمعجزات، ~~فرجع حاصله إلى سؤال من يطعن في المعجزات ويقول: لم لا يجوز أن يقال: ~~إنهم أتوا بهذه المعجزات لاختصاصهم بمعرفة بعض الأدوية التي لها خاصية ~~أن يفيد حصول تلك المعجزة، وحينئذ يسند باب المعجزات بالكلية. # ثم قال: { وكذلك سولت لي نفسي } أي زينت، والمعنى: فعلت ~~ما دعتني إليه نفسي، وسولت مأخوذة من السؤال. ### || [20.97-98] # قوله: { فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس ~~} قرأ العامة بكسر الميم وفتح السين، وهو مصدر لفاعل كالقتال من ~~قاتل، فهو يقتضي المشاركة، وفي التفسير: لا تمسني ولا أمسك وإن من ~~مسه أصابته الحمى. وقرأ الحسن وأبو حيوة وابن أبي عبلة (وقعنب) ~~بفتح الميم ms6120 وكسر السين، هكذا عبر أبو حيان، وتبع فيه أبا البقاء. ~~ومتى أخذنا بظاهر هذه العبارة لزم أن يقرأ " مسيس " بقلب الألف ياء ~~لانكسار ما قبلها، ولكن لم يرو ذلك فينبغي أن يكونوا أرادوا بالكسر ~~الإمالة، ويدل على ذلك ما قاله الزمخشري: وقرىء " لا مساس " بوزن ~~(فجار). ونحوه قولهم في الظباء: إن وردت الماء فلا عباب ~~وإن فقدته فلا أباب (فهي أعلام للمسة والعبة والأبة ~~وهي المرة من الأب وهو) الطلب. ويدل عليه أيضا قول صاحب اللوامح: هو ~~على صورة (نزال، ونظار) من أسماء الأفعال بمعنى (انزل، وانظر). ~~فهذا أيضا تصريح بإقرار الألف على حالها. ثم قال صاحب اللوامح: فهذه ~~الاسماء التي بهذه الصيغة معارف، ولا تدخل عليها (لا) النافية التي تنصب ~~النكرات نحو: لا مال لك. لكنه فيه نفي الفعل، فتقديره: لا يكون منك ~~مساس، ومعناه النهي، أي: لا تمسني وقال ابن عطية: " لا مساس " ~~وهو معدول عن المصدر كفجار ونحوه، وشبهه أبو عبيدة وغيره بنزال ~~ودراك ونحوه، والشبه صحيح من حيث هي معدولات، وفارقه من حيث أن هذه ~~عدلت عن الأمر و " مساس " وفجار عدلت عن المصدر، ومن هذا قول ~~الشاعر: # 3687- تميم كرهط السامري وقوله # ألا لا يريد السامري مساس # فكلام الزمخشري وابن عطية يعطي أن " مساس " على هذه القراءة معدول عن ~~المصدر كفجار عن الفجرة. وكلام صاحب اللوامح يقتضي أنها معدولة عن ~~فعل الأمر إلا (أن يكون مراده) أنها معدولة كما أن اسم الفعل معدول ~~كما تقدم توجيه ابن عطية لكلام أبي عبيدة. # فصل # معنى الكلام أنك ما دمت حيا أن تقول: " لا مساس " أي لا تخالط ~~أحدا ولا يخالطك أحد. أو أمر موسى بني إسرائيل أن لا يخالطوه ولا ~~يقاربوه، قال ابن عباس لا مساس لك ولولدك. والمساس من ~~المماسة معناه لا يمس بعضنا بعضا، فصار السامري يهيم في الأرض مع ~~الوحوش والسباع لا يمس أحدا. ولا يمسه أحد، عاقبه الله بذلك، وكان إذا ~~لقي أحدا يقول: لا مساس، أي: لا تقربني ولا تمسني. # وقيل: كان إذا ms6121 مس أحدا أو مسه أحد حما جميعا، حتى إن ~~بقاياهم اليوم يقولون ذلك. وإذا مس أحد من غيرهم أحدا منهم حما ~~جميعا في الوقت. وقال أبو مسلم يجوز أن يريد مس النساء، فيكون من ~~تعذيب الله إياه انقطاع نسله فلا يكون له من يؤنسه، فيخليه الله من زينة ~~الدنيا (التي ذكرها) في قوله تعالى # المال والبنون زينة الحياة الدنيا # [الكهف: 46]. # قوله: { وإن لك موعدا لن تخلفه }. الموعد بمعنى الوعد. ~~وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " تخلفه " بكسر اللام على البناء للفاعل، ~~أي تجيء إليه ولن تغيب عنه. والباقون بفتحها على البناء للمفعول وقرأ ~~أبو نهيك فيما حكاه عنه (ابن خالويه) بفتح التاء من فوق وضم اللام، ~~وحكى عنه صاحب اللوامح كذلك إلا أنه بالياء من تحت، وابن مسعود والحسن ~~بضم نون العظمة وكسر اللام فأما القراءة الأولى فمعناها: لن تجده ~~مخلفا كقولك: أحمدته وأحببته أي وجدته محمودا وحبابا. وقيل ~~المعنى: سيصل إليك ولن تستطيع الروغان ولا الحيدة عنه، قال الزمخشري: ~~وهذا من أخلفت الموعد إذا وجدته مخلفا. قال الأعشى: # 3688- أثوى وقصر ليله ليزودا # فمضى وأخلف من قتيلة موعدا # ومعنى الثانية لن يخلف الله موعده الذي وعدك. وفتح اللام ~~اختيار أبي عبيد، كأنه قال موعدا حقا لا خلف فيه، ولن يخلف ~~الله، والمعنى أن الله يكافئك على فعلك ولا تفر منه. وأما قراءتا أبي ~~نهيك فهما من خلفه يخلفه إذا جاء بعده أي الموعد الذي لك لا يدفع ~~قولك الذي تقوله، وهي مشكلة، قال أبو حاتم: لا نعرف لقراءة أبي نهيك ~~مذهبا. وأما قراءة ابن مسعود فأسند الفعل فيها إلى الله تعالى، والمفعول ~~الأول محذوف، أي لن (يخلفكه). # قوله: " ظلت " العامة على فتح الظاء وبعدها لام ساكنة. وابن مسعود ~~وقتادة والأعشى بخلاف عنه وأبو حيوة وابن أبي عبلة ويحيى بن يعمر كسر ~~الظاء، وروي عن ابن يعمر ضمها أيضا. وأبي والأعمش في الرواية ~~الأخرى " ظللت " بلامين أولهما مكسورة فأما قراءة العامة ففيها حذف ~~أحد المثلين وإبقاء الظاء على حالها من حركتها، وإنما ms6122 حذف تخفيفا، وعده ~~سيبويه في الشاذ، يعني شذوذ قياس لا شذوذ استعمال، وعد معه ألفاظا ~~أخر نحو مست وأحست. كقوله: # 3689- أحسن به (فهن إليك شوس) # وعد (ابن الأنباري) همت في هممت، ولا يكون هذا الحذف إلا إذا ~~سكنت لام الفعل. وذكر بعض المتأخرين أن هذا الحذف منقاس في كل مضاعف ~~العين واللام سكنت لمه وذلك في لغة سليم. # قال شهاب الدين: والذي أقوله إنه متى التقى التضعيف المذكور والكسرة نحو ~~ظللت ومسست انقاس الحذف. وهل يجري الضم مجرى الكسر في ذلك؟ ~~فالظاهر أنه يجري بل بطريق الأولى، لأن الضم أثقل من الكسر نحو غضن يا ~~نسوة أي اغضضن أبصاركن ذكره ابن مالك. # وأما الفتح فالحذف فيه ضعيف نحو قرن يا نسوة في المنزل، ومنه أحد ~~توجيهي قراءة { وقرن في بيوتكن } [الأحزاب:33] كما سيأتي إن ~~شاء الله تعالى. # وأما الكسر فوجهه أنه نقل كسرة اللام إلى الفاء بعد سلبها حركتها ليدل ~~عليها. # وأما الضم فيحتمل أن يكون جاء في لغة على فعل يفعل بفتح العين في ~~الماضي وضمها في المضارع ثم نقلت كما تقدم ذلك في الكسر. وأما " ظللت ~~" بلامين فهذه هي الأصل، وهي منبهة على غيرها. و " عاكفا " خبر " ~~ظل ". # قوله: " لنحرقنه " جواب قسم محذوف، أي: والله لنحرقنه، ~~والعامة على ضم النون وكسر الراء مشددة من حرقه يحرقه بالتشديد. ~~وفيها تأويلان: # أحدهما: أنها من حرقه بالنار. # والثاني: أنه من حرق ناب البعير إذا وقع عض أنيابه على بعض، والصوت ~~المسموع منه يقال له الصريف، والمعنى لنبردنه بالمبرد بردا ~~يسحقه به كما يفعل البعير بأنيابه بعضها على بعض. وقرأ الحسن وقتادة ~~وأبو جعفر " لنحرقنه " بضم النون وسكون الحاء وكسر الراء من أحرق ~~رباعيا. وقرأ ابن عباس وحميد وعيسى وأبو جعفر " لنحرقنه " كذلك ~~إلا أنه بضم الراء، فيجوز أن يكون من حرق وأحرق بمعنى كأنزل ~~ونزل. وأما القراءة الأخيرة فبمعنى لنبردنه بالمبرد. # قوله: " لننسفنه " العامة على فتح النون الأولى وسكون الثانية ~~وكسر السين خفيفة. وقرأ عيسى بضم (السين). وقرأ ابن مقسم بضم ms6123 النون ~~الأولى وفتح الثانية وكسر السين مشددة. والنسف التفرقة والتذرية، ~~وقيل: قلع الشيء من أصله، يقال: نسفه ينسفه بكسر السين وضمها في ~~المضارع، وعليه القراءتان والتشديد للتكثير. # فصل # معنى إحراقه على قراءة التشديد قال السدي: أمر موسى بذبح العجل فذبح ~~وسال منه الدم، ثم أحرق ونسف رماده. وهذا يدل على أنه صار لحما ~~ودما، لأن الذهب لا يمكن إحراقه بالنار. وفي حرف ابن مسعود: " ~~لنذبحنه ولنحرقنه ". وعلى قراءة التخفيف أي لنبردنه ~~بالمبرد، وهذه القراءة تدل على أنه لم ينقلب لحما ودما، فإن ذلك لا ~~يبرد بالمبرد، ومنه قيل للمبرد: المحرق. # وقال السدي: أخذ موسى العجل، ثم ذبحه ثم حرقه، ثم بردت عظامه ~~بالمبرد، ثم ذراه في اليم. ثم لما فرغ من إبطال ما ذهب إليه ~~السامري عاد إلى بيان الدين الحق فقال: " إنما إلهكم " أي المستحق ~~للعبادة { الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء ~~علما } قال مقاتل: يعلم من يعبده (ومن لا يعبده) قوله: { وسع كل ~~شيء علما } العامة على كسر السين خفيفة و " علما " على هذه ~~القراءة تمييز منقول من الفاعل، إذ الأصل وسع كل شيء علمه. وقرأ ~~مجاهد وقتادة بفتح السين مشددة. وفي انتصاب " علما " أوجه: # أحدها: أنه مفعول به، قال الزمخشري: ووجهه أن " وسع " متعد إلى مفعول ~~واحد (وهو كل شيء) وأما " علما " فانتصابه على التمييز فاعلا في ~~المعنى، فلما ثقل نقل إلى التعدية إلى مفعولين فنصبهما معا على ~~المفعولية، لأن المميز فاعل في المعنى كما تقول في خاف زيد عمرا. ~~خوفت زيدا عمرا: فترد بالنقل ما كان فاعلا مفعولا. وقال أبو ~~البقاء: والمعنى: أعطى كل شيء علما فضمنه معنى (أعطى). وما ~~قاله الزمخشري أولى. # والوجه الثاني: أنه تميز أيضا كما هو في قراءة التخفيف، قال أبو البقاء ~~وفيه وجه آخر، وهو أن يكون بمعنى عظم خلق كل شيء كالأرض والسماء، ~~وهو بمعنى بسط فيكون " علما " تمييزا وقال ابن عطية: وسع خلق ~~الأشياء وكثرها بالاختراع. ### || [20.99-104] # قوله تعالى: " كذلك نقص " الكاف إما نعت لمصدر محذوف، ms6124 أو حال من ~~ضمير ذلك المصدر المقدر، والتقدير: كقصنا هذا النبأ الغريب نقص، و " من ~~أنباء " صفة لمحذوف هو مفعول " نقص " أي: نقص نبأ من أنباء. # فصل # لما ذكر قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون ثم مع السامري قال: { ~~كذلك نقص عليك } من أخبار سائر الأمم وأحوالهم تكثيرا ~~لشأنك وزيادة في معجزاتك { وقد ءاتيناك من لدنا ذكرا } ~~يعني القرآن (لقوله تعالى): # وهذا ذكر مبارك أنزلناه # [الأنبياء: 50] # وإنه لذكر # [الزخرف: 44] # والقرءان ذي الذكر # [ص: 1] # يأيها الذي نزل عليه الذكر # [الحجر: 6]. وفي تسمية القرآن بالذكر وجوه: # أحدها: أنه كتاب فيه ذكر ما يحتاج إليه الناس من أمور دينهم ودنياهم. # وثانيها: أنه يذكر أنواع آلاء الله ونعمائه، وفيه التذكير والموعظة. # وثالثها: فيه الذكر والشرف لك ولقومك كما قال: # وإنه لذكر لك ولقومك # [الزخرف: 44] وسمى الله تعالى كل كتاب أنزله ذكرا فقال تعالى: # فاسألوا أهل الذكر # [النحل: 43]، [الأنبياء: 7] وكما بين نعمته بذلك بين وعيده لمن ~~أعرض عنه فقال: { من أعرض عنه فإنه يحمل يوم ~~القيمة وزرا } أي: من أعرض عن القرآن ولم يؤمن به ولم يعمل بما ~~فيه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا، والوزر هو العقوبة الثقيلة، سماها ~~وزرا لثقلها على المعاقب تشبيها بالحمل الثقيل. وقيل: حملا ثقيلا ~~من الإثم. قوله: " من أعرض " يجوز أن تكون " من " شرطية أو ~~موصولة، والجملة الشرطية أو الخبرية الشبيهة بها في محل نصب صفة ل " ~~ذكرا ". قوله: " خالدين فيه " حال من فاعل " يحمل ". فإن قيل: ~~كيف يكون الجمع حالا من مفرد؟ # فالجواب: أنه حمل على لفظ " من " فأفرد الضمير في قوله: " أعرض " ~~و " فإنه " و " يحمل " ، وعلى معناها فجمع في " خالدين " و ~~" لهم " ، والمعنى مقيمين في عذاب الوزر. والضمير في " فيه " يعود ~~ل " وزرا " ، والمراد فيه العقاب المتسبب عن الوزر، وهو الذنب، ~~فأقيم السبب مقام المسبب. وقرأ داود (بن رفيع) " ويحمل " مضعفا ~~مبنيا للمفعول، والقائم مقام فاعله ضمير " من " و " وزرا " مفعول ~~ثان. قوله: " وساء " هذه ساء التي بمعنى بئس وفاعلها مستتر فيها ~~يعود إلى " حملا " المنصوب على ms6125 التمييز، لأن هذا الباب يفسر الضمير ~~فيه بما بعده، والتقدير: وساء الحمل حملا، (والمخصوص بالذم ~~محذوف تقديره: وساء الحمل حملا وزرهم). ولا يجوز أن يكون ~~الفاعل لبئس ضمير الوزر، لأن شرط الضمير في هذا الباب أن يعود على نفس ~~التمييز. # فإن قلت: ما أنكرت أن يكون في " ساء " ضمير الوزر. قلت: لا يصح أن ~~يكون في " ساء " وحكمه حكم بئس ضمير شيء بعينه غير مبهم. ولا جائز أن ~~يكون " ساء " هنا بمعنى (أهم وأحزن) فتكون متصرفة كسائر الأفعال. # قال الزمخشري: كفاك صادا عنه أن يؤول كلام الله تعالى إلى قولك ~~وأحزن الوزر لهم يوم القيامة حملا، وذلك بعد أن تخرج عن ~~عهدة هذه اللام وعهدة هذا المنصوب. انتهى. واللام في " لهم " ~~متعلقة بمحذوف على سبيل البيان كهي في " هيت لك " والمعنى بئس ما ~~حملوا على أنفسهم من الإثم كفرا بالقرآن. قوله: " يوم ينفخ " " ~~يوم " بدل من " يوم القيامة " ، أو بيان له أو منصوب بإضمار ~~فعل، أو خبر مبتدأ مضمر، وبني على الفتح على رأي الكوفيين كقراءة { ~~هذا يوم ينفع } [المائدة:119] وقد تقدم. وقرأ أبو عمرو " ~~ننفخ " مبنيا للفاعل بنون العظمة كقوله: " ونحشر " أسند الفعل ~~إلى الأمر به تعظيما للمأمور، وهو إسرافيل. والباقون بالياء مضمومة ~~مفتوح الفاء على البناء للمفعول، والقائم مقام الفاعل الجار والمجرور ~~بعده. والعامة على إسكان الواو " في الصور ". # وقرأ الحسن وابن عامر بفتحها جمع صورة كغرف جمع غرفة، وقد تقدم ~~القول في الصور في الأنعام (وقرىء: " ينفخ، ويحشر " بالياء ~~مفتوحة مبنيا للفاعل، وهو الله تعالى أو الملك). وقرأ الحسن وحميد " ~~ينفخ " كالجمهور، " ويحشر " بالياء مفتوحة مبنيا للفاعل، ~~والفاعل كما تقدم ضمير الباري أو ضمير الملك. وروي عن الحسن أيضا " ~~ويحشر " مبينا للمفعول " المجرمون " رفع به و " زرقا " حال ~~من المجرمين، والمراد زرقة العيون، وجاءت الحال هنا بصفة تشبه اللازمة، ~~لأن أصلها على عدم اللزوم، ولو قلت في الكلام: جاءني زيد أزرق ~~العينين لم يجز إلا بتأويل. # فصل # قيل: الصور قرن ينفخ فيه بدعائه الناس للحشر. وقيل: إنه ms6126 جمع صورة، ~~والنفخ نفخ الروح فيه، ويدل عليه قراءة من قرأ " الصور " بفتح ~~الواو. # والأول أولى لقوله تعالى: # فإذا نقر في الناقور # [المدثر: 8] والله تعالى يعرف الناس أمور الآخرة بأمثال ما شوهد في ~~الدنيا، ومن عادة الناس النفخ في البوق عند الأسفار وفي العساكر. ~~والمراد من هذا النفخ هو النفخة الثانية لقوله بعد ذلك: { ونحشر ~~المجرمين يومئذ زرقا } فالنفخ في الصور كالسبب لحشرهم، فهو ~~كقوله: # يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا # [النبأ: 18]. والزرقة هي الحضرة في سواد العين، فيحشرون زرق العيون ~~سود الوجوه. فإن قيل: أليس أن الله تعالى أخبر يحشرون عميا ~~فكيف يكون أعمى وأزرق؟ # فالجواب لعله يكون أعمى في حال: وأزرق في حال. # وقيل: " زرقا " أي عميا، قال الزجاج: يخرجون زرقا في أول الأمر ~~ويعمون في المحشر. # وسواد العين إذا ذهب تزرق. فإن قيل: كيف يكون أعمى، وقد قال الله ~~تعالى: # ليوم تشخص فيه الأبصار # [إبراهيم: 42] وشخوص البصر من الأعمى محال، وأيضا قد قال في حقهم: # اقرأ كتابك # [الإسراء:14] والأعمى كيف يقرأ؟ # فالجواب أن أحوالهم قد تختلف. وقيل: المراد بقوله: " زرقا " أي زرق ~~العيون، والعرب تتشاءم بها. وقيل يجتمع مع الزرقة سواد الوجه. # قال أبو مسلم: المراد بالزرقة شخوص أبصارهم، والأزرق شاخص فإنه لضعف ~~بصره يكون محدقا نحو الشيء، وهذه حال الخائف المتوقع لما يكره، وهي ~~كقوله: # إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار # [إبراهيم:42]. # وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: " زرقا " عطاشا، قال لأنهم من شدة ~~العطش يتغير سواد أعينهم حتى تزرق لقوله تعالى: # ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا # [مريم: 86] وحكى ثعلب عن ابن الأعرابي: " زرقا " طامعين (فيما لا ~~ينالونه). # فصل # قالت المعتزلة: لفظ المجرمين يتناول الكفار والعصاة فيدل على عدم ~~العفو عن العصاة. وقال ابن عباس: يريد بالمجرمين الذين اتخذوا مع الله ~~إلها آخر وتقدم هذا البحث. # قوله: " يتخافتون " يجوز أن يكون مستأنفا، وأن يكون حالا ~~ثانية من " المجرمين " ، وأن يكون حالا من الضمير المستتر في " ~~زرقا " فتكون حالا متداخلة، إذ هي حال (من حال). ومعنى " ~~يتخافتون " أي: ms6127 يتشاورون فيما بينهم، ويتكلمون خفية، يقال: ~~خفت يخفت، وخافت مخافتة، والتخافت السرار نظيره قوله ~~تعالى: # فلا تسمع إلا همسا # [طه: 108]، وإنما يتخافتون، لأنه امتلأت صدورهم من الرعب والهول، أو ~~لأنهم بسبب الخوف صاروا في نهاية الضعف فلا يطيقون الجهر. وقوله: " إن ~~لبثتم " هو مفعول المارة، وقوله: " إلا عشرا " يجوز أن يراد ~~الليالي، وحذف التاء من العدد قياسي. وأن يراد الأيام، فيسأل لم ~~حذفت التاء؟ فقيل: إنه إذا لم يذكر المميز في عدد المذكر جازت التاء ~~وعدمها، سمع من كلامهم: صمنا من الشهر خمسا، والصوم إنما هو ~~الأيام، دون الليالي. وفي الحديث # " من صام رمضان وأتبعه بست من شوال " # ، وحسن الحذف هنا لكونه رأس آية وفاصلة. # فصل # قال الحسن وقتادة والضحاك: أرادوا به اللبث في الدنيا، أي فما مكثتم ~~في الدنيا إلا عشر ليال، واحتجوا بقوله تعالى: # قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا ~~يوما أو بعض يوم # [المؤمنون: 112، 113]. # فإن قيل: إما (أن يقال): إنهم قد نسوا قدر لبثهم في الدنيا أو ما ~~نسوا ذلك والأول غير جائز، إذ لو جاز ذلك لجاز أن يبقى الإنسان خمسين ~~سنة في بلدة ثم ينسى. # والثاني غير جائز، لأنه كذب، وأهل الآخرة لا يكذبون لا سيما وهذا ~~الكذب لا فائدة فيه. # فالجواب من وجوه: # الأول: لعلهم إذا حشروا في أول الأمر وعاينوا تلك الأهوال وشدة ~~وقعها ذهلوا عن مقدار عمرهم في الدنيا، ولم يذكروا إلا القليل، فقالوا: ~~ليتنا ما عشنا إلا تلك الأيام القليلة في الدنيا حتى لا نقع في هذه ~~الأهوال، والإنسان قد يذهل عند الهول الشديد، وتمام تقريره مذكورة في ~~سورة الأنعام في قوله تعالى: # ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ~~ما كنا مشركين # [الأنعام:23]. # وثانيها: أنهم عالمون بمقدار عمرهم في الدنيا إلا أنهم لما ~~قابلوا أعمارهم في الدنيا بأعمار الآخرة وجدوها في نهاية ~~القلة، فقال بعضهم: ما لبثنا في الدنيا إلا عشرة أيام، وقال ~~أعقلهم: ما لبثنا إلا يوما واحدا، أي: قدر لبثنا في الدنيا ~~بالقياس ms6128 إلى قدر لبثنا في الآخرة كعشرة أيام بل كاليوم الواحد بل كالعدم، ~~وإنما خص العشرة والواحد بالذكر، لأن القليل في أمثال هذه المواضع لا ~~يعبر عنه إلا بالعشرة والواحد. # وثالثها: أنهم لما عاينوا الشدائد تذكروا أيام النعمة والسرور، ~~وتأسفوا عليها، وصفوها بالقصر، لأن أيام السرور قصار. # ورابعها: أن أيام الدنيا قد انقضت وأيام الآخرة مستقبلة، والذاهب وإن ~~طالت مدته قليل بالقياس إلى الآتي وإن قصرت مدته، فكيف والأمر بالعكس. ~~ولهذه الوجوه رجح الله تعالى قول من بالغ في التقليل فقال: { إذ ~~يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما }. وقيل: ~~المراد منه اللبث في القبر، ويؤيده قوله تعالى: # ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا ~~غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون وقال الذين ~~أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله ~~إلى يوم البعث # [الروم: 55، 56]. # (فأما من جوز الكذب على أهل القيامة فلا إشكال له في الآية)، أما من ~~لم يجوزه قال: إن الله تعالى لما أحياهم في الفترة وعذبهم، ثم أماتهم ~~ثم بعثهم يوم القيامة لم يعرفوا مقدار لبثهم في القبر كم كان؟ فخطر ببال ~~بعضهم أنه في التقدير عشرة أيام. # وقال آخرون: إنه يوم واحد، فلما وقعوا في العذاب مرة أخرى استثقلوا ~~زمان الموت الذي هو زمان الخلاص لما نالهم من هول العذاب. # وقيل: المراد باللبث بين النفختين، وهو أربعون سنة، لأن العذاب يرفع ~~عنهم بين النفختين، استقصروا مدة لبثهم لهول ما عاينوا. والأكثرون على ~~أن قوله: { إن لبثتم إلا عشرا } أي عشرة أيام، فيكون قول ~~من قال { إن لبثتم إلا يوما } أقل، وقال مقاتل: { إن ~~لبثتم إلا عشرا } أي ساعات، لقوله (تعالى: # كأنهم) يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية ~~أو ضحاها # [النازعات: 46] وعلى هذا يكون اليوم أكثر. # ثم قال تعالى: { نحن أعلم بما يقولون } أي: يتشاورون ~~{ إذ يقول أمثلهم طريقة } أي: أوفاهم عقلا وأعدلهم ~~قولا { إن لبثتم إلا يوما } قصر ذلك في أعينهم في جنب ما ~~استقبلهم من الأهوال يوم القيامة. قيل: نسوا مقدار لبثهم لشدة ما ~~دهمهم. قوله: ms6129 " إذ يقول " منصوب ب " أعلم " و " طريقة " منصوب ~~على التمييز. ### || [20.105-112] # قوله تعالى: { ويسألونك عن الجبال } الآية، (لما وصف ~~لهم يوم القيامة) حكى سؤال من لا يؤمن بالحشر. قال ابن عباس: سأل رجل ~~من ثقيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: كيف تكون الجبال يوم ~~القيامة؟ فأنزل الله هذه الآية. وقال الضحاك: نزلت في مشركي مكة، قالوا ~~يا محمد كيف تكون الجبال يوم القيامة؟ على سبيل الاستهزاء. # { فقل ينسفها ربي نسفا } وأجاب بفاء التعقيب، لأن مقصودهم ~~من هذا السؤال الطعن في الحشر والنشر، فلا جرم أمره بالجواب مقرونا ~~بحرف التعقيب، لأن تأخير البيان في مثل هذه المسألة الأصولية غير جائز، ~~وأما المسائل الفروعية فجائز فلذلك ذكر هناك بغير حرف التعقيب. والضمير ~~في " ينسفها " عائد إلى الجبال، والنسف التذرية. وقيل: القلع ~~الذي يقلعها من أصلها ويجعلها هباء منثورا. # قال الخليل: " ينسفها " يذهبها ويطيرها. # قوله: " فيذرها " في هذا الضمير وجهان: # أحدهما: أنه ضمير الأرض، أضمرت للدلالة عليها كقوله: # ما ترك على ظهرها من دآبة # [فاطر: 45]. # والثاني: ضمير الجبال، وذلك على حذف مضاف أي فيذر مراكزها ومقارها و " ~~يذر " يجوز أن يكون بمعنى يخلها، فيكون " قاعا " حالا، وأن يكون ~~بمعنى يترك التصييرية فيتعدى لاثنين ف " قاعا " ثانيهما. # وفي القاع أقوال: فقيل: هو منتقع الماء ولا يليق معناه هنا. # وقيل: إنه المنكشف من الأرض قاله مكي. # وقيل: إنه المكان المستوي، ومنه قوله ضرار بن الخطاب: # 3690- لتكونن بالبطاح قريش # بقعة القاع في أكف الإماء # وقيل: إنه الأرض التي لا نبات فيها ولا بناء. # والصفصف: الأرض الملساء، وقيل: المستوية، فهما قريبان من المترادف ~~وجمع القاع أقوع وأقواع وقيعان. # قوله: { لا ترى فيها عوجا } يجوز في هذه الجملة أن تكون ~~مستأنفة، وأن تكون حالا من الجبال، ويجوز أن تكون صفة للحال المتقدمة ~~وهي " قاعا " على أحد التأويلين، أو صفة للمفعول الثاني على التأويل ~~الآخر. # وتقدم الكلام على العوج. وقال الزمخشري هنا: فإن قلت: قد فرقوا بين ~~العوج والعوج، قالوا: العوج بالكسر في المعاني، وبالفتح في الأعيان، ms6130 ~~والأرض عين، فكيف صح فيها كسر العين. قلت: اختيار هذا اللفظ له موقع ~~حسن بديع في وصف الأرض بالاستواء والملاسة، ونفي الإعوجاج عنها على أبلغ ~~ما يكون وذلك أنه لو عمدت إلى قطعة أرض فسويتها وبالغت في التسوية على ~~عينيك وعيون البصراء، واتفقتم على أنه لم يبق فيها اعوجاج قط، ثم ~~استطلعت رأي المهندس فيها وأمرته أن يعرض استواءها على المقاييس الهندسية ~~لعثر فيها على عوج في غير موضع لا يدرك ذلك بحاسة البصر ولكن بالقياس ~~الهندسي، فنفى الله تعالى ذلك العوج الذي دق ولطف عن الإدراك اللهم ~~إلا بالقياس الذي يعرفه صاحب التقدير الهندسي، وذلك الاعوجاج لما لم ~~يدرك إلا بالقياس دون الإحساس ألحق بالمعاني، فقيل فيه عوج بالكسر. # والأمت النتو اليسير يقال: مد حبله حتى ما فيه أمت. وقيل: ~~الأمت التل، وهو قريب من الأول. # وقيل: الشقوق في الأرض. وقيل: الإكام. # وقال الحسن: العوج ما انخفض من الأرض، والأمت ما نشز من الروابي. ~~والمقصود من وصف الأرض بهذه الأوصاف أنها تكون في ذلك اليوم ملساء ~~خالية عن الارتفاع والانخفاض وأنواع الانحراف والاعوجاج. قوله: " ~~يومئذ " منصوب ب " يتبعون " وقيل: بدل من " يوم ~~القيامة " قاله الزمخشري. وفيه نظر، للفصل الكثير وأيضا يبقى " ~~يتبعون " غير مرتبط بما قبله، وبه يفوت المعنى والتقدير: يوم إذ ~~نسفت الجبال. # فصل # " الداعي " إسرافيل، والدعاء هو النفخ في الصور، أي يتبعون صوت ~~الداعي الذي يدعوهم إلى موقف القيامة. وقوله: " لا عوج له " أي لا ~~يعدل عن أحد بدعائه بل يحشر الكل. وقيل: لا عوج لدعائه، وهو من ~~المقلوب، أي لا عوج لهم عن دعاء الداعي لا يعوجون عنه يمينا ولا ~~شمالا. # وقيل: إنه ملك قائم على صخرة بيت المقدس ينادي ويقول: أيتها ~~العظام النخرة، والأوصال المتفرقة، واللحوم المتمزقة قومي إلى عرض ~~الرحمن. # قوله: { وخشعت الأصوات للرحمن } أي: سكنت وذلت ~~وخضعت. وصف الأصوات بالخشوع والمراد أهلها. # قوله: { فلا تسمع إلا همسا } الاستثناء مفعول به، وهو ~~استثناء مفرغ. والهمس: الصوت الخفي، قيل: هو تحريك الشفتين دون ~~النطق قال ms6131 الزمخشري: وهو الذكر، الخفي، ومنه الحروف المهموسة. # وقال ابن عباس والحسن وعكرمة: الهمس: وطء الأقدام أي: لا تسمع إلا ~~خفق الأرض بأقدامهم، ومنه همست الإبل (إذا سمع ذلك من وقع) أخفافها ~~على الأرض، قال: # 3691- وهن يمشين بنا هميسا # قوله: " يومئذ " بدل مما تقدم، أو منصوب بما بعده " لا " عند من ~~يجيز ذلك والتقدير: يوم إذ يتبعون لا تنفع الشفاعة. # قوله: { إلا من أذن } فيه أوجه: # أحدها: أنه منصوب على المفعول به، والناصب له " تنفع " و " من " ~~حينئذ واقعة على المشفوع له. # الثاني: أنه في محل رفع بدلا من " الشفاعة " ، ولا بد من حذف ~~مضاف تقديره: إلا شفاعة من أذن له. # الثالث: أنه منصوب على الاستثناء من " الشفاعة " بتقدير المضاف المحذوف ~~وهو استثناء متصل على هذا، ويجوز أن يكون استثناء منقطعا إذا لم نقدر ~~شيئا وحينئذ يجوز أن يكون منصوبا وهي لغة الحجاز، أو مرفوعا وهي لغة ~~تميم، وكل هذه الأوجه واضحة. # (و " له " ) في الموضعين للتعليل كقوله: # قال الذين كفروا للذين ءامنوا # [مريم: 73] أي لأجله ولأجلهم. # فصل # المعنى: { لا تنفع الشفاعة } أحدا من الناس { إلا من ~~أذن له الرحمن } أي: إلا من أذن له الله أن يشفع له { ورضي ~~له قولا } أي رضي قوله. # قال ابن عباس: يعني قال: لا إله إلا الله. وهذا يدل على أنه لا ~~يشفع لغير المؤمنين. وقالت المعتزلة: الفاسق غير مرضي عند الله، فوجب ~~أن لا يشفع الرسول في حقه. وهذه الآية من أقوى الدلائل على ثبوت الشفاعة ~~في حق الفساق، (لأن قوله: { ورضي له قولا } يكفي صدقه أن يكون ~~الله تعالى قد رضي له قولا واحدا من أقواله)، والفاسق قد ارتضى الله ~~من قوله شهادة أن لا إله إلا الله. فوجب أن تكون الشفاعة نافعة له، ~~لأن الاستثناء من النفي إثبات فإن قيل: إنه تعالى استثنى من ذلك النفي ~~بشرطين: أحدهما حصول الإذن. والثاني: أن يكون رضي له قولا. فهب أن ~~الفاسق قد حصل فيه أحد الشرطين، وهو أنه تعالى قد رضي له قولا، ms6132 فلم ~~قلتم: إنه أذن فيه؟ # فالجواب أن هذا القيد كاف في حصول الاستثناء لقوله تعالى: # لا يشفعون إلا لمن ارتضى # [الأنبياء: 28] فاكتفى هناك بهذا القيد. ودلت هذه الآية على أنه لا بد ~~من الإذن، فظهر من مجموعهما أنه إذا رضي له قولا يحصل الإذن في الشفاعة، ~~وإذا حصل القيدان حصل الاستثناء وتم المقصود. # قوله: { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } الضمير في ~~قوله: " بين أيديهم " عائد إلى الذين يتبعون الداعي. # ومن قال: إن قوله: { من أذن له الرحمن } المراد به الشافع ~~(قال: الضمير عائد إليه)، والمعنى: لا تنفع شفاعة الملائكة والأنبياء ~~إلا لمن أذن له الرحمن في أن يشفع من الملائكة. ثم قال { يعلم ~~ما بين أيديهم وما خلفهم } يعني ما بين أيدي الملائكة ~~كقوله في آية الكرسي، قاله الكلبي ومقاتل. # وفيه تقريع لمن يعبد الملائكة ليشفعوا له. قال مقاتل: يعلم ما كان قبل ~~أن يخلق الملائكة، وما كان بعد خلقهم. ومن قال: الضمير عائد إلى الذين ~~يتبعون الداعي قال: " يعلم الله ما بين أيديهم " أي ما ~~قدموا " وما خلفهم " من أمر الدنيا قاله الكلبي. وقال مجاهد: { ~~ما بين أيديهم } من أمر الدنيا والأعمال " وما خلفهم " من ~~أمر الآخرة. وقال الضحاك: يعلم ما مضى وما بقي ومتى تكون القيامة. { ~~ولا يحيطون به علما } قيل: الكناية راجعة إلى " ما " أي: هو ~~يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، (ولا يعلمونه أي العباد لا يعلمون بما ~~بين أيديهم وما خلفهم). # وقيل: الكناية راجعة إلى الله، أي عباده لا يحيطون به علما. # قوله: " وعنت الوجوه " يقال: عنا يعنو إذا ذل وخضع وأعناه ~~غيره أي: أذله، ومنه العناة جمع عان وهو الأسير، قال: # 3692- فيا رب مكروب كررت وراءه # وعان فككت الغل عنه فقد أبى # وقال أمية بن أبي الصلت: # 3693- مليك على عرش السماء مهيمن # لعزته تعنو الوجوه وتسجد # وفي الحديث: # " فإنهن عوان " # والمعنى: أن ذلك اليوم تذل الوجوه أي: المكلفين أنفسهم، ذكر " ~~الوجوه " وأراد أصحاب الوجوه، لأن قوله " وعنت " من صفات المكلفين لا ~~من صفات ms6133 الوجوه كقوله: # وجوه يومئذ ناعمة لسعيها راضية # [الغاشية: 8، 9] وخص الوجوه بالذكر، لأن الخضوع بها يبين، وفيها يظهر. ~~وتقدم تفسير " الحي القيوم " وروى أبو أمامة الباهلي عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " اطلبوا اسم الله الأعظم في هذه السور الثلاث البقرة وآل ~~عمران، وطه " # قال الراوي: فوجدنا المشترك في السور الثلاث # الله لا إله إلا هو الحي القيوم # [البقرة: 255] و [آل عمران: 2]. # قوله: " وقد خاب " يجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفة، وأن تكون ~~حالا، ويجوز أن يكون اعتراضا. قال الزمخشري: " وقد خاب " وما بعده ~~اعتراض كقولك خابوا وخسروا، وكل من ظلم فهو خائب خاسر. # ومراده بالاعتراض هنا أنه خص الوجوه بوجوه العصاة حتى تكون الجملة ~~قد دخلت بين العصاة وبين { ومن يعمل من الصالحات } فهذا ~~عنده قسيم " وعنت الوجوه " فلهذا كان اعتراضا. وأما ابن عطية ~~فجعل " الوجوه " عامة، فلذلك جعل { وقد خاب من حمل ظلما ~~} معادلا بقوله { ومن يعمل من الصالحات } إلى آخره. # فصل # قال ابن عباس: " خاب " خسر من أشرك بالله. والظلم: الشرك ~~قال الله تعالى # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13] والمراد بالخيبة: الحرمان، أي: حرم الثواب من حمل ~~ظلما، أي ظلم ولم يتب. ثم قال: { ومن يعمل من الصالحات ~~(وهو مؤمن } ) أي: ومن يعمل شيئا من الصالحات، والمراد ~~به الفرائض وكان عمله مقرونا بالإيمان، نظيره قوله: # ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات # [طه: 75]. قوله: " وهو مؤمن " جملة حالية. # " فلا يخاف " قرأ ابن كثير (بجزمه) على النهي، والمعنى: أمن، ~~والنهي عن الخوف أمر بالأمن. # والباقون: برفعه على النفي والاستئناف، أي: فهو لا يخاف. # والهضم: النقص تقول العرب: هضمت لزيد من حقي أي: نقصت منه، ~~ومنه: هضيم الكشحين أي: ضامرهما، ومن ذلك أيضا، " طلعها ~~هضيم " أي: دقيق متراكب كأن بعضه يظلم بعضا فينقصه حقه. # ورجل هضيم ومهتضم أي مظلوم. # وهضمته واهتضمته وتهضمته عليه بمعنى، قال المتوكل الليثي: # 3694- إن الأذلة واللئام لمعشر # مولاهم المتهضم المظلوم # قيل: والظلم والهضم متقاربان وفرق القاضي الماوردي بينهما فقال: الظلم ~~من جميع الحق، والهضم منع ms6134 بعضه. والظلم هنا هو أن يعاقب لا على جريمة ~~أو يمنع من الثواب على الطاعة. والهضم هو أن ينقص من ثوابه. # وقال أبو مسلم: الظلم أن ينقص من الثواب، والهضم أن لا يوفي حقه. ### || [20.113-114] # قوله: " وكذلك أنزلناه " نسق على " كذلك نقص " قال ~~الزمخشري: ومثل ذلك الإنزال وكما أنزلنا عليك هؤلاء الآيات أنزلنا ~~القرآن كله على هذه الوتيرة. # وقال غيره: والمعنى كما قدرنا هذه الأمور وجعلناها حقيقة بالمرصاد ~~للعباد كذلك حذرنا هؤلاء أمرها، و { أنزلناه قرآنا ~~عربيا } لتفهمه العرب فيقفوا على إعجازه ونظمه، وخروفه عن الكلام ~~البشري. # { وصرفنا فيه من الوعيد } أي: كررناه وفصلناه. # قوله: " من الوعيد " صفة لمفعول محذوف، أي: صرفنا في القرآن ~~وعيدا من الوعيد، والمراد به الجنس. # ويجوز أن تكون " من " مزيدة على رأي الأخفش في المفعول به، والتقدير: ~~وصرفنا فيه الوعيد " لعلهم يتقون " أي يجتنبون الشرك. { أو ~~يحدث لهم ذكرا } أي: يجدد لهم القرآن عبرة وعظة. # وقرأ الحسن: " أو يحدث " كالجماعة إلا أنه سكن لام الفعل وعبد ~~الله والحسن أيضا في رواية ومجاهد وأبو حيوة " نحدث " بالنون، ~~وتسكين اللام أيضا. # (وخرج على) إجراء الوصل مجرى الوقف، أو على تسكين الفعل استثقالا ~~للحركة، كقول امرىء القيس: # 3695- فاليوم أشرب غير مستحقب # وقول جرير: # 3696- أو نهر تيرى فلا تعرفكم العرب # وقد فعله كما تقدم أبو عمر في الراء خاصة نحو " ينصركم ". # وقرىء: " تحدث " بتاء (الخطاب) أي: تحدث أنت. # (قوله: " أو يحدث " ) فيه سؤالات: # الأول: كيف يكون محدثا للذكر؟ والجواب: لما حصل الذكر عند قراءته ~~أضيف إليه. # الثاني: لم أضيف الذكر إلى القرآن، وما أضيفت التقوى إليه؟ # والجواب: أن التقوى عبارة عن أن لا يفعل القبيح، وذلك استمرار على ~~العدم الأصلي، فلم يجز إسناده إلى القرآن، وأما حدوث الذكر فأمر حدث ~~بعد أن لم يكن، فجازت إضافته إلى القرآن. # الثالث: كلمة " أو " للمنافاة بين التقوى وحدوث الذكر، ولا يصح الاتقاء ~~إلا مع الذكر، فما معناه؟ # والجواب: هذا كقول: جالس الحسن أو ابن سيرين، أي: (لا تكن خاليا ~~منهما)، فكذا ههنا. ms6135 # وقيل: معنى الكلام أنا أنزلنا القرآن ليتقوا، فإن لم يحصل ذلك فلا أقل ~~من أن يحدث القرآن لهم ذكرا وشرفا وصيتا حسنا، وعلى التقديرين يكون ~~إنزاله تقوى. # قوله تعالى: { فتعالى الله الملك الحق } لما عظم أمر ~~القرآن أردفه بأن عظم نفسه، وذلك تنبيه على أنه يجب على خلقه تعظيمه، ~~وإنما وصف ملكه بالحق، لأن ملكه لا يزول ولا يتغير، وليس بمستفاد من ~~قبل الغير ولا غيره أولى به، ولهذا وصف بذلك. و " تعالى " تفاعل من ~~العلو، وقد ثبت أن علوه وعظمته لا تكيفه الأوهام ولا تقدره العقول. # ثم قال: { ولا تعجل بالقرءان من قبل أن يقضى ~~إليك وحيه }. # قال أبو مسلم: إن من قوله: # ويسألونك عن الجبال # [طه: 105] إلى هنا يتم الكلام وينقطع، ثم قوله: { ولا تعجل ~~بالقرءان } (خطاب مستأنف كأنه قال: { ويسألونك...ولا ~~تعجل بالقرآن } ). # وقال غيره: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أنزل عليه جبريل - ~~عليه السلام - بالقرآن يبادر فيقرأ معه قبل أن يفرغ جبريل من التلاوة ~~مخافة الانفلات والنسيان فنهاه الله عن ذلك، وأمره أن يسكت حال قراءة ~~الملك، يقرأ بعد فراغه من (القراءة). فكأنه تعالى لما شرح نفع القرآن ~~للمكلفين، وتبين أنه سبحانه متعال عن كل ما لا ينبغي، ومن كان كذلك يجب ~~أن يصون رسوله عن السهو والنسيان (في أمر الوحي، فإذا حصل الأمان عن ~~السهو والنسيان) فلا تعجل بالقرآن فقوله: { ولا تعجل بالقرءان ~~} يحتمل أن يكون المراد لا تعجل بقراءته في نفسك. لما روى عطاء عن ابن ~~عباس: أن يكون أخذك القرآن على تثبيت وسكون. ويحتمل لا تعجل في تأديته ~~إلى غيرك، قال مجاهد وقتادة: لا تقرأ به أصحابك ولا تمله عليهم حتى ~~يتبين لك معانيه. ويحتمل في اعتقاد ظاهره، ويحتمل في تعريفه الغير ما ~~يقتضيه ظاهره، أي: حتى يتبين لك بالوحي تمامه أبو بيانه أو هما جميعا، ~~لأنه يجب التوقف في معنى الكلام إلى أن يفرغ لجواز أن يحصل عقيبه استثناء ~~أو شرط، أو غيرهما من المخصصات. # فإن قيل: الاستعجال الذي نهي ms6136 عنه إن كان فعله بوحي فكيف نهي عنه؟ # فالجواب لعله فعل باجتهاد، وكان الأولى تركه فلهذا نهي عنه. # قوله: { قبل أن يقضى إليك وحيه } العامة على بناء " ~~يقضى " للمفعول ورفع " وحيه " لقيامه مقام الفاعل. # والجحدري وأبو حيوة والحسن، وهي قراءة عبد الله " تقضي " بنون العظمة ~~مبنيا للفاعل، " وحيه " مفعول به. # وقرأ الأعمش كذلك إلا أنه سكن (لام الفعل)، استثقل الحركة وإن كانت ~~خفيفة على حرف العلة، وقد تقدم شواهد عند قراءة { من أوسط ما ~~تطعمون أهاليكم }. # قوله: { وقل رب زدني علما } أي: بالقرآن ومعانيه، وقيل: " ~~علما " أي ما علمت. وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه قال: اللهم زدني ~~إيمانا ويقينا. ### || [20.115-119] # قوله تعالى: { ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي } ~~الآية. في تعليق هذه الآية بما قبلها وجوه: # الأول: أنه تعالى لما قال # كذلك نقص عليك من أنبآء ما قد سبق # [طه: 99] ثم إنه عظم أمر القرآن ذكر القصة إنجازا للوعد في قوله: { ~~كذلك نقص عليك }. # الثاني: أنه لما قال: # وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو ~~يحدث لهم ذكرا # [طه: 113] أردفه بقصة آدم عليه السلام كأنه قال: إن طاعة بني آدم ~~للشياطين، وتركهم التحفظ من الوساوس أمر قديم، فإنا عهدنا إلى آدم من ~~قبل، أي: من قبل هؤلاء الذين صرفنا لهم الوعيد، (وبالغنا في تنبيهه)، ~~فقلنا له: { إن هذا عدو لك ولزوجك } ، ثم إنه مع ذلك ~~نسي وترك ذلك العهد، فأمر البشر في ترك التحفظ أمر قديم. # الثالث: أنه لما قال لمحمد # وقل رب زدني علما # [طه: 114] ذكر بعده قصة آدم، فإنه عهد إليه وبالغ في تحذيره من العود، ~~فدل ذلك على ضعف البشرية عن التحفظ فيحتاج حينئذ إلى الاستعانة بربه في ~~أن يوفقه لتحصيل العلم ويجنبه عن السهو والنسيان. # الرابع: أن محمدا - عليه السلام - لما قيل له: # ولا تعجل بالقرءان من قبل أن يقضى إليك ~~وحيه # [طه:114] دل على أنه كان في أمر الدين بحيث زاد على قدر الواجب فلما ~~وصفه بالإفراط، وصف آدم بالتفريط في ذلك، فإنه ms6137 تساهل ولم يتحفظ حتى ~~نسي، فوصف الأول بالتفريط والآخر بالإفراط، ليعلمه أن البشر لا ينفك عن ~~نوع زلة. # الخامس أن محمدا لما قيل به: " ولا تعجل " ضاق قلبه، وقال في ~~نفسه: لولا أني أقدمت على ما لا ينبغي، وإلا لما نهيت عنه، فقيل له: يا ~~محمد إن كنت فعلت ما نهيت عنه فإنما فعلته حرصا منك على العبادة، ~~وحفظا لأداء الوحي وإن أباك أقدم على ما لا ينبغي لتساهله، وترك التحفظ ~~فكان أمرك أحسن من أمره. والمراد بالعهد هنا أمر الله، أي: أمرناه ~~وأوصينا إليه أن لا يأكل من الشجرة من قبل هؤلاء الذين صرفنا لهم الوعيد ~~في القرآن فتركوا الإيمان. # وقال ابن عباس: من قبل أن يأكل من الشجرة عهدنا إليه أن لا يأكل ~~منها. وقال الحسن: من قبل محمد والقرآن. # قوله: " فنسي " قرأ اليماني بضم النون وتشديد السين بمعنى نساه ~~الشيطان. وعلى هذه القراءة يحتمل أن يقال: أقدم على المعصية من غير ~~تأويل، وأن يقال: أقدم عليها مع التأويل. # وعلى القراءة المشهورة يحتمل أن يكون المراد بالنسيان نقيض الذكر، وإنما ~~عوقب على ترك التحفظ، والمبالغة في الضبط حتى تولد منه النسيان، ويحتمل ~~أن يكون المراد بالنسيان الترك، وأنه ترك ما عهد إليه من ترك أكل ثمرتها. # قوله: { ولم نجد له عزما }. # يجوز أن تكون (وجد) علمية، فتتعدى لاثنين، وهما " له عزما ". وأن ~~تكون بمعنى الإصابة فتتعدى لواحد، وهو " عزما " (و " له " ) متعلق ~~بالوجدان، أو بمحذوف على أنه حال من " عزما " إذ هو في الأصل صفة له ~~قدمت عليه. # والعازم: هو المصمم، فقوله: { ولم نجد له عزما } يحتمل: ولم ~~نجد له عزما على ترك المعصية، أو على التحفظ والاحتراز عن الغفلة، أو ~~على الاحتياط في كيفية الاجتهاد إذا قلنا: إنه - عليه السلام - إنما أخطأ ~~بالاجتهاد. # وقال الحسن: ولم نجد له صبرا عما نهي عنه. # وقال عطية: حفظا لما أمر به. وقال ابن قتيبة: رأيا معزوما. # حيث أطاع عدوه إبليس الذي حسده وأبى أن يسجد له. والعزم في اللغة: هو ms6138 ~~توطين النفس على الفعل. # قال أبو أمامة الباهلي: لو وزن حلم آدم بحلم جميع ولده لرجح عليه ~~وقد قال الله تعالى { ولم نجد له عزما }. فإن قيل: أتقولون إن ~~آدم كان ناسيا لأمر الله حين أكل من الشجرة. قيل: يجوز أن يكون نسي ~~أمره، ولم يكن النسيان في ذلك الوقت مرفوعا عن الإنسان بل كان مؤاخذا ~~به، وإنما رفع عنا. # وقيل: نسي عقوبة الله، وظن أنه نهي تنزيه. قوله تعالى: { وإذ ~~قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } تقدم الكلام على ذلك ~~مفصلا في سورة البقرة. # وقوله: " أبى " جملة مستأنفة، لأنها جواب سؤال مقدر، أي: ما منعه من ~~السجود؟ فأجيب بأنه أبى واستكبر. # ومفعول الإباء يجوز أن يكون مرادا، وقد صرح به في الآية الأخرى في ~~قوله: # أبى أن يكون مع الساجدين # [الحجر: 31] وحسن حذفه هنا كون العامل رأس فاصلة. ويجوز أن لا يراد ~~ألبتة، وأن المعنى: أنه من أهل الإباء والعصيان من غير نظر إلى متعلق ~~الإباء ما هو. # قوله: { فقلنا يا ءادم إن هذا عدو لك ولزوجك ~~} وسبب تلك العداوة من وجوه: # الأول: أن إبليس كان حسودا، فلما رأى آثار نعم الله تعالى في حق ~~آدم حسده فصار عدوا له. # الثاني: أن آدم - عليه السلام - كان شابا عالما لقوله تعالى # وعلم ءادم الأسمآء كلها # [البقرة: 31]، وإبليس كان شيخا جاهلا، لأنه أثبت فضيلته بفضيلة أصله، ~~وذلك جهل والشيخ أبدا يكون عدوا للشاب العالم. # الثالث: أن إبليس مخلوق من النار وآدم من الماء والتراب، فبين أصليهما ~~عداوة، فبقيت تلك العداوة. # فإن قيل: لم قال: { فلا يخرجنكما من الجنة } مع أن ~~المخرج لهم من الجنة هو الله تعالى؟ # فالجواب لما كان بوسوسته هو الذي فعل ما ترتب عليه الخروج صح ذلك. قوله: ~~" فتشقى " منصوب بإضمار (أن) في جواب النهي، والنهي في الصورة ~~لإبليس والمراد به هما، أي لا تتعاطيا أسباب الخروج (فيحصل لكما ~~الشقاء)، وهو الكد والتعب الدنيوي خاصة. # ويجوز أن يكون مرفوعا على الاستئناف، أي: فأنت تشقى، كذا قدره أبو ~~حيان. # وهو بعيد ms6139 أو ممتنع، إذ ليس المقصود الإخبار بأنه يشقى بل إن وقع الإخراج ~~لهما من إبليس حصل ما ذكر. وأسند الشقاء إليه دونها، لأن الأمور معدوقة ~~برؤوس الرجال، وحسن ذلك كونه رأس فاصلة، ولأنه إن أريد بالشقاء التعب ~~في طلب القوت فذلك على الرجل دون المرأة. # قوله: { إن لك ألا تجوع } خبر " إن " ، و " ألا تجوع ~~" في محل نصب اسما لها، (والتقدير: إن لك عدم الجوع والعري) و " ~~تعرى " منصوب تقديرا نسقا على " تجوع " (والعري تجرد الجلد عن ~~شيء يقيه، يقال منه: عري يعرى عريا) قال الشاعر: # 3697- فإن يعرين إن كسي الجواري # فتنبو العين عن كرم عجاف # { وأنك لا تظمأ } قرأ نافع وأبو بكر " وإنك " بكسر الهمزة. ~~والباقون بفتحها. # فمن كسر فيجوز أن يكون ذلك استئنافا، وأن يكون نسقا على " إن " ~~الأولى. ومن فتح فلأنه عطف مصدرا مؤولا على اسم " إن " الأولى، ~~والخبر " لك " المتقدم. والتقدير: إن لك عدم الجوع، وعدم العري، ~~وعدم الظمأ والضحى. وجاز أن يكون " أن " بالفتح اسما ل " إن " ~~بالكسر للفصل بينهما، ولولا ذلك لم يجز. لو قلت: إن أن زيدا حق لم ~~يجز، فلما فصل بينهما جاز. # وتقول: إن عندي أن زيدا قائم، فعندي هو الخبر على الاسم وهو أن ~~وما في تأويلها لكونه ظرفا، والآية من هذا القبيل إذ التقدير: فإن لك ~~أنك لا تظمأ وقال الزمخشري: فإن قلت: " إن " لا تدخل على " أن " ~~، فلا يقال: إن أن زيدا منطلق، والواو نائبة عن " إن " وقائمة ~~مقامها، فلم دخلت عليها؟ قلت: الواو لم توضع لتكون أبدا نائبة عن " إن ~~" إنما هي نائبة عن كل عامل، فلما لم تكن حرفا موضوعا للتحقيق خاصة ~~كإن لم يمتنع اجتماعهما كما اجتمع " إن " و " أن " وضحي يضحى ~~أي: برز للشمس، قال عمر بن أبي ربيعة: # 3698- رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت # فيضحى وأما بالعشي فيخصر # وذكر الزمخشري هنا معنى حسنا في كونه تعالى ذكر هذه الأشياء بلفظ ~~النفي دون أن يذكر أضدادها بلفظ الإثبات، فيقول: إن لك الشبع والكسوة ~~والري ms6140 والاكتنان في الظل، فقال: وذكرها بلفظ النفي لنقائضها التي هي ~~الجوع والعري، والظمأ، والصحو ليطرق سمعه بأسامي أصناف الشقوة التي ~~حذره منها حتى يتحامى السبب الموقع فيها كراهة لها. ### || [20.120-122] # قوله: " فوسوس إليه " أي: أنهى إليه الوسوسة، وأما وسوس ~~له فمعناه: لأجله قال الزمخشري: فإن قلت: كيف عدى وسوس باللام في ~~قوله: # فوسوس لهما الشيطن # [الأعراف: 20] وأخرى بإلى؟ قلت: وسوسة الشيطان كولولة الثكلى ~~ووقوقة الدجاجة في أنها حكايات الأصوات، فحكمها حكم صوت أو جرس، ~~ومنه: وسوسة المبرسم وهو موسوس بالكسر، والفتح لحسن، وأنشد ابن ~~الأعرابي: # 3699- وسوس يدعو مخلصا رب الفلق # فإذا قلت: وسوس له فمعناه لأجله كقوله: # 3700- أجرس لها يا ابن أبي كباش # ومعنى وسوس إليه أنهى الوسوسة كقوله: حدث إليه. # وقال أبو البقاء: عدي " وسوس " ب " إلى " لأنه بمعنى أسر، ~~وعداه في موضع آخر باللام، لكونه بمعنى ذكر له، أو تكون بمعنى لأجله. # قوله: { هل أدلك على شجرة الخلد } يعني على شجرة إن ~~أكلت منها بقيت مخلدا، { وملك لا يبلى } أي من أكل من هذه ~~الشجرة دام ملكه. قال ابن الخطيب: واقعة آدم عجيبة، وذلك لأن الله تعالى ~~رغبه في دوام الراحة وانتظام المعيشة بقوله: # فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى إن لك ألا ~~تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا ~~تضحى # [طه: 117-119] ورغبه إبليس أيضا في دوام الراحة بقوله: { هل ~~أدلك على شجرة الخلد } وفي انتظام المعيشة بقوله: { ~~وملك لا يبلى } فكان الشيء الذي رغب (الله تعالى آدم) فيه هو ~~الذي رغبه إبليس فيه إلا أن الله تعالى وقف ذلك على الاحتراس عن تلك ~~الشجرة، وإبليس وقعه على الإقدام عليها، ثم إن آدم - عليه السلام - مع ~~كمال عقله وعلمه (بأن الله تعالى مولاه وناصره ومربيه، وأعلمه) بأن عدوه ~~حيث امتنع من السجود له، وعرض نفسه للعنة بسبب عداوته، كيف قبل في ~~الواقعة الواحدة والمقصود الواحد قول إبليس مع علمه بعداوته له، وأعرض عن ~~قول الله تعالى مع علمه بأنه هو الناصر والمولى. ومن تأمل هذا الباب ms6141 طال ~~تعجبه، وعرف آخر الأمر أن هذه القصة كالتنبيه على أنه لا دافع لقضاء ~~الله، ولا مانع منه، وأن الدليل وإن كان في غاية الظهور ونهاية القوة ~~فإنه لا يحصل النفع به إلا إذا قضى الله ذلك وقدره. # روى البخاري ومسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: # " احتج آدم وموسى عند ربهما، فحج آدم موسى، قال موسى: أنت آدم ~~الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته وأسكنك في ~~جنته، ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض، فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك ~~الله برسالته وبكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء وقربك نجيا ~~وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق، قال موسى: بأربعين عاما، قال آدم: ~~فهل وجدت فيها { وعصى ءادم ربه فغوى }؟ قال نعم، قال ~~أفتلومني على أن عملت عملا كتب الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني ~~بأربعين سنة. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحج آدم موسى ~~". # وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: # " كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف ~~سنة، قال وعرشه على الماء " # وقال: # " كل شيء خلقه بقدر حتى العجز والكيس " # قوله: " فأكلا منها " يعني آدم وحواء. { فبدت لهما ~~سوآتهما }. # قال ابن عباس: عريا من النور الذي كان الله ألبسهما حتى بدت فروجهما. ~~وإنما جمع " سوآتهما " كما قال: " صغت قلوبكما ". # { وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة } قال ~~الزمخشري: طفق بفعل كذا مثل جعل يفعل وأخذ وأنشأ، وحكمها حكم ~~كاد في وقوع الخبر فعلا مضارعا وبينها وبينه مسافة قصيرة. وقرىء " ~~يخصفان " للتكثير والتكرير من خصف النعل، وهو أن يخرز عليها الخصاف، ~~أي: يلزقان الورق بسوآتهما للتستر، وهو ورق التين. قوله: { وعصى ~~آدم ربه } بأكل الشجرة " فغوى " أي " فعل (ما لم يكن له فعله). ~~وقيل: أخطأ طريق الجنة وضل حيث طلب الخلد بأكل ما نهي عن أكله فخاف ولم ~~ينل مراده. # وقال ابن الأعرابي: أي: فسد عليه ms6142 عيشه وصار من العز إلى الذل، ومن ~~الراحة إلى التعب. قال ابن قتيبة: يجوز أن يقال: عصى آدم، ولا يجوز أن ~~يقال: آدم عاص (لأنه إنما يقال: عاص) لمن اعتاد فعل المعصية كالرجل ~~يخيط ثوبه فيقال خاط ثوبه، ولا يقال: هو خياط (حتى يعاوده ويعتاده). # قوله: " فغوى " الجمهور على فتح الواو بعدها ألف وتقدم تفسيرها. # وقيل: معناه بشم من قولهم: غوي البعير بكسر الواو والياء إذا أصابه ذلك. ~~وحكى أبو البقاء هذه قراءة وفسروها بهذا المعنى. # قال الزمخشري: زعم بعضهم " فغوى " فبشم من كثرة الأكل، وهذا وإن صح ~~على لغة من يقلب الياء المكسور ما قبلها ألفا، فيقول في فني، ~~وبقي: فنا وبقا، وهم بنو طيىء تفسير خبيث. # قال شهاب الدين: كأنه لم يطلع على أنه قرىء بكسر الواو، ولو اطلع عليها ~~لردها، وقد فر القائل بهذه المقالة من نسبة آدم - عليه السلام - إلى ~~الغي. # فصل # تمسك بعضهم بقوله: { وعصى ءادم ربه فغوى } في صدور ~~الكبيرة عنه من وجهين: # أحدهما: أن العاصي اسم للذم فلا يطلق إلا على صاحب الكبيرة، ولقوله ~~تعالى: # ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم ~~خالدين فيهآ # [الجن: 23] ولا معنى لصاحب الكبيرة إلا من فعل فعلا يعاقب ~~عليه. # الثاني: أن الغواية والضلالة اسمان مترادفان، والغي ضد الرشد، ومثل هذا ~~لا يتناول إلا الفاسق المنهمك في فسقه. # وأجيب عن الأول: بأن المعصية مخالفة الأمر، والأمر قد يكون بالواجب ~~وبالندب، فإنك تقول: أمرته فعصاني، وأمرته بشرب الدواء فعصاني وإذا ~~كان كذلك لم يمتنع إطلاق اسم العصيان على آدم بكونه تاركا للمندوب فأجاب ~~المستدل بأنا قد بينا أن ظاهر القرآن يدل على أن العاصي يستحق ~~العقاب، والعرف يدل على أنه اسم ذم، فوجب تخصيص اسم العاصي بتارك الواجب، ~~ولأنه لو كان تارك المندوب عاصيا لوجب وصف الأنبياء بأسرهم بأنهم عصاة، ~~لأنهم لا ينفكون من ترك المندوب. فإن قيل: وصف تارك المندوب بأنه عاص ~~مجاز والمجاز لا يطرد. # قلنا: لما سلمت كونه مجازا فالأصل عدمه، وأما قوله: يقال أمرته ms6143 بشرب ~~الدواء فعصاني، قلنا: لا نسلم أن هذا الاستعمال مروي عن العرب، ~~ولئن سلمنا ذلك لكنهم إنما يطلقون ذلك إذا أجزموا عليه بالفعل. وحينئذ ~~يكون معنى الإيجاب حاصلا، وإن لم يكن الوجوب حاصلا، وذلك يدل على أن ~~لفظ العصيان لا يجوز إطلاقه إلا عند تحقق الإيجاب، لكنا أجمعنا على أن ~~الإيجاب من الله تعالى يقتضي الوجوب، فيلزم أن يكون إطلاق لفظ العصيان ~~على آدم - عليه السلام - إنما كان لكونه تاركا للواجب ومن الناس من ~~سلم أن الآية تدل على صدور المعصية منه، لكنه زعم أن المعصية كانت من ~~الصغائر لا من الكبائر، وهذا قول عامة المعتزلة. وهذا أيضا ضعيف، لأنا ~~بينا أن اسم العاصي اسم للذم، وأن ظاهره يدل على أنه يستحق العقاب، وذلك ~~لا يليق بالصغيرة، وأجاب أبو مسلم: بأنه عصى في مصالح الدنيا لا فيما ~~يتصل بالتكاليف، وكذا القول في " غوى ". # وهذا أيضا بعيد، لأن مصالح الدنيا مباحة، من تركها لا يوصف بالعصيان ~~الذي هو اسم ذم، ولا يقال: # فدلاهما بغرور # [الأعراف: 22]. # وأما التمسك بقوله: " فغوى " فأجابوا عنه من وجوه: # أحدها: أنه خاب من نعيم الجنة، لأنه إنما أكل من الشجرة ليدوم ملكه، ~~فلما أكل زال، فلما خاب سعيه قيل: إنه غوى. # وتحقيقه أن الغي ضد الرشد، والرشد هو أن يتوصل بشيء إلى شيء فيصل ~~إلى المقصود، ومن توصل بشيء إلى شيء فحصل ضد مقصوده كان ذلك غيا. # وثانيها: قال بعضهم غوى أي: بشم من كثرة الأكل. # قال ابن الخطيب: والأولى عندي في هذا الباب أن يقال: هذه الواقعة كانت ~~قبل النبوة، وقد تقدم شرح ذلك في البقرة. وهاهنا بحث لا بد منه، وهو أن ~~ظاهر القرآن وإن دل على أن آدم عصى وغوى، ولكن ليس لأحد أن يقول: إن ~~آدم كان عاصيا غاويا. ويدل على صحة هذا القول أمور: # أحدها: قال العتبي: يقال للرجل يخيط ثوبه خاط ثوبه، ولا يقال: هو خياط ~~حتى يعاوده ويعتاده، ويصير معروفا بالخياطة. # وهذه الزلة لم تصدر عن آدم إلا مرة واحدة، ms6144 فوجب أن لا يجوز إطلاق الاسم ~~عليه. # وثانيها: أن على تقدير أن تكون هذه الواقعة إنما وقعت قبل النبوة، لم ~~يجز بعد أن قبل الله توبته وشرفه بالرسالة والنبوة إطلاق هذا الاسم ~~عليه كما لا يقال لمن أسلم بعد الكفر أو شرب أو زنا ثم تاب وحسنت توبته ~~لا يقال له بعد ذلك كافر أو شارب أو زان فكذا هنا. # وثالثها: أن قولنا: عاص وغاو يوهم كونه عاصيا في أكثر الأشياء، ~~(وغاويا عن معرفة الله تعالى) ولم ترد هاتان اللفظتان في القرآن مطلقتين ~~بل مقرونتين بالقصة التي عصى فيها، فكأنه قال: عصى في كيت وكيت، وذلك ~~لا يوهم ما ذكرنا. # ورابعها: أنه يجوز من الله ما لا يجوز من غيره، كما يجوز للسيد من ولده ~~وعبده عند معصيته من إطلاق القول ما لا يجوز لغيره. # قوله: { ثم اجتباه ربه } أي: اختاره واصطفاه، " فتاب ~~عليه " بالعفو وهداه إلى التوبة حين قال: # ربنا ظلمنآ أنفسنا # [الأعراف: 23]. # قال عليه السلام: لو جمع بكاء أهل الدنيا إلى بكاء داود لكان بكاؤه ~~أكثر ولو جمع ذلك إلى نوح لكان بكاؤه أكثر، وإنما سمي نوحا لنوحه على ~~نفسه. ولو جمع ذلك كله إلى بكاء آدم على خطيئته كان بكاؤه أكثر. # قال وهب: لما كثر بكاؤه أمره الله تعالى أن يقول: " لا إله إلا ~~أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي فإنك ~~خير الغافرين " فقالها آدم، ثم قال: قل " سبحانك لا إله ~~إلا أنت عملت سوءا وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت ~~التواب ". # قال ابن عباس: هذه الكلمات التي تلقاها آدم من ربه. ### || [20.123-127] # قوله: { قال اهبطا منها جميعا } هنا سؤال وهو أن قوله: " ~~اهبطا " إما أن يكون خطابا مع شخصين أو أكثر، فإن كان خطابا مع ~~شخصين فكيف قال بعده: " فإما يأتينكم " وهو خطاب الجمع؟ وإن ~~كان خطابا مع شخصين فكيف قال: " اهبطا "؟ وأجاب أبو مسلم: بأن الخطاب ~~لآدم ومعه ذريته، ولإبليس ومعه ذريته، ولكونهما جنسين صح قوله: " ~~اهبطا " ولأجل اشتمال كل من الجنسين ms6145 على الكثرة صح قوله: " فإما ~~يأتينكم ". # وقال الزمخشري: لما كان آدم وحواء عليهما السلام أصل البشر اللذين منهما ~~تفرعوا كأنهما البشر أنفسهما، فخوطبا مخاطبتهم، فقيل: " فإما ~~يأتينكم " على لفظ الجماعة. # ومن قال: بأن أقل الجمع اثنان، أو بأنه يعبر عن الاثنين بلفظ ~~الجمع، كقوله: # فقد صغت قلوبكما # [التحريم: 4] فلا يحتاج إلى التأويل. # قوله: { بعضكم لبعض عدو } تقدم تفسيره. # { فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي } وهذا ~~يدل على أن المراد الذرية والمراد بالهدى الرسل، وقيل: الآيات والأدلة، ~~وقيل: القرآن. # " فلا يضل " في الدنيا، " ولا يشقى " في الآخرة، لأنه ~~تعالى يهديه إلى الجنة. # وقيل: لا يضل ولا يشقى في الدنيا. فإن قيل: المتبع لهدى الله ~~قد يشقى في الدنيا. # فالجواب: أن المراد لا يضل في الدين، ولا يشقى بسبب الدين، فإن حصل بسبب ~~آخر فلا بأس. ولما وعد الله تعالى من يتبع الهدى أتبعه بالوعيد لمن ~~أعرض فقال: { ومن أعرض عن ذكري } والذكر يقع على القرآن وعلى ~~سائر كتب الله تعالى على ما تقدم. # قوله: " ضنكا " صفة لمعيشة، وأصله المصدر، فكأنه قال: معيشة ذات ضنك، ~~فلذلك لم يؤنث ويقع للمفرد والمثنى والمجموع بلفظ واحد. وقرأ الجمهور " ~~ضنكا " بالتنوين وصلا وإبداله ألفا وقفا كسائر المعربات. # وقرأت فرقة " ضنكى " بألف كسكرى. وفي هذه الألف احتمالان: # أحدهما: أنها بدل من التنوين، وإنما أجري الوصل مجرى الوقف كما تقدم في ~~نظائره، وسياتي منها بقية إن شاء الله تعالى. # والثاني: أن تكون ألف التأنيث، بني المصدر على (فعلى) نحو دعوى. ~~والضنك الضيق والشدة، يقال منه: ضنك عيشه يضنك ضناكة ~~وضنكا، وامرأة ضناك كثير لحم البدن، كأنهم تخيلوا ضيق جلدها به. # فصل # قال جماعة من المفسرين: الكافر بالله يكون حريصا على الدنيا طالبا ~~للزيادة أبدا فعيشه ضنك، وأيضا فمن الظلمة من ضرب الله عليهم ~~الذلة والمسكنة بكفره قال تعالى: # وضربت عليهم الذلة والمسكنة # [البقرة: 61] وقال: # ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ومآ أنزل ~~إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت ~~أرجلهم # [المائدة: 66]، وقال: # ولو أن أهل القرى ms6146 ءامنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركات من السمآء والأرض # [الأعراف: 96] وقال ابن مسعود وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري - (رضي الله ~~عنهم) -: المراد بالعيشة الضنكى عذاب القبر. # وقال الحسن وقتادة والكلبي: هو الضيق في الآخرة في جهنم، فإن طعامهم ~~الضريع والزقوم، وشرابهم الحميم والغسلين، فلا يموتون فيها ولا ~~يحيون. وقال ابن عباس: المعيشة الضنك هو أن يضيق عليه أبواب الخير ~~فلا يهتدي لشيء منها. وعن عطاء: المعيشة الضنك هي معيشة الكافر، لأنه ~~غير موقن بالثواب والعقاب. # وروي عنه - عليه السلام - أنه قال: عقوبة المعصية ثلاثة ضيق المعيشة ~~والعسر في اللذة، وأن لا يتوصل إلى قوته إلا بمعصية الله (تعالى). # قوله: { ونحشره يوم القيمة أعمى } # قرأ العامة " ونحشره " بالنون ورفع الفعل على الاستئناف. # وقرأ أبان بن تغلب في آخرين بتسكين الراء، وهي محتملة لوجهين: # أحدهما: أن يكون الفعل مجزوما نسقا على محل جزاء الشرط، وهو الجملة من ~~قوله: { فإن له معيشة } فإن محلها الجزم، فهي كقراءة: { من ~~يضلل الله فلا هادي له ويذرهم } [الأعراف:186] بتسكين ~~الراء. # والثاني: أن يكون السكون سكون تخفيف (نحو " يأمركم " وبابه). # وقرأت فرقة بياء الغيبة، وهو الله تعالى أو الملك. وأبان بن تغلب في ~~رواية " ونحشره " بسكون الهاء وصلا، وتخريجها إما على لغة بني ~~عقيل وبني كلاب وإما على إجراء الوصل مجرى الوقف. و " أعمى " نصب ~~على الحال. # فصل # قال ابن عباس: أعمى البصر. وقال مجاهد والضحاك ومقاتل: أعمى عن الحجة، ~~وهو رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس. # قال القاضي: وهذا ضعيف، لأن في القيامة لا بد أن يعلمهم الله بطلان ~~ما كانوا عليه حتى يتميز لهم الحق من الباطل، ومن هذا حاله لا يوصف بذلك ~~إلا مجازا، ولا يليق بهذا قوله: { وقد كنت بصيرا } ، ولم يكن ~~كذلك في حال الدنيا. ومما يؤيد ذلك أنه تعالى علل ذلك العمى بأن المكلف ~~نسي الدلائل فلو كان العمى الحاصل في الآخرة عين ذلك النسيان لم يكن ~~للمكلف بسبب ذلك ضرر. # قوله: { لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا } اعلم أن ~~الله ms6147 - تعالى - جعل هذا العمى جزاء على تركه اتباع الهدى. # وقوله: { وقد كنت بصيرا } جملة حالية من مفعول " حشرتني ". ~~وفتح الياء من " حشرتني " قبل الهمزة نافع وابن كثير. # قوله: " كذلك أتتك " قال أبو البقاء: " كذلك " في موضع نصب ~~أي: حشرنا مثل ذلك أو فعلنا مثل ذلك أو إتيانا مثل ذلك أو جزاء ~~مثل إعراضك أو نسيانا وهذه الأوجه التي ذكرها تكون الكاف في بعضها ~~نصبا (على المصدر، وفي بعضها نصبا) على المفعول به. # ولم يذكر الزمخشري في غير المفعول به فقال: أي: مثل ذلك فعلت أنت، ثم ~~فسر بأن آياتنا أتتك واضحة مستنيرة فلم تنظر إليها بعين المعتبر، ~~فتركتها وأعرضت عنها. { وكذلك اليوم تنسى } تترك في ~~النار. # قوله: { وكذلك نجزي من أسرف } أي ومثل ذلك الجزاء نجزي " ~~من أسرف " أي: أشرك، { ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب ~~الآخرة أشد وأبقى } مما يعذبهم في الدنيا (والقبر، " ~~وأبقى " وأدوم). ### || [20.128-130] # قوله: { أفلم يهد لهم } في فاعل (يهد) أوجه: # أحدها: أنه ضمير الباري تعالى، ومعنى (يهدي) يبين، ومفعول ~~(يهدي) محذوف تقدره: أفلم يبين الله لهم العبر وفعله بالأمم ~~المكذبة. # قال أبو البقاء: وفي فاعله وجهان: # أحدهما: ضمير اسم الله تعالى وعلق (بين) هنا، إذا كانت بمعنى أعلم ~~كما علقه في قوله تعالى # وتبين لكم كيف فعلنا بهم # [إبراهيم: 45]. # قال أبو حيان: و " كم " هنا خبرية، والخبرية لا تعلق العامل ~~(عنها). # وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون فيه ضمير الله، أو الرسول، ويدل عليه ~~القراءة بالنون. # الوجه الثاني: أن الفاعل مضمر يفسره ما دل عليه من الكلام بعده، ~~قال الحوفي: " كم أهلكنا " قد دل على هلاك القرون التقدير: ~~أفلم نبين لهم هلاك من أهلكنا من القرون ومحونا آثارهم ~~فيتعظوا بذلك. # وقال أبو البقاء: الفاعل ما دل عليه " أهلكنا " أي إهلاكنا ~~والجملة مفسرة له. # الوجه الثالث: أن الفاعل نفس الجملة بعده. # قال الزمخشري: فاعل " لم يهد " الجملة بعد يريد: ألم يهد ~~لهم هذا بمعناه ومضمونه، ونظيره قوله: # وتركنا عليه في الآخرين سلام على نوح في ~~العالمين # [الصافات: 78، 79] أي: ms6148 تركنا عليه هذا الكلام. # قال أبو حيان: وكون الجملة فاعل " يهد " هو مذهب كوفي، وأما ~~تشبيهه وتنظيره بقوله: # وتركنا عليه في الآخرين سلام على نوح في ~~العالمين # [الصافات: 78، 79] فإن " تركنا " معناه هذا القول فحكيت به الجملة، ~~فكأنه قيل: وقلنا عليه، وأطلقنا عليه هذا اللفظ، (والجملة تحكى ~~بمعنى القول كما تحكى بالقول). # الوجه الرابع: أنه ضمير الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأنه هو المبين ~~لهم بما يوحى إليه من أخبار الأمم السالفة والقرون الماضية، وهذا الوجه ~~تقدم نقله عن الزمخشري. # الوجه الخامس: أن الفاعل محذوف، نقل ابن عطية عن بعضهم: أن الفاعل ~~مقدر تقديره: الهدى أو الأمر أو النظر والاعتبار. # قال ابن عطية: وهذا عندي أحسن التقادير. # قال أبو حيان: وهو قول المبرد، وليس بجيد إذ فيه حذف الفاعل، وهو لا ~~يجوز عند البصريين، وتحسينه أن يقال: الفاعل مضمر تقديره: يهد هو ~~أي: الهدى قال شهاب الدين: ليس في هذا القول أن الفاعل محذوف بل فيه ~~أنه مقدر، ولفظ مقدر كثيرا ما يستعمل في المضمر. وأما مفعول " يهد ~~" ففيه وجهان: # أحدهما: أنه محذوف. # والثاني: أن يكون الجملة من " كم " وما في خبرها، لأنها معلقة له، فهي ~~سادة مسد مفعوله. # الوجه السادس: أن الفاعل " كم " - قاله الحوفي، وأنكره على قائله لأن ~~" كم " استفهام لا يعمل فيها ما قبلها. # قال أبو حيان: وليست " كم " هنا استفهامية بل هي خبرية. # واختار أن يكون الفاعل ضمير الله تعالى، فقال: وأحسن التخاريج أن ~~يكون الفاعل ضميرا عائدا على الله تعالى، كأنه قال أفلم يبين ~~الله، ومفعول يبين محذوف، أي العبر بإهلاك القرون السابقة، ثم قال: " ~~كم أهلكنا " أي: كثيرا أهلكنا، ف " كم " مفعولة ب " ~~أهلكنا " والجملة كأنها مفسرة للمفعول المحذوف ل " يهد ". # قال القفال: جعل كثرة ما أهلك من القرون مبينا لهم كما جعل مثل ذلك ~~واعظا لهم وزاجرا. وقرأ ابن عباس وأبو عبد الرحمن السلمي " أفلم ~~نهد " بالنون المؤذنة بالتعظيم. قال الزجاج: يعني أفلم نبين ~~لهم بيانا يهتدون به لو تدبروا وتفكروا. # وقوله: " كم أهلكنا ms6149 " فالمراد به المبالغة في كثرة من أهلكه ~~الله تعالى من القرون الماضية. قوله: " من القرون " في محل نصب (نعت ~~ل " كم " ) لأنها نكرة ويضعف جعله حالا من النكرة، ولا يجوز أن ~~يكون تمييزا على قواعد البصريين و " من " داخلة عليه على حد دخولها على ~~غيره من التمييزات لتعريفه. # قوله: " يمشون " حال من " القرون " ، أو من مفعول " أهلكنا " ~~والضمير على هذين عائد على القرون المهلكة، ومعناه: إنا ~~أهلكناهم وهم في حال أمن ومشي وتقلب في حاجاتهم كقوله: # أخذناهم بغتة # [الأنعام: 44] ويجوز أن يكون حالا من الضمير في " لهم " ، والضمير ~~في " يمشون " على هذا عائد على من عاد عليه الضمير في " لهم " ~~وهم المشركون المعاصرون لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - والعامل فيها ~~" يهد ". والمعنى: إنكم تمشون في مساكن الأمم السالفة وتتصرفون ~~في بلادهم فينبغي أن تعتبروا لئلا يحل بكم ما حل بهم. # وقرأ ابن السميفع " يمشون " مبنيا للمفعول مضعفا، لأنه لما ~~تعدى بالتضعيف جاز بناؤه للمفعول. # فصل # المعنى: أو لم نبين القرآن أو ما تقدم من المقادير لكفار مكة { ~~كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم ~~} ديارهم إذا سافروا. والخطاب لقريش كانوا يسافرون إلى الشام، فيرون ~~ديار المهلكين من أصحاب الحجر، وثمود، وقرى لوط { إن في ذلك ~~لآيات لأولي النهى } لذوي العقول. ثم بين تعالى الوجه الذي ~~لأجله لا ينزل العذاب معجلا على من كفر بمحمد - عليه السلام - فقال: { ~~ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل ~~مسمى } (وفيه تقديم وتأخير)، والتقدير: ولولا كلمة سبقت من ربك ~~وأجل مسمى لكان لزاما. # والكلمة في الحكم بتأخير العذاب عنهم أي: ولولا حكم سبقت بتأخير ~~العذاب عنهم " وأجل مسمى " هو القيامة، (وقيل: يوم بدر). # قوله: " وأجل مسمى " في رفعه وجهان: # أظهرهما: عطفه على " كلمة " ، أي: ولولا أجل مسمى لكان ~~العذاب لزاما لهم. # والثاني: جوزه الزمخشري، وهو أن يكون مرفوعا عطفا على الضمير ~~المستتر، والضمير عائد على الأخذ العاجل المدلول عليه بالسياق، وقام ~~الفصل بالخبر مقام التأكيد، والتقدير: ولولا كلمة سبقت من ربك لكان ms6150 ~~الأخذ العاجل وأجل مسمى لازمين لهم كما كانا لازمين لعاد وثمود، ولم ~~ينفرد الأجل المسمى دون الأخذ العاجل، فقد جعل اسم " كان " عائدا على ~~ما دل عليه السياق، إلا أنه قد يشكل عليه مسألة وهي أنه قد جوز في ~~(لزاما) وجهين: # أحدهما: أن يكون مصدر (لازم) كالخصام، ولا إشكال على هذا. # والثاني: أن يكون وصفا على (فعال) بمعنى مفعل أي: ملزم، كأنه آلة ~~اللزوم، لفرط لزومه، كما قالوا: لزاز خصم، وعلى هذا فيقال: كان ~~ينبغي أن يطابق في التثنية، فيقال: لزامين بخلاف كونه مصدرا فإنه يفرد ~~على كل حال. وجوز أبو البقاء أن يكون " لزاما " جمع " لازم " ~~كقيام جمع قائم. # فصل # والمراد أن أمة محمد - عليه السلام - وإن كذبوا فسيؤخرون ولا يفعل ~~بهم ما فعل بغيرهم من الاستئصال، وذلك لأنه علم أن فيهم من يؤمن. ~~وقيل: علم أن في نسلهم من يؤمن، ولو نزل بهم العذاب لعمهم الهلاك. ~~وقيل: المصلحة فيه خفية لا يعلمها إلا الله تعالى. # وقال أهل السنة: له بحكم المالكية أن يخص من يشاء بفضله ومن شاء ~~بعذابه من غير علة، إذ لو كان فعله لعلة لكانت تلك العلة إن كانت قديمة ~~لزم قدوم الفعل، وإن كانت حادثة افتقرت إلى علة أخرى ولزم التسلسل. # ثم إنه تعالى لما أخبر نبيه بأنه لا يهلك أحدا قبل استيفاء ~~أجله أمره بالصبر فقال: { فاصبر على ما يقولون } أي من ~~تكذيبهم النبوة، وقيل: تركهم القبول. # قال الكلبي ومقاتل: هذه الآية منسوخة بآية القتال. ثم قال: { وسبح ~~بحمد ربك } أي: صل بأمر ربك. وقيل: صل لله بالحمد له، ~~والثناء عليه، ونظيره قوله تعالى: # واستعينوا بالصبر والصلوة # [البقرة: 45]. # قوله: " بحمد ربك " حال أي: وأنت حامد لربك على أنه وفقك ~~للتسبيح وأعانك عليه. واختلفوا في التسبيح على قولين، فالأكثرون على أن ~~المراد منه الصلاة وهؤلاء اختلفوا على ثلاثة أوجه: # الأول: أن المراد الصلوات الخمس، قال ابن عباس: دخلت الصلوات الخمس ~~فيه، ف { قبل طلوع الشمس } هو الفجر، وقيل؛ " غروبها " الظهر ~~والعصر، لأنهما جميعا قبل ms6151 الغروب { ومن ءاناء الليل فسبح ~~} يعني المغرب والعتمة، ويكون قوله: " وأطراف النهار " كالتوكيد ~~للصلاة بين الوقتين في طرفي النهار، وهما صلاة الفجر وصلاة المغرب، كما ~~اختصت الوسطى بالتوكيد. # الثاني: أن المراد الصلوات الخمس والنوافل، لأن الزمان إما أن يكون ~~قبل طلوع الشمس أو قبل غروبها، فالليل والنهار داخلين في هاتين ~~العبادتين وأوقات الصلاة الواجبة دخلت فيها، ففي قوله: { ومن ءاناء ~~الليل فسبح وأطراف النهار } للنوافل. # الثالث: أن المراد أربع صلوات، فقوله: { قبل طلوع الشمس } ~~للفجر " وقبل غروبها " للعصر، { ومن ءاناء الليل } ~~المغرب والعتمة، بقي الظهر خارجا. # وعلى هذا التأويل يمكن أن يستدل بهذه الآية على أن المراد بالصلاة ~~الوسطى صلاة الظهر، لأن قوله: # حافظوا على الصلوات # [البقرة: 238] المراد به هذه الأربع، ثم أفرد الوسطى بالذكر، والتأسيس ~~أولى من التأكيد، والأول أولى. هذا إذا حملنا التسبيح على الصلاة. # وقال أبو مسلم: لا يبعد حمله على التنزيه والإجلال، والمعنى اشتغل ~~بتنزيه الله تعالى في هذه الأوقات. فإن قيل: النهار له طرفان، فكيف قال: ~~" وأطراف النهار "؟ بل الأولى أن يقول كما قال: # وأقم الصلوة طرفي النهار # [هود: 114]. # فالجواب: من الناس من قال أقل الجمع اثنان فسقط السؤال ومنهم من قال: ~~إنما جمع لأنه يكرر في كل نهار ويعود. وقوله: { من ءاناء الليل ~~} متعلق ب " سبح " الثانية. قوله: " وأطراف " العامة على نصبه، ~~وفيه وجهان: # أحدهما: أنه عطف على محل { ومن آناء الليل }. # والثاني: أنه عطف على " قبل ". # وقرأ الحسن وعيسى بن عمر " وأطراف " بالجر عطفا على " آناء الليل " ~~وقوله هنا " أطراف " وفي هود " طرفي النهار " ، فقيل: هو من ~~وضع الجمع موضع التثنية كقوله: # 3701- ظهراهما مثل ظهور الترسين # وقيل: هو على حقيقته، والمراد بالأطراف الساعات. # قوله: " ترضى " قرأ الكسائي وأبو بكر عن عاصم " ترضى " مبنيا ~~للمفعول. # والباقون مبنيا للفاعل، وعليه # ولسوف يعطيك ربك فترضى # [الضحى: 5] والمعنى: ترضى ما تنال من الشفاعة، أو ترضى بما تنال من ~~الثواب على ضم التاء كقوله: # وكان عند ربه مرضيا # [مريم: 55]. ### || [20.131-132] # قوله: { ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به ms6152 ~~أزواجا منهم } قيل: المراد منه نظر العين، وهؤلاء قالوا: مد ~~النظر تطويله، وأن لا يكاد يرده استحسانا للمنظور وإعجابا به، كما فعل ~~نظارة قارون حيث قالوا: # يليت لنا مثل مآ أوتي قارون إنه لذو حظ ~~عظيم # [القصص: 79] حتى واجههم أولو العلم والإيمان فقالوا: # ويلكم ثواب الله خير لمن ءامن وعمل صالحا # [القصص: 80] وفيه أن النظر غير الممدود يعفى عنه كنظر الإنسان إلى الشيء ~~مرة ثم يغض. ولما كان النظر إلى الزخارف كالمركوز في الطبائع قيل: { ~~ولا تمدن عينيك } أي: لا تفعل ما أنت معتاد له. ولقد شدد ~~المتقون في وجوب غض البصر عن أبنية الظلمة، ولباس الفسقة، ومراكبهم ~~وغير ذلك، لأنهم اتخذوا هذه الأشياء لعيون النظارة، فالناظر إليها ~~محصل لغرضهم، وكالمغرى لهم على اتخاذها. قال أبو مسلم: ليس المنهي عنه ~~هنا هو النظر بل هو الأسف، أي لا تأسف على ما فاتك مما نالوه من حظ ~~الدنيا. # " قال أبو رافع: نزل ضيف بالرسول - عليه السلام - فبعثني إلى يهودي، ~~فقال قل له: إن رسول الله يقول: بعني كذا وكذا من الدقيق، وأسلفني إلى ~~هلال رجب، فأتيته، فقلت له ذلك، فقال: والله لا أبيعه ولا أسلفه إلا ~~برهن، فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته بقوله فقال: ~~والله لئن باعني و أسلفني لقضيته، وإني لأمين في ~~السماء وءامين في الأرض اذهب بدرعي الحديد إليه فنزلت ~~هذه الآية " # وقال عليه السلام: # " إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ~~ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ". # وقال أبو الدرداء: الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ~~ولها يجمع من لا عقل له. وعن الحسن: لولا حمق الناس لخربت الدنيا. # وعن عيسى ابن مريم - عليه السلام - لا تتخذوا الدنيا دارا فتتخذكم ~~لها عبيدا. وعن عروة بن الزبير كان إذا رأى ما عند السلطان يتلو ~~هذه الآية، وقال: الصلاة يرحمكم الله قوله: " أزواجا " في نصبه وجهان: ~~أحدهما: أنه منصوب على المفعول به. والثاني: أنه منصوب على الحال من ~~الهاء في " به ms6153 ". # راعى لفظ " ما " مرة فأفرد، ومعناها أخرى فلذلك جمع. # قال الزمخشري: ويكون الفعل واقعا على " منهم " كأنه قال: إلى الذين ~~متعنا به وهو أصناف منهم. قال ابن عباس: أناسا منهم. قال الكلبي ~~والزجاج: رجالا منهم. قوله: " زهرة " في نصبه تسعة أوجه: # أحدها: أنه مفعول ثان، لأنه ضمن " متعنا " معنى أعطينا، ف " ~~أزواجا " مفعول أول، و " زهرة " هو الثاني. # الثاني: أن يكون بدلا من " أزواجا " ، وذلك إما على حذف مضاف أي ذوي ~~زهرة، وإما على المبالغة جعلوا نفس الزهرة. # الثالث: أن يكون منصوبا بفعل مضمر دل عليه " متعنا " تقديره: ~~جعلنا لهم زهرة # الرابع: نصبه على الذم، قال الزمخشري: وهو النصب على الاختصاص. # الخامس: أن يكون بدلا من موضع الموصول، قال أبو البقاء: واختاره بعضهم، ~~وقال آخرون: لا يجوز، لأن قوله " لنفتنهم " من صلة " متعنا " ~~فيلزم الفصل بين الصلة والموصول بالأجنبي. وهو اعتراض حسن. # السادس: أن ينتصب على البدل من محل " به ". # السابع: أن ينتصب على الحال من " ما " الموصولة. # الثامن: أنه حال من الهاء في " به " ، وهو ضمير الموصول، فهو كالذي ~~قبله في المعنى. # فإن قيل: كيف يقع الحال معرفة؟ # فالجواب: أن تجعل " زهرة " منونة نكرة، وإنما حذف التنوين لالتقاء ~~الساكنين نحو: # 3702- ولا ذاكر الله إلا قليلا # وعلى هذا: فبم (جرت " الحياة "؟ فقيل: على البدل من " ما " ~~الموصولة). # التاسع: أنه تمييز ل " ما " أو الهاء في " به " وقد ردوه عليه بأنه ~~معرفة والمميز لا يكون معرفة، وهذا غير لازم، لأنه يجوز تعريف التمييز ~~على أصول الكوفيين. # والعاشر: أنه صفة ل " أزواجا " بالتأويلين المذكورين في نصبه حالا ~~وقد منعه أبو البقاء بكون الموصوف نكرة والوصف معرفة، وهذا يجاب عنه بما ~~أجيب في تسويغ نصبه حالا أعني حذف التنوين لالتقاء الساكنين. والعامة ~~على تسكين الهاء، وقرأ الحسن وأبو البرهسم وأبو حيوة بفتحها، فقيل: ~~بمعنى كجهرة وجهرة. وأجاز الزمخشري أن يكون جمع زاهر كفاجر ~~وفجرة وبار وبررة وروى الأصمعي عن نافع " لنفتنهم " بضم ~~النون من أفتنه إذا أوقعه في الفتنة والزهرة بفتح الهاء وسكونها ms6154 ~~كنهر ونهر ما يروق من النور وسراج زاهر لبريقه ورجل أزهر وامرأة زهراء ~~من ذلك والأنجم الزهر هي المضيئة. # فصل # معنى " متعنا " ألذذنا به، والإمتاع: الإلذاذ بما يدرك من ~~المناظر الحسنة ويسمع من الأصوات المطربة، ويشم من الروائح الطيبة، وغير ~~ذلك من الملابس والمناكح، يقال: أمتعه ومتعه تمتيعا، والتفعيل ~~يقتضي التكثير. ومعنى الزهرة فيمن حرك الزينة والبهجة، كما جاء في ~~الجهرة قرىء { أرنا الله جهرة } [النساء:153]. وقيل: جمع زاهر ~~وصفا لهم بأنهم زهرة هذه الحياة الدنيا لصفاء ألوانهم وتهلل ~~وجوههم بخلاف ما عليه الصلحاء من شحوب الألوان والتقشف في الثياب. ~~ومعنى " نفتنهم " نعذبهم كقوله: # فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد ~~الله ليعذبهم بها في الحيوة الدنيا # [التوبة: 55]. # وقال ابن عباس: لنجعل ذلك فتنة لهم بأن أزيد لهم في النعمة فيزيدوا ~~كفرا وطغيانا. # ثم قال: " ورزق ربك " في المعاد يعني في الجنة " خير ~~وأبقى " أي: خير من مطلوبهم وأبقى، لأنه يدوم ولا ينقطع، وليس كذلك ~~حال ما أوتوه في الدنيا. ويحتمل أن ما أوتيته من يسير الدنيا إذا قرنته ~~بالطاعة، ورضيت به، وصبرت عليه كانت عاقبته خيرا لك. ويحتمل أن يكون ~~المراد ما أعطي من النبوة والدرجات الرفيعة. قوله: { وأمر أهلك ~~بالصلوة } أي: قومك. # وقيل: من كان على دينك كقوله تعالى: # وكان يأمر أهله بالصلوة # [مريم: 55] وحمله بعضهم على أقاربه. # " واصطبر عليها " أي: اصبر على الصلاة وحافظ عليها فإنها ~~تنهى عن الفحشاء والمنكر. وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ~~نزول هذه الآية يذهب إلى فاطمة وعلي - عليهما السلام - في كل صباح ~~ويقول: " الصلاة ". ثم بين تعالى أنما أمرهم بذلك لنفعهم وأنه ~~متعال عن المنافع، فقال: { لا نسألك رزقا } أي: لا نكلفك أن ~~ترزق أحدا من خلقنا، ولا أن ترزق نفسك، وإنما نكلفك عملا ~~ففرغ بالك لأمر الآخرة، كما قال بعضهم: من كان في عمل الله كان ~~الله في عمله. وقال أبو مسلم: معناه إنما يريد منه ومنهم العبادة، ولا ~~يريد منه أن يرزقه كما يريد السادة من العبيد ms6155 الخراج، ونظيره # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون مآ أريد ~~منهم من رزق ومآ أريد أن يطعمون # [الذاريات: 56، 57]. وقيل: المعنى إنما أمرناك بالصلاة لا لأنا ننتفع ~~بصلاتك. " نحن نرزقكم " في الدنيا بوجود النعم، وفي الآخرة ~~بالثواب قال عبد الله بن سلام: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا ~~نزل بأهله ضيق أو شدة أمرهم بالصلاة، وتلا هذه الآية. # " والعاقبة " الجميلة المحمودة " للتقوى " أي: لأهل التقوى. ~~قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: (الذين صدقوك واتبعوك واتقون)، ~~ويؤيده قوله في موضع آخر، # والعاقبة للمتقين # [الأعراف: 128]. [القصص: 83]. وقرأ ابن وثاب: " نرزقك " بإدغام ~~القاف في الكاف، والمشهور عنه أنه لا يدغم إلا إذا كانت الكاف متصلة بميم ~~جمع نحو: خلقكم، كما تقدم. ### | [21 - سورة الأنبياء] ### || [21.1-3] # قوله تعالى: { اقترب للناس حسابهم } الآية. # اللام متعلقة ب " اقترب " ، قال الزمخشري: هذه اللام لا تخلو ~~إما أن تكن صلة ل " اقترب " ، أو تأكيدا لإضافة الحساب إليهم ~~كقولك: أزف للحي رحيلهم، الأصل: أزف رحيل الحي، ثم أزف ~~للحي الرحيل، ثم أزف للحي رحيلهم، ونحوه ما أورده سيبويه في باب ما ~~يثنى فيه المستقر توكيدا، نحو عليك زيد حريص عليك، وفيك ~~زيد راغب فيك، ومنه قولهم: لا أبا لك، لأن اللام مؤكدة لمعنى ~~الإضافة، وهذا الوجه أغرب من الأول. # قال أبو حيان: يعني بقوله: صلة ل " اقترب " أي: متعلقة به، وأما ~~جعله اللام توكيدا لإضافة الحساب إليهم مع تقدم اللام ودخولها على الاسم ~~الظاهر فلا نعلم أحدا يقول ذلك، وأيضا فيحتاج إلى ما يتعلق به، ولا ~~يمكن تعلقها ب " حسابهم " لأنه مصدر موصول، ولأنه قدم معموله ~~عليه، وأيضا فإن التوكيد يكون متأخرا عن المؤكد، وأيضا فلو أخر في ~~هذا التركيب لم يصح. # وأما تشبيهه بما أورده سيبويه فالفرق واضح، فإن (عليك) معمول ل ~~(حريص) و (عليك) المتأخرة تأكيد وكذلك (فيك زيد راغب فيك) ~~يتعلق (فيك) ب (راغب) و (فيك) الثانية توكيد، وإنما غره في ذلك ~~صحة تركيب اقترب حساب الناس، وكذلك أزف رحيل الحي، فاعتقد إذا تقدم ~~الظاهر مجرورا ms6156 باللام وأضيف المصدر لضميره أنه من باب: فيك زيد ~~راغب فيك، فليس مثله. # وأما (لا أبا لك)، فهي مسألة مشكلة، وفيها خلاف، ويكن أن يقال فيها ~~ذلك، لأن اللام فيها جاورت الإضافة، ولا يقاس عليها لشذوذها وخروجها عن ~~الأقيسة. قال شهاب الدين: مسألة الزمخشري أشبه شيء بمسألة (لا أبا ~~لك)، والمعنى الذي أورده صحيح، وأما كونها مشكلة فهو إنما بناها على ~~قول الجمهور، والمشكل مقدر في بابه، فلا يضرنا القياس عليه لتقريره في ~~مكانه. قوله: { وهم في غفلة معرضون } يجوز أن يكون الجار ~~متعلقا بمحذوف على أنه حال من الضمير في " معرضون " وأن يكون خبرا ~~من الضمير، ومعرضون خبر ثان وقول أبي البقاء في هذا الجار: إنه خبر ثان. ~~يعني في العدد وإلا فهو أول في الحقيقة. وقد يقال: لما كان في تأويل ~~المفرد جعل المفرد الصريح مقدما في الرتبة، فهو ثان بهذا الاختيار. # وهذه الجملة في محل نصب على الحال من " للناس ". # فصل # نزلت في منكري البعث، والقرب لا يعقل إلا في المكان والزمان، والقرب ~~المكاني هما ممتنع فتعين القرب الزماني. فإن قيل: كيف وصف بالاقتراب وقد ~~عبر هذا القول أكثر من ستمائة عام؟ # والجواب من وجوه: # الأول: أنه مقترب عند الله، لقوله تعالى: # ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده ~~وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون # [الحج: 47]. # الثاني: أن كل آت قريب وإن طالت أوقات ترقبه، وإنما البعيد هو ~~الذي انقرض قال الشاعر: # 3703- فما زال ما تهواه أقرب من غد # ولا زال ما تخشاه أبعد من أمس # الثالث: أن المقابلة إذا كانت مؤجلة إلى سنة ثم انقضى منها شهر، فإنه ~~لا يقال: اقترب الأجل، أما إذا كان الماضي أكثر من الباقي فإنه يقال: ~~اقترب الأجل. فعلى هذا الوجه قال العلماء: إن فيه دلالة على قرب القيامة، ~~ولهذا قال عليه السلام: # " بعثت أنا والساعة كهاتين " # وقال عليه السلام: # " ختمت النبوة " # كل ذلك لأجل أن الباقي من مدة التكليف أقل من الماضي واعلم أنه إنما ~~ذكر تعالى هذا الاقتراب ms6157 لما فيه من مصلحة المكلفين ليكثر تحرزهم خوفا ~~منها. ولم يعين الوقت، لأن كتمان وقت الموت أصلح لهم والمراد بالناس من ~~له مدخل في الحساب وهم المكلفون دون من لا مدخل فيه. # قال ابن عبس: المراد بالناس المشركون. وهذا من إطلاق اسم الجنس على بعضه ~~للدليل القائم، وهو ما يتلوه من صفات المشركين. # وقوله: { وهم في غفلة معرضون } وصفهم بالغفلة والإعراض، ~~أما الغفلة فالمعنى: أنهم غافلون عن حسابهم ساهون لا يتفكرون في عاقبتهم ~~مع اقتضاء عقولهم أنه لا بد من جزاء المحسن والمسيء، ثم إذا انتبهوا ~~من سنة الغفلة، ورقدة الجهالة مما يتلى عليهم من الآيات أعرضوا وسدوا ~~أسماعهم. # قوله: { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث } ذكر الله ~~- تعالى - ذلك بيانا لكونهم معرضين، وذلك لأن الله - يجدد لهم الذكر ~~كل وقت، ويظهر لهم الآية بعد الآية، والسورة بعد السورة ليكرر على ~~أسماعهم الموعظة لعلهم يتعظون، فما يزيدهم ذلك إلا استسخارا. # قوله: " محدث " العامة على جر " محدث " نعتا ل " ذكر " على ~~اللفظ. # وقوله: " من ربهم " فيه أوجه: # أجودها: أن يتعلق ب " يأتيهم " ، وتكون " من " لابتداء الغاية ~~مجازا. # والثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من الضمير المستتر في " محدث ~~". # الثالث: أن يكون حالا من نفس " ذكر " ، وإن كان نكرة، لأنه قد ~~تخصص بالوصف ب " محدث " ، وهو نظير: ما جاءني رجل قائما منطلق، ~~ففصل بالحال بين الصفة والموصوف. وأيضا فإن الكلام نفي وهو مسوغ لمجيء ~~الحال من النكرة. # الرابع: أن يكون نعتا ل " ذكر " فيجوز في محله وجهان: الجر باعتبار ~~اللفظ والرفع باعتبار المحل، لأنه مرفوع المحل إذ " من " مزيده فيه، ~~وسيأتي. وفي جعله نعتا ل " ذكر " إشكال من حيث إنه قد تقدم غير ~~الصريح على الصريح، وتقدم تحريره في المائدة. # الخامس: أن يتعلق بمحذوف على سبيل البيان. وقرأ ابن عبلة " محدث " ~~رفعا نعتا ل " ذكر " على المحل، لأن " من " مزيدة فيه لاستكمال ~~الشرطين. # وقال أبو البقاء: ولو رفع على موضع " من ذكر " جاز. كأنه لم يطلع عليه ~~قراءة وزيد بن ms6158 علي " محدثا " نصبا على الحال من " ذكر " ، وسوغ ~~ذلك وصفه ب " من ربهم " إن جعلناه صفة أو واعتماده على النفي. # ويجوز أن يكون من الضمير المستتر في " من ربهم " إن جعلناه صفة. # قوله: " إلا استمعوه " هذه الجملة حال من مفعول " يأتيهم " وهو ~~استثناء مفرغ، و " قد " معه مضمرة عند قوم. # " وهم يلعبون " حال من فاعل " استمعوه " أي استمعوه لاعبين. # فصل # قال مقاتل: معنى " محدث " يحدث الله الأمر بعد الأمر. وقيل: الذكر ~~المحدث ما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - وبينه من السنن والمواعظ ~~سوى ما في القرآن، وأضافه إلى الرب، لأنه أمره بقوله إلا " ~~استمعوه " لاعبين لا يعتبرون ولا يتعظون. # فصل # استدلت المعتزلة بهذه الآية على حدوث القرآن، فقالوا: القرآن ذكر، ~~والذكر محدث، فالقرآن محدث، وبيان أن القرآن ذكر قوله تعالى في صفة ~~القرآن: # إن هو إلا ذكر للعالمين # [يوسف: 104]، [ص: 87]، [التكوير: 27] # وإنه لذكر لك ولقومك # [الزخرف: 44] # إنا نحن نزلنا الذكر # [الحجر: 9] # إن هو إلا ذكر وقرءان مبين # [يس: 69] و # وهذا ذكر مبارك أنزلناه # [الأنبياء: 50]. وبيان أن الذكر محدث قوله: { ما يأتيهم من ~~ذكر من ربهم محدث } وقوله: # ما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث # [الشعراء: 5] فالجواب من وجهين: # الأول: أن قوله تعالى: # إن هو إلا ذكر للعالمين # [يوسف:104] [ص:87] [التكوير:27] وقوله # وهذا ذكر مبارك أنزلناه # [الأنبياء:50] إشارة إلى المركب من الحروف والأصوات، وذلك مما لا نزاع ~~فيه بل حدوثه معلوم بالضرورة، وإنما النزاع في قدر كلام الله تعالى بمعنى ~~آخر. # الثاني: أن قوله: { ما يأتيهم من ذكر من ربهم ~~محدث } لا يدل على حدوث كل ما كان ذكرا، كما أن قول القائل: لا ~~يدخل هذه البلدة رجل فاضل إلا يبغضونه فإنه لا يدل على أن كل رجل ~~يجب أن يكون فاضلا بل على أن من الرجال من هو فاضل، وإذا كان كذلك ~~فالآية لا تدل إلا على أن بعض الذكر محدث، فيصير نظم الكلام: القرآن ذكر، ~~وبعض الذكر محدث، وهذا لا ينتج شيئا، فظهر أن الذي ظنوه قاطعا لا ms6159 يفيد ~~ظنا ضعيفا فضلا عن القطع. # قوله: " لاهية " يجوز أن تكون حالا من فاعل " استمعوه " عند من ~~يجيز تعدد الحال، فيكون الحالان مترادفين. # وأن يكون حالا من فاعل " يلعبون " فيكون الحالان متداخلين وعبر ~~الزمخشري عن ذلك فقال: { وهم يلعبون لاهية قلوبهم } ~~حالان مترادفتان أو متداخلتان وإذا جعلناهما حالين مترادفتين ففيه تقديم ~~الحال غير الصريحة وفيه من البحث ما في باب النعت. (و " قلوبهم " مرفوع ~~ب " لاهية " ). # وقال البغوي: " لاهية " نعت تقدم الاسم، ومن حق النعت أن يتبع الاسم ~~في الإعراب، فإذا تقدم النعت الاسم فله حالتان فصل ووصل، فحالته في الفصل ~~النصب كقوله تعالى # خشعا أبصرهم # [القمر:7] و # ودانية عليهم ظلالها # [الإنسان: 14] و { لاهية قلوبهم } ، وفي الوصل حالة ما قبله من ~~الإعراب كقوله: { أخرجنا من هذه القرية الظالم ~~أهلها } [النساء: 75] والعامة على " لاهية " ، وابن أبي عبلة على ~~الرفع على أنها خبر ثان لقوله " وهم " عند من يجوز ذلك، أو خبر ~~مبتدأ محذوف عند من لا يجوزه. # قوله: { وأسروا النجوى الذين ظلموا } يجوز في محل " ~~الذين " ثلاثة أوجه: # الرفع، والنصب، والجر. فالرفع من ستة أوجه: # أحدها: أنه بدل من (واو) " أسروا " تنبيها على اتصافهم بالظلم ~~الفاحش وعزاه ابن عطية لسيبويه، وغيره للمبرد. # الثاني: أنه فاعل، والواو علامة جمع دلت على جمع الفاعل كما تدل التاء ~~على تأنيثه، وكذلك يفعلون في التثنية فيقولون: قاما أخواك وأنشدوا: # 3704- يلومونني في اشتراء النخي # خيل أهلي وكلهم ألوم # وإليه ذهب الأخفش وأبو عبيدة، وضعف بعضهم هذه اللغة وبعضهم حسنها فنسبها ~~لأزد شنوءة. # وتقدمت هذه المسألة في المائدة عند قوله تعالى: # ثم عموا وصموا كثير منهم # [المائدة:71]. # الثالث: أن يكون " الذين " مبتدأ " وأسروا " جملة خبرية قدمت على ~~المبتدأ ويعزى للكسائي. # الرابع: أن يكون " الذين " مرفوعا بفعل مقدر فقيل تقديره: يقول الذين، ~~واختاره النحاس، قال: والقول كثيرا ما يضمر، ويدل عليه قوله بعد ذلك: { ~~هل هذا إلا بشر مثلكم }. وقيل: تقديره: أسرها الذين ~~ظلموا. # الخامس: أنه خبر مبتدأ مضمر تقديره: هم الذين ظلموا. # السادس: أنه مبتدأ وخبره الجملة ms6160 من قوله: { هل هذا إلا بشر ~~} (ولا بد من إضمار القول على هذا القول تقديره: الذين ظلموا يقولون هل ~~هذا إلا بشر) والقول يضمر كثيرا. والنصب من وجهين: # أحدهما: الذم. # والثاني: إضمار " أعني ". # والجر من وجهين أيضا: # أحدهما: النعت. # والثاني: البدل من " للناس " ، ويعزى هذا للفراء، وفيه بعد. # قوله: " هل هذا " إلى قوله: " تبصرون " يجوز في هاتين الجملتين ~~الاستفهاميتين أن تكونا في محل نصب بدلا من " النجوى " وأن تكونا في ~~محل نصب بإضمار القول. قالهما الزمخشري. # وأن تكونا في محل نصب على أنهما محكيتان ب " النجوى " ، لأنها في ~~معنى القول " وأنتم تبصرون " جملة حالية من فاعل " تأتون ~~". # فصل # اعلم أن الله - تعالى - ذم الكفار بهذا الكلام، وزجر غيرهم عن مثله، ~~لأنهم إذا استمعوا وهم يلعبون لم يحصلوا إلاعلى مجرد الاستماع الذي قد ~~تشارك فيه البهيمة الإنسان، ثم أكد ذمهم بقوله: " لاهية قلوبهم ~~" واللاهية من لهي عنه إذا ذهل وغفل. وقدم ذكر اللعب على اللهو كما في ~~قوله تعالى: # إنما الحيوة الدنيا لعب ولهو # [محمد: 36] تنبيها على أن اشتغالهم باللعب الذي معناه الذهول والغفلة ~~والسخرية والاستهزاء معلل باللهو الذي معناه الذهول، فإنهم إنما ~~أقدموا على اللعب لذهولهم عن الحق. # وقوله: " وأسروا النجوى " فيه سؤال، وهو أن النجوى اسم من ~~التناجي، وهو لا يكون إلا خفية، فما معنى قوله: " وأسروا "؟ # فالجواب: أنهم بالغوا في إخفائها، وجعلوها بحيث لا يفطن أحد لتناجيهم. # فإن قيل: لم قال: { وأسروا النجوى الذين ظلموا }؟ # فالجواب: أن إبدال " الذين ظلموا " من " أسروا " إشعار بأنهم ~~الموسومون بالظلم الفاحش فيما أسروا به. أو جاء على لغة من قال: أكلوني ~~البراغيث وقوله: { هل هذا إلا بشر مثلكم } قال ~~الزمخشري: هذا الكلام كله في محل النصب بدلا من " النجوى " أي: ~~وأسروا هذا الحديث، وهو قولهم: { هل هذا إلا بشر ~~مثلكم }. ويحتمل أن يكون التقدير: وأسروا النجوى وقالوا هذا ~~الكلام وإنما أسروا هذا الحديث لوجهين: # أحدهما: إنما كان ذلك شبه التشاور فيما بينهم، والتحاور في طلب الطريق ~~إلى هدم أمره، وعادة المتشاورين أن ms6161 يجتهدوا في كتمان سرهم عن أعدائهم. # الثاني: يجوز أن يسروا نجواهم بذاك، ثم يقولوا لرسول الله والمؤمنين: إن ~~كان ما تدعونه حقا (فأخبرونا بما أسررناه). # واعلم أنهم طعنوا في نبوته - عليه السلام - بأمرين: # أحدهما: أنه بشر مثلهم. # والثاني: أن الذي أتى به سحر. # وكلا الطعنين فاسد، أما الأول، فلأن النبوة تقف صحتها على المعجزات ~~والدلائل لا على الصور، إذ لو أرسل الملك إليهم لما علم كونه نبيا ~~بصورته، وإنما كان يعلم بالعلم، فإذا أظهر ذلك على من هو بشر فيجب أن ~~يكون نبيا، بل الأولى أن يكون المبعوث إلى البشر بشرا، لأن المرء إلى ~~القبول من أشكاله أقرب، وهو به أقيس. وأما الثاني وهو أن ما أتى به ~~الرسول من القرآن ظاهره الوعيد لا مرية فيه، ولا لبس، وقد كان عليه ~~السلام يتحداهم بالقرآن مدة من الزمان حالا بعد حال، وهم أرباب الفصاحة ~~والبلاغة، وكانوا في نهاية الحرص على إبطال أمره، وأقوى الأمور في إبطال ~~أمره معارضة القرآن، فلو قدروا على المعارضة لامتنع أن لا يأتوا بها، لأن ~~الفعل عند توفر الدواعي وارتفاع الصارف واجب الوقوع، فلما لم يأتوا بها ~~دلنا ذلك على أنه في نفسه معجز، وأنهم عرفوا حاله فكيف يجوز أن يقال: ~~إنه سحر والحال ما ذكرناه وكل ذلك يدل على أنهم كانوا عالمين بصدقه إلا ~~أنهم كانوا يموهون على ضعفائهم بمثل هذا القول، وإن كانوا فيه مكابرين. ~~والمعنى: " أفتأتون " تحضرون " السحر وأنتم " تعلمون أنه ~~سحر. ### || [21.4-6] # قوله: { قال ربي يعلم القول }. قرأ الأخوان وحفص " قال ~~" على لفظ الخبر والضمير للرسول - صلى الله عليه وسلم -. # والباقون: " قل " على الأمر له. # قوله: " في السماء " فيه أوجه: # أحدها: أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من القول. # والثاني: أنه حال من فاعل " يعلم " وضعفه أبو البقاء، وينبغي أن ~~يمتنع. # والثالث: أنه متعلق ب " يعلم " ، وهو قريب مما قبله. وحذف متعلق " ~~السميع العليم " للعلم به. والمعنى: لا يخفى عليه شيء " وهو ~~السميع " لأقوالهم " العليم " بأفعالهم. قال الزمخشري: فإن قلت: هلا قيل: ~~يعلم ms6162 السر لقوله " وأسروا النجوى " قلت: القول عام يشمل السر ~~والجهر، فكان في العلم به العلم بالسر وزيادة، فكان آكد في بيان الاطلاع ~~على نجواهم من أن يقول: يعلم السر، كما أن قوله: " يعلم السر " ~~آكد من أن يقول: يعلم سرهم. # فإن قلت: لم ترك الآكد في سورة الفرقان في قوله: # قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض # [الفرقان: 6]؟ قلت: ليس بواجب أن يجيء بالآكد في كل موضع ولكن يجيء ~~بالتوكيد تارة وبالآكد أخرى. ثم الفرق أنه قدم هنا أنهم أسروا النجوى، ~~فكأنه قال: إن ربي يعلم ما أسروه، فوضع القول موضع ذلك للمبالغة، وثم قصد ~~وصفه ب # عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة # [سبأ: 3] وإنما قدم " السميع " على " العليم " لأنه لا بد من سماع ~~الكلام أولا ثم من حصول العلم بمعناه. قوله: " أضغاث أحلام " خبر ~~مبتدأ محذوف، أي هو أضغاث والجملة نصب بالقول. واعلم أنه تعالى عاد إلى ~~حكاية قولهم: { هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر } ثم قال { بل ~~قالوا أضغث أحلام بل افتراه بل هو شاعر } فحكى ~~عنهم هذه الأقوال الخمسة، وترتيب كلامهم أن كونه بشرا مانع من كونه ~~رسولا لله. سلمنا أنه غير مانع، ولكن لا نسلم أن هذا القرآن معجز، ثم ~~إما أن يساعد على أن فصاحة القرآن خارجة عن مقدور البشر، قلنا: لم لا ~~يجوز أن يكون ذلك سحرا، وإن لم يساعد عليه فإن ادعينا كونه في نهاية ~~الركاكة، قلنا: إنه أضغاث أحلام. وإن ادعينا أنه متوسط بين الركاكة ~~والفصاحة، قلنا: إنه افتراه، وإن ادعينا أنه كلام فصيح، قلنا: إنه من ~~جنس فصاحة سائر الشعر. وعلى جميع هذه التقديرات فإنه لا يثبت كونه ~~معجزا. ولما فرغوا من تقدير هذه الاحتمالات قالوا: { فليأتنا ~~بآية كمآ أرسل الأولون } والمراد أنهم طلبوا منه حالة لا ~~يتطرق إليها شيء من هذه الاحتمالات. # وقال المفسرون: إن المشركين اقتسموا القول فيه وفيما يقوله: فقال بعضهم ~~" أضغاث أحلام " أي: أباطيلها وأهاويلها رآها في النوم. وقال بعضهم: " ~~بل افتراه " أي: اختلقه. ms6163 وقال بعضهم: بل محمد شاعر، وما جاءكم به ~~شعر " فليأتنا " محمد " بآية " إن كان صادقا { كمآ أرسل ~~الأولون } من الرسل بالآيات؟ # قوله: " كما أرسل " يجوز في هذه الكاف وجهان: # أحدهما: أن يكون في محل نعتا ل " آية " ، أي: بآية مثل آية إرسال ~~الأولين (ما) مصدرية. # الثاني: أن يكون نعتا لمصدر محذوف، أي إتيانا مثل إرسال الأولين. ~~فأجابهم الله تعالى بقوله: { مآ ءامنت قبلهم من قرية } ~~أي: قبل مشركي مكة " من قرية " أتتهم الآيات " أهلكناها " أي: ~~أهلكناهم بالتكذيب " أفهم يؤمنون إن جاءتهم آية ". والمعنى: ~~أنهم في العتو أشد من الذين اقترحوا على أنبيائهم الآيات، وعاهدوا أنهم ~~يؤمنون عندها، فلما جاءتهم نكثوا وخالفوا، فأهلكهم الله، فلو أعطيناهم ما ~~يقترحون لكانوا أشد نكثا. # قال الحسن: إنما لم يجابوا لأن حكم الله تعالى أن من كذب بعد الإجابة ~~إلى ما اقترحه، فلا بد من أن ينزل به عذاب الاستئصال، وقد مضى حكمه في ~~أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - خاصة بخلافه فلذلك لم يجبهم. وتقدم ~~الكلام في إعراب نظير قوله: { أهلكناها أفهم يؤمنون }. # قوله: " نوحي إليهم ". قرأ حفص: " نوحي " بنون العظمة مبنيا ~~للفاعل، أي نوحي نحن والباقون بالياء وفتح الحاء مبنيا للمفعول، وقد ~~تقدم في يوسف. وهذه الجملة في محل نصب نعتا ل " رجالا " و " ~~إليهم " في القراءة الأولى منصوب المحل، والمفعول محذوف، أي: نوحي ~~إليهم القرآن أو الذكر. ومرفوع المحل في القراءة الثانية لقيامه مقام ~~الفاعل. ### || [21.7-10] # اعلم أنه تعالى أجاب عن سؤالهم الأول وهو قولهم: # هل هذآ إلا بشر مثلكم # [البقرة:3] بقوله: # { ومآ أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم } ~~فبين أن هذه عادة الله في الرسل من قبل محمد - عليه السلام - ولم يمنع ~~ذلك من كونهم رسلا، وإذا صح ذلك فيهم فقد ظهر على محمد مثل آياتهم. # " فسألوا أهل الذكر " يعني علماء أهل الكتاب حتى يعلموكم أن ~~رسل الله الموحى إليهم كانوا بشرا، ولم يكونوا ملائكة، وإنما أحالهم على ~~أولئك، لأنهم كانوا يتابعون المشركين في معاداة الرسول، وأمر المشركين ~~بمساءلة أهل الكتاب، ms6164 لأنهم إلى تصديق من لم يؤمن بالنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أقرب منهم إلى تصديق من آمن قال تعالى: # ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ~~ومن الذين أشركوا أذى كثيرا # [آل عمران: 186] فإن قيل: إذا لم يوثق باليهود والنصارى فكيف يجوز أن ~~يأمرهم بأن يسألوهم عن الرسل؟ # فالجواب: إذا تواتر خبرهم وبلغ حد الضرورة جاز ذلك، لأنا نعلم بخبر ~~الكفار إذا تواتر كما نعلم بخبر المؤمنين. وقال ابن زيد: أراد بأهل الذكر ~~المؤمنين، وهو بعيد، لأنهم كانوا طاعنين في القرآن وفي الرسول. # فأما تعلق كثير من الفقهاء بهذه الآية في أن للقاضي أن يرجع إلى فتيا ~~العلماء وفي أن للمجتهد أن يأخذ بقول مجتهد آخر، فبعيد، لأن هذه الآية ~~خطاب مشافهة، وهي واردة في هذه الواقعة المخصوصة، ومتعلقة باليهود ~~والنصارى على التعيين. # قوله: { إن كنتم لا تعلمون } جواب الشرط محذوف لدلالة ما تقدم ~~عليه، أي: " فاسألوهم " ، ومفعولا العلم يجوز أن يراد، أي: لا تعلمون ~~أن ذلك كذلك، ويجوز أن لا يراد، أي: إن كنتم من غير ذوي العلم. # قوله: { وما جعلناهم جسدا } أي ما جعلنا الرسل جسدا، ولم ~~يقل: أجسادا، لأنه اسم جنس. { لا يأكلون الطعام } هذا رد لقولهم: # مالهذا الرسول يأكل الطعام # [الفرقان: 7] والمعنى: لم نجعل الرسل ملائكة بل جعلناهم بشرا يأكلون ~~الطعام { وما كانوا خالدين } في الدنيا: قوله: { لا يأكلون ~~الطعام } في هذه الجملة وجهان: # أظهرهما: أنها في محل نصب نعتا ل " جسدا " و " جسدا " مفرد يراد به ~~الجمع، وهو على حذف مضاف أي: ذوي أجساد غير آكلين الطعام، و " جعل " يجوز ~~أن تكون بمعنى (صير) فتتعدى لاثنين ثانيهما " جسدا " ويجوز أن تكون ~~بمعنى (خلق) و (أنشأ) فتتعدى لواحد فيكون " جسدا " حالا بتأويله بمشتق، ~~أي: متغذين، لأن الجسد لا بد له من الغذاء. # وقال أبو البقاء: و " لا يأكلون " حال أخرى، بعد " جسدا " إذا قلنا إن ~~(جعل تتعدى لواحد). # وفيه نظر. بل هو صفة ل " جسدا " بالاعتبارين، لا يليق المعنى إلا به. # قوله: " صدقناهم الوعد " صدق يتعدى ms6165 لاثنين إلى ثانيهما بحرف ~~الجر. وقد يحذف تقول: صدقتك الحديث، وفي الحديث نحو أمر واستغفر وقد ~~تقدم في " آل عمران ". قال الزمخشري: هو مثل قوله: # واختار موسى قومه سبعين رجلا # [الأعراف: 155] والأصل في الوعد، ومن قومه. والمعنى " صدقناهم الوعد " ~~الذي وعدناهم بإهلاك أعدائهم، { فأنجيناهم ومن نشاء } أي: ~~أنجينا المؤمنين الذين صدقوا الرسل " وأهلكنا المسرفين " أي: ~~المشركين المكذبين، وكل مشرك مسرف على نفسه. # قوله: { لقد أنزلنا إليكم كتابا } يا معشر قريش " فيه ~~ذكركم " أي شرفكم، كما قال: # وإنه لذكر لك ولقومك # [الزخرف: 44] وإنه شرف لمن آمن به. وقال مجاهد: فيه حديثكم. وقال ~~الحسن: " فيه ذكركم " أي ذكر ما تحتاجون إليه من أمور دينكم " ~~أفلا تعقلون " وهذا كالحث على التدبر للقول لأنهم كانوا عقلاء، ~~لأن التدبر من لوازم العقل، فمن لم يتدبر فكأنه خرج عن العقل. ### || [21.11-15] # قوله: " وكم قصمنا " " كم " في محل نصب مفعولا مقدما ب " ~~قصمنا " و " من قرية " تمييز، والظاهر أن " كم " هنا خبرية، ~~لأنها تفيد التكثير. والقصم: القطع وهو الكسر الذي يبين تلازم الأجزاء ~~بخلاف الفصم. # قوله: " كانت ظالمة " في محل جر صفة ل " قرية " ، ولا بد من ~~مضاف محذوف قبل " قرية " أي: وكم قصمنا من أهل قرية بدليل عود الضمير ~~في قوله: " فلما أحسوا " ولا يجوز أن يعود على قوله " قوما " ~~لأنه لم يذكر لهم ما يقتضي ذلك. # فصل # لما حكى عنهم تلك الاعتراضات الساقطة، لكونها في مقابلة ما ثبت إعجازه، ~~وهو القرآن ظهر لكل عاقل أن اعتراضهم كان لأجل حب الرياسة والدنيا. # والمراد بقوله: " قصمنا " أهلكنا. قال ابن عباس: المراد منه القتل ~~بالسيوف، والمراد بالقرية: حضور وسحول باليمن ينسب إليهما الثياب، وفي ~~الحديث: # " كفن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثوبين سحوليين " # ، وروي " حضوريين " بعث الله إليهما نبيا فقتلوه فسلط الله عليهم ~~بختنصر كما سلطه على أهل بيت المقدس فاستأصلهم. # وروي " أنه لما أخذتهم السيوف ناداه مناد من السماء يا لثارات الأنبياء ~~" فندموا واعترفوا بالخطأ، و # قالوا يويلنآ إنا كنا ظالمين # [الأنبياء:14]. # وقال الحسن: المراد ms6166 عذاب الاستئصال. وهذا أقرب، لأن إضافة ذلك إلى الله ~~أقرب من إضافته إلى القائل، ثم بتقدير أن يحمل ذلك على عذاب القتل فما ~~الدليل على الحصر في القريتين اللتين ذكرهما ابن عباس. # وقوله: " كانت ظالمة " أي كافرة، يعني أهلها " وأنشأنا ~~بعدها " أي: أحدثنا بعد هلاك أهلها " قوما آخرين ". { فلمآ ~~أحسوا بأسنآ } أي: عذابنا بحاسة البصر { إذا هم منها ~~يركضون } أي: يسرعون هاربين. # والركض ضرب الدابة بالرجل، يقال: ركض الدابة يركضها ركضا، ومنه قوله ~~تعالى: " اركض برجلك ". فيجوز أن يركبوا دوابهم فيركضوها هاربين ~~منهزمين من قريتهم لما أدركتهم مقدمة العذاب. ويجوز أن يشبهوا في سرعة ~~عدوهم على أرجلهم بالراكبين الراكضين. # قوله: " إذا هم ": " إذا " هذه فجائية، وتقدم الخلاف فيها. # و " هم " مبتدأ، و " يركضون " خبره. وتقدم أول الكتاب أن أمثال ~~هذه الآية دالة على أن " لما " ليست ظرفية بل حرف وجوب لوجوب، لأن ~~الظرف لا بد له من عامل، ولا عامل هنا، لأن ما بعد " إذا " لا يعمل فيما ~~قبلها. والجواب أنه عمل فيها معنى المفاجأة المدلول عليه ب " إذا ". # والضمير في " منها " يعود على " قرية " ، ويجوز أن يعود على " ~~بأسنا " لأنه في معنى النقمة والبأساء، فأنث الضمير حملا على المعنى. ~~و " من " على الأول لابتداء الغاية، وللتعليل على الثاني. # قوله: " لا تركضوا " أي: قيل لهم: لا تركضوا، أي لا تهربوا. قال ~~الزمخشري: القول محذوف، فإن قلت: من القائل؟ قلت: يحتمل أن يكون بعض ~~الملائكة، أو من ثم من المؤمنين، أو يكون خلقاء بأن يقال لهم ذلك وإن لم ~~يقل، أو بقوله رب العزة ويسمعه ملائكته لينفعهم في دينهم. أو يلهمهم ذلك ~~فيحدثوا به نفوسهم. # وقوله: { وارجعوا إلى مآ أترفتم فيه } من العيش ~~الرافه والحال الناعمة. والإتراف انتظار النعمة، وهي الترفه. وقوله: " ~~لعلكم تسألون " تهكم بهم وتوبيخ. # قال ابن عباس: تسألون عن قتل نبيكم. وقال غيره: هذا التهكم يحتمل ~~وجوها: # الأول: ارجعوا إلى نعمتكم ومساكنكم لعلكم تسألون عما جرى عليكم ونزل ~~بأموالكم ومساكنكم، فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة. # الثاني: ارجعوا واجلسوا ms6167 كما كنتم في مجالسكم حتى تسألكم عبيدكم ومن ينفذ ~~فيه أمركم ونهيكم، ويقولوا لكم: بم تأمرون، وماذا ترسمون كعادة ~~المخدومين. # الثالث: تسألكم الناس ما في أيديكم ويستشيرونكم في المهمات. # قوله: { فما زالت تلك دعواهم } اسم " زالت " " تلك " و " ~~دعواهم " الخبر هذا هو الصواب. وقد قال الحوفي والزمخشري وأبو البقاء: ~~يجوز العكس، وهو مردود بأنه إذا أخفي الإعراب مع استوائهما في المسوغ ~~لكون كل منهما اسما أو خبرا، وجب جعل المتقدم اسما والمتأخر خبرا، ~~وهو من باب ضرب موسى عيسى وتقدم إيضاح هذا في أول سورة الأعراف فليلتفت ~~إليه. و " تلك " إشارة إلى الجملة المقولة. قال الزمخشري: " تلك " إشارة ~~إلى " يا ويلنا " لإنها دعوى، كأنه قيل: فما زالت تلك الدعوى دعواهم، ~~والدعوى بمعنى الدعوة، قال تعالى: # وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين # [يونس: 10]. # وسميت دعوى، لأنهم كانوا دعوا بالويل فقالوا: " يا ويلنا ". قال ~~المفسرون: لم يزالوا يكررون هذه الكلمة فلم ينفعهم ذلك كقوله: # فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا # [غافر: 85]. " حتى جعلناهم حصيدا " الحصيد: الزرع المحصود، أي جعلناهم ~~مثل الحصيد، شبههم في استئصالهم به، كما تقول: جعلناهم رمادا أي: مثل ~~الرماد قوله: " حصيدا " مفعول ثان، لأن الجعل هنا تصيير. فإن قيل: كيف ~~ينصب " جعل " ثلاثة مفاعيل؟ فالجواب أن " حصيدا " و " خامدين " يجوز أن ~~يكون من باب حلو حامض، كأنه قيل: جعلناهم جامعين بين الوصفين جميعا. ~~ويجوز أن يكون " خامدين " حالا من الضمير في " جعلناهم " ، أو من ~~الضمير المستكن في " حصيدا " فإنه في معنى محصود. ويجوز أن يكون في ~~باب ما تعدد فيه الخبر نحو: " زيد كاتب شاعر ". وجوز أبو البقاء فيه ~~أيضا أن يكون صفة ل " حصيدا " ، وحصيد بمعنى محصود كما تقدم فلذلك لم ~~يجمع. وقال أبو البقاء: والتقدير: مثل حصيد فلذلك لم يجمع كما لم يجمع " ~~مثل " المقدر انتهى. # وإذا كان بمعنى محصودين فلا حاجة، والمعنى: أنهم هلكوا بذلك العذاب حتى ~~لم يبق حس ولا حركة، وجفوا كما يجف الحصيد وخمدوا كما تخمد النار. ### || [21.16-18] # قوله تعالى: { وما ms6168 خلقنا السمآء والأرض } الآية. اعلم أنه ~~لما بين إهلاك القرية لأجل تكذيبهم أتبعه بما يدل على أنه فعل ذلك عدلا ~~منه، ومجازاة على ما فعلوا فقال: { وما خلقنا السمآء ~~والأرض وما بينهما لاعبين } أي: وما سوينا هذا السقف ~~المرفوع، وهذا المهاد الموضوع وما بينهما من العجائب والغرائب كما سوى ~~الجبابرة سقوفهم وفرشهم للعب واللهو، وإنما سويناهم لفوائد دينية ~~ودنيوية. أما الدينية فليتفكر المكلفون فيها على ما قال: # ويتفكرون في خلق السموات والأرض # [آل عمران: 191]. وأما الدنيوية فلما يتعلق بها من المنافع التي لا تعد ~~ولا تحصى، وهو كقوله: # وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما باطلا # [ص: 27] وقوله: # ما خلقناهمآ إلا بالحق # [الدخان: 39]. وقيل: وجه النظم أن الغرض منه تقرير نبوة محمد - عليه ~~السلام - والرد على منكريه، لأنه أظهر المعجز عليه، فإن كان محمد كاذبا ~~كان إظهار المعجز عليه من باب اللعب، وذلك منفي عنه، وإن كان صادقا فهو ~~المطلوب وحينئذ يفسد كل ما ذكروه من المطاعن و " لاعبين " حال من فاعل " ~~خلقنا ". # فصل # قال القاضي عبد الجبار: دلت هذه الآية على أن اللعب ليس من قبله ~~تعالى، إذ لو كان كذلك لكان لاعبا، فإن اللاعب في اللغة اسم لفاعل ~~اللعب، فنفي الاسم الموضوع لفعل يقتضي نفي الفعل. والجواب يبطل ذلك ~~بمسألة الداعي، وقد تقدم. قوله: { لو أردنا أن نتخذ لهوا ~~}. # قال ابن عباس: في رواية عطاء: اللهو: المرأة، وهو قول الحسن وقتادة وقال ~~في رواية الكلبي: اللهو: الولد بلغة اليمن، وهو قول السدي. وهو في المرأة ~~أظهر، لأن الوطأ يسمى لهوا في اللغة، والمرأة محل الوطأ. # { لاتخذناه من لدنا } أي: من عندنا من الحور العين لا من عندكم من أهل ~~الأرض. وقيل: معناه لو كان ذلك جائزا في صفته لم يتخذه بحدث يظهر لهم ~~ويستر ذلك حتى لا يطلع عليه. وتأويل الآية: أن النصارى لما قالوا في ~~المسيح وأمه ما قالوا رد الله عليهم بهذا، وقال: { لاتخذناه من لدنا } ، ~~لأنكم تعلمون أن ولد الرجل وزوجته يكونان عنده لا عند غيره. ms6169 # قوله: { إن كنا فاعلين } في " إن " هذه وجهان: # أحدهما: أنها نافية، أي: ما كنا فاعلين، قاله قتادة ومقاتل وابن جريج. # والثاني: أنها شرطية، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب " لو " عليه ~~والتقدير: إن كنا فاعلين اتخذناه ولكنا لم نفعله، لأنه لا يليق ~~بالربوبية. قوله: { بل نقذف بالحق على الباطل }. " بل ~~" حرف إضراب عن اتخاذ اللهو واللعب وتنزيه لذاته كأنه قال: سبحاننا أن ~~نتخذ اللهو واللعب بل من موجب حكمتنا أن نغلب اللعب بالجد وندحض الباطل ~~بالحق. # والمعنى دع الذي قالوا فإنه كذب وباطل. و " نقذف " نرمي ونسلط قال ~~تعالى: # ويقذفون من كل جانب دحورا # [الصافات: 8، 9] أي يرمون بالشهب. " بالحق " بالإيمان، " على الباطل " ~~على الكفر وقيل: الحق قول الله: إنه لا ولد له، والباطل قولهم: اتخذ الله ~~ولدا. قوله: " فيدمغه " العامة على رفع الغين نسقا على ما قبله. ~~وقرأ عيسى بن عمر بنصبها قال الزمخشري: وهو في ضعف قوله: # 3705- سأترك منزلي لبني تميم # وألحق بالحجاز فأستريحا # وقرىء شاذا " فيدمغه " بضم الميم، وهي محتملة لأن يكون في المضارع ~~لغتان يفعل ويفعل، وأن يكون الأصل الفتح والضمة للإتباع في حرف ~~الحلق. # و " يدمغه " أي يصيب دماغه من قولهم: دمغت الرجل، أي ضربته في دماغه ~~كقولهم: رأسه وكبده ورجله، إذا أصاب منه هذه الأعضاء. وأصل الدمغ شج ~~الرأس حتى يبلغ الدماغ. واستعار القذف والدمغ تصويرا لإبطاله به، فجعله ~~كأنه جرم صلب كالصخرة مثلا قذف به على جرم رخو أجوف فدمغه: أهلكه وأذهبه ~~{ فإذا هو زاهق } ذاهب، " ولكم الويل " يعني من كذب الرسول ~~ونسب القرآن إلى أنه سحر وأضغاث أحلام، وغير ذلك من الأباطيل. # قوله: " مما تصفون " فيه أوجه: # أحدها: أنه متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر، أي: استقر لكم الويل ~~من أجل ما تصفون. و " من " تعليلية. وهذا وجه وجيه. # والثاني: أنه متعلق بمحذوف. # والثالث: أنه حال من الويل، أي: الويل واقعا مما تصفون، كذا قدره أبو ~~البقاء و " ما " في " مما تصفون " يجوز أن تكون مصدرية فلا عائد ~~عند الجمهور، وأن تكون بمعنى الذي، ms6170 أو نكرة موصوفة، ولا بد من العائد عند ~~الجميع، حذف لاستكماله الشروط. والمعنى: مما تصفون الله بما لا يليق به ~~من الصاحبة والولد. وقال مجاهد: مما تكذبون. ### || [21.19-21] # قوله: { وله من في السموات والأرض } الآية. لما نفى ~~اللعب عن نفسه، ونفي اللعب لا يصح إلا بنفي الحاجة، (ونفي الحاجة) لا يصح ~~إلا بالقدرة التامة عقب تلك الآية بقوله: { وله من في السموات ~~والأرض } لدلالة ذلك على كمال الملك والقدرة. وقيل: لما حكى كلام ~~الطاعنين في النبوات، وأجاب عنها، وبين أن غرضهم من تلك المطاعن التمرد، ~~وعدم الانقياد، بين ههنا أنه تعالى منزه عن طاعتهم لأنه هو المالك بجميع ~~المخلوقات، ولأجل أن الملائكة مع جلالتهم مطيعون له خائفون منه فالبشر مع ~~كونهم في نهاية الضعف أولى أن يطيعوه. # قوله: " ومن عنده " يجوز فيه وجهان: # أحدهما: أنه معطوف على " من " الأولى أخبر تعالى عن من في السموات ~~والأرض وعن من عنده بأن الكل له في ملكه. # وعلى هذا فيكون من باب ذكر الخاص بعد العام تنبيها على شرفه، لأن قوله: ~~{ من في السموات } شمل " من عنده " وقد مر نظيره في قوله: ~~" وجبريل وميكال " وقوله: " لا يستكبرون " على هذا فيه ~~أوجه: # أحدها: أنه حال من " من " الأولى أو الثانية أو منهما معا. وقال أبو ~~البقاء حال إما من " من " الأولى أو الثانية على قول من رفع بالظرف. # يعني: أنه إذا جعلنا " من " في قوله: { وله من في السموات } ~~مرفوعا بالفاعلية والرافع الظرف وذلك على رأي الأخفش جاز أن يكون " لا ~~يستكبرون " حالا من " من " الأولى، وإما من " من " الثانية؛ لأن ~~الفاعل يجيء منه الحال. ومفهومه: أنا إذا جعلناها مبتدأ لا يجيء " ~~يستكبرون " حالا وكأنه يرى أن الحال لا يجيء من المبتدأ، وهو رأي ~~لبعضهم. ويجوز أن يكون " لا يستكبرون " حالا من الضمير المستكن ~~في (عنده) الواقع صلة وأن يكون حالا من الضمير المستكن في " له " الواقع ~~خبرا. # والوجه الثاني من وجهي " من " أن تكون مبتدأ و " لا يستكبرون " ~~خبره، وهذه جملة معطوفة على ms6171 جملة قبلها، وهل الجملة من قوله: { وله ~~من في السموات والأرض } استئنافية أو معادلة لجملة قوله: " ~~ولكم الويل " أي لكم الويل ولله جميع العالم علويه وسفليه والأول ~~أظهر " ولا يستحسرون " أي: لا يكلون ولا يتعبون، يقال: استحسر ~~البعير أي: كل وتعب قال علقمة بن عبدة: # 3706- بها جيف الحسرى فأما عظامها # فبيض وأما جلدها فصليب # ويقال: حسر البعر وحسرته أنا، فيكون لازما ومتعديا، وأحسرته أيضا، ~~فيكون فعل وأفعل بمعنى في أحد وجهي فعل. # قال الزمخشري: فإن قلت: الاستحسار مبالغة في الحسور، فكان الأبلغ في ~~وصفهم أن ينفي عنهم أدنى الحسور. # قلت: في الاستحسار بيان أن ما هم فيه يوجب غاية الحسور وأقصاه، وأنهم ~~أحقاء لتلك العبادات الشاقة بأن يستحسروا فيما يفعلون. وهو سؤال حسن ~~وجواب مطابق. قوله: " يسبحون " يجوز أن يكون مستأنفا، وأن يكون ~~حالا من الفاعل في الجملة قبله. و " لا يفترون " يجوز في ~~الاستئناف، والحال من فاعل " يسبحون ". # فصل # دلت هذه الآية على أن الملك أفضل من البشر من ثلاثة أوجه تقدمت في ~~البقرة. والمراد بقوله: " ومن عنده " هم الملائكة بالإجماع وصفهم ~~الله تعالى بأنهم { يسبحون الليل والنهار لا يفترون ~~} وهذا لا يليق بالبشر، وهذه العندية عندية الشرف لا عندية المكان ~~والجهة. روى عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: قلت لكعب: أرأيت قول الله ~~تعالى: { يسبحون الليل والنهار لا يفترون } ثم ~~قال: # جاعل الملائكة رسلا # [فاطر: 1] أفلا تكون الرسالة مانعة لهم عن ذلك التسبيح، وأيضا قال: # أولئك عليهم لعنة الله والملائكة # [البقرة: 161] فكيف يشتغلون باللعن حال اشتغالهم بالتسبيح؟ أجاب كعب ~~الأحبار وقال: التسبيح لهم كالتنفس لنا، فكما أن اشتغالنا بالتنفس لا ~~يمنعنا الكلام فكذلك اشتغالهم بالتسبيح لا يمنعهم من سائر الأعمال. # فإن قيل: هذا القياس غير صحيح، لأن الاشتغال بالتنفس إنما لم يمنع من ~~الكلام؛ لأن آلة التنفس غير آلة الكلام، وأما التسبيح واللعن فهما من جنس ~~الكلام فاجتماعهما محال. فالجواب: أي استبعاد في أن يخلق الله لهم ألسنة ~~كثيرة ببعضها يسبح الله وببعضها يلعنون أعداء الله. أو ms6172 يقال: معنى قوله: ~~" لا يفترون " أنهم لا يفترون عن العزم على أدائه في أوقاته ~~اللائقة به كما يقال: إن فلانا مواظب على الجماعة لا يفتر عنها، لا يراد ~~به أنه أبدا مشتغل بها، بل يراد به أنه مواظب على العزم على أدائها في ~~أوقاتها. # قوله تعالى: " أم اتخذوا " هذه " أم " المنقطعة، فتقدر ب (بل) ~~التي لإضراب الانتقال وبالهمزة التي معناها الإنكار. و " اتخذ " يجوز أن ~~يكون بمعنى (صنع) فيتعلق " من " به وجوز أبو حيان أن يكون بمعنى ~~(صير) التي في قوله # واتخذ الله إبراهيم خليلا # [النساء: 125]، فقال: وفيه معنى الاصطفاء والاختيار. و " من الأرض " ~~يجوز أن يتعلق بالاتخاذ كما تقدم، وأن يتعلق بمحذوف على أنها نعت ل " ~~آلهة " أي من جنس الأرض. # قوله: " هم ينشرون " جملة في محل نصب صفة ل " آلهة ". وقرأ ~~العامة " ينشرون " بضم حرف المضارعة من أنشر. وقرأ الحسن بفتحها وضم ~~الشين يقال: أنشر الله الموتى فنشروا. ونشر يكون لازما ومتعديا. قوله: ~~{ أم اتخذوا ءالهة } استفهام بمعنى الجحد أي لم يتخذوا من ~~الأرض يعني: الأصنام من الأرض والحجارة، وهما من الأرض، والمنكر بعد ~~اتخاذهم آلهة من الأرض ينشرون الموتى. # فإن قيل: كيف أنكر عليهم اتخاذ آلهة تنشر، وما كانوا يدعون ذلك لآلهتهم ~~بل كانوا في نهاية البعد عن هذه الدعوى، فإنهم كانوا مع إقرارهم بالله ~~وأنه خالق السموات والأرض منكرين للبعث، ويقولون: # من يحيي العظام وهي رميم # [يس: 78] فكيف يدعون ذلك للجماد الذي لا يوصف بالقدرة البتة؟ فالجواب: ~~أنهم لما اشتغلوا بعبادتها، ولا بد للعبادة من فائدة، وهي الثواب، ~~فإقدامهم على عبادتهم يوجب إقرارهم بكونهم قادرين على الحشر والنشر ~~والثواب والعقاب، فذكر ذلك على سبيل التهكم بهم، والمعنى: إذا لم يكونوا ~~قادرين على أن يحيوا أو يميتوا ويضروا وينفعوا فأي عقل يجوز اتخاذهم ~~آلهة. # وقوله: " من الأرض " كقولك: فلان من مكة أو من المدينة. وقوله: " هم ~~" يفيد معنى الخصوصية كأنه قيل: أم اتخذوا آلهة لا يقدرون على الإنشار ~~إلا هم وحدهم. ### || [21.22-25] # قوله: { لو كان فيهمآ ءالهة ms6173 إلا الله لفسدتا } ~~وإلا هنا صفة للنكرة قبلها بمعنى " غير " ، والإعراب فيها متعذر فجعل على ~~ما بعدها. وللوصف بها شروط منها: تنكير الموصوف، أو قربه من النكرة بأن ~~يكون معرفا ب (أل) الجنسية. # ومنها أن يكون جمعا صريحا كالآية أو ما في قوة الجمع كقوله: # 3707- لو كان غيري سليمى الدهر غيره # وقع الحوادث إلا الصارم الذكر # ف (إلا الصارم) صفة ل " غيري " ، لأنه في معنى الجمع. ومنها: أن لا ~~يحذف موصوفها عكس (غير)، وأنشد سيبويه على ذلك قوله: # 3708- وكل أخ مفارقه أخوه # لعمر أبيك إلا الفرقدان # أي: وكل أخ غير الفرقدين مفارقه أخوه. # وقد وقع الوصف ب " إلا " كما وقع الاستثناء ب " غير " ، والأصل في " ~~إلا " الاستثناء وفي " غير " الصفة. ومن ملح الكلام الزمخشري: واعلم أن ~~(إلا) و (غير) يتقارضان. ولا يجوز أن يرتفع الجلالة على البدل من " آلهة ~~" لفساد المعنى. قال الزمخشري: فإن قلت: ما منعك من الرفع على البدل. قلت ~~لأن " لو " بمنزلة " إن " في أن الكلام معها موجب، والبدل لا يسوغ إلا في ~~الكلام غير الموجب كقوله تعالى # ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك # [هود: 81] وذلك لأن أعم العام يصح نفيه ولا يصح إيجابه. # فجعل المانع صناعيا مستندا إلى ما ذكر من عدم صحة إيجاب أعم العام. ~~وأحسن من هذا ما ذكره أبو البقاء من جهة المعنى قال: ولا يجوز أن يكون ~~بدلا، لأن المعنى يصير إلى قولك: لو كان فيهما الله لفسدتا ألا ~~ترى أنك لو قلت: ما جاءني قومك إلا زيد على البدل لكان المعنى: جاءني زيد ~~وحده. # ثم ذكر الوجه الذي رد به الزمخشري فقال: وقيل يمتنع البدل، لأن قبلها ~~إيجابا. ومنع أبو البقاء النصب على الاستثناء لوجهين: # أحدهما: أنه فاسد في المعنى، وذلك أنك إذا قلت: لو جاءني القوم إلا ~~زيدا لقتلتهم، كان معناه أن القتل امتنع لكون زيد مع القوم، ولو نصبت في ~~الآية لكان المعنى: أن فساد السموات والأرض امتنع لوجود الله تعالى مع ~~الآلهة، وفي ذلك إثبات إله مع الله. ms6174 وإذا رفعت على الوصف لا يلزم مثل ~~ذلك، لأن المعنى لو كان فيهما غير الله لفسدتا. # والوجه الثاني: أن " آلهة " هنا نكرة، والجمع إذا كان نكرة لم يستثن منه ~~عند جماعة من المحققين، إذ لا عموم له بحيث يدخل فيه المستثنى لولا ~~الاستثناء. وهذا الوجه الذي معناه، أعني الزمخشري وأبا البقاء، قد أجاز ~~المبرد وغيره أما المبرد فإنه قال: جاز البدل، لأن ما بعد " لو " غير ~~موجب في المعنى والبدل في غير الموجب أحسن من الوصف. # وفي هذا نظر من جهة ما ذكره أبو البقاء من فساد المعنى: # وقال ابن الضائع تابعا للمبرد: لا يصح المعنى عندي إلا أن تكون " إلا " ~~في معنى (غير) التي يراد بها البدل، أي: لو كان فيهما آلهة عوض واحد، أي: ~~بدل الواحد الذي هو الله لفسدتا، وهذا المعنى أراد سيبويه في المسألة ~~التي جاء بها توطئة. وقال الشلوبين في مسألة سيبويه: " لو كان معنا ~~رجل إلا زيد لغلبنا " إن المعنى: لو كان معنا رجل ~~مكان زيد لغلبنا، ف (إلا) بمعنى (غير) التي بمعنى مكان. وهذا أيضا جنوح ~~من أبي علي إلى البدل. وما ذكره ابن الضائع من المعنى المتقدم مسوغ ~~للبدل، وهو جواب عما أفسد به أبو البقاء وجه البدل إذ معناه واضح، ولكنه ~~قريب من تفسير المعنى لا من تفسير الإعراب. # فصل # المعنى لو كان يتولاهما، ويدبر أمرهما شيء غير الواحد الذي فطرهما ~~لفسدتا ولا يجوز أن تكون " إلا " بمعنى الاستثناء، لأنها لو كانت استثناء ~~لكان المعنى: لو كان فيهما آلهة ليس معهم الله لفسدتا، وهذا يوجب بطريق ~~المفهوم أنه لو كان فيهما آلهة معهم الله أن لا يحصل الفساد، وذلك باطل، ~~لأنه لو كان فيهما آلهة فسواء كان الله معهم، أو لم يكن الله معهم ~~فالفساد لازم. ولما بطل حمله على الاستثناء ثبت ما ذكرنا. وهو أن المعنى: ~~لو كان في السماء والأرض آلهة غير الله لفسدتا، أي لخربتا، وهلك من فيهما ~~بوجود التمانع من الآلهة، لأن كل أمر صدر عن اثنين ms6175 فأكثر لم يجر على ~~النظام. ويدل العقل على ذلك من وجوه: # الأول: أنا لو قدرنا إلهين لكان أحدهما إذا انفرد صح منه تحريك الجسم ~~وإذا انفرد الثاني صح منه تسكينه، فإذا اجتمعا وجب أن يبقيا على ما كان ~~عليه حال الانفراد، فعند الاجتماع يصح أن يحاول أحدهما التحريك والآخر ~~التسكين فإما أن يحصل المرادان، وهو محال، وإما أن يمتنعا وهو أيضا ~~محال، لأنه يكون كل واحد منهما عاجزا، وأيضا المانع من تحصيل مراد كل ~~واحد منهما مراد الآخر، والمعلول لا يحصل إلا مع علته، فلو امتنع ~~المرادان لحصلا، وذلك محال وإما أن يمتنع أحدهما دون الثاني، وذلك أيضا ~~محال، لأن الممنوع يكون عاجزا، والعاجز لا يكون إلها، ولأنه لما كان كل ~~واحد منهما مستقلا بالإيجاد لم يكن عجز أحدهما أولى من عجز الآخر، فثبت ~~أن القول بوجود إلهين يوجب هذه الأقسام الفاسدة فكان القول به باطلا. # الوجه الثاني: أن الإله يجب أن يكون قادرا على جميع الممكنات، فلو ~~فرضنا الإلهين لكان كل واحد منهما قادرا على جميع الممكنات، فإذا أراد ~~كل واحد منهما تحريك جسم فتلك الحركة إما أن تقع بهما معا ولا تقع بواحد ~~منهما أو تقع بواحد منهما أو تقع بأحدهما دون الثاني، والأول محال، لأن ~~الأثر مع المؤثر المستقل واجب الحصول، ووجوب حصوله به يمنع من استناده ~~إلى الثاني، فلو اجتمع على الأثر الواحد مؤثران مستقلان يلزم أن يستغني ~~بكل واحد منهما عن كل واحد منهما، فيكون محتاجا إليهما، وغنيا عنهما ~~وهو محال، وإما أن لا يقع بواحد منهما ألبتة، فهذا يقتضي كونهما عاجزين، ~~وأيضا فامتناع وقوعه بهذا إنما يكون لأجل وقوعه بذاك وبالضد، فلو امتنع ~~وقوعه بهما لوقع بهما معا وهو محال، وإما أن يقع بأحدهما دون الثاني فهو ~~باطل، لأن وقوعه بهذا يلزم فيه رجحان أحد الإلهين على الآخر من غير مرجح، ~~وهو محال. # الوجه الثالث: لو قدرنا إلهين فإما أن يتفقا أو يختلفا، فإن اتفقا على ~~الشيء الواحد فذلك الواحد مقدور لهما ومراد لهما ms6176 فيلزم وقوعه بهما وهو ~~محال، وإن اختلفا فإما أن يقع المرادان أو لا يقع واحد منهما، أو يقع ~~أحدهما دون الآخر والكل محال، فثبت أن الفساد لازم على كل التقديرات. # وذكروا وجوها أخر عقلية وفي هذا كفاية. # ثم إنه تعالى نزه نفسه فقال: { فسبحان الله رب العرش ~~عما يصفون } أي: عما يصفه به المشركون من الشرك والولد. # فإن قيل: أي فائدة لقوله تعالى: { رب العرش عما يصفون }. # فالجواب: أن هذه المناظرة وقعت مع عبدة الأصنام، وهي أنه كيف يجوز ~~للعاقل أن يجعل الجماد الذي لا يعقل ولا يحس شريكا في الإلهية لخالق ~~العرش العظيم وموجد السموات والأرضين. # قوله: { لا يسأل عما يفعل } اعلم أن أهل السنة استدلوا على ~~أنه تعالى لا يسأل عما يفعل بأمور: # أحدها: أنه لو كان كل شيء معللا بعلة كانت تلك العلة معللة بعلة أخرى ~~ولزم التسلسل، فلا بد في قطع التسلسل من الانتهاء إلى ما يكون غنيا عن ~~العلة، وأولى الأشياء بذلك ذات الله تعالى، وصفاته مبرأة من الافتقار إلى ~~المبدع المخصص، فكذا فاعليته يجب أن يجب أن تكون مقدسة عن الاستناد إلى ~~الموجب والمؤثر. # وثانيها: أن فاعليته لو كانت معللة بعلة لكانت تلك العلة إما أن تكون ~~واجبة ممكنة، فإن كانت واجبة لزم من وجوبها وجوب كونها فاعلا، وحينئذ ~~يكون موجبا بالذات لا فاعلا باختيار. وإن كانت ممكنة كانت تلك العلة ~~فعلا لله تعالى فتفتقر فاعليته لتلك العلة إلى علة أخرى ولزم التسلسل ~~وهو محال. # وثالثها: أن علة فاعلية الله تعالى للعالم إن كانت قديمة لزم أن تكون ~~فاعليته للعالم قديمة، فيلزم قدم العالم وإن كانت محدثة افتقرت إلى علة ~~أخرى ولزم التسلسل. # ورابعها: أنه إن فعل فعلا لغرض فإما أن يكون متمكنا من تحصيل ذلك ~~الغرض بدون تلك الواسطة، أو لا يكون متمكنا منه. # فإن كان متمكنا منه كان توسط تلك الواسطة عبثا. وإن لم يكن متمكنا ~~منه كان عاجزا، والعجز على الله تعالى محال، وأما العجز علينا فغير ~~ممتنع، فلذلك كانت أفعالنا ms6177 معللة بالأغراض وذلك في حق الله تعالى محال. # وخامسها: لو كان فعلا معللا بغرض لكان ذلك الغرض إما أن يكون عائدا ~~إلى الله تعالى أو إلى العباد، والأول محال، لأنه منزه عن النفع والضر، ~~وإذا بطل ذلك تعين أن الغرض لا بد وأن يكون عائدا إلى العباد، ولا غرض ~~للعباد إلا حصول اللذة وعدم حصول الآلام، والله تعالى قادر على تحصيلها ~~ابتداء من غير واسطة، وإذا كان كذلك استحال أن يفعل شيئا لأجل شيء. # وسادسها: أن الموجودات ملكه، ومن تصرف في ملك نفسه لا يقال له: لم فعلت ~~ذلك؟ # وسابعها: أن من قال لغيره: لم فعلت ذلك؟ فهذا السؤال إنما يحسن حيث يكون ~~للسائل على المسؤول حكم على فعله، وذلك في حق الله تعالى محال، فإنه لو ~~فعل أي فعل شاء فالعبد كيف يمنعه عن ذلك بأن يهدده بالعقاب؟ فذلك على ~~الله محال، وإن هدده باستحقاق الذم والخروج عن الحكمة والاتصاف بالسفاهة ~~على ما يقوله المعتزلة فذلك أيضا محال، لأنه مستحق للمدح والاتصاف بصفات ~~الحكمة والجلال. فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز أن يقال لله في أفعاله: لم ~~فعلت؟ وأن كل شيء صنعه لا علة لصنعه. وأما المعتزلة فإنهم سلموا أنه ~~يجوز أن يقال: الله عالم بقبح القبيح، وعالم بكونه غنيا عنها، ومن كان ~~كذلك فإنه يستحيل أن يفعل القبيح، ومن كان كذلك فإنه يستحسل أن يفعل ~~القبيح، وإذا عرفنا ذلك عرفنا أن كل ما يفعله الله فهو حكمة وصواب، وإذا ~~كان كذلك لم يجز للعبد أن يقول لله: لم فعلت هذا؟ ثم قال تعالى: " وهم ~~يسألون " وهذا يدل على كون المكلفين مسؤولين عن أفعالهم. واعلم أن ~~منكري التكليف احتجوا على قولهم بوجوه: # أحدها: قالوا: التكليف إما أن يتوجه على العبد حال استواء داعيته إلى ~~الفعل والترك، أو حال رجحان أحدهما على الآخر، والأول محال، لأن حال ~~الاستواء يمنع الترجيح، وحال امتناع الترجيح يكون تكليفا بالمحال. ~~والثاني محال، لأن حال الرجحان يكون الراجح واجب الوقوع، وإيقاع ما هو ~~ممتنع الوقوع ms6178 تكليف ما لا يطاق. # وثانيها: قالوا: كل ما علم الله وقوعه فهو واجب، فيكون التكليف به ~~عبثا، وكل ما علم الله عدمه كان ممتنع الوقوع، فيكون التكليف به تكليفا ~~لا يطاق. # وثالثها: قالوا: سؤال العبد إما أن يكون لفائدة أو لا لفائدة، فإن كان ~~لفائدة فإن عادت إلى العبد فهو محال، لأن سؤاله لما كان سببا للعقاب لم ~~يكن نفعا عائدا إلى العبد بل ضرر عائد إليه. # وإن لم يكن في سؤاله فائدة كان عبثا، وهو غير جائز على الحكيم، بل كان ~~إضرارا وهو غير جائز على الرحيم. والجواب من وجهين: # الأول: أن غرضكم من إيراد هذه الشبه النافية للتكليف أن تلزمونا نفي ~~التكليف فكأنكم كلفتمونا بنفي التكليف، وهذا متناقض. # والثاني: أن مدار كلامكم في هذه الشبهات على حرف واحد، وهو أن التكاليف ~~كلها تكليف (بما لا يطاق) فلا يجوز من الحكيم أن يوجهها على العباد، ~~فيرجح حاصل هذه الشبهات إلى أنه يقال لله تعالى: لم كلفت عبادك، إلا ~~أنا قد بينا أنه سبحانه { لا يسأل عما يفعل } ، فظهر ~~بهذا أن قوله: { لا يسأل عما يفعل } أصل لقوله: { وهم ~~يسألون } فتأمل هذه الدقائق العجيبة لتقف على طرف من أسرار علم ~~القرآن. فإن قيل: { وهم يسألون } متأكد بقوله: # فوربك لنسألنهم أجمعين # [الحجر: 92] وبقوله: # وقفوهم إنهم مسئولون # [الصافات: 24] إلا أنه يناقضه قوله: # فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن # [الرحمن: 39]. # فالجواب: أن يوم القيامة طويل وفيه مقامات، فيصرف كل واحد من السلب ~~والإيجاب إلى مقام دفعا للتناقض. # فصل # قالت المعتزلة: (فيه وجوه: # أحدها): أنه تعالى لو كان هو الخالق للحسن والقبيح لوجب أن يسأل عما ~~يفعل، بل كان يذم بما من حقه الذم، كما يحمد بما من حقه الحمد. # وثانيها: أنه يجب أن يسأل عن المأمور به إذ لا فاعل سواء. # وثالثها: أنه لا يجوز أن يسألوا عن عملهم إذ لا عمل لهم. # ورابعها: أن عملهم لا يمكنهم أن يعدلوا عنه من حيث إنه خلقه وأوجده ~~فيهم. # وخامسها: أنه تعالى صرح ms6179 في كثير من المواضع أنه يقبل حجة العباد لقوله: # رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على ~~الله حجة بعد الرسل # [النساء: 165]. # وهذا يقتضى أن لهم عليه حجة قبل بعثة الرسل، وقال: # ولو أنآ أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ~~ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا # [طه: 134] ونظائر هذه الآيات كثيرة، وكلها تدل على أن حجة العبد متوجهة ~~على الله تعالى. # والجواب هو المعارضة بمسألة الداعي ومسألة العلم ثم بالوجوه المتقدمة ~~التي بينا فيها أنه يستحيل طلب علية أفعال الله تعالى. # فصل # في تعلق هذه الآية بما قبلها، وهو أن كل من أثبت لله تعالى شريكا ليس ~~عمدته إلا طلب اللمية في أفعال الله تعالى، وذلك لأن الثنوية والمجوس وهم ~~الذين أثبتوا الشريك لله تعالى، قالوا: رأينا في العالم خيرا وشرا، ~~ولذة وألما، وحياة وموتا، وصحة وسقما، وغنى وفقرا، وفاعل خير وفاعل ~~شر، ويستحيل أن يكون الفاعل الواحد خيرا وشريرا معا، فلا بد من ~~فاعلين ليكون أحدهما فاعلا (للخير والآخر للشر)، فرجع حاصل هذه القسمة ~~إلى أن مدبر العالم لو كان واحدا فلم خص هذا بالحياة والصحة والغنى، ~~وخص هذا بالموت والألم والفقر. # فيرجع حاصلة إلى طلب اللمية. لا جرم أنه تعالى بعد أن ذكر الدليل على ~~التوحيد ذكر ما هو النكتة الأصلية في الجواب عن شبهة القائلين بالشريك، ~~لأن الترتيب الجيد في المناظرة أن يبتدأ بذكر الدليل المثبت للمطلوب، ثم ~~يذكر بعده الجواب عن شبهة الخصم. # قوله تعالى: { أم اتخذوا من دونه ءالهة } استعظام ~~لكفرهم، وهو استفهام إنكار وتوبيخ. { قل هاتوا برهانكم } إما ~~من جهة العقل وإما من جهة النقل، واعلم أنه تعالى لما ذكر دليل التوحيد ~~أولا، وقرر الأصل الذي عليه تخرج شبهات القائلين بالتثنية أخذ يطالبهم ~~بدليل شبهتهم. قوله: { هذا ذكر من معي } العامة على إضافة " ~~ذكر " إلى " من " أضاف المصدر إلى مفعوله كقوله تعالى " بسؤال ~~نعجتك " [ص:42]. وقرىء " ذكر " بالتنوين فيهما و " من " مفتوحة ~~الميم. نون المصدر ونصب به المفعول (كقوله تعالى) # أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ms6180 # [البلد: 14، 15]. وقرأ يحيى بن يعمر " ذكر " بتنوينهما و " من " ~~بكسر الميم، وفيه تأويلان: # أحدهما: أن ثم موصوفا محذوفا قامت صفته وهي الظرف مقامه، والتقدير: ~~هذا ذكر من كتاب معي ومن كتاب قبلي. # والثاني: أن " معي " بمعنى عندي. ودخول " من " على " مع " في الجملة ~~نادر، لأنها ظرف لا يتصرف. # وقد ضعف أبو حاتم هذه القراءة، ولم ير لدخول " من " على " مع " وجها. ~~ووجهه بعضهم بأنه اسم هو ظرف نحو (قبل وبعد) فكما تدخل (من) على أخواته ~~كذلك تدخل عليه. وقرأ طلحة: " ذكر معي وذكر قبلي " بتنوينهما ~~دون (من) فيهما. وقرأ طائفة " ذكر من " بالإضافة ل " من " كالعامة ~~{ وذكر من قبلي } بتنوينه وكسر ميم " من " ووجهها واضح مما تقدم. # فصل # قال ابن عباس " هذا ذكر من معي " أي: هو الكتاب المنزل على من معي، " ~~وهذا ذكر من قبلي " أي: الكتاب الذي نزل على من تقدمني من ~~الأنبياء وهذه التوراة والإنجيل والزبور والصحف. وليس في شيء منها أني ~~أذنت بأن تتخذوا إلها من دوني بل ليس فيها إلا أنني أنا الله لا إله إلا ~~أنا كما قال بعد هذا: { ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ~~إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا ~~فاعبدون }. وهذا اختيار القفال والزجاجا. # وقال سعيد بن جبير وقتادة ومقاتل والسدي: معناه: القرآن ذكر من معي فيه ~~خبر من معي على ديني، ومن يتبعني إلى يوم القيامة بما لهم من الثواب على ~~الطاعة والعقاب على المعصية، وذكر خبر من قبلي من الأمم السالفة ما فعل ~~بهم في الدنيا وما يفعل بهم في الآخرة. # وقال القفال: المعنى: قل لهم: هذا الكتاب الذي جئتكم به قد اشتمل على ~~أحوال من معي من المخالفين والموافقين، وعلى بيان أحوال من قبلي من ~~المخالفين والموافقين، فاختاروا لأنفسكم، فكأن الغرض منه التهديد. ثم ~~قال: { بل أكثرهم لا يعلمون الحق } لما طالبهم ~~بالدلالة على ما ادعوه، وبين أنه لا دليل لهم البتة لا من جهة العقل ولا ~~من جهة السمع، ذكر بعده أن وقوعهم في هذا ms6181 المذهب الباطل ليس لأجل دليل ~~ساقهم إليه بل لأن عندهم أصل الشر والفساد وهو عدم العلم والإعراض عن ~~استماع الحق. # العامة على نصب " الحق " وفيه وجهان: # أظهرهما: أنه مفعول به بالفعل قبله. # والثاني: أنه مصدر مؤكد. قال الزمخشري: ويجوز أن يكون المنصوب أيضا على ~~التوكيد لمضمون الجملة السابقة كما تقول: هذا عبد الله الحق لا الباطل ~~فأكد انتقاء العلم. وقرأ الحسن وابن محيصن وحميد برفع " الحق " وفيه ~~وجهان: # أحدهما: أنه مبتدأ والخبر مضمر. # والثاني: أنه خبر لمبتدأ مضمر. # قال الزمخشري: وقرىء " الحق " بالرفع على توسط التوكيد بين السبب ~~والمسبب والمعنى أن إعراضهم بسبب الجهل هو الحق لا الباطل. # قوله تعالى: { ومآ أرسلنا من قبلك من رسول } الآية. ~~اعلم أن هذه الآية مقررة لما سبقها من آيات التوحيد. وقرأ حمزة والكسائي ~~وحفص عن عاصم " نوحي " بالنون وكسر الحاء على التعظيم لقوله: " ~~أرسلنا " وقرأ الآخرون بالياء وفتح الحاء على الفعل المجهول. ### || [21.26-29] # قوله: { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا } الآية. # لما بين بالدلائل القاهرة كونه منزها عن الشريك والضد والند أردف ذلك ~~ببراءته عن اتخاذ الولد. # قال المفسرون: نزلت في خزاعة حيث قالوا: الملائكة بنات الله، وقالوا: ~~إنه تعالى صاهر الجن على ما حكى الله تعالى عنهم فقال: # وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا # [الصافات: 158]. ثم إنه تعالى نزه نفسه عن ذلك بقوله: " سبحانه " ، لأن ~~الولد لا بد وأن يكون شبيها بالوالد، فلو كان لله ما يشبهه من بعض ~~الوجوه فلا بد وأن يخالفه من وجه آخر، وما به المشاركة غير ما به ~~الممايزة فيقع التركيب في ذات الله تعالى، وكل مركب ممكن، فاتخاذه للولد ~~يدل على كونه ممكنا غير واجب، وذلك يخرجه عن حد الإلهية ويدخله في حد ~~العبودية، فلذلك نزه نفسه. قوله: " بل عباد " " عباد " خبر مبتدأ ~~مضمر، أي هم عباد، و " مكرمون " في قراءة العامة مخفف، وقراءة عكرمة ~~مشدد و " لا يسبقونه " جملة في محل رفع صفة ل " عباد " والعامة ~~على كسر الباء في " يسبقونه " وقرىء بضمها وخرجت على أنه مضارع ~~سبقه، ms6182 أي: غلبه في السبق، يقال: سابقه فسبقه يسبقه أي: غلبه ~~في السبق، ومضارع فعل في المغالبة مضموم العين مطلقا إلا في يائي العين ~~أو لامه والمراد لا يسبقونه بقوله، فعوض الألف واللام عن الضمير عند ~~الكوفيين، والضمير محذوف عند البصريين أي: بالقول منه. # فصل # لما نزه تعالى نفسه أخبر عنهم بأنهم عباد، والعبودية تنافي الولادة إلا ~~أنهم مكرمون مفضلون على سائر العباد لا يسبق قولهم قوله، وإن كان قولهم ~~تابع لقوله فعملهم أيضا مبني على أمره لا يعملون عملا ما لم يؤمروا به ~~ثم إنه تعالى ذكر ما يجري مجرى السبب لهذه الطاعة فقال: { يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم } والمعنى أنهم لما علموا كونه سبحانه عالما بجميع ~~المعلومات علموا كونه عالما بظواهرهم وبواطنهم، فكان ذلك داعيا لهم إلى ~~نهاية الخضوع وكمال العبودية. قال ابن عباس: يعلم ما قدموا وأخروا من ~~أعمالهم. وقال مقاتل: يعلم ما كان قبل أن يخلقهم، وما يكون بعد خلقهم. # وقيل: { ما بين أيديهم } الآخرة، " وما خلفهم " الدنيا. ~~وقيل بالعكس ثم قال: { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } أي لمن هو عند الله ~~مرضي. قاله مجاهد، وقال ابن عباس: لمن قال لا إله إلا الله. { وهم ~~من خشيته } أي: من خشيتهم منه، فأضيف المصدر إلى مفعوله. " ~~مشفقون " خائفون لا يأمنون من مكره، ونظيره قوله تعالى # لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن # [النبأ: 38]. # " وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " أنه رأى جبريل - عليه ~~السلام - ليلة المعراج ساقطا كالحلس من خشية الله " ". # قوله: { ومن يقل منهم إني إله من دونه }. # قال قتادة: عنى إبليس حيث دعا إلى عبادة نفسه وأمر بطاعة نفسه فإن أحدا ~~من الملائكة لم يقل إني إله من دون الله. # والآية لا تدل على أنهم قالوا ذلك أو ما قالوه، وهذا قريب من قوله: # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر: 65] قوله: " فذلك نجزيه " يجوز في " ذلك " وجهان: # أحدهما: أنه مرفوع بالابتداء، وهذا وجه حسن. # والثاني: أنه منصوب بفعل مقدر يفسره هذا الظاهر، والمسألة من ms6183 باب ~~الاشتغال، وفي هذا الوجه إضمار عامل مع الاستغناء عنه، فهو مرجوح. # والفاء وما في حيزها في موضع جزم جوابا للشرط. # و " كذلك " نعت لمصدر محذوف، أو حال من ضمير المصدر أي جزاء مثل ذلك ~~الجزاء، أو نجزي الجزاء حال كونه مثل ذلك. # وقرأ العامة " نجزيه " بفتح النون، وأبو عبد الرحمن المقرىء بضمها، ~~ووجهها أنه من أجزأ بالهمز من أجزائي كذا، أي: كفاني، ثم خففت الهمزة ~~فانقلبت إلى الياء. # فصل # احتجت المعتزلة بقوله: { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } ~~على أن الشفاعة في الآخرة لا تكون لأهل الكبائر، لأنه لا يقال في أهل ~~الكبائر: إن الله يرتضيهم. # والجواب: قول ابن عباس والضحاك: أن معنى { إلا لمن ارتضى } أي ~~لمن قال: لا إله إلا الله. وهذه الآية من أقوى الدلائل في إثبات الشفاعة ~~لأهل الكبائر، وهو أن من قال لا إله إلا الله فقد ارتضاه الله في ذلك، ~~ومتى صدق عليه أنه ارتضاه الله في ذلك (فقد صدق عليه أنه ارتضاه الله) ~~لأن المركب متى صدق عليه أنه ارتضاه فقد صدق لا محالة كل واحد من أجزائه، ~~وإذا ثبت الله سبحانه قد ارتضاه وجب اندراجه تحت هذه الآية، فثبت بما ~~ذكرنا أن هذه الآية من أقوى الدلائل لنا على ما قرره ابن عباس. # فصل # دلت الآية على أن الملائكة مكلفون لقوله: { وهم بأمره ~~يعملون } ، وعلى أن الملائكة معصومون. قوله: { كذلك نجزي ~~الظالمين } قال القاضي عبد الجبار: هذا يدل على أن كل ظالم يجزيه ~~الله جهنم، كما توعد الملائكة به، وذلك يوجب القطع بأنه تعالى لا يغفر ~~الكبائر في الآخرة. وأجيب بأن أقصى ما فيه أن هذا العموم مشعر بالوعيد، ~~وهو معارض بعمومات الوعد. # والمراد ب " الظالمين " الواضعين الإلهية والعبادة في غير موضعها. ### || [21.30-33] # قوله تعالى: { أولم ير الذين كفروا } الآيات. اعلم أنه ~~تعالى شرع الآن في الدلائل الدالة على وجود الصانع، وعلى كونه منزها عن ~~الشريك، وعلى التوحيد، فتكون كالتوكيد لما تقدم، لأنها دالة على حصول ~~الترتيب العجيب في العالم، ووجود إلهين ms6184 يقتضي وقوع الفساد. وفيه رد ~~على عبدة الأوثان من حيث إن الإله القادر على مثل هذه المخلوقات العظيمة، ~~كيف يجوز في العقل أن يعدل عن عبادته إلى عبادة حجر لا يضر ولا ينفع؟ ~~فهذا وجه النظم. قرأ ابن كثير " ألم ير " من غير واو، والباقون ~~بالواو. ونظير حذف الواو وإثباتها هنا ما تقدم في البقرة وآل عمران في ~~قوله: # قالوا اتخذ الله ولدا # [البقرة: 116] # سارعوا إلى مغفرة # [آل عمران: 133]، وقد تقدم حكمه، وإدخال الواو يدل على العطف على آخر ~~تقدمه. والرؤية هنا يجوز أن تكون قلبية، وأن تكون بصرية. ف " أن " ~~وخبرها سادة مسد مفعولين عند الجمهور على الأول، ومسد واحد والثاني محذوف ~~عند الأخفش. وسادة مسد واحد قط على الثاني. فإن قيل: إن كان المراد ~~بالرؤية البصرية فمشكل، لأن القوم ما رأوهم كذلك ألبتة، ولقوله تعالى: # مآ أشهدتهم خلق السموات والأرض # [الكهف: 51]. وإن كان المراد بالرؤية العلم فمشكل، لأن الأجسام قابلة ~~للفتق والرتق في أنفسها فالحكم عليها بالرتق أولا وبالفتق ثانيا لا ~~سبيل إليه إلا بالسمع والمناظرة مع الكفار المنكرين للرسالة، فكيف يجوز ~~مثل هذا الاستدلال. # فالجواب: المراد من الرؤية العلم، وما ذكروه من السؤال فدفعه من وجوه: # أحدها: أنا نثبت نبوة محمد - عليه السلام - بسائر المعجزات، ثم نستدل ~~بقوله، ثم نجعله دليلا على حصول النظام في العالم، وانتفاء الفساد عنه، ~~وذلك يؤكد الدلالة المذكورة في التوحيد. # وثانيها: أن يحمل الرتق والفتق على إمكان الرتق والفتق، والعقل يدل عليه ~~لأن الأجسام يصح عليها الاجتماع والافتراق فاختصاصها بالاجتماع دون ~~الافتراق أو بالعكس يستدعي مخصصا. # وثالثها: أن اليهود والنصارى كانوا عالمين بذلك، فإنه جاء في التوراة أن ~~الله تعالى خلق جوهرة، ثم نظر إليها بعين إلهية، فصارت ماء، ثم خلق ~~السموات والأرض منها، وفتق بينهما، وكان بين اليهود وعبدة الأوثان نوع ~~صداقة بسبب الاشتراك في عداوة محمد - صلى الله عليه وسلم -، فاحتج الله ~~عليهم بهذه الحجة على أنهم يقبلون قول اليهود في ذلك. # قوله: " كانتا " الضمير يعود على " السموات والأرض " بلفظ ms6185 ~~التثنية والمتقدم جمع وفي ذلك أوجه: # أحدها: ما ذكره الزمخشري فقال: وإنما قال " كانتا " دون كن، لأن ~~المراد جماعة السموات وجماعة الأرضين، ومنه قولهم: لقاحان سوداوان، أي: ~~جماعتان، فعل في المضمر ما فعل في المظهر. # الثاني: قال أبو البقاء: الضمير يعود على الجنسين. # الثالث: قال الحوفي: " كانتا رتقا " ، و " السموات " جمع، ~~لأنه أراد الصنفين. قال الأسود بن يعفر: # 3709- إن المنية والحتوف كلاهما # يوفي المخارم يرقبان سوادي # لأنه أراد النوعين. وتبعه ابن عطية في هذا فقال: وقال: " كانتا " من ~~حيث هما نوعان ونحوه قول عمرو بن شييم: # 3710- ألم يحزنك أن حبال قيس # وتغلب قد تباينتا انقطاعا # قال الأخفش: " السموات " نوع، والأرض نوع، ومثله: # إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا # [فاطر: 41]. ومن ذلك: أصلحنا بين القومين، ومرت بنا غنمان أسودان، لأن ~~هذا القطيع غنم، وذاك غنم. و " رتقا " خبر، ولم يثن لأنه في الأصل ~~مصدر، ثم لك أن تجعله قائما مقام المفعول، كالخلق بمعنى المخلوق أو ~~تجعله على حذف مضاف أي: ذواتي رتق. وهذه قراءة الجمهور. وقرأ الحسن وزيد ~~بن علي وأبو حيوة وعيسى " رتقا " بفتح التاء وفيه وجهان: # أحدهما: أنه مصدر أيضا، ففيه الوجهان المتقدمان في الساكن التاء. # والثاني: أنه فعل بمعنى مفعول كالقبض والنفض بمعنى المقبوض ~~والمنفوض، وعلى هذا فكان ينبغي أن يطابق مخبره في التثنية. وأجاب ~~الزمخشري عن ذلك فقال: هو تقدير موصوف، أي: كانتا شيئا رتقا. # وقال المفضل: لم يقل: كانتا رتقين كقوله: # وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام # [الأنبياء: 8] وحد " جسدا " كذلك ما نحن فيه كل واحد رتق. # ورجح بعضهم المصدرية بعدم المطابقة في التثنية، وقد عرف جوابه وله أن ~~يقول: الأصل عدم حذف الموصوف، فلا يصار إليه دون ضرورة والرتق: الانضمام، ~~ارتتق حلقه أي: انضم، وامرأة رتقاء أي: منسدة الفرج فلم يمكن جماعها من ~~ذلك. والفتق: فصل ذلك المرتتق. وهو من أحسن البديع هنا حيث قابل الرتق ~~بالفتق. # فصل # قال ابن عباس في رواية عكرمة والحسن وقتادة وسعيد بن جبير: كانتا ~~شيئا واحدا ملتزمين ففصل ms6186 الله بينهما، ورفع السماء إلى حيث هي وأقر ~~الأرض. وهذا القول يوجب أن خلق الأرض مقدم على خلق السماء، لأنه تعالى ~~لما فصل بينهما جعل الأرض حيث هي، وأصعد الأجزاء السماوية. قال كعب: خلق ~~الله السموات والأرض ملتصقتين، ثم خلق ريحا توسطتهما ففتقتهما. وقال ~~مجاهد والسدي: كانت السموات مرتتقة طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبع سموات، ~~وكذلك الأرض مرتتقة طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبع أرضين. وقال ابن عباس ~~في رواية عطاء وأكثر المفسرين: إن السموات كانت رتقا مستوية صلبة لا ~~تمطر، والأرض رتقا لا تنبت، ففتق السماء بالمطر والأرض بالنبات، ونظيره ~~قوله تعالى: # والسمآء ذات الرجع والأرض ذات الصدع # [الطارق: 11، 12] ورجحوا ذلك الوجه بقوله بعد ذلك: { وجعلنا من ~~الماء كل شيء حي } ، وذلك لا يليق إلا وللماء تعلق بما تقدم، ~~وهو ما ذكرنا فإن قيل: هذا الوجه مرجوح، لأن المطر لا ينزل من السموات بل ~~من سماء واحدة، وهي سماء الدنيا. # فالجواب: إنما أطلق عليه لفظ الجمع، لأن كل قطعة منها سماء، كما يقال: ~~ثوب أخلاق، وبرمة أعشار. وعلى هذا التأويل فتحمل الرؤية على ~~الإبصار. وقال أبو مسلم: يجوز أن يراد بالفتق الإيجاد والإظهار كقوله: # فاطر السموات والأرض # [الأنعام:14] [الشورى:11]، وكقوله: # بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن # [الأنبياء: 56] فأخبر عن الإيجاد بلفظ الفتق، وعن الحال قبل الإيجاد ~~بلفظ الرتق. # وتحقيقه أن العدم نفي محض، فليس فيه ذوات وأعيان متباينة بل كأنه أمر ~~واحد متصل متشابه، فإذا وجدت الحقائق فعند الوجود والتكوين يتميز بعضها ~~من بعض، وينفصل بعضها عن بعض. # فبهذا الطريق يحسن جعل الرتق مجازا عن العدم، والفتق عن الوجود. # وقيل: إن الليل سابق النهار لقوله: # وءاية لهم الليل نسلخ منه النهار # [يس: 37] فكانت السموات والأرض مظلمة أولا ففتقها الله بإظهار النهار ~~المبصر. واعلم أن دلالة هذه الوجوه على إثبات الصانع ووحدانيته ظاهرة لأن ~~أحدا لا يقدر على مثل ذلك. قوله: { وجعلنا من الماء كل شيء ~~حي } يجوز في " جعل " هذه أن يكون بمعنى " خلق " فيتعدى لواحد، ~~وهو { كل شيء ms6187 حي } و " من الماء " متعلق بالفعل قبله، ويجوز أن ~~يتعلق بمحذوف على أنه من " كل شيء " لأنه في الأصل يجوز أن يكون ~~وصفا له فلما قدم عليه نصب على الحال. ومعنى خلقه من الماء: أحد شيئين: ~~إما شدة احتياج كل حيوان للماء فلا يعيش بدونه، وإما لأنه مخلوق من ~~النطفة التي تسمى ماء. ويجوز أن يكون (جعل) بمعنى (صير) فيتعدى ~~لاثنين ثانيهما الجار بمعنى أنا صيرنا كل شيء حي بسبب من الماء لا بد له ~~منه. والعامة على خفض " حي " صفة لشيء. وقرأ حميد بنصبه على أنه مفعول ~~ثان ل " جعلنا " والظرف لغو، ويبعد على هذه القراءة أن يكون " جعل " ~~بمعنى (خلق)، وأن ينتصب " حيا " على الحال. # قال الزمخشري: و " من " في هذا نحو " من " في قوله عليه السلام # " ما أنا من دد ولا الدد مني ". # فإن قيل: كيف قال: خلقنا من الماء كل حيوان، وقد قال: # والجآن خلقناه من قبل من نار السموم # [الحجر: 27]، وقال عليه السلام: # " إن الله تعالى خلق الملائكة من النور " # ، وقال في عيسى: # وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني ~~فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني # [المائدة: 110]، وقال في حق آدم: # خلقه من تراب # [آل عمران: 59] فالجواب: اللفظ وإن كان عاما إلا أن القرينة المخصصة ~~قائمة، فإن الدليل لا بد وأن يكون مشاهدا محسوسا ليكون أقرب إلى ~~المقصود، وبهذا الطريق تخرج عنه الملائكة والجن وآدم وقصة عيسى لأن ~~الكفار لم يروا شيئا من ذلك. # فصل # قال بعض المفسرين: المراد بقوله: { كل شيء حي } الحيوان فقط. وقال ~~آخرون: بل يدخل فيه النبات، لأنه من الماء صار ناميا، وصار فيه الرطوبة ~~والخضرة والنور والثمر. وهذا القول أليق بالمقصود، لأن المعنى كأنه قال: ~~ففتقنا السماء لإنزال المطر وجعلنا منه كل شيء في الأرض من النبات وغيره ~~حيا. فإن قيل: النبات لا يسمى حيا. فالجواب: لا نسلم، ويدل عليه قوله ~~تعالى # كيف يحيي الأرض بعد موتهآ # [الروم: 50]. ثم قال { أفلا يؤمنون } والمعنى أفلا يؤمنون بأن ~~يتدبروا هذه الأدلة فيعملوا بها ms6188 ويتركوا طريقة الشرك. # قوله: { وجعلنا في الأرض رواسي } الرواسي الجبال، والراسي: ~~هو الداخل في الأرض. قوله: " أن تميد " مفعول من أجله، أي: أن لا ~~تميد، فحذفت " لا " لفهم المعنى كما زيدت في # لئلا يعلم أهل الكتاب # [الحديد: 29]، أو كراهة أن تميد وقدره أبو البقاء فقال: مخافة أن تميد ~~وفيه نظر، لأنا إن جعلنا المخافة مسندة إلى المخاطبين اختل شرط من شروط ~~النصب في المفعول وهو اتحاد الفاعل. وإن جعلناها مسندة لفاعل الجعل ~~استحال ذلك، لأنه تعالى لا يسند إليه الخوف. وقد يقال يختار أن يسند ~~المخافة إلى المخاطبين، وقولكم يختل شرط من شروط النصب جوابه: أنه ليس ~~بمنصوب بل مجرور بحرف الجر المقدر، وحذف حرف الجر مطرد مع أن وأن ~~بشرطه. # فصل # قال ابن عباس: إن الأرض بسطت على الماء فكانت تكفأ بأهلها كما تكفأ ~~السفينة فأرساها الله بالجبال الثقال. قوله: { وجعلنا فيها ~~فجاجا سبلا } وجهان: # أحدهما: أنه (مفعول به) و " سبلا " بدل منه. # والثاني: أنه منصوب على الحال من " سبلا " ، لأنه في الأصل صفة له ~~فلما قدم انتصب كقوله: # 3711- لمية موحشا طلل # يلوح كأنه خلل # ويدل على ذلك مجيئه صفة في قوله تعالى # لتسلكوا منها سبلا فجاجا # [نوح: 20]. # وقال الزمخشري: فإن قلت: في الفجاج معنى الوصف فما لها قدمت على السبل ~~ولم تؤخر كقوله تعالى: # لتسلكوا منها سبلا فجاجا # [نوح: 20]، قلت: لم تقدم وهي صفة، ولكن جعلت حالا كقوله: # 3712- لعزة موحشا طلل قديم # فإن قلت: ما الفرق بينهما من جهة المعنى؟ قلت: أحدهما: إعلام بأنه ~~جعل فيها طرقا واسعة، والثاني: أنه حين خلقها على تلك الصفة فهو بيان ~~لما أبهم ثمة. قال أبو حيان: يعني بالإبهام أن الوصف لا يلزم أن يكون ~~الموصوف متصفا به حالة الإخبار عنه، وإن كان الأكثر قيامه به حالة ~~الإخبار عنه، ألا ترى أنه يقال: مررت بوحشي القاتل حمزة، وحالة المرور ~~لم يكن قائما به قتل حمزة. والفج الطريق الواسع، والجمع ~~الفجاج. والضمير في " فيها " يجوز أن يعود على الأرض وهو الظاهر كقوله # والله ms6189 جعل لكم الأرض بساطا لتسلكوا منها ~~سبلا فجاجا # [نوح: 19، 20]. وأن يعود على الرواسي، يعني أنه جعل في الجبال طرقا ~~واسعة وهو قول مقاتل والضحاك ورواية عطاء عن ابن عباس وعن ابن عمر قال: ~~كانت الجبال منضمة فلما أغرق الله قوم نوح فرقها فجاجا وجعل فيها ~~طرقا. وقوله { لعلهم يهتدون } أي لكي يهتدوا إذ الشك لا يجوز ~~على الله. والمعنى: ليهتدوا إلى البلاد. وقيل: ليهتدوا إلى وحدانية الله ~~بالاستدلال قالت المعتزلة: وهذا يدل على أنه تعالى أراد من جميع المكلفين ~~الاهتداء وقد تقدم. # وقيل: الاهتداء إلى البلاد والاهتداء إلى وحدانية الله تعالى يشتركان في ~~أصل الاهتداء، فيحمل اللفظ على ذلك المشترك مستعملا في مفهوميه معا. ~~قوله: { وجعلنا السمآء سقفا محفوظا } سميت سقفا، لأنها ~~كالسقف للبيت، ومعنى " محفوظا " أي: محفوظا من الوقوع كقوله: # ويمسك السمآء أن تقع على الأرض # [الحج: 65]. وقيل: محفوظا من الشياطين. # قوله: { وهم عن ءاياتها } جملة استئنافية، ويضعف جعلها حالا ~~مقدرة. وقرأ مجاهد وحميد " عن آيتها " بلفظ الإفراد. # دعا الخلق آية وهي مشتملة على آيات، أو أطلق الواحد وأراد به الجنس ~~والمعنى: أن الكفار معرضون عما خلق في السماء من الشمس والقمر والاستيضاء ~~بنوريهما، والنجوم والاهتداء بها، وحياة الأرض بأمطارها، وعن كونها آية ~~بينة على وجود الصانع ووحدانيته لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها. قوله: ~~{ وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس ~~والقمر كل في فلك يسبحون } أي: كل منهما من الشمس ~~والقمر أو منها أي من الليل والنهار والشمس والقمر. و " يسبحون " ~~يجوز أن يكون خبر " كل " على المعنى، و " في فلك " متعلق به. ويجوز ~~أن يكون حالا والخبر " في فلك ". وكون المضاف إليه يجوز أن يقدر ~~بالأربعة الأشياء المذكورة ذكره أبو البقاء ولم يذكر غيره، إلا أن المضاف ~~إليه (الشمس والقمر) وهو الظاهر، لأن السباحة من صفتهما دون ~~(الليل والنهار)، وعلى هذا فيتعذر عن الإتيان بضمير الجمع، وعن ~~كونه جمع من يعقل، أما الأول فقيل: إنما جمع، لأن ثم معطوفا محذوفا ~~تقديره: والنجوم كما دلت عليه آيات أخر، ms6190 فصارت النجوم وإن لم تكن مذكورة ~~يعود هذا الضمير إليها. # وقال الزمخشري: الضمير للشمس والقمر، والمراد بهما جنس الطوالع كل يوم ~~وليلة جعلوها متكاثرة لتكاثر مطالعها، وهو السبب في جمعها بالشموس ~~والأقمار. انتهى. والذي حسن ذلك كونه رأس آية. وقال أبو البقاء: و " ~~يسبحون " خبر " كل " على المعنى، لأن كل واحد إذا سبح فكلها ~~تسبح. وقيل: " يسبحون " على هذا الوجه حال، والخبر " في فلك ". ~~وقيل: التقدير: وكلها، والخبر " يسبحون " وأتى بضمير الجمع على معنى ~~" كل ". # وفي هذا الكلام نظر من حيث أنه لما جوز أن يكون المضاف إليه شيئين جعل ~~الخبر الجار و " يسبحون " حالا فرارا من عدم مطابقة الخبر ~~للمبتدأ، فوقع في تخالف الحال وصاحبها. # وأما الثاني فلأنه لما أسند إليها السباحة التي هي من أفعال العقلاء ~~جمعها جمع العقلاء كقوله: # رأيتهم لي ساجدين # [يوسف: 4] و # أتينا طآئعين # [فصلت: 11]. # قال الزمخشري: والتنوين في " كل " عوض عن المضاف إليه أي: كلهم. { في ~~فلك يسبحون } وهذه الجملة يجوز أن تكون لا محل لها من الإعراب ~~لاستئنافها ويجوز أن يكون محلها النصب على الحال من " الشمس ~~والقمر ". فإن قلنا: إن السباحة تنسب إلى الليل والنهار كما نقل عن ~~أبي البقاء في أحد الوجهين فيكون حالا من الجميع، وإن كان لا يصح نسبتها ~~إليهما كانت حالا من " الشمس والقمر " وتأويل الجمع قد تقدم. قال ~~أبو حيان: أو محلها النصب على الحال من " الشمس والقمر " لأن الليل ~~والنهار لا يتصفان بأنهما يجريان في فلك فهو كقولك: رأيت هندا وزيدا ~~(متبرجة). انتهى. وسبقه إلى هذا الزمخشري، يعني أنه قد دل على أن الحال ~~من بعض ما تقدم كما في المثال المذكور، قال الزمخشري: فإن قلت: لكل ~~واحد من القمرين فلك على حدة فكيف قال: { في فلك يسبحون }. ~~قلت: هذا كقولهم: كساهم الأمير حلة وقلدهم سيفا أي: كل واحد منهم. ~~والسباحة العوم في الماء، وقد يعبر به عن مطلق الذهاب وقد تقدم اشتقاقه ~~في " سبحانك ". # ومعنى " يسبحون " يسيرون بسرعة كالسابح في الماء. # فصل # اعلم أن للكواكب ms6191 حركتين الأولى: مجمع عليها وهي حركتها من المشرق إلى ~~المغرب. والحركة الثانية: قالت الفلاسفة وأصحاب الهيئة: إن للكواكب حركة ~~أخرى من المغرب إلى المشرق، قالوا: وهي ظاهرة في السبعة السيارة خفية في ~~الثابتة، واستدلوا بأنا وجدنا الكواكب السيارة كل ما كان منها أسرع حركة ~~إذا قارن ما هو أبطأ حركة منه تقدمه نحو المشرق. وهذا في القمر ظاهر ~~جدا، فإنه يظهر بعد الاجتماع بيوم أو يومين من ناحية المغرب على بعد من ~~الشمس، ثم يزداد كل ليلة بعدا منها إلى أن يقابلها وكل كوكب كان شرقيا ~~منه على طريقه على ممر البروج يزداد كل ليلة قربا منه، ثم إذا أدركه ~~ستره بطرفه الشرقي، وينكشف ذلك الكوكب بطرفه الغربي. فعلمنا أن لهذه ~~الكواكب السيارة حركة من المغرب إلى المشرق. وأجيبوا: بأن ذلك محال، لأن ~~الشمس مثلا إذا كانت متحركة بذاتها من المغرب إلى المشرق حركة بطيئة، ~~وهي متحركة بسبب الحركة اليومية من المشرق إلى المغرب لزم كون الجرم ~~الواحد متحركا حركتين إلى جهتين مختلفتين دفعة واحدة، وذلك محال، لأن ~~التحرك إلى جهة يقتضي حصول المتحرك في الجهة المنتقل إليها، فلو تحرك ~~الجسم الواحد دفعة واحدة إلى جهتين لزم حصوله دفعة واحدة في مكانين، وهو ~~محال. # قالوا: ما ذكرتموه ينتقض بما إذا دارت الرحى إلى جانب والنملة التي تكون ~~عليها متحركة على خلاف ذلك الجانب. وللكلام في هذه المسألة مكان غير هذا. # فصل # والفلك مدار النجوم، والفلك في كلام العرب كل مستدير وجمعه ~~أفلاك، ومنه فلك المغزل. قال الضحاك: الفلك ليس بجسم، وإنما هو مدار ~~هذه النجوم. وقال الكلبي: الفلك استدارة السماء. وقال بعضهم: الفلك موج ~~مكفوف تجري الشمس والقمر والنجوم فيه. وقيل: ماء مجموع تجري فيه الكواكب. ~~واحتجوا بأن السباحة لا تكون إلا في الماء. وأجيبوا بالمنع، فإنه يقال في ~~الفرس الذي يمد يديه في الجري: سابح. # وقال الحسن: الفلك طاحونة كهيئة فلكة المغزل. # وقال جمهور الفلاسفة وأصحاب الهيئة: الأفلاك أجرام صلبة لا ثقيلة ولا ~~خفيفة غير قابلة للخرق والالتئام والنمو ms6192 والذبول. واختلف الناس في حركات ~~الكواكب، فقال بعضهم: الفلك ساكن والكواكب تتحرك فيه كحركة السمكة في ~~الماء، وقال آخرون: الفلك متحرك، والكواكب تتحرك فيه أيضا إما مخالفا ~~لجهة حركته، أو موافقا لجهته إما بحركة مساوية لحركة الفلك في السرعة ~~والبطء أو مخالفة. # وقيل: الفلك متحرك والكواكب مغروزة فيه. أما الأول فقالت الفلاسفة إنه ~~باطل، لأنه يوجب خرق الفلك وهو محال. # وأما الثاني فحركة الكواكب إن كانت مخالفة لحركة الفلك فذلك أيضا يوجب ~~الخرق، وإن كانت حركتها إلى جهة حركة الفلك فإن كانت مخالفة لها في ~~السرعة والبطء لزم الانخراق، وإن استويا في الجهة والسرعة والبطء فالخرق ~~أيضا لازم، لأن الكوكب يتحرك بالعرض بسبب حركة الفلك فتبقى حركته ~~الذاتية زائدة فيلزم الخرق. فلم يبق إلا القسم الثالث، وهو أن يكون ~~الكوكب مغروزا في الفلك، والفلك يتحرك، فيتحرك الكوكب بسبب حركة الفلك. ~~واعلم أن مدار هذا الكلام على أن امتناع الخرق على الأفلاك باطل، بل الحق ~~أن الأقسام الثلاثة ممكنة، والله تعالى قادر على كل الممكنات والذي دل ~~عليه لفظ القرآن أن الأفلاك ثابتة والكواكب جارية كما تسبح السمكة في ~~الماء. # فصل # احتج ابن سينا على كون الكواكب أحياء ناطقة بقوله " يسبحون " قال: ~~والجمع بالواو والنون لا يكون إلا للعقلاء، وبقوله تعالى: # والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين # [يوسف: 4]. # والجواب إنما أتى بضمير العقلاء للوصف بفعلهم وهو السباحة. ### || [21.34-36] # قوله تعالى: { وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد } ~~الآية. لما استدل بالأشياء المذكورة، وهي من أصول النعم الدنيوية أتبعه ~~بما يدل على أن هذه الدنيا أمرها كذلك يبقى ولا يدوم، وإنما خلقها سبحانه ~~وتعالى للابتلاء والامتحان، وليتوصل بها إلى دار الخلود فقال: { وما ~~جعلنا لبشر من قبلك الخلد }. # قال مقاتل: إن ناسا كانوا يقولون: إن محمدا لا يموت فنزلت هذه الآية. # وقيل: كانوا يقدرون أنه سيموت فيشمتون به في قولهم: نتربص بمحمد ريب ~~المنون، فنفى الله عنه الشماتة بهذه الآية فقال: { أفإين مت ~~فهم الخالدون } قضى الله تعالى أن لا يخلد في الدنيا بشرا ms6193 لا ~~أنت ولا هم، وفي هذا المعنى قول القائل: # 3713- فقل للشامتين بنا أفيقوا # سيلقى الشامتون كما لقينا # وقيل: يحتمل أنه لما أظهر أنه عليه السلام خاتم الأنبياء، وجاز أن يقدم ~~مقدر أنه لا يموت إذ لو مات لتغير شرعه، فنبه الله تعالى على أن حاله ~~كحال غيره من الأنبياء عليهم السلام في الموت. # قوله: { أفإين مت } تقدم نظيره في آل عمران عند قوله: # أفإن مات أو قتل # [آل عمران: 144] وفي هذه الآية دليل لمذهب سيبويه، وهو أنه إذا اجتمع ~~شرط واستفهام أجيب الشرط، فتكون الآية قد دخلت فيها همزة الاستفهام على ~~جملة الشرط والجملة المقترنة بالفاء جواب الشرط، وليست مصبا للاستفهام، ~~وزعم يونس أن الاستفهام منصب على الجملة المقترنة بالفاء، وأن الشرط ~~معترض بين الاستفهام وبينها، وجوابه محذوف. وليس بشيء إذ لو كان كما قال ~~لكان التركيب: أفإن مت هم الخالدون بغير فاء. وكان ابن عطية ينحى منحى ~~يونس فإنه قال: وألف الاستفهام داخلة في المعنى على جواب الشرط. # قوله: { كل نفس ذآئقة الموت } هذا العموم مخصوص فإن له ~~تعالى نفسا لقوله تعالى: # تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك # [المائدة: 116] مع أن الموت لا يجوز عليه. # قال ابن الخطيب: وكذا الجمادات لها نفوس، وهي لا تموت، والعام المخصوص ~~حجة فيبقى معمولا به فيما عدا هذه الأشياء، وذلك يبطل قول الفلاسفة في ~~أن الأرواح البشرية والعقول والنفوس الفلكية لا تموت. واعلم أن الذوق ها ~~هنا لا يمكن إجراؤه على ظاهره، لأن الموت ليس من جنس المطعوم حتى يذاق، ~~بل الذوق إذ ذاك خاص، فيجوز جعله مجازا عن أصل الإدراك. # وأما الموت فالمراد منه هنا مقدماته من الآلام العظيمة، لأن الموت قبل ~~دخوله في الوجود يمتنع إدراكه، وحال وجوده يصير الشخص ميتا، والميت لا ~~يدرك شيئا والإضافة في " ذائقة الموت " في تقدير الانفصال، لأنه ~~لما يستقبل، كقوله: # غير محلي الصيد # [المائدة: 1] و # هديا بالغ الكعبة # [المائدة: 95]. # قوله: { ونبلوكم بالشر والخير } " نبلوكم " نختبركم ~~" بالشر والخير " بالشدة والرخاء، والصحة والسقم والغنى ms6194 والفقر. # وقيل: بما تحبون وما تكرهون لكي يشكر على المنح ويصبر على المحن، فيعظم ~~ثوابه إذا قام بما يلزم. وإنما سمي ذلك ابتلاء وهو عالم بما يكون من ~~أعمال العالمين قبل وجودهم لأنه في صورة الاختبار. قوله: " فتنة " في ~~نصبه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه مفعول من أجله. # الثاني: أنه مصدر في موضع الحال، أي فاتنين. # الثالث: أنه مصدر من معنى العامل لا من لفظه، لأن الابتلاء فتنة، فكأنه ~~قيل: نفتنكم فتنة. ثم قال: " وإلينا ترجعون " أي: إلى حكمه ~~ومحاسبته ومجازاته بين بذلك بطلان قولهم في نفي البعث والمعاد. وقرأ ~~العامة " ترجعون " بتاء الخطاب مبنيا للمفعول. وغيرهم بياء الغيبة على ~~الالتفات. # قوله: { وإذا رءاك الذين كفروا إن يتخذونك إلا ~~هزوا } المعنى: ما يتخذونك إلا هزوا، وهذا رجوع إلى تهجين كفرهم. قال ~~السدي ومقاتل: # " نزلت في أبي جهل قربه النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان أبو سفيان مع ~~أبي جهل، فقال أبو جهل لأبي سفيان: هذا نبي عبد مناف، فقال أبو سفيان: ~~وما تنكر أن يكون نبيا في بني عبد مناف. فسمع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قولهما فقال لأبي جهل " ما أراك تنتهي حتى ينزل بك ما نزل بعمك ~~الوليد بن المغيرة، وأما أنت يا أبا سفيان فإنما قلت ما قلته رحمة " # فنزلت هذه الآية. قوله: " إن يتخذونك " " إن " هنا نافية، وهي وما ~~في حيزها جواب الشرط بإذا. و " إذا " مخالفة لأدوات الشرط في ذلك، فإن ~~أدوات الشرط متى أجيبت ب (إن) النافية أو ب (ما) النافية وجب الإتيان ~~بالفاء تقول: إن أتيتني فإن أهنتك، أو فما أهنتك، وتقول: إذا أتيتني ما ~~أهنتك بغير فاء يدل له قوله تعالى: # وإذا تتلى عليهم ءاياتنا بينات ما كان ~~حجتهم إلا أن قالوا # [الجاثية: 25] و " اتخذ " هنا متعد لاثنين و " هزوا " هو الثاني إما ~~على حذف مضاف، وإما على الوصف بالمصدر مبالغة، وإما على وقوعه موقع اسم ~~المفعول. # وفي جواب " إذا " قولان: # أحدهما: أنه " إن " النافية وقد تقدم. # والثاني: أنه محذوف، وهو القول ms6195 الذي قد حكي به الجملة الاستفهامية في ~~قوله { أهذا الذي يذكر ءالهتكم } إذ التقدير: وإذا رآك ~~الذين كفروا يقولون أهذا الذي، وتكون الجملة المنفية معترضة بين الشرط ~~وبين جوابه المقدر. # قوله: { وهم بذكر الرحمن هم كافرون } " هم " الأولى ~~مبتدأ مخبر عنه ب " كافرون " ، و " بذكر " متعلق بالخبر، ~~والتقدير: وهم كافرون بذكر، و " هم " الثانية تأكيد للأول تأكيدا ~~لفظيا، فوقع الفصل بين العامل ومعموله بالمؤكد، وبين المؤكد والمؤكد ~~بالمعمول. # وفي هذه الجملة قولان: # أحدهما: أنها في محل نصب على الحال من فاعل القول المقدر، أي: يقولون ~~ذلك وهم على هذه الحالة. # والثاني: أنها حال من فاعل " يتخذونك " ، وإليه نحا الزمخشري فإنه قال: ~~والجملة في موضع الحال، أي يتخذونك هزوا وهم على حال هي أصل الهزء ~~والسخرية وهي الكفر بالله. # فصل # والمعنى: أنهم يعيبون عليه كونه يذكر آلهتهم التي لا تضر ولا تنفع ~~بالسوء مع أنهم بذكر الرحمن المنعم عليهم الخالق المحيي المميت كافرون، ~~ولا فعل أقبح من ذلك فيكون الهزؤ واللعن والذم عليهم من حيث لا يشعرون. ~~ويحتمل أن يراد " بذكر الرحمن " القرآن. ومعنى إعادة " وهم " أن الأولى ~~إشارة إلى القوم الذين كانوا يفعلون ذلك الفعل، والثانية إبانة لاختصاصهم ~~به، وأيضا فإن في إعادتها تأكيدا وتعظيما لفعلهم. ### || [21.37-41] # قوله تعالى: { خلق الإنسان من عجل } الآية. في المراد ~~بالإنسان قولان: # أحدهما: أنه النوع، وذلك أنهم كانوا يستعجلون العذاب { ويقولون متى هذا ~~الوعد }. (والمعنى أن بنيته من العجلة وعليها طبع كما قال: # وكان الإنسان عجولا # [الإسراء: 11]). فإن قيل: مقدمة الكلام لا بد وأن تكون مناسبة للكلام ~~وكون الإنسان مخلوقا من العجل يناسب كونه معذورا فيه فلم رتب على هذه ~~المقدمة قوله: " فلا تستعجلون "؟ # فالجواب أنه تعالى نبه بهذا على أن ترك الاستعجال حالة مرغوب فيها. # القول الثاني: أن المراد بالإنسان شخص معين، فقال ابن عباس في رواية ~~عطاء: نزلت هذه الآية في النضر بن الحرث. # وقال مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والسدي والكلبي ومقاتل والضحاك: المراد ~~آدم عليه السلام. وروى ابن جريج وليث ms6196 بن أبي سليم قال: خلق آدم بعد كل ~~شيء من آخر نهار يوم الجمعة، فلما دخل الروح رأسه ولم يبلغ أسفله نظر إلى ~~ثمار الجنة، فلما دخل الروح جوفه اشتهى الطعام فوثب قبل أن يبلغ الروح ~~إلى رجليه عجلان إلى ثمار الجنة فوقع فقيل { خلق الإنسان من ~~عجل } والقول الأول أولى، لأن الغرض ذم القوم، وذلك لا يحصل إلا إذا ~~حملنا لفظ الإنسان على النوع. قوله: " من عجل " فيه قولان: # أحدهما: أنه من باب القلب، والأصل: خلق العجل من الإنسان ~~لشدة صدوره منه وملازمته له وإلى هذا ذهب أبو عمرو، ويؤيده قراءة عبد ~~الله: " خلق العجل من الإنسان ". والقلب موجود في كلامهم قال ~~الشاعر: # 3714- حسرت كفي عن السربال آخذه # يريد: حسرت السربال عن كفي. # ومثله في الكلام: إذا طلعت الشعرى استوى العود على الحرباء وقالوا: ~~عرضت الناقة على الحوض، وتقدم منه أمثلة إلا أن بعضهم يخصه بالضرورة ~~وتقدم فيه ثلاثة مذاهب. # والثاني: أنه لا قلب فيه، وفيه ثلاثة تأويلات أحسنها أن ذلك على ~~المبالغة جعل ذات الإنسان كأنها خلقت من نفس العجلة دلالة على شدة اتصاف ~~الإنسان بها، وأنها مادته التي أخذ منها كما قيل للرجل الذي هو حاد: نار ~~تشعل والعرب قد تسمي المرء بما يكثر منه، فتقول: ما أنت إلا أكل ونوم، ~~وما هو إلا إقبال وإدبار، قال الشاعر: # 3715- ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت # فإنما هي إقبال وإدبار # ويتأكد هذا بقوله: # وكان الإنسان عجولا # [الإسراء: 11]. # قال المبرد: { خلق الإنسان من عجل } أي من شأنه العجلة كقوله # خلقكم من ضعف # [الروم: 54] أي: ضعفاء. ومثله في المبالغة من جانب النفي قوله عليه ~~السلام: # " لست من الدد ولا الدد مني " # ، والدد: اللعب، وفيه لغات: دد محذوف اللام وددا مقصورا كعصا، ~~وددن بالنون. وألفه في إحدى لغاته مجهولة الأصل لا يدري أهي عن ياء أو ~~واو. # وقيل: { خلق الإنسان من عجل } أي بسرعة، وتعجيل من غير ترتيب ~~خلق سائر الآدميين من النطفة ثم العلقة ثم المضغة ثم العظام ثم أنشأناه ~~خلقا ms6197 آخر. وقال أبو عبيدة: العجل الطين بلغة حمير قال شاعرهم: # 3716- والنبع في الصخرة الصماء منبته # والنخل ينبت بين الماء والعجل # قال الزمخشري بعد إنشاده عجز هذا البيت: والله أعلم بصحته. # قال شهاب الدين: وهو معذور. وهذا الجار يحتمل تعلقه ب " خلق " على ~~المجاز أو الحقيقة المتقدمتين. وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال كأنه قال: ~~خلق الإنسان عجلا. قاله أبو البقاء. وقرأ العامة " خلق " مبنيا ~~للمفعول " الإنسان " مرفوعا لقيامه مقام الفاعل. وقرأ مجاهد وحميد وابن ~~مقسم " خلق " مبنيا للفاعل " الإنسان " نصبا مفعولا به. فإن قيل: ~~القوم استعجلوا الوعيد على وجه التكذيب، ومن هذا حاله لا يكون مستعجلا ~~على الحقيقة. # فالجواب: أن استعجالهم بما توعدهم من عقاب الآخرة أو هلاك الدنيا يتضمن ~~استعجال الموت، وهم عالمون بذلك فكانوا مستعجلين حقيقة. # قوله: " سأوريكم آياتي " مواعيدي؛ قيل: هي الهلاك المعجل في ~~الدنيا والآخرة، ولذلك قال " فلا تستعجلون " أي أنه سيأتي لا ~~محالة في وقته، فلا تطلبوا العذاب قبل وقته، فأراهم يوم بدر. وقيل: كانوا ~~يستعجلون القيامة. وقيل: الآيات: أدلة التوحيد وصدق الرسول. وقيل: الآيات ~~آثار القرون الماضية بالشام واليمن. قوله: { ويقولون متى هذا ~~الوعد إن كنتم صادقين } هذا هو الاستعجال المذموم على سبيل ~~الاستهزاء، وهو كقوله: # ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى ~~لجآءهم العذاب # [العنكبوت: 53] فبين تعالى أنهم يقولون ذلك لجهلهم وغفلتهم. # قوله: " متى هذا " " متى " خبر مقدم، فهي في محل رفع. وزعم بعض ~~الكوفيين أنها في محل نصب على الظرف، والعامل فيها فعل مقدر رافع ل " ~~هذا " التقدير: متى يجيء هذا الوعد، أو متى يأتي ونحوه والأول أشهر. # قوله: " لو يعلم " جوابها مقدر، لأنه أبلغ في الوعيد فقدره الزمخشري: ~~لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال ولكن جهلهم هو الذي ~~هونه عندهم وقدره ابن عطية: لما استعجلوا. وقدره الحوفي: لسارعوا. وقدره ~~غيره: لعلموا صحة البعث. وقال البغوي: لما أقاموا على كفرهم، ولما ~~استعجلوا بقولهم { متى هذا الوعد }. # و " حين " مفعول به لعلموا، و ليس منصوبا على الظرف، أي: لو يعلمون وقت ~~عدم كف ms6198 النار. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون " يعلم " متروكا بلا تعدية ~~بمعنى: لو كان معهم علم ولم يكونوا جاهلين لما كانوا مستعجلين، و " حين " ~~منصوب بمضمر أي حين { لا يكفون عن وجوههم النار } يعلمون ~~أنهم كانوا على الباطل. وعلى هذا ف " حين " منصوب على الظرف، لأنه جعل ~~مفعول العلم أنهم كانوا. # وقال أبو حيان: والظاهر أن مفعول (يعلم) محذوف لدلالة ما قبله، أي: ~~لو يعلم الذين كفروا مجيء الموعد الذي سألوا عنه واستبطأوه، و " حين " ~~منصوب بالمفعول الذي هو مجيء، ويجوز أن يكون من باب الإعمال على حذف ~~مضاف، وأعمل الثاني، والمعنى: لو يعلمون مباشرة النار حيت لا يكفونها عن ~~وجوههم. # فصل # ثم إنه تعالى ذكر في رفع هذا الحزن عن قلب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وجهين: الأول: أنه بين ما لصاحب هذا الاستهزاء من العقاب الشديد ~~فقال { لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن ~~وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون } أي: ~~لو يعلمون الوقت الذي يسألون عنه بقولهم { متى هذا الوعد } وهو ~~وقت صعب شديد تحيط بهم فيه النار من قدام ومن خلف، فلا يقدرون على دفعها ~~عن أنفسهم، ولا يجدون ناصرا ينصرهم كقوله: # فمن ينصرنا من بأس الله إن جآءنا # [غافر: 29]. وإنما خص الوجوه والظهور، لأن مس العذاب لها أعظم موقعا. # قال بعضهم: { ولا عن ظهورهم } السياط. قوله " بغتة " نصب ~~على الحال، أي: مباغتة. والضمير في " تأتيهم " يعود على النار، وقيل: ~~على الحين، لأنه في معنى الساعة. وقيل: على الساعة التي تضطرهم فيها إلى ~~العذاب. وقيل: على الوعد، لأنه في معنى النار التي وعدوها قاله الزمخشري. ~~وفيه تكلف. وقرأ الأعمش: " بل يأتيهم " بياء الغيبة " بغتة " ~~بفتح الغين " فيبهتهم " بالياء أيضا. فأما الياء فأعاد الضمير ~~على الحين أو على الوعد، وقيل: على " النار " وإنما ذكر ضميرها، لأنها ~~في معنى العذاب، ثم راعى لفظ " النار " فأنث في قوله: " ردها ". ~~وقوله " بل تأتيهم " إضراب انتقال. # وقال ابن عطية: " بل " استدراك مقدر قبله نفي تقديره: إن ~~الآيات لا ms6199 تأتي على حسب اقتراحهم. وفيه نظر، لأنه يصير التقدير: لا ~~تأتيهم الآيات على حسب اقتراحهم بل تأتيهم بغتة، فيكون الظاهر أن الآيات ~~تأتي بغتة، وليس ذلك مرادا قطعا. وإن أراد أن يكون التقدير: بل تأتيهم ~~الساعة أو النار، فليس مطابقا لقاعدة الإضراب. # فصل # لما بين شدة هذا العقاب بين أن وقت مجيئه غير معلوم لهم { بل ~~تأتيهم بغتة } وهم غير محتسبين ولا مستعدين " فتبهتهم " ~~أي: تدعهم حيارى واقفين { لا يستطيعون حيلة } في ردها، { ولا ~~هم ينظرون } أي لا يمهلون لتوبة أو معذرة. وإنما لم يعلم المكلفين ~~وقت الموت (والقيامة لما) فيه من المصلحة، لأن المرء مع كتمان ذلك أشد ~~حذرا وأقرب إلى التلافي. # ثم ذكر الوجه الثاني في دفع الحزن عن قلب الرسول - عليه السلام - فقال: ~~{ ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق بالذين ~~سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون } أي: عقوبة ~~استهزائهم. و " حاق " وحق بمعنى كزال وزل، والمعنى: فكذلك يحيق ~~بهؤلاء وبال استهزائهم. ### || [21.42-44] # قوله تعالى: { قل من يكلؤكم } الآية لما بين أن الكفار في ~~الآخرة # لا يكفون عن وجوههم النار # [الأنبياء:39] بسائر ما وصفهم به أتبعه بأنهم في الدنيا أيضا لولا أن ~~الله تعالى يحرسهم ويحفظهم لما بقوا في السلامة، فقال لرسوله: " قل " ~~لهؤلاء الكفار الذين يستهزئون ويغترون بما هم عليه { من يكلؤكم ~~بالليل والنهار } وهذا كقول الرجل لمن حصل في قبضته ولا مخلص ~~له منه: من ينصرك مني؟ وهل لك مخلص؟ # والكلاءة: الحفظ، أي يحفظكم بالليل والنهار " من الرحمن " إن ~~نزل بكم عذابه. يقال: كلأه الله يكلؤه كلاءة بالكسر كذا ضبطه ~~الجوهري فهو كالىء ومكلوء. # قال ابن هرمة: # 3717- إن سليمى والله يكلؤها # ضنت بشيء ما كان يزرؤها # واكتلأت منه: احترست، ومنه سمي النبات كلأ، لأن به تقوم بنية ~~البهائم وتحرس. ويقال: بلغ الله بك أكلأ العمر. والمكلأ موضع يحفظ فيه ~~السفن. وفي الحديث: # " نهى عن بيع الكالىء بالكالىء " # أي: بيع الدين بالدين كأن كلا من رب الدينين يكلأ الآخر أي: ~~يراقبه. # (وقال ابن عباس: المعنى: من يمنعكم ms6200 من عذاب الرحمن. # وقرأ الزهري وابن القعقاع " يكلوكم " بضمة خفية دون همز. # وحكى الكسائي والفراء " يكلوكم " بفتح اللام وسكون الواو. # قال شهاب الدين: ولم أعرفها قراءة. وهو قريب من لغة من يخفف أكلت الكلأ ~~على الكلو وقفا إلا أنه أجرى الوصل مجرى الوقف). # قوله: " من الرحمن " متعلق ب " يكلؤكم " على حذف مضاف أي من ~~أمر الرحمن أو بأسه كقوله: # يحفظونه من أمر الله # [الرعد: 11]. " وبالليل " بمعنى في الليل، وإنما ذكر الليل ~~والنهار، لأن كل واحد من الوقتين آفات تختص به، والمعنى: من يحفظكم ~~بالليل إذا نمتم وبالنهار إذا تصرفتم في معاشكم. # وخص هاهنا اسم الرحمن بالذكر تلقينا للجواب حتى يقول العاقل أنت ~~الكالىء يا إلهنا لكل الخلائق برحمتك كما في قوله: # ما غرك بربك الكريم # [الانفطار: 6]. فخص اسم الكريم تلقينا. قوله: " بل هم " إضراب عما ~~تضمنه الكلام الأول من النفي، إذ التقدير: ليس لهم كالىء ولا مانع غير ~~الرحمن. والمراد ب " ذكر ربهم " القرآن ومواعظ الله " ~~معرضون " لا يتأملون في شيء منها ليعرفوا أنه لا كالىء لهم سواه، ~~ويتركوا عبادة الأصنام التي لا تحفظهم ولا تنعم عليهم. # قوله: { أم لهم ءالهة } " أم " منقطعة، أي بل ألهم؟ فالميم ~~صلة والمعنى: ألهم آلهة تمنعهم، وقد تقدم ما فيها. # وقوله: " من دوننا " فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق ب " تمنعهم " قبل، والمعنى: ألهم آلهة تجعلهم ~~في منعة وعز، وإلى هذا ذهب الحوفي. # والثاني: أنه متعلق بمحذوف، لأنه صفة ل " آلهة " ، أي آلهة من دوننا ~~تمنعهم، ولذلك قال ابن عباس إن في الكلام تقديما وتأخيرا. # ثم وصف الآلهة بالضعف فقال: { لا يستطيعون نصر أنفسهم } ~~وهذا مستأنف لا محل له، ويجوز أن يكون صفة ل " آلهة " ، وفيه بعد من حيث ~~المعنى. # قال ابن الخطيب: " لا يستطيعون " خبر مبتدأ محذوف، أي فهذه الآلهة لا ~~تستطيع حماية أنفسها عن الآفات، وحماية النفس أولى من حماية الغير، فإذا ~~لم تقدر على حماية نفسها فكيف تقدر على حماية غيرها. # قوله: { ولا هم منا يصحبون }. قال ابن عباس: يجاورون، تقول ~~العرب: ms6201 أنا لك جار وصاحب من فلان، أي مجير عنه. وقال مجاهد: ينصرون. ~~وقال قتادة: لا يصحبون من الله بخير. { بل متعنا هؤلاء } ~~الكفار " وءاباءهم " في الدنيا، أي أمهلناهم. وقيل: أعطيناهم ~~النعمة. { حتى طال عليهم العمر } أي امتد بهم الزمان ~~فاغتروا. { أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من ~~أطرافها } أي: أفلا يرى هؤلاء المشركون بالله المستعجلون بالعذاب ~~آثار قدرتنا في أنا ننقص الأرض من جوانبها نأخذ الواحد بعد الواحد من ~~المشركين ونفتح البلاد والقرى من حول مكة، ونزيدها في ملك محمد، أما كان ~~لهم عبرة في ذلك فيؤمنوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم -. " أفهم ~~الغالبون " أم نحن، وهو استفهام تقريع. # قال ابن عباس ومقاتل والكلبي: " ننقصها " بفتح البلدان. وروي عن ابن ~~عباس رواية أخرى: المراد نقصان أهلها. وقال عكرمة: تخريب القرى وموت ~~أهلها. # وقيل: موت العلماء، وهذه الرواية إن صحت عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فلا يعدل عنها وإلا فالأظهر هاهنا ما يتعلق بالغلبة، ولذلك قال: " ~~أفهم الغالبون ". قال القفال: نزلت هذه الآية في كفار مكة، فكيف ~~يدخل فيها العلماء والفقهاء. ### || [21.45-47] # قوله: { قل إنمآ أنذركم بالوحي } أي: أخوفكم بالقرآن ~~وقوله: " ولا يسمع " قرأ ابن عامر هنا " ولا تسمع " بضم التاء ~~للخطاب وكسر الميم، " الصم الدعاء " منصوبين. وقرأ ابن كثير في ~~النمل والروم. وقرأ باقي السبعة بفتح ياء الغيبة والميم " الصم " ~~بالرفع " الدعاء " بالنصب في جميع القرآن. # وقرأ الحسن كقراءة ابن عامر إلا أنه بياء الغيبة. وروى عنه ابن خالويه " ~~ولا يسمع " بياء الغيبة مبنيا للمفعول " الصم " رفعا " ~~الدعاء " نصبا. # وروي عن أبي عمرو بن العلاء " ولا يسمع " بضم الياء من تحت وكسر ~~الميم " الصم " نصبا " الدعاء " رفعا. # فأما قراءة ابن عامر وابن كثير فالفاعل فيها ضمير المخاطب، وهو الرسول - ~~عليه السلام -. فانتصب " الصم " و " الدعاء " على المفعولين، ~~وأولهما هو الفاعل المعنوي. # وأما قراءة الجماعة فالفعل مسند للصم فانتصب " الدعاء " مفعولا ~~به. وأما قراءة الحسن الأولى فأسند الفعل فيها إلى ضمير الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - وهي كقراءة ms6202 ابن عامر في المعنى. وأما قراءته الثانية ~~فأسند الفعل فيها إلى " الصمم " قائما مقام الفاعل، فانتصب الثاني وهو ~~" الدعاء " وأما قراءة أبي عمرو فإنه أسند الفعل فيها إلى الدعاء على ~~سبيل الاتساع وحذف المفعول الثاني للعلم به، والتقدير: ولا يسمع الدعاء ~~الصم شيئا البتة ولما وصل أبو البقاء إلى هنا قال: " ولا يسمع " ~~فيه قراءات وجوهها ظاهرة ولم يذكرها. و " إذا " في ناصبه وجهان: # أحدهما: أنه " يسمع ". # والثاني: أنه " الدعاء " فأعمل المصدر المعرف ب (أل) وإذا أعملوه في ~~المفعول الصريح ففي الظرف أولى. # قال الزمخشري: فإن قلت: الصم لا يسمعون دعاء المبشر كما لا يسمعون دعاء ~~المنذر، فكيف قيل: { إذا ما ينذرون }؟ قلت: اللام في " الصم " ~~عائدة إلى هؤلاء المنذرين كائنة للعهد لا للجنس، والأصل: ولا يسمعون إذا ~~ما ينذرون، فوضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على تصامهم وسدهم أسماعهم ~~إذا أنذروا، أي أنتم على هذه الصفة من الجراءة والجسارة على التصام عن ~~الإنذار والآيات. ثم بين تعالى أن حالهم سيتغير إلى أن يصيروا بحيث إذا ~~شاهدوا اليسير مما أنذروا به، فعنده يسمعون ويعتذرون ويعترفون حيث لا ~~ينتفعون، وهذا المراد بقوله: { ولئن مستهم نفحة من ~~عذاب ربك ليقولن يا ويلنآ إنا كنا ظالمين } ~~وأصل النفح من الريح: اللين. قال الزمخشري: في المس والنفحة ثلاث ~~مبالغات، لفظ المس، وما في النفح من معنى القلة والنزارة يقال: نفحته ~~الدابة: رمحته رمحا يسيرا. # والنفح: الخطرة. قال ابن عباس: " نفحة " طرف. وقيل: قليل: وقال ابن ~~جريج: نصيب من قولهم: نفح فلان لفلان من ماله أي: أعطاه حظا منه، قال: # 3718- إذا ريدة من حيث ما نفحت له # أتاه برياها خليل يواصله # وقيل: ضربة، من قولهم: نفحت الدابة برجلها، أي: ضربت. # و " من عذاب " صفة ل " نفحة ". # ثم بين تعالى أن جميع ما ينزل بهم في الآخرة لا يكون إلا عدلا فيهم ~~بقولهم: { ليقولن يا ويلنآ إنا كنا ظالمين } أي: ~~مشركين دعوا على أنفسهم بالويل بعد ما أقروا بالشرك. # قوله: { ونضع الموازين القسط } قال الزجاج: ذوات القسط، ms6203 ~~ووضعها إحضارها. (وإنما جمع " الموازين " لكثرة من توزن أعمالهم، ~~وهو جمع تفخيم. ويجوز أن يرجع إلى الموزونات). وفي نصب " القسط " ~~وجهان: # أحدهما: أنه نعت للموازين، وعلى هذا فلم أفرد؟ وعنه جوابان: # أحدهما: أنه في الأصل مصدر، والمصدر يوحد مطلقا. # والثاني: أنه على حذف مضاف. # الوجه الثاني: أنه مفعول من أجله أي: لأجل القسط، إلا أن في هذا نظرا، ~~من حيث إن المفعول له إذا كان معرفا ب (أل) يقل تجرده من حرف العلة ~~تقول: جئت للإكرام، ويقل: جئت الإكرام، كقوله: # 3719- لا أقعد الجبن عن الهيجاء # ولو توالت زمر الأعداء # وقرىء: القصط بالصاد، لأجل الطاء. وقد تقدم. # قوله: " ليوم القيامة " في هذه اللام أوجه: # أحدها: قال الزمخشري: مثلها في قولك: جئت لخمس خلون من الشهر ومنه بيت ~~النابغة: # 3720- توهمت آيات لها فعرفتها # لستة أعوام وذا العام سابع # والثاني: أنها بمعنى (في) وإليه ذهب بن قتيبة وابن مالك وهو رأي ~~الكوفيين ومنه عندهم: " لا يجليها لوقتها " وكقول مسكين ~~الدارمي: # 3721- أولئك قومي قد مضوا لسبيلهم # كما قد مضى من قبل عاد وتبع # وكقول الآخر: # 3722- وكل أب وابن وإن عمرا معا # مقيمين مفقود لوقت وفاقد # والثالث: أنها على بابها من التعليل ولكن على حذف مضاف أي: لحساب يوم ~~القيامة و " شيئا " يجوز أن يكون مفعولا ثانيا، وأن يكون مصدرا، ~~لأي: شيئا من الظلم. # فصل # في وضع الموازين قولان: # أحدهما: قال مجاهد: هذا مثل، والمراد بالموازين العدل، ويروى مثله عن ~~قتادة والضحاك، والمراد بالوزن: القسط بينهم في الأعمال، فمن أحاطت ~~حسناته بسيئاته ثقلت موازينه أي: ذهبت سيئاته وحسناته حكاه ابن جرير عن ~~ابن عباس. # والثاني: أن الموازين توضع حقيقة ويوزن بها الأعمال، # " روي عن الحسن أنه ميزان له كفتان ولسان وهو بيد جبريل - عليه السلام - ~~يروى " أن داود - عليه السلام - سأل ربه أن يريه الميزان، فأراه كل ~~كفة ما بين المشرق والمغرب فغشي عليه، ثم أفاق، فقال: إلهي من الذي يقدر ~~أن يملأ كفته حسنات، فقال: يا داود إني إذا رضيت عن عبد ملأتها بتمرة ms6204 ~~". # وعلى هذا القول في كيفية وزن الأعمال طريقان: # أحدهما: أن توزن صحائف الأعمال. # والثاني: أن يجعل في كفة الحسنات جواهر بيض مشرقة، وفي كفة السيئات ~~جواهر سود مظلمة فإن قيل: أهل القيامة إما أن يكونوا عالمين بكونه - ~~تعالى - عادلا غير ظالم أو لا يعلمون ذلك. فإن علموا كان مجرد حكمه ~~كافيا في معرفة أن الغالب هو الحسنات أو السيئات فلا فائدة في وضع ~~الميزان. وإن لم يعلموا ذلك لم تحصل الفائدة في وزن الصحائف، لاحتمال أنه ~~جعل إحدى الصحيفتين أثقل أو أخف ظلما، فلا فائدة في وضع الميزان على كلا ~~التقديرين. # والجواب: قال ابن الخطيب: أما على قولنا # لا يسأل عما يفعل # [الأنبياء: 23] وأيضا ففيه ظهور حال الولي من العدو في مجمع الخلائق، ~~فيكون لأحد القبيلين في ذلك أعظم السرور والأخرى أعظم الغم، ويكون ذلك ~~بمنزلة نشر الصحف وغيره. وإذا ثبت ذلك فالدليل على وجود الموازين ~~الحقيقية أن حمل لفظ الميزان على مجرد العدل مجاز وصرف اللفظ عن الحقيقة ~~إلى المجاز من غير دليل غير جائز لا سيما وقد جاءت الأحاديث الكثيرة ~~بالأسانيد الصحيحة في ذلك. # قوله: { وإن كان مثقال } قرأ نافع هنا وفي لقمان برفع " ~~مثقال " على أن " كان " تامة، أي: وإن وجد مثقال. والباقون بالنصب ~~على أنها ناقصة واسمها مضمر، أي: وإن كان العمل. و " من خردل " ~~صفة ل " حبة ". وقرأ العامة " أتينا " من الإتيان بقصر الهمزة ~~أي: جئنا بها. # وفي حرف أبي " جئنا ". وكذا قرأ ابن مسعود، وهو تفسير معنى لا ~~تلاوة. وقرأ ابن عباس ومجاهد وسعيد وابن أبي إسحاق والعلاء بن سيابة، ~~وجعفر بن محمد " آتينا " بمد الهمزة، وفيه أوجه: # أصحها: أنه (فاعلنا) من المواتاة وهي المجازاة والمكافأة، ~~والمعنى: جازينا بها، ولذلك تعدى بالباء. # الثاني: أنها (مفاعلة) من الإتيان بمعنى المجازاة والمكافأة، لأنهم ~~أتوه بالأعمال وأتاهم بالجزاء، قاله الزمخشري. # الثالث: أنه أفعل من الإيتاء، كذا توهم وهو غلط. قال ابن عطية: ولو كان ~~آتينا: أعطينا لما تعدت بحرف جر، ويوهن هذه لقراءة أن إبدال ~~الواو المفتوحة ms6205 همزة ليس بمعروف، وإنما يعرف ذلك في المضمومة ~~والمكسورة يعني: أنه كان من حق هذا القارىء أن يقرأ " وأتينا " مثل ~~وأعطينا، لأنها من المواتاة على الصحيح، فأبدل هذا القارىء الواو ~~المفتوحة همزة وهو قليل ومنه أحد وأناة. # قال أبو البقاء: ويقرأ بالمد بمعنى جازينا بها، فهو يقرب من ~~معنى أعطينا، لأن الجزاء إعطاء، وليس منقولا من أتينا، لأن ذلك لم ~~ينقل عنهم. # وقرأ حميد " أثبنا " من الثواب، والضمير في " بها " عائد على ~~المثقال وأنث ضميره لإضافته لمؤنث، فهو كقوله: # 3723- كما شرقت صدر القناة من الدم # في اكتسابه التأنيث بالإضافة. # فصل # زعم الجبائي أن من استحق مائة جزء من العقاب فأتى بطاعة يستحق بها ~~خمسين جزءا من الثواب فهذا الأقل ينحبط بالأكثر، فيبقى الأكثر كما كان. ~~وهذه الآية تبطل قوله، لأن الله تعالى تمدح بأن اليسير من الطاعة لا ~~يسقط ولو كان الأمر كما قال الجبائي لسقطت الطاعة من غير فائدة. فإن قيل: ~~الحبة أعظم من الخردلة فكيف قال: { حبة من خردل }؟ فالوجه فيه ~~أن تفرض الخردلة كالدينار ثم تعتبر الحبة من ذلك الدينار. والغرض ~~المبالغة في أن شيئا من الأعمال صغيرا كان أو كبيرا غير ضائع عند ~~الله. ثم قال: { وكفى بنا حاسبين }. # قال السدي: محصين. والحسب: معناه العد. قال ابن عباس: عالمين ~~حافظين، لأن من حسب شيئا علمه وحفظه. # والغرض منه التحذير فإن المحاسب إذا كان عالما بحيث لا يمكن أن يفوته ~~شيء، وكان في القدرة بحيث لا يعجز عن شيء فحقيق بالعاقل أن يكون شديد ~~الخوف منه. ### || [21.48-50] # قوله تعالى: { ولقد ءاتينا موسى وهرون الفرقان } ~~الآية. لما أمر رسوله أن يقول # إنمآ أنذركم بالوحي # [الأنبياء: 45] أتبعه بأنه عادة الله في الأنبياء قبله. { ولقد ~~ءاتينا موسى وهرون الفرقان } يعني: الكتاب المفرق بين ~~الحق والباطل، وهو التوراة، وكان " ضياء " لغاية وضوحه يتوصل به إلى ~~طرق الهدى في معرفة الشرائع، وكان " ذكرى " أي موعظة أو ذكر ما يحتاجون ~~إليه في دينهم ومصالحهم. # وقال ابن زيد: الفرقان النصر على الأعداء كقوله تعالى: ms6206 # ومآ أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان # [الأنفال: 41] يعني: يوم بدر حين فرق بين الحق والباطل. وهو مروي عن ابن ~~عباس، ولأنه أدخل الواو في قوله " وضياء " أي: آتينا موسى النصر ~~والضياء، وهو التوراة، لأن العطف يقتضي المغايرة. وقيل: المراد ~~بالفرقان: البرهان الذي فرق به بين الحق والباطل. وقال الضحاك: الفرقان ~~هو فلق البحر. # وقال محمد بن كعب: الفرقان الخروج عن الشبهات. ومن قال المراد بالفرقان: ~~التوراة قال: الواو في قوله: " وضياء " تكون من عطف الصفات، والمراد ~~به شيء واحد، أي: آتيناه الجامع بين هذه الأشياء. وقيل: الواو زائدة. قال ~~أبو البقاء ف " ضياء " حال على هذا. وإنما خصص الذكر بالمتقين كما في ~~قوله " هدى للمتقين " [البقرة:2]. # قوله: " الذين يخشون " في محله ثلاثة أوجه: (الجر على النعت أو ~~البدل أو البيان، والنصب والرفع على القطع). وفي معنى " الغيب " وجوه: # الأول: " يخشون " أي: يخافون ربهم ولم يروه فيأتمرون بأوامره، ~~وينتهون عن نواهيه. # وثانيها: يخشون ربهم وهم غائبون عن الآخرة وأحكامها. # وثالثها: يخشون ربهم في الخلوات إذا غابوا عن الناس { وهم من ~~الساعة مشفقون } خائفون. ثم قال: ولما أنزلت عليه الفرقان فكذلك ~~هذا القرآن المنزل عليك وهو معنى قوله: { وهذا ذكر مبارك } ~~يعني: القرآن " ذكر " لمن تذكر به " مبارك " يتبرك به، ويطلب منه ~~الخير، " أفأنتم " يا أهل مكة " له منكرون " جاحدون، استفهام ~~إنكار وتوبيخ، والمعنى: لا إنكار في إنزاله وفي عجائب ما فيه. ### || [21.51-56] # قوله تعالى: { ولقد ءاتينآ إبراهيم رشده من قبل } ~~الآية. " رشده " مفعول ثان. # وقرأ العامة " رشده " بضم الراء وسكون الشين، وعيسى الثقفي بفتحها. ~~والرشد والرشد كالعدم والعدم، وقد تقدم الكلام عليهما. ~~والمراد بالرشد: النبوة لقوله { وكنا به عالمين } ، لأنه ~~تعالى إنما يخص بالنبوة من يعلم من حاله أنه في المستقبل يقوم بحقها ~~ويجتنب ما لا يليق بها ويحترز عما ينفر قومه من القبول. # وقيلب: الرشد: الاهتداء لوجوه الصلاح في الدين والدنيا لقوله تعالى: # فإن ءانستم منهم رشدا # [النساء: 6] وقيل: يدخل تحت الرشد النبوة والاهتداء. # قوله: " من قبل " أي: من قبل ms6207 موسى وهارون، قاله ابن عباس، وهذا أحسن ~~ما قدر به المضاف إليه وقيل: من قبل بلوغه أو نبوته حين كان في السرب ~~فظهرت له الكواكب، فاستدل بها، وهذا على قول من حمل الرشد على الاهتداء ~~وإلا لزمه أن يحكم بنبوته - عليه السلام - قبل البلوغ. قاله مقاتل. # وروى الضحاك عن ابن عباس معنى " من قبل " أي: حين كان في صلب آدم ~~لما أخذ الله ميثاق النبيين. # والضمير في " به " يعود على " إبراهيم ". وقيل: على " رشده ". # والمعنى: أنه تعالى علم منه أشياء بديعة وأسرارا عجيبة حتى أهله لأن ~~يكون خليلا له، وهذا كقولك في رجل كبير: أنا عالم بفلان، فإن هذا ~~الكلام في الدلالة على تعظيمه أدل مما إذا شرحت حال كماله. # فصل # دلت الآية على أن الإيمان مخلوق لله تعالى، لأنه لو كان الرشد ~~هو التوفيق والبيان، وقد فعل الله تعالى ذلك بالكفار فيجب أن يكون قد ~~آتاهم رشدهم. # وأجاب الكعبي: بأن هذا يقال فيمن قبل لا فيمن رد، وذلك كمن أعطى ~~المال لولدين فقبله أحدهما وثمره، ورده الآخر أو أخذه ثم ضيعه، يقال: ~~أغنى فلان ابنه فيمن ثمر المال، ولا يقال فيمن ضيع. وهذا الجواب لا يتم ~~إلا إذا جعلنا قبوله جزءا من مسمى الرشد وذلك باطل، لأن المسمى إذا ~~كان متركبا من جزأين ولا يكون أحدهما مقدور الفاعل لم يجز إضافة ذلك ~~المسمى إلى الفاعل، فكان يلزم أن لا يجوز إضافة الرشد إلى الله تعالى ~~بالمفعولية لكن النص وهو قوله { ولقد ءاتينآ إبراهيم ~~رشده } صريح في أن ذلك الرشد إنما حصل من الله تعالى فبطل قوله. # قوله: " إذ قال " يجوز أن يكون منصوبا ب " ءاتينا " أو ب " ~~رشده " أو ب " عالمين " أو بمضمر أي: اذكر وقت قوله. وجوز ~~أبو البقاء فيه أن يكون بدلا من موضع " قبل ". # أي: أنه يحل محله فيصح المعنى إذ يصير التقدير: ولقد آتيناه رشدا إذ ~~قال. وهو بعيد من المعنى بهذا التقدير. # قوله: { ما هذه التماثيل } أي: الصور، يعني: الأصنام. ~~والتمثال: اسم للشيء المصنوع ms6208 مشبها بخلق من خلق الله. وأصله من مثلت ~~الشيء بالشيء: إذا شبهته به، فاسم ذلك الممثل تمثال. ~~والتماثيل: جمع تمثال، وهو الصورة المصنوعة من رخام، أو نحاس، أو ~~خشب، أو حديد؛ يشبه بخلق الآدمي وغيره من الحيوانات، فال امرؤ القيس: # 3724- فيا رب يوم قد لهوت وليلة # بآنسة كأنها خط تمثال # قوله: " لها " قيل: اللام للعلة، أي: عاكفون لأجلها. وقيل: بمعنى ~~(على)، أي: عاكفون عليها. وقيل: ضمن " عاكفون " معنى عابدين فلذلك ~~أتى باللام وقال أبو البقاء: وقيل: أفادت معنى الاختصاص. # وقال الزمخشري: لم ينو للعاكفين مفعولا، وأجراه مجرى ما لا يتعدى ~~كقوله: فاعلون العكوف لها، أو واقفون لها. فإن قلت: هلا قيل: عليها ~~عاكفون كقوله: # يعكفون على أصنام لهم # [الأعراف: 138] قلت: لو قصد التعدية لعداه بصلته التي هي " على ". # قال شهاب الدين: الأولى أن تكون اللام للتعليل وصلة " عاكفون " ~~محذوفة أي: عاكفون عليها، أي: لأجلها لا لشيء آخر. # قوله: { قالوا وجدنآ ءاباءنا لها عابدين } " ~~عابدين " مفعول ثان ل " وجدنا " و " لها " لا تعلق له، لأن ~~اللام زائدة في المفعول به لتقدمه. # فصل # اعلم أن القوم لم يجدوا في جوابه إلا طريقة التقليد فأجابوه بأن ~~آباءهم سلكوا هذا الطريق، فاقتدوا بهم، فلا جرم أجابهم إبراهيم - عليه ~~السلام - بقوله: { لقد كنتم أنتم وءاباؤكم في ضلال ~~مبين } فبين أن الباطل لا يصير حقا بكثرة المتمسكين به. قوله: " ~~أنتم " تأكيد للضمير المتصل. # قال الزمخشري: و " أنتم " من التأكيد الذي لا يصح الكلام مع الإخلال ~~به، لأن العطف على ضمير هو في حكم بعض الفعل ممتنع، ونحوه # اسكن أنت وزوجك الجنة # [البقرة: 35]، [الأعراف: 19]. قال أبو حيان: وليس هذا حكما مجمعا عليه ~~فلا يصح الكلام مع الإخلال به، لأن الكوفيين يجيزون العطف على الضمير ~~المتصل المرفوع من غير تأكيد بالضمير المنفصل، ولا فصل، وتنظير ذلك ب # اسكن أنت وزوجك # [البقرة:35]، [الأعراف:19] مخالف لمذهبه في { اسكن أنت وزوجك ~~} لأنه يزعم أن " وزوجك " ليس معطوفا على الضمير المستكن في " ~~اسكن " بل مرفوع بفعل مضمر أي: وليسكن، فهو عنده من ms6209 قبيل عطف الجمل، ~~وقوله هذا مخالف لمذهب سيبويه. # قال شهاب الدين: لا يلزم من ذلك أنه خالف مذهبه إذ يجوز أن ينظر بذلك ~~عند من يعتقد ذلك وإن لم يعتقد (هو). # و " في ضلال " يجوز أن يكون خبرا إن كانت (كان) ناقصة، أو ~~متعلقا ب " كنتم " إن كانت تامة. # قوله: { أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين } لما ~~حقق عليه السلام ذلك عليهم، ولم يجدوا من كلامه مخلصا ورأوه منكرا ~~عليهم من كثرتهم { قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من ~~اللاعبين } فأوهموه بهذا الكلام أنه يبعد أن يقدم على الإنكار عليهم ~~جادا في ذلك، وقالوا: أجاد أنت فيما تقول أم لاعب، فأجابهم بقوله - عليه ~~السلام - { بل ربكم رب السموات والأرض } الآية. ~~قوله " بالحق " متعلق ب " جئت " ، وليس المراد به حقيقة المجيء إذ لم ~~يكن غائبا. و " أم أنت " " أم " متصلة وإن كان بعدها جملة، لأنها ~~في حكم المفرد إذ التقدير: أي الأمرين واقع مجيئك بالحق أم لعبك كقوله: # 3725- ما أبالي أنب بالحزن تيس # أم لحاني بظهر غيب لئيم # وقوله: # 3726- لعمرك ما أدري، وإن كنت داريا # شعيب بن سهم أم شعيث بن منقر # يريد: أي الأمرين واقع، ولو كانت منقطعة لقدرت ب (بل) والهمزة ~~وليس ذلك مرادا. قوله: " الذي فطرهن " يجوز أن يكون مرفوع الموضع ~~أو منصوبه على القطع. والضمير المنصوب في " فطرهن " للسموات ~~والأرض. قال أبو حيان: ولما لم تكن السموت والأرض تبلغ في العدد الكثير ~~منه جاء الضمير ضمير القلة. قال شهاب الدين: إن عنى لم تبلغ كل واحد من ~~السموات والأرض فمسلم ولكنه غير مراد، بل المراد المجموع، وإن عنى لم ~~تبلغ المجموع منهما فغير مسلم، لأنه يبلغ أربع عشرة، وهو فوق حد جمع ~~الكثرة، اللهم إلا أن نقول: إن الأرض شخص واحد وليست بسبع كالسماء ~~على ما رآه بعضهم، فيصح له ذلك، ولكنه غير معول عليه. وقيل: على ~~التماثيل. # قال الزمخشري: وكونه للتماثيل أثبت لتضليلهم وأدخل في الاحتجاج عليهم. # وقال ابن عطية: " فطرهن " عبارة عنها كأنها تعقل، وهذا من ms6210 حيث لها ~~طاعة وانقياد، وقد وصفت في مواضع بوصف من يعقل. وقال غيره: " فطرهن ~~" أعاد ضمير من يعقل لما صدر منهن من الأحوال التي تدل على أنهما من قبيل ~~من يعقل، فإن الله تعالى أخبر بقوله: # أتينا طآئعين # [فصلت: 11] وقوله - عليه السلام - # " أطت السماء وحق لها أن تئط " # قال شهاب الدين: كأن ابن عطية وهذا القائل توهما أن (هن) من ~~الضمائر المختصة بالمؤنثات العاقلات، وليس كذلك بل هو لفظ مشترك بين ~~العاقلات وغيرها قال تعالى: # منهآ أربعة حرم # [التوبة: 36] ثم قال تعالى: # فلا تظلموا فيهن # [التوبة: 36]. # قوله: " على ذلكم " متعلق بمحذوف أو ب " الشاهدين " ~~اتساعا، أو على البيان، وقد تقدم نظيره نحو # لكما لمن الناصحين # [الأعراف: 21]. # فصل # اعلم أن القوم لما أوهموه أنه كالمازح في ما خاطبهم به أمر أصنامهم ~~أظهر ذلك بالقول أولا ثم بالفعل ثانيا. # أما القول فهو قوله: { بل ربكم رب السموات والأرض ~~} وهذا يدل على أن الخالق الذي خلقها لمنافع العباد هو الذي يحسن أن ~~يعبد لأن القادر على ذلك هو الذي يقدر على الضرر والنفع، وهذه الطريقة هي ~~نظير قوله: # لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك ~~شيئا # [مريم: 42]، ثم قال: { وأنا على ذلكم من الشاهدين } ~~أي: على أنه لا إله إلا الذي لا يستحق العبادة إلا هو. وقيل: " من ~~الشاهدين " على أنه خالق السموات والأرض. # وقيل: إني قادر على إثبات ما ذكرته بالحجة، وإني لست مثلكم أقول ما لا ~~أقدر على إثباته بالحجة، ولم تزيدوا على أنكم وجدتم عليه آباءكم. وقيل: ~~المراد منه المبالغة في التأكيد والتحقيق، كقول الرجل إذا بالغ في مدح ~~آخر أو ذمه: أشهد أنه كريم أو ذميم. ### || [21.57-60] # وأما الفعل فقوله: { وتالله لأكيدن أصنامكم } لأمكرن ~~بها. قرأ العامة " تالله " بالتاء المثناة فوق. وقرأ معاذ بن جبل، ~~وأحمد بن حنبل بالباء الموحدة. قال الزمخشري: فإن قلت: ما الفرق بين ~~التاء والباء؟ قلت: الباء هي الأصل، والتاء بدل من الواو المبدل منها، ~~وأن التاء فيها زيادة معنى وهو التعجب ms6211 كأنه تعجب من تسهل الكيد على يده ~~وتأتيه. أما قوله: إن الباء في الأصل فيدل على ذلك تصرفها في الباب ~~بخلاف الواو والتاء، وإن كان السهيلي قد رد كون الواو بدلا منها. # وقال أبو حيان: النظر يقتضي أن كلا منهما أصل. وأما قوله: التعجب فنصوص ~~النحويين أنه يجوز فيها التعجب وعدمه، وإنما يلزم ذلك مع اللام كقوله: # 3727- لله يبقى على الأيام ذو حيد # بمشمخر به الظيان والآس # و " بعد " منصوب ب " لأكيدن " ، و " مدبرين " حال مؤكدة، ~~لأن " تولوا " يفهم معناها. وقرأ العامة " تولوا " بضم التاء ~~واللام مضارع (ولى) مشددا. # وقرأ عيسى بن عمر " تولوا " بفتحهما مضارع (تولى)، والأصل: ~~تتولوا فحذف إحدى التاءين إما الأولى على رأي هشام، وإما الثانية على ~~رأي البصريين وينصرها قراءة الجميع { فتولوا عنه مدبرين } ~~[الصافات:90]، ولم يقرأ أحد " تولوا " وهي قياس قراءة الناس هنا، ~~وعلى كلتا القراءتين فلام الكلمة محذوفة، وهو الياء، لأنه من " ولى " ~~، ومتعلق هذا الفعل محذوف تقديره: تولوا إلى عيدكم ونحوه. فإن قيل: الكيد ~~ضرر الغير بحيث لا يشعر به ولا يتأتى ذلك في الأصنام فكيف قال: " ~~لأكيدن أصنامكم "؟ # فالجواب: توسعا لما كان عندهم أن الضرر يجوز عليها، وقيل: المراد ~~لأكيدنكم في أصنامكم لأنه بذلك الفعل أنزل بهم الغم. # قوله: " فجعلهم جذاذا ". قرأ العامة " جذاذا " بضم الجيم، ~~والكسائي بكسرها وابن عباس وأبو نهيك وأبو السمال بفتحها. قال قطرب: هي ~~في لغاتها كلها مصدر، فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث والظاهر أن المضموم ~~اسم للشيء المكسر كالحطام والرفات والفتات بمعنى الشيء المحطم والمفتت. ~~وقال اليزيدي: المضموم جمع جذاذة بالضم نحو زجاج في زجاجة، والمكسور ~~جمع جذيذ نحو كرام في كريم. وقال بعضهم: المفتوح مصدر بمعنى ~~المفعول أي: مجذوذين. ويجوز على هذا أن يكون على حذف مضاف أي: ذوات ~~جذاذ. # وقيل: المضموم جمع جذاذة بالضم، والمكسور جمع جذاذة بالكسر، ~~والمفتوح مصدر وقرأ ابن وثاب " جذذا " بضمتين دون ألف بين الذالين، ~~وهو جمع جذيذ كقليب وقلب. وقرىء بضم الجيم وفتح الذال، وفيها ~~وجهان: # أحدهما: أن يكون ms6212 أصلها ضمتين، وإنما خففت بإبدال الضمة فتحة نحو سرر ~~وذلل في جمع سرير وذليل، وهي لغة لبني كلب. # والثاني: أنه جمع جذة نحو قبب في قبة ودرر في درة. # والجذ القطع والتكسير، وعليه قوله: # 3728- بنو المهلب جذ الله دابرهم # أمسوا رمادا فلا أصل ولا طرف # وتقدم هذا مستوفى في هود. فإن قيل: لم قال " جعلهم " وهذا جمع لا ~~يليق إلا بالعقلاء؟ # فالجواب عامل الأصنام معاملة العقلاء حيث اعتقدوا فيها ذلك. # قوله: " إلا كبيرا " استثناء من المنصوب في " فجعلهم " أي: لم ~~يكسره بل تركه و " لهم " صفة له، وهذا الضمير يجوز أن يعود على ~~الأصنام، وتأويل عود ضمير العقلاء عليها تقدم. ويجوز أن يعود على ~~عابديها. والضمير في " إليه " يجوز أن يعود إلى " إبراهيم " ، أي: ~~يرجعون إلى مقالته حين يظهر لهم الحق، أو غلب على ظنه أنهم لا يرجعون إلا ~~إليه لما شاهدوه من إنكاره لدينهم، وسب آلهتهم، فيبكتهم بما أهانهم به من ~~قوله: # بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم # [الأنبياء: 63]. # ويجوز أن يعود إلى الكبير، وفيه وجهان: # أحدهما: لعلهم يرجعون إليه كما يرجعون إلى العالم في حل المشكلات، ~~فيقولون: ما لهؤلاء مكسورة ومالك صحيحا والفأس على عاتقك؟ وهذا قول ~~الكلبي. وإنما قال ذلك بناء على كثرة جهالاتهم، فلعلهم كانوا يعتقدون ~~فيها أنها تجيب وتتكلم. # والثاني: أنه - عليه السلام - قال ذلك مع علمه أنهم لا يرجعون إليه ~~(استهزاء بهم). # فصل # قال السدي: كان لهم في كل سنة عيد يجتمعون فيه، فكانوا إذا رجعوا من ~~عيدهم دخلوا على الأصنام فسجدوا لها، ثم عادوا إلى منازلهم، فلما كان هذا ~~الوقت قال آزر لإبراهيم: لو خرجت معنا، فخرج معهم، فلما كان ببعض الطريق ~~ألقى نفسه وقال: إني سقيم أشتكي رجلي،، فلما مضوا وبقي ضعفاء ~~الناس، نادى وقال: { تالله لأكيدن أصنامكم بعد أن ~~تولوا مدبرين } أي: إلى عيدكم. فسمعوها منه. واحتج هذا القائل ~~بقوله تعالى: { قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له ~~إبراهيم }. # وقال الكلبي: كان إبراهيم - عليه السلام - من أهل بيت ينظرون في النجوم ~~وكانوا إذا ms6213 خرجوا إلى عيدهم لم يتركوا إلا مريضا، فلما هم إبراهيم ~~بكسر الأصنام، نظر قبل يوم العيد إلى السماء، وقال لأصحابه: أراني أشتكي ~~غدا، وهو قوله: # فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم # [الصافات: 88، 89]. وأصبح في الغد معصوبا رأسه، فخرج القوم لعيدهم ولم ~~يتخلف أحد غيره، فقال: { وتالله لأكيدن أصنامكم } فسمع ~~رجل منهم هذا القول، فحفظه عيله، ثم أخبر به غيره، وانتشر ذلك في جماعة، ~~فلذلك قال تعالى: { قالوا سمعنا فتى يذكرهم } ، ثم إن ~~إبراهيم - عليه السلام - دخل بيت الأصنام فوجد سبعين صنما مصطفة، وعند ~~الباب صنم عظيم من ذهب مستقبل الباب وفي عينه جوهرتان تضيئان بالليل، ~~فكسرها كلها بفأس في يده حتى لم يبق إلا الكبير علق الفأس في عنقه. # فإن قيل: أولئك الأقوام إما أن يكونوا عقلاء أو لم يكونوا عقلاء، فإن ~~كانوا عقلاء وجب أن يكونوا عالمين بالضرورة أن تلك الأصنام لا تسمع ولا ~~تبصر ولا تنفع ولا تضر، فأي حاجة في إثبات ذلك إلى كسرها؟ أقصى ما في ~~الباب أن يقال: القوم كانوا يعظمونها كما يعظم الواحد منا المصحف والمسجد ~~والمحراب وكسرها لا يقدح في تعظيمها من هذا الوجه. وإن لم يكونوا عقلاء ~~لم يحسن مناظرتهم ولا بعثة الرسل إليهم. # فالجواب: أنهم كانوا عقلاء وكانوا عالمين بالضرورة أنها جمادات، ولكن ~~لعلهم كانوا يعتقدون فيها أنها تماثيل للكواكب، وأنها طلسمات موضوعة، ~~بحيث إن كل من عبدها انتفع، وكل من استخف بها ناله منها ضرر شديد، ثم ~~إن إبراهيم - عليه السلام - كسرها ولم ينله منها ضرر ألبتة، فكان فعله ~~دالا على فساد مذهبهم. قوله { من فعل هذا } يجوز في " من " أن ~~تكون استفهامية وهو الظاهر، فعلى هذا تكون الجملة من قوله: { إنه ~~لمن الظالمين } استئنافا لا محل لها من الإعراب. ويجوز أن تكون ~~موصولة بمعنى (الذي)، وعلى هذا فالجملة من " إنه " في محل رفع ~~خبرا للموصول، والتقدير: الذي فعل هذا بآلهتنا إنه. ومعنى الآية: من ~~فعل هذا الكسر والحطم الشديد معدود في الظلمة إما لجرأته على الآلهة ~~الحقيقة بالتوقير ms6214 والإعظام، وإما لأنهم رأوا إفراطا في كسرها، وتماديا ~~في الاستهانة بها. # قوله: " يذكرهم ". في هذه الجملة أوجه: # أحدها: أن " سمع " هنا يتعدى لاثنين، لأنها متعلقة بعين، فيكون " فتى ~~" مفعولا أولا و " يذكرهم " هذه الجملة في محل نصب مفعولا ~~ثانيا، ألا ترى أنك لو قلت: سمعت زيدا، وسكت لم يكن كلاما ~~بخلاف: سمعت قراءته وحديثه. # والثاني: أنها في محل نصب أيضا صفة ل " إبراهيم ". # قال الزمخشري: فإن قلت: ما حكم الفعلين بعد " سمعنا " ، وما ~~الفرق بينهما؟ قلت: هما صفنان ل " فتى " إلا أن الأول وهو " ~~يذكرهم " لا بد منه ل " سمع " لأنك لا تقول: سمعت زيدا ~~وتسكت حتى تذكر شيئا مما يسمع، وأما الثاني فليس كذلك. وهذا الذي قاله ~~لا يتعين لما عرفت أن سمع إن تعلقت بما سمع نحو سمعت مقالة بكر فلا خلاف ~~أنها تتعدى لواحد. وإن تعلقت بما لا يسمع فلا يكتفى به أيضا بلا خلاف بل ~~لا بد من ذكر شيء يسمع، فلو قلت: سمعت زيدا، وسكت، أم سمعت ~~زيدا يركب، لم يجز، فإن قلت: سمعته يقرأ صح، وجرى في ذلك خلاف بين ~~النحاة فأبو علي يجعلها متعدية لاثنين، ولا يتمشى عليه قول الزمخشري. # وغيره يجعلها متعدية لواحد، ويجعل الجملة بعد المعرفة حالا وبعد النكرة ~~صفة، وهذا أراد الزمخشري. # قوله: " إبراهيم ". في رفع " إبراهيم " أوجه: # أحدها: أنه مرفوع على ما لم يسم فاعله، أي: يقال له هذا اللفظ، وكذلك ~~قال أبو البقاء: فالمراد الاسم لا المسمى. وفي هذه المسألة خلاف بين ~~النحويين أعني تسلط القول على المفرد الذي يؤدي معنى جملة ولا هو مقتطع ~~من جملة، ولا هو مصدر ل " قال " ، ولا هو صفة لمصدره نحو: قلت زيدا، ~~أي: قلت هذا اللفظ، فأجازه جماعة كالزجاجي والزمخشري وابن خروف وابن ~~مالك، ومنعه آخرون. وممن اختار رفع " إبراهيم " على ما ذكرت ~~الزمخشري وابن عطية. أما إذا كان المفرد مؤديا معنى جملة كقولهم: قلت ~~خطبة وشعرا وقصيدة أو اقتطع من جملة كقوله: # 3729- إذا ذقت فاها قلت طعم مدامة # معتقة مما ms6215 يجيء به التجر # أو كان مصدرا نحو قلت قولا، أو صفة له نحو: قلت حقا أو ~~باطلا، فإنه يتسلط عليه كذا قالوا. وفي قولهم: المفرد المقتطع من ~~الجملة نظر، لأن هذا لم يتسلط عليه القول إنما تسلط على الجملة ~~المشتملة عليه. # الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، يقال له: هذا إبراهيم، أو هو إبراهيم. # الثالث: أنه مبتدأ محذوف الخبر، أي: يقال له إبراهيم فاعل ذلك. # الرابع: أنه منادى وحرف النداء محذوف أي: يا إبراهيم. # وعلى الأوجه الثلاثة فهو مقتطع من جملة، وتلك الجملة محكية ب " يقال ~~" وتقدم تحقيق هذا في البقرة عند قوله # وقولوا حطة # ] [58 رفعا ونصبا وفي الأعراف عند قوله # قالوا معذرة # [الأعراف: 164] رفعا ونصبا. والجملة من " يقال له " يحتمل أن ~~تكون مفعولا آخر نحو ظننت زيدا كاتبا شاعرا. وأن تكون صفة على رأي ~~الزمخشري ومن تابعه وأن تكون حالا من " فتى " وجاز ذلك لتخصصها ~~بالوصف. ### || [21.61-67] # فصل # لما سمع بعض القوم قول إبراهيم - عليه السلام - # تالله لأكيدن أصنامكم # [الأنبياء:57] وسمعوا سبه لآلهتهم غلب على ظنهم أنه الفاعل لذلك، فلذلك ~~قالوا: # سمعنا فتى يذكرهم # [الأنبياء:60] أي: يعيبهم ويسبهم # يقال له إبراهيم # [الأنبياء:60]، فهو الذي يظن أنه الذي صنع هذا. # فبلغ ذلك نمروذ الجبار، وأشراف قومه، فقالوا فيما بينهم { فأتوا ~~به على أعين الناس } قال نمروذ، أي: جيئوا به ظاهرا، أي ~~بمرأى من الناس " لعلهم يشهدون " عليه أنه الذي فعله. قال ~~الحسن وقتادة والسدي: كرهوا أن يأخذوه بغير بينة. وقال محمد بن إسحاق: " ~~لعلهم يشهدون " أي: يحضرون عقابه فينزجروا عن الإقدام على ~~مثله. وقال الكلبي ومقاتل: المراد مجموع الأمرين أي: يشهدون عليه ويشهدون ~~عقابه. # قوله: " على أعين " في محل نصب على الحال من الهاء في " به " ~~أي: ائتوا به ظاهرا مكشوفا بمرأى منهم ومنظر. قال الزمخشري: فإن ~~قلت: ما معنى الاستعلاء في: " على "؟ قلت: هو وارد على طريق ~~المثل، أي: يثبت إتيانه على الأعين، ويتمكن ثبات الراكب على المركوب، ~~وتمكنه منه. # قوله: " أأنت فعلت ". في " ءأنت " وجهان: # أحدهما: أنه فاعل ms6216 بفعل مقدر يفسره الظاهر بعده، والتقدير: أفعلت هذا ~~بآلهتنا فلما حذف الفعل انفصل الضمير. # والثاني: أنه مبتدأ والخبر بعده الجملة. # والفرق بين الوجهين من حيث اللفظ واضح، فإن الجملة من قوله " فعلت ~~" الملفوظ بها على الأول لا محل لها، لأنها مفسرة ومحلها الرفع على ~~الثاني، ومن حيث المعنى أن الاستفهام إذا دخل على الفعل أشعر بأن الشك ~~إنما تعلق به (هل وقع أم لا؟ من غير شك في فاعله. وإذا دخل على الاسم وقع ~~الشك فيه) هل هو الفاعل أم غيره؟ والفعل غير مشكوك في وقوعه، بل هو واقع ~~فقط. # فإذا قلت: أقام زيد؟ كان شكك في قيامه. وإذا قلت: أزيد قام؟ ~~وجعلته مبتدأ كان شكك في صدور الفعل منه أم من عمرو. # والوجه الأولى هو المختار عند النحاة، لأن الفعل تقدم ما يطلبه، وهو ~~أداة الاستفهام. # قوله: " بل فعله " هذا الإضراب عن جملة محذوفة تقديره: لم أفعله ~~إنما الفاعل حقيقة الله تعالى، وإسناد الفعل إلى " كبيرهم " من أبلغ ~~التعاريض. # قوله: " هذا " فيه ستة أوجه: # أحدها: أن يكون نعتا ل " كبيرهم ". # الثاني: أن يكون بدلا من " كبيرهم ". # الثالث: أن يكون خبرا ل " كبيرهم " على أن الكلام يتم عند قوله ~~" بل فعله " وفاعل الفعل محذوف. كذا نقله أبو البقاء، وقال: وهذا ~~بعيد، لأن حذف الفاعل لا يسوغ. # قال شهاب الدين: وهذا القول يعزى للكسائي، وحينئذ لا يحسن الرد عليه ~~بحذف الفاعل فإنه يجيز ذلك، ويلزمه، ويجعل التقدير: بل فعله من فعله ~~ويجوز أن يكون أراد بالحذف الإضمار، لأنه لما لم يذكر الفاعل لفظا سمى ~~ذلك حذفا. # الرابع: أن يكون الفاعل ضمير " فتى ". # الخامس: أن يكون الفاعل ضمير " إبراهيم ". # وهذان الوجهان يؤيدان أن المراد بحذف الفاعل إنما هو الإضمار. # السادس: أن " فعله " ليس فعلا، بل الفاء حرف عطف دخلت على " عل ~~" التي أصلها " لعل " حرف ترج وحذف اللام الأولى ثابت، فصار اللفظ " ~~فعله " أي: فلعله، ثم حذفت اللام الأولى وخففت الثانية. وهذا ~~يعزى للفراء وهو مرغوب عنه. وقد استدل على مذهبه بقراءة ms6217 ابن السميفع " ~~فعله " بتشديد اللام، وهي قراءة شاذة لا يرجع بالقراءة المشهورة ~~إليها، وكأن الذي حملهم على هذا خفاء وجه صدور هذا الكلام من النبي - ~~عليه السلام -. # فصل # اعلم أن القوم لما قالوا له { أأنت فعلت هذا بآلهتنا ~~يإبراهيم } طلبوا منه الاعتراف بذلك، ليقدموا على إيذائه، فقلب ~~الأمر عليهم وقال: { بل فعله كبيرهم هذا } ، وكان قد علق ~~الفأس في رقبته، وأراد بذلك إقامة الحجة عليهم وإظهار جهلهم في عبادة ~~الأوثان، وقال: { فاسألوهم إن كانوا ينطقون } واعلم أن ~~للناس هاهنا قولان: # الأول: قول كافة المحققين، وهو أن قول إبراهيم - عليه السلام - { بل ~~فعله كبيرهم هذا } من قبيل التعريض، وهو من وجوه: # أحدها: أن قصد إبراهيم - عليه السلام - تقرير الفعل لنفسه على أسلوب ~~تعريضي، وليس قصده نسبة الفعل إلى الصنم، وهذا كما لو قال صاحبك وقد ~~كتبت كتابا بخط رشيق، وأنت شهير بحسن الخط، ولا يقدر هو إلا على خرمشة ~~فاسدة: أأنت كتبت هذا، فقلت له: بل كتبته أنت، وكأن قصدك بهذا تقريره لك ~~مع الاستهزاء لا نفيه عنك وإثباته للأمي أو المخرمش، لأن إثباته والأمر ~~دائر بينهما للعاجز منهما استهزاء وإثبات للقادر. # وثانيها: أن إبراهيم - عليه السلام - غاظته تلك الأصنام حين أبصرها ~~مصطفة، وكان غيظه من كبيرها أشد لما رأى من زيادة تعظيمهم له، فأسند ~~الفعل إليه لأنه هو السبب في استهانته لها وحطمه لها، والفعل كما يسند ~~إلى مباشره يسند إلى الحامل عليه. # وثالثها: أن يكون حكاية لما يلزم عن مذهبهم كأنه قال لهم: ما تنكرون أن ~~يفعله كبيرهم، فإن حق من يعبد، ويدعى إلها أن يقدر على هذا أو ~~أشد منه ذكر هذه الأوجه الثلاثة الزمخشري. # ورابعها: ما تقدم عن الكسائي أنه كان يقف عند قوله " كبيرهم " ثم ~~يبتدىء فيقول: " هذا فاسألوهم ". # والمعنى: بل فعله كبيرهم، وعنى نفسه، لأن الإنسان أكبر من كل صنم، وأنه ~~كناية عن غير مذكور، أي: فعله من فعله و " كبيرهم " ابتداء كلام. # وخامسها: قال الطيبي معناه على التقديم والتأخير، أي بل فعله كبيرهم ~~إن ms6218 كانوا ينطقون فاسألوهم، فجعل النطق شرطا للفعل إن قدروا على النطق ~~قدروا على الفعل فأراهم عجزهم، وفي ضمنه أنا فعلت ذلك. # وسادسها: قراءة ابن السميفع المتقدمة. # والقول الثاني: قال البغوي: والأصح أن إبراهيم - عليه السلام - أراد ~~بذلك الفعل إقامة الحجة عليهم فذلك قوله: { هذا فاسألوهم إن ~~كانوا ينطقون } حتى يخبروا من فعل ذلك بهم، لما # " روى أبو هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: لم ~~يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات ثنتان منهن في ذات الله، قوله: " ~~إني سقيم " ، وقوله: " بل فعله كبيرهم هذا " ، وقوله ~~لسارة: " هذه أختي " # وفي حديث الشفاعة قول إبراهيم - عليه السلام -: " إني كذبت ~~ثلاث كذبات " والقائلون بهذا القول قدروه من جهة العقل وقالوا: ~~الكذب ليس قبيحا لذاته فإن النبي إذا هرب من ظالم واختفى في دار إنسان ~~فجاء الظالم وسأل عنه، فإنه يجب الكذب فيه، وإذا كان كذلك، فأي بعد في ~~أن يأذن الله في ذلك لمصلحة لا يعلمها إلا هو كما أذن ليوسف - عليه ~~السلام - حين أمر مناديه لإخوته: # أيتها العير إنكم لسارقون # [يوسف: 70] ولم يكونوا سرقوا. # قال ابن الخطيب: وهذا القول مرغوب عنه أما الخبر فلأن يضاف الكذب إلى ~~رواته أولى من أن يضاف إلى الأنبياء، والدليل القاطع عليه أنه لو جاز أن ~~يكذبوا لمصلحة ويأذن الله تعالى فيه فلنجر هذا الاحتمال في كل ما أخبروا ~~عنه، وفي كل ما أخبر الله عنه، وذلك يبطل الوثوق بالشرائع، وتطرق التهمة ~~إلى كلها، ثم لو صح ذلك الخبر فهو محمول على المعاريض على ما قاله عليه ~~السلام # " إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب ". # فأما قوله: " إني سقيم " فلعله سقيم القلب كما يجيء في موضعه. # وأما قوله: { بل فعله كبيرهم } فقد ظهر الجواب عنه. وأما ~~قوله لسارة: هذه أختي، أي: في الدين. وأما قصة يوسف - عليه السلام - ~~فتقدم الكلام عليها. # قوله: { إن كانوا ينطقون } جوابه محذوف لدلالة ما قبله، ومن ~~جوز التقديم جعل " فاسألوهم " هو الجواب. # قوله: { فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم ~~الظالمون } فيه ms6219 وجوه: # الأول: أن إبراهيم - عليه السلام - لما نبههم على قبح طريقتهم بما ~~أورده عليهم علموا أن عبادة الأصنام باطلة، وأنهم على غرور وجهل في ~~ذلك. # الثاني: قال مقاتل: { فرجعوا إلى أنفسهم } فلاموها ~~وقالوا: { إنكم أنتم الظالمون } لإبراهيم حيث تزعمون أنه ~~كسرها مع أن الفأس بين يدي الصنم الكبير. # الثالث: أنتم الظالمون لأنفسكم حيث سألتموه حتى إنه يستهزىء بكم في ~~الجواب. # قوله: { ثم نكسوا على رؤوسهم } قرأ العامة: " نكسوا " ~~مبنيا للمفعول مخفف الكاف أي: نكسهم الله أو خجلهم. و " على ~~رؤوسهم " حال، أي: كائنين على رؤوسهم. ويجوز أن يتعلق بنفس الفعل. ~~والنكس والتنكيس: القلب، يقال: نكس رأسه ونكسه ~~مخففا ومشددا. أي: طأطأه حتى صار أعلاه أسفله. # وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة وابن الجارود وابن مقسم: " نكسوا " ~~بالتشديد وقد تقدم أنه لغة في المخفف، فليس التشديد لتعدية ولا لتكثير. # وقرأ رضوان بن عبد المعبود: " نكسوا " مخففا مبنيا للفاعل، وعلى ~~هذا فالمفعول محذوف تقديره: نكسوا أنفسهم على رؤوسهم. # فصل # قال المفسرون: أجرى الله الحق على ألسنتهم في القول الأول ثم أدركتهم ~~الشقاوة فهو معنى قوله: { ثم نكسوا على رؤوسهم } أي: ردوا ~~إلى الكفر بعد أن أقروا على أنفسهم بالظلم. وقيل: قلبوا على رؤوسهم حقيقة ~~بفرط إطراقهم خجلا وانكسارا وانخزالا مما بهتهم إبراهيم، فلما أحاروا ~~جوابا إلا ما هو حجة لإبراهيم - عليه السلام - حين جادلهم - فقالوا: { ~~لقد علمت ما هؤلاء ينطقون } فأقروا بهذه الحجة التي ~~لحقتهم. # قوله: " لقد علمت " هذه الجملة جواب قسم محذوف، والقسم وجوابه ~~معمولان لقول مضمر، وذلك القول المضمر حال من مرفوع " نكسوا " أي: ~~نكسوا قائلين: والله لقد علمت. # قوله: { ما هؤلاء ينطقون } يجوز أن تكون " ما " حجازية ~~فيكون " هؤلاء " و " ينطقون " في محل نصب خبرها. # أو تميمية فلا عمل لها. والجملة المنفية بأسرها سادة مسد المفعولين إن ~~كانت " علمت " على بابها، ومسد واحد إن كانت عرفانية. # قوله: { قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم ~~شيئا } إن عبدتموه، " ولا يضركم " إن تركتم عبادته. " أف ~~لكم " أي: نتنا وقذرا لكم ms6220 { ولما تعبدون من دون الله ~~} تقدم الكلام على " أف " في سورة سبحان. قال الزمخشري: " أف " صوت ~~إذا صوت به دل على أن صاحبه متضجر، وأن إبراهيم - عليه السلام - أضجره ~~ما رأى من ثباتهم على عبادتها بعد وضوح الحق وانقطاع عذرهم وزهوق الباطل ~~فتأفف. # واللام في " لكم " وفي " لما " لام التبيين، أي: التأفيف لكم لا ~~لغيركم، وهي نظير قوله: " هيت لك ". ثم قال: " أفلا تعقلون ~~" أي: أليس لكم عقل تعقلون هذا وتعرفونه؟ ### || [21.68-71] # فلما ألزمهم الحجة وعجزوا عن الجواب { قالوا حرقوه وانصروا ~~ءالهتكم } ليس في القرآن من القائل ذلك، والمشهور أنه نمروذ بن ~~كنعان بن سنجاريب بن نمروذ بن كوش بن حام بن نوح. وقال مجاهد: سمعت ابن ~~عمر يقول: إنما أشار بتحريق إبراهيم رجل من الأكراد من فارس. # روى ابن جريج عن وهب عن شعيب قال: إن الذي قال حرقوه اسمه هرين فخسف ~~الله به فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. # فصل # قال مقاتل: لما اجتمع نمروذ وقومه لإحراق إبراهيم حبسوه في بيت وبنوا له ~~بنيانا كالحظيرة، وذلك قوله: # قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم # [الصافات: 97]. ثم جمعوا له الحطب الكثير، حتى إن الرجل أو المرأة لو ~~مرضت قالت: إن عافاني الله لأجمعن حطبا لإبراهيم. وقيل: بنوا آتونا ~~بقرية يقال لها كوثى. # ثم جمعوا له أصلاب الحطب من أصناف الخشب مدة أربعين يوما، وكانت المرأة ~~تغزل وتشتري الحطب بغزلها، فتلقيه فيه احتسابا في دينها، فلما اشتعلت ~~النار، واشتدت حتى أن كانت الطير لتمر به وهي في أقصى الجو فتحترق من شدة ~~وهجها. روي أنهم لم يعلموا كيف يلقوه فيها؟ فجاء إبليس وعلمهم عمل ~~المنجنيق فعملوه. وقيل: صنعه لهم رجل من الأكراد يقال له: هيزن، وكان أول ~~من صنع المنجنيق، فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. ~~ثم عمدوا إلى إبراهيم - عليه السلام - فوضعوه فيه مقيدا مغلولا، فصاحت ~~السماء والأرض ومن فيها من الملائكة صيحة واحدة: أي ربنا ما في أرضك أحد ~~يعبدك غير إبراهيم، وإنه يحرق ms6221 فيك فأذن لنا في نصرته، فقال سبحانه: " إن ~~استغاث بأحد منكم أو دعاه فلينصره، فقد أذنت له في ذلك، وإن لم يدع غيري ~~فانا أعلم به وأنا وليه فخلوا بيني وبينه، فإنه خليل ليس لي خليل ~~غيره وأنا إلهه ليس له إله غيري ". # فلما أرادوا إلقاءه في النار أتاه خازن المياه فقال: إن أردت أخمدت ~~النار. وأتاه خازن الرياح فقال: إن شئت طيرت النار في الهواء. # فقال إبراهيم: لا حاجة لي إليكم، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم ~~أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض من يعبدك غيري حسبي الله ونعم ~~الوكيل. # قال ابن عباس: # حسبنا الله ونعم الوكيل # [آل عمران: 173] قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد حين قيل ~~له: # إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ~~إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ~~فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم ~~سوء # [آل عمران: 173، 174] فحين ألقي في النار قال: " لا إله إلا أنت سبحانك ~~رب العالمين لك الحمد ولك الملك لا شريك لك ". # ثم رموه في المنجنيق إلى النار، فأتاه جبريل، فقال: يا إبراهيم ألك ~~حاجة؟ قال: أما إليك فلا، قال: فاسأل ربك قال: حسبه من سؤالي علمه بحالي. ~~فقال الله تعالى: { يا نار كوني بردا وسلاما على ~~إبراهيم }. قال كعب الأحبار جعل كل شيء يطفىء عنه النار إلا الوزغ ~~فإنه كان ينفخ النار. # " وروت أم شريك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بقتل الوزغ ~~وقال: " كان ينفخ على إبراهيم " # وقال السدي: القائل { كوني بردا وسلاما } هو جبريل. وقال ~~ابن عباس في رواية مجاهد: لو لم يتبع بردها سلاما لمات إبراهيم من ~~بردها، قال: ولم يبق يومئذ نار إلا طفئت، ولو لم يقل " على إبراهيم ~~" بقيت ذات برد أبدا. قال السدي: فأخذت الملائكة بضبعي إبراهيم وأقعدوه ~~على الأرض فإذا عين ماء عذب وورد أحمر ونرجس، ولم تحرق النار منه لا ~~وثاقه. وقال المنهال بن عمرو: أخبرت أن إبراهيم - عليه السلام - لما ~~ألقي في النار كان ms6222 فيها إما أربعين يوما أو خمسين يوما، وقال: ما كنت ~~أطيب عيشا مني إذ كنت فيها. قال ابن يسار: وبعث الله عز وجل ملك الظل في ~~صورة إبراهيم فقعد إلى جنب إبراهيم يؤنسه، وأتى جبريل بقميص من حرير ~~الجنة وطنفسة فألبسه القميص وأجلسه على الطنفسة وقعد معه يحدثه وقال: ~~يا إبراهيم إن ربك يقول: أما علمت أن النار لا تضر أحبابي. # ثم نظر نمروذ من صرح له وأشرف على إبراهيم فرآه جالسا في روضة ورأى ~~الملك قاعدا إلى جنبه وما حوله نار تحرق، فناداه نمروذ: يا إبراهيم هل ~~تستطيع أن تخرج منها؟ قال: نعم، قال: قم فاخرج، فقام يمشي حتى خرج منها. # قال له نمروذ: من الرجل الذي رأيته معك في صورتك قاعدا إلى جنبك؟ قال: ~~ذاك ملك الظل أرسله ربي ليؤنسني، فقال له نمروذ: إني مقرب إلى إلهك ~~قربانا لما رأيت من قدرته وعزته فيما صنع بك، وإني ذابح له أربعة آلاف ~~بقرة، فقال إبراهيم - عليه السلام - لا يقبل الله منك ما دمت على دينك ~~هذا، قال نمروذ: لا أستطيع ترك ملكي ولكن سوف أذبحها له فذبحها ثم كف عن ~~إبراهيم. # روي أن إبراهيم - عليه السلام - ألقي في النار وهو ابن ست عشرة سنة. ~~وإنما اختاروا المعاقبة بالنار، لأنها أقوى العقوبات. وقيل: روي أن هاران ~~أبا لوط قال لهم: إن النار لا تحرقه، لأنه سحر النار، ولكن اجعلوه على ~~شيء وأوقدوا تحته، ففعلوا، فطارت شرارة في لحية أبي لوط فأحرقته. # قوله: " بردا " أي: ذات برد. والظاهر في " سلاما " أنه نسق على " ~~بردا " فيكون خبرا عن " كوني ". # وجوز بعضهم أن ينتصب على المصدر المقصود به التحية في العرف وقد رد ~~هذا بأنه لو قصد ذلك لكان الرفع فيه أولى، نحو قول إبراهيم: " سلام " ~~، وهذا غير لازم، لأنه لا يجوز أن يأتي القرآن على الفصيح والأفصح، ويدل ~~على ذلك أنه جاء مقصودا، والمقصود به التحية نحو قول الملائكة: " ~~قالوا سلاما ". # وقوله " على إبراهيم " متعلق بنفس إن قصد به التحية. ويجوز أن ms6223 ~~يكون صفة فيتعلق بمحذوف، وعلى هذا فيحتمل أن يكون قد حذف صفة الأول ~~لدلالة صفة الثاني عليه تقديره: كوني بردا عليه وسلاما عليه. # فصل # قال أبو مسلم الأصفهاني في تفسير قولنا { قلنا يا نار } المعنى: ~~أنه سبحانه وتعالى جعل النار بردا وسلاما لا أن هناك كلاما كقوله: # أن يقول له كن فيكون # [يس: 82] أي: يكونه. واحتج عليه بأن النار جماد فلا يجوز خطابه. # والأكثرون على أنه وجد ذلك القول، ثم هؤلاء لهم قولان: # أحدهما: قال السدي: القائل هو جبريل. # والثاني: قول الأكثرين إن القائل هو الله تعالى، وهو الأقرب الأليق ~~بالظاهر. وقوله: النار جماد فلا يكون في خطابها فائدة. # فالجواب: لم لا يجوز أن يكون المقصود من ذلك الأمر مصلحة عائدة إلى ~~الملائكة. # فصل # اختلفوا في كيفية برد النار. فقيل: إن الله تعالى أزال ما فيها من ~~الحرارة والإحراق، وأبقى ما فيها من الإضاءة والإشراق، والله على كل شيء ~~قدير. # وقيل: إنه تعالى خلق في جسم إبراهيم كيفية مانعة من وصول النار إليه كما ~~يفعل بخزنة جهنم في الآخرة، وكما أنه ركب بنية النعامة بحيث لا يضرها ~~ابتلاع الحديدة المحماة، وبدن السمندل بحيث لا يضره المكث في النار. ~~وقيل: إنه خلق بينه وبين النار حائلا يمنع من وصول أثر النار إليه. # قال المحققون: والأول أولى، لأن ظاهر قوله: { يا نار كوني ~~بردا } أي نفس النار صارت باردة حتى سلم إبراهيم من تأثيرها. فإن قيل: ~~النار إن بقيت كما كانت، والحرارة جزء من مسمى النار، وامتنع كون النار ~~باردة، فإذن يجب أن يقال: المراد من النار الجسم الذي هو أحد أجزاء مسمى ~~النار، وذلك مجاز فلم كان مجازكم أولى. فالجواب: أن المجاز الذي ذكرناه ~~يبقى معه حصول البرد وفي الذي ذكرتم لا يبقى ذلك، فكان مجازنا أولى. # فصل # معنى كون النار سلاما على إبراهيم: أن البرد إذا أفرط أهلك كالحر فلا ~~بد من الاعتدال، وهو من وجوه: # الأول: أن يقدر الله بردها بالمقدار الذي لا يؤثر. # والثاني: أن بعض النار صار ms6224 بردا وبقي بعضها على حرارته فتعادل الحر ~~والبرد. # والثالث: أنه تعالى جعل في جسمه مزيد حر فانتفع بذلك البرد والتذ ~~به. # فصل # روي أن كل النيران في ذلك الوقت زالت وصارت بردا، ويؤيد ذلك أن ~~النار اسم للماهية، فلا بد وأن يحصل هذا البرد في الماهية ويلزم منه ~~عمومه في كل أفراد الماهية وقيل: بل اختصت بتلك النار، لأن الغرض إنما ~~تعلق ببرد تلك النار، وفي النار منافع للخلق فلا يجوز تعطيلها، والمراد ~~خلاص إبراهيم لا إيصال الضرر إلى سائر الخلق. فإن قيل: أفيجوز ما روي من ~~أنه لو لم يقل " وسلاما " لأتى البرد عليه. قال ابن الخطيب: ذلك ~~بعيد، لأن برد النار لم يحصل منها وإنما حصل من جهة الله تعالى فهو ~~القادر على الحر والبرد، فلا يجوز أن يقال: كان البرد يعظم لولا قوله: " ~~سلاما ". # قوله: { وأرادوا به كيدا } أي: أرادوا أن يكيدوه { ~~فجعلناهم الأخسرين }. # قيل: معناه أنهم خسروا السعي والنفقة ولم يحصل لهم مرادهم. # وقيل: فجعلناهم مغلوبين غالبوه فلقنه الله الحجة وقيل: أرسل الله على ~~نمروذ وقومه البعوض فأكلت لحومهم وشربت دماءهم، ودخلت واحدة في دماغه ~~فأهلكته. # قوله تعالى: { ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا ~~فيها للعالمين } لما نصره الله تعالى أتم النعمة عليه بأن نجاه ~~ونجى لوطا وهو ابن أخيه، وهو لوط بن هاران نجاهما من نمروذ وقومه من ~~أرض العراق إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين يعني مكة، وقيل: أرض ~~الشام بارك الله فيها بالخصب وكثرة الأشجار والثمار والأنهار، ومنها بعث ~~أكثر الأنبياء. # وقال تعالى: # إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله # [الإسراء: 1] قال أبي بن كعب: سماها مباركة، لأن ما من ماء عذب إلا ~~وينبع أصله من تحت الصخرة التي ببيت المقدس وروى قتادة أن عمر بن الخطاب ~~قال لكعب: ألا تتحول إلى المدينة فيها مهاجر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وقبره، فقال إني وجدت في كتاب الله المنزل يا أمير المؤمنين أن ~~الشام كنز الله من أرضه وبها كنزه من عباده. # " وروى عبد ms6225 الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: " إنها ستكون هجرة بعد هجرة فخيار الناس إلى مهاجر إبراهيم ~~" # قوله: " ولوطا " يجوز فيه وجهان: # أحدهما:أن يكون معطوفا على المفعول قبله. # والثاني: أن يكون مفعولا معه. والأول أولى. # وقوله: " إلى الأرض " يجوز فيه وجهان: # أحدهما: أن يتعلق ب " نجيناه " على أن يتضمن معنى أخرجناه ~~بالنجاة فلما ضمن معنى أخرج تعدى تعديته. # والثاني: أنه لا تضمين فيه وأن حرف الجر يتعلق بمحذوف على أنه حال من ~~الضمير في " نجيناه " أي: نجيناه منتهيا إلى الأرض كذا قدره أبو ~~حيان وفيه نظر من حيث إنه قدر كونا مقيدا وهو كثيرا ما يرد على ~~الزمخشري وغيره ذلك. # فصل # اعلم أن لوطا آمن بإبراهيم كما قال تعالى # فأمن له لوط # [العنكبوت: 26] وكان ابن أخيه، وهو لوط بن هاران بن تارخ، وهاران هو أخو ~~إبراهيم، وكان لهما أخ ثالث يقال له ناخور بن تارخ، وآمنت به أيضا سارة، ~~وهي بنت عمه، وهي سارة بنت هاران الأكبر عم إبراهيم فخرج من كوشى من أرض ~~حدود بابل بالعراق مهاجرا إلى ربه ومعه لوط وسارة، فخرج يلتمس الفرار ~~بدينه والأمان على عبادة ربه حتى نزل حران فمكث بها ما شاء الله، ثم ~~ارتحل منها ونزل أرض السبع من فلسطين وهي برية الشام، ثم خرج منها ~~مهاجرا حتى قدم مصر، ثم خرج من مصر إلى الشام، ونزل لوط بالمؤتفكة، وهي ~~من السبع على مسيرة يوم وليلة وأقرب، وبعثه الله نبيا، فلذلك قوله: { ~~ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها ~~للعالمين }. ### || [21.72-73] # قوله: { ووهبنا له إسحق ويعقوب نافلة }. قال مجاهد ~~وعطاء: النافلة العطية وكذل النفل، ويسمى الرجل الكثير العطاء نوفلا. # وقيل: الزيادة. وقيل: ولد الوالد. # فعلى الأول ينتصب انتصاب المصدر من معنى العامل وهو " وهبنا " لا من ~~لفظه لأن الهبة والإعطاء متقاربان فهي كالعاقبة والعافية. وعلى الآخرين ~~ينتصب على الحال، والمراد بها يعقوب. والنافلة مختصة بيعقوب على كل ~~تقدير، لأن إسحاق ولده لصلبه، وهذا قول ابن عباس ms6226 وأبي بن كعب وابن زيد ~~وقتادة. # قوله: " وكلا " مفعول أول ل " جعلنا " و " صالحين " هو ~~الثاني توسط العامل بينهما، والأصل: وجعلنا أي: صيرنا كلا من إبراهيم ~~ومن ذكر معه صالحين. وقوله: " وجعلناهم أئمة " كما تقدم إلا ~~أنه لم يتوسط العامل. # وقوله: " يهدون " صفة ل " أئمة " و " بأمرنا " متعلق ب " ~~يهدون " وقد تقدم التصريف المتعلق بلفظ " أئمة " وقراءة القراء ~~فيها. # فصل # المعنى: " وكلا " من إبراهيم وإسحاق ويعقوب " جعلنا صالحين ~~". # قال الضحاك: أي: مرسلين، وقال آخرون: عاملين بطاعة الله. " ~~وجعلناهم أئمة " يقتدى بهم في الخبر " يهدون " يدعون ~~الناس إلى ديننا { بأمرنا وأوحينآ إليهم فعل ~~الخيرات } أي: العمل بالشرائع. وقال أبو مسلم: المراد النبوة. " ~~وإقام الصلاة " أي: وإقامة الصلاة، يعني المحافظة. { وإيتآء ~~الزكوة وكانوا لنا عابدين } موحدين. دلت هذه الآية على ~~أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، لأن قوله تعالى: { وكلا ~~جعلنا صالحين } يدل على أن الصلاح من قبله. # وأجاب الجبائي: بأنه لو كان كذلك لما وصفهم بكونهم " صالحين " ~~ويكونهم " أئمة " وبكونهم " عابدين " ، ولما مدحهم بذلك، وإذا ~~كان كذلك فلا بد من التأويل وهو من وجهين: # الأول: أن يكون المراد أنه تعالى أتاهم من لطفه وتوفيقه ما صلحوا به. # والثاني: أن المراد تسميتهم بذلك كما يقال: زيد فسق فلانا وكفره، إذا ~~وصفه بذلك وكان مصدقا عند الناس، وكما يقال في الحاكم زكى فلانا، ~~وعدله، وجرحه، إذا حكم بذلك. والجواب: المعارضة بمسألة العلم والداعي، ~~وأما الحمل على اللطف فباطل، لأن فعل الإلطاف عام في المكلفين، فلا ~~بد في هذا التخصيص من مزيد فائدة، ولأن قوله: جعلته صالحا كقولك: ~~جعلته متحركا، فحمله على تحصيل شيء سوى الصلاح ترك للظاهر. وأما الحمل ~~على التسمية فمحال، لأن ذلك إنما يصار إليه إلا عند الضرورة في بعض ~~المواضع، ولا ضرورة ههنا إلا أن يرجعوا مرة أخرى إلى فصل المدح والذم ~~وحينئذ نرجع إلى مسألتي الداعي والعلم. # قوله: " فعل الخيرات " قال الزمخشري: أصله أن تفعل الخيرات، ثم ~~فعلا الخيرات، (ثم فعل الخيرات) وكذلك " إقام الصلاة وإيتاء ~~الزكاة ". # قال أبو ms6227 حيان: كأن الزمخشري لما رأى أن فعل الخيرات وإقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة ليس من الأحكام المختصة بالموحي إليهم، بل هم وغيرهم في ~~ذلك مشتركون بنى الفعل للمفعول حتى لا يكون المصدر مضافا من حيث المعنى ~~إلى ضمير الموحى إليهم، فلا يكون التقدير فعلهم الخيرات وإقامتهم الصلاة ~~وإيتاؤهم الزكاة، ولا يلزم ذلك إذ الفاعل مع المصدر محذوف. ويجوز أن ~~يكون من حيث المعنى مضافا إلى ظاهر محذوف يشمل الموحى إليهم وغيرهم، ~~والتقدير: فعل المكلفين الخيرات. ويجوز أن يكون مضافا إلى ضمير الموحى ~~إليهم أي: أن يفعلوا الخيرات ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، وإذا كانوا ~~هم قد أوحى إليهم ذلك فأتباعهم جارون مجراهم في ذلك، ولا يلزم اختصاصهم ~~به. ثم اعتقاد بناء المصدر للمفعول مختلف فيه أجاز ذلك الأخفش، والصحيح ~~منعه، فليس ما اختاره الزمخشري بمختار. قال شهاب الدين: الذي يظهر أن ~~الزمخشري لم يقدر هذا التقدير الذي ذكره الشيخ حتى يلزمه ما قاله بل إنما ~~قدر ذلك، لأن نفس الفعل الذي هو معنى صادر من فاعله لا يوحى إنما يوحى ~~ألفاط تدل عليه فكأنه قيل: وأوحينا هذا اللفظ وهو أن نفعل الخيرات، ثم ~~صاغ ذلك الحرف المصدري مع ما بعده منونا ناصبا لما بعده، ثم جعله ~~مصدرا مضافا لمفعوله. # وقال ابن عطية: والإقام مصدر وفي هذا نظر انتهى، يعني ابن عطية بالنظر ~~أن مصدر (أفعل) على (الإفعال)، فإن كان صحيح العين جاء تاما كالإكرام، ~~وإن كان معتلها حذف منه إحدى الألفين، وعوض منه تاء التأنيث فيقال: ~~إقامة، فلما نقل كذلك جاء فيه النظر المذكور. # قال أبو حيان: وأي نظر في هذا، وقد نص سيبويه على أنه مصدر بمعنى ~~الإقامة وإن كان الأكثر الإقامة بالتاء، وهو المقيس في مصدر (أفعل) إذا ~~اعتلت عينه، وحسن ذلك أنه قابل: " وإيتاء الزكاة " وهو بغير تاء ~~فتقع الموازنة بين قوله { وإقام الصلوة وإيتآء الزكوة ~~}. وقال الزجاج: حذفت التاء من إقامة، لأن الإضافة عوض عنها. وهذا قول ~~الفراء زعم أن التاء تحذف للإضافة كالتنوين. # وقد تقدم بسط القول ms6228 في ذلك عند قراءة من قرأ في براءة { عدة ~~ولكن كره } [التوبة:46]. ### || [21.74-75] # قوله تعالى: { ولوطا ءاتيناه حكما وعلما } الآية. # في الواو في قوله: " ولوطا " قولان: # أحدهما: قال الزجاج: إنه عطف على قوله " وأوحينا إليهم ". # والثاني: قال أبو مسلم: إنه عطف على قوله # ءاتينآ إبراهيم رشده من قبل # [الأنبياء: 51] ولا بد من ضمير في قوله: " ولوطا " كأنه قال: ~~وآتينا لوطا، فهو منصوب بفعل مقدر يفسره الظاهر بعده تقديره: وآتينا ~~لوطا آتيناه، فهي من الاشتغال والنصب في مثله هو الراجح، ولذلك لم يقرأ ~~به لعطف جملته على جملة فعلية وهو أحد المرجحات. # وقيل: إن " لوطا " منصوب ب (اذكر) لوطا. # " آتيناه حكما " أي: الحكمة، أو الفصل بين الخصوم بالحق، وقيل: ~~النبوة " وعلما " قيل: أدخل التنوين على الحكم والعلم دلالة على علو ~~شأن ذلك الحكم وذلك العلم. # قوله: { ونجيناه من القرية } أي: من أهل، يدل على ذلك ~~قوله: { إنهم كانوا قوم سوء } وكذلك أسند عمل الخبائث ~~إليها، والمراد أهلها يريد سدوسا. # والخبائث صفة لموصوف محذوف أي: يعمل الأعمال الخبائث، كانوا يأتون ~~الذكران في أدبارهم، ويتضارطون في أنديتهم مع أشياء أخر كانوا يعملون ~~من المنكرات { إنهم كانوا قوم سوء فاسقين } { ~~وأدخلناه في رحمتنآ } قال مقاتل: الرحمة النبوة وقال ابن ~~عباس والضحاك: إنها الثواب. { إنه من الصالحين }. ### || [21.76-77] # قوله تعالى: { ونوحا إذ نادى من قبل } الآية. في نصب " ~~نوحا " وجهان: # أحدهما: أنه منصوب عطفا على " لوطا " فيكون مشتركا معه في عامله الذي ~~هو " آتينا " المفسر ب " ءاتيناه " الظاهر، وكذلك " داود ~~وسليمان " والتقدير: ونوحا آتيناه حكما وداود وسليمان ~~آتيناهما حكما، وعلى هذا ف " إذ " بدل من " نوحا " ومن " داود ~~وسليمان " بدل اشتمال، وتقدم تحقيق مثل هذا في طه. # الثاني: أنه منصوب بإضمار (اذكر)، أي: اذكر نوحا وداود وسليمان أي: ~~اذكر خبرها وقصتهم، وعلى هذا فيكون " إذ " منصوبة بنفس المضاف المقدر، ~~أي: خبرهم الواقع في وقت كان كيت وكيت. # وقوله: " من قبل " أي: من قبل هؤلاء المذكورين. # فصل # المراد من هذا النداء: دعاؤه على قومه بالعذاب، ويدل ms6229 على ذلك قوله: # أني مغلوب فانتصر # [القمر: 10]، وقوله: # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا # [نوح: 26] ويؤكده قوله تعالى " فاستجبنا له " " فنجيناه ~~" ، يدل على ذلك أن نداءه ودعاءه كان بأن ينجيه مما يلحقه من جهتهم من ~~الأذى بسبب تكذيبهم وردهم عليه واتفق المحققون على أن ذلك النداء كان ~~بأمر الله، لأنه لو لم يكن بإذنه لم يؤمن أن يكون المصلحة أن لا يجاب ~~إليه، فيصير ذلك سببا لنقصان حال الأنبياء. وقال آخرون: لم يكن مأذونا ~~له في ذلك. قال أبو أمامة: لم يتحسر أحد من خلق الله كحسرة آدم ونوح - ~~عليهما السلام - فحسرة آدم على قبول وسوسة إبليس، وحسرة نوح على دعائه ~~على قومه فأوحى الله إليه أن دعوتك وافقت قدرتي قوله: { فنجيناه ~~وأهله من الكرب العظيم } المراد بالأهل هنا أهل دينه قال ~~ابن عباس: المراد { من الكرب العظيم } من الغرق وتكذيبه قومه ~~وقيل: لأنه كان أطول الأنبياء عمرا وأشدهم بلاء، والكرب أشد الغم. # قوله: { ونصرناه من القوم } فيه أوجه: # أحدها: أن يضمن " نصرناه " معنى منعناه وعصمناه، ومثله # فمن ينصرنا من بأس الله # [غافر: 29] فلما تضمن معناه تعدى تعديته. # والثاني: أن (نصر) مطاوعه (انتصر) فتعدى تعدية ما طاوعه، قال الزمخشري ~~هو نصر الذي مطاوعه انتصر، وسمعت هذليا يدعو على سارق اللهم انصرهم منه ~~أي: اجعلهم منتصرين منه. ولم يظهر فرق بالنسبة إلى التضمين المذكور فإن ~~معنى قوله: منتصرين منه أي: ممتنعين أو معصومين منه. # الثالث: أن " من " بمعنى " على " أي: على القوم، (وقرأ أبي " ~~ونصرناه على القوم " ). قال المبرد: ونصرناه من مكروه القوم. # قال تعالى: # فمن ينصرنا من بأس الله # [غافر: 29]. والمعنى منعناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا أن يصلوا إليه ~~بسوء { إنهم كانوا قوم سوء } لتكذيبهم له وردهم عليه { ~~فأغرقناهم أجمعين } فخلصه منهم بذلك. ### || [21.78-82] # قوله تعالى: { وداوود وسليمان } الآية. تقدم الكلام على ~~الإعراب. # واعلم أن المقصود ذكر نعم الله على داود وسليمان، فذكر أولا النعمة ~~المشتركة بينهما ثم ذكر ما يخص كل واحد منهما من النعم. أما ms6230 النعمة ~~المشتركة فهي قصة الحكومة، وهو أن الله زينهما بالعلم والفهم في قوله: { ~~وكلا ءاتينا حكما وعلما } قال أكثر المفسرين: المراد ~~بالحرث الزرع. وقال ابن مسعود وابن عباس: كان الحرث كرما قد تدلت ~~عناقيده. { إذ نفشت فيه غنم القوم } أي رعته ليلا ~~فأفسدته؛ والنقش: الرعي بالليل. قاله ابن السكيت، وهو قول جمهور ~~المفسرين. والنفش: الانتشار، ومنه # كالعهن المنفوش # [القارعة: 5] ونفشت الماشية أي: رعت ليلا بغير راع، عكس الهمل وهو ~~رعيها نهارا بلا راع. وعن الحسن: أن النفش هو الرعي بلا راع ليلا كان ~~أو نهارا. # قوله: { وكنا لحكمهم شاهدين } في الضمير المضاف إليه " ~~حكم " أوجه: # أحدها: أنه ضمير جمع يراد به المثنى، وإنما وقع الجمع موقع التثنية ~~مجازا، أو لأن التثنية جمع وأقل الجمع اثنان، ويدل على أن المراد ~~التثنية قراءة ابن عباس " لحكمهما " بصيغة التثنية. # الثاني: أن المصدر مضاف للحاكمين والمحكوم له والمحكوم عليه، فهؤلاء ~~جماعة. # وهذا يلزم منه إضافة المصدر لفاعله ومفعوله دفعة واحدة، وهو إنما يضاف ~~لأحدهما فقط. وفيه الجمع بين الحقيقة والمجاز، فإن الحقيقة إضافة المصدر ~~لفاعله، والمجاز إضافته لمفعوله. # الثالث: أن هذا مصدر لا يراد به الدلالة على علاج، بل جيء به للدلالة ~~على أن هذا الحدث وقع وصدر كقولهم: له ذكاء ذكاء الحكماء، وفهم فهم ~~الأذكياء فلا ينحل بحرف مصدري وفعل، وإذا كان كذلك فهو مضاف في المعنى ~~للحاكم والمحكوم له والمحكوم عليه، ويندفع المحذوران المذكوران. # قوله: " ففهمناها ". قرأ العامة " ففهمناها " بالتضعيف ~~الذي للتعدية، والضمير للمسألة أو للفتيا. # وقرأ عكرمة: " فأفهمناها " بالهمزة عداه بالهمزة كما عداه ~~العامة بالتضعيف. # فصل # قال أكثر المفسرين: دخل رجلان على داود - عليه السلام - أحدهما: صاحب ~~حرث والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الحرث: إن غنم هذا دخلت في حرثي ليلا ~~فأفسدته، فلم يبق منه شيئا، فقال داود: اذهب فإن الغنم لك. فخرجا فمرا ~~على سليمان، فقال: كيف قضى بينكما؟ فأخبراه، فقال: لو وليت أمرهما لقضيت ~~بغير هذا. وروي أنه قال: غير هذا أرفق بالفريقين فأخبر بذلك داود، فدعاه، ~~فقال: كيف ms6231 تقضي، وروي أنه قال له: بحق النبوة والأبوة إلا أخبرتني بالذي ~~هو أرفق بالفريقين، فقال: ادفع الغنم إلى صاحب الحرث ينتفع بدرها ونسلها ~~وصوفها ومنافعها، ويبذر صاحب الغنم لصاحب الحرث مثل حرثه، فإذا صار الحرث ~~كهيئته يوم أكل دفع إلى أهله، وأخذ صاحب الغنم غنمه، فقال داود: القضاء ~~ما قضيت. # وقال ابن مسعود ومقاتل: إن راعيا نزل ذات ليلة بجنب كرم، فدخلت الأغنام ~~الكرم وهو لا يشعر فأكلت القضبان، وأفسدت الكرم، فذهب صاحب الكرم من الغد ~~إلى داود، فقضى له بالغنم، لأنه لم يكن بين ثمن الكرم وثمن الأغنام تفاوت ~~وذكر باقي القصة. قال ابن عباس: حكم سليمان ذلك وهو ابن إحدى عشرة سنة ~~وأما حكم الإسلام: أن ما أفسدت الماشية المرسلة بالنهار من مال الغير ~~فلا ضمان على ربها، وما أفسدت بالليل ضمنه ربها، لأن في عرف الناس أن ~~أصحاب الزروع يحفظونها بالنهار، والمواشي تسرح بالنهار، وترد بالليل إلى ~~المراح. # " روى ابن محيصة أن ناقة للبراء بن عازب حائطا فأفسدت، فقضى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " أن على أهل الحوائط حفظها ~~بالنهار وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها ". # وذهب أصحاب الرأي إلى أن المالك إذا لم يكن معها فلا ضمان عليه فيما ~~اتلفت الماشية ليلا كان أو نهارا. # فصل # قال أبو بكر الأصم: إنهما لم يختلفا في الحكم ألبتة، وأنه تعالى بين ~~لهما الحكم على لسان سليمان. والصواب أنهما اختلفا، ويدل على إجماع ~~الصحابة - رضي الله عنهم - وأيضا قوله تعالى: { وكنا لحكمهم ~~شاهدين } ، ثم قال: " ففهمناها سليمان " والفاء للتعقيب، ~~فوجب أن يكون ذلك الحكم سابقا على هذا الفهم، وذلك الحكم السابق إن ~~اتفقا فيه لم يبق لقوله " ففهمناها سليمان " فائدة. وإن ~~اختلفا فيه فهو المطلوب. # فصل # احتج الجبائي على أن الاجتهاد غير جائز من الأنبياء بوجوه: # الأول: قوله تعالى: # قل ما يكون لي أن أبدله من تلقآء نفسي إن ~~أتبع إلا ما يوحى إلي # [يونس: 15] وقوله: # وما ينطق عن الهوى # [النجم: 3]. # الثاني: أن الاجتهاد طريقه الظن ms6232 وهو قادر على اليقين، فلا يجوز المصير ~~إلى الظن كالمعاين للقبلة لا يجوز الاجتهاد. # الثالث: لو جاز له الاجتهاد في الأحكام لكان لا يقف في شيء منها، فلما ~~وقف في مسألة الظهار واللعان إلى ورود الوحي دل على أن الاجتهاد غير ~~جائز عليه. # الرابع: أن الاجتهاد إنما يصار إليه عند فقد النص، وفقد النص في حق ~~الرسول كالممتنع فوجب أن لا يجوز الاجتهاد. # الخامس: لو جاز الاجتهاد من الرسول أيضا من جبريل، وحينئذ لا يحصل ~~الأمان بأن هذه الشرائع التي جاء بها أهي من نصوص الله أم من اجتهاد ~~جبريل؟ # وأجيب عن الأول: أن الآية واردة في إبدال آية بآية، لأنه عقيب قوله: # قال الذين لا يرجون لقآءنا ائت بقرءان غير ~~هذآ أو بدله # [يونس: 15] ولا مدخل للاجتهاد في ذلك. # وأما قوله: # وما ينطق عن الهوى # [النجم:3] فمن جوز له بالاجتهاد يقول إن الذي اجتهد فيه هو عن وحي ~~على الجملة، وإن لم يكن ذلك على التفصيل، وأيضا فالآية واردة في الأداء ~~عن الله لا في حكمه الذي يكون بالعقل. # وعن الثاني: أن الله تعالى إذا قال له إذا غلب على ظنك كون الحكم ~~معللا في الأصل بكذا، ثم غلب على ظنك قيام ذلك المعنى في صورة أخرى ~~فاحكم بمثل ذلك الحكم، فههنا الحكم مقطوع به، والظن غير واقع فيه بل في ~~طريقه. # وعن الثالث: لعله - عليه السلام - كان ممنوعا عن الاجتهاد في بعض ~~الأنواع، أو كان مأذونا له مطلقا، لكنه لم يظهر له في تلك الصورة وجه ~~الاجتهاد فتوقف. # وعن الرابع: لم لا يجوز أن يحبس النص عنه في بعض الصور فحينئذ يحصل ~~شرط جواز الاجتهاد. # وعن الخامس: أن هذا الاحتمال مدفوع بإجماع الأمة على خلافه. ثم الذي يدل ~~على جواز الاجتهاد لهم وجوه: # الأول: أنه - عليه السلام - إذا غلب على ظنه أن الحكم في الأصل معلل ~~بمعنى ثم علم أو ظن قيام ذلك المعنى في صورة أخرى، فلا بد وأن يغلب ~~على ظنه أن حكم الله في هذه ms6233 الصورة مثل ما في الأصل كقوله - عليه ~~السلام -. # " أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته ". # الثاني: قوله تعالى: # فاعتبروا # [الحشر:2] أمر الكل بالاعتبار، فوجب اندراج الرسول - عليه السلام - فيه ~~لأنه إمام المعتبرين وأفضلهم. # الثالث: أن الاستنباط أرفع درجات العلماء، فوجب أن يكون للرسول فيه ~~مدخل، وإلا لكان كل واحد من المجتهدين أفضل منه في هذا الباب. فإن قيل: ~~إنما يلزم لو لم يكن درجته أعلى من الاعتبار، وليس الأمر كذلك لأنه كان ~~يستدرك الأحكام وحيا على سبيل اليقين، فكان أرفع درجة من الاجتهاد ~~(قصاراه الظن. # فالجواب: لا يمتنع أن لا يجد النص في بعض المواضع، فلو لم يكن من أجل ~~الاجتهاد) لكان أقل درجة من المجتهد الذي يمكنه تعرف ذلك الحكم من ~~الاجتهاد، وأيضا فقد تقدم أن الله لما أمره بالاجتهاد كان ذلك مفيدا ~~للقطع. # الرابع: قوله - عليه السلام - # " العلماء ورثة الأنبياء " # فوجب أن يثبت للأنبياء درجة الاجتهاد ليرث العلماء عنهم ذلك. # الخامس: قوله تعالى: # عفا الله عنك لم أذنت لهم # [التوبة: 43] فذاك الإذن إن كان بإذن الله - تعالى - استحال له " لم ~~أذنت " وإن كان بهوى النفس فهو جائز. وإن كان بالاجتهاد فهو المطلوب. # فصل # قال الجبائي: لو جوزنا الاجتهاد من الأنبياء ففي هذه المسألة لا نجوزه ~~لوجوه: # أحدها: أن الذي وصل إلى صاحب الزرع من در الماشية وصوفها ومنافعها ~~مجهول المقدار، فكيف يجوز الاجتهاد وأخذ المجهول عوضا عن الآخر. # وثانيها: أن اجتهاد داود عليه السلام - إن كان صوابا لزم أن لا ينقض ~~لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، وإن كان خطأ وجب أن يبين الله توبته ~~كسائر ما حكاه عن الأنبياء - عليهم السلام -، فلما مدحهما بقوله: { ~~وكلا ءاتينا حكما وعلما } دل على أنه لم يقع الخطأ من ~~داود عليه السلام. # وثالثها: لو حكم بالاجتهاد لكان الحاصل هناك ظنا لا علما لكن الله ~~تعالى قال: { وكلا ءاتينا حكما وعلما }. # ورابعها: كيف يجوز أن يكون عن اجتهاد مع قوله: " ففهمناها ~~سليمان ". # وأجيب عن الأول: بأن الجهالة في القدر لا تمنع من الاجتهاد ms6234 ~~كالجعالات، وحكم المصراة. # وعن الثاني: لعل خطأه كان من باب الصغائر. # وعن الثالث: إن المتمسك بالقياس فإن الظن واقع في طريق الحكم، فأما ~~الحكم فمقطوع به. # وعن الرابع: أن المجتهد إذا تأمل واجتهد وأداه اجتهاده إلى حكم كأن ~~الله - تعالى - فهمه من حيث بين له طريق ذلك. # فهذا جملة الكرم في بيان أنه لا يمتنع أن يكون اختلاف داود وسليمان في ~~ذلك الحكم إنما كان بسبب الاجتهاد. وأما بيان أنه لا يمتنع أيضا أن ~~يكون اختلافهما فيه بسبب النص، فوجهه أن يقال: إن داود - عليه السلام ~~- كان مأمورا بالحكم من قبل الله - تعالى - ثم إنه تعالى نسخ ذلك بالوحي ~~إلى سليمان خاصة، وأمره أن يعرف داود ذلك فصار ذلك الحكم حكمهما جميعا. # وقوله: " ففهمناها سليمان " أي: أوحينا إليه. فإن قيل: هذا ~~باطل لوجهين: # الأول: لما أنزل الله الحكم الأول على داود وجب أن ينزل نسخه أيضا على ~~داود لا على سليمان. # الثاني: أن الله تعالى مدح كل واحد منهما على الفهم، ولو كان ذلك على ~~سبيل النص لم يكن في فهمه كثير مدح. # واعلم أن القول الأول أولى، لأنه روي في الأخبار الكثيرة أن داود لم ~~يكن بت الحكم في ذلك حتى سمع من سليمان أن غير ذلك أولى، وفي بعضها أن ~~داود ناشده لكي يورد ما عنده، ولو كان نصا لكان يظهره ولا يكتمه. ووجه ~~الاجتهاد فيه ما ذكره ابن عباس: أن داود - عليه السلام - قوم قدر الضرر ~~في الكرم فكان مساويا لقيمة الغنم وكان عنده أن الواجب في ذلك الضرر أن ~~يزال بمثله من النفع، فلا جرم سلم الغنم إلى المجني عليه كما قال أبو ~~حنيفة في العبد إذا جنى على النفس يدفعه المولى بذلك أو يفديه. # وأما سليمان فأداه اجتهاده إلى أنه يجب مقابلة الأصول بالأصول والزوائد ~~بالزوائد وأما مقابلته بالزوائد فغير جائز، لأنه يقتضي الحيف، ولعل منافع ~~الغنم في تلك السنة كانت موازنة فحكم به، كما قال الشافعي: فيمن غصب ~~عبدا فأبق من يده أنه يضمن ms6235 القيمة فينتفع بها المغصوب منه بإيزاء ما ~~فوته الغاصب من منافع العبد فإذا ظهر ترادا. # فصل # إذا ثبت أن تلك المخالفة كانت مبنية على الاجتهاد، فهل تدل هذه القصة ~~على أن المصيب واحد، أو الكل مصيبين؟ فمن قال: إن المصيب واحد استدل ~~بقوله تعالى " ففهمناها سليمان " قال: ولو كان الكل مصيبون ~~لم يكن لتخصيص سليمان بهذا التفهيم فائدة. وأما القائلون بأن الكل ~~مصيبون فمنهم من استدل بقوله تعالى { وكلا ءاتينا حكما ~~وعلما } ، ولو كان المصيب واحدا ومخالفه مخطئا لما صح أن يقال: { ~~وكلا ءاتينا حكما وعلما } قال ابن الخطيب: وكلا ~~الاستدلالين ضعيف أما الأول: فلأن الله - تعالى - لم يقل إنه فهم ~~الصواب، فيحتمل أنه فهمه الناسخ، ولم يفهم ذلك داود، فكل واحد منهما مصيب ~~فيما حكم به على أن أكثر ما في الآية أنها دالة على أن داود وسليمان ~~ما كانا مصيبين، وذلك لا يوجب أن يكون الأمر كذلك في شرعنا. # واما الثاني: فلأنه تعالى لم يقل: كلا آتيناه فيما حكم به هنا، بل ~~يجوز أن يكون إيتاؤه حكما وعلما بوجوه الاجتهاد وطرق الأحكام، على أن ~~لا يلزم من كون كل مجتهد مصيب في شرعهم أن يكون الأمر كذلك في شرعنا. # قوله تعالى: { وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن } هذه ~~من النعم التي خص بها داود فقوله: " يسبحن " في موضع نصب على ~~الحال. # " والطير " يجوز أن ينتصب نسقا على " الجبال " ، وأن ينتصب على ~~المفعول معه وقيل: " يسبحن " مستأنف فلا محل له. وهو بعيد. وقرىء " ~~والطير " رفعا وفيه وجهان: # أحدهما: أنه مبتدأ والخبر محذوف، أي: والطير مسخرات أيضا. # والثاني: أنه نسق على الضمير في " يسبحن " ، ولم يؤكد ولم يفصل، ~~وهو موافق لمذهب الكوفيين. # فصل # قال ابن عباس: (كان يفهم) تسبيح الحجر والشجر. # وقال وهب: كانت الجبال تجاوبه بالتسبيح، وكذلك الطير. # وقال قتادة: " يسبحن " أي: يصلين معه إذا صلى. وقيل: كان داود إذا ~~فتر سمعه الله تسبيح الجبال والطير لينشط في التسبيح ويشتاق إليه. # وقال بعض المفسرين: إنه يحتمل أن يكون تسبيح الجبال ms6236 والطير بمثابة قوله: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده # [الإسراء: 44] وتخصيص داود - عليه السلام - بذلك إنما كان بسبب أنه كان ~~يعرف ذلك ضرورة فيزداد يقينا وتعظيما. # وقالت المعتزلة: لو حصل الكرم في الجبل لحصل إما بفعله أو بفعل الله ~~فيه، والأول محال، لأن بنية الجبل لا تحتمل الحياة والعلم والقدرة، وما ~~لا يكون حيا قادرا عاقلا يستحيل منه الفعل. # والثاني محال، لأن المتكلم عندهم من كان فاعلا للكلام لا من كان محلا ~~للكلام فلو كان فاعل ذلك الكلام هو الله لكان المتكلم هو الله لا الجبال. # فثبت أنه لا يمكن إجراؤه على ظاهره، فعند هذا قالوا: معنى قوله: { ~~وسخرنا مع داوود الجبال } قوله: # يجبال أوبي معه # [سبأ: 10] أي: تصرفي معه وسيري بأمره. ومعنى " يسبحن " من السبح ~~الذي هو السباحة خرج اللفظ فيه على التكثير ولو أفرد لقيل: اسبحي، فلما ~~كثر قيل سبحي معه، أي: سيري وهو كقوله: # إن لك في النهار سبحا طويلا # [المزمل: 7] أي: تصرفا ومذهبا، إذا ثبت هذا فنقول: إن سيرها هو ~~التسبيح لدلالته على قدرة الله. واعلم أن مدار هذا القول على أن بنية ~~الجبال لا تقبل الحياة، وأن المتكلم من فعل الكلام، وكلاهما ممنوع، وأما ~~" الطير " فلا امتناع أن يصدر عنها الكلام، ولكن أجمعت الأمة على أن ~~المكلفين إما الجن والإنس والملائكة فيمتنع فيها أن تبلغ في العقل إلى ~~درجة التكليف بل يكن حاله كحال الطفل في أن يؤمر وينهى. وإن لم يكن ~~مكلفا فصار ذلك معجزة من حيث جعلها في الفهم بمنزلة المراهق. وأيضا فيه ~~دلالة على قدرة الله وعلى تنزيهه عما لا يجوز فيكون القول فيه كالقول في ~~الجبال. وقدم الجبال على الطير، لأن تسخيرها وتسبيحها أعجب وأدل على ~~القدرة وأدخل في الإعجاز، لأنها جماد والطير حيوان. # ثم قال: " وكنا فاعلين " أي: قادرين على أن نفعل وإن كان ~~عجبا عندكم وقيل: نفعل ذلك بالأنبياء - عليهم السلام -. # الإنعام الثاني قوله: { وعلمناه صنعة لبوس } الجمهور على ~~فتح اللام من " لبوس " وهو الشيء المعد للبس قال الشاعر: ms6237 # 3730- ألبس لكل حالة لبوسها # إما نعيمها وإما بوسها # والمراد باللبوس هنا الدرع لأنها لا تلبس، وهي في اللغة اسم لكل ما ~~يلبس. ويستعمل في الأسلحة كلها، وهو بمعنى الملبوس كالحلوب والركوب. # وقرىء " لبوس " بضم اللام، وحينئذ إما أن يكون جمع لبس المصدر ~~الواقع موقع المفعول، وإما أن لا يكون واقعا موقعه، والأول أقرب. و " ~~لكم " يجوز أن يتعلق ب " علمناه " ، وأن يتعلق ب " صنعة " ~~قاله أبو البقاء، وفيه بعد. وأن يتعلق بمحذوف على أنه صفة ل " لبوس ~~". قال قتادة: أول من صنع الدروع وسردها وحلقها داود وإنما كانت صفائح. # قوله: " لتحصنكم ". هذه لام كي، وفي متعلقها أوجه: # أحدها: أن تتعلق ب " علمناه " ، وهذا ظاهر على القولين الآخرين ~~وأما على القول الثالث فيشكل، وذلك أنه يلزم تعلق جر في جر متحدين لفظا ~~ومعنى. ويجاب عنه بأن يجعل بدلا من " لكم " بإعادة العامل كقوله ~~تعالى: # لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم # [الزخرف: 33] وهو بدل اشتمال، وذلك أن أن الناصبة للفعل المقدرة ~~مؤولة هي ومنصوبها بمصدر، وذلك المصدر بدل من ضمير المخاطب في " لكم " ~~بدل اشتمال، والتقدير: وعلمناه صنعة لبوس لتحصنكم. # والثاني: أن تتعلق ب " صنعة " على معنى أنه بدل من " لكم " كما ~~تقدم تقريره وذلك على رأي أبي البقاء، فإنه علق " لكم " ب " ~~صنعة ". # والثالث: أنها تتعلق بالاستقرار الذي تعلق به " لكم " إذا جعلناه صفة ~~لما قبله. وقرأ الحرميان والأخوان وأبو عمرو: " ليحصنكم " بالياء ~~من تحت، والفاعل الله تعالى، وفيه التفات على هذا الوجه، إذ تقدمه ضمير ~~المتكلم في قوله " وعلمناه ". أو داود، أو التعليم، أو اللبوس. ~~وقرأ حفص وابن عامر بالتاء من فوق، والفاعل الصنعة أو الدرع، وهي مؤنثة، ~~أو اللبوس، لأنها يراد بها ما يلبس، وهو الدرع، والدرع مؤنثة كما تقدم. # وقرأ أبو بكر " لنحصنكم " بالنون جريا على " علمناه ". ~~وعلى هذه القراءات الثلاث الحاء ساكنة والصاد مخففة. وقرأ الأعمش " ~~ليحصنكم " وكذا النعيمي عن أبي عمرو بفتح الحاء وتشديد الصاد على ~~التكثير إلا أن الأعمش بالتاء من فوق وأبو عمرو بالياء من تحت ms6238 وقدم ~~ما هو الفاعل. # فصل # معنى " لنحصنكم " أي: لنحرزكم ونمنعكم من بأسكم أي: حرب عدوكم. # وقال السدي: من وقع السلاح فيكم. ذكر الحسن أن لقمان الحكيم - صلوات ~~الله عليه - حضر داود وهو يعمل الدرع، فأراد أن يسأله عما يفعل ثم كف ~~عن السؤال حتى فرغ منها ولبسها على نفسه، فقال عند ذلك: الصمت حكمة وقليل ~~فاعله. ثم قال تعالى: { فهل أنتم شاكرون } يقول لداود وأهل ~~بيته وقيل: يقول لأهل مكة، فهل أنتم شاكرون نعمي بطاعة الرسول. # قوله تعالى: " ولسليمان الريح " العامة على النصب، أي: وسخرنا ~~لسليمان، فهي منصوبة بعامل مقدر. وقرأ ابن هرمز وأبو بكر عن عاصم في ~~رواية بالرفع على الابتداء، والخبر الجار قبله. وقرأ الحسن وأبو رجاء ~~بالجمع والنصب. وأبو حيوة بالجمع والرفع. وتقدم الكرم على الجمع والإفراد ~~في البقرة، وبعض هؤلاء قرأ في سبأ كذلك كما سيأتي بيانه إن شاء الله ~~تعالى. # قوله: " عاصفة " حال، والعامل فيها على قراءة من نصب " سخرنا " ~~المقدر، وفي قراءة من رفع الاستقرار الذي تعلق به الخبر. يقال: عصفت ~~الريح تعصف عصفا وعصوفا، فهي عاصف وعاصفة. وأسد ~~تقول: أعصفت بالألف تعصف، فهي معصف ومعصفة. والريح تذكر ~~وتؤنث. والعاصفة: الشديدة الهبوب. فإن قيل: قد قال في موضع آخر # تجري بأمره رخآء # [ص: 36] والرخاء: اللين قيل: كانت الريح تحت أمره، إن أراد أن تشتد ~~اشتدت، وإن أراد أن تلين لانت. # فإن قيل: قال في داود: { وسخرنا مع داوود الجبال } ، ~~وقال في حق سليمان " ولسليمان الريح " فذكر في حق داود بكلمة ~~مع وفي حق سليمان باللام وراعى هذا الترتيب أيضا في قوله # يجبال أوبي معه # [سبأ: 10] وقال: # فسخرنا له الريح تجري بأمره # [ص:36] فما الفائدة في تخصيص داود بلفظ مع، وسليمان باللام؟ # فالجواب: يحتمل أن الجبل لما اشتغل بالتسبيح حصل له نوع شرف فما أضيف ~~بلام التمليك، وأما الريح فلم يصدر منه إلا ما يجري مجرى الخدمة فلا جرم ~~أضيف إلى سليمان بلام التمليك وهذا جواب إقناعي. # قوله: " تجري " يجوز أن تكون حالا ثانية، وأن ms6239 تكون حالا من الضمير ~~في " عاصفة " فتكون حالين متداخلتين. وزعم بعضهم: أن { التي ~~باركتا (فيها } صفة للريح، وفي الآية تقديم وتأخير، والتقدير: ~~الريح التي باركنا فيها) إلى الأرض. وهو تعسف. والمراد بقوله: { إلى ~~الأرض التي باركنا فيها } بيت المقدس. قال الكلبي: كان ~~سليمان - عليه السلام - وقومه يركبون عليها من إصطخر إلى الشام، وإلى حيث ~~شاء، ثم يعود إلى منزله. # ثم قال: { وكنا بكل شيء عالمين } وكنا بكل شيء عملناه ~~عالمين بصحة التدبير فيه، علمنا أنما نعطي سليمان من تسخير الريح وغيره ~~يدعوه إلى الخضوع لربه. قوله: " من يغوصون " يجوز أن تكون موصولة أو ~~موصوفة وعلى كلا التقديرين فموضعها إما نصب نسقا على الريح، أي: ~~وسخرنا له من يغوصون، أو رفع على الابتداء والخبر في الجار قبله وجمع ~~الضمير حملا على معنى " من " ، وحسن ذلك تقدم الجمع في قوله " ~~الشياطين " فلما ترشح جانب المعنى روعي، ونظيره قوله: # 3731- وإن من النسوان من هي روضة # تهيج الرياض قبلها وتصوح # راعى التأنيث لتقدم قوله: وإن من النسوان. و " دون ذلك " صفة ل ~~" عملا ". # فصل # يحتمل أن يكون من يغوصون منهم هو الذي يعمل سائر الأعمال، ويحتمل أنهم ~~فرقة أخرى، ويكون الكل داخلين في لفظة " من " والأول أقرب. وظاهر الآية ~~أنه سخرهم لكنه قد روي أنه تعالى سخر كفارهم دون المؤمنين وهو الأقرب من ~~وجهين: # أحدهما: إطلاق لفظ الشياطين. # والثاني: قوله: { وكنا لهم حافظين } فإن المؤمن إذا سخر في ~~أمر لا يجب أن يحفظ لئلا يفسد، وإنما يجب ذلك في الكافر. ومعنى " ~~يغوصون " أي: يدخلون تحت الماء، فيخرجون له من قعر البحر الجواهر { ~~ويعملون عملا دون ذلك } أي: دون الغوص، وهو ما ذكره تعالى ~~في قوله: # يعملون له ما يشآء من محاريب وتماثيل # [سبأ: 13] الآية. { وكنا لهم حافظين } حتى لا يخرجوا من ~~أمره. # وقيل: وكل بهم جمعا من الملائكة وجمعا من المؤمنين الجن. وقال ابن ~~عباس: إن سلطانه مقيم يفعل بهم ما يشاء. وفي كونهم محفوظين ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه تعالى كان يحفظهم لئلا يذهبوا. ms6240 # وثانيها: قال الكلبي: كان يحفظهم من أن يهيجوا أحدا في زمانه. # وثالثها: قال الزجاج: كان يحفظهم من أن يفسدوا ما عملوا، وكان دأبهم أن ~~يعملوا بالنهار ثم يفسدونه بالليل. # روي أن سليمان كان إذا بعث شيطانا مع إنسان ليعمل له عملا قال له: إذا ~~فرغ من عمله قبل الليل اشغله بعمل آخر لئلا يفسد ما عمل وكان من عادة ~~الشياطين أنهم إذا فرغوا من العمل ولم يشتغلوا بعمل آخر خربوا ما عملوه ~~وأفسدوه. # فصل # سأل الجبائي نفسه، وقال: كيف يتهيأ لهم هذه الأعمال وأجسامهم دقيقة لا ~~يقدرون على عمل الثقيل، وإنما يمكنهم الوسوسة؟ وأجاب بأنه - سبحانه - كثف ~~أجسامهم خاصة وقواهم وزاد في عظمهم ليكون ذلك معجزة لسليمان، فلما مات ~~سليمان - عليه السلام - ردهم إلى الخلقة الأولى، لأنه لو بقاهم على ~~الخلقة الثانية لصار شبهة على الناس ولو ادعى مثبت النبوة وجعله دلالة، ~~لكان كمعجزات الرسل، فلذلك ردهم إلى خلقهم الأول. قال ابن الخطيب: وهذا ~~الكلام ساقط من وجوه: # أحدها: لم قلتم إن الجن من الأجسام، ولم يجوز وجود محدث ليس بمتحيز ولا ~~قائم بالمتحيز، ويكون الجن منهم؟ فإن قلت: لو كان الأمر كذلك لكان مثلا ~~للباري تعالى. قلت: هذا ضعيف لأن الاشتراك في اللوازم الثبوتية لا يدل ~~على الاشتراك في اللزومات، فكيف اللوازم السلبية. # سلمنا أنه جسم لكن لم يجوز حصول القدرة على هذه الأعمال الشاقة في الجسم ~~اللطيف، وكلامه بناء على أن البنية شرط وليس في يده إلا الاستقراء الضعيف ~~سلمنا أنه لا بد من تكثيف أجسامهم، لكن لم قلت: بأنه لا بد من ردها ~~إلى الخلقة الأولى بعد موت سليمان. # وقوله: بأنه يفضي إلى التلبيس، قلنا: التلبيس غير لازم، لأن النبي إذا ~~جعل ذلك معجزة لنفسه فللمدعو أن يقول: لم لا يجوز أن يقال: إن قوة ~~أجسامهم كانت معجزة لنبي آخر. ومع قيام هذا الاحتمال لا يتمكن المتنبي من ~~الاستدلال به. واعلم أن أجسام هذا العالم إما كثيفة أو لطيفة. أما الكثيف ~~فأكثف الأجسام الحجارة والحديد، وقد جعلهما ms6241 الله تعالى معجزة لداود - ~~عليه السلام - قوة النار مع كون الإصبع في نهاية اللطافة، فأي بعد أن ~~يجعل التراب اليابس جسما حيوانيا. وألطف الأشياء في هذا العالم الهواء ~~والنار، وقد جعلها الله - تعالى - معجزة لسليمان - عليه السلام، أما ~~الهواء فقوله: # فسخرنا له الريح # [ص: 36]. وأما النار فلأن الشياطين مخلوقون من النار، وقد سخرهم الله ~~- تعالى - له، ثم كان يأمرهم بالغوص في المياه، والنار تطفأ بالماء، ولم ~~تكن تضرهم وذلك يدل على قدرته على إظهار الضد من الضد. ### || [21.83-84] # قوله تعالى: { وأيوب إذ نادى ربه } الآية. # قوله: " وأيوب " كقوله: " ونوحا " [الأنبياء:76]وما بعده. وقرأ ~~العامة " أني " بالفتح لتسلط النداء عليها بإضمار حرف الجر بأني. ~~وعيسى بن عمر بالكسر فمذهب البصريين إضمار القول أي: نادى فقال: إني ~~ومذهب الكوفيين أجرى النداء مجرى القول. والضر بالضم المرض في البدن ~~وبالفتح الضرر في كل شيء فهو أعم من الأول. # فصل # قال وهب بن منبه: كان أيوب - عليه السلام - رجلا من الروم، وهو أيوب بن ~~أنوص بن زارح بن روم بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم، وكانت أمه من ولد لوط ~~بن هاران، وكان الله قد اصطفاه ونبأه وبسط عليه الدنيا، وكانت له ~~البثنية من أرض الشام كلها سهلها وجبلها، وكان له فيها من أصناف ~~المال كله من الإبل والبقر والغنم والخيل والحمر والبساتين ما لا يكون ~~لرجل أفضل منه في العدة والكثرة والأهل والولد من الرجال والنساء، وكان ~~رحيما بالمساكين يكفل الأيتام والأرامل ويكرم الضيف ويبلغ ابن السبيل. ~~وكان معه ثلاثة نفر قد ءامنوا به، وعرفوا فضله؛ قال: كان أحدهم من أهل ~~اليمن يقال له: اليقن، ورجلان من أهل بلدة يقال لأحدهما: يلدد، والآخر ~~ضافر، وكانوا كهؤلاء. # وكان إبليس لا يحجب عن شيء من السموات وكان يقف فيهن حيث ما أراد حتى ~~رفع الله عيسى، فحجب من أربع، فما بعث محمد - صلى الله عليه وسلم - حجب ~~من الثلاث الباقية، فسمع إبليس تجاوب الملائكة بالصلاة على أيوب، وذلك ~~حين ذكره الله وأثنى عليه فأدركه البغي والحسد، ms6242 فصعد سريعا حتى وقف من ~~السماء موقفا كان يقفه، فقال: إلهي نظرت في عبدك أيوب فوجدته عبدا ~~أنعمت عليه فشكرك وعافيته فحمدك ولو ابتليته بنزع ما أعطيته لحال عما هو ~~عليه من شكرك وعبادتك ولخرج من طاعتك. فقال الله - تعالى -: انطلق فقد ~~سلطتك على ماله فانقض عدو إبليس حتى وقع إلى الأرض، ثم جمع عفاريت الجن ~~ومردة الشياطين، وقال لهم: ماذا عندكم من القوة فإني سلطت على مال أيوب؟ ~~فقال عفريت من الشياطين: أعطيت من القوة ما إذا شئت تحولت إعصارا من نار ~~فأحرق كل شيء، فقال له إبليس: فأت الإبل ورعاتها فذهب فأتى الإبل حين ~~وضعت رؤوسها وانبثت في مراعيها، فلم يشعر الناس حتى ثار من تحت الأرض ~~إعصارا من نار لا يدنو منه أحد إلا احترق، فأحرق الإبل ورعاتها حتى أتى ~~على آخرها. ثم جاء إبليس في زي بعض الرعاة إلى أيوب، فوجده قائما يصلي، ~~فقال: يا أيوب أقبلت نار حتى غشيت إبلك فأحرقتها ومن فيها غيري فقال ~~أيوب: الحمد لله الذي هو أعطاها وهو أخذها، وقديما وطنت نفسي ومالي ~~على الفناء، فبقي الناس مبهوتين متعجبين، فمن قائل يقول: ما كان أيوب ~~يعبد شيئا، وما كان إلا في غرور. # ومنهم من يقول: لو كان إله أيوب يقدر على أن يصنع شيئا لمنع وليه. ~~ومنهم من يقول: هو الذي فعل ما فعل ليشمت به عدوه، ويفجع به صديقه فقال ~~أيوب: الحمد لله حين أعطاني وحين نزع مني، عريانا خرجت من بطن أمي، ~~وعريانا أعود في التراب، وعريانا أحشر إلى الله، ولو علم الله فيك ~~خيرا أيها العبد لنقل روحك مع تلك الأرواح، وصرت شهيدا ولكنه علم منك ~~شرا فأخرك. فرجع إبليس إلى أصحابه خاسئا ذليلا، فقال لهم: ماذا عندكم ~~من القوة، فقال عفريت آخر: عندي من القوة ما إذا شئت صحت صيحة لا يسمعها ~~ذو روح إلا خرجت روحه. فقال له إبليس: فأت الغنم ورعاتها، فانطلق فصاح ~~بها فماتت ومات رعاتها، ثم جاء إبليس متمثلا بقهرمان الرعاة إلى أيوب ms6243 ~~وهو يصلي، فقال له مثل القول الأول، فرد عليه أيوب الرد الأول. فرجع ~~إبليس صاغرا إلى أصحابه، فقال لهم: ما عندكم من القوة فإني لم أكلم قلب ~~أيوب؟ فقال عفريت آخر: عندي من القوة ما إذا شئت تحولت ريحا عاصفا أقلع ~~كل شيء أتيت عليه. # فقال: اذهب إلى الحرث والفدادين، فأتاهم، فأهلكهم. ثم أتى إبليس متمثلا ~~إلى أيوب، فقال مثل قوله: فرد عليه أيوب الرد الأول. وكلما انتهى إليه ~~هلاك مال من أمواله حمد الله وأحسن الثناء عليه ورضي عنه بالقضاء، ووطن ~~نفسه بالصبر على البلاء حتى لم يبق له مال. فلما رأى إبليس صبره على ذلك ~~وقف الموقف الذي كان يقفه عند الله. فقال: إلهي إن أيوب يرى أنك ما متعته ~~بولده، فأنت معطيه المال فهل أنت مسلطي على ولده فإنها المعصية التي لا ~~تقوم لها قلوب الرجال؟ قال الله تعالى: انطلق فقد سلطتك على ولده. فأتى ~~أولاد أيوب في قصرهم فلم يزل يزلزله بهم من قواعده حتى قلب القصر عليهم. ~~ثم جاء أيوب متمثلا بالمعلم الذي يعلمهم الحكمة وهو جريح مشدوخ الوجه ~~والرأس يسيل دمه ودماغه، فقال: لو رأيت بنيك حتى رق ايوب - عليه ~~السلام - وبكى وقبض قبضة من التراب ووضعها على رأسه، وقال: ليت أمي لم ~~تلدني، فاغتنم إبليس ذلك وصعد سريعا، ووقف موقفه. ثم لم يلبث أيوب أن ~~فاء وأبصر واستغفر، وصعد قرناؤه من الملائكة بتوبته، فسبقت توبته إلى ~~الله - تعالى - وهو أعلم. فوقف إبليس ذليلا فقال: يا إلهي إنما هون على ~~أيوب المال والولد لعلمه أنه يرى أنك متعته بنفسه فأنت تعيد له المال ~~والولد، فهل أنت مسلطي على جسده؟ فقال الله - عز وجل - انطلق فقد ~~سلطتك على جسده، وليس لك على قلبه وعقله ولسانه سلطان، وكان الله - عز ~~وجل - أعلم به لم يسلطه عليه إلا رحمة ليعظم له الثواب ويجعله عبرة ~~للصابرين، وذكرى للعابدين، وكل بلاء نزل بهم ليتأسوا به في الصبر، ورجاء ~~للثواب. # فانقض عدو الله سريعا، فوجد أيوب ساجدا، فعجل قبل أن ms6244 يرفع رأسه ~~فأتاه من قبل وجهه، فنفخ في منخره نفخة اشتعل فيها جسده فخرج من قرنه إلى ~~قدمه ثآليل مثل أليات الغنم، ووقعت فيه حكة لا يملكها، فكان يحك بأظفاره ~~حتى سقطت كلها، ثم حكها بالمسوح الخشنة حتى قطعها، ثم حكها بالفخار ~~والحجارة الخشنة حتى تقطع لحمه وتغير وأنتن، فأخرجوه أهل القرية وجعلوه ~~على كناسة، وجعلوا له عريشا، ورفضه الناس كلهم إلا امرأته رحمة بن ~~افرايم بن يوسف، فكانت تصلح أموره ويختلف إليه مما يصلحه. ثم إن ~~وهبا طول الحكاية إلى أن قال: إن أيوب - عليه السلام - أقبل على ~~الله - تعالى - متضرعا إليه فقال: رب لأي شيء خلقتني يا ليتني عرفت ~~الذنب الذي أذنبت والعمل الذي عملت فصرفت وجهك عني ألم أكن للغريب دارا، ~~وللمسكين قرارا، ولليتيم وليا، وللمرأة قيما، إلهي أنا عبد ذليل إن ~~أحسنت فالمن لك وإن أسأت فبيدك عقوبتي جعلتني للبلاء غرضا، وللفتنة ~~نصبا، وسلطت علي ما لو سلطته على جبل لضعف عن حمله، إلهي تقطعت أصابعي، ~~وتساقطت لهواتي، وتناثر شعري، وذهب المال فصرت أسأل اللقمة فيطعمني من ~~يمن بها علي، ويعيرني بفقري وهلاك أولادي. قال الإمام أبو القاسم ~~الأنصاري - رحمه الله -: وفي جملة هذا الكلام ليتك إذا كرهتني لم تخلقني، ~~ثم قال: ولو كان ذلك صحيحا لاغتنم إبليس بأن يحمله على الشكوى، وأن ~~يخرجه عن حلية الصابرين، والله لم يخبر عنه إلا قوله { أني مسني ~~الضر وأنت أرحم الراحمين } وقال: # إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب # [ص: 44]. واختلف العلماء في السبب الذي قاله لأجله { أني مسني ~~الضر } # " فروى ابن شهاب عن أنس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إن أيوب ~~- عليه السلام - بقي في البلاء ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد ~~إلا رجلين كانا يغدوان ويروحان، فقال أحدهما للآخر ذات يوم: والله إن ~~أيوب أذنب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين. فقال صاحبه: وما ذاك. فقال: ~~منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله، ولم يكشف ما به. فلما راحا إلى أيوب ~~لم يصبر حتى ms6245 ذكر ذلك له. فقال أيوب: ما أدري ما يقولان غير أن الله - ~~تعالى - يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله فأرجع إلى ~~بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكر الله إلا في حق. وروي أن الرجلين لما ~~دخلا عليه قالا: لو كان لأيوب عند الله منزلة ما بلغ في هذه الحالة. فما ~~شق على أيوب شيء مما بلي به أشد مما سمع منهما، وقال: اللهم إن كنت تعلم ~~أني لم أبت شبعانا وأنا أعلم مكان جائع فصدقني، فصدق. ثم قال: اللهم إن ~~كنت تعلم أني لم ألبس قميصي وأنا أعلم مكان عار فصدقني، فصدق. وهما ~~يسمعان، ثم خر أيوب ساجدا، ثم قال: اللهم لا أرفع رأسي حتى تكشف ما بي ~~قال: فكشف الله ما به " ". # وروى الحسن قال: مكث أيوب بعد ما ألقي على الكناسة سبع سنين وأشهرا، ~~ولم يبق له مال ولا ولد ولا صديق غير امرأته رحمة، صبرت معه، وكانت تأتيه ~~بطعام. وتحمد الله مع أيوب والصبر على ما ابتلاه، فصرخ إبليس صرخة جزعا ~~من أيوب، فاجتمع جنوده من أقطار الأرض، وقالوا له: ما خبرك؟ قال: أعياني ~~هذا العبد الذي سألت الله أن يسلطني عليه وعلى ماله وولده فلم أدع له ~~مالا ولا ولدا، ولم يزدد بذلك إلا صبرا وحمدا، ثم سلطت على جسده ~~فتركته ملقى في كناسة ما يقربه إلا امرأته، وهو مع ذلك لا يفتر عن الذكر ~~والحمد، فاستغثت بكم لتعينوني، فأشيروا علي. قالوا: أرأيت آدم حين أخرجته ~~من الجنة من أين أتيته؟ قال: من قبل امرأته. قالوا: فشأنك من قبل امرأته ~~فإنه لا يستطيع أن يعصيها، لأنه لا يقربه أحد غيرها. قال: أصبتم. فانطلق ~~حتى أتى امرأته، فتمثل لها في صورة رجل، فقال: أين بعلك يا أمة الله؟ ~~فقالت: هو ذا يحك قروحه وتتردد الدواب في جسده. فلما سمعها طمع ~~أن يكون ذلك جزعا فوسوس إليها وذكرها ما كان لها من النعم والمال، ~~وذكرها جمال أيوب وشبابه. # قال الحسن: فصرخت، فلما صرخت علم أنها ms6246 قد جزعت، فأتاها بسخلة فقال: ~~ليذبح هذا أيوب لغير الله فيبرأ، قال: فجاءت تصرخ إلى أيوب تقول: حتى متى ~~يعذبك ربك، ألا يرحمك، أين المال، أين الولد، أين الماشية، أين الصديق، ~~أين الحسن، أين جسمك الذي قد بلي وصار مثل الرماد وتردد فيك الدواب، اذبح ~~هذه السخلة واسترح؟ قال أيوب - عليه السلام -: أتاك عدو الله ونفخ فيك ~~فأجبتيه، أما تذكرين ما كنا فيه من المال والولد والصحة، من أعطانا ذلك؟ ~~قالت: الله. قال: فكم متعنا به؟ قالت: ثمانين سنة. قال: فمنذ كم ابتلانا ~~بهذا البلاء؟ قالت سبع سنين قال: ما أنصفت ربك ألا صبرت في البلاء ~~ثمانين سنة كما كنا في الرخاء ثمانين سنة، لئن شفاني الله لأجلدنك مائة ~~جلدة أمرتيني أن أذبح لغير الله، وحرام علي أن أذوق بعد هذا شيئا من ~~طعامك وشرابك الذي تأتيني به، فطردها، فذهبت، فلما نظر أيوب في شأنه، ~~وليس عنده طعام، ولا شراب، ولا صديق، وقد ذهبت امرأته، خر ساجدا، ~~وقال: { رب أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ~~} فقال: ارفع رأسك فقد استجبت لك # اركض برجلك # [ص: 42] فركض برجله فنبعت عين ماء فاغتسل منها، فلم يبق في ظاهر بدنه ~~دابة إلا سقطت، ثم ضرب برجله مرة أخرى، فنبعت عين أخرى، فشرب منها، فلم ~~يبق في جوفه داء إلا خرج، وقام صحيحا، وعاد إليه شبابه وجماله حتى صار ~~أحسن ما كان، ثم كسي حلة فلما قام جعل يلتفت فلا يرى شيئا مما كان له من ~~الأهل والمال إلا وقد ضاعفه الله، حتى ذكر أن الماء الذي اغتسل منه تطاير ~~على صدره جرادا من ذهب، فجعل يضمه بيده، فأوحى الله إليه: يا أيوب ألم ~~أغنك؟ قال: بلى، ولكن من يشبع من نعمك، قال: فخرج حتى جلس على مكان مشرف، ~~ثم إن امرأته قالت: هب أنه طردني أفأتركه حتى يموت جوعا وتأكله السباع، ~~لأرجعن إليه فلما رجعت ما رأت تلك الكناسة، ولا تلك الحال، وإذا الأمور ~~قد تغيرت، فجعلت تطوف حيث كانت الكناسة وتبكي، وهابت صاحب ms6247 الحلة أن ~~تأتيه، وتسأل عنه، فأرسل إليها أيوب، ودعاها، فقال: ما تريدين يا أمة ~~الله؟ فبكت، وقالت: أردت ذلك المبتلى الذي كان ملقى على الكناسة. قال لها ~~أيوب: ما كان منك، فبكت، وقالت: بعلي، قال أتعرفينه إذا رأيتيه، قالت: ~~وهل يخفى علي فتبسم وقال: أنا هو. فعرفته بضحكه فاعتنقته، ثم قال: إنك ~~أمرتيني أن أذبح لإبليس سخلة، وإني أطعت الله، وعصيت إبليس، ودعوت الله، ~~فرد علي ما ترين. # وروى الضحاك ومقاتل: أن أيوب بقي في البلاء سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة ~~أيام وسبع ساعات. وقال وهب: بقي في البلاء ثلاث سنين، فلما غلب أيوب - ~~عليه السلام - إبليس ذهب إبليس - لعنه الله - إلى امرأته على هيئة ليست ~~كهيئة بني آدم في العظم والحسن والجمال، وعلى مركب ليس من مراكب الناس، ~~فقال لها: أنت صاحبة أيوب، قالت: نعم. قال: فهل تعرفيني؟ قالت: لا. قال: ~~فأنا إله الأرض، صنعت بأيوب ما صنعت، وذلك لأنه عبد إله السماء وتركني ~~فأغضبني، ولو سجد لي سجدة واحدة رددت عليه وعليك جميع ما لكما من مال ~~وولد فإن ذلك عندي. قال وهب: وسمعت أنه قال: لو أن صاحبك أكل طعاما ولم ~~يسم الله لعوفي مما في البلاء، وفي رواية أخرى قال لها: لو شئت فاسجدي لي ~~سجدة واحدة لرجعت المال والولد وأعافي زوجك. فرجعت إلى أيوب فأخبرته بما ~~قال لها. فقال لها أيوب - عليه السلام - أتاك عدو الله ليفتنك، ثم أقسم ~~إن عافاه الله ليضربنها مائة سوط. # فقال عند ذلك: " مسني الضر " يعني من طمع إبليس في سجودي له ~~وسجود زوجتي له، ودعائه إياها وإياي إلى الكفر. # وفي رواية قال وهب: كانت امرأة أيوب تعمل للناس وتأتيه بقوته، فلما طال ~~عليه البلاء، وسئمها الناس، فلم يستعملوها، فالتسمت ذات يوم شيئا من ~~الطعام، فلم تجد شيئا، فجزت قرنها من رأسها فباعته برغيف، فأتته، فقال ~~لها: أين قرنك؟ فأخبرته بذلك. فحينئذ قال: " مسني الضر ". وفي ~~رواية قال إسماعيل السدي: لم يقل أيوب " مسني الضر " إلا ~~لأشياء ثلاثة: # أحدها: قول ms6248 الرجل له: لو كان عملك خالصا لما أصابك ما أصابك. # والثاني: كانت لامرأته ثلاث ذوائب فعمدت إلى إحداهن فقطعتها وباعتها ~~فأعطوها بذلك خبزا ولحما، وجاءت إلى أيوب، فقال: من أين هذا؟ قالت: ~~كل فإنه حلال. فلما كان من الغد لم تجد شيئا فباعت الثانية، وكذلك ~~فعلت في اليوم الثالث، وقالت: كل فإنه حلال، فقال لا آكل ما لم ~~تخبريني، فأخبرته، فبلغ ذلك من أيوب ما الله أعلم به. وقيل: إنما باعت، ~~لأن إبليس تمثل لقومه في صورة بشر، وقال: لئن تركتم أيوب في قريتكم فإني ~~أخاف أن يعدي إليكم ما به من العلة فأخرجوه إلى باب البلد، ثم قال لهم: ~~إن امرأته تدخل في بيوتكم وتعمل وتمس زوجها، فأقول: إنه يتعدى إليكم ~~علته، فحينئذ لم يستعملها أحد فباعت ضفيرتها. # والثالث: حين قالت له امرأته ما قالت. وفي رواية: قيل: سقطت دودة من ~~فخذه فردها إلى موضعها، وقال: قد جعلني الله طعمة لك، فعضته عضة شديدة. ~~فقال: " مسني الضر ". وأوحى الله إليه: لولا أني جعلت تحت كل ~~شعرة صبرا لما صبرت. # فصل # طعنت المعتزلة في هذه القصة من وجوه: # الأول: قال الجبائي: ذهب بعض الجهال إلى أن ما كان به من المرض كان ~~فعلا للشيطان سلطه عليه لقوله تعالى عنه # مسني الشيطن بنصب وعذاب # [ص: 41]. وهذا جهل أما أولا: فإنه لو قدر على إحداث الأمراض والأسقام ~~وضدها من العافية لتهيأ له فعل الأجسام، ومن هذا حاله يكون إلها. وأما ~~ثانيا: فلأن الله تعالى أخبر عنه وعن جنوده بأن قال: # وما كان لي عليكم من سلطن إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي # [إبراهيم: 22] فالواجب تصديق خبر الله - تعالى - دون الرجوع إلى وهب بن ~~منبه. وهذا اعتراض ضعيف، لأن المذكور في الحكاية أن الشيطان نفخ في ~~منخره فوقعت الحكة فيه. فلم قلتم: إن القادر على النفخة التي تولد منها ~~هذه الحكة لا بد وأن يكون قادرا على خلق الأجسام، وهذا إلا محض ~~التحكم. وأما التمسك بالنص فضعيف، لأنه إنما يقدم على هذا الفعل مع ms6249 ~~علمه أنه لو أقدم عليه لما منعه الله تعالى. # وهذه الحالة لم تحصل إلا في حق أيوب - عليه السلام - من أنه استأذن الله ~~فأذن له، وإن كان كذلك لم يكن بين ذلك النص وبين هذه الحكاية مناقضة. # وثانيها: قالوا: ما روي أنه - عليه السلام - لم يسأل إلا عند أمور ~~مخصوصة. فبعيد، لأن الثابت في العقل أنه يحسن من المرء أن يسأل ذلك ربه ~~ويفزع إليه كما يحسن منه المداواة، وإذا جاز أن يسأل ربه عند الغم بما ~~يراه من أهله جاز أيضا أن يسأل ربه من قبل نفسه. فإن قيل: أفلا يجوزون ~~أنه تعالى تعبده بأن لا يسأل الكشف إلا في آخر أمره. قلنا: يجوز ذلك بأن ~~يعلمه أن إنزال ذلك بعد مدة مخصوصة من مصالحه ومصالح غيره لا محالة، فعلم ~~عليه السلام أنه لا وجه للمسألة في هذا الأمر الخاص، فإذا قرب الوقت جاز ~~أن يسأل ذلك من حيث يجوز أن يدوم ويجوز أن ينقطع. # وثالثها: قالوا: انتهاء ذلك المرض إلى حد التنفير غير جائز على ~~الأنبياء. # فصل # اعلم أنه - عليه السلام - ألطف في السؤال حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة ~~وذكر ربه بغاية الرحمة ولم يصرح بالمطلوب. فإن قيل: أليس أن الشكوى تقدح ~~في كونه صابرا. # فالجواب: قال سفيان بن عيينة: ولو شكى إلى الله فإنه لا يعد ذلك جزعا ~~إذا كان في شكواه راضيا بقضاء الله إذ ليس من شرطه استحلاء البلاء، ألم ~~تسمع قول يعقوب: # إنمآ أشكو بثي وحزني إلى الله # [يوسف: 86]. # قوله: { وأنت أرحم الراحمين } وذلك أن كل من يرحم غيره ~~فإما أن يرحمه طلبا للثناء في الدنيا أو الثواب في الآخرة أو للرقة ~~الجنسية في الطبع، فيكون مطلوب ذلك الراحم حظ نفسه، وأما الحق سبحانه ~~فإنه يرحم عباده من غير طلب زيادة أو نقصان من الثناء، ومن صفات الكمال ~~فهو أرحم الراحمين. وأيضا فكل من رحم غيره فإنما ذلك بمعونة رحمة الله، ~~لأن من أعطى غيره طعاما أو ثوبا أو دفع عنه بلاء فلولا ms6250 الله - سبحانه - ~~خلق المطعوم والملبوس والأدوية وإلا لما قدر أحد على إعطاء ذلك الشيء ~~ولولا فضل الله لما حصل النفع النفع بذلك، فإذن رحمة العباد مسبوقة برحمة ~~الله، وملحوقة برحمته، فما بين الطرفين كالقطرة في البحر، فوجب أن يكون ~~أرحم الراحمين. وأيضا فلولا أن الله - تعالى - خلق في قلب العبد تلك ~~الدواعي والإرادات لاستحال صدور تلك الرحمة عنه، فكان الراحم في الحقيقة ~~هو الحق سبحانه لأنه هو الذي أنشأ تلك الداعية فكان تعالى أرحم الراحمين. ~~فإن قيل: كيف يكون أرحم الراحمين مع أنه ملأ الدنيا من الآفات والأسقام ~~والأمراض والآلام، وسلط البعض على البعض بالإيذاء، وكان قادرا على أن ~~يغني كل واحد عن إيلام الآخر وايذائه؟ # فالجواب: أن كونه - سبحانه - ضارا لا ينافي كونه راحما بل هو الضار ~~النافع فإضراره ليس لدفع مشقة، ونفعه لي لجلب منفعة، بل لا يسأل عما ~~يفعل. # قوله: " فاستجبنا له " يدل على أنه دعا ربه لكن هذا الدعاء ~~يجوز أن يكون وقع منه على سبيل التعريض، كما يقال: إن رأيت لو أردت أو ~~أجبت فافعل كذا، ويجوز أن يكون على سبيل التصريح لإزالة ما به من ضر. ~~وبين تعالى أنه آتاه أهله، ويدخل فيه من ينسب إليه من زوجة وولد وغيرهما ~~قال ابن مسعود وابن عباس وقتادة ومقاتل والحسن والكلبي وكعب: إن الله ~~تعالى أحيا له أهله، يعني أولاده بأعيانهم، وأعطاه مثلهم معهم وهو ظاهر ~~القرآن. # قال الحسن: آتاه الله المثل من نسل ماله الذي رده إليه وأهله، ويدل عليه ~~ما روى الضحاك عن ابن عباس: أن الله رد إلى المرأة شبابها فولدت له ستة ~~وعشرين ذكرا. قال وهب: كان له سبع بنات وثلاثة بنين. # وقال ابن يسار: كان له سبعة بنين وسبع بنات. وروي عن أنس يرفعه: أنه كان ~~له أندران أندر للقمح وأنذر للشعير، فبعث الله سحابتين فأفرغت إحداهما ~~على أندر القمح الذهب، وأفرغت الأخرى على أندر الشعير الورق حتى فاض. # " وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ~~بينما ms6251 أيوب يغتسل عريانا خر عليه جراد من ~~ذهب، فجعل أيوب يحثى في ثوبه، فناداه ربه: يا أيوب ألم أكن ~~أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى يا رب، ولكن لا غنى عن بركتك " # وروى الليث قال: أرسل مجاهد إلى عكرمة وسأله عن الآية فقال: قيل لأيوب ~~إن أهلك لك في الآخرة فإن شئت عجلناهم لك في الدنيا وإن شئت كانوا لك في ~~الآخرة وآتيناك مثلهم في الدنيا، فقال: يكونون لي في الآخرة وأوتي مثلهم ~~في الدنيا فعلى هذا يكون معنى الآية " وآتيناه أهله " في الآخرة ~~" ومثلهم معهم " في الدنيا. وأراد بالأهل الأولاد. فأما الذين ~~أهلكوا فإنهم لم يردوا عليه في الدنيا. # قوله: " رحمة " فيها وجهان: # أظهرهما: أنها مفعول من أجله. # والثاني: أنها مصدر لفعل مقدر، أي: رحمناه رحمة. # و " من عندنا " صفة ل " رحمة ". # قوله: " وذكرى للعابدين " أي: فعل به تلك الرحمة، وهي النعمة ~~لكي يتفكروا فيه بالذكر، ويتعظون فيعتبرون. وخص العابدين، لأنهم ~~المنتفعون بذلك. ### || [21.85-86] # قوله تعالى: " وإسماعيل " يعني ابن إبراهيم، " وإدريس " وهو ~~اخنوخ { وذا الكفل كل من الصابرين }. لما ذكر صبر أيوب ~~أتبعه بذكر هؤلاء، فإنهم أيضا كانوا من الصابرين على الشدائد والمحن ~~والعبادة. أما إسماعيل فصبر على الانقياد للذبح، وصبر على المقام ببلد لا ~~زرع فيه ولا ضرع ولا بناء، وصبر في بناء البيت فأكرمه الله وأخرج من صلبه ~~خاتم النبيين. وأما إدريس فتقدمت قصته في سورة مريم قال ابن عمر: " بعث ~~إلى قومه داعيا إلى الله فأبوا فأهلكهم الله، ورفع إدريس السماء السابعة ~~" وأما ذو الكفل قال الزجاج: الكفل في اللغة الكساء الذي يجعل على عجز ~~البعير والكفل أيضا: النصيب قال تعالى: # يكن له كفل منها # [النساء: 85] أي: نصيب. واختلفوا في تسميته بهذا الاسم، فقال الحسن: كان ~~له ضعف عمل الأنبياء في زمانه، وضعف ثوابهم. وقال ابن عباس: إن نبيا من ~~أنبياء بي إسرائيل آتاه الله الملك والنبوة ثم أوحى الله إليه أني أريد ~~قبض روحك، فاعرض الملك على بني إسرائيل، فمن تكفل لك أنه يصلي بالليل لا ms6252 ~~يفتر ويصوم بالنهار لا يفطر، ويقضي بين الناس ولا يغضب، فادفع ملكك إليه، ~~ففعل ذلك فقام شاب فقال: أنا أتكفل لك بهذا. ووفى به، فشكر الله له ~~ونبأه فسمي ذا الكفل. وعلى هذا فالمراد بالكفل هنا الكفالة، لأنه تكفل ~~بأمور فوفى بها. # وقال مجاهد: ما كبر اليسع - عليه السلام - قال: لو أني استخلفت رجلا ~~على الناس في حياتي حتى أنظر كيف يعمل فجمع الناس، فقال من يتقبل مني ~~ثلاثا أستخلفه: يصوم النهار، ويقوم الليل، ويقضي فلا يغضب، فقام رجل ~~تزدريه العين فقال: أنا. فرده ذلك اليوم، وقال مثلها في اليوم الآخر، ~~فسكت الناس وقام ذلك الرجل، فقال: أنا. فاستخلفه. فأتاه إبليس في صورة ~~شيخ حين أخذ مضجعه للقائلة، وكان لا ينام بالليل والنهار إلا تلك النومة. ~~فدق الباب فقال: من هذا؟ فقال: شيخ كبير مظلوم، فقال: افتح الباب. فقال: ~~إن بيني وبين قومي خصومة، وإنهم ظلموني وفعلوا وفعلوا وجعل يطول حتى حضر ~~الرواح، وذهبت القائلة. فقال: إذا رحت فأتني آخذ حقك، فانطلق وراح، فكان ~~في مجلسه ينظر هل يرى الشيخ، فلم يره، فلما كان الغد يقضي بين الناس ~~ينظره فلا يراه، فلما رجع إلى القائلة أخذ مضجعه أتاه، فدق الباب، فقال ~~من هذا؟ فقال: الشيخ المظلوم، ففتح له، فقال: أقيل، فإذا قعدت فأتني، ~~فقال: إنهم أخبث قوم إذا عرفوا أنك قاعد، قالوا: نحن نعطيك حقك، وإذا قمت ~~جحدوني. قال: فانطلق: فإذا رحت فأتني، فأتته القائلة، فراح فجعل ينظر ولا ~~يراه، وشق عليه النعاس. # فقال للبواب في اليوم الثالث: قد غلب علي النعاس فلا تدع أحدا يقرب من ~~هذا الباب حتى أنام، فجاء إبليس في تلك الساعة، فلم يأذن له الرجل فدخل ~~في كوة في البيت، فتسور منها ودق الباب من داخل، فاستيقط وعاتب ~~البواب، فقال: أما من قبلي فلم يأت، فانظر من أين أتيت، فقام إلى الباب ~~فإذا هو مغلق كما أغلقه، وإذا الرجل معه في البيت، فقال له: أتنام ~~والخصوم ببابك. فقال: أنت إبليس. قال: نعم أعييتني في كل ms6253 شيء ففعلت هذه ~~الأفعال بك، فعصمك الله مني، فسمي ذا الكفل، لأنه تكفل بأمر فوفى به، ~~وقيل غير ذلك. # فصل # قال أبو موسى الأشعري ومجاهد: ذو الكفل لم يكن نبيا بل كان عبدا ~~صالحا. وقال الحسن والأكثرون كان نبيا، وهو الأظهر، لأنه تعالى قرن ~~ذكره بإسماعيل وإدريس، والغرض ذكر الفضلاء من عباده، فدل ذلك على نبوته، ~~ولأن السورة ملقبة بسورة الأنبياء، ولأن قوله: " دو الكفل " يحتمل ~~أن يكون لقبا، وأن يكون اسما، والأولى أن يكون اسما، لأنه أكثر فائدة ~~من اللقب، وإذا ثبت ذلك، فالكفل هو النصيب، لقوله تعالى # يكن له كفل منها # [النساء:85]. والظاهر أن الله تعالى سماه بذلك تعظيما له، فوجب أن ~~يكون الكفل هو كفل الثواب، فسمي بذلك، لأن عمله وثواب عمله كان ضعف عمل ~~غيره وضعف ثواب غيره، وقد كان في زمنه أنبياء على ما روي. # فصل # قيل: إن ذا الكفل زكريا. وقيل: يوشع. وقيل: إلياس. ثم قالوا: خمسة من ~~الأنبياء - عليهم السلام - سماهم الله باسمين إسرائيل ويعقوب، وإلياس وذا ~~الكفل، وعيسى والمسيح، ويونس وذا النون، ومحمدا وأحمد. # قوله: { كل من الصابرين } أي: على القيام بأمر الله، واحتمال ~~الأذى في نصرة دينه. { وأدخلناهم في رحمتنا } قال مقاتل: ~~الرحمة النبوة، وصيرهم إلى الجنة والثواب. وقال آخرون: يتناول جميع أعمال ~~البر. ### || [21.87-88] # قوله: { وذا النون إذ ذهب مغاضبا } الآية. " ذا " بمعنى ~~صاحب و " النون " الحوت. ويجمع على نينان كحوت وحيتان والمراد بذي ~~النون يونس - عليه السلام - وسمي بذلك، لأن النون ابتلعه. وقد تقدم أن ~~الاسم إذا دار بين أن يكون مفيدا ولقبا فحمله على المفيد أولى خصوصا ~~إذا علمت الفائدة التي لذلك الوصف. # قوله: " مغاضبا " حال من فاعل " ذهب " والمفاعلة هنا تحتمل أن ~~تكون على بابها من المشاركة، أي: غاضب قومه وغاضبوه حين لم يؤمنوا في أول ~~الأمر، وفي بعض التفاسير: مغاضبا لربه فإن صح ذلك عمن يعتبر قوله، ~~فينبغي أن تكون اللام للتعليل لا التعدية للمفعول، أي: لأجل ربه ولدينه. # ويحتمل أن يكون بمعنى غضبان، فلا مشاركة ms6254 كعاقبت وسافرت. والعامة على " ~~مغاضبا " اسم فاعل. وقرأ أبو شرف " مغاضبا " بفتح الضاد على ما ~~لم يسم فاعله كذا نقله أبو حيان. ونقله الزمخشري عن أبي شرف " مغضبا " ~~دون ألف من أغضبته فهو مغضب. # قوله: " أن لن " " أن " هذه المخففة، واسمها ضمير الشأن محذوف، و " ~~لن نقدر " هو الخبر، والفاصل حرف النفي. والمعنى: لن نضيق عليه ~~كقوله: # فقدر عليه رزقه # [الفجر: 16] # ومن قدر عليه رزقه # [الطلاق: 7]. والعامة على " نقدر " بنون العظمة مفتوحة وتخفيف ~~الدال، والمفعول محذوف أي: الجهات والأماكن. # وقرأ الزهري بضمها وتشديد الدال. وقرأ ابن أبي ليلى وأبو شرف والكلبي ~~وحميد بن قيس ويعقوب " يقدر " بضم الياء من تحت، وفتح الدال خفيفة ~~مبنيا للمفعول. وقرأ الحسن وعيسى بن عمر بفتح الياء وكسر الدال خفيفة ~~وعلي بن أبي طالب واليماني بضم الياء وكسر الدال مشددة. # والفاعل على هذين الوجهين ضمير يعود على الله تعالى. # قوله: { لا إله إلا أنت } يجوز في " أن " وجهان: # أحدهما: أنها المخففة من الثقيلة فاسمها كما تقدم محذوف، والجملة ~~المنفية بعدها الخبر. # والثاني: أنها تفسيرية، لأنها بعد ما هو بمعنى القول دون حروفه. # فصل # معنى الآية: واذكر صاحب الحوت، وهو يونس بن متى { إذ ذهب ~~مغاضبا } قال ابن عباس: كان يونس وقومه يسكنون فلسطين، فغزاهم ملك ~~وسبى منهم تسعة أسباط ونصفا، وبقي سبطان ونصف، فأوحى الله إلى شعيا ~~النبي أن اذهب إلى حزقيل الملك، وقل له حتى يوجه نبيا قويا أمينا، ~~فإني ألقي في قلوب أولئك حتى يرسلوا معه بني إسرائيل. فقال الملك: ومن ~~ترى؟ وكان في مملكته خمسة من الأنبياء، فقال: يونس بن متى فإنه قوي أمين، ~~فدعا الملك يونس وأمره أن يخرج، فقال يونس: هل أمرك الله بإخراجي؟ قال: ~~لا. # قال: هل سماني لك؟ قال: لا. قال: فهاهنا أنبياء غيري أقوياء فألحوا ~~عليه، فخرج مغاضبا للنبي وللملك ولقومه. فأتى بحر الروم، فوجد قوما ~~هيأوا سفينة فركب معهم. وقال عروة بن الزبير وسعيد بن جبير وجماعة: إذ ~~ذهب عن قومه مغاضبا لربه إذ كشف عن ms6255 قومه العذاب بعد ما وعدهم. فكره أن ~~يكون بين قوم قد جربوا عليه الخلف فيما وعدهم، واستحيى منهم، ولم يعلم ~~السبب الذي به رفع العذاب عنهم، وكان غضبه أنفة من ظهور خلف وعده، وأن ~~يسمى كذابا لا كراهية لحكم الله. وفي بعض الأخبار أنه كان من عادة قومه ~~أن يقتلوا من جربوا عليه الكذب فخشي أن يقتلوه لما لم يأتهم العذاب ~~للميعاد، فغضب. والمغاضبة هاهنا هي المفاعلة التي تكون من واحد كالمسافرة ~~والمعاقبة. # فمعنى قوله: " مغاضبا " أي: غضبان. وعن ابن عباس قال: أتى جبريل ~~يونس فقال: انطلق إلى أهل نينوى فأنذرهم، قال: ألتمس دابة قال: الأمر ~~أعجل من ذلك، فغضب، فانطلق إلى السفينة. وقال وهب: إن يونس بن متى كان ~~عبدا صالحا، وكان في خلقه ضيق، فلما حمل عليه أثقال النبوة تفسخ ~~تحتها الربع تحت الحمل الثقيل. فقذفها من يده، وخرج هاربا منها، ~~فلذلك أخرجه الله من أولي العزم، فقال لنبيه محمد - عليه السلام -: # فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل # [الأحقاف: 35]، قال: # فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت # [القلم: 48]. # قوله: { فظن أن لن نقدر عليه } أي: أن نقضي عليه ~~بالعقوبة. قال مجاهد وقتادة والضحاك والكلبي وهو رواية العوفي عن ابن ~~عباس: يقال: قدر الله شيئا تقديرا، وقدر يقدر قدرا بمعنى واحد. ومنه ~~قوله: # نحن قدرنا بينكم الموت # [الواقعة: 60] في قراءة من خففها دليل هذا التأويل قراءة عمر بن عبد ~~العزيز والزهري { فظن أن لن نقدر عليه } بالتشديد. وقال ~~عطاء وكثير من العلماء: معنا فظن أن لن نضيق عليه الحبس من قوله تعالى: # الله يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر # [الرعد: 26] أي: يضيق. وقال ابن زيد: هو استفهام معناه أفظن أنه يعجز ~~ربه فلا يقدر (عليه؟) وعن الحسن قال: بلغني أن يونس لما أصاب الذنب ~~انطلق مغاضبا لربه، واستزله الشيطان حتى ظن أن لن نقدر عليه، وكان له ~~سلف عبادة، فأبى الله أن يجعله للشيطان، فقذفه في بطن الحوت، فمكث فيه ~~أربعين من بين يوم وليلة. وقال عطاء: سبعة أيام، ms6256 وقيل: ثلاثة أيام. وقيل: ~~إن الحوت ذهب به مسيرة ستة آلاف سنة. وقيل: بلغ به تخوم الأرض السابعة، ~~فتاب إلى ربه في بطن الحوت، وراجع نفسه، فقال: { لا إله إلا ~~أنت سبحانك إني كنت من الظالمين } حين عصيتك، وما ~~صنعت من شيء، فلم أعبد غيرك، فأخرجه الله من بطن الحوت برحمته. # فصل # احتج القائلون بجواز الذنب على الأنبياء بهذه الآية من وجوه: # أحدها: أن أكثر المفسرين على أنه ذهب يونس مغاضبا لربه، قيل: هذا قول ~~ابن مسعود وابن عباس والحسن والشعبي وسعيد بن جبير ووهب، واختيار ابن ~~قتيبة ومحمد بن جرير، وإذا كان كذلك فمغاضبة الله من أعظم الذنوب، ثم على ~~تقدير أن هذه المغاضبة لم تكن مع الله بل كان مع ذلك الملك، أو مع القوم، ~~فهو أيضا محظور لقول الله تعالى: # فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت # [القلم: 48] وذلك يقتضي أن ذلك الفعل من يونس محظور. # وثانيها: قوله: { فظن أن لن نقدر عليه } وذلك يقتضي ~~كونه شاكا في قدرة الله. # وثالثها: قوله: { إني كنت من الظالمين } والظلم مذموم قال ~~تعالى: # ألا لعنة الله على الظالمين # [هود: 18]. # ورابعها: أنه لو لم يصدر منه الذنب، فلم عاقبه الله بأن ألقاه في البحر ~~في بطن الحوت. # وخامسها: قوله: # فالتقمه الحوت وهو مليم # [الصافات: 142] والمليم هو ذو الملامة ومن كان كذلك فهو مذنب. # وسادسها: قوله: # ولا تكن كصاحب الحوت # [القلم: 48] فإن لم يكن صاحب ذنب لم يجز النهي عن التشبه به وإن كان ~~مذنبا فهو المطلوب. # وسابعها: قوله: # فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت # [القلم: 48] وقال: # فاصبر كما صبر أولوا العزم # [الأحقاف: 35] وهذا يقتضي أن ذلك الفعل مخرج أن يكون يونس من أولي ~~العزم. # والجواب: أنه ليس في الآية من غاضبة، فلا نقطع على نبي الله بأنه غاضب ~~ربه، لأن ذلك صفة من يجهل كون الله مالكا للأمر والنهي، والجاهل بالله ~~لا يكون مؤمنا فضلا عن أن يكون نبيا. # وأما ما روى من أنه خرج مغاضبا لأمر يرجع إلى الاستعداد ms6257 فمما يرتفع حال ~~الأنبياء عنه، لأن الله تعالى إذا أمرهم بشيء فلا يجوز أن يخالفوه، ~~لقوله تعالى: # وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم # [الأحزاب: 36] وقوله: # فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما ~~قضيت # [النساء: 65]. فإذا كان في الاستعداد مخالفة لم يجز أن يقع ذلك منهم. ~~وإذا ثبت أنه لا يجوز صرف هذه المغاضبة إلى الله وجب أن يكون المراد أنه ~~خرج مغاضبا لغير الله، والغالب أنه إنما يغاضب من يعصه فيما يأمره به، ~~فيحمل على مغاضبة قومه، أو الملك، أو هما جميعا ومعنى مغاضبته لقومه أنه ~~غاضبهم لمفارقته لخوف حلول العذاب بهم، وقرىء " مغضبا " كما تقدم وأما ~~قولهم: مغاضبة القوم أيضا محظورة لقوله: # ولا تكن كصاحب الحوت # [القلم: 48]. # فالجواب لا نسلم أنها كانت محرمة، أما الذهاب، فلأن الله أمره بتبليغ ~~الرسالة إليهم، وما أمره بأن يبقى معهم أبدا، فظاهر الأمر لا يقتضي ~~التكرار، فلم يكن خروجه من بينهم معصية. # وأما الغضب لما لم يكن منهيا عنه قبل ذلك ظن أن ذلك جائز من حيث أنه لم ~~يفعله إلا غضبا لله وأنفة لدينه، بل كان الأولى أن يصابر وينتظر من الله ~~الأمر بالمهاجرة عنهم، ولهذا قال تعالى: # ولا تكن كصاحب الحوت # [القلم: 48] كأن الله تعالى أراد لمحمد - صلى الله عليه وسلم - أفضل ~~المنازل وأعلاها. # وأما الجواب عن قوله: { فظن أن لن نقدر عليه } فنقول من ~~ظن عجز الله فهو كافر، ولا خلاف أنه لا يجوز نسبة ذلك إلى آحاد المؤمنين ~~فكيف إلى الأنبياء، فإن لا بد فيه من التأويل، وفيه وجوه: # الأول: { فظن أن لن نقدر عليه } نضيق عليه كقوله: # الله يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر # [الرعد: 26] # ومن قدر عليه رزقه # [الطلاق: 7] أي: ضيق، وكذا قوله: # وأمآ إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه # [الفجر: 16] أي: ضيق، فمعناه: أن لن نضيق عليه، وعلى هذا فالآية حجة ~~لنا، لأن يونس ظن أنه مخير إن ms6258 شاء أقام وإن شاء خرج وأنه تعالى لا يضيق ~~عليه في اختياره، وكان في المعلوم أن الصلاح في تأخير خروجه، وهذا من ~~الله بيان لما يجري مجرى العذر له من حيث خرج لا على تعمد المعصية لكن ظن ~~أن الأمر في خروجه موسع يجوز أن يقدم ويؤخر، وكان الصلاح خلاف ذلك. # والثاني: أن يكون هذا من باب التمثيل، أي: فكانت حاله مماثلة لحال من ظن ~~أن لن نقدر عليه في خروجه عن قومه من غير انتظار لأمر الله. # الثالث: أن يفسر القدر بالقضاء، والمعنى فظن أن لن نقدر عليه بشدة. # قال مجاهد وقتادة والضحاك والكلبي، ورواية العوفي عن ابن عباس واختيار ~~الفراء والزجاج: يقال: قدر الله الشيء قدرا وقدره تقديرا ~~فالقدر بمعنى التقدير، وتقدم قراءة عمر بن عبد العزيز والزهري بضم النون ~~والتشديد من التقدير. # وروي أنه دخل ابن عباس على معاوية، فقال معاوية: لقد ضربتني أمواج ~~القرآن البارحة، فغرقت فيها، فلم أجد لنفسي خلاصا إلا بك. فقال: وما هي؟ ~~قال: ظن نبي الله أن لن يقدر الله عليه. فقال ابن عباس: هذا من القدر لا ~~من القدرة. # الرابع: فظن أن لن (نقدر، أي: فظن أن لن نفعل لأن) بين القدرة والفعل ~~مناسبة، فلا يبعد جعل أحدهما مجازا عن الآخر. # الخامس: أنه استفهام بمعنى التوبيخ كما تقدم عن ابن زيد. # السادس: قول من قال إن هذه الواقعة كانت قبل رسالة يونس، فيكون هذا الظن ~~حاصلا قبل الرسالة، وإذا كان كذلك فلا يبعد في حق غير الأنبياء أن يسبق ~~ذلك إلى وهمه بوسوسة الشيطان، ثم إنه يرده بالحجة والبرهان. # وأما الجواب عن قوله { إني كنت من الظالمين } فنقول: إن ~~حملناه على ما قبل النبوة فلا كلام، وإن حملناه على ما بعدها فيجب ~~تأويله، لأنا لو أجريناه على ظاهره، لاستحق اللعن، وهذا لا يقوله مسلم، ~~وإذا وجب التأويل فنقول: لا شك أنه كان تاركا للفضيلة مع القدرة على ~~تحصيل الأفضل، فكان ذلك ظلما. # وأما الجواب عن إلقائه في البحر في بطن الحوت، ms6259 وأن ذلك عقوبة، فلا نسلم ~~أن ذلك عقوبة، إذ الأنبياء لا يجوز أن يعاقبوا بل المراد المحنة. # وأما الجواب عن الملامة فإنما كان بسبب ترك الأفضل. # فصل # قوله { فنادى في الظلمات } قال الزمخشري: أي: في الظلمة ~~الشديدة المتكاثفة في بطن الحوت كقوله: # ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات # [البقرة: 17] وقوله: # يخرجونهم من النور إلى الظلمات # [البقرة: 257]. وقيل: أراد ظلمة الليل والبحر وبطن الحوت. # { لا إله إلا أنت سبحانك } نزه ربه عن كل النقائض، ~~ومنها العجز، وهذا يدل على أنه ما كان مراده من قوله: { فظن أن ~~لن نقدر عليه } أنه ظن العجز، وإنما قال: " سبحانك " ، ~~لأن معناه سبحانك أن تفعل جورا أو شهوة الانتقام أو عجزا عن تخليصي عن ~~هذا الحبس، بل فعلته بحق الإلهية وبمقتضى الحكمة { إني كنت من ~~الظالمين } أي: ظلمت نفسي بفراري من قومي بغير إذنك كأنه قال: كنت ~~من الظالمين، وأنا الآن من التائبين النادمين فاكشف عني المحنة. # روى أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - # " ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له ". # قوله: { فاستجبنا له ونجيناه من الغم } أي: من غمه ~~بسبب كونه في بطن الحوت وبسبب خطيئته. # قوله: { وكذلك ننجي المؤمنين }: الكاف نعت لمصدر أو حال من ~~ضمير المصدر أي: كما أنجينا يونس من كرب الحوت إذ دعانا، أو كإنجائنا ~~يونس كذلك ننجي المؤمنين من كربهم إذا استغاثوا بنا. وقرأ العامة " ~~ننجي " بضم النون الأولى وسكون الثانية من أنجى ينجي. وقرأ ابن عامر ~~وأبو بكر عن عاصم " نجي " بتشديد الجيم وسكون الياء وفيها أوجه: # أحسنها: أن يكون الأصل " ننجي " بضم الأولى وفتح الثانية وتشديد ~~الجيم فاستثقل توالي مثلين، فحذفت الثانية كما حذفت في قوله { ما ~~ننزل الملائكة } [الحجر:8] في قراءة من قرأه كما تقدم، وكما ~~حذفت التاء الثانية في قوله: { تذكرون } [الأنعام:152] و { ~~تظاهرون } [البقرة:85] وبابه. ولكن أبو البقاء استضعف هذا التوجيه ~~بوجهين فقال: # أحدهما: أن النون الثانية أصل، وهي فاء الكلمة، فحذفها يبعد جدا. # والثاني: أن حركتها غير حركة النون الأولى، ms6260 ولا يستثقل الجمع بينهما ~~بخلاف " تظاهرون " ألا ترى أنك لو قلت: تتحامى المظالم لم يسغ حذف ~~الثانية. # أما كون الثانية أصلا فلا أثر له في منع الحذف، ألا ترى أن النحويين ~~اختلفوا في إقامة واستقامة، أي الألفين المحذوفة من أن الأولى هي ~~الأصل، لأنها عين الكلمة وأما اختلاف الحركة فلا أثر له أيضا، لأن ~~الاستثقال باتحاد لفظ الحرفين على أي حركة كانا. # الوجه الثاني: أن " نجي " فعل ماض مبني للمفعول، وإنما سكنت لامه ~~تخفيفا، كما سكنت في قوله: { ما بقي من الربا } [البقرة:278] ~~في قراءة شاذة تقدمت، قالوا: وإذا كان الماضي الصحيح قد سكن تخفيفا ~~فالمعتل أولى، ومنه: # 3732- إنما شعري قند # قد خلط بجلجلان # وتقدم من ذلك جملة وأسند هذا الفعل إلى ضمير المصدر مع وجود المفعول ~~الصريح كقراءة أبي جعفر { ليجزى قوما بما كانوا يكسبون } ~~[الجاثية:14] وهذا رأي الكوفيين والأخفش، وتقدمت شواهد ذلك، والتقدير: ~~نجي النجاة، قال أبو البقاء: وهو ضعيف من وجهين: # أحدهما: تسكين آخر الفعل الماضي. # والآخر: إقامة المصدر مع وجود المفعول الصريح. # وقد عرف جوابهما مما تقدم. # الوجه الثالث: أن الأصل " ننجي " كقراءة العامة إلا أن النون الثانية ~~قلبت جيما وأدغمت في الجيم بعدها. وهذا ضعيف جدا، لأن النون لا تقارب ~~الجيم فتدغم فيها. # الوجه الرابع: أنه ماض مسند بضمير المصدر أي: نجي النجاء كما تقدم ~~في الوجه الثاني، إلا أن " المؤمنين " ليس منصوبا ب " نجي " ~~بل بفعل مقدر. وكأن صاحب هذا الوجه فر من إقامة غير المفعول به مع ~~وجوده فجعله من جملة أخرى. وهذه القراءة متواترة، ولا التفات على من طعن ~~على قارئها، وإن كان أبو علي قال: هي لحن. وهذه جرأة منه، وقد سبقه إلى ~~ذلك أبو إسحاق الزجاج. # وأما الزمخشري فإنما طعن على بعض الأوجه المتقدمة، فقال: ومن تمحل لصحته ~~فجعله فعل، وقال: نجي النجاء المؤمنين، وأرسل الياء وأسنده إلى ~~مصدره، ونصب المؤمنين فمتعسف بارد التعسف. فلم يرتض هذا التخريج بل ~~للقراءة عنده تخريج آخر، وقد يمكن أن يكون هو المبتدأ به ms6261 لسلامته مما ~~تقدم من الضعف. ### || [21.89-90] # قوله تعالى: { وزكريآ إذ نادى ربه رب لا تذرني ~~فردا } الآية. اعلم أنه تعالى بين هاهنا انقطاع زكريا إلى ربه لما مسه ~~الضر بتفرده، وأحب من يؤنسه ويقويه على أمر دينه ودنياه، ويقوم مقامه بعد ~~موته، فدعا الله تعالى دعاء مخلص عارف بقدرة ربه على ذلك، وانتهت به ~~الحال وبزوجه من الكبر وغيره ما يمنع من ذلك بحكم العادة فقال: { رب ~~لا تذرني فردا } وحيدا لا ولد لي، وارزقني وارثا، { وأنت ~~خير الوارثين } ثناء على الله بأنه الباقي بعد فناء الخلق، وأنه ~~أفضل من بقي حيا. # ويحتمل أن يكون المعنى: إن لم ترزقني من يرثني فلا أبالي فإنك خير ~~الوارثين. # قال ابن عباس: كان سنه مائة سنة، وسن زوجته تسعا وتسعين، " ~~فاستجبنا له " أي: فعلنا ما أراده بسؤاله، { ووهبنا له ~~يحيى } ولدا صالحا { وأصلحنا له زوجه } أي: جعلناها ~~ولودا بعد ما كانت عقيما. قاله أكثر المفسرين وقيل: كانت سيئة الخلق ~~سلطة اللسان فأصلح الله خلقها. وقيل: جعلها مصلحة في الدين، فإن صلاحها ~~في الدين من أكبر أعوانه، لأنه يكون إعانة في الدين والدنيا واعلم أن ~~قوله { ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه } يدل على ~~أن الواو لا تفيد الترتيب، لأن إصلاح الزوج مقدم على هبة الولد مع أنه ~~تعالى أخره في اللفظ. ثم قال: " إنهم " يعني الأنبياء الذين سماهم ~~في هذه السورة. # وقيل: زكريا وولده وأهله { كانوا يسارعون في الخيرات } ، ~~والمسارعة في طاعة الله من أكبر ما يمدح المرء به، لأنه يدل على حرص عظيم ~~على الطاعة. # قوله: " ويدعوننا " العامة على ثبوت نون الرفع قبل (نا) مفكوكة ~~منها وقرأت فرقة " يدعونا " بحذف نون الرفع. وطلحة بإدغامها فيها. # وهذا الوجهان فيهما إجراء نون (نا) مجرى نون الوقاية. وقد تقدم. قوله: " ~~رغبا ورهبا " يجوز أن ينتصبا على المفعول من أجله، وأن ينتصبا على ~~أنهما مصدران واقعان موقع الحال، أي: راغبين راهبين، وأن ينتصبا على ~~المصدر الملاقي لعامله في المعنى دون اللفظ، لأن ذلك نوع منه. والعامة ms6262 ~~على فتح الغين والهاء. وابن وثاب والأعمش ورويت عن أبي عمرو بسكون الغين ~~والهاء، ونقل عن الأعمش وهو الأشهر عنه بضم الراء وما بعدها. وقرأت فرقة ~~بضمة وسكون فيهما. # فصل # ومعنى " رغبا ": طمعا " ورهبا ": خوفا، أي: رغبا في رحمة ~~الله، ورهبا من عذاب الله. { وكانوا لنا خاشعين } أي: ~~متواضعين، قال قتادة: ذلك لأمر الله. وقال مجاهد: الخشوع هو الخوف اللازم ~~في القلب. ### || [21.91] # قوله تعالى: { والتي أحصنت فرجها } الآية. يجوز أن ينتصب ~~قوله: " والتي " نسقا على ما قبلها، وأن ينتصب بإضمار اذكر، وأن ~~يرتفع بالابتداء، والخبر محذوف، أي: وفيما يتلى عليكم التي أحصنت. ويجوز ~~أن يكون الخبر " فنفخنا " وزيدت الفاء على رأي الأخفش نحو زيد ~~فقائم. وفي كلام الزمخشري: نفخنا الروح في عيسى فيها. قال أبو حيان ~~مؤاخذا له: فاستعمل " نفخ " متعديا والمحفوظ أنه لا يتعدى فيحتاج في ~~تعديه إلى سماع، وغير متعد استعمله هو في قوله؛ أي: نفخت في المزمار. ~~انتهى ما آخذه به. # قال شهاب الدين: وقد سمع " نفخ " متعديا، ويدل على ذلك ما قرىء في ~~الشاذ " فانفخها فيكون طائرا " ، وقد حكاها هو قراءة، فكيف ~~ينكرها. فعليك بالالتفات إلى ذلك. وقال ابن الخطيب: جعلنا النفخ في مريم ~~من جهة روحنا وهو جبريل - عليه السلام - لأنه نفخ في جيب درعها، فوصل ~~النفخ إلى جوفها أي: أمرنا جبريل فنفخ في جيب درعها، وأحدثنا بذلك النفخ ~~المسيح في بطنها وأضاف الروح إليه تشريفا لعيسى (- عليه السلام -). # ومعنى " أحصنت فرجها " أي: إحصانا كليا من الحلال والحرام ~~جميعا كما قالت: # ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا # [مريم: 20]. وقيل: منعت جبريل جيب درعها قبل أن تعرفه. # والأول أولى لأنه الظاهر من اللفظ. # قوله: { وجعلناها وابنهآ آية للعالمين } أما مريم ~~فآياتها كثيرة: # إحداها: ظهور الحبل فيها لا من ذكر، وذلك معجزة خارجة عن العادة. # وثانيها: أن رزقها كان يأتيها به الملائكة من الجنة لقول زكريا: # أنى لك هذا قالت هو من عند الله # [آل عمران: 37]. # وثالثها: ورابعها: قال الحسن: أنها لم تلتقم ثديا قط، وتكلمت ms6263 هي أيضا ~~في صباها كما تكلم عيسى. وأما آيات عيسى - عليه السلام - فقد تقدم بيانها ~~فإن قيل: هلا قيل آيتين كما قال: # وجعلنا الليل والنهار ءايتين # [الإسراء: 12] ليطابق المفعول؟ # فالجواب: أن كلا منهما آية بالآخر فصارا آية واحدة، لأن حالهما ~~بمجموعهما آية واحدة، وهي ولادتها إياه من غير فحل. أو تقول: حذف من ~~الأول لدلالة الثاني، أو بالعكس أي: وجعلنا ابن مريم آية وأمه كذلك، وهو ~~نظير الحذف في قوله: # والله ورسوله أحق أن يرضوه # [التوبة: 62] وقد تقدم. أو أن معنى الكلام: جعلنا شأنهما وأمرهما آية. ### || [21.92-93] # قوله تعالى: { إن هذه أمتكم أمة واحدة } الآية. ~~قرأ العامة على رفع " أمتكم " خبرا ل " إن " ، ونصب " أمة ~~واحدة " على الحال، وقيل: على البدل من " هذه " فيكون قد فصل ~~بالخبر بين البدل والمبدل فيه نحو: إن زيدا قائم أخاك. وقرأ الحسن " ~~أمتكم " بالنصب على البدل من " هذه " ، أو عطف البيان. وقرأ ~~أيضا هو وابن أبي إسحاق والأشهب العقيلي وأبو حيوة وابن أبي عبلة وهارون ~~عن أبي عمرو " أمة واحدة " بالرفع على خبر " إن " و { ~~أمتكم أمة واحدة } برفع الثلاث على أن يكون " أمتكم ~~" خبر " إن " كما تقدم و " أمة واحدة " بدل منها بدل نكرة من ~~معرفة، أو يكون " أمة واحدة " خبر مبتدأ محذوف ومعنى " ~~أمتكم " قال الزمخشري: الأمة الملة، وأشار إلى ملة الإسلام. " ~~أمة واحدة " أي: دينا واحدا وهو الإسلام غير مختلف، فأبطل ما ~~سوى الإسلام من الأديان. وأصل الأمة الجماعة التي هي على مقصد واحد، ~~فجعلت الشريعة أمة لاجتماع أهلها على مقصد واحد. ثم قال: " وأنا ~~ربكم " أي: إلهكم فاعبدون. # قوله: " وتقطعوا " أي: اختلفوا، والأصل: وتقطعتم إلا أن الكلام صرف ~~إلى الغيبة على طريق الالتفاف، وكأنه ينفي عهم ما أفسدوه إلى آخرين ويقبح ~~عندهم فعلهم، ويقول لهم: ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء، والمعنى: ~~اختلفوا في الدين فصاروا فرقا وأحزابا. # قال الكلبي: وفرقوا دينهم بينهم يلعن بعضهم بعضا ويتبرأ بعضهم من بعض. ~~والتقطع هاهنا بمعنى: التقطيع. # قوله: " أمرهم " فيه ثلاثة أوجه: ms6264 # أحدها: أنه منصوب على إسقاط الخافض، أي: تفرقوا في أمرهم. # الثاني: أنه مفعول به، وعدى " تقطعوا " لأنه بمعنى: قطعوا. # الثالث: أنه تمييز، وليس بواضح معنى، وهو معرفة، فلا يصح من جهة صناعة ~~البصريين. قال أبو البقاء: وقيل: هو تمييز أي: تقطع أمرهم. فجعله منقولا ~~من الفاعلية. و " زبرا " يجوز أن يكون مفعولا ثانيا على أن تضمن ~~(تقطعوا) معنى (صيروا) بالتقطيع. وإما أن ينصب على الحال من المفعول، ~~أي: مثل زبر، أي: كتب، فإن الزبر جمع زبور كرسل جمع رسول. # أو يكون حالا من الفاعل، نقله أبو البقاء في سورة المؤمنين. وفيه نظر ~~إذ لا معنى له، وإنما يظهر كونه حالا من الفاعل في قراءة " زبرا " ~~بفتح الباء أي فرقا. والمعنى: صيروا أمرهم زبرا أي تقطعوه في هذه ~~الحال، والوجهان مأخوذان من تفسير الزمخشري، لمعنى الآية الكريمة، فإن ~~قال: والمعنى جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعا كما يتوزع الجماعة، ~~ويقتسمونه، فيصير لهذا نصيب، ولذلك نصيب تمثيلا لاختلافهم فيه وصيرورتهم ~~فرقا وأحزابا وفي الكلام التفاف من الخطاب وهو قوله: " أمتكم " ~~إلى الغيبة تشنيعا عليهم بسوء صنيعهم. # وقرأ الأعمش: " زبرا " بفتح الباء جمع زبرة، وهي قطعة الحديد في ~~الأصل ونصبه على الحال من ضمير الفاعل في " تقطعوا " كما تقدم. ولم ~~يتعرض له أبو البقاء في هذه السورة، وتعرض له في المؤمنين، فذكر فيه ~~الأوجه المتقدمة، وزاد أنه قرىء " زبرا " بسكون الباء وهو بمعنى ~~المضمومة. # قوله: { كل إلينا راجعون } توعدهم بأن هذه الفرق المختلفة ~~إليه يرجعون فيحاسبهم ويجازيهم بأعمالهم، قال عليه السلام: # " تفرقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة، فهلك سبعون وخلصت فرقة، وإن ~~أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة، تهلك إحدى وسبعون فرقة وتخلص فرقة، ~~وقالوا: يا رسول الله من تلك الفرقة. قال: " الجماعة الجماعة الجماعة " # وبهذا الخبر بين أن المراد بقوله: { إن هذه أمتكم } ~~الجماعة المتمسكة بما بينه الله تعالى في هذه السورة من التوحيد ~~والنبوات، وأن قول الرسول في الناجية إنها الجماعة ليس تعريفا للفرقة ~~الناجية، إذ لا فرقة تمسكت بباطل ms6265 أو بحق إلا وهي جماعة من حيث العدد، ~~ولهذا طعن بعضهم في صحة الخبر، فقال: إن أراد بالاثنتين وسبعين فوقة ~~أصول الأديان فلن يبلغ هذا القدر، وإن أراد الفروع فإنها تتجاوز هذا ~~القدر إلى أضعاف ذلك. وقيل أيضا ضد ذلك، وهو أنها كلها ناجية إلا فرقة ~~واحدة. # والجواب: قال ابن الخطيب: المراد ستفترق أمتي في حال ما وليس فيه دلالة ~~على افتراقها في سائر الأحوال، ولأنه لا يجوز أن يزيد وينقص. ### || [21.94-97] # قوله تعالى: { فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن } ~~الآية. لما ذكر أمر الأمة وتفرقهم، وأنهم راجعون إلى حيث لا ~~أمر إلا له أتبع ذلك بقوله: { فمن يعمل من الصالحات وهو ~~مؤمن فلا كفران لسعيه } لا نجحد ولا نبطل سعيه. # والكفران مصدر بمعنى الكفر، قال: # 3733- رأيت أناسا لا تنام خدودهم # وخدي ولا كفران لله نائم # و " لسعيه " متعلق بمحذوف، أي: نكفر لسعيه، ولا يتعلق ب " ~~كفران " لأنه يصير مطولا، والمطول ينصب وهذا مبني. والضمير في " ~~له " يعود على السعي. والمعنى: لا بطلان لثواب عمله، وهو كقوله: # ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ~~فأولئك كان سعيهم مشكورا # [الإسراء: 19]. # فالكفران مثل في حرمان الثواب، والشكر مثل في إعطائه. # فقوله: " فلا كفران " المراد نفي الجنس للمبالغة، لأن نفي ~~الماهية يستلزم نفي جميع أفرادها. ثم قال: { وإنا له كاتبون } ~~أي: لسعيه كاتبون إما في أم الكتاب، أو في الصحف التي تعرض يوم ~~القيامة، والمراد من ذلك ترغيب العباد في الطاعات. # قوله تعالى: { وحرام على قرية } قرأ الأخوان وأبو بكر ورويت ~~عن أبي عمرو " وحرم " بكسر الحاء وسكون الراء وهما لغتان كالحل ~~والحلال. # وقرأ ابن عباس وعكرمة " وحرم " بفتح الحاء وكسر الراء وفتح الميم على ~~أنه فعل ماض وروي عنهما أيضا وعن أبي العالية بفتح الحاء والميم وضم ~~الراء بزنة كرم، وهو فعل ماض أيضا. (وروي عن ابن عباس أيضا فتح ~~الجميع وهو فعل ماض أيضا). وعن اليماني بضم الحاء وكسر الراء (مشددة ~~وفتح الميم ماضيا مبنيا للمفعول. وروى عكرمة بفتح الحاء ms6266 وكسر الراء) ~~وتنوين الميم. # فمن جعله اسما ففي رفعه وجهان: # أحدهما: أنه مبتدأ، وفي الخبر حينئذ ثلاثة أوجه: # أحدها: قوله: " لا يرجعون " وفي ذلك حينئذ أربعة تأويلات: # التأويل الأول: أن " لا " زائدة، والمعنى: وممتنع على قرية قدرنا ~~إهلاكها لكفرهم رجوعهم إلى الإيمان إلى أن تقوم الساعة. وممن ذهب إلى ~~زيادتها أبو عمرو مستشهدا عليه بقوله تعالى: # ما منعك ألا تسجد # [الأعراف: 12] يعني أحد القولين. # التأويل الثاني: أنها غير زائدة، وأن المعنى: أنهم غير راجعين عن ~~معصيتهم وكفرهم. # التأويل الثالث: أن الحرام قد يراد به الواجب، ويدل عليه قوله تعالى: # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا ~~تشركوا # [الأنعام: 151] وترك الشرك واجب ويدل عليه قول الخنساء: # 3743- وإن حراما لا أرى الدهر باكيا # على شجوة إلا بكيت على صخر # أي: واجبا. وأيضا فمن الاستعمال إطلاق أحد الضدين على الآخر، وهو مجاز ~~مشهور قال تعالى: # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40] ومن ثم قال الحسن والسدي: لا يرجعون عن الشرك. # وقال قتادة: لا يرجعون إلى الدنيا. # التأويل الرابع: قال مسلم بن بحر: حرام ممتنع، وأنهم لا يرجعون، فيكون ~~عدم رجوعهم واجبا، وإذا امتنع الانتفاء وجب الرجوع، فيكون المعنى: إن ~~رجوعهم إلى الحياة في الدار الآخرة واجب، ويكون الغرض منه إبطال قول من ~~ينكر البعث، وتحقيقه ما تقدم أنه لا كفران لسعي أحد وأنه - تعالى - ~~مجازيه يوم القيامة. # وقول ابن عطية قريب من هذا فإنه قال: وممتنع على الكفرة المهلكين ~~أنهم لا يرجعون (بل هم راجعون) إلى عذاب الله وأليم عقابه، فتكون " لا " ~~على بابها والحرام على بابه. # الوجه الثاني: أن الخبر محذوف، تقديره: وحرام توبتهم أو رجاء بعثهم، ~~ويكون { أنهم لا يرجعون } علة لما تقدم من معنى الجملة. فيكون ~~حينئذ في " لا " احتمالان: # الاحتمال الأول: أن تكون زائدة، ولذلك قال أبو البقاء في هذا الوجه بعد ~~تقديره الخبر المتقدم: إذا جعلت (لا) زائدة. # قلت: والمعنى عنده لأنهم يرجعون إلى الآخرة وجزائها. # الاحتمال الثاني: أن تكون غير زائدة بمعنى ممتنع توبتهم، أو رجاء بعثهم ms6267 ~~لأنهم لا يرجعون إلى الدنيا فيستدركوا فيها ما فاتهم من ذلك. # الوجه الثالث: أن يكون هذا المبتدأ لا خبر له لفظا ولا تقديرا، وإنما ~~وقع شيئا يقوم مقام خبره من باب أقائم أخواك، قال أبو البقاء: والجيد أن ~~يكون (أنهم) فاعلا سد مسد الخبر. وفي هذا نظر، لأن ذلك يشترط فيه أن ~~يعتمد الوصف على نفي أو استفهام وهنا لم يعتمد المبتدأ على شيء من ذلك ~~اللهم إلا أن ينحو نحو الأخفش فإنه لا يشترط ذلك، وهو الظاهر، وحينئذ ~~يكون في (لا) الوجهان المتقدمان من الزيادة وعدمها باختلاف معنيين، أي: ~~امتنع رجوعهم إلى الدنيا أو عن شركهم، إذا قدرتها زائدة، أو امتنع عدم ~~رجوعهم إلى عقاب الله في الآخرة، إذا قدرتها غير زائدة. # الوجه الثاني: من وجهي رفع " حرام ": أنه حبر مبتدأ محذوف، فقدره ~~بعضهم: الإقالة والتوبة حرام، وقدره أبو البقاء: أي: ذلك الذي ذكر من ~~العمل الصالح حرام وقال الزمخشري: وحرام على قرية أهلكناها ذاك، وهو ~~المذكور في الآية المتقدمة من العمل الصالح، والسعي المشكور غير المكفور، ~~ثم علل فقيل: إنهم لا يرجعون عن الكفر، فكيف لا يمتنع ذلك. وقرأ العامة ~~" أهلكناها " بنون العظمة. # وقرأ أبو عبد الرحمن وقتادة " أهلكتها " بتاء المتكلم. ومن قرأ " ~~حرم " بفتح الحاء وكسر الراء وتنوين الميم فهو في قراءة صفة على فعل ~~نحو حذر، وقال: # 3735- وإن أتاه خليل يوم مسألة # يقول لا غائب مالي ولا حرم # ومن قرأه فعلا ماضيا فهو في قراءته مسند ل " أن " وما في حيزها، ولا ~~يخفى الكلام في (لا) بالنسبة إلى الزيادة وعدمها، فإن المعنى واضح مما ~~تقدم. # وقرىء " إنهم " بالكسر على الاستئناف، وحينئذ فلا بد من تقدير ~~مبتدأ يتم به الكلام تقديره: ذلك العمل الصالح حرام، وتقدم تحرير ذلك. # قوله تعالى: { حتى إذا فتحت } الآية. تقدم الكلام على ~~(حتى) الداخلة على (إذا) مشبعا. وقال الزمخشري هنا: فإن قلت: بم ~~تعلقت (حتى) واقعة غاية له وأية الثلاث هي؟ قلت: هي متعلقة ب " ~~حرام " وهي غاية له، لأن امتناع رجوعهم ms6268 لا يزول حتى تقوم القيامة، وهي ~~حتى التي يحكى بعدها الكلام، والكلام المحكي هو الجملة من الشرط والجزاء ~~أعني: إذا وما في حيزها. وأبو البقاء نحا هذا النحو، فقال: و " حتى " ~~متعلقة في المعنى ب " حرام ". أي: يستمر الامتناع إلى هذا الوقت، ولا ~~عمل لها في " إذا ". قال الحوفي: هي غاية، والعامل فيها ما دل عليه ~~المعنى من تأسفهم على ما فرطوا فيه من الطاعة حين فاتهم الاستدراك. وقال ~~ابن عطية: " حتى " متعلقة بقوله: " وتقطعوا " ، ويحتمل على بعض ~~التأويلات المتقدمة أن تتعلق ب " يرجعون " ، ويحتمل أن تكون حرف ~~ابتداء، وهو الأظهر بسبب (إذا) لأنها تقتضي جوابا للمقصود ذكره. # قال أبو حيان: وكون (حتى) متعلقة ب " تقطعوا " فيه بعد من حيث ~~كثرة الفصل لكنه من حيث المعنى جيد، وهو أنهم لا يزالون مختلفين على ~~دين الحق إلى قرب مجيء الساعة، فإذا جاءت الساعة انقطع ذلك كله. وتلخص في ~~تعلق (حتى) أوجه: # أحدها: أنها متعلقة ب " حرام ". # والثاني: أنها متعلقة بمحذوف دل عليه المعنى، وهو قول الحوفي. # الثالث: أنها متعلقة ب " تقطعوا ". # الرابع: أنها متعلقة ب " يرجعون ". # وتلخص في (حتى) وجهان: # أحدهما: أنها حرف ابتداء، وهو قول الزمخشري وابن عطية فيما اختاره. # والثاني: إنها حرف جر بمعنى (إلى). # وقرأ " فتحت " بالتشديد ابن عامر، والباقون بالتخفيف. وتقدم ذلك ~~أول الأنعام وفي جواب " إذا " أوجه: # أحدها: أنه محذوف، فقدره أبو إسحاق: قالوا يا ويلنا، وقدره غيره، فحينئذ ~~يبعثون، وقوله: { فإذا هي شاخصة } عطف على هذا المقدر. # والثاني: أن جوابها الفاء في قوله: " فإذا هي " قاله الحوفي ~~والزمخشري وابن عطية، فقال الزمخشري: و " إذا " هي للمفاجأة، وهي تقع في ~~المجازاة سادة مسد الفاء كقوله تعالى: # إذا هم يقنطون # [الروم: 36]، فإذا جاءت الفاء معها تعاونتا على وصل الجزاء بالشرط ~~فيتأكد، ولو قيل: (إذا هي شاخصة) كان سديدا. # وقال ابن عطية: والذي أقول: إن الجواب في قوله: { فإذا هي ~~شاخصة } وهذا هو المعنى الذي قصد ذكره، لأنه رجوعهم الذي كانوا ~~يكذبون به وحرم عليهم امتناعه. # وقوله: " يأجوج ms6269 " هو على حذف مضاف، أي سد يأجوج ومأجوج، وتقدم ~~الكلام فيهما وهما قبيلتان من جنس الإنس، يقال: الناس عشرة أجزاء تسعة ~~أجزاء منها يأجوج ومأجوج يخرجون حيت يفتح السد. قيل: السد يفتحه الله ~~ابتداء. وقيل: بل إذا جعل الله الأرض دكا زالت تلك الصلابة من أجزاء ~~الأرض فحينئذ ينفتح السد. # قوله: " وهم " قال أكثر المفسرين: " هم " كناية عن " يأجوج ~~ومأجوج ". # وقال مجاهد: كناية عن جميع العالم بأسرهم أي: يخرجون من قبورهم، ومن كل ~~موضع، فيحشرون إلى موقف الحساب. # والأول أظهر وإلا لتكلف النظم، ولأنه روي في الخبر أن يأجوج ومأجوج لا ~~بد وأن يسيروا في الأرض، ويقبلوا على الناس من كل موضع مرتفع. وقرأ ~~العامة " ينسلون " بكسر السين. وأبو السمال وابن أبي إسحاق بضمها. ~~والحدب: النشز من الأرض. أي: المرتفع، ومنه الحدب في الظهر، وكل ~~كدية أو أكمة فهي حدبة، وبها سمي القبر لظهوره على وجه الأرض ~~والنسلان: مقاربة الخطا مع الإسراع كالرمل يقال: نسل ينسل ~~وينسل بالفتح في الماضي والكسر والضم في المضارع، ونسل وعسل ~~واحد قال الشاعر: # 3736- عسلان الذئب أمسى قاربا # برد الليل عليه فنسل # والنسل من ذلك، وهو الذرية، أطلق المصدر على المفعول، ~~ونسلت ريش الطائر من ذلك. وقدم الجار على متعلقة لتراخي رؤوس ~~الآي. # وقرأ عبد الله وابن عباس: " جدث " بالثاء المثلثة والجيم اعتبارا ~~بقوله: # فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون # [يس: 51]. وقرىء بالفاء، وهي بدل منها قال الزمخشري: الثاء للحجاز، ~~والفاء لتميم. وينبغي أن يكونا أصلين، لأن كلا منهما لغة مستقلة، ولكن ~~كثر إبدال الثاء من الفاء، قالوا مغثور في مغفور، وقالوا فم في ~~ثم، فأبدلت هذه من هذه تارة، وهذه من هذه أخرى. # " (روى حذيفة بن أسد الغفاري قال: اطلع النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~علينا ونحن نتذاكر، فقال: " ما تذكرون؟ " قالوا: نذكر الساعة قال: ~~إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات فذكر الدجال، والدابة، ~~وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة ~~خسوف، خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف ms6270 بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج ~~من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم). " # قوله: { واقترب الوعد الحق }. المراد بالوعد الموعود وهو ~~يوم القيامة. # (وسمي الموعود وعدا تجوزا. قال الفراء وجماعة: الواو في قوله: " ~~واقترب " مقحمة معناه: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج اقترب الوعد الحق، ~~كقوله: # فلما أسلما وتله للجبين وناديناه # [الصافات: 103، 104] أي: ناديناه. ويدل عليه ما روى حذيفة قال: لو أن ~~رجلا اقتنى فلوا بعد خروج يأجوج ومأجوج لم يركبه حتى تقوم الساعة. # وقال قوم: لا يجوز طرح الواو، وجعلوا جواب { حتى إذا فتحت } ~~في قوله: " يا ويلنا " يكون مجازا لأن التقدير: حتى إذا فتحت ~~يأجوج ومأجوج واقترب الوعد الحق قالوا يا ويلنا قد كنا في غفلة). # قوله: { فإذا هي شاخصة أبصار } " إذا " هنا للمفاجأة، و " ~~هي " فيها أوجه: # أجودها: أن يكون ضمير القصة، و " شاخصة " خبر مقدم، و " أبصار " ~~مبتدأ مؤخر، والجملة خبر ل " هي " ، لأنها لا تفسر إلا بجملة مصرح ~~بخبرها، وهذا مذهب البصريين. # الثاني: أن تكون " شاخصة " مبتدأ، و " أبصار " فاعل سد مسد ~~الخبر، وهذا يتمشى على رأي الكوفيين، لأن ضمير القصة يفسر عندهم بالمفرد ~~العامل عمل الفعل فإنه في قوة الجملة. # الثالث: قال الزمخشري: " هي " ضمير مبهم يوضحه الأبصار ويفسره كما فسر ~~" الذين ظلموا " " وأسروا ". ولم يذكر غيره. قال شهاب الدين: ~~وهذا قول الفراء، فإنه قال في ضمير الأبصار: تقدمت لدلالة الكلام ومجيء ~~ما يفسرها، وأنشد شاهدا على ذلك: # 3737- فلا وأبيها لا تقول خليلتي # ألا فر عني مالك بن أبي كعب # الرابع: أن تكون " هي " عمادا، وهو قول الفراء أيضا قال: لأنه يصلح ~~موضعها هو، فتكون كقوله: # إنه أنا الله # [النمل: 9] ومثله: # فإنها لا تعمى الأبصار # [الحج: 46] وأنشد: # 3738- بثوب ودينار وشاة ودرهم # فهل هو مرفوع بما هاهنا راس # وهذا لا يتمشى إلا على أحد قولي الكسائي، وهو أنه يجيز تقدم الفصل مع ~~الخبر المتقدم نحو: هو خير منك زيد. الأصل زيد هو خير منك. وقال أبو ~~حيان: أجاز هو القائم زيد، على أن زيدا هو المبتدأ، والقائم ms6271 خبره، وهو ~~عماد، وأصل المسألة: زيد هو القائم. # قال شهاب الدين: وفي التمثيل نظر، لأن تقديم الخبر هنا ممتنع ~~لاستوائهما في التعريف بخلاف المثال المتقدم. فيكون أصل الآية الكريمة: ~~فإذا أبصار الذين كفروا هي شاخصة، فلما قدم الخبر، " شاخصة " ، قدم ~~معها العماد. # وهذا أيضا إنما يجيء على مذهب من يرى وقوع العماد قبل النكرة غير ~~المقارنة للمعرفة. # الخامس: أن تكون " هي " مبتدأ وخبره مضمر، فيتم الكلام حينئذ على " ~~هي " ويبتدأ بقوله: " شاخصة أبصار " ، والتقدير: فإذا هي ~~بارزة، أي: الساعة بارزة أو حاضرة و " شاخصة " خبر مقدم، و " ~~أبصار " مبتدأ مؤخر. ذكره الثعلبي. # وهو بعيد جدا لتنافر التركيب، وهو التعقيد عند علماء البيان. # قوله: " يا ويلنا " معمول لقول محذوف، أي: يقولون يا ويلنا. ~~وفي هذا القول المحذوف وجهان: أحدهما: أنه جواب " حتى إذا " كما تقدم. # والثاني: في محل نصب على الحال من " الذين كفروا " قاله ~~الزمخشري. # قوله: { قد كنا في غفلة من هذا } يعني في الدنيا حيث ~~كذبناه وقلنا: إنه غير كائن، بل كنا ظالمين أنفسنا بتلك الغفلة وتكذيب ~~محمد، وعبادة الأوثان. ### || [21.98-100] # قوله: { إنكم وما تعبدون } أتى هنا ب " ما " وهي لغير ~~العقلاء، لأنه متى اختلط العاقل بغيره يخير الناطق بين (ما)، و ~~(من). # وقرأ العامة: " حصب " بالمهملتين والصاد مفتوحة، وهو ما يحصب أي: ~~يرمى في النار ولا يقال له حصب إلا وهو في النار، فأما قبل ذلك فهو حطب ~~وشجر وغير ذلك. # وقيل: يقال له حصب قبل الإلقاء في النار. قيل: هو الحطب بلغة أهل اليمن. # وقال عكرمة: هو الحطب بالحبشية. وقرأ ابن السميفع وابن أبي عبلة ورويت ~~عن ابن كثير بسكون الصاد، وهو مصدر، فيجوز أن يكون واقعا موقع المفعول، ~~أو على المبالغة، أو على حذف مضاف. وقرأ ابن عباس بالضاد معجمة مفتوحة أو ~~ساكنة وهو أيضا ما يرمى به في النار، ومنه المحضب عود يحرك به ~~النار لتوقد، وأنشد: # 3739- فلا تك في حربنا محضبا # فتجعل قومك شتى شعوبا # وقرأ أمير المؤمنين وأبي وعائشة وابن الزبير " حطب " بالطاء، ms6272 ولا ~~أظنها إلا تفسيرا لا قراءة. # فصل # المعنى " إنكم " أيها المشركون { وما تعبدون من دون ~~الله } يعني الأصنام " حصب جهنم " أي: وقودها، وهذا تشبيه. ~~وأصل الحصب الرمي، قال تعالى: # أرسلنا عليهم حاصبا # [القمر: 34] أي: ريحا ترميهم بالحجارة. # قوله: { أنتم لها واردون }. جوز أبو البقاء في هذه الجملة ~~ثلاثة أوجه: # أحدها: أن تكون بدلا من " حصب جهنم ". # يعني: أن الجملة بدل من المفرد الواقع خبرا، وإبدال الجملة من المفرد ~~إذا كان أحدهما بمعنى الآخر، جائز، إذ التقدير: إنكم أنتم لها واردون. # والثاني: أن تكون الجملة مستأنفة. # والثالث: أن تكون في محل نصب على الحال من " جهنم " وفيه نظر من ~~حيث مجيء الحال من المضاف إليه في غير مواضع المستثناة. ومعنى { أنتم ~~لها واردون } أي: فيها داخلون. وإنما جاءت اللام في " لها " ~~لتقدمها تقول: أنت لزيد ضارب. كقوله تعالى: # والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون # [المؤمنون:8]، [المعارج: 32] والمعنى: أنه لا بد وأن تردوها، ولا ~~معدل لكم من دخولها. # فصل # " روى ابن عباس أنه - عليه السلام - دخل المسجد وصناديد قريش في ~~الحطيم. وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما، فجلس إليهم، فعرض له النضر ~~بن الحرث فكلمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أفحمه، ثم تلا ~~عليهم { إنكم وما تعبدون من دون الله } الآية. فأقبل ~~عبد الله بن الزبعرى فرآهم يتهامسون، فقال: فيم خوضكم؟ فأخبره ~~الوليد بن المغيرة بقول رسول الله. فقال ابن الزبعرى: أنت قلت ذلك؟ قال ~~نعم. # قال: خصمتك ورب الكعبة، أليس اليهود عبدوا عزيرا، والنصارى عبدوا ~~المسيح، وبنو مليح عبدوا الملائكة. فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- ولم يجب، فضحك القوم، ونزل قوله تعالى: { ولما ضرب ابن ~~مريم مثلا إذا قومك منه يصدون وقالوا ~~أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل ~~هم قوم خصمون } " # [الزخرف: 57، 58]. # ونزل في عيسى والملائكة # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى # [الأنبياء: 101]. وفي رواية أخرى أنه - عليه السلام- قال: # " بل هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك " # فأنزل - تعالى - # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى # [الأنبياء: ms6273 101] يعني عزيرا والمسيح والملائكة. قال ابن الخطيب: واعلم ~~أن سؤال ابن الزبعرى غير متوجه من وجوه: # أحدها: أن ذلك الخطاب كان مع مشركي مكة، وهم كانوا يعبدون الأصنام ~~فقط. # وثانيها: أنه لم يقل: ومن تعبدون بل قال: " وما تعبدون ". كلمة " ~~ما " لا تتناول العقلاء، وأما قوله تعالى: # وما بناها # [الشمس: 5] وقوله: # لا أعبد ما تعبدون # [الكافرون: 2] فحمول على الشيء، ونظيره هاهنا أن يقال: إنكم والشيء الذي ~~تعبدون من دون الله، لكن لفظ الشيء لا يفيد العموم فلا يتوجه سؤال ابن ~~الزبعرى. # وثالثها: أن من عبد الملائكة لا يدعي أنهم آلهة وقال سبحانه { ~~لو كان هؤلاء ءالهة ما وردوها }. # ورابعها: أنه ثبت العموم لكنه مخصوص بالدلائل العقلية والسمعية في حق ~~الملائكة والمسيح وعزير لبراءتهم من الذنوب والمعاصي، ووعد الله إياهم ~~بكل مكرمة، وهو المراد بقوله سبحانه # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى # [الأنبياء: 101]. # وخامسها: الجواب الذي ذكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو أنهم ~~كانوا يعبدون الشياطين. فإن قيل: الشياطين عقلاء ولفظ " ما " لا ~~يتناولهم، فكيف قال ذلك؟ قلنا: كأنه - عليه السلام - قال: لو ثبت لكم أنه ~~يتناول العقلاء فسؤالكم أيضا غير لازم من هذا الوجه. # فإما ما قيل: إنه - عليه السلام - سكت عند إيراد ابن الزبعرى هذا ~~السؤال، فهو خطأ، لأنه لا أقل من أنه - عليه السلام - كان يتنبه لهذه ~~الأجوبة التي ذكرها المفسرون، لأنه أعلم منهم باللغة وبتفسير القرآن، ~~فكيف يجوز أن تظهر هذه الأجوبة لغيره، ولم يظهر له منها شيء. # فإن قيل: يجوز أن يسكت عليه السلام انتظارا للبيان. قلنا: كان البيان ~~حاضرا معه، فلم يجز عليه السكوت، لكي لا يتوهم عليه الانقطاع من سؤالهم. # ومن الناس من أجاب عن سؤال ابن الزبعرى، فقال: إن الله - تعالى - ~~يصور لهم في النار ملكا على صورة من عبدوه وحينئذ تبقى الآية على ~~ظاهرها وهذا ضعيف من وجهين: # الأول: أن القوم لم يعبدوا تلك الصورة وإنما عبدوا شيئا آخر لم يحصل ~~معهم في النار. # الثاني: أن الملك لا يصير حصب ms6274 جهنم في الحقيقة، وإن صح أن يدخلها، ~~فإن خزنة النار يدخلونها مع أنهم ليسوا حصب جهنم. # فصل # الحكمة في أنهم قرنوا بآلهتهم أمور: # أحدها: أنهم لا يزالون بمقارنتهم في زيادة غم وحسرة لأنهم ما وقعوا في ~~ذلك العذاب إلا بسببهم، والنظر إلى وجه العدو باب من العذاب. # وثانيها: أنهم قدروا أن يشفعوا لهم في الآخرة، فإذا وجدوا الأمر ~~على عكس ما قدروا لم يكن شيء أبغض إليهم منهم. # وثالثها: أن إلقاءها في النار يجري مجرى الاستهزاء بها. # ورابعها: قيل ما كان منها حجرا أو حديدا يحمى فيعذب بعبادها، وما كان ~~خشبا يجعل جمرة يعذب بها صاحبها. # قوله تعالى: { لو كان هؤلاء ءالهة ما وردوها } اعلم ~~أن قوله: " وما تعبدون " بالأصنام أليق، لدخول لفظ " ما " وهذا ~~الكلام بالشياطين أليق، لقوله: " هؤلاء " ويحتمل أن يريد الشياطين ~~والأصنام وغلب العقلاء ونبه الله - تعالى - على أنه من يرمى في النار ~~لا يمكن أن يكون إلها. قال ابن الخطيب: وهنا سؤال، وهو أن قوله { لو ~~كان هؤلاء ءالهة ما وردوها } لكنهم وردوها، فهم ليسوا ~~ءالهة، وهذه الحجة إما أن يكون ذكرها لنفسه أو لغيره، فإن ذكرها لنفسه ~~فلا فائدة فيه، لأنه كان عالما بأنها ليست آلهة، وإن ذكرها لغيره فإما ~~أن يذكرها لمن يصدق بنبوته، (أو ذكرها لمن يكذب بنبوته) فإن ذكرها ~~لمن يصدق بنبوته فلا حاجة إلى هذه الحجة، لأن كل من صدق بنبوته ~~لم يقل بالإهية هذه الأصنام، وإن ذكرها لمن كذب بنبوته فذلك المكذب لا ~~يسلم أن تلك الآلهة يردون النار، فكان ذكر هذه الحجة لا فائدة فيه كيف ~~كان. # وأيضا فالقائلون بإلاهيتها لم يعتقدوا إلا كونها تماثيل الكواكب أو ~~صورة الشفعاء، وذلك لا يمنع من دخولها النار. وأجيب عن ذلك بأن المفسرين ~~قالوا: المعنى لو كان هؤلاء - يعني الأصنام - آلهة على الحقيقة ما ~~وردوها، أي: ما دخل عابدوها النار. # قوله: " ءالهة " العامة على النصب خبرا ل " كان ". وقرأ طلحة ~~بالرفع وتخريجها كتخريج قوله: # 3740- إذا مت كان الناس صنفان # ففيها ضمير الشأن. ms6275 # قوله: { وكل فيها خالدون } يعني: العابدين والمعبودين، وهو ~~تفسير لقوله: { إنكم وما تعبدون من دون الله }. # وقوله: { لهم فيها زفير } قال الحسن: الزفير هو اللهيب، أي: ~~يرتفعون بسبب لهب النار حتى إذا ارتفعوا وأرادوا الخروج ضربوا بمقامع ~~الحديد، فهووا إلى أسفلها سبعين خريفا. قال الخليل: الزفير أن يملأ ~~الرجل صدره غما ثم يتنفس. # قال أبو مسلم: قوله: " لهم " عام لكل معذب، فيقول: لهم زفير من شدة ~~ما ينالهم والضمير في قوله: " وهم فيها " يرجع إلى المعبودين أي: لا ~~يسمعون صراخهم وشكواهم، ومعناه أنهم لا يغيثونهم، وشبهه: (سمع الله لمن ~~حمده)، أي: أجاب الله دعاه. # وقوله: { وهم فيها لا يسمعون } على قول أبي مسلم محمول على ~~الأصنام. # ومن حمله على الكفار فيحتمل ثلاثة أوجه: # أحدها: أن الكفار يحشرون صما كما يحشرون عميا زيادة في عذابهم. # والثاني: لا يسمعون ما ينفعهم، لأنهم إنما يسمعون أصوات المعذبين، أو ~~كلام من يتولى تعذيبهم من الملائكة. # والثالث: قال ابن مسعود - رضي الله عنه -:( إن الكفار يجعلون في ~~توابيت من نار، ثم يجعل تلك التوابيت في توابيت أخر، ثم تلك التوابيت في ~~توابيت أخر من نار عليها مسامير من نار، فلذلك لا يسمعون شيئا، ولا يرى ~~أحد منهم أن أحدا يعذب غيره. والأول ضعيف، لأن أهل النار يسمعون ~~كلام أهل الجنة، فلذلك يستغيثون بهم على ما ذكره الله تعالى في سورة ~~الأعراف). ### || [21.101-103] # قوله: { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى } الآية. ~~قال بعض أهل العلم " إن " ههنا بمعنى (إلا) أي: إلا الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى. # قال ابن الخطيب: قد بينا فساد هذا القول، وذكرنا أن سؤال ابن الزبعرى ~~لم يكن واردا، فلم يبق إلا أحد أمرين: # الأول: أن يقال: إن عادة الله تعالى أنه متى شرح عقاب الكفار أردفه ~~بشرح ثواب الأبرار، فلهذا ذكر هذه الآية عقيب تلك الآية فهي عامة في حق ~~كل المؤمنين. # الثاني: أن هذه الآية نزلت في تلك الواقعة لتكون كالتأكيد في دفع سؤال ~~ابن الزبعرى ثم قال: العبرة بعموم اللفظ ms6276 لا بخصوص السبب، وهذا هو الحق، ~~أجراها على عمومها، فتكون الملائكة والمسيح وعزير - عليهم السلام - ~~داخلين فيها، لا أن الآية مختصة بهم. ومن قال العبرة بخصوص السبب خصص ~~قوله: " إن الذين " بهؤلاء فقط. # قوله: " منا " يجوز أن يتعلق ب " سبقت " ، ويجوز أن يتعلق ~~بمحذوف على أنه حال من " الحسنى " قال الزمخشري: " الحسنى " الخصلة ~~المفضلة في الحسن تأنيث الأحسن وهي إما السعادة، وإما البشرى بالثواب، ~~وإما التوفيق للطاعة ثم شرح أحوال ثوابهم فقال: { أولئك عنها ~~مبعدون }. قال أهل العفو معناه: أولئك عنها مخرجون، واحتجوا بوجهين: # الأول: قوله # وإن منكم إلا واردها # [مريم: 71] أثبت الورود، والورود الدخول، فدل على أن هذا الإبعاد هو ~~الإخراج. # والثاني: أن إبعاد الشيء لا يصح إلا إذا كانا متقاربين لأنهما لو كانا ~~متباعدين استحال إبعاد أحدهما عن الآخر، لأن تحصيل الحاصل محال. # وقال المعتزلة: { أولئك عنها مبعدون } لا يدخلون النار ~~ولا يقربونها ألبتة. واحتج القاضي عبد الجبار على فساد الأول بأمور: # أحدها: أن قوله تعالى: { إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى } يقتضي أن الوعد بثوابهم قد تقدم في الدنيا، وليس هذا حال ~~من يخرج من النار. # وثانيها: أنه تعالى قال: { أولئك عنها مبعدون } فكيف ~~يدخل في لك من وقع فيها. # وثالثها: قوله: { لا يسمعون حسيسها } وقوله: { لا ~~يحزنهم الفزع الأكبر } يمنع من ذلك. والجواب عن الأول لا ~~نسلم أن المراد من قوله { إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى } هو أن الوعد بثوابهم قد تقدم، ولم لم يجوز أن يكون المراد ~~من " الحسنى " تقدم الوعد بالثواب، (لكن لم قلتم إن الوعد بالثواب لا) ~~يليق بحال من يخرج من النار فإن عنده المحابطة باطلة، ويجوز الجميع بين ~~استحقاق الثواب والعقاب. وعن الثاني: أنا بينا أن قوله: { أولئك ~~عنها مبعدون } لا يمكن إجراؤه على ظاهره إلا في حق من كان في ~~النار. وعن الثالث: أن قوله: { لا يسمعون حسيسها } مخصوص بما ~~بعد الخروج. # وعلى قول المعتزلة بأن المراد بقوله: { إن الذين سبقت لهم ~~منا الحسنى أولئك عنها مبعدون } أنهم لا ms6277 يدخلون ~~النار ولا يقربونها، يبطل القول بأن جميع الناس يردون النار، ثم يخرجون ~~إلى الجنة، فيجب التوفيق بينه وبين قوله: # وإن منكم إلا واردها # [مريم: 71] وقد تقدم. # قوله: { وهم في ما اشتهت } إلى قوله: " وتتلقاهم " كل ~~جملة من هذه الجمل يحتمل أن تكون حالا مما قبلها، وأن تكون مستأنفة، ~~وكذلك الجملة المضمرة من القول العامل في جملة قوله: " هذا يومكم ~~" إذ التقدير: وتتلقاهم الملائكة يقولون هذا يومكم. # فصل # معنى { لا يسمعون حسيسها } أي: صوتها وحركة تلهبها إذا نزلوا ~~منازل لهم في الجنة. والحس والحسيس: الصوت الخفي. { وهم في ما ~~اشتهت أنفسهم خالدون } مقيمون كقوله: # وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين # [الزخرف: 71] { لا يحزنهم الفزع الأكبر } النفخة الأخيرة ~~لقوله تعالى: # ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات ومن ~~في الأرض # [النمل: 87]. وقال الحسن: حين يؤمر بالعبد إلى النار. وقال ابن جريج: ~~حين يذبح الموت وينادي يا أهل الجنة خلود فلا موت. وقال سعيد بن جبير ~~والضحاك: هو أن تطبق جهنم، وذلك بعد أن يخرج الله منها من يريد أن يخرجه. # " وتتلقاهم الملائكة ". أي: تستقبلهم الملائكة على أبواب ~~الجنة يقولون { هذا يومكم الذي كنتم توعدون }. فإن ~~قيل: أي: بشارة في أنهم لا يسمعون حسيسها؟ # فالجواب: المراد منه تأكيد بعدهم عنها، لأن من قرب منها قد يسمع حسيسها ~~فإن قيل: أليس أهل الجنة يرون أهل النار، فكيف لا يسمعون حسيس النار؟ ~~فالجواب: إذا حملناه على التأكيد زال هذا السؤال. ### || [21.104-107] # قوله: { يوم نطوي السمآء } الآية. في " يوم نطوي " ~~أوجه: # أحدهما: أنه منصوب ب " لا يحزنهم ". # الثاني: أنه منصوب ب " تتلقاهم ". # الثالث: أنه منصوب بإضمار (اذكر) أو (أعني). # الرابع: أنه بدل من العائد المقدر تقديره: توعدونه يوم نطوي، ف " ~~يوم " بدل من الهاء، ذكره أبو البقاء وفيه نظر، إذ يلزم من ذلك خلو ~~الجملة الموصول بها من عائد على الموصول، ولذلك منعوا جاء الذي مررت به ~~أبي عبد الله، على أن يكون (أبي عبد الله) بدلا من الهاء لما ذكر، وإن ~~كان في ms6278 المسألة خلاف. # الخامس: منصوب بالفزع، قاله الزمخشري، وفيه نظر من حيث إنه أعمل المصدر ~~الموصوف قبل أخذه معموله. وقد تقدم أن نافعا يقرأ " يحزن " بضم الياء ~~إلا هنا، وأن شيخه ابن القعقاع يقرأ " يحزن " بالفتح إلا هنا. # وقرأ العامة " نطوي " بنون العظمة. وشيبة بن نصاح في آخرين " يطوي " ~~بياء الغيبة، والفاعل هو الله تعالى. وقرأ أبو جعفر في آخرين " تطوى " ~~بضم التاء المثناة من فوق وفتح الواو مبنيا للمفعول. وقرأ العامة " ~~السجل " بكسر السين والجيم وتشديد اللام كالطمر. وقرأ أبو هريرة ~~وصاحبه أبو زرعة بن عمرو بن جرير بضمهما واللام مشددة أيضا بزنة " ~~عتل ". ونقل أبو البقاء تخفيفها في هذه القراءة أيضا فتكون بزنة ~~عنق. وأبو السمال وطلحة والأعمش بفتح السين. والحسن وعيسى بن عمر ~~بكسرها. والجيم في هاتين القراءتين ساكنة واللام مخففة. # قال أبو عمرو: قراءة أهل مكة مثل قراءة الحسن. والسجل الصحيفة مطلقا ~~وقيل: مخصوص بصحيفة العهد، وهي من المساجلة وهي المكاتبة. # والسجل: الدلو الملأى. وقال بعضهم: هو فارسي معرب فلا اشتقاق له و ~~" طي " مصدر مضاف للمفعول، والفاعل محذوف، تقديره: كما يطوي الرجل ~~الصحيفة ليكتب فيها، أو لما يكتبه فيها من المعاني، والفاعل يحذف مع ~~المصدر باطراد والكلام في الكاف معروف أعني: كونها نعتا لمصدر مقدر أو ~~حالا من ضميره. وأصل " طي " طوي، فأعل كنظائره. وروي عن علي وابن ~~عباس: أن السجل اسم ملك يطوي كتب أعمال بني آدم. وروى أبو الجوزاء عن ~~ابن عباس: أن السجل اسم رجل كان يكتب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-. وعلى هذين القولين يكون المصدر مضافا لفاعله، والكتاب اسم الصحيفة ~~المكتوبة. قال بعضهم: وهذا القول بعيد، لأن كتاب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - كانوا معروفين وليس فيهم من سمي بهذا. قال أبو ~~إسحاق الزجاج: السجل الرجل بلغة الحبشة. # وقال الزمخشري: كما يطوى الطومار للكتابة، أي: ليكتب فيه، أو لما ~~يكتب فيه، لأن الكتاب أصله المصدر كالبناء، ثم يوقع على المكتوب. فقدره ~~الزمخشري من الفعل المبني للمفعول، وقد عرف ما ms6279 فيه من الخلاف واللام في " ~~الكتاب " إما مزيدة في المفعول إن قلنا: إن المصدر مضاف لفاعله. وإما ~~متعلقة ب " طي " إذا قلنا: المراد بالسجل الطومار، فالمصدر وهو الطي ~~مضاف إلى المفعول، والفاعل محذوف، والتقدير: كطي الطاوي السجل وهذا قول ~~الأكثرين. وقيل: اللام بمعنى (على)، وهذا ينبغي أن لا يجوز لبعد معناه ~~على كل قول. # والقراءات المذكورة في السجل كلها لغات فيه. # وقرأ الأخوان وحفص " للكتب " جمعا. والباقون " للكتاب " ~~مفردا. والرسم يحتملهما فالإفراد يراد به الجنس والجمع للدلالة على ~~الاختلاف، والمعنى المكتوبات، أي: لما يكتب فيه من المعاني الكثيرة. ~~فيكون معنى طي السجل للكتابة، كون السجل ساترا لتلك الكتابة ومخفيا ~~لها، لأن الطي هو الدرج ضد النشر الذي يكشف. قوله: " كما بدأنا " ~~في متعلق هذه الكاف وجهان: # أحدهما: أنها متعلقة ب " نعيده " و " ما " مصدرية، و " بدأنا ~~" صلتها، فهي وما في حيزها في محل جر بالكاف. و " أول خلق " مفعول ~~" بدأنا " ، والمعنى: نعيد أول خلق إعادة مثل بدأتنا له، أي: كما ~~أبرزناه من العدم إلى الوجود نعيده من العدم إلى الوجود وإلى هذا نحا أبو ~~البقاء فإنه قال: الكاف نعت لمصدر محذوف أي: نعيده عودا كمثل بدئه. # وفي قوله: عودا نظر إذ الأحسن أن يقول: إعادة. # والثاني: أنها تتعلق بفعل مضمر. قال الزمخشري: ووجه آخر، وهو أن ينتصب ~~الكاف بفعل مضمر يفسره " نعيده " و " ما " موصولة، أي: نعيد مثل الذي ~~بدأنا نعيده و " أول خلق " ظرف ل " بدأنا " أي: أول ما خلق، ~~أو حال من ضمير الموصول الساقط من اللفظ الثابت في المعنى. قال أبو ~~حيان: وفي تقديره تهيئة " بدأنا " لأن ينصب " أول خلق " ~~على المفعولية وقطعه عنه من غير ضرورة تدعو إلى ذلك، وارتكاب إضمار ~~(نعيد) مفسرا ب " نعيده " وهذه عجمة في كتاب الله، وأما قوله: ووجه ~~آخر وهو أن ينتصب الكاف بفعل مضمر يفسره " نعيده " فهو ضعيف جدا، ~~لأنه مبني على أن الكاف اسم لا حرف، وليس مذهب الجمهور، وإنما ذهب إلى ~~ذلك الأخفش، وكونها اسما عند البصريين مخصوص ms6280 بالشعر. # قال شهاب الدين: كل ما قدره فهو جار على القواعد المنضبطة وقاده إلى ذلك ~~المعنى الصحيح فلا مؤاخذة عليه، ويظهر ذلك بالتأمل لغير الفطن وأما " ما ~~" ففيها ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها مصدرية. # والثاني: أنها بمعنى الذي. وقد تقدم تقرير هذين. # والثالث: أنها كافة للكاف عن العمل كما في قوله: # 3741- كما الناس مجروم عليه وجارم # فيمن رفع (الناس) قال الزمخشري: " أول خلق " مفعول نعيد الذي ~~يفسره " نعيده " والكاف مكفوفة ب " ما " والمعنى: نعيد أول الخلق كا ~~بدأناه تشبيها للإعادة بالابتداء في تناول القدرة لها على السواء، فإن ~~قلت: ما أول الخلق حتى يعيده كما بدأه قلت: أوله إيجاده من العدم، ~~فكما أوجده أولا من عدم يعيده ثانيا من عدم. # وأما " أول خلق " فيحصل فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه مفعول " ~~بدأنا ". # والثاني: أنه ظرف ل " بدأنا ". # والثالث: أنه منصوب على الحال من ضمير الموصول كما تقدم تقريره. # والرابع: أنه حال من مفعول " نعيده " قاله أبو البقاء، والمعنى: مثل ~~أول خلقه وأما تنكير " خلق " فلدلالته على التفصيل، قال الزمخشري: فإن ~~قلت: ما بال " خلق " منكرا. قلت: هو كقولك: أول رجل جاءني، تريد ~~أول الرجال، ولكنك وحدته ونكرته إرادة تفصيلهم رجلا رجلا، فكذلك معنى ~~أول خلق بمعنى أول الخلائق، لأن الخلق مصدر لا يجمع. # قوله: " وعدا " منصوب على المصدر المؤكد لمضمون الجملة المتقدمة، ~~فناصبه مضمر، أي: وعدنا ذلك وعدا. # فصل # اختلفوا في كيفية الإعادة فقيل: إن الله يفرق أجزاء الأجسام ولا يعدمها ~~ثم إنه يعيد تركيبها فذلك هو الإعادة. # وقيل: إنه تعالى يعدمها بالكلية، ثم إنه يوجدها بعينها مرة أخرى، وهذه ~~الآية دالة على هذا الوجه؛ لأنه تعالى شبه الإعادة بالابتداء، والابتداء ~~ليس عبارة عن تركيب الأجزاء المتفرقة بل عن الوجود بعد العدم، فوجب أن ~~تكون الإعادة كذلك. # واحتج الأولون بقوله تعالى: # والسموات مطويات بيمينه # [الزمر: 67] فدل هذا على أن السموات حال كونها مطويات تكون موجودة. ~~وبقوله تعالى: # يوم تبدل الأرض غير الأرض # [إبراهيم: 48] وهذا يدل على أن الأرض باقية لكنها جعلت غير ms6281 الأرض. # فصل # قال المفسرون: كما بدأناهم في بطون أمهاتهم عراة غرلا كذلك نعيدهم يوم ~~القيامة # ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة # [الأنعام: 94]. # " روى ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " إنكم ~~تحشرون حفاة عراة غرلا " ثم قرأ { كما بدأنا أول ~~خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين } " # يعني الإعادة والبعث. وقيل: المراد حقا علينا بسبب الإخبار عن ذلك ~~وتعلق العلم بوقوعه وأن وقوع ما علم الله وقوعه واجب. # ثم حقق ذلك بقوله { ولقد كتبنا في الزبور } قرأ حمزة بضم ~~الزاي، والباقون بفتحها بمعنى المزبور كالمحلوب والمركوب، يقال: زبرت ~~الكتاب أي: كتبته. والزبور بضم الزاي جمع زبرة كقشرة وقشور. ومعنى ~~القراءتين واحد، لأن الزبور هو الكتاب. # قال سعيد بن جبير ومجاهد والكلبي ومقاتل: " الزبور " جميع الكتب ~~المنزلة، و " الذكر " أم الكتاب الذي عنده، والمعنى من بعد ما كتب ~~ذكره في اللوح المحفوظ. وقال ابن عباس والضحاك: الزبور: التوراة، والذكر: ~~الكتب المنزلة من بعد التوراة. وقال قتادة والشعبي: الزبور والذكر: ~~التوراة. وقيل: الزبور: زبور داود، والذكر: القرآن، و " بعد " بمعنى ~~قبل كقوله: # وكان ورآءهم ملك يأخذ # [الكهف: 79] أي: أمامهم. # والأرض بعد ذلك دحاها # [النازعات: 30] أي: قبله. وقيل: الزبور: زبور داود، والذكر هو ما روي ~~أنه - عليه السلام - قال: # " كان الله ولم يكن معه شيء ثم خلق الذكر " # قوله: { من بعد الذكر } يجوز أن يتعلق ب " كتبنا " ، ويجوز ~~أن يتعلق بنفس " الزبور " لأنه بمعنى المزبور، أي: المكتوب، أي: ~~المزبور من بعد. ومفعول " كتبنا " " أن " وما في حيزها، أي: كتبنا ~~وراثة الصالحين للأرض، أي: حكمنا به قوله: " أن الأرض " يعني أرض ~~الجنة { يرثها عبادي الصالحون } قال مجاهد: يعني أمة محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - ويدل عليه قوله تعالى: # وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده ~~وأورثنا الأرض # [الزمر: 74] وقال ابن عباس: أراد أراضي الكفار يفتحها المسلمون، وهذا ~~حكم من الله تعالى بإظهار الدين وإعزاز المسلمين. # وقيل: أراد الأرض المقدسة يرثها الصالحون لقوله تعالى: # وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق ~~الأرض ومغاربها التي ms6282 باركنا فيها # [الأعراف: 137]. # { إن في هذا } أي: في هذا القرآن يعني ما فيه من الأخبار والوعد ~~والوعيد والمواعظ البالغة " لبلاغا " وصولا إلى البغية، فمن اتبع ~~القرآن وعمل به وصل إلى ما يرجو من الثواب. وقيل: " لبلاغا " أي: ~~كفاية: والقرآن زاد الجنة كبلاغ المسافر. { لقوم عابدين } أي: ~~مؤمنين. وقال ابن عباس: عالمين. وقال كعب الأحبار: هم أمة محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - أهل الصلوات الخمس وشهر رمضان. # وقوله: { ومآ أرسلناك إلا رحمة } يجوز أن ينتصب " ~~رحمة " مفعولا له، أي: لأجل الرحمة، ويجوز أن ينتصب على الحال ~~مبالغة في أن جعله نفس الرحمة، وإما على حذف مضاف أي: ذا رحمة، أو بمعنى ~~راحم. وفي الحديث: # " يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة ". # قوله: " للعالمين " يجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة ل " ~~رحمة " أي: كائنة للعالمين. ويجوز أن يتعلق ب " أرسلناك " عند ~~من يرى تعلق ما بعد إلا بما قبلها جائز، أو بمحذوف عند من لا يرى ~~ذلك. هذا إذا لم يفرغ الفعل لما بعدها أما إذا فرغ فيجوز نحو: ما مررت ~~إلا بزيد، كذا قاله أبو حيان هنا. وفيه نظر من حيث إن هذا أيضا مفرغ، ~~لأن المفرغ عبارة عما افتقر ما بعد إلا لما قبلها على جهة المعمولية له. # فصل # قال ابن عباس: قوله: " رحمة للعالمين " عام في حق من آمن ومن ~~لم يؤمن. اعلم أنه - عليه لسلام - كان رحمة في الدين والدنيا، أما في ~~الدين فلأنه - عليه السلام - بعث والناس في جاهلية وضلال، وأهل الكتابين ~~كانوا في حيرة في أمر دينهم لطول مدتهم وانقطاع تواترهم ووقوع الاختلاف ~~في كتبهم، فبعث الله محمدا حين لم يكن لطالب الحق سبيل إلى الفوز ~~والثواب، فدعاهم إلى الحق وبين لهم سبيل الصواب وشرع لهم الأحكام، وميز ~~الحلال والحرام، فمن كانت همته طلب الحق فلا يركن إلى التقليد ولا إلى ~~العناد والاستكبار، قال الله تعالى: # قل هو للذين ءامنوا هدى وشفآء # [فصلت: 44] إلى قوله: # وهو عليهم عمى # [فصلت: 44] وأما في الدنيا فلأنهم تخلصوا بسببه ms6283 من الذل والقتل. فإن ~~قيل: كيف كان رحمة وقد جاء بالسيف واستباحة المال؟ فالجواب من وجوه: # الأول: إنما جاء بالسيف لمن أنكر وعاند ولم يتفكر ولم يتدبر، ومن أوصاف ~~الله الرحمن الرحيم، وهو منتقم من العصاة. وقال: # ونزلنا من السمآء مآء مباركا # [ق: 9] ثم قد يكون سببا للفساد. # الثاني: أن كل نبي من الأنبياء قبله إذا كذبه قومه أهلك الله المكذبين ~~بالخسف والمسخ والغرق، وأنه تعالى أخر عذاب من كذب رسولنا إلى الموت أو ~~إلى القيامة قال الله تعالى: # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم # [الأنفال: 33] ولا يقال: أليس أنه قال: # قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم # [التوبة: 14]. وقال: # ليعذب الله المنافقين # [الأحزاب: 73] لأنا نقول تخصيص العام لا يقدح فيه. # الثالث: أنه - عليه السلام - كان في نهاية حسن الخلق قال تعالى: # وإنك لعلى خلق عظيم # [القلم: 4] # " وقيل له - عليه السلام -: ادع على المشركين. فقال: " إنما بعثت رحمة ~~ولم أبعث عذابا " # ، وقال في رواية حذيفة: # " إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر، فأيما رجل سببته أو لعنته ~~فاجعلها اللهم عليه صلاة إلى يوم القيامة ". # الرابع: قال عبد الرحمن بن يزيد: { إلا رحمة للعالمين } ~~يعني المؤمنين خاصة. # فصل # قالت المعتزلة: لو كان تعالى أراد من الكافر الكفر ولم يرد منه القبول ~~من الرسول، بل ما أراد منهم إلا الرد عليه، وخلق ذلك فيهم، ولم يخلقهم ~~إلا لذلك كما يقول أهل السنة لوجب أن يكون إرساله نقمة وعذابا عليهم لا ~~رحمة، وهو خلاف هذا النص، ولا يقال: إن رسالته رحمة للكفار من حيث لم ~~يعجل عذابهم في الدنيا كما عجل عذاب سائر الأمم، لأنا نقول: إن كونه ~~رحمة للجميع على حد واحد، وما ذكرتموه في الكفار فهو حاصل للمؤمنين، ~~وأيضا فإن الذي ذكروه من نعم الدنيا كانت حاصلة للكفار قبل بعثته - عليه ~~السلام - لحصولها بعده، بل كانت نعمهم في الدنيا قبل بعثته كحصولها بعده ~~وأعظم، لأن في بعثته نزل بهم الغم والخوف، ثم أمر الجهاد الذي فيه أكبر ~~هم، فلا يجوز أن يكون هذا هو ms6284 المراد. # والجواب أن نقول لما علم الله أن أبا لهب لم يؤمن ألبتة، وأخبر عنه أنه ~~لا يؤمن كان أمره بالإيمان أمرا يقلب علمه جهلا وخبره الصدق كذبا، ~~وذلك محال، فكان قد أمره بالمحال، وإن كانت البعثة مع هذا القول رحمة، ~~فلم لا يجوز أن يقال البعثة رحمة مع أنه خلق الكفر في الكافر؟ ولأن قدرة ~~الكافر إن لم تصلح إلا للكفر فقط فالسؤال عليهم لازم، وإن كانت صالحة ~~للضدين توقف الترجيح على مرجح من قبل الله تعالى قطعا للتسلسل. وحينئذ ~~يعود الإلزام، ثم نقول: لم لا يجوز أن يكون رحمة للكفار تأخير عذاب ~~الاستئصال عنهم؟ وقولهم أولا: لما كان رحمة للجميع على حد واحد وجب أن ~~يكون رحمة للكفار من الوجه الذي كان رحمة للمؤمنين. # فالجواب: ليس في الآية أنه - عليه السلام - رحمة للكل باعتبار واحد أو ~~باعتبارين مختلفين، فدعواكم بكون الوجه واحدا تحكم. وقولهم نعم الدنيا ~~كانت حاصلة للكفار من قبل. فالجواب: نعم، ولكنه - عليه السلام - لكونه ~~رحمة للمؤمنين لما بعث حصل الخوف للكفار من نزول العذاب، فلما اندفع ~~ذلك عنهم بسبب حضوره كان ذلك رحمة في حق الكفار. # فصل # تمسكوا بهذه الآية في أنه أفضل من الملائكة، لأن الملائكة من العالمين، ~~فوجب أن يكون أفضل منهم. وأجيب بأنه معارض بقوله تعالى في حق الملائكة # ويستغفرون للذين ءامنوا # [غافر: 7] وذلك رحمة منهم في حق المؤمنين، والرسول - عليه السلام - داخل ~~في المؤمنين، وكذا قوله تعالى: # إن الله وملائكته يصلون على النبي # [الأحزاب: 56]. ### || [21.108-112] # قوله: { قل إنمآ يوحى إلي أنمآ إلهكم إله ~~واحد } الآية. # لما أورد على الكافر الحجج في أن لا إله سواه، وبين أنه أرسل رسوله رحمة ~~للعالمين أتبع ذلك بما يكون إنذارا في مجاهدتهم والإقدام عليهم فقال: { ~~قل إنمآ يوحى إلي } قوله: " أنما إلهكم " (أن) ~~وما في حيزها في محل رفع لقيامه مقام الفاعل إذ التقدير: إنما يوحي إلي ~~وحدانية إلهكم. وقال الزمخشري: " إنما " لقصر الحكم على شيء، أو لقصر ~~الشيء على حكم كقولك: إنما زيد قائم، ms6285 وإنما يقوم زيد، وقد اجتمع ~~المثلان في هذه الآية، لأن { إنمآ يوحى إلي } مع فاعله بمنزلة ~~إنما يقوم زيد، و { أنمآ إلهكم إله واحد } بمنزلة ~~إنما زيد قائم، وفائدة اجتماعهما الدلالة على أن الوحي لرسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - مقصور على استئثار الله بالوحدانية. # قال أبو حيان: أما ما ذكره في " إنما " أنها لقصر ما ذكر فهو مبني ~~على أن " إنما " للحصر، وقد قررنا أنها لا تكون للحصر، وأن " ما " مع ~~" إن " كهي مع " كأن " ومع " لعل " فكما أنها لا تفيد الحصر في ~~التشبيه، ولا الحصر في الترجي، فكذلك لا تفيده مع " إن " ، وأما جعله " ~~أنما " المفتوحة الهمزة مثل المكسورتها يدل على القصر فلا نعلم الخلاف ~~إلا في " إنما " بالكسر، وأما " أنما " بالفتح فحرف مصدري ينسبك منه ~~مع ما بعده مصدر، فالجملة بعدها ليست جملة مستقلة، ولو كانت " أنما " ~~دالة على الحصر لزم أن يقال: أنه لم يوح إلي شيء إلا التوحيد، وذلك لا ~~يصح الحصر فيه، إذ قد أوحي إليه أشياء غير التوحيد. قال شهاب الدين: ~~الحصر بحسب كل مقام على ما يناسبه، فقد يكون هذا المقام يقتضي الحصر في ~~إيحاء الوحدانية لشيء جرى من إنكار الكفار وحدانيته تعالى، وأن الله لم ~~يوح إليه شيئا، وهذا كما أجاب الناس عن هذا الإشكال الذي ذكره الشيخ في ~~قوله: # إنمآ أنت منذر # [النازعات: 45] # إنمآ أنا بشر # [الكهف: 110] # أنما الحيوة الدنيا لعب ولهو وزينة # [الحديد: 20] إلى غير ذلك، و " ما " من قوله: " إنما يوحى " يجوز ~~فيها وجهان: # أحدهما: أن تكون كافة. وقد تقدم. # والثاني: أن تكون موصولة كهي في قوله: # إنما صنعوا # [طه: 69]، ويكون الخبر هو الجملة من قوله { أنمآ إلهكم ~~إله واحد } تقديره: أن الذي يوحى إلي هو هذا الحكم. قوله: { ~~فهل أنتم مسلمون } استفهام معناه الأمر بمعنى: أسلموا، كقوله: # فهل أنتم منتهون # [المائدة: 91] أي: انتهوا. قوله: { فإن تولوا فقل ~~ءاذنتكم على سوآء } آذنتكم أعلمتكم، فالهمزة فيه للنقل، ~~قال الزمخشري: آذن منقول من أذن: إذا علم، لكنه كثر استعماله في ms6286 الجري ~~مجرى الإنذار، ومنه قوله: # فأذنوا بحرب # [البقرة: 279] وقول ابن حلزة: # 3742- آذنتنا ببينها أسماء # وقد تقدم تحقيق هذا في البقرة. # قوله: " على سواء " في محل نصب على الحال من الفاعل والمفعول معا، ~~أي: مستوين بما أعلمتكم به لم نطوه على أحد منهم. # فصل # قال أبو مسلم: الإنذار على السواء الدعاء على الحرب مجاهرة كقوله: # فانبذ إليهم على سوآء # [الأنفال: 58] وفائدة ذلك أنه كان يجوز أن يقدر من أشرك أن حالهم مخالف ~~لسائر حال الكفار في المجاهرة، فعرفهم بذلك أنهم كالكفار في ذلك. وقيل: ~~المعنى: فقد أعلمتكم ما هو الواجب عليكم من التوحيد وغيره على سواء في ~~الإبلاغ والبيان، لأني بعثت معلما، والغرض منه إزاحة العذر لئلا يقولوا # ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا # [طه: 134] وقيل: (ليستوي في الإيمان). وقيل: { ءاذنتكم على ~~سوآء } أي: على مهل أي: لا أعاجل بالحرب الذي آذنتكم، بل أمهل وأؤخر ~~رجاء إسلامكم. # قوله: " وإن أدري " العامة على إرسال الياء ساكنة، إذ لا موجب ~~لغير ذلك. وروي عن ابن عباس أنه قرأ { وإن أدري أقريب } { ~~وإن أدري لعله فتنة } بفتح الياءين، وخرجت على التشبيه ~~بياء الإضافة على أن ابن مجاهد أنكر هذه القراءة البتة. وقال ابن جني: ~~هو غلط، لأن " أن " نافية لا عمل لها. ونقل أبو البقاء عن غيره أنه قال ~~في تخريجها: أنه ألقي حركة الهمزة على الياء فتحركت، وبقيت الهمزة ساكنة، ~~فأبدلت ألفا لانفتاح ما قبلها، ثم أبدلت همزة متحركة، لأنها في حكم ~~المبتدأ بها، والابتداء بالساكن محال. وهذا تخريج متكلف لا حاجة إليه، ~~ونسبة راويها عن ابن عباس إلى الغلط أولى من هذا التكلف فإنها قراءة ~~شاذة، وهذا التخريج وإن وقع في الأولى فلا يجري في الثانية شيئا. وسيأتي ~~قريب من ادعاء قلب الهمزة ألفا ثم قلب الألف همزة في قوله: " ~~منسأته " - إن شاء الله -، وبذلك يسهل الخطب في التخريج المذكور ~~والجملة الاستفهامية في محل نصب ب " أدري " ، لأنها معلقة لها عن ~~العمل، وأخر المستفهم عنه لكونه فاصلة، ولو وسط لكان التركيب: أقريب ما ms6287 ~~توعدون أم بعيد، ولكنه أخر مراعاة لرؤوس الآي. و " ما توعدون " يجوز ~~أن يكون مبتدأ وما قبله خبر عنه ومعطوف عليه، وجوز أبو البقاء فيه أن ~~يرتفع فاعلا ب " قريب " قال: لأنه اعتمد على الهمزة. قال: ويخرج ~~على قول البصريين أن يرتفع ب " بعيد " لأنه أقرب إليه. يعني أنه يجوز ~~أن تكون المسألة من التنازع فإن كلا من الوصفين يصح تسلطه على " ما ~~توعدون " من حيث المعنى. # فصل # المعنى: وما أدري أقريب أم بعيد ما توعدون، يعني: القيامة أو من عذاب ~~الدنيا. وقيل: الذي آذنهم به من الحرب لا يعلم هو قريب أم بعيد لئلا يقدر ~~أن يتأخر، وذلك أن السورة مكية، وكان الأمر بالجهاد بعد الهجرة. وقيل: ~~ما يوعدون من غلبة المسلمين عليهم. # قوله: { إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما ~~تكتمون } والمقصود منه الأمر بالإخلاص وترك النفاق. و " من القول " ~~حال من الجهر. قوله: " لعله فتنة " الظاهر أن هذه الجملة متعلقة ~~ب " أدري " والكوفيون يجرون الترجي مجرى الاستفهام في ذلك، إلا أن ~~النحويين لم يعدوا من المعلقات (لعل) وهي ظاهرة في ذلك كهذه الآية، ~~وكقوله: # وما يدريك لعله يزكى # [عبس: 3] # وما يدريك لعل الساعة قريب # [الشورى: 17]. # فصل # المعنى: وما أدري لعل تأخير العذاب عنكم، أو لعل إبهام الوقت الذي ينزل ~~عليكم العذاب فتنة لكم أي: بلية واختبار لكم ليرى صنيعكم، وهل يتوبوا عن ~~الكفر أم لا وقيل: لعل ما أنتم فيه من الدنيا بلية لكم، والفتنة البلوى ~~والاختبار. # وقيل: لعل تأخير الجهاد فتنة لكم إذا أنتم دمتم على كفركم. وقيل: لعل ما ~~بينت لكم فتنة لكم (لأنه زيادة في عذابهم إن لم يتوبوا) { ومتاع ~~إلى حين } أي: يتمتعون إلى انقضاء آجالهم. # قوله: { قل رب احكم } قرأ حفص عن عاصم " قال رب " خبرا عن ~~الرسول - عليه السلام - والباقون: " قل " على الأمر. وقرأ العامة بكسر ~~الباء اجتزاء بالكسرة عن ياء الإضافة وهي الفصحى. وقرأ أبو جعفر بضم ~~الباء، فقال صاحب اللوامح: إنه منادى مفرد، ثم قال: وحذف حرف النداء فيما ms6288 ~~يكون وصفا ل (أي) بعيد بابه الشعر. قال شهاب الدين: وليس هذا من ~~المنادى المفرد، بل نص بعضهم على أن هذه بعض اللغات الجائزة في المضاف ~~إلى ياء المتكلم حال ندائه. وقرأ العامة " احكم " على صورة الأمر. # وقرأ ابن عباس وعكرمة وابن يعمر " ربي " بسكون الياء " أحكم " ~~أفعل تفضيل، فهما مبتدأ وخبر. وقرىء " أحكم " بفتح الميم كأكرم على ~~أنه فعل ماض في محل خبر أيضا ل " ربي " وقرأ العامة " تصفون " ~~بالخطاب. # وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي - رضي الله عنه - " يصفون ~~" بالياء من تحت وهي مروية أيضا عن عاصم وابن عامر، والغيبة والخطاب ~~واضحان # فصل # المعنى: رب اقض بيني وبين قومي بالحق أي: بالعذاب، والحق ههنا العذاب، ~~نظيره: # ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق # [الأعراف: 89] فلا جرم حكم الله تعالى عليهم بالقتل يوم بدر. وقال أهل ~~المعاني: رب احكم بحكمك الحق فحذف الحكم وأقيم الحق مقامه. والله يحكم ~~بالحق طلب أو لم يطلب، ومعنى الطلب: ظهور الرغبة من الطالب للحق. وقيل: ~~المعنى: افصل بيني وبينهم بما يظهر الحق للجميع، وهو أن تنصرني عليهم. { ~~وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون } من الكذب ~~والباطل. وقيل: كانوا يطمعون أن يكون لهم الشوكة والغلبة، فكذب الله ~~ظنونهم، وخيب آمالهم، ونصر رسوله والمؤمنين. # فصل # روي عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # " من قرأ سورة { اقترب للناس حسابهم } حاسبه الله حسابا ~~يسيرا وصافحه وسلم عليه كل نبي ذكر اسمه في القرآن ". ### | [22 - سورة الحج] ### || [22.1-2] # قوله: { يأيها الناس اتقوا ربكم } أي: احذروا عقابه. ~~والأمر بالتقوى يتناول اجتناب المحرمات، واجتناب ترك الواجبات. # قوله: { إن زلزلة الساعة } الزلزلة: شدة حركة الشيء، ويجوز ~~في هذا المصدر وجهان: # أحدهما: أن يكون مضافا لفاعله، وذلك على تقديرين: # أحدهما: أن يكون من (زلزل) اللازم بمعنى: يزلزل، فالتقدير: أن ~~تزلزل الساعة. # والثاني: أن يكون من (زلزل) المتعدي، ويكون المفعول محذوفا تقديره: ~~إن زلزال الساعة الناس، كذا قدره أبو البقاء. والأحسن أن يقدر: إن ~~زلزال ms6289 الساعة الأرض، يدل عليه # إذا زلزلت الأرض # [الزلزلة:1]، ونسبة التزلزل أو الزلزال إلى الساعة على سبيل المجاز. # الوجه الثاني: أن يكون المصدر مضافا إلى المفعول به على طريقة الاتساع ~~في الظرف كقوله: # 3743- طباخ ساعات الكرى زاد الكسل # وقد أوضح الزمخشري ذلك بقوله: ولا تخلو " الساعة " من أن تكون على ~~تقدير الفاعل لها، كأنها هي التي تزلزل الأشياء على المجاز الحكمي، فتكون ~~الزلزلة مصدرا مضافا إلى فاعله، وعلى تقدير المفعول فيها على طريقة ~~الاتساع في الظرف، وإجرائه مجرى المفعول به كقوله تعالى: # مكر الليل والنهار # [سبأ:33]. # فصل # اختلفوا في وقت هذه الزلزلة، فقال علقمة والشعبي: هي من أشراط الساعة ~~قبل قيام الساعة، ويكون بعدها طلوع الشمس من مغربها. وقال ابن عباس: ~~زلزلة الساعة قيامها، فتكون فعلها روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- في حديث الصور: # " إنه قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ونفخة ~~الصعق، ونفخة القيامة، وإن عند نفخة الفزع يسير الله الجبال، ~~وترجف الراجفة، تتبعها الرادفة، قلوب يومئذ واجفة وتكون الأرض ~~كالسفينة حصرتها الأمواج أو كالقنديل المعلق تموجها الرياح " # قال مقاتل وابن زيد: هذا في أول يوم من أيام الآخرة وليس في الآية دلالة ~~على هذه الأقوال، لأن هذه الإضافة [تصح] وإن كانت فيها ومعها كقولنا: ~~آيات الساعة وأمارات الساعة. # قوله: " يوم " ، فيه أوجه: # أحدها: أن ينتصب ب " تذهل " ، ولم يذكر الزمخشري غيره. # الثاني: أنه منصوب ب " عظيم ". # الثالث: أنه منصوب بإضمار " اذكر ". # الرابع: أنه بدل من " الساعة " ، وإنما فتح لأنه مبني، لإضافته إلى ~~الفعل وهذا إنما يتمشى على قول الكوفيين، وتقدم تحقيقها آخر المائدة. # الخامس: أنه بدل من " زلزلة " بدل اشتمال، لأن كلا من الحدث ~~والزمان يصدق أنه مشتمل على الآخر. ولا يجوز أن ينتصب ب " زلزلة " ~~لما يلزم من الفصل بين المصدر ومعموله بالخبر. # قوله: " ترونها " في هذا الضمير قولان: # أظهرهما: أنه ضمير الزلزلة؛ لأنها المحدث عنها، ويؤيده أيضا قوله { ~~تذهل كل مرضعة }. # والثاني: أنه ضمير الساعة. # فعلى الأول: يكون الذهول والوضع حقيقة؛ لأنه ms6290 في الدنيا. # وعلى الثاني: يكون على سبيل التعظيم والتهويل، وأنها بهذه الحيثية، إذ ~~المراد بالساعة القيامة، وهو كقوله: # يوما يجعل الولدان شيبا # [المزمل: 17]. # قوله: " تذهل " في محل نصب على الحال من الهاء في " ترونها " ، ~~فإن الرؤية هنا بصرية، وهذا إنما يجيء على غير الوجه الأول، وأما ~~الوجه الأول وهو أن " تذهل " ناصب ل " يوم ترونها " فلا محل ~~للجملة من الإعراب؛ لأنها مستأنفة، أو يكون محلها النصب على الحال من ~~الزلزلة، أو من الضمير في " عظيم " وإن كان مذكرا، لأنه هو الزلزلة ~~في المعنى، أو من " الساعة " وإن كانت مضافا إليها، لأنه إما فاعل أو ~~مفعول كما تقدم. وإذا جعلناها حالا فلا بد من ضمير محذوف تقديره: تذهل ~~فيها. وقرأ العامة: " تذهل " بفتح التاء والهاء من: ذهل عن كذا يذهل. ~~وقرأ ابن أبي عبلة واليماني: بضم التاء وكسر الهاء، ونصب " كل " على ~~المفعول به من أذهله عن كذا يذهله، عداه بالهمزة. والذهول: الاشتغال ~~عن الشيء، وقيل: إذا كان مع دهشته وقيل: إذا كان ذلك لطرآن شاغل من هم ~~أو مرض ونحوهما، وذهل بن شيبان أصله من هذا. والمرضعة: من تلبست بالفعل، ~~والمرضع من شأنها أن ترضع كحائض فإذا أراد التلبس قيل: حائضة. قال ~~الزمخشري: فإن قلت: لم قيل " مرضعة " دون مرضع؟ قلت: المرضعة هي ~~التي في حال الإرضاع ملقمة ثديها الصبي، والمرضع التي من شأنها أن ترضع ~~وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها (به). والمعنى: أن من شدة الهول تذهل ~~هذه عن ولدها فكيف بغيرها. وقال بعض الكوفيين: المرضعة يقال للأم، ~~والمرضع يقال للمستأجرة غير الأم، وهذا مردود بقول الشاعر: # 3744- كمرضعة أولاد أخرى وضيعت # بني بطنها هذا الضلال عن القصد # فأطلق المرضعة بالتاء على غير الأم. وقول العرب مرضعة يرد أيضا قول ~~الكوفيين: إن الصفات المختصة بالمؤنث لا يلحقها تاء التأنيث نحو: حائض ~~وطالق. فالذي يقال: إن قصد النسب فالأمر على ما ذكروا، وإن قصد الدلالة ~~على التلبس بالفعل وجبت التاء، فيقال: حائضة وطالقة وطامثة. # قوله: " عما أرضعت " يجوز في ms6291 " ما " أن تكون مصدرية، أي: عن ~~إرضاعها، ولا حاجة إلى تقدير حذف على هذا. ويجوز أن تكون بمعنى (الذي)، ~~فلا بد من حذف عائد، أي: أرضعته، ويقويه تعدي " تضع " إلى مفعول دون ~~مصدر. والحمل - بالفتح - ما كان في بطن أو على رأس شجر، وبالكسر ما كان ~~على ظهر. # قوله: { وترى الناس سكارى }. العامة على فتح التاء من " ترى ~~" على خطاب الواحد. # وقرأ زيد بن علي بضم التاء وكسر الراء على أن الفاعل ضمير الزلزلة، أو ~~الساعة وعلى هذه القراءة فلا بد من مفعول أول محذوف ليتم المعنى به، أي: ~~وتري الزلزلة أو الساعة الخلق الناس سكارى. ويؤيد هذا قراءة أبي هريرة ~~وأبي زرعة وأبي نهيك " ترى الناس سكارى " بضم التاء وفتح الراء ~~على ما لم يسم فاعله ونصب " الناس " ، بنوه من المتعدي لثلاثة، ~~فالأول قام مقام الفاعل وهو ضمير المخاطب، و " الناس سكارى " هما ~~الثاني والثالث. # ويجوز أن يكون متعديا لاثنين فقط على معنى وتري الزلزلة أو الساعة ~~الناس قوما سكارى، ف " الناس " هو الأول و " سكارى " هو الثاني ~~وقرأ الزعفراني وعباس في اختياره " وترى " كقراءة أبي هريرة إلا أنهما ~~رفعا " الناس " على أنه مفعول لم يسم فاعله، والتأنيث في الفعل على ~~تأويلهم بالجماعة. وقرأ الأخوان " سكرى وما هم بسكرى " على ~~وزن وصفه المؤنثة بذلك واختلف في ذلك هل هذه صيغة جمع على فعلى كمرضى ~~وقتلى، أو صفة مفردة استغني بها في وصف الجماعة خلاف مشهور تقدم في قوله ~~" أسرى ". وظاهر كلام سيبويه أنه جمع تكسير فإنه قال: وقوم يقولون: " ~~سكرى " جعلوه مثل مرضى. لأنهما شيئان يدخلان على الإنسان ثم جعلوا ~~روبى مثل سكرى، وهم المستثقلون نوما لا من شرب الرائب. # وقال الفارسي: ويجوز أن يكون جمع سكر كزمن وزمنى، وقد حكي: رجل ~~سكر بمعنى سكران، فيجيء سكرى حينئذ لتأنيث الجمع. قال شهاب الدين: ومن ~~ورود سكر بمعنى سكران قوله: # 3745- وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني # ثوبي فأنهض نهض الشارب السكر # وكنت أمشي على رجلين معتدلا # فصرت أمشي على أخرى ms6292 من الشجر # ويروى البيت الأول: الشارب الثمل. وبالراء أصح لدلالة البيت الثاني ~~عليه. # وقرأ الباقون " سكارى " بضم السين، وقد تقدم في البقرة خلاف، هل هذه ~~الصيغة جمع تكسير أو اسم جمع. وقرأ أبو هريرة وأبو نهيك وعيسى بفتح السين ~~فيهما، وهو جمع تكسير واحده سكران. قال أبو حاتم: وهي لغة تميم. وقرأ ~~الحسن والأعرج وأبو زرعة والأعمش " سكرى " " وما هم بسكرى " ~~بضم السين فيهما. فقال ابن جني: هي اسم مفرد كالبشرى بهذا أفتاني أبو ~~علي. وقال أبو الفضل: فعلى بضم الفاء صفة الواحد من الإناث، لكنها لما ~~جعلت من صفات الناس وهم جماعة أجريت الجماعة بمنزلة المؤنث الموحد. # وقال الزمخشري: وهو غريب. قال شهاب الدين: ولا غرابة فإن فعلى بضم الفاء ~~كثير مجيئها في أوصاف المؤنثة نحو الربى والحبلى. وجوز أبو ~~البقاء فيه أن يكون محذوفا من سكارى وكان من حق هذا القارئ أن يحرك ~~الكاف بالفتح إبقاء لها على ما كانت عليه وقد رواها بعضهم كذلك عن الحسن. # وقرئ " ويرى الناس " بالياء من تحت، ورفع " الناس ". # وقرأ أبو زرعة في رواية " سكرى " بالفتح " وما هم بسكرى " ~~بالضم. وعن ابن جبير كذلك إلا أنه حذف الألف من الأول دون الثاني. وإثبات ~~السكر وعدمه بمعنى الحقيقة والمجاز، أي: { وترى الناس سكارى } ~~على التشبيه { وما هم بسكارى } على التحقيق. قال الزمخشري: فإن ~~قلت: لم قيل أولا: ترون، ثم قيل: ترى على الإفراد؟ قلت: لأن الرؤية ~~أولا علقت بالزلزلة، فجعل الناس جميعا رائين لها، وهي معلقة أخيرا ~~بكون الناس على حال السكر، فلا بد أن يجعل كل واحد منهم رائيا لسائرهم. # فصل # " روي أن هاتين الآيتين نزلتا بالليل في غزوة بني المصطلق، والناس ~~يسيرون، فنادى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاجتمعوا حوله، فقرأهما ~~عليهم، فلم ير أكثر باكيا من تلك الليلة، فلما أصبحوا لم يحطوا السروج ~~على الدواب ولم يضربوا الخيام ولم يطبخوا القدور، والناس بين باك وجالس ~~حزين متفكر. فقال عليه السلام: " أتدرون أي ذلك اليوم "؟ ~~قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ms6293 " ذلك يوم يقول الله ~~تعالى لآدم: قم فابعث بعث النار من ولدك، فيقول ~~آدم: وما بعث النار؟ فيقول الله تعالى من كل ألف ~~تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة، فعند ~~ذلك يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى ~~الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد " قال: ~~فيقولون: وأينا ذلك الواحد فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: " تسعمائة وتسعة وتسعون من يأجوج ومأجوج ~~ومنكم واحد " ". # وفي رواية فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # " " يسروا وسددوا وقاربوا فإن معكم خليقتين ما ~~كانتا في قوم إلا كثروا يأجوج ومأجوج " ثم قال: " ~~إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة " فكبروا ~~وحمدوا الله، ثم قال: " إني لأرجوا أن تكونوا نصف ~~أهل الجنة " فكبروا وحمدوا الله، ثم قال: " إني لأرجو ~~أن تكونوا ثلثي أهل الجنة، إن أهل الجنة مائة ~~وعشرون صفا، ثمانون من أمتي وما المسلمون في الكفار ~~إلا كالشامة في جنب البعير، أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود " ~~ثم قال: " ويدخل من أمتي سبعون ألفا الجنة بغير ~~حساب " فقال عمر: سبعون ألفا. فقال: " نعم ومع كل واحد ~~سبعون ألفا " فقام عكاشة بن محصن وقال: يا رسول الله ادع الله ~~أن يجعلني منهم. قال: " أنت منهم " فقام رجل من الأنصار وقال مثل ~~قوله، فقال: " سبقك بها عكاشة ". فخاض الناس في السبعين ألفا، فأخبروا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما قالوا، فقال عليه السلام: " هم ~~الذين لا يكذبون ولا يزنون ولا يسرقون ولا ينظرون وعلى ربهم يتوكلون " ". # فصل # معنى الآية قال ابن عباس: " تذهل " تشغل، وقيل: تتنسى " كل ~~مرضعة " إذا شاهدت ذلك الهول وقد ألقمت المرضع ثديها نزعته من فيه ~~لما يلحقها من الدهشة " عما أرضعت " أي عن إرضاعها أو عن الذي ~~أرضعته، وهو الطفل، { وتضع كل ذات حمل حملها } أي تسقط ~~ولدها التمام وغير التمام. قال الحسن: وهذا يدل على أن الزلزلة تكون في ~~الدنيا؛ لأن بعد البعث لا يكون حبل. قال القفال: ويحتمل أن يقال: إن من ms6294 ~~ماتت حاملا أو مرضعة بعثت حاملا ومرضعة تضع حملها من الفزع، ويحتمل أن ~~يكون المراد من ذهول المرضعة ووضع الحامل على جهة المثل كما تأولوا قوله: # يوما يجعل الولدان شيبا # [المزمل: 17]. # و { وترى الناس سكارى } من الخوف { وما هم بسكارى } ~~من الشراب. وقيل: معناه كأنهم سكارى، ولكن ما أرهقهم من خوف عذاب الله هو ~~الذي أذهب عقولهم. # فإن قيل: هل يحصل ذلك الخوف لكل أحد أو لأهل النار خاصة؟ # فالجواب: قال قوم إن الفزع الأكبر وغيره يختص بأهل النار، وإن أهل الجنة ~~يحشرون وهم آمنون، لقوله: # لا يحزنهم الفزع الأكبر # [الأنبياء: 103] وقيل: بل يحصل للكل؛ لأنه سبحانه لا اعتراض عليه في شيء ~~من أفعاله. # فصل # احتجت المعتزلة بقوله { إن زلزلة الساعة شيء عظيم } ~~وصفها بأنها شيء مع أنها معدومة. وبقوله تعالى: # إن الله على كل شيء قدير # [البقرة: 20] فالشيء الذي قدر الله عليه إما أن يكون موجودا أو ~~معدوما، والأول محال وإلا لزم كون القادر قادرا على إيجاد الموجود، ~~وإذا بطل هذا ثبت أن الشيء الذي قدر الله عليه معدوم، فالمعدوم شيء ~~(واحتجوا أيضا بقوله تعالى: # ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن ~~يشآء الله # [الكهف: 23، 24] أطلق اسم الشيء على المعدوم في الحال، فالمعدوم شيء). ~~وأجيب عن الأول أن الزلزلة عبارة عن الأجسام المتحركة. وهي جواهر قامت ~~بها أعراض، وتحقق ذلك في العدم محال، فالزلزلة يستحيل أن تكون شيئا حال ~~عدمها، فلا بد من التأويل، ويكون المعنى أنها إذا وجدت صارت شيئا وهذا ~~هو الجواب عن الباقي. ### || [22.3-4] # قوله: { ومن الناس من يجادل في الله } الآية. في النظم ~~وجهان: # الأول: أنه أخبر فيما تقدم عن أهل القيامة وشدتها، ودعا الناس إلى تقوى ~~الله، ثم ميز في هذه الآية قوما من الناس الذين ذكروا في الأولى وأخبر ~~عن مجادلتهم. # الثاني: أنه تعالى بين أنه مع هذا التحذير الشديد بذكر زلزلة الساعة ~~وشدائدها، قال: { ومن الناس من يجادل في الله بغير ~~علم }. # قوله: " من يجادل " يجوز أن تكون " من " نكرة ms6295 موصوفة، وأن تكون ~~موصولة، و " في الله " أي: في صفاته، و " بغير علم " مفعول أو ~~حال من فاعل " يجادل " وقرأ زيد بن علي " ويتبع " مخففا. # فصل # قال المفسرون: نزلت في النضر بن الحارث، كان كثير الجدل، وكان يقول: ~~الملائكة بنات الله والقرآن أساطير الأولين، وكان ينكر البعث، وإحياء من ~~صار ترابا، ويتبع في جداله في الله بغير علم كل شيطان مريد. والمريد: ~~المتمرد المستمر في الشر. يريد شياطين الإنس، وهم رؤساء الكفار الذين ~~يدعون من دونهم إلى الكفر. # وقيل: أراد إبليس وجنوده، قال الزجاج المريد والمارد: المرتفع الأملس. ~~يقال: صخرة مرداء، أي: ملساء. ويجوز أن يستعمل في غير الشيطان إذا جاوز ~~[حد] مثله. # قوله: { كتب عليه أنه } قرأ العامة " كتب " مبنيا ~~للمفعول، وفتح " أن " في الموضعين. وفي ذلك وجهان: # أحدهما: أن " أنه " وما في حيزه في محل نصب لقيامه مقام الفاعل، ~~فالهاء في " عليه " ، وفي " أنه " تعودان على " من " المتقدمة. و " ~~من " الثانية يجوز أن تكون شرطية، والفاء جوابها، وأن تكون موصولة ~~والفاء زائدة في الخبر لشبه المبتدأ بالشرط، وفتحت " أن " الثانية، لأنها ~~وما في حيزها في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره: فشأنه وحاله أنه يضله، ~~أو يقدر " فأنه " مبتدأ والخبر محذوف أي: فله أنه يضله. # الثاني: قال الزمخشري: ومن فتح فلأن الأول فاعل كتب، والثاي عطف عليه. # قال أبو حيان: وهذا لا يجوز؛ لأنك إذا جعلت " فأنه " عطفا على " ~~أنه " بقيت " أنه " بلا استيفاء خبر، لأن " من تولاه " " من " فيه مبتدأة ~~فإن قدرتها موصولة فلا خبر لها حتى تستقل خبرا ل " أنه " ، وإن ~~جعلتها شرطية فلا جواب لها، إذ جعلت " فأنه " عطفا على " أنه ". قال ~~شهاب الدين: وقد ذهب ابن عطية إلى مثل قول الزمخشري فإنه قال: و " أنه " ~~في موضع رفع (على المفعول الذي لم يسم فاعله. # و " أنه " الثانية عطف على الأولى مؤكد وهذا رد واضح. وقرئ " كتب " ~~مبنيا للفاعل، أي: كتب الله، ف (أن) وما في حيزها في محل نصب) على ~~المفعول به، وباقي الآية ms6296 على ما تقدم. # وقرأ الأعمش والجعفي عن أبي عمرو " إنه، فإنه " بكسر الهمزتين. # وقال ابن عطية: وقرأ أبو عمرو " إنه، فإنه " بالكسر فيهما وهذا يوهم أنه ~~مشهور عنه، وليس كذلك. وفي تخريج هذه القراءة ثلاثة أوجه، ذكرها ~~الزمخشري: # الأول: أن يكون على حكاية المكتوب كما هو، كأنه قيل: كتب عليه هذا ~~اللفظ، كما تقول: كتب عليه إن الله هو الغني الحميد. # الثاني: أن يكون على إضمار قيل. # الثالث: أن " كتب " فيه معنى قيل. # قال أبو حيان: أما تقدير قيل يعني فيكون " عليه " في موضع مفعول ما لم ~~يسم فاعله، و " أنه من تولاه " الجملة مفعول لم يسم لقيل ~~المضمر، وهذا ليس مذهب البصريين فإن الجملة عندهم لا تكون فاعلا فلا ~~تكون مفعول ما لم يسم فاعله. وكان أبو حيان قد اختار ما بدأ به الزمخشري ~~أولا، وفيه ما فر منه وهو أنه أسند الفعل إلى الجملة فاللازم مشترك، ~~وقد تقدم تقرير مثل هذا في أول البقرة. ثم قال: وأما الثاني يعني أنه ضمن ~~" كتب " معنى القول -، فليس مذهب البصريين، لأنه لا تكسر " أن " عندهم ~~إلا بعد القول الصريح، لا ما هو بمعناه. والضميران في " عليه " و " ~~أنه " عائدان على " من " الأولى كما تقدم، وكذلك الضمائر في " ~~تولاه " و " فأنه " والمرفوع في " يضله ويهديه " لأن من الأولى ~~هو المحدث عنه والضمير المرفوع في " تولاه " والمنصوب في " يضله ويهديه " ~~عائد على " من " الثانية. # وقيل: الضمير في " عليه " ل " كل شيطان " ، والضمير في " ~~فأنه " للشأن. # وقال ابن عطية: الذي يظهر لي أن الضمير الأول في " أنه " يعود على " ~~كل شيطان " وفي " فأنه " يعود على " من " الذي هو المتولى. # فصل # قيل: معنى " كتب عليه " مثل، أي: كأنما كتب إضلال من يتولاه عليه ~~لظهور ذلك في حاله. وقيل: كتب عليه في أم الكتاب. واعلم أن هذا الكلام ~~يحتمل أن يكون راجعا إلى " من يجادل " ، وأن يرجع إلى الشياطين. ~~فإن رجع إلى " من يجادل " فإنه يرجع إلى لفظه الذي هو موحد فكأنه ~~قال: كتب: من يتبع ms6297 الشيطان أضله عن الجنة وهداه إلى النار، وذلك زجر منه، ~~فكأنه قال: كتب على من هذا حاله أن يصير أهلا لهذا الوعد. وإن رجع إلى ~~الشيطان كان المعنى ويتبع كل شيطان مريد قد كتب عليه أنه من يتولاه فهو ~~ضال. وعلى هذا الوجه أيضا يكون زجرا عن اتباعه. ### || [22.5-7] # قوله تعالى: { يأيها الناس إن كنتم في ريب من ~~البعث } الآية. لما حكى عنهم الجدال بغير علم في إثبات الحشر والنشر، ~~وذمهم عليه، ألزمهم الحجة، وأورد الدلالة على صحة ذلك من وجهين: # أحدهما: الاستدلال بخلقة الحيوان أولا، ثم بخلقة النبات ثانيا، وهذا ~~موافق لما أجمله في قوله: # قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة # [يس: 79]. وقوله: # فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة # [الإسراء: 51]. فكأنه تعالى قال: { إن كنتم في ريب } أي شك من ~~البعث ففكروا في خلقتكم الأولى لتعلموا أن القادر على خلقكم أولا قادر ~~على خلقكم ثانيا. # قوله: " من البعث ". يجوز أن يتعلق ب " ريب " ويجوز أن يتعلق ~~بمحذوف على أنه صفة ل " ريب ". وقرأ الحسن " البعث " بفتح العين، وهي ~~لغة كالطرد والحلب في الطرد والحلب بالسكون. قال أبو حيان: ~~والكوفيون إسكان العين عندهم تخفيف فيما وسطه حرف حلق كالنهر ~~والنهر، والشعر والشعر، والبصريون لا يقيمونه، وما ورد من ذلك ~~هو عندهم مما جاء فيه لغتان. وهذا يوهم ظاهره أن الأصل: البعث - بالفتح - ~~وإنما خفف، وليس الأمر كذلك وإنما محل النزاع إذا سمع الحلقي مفتوح العين ~~هل يجوز تسكينه أم لا؟ لا أنه كلما جاء ساكن العين من ألحقها يدعي أن ~~أصلها بالفتح كما هو ظاهر عبارته. # قوله: { فإنا خلقناكم من تراب } أي: خلقنا أصلكم وهو آدم ~~من تراب نظيره قوله: # كمثل آدم خلقه من تراب # [آل عمران: 59] وقوله: # منها خلقناكم # [طه: 55]. ويحتمل أن خلقة الإنسان من المني ودم الطمث وهما إنما يتولدان ~~من الأغذية، والأغذية إما حيوان أو نبات، وغذاء الحيوان ينتهي إلى النبات ~~قطعا للتسلسل والنبات إنما يتولد من الأرض والماء فصح قوله: { إنا ~~خلقناكم من تراب ms6298 }. # فصل # قال النووي في التهذيب: التراب معروف؛ والمشهور الصحيح الذي قاله الفراء ~~والمحققون أنه جنس لا يثنى ولا يجمع. ونقل أبو عمر الزاهد في شرح الفصيح ~~عن المبرد أنه قال: هو جمع واحدته ترابة، والنسبة إلى التراب ترابي. وذكر ~~النحاس في كتابه صناعة الكتاب: في التراب خمس عشرة لغة فقال يقال: تراب ~~وتورب على وزن جعفر، وتوراب، وتيرب - بفتح أولهما - والإثلب ~~والأثلب الأول بكسر الهمزة واللام، والثاني بفتحهما، والثاء مثلثة ~~فيهما ومنه قولهم: بفيه الأثلب، وهو الكثكث - بفتح الكافين وبالثاء ~~المثلثة المكررة، والكثكث - بكسر الكافين - والدقعم - بكسر الدال ~~والعين - والدقعاء بفتح الدال والمد، والرغام - بفتح الراء والغين ~~المعجمة - ومنه: أرغم الله أنفه، أي: ألصقه بالرغام وهو البرا مقصور ~~مفتوح الباء الموحدة كالعصا، والكلخم بكسر الكاف والخاء المعجمة ~~وإسكان اللام بينهما، والكلخ بكسر الكاف واللام وإسكان الميم بينهما ~~والخاء أيضا معجمة، والعثير بكسر العين المهملة وإسكان الثاء المثلثة ~~وبعدها مثناة من تحت مفتوحة. # قوله: { ثم من نطفة } والنطفة اسم للماء القليل، أي ماء كان، ~~وهو هنا ماء الفحل، وجمعها نطاف، فكأنه سبحانه يقول: أنا الذي قلبت ذاك ~~التراب اليابس ماء لطيفا مع أنه لا مناسبة بينهما. والمراد من الخلق من ~~النطفة الذرية. # قوله: { ثم من علقة } والعلقة قطعة الدم الجامدة، وجمعها علق ~~ولا شك أن بين الماء وبين الدم الجامد مباينة شديدة. وعن بعضهم وقد سئل ~~عن أصعب الأشياء فقال: وقع الزلق على العلق، أي: على دم القتلى في ~~المعركة. # قوله: { ثم من مضغة } المضغة: القطعة من اللحم قدر ما يمضغ ~~نحو الغرفة، والأكلة بمعنى المغروفة والمأكولة. # قوله: { مخلقة وغير مخلقة } العامة على الجر في " ~~مخلقة " وفي " غير " على النعت. وقرأ ابن أبي عبلة بنصبهما على ~~الحال من النكرة، وهو قليل جدا، وإن كان سيبويه قاسه. # والمخلقة: الملساء التي لا عيب فيها من قولهم: صخرة خلقاء، أي: ~~ملساء وخلقت السواك: سويته وملسته. وقيل: التضعيف في " ~~مخلقة " دلالة على تكثير الخلق؛ لأن الإنسان ذو أعضاء متباينة وخلق ~~متفاوتة. قاله الشعبي وقتادة وأبو ms6299 العالية وقال ابن عباس وقتادة: " ~~مخلقة " تامة الخلق، و " غير مخلقة " أي ناقصة الخلق. وأبو مجاهد: ~~مصورة وغير مصورة، وهو السقط. وقيل: المخلقة من تمت فيه أحوال ~~الخلق، وغير المخلقة من لم يتم فيه أحوال الخلق قاله قتادة والضحاك. ~~وقيل: المخلقة الولد الذي تأتي به المرأة لوقته، وغير المخلقة السقط. ~~وروى علقمة عن ابن مسعود قال: " إن النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها ملك ~~بكفه، وقال: أي رب مخلقة أو غير مخلقة، فإن قال: غير مخلقة قذفها في ~~الرحم دما ولم يكن نسمة، وإن قال: مخلقة، قال الملك: أي رب أذكر أم أنثى ~~أشقي أم سعيد، ما الأجل ما العمل ما الرزق وبأي أرض تموت؟ فيقال له: اذهب ~~إلى أم الكتاب فإنك تجد فيها كل ذلك، فيذهب فيجدها في أم الكتاب فينسخها ~~فلا يزال معه حتى يأتي على آخر صفته ". قوله: " لنبين لكم " أي: ~~لنبين لكم كمال قدرتنا وحكمتنا في تصريف أطوار خلقكم لتستدلوا بقدرته في ~~ابتداء الخلق على قدرته على الإعادة وقيل: لنبين لكم أن تغيير الصفة ~~والخلقة هو اختيار من الفاعل المختار، ولولاه لما صار بعضه مخلقا وبعضه ~~غير مخلق وقيل: لنبين لكم ما تأتون وما تذرون وما تحتاجون إليه في ~~العبادة. # قوله: { ونقر في الأرحام ما نشآء } على رفع " ونقر " ~~، لأنه مستأنف، وليس علة لما قبله فينصب نسقا على ما تقدم. # وقرأ يعقوب، وعاصم في رواية بنصبه. # قال أبو البقاء: على أن يكون معطوفا في اللفظ والمعنى مختلف، لأن اللام ~~في " لنبين " للتعليل واللام المقدرة مع " نقر " للصيرورة. ~~وفيه نظر، لأن قوله: معطوفا في اللفظ. يدفعه قوله: واللام المقدرة. فإن ~~تقدير اللام يقتضي النصب بإضمار (أن) بعدها لا بالعطف على ما قبله. وعن ~~عاصم أيضا: " ثم نخرجكم " بنصب الجيم. وقرأ ابن أبي عبلة " ~~ليبين " و " يقر " بالياء من تحت فيهما، والفاعل هو الله تعالى ~~كما في قراءة النون. # وقرأ يعقوب في رواية " ونقر " بفتح النون وضم القاف ورفع الراء من ~~قر الماء يقره أي: صبه. وقرأ أبو ms6300 زيد النحوي " ويقر " بفتح الياء ~~من تحت وكسر القاف ونصب الراء أي: ويقر الله وهو من قر الماء إذا صبه. ~~وفي الكامل لابن جبارة " لنبين، ونقر، ثم نخرجكم " بالنصب فيهن يعني ~~بالنون في الجميع، المفضل بالياء فيهما مع النصب أبو حاتم، وبالياء ~~والرفع عن عمر بن شبة. انتهى. # وقال الزمخشري: والقراءة بالرفع إخبار بأنه تعالى: يقر في الأرحام ما ~~يشاء أن يقره. ثم قال: والقراءة بالنصب تعليل معطوف على تعليل ومعناه: ~~جعلناكم مدرجين هذا التدريج لغرضين: # أحدهما: أن نبين قدرتنا. # والثاني: أن نقر في الأرحام من نقر حتى يولدوا وينشئوا ويبلغوا حد ~~التكليف فأكلفهم، ويعضد هذه القراءة قوله: { ثم لتبلغوا ~~أشدكم }. قال شهاب الدين: تسميته مثل هذه الأفعال المسندة إلى الله ~~تعالى غرضا لا يجوز. وقرأ ابن وثاب " نشاء " بكسر النون وهو كسر حرف ~~المضارعة كما تقدم في قوله: " نستعين ". # والمراد بالأجل المسمى يعني نقر في الأرحام ما نشاء فلا نمحه ولا نسقطه ~~إلى أجل مسمى وهو حد الولادة، وهو آخر ستة أشهر أو تسعة أشهر أو أربع ~~سنين كما شاء وقدر تام الخلق والمدة. # قوله: { ثم نخرجكم طفلا } أي: تخرجون من بطون أمهاتكم، " ~~طفلا " حال من مفعول " نخرجكم " ، وإنما وحد، لأنه في الأصل ~~مصدر كالرضا والعدل، فيلزم الإفراد والتذكير، قاله المبرد، وإما لأنه ~~مراد به الجنس، ولأنه العرب تذكر الجمع باسم الواحد قال تعالى: # والملآئكة بعد ذلك ظهير # [التحريم: 4] وإما لأن المعنى نخرج كل واحد منكم، نحو: القوم يشبعهم ~~رغيف، أي: كل واحد منهم. وقد يطابق به ما يراد به فيقال: طفلان وأطفال، ~~وفي الحديث: # " سئل عن أطفال المشركين " # والطفل يطلق على الولد من حين الانفصال إلى البلوغ. وأما الطفل - بالفتح ~~- فهو الناعم، والمرأة طفلة، قال: # 3746- ولقد لهوت بطفلة ميالة # بلهاء تطلعني على أسرارها # وقال: # 3747- أحببت في الطفلة القبلا # لا كثيرا يشبه الحولا # أما الطفل: بفتح الفاء والطاء - فوقت (ما بعد العصر، من قولهم: طفلت ~~الشمس: إذا مالت للغروب، وأطفلت المرأة أي صارت ذات طفل). # قوله: { ثم لتبلغوا أشدكم ms6301 } الأشد: كمال القوة ~~والعقل، وهو من ألفاظ الجموع التي لا واحد لها، فبنيت لذلك على لفظ ~~الجمع، والمعنى: أنه سهل في تربيتكم وأغذيتكم أمورا كثيرا إلى بلوغ ~~أشدكم، فنبه بذلك على الأحوال التي بين خروج الطفل من بطن أمه وبين بلوغ ~~الأشد، لأن بين الحالتين وسائط. # قوله: { ومنكم من يتوفى } العامة على ضم الياء من " ~~يتوفى " وقرأت فرقة " يتوفى " بفتح الياء، وفيه تخريجان: # أحدهما: أن الفاعل ضمير الباري تعالى، أي: يتوفاه الله تعالى. كذا قدره ~~الزمخشري. # الثاني: أن الفاعل ضمير " من " أي: يتوفى أجله وهذه القراءة كالتي في ~~البقرة # والذين يتوفون منكم # [البقرة: 234، 240] أي: مدتهم. ومعنى الآية: { ومنكم من ~~يتوفى } على قوته وكماله، { ومنكم من يرد إلى ~~أرذل العمر } وهو الهرم والخوف فيصير كما كان في أوان الطفولية ~~ضعيف البنية سخيف العقل قليل الفهم. وروي عن أبي عمرو ونافع أنهما قرآ " ~~العمر " بسكون الميم وهو تخفيف قياسي نحو عنق في عنق. # قوله: " لكيلا يعلم " هذا الجار يتعلق ب " يرد " وتقدم نظيره في ~~النحل والمعنى يبلغ من السن ما يتغير عقله فلا يعقل شيئا. فإن قيل: إنه ~~يعلم بعض الأشياء كالطفل فالجواب: المراد أنه يزول عقله فيصير كأنه لا ~~يعلم شيئا. لأن مثل ذلك قد يذكر في النفي مبالغة. ومن الناس من قال هذه ~~الحال لا تحصل للمؤمنين لقوله تعالى: # ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا # [التين: 5، 6] وهو ضعيف، لأن معنى قوله " ثم رددناه " دلالة على ~~الذم، فالمراد ما يجري مجرى العقوبة، ولذلك قال # إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر ~~غير ممنون # [التين: 6] وهذا تمام الاستدلال بخلقة الحيوان. وأما الاستدلال بخلقة ~~النبات فهو قوله تعالى: { وترى الأرض هامدة } فنصب " هامدة ~~" على الحال، لأن الرؤية بصرية. والهمود: الخشوع والسكون، وهمدت الأرض: ~~يبست ودرست، وهمد الثوب: بلي، قال الأعشى: # 3748- فالت قتيلة ما لجسمك شاحبا # وأرى ثيابك باليات همدا # والاهتزاز التحرك، وتجوز به هنا عن إنبات الأرض نباتها بالماء. والجمهور ~~على " ربت " أي: زادت من ربا يربو. وقرأ أبو جعفر وعبد الله ms6302 بن جعفر ~~وأبو عمرو في رواية " وربأت " بالهمز أي ارتفعت. يقال: ربأ بنفسه عن كذا، ~~أي: ارتفع عنه، ومنه الربيئة، وهو من يطلع على موضع عال لينظر للقوم ما ~~يأتيهم، وهو عين القوم، ويقال له: ربيء أيضا قال الشاعر: # 3749- بعثنا ربيئا قبل ذلك مخملا # كذئب الغضا يمشي الضراء ويتقي # قوله: { من كل زوج }. فيه وجهان: # أحدهما: أنه صفة للمفعول المحذوف، تقديره: وأنبتت ألوانا أو أزواجا من ~~كل زوج. # والثاني: أن (من) زائدة، أي أنبتت كل زوج، وهذا ماش عند الكوفيين ~~والأخفش والبهيج: الحسن الذي يسر ناظره، وقد بهج بالضم بهاجة وبهجة ~~أي حسن وأبهجني كذا أي: سرني بحسنه. # فصل # المعنى: { وترى الأرض هامدة } يابسة لا نبات فيها، { فإذآ ~~أنزلنا عليها المآء } المطر " اهتزت " تحركت بالنبات، ~~والاهتزاز الحركة على سرور، وربت أي: ارتفعت وزادت، وذلك أن الأرض ~~ترتفع وتنتفخ، فذلك تحركها. وقيل: فيه تقديم وتأخير معناه: ربت واهتزت. ~~قال المبرد: أراد اهتزت وربا نباتها فحذف المضاف. والاهتزاز في النبات ~~أظهر يقال: اهتز النبات، أي: طال، وإنما أنث لذكر الأرض. # { وأنبتت من كل زوج بهيج } وهذا مجاز لأن الأرض لا تنبت ~~وإنما المنبت هو الله تعالى، لكنه يضاف إليها توسعا. ومعنى من كل نوع من ~~أنواع النبات والبهجة: حسن الشيء ونضارته، ثم إنه تعالى لما قرر هذين ~~الدليلين رتب عليهما ما هو المطلوب وذلك قوله تعالى { ذلك بأن ~~الله هو الحق } الآية. # " ذلك " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه مبتدأ والخبر الجار بعده، والمشار إليه ما تقدم من خلق بني ~~آدم وتطويرهم، والتقدير: ذلك الذي ذكرنا من خلق بني آدم وتطويرهم حاصل ~~بأن الله هو الحق وأنه إلى آخره. # الثاني: أن " ذلك " خبر مبتدأ مضمر أي: الأمر ذلك. # الثالث: أن " ذلك " منصوب بفعل مقدر، أي: فعلنا ذلك بسبب أن الله تعالى ~~هو الحق فالباء على الأول مرفوعة المحل، وعلى الثاني والثالث منصوبة. # قوله: { وأن الساعة آتية } فيه وجهان: # أحدهما: أنه عطف على المجرور بالباء، أي: ذلك بأن الساعة. # والثاني: أنه ليس معطوفا عليه، ms6303 ولا داخلا في حيز السببية، وإنما هو ~~خبر والمبتدأ محذوف لفهم المعنى، والتقدير: والأمر أن الساعة آتية و { ~~لا ريب فيها } يحتمل أن تكون هذه الجملة خبرا ثانيا، وأن تكون ~~حالا. # فصل # المعنى: ذلك لتعلموا أن الله هو الحق، والحق هو الموجود الثابت فكأنه ~~تعالى بين أن هذه الوجوه المتنافية وتواردها على الأجسام يدل على وجود ~~الصانع. { وأنه يحيي الموتى } وهذا تنبيه على أنه لما لم ~~يستبعد من الإله إيجاد هذه الأشياء، فكيف يستبعد منه إعادة الأموات. { ~~وأنه على كل شيء قدير } أي: وأن الذي يصح منه إيجاد هذه ~~الأشياء لا بد وأن يجب اتصافه بهذه القدرة لذاته، ومن كان كذلك كان ~~قادرا على الإعادة. { وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في ~~القبور } والمعنى: أنه تعالى لما أقام الدلائل على أن الإعادة في نفسها ~~ممكنة، وأنه سبحانه قادر على كل الممكنات وجب القطع بكونه قادرا على ~~الإعادة وإذا ثبت الإمكان والصادق أخبر عن وقوعه، فلا بد من القطع ~~بوقوعه. ### || [22.8-10] # قوله تعالى: { ومن الناس من يجادل في الله بغير ~~علم } الآية، جعل ابن عطية هذه الواو للحال، فقال: وكأنه يقول هذه ~~الأمثال في غاية الوضوح، ومن الناس مع ذلك من يجادل (فكان الواو واو ~~الحال والآية المتقدمة الواو فيها واو عطف. # قال أبو حيان: ولا يتخيل أن الواو في { ومن الناس من يجادل } ~~) واو حال، وعلى تقدير الجملة التي قدرها قبله لو كان مصرحا بها فلا ~~تتقدر ب (إذ)، فلا تكون للحال، وإنما هي للعطف. قال شهاب الدين: ومنعه ~~من تقديرها ب (إذ) فيه نظر، إذ لو قدر لم يلزم منه محذور. # قوله: " بغير علم " يجوز أن يتعلق ب " يجادل " ، وأن يتعلق ~~بمحذوف على أنه حال من فاعل " يجادل " أي: يجادل ملتبسا بغير علم، ~~أي: جاهلا. # قوله: " ثاني عطفه ": حال من فاعل " يجادل " أي: معرضا، ~~وهي إضافة لفظية نحو " ممطرنا ". والعامة على كسر العين، وهو الجانب ~~كني به عن التكبر. # والحسن بفتح العين، وهو مصدر بمعنى ms6304 التعطف، وصفه بالقسوة. # قوله: " ليضل " متعلق إما ب " يجادل " ، وإما ب " ثاني ~~عطفه " وقرأ العامة بضم الياء في " يضل " والمفعول محذوف أي: ليضل ~~غيره. وقرأ مجاهد وأبو عمرو في رواية بفتحها، أي: ليضل هو في نفسه. # قوله: { له في الدنيا خزي } هذه الجملة يجوز أن تكون حالا ~~مقارنة أي: مستحقا ذلك، وأن تكون حالا مقدرة، وأن تكون مستأنفة. وقرأ ~~زيد بن علي " وأذيقه " بهمزة المتكلم، و " عذاب الحريق " يجوز ~~أن يكون من باب إضافة الموصوف لصفته إذ الأصل العذاب الحريق أي: المحرق ~~كالسميع بمعنى المسمع. # فصل # قال أبو مسلم: الآية الأولى واردة في الأتباع المقلدين، وهذه الآية ~~واردة في المتبعة عن المقلدين، فإن كلا المجادلين جادل بغير علم وإن كان ~~أحدهما تبعا والآخر متبوع، وبين ذلك قوله: { ولا هدى ولا كتاب ~~منير } فإن مثل ذلك لا يقال في المقلد وإنما يقال فيمن يخاصم بناء ~~على شبهة. فإن قيل: كيف يصح ما قلتم والمقلد لا يكون مجادلا؟ قلنا: ~~يجادل تصويبا لتقليده، وقد يورد الشبهة الظاهرة إذا تمكن منها وإن كان ~~معتمده الأصلي هو التقليد. وقيل: إن الآية الأولى نزلت في النضر بن ~~الحارث، وهو قول ابن عباس وفائدة التكرير المبالغة في الذم، وأيضا: قد ~~ذكر في الآية الأولى اتباعه تقليدا بغير حجة، (وفي الثانية مجادلته في ~~الدين، وإضلاله غيره بغير حجة). # والأول أقرب لما تقدم. ودلت الآية على أن الجدال مع العلم والهدى ~~والكتاب حق حسن. # والمراد بالعلم العلم الضروري، وبالهدى الاستدلال والنظر؛ لأنه يهدي إلى ~~المعرفة، وبالكتاب المنير الوحي. والمعنى يجادل من غير مقدمة ضرورية، ولا ~~نظرية ولا سمعية فهو كقوله تعالى: # ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا ~~وما ليس لهم به علم # [الحج: 71] ثم قال { ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله } ~~ثني العطف عبارة عن التكبر والخيلاء قال مجاهد وقتادة: لاوي عنقه. وقال ~~عطية وابن زيد: معرضا عما يدعى إليه تكبرا. والعطف الجانب وعطفا الرجل: ~~جانباه عن يمين وشمال، وهو الموضع الذي يعطفه الإنسان أي: يلويه ms6305 ويميله ~~عند الإعراض عن الشيء، ونظيره قوله تعالى: # وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا # [لقمان: 7] وقوله # وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله ~~لووا رءوسهم # [المنافقون: 5]. { ليضل عن سبيل الله } فمن ضم الياء ~~فمعناه: ليضل غيره عن طريق الحق، فجمع بين الضلال والكفر وإضلال الغير. ~~ومن فتح الياء فالمعنى: ليضل هو عن دين الله. { له في الدنيا ~~خزي } عذاب وهوان، وهو القتل ببدر، فقتل النضر، وعقبة بن أبي معيط يوم ~~بدر صبرا. { ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق } ~~ويقال له: { ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس ~~بظلام للعبيد } والكلام في قوله: # ذلك بأن الله # [الحج: 6] كالكلام في قوله: { ذلك بما قدمت } وكذا قوله " ~~وأن الله " يجوز عطفه على السبب، ويجوز أن يكون التقدير والأمر أن ~~الله، فيكون منقطعا عما قبله. # قوله: " ظلام " مثال مبالغة. فإن قيل: إذا قلت: إن زيدا ليس بظلام ~~لا يلزم منه نفي أصل الظلم، فإن نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم. # فالجواب: أن المبالغة إنما جيء بها لتكثير محلها فإن العبيد جمع، وأحسن ~~من هذا أن فعالا هنا للنسب أي: بذي ظلم لا للمبالغة. # فصل # قالت المعتزلة: هذه الآية تدل على مطالب: # الأول: دلت على أن العبد إنما وقع في ذلك العذاب بسبب عمله فلو كان فعله ~~خلقا لله تعالى لكان حين خلقه استحال منه أن لا يتصف به فلا يكون ذلك ~~العقاب بسبب فعله، فإذا عاقبه عليه كان ذلك محض الظلم وذلك خلاف النص. # الثاني: أن قوله: { وأن الله ليس بظلام للعبيد } ~~يدل على أنه سبحانه إنما لم يكن ظالما بفعل ذلك العذاب، وهذا يدل على ~~أنه لو عاقبه لا بسبب فعل يصدر من جهته لكان ظالما، وهذا يدل على أنه لا ~~يجوز تعذيب الأطفال لكفر آبائهم. # الثالث: أنه سبحانه تمدح بأنه لا يفعل الظلم فوجب أن يكون قادرا عليه ~~خلاف ما يقوله النظام، وأن يصح ذلك منه خلاف ما يقوله أهل السنة. # الرابع: أنه لا يجوز الاستدلال بهذه الآية على أنه تعالى لا ms6306 يظلم، لأن ~~عندهم صحة نبوة النبي - عليه السلام - موقوفة على نفي الظلم، فلو أثبتنا ~~ذلك بالدليل السمعي لزم الدور. وأجاب ابن الخطيب عن الكل بالمعارضة ~~بالعلم والداعي. ### || [22.11-13] # قوله تعالى: { ومن الناس من يعبد الله على حرف } ~~الآية. # قال ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد وقتادة: نزلت في قوم من ~~الأعراب كانوا يقدمون المدينة مهاجرين من باديتهم، فكان أحدهم إذا قدم ~~المدينة فصح بها جسمه، ونتجت فرسه مهرا حسنا، وولدت امرأته غلاما، ~~وكثر ماله قال: هذا دين حسن، وقد أصبت فيه خيرا واطمأن إليه، وإن أصابه ~~مرض وولدت امرأته جارية وأجهضت رماكه، وقل ماله قال ما أصبت منذ دخلت ~~هذا الدين إلا شرا فينقلب عن دينه، وذلك الفتنة، فأنزل الله تعالى: { ~~ومن الناس من يعبد الله على حرف }. قال أكثر ~~المفسرين: أي: على شك، وأصله من حرف الشيء، وهو طرفه. وقيل: على انحراف، ~~أو على طرف الدين لا في وسطه كالذي يكون في طرف العسكر إن رأى خيرا ثبت ~~وإلا فر. و " على حرف " حال من فاعل " يعبد " أي: متزلزلا. # ومعنى " على حرف " أي على شك أو على انحراف أو على طرف الدين لا في ~~وسطه. # فصل # لما بين حال المظهرين للشرك المجادلين فيه أعقبه بذكر المنافقين فقال: { ~~ومن الناس من يعبد الله على حرف } ، وهذا مثل لكونهم ~~على قلق واضطراب في دينهم لا على سكون وطمأنينة، كالذي يكون على طرف ~~العسكر، فإن أحس بغنيمة قر وإلا فر، وهذا هو المراد بقوله { فإن ~~أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجه }. # قال الحسن: هو المنافق يعبد الله بلسانه دون قلبه، { فإن أصابه خير } ~~صحة في جسمه وسعة في معيشته " اطمأن به " وسكن إليه، { وإن أصابته فتنة ~~} بلاء في جسده وضيق في معيشته { انقلب على وجهه } ارتد ورجع إلى ما كان ~~عليه من الكفر. # فصل # ذكروا في السبب وجوها: # الأول: ما تقدم. # والثاني: قال الضحاك: نزلت في المؤلفة قلوبهم منهم عيينة بن بدر والأقرع ~~بن حابس والعباس بن ms6307 مرداس، قال بعضهم لبعض ندخل في دين محمد فإن أصابنا ~~خير عرفنا أنه حق، وإن كان غير ذلك عرفنا أنه باطل. # الثالث: قال أبو سعيد الخدري: # " أسلم رجل من اليهود، فذهب بصره وماله وولده، فقال: يا رسول الله أقلني ~~فإني ما أصبت من ديني هذا خيرا ذهب بصري ومالي وولدي. فقال عليه السلام: ~~" إن الإسلام لا يقال، إن الإسلام يسبك كما تسبك ~~النار خبث الحديد والذهب والفضة " # ونزلت هذه الآية. وهاهنا إشكال، وهو أن المفسرين أجمعوا على أن هذه ~~السور مكية إلا ست آيات ذكروها أولها # هذان خصمان اختصموا # [الحج: 19] إلى قوله # صراط الحميد # [الحج: 24] ولم يعدوا هذه الوقائع (التي ذكروها في سبب نزول هذه الآية ~~مع أنهم يقولون إن هذه الوقائع) إنما كانت بالمدينة كما تقدم النقل عنهم. # فإن قيل: كيف قال: { وإن أصابته فتنة انقلب } والخير ~~أيضا فتنة، لأنه امتحان. قال تعالى: # ونبلوكم بالشر والخير فتنة # [الأنبياء: 35]. # فالجواب: مثل هذا كثير في اللغة، لأن النعمة بلاء وابتلاء قال تعالى # فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ~~ونعمه # [الفجر: 15] ولكن إنما يطابق اسم البلاء على ما يثقل على الطبع، ~~والمنافق ليس عنده الخير إلا الخير الدنيوي، وليس عنده الشر إلا الشر ~~الدنيوي، لأنه لا دين له؛ فلذلك وردت الآية على ما يعتقده. فإن قيل: إذا ~~كانت الآية في المنافق فما معنى قوله { انقلب على وجهه } وهو ~~في الحقيقة لم يسلم حتى ينقلب. # فالجواب أنه أظهر بلسانه خلاف ما كان أظهره، فصار يذم الدين عند الشدة ~~وكان من قبل يمدحه وذلك انقلاب على الحقيقة. فإن قيل: مقابل الخير هو ~~الشر فلما قال { فإن أصابه خير اطمأن به } كان يجب أن ~~يقول: وإن أصابه شر انقلب على وجهه. # فالجواب: لما كانت الشدة ليست بقبيحة لم يقل تعالى: وإن أصابه شر بل ~~وصفه بما لا يفيد فيه القبح. # قوله: { خسر الدنيا والآخرة } قرأ العامة " خسر " فعلا ~~ماضيا، وهو يحتمل ثلاثة أوجه: # الاستئناف، والحالية من فاعل " انقلب " ، ولا حاجة إلى إضمار (قد) ~~على ms6308 الصحيح. # والبدلية من قوله " انقلب " كما أبدل المضارع من مثله في قوله # يلق أثاما يضاعف # [الفرقان: 68، 69]. # وقرأ مجاهد والأعرج وابن محيصن والجحدري في آخرين " خاسر " بصيغة اسم ~~الفاعل منصوب على الحال، وهو توكيد كون الماضي في قراءة العامة حالا ~~وقرئ برفعه، وفيه وجهان: # أحدهما: أن يكون فاعلا ب " انقلب " ، ويكون من وضع الظاهر موضع ~~المضمر، أي: انقلب خاسر الدنيا والآخرة، والأصل: انقلب هو. # الثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هو خاسر. # وهذه القراءة تؤيد الاستئناف في قراءة المضي على التخريج الثاني. وحق من ~~قرأ " خاسر " رفعا ونصبا أن يجر " الآخرة " لعطفها على " الدنيا " ~~المجرورة بالإضافة. ويجوز أن يبقى النصب فيها، إذ يجوز أن تكون الدنيا ~~منصوبة، وإنما حذف التنوين من " خاسر " لالتقاء الساكنين نحو قوله: # 3750- ولا ذاكر الله إلا قليلا # فصل # معنى خسرانه الدنيا هو أن يخسر العز والكرامة وإصابة الغنيمة وأهلية ~~الشهادة والإمامة والقضاء، ولا يبقى ماله ودمه مصونا، وأما خسران الآخرة ~~فيفوته الثواب الدائم، ويحصل له العقاب الدائم، و { ذلك هو ~~الخسران المبين }. # قوله: { يدعو من دون الله ما لا يضره } إن عصاه ولم ~~يعبده، { وما لا ينفعه } إن أطاعه وعبده، و { ذلك هو ~~الضلال البعيد } عن الحق والرشد وهذه الآية تدل على أن الآية ~~الأولى لم ترد في اليهود؛ لأنهم ليس ممن يدعو من دون الله الأصنام. # والأقرب أنها واردة في المشركين الذين انقطعوا إلى الرسول على وجه ~~النفاق. # قوله: { يدعو لمن ضره أقرب من نفعه }. فيه عشرة ~~أوجه، وذلك أنه إما أن يجعل " يدعو " متسلطا على الجملة من قوله: { ~~لمن ضره أقرب من نفعه } أو لا، فإن جعلناه متسلطا ~~عليها كان فيه سبعة أوجه: # الأول: أن " يدعو " بمعنى يقول، واللام للابتداء و " من " موصولة في ~~محل رفع بالابتداء، و " ضره " مبتدأ ثان، و " أقرب " خبره، وهذه ~~الجملة صلة للموصول، وخبر الموصول محذوف تقديره: يقول للذي ضره أقرب من ~~نفعه: إله، أو إلهي، ونحو ذلك، والجملة كلها في محل نصب ب " يدعو " ~~لأنه بمعنى يقول، فهي محكية ms6309 به. وهذا قول أبي الحسن وعلى (هذا فيكون ~~قوله: " لبئس المولى " مستأنفا ليس داخلا في المحكي قبله، لأن ~~الكفار لا يقولون في أصنامهم ذلك). (ورد بعضهم هذا الوجه بأنه فاسد ~~المعنى) إذ الكافر لا يعتقد في الأصنام أن ضرها أقرب من نفعها البتة. # الثاني: أن " يدعو " مشبه بأفعال القلوب، لأن الدعاء لا يصدر إلا ~~عن اعتقاده وأفعال القلوب تعلق ف " يدعو " معلق أيضا باللام، و " ~~لمن " مبتدأ موصول، والجملة بعدة صلة، وخبره محذوف على ما مر في الوجه ~~قبله، والجملة في محل نصب كما يكون كذلك بعد أفعال القلوب. # الثالث: أن يضمن " يدعو " معنى يزعم، فتعلق كما تعلق، والمعنى. ~~والكلام فيه كالكلام في الوجه الذي قبله. # الرابع: أن الأفعال كلها يجوز أن تعلق قلبية كانت أو غيرها، فاللام ~~معلقة ل " يدعو " وهو مذهب يونس، فالجملة بعده والكلام فيها كما ~~تقدم. # الخامس: أن " يدعو " بمعنى يسمي، فتكون اللام مزيدة في المفعول ~~الأول، وهو الموصول وصلته، ويكون المفعول الثاني محذوفا تقديره: يسمي ~~الذي ضره أقرب من نفعه إلها ومعبودا ونحو ذلك. # السادس: أن اللام مزالة من موضعها، والأصل: يدعو من لضره أقرب، فقدمت من ~~تأخر. وهذا قول الفراء. ورد هذا بأن ما في صلة الموصول لا يتقدم على ~~الموصول. # السابع: أن اللازم زائدة في المفعول به وهو " من " التقدير: يدعو من ضره ~~أقرب، ف " من " موصولة والجملة بعدها صلتها، والموصول هو المفعول ب " ~~يدعو " زيدت فيه اللام كزيادتها في قوله: " ردف لكم " في أحد ~~القولين ورد هذا بأن زيادة اللام إنما تكون إذا كان العامل فرعا أو تقدم ~~المفعول. وقرأ عبد الله " يدعو من ضره " بغير لام الابتداء، وهي ~~مؤيدة لهذا الوجه. وإن لم نجعله متسلطا على الجملة بعده كان فيه ثلاثة ~~أوجه: # أظهرها: أن " يدعو " الثاني توكيد ل " يدعو " الأول فلا معمول له، ~~كأنه قيل: (يدعو يدعو) من دون الله الذي لا يضره ولا ينفعه، فعلى هذا ~~تكون الجملة من قوله { ذلك هو الضلال } معترضة بين المؤكد والمؤكد، لأن ~~فيها تشديدا ms6310 وتأكيدا، ويكون قوله: " لمن ضره " كلاما مستأنفا، ~~فتكون اللام للابتداء، و " من " موصولة، و " ضره " مبتدأ، و " أقرب ~~" خبره، والجملة صلة، و " لبئس " جواب قسم مقدر، وهذا القسم المقدر ~~وجوابه خبر للمبتدأ الذي هو الموصول. # الثاني: أن يجعل " ذلك " موصولا بمعنى الذي، و " هو " مبتدأ، و " ~~الضلال " خبره، والجملة صلة له، وهذا الموصول مع صلته في محل نصب مفعولا ~~ب " يدعو " ، أي: يدعو الذي هو الضلال وهذا منقول عن أبي علي ~~الفارسي. # وليس هذا ماش على رأي البصريين إذ لا يكون عندهم من أسماء الإشارة موصول ~~إلا " ذا " بشروط تقدم ذكرها. (وأما الكوفيون فيجيزون في أسماء الإشارة ~~مطلقا) أن تكون موصولة، وعلى هذا فيكون { لمن ضره أقرب } ~~مستأنفا على ما تقدم. # الثالث: أن يجعل " ذلك " مبتدأ و " هو " جوزوا فيه أن يكون بدلا ~~أو فصلا أو مبتدأ، و " الضلال " خبر " ذلك " أو خبر " هو " على حسب ~~الخلاف في " هو " و " يدعو " حال، والعائد منه محذوف تقديره: يدعوه ~~وقدروا هذا الفعل الواقع موقع الحال ب (مدعوا). # قال أبو البقاء: وهو ضعيف، ولم يبين وجه ضعفه. # وكأن وجهه أن " يدعو " مبني للفاعل فلا يناسب أن يقدر الحال الواقعة ~~موقعه اسم مفعول بل المناسب أن يقدر اسم فاعل، فكان ينبغي أن يقدروه ~~داعيا، ولو كان التركيب يدعى مبنيا للمفعول لحسن تقديرهم: مدعو، ألا ~~ترى أنك إذا قلت: جاء زيد يضرب، كيف يقدرونه بضارب لا بمضروب. # فصل # اختلفوا في المراد بقوله: { يدعو لمن ضره أقرب من ~~نفعه }. قيل: المراد رؤساؤهم الذين كانوا يفزعون إليهم، لأنه يصح ~~منهم أن يضروا، ويؤيد هذا أن الله تعالى بين في الآية الأولى أن الأوثان ~~لا تضرهم ولا تنفعهم، وهذ الآية تقتضي كون المذكور فيها ضارا نافعا، ~~فلو كان المذكور في هذه الآية هو الأوثان لزم التناقض. # وقيل المراد الأوثان، ثم أجابوا عن التناقض بوجوه: # أحدها: أنها لا تضر ولا تنفع بأنفسها، ولكن عبادتها سبب الضرر، وذلك ~~يكفي في إضافة الضرر إليها كقوله تعالى: # رب إنهن أضللن كثيرا من ms6311 الناس # [إبراهيم: 36] فأضاف الإضلال إليهم من حيث كانوا سببا للضلال، فكذلك ~~هنا نفى الضرر عنهم في الآية الأولى، بمعنى كونها فاعلة، وأضاف الضرر ~~إليهم في هذه الآية بمعنى أن عبادتها سبب الضرر. # وثانيها: كأنه سبحانه بين في الآية الأولى أنها في الحقيقة لا تضر ولا ~~تنفع ثم قال في الآية الثانية: ولو سلمنا كونها ضارة نافعة لكان ضرها ~~أكثر من نفعها. # وثالثها: أن الكفار إذا أنصفوا علموا أنه لا يحصل منها لا نفع ولا ضرر ~~في الدنيا، ثم إنهم في الآخرة يشاهدون العذاب العظيم بسبب عبادتها، ~~فكأنهم يقولون لها في الآخرة إن ضركم أعظم من نفعكم. # قوله: { لبئس المولى ولبئس العشير } المولى هو ~~الناصر، والعشير الصاحب والمعاشر. # والمخصوص بالذم محذوف تقديره: لبئس المولى ولبئس العشير ذلك المدعو. ~~واعلم أن هذا الوصف بالرؤساء أليق، لأنه لا يكاد يستعمل في الأوثان، فبين ~~تعالى أنهم يعدلون عن عبادة الله الذي هو خير الدنيا والآخرة إلى عبادة ~~الأصنام وإلى طاعة الرؤساء بقوله تعالى: { لبئس المولى } ~~والمراد ذم ما انتصروا بهم. ### || [22.14-16] # قوله تعالى: { إن الله يدخل الذين آمنوا } الآية. لما ~~بين في الآية السالفة حال عباده المنافقين وحال معبودهم، وأن معبودهم لا ~~ينفع ولا يضر بين هاهنا صفة عباده المؤمنين وصفة معبودهم، وأن عبادتهم ~~حقيقة، ومعبودهم يعطيهم أعظم المنافع وهو الجنة، التي من كمالها جمعها ~~بين الزرع والشجر وأن تجري من تحتها الأنهار، وبين أنه يفعل ما يريد بهم ~~من أنواع الفضل والإحسان زيادة على أجورهم كما قال تعالى # فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله # [النساء: 173]. واحتج أهل السنة في خلق الأفعال بقوله: { إن الله ~~يفعل ما يريد } قالوا: أجمعنا على أنه تعالى يريد الإيمان، ولفظة ~~" ما " للعموم فوجب أن يكون فاعلا للإيمان لقوله: { إن الله ~~يفعل ما يريد }. # وأجاب عنه الكعبي بأن الله تعالى يفعل ما يريد أن يفعله (لا ما يريد أن ~~يفعله) غيره. # وأجيب: بأن هذا تقييد للعموم وهو خلاف النص. # قوله: { من كان يظن }. " من " يجوز أن تكون شرطية وهو الظاهر، ms6312 ~~وأن تكون موصولة، والضمير في " ينصره " الظاهر عوده على " من " ، ~~وفسر النصر بالرزق، وقيل يعود على الدين والإسلام فالنصر على بابه. # قال ابن عباس والكلبي ومقاتل والضحاك وقتادة وابن زيد والسدي واختيار ~~الفراء والزجاج: أن الضمير في " ينصره " يرجع إلى محمد - عليه ~~السلام - يريد أن من ظن أن لن ينصر الله محمدا في الدنيا بإعلاء كلمته ~~وإظهار دينه، وفي الآخرة بإعلاء درجته، والانتقام ممن كذبه، والرسول - ~~عليه السلام - وإن لم يجر له ذكر في هذه الآية ففيها ما يدل عليه وهو ذكر ~~الإيمان في قوله: { إن الله يدخل الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات } ، والإيمان لا يتم إلا بالله ورسوله. # قوله: " فليمدد " إما جزاء للشرط، أو خبر للموصول، والفاء للتشبيه ~~بالشرط. والجمهور على كسر اللام من " ليقطع " ، وسكنها بعضهم كما ~~يسكنها بعد الفاء والواو لكونهن عواطف، ولذلك أجروا " ثم " مجراهما في ~~تسكين هاء (هو) و(هي) بعدها، وهي قراءة الكسائي ونافع في رواية قالون ~~عنه. # قوله: { هل يذهبن } الجملة الاستفهامية في محل نصب على إسقاط ~~الخافض، لأن النظر تعلق بالاستفهام، وإذا كان بمعنى الفكر تعدى ب " في ~~". # وقوله: { ما يغيظ } " ما " موصولة بمعنى الذي، والعائد هو الضمير ~~المستتر، و " ما " وصلتها مفعول بقوله: " يذهبن " أي: هل يذهبن ~~كيده الشيء الذي يغيظه، فالمرفوع في " يغيظه " عائد على الذي والمنصوب ~~على { من كان يظن }. وقال أبو حيان: و " ما " في " ما يغيظ " ~~بمعنى الذي والعائد محذوف أو مصدرية. # قال شهاب الدين: كلا هذين القولين لا يصح، أما قوله: العائد محذوف فليس ~~كذلك بل هو مضمر مستتر في حكم الموجود كما تقدم تقريره قبل ذلك، وإنما ~~يقال: محذوف فيما كان منصوب المحل أو مجروره، وأما قوله: أو مصدرية فليس ~~كذلك أيضا، إذ لو كانت مصدرية لكانت حرفا على الصحيح، وإذا كانت حرفا ~~لم يعد عليها ضمير وإذا لم يعد عليها ضمير بقي الفعل بلا فاعل، فإن قلت: ~~أضمر في " يغيظ " ضميرا فاعلا يعود على { من كان يظن }. # فالجواب: أن من كان يظن في المعنى مغيظ لا ms6313 غائظ. وهذا بحث حسن. # فصل # المعنى: من كان يظن أن لن ينصر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - في ~~الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء، والسبب الحبل، والسماء سقف البيت ~~هذا قول الأكثرين، أي: ليشدد حبلا في سقف بيته فليختنق به حتى يموت، ثم ~~ليقطع الحبل بعد الاختناق. # وقيل: سمي الاختناق قطعا. وقيل: ليقطع، أي: ليمد الحبل حتى ينقطع فيموت ~~مختنقا { فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ } صنيعه ~~وحيلته، أي: هل يذهبن كيده وحيلته غيظه. والمعنى: فليختنق غيظا حتى ~~يموت، وليس هذا على سبيل الحتم أن يفعل لأنه لا يمكنه القطع والنظر بعد ~~الاختناق والموت، ولكنه كما يقال للحاسد إذا لم ترض بهذا فاختنق ومت ~~غيظا. وقا ابن زيد: المراد من السماء: السماء المعروفة. ومعنى الآية: من ~~كان يظن أن لا ينصر الله نبيه، ويكيد في أمره ليقطعه عنه، فليقطعه من ~~أصله، فإن أصله من السماء، فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - الوحي الذي يأتيه فلينظر هل يقدر على إذهاب غيظه ~~بهذا الفعل. # فصل # روي أن هذه الآية نزلت في قوم من أسد وغطفان دعاهم النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى الإسلام، وكان بينهم وبين اليهود حلف، وقالوا: لا يمكننا ~~أن نسلم لأنا نخاف أن لا ينصر محمد ولا يظهر أمره فينقطع الحلف بيننا ~~وبين اليهود فلا يميروننا ولا يؤوونا فنزلت هذه الآية وقال مجاهد: النصر ~~يعني الرزق، والهاء راجعة إلى " من " ومعناه من كان يظن أن لن يرزقه ~~الله في الدنيا والآخرة: نزلت فيمن أساء الظن بالله - عز وجل - وخاف أن ~~لا يرزقه { فليمدد بسبب إلى السمآء } أي: سماء البيت، { ~~فلينظر هل يذهبن } فعله ذلك ما يغيظ وهو خيفة أن لا ~~يرزق. وقد يأتي النصر بمعنى الرزق تقول العرب: من ينصرني نصره الله، أي ~~من يعطيني أعطاه الله. قال أبو عبيدة: تقول العرب: أرض منصورة، أي ممطورة ~~وعلى كل الوجوه فإنه زجر للكفار عن الغيظ فيما لا فائدة فيه. # قوله: { وكذلك أنزلناه } الكاف ms6314 إما حال من ضمير المصدر ~~المقدر، وإما نعت لمصدر محذوف على حسب ما تقدم من الخلاف، أي: ومثل ذلك ~~الإنزال أنزلنا القرآن كله " آيات بينات " ف " آيات " حال. # قوله: { وأن الله يهدي } يجوز في " أن " ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها منصوبة المحل، عطفا على مفعول " أنزلناه " ، أي: وأنزلنا ~~أن الله يهدي من يريد، أي: أنزلنا هداية الله لمن يريد هدايته. # الثاني: أنها على حذف حرف الجر، وذلك الحرف متعلق بمحذوف والتقدير: ولأن ~~الله يهدي من يريد أنزلناه، فيجيء في موضعها القولان المشهوران أفي محل ~~نصب هي أم جر؟ وإلى هذا ذهب الزمخشري، وقال في تقديره: ولأن الله يهدي به ~~الذين يعلم أنهم يؤمنون أنزله كذلك مبينا. # الثالث: أنها في محل رفع خبرا لمبتدأ مضمر تقديره: والأمر أن الله يهدي ~~من يريد. # فصل # قال أهل السنة: المراد من الهداية إما وضع الأدلة أو خلق المعرفة، أما ~~الأول فغير جائز؛ لأنه تعالى فعل ذلك في حق كل المكلفين، ولأن قوله: { ~~يهدي من يريد } دليل على أن الهداية غير واجبة عليه بل هي متعلقة ~~بمشيئته سبحانه، ووضع الأدلة عند الخصم واجب، فيبقى أن المراد منه خلق ~~المعرفة. قال القاضي عبد الجبار في الاعتذار: هذا يحتمل وجوها: # أحدها: يكلف من يريد لأن من كلف أحدا شيئا فقد وصفه له وبينه. # وثانيها: أن يكون المراد يهدي إلى الجنة والإنابة من يريد ممن آمن وعمل ~~صالحا. # وثالثها: أن يكون المراد أن الله يلطف بمن يريد ممن علم أنه إذا هدي ثبت ~~على إيمانه كقوله تعالى: # والذين اهتدوا زادهم هدى # [محمد: 17]. وهذا الوجه هو الذي أشار الحسن إليه بقوله: إن الله يهدي من ~~قبل لا من لم يقبل، والوجهان الأولان ذكرهما أبو علي. # وأجيب عن الأول بأن الله تعالى ذكر ذلك بعد بيان الأدلة، وعن الثاني، من ~~الشبهات فلا يجوز حمله على محض التكليف، وأما الوجهان الأخيران فمدفوعان، ~~لأنهما عند الخصم واجبان على الله، وقوله: { يهدي من يريد } ~~يقتضي عدم الوجوب. ### || [22.17-18] # قوله تعالى: { إن الذين آمنوا } الآية. ms6315 لما قال: # وأن الله يهدي من يريد # [الحج: 16] أتبعه ببيان من يهديه ومن لا يهديه. واعلم أن (إن) الثانية ~~واسمها وخبرها في محل رفع خبرا ل " أن " الأولى قال الزمخشري: وأدخلت " ~~إن " على كل واحد من جزأي الجملة لزيادة التأكيد ونحوه قول جرير: # 3751- إن الخليفة إن الله سربله # سربال ملك به ترجى الخواتيم # قال أبو حيان: وظاهر هذا أنه شبه البيت بالآية، وكذلك قرنه الزجاج ~~بالآية، ولا يتعين أن يكون البيت كالآية، لأن البيت يحتمل أن يكون (إن ~~الخليفة) خبره (به ترجى الخواتيم) ويكون (إن الله سربله) جملة ~~اعتراض بين اسم (إن) وخبرها بخلاف الآية فإنه يتعين قوله: { إن ~~الله يفصل } وحسن دخول " إن " على الجملة الواقعة خبرا لطول ~~الفصل بينهما بالمعاطيف. قال شهاب الدين: قوله: فإنه يتعين قوله: { إن ~~الله يفصل } يعني أن يكون خبرا. ليس كذلك، لأن الآية محتملة ~~لوجهين آخرين ذكرهما الناس: # الأول: أن يكون الخبر محذوفا تقديره: يفترقون يوم القيامة ونحوه، ~~والمذكور تفسير له كذا ذكره أبو البقاء. # والثاني: أن " إن " الثانية تكرير للأولى على سبيل التوكيد، وهذا ماش ~~على القاعدة وهو أن الحرف إذا كرر توكيدا أعيد معه ما اتصل به أو ضمير ~~ما اتصل به، وهذا قد أعيد معه ما اتصل به أولا، وهي الجلالة المعظمة فلم ~~يتعين أن يكون قوله { إن الله يفصل } خبرا ل " إن " الأولى ~~كما ذكر. واختلف العلماء في المجوس، فقيل: قوم يعبدون النار، وقيل: الشمس ~~والقمر وقيل: اعتزلوا النصارى ولبسوا المسوح، وقيل: أخذوا من دين النصارى ~~شيئا ومن دين اليهود شيئا، وهم القائلون بأن للعالم أصلان، نور وظلمة، ~~وقيل هم قوم يستعملون النجاسات، والأصل: نجوس - بالنون - فأبدلت ميما. # ومعنى { يفصل بينهم يوم القيامة } أي: يحكم بينهم، { ~~إن الله على كل شيء شهيد } أي: عالم بما يستحقه كل ~~منهم، فلا يجري في ذلك الفصل ظلم ولا حيف. # قوله تعالى: { ألم تر أن الله يسجد له } الآية. قيل ~~المراد بهذه الرؤية العلم، أي: ألم تعلم، وقيل: ألم تر بقلبك. والمراد ~~بالسجود: ms6316 قال الزجاج: أنها مطيعة لله تعالى كقوله تعالى للسماء والأرض # ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا طآئعين # [فصلت: 11]، # أن يقول له كن فيكون # [يس: 82] # وإن منها لما يهبط من خشية الله # [البقرة: 74]، # وإن من شيء إلا يسبح بحمده # [الإسراء: 44]، # وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن # [الأنبياء: 79]. والمعنى أن هذه الأجسام لما كانت قابلة لجميع ما يحدثه ~~الله تعالى فيها من غير امتناع أشبهت الطاعة والانقياد وهو السجود. # فإن قيل: هذا التأويل يبطله قوله تعالى { وكثير من الناس } ، ~~فإن السجود بالمعنى المذكور عام في كل الناس، فإسناده إلى كثير منهم يكون ~~تخصيصا من غير فائدة. # فالجواب من وجوه: # الأول: أن السجود بالمعنى المذكور وإن كان عاما في حق الكل إلا أن ~~بعضهم تكبر وترك السجود في الظاهر، فهذا الشخص، وإن كان ساجدا بذاته لا ~~يكون ساجدا بظاهره، وأما المؤمن فإن ساجد بذاته وبظاهره، فلأجل هذا ~~الفرق حصل التخصيص بالذكر. # وثانيها: أن نقطع قوله: { وكثير من الناس } عما قبله، ثم فيه ~~ثلاثة أوجه: # الأول: أن تقدير الآية: ولله يسجد من في السموات ومن في الأرض ويسجد له ~~كثير من الناس فيكون السجود الأول بمعنى الانقياد، والثاني بمعنى ~~العبادة، وإنما فعلنا ذلك لقيام الدلالة على أنه لا يجوز استعمال اللفظ ~~المشترك في معنييه جميعا. # الثاني: أن يكون قوله: { وكثير من الناس } مبتدأ وخبره محذوف ~~وهو مثاب، لأن خبر مقابله يدل عليه وهو قوله: { حق عليه ~~العذاب }. # والثالث: أن يبالغ في تكثير الحقوق بالعذاب، فيعطف " كثير " على كثير ثم ~~يخبر عنهم بحق عليهم العذاب. # وثالثها: أن من يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه جميعا يقول: ~~المراد بالسجود في حق الأحياء العقلاء العبادة، وفي حق الجمادات الانقياء ~~(ومن ينكر ذلك فيقول: إن الله تكلم بهذه اللفظة مرتين، فعنى بها في حق ~~العقلاء الطاعة، وفي حق الجمادات الانقياد) فإن قيل: قوله: " ولله ~~يسجد من في السماوات و من في الأرض " عام فيدخل فيه ~~الناس، فلم قال { وكثير من الناس } مرة أخرى؟ # فالجواب: لو اقتصر على ما تقدم ms6317 لأوهم أن كل الناس يسجدون كما أن كل ~~الملائكة يسجدون فبين أن كثيرا منهم يسجد طوعا دون كثير منهم فإنه ~~يمتنع من ذلك، وهم الذين حق عليهم العذاب وقال القفال: السجود هاهنا هو ~~الخضوع والتذلل، بمعنى كونها معترفة بالفاقة إليه والحاجة إلى تخليقه ~~وتكوينه، وعلى هذا تأولوا قوله: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده # [الإسراء: 44]. # وقال مجاهد: إن سجود هذه الأشياء سجود ظلها لقوله تعالى: # يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمآئل سجدا ~~لله # [النحل: 48]. وقال أبو العالية: ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا ~~يقع ساجدا حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له، فيأخذ ذات اليمين حين ~~يرجع إلى مطلعه. # قوله: { وكثير من الناس }. فيه أوجه: # أحدها: أنه مرفوع بفعل مضمر تقديره: ويسجد له كثير من الناس، وهذا عند ~~من يمنع استعمال المشترك في معنييه، والجمع بين الحقيقة والمجاز في كلمة ~~واحدة، وذلك أن السجود المسند لغير العقلاء غير السجود المسند للعقلاء ~~فلا يعطف { وكثير من الناس } على ما قبله لاختلاف الفعل المسند ~~إليهما في المعنى، ألا ترى أن سجود غير العقلاء هو الطواعية والإذعان ~~لأمره، وسجود العقلاء هو هذه الكيفية المخصوصة. # الثاني: أنه معطوف على (ما تقدمه) وفي ذلك ثلاث تأويلات: # أحدها: أن المراد بالسجود القدر المشترك بين الكل العقلاء وغيرهم، وهو ~~الخضوع والطواعية، وهو من باب الاشتراك المعنوي. # والتأويل الثاني: أنه مشترك اشتراكا لفظيا، ويجوز استعمال المشترك في ~~معنييه. # والتأويل الثالث: أن السجود المسند للعقلاء حقيقة ولغيرهم مجاز، ويجوز ~~الجمع بين الحقيقة والمجاز على خلاف في هذه الأشياء مذكور في كتب الأصول. # الثالث من الأوجه المتقدمة: أن يكون " كثير " مرفوعا بالابتداء، ~~وخبره محذوف وهو مثاب لدلالة خبر مقابله عليه وهو قوله: { وكثير ~~حق عليه العذاب } كذا قدره الزمخشري، وقدره أبو البقاء مطيعون ~~أو مثابون أو نحو ذلك. # الرابع: أن يرتفع " كثير " على الابتداء أيضا ويكون خبره " من ~~الناس " أي من الناس الذين هم الناس على الحقيقة، وهم الصالحون ~~والمتقون. # الخامس: أن يرتفع بالابتداء أيضا ويبالغ في ms6318 تكثير المحقوقين بالعذاب ~~فيعطف " كثير " على " كثير " ثم يخبر عنهم ب { حق عليه ~~العذاب } ، ذكر ذلك الزمخشري كما تقدم. # قال أبو حيان بعد أن حكى عن الزمخشري الوجهين الأخيرين قال: وهذان ~~التخريجان ضعيفان. (ولم يبين وجه ضعفهما). قال شهاب الدين: أما أولهما ~~فلا شك في ضعفه إذ لا فائدة طائلة في الإخبار بذلك، وأما الثاني فقد ~~يظهر، وذلك أن التكرير يفيد التكثير وهو قريب من قولهم: عندي ألف وألف، ~~وقوله: # 3752- لو عد قبر وقبر كنت أكرمهم # وقرأ الزهري " والدواب " مخفف الباء، قال أبو البقاء: ووجهها أنه ~~حذف الباء الأولى كراهية التضعيف والجمع بين ساكنين. وقرأ جناح بن ~~حبيش: " وكبير " بالباء الموحدة. # وقرئ " وكثير حقا " بالنصب، وناصبه محذوف وهو الخبر تقديره: ~~وكثير حق عليه العذاب حقا، و " العذاب " مرفوع بالفاعلية. وقرئ " ~~حق " مبنيا للمفعول. وقال ابن عطية: { وكثير حق عليه ~~العذاب } يحتمل أن يكون معطوفا على ما تقدم أي: وكثير حق عليه ~~العذاب يسجد أي كراهية وعلى رغمه إما بظله وإما بخضوعه عند المكاره. ~~فقوله: معطوف على ما تقدم يعني عطف الجمل لا أنه هو وحده عطف على ما قبله ~~بدليل أنه قدره مبتدأ وخبره قوله: يسجد. # فصل # قال ابن عباس في رواية عطاء: { وكثير من الناس } يوحده، { ~~وكثير حق عليه العذاب } ممن لا يوحده، وروي عنه أنه قال: ~~{ وكثير من الناس } في الجنة. وهذه الرواية تؤكد أن قوله { ~~وكثير من الناس } مبتدأ وخبره محذوف. وقال آخرون الوقف على ~~قوله { وكثير من الناس } ثم استأنف بواو الاستئناف فقال: { ~~وكثير حق عليه العذاب }. # (وأما قوله تعالى { ومن يهن الله فما له من مكرم } ~~فالمعنى أن الذين حق عليهم العذاب) ليس لهم أحد يقدر على إزالة ذلك ~~الهوان عنهم مكرما لهم. ثم بين بقوله { إن الله يفعل ما ~~يشآء } أنه الذي يصح منه الإكرام والهوان يوم القيامة بالثواب ~~والعقاب. ### || [22.19-24] # قوله تعالى: { هذان خصمان اختصموا في ربهم } الآية. ~~لما بين أن الناس قسمان منهم من يسجد لله، ومنهم من حق عليه العذاب ذكر ms6319 ~~هاهنا كيفية اختصامهم. والخصم: في الأصل مصدر ولذلك يوحد ويذكر غالبا، ~~وعليه قوله تعالى # نبأ الخصم إذ تسوروا # [ص: 21]. # ويجوز أن يثنى ويجمع ويؤنث، وعليه هذه الآية. ولما كان كل خصم فريقا ~~يجمع طائفة قال " اختصموا " بصيغة الجمع كقوله: # وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا # [الحجرات: 9] فالجمع مراعاة للمعنى وقرأ ابن أبي عبلة " اختصما " مراعاة ~~للفظ وهي مخالفة للسواد. وقال أبو البقاء: وأكثر الاستعمال توحيده فيمن ~~ثناه وجمعه حمله على الصفات والأسماء. و " اختصموا " إنما جمع حملا ~~على المعنى لأن كل خصم تحته أشخاص. # وقال الزمخشري: الخصم صفة وصف بها الفوج أو الفريق، فكأنه قيل: هذان ~~فوجان أو فريقان يختصمان، وقوله: " هذان " للفظ، و " اختصموا " ~~للمعنى، كقوله: # ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا # [محمد: 16]، ولو قيل: هؤلاء خصمان أو اختصما جاز أن يراد المؤمنون ~~والكافرون. قال شهاب الدين: إن عنى بقوله: أن خصما صفة بطريق الاستعمال ~~المجازي فمسلم، لأن المصدر يكثر الوصف به، وإن أراد أنه صفة حقيقية فخطأه ~~ظاهر لتصريحهم بأن نحو رجل خصم مثل رجل عدل، وقوله: " هذان " للفظ. ~~أي: إنما أشير إليهم إشارة المثنى، وإن كان في الحقيقة المراد الجمع ~~باعتبار لفظ الفوجين والفريقين ونحوهما. وقوله: كقوله: # ومنهم من يستمع # [محمد: 16] إلى آخره فيه نظر، لأن في تيك الآية تقدم شيء له لفظ ومعنى ~~وهو " من " ، وهنا لم يتقدم شيء له لفظ ومعنى. # وقوله تعالى: { في ربهم } أي: في دين ربهم،، فلا بد من حذف مضاف ~~أي جادلوا في دينه وأمره. وقرأ الكسائي في رواية عنه " خصمان " بكسر ~~الخاء. واحتج من قال أقل الجمع اثنان بقوله: { هذان خصمان ~~اختصموا }. وأجيب بأن المعنى جمع كما تقدم. # فصل # اختلفوا في تفسير الخصمين، فقيل: المراد طائفة المؤمنين وجماعتهم، ~~وطائفة الكفار وجماعتهم، وأن كل الكفار يدخلون في ذلك، قال ابن عاس: رجع ~~أهل الأديان الستة " في ربهم " أي في ذاته وصفاته. وقيل: إن أهل ~~الكتاب قالوا: نحن أحق بالله، وأقدم منكم كتابا، ونبينا قبل نبيكم. وقال ~~المؤمنون: نحن أحق بالله آمنا ms6320 بمحمد وآمنا بنبيكم وما أنزل الله من كتاب، ~~وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تكتمونه، وكفرتم به حسدا، فهذه خصومتهم ~~في ربهم. وقيل: هو ما روى قيس بن عباد عن أبي ذر الغفاري أنه كان يحلف ~~بالله أن هذه الآية نزلت في ستة نفر من قريش تبارزوا يوم بدر: حمزة وعلي ~~وعبيدة بن الحارث، وعتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن المغيرة. # وقال علي - رضي الله عنه - أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الله. وقال ~~عكرمة: هما الجنة والنار. قالت النار: خلقني الله لعقوبته، وقالت الجنة: ~~خلقني الله لرحمته، فقص الله على محمد خبرهما. والأقرب هو الأول؛ لأن ~~السبب وإن كان خاصا فالواجب حمل الكلام على ظاهره. # وقوله: " هذان " كالإشارة إلى ما تقدم ذكره، وهم الأديان الستة ~~المذكورون في قوله: # إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين ~~والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله ~~يفصل بينهم يوم القيامة # [الحج: 17]. # وأيضا ذكر صنفين أهل طاعته وأهل معصيته ممن حق عليه العذاب، فوجب رجوع ~~ذلك إليهما، فمن خص به مشركي العرب واليهود من حيث قالوا في نبيهم ~~وكتابهم ما حكينا فقد أخطأ، وهذا هو الذي يدل على أن قوله: # إن الله يفصل بينهم # [الحج:17] أراد به الحكم، لأن ذلك التخاصم يقتضي أن الواقع بعده حكما. ~~فبين تعالى حكمه في الكفار، وذكر من أحوالهم ثلاثة أمور: # أحدها: قوله: { فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من ~~نار } ، وهذه الجملة تفصيل وبيان لفصل الخصومة المعني بقوله تعالى: # إن الله يفصل بينهم # [الحج: 17] قاله الزمخشري. # وعلى هذا فيكون " هذان خصمان " معترضا، والجملة من " ~~اختصموا " حالية وليست مؤكدة لأنها أخص من مطلق الخصومة المفهومة من ~~" خصمان " وقرأ الزعفراني في اختياره " قطعت " مخفف الطاء، ~~والقراءة المشهورة تفيد التكثير وهذه تحتمله. والمراد بالثياب إحاطة ~~النار بهم كقوله # لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش # [الأعراف: 41]، وقال سعيد بن جبير: ثياب من نحاس مذاب. وقال بعضهم: يلبس ~~أهل النار مقطعات من النار. # قوله: " يصب " هذه الجملة تحتمل أن تكون خبرا ثانيا للموصول، وأن ~~تكون ms6321 حالا من الضمير في " لهم " ، وأن تكون مستأنفة. والحميم الماء ~~الحار الذي انتهت حرارته، قال ابن عباس: لو قطرت منه قطرة على جبال ~~الدنيا لأذابتها. # قوله: " يصهر " جملة حالية من الحميم، والصهر الإذابة، يقال: ~~صهرت الشحم، أي: أذبته، والصهارة الألية المذابة، وصهرته الشمس: ~~أذابته بحرارتها، قال: # 3753- تصهره الشمس ولا ينصهر # وسمي الصهر صهرا لامتزاجه بأصهاره تخيلا لشدة المخالطة. وقرأ ~~الحسن في آخرين " يصهر " بفتح الصاد وتشديد الهاء مبالغة وتكثيرا ~~لذلك، والمعنى: أن الحميم الذي يصب من فوق رؤوسهم يذيب ما في بطونهم من ~~الشحوم والأحشاء. # قوله: " والجلود " فيه وجهان: # أظهرهما: عطفه على " ما " الموصولة، أي: يذيب الذي في بطونهم من ~~الأمعاء، ويذاب أيضا الجلود، أي يذاب ظاهرهم وباطنهم. # والثاني: أنه مرفوع بفعل مقدر أي: يحرق الجلود. # قالوا: لأن الجلد لا يذاب إنما ينقبض وينكمش إذا صلي بالنار، وهو في ~~التقدير كقوله: # 3754- علفتها تبنا (وماء باردا) # 3755- وزججن الحواجب والعيونا # والذين تبوءوا الدار والإيمان # [الحشر: 9] فإنه على تقدير: وسقيتها ماء، وكحلن العيون، واعتقدوا ~~الإيمان. قوله: " ولهم مقامع " يجوز في هذا الضمير وجهان: # أظهرهما: أنه يعود على " الذين كفروا " ، وفي اللام حينئذ قولان: # أحدهما: أنها للاستحقاق. والثاني: أنها بمعنى (على) كقوله: " ولهم ~~اللعنة " وليس بشيء. # والوجه الثاني: أن الضمير يعود على الزبانية أعوان جهنم، ودل عليهم سياق ~~الكلام، وفيه بعد. " من حديد " صفة ل " مقامع " ، وهي مقمعة ~~بكسر الميم، لأنها آلة القمع، يقال: قمعه يقمعه: إذا ضربه بشيء يزجره به، ~~ويذله، والمقمعة: المطرقة، وقيل: السوط، أي: سياط من حديد، وفي الحديث # " لو وضعت مقمعة منها في الأرض فاجتمع عليها ~~الثقلان (ما أقلوها) ". # قوله: " كلما أرادوا ". " كل " نصب على الظرف، وتقدم الكلام في ~~تحقيقها في البقرة، والعامل فيها هنا قوله: " أعيدوا ". و " من ~~غم " فيه وجهان: # أظهرهما: أنه بدل من الضمير في " منها " بإعادة العمل بدل اشتمال كقوله: # لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم # [الزخرف: 33]، ولكن لا بد في بدل الاشتمال من رابط، فقالوا: هو مقدر ~~تقديره: من غمها. # والثاني: أنه مفعول له، ولما نقص شرط ms6322 من شروط النصب جر بحرف السبب. وذلك ~~الشرط هو عدم اتحاد الفاعل، فإن فاعل الخروج غير فاعل الغم، فإن الغم من ~~النار والخروج من الكفار. واعلم أن الإعادة لا تكون إلا بعد الخروج، ~~والمعنى: كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم فخرجوا أعيدوا فيها. ومعنى ~~الخروج ما يروى عن الحسن: أن النار تضربهم بلهبها فترفعهم حتى إذا كانوا ~~في أعلاها ضربوا بالمقامع فهووا فيها سبعين خريفا. # قوله: " وذوقوا " منصوب بقول مقدر معطوف على " أعيدوا " أي: وقيل ~~لهم: { ذوقوا عذاب الحريق } ، أي: المحرق مثل الأليم ~~والوجيع. قال الزجاج: هو لأحد الخصمين، وقال في الخصم الآخر وهم ~~المؤمنون: { إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار }. # قوله: " يحلون " العامة على ضم الياء وفتح اللام مشددة من حلاه ~~يحليه إذا ألبسه الحلي. وقرئ بسكون الحاء وفتح اللام مخففة، وهو ~~بمعنى الأول كأنهم عدوه تارة بالتضعيف وتارة بالهمزة. قال أبو البقاء: من ~~قولك: أحلي أي: ألبس الحلي هو بمعنى المشدد. # وقرأ ابن عباس بفتح الياء وسكون الحاء وفتح اللام مخففة، وفيها ثلاثة ~~أوجه: # أحدها: أنه من حليت المرأة تحلى فهي حال، وكذلك حلي الرجل فهو ~~حال، إذا لبسا الحلي (أو صارا ذوي حلي). # الثاني: أنه من حلي بعيني كذا يحلى إذا استحسنه، و " من " مزيدة في ~~قوله " من أساور " قال: فيكون المعنى: يستحسنون فيها الأساور الملبوسة ~~ولما نقل أبو حيان هذا الوجه عن أبي الفضل الرازي قال: وهذا ليس بجيد، ~~لأنه جعل حلي فعلا متعديا، ولذلك حكم بزيادة (من) في الواجب، وليس مذهب ~~البصريين، وينبغي على هذا التقدير أن لا يجوز، لأنه لا يحفظ بهذا المعنى ~~إلا لازما، فإن كان بهذا المعنى كانت " من " للسبب، أي بلباس أساور ~~الذهب يحلون بعين من رآهم أي يحلى بعضهم بعين بعض. # وهذا الذي نقله عن أبي الفضل قاله أبو البقاء، وجوز في مفعول الفعل ~~وجها آخر فقال: ويجوز أن يكون من حلي بعيني كذا إذا حسن، وتكون " من " ~~مزيدة، أو يكون المفعول محذوفا ms6323 و " من أساور " نعت له. فقد حكم ~~عليه بالتعدي ليس إلا، وجوز في المفعول الوجهين المذكورين. # والثالث: أنه من حلي بكذا إذا ظفر به، فيكون التقدير: يحلون ~~بأساور، و " من " بمعنى الباء، ومن مجيء حلي بمعنى ظفر قولهم: لم يحل ~~فلان بطائل أي: لم يظفر به. # واعلم أن حلي بمعنى لبس الحلي أو بمعنى ظفر من مادة الياء لأنها من ~~الحلية وأما حلي بعيني كذا، فإنه من مادة الواو؛ لأنه من الحلاوة، وإنما ~~قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. # قوله: { من أساور من ذهب }. في من الأولى ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها زائدة كما تقدم تقريره عن الرازي وأبي البقاء، وإن لم يكن ~~من أصول البصريين. # الثاني: أنها للتبعيض أي: بعض أساور. # الثالث: أنها لبيان الجنس قاله ابن عطية، وبه بدأ وفيه نظر، إذ لم يتقدم ~~شيء مبهم وفي " من ذهب " لابتداء الغاية، وهي نعت لأساور. كما تقدم. # وقرأ ابن عباس " من أسور " دون ألف ولا هاء، وهو محذوف من " أساور " ~~كما قالوا: جندل والأصل جنادل. قال أبو حيان: وكان قياسه صرفه، لأنه نقص ~~بناؤه فصار كجندل لكنه قدر المحذوف موجودا فمنعه الصرف. قال شهاب الدين: ~~فقد جعل التنوين في جندل المقصور من جنادل تنوين صرف، وقد نص بعض ~~النحاة على أنه تنوين عوض، كهو في جوار وغواش وبابهما والأساور جمع ~~سوار. # قوله: " ولؤلؤا " قرأ نافع وعاصم بالنصب، والباقون بالخفض. فأما ~~النصب ففيه أربعة أوجه: # أحدها: أنه منصوب بإضمار فعل تقديره: ويؤتون لؤلؤا، ولم يذكر الزمخشري ~~غيره، وكذا أبو الفتح حمله على إضمار فعل. # الثاني: أنه منصوب نسقا على موضع " من أساور " وهذا كتخريجهم " ~~وأرجلكم " بالنصب عطفا على محل " برؤوسكم " ، ولأن { يحلون ~~فيها من أساور } في قوة: يلبسون أساور، فحمل هذا عليه. # الثالث: أنه عطف على " أساور " ، لأن " من " مزيدة فيها كما تقدم. # الرابع: أنه معطوف على ذلك المفعول المحذوف، التقدير يحلون فيها الملبوس ~~من أساور ولؤلؤا ف " لؤلؤا " عطف على الملبوس. # وأما الجر فعلى وجهين: # أحدهما: عطفه على " أساور ". # والثاني: ms6324 عطفه على " من ذهب " ، (لأن السوار يتخذ من اللؤلؤ أيضا ~~بنظم بعضه إلى بعض. فقد منع أبو البقاء أن يعطف على " ذهب " ). قال: ~~لأن السوار لا يكون من اللؤلؤ في العادة. قال شهاب الدين: بل قد يتخذ ~~منه في العادة السوار. # واختلف الناس في رسم هذه اللفظة في الإمام فنقل الأصمعي أنها في الإمام ~~" لؤلؤ " بغير ألف بعد الواو. ونقل الجحدري أنها ثابتة في الإمام بعد ~~الواو وهذا الخلاف بعينه قراءة وتوجيها جار في حرف فاطر أيضا. وقرأ ~~أبو بكر في رواية المعلى بن منصور عنه " لؤلؤا " بهمزة أولا وواوا ~~آخرا وفي رواية يحيى عنه عكس ذلك. # وقرأ الفياض " ولوليا " بواو أولا وياء آخرا، والأصل " لؤلؤا " أبدل ~~الهمزتين واوين، فبقي في آخر الاسم واو بعد ضمة، ففعل فيها ما فعل بأدل ~~جمع دلو بأن قلبت الواو ياء والضمة كسرة. وقرأ ابن عباس " وليليا " ~~بياءين فعل ما فعل الفياض ثم أتبع الواو الأولى للثانية في القلب وقرأ ~~طلحة " ولول " بالجر عطفا على المجرور قبله، وقد تقدم، والأصل ~~ولولو بواوين ثم أعل إعلال أدل. واللؤلؤ قيل: كبار الجوهر، وقيل: ~~صغاره. # قوله: { ولباسهم فيها حرير } أي أنهم يلبسون في الجنة ثياب ~~الإبريسم والمعنى أنه تعالى يوصلهم في الآخرة إلى ما حرمه عليهم في ~~الدنيا. قال عليه السلام # " من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، فإن ~~دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه ". # قوله: { وهدوا إلى الطيب من القول }. يجوز أن يكون " ~~من القول " حالا من " الطيب " ، وأن يكون حالا من الضمير المستكن فيه. ~~و " من " للتبعيض أو للبيان. # قال ابن عباس: الطيب من القول: شهادة أن لا إله إلا الله، ويؤيد هذا ~~قوله: # مثلا كلمة طيبة # [إبراهيم: 24] وقوله: # إليه يصعد الكلم الطيب # [فاطر: 10]. وهو صراط الحميد، لقوله: # وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم # [الشورى: 52] وقال ابن زيد: لا إله إلا الله والله أكبر والحمد لله ~~وسبحان الله. وقال السدي: هو القرآن. وقال ابن عباس في رواية عطاء: هو ~~قول أهل الجنة: # الحمد ms6325 لله الذي صدقنا وعده # [الزمر: 74]. { وهدوا إلى صراط الحميد } إلى دين الله ~~وهو الإسلام، و " الحميد " هو الله المحمود في أفعاله. ### || [22.25] # قوله تعالى: { إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل ~~الله } الآية. لما فصل بين الكفار والمؤمنين ذكر عظم حرمة البيت، وعظم ~~كفر هؤلاء فقال { إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل ~~الله والمسجد الحرام } وذلك بالمنع من الهجرة والجهاد. # قال ابن عباس: نزلت الآية في أبي سفيان بن حرب وأصحابه حين صدوا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - عام الحديبية عن المسجد الحرام وعن أن يحجوا ~~ويعتمروا وينحروا الهدي، فكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قتالهم ~~وهو محرم، ثم صالحوه على أن يعود في العام القابل. # قوله: " ويصدون " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه معطوف على ما قبله، وحينئذ ففي عطفه على الماضي ثلاثة ~~تأويلات: # أحدها: أن المضارع قد لا يقصد به الدلالة على زمن معين من حال أو ~~استقبال وإنما يراد به مجرد الاستمرار، فكأنه قيل: إن الذين كفروا ومن ~~شأنهم الصد عن سبيل الله، ومثله: # الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله # [الرعد: 28]. # الثاني: أنه مؤول بالماضي لعطفه على الماضي. # الثالث: أنه على بابه فإن الماضي قبله مؤول بالمستقبل. # الوجه الثاني: أنه حال من فاعل " كفروا " ، وبه بدأ أبو البقاء. وهو ~~فاسد ظاهرا، لأنه مضارع مثبت وما كان كذلك لا تدخل عليه الواو وما ورد ~~منه على قلته مؤول، فلا يحمل عليه القرآن. وعلى هذين القولين فالخبر ~~محذوف، واختلفوا في موضع تقديره، فقدره ابن عطية بعد قوله: " والباد " ~~أي: إن الذين كفروا خسروا أو أهلكوا، ونحو ذلك. # وقدره الزمخشري بعد قوله: " والمسجد الحرام " أي إن الذين كفروا ~~نذيقهم من عذاب أليم، وإنما قدره كذلك؛ لأن قوله: { نذقه من ~~عذاب أليم } يدل عليه. إلا أن أبا حيان في تقدير الزمخشري بعد " ~~المسجد الحرام ": لا يصح، قال: لأن " الذي " صفة للمسجد ~~الحرام، فموضع التقدير هو بعد " والباد ". يعني أنه يلزم من تقديره ~~الفصل بين الصفة والموصوف بأجنبي وهو خبر " إن " فيصير ms6326 التركيب: إن ~~الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام نذيقهم من عذاب أليم ~~الذي جعلناه للناس. # وللزمخشري أن ينفصل عن هذا الاعتراض بأن " الذي جعلناه " لا نسلم ~~أنه نعت للمسجد حتى يلزم ما ذكر بل نجعله مقطوعا عنه نصبا أو رفعا. ثم ~~قال أبو حيان: لكن مقدر الزمخشري أحسن من مقدر ابن عطية، لأنه يدل عليه ~~الجملة الشرطية بعد من جهة اللفظ وابن عطية لحظ من جهة المعنى لأن من ~~أذيق العذاب خسر وهلك. # الوجه الثالث: أن الواو في " ويصدون " مزيدة في خبر " إن " ~~تقديره: إن الذين كفروا (يصدون). # وزيادة الواو مذهب كوفي تقدم بطلانه. وقال ابن عطية: وهذا مفسد للمعنى ~~المقصود. قال شهاب الدين: ولا أدري فساد المعنى من أي جهة ألا ترى لو صرح ~~بقولنا: (إن الذين كفروا يصدون) لم يكن فيه فساد معنى، ~~فالمانع إنما هو أمر صناعي عند أهل البصرة لا معنوي، اللهم إلا أن يريد ~~معنى خاصا يفسد بهذا التقدير فيحتاج إلى بيانه. # قوله: " الذي جعلناه " يجوز جره على النعت والبيان، والنصب ~~بإضمار فعل، والرفع بإضمار مبتدأ. والجعل يجوز أن يتعدى لاثنين بمعنى ~~صير، وأن يتعدى لواحد. والعامة على رفع " سواء ". وقرأ حفص عن عاصم ~~بالنصب هنا، وفي الجاثية " سواء محياهم " وافقه على الذي في ~~الجاثية الأخوان وسيأتي توجيهه. فأما على قراءة الرفع، فإن قلنا: إن " ~~جعل " بمعنى (صير) كان في المفعول الثاني ثلاثة أوجه: # أظهرها: أن الجملة من قوله: " سوآء العاكف فيه " هي المفعول ~~الثاني، ثم الأحسن في رفع " سواء " أن يكون خبرا مقدما، و " العاكف ~~" ، والبادي مبتدأ مؤخر، وإنما وحد الخبر وإن كان المبتدأ اثنين، ~~لأن " سواء " في الأصل مصدر وصف به، وقد تقدم أول البقرة. وأجاز ~~بعضهم أن يكون " سواء " مبتدأ، وما بعده الخبر، وفيه ضعف أو منع من ~~حيث الابتداء بالنكرة من غير مسوغ، ولأنه متى اجتمع معرفة ونكرة جعلت ~~المعرفة المبتدأ. وعلى هذا الوجه أعني كون الجملة مفعولا ثانيا فقوله: ~~" للناس " يجوز فيه وجهان: # أحدهما: أن يتعلق بالجعل، أي: ms6327 جعلناه لأجل الناس كذا. # والثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من مفعول " جعلناه " ، ولم ~~يذكر أبو البقاء فيه على هذا الوجه غير ذلك، وليس معناه متضحا. # الوجه الثاني: أن " للناس " هو المفعول الثاني، والجملة من قوله: ~~" سواء العاكف " في محل نصب على الحال، إما من الموصول وإما من ~~عائده وبهذا الوجه بدأ أبو البقاء، وفيه نظر؛ لأنه جعل هذه الجملة التي ~~هي محط الفائدة فضلة. # الوجه الثالث: أن المفعول الثاني محذوف. قال ابن عطية: المعنى الذي ~~جعلناه للناس قبلة ومتعبدا. فتقدير ابن عطية هذا مرشد لهذا الوجه. إلا ~~أن أبا حيان قال: ولا يحتاج إلى هذا التقدير إلا إن كان أراد تفسير ~~المعنى لا الإعراب فيسوغ؛ لأن الجملة في موضع المفعول الثاني، فلا يحتاج ~~إلى هذا التقدير وإن جعلناها متعدية لواحد كان قوله: " للناس " ~~متعلقا بالجعل على الغلبة وجوز فيه أبو البقاء وجهين آخرين: # أحدهما: أنه حال من مفعول " جعلناه ". # والثاني: أنه مفعول تعدى إليه بحرف الجر. # وهذا الثاني لا يتعقل كيف يكون " للناس " مفعولا عدي إليه الفعل ~~بالحرف هذا ما لا يعقل، فإن أراد أنه مفعول من أجله فهي عبارة بعيدة من ~~عبارة النحاة. وأما على قراءة حفص فإن قلنا: " جعل " يتعدى لاثنين كان ~~" سواء " مفعولا ثانيا. وإن قلنا: يتعدى لواحد كان حالا من هاء " ~~جعلناه " وعلى التقديرين ف " العاكف " مرفوع به على الفاعلية؛ ~~لأنه مصدر وصف به، فهو في قوة اسم الفاعل المشتق، تقديره: جعلناه مستويا ~~فيه العاكف، ويدل عليه قولهم: مررت برجل سواء هو ~~والعدم، فهو تأكيد للضمير المستتر فيه، والعدم نسق على الضمير ~~المستتر؛ ولذلك ارتفع، ويروى: سواء والعدم؛ بدون تأكيد وهو شاذ ~~وقرأ الأعمش وجماعة " سواء " نصبا " العاكف " جرا، وفيه وجهان: # أحدهما: أنه بدل من الناس بدل تفصيل. # والثاني: أنه عطف بيان، فهذا أراد ابن عطية بقوله: عطفا على الناس. # ويمتنع في هذه القراءة رفع " سواء " لفساده صناعة ومعنى، ولذلك قال ~~أبو البقاء: و " سواء " على هذا نصب لا غير. وأثبت ابن كثير ياء ms6328 " ~~والبادي " وقفا ووصلا. وأثبتها أبو عمرو وورش وصلا وحذفاها وقفا. ~~وحذفها الباقون وصلا ووقفا، وهي محذوفة في الإمام. # فصل # معنى الكلام: ويصدون عن المسجد الحرام الذي جعلناه للناس قبلة لصلاتهم ~~ومنسكا ومتعبدا كما قال: " وضع للناس " وتقدم الكلام على معنى " ~~سواء " باختلاف القراءة. # وأراد ب " العاكف " المقيم فيه، و " البادي " الطارئ من البدو، وهو ~~النازع إليه من غربته. وقال بعضهم: يدخل في " العاكف " الغريب إذا جاور ~~ولزمه كالبعيد وإن لم يكن من أهله. واختلفوا في معنى " سواء " فقال ابن ~~عباس في بعض الروايات: إنهما يستويان في سكنى مكة والنزول بها، فليس ~~أحدهما أحق بالنزول الذي يكون فيه من الآخر إلا أن يكون أحدهما سبق إلى ~~المنزل، وهو قول قتادة وسعيد بن جبير، ومن مذهب هؤلاء تحريم كراء دور مكة ~~وبيعها، واستدلوا بالآية والخبر أما الآية فهذه، قالوا: إن أرض مكة لا ~~تملك، فإنها لو ملكت لم يستو العاكف فيها والباد، فلما استويا ثبت أن ~~سبيلها سبيل المساجد. وأما الخبر فقوله عليه السلام: # " مكة مناخ لمن سبق إليه " # وهذا مذهب ابن عمر وعمر بن عبد العزيز وأبي حنفية وإسحاق الحنظلي. # وقال عبد الرحمن بن سابط: كان الحجاج إذا قدموا مكة لم يكن أحد من أهل ~~مكة أحق بمنزله منهم. وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينهى الناس أن ~~يغلقوا أبوابهم في الموسم وعلى هذا فالمراد ب " المسجد الحرام " ~~الحرم كله؛ لأن إطلاق لفظ المسجد الحرام وإرادة البلد الحرام جائز لقوله ~~تعالى # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام # [الإسراء: 1]. وأيضا فقوله: " العاكف " المراد منه المقيم، وإقامته ~~لا تكون في المسجد بل في المنازل. وقيل: " سوآء العاكف فيه ~~والبادي " في تعظيم حرمته وقضاء النسك به وإليه ذهب مجاهد والحسن ~~وجماعة، أي ليس للمقيم أن يمنع البادي وبالعكس، قال عليه السلام: # " يا بني عبد المطلب من ولي منكم من أمور الناس شيئا فلا ~~يمنعن أحدا طاف بهذا البيت أو صلى أية ساعة من ليل أو نهار " # وهذا قول من أجاز بيع ms6329 دور مكة. # وقد جرت مناظرة بين الشافعي وإسحاق الحنظلي بمكة وكان إسحاق لا يرخص ~~في كراء بيوت مكة، فاحتج الشافعي بقوله تعالى: # الذين أخرجوا من ديارهم # [الحج: 40]. فأضاف الديار إلى مالكيها أو إلى غير مالكيها. وقال عليه ~~السلام يوم فتح مكة: # " من أغلق بابه فهو آمن " # وقوله عليه السلام: # " هل ترك لنا عقيل من رباع " # وقد اشترى عمر بن الخطاب دار السجن، أترى أنه اشتراها من مالكيها أو من ~~غير مالكيها. # قال إسحاق: فلما علمت أن الحجة لزمتني تركت قولي. والقول بجواز بيع دور ~~مكة وإجارتها قول طاوس وعمرو بن دينار وبه قال الشافعي. # قوله: { ومن يرد فيه بإلحاد } فيه أربعة أوجه: # أحدها: أن مفعول " يرد " محذوف، وقوله: " بإلحاد بظلم " حالان ~~مترادفان، والتقدير: ومن يرد فيه مرادا ما عادلا عن القصد ظالما نذقه ~~من عذاب إليم. وإنما حذف ليتناول كل متناول، قال معناه الزمخشري. # والثاني: أن المفعول أيضا محذوف تقديره: ومن يرد فيه تعديا، و " ~~بإلحاد " حال، أي: ملتبسا بإلحاد، و " بظلم " بدل بإعادة الجار. # الثالث: أن يكون " بظلم " متعلقا ب " يرد " والباء للسببية، أي: ~~بسبب الظلم و " بإلحاد " مفعول به، والباء مزيدة فيه كقوله: # ولا تلقوا بأيديكم # [البقرة: 195]. # 3756- لا يقرأن بالسور # وإليه ذهب أبو عبيدة، وأنشد للأعشى: # 3757- ضمنت برزق عيالنا أرماحنا # أي: ضمنت رزق. ويؤيده قراءة الحسن: { ومن يرد إلحاده بظلم ~~}. # قال الزمخشري: أراد إلحاده فيه، فأضافه على الاتساع في الظرف ك " ~~مكر الليل " ومعناه: ومن يرد أن يلحد فيه ظالما. # الرابع: أن تضمن " يرد " معنى يلتبس فذلك تعدى بالباء، أي: ومن يلتبس ~~بإلحاد مريدا له. والعامة على " يرد " بضم الياء من الإرادة. وحكى ~~الكسائي والفراء أنه قرئ " يرد " بفتح الياء، قال الزمخشري: من الورود ~~ومعناه: من أتى فيه بإلحاد ظالما. # فصل # الإلحاد: العدول عن القصد، وأصله إلحاد الحافر. واختلف المفسرون فيه، ~~فقيل: إنه الشرك، أي من لجأ إلى الحرم ليشرك به عذبه الله، وهو إحدى ~~الروايات عن ابن عباس، وهو قول مجاهد وقتادة. # وروي عن ابن عباس هو ms6330 أن تقتل فيه من لا يقتلك أو تظلم من لا يظلمك. وروي ~~عن ابن عباس أنها نزلت في عبد الله بن سعد حيث استسلمه النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فارتد مشركا، وفي قيس بن (ضبابة). وقال مقاتل: نزلت في عبد ~~الله بن خطل حيث قتل الأنصاري وهرب إلى مكة كافرا، فأمر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بقتله يوم الفتح. وقال مجاهد: تضاعف السيئات بمكة كما ~~تضاعف الحسنات. # وعن سعيد بن جبير وحبيب بن أبي ثابت: هو احتكار الطعام بمكة. وعن عطاء ~~هو قول الرجل في المبايعة: لا والله وبلى والله. وعن عبد الله بن عمر: ~~أنه كان له فسطاطان أحدهما في الحل والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب ~~أهله عاتبهم في الحل، فقيل له في ذلك فقال: كنا نحدث أن من الإلحاد فيه ~~أن يقول الرجل كلا والله، وبلى والله. # وعن عطاء: هو دخول الحرم غير محرم وارتكاب شيء من محظورات الإحرام من ~~قتل صيد أو قطع شجر. ولما كان الإلحاد بمعنى الميل من أمر إلى أمر بين ~~تعالى أن المراد بهذا الإلحاد ما يكون ميلا إلى الظلم فلهذا قرن الظلم ~~بالإلحاد؛ لأنه لا معصية كبرت أم صغرت إلا وهو ظلم، ولذلك قال تعالى # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]. # وقوله: { نذقه من عذاب أليم } بيان للوعيد. ### || [22.26-29] # قوله تعالى: { وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت } ~~الآية. أي؛ اذكر حين، واللام في " لإبراهيم " ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها للعلة، ويكون مفعول " بوأنا " محذوفا، أي: بوأنا الناس ~~لأجل إبراهيم مكان البيت، و " بوأ " جاء متعديا صريحا قال تعالى: # ولقد بوأنا بني إسرائيل # [يونس: 93] # لنبوئنهم من الجنة غرفا # [العنكبوت: 58]، وقال الشاعر: # 3758- كم صاحب لي صالح # بوأته بيدي لحدا # والثاني: أنها مزيدة في المفعول به، وهو ضعيف لما تقرر أنها لا تزاد إلا ~~بعد تقدم معمول أو كان العامل فرعا. # الثالث: أن تكون معدية للفعل على أنه مضمن معنى فعل يتعدى بها، أي؛ ~~هيأنا له مكان البيت، كقولك: هيأت له بيتا، فتكون اللام معدية قال ms6331 معناه ~~أبو البقاء. # وقال الزمخشري: واذكر حين جعلنا لإبراهيم مكان البيت مباءة ففسر المعنى ~~بأنه ضمن " بوأنا " معنى (جعلنا)، ولا يريد تفسير الإعراب. وفي " مكان ~~البيت " وجهان: # أظهرهما: أنه مفعول به. # والثاني: قال أبو البقاء: أن يكون ظرفا. وهو ممتنع من حيث إنه ظرف مختص ~~فحقه أن يتعدى إليه ب (في). # فصل # روي أن الكعبة الكريمة بنيت خمس مرات: # أحدها: بناء الملائكة قبل آدم، وكانت من ياقوتة حمراء، ثم رفعت إلى ~~السماء أيام الطوفان. # والثانية: بناء إبراهيم - عليه السلام -. # والثالثة: بناء قريش في الجاهلية، وقد حضر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - هذا البناء. # والرابعة: بناء ابن الزبير. # والخامسة: بناء الحجاج وهو البناء الموجود اليوم. # " وروى أبو ذر قال: قلت: يا رسول الله أي مسجد وضع أول؟ قال: " المسجد ~~الحرام ". # قال: ثم قلت: أي؟ قال: " المسجد الأقصى ". قلت: كم بينهما؟ قال: " ~~أربعون سنة " # والمسجد الأقصى أسسه يعقوب - عليه السلام - وروى عبد الله بن عمرو بن ~~العاص قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # " بعث الله جبريل عليه السلام إلى آدم وحواء فقال لهما: ابنيا لي ~~بيتا، فخط لهما جبريل فجعل آدم يحفر وحواء تنقل حتى أجابه الماء نودي ~~من تحته: حسبك يا آدم. فلما بنياه أوحى الله تعالى إليه أن يطوف به، وقيل ~~له أنت أول الناس وهذا أول بيت، ثم تناسخت القرون حتى حجه نوح، ثم تناسخت ~~القرون حتى رفع إبراهيم القواعد منه " # روي عن علي - رضي الله عنه - أن الله تعالى أوحى إلى إبراهيم - عليه ~~السلام - أن ابن لي بيتا في الأرض، فضاق به زرعا، فأرسل الله السكينة ~~وهي ريح خجوج لها رأس، فاتبع أحدهما صاحبه حتى انتهت، ثم تطوقت في موضع ~~البيت تطوق الحية، فبنى إبراهيم حتى إذا بلغ مكان الحجر، قال لابنه: ~~ابغني حجرا، فالتمس حجرا حتى أتاه به، فوجد الحجر الأسود قد ركب، فقال ~~لأبيه: من أين لك هذا؟ قال: جاء به من لا يتكل على بنائك، جاء به جبريل ~~من السماء فأتمه، قال: فمر ms6332 عليه الدهر فانهدم، فبنته العمالقة، ثم انهدم ~~فبنته جرهم، ثم انهدم فبنته قريش ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يومئذ رجل شاب فلما أرادوا أن يرفعوا الحجر الأسود اختصموا فيه فقالوا: ~~نحكم بيننا أول رجل يخرج من هذه السكة، فكان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أول من خرج، فقضى بينهم أن يجعلوه في مربط ثم ترفعه جميع القبائل ~~كلهم، فرفعوه، ثم ارتقى هو فرفعوا إليه الركن، فوضعه، وكانوا يدعونه ~~الأمين. # قال موسى بن عقبة: كان بناء الكعبة قبل المبعث بخمس عشرة سنة. قال ابن ~~إسحاق: كانت الكعبة على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ثماني عشرة ~~ذراعا، وكانت تكسى القباطي ثم كسيت البرود، وأول من كساها الديباج ~~الحجاج بن يوسف. # وأما المسجد الحرام فأول من أخر بنيان البيوت من حول الكعبة عمر بن ~~الخطاب اشتراها من أهلها وهدمها، فلما كان عثمان اشترى دورا وزادها فيه، ~~فلما ولي ابن الزبير أحكم بنيانه وأكثر أبوابه وحسن جدرانه، ولم يوسعه ~~شيئا آخر، فلما استوى الأمر إلى عبد الملك بن مروان زاد في ارتفاع ~~جدرانه وأمر بالكعبة فكسيت الديباج، وتولى ذلك بأمره الحجاج. # وروي أن الله تعالى لما أمر إبراهيم - عليه السلام - ببناء البيت لم يدر ~~أين يبني فبعث الله تعالى ريحا خجوجا فكشفت ما حول البيت عن الأساس. ~~وقال الكلبي: بعث الله سحابة بقدر البيت، فقامت بحيال البيت فيها رأس ~~يتكلم وله لسان وعينان يا إبراهيم ابن على قدري وحيالي، فبنى عليه. # قوله: { أن لا تشرك } في " أن " هذه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها هي المفسرة. قال الزمخشري بعد أن ذكر هذا الوجه: فإن قلت: ~~كيف يكون النهي عن الشرك، والأمر بتطهير البيت تفسيرا للتبوئة. قلت: ~~كانت التبوئة مقصودة من أجل العبادة، وكأنه قيل تعبدنا إبراهيم قلنا لا ~~تشرك. يعني الزمخشري أن " أن " المفسرة لابد أن يتقدمها ما هو بمعنى ~~القول لا حروفه ولم يتقدم إلا لتبوئة وليست بمعنى القول فضمنها معنى ~~القول، ولا يريد بقوله: قلنا: لا تشرك. تفسير الإعراب بل تفسير ms6333 المعنى، ~~لأن المفسرة لا تفسر القول الصريح. # الثاني: أنها المخففة من الثقيلة. قاله ابن عطية. وفيه نظر من حيث إن ~~(أن) المخففة لا بد أن يتقدمها فعل تحقيق أو ترجيح كحالها إذا كانت ~~مشددة. # الثالث: أنها المصدرية التي تنصب المضارع، وهي توصل بالماضي والمضارع ~~والأمر، والنهي كالأمر، وعلى هذا ف " أن " مجرورة بلام العلة مقدرة أي: ~~بوأناه لئلا تشرك، وكان من حق اللفظ على هذا الوجه أن يكون " أن لا يشرك ~~" بياء الغيبة، وقد قرئ بذلك، قاله أبو البقاء: وقوى ذلك قراءة من قرأة ~~بالياء. # يعني من تحت. ووجه قراءة العامة على هذا التخريج أن يكون من الالتفات من ~~الغيبة إلى الخطاب. # الرابع: أنها الناصبة ومجرورة بلام أيضا، إلا أن اللام متعلقة بمحذوف، ~~أي: فعلنا ذلك لئلا تشرك، فجعل النهي صلة لها، وقوى ذلك قراءة الياء ~~قاله أبو البقاء. والأصل عدم التقدير مع عدم الاحتياج إليه. وقرأ عكرمة ~~وأبو نهيك " أن لا يشرك " بالياء. # قال أبو حيان: على معنى أن يقول معنى القول الذي قيل له. وقال أبو حاتم: ~~ولا بد من نصب الكاف على هذه القراءة بمعنى: لئلا يشرك. قال شهاب ~~الدين: كأنه لم يظهر له صلة (أن) المصدرية بجملة النهي؛ فجعل (لا) ~~نافية، وسلط (أن) على المضارع بعدها حتى صار علة للفعل قبله، وهذا غير ~~لازم لما تقدم من وضوح المعنى مع جعلها ناهية. # فصل # وههنا سؤالات: # الأول: إذا قلنا: أن (أن) هي المفسرة: فكيف يكون النهي عن الشرك ~~والأمر بتطهير البيت تفسيرا للتبوئة؟ # والجواب: أنه سبحانه لما قال: جعلنا البيت مرجعا لإبراهيم، فكأنه قيل: ~~ما معنى كون البيت مرجعا له، فأجيب عنه بأن معناه أن يكون بقلبه موحدا ~~لرب البيت عن الشريك والنظير مشتغلا بتنظيف البيت عن الأوثان والأصنام. # السؤال الثاني: أن إبراهيم - عليه السلام - لما لم يشرك بالله فيكف قيل: ~~" لا تشرك بي "؟ # والجواب: المعنى: لا تجعل في العبادة لي شريكا، ولا تشرك بي غرضا آخر ~~في بناء البيت. # السؤال الثالث: أن البيت ما كان معمورا ms6334 قبل ذلك فكيف قال: " ~~وطهر بيتي ". # والجواب: لعل ذلك المكان كان صحراء فكانوا يرمون إليها الأقذار، فأمر ~~إبراهيم ببناء ذلك البيت في ذلك المكان وتطهيره عن الأقذار، أو كانت ~~معمورة وكانوا وضعوا فيها أصناما، فأمره الله تعالى بتخريب ذلك البناء ~~ووضع بناء جديد، فذلك هو التطهير عن الأوثان، أو يكون المراد أنك بعد أن ~~تبنيه فطهره عما لا ينبغي من الشرك. # وقوله: " للطائفين " قال ابن عباس: للطائفين بالبيت من غير أهل مكة ~~" والقائمين " أي: المقيمين فيها، " والركع السجود " أي: المصلين ~~من الكل، وقيل: القائمون هم المصلون. # قوله: { وأذن في الناس بالحج }. قرأ العامة بتشديد الذال ~~بمعنى (ناد). # وقرأ الحسن وابن محيصن " آذن " بالمد والتخفيف بمعنى أعلم. ويبعده قوله: ~~" في الناس " إذ كان ينبغي أن يتعدى بنفسه. # ونقل أبو الفتح عنهما أنهما قرءا بالقصر وتخفيف الذال، وخرجها أبو الفتح ~~وصاحب اللوامح على أنها عطف على " بوأنا " أي: واذكر إذ بوأنا وإذ ~~أذن في الناس، وهي تخريج واضح. وزاد صاحب اللوامح فقال: فيصير في الكلام ~~تقديم وتأخير ويصير " يأتوك " جزما على جواب الأمر في " وطهر ". ونسب ~~ابن عطية أبا الفتح في هذه القراءة إلى التصحيف فقال بعد أن حكى قراءة ~~الحسن وابن محيصن " وآذن " بالمد: وتصحف هذا على ابن جني فإنه حكى عنهما ~~" وأذن " على أنه فعل ماض وأعرب على ذلك بأن جعله عطفا على " ~~بوأنا ". قال شهاب الدين: ولم يتصحف عليه بل حكى هذه القراءة أبو ~~الفضل الرازي في اللوامح له عنهما، وذكرها أيضا ابن خالويه، ولكنه لم ~~يطلع عليها، فنسب من اطلع عليها للتصحيف، ولو تأنى أصاب أو كاد. # وقرأ ابن أبي إسحاق " بالحج " بكسر الحاء حيث وقع كما تقدم. # فصل # قال أكثر المفسرين: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قال الله له: { أذن ~~في الناس بالحج } ، قال: يا رب وما يبلغ صوتي؟ قال: عليك الأذان وعلي ~~البلاغ فصعد إبراهيم الصفا، وفي رواية أبا قبيس، وفي رواية على المقام. ~~فارتفع المقام حتى صار كأطول الجبال فأدخل أصبعيه في أذنيه، وأقبل ms6335 بوجهه ~~يمينا وشمالا وشرقا وغربا وقال: يا أيها الناس ألا إن ربكم قد بنى ~~بيتا، وقد كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق فأجيبوا ربكم، فأجابه كل من ~~يحج من أصلاب الآباء وأرحام الأمهات لبيك اللهم لبيك. قال ابن عباس: ~~فأول من أجابه أهل اليمن فهم أكثر الناس حجا. وقال مجاهد: من أجاب ~~مرة حج مرة ومن أجاب مرتين أو أكثر فيحج مرتين أو أكثر بذلك المقدار. ~~قال ابن عباس: لما أمر الله إبراهيم بالأذان تواضعت له الجبال وخفضت ~~وارتفعت له القرى. وقال الحسن وأكثر المعتزلة: إن المأمور بالأذان هو ~~محمد - عليه السلام - واحتجوا بأن ما جاء في القرآن وأمكن حمله على أن ~~محمدا هو المخاطب فهو أولى وقد بينا أن قوله: " وإذ بوأنا " ، ~~أي: واذكر يا محمد إذ بوأنا، فهو في حكم المذكور، فلما قال: " وأذن ~~" فإليه يرجع الخطاب. قال الجبائي: أمر محمدا - صلى الله عليه وسلم - أن ~~يفعل ذلك في حجة الوداع. قالوا: إنه ابتداء فرض الحج من الله تعالى ~~للرسول، وفي قوله: " يأتوك " دلالة على أن المراد أن يحج فيقتدى به. # وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا ". # قوله: " رجالا " نصب على الحال، وهو جمع راجل نحو: صاحب وصحاب، ~~وتاجر وتجار، وقائم وقيام. # وقرأ عكرمة والحسن وأبو مجلز " رجالا " بضم الراء وتشديد الجيم. # وروي عنهم تخفيفها، وافقهم ابن أبي إسحاق على التخفيف، وجعفر بن محمد ~~ومجاهد على التشديد، ورويت عن ابن عباس أيضا. فالمخفف اسم جمع كظؤار، ~~والمشدد جمع تكسير كصائم وصوام. وروي عن عكرمة أيضا " رجالى " ~~كنعامى بألف التأنيث. وكذلك عن ابن عباس وعطاء إلا أنهما شددا الجيم. ~~قوله: { وعلى كل ضامر } نسق على " رجالا " ، فيكون حالا أي: ~~مشاة وركبانا. والضمور: الهزال، ضمر يضمر ضمورا، والمعنى أن ~~الناقة صارت ضامرة لطول سفرها. # قوله: " يأتين ". النون ضمير " كل ضامر " حملا على المعنى، إذ ~~المعنى: على ضوامر، ف " يأتين " صفة ل " ضامر " ، وأتى بضمير الجمع ~~حملا على المعنى، ms6336 أي جماعة الإبل، وقد تقدم في أول الكتاب أن " كل " ~~إذا أضيفت إلى نكرة لم يراع معناها إلا في قليل، كقوله: # 3759- جادت عليه كل عين ثرة # فتركت كل حديقة كالدرهم # وهذه الآية ترده، فإن " كل " فيها مضافة لنكرة وقد روعي معناها، وكان ~~بعضهم أجاب عن بيت زهير بأنه إنما جاز ذلك؛ لأنه في جملتين، قيل له: فهذه ~~الآية جملة واحدة، لأن " يأتين " صفة ل " ضامر ". وجوز أبو حيان أن ~~يكون الضمير يشمل " رجالا " و " كل ضامر " قال: على معنى الجماعات ~~والرفاق. قال شهاب الدين: فعلى هذا يجوز أن يقال عنده: الرجال يأتين، ولا ~~ينفعه كونه اجتمع مع الرجال هنا " كل ضامر " ، فيقال جاز ذلك لما اجتمع ~~معه ما يجوز فيه ذلك إذ يلزم منه تغليب غير العاقل على العاقل وهو ممنوع. ~~وقال البغوي: وإنما جمع " يأتين " لمكان " كل " وأراد النوق. وقرأ ~~ابن مسعود والضحاك وابن أبي عبلة " يأتون " تغليبا للعقلاء الذكور. ~~وعلى هذا فيحتمل أن يكون قوله: { على كل ضامر } حالا أيضا، ويكون " ~~يأتون " مستأنفا متعلق به من كل فج أي يأتونك رجالا وركبانا ثم قال: { ~~يأتون من كل فج } وأن يتعلق بقوله " يأتون " أي يأتون على كل ضامر من كل ~~فج، و " يأتون " مستأنف أيضا، فلا يجوز أن يكون صفة ل " رجالا " ول ~~" ضامر " لاختلاف الموصوف في الإعراب؛ لأن أحدهما منصوب والآخر مجرور، ~~ولو قلت: رأيت زيدا ومررت بعمرو العاقلين. على النعت لم يجز بل على ~~القطع. وقد جوز ذلك الزمخشري فقال: وقرئ " يأتون " صفة للرجال ~~والركبان وهو مردود بما ذكرنا. # والفج: الطريق بين الجبلين، ثم يستعمل في سائر الطرق اتساعا. والعميق: ~~البعيد سفلا، يقال: بئر عميقة معيقة، فيجوز أن يكون مقلوبا إلا أنه أقل ~~من الأول، قال: # 3760- إذا الخيل جاءت من فجاج عميقة # يمد بها في السير أشعث شاحب # وقرأ ابن مسعود: " معيق " ويقال: عمق وعمق بكسر العين وضمها عمقا ~~بفتح الفاء قال الليث: عميق (ومعيق، والعميق في الطريق أكثر. وقال ~~الفراء: عميق لغة الحجاز) ومعيق لغة تميم ms6337 وأعمقت البئر وأمعقتها وعمقت ~~ومعقت عماقة ومعاقة وإعماقا وإمعاقا قال رؤبة: # 3761- وقاتم الأعماق خاوي المخترق # الأعماق هنا بفتح الهمزة جمع عمق وعلى هذا فلا قلب في معيق، لأنها لغة ~~مستقلة، وهو ظاهر قول الليث أيضا، ويؤيده قراءة ابن مسعود بتقديم الميم، ~~ويقال: غميق بالغين المعجمة أيضا. # فصل # بدأ الله بذكر المشاة تشريفا لهم، وروى سعيد بن جبير بإسناده عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " إن الحاج الراكب له بكل خطوة تخطوها راحلته سبعون حسنة وللماشي ~~سبعمائة حسنة من حسنات الحرم، قيل: يا رسول الله وما حسنات الحرم؟ قال: ~~الحسنة بمائة ألف حسنة ". # وإنما قال تعالى: " يأتوك رجالا "؛ لأنه هو المنادي فمن أتى مكة ~~حاجا فكأنه أتى إبراهيم - عليه السلام -، لأنه يجيب نداءه. # قوله: " ليشهدوا " يجوز في هذه اللام وجهان: # أحدهما: أن تتعلق ب " أذن " ، أي: أذن ليشهدوا. # والثاني: أنها متعلقة ب " يأتوك ". وهو الأظهر. # قال الزمخشري: ونكر " منافع " لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة ~~دينية ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادات. قل سعيد بن المسيب ومحمد بن ~~علي الباقر: # المنافع: هي العفو والمغفرة وقال سعيد بن جبير: التجارة، وهي رواية ابن ~~زيد. # وعن ابن عباس قال: الأسواق. وقال مجاهد: التجارة وما يرضى الله به من ~~أمر الدنيا والآخرة. { ويذكروا اسم الله في أيام ~~معلومات } قال الأكثرون: هي عشر ذي الحجة قيل لها " معلومات " ~~للحرص على علمها بحسابها من أجل وقت الحج في آخرها. # والمعدودات: أيام التشريق. وروي عن علي: أنها يوم النحر وثلاثة أيام ~~بعده، وهو اختيار الزجاج. لأن الذكر على " بهيمة الأنعام " يدل ~~على التسمية على نحرها. والنحر للهدايا إنما يكون في هذه الأيام. وروى ~~عطاء عن ابن عباس: أنها يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق. وقيل: عبر عن ~~الذبح والنحر بذكر اسم الله؛ لأن المسلمين لا ينفكون عن ذكر اسم الله إذا ~~نحروا. ثم قال: { على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } ~~يعني الهدايا والضحايا تكون من النعم، وهي الإبل والبقر والغنم. قال ~~الزمخشري: البهيمة مبهمة ms6338 في كل ذات أربع في البر والبحر، فبينت بالأنعام ~~وهي: الإبل والبقر والغنم. # قوله: " فكلوا منها ". قيل: هذا أمر وجوب، لأن أهل الجاهلية كانوا ~~لا يأكلون من لحوم هداياهم شيئا ترفقا على الفقراء. وقيل: هذا أمر ~~إباحة. واتفق العلماء على أن الهدي إذا كان تطوعا كان للمهدي أن يأكل ~~منه، وكذلك أضحية التطوع؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أن يؤخذ ~~من كل جزور بضعه، فطبخت، وأكل لحمها، وحسي من مرقها، وكان هذا تطوعا. ~~واختلفوا في الهدي الواجب في النذور والكفارات والجبرانات للنقصان مثل دم ~~القران ودم التمتع ودم الإساءة ودم التقليم والحلق، والواجب بإفساد الحج ~~وفواته وجزاء الصيد. فقال الشافعي وأحمد: لا يأكل منه. وقال ابن عمر: لا ~~يأكل من جزاء الصيد والنذور، ويأكل مما سواهما. وقال مالك: يأكل من هدي ~~التمتع، ومن كل هدي وجب عليه إلا من فدية الأذى وجزاء الصيد والمنذور. ~~وعند أصحاب الرأي: يأكل من دم التمتع والقران ولا يأكل من واجب سواهما. # قوله: { وأطعموا البآئس الفقير }. يعني الزمن الفقير الذي ~~لا شيء له. # قال ابن عباس: البائس الذي ظهر بؤسه في ثيابه وفي وجهه، والفقير الذي لا ~~يكون كذلك فتكون ثيابه نقية ووجهه وجه غني. والبؤس شدة الفقر. # قوله: { ثم ليقضوا تفثهم }. العامة على كسر اللام، وهي لام ~~الأمر. وقرأ نافع والكوفيون والبزي بسكونها، إجراء للمنفصل مجرى المتصل ~~نحو كتف، وهو نظير تسكين هاء (هو) بعد (ثم) في قراءة الكسائي وقالون ~~حيث أجريت (ثم) مجرى الواو والفاء والتفث: قيل أصله من التف. وهو ~~وسخ الأظفار قلبت الفاء ثاء كمعثور في معفور. وقيل: هو الوسخ والقذر ~~يقال: ما تفثك. وحكى قطرب: تفث الرجل، أي: كثر وسخه في سفره. قال الزجاج: ~~إن أهل اللغة لا يعرفون التفث إلا من التفسير. وقال المبرد: أصل التفث ~~في كلام العرب كل قاذورة تلحق الإنسان فيجب عليه نقضها. وقال القفال: قال ~~نفطويه: سألت أعرابيا فصيحا ما معنى قوله: { ثم ليقضوا ~~تفثهم } ، فقال: ما أفسر القرآن، ولكنا نقول للرجل: ما ms6339 أتفثك، أي: ~~أوسخك وما أدرنك. ثم قال القفال: وهذا أولى من قول الزجاج لأن القول قول ~~المثبت لا قول النافي. والمراد بالتفث هنا: الوسخ والقذارة من طول الشعر ~~والأظفار والشعث والحاج أشعث أغبر، والمراد قص الشارب والأظفار ونتف ~~الإبط وحلق العانة. والمراد بالقضاء إزالة ذلك، والمراد به الخروج من ~~الإحرام بالحلق وقص الشارب والتنظيف ولبس الثياب. وقال ابن عمر وابن ~~عباس: قضاء التفث مناسك الحج كلها. وقال مجاهد: هو مناسك الحج وأخذ ~~الشارب ونتف الإبط وحلق العانة وقلم الأظفار. وقيل: التفث هنا رمي ~~الجمار. وقيل: معنى " ليقضوا تفثهم " ليصنعوا ما يصنعه المحرم من ~~إزالة شعر وشعث ونحوهما عند حله، وفي ضمن هذا قضاء جميع المناسك إذ لا ~~يفعل هذا إلا بعد فعل المناسك كلها. # قوله: " وليوفوا ". قرأ أبو بكر " وليوفوا " بالتشديد، والباقون ~~بالتخفيف. وتقدم في البقرة أن فيه ثلاث لغات وفى، ووفى، وأوفى. ~~وقرأ ابن ذكوان: " وليوفوا " بكسر اللام، والباقون بسكونها. وهذا الخلاف ~~جار في قوله " وليطوفوا ". والمراد بالوفاء ما أوجبه بالنذر، ~~وقيل: ما أوجبه الدخول في الحج من المناسك. قال مجاهد: أراد نذر الحج ~~والهدي، وما ينذره الإنسان من شيء يكون في الحج. وقيل: المراد الوفاء ~~بالنذر مطلقا وقوله: " وليطوفوا " المراد الطواف الواجب، وهو ~~طواف الإفاضة يوم النحر بعد الرمي والحلق وسمي البيت العتيق قال الحسن: ~~القديم لأنه أول بيت وضع للناس. وقال ابن عباس وابن الزبير: لأنه ~~أعتق من الجبابرة، فكم من جبار سار إليه ليهدمه فمنعه الله، ولما ~~قصده أبرهة فعل به ما فعل. فإن قيل: قد تسلط الحجاج عليه؟ # فالجواب: أنه ما قصد التسلط على البيت وإنما تحصن به عبد الله بن ~~الزبير فاحتال لإخراجه ثم بناه وقال ابن عيينة: لم يملك قط. وقال ~~مجاهد: أعتق من الغرق. # وقيل: لأنه بيت كريم من قولهم: عتاق الخيل والطير. # فصل # والطواف ثلاثة أطواف: # الأول: طواف القدوم وهو أن من قدم مكة يطوف بالبيت سبعا، يرمل ثلاثا ~~من الحجر الأسود إلى أن ينتهي إليه، ويمشي أربعا وهذا الطواف سنة ms6340 لا شيء ~~على تاركه. # والثاني: طواف الإفاضة يوم النحر بعد الرمي والحلق، ويسمى أيضا طواف ~~الزيارة وطواف الصدر، وهو واجب لا يحصل التحلل من الإحرام ما لم يأت به. # والثالث: طواف الوداع لا رخصة لمن أراد مفارقة مكة إلى مسافة القصر في ~~أن يفارقها حتى يطوف بالبيت سبعا، فمن تركه فعليه دم إلا الحائض ~~والنفساء، فلا وداع عليهما لما روى ابن عباس قال: أمر الناس أن يكون آخر ~~عهدهم بالبيت إلا أنه أرخص للمرأة الحائض. والرمل يختص بطواف القدوم، ولا ~~رمل في طواف الإفاضة والوداع. ### || [22.30-32] # قوله تعالى: { ذلك ومن يعظم حرمات الله } الآية. " ~~ذلك " خبر مبتدأ مضمر، أي: الأمر والشأن ذلك، قال الزمخشري: كما يقدم ~~الكاتب جملة من كلامه في بعض المعاني، فإذا أراد الخوض في معنى آخر قال ~~هذا، وقد كان كذا. وقدره ابن عطية: فرضكم ذلك أو الواجب ذلك. وقيل: هو ~~مبتدأ خبره محذوف، أي ذلك الأمر الذي ذكرته. وقيل: في محل نصب أي: ~~امتثلوا ذلك. ونظير هذه الإشارة قول زهير بعد تقدم جمل في وصف هرم بن ~~سنان: # 3762- هذا وليس كمن يعيا بخطته # وسط الندي إذا ناطق نطقا # والحرمة ما لا يحل هتكه، وجمييع ما كلفه الله بهذه الصفة من مناسك ~~الحج وغيرها، فيحتمل أن يكون عاما في جميع تكاليفه، ويحتمل أن يكون ~~خاصا فيما يتعلق بالحج. # وعن زيد بن أسلم: الحرمات خمس: الكعبة الحرام، والمسجد الحرام، والبلد ~~الحرام، والشهر الحرام، والمشعر الحرام. وقال ابن زيد: الحرمات ههنا: ~~البيت الحرام، والبلد الحرام، والشهر الحرام، والمسجد الحرام، ~~(والإحرام). # وقال الليث: حرمات الله ما لا يحل انتهاكها. # وقال الزجاج: الحرمة ما وجب القيام به، وحرم التفريط فيه. # قوله: " فهو " " هو " ضمير المصدر المفهوم من قوله: " ومن يعظم " ~~، أي؛ فتعظيم حرمات الله خير له، كقوله تعالى: # اعدلوا هو أقرب للتقوى # [المائدة: 8] و " خير " هنا ظاهرها التفضيل بالتأويل المعروف ومعنى ~~التعظيم: العلم بوجوب القيام بها وحفظها. # وقوله: " عند ربه " أي: عند الله في الآخرة. وقال الأصم: فهو خير ~~له من ms6341 التهاون. # قوله: { وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم ~~} ووجه النظم أنه كان يجوز أن يظن أن الإحرام إذا حرم الصيد وغيره ~~فالأنعام أيضا تحرم، فبين تعالى أن الإحرام لا يؤثر فيها، ثم ~~استثنى منه ما يتلى في كتاب الله من المحرمات من النعم في سورة المائدة ~~في قوله: # غير محلي الصيد وأنتم حرم # [المائدة: 1]، وقوله: # ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه # [الأنعام: 121]. # قوله: { إلا ما يتلى عليكم } يجوز أن يكون استثناء متصلا، ~~ويصرف إلى ما يحرم من بهيمة الأنعام لسبب عارض كالموت ونحوه. وأن يكون ~~استثناء منقطعا؛ إذ ليس فيها محرم وقد تقدم تقرير هذا أول المائدة. # قوله: " من الأوثان ". في " من " ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها لبيان الجنس، وهو مشهور قول المعربين، ويقدر بقولك الرجس ~~الذي هو الأوثان. وقد تقدم أن شرط كونها بيانية ذلك ويجيء مواضع كثيرة لا ~~يتأتى فيها ذلك ولا بعضه. # والثاني: أنها لابتداء الغاية. # قال شهاب الدين: وقد خلط أبو البقاء القولين فجعلهما قولا واحدا. ~~فقال: و " من " لبيان الجنس، أي: اجتنبوا الرجس من هذا القبيل وهو معنى ~~ابتداء الغاية ههنا يعني أنه في المعنى يؤول إلى ذلك ولا يؤول إليه ~~البتة. # الثالث: أنها للتبعيض. وقد غلط ابن عطية القائل بكونها للتبعيض فقال: ~~ومن قال إن " من " للتبعيض قلب معنى الآية فأفسده. وقد يمكن التبعيض فيها ~~بأن معنى الرجس عبادة الأوثان، وبه قال ابن عباس وابن جريج فكأنه قال: ~~فاجتنبوا من الأوثان الرجس وهو العبادة لأن المحرم من الأوثان إنما هو ~~العبادة، ألا ترى أنه قد يتصور استعمال الوثن في بناء وغيره مما لم يحرم ~~الشرع استعماله، فللوثن جهات منها عبادتها وهي بعض جهاتها. قاله أبو ~~حيان. والأوثان جمع وثن، والوثن يطلق على ما صور من نحاس وحديد وخشب ~~ويطلق أيضا على الصليب، # " قال عليه السلام لعدي بن حاتم وقد رأى في عنقه صليبا: " ألق هذا ~~الوثن عنك " # وقال الأعشى: # 3763- يطوف العفاة بأبوابه # كطوف النصارى ببيت الوثن # واشتقاقه من وثن الشيء، أي أقام ms6342 بمكانه وثبت فهو واثن، وأنشد لرؤبة: # 3764- على أخلاء الصفاء الوثن # أي: المقيمين على العهد، وقد تقدم الفرق بين الوثن والصنم. # فصل # قال المفسرون: { فاجتنبوا الرجس من الأوثان } أي؛ ~~عبادتها، أي كونوا على جانب منها فإنها رجس، أي سبب رجس وهو العذاب، ~~والرجس بمعنى الرجز. # وقال الزجاج: " من " ههنا للتجنيس، أي اجتنبوا الأوثان التي هي الرجس { ~~واجتنبوا قول الزور }. واعلم أنه تعالى لما حث على تعظيم ~~حرماته أتبعه بالأمر باجتناب الأوثان وقول الزور، لأن توحيد الله وصدق ~~القول أعظم الحرمات، وإنما جمع الشرك وقول الزور في سلك واحد، لأن الشرك ~~من باب الزور، لأن المشرك زاعم أن الوثن يحق له العبادة فكأنه قال: ~~فاجتنبوا عبادة الأوثان التي هي رأس الزور واجتنبوا قول الزور كله، ولا ~~تقربوا شيئا منه، وما ظنك بشيء من قبيله عبادة الأوثان. وسمى الأوثان ~~رجسا لا للنجاسة لكن لأن وجوب تجنبها أوكد من وجوب تجنب الرجس، ولأن ~~عبادتها أعظم من التلوث بالنجاسات. قال الأصم: إنما وصفها بذلك لأن ~~عادتهم في القربان أن يتعمدوا سقوط الدماء عليها. وهذا بعيد، وإنما وصفها ~~بذلك استحقارا واستخفافا. # والزور من الازورار وهو الانحراف كما أن الإفك (من أفكه إذا صرفه) ~~وذكر المفسرون في قول الزور وجوها: # الأول: قولهم: هذا حلال وهذا حرام، وما أشبه ذلك. # والثاني: شهادة الزور؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الصبح فلما ~~سلم قام قائما، واستقبل الناس بوجهه، وقال: # " عدلت شهادة الزور الإشراك بالله " # وتلا هذه الآية. # الثالث: الكذب والبهتان. # الرابع: قول أهل الجاهلية في تلبيتهم لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك ~~تملكه وما ملك. # قوله: " حنفاء لله " حال من فاعل " اجتنبوا " ، وكذلك " ~~غير مشركين " وهي حال مؤكدة إذ يلزم من كونهم " حنفاء " عدم ~~الإشراك أي مخلصين له، أي تمسكوا بالأوامر والنواهي على وجه العبادة لله ~~وحده لا على وجه إشراك غير الله به، فلذلك قال { غير مشركين به ~~}. # ثم قال: { ومن يشرك بالله فكأنما خر من السمآء ~~} أي: سقط من السماء إلى الأرض. # قوله: " فتخطفه ms6343 ". قرأ نافع بفتح الخاء والطاء مشددة، وأصلها ~~تختطفه فأدغم. وباقي السبعة " فتخطفه " بسكون الخاء وتخفيف الطاء. ~~وقرأ الحسن والأعمش وأبو رجاء بكسر التاء والخاء والطاء مع التشديد. وروي ~~عن الحسن أيضا بفتح الطاء مشددة مع كسر التاء والخاء. وروي عن الأعمش ~~كقراءة العامة إلا أنه بغير فاء " تخطفه " وتوجيه هذه القراءات قد تقدم ~~في أوائل البقرة عند قوله: # يكاد البرق يخطف # [البقرة: 20]. وقرأ أبو جعفر " الرياح " جمعا. # وقوله: " خر " في معنى (تخر)، ولذلك عطف عليه المستقبل وهو " ~~فتخطفه ". # ويجوز أن يكون على بابه ولا يكون " فتخطفه " عطفا عليه بل هو خبر ~~مبتدأ مضمر أي: فهو تخطفه. قال الزمخشري: يجوز في هذا التشبيه أن يكون من ~~المركب والمفرق فإن كان تشبيها مركبا، فكأنه قال: من أشرك بالله فقد ~~أهلك نفسه إهلاكا ليس وراءه إهلاك بأن صور حاله بصورة حال من خر من ~~السماء فاختطفته الطير فتفرق مزعا في حواصلها، أو عصفت به الرياح حتى ~~هوت به في بعض المطاوح البعيدة. # وإن كان مفرقا فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء، والذي ترك الإيمان ~~وأشرك بالله بالساقط من السماء والأهواء التي تتوزع أفكاره بالطير ~~المختطفة، والشيطان الذي يطوح به في وادي الضلال بالريح التي تهوي بما ~~عصفت به في بعض المهاوي المتلفة. والسحيق البعيد، ومنه: سحقه الله، ~~أي: أبعده، ومنه قول عليه السلام: # " سحقا سحقا " # أي بعدا بعدا. والنخلة السحوق الممتدة في السماء من ذلك. # قوله تعالى: { ذلك ومن يعظم شعائر الله } الآية. إعراب ~~" ذلك " كإعراب " ذلك " المتقدم وتقدم تفسير الشعيرة واشتقاقها في ~~المائدة. والمعنى: ذلك الذي ذكرت من اجتناب الرجس، وقول الزور، وتعظيم ~~شعائر الله من تقوى القلوب. # قال ابن عباس: شعائر الله البدن والهدايا. وأصلها من الإشعار وهو ~~إعلامها لتعرف أنها هدي، وتعظيمها استحسانها واستسمانها. وقيل: شعائر ~~الله أعلام دينه. # وقيل: مناسك الحج. # قوله: { فإنها من تقوى القلوب }. أي: فإن تعظيمها من أفعال ~~ذوي تقوى القلوب، فحذفت هذه المضافات، ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها، ~~لأنه لا بد من راجع من الجزاء ms6344 إلى (من) ليرتبط به، وإنما ذكرت القلوب، ~~لأن المنافق قد يظهر التقوى من نفسه وقلبه خال عنها، فلهذا لا يكون ~~مجدا في الطاعات، وأما المخلص الذي تمكنت التقوى من قلبه فإنه يبالغ في ~~أداء الطاعات على سبيل الإخلاص. # واعلم أن الضمير في قوله: { فإنها من تقوى القلوب } فيه ~~وجهان: # أحدهما: أنه ضمير الشعائر على حذف مضافه، أي: فإن تعظيمها من تقوى ~~القلوب. # والثاني: أنه ضمير المصدر المفهوم من الفعل قبله، أي: فإن التعظيم من ~~تقوى القلوب والعائد على اسم الشرط من هذه الجملة الجزائية مقدر تقديره: ~~فإنها من تقوى القلوب منهم. ومن جوز إقامة (أل) مقام الضمير - وهم ~~الكوفيون -، أجاز ذلك هنا، والتقدير: من تقوى قلوبهم كقوله: # فإن الجنة هي المأوى # [النازعات: 41]. والعامة على خفض " القلوب " ، وقرئ برفعها، فاعلة ~~للمصدر قبلها وهو " تقوى ". ### || [22.33-35] # قوله: { لكم فيها منافع } أي: في الشعائر بمعنى الشرائع، أي: ~~لكم في التمسك بها. وقيل: في بهيمة الأنعام، وهو قول مجاهد وقتادة ~~والضحاك. ورواه مقسم عن ابن عباس. وعلى هذا فالمنافع درها ونسلها ~~وأصوافها وأوبارها وركوب ظهرها إلى أجل مسمى، وهو أن يسميها ويوجبها ~~هديا؛ فإذا فعل ذلك لم يكن له شيء من منافعها. # وروي عن ابن عباس أن في البدن منافع مع تسميتها هديا بأن تركبوها إن ~~احتجتم إليها، وتشربوا لبنها إن احتجتم إليه، إلى أجل مسمى إلى أن ~~تنحروها. وهذا اختيار الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق، وهو أولى؛ لأن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - # " مر برجل يسوق بدنة وهو في جهد، فقال عليه السلام: " ~~اركبها ". فقال يا رسول الله إنها هدي. فقال: " اركبها ويلك ". ~~قال عليه السلام: " اركبوا الهدي بالمعروف حتى تجدوا ظهرا " # واحتج أبو حنيفة على أنه لا يملك من منافعها بأنه لا يجوز له أن يؤجرها ~~للركوب فلو كان مالكا لمنافعها لملك عقد الإجارة عليها كمنافع سائر ~~المملوكات. وأجيب بأن هذا قياس في معارضة النص فلا عبرة به، وأيضا فإن ~~أم الولد لا يملك بيعها ويمكنه الانتفاع بها فكذا ههنا. ومن حمل المنافع ms6345 ~~على سائر الواجبات يقول: " لكم فيها " أي: في التمسك بها منافع إلى ~~أجل ينقطع التكليف عنده. # والأول قول جمهور المفسرين لقوله: { ثم محلهآ إلى البيت ~~العتيق } أي: لكم في الهدايا منافع كثيرة في دنياكم ودينكم وأعظم هذه ~~المنافع محلها إلى البيت العتيق، أي: وقت وجوب نحرها منتهية إلى البيت ~~كقوله # هديا بالغ الكعبة # [المائدة: 95]. # وقوله: " محلها " يعني حيث يحل نحرها، وأما " البيت العتيق " ~~فالمراد به الحرم كله لقوله: # فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا # [التوبة: 28] أي: الحرم كله، فالمنحر على هذا القول مكة، ولكنها نزهت عن ~~الدماء إلى منى، ومنى من مكة قال عليه السلام: # " كل فجاج مكة منحر، (وكل فجاج منى منحر) " # قال القفال: هذا إنما يختص بالهدايا التي تبلغ منى، فأما الهدي المتطوع ~~به إذا عطب قبل بلوغ مكة فإن محلها موضعه. # ومن قال: الشعائر المناسك فإن معنى قوله: { ثم محلهآ إلى ~~البيت العتيق } أي: محل الناس من إحرامهم إلى البيت العتيق أن ~~يطوفوا به طواف الزيارة (يوم النحر). # قوله تعالى: { ولكل أمة جعلنا منسكا } الآية. قرأ ~~الأخوان هذا وما بعده " منسكا " بالكسر. والباقون بالفتح. # فقيل: هما بمعنى واحد، والمراد بالمنسك مكان النسك أو المصدر. وقيل: ~~المكسور مكان، والمفتوح مصدر. # قال ابن عطية: والكسر في هذا من الشاذ ولا يسوغ فيه القياس، ويشبه أن ~~يكون الكسائي سمعه من العرب. # قال شهاب الدين: وهذا الكلام منه غير مرضي، كيف يقول: ويشبه أن يكون ~~الكسائي سمعه. والكسائي يقول: قرأت به. فكيف يحتاج إلى سماع مع تمسكه ~~بأقوى السماعات، وهو روايته لذلك قرأنا متواترا. وقوله: من الشاذ: يعني ~~قياسا لا استعمالا فإنه فصيح في الاستعمال، وذلك أن فعل يفعل بضم ~~العين في المضارع قياس الفعل منه أن يفتح عينه مطلقا، أي: سواء أريد به ~~الزمان أم المكان أم المصدر، وقد شذت ألفاظ ضبطها النحاة في كتبهم مذكورة ~~في هذا الكتاب. # فصل # " ولكل أمة " (أي: جماعة مؤمنة سلفت قبلكم من عهد إبراهيم عليه ~~السلام " جعلنا منسكا " ) أي ضربا من القربان، وجعل ms6346 العلة في ~~ذلك أن يذكر اسمه عند ذبحها ونحرها فقال: { ليذكروا اسم الله ~~على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } أي: عند الذبح ~~والنحر لأنها لا تتكلم. وقال: " بهيمة الأنعام " قيد بالنعم، لأن من ~~البهائم ما ليس من الأنعام كالخيل والبغال والحمير لا يجوز ذبحها في ~~القرابين، وكانت العرب تسمي ما تذبحه للصنم العتر والعتيرة كالذبح ~~والذبيحة. # قوله: { فإلهكم إله واحد } في كيفية النظم وجهان: # الأول: أن الإله واحد، وإنما اختلفت التكاليف باختلاف الأزمنة والأشخاص ~~لاختلاف المصالح. # والثاني: { فإلهكم إله واحد } لا تذكروا على ذبائحكم ~~غير اسمه. " فله أسلموا " انقادوا وأطيعوا، فمن انقاد لله كان ~~مخبتا فلذلك قال بعده " وبشر المخبتين ". # قال ابن عباس وقتادة: المخبت المتواضع الخاشع وقال مجاهد: المطمئن إلى ~~الله. والخبت المكان المطمئن من الأرض. قال أبو مسلم: حقيقة المخبت من ~~صار في خبت من الأرض تقول: أخبت الرجل إذا صار في الخبت كما يقال: أنجد ~~وأتهم وأشأم. # وقال الكلبي: هم الرقيقة قلوبهم. وقال عمرو بن أوس: هم الذين لا يظلمون ~~وإذا ظلموا لم ينتصروا. # قوله: { الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم }. يجوز ~~أن يكون هذا الموصول في موضع جر أو نصب أو رفع، فالجر من ثلاثة أوجه: ~~النعت للمخبتين، أو البدل منهم، أو البيان لهم. والنصب على المدح. والرفع ~~على إضمارهم وهو مدح أيضا، ويسميه النحويون قطعا. # والمعنى: إذا ذكر الله ظهر عليهم الخوف من عقاب الله والخشوع والتواضع ~~لله، والصابرين على ما أصابهم من البلايا والمصائب من قبل الله، لأنه ~~الذي يجب الصبر عليه كالأمراض والمحن، فأما ما يصيبهم من قبل الظلمة ~~فالصبر عليه غير واجب بل لو أمكنه دفع ذلك لزمه الدفع ولو بالمقاتلة. # قوله: " والمقيمي الصلاة " في أوقاتها. والعامة على خفض " ~~الصلاة " بإضافة المقيمين إليها. # وقرأ الحسن وأبو عمرو في رواية بنصبها على حذف النون تخفيفا كما تحذف ~~النون لالتقاء الساكنين. وقرأ ابن مسعود والأعمش بهذا الأصل " ~~والمقيمين الصلاة " بإثبات النون ونصب الصلاة. وقرأ الضحاك: " ~~والمقيم الصلاة " بميم ليس بعدها شيء. وهذه لا تخالف ms6347 قراءة العامة ~~لفظا وإنما يظهر مخالفتها لها وقفا وخطا. ثم قال: { ومما ~~رزقناهم ينفقون } أي: يتصدقون فهم خائفون خاشعون متواضعون لله ~~مشتغلون بخدمة ربهم بالبدن والنفس والمال. ### || [22.36-37] # قوله تعالى: { والبدن جعلناها لكم من شعائر الله ~~} الآية. العامة على نصب " البدن " على الاشتغال، ورجح النصب وإن كان ~~محوجا للإضمار على الرفع الذي لم يحوج إليه، لتقدم جملة فعلية على جملة ~~الاشتغال وقرئ برفعها على الابتداء والجملة بعدها الخبر والعامة أيضا ~~على تسكين الدال. وقرأ الحسن ويروى عن نافع وشيخه أبي جعفر بضمها، وهما ~~جمعان لبدنة نحو ثمرة وثمر وثمر، فالتسكين يحتمل أن يكون تخفيفا ~~من المضموم وأن يكون أصلا وقيل: البدن والبدن جمع بدن، والبدن ~~جمع بدنة نحو خشبة وخشب ثم يجمع خشبا على خشب وخشب. وقيل: ~~البدن اسم مفرد لا جمع يعنون اسم الجنس. وقرأ ابن أبي إسحاق: " ~~البدن " بضم الباء والدال وتشديد النون وهي تحتمل وجهين: # أحدهما: أنه قرأ كالحسن فوقف على الكلمة وضعف لامها، كقولهم: هذا فرج ثم ~~أجري الوصل مجرى الوقف في ذلك ويحتمل أن يكون اسما على فعل كعتل. # وسميت البدنة بدنة، لأنها تبدن أي تسمن. وهل تختص بالإبل؟ الجمهور على ~~ذلك، قال الزمخشري: والبدن جمع بدنة سميت لعظم بدنها وهي الإبل خاصة لأن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألحق البقر بالإبل حين قال: # " البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة " # فجعل البقر في حكم الإبل، فصارت البدنة متناولة في الشريعة للجنسين عند ~~أبي حنيفة وأصحابه، وإلا فالبدن هي الإبل، وعليه تدل الآية. # وقيل: لا تختص بالإبل، فقال الليث: البدنة بالهاء تقع على الناقة ~~والبقرة والبعير، وما يجوز في الهدي والأضاحي، ولا تقع على الشاة. وقال ~~عطاء وغيره: ما أشعر من ناقة أو بقرة، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~حين سئل عن البقر فقال: # " وهل هي إلا من البدن " # (وقيل: البدن يراد به العظيم السن من الإبل والبقر). # ونقل النووي في تحرير ألفاظ التنبيه عن الأزهري أنه قال: البدنة تكون من ~~الإبل والبقر والغنم. ms6348 ويقال للسمين من الرجال، وهو اسم جنس مفرد. # قوله: { من شعائر الله } هو المفعول الثاني للجعل بمعنى ~~التصيير. # وقوله: { لكم فيها خير } الجملة حال من هاء " جعلناها " ، ~~وإما من " شعائر الله " وهذان مبنيان على أن الضمير في " فيها ~~" هل هو عائد على " البدن " أو على " شعائر الله " ، والأول قول ~~الجمهور. # قوله: { فاذكروا اسم الله عليها صوآف }. نصب " ~~صواف " على الحال، أي مصطفة جنب بعضها إلى بعض. وقرأ أبو موسى ~~الأشعري والحسن ومجاهد وزيد بن أسلم " صوافي " جمع صافية، أي: خالصة ~~لوجه الله تعالى. وقرأ عمرو بن عبيد كذلك إلا أنه نون الياء فقرأ " ~~صوافيا ". # واستشكلت من حيث إنه جمع متناه، وخرجت على وجهين: # أحدهما: ذكره الزمخشري: وهو أن يكون التنوين عوضا من حرف الإطلاق عند ~~الوقف، يعني أنه وقف على " صوافي " بإشباع فتحة الياء فتولد منها ألف، ~~يسمى حرف الإطلاق، ثم عوض عنه هذا التنوين، وهو الذي يسميه النحويون ~~تنوين الترنم. # والثاني: أنه جاء على لغة من يصرف ما لا ينصرف. وقرأ الحسن " صواف " ~~بالكسر والتنوين، وجهها أنه نصبها بفتحة مقدرة فصار حكم هذه الكلمة ~~كحكمها حالة الرفع والجر في حذف الياء وتعويض التنوين نحو هؤلاء جوار، ~~ومررت بجوار وتقدير الفتحة في الياء كثير كقولهم: # 3765- أعط القوس باريها # وقوله: # 3766- كأن أيديهن بالقاع القرق # أيدي جوار يتعاطين الورق # وقول الآخر: # 3767- وكسوت عار لحمه # ويدل على هذه قراءة بعضهم " صوافي " بياء ساكنة من غير تنوين نحو ~~رأيت القاضي يا فتى. بسكون الياء. ويجوز أن يكون سكن الياء في هذه ~~القراءة للوقف ثم أجرى الوصل مجراه. # وقرأ العبادلة ومجاهد والأعمش " صوافن " بالنون جمع صافنة، وهي التي ~~تقوم على ثلاثة وطرف الرابعة أي: على طرف سنبكه، لأن البدنة تعلق إحدى ~~يديها، فتقوم على ثلاثة إلا أن الصوافن إنما يستعمل في الخيل كقوله: " ~~الصافنات الجياد " كما سيأتي، فيكون استعماله في الإبل استعارة. # فصل # سميت البدنة بدنة لعظمها يريد الإبل العظام الصحاح الأجسام، يقال: ~~بدن الرجل بدنا وبدانة: إذا ضخم، فأما إذا أسن واسترخى يقال: ~~بدن ms6349 تبدينا. # { جعلناها لكم من شعائر الله } أي: من أعلام دينه، ~~سميت شعائر، لأنها تشعر، وهو أن تطعن بحديدة في سنامها فيعلم أنها هدي. ~~{ لكم فيها خير } النفع في الدنيا والأجر في العقبى. { ~~فاذكروا اسم الله عليها } عند نحرها " صواف " أي ~~قياما على ثلاث قوائم قد صفت رجليها وإحدى يديها ويدها اليسرى معقولة ~~فينحرها كذلك لما روى زياد بن جبير قال: رأيت ابن عمر أتى على رجل قد ~~أناخ بدنة ينحرها فقال: ابعثها قياما مقيدة سنة محمد - صلى الله عليه ~~وسلم -. وقال مجاهد: الصواف إذا علقت رجلها اليسرى وقامت على ثلاث. قال ~~المفسرون: قوله: { فاذكروا اسم الله عليها } فيه حذف أي ~~اذكروا اسم الله على نحرها، وهو أن يقال عند النحر: باسم الله والله أكبر ~~ولا إله إلا الله والله أكبر اللهم منك وإليك. والحكمة في اصطفافها ظهور ~~كثرتها للناظر فتقوى نفوس المحتاجين، ويكون التقرب بنحرها عند ذلك أعظم ~~أجرا، وإعلاء اسم الله وشعائر دينه. # فصل # إذا قال: لله علي بدنة، هل يجوز نحرها في غير مكة؟ قال أبو حنيفة ~~ومحمد يجوز وقال أبو يوسف: لا يجوز إلا بمكة. واتفقوا في من نذر هديا أن ~~عليه ذبحه بمكة. # ومن قال: لله علي جزور أنه يذبحه حيث شاء. وقال أبو حنيفة: البدنة ~~بمنزلة الجزور، فوحب أن يجوز له نحرها حيث يشاء، بخلاف الهدي فإنه قال: # هديا بالغ الكعبة # [المائدة: 95] فجعل بلوغ الكعبة من صفة الهدي. واحتج أبو يوسف بقوله: { ~~والبدن جعلناها لكم من شعائر الله } فكان اسم ~~البدنة يفيد كونها قربة فكان كاسم الهدي. # وأجاب أبو حنيفة بأنه ليس كل ما كان ذبحه قربة اختص بالحرم، فإن الأضحية ~~قربة وهي جائزة في سائر الأماكن. # قوله: { فإذا وجبت جنوبها } أي سقطت بعد النحر فوقعت جنوبها ~~على الأرض. وأصل الوجوب السقوط، يقال: وجبت الشمس إذا سقطت للمغيب، ووجب ~~الجدار: أي سقط، ومنه الواجب الشرعي كأنه وقع علينا ولزمنا. قال أوس بن ~~حجر: # 3768- ألم تكسف الشمس شمس النها # ر والبدر للجبل الواجب # قوله: { فكلوا منها ms6350 وأطعموا القانع والمعتر } ~~أمر إباحة { وأطعموا القانع والمعتر } اختلفوا في ~~معناهما، فقال عكرمة وإبراهيم وقتادة: القانع الجالس في بيته المتعفف ~~يقنع بما يعطى ولا يسأل. والمعتر الذي يسأل. قال الأزهري: قال ابن ~~الأعرابي: يقال: عروت فلانا وأعتريته وعررته واعتررته: ~~إذا أتيته تطلب معروفه ونحوه. # قال أبو عبيدة: روى العوفي عن ابن عباس: القانع الذي لا يتعرض ولا يسأل، ~~والمعتر الذي يريك نفسه ويتعرض ولا يسأل. فعلى هذين التأويلين يكون ~~القانع من القناعة، يقال: قنع قناعة: إذا رضي بما قسم له. وقال ~~سعيد بن جبير والحسن والكلبي: القانع الذي يسأل، والمعتر الذي يتعرض ولا ~~يسأل. وقيل: القانع الراضي بالشيء اليسير من قنع يقنع قناعة ~~فهو قانع. والقنع بغير ألف هو السائل. ذكره أبو البقاء. وقال الزمخشري ~~القانع السائل من قنعت وكنعت إذا خضعت له وسألته قنوعا، ~~والمعتر: المتعرض بغير سؤال أو القانع الراضي بما عنده وبما يعطى من ~~غير سؤال من قنعت قنعا وقناعة، والمعتر المتعرض للسؤال. ~~انتهى. # وفرق بعضهم بين المعنيين بالمصدر فقال: " قنع يقنع قنوعا " أي: ~~سأل، وقناعة أي: تعفف ببلغته واستغنى به، وأنشد للشماخ: # 3769- لمال المرء يصلحه فيغني # مفاقره أعف من القنوع # وقال ابن قتيبة: المعتر المتعرض من غير سؤال، يقال: عره واعتره ~~وعراه واعتراه أي: أتاه طالبا معروفه، قال: # 3770- لعمرك ما المعتر يغشى بلادنا # لنمنعه بالضائع المتهضم # وقول الآخر: # 3771- سلي الطارق المعتر يا أم مالك # إذا ما اعتراني بين قدري ومجزري # وقرأ أبو رجاء: " القنع " دون ألف، وفيها وجهان: # أحدهما: أن أصلها القانع فحذف الألف كما قالوا: مقول، ومخيط ~~وجندل وعلبط في مقوال، ومخياط، وجنادل، وعلابط. # والثاني: أن القانع هو الراضي باليسير، والقنع السائل كما تقدم ~~تقريره. قال الزمخشري: والقنع الراضي لا غير. وقرأ الحسن: " والمعتري ~~" اسم فاعل من اعترى يعتري وقرأ إسماعيل ويروى عن أبي رجاء والحسن ~~أيضا " والمعتر " بكسر الراء اجتزاء بالكسر عن لام الكلمة. # وقرئ " المعتري " بفتح التاء، قال أبو البقاء: وهو في معناه أي: في ~~معنى " المعتر " في قراءة العامة. قال بعضهم: والأقرب ms6351 أن القانع هو ~~الراضي بما يدفع إليه من غير سؤال وإلحاح، والمعتر: هو الذي يعترض ويطالب ~~ويعتريهم حالا بعد حال فيفعل ما يدل على أنه لا يقنع بما يدفع إليه ~~أبدا. # وقال ابن زيد: القانع المسكين، والمعتر الذي ليس بمسكين، ولا يكون له ~~ذبيحة، ويجيء إلى القوم فيتعرض لهم لأجل لحمهم. # قوله: " كذلك سخرناها ". الكاف نعت مصدر أو حال من ذلك ~~المصدر، أي مثل وصفنا ما وصفنا من نحرها قياما سخرناها لكم نعمة منا ~~لتتمكنوا من نحرها. " لعلكم تشكرون " لكي تشكروا إنعام الله ~~عليكم. # قوله: { لن ينال الله لحومها } العامة على القراءة بياء ~~الغيبة في الفعلين، لأن التأنيث مجازي، وقد وجد الفصل بينهما. وقرأ يعقوب ~~بالتاء فيهما اعتبارا باللفظ. # وقرأ زيد بن علي { لحومها ولا دماءها } بالنصب والجلالة ~~بالرفع، " ولكن يناله " بضم الياء على أن القائم مقام الفاعل " ~~التقوى ". و " منكم " حال من التقوى، ويجوز أن يتعلق بنفس " يناله ~~". # فصل # لما كانت عادة الجاهلية إذا نحروا البدن لطخوا الكعبة بدمائها قربة إلى ~~الله عز وجل فأنزل الله هذه الآية { لن ينال الله لحومها ~~ولا دمآؤها }. قال مقاتل: لن يرفع إلى الله لحومها ولا دماؤها. { ~~ولكن يناله التقوى منكم } أي ولكن يرفع إليه منكم ~~الأعمال الصالحة، وهي التقوى والإخلاص وما أريد به وجه الله. # فصل # قالت المعتزلة: دلت هذه الآية على أمور: # أحدها: أن الذي ينتفع به فعله دون الجسم الذي ينحره. # وثانيها: أنه سبحانه غني عن كل ذلك وإنما المراد أن يجتهد العبد في ~~امتثال أمره. # وثالثها: أنه لما لم ينتفع بالأجسام التي هي اللحوم والدماء وانتفع ~~بتقواه، وجب أن يكون تقواه فعلا له، وإلا كان تقواه بمنزلة اللحوم. # ورابعها: أنه لما شرط القبول بالتقوى، وصاحب الكبيرة غير متق، فوجب ~~أن لا يكون عمله مقبولا وأنه لا ثواب له. # والجواب: أما الأولان فحقان، وأما الثالث فمعارض بالداعي والعلم. # وأما الرابع: فصاحب الكبيرة وإن لم يكن متقيا مطلقا، ولكنه متق ~~فيما أتى به من الطاعة على سبيل الإخلاص، فوجب أن تكون ms6352 طاعته مقبولة، ~~وعند هذا تنقلب الآية حجة عليهم. # قوله: " كذلك سخرها " الكاف نعت مصدر أو حال من ذلك المصدر " ~~ولتكبروا " متعلق به أي إنما سخرها كذلك لتكبروا الله، وهو ~~التعظيم بما يفعله عند النحر وقبله وبعده. و { على ما هداكم } ~~متعلق بالتكبير، عدي بعلى لتضمنه معنى الشكر على ما هداكم أرشدكم ~~لمعالم دينه ومناسك حجه، وهو أن يقول: الله أكبر ما هدانا والحمد لله على ~~ما أبلانا وأولانا، ثم قال بعده على سبيل الوعد لمن امتثل أمره " ~~وبشر المحسنين " كما قال من قبل " وبشر المخبتين " قال ~~ابن عباس: المحسنين الموحدين. والمحسن الذي يفعل الحسن من الأعمال فيصير ~~محسنا إلى نفسه بتوفير الثواب عليه. ### || [22.38-41] # قوله تعالى: { إن الله يدافع عن الذين آمنوا } قرأ ~~ابن كثير وأبو عمرو " يدفع " ، والباقون " يدافع ". وفيه وجهان: # أحدهما: أن (فاعل) بمعنى (فعل) المجرد نحو جاوزته وجزته وسافرت ~~وطارقت. # والثاني: أنه أخرج على زنة المفاعلة مبالغة فيه لأن فعل المبالغة أبلغ ~~من غيره. # وقال ابن عطية: يحسن " يدافع " لأنه قد عن للمؤمنين من يدفعهم ~~ويؤذيهم فتجيء مقاومته ودفعه عنهم مدافعة. يعني فتختلط فيها المفاعلة. # فصل # لما بين الحج ومناسكه، وما فيه من منافع الدنيا والآخرة، وذكر قبل ذلك ~~صد الكفار عن المسجد الحرام، أتبع ذلك ببيان ما يزيل الصد ويؤمن معه ~~التمكن من الحج فقال: { إن الله يدافع عن الذين ~~آمنوا } قال مقاتل: إن الله يدفع كفار مكة عن الذين آمنوا بمكة، وهذا ~~حين أمر المؤمنين بالكف عن كفار مكة قبل الهجرة حين آذوهم، فاستأذنوا ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في قتلهم سرا فنهاهم. # والمعنى: أن الله يدفع غائلة المشركين عن المؤمنين ويمنعهم من المؤمنين ~~ولم يذكر ما يدفعه حتى يكون أفخم وأعظم وأعم، وإن كان في الحقيقة أنه ~~يدافع بأس المشركين، فلذلك قال بعده { إن الله لا يحب كل ~~خوان كفور } فنبه بذلك على أنه يدفع عن المؤمنين كيد من هذا صفته ~~وهذه بشارة للمؤمنين بإعلائهم على الكفار، وهو كقوله # لن يضروكم إلا أذى # [آل ms6353 عمران: 111] وقوله # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا # [غافر: 51] وقوله: # إنهم لهم المنصورون # [الصافات: 172]. # { إن الله لا يحب كل خوان } في أمانة الله " كفور ~~" لنعمته. قال ابن عباس: خافوا الله فجعلوا معه شركاء وكفروا نعمه. قال ~~الزجاج: من تقرب إلى الأصنام بذبيحته وذكر عليها اسم غير الله فهو ~~خوان كفور. قال مقاتل: أقروا بالصانع وعبدوا غيره فأي خيانة أعظم من هذه. # قوله: { أذن للذين يقاتلون }. قرأ " أذن " مبنيا ~~للمفعول نافع وأبو عمرو وعاصم، والباقون قرأوه مبنيا للفاعل. قال الفراء ~~والزجاج: يعني أذن الله للذين يحرصون على قتال المشركين في المستقبل. ~~وأما " يقاتلون " فقرأه مبنيا للمفعول نافع وابن عامر وحفص، والباقون ~~مبنيا للفاعل. وحصل من مجموع الفعلين أن نافعا وحفصا بنياهما للمفعول. ~~وأن ابن كثير وحمزة والكسائي بنوهما للفاعل، (وأن أبا عمرو) وأبا بكر ~~بنيا الأول للمفعول والثاني للفاعل، وأن ابن عامر عكس هذا. فهذه أربع رتب ~~والمأذون فيه محذوف للعلم به أي للذين يقاتلون في القتال. و " بأنهم ~~ظلموا " متعلق ب " أذن " ، والباء سببية، أي بسبب أنهم مظلومون. # فصل # قال المفسرون: # " كان مشركو مكة يؤذون أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا ~~يزالون يجيئون بين مضروب ومشجوج يشكون ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فيقول لهم: " اصبروا فإني لم أومر بالقتال " # حتى هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله تعالى هذه الآية، ~~وهي أول آية أذن الله فيها بالقتال، ونزلت هذه الآية بالمدينة. وقال ~~مقاتل: نزلت هذه الآية في قوم بأعيانهم خرجوا مهاجرين من مكة إلى ~~المدينة، فكانوا يمنعون، فأذن الله لهم في قتال الكفار الذين يمنعونهم من ~~الهجرة " بأنهم ظلموا " أي بسبب ما ظلموا واعتدوا عليهم بالإيذاء. ~~{ وإن الله على نصرهم لقدير } وهذا وعد منه تعالى ~~بنصرهم، كما يقول المرء لغيره: إن أطعتني فأنا قادر على مجازاتك، لا يعني ~~بذلك القدرة بل يريد أنه سيفعل ذلك. # قوله: { الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق } يجوز أن ~~يكون " الذين " في محل جر نعتا للموصول الأول، أو بيانا ms6354 له، أو بدلا ~~منه وأن يكون في محل نصب على المدح، وأن يكون في محل رفع على إضمار ~~مبتدأ. # فصل # لما بين أنهم إنما أذنوا في القتال لأجل أنهم ظلموا، فسر ذلك الظلم ~~بقوله { الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن ~~يقولوا ربنا الله } ، فبين تعالى ظلمهم لهم بهذين الوجهين: # الأول: أنهم أخرجوا من ديارهم. # والثاني: أخرجوهم بسبب قولهم: " ربنا الله ". وكل واحد من الوجهين ~~عظيم في الظلم. # قوله: { إلا أن يقولوا }. فيه وجهان: # أحدهما: أنه منصوب على الاستثناء المنقطع، وهذا مما يجمع العرب على ~~نصبه، لأنه منقطع لا يمكن توجه العامل إليه، وما كان كذا أجمعوا على نصبه ~~نحو: ما زاد إلا ما نقص، وما نفع إلا ما ضر. فلو توجه العامل جاز فيه ~~لغتان: النصب وهو لغة الحجاز، وأن يكون كالمتصل في النصب والبدل نحو ما ~~فيها أحد إلا حمار. وإنما كانت الآية الكريمة من الذي لا يتوجه عليه ~~العامل، لأنك لو قلت: الذين أخرجوا من ديارهم إلا أن يقولوا ربنا الله لم ~~يصح. # الثاني: أنه في محل جر بدلا من " حق ". # قال الزمخشري: أي بغير موجب سوى التوحيد الذي ينبغي أن يكون موجب ~~الإقرار والتمكين لا موجب الإخراج والتسيير، ومثله # هل تنقمون منآ إلا أن آمنا بالله # [المائدة: 59] انتهى. # وممن جعله في موضع جر بدلا مما قبله الزجاج. إلا أن أبا حيان رد ذلك ~~فقال: ما أجازاه من البدل لا يجوز، لأن البدل لا يجوز إلا حيث سبقه نفي ~~أو نهي أو استفهام في معنى النفي (نحو: ما قام أحد إلا زيد، ولا يضرب أحد ~~إلا زيد، وهل يضرب أحد إلا زيد) وأما إذا كان الكلام موجبا أو أمرا فلا ~~يجوز البدل (لا يقال: قام القوم إلا زيد، على البدل، ولا يضرب القوم إلا ~~زيد، على البدل) لأن البدل لا يكون إلا حيث يكون العامل يتسلط عليه، ولو ~~قلت: قام إلا زيد، وليضرب إلا عمرو لم يجز. # ولو قلت في غير القرآن: أخرج الناس من ديارهم ms6355 إلا أن يقولوا لا إله إلا ~~الله لم يكن كلاما، هذا إذا تخيل أن يكون { إلا أن يقولوا } في ~~موضع جر بدلا من " غير " المضاف إلى " حق " ، وأما إذا كان بدلا من ~~" حق " كما نص عليه الزمخشري فهو في غاية الفساد، لأنه يلزم منه أن يكون ~~البدل يلي غيرا فيصير التركيب: بغير إلا أن يقولوا؛ وهذا لا يصح، ولو ~~قدرنا (إلا) بغير كما نقدر في النفي ما مررت بأحد إلا زيد، فنجعله بدلا ~~لم يصح، لأنه يصير التركيب: بغير قولهم ربنا الله، فيكون قد أضيف غير إلى ~~غير، وهي هي، فيصير بغير غير، ويصح في ما مررت بأحد إلا زيد، أن تقول: ما ~~مررت بغير زيد، ثم إن الزمخشري حين مثل البدل وقدره بغير موجب سوى ~~التوحيد، وهذا تمثيل للصفة جعل (إلا) بمعنى سوى، ويصح على الصفة، فالتبس ~~عليه باب الصفة بباب البدل، ويجوز أن تقول: ما مررت بالقوم إلا زيد على ~~الصفة لا على البدل. # قوله: { ولولا دفع الله } تقدم الخلاف فيه في البقرة وتوجيه ~~القراءتين. # وقرأ نافع وابن كثير " لهدمت " بالتخفيف، والباقون بتثقيل الدال ~~على التكثير، لأن المواضع كثيرة متعددة، والقراءة الأولى صالحة لهذا ~~المعنى أيضا. # قوله: { صوامع وبيع وصلوات ومساجد } العامة على " ~~صلوات " بفتح الصاد واللام جمع صلاة وقرأ جعفر بن محمد " وصلوات " ~~بضمهما. وروي عنه أيضا بكسر الصاد وسكون اللام. وقرأ الجحدري بضم الصاد ~~وفتح اللام. وأبو العالية بفتح الصاد وسكون اللام، والجحدري أيضا " ~~وصلوت " بضمهما وسكون الواو بعدهما تاء مثناة من فوق مثل صلب وصلوب ~~والكلبي والضحاك كذلك إلا أنهما أعجما التاء بثلاث من فوقها. والجحدري ~~أيضا وأبو العالية وأبو رجاء ومجاهد كذلك إلا أنهم جعلوا بعد الثاء ~~المثلثة ألفا فقرءوا " صلوثا " ، وروي عن مجاهد في هذه التاء المثناة ~~من فوق أيضا، وروي عن الجحدري أيضا " صلواث " بضم الصاد وسكون اللام ~~وألف بعد الواو والثاء مثلثة. وقرأ عكرمة " صلويثا " بكسر الصاد وسكون ~~اللام وبعدها واو مكسورة بعدها ياء مثناة من تحت بعدها ثاء مثلثة بعدها ms6356 ~~ألف وحكى ابن مجاهد أنه قرئ " صلواث " بكسر الصاد وسكون اللام بعدها ~~واو بعدها ألف بعدها ثاء مثلثة. وقرأ الجحدري " وصلوب " مثل كعوب ~~بالباء الموحدة وجمع صليب وفعول جمع فعيل شاذ نحو ظريف وظروف ~~وأسينة وأسون. # وروي عن أبي عمرو " صلوات " كالعامة إلا أنه لم ينون، منعه الصرف ~~للعلمية والعجمة، كأنه جعله اسم موضع فهذه أربع عشرة قراءة المشهور منها ~~واحدة وهي هذه الصلوات المعهودة. ولا بد من حذف مضاف ليصح تسلط الهدم أي ~~مواضع صلوات، أو تضمن " هدمت " معنى عطلت، فيكون قدرا مشتركا بين ~~المواضع والأفعال فإن تعطيل كل شيء بحسبه، وأخر المساجد لحدوثها في ~~الوجود أو الانتقال إلى الأشرف. والصلوات في الأمم الملتين صلاة كل ملة ~~بحسبها. وظاهر كلام الزمخشري أنها بنفسها اسم مكان فإنه قال: وسميت ~~الكنيسة صلاة لأنها يصلى فيها، وقيل: هي كلمة معربة أصلها بالعبرانية ~~صلوتا انتهى. # وأما غيرها من القراءات، فقيل: هي سريانية أو عبرانية دخلت في لسان ~~العرب ولذلك كثر فيها اللغات والصوامع: جمع صومعة، وهي البناء المرتفع ~~الحديد الأعلى من قولهم رجل أصمع، وهو الحديد القول، ووزنها فوعلة ~~كدوخلة، وهي متعبد الرهبان لأنهم ينفردون. وقال قتادة: للصابئين. ~~والبيع جمع بيعة وهي متعبد النصارى قاله قتادة والزجاج. # وقال أبو العالية هي كنائس اليهود. وقال الزجاج: الصوامع للنصارى، وهي ~~التي بنوها في الصحارى، والبيع لهم أيضا وهي التي بنوها في البلد، ~~والصلوات لليهود. # وقال الزجاج: وهي بالعبرانية صلوثا. والمساجد للمسلمين. وهذا هو ~~الأشهر. # وقال أبو العالية: الصلوات للصابئين. وقال الحسن: إنها بأسرها أسماء ~~المساجد، أما الصوامع فلأن المسلمين قد يتخذون الصوامع، وأما البيع فأطلق ~~هذا الاسم على المساجد على سبيل التشبيه، وأما الصلوات فالمعنى أنه لولا ~~ذلك الدفع لانقطعت الصلوات ولخربت المساجد. # فصل # معنى { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض } أي ~~بالجهاد وإقامة الحدود كأنه قال: ولولا دفع الله أهل الشرك بالمؤمنين من ~~حيث يأذن لهم في جهادهم وينصرهم على أعدائهم لاستولى أهل الشرك على أهل ~~الإيمان وعطلوا ما يبنونه من مواضع العبادة. # وقال ms6357 الكلبي: يدفع بالنبيين عن المؤمنين وبالمجاهدين عن القاعدين عن ~~الجهاد. # وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس: يدفع الله بالمحسن عن المسيء، وبالذي ~~يصلي عن الذي لا يصلي، وبالذي يتصدق عن الذي لا يتصدق، وبالذي يحج عن ~~الذي لا يحج. # وعن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: # " إن الله يدفع بالمسلم الصالح عن مائة من ~~أهل بيته ومن جيرانه " # ثم تلا هذه الآية. وقال الضحاك: يدفع بدين الإسلام وبأهله عن أهل الذمة. ~~وقال مجاهد: يدفع عن الحقوق بالشهود، وعن النفوس بالقصاص. فإن قيل: لماذا ~~جمع الله بين مواضع عبادات اليهود والنصارى وبين مواضع عبادة المسلمين؟ ~~فالجواب أما على قول الحسن: فالمراد بهذه المواضع أجمع مواضع المؤمنين ~~وإن اختلفت العبارات عنها. وأما على قول غيره فقال الزجاج: المعنى ولولا ~~دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدم في شرع كل نبي المكان الذي يتعبد فيه، ~~فلولا الدفع لهدم في زمن موسى الكنائس التي كانوا يصلون فيها في شرعه، ~~وفي زمن عيسى الصوامع والبيع وفي زمن نبينا المساجد. # فعلى هذا إنما دفع عنهم حين كانوا على الحق قبل التحريف وقبل النسخ. فإن ~~قيل: كيف تهدم الصلوات على تأويل من تأوله على صلاة المسلمين؟ فالجواب من ~~وجوه: # الأول: المراد من هدم الصلاة إبطالها وإهلاك من يفعلها كقولهم هدم فلان ~~إحسان فلان، إذا قابله بالكفر دون الشكر. # الثاني: ما تقدم من باب حذف المضاف كقوله: " واسأل القرية " أي ~~أهلها، فالمراد مكان الصلاة. # الثالث: لما كان الأغلب فيما ذكر ما يصح أن يهدم جاز ضم ما لا يصح أن ~~يهدم إليه كقولهم: متقلدا سيفا ورمحا. وإن كان الرمح لا يتقلد. فإن ~~قيل: لم قدم الصوامع والبيع في الذكر على المساجد؟ # فالجواب لأنها أقدم في الوجود. وقيل أخر المساجد في الذكر كما في قوله: # ومنهم سابق بالخيرات # [فاطر: 32]. قال عليه السلام: # " نحن الآخرون السابقون ". # قوله: { يذكر فيها اسم الله } يجوز أن يكون صفة للمواضع ~~المتقدمة كلها إن أعدنا الضمير من " فيها " عليها. قال الكلبي ومقاتل: ~~يعود إلى ms6358 الكل لأن الله تعالى يذكر في هذه المواضع كلها. ويجوز أن يكون ~~صفة للمساجد فقط إن خصصنا الضمير في " فيها " بها تشريفا لها. ثم قال ~~{ ولينصرن الله من ينصره } أي: ينصر دينه ونبيه. # وقيل: يتلقى الجهاد بالقبول نصرة لدين الله. { إن الله لقوي ~~} أي: على هذه النصرة التي وعدها المؤمنين. " عزيز " وهو الذي لا ~~يضام ولا يمنع مما يريده. # قوله: { الذين إن مكناهم } يجوز في هذا الموصول ما جاز في ~~الموصول قبله ويزيد هذا عليه بأنه يجوز أن يكون بدلا من " من ~~ينصره " ذكره الزجاج أي: ولينصرن الله الذين إن مكناهم، و " إن ~~مكناهم " شرط و " أقاموا " جوابه، والجملة الشرطية بأسرها صلة ~~الموصول. # فصل # لما ذكر الذين أذن لهم في القتال وصفهم في هذه الآية فقال: { الذين ~~إن مكناهم في الأرض } والمراد من هذا التمكن السلطنة ونفاذ ~~القول على الخلق أي: نصرناهم على عدوهم حتى تمكنوا من البلاد. قال قتادة: ~~هم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - المهاجرون لأن الأنصار لم يخرجوا ~~من ديارهم فوصفهم بأنهم أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ~~ونهوا عن المنكر، ثم قال { ولله عاقبة الأمور } أي: آخر أمور ~~الخلق ومصيرهم أي: يبطل كل ملك سوى ملكه، فتصير الأمور له بلا منازع. ### || [22.42-46] # قوله تعالى: { وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم ~~نوح } الآية. لما بين إخراج الكفار المؤمنين من ديارهم بغير حق، وأذن ~~في مقاتلتهم، وضمن للرسول النصرة، وبين أن لله عاقبة الأمور، أردفه بما ~~يجري مجرى التسلية للرسول بالصبر على أذيته بالتكذيب وغيره، فقال: وإن ~~يكذبوك قومك فقد كذبت قبلهم سائر الأمم أنبياءهم، وذكر الله تعالى سبعة ~~منهم. فإن قيل: فلم قال: وكذب موسى. ولم يقل: وقوم موسى؟ فالجواب من ~~وجهين: # الأول: أن موسى ما كذبه قومه بنو إسرائيل، وإنما كذبه غير قومه وهم ~~القبط. # الثاني: كأنه قيل بعدما ذكر تكذيب كل قوم رسولهم، وكذب موسى أيضا مع ~~وضوح آياته وعظم معجزاته فما ظنك بغيره. " فأمليت للكافرين ~~" أي: أمهلتهم إلى الوقت المعلوم عندي " ثم أخذتهم ms6359 " عاقبتهم { ~~فكيف كان نكير } أي فكيف كان إنكاري عليهم بالعذاب، وهذا ~~استفهام تقرير، أي؛ أليس كان واقعا قطعا، أبدلتهم بالنعمة نقمة، ~~وبالكثرة قلة، وبالحياة موتا، وبالعمارة خرابا؟ وأعطيت الأنبياء جميع ~~ما وعدتهم من النصر على أعدائهم والتمكين لهم في الأرض، فينبغي أن تكون ~~عادتك يا محمد الصبر عليهم، فإنه تعالى إنما يمهل لمصلحة، فلا بد من ~~الرضا والتسليم، وإن شق ذلك على القلب. # والنكير: مصدر بمعنى الإنكار كالنذير بمعنى الإنذار. وأثبت يا نكيري حيث ~~وقعت ورش في الوصل وحذفها في الوقف، والباقون بحذفها وصلا ووقفا. # قوله: { فكأين من قرية } يجوز أن تكون " كأين " منصوبة المحل ~~على الاشتغال بفعل مقدر يفسره (أهلكتها) وأن تكون في محل رفع ~~بالابتداء، والخبر (أهلكتها). وتقدم تحقيق القول فيها. قال بعضهم: ~~المراد من قوله: { فكأين من قرية } وكم، على وجه التكثير. # وقيل: معناه: ورب قرية. والأول أولى، لأنه أوكد في الزجر. # وقوله: " أهلكتها " قرأ أبو عمرو ويعقوب " أهلكتها " بالتاء، ~~وهو اختيار أبي عبيد لقوله: { فأمليت للكافرين ثم ~~أخذتهم } وقرأ ابن كثير وأهل الكوفة والمدينة " أهلكناها ". # قوله: { وهي ظالمة } جملة حالية من هاء " أهلكناها ". # وقوله: { فهي خاوية } عطف على " أهلكتها " ، فيجوز أن تكون ~~في محل رفع لعطفها على الخبر على القول الثاني، وأن لا تكون لها محل ~~لعطفها على الجملة المفسرة على القول الأول. وهذا عنى الزمخشري بقوله: ~~والثانية - يعني قوله: " فهي خاوية " - لا محل لها، لأنها معطوفة ~~على " أهلكناها " وهذا الفعل ليس له محل. تفريعا على القول ~~بالاشتغال، وإلا إذا قلنا إنه خبر لكان له محل ضرورة. # فصل # المعنى: وكم من قرية أهلكتها (أي أهلها) لقوله: " وهي ظالمة " ، ~~أي: وأهلها ظالمون، " فهي خاوية " ساقطة " على عروشها " على ~~سقوفها. # قال الزمخشري: كل مرتفع أظلك من سقف بيت أو خيمة أو ظلة فهو عرش، ~~والخاوي: الساقط من خوى النجم: إذا سقط، أو من خوى المنزل: إذا خلا من ~~أهله. فإذا فسرنا الخاوي بالساقط كان المعنى أنها ساقطة على سقوفها، أي: ~~خرت سقوفها على الأرض، ثم تهدمت حيطانها، فسقطت ms6360 فوق السقوف. وإن فسرناه ~~بالخالي كان المعنى أنها خلت من الناس مع بقاء عروشها وسلامتها ويمكن أن ~~يكون خبرا بعد خبر، أي: هي خالية وهي على عروشها، يعني أن السقوف سقطت ~~على الأرض فصارت في قرار الحيطان، وبقيت الحيطان قائمة، فهي مشرفة على ~~السقوف الساقطة. قوله: " وبئر معطلة " عطف على " قرية " ، ~~وكذلك " قصر " أي: وكأي من بئر وقصر أهلكناهما. وقيل: يحتمل أن تكون ~~معطوفة وما بعدها على " عروشها " أي: خاوية على بئر وقصر أيضا، وليس ~~بشيء. والبئر: من بأرت الأرض، أي: حفرتها ومنه التأبير، وهو شق كيزان ~~الطلع، والبئر: فعل بمعنى مفعول كالذبح بمعنى المذبوح، وهي مؤنثة ~~وقد تذكر على معنى القليب. وقوله: # 3772- وبئري ذو حفرت وذو طويت # يحتمل التذكير والتأنيث. والمعطلة: المهملة، والتعطيل: الإهمال. # وقرأ الحسن: " معطلة " بالتخفيف، يقال: أعطلت البئر ~~وعطلتها فعطلت بفتح الطاء، وأما عطلت المرأة من الحلي ~~فبكسر الطاء. والمعنى: وكم من بئر معطلة متروكة مخلاة عن أهلها. ~~والمشيد: المرتفع، قال قتادة والضحاك ومقاتل: رفيع طويل. وقال سعيد بن ~~جبير وعطاء ومجاهد: المجصص من الشيد وهو الجص. وإنما بني هنا من ~~شاده، وفي النساء من شيده، لأنه هناك بعد جمع فناسب التكثير، وهنا ~~بعد مفرد فناسب التخفيف، ولأنه رأس آية وفاصلة. # فصل # المعنى أنه تعالى بين أن القرية مع تكليف بنيانهم لها واغتباطهم بها ~~جعلت لأجل كفرهم بهذا الوصف وكذلك البئر التي تكلفوها وصارت شربهم صارت ~~معطلة بلا شارب، ولا وارد، والقصر الذي أحكموه بالجص وطولوه صار ~~خاليا بلا ساكن، وجعل ذلك عبرة لمن اعتبر، وهذا يدل على أن تفسير " على ~~" ب " مع " أولى، لأن التقدير: وهي خاوية مع عروشها. قيل: إن البئر ~~المعطلة والقصر المشيد باليمن، أما القصر على قلة جبل والبئر في سفحه، ~~ولكل واحد منهما قوم في نعمة فكفروا فأهلكهم الله، وبقي البئر والقصر ~~خاليين. وروى أبو روق عن الضحاك: أن هذه البئر بحضرموت في بلدة يقال لها ~~حاضوراء وذلك أن صالحا مع أربعة آلاف نفر ممن آمن به أتوا حضرموت، فلما ~~نزلوها ms6361 مات صالح فسميت بذلك لأن صالحا حين حضرها مات، فبنوا قوم صالح ~~حاضوراء، وقعدوا على هذه البئر، وأمروا عليهم جلهس بن جلاس، وجعلوا وزيره ~~سنحاريب، فأقاموا بها زمانا ثم كفروا وعبدوا صنما، فأرسل الله إليهم ~~حنظلة بن صفوان، وكان حمالا فيهم، فقتلوه في السوق، فأهلكهم الله وعطل ~~بئرهم وخرب قصورهم. # قال الإمام أبو القاسم الأنصاري: وهذا عجيب، لأني زرت قبر صالح بالشام ~~في بلدة يقال لها: عكا، فكيف يقال: إنه بحضرموت. # قوله تعالى: { أفلم يسيروا في الأرض } الآية. يعني كفار مكة ~~أفلم يسيروا في الأرض فينظروا إلى مصارع المكذبين من الأمم الخالية، فذكر ~~ما يتكامل به الاعتبار، لأن الرؤية لها حظ عظيم في الاعتبار، وكذلك سماع ~~الأخبار ولكن لا يكمل هذان الأمران إلا بتدبير القلب، لأن من عاين وسمع ~~ولم يتدبر ولم يعتبر لم ينتفع، فلهذا قال: { فإنها لا تعمى ~~الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور }. # قوله: " فتكون " منصوب على جواب الاستفهام، وعبارة الحوفي على جواب ~~التقرير. وقيل: على جواب النفي وقرأ مبشر بن عبيد: " فيكون " بالياء ~~من تحت لأن التأنيث مجازي. ومتعلق العقل محذوف أي: ما حل بالأمم السالفة. ~~ثم قال: { قلوب يعقلون بهآ } أي: يعلمون بها، وهذا يدل على أن ~~العقل العلم، وعلى أن محل العلم هو القلب، لأنه جعل القلب آلة لهذا ~~العقل، فيكون القلب محلا للعقل، ولهذا سمي الجهل بالعمى، لأن الجاهل ~~لكونه متحيرا يشبه الأعمى. ثم قال: { أو آذان يسمعون بها } ~~أي: ما يذكر لهم من أخبار القرون الماضية يعتبرون بها. # قوله: { فإنها لا تعمى } الضمير للقصة، و { لا تعمى ~~الأبصار } مفسرة له، وحسن التأنيث في الضمير كونه وليه فعل بعلامة ~~تأنيث، ولو ذكر في الكلام فقيل: " فإنه " لجاز، وهي قراءة مروية عن عبد ~~الله بن مسعود، والتذكير باعتبار الأمر والشأن. وقال الزمخشري: ويجوز أن ~~يكون ضميرا مبهما يفسره " الأبصار " وفي " تعمى " ضمير راجع إليه. # قال أبو حيان: وما ذكره لا يجوز، لأن الذي يفسره ما بعده محصور وليس هذا ~~واحدا منه وهو في ms6362 باب (رب)، وفي باب نعم وبئس، وفي باب الإعمال، (وفي ~~باب البدل)، وفي باب المبتدأ والخبر على خلاف في بعضها، وفي باب ضمير ~~الشأن، والخمسة الأول تفسر بمفرد إلا ضمير الشأن فإنه يفسر بجملة، وهذا ~~ليس واحدا من الستة. # قال شهاب الدين: بل هذا من المواضع المذكورة، وهو باب المبتدأ غاية ما ~~في ذلك أنه دخل عليه ناسخ وهو " إن " فهو نظير قولهم: هي العرب تقول ما ~~شاءت، و: # 3773- هي النفس تحمل ما حملت # وقوله تعالى: # إن هي إلا حياتنا الدنيا # [الأنعام: 29] وقد جعل الزمخشري جميع ذلك مما يفسر بما بعده، ولا فرق ~~بين الآية الكريمة وبين هذه الأمثلة إلا دخول الناسخ، ولا أثر له، وعجيب ~~من غفلة الشيخ عن ذلك. # قوله: { التي في الصدور } صفة أو بدل أو بيان، وهل هو توكيد ~~كقوله: " يطير بجناحيه " لأن القلوب لا تكون في غير الصدور، أو ~~لها معنى زائد كما قال الزمخشري: الذي قد تعورف واعتقد أن العمى في ~~الحقيقة مكانه البصر، وهو أن تصاب الحدقة بما يطمس نورها، واستعماله في ~~القلب استعارة ومثل، فلما أريد إثبات ما هو خلاف المعتقد من نسبة ~~العمى إلى القلوب حقيقة ونفيه عن الأبصار، احتاج هذا التصوير إلى زيادة ~~تعيين وفضل تعريف لتقرر أن مكان العمى هو القلوب لا الأبصار كما تقول: ~~ليس المضاء للسيف ولكنه للسانك الذي بين فكيك. # (فقولك: الذي بين فكيك) تقرير لما ادعيته للسان وتثبيت لأن محل المضاء ~~هو هو لا غير، وكأنك قلت: ما نفيت المضاء عن السيف وأثبته للسانك فلتة ~~مني ولا سهوا، ولكن تعمدت به إياه بعينه تعمدا. وقد رد أبو حيان على ~~الزمخشري قوله: تعمدت به إياه، وجعل هذه العبارة عجمة من حيث إنه فصل ~~الضمير، وليس من مواضع فصله، وكان صوابه أن يقول تعمدته به. كما تقول: ~~السيف ضربتك به، لا ضربت به إياك. # وقد تقدم نظير هذا الرد والجواب عنه بما أجيب عن قوله تعالى: # يخرجون الرسول وإياكم # [الممتحنة: 1] # ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ms6363 ~~وإياكم # [النساء: 131] وهو أنه مع قصد تقديم غير الضمير عليه لغرض يمنع اتصاله. ~~قال شهاب الدين: وأي خطأ في مثل هذا حتى يدعي العجمة على فصيح شهد له ~~بذلك أعداؤه وإن كان مخطئا في بعض الاعتقادات مما لا تعلق له بما نحن ~~بصدده. # وقال ابن الخطيب: وعندي فيه وجه آخر، وهو أن القلب قد يجعل كناية عن ~~الخاطر والتدبر كقوله تعالى: # إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب # [ق: 37]، وعند قوم أن محل الفكر هو الدماغ، فالله تعالى بين أن محل ذلك ~~هو الصدر. وفي محل العقل خلاف مشهور، وإلى الأول مال ابن عطية قال: هو ~~مبالغة كما تقول: نظرت إليه بعيني، وكقوله: # يقولون بأفواههم # [آل عمران: 167]. وقد تقدم أن في قوله: " بأفواههم " فائدة زيادة ~~على التأكيد. ### || [22.47-51] # قوله تعالى: { ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله ~~وعده } الآية. نزلت في النضر بن الحارث حيث قال: # إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة من السماء # [الأنفال: 32]. # وهذا يدل على أنه - عليه السلام - كان يخوفهم بالعذاب إن استمروا على ~~كفرهم، ولهذا قال: { ولن يخلف الله وعده } ، فأنجز ذلك يوم ~~بدر. ثم بين أن العاقل لا ينبغي له أن يستعجل عذاب الآخرة فقال: { ~~وإن يوما عند ربك } أي فيما ينالهم من العذاب وشدته { ~~كألف سنة } ، فبين تعالى أنهم لو عرفوا حال عذاب الآخرة وأنه بهذا ~~الوصف لما استعجلوه. قاله أبو مسلم وقيل: المراد طول أيام الآخرة في ~~المحاسبة. وقيل: إن اليوم الواحد وألف سنة بالنسبة إليه على السواء، لأنه ~~القادر الذي لا يعجزه شيء، فإذا لم يستبعدوا إمهال يوم فلا يستبعدوا ~~إمهال ألف سنة " مما تعدون " قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي " ~~يعدون " بياء الغيبة، لقوله: { ويستعجلونك } وقرأ الباقون ~~بالتاء، لأنه أعم، ولأنه خطاب للمسلمين. واتفقوا في " تنزيل " السجدة ~~بالتاء. قال ابن عباس: يعني يوما من الأيام الستة التي خلق الله فيها ~~السموات والأرض وقال مجاهد وعكرمة: يوما من أيام الآخرة، لما روى أبو ~~سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى ms6364 الله عليه وسلم -: # " أبشروا يا معشر صعاليك المهاجرين بالفوز التام ~~يوم القيامة تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس ~~بنصف يوم، وذلك قدر خمسمائة سنة ". # قوله: { وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة } ~~أي: أمهلتها مع استمرارهم على ظلمهم، فاغتروا بذلك التأخير، " ثم ~~أخذتهم " بأن أنزلت العذاب بهم ومع ذلك فعذابهم مدخر، وهو معنى قوله ~~" وإلي المصير ". فإن قيل: ما الفائدة في قوله أولا " فكأين " ~~بالفاء، وهاهنا قال " وكأين " بالواو؟ # فالجواب: أن الأولى وقعت بدلا من قوله # فكيف كان نكير # [الحج: 44]، وأما هذه فحكمها ما تقدمها من الجملتين المعطوفتين بالواو، ~~أعني قوله: { ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ~~ربك كألف سنة }. # قوله: { قل يأيها الناس إنمآ أنا لكم نذير ~~مبين } أمر رسوله بأن يديم لهم التخويف والإنذار، وأن لا يصده ~~استعجالهم للعذاب على سبيل الهزء عن إدامة التخويف والإنذار، وأن يقول ~~لهم: إنما بعثت للإنذار فاستهزاؤكم بذلك لا يمنعني منه. # قوله: { فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم ~~مغفرة ورزق كريم }. لما أمر الرسول بأن يقول لهم: إني نذير ~~مبين أردف ذلك بأن أمره بوعدهم ووعيدهم، لأن هذه صفة المنذر، فقال: { ~~فالذين آمنوا وعملوا الصالحات } فجمع بين الوصفين، ~~وهذا يدل على أن العمل خارج عن مسمى الإيمان، وبه يبطل قول المعتزلة ~~ويدخل في الإيمان كل ما يجب من الاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان، ويدخل ~~في العمل الصالح كل واجب وترك المحظور، ثم بين تعالى أن من جمع بينهما ~~فالله تعالى يجمع له بين المغفرة والرزق الكريم، فالمغفرة عبارة عن غفران ~~الصغائر، أو عن غفران الكبائر بعد التوبة، أو عن غفرانها قبل التوبة، ~~والأولان واجبان عند الخصم، وأداء الواجب لا يسمى غفرانا فبقي الثالث ~~وهو العفو عن أصحاب الكبائر من أهل القبلة. # وأما الرزق الكريم فهو إشارة إلى الثواب، والكريم: هو الذي لا ينقطع ~~أبدا وقيل: هو الجنة. # قوله: { والذين سعوا في آياتنا معاجزين } أي: ~~اجتهدوا في ردها والتكذيب بها وسموها سحرا وشعرا وأساطير الأولين، يقال ~~لمن بذل جهده في أمر: إنه سعى فيه توسعا، ms6365 كما إذا بلغ الماشي نهاية ~~طاقته فيقال: إنه سعى، وذكر الآيات وأراد التكذيب بها مجازا، قال ~~الزمخشري: يقال: سعيت في أمر فلان إذا أصلحه أو أفسده بسعيه. # قوله: " معجزين " قرأ أبو عمرو وابن كثير بتشديد الجيم هنا وفي ~~حرفي سبأ. # والباقون: " معاجزين " في الأماكن الثلاثة. والجحدري كقراءة ابن ~~كثير وأبي عمرو في جميع القرآن. وابن الزبير " معجزين " بسكون العين ~~فأما الأولى ففيها وجهان: # أحدهما: قال الفارسي: معناه ناسبين أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~إلى العجز نحو: فسقته، أي: نسبته إلى الفسق. # والثاني: أنها للتكثير ومعناها مثبطين الناس عن الإيمان. # وأما الثانية فمعناها ظانين أنهم يعجزوننا، وقيل: معاندين. # وقال الزمخشري: عاجزه: سابقه، لأن كل واحد منهما في طلب إعجاز ~~الآخر عن اللحاق به، فإذا سبقه قيل: أعجزه وعجزه. فالمعنى: ~~سابقين أو مسابقين في زعمهم وتقديرهم طامعين أن كيدهم للإسلام يتم ~~لهم والمعنى: سعوا في معناها بالفساد. وقال أبو البقاء: إن " معاجزين ~~" في معنى المشدد مثل: عاهد: عهد، وقيل: عاجز سابق، ~~وعجز: سبق. # فصل # اختلفوا في المراد هل معاجزين لله أو الرسول والمؤمنين، والأقرب هو ~~الثاني لأنهم إن أنكروا الله استحال منهم أن يطمعوا في إعجازه، وإن ~~أثبتوه فيبعد أن يعتقدوا أنهم يعجزونه ويغلبونه، ويصح منهم أن يظنوا ~~ذلك في الرسول بالحيل والمكايد. # فأما القائلون بالأول فقال قتادة: ظانين ومقدرين أنهم يعجزوننا بزعمهم ~~وأن لا بعث ولا نشور ولا جنة ولا نار، أو يعجزوننا: يفوتوننا فلا نقدر ~~عليهم كقوله تعالى # أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا # [العنكبوت: 4]، أو يعجزون الله بإدخال الشبه في قلوب الناس. # وأما معاجزين فالمغالبة في الحقيقة ترجع إلى الرسول والأمة لا إلى الله ~~تعالى. # ثم قال: { أولئك أصحاب الجحيم } أي: أنهم يدومون فيها. ### || [22.52-57] # قوله تعالى: { ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا ~~نبي } الآية. قال ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي، وغيرهما من ~~المفسرين: لما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إعراض قومه عنه وشق ~~عليه ما رأى من مباعدتهم عما جاءهم به تمنى ms6366 في نفسه أن يأتيه من الله ما ~~يقارب بينه وبين قومه لحرصه على إيمانهم، فجلس ذات يوم في ناد من أندية ~~قريش، وأحب يومئذ أن لا يأتيه من الله شيء ينفر عنه، وتمنى ذلك فأنزل ~~الله سورة # والنجم إذا هوى # [النجم: 1]، فقرأها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بلغ # أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة ~~الأخرى # [النجم: 19، 20]، ألقى الشيطان على لسانه لما كان تحدثه به نفسه ~~ويتمناه: تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى. فلما سمعت قريش ~~ذلك فرحوا به، ومضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قراءته، وقرأ ~~السورة كلها وسجد في آخر السورة، فسجد المسلمون لسجوده، وسجد جميع من في ~~المسجد من المشركين، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد إلا الوليد ~~بن المغيرة وأبا أحيحة سعيد بن العاص، فإنهما أخذا حفنة من البطحاء ~~ورفعاها إلى جبهتهما لأنهما كانا شيخين كبيرين، فلم يستطيعا السجود، ~~وتفرقت قريش، وقد سرهم ما سمعوا وقالوا قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن ~~الذكر، وقالوا قد عرفنا أن الله يحيي ويميت ويخلق ويرزق ولكن آلهتنا ~~هذه تشفع لنا عنده، فإن جعل لها محمد نصيبا فنحن معه فلما أمسى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أتاه جبريل، فقال: يا محمد ماذا صنعت ~~تلوت على الناس ما لم أنزل به عن الله عز وجل، وقلت ما لم ~~أقل لك؟ فحزن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حزنا شديدا، وخاف ~~من الله خوفا عظيم فأنزل الله هذه الآية يعزيه، وكان به رحيما. # قال ابن الخطيب: وأما أهل التحقيق فقالوا: هذه الرواية باطلة موضوعة ~~لوجوه من القرآن والسنة والمعقول: أما القرآن فقوله تعالى: # ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه ~~باليمين ثم لقطعنا منه الوتين # [الحاقة: 44 - 46]، وقوله: # قل ما يكون لي أن أبدله من تلقآء نفسي إن ~~أتبع إلا ما يوحى إلي # [يونس: 15]، وقوله: # وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى # [النجم: 3، 4]. فلو أنه قرأ عقيب هذه الآية قوله: تلك الغرانيق العلى ~~لكان قد ms6367 ظهر كذب الله في الحال، وذلك لا يقوله مسلم. وقوله: # وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينآ إليك ~~لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا # [الإسراء: 73] وكلمة " كاد " عند بعضهم قريب أن يكون الأمر كذلك مع أنه ~~لم يحصل، وقوله: # ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم # [الإسراء: 74] وكلمة " لولا " لانتفاء الشيء لانتفاء غيره، فذلك دل ~~على أن الركون القليل لم يحصل، وقوله: # لنثبت به فؤادك # [الفرقان: 32]، وقوله: # سنقرئك فلا تنسى # [الأعلى: 6] وأما السنة: فروي عن محمد بن إسحاق أنه سئل عن هذه القصة ~~فقال: هذا من وضع الزنادقة وصنف فيه كتابا. # وقال الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي هذه القصة غير ثابتة من جهة ~~النقل ثم قال: رواة هذه القصة مطعونون. وروى البخاري في صحيحه أنه - عليه ~~السلام - قرأ سورة النجم وسجد فيها المسلمون والمشركون والجن والإنس وليس ~~فيه ذكر الغرانيق. # وروي هذا الحديث من طرق كثيرة، وليس فيها البتة ذكر الغرانيق. وأما ~~المعقول فمن وجوه: # أحدها: أن من جوز على الرسول تعظيم الأوثان فقد كفر، لأن من المعلوم ~~بالضرورة أن أعظم سعيه كان في نفي الأوثان. # وثانيها: أنه - عليه السلام - ما كان عليه في أول الأمر أن يصلي ويقرأ ~~القرآن عند الكعبة أمنا لأذى المشركين له حتى كانوا ربما مدوا أيديهم ~~إليه، وإنما كان يصلي، إذا لم يحضروا ليلا أو في أوقات خلوة، وذلك يبطل ~~قولهم. # وثالثها: أن معاداتهم للرسول كانت أعظم من أن يقروا بهذا القدر من غير ~~أن يقفوا على حقيقة الأمر، فكيف أجمعوا على أنه عظم آلهتهم حتى خروا ~~سجدا مع أنه لم يظهر عندهم موافقته لهم. # ورابعها: قوله: { فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم ~~يحكم الله آياته } وذلك لأن إحكام الآيات بإزالة ما يلقيه ~~الشيطان عن الرسول أقوى من نسخه بهذه الآيات التي تبقى الشبهة معها، فإذا ~~أراد الله تعالى إحكام الآيات لئلا يلتبس القرآن بغيره، فبأن يمنع ~~الشيطان من ذلك أصلا أولى. # وخامسها: أنا لو جوزنا ذلك ارتفع الأمان عن شرعه، وجوزنا في كل ms6368 الشرائع ~~أن يكون كذلك، ويبطل قوله تعالى: # بلغ مآ أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما ~~بلغت رسالته والله يعصمك من الناس # [المائدة: 67] فإنه لا فرق في العقل بين النقصان عن الوحي وبين الزيادة ~~فيه. # فبهذه الوجوه عرفنا على سبيل الإجمال أن هذه القصة موضوعة، أكثر ما في ~~الباب أن جمعا من المفسرين ذكروها لكنهم ما بلغوا حد التواتر، وخبر ~~الواحد لا يعارض الدلائل العقلية والنقلية المتواترة. وأما من جهة ~~التفصيل فالتمني جاء في اللغة لأمرين: # أحدهما: تمني القلب. # والثاني: القراءة، قال الله تعالى: # ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني # [البقرة: 78] أي: إلا قراءة، لأن الأمي لا يعلم القرآن من المصحف، وإنما ~~يعلمه من القراءة. # وقال حسان: # 3774- تمنى كتاب الله أول ليلة # وآخرها لاقى حمام المقادر # وقيل: إنما سميت القراءة أمنية لأن القارئ إذا انتهى إلى آية رحمة تمنى ~~حصولها وإذا انتهى إلى آية عذاب تمنى أن لا يبتلى بها. # وقال أبو مسلم: التمني هو التقدير، وتمنى هو تفعل من ~~منيت، والمنية وفاة الإنسان للوقت الذي قدره الله، ومنى الله ~~لك أي: قدر لك، وإذا تقرر ذلك فإن التالي مقدر للحروف يذكرها شيئا ~~فشيئا. فالحاصل أن الأمنية إما القراءة وإما الخاطر، فإن فسرناها ~~بالقراءة ففيه قولان: # الأول: أنه تعالى أراد بذلك ما يجوز أن يسهو الرسول فيه ويشتبه على ~~القارئ ما رووه من قوله: تلك الغرانيق العلى. # والثاني: المراد منه وقوع هذه الكلمة في قراءته، ثم اختلف القائلون بهذا ~~على وجوه: # الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يتكلم بقوله: تلك الغرانيق ~~العلى، ولا الشيطان تكلم به، ولا أحد تكلم به لكنه - عليه السلام - لما ~~قرأ سورة النجم اشتبه الأمر على الكفار فحسبوا بعض ألفاظه ما رووه من ~~قولهم: تلك الغرانيق العلى. وذلك على حسب ما جرت العادة به من توهم ~~بعض الكلمات على غير ما يقال، قاله جماعة وهو ضعيف لوجوه: # أحدها: أن التوهم في مثل ذلك إنما يصح فيما جرت العادة بسماعه، فأما غير ~~المسموع ms6369 فلا يقع ذلك فيه. # وثانيها: أنه لو كان كذلك لوقع هذا التوهم في بعض هذا لتوهم بعض ~~السامعين دون البعض فإن العادة مانعة من اتفاق الجمع العظيم في الساعة ~~الواحدة على خيال واحد فاسد في المحسوسات. # وثالثها: لو كان كذلك لم يكن مضافا إلى الشيطان. # الوجه الثاني: قالوا: إن ذلك الكلام كلام الشيطان وذلك بأن يلفظ بكلام ~~من تلقاء نفسه يوقعه في درج تلك التلاوة في بعض وقفاته ليظن أنه من جنس ~~الكلام المسموع من الرسول، قالوا: ويؤيد ذلك أنه لا خلاف أن الجن ~~والشياطين متكلمون فلا يمتنع أن يأتي الشيطان بصوت مثل صوت الرسول، ~~فيتكلم بهذه الكلمات في أثناء كلام الرسول، وعند سكوته، فإذا سمع ~~الحاضرون تلك الكلمة بصوت مثل صوت الرسول، وما رأوا شخصا آخر ظن ~~الحاضرون أنه كلام الرسول ثم هذا لا يكون قادحا في النبوة لما لم يكن ~~فعلا له. وهذا أيضا ضعيف فإنك إذا جوزت أن يتكلم الشيطان في أثناء كلام ~~الرسول بما يشتبه على كل السامعين كونه كلاما للرسول بقي هذا الاحتمال ~~في كل ما يتكلم به الرسول فيفضي إلى ارتفاع الوثوق عن كل الشرع. فإن قيل: ~~هذا الاحتمال قائم في الكل، ولكنه لو وقع لوجب في حكمة الله أن يبين ~~الحال فيه كما في هذه الواقعة إزالة للتلبيس. # فالجواب لا يجب على الله تعالى إزالة الاحتمالات كما في المتشابهات، ~~وإذا لم يجب على الله ذلك أمكن الاحتمال في الكل. # الوجه الثالث: أن يقال: المتكلم بذلك بعض شياطين الإنس، وهم الكفرة فإنه ~~عليه السلام لما انتهى في قراءة هذه السورة إلى هذا الموضع ذكر أسماء ~~آلهتهم وقد علموا من عادته أنه يعيبها، فقال بعضهم: تلك الغرانيق ~~العلا، فاشتبه الأمر على القوم لكثرة لغط القوم وكثرة مباحثهم، وطلبهم ~~تغليطه، وإخفاء قراءته، ولعل ذلك في صلاته لأنهم كانوا يقربون منه في حال ~~صلاته، ويسمعون قراءته، ويلغون فيها. # وقيل: إنه عليه السلام كان إذا تلا القرآن على قريش توقف في فصول ~~الآيات، فألقى بعض الحاضرين ذلك الكلام ms6370 في تلك الوقفات، فتوهم القوم أنه ~~من قراءة الرسول، ثم أضاف الله ذلك إلى الشيطان، لأنه بوسوسته يحصل ~~أولا، أو لأنه سبحانه جعل ذلك المتكلم نفسه شيطانا. # وهذا أيضا ضعيف لوجهين: # أحدهما: أنه لو كان كذلك لكان يجب على الرسول إزالة الشبهة وتصريح الحق، ~~وتبكيت ذلك القائل، وإظهار أن هذه الكلمة صدرت منه، ولو فعل ذلك لنقل، ~~فإن قيل: إنما لم يفعل الرسول ذلك، لأنه كان قد أدى السورة بكمالها إلى ~~الأمة دون هذه الزيادة، فلم يكن ذلك مؤديا إلى اللبس كما لم يؤد سهوه في ~~الصلاة بعد أن وصفها إلى اللبس. # قلنا: لأن القرآن لم يكن مستقرا على حالة واحدة في زمان حياته، لأنه ~~كان تأتيه الآيات فيلحقها بالسور، فلم تكن تأدية تلك السورة بدون الزيادة ~~سببا لزوال اللبس. # وثانيهما: لو كان كذلك لاستحق العتاب على فعل الغير، وذلك لا يليق ~~بالحكيم. # الوجه الرابع: أن المتكلم بهذا هو الرسول - عليه السلام - ثم هذا يحتمل ~~ثلاثة أوجه: # إما أن يكون قال هذه الكلمة سهوا أو قسرا أو اختيارا. فإن قالها ~~سهوا كما يروى عن قتادة ومقاتل أنهما قالا: إنه عليه السلام كان يصلي ~~عند المقام فنعس وجرى على لسانه هاتان الكلمتان، فلما فرغ من السورة سجد ~~وسجد كل من في المسجد، وفرح المشركون بما سمعوا، وأتاه جبريل واستقرأه ~~فلما انتهى إلى الغرانيق قال: لم آتك بهذا، فحزن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى أن أنزلت هذه الآية. وهذا ضعيف لوجوه: # أحدها: أنه لو جاز هذا السهو لجاز في سائر المواضع، وحينئذ تزول الثقة ~~عن الشرع. # وثانيها: أن الساهي لا يجوز أن يقع منه مثل هذه الألفاظ المطابقة لوزن ~~السورة، وطريقتها ومعناها، فإنا نعلم بالضرورة أن واحدا لو أنشد قصيدة ~~لما جاز أن يسهو حتى يتفق منه بيت شعر في وزنها ومعناها وطريقتها. # وثالثها: هب أنه تكلم بذلك سهوا فكيف لا يتنبه لذلك حين قرأها على ~~جبريل وذلك ظاهر. وأما إن تكلم بذلك قسرا، كما قال قوم إن الشيطان ~~أجبر ms6371 النبي على التكلم به وهذا أيضا فاسد لوجوه: # أحدها: أن الشيطان لو قدر على ذلك في حق النبي لكان اقتداره علينا أكثر، ~~فوجب أن يزيل الشيطان الناس عن الدين، ولجاز في أكثر ما يتكلم به أحدنا ~~أن يكون ذلك بإجبار الشيطان. # وثانيها: أن الشيطان لو قدر على هذا الإجبار لارتفع الأمان عن الوحي ~~لقيام هذا الاحتمال. # وثالثها: أنه باطل لقوله تعالى حاكيا عن الشيطان # وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي # [إبراهيم: 22]، وقوله تعالى: # إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا # [النحل: 99] وقال: # إلا عبادك منهم المخلصين # [الحجر: 40] و [ص: 83] ولا شك أنه - عليه السلام - كان سيد المرسلين. # وأما إن كان تكلمه بذلك اختيارا وهاهنا وجهان: # أحدهما: أن يقول إن هذه الكلمة باطلة. # والثاني: أن يقول إنها ليست كلمة باطلة. # أما على الأول فذكروا فيه طريقتين: # الأول: # " قال ابن عباس في رواية عطاء: إن شيطانا يقال له الأبيض أتاه على صورة ~~جبريل وألقى عليه هذه الكلمة فقرأها فلما سمع المشركون ذلك أعجبهم، فجاءه ~~جبريل فاستعرضه، فقرأ السورة، فلما بلغ إلى تلك الكلمة. قال جبريل: أنا ~~ما جئتك بهذا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " أتاني آت ~~على صورتك فألقاه على لساني " ". # الطريق الثاني: قال بعض الجهال: إنه - عليه السلام - لشدة حرصه على ~~إيمان القوم أدخل هذه الكلمة من عند نفسه، ثم رجع عنها. وهذان القولان لا ~~يرغب فيهما مسلم ألبتة، لأن الأول يقتضي أنه - عليه السلام - ما كان يميز ~~بين الملك المعصوم والشيطان الخبيث. والثاني يقتضي أنه كان خائنا في ~~الوحي، وكل واحد منهما خروج عن الدين. # وأما الوجه الثاني وهو أن هذه الكلمة ليست باطلة فهاهنا أيضا طرق: # الأول: أن يقال: الغرانيق هم الملائكة، وقد كان ذلك قرآنا منزلا في ~~وصف الملائكة، فلما توهم المشركون أنه يريد آلهتهم نسخ الله ذلك. # الثاني: أن يقال: المراد منه الاستفهام على سبيل الإنكار، فكأنه قال: ~~أشفاعتهن ترتجى؟ # الثالث: أن يقال: ذكر تعالى الإثبات وأراد النفي كقوله # يبين ms6372 الله لكم أن تضلوا # [النساء: 176] أي: لا تضلوا، كما قد يذكر النفي ويريد به الإثبات كقوله: # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا ~~تشركوا به شيئا # [الأنعام: 151] والمعنى أن تشركوا. وهذان الوجهان الأخيران يعترض عليهما ~~بأنه لو جاز ذلك بناء على هذا التأويل فلم لا يجوز أن يظهروا كلمة الكفر ~~في جملة القرآن، أو في الصلاة بناء على هذا التأويل، ولكن الأصل في الدين ~~أن لا يجوز عليهم شيئا من ذلك، لأن الله تعالى قد نصبهم حجة واصطفاهم ~~للرسالة فلا يجوز عليهم ما يطعن في ذلك أو ينفر، ومثل ذلك في التنفير ~~أعظم من الأمور التي حثه الله تعالى على تركها نحو الفظاظة وقول الشعر، ~~فقد ظهر القطع بكذب هذه الوجوه المذكورة في قوله: الغرانيق العلا هذا إذا ~~فسرنا التمني بالتلاوة. # فأما إن فسرنا التمني بالخاطر وتمني القلب، فالمعنى أنه - عليه السلام - ~~إذا تمنى بعض ما يتمناه من الأمور وسوس إليه الشيطان بالباطل ويدعوه إلى ~~ما لا ينبغي، ثم إن الله تعالى ينسخ ذلك ويبطله ويهديه إلى ترك الالتفات ~~إلى وسوسته. ثم اختلفوا في كيفية تلك الوسوسة على وجوه: # أحدها: أنه تمنى ما يتقرب به إلى المشركين من ذكر آلهتهم بالثناء قالوا: ~~إنه - عليه السلام - كان يحب أن يتألفهم، فكان يتردد ذلك في نفسه، فعندما ~~لحقه النعاس زاد تلك الزيادة من حيث كانت في نفسه، وهذا أيضا خروج عن ~~الدين لما تقدم. # وثانيها: قال مجاهد إنه - عليه السلام - كان يتمنى إنزال الوحي عليه على ~~سرعة دون تأخير، فنسخ الله ذلك بأن عرفه أن إنزال ذلك بحسب المصالح في ~~الحوادث والنوازل وغيرها. # وثالثها: يحتمل أنه - عليه السلام - عند نزول الوحي كان يتفكر في تأويله ~~إذا كان مجملا، فيلقي الشيطان في جملته ما لم ينزل، فبين تعالى أنه ينسخ ~~ذلك بالإبطال ويحكم ما أراده بأدلته وآياته. # ورابعها: معنى " إذا تمنى " إذا أراد فعلا مقربا إلى الله ألقى ~~الشيطان في فكره ما يخالفه، فرجع إلى الله في ذلك، وهو كقوله: # إن الذين ms6373 اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان ~~تذكروا فإذا هم مبصرون # [الأعراف: 201]، وكقوله: # وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله # [الأعراف: 200]. ومن الناس من قال لا يجوز حمل الأمنية على تمني القلب، ~~لأنه لو كان كذلك لم يكن ما يخطر ببال رسول الله صلى الله عليه وسلم - ~~فتنة للكفار، وذلك يبطله قوله: { ليجعل ما يلقي الشيطان ~~فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم ~~}. # والجواب: لا يبعد أنه إذا قوي التمني اشتغل الخاطر فحصل السهو في ~~الأفعال الظاهرة بسببه فيصير ذلك فتنة للكفار. فصل # يرجع حاصل البحث إلى أن الغرض من هذه الآية بيان أن الرسل الذين أرسلهم ~~الله وإن عصمهم عن الخطأ مع العلم فلم يعصمهم عن جواز السهو ووسوسة ~~الشيطان بل حالهم في جواز ذلك كحال سائر البشر، فالواجب أن لا يتبعوا إلا ~~فيما يفعلونه عن علم، وذلك هو المحكم. وقال أبو مسلم: معنى الآية أنه لم ~~يرسل نبيا إلا إذا تمنى كأنه قيل: وما أرسلنا إلى البشر ملكا (وما ~~أرسلنا إليهم نبيا إلا منهم)، وما أرسلنا من نبي خلا عند تلاوته من ~~وسوسة الشيطان، وأن يلقي في خاطره ما يضاد الوحي ويشغله عن حفظه فيثبت ~~الله النبي على الوحي وعلى حفظه ويعلمه صواب ذلك، وبطلان ما يكون من ~~الشيطان، قال: وفيما تقدم من قوله: # قل يأيها الناس إنمآ أنا لكم نذير مبين # [الحج: 49] تقوية لهذا التأويل، كأنه تعالى أمره أن يقول للكافرين: أنا ~~نذير لكم لكني من البشر لا من الملائكة، ولم يرسل الله قبلي ملكا، وإنما ~~أرسل رجالا فقد يوسوس الشيطان إليهم. # فإن قيل: هذا إنما يصح لو كان السهو لا يجوز على الملائكة. قلنا: إذا ~~كانت الملائكة أعظم درجة من الأنبياء لم يلزم من استيلائهم بالوسوسة على ~~الأنبياء استيلائهم بالوسوسة على الملائكة. واعلم أنه لما شرح حال هذه ~~الوسوسة أردف ذلك ببحثين: # الأول: كيفية إزالتها، وهو قوله: { فينسخ الله ما يلقي ~~الشيطان ثم يحكم الله آياته } والمراد إزالته وإزالة ~~تأثيره، وهو النسخ اللغوي، لا النسخ الشرعي المستعمل ms6374 في الأحكام. # وأما قوله: { ثم يحكم الله آياته } فإذا حمل التمني على ~~القراءة فالمراد به آيات القرآن، وإلا فيحمل على أحكام الأدلة التي لا ~~تجوز فيها الغلط. # البحث الثاني: أنه تعالى بين أثر تلك الوسوسة شرح أثرها في حق الكفار ~~أولا ثم في حق المؤمنين ثانيا، أما في حق الكفار فهو قوله: { ~~ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة } ، وذلك أنهم افتتنوا ~~لما سمعوا ذلك، والمراد به تشديد التبعد، لأن ما يظهر من الرسول - عليه ~~السلام - من الاشتباه في القراءة سهوا يلزمهم البحث عن ذلك ليميزوا ~~السهو من العمد، وليعلموا أن العمد صواب والسهو قد لا يكون صوابا. # ثم قال: { للذين في قلوبهم مرض } شك ونفاق، وخصهم بذلك، ~~لأنهم مع كفرهم محتاجون إلى التدبر. (وأما المؤمنون فقد تقدم علمهم بذلك ~~فلا يحتاجون إلى التدبر) وأما القاسية قلوبهم فهم المشركون المصرون على ~~جهلهم باطنا وظاهرا. ثم قال: { وإن الظالمين لفي شقاق ~~بعيد } يريد أن هؤلاء المنافقين والمشركين. والمعنى: وإنهم. فوضع ~~الظاهر موضع المضمر، قضى عليهم بالظلم وأبرزهم ظاهرين للشهادة عليهم بهذه ~~الصفة الذميمة. والشقاق الخلاف الشديد والمعاداة والمباعدة سواء. وأما في ~~حق المؤمنين فهو قوله: { وليعلم الذين أوتوا العلم ~~أنه الحق من ربك } ولنرجع إلى الإعراب فنقول: # قوله: { إلا إذا تمنى ألقى الشيطان } في هذه الجملة ~~بعد " إلا " ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها في محل نصب على الحال من " رسول " والمعنى: وما أرسلنا من ~~رسول إلا حاله هذه، والحال محصورة. # والثاني: أنها في محل الصفة لرسول، فيجوز أن يحكم على موضعها بالجر ~~باعتبار لفظ الموصوف، وبالنصب باعتبار محله، فإن " من " مزيدة فيه. # الثالث: أنها في موضع استثناء من غير الجنس. قاله أبو البقاء، يعني: أنه ~~استثناء منقطع و " إذا " هذه يجوز أن تكون شرطية، وهو الظاهر، وإليه ذهب ~~الحوفي، وأن تكون لمجرد الظرفية. قال أبو حيان: ونصوا على أنه يليها - ~~يعني " إلا " - في النفي المضارع بلا شرط نحو ما زيد إلا يفعل، وما رأيت ~~زيدا إلا يفعل، والماضي بشرط تقدم فعل نحو # ما يأتيهم ms6375 من رسول إلا كانوا # [الحجر: 11]، أو مصاحبة (قد) نحو: ما زيد إلا قد فعل، وما جاء بعد (إلا) ~~في الآية جملة شرطية ولم يلها ماض مصحوب ب (قد)، ولا عار منها، فإن صح ~~ما نصوا عليه يؤول على أن " إذا " جردت للظرفية، ولا شرط فيها، وفصل بها ~~بين (إلا) والفعل الذي هو " ألقى " ، وهو فصل جائز، فتكون " إلا " قد ~~وليها ماض في التقدير، ووجد شرطه وهو تقدم فعل قبل (إلا) وهو " وما ~~أرسلنا ". قال شهاب الدين: ولا حاجة إلى هذا التكليف المخرج للآية ~~عن معناها بل هي جملة شرطية إما حال أو صفة أو استثناء كقوله: # إلا من تولى وكفر فيعذبه # [الغاشية: 23، 24] وكيف يدعي الفصل بها وبالفعل بعدها بين " إلا " وبين ~~" ألقى " من غير ضرورة تدعو إليه، ومع عدم صحة المعنى. # وقوله تعالى: { إذا تمنى } إنما أفرد الضمير، وإن تقدمه سببان ~~معطوف أحدهما على الآخر بالواو، لأن في الكلام حذفا تقديره: وما أرسلنا ~~من قبلك من رسول إلا إذا تمنى، ولا نبي إلا إذا تمنى كقوله: # والله ورسوله أحق أن يرضوه # [التوبة: 62]، والحذف إما من الأول أو الثاني. والضمير في " ~~أمنيته " فيه قولان: أظهرهما أنه ضمير الشيطان والثاني: أنه ضمير ~~الرسول. # قوله: " ليجعل " في متعلق هذه اللام ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنها متعلقة ب " يحكم " ، أي: ثم يحكم الله آياته ~~ليجعل، وقوله: { والله عليم حكيم } جملة اعتراض، وإليه نحا ~~الحوفي. # والثاني: أنها متعلقة ب " ينسخ " وإليه نحا ابن عطية، وهو ظاهر ~~أيضا. # الثالث: أنها متعلقة ب " ألقى " ، وليس بظاهر. وفي اللام قولان: # أحدهما: أنها للعلة. والثاني: أنها للعاقبة. و " ما " في قوله: " ما ~~يلقي " الظاهر أنها بمعنى الذي، ويجوز أن تكون مصدرية. # قوله: " والقاسية " أل في " القاسية " موصولة، والصفة صلتها، و " ~~قلوبهم " فاعل بها، والضمير المضاف إليه هو عائد الموصول، وأنثت ~~الصلة لأن مرفوعها مؤنث مجازي، ولو وضع فعل موضعها لجاز تأنيثه. و " ~~القاسية " عطف على " الذين " ، أي: فتنة للذين في قلوبهم مرض وفتنة ~~للقاسية قلوبهم. # قوله: " وليعلم الذين " عطف على ms6376 " ليجعل " عطف علة على ~~مثلها والضمير في " أنه " قال الزمخشري: إنه يعود على تمكين الشيطان، ~~أي: ليعلم المؤمنون أن تمكين الشيطان من ذلك الإلقاء هو الحق. أما على ~~قول أهل السنة فلأنه تعالى يتصرف كيف شاء في ملكه وملكه فكان حقا وأما ~~على قول المعتزلة فلأنه تعالى حكيم فتكون كل أفعاله صوابا فيؤمنوا به ~~وقال ابن عطية: إنه يعود على القرآن، وهو وإن لم يجر له ذكر فهو في قوة ~~المنطوق، وهو قول مقاتل. # وقال الكلبي: إنه يعود إلى نسخ الله ما ألقاه الشيطان. # قوله: " فيؤمنوا " عطف على " وليعلم " ، و " فتخبت " عطف ~~عليه وما أحسن ما وقعت هذه الفاءان. ومعنى " فتخبت " أي تخضع وتسكن ~~له قلوبهم لعلمهم بأن المقضي كائن وكل ميسر لما خلق له. # فصل # ومعنى " أوتوا العلم " أي: التوحيد والقرآن. وقال السدي: ~~التصديق. " فيؤمنوا به " أي: يعتقدوا أنه من الله. # قوله: { وإن الله لهاد } قرأ العامة " لهاد الذين " ~~بالإضافة تخفيفا. وابن أبي عبلة وأبو حيوة بتنوين الصفة وإعمالها في ~~الموصول. والمعنى: أن الله يهدي الذين آمنوا إلى طريق قويم وهو الإسلام. # قوله تعالى: { ولا يزال الذين كفروا في مرية } الآية. ~~لما بين حال الكافرين أولا ثم حال المؤمنين ثانيا عاد إلى شرح حال ~~الكافرين مرة أخرى، فقال: { ولا يزال الذين كفروا في ~~مرية } شك ونفاق " منه " أي: من القرآن، أو من الرسول، أو مما ~~ألقاه الشيطان. # والمرية والمرية بالكسر والضم لغتان مشهورتان، وظاهر كلام أبي البقاء ~~أنهما قراءتان. # قوله: { حتى تأتيهم الساعة } وهذا يدل على أن الأعصار ~~إلى قيام الساعة لا تخلو ممن هذا وصفه. " بغتة " أي: فجأة من دون أن ~~يشعروا، ثم جعل الساعة لكفرهم، وأنهم يؤمنون عند أشراط الساعة على وجه ~~الإلجاء. وقيل: أراد بالساعة الموت. { أو يأتيهم عذاب يوم ~~عقيم }. قال الأكثرون: هو يوم بدر. وقال عكرمة والضحاك: هو يوم ~~القيامة. والعقيم من العقم، وفيه قولان: # أحدهما: أنه السد، يقال: امرأة معقومة الرحم أو مسدودته عن ~~الولادة. وهو قول أبي عبيد. # والثاني: أن أصله القطع، ms6377 ومنه (الملك عقيم) أي: لأنه يقطع صلة الرحم ~~بالتراحم عليه، ومنه العقيم لانقطاع ولادتها. والعقم انقطاع الخبر، ومنه ~~يوم عقيم، قيل: لأنه لا ليلة بعده، ولا يوم فشبه بمن انقطع نسله، وقيل: ~~لأنهم لا يرون فيه خيرا. وقيل: لأن كل ذات حمل تضع حملها في ذلك اليوم، ~~فكيف يحصل الحمل فيه. هذا إن أريد به يوم القيامة. # وإن أريد به يوم بدر فقيل: لأن أبناء الحرب تقتل فيه، فكأن النساء لم ~~يلدنهم فيكن عقما، يقال: رجل عقيم وامرأة عقيم، أي: لا يولد لهما. ~~والجمع عقم. # وقيل: لأنه الذي لا خير فيه، يقال: ريح عقيم إذا لم تنشئ مطرا، ولم ~~تلقح شجرا. # وقيل: إنه لا مثل له في عظم أمره، وذلك لقتال الملائكة فيه. # والقول الأول أولى لأنه لا يجوز أن يقال: { ولا يزال الذين ~~كفروا } ويكون المراد إلى يوم بدر، لأن من المعلوم أنهم في مرية بعد ~~يوم بدر. # فإن قيل: لما ذكر الساعة، فلو حملتم اليوم العقيم على يوم القيامة لزم ~~التكرار. قلنا: ليس كذلك لأن الساعة مقدمات القيامة، واليوم العقيم كما ~~مر نفس ذلك اليوم على أن الأمر لو كان كما قال لم يكن تكرارا، لأن في ~~الأول ذكر الساعة، وفي الثاني ذكر عذاب ذلك اليوم. # وإن أريد بالساعة وقت الموت، وبعذاب يوم عقيم القيامة فالسؤال زائل. # قوله: { الملك يومئذ لله } ، وهذا من أقوى ما يدل على أن ~~اليوم العقيم هو هذا اليوم، وأراد أنه لا مالك في ذلك اليوم سواه. و " ~~يومئذ " منصوب بما تضمنه " لله " من الاستقرار، لوقوعه خبرا. و ~~" يحكم " يجوز أن يكون حالا من اسم الله، وأن يكون مستأنفا، ~~والتنوين في " يومئذ " عوض من جملة، فقدرها الزمخشري: يوم يؤمنون. ~~وهو لازم لزوال المرية، وقدره أيضا: يوم نزول مريتهم. # ثم بين تعالى كيف يحكم بينهم وأنه يصير المؤمنين إلى جنات النعيم ~~والكافرين إلى عذاب مهين. # قوله: " والذين كفروا " مبتدأ، وقوله: " فأولئك " وما بعده ~~خبره ودخلت الفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط بالشرط المذكور، و " لهم " ~~يحتمل ms6378 أن يكون خبرا عن " أولئك " و " عذاب " فاعل به لاعتماده على ~~المخبر عنه. وأن يكون خبرا مقدما وما بعده مبتدأ، والجملة خبر " أولئك ~~". ### || [22.58-62] # قوله: " والذين هاجروا " مبتدأ، وقوله: " ليرزقنهم " ~~جواب قسم مقدر، والجملة القسمية وجوابها خبر قوله: " والذين ~~هاجروا ". وفيه دليل على وقوع الجملة القسمية خبرا للمبتدأ. ومن يمنع ~~يضمر قولا هو الخبر يحكي به هذه الجملة القسمية. وهو قول مرجوح. # قوله: " رزقا " يجوز أن تكون مفعولا ثانيا على أنه من باب الرعي ~~والذبح أي: مرزوقا حسنا. وأن يكون مصدرا مؤكدا. # وقوله: " ثم قتلوا " وقوله: " مدخلا " تقدم الخلاف في القراءة ~~بهما في آل عمران وفي النساء. # فصل # لما ذكر أن الملك له يوم القيامة، وأنه يحكم بينهم، ويدخل المؤمنين ~~الجنات أتبعه بذكر الوعد الكريم للمهاجرين، وأفردهم بالذكر تفخيما ~~لشأنهم فقال: " والذين هاجروا " فارقوا أوطانهم وعشائرهم في طاعة ~~الله، وطلب رضاه { ثم قتلوا أو ماتوا } وهم كذلك قال مجاهد: ~~نزلت في طوائف خرجوا من مكة إلى المدينة للهجرة فتبعهم المشركون فقاتلوهم ~~وظاهر الآية العموم. ثم قال: { ليرزقنهم الله رزقا ~~حسنا } والرزق الحسن هو الذي لا ينقطع أبدا وهو نعيم الجنة. وقال ~~الأصم: إنه العلم والفهم لقول شعيب - عليه السلام - # ورزقني منه رزقا حسنا # [هود: 88]. (وقال الكلبي: " رزقا حسنا " ) أي حلالا وهو الغنيمة. # وهذان الوجهان ضعيفان لأنه تعالى جعله جزاء على هجرتهم في سبيل الله بعد ~~القتل والموت، وبعدهما لا يكون إلا نعيم الآخرة. ثم قال: { وإن ~~الله لهو خير الرازقين } معلوم بأن كل الرزق من عنده. ~~فقيل: إن التفاوت إنما كان بسبب أنه تعالى مختص بأن يرزق بما لا يقدر ~~عليه غيره. وقيل: المراد أنه الأصل في الرزق، وغيره إنما يرزق بما تقدم ~~من الرزق من جهة الله. وقيل: إن غيره ينقل من يده إلى يد غيره لا أنه ~~يفعل نفس الرزق. # وقيل: إن غيره إذا رزق فإنما يرزق لانتفاعه به، إما لأجل خروجه عن ~~الواجب أو لأجل أن يستحق به حمدا أو ثناء، أو لأجل الرقة الجنسية، أما ~~الحق ms6379 سبحانه فإن كماله صفة ذاتية له فلا يستفيد من شيء كمالا زائدا، ~~فالرزق الصادر منه لمحض الإحسان. وقيل: إن غيره إنما يرزق إذا حصل في ~~قلبه إرادة ذلك الفعل، وتلك الإرادة من الله، فالرازق في الحقيقة هو ~~الله. # فصل # قالت المعتزلة: الآية تدل على أمور ثلاثة: # الأول: أن غير الله قادر. # الثاني: أن غير الله يصح أن يرزق ويملك، ولولا كونه قادرا فاعلا لما ~~صح ذلك. # الثالث: أن الرزق لا يكون إلا حلالا، لأن قوله: " خير الرازقين ~~" يدل على كونهم ممدوحين. # والجواب: لا نزاع في كون العبد قادرا، فإن القدرة مع الداعي مؤثرة في ~~الفعل بمعنى الاستلزام. # والثالث بحث لفظي تقدم الكلام فيه. # فصل # دل قوله: { ثم قتلوا أو ماتوا } على أن حال المقتول في ~~الجهاد والميت على فراشه سواء، لأنه تعالى جمع بينهما في الوعد، ويؤيده ~~ما روى أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: # " المقتول في سبيل الله والمتوفى في سبيل الله ~~بغير قتل هما في الأجر شريكان " # ولفظ الشركة مشعر بالتسوية وإلا فلا يبقى لتخصيصها بالذكر فائدة. # قوله: " ليدخلنهم " هذه الجملة يجوز أن تكون بدلا من " ~~ليرزقنهم " وأن تكون مستأنفة. وقوله: " مدخلا يرضونه " ~~قال ابن عباس: إنما قال: " يرضونه " لأنهم يرون في الجنة ما لا عين ~~رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ف " يرضونه " وقوله: # في عيشة راضية # [الحاقة: 21] وقوله: # ارجعي إلى ربك راضية مرضية # [الفجر: 28] # ورضوان من الله أكبر # [التوبة: 72]. # ثم قال: { وإن الله لعليم حليم } عليم بما يستحقونه ~~فيفعله بهم ويزيدهم، أو عليم بما يرضونه فيعطيهم ذلك في الجنة، وأما ~~الحليم فلا يعجل بالعقوبة على من يقدم على المعصية، بل يمهل لتقع منه ~~التوبة فيستحق الجنة. # قوله تعالى: { ذلك ومن عاقب } " ذلك " خبر مبتدأ مضمر أي: ~~الأمر ذلك وما بعده مستأنف. والباء في قوله: { بمثل ما عوقب به ~~} للسببية في الموضعين قاله أبو البقاء والذي يظهر أن الأولى يشبه أن ~~تكون للآلة. " ومن عاقب " مبتدأ خبره " لينصرنه الله ". # فصل # المعنى: الأمر ms6380 ذلك الذي قصصناه عليك { ومن عاقب بمثل ما ~~عوقب به } أي قاتل من كان يقاتله، ثم كان المقاتل مبغيا عليه بأن ~~اضطر إلى الهجرة ومفارقة الوطن وابتدئ بالقتال. # قال مقاتل: نزلت في قوم من قريش أتوا قوما من المسلمين لليلتين بقيتا ~~من المحرم، وكره المسلمون قتالهم، وسألوهم أن يكفوا عن القتال من أجل ~~الشهر الحرام، فأبوا وقاتلوهم فذلك بغيهم عليهم، وثبت المسلمون لهم ~~فنصروا، فوقع في أنفس المسلمين من القتال في الشهر الحرام. فأنزل الله ~~هذه الآية، وعفا عنهم وغفر لهم. # والعقاب الأول بمعنى الجزاء، وأطلق اسم العقوبة على الأول للتعلق الذي ~~بينه وبين الثاني كقوله تعالى: # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40] # يخادعون الله وهو خادعهم # [النساء: 142]. # وهذه النصرة تقوي تأويل من تأول الآية على مجاهدة الكفار لا على ~~القصاص لأن ظاهر النص لا يليق إلا بذلك. وقال الضحاك: هذه الآية في ~~القصاص والجراحات لأنها مدنية. # قال الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه: من حرق حرقناه، ومن ~~غرق غرقناه لهذا الآية، فإن الله تعالى جوز للمظلوم أن يعاقب ~~بمثل ما عوقب به ووعده النصر. وقال أبو حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى: ~~بل يقتل بالسيف. # فإن قيل: كيف تعلق الآية بما قبلها؟ # فالجواب: كأنه تعالى قال: مع إكرامي لهم في الآخرة بهذا الوعد لا أدع ~~نصرتهم في الدنيا على من بغى عليهم. # ثم قال: { إن الله لعفو غفور } أي إن الله ندب المعاقبين ~~إلى العفو عن الجاني بقوله: # فمن عفا وأصلح فأجره على الله # [الشورى: 40] # وأن تعفوا أقرب للتقوى # [البقرة: 237] # ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور # [الشورى: 43] فلما لم يأت بهذا المندوب فهو نوع إساءة فكأنه تعالى قال: ~~إني عفوت عن هذه الإساءة وغفرتها. وقيل: إنه تعالى وإن ضمن له النصر على ~~الباغي لكنه عرض مع ذلك بما هو أولى وهو العفو والمغفرة، فلوح بذكر ~~هاتين الصفتين. # وفيه وجه آخر وهو أنه تعالى دل بذكر العفو والمغفرة على أنه قادر على ~~العقوبة لأنه لا يوصف بالعفو إلا القادر على ms6381 ضده. # قوله: { ذلك بأن الله يولج الليل في النهار } ~~وفيه وجهان: # الأول: أي: ذلك النصر بسبب أنه قادر، ومن قدرته كونه خالقا لليل ~~والنهار ومتصرفا فيهما، فوجب أن يكون قادرا عالما بما يجري فيهما، ~~وإذا كان كذلك كان قادرا على النصر. # الثاني: المراد أنه مع ذلك النصر ينعم في الدنيا بما يفعله من تعاقب ~~الليل والنهار وولوج أحدهما في الآخر. ومعنى إيلاج أحدهما في الآخر أنه ~~يحصل ظلمة هذا في ضياء ذلك بغيبوبة الشمس وضياء ذلك في ظلمة هذا بطلوعها ~~كما يضيء البيت بالسراج ويظلم بفقده. # وقيل هو أن يزيد في أحدهما ما ينقص من الآخر من الساعات. و " ذلك " ~~مبتدأ و " بأن الله " خبره، ثم قال: { وأن الله سميع ~~بصير } أي: أنه كما يقدر على ما لا يقدر عليه غيره، فكذلك يدرك ~~المسموع والمبصر، ولا يجوز المنع عليه، وذلك كالتحذير من الإقدام على ما ~~لا يجوز في المسموع والمبصر. # قوله: { ذلك بأن الله هو الحق } الآية. قرأ العامة " ~~وأن ما " عطفا على الأول. والحسن بكسرها استئنافا. وقوله: " هو ~~الحق " يجوز أن يكون فصلا ومبتدأ. # وجوز أبو البقاء أن يكون توكيدا. وهو غلط لأن المضمر لا يؤكد المظهر، ~~ولكان صيغة النصب أولى به من الرفع فيقال: إياه، لأن المتبوع منصوب. وقرأ ~~الأخوان وحفص وأبو عمرو هنا وفي لقمان " يدعون " بالياء من تحت. ~~والباقون بالتاء من فوق، والفعل مبني للفاعل وقرأ مجاهد واليماني بالياء ~~من تحت مبنيا للمفعول. والواو التي هي ضمير تعود على معنى " ما " ~~والمراد بها الأصنام أو الشياطين، ومعنى الآية: أن ذلك الوصف الذي تقدم ~~من القدرة على هذه الأمور لأجل أن الله هو الحق، أي: هو الموجود الواجب ~~لذاته الذي يمتنع عليه التغيير والزوال وأن ما يفعل من عبادته هو الحق ~~وما يفعل من عبادة غيره فهو الباطل كقوله: # ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة # [غافر: 43]. # { وأن الله هو العلي الكبير } العلي القاهر المقتدر ~~نبه بذلك على أنه القادر على الضر والنفع دون سائر من ms6382 يعبد مرغبا بذلك ~~في عبادته زاجرا عن عبادة غيره، وأما الكبير فهو العظيم في قدرته ~~وسلطانه، وذلك يفيد كمال القدرة. ### || [22.63-66] # قوله تعالى: { ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء ~~} الآية لما دل على قدرته بما تقدم أتبعه بأنواع أخر من الدلائل على ~~قدرته ونعمته فقال: { ألم تر أن الله أنزل } وفيه ثلاثة ~~أوجه: # أحدها: أن المراد الرؤية الحقيقية، لأن الماء النازل من السماء يرى ~~بالعين، واخضرار النبات على الأرض مرئي، فحمل الكلام على حقيقته أولى. # والثاني: المراد ألم تخبر على سبيل الاستفهام. # الثالث: المراد ألم تعلم. # قال ابن الخطيب: والأول ضعيف، لأن الماء وإن كان مرئيا إلا أن كون الله ~~منزلا له من السماء غير مرئي، وإذا ثبت هذا وجب حمله على العلم، لأن ~~المقصود من تلك الرؤية هو العلم، لأن الرؤية إذا لم يقترن بها العلم كانت ~~كأنها لم تحصل. # قوله: " فتصبح " فيه قولان: # أحدهما: أنه مضارع لفظا ماض معنى تقديره: فأصبحت، قاله أبو البقاء، ثم ~~قال بعد أن عطفه على " أنزل ": فلا موضع له إذا. وهو كلام ضعيف، لأن ~~عطفه على " أنزل " يقتضي أن يكون له محل من الإعراب وهو الرفع خبرا ل " ~~أن ". لكنه لا يجوز لعدم الربط. # الثاني: أنه على بابه، ورفعه على الاستئناف. قال أبو البقاء: فهي، أي: ~~القصة، و(تصبح) الخبر. قال شهاب الدين: ولا حاجة إلى تقدير مبتدأ، بل ~~هذه جملة فعلية مستأنفة لا سيما وقدر المبتدأ ضمير القصة ثم حذفه، وهو ~~لا يجوز، لأنه لا يؤتى بضمير القصة إلا للتأكيد والتعظيم والحذف ينافيه. ~~قال الزمخشري: فإن قلت: هلا قيل: فأصبحت، ولم صرف إلى لفظ المضارع. قلت: ~~لنكتة فيه، وهي إفادة بقاء أثر المطر زمانا بعد زمان كما تقول: أنعم ~~علي فلان عام كذا، فأروح وأغدو شاكرا له، ولو قلت: فرحت وغدوت ~~لم يقع ذلك الموقع. فإن قلت: فما له رفع ولم ينصب جوابا بالاستفهام. ~~قلت: لو نصب لأعطى عكس الغرض، لأن معناه إثبات الاخضرار، فينقلب بالنصب ~~إلى نفي الاخضرار، مثاله أن ms6383 تقول لصاحبك: ألم تر أني أنعمت عليك فتشكر. ~~إن نصبته فأنت ناف لشكره شاك تفريطه، وإن رفعته فأنت مثبت للشكر، وهذا ~~وأمثاله مما يجب أن يرغب له من اتسم بالعلم في علم الإعراب وتوقير أهله. ~~وقال ابن عطية: قوله: " فتصبح " بمنزلة قوله: فتضحى أو تصير، عبارة ~~عن استعجالها أثر نزول الماء واستمرارها كذلك عادة، ووقع قوله: " ~~فتصبح " من حيث الآية خبر، والفاء عاطفة وليست بجواب، لأن كونها ~~جوابا لقوله: " ألم تر " فاسد المعنى. قال أبو حيان: ولم يبين هو ~~ولا الزمخشري قبله كيف يكون النصب نافيا للاخضرار، ولا كون المعنى ~~فاسدا. # قال سيبويه: وسألته - يعني الخليل - عن { ألم تر أن الله ~~أنزل من السمآء مآء فتصبح الأرض مخضرة } فقال: ~~هذا واجب وتنبيه، كأنك قلت: أتسمع أنزل الله من السماء ماء فكان كذا ~~وكذا. # قال ابن خروف: وقوله: هذا واجب. وقوله: فكان كذا. يريد أنهما ماضيان ~~وفسر الكلام ب " أتسمع ". (ليريك أنه لا يتصل بالاستفهام) لضعف حكم ~~الاستفهام فيه. # وقال بعض شراح الكتاب: " فتصبح " لا يمكن نصبه، لأن الكلام واجب، ~~ألا ترى أن المعنى أن الله أنزل فالأرض هذه حالها. وقال الفراء: " ألم ~~تر " خبر، كما تقول في الكلام: اعلم أن الله يفعل كذا فيكون كذا. ويقول: ~~إنما امتنع النصب جوابا للاستفهام هنا، لأن النفي إذا دخل عليه ~~الاستفهام، وإن كان يقتضي تقريرا في بعض الكلام، هو معامل معاملة النفي ~~المحض في الجواب، ألا ترى إلى قوله تعالى: # ألست بربكم قالوا بلى # [الأعراف: 172] وكذلك الجواب بالفاء إذا أجبت النفي كان على معنيين في ~~كل منهما ينتفي الجواب. فإذا قلت: ما تأتينا فتحدثنا. بالنصب، فالمعنى ما ~~تأتينا محدثا، وإنما تأتينا ولا تحدث، ويجوز أن يكون المعنى أنك لا ~~تأتي فكيف تحدث، فالحديث منتف في الحالتين، والتقرير بأداة الاستفهام ~~كالنفي المحض في الجواب يثبت ما دخلته الهمزة وينفي الجواب، فيلزم من هذا ~~التقدير إثبات الرؤية وانتفاء الاخضرار، وهو خلاف المقصود. # وأيضا فإن جواب الاستفهام ينعقد منه مع الاستفهام السابق شرط وجزاء ~~كقوله: # 3775- ألم ms6384 تسأل فتخبرك الرسوم # يتقدر: إن تسأل تخبرك الرسوم، وهنا لا يتقدر: إن تر إنزال المطر تصبح ~~الأرض مخضرة، لأن اخضرارها ليس مترتبا على علمك أو رؤيتك إنما هو مترتب ~~على الإنزال. # وإنما عبر بالمضارع، لأن فيه تصوير الهيئة التي الأرض عليها والحالة ~~التي لابست الأرض، والماضي يفيد انقطاع الشيء، وهذا كقول جحدر بن معاوية ~~يصف حاله مع أسد نازله في قصة جرت له مع الحجاج بن يوسف الثقفي، وهي ~~أبيات فمنها: # 3776- يسمو بناظرتين تحسب فيهما # لما أجالهما شعاع سراج # لما نزلت بحصن أزبر مهصر # للقرن أرواح العدا محاج # فأكر أحمل وهو يقعي باسته # فإذا يعود فراجع أدراج # وعلمت أني إن أبيت نزاله # أني من الحجاج لست بناج # فقوله: فأكر تصوير للحالة التي لابسها. قال شهاب الدين: أما قوله: ~~وأيضا فإن جواب الاستفهام ينعقد مع الاستفهام. إلى قوله: إنما هو مترتب ~~على الإنزال. منتزع من كلام أبي البقاء. قال أبو البقاء: إنما رفع الفعل ~~هنا وإن كان قبله استفهام لأمرين: # أحدهما: أنه استفهام بمعنى الخبر، أي قدر رأيت فلا يكون له جواب. # والثاني: أن ما بعد الفاء ينصب إذا كان المستفهم عنه سببا له، ورؤيته ~~لإنزال الماء لا يوجب اخضرار الأرض، وإنما يجب على الماء. # وأما قوله: وإنما عبر بالمضارع. فهو معنى كلام الزمخشري بعينه، وإنما ~~غير عبارته وأوسعها. # وقوله: " فتصبح " استدل به بعضهم على أن الفاء لا تقتضي التعقيب، ~~قال: لأن اخضرارها متراخ عن إنزال الماء، هذا بالمشاهدة. # وأجيب عن ذلك بما نقله عكرمة من أن أرض مكة وتهامة على ما ذكروا أنها ~~تمطر الليلة فتصبح الأرض غدوة خضرة، فالفاء على بابها. قال ابن عطية: ~~شاهدت هذا في السوس الأقصى نزل المطر ليلا بعد قحط فأصبحت تلك الأرض ~~الرملة التي نسفتها الرياح قد اخضرت بنبات ضعيف. وقيل: تراها كل شيء ~~بحسبه، وقيل: ثم جمل محذوفة قبل الفاء تقديره: فتهتز وتربو وتنبت، ~~بين ذلك قوله تعالى: # فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت وأنبتت # [الحج: 5] وهذا من الحذف الذي يدل عليه فحوى ms6385 الكلام كقوله تعالى: # فأرسلون يوسف أيها الصديق أفتنا # [يوسف: 45، 46] إلى آخر القصة. و " تصبح " يجوز أن تكون الناقصة وأن ~~تكون التامة " مخضرة " حال قاله أبو البقاء. وفيه بعد عن المعنى إذ ~~يصير التقدير فتدخل الأرض في وقت الصباح على هذه الحال. ويجوز فيها أيضا ~~أن تكون على بابها من الدلالة على اقتران مضمون الجملة بهذا الزمن الخاص، ~~وإنما خص هذا الوقت لأن الخضرة والبساتين أبهج ما ترى فيه ويجوز أن تكون ~~بمعنى تصير. وقرأ العامة " مخضرة " بضم الميم وتشديد الراء اسم فاعل ~~من اخضرت فهي مخضرة، والأصل مخضررة بكسر الراء الأولى ~~فأدغمت في مثلها. وقرأ بعضهم " مخضرة " بفتح الميم وتخفيف الراء بزنة ~~مبقلة ومسبعة. # والمعنى: ذات خضروات وذات سباع وذات بقل. # ثم قال: { إن الله لطيف خبير } أي: أنه رحيم بعباده ولرحمته ~~فعل ذلك حتى عظم انتفاعهم به، لأن الأرض إذا أصبحت مخضرة، والسماء إذا ~~أمطرت كان ذلك سببا لعيش الحيوان أجمع. ومعنى " خبير " أي؛ عالم ~~بمقادير مصالحهم فيفعل على قدر ذلك من غير زيادة ولا نقصان. وقال ابن ~~عباس: " لطيف " بأرزاق عباده " خبير " بما في قلوبهم من القنوط. وقال ~~الكلبي: " لطيف " في أفعاله " خبير " بأعمال خلقه. # وقال مقاتل: " لطيف " باستخراج النبت " خبير " بكيفية خلقه. # { له ما في السماوات وما في الأرض } عبيدا وملكا، وهو ~~غني عن كل شيء لأنه كامل لذاته، ولكنه لما خلق الحيوان فلا بد في الحكمة ~~من مطر ونبات فخلق هذه الأشياء رحمة للحيوانات وإنعاما عليهم لا لحاجة ~~به إلى ذلك، وإذا كان كذلك كان إنعامه خاليا عن غرض عائد إليه، فكان ~~مستحقا للحمد، فكأنه قال: إنه لكونه غنيا لم يفعل ما فعله إلا للإحسان، ~~ومن كان كذلك كان مستحقا للحمد فوجب أن يكون حميدا، فلهذا قال: { ~~وإن الله لهو الغني الحميد }. # قوله تعالى: { ألم تر أن الله سخر لكم ما في ~~الأرض } أي ذلل لكم ما فيها فلا أصلب من الحجر، ولا أشد من الحديد، ~~ولا أكثر هيبة من النار، وقد سخرها لكم، وسخر الحيوانات ms6386 أيضا حتى ينتفع ~~بها للأكل والركوب والحمل. # قوله: " والفلك " العامة على نصب " الفلك " وفيه وجهان: # أحدهما: أنها عطف على { ما في الأرض } أي سخر لكم ما في الأرض ~~وسخر لكم الفلك، وأفردها بالذكر وإن اندرجت بطريق العموم تحت " ما " في ~~قوله { ما في الأرض } لظهور الامتنان بها، ولعجيب تسخيرها دون سائر ~~المسخرات، و " تجري " على هذا حال. # والثاني: أنها عطف على الجلالة، وتقديره: ألم تر أن الفلك ~~تجري في البحر، ف " تجري " خبر على هذا. وضم لام " الفلك " هنا ~~الكسائي فيما رواه عن الحسن، وهي قراءة ابن مقسم، وقرأ أبو عبد الرحمن ~~وطلحة والأعرج وأبو حيوة والزعفراني برفع " والفلك " على الابتداء، و " ~~تجري " بعده الخبر. ويجوز أن يكون ارتفاعه عطفا على محل اسم " إن " ~~عند من يجيز ذلك نحو إن زيدا وعمرو قائمان، وعلى هذا ف " تجري " حال ~~أيضا والباء في " بأمره " للسببية. # فصل # وكيفية تسخيره الفلك هو من حيث سخر الماء والرياح تجريها، فلولا صفتها ~~على ما هما عليه لما جرت بل كانت تغوص أو تقف فنبه تعالى على نعمته بذلك، ~~وبأن خلق ما تعمل منه السفن، وبأن بين كيف تعمل، وقال: " بأمره " ~~لما كان تعالى هو المجري لها بالرياح نسب ذلك إلى أمره توسعا، لأن ذلك ~~يفيد (تعظيمه بأكثر مما يفيد) لو أضافه إلى فعله على عادة الملوك في مثل ~~هذه اللفظة. # قوله: { ويمسك السمآء أن تقع } (في " أن تقع " ) ~~ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها في محل نصب أو جر لأنها على حذف حرف الجر تقديره من أن تقع. # الثاني: أنها في محل نصب فقط لأنها بدل من " السماء " بدل اشتمال أي ~~ويمسك وقوعها بمنعه. # الثالث: أنها في محل نصب على المفعول من أجله، فالبصريون يقدرون كراهة ~~أن تقع، والكوفيون لئلا تقع. # قوله: " إلا بإذنه " في هذا الجار وجهان: # أحدهما: أنه متعلق ب " تقع " أي: إلا بإذنه فتقع. # والثاني: أنه متعلق ب " يمسك ". # قال ابن عطية: ويحتمل أن يعود قوله: " إلا بإذنه " على الإمساك، لأن ~~الكلام يقتضي بغير عمد ms6387 ونحوه، كأنه أراد إلا بإذنه فيه نمسكها. قال أبو ~~حيان: ولو كان على ما قال لكان التركيب بإذنه دون أداة الاستثناء ويكون ~~التقدير: ويمسك السماء بإذنه. # قال شهاب الدين: فهذا الاستثناء مفرغ، ولا يقع في موجب، لكنه لما كان ~~الكلام قبله في قوة النفي ساغ ذلك إذ التقدير: لا يتركها تقع إلا بإذنه، ~~والذي يظهر أن هذه الباء حالية، أي: إلا ملتبسة بأمره. ثم قال: { إن ~~الله بالناس لرءوف رحيم } أي أن المنعم بهذه النعم ~~الجامعة لمنافع الدنيا والدين قد بلغ الغاية في الإحسان والإنعام، فهو ~~إذا رؤوف رحيم قوله: { وهو الذي أحياكم } أنشأكم ولم تكونوا ~~شيئا " ثم يميتكم " عند انقضاء آجالكم " ثم يحييكم " يوم ~~القيامة للثواب والعقاب { إن الإنسان لكفور } لنعم الله عز ~~وجل، وهذا كما يعدد المرء نعمه على ولده ثم يقول: إن الولد لكفور لنعم ~~الوالد زجرا له عن الكفران، وبعثا له على الشكر، فلذلك أورد تعالى ذلك ~~في الكفار، فبين أنهم دفعوا هذه النعم وكفروا بها وجهلوا خالقها مع وضوح ~~أمرها ونظيره قوله: # وقليل من عبادي الشكور # [سبأ: 13]. # قال ابن عباس: الإنسان هنا هو الكافر، وقال في رواية: هو الأسود بن عبد ~~الأسد وأبو جهل والعاص وأبي بن خلف. والأولى أنه في كل المنكرين. ### || [22.67-69] # قوله تعالى: { لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه } ~~لما عدد نعمه وأنه لرؤوف رحيم بعباده، وإن كان منهم من يكفر ولا يشكر، ~~أتبعه بذكر نعمه بما كلف، فقال: { لكل أمة جعلنا منسكا ~~}. وحذف الواو من قوله: " لكل أمة " لأنه لا تعلق لهذا الكلام ~~بما قبله فحذف العاطف. # قال الزمخشري: لأن تلك وقعت مع ما يدانيها ويناسبها من الآي الواردة في ~~أمر النسائك فعطفت على أخواتها، وأما هذه فواقعة مع أباعد عن معناها فلم ~~تجد معطفا. # قوله: " هم ناسكوه " هذه الجملة صفة ل " منسكا ". وقد تقدم أنه ~~يقرأ بالفتح والكسر، وتقدم الخلاف فيه هل هو مصدر أو مكان. وقال ابن ~~عطية: " ناسكوه " يعطي أن المنسك المصدر، ولو كان مكانا لقال: ناسكون ~~فيه. ms6388 يعني أن الفعل لا يتعدى إلى ضمير الظرف إلا بواسطة (في). وما قاله ~~غير لازم، لأنه قد يتسع في الظرف فيجري مجرى المفعول فيصل الفعل إلى ~~ضميره بنفسه، وكذا ما عمل عمل الفعل. # ومن الاتساع في ظرف الزمان قوله: # 3777- ويوم شهدناه سليما وعامرا # قليل سوى الطعن النهال نوافله # ومن الاتساع في ظرف المكان قوله: # 3778- ومشرب أشربه وشيل # لا آجن الماء ولا وبيل # يريد أشرب فيه. # فصل # روي عن ابن عباس: المنسك شريعة عاملون بها، ويؤيده قوله تعالى: # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا # [المائدة: 48]. وروي عنه أنه قال: عيدا يذبحون فيه. وقال مجاهد وقتادة: ~~قربان يذبحون. وقيل: موضع عبادة. وقيل: مألفا يألفونه والأول أولى لأن ~~المنسك مأخوذ من النسك وهو العبادة، وإذا وقع الاسم على عبادة فلا وجه ~~للتخصيص. # فإن قيل: هلا حملتموه على الذبح، لأن المنسك في العرف لا يفهم منه إلا ~~الذبح وهلا حملتموه على موضع العبادة وعلى وقتها؟ # فالجواب عن الأول: لا نسلم أن المنسك في العرف مخصوص بالذبح، لأن سائر ~~أفعال الحج تسمى مناسك قال عليه السلام: # " خذوا عني مناسككم ". # وعن الثاني: أن قوله: " هم ناسكوه " أليق بالعبادة منه بالوقت ~~والمكان. " فلا ينازعنك " قرأ الجمهور بتشديد النون، وقرئ ~~بالنون الخفيفة وقرأ أبو مجلز " فلا ينزعنك " من نزعته من ~~كذا أي قلعته منه. وقال الزجاج: هو من نازعته فنزعته أنزعه ~~أي: غلبته في المنازعة. ومجيء هذه الآية كقوله تعالى: # فلا يصدنك عنها # [طه: 16] وقولهم: لا أرينك ههنا. # فصل # معنى الكلام على قراءة أبي مجلز: أي اثبت في دينك ثباتا لا يطمعون أن ~~يخدعوك ليزيلوك عنه وعلى قراءة: " ينازعنك " فيه قولان: # الأول: قال الزجاج: إنه نهي له عن منازعتهم كما تقول: لا يضاربك فلان ~~أي: لا تضاربه. # قال بعض المفسرين: { فلا ينازعنك في الأمر } في أمر ~~الذبائح، نزلت في بديل بن ورقاء وبشر بن سفيان ويزيد بن حبيش قالوا ~~لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ما لكم تأكلون ما تقتلون ~~بأيديكم ولا تأكلون ما قتل الله. # والثاني: أن المراد ms6389 أن عليهم اتباعك وترك مخالفتك، وقد استقر الآن الأمر ~~على شرعك، وعلى أنه ناسخ لكل ما عداه، فكأنه قال: كل أمة بقيت منها بقية ~~يلزمها أن تتحول إلى اتباع الرسول - عليه السلام - فلذلك قال: { وادع ~~إلى ربك } أي: لا تخص بالدعاء أمة دون أمة، فكلهم أمتك فادعهم إلى ~~شريعتك، فإنك على هدى مستقيم والهدى يحتمل أن يكون نفس الدين، وأن يكون ~~أدلة الدين، وهو أولى. كأنه قال: ادعهم إلى هذا الدين فإنك من حيث ~~الدلالة على طريقة واضحة، ولهذا قال: " وإن جادلوك " أي فإن عدلوا ~~عن هذه الأدلة إلى المراء والتمسك بعادتهم { فقل الله أعلم ~~بما تعملون } أي أنه ليس بعد إيضاح الأدلة إلا هذا الجنس الذي ~~يجري مجرى الوعيد والتحذير من يوم القيامة الذي يتردد بين جنة وثواب لمن ~~قبل وبين نار وعقاب لمن رد وأنكر. فقال: { الله يحكم ~~بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون } ~~فتعرفون حينئذ الحق من الباطل. ### || [22.70-72] # قوله تعالى: { ألم تعلم أن الله يعلم ما في ~~السمآء والأرض } الآية. لما قال: # الله يحكم بينكم # [الحج: 69] أتبعه بما به يعلم أنه تعالى عالم بما يستحقه كل أحد، ويقع ~~الحكم بينهم بالعدل لا بالجور فقال لرسوله: { ألم تعلم أن ~~الله يعلم ما في السمآء والأرض } ، وهذا استفهام معناه ~~تقوية قلب الرسول - عليه السلام - والوعد له وإيعاد الكافرين بأن أفعالهم ~~كلها محفوظة عند الله لا يضل عنه ولا ينسى. والخطاب مع الرسول والمراد ~~سائر العباد لأن الرسالة لا تثبت إلا بعد العلم بكونه تعالى عالما بكل ~~المعلومات، إذ لو لم يثبت ذلك لجاز أن يشتبه عليه الكاذب بالصادق، فحينئذ ~~لا يكون إظهار المعجزة دليلا على الصدق، وإذا كان كذلك استحال أن لا ~~يكون الرسول عالما بذلك، فثبت أن المراد أن يكون خطابا مع الغير ثم ~~قال: { إن ذلك في كتاب } أي: كله في كتاب يعني اللوح المحفوظ. # وقال أبو مسلم: معنى الكتاب الحفظ والضبط والشد، يقال: كتبت ~~المزادة أكتبها إذا خرزتها، فحفظت بذلك ما فيها، ومعنى الكتاب ms6390 بين ~~الناس حفظ ما يتعاملون به، فالمراد بالآية أنه محفوظ عنده. وأيضا فالقول ~~الأول يوهم أن علمه مستفاد من الكتاب. # وأجيب بأن هذا القول وإن كان صحيحا نظرا إلى الاشتقاق لكن حمل اللفظ ~~على المتعارف أولى، ومعلوم أن الكتاب هو ما كتب فيه الأمور. # فإن قيل: أي فائدة في ذلك الكتاب إذا كان محفوظا؟ # فالجواب أن كتبه تلك الأشياء في ذلك الكتاب مع كونها مطابقة للموجودات ~~دليل على أنه تعالى غني في علمه عن ذلك الكتاب. وفائدة أن الملائكة ~~ينظرون فيه، ثم يرون الحوادث داخلة في الوجود على وفقه فيصير ذلك دليلا ~~لهم زائدا على كونه تعالى عالما بكل المعلومات وقوله: { إن ذلك ~~على الله يسير } أي العلم بجميع ذلك على الله يسير. والمعنى: إن ~~ذلك مما يتعذر على الخلق لكنه متى أراده الله تعالى كان، فعبر عن ذلك ~~بأنه يسير، وإن كان هذا الوصف لا يستعمل إلا فينا من حيث تسهل وتصعب ~~علينا الأمور، وتعالى الله عن ذلك. ثم إنه تعالى بين ما يقدم الكفار عليه ~~مع عظم نعمه ووضوح دلائله فقال: # { ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا ~~} حجة { وما ليس لهم به علم } أي: عن جهل، وليس لهم به دليل ~~عقلي فهو تقليد وجهل، والقول الذي هذا شأنه يكون باطلا. # { وما للظالمين من نصير } أي وما للمشركين من نصير مانع ~~يمنعهم من عذاب الله. # قوله: { وإذا تتلى عليهم آياتنا } يعني القرآن " ~~بينات " لأنه متضمن للدلائل العقلية وبيان الأحكام. # وقوله: " تعرف " العامة على " تعرف " خطابا مبنيا للفاعل، " ~~المنكر " مفعول به. وعيسى بن عمر " يعرف " بالياء من تحت مبنيا ~~للمفعول، " المنكر " مرفوع قائم مقامل الفاعل، والمنكر اسم مصدر بمعنى ~~الإنكار. # وقوله: " الذين كفروا " من إقامة الظاهر مقام المضمر للشهادة ~~عليهم بذلك، قال الكلبي: تعرف في وجوههم الكراهية للقرآن. وقال ابن ~~عباس: التجبر والترفع. وقال مقاتل: أنكروا أن يكون من الله. # قوله: " يكادون يسطون " هذه حال إما من الموصول، وإن كان مضافا ~~إليه لأن المضاف جزؤه وإما من ms6391 الوجوه لأنها يعبر بها عن أصحابها ~~كقوله: # وجوه يومئذ عليها غبرة # [عبس: 40] ثم قال: " أولئك هم ". و " يسطون " ضمن معنى يبطشون ~~فتعدى تعديته، وإلا فهو متعد ب (على). يقال: سطا عليه، وأصله القهر ~~والغلبة، وقيل: إظهار ما يهول للإخافة، ولفلان سطوة أي تسلط وقهر. وقال ~~الخليل والفراء والزجاج: السطو شدة البطش والمعنى يهمون بالبطش والوثوب ~~تعظيما لإنكار ما خوطبوا به. أي: يكادون يبطشون { بالذين يتلون ~~عليهم آياتنا } أي بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من شدة ~~الغيظ، يقال: سطا عليه وسطا به إذا تناوله بالبطش والعنف ثم أمر رسوله ~~بأن يقابلهم بالوعيد فقال: { قل أفأنبئكم بشر من ~~ذلكم } أي بشر لكم وأكره إليكم من هذا القرآن الذي تسمعون. أو من ~~غيظكم على التالين وسطوكم عليهم أو مما أصابكم من الكراهة والضجر بسبب ما ~~تلي عليكم. قوله: " النار " تقرأ بالحركات الثلاث، فالرفع من وجهين: # أحدهما: الرفع على الابتداء والخبر الجملة من " وعدها الله " ، ~~والجملة لا محل لها فإنها مفسرة للشر المتقدم كأنه قيل: ما شر من ذلك؟ ~~(فقيل: النار وعدها الله. # والثاني: أنها خبر مبتدأ مضمر كأنه قيل: ما شر من ذلك) فقيل: النار أي: ~~هو النار وحينئذ يجوز في " وعدها الله " الرفع على كونها خبرا ~~بعد خبر، وأجيز أن يكون بدلا من النار. وفيه نظر من حيث إن المبدل منه ~~مفرد، وقد يجاب عنه بأن الجملة في تأويل مفرد، ويكون بدل اشتمال، كأنه ~~قيل: النار وعدها الله الكفار. # وأجيز أن تكون مستأنفة لا محل لها. ولا يجوز أن تكون حالا، قال أبو ~~البقاء لأنه ليس في الجملة ما يصلح أن يعمل في الحال. # وظاهر نقل أبي حيان عن الزمخشري أنه يجيز كونها حالا فقال: وأجاز ~~الزمخشري أن تكون " النار " مبتدأ و " وعدها " خبر، وأن تكون حالا ~~على الإعراب الأول انتهى. # والإعراب الأول هو كون " النار " خبر مبتدأ مضمر. والزمخشري لم يجعلها ~~حالا إلا إذا نصبت " النار " أو جررتها بإضمار قد. # هذا نصه وإنما منع ذلك لما تقدم من قول أبي ms6392 البقاء، وهو عدم العامل. ~~وأما النصب فهو قراءة زيد بن علي وابن أبي عبلة. وفيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها منصوبة بفعل مقدر يفسره الفعل الظاهر، والمسألة من ~~الاشتغال. # الثاني: قال الزمخشري: إنها منصوبة على الاختصاص. # الثالث: أن ينتصب بإضمار أعني، وهو قريب مما قبله أو هو هو. وأما الجر ~~فهو قراءة ابن إبي إسحاق وإبراهيم بن نوح، على البدل من " شر " والضمير ~~في " وعدها " قال أبو حيان: الظاهر أنه هو المفعول الأول، على أنه ~~تعالى وعد النار بالكفار أن يطعمها إياهم، ألا ترى إلى قوله تعالى: # وتقول هل من مزيد # [ق: 30]، ويجوز أن يكون الضمير هو المفعول الثاني و " الذين ~~كفروا " هو المفعول الأول، كما قال: # وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار ~~جهنم # [التوبة: 68]. قال شهاب الدين: وينبغي أن يتعين هذا الثاني، لأنه متى ~~اجتمع بعد ما يتعدى إلى اثنين شيئان ليس ثانيهما عبارة عن الأول، فالفاعل ~~المعنوي رتبته التقديم وهو المفعول الأول، ونعني بالفاعل المعنوي من ~~يتأتى منه فعل، فإذا قلت: وعدت زيدا دينارا. فالدينار هو المفعول، لأنه ~~لا يتأتى منه فعل، وهو نظير أعطيت زيدا درهما. فزيد هو الفاعل، لأنه ~~آخذ للدرهم. # وقوله: " وبئس المصير " المخصوص بالذم محذوف تقديره: وبئس المصير ~~هي النار. # فصل # والمعنى: أن الذي ينالكم من النار أعظم مما ينالكم عند تلاوة هذه الآيات ~~من الغضب والغم، وهي النار وعدها الله الذين كفروا إذا ماتوا على كفرهم ~~وبئس المصير هي. ### || [22.73-74] # قوله تعالى: { يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له } ~~الآية لما بين أنهم يعبدون من دون الله ما لا حجة لهم به ولا علم ذكر ~~هاهنا ما يدل على إبطال قولهم. # قوله: " ضرب مثل " قال الأخفش: ليس هذا مثل وإنما المعنى جعل ~~الكفار لله مثلا. قال الزمخشري: فإن قلت: الذي جاء به ليس مثلا، فكيف ~~سماه مثلا؟ قلت قد سميت الصفة والقصة الرائعة المتلقاة بالامتحان ~~والاستغراب مثلا تشبيها لها ببعض الأمثال المسيرة لكونها مستغربة ~~مستحسنة. وقيل: معنى " ضرب " جعل، كقولهم: ضرب السلطان البعث، ~~وضرب الجزية ms6393 على أهل الذمة. ومعنى الآية: فجعل لي شبه وشبه بي ~~الأوثان، أي: جعل المشركون الأصنام شركائي فعبدوها. وقيل: هو مثل من حيث ~~المعنى، لأنه ضرب مثل من يعبد الأصنام بمن يعبد ما لا يخلق ذبابا. " ~~فاستمعوا له " أي: فتدبروه حق تدبره لأن نفس السماع لا ينفع، وإنما ~~ينفع بالتدبر. # قوله: { إن الذين تدعون } قرأ العامة " تدعون " بتاء ~~الخطاب والحسن ويعقوب وهارون ومحبوب عن أبي عمرو بالياء من تحت وهو في ~~كلتيهما مبني للفاعل. # وموسى الأسواري واليماني " يدعون " بالياء من أسفل مبنيا للمفعول. ~~والمراد الأصنام. فإن قيل: قول " ضرب " يفيد فيما مضى، والله تعالى هو ~~المتكلم بهذا الكلام ابتداء فالجواب: إذا كان ما يورد من الوصف معلوما ~~من قبل جاز ذلك فيه، ويكون ذكره بمنزلة إعادة أمر تقدم. # قوله: " لن يخلقوا ". جعل الزمخشري نفي " لن " للتأبيد وتقدم ~~البحث معه في ذلك. والذباب معروف، وهو واحد، وجمعه القليل: أذبه، وفيه ~~الكسرة، ويجمع على ذبان وذبان بكسر الذال وضمها وعلى ذب. ~~والمذبة ما يطرد بها الذباب. وهو اسم جنس واحدته ذبابة تقع للمذكر ~~والمؤنث فتفرد بالوصف. # قوله: { ولو اجتمعوا له } قال الزمخشري: نصب على الحال كأنه ~~قال يستحيل خلقهم الذباب حال اجتماعهم لخلقه وتعاونهم عليه فكيف حال ~~انفرادهم. وقد تقدم أن هذه الواو عاطفة هذه الجملة الحالية على حال ~~محذوفة، أي: انتفى خلقهم الذباب على كل حال ولو في هذه الحالة المقتضية ~~لخلقهم، فكأنه تعالى قال: إن هذه الأصنام لو اجتمعت لا تقدر على خلق ~~ذبابة على ضعفها فكيف يليق بالعاقل جعلها معبودا. # قوله: { وإن يسلبهم الذباب شيئا } السلب اختطاف الشيء ~~بسرعة، يقال: سلبه نعمته. # والسلب: ما على القتيل، وفي الحديث: # " من قتل قتيلا فله سلبه ". # وقوله: { لا يستنقذوه منه } الاستنقاذ: استفعال بمعنى ~~الإفعال، يقال: أنقذه من كربته، أي: أنجاه منه وخلصه، ومثله: أبل ~~المريض واستبل. # فصل # كأنه تعالى قال: أترك أمر الخلق والإيجاد وأتكلم فيما هو أسهل منه، ~~فإن الذباب إذا سلب منها شيئا فهي لا تقدر على استنقاذ ذلك الشيء من ms6394 ~~الذباب. # واعلم أن الدلالة الأولى صالحة لأن يتمسك بها في نفي كون المسيح ~~والملائكة آلهة، وأما الثانية فلا. # فإن قيل: هذا الاستدلال إما أن يكون لنفي كون الأوثان خالقة عالمة حية ~~مدبرة، وإما لنفي كونها مستحقة للتعظيم، والأول فاسد، لأن نفي كونها كذلك ~~معلوم بالضرورة، فلا فائدة في إقامة الدلالة عليه. وأما الثاني فهذه ~~الدلالة لا تفيده، لأنه لا يلزم من نفي كونها حية أن لا تكون معظمة، فإن ~~جهات التعظيم مختلفة، فالقوم كانوا يعتقدون فيها أنها طلسمات موضوعة على ~~صور الكواكب، أو أنها تماثيل الملائكة والأنبياء المتقدمين. # فالجواب: أما كونها طلسمات موضوعة على الكواكب بحيث يحصل منها الضر ~~والنفع، فهو يبطل بهذه الدلالة، فإنها لم تنفع نفسها في هذا القدر وهو ~~تخليص النفس عن الذبابة فلأن لا تنفع غيرها أولى. وأما أنها تماثيل ~~الملائكة والأنبياء المتقدمين، فقد تقرر في العقل أن تعظيم غير الله ~~ينبغي أن يكون أقل من تعظيم الله، والقوم كانوا يعظمونها نهاية التعظيم، ~~وحينئذ كان يلزم التسوية بينها وبين الخالق سبحانه في التعظيم، فمن هاهنا ~~استوجبوا الذم. # فصل # قال ابن عباس: كانوا يطلون الأصنام بالزعفران، فإذا جف جاءت الذباب ~~فاستلبته وقال السدي: كانوا يضعون الطعام بين يدي الأصنام فيقع الذباب ~~عليه فيأكلن منه. # وقال ابن زيد: كانوا يحلون الأصنام باليواقيت واللآلئ وأنواع الجواهر، ~~ويطيبونها بأنواع الطيب، فربما يسقط منها واحدة فأخذها طائر وذباب فلا ~~تقدر الآلهة على استردادها { ضعف الطالب والمطلوب } قيل: هو ~~إخبار. وقيل: تعجب. والأول أظهر. # قال ابن عباس: الطالب الذباب يطلب ما يسلب من الطيب عن الصنم، والمطلوب ~~الصنم يطلب الذباب منه السلب. وقيل: العكس الطالب الصنم والمطلوب الذباب، ~~فالصنم كالطالب لأنه لو طلب أن يخلقه ويستنقذ منه ما استلبه لعجز عنه، ~~والذباب بمنزلة المطلوب. وقال الضحاك: الطالب العابد والمطلوب المعبود، ~~لأن كون الصنم طالبا ليس حقيقة بل على سبيل التقدير. وقيل: المعنى ضعف ~~أي ظهر قبح هذا المذهب كما يقال عند المناظرة: ما أضعف هذا المذهب، وما ~~أضعف هذا الوجه. # قوله: { ما ms6395 قدروا الله حق قدره } أي: ما عظموه حق تعظيمه، حيث جعلوا هذه ~~الأصنام على نهاية خساستها شركاء له في المعبودية. { إن الله ~~لقوي عزيز }: " قوي " لا يتعذر عليه فعل شيء " عزيز " لا يقدر ~~أحد على مغالبته، فأي حاجة إلى القول بالشريك. # قال الكلبي: في هذه الآية وفي نظيرها في سورة الأنعام: أنها نزلت في ~~مالك ابن الصيف وكعب بن الأشرف، وكعب بن أسد، وغيرهم من اليهود، حيث ~~قالوا: إن الله تعالى لما فرغ من خلق السموات والأرض أعيا من خلقها، ~~فاستلقى واستراح، ووضع إحدى رجليه على الأخرى، فنزلت هذه الآية تكذيبا ~~لهم، ونزل قوله: # وما مسنا من لغوب # [ق: 38]. ### || [22.75-76] # قوله تعالى: { الله يصطفي من الملائكة رسلا } الآية لما ذكر ما يتعلق ~~بالإلهيات ذكر هاهنا ما يتعلق بالنبوات. قال بعضهم: [تقدير الكلام: ومن ~~الناس رسلا. ولا حاجة لذلك، بل قوله " ومن الناس " مقدر التقديم، أي: ~~يصطفي من الملائكة ومن الناس رسلا]. قال مقاتل: قال الوليد بن المغيرة # أأنزل عليه الذكر من بيننا # [ص: 8] فأنزل الله هذه الآية فإن قيل: كلمة " من " للتبعيض، فقوله " من ~~الملائكة " يقتضي أن يكون الرسل بعضهم لا كلهم، وقوله: # جاعل الملائكة رسلا # [فاطر: 1] يقتضي كون كلهم رسلا، فكيف الجمع؟ # فالجواب: يجوز أن يكون المذكور ههنا من كان رسلا إلى بني آدم، وهم ~~أكابر الملائكة كجبريل وميكائيل وإسرافيل، والحفظة صلوات الله عليهم، ~~وأما كل الملائكة فبعضهم رسل إلى البعض. فإن قيل: قوله في سورة الزمر # لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما ~~يخلق ما يشآء # [الزمر: 4] فدل على أن ولده يجب أن يكون مصطفى، وهذه الآية تدل على أن ~~بعض الملائكة وبعض الناس من المصطفين، فلزم بمجموع الآيتين إثبات الولد. # فالجواب: أن قوله: # لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى # [الزمر: 4] يدل على أن كل ولد مصطفى ولا يدل على أن كل مصطفى ولد، فلا ~~يلزم من دلالة هذه الآية على وجود مصطفى كونه ولدا. وأيضا فالمراد من ~~هذه الآية تبكيت من عبد غير الله من ms6396 الملائكة، كأنه سبحانه أبطل في الآية ~~الأولى قول عبدة الأوثان، وفي هذه الآية أبطل قول عبدة الملائكة، فبين أن ~~علو درجة الملائكة ليس لكونهم آلهة لأن الله اصطفاهم لمكان عبادتهم، ~~فكأنه تعالى بين أنهم # ما قدروا الله حق قدره # [الحج: 74] إذ جعلوا الملائكة معبودة مع الله. # ثم بين تعالى: بقوله: { إن الله سميع بصير } أنه يسمع ما ~~يقولون، ويرى ما يفعلون ولذلك أتبعه بقوله تعالى: { يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم }. قال ابن عباس: ما قدموا وما خلفوا وقال ~~الحسن: { ما بين أيديهم } ما عملوا، " وما خلفهم " ما هم ~~عاملون من بعد. ثم قال: { وإلى الله ترجع الأمور } إشارة ~~إلى القدرة التامة، والتفرد بالإلهية والحكم، ومجموعهما يتضمن نهاية ~~الزجر عن الإقدام على المعصية. ### || [22.77-78] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا } ~~إلى آخر السورة. لما ذكر الإلهيات ثم النبوات أتبعه بالكلام في الشرائع، ~~وهو من أربعة أوجه: # الأول: تعيين المأمور. # والثاني: أقسام المأمور به. # والثالث: ذكر ما يوجب تلك الأوامر. # والرابع: تأكيد ذلك التكليف. # فأما تعيين المأمور به فهو قوله: { يأيها الذين آمنوا } ~~وهذا خطاب للمؤمنين؛ لأنه صرح بهم، ولقوله: " هو اجتباكم " ، ~~ولقوله: { هو سماكم المسلمين } ، وقوله { وتكونوا ~~شهدآء على الناس }. وقيل: خطاب لكل المكلفين مؤمنا كان أو ~~كافرا؛ لأن التكليف بهذه الإشارة عام في كل المكلفين فلا معنى لتخصيص ~~المؤمن بذلك. وأما فائدة التخصيص، فلأنه لما لم يقبله إلا المؤمنون خصهم ~~بالذكر ليحرضهم على المواظبة على ما قبلوه، وكالتشريف لهم في ذلك ~~الإفراد. وأما المأمور به فأربعة أمور: # الأول: الصلاة وهو المراد بقوله: " اركعوا واسجدوا " وذلك لأن ~~أشرف أركان الصلاة هو الركوع والسجود، والصلاة هي المختصة بهذين الركنين، ~~فجرى ذكرهما مجرى ذكر الصلاة، وذكر ابن عباس: أن الناس كانوا في أول ~~إسلامهم يركعون ولا يسجدون حتى نزلت هذه الآية. # والثاني: قوله: " واعبدوا ربكم " قيل: وحدوه. وقيل: اعبدوا ~~ربكم في سائر المأمورات والمنهيات. وقيل: افعلوا الركوع والسجود وسائر ~~الطاعات بنية العبادة. # الثالث: قوله: " وافعلوا الخير " قال ابن عباس: هو صلة ms6397 الرحم ~~ومكارم الأخلاق " لعلكم تفلحون " لكي تفوزوا بالجنة. وقيل: ~~كلمة " لعل " للترجي، فإن الإنسان قلما يخلو في أداء الفريضة من ~~تقصير، فليس هو على يقين من أن الذي أتى به هل هو مقبول عند الله ~~والعواقب مستورة " وكل ميسر لما خلق له " # فصل # اختلفوا في سجود التلاوة عند قراءة هذه الآية، فذهب عمر وعلي وابن عمر ~~وابن مسعود وابن عباس: إلى أنه يسجد، وبه قال ابن المبارك والشافعي وأحمد ~~وإسحاق لما روى عقبة بن عامر قال: # " قلت: يا رسول الله فضلت سورة الحج بأن فيها سجدتين قال: " نعم، من لم ~~يسجدهما فلا يقرأهما " # وقال سفيان الثوري وأصحاب الرأي: لا يسجد هاهنا. وعدد سجود القرآن أربع ~~عشرة سجدة عند أكثر أهل العلم منها ثلاث في المفصل، وروي عن أبي بن كعب ~~وابن عباس: ليس في المفصل سجود، وبه قال مالك. # وقد صح عن أبي هريرة قال: سجدنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~" اقرأ " و # إذا السمآء انشقت # [الانشقاق: 1]. وأبو هريرة متأخر الإسلام. واختلفوا في سجدة ص فروي عن ~~ابن عباس أنها سجدة شكر وهو مذهب الشافعي وعن عمر أنه يسجد فيها، وهو قول ~~الثوري وابن المبارك وأصحاب الرأي وأحمد وإسحاق. # الرابع: قوله: { وجاهدوا في الله حق جهاده } يجوز أن ~~يكون " حق جهاده " منصوبا على المصدر، وهو واضح. وقال أبو ~~البقاء: ويجوز أن يكون نعتا لمصدر محذوف، أي جهادا حق جهاده. وفيه نظر ~~من حيث إن هذا معرفة فكيف يجعل صفة لنكرة. # قال الزمخشري: فإن قلت: ما وجه هذه الإضافة، وكان القياس: حق الجهاد ~~فيه أو حق جهادكم فيه كما قال { وجاهدوا في الله }. قلت: الإضافة ~~تكون بأدنى ملابسة واختصاص فلما كان الجهاد مختصا بالله من حيث إنه ~~مفعول من أجله ولوجهه صحت إضافته إليه، ويجوز أن يتسع في الظرف كقوله: # 3779- ويوم شهدناه سليما وعامرا # يعني بالظرف الجار والمجرور كأنه كان الأصل: حق جهاد فيه. فحذف حرف الجر ~~وأضيف المصدر للضمير، وهو من باب هو حق عالم وجد، أي: ms6398 عالم حقا وعالم ~~جدا. # فصل # المعنى: جاهدوا في سبيل الله " أعداء الله حق جهاده " هو ~~استفراغ الطاقة فيه. قاله ابن عباس، وعنه قال: لا تخافون لومة لائم. وقال ~~الضحاك ومقاتل: اعملوا لله حق عمله واعبدوه حق عبادته. وقال مقاتل بن ~~سليمان: نسخها قوله: # فاتقوا الله ما استطعتم # [التغابن: 16] وهذا بعيد لأن التكليف شرطه القدرة لقوله تعالى: # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # [البقرة: 286] # وما جعل عليكم في الدين من حرج # [البقرة: 78] و # يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر # [البقرة: 185]. فكيف يقول: { وجاهدوا في الله } على وجه لا ~~يقدرون عليه؟ وقال أكثر المفسرين: حق الجهاد أن يكون بنية صادقة. وقيل: ~~يفعله عبادة لا رغبة في الدنيا من حيث الاسم والغنيمة. وقيل: يجاهدوا ~~آخرا كما جاهدوا أولا، فقد كان جهادهم في الأول أقوى، وكانوا فيه أثبت ~~نحو صنعهم يوم بدر، روي عن عمر أنه قال لعبد الرحمن بن عوف: أما علمت أنا ~~كنا نقرأ " وجاهدوا في الله حق جهاده في آخر الزمان كما ~~جاهدتم في أوله "؟ قال عبد الرحمن: ومتى ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: إذا ~~كانت بنو أمية الأمراء، وبنو المغيرة الوزراء. واعلم أنه يبعد أن تكون ~~هذه الزيادة من القرآن، وإلا لنقل كنقل نظائره، ولعله إن صح ذلك عن ~~الرسول فإنما قاله كالتفسير للآية. # وروي عن ابن عباس أنه قرأ: " وجاهدوا في الله حق جهاده ~~كما جاهدتم أول مرة " فقال عمر - رضي الله عنه -: من الذي أمرنا بجهاده؟ ~~فقال: قبيلتان من قريش مخزوم وعبد شمس، فقال: صدقت. وقيل: معنى الآية: ~~استفرغوا وسعكم في إحياء دين الله، وإقامة حقوقه بالحرب واليد واللسان، ~~وجميع ما يمكن، وردوا أنفسكم عن الهوى والميل وقال ابن المبارك: هو ~~مجاهدة النفس والهوى، وهو الجهاد الأكبر [وهو حق الجهاد وقد روي أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - لما رجع من غزوة تبوك قال: # " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " # ] وأراد بالجهاد الأصغر الجهاد مع الكفار، وبالجهاد الأكبر الجهاد مع ~~النفس. وأما بيان ما ms6399 يوجب قبول هذه الأوامر، فهو ثلاثة: # الأول: قوله: " هو اجتباكم " اختاركم لدينه، وهذه من أعظم ~~التشريفات، فأي رتبة أعلى من هذا، وأي سعادة فوق هذا. ثم قال: { وما ~~جعل عليكم في الدين من حرج } وهو كالجواب عن سؤال، وهو ~~أن التكليف وإن كان تشريفا لكنه شاق على النفس؟ أجاب بعضهم بقوله: { ما ~~جعل عليكم في الدين من حرج } ، [روي أن أبا هريرة - رضي ~~الله عنه قال: كيف قال الله { ما جعل عليكم في الدين من حرج } ] مع أنه ~~منعنا عن الزنا؟ فقال ابن عباس: بلى، ولكن الإصر الذي كان على بني ~~إسرائيل وضع عنا. # وهذا قول الكلبي، قال المفسرون: معناه لا يبتلى بشيء من الذنوب إلا جعل ~~الله له منها مخرجا بعضها بالتوبة، وبعضها برد المظالم والقصاص، وبعضها ~~بالكفارات وليس في دين الله ذنب إلا يجد العبد سبيلا إلى الخلاص من ~~العذاب منه. وقال ابن عباس ومقاتل: هو الإتيان بالرخص، فمن لم يستطع أن ~~يصلي قائما فليصل جالسا، ومن لم يستطع ذلك فليوم، وإباحة الفطر في ~~السفر للصائم، والقصر فيه والتيمم وأكل الميتة عند الضرورة. # فصل # استدلت المعتزلة بهذه الآية على المنع من تكليف ما لا يطاق، وقالوا: لما ~~خلق الله الكفر والمعصية في الكافر والعاصي، ثم نهاه عنه كان ذلك من أعظم ~~الحرج، وذلك منفي بصريح هذا النص. # والجواب أنه لما أمره بترك الكفر، وترك الكفر يقتضي انقلاب علمه جهلا، ~~فقد أمر المكلف بقلب علم الله جهلا، وذلك من أعظم الحرج، ولما استوى ~~العدمان زال السؤال. # الموجب الثاني: قوله: " ملة أبيكم " فيه أوجه: # أحدها: أنها منصوبة باتبعوا مضمرا. قاله الحوفي وتبعه أبو البقاء. # الثاني: أنها منصوبة على الاختصاص، أي: أعني بالدين ملة أبيكم. # الثالث: أنها منصوبة بمضمون ما تقدمها، كأنه قال: وسع دينكم توسعة ملة ~~أبيكم، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. قاله الزمخشري. وهذا ~~أظهرها. # الرابع: أنها منصوبة بجعلها مقدرا. قاله ابن عطية. # الخامس: أنها منصوبة على حذف كاف الجر، أي: كملة أبيكم. قاله الفراء، ~~وقال أبو ms6400 البقاء قريبا منه، فإنه قال: وقيل تقديره: مثل ملة، لأن المعنى ~~سهل عليكم الدين مثل ملة أبيكم، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. # وقوله: " إبراهيم " بدل أو بيان أو منصوب بأعني. # فصل # والمقصود من ذكر " إبراهيم " التنبيه على أن هذه التكاليف والشرائع ~~هي شريعة إبراهيم والعرب كانوا محبين لإبراهيم - عليه السلام - لأنهم من ~~أولاده، فكان ذكره كالسبب لانقيادهم لقبول هذا الدين. # فإن قيل: ليس كل المسلمين يرجع نسبه إلى إبراهيم. فالجواب: أن هذا خطاب ~~مع العرب، وهم كانوا من نسل إبراهيم. وقيل: خاطب به جميع المسلمين، ~~وإبراهيم أب لهم على معنى وجوب إكرامه وحفظ حقه كما يجب احترام الأب، فهو ~~كقوله تعالى: " وأزواجه أمهاتهم " ، وقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - # " إنما أنا لكم مثل الوالد " # فإن قيل: هذا يقتضي أن تكون ملة محمد كملة إبراهيم سواء، فيكون الرسول ~~ليس له شرع مخصوص، ويؤكده قوله: # اتبع ملة إبراهيم # [النحل: 123]. # فالجواب: إنما وقع هذا الكلام مع عبدة الأوثان، فكأنه قال: عبادة الله ~~وترك الأوثان هي ملة إبراهيم، وأما تفاصيل الشرائع فلا تعلق لها بهذا ~~الموضع. # قوله: " هو سماكم " في هذا الضمير قولان: # أحدهما: أنه يعود على " إبراهيم " ، لأنه أقرب مذكور إلا أن ابن ~~عطية قال: وفي هذه اللفظة يعني قوله: " وفي هذا " ضعف قول من قال: ~~الضمير ل " إبراهيم " ولا يتوجه إلا بتقدير محذوف من الكلام مستأنف. ~~انتهى. # ومعنى ضعف من قال بذلك أن قوله: " وفي هذا " عطف على " من قبل ~~" و " هذا " إشارة إلى القرآن، فيلزم أن " إبراهيم " سماهم ~~المسلمين في القرآن، وهو غير واضح؛ لأن القرآن المشار إليه إنما أنزل بعد ~~إبراهيم بمدد طوال، فلذلك ضعف قوله. # قوله: إلا بتقدير محذوف الذي ينبغي أن يقدر: وسميتهم في هذا القرآن ~~المسلمين وقال أبو البقاء: قيل: الضمير ل " إبراهيم " فعلى هذا ~~الوجه يكون قوله " وفي هذا " أي: وفي هذا القرآن سبب تسميتهم وهو قول ~~إبراهيم: # ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنآ أمة ~~مسلمة لك # [البقرة: 128]، فاستجاب الله له، وجعلها أمة محمد - صلى ms6401 الله عليه وسلم ~~-. # والثاني: أن الضمير يعود على الله تعالى، ويدل له قراءة أبي " ~~الله سماكم " بصريح الجلالة، أي سماكم في الكتب السالفة وفي هذا ~~القرآن الكريم أيضا. وهو مروي عن ابن عباس ويؤيده قوله: { ليكون ~~الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهدآء على الناس ~~}. فبين أنه سماهم بذلك لهذا الغرض، وهذا لا يليق إلا بالله. # فقوله: " ليكون الرسول " متعلق ب " سماكم " فبين فضلكم ~~على سائر الأمم، وسماكم بهذا الاسم لأجل الشهادة المذكورة، فلما خصكم ~~بهذه الكرامة فاعبدوه ولا تردوا تكاليفه. وهذا هو الموجب الثالث لقبول ~~التكليف، وتقدم الكلام في أنه كيف يكون الرسول شهيدا علينا وكيف تكون ~~أمته شهداء على الناس في سورة البقرة. وأما ما يجري مجرى المؤكد لما مضى ~~فهو قوله: { فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } فهي ~~المفروضات، لأنها المعهودة. # واعتصموا بحبل الله أي بدلائله العقلية والسمعية. قال ابن عباس: سلوا ~~الله العصمة عن كل المحرمات. وقيل: ثقوا بالله وتوكلوا عليه. وقال ~~الحسن: تمسكوا بدين الله " هو مولاكم " سيدكم والمتصرف فيكم ~~وناصركم وحافظكم. { فنعم المولى ونعم النصير } فكأنه ~~تعالى قال: أنا مولاكم بل أنا ناصركم. وحسن حذف المخصوص بالمدح وقوع ~~الثاني رأس آية وفاصلة. # فصل # احتجت المعتزلة بهذه الآية من وجوه: # أحدها: أن قوله: " لتكونوا شهداء على الناس " يدل على أنه ~~تعالى أراد الإيمان من الكل؛ لأنه تعالى لا يجعل الشهيد على عباده إلا من ~~كان عدلا مرضيا، فإذا أراد أن يكونوا شهداء على الناس فقد أراد أن ~~يكونوا جميعا صالحين عدولا، وقد علمنا أن منهم فساقا، فدل ذلك على أن ~~الله - تعالى - أراد من الفاسق كونه عدلا. # وثانيها: قوله: " واعتصموا بالله " وكيف يمكن الاعتصام به مع ~~أن الشر لا يوجد إلا منه. # وثالثها: قوله: " فنعم المولى " فإنه لو كان كما يقوله أهل السنة ~~من أنه خلق أكثر عباده ليخلق فيهم الكفر والفساد ثم يعذبهم لما كان نعم ~~المولى، بل كان لا يوجد من شر المولى أحد إلا وهو شر منه، فكان يجب أن ~~يوصف بأنه بئس المولى. وذلك باطل ms6402 فدل على أنه - سبحانه - ما أراد من ~~جميعهم إلا الصلاح. فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون نعم المولى للمؤمنين ~~خاصة كما أنه نعم النصير لهم خاصة؟ قلنا: إنه - تعالى - مولى الكافرين ~~والمؤمنين جميعا، فيجب أن يقال: نعم المولى للمؤمنين وبئس المولى ~~للكافرين، فإن ارتكبوا ذلك فقد ردوا القرآن والإجماع وصرحوا بشتم الله - ~~تعالى - تعالى الله عند ذلك. # ورابعها: أن قوله: { سماكم المسلمين من قبل } يدل على ~~إثبات الأسماء الشرعية وأنها من قبل الله - تعالى - لأنها لو كانت لغة ~~لما أضيفت إلى الله تعالى على وجه الخصوص. # والجواب عن الأول: وهو قولهم إن كونه - تعالى - مريدا لكونه شاهدا ~~يستلزم كونه مريدا لكونه عدلا. فنقول: إن كانت إرادة الشيء مستلزمة ~~لإرادة لوازمه فإرادة الإيمان من الكافر يوجب أن تكون مستلزمة لإرادة جهل ~~الله، ويلزم كونه - تعالى - مريدا لجهل نفسه، وإن لم يكن ذلك واجبا فقد ~~سقط الكلام. # وأما قوله: " واعتصموا بالله " فيقال: هذا أيضا وارد عليكم، ~~فإنه - سبحانه - خلق الشهوة في قلب الفاسق وأكدها وخلق المشتهى وقربه منه ~~ورفع المانع ثم سلط عليه شياطين الإنس والجن، وعلم لا محالة أنه يقع في ~~الفجور والضلال، وفي الشاهد كل من فعل ذلك فإنه يكون بئس المولى. فإن صح ~~قياس الغائب على الشاهد فهذا لازم عليكم وإن بطل سقط كلامكم بالكلية ~~والله أعلم. # روى الثعلبي بإسناده عن أبي بن كعب: قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: # " من قرأ سورة الحج أعطي من الأجر كحجة حجها وعمرة اعتمرها بعدد من حج ~~واعتمر فيما مضى وفيما بقي ". ### | [23 - سورة المؤمنون] ### || [23.1-11] # قوله تعالى: { قد أفلح المؤمنون } الآيات العشر، روى ابن ~~شهاب عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن ابن عبد القاري قال: سمعت عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه يقول: # " كان إذا نزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الوحي يسمع عند ~~وجهه كدوي النحل فمكثنا ساعة، وفي رواية: فنزل عليه يوما ~~فمكثنا ساعة، فاستقبل القبلة فرفع يديه، وقال: " اللهم ~~زدنا ولا تنقصنا، ms6403 وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا ~~تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا وارض عنا " ثم ~~قال: " لقد أنزل علينا عشر آيات من أقامهن دخل الجنة " ثم ~~قرأ: { قد أفلح المؤمنون } عشر آيات " # ورواه الإمام أحمد، وعلي بن المديني، وجماعة عن عبد الرزاق وقالوا: " ~~وأعطنا ولا تحرمنا وارض عنا ". # قوله: " قد " هنا للتوقع، قال الزمخشري: " قد " نقيضة " لما " قد ~~تثبت المتوقع ولما تنفيه، ولا شك أن المؤمنين كانوا متوقعين لهذه ~~البشارة، وهي الإخبار بثبات الفلاح لهم، فخوطبوا بما دل على ثبات ما ~~توقعوه. وقال البغوي: قد حرف تأكيد. وقال المحققون: قد يقرب الماضي من ~~الحال يدل على أن الفلاح قد حصل لهم وأنهم عليه في الحال. وهو أبلغ من ~~تجريد ذلك الفعل. # والعامة على " أفلح " مفتوح الهمزة والحاء فعلا ماضيا مبنيا ~~للفاعل، وورش على قاعدته من نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها وحذفها. ~~وعن حمزة في الوقف خلاف، فروي عنه كورش وكالجماعة. وقال أبو البقاء: من ~~ألقى حركة الهمزة على الدال وحذفها فعلته أن الهمزة بعد حذف حركتها ~~صيرت ألفا، ثم حذفت لسكونها (وسكون الدال قبلها في الأصل ولا ~~يعتد بحركة الدال لأنها عارضة. وفي كلامه نظر من وجهين: # أحدهما: أن اللغة الفصيحة في النقل حذف الهمزة من الأصل فيقولون: ~~المرة والكمة في المرأة والكمأة، واللغة الضعيفة فيه إبقاؤها ~~وتدبيرها بحركة ما قبلها، فيقولون: المراة والكماة بمدة بدل الهمزة ~~ك (راس وفاس) فيمن خففها، فقوله: صيرت ألفا. ارتكاب لأضعف اللغتين. # الثاني: أنه وإن سلم أنها صيرت ألفا فلا نسلم أن حذفها) لسكونها ~~وسكون الدال في الأصل بعد حذفها لساكن محقق في اللفظ، وهو الفاء من " ~~أفلح " ، ومتى وجد سبب ظاهر أحيل الحكم عليه دون السبب المقدر. وقرأ ~~طلحة بن مصرف وعمرو بن عبيد " أفلح " مبنيا للمفعول، أي: دخلوا في ~~الفلاح فيحتمل أن يكون من أفلح متعديا، يقال: أفلحه، أي: أصاره إلى ~~الفلاح، فيكون " أفلح " مستعملا لازما ومتعديا. # وقرأ طلحة أيضا: " أفلح " بفتح الهمزة واللام وضم الحاء، وتخريجها ~~على أن الأصل أفلحوا المؤمنون، بإلحاق ms6404 علامة جمع قبل الفاعل كلغة: ~~أكلوني البراغيث، فيجيء فيها ما تقدم في قوله: # ثم عموا وصموا كثير منهم # [المائدة: 71] # وأسروا النجوى الذين ظلموا # [الأنبياء: 3]. # قال عيسى: سمعت طلحة يقرؤها فقلت له: أتلحن؟ قال: نعم كما لحن أصحابي، ~~يعني أني اتبعتهم فيما قرأت به، فإن لحنوا على سبيل فرض ~~المحال، فأنا لاحن تبعا لهم. وهذا يدل على شدة اعتناء القدماء ~~بالنقل وضبطه خلافا لمن يغلط الرواة. # وقال ابن عطية: وهي قراءة مردودة. قال شهاب الدين: ولا أدري كيف ~~يردونها مع ثبوت مثلها في القرآن بإجماع، وهما الآيتان المتقدمتان. ~~وقال الزمخشري: وعنه أي: عن طلحة - " أفلح " بضمة بغير واو اجتزاء ~~بها عنها كقوله: # 3780- فلو أن الأطبا كان حولي # وفيه نظر من حيث إن الواو لا تثبت في مثل هذا درجا، لئلا يلتقي ساكنان ~~فالحذف هنا لا بد منه، فكيف يقول اجتزأ بها عنها. وأما تنظيره بالبيت ~~فليس بمطابق، لأن حذفها من الآية ضروري ومن البيت ضرورة، وهذه الواو لا ~~يظهر لفظها في الدرج بل يظهر في الوقف وفي الخط. # وقد اختلف النقلة لقراءة طلحة هل يثبت للواو صورة؟ ففي كتاب ابن خالويه ~~مكتوبا بواو بعد الحاء، وفي اللوامح: وحذفت الواو بعد الحاء لالتقائهما ~~في الدرج، وكانت الكتابة عليها محمولة على الوصل # ويمح الله الباطل # [الشورى: 24]. قال شهاب الدين: ومثله " سندع الزبانية " " ~~لصال الجحيم ". قال المفسرون: والفلاح: النجاة والبقاء. قال ابن ~~عباس: قد سعد المصدقون بالتوحيد وبقوا في الجنة. وتقدم الكلام في الإيمان ~~في البقرة. قوله: { في صلاتهم خاشعون } الجار متعلق بما بعده، ~~وقدم للاهتمام به، وحسنه كون متعلقه فاصلة، وكذا فيما بعده من أخواته، ~~وأضيف الصلاة إليهم، لأنهم هم المنتفعون بها، والمصلى له غني عنها، ~~فلذلك أضيفت إليهم دونه. # فصل # اختلفوا في الخشوع فمنهم من جعله من أفعال القلوب كالخوف والرهبة، ومنهم ~~من جعله من أفعال الجوارح كالسكون وترك الالتفات ومنهم من جمع بين ~~الأمرين، وهو الأولى. # قال ابن عباس: مخبتون أذلاء. وقال الحسن وقتادة: خائفون. وقال مقاتل: ~~متواضعون. وقال مجاهد: هو ms6405 غض البصر وخفض الصوت، والخشوع قريب من الخضوع ~~إلا أن الخضوع في البدن، والخشوع في القلب والبصر والصوت قال تعالى: # وخشعت الأصوات للرحمن # [طه: 108]. وعن علي: هو أن لا يلتفت يمينا ولا شمالا. وقال سعيد بن ~~جبير: هو أن لا يعرف من على يمينه ولا من على يساره. وقال عطاء: هو أن ~~تعبث بشيء من جسدك، # " لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أبصر رجلا يعبث بلحيته في الصلاة، ~~فقال: " لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه " # وقال ابن الخطيب: وهو عندنا واجب، ويدل عليه أمور: # أحدها: قوله تعالى: # أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالهآ # [محمد: 24]. والتدبير لا يتصور بدون الوقوف على المعنى، وقوله تعالى: # ورتل القرآن ترتيلا # [المزمل: 4] أي: قفوا على عجائبه ومعانيه. # وثانيها: قوله تعالى: # أقم الصلاة لذكري # [طه: 14] وظاهر الأمر للوجوب، والغفلة تضاد الذكر، فمن غفل في جميع ~~صلاته كيف يكون مقيما للصلاة لذكره. # وثالثها: قوله تعالى: # ولا تكن من الغافلين # [الأعراف: 205] وظاهره للتحريم، وقوله: # حتى تعلموا ما تقولون # [النساء: 43] تعليل لنهي السكران، وهو مطرد في الغافل المستغرق في ~~الدنيا. # ورابعها: قوله - عليه السلام - # " من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا " # وصلاة الغافل لا تمنع من الفحشاء، قال عليه السلام: # " كم من قائم حظه من قيامه التعب والنصب " # وما أراد به إلا الغافل، وقال أيضا: # " ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل " # ، وقالت عائشة - رضي الله عنها - سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عن الالتفات في الصلاة، فقال: # " هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد " # وعن أبي ذر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: # " لا يزال الله - عز وجل - مقبلا على العبد ما كان في صلاته ما ~~لم يلتفت فإذا التفت أعرض عنه " # وذهب بعضهم إلى أنه ليس بواجب لأن اشتراط الخضوع والخشوع خلاف لإجماع ~~الفقهاء فلا يلتفت إليه. # وأجيب بأن هذا الإجماع ممنوع، لأن المتكلمين اتفقوا على أنه لا بد من ~~الخضوع والخشوع، واحتجوا بأن السجود لله تعالى طاعة، ms6406 وللصنم كفر، وكل ~~واحد منهما يماثل الآخر في ذاته ولوازمه، فلا بد من أمر لأجله يصير ~~السجود في إحدى الصورتين طاعة، وفي الأخرى معصية، قالوا: وما ذاك إلا ~~القصد والإرادة، والمراد من القصد: إيقاع تلك الأفعال لداعية الامتثال، ~~وهذه الداعية لا يمكن حصولها إلا عند الحضور. # قوله: { والذين هم عن اللغو معرضون } قال عطاء عن ~~ابن عباس: عن الشرك. # وقال الحسن: عن المعاصي. وقال الزجاج: كل باطل، ولهو وما لا يجمل من ~~القول والفعل. وقيل: هو معارضة الكفار بالشتم والسب، قال الله تعالى: # وإذا مروا باللغو مروا كراما # [الفرقان: 72] أي: إذا سمعوا الكلام القبيح أكرموا أنفسهم عن الدخول ~~فيه. # واعلم أن اللغو قد يكون كفرا كقوله تعالى: # لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه # [فصلت: 26]، وقد يكون كذبا لقوله تعالى: # لا تسمع فيها لاغية # [الغاشية: 11]، وقوله: # لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما # [الواقعة: 25]. ولما وصفهم بالخشوع في الصلاة أتبعه بوصفهم بالإعراض عن ~~اللغو ليجمع لهم الفعل والترك. # قوله: { والذين هم للزكاة فاعلون } اللام في قوله: " ~~للزكاة " مزيدة في المفعول لتقدمه على عامله، ولكونه فرعا. والزكاة ~~في الأصل مصدر، ويطلق على القدر المخرج من الأعيان، وقال الزمخشري: ~~اسم مشترك بين عين ومعنى، فالعين القدر الذي يخرجه المزكي من النصاب، ~~والمعنى فعل المزكي، وهو الذي أراده الله فجعل المزكين فاعلين له، ولا ~~يسوغ فيه غيره، لأنه ما من مصدر إلا يعبر عنه بالفعل، ويقال لمحدثه فاعل، ~~تقول للضارب: فاعل الضرب، وللقاتل: فاعل القتل، وللمزكي: فاعل التزكية، ~~وعلى هذا الكلام كله، والتحقيق في هذا أنك تقول في جميع الحوادث: (من فعل ~~هذا) فيقال لك: فاعله الله أو بعض الخلق، ولم يمتنع الزكاة الدالة على ~~العين أن يتعلق بها (فاعلون) لخروجها من صحة أن يتناولها الفاعل، ولكن ~~لأن الخلق ليسوا بفاعليها، وقد أنشدوا لأمية بن أبي الصلت: # 3781- المطعمون الطعام في السنة ال # أزمة والفاعلون للزكوات # ويجوز أن يراد بالزكاة العين، ويقدر مضاف محذوف، وهو الأداء، وحمل البيت ~~على هذا أصح، لأنها فيه مجموعة. قال شهاب ms6407 الدين: إنما أحوج أبا القاسم ~~إلى هذا أن بعضهم زعم أنه يتعين أن يكون الزكاة هنا المصدر؛ لأنه لو ~~أراد العين لقال: مؤدون ولم يقل: فاعلون، فقال الزمخشري: لم يمتنع ذلك ~~لعدم صحة تناول فاعلون لها بل لأن الخلق ليسوا بفاعليها، وإنما جعل ~~الزكوات في بيت أمية أعيانا لجمعها، لأن المصدر لا يجمع، وناقشه أبو ~~حيان وقال: يجوز أن يكون مصدرا وإنما جمع لاختلاف أنواعه. وقال أبو ~~مسلم: إن فعل الزكاة يقع على كل فعل محمود مرضي، كقوله: # قد أفلح من تزكى # [الأعلى: 14]، وقوله: # فلا تزكوا أنفسكم # [النجم: 32] ومن جملتهم ما يخرج من حق المال، وإنما سمي بذلك؛ لأنها ~~تطهر من الذنوب، لقوله تعالى: # تطهرهم وتزكيهم بها # [التوبة: 103]. وقال الأكثرون: المراد بها هنا: الحق الواجب في الأموال ~~خاصة؛ لأن هذه اللفظة قد اختصت في الشرع بهذا المعنى. فإن قيل: إن الله ~~تعالى لم يفصل بين الصلاة والزكاة فلم فصل هنا بينهما بقوله: { ~~والذين هم عن اللغو معرضون }؟ فالجواب: لأن ترك ~~اللغو من متمات الصلاة. قوله: { والذين هم لفروجهم ~~حافظون } الفرج اسم يجمع سوأة الرجل والمرأة، وحفظ الفرج التعفف عن ~~الحرام. قوله: { إلا على أزواجهم } فيه أوجه: # أحدها: أنه متعلق ب " حافظون " على التضمين معنى ممسكين أو قاصرين ~~وكلاهما يتعدى بعلى قال تعالى: # أمسك عليك زوجك # [الأحزاب: 37]. # الثاني: أن " على " بمعنى " من " أي: إلا من أزواجهم كما جاءت " ~~من " بمعنى " على " في قوله: # ونصرناه من القوم # [الأنبياء: 77] وإليه ذهب الفراء. # الثالث: أن يكون في موضع نصب على الحال، قال الزمخشري: إلا والين ~~على أزواجهم أو قوامين عليهن من قولك: كان فلان على فلانة فمات عنها ~~فخلف عليها فلان، ونظيره: كان زياد على البصرة أي: واليا عليها، ومنه ~~قولهم: فلانة تحت فلان، ومن ثم سميت المرأة فراشا. # الرابع: أن يتعلق بمحذوف يدل عليه " غير ملومين " قال الزمخشري: ~~كأنه قيل: يلامون إلا على أزواجهم، أي: يلامون على كل مباشرة إلا على ما ~~أطلق لهم فإنهم غير ملومين عليه. # قال شهاب الدين: وإنما لم ms6408 يجعله متعلقا ب " ملومين " لوجهين: # أحدهما: أن ما بعد " إن " لا يعمل فيما قبلها. # الثاني: أن المضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف. # الخامس: أن يجعل صلة لحافظين، قال الزمخشري: من قولك: احفظ علي عنان ~~فرسي، على تضمينه معنى النفي كما ضمن قولهم: نشدتك بالله إلا فعلت معنى: ~~ما طلبت منك إلا فعلك يعني أن صورته إثبات ومعناه نفي. قال أبو حيان ~~بعدما ذكر ذلك عن الزمخشري: وهذه وجوه متكلفة ظاهر فيها العجمة. قال شهاب ~~الدين: وأي عجمة في ذلك على أن الشيخ جعلها متعلقة ب " حافظون " ~~على ما ذكره من التضمين، وهذا لا يصح له إلا بأن يرتكب وجها منها وهو ~~التأويل بالنفي كنشدتك الله، لأنه استثناء مفرغ ولا يكون إلا بعد نفي أو ~~ما في معناه. # السادس: قال أبو البقاء: في موضع نصب ب " حافظون " على المعنى؛ ~~لأن المعنى صانوها عن كل فرج إلا عن فروج أزواجهم. قال شهاب الدين: وفيه ~~سببان: # أحدهما تضمين " حافظون " معنى صانوا، وتضمين " على " معنى " عن ". # قوله: { أو ما ملكت } " ما " بمعنى: اللاتي، و " ما " في محل ~~الخفض يعني: أو على ما ملكت أيمانهم. وفي وقوعها على العقلاء وجهان: # أحدهما: أنها واقعة على الأنواع كقوله: # فانكحوا ما طاب # [النساء: 3] أي: أنواع. # والثاني: قال الزمخشري: أريد من جنس العقلاء ما يجري مجرى غير العقلاء ~~وهم الإناث. # قال أبو حيان: وقوله: وهم. ليس بجيد، لأن لفظ هم مختص بالذكور فكان ~~ينبغي أن يقول: " وهو " على لفظ " ما " أو " هن " على معنى (ما). # وأجيب بأن الضمير عائد على العقلاء فقوله: " وهم " أي: العقلاء ~~الإناث. وقال ابن الخطيب هلا قيل: من ملكت؟ فالجواب: لأنه اجتمع في ~~السرية وصفان: # أحدهما: الأنوثة وهي مظنة نقصان العقل. # والآخر: كونها بحيث تباع وتشترى كسائر السلع. # فلهذين الوصفين فيها جعلت كأنها ليست من العقلاء. # فصل # هذه الآية في الرجال خاصة لأن المرأة لا يجوز لها أن تستمتع بفرج ~~مملوكها. # فإن قيل: أليست الزوجه والمملوكة لا تحل له الاستمتاع بها في أحوال كحال ms6409 ~~الحيض، وحال العدة، والصيام، والإحرام، وفي الأمة حال تزويجها من الغير ~~وحال عدتها، وكذا الغلام داخل في ظاهر قوله: { أو ما ملكت ~~أيمانهم }؟ فالجواب من وجهين: # الأول: أن مذهب أبي حنيفة أن الاستثناء من النفي لا يكون إثباتا، ~~لقوله عليه السلام: # " لا صلاة إلا بطهور، ولا نكاح إلا بولي " # فإن ذلك لا يقتضي حصول الصلاة بمجرد حصول الطهور، وحصول النكاح بمجرد ~~حصول الولي. وفائدة الاستثناء صرف الحكم لا صرف المحكوم به فقوله: { ~~والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم ~~} معناه أنه يجب حفظ الفرج عن الكل إلا في هاتين الصورتين فإني ما ذكرت ~~حكمهما لا بالنفي ولا بالإثبات. # الثاني: (أنا إن) سلمنا أن الاستثناء من النفي إثبات فغايته أنه ~~عام دخله التخصيص بالدليل فيبقى حجة فيما عداه. # وقوله: { فإنهم غير ملومين } يعني: يحفظ فرجه إلا من ~~امرأته وأمته فإنه لا يلام على ذلك إذا كان على وجه أذن الشرع فيه دون ~~الإتيان في غير المأتى، وفي حال الحيض والنفاس فإنه محظور ويلام على ~~فعله. # قوله: { فمن ابتغى ورآء ذلك } أي: التمس وطلب سوى الأزواج ~~والمملوكات { فأولئك هم العادون } الظالمون المتجاوزون من ~~الحلال إلى الحرام، وفيه دليل أن الاستمناء باليد حرام قال ابن جريج: ~~سألت عطاء عنه فقال: مكروه، سمعت أن قوما يحشرون وأيديهم حبالى فأظن ~~أنهم هؤلاء. وعن سعيد بن جبير قال: عذب الله أمة كانوا يعبثون ~~بمذاكيرهم. قوله: { والذين هم لأماناتهم } قرأ ابن كثير هنا ~~وفي سأل " لأمانتهم " بالتوحيد، والباقون بالجمع. وهما في المعنى ~~واحد إذ المراد العموم والجمع أوفق. # والأمانة في الأصل مصدر، ويطلق على الشيء المؤتمن عليه لقوله: # أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها # [النساء: 58]. # " وتخونوا أماناتكم " ، وإنما يؤدى ويخان الأعيان لا ~~المعاني، كذا قال الزمخشري. # أما ما ذكره من الآيتين فمسلم، وأما هذه الآية فيحتمل المصدر ويحتمل ~~العين، والعهد ما عقده على نفسه فيما يقربه إلى الله، ويقع أيضا على ما ~~أمر الله به كقوله: # الذين قالوا إن الله عهد إلينا # [آل عمران: 183]، والعقود التي عاقدوا الناس ms6410 عليها يقومون بالوفاء بها. ~~فالأمانات تكون بين الله وبين العبد كالصلاة، والصيام، والعبادات الواجبة ~~وتكون بين العبيد كالودائع والبضائع، فعلى العبد الوفاء بجميعها. # وقوله: " راعون " الراعي القائم على الشيء يحفظه ويصلحه كراعي الغنم، ~~ومنه يقال: من راعي هذا الشيء؟ أي متوليه. # وقوله: { والذين هم على صلواتهم يحافظون } قرأ ~~الأخوان " على صلاتهم " بالتوحيد، والباقون " صلواتهم " ~~بالجمع، وليس في المعارج خلاف. والإفراد والجمع كما تقدم في ~~(أمانتهم) و(أماناتهم). قال الزمخشري: فإن قلت: كيف كرر ~~ذكر الصلاة أولا وآخرا؟ قلت: هما ذكران مختلفان وليس بتكرير، وصفوا ~~أولا بالخشوع في صلاتهم، وآخرا بالمحافظة عليها. ثم قال: وأيضا فقد ~~وحدت أولا ليفاد الخشوع في جنس الصلاة، أي صلاة كانت، وجمعت آخرا لتفاد ~~المحافظة على أعدادها وهي الصلوات الخمس والوتر والسنن الراتبة، وهذا ~~إنما يتجه في قراءة غير الأخوين وأما الأخوان فإنهما أفردا أولا وآخرا ~~على أن الزمخشري قد حكى الخلاف في جمع الصلاة الثانية وإفرادها بالنسبة ~~إلى القراءة. # وقيل: كرر ذكر الصلاة ليبين أن المحافظة عليها واجبة كما أن الخشوع ~~فيها واجب. # ثم قال: { أولئك هم الوارثون } " أولئك " أي: أهل هذه ~~الصفة " هم الوارثون " فإن قيل: كيف سمى ما يجدونه من الثواب والجنة ~~بالميراث؟ مع أنه سبحانه حكم بأن الجنة حقهم في قوله: # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة # [التوبة: 111]. فالجواب من وجوه: # الأول: روى أبو هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " ما منكم من أحد إلا وله منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار، ~~فإن مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله " # وذلك قوله: { أولئك هم الوارثون }. وأيضا: فقد قال ~~الفقهاء إنه لا فرق بين ما ملكه الميت وبين ما يقدر فيه الملك في أنه ~~يورث عنه، كذلك قالوا في الدية التي إنما تجب بالقتل إنها تورث مع أنه ~~مالكها على التحقيق وهذا يؤيد ما ذكر فإن قيل: إنه تعالى وصف كل الذي ~~يستحقونه إرثا، وعلى ما قلتم فإنه يدخل في الإرث ما كان يستحقه غيرهم لو ms6411 ~~أطاع. # فالجواب: لا يمتنع أنه تعالى جعل ما هو (منزلة) لهذا المؤمن بعينه منزلة ~~لذلك الكافر لو أطاع لأنه عند ذلك كان يزيد في المنازل فإذا أمن هذا عدل ~~بذلك إليه. # الثاني: أن انتقال الجنة إليهم من دون محاسبة ومعرفة بمقاديره يشبه ~~انتقال المال إلى الوارث. # الثالث: أن الجنة كانت مسكن أبينا آدم - عليه السلام - فإذا انتقلت ~~إلى أولاده كان ذلك شبيها بالميراث. فإن قيل: كيف حكم على الموصوفين ~~بالصفات السبعة بالفلاح مع أنه تعالى ما تمم ذكر العبادات الواجبة كالصوم ~~والحج؟ # فالجواب: أن قوله: { لأماناتهم وعهدهم راعون } يأتي ~~على جميع الواجبات من الأفعال والتروك كما تقدم والطهارات دخلت في جملة ~~المحافظة على الصلوات لكونها من شرائطها. واعلم أن قوله: " هم ~~الوارثون " يفيد الحصر لكنه يجب ترك العمل به، لأنه ثبت أن الجنة ~~يدخلها الأطفال والمجانين والولدان والحور، ويدخلها الفساق من أهل القبلة ~~بعد العفو لقوله تعالى: # ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء # [النساء: 48]، وتقدم الكلام في الفردوس في سورة الكهف. قوله: { هم ~~فيها خالدون } يجوز في هذه الجملة أن تكون مستأنفة، وأن تكون حالا ~~مقدرة إما من الفاعل ب " يرثون " وإما من مفعوله إذ فيها ذكر كل ~~منهما ومعنى الكلام لا يموتون ولا يخرجون، وقد جاء في الحديث: # " أن الله خلق ثلاثة أشياء بيده: خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس ~~الفردوس بيده، ثم قال: وعزتي لا يدخلها مدمن خمر ولا ديوث ". ### || [23.12-16] # قوله تعالى: { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ~~} الآيات لما أمر بالعبادات في الآيات المتقدمة بطريق الحث عليها ~~والاشتغال بعبادة الله لا يصح إلا بعد معرفة الله، لا جرم عقبها بذكر ما ~~يدل على وجوده، واتصافه بصفات الجلال والوحدانية، فذكر أنواعا من ~~الدلائل: منها تقلب الإنسان في أدوار خلقته وهي تسعة: # أولها: قوله: { ولقد خلقنا الإنسان } قال ابن عباس وعكرمة ~~وقتادة ومقاتل: المراد بالإنسان آدم - عليه السلام - سل من كل ~~تربة، وخلقت ذريته من ماء مهين. # وقيل: الإنسان اسم جنس يقع على الواحد والجميع، والسلالة ms6412 هي الأجزاء ~~الطينية المبثوثة في أعضائه التي لما اجتمعت وحصلت في أوعية المني صارت ~~منيا، وهذا مطابق لقوله تعالى: # وبدأ خلق الإنسان من طين. ثم جعل نسله من ~~سلالة من مآء مهين # [السجدة: 7 - 8]. # قال ابن الخطيب: وفيه وجه آخر: وهو أن الإنسان إنما يتولد من النطفة، ~~وهي إنما تتولد من فضل الهضم الرابع وذلك إنما يتولد من الأغذية، وهي إما ~~حيوانية أو نباتية، والحيوانية تنتهي إلى النباتية، والنبات إنما يتولد ~~من صفو الأرض والماء، فالإنسان في الحقيقة يكون متولدا من سلالة من طين، ~~ثم إن تلك السلالة بعد أن تواردت عليها أطوار الخلقة وأدوار الفطرة صارت ~~منيا. # (قوله): " من سلالة " فيه وجهان: # أظهرهما: أن يتعلق ب " خلقنا " ، و " من " لابتداء الغاية. # والثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من " الإنسان ". # والسلالة (فعالة)، وهو بناء يدل على القلة كالقلامة، وهي من ~~سللت الشيء من الشيء أي استخرجته منه، ومنه قولهم: هو سلالة ~~أبيه كأنه انسل من ظهره، وأنشد: # 3782- فجاءت به عضب الأديم غضنفرا # سلالة فرج كان غير حصين # وقال أمية بن أبي الصلت: # 3783- خلق البرية من سلالة منتن # وإلى السلالة كلها ستعود # وقال عكرمة: هو الماء يسيل من الظهر. والعرب يسمون النطفة سلالة، ~~والولد سليلا وسلالة، لأنهما مسلولان منه. وقال الزمخشري: ~~السلالة الخلاصة، لأنها تسل من بين الكدر. وهذه الجملة جواب قسم ~~محذوف، أي: والله لقد خلقنا، وعطفت على الجملة قبلها لما بينهما من ~~المناسبة، وهو أنه لما ذكر أن المتصفين بتلك الأوصاف يرثون الفردوس ~~فتضمن ذلك المعاد الأخروي ذكر النشأة الأولى ليستدل بها على المعاد، فإن ~~الابتداء في العادة أصعب من الإعادة، لقوله: # وهو أهون عليه # [الروم: 27]. # وهذا أحسن من قول ابن عطية: هذا ابتداء كلام، والواو في أوله عاطفة جملة ~~كلام على جملة كلام، وإن تباينتا في المعنى. وقد تقدم بيان وجه المناسبة. # قوله: " من طين " في " من " وجهان: # أحدهما: أنها لابتداء الغاية. # والثاني: أنها لبيان الجنس. # قال الزمخشري: فإن قلت: ما الفرق بين " من " و " من "؟ قلت: ms6413 الأولى ~~للابتداء، والثانية للبيان كقوله: " من الأوثان ". قال أبو حيان: ~~ولا تكون للبيان إلا إذا قلنا: إن السلالة هي الطين أما إذا قلنا: إنه من ~~انسل من الطين ف " من " لابتداء الغاية وفيما تتعلق به " من " هذه ~~ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها تتعلق بمحذوف إذ هي صفة ل " سلالة ". # الثاني: أنها تتعلق بنفس " سلالة " لأنها بمعنى مسلولة. # الثالث: أنها تتعلق ب " خلقنا " ، لأنها بدل من الأولى إذا قلنا: ~~إن السلالة هي نفس الطين. قوله: { ثم جعلناه نطفة } في هذا ~~الضمير قولان: # أحدهما: أنه يعود للإنسان، فإن أريد غير آدم فواضح، ويكون خلقه من سلالة ~~الطين خلق أصله، وهو آدم (فيكون على حذف مضاف وإن كان المراد به آدم، ~~فيكون الضمير عائدا على نسله، أي: جعلنا نسله)، فهو على حذف مضاف أيضا، ~~ويؤيده قوله: # وبدأ خلق الإنسان من طين. ثم جعل نسله من ~~سلالة من مآء مهين # [السجدة: 7 - 8]. # أو عاد الضمير على الإنسان اللائق به ذلك، وهو نسل آدم، فلفظ الإنسان من ~~حيث هو صالح للأصل والفرع، ويعود كل شيء لما يليق به وإليه نحا الزمخشري. # قوله: " في قرار " يجوز أن يتعلق بالجعل، وأن يتعلق بمحذوف على أنه ~~صفة ل " نطفة ". # والقرار: المستقر، وهو موضع الاستقرار، والمراد بها الرحم، وصفت ~~بالمكانة التي هي صفة المستقر فيها لأحد معنيين: إما على المجاز كطريق ~~سائر، وإنما السائر من فيه، وإما لمكانتها في نفسها لأنها تمكنت بحيث ~~هي وأحرزت. ومعنى جعل الإنسان نطفة أنه خلق جوهر الإنسان أولا طينا، ثم ~~جعل جوهره بعد ذلك نطفة في أصلاب الآباء فقذفه الصلب بالجماع إلى رحم ~~المرأة، فصار الرحم قرارا مكينا لهذه النطفة تتخلق فيه إلى أن تصير ~~إنسانا. قوله: { ثم خلقنا النطفة علقة } وما بعدها ضمن ~~" خلق " معنى " جعل " التصييرية فتعدت لاثنين كما يضمن " جعل " ~~معنى " خلق " فيتعدى لواحد نحو # وجعل الظلمات والنور # [الأنعام: 1]. والمعنى: حولنا النطفة عن صفاتها إلى صفات العلقة، وهي ~~الدم الجامد { فخلقنا العلقة مضغة } أي: جعلنا ذلك الدم ~~الجامد مضغة، أي: قطعة ms6414 لحم، كأنها مقدار ما يمضع كالغرفة، وهو ما يغترف. # وسمى التحويل خلقا، لأنه تعالى يفني بعض أعراضها، ويخلق أعراضا غيرها، ~~فسمى خلق الأعراض خلقا لها، كأنه سبحانه يخلق فيها أجزاء زائدة. # قوله: { فخلقنا المضغة عظاما } أي: صيرناها كذلك. وقرأ ~~العامة: " عظاما " و " العظام " بالجمع فيهما، وابن عامر، وأبو بكر ~~عن عاصم: " عظما " و " العظم " بالإفراد فيهما، والسلمي والأعرج، ~~والأعمش بإفراد الأول وجمع الثاني، وأبو رجاء، ومجاهد، وإبراهيم بن أبي ~~بكر بجمع الأول وإفراد الثاني عكس ما قبله. # فالجمع على الأصل، لأنه مطابق لما يراد به، والإفراد للجنس كقوله: " ~~والملك صفا " ، وكقوله: # وهن العظم مني # [مريم: 4]. # وقال الزمخشري: وضع الواحد موضع الجمع لزوال اللبس، لأن الإنسان ذو ~~عظام كثيرة. قال أبو حيان: وهذا عند سيبويه وأصحابه لا يجوز إلا (لضرورة) ~~وأنشدوا: # 3784- كلوا في بعض بطنكم تعفوا # وإن كان معلوما أن كل واحد له بطن. قال شهاب الدين: ومثله: # 3785- لا تنكروا القتل وقد سبينا # في حلقكم عظم وقد شجينا # يريد في حلوقكم ومثله قوله الآخر: # 3786- بها جيف الحسرى فأما عظامها # فبيض وأما جلدها فصليب # يريد جلودها، ومنه " وعلى سمعهم ". # قوله: { فكسونا العظام لحما } أي: ألبسنا، لأن اللحم يستر ~~العظم فجعله كالكسوة (لها) قيل: بين كل خلقين أربعون يوما. { ثم ~~أنشأناه خلقا آخر } أي: خلقا مباينا للخلق الأول مباينة ما ~~أبعدها حيث جعله حيوانا، وكان جمادا، وناطقا وكان أبكم وسميعا وكان ~~أصم وبصيرا وكان أكمه، وأودع باطنه وظاهره بل كل جزء من أجزائه عجائب ~~فطرة، وغرائب حكمة لا يحيط بها وصف الواصفين. قال ابن عباس ومجاهد ~~والشعبي وعكرمة والضحاك وأبو العالية: المراد بالخلق الآخر هو نفخ الروح ~~فيه. وقال قتادة: نبات الأسنان والشعر، وروى ابن جريج عن مجاهد: أنه ~~استواء الشباب. وعن الحسن قال: ذكر أو أنثى. # وروى العوفي عن ابن عباس: أن ذلك تصريف أحواله بعد الولادة من ~~الاستهلال إلى الارتفاع إلى القعود إلى القيام إلى المشي إلى أن يأكل ~~ويشرب إلى أن يبلغ الحلم، وخلق الفهم والعقل ويتقلب في البلاد إلى ms6415 ما ~~بعدها إلى أن يموت. # قالوا: وفي هذه الآية دلالة على بطلان قول النظام أن الإنسان هو الروح ~~لا البدن، فإنه سبحانه بين أن الإنسان هو المركب من هذه الأشياء. ~~وفيها دلالة أيضا على بطلان قول الفلاسفة الذين يقولون: الإنسان شيء لا ~~ينقسم وإنه ليس بجسم. # وقال: " فتبارك الله " أي: فتعالى الله، لأن البركة يرجع ~~معناها إلى الامتداد والزيادة وكل ما زاد على الشيء فقد علاه. ويجوز أن ~~يكون المعنى البركات والخيرات كلها من الله. # وقيل: أصله من البروك وهو الثبات، فكأنه قال: البقاء والدوام والبركات ~~كلها منه، فهو المستحق للتعظيم والثناء بأنه لم يزل ولا يزال " أحسن ~~الخالقين " المصورين والمقدرين. والخلق في اللغة: التقدير، قال زهير: # 3787- ولأنت تفري ما خلقت وبع # ض القوم يخلق ثم لا يفري # قوله: " أحسن الخالقين " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه بدل من الجلالة. # الثاني: أنه نعت للجلالة، وهو أولى مما قبله، لأن البدل بالمشتق يقل. # الثالث: أن يكون خبر مبتدأ مضمر أي: هو أحسن، والأصل عدم الإضمار. # وقد منع أبو البقاء أن يكون وصفا، قال: لأنه نكرة وإن أضيف لمعرفة لأن ~~المضاف إليه عوض عن " من " ، وهكذا جميع أفعل منك. # قال شهاب الدين: وهذا بناء منه على أحد القولين في أفعل التفضيل إذا ~~أضيف هل إضافته محضة أم لا، والصحيح الأول. والمميز لأفعل محذوف لدلالة ~~المضاف إليه عليه، أي: أحسن الخالقين خلقا المقدرين تقديرا كقوله: # أذن للذين يقاتلون # [الحج: 39] أي: في القتال حذف المأذون فيه لدلالة الصلة عليه. # فصل # قالت المعتزلة: لولا أن يكون غير الله قد يكون خالقا لما جاز القول ~~بأنه أحسن الخالقين، كما لو لم يكن في عباده من يحكم ويرحم لم يجز أن ~~يقال فيه: " أحكم الحاكمين " و " أرحم الراحمين ". ~~والخلق في اللغة: هو كل فعل وجد من فاعله مقدرا لا على سهو وغفلة، ~~والعباد قد يفعلون ذلك على هذا الوجه. قال الكعبي: هذه الآية وإن دلت على ~~أن العبد خالق إلا أن اسم الخالق لا يطلق على العبد إلا ms6416 مع القيد، كما ~~أنه يجوز أن يقال: رب الدار، ولا يجوز أن يقول: رب، ولا يقول العبد ~~لسيده: هذا ربي، ولا يقال: إنما قال الله سبحانه ذلك لأنه وصف عيسى - ~~عليه السلام - بأنه يخلق من الطين كهيئة الطير. لأنا ~~نجيب من وجهين: # أحدهما: أن ظاهر الآية يقتضي أنه سبحانه " أحسن الخالقين " الذين ~~هم جمع فحمله على عيسى خاصة لا يصح. # الثاني: أنه إذا صح وصف عيسى بأنه يخلق صح أن غيره سبحانه يخلق وصح ~~أيضا وصف غيره من المصورين بأنه يخلق. # وأجيب بأن هذه الآية معارضة بقوله: # الله خالق كل شيء # [الزمر: 62] فوجب حمل هذه الآية على أنه " أحسن الخالقين " في ~~اعتقادكم وظنكم كقوله: # وهو أهون عليه # [الروم: 27]. # وجواب ثان، وهو أن الخالق هو المقدر، لأن الخلق هو التقدير، فالآية تدل ~~على أنه تعالى أحسن المقدرين، والتقدير يرجع معناه إلى الظن والحسبان، ~~وذلك في حق الله تعالى محال، فتكون الآية من المتشابه. # وجواب ثالث: أن الآية تقتضي كون العبد خالقا بمعنى كونه مقدرا لكن لم ~~قلت إنه خالق بمعنى كونه موحدا. # فصل # قالت المعتزلة: الآية تدل على أن كل ما خلقه الله حسن وحكمة وصواب وإلا ~~لما جاز وصفه بأنه أحسن الخالقين، وإذا كان كذلك وجب أن لا يكون خالقا ~~للكفر والمعصية، فوجب أن يكون العبد هو الموجد لهما. # وأجيب بأن من الناس من حمل الحسن على الأحكام والإتقان في التركيب ~~والتأليف، ثم لو حملناه على ما قالوه فعندنا أنه يحسن من الله كل ~~الأشياء، لأنه ليس فوقه أمر ونهي حتى يكون ذلك مانعا له عن فعل شيء. # فصل # روى الكلبي عن ابن عباس # " أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان يكتب هذه الآيات لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلما انتهى إلى قوله: " خلقا آخر " عجب من ذلك فقال: ~~فتبارك الله أحسن الخالقين، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " اكتب فهكذا نزلت " فشك عبد الله وقال: إن كان محمد ~~صادقا فيما يقول، فإنه يوحى إلي كما ms6417 يوحى إليه، وإن كان كاذبا فلا ~~خير في دينه، فهرب إلى مكة، فقيل: إنه مات على الكفر، وقيل: إنه أسلم يوم ~~الفتح " # وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: # " لما نزلت هذه الآية قال عمر بن الخطاب: فتبارك الله أحسن الخالقين. ~~فقال رسول الله: " هكذا أنزل يا عمر ". # وكان عمر يقول: وافقني ربي في أربع: الصلاة خلف المقام، وضرب الحجاب على ~~النسوة، وقولي لهن: أو ليبدله الله خيرا منكن، فنزل قوله: # عسى ربه إن طلقكن # [التحريم: 5]، والرابع قوله: { فتبارك الله أحسن ~~الخالقين } قال العارفون: هذه الواقعة كانت من أسباب السعادة لعمر، ~~وسبب الشقاوة لعبد الله، كما قال تعالى: # يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا # [البقرة: 26]. # فإن قيل: فعلى كل الروايات فقد تكلم البشر ابتداء بمثل نظم القرآن، وذلك ~~يقدح في كونه معجزا كما ظنه عبد الله. # فالجواب: هذا غير مستبعد إذا كان قدره القدر الذي لا يظهر فيه الإعجاز، ~~فسقطت شبهة عبد الله. # قوله: { ثم إنكم بعد ذلك لميتون } أي: بعدما ذكر، ~~ولذلك أفرد اسم الإشارة، وقرأ العامة " لميتون " ، وزيد بن علي ~~وابن أبي عبلة وابن محيصن " لمائتون " والفرق بينهما: أن الميت يدل ~~على الثبوت والاستقرار، والمائت على الحدوث كضيق وضائق وفرح وفارح، فيقال ~~لمن سيموت: ميت ومائت، ولمن مات: ميت فقط دون مائت، لاستقرار الصفة ~~وثبوتها، وسيأتي مثله في الزمر إن شاء الله تعالى. فإن قيل: الموت لم ~~يختلف فيه اثنان وكم من مخالف في البعث، فلم أكد المجمع عليه أبلغ ~~تأكيد وترك المختلف فيه من تلك المبالغة في التأكيد؟ فالجواب: أن البعث ~~لما تظاهرت أدلته وتظافرت، أبرز في صورة المجمع عليه المستغني عن ذلك، ~~وأنهم لما لم يعملوا للموت، ولم يهتموا بأموره، نزلوا منزلة من ~~ينكره، فأبرز لهم في صورة المنكر الذي استبعدوه كل استبعاد. وكان أبو ~~حيان سئل عن ذلك، فأجاب بأن اللام غالبا تخلص المضارع للحال، ولا يمكن ~~دخولها في " تبعثون " ، لأنه مخلص للاستقبال لعمله في الظرف ~~المستقبل، واعترض على نفسه بقوله: # وإن ربك ليحكم ms6418 بينهم يوم القيامة # [النحل: 124] فإن اللام دخلت على المضارع العامل في ظرف مستقبل وهو " ~~يوم القيامة " فأجاب بأنه خرج هذا بقوله: غالبا، وبأن العامل في " ~~يوم القيامة " مقدر، وفيه نظر إذ فيه تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه. # و " بعد ذلك " متعلق ب " ميتون " ، ولا تمنع لام الابتداء من ~~ذلك. # قوله: { ثم إنكم يوم القيامة تبعثون } جعل الإماتة ~~التي هي إعدام الحياة والبعث الذي هو إعادة ما يفنيه ويعدمه دليلين على ~~اقتدار عظيم بعد الإنشاء والاختراع. # فإن قيل: ما الحكمة في الموت، وهلا وصل نعيم الآخرة وثوابها بنعيم ~~الدنيا فيكون ذلك في الإنعام أبلغ؟ # فالجواب هذا كالمفسدة في حق المكلفين لأنه متى عجل للمرء الثواب فيما ~~يتحمله من المشقة في الطاعات صار إتيانه بالطاعات لأجل تلك المنافع لا ~~لأجل طاعة الله بدليل أنه لو قيل لمن يصوم: إذا فعلت ذلك أدخلناك الجنة ~~في الحال فإنه لا يأتي بذلك الفعل إلا لطلب الجنة، فلا جرم أخره وبعده ~~بالإماتة، وهو الإعادة، ليكون العبد عابدا لطاعته لا لطلب الانتفاع. # فإن قيل: هذه الآية تدل على نفي عذاب القبر، لأنه قال: { ثم ~~إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم ~~القيامة تبعثون } ولم يذكر بين الأمرين الإحياء في القبر ~~والإماتة. # فالجواب من وجهين: # الأول: أنه ليس في ذكر الحياتين نفي الثالثة. # والثاني: أن الغرض من ذكر هذه الأجناس الثلاثة الإحياء والإماتة ~~والإعادة والذي ترك ذكره فهو من جنس الإعادة. ### || [23.17] # قوله تعالى: { ولقد خلقنا فوقكم سبع طرآئق } الآية، ~~أي: سبع سموات سميت طرائق لتطارقها، وهو أن بعضها فوق بعض، يقال: طارقت ~~النعل: إذا أطبق نعلا على نعل، وطارق بين الثوبين: إذا لبس ثوبا على ~~ثوب قاله الخليل والزجاج والفراء قال الزجاج: هو كقوله: # سبع سماوات طباقا # [الملك: 3] وقال علي بن عيسى: سميت بذلك، لأنها طرائق الملائكة في ~~العروج والهبوط، وقيل: لأنها طرائق الكواكب في مسيرها. # والوجه في إنعامه علينا بذلك أنه جعلها موضعا لأرزاقنا بإنزال الماء ~~منها، وجعلها مقرا للملائكة، ولأنها موضع الثواب، ومكان إرسال الأنبياء ms6419 ~~ونزول الوحي. # قوله: { وما كنا عن الخلق غافلين } أي: بل كنا لهم ~~حافظين من أن تسقط عليهم الطرائق السبع فتهلكهم، وهذا قول سفيان بن ~~عيينة، وهو كقوله تعالى: # إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا # [فاطر: 41]، وقوله: # ويمسك السمآء أن تقع على الأرض # [الحج: 65]، وقال الحسن: إنا خلقناهم فوقهم ليدل عليهم بالأرزاق ~~والبركات منها. # وقيل: خلقنا هذه الأشياء دلالة على كمال قدرتنا، ثم بين كمال العلم ~~بقوله: { وما كنا عن الخلق غافلين } يعني: عن أعمالهم ~~وأقوالهم وضمائرهم وذلك يفيد نهاية الزجر. # وقيل: وما كنا عن خلق السموات غافلين بل نحن لها حافظين لئلا تخرج عن ~~التقدير الذي أردناها عليه كقوله تعالى: # ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت # [الملك: 3]. # واعلم أن هذه الآيات دالة على مسائل: # منها: أنها تدل على وجود الصانع، فإن انقلاب هذه الأجسام من صفة إلى صفة ~~أخرى تضاد الأولى مع إمكان بقائها على الصفة الأولى يدل على أنه لا بد من ~~مغير. # ومنها: أنها تدل على فساد القول بالطبيعة، فإن شيئا من تلك الصفات لو ~~حصلت بالطبيعة لوجب بقاؤها، وعدم تغيرها، ولو قيل: إنما تغيرت تلك الصفات ~~لتغير تلك الطبيعة افتقرت تلك الطبيعة إلى خالق وموجد. # ومنها: أنها تدل على أن المدبر قادر عالم، لأن الجاهل لا يصدر عنه ~~هذه الأفعال العجيبة. # ومنها: أنها تدل على أنه عالم بكل المعلومات قادر على كل الممكنات. # ومنها: أنها تدل على جواز الحشر والنشر بصريح الآية، ولأن الفاعل لما ~~كان قادرا على كل الممكنات وعالما بكل المعلومات وجب أن يكون قادرا ~~على إعادة التركيب إلى تلك الأجزاء كما كانت. # ومنها: أن معرفة الله يجب أن تكون استدلالية لا تقليدية، وإلا لكان ~~ذكر هذه الدلائل عبثا. ### || [23.18-20] # قوله تعالى: { وأنزلنا من السمآء مآء بقدر } الآية، ~~لما استدل أولا على كمال القدرة بخلق الإنسان، ثم استدل ثانيا بخلق ~~السموات، استدل ثالثا بنزول الأمطار، وكيفية تأثيرها في النبات. واعلم ~~أن الماء في نفسه نعمة، وهو مع ذلك سبب لحصول النعم، فلا جرم ms6420 ذكره الله ~~أولا ثم ذكر ما يحصل به من النعم ثانيا. # قال أكثر المفسرين: إنه تعالى ينزل الماء في الحقيقة من السماء لظاهر ~~الآية، ولقوله: # وفي السمآء رزقكم وما توعدون # [الذاريات: 22]. وقال بعضهم: المراد بالسماء السحاب، وسماه سماء لعلوه، ~~والمعنى: أن الله صعد الأجزاء المائية من قعر الأرض، ومن البحار إلى ~~السماء حتى صارت عذبة صافية بسبب ذلك التصعيد، ثم إن تلك الذرات تأتلف ~~وتتكون ثم ينزله الله على قدر الحاجة إليه، ولولا ذلك لم ينتفع بتلك ~~المياه لتفرقها في قعر الأرض، ولا بماء البحر لملوحته، ولأنه لا حيلة في ~~إجراء مياه البحار على وجه الأرض، لأن البحار هي الغاية في العمق، وهذه ~~الوجوه التي يتحملها من ينكر الفاعل المختار، فأما من أقر به فلا ~~حاجة به إلى شيء منها. # وقوله: " بقدر " قال مقاتل: بقدر ما يكفيهم للمعيشة من الزرع والغرس ~~والشرب، ويسلمون معه من المضرة. # وقوله: { فأسكناه في الأرض } قيل: جعلناه ثابتا في الأرض، ~~قال ابن عباس: أنزل الله تعالى من الجنة خمسة أنهار سيحون وجيحون ~~ودجلة والفرات والنيل أنزلها من عين واحدة من عيون الجنة من أسفل درجة من ~~درجاتها على جناحي جبريل - عليه السلام -، ثم استودعها الجبال وأجراها في ~~الأرض وجعل فيها منافع للناس، فذلك قوله: { وأنزلنا من السمآء ~~مآء بقدر فأسكناه في الأرض } ، ثم يرفعها عند خروج ~~يأجوج ومأجوج، ويرفع أيضا القرآن والعلم كله والحجر الأسود من ركن ~~البيت، ومقام إبراهيم وتابوت موسى بما فيه، فيرفع كل ذلك إلى السماء فذلك ~~قوله: { وإنا على ذهاب به لقادرون } ، فإذا رفعت هذه ~~الأشياء من الأرض فقد أهلها خير الدنيا والدين. وقيل: معنى: { ~~فأسكناه في الأرض }: ما تبقى في الغدران والمستنقعات ينتفع ~~به الناس في الصيف عند انقطاع المطر. # وقيل: فأسكناه في الأرض ثم أخرجنا منها ينابيع، فماء الأرض كله من ~~السماء. # قوله: { وإنا على ذهاب به لقادرون } " على ذهاب " ~~متعلق ب " لقادرون " واللام كما تقدم غير مانعة من ذلك، و " به " ~~متعلق ب " ذهاب " ، وهي مرادفة للهمزة كهي ms6421 في " لذهب ~~بسمعهم " أي: على إذهابه والمعنى: كما قدرنا على إنزاله كذلك ~~نقدر على رفعه وإزالته فتهلكوا عطشا، وتهلك مواشيكم وتخرب أرضكم. # قال الزمخشري: قوله: { على ذهاب به } من أوقع النكرات وأحزها ~~للمفصل، والمعنى: على وجه من وجوه الذهاب به، وطريق من طرقه، وفيه إيذان ~~بكمال اقتدار المذهب وأنه لا يتعايا عليه شيء، وهو أبلغ في الإيعاد من ~~قوله: # قل أرأيتم إن أصبح مآؤكم غورا فمن يأتيكم ~~بمآء معين # [الملك: 30] واعلم أنه تعالى لما نبه على عظيم نعمته بخلق الماء ذكر ~~بعده النعم الحاصلة من الماء فقال { فأنشأنا لكم به } ، أي: ~~بالماء { جنات من نخيل وأعناب } ، وإنما ذكر النخيل ~~والأعناب لكثرة منافعهما فإنهما يقومان مقام الطعام والإدام والفاكهة ~~رطبا ويابسا، وقوله: { لكم فيها فواكه كثيرة } أي: في ~~الجنات فكما أن فيها النخيل والأعناب فيها الفواكه الكثيرة، " ومنها ~~تأكلون " شتاء وصيفا. # قال الزمخشري: يجوز أن يكون هذا من قولهم: فلان يأكل من حرفة يحترفها، ~~ومن صنعة يعملها، يعنون أنها طعمته وجهته التي منها يحصل رزقه، كأنه قال: ~~وهذه الجنات وجوه أرزاقكم ومعايشكم. # قوله: " وشجرة " عطف على " جنات " ، أي: ومما أنشأنا لكم شجرة، ~~وقرئت مرفوعة على الابتداء. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو " سيناء " ~~بكسر السين، والباقون بفتحها والأعمش كذلك إلا أنه قصرها. فأما القراءة ~~الأولى فالهمزة فيها ليست للتأنيث إذ ليس في الكلام (فعلاء) بكسر ~~الأول وهمزته للتأنيث بل للإلحاق بسرداح وقرطاس، فهي كعلباء، فتكون ~~الهمزة منقلبة عن ياء أو واو، لأن الإلحاق يكون بهما فلما وقع حرف العلة ~~متطرفا بعد ألف زائدة قلب همزة كرداء وكساء قال الفارسي: وهي ~~الياء التي ظهرت في درحاية، والدرحاية الرجل القصير السمين. وجعل أبو ~~البقاء هذه الهمزة على هذا أصلا مثل: حملاق، إذ ليس في الكلام مثل: ~~سيناء. يعني: مادة (سين ونون وهمزة). وهذا مخالف لما تقدم من كونها بدلا ~~من زائد ملحق بالأصل على أن كلامه محتمل للتأويل إلى ما تقدم، وعلى هذا ~~فمنع الصرف للتعريف والتأنيث، لأنها اسم بقعة بعينها، وقيل: للتعريف ms6422 ~~والعجمة. قال بعضهم: والصحيح أن سيناء اسم أعجمي نطقت به العرب فاختلفت ~~فيه لغاتها، فقالوا: (سيناء) كحمراء وصفراء، و(سيناء) كعلباء ~~وحرباء وسينين كخنذيد، وزحليل، والخنذيد الفحل والخصي أيضا، ~~فهو من الأضداد، وهو أيضا رأس الجبل المرتفع. والزحليل: المتنحي من ~~زحل إذ انتحى وقال الزمخشري: " طور سيناء " وطور سينين لا يخلو ~~إما أن يضاف فيه الطور إلى بقعة اسمها سيناء وسينون، وإما أن يكون ~~اسما للجبل مركبا من مضاف ومضاف إليه كامرئ القيس وكبعلبك، فيمن أضاف، ~~فمن كسر سين " سيناء " فقد منع الصرف للتعريف والعجمة أو ~~التأنيث، لأنها بقعة، وفعلاء لا يكون ألفه للتأنيث كعلباء ~~وحرباء. # قال شهاب الدين: وكون ألف (فعلاء) بالكسر ليست للتأنيث هو قول أهل ~~البصرة، وأما الكوفيون فعندهم أن ألفها يكون للتأنيث، فهي عندهم ~~ممنوعة للتأنيث اللازم كحمراء وبابها. # وكسر السين من (سيناء) لغة كنانة وأما القراءة الثانية: فألفها ~~للتأنيث، فمنع الصرف واضح. قال أبو البقاء: وهمزته للتأنيث، إذ ليس في ~~الكلام (فعلال) بالفتح، وما حكى الفراء من قولهم ناقة فيها خزعال ~~لا يثبت، وإن ثبت فهو شاذ لا يحمل عليه. وقد وهم بعضهم فجعل (سيناء) ~~مشتقة من (السنا) وهو الضوء، ولا يصح ذلك لوجهين: # أحدهما: أنه ليس عربي الوضع نصوا على ذلك كما تقدم. # الثاني: أنا وإن سلمنا أنه عربي الوضع لكن المادتان مختلفتان فإن عين ~~(السنا) نون وعين (سيناء) ياء. كذا قال بعضهم. وفيه نظر؛ إذ لقائل أن ~~يقول: لا نسلم أن عين (سيناء) (ياء) بل عينها (نون)، وياؤها مزيدة، ~~وهمزتها منقلبة عن واو، كما قلبت (السنا)، ووزنها حينئذ (فيعال) ~~و(فيعال) موجود في كلامهم، كميلاع وقيتال مصدر قاتل. # قوله: " تنبت " قرأ ابن كثير وأبو عمرو " تنبت " بضم التاء وكسر ~~الباء والباقون بفتح التاء وضم الباء. فأما الأولى ففيها ثلاثة أوجه: # أحدها: أن أنبت بمعنى (نبت) فهو مما اتفق فيه (فعل) و(أفعل) ~~وأنشدوا لزهير: # 3788- رأيت ذوي الحاجات عند بيوتهم # قطينا بها حتى إذا أنبت البقل # وأنكره الأصمعي، أي: نبت. # الثاني: أن الهمزة للتعدية، والمفعول محذوف لفهم ms6423 المعنى أي: تنبت ~~ثمرها، أو جناها، و " بالدهن " حال، أي: ملتبسا بالدهن. # الثالث: أن الباء مزيدة في المفعول به كهي في قوله تعالى: # ولا تلقوا بأيديكم # [البقرة: 195]، وقول الآخر: # 3789- سود المحاجر لا يقرأن بالسور # وقول الآخر: # 3790- نضرب بالسيف ونرجوا بالفرج # وأما القراءة الأخرى فواضحة، والباء للحال من الفاعل، أي ملتبسة ~~بالدهن يعني وفيها الدهن، كما يقال: ركب الأمير بجنده. وقرأ الحسن ~~والزهري وابن هرمز " تنبت " مبنيا للمفعول من أنبتها الله و " ~~بالدهن " حال من المفعول القائم مقام الفاعل أي: ملتبسة بالدهن. ~~وقرأ زر بن حبيش " تنبت الدهن " من أنبت، وسقوط الباء هنا يدل ~~على زيادتها في قراءة من أثبتها. والأشهب وسليمان بن عبد الملك " ~~بالدهان " وهو جمع دهن كرمح ورماح وأما قراءة أبي: " تتمر " ~~، وعبد الله: " تخرج " فتفسير لا قراءة لمخالفة السواد، والدهن: ~~عصارة ما فيه دسم، والدهن - بالفتح - المسح بالدهن مصدر دهن ~~يدهن، والمداهنة من ذلك كأنه يمسح على صاحبه ليقر خاطره. # فصل # اختلفوا في " طور سيناء " وفي " طور سينين ". فقال مجاهد: ~~معناه البركة أي: من جبل مبارك. وقال قتادة: معناه الحسن أي: الجبل ~~الحسن. وقال الضحاك: معناه بالنبطية: الحسن. # وقال عكرمة: بالحبشية. وقال الكلبي: معناه: المشجر أي: جبل وشجر. وقيل: ~~هو بالسريانية: الملتف بالأشجار. وقال مقاتل: كل جبل فيه أشجار مثمرة، ~~فهو سيناء، وسينين بلغة النبط. # وقال ابن زيد: هو الجبل الذي نودي منه موسى بين مصر وأيلة. # وقال مجاهد: سيناء اسم حجارة بعينها أضيف الجبل إليها لوجودها عنده. ~~والمراد بالشجرة التي تنبت بالدهن أي: تثمر الدهن وهو الزيتون. ~~قال المفسرون: وإنما أضافه الله إلى هذا الجبل، لأن منها تشعبت في البلاد ~~وانتشرت، ولأن معظمها هناك. قوله: " وصبغ " العامة على الجر عطفا ~~على الدهن. # والأعمش: " وصبغا " بالنصب نسقا على موضع " بالدهن " ، كقراءة " ~~وأرجلكم " في أحد محتملاته. وعامر بن عبد الله: " وصباغ " بالألف، ~~وكانت هذه القراءة مناسبة لقراءة من قرأ " بالدهان ". والصبغ ~~والصباغ كالدبغ والدباغ، وهو اسم ما يفعل به. قال الزمخشري: هو ما ~~يصطبغ به أي: ما يصبغ ms6424 به الخبز. # و " للآكلين " صفة، والمعنى: إدام للآكلين. فنبه تعالى على إحسانه ~~بهذه الشجرة، لأنها تخرج الثمرة التي يكثر الانتفاع بها، وهي طرية ~~ومدخرة، وبأن تعصر فيظهر الزيت منها، ويعظم وجوه الانتفاع به. ### || [23.21-25] # قوله تعالى: { وإن لكم في الأنعام لعبرة } الآية، لما ~~ذكر النعم الحاصلة من الماء والنبات، ذكر بعده النعم الحاصلة من الحيوان، ~~فذكر أن فيها عبرة مجملا ثم فصله من أربعة أوجه: # أحدها: قوله: { نسقيكم مما في بطونها } المراد منه جميع ~~وجوه الانتفاع، ووجه الاعتبار فيه أنها تجتمع في الضروع، وتخلص من بين ~~الفرث والدم بإذن الله - تعالى - فتستحيل إلى طهارة ولون وطعم موافق ~~للشهوة، وتصير غذاء، فمن استدل بذلك على قدرة الله وحكمته، فهو من ~~النعم الدينية، ومن انتفع به فهو من النعم الدنيوية. وأيضا: فهذه ~~الألبان التي تخرج من بطونها إذا ذبحت لم تجد لها أثرا، وذلك دليل على ~~عظم قدرة الله. وتقدم الكلام في " نسقيكم " في النحل وقرئ " ~~تسقيكم " بالتاء من فوق مفتوحة، أي: تسقيكم الأنعام. # وثانيها: قوله: { ولكم فيها منافع } أي: بالبيع، والانتفاع ~~بأثمانها. # وثالثها: قوله - تعالى -: " ومنها تأكلون " أي: كما تنتفعون بها ~~وهي حية تنتفعون بها بعد الذبح بالأكل. # ورابعها: قوله: { وعليها وعلى الفلك تحملون } أي: على ~~الإبل في البر وعلى الفلك في البحر، ولما بين دلائل التوحيد أردفها ~~بالقصص كما هو العادة في سائر السور قوله تعالى: { ولقد أرسلنا ~~نوحا إلى قومه } الآيات. قيل: كان نوح اسمه يشكر ثم سمي نوحا ~~لكثرة ما ناح على نفسه حين دعا على قومه بالهلاك فأهلكهم الله بالطوفان ~~فندم على ذلك. # وقيل: لمراجعة ربه في شأن ابنه. وقيل: لأنه مر بكلب مجذوم، فقال له: ~~اخسأ يا قبيح، فعوتب على ذلك، وقال الله تعالى: أعبتني إذ خلقته، أم ~~عبت الكلب، وهذه وجوه متكلفة، لأن الأعلام لا تفيد صفة في المسمى. # قوله: { يقوم اعبدوا الله }: وحدوه { ما لكم من ~~إله غيره } أي: أن عبادة غير الله لا تجوز إذ لا إله سواه. ~~وقرئ " غيره " بالرفع على المحل، ms6425 وبالجر على اللفظ. # ثم إنه لما لم ينفع فيهم الدعاء واستمروا على عبادة غير الله حذرهم ~~بقوله: " أفلا تتقون " زجرهم وتوعدهم باتقاء العقوبة لينصرفوا ~~عما هم عليه ثم إنه تعالى حكى عنهم شبههم في إنكار نبوة نوح - عليه ~~السلام -: وهي قولهم: { ما هذا إلا بشر مثلكم } وهذه ~~الشبهة تحتمل وجهين: # أحدهما: أن يقال: إنه لما كان سائر الناس في القوة والفهم والعلم ~~والغنى والفقر والصحة والمرض سواء امتنع كونه رسولا لله، لأن الرسول لا ~~بد وأن يكون معظما عند الله وحبيبا له، والحبيب لا بد وأن يختص عن ~~غير الحبيب بمزيد الدرجة والعزة، فلما انتفت هذه الأشياء علمنا ~~انتفاء الرسالة. # والثاني: أن يقال: إن هذه الإنسان مشارك لكم في جميع الأمور، ولكنه أحب ~~الرياسة والمتبوعية فلم يجد إليهما سبيلا إلا بادعاء النبوة، فصار ذلك ~~شبهة لهم في القدح في نبوته، ويؤكد هذا الاحتمال قولهم: { يريد أن ~~يتفضل عليكم } أي: يطلب الفضل عليكم ويرأسكم. # الشبهة الثانية: قولهم: { ولو شآء الله لأنزل ملائكة } ~~أي: ولو شاء الله أن لا يتعبد سواه لأنزل ملائكة بإبلاغ الوحي، لأن بعثة ~~الملائكة أشد إفضاء إلى المقصود من بعثة البشر، لأن الملائكة لعلو شأنهم ~~وشدة سطوتهم، وكثرة علومهم ينقاد الخلق إليهم، ولا يشكون في رسالتهم ~~فلما لم يفعل ذلك علمنا أنه ما أرسل رسولا. # الشبهة الثالثة: قولهم: { ما سمعنا بهذا في آبآئنا ~~الأولين } فقولهم: " بهذا " إشارة إلى نوح - عليه السلام - أي: ~~بإرسال بشر رسولا، أو بهذا الذي يدعو إليه نوح وهو عبادة الله وحده، ~~لأن آباءهم كانوا يعبدون الأوثان، وذلك أنهم كانوا لا يعولون في شيء ~~من مذاهبهم إلا على التقليد والرجوع إلى قول الآباء، فلما لم يجدوا في ~~نبوة نوح - عليه السلام - هذه الطريقة حكموا بفسادها. # الشبهة الرابعة: قولهم: { إن هو إلا رجل به جنة } أي: ~~جنون، وهذه الشبهة من باب الترويج على العوام، لأنه - عليه السلام - كان ~~يفعل أفعالا على خلاف عاداتهم، فكان الرؤساء يقولون للعوام إنه مجنون، ~~فكيف يجوز أن يكون رسولا؟ # الشبهة الخامسة: ms6426 قولهم: { فتربصوا به حتى حين } ، وهذا ~~يحتمل أن يكون متعلقا بما قبله، أي: أنه مجنون فاصبروا إلى زمان يظهر ~~عاقبة أمره فإن أفاق وإلا فاقتلوه. # ويحتمل أن يكون كلاما مستأنفا، وهو أن يقولوا لقومهم: اصبروا فإنه إنه ~~كان نبيا حقا فالله ينصره ويقوي أمره فنتبعه حينئذ، وإن كان كاذبا ~~فالله يخذله ويبطل أمره فحينئذ نستريح منه. واعلم أنه تعالى لم يذكر ~~الجواب على هذه الشبه لركاكتها ووضح فسادها لأن كل عاقل يعلم أن ~~الرسول لا يصير رسولا لكونه من جنس الملك وإنما يصير رسولا بتميزه عن ~~غيره بالمعجزات، فسواء كان من جنس الملك أو من جنس البشر فعند ظهور ~~المعجز عليه يجب أن يكون رسولا، بل جعل الرسول من البشر أولى لما تقدم ~~من أن الجنسية مظنة الألفة والمؤانسة. وأما قولهم: { يريد أن ~~يتفضل عليكم } فإن أرادوا إرادته لإظهار فضله حتى يلزمهم ~~الانقياد لطاعته فهذا واجب في الرسول، وإن أرادوا أنه يترفع عليهم على ~~سبيل التكبر فالأنبياء منزهون عن ذلك. وأما قولهم: { ما سمعنا ~~بهذا } فهو استدلال بعدم التقليد (على عدم وجود الشيء، وهو في غاية ~~السقوط، لأن وجود التقليد) لا يدل على وجود الشيء، فعدمه من أين يدل على ~~عدمه. وأما قولهم: " به جنة " فكذبوا لأنهم كانوا يعلمون بالضرورة ~~كمال عقله. وأما قولهم: " فتربصوا " فضعيف، لأنه إن ظهرت الدلالة ~~على نبوته، وهي المعجزة، وجب عليهم قبول قوله في الحال، ولا يجوز توقيف ~~ذلك إلى ظهور دولته، لأن الدولة لا تدل على الحقيقة، وإن لم يظهر ~~المعجز لم يجز قبول قوله سواء ظهرت الدولة أو لم تظهر. ### || [23.26-30] # قوله تعالى: { قال رب انصرني بما كذبون } أي: أعني على ~~هلاكهم بتكذيبهم إياي (كأنه قال: أهلكهم بسبب تكذيبهم). وقيل: انصرني بدل ~~ما كذبون كما تقول: هذا بذاك، أي بدل ذاك ومكانه. وقيل: انصرني بإنجاز ما ~~وعدتهم من العذاب، وهو ما كذبوه فيه حين قال لهم: # إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم # [الأعراف: 59]. # ولما أجاب الله دعاءه قال: { فأوحينآ إليه أن اصنع ~~الفلك ms6427 بأعيننا } أي: بحفظنا وكلائنا، كان معه من الله حفاظا ~~يكلأونه بعيونهم لئلا يتعرض له ولا يفسد عليه عمله. # قيل: كان نوح نجارا، وكان عالما بكيفية اتخاذ الفلك. # وقيل: إن جبريل - عليه السلام - علمه السفينة. وهذا هو الأقرب لقوله: " ~~بأعيننا ووحينا ". { فإذا جآء أمرنا }. واعلم أن لفظ ~~الأمر كما هو حقيقة في طلب الفعل بالقول على سبيل الاستعلاء، فكذا هو ~~حقيقة في الشأن العظيم، لأن قولك: هذا أمر تردد الذهن بين المفهومين فدل ~~ذلك على كونه حقيقة فيهما. وقيل: إنما سماه أمرا تعظيما وتفخيما ~~كقوله: # قال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها # [فصلت: 11]. # قوله: " وفار التنور " تقدم الكلام في التنور في سورة هود. " ~~فاسلك فيها " أي: ادخل فيها. يقال: سلك فيه دخله، وسلك ~~غيره وأسلكه { من كل زوجين اثنين } أي: من كل زوجين من ~~الحيوان (الذي يحضره في الوقت اثنين الذكر والأنثى لكيلا ينقطع نسل ذلك ~~الحيوان) وكل واحد منهما زوج، لا كما تقوله العامة: إن الزوج هو ~~الاثنان. روي أنه لم يحمل إلا ما يلد ويبيض. وقرئ: " من كل " ~~بالتنوين و " اثنين " تأكيد وزيادة بيان " وأهلك " أي: وأدخل ~~أهلك { إلا من سبق عليه القول } ولفظ (على) إنما ~~يستعمل في المضار قال تعالى: # لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت # [البقرة: 286]. وهذه الآية تدل على أمرين: # أحدهما: أنه تعالى أمره بإدخال سائر من آمن به، وإن لم يكن من أهله. ~~وقيل: المراد بأهله من آمن دون من يتعمل به نسبا أو حسبا. وهذا ضعيف، ~~وإلا لما جاز الاستثناء بقوله: { إلا من سبق عليه القول ~~}. # والثاني: قال: { ولا تخاطبني في الذين ظلموا } يعني: ~~كنعان، فإنه - سبحانه - لما أخبر بإهلاكهم، وجب أن ينهاه عن أن يسأله ~~في بعضهم. لأنه إن أجابه إليه، فقد صير خبره الصادق كذبا، وإن لم يجبه ~~إليه، كان ذلك تحقيرا لشأن نوح - عليه السلام -، فلذلك قال: " إنهم ~~مغرقون " أي: الغرق نازل بهم لا محالة. قوله: { فإذا استويت ~~أنت ومن معك على الفلك } اعتدلت أنت ومن معك على الفلك، ~~قال ابن ms6428 عباس: كان في السفينة ثمانون إنسانا، نوح وامرأته سوى التي ~~غرقت، وثلاثة بنين، سام، وحام، ويافث، وثلاثة نسوة لهم، واثنان وسبعون ~~إنسانا، فكل الخلائق نسل من كان في السفينة. # روى سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: # " ولد لنوح ثلاثة أولاد سام، وحام، ويافث، فأما سام فأبو العرب ~~وفارس والروم، وأما يافث فأبو يأجوج ومأجوج والبربر، وأما حام فأبو هذه ~~الجلدة السوداء ويأجوج ومأجوج بنو عم الترك ". # قال ابن الجوزي: ولد لحام كوش، ونبرش، وموغع، وبوان، وولد لكوش ~~نمرود، وهو أول النماردة، ملك بعد الطوفان ثلاثمائة سنة، وعلى عهده ~~قسمت الأرض، وتفرق الناس واختلفت الألسن، ونمرود إبراهيم الخليل، ومن ~~ولد نبرش الحرير، ومن ولد موغع يأجوج ومأجوج، ومن ولد بوان الصقالبة، ~~والنوبة، والحبشة، والهند، والسند. # ولما اقتسم أولاد نوح الأرض، نزل بنو حام مجرى الجنوب والدبور، فجعل ~~الله فيهم الأدمة، وبياضا قليلا، ولهم أكثر الأرض، وروي أن فالغ أبو ~~غابر قسم الأرض بين أولاد نوح بعد موت نوح، فنزل سام سرة الأرض فكانت ~~فيهم الأدمة والبياض، ونزل بنو يافث مجرى الشمال والصبا فكانت فيهم ~~الحمرة والشقرة، ونزل بنو حام مجرى الجنوب والدبور فتغيرت ألوانهم. # روى ابن شهاب قال: قيل لعيسى ابن مريم - عليه السلام - أحي حام بن ~~نوح - فقال: أروني قبره. فأروه، فقام، فقال: يا حام بن نوح احي بإذن ~~الله - عز وجل - فلم يخرج، ثم قالها الثانية، فخرج، وإذا شق ~~رأسه ولحيته أبيض، فقال: ما هذا، قال: سمعت الدعاء الأول فظننت أنه من ~~الله - تعالى - فشاب له شقي، ثم سمعت الدعاء الثاني فعلمت أنه من الدنيا ~~فخرجت، قال: مذ كم مت؟ قال: منذ أربعة آلاف سنة، ما ذهبت عني سكرة ~~الموت حتى الآن. وروي أن الذي أحياه عيسى ابن مريم سام بن نوح، والله ~~أعلم. وروي عن النمر بن هلال قال: الأرض أربعة وعشرون ألف فرسخ فاثنا عشر ~~ألف للسودان، وثمانية للروم، وثلاثة للفرس وألف للعرب قال مجاهد: ربع من ~~لا يلبس الثياب ms6429 من السودان مثل جميع الناس. # قوله: { فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم ~~الظالمين } الكافرين، وإنما قال: " فقل " ولم يقل: فقولوا، لأن ~~نوحا كان نبيا لهم وإمامهم، فكان قوله قولا لهم مع ما فيه من الإشعار ~~بفضل النبوة وإظهار كبرياء الربوبية، وأن رتبة ذلك المخاطب لا يترقى ~~إليها إلا ملك أو نبي. # قال قتادة: علمكم الله أن تقولوا عند ركوب السفينة: # بسم الله مجراها ومرساها # [هود: 41]، وعند ركوب الدابة: # سبحان الذي سخر لنا هذا # [الزخرف: 13]، وعند النزول: # وقل رب أنزلني منزلا مباركا # [المؤمنون: 29]. قال الأنصاري: وقال لنبينا: # وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج ~~صدق # [الإسراء: 80]، وقال: # فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله # [النحل: 98] فكأنه - تعالى - أمرهم أن لا يغفلوا عن ذكره في جميع ~~أحوالهم. # قوله: { وقل رب أنزلني منزلا مباركا } قرأ أبو بكر ~~بفتح ميم (منزلا) وكسر الزاي، والباقون بضم الميم وفتح الزاي ~~و(المنزل) و(المنزل) كل منهما يحتمل أن يكون اسم مصدر، وهو الإنزال ~~أو النزول، وأن يكون اسم مكان النزول أو الإنزال، إلا أن القياس " ~~منزلا " بالضم والفتح لقوله: " أنزلني ". وأما الفتح والكسر ~~فعلى نيابة مصدر الثلاثي مناب مصدر الرباعي كقوله: # أنبتكم من الأرض نباتا # [نوح: 17]، وتقدم نظيره في " مدخل " و " مدخل " في سورة النساء ~~واختلفوا في المنزل، فقيل: نفس السفينة، وقيل: بعد خروجه من السفينة ~~منزلا من الأرض مباركا. والأول أقرب، لأنه أمر بهذا الدعاء حال ~~استقراره، فيكون هو المنزل دون غيره. # ثم قال: { وأنت خير المنزلين } ، وذلك أن الإنزال في الأمكنة ~~قد يقع من غير الله كما يقع من الله، لأنه يحفظ من أنزله في سائر أحواله. ~~ثم بين تعالى أن فيما ذكر من قصة نوح وقومه " آيات " دلالات وعبر في ~~الدعاء إلى الإيمان، والزجر عن الكفر، فإن إظهار تلك المياه العظيمة، ثم ~~إذهابها لا يقدر عليه إلا القادر على كل المقدورات، وظهور تلك الواقعة ~~على وفق قول نوح - عليه السلام - يدل على المعجز العظيم، وإفناء الكفار، ~~وبقاء الأرض لأهل الطاعة من أعظم أنواع العبر. قوله: { وإن ms6430 كنا ~~لمبتلين } " إن " مخففة، و " اللام " فارقة. وقيل: " إن " ~~نافية و " اللام " بمعنى " إلا " وتقدم ذلك مرارا فعلى الأول معناه: ~~وقد كنا، وعلى الثاني: ما كنا إلا مبتلين، فيجب على كل مكلف أن يعتبر ~~بهذا الذي ذكرناه. وقيل: المراد لمعاقبين من كذب الأنبياء، وسلك مثل ~~طريقة قوم نوح. وقيل: المراد كما عاقب بالغرق من كذب فقد نمتحن من لم ~~يكذب على وجه المصلحة لا على وجه التعذيب، لكيلا يقدر أن كل الغرق يجري ~~على وجه واحد. ### || [23.31-41] # قوله تعالى: { ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين } ~~الآيات. قال ابن عباس وأكثر المفسرين: هذه قصة هود لقوله تعالى حكاية عن ~~هود # واذكروا إذ جعلكم خلفآء من بعد قوم نوح # [الأعراف: 69]، ومجيء قصة هود عقيب قصة نوح في سورة الأعراف، وهود، ~~والشعراء. # وقال بعضهم: هي قصة صالح لأن قومه الذين كذبوه هم الذين هلكوا بالصيحة ~~وتقدم كيفية الدعوى في قصة نوح. # قوله: " فأرسلنا فيهم " قال الزمخشري: فإن قلت: حق " ~~أرسل " أن يتعدى ب " إلى " كأخواته التي هي: وجه، وأنفذ ~~وبعث، فما له عدي في القرآن ب (إلى) تارة وب (في) أخرى كقوله: # كذلك أرسلناك في أمة # [الرعد: 30] # ومآ أرسلنا في قرية من نذير # [سبأ: 34]. قلت: لم يعد ب (في) كما عدي ب (إلى)، ولم يجعل صلة ~~مثله، ولكن الأمة أو القرية جعلت موضعا للإرسال، كقول رؤبة: # 3791- أرسلت فيها مصعبا ذا أقحام # وقد جاء (بعث) على ذلك، كقوله تعالى # ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا # [الفرقان: 51]. # قوله: { أن اعبدوا الله } يجوز أن تكون المصدرية أي: أرسلناه ~~بأن اعبدوا الله. أي: بقوله اعبدوا، وأن تكون مفسرة. " أفلا ~~تتقون " قال بعضهم: هذا الكلام غير موصول بالأول، وإنما قاله لهم ~~بعد أن كذبوه، وردوا عليه بعد إقامة الحجة عليهم فعند ذلك خوفهم بقوله: ~~" أفلا تتقون " هذه الطريقة مخافة العذاب الذي أنذركم به. ويجوز ~~أن يكون موصولا بالكلام الأول بأن رآهم معرضين عن عبادة الله مشتغلين ~~بعبادة الأوثان، فدعاهم إلى عبادة الله، وحذرهم من العقاب بسبب إقبالهم ms6431 ~~على عبادة الأوثان. # قوله: " وقال الملأ " قال الزمخشري: فإن قلت: ذكر مقالة قوم هود ~~في جوابه في سورة الأعراف، وسورة هود بغير واو، # قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في ~~سفاهة # [الأعراف: 66] # قالوا يهود ما جئتنا ببينة # [هود: 53]. وههنا مع الواو، فأي فرق بينهما؟ قلت: الذي بغير واو على ~~تقدير سؤال سائل قال: فماذا قيل له؟ فقيل له: قالوا: كيت وكيت، وأما ~~الذي مع الواو فعطف لما قالوه على ما قاله، ومعناه أنه اجتمع في الحصول، ~~(أي في هذه الواقعة في) هذا الكلام الحق وهذا (الكلام) الباطل وشتان ما ~~بينهما قال شهاب الدين: ولقائل أن يقول: هذا جواب بنفس الواقع، والسؤال ~~باق، إذ يحسن أن يقال: لم لا جعل هنا قولهم أيضا جوابا لسؤال سائل ~~كما في نظيرتها أو عكس الأمر. # قوله { وكذبوا بلقآء الآخرة } أي: بالمصير إلى الآخرة " ~~وأترفناهم " نعمناهم ووسعنا عليهم { في الحياة الدنيا ما ~~هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه } ~~وقد تقدم شرح هذه الشبهة في القصة الأولى { ويشرب مما ~~تشربون } أي: منه، فحذف العائد لاستكمال شروطه، وهو اتحاد الحرف، ~~والمتعلق، وعدم قيامه مقام مرفوع، وعدم ضمير آخر، هذا إذا جعلناها بمعنى ~~الذي، فإن جعلتها مصدرا لم يحتج إلى عائد، فيكون المصدر واقعا موقع ~~المفعول. # أي: من مشروبكم. # وقال في التحرير: وزعم الفراء أن معنى " مما تشربون " على حذف ~~أي: تشربون منه. وهذا لا يجوز عند البصريين، ولا يحتاج إلى حذف ألبتة، ~~لأن (ما) إذا كانت مصدرا لم تحتج إلى عائد، فإن جعلتها بمعنى الذي حذفت ~~العائد، ولم تحتج إلى إضمار (من) يعني: أنه يقدر تشربونه من غير حرف جر، ~~وحينئذ تكون شروط الحذف أيضا موجودة ولكن تفوت المقابلة إذ قوله: " ~~تأكلون منه " فيه تبعيض، فلو قدرت هنا تشربونه من غير (من) فاتت ~~المقابلة. ثم إن قوله: وهو لا يجوز عند البصريين ممنوع، بل هو جائز لوجود ~~شرط الحذف. # قوله: { لئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا ~~لخاسرون } لمغبونون، جعلوا اتباع الرسول خسرانا ولم ms6432 يجعلوا عبادة ~~الصنم خسرانا، قال الزمخشري و " إذا " وقع في جزاء الشرط وجواب للذين ~~قاولوهم من قولهم قال أبو حيان: وليس واقعا في جزاء الشرط، بل واقعا ~~بين " إنكم " و(الخبر)، و " إنكم " و(الخبر) ليس جزاء للشرط بل ذلك جواب ~~للقسم المحذوف قبل " إن " الشرطية (ولو كانت " إنكم " والخبر جوابا ~~للشرط) لزمت (الفاء) في (إنكم) بل لو كان بالفاء في تركيب غير القرآن لم ~~يكن ذلك التركيب جائزا إلا عند الفراء، والبصريون لا يجيزونه وهو عندهم ~~خطأ قال شهاب الدين: يعني أنه إذ توالى شرط وقسم أجيب سابقهما، والقسم ~~هنا متقدم فينبغي أن يجاب ولا يجاب الشرط، ولو أجيب الشرط لاختلت القاعدة ~~إلا عند بعض الكوفيين، فإنه يجيب الشرط وإن تأخر، وهو موجود في الشعر. # قوله: أيعدكم أنكم " الآية. في إعرابها ستة أوجه: # أحدها: أن اسم أن الأولى مضاف لضمير الخطاب، حذف وأقيم المضاف إليه ~~مقامه، والخبر قوله: " إذا متم " ، و " أنكم مخرجون " ~~تكرير، لأن الأولى للتأكيد، والدلالة على المحذوف والمعنى: أن ~~إخراجكم إذا متم وكنتم. # الثاني: أن خبر (أن) الأولى هو " مخرجون " ، وهو العامل في " ~~إذا " وكررت الثانية توكيدا لما طال الفصل وإليه ذهب الجرمي والمبرد ~~والفراء، ويدل على كون الثانية توكيدا قراءة عبد الله: { أيعدكم ~~إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون }. # الثالث: أن " أنكم مخرجون " مؤول بمصدر مرفوع بفعل محذوف ذلك ~~الفعل المحذوف جواب (إذا) الشرطية، و(إذا) الشرطية وجوابها المقدر خبر ل ~~(أنكم) الأولى تقديره: يحدث أنكم مخرجون. # الرابع: كالثالث في كونه مرفوعا بفعل مقدر إلا أن هذا الفعل المقدر ~~خبر ل (أن) الأولى وهو العامل في (إذا). # الخامس: أن خبر الأولى محذوف لدلالة خبر الثانية عليه، فتقديره: أنكم ~~تبعثون، وهو العامل في الظرف، و(أن) الثانية وما في حيزها بدل من ~~الأولى، وهذا مذهب سيبويه. # السادس: أن يكون " أنكم مخرجون " مبتدأ وخبره الظرف مقدما ~~عليه، والجملة خبر عن (أنكم) الأولى، والتقدير: أيعدكم أنكم إخراجكم ~~كائن أو مستقر وقت موتكم. ولا يجوز أن يكون العامل في " إذا " " ~~مخرجون " على ms6433 كل قول لأن ما في حيز (أن) لا يعمل فيما قبلها ولا ~~يعمل فيها " متم " ، لأنه مضاف إليه، و " أنكم " وما في حيزه في محل ~~نصب أو جر بعد حذف الحرف إذ الأصل: أيعدكم بأنكم ويجوز أن لا يقدر حرف ~~جر، فيكون في محل نصب فقط نحو: وعدت زيدا خيرا. # قوله: " هيهات هيهات ". " هيهات " اسم فعل معناه: بعد، ~~وكرر للتوكيد وليست المسألة من التنازع، قال جرير: # 3792- فهيهات هيهات العقيق وأهله # وهيهات خل بالعقيق نواصله # وفسره الزجاج في عبارته بالمصدر، فقال: البعد لما توعدون، أو ~~بعد لما توعدون فظاهرها أنه مصدر بدليل عطف الفعل عليه، ويمكن أن ~~يكون فسر المعنى فقط. # و " هيهات " اسم لفعل قاصر برفع الفاعل، وهنا قد جاء ما ظاهره الفاعل ~~مجرورا باللام فمنهم من جعله على ظاهره وقال " ما توعدون " فاعل به، ~~وزيدت فيه اللام التقدير: بعد بعد ما توعدون،، وهو ضعيف: إذ لم ~~يعهد زيادتها في الفاعل. ومنهم من جعل الفاعل مضمرا لدلالة الكلام عليه، ~~فقدره أبو البقاء: هيهات التصديق، أو: الصحة لما توعدون. وقدره غيره: ~~بعد إخراجكم. و(لما توعدون) للبيان، قال الزمخشري: لبيان ~~المستبعد ما هو بعد التصويت بكلمة الاستبعاد كما جاءت اللام في " هيت ~~لك " لبيان المهيت به. وقال الزجاج: " البعد لما توعدون " ~~فجعله مبتدأ والجار بعد الخبر. قال الزمخشري: فإن قلت: (ما ~~توعدون) هو المستبعد، فمن حقه أن يرتفع ب " هيهات " كما ارتفع ~~بقوله: # 3793- هيهات هيهات العقيق وأهله # فما هذه اللام؟ قلت: قال الزجاج في تفسيره: البعد لما توعدون ~~أو بعد لما توعدون فيمن نون، فنزله منزلة المصدر. قال أبو ~~حيان: وقول الزمخشري (فمن نونه نزله منزلة المصدر) ليس بواضح، لأنهم ~~قد نونوا أسماء الأفعال ولا نقول: إنها إذا نونت تنزلت منزلة ~~المصادر. قال شهاب الدين: الزمخشري لم يقل كذا، إنما قال: فيمن نون ~~نزله منزلة المصدر لأجل قوله: أو بعد، فالتنوين علة لتقديره إياه نكرة ~~لا لكونه منزلا منزلة المصدر، فإن أسماء الأفعال ما نون منها نكرة، ~~وما لم ينون معرفة نحو: ms6434 صه وصه يقدر الأول بالسكوت، والثاني بسكوت ~~ما. # وقال ابن عطية: طورا تلي الفاعل دون لام، تقول: هيهات مجيء زيد أي: ~~بعد، وأحيانا يكون الفاعل محذوفا عند اللام، كهذه الآية، والتقدير: ~~بعد الوجود لما توعدون. ولم يستجيده أبو حيان من حيث قوله: حذف ~~الفاعل، والفاعل لا يحذف، ومن حيث إن فيه حذف المصدر، وهو الموجود، ~~وإبقاء معموله وهو " لما توعدون " و " هيهات " الثاني تأكيد ~~للأول تأكيدا لفظيا، وقد جاء غير مؤكد كقوله: # 3794- هيهات منزلنا بنعف سويقة # كانت مباركة على الأيام # وقال آخر: # 3795- هيهات ناس من أناس ديارهم # دقاق ودار الآخرين الأوائن # وقال رؤبة: # 3796- هيهات من منخرق هيهاؤه # قال القيسي شارح أبيات الإيضاح: وهذا مثل قولك: " بعد بعده " ~~وذلك أنه بنى من هذه اللفظة (فعلالا) فجاء به مجيء القلقال ~~والزلزال. والألف في " هيهات " غير الألف في (هيهاؤه)، وهي في " ~~هيهات " لام الفعل الثانية كقاف الحقحقة الثانية، وهي في ~~(هيهاؤه) ألف الفعلال الزائدة. وفي هذه اللفظة لغات كثيرة تزيد على ~~الأربعين، ذكر منها الصاغاني ستة وثلاثين لغة، وهي: (هيهات)، ~~وأيهات، وهيهان، وأيهان وهيهاه، وأيهاه كل واحد من هذه ~~الستة مضمومة الآخر ومفتوحته، ومكسورته، وكل واحدة منها منونة وغير ~~منونة، فتكون ستا وثلاثين. وحكى غيره: هيهاك، وأيهاك - بكاف ~~الخطاب -، وأيهاء، وأيها، وهيهاء، فأما المشهور ما قرئ به. ~~فالمشهور " هيهات " بفتح التاء من غير تنوين بني لوقوعه موقع ~~المبني، أو لشبهه بالحرف، وتقدم تحقيق ذلك وبها قرأ العامة وهي لغة أهل ~~الحجاز. و " هيهاتا " بالفتح والتنوين، وبها قرأ أبو عمرو في رواية ~~هارون عنه ونسبها ابن عطية لخالد بن إلياس. # و " هيهات " بالضم والتنوين وبها قرأ الأحمر وأبو حيوة. وبالضم من ~~غير تنوين، ويروى عن أبي حيوة أيضا، فعنه فيها وجهان وافقه أبو السمال ~~في الأولى دون الثانية. # و " هيهات " بالكسر والتنوين، وبها قرأ عيسى وخالد بن إلياس. ~~وبالكسر من غير تنوين، وهي قراءة أبي جعفر وشيبة، وتروى عن عيسى أيضا ~~وهي لغة تميم وأسد. # و " هيهات " بإسكان التاء، وبها قرأ عيسى بن عمر ms6435 الهمداني أيضا ~~وخارجة عن أبي عمرو والأعرج و " هيهاه " بالهاء آخرا وصلا ووقفا. و ~~" أيهات " بإبدال الهاء همزة مع فتح التاء، وبهاتين قرأ بعض القراء ~~فيما نقل أبو البقاء. فهذه تسع لغات قد قرئ بهن لم يتواتر منها غير ~~الأولى. ويجوز إبدال الهمزة من الهاء الأولى في جميع ما تقدم فيكمل بذلك ~~ست عشرة لغة. و " أيهان " بالنون آخرا. و " أيها " بألف آخرا. # فمن فتح التاء قالوا: فهي عنده اسم مفرد، ومن كسرها فهي عنده جمع تأنيث ~~كزينبات وهندات. # ويعزى هذا لسيبويه، لأنه قال: هي مثل بيضات، فنسب إليه أنه جمع من ~~ذلك، حتى قال بعض النحويين: مفردها (هيهة) مثل بيضة. # وليس بشيء بل مفردها (هيهات). # قالوا: وكان ينبغي على أصله أن يقال فيها: (هيهيات) بقلب ألف ~~(هيهات) ياء، لزيادتها على الأربعة نحو: ملهيات، ومغزيات، ~~ومرميات، لأنها من بنات الأربعة المضعفة من الياء من باب حاحيت ~~وصيصية، وأصلها بوزن القلقلة والحقحقة فانقلبت الياء ألفا ~~لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت: هيهاة كالسلقاة والجعباة. وإن ~~كانت الياء التي انقلبت عنها ألف سلقاة وجعباة زائدة، وياء هيهية ~~أصلا، فلما جمعت كان قياسها على قولهم: أرطيات وعلقيات أن ~~يقولوا فيها: (هيهيات)، إلا أنهم حذفوا الألف لالتقاء الساكنين لما ~~كانت في آخر اسم مبني كما حذفوها في (ذان)، و(اللتان) و(تان): ليفصلوا ~~بين الألفات في أواخر المبنية، والألفات في أواخر المتمكنة، وعلى هذا ~~حذفوها في أولات وذوات، لتخالف ياء حصيات ونويات. وقالوا: من فتح ~~تاء (هيهات) فحقه أن يكتبها هاء، لأنها في مفرد كتمرة ونواة، ومن ~~كسرها فحقه أن يكتبها تاء، لأنها في جمع كهندات، وكذلك حكم الوقف ~~سواء، ولا التفات إلى لغة: كيف الإخوه والأخواه، ولا هذه ثمرت، لقلتها، ~~وقد رسمت في المصحف بالهاء. # واختلف القراء في الوقف عليها، فمنهم من اتبع الرسم فوقف بالهاء وهما ~~الكسائي والبزي عن ابن كثير. ومنهم من وقف بالتاء وهم الباقون. وكان ~~ينبغي أن يكون الأكثر على الوقف بالهاء لوجهين: # أحدهما: موافقة الرسم. # والثاني: أنهم قالوا: المفتوح اسم مفرد ms6436 أصله هيهية كولولة ~~وقلقلة في مضاعف الرباعي، وقد تقدم أن المفرد يوقف على تاء تأنيثه ~~بالهاء. وأما التنوين فهو على قاعدة تنوين أسماء الأفعال دخوله دال على ~~التنكير، وخروجه دال على التعريف. # قال القيسي: من نون اعتقد تنكيرها، وتصور معنى المصدر النكرة، كأنه ~~قال: بعدا بعدا. ومن لم ينون اعتقد تعريفها، وتصور معنى المصدر ~~المعرفة، كأنه قال: البعد البعد فجعل التنوين دليل التنكير وعدمه ~~دليل التعريف انتهى. # ولا يوجد تنوين التنكير إلا في نوعين: أسماء الأفعال وأسماء الأصوات ~~(نحو صه وصه، وبخ وبخ، والعلم المختوم ب (ويه)) نحو سيبويه ~~وسيبويه، وليس بقياس بمعنى: أنه ليس لك أن تنون منها ما شئت بل ما سمع ~~تنوينه اعتقد تنكيره. والذي يقال في القراءات المتقدمة: إن من نون جعله ~~للتنكير كما تقدم. ومن لم ينون جعل عدم التنوين للتعريف. ومن فتح ~~فللخفة وللاتباع. ومن كسر فعلى أصل التقاء الساكنين، ومن ضم فتشبيها ~~بقبل وبعد. ومن سكن فلأن أصل البناء السكون. ومن وقف بالهاء ~~فاتباعا للرسم، ومن وقف بالتاء فعلى الأصل سواء كسرت التاء أو فتحت، ~~لأن الظاهر أنهما سواء، وإنما ذلك من تغيير اللغات وإن كان المنقول عن ~~مذهب سيبويه ما تقدم. # هكذا ينبغي أن تعلل القراءات المتقدمة. وقال ابن عطية فيمن ضم ونون: ~~إنه اسم معرب مستقل مرفوع بالابتداء، وخبره " لما توعدون " أي: ~~البعد لوعدكم، كما تقول: النجح لسعيك. # وقال الرازي في اللوامح: فأما من رفع ونون احتمل أن يكونا ~~اسمين متمكنين مرفوعين، خبرهما من حروف الجر بمعنى: البعد لما ~~توعدون، والتكرار للتأكيد، ويجوز أن يكونا اسما للفعل، والضم للبناء ~~مثل: حوب في زجر الإبل لكنه نونه (لكونه) نكرة. # قال شهاب الدين: وكان ينبغي لابن عطية وأبي الفضل أن يجعلاه اسما أيضا ~~في حالة النصب مع التنوين على أنه مصدر واقع موقع الفعل وقرأ ابن أبي ~~عبلة: { هيهات هيهات ما توعدون } من غير لام جر. وهي واضحة، ~~مؤيدة لمدعي زيادتها في قراءة العامة. و " ما " في " لما توعدون " ~~تحتمل المصدرية، أي: لوعدكم، ms6437 وأن تكون بمعنى الذي، والعائد محذوف، أي: ~~توعدونه. # قوله: " إن هي " " هي " ضمير يفسره سياق الكلام، أي: إن الحياة إلا ~~حياتنا. # وقال الزمخشري: هذا ضمير لا يعلم ما يراد به إلا بما يتلوه من بيانه، ~~وأصله: إن الحياة { إلا حياتنا الدنيا } ، فوضع " هي " موضع " ~~الحياة " لأن الخبر يدل عليها ويبينها، ومنه: هي النفس تتحمل ما ~~حملت، وهي العرب تقول ما شاءت. وقد جعل بعضهم هذا القسم مما ~~يفسر بما بعده لفظا ورتبة، ونسبه إلى الزمخشري متعلقا بما نقلناه عنه. ~~قال شهاب الدين: ولا تعلق له في ذلك. # قوله: " نموت ونحيا " جملة مفسرة لما ادعوه من أن حياتهم ما هي ~~إلا كذا. وزعم بعضهم أن فيها دليلا على عدم الترتيب في الواو، إذ ~~المعنى: نحيا ونموت إذ هو الواقع. # ولا دليل فيها لأن الظاهر من معناها يموت البعض منا ويحيا آخرون وهلم ~~جرا يسير إلى انقراض العصر ويخلف غيره مكانه. وقل: نموت نحن ويحيا ~~أبناؤنا. # وقيل: القوم كانوا يعتقدون الرجعة أي: نموت ثم نحيا بعد ذلك الموت. # فصل # اعلم أن القوم طعنوا في نبوته بكونه بشرا يأكل ويشرب، ثم جعلوا ~~طاعته خسرانا: أي: إنكم إن أعطيتموه الطاعة من غير أن يكون لكم بإزائها ~~نفع، فذلك هو الخسران، ثم طعنوا في صحة الحشر والنشر، فقالوا: { ~~أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما ~~أنكم مخرجون } معادون أحياء للمجازاة، ثم لم يقتصروا على هذا ~~القدر حتى قرنوا به الاستبعاد العظيم، فقالوا: { هيهات هيهات ~~لما توعدون } ثم أكدوا ذلك بقولهم: { إن هي إلا حياتنا ~~الدنيا نموت ونحيا } ولم يريدوا بقولهم: " نموت ونحيا " ~~الشخص الواحد، بل أرادوا أن البعض يموت والبعض يحيا، وأنه لا إعادة ولا ~~حشر فلذلك قالوا: { وما نحن بمبعوثين } ثم بنوا على هذا ~~فطعنوا في نبوته وقالوا لما أتى في دينه بهذا الباطل فقد { افترى ~~على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين }. # واعلم أن الله - تعالى - ما أجاب عن هاتين الشبهتين لظهور فسادهما ~~أما الأولى: فتقدم الجواب عنها. وأما إنكارهم الحشر والنشر فجوابه، ms6438 ~~أنه لما كان قادرا على كل الممكنات عالما بكل المعلومات وجب أن يكون ~~قادرا على الحشر والنشر، وأيضا: فلولا الإعادة لكان تسليط القوي على ~~الضعيف في الدنيا ظلما، وهو غير لائق بالحكيم على ما تقرر في قوله ~~تعالى: # إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس ~~بما تسعى # [طه: 15]. # واعلم أن الرسول لما يئس من قبول دعوته فزع إلى ربه وقال: { رب ~~انصرني بما كذبون } وقد تقدم تفسيره. فأجاب الله سؤاله وقال: ~~{ عما قليل ليصبحن نادمين }. # قوله: " عما قليل " في (ما) هذه وجهان: # أحدهما: أنها مزيدة بين الجار والمجرور للتوكيد كما زيدت الباء نحو: " ~~فبما رحمة " ، وفي من نحو " مما خطاياهم ". # و " قليل " صفة لزمن محذوف، أي: عن زمن قليل. # والثاني: أنها غير زائدة، بل هي نكرة بمعنى شيء أو زمن، و " قليل " ~~صفتها، أو بدل منها، وهذا الجار فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه متعلق بقوله: " ليصبحن " ، أي: ليصبحن عن زمن قليل ~~نادمين. # الثاني: أنه متعلق ب " نادمين " ، وهذا على أحد الأقوال في لام ~~القسم، وذلك أن فيها ثلاثة أقوال: # جواز تقديم معمول ما بعدها عليها مطلقا، وهو قول الفراء وأبي عبيدة. # والثاني: المنع مطلقا، وهو قول جمهور البصريين. # والثالث: التفصيل بين الظرف وعديله وبين غيرهما، فيجوز للاتساع ويمتنع ~~في غيرهما فلا يجوز في: والله لأضربن زيدا، زيدا لأضربن لأنه غير ظرف ~~ولا عديله. # والثالث من الأوجه المتقدمة: أنه متعلق بمحذوف تقديره: عما قليل ~~تنصر حذف لدلالة ما قبله عليه، وهو قوله: " رب انصرني ". وقرئ: " ~~لتصبحن " بتاء الخطاب على الالتفات، أو على أن القول صدر من ~~الرسول لقومه بذلك. # قوله: " عما قليل " الآية معناه أنه يظهر لهم علامات الهلال فعند ~~ذلك يحصل لهم الحسرة والندامة على ترك القبول. ثم بين تعالى الهلاك الذي ~~أنزل عليهم بقوله: { فأخذتهم الصيحة بالحق } قيل: إن ~~جبريل - عليه السلام - صاح بهم صيحة عظيمة فهلكوا. وقال ابن عباس: ~~الصيحة الرجفة. وعن الحسن: الصيحة نفس العذاب والموت. كما يقال فيمن ~~يموت: دعي فأجاب. # وقيل: هي العذاب المصطلم، ms6439 قال الشاعر: # 3797- صاح الزمان بآل برمك صيحة # خروا لشدتها على الأذقان # والأول أولى لأنه الحقيقة. # قوله: " بالحق " أي: دمرناهم بالعدل، من قولك: فلان يقضي بالحق إذا ~~كان عادلا في قضائه. # وقال المفضل: " بالحق " بما لا مدفع له كقوله: # وجاءت سكرة الموت بالحق # [ق: 19]. # قوله: " فجعلناهم غثاء " الجعل بمعنى: التصيير، و " غثاء " ~~مفعول ثان، والغثاء: قيل: هو الجفاء، وتقدم في الرعد، قاله الأخفش وقال ~~الزجاج: هو البالي من ورق الشجر والعيدان إذا جرى السيل خالط زبده واسود، ~~ومنه قوله: " غثاء أحوى " وقيل: كل ما يلقيه السيل والقدر مما لا ~~ينتفع به، وبه يضرب المثل في ذلك ولامه واو، لأنه من غثا الوادي ~~يغثو غثوا، وكذلك غثت القدر، وأما غثيت نفسه تغثي ~~غثيانا، أي: خبثت. فهو قريب من معناه، ولكنه من مادة الياء. # وتشدد (ثاء) الغثاء، وتخفف، وقد جمع على أغثاء، وهو شاذ، بل كان ~~قياسه أن يجمع على أغثية، كأغرية، وعلى غيثان، كغربان، ~~وغلمان وأنشدوا لامرئ القيس: # 3798- من السيل والغثاء فلكة مغزل # بتشديد الثاء، وتخفيفها، والجمع، أي: والأغثاء. # قوله: { فبعدا للقوم الظالمين } " بعدا " مصدر يذكر ~~بدلا من اللفظ بفعله فناصبه واجب الإضمار لأنه بمعنى الدعاء عليهم، ~~والأصل: بعد بعدا وبعدا نحو رشد رشدا ورشدا وفي هذه ~~اللام قولان: # أظهرهما: أنها متعلقة بمحذوف للبيان، كهي في سقيا له، وجدعا له. ~~قاله الزمخشري. # والثاني: أنها متعلقة ب " بعدا " قاله الحوفي. وهذا مردود، لأنه ~~لا يحفظ حذف هذه اللام، ووصول المصدر إلى مجرورها ألبتة، ولذلك منعوا ~~الاشتغال في قوله: # والذين كفروا فتعسا لهم # [محمد: 8] لأن اللام لا تتعلق ب " تعسا " بل بمحذوف، وإن كان ~~الزمخشري جوز ذلك، وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. # فصل # " فجعلناهم غثاء " صيرناهم هلكى فيبسوا يبس الغثاء من ~~نبات الأرض، " فبعدا " بمنزلة اللعن الذي هو التبعيد من الخير " ~~للقوم الظالمين " الكافرين، ذكر هذا على وجه الاستخفاف والإهانة ~~لهم. ### || [23.42-44] # قوله تعالى: { ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين } أي: ~~أقواما آخرين. قيل: المراد قصة لوط، وشعيب، وأيوب، ويوسف - صلوات الله ms6440 ~~عليهم أجمعين -، والمعنى: أنه ما أخلى الديار من المكلفين. { ما ~~تسبق من أمة أجلها } (من) صلة كأي: ما تسبق أمة ~~أجلها وقت هلاكها. وقيل: آجال حياتها وتكليفها. قال أهل السنة: هذه الآية ~~تدل على أن المقتول ميت بأجله، إذ لو قتل قبل أجله لكان قد تقدم الأجل ~~أو تأخر، وذلك ينافيه هذا النص. # قوله: { ثم أرسلنا رسلنا تترى } في " تترى " وجهان: # أظهرهما: أنه منصوب على الحال من " رسلنا " ، يعني: متواترين أي: ~~واحدا بعد واحد، أو متتابعين على حسب الخلاف في معناه. وحقيقته: أنه ~~مصدر واقع موقع الحال. # والثاني: أنه نعت مصدر محذوف، تقديره: إرسالا تترى، أي: متتابعا أو ~~إرسالا إثر إرسال وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر، وهي قراءة الشافعي ~~" تترى " بالتنوين، ويقفون بالألف، وباقي السبعة " تترى " بألف ~~صريحة دون تنوين، والوقف عندهم يكون بالياء، ويميله حمزة والكسائي، وهو ~~مثل غضبى وسكرى، ولا يميله أبو عمرو في الوقف، وهذه هي اللغة ~~المشهورة. فمن نون فله وجهان: # أحدهما: أن وزن الكلمة فعل كفلس فقوله: " تترى " كقولك: نصرته ~~نصرا؛ ووزنه في قراءتهم " فعلا ". وقد رد هذا الوجه، بأنه لم ~~يحفظ جريان حركات الإعراب على رائه، فيقال: هذا تتر، ورأيت تترا، ~~ومررت بتتر، نحو: هذا نصر، ورأيت نصرا، ومررت بنصر، فلما لم يحفظ ~~ذلك بطل أن يكون وزنه (فعلا). # الثاني: أن ألفه للإلحاق بجعفر، كهي في أرطى وعلقى، فلما ~~نون ذهبت لالتقاء الساكنين وهذا أقرب مما قبله، ولكنه يلزم منه وجود ~~ألف الإلحاق في المصادر، وهو نادر (ومن لم ينون، فله فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن الألف بدل من التنوين في حالة الوقف. # والثاني: أنها للإلحاق كأرطى وعلقى). # الثالث: أنها للتأنيث كدعوى، وهي واضحة. # فتحصل في ألفه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها بدل من التنوين في الوقف. # الثاني: أنها للإلحاق. # الثالث: أنها للتأنيث. # واختلفوا فيها هل هي مصدر كدعوى و " ذكرى " ، أو اسم جمع ك " ~~أسرى " و " شتى "؟ كذا قاله أبو حيان. وفيه نظر: إذ المشهور أن " ~~أسرى " و " شتى " جمعا تكسير لا ms6441 اسما جمع. وتاؤها في الأصل واو ~~لأنها من المواترة، والوتر، فقلبت تاء كما قلبت تاء في " تورية " ، ~~وتولج، وتيقور، وتخمة وتراث، وتجاه فإنه من الوري والولوج، ~~والوقار، والوخامة، والوراثة، والوجه. واختلفوا في مدلولها، فعن ~~الأصمعي: واحدا بعد واحد وبينهما هنيهة وقال غيره: هو من ~~المواترة، وهي التتابع بغير مهلة. # وقال الراغب: والتواتر تتابع الشيء وترا وفرادى، قال تعالى: ~~{ ثم أرسلنا رسلنا تترى }. والوتيرة: السجية ~~والطريقة، يقال: هم على وتيرة واحدة. والترة: الذحل ~~والوتيرة: الحاجز بن المنخرين. # قوله: { كل ما جآء أمة رسولها كذبوه } أي: أنهم ~~سلكوا في تكذيب أنبيائهم مسلك من تقدم ذكره ممن أهلكه الله بالغرق ~~والصيحة، ولذلك قال: { فأتبعنا بعضهم بعضا } بالإهلاك. # قوله: { وجعلناهم أحاديث } قيل: هو جمع حديث، ولكنه شاذ. ~~والمعنى: سمرا وقصصا يحدث من بعدهم بأمرهم، ولم يبق منهم عين ولا أثر ~~إلا الحديث الذي يعتبر به. # وقيل: بل هو جمع أحدوثة، كأضحوكة وأعجوبة، وهو ما يتحدث به ~~الناس تلهيا وتعجبا. # وقال الأخفش: لا يقال ذلك إلا في الشر ولا يقال في الخير وقد شذت العرب ~~في ألفاظ، فجمعوها على صيغة (أفاعيل) كأباطيل وأقاطيع. وقال الزمخشري: ~~الأحاديث يكون اسم جمع للحديث، ومنه أحاديث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # وقال أبو حيان: و (أفاعيل) ليس من أبنية اسم الجمع، فإنما ذكره النحاة ~~فيما شذ من الجموع كقطيع وأقاطيع، وإذا كان عباديد قد حكموا عليه ~~بأنه جمع تكسير مع أنهم لم يلفظوا له بواحد، فأحرى أحاديث وقد لفظ له ~~بواحد وهو حديث فاتضح أنه جمع تكسير لا اسم جمع لما ذكرنا. ثم قال تعالى: ~~{ فبعدا لقوم لا يؤمنون } وهذا دعاء، وذم، وتوبيخ، وذلك ~~وعيد شديد. ### || [23.45-49] # قوله تعالى: { ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون } الآية. ~~يجوز أن يكون " هارون " بدلا، وأن يكون بيانا، وأن يكون منصوبا ~~بإضمار أعني. واختلفوا في الآيات، فقال ابن عباس: هي الآيات التسع وهي ~~العصا، واليد، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والبحر، والسنين، ونقص ~~الثمرات. وقال الحسن: " بآياتنا " أي: بديننا. واحتج بأن المراد لو ~~كان ms6442 الآيات وهي المعجزات، والسلطان المبين: هو أيضا المعجز، لزم منه عطف ~~الشيء على نفسه. # والأول أقرب، لأن لفظ الآيات إذا ذكر مع الرسول فالمراد به المعجزات. # وأما احتجاجه فالجواب عنه من وجوه: # الأول: أن المراد بالسلطان المبين: يجوز أن يكون أشرف معجزاته، وهي ~~العصا، لأن فيها معجزات شتى من انقلابها حية وتلقفها ما صنع السحرة، ~~وانفلاق البحر، وانفجار العيون من الحجر بضربهما بها، وكونها حارسا، ~~وشمعة، وشجرة مثمرة، ودلوا، ورشاء، فلاجتماع هذه الفضائل فيها ~~أفردت بالذكر كقوله: " وجبريل وميكال ". # والثاني: يجوز أن يكون المراد بالآيات نفس تلك المعجزات، وبالسلطان ~~المبين كيفية دلالتها على الصدق، فلأنها وإن شاركت آيات سائر الأنبياء ~~في كونها آيات فقد فارقتها في قوة دلالتها على قبول قول موسى - عليه ~~السلام -. # الثالث: أن يكون المراد بالسلطان المبين استيلاء موسى - عليه السلام - ~~عليهم في الاستدلال على وجود الصانع، وإثبات النبوة، وأنه ما كان يقيم ~~لهم قدرا ولا وزنا. # واعلم أن الآية تدل على أن معجزات موسى كانت معجزات هارون أيضا وأن ~~النبوة مشتركة بينهما، فكذلك المعجزات. ثم قال: { إلى فرعون ~~وملئه فاستكبروا } وتعظموا عن الإيمان { وكانوا قوما ~~عالين } متكبرين قاهرين غيرهم بالظلم. # قوله: " لبشرين " شر يقع على الواحد والمثنى والمجموع، والمذكر ~~والمؤنث قال تعالى: # مآ أنتم إلا بشر # [يس: 15]، وقد يطابق، ومنه هذه الآية وأما إفراد " مثلنا " ، فلأنه ~~يجري مجرى المصادر في الإفراد والتذكير، ولا يؤنث أصلا، وقد يطابق ما هو ~~له تثنية لقوله: # مثليهم رأي العين # [آل عمران: 13] وجمعا كقوله: # ثم لا يكونوا أمثالكم # [محمد: 38]. # وقيل: أريد المماثلة في البشرية لا الكمية. وقيل: اكتفى بالواحد عن ~~الاثنين. { وقومهما لنا عابدون } جملة حالية. # فصل # " فقالوا " يعني لفرعون وقومه { أنؤمن لبشرين مثلنا } ~~يعنون موسى وهارون { وقومهما لنا عابدون } مطيعون متذللون. ~~قال أبو عبيدة: والعرب تسمي كل من دان لملك عابدا له ويحتمل أن يقال: ~~إنه كان يدعي الإلهية، وإن طاعة الناس له عبادة، ولما خطر ببالهم هذه ~~الشبهة صرحوا بالتكذيب، ولما كان التكذيب كالعلة لهلاكهم لا جرم ~~رتبه عليه ms6443 بفاء التعقيب، فقال: { فكذبوهما فكانوا من ~~المهلكين } أي: بالغرق (أي: فيمن حكم عليهم بالغرق) فإن الغرق لم ~~يحصل عقيب التكذيب، (إنما حصل عقيب التكذيب) حكم الله - تعالى - عليهم ~~بالغرق في الوقت اللائق به. # قوله: { ولقد آتينا موسى الكتاب } قيل: أراد قوم موسى، ~~فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ولذلك أعاد الضمير من قوله: " ~~لعلهم " عليهم. # وفيه نظر، إذ يجوز عود الضمير على القوم من غير تقدير إضافتهم إلى ~~موسى، ويكون هدايتهم مترتبة على إيتاء التوراة لموسى. قال الزمخشري: لا ~~يجوز أن يرجع الضمير في " لعلهم " إلى فرعون وملئه لأن التوراة إنما ~~أوتيت بنو إسرائيل بعد إغراق فرعون، بدليل قوله تعالى # ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد مآ أهلكنا ~~القرون الأولى # [القصص: 43]. # بل المعنى الصحيح ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يعملون بشرائعها، ~~ومواعظها، فذكر موسى والمراد آل موسى كما يقال: هاشم وثقيف. والمراد ~~قومهم. ### || [23.50] # قوله تعالى: { وجعلنا ابن مريم وأمه آية } والمراد ~~عيسى - عليه السلام - وأمه " آية " دلالة على قدرتنا. ولم يقل آيتين ~~قيل: معناه جعلنا شأنهما آية. وقيل المعنى كل واحد آية كقوله: # كلتا الجنتين آتت أكلها # [الكهف: 33]. قال المفسرون: معنى كون عيسى وأمه آية أنه خلق من غير ~~ذكر، وأنطقه في المهد في الصغر، وأجرى على يده إبراء الأكمه والأبرص، ~~وإحياء الموتى وأما مريم فلأنها حملت من غير ذكر. وقال الحسن: تكلمت ~~مريم في صغرها كما تكلم عيسى وهو قولها: # هو من عند الله إن الله يرزق من يشآء بغير ~~حساب # [آل عمران: 37]، ولم تلقم ثديا قط. قال ابن الخطيب: والأقرب أن جعلهما ~~آية هو نفس الولادة، لأنه ولد من غير ذكر وولدته من دون ذكر فاشتركا ~~جميعا في هذا الأمر العجيب الخارق للعادة، ويدل على هذا وجهان: # الأول: قوله: { وجعلنا ابن مريم وأمه آية } لأن نفس ~~المعجز ظهر منهما، لا أنه ظهر على يديهما، لأن الولادة فيه وفيها ~~بخلاف الآيات التي ظهرت على يده. # الثاني: قوله: { آية } ولم يقل آيتين، وحمل هذا اللفظ على الأمر الذي ~~لا ms6444 يتم إلا بمجموعهما أولى، وذلك هو الولادة لا المعجزات التي كانت ~~لعيسى. # قوله: { وآويناهمآ إلى ربوة } " الربوة " و " ~~الرباوة " في رائهما الحركات الثلاثة، وهي الأرض المرتفعة. # قال عطاء عن ابن عباس: هي بيت المقدس، وهو قول قتادة وأبي العالية وكعب ~~قال كعب: هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا. # وقال أبو هريرة: إنها الرملة. وقال السدي: أرض فلسطين. وقال عبد ~~الله بن سلام: هي دمشق، وهو قول سعيد بن المسيب ومقاتل والضحاك. وقال ~~الكلبي وابن زيد: هي مصر. والقرار: المستقر من أرض مستوية منبسطة. وقال ~~قتادة: ذات ثمار وماء، أي: لأجل الثمار يستقر فيها ساكنوها. قوله: " ~~ومعين " صفة لموصوف محذوف، أي: وماء معين. وفيه قولان: # أحدهما: أن ميمه زائدة، وأصله معيون. أي: مبصر بالعين فأعل إعلال ~~مبيع وبابه وهو مثل قولهم: كبدته، أي ضربت كبده، ورأسته أي: أصبت ~~رأسه، وعنته أي: أدركته بعيني ولذلك أدخله الخليل في مادة ع ي ن. # والثاني: أن الميم أصلية، ووزنه (فعيل) مشتق من المعن. # واختلف في المعين، فقيل: هو الشيء القليل، ومنه: الماعون. وقيل: هو من ~~معن الشيء معانة أي: كثر، قال جرير: # 3799- إن الذين غدوا بلبك غادروا # وشلا بعينك لا يزال معينا # وقال الراغب: هو من معن الماء جرى، وسمي مجاري الماء معنان، ~~وأمعن الفرس تباعد في عدوه، وأمعن بحقي: ذهب به، وفلان معن في ~~حاجته يعني: سريعا فكله راجع إلى معنى الجري والسرعة. # وفي المعين قولان: # أحدهما: أنه مفعول، لأنه لظهوره مدرك بالعين من عانه: إذا أدركه بعينه. # وقال الفراء والزجاج: إن شئت جعلته (فعيلا) من الماعون، ويكون ~~أصله من المعن والماعون فاعول منه. قال أبو علي: والمعين: السهل الذي ~~ينقاد ولا يتعاصى، والماعون ما سهل على معطيه. قالوا: وسبب الإيواء أنها ~~فرت بابنها عيسى إلى الربوة وبقيت بها اثنتي عشرة سنة، وإنما ذهب بها ~~ابن عمها يوسف، ثم رجعت إلى أهلها بعدما مات ملكهم. ### || [23.51-56] # قوله تعالى: { يأيها الرسل كلوا من الطيبات } ~~الآية. # اعلم أن هذا خطاب مع كل الرسل، ms6445 وذلك غير ممكن، لأن الرسل إنما ~~أرسلوا متفرقين في أزمنة مختلفة، فلهذا تأولوه على وجوه: # فقيل: معناه الإعلام بأن كل رسول نودي في زمانه بهذا المعنى، ووصي به، ~~ليعتقد السامع أن أمرا نودي له جميع الرسل، ووصوا به، حقيق أن يؤخذ ~~ويعمل عليه. # وقال الحسن ومجاهد وقتادة والسدي والكلبي وجماعة: أراد به محمدا - عليه ~~السلام - وحده على مذهب العرب في مخاطبة الواحد بلفظ الجماعة كقولك ~~للواحد: أيها القوم كفوا عنا أذاكم ولأنه ذكر ذلك بعد انقضاء أخبار ~~الرسل. وقال ابن جرير: المراد عيسى - عليه السلام - لأنه إنما ذكر بعد ~~ذكره مكانه الجامع للطعام والشراب، ولأنه روي " أن عيسى عليه الصلاة ~~والسلام كان يأكل من غزل أمه ". # والأول أقرب، لأنه أوفق للفظ، ولأنه # " روي عن أم عبد الله أخت شداد بن أوس أنها بعثت إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بقدح لبن في شدة الحر عند فطره وهو صائم فرده الرسول ~~إليها وقال: " من أين لك هذا؟ " ، فقالت: من شاة لي، فقال: " من أين ~~هذه الشاة؟ " ، فقالت: اشتريتها بمالي، فأخذه، ثم إنها جاءته فقالت: ~~يا رسول الله لم رددته؟ فقال - عليه السلام -: " بذلك أمرت الرسل أن ~~لا تأكل إلا طيبا ولا تعمل إلا صالحا " ". # واختلفوا في الطيب، فقيل: هو الحلال. وقيل: هو المستطاب المستلذ من ~~المأكل. # قوله: { واعملوا صالحا } يجوز أن يكون " صالحا " نعتا لمصدر ~~محذوف أي: واعملوا عملا صالحا من غير نظر إلى ما يعملونه، كقولهم: ~~يعطي ويمنع. ويجوز أن يكون مفعولا به، وهو واقع على نفس المعمول. { ~~إني بما تعملون عليم } وهذا تحذير من مخالفة ما أمرهم به، ~~وإذا كان تحذيرا للرسل مع علو شأنهم، فبأن يكون تحذيرا لغيرهم أولى. # قوله: { وإن هذه أمتكم أمة واحدة } قرأ ابن عامر ~~وحده " وأن هذه " بفتح الهمزة وتخفيف النون. والكوفيون بكسرها والتثقيل. ~~والباقون بفتحها والتثقيل. فأما قراءة ابن عامر فهي المخففة من الثقيلة، ~~وسيأتي توجيه الفتح في الثقيلة، فيتضح معنى قراءته. # وأما قراءة الكوفيين فعلى الاستئناف. # وأما قراءة الباقين ففيها ثلاثة ms6446 أوجه: # أحدها: أنها على حذف اللام أي: ولأن هذه، فلما حذف حرف الجر جرى ~~الخلاف المشهور، وهذه اللام تتعلق ب " اتقون ". والكلام في الفاء ~~كالكلام في قوله: # وإياي فارهبون # [البقرة: 40]. # الثاني: أنها منسوقة على " بما تعملون " أي: إني عليم بما ~~تعملون وبأن هذه، فهذه داخلة في حيز المعلوم. # الثالث: أن في الكلام حذفا تقديره: واعلموا أن هذه أمتكم. # وتقدم { فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا } وما قيل ~~فيها. # فصل # المعنى: وأن هذه ملتكم وشريعتكم التي أنتم عليها أمة واحدة، أي: ملة ~~واحدة وهي الإسلام. فإن قيل: لما كانت شرائعهم مختلفة فكيف يكون دينهم ~~واحدا؟ # فالجواب: أن المراد من الدين ما لا يختلفون من أصول الدين من معرفة ذات ~~الله وصفاته، وأما الشرائع فإن الاختلاف فيها لا يسمى اختلافا في ~~الدين، فكما يقال في الحائض والطاهر من النساء: إن دينهن واحد وإن افترق ~~تكليفهما فكذا هنا. # وقيل: المعنى: أمرتكم بما أمرت به المرسلين من قبلكم، وأمركم واحد. # { وأنا ربكم فاتقون } فاحذرون، { فتقطعوا ~~أمرهم بينهم } أي: تفرقوا فصاروا فرقا يهودا، ونصارى، ~~ومجوسا. " زبرا " أي: فرقا وقطعا مختلفة، واحدها (زبور)، وهو ~~الفرقة والطائفة، ومثلها " الزبرة " وجمعها " زبر " ومنه # زبر الحديد # [الكهف: 96]. # وقرأ بعض أهل الشام: " زبرا " بفتح الباء. وقال مجاهد وقتادة " ~~زبرا " أي: كتبا، أي: دان كل فريق بكتاب غير الكتاب الذي دان به ~~الآخر. # وقيل: جعلوا كتبهم قطعا آمنوا بالبعض وكفروا بالبعض وحرفوا البعض { ~~كل حزب بما لديهم فرحون } بما عندهم من الدين معجبون ~~مسرورون. # ولما ذكر تفرقهم في دينهم أتبعه بالوعيد وقال: { فذرهم في ~~غمرتهم } وهذا خطاب لنبينا - عليه السلام -، أي: دع هؤلاء الكفار ~~في جهلهم. # قوله: " في غمرتهم " مفعول ثان ل " ذرهم " أي: اتركهم مستقرين ~~" في غمرتهم " ويجوز أن يكون ظرفا للترك، والمفعول الثاني محذوف. ~~والغمرة في الأصل الماء الذي يغمر القامة، والمغمر الماء الذي يغمر ~~الأرض ثم استعير ذلك للجهالة، فقيل: فلان في غمرة والمادة تدل على ~~الغطاء والاستتار ومنه الغمر - بالضم - لمن لم يجرب الأمور، وغمار ~~الناس وخمارهم زحامهم، والغمر ms6447 - بالكسر - الحقد، لأنه يغطي القلب، ~~فالغمرات الشدائد، والغامر: الذي يلقي نفسه في المهالك. وقال الزمخشري: ~~الغمرة الماء الذي يغمر القامة، فضربت لهم مثلا لما هم فيه من جهلهم ~~وعمايتهم، او شبهوا باللاعبين في غمرة الماء لما هم عليه من ~~الباطل كقوله: # 3800- كأنني ضارب في غمرة لعب # وقرأ أمير المؤمنين وأبو حيوة وأبو عبد الرحمن " غمراتهم " بالجمع، ~~لأن لكل منهم غمرة تخصه. وقراءة العامة لا تأبى هذا المعنى، فإنه اسم ~~جنس مضاف. # قوله: " حتى حين " أي إلى أن يموتوا. وقيل: إلى حين المعاينة. وقيل: ~~إلى حين العذاب. ولما كان القوم في نعم عظيمة في الدنيا جاز أن يظنوا ~~أن تلك النعم كالثواب المعجل لهم إلى أديانهم، فبين سبحانه أن الأمر ~~بخلاف ذلك فقال: { أيحسبون أنما نمدهم به من مال ~~وبنين } أي: أن ما نعطيهم ونجعله مددا لهم من المال والبنين في ~~الدنيا ل { نسارع لهم في الخيرات } أي: نعجل لهم في ~~الخيرات، ونقدمها ثوابا بأعمالهم لمرضاتنا عنهم { بل لا يشعرون ~~} أن ذلك استدراج لهم. # قوله: " أنما نمدهم " في " ما " ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها بمعنى الذي، وهي اسم (أن) و(نمدهم به) صلتها ~~وعائدها محذوف، و(من مال) حال من الموصول أو بيان له، فيتعلق بمحذوف، ~~و(نسارع) خبر (أن) والعائد من هذه الجملة إلى اسم (أن) محذوف ~~تقديره: نسارع لهم به أو فيه إلا أن حذف مثله قليل. وقيل: الرابط بين ~~هذه الجملة باسم " أن " هو الظاهر الذي قام مقام المضمر من قوله: " في ~~الخيرات " ، إذ الأصل نسارع لهم فيه، فأوقع الخيرات موقعه تعظيما ~~وتنبيها على كونه من الخيرات، وهذا يتمشى على مذهب الأخفش، إذ يرى ~~الربط بالأسماء الظاهرة وإن لم يكن بلفظ الأول، فيجيز زيد الذي قام أبو ~~عبد الله، إذا كان أبو عبد الله كنية زيد، وتقدمت منه أمثلة. قال أبو ~~البقاء: ولا يجوز أن يكون الخبر (من مال)، لأنه (إذا) كان من مال فلا ~~(يعاب عليهم ذلك، وإنما) يعاب عليهم اعتقادهم أن تلك الأموال خير لهم. # الثاني: أن تكون (ما) مصدرية ms6448 فينسبك منها ومما بعدها مصدر، هو اسم ~~(أن)، و " نسارع " هو الخبر، وعلى هذا فلا بد من حذف (أن) المصدرية ~~قبل " نسارع " ، ليصح الإخبار، تقديره: أن نسارع. فلما حذفت (أن) ~~ارتفع المضارع بعدها، والتقدير: أيحسبون أن إمدادنا لهم من كذا مسارعة ~~منا لهم في الخيرات. # الثالث: أنها مهيئة كافة، وبه قال الكسائي في هذه الآية، وحينئذ يوقف ~~على (وبنين)، لأنه قد حصل بعد فعل الحسبان نسبة من مسند ومسند إليه ~~نحو: حسبت إنما ينطلق عمرو وإنما تقوم أنت. وقرأ يحيى بن وثاب: " ~~إنما " بكسر الهمزة على الاستئناف، ويكون حذف مفعول الحسبان اقتصارا ~~واختصارا. وابن كثير في رواية " يمدهم " بالياء، وهو الله تعالى، ~~وقياسه أن يقرأ " يسارع " أيضا. وقرأ السلمي وابن أبي بكرة " يسارع ~~" بالياء وكسر الراء، وفي فاعله وجهان: # أحدهما: الباري تعالى. # والثاني: ضمير (ما) الموصولة إن جعلناها بمعنى (الذي)، أو على المصدر إن ~~جعلناها مصدرية، وحينئذ يكون " يسارع لهم " الخبر. فعلى الأول ~~يحتاج إلى تقدير عائد أي: يسارع الله لهم به أو فيه وعلى الثاني لا ~~يحتاج إذ الفاعل ضمير (ما) الموصولة. # وعن (ابن) أبي بكرة المتقدم أيضا " يسارع " بالياء مبنيا للمفعول و ~~" في الخيرات " هو القائم مقام الفاعل، والجملة خبر (أن) والعائد ~~محذوف على ما تقدم. # وقرأ الحسن: " نسرع " بالنون من أسرع، وهي ك " نسارع " فيما ~~تقدم. و { بل لا يشعرون } إضراب عن الحسبان المستفهم عنه استفهام ~~تقريع، وهو إضراب انتقال، والمعنى: أنهم أشباه البهائم لا شعور لهم حتى ~~يتفكروا في ذلك الإمداد، أهو استدراج أم مسارعة في الخير روى يزيد بن ~~ميسرة قال: أوحى الله - تعالى - إلى نبي من الأنبياء: # " أيفرح عبدي أن أبسط له في الدنيا وهو أبعد له مني، ويجزع أن أقبض عنه ~~الدنيا وهي أقرب له مني " # ثم تلا { أيحسبون أنما نمدهم }. ### || [23.57-61] # قوله: { إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون } ~~الآيات لما ذم من تقدم بقوله: # أيحسبون أنما نمدهم # [المؤمنون: 55] ثم قال: # بل لا يشعرون # [المؤمنون: 56]، بين بعده صفات من يسارع في الخيرات، ms6449 فقال: { إن ~~الذين هم من خشية ربهم مشفقون } ، والإشفاق يتضمن ~~الخشية مع زيادة رقة وضعف. وقيل: جمع بينهما للتأكيد. ومنهم من حمل ~~الخشية على العذاب، والمعنى: إن الذين هم من عذاب ربهم مشفقون أي: خائفون ~~من عقابه. # قوله: " من خشية " فيه وجهان: # أحدهما: أنها لبيان الجنس. قال ابن عطية: هي لبيان جنس الإشفاق. # قال شهاب الدين: وهي عبارة قلقة. # والثاني: أنها متعلقة ب " مشفقون ". قاله الحوفي، وهو واضح. # قوله: { والذين هم بآيات ربهم يؤمنون } يصدقون، ~~وآيات الله هي المخلوقات الدالة على وجوده. { والذين هم ~~بربهم لا يشركون } وليس المراد منه الإيمان بالتوحيد ونفي ~~الشريك لله - تعالى -، لأن ذلك داخل في قوله: { والذين هم بآيات ~~ربهم يؤمنون } بل المراد منه نفي الشرك الخفي، وهو أن يكون ~~مخلصا في العبادة لا يقدم عليها إلا لوجه الله وطلب رضوانه. # قوله: { والذين يؤتون مآ آتوا } العامة على أنه من الإيتاء، ~~أي: يعطون ما أعطوا. # وقرأت عائشة وابن عباس والحسن والأعمش: " يأتون ما أتوا " من ~~الإتيان، أي: يفعلون ما فعلوا من الطاعات. واقتصر أبو البقاء في ذكر ~~الخلاف على " أتوا " فقط، وليس بجيد، لأنه يوهم أن من قرأ " أتوا ~~" بالقصر قرأ " يؤتون " من الرباعي وليس كذلك. # قوله: { وقلوبهم وجلة } هذه الجملة حال من فاعل " يؤتون ~~" ، فالواو للحال، والمعنى: يعطون ما أعطوه، ويدخل فيه كل حق يلزم إيتاؤه ~~سواء كان من حقوق الله كالزكوات، والكفارات وغيرها. أو من حقوق الآدميين، ~~كالودائع، والديون وأصناف الإنصاف والعدل. وبين أن ذلك إنما ينفع إذا ~~فعلوه " وقلوبهم وجلة " ، أي: إنهم يقدمون على العبادة على وجل ~~من تقصير وإخلال بنقصان. # " روي أن عائشة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: { والذين ~~يؤتون مآ آتوا وقلوبهم وجلة } أهو الذي يزني، ويشرب ~~الخمر، ويسرق وهو على ذلك يخاف الله؟ فقال عليه السلام: " لا يا بنت ~~الصديق، ولكن هو الرجل يصلي ويصوم ويتصدق، وهو على ذلك يخاف الله " # قوله: " أنهم " يجوز أن يكون التقدير: وجلة من أنهم أي: خائفة ~~من رجوعهم إلى ربهم. ms6450 ويجوز أن يكون: لأنهم أي: سبب الوجل الرجوع إلى ~~ربهم. # قوله: { أولئك يسارعون } هذه الجملة خبر " إن الذين " ~~، وقرأ الأعمش: " إنهم " بالكسر، على الاستئناف، فالوقف على " ~~وجلة " تام أو كاف. # وقرأ الحسن: " يسرعون " من أسرع. قال الزجاج: يسارعون أبلغ. ~~يعني: من حيث إن المفاعلة تدل على قوة الفعل لأجل المبالغة. # قوله: { وهم لها سابقون } في الضمير في " لها " أوجه: # أظهرها: أنه يعود على الخيرات لتقدمها في اللفظ. # وقيل: يعود على الجنة. وقال ابن عباس: إلى السعادة. وقال الكلبي: سبقوا ~~الأمم إلى الخيرات. والظاهر أن " سابقون " هو الخبر، و " لها " ~~متعلق به قدم للفاصلة وللاختصاص. واللام، قيل: بمعنى (إلى)، يقال: سبقت ~~له، وإليه، بمعنى ومفعول " سابقون " محذوف، تقديره: سابقون الناس ~~إليها. وقيل: اللام للتعليل، أي: سابقون الناس لأجلها. وتكون هذه الجملة ~~مؤكدة للجملة قبلها، وهي { يسارعون في الخيرات } ، ولأنها ~~تفيد معنى آخر وهو الثبوت والاستقرار بعدما دلت الأولى على التجدد. # وقال الزمخشري: أي: فاعلون السبق لأجلها، أو سابقون الناس لأجلها قال ~~أبو حيان وهذان القولان عندي واحد. قال شهاب الدين: ليسا بواحد إذ مراده ~~بالتقدير الأول: أن لا يقدر السبق مفعول ألبتة، وإنما الغرض الإعلام ~~بوقوع السبق منهم من غير نظر إلى من سبقوه كقوله: # يحيي ويميت # [البقرة: 258]، و # كلوا واشربوا # [البقرة: 187]، و " يعطي ويمنع " وغرضه في الثاني تقدير مفعول حذف ~~للدلالة، واللام للعلة في التقديرين وقال الزمخشري أيضا: أو: إياها ~~سابقون. أي: ينالونها قبل الآخرة حيث عجلت لهم في الدنيا. قال شهاب ~~الدين: يعني أن " لها " هو المفعول ب " سابقون " ، وتكون اللام قد ~~زيدت في المفعول، وحسن زيادتها شيئان كل منهما لو انفرد لاقتضى الجواز، ~~كون العامل فرعا، وكونه مقدما عليه معموله. قال أبو حيان: ولا يدل ~~لفظ " لها سابقون " على هذا التفسير، لأن سبق الشيء الشيء يدل على ~~تقديم السابق على المسبوق، فكيف يقول: وهم يسبقون الخيرات، هذا لا يصح. ~~قال شهاب الدين: ولا أدري عدم الصحة من أي جهة، وكأنه تخيل أن السابق ~~يتقدم على المسبوق فكيف يتلاقيان؟ ms6451 لكنه كان ينبغي أن يقول: فكيف يقول: ~~وهم ينالون الخيرات، وهم لا يجامعونها، لتقدمهم عليها إلا أن يكون قد ~~سبقه القلم فكتب بدل (وهم ينالون) (وهم يسبقون) وعلى كل تقدير فأين عدم ~~الصحة؟ وقال الزمخشري أيضا: ويجوز أن يكون { وهم لها سابقون } ~~خبرا بعد خبر ومعنى " وهم لها " كمعنى قوله: # 3801- أنت لها أحمد من بين البشر # يعني: أن هذا الوصف الذي وصف به الصالحين غير خارج من حد الوسع والطاقة. # فتحصل في اللام ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها بمعنى (إلى). # الثاني: أنها للتعليل على بابها. # والثالث: أنها مزيدة. وفي خبر المبتدأ قولان: # أحدهما: أنه " سابقون " وهو الظاهر. # والثاني: أنه الجار كقوله. # 3802- أنت لها أحمد من بين البشر # وهذا قد رجحه الطبري، وهو مروي عن ابن عباس. ### || [23.62-65] # قوله: { ولا نكلف نفسا إلا وسعها } الآية، لما ذكر ~~كيفية أعمال المؤمنين المخلصين ذكر حكمين من أحكام أعمال العبادة: # الأول: قوله: { ولا نكلف نفسا إلا وسعها } قال ~~المفضل: الوسع الطاقة. # وقال مقاتل، والضحاك، والكلبي، والمعتزلة: هو دون الطاقة، لأن الوسع ~~إنما سمي وسعا، لأنه يتسع عليه فعله، ولا يصعب ولا يضيق، فبين أن ~~أولئك المخلصين لم يكلفوا أكثر مما عملوا. قال مقاتل: من لم يستطع القيام ~~فليصل قاعدا، ومن لم يستطع الجلوس فليومئ إيماء، ومن لم يستطع الصوم ~~فليفطر. # قوله: { ولدينا كتاب ينطق بالحق } " ينطق " صفة ل ~~" كتاب " و " بالحق " يجوز أن يتعلق ب " ينطق " ، وأن يتعلق ~~بمحذوف حالا من فاعله. أي: ينطق ملتبسا بالحق، ونطيره # هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق # [الجاثية: 29]. فشبه الكتاب بمن يصدر عنه البيان، فإن الكتاب لا ينطق ~~لكنه يعرب بما فيه كما يعرب وينطق الناطق إذا كان محقا. فإن قيل: ~~هؤلاء الذين يعرض عليهم ذلك الكتاب، إما ان يكونوا محيلين الكذب على ~~الله، أو مجوزين ذلك عليه، فإن أحالوه عليه، فإنهم يصدقونه في كل ما يقول ~~سواء وجد الكتاب أو لم يوجد، وإن جوزوه عليه لم يحصل لهم بذلك الكتاب ~~يقين، لتجويزهم أنه - سبحانه - كتب فيه خلاف ما حصل، ms6452 وعلى التقديرين لا ~~فائدة في ذلك الكتاب. فالجواب: يفعل الله ما يشاء، وعلى أنه لا يبعد ~~أن يكون ذلك مصلحة للمكلفين من الملائكة. # قوله: { وهم لا يظلمون } لا ينقص من حسناتهم، ولا يزاد على ~~سيئاتهم ونظيره: # ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا # [الكهف: 49]. # قالت المعتزلة: الظلم إما أن يكون بالزيادة في العقاب أو بالنقصان من ~~الثواب، أو بأن يعذب على ما لم يعمل أو بأن يكلفهم (ما لا يطيقون) ~~فتكون الآية دالة على كون العبد موجدا لفعله، وإلا لكان تعذيبه عليه ~~ظلما، ويدل على أنه - سبحانه - لا يكلف ما لا يطاق. # وأجيب بأنه لما كلف أبا لهب أن يؤمن (والإيمان يقتضي تصديق الله في كل ~~ما أخبر به، ومما أخبر أن أبا لهب لا يؤمن) فقد كلفه (بأن يؤمن) بأن لا ~~يؤمن فيلزمكم (كل ما ذكرتموه). # قوله: { بل قلوبهم في غمرة } أي: في غفلة وجهالة، يعني ~~الكفار في غفلة. " من هذا " أي: القرآن، أي من هذا الذي بيناه في ~~القرآن، أو من الكتاب الذي ينطق بالحق أو من هذا الذي هو وصف المشفقين. " ~~ولهم " أي: ولهؤلاء الكفار { أعمال من دون ذلك } أي: ~~أعمال خبيثة من المعاصي " دون ذلك " أي: سوى جهلهم وكفرهم. # وقيل: " دون ذلك " يعني: من دون أعمال المؤمنين التي ذكرها الله - عز ~~وجل - قال بعضهم: أراد أعمالهم في الحال. وقيل: بل أراد المستقبل لقوله: ~~{ هم لها عاملون }. # وإنما قال: { هم لها عاملون } ، لأنها مثبتة في علم الله - ~~تعالى - وفي اللوح المحفوظ، فوجب أن يعملوها ليدخلوا بها النار لما سبق ~~لهم من الشقاوة. وقال أبو مسلم: هذه الآيات من صفات المشفقين كأنه قال ~~بعد وصفهم: { ولا نكلف نفسا إلا وسعها } ونهايته ما أتى ~~به هؤلاء المشفقون " ولدينا كتاب " يحفظ أعمالهم " ينطق ~~بالحق " " فلا يظلمون بل قلوبهم في غمرة من هذا ~~" هو أيضا وصف لهم بالحيرة كأنه قال: وهم مع ذلك الوجل والخوف ~~كالمتحيرين في أن أعمالهم مقبولة أو مردودة { ولهم أعمال من ~~دون ذلك } أي: لهم أيضا ms6453 من النوافل ووجوه البر سوى ما هم عليه ~~إما أعمالا قد عملوها في الماضي، أو سيعملوها في المستقبل، ثم إنه ~~تعالى رجع بقوله: { حتى إذآ أخذنا مترفيهم } إلى وصف ~~الكفار وهذا قول قتادة. # قال ابن الخطيب: وقول أبي مسلم أولى، لأنه إذا أمكن رد الكلام إلى ما ~~يتصل به كان أولى من رده إلى ما بعد خصوصا، وقد يرغب المرء في فعل ~~الخير بأن يذكر أن أعمالهم محفوظة، كما يحذر بذلك من الشر، وقد يوصف ~~المرء لشدة فكره في أمر آخرته بأن قلبه في غمرة، ويراد أنه قد استولى ~~عليه الفكر في قبوله أو رده، وفي أنه هل أدى عمله كما يجب أو قصر؟ # فإن قيل: فما المراد بقوله: " من هذا " وهو إشارة إلى ماذا؟ # قلنا: إشارة إلى إشفاقهم ووجهلم بين أنهما مستوليان على قلوبهم. # قوله: { هم لها عاملون } كقوله: # هم لها سابقون # [المؤمنون: 61]. # قوله: { حتى إذآ } " حتى " هذه إما حرف ابتداء والجملة ~~الشرطية بعدها غاية لما قبلها، وإذا الثانية فجائية، وهي جواب الشرط، ~~وإما حرف جر عند بعضهم، وتقدم تحقيقه. وقال الحوفي: " حتى " غاية، ~~وهي عاطفة، و " إذا " ظرف مضاف لما بعده فيه معنى الشرط، و " إذا " ~~الثانية في موضع جواب الأولى، ومعنى الكلام عامل في " إذا " ، والمعنى: ~~جأروا، والعامل في الثانية " أخذنا ". وهو كلام لا يظهر. # وقال ابن عطية: و " حتى " حرف ابتداء لا غير، و " إذا " الثانية - ~~(التي هي جواب) - تمنعان من أن تكون " حتى " غاية ل " عاملون ". ~~قال شهاب الدين: يعني أن الجملة الشرطية وجوابها لا يظهر ان تكون غاية ~~ل " عاملون ". # وظاهر كلام مكي أنها غاية ل " عاملون " ، فإنه قال: أي: لكفار ~~قريش أعمال من الشر دون أعمال أهل البر { هم لها عاملون } إلى ~~أن يأخذ الله أهل النعمة والبطر منهم إذا هم يضجون والجؤار: الصراخ ~~مطلقا، وأنشد الجوهري: # 3803- يراوح من صلوات الملي # ك طورا سجودا وطورا جؤارا # وتقدم مستوفى في النحل. # فصل # قال الزمخشري: " حتى " هذه هي التي يبتدأ بعدها الكلام، والكلام ~~الجملة الشرطية. ms6454 # واعلم أن الضمير في " مترفيهم " راجع إلى من تقدم ذكره من الكفار، ~~لأن العذاب لا يليق إلا بهم. والمراد بالمترفين: رؤساؤهم. قال ابن ~~عباس: هو السيف يوم بدر. # وقال الضحاك: يعني الجوع حين دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: # " اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين ~~كسني يوسف " # فابتلاهم الله بالقحط حتى أكلوا الكلاب والجيف. وقيل: أراد عذاب ~~الآخرة. ثم بين تعالى أنهم إذا نزل بهم هذا " يجأرون " أي: ترتفع ~~أصواتهم بالاستغاثة والضجيج لشدة ما نالهم. # ويقال لهم على وجه التبكيت: { لا تجأروا اليوم إنكم ~~منا لا تنصرون }. # لا تمنعون منا ولا ينفعكم تضرعكم. ### || [23.66-72] # قوله تعالى: { قد كانت آياتي تتلى عليكم } يعني القرآن ~~{ فكنتم على أعقابكم تنكصون } وهذا مثل يضرب لمن ~~يتباعد عن الحق كل التباعد فهو قوله: { فكنتم على أعقابكم ~~تنكصون } أي: ترجعون قهقرى وتتأخرون عن الإيمان، وينفرون عن تلك ~~الآيات، وعن من يتلوها كما يذهب الناكص على عقبيه بالرجوع إلى ورائه. # قوله: " على أعقابكم " فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق ب " تنكصون " كقولك نكص على عقبيه. # والثاني: أنه متعلق بمحذوف، لأنه حال من فاعل (تنكصون) قاله أبو ~~البقاء وقرأ أمير المؤمنين " تنكصون " بضم العين، وهي لغة. # قوله: " مستكبرين " حال من فاعل " تنكصون " ، و " به " ~~فيه قولان: # أحدهما: أنه متعلق ب " مستكبرين ". # والثاني: أنه متعلق ب " سامرا ". # وعلى الأول فالضمير للقرآن، لأنهم كانوا يجتمعون حول البيت بالليل ~~يسمرون، وكان عامة سمرهم ذكر القرآن، وتسميته سحرا وشعرا. أو للبيت ~~شرفه الله - تعالى - كانوا يقولون: لا يظهر علينا أحد لأنا أهل الحرم، ~~كانوا يفتخرون به، لأنهم ولاته، والقائمون به. قاله ابن عباس ومجاهد. ~~وقيل الضمير في " به " للرسول - عليه السلام -. أو للنكوص المدلول عليه ~~ب " تنكصون " كقوله: # اعدلوا هو أقرب للتقوى # [المائدة: 8]. والباء في هذا كله للسببية، لأنهم استكبروا بسبب القرآن ~~لما تلي عليهم وبسبب البيت لأنهم كانوا يقولون نحن ولاته، وبالرسول لأنهم ~~كانوا يقولون هو منا دون غيرنا وبالنكوص لأنه سبب الاستكبار. وقيل: ضمن ~~الاستكبار معنى ms6455 التكذيب فلذلك عدي بالباء، وهذا يتأتى على أن يكون الضمير ~~للقرآن وللرسول. # وأما على الثاني وهو تعلقه ب " سامرا " فيجوز أن يكون الضمير ~~عائدا على ما عاد عليه فيما تقدم إلا النكوص، لأنهم كانوا يسمرون ~~بالقرآن وبالرسول يجعلونهما حديثا لهم يخوضون في ذلك كما يسمر بالأحاديث ~~وكانوا يسمرون في البيت فالباء ظرفية على هذا و " سامرا " نصب على ~~الحال إما من فاعل " تنكصون " وإما من الضمير في ~~(مستكبرين). # وقرأ ابن مسعود وابن عباس وأبو حيوة ويروى عن أبي عمرو: " سمرا " بضم ~~الفاء وفتح العين مشددة. وزيد بن علي وأبو رجاء وابن عباس أيضا " ~~سمارا " كذلك إلا أنه بزيادة ألف بين الميم والراء، وكلاهما جمع ~~لسامر، وهما جمعان مقيسان لفاعل الصفة نحو ضرب وضراب في ضارب، ~~والأفصح الإفراد، لأنه يقع على ما فوق الواحد بلفظ الإفراد يقال: قوم ~~سامر ونظيره: " نخرجكم طفلا ". والسامر مأخوذ من السمر، ~~وهو سهر الليل أو مأخوذ من السمر: وهو ما يقع على الشجر من ضوء ~~القمر، فيجلسون إليه يتحدثون مستأنسين به قال: # 3804- كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا # أنيس ولم يسمر بمكة سامر # وقال الراغب: السامر: الليل المظلم يقال: ولا آتيك ما سمر ~~ابنا سمير يعنون الليل والنهار. وقال الراغب: ويقال: سامر، ~~وسمار، وسمرة، وسامرون. وسمرت الشيء، وإبل مسمرة، ~~أي: مهملة، والسامري: منسوب إلى رجل انتهى. # والسمرة أحد الألوان، والسمراء يكنى بها عن الحنطة. # قوله: " تهجرون " قرأ العامة بفتح التاء وضم الجيم، وهي تحتمل ~~وجهين: # أحدهما: أنها من الهجر بسكون الجيم، وهو القطع والصد. أي تهجرون آيات ~~الله ورسوله، وتزهدون فيهما فلا تصلونهما. # والثاني: أنها من الهجر - بفتحها - وهو الهذيان، يقال: هجر المريض ~~هجرا أي: هذى فلا مفعول له. ونافع وابن محيصن بضم التاء وكسر الجيم من ~~أهجر إهجارا، أي: أفحش في منطقه قال ابن عباس: يعني كانوا يسبون ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقرأ زيد بن علي، وابن محيصن، وأبو ~~نهيك بضم التاء وفتح الهاء وكسر الجيم مشددة مضارع هجر بالتشديد، وهو ~~محتمل ms6456 لأن يكون تضعيفا للهجر أو للهجر (أو للهجر) وقرأ ابن أبي ~~عاصم كالعامة إلا أنه بالياء من تحت، وهو التفات. # قوله: { أفلم يدبروا القول } أي: يتدبروا القول، يعني ما ~~جاءهم من القول وهو القرآن من حيث إنه كان مباينا لكلام العرب في ~~الفصاحة، ومبرأ من التناقض مع طوله، فيعرفوا ما فيه من الدلالات على صدق ~~محمد صلى الله عليه وسلم، ومعرفة الصانع، والوحدانية، فيتركوا الباطل، ~~ويرجعوا إلى الحق { أم جآءهم ما لم يأت آبآءهم ~~الأولين } واعلم أن إقدامهم على كفرهم وجهلهم لا بد وأن يكون ~~لأحد أمور أربعة: # الأول: أن لا يتأملوا دليل ثبوته، وهو المراد من قوله: { أفلم ~~يدبروا القول } وهو القرآن يعني: أنه كان معروفا لهم. # والثاني: أن يعتقدوا أن مجيء الرسول على خلاف العادة، وهو المراد من ~~قوله: { أم جآءهم ما لم يأت آبآءهم } وذلك أنهم عرفوا ~~بالتواتر مجيء الرسول إلى الأمم السالفة، وكانت الأمم بين مصدق ناج ~~وبين مكذب هالك، أفما دعاهم ذلك إلى تصديق الرسل. # وقال بعضهم: " أم " هاهنا بمعنى " بل " والمعنى بل جاءهم ما لم يأت ~~آباءهم. # والثالث: أن لا يكونوا عالمين بديانته، وحسن خصاله قبله ادعائه النبوة، ~~وهو المراد من قوله: { أم لم يعرفوا رسولهم فهم له ~~منكرون } والمعنى: أنهم كانوا يعرفونه قبل أن يدعي الرسالة، وكونه في ~~نهاية الأمانة والصدق وغاية الفرار عن الكذب والأخلاق الذميمة، وكانوا ~~يسمونه الأمين، فكيف كذبوه بعد أن اتفقت كلمتهم على تسميته بالأمين. # والرابع: أن يعتقدوا فيه الجنون، فيقولوا إنما حمله على ادعاء الرسالة ~~جنونه، وهو المراد بقوله { أم يقولون به جنة }. # وهذا أيضا ظاهر الفساد، لأنهم كانوا يعلمون بالضرورة أنه أعقل الناس، ~~فالمجنون كيف يمكنه أن يأتي بمثل ما أتى به من الدلائل القاطعة، والشرائع ~~الكاملة. # وفي كونهم سموه بذلك وجهان: # أحدهما: أنهم نسبوه إلى ذلك من حيث كان يطمع في انقيادهم له، وكان ذلك ~~من أبعد الأمور عندهم، فنسبوه إلى الجنون لذلك. # والثاني: أنهم قالوا ذلك إيهاما لعوامهم لئلا ينقادوا له، فذكروا ذلك ~~استحقارا له. ms6457 # ثم إنه - تعالى - بعد أن عد هذه الوجوه، ونبه على فسادها قال: { بل ~~جآءهم بالحق } أي: بالصدق والقول الذي لا يخفى صحته على عاقل { ~~وأكثرهم للحق كارهون } لأنهم تمسكوا بالتقليد، وعلموا ~~أنهم لو أقروا بمحمد لزالت رياستهم ومناصبهم، فلذلك كرهوه. # فإن قيل قوله: { وأكثرهم للحق كارهون } يدل على أن ~~أقلهم لا يكرهون الحق. # فالجواب: أنه كان منهم من ترك الإيمان أنفة من توبيخ قومه، وأن يقولوا ~~ترك دين آبائه لا كراهة للحق. # قوله: { ولو اتبع الحق أهوآءهم } الجمهور على كسر ~~الواو لالتقاء الساكنين وابن وثاب بضمها تشبيها بواو الضمير كما كسرت ~~واو الضمير تشبيها بها. # فصل # قال ابن جريج ومقاتل والسدي وجماعة: الحق هو الله. أي: لو اتبع الله ~~مرادهم فيما يفعل وقيل: لو اتبع مرادهم، فيسمي لنفسه شريكا وولدا كما ~~يقولون { لفسدت السماوات والأرض }. # وقال الفراء والزجاج: المراد بالحق: القرآن. أي: نزل القرآن بما يحبون ~~من جعل الشريك والولد على ما يعتقدون { لفسدت السماوات ~~والأرض ومن فيهن } وهو كقوله: # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا # [الأنبياء: 22]. # قوله: { بل أتيناهم بذكرهم } العامة على إسناد الفعل إلى ~~ضمير المتكلم المعظم نفسه، والمراد أتتهم رسلنا. وقرأ أبو عمرو في رواية ~~" آتيناهم " بالمد أي أعطيناهم، فيحتمل أن يكون المفعول الثاني غير ~~مذكور، ويحتمل أن يكون " بذكرهم " والباء مزيدة فيه وابن أبي إسحاق ~~وعيسى بن عمر وأبو عمرو أيضا " أتيتهم " بتاء المتكلم وحده. وأبو ~~البرهثم وأبو حيوة والجحدري وأبو رجاء " أتيتهم " بتاء الخطاب، وهو ~~الرسول - عليه السلام -. # وعيسى: " بذكراهم " بألف التأنيث. وقتادة " نذكرهم " بنون ~~المتكلم المعظم نفسه مكان باء الجر مضارع (ذكر) المشدد، ويكون ~~(نذكرهم) جملة حالية. # وتقدم الكلام في " خرجا " و " خراجا " في: الكهف. # فصل # قال ابن عباس: { بل أتيناهم بذكرهم } بما فيه فخرهم ~~وشرفهم. يعني: القرآن، فهو كقوله: # لقد أنزلنآ إليكم كتابا فيه ذكركم # [الأنبياء: 10] أي: شرفكم، # وإنه لذكر لك ولقومك # [الزخرف: 44] أي: شرف لك ولقومك { فهم عن ذكرهم } شرفهم " ~~معرضون ". # وقيل: الذكر هو الوعظ والتذكير التحذير. " أم تسألهم " على ما ms6458 ~~جئتم به " خرجا " أجرا وجعلا { فخراج ربك خير } أي ما ~~يعطيك الله من رزقه وثوابه خير { وهو خير الرازقين } وتقدم ~~الكلام على نظيره. ### || [23.73-75] # قوله: { وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم } وهو ~~الإسلام. { وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن ~~الصراط } عن دين الحق " لناكبون " لعادون عن هذا الطريق، لأن ~~طريق الاستقامة واحد وما يخالفه فكثير. # قوله: " عن الصراط " متعلق ب " ناكبون " ولا تمنع لام ~~الابتداء من ذلك على رأي تقدم تحقيقه. والنكوب والنكب: العدول ~~والميل، ومنه: النكباء للريح بين ريحين، سميت بذلك لعدولها عن ~~المهاب، ونكبت حوادث الدهر، أي: هبت هبوب النكباء. # والمنكب: مجتمع ما بين العضد والكتف، والأنكب: المائل ~~المنكب، ولفلان نكابة في قومه أي: نقابة فتشبه أن تكون الكاف بدلا ~~من القاف، ويقال: نكب ونكب مخففا ومثقلا. # قوله: { ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر } قحط ~~وجدب وقيل: ضرر القتال والسبي. وقيل: مضار الآخرة وعذابها. # قوله: " للجوا " جواب " لو " ، وقد توالى فيه لامان، وفيه تضعيف ~~لقول من قال: جوابها إذا نفي ب (لم) ونحوها مما صدر فيه حرف النفي بلام ~~أنه لا يجوز دخول اللام ولو قلت: لو قام للم يقم عمرو، لم يجز، قال: ~~لئلا يتوالى لامان، وهذا موجود في الإيجاب كهذه الآية، ولم يمتنع، وإلا ~~فما الفرق بين النفي والإثبات في ذلك واللجاج: التمادي في العناد في ~~تعاطي الفعل المزجور عنه، ومنه اللجة: بالفتح: لتردد الصوت، كقوله: # 3805- في لجة أمسك فلانا عن فل # ولجة البحر لتردد أمواجه، ولجة الليل لتردد ظلامه. ~~واللجلجة تردد الكلام، وهو تكرير لج، ويقال: لج والتج. ~~ومعنى الآية: لتمادوا في طغيانهم وضلالهم وهم متحيرون لم ينزعوا عنه. ### || [23.76-80] # قوله: { ولقد أخذناهم بالعذاب } قال المفسرون: لما أسلم ~~ثمامة بن أثال الحنفي، ولحق باليمامة، ومنع الميرة عن أهل مكة، ودعا ~~النبي صلى الله عليه وسلم على قريش أن يجعل عليهم سنين كسني يوسف، ~~فأصابهم القحط حتى أكلوا العلهز، جاء أبو سفيان إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقال: أنشدك الله والرحم، ألست تزعم أنك بعثت ms6459 رحمة ~~للعالمين؟ فقال: " بلى ". فقال: قد قتلت الآباء بالسيف والأبناء ~~بالجوع، فادع الله يكشف عنا هذا القحط، فدعا فكشف عنهم، فأنزل الله هذه ~~الآية. والمعنى أخذناهم بالجوع فما أطاعوا. وقال الأصم: العذاب هو ما ~~نالهم يوم بدر من القتل والأسر يعني أن ذلك مع شدة ما دعاهم إلى الإيمان. # وقيل: المراد من عذب من الأمم الخالية. " فما استكانوا " أي: ~~مشركو العرب. # قوله: " فما استكانوا " تقدم وزن (استكان) في آل عمران. # وجاء الأول ماضيا والثاني مضارعا، ولم يجيئا ماضيين، ولا مضارعين ولا ~~جاء الأول مضارعا والثاني ماضيا، لإفادة الماضي وجود الفعل وتحققه، وهو ~~بالاستكانة أليق، بخلاف التضرع فإنه أخبر عنهم بنفي ذلك في الاستقبال ~~وأما الاستكانة فقد توجد منهم. # وقال الزمخشري: فإن قلت: هلا قيل: وما تضرعوا (أو) فما يستكينون. # قلت: لأن المعنى محناهم فما وجدت منهم عقيب المحنة استكانة، وما من ~~عادة هؤلاء أن يستكينوا ويتضرعوا حتى يفتح عليهم باب العذاب الشديد. # فظاهر هذا أن (حتى) غاية لنفي الاستكانة والتضرع. ومعنى الاستكانة ~~طلب السكون، أي: ما خضعوا وما ذلوا إلى ربهم، وما تضرعوا بل مضوا على ~~تمردهم. # قوله: { حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد ~~}. قرئ " فتحنا " بالتشديد. # قال ابن عباس ومجاهد: يعني القتل يوم بدر. وقيل: الموت وقيل: قيام ~~الساعة. وقيل: الجوع. { إذا هم فيه مبلسون } آيسون من كل خير. ~~وقرأ السلمي: " مبلسون " - بفتح اللام - من أبلسه، أي: أدخله في ~~الإبلاس. # قوله تعالى: { وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار ~~} الآية. # العطف لا يحسن إلا مع المجانسة، فأي مناسبة بين قوله: { وهو ~~الذي أنشأ لكم السمع والأبصار } وبين ما قبله؟ # والجواب: كأنه تعالى لما بين مبالغة الكفار في الإعراض عن سماع ~~الأدلة والاعتبار، وتأمل الحقائق قال للمؤمنين: هو الذي أعطاكم هذه ~~الأشياء ووفقكم لها تنبيها على أن من لم يعمل هذه الأعضاء فيما خلقت ~~له فهو بمنزلة عادمها، لقوله: # فمآ أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا ~~أفئدتهم من شيء # [الأحقاف: 26] وأفرد السمع والمراد الأسماع ثم قال: { قليلا ما ~~تشكرون ms6460 }. # قال أبو مسلم: وليس المراد أن لهم شكرا وإن قل، لكنه كما يقال ~~للكفور والجاحد للنعمة: ما أقل شكر فلان. # ثم قال: { وهو الذي ذرأكم في الأرض } أي: خلقكم، قال أبو ~~مسلم: ويحتمل بسطكم فيها ذرية بعضكم من بعض حتى كثرتم كقوله: # ذرية من حملنا مع نوح # [الإسراء: 3] أي: هو الذي جعلكم في الأرض متناسلين، ويحشركم يوم القيامة ~~إلى دار لا حاكم فيها سواه، فجعل حشرهم إلى ذلك الموضع حشرا إليه لا ~~بمعنى المكان. ثم قال: { وهو الذي يحيي ويميت } أي: نعمة ~~الحياة وإن كانت من أعظم النعم فهي منقطعة وأنه سبحانه - وإن أنعم بها، ~~فالمقصود منها الانتقال إلى دار الثواب. ثم قال: { وله اختلاف ~~الليل والنهار } أي: تدبير الليل والنهار في الزيادة والنقصان، ~~ووجه النعمة بذلك معلوم. قال الفراء: جعلهما مختلفين يتعاقبان ويختلفان ~~في السواد والبياض. ثم قال: " أفلا تعقلون " قرأ أبو عمرو في ~~رواية يعقوب: بياء الغيبة على الالتفات والمعنى: أفلا تعقلون ما ترون ~~صنعه فتعتبرون. ### || [23.81-83] # قوله تعالى: { بل قالوا مثل ما قال الأولون } أي: كذبوا ~~كما كذب الأولون { قالوا أءذا متنا وكنا ترابا ~~وعظاما أءنا لمبعوثون } لمحشورون، قالوا ذلك منكرين ~~متعجبين. # واعلم أنه - سبحانه - لما أوضح دلائل التوحيد عقبه بذكر المعاد، فذكر ~~إنكارهم البعث مع وضوح أدلته، وذكر أن إنكارهم ذلك تقليد للأولين، وذلك ~~يدل على فساد القول بالتقليد ثم حكى قولهم: { لقد وعدنا نحن ~~وآبآؤنا هذا من قبل } كأنهم قالوا إن هذا الوعد كما وقع منه ~~- عليه السلام - فقد وقع قديما من سائر الأنبياء ثم لم يوجد مع طول ~~العهد، وظنوا أن الإعادة تكون في الدنيا، ثم قالوا: لما لم يكن ذلك ~~فهو من أساطير الأولين. والأساطير جمع أسطار، وهي جمع سطر، أي: ما ~~كتبه الأولون مما لا حقيقة له، أو جمع أسطورة. ### || [23.84-90] # قوله تعالى: { قل لمن الأرض ومن فيهآ } الآية. اعلم أنه ~~يمكن أن يكون المقصود من هذه الآيات الرد على منكري الإعادة، وأن يكون ~~المقصود الرد على عبدة الأوثان، لأن القوم كانوا ms6461 مقرين بالله، وقالوا: ~~نعبد الأصنام لتقربنا إلى الله زلفى، فقال تعالى: قل يا محمد مجيبا ~~لهم يعني يا أهل مكة { لمن الأرض ومن فيهآ } من الخلق { إن ~~كنتم تعلمون } خالقها ومالكها " سيقولون لله " فلا ~~بد لهم من ذلك، لأنهم يقرون أنها مخلوقة، فقل لهم إذا أقروا بذلك: " ~~أفلا تذكرون " فتعلمون أن من قدر على خلق الأرض ومن فيها ~~ابتداء يقدر على إحيائهم بعد الموت. وفي قوله: { إن كنتم تعلمون ~~} سؤال يأتي في قوله: { وهو يجير ولا يجار عليه إن ~~كنتم تعلمون } ووجه الاستدلال به على نفي عبادة الأوثان من حيث ~~أن عبادة من خلقهم، وخلق الأرض وكل من فيها هي الواجبة دون عبادة ما لا ~~يضر ولا ينفع. # وقوله: { أفلا تذكرون } معناه الترغيب في التدبر ليعلموا ~~بطلان ما هم عليه. # قوله: { قل من رب السماوات السبع ورب العرش ~~العظيم سيقولون لله } ووجه الاستدلال بها على الأمرين كما ~~تقدم. وإنما قال: " أفلا تتقون " أي: تحذرون، تنبيها على أن ~~اتقاء عذاب الله لا يحصل إلا بترك عبادة الأوثان، والاعتراف بجواز ~~الإعادة. # قوله: { سيقولون لله } قرأ أبو عمرو " سيقولون الله " ~~في الأخيرتين من غير لام جر، ورفع الجلالة جوابا على اللفظ لقوله " من ~~" قوله: { سيقولون لله قل أفلا تتقون...سيقولون ~~لله قل فأنى تسحرون } ، لأن المسؤول به مرفوع المحل وهو ~~" من " فجاء جوابه مرفوعا مطابقا له لفظا، وكذلك رسم الموضعان في ~~مصاحف البصرة بالألف. # والباقون: " لله " في الموضعين باللام وهو جواب على المعنى؛ لأنه لا ~~فرق بين قوله: { من رب السماوات } وبين قوله: لمن ~~السموات، ولا بين قوله: " من بيده " ولا لمن له الإحسان، وهذا ~~كقولك: من رب هذه الدار؟ فيقال: زيد، وإن شئت لزيد، لأن قولك: من ~~ربه؟ ولمن هو؟ في معنى واحد، لأن السؤال لا فرق فيه بين أن يقال: لمن ~~هذه الدار؟ ومن ربها؟ واللام مرسومة في مصاحفهم فوافق كل مصحفه. # ولم يختلف في الأول أنه " لله " ، لأنه مرسوم باللام وجاء الجواب ~~باللام كما في السؤال ولو حذفت من الجواب لجاز، ms6462 لأنه لا فرق بين: " ~~لمن الأرض " ومن رب الأرض، إلا أنه لم يقرأ به أحد. # قوله: { قل من بيده ملكوت كل شيء } (لما ذكر الأرض ~~أولا والسماء ثانيا، عمم الحكم هاهنا بقوله: { قل من بيده ~~ملكوت كل شيء } ) ويدخل في الملكوت الملك والملك والتاء ~~فيه على سبيل المبالغة. # " وهو يجير " أي: يؤمن من يشاء، { ولا يجار عليه } أي: ~~لا يؤمن من أخافه الله، يقال: أجرت فلانا على فلان إذا منعته منه. # قوله: { إن كنتم تعلمون } فيه سؤال: وهو كيف قال: { إن ~~كنتم تعلمون } ثم حكى عنهم " سيقولون الله " وفيه تناقض؟ ~~والجواب: لا تناقض، لأن قوله: { إن كنتم تعلمون } لا ينفي ~~علمهم بذلك وقد يقال مثل ذلك في الحجاج على وجه التأكيد لعلمهم والبعث ~~على اعترافهم بما يورد من ذلك. # وقوله: { فأنى تسحرون } أي: تصرفون عن توحيده وطاعته، والمعنى ~~كيف يحتمل لكم الحق باطلا. { بل أتيناهم بالحق } بالصدق، " ~~وإنهم لكاذبون " فيما يدعون من الشرك والولد، وقرئ هنا ببعض ما ~~قرئ به في نظيره. فقرأ ابن إسحاق: " أتيتهم " بتاء الخطاب، وغيره ~~بتاء المتكلم. ### || [23.91-96] # قوله تعالى: { ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من ~~إله } الآية. وهذه الآية كالتنبيه على الرد على الكفار الذين ~~يقولون: الملائكة بنات الله. وقوله: { وما كان معه من إله } ~~رد على اتخاذهم الأصنام آلهة، ويحتمل أن يريد به إبطال قول النصارى ~~والثنوية. # ثم إنه تعالى ذكر الدليل بقوله: { إذا لذهب كل إله بما ~~خلق ولعلا بعضهم على بعض } أي: لانفرد كل واحد من ~~الآلهة بما خلقه، ولم يرض أن يضاف خلقه إلى غيره، ومنع الإله الآخر عن ~~الاستيلاء على ما خلق { ولعلا بعضهم على بعض } أي: طلب ~~بعضهم مغالبة بعض كفعل ملوك الدنيا فيما بينهم، وحين لم تروا ذلك فاعلموا ~~أنه إله واحد. # قوله: " إذا " جواب وجزاء، قال الزمخشري: فإن قلت: " إذا " لا تدخل ~~إلا على كلام هو جواب وجزاء، فكيف وقع قوله: " لذهب " جوابا ~~وجزاء ولم يتقدم شرط ولا سؤال سائل قلت: الشرط محذوف تقديره: ms6463 لو ~~كان معه آلهة، حذف لدلالة { وما كان معه من إله }. # وهذا رأي الفراء، وقد تقدم في الإسراء في قوله: # وإذا لاتخذوك خليلا # [الإسراء: 73] ثم إنه تعالى نزه نفسه فقال: { سبحان الله ~~عما يصفون } من إثبات الولد والشريك. # قرئ: " تصفون " بتاء الخطاب وهو التفات. # قوله: " عالم الغيب " قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن ~~عاصم: بالجر على البدل من الجلالة. وقال الزمخشري: صفة لله. كأنه محض ~~الإضافة فتعرف المضاف. # والباقون: بالرفع على القطع خبر مبتدأ محذوف. # ومعنى الآية: أنه مختص بعلم الغيب والشهادة، فغيره وإن علم الشهادة لكن ~~لم يعلم الغيب، لأن الشهادة لا يتكامل بها النفع إلا مع العلم بالغيب ~~وذلك كالوعيد لهم فلذلك قال: ( " فتعالى الله) عما يشركون ~~". # قوله: " فتعالى " عطف على معنى ما تقدم، كأنه قال علم الغيب ~~فتعالى كقولك: زيد شجاع فعظمت منزلته أي: شجع فعظمت. أو يكون على ~~إضمار القول، أي: أقول فتعالى الله. قوله: { قل رب إما ~~تريني ما يوعدون } أي: ما أوعدتهم من العذاب قرأ العامة " ~~تريني " بصريح الياء. والضحاك: " ترئني " بالهمز عوض الياء، ~~وهذا كقراءة: " فإما ترئن " " لترؤن " بالهمز، وهو بدل شاذ. # قوله: { رب فلا تجعلني } جواب الشرط، و " رب " نداء معترض ~~بين الشرط وجزائه، وذكر الرب مرتين مرة قبل الشرط ومرة قبل الجزاء ~~مبالغة في التضرع. # فإن قيل: كيف يجوز أن يجعل الله نبيه مع الظالمين حتى يطلب أن لا يجعله ~~معهم؟ # فالجواب: يجوز أن يسأل العبد ربه ما علم أنه يفعله، وأن يستعيذ به مما ~~علم أنه لا يفعله إظهارا للعبودية وتواضعا لربه. # قوله: { وإنا على أن نريك } هذا الجار متعلق ب " ~~لقادرون " أو بمحذوف على خلاف سبق في أن هذه اللام تمنع ما بعدها أن ~~يعمل فيما قبلها. والمعنى: أنهم كانوا ينكرون الوعد بالعذاب، فقيل لهم: ~~إن الله قادر على إنجاز ما وعد في الدنيا. وقيل: المراد عذاب الآخرة. # قوله: { ادفع بالتي هي أحسن السيئة } وهو الصفح ~~والإعراض والصبر على أذاهم. # قال الزمخشري: قوله: { ادفع بالتي هي ms6464 أحسن السيئة } ~~أبلغ من أن يقال: بالحسنة السيئة لما فيه من التفضيل، (كأنه قال ادفع ~~بالحسنى السيئة) والمعنى الصفح عن إساءتهم، ومقابلتها بما أمكن من ~~الإحسان، حتى إذا اجتمع الصفح والإحسان، وبذل الاستطاعة فيه كانت حسنة ~~مضاعفة بإزاء سيئة... # قيل: هذه الآية نسخت بآية السيف، وقيل: محكمة، لأن المداراة محثوث ~~عليها ما لم تؤد إلى نقصان دين أو مروءة. ثم قال: { نحن أعلم ~~بما يصفون } أي: يقولون من الشرك. ### || [23.97-100] # قوله تعالى: { وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين ~~} الآية لما أدب رسوله بقوله: # ادفع بالتي هي أحسن # [المؤمنون: 96] أتبعه بما يقوي على ذلك وهو الاستعاذة بالله من أمرين: # أحدهما: من همزات الشياطين. والهمزات جمع همزة، وهي النخسة والدفع ~~بيد وغيرها، وهي كالهز والأز، ومنه مهماز الرائض، والمهماز ~~مفعال من ذلك كالمحراث من الحرث والهماز الذي يصيب الناس، ~~كأنه يدفع بلسانه وينخس به. # فصل # معنى " أعوذ بك " أمتنع وأعتصم بك { من همزات الشياطين } ~~نزعاتهم وقال الحسن: وساوسهم. وقال مجاهد: نفخهم ونفثهم. وقال أهل ~~المعاني: دفعهم بالإغواء إلى المعاصي. قال الحسن: كان عليه السلام يقول ~~بعد استفتاح الصلاة: # " " لا إله إلا الله ثلاثا، الله أكبر ثلاثا، اللهم إني أعوذ بك من ~~همزات الشياطين همزه ونفثه ونفخه ". # فقيل: يا رسول الله ما همزه؟ قال: " الموتة التي تأخذ ابن آدم " أي: ~~الجنون. قيل: فما نفثه؟ قال: " الشعر " قيل: فما نفخه؟ قيل: " ~~الكبر " ". # والثاني: قوله: { وأعوذ بك رب أن يحضرون } أي: في شيء من ~~أموري، وإنما ذكر الحضور، لأن الشيطان إذا حضر وسوس. # قوله تعالى: { حتى إذا جآء أحدهم الموت } الآية في ~~(حتى) هذه أوجه: # أحدها: أنها غاية لقوله: " بما يصفون ". # والثاني: أنها غاية " لكاذبون ". # ويبين هذين الوجهين قول الزمخشري: " حتى " يتعلق ب " يصفون " ~~أي: لا يزالون على سوء الذكر إلى هذا الوقت، والآية فاصلة بينهما على وجه ~~الاعتراض والتأكيد. ثم قال: أو على قوله: " وإنهم لكاذبون ". ~~قال شهاب الدين: قوله: (أو على قوله كذا) كلام محمول على المعنى، إذ ~~التقدير: " حتى " معلقة على ms6465 " يصفون " أو على قوله: " ~~لكاذبون " وفي الجملة فعبارته مشكلة. # الثالث: قال ابن عطية: " حتى " في هذا الموضع حرف ابتداء، ويحتمل أن ~~تكون غاية مجردة بتقدير كلام محذوف، والأول أبين، لأن ما بعدها هو ~~المعني به المقصود (ذكره). # قال أبو حيان: فتوهم ابن عطية أن " حتى " إذا كانت حرف ابتداء لا ~~تكون غاية، وهي وإن كانت حرف ابتداء فالغاية معنى لا يفارقها، ولم يبين ~~الكلام المحذوف المقدر. # وقال أبو البقاء: (حتى) غاية في معنى العطف. قال أبو حيان: والذي ~~يظهر لي أن قبلها جملة محذوفة تكون " حتى " غاية لها يدل عليها ما ~~قبلها، التقدير: فلا أكون كالكفار الذين تهزمهم الشياطين ويحضرونهم حتى ~~إذا جاء، ونظير حذفها قول الشاعر: # 3806- فيا عجبا حتى كليب تسبني # أي: يسبني الناس كلهم حتى كليب إلا أن في البيت دل ما بعدها عليها ~~بخلاف الآية الكريمة. # قوله: { رب ارجعون }. في قوله: " ارجعون " بخطاب الجمع ثلاثة ~~أوجه: # أجودها: أنه على سبيل التعظيم كقوله: # 3807- فإن شئت حرمت النساء سواكم # وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا # وقال الآخر: # 3808- ألا فارحموني يا إله محمد # وقد يؤخذ من هذا البيت ما يرد على ابن مالك حيث قال: إنه لم نعلم أحدا ~~أجاز للداعي أن يقول: يا رحيمون قال: لئلا يوهم خلاف التوحيد، وقد ~~أخبر تعالى عن نفسه بهذه الصفة وشبهها للتعظيم في مواضع من كتابه الكريم ~~كقوله: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9]. # الثاني: أنه نادى ربه ثم خاطب ملائكة ربه بقوله: " ارجعون ". ويجوز ~~على هذا الوجه أن يكون على حذف مضاف، أي: ملائكة ربي، فحذف المضاف ثم ~~التفت إليه في عود الضمير كقوله: # وكم من قرية أهلكناها # [الأعراف: 4]. ثم قال: # أو هم قآئلون # [الأعراف: 4] التفاتا ل " أهل " المحذوف. # الثالث: أن ذلك يدل على تكرير الفعل كأنه قال: ارجعني ارجعني نقله ~~أبو البقاء وهو يشبه ما قالوه في قوله: # ألقيا في جهنم # [ق: 24] أنه بمعنى: ألق ألق ثنى الفعل للدلالة على ذلك، وأنشدوا: # 3809- قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ms6466 # أي: قف قف. # فصل # اعلم أنه تعالى أخبر أن هؤلاء الكفار الذين ينكرون البعث يسألون ~~الرجعة إلى الدنيا عند معاينة الموت فقال: { حتى إذا جآء ~~أحدهم الموت (قال رب ارجعون) } ولم يقل: ارجعني، وهو ~~يسأل الله وحده الرجعة لما تقدم في الإعراب. وقال الضحاك: كنت جالسا ~~عند ابن عباس فقال: من لم يزك ولم يحج سأل الرجعة عند الموت، ~~فقال رجل: إنما يسأل ذلك الكفار. فقال ابن عباس: أنا أقرأ عليك به قرآنا # وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي ~~أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى ~~أجل قريب فأصدق # [المنافقون: 10]. # وقال عليه السلام: # " إذا حضر الإنسان الموت جمع كل شيء كان يمنعه من حقه بين يديه فعنده ~~يقول: { رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت } ~~". # واختلفوا في وقت مسألة الرجعة، فالأكثرون على أنه يسأل حال المعاينة ~~وقيل: بل عند معاينة النار في الآخرة، وهذا القائل إنما ترك ظاهر هذه ~~الآية لما أخبر الله - تعالى - عن أهل النار في الآخرة أنهم يسألون ~~الرجعة. # قوله: { لعلي أعمل صالحا فيما تركت } أي: ضيعت. أي: ~~أقول لا إله إلا الله. # وقيل: أعمل بطاعة الله تعالى. وقيل: أعمل صالحا فيما قصرت، فيدخل فيه ~~العبادات البدنية والمالية، وهذا أقرب، لأنهم تمنوا الرجعة ليصلحوا ما ~~أفسدوه. فإن قيل: قوله تعالى: { لعلي أعمل صالحا } كيف يجوز ~~أن يسأل الرجعة مع الشك. # فالجواب: ليس المراد ب " لعل " الشك فإنه في هذا الوقت باذل ~~للجهد في العزم على الطاعة إن أعطي ما سأل، فهو مثل من قصر في حق ~~نفسه، وعرف سوء عاقبة ذلك التقصير، فيقول: مكنوني من التدارك لعلى ~~أتدارك فيقول هذه الكلمة مع كونه جازما بأنه سيتدارك. # ويحتمل أيضا أن الأمر المستقبل إذا لم يعرفوه أوردوا الكلام الموضوع ~~للترجي والظن دون اليقين فقد قال تعالى: # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه # [الأنعام: 28]. # قوله: " كلا " كلمة ردع وزجر أي: لا ترجع. معناه المنع طلبوا، كما ~~يقال لطالب الأمر المستبعد: هيهات. ويحتمل أن يكون ذلك إخبارا ~~بأنهم يقولون ms6467 ذلك، وأن هذا الخبر حق، فكأنه تعالى قال: حقا إنها كلمة ~~هو قائلها. والأول أقرب. # قوله: " إنها كلمة " من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل كقوله: " ~~أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد " يعني قوله: # 3810- ألا كل شيء ما خلا الله باطل # وقد تقدم طرف من هذا في آل عمران. و " هو قائلها " صفة ل " ~~كلمة ". # والمراد بالكلمة: سؤاله الرجعة: كلمة هو قائلها ولا ينالها، وقيل: معناه ~~لا يخليها ولا يسكت عنها لاستيلاء الحسرة عليه. # قوله: " ومن ورائهم " أي: أمامهم وبين أيديهم. " برزخ " ~~البرزخ: الحاجز بين المسافتين وقيل: الحجاب بين الشيئين أن يصل أحدهما ~~إلى الآخر، وهو بمعنى الأول. # وقال الراغب: أصلة برزه بالهاء فعرب، وهو في القيامة الحائل بين ~~الإنسان وبين المنازل الرفيعة والبرزخ قبل البعث المنع بين الإنسان وبين ~~الرجعة التي يتمناها. # قال مجاهد: حجاب بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا. (وقال قتادة: بقية ~~الدنيا). # قال الضحاك: البرزخ ما بين الموت إلى البعث. وقيل: القبر وهم فيه إلى ~~يوم يبعثون. ### || [23.101-105] # قوله: { فإذا نفخ في الصور } الآية لما قال: # ومن ورآئهم برزخ إلى يوم يبعثون # [المؤمنون: 100] ذكر أحوال ذلك اليوم فقال: { فإذا نفخ في ~~الصور } وقرأ العامة بضم الصاد وسكون الواو، وهو آلة إذا نفخ فيها ~~ظهر صوت عظيم جعله الله علامة لخراب الدنيا ولإعادة الأموات، قال عليه ~~السلام: # " إنه قرن ينفخ فيه " # وقرأ ابن عباس والحسن: بفتح الواو جمع صورة. والمعنى: فإذا نفخ في ~~الصور أرواحها وقرأ أبو رزين: بكسر الصاد وفتح الواو، وهو شاذ. هذا ~~عكس (لحى) بضم اللام جمع (لحية) بكسرها. وقيل: إن النفخ في الصور ~~استعارة، والمراد منه البعث والحشر. # قوله: " فلا أنساب " الأنساب جمع نسب، وهو القرابة من جهة ~~الولادة، ويعبر به عن التواصل، وهو في الأصل مصدر قال: # 3811- لا نسب اليوم ولا خلة # اتسع الخرق على الراقع # قوله: " بينهم " يجوز تعلقه بنفس " أنساب " ، وكذلك " ~~يومئذ " ، أي: فلا قربة بينهم في ذلك اليوم. ويجوز أن يتعلق بمحذوف ~~على أنه صفة ل " أنساب " ، والتنوين في " يومئذ " عوض ms6468 عن جملة ~~تقديره: يومئذ نفخ في الصور. # فصل # من المعلوم أنه تعالى إذا أعادهم فالأنساب ثابتة، لأن المعاد هو ~~الولد والوالد، فلا يجوز أن يكون المراد نفي النسب حقيقة بل المراد نفي ~~حكمه وذلك من وجوه: # أحدها: أن من حق النسب أن يقع به التعاطف والتراحم كما يقال في ~~الدنيا: أسألك بالله والرحم أن تفعل كذا، فنفى سبحانه ذلك من حيث أن ~~كل أحد من أهل النار يكون مشغولا بنفسه، وذلك يمنعه من الالتفات إلى ~~النسب كما أن الإنسان في الدنيا إذا كان في آلام عظيمة ينسى ولده ~~ووالده. # وثانيها: أن من حق النسب أن يحصل به التفاخر في الدنيا، وأن يسأل ~~البعض عن أحوال البعض، وفي الآخرة لا يتفرغون لذلك. # وثالثها: أن ذلك عبارة عن الخوف الشديد، فكل امرئ مشغول بنفسه عن نسبه ~~وأخيه وفصيلته التي تؤويه. قال ابن مسعود: يؤخذ العبد والأمة يوم القيامة ~~على رؤوس الخلائق ينادي مناد ألا إن هذا فلان فمن له عليه حق فليأت إلى ~~حقه، فيفرح المرء يومئذ أن يثبت له الحق على أمه أو أخيه أو أبيه ثم قرأ ~~ابن مسعود { فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتسآءلون ~~} وروى عطاء عن ابن عباس: أنها النفخة الثانية. # { فلا أنساب بينهم } أي: لا يتفاخرون في الدنيا ولا يتساءلون ~~سؤال تواصل كما كانوا يتساءلون في الدنيا من أنت؟ ومن أي قبيلة أنت؟ ~~ولم يرد أن الأنساب تنقطع. # فإن قيل: أليس قد جاء في الحديث: # " كل سبب ونسب ينقطع إلا سببي ونسبي " # قيل معناه: لا ينفع يوم القيامة سبب ولا نسب إلا سببه ونسبه، وهو ~~الإيمان والقرآن. # فإن قيل: قد قال ههنا " ولا يتساءلون " وقال: # ولا يسأل حميم حميما # [المعارج: 10]. وقال # وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون # [الصافات: 27]. # فالجواب: روي عن ابن عباس أن للقيامة أحوالا ومواطن، ففي موطن يشتد ~~عليهم الخوف فيشغلهم عظم الأمر عن التساؤل فلا يتساءلون، وفي موطن ~~يفيقون إفاقة يتساءلون. وقيل: إذا نفخ في الصور نفخة واحدة شغلوا ~~بأنفسهم عن التساؤل، فإذا نفخ فيه ms6469 أخرى أقبل بعضهم على بعض وقالوا: # يويلنا من بعثنا من مرقدنا # [يس: 52]. وقيل: المراد لا يتساءلون بحقوق النسب. وقيل: " لا ~~يتساءلون " صفة للكفار لشدة خوفهم، وأما قوله: # وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون # [الصافات: 27] فهو صفة أهل الجنة إذا دخلوها. وعن الشعبي قالت عائشة: # " يا رسول الله أما نتعارف يوم القيامة أسمع الله يقول: { فلا ~~أنساب بينهم يومئذ ولا يتسآءلون } فقال عليه السلام ~~" ثلاثة مواطن تذهل فيها كل مرضعة عما أرضعت عند رؤية القيامة وعند ~~الموازين وعلى جسر جهنم ". # قوله: { فمن ثقلت موازينه فأولئك هم ~~المفلحون } لما ذكر القيامة شرح أحوال السعداء والأشقياء. قيل ~~المراد بالموازين الأعمال فمن أتي بما له قدر وخطر فهو الفائز ~~المفلح، ومن أتي بما لا وزن له ولا قدر فهو الخاسر. وقال ابن عباس: ~~الموازين جمع موزون وهي الموزونات من الأعمال الصالحة التي لها وزن وقدر ~~عند الله من قوله: # فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا # [الكهف: 105] أي: قدرا وقيل: ميزان له لسان وكفتان يوزن به الحسنات في ~~أحسن صورة، والسيئات في أقبح صورة. وتقدم ذلك في سورة الأنبياء. # قوله: { ومن خفت موازينه فأولئك الذين ~~خسروا أنفسهم } قال ابن عباس: غبنوها بأن صارت منازلهم ~~للمؤمنين. وقيل: امتنع انتفاعهم بأنفسهم لكونهم في العذاب. # قوله: { في جهنم خالدون } يجوز أن يكون " خالدون " خبرا ~~ثانيا ل (أولئك)، وأن يكون خبر مبتدأ مضمر، أي: هم خالدون. وقال ~~الزمخشري: { في جهنم خالدون } بدل من " خسروا أنفسهم ~~" ، ولا محل للبدل والمبدل منه، لأن الصلة لا محل لها. # قال أبو حيان: جعل " في جهنم " بدلا من (خسروا)، وهذا بدل ~~غريب، وحقيقته أن يكون البدل الفعل الذي تعلق به " في جهنم " أي: ~~استقروا في جهنم وهو بدل شيء من شيء لأن من خسر نفسه استقر في جهنم. قال ~~شهاب الدين: فجعل الشيخ الجار والمجرور البدل دون " خالدون " ، والزمخشري ~~جعل جميع ذلك بدلا، بدليل قوله بعد ذلك: أو خبرا بعد خبر، ل " ~~أولئك " أو خبر مبتدأ محذوف. وهذان إنما يليقان ب " خالدون " ، ~~وأما " في جهنم ms6470 " فمتعلق به، فيحتاج كلام الزمخشري إلى جواب، وأيضا ~~فيصير " خالدون " معلقا. # وجوز أبو البقاء أن يكون الموصول نعتا لاسم الإشارة، وفيه نظر، إذ ~~الظاهر كونه خبرا له. # قوله: " تلفح " يجوز استئنافه، ويجوز حاليته، ويجوز كونه خبرا ل ~~" أولئك ". واللفح إصابة النار الشيء بوهجها وإحراقها له، وهو ~~أشد من النفح، وقد تقدم النفح في الأنبياء. قوله: { وهم فيها ~~كالحون } الكلوح تشمير الشفة العليا، واسترخاء السفلى. # قال عليه السلام في قوله: { وهم فيها كالحون } قال: # " تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط ~~رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سرته " # وقال أبو هريرة: يعظم الكافر في النار مسيرة سبع ليال ضرسه مثل أحد، ~~وشفاههم عند سررهم سود زرق خنق مقبوحون. ومنه كلوح الأسد أي: تكشيره عن ~~أنيابه، ودهر كالح (وبرد كالح) أي: شديد وقيل الكلوح: تقطيب الوجه ~~وتسوره، وكلح الرجل يكلح كلوحا (وكلاحا). # قوله: { ألم تكن آياتي تتلى عليكم } يعني القرآن ~~تخوفون بها { فكنتم بها تكذبون } قالت المعتزلة دلت الآية على أنهم ~~إنما عذبوا بسوء أفعالهم، ولو كان فعل العبد بخلق الله لما صح ذلك. # والجواب: أن القادر على الطاعة والمعصية إن صدرت المعصية عنه لا ~~لمرجح ألبتة كان صدورها عنه اتفاقيا لا اختياريا فوجب أن لا يستحق ~~العقاب، وإن كان لمرجح فذلك المرجح ليس من فعله وإلا لزم التسلسل فحينئذ ~~يكون صدور تلك الطاعة عنه اضطراريا لا اختياريا فوجب أن لا يستحق ~~الثواب. ### || [23.106-111] # قوله تعالى: { قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا } ~~الآية. لما قال سبحانه # ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها ~~تكذبون # [المؤمنون: 105] ذكر ما يجري مجرى الجواب عنه وهو من وجهين الأول قولهم: ~~{ ربنا غلبت علينا شقوتنا } قرأ الأخوان: " شقاوتنا " ~~بفتح الشين وألف بعد القاف. والباقون بكسر الشين وسكون القاف. وهما ~~مصدران بمعنى واحد فالشقاوة كالقساوة، وهي لغة فاشية، والشقوة كالفطنة ~~والنعمة، وأنشد الفراء: # 3812- كلف من عنائه وشقوته # بنت ثماني عشرة من حجته # وهي لغة الحجاز. # قال أبو مسلم: " الشقوة من الشقاء كجرية الماء، والمصدر الجري، ~~وقد يجيء لفظ ms6471 فعلة، والمراد به الهيئة والحال فيقول: جلسة حسنة ~~وركبة وقعدة، وذلك من الهيئة، وتقول: عاش فلان عيشة طيبة، ومات ~~ميتة كريمة، وهذا هو الحال والهيئة، فعلى هذا المراد من الشقوة ~~حال الشقاء. وقرأ قتادة والحسن في رواية كالأخوين إلا أنهما كسرا الشين، ~~وشبل في اختياره كالباقين إلا أنه فتح الشين. # قال الزمخشري: " غلبت علينا " ملكتنا من قولك غلبني فلان ~~على كذا إذا أخذه منك (وامتلكه) والشقاوة سوء العاقبة. # فصل # قال الجبائي: المراد أن طلبنا اللذات المحرمة، وخروجنا عن العمل الحسن ~~ساقنا إلى هذه الشقاوة، فأطلق اسم المسبب على السبب، وليس هذا باعتذار ~~فيه، لأن علمهم بأن لا عذر لهم فيه ثابت عندهم، ولكنه اعتراف بقيام ~~الحجة عليهم في سوء صنيعهم. # وأجيب: بأنك حملت الشقاوة على طلب تلك اللذات المحرمة، وطلب تلك ~~اللذات حاصل باختيارهم أو لا باختيارهم، فإن حصل باختيارهم فذلك ~~الاختيار محدث فإن استغنى عن المؤثر، فلم لا يجوز في كل الحوادث ذلك؟ ~~وحينئذ ينسد عليك باب إثبات الصانع، وإن افتقر إلى محدث فمحدثه إما ~~العبد أو الله، فإن كان هو العبد فذلك باطل لوجوه: # أحدها: أن قدرة العبد صالحة للفعل والترك، فإن توقف صدور تلك ~~الإرادة عنه إلى مرجح آخر، عاد الكلام فيه، ولزم التسلسل، وإن لم يتوقف ~~على المرجح، فقد جوزت رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح، وذلك ~~يسد باب إثبات الصانع. # وثانيها: أن العبد لا يعلم كمية تلك الأفعال، ولا كيفيتها، والجاهل ~~بالشيء لا يكون محدثا له، وإلا لبطلت دلالة الأحكام، ولا يقال علم ~~العلم. # وثالثها: أن أحدا في الدنيا لا يرضى بأن يختار الجهل، بل لا يقصد ~~إلا (ما قصد إيقاعه لكنه لم يقصد إلا) تحصيل العلم فكيف حصل الجهل فثبت ~~أن الموجد للداعي والبواعث هو الله، ثم إن الداعية إذا كانت سائقة إلى ~~الخير كانت سعادة، وإن كانت سائقة إلى الشر كانت شقاوة. # وقال القاضي، قولهم { ربنا غلبت علينا شقوتنا } دليل ~~على أنه لا عذر لهم لاعترافهم، فلو كان كفرهم من خلقه ms6472 وإرادته، وعلموا ~~ذلك، لكان ذكرهم ذلك أولى وأقرب إلى العذر. # والجواب: قد بينا أن الذي ذكروه ليس إلا ذلك، ولكنهم مقرون أن لا ~~عذر لهم فلا جرم قيل: " اخسئوا فيها ". # والوجه الثاني لهم في الجواب: قولهم: { وكنا قوما ضآلين } ~~أي: عن الهدى، وهذا الضلال الذي جعلوه كالعلة في إقدامهم على التكذيب ~~إن كان هو نفس التكذيب لزم تعليل الشيء بنفسه، وهو باطل، فلم يبق إلا أن ~~يكون ذلك الضلال (عبارة عن شيء آخر ترتب عليه فعلهم، وما ذلك إلا خلق ~~الداعي إلى الضلال). ثم إن القوم لما اعتذروا بهذين العذرين، قالوا: { ~~ربنآ أخرجنا منها } أي: من النار " فإن عدنا " لما ~~أنكرنا " فإنا ظالمون " فعند ذلك أجابهم الله تعالى فقال: { ~~اخسئوا فيها ولا تكلمون }. # فإن قيل: كيف يجوز أن يطلبوا الخروج وقد علموا أن عقابهم دائم؟ قلنا: ~~يجوز أن يلحقهم السهو عن ذلك في أحوال شدة العذاب فيسألون الرجعة. ويحتمل ~~أن يكون مع علمهم بذلك يسألون على وجه الغوث والاسترواح. # قوله: " اخسئوا فيها " أقيموا فيها، كما يقال للكلب إذا طرد اخسأ؛ ~~أي: انزجر كما تنزجر الكلاب إذا زجرت، يقال: خسأ الكلب وخسأ ~~بنفسه. " ولا تكلمون " في رفع العذاب فإني لا أرفعه عنكم، وليس ~~هذا نهيا، لأنه لا تكليف في الآخرة. # قال الحسن: هو آخر كلام يتكلم به أهل النار، ثم لا يتكلمون بعده إلا ~~الشهيق والزفير. ويصير لهم عواء كعواء الكلب لا يفهمون ولا يفهمون. # قوله تعالى: { إنه كان فريق من عبادي } الآية. العامة ~~على كسر همزة (إنه) استئنافا. وأبي والعتكي: بفتحها أي: لأنه ~~والهاء ضمير الشأن. قال البغوي: الهاء في إنه عماد، وتسمى المجهولة ~~أيضا. # قوله: " فاتخذتموهم سخريا " قرأ الأخوان ونافع هنا وفي ص ~~بكسر السين. والباقون: بضمها في الموضعين. # و(سخريا) مفعول ثان للاتخاذ. واختلف في معناها فقال الخليل وسيبويه ~~والكسائي وأبو زيد: هما بمعنى واحد نحو دري ودري، وبحر لجي ~~ولجي بضم اللام وكسرها. وقال يونس: إن أريد الخدمة والسخرة فالضم لا ~~غير، وإن أريد الهزء فالضم والكسر ورجح ms6473 أبو علي وتبعه مكي قراءة ~~الكسر، قالا: لأن ما بعدها أليق لها لقوله: { وكنتم منهم ~~تضحكون }. ولا حجة فيه، لأنهم جمعوا بين الأمرين سخروهم في العمل، ~~وسخروا منهم استهزاء. والسخرة بالتاء الاستخدام وسخريا ~~بالضم منها، والسخر بدونها الهزء والمكسور منه، قال الأعشى: # 3813- إني أتاني حديث لا أسر به # من علو لا كذب فيه ولا سخر # ولم يختلف السبعة في ضم ما في الزخرف، لأن المراد الاستخدام، وهو ~~يقوي قول من فرق بينهما، إلا أن ابن محيصن وابن مسلم وأصحاب عبد ~~الله كسروه أيضا، وهي مقوية لقول من جعلهما بمعنى والياء في ~~سخريا وسخريا للنسب زيدت للدلالة على قوة الفعل، فالسخري ~~أقوى من السخر، كما قيل في الخصوص خصوصية دلالة على قوة ذلك. # قال معناه الزمخشري. # فصل # اعلم أنه تعالى قرعهم بأمر يتصل بالمؤمنين قال مقاتل: إن رؤوس قريش مثل ~~أبي جهل، وعقبة وأبي بن خلف، كانوا يستهزؤون بأصحاب محمد، ويضحكون ~~بالفقراء منهم، كبلال، وخباب، وعمار، وصهيب، والمعنى: اتخذتموهم هزوا ~~" حتى أنسوكم " بتشاغلكم بهم على تلك الصفة { ذكري ~~وكنتم منهم تضحكون } ونظيره: # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون # [المطففين: 29] ثم إنه تعالى ذكر ما يوجب أسفهم وخسرانهم بأن وصف ما ~~جازى به أولئك فقال: { جزيتهم اليوم بما صبروا } أي: ~~جزيتهم اليوم الجزاء الوافر. # قوله: { أنهم هم الفآئزون } قرأ الأخوان بكسر الهمزة، ~~استئنافا. # والباقون بالفتح، وفيه وجهان: # أظهرهما: أنه تعليل فيكون نصبا بإضمار الخافض أي: لأنهم هم الفائزون، ~~وهي موافقة للأولى فإن الاستئناف يعلل به أيضا. # والثاني: قاله الزمخشري، ولم يذكر غيره، أنه مفعول ثان ل " ~~جزيتهم " أي: بأنهم أي: فوزهم وعلى الأول يكون المفعول الثاني ~~محذوفا. ### || [23.112-118] # قوله تعالى: { قال كم لبثتم } قرأ الأخوان: { قل كم ~~لبثتم } { قل إن لبثتم } بالأمر في الموضعين وابن كثير ~~كالأخوين في الأول فقط. والباقون: " قال " في الموضعين على الإخبار ~~عن الله أو الملك. والفعلان مرسومان بغير ألف في مصاحف الكوفة، وبألف في ~~مصاحف مكة والمدينة والشام والبصرة. فحمزة والكسائي وافقا مصاحف ~~الكوفة، وخالفها ms6474 عاصم أو وافقها على تقدير حذف الألف من الرسم وإرادتها. ~~وابن كثير وافق في الثاني مصاحف مكة، وفي الأول غيرها، أو إياها على ~~تقدير حذف الألف وإرادتها. وأما الباقون فوافقوا مصاحفهم في الأول ~~والثاني. فعلى الأمر معنى الآية: قولوا أيها الكافرون، فأخرج ~~الكلام مخرج الواحد، والمراد منه الجماعة إذ كان معناه مفهوما. ويجوز أن ~~يكون الخطاب لكل واحد منهم، أي: قل أيها الكافرون. وأما على الخبر أي ~~قال الله - عز وجل - للكفار يوم البعث { كم لبثتم في ~~الأرض } أي: في الدنيا أو في القبور. و(كم) في موضع نصب على ظرف ~~الزمان، أي: كم سنة، و " عدد " بدل من " كم " قاله أبو البقاء، وقال ~~غيره: " عدد سنين " تمييز ل " كم " وهذا هو الصحيح. وقرأ الأعمش ~~والمفضل عن عاصم: " عددا " منونا، وفيه أوجه: # أحدها: أن يكون عددا مصدرا أقيم مقام الاسم فهو نعت مقدم على المنعوت ~~قاله صاحب اللوامح. يعني: أن الأصل سنين عددا. أي: معدودة، لكنه يلزم ~~تقديم النعت على المنعوت، فصوابه أن يقول فانتصب حالا هذا مذهب ~~البصريين. # والثاني: أن " لبثتم " بمعنى: عددتم، فيكون نصب " عددا " على ~~المصدر و " سنين " بدل منه. قاله صاحب اللوامح أيضا. وفيه بعد لعدم ~~دلالة اللبث على العدد. # والثالث: أن " عددا " تمييز ل " كم " و " سنين " بدل منه. # فصل # الغرض من هذا السؤال التبكيت والتوبيخ، لأنهم كانوا ينكرون لبثا في ~~الآخرة أصلا، ولا يعدون اللبث إلا في دار الدنيا، ويظنون أن بعد ~~الموت يدوم الفناء ولا إعادة. فلما حصلوا في النار، وأيقنوا دوامها، ~~وخلودهم فيها سألهم { كم لبثتم في الأرض } منبها لهم على ~~ما ظنوه دائما طويلا، وهو يسير بالإضافة إلى ما أنكروه، فحينئذ ~~تحصل لهم الحسرة على ما كانوا يعتقدونه في الدنيا، حيث تيقنوا خلافه، ~~وهذا هو الغرض من السؤال فإن قيل: فكيف يصح أن يقولوا في جوابهم: { ~~لبثنا يوما أو بعض يوم } ولا يقع الكذب من أهل النار؟ ~~فالجواب: لعلهم نسوا لكثرة ما هم فيه من الأهوال، وقد اعترفوا بهذا ~~النسيان وقالوا: " فاسأل ms6475 العادين ". قال ابن عباس: أنساهم ما ~~كانوا فيه من العذاب بين النفختين. # وقيل: مرادهم بقولهم: { لبثنا يوما أو بعض يوم } تصغير ~~لبثهم وتحقيره بالإضافة إلى ما وقعوا فيه من العذاب. وقيل: أرادوا أن ~~لبثهم في الدنيا يوما أو بعض يوم من أيام الآخرة، لأن يوم القيامة ~~مقداره خمسين ألف سنة. # فصل # اختلفوا في أن السؤال عن أي لبث؟ فقيل عن لبثهم أحياء في الدنيا، ~~فأجابوا بأن قدر لبثهم كان يسيرا بناء على أن الله أعلمهم أن ~~الدنيا متاع قليل وأن الآخرة هي دار القرار. # وقيل: المراد اللبث في حال الموت، لأن قوله: " في الأرض " يفيد ~~الكون في الأرض أي: في القبر، والحي إنما يقال فيه أنه على الأرض. ~~وهذا ضعيف لقوله: # ولا تفسدوا في الأرض # [الأعراف: 56، 85]، واستدلوا أيضا بقوله: # ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا ~~غير ساعة # [الروم: 55] ثم قالوا: " فاسأل العادين " أي: الملائكة الذين ~~يحفظون أعمال بني آدم ويحصونها عليهم، وهذا قول عكرمة. وقيل الملائكة ~~الذين يعدون أيام الدنيا. وقيل: المعنى سل من يعرف عدد ذلك فإنا ~~نسيناه. وقرئ " العادين " بالتخفيف، وهي قراءة الحسن والكسائي في ~~رواية جمع (عادي) اسم فاعل من (عدا) أي: الظلمة فإنهم يقولون مثل ما ~~قلنا. # وقيل: العادين: القدماء المعمرين، فإنهم سيقصرونها. قال أبو البقاء: ~~كقولك: هذا بئر عادية، أي؛ سل من تقدمنا، وحذف إحدى ياءي النسب كما ~~قالوا: الأشعرون، وحذفت الأخرى لالتقاء الساكنين. قال شهاب الدين: ~~المحذوف أولا الياء الثانية؛ لأنها المتحركة وبحذفها يلتقي ساكنان. ~~ويؤيد ما ذكره أبو البقاء ما نقله الزمخشري قال: وقرئ (العاديين أي: ~~القدماء المعمرين، فإنهم يستقصرونها، فكيف بمن دونهم؟ قال ابن ~~خالويه: ولغة أخرى العاديين يعني: بياء مشددة جمع عادية بمعنى ~~القدماء). # فصل # احتج من أنكر عذاب القبر بهذه الآية فقال: قوله: { كم لبثتم في ~~الأرض } يتناول زمان كونهم أحياء فوق الأرض، وزمان كونهم أمواتا في ~~بطن الأرض، فلو كانوا معذبين في القبر لعلموا أن مدة مكثهم في الأرض ~~طويلة، فلم يقولوا: { لبثنا يوما أو بعض يوم }. # والجواب ms6476 من وجهين: # الأول: أن الجواب لا بد وأن يكون بحسب السؤال، وإنما سألوا عن موت ~~لا حياة بعده إلا في الآخرة، وذلك لا يكون إلا بعد عذاب القبر. # والثاني: يحتمل أن يكونوا سألوا عن قدر اللبث الذي اجتمعوا فيه، فلا ~~مدخل في تقدم موت بعضهم على بعض فيصح أن يكون جوابهم { لبثنا ~~يوما أو بعض يوم } عند أنفسنا. # قوله: " إن لبثتم " أي: ما لبثتم " إلا قليلا " ، وكأنه قيل ~~لهم: صدقتم ما لبثتم فيها إلا قليلا، لأنها في مقابلة أيام الآخرة. # قوله: " لو أنكم " جوابها محذوف تقديره: لو كنتم تعلمون مقدار ~~لبثكم من الطول لما أجبتم بهذه المدة. # وانتصب " قليلا " (على النعت) لزمن محذوف (أو لمصدر محذوف) أي: إلا ~~زمنا قليلا، أو إلا لبثا قليلا. # قوله تعالى: { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا } الآية ~~في نصب (عبثا) وجهان: # أحدهما: أنه مصدر واقع موقع الحال أي: عابثين. # والثاني: أنه مفعول من أجله أي: لأجل العبث. والعبث: اللعب، وما لا ~~فائدة فيه، أي: لتعبثوا وتلعبوا، كما خلقت البهائم لا ثواب لها ولا عقاب، ~~وكل ما ليس له غرض صحيح. يقال: عبث يعبث عبثا إذا خلط عليه ~~بلعب، وأصله من قولهم عبثت الأقط، أي: خلطته، والعبيث: طعام مخلوط ~~بشيء، ومنه العوبثاني لتمر وسويق وسمن مختلط. قوله: " ~~وأنكم " يجوز أن يكون معطوفا على (أنما خلقناكم) لكون ~~الحسبان منسحبا عليه وأن يكون معطوفا على (عبثا) إذا كان مفعولا من ~~أجله. # قال الزمخشري: ويجوز أن يكون معطوفا على (عبثا) أي: للعبث ولترككم ~~غير مرجوعين وقدم " إلينا " على (ترجعون) لأجل الفواصل. # قوله: " لا ترجعون " هو خبر " أنكم " ، وقرأ الأخوان " ~~ترجعون " مبنيا للفاعل، والباقون مبنيا للمفعول. وقد تقدم أن ~~(رجع) يكون لازما ومتعديا. وقيل: لا يكون إلا متعديا، والمفعول ~~محذوف. # فصل # لما شرح صفات القيامة استدل على وجودها بأنه لولا القيامة لما تميز ~~المطيع عن العاصي، والصديق عن الزنديق، وحينئذ يكون هذا العالم عبثا، ~~وهو كقوله: # أيحسب الإنسان أن يترك سدى # [القيامة: 36]. والمعنى: أنما خلقتم للعبادة وإقامة أوامر الله عز ~~وجل. ms6477 # " روي أن رجلا مصابا مر به على ابن مسعود فرقاه في أذنيه { ~~أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا ~~لا ترجعون } حتى ختمها، فبرأ، (فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بماذا رقيته في أذنه فأخبره) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~والذي نفسي بيده لو أن رجلا موقنا قرأها على جبل لزال " # ثم نزه نفسه عما يصفه به المشركون فقال: { فتعالى الله ~~الملك الحق } ، والملك: هو المالك للأشياء الذي لا يزول ملكه ~~وقدرته، والحق: هو الذي يحق له الملك، لأن كل شيء منه وإليه، والثابت ~~الذي لا يزول ملكه. # { لا إله إلا هو رب العرش الكريم } قرأ العامة " ~~الكريم " مجرورا نعتا للعرش، وصف بذلك لتنزل الخيرات منه والبركات ~~والرحمة. أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين، كما يقال: بيت كريم إذا ~~كان ساكنوه كراما. وقرأ أبو جعفر وابن محيصن وإسماعيل عن ابن كثير وأبان ~~بن تغلب بالرفع وفيه وجهان: # أحدهما: أنه نعت للعرش أيضا، ولكنه قطع عن إعرابه لأجل المدح على خبر ~~مبتدأ مضمر. وهذا جيد لتوافق القراءتين في المعنى. # والثاني: أنه نعت ل (رب). # فصل # قال المفسرون: العرش السرير الحسن. وقيل: المرتفع. وقال أبو مسلم: العرش ~~هنا السموات بما فيها من العرش الذي تطوف به الملائكة، ويجوز أن يراد به ~~الملك العظيم. # والأكثرون: على أنه العرش حقيقة. # قوله: " ومن يدع " شرط، وفي جوابه وجهان: # أحدهما: أنه قوله: " فإنما حسابه " وعلى هذا ففي الجملة المنفية ~~وهي قوله: { لا برهان له به } وجهان: # أحدهما: أنها صفة، ل " إلها " وهي صفة لازمة، أي: لا يكون الإله ~~المدعو من دون الله إلا كذا، فليس لها مفهوم لفساد المعنى. ومثله # ولا طائر يطير بجناحيه # [الأنعام: 38] لا يفهم أن ثم إلها آخر مدعوا من دون الله له ~~برهان، وأن ثم طائرا يطير بغير جناحيه. # والثاني: أنها جملة اعتراض بين الشرط وجوابه، وإلى الوجهين أشار ~~الزمخشري بقوله وهي صفة لازمة كقوله: " يطير بجناحيه " جيء ~~بها للتوكيد لا أن يكون في الآلهة ما يجوز أن يقوم عليه برهان، ms6478 ويجوز أن ~~يكون اعتراضا بين الشرط والجزاء كقولك: من أحسن إلى زيد لا أحد ~~أحق بالإحسان منه فالله مثيبه. # والثاني من الوجهين الأولين: أن جواب الشرط قوله: { لا برهان له ~~به } كأنه فر من مفهوم الصفة لما يلزم من فساده، فوقع في شيء لا ~~يجوز إلا في ضرورة شعر، وهو حذف فاء الجزاء من الجملة الاسمية كقوله: # 3814- من يفعل الحسنات الله يشكرها # والشر بالشر عند الله سيان # وقد تقدم تخريج كون { لا برهان له } على الصفة، ولا إشكال، ~~لأنها صفة لازمة، أو على أنها جملة اعتراض. # فصل # لما بين أنه { الملك الحق لا إله إلا هو رب ~~} أتبعه بأن من ادعى إلها آخر فقد ادعى باطلا، لأنه { لا برهان ~~له به } لا حجة ولا بينة، لأنه لا حجة في دعوى الشرك، وهذا يدل ~~على صحة النظر وفساد التقليد. ثم قال: " فإنما حسابه " أي: جزاؤه ~~عند ربه يجازيه بعمله كما قال: # ثم إن علينا حسابهم # [الغاشية: 26] كأنه قال: إن عقابه بلغ إلى حيث لا يقدر أحد على حسابه ~~إلا الله. # قوله: { إنه لا يفلح الكافرون } فشتان ما بين فاتحة ~~السورة وخاتمتها. قرأ الجمهور بكسر همزة (إنه) على الاستئناف المفيد ~~للعلة. وقرأ الحسن وقتادة " أنه " بالفتح، وخرجه الزمخشري على أن ~~يكون خبر " حسابه " قال: ومعناه حسابه عدم الفلاح، والأصل حساب أنه ~~لا يفلح هو، فوضع الكافرون في موضع الضمير، لأن " من يدع " في موضع ~~الجمع، وكذلك حسابه أنه لا يفلح في معنى حسابهم أنهم لا يفلحون. انتهى. # ويجوز أن يكون ذلك على حذف حرف العلة أي: لأنه لا يفلح. وقرأ الحسن: " ~~لا يفلح " مضارع (فلح) بمعنى (أفلح) (فعل) و(أفعل) فيه ~~بمعنى، والله أعلم. # فصل # المعنى لا يسعد من جحد وكذب، وأمر الرسول بأن يقول: { رب اغفر ~~وارحم } ويثني عليه بأن " خير الراحمين " ، وقد تقدم بيان ~~كونه " أرحم الراحمين ". # فإن قيل: كيف اتصال هذه الخاتمة بما قبلها؟ # فالجواب: أنه سبحانه لما شرح أحوال الكفار في جهلهم في الدنيا وعذابهم ~~في الآخرة أمر بالانقطاع ms6479 إلى الله والالتجاء إلى غفرانه ورحمته، فإنهما ~~العاصمان عن كل الآفات والمخافات. # روي أن أول سورة (قد أفلح) وآخرها من كنوز العرش من عمل بثلاث ~~آيات من أولها، واتعظ بأربع من آخرها فقد نجا وأفلح. وروى الثعلبي في ~~تفسيره عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # " من قرأ سورة المؤمنون بشرته الملائكة بالروح والريحان، وما ~~تقر به عينه عند نزول ملك الموت ". ### | [24 - سورة النور] ### || [24.1-2] # (قوله تعالى): { سورة أنزلناها وفرضناها } الآية. # قرأ العامة " سورة " بالرفع، وفيه وجهان: # أحدهما: أن تكون مبتدأ، والجملة بعدها صفة لها، وذلك هو المسوغ ~~للابتداء بالنكرة، وفي الخبر وجهان: # أحدهما: أنه الجملة من قوله: " الزانية والزاني ". # (وإلى هذا نحا ابن عطية فإنه قال: ويجوز أن تكون مبتدأ، والخبر " ~~الزانية والزاني " ) وما بعد ذلك. والمعنى: السورة المنزلة ~~والمفروضة كذا وكذا، إذ السورة عبارة عن آيات مسرودة لها بدء ~~وختم. # والثاني: أن الخبر محذوف، أي: فيما يتلى عليكم سورة، أو فيما أنزلنا ~~سورة. # والوجه الثاني من الوجهين الأولين: أن تكون خبرا لمبتدأ مضمر، أي: هذه ~~(سورة). # وقال أبو البقاء: (سورة) بالرفع على تقدير: هذه سورة، أو فيما يتلى ~~عليك سورة، فلا تكون (سورة) مبتدأ، لأنها نكرة. # وهذه عبارة مشكلة على ظاهرها، كيف يقول: " لا تكون مبتدأ " مع تقديره: ~~فيما يتلى عليك سورة؟ وكيف يعلل المنع بأنها نكرة مع تقديره ~~لخبرها جارا مقدما عليها، وهو مسوغ للابتداء بالنكرة؟ وقرأ عمر بن عبد ~~العزيز وعيسى الثقفي وعيسى الكوفي ومجاهد وأبو حيوة وطلحة بن مصرف " ~~سورة " بالنصب، وفيها أوجه: # أحدها: أنها منصوبة بفعل مقدر غير مفسر بما بعده، تقديره: " ~~اتل سورة " أو " اقرأ سورة ". # والثاني: أنها منصوبة بفعل مضمر يفسره ما بعده، والمسألة من الاشتغال، ~~تقديره: " أنزلنا سورة (أنزلناها " ). # والفرق بين الوجهين: أن الجملة بعد " سورة " في محل نصب على الأول، ~~ولا محل لها على الثاني. # الثالث: أنها منصوبة على الإغراء، أي: دونك سورة، قاله الزمخشري. ورده ~~أبو حيان بأنه لا يجوز حذف أداة الإغراء. ms6480 واستشكل أبو حيان أيضا على وجه ~~الاشتغال جواز الابتداء بالنكرة من غير مسوغ، ومعنى ذلك أنه ما من موضع ~~يجوز (فيه) النصب على الاشتغال إلا ويجوز أن يرفع على الابتداء، ~~وهنا لو رفعت " سورة " بالابتداء لم يجز، إذ لا مسوغ، فلا يقال: " ~~رجلا ضربته " لامتناع " رجل ضربته " ، ثم أجاب بأنه إن اعتقد حذف ~~وصف جاز، أي: " سورة معظمة أو موضحة أنزلناها " فيجوز ذلك. # الرابع: أنها منصوبة على الحال من " ها " في " أنزلناها " ، ~~والحال من المكني يجوز أن يتقدم عليه، قاله الفراء. # وعلى هذا فالضمير في " أنزلناها " ليس عائدا على " سورة " بل ~~على الأحكام، كأنه قيل: أنزلنا الأحكام سورة من سور القرآن، فهذه ~~الأحكام ثابتة بالقرآن بخلاف غيرها فإنه قد ثبت بالسنة، وتقدم معنى ~~الإنزال. # قوله: " وفرضناها " قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتشديد. والباقون ~~بالتخفيف. # فالتشديد إما للمبالغة في الإيجاب وتوكيد، وإما لتكثير المفروض ~~عليهم، وإما لتكثير الشيء المفروض. والتخفيف بمعنى: أوجبناها ~~وجعلناها مقطوعا بها. وقيل: ألزمناكم العمل بها وقيل: قدرنا ما فيها من ~~الحدود. # والفرض: التقدير، قال الله (تعالى): # فنصف ما فرضتم # [البقرة: 237] أي: قدرتم، # إن الذي فرض عليك القرآن # [القصص: 85]. ثم إن السورة لا يمكن فرضها لأنها قد دخلت في الوجود، ~~وتحصيل الحاصل محال، فوجب أن يكون المراد: فرضنا ما بين فيها من ~~الأحكام، ثم قال: { وأنزلنا فيهآ آيات بينات } واضحات. " ~~لعلكم تذكرون " تتعظون، وأراد ب " الآيات " ما ذكر في ~~السورة من الأحكام والحدود ودلائل التوحيد. # وقرئ " تذكرون " بتشديد الذال وتخفيفها. وتقدم معنى " لعل " ~~في سورة البقرة. # قال القاضي: " لعل " بمعنى " كي ". # فإن قيل: الإنزال يكون من صعود إلى نزول، وهذا يدل على أنه تعالى في ~~جهة؟ # فالجواب: أن جبريل كان يحفظها من اللوح ثم ينزلها على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فقيل: " أنزلناها " توسعا. # وقيل: إن الله تعالى أنزلها من أم الكتاب إلى السماء الدنيا دفعة واحدة، ~~ثم أنزلها بعد ذلك على لسان جبريل - عليه السلام -. # وقيل: معنى " أنزلناها ": أعطيناها الرسول، كما يقول العبد إذا كلم ~~سيده: رفعت ms6481 إليه حاجتي، كذلك يكون من السيد إلى العبد الإنزال، قال الله ~~تعالى: # إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه # [فاطر: 10]. # قوله تعالى: { الزانية والزاني } في رفعهما وجهان: # مذهب سيبويه: أنه مبتدأ، وخبره محذوف، أي: فيما يتلى عليكم ~~حكم الزانية، ثم بين ذلك بقوله: " فاجلدوا "... إلى آخره. # والثاني وهو مذهب الأخفش وغيره: أنه مبتدأ، والخبر جملة الأمر، ~~ودخلت الفاء لشبه المبتدأ بالشرط، ولكون الألف واللام بمعنى الذي، ~~تقديره: من زنا فاجلده، أو التي زنت والذي زنا فاجلدوهما، وتقدم الكلام ~~على هذه المسألة في قوله: # واللذان يأتيانها منكم فآذوهما # [النساء: 16] وعند قوله: " والسارق والسارقة " فأغنى عن ~~إعادته. # وقرأ عيسى الثقفي ويحيى بن يعمر وعمرو بن فائد وأبو جعفر وأبو شيبة ~~ورويس بالنصب على الاشتغال. # قال الزمخشري: " وهو أحسن من (سورة أنزلناها) لأجل الأمر ". # وقرئ: " والزان " بلا ياء. # ومعنى " فاجلدوا ": فاضربوا { كل واحد منهما مئة جلدة ~~} ، يقال: جلده: إذا ضرب جلده، كما يقال: رأسه وبطنه: إذا ضرب ~~رأسه وبطنه، وذكر بلفظ الجلد لئلا يبرح، ولا يضرب بحيث يبلغ اللحم. # قوله (تعالى): { ولا تأخذكم بهما رأفة }: رحمة ورقة. # قرأ العامة هنا وفي الحديد بسكون همزة " رأفة ". وابن كثير بفتحها. # وقرأ ابن جريج وتروى أيضا عن ابن كثير وعاصم " رآفة " بألف بعد ~~الهمزة بزنة " سحابة ". # وكلها مصادر ل " رأف به يرؤف " ، وتقدم معناه، وأشهر المصادر ~~الأول، ونقل أبو البقاء فيها لغة رابعة، وهي إبدال الهمزة ألفا، وهذا ~~ظاهر. # وقرأ العام " تأخذكم " بتاء التأنيث مراعاة للفظ. # وعلي بن أبي طالب والسلمي ومجاهد بالياء من تحت، لأن التأنيث ~~مجازي، وللفصل بالمفعول والجار. # و " بهما " يتعلق ب " تأخذكم " ، أو بمحذوف على سبيل البيان، ~~ولا يتعلق ب " رأفة " لأن المصدر لا يتقدم عليه معمولا، و " دين ~~الله " متعلق بالفعل قبله أيضا. # وهذه الجملة دالة على جواب الشرط بعدها، أو هي الجواب عند بعضهم. # فصل # الزنا حرام، وهو من الكبائر، لأن الله تعالى قرنه بالشرك وقتل النفس في ~~قوله: " ولا يزنون " ، وقال # ولا تقربوا الزنى # [الإسراء: 32]، وقال عليه السلام: # " يا ms6482 معشر الناس اتقوا الزنا فإن فيه ست خصال: ثلاث في الدنيا ~~وثلاث في الآخرة، أما التي في الدنيا: فيذهب البهاء، ويورث الفقر، ~~وينقص العمر. وأما اللاتي في الآخرة: فسخط الله، وسوء الحساب، وعذاب ~~(النار) ". # قال بعض العلماء في حد الزنا: إنه عبارة عن إيلاج فرج في فرج مشتهى ~~طبعا محرم قطعا. # واختلف العلماء في اللواط، هل يسمى زنا أم لا؟ # فقيل: نعم لقوله - عليه السلام -: # " إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان " # ، ولدخوله في حد الزنا المتقدم. وقيل: لا يسمى زنا، لأنه في العرف لا ~~يسمى زانيا، ولو حلف لا يزني فلاط لم يحنث، ولأن الصحابة اختلفوا في حكم ~~اللواط وكانوا عالمين باللغة. # وأما الحديث فمحمول على الإثم (بدليل قوله - عليه السلام -): # " إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان " # ، وقوله عليه السلام: # " اليدان تزنيان، والعينان تزنيان " # وأما دخوله في مسمى الفرج لما فيه من الانفراج فبعيد، لأن العين والفم ~~منفرجان ولا يسميان فرجا، وسمي النجم نجما لظهوره، وما سموا كل ظاهر ~~نجما، وسموا الجنين جنينا لاستتاره، وما سموا كل مستتر جنينا. # واختلفوا في حد اللوطي: # فقيل: حد الزنا، إن كان محصنا رجم، وإن كان غير محصن جلد وغرب. # وقيل: يقتل الفاعل والمفعول مطلقا. # واختلفوا في كيفية قتله: # فقيل: تضرب رقبته كالمرتد لقوله عليه السلام: # " من عمل عمل قوم لوط فاقتلوه ". # وقيل: يرجم بالحجارة. # وقيل: يهدم عليه جدار. # وقيل: يرمى من شاهق، لأن الله تعالى عذب قوم لوط بكل ذلك. # وقيل: يعزر الفاعل، وأما المفعول فعليه القتل إن قلنا يقتل الفاعل، وإن ~~قلنا على الفاعل حد الزنا فعلى المفعول جلد مائة وتغريب عام محصنا كان ~~أو غير محصن. # وقيل: إن كانت امرأة محصنة فعليها الرجم. # فصل # وأجمعت الأمة على حرمة إتيان البهيمة، واختلفوا في حده: # فقيل: حد الزنا. # وقيل: يقتل مطلقا لقوله عليه السلام: # " من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه ". # وقيل: التعزير، وهو الصحيح. # وأما السحق وإتيان الميتة والاستمناء باليد فلا يشرع فيه إلا التعزير. # فصل # تقدم الكلام في حد الزنا في سورة ms6483 النساء، وأما إثباته فلا يحصل إلا ~~بالإقرار أو بالبينة. أما الإقرار، فقال الشافعي: يثبت بالإقرار مرة ~~واحدة لقصة العسيف. # وقال أبو حنيفة وأحمد: لا بد من الإقرار أربع مرات لقصة ماعز، ولقوله ~~عليه السلام: # " إنك شهدت على نفسك أربع مرات " # ولو كانت المرة الواحدة مثل الأربع في إيجاب الحد لكان هذا الكلام ~~لغوا، ولقول أبي بكر - رضي الله عنه - لماعز بعد إقراره الثالثة: لو ~~أقررت الرابعة لرجمك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وقال بريدة الأسلمي: كنا معشر أصحاب محمد نقول: لو لم يقر ماعز (أربع ~~مرات) ما رجمه رسول الله. # وأيضا فكما لا يقبل في الشهادة على الزنا إلا أربع شهادات، فكذا في ~~الإقرار. وكما أن الزنا لا ينتفي إلا بأربع شهادات في اللعان، فلا يثبت ~~إلا بالإقرار أربع مرات. # وأما البينة فأجمعوا على أنه لا بد من أربع شهادات لقوله تعالى: # فاستشهدوا عليهن أربعة منكم # [النساء: 15]. # فصل # قال بعض العلماء: لا خلاف أنه يجب على القاضي أن يمتنع عن القضاء بعلم ~~نفسه، كما إذا ادعى رجل على آخر حقا وأقام عليه بينة، والقاضي يعلم أنه ~~قد أبرأه، أو ادعى أنه قتل أباه وقت كذا وقد رآه القاضي حيا بعد ذلك، ~~أو ادعى نكاح امرأة وقد سمعه القاضي طلقها، لا يجوز أن يقضي به ولو أقام ~~عليه شهودا وهل يجوز له أن يقضي بعلم نفسه مثل إن ادعى عليه ألفا وقد ~~رآه القاضي أقرضه، أو سمع المدعى عليه يقر به؟ # فقال أبو يوسف ومحمد والمزني: يجوز له أن يقضي بعلمه، لأنه لما جاز له ~~أن يحكم بشهادة الشهود، وهي إنما تفيد الظن، فلأن يجوز (له) بما هو منه ~~على علم أولى. # قال الشافعي: أقضي بعلمي، وهو أقوى من شاهدين، أو شاهد وامرأتين، وهو ~~أقوى من شاهد ويمين، (وبشاهد ويمين) وهو أقوى من (النكول) ورد اليمين " ~~وقيل: لا يحكم بعلمه لأن انتفاء التهمة شرط في القضاء، ولم يوجد هذا في ~~الأموال فأما العقوبات، فإن كانت العقوبة من حقوق العباد كالقصاص ms6484 وحد ~~القذف فهو مثل المال، إن قلنا لا يقضي فهاهنا أولى، وإلا فقولان. # والفرق بينهما أن حقوق الله تعالى مبنية على المساهلة والمسامحة، ولا ~~فرق على القولين أن يحصل العلم للقاضي في بلد ولايته (وزمان ولايته) أو ~~في غيره. # وقال أبو حنيفة: إن حصل له العلم في بلد ولايته (وفي زمان ولايته) له أن ~~يقضي بعلمه وإلا فلا. # فصل # لا يقيم الحد إلا الإمام أو نائبه وللسيد أن يقيم الحد على رقيقه لقوله ~~عليه السلام: # " إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها " # وقيل: بل يرفعه إلى الإمام. # ويجلد المحصن مع ثيابه ولا يجرد، ولكن ينبغي أن تكون بحيث يصل ألم ~~الضرب إليه، وأما المرأة فلا يجوز تجريدها، بل تربط عليها ثيابها حتى لا ~~تنكشف، ويلي ذلك منها امرأة. ويضرب بسوط لا جديد يجرح ولا خلق لا يؤلم، ~~ولا يمد، ولا يربط، بل يترك حتى يتقي بيديه ويضرب الرجل قائما والمرأة ~~جالسة، وتفرق السياط على أعضائه ولا يجمعها في موضع واحد ويتقى المهالك ~~كالوجه والبطن والفرج. # قال الشافعي: يضرب على الرأس. # وقال أبو حنيفة: لا يضرب على الرأس. # فصل # ولا يقام الحد على الحامل حتى تضع ولدها، ويستغنى عنها لحديث الجهنية، ~~وأما المريض فإن كان يرجى زوال مرضه أخر حتى يبرأ (إن كان الحد جلدا، ~~وإن كان رجما أقيم عليه الحد، لأن المقصود قتله)، وإن كان مرضه لا ~~يرجى زواله لم يضرب بالسياط، بل يضرب بضغث فيه عيدان بعدد ما يجب عليه ~~لقصة أيوب (- عليه السلام -) وأدلة جميع ما تقدم مذكورة في كتب الفقه. # فصل # لو فرق السياط تفريقا لا يحصل به التنكيل مثل أن ضرب كل يوم سوطا أو ~~سوطين لم يحسب، وإن ضرب كل يوم عشرين وأكثر حسب. # فصل # ويقام الحد في وقت اعتدال الهواء، فإن كان في وقت شدة حر أو برد نظرنا: ~~إن كان الحد رجما أقيم عليه كما يقام في المرض، لأن المقصود قتله. # وقيل: إن كان الرجم ثبت بإقراره أخر إلى اعتدال الهواء وزوال المرض ~~(إن كان ms6485 يرجى زوال، لأنه ربما رجع عن إقراره في خلال الرجم) وقد أثر ~~الرجم في جسمه فيعين شدة الحر والبرد والمرض على إهلاكه. # وإن ثبت بالبينة لا يؤخر، لأنه لا يسقط. # وإن كان الحد جلدا لم يجز إقامته في شدة الحر والبرد كما لا يقام في ~~المرض. # فصل # معنى قوله: { ولا تأخذكم بهما رأفة }. # قال مجاهد وعكرمة وعطاء وسعيد بن جبير والنخعي والشعبي: لا تأخذكم بهما ~~رأفة فتعطلوا الحدود ولا تقيموها. # وقيل: ولا تأخذكم رأفة فتخففوا، ولكن أوجعوهما ضربا. وهو قول سعيد بن ~~المسيب والحسن. # قال الزهري: يجتهد في حد الزنا والغربة، ويخفف في حد الشرب. # وقال قتادة: يخفف في الشرب والغربة، ويجتهد في الزنا. # ومعنى { في دين الله }: أي: في حكم الله، روي أن عبد الله بن عمر ~~جلد جارية له زنت فقال للجلاد: " اضرب ظهرها ورجليها " فقال ~~له ابنه: " ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله " فقال: ~~" يا بني إن الله لم يأمرني بقتلها، وقد ضربت فأوجعت ". # فصل # إذا ثبت الزنا بإقراره فمتى رجع ترك، وقع به بعض الحد أو لم يقع (به)، ~~لأن ماعزا لما مسته الحجارة هرب، فقال عليه السلام: # " هلا تركتموه ". # وقيل: لا يقبل رجوعه. # ويحفر للمرأة إلى صدرها، ولا يحفر للرجل، وإذا مات في الحد غسل ~~وكفن وصلي عليه ودفن في مقابر المسلمين. # قوله: { إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر } ~~معناه: أن المؤمن لا تأخذه الرأفة إذا جاء أمر الله. # قوله: { وليشهد عذابهما } أي: وليحضر " عذابهما ": ~~حدهما إذا أقيم عليهما " طائفة " نفر من المؤمنين. قال النخعي ~~ومجاهد: أقله رجل واحد، لقوله تعالى: # وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا # [الحجرات: 9]. وقال عطاء وعكرمة: اثنان، لقوله تعالى: # فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة # [التوبة: 122] وكل ثلاثة فرقة، والخارج عن الثلاثة واحد أو اثنان، ~~والاحتياط يوجب الأخذ بالأكثر. وقال الزهري وقتادة: ثلاثة فصاعدا، لأن ~~الطائفة هي الفرقة التي تكون حافة حول الشيء، وهذه الصورة أقل ما لا بد ~~في حصولها الثلاثة. # وقال ابن عباس: " إنها أربعة، عدد شهود ms6486 الزنا " ، وهو قول مالك وابن ~~زيد. # وقال الحسن البصري: عشرة، لأنها العدد الكامل. # واعلم أن قوله: " وليشهد " أمر، وظاهره للوجوب، لكن الفقهاء قالوا: ~~يستحب حضور الجمع، والمقصود منه: إعلان إقامة الحد لما فيه من الردع ودفع ~~التهمة. # وقيل: أراد بالطائفة: الشهود يجب حضورهم ليعلم بقاؤهم على الشهادة. # وقال الشافعي ومالك: يجوز للإمام أن يحضر رجمه وأن لا يحضر، وكذا الشهود ~~لا يلزمهم الحضور. وقال أبو حنيفة: " إن ثبت بالبينة وجب على الشهود أن ~~يبدؤوا بالرمي، ثم الإمام، ثم الناس، وإن ثبت بالإقرار بدأ الإمام ثم ~~الناس ". # واحتج الشافعي بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رجم ماعزا والغامدية ~~ولم يحضر رجمهما وأما تسميته عذابا فإنه يدل على أنه عقوبة، ويجوز أن ~~يسمى عذابا لأنه يمنع المعاودة، كما يسمى نكالا لذلك. ### || [24.3] # قرأ أبو البرهسيم " وحرم " مبنيا للفاعل مشددا. وزيد بن علي " ~~حرم " بزنة كرم. واختلفوا في معنى الآية وحكمها: # فقال مجاهد وعطاء بن أبي رباح وقتادة والزهري والشعبي، ورواية العوفي عن ~~ابن عباس: " قدم المهاجرون المدينة وفيهم فقراء لا مال لهم ولا عشائر، ~~وبالمدينة نساء بغايا يكرين أنفسهن، وهن يومئذ أخصب أهل المدينة، فرغب ~~ناس من فقراء المسلمين في نكاحهن لينفقن عليهم، فاستأذنوا رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فنزلت هذه الآية " وحرم على المؤمنين أن يتزوجوا ~~تلك البغايا، لأنهن كن مشركات. # وقال عكرمة: نزلت في نساء بمكة والمدينة، منهن تسع لهن رايات البيطار ~~يعرفن بها منزلهن: أم مهزول جارية السائب بن أبي السائب المخزومي، وكان ~~الرجل ينكح الزانية في الجاهلية يتخذها مأكلة، فأراد ناس من المسلمين ~~نكاحهن على تلك الجهة، فاستأذن رجل من المسلمين نبي الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في نكاح " أم مهزول " واشترطت له أن تنفق عليه، فأنزل الله هذه ~~الآية. # فإن قيل: قوله تعالى: { الزاني لا ينكح إلا زانية أو ~~مشركة والزانية لا ينكحهآ إلا زان أو مشرك } ~~ظاهره خبر وليس الأمر كذلك، لأن الزاني قد ينكح المؤمنة العفيفة، ~~والزانية قد ينكحها المؤمن العفيف، وأيضا فقوله: { وحرم ms6487 ذلك ~~على المؤمنين } ليس كذلك، فإن المؤمن يحل له التزويج بالمرأة ~~الزانية. # فالجواب من وجوه: # أحدها - وهو أحسنها -: ما قاله القفال: إن اللفظ وإن كان عاما لكن ~~المراد منه الأعم الأغلب، لأن الفاسق الخبيث الذي من شأنه الزنا لا يرغب ~~في نكاح المرأة الصالحة، وإنما يرغب في فاسقة مثله أو في مشركة، والفاسقة ~~لا ترغب في نكاح الرجل الصالح، بل تنفر عنه، وإنما ترغب فيمن هو من جنسها ~~من الفسقة والمشركين، فهذا على الأعم الأغلب، كما يقال " لا يفعل الخير ~~إلا الرجل التقي " وقد يفعل الخير من ليس بتقي، فكذا هاهنا. # وأما قوله: { وحرم ذلك على المؤمنين } فالجواب من ~~وجهين: # الأول: أن نكاح المؤمن الممدوح عند الله الزانية ورغبته فيها فحرم عليه ~~لما فيه من التشبه بالفساق، وحضور موقع التهمة، والتسبب لسوء المقالة ~~فيه، والغيبة، ومجالسة الخطائين فيها التعرض لاقتراف الآثام، فكيف ~~بمزاوجة الزواني والفجار. # وثانيها: أن صرف الرغبة بالكلية إلى الزواني وترك الرغبة في الصالحات ~~محرم على المؤمنين، لأن قوله: { الزاني لا ينكح إلا زانية ~~} معناه: أن الزاني لا يرغب إلا في زانية، فهذا محرم على المؤمنين، ولا ~~يلزم من حرمة هذا الحصر حرمة التزويج بالزانية، فهذا هو المعتمد في تفسير ~~الآية. # الوجه الثاني: أن الألف واللام في قوله: " الزاني " وفي قوله: " ~~المؤمنين " وإن كان للعموم ظاهرا لكنه مخصوص بالأقوام الذين نزلت ~~فيهم كما قدمناه آنفا. # الوجه الثالث: أن قوله: { الزاني لا ينكح إلا زانية } وإن ~~كان خبرا في الظاهر لكن المراد منه النهي، والمعنى: كل من كان زانيا ~~فلا ينبغي أن ينكح إلا زانية، { وحرم ذلك على المؤمنين } ~~هكذا كان الحكم في ابتداء الإسلام. # وعلى هذا الوجه ذكروا قولين: # أحدهما: أن ذلك الحكم باق إلى الآن حتى يحرم على الزاني والزانية ~~التزويج بالعفيفة والعفيف وبالعكس، وهذا مذهب أبي بكر وعمر وعلي وابن ~~مسعود. # ثم في هؤلاء من يسوي بين الابتداء والدوام فيقول: كما لا يحل للمؤمن أن ~~يتزوج بالزانية فكذلك لا يحل له إذا زنت تحته أن يقيم ms6488 عليها. # ومنهم من يفصل لأن في جملة ما يمنع من التزويج ما لا يمنع من دوام ~~النكاح كالإحرام والعدة. # والقول الثاني: أن هذا الحكم صار منسوخا. واختلفوا في ناسخه: فقال ~~الجبائي: إن ناسخه هو الإجماع وعن سعيد بن المسيب أنه منسوخ بعموم قوله ~~تعالى: # فانكحوا ما طاب لكم من النسآء # [النساء: 3]، # وأنكحوا الأيامى منكم # [النور: 32]. # قال المحققون: هذان الوجهان ضعيفان، أما قول الجبائي فلأنه ثبت في أصول ~~الفقه أن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به، وأيضا فالإجماع الحاصل عقيب ~~الخلاف لا يكون حجة، والإجماع في هذه المسألة مسبوق بمخالفة أبي بكر وعمر ~~وعلي، فكيف يصح؟ # وأما قوله: { فانكحوا ما طاب لكم من النسآء } [النساء: ~~3] فلا يصلح أن يكون ناسخا، لأنه لا بد من أن يشترط فيه ألا يكون هناك ~~مانع من النكاح من سبب أو نسب أو غيرهما. # ولقائل أن يقول: لا يدخل فيه تزويج الزانية من المؤمنين، كما لا يدخل ~~فيه تزويجها من الأخ وابن الأخ، وأن للزنا تأثيرا في الفرقة ما ليس ~~لغيره، ألا ترى أنه إذا قذفها يتبعها بالفرقة على بعض الوجوه؟ ولا يجب ~~مثل ذلك في سائر ما يوجب الحد، ولأن الزنا يورث العار، ويؤثر في الفراش، ~~ففارق غيره. # واحتج من ادعى النسخ بأن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: # " يا رسول الله إن امرأتي لا ترد يد لامس " ، قال: " طلقها ". ~~قال: " إني أحبها، وهي جميلة " ، قال: " استمتع بها " # وفي رواية: # " فأمسكها إذن ". # وروي أن عمر بن الخطاب ضرب رجلا وامرأة في زنا وحرص أن يجمع بينهما، ~~فأبى الغلام. وبأن ابن عباس سئل عن رجل زنا بامرأة فهل له أن يتزوجها؟ ~~فأجازه ابن عباس، وشبهه بمن سرق ثمر شجرة ثم اشتراه. # وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن ذلك فقال: # " أوله سفاح وآخره نكاح، والحرام لا يحرم الحلال ". # الوجه الرابع: أن يحمل النكاح على الوطء، والمعنى: أن الزاني لا يطأ حين ~~يزني إلا زانية أو مشركة، وكذا الزانية { وحرم ذلك على ~~المؤمنين ms6489 } أي: وحرم الزنا على المؤمنين، وهذا تأويل أبي مسلم، وهو ~~قول سعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم، ورواية الوالبي عن ابن عباس. # قال الزجاج: " وهذا التأويل فاسد من وجهين: # الأول: أنه ما ورد النكاح في كتاب الله إلا بمعنى التزوج، ولم يرد البتة ~~بمعنى الوطء. # الثاني: أن ذلك يخرج الكلام عن الفائدة، لأنا لو قلنا: المراد أن الزاني ~~لا يطأ إلا الزانية فالإشكال عائد، لأنا نرى الزاني قد يطأ العفيفة حين ~~يتزوج بها، ولو قلنا: المراد أن الزاني لا يطأ إلا الزانية حين يكون وطؤه ~~زنا، فهذا كلام لا فائدة فيه ". # فإن قيل: أي فرق بين قوله: { الزاني لا ينكح إلا زانية } ~~وبين قوله: { الزانية لا ينكحهآ إلا زان }؟ # فالجواب أن الكلام الأول يدل على أن الزاني لا يرغب إلا في نكاح ~~الزانية، بخلاف الزانية فقد ترغب في نكاح غير الزاني، فلا جرم بين ذلك ~~بالكلام الثاني. # فإن قيل: لم قدم الزانية على الزاني في أول السورة وهاهنا بالعكس؟ # فالجواب: سبقت تلك الآية على عقوبتها لخيانتها، فالمرأة هي المادة في ~~الزنا، وأما هاهنا فمسوقة لذكر النكاح، والرجال أصل فيه، لأنه هو الراغب ~~الطالب. ### || [24.4-5] # قوله تعالى: { والذين يرمون المحصنات.. } الآية هي ~~كقوله: # الزانية والزاني فاجلدوا # [النور: 2] فيعود فيه ما تقدم بحاله، وقوله: " المحصنات " فيه ~~وجهان: # أحدهما: أن المراد به النساء فقط، وإنما خصهن بالذكر لأن ~~قذفهن أشنع. # والثاني: أن المراد بهن النساء والرجال، وعلى هذا فيقال: كيف غلب ~~المؤنث على المذكر؟ # والجواب أنه صفة لشيء محذوف يعم الرجال والنساء، أي: الأنفس ~~المحصنات، وهو بعيد أو تقول: ثم معطوف محذوف لفهم المعنى، وللإجماع على ~~أن حكمهم حكمهن أي: والمحصنين. # قوله: { بأربعة شهدآء } العامة على إضافة اسم العدد للمعدود، ~~وقرأ أبو زرعة وعبد الله بن مسلم بالتنوين في العدد، واستفصح الناس ~~هذه القراءة حتى تجاوز بعضهم الحد كابن جني ففضلها على قراءة العامة، ~~قال: لأن المعدود متى كان صفة فالأجود الإتباع دون الإضافة، تقول: " ~~عندي ثلاثة ضاربون " ، ويضعف " ثلاثة ضاربين " وهذا غلط، ms6490 لأن الصفة ~~التي جرت مجرى الأسماء تعطى حكمها، فيضاف إليها العدد، ~~و " شهداء " من ذلك، فإنه كثر حذف موصوفه، قال تعالى: # من كل أمة بشهيد # [النساء: 41]. و # استشهدوا شهيدين # [البقرة: 282]، وتقول: عندي ثلاثة أعبد، وكل ذلك صفة في الأصل. # ونقل ابن عطية عن سيبويه أنه لا يجيز تنوين العدد إلا في شعر. # وليس كما نقله عنه، إنما قال سيبويه ذلك في الأسماء نحو " ثلاثة رجال ~~" وأما الصفات ففيها التفصيل المتقدم. # وفي " شهداء " على هذه القراءة ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه تمييز، وهذا فاسد، لأن من ثلاثة إلى عشرة يضاف لمميزه ~~ليس إلا، وغير ذلك ضرورة. # الثاني: أنه حال، وهو ضعيف أيضا لمجيئها من النكرة من غير مخصص. # الثالث: أنها مجرورة نعتا ل " أربعة " ، ولم تنصرف لألف التأنيث. # فصل # ظاهر الآية لا يدل على الشيء الذي رموا به المحصنات، وذكر الرمي لا يدل ~~على الزنا، إذ قد يرميها بسرقة أو شرب خمر، بل لا بد من قرينة دالة على ~~التعيين. # واتفق العلماء على أن المراد الرمي بالزنا، وفي دلالة الآية عليه وجوه: # الأول: تقدم ذكر الزنا. # الثاني: أنه تعالى ذكر المحصنات وهن العفائف، فدل ذلك على أن المراد ~~رميها بعدم العفاف. # الثالث: قوله: { ثم لم يأتوا بأربعة شهدآء } يعني: ~~على صحة ما رموا به، وكون الشهود أربعة من شروط الزنا. # الرابع: الإجماع على أنه لا يجب الحد بالرمي بغير الزنا، فوجب أن يكون ~~المراد هو الرمي بالزنا. # فصل # شروط الإحصان خمسة: # الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والعفة من الزنا، حتى أن من زنا مرة ~~أول بلوغه ثم تاب وحسنت حالته منذ عمره، فقذفه قاذف لا حد عليه، فإن أقر ~~المقذوف على نفسه بالزنا، أو أقام القاذف أربعة من الشهود على زناه سقط ~~الحد عن القاذف، لأن الحد وجب للفرية، وقد ثبت صدقه. # فصل # وألفاظ القذف: صريح، وكناية، وتعريض. # فالصريح: أن يقول: يا زانية، أو زنيت، أو زنا قبلك أو دبرك، فإن ~~قال: زنا يدك، فقيل: كناية، لأن حقيقة الزنا من الفرج، والصحيح أنه ms6491 صريح، ~~لأن الفعل يصدر بكل البدن، والفرج آلة. # والكناية: أن يقول: يا فاسقة، يا فاجرة، يا خبيثة، يا مؤاجرة، يا ابنة ~~الحرام، أو لا ترد يد لامس، فلا يكون قذفا إلا بالنية، وكذا لو قال ~~لعربي: يا نبطي، أو بالعكس، فإن أراد القذف فهو قذف لأم المقول له، وإلا ~~فلا. # فإن قال: عنيت نبطي الدار أو اللسان، وادعت أم المقول له إرادة القذف ~~فالقول قوله مع يمينه. والتعريض ليس بقذف وإن نواه، كقوله: يا ابن الحلال ~~أما أنا فما زنيت وليست أمي بزانية، لأن الأصل براءة الذمة، فلا يجب ~~بالشك، والحد يدرأ بالشبهات. # وقال مالك: يجب فيه الحد. # وقال أحمد وإسحاق: هو قذف في حال الغضب دون الرضا. # فصل # إذا قذف شخصا واحدا مرارا، فإن أراد بالكل زنية واحدة وجب حد واحد، ~~(فإن قال الثاني بعدما حد للأول عزر للثاني. # وإن قذفه بزناءين مختلفين كقوله: زنيت بزيد، ثم قال: زنيت بعمرو، فقيل: ~~يتعدد اعتبارا باللفظ، ولأنه حق آدمي فلا يتداخل كالديون. # والصحيح أنه يتداخل لأنهما حدان من جنس واحد، فتداخل كحدود الزنا. # ولو قذف زوجته مرارا فالصحيح أنه يكفي بلعان واحد سواء قلنا بتعدد الحد ~~أو لا. # وإن قذف جماعة بكلمة واحدة، فقيل: حد واحد)، لأن هلال بن أمية قذف ~~امرأته بشريك بن سحماء، فقال عليه السلام: # " البينة أو حد في ظهرك " # ، فلم يوجب على هلال إلا حدا واحدا مع أنه قذف زوجته بشريك. # وقيل: لكل واحد حد. # وإن كان بكلمات فلكل واحد حد. # فصل # إذا قذف الصبي أو المجنون أو أجنبية فلا حد عليه ولا لعان، لا في الحال ~~ولا بعد البلوغ، لقوله عليه السلام: # " رفع القلم عن ثلاث " # ولكن يعزران للتأديب إن كان لهما تمييز. # والأخرس إن فهمت إشارته أو كتابته وقذف بالإشارة أو بالكتابة لزمه الحد، ~~ولذلك يصح لعانه بالإشارة والكتابة. # وأما العبد إذا قذف الحر، فقيل: يلزمه نصف الحد. وقيل: الحد كله. # وأما الكافر إذا قذف المسلم فعليه الحد لدخوله في عموم الآية. # وإن كان المقذوف ms6492 غير محصن لم يجب الحد، بل يوجب التعزير إلا أن يكون ~~المقذوف معروفا بما قذف به فلا حد هناك ولا تعزير. # قوله: { ثم لم يأتوا بأربعة شهدآء } أي: يشهدون على ~~زناهن { فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم ~~شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون } قوله: { ~~وأولئك هم الفاسقون } يجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفة، ~~وهو الأظهر، وجوز أبو البقاء فيها أن تكون حالا. # وقوله { إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا ~~فإن الله غفور رحيم } اعلم أن في هذا الاستثناء خلافا، هل ~~يعود لما تقدمه من الجمل أم إلى الجملة الأخيرة فقط؟ # وتكلم عليها من النحاة ابن مالك والمهاباذي، فاختار ابن مالك ~~عوده إلى الجمل المتقدمة والمهاباذي إلى الأخيرة. # وقال الزمخشري: رد شهادة القاذف معلق عند أبي حنيفة - رحمه ~~الله - باستيفاء الحد، فإذا شهد قبل الحد أو قبل تمام استيفائه ~~قبلت شهادته، فإذا استوفي لم تقبل شهادته أبدا وإن تاب وكان من ~~الأبرار الأتقياء. # وعند الشافعي - رحمه الله - يتعلق رد شهادته بنفس القذف، فإذا ~~تاب عن القذف بأن رجع عنه عاد مقبول الشهادة، وكلاهما متمسك ~~بالآية، فأبو حنيفة - رحمه الله - جعل جزاء الشرط الذي هو الرمي: الجلد ~~ورد الشهادة عقيب الجلد على التأبيد، وكانوا مردودي الشهادة ~~عنده في أبدهم، وهو مدة حياتهم، وجعل قوله: { وأولئك هم ~~الفاسقون } كلاما مستأنفا غير داخل في حيز جزاء الشرط، كأنه ~~حكاية حال الرامين عند الله بعد انقضاء الجملة الشرطية، و { إلا ~~الذين تابوا } استثناء من " الفاسقين " ، ويدل عليه قوله: { ~~فإن الله غفور رحيم }. والشافعي - رحمه الله - جعل جزاء ~~الشرط الجملتين أيضا غير أنه صرف الأبد إلى مدة كونه قاذفا، وهي ~~تنتهي بالتوبة (والرجوع) عن القذف، وجعل الاستثناء متعلقا بالجملة ~~الثانية. انتهى. # واعلم أن الإعراب متوقف على ذكر الحكم، ومحل المستثنى فيه ثلاثة ~~أوجه: # أحدها: أنه منصوب على أصل الاستثناء. # والثاني: أنه مجرور بدلا من الضمير في " لهم ". # وقد أوضح الزمخشري ذلك بقوله: وحق المستثنى عنده - أي: الشافعي - أن ~~يكون مجرورا بدلا من " هم " في " لهم " ، وحقه ms6493 عند أبي حنيفة أن ~~يكون منصوبا، لأنه عن موجب والذي يقتضيه ظاهر الآية ونظمها أن تكون ~~الجمل الثلاثة بمجموعهن جزاء الشرط، كأنه قيل: ومن قذف ~~المحصنات فاجلدوهم، وردوا شهادتهم، وفسقوهم، أي: ~~فاجمعوا لهم الجلد والرد والتفسيق، إلا الذين تابوا عن القذف وأصلحوا ~~فإن الله غفور رحيم، يغفر لهم فينقلبون غير مجلودين ولا مردودين ولا ~~مفسقين. # قال أبو حيان: وليس ظاهر الآية يقتضي عود الاستثناء إلى الجمل الثلاث، ~~بل الظاهر هو ما يعضده كلام العرب، وهو الرجوع إلى الجملة التي تليها. # والوجه الثالث: أنه مرفوع بالابتداء، وخبره الجملة من قوله: { فإن ~~الله غفور رحيم }. # واعترض بخلوها من رابط. # وأجيب بأنه محذوف، أي: غفور لهم. # واختلفوا أيضا في هذا الاستثناء، هل هو متصل أم منقطع؟ ~~والثاني ضعيف جدا. # فصل # الإقرار بالزنا يثبت بشهادة رجلين بخلاف فعل الزنا، لأن الفعل يعسر ~~الاطلاع عليه وقيل: لا يثبت إلا بأربعة كفعل الزنا. # فصل # إذا شهدوا على فعل الزنا يجب أن يذكروا الزاني والمزني به، لأنه قد يراه ~~على جارية ابنه فيظن أنه زنا. # ويجب أن يشهدوا أنا رأينا ذكره يدخل في فرجها دخول الميل في المكحلة، ~~فلو شهدوا مطلقا أنه زنا لم يثبت، بخلاف ما لو قذف إنسانا وقال: " ~~زنيت " يجب الحد ولا يستفسر، ولو أقر على نفسه بالزنا، فقيل: يجب أن ~~يستفسر كالشهود، وقيل: لا يجب كما في القذف. # فصل # لا فرق بين أن يجيء الشهود مجتمعين أو متفرقين. # وقال أبو حنيفة: إذا شهدوا متفرقين لا يثبت، وعليهم حد القذف. # وحجة الأول: أن الإتيان بأربعة شهداء قدر مشترك بين الإتيان بهم مجتمعين ~~ومتفرقين. وأيضا فكل حكم ثبت بشهادة الشهود إذا جاءوا مجتمعين ثبت إذا ~~جاءوا متفرقين كسائر الأحكام، بل هذا أولى، لأن مجيئهم متفرقين أبعد من ~~التهمة وعن تلقن بعضهم من بعض، ولذلك إذا وقعت ريبة للقاضي في شهادة ~~الشهود فرقهم، وأيضا فإنه لا يشترط أن يشهدوا معا في حالة واحدة، بل ~~إذا اجتمعوا عند القاضي قدم واحدا بعد واحد ويشهد، وكذا إذا اجتمعوا ms6494 ~~على بابه يدخل واحد بعد واحد. # واحتج أبو حنيفة بأن الشاهد الواحد لما شهد فقد قذفه ولم يأت بأربعة من ~~الشهداء فيجب عليه الحد للآية، أقصى ما في الباب أنهم عبروا عن القذف ~~بلفظ الشهادة، وذلك لا عبرة به، لأنه يؤدي إلى إسقاط حد القذف رأسا، ~~لأن كل قاذف يمكن أن يقذف بلفظ الشهادة ويتوسل بذلك إلى إسقاط الحد عن ~~نفسه ويحصل مقصوده. # وأيضا فإن المغيرة بن شعبة شهد عليه بالزنا أربعة عند عمر بن الخطاب: ~~أبو بكرة، وشبل بن معبد، ونافع، ونفيع، قال زياد: وقال رابعهم: رأيت ~~استا تنبو، ونفسا يعلو، ورجلاها على عاتقه كأذني حمار، ولا أدري ما ~~وراء ذلك، فجلد عمر الثلاثة، ولم يسأل: هل معهم شاهد آخر؟ فلو قبل بعد ~~ذلك شهادة غيرهم لتوقف أداء الحد عليه. # فصل # لو شهد على الزنا أقل من أربعة لم يثبت، وهل يجب حد القذف على الشهود؟ ~~فقيل: يجب عليهم حد القذف لما تقدم آنفا. # وقيل: لا يجب لأنهم جاءوا مجيء الشهود، ولأنا لو حددنا لانسد باب ~~الشهادة على الزنا، لأن كل واحد لا يأمن أن يوافقه صاحبه فيلزمه الحد. # فصل # لو أتى القاذف بأربعة فساق فشهدوا على المقذوف بالزنا: # قال أبو حنيفة: يسقط الحد عن القاذف، ويجب الحد على الشهود. # وقال الشافعي في أحد قوليه: يحدون. # واحتج أبو حنيفة بأنه أتى بأربعة شهداء، فلا يلزمه الحد، والفاسق من أهل ~~الشهادة، فقد وجدت شرائط الشهادة إلا أنه لم يقبل شهادتهم للتهمة. # واحتج الشافعي بأنهم ليسوا من أهل الشهادة. # قوله: { فاجلدوهم ثمانين جلدة } وهذا خطاب للإمام، أو ~~للمالك، أو لرجل صالح إذا فقد الإمام. ويخص من هذا العموم صور: # الأولى: الوالد إذا قذف ولده (أو ولد ولده) وإن سفل لا يجب عليه الحد، ~~كما لا يجب عليه القصاص بقتله. # الثانية: القاذف إذا كان عبدا فالواجب جلده أربعين، وكذا المكاتب، وأم ~~الولد، ومن بعضه حر، فقيل: كالرقيق. وقيل: بالحساب. # الثالثة: من قذف رقيقه، أو من زنت قديما ثم تابت فهي محصنة ولا ms6495 يجب ~~الحد بقذفها. # فصل # قالوا: أشد الضرب في الحدود ضرب حد الزنا، ثم ضرب حد الخمر، ثم ضرب ~~القاذف، لأن سبب عقوبته محتمل للصدق والكذب، إلا أنه عوقب صيانة للأعراض. # فصل # قال مالك والشافعي: حد القذف يورث، وكذلك إذا كان الواجب بقذفه التعزير ~~يورث عنه. # وقيل: لا يورث إلا أن يطالب المقذوف قبل موته، فإن قذف بعد موته ثبت ~~لوارثه طلب الحد. وعند أبي حنيفة: الحد لا يورث، ويسقط بالموت. # حجة الشافعي: أنه حق آدمي يسقط بعفوه، ولا يستوفى إلا بطلبه، ويحلف فيه ~~المدعى عليه إذا أنكر، وإذا كان حق آدمي وجب أن يورث لقوله عليه السلام: # " من مات عن حق فلورثته ". # وحجة أبي حنيفة: لو كان موروثا لورثة الزوج والزوجة: ولأنه حق ليس فيه ~~معنى المال فلا يورث كالوكالة والمضاربة. # وأجيب بأنا لا نسلم أن الزوج والزوجة لا يرثان، وإن سلم فالفرق بينهما ~~أن الزوجية تنقطع بالموت، ولأن المقصود من الحد دفع العار عن النسب، ~~وذلك لا يلحق الزوج والزوجة. # فصل # إذا قذف إنسانا بين يدي الحاكم، أو قذف امرأته برجل بعينه، والرجل غائب ~~فعلى الحاكم أن يبعث إلى المقذوف ويخبره بأن فلانا قذفك، وثبت لك حد ~~القذف عليه، كما لو ثبت له مال على آخر وهو لا يعلم، يجب عليه إعلامه، ~~ولهذا بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - أنيسا ليخبرها أن فلانا قذفها ~~بابنه، ولم يبعثه ليتفحص عن زناها وليس للإمام إذا رمي رجل بزنا أن يبعث ~~إليه يسأله عن ذلك. # قوله: { ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا }. # قال أكثر الصحابة والتابعين: إذا تاب قبلت شهادته وهو قول الشافعي. # وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن صالح: لا تقبل شهادة المحدود ~~في القذف إذا تاب. وأدلة المذهبين مذكورة في كتب الفقه، وهاهنا مبنية على ~~أن الاستثناء هل يرجع إلى الجملة الأخيرة أو إلى الجمل المتقدمة؟ فلذلك ~~اختلف العلماء في قبول شهادة القاذف بعد التوبة وفي حكم هذا الاستثناء: ~~فذهب قوم إلى أن القاذف ترد شهادته بنفس القذف، وإذا تاب ms6496 وندم على ما قال ~~وحسنت حالته قبلت شهادته، سواء تاب بعد إقامة الحد أو قبله لقوله تعالى: ~~{ إلا الذين تابوا }. # وقالوا: الاستثناء راجع إلى الشهادة وإلى الفسق، فبعد التوبة تقبل ~~شهادته ويزول عنه اسم الفسق، يروى ذلك عن عمر وابن عباس، وهو قول سعيد بن ~~جبير ومجاهد وعطاء وطاوس وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والشعبي وعكرمة ~~وعمر بن عبد العزيز والزهري، وبه قال مالك والشافعي. وذهب قوم إلى أن ~~شهادة المحدود في القذف لا تقبل أبدا وإن تاب، وقالوا: الاستثناء يرجع ~~إلى قوله: { وأولئك هم الفاسقون } وهو قول النخعي وشريح ~~وأصحاب الرأي. # وقالوا: بنفس القذف ترد شهادته ما لم يحد. # قال الشافعي: هو قبل أن يحد شر منه حين يحد لأن الحدود كفارات، فكيف ~~تردون شهادته في أحسن حالته وتقبلونها في شر حالته. # وذهب الشعبي إلى أن حد القذف يسقط بالتوبة. # وقالوا: الاستثناء يرجع إلى الكل. # وعامة العلماء على أنه لا يسقط بالتوبة إلا أن يعفو عنه المقذوف فيسقط ~~كالقصاص يسقط بالعفو ولا يسقط بالتوبة. # فإن قيل: إذا قبلتم شهادته بعد التوبة فما معنى قوله: " أبدا "؟ # قيل: معناه: لا تقبل شهادته أبدا ما دام مصرا على قذفه، لأن أبد كل ~~إنسان على ما يليق بحاله، كما يقال: لا تقبل شهادة الكافر أبدا، يراد: ~~ما دام كافرا. # فصل # اختلفوا في كيفية التوبة بعد القذف. # فقيل: التوبة منه إكذابه نفسه بأن يقول: كذبت فلا أعود إلى مثله. # وقيل: لا يقول كذبت، لأنه ربما يكون صادقا، فيكون قوله: " كذبت " ~~كذبا، والكذب معصية، وإتيان المعصية لا يكون توبة عن معصية أخرى، بل ~~يقول: القذف باطل، ندمت على ما قلت ورجعت عنه ولا أعود إليه. ولا بد من ~~مضي مدة عليه بعد التوبة يحسن حاله فيها حتى تقبل شهادته، وقدر تلك المدة ~~سنة حتى يمر عليه الفصول الأربعة التي تتغير فيها الأحوال والطباع كأجل ~~العنين، وقد علق الشرع أحكاما بالنسبة من الزكاة والجزية وغيرهما، ~~وهذا معنى قوله: " وأصلحوا " ، ثم قال: { فإن الله غفور ~~رحيم ms6497 } أي يقبل التوبة. # لما ذكر أحكام قذف الأجنبيات عقبه بأحكام قذف الزوجات. ### || [24.6-10] # قال ابن عباس: لما نزل قوله: # والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهدآء # [النور: 4] قال عاصم بن عدي الأنصاري: # " إن دخل رجل منا بيته فرأى رجلا على بطن امرأته فإن جاء بأربعة رجال ~~يشهدون بذلك فقد قضى الرجل حاجته وخرج، وإن قتله قتل به، وإن قال: وجدت ~~فلانا مع تلك المرأة ضرب، وإن سكت سكت عن غيظ، اللهم افتح. وكان لعاصم ~~هذا ابن عم يقال له: عويمر، وله امرأة يقال لها: خولة بنت قيس، فأتى ~~عويمر عاصما فقال: لقد رأيت شريك بن سحماء على بطن امرأتي خولة، ~~فاسترجع عاصم وأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، ~~ما أسرع ما ابتليت بهذا في أهل بيتي، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: " وما ذاك "؟ فقال: أخبرني عويمر ابن عمي أنه رأى شريك بن سحماء ~~على بطن امرأته خولة، فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم جميعا، ~~فقال لعويمر: " اتق الله في زوجتك وابنة عمك، ولا تقذفها " فقال: يا ~~رسول الله، تالله لقد رأيت شريكا على بطنها، وإني ما قربتها منذ أربعة ~~أشهر، وإنها حبلى من غيري. فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ~~اتقي الله ولا تخبري إلا بما صنعت " فقالت: يا رسول الله، إن عويمر ~~رجل غيور، وإنه رأى شريكا يطيل النظر ويتحدث، فحملته الغيرة على ما ~~قال، فأنزل الله هذه الآية، فأمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بأن ~~يؤذن: الصلاة جامعة، فصلى العصر ثم قال لعويمر: قم وقل: أشهد بالله ~~إن خولة لزانية وإني لمن الصادقين، ثم قال في الثانية: أشهد أني رأيت ~~شريكا على بطنها وإني لمن الصادقين، ثم قال في الثالثة: أشهد بالله أنها ~~حبلى من غيري وإني لمن الصادقين، ثم قال في الرابعة قل أشهد بالله أنها ~~زانية وأني ما قربتها منذ أربعة أشهر وإني لمن الصادقين، ثم قال في ~~الخامسة: لعنة الله على عويمر ms6498 (يعني: نفسه) إن كان من الكاذبين. ثم ~~قال: اقعد، وقال لخولة: قومي، فقامت وقالت: أشهد بالله ما أنا بزانية وإن ~~زوجي لمن الكاذبين، وقالت في الثانية: أشهد بالله ما رأى شريكا على بطني ~~وإنه لمن الكاذبين، وقالت في الثالثة: أشهد بالله ما أنا حبلى منه وإنه ~~لمن الكاذبين، وقالت في الرابعة: اشهد بالله أنه ما رآني على فاحشة قط ~~وإنه من الكاذبين، وقالت في الخامسة: غضب الله على خولة إن كان عويمر ~~من الصادقين في قوله، ففرق النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهما ". # وفي رواية عكرمة عن ابن عباس # " أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي - صلى الله عليه وسلم - بشريك ~~بن سحماء، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " البينة وإلا حد في ~~ظهرك ". فقال: يا رسول الله، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس ~~البينة، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: " البينة وإلا ~~حد في ظهرك ". فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن الله ~~ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل - عليه السلام - وأنزل عليه: { ~~والذين يرمون أزواجهم } فقرأ حتى بلغ { إن كان من ~~الصادقين } فانصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأرسل إليهما، ~~فجاء هلال فشهد، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: " إن الله ~~يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب "؟. ثم ~~قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا: إنها موجبة. # قال ابن عباس: فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي ~~سائر اليوم، فمضت، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أبصروها، فإن جاءت ~~به أكحل العينين، سابغ الأليتين، حدلج الساقين فهو لشريك بن سحماء. فجاءت ~~به كذلك، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " لولا ما مضى من ~~كتاب الله - عز وجل - لكان لي ولها شأن ". # وفي رواية عكرمة عن ابن عباس قال: # " لما نزلت { والذين يرمون المحصنات... } الآية قال سعد ~~بن عبادة: لو أتيت لكاع وقد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه حتى آتي ~~بأربعة شهداء، فوالله ما ms6499 كنت لآتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته ويذهب، ~~وإن قلت ما رأيت إن في ظهري لثمانين جلدة - فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " يا معشر الأنصار، ألا تسمعون ما يقول ~~سيدكم ". # قالوا: لا تلمه فإنه رجل غيور، ما تزوج امرأة قط إلا بكرا، ولا طلق ~~امرأة له واجترأ رجل منا أن يتزوجها. قال سعد: يا رسول الله، بأبي أنت ~~وأمي، والله إني لأعرف أنها من الله وأنها حق، ولكن عجبت من ذلك، فقال ~~عليه السلام: " فإن الله يأبى إلا ذلك ". فقال: صدق الله ~~ورسوله، قال: فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى جاء ابن عم له يقال له: هلال بن ~~أمية (من حديقة له)، وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم، فرأى رجلا ~~مع امرأته يزني بها، فأمسك حتى أصبح، فلما أصبح غدا على رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وهو جالس مع أصحابه، فقال: يا رسول الله، إني جئت أهلي ~~عشاء فوجدت رجلا مع امرأتي، رأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ما جاء به وثقل عليه حتى عرف ذلك في وجهه، فقال ~~هلال: والله يا رسول الله إني لأرى الكراهة في وجهك مما أتيتك به، والله ~~يعلم إني لصادق، وما قلت إلا حقا، وإني لأرجو أن يجعل الله لي فرجا، ~~فهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بضربه، قال: واجتمعت الأنصار ~~فقالوا: ابتلينا بما قال سعد، يجلد هلال وتبطل شهادته، فإنهم لكذلك ~~ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد أن يأمر بضربه إذ أنزل عليه ~~الوحي، فأمسك أصحابه عن كلامه حين عرفوا أن الوحي قد نزل حتى فرغ، فأنزل ~~الله: " والذين يرمون أزواجهم... إلى آخر الآيات ". فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أبشر يا هلال، فإن الله قد ~~جعل لك فرجا ". فقال: كنت أرجو ذلك من الله - عز وجل - فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أرسلوا إليها " فجاءت فكذبت هلال. ~~فقال عليه السلام: " الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل ~~منكما تائب "؟ وأمر ms6500 بالملاعنة، وشهد هلال أربع شهادات بالله إنه ~~لمن الصادقين، فقال عليه السلام له عند الخامسة: " اتق الله يا ~~هلال، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ". فقال: والله لا ~~يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها رسول الله، وشهد الخامسة: أن ~~لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " أتشهدين؟ فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، ثم ~~قال لها عند الخامسة ووقفها: " اتقي الله فإنها الخامسة الموجبة، وإن ~~عذاب الله أشد من عذاب الناس ". فتلكأت ساعة وهمت بالاعتراف ثم قالت: ~~والله لا أفضح قومي، فشهدت الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من ~~الصادقين. ففرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهما، وقضى أن ~~الولد لها، ولا يدعى لأب، ولا يرمى ولدها، ثم قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " إن جاءت به كذا وكذا فهو لزوجها، ~~وإن جاءت به كذا وكذا فهو للذي قيل فيه ". فجاءت ~~به غلاما كأنه جمل أورق، على التشبيه المكروه، وكان بعد أميرا بمصر ولا ~~يدرى من أبوه ". # فصل # إذا رمى الرجل امرأته بالزنا يجب عليه الحد إن كانت محصنة، والتعزير إن ~~لم تكن محصنة، كما في رمي الأجنبي، إلا أن قذف الأجنبي لا يسقط الحد عن ~~القاذف إلا بإقرار المقذوف، أو ببينة أربعة شهداء على الزنا. # وفي قذف الزوجة يسقط الحد عنه بأحد هذين الأمرين وباللعان. # وإنما اعتبر الشارع اللعان في الزوجات دون الأجنبيات، لأنه لا معيرة ~~عليه في زنا الأجنبية، والأولى له سترة. وأما في الزوجة فيلحقه العار ~~والنسب الفاسد، فلا يمكنه الصبر عليه. # فصل # إذا قذف زوجته ونكل عن اللعان لزمه حد القذف، فإذا لاعن ونكلت عن ~~اللعان لزمها حد الزنا. وقال أبو حنيفة: يجلس الناكل منهما حتى يلاعن. # حجة القول الأول: قوله تعالى: # والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهدآء فاجلدوهم ثمانين جلدة # [النور: 4] ثم عطف عليه حكم الأزواج فقال: { والذين يرمون ~~أزواجهم ولم يكن لهم شهدآء إلا أنفسهم... } ~~الآية؛ فكما أن ms6501 مقتضى قذف الأجنبيات الإتيان بالشهود أو الجلد، فكذا موجب ~~قذف الزوجات الإتيان باللعان أو الحد. # وأيضا قوله: { ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع ~~شهادات } والألف واللام في " العذاب " للمعهود السابق وهو الحد، ~~وليسا للعموم، لأنه لم يجب عليها جميع أنواع العذاب. ومما يدل على بطلان ~~الحبس في حق المرأة أن تقول: إن كان الرجل صادقا فحدوني، وإن كان ~~كاذبا فخلوني. وليس حبس في كتاب الله وسنة رسوله ولا الإجماع ولا ~~القياس. واحتج أبو حنيفة بأن المرأة ما فعلت سوى أنها تركت اللعان وهذا ~~الترك ليس بينة على الزنا ولا إقرارا منها به، فوجب ألا يجوز رجمها ~~لقوله عليه السلام: # " لا يحل دم امرئ مسلم " # الحديث. وإذا لم يجب الرجم إذا كانت محصنة لم يجب الجلد في غير المحصن، ~~لأن لا قائل بالفرق. وأيضا فالنكول بصريح الإقرار، فلم يجز إثبات الحد ~~به كاللفظ المحتمل للزنا وغيره. # فصل # من صح يمينه صح لعانه، فيجري اللعان بين الرقيقين والذميين والمحدودين، ~~وكذا إذا كان أحدهما رقيقا، أو كان الزوج مسلما والمرأة ذمية. # فإن قيل: اللعان شهادة، فوجب ألا يصح إلا من أهل الشهادة. وإنما قلنا: ~~اللعان شهادة، لقوله تعالى: { ولم يكن لهم شهدآء إلا ~~أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات } فسمى اللعان ~~شهادة كقوله: # واستشهدوا شهيدين # [البقرة: 282]، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرهما باللعان بلفظ ~~الشهادة ولم يقتصر على لفظ اليمين، وإذا ثبت أن اللعان شهادة وجب ألا ~~تقبل من المحدودين في القذف لقوله: # ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا # [النور: 4]، وإذا ثبت ذلك في المحدود ثبت في العبد والكافر، إما للإجماع ~~على أنهما ليسا من أهل الشهادة، أو لأنه لا قائل بالفرق. # فالجواب: أن اللعان ليس شهادة في الحقيقة، بل هو يمين مخصوصة، لأنه لا ~~يجوز أن يشهد الإنسان لنفسه ولأنه لو كان شهادة لكانت المرأة تأتي بثمان ~~شهادات لأنها على النصف من الرجل، ولأنه يصح من الأعمى والفاسق ولا تجوز ~~شهادتهما فإن قيل: الفاسق والفاسقة قد يتوبان. # قلنا: وكذلك العبد قد يعتق فتجوز ms6502 شهادته. # فصل # قال عثمان البتي: إذا تلاعن الزوجان لم تقع الفرقة، لأن اللعان ليس ~~بصريح ولا كناية عن الفرقة، فلا يفيد الفرقة كسائر الأقوال التي لا إشعار ~~لها بالفرقة، ولأن أكثر ما فيه أن يكون الزوج صادقا في قوله، وهذا لا ~~يوجب تحريما، (ألا ترى أنه لو قامت البينة عليها لم يوجب ذلك تحريما)، ~~فإذا كان كاذبا والمرأة صادقة فأولى ألا يوجب تحريما. وأيضا لو تلاعنا ~~فيما بينهما لم يوجب الفرقة، فكذا عند الحاكم. وأيضا فاللعان قائم مقام ~~الشهود في قذف الأجنبيات، فكما أنه لا فائدة في إحضار الشهود هناك إلا ~~إسقاط الحد (فكذا اللعان لا تأثير له إلا إسقاط الحد). # وأيضا فلو أكذب الزوج نفسه في قذفة إياها ثم حد لم يوجب ذلك الفرقة، ~~فكذا إذا لاعن، لأن اللعان قائم مقام درء الحد. # وأما تفريق النبي - صلى الله عليه وسلم - في قصة العجلاني، وكان قد ~~طلقها ثلاثا بعد اللعان فلذلك فرق بينهما. # وقال أصحاب الرأي: لا تقع الفرقة بفراغهما من اللعان حتى يفرق الحاكم ~~بينهما، لما روى سهل بن سعد في قصة العجلاني مضت السنة في المتلاعنين أن ~~يفرق بينهما، ولأن في قصة عويمر أنهما لما فرغا قال: كذبت عليها يا ~~رسول الله إن أمسكتها، هي طالق ثلاثا، (فطلقها ثلاثا) قبل أن يأمرهما، ~~ولو وقعت الفرقة باللعان لبطل قوله: كذبت عليها إن أمسكتها، لأن إمساكها ~~غير ممكن، ولأن اللعان شهادة لا يثبت حكمه إلا عند الحاكم، فوجب ألا يوجب ~~الفرقة إلا بحكم الحاكم، كما لا يثبت المشهود به إلا بحكم الحاكم وقال ~~مالك والليث وزفر: (إذا فرغا) من اللعان وقعت الفرقة وإن لم يفرق الحاكم ~~بينهما، لأنه لو تراضيا على البقاء على النكاح لم يخليا، بل فرق بينهما، ~~فدل على أن اللعان قد أوجب الفرقة. # وقال الشافعي: إذا أكمل الزوج الشهادة فقد زال فراش امرأته، ولا يحل له ~~أبدا لقوله تعالى: { ويدرؤا عنها العذاب... الآية } ، فدل ~~هذا على أنه لا تأثير للعان المرأة إلا في دفع العذاب عن نفسها، ms6503 وأن كل ~~ما يجب باللعان من الأحكام فقد وقع بلعان الزوج، ولأن لعان الزوج مستقل ~~بنفي الولد، فوجب أن يكون الاعتبار بقوله في الإلحاق لا بقولها. # فصل # في كيفية اللعان # وهو مذكور في الآية صريحا. قال العلماء: يقام الرجل حتى يشهد والمرأة ~~قاعدة، وتقام المرأة حتى تشهد والرجل قاعد، ويأمر الإمام من يضع يده على ~~فيه عند الانتهاء إلى اللعنة والغضب ويقول له: إني أخاف إن لم تكن ~~صادقا. ويكون اللعان عند الحاكم، فإن كان بمكة كان بين المقام والركن، ~~وإن كان بالمدينة عند المنبر، وبيت المقدس في مسجده، وفي المواضع ~~المعظمة. # ولعان المشرك في الكنيسة وأما في الزمان فيوم الجمعة بعد العصر، ولا بد ~~من حضور جماعة، وأقلهم أربعة. وهذا التغليظ قيل: واجب. وقيل: مستحب. # فصل # معنى الآية: { والذين يرمون أزواجهم } أي: يقذفون نساءهم ~~{ ولم يكن لهم شهدآء } يشهدون على صحة ما قالوا " إلا ~~أنفسهم " أي: غير أنفسهم { فشهادة أحدهم أربع ~~شهادات بالله إنه لمن الصادقين }. # قوله: { ولم يكن لهم شهدآء إلا أنفسهم }. في رفع ~~" أنفسهم " وجهان: # أحدهما: أنه بدل من " شهداء " ، ولم يذكر الزمخشري في غضون كلامه ~~(غيره). # والثاني: أنه نعت له على أن " إلا " بمعنى: غير. # قال أبو البقاء: ولو قرئ بالنصب لجاز على أن يكون خبر " كان " ، أو ~~منصوبا على الاستثناء، وإنما كان الرفع هنا أقوى لأن " إلا " هنا صفة ~~للنكرة كما ذكرنا في سورة الأنبياء. # قال شهاب الدين: وعلى قراءة الرفع يحتمل أن تكون " كان " ناقصة، وخبرها ~~الجار، وأن تكون تامة، أي: ولم يوجد لهم شهداء. # وقرأ العامة " يكن " بالياء من تحت، وهو الفصيح، لأنه إذا أسند الفعل ~~لما بعد " إلا " على سبيل التفريغ وجب عند بعضهم التذكير في الفعل نحو " ~~ما قام إلا هند " ولا يجوز " ما قامت " إلا في ضرورة كقوله: # 3815- وما بقيت إلا الضلوع الجراشع # أو في شذوذ، كقراءة الحسن: { لا ترى إلا مساكنهم }. # وقرئ: " ولم تكن " بالتاء من فوق، وقد عرف ما فيه. # قوله: " فشهادة أحدهم " في رفعها ثلاثة أوجه: # أحدها: ms6504 أن يكون مبتدأ، وخبره مقدر التقديم، أي: فعليهم شهادة، أو مؤخر ~~أي: فشهادة أحدهم كافية أو واجبة. # الثاني: أن يكون خبر مبتدأ مضمر، أي: فالواجب شهادة أحدهم. # الثالث: أن يكون فاعلا بفعل مقدر، أي: فيكفي، والمصدر هنا مضاف للفاعل. # وقرأ العامة: " أربع شهادات " بالنصب على المصدر، والعامل فيه " ~~شهادة ". فالناصب للمصدر مصدر مثله كما تقدم في قوله: # فإن جهنم جزآؤكم جزاء موفورا # [الإسراء: 63]. وقرأ الأخوان وحفص برفع " أربع " على أنها خبر ~~المبتدأ، وهو قوله: " فشهادة ". ويتخرج على القراءتين تعلق الجار في ~~قوله: " بالله ". # فعلى قراءة النصب يجوز فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يتعلق ب " شهادات " لأنه أقرب إليه. # والثاني: أنه متعلق بقوله: " فشهادة " أي: فشهادة أحدهم بالله، ولا ~~يضر الفصل ب " أربع " لأنها معمولة للمصدر فليست أجنبية. # الثالث: أن المسألة من باب التنازع، فإن كلا من " شهادة " أو " ~~شهادات " يطلبه من حيث المعنى، وتكون المسألة من إعمال الثاني للحذف ~~من الأول، وهو مختار البصريين وعلى قراءة الرفع يتعين تعلقه ب " ~~شهادات " إذ لو علقت ب " شهادة " لزم الفصل بين المصدر ومعموله ~~بالخبر، ولا يجوز أنه أجنبي. # ولم يختلف في " أربع " الثانية، وهي قوله: { أن تشهد أربع ~~شهادات } أنها منصوبة، للتصريح بالعامل فيها وهو الفعل. # قوله: " والخامسة " اتفق السبعة على رفع " الخامسة " الأولى، ~~واختلفوا في الثانية: فنصبها حفص. ونصبهما معا الحسن والسلمي وطلحة ~~والأعمش. # فالرفع على الابتداء، وما بعده من " أن " وما في حيزها الخبر. # وأما نصب الأولى فعلى قراءة من نصب " أربع شهادات " يكون النصب ~~للعطف على المنصوب قبلها. وعلى قراءة من رفع يكون النصب بفعل مقدر، أي: ~~وتشهد الخامسة. # وأما نصب الثانية فعطف على ما قبلها من المنصوب وهو " أربع ~~شهادات " ، والنصب هنا أقوى منه في الأولى لقوة النصب فيما قبلها كما ~~تقدم تقريره، ولذلك لم يختلف فيه. # وأما " أن " وما في حيزها فعلى قراءة الرفع يكون في محل رفع خبرا ~~للمبتدأ كما تقدم، وعلى قراءة النصب يكون على إسقاط الخافض ويتعلق الخافض ~~بذلك الناصب ل " الخامسة " أي: ويشهد ms6505 الخامسة بأن لعنة الله، وبأن غضب ~~الله وجوز أبو البقاء أن يكون بدلا من " الخامسة ". # قوله: { أن لعنة الله عليه }. # قرأ العامة بتشديد " أن " في الموضعين. # وقرأ نافع بتخفيفها في الموضعين، إلا أنه يقرأ " غضب الله " يجعل ~~" غضب " فعلا ماضيا، والجلالة فاعله، كذا نقل أبو حيان عنه التخفيف ~~في الأولى أيضا، ولم ينقله غيره. فعلى قراءته يكون اسم " أن " ضمير ~~الشأن في الموضعين، و " لعنة الله " مبتدأ و " عليه " خبرها، ~~والجملة خبر " أن " ، وفي الثانية يكون " غضب الله " جملة فعلية ~~في محل خبر " أن " أيضا. ولكنه يقال: يلزمكم أحد أمرين: وهو إما عدم ~~الفصل بين المخففة والفعل الواقع خبرا، وإما وقوع الطلب خبرا في هذا ~~الباب، وهو ممتنع. # تقرير ذلك: أن خبر (أن) المخففة متى كان فعلا متصرفا غير مقرون ب ~~" قد " وجب الفصل بينهما بما تقدم في سورة المائدة. # فإن أجيب بأنه دعاء، اعترض بأن الدعاء طلب، وقد نصوا على أن الجمل ~~الطلبية لا تقع خبرا ل " أن " ، حتى تأولوا قوله: # 3816- إن الرياضة لا تنصبك للشيب # وقوله: # 3817- إن الذين قتلتم أمس سيدهم # لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما # على إضمار القول. # ومثله: # أن بورك من في النار # [النمل: 8]. # وقرأ الحسن وأبو رجاء وقتادة والسلمي وعيسى بتخفيف " أن " و " غضب ~~الله " بالرفع على الابتداء، والجار بعده خبره، والجملة خبر " أن ". # وقال ابن عطية: و(أن) الخفيفة على قراءة (نافع) في قوله: (أن غضب) ~~قد وليها الفعل. قال أبو علي: وأهل العربية يستقبحون أن يليها الفعل، ~~إلا أن يفصل بينها وبينه بشيء، نحو قوله: # علم أن سيكون # [المزمل: 20]، # أفلا يرون ألا يرجع # [طه: 89]، فأما قوله: # وأن ليس للإنسان # [النجم: 39] فذلك لقلة تمكن (ليس) في الأفعال، وأما قوله: # أن بورك من في النار # [النمل: 8] و(بورك) في معنى الدعاء، فلم يجئ دخول الفاعل لئلا يفسد ~~المعنى، فظاهر هذا أن (غضب) ليس دعاء، بل هو خبر عن { غضب الله ~~عليها }. والظاهر أنه دعاء كما أن (بورك) كذلك، وليس المعنى على ~~الإخبار فيهما فاعتراض أبي علي ms6506 وأبي محمد ليس بمرضي. # قوله: { ولولا فضل الله }. # جواب: " لولا " محذوف أي: لهلكتم أو لعاجلكم بالعقوبة، ولكنه ستر ~~عليكم ورفع عنكم الحد باللعان، { وأن الله تواب } يعود على من ~~يرجع عن المعاصي بالرحمة " حكيم " فيما فرض من الحدود. ### || [24.11] # قوله تعالى: { إن الذين جآءوا بالإفك عصبة منكم } ~~الآية. # في خبر " إن " وجهان: # أحدهما: أنه عصبة و " منكم " صفته. قال أبو البقاء: " وبه أفاد ~~الخبر ". # والثاني: أن الخبر الجملة من قوله: " لا تحسبوه " ، ويكون " ~~عصبة " ، بدلا من فاعل " جاءوا ". قال ابن عطية: التقدير: إن فعل ~~الذين، وهذا أنسق في المعنى وأكثر فائدة من أن يكون " عصبة " خبر ~~(إن). كذا أورده عنه أبو حيان غير معترض عليه؛ والاعتراض عليه واضح من ~~حيث أنه أوقع خبر " إن " جملة طلبية، وقد تقدم أنه لا يجوز وإن ورد ~~منه شيء في الشعر أول كالبيتين المتقدمين. وتقدير ابن عطية ذلك ~~المضاف قبل الموصول ليصح به التركيب الكلامي، إذ لو لم يقدر لكان ~~التركيب " لا تحسبوهم ". # ولا يعود الضمير في " لا تحسبوه " على قول ابن عطية على الإفك لئلا ~~تخلو الجملة من رابط يربطها بالمبتدأ. # وفي قول غيره يجوز أن يعود على الإفك، أو على القذف، أو على المصدر ~~المفهوم من " جاءوا " ، أو على ما نال المسلمين من الغم. # فصل # سبب نزول هذه الآية ما روى الزهري عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير ~~وعلقمة بن أبي وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود كلهم رووا ~~عن عائشة قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد سفرا ~~أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، قالت: فأقرع بيننا في ~~غزوة غزاها قبل بني المصطلق فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بعد نزول آية الحجاب، فحملت في هودج فسرنا حتى إذا ~~فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غزوته تلك وقفل دنونا من ~~المدينة قافلين نزل منزلا ثم آذن بالرحيل، فقمت حين آذنوا ومشيت حتى ~~جاوزت ms6507 الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فلمست صدري فإذا عقدي من جزع ~~ظفار وقد انقطع، فرجعت والتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط ~~الذين كانوا يرحلون بي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري وهم يحسبون أني ~~فيه لخفتي، وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يهبلن ولم يغشهن اللحم، ~~إنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه ~~وحملوه، وكنت جارية حديثة السن فظنوا أني في الهودج، وذهبوا بالبعير، ~~ووجدت عقدي بعدما استمرت الجيش، فجئت منازلهم وليس بها منهم داع ولا ~~مجيب فتيممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أنهم سيفقدوني ويعودون في طلبي، ~~فبينما أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمي ~~ثم الذكواني من وراء الجيش يتبع أمتعة الناس يحمله إلى المنزل الآخر لئلا ~~يذهب شيء، فلما رآني عرفني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه ~~حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي ووالله ما تكلمنا بكلمة، ولا سمعت منه ~~كلمة غير استرجاعه، وهوى حتى أناخ راحتله فوطئ على يديها، فقمت إليها ~~فركبتها، وانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش موغرين في نحر الظهيرة ~~وهم نزول، وافتقدني الناس حين نزلوا، وماج الناس في ذكري، فبينا الناس ~~كذلك إذ هجمت عليهم، فتكلم القوم وخاضوا في حديثي. # قالت: فهلك من هلك، وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي ~~ابن سلول. قال عروة: لم يسلم من الإفك إلا حسان بن ثابت، ومسطح بن ~~أثاثة، وحمنة بنت جحش. في أناس آخرين لا علم بهم غير أنهم عصبة كما قال ~~عز وجل. قال عروة: وكانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان وتقول: إنه ~~هو الذي قال: # 3818- فإن أبي ووالده وعرضي # لعرض محمد منكم وقاء # قالت عائشة: وقدم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) المدينة، ولم أر فيه - ~~عليه السلام - ما عهدته من اللطف الذي كنت أعرف منه، والناس يفيضون في ~~قول أصحاب الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك، فاشتكيت حتى قدمت شهرا، وهو ~~يريبني في وجعي أني لا أرى من ms6508 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اللطف ~~الذي كنت أرى منه حين أشتكي إنما يدخل علي رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فيسلم ثم يقول: " كيف تيكم "؟ ثم ينصرف، فذلك يريبني، ولا ~~أشعر بالشر، حتى خرجت حين نقهت، فخرجت مع أم مسطح قبل المناصع وكان ~~متبرزنا، وكنا لا نخرج إلا ليلا إلى الليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف ~~قريبا من بيوتنا قالت: فانطلقت أنا وأم مسطح، وهي بنت أبي رهم بن ~~المطلب بن عبد مناف. وأمها ابنة صخر بن عامر، خالة أبي بكر الصديق - رضي ~~الله عنه - وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب، فأقبلت أنا ~~وأم مسطح قبل بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح في مرطها، ~~فقالت: تعس مسطح. فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبين رجلا شهد بدرا؟ ~~فقالت: أي هنتاه، أو لم تسمعي ما قال؟ فقلت: وما قال؟ فأخبرتني بقول أهل ~~الإفك، وقالت: أشهد بالله إنك من المؤمنات الغافلات. فازددت مرضا على ~~مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ~~قال: " كيف تيكم "؟ فقلت له أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت: وأريد أن ~~أستيقن الخبر من قبلهما، قالت: فأذن لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقلت لأمي: يا أماه، ماذا يتحدث الناس؟ قالت: يا بنية، هوني عليك، ~~فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضراء إلا ~~كثرن عليها. # فقلت: سبحان الله، أو لقد تحدث الناس بها؟ فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت ~~لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، فدخل علي أبي وأنا أبكي، فقال ~~لأمي: ما يبكيها؟ قالت: لم تكن علمت ما قيل فيها، فأقبل يبكي. قالت: ودعا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين ~~استلبث الوحي يسألهما ويستشيرهما في فراق أهله، فقال أسامة: يا رسول ~~الله، هم أهلك، ولا نعلم إلا خيرا. وأما علي فقال: لم يضيق الله ~~عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك، فدعا رسول ms6509 الله - صلى ~~الله عليه وسلم بريرة، فقال: " هل رأيت من شيء يريبك "؟ قالت له ~~بريرة: والذي بعثك بالحق نبيا ما رأيت عليها أمرا قط أغضه أكثر من أنها ~~جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله. قالت: فقام ~~نبي الله خطيبا على المنبر فقال: يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد ~~بلغ أذاه في أهلي - يعني: عبد الله بن أبي - فوالله ما علمت على أهلي ~~إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على ~~أهلي إلا معي فقام سعد بن معاذ أخو بني الأشهل فقال: أنا يا رسول الله ~~أعذرك فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج فما ~~أمرتنا فعلناه فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكان رجلا صالحا، ~~ولكن أخذته الحمية، وكانت أم حسان بنت عمه من فخذه، فقال لسعد بن معاذ: ~~كذبت، لعمر الله لا تقدر على قتله. فقام أسيد بن حضير، وهو ابن عم سعد ~~بن معاذ فقال لسعد بن عبادة: كذبت، لعمر الله لنقتله، وإنك لمنافق تجادل ~~عن المنافقين، فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر، فلم يزل يخفضهم حتى سكتوا. ~~قالت: فبكيت يومي ذلك كله وليلتي لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ~~فأصبح أبواي عندي، وقد بكيت ليلتين ويوما حتى أني لأظن أن البكاء فالق ~~كبدي، فبينما أبواي جالسان عندي وأنا أبكي، فاستأذنت علي امرأة من ~~الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي، فبينما نحن على ذلك إذ دخل رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - علينا فسلم ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ ~~قيل في ما قيل، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء، فتشهد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - حين جلس ثم قال: أما بعد يا عائشة، فإنه ~~بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب ~~فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد ms6510 إذا اعترف ثم تاب تاب الله عليه ~~قالت: فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقالته قلص دمعي حتى ~~ما أحس منه قطرة، (فقلت) لأبي: أجب عني رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فيما قال. # فقال: والله ما أردي ما أقول لرسول الله. فقلت لأمي: أجيبي رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فقالت أمي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ من القرآن ~~كثيرا: إني والله لقد علمت أنكم قد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في ~~أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم: إني بريئة لا تصدقوني، ولئن اعترفت لكم ~~بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدقونني، فوالله لا أجد لي ولكم مثلا ~~إلا أبا يوسف حين قال: # فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون # [يوسف: 18] ثم تحولت واضطجعت على فراشي والله يعلم وأنا أعلم أني حينئذ ~~بريئة، وأن الله مبرئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في ~~شأني وحيا يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في ~~بأمر، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رؤيا ~~يبرئني الله بها، فوالله ما قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ~~مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله على نبيه فأخذه ما كان ~~يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى إنه ليتحدر فيه العرق مثل الجمان في ~~اليوم الشات من ثقل القول الذي أنزل عليه. قالت: فسري عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وهو يضحك، وكان أول كلمة تكلم بها أن قال: " يا عائشة، ~~أما الله قد برأك " قالت: فقالت لي أمي: قومي إليه. فقلت: فوالله لا أقوم ~~إليه، فإني لا أحمد إلا الله. قالت: وأنزل الله { إن الذين ~~جآءوا بالإفك عصبة منكم.. } العشر آيات. فقال أبو بكر: ~~والله لا أنفق على مسطح بعدها، وكان ينفق عليه لقرابته منه وفقره، ~~فأنزل الله: # ولا يأتل أولوا الفضل منكم ms6511 والسعة.. # [النور: 22] إلى قوله: " غفور رحيم ". فلما سمع أبو بكر قوله ~~تعالى: # ألا تحبون أن يغفر الله لكم # [النور: 22] قال أبو بكر: والله إني لأحب أن يغفر الله لي. فرجع إلى ~~النفقة على مسطح وقال: والله لا أنزعها منه أبدا. # قال: فلما نزل عذري قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك ~~وتلا القرآن، فلما نزل ضرب عبد الله بن أبي ومسطح وحسان وحمنة ~~الحد. # فصل # الإفك: أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء، وهو أسوأ الكذب. وسمي إفكا ~~لكونه مصروفا عن الحق من قولهم: أفك الشيء: إذا قلبه عن وجهه. قيل: هو ~~البهتان وأجمع المسلمون على أن المراد: ما أفك به على عائشة. # وإنما وصف الله ذلك الكذب بكونه إفكا لكون المعروف من حال عائشة خلافه، ~~وذلك من وجوه: # الأول: أن كونها زوجة المعصوم يمنع من ذلك، لأن الأنبياء مبعوثون إلى ~~الكفار ليدعونهم ويستعطفونهم، فيجب ألا يكون معهم ما ينفر عنهم، وكون ~~زوجة الإنسان مسافحة من أعظم المنفرات. # فإن قيل: كيف جاز أن تكون امرأة الرسول كافرة كامرأة نوح ولوط، ولم يجز ~~أن تكون فاجرة؟ وأيضا فلو لم يجز لكان الرسول أعرف الناس بامتناعه ولو ~~عرف ذلك لما خاف ولما سأل عائشة عن كيفية الواقعة؟ # فالجواب عن الأول: أن الكفر ليس من المنفرات بخلاف الفجوز فإنه من ~~المنفرات. # والجواب عن الثاني: أنه عليه السلام كثيرا ما يكون يضيق قلبه من أقوال ~~الكفار مع علمه بفساد ذلك، كما قال تعالى: # ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون # [الحجر: 97] فهذا من ذاك الباب. # الثاني: أن المعروف من عائشة قبل تلك الواقعة إنما هو الصون والبعد عن ~~مقدمات الفجور، ومن كان كذلك كان اللائق إحسان الظن به. # الثالث: أن القاذفين كانوا من المنافقين وأتباعهم، وكلام المفتري ضرب من ~~الهذيان. فلمجموع هذه كان ذلك القول معلوم الفساد قبل نزول الوحي. # فصل # العصبة: قيل: الجماعة من العشرة إلى الأربعين، وكذلك العصابة، ~~وهم عبد الله بن أبي رأس المنافقين، وزيد بن رفاعة، وحسان بن ثابت، ms6512 ~~ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم. # قوله: " كبره " العامة على كسر الكاف. # وضمها في قراءته الحسن والزهري وأبو رجاء وأبو البرهسم وابن أبي عبلة ~~ومجاهد وعمرة بنت عبد الرحمن. ورويت أيضا عن أبي عمرو والكسائي. # فقيل: هما لغتان في مصدر: كبر الشيء، أي: عظم، لكن غلب في الاستعمال أن ~~المضموم في السن والمكانة، يقال: هو كبر القوم بالضم، أي: أكبرهم سنا ~~أو مكانة، وفي الحديث قصة محيصة وحويصة: # " الكبر الكبر ". # وقيل: بالضم: معظم الإفك. وبالكسر: البداءة. وقيل: بالكسر: الإثم. # قوله: " منكم " معناه: إن الذين أتوا بالكذب في أمر عائشة جماعة منكم ~~أيها المؤمنون، لأن عبد الله كان من جملة من حكم له بالإيمان ظاهرا. # قوله: { لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم } هذا ~~شرح حال المقذوف وليس خطاب مع القاذفين. # فإن قيل: هذا مشكل من وجهين: # أحدهما: أنه لم يتقدم ذكرهم. # والثاني: أن المقذوفين هم عائشة وصفوان، فكيف يحمل عليهما صيغة الجمع في ~~قوله: { لا تحسبوه شرا لكم }؟ # فالجواب عن الأول: أنه تقدم ذكرهم في قوله: " منكم ". # وعن الثاني: أن المراد من لفظ الجمع: كل من تأذى بذلك الكذب، ومعلوم ~~أنه - صلى الله عليه وسلم - تأذى بذلك وكذلك أبو بكر ومن يتصل به. # فإن قيل: فمن أي جهة يصير خيرا لهم مع أنه مضرة؟ # فالجواب: لوجوه: # أحدها: أنهم صبروا على ذلك الغم طلبا لمرضاة الله فاستوجبوا به الثواب ~~وهذه طريقة المؤمنين. # وثانيها: لولا إظهار الإفك كان يجوز أن يبقى الهم كامن في صدور ~~البعض، وعند الإظهار انكشف كذب القوم. # وثالثها: صار خيرا لهم لما فيه من شرفهم وبيان فضلهم من حيث نزلت ثماني ~~عشرة آية، كل واحدة منها مستقلة ببراءة عائشة، وشهد الله بكذب القاذفين، ~~ونسبهم إلى الإفك، وأوجب عليهم اللعن والذم، وهذا غاية الشرف والفضل. # ورابعها: صيرورتها بحال تعلق الكفر بقذفها، فإن الله لما نص على كون تلك ~~الواقعة إفكا وبالغ في شرحه، فكل من شك فيه كان كافرا قطعا، وهذه درجة ~~عالية. # وقال بعضهم: قوله ms6513 تعالى: { لا تحسبوه شرا لكم } خطاب مع ~~القاذفين وجعل الله خيرا لهم من حيث كان هذا الذكر عقوبة معجلة ~~كالكفارة، ومن حيث تاب بعضهم عنده. وهذا القول ضعيف، لأنه تعالى خاطبهم ~~بالكاف، ولما وصف أهل الإفك خاطبهم بالهاء بقوله: { لكل امرىء ~~منهم ما اكتسب من الإثم } ، ومعلوم أن نفس ما اكتسبوه لا ~~يكون عقوبة، فالمراد: لهم جزاء ما اكتسبوه من العقاب في الآخرة والمذمة ~~في الدنيا، والمعنى: أن قدر العقاب يكون مثل قدر الخوض. # قوله: { والذي تولى كبره }. أي: الذي قام بإشاعة هذا ~~الحديث وهو عبد الله بن (أبي ابن) سلول. والعذاب العظيم هو النار في ~~الآخرة. # روي عن عائشة في حديث الإفك قالت: ثم ركبت وأخذ صفوان بالزمام فمررنا ~~بملأ من المنافقين، وكان عادتهم أن ينزلوا منتبذين من الناس، فقال عبد ~~الله بن أبي رئيسهم: من هذه؟ قالوا: عائشة. قال: والله ما نجت منه ولا ~~نجا منها، وقال: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت، ثم جاء يقودها. وشرع ~~في ذلك أيضا حسان بن ثابت، ومسطح، وحمنة بنت جحش زوجة طلحة بن عبيد ~~الله، فهم الذين تولوا كبره. والأقرب أنه عبد الله بن أبي، فإنه كان ~~منافقا يطلب ما يقدح في (الرسول). # قال مسروق: دخلت على عائشة وعندها حسان بن ثابت ينشد شعرا يشبب بأبيات ~~له وقال: # 3819- حصان رزان ما تزن بريبة # وتصبح غرثى من لحوم (الغوافل) # فقالت له عائشة: " لكنك لست كذلك ". # قال مسروق: فقلت لها: لم تأذنين له أن يدخل عليك وقد قال الله: " { ~~والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم }؟ قالت: " ~~وأي عذاب أشد من العمى ". # وروي أن عائشة ذكرت حسان وقالت: " أرجو له الجنة ". فقيل: أليس هو ~~الذي تولى كبره؟ فقالت: " إذا سمعت شعره في مدح الرسول ~~رجوت له الجنة " وقال عليه السلام: # " إن الله يؤيد حسان بروح القدس في شعره ". # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالذين رموا عائشة فجلدوا الحد ~~جميعا. # فصل # المراد من إضافة الكبر إليه أنه كان مبتدئا بذلك ms6514 القول، فلا جرم حصل له ~~من العقاب ما حصل لكل من قال ذلك، لقوله عليه السلام: # " من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ". # وقال أبو مسلم: " سبب تلك الإضافة شدة الرغبة في إشاعة تلك الفاحشة ". ### || [24.12] # قوله تعالى: { لولا إذ سمعتموه } " لولا " هذه تحضيضية، ~~أي: هلا، وذلك كثير في اللغة إذا كانت تلي الفعل كقوله: # لولا أخرتني # [المنافقون: 10] وقوله: # فلولا كانت # [يونس: 98]. # فأما إذا ولي الاسم فليس كذلك كقوله: # لولا أنتم لكنا مؤمنين # [سبأ: 31]، # ولولا فضل الله عليكم ورحمته # [النساء: 83]. و " إذ " منصوب ب " ظن " والتقدير: لولا ظن ~~المؤمنون بأنفسهم إذ سمعتموه. وفي هذا الكلام التفات. قال الزمخشري: ~~فإن قلت: هلا قيل: لولا إذ سمعتموه، ظننتم بأنفسكم خيرا وقلتم، ولم ~~عدل عن الخطاب إلى الغيبة وعن الضمير إلى الظاهر؟ قلت: ليبالغ في ~~التوبيخ بطريقة الالتفات، وليصرح بلفظ الإيمان دلالة على أن الاشتراك فيه ~~مقتض ألا يصدق (أحد قالة في أخيه، وألا يظن بالمسلمين إلا خيرا). # وقوله: " ولم عدل عن الخطاب "؟ يعني في قوله: " وقالوا " فإنه كان ~~الأصل: " وقلتم " ، فعدل عن هذا الخطاب إلى الغيبة في " وقالوا ". # وقوله: " وعن الضمير " يعني أن الأصل كان " ظننتم " فعدل عن ضمير ~~الخطاب إلى لفظ المؤمنين. # فصل # المعنى: هلا { إذ سمعتموه ظن المؤمنون ~~والمؤمنات بأنفسهم } بإخوانهم " خيرا ". # وقال الحسن: بأهل دينهم، لأن المؤمنين كنفس واحدة، كقوله: # ولا تقتلوا أنفسكم # [النساء: 29] # فسلموا على أنفسكم # [النور: 61] المعنى: بأمثالكم المؤمنين. # وقيل: جعل المؤمنين كالنفس الواحدة فيما يجري عليها من الأمور، فإذا جرى ~~على أحدهم مكروه فكأنه جرى على جميعهم، كما قال عليه السلام # " مثل المسلمين في تواصلهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا ~~وجع بعضه وجع كله بالسهر والحمى " # وقال عليه السلام: # " المؤمنون كالبنيان يشد بعضه بعضا ". # وقوله: { هذآ إفك مبين } أي: كذب بين. ### || [24.13-14] # قوله: " لولا جاءوا ": هلا جاءوا { عليه بأربعة ~~شهدآء } أي: على ما زعموا، يشهدون على معاينتهم ما رموها به { ~~فإذ لم يأتوا بالشهدآء } ولم يقيموا بينة على ما قالوه { ~~فأولئك ms6515 عند الله } أي: في حكمه " هم الكاذبون ". # فإن قيل: كيف يصيرون عند الله كاذبين إذا لم يأتوا بالشهداء ومن كذب فهو ~~عند الله كاذب سواء أتى بالشهداء أو لم يأت؟ # فالجواب: معناه: كذبوهم بأمر الله. # وقيل: هذا في حق عائشة خاصة، فإنهم كانوا عند الله كاذبين. # وقيل: المعنى: في حكم الكاذبين، فإن الكاذب يجب زجره عن الكذب، والقاذف ~~إذا لم يأت بالشهود فإنه يجب زجره، فلما (كان) شأنه (شأن) الكاذب في ~~الزجر أطلق عليه أنه كاذب مجازا. # قوله: { فإذ لم يأتوا }. " إذ " منصوب ب " الكاذبون " في ~~قوله: { فأولئك عند الله هم الكاذبون } ، وهذا كلام ~~في قوة شرط وجزاء. # قوله: { ولولا فضل الله عليكم ورحمته في ~~الدنيا والآخرة لمسكم في مآ أفضتم فيه } من الإفك ~~{ عذاب عظيم }. (وهذا زجر) و " لولا " هاهنا لامتناع الشيء ~~لوجود غيره ويقال: أفاض في الحديث: اندفع وخاض. والمعنى: ولو أني قضيت أن ~~أتفضل عليكم في الدنيا بالنعم التي من جملتها الإمهال، وأترحم عليكم ~~في الآخرة بالعفو، لعاجلتكم بالعقاب على ما خضتم فيه من حديث الإفك. # وقيل: المعنى: ولولا فضل الله عليكم لمسكم العذاب ~~في الدنيا والآخرة معا، فيكون فيه تقديم وتأخير. وهذا الفضل هو حكم ~~الله لمن تاب. # وقال ابن عباس: المراد بالعذاب العظيم أي: عذاب لا انقطاع له. أي: في ~~الآخرة لأنه ذكر عذاب الدنيا من قبل فقال: # والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم # [النور: 11] وقد أصابه، فإنه جلد وحد. ### || [24.15] # قوله: " إذ تلقونه ". " إذ " منصوب ب " مسكم " أو ب " ~~أفضتم ". # وقرأ العامة: " تلقونه " والأصل: تتلقونه، فحذف إحدى ~~التاءين ك " تنزل " ونحوه، ومعناه: يتلقاه بعضكم من بعض. # قال الكلبي: وذلك أن الرجل منهم يلقى الرجل فيقول: بلغني كذا وكذا، ~~يتلقونه تلقيا. # قال الزجاج: يلقيه بعضهم إلى بعض. # والبزي على أصله في أنه يشدد التاء وصلا، وتقدم تحقيقه في ~~البقرة نحو # ولا تيمموا # [البقرة: 267] وهو هناك سهل، لأن ما قبله حرف لين بخلافه هنا. # وأبو عمرو والكسائي وحمزة على أصولهم في إدغام الذال في التاء. ms6516 # وقرأ أبي: " تتلقونه " بتاءين، وتقدم أنها الأصل. وقرأ ابن ~~السميفع في رواية عنه: " تلقونه " بضم التاء وسكون اللام وضم القاف ~~مضارع: ألقى إلقاء. # وقرأ هو في رواية أخرى: " تلقونه " بفتح التاء وسكون اللام وفتح ~~القاف مضارع: لقي. وقرأ ابن عباس وعائشة وعيسى وابن يعمر وزيد بن علي ~~بفتح التاء وكسر اللام وضم القاف من ولق الرجل: إذا كذب. قال ابن سيدة: ~~جاءوا بالمتعدي شاهدا على غير المتعدي، وعندي أنه أراد: تلقون فيه، فحذف ~~الحرف، ووصل الفعل للضمير، يعني: أنهم جاءوا ب " تلقونه " وهو ~~متعد مفسرا ب " تكذبون " وهو غير متعد، ثم حمله على ما ذكر. وقال ~~الطبري وغيره: إن هذه اللفظة مأخوذة من الولق وهو الإسراع بالشيء بعد ~~الشيء، كعدو في إثر عدو، وكلام في إثر كلام، يقال: ولق في سيره أي: ~~أسرع، وأنشد: # 3820- جاءت به عيس من الشام تلق # وقال أبو البقاء: أي: يسرعون فيه، وأصله من " الولق " وهو الجنون. # وقرأ زيد بن أسلم وأبو جعفر: " تألقونه " بفتح التاء وهمزة ساكنة ~~ولام مكسورة وقاف مضمومة من " الألق " وهو الكذب. وقرأ يعقوب: " ~~تيلقونه " بكسر التاء من فوق، بعدها ياء ساكنة ولام مفتوحة وقاف ~~مضمومة، وهو مضارع " ولق " بكسر اللام، كما قالوا: " تيجل " مضارع " ~~وجل ". وقوله: " بأفواهكم " كقوله: # يقولون بأفواههم # [آل عمران: 167] وقد تقدم. # فصل # اعلم أن الله تعالى وصفهم بارتكاب ثلاثة آثام، وعلق مس العذاب العظيم ~~بها. # أحدها: تلقي الإفك بألسنتهم، وذلك أن الرجل كان يلقى الرجل يقول له: ما ~~وراءك؟ فيحدثه بحديث الإفك حتى شاع واشتهر، ولم يبق بيت ولا ناد إلا طار ~~فيه. فكأنهم سعوا في إشاعة الفاحشة، وذلك من العظائم. # وثانيها: أنهم كانوا يتكلمون بما لا علم لهم به، وذلك يدل على أنه لا ~~يجوز الإخبار إلا مع العلم، ونظيره: # ولا تقف ما ليس لك به علم # [الإسراء: 36]. # وثالثها: أنهم كانوا يستصغرون ذلك، وهو عظيمة من العظائم. # وتدل الآية على أن القذف من الكبائر لقوله: { وهو عند الله ~~عظيم } ، وتدل على أن الواجب على المكلف في كل ms6517 محرم أن يستعظم الإقدام ~~عليه. # ونبه بقوله: " وتحسبونه هينا " على أن عمل المعصية لا يختلف ~~بظن فاعله وحسبانه، بل ربما كان ذلك مؤكدا لعظمه. # فإن قيل: ما معنى قوله: " بأفواهكم " والقول لا يكون إلا بالفم؟ # فالجواب: معناه: أن الشيء المعلوم يكون علمه في القلب، فيترجم عنه ~~باللسان، وهذا الإفك ليس إلا قولا يجري على ألسنتكم من غير أن يحصل في ~~القلب علم به كقوله: # يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم # [آل عمران: 167]. ### || [24.16] # قوله: { ولولا إذ سمعتموه قلتم } كقوله: # لولا إذ سمعتموه ظن # [النور: 12] ولكن الالتفات فيه قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جاز الفصل ~~بين (لولا) و(قلتم) بالظرف؟ قلت: للظروف شأن ليس لغيرها، لأنها لا ينفك ~~عنها ما يقع فيها، فلذلك اتسع فيها. # قال أبو حيان: " وهذا يوهم اختصاص ذلك بالظروف، وهو جائز في المفعول به، ~~تقول: لولا زيدا ضربت، ولولا عمرا قتلت ". # وقال الزمخشري أيضا: فإن قلت: أي فائدة في تقديم الظرف حتى أوقع ~~فاصلا؟ قلت: الفائدة فيه: بيان أنه كان الواجب عليهم أن يحترزوا أول ما ~~سمعوا بالإفك عن التكلم به، فلما كان ذكر الوقت أهم وجب تقديمه. فإن قلت: ~~ما معنى " يكون " والكلام بدون متلئب لو قيل: ما لنا أن نتكلم بهذا؟ ~~قلت: معناه: ينبغي ويصح، أي: ما ينبغي وما يصح كقوله: # ما يكون لي أن أقول # [المائدة: 116]. # فصل # قوله: { ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنآ أن ~~نتكلم بهذا سبحانك } هذا اللفظ هنا معناه التعجب { ~~هذا بهتان عظيم } أي: كذب عظيم يبهت ويتحير من عظمته. # روي أن أم أيوب قالت لأبي أيوب الأنصاري: أما بلغك ما يقول الناس في ~~عائشة؟ فقال أبو أيوب: " سبحانك هذا بهتان عظيم " فنزلت ~~الآية على وفق قوله. ### || [24.17-18] # قوله تعالى: { يعظكم الله أن تعودوا لمثله... } الآية ~~وهذا من باب الزواجر، أي: يعظكم الله بهذه المواعظ التي بها تعرفون عظم ~~هذا الذنب، ولأن فيه الحد والنكال في الدنيا والعذاب في الآخرة، لكي لا ~~تعودوا إلى مثل هذا الفعل أبدا. # قوله: " أن تعودوا ms6518 " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه مفعول من أجله، أي: يعظكم كراهة أن تعودوا. # الثاني: أنه على حذف " في " أي: في أن تعودوا، نحو: وعطف فلانا في كذا، ~~فتركه. # الثالث: أنه ضمن معنى فعل يتعدى ب " عن " ثم حذفت، أي: يزجركم ~~بالوعظ عن العود. # وعلى هذين القولين يجيء القولان في محل " أن " بعد نزع الخافض. # قال ابن عباس: " يحرم الله عليكم ". # وقال مجاهد: " ينهاكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن ~~كنتم مؤمنين ويبين الله لكم الآيات " في الأمر ~~والنهي " والله عليم " بأمر عائشة وصفوان " حكيم " ببراءتهما. # واعلم أن العليم الحكيم هو الذي لا يأمر إلا بما ينبغي، ولا يهمل جزاء ~~المستحقين فلهذا ذكر هاتين الصفتين وخصهما بالذكر. # فصل # استدلت المعتزلة بقوله: { إن كنتم مؤمنين } على أن ترك القذف ~~من الإيمان، لأن المعلق على الشرط يعدم عند عدم الشرط. # وأجيبوا بأن هذا معارض بقوله: # إن الذين جآءوا بالإفك عصبة منكم # [النور: 11] أي: منكم أيها المؤمنون، فدل ذلك على أن القذف لا يوجب ~~الخروج عن الإيمان، وإذا ثبت التعارض حملنا هذه الآية على التهيج في ~~الاتعاظ والانزجار. # فصل # قالت المعتزلة: دلت هذه الآية على أنه تعالى أراد من جميع من وعظه ~~مجانبة ذلك في المستقبل وإن كان فيهم من لا يطيع، فمن هذا الوجه يدل على ~~أنه يريد منهم كلهم الطاعة وإن عصوا، ولأن قوله: { يعظكم الله ~~أن تعودوا } ، أي: لكي لا تعودوا لمثله، وذلك يدل على الإرادة، ~~وتقدم الجواب عنه مرارا. # فإن قيل: هل يجوز أن يسمى الله واعظا لقوله: " يعظكم الله "؟ ~~فالأظهر أنه لا يجوز، كما لا يجوز أن يسمى الله معلما لقوله: # الرحمن علم القرآن # [الرحمن: 1، 2]. ### || [24.19] # قوله تعالى: { إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة } ~~الآية. # لما بين ما على الإفك وعلى من سمع منه وما ينبغي أن يتمسكوا به ~~من آداب الدين أتبعه بقوله: { إن الذين يحبون أن تشيع ~~الفاحشة } ليعلم أن من أحب ذلك فقد شارك في هذا كما شارك فيه من ~~فعله. # والإشاعة: الانتشار، يقال: في هذا ms6519 العقار سهم شائع: إذا كان في الجميع ~~ولم يكن منفصلا. وشاع الحديث: إذا ظهر في الجميع ولم يكن منفصلا. وشاع ~~الحديث: إذا ظهر في العامة. والمعنى: { إن الذين يحبون } أن ~~يظهر ويذيع الزنا { في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في ~~الدنيا والآخرة } يعني: عبد الله بن أبي وأصحابه المنافقين ~~والعذاب في الدنيا: الحد. وفي الآخرة: النار. # وظاهر الآية يتناول كل من كان بهذه الصفة. # والآية إنما نزلت في قذفة عائشة إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص ~~السبب ثم قال: { والله يعلم وأنتم لا تعلمون } وهذا ~~حسن الموقع في هذا الموضع، لأن محبة القلب كافية ونحن لا نعلمها إلا ~~بالإبانة، وأما الله - سبحانه - فإنه لا يخفى عليه، وهذا نهاية في الزجر، ~~لأن من أحب إشاعة الفاحشة وإن بالغ في إخفاء تلك المحبة فهو يعلم أن ~~الله يعلم ذلك منه، ويعلم قدر الجزاء عليه. # وهذه الآية تدل على أن العزم على الذنب العظيم ذنب، وأن إرادة الفسق ~~فسق، لأنه تعالى علق الوعيد بمحبة إشاعة الفاحشة. # فصل # قالت المعتزلة: إن الله بالغ في ذم من أحب إشاعة الفاحشة، فلو كان تعالى ~~هو الخالق لأفعال العباد لما كان مشيع الفاحشة إلا هو، فكان يجب ألا ~~يستحق الذم على إشاعة الفاحشة إلا هو، لأنه هو الذي فعل تلك الإشاعة، ~~وغيره لم يفعل شيئا، وتقدم الكلام على (نظيره). ### || [24.20-21] # قوله تعالى: { ولولا فضل الله عليكم ورحمته ~~وأن الله رءوف رحيم } جواب " لولا " محذوف، أي: لعاجلكم ~~بالعقوبة. # قال ابن عباس: يريد مسطحا وحسان وحمنة. ويجوز أن يكون الخطاب عاما. # وقيل: جوابه في قوله: { ما زكى منكم من أحد }. # وقيل: جوابه: لكانت الفاحشة تشيع فتعظم المضرة، وهو قول أبي مسلم. ~~والأقرب أن جوابه محذوف، لأن قوله من بعد: { ولولا فضل الله ~~عليكم ورحمته ما زكى منكم } كالمنفصل من الأول، فلا ~~يكون جوابا للأول خصوصا (وقد) وقع بين الكلامين كلام آخر. # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تتبعوا ~~خطوات الشيطان } الآية قرئ " خطوات " بضم الطاء وسكونها. ~~والخطوات: جمع ms6520 خطوة وهو من خطا الرجل يخطو خطوا فإذا أردت ~~الواحدة قلت: خطوة مفتوحة الأول، والمراد بذلك: السيرة. # والمعنى: لا تتبعوا آثار الشيطان ولا تسلكوا مسالكه في إشاعة الفاحشة، ~~والله تعالى وإن خص بذلك المؤمنين، فهو نهي لكل المكلفين، لأن قوله: { ~~ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر ~~بالفحشآء } منع لكل المكلفين من ذلك والفحشاء: ما أفرط قبحه. ~~والمنكر: ما تنكره النفوس، فتنفر عنه ولا ترتضيه. # قوله: " فإنه يأمر " في هذه الهاء ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها ضمير الشأن، وبه بدأ أبو البقاء. # والثاني: أنها ضمير الشيطان. # وهذان الوجهان إنما يجوزان على رأي من لا يشترط عود الضمير على اسم ~~الشرط من جملة الجزاء. # والثالث: أنه عائد على " من " الشرطية. # قوله: " ما زكى ". العامة على تخفيف الكاف، يقال: زكا يزكو، وفي ~~ألفه الإمالة وعدمها. وقرأ الأعمش وابن محيصن وأبو جعفر بتشديدها. وكتبت ~~ألفه ياء، وهو شاذ، لأنه من ذوات الواو كغزا، وإنما حمل على لغة من أمال، ~~أو على كتابة المشدد. # فعلى قراءة التخفيف يكون " من أحد " فاعلا. وعلى قراءة التشديد ~~يكون مفعولا، و " من " مزيدة على كلا التقديرين، والفاعل هو الله ~~تعالى. # فصل # قال مقاتل: ما زكا: ما صلح. # وقال ابن قتيبة: ما (ظهر). # وقيل: من بلغ في الطاعة لله مبلغ الرضا، (يقال: زكا الزرع)، فإذا بلغ ~~المؤمن في الصلاح في الدين ما يرضاه (تعالى) سمي زكيا، فلا يقال: زكى ~~إلا إذا وجد زاكيا، كما لا يقال لمن ترك الهدى: هداه الله مطلقا، بل ~~يقال: هداه الله فلم يهتد. ودلت الآية على أن الله تعالى هو الخالق ~~لأفعال العباد، لأن التزكية كالتسويد والتحمير، فكما أن التسويد يحصل ~~السواد، فكذا التزكية تحصل الزكاء في المحل. # والمعتزلة حملوه هنا على فعل الإلطاف، أو على الحكم بكون العبد زكيا، ~~وهو خلاف الظاهر، ولأن الله تعالى قال: { ولكن الله يزكي ~~من يشآء } علق التزكية على الفضل والرحمة، وخلق الإلطاف واجبا فلا ~~يكون معلقا بالفضل والرحمة، وأما الحكم بكونه زكيا فذلك واجب، لأنه ~~لولا الحكم له لكان ms6521 كذبا (و) الكذب على الله محال، فكيف يجوز تعليقه ~~بالمشيئة؟. # فصل # قال ابن عباس في رواية عطاء: هذا خطاب للذين خاضوا في الإفك، ومعناه: ما ~~ظهر من هذا الذنب ولا صلح أمره بعد الذي فعل، أي: ما قبل منكم توبة أحد ~~أبدا، { ولكن الله يزكي } يطهر " من يشاء " من الذنب ~~بالرحمة والمغفرة { والله سميع عليم } أي: يسمع أقوالكم في ~~القذف، وأقوالكم في البراءة و " عليم " بما في قلوبهم من محبة إشاعة ~~الفاحشة أو من كراهتها، وإذا كان كذلك وجب الاحتراز عن معصيته. ### || [24.22] # قوله تعالى: { ولا يأتل أولوا الفضل منكم } الآية. # يجوز أن يكون " يأتل ": " يفتعل " ، من الألية، وهي الحلف، كقوله: # 3821- وآلت حلفة لم تحلل # ونصر الزمخشري هذا بقراءة الحسن " ولا يتأل " من الألية، كقوله: ~~" من يتأل على الله يكذبه ". # ويجوز أن يكون " يفتعل " من ألوت، أي: قصرت، كقوله تعالى: # لا يألونكم خبالا # [آل عمران: 118] قال: # 3822- وما المرء ما دامت حشاشة نفسه # بمدرك أطراف الخطوب ولا آل # وقال أبو البقاء: وقرئ: " ولا يتأل " على " يتفعل " وهو من ~~الألية أيضا، ومنه: # 3823- تألى ابن أوس حلفة ليردني # إلى نسوة كأنهن مفائد # قوله: " أن يؤتوا " هو على إسقاط الجار، وتقديره على القول الأول: ~~ولا يأتل أولو الفضل على أن لا يحسنوا. وعلى الثاني: ولا يقصر أولو الفضل ~~في أن يحسنوا. # وقرأ أبو حيوة وأبو البرهسيم وابن قطيب: " تؤتوا " بتاء الخطاب، وهو ~~التفات موافق لقوله: " ألا تحبون ". وقرأ الحسن وسفيان بن الحسين " ~~ولتعفوا ولتصفحوا " بالخطاب وهو موافق لما بعده. # فصل # المشهور أن معنى الآية: لا يحلف أولو الفضل، فيكون " افتعال " من ~~الألية. # قال أبو مسلم: وهذا ضعيف لوجهين: # أحدهما: أن ظاهر الآية على هذا التأويل يقتضي المنع عن الحلف على ~~الإعطاء، وهم أرادوا المنع على ترك الإعطاء، فهذا المتأول قد أقام النفي ~~مكان الإيجاب، وجعل المنهي عنه مأمورا به. # الثاني: أنه قلما يوجد في الكلام " أفتعلت " مكان " أفعلت " (وإنما ~~وجد مكان " فعلت " ) وهنا آليت من الألية: " افتعلت " فلا يقال: ~~أفعلت، كما لا يقال من ms6522 ألزمت التزمت، ومن أعطيت اعتطيت. ثم قال في " يأتل ~~": إن أصله " يأتلي " ذهبت الياء للجزم لأنه نهي، وهو من قولك: ما ألوت ~~فلانا نصحا، ولم آل في أمري جهدا، أي: ما قصرت. ولا يأل ولا يأتل ~~ولم يأل والمراد: لا تقصروا في أن تحسنوا إليهم، ويوجد كثيرا " ~~افتعلت " مكان " فعلت " ، تقول: كسبت واكتسبت، وصنعت ~~واصطنعت، وهذا التأويل مروي عن أبي عبيدة. قال ابن الخطيب: " وهذا هو ~~الصحيح دون الأول ". # وأجاب الزجاج عن الأول بأن " لا " تحذف في اليمين كثيرا، قال الله ~~تعالى: # ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا # [البقرة: 224] يعني: أن لا تبروا، وقال امرؤ القيس: # 3824- فقلت يمين الله أبرح قاعدا # أي: لا أبرح. # وأجابوا عن السؤال الثاني أن جميع المفسرين الذين كانوا قبل أبي مسلم ~~فسروا اللفظ باليمين، وقول واحد منهم حجة في اللغة، فكيف الكل؟ ويعضده ~~قراءة الحسن: " ولا يتأل ". # فصل # قال المفسرون معناه: ولا يحلف { أولوا الفضل منكم ~~والسعة } أي: أولوا الغنى، يعني: أبا بكر الصديق { أن يؤتوا ~~أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل ~~الله } يعني: مسطحا، وكان مسكينا مهاجرا بدريا ابن خالة أبي ~~بكر حلف أبو بكر لا ينفق عليه " وليعفوا وليصفحوا " عنهم خوضهم ~~في أمر عائشة " ألا تحبون " يخاطب أبا بكر { أن يغفر الله ~~(لكم) والله غفور رحيم } فلما قرأها رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - على أبي بكر قال: " بلى إنما أحب أن يغفر الله لي " ورجع إلى ~~مسطح نفقته التي كان ينفق عليه، وقال: " والله لا أنزعها منه أبدا ". # وقال ابن عباس والصحابة أقسم ناس من الصحابة فيهم أبو بكر ألا يتصدقوا ~~على رجل تكلم بشيء من الإفك ولا ينفعوهم فأنزل الله هذه الآية. # فصل # أجمع المفسرون على أن المراد من قوله: " أولو الفضل " أبو بكر، وهذا ~~يدل على أنه كان أفضل الناس بعد الرسول، لأن الفضل المذكور في الآية إما ~~في الدنيا وإما في الدين، والأول باطل، لأنه تعالى ذكره في معرض المدح ~~له، والمدح من الله بالدنيا غير جائز، ولأنه ms6523 لو جاز ذلك لكان قوله: " ~~والسعة " تكريرا، فتعين أن يكون المراد منه الفضل في الدين، فلو كان ~~غيره مساويا له في الدرجة في الدين لم يكن هو صاحب الفضل، لأن المساوي ~~لا يكون فاضلا، فلما أثبت الله له الفضل غير مقيد بشخص دون شخص وجب أن ~~يكون أفضل الخلق ترك العمل به في حق الرسول - عليه السلام - فيبقى ~~معمولا به في حق الغير. # وأجمعت الأمة على أن الأفضل إما أبو بكر أو علي، فإذا تبين أنه ليس ~~المراد عليا تعينت الآية في أبي بكر. # وإنما قلنا: ليس المراد عليا، لأن ما قبل الآية وما بعدها يتعلق بابنة ~~أبي بكر، ولأنه تعالى وصفه بأنه من أولي السعة، وأن عليا - رضي الله ~~عنه - لم يكن من أولي السعة في الدنيا في ذلك الوقت، فثبت أن المراد ~~منه أبو بكر قطعا. # فصل # أجمعوا على أن مسطحا كان من البدريين، وصح عنه عليه السلام أنه قال: # " لعل الله نظر إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت ~~لكم " # فكيف صدرت الكبيرة منه بعد أن كان بدريا؟ # والجواب: أنه لا يجوز أن يكون المراد منه: افعلوا ما شئتم من المعاصي، ~~فيأمر بها، لأنا نعلم بالضرورة أن التكليف كان باقيا عليهم، ولو حملناه ~~على ذلك لأفضى إلى زوال التكليف عنهم، ولو كان كذلك لما جاز أن يحد ~~مسطح على ما فعل، فوجب حمله على أحد أمرين: # الأول: أنه تعالى علم توبة أهل بدر فقال: افعلوا ما شئتم من النوافل من ~~قليل أو كثير، فقد غفرت لكم وأعطيتكم الدرجات العالية في الجنة. # والثاني: أن يكون المراد أنهم يوافون بالطاعة، فكأنه تعالى قال: قد ~~غفرت لكم لعلمي بأنكم تموتون على التوبة والإنابة، فذكر حالهم في ~~الوقت وأراد العاقبة. # فصل # دلت الآية على أن (الأيمان على) الامتناع من الخير غير جائز، وإنما يجوز ~~إذا حصلت داعية صارفة عنه. # فصل # مذهب الجمهور أن من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها، أنه ينبغي له ~~أن يأتي الذي هو خير ms6524 ثم يكفر عن يمينه. # وقال بعضهم: إنه يأتي بالذي هو خير، وذلك هو كفارته، لأن الله تعالى أمر ~~أبا بكر بالحنث ولم يوجب عليه كفارة. ولقوله عليه السلام: # " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو ~~خير، وذلك كفارته ". # واحتج الجمهور بقوله تعالى: # ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته # [المائدة: 89]، وقوله: # ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم # [المائدة: 89]، وقوله لأيوب - عليه السلام -: # وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث # [ص: 44] وقد علمنا أن الحنث كان خيرا من تركه، ولو كان الحنث فيها ~~كفارتها لما أمر بضربها، بل كان يحنث بلا كفارة، وقال عليه السلام: # " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي ~~هو خير وليكفر عن يمينه ". # وأما قولهم: إن الله تعالى لم يذكر الكفارة في قصة أبي بكر، فإن حكمها ~~كان معلوما عندهم. وأما قوله عليه السلام: # " وليأت الذي هو خير، وذلك كفارته " # فمعناه: تكفير الذنب لا أنه الكفارة المذكورة في الكتاب. # فصل # روي عن عائشة أنها قالت: " فضلت على أزواج النبي بعشر خصال: # تزوج رسول الله بي بكرا دون غيري، وأبواي مهاجران، وجاء جبريل بصورتي ~~وأمره أن يتزوج بي، وكنت أغتسل معه في إنائه، وجبريل ينزل عليه وأنا معه ~~في لحاف، وتزوج في شوال، وبنى بي في ذلك الشهر وقبض بين سحري ونحري، ~~وأنزل الله عذري من السماء، ودفن في بيتي، وكل ذلك لم يساوني فيه غيري ". # وقال بعضهم: " لقد برأ الله أربعة بأربعة: برأ يوسف # وشهد شاهد من أهلهآ # [يوسف: 26]، وبرأ موسى من قول اليهود بالحجر الذي ذهب بثوبه، وبرأ مريم ~~بإنطاق ولدها، وبرأ عائشة بهذه الآيات في كتابه المتلو على وجه الدهر ". ### || [24.23-25] # قوله: { إن الذين يرمون المحصنات } العفائف " ~~الغافلات " عن الفواحش " المؤمنات " والغافلة عن الفاحشة أي: لا ~~تقع في مثلها، وكانت عائشة كذلك، فقال بعضهم: الصيغة عامة، فيدخل فيه ~~قذفة عائشة وغيرها. # وقيل: المراد قذفة عائشة. # قالت عائشة: رميت وأنا غافلة، وإنما بلغني بعد ذلك، فبينا رسول الله ~~عندي إذ أوحى ms6525 إليه، قال: " أبشري " وقرأ: { إن الذين يرمون ~~المحصنات الغافلات المؤمنات }. # وقيل: المراد جملة أزواج رسول الله، وأنهن لشرفهن خصصن بأن من قذفهن ~~فهذا الوعيد لاحق به. واحتج هؤلاء بأمور: # الأول: أن قاذف سائر المحصنات تقبل توبته لقوله في أول السورة: # والذين يرمون المحصنات # [النور: 4] إلى قوله: # إلا الذين تابوا... # [النور: 5]. # وأما القاذف في هذه الآية فإنه لا تقبل توبته لقوله تعالى: { لعنوا ~~في الدنيا والآخرة } ولم يذكر استثناء. # وأيضا فهذه صفة المنافقين في قوله: # ملعونين أينما ثقفوا # [الأحزاب: 61]. # الثاني: أن قاذف سائر المحصنات لا يكفر، والقاذف في هذه الآية كافر، ~~لقوله: { يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم... } ~~وذلك صفة الكفار والمنافقين لقوله: # ويوم يحشر أعدآء الله إلى النار... # [فصلت: 19] الآيات. # الثالث: أنه قال: { ولهم عذاب عظيم } والعذاب العظيم هو عذاب ~~الكفر، (فدل على أن عذاب هذا القاذف عقاب الكفر). وعقاب قذف سائر ~~المحصنات لا يكون عقاب الكفر. # وروي أن ابن عياش كان بالبصرة يوم عرفة، وكان يسأل عن تفسير هذه الآية، ~~فقال: " من أذنب ثم تاب قبلت توبته إلا من خاض في أمر عائشة ". # وأجاب الأولون بأن الوعيد المذكور في هذه الآية لا بد وأن يكون مشروطا ~~بعدم التوبة، لأن الذنب سواء كان كفرا أو فسقا، فإذا تاب عنه صار ~~مغفورا. # وقيل: هذه الآية نزلت في مشركي مكة حين كان بينهم وبين رسول الله عهد، ~~فكانت المرأة إذا خرجت إلى المدينة مهاجرة قذفها المشركون من أهل مكة ~~وقالوا: " إنها خرجت لتفجر " فنزلت فيهم. # قوله: " يوم تشهد " ، ناصبه الاستقرار الذي تعلق به " لهم ". # وقيل: بل ناصبه " عذاب ". ورد بأنه مصدر موصوف. # وأجيب بأن الظرف يتسع فيه ما لا يتسع في غيره. # وقرأ الأخوان: " يشهد " بالياء من تحت، لأن التأنيث مجازي، وقد وقع ~~الفصل والباقون: بالتاء مراعاة للفظ. # قوله: " يومئذ ": التنوين في " إذ " عوض من الجملة تقديره: ~~يومئذ تشهد، وقد تقدم خلاف الأخفش فيه. # وقرأ زيد بن علي " يوفيهم " مخففا من " أوفى ". # وقرأ العامة بنصب " الحق " نعتا ل " دينهم ". # وأبو حيوة وأبو روق ms6526 ومجاهد - وهي قراءة ابن مسعود - برفعه نعتا ~~لله تعالى. # فصل # قوله { يوم تشهد عليهم ألسنتهم }. # قال المفسرون: هذا قبل أن يختم على أفواههم وأيديهم وأرجلهم. # يروى أنه يختم على الأفواه فتتكلم الأيدي والأرجل بما عملت في الدنيا. # { يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق } جزاءهم الواجب. ~~وقيل: حسابهم العدل، { ويعلمون أن الله هو الحق ~~المبين } يبين لهم حقيقة ما كان يعدهم في الدنيا. # وإنما سمي الله ب " الحق " لأن عبادته هي الحق دون عبادة غيره. # وقيل: سمي ب " الحق " ومعناه: الموجود، لأن نقيضه الباطل وهو ~~المعدوم، ومعنى " المبين ": المظهر. ### || [24.26] # قوله تعالى: " الخبيثات للخبيثين " الآية. # قال أكثر المفسرين: " الخبيثات " من القول والكلام " للخبيثين ~~" من الناس، " والخبيثون " من الناس " للخبيثات " من القول، " ~~والطيبات " من القول " للطيبين " من الناس، " والطيبون " من ~~الناس " للطيبات " من القول. # والمعنى: أن الخبيث من القول لا يليق إلا بالخبيث من الناس، والطيب ~~لا يليق إلا بالطيب فعائشة - رضي الله عنها - لا يليق بها الخبيثات من ~~القول، لأنها طيبة، فيضاف إليها طيبات الكلام من الثناء الحسن وما يليق ~~بها. # وقال الزجاج: معناه: لا يتكلم بالخبيثات إلا الخبيث من الرجال والنساء، ~~ولا يتكلم بالطيبات إلا الطيب من الرجال والنساء وهذا ذم للذين قذفوا ~~عائشة، ومدح للذين برأوها بالطهار. # قال ابن زيد: معناه: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون ~~من الرجال للخبيثات من النساء، أمثال عبد الله بن أبي والشاكين في ~~الدين، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال ~~للطيبات من النساء، يريد: عائشة طيبها الله لرسوله الطيب - صلى الله عليه ~~وسلم - " مبرءون " يعني: عائشة وصفوان، ذكرهما بلفظ الجمع كقوله: # فإن كان له إخوة # [النساء: 11] أي: أخوان. # وقيل: " أولئك مبرؤون " يعني: الطيبين والطيبات منزهون مما ~~يقولون. # وقيل: الرمي تعلق بالنبي - عليه الصلاة والسلام - وبعائشة وصفوان، ~~فبرأ الله كل واحد منهم. # وقيل: المراد كل أزواج الرسول برأهن الله تعالى من هذا الإفك، ثم قال: " ~~لهم مغفرة " يعني: براءة من الله. وقيل: العفو عن الذنوب. والرزق ~~الكريم: الجنة. # قوله: " لهم مغفرة ms6527 " يجوز أن تكون جملة مستأنفة، وأن تكون في ~~محل رفع خبرا ثانيا. # ويجوز أن يكون " لهم " خبر " أولئك " (و) " مغفرة " فاعله. ### || [24.27-29] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا ~~غير بيوتكم } الآية. # لما ذكر حكم الرمي والقذف ذكر ما يليق به، لأن أهل الإفك (إنما توصلوا) ~~إلى بهتانهم لوجود الخلوة، فصارت كأنها طريق التهمة، فأوجب الله تعالى ~~ألا يدخل المرء بيت غيره إلا بعد الاستئذان والسلام، لأن الدخول على غير ~~هذا الوجه يوقع التهمة، وفي ذلك من المضرة ما لا خفاء به. # قوله: " تستأنسوا " يجوز أن يكون من الاستئناس، لأن الطارق ~~يستوحش من أنه هل يؤذن له أو لا؟ فزال استيحاشه، وهو رديف الاستئذان فوضع ~~موضعه. # وقيل: من الإيناس، وهو الإبصار، أي: حتى تستكشفوا الحال. # وفسره ابن عباس: " حتى تستأذنوا " وليست قراءة، وما ينقل عنه ~~أنه قال: " تستأنسوا " خطأ من الكاتب، إنما هو (تستأذنوا) ~~فشيء مفترى عليه. # وضعفه بعضهم بأن هذا يقتضي الطعن في القرآن الذي نقل بالتواتر، ويقتضي ~~صحة القرآن الذي لم ينقل بالتواتر، وفتح هذين البابين يطرق الشك إلى كل ~~القرآن وإنه باطل. # وروي عن الحسن البصري أنه قال: " إن في الكلام تقديما وتأخيرا، ~~فالمعنى: حتى تسلموا على أهلها وتستأنسوا ". وهذا أيضا خلاف الظاهر. # وفي قراءة عبد الله: { حتى تسلموا وتستأذنوا } وهو أيضا ~~خلاف الظاهر. # واعلم أن هذا نظير ما تقدم في الرعد: (في) # أفلم ييأس الذين آمنوا # [الرعد: 31] وتقدم القول فيه. والاستئناس: الاستعلام (والاستكشاف، من ~~أنس الشيء: إذا أبصره، كقوله: # إني آنست نارا # [طه: 10]، والمعنى: حتى تستعلموا الحال، هل يراد دخولكم؟) قال: # 3825- كأن رحلي وقد زال النهار بنا # يوم الجليل على مستأنس وحد # وقيل: هو من " الإنس " بكسر الهمزة، أي: يتعرف هل فيها إنس أم ~~لا؟ # وحكى الطبري أنه بمعنى: " وتؤنسوا أنفسكم ". # قال ابن عطية: وتصريف الفعل يأبى أن يكون من " أنس ". # فصل # قال الخليل: الاستئناس: الاستبصار من (أنس الشيء إذا أبصره) كقوله: # آنست نارا # [طه: 10] أي: أبصرت. # وقيل: هو أن يتكلم بتسبيحة أو تكبيرة أو ms6528 بتنحنح يؤذن أهل البيت. وجملة ~~حكم الآية أنه لا يدخل بيت الغير إلا بعد السلام والاستئذان. # واختلفوا: هل يقدم الاستئذان أو السلام؟ # فقيل: يقدم الاستئذان، فيقول: أأدخل؟ سلام عليكم، لقوله: " حتى ~~تستأنسوا " أي: تستأذنوا { وتسلموا على أهلها }. ~~والأكثرون على أنه يقدم السلام فيقول: سلام عليكم، أأدخل؟ ( # " لما روي أن رجلا دخل على النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يسلم ولم ~~يستأذن، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " ارجع فقل: السلام عليكم، ~~أأدخل " # ) وروى ابن عمر أن رجلا استأذن عليه فقال: أأدخل؟ فقال ابن عمر: لا، ~~فأمر بعضهم الرجل أن يسلم، فسلم، فأذن له. # وقيل إن وقع بصره على إنسان قدم السلام، وإلا قدم الاستئذان ثم يسلم. ~~والحكمة في إيجاب تقديم الاستئذان ألا يهجم على ما لا يحل له أن ينظر ~~إليه من عورة، أو على ما لا يحب القوم أن يعرفه من الأحوال. # فصل # عدد الاستئذان ثلاثا لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - # " الاستئذان ثلاث، الأولى يستضيئون، والثانية يستصلحون، والثالثة ~~يأذنون أو يردون " # وعن أبي سعيد الخدري قال: # " كنت جالسا في مجلس الأنصار، فجاء أبو موسى فزعا، فقلنا له: ما ~~أفزعك؟ فقال: أخبرني عمر أن آتيه فأتيته، فاستأذنت ثلاثا، فلم يؤذن لي، ~~فرجعت، فقال: ما منعك أن تأتيني؟ فقلت: قد جئت فاستأذنت ثلاثا فلم يؤذن ~~لي، وقد قال عليه السلام -: " إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له ~~فليرجع ". فقال: لتأتيني (على هذا) بالبينة، أو لأعاقبنك، فقال أبو سعيد: ~~لا يقوم معك إلا صغير القوم، قال: فقام أبو سعيد، فشهد له ". # وفي بعض الروايات أن عمر قال لأبي موسى: لم أتهمك، ولكن خشيت أن يتقول ~~الناس على رسول الله. # وعن قتادة: " الاستئذان ثلاثة: الأول ليسمع الحي، والثاني ليتهيأ، ~~والثالث إن شاء أذن وإن شاء رد ". # وهذا من محاسن الآداب، لأنه في أول كرة ربما منعهم بعض الأشغال من ~~الإذن، وفي الثانية ربما كان هناك ما يمنع، فإذا لم يجب في الثالثة يستدل ~~بعدم الإذن على ms6529 مانع. ويجب أن يكون بين كل واحدة والأخرى وقت ما. # فأما قرع الباب بعنف، والصياح بصاحب الدار فذاك حرام، لأنه إيذاء، وكذا ~~قصة بني أسد وما نزل فيها من قوله: # إن الذين ينادونك من ورآء الحجرات أكثرهم ~~لا يعقلون # [الحجرات: 4]. # فصل # في كيفية الوقوف على الباب # روى أبو سعيد قال: استأذن رجل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وهو مستقبل الباب، فقال عليه السلام: # " لا تستأذن وأنت مستقبل الباب ". # " وروي أنه عليه السلام كان إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء ~~وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، فيقول: " السلام عليكم " # وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذ ستور. # فصل # كلمة " حتى " للغاية، والحكم بعد الغاية يكون بخلاف ما قبلها، فقوله: ~~{ لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا ~~} يقتضي جواز الدخول بعد الاستئذان وإن لم يكن من صاحب البيت إذن. # والجواب أن الله تعالى جعل الغاية الاستئناس، ولا يحصل إلا بعد الإذن. # وأيضا فإنا علمنا بالنص أن الحكمة في الاستئذان ألا يدخل الإنسان على ~~غيره بغير إذنه، فإن ذلك مما يسوؤه، وهذا المقصود لا يحصل إلا بعد ~~الإذن. # وأيضا قوله: { فإن لم تجدوا فيهآ أحدا فلا ~~تدخلوها (حتى يؤذن لكم } ) فمنع الدخول إلا مع الإذن، ~~فدل على أن الإذن شرط في إباحة الدخول في الآية الأولى. # وإذا ثبت هذا فنقول: لا بد من الإذن أو ما يقوم مقامه، لقوله عليه ~~السلام # " إذا دعي أحدكم فجاء مع الرسول فإن ذلك له إذن ". # وقال بعضهم: إن من جرت العادة له بإباحة الدخول فهو غير محتاج إلى ~~الاستئذان. واعلم أن ظاهر الآية يقتضي قبول الإذن مطلقا سواء كان الآذن ~~صبيا أو امرأة أو عبدا أو ذميا، فإنه لا يعتبر في هذا الإذن صفات ~~الشهادة، وكذلك قبول إحضار هؤلاء في الهدايا ونحوها. # فصل # ويستأذن على المحارم، # " لما روي أن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: " أأستأذن ~~على أختي؟ " فقال عليه السلام: " نعم، أتحب أن تراها عريانة؟ " # وسأل رجل حذيفة: ms6530 " أأستأذن على أختي؟ " فقال: " إن لم تستأذن عليها رأيت ~~ما يسوؤك ". ولعموم قوله: # وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا # [النور: 59] إلا أن ترك الاستئذان على المحارم وإن كان غير جائز أيسر ~~لجواز النظر إلى شعرها وصدرها وساقها ونحوه. # فصل # إذا اطلع إنسان في دار إنسان بغير إذنه ففقأ عينه فهي هدر، لقوله عليه ~~السلام: # " من اطلع في دار قوم بغير إذنهم ففقأوا عينه فقد هدرت عينه ". # وقال أبو بكر الرازي: هذا الخبر ورد على خلاف قياس الأصول، فإنه لا خلاف ~~أنه لو دخل داره بغير إذنه ففقأ عينه كان ضامنا، وكان عليه القصاص إن ~~كان عامدا، والأرش إن كان مخطئا، والداخل قد اطلع وزاد على الاطلاع، ~~فظاهر الحديث مخالف لما حصل عليه الاتفاق، فإن صح فمعناه: من اطلع في ~~دار قوم ونظر إلى حرمهم فمنع فلم يمتنع فذهب عينه في حال الممانعة فهي ~~هدر، فأما إذا لم يكن إلا النظر ولم يقع فيه ممانعة ولا نهي ثم جاء إنسان ~~ففقأ عينه فهذا جان يلزمه حكم جنايته لظاهر قوله تعالى: # العين بالعين # [المائدة: 45] إلى قوله: # والجروح قصاص # [المائدة: 45]. # وأجيب بأن التمسك بقوله: " العين بالعين " ضعيف، لأنا أجمعنا على ~~أن هذا النص مشروط بما إذا لم تكن العين مستحقة، فإنه لو كانت مستحقة ~~القصاص، فلم قلت: إن من اطلع في دار إنسان لم تكن عينه مستحقة؟ # وأما قوله: إنه لو دخل لم يجز فقء عينه، فكذا إذا نظر. # والفرق بينهما أنه إذا دخل، علم القوم بدخوله عليهم، فاحترزوا عنه ~~وتستروا، فأما إذا نظر فقد لا يكونون عالمين بذلك فيطلع منهم على ما لا ~~يجوز الاطلاع عليه، فلا يبعد في حكم الشرع أن يبالغ هنا في الزجر حسما ~~لهذه المفسدة. # وأيضا فرد حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذا القدر من ~~الكلام ليس جائزا. # فصل # إذا عرض أمر في دار من حريق أو هجوم سارق، أو ظهور منكر فهل يجب ~~الاستئذان؟ فقيل: كل ذلك مستثنى بالدليل. # فأما السلام فهو من سنة المسلمين ms6531 التي أمروا بها، وهو تحية أهل الجنة، ~~ومجلبة للمودة، وناف للحقد والضغائن. # قال عليه السلام: # " لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس فقال: الحمد لله، فحمد الله ~~بإذن الله، فقال له الله: يرحمك ربك يا آدم، اذهب إلى هؤلاء الملائكة ~~(وهم) ملأ منهم جلوس فقل: السلام عليكم، فلما فعل ذلك رجع إلى ربه فقال: ~~هذه تحيتك وتحية ذريتك " # وعن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " حق المسلم على المسلم ست: يسلم عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاه، ~~وينصح له بالغيب، ويشمته إذا عطس، ويعوده إذا مرض، ويشهد جنازته إذا ~~مات ". # وعن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " إن سركم أن يسل الغل من صدروكم فأفشوا السلام بينكم ". # قوله: { ذلكم خير لكم }. # أي: إن فعل ذلك خير لكم وأولى بكم من الهجوم بغير إذن " لعلكم ~~تذكرون " أي: لتذكروا هذا التأديب فتتمسكوا به { فإن لم ~~تجدوا فيهآ } أي: فإن لم تجدوا في البيوت " أحدا " يأذن لكم في ~~دخولها { فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم } لجواز أن يكون ~~هناك أحوال مكتومة، { وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا } وذلك ~~أنه كما يكون الدخول قد يكرهه صاحب الدار، فكذلك الوقوف على الباب قد ~~يكرهه، فلا جرم كان الأولى له أن يرجع { هو أزكى لكم } أي: ~~الرجوع هو أطهر وأصلح لكم. # قال قتادة: إذا لم يؤذن له فلا يقعد على الباب، فإن للناس حاجات، وإذا ~~حضر فلم يستأذن وقعد على الباب منتظرا جاز. # كان ابن عباس يأتي الأنصار لطلب الحديث فيقعد على الباب (حتى يخرج) ولا ~~يستأذن، فيخرج الرجل ويقول: " يا ابن عم رسول الله لو أخبرتني " فيقول: ~~هكذا أمرنا أن نطلب العلم. وإذا وقف فلا ينظر من شق الباب إذا كان الباب ~~مردودا # " لما روي أن رجلا اطلع على النبي - صلى الله عليه وسلم - من ستر ~~الحجرة، وفي يد النبي - صلى الله عليه وسلم - مدراء، فقال: " لو علمت أن ~~هذا ينظرني حتى آتيه لطعنت بالمدراء في ms6532 عينه، وهل جعل الاستئذان إلا ~~من أجل البصر " # قوله: { والله بما تعملون عليم } أي: من الدخول بالإذن ~~وغير الإذن. # ولما ذكر الله تعالى حكم الدور المسكونة ذكر بعده حكم الدور التي هي غير ~~مسكونة فقال: { ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا ~~غير مسكونة }. # قال المفسرون: لما نزلت آية الاستئذان قالوا: كيف بالبيوت التي بين مكة ~~والمدينة والشام وعلى ظهر الطريق ليس فيها ساكن؟ فأنزل الله عز وجل { ~~ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة ~~}. أي: بغير استئذان { فيها متاع لكم } أي: منفعة لكم. # قال محمد ابن الحنفية: إنها الخانات والرباطات وحوانيت البياعين. # وقال ابن زيد: هي بيوت التجار وحوانيتهم التي بالأسواق يدخلها للبيع ~~والشراء، وهو المنفعة قال إبراهيم النخعي: ليس على حوانيت السوق إذن. # وكان ابن سيرين إذا جاء إلى حانوت السوق يقول: السلام عليكم، أأدخل؟ ثم ~~يلج. # وقال عطاء: هي البيوت الخربة، و " المتاع " هو قضاء الحاجة فيها من ~~البول والغائط. وقيل: هي جميع البيوت التي لا ساكن لها. # وقيل: هي الحمامات. # وروي أن أبا بكر قال: يا رسول الله، إن الله قد أنزل عليك آية في ~~الاستئذان، وإنا نختلف في تجارتنا فننزل هذه الخانات، أفلا ندخلها إلا ~~بإذن؟ فنزلت هذه الآية. # والأصح أنه لا يمتنع دخول الجميع تحت الآية، لأن الاستئذان إنما جاء ~~لئلا يطلع على عورة، فإن لم يخف ذلك فله الدخول، لأنه مأذون فيها عرفا. # { والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } وهذا وعيد ~~للذين يدخلون الخربات والدور الخالية من أهل الريبة. ### || [24.30-31] # قوله تعالى: { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم } ~~الآية. الغض: إطباق الجفن بحيث يمنع الرؤية. قال: # 3826- فغض الطرف إنك من نمير # فلا كعبا بلغت ولا كلابا # وفي " من " أربعة أوجه: # أحدها: أنها للتبعيض، لأنه يعفى عن الناظر أول نظرة تقع من غير قصد. # والثاني: لبيان الجنس، قاله أبو البقاء. وفيه نظر من حيث إنه لم ~~يتقدم مبهم يكون مفسرا ب " من ". # الثالث: أنها لابتداء الغاية، قاله ابن عطية. # الرابع: قال الأخفش: إنها مزيدة. # فصل ms6533 # قال الأكثرون: المراد غض البص عما يحرم والاقتصار به على ما يحل. # فإن قيل: كيف دخلت " من " في غض البصر دون حفظ الفرج؟ # فالجواب: أن ذلك دليل على أن أمر النظر أوسع، ألا ترى أن المحارم لا بأس ~~بالنظر إلى شعورهن وصدورهن، وكذا الجواري المستعرضات، وأما أمر الفروج ~~فمضيق. # وقيل: معنى { يغضوا من أبصارهم } أي: ينقصوا من نظرهم ~~بالبصر إذا لم يكن من عمله فهو مغضوض. # وعلى هذا " من " ليست زائدة، ولا هي للتبعيض، بل هي صلة للغض، يقال: ~~غضضت من فلان: إذا نقصت منه. # فصل # العورات تنقسم أربعة أقسام: # عورة الرجل مع الرجل. # وعورة المرأة مع المرأة. # وعورة المرأة مع الرجل. # وعورة الرجل مع المرأة. # أما الرجل مع الرجل، فيجوز له أن ينظر إلى جميع بدنه إلا العورة، وهي ما ~~بين السرة والركبة، والسرة والركبة ليسا بعورة. # وعند أبي حنيفة: الركبة عورة. # وقال مالك: " الفخذ ليس بعورة ". # وهو مردود بقوله عليه السلام: # " غط فخذك فإنها من العورة ". # وقوله لعلي: # " لا تبرز فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت ~~". # فإن كان أمر ولم يحل النظر إلى وجهه، ولا إلى شيء من سائر بدنه بشهوة، ~~ولا يجوز للرجل مضاجعة الرجل وإن كان كل واحد منهما في جانب من الفراش ~~لقوله عليه السلام: # " لا يفضي الرجل إلى الرجل في فراش واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة ~~في ثوب واحد " # وتكره معانقة الرجل للرجل وتقبيله إلا لولده شفقة لما روي عن أنس قال: # " قال رجل: يا رسول الله، الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: ~~لا. قال: أيلزمه ويقبله؟ قال: لا. قال: أفيأخذ يده فيصافحه؟ قال: نعم ". # ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المكاعمة والمكامعة، وهي: ~~معانقة الرجل للرجل وتقبيله. # وأما عورة المرأة مع المرأة، فهي كالرجل مع الرجل فيما ذكرنا سواء. # والذمية هل يجوز لها النظر إلى بدن المسلمة؟ فقيل: هي كالمسلمة مع ~~المسلمين. # والصحيح أنه لا يجوز لها (النظر) لأنها أجنبية في الدين لقوله تعالى: " ~~أو ms6534 نسائهن " وليست الذمية من نسائنا. # وأما عورة المرأة مع الرجل، فإما أن تكون (أجنبية، أو ذات محرم، أو ~~مستمتعة. فإن كانت أجنبية فإما أن تكون حرة أو أمة. فإن كانت) حرة فجميع ~~بدنها عورة إلا الوجه والكفين، لأنها تحتاج إلى إبراز الوجه للبيع ~~والشراء وإلى إخراج الكف للأخذ والعطاء، والمراد: الكف إلى الكوع. واعلم ~~أن النظر إلى وجهها ينقسم ثلاثة أقسام: # إما ألا يكون فيه غرض ولا فتنة، وإما أن يكون فيه غرض ولا فتنة، وإما ~~أن يكون لشهوة. فإن كان لغير غرض فلا يجوز النظر إلى وجهها، فإن وقع بصره ~~عليها بغتة غض بصره لقوله تعالى: { قل للمؤمنين يغضوا ~~من أبصارهم }. وقيل: يجوز مرة واحدة إذا لم تكن فتنة، وبه قال ~~أبو حنيفة. ولا يجوز تكرار النظر لقوله عليه السلام: # " لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة ". # وقال جابر: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن نظر الفجاءة، ~~فأمرني أن أصرف بصري. فإن كان فيه غرض ولا فتنة، وهو أمور: # أحدها: أن يريد نكاح امرأة فينظر إلى وجهها وكفيها لقول رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - للرجل الذي سأله أن يتزوج امرأة من الأنصار: # " انظر إليها، فإن في أعين الأنصار شيئا " # وقال عليه السلام: # " إذا خطب أحدكم المرأة فلا جناح عليه أن ينظر إليها إذا كان ينظر ~~إليها للخطبة ". # وقال المغيرة بن شعبة: # " خطبت امرأة، فقال عليه السلام: نظرت إليها؟ فقلت: لا. قال: فانظر فإنه ~~أحرى أن يؤدم (بينكما) ". # وذلك يدل على جواز النظر بشهوة إلى الوجه والكفين إذا أراد أن يتزوجها ~~ولقوله تعالى: # لا يحل لك النسآء من بعد ولا أن تبدل بهن ~~من أزواج ولو أعجبك حسنهن # [الأحزاب: 52] ولا يعجبه حسنهن إلا بعد رؤية وجوههن. # وثانيها: أنه إذا أراد شراء جارية فله أن ينظر منها إلى ما ليس بعورة. # وثالثها: عند المبايعة ينظر إلى وجهها متأملا حتى يعرفها عند الحاجة. # ورابعها: ينظر إليها عند تحمل الشهادة، ولا ينظر إلى غير الوجه. فإن كان ms6535 ~~النظر لشهوة فهو محرم لقوله عليه السلام: # " العينان تزنيان ". # وأما النظر إلى بدن الأجنبية فلا يجوز إلا في صور: # أحدها: يجوز للطبيب الأمين أن ينظر للمعالجة والختان، ينظر إلى فرج ~~المختون للضرورة. # وثانيها: أن يتعمد النظر إلى فرج الزانيين ليشهد على الزنا، وكذلك ينظر ~~إلى فرجها ليشهد على الولادة، وإلى ثدي المرضعة ليشهد على الرضاع. # وقال بعض العلماء لا يجوز للرجل أن يقصد النظر في هذه المواضع، لأن ~~الزنا مندوب إلى ستره، وفي الولادة والرضاع تقبل شهادة النساء، فلا حاجة ~~إلى نظر الرجال. # وثالثها: لو وقعت في غرق أو حرق له أن ينظر إلى بدنها لتخليصها. فإن ~~كانت الأجنبية أمة فقيل: عورتها ما بين السرة والركبة. # وقيل: عورتها ما لا يبين في المهنة، فخرج منه عنقها وساعدها ونحرها ولا ~~يجوز لمسها ولا لها لمسه بحال إلا لحاجة، لأن اللمس أقوى من النظر، لأن ~~الإنزال باللمس يفطر الصائم وبالنظر لا يفطره. # فصل # فإن كانت المرأة ذات محرم بنسب أو رضاع فعورتها مع الرجل المحرم كعورة ~~الرجل مع الرجل. وقيل: عورتها ما لا يبدو عند المهنة، وهو قول أبي حنيفة. ~~وستأتي بقية التفاصيل - إن شاء الله تعالى - في تفسير الآية. # فصل # فإن كانت المرأة مستمتعة كالزوجة والأمة التي يحل وطؤها فيجوز للزوج ~~والسيد أن ينظر إلى جميع بدنها حتى الفرج، إلا أنه يكره النظر إلى الفرج ~~وكذا إلى فرج نفسه، لأنه يروى أنه يورث الطمس. # وقيل: لا يجوز (النظر) إلى فرجها، ولا فرق فيه بين أن تكون الأمة قن ~~أو مدبرة أو أم ولد أو مرهونة. # فإن كانت مجوسية، أو مرتدة، أو وثنية، أو مشتركة بينه وبين غيره، أو ~~مزوجة، أو مكاتبة فهي كالأجنبية لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: # " إذا زوج أحدكم جاريته عبده أو أجيره فعورته معها ما بين السرة ~~والركبة ". # فصل # فأما عورة الرجل مع المرأة فلا يجوز لها قصد النظر عند خوف الفتنة، ولا ~~تكرير النظر إلى وجهه لما # " روت أم سلمة أنها كانت عند رسول الله - صلى ms6536 الله عليه وسلم - ~~وميمونة، إذ أقبل ابن أم مكتوم، فقال: " احتجبا عنه " فقالت: يا رسول ~~الله، أليس هو أعمى لا يبصرنا؟ فقال عليه السلام: " أفعمياوان ~~أنتما؟ ألستما تبصرانه " # ؟. وإن كان محرما لها فعورته ما بين السرة والركبة. # وإن كان زوجها أو سيدها الذي له وطؤها فلها أن تنظر إلى جميع بدنه، غير ~~أنه يكره النظر إلى الفرج كهو معها. # فصل # ولا يجوز للرجل أن يجلس عاريا في بيت خال وله ما يستر عورته، لأنه ~~عليه السلام سئل عنه فقال: # " الله أحق أن يستحيى منه " # وقال عليه السلام: # " إياكم والتعري، فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط وحين ~~يفضي الرجل إلى أهله ". # قوله: " ويحفظوا فروجهم " أي: عما لا يحل. # وقال أبو العالية: كل ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنا والحرام ~~إلا في هذا الموضع فإنه أراد به الاستتار حتى لا يقع بصر الغير عليه. # وهذا ضعيف، لأنه تخصيص من غير دليل، والذي يقتضيه الظاهر حفظ الفروج عن ~~سائر ما حرم عليهما من الزنا واللمس والنظر. # قوله: { ذلك أزكى لهم }. # أي: غض البصر وحفظ الفرج أزكى لهم، أي: خير لهم وأطهر { إن الله ~~خبير بما يصنعون } عليم بما يفعلون. # قوله: { وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ~~ويحفظن فروجهن } الكلام فيه كما تقدم وقدم غض البصر على حفظ ~~الفرج لأن النظر بريد الزنا، والبلوى فيه أشد وأكثر، ولا يكاد يقدر على ~~الاحتراز منه. # قوله: { ولا يبدين زينتهن } أي: لا يظهرن زينتهن لغير محرم، ~~والمراد بالزينة: الخفية، وهما زينتان: خفية وظاهرة. فالخفية: مثل ~~الخلخال والخضاب في الرجل، والسوار في المعصم، والقرط والقلائد، فلا ~~يجوز لها إظهارها، ولا للأجنبي النظر إليها. والمراد بالزينة: موضع ~~الزينة. # وقيل: المراد بالزينة: محاسن الخلق التي خلقها الله، وما تزين به ~~الإنسان من فضل لباس، لأن كثيرا من النساء ينفردن بخلقهن من سائر ~~ما يعد زينة، فإذا حملناه على الخلقة وفينا العموم حقه، ولا يمنع ~~دخول ما عدا الخلقة فيه، ولأن قوله: { وليضربن بخمرهن ~~على جيوبهن } يدل ms6537 على أن المراد من الزينة ما يعم الخلقة ~~وغيرها، فكأنها تعالى منعهن من إظهار محاسن خلقهن، موجبا سترها بالخمار. # قوله: { إلا ما ظهر منها }. أما الذين حملوا الزينة على ~~الخلقة فقال القفال: معنى الآية: إلا ما يظهره الإنسان في العادة، وذلك ~~من النساء: الوجه والكفان، ومن الرجال: الوجه واليدان والرجلان، فرخص لهم ~~في كشف ما اعتيد كشفه، وأدت الضرورة إلى إظهاره، وأمرهم بستر ما لا ضرورة ~~في كشفه. ولما كان ظهور الوجه والكفين ضرورة لا جرم اتفقوا على أنهما ~~ليسا بعورة. # وأما القدم فليس ظهوره ضروريا فلا جرم اختلفوا فيه هل هو من العورة أم ~~لا؟ والصحيح أنه عورة. وفي صوتها وجهان: # أصحهما ليس بعورة، لأن نساء النبي - عليه السلام - كن يروين الأخبار ~~للرجال. # وأما الذين حملوا الزينة على ما عد الخلقة، قالوا: إنه تعالى إنما ذكر ~~الزينة لأنه لا خلاف في أنه يحل النظر إليها حال (انفصالها عن أعضاء ~~المرأة، فلما حرم الله النظر إليها حال) اتصالها ببدن المرأة كان ذلك ~~مبالغة في حرمة النظر إلى أعضاء المرأة. وعلى هذا القول يحل النظر إلى ~~زينة وجهها من الوشمة والغمرة، وزينة بدنها من الخضاب والخواتيم ~~والثياب، لأن سترها فيه حرج، لأن المرأة لا بد لها من مزاولة الأشياء ~~بيديها، والحاجة إلى كشف وجهها للشهادة والمحاكمة والنكاح. # قال سعيد بن جبير والضحاك والأوزاعي: " الزينة الظاهرة التي استثنى الله ~~الوجه والكفان ". # وقال ابن مسعود: هي الثياب، لقوله تعالى: # خذوا زينتكم عند كل مسجد # [الأعراف: 31]. # وقال الحسن: الوجه والثياب. # وقال ابن عباس: الكحل والخاتم والخضاب في الكف. فما كان من الزينة ~~الظاهرة يجوز للرجل الأجنبي النظر إليها إذا لم يخف فتنة وشهوة، فإن خاف ~~شيئا منها غض البصر. # فصل # واتفقوا على تخصيص قوله: { ولا يبدين زينتهن إلا ما ~~ظهر منها } بالحرائر دون الإماء والمعنى فيه ظاهر، لأن الأمة مال، ~~فلا بد من الاحتياط في بيعها وشرائها، وذلك لا يمكن إلا بالنظر إليها على ~~الاستقصاء. # قوله: " وليضربن ". ضمن " يضربن " معنى " يلقين " فلذلك ~~عداه ب ms6538 " على ". وقرأ أبو عمرو في رواية بكسر لام الأمر. # وقرأ طلحة: " بخمرهن " بسكون الميم. وتسكين " فعل " في الجمع ~~أولى من تسكين المفرد. وكسر الجيم من " جيوبهن " ابن كثير والأخوان ~~وابن ذكوان. # والخمر: جمع خمار، وفي القلة يجمع على أخمرة. قال امرؤ القيس: # 3827- وترى الشجراء في ريقه # كرؤوس قطعت فيها الخمر # والجيب: ما في طوق القميص يبدو منه بعض الجسد. # فصل # قال المفسرون: إن نساء الجاهلية كن يسدلن خمرهن من خلفهن، ~~وإن جيوبهن كانت من قدام، وكانت تنكشف نحورهن وقلائدهن، فأمرن أن يضربن ~~مقانعهن على الجيوب لتغطي بذلك أعناقهن ونحورهن. # قالت عائشة: رحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله: { ~~وليضربن بخمرهن على جيوبهن } شققن مروطهن فاختمرن ~~بها. # قوله: { ولا يبدين زينتهن } يعني الزينة الخفية التي لم يبح ~~لهن كشفها في الصلاة ولا للأجانب، وهو ما عد الوجه والكفين " إلا ~~لبعولتهن " قال ابن عباس ومقاتل: يعني لا يضعن الجلباب والخمار إلا ~~لأزواجهن { أو آبآئهن أو آبآء بعولتهن أو ~~أبنآئهن أو أبنآء بعولتهن أو إخوانهن أو ~~بني إخوانهن أو بني أخواتهن } فيجوز لهؤلاء أن ~~ينظروا إلى الزينة الباطنة، ولا ينظروا إلى ما بين السرة والركبة إلا ~~الزوج فإنه يجوز له أن ينظر على ما تقدم، وهؤلاء محارم. # فإن قيل: أيحل لذي المحرم في المملوكة والكافرة ما لا يحل في المؤمنة؟ # فالجواب: إذا ملك المرأة من محارمه فله أن ينظر منها إلى بطنها وظهرها ~~لا على وجه الشهوة فإن قيل: فما القول في العم والخال؟ # فالجواب: أن الظاهر أنهما كسائر المحارم في جواز النظر، وهو قول الحسن ~~البصري قال: لأن الآية لم يذكر فيها الرضاع، وهو كالنسب، وقال في سورة ~~الأحزاب # لا جناح عليهن في آبآئهن # الآية [الأحزاب: 55] ولم يذكر فيها البعولة، وقد ذكره هنا. # وقال الشعبي: إنما لم يذكرهما الله لئلا يصفها العم عند ابنه، والخال ~~كذلك. # والمعنى: أن سائر القرابات تشترك مع الأب والابن في المحرمية إلا العم ~~والخال وابناهما، وإذا رآها الأب وصفها لابنه وليس بمحرم، وهذا من ~~الدلالات البليغة ms6539 في وجوب الاحتياط عليهن في النسب. # فصل # والسبب في إباحة نظر هؤلاء إلى زينة المرأة هو الحاجة إلى مداخلتهن ~~ومخالطتهن واحتياج المرأة إلى صحبتهم في الأسفار في النزول والركوب. # قوله: " أو نسائهن ". # قال أكثر المفسرين: المراد اللائي على دينهن. # قال ابن عباس: ليس للمسلمة أن تتجرد بين نساء أهل الذمة، ولا تبدي ~~للكافرة إلا ما تبدي للأجانب إلا أن تكون أمة لها. # وكتب عمر إلى أبي عبيدة أن تمنع نساء أهل الكتاب من دخول الحمام مع ~~المؤمنات. وقيل: المراد ب " نسائهن " جميع النساء. # وهذا هو الأولى، وقول السلف محمول على الاستحباب. # قوله: { أو ما ملكت أيمانهن }. وهذا يشمل العبيد والإماء، ~~واختلفوا في ذلك: فقال قوم: عبد المرأة محرم لها يجوز له الدخول عليها ~~إذا كان عفيفا، وأن ينظر إلى بدن مولاته إلا ما بين السرة والركبة ~~كالمحارم، وهو ظاهر القرآن، وهو مروي عن عائشة وأم سلمة. # " وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها، ~~وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها ~~لم يبلغ رأسها، فلما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما تلقى قال: ~~" إنه ليس عليك بأس، إنما هو أبوك وغلامك " # وعن مجاهد: " كن أمهات المؤمنين لا يحتجبن عن مكاتبهن ما بقي عليه ~~درهم ". وكانت عائشة تمتشط والعبد ينظر إليها. # وقال ابن مسعود والحسن وابن سيرين وسعيد بن المسيب: لا ينظر العبد إلى ~~شعر مولاته. وهو قول أبي حنيفة. # وقال ابن جريج: المراد من الآية: الإماء دون العبيد، وأن قوله: { أو ~~نسآئهن أو ما ملكت أيمانهن } أنه لا يحل لامرأة ~~مسلمة أن تتجرد بين امرأة مشركة إلا أن تكون تلك المشركة أمة لها. # قوله: { أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال ~~}. # قرأ ابن عامر وأبو بكر: " غير " نصبا، وفيها وجهان: # أحدهما: أنه استثناء. # وقيل: على القطع، لأن " التابعين " معرفة و " غير " نكرة. # والثاني: أنه حال. والباقون: " غير " بالجر نعتا، أو بدلا، أو ~~بيانا. # والإربة: الحاجة. وتقدم ms6540 اشتقاقها في " طه ". # (قوله: " من الرجال " حال من " أولي " ). # فصل # المراد ب { التابعين غير أولي الإربة }. # قال مجاهد وعكرمة والشعبي: هم الذين يتبعون القوم ليصيبوا من فضل ~~طعامهم، لا همة لهم إلا ذلك، ولا حاجة لهم في النساء. # وعن ابن عباس: أنه الأحمق العنين. # وقال الحسن: " هو الذي لا ينتشر ولا يستطيع غشيان النساء ولا يشتهيهن ". # وقال سعيد بن جبير: المعتوه. وقال عكرمة: المجبوب. وقيل: هو المخنث. ~~وقال مقاتل: هو الشيخ الهرم والعنين والخصي والمجبوب ونحوه. # واعلم أن الخصي والمجبوب ومن يشاكلهما قد لا يكون له إربة في نفس ~~الجماع، ويكون له إربة فيما عداه من التمتع، وذلك يمنع من أن يكون هو ~~المراد، فيجب أن يحمل المراد على من لا إربة له في سائر وجوه التمتع لما ~~روت عائشة قالت: # " كان رجل مخنث يدخل على أزواج - النبي صلى الله عليه وسلم - ~~فكانوا يعدونه من غير أولي الإربة، فدخل النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يوما وهو عند بعض نسائه، وهو ينعت امرأة فقال: إنها إذا أقبلت أقبلت ~~بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " ~~ألا أرى هذا يعلم ما ههنا، لا يدخلن هذا " فحجبوه ". # وفي رواية عن زينب بنت أم سلمة # " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها وعندها مخنث، فأقبل على ~~أخي أم سلمة، فقال: " يا عبد الله، إن فتح الله غدا لكم الطائف دللتك ~~على بنت غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان ". فقال عليه السلام: " لا ~~يدخلن عليكم هذا " # فأباح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخول المخنث عليهن، فلما علم ~~أنه يعرف أحوال النساء وأوصافهن علم أنه من أولي الإربة، فحجبه. # وفي الخصي والمجبوب ثلاثة أوجه: # أحدها: استباحة الزينة الباطنة. # والثاني: تحريمها. # (والثالث: تحريمها) على المخصي دون المجبوب. # قوله: { أو الطفل الذين لم يظهروا }. # تقدم في الحج أن الطفل يطلق على المثنى والمجموع، فلذلك وصف بالجمع. # وقيل: لما قصد به الجنس روعي فيه الجمع كقولهم: " أهلك الناس ~~الدينار الحمر والدرهم البيض ". و ms6541 " عورات " جمع عورة، ~~وهو ما يريد الإنسان ستره من بدنه، وغلب في السوأتين. والعامة على " ~~عورات " بسكون الواو، وهي لغة عامة العرب، سكنوها تخفيفا لحرف العلة. ~~وقرأ ابن عامر في رواية " عورات " بفتح الواو. # ونقل ابن خالويه أنها قراءة ابن أبي إسحاق والأعمش، وهي لغة هذيل بن ~~مدركة. قال الفراء: وأنشد في بعضهم: # 3828- أخو بيضات رائح متأوب # رفيق بمسح المنكبين سبوح # وجعلها ابن مجاهد لحنا وخطأ، يعني: من طريق الرواة، وإلا فهي لغة ~~ثانية. # (فصل) # الظهور على الشيء يكون بمعنى العلم به، كقوله تعالى: # إنهم إن يظهروا عليكم # [الكهف: 20] أي: يشعروا بكم. ويكون بمعنى الغلبة عليه، كقوله: " ~~فأصبحوا ظاهرين ". # فلهذا قال مجاهد وابن قتيبة: معناه: لم يطلعوا على عورات النساء، ولم ~~يعرفوا العورة من غيرها من الصغر. # وقال الفراء والزجاج: لم يبلغوا أن يطيقوا إتيان النساء. # وقيل: لم يبلغوا حد الشهوة. # فصل # فأما المراهق فيلزم المرأة أن تستر منه ما بين سرتها وركبتها، وفي لزوم ~~ستر ما عداه وجهان: # الأول: لا يلزم، لأن القلم غير جار عليه. # والثاني: يلزم كالرجل، لأنه مشتهى، والمرأة قد تشتهيه، واسم الطفل شامل ~~له إلى أن يحتلم وأما الشيخ فإن بقيت له شهوة فهو كالشاب، وإن لم تبق له ~~شهوة ففيه وجهان: # أحدهما: أن الزينة الباطنة معه مباحة، والعورة معه ما بين السرة ~~والركبة. # والثاني: أن جميع البدن معه عورة إلا الزينة الظاهرة. # وههنا آخر الصور التي استثناها الله تعالى، (والرضاع كالنسب). # قوله: { ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من ~~زينتهن }. # قال ابن عباس وقتادة: كانت المرأة تمر بالناس وتضرب برجليها ليسمع قعقعة ~~خلخالها، فنهين عن ذلك؛ لأن الذي تغلب عليه شهوة النساء إذا سمع صوت ~~الخلخال يصير ذلك داعية له زائدة إلى مشاهدتهن، وعلل تعالى ذلك بقوله: { ~~ليعلم ما يخفين من زينتهن } وفي الآية فوائد: # الأولى: لما نهي عن استماع الصوت الدال على وجود الزينة، فلأن يدل على ~~المنع من إظهار الزينة أولى. # الثانية: أن المرأة منهية عن رفع صوتها بالكلام بحيث يسمع ذلك ms6542 الأجانب، ~~إذ كان صوتها أقرب إلى الفتنة (من صوت خلخالها، ولذلك كرهوا أذان النساء ~~لأنه يحتاج فيه إلى رفع الصوت، والمرأة منهية عنه. # الثالثة: تدل على تحريم النظر إلى وجهها بشهوة، لأن ذلك أقرب إلى ~~الفتنة). # قوله تعالى: { وتوبوا إلى الله جميعا أيها ~~المؤمنون }. قال ابن عباس: توبوا مما كنتم تفعلونه في الجاهلية ~~لعلكم تسعدون في الدنيا والآخرة. وقيل: توبوا من التقصير الواقع منكم ~~في أمره ونهيه. وقيل: راجعوا طاعة الله فيما أمركم ونهاكم من الآداب ~~المذكورة في هذه السورة. # قوله: " أيها المؤمنون ". العامة على فتح الهاء وإثبات ألف بعد ~~الهاء، وهي " ها " التي للتنبيه. وقرأ ابن عامر هنا وفي الزخرف " ~~يأيه الساحر " [الزخرف: 49] وفي الرحمن " أيه الثقلان " ~~[الرحمن: 31] بضم الهاء وصلا، فإذا وقف سكن. # ووجهها: أنه لما حذفت الألف لالتقاء الساكنين استحقت الفتحة على حرف ~~خفي، فضمت الهاء إتباعا. وقد رسمت هذه المواضع الثلاثة دون ألف، ~~فوقف أبو عمرو والكسائي بألف والباقون بدونها اتباعا للرسم، ولموافقة ~~الخط للفظ. وثبتت في غير هذه المواضع حملا لها على الأصل نحو: # يأيها الناس # [الحج: 1]، # يأيها الذين آمنوا # [النساء: 71] وبالجملة فالرسم سنة متبعة. ### || [24.32] # قوله تعالى: { وأنكحوا الأيامى منكم }. # لما أمر تعالى بغض الأبصار وحفظ الفروج بين بعده أن الذي أمر به إنما ~~هو فيما لا يحل، ثم ذكر بعد ذلك طريق الحل فقال: { وأنكحوا ~~الأيامى منكم }. الأيامى: جمع أيم ب " زنة ": " فيعل " ، ~~يقال منه: آم يئيم كباع يبيع، قال الشاعر: # 3829- كل امرئ ستئيم من # ه العرس أو منها يئيم # وقياس جمعه: أيائم، كسيد وسيائد. و " أيامى " فيه وجهان: # أظهرهما من كلام سيبويه أنه جمع على " فعالى " غير مقلوب، وكذلك " ~~يتامى ". # وقيل: إن الأصل " أيايم " و " يتايم " و " يتيم " (فقلبا). # والأيم: (من لا زوج له) ذكرا كان أو أنثى. قال النضر بن شميل: ~~الأيم في كلام العرب: كل ذكر لا أنثى معه، وكل أنثى لا ذكر معها. وهو ~~قول ابن عباس في رواية الضحاك، يقول: زوجوا أياماكم بعضكم من بعض. وخصه ~~أبو بكر ms6543 الخفاف بمن فقدت زوجها، فإطلاقه على البكر مجاز. وقال ~~الزمخشري: " تأيما إذا لم يتزوجا بكرين كانا أو ثيبين " ، وأنشد: # 3830- فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي # وإن كنت أفتى منكم أتأيم # وعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # " اللهم إني أعوذ بك من العيمة والغيمة والأيمة والكرم ~~والقرم " # العيمة - بالمهملة: شدة شهوة اللبن. وبالمعجمة: شدة العطش. ~~والأيمة: طول العزبة. والكرم: شدة شهوة الأكل والقرم: شدة شهوة ~~اللحم و " منكم " حال. وكذا " من عبادكم ". # فصل # قوله: " وأنكحوا " أمر، وظاهر الأمر للوجوب، فدل على أن الولي يجب ~~عليه تزويج موليته، (وإذا ثبت هذا وجب ألا يكون النكاح إلا بولي، لأن كل ~~ما وجب على الولي حكم بأنه لا يصح من المولية)، ولأن المولية لو فعلت ذلك ~~لفوتت على الولي تمكنه من أداء هذا الواجب، وأنه غير جائز، ولم تطابق ~~قوله عليه السلام: # " إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا ~~تفعلوا تكن فتنة في الأرض " # قال أبو بكر الرازي: هذه الآية وإن اقتضت الإيجاب، إلا أنه أجمع السلف ~~على أنه لا يراد الإيجاب، ويدل عليه أمور: # أحدها: أنه لو كان ذلك واجبا لنقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن ~~السلف مستفيضا، لعموم الحاجة إليه، فلما علمنا أن سائر الأعصار كانت ~~فيهم أيامى من الرجال والنساء ولم ينكروا ذلك، ثبت أنه لم يرد الإيجاب. # وثانيها: أجمعنا على أن الأيم الثيب لو أبت التزويج لم يكن للولي ~~إجبارها عليه. # وثالثها: اتفاق الكل على أنه لا يجب على السيد تزويج أمته وعبده، وهو ~~معطوف على الأيامى، فدل على أنه غير واجب في الجميع، بل ندب في الجميع. # ورابعها: أن اسم الأيامى يشمل الرجال والنساء، وهو في الرجال ما أريد ~~به الأولياء دون غيرهم، كذلك في النساء. # والجواب: أن جميع ما ذكرته تخصيصات تطرقت إلى الآية، والعام بعد التخصيص ~~حجة، فوجب إذا التمست المرأة الأيم من الولي التزويج وجب، وحينئذ ينتظم ~~الكلام. # فصل # قال الشافعي: الآية تقتضي جواز تزويج البكر البالغة بدون رضاها، لأن ~~الآية والحديث يدلان ms6544 على أمر الولي بتزويجها. ولولا قيام الدلالة على ~~أنه تزوج الثيب الكبيرة بغير رضاها لكان جائزا له تزويجها أيضا لعموم ~~الآية. # فصل # الناس في النكاح قسمان: # الأول: من تتوق نفسه للنكاح، فيستحب له أن ينكح إن وجد أهبته سواء كان ~~مقبلا على العبادة أو لم يكن، ولكن لا يجب، وإن لم يجد أهبته يكسر شهوته ~~بالصوم لقوله عليه السلام: # " يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة ~~فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ~~ومن لم يستطع فليصم فإنه له وجاء ". # الثاني: من لا تتوق نفسه للنكاح، فإن كان لعلة من كبر أو مرض أو عجز ~~فيكره له، لأنه يلتزم ما لا يمكنه القيام به، وكذلك إذا كان لا يقدر على ~~النفقة. # وإن لم يكن به عجز وكان قادرا على القيام بحقه لم يكره له النكاح، لكن ~~الأفضل أن يتخلى للعبادة، لأن الله تعالى مدح يحيى بكونه # حصورا # [آل عمران: 39]، والحصور: الذي لا يأتي النساء مع القدرة عليهن، ولا ~~يقال: هو الذي لا يأتي النساء مع العجز؛ لأن مدح الإنسان بما يكون عيبا ~~غير جائز، وإذا كان مدحا في حق يحيى وجب أن يشرع في حقنا، لقوله تعالى: # فبهداهم اقتده # [الأنعام: 90]، ولا يحمل الهدى على الأصول، لأن التقليد فيها غير جائز، ~~فوجب حمله على الفروع. وقال عليه السلام: # " اعلموا أن خير أعمالكم الصلاة " # وقال عليه السلام: # " أفضل أعمال أمتي قراءة القرآن " # وقال أبو حنيفة: النكاح أفضل لقوله عليه السلام: # " أحب المباحات إلى الله النكاح " # لأن النكاح يتضمن صون النفس عن الزنا، فيكون دفعا للضرر عن النفس. ~~والنافلة: جلب نفع. ودفع الضرر أولى من جلب النفع. وأجيب بأن يحمل الأحب ~~على الأصلح في الدنيا، لئلا يقع التناقض بين كونه أحب وبين كونه مباحا. ~~والمباح: ما يستوي طرفاه في الثواب والعقاب. # والمندوب: ما ترجح وجوده على عدمه، فتكون العبادة أفضل. وبقية المباحث ~~مذكورة في كتب الفقه. # قوله: " منكم " أي: زوجوا أيها المؤمنون من لا زوج له من أحرار ~~رجالكم ونسائكم. # وقيل: أراد الحرية والإسلام. ms6545 # وقوله: { والصالحين من عبادكم وإمائكم } ظاهره يقتضي ~~الأمر بتزويج هذين الفريقين إذا كانوا صالحين. # وخص الصالحين بالذكر ليحصن دينهم ويحفظ عليهم صلاحهم، ولأن الصالحين ~~منهم هم الذين مواليهم يشفقون عليهم وينزلونهم منزلة الأولاد في ~~المودة، فكانوا مظنة للتوصية والاهتمام بهم. ومن ليس بصالح فحاله على ~~العكس من ذلك. # وقيل: أراد الصلاح لأمر النكاح حتى يقوم العبد بما يلزم لها، وتقوم ~~الأمة بما يلزم للزوج. وقيل: أراد بالصلاح ألا تكون صغيرة لا تحتاج إلى ~~النكاح. # فصل # ظاهر الآية يدل على أن العبد لا يتزوج بنفسه، وإنما يتولى تزويجه ~~مولاه، لكن ثبت بالدليل أنه إذا أمره بأن يتزوج جاز أن يتولى تزويج نفسه، ~~فيكون توليه بإذنه بمنزلة تولي السيد. فأما الإماء فإن المولى يتولى ~~تزويجهن خصوصا على قول من لا يجوز النكاح إلا بولي. # فصل # الولي شرط في صحة النكاح لقوله عليه السلام: # " لا نكاح إلا بولي ". # وقال عليه السلام: # " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل " # فإن أصابها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ~~ولي (من لا ولي له). قوله: { إن يكونوا فقرآء يغنهم ~~الله من فضله } الأصح أن هذا ليس وعدا بإغناء من يتزوج، بل ~~المعنى: لا تنظروا إلى فقر من يخطب إليكم، أو فقر من تريدون تزويجها، ففي ~~فضل الله ما يغنيهم، والمال غاد ورائح، وليس في الفقر ما يمنع من الرغبة ~~في النكاح، فهذا معنى صحيح، وليس فيه أن الكلام قصد به وعد الغنى حتى لا ~~يجوز أن يقع فيه خلف. وروي عن قدماء الصحابة ما يدل على أن ذلك وعد، ~~فروي عن أبي بكر قال: " أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز ~~لكم ما وعدكم من الغنى ". وعن عمر وابن عباس مثله. وشكى رجل إلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحاجة، فقال: # " عليك بالباءة " # وقال طلحة بن مصرف: تزوجوا فإنه أوسع لكم في رزقكم، وأوسع في أخلاقكم، ~~ويزيد الله في مروءتكم. فإن قيل: فنحن نرى من كان غنيا فتزوج فيصير ~~فقيرا؟ ms6546 فالجواب من وجوه: # أحدها: أن هذا الوعد مشروط بالمشيئة في قوله: # وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله ~~إن شآء # [التوبة: 28] والمطلق يحمل على المقيد. # وثانيها: أن اللفظ وإن كان عاما إلا أنه يخص بعض المذكورين دون ~~البعض، وهو في الأيامى الأحرار الذين يملكون فيستغنون بما يملكون. # وثالثها: المراد بالغنى: العفاف، فيكون الغنى هنا معناه: الاستغناء ~~بالنكاح عن الوقوع في الزنا. # فصل # استدل بعضهم بهذه الآية على أن العبد والأمة يملكان، لأن ذلك راجع إلى ~~كل من تقدم، فاقتضى أن العبد قد يكون فقيرا وغنيا، وذلك يدل على الملك، ~~فثبت أنهما يملكان. والمفسرون تأولوه على الأحرار خاصة، فقالوا: هو راجع ~~إلى الأيامى، وإن فسرنا الغنى بالعفاف سقط استدلالهم. # وقوله: { والله واسع عليم } أي يوسع عليهم من إفضاله، " ~~عليم " بمقادير ما يصلحهم من الإفضال والرزق. ### || [24.33] # قوله: { وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا } الآية. # لما ذكر تزويج الحرائر والإماء ذكر حال من يعجز عن ذلك فقال: " ~~وليستعفف " أي: وليجتهد في العفة، كأن المستعفف طالب من نفسه ~~العفاف. # وقوله: { لا يجدون نكاحا } أي: لا يتمكنون من الوصول إليه، ~~يقال: لا يجد المرء الشيء إذا لم يتمكن منه، قال تعالى: # فمن لم يجد فصيام شهرين # [النساء: 92] ويقال: هو غير واجد للماء، وإن كان موجودا، إذا لم يمكنه ~~أن يشتريه. ويجوز أن يراد بالنكاح: ما ينكح به من المال، فبين تعالى أن ~~من لا يتمكن من ذلك فليطلب التعفف ولينتظر أن يغنيه الله من فضله ثم يصل ~~إلى بغيته من النكاح. فإن قيل: أفليس ملك اليمين يقوم مقام نفس النكاح؟ # قلنا: لكن من لم يجد المهر والنفقة فبأن لا يجد ثمن الجارية أولى. # قوله تعالى: { والذين يبتغون الكتاب... } الآية لما بعث ~~السيد على تزويج الصالحين من العبيد والإماء مع الرق رغبهم في أن ~~يكاتبوهم إذا طلبوا ذلك ليصيروا أحرارا فيتصرفون في أنفسهم كالأحرار، ~~فقال: { والذين يبتغون الكتاب }. يجوز في الذين الرفع على ~~الابتداء، والخبر الجملة المقترنة بالفاء لما تضمنه المبتدأ من معنى ~~الشرط. # ويجوز ms6547 نصبه بفعل مقدر على الاشتغال، كقولك: " زيدا فاضربه " وهو أرجح ~~لمكان الأمر. والكتاب والكتابة كالعتاب والعتابة، وفي اشتقاق لفظ الكتابة ~~وجوه: # أحدها: أن أصل الكلمة من الكتب، وهو الضم والجمع، ومنه سميت الكتابة ~~لأنها تضم النجوم بعضها إلى بعض، وتضم ماله إلى ماله. # وثانيها: مأخوذ من الكتاب، ومعناه: كتبت لك على نفسي (أن تعتق إذا وفيت ~~بمالي وكتبت لي على نفسي) أن تفي لي بذلك، أو كتبت عليك الوفاء بالمال، ~~وكتبت علي العتق، قاله الأزهري. # وثالثها: سمي بذلك لما يقع فيه من التأجيل بالمال المعقود عليه، لأنه لا ~~يجوز أن يقع على مال هو في يد العبد حين يكاتب، لأن ذلك مال لسيده اكتسبه ~~في حال ما كانت يد السيد غير مقبوضة عن كسبه، فلا يجوز لهذا المعنى أن ~~يقع هذا العقد حالا، بل يقع مؤجلا، ليكون متمكنا من الاكتساب. ثم من ~~آداب الشريعة أن يكتب على من عليه المال المؤجل كتاب، فلهذا المعنى سمي ~~هذا العقد كتابا لما فيه من الأجل، قال تعالى: # لكل أجل كتاب # [الرعد: 28]. # فصل # قال بعض العلماء: الكتابة أن يقول لمملوكه: كاتبتك على كذا، ويسمي مالا ~~معلوما، يؤديه في نجمين أو أكثر، ويبين عدد النجوم، وما يؤدي في كل نجم، ~~ويقول: إذا أديت ذلك المال فأنت حر، أو ينوي ذلك بقلبه، ويقول العبد: ~~قبلت. # فإذا لم يقل بلسانه، أو لم ينو بقلبه: إذا أديت ذلك فأنت حر، لم يعتق. # وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابه: لا حاجة إلى ذلك، لأن قوله تعالى: " ~~فكاتبوهم " ليس فيه شرط، فتصح الكتابة بدون هذا الشرط، وإذا صحت ~~الكتابة وجب أن يعتق بالأداء للإجماع. واحتج الأولون بأن الكتابة ليست ~~عقد معاوضة محضة، لأن ما في يد العبد ملك للسيد، والإنسان لا يبيع ملكه ~~بملكه، بل قوله: " كاتبتك " كناية في العتق، فلا بد من لفظ التعليق أو ~~نيته. # فصل # لا تجوز الكتابة الحالة، لأن العبد ليس له ملك يؤديه في الحال، وإذا ~~عقدت حالة توجهت المطالبة عليه في الحال، فإذا عجز عن ms6548 الأداء لم يحصل ~~العقد، كما لو أسلم في شيء لا يوجد عند المحل لا يصح، بخلاف ما لو أسلم ~~إلى معسر فإنه يجوز لأنه يتصور أن يكون له ملك في الباطن، فالعجز لا ~~يتحقق. وقال أبو حنيفة: تجوز لقوله تعالى " فكاتبوهم " ، وهو مطلق يتناول ~~الكتابة الحالة والمؤجلة. وأيضا فمال الكتابة بدل عن الرقبة، فهو بمنزلة ~~أثمان السلع المبيعة، فتجوز حالة. وأيضا فأجمعوا على جواز العتق مطلقا ~~على مال حال، فالكتابة مثله لأنه بدل عن العتق في الحالين، إلا أن في ~~أحدهما العتق معلق على شرط العبادة وفي الآخر معجل، فوجب أن لا يختلف ~~حكمهما. # فصل # لا تجوز الكتابة على أقل من نجمين، لأنه يروى عن علي وعثمان وابن عمر، ~~روي أن عثمان غضب على عبده فقال: " لأضيقن عليك، ولأكاتبنك على نجمين " ~~ولو جاز على أقل من ذلك لكاتبه على الأقل، لأن التضييق فيه أشد، وإنما ~~شرطنا التنجيم، لأنه عقد إرفاق، ومن شرط الإرفاق: التنجيم ليتيسر عليهم ~~الأداء. # وقال أبو حنيفة: تجوز الكتابة على نجم واحد، لأن ظاهر قوله: " كاتبوهم " ~~ليس فيه تقييد. # فصل # يشترط أن يكون المكاتب بالغا عاقلا. فإن كان صبيا أو مجنونا لم تصح ~~كتابته لقوله تعالى: { والذين يبتغون الكتاب } والابتغاء ~~لا يتصور من الصبي والمجنون. # وقال أبو حنيفة: تجوز كتابة الصبي، ويقبل عنه (المولى). # فصل # ويشترط أن يكون السيد مكلفا مطلقا. فإن كان صبيا أو محجورا عليه ~~لسفه لم تصح كتابته، كما لا يصح بيعه، لأن قوله: " فكاتبوهم " ~~خطاب، فلا يتناول غير المكلف. # وقال أبو حنيفة: تصح كتابة الصبي بإذن الولي. # فصل # اختلفوا في قوله تعالى: " فكاتبوهم " هل هو أمر إيجاب أو ندب؟ فقيل: أمر ~~إيجاب، فيجب على السيد أن يكاتب مملوكه إذا سأله ذلك بقيمته أو أكثر إذا ~~علم فيه خيرا، فإن سأله بدون قيمته لم يلزمه، وهذا قول ابن دينار وعطاء، ~~وإليه ذهب داود بن علي ومحمد بن جرير لظاهر الآية، وأيضا فلأن سبب ~~نزولها إنما نزلت في غلام لحويطب بن عبد العزى يقال له: ms6549 " صبيح " سأل ~~مولاه أن يكاتبه، فأبى عليه، فنزلت الآية، فكاتبه على مائة دينار ووهب له ~~منها عشرين دينارا وروي أن عمر أمر أنسا بأن يكاتب سيرين (أبا محمد بن ~~سيرين) فأبى، فرفع عليه الدرة وضربه، وقال: " فكاتبوهم إن ~~علمتم فيهم خيرا " وحلف عليه ليكاتبنه، ولو لم يكن واجبا لكان ~~ضربه بالدرة ظلما، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فجرى ذلك مجرى ~~الإجماع. # وقال أكثر الفقهاء: إنه أمر استحباب، وهو ظاهر قول ابن عباس والحسن ~~والشعبي، وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي والثوري وأحمد لقوله عليه ~~السلام: # " لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه " # ولأنه لا فرق بين أن يطلب الكتابة أو يطلب بيعه ممن يعتقه في الكفارة، ~~فكما لا يجب ذلك فكذا الكتابة فإن قيل: كيف يصح أن يبيع ماله بماله؟ # فالجواب: إذا ورد الشرع به جاز، كما إذا علق عتقه على مال يكسبه فيؤديه ~~أو يؤدى عنه صار سببا لعتقه. # فإن قيل: هل يستفيد العبد بعقد الكتابة ما لا يملكه لولا الكتابة؟ # فالجواب: نعم، لأنه لو دفع إليه الزكاة قبل الكتابة لم يحل له أخذها، ~~وإذا صار مكاتبا حل له أخذها سواء أدى فعتق، أو عجز فعاد إلى الرق. ~~واستفاد أيضا أن الكتابة تبعثه على الاجتهاد في الكسب، ولولاها لم يكن ~~ليفعل ذلك. ويستفيد المولى الثواب، لأنه إذا باعه فلا ثواب، وإذا كاتبه ~~فالولاء له، فورد الشرع بجواز الكتابة لهذه الفوائد. # قوله: { إن علمتم فيهم خيرا } قال عليه السلام: # " إن علمتم لهم حرفة، ولا تدعوهم كلا على الناس " # وقال ابن عمر: قوة على الكسب، وهو قول مالك والثوري. # قال عطاء والحسن ومجاهد والضحاك: الخير: المال، لقوله تعالى: # إن ترك خيرا # [البقرة: 180] أي: مالا. قال عطاء: بلغني ذلك عن ابن عباس. ويروى أن ~~عبدا لسلمان الفارسي قال له: كاتبني. قال: لك مال؟ قال: لا. قال: تريد ~~أن تطعمني أوساخ الناس ولم يكاتبه. قال الزجاج: لو أراد به المال لقال: ~~إن علمتم لهم خيرا. # وأيضا فلأن العبد لا ms6550 مال له، بل المال لسيده. وقال إبراهيم النخعي وابن ~~زيد وعبيدة: صدقا وأمانة. وقال طاوس وعمرو بن دينار: مالا وأمانة. # وقال الحسن: صلاحا في الدين. قال الشافعي: وأظهر معاني الخير في ~~العبيد: الاكتساب مع الأمانة، وأجاب ألا يمتنع من الكتابة إذا كان هكذا، ~~لأن مقصود الكتابة قلما يحصل إلا بهما، فإنه ينبغي أن يكون كسوبا يحصل ~~المال، ويكون أمينا يصرفه في نجومه ولا يضيعه. # قوله: { وآتوهم من مال الله الذي آتاكم }. قيل: هذا ~~خطاب للموالي، يجب على المولى أن يحط عن مكاتبه من مال الكتابة شيئا، ~~وهو قول عثمان وعلي والزبير وجماعة، وبه قال الشافعي وهؤلاء اختلفوا في ~~قدره: فقيل: يحط عنه ربع مال الكتابة، وهو قول علي، ورواه بعضهم عن علي ~~مرفوعا. # وعن ابن عباس: يحط الثلث. وقيل: ليس له حد، بل يختلف بكثرة المال وقلته، ~~وهو قول الشافعي، لأن ابن عمر كاتب غلاما له على خمسة وثلاثين ألف درهم، ~~فوضع من آخر كتابته خمسة آلاف درهم. # وقيل: يحط عنه قدرا يحصل الاستغناء به. قال سعيد بن جبير: كان ابن عمر ~~إذا كاتب مكاتبه لم يضع عنه شيئا من أول نجومه، مخافة أن يعجز فيرجع ~~إليه صدقته، ووضع من آخر كتابته ما أحب. وكاتب عمر عبدا، فجاءه بنجمه، ~~فقال: اذهب فاستغن على أداء مال الكتابة، فقال المكاتب: لو تركته إلى آخر ~~نجم فقال: إني أخاف ألا أدرك ذلك. # وقيل: هو أمر استحباب، لقوله عليه السلام: # " المكاتب عبد ما بقي عليه درهم " # وقوله عليه السلام: # " أيما عبد كاتب على مائة فأداها إلا عشرة فهو عبد " # ولو كان الحط واجبا سقط عنه بقدره، وأيضا فلو كان الإيتاء واجبا لكان ~~وجوبه معلقا بالعقد، فيكون العقد موجبا له ومسقطا له، وذلك محال ~~لتنافي الإسقاط والإيجاب. # وأيضا فلو كان الحط واجبا لما احتاج أن يضع عنه، بل كان يسقط القدر ~~المستحق، كمن له على إنسان دين، ثم لذلك الآخر على الأول مثله فإنه يصير ~~قابضا له. وأيضا فلو كان واجبا لكان قدر الإيتاء إما ms6551 أن يكون معلوما ~~أو مجهولا، فإن كان معلوما وجب ألا تكون الكتابة بثلاثة أرباع المال ~~على قول من يجعله الربع، فيعتق إذا أدى ثلاثة آلاف إذا كان العقد على ~~أربعة آلاف، وذلك باطل، لأن أداء جميعها شرط، فلا يعتق بأداء البعض لقوله ~~عليه السلام: # " المكاتب عبد ما بقي عليه درهم " # وإن كان مجهولا صارت الكتابة مجهولة، لأن الباقي بعد الحط مجهول، فلا ~~يصح، كما لو كاتب عبده على ألف درهم إلا شيء. # وقال قوم: المراد بقوله: " وآتوهم " أي سهمهم الذي جعله الله لهم من ~~الصدقات المفروضات بقوله: # وفي الرقاب # [التوبة: 60] وهو قول الحسن وزيد بن أسلم، ورواية عطاء عن ابن عباس. ~~وعلى هذا الخطاب لغير السادة، لأنهم أجمعوا على أنه لا يجوز للسيد أن ~~يدفع زكاته إلى مكاتبه. وقال الكلبي وعكرمة وإبراهيم: هو خطاب لجميع ~~الناس، وحث على معونة المكاتب، لقوله عليه السلام: # " من أعان مكاتبا في فك رقبته أظله الله في ظل عرشه ". # فصل # إذا مات المكاتب قبل أداء النجوم. فقيل: يموت رقيقا، وترتفع الكتابة ~~سواء ترك مالا أو لم يترك، كما لو تلف المبيع قبل القبض يرتفع البيع. ~~وهو قول عمر وابن عمر وزيد بن ثابت، وبه قال عمر بن عبد العزيز والزهري ~~وقتادة، وإليه ذهب الشافعي وأحمد. # وقيل: إن ترك وفاء لما بقي عليه من الكتابة كان حرا، وإن كان فيه فضل ~~فالزيادة لأولاده الأحرار، وهو قول عطاء وطاوس والنخعي والحسن، وبه قال ~~مالك والثوري وأصحاب الرأي. # فصل # ولو كاتب عبده كتابة فاسدة يعتق بأداء المال، لأن عتقه معلق بالأداء، ~~وقد وجد، ويتبعه الأولاد والأكساب كما في الكتابة الصحيحة. ويفترقان في ~~بعض الأحكام، وهي أن الكتابة الصحيحة لا يملك المولى فسخها ما لم يعجز ~~المكاتب عن أداء النجوم، ولا تبطل بموت المولى، ويعتق بالإبراء من ~~النجوم. والكتابة الفاسدة يملك المولى فسخها قبل أداء المال، حتى لو أدى ~~المال بعد الفسخ لا يعتق، وتبطل بموت المولى، ولا يعتق بالإبراء من ~~النجوم. وإذا عتق المكاتب بأداء المال لا يثبت ms6552 التراجع في الكتابة ~~الصحيحة ويثبت في الكتابة الفاسدة، فيرجع المولى عليه بقيمة رقبته، وهو ~~يرجع على المولى بما دفع إليه إن كان مالا. # قوله تعالى: { ولا تكرهوا فتياتكم على البغآء... } ~~الآية لما بين ما يلزم من تزويج العبيد والإماء وكتابتهم أتبع ذلك بالمنع ~~من إكراه الإماء على الفجور. # واعلم أن العرب تقول للمملوك: فتى، وللمملوكة: فتاة، قال تعالى: # فلما جاوزا قال لفتاه # [الكهف: 62] وقال: # تراود فتاها # [يوسف: 30] وقال: # فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم # [النساء: 25]. # وقال عليه السلام: # " ليقل أحدكم: فتاي وفتاتي، ولا يقل: عبدي وأمتي ". # والبغاء: الزنا، مصدر: بغت المرأة تبغي بغاء، أي: زنت، ~~وهو مختص بزنا النساء. # فصل # قال المفسرون: نزلت في عبد الله بن أبي المنافق، كان له ست جوار ~~معاذة، ومسيكة، وأميمة، وعمرة، وأروى، وقتيلة، يكرههن على ~~البغاء، وضرب عليهن ضرائب يأخذها، وكذلك كانوا يفعلون في الجاهلية ~~يؤاجرون إماءهم، فلما جاء الإسلام قالت معاذة لمسيكة: إن هذا الأمر الذي ~~نحن فيه لا يخلو من وجهين: فإن يكن خيرا فقد استكثرنا منه، وإن كان شرا ~~فقد آن لنا أن ندعه فشكيا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزلت ~~الآية. وروي أنه جاءت إحدى الجاريتين يوما ببرد، وجاءت الأخرى بدينار، ~~فقال لهما: " ارجعا فازنيا " فقالتا: " والله لا نفعل وقد جاء الإسلام ~~وحرم الزنا " فأتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشكيا إليه، فأنزل ~~الله - عز وجل - هذه الآية. وروي أن عبد الله بن أبي أسر رجلا، ~~فأراد الأسير جارية عبد الله، وكانت الجارية مسلمة، فامتنعت الجارية ~~لإسلامها، فأكرهها سيدها على ذلك رجاء أن تحمل من الأسير فيطلب فداء ~~ولده، فنزلت الآية. وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: # " جاء عبد الله بن أبي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه ~~جارية من أجمل النساء تسمى: معاذة، وقال: يا رسول الله، هذه لأيتام فلان، ~~أفلا نأمرها بالزنا فيصيبون من منافعها. فقال عليه السلام: لا. فأعاد ~~الكلام، فنزلت الآية ". # فصل # الإكراه إنما يحصل بالتخويف بما يقتضي تلف النفس. ms6553 # ومعنى قوله: { إن أردن تحصنا } أي: إذ أردن، وليس معناه ~~الشرط، لأنه لا يجوز إكراههن على الزنا إن لم يردن تحصنا، كقوله عز ~~وجل: # وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين # [آل عمران: 139] أي: إذ كنتم مؤمنين. وقيل: إنما شرط إرادة التحصن، لأن ~~الإكراه إنما يكون عند إرادة التحصن، فإن لم ترد التحصن بغت طوعا، ~~لأنه متى لم توجد إرادة التحصن لم تكن كارهة للزنا، وكونها غير كارهة ~~للزنا يمنع إكراهها، فامتنع الإكراه لامتناعه في نفسه. وقيل: هذا الشرط ~~لا مفهوم له، لأنه خرج مخرج الغالب، لأن الغالب أن الإكراه لا يحصل إلا ~~عند إرادة التحصن، كما أن الخلع يجوز في غير حالة الشقاق، ولكن لما كان ~~الغالب وقوع الخلع في حالة الشقاق لا جرم لم يكن لقوله: # فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح ~~عليهما فيما افتدت به # [البقرة: 229] (مفهوم) ومنه قوله تعالى: # وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن ~~تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين ~~كفروا # [النساء: 101] والقصر لا يختص بحال الخوف، ولكنه أخرجه على الغالب، فكذا ~~ههنا. وقال بعض العلماء: في الآية تقديم وتأخير، تقديره: وأنكحوا الأيامى ~~منكم إن أردن تحصنا ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء لتبتغوا ~~عرض الحياة الدنيا، أي: لتطلبوا من أموال الدنيا، يريد: من كسبهن وبيع ~~أولادهن. والتحصن: التعفف. # قوله: { ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن ~~غفور رحيم }. أي: غفور رحيم للمكرهات، والوزر على المكره، وكان ~~الحسن إذا قرأ هذه الآية قال: (لهن والله). # وقال ابن الخطيب: فيه وجهان: # أحدهما: غفورا لهن، لأن الإكراه (يزيل الإثم) والعقوبة عن ~~المكره فيما فعل. # والثاني: (فإن الله غفور رحيم) بالمكره بشرط التوبة. وهذا ~~ضعيف لأنه يحتاج إلى الإضمار، والأول لا يحتاج إليه. وفي هذا نظر، لأنه ~~لا بد من ضمير يعود على اسم الشرط عند الجمهور كما تقدم تحقيقه (في ~~البقرة). # قوله: " فإن الله " جملة وقعت جوابا للشرط، والعائد على اسم الشرط ~~محذوف، تقديره: غفور لهم. وقدره الزمخشري في أحد تقديراته وابن عطية ~~وأبو ms6554 البقاء: فإن الله غفور لهن، أي: للمكرهات، فعريت جملة ~~الجزاء عن رابط يربطها باسم الشرط، ولا يقال: إن الرابط هو الضمير المقدر ~~الذي هو فاعل المصدر؛ إذ التقدير: من بعد إكراههم لهن، فليكتف ~~بهذا الرابط المقدر، لأنهم لم يعدوا ذلك من الروابط، تقول: هند عجبت من ~~ضربها زيدا فهذا جائز، ولو قلت: هند عجبت من ضرب زيد: أي: من ~~ضربها، لم يجز، لخلوها من الرابط وإن كان مقدرا. ولما قدر الزمخشري ~~" لهن " أورد سؤالا فقال: فإن قلت: لا حاجة إلى تعليق المغفرة بهن، لأن ~~المكرهة على الزنا بخلاف المكره غير آثمة. قلت: لعل الإكراه غير ما ~~اعتبرته الشريعة من إكراه بقتل، أو بما يخاف منه التلف، أو فوات عضو ~~حتى يسلم من الإثم، وربما قصرت عن الحد الذي تعذر فيه فتكون آثمة. ### || [24.34] # قوله تعالى: { ولقد أنزلنآ إليكم آيات مبينات } ~~الآية. # لما ذكر الأحكام وصف القرآن بصفات ثلاث: # أحدها: قوله: { ولقد أنزلنآ إليكم آيات مبينات } ~~أي: مفصلات. وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر: " مبينات " بكسر الياء، أي: ~~أنها تبين للناس الحلال والحرام، كقوله تعالى: # بلسان عربي مبين # [الشعراء: 195] وتقدم الكلام في " مبينات " كسرا وفتحا. # وثانيها: قوله: { ومثلا من الذين خلوا من قبلكم }. ~~قال الضحاك: " يريد بالمثل ما في التوراة والإنجيل من إقامة الحدود، ~~فأنزل في القرآن مثله " وقال مقاتل: " قوله: " ومثلا " أي: شبها من ~~حالهم بحالكم في تكذيب الرسل " يعني: بينا لكم ما أحللنا بهم من العقاب ~~لتمردهم على الله، فجعلنا ذلك مثلا لكم، وهذا تخويف لهم، فقوله: " ~~ومثلا " عطف على " آيات " أي: وأنزلنا مثلا من أمثال الذين من قبلكم. # وثالثها: قوله: " وموعظة للمتقين " أي: الوعيد والتحذير، ولا ~~شك أنه موعظة للكل، وخص المتقين بالذكر لما تقدم في قوله: # هدى للمتقين # [البقرة: 2]. ### || [24.35] # قوله تعالى: { الله نور السماوات والأرض } الآية. هذه ~~جملة من مبتدأ وخبر، إما على حذف مضاف، أي: ذو نور السموات والمراد ~~بالنور: عدله، ويؤيد هذا قوله: " مثل نوره " وأضاف النور لهذين ~~الظرفين إما دلالة على سعة إشراقه، وفشو ms6555 إضاءته حتى تضيء له ~~السموات والأرض، وإما لإرادة أهل السموات والأرض، وأنهم ~~يستضيئون به. ويجوز أن يبالغ في العبادة على سبيل المدح ~~كقولهم: فلان شمس البلاد وقمرها قال النابغة: # 3831- فإنك شمس والملوك كواكب # إذا ظهرت لم يبد منهن كوكب # وقال (آخر): # 3832- قمر القبائل خالد بن يزيد # ويجوز أن يكون المصدر واقعا اسم الفاعل، أي: منور السموات. ~~ويؤيد هذا الوجه قراءة أمير المؤمنين وزيد بن علي وأبي جعفر وعبد العزيز ~~المكي: " نور " فعلا ماضيا، وفاعله ضمير الباري تعالى، " السموات " ~~مفعوله، وكسره نصب، و " الأرض " بالنصب نسق عليه. ~~وفسره الحسن فقال: " الله منور السموات ". # فصل # قال ابن عباس: هادي أهل السموات والأرض، فهم بنوره إلى الحق يهتدون، ~~وبهداه من حيرة الضلالة ينجون. وقال الضحاك: منور السموات والأرض، ~~يقال: نور الله السماء بالملائكة ونور الأرض بالأنبياء. وقال مجاهد: ~~مدبر الأمور في السموات والأرض. # وقال أبي بن كعب والحسن وأبو العالية: مزين السموات والأرض، زين ~~السماء بالشمس والقمر والنجوم، وزين الأرض بالأنبياء والعلماء والمؤمنين. ~~وقيل: بالنبات والأشجار. وقيل: معناه: الأنوار كلها منه، كما يقال: فلان ~~رحمة، أي: منه الرحمة. وقد يذكر هذا اللفظ على طريق المدح، كقول القائل: # 3833- إذا سار عبد الله من مرو ليلة # فقد سار منها نورها وجمالها # قوله: { مثل نوره كمشكاة } مبتدأ وخبر، وهذه الجملة إيضاح ~~وتفسير لما قبلها، فلا محل لها، وثم مضاف محذوف، أي: كمثل ~~مشكاة. قال الزمخشري: أي: صفة نوره العجيبة الشأن في الإضاءة " ~~كمشكاة " أي: كصفة (مشكاة). واختلفوا في الضمير في " نوره ": ~~فقيل: هو الله تعالى، أي: مثل نور الله - عز وجل - في قلب المؤمن، ~~وهو النور الذي يهتدى به، كما قال: # فهو على نور من ربه # [الزمر: 22]. وكان ابن مسعود يقرأ " مثل نوره في قلب ~~المؤمن " وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: " مثل نوره الذي أعطى المؤمن ~~" وعلى هذا المراد بالنور: الإيمان، والآيات البينات. # وقيل: يعود على المؤمنين أو المؤمن، أو من آمن به، أي مثل نور قلب ~~المؤمن. وكان أبي يقرأ بهذه الألفاظ كلها، ms6556 وأعاد الضمير على ما قرأ به. ~~والمراد بالنور: الإيمان والقرآن لقوله تعالى: # قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين # [المائدة: 15] يعني: القرآن. # وقال سعيد بن جبير والضحاك: الضمير يعود على محمد - صلى الله عليه وسلم ~~- ولم يتقدم لهذه الأشياء ذكر. # وأما عوده على المؤمنين في قراءة أبي، ففيه إشكال من حيث الإفراد. قال ~~مكي: يوقف على الأرض في هذه الأقوال الثلاثة. # وقيل: أراد ب " النور " الطاعة، سمى طاعة الله نورا، وأضاف هذه ~~الأنوار إلى نفسه تفضيلا. # فصل # واختلفوا في هذا التشبيه: # (هل هو) تشبيه مركب، أي: أنه قصد تشبيه جملة بجملة من غير نظر إلى ~~مقابلة جزء بجزء، بل قصد تشبيه هداه وإتقانه صنعته في كل ~~مخلوق على الجملة بهذه الجملة من النور الذي يتخذونه، وهو أبلغ صفات ~~النور عندكم أو تشبيه غير مركب، أي: قصد مقابلة جزء بجزء. ويترتب الكلام ~~فيه بحسب الأقوال في الضمير في " نوره ". و " المشكاة ": الكوة ~~غير النافذة. وهل هي عربية أم حبشية معربة؟ خلاف. # قال مجاهد: " هي القنديل ". وقيل: هي الحديدة أو الرصاصة التي يوضع ~~فيها الذبال، وهو الفتيل، ويكون في جوف الزجاجة. # وقيل: هي العمود الذي يوضع على رأسه المصباح. وقيل: ما يعلق منه القنديل ~~من الحديدة. وأمال " المشكاة " الدوري عن الكسائي لتقدم الكسر ~~وإن وجد فاصل ورسمت بالواو ك " الزكوة " و " الصلواة ". ~~والمصباح: السراج الضخم، وأصله من الضوء ومنه الصبح. والزجاجة: ~~واحدة الزجاج، وهو جوهر معروف، وفيه ثلاث لغات: فالضم: لغة الحجاز، ~~وبها قرأ العامة. والكسر والفتح: لغة قيس. وبالفتح قرأ ابن أبي عبلة ونصر ~~بن عاصم في رواية ابن مجاهد. وبالكسر قرأ نصر بن عاصم في رواية عنه، وأبو ~~رجاء. وكذلك الخلاف في قوله: " الزجاجة ". والجملة من قوله: " ~~فيها مصباح " صفة ل " مشكاة " ، ويجوز أن يكون الجار وحده هو ~~الوصف، و " مصباح " مرتفع به فاعلا. # قوله: " دري ". قرأ أبو عمرو والكسائي بكسر الدال، وياء بعدها همزة. ~~وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم بضم الدال وياء بعدها همزة. والباقون بضم ~~الدال وتشديد ms6557 الياء من غير همز. وهذه الثلاثة في السبع. وقرأ زيد بن علي ~~والضحاك وقتادة بفتح الدال وتشديد الياء. وقرأ الزهري بكسرها وتشديد ~~الياء. # وقرأ أبان بن عثمان وابن المسيب وأبو رجاء وقتادة أيضا " دريء " ~~فتح الدال وياء بعدها همزة فأما الأولى فقراءة واضحة، لأنه بناء ~~كثير، يوجد في الأسماء نحو: " سكين " وفي الصفات نحو " سكير ". ~~وأما القراءة الثانية فهي من " الدرء " بمعنى: الدفع، أي: يدفع بعضها ~~بعضا، أو يدفع ضوؤها خفاءها. # قيل: ولم يوجد شيء وزنه " فعيل " إلا " مريقا " للعصفر، و " ~~سرية " على قولنا: إنها من السرور، وأنه أبدل من إحدى المضعفات ~~ياء، وأدغمت فيها ياء " فعيل " ، و " مريخا " للذي في داخل ~~القرن اليابس، ويقال بكسر الميم أيضا، و " علية " و " دريء " في ~~هذه القراءة، و " درية " أيضا في قول، وقال بعضهم: وزن " دريء " ~~في هذه القراءة " فعول " كسبوح قدوس فاستثقل توالي الضم فنقل ~~إلى الكسر، وهذا منقول أيضا في " سرية " و " درية ". # وأما القراءة الثالثة فتحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون أصلها الهمز كقراءة حمزة إلا أنه أبدل من الهمز ياء، ~~وأدغم، فيتحد معنى القراءتين. ويحتمل أن تكون نسبة إلى الدر ~~لصفائها، وظهور (إشراقها). # وأما قراءة تشديد الياء مع فتح الدال وكسرها، فالذي يظهر أنه منسوب إلى ~~الدر. والفتح والكسر في الدال من باب تغييرات النسب. وأما فتح الدال ~~مع المد والهمز ففيها إشكال. # قال أبو الفتح: وهو بناء عزيز لم يحفظ منه إلا السكينة بفتح ~~الفاء وتشديد العين. # قال شهاب الدين: وقد حكى الأخفش فعلية السكينة والوقار، ~~وكوكب دريء من (درأته). قوله: " توقد " قرأ ابن كثير وأبو ~~عمرو " توقد " بزنة " تفعل " فعلا ماضيا فيه ضمير فاعله يعود ~~على " المصباح " ، ولا يعود على " كوكب " لفساد المعنى. والأخوان ~~وأبو بكر: " توقد " بضم التاء من فوق وفتح القاف مضارع " أوقد " ، ~~وهو مبني للمفعول، والقائم مقام الفاعل ضمير يعود على " زجاجة " ~~فاستتر في الفعل. وباقي السبعة كذلك إلا أنه بالياء من تحت، والضمير ~~المستتر يعود " المصباح ". وقرأ الحسن والسلمي وابن محيصن ورويت ~~عن ms6558 عاصم من طريق المفضل كذلك إلا أنه ضم الدال، جعله مضارع " ~~توقد " ، والأصل " تتوقد " بتاءين فحذف إحداهما ك " تتذكر ~~" ، والضمير أيضا للزجاجة. # وقرأ عبد الله " وقد " فعلا ماضيا بزنة " قتل " مشددا، أي: " ~~المصباح " وقرأ الحسن وسلام أيضا " يوقد " بالياء من تحت وضم ~~الدال مضارع " توقد " ، والأصل " يتوقد " بياء من تحت وتاء من فوق، فحذف ~~التاء من فوق (و) هذا شاذ، إذ لم يتوال مثلان، ولم يبق في اللفظ ~~ما يدل على المحذوف، بخلاف " تنزل " و " تذكر " وبابه، فإن فيه ~~تاءين، والباقي يدل على ما فقد. وقد يتمحل لصحته وجه من القياس، ~~وهو أنهم قد حملوا " أعد " و " تعد " و " نعد " على " يعد " ~~في حذف الواو لوقوعها بين ياء وكسرة، فكذلك حملوا " يتوقد " بالياء ~~والتاء على " تتوقد " بتاءين وإن لم يكن الاستثقال موجودا في ~~الياء والتاء. # قوله: " من شجرة " من لابتداء الغاية، وثم مضاف محذوف، أي: ~~من زيت (شجرة). و " زيتونة " فيها قولان: أشهرهما: أنها بدل من ~~" شجرة ". # الثاني: أنها عطف بيان، وهذا مذهب الكوفيين، وتبعهم أبو علي. وتقدم هذا ~~في قوله: # من مآء صديد # [إبراهيم: 16]. # قوله: " لا شرقية " صفة ل " شجرة " ودخلت " لا " لتفيد النفي. ~~وقرأ الضحاك بالرفع على إضمار مبتدأ، أي: لا هي شرقية، ~~والجملة أيضا في محل جر نعتا ل " شجرة ". (قوله: " يكاد " هذه ~~الجملة أيضا نعت ل " شجرة " ). # قوله: { ولو لم تمسسه نار } جوابها محذوف، أي: لأضاءت، ~~لدلالة ما تقدم عليه، والجملة حالية. وتقدم تحرير هذا في قولهم: أعطوا ~~السائل ولو جاء على فرس. وأنها لاستقصاء الأحوال حتى في هذه ~~الحالة. وقرأ ابن عباس والحسن: " يمسسه " بالياء، لأن التأنيث ~~مجازي، ولأنه قد فصل بالمفعول أيضا. # فصل في كيفية هذا التمثيل # قال جمهور المتكلمين: معناه: أن هداية الله قد بلغت في الظهور والجلاء ~~إلى أقصى الغايات، وصار ذلك بمنزلة المشكاة التي يكون فيها زجاجة صافية، ~~وفي الزجاجة مصباح (يتقد بزيت) بلغ النهاية في الصفاء. فإن قيل: لم شبهه ~~بذلك مع أن ضوء الشمس أعظم منه؟ # فالجواب: أنه تعالى ms6559 أراد أن يصف الضوء الكامل الذي يلوح وسط الظلمة، لأن ~~الغالب على أوهام الخلق وخيالاتهم إنما هو الشبهات التي هي كالظلمات ~~(وهداية الله تعالى فيما بينها كالضوء الكامل الذي يظهر فيما بين ~~الظلمات) وهذا المقصود لا يحصل من ضوء الشمس، لأن ضوءها إذا ظهر امتلأ ~~العالم من النور الخالص، وإذا غاب امتلأ العالم من الظلمة الخالصة، فلا ~~جرم كان هذا المثل أليق وأوفق. # فصل # اعلم أن الأمور التي اعتبرها الله تعالى في هذه المثل توجب كمال الضوء. # فأولها: أن المصباح إذا لم يكن في المشكاة تفرقت أشعته، أما إذا وضع في ~~المشكاة اجتمعت أشعته فكانت أشد إنارة، ويحقق ذلك أن المصباح ينعكس شعاعه ~~من بعض جوانب الزجاجة إلى البعض، لما في الزجاجة من الصفاء والشفافة، ~~فيزداد بسبب ذلك الضوء والنور، والذي يحقق ذلك أن شعاع الشمس إذا وقع على ~~الزجاجة الصافية تضاعف النور الظاهر، حتى إنه يظهر فيما يقابله مثل ذلك ~~الضوء، فإذا انعكست تلك الأشعة من كل جانب من جوانب الزجاجة إلى الجانب ~~الآخر كثرت الأنوار والأضواء وبلغت النهاية. # وثانيها: أن ضوء المصباح يختلف بحسب اختلاف ما يتقد فيه، فإذا كان الدهن ~~صافيا خالصا كانت حاله بخلاف حاله إذا كان كدرا، وليس في الأدهان التي ~~توقد ما يظهر فيه من الصفاء مثل الذي يظهر في الزيت، فربما بلغ في الصفاء ~~والرقة مبلغ الماء مع زيادة بياض فيه وشعاع يتردد في أجزائه. # وثالثها: أن الزيت يختلف باختلاف شجرته، فإذا كانت لا شرقية ولا غربية ~~بمعنى أنها كانت بارزة للشمس (في كل حالاتها يكون زيتونها أشد نضجا، ~~فكان زيته أكثر صفاء، لأن زيادة تأثير الشمس) تؤثر في ذلك، فإذا اجتمعت ~~هذه الأمور وتعاونت صار ذلك الضوء خالصا كاملا، فيصلح أن يجعل مثلا ~~لهداية الله تعالى. # فصل # قال بعضهم: " هذه الآية من المقلوب والتقدير: مثل نوره كمصباح في مشكاة، ~~لأن المشبه به هو الذي يكون معدنا للنور ومنبعا له، وذلك هو المصباح لا ~~المشكاة ". # فصل # قال مجاهد: " المشكاة ": القنديل، والمعنى: كمصباح في ms6560 مشكاة. المصباح ~~في زجاجة، يعني: " القنديل " قال الزجاج: إنما ذكر الزجاجة لأن النور ~~وضوء النار فيها أبين في كل شيء، وضوؤه يزيد في الزجاج. ثم وصف الزجاجة ~~فقال: { كأنها كوكب دري }. والدر: الدفع، لأن الكواكب ~~تدفع الشياطين من السماء. وشبيه حالة الدفع، لأنه يكون في تلك الحالة ~~أضوأ وأنور. وقيل: " دري " أي: طالع، يقال: درى النجم: إذا طلع وارتفع، ~~ويقال: هو من درأ الكوكب: إذا اندفع منقضا فيضاعف ضوؤه في ذلك الوقت) ~~(ويقال: درأ علينا فلان، أي: طلع وظهر. وقيل: الدري أي ضخم مضى، ودراري ~~النجوم: عظامها. وقيل: الكوكب الدري واحد من الكواكب الخمسة العظام، وهي: ~~زحل، والمريخ والمشتري، والزهرة وعطارد. وقيل: الكواكب المضيئة كالزهرة ~~والمشتري والثوابت التي في المعظم الأول. فإن قيل: لم شبهه بالكوكب ولم ~~يشبهه بالشمس والقمر؟. # فالجواب لأن الشمس والقمر يلحقها الخسوف، والكواكب لا يلحقها الخسوف. " ~~توقد " يعني: المصباح، أي: اتقد. ويقال: توقدت النار، أي: اتقدت، ~~يعني: نار الزجاجة، لأن الزجاجة لا توقد. هذا على قراءة من ضم التاء وفتح ~~القاف. # وأما على قراءة الآخرين ف " توقد " يعني المصباح { من شجرة ~~مباركة } أي: من زيت شجرة مباركة، فحذف المضاف بدليل قوله: { ~~يكاد زيتها يضيء }. وأراد بالشجرة المباركة: الزيتون وهي ~~كثيرة البركة والنفع: لأن الزيت يسرج به وهو أضوأ وأصفى الأدهان، وهو ~~إدام وفاكهة، ولا يحتاج في استخراجه إلى عصار، بل كل أحد يستخرجه. وقيل: ~~أول شجرة نبتت بعد الطوفان، وبارك فيها سبعون نبيا منهم الخليل. وجاء في ~~الحديث أنه مصحة من الباسور، وهي شجرة تورق من أعلاها إلى أسفلها. وقال ~~عليه السلام: # " كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة ". # وقيل: المراد زيتون الشام، لأنه في الأرض المباركة فلهذا جعل الله هذه ~~الشجرة بأنها { لا شرقية ولا غربية } واستدلوا على ذلك بوجوه: # أحدها: أن الشام وسط الدنيا، فلا توصف شجرتها بأنها شرقية أو غربية. # وهذا ضعيف، لأن من قال: " الأرض كرة " لم يثبت للمشرق والمغرب موضعين ~~معينين، بل لكل بلد مشرق ومغرب على حدة، لأن المثل ms6561 مضروب لكل من (يعرف، ~~الزيت) وقد) يوجد في غير الشام كوجوده فيه. # وثانيها: قال الحسن: " لأنها من شجر الجنة، إذ لو كانت من شجر الدنيا ~~لكانت إما شرقية وإما غربية ". وهذا أيضا ضعيف، لأنه تعالى إنما ضرب ~~المثل بما شاهدوه، وهم ما شاهدوا شجر الجنة. # وثالثها: أنها شجرة يلتف بها ورقها التفافا شديدا، ولا تصل الشمس ~~إليها سواء كانت الشمس شرقية أو غربية، وليس في الشجر ما يورق غصنه من ~~أوله إلى آخره مثل الزيتون والرمان. وهذا أيضا ضعيف، لأن الغرض صفاء ~~الزيت، وذلك لا يحصل إلا بكمال نضج الزيتون، وذلك إنما يحصل في العادة ~~بوصول أثر الشمس إليه لا بعدم وصوله. # ورابعها: قال ابن عباس: " المراد الشجرة التي تبرز على جبل عال، أو ~~صحراء واسعة، فتطلع الشمس عليها حالتي الطلوع والغروب ". وهذا قول سعيد ~~بن جبير وقتادة. # وقال الفراء والزجاج: " لا شرقية وحدها ولا غربية وحدها، ولكنها شرقية ~~غربية، كما يقال: فلان لا مسافر ولا مقيم، إذا كان يسافر ويقيم، أي: ~~تصيبها الشمس عند طلوعها وعند غروبها، فتكون شرقية غربية تأخذ حظها من ~~الأمرين، فيكون زيتها أضوأ، كما يقال: فلان ليس بأسود ولا أبيض، يريد: ~~ليس بأسود خالص ولا بأبيض خالص، بل اجتمع فيه الأمران، وهذا الرمان ليس ~~بحلو ولا حامض، أي: اجتمع فيه الحلاوة والحموضة ". # وهذا هو المختار، لأن الشجرة إذا كانت كذلك كان زيتها في نهاية الصفاء، ~~وحينئذ يكون مقصود التمثيل أتم. وقيل: المراد ب " المشكاة " صدر ~~محمد، (و " الزجاجة " قلب محمد) و " المصباح " ما في قلب محمد من الدين، ~~{ يوقد من شجرة } يعني: # واتبع ملة إبراهيم # [النساء: 125] والشجرة: إبراهيم، ثم وصف إبراهيم بقوله: { لا ~~شرقية ولا غربية } أي: لا يصلي قبل المشرق ولا قبل المغرب ~~كاليهود والنصارى، بل كان عليه السلام يصلي إلى الكعبة، ثم قال: { ~~يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار } لأن الزيت ~~إذا كان خالصا ثم رئي من بعيد يرى كأن له شعاعا، فإذا مسته النار ~~ازداد ضوءا على ضوئه كذلك. # قال ابن ms6562 عباس: " يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا ~~جاءه العلم ازداد نورا على نور، وهدى على هدى ". وقال الضحاك: " يكاد ~~محمد يتكلم بالحكمة قبل الوحي ". قال عبد الله بن رواحة: # 3834- لو لم تكن فيه آيات مبينة # كانت بديهته تنبيك بالخبر # وقال محمد بن كعب القرظي: المشكاة: إبراهيم، والزجاجة: إسماعيل والمصباح ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - سماه الله مصباحا كما سماه سراجا فقال # وسراجا منيرا # [الأحزاب: 46] { يوقد من شجرة مباركة } وهي إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام، وسماه مباركا، لأن أكثر الأنبياء من صلبه { لا ~~شرقية ولا غربية } أي لم يكن إبراهيم يهوديا ولا ~~نصرانيا، ولكن كان حنيفا، لأن اليهود تصلي قبل المغرب والنصارى قبل ~~المشرق { يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار } ~~يكاد محاسن محمد - صلى الله عليه وسلم - تظهر للناس من قبل أن يوحى إليه، ~~{ نور على نور } نبي من نسل نبي (نور محمد على نور إبراهيم). # قوله: { نور على نور } خبر مبتدأ مضمر أي: ذلك نور، و " على ~~نور " صفة ل " نور ". والمعنى: أن القرآن نور من الله - عز وجل ~~- لخلقه مع ما أقام لهم من الدلائل والأعلام قبل نزول القرآن، فازدادوا ~~بذلك نورا على نور. { يهدي الله لنوره من يشآء }. # قال ابن عباس: " لدين الإسلام، وهو نور البصيرة ". وقيل: القرآن. (قال ~~إن المؤمن يتقلب في خمسة أنوار: قوله نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه ~~نور، ومصير إلى نور). واستدل أهل السنة بهذه الآية على صحة مذهبهم ~~فقالوا: " إنه تعالى بعد أن بين أن هذه الدلائل التي بلغت في الظهور ~~والوضوح إلى هذا الحد الذي لا يمكن الزيادة عليه، قال: " يهدي الله ~~" بإيضاح هذه الأدلة { لنوره من يشآء } أي: وضوح هذه الدلائل لا ~~يكفي ولا ينفع ما لم يخلق الله الإيمان ". # قوله: { ويضرب الله الأمثال للناس } يبين الله الأشباه ~~للناس، أي: للمكلفين، تقريبا لأفهامهم، وتسهيلا لنيل الإدراك. # { والله بكل شيء عليم } وهذا كالوعيد لمن لا يعتبر ولا ~~يتفكر في أمثاله، ولا ينظر في أدلته فيعرف وضوحها وبعدها ms6563 عن الشبهات. ~~قالت المعتزلة: قوله تعالى { ويضرب الله الأمثال للناس } ~~ذكره في معرض النعمة، وإنما يكون نعمة عظيمة لو أمكنكم الانتفاع به وتقدم ~~جوابه. ### || [24.36-38] # قوله تعالى: { في بيوت أذن الله أن ترفع } الآية. # واعلم أن قوله: " في بيوت " يقتضي محذوفا يكون فيها، وذكروا فيه ~~ستة أوجه: # أحدها: أن قوله: " في بيوت " صفة ل " مشكاة " أي كمشكاة في ~~بيوت، أي: في بيت من بيوت الله. # (الثاني: أنه صفة ل " مصباح " ) وهذا اختيار أكثر المحققين. # واعترض عليه أبو مسلم بن بحر الأصفهاني من وجهين: # الأول: أن المقصود من ذكر " المصباح " المثل، وكون المصباح في بيت أذن ~~الله لا يزيد في هذا المقصود، لأن ذلك لا يزيد المصباح إنارة وإضاءة. # والثاني: أن الذي تقدم ذكره في وجوه يقتضي كونه واحدا، كقوله: # كمشكاة # [النور: 35] وقوله: # فيها مصباح # [النور: 35] وقوله: # في زجاجة # [النور: 35] وقوله: # كأنها كوكب دري # [النور: 35]، ولفظ " البيوت " جمع، ولا يصح كون هذا الواحد في كل ~~البيوت. # وأجيب عن الأول: أن المصباح الموضوع في الزجاجة الصافية إذا كان في ~~المساجد كان أعظم وأضخم، فكان أضوأ، فكان التمثيل به أتم وأكمل. # وعن الثاني: أنه لما كان القصد بالمثل هذا الذي له هذا الوصف فيدخل تحته ~~كل مشكاة فيها مصباح في زجاجة يتوقد من الزيت، فتكون الفائدة في ذلك أن ~~ضوءه يظهر في هذه البيوت بالليالي عند الحاجة إلى عبادة الله تعالى، ~~كقولك: " الذي يصلح لخدمتي رجل يرجع إلى علم وقناعة يلزم بيته " لكان وإن ~~ذكر بلفظ الواحد، فالمراد النوع، فكذا ههنا. # الثالث: أنه صفة ل " زجاجة ".. # الرابع: أنه يتعلق ب " يوقد " أي: يوقد في بيوت، والبيوت هي ~~المساجد قال سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: المساجد بيوت الله في الأرض، ~~وهي تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض. وعلى هذه الأقوال ~~الأربعة لا يوقف على " عليم ". # الوجه الخامس: أنه متعلق بمحذوف كقوله: # في تسع آيات # [النمل: 12] أي: سبحوه في بيوت. # السادس: أنه متعلق ب " يسبح " أي: يسبح رجال في بيوت، و ms6564 " فيها " ~~تكرير للتوكيد كقوله: # ففي الجنة خالدين فيها # [هود: 108] وعلى هذين القولين فيوقف على " عليم ". # قوله: " أذن الله " في محل جر صفة ل " بيوت " ، و " أن ~~ترفع " على حذف الجار، أي: في أن ترفع. ولا يجوز تعلق " في بيوت " ~~بقوله: " ويذكر " لأنه عطف على ما في حيز " أن " وما بعد " أن " ~~لا يتقدم عليها. # فصل # قال أكثر المفسرين: المراد ب " البيوت " ههنا: المساجد. # وقال عكرمة: هي البيوت كلها. # والأول أولى، لأن في البيوت ما لا يوصف بأن الله أذن أن ترفع، وأيضا ~~فإن الله تعالى وصفها بالذكر والتسبيح والصلاة، وذلك لا يليق إلا ~~بالمساجد. ثم القائلون بأنها المساجد قال بعضهم: بأنها أربعة مساجد لم ~~يبنها إلا نبي: الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل فجعلاها قبلة. وبيت المقدس ~~بناه داود وسليمان - عليهما السلام - ومسجد المدينة بناه النبي - عليه ~~السلام - ومسجد قباء أسس على التقوى بناه رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قاله ابن بريدة. وعن الحسن أن ذلك بيت المقدس يسرج فيه عشرة آلاف ~~قنديل. وهذا تخصيص بغير دليل. # وقال ابن عباس: المراد جميع المساجد كما تقدم. # قوله: " أن ترفع ". قال مجاهد: تبنى كقوله: # وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت # [البقرة: 127]، وهو مروي عن ابن عباس. وقال الحسن والزجاج: تعظم ~~وتطهر عن الأنجاس ولغو الأفعال. وقيل: مجموع الأمرين { ويذكر ~~فيها اسمه }. # قال ابن عباس: يتلى فيها كتابه. وقيل: عام في كل ذكر { يسبح له ~~فيها }. # قرأ ابن عامر وأبو بكر بفتح الباء مبنيا للمفعول، والقائم مقام الفاعل ~~أحد المجرورات الثلاث، والأولى منها بذلك الأول، لاحتياج العامل ~~إلى مرفوعه، فالذي يليه أولى، و " رجال " على هذه القراءة مرفوع على ~~أحد وجهين: إما بفعل مقدر لتعذر إسناد الفعل إليه، وكأنه جواب ~~سؤال مقدر، كأنه قيل: " من يسبحه "؟ فقيل: " يسبحه ~~رجال " ، وعليه في أحد الوجهين قول الشاعر: # 3835- ليبك يزيد ضارع لخصومة # ومختبط مما تطيح الطوائح # كأنه قيل: من يبكيه؟ فقيل: يبكيه ضارع، إلا أن في اقتباس هذا ~~خلافا: منهم من (جوزه وقاس) عليه: " ضربت هند زيد ms6565 " أي: ~~ضربها زيد. ومنهم من منعه. # والوجه الثاني في البيت أن " يزيد " منادى حذف منه حرف النداء، ~~أي: ما يزيد وهو ضعيف جدا. # الثاني: أن " رجال " خبر مبتدأ محذوف، أي: المسبحة رجال. # وعلى هذه القراءة يوقف على " الآصال ". وباقي السبعة بكسر الباء مبنيا ~~للفاعل، والفاعل " رجال " فلا يوقف على " الآصال ". وقرأ ابن ~~وثاب وأبو حيوة " تسبح " بالتاء من فوق، وكسر الباء، لأن جمع ~~التكسير يعامل معاملة المؤنث في بعض الأحكام، وهذا منها. وقرأ أبو ~~جعفر كذلك إلا أنه فتح (الباء). وخرجها الزمخشري على إسناد الفعل ~~إلى " الغدو والآصال " على زيادة الباء، كقولهم: " صيد عليه يومان " ~~(والمراد: وحشهما). وخرجها غيره على أن القائم مقام الفاعل ضمير ~~التسبيحة، أي: تسبح التسبيحة على المجاز المسوغ لإسناده إلى ~~الوقتين، كما خرجوا قراءة أبي جعفر أيضا: " ليجزى قوما " أي: " ~~ليجزى الجزاء قوما " ، بل هذا أولى من آية الجاثية، إذ ليس هنا ~~مفعول صريح. # فصل # اختلفوا في هذا التسبيح. فالأكثرون حملوه على الصلاة المفروضة، وهؤلاء ~~منهم من حمله على صلاة الصبح والعصر، فقال: كانتا واجبتين في بدء الحال ~~ثم زيد فيهما، وقال عليه السلام: # " من صلى صلاة البردين دخل الجنة " # وقيل: أراد الصلوات المفروضة، فالتي تؤدى بالغداة صلاة الفجر، والتي ~~تؤدى بالآصال صلاة الظهر والعصر والعشاءين لأن اسم الأصيل يجمعهما، و " ~~الآصال " جمع أصيل، وهو العشي. # وإنما وحد " الغدو " لأنه مصدر في الأصل لا يجمع، و " الأصيل " اسم ~~فجمع. # قال الزمخشري: " بالغدو، أي بأوقات الغد، أي بالغدوات ". # وقيل: صلاة الضحى، قال عليه السلام: # " من مشى إلى صلاة مكتوبة وهو متطهر، فأجره كأجر الحاج المحرم، ~~ومن مشى إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا إياه فأجره كأجر المعتمر، ~~وصلاة على إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين " # وقال ابن عباس: " إن صلاة الضحى لفي كتاب الله (مذكورة) (وتلا هذه) ~~الآية. وقيل: المراد منه تنزيه الله تعالى عما لا يليق به في ذاته وفعله؛ ~~لأنه قد عطف على ذلك الصلاة والزكاة فقال: { عن ذكر الله ~~وإقام الصلاة وإيتآء ms6566 الزكاة }. وهذا الوجه أظهر. # وقرئ: " بالغدو والإيصال " وهو الدخول في الأصل. # قوله: " لا تلهيهم " في محل رفع صفة ل " رجال ". (و) خص الرجال ~~بالذكر في هذه المساجد، لأنه ليس على النساء جمعة ولا جماعة في المسجد. " ~~لا تلهيهم ": تشغلهم، " تجارة " قيل: خص التجارة بالذكر، لأنها ~~أعظم ما يشتغل به الإنسان عن الصلاة والطاعات. # قال الحسن: أما والله إنهم كانوا يتجرون، ولكن إذا جاءتهم فرائض الله لم ~~يلههم عنها شيء، فقاموا بالصلاة والزكاة. فإن قيل: البيع داخل في ~~التجارة، فلم أعاد البيع؟ فالجواب من وجوه: # الأول: أن التجارة جنس يدخل تحته أنواع الشراء والبيع، وإنما خص البيع ~~بالذكر لأن الالتهاء به أعظم، لكون الربح الحاصل من البيع معين ناجز، ~~والربح الحاصل من الشراء مشكوك مستقبل. # الثاني: أن البيع تبديل العرض بالنقدين، والشراء بالعكس، والرغبة في ~~تبديل النقد أكثر من العكس. # الثالث: قال الفراء: التجارة لأهل الجلب، يقال: تجر فلان في كذا: إذا ~~جلبه من غير بلده، والبيع ما باعه على يديه. # الرابع: أراد بالتجارة الشراء وإن كان اسم التجارة يقع على البيع ~~والشراء جميعا، لأنه ذكر البيع بعده كقوله تعالى: # وإذا رأوا تجارة أو لهوا # [الجمعة: 11] يعني: الشراء. # قوله: { عن ذكر الله } عن حضور المساجد لإقامة الصلاة. فإن قيل: ~~فما معنى قوله: " وإقام الصلاة؟ " فالجواب قال ابن عباس: المراد ~~بإقامة الصلاة: إقامتها لمواقيتها، لأن من أخر الصلاة عن وقتها لا يكون ~~من مقيمي الصلاة. # ويجوز أن يكون قوله: " الصلاة " تفسيرا لذكر الله، فهم يذكرون قبل ~~الصلاة. # قال الزجاج: وإنما حذفت الهاء، لأنه يقال: أقمت الصلاة إقامة، وكان ~~الأصل: إقواما، ولكن قلبت الواو ألفا، فاجتمعت ألفان، فحذفت إحداهما ~~لالتقاء الساكنين فبقي: أقمت الصلاة إقاما، فأدخلت الهاء عوضا عن ~~المحذوف، وقامت الإضافة هاهنا في التعويض مقام الهاء المحذوفة وهذا إجماع ~~من النحويين. # فصل # المراد: الصلوات المفروضة لما روى سالم (عن) ابن عمر أنه كان في السوق ~~فأقيمت الصلاة، فقام الناس وأغلقوا حوانيتهم، فدخلوا المسجد، فقال ابن ~~عمر: فيهم نزلت هذه الآية: { رجال لا ms6567 تلهيهم تجارة ولا ~~بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة }. # وقوله: " وإيتاء الزكاة " يريد: المفروضة. قال ابن عباس: إذا حضر ~~وقت أداء الزكاة لم يحبسوها. وروي عن ابن عباس أيضا: المراد من الزكاة: ~~طاعة الله والإخلاص. وهذا ضعيف لأنه تعالى علق الزكاة بالإيتاء، وهذا لا ~~يحتمل إلا ما يعطى من حقوق المال. قوله: " يخافون يوما " يجوز أن ~~يكون نعتا ثانيا ل " رجال " ، وأن يكون حالا من مفعول " ~~تلهيهم " و " يوما " مفعول به لا ظرف على الأظهر، و " ~~تتقلب " صفة ل " يوما ". # قوله: { تتقلب فيه القلوب والأبصار }: تتقلب القلوب ~~عما كانت عليه في الدنيا من الشرك والكفر وتنفتح الأبصار من الأغطية بعد ~~أن كانت مطبوعة عليها لا تبصر، وكلهم انقلبوا من الشك إلى اليقين، كقوله: # وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون # [الزمر: 47] وقوله: # لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطآءك ~~فبصرك اليوم حديد # [ق: 22]. وقيل: تتقلب القلوب تطمع في النجاة وتخشى الهلاك، وتتقلب ~~الأبصار من أي ناحية يؤخذ أمن ناحية اليمين أم من ناحية الشمال؟ ومن أي ~~ناحية يعطون كتابهم، أمن قبل اليمين أم من قبل الشمال؟ # والمعتزلة لا يرضون بهذا التأويل، لأنهم قالوا: إن أهل الثواب لا خوف ~~عليهم البتة، وأهل العقاب لا يرجون العفو. وقيل: إن القلوب تزول من ~~أماكنها فتبلغ الحناجر، والأبصار تصير زرقا. وقيل: تقلب البصر: شخوصه من ~~هول الأمر وشدته. # (وقال الجبائي: تقلب القلوب والأبصار): تغير هيئاتها بسبب ما ينالها من ~~العذاب. قال: ويجوز أن يريد به تقليبها على جمر جهنم كقوله: # ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا ~~به أول مرة # [الأنعام: 110]. # قوله: " ليجزيهم ". يجوز تعلقه ب " يسبح " أي: يسبحون ~~لأجل الجزاء. # ويجوز تعلقه بمحذوف، أي: فعلوا ذلك ليجزيهم. وظاهر كلام الزمخشري أنه من ~~باب الإعمال، فإنه قال: والمعنى: يسبحون ويخافون (ليجزيهم " ~~). ويكون على إعمال الثاني للحذف من الأول. # وقوله: { أحسن ما عملوا } أي: ثواب أحسن، أو أحسن جزاء ما ~~عملوا، و " ما " مصدرية، أو بمعنى الذي، أو نكرة. # فصل # المراد بالأحسن: الحسنات ms6568 أجمع، وهي الطاعات فرضها ونفلها. قال مقاتل: ~~إنما ذكر الأحسن لأنه لا يجازيهم على مساوئ أعمالهم، بل يغفرها لهم. # وقيل: يجزيهم جزاء أحسن ما عملوا على الواحد عشر إلى سبعمائة. ثم قال: { ~~ويزيدهم من فضله } أي: ما لم يستحقوه بأعمالهم. فإن قيل: هذا ~~يدل على أن لفعل الطاعة أثر في استحقاق الثواب، لأنه تعالى ميز الجزاء عن ~~الفضل، وأنتم لا تقولون بذلك، فإن عندكم العبد لا يستحق على ربه شيئا؟ ~~قلنا: نحن نثبت الاستحقاق بالوعد، فذلك القدر هو الذي يستحق، والزائد ~~عليه هو الفضل. ثم قال: { والله يرزق من يشآء بغير ~~حساب } وذلك تنبيه على كمال قدرته، وكمال جوده، وسعة إحسانه، فكأنه ~~تعالى لما وصفهم بالجد والاجتهاد في الطاعة، وهم مع ذلك في نهاية الخوف، ~~فالحق سبحانه يعطيهم الثواب العظيم على طاعاتهم ويزيدهم الفضل الذي لا حد ~~له في مقابلة خوفهم. ### || [24.39-40] # قوله تعالى: { والذين كفروا أعمالهم كسراب ~~بقيعة } الآية. # لما بين حال المؤمن أنه في الدنيا يكون في النور، وبسببه يكون متمسكا ~~بالعمل الصالح ثم بين أنه يكون في الآخرة فائزا بالنعيم المقيم والثواب ~~العظيم، أتبع ذلك ببيان أن الكافر يكون في الآخرة في أشد الخسران، وفي ~~الدنيا في أعظم أنواع الظلمات، وضرب لكل واحد منهما مثلا، أما المثل ~~الدال على حسرته في الآخرة فقوله: { والذين كفروا ~~أعمالهم كسراب بقيعة }. # قال الأزهري: " السراب: ما يتراءى للعين وقت الضحى في الفلوات ~~شبيها بالماء الجاري وليس بماء، ولكن الذي ينظر إليه من بعيد يظنه ماء ~~جاريا، يقال: سرب الماء يسرب سروبا: إذا جرى، فهو سارب ~~". وقيل: السراب: ما يتراءى للإنسان في القفر في شدة ~~الحر مما يشبه الماء. وقيل: ما يتكاثف من قعور ~~القيعان. قال الشاعر: # 3836- فلما كففت الحرب كانت عهودهم # كلمع سراب في الفلا متألق # يضرب به المثل لمن يظن بشيء خيرا فيخلف ظنه. وقيل: هو ~~الشعاع الذي يرى نصف النهار في شدة الحر في البراري، ~~يخيل للناظر أنه الماء السارب، أي: الجاري، فإذا قرب منه لم ير ~~شيئا. والآل: ms6569 ما ارتفع من الأرض، وهو شعاع يرى بين السماء والأرض ~~بالغدوات شبه الملاة يرفع الشخوص، يرى فيها الصغير كبيرا، والقصير ~~طويلا. # والرقراق: يكون بالعشايا. وهو ما ترقرق من السراب، أي: جاء وذهب. # قوله: " بقيعة " فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق بمحذوف على أنه صفة ل " سراب ". # والثاني: أنه ظرف، والعامل فيه الاستقرار العامل في كاف التشبيه. # والقيعة: بمعنى القاع، قاله الزمخشري، وهو المنبسط من الأرض، وتقدم ~~في " طه ". # وقيل: بل هي جمعه ك " جار وجيرة " قاله الفراء. وقرأ مسلمة بن ~~محارب بتاء (ممطوطة)، وروي عنه بتاء شكل الهاء، ويقف عليها بالهاء، ~~وفيها أوجه: # أحدها: أن يكون بمعنى " قيعة " كالعامة، وإنما أشبع الفتحة فتولد ~~منها ألف كقوله: مخرنبق لينباع. قاله صاحب اللوامح. # والثاني: أنه جمع: " قيعة " وإنما وقف عليها بالهاء ذهابا به مذهب ~~لغة طيئ في قولهم: " الإخوه والأخواه " و " دفن البناه من ~~المكرماه " أي: والأخوات، والبنات، والمكرمات. وهذه القراءة تؤيد أن " ~~قيعة " جمع قاع. # قال الزمخشري: وقد جعل بعضهم " بقيعاة " بتاء مدورة ك " رجل ~~عزهاة ". # فظاهر هذا أنه جعل هذا بناء مستقلا ليس جمعا ولا إشباعا. # قوله: " يحسبه الظمآن " جملة في محل الجر صفة ل " سراب " ~~أيضا، وحسن ذلك لتقدم الجار على الجملة، هذا إن جعلنا الجار صفة ~~والضمائر المرفوعة في " جاءه " ، وفي " لم يجده " وفي " وجد ~~" ، والضمائر في " عنده " وفي " وفاه " وفي " حسابه " كلها ~~ترجع إلى " الظمآن " لأن المراد به الكافر المذكور أولا، وهذا قول ~~الزمخشري وهو حسن. # وقيل: بل الضميران في " جاءه " و " وجد " عائدان على " الظمآن ~~" ، والباقية عائدة على الكافر. وإنما أفرد الضمير على هذا وإن تقدمه ~~جمع، وهو قوله: " والذين كفروا " حملا على المعنى؛ إذ المعنى: ~~كل واحد من الكفار. # والأول أولى لاتساق الضمائر. وقرأ أبو جعفر، ورويت عن نافع: " ~~الظمان " بإلقاء حركة الهمزة على الميم. # فصل # قال الزجاج: " (الظمآن) قد تخفف همزته، وهو الشديد العطش، ثم وجه ~~التشبيه أن الذي يأتي به الكافر إن كان من أفعال البر فهو لا يستحق عليه ~~ثوابا مع أنه يعتقد ms6570 أن له ثوابا عليه، وإن كان من أفعال الإثم فهو ~~يستحق عليه العقاب مع أنه يعتقد أنه ثوابا، فكيف كان فهو يعتقد أن له ~~ثوابا عند الله تعالى، فإذا وافى عرصة القيامة ولم يجد الثواب، بل وجد ~~العقاب العظيم عظمت حسرته وتناهى غمه، فيشبه حاله حال الظمآن الذي تشتد ~~حاجته إلى الشراب ويتعلق قلبه به، ويرجو به النجاة، فإذا جاءه وأيس مما ~~كان يرجوه عظم ذلك عليه ". قال مجاهد: " السراب: عمل الكافر وإتيانه إياه ~~موته ومفارقة الدنيا ". # فإن قيل: قوله: { حتى إذا جآءه } يدل على كونه شيئا، وقوله: { ~~لم يجده شيئا } مناقض له؟ # فالجواب من وجوه: # الأول: معناه: لم يجد شيئا نافعا، كما يقال: فلان ما عمل شيئا، وإن ~~كان قد اجتهد. # الثاني: " إذا جاءه " أي: جاء موضع السراب لم يجد السراب، لأن السراب ~~يرى من بعيد بسبب الكثافة، كأنه ضباب وهباء، فإذا قرب منه رق وانتشر وصار ~~كالهواء. # قوله: { ووجد الله عنده } أي: وجد عقاب الله عنده الذي توعد ~~به الكافر. # وقيل: وجد الله عنده، أي: عند عمله، أي وجد الله بالمرصاد. # وقيل: قدم على الله " فوفاه حسابه " أي: جزاء عمله. قيل: نزلت في ~~عتبة بن ربيعة بن أمية كان قد تعبد ولبس المسوح والتمس الدين في الجاهلية ~~ثم كفر في الإسلام. # قوله: { والله سريع الحساب } لأنه تعالى عالم بجميع ~~المعلومات، فلا يشق عليه الحساب. # وقال بعض المتكلمين: " معناه: لا تشغله محاسبة أحد عن آخر كنحن، ولو كان ~~يتكلم بآلة كما تقول المشبهة لما صح ذلك ". # قوله تعالى: { أو كظلمات } هذا مثل آخر ضربة الله تعالى لأعمال ~~الكفار، وفي هذا العطف أوجه: # أحدها: أنه نسق على " كسراب " على حذف مضاف واحد، تقديره: أو كذي ~~ظلمات، ودل على هذا المضاف قوله: { إذآ أخرج يده لم ~~يكد يراها } فالكناية تعود إلى المضاف المحذوف. # وهو قول أبي علي. # الثاني: أنه على حذف مضافين، تقديره: أو كأعمال ذي ظلمات ~~فيقدر " ذي " ليصح عود الضمير إليه في قوله: { إذآ أخرج ~~يده } ويقدر " أعمال " ليصح ms6571 تشبيه أعمال الكفار بأعمال صاحب ~~الظلمة، إذ لا معنى لتشبيه العمل بصاحب الظلمة. # الثالث: أنه لا حاجة إلى حذف البتة، والمعنى: أنه شبه أعمال ~~الكفار في حيلولتها بين القلب وما يهتدي به بالظلمة. # وأما الضميران في " أخرج يده " فيعودان على محذوف دل عليه ~~المعنى، أي: إذا أخرج يده من فيها و " أو " هنا للتنويع لا للشك. وقيل: ~~بل هي للتخيير، أي: " شبهوا أعمالهم بهذا أو بهذا. وقرأ سفيان بن حسين: ~~" أو كظلمات " بفتح الواو، جعلها عاطفة دخلت عليها همزة الاستفهام ~~التي معناها التقرير، وقد تقدم ذلك في قوله: # أو أمن أهل القرى # [الأعراف: 98]. قوله: { في بحر لجي }: " في بحر " صفة ل " ~~ظلمات " فيتعلق بمحذوف. واللجي: منسوب إلى " اللج " وهو ~~معظم البحر قاله الزمخشري. # وقال غيره: منسوب إلى اللجة بالتاء، وهي أيضا معظمه. فاللجي: ~~هو العميق الكثير الماء، وفيه لغتان: كسر اللام، وضمها. # قوله: " يغشاه موج " صفة أخرى ل " بحر " هذا إذا أعدنا الضمير ~~في " يغشاه " على " بحر " وهو الظاهر. وإن قدرنا مضافا ~~محذوفا، أي: " أو كذي ظلمات " كما فعل بعضهم كان الضمير في " ~~يغشاه " عائدا عليه، وكانت الجملة حالا منه لتخصيصه بالإضافة، أو ~~صفة له. قوله: { من فوقه موج } يجوز أن تكون هذه جملة من مبتدأ ~~وخبر صفة ل " موج " الأول ويجوز أن يجعل الوصف الجار والمجرور فقط، و ~~" موج " فاعل به، لاعتماده على الموصوف، قوله: { من فوقه ~~سحاب } فيه الوجهان المذكوران قبله من كون الجملة صفة ل " موج " ~~الثاني، أو الجار فقط. # قوله: " ظلمات ". قرأ العامة بالرفع، وفيه وجهان: # أجودهما: أن يكون خبر مبتدأ مضمر تقديره: هذه أو تلك ظلمات. # الثاني: أن يكون " ظلمات " مبتدأ، والجملة من قوله: { بعضها ~~فوق بعض } خبره، ذكره الحوفي وفيه نظر، لأنه لا مسوغ للابتداء بهذه ~~النكرة، اللهم إلا أن يقال: إنها موصوفة تقديرا، أي: ظلمات كثيرة ~~متكاثفة، كقولهم: " السمن منوان بدرهم ". # وقرأ ابن كثير: " ظلمات " بالجر، إلا أن البزي روى عنه حينئذ ~~حذف التنوين من " سحاب " فقرأ البزي عنه: " سحاب ظلمات " ~~بإضافة " سحاب ms6572 " ل " ظلمات ". # وقرأ قنبل عه التنوين في " سحاب " كالجماعة مع جره ل " ظلمات ~~". فأما رواية البزي فقال أبو البقاء: جعل الموج المتراكم ~~بمنزلة السحاب. وأما رواية قنبل فإنه جعل " ظلمات " بدلا من " ~~ظلمات " الأولى. # قوله: { بعضها فوق بعض } جملة من مبتدأ وخبر في موضع رفع أو ~~جر على حسب القراءتين في " ظلمات " قبلها لأنها صفة لها. وجوز ~~الحوفي على قراءة رفع " ظلمات " في " بعضها " أن تكون بدلا من " ~~ظلمات " ورد عليه من حيث المعنى، (إذ المعنى) على الإخبار بأنها ~~ظلمات، وأن بعض تلك الظلمات فوق بعض وصفا لها بالتراكم، لا أن ~~المعنى أن بعض تلك الظلمات فوق بعض من غير إخبار بأن تلك الظلمات ~~السابقة ظلمات متراكمة. # وفيه نظر، إذ لا فرق بين قولك: بعض الظلمات فوق بعض، وبين قولك: ~~الظلمات بعضها فوق بعض، وإن تخيل ذلك في بادئ الرأي. # قوله: { إذآ أخرج يده لم يكد يراها }. تقدم الكلام في ~~" كاد " وأن بعضهم زعم أن نفيها إثبات وإثباتها نفي، وتقدمت ~~أدلة ذلك في البقرة عند قوله: # وما كادوا يفعلون # [البقرة: 71]. # وقال الزمخشري هنا: { لم يكد يراها } مبالغة في (لم يرها) ~~أي: لم يقرب أن يراها فضلا (عن) أن يراها، ومنه قوله ذي الرمة: # 3837- إذا غير النأي المحبين لم يكد # رسيس الهوى من حب مية يبرح # أي: لم يقرب من البراح فما باله يبرح. وقال أبو ~~البقاء: اختلف الناس في تأويل هذا الكلام، ومنشأ الاختلاف فيه أن موضوع ~~" كاد " إذا نفيت وقوع الفعل، وأكثر المفسرين على أن المعنى: أنه لا ~~يرى يده، فعلى هذا في التقدير ثلاثة أوجه: # أحدها: أن التقدير: لم يرها ولم يكد، ذكره جماعة من ~~النحويين، وهذا خطأ لأن قوله: " لم يرها " جزم بنفي الرؤية، ~~وقوله: " لم يكد " إذا أخرجها على مقتضى الباب كان التقدير: ولم ~~يكد يراها، كما هو مصرح به في الآية، فإن أراد هذا القائل أنه ~~لم يكد يراها وأنه يراها بعد جهد، تناقض، لأنه نفى الرؤية ثم أثبتها. # وإن كان معنى { لم يكد يراها ms6573 } لم يرها البتة على خلاف ~~الأكثر في هذا الباب فينبغي أن يحمل عليه من غير أن يقدر " لم ~~يرها ". # الوجه الثاني: قال الفراء: إن (كاد) زائدة. وهو بعيد. # الثالث: أن " كاد " خرجت هاهنا على معنى " قارب " والمعنى: لم ~~يقارب رؤيتها، وإذا لم يقاربها باعدها، وعليه جاء قول ذي الرمة ~~في البيت المتقدم، أي: لم يقارب البراح، ومن هنا حكي عن ذي الرمة أنه ~~لما روجع في هذا البيت قال: (لم أجد) بدل (لم يكد). # والمعنى الثاني: أنه رآها بعد جهد، والتشبيه على هذا صحيح، لأنه مع شدة ~~الظلمة إذا أحد نظره إلى يده وقربها من عينه رآها انتهى. # أما الوجه الأول وهو ما ذكره أن قول الأكثرين (إنه يكون نفيها ~~إثباتا، فقد تقدم أنه غير صحيح، وليس هو قول الأكثر) وإنما غرهم في ذلك ~~آية البقرة، وما أنشد بعضهم: # 3838- أنحوي هذا العصر ما هي لفظة # البيتين. # وأما ما ذكره من زيادة " كاد " فهو قول أبي بكر وغيره، ولكنه مردود ~~عندهم. # وأما ما ذكره من المعنى الثاني، وهو أنه رآها بعد جهد، فهو مذهب الفراء ~~والمبرد. والعجب كيف يعدل عن المعنى الذي أشار إليه الزمخشري، وهو ~~المبالغة في نفي الرؤية. # وقال ابن عطية ما معناه: إذا كان الفعل بعد " كاد " منفيا دل على ~~ثبوته، نحو: " كاد زيد لا يقوم " ، أو مثبتا دل على نفيه، نحو: " كاد ~~زيد يقوم " وتقول: " كاد النعام يطير " فهذا يقتضي نفي الطيران ~~عنه، فإذا قلت: " كاد النعام ألا يطير " وجب الطيران له، وإذا تقدم النفي ~~على " كاد " احتمل أن يكون موجبا وأن يكون منفيا، تقول: " المفلوج ~~لا يكاد يسكن " فهذا يتضمن نفي السكون، وتقول: " رجل منصرف لا ~~يكاد يسكن " فهذا تضمن إيجاب السكون بعد جهد. # فصل # اعلم أن الله تعالى بين أن أعمال الكفار إن كانت حسنة فمثلها السراب، ~~وإن كانت قبيحة فهي الظلمات، وفيه وجه آخر، وهو أن أعمالهم إما كسراب ~~بقيعة وذلك في الآخرة، وإما كظلمات في بحر وذلك في الدنيا. وقيل: إن ~~الآية الأولى ms6574 في ذكر أعمالهم، وأنهم لا يحصلون منها على شيء، والآية ~~الثانية في ذكر عقائدهم، فإنها تشبه الظلمات، كما قال: # يخرجهم من الظلمات إلى النور # [البقرة: 257] أي: من الكفر إلى الإيمان، يدل عليه قوله تعالى: { ومن ~~لم يجعل الله له نورا فما له من نور }. # فصل # وأما تقرير المثل فهو أن البحر اللجي يكون قعره مظلما جدا بسبب غور ~~الماء، فإذا ترادفت عليه الأمواج ازدادت الظلمة، فإذا كانت فوق الأمواج ~~سحاب بلغت الظلمة النهاية القصوى، فالواقع في قعر هذا البحر اللجي ~~في نهاية شدة الظلمة. ولما كانت العادة في اليد أنها من أقرب ما يراها، ~~وأبعد ما يظن أنه لا يراها، فقال تعالى: { إذآ أخرج يده لم ~~يكد يراها } فبين سبحانه بهذا بلوغ تلك الظلمة التي هي أقصى ~~النهايات، ثم شبه الكافر في اعتقاده، وهو ضد المؤمن في قوله تعالى: # نور على نور # [النور: 35] وفي قوله: # يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم # [الحديد: 12]. # ولهذا قال أبي بن كعب: الكافر يتقلب في خمس من الظلم: كلامه ظلمة، وعمله ~~ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره إلى الظلمات إلى النار. # وفي كيفية هذا التشبيه وجوه: # الأول: قال الحسن: " إن الله تعالى ذكر ثلاثة أنواع من الظلمات ظلمة ~~البحر، وظلمة الأمواج، وظلمة السحاب، كذا الكافر له ظلمات ثلاث: ظلمة ~~الاعتقاد، وظلمة القول، وظلمة العمل ". # الثاني: قال ابن عباس: " شبه قلبه وسمعه وبصره بهذه الظلمات الثلاث ". # الثالث: أن الكافر لا يدري، ولا يدري أنه لا يدري، ويعتقد أنه يدري، ~~فهذه المراتب الثلاثة تشبه تلك الظلمات الثلاث. # الرابع: قلب مظلم في صدر مظلم في جسد مظلم. # الخامس: أن هذه الظلمات متراكمة، فكذا الكافر لشدة إصراره على كفره قد ~~تراكمت عليه الضلالات حتى لو ذكر عنده أظهر الدلائل لم يفهمه. # قوله: { ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ~~}. # قال ابن عباس: من لم يجعل الله له دينا وإيمانا فلا دين له. وقيل: من ~~لم يهده الله (فلا إيمان له) ولا يهديه أحد. قال أهل السنة: إنه ms6575 تعالى ~~لما وصف هداية المؤمن بأنها في نهاية الجلاء والظهور عقبها بأن قال: # يهدي الله لنوره من يشآء # [النور: 35]، ولما وصف ضلالة الكافر بأنها في نهاية الظلمة عقبه بقوله: ~~{ ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور }. ~~والمراد من ذلك أن يعرف الإنسان أن ظهور الدلائل لا يفيد الإيمان، وظلمة ~~الطريق لا تمنع منه، فإن الكل مربوط بخلق الله وهدايته وتكوينه. # قال القاضي: قوله: { ومن لم يجعل الله له نورا } يعني ~~في الدنيا بالإلطاف { فما له من نور } أي: لا يهتدي فيتحير، وتقدم ~~الكلام عليه. ### || [24.41-42] # قوله تعالى: { ألم تر أن الله يسبح له من في ~~السماوات والأرض } الآية. # لما وصف أنوار قلوب المؤمنين وظلمات قلوب الجاهلين أتبع ذلك بدلائل ~~التوحيد. # والمعنى: ألم تعلم، لأن التسبيح لا يرى بالبصر بل يعلم بالقلب، وهذا ~~استفهام والمراد به: التقرير والبيان. قال ابن الخطيب: " إما أن يكون ~~المراد من هذا التسبيح دلالته بخلق هذه الأشياء على كونه تعالى منزها عن ~~النقائص، موصوفا بنعوت الجلال، أو يكون المراد منه في حق البعض الدلالة ~~على التنزيه وفي حق الباقين النطق باللسان. # والأول أقرب، لأن القسم الثاني متعذر، لأن في الأرض من لا يكون مكلفا ~~لا يسبح بهذا المعنى والمكلفون منهم فمن لا يسبح أيضا بهذا المعنى ~~كالكفار. # وأما القسم الثاني وهو أن يقال: إن من في السموات وهم الملائكة يسبحون ~~باللسان وأما الذين في الأرض فمنهم من يسبح على سبيل الدلالة، فهذا يقتضي ~~استعمال اللفظ الواحد في الحقيقة والمجاز معا، وهو غير جائز، فلم يبق ~~إلا القسم الأول، وهو أن هذه الأشياء مشتركة في أن أجسامها وصفاتها دالة ~~على تنزيه الله تعالى وقدرته وإلاهيته وتوحيده وعدله، فسمى ذلك تنزيها ~~توسعا. فإن قيل فالتسبيح بهذا المعنى حاصل بجميع المخلوقات فما وجه ~~تخصيصه هاهنا بالعقلاء؟ قلنا: لأن خلقة العقلاء أشد دلالة على وجود ~~الصانع سبحانه، لأن العجائب والغرائب في خلقهم أكثر، وهي العقل والنطق ~~والفهم ". # قوله: " والطير ". قرأ العامة: " والطير " رفعا، " صافات " ~~نصبا. فالرفع عطف ms6576 على " من " والنصب على الحال. وقرأ الأعرج: " ~~والطير " نصبا على المفعول معه و " صافات " حال أيضا. وقرأ ~~الحسن وخارجة عن نافع: والطير صافات " برفعهما على الابتداء والخبر، ~~ومفعول " صافات " محذوف، أي: أجنحتها. # قوله: { كل قد علم صلاته } في هذه الضمائر أقوال: # أحدها: أنها كلها عائدة على " كل " ، أي: كل قد علم هو ~~صلاة نفسه وتسبيحها، وهذا أولى لتوافق الضمائر. # الثاني: أن الضمير في " علم " عائد إلى الله تعالى، وفي " صلاته ~~وتسبيحه " عائد على " كل " ، ويدل عليه قوله تعالى: { والله ~~عليم بما يفعلون }. # الثالث: بالعكس، أي: علم كل صلاة الله وتسبيحه، أي: اللذين ~~أمر بهما وبأن يفعلا، كإضافة الخلق إلى الخالق، وعلى هذا فقوله: " ~~والله عليم " استئناف. # ورجح أبو البقاء ألا يكون الفاعل ضمير " كل " قال: " لأن ~~القراءة برفع " كل " على الابتداء فيرجع ضمير الفاعل إليه، ولو كان ~~فيه ضمير الله لكان الأولى نصب (كل) لأن الفعل الذي بعدها قد نصب ما هو ~~من سببها فيصير كقولك: (زيدا ضرب عمرو وغلامه) فتنصب (زيدا) ~~بفعل دل عليه ما بعده، وهو أقوى من الرفع، والآخر جائز ". # قال شهاب الدين: وليس كما ذكر من ترجيح النصب على الرفع في هذه الصورة ~~ولا في هذه السورة، بل نص النحويون على أن مثل هذه الصورة يرجح ~~رفعها بالابتداء على نصبها على الاشتغال، لأنه لم يكن ثم قرينة من ~~القرائن التي جعلوها مرجحة للنصب، والنصب يحوج إلى إضمار، والرفع لا ~~يحوج إليه، فكان أرجح. وقرأت فرقة: { علم صلاته وتسبيحه } ~~بالرفع وبناء الفعل للمفعول الذي لم يسم فاعله. ذكرها أبو حاتم. # فصل # وجه اتصال هذا بما قبله أنه تعالى لما ذكر أن أهل السموات والأرض ~~يسبحون، ذكر المستقرين في الهواء الذي هو بين السماء والأرض، وهم الطير ~~يسبحون، وذلك أن إعطاء الجرم الثقيل القوة التي بها يقوى على الوقوف في ~~جو السماء صافة باسطة أجنحتها بما فيها من القبض والبسط من أعظم الدلائل ~~على قدرة الصانع المدبر سبحانه، وجعل طيرانها سجودا منها له سبحانه، ~~وذلك يؤيد أن المراد ms6577 من التسبيح دلالة هذه الأمور على التنزيه (لا النطق) ~~اللساني. وقال أبو ثابت: " كنت جالسا عند أبي جعفر الباقر فقال لي: ~~أتدري ما تقول هذه العصافير عند طلوع الشمس وبعد طلوعها؟ (قال: لا) قال: ~~فإنهن يقدسن ربهن ويسألنه قوت يومهن ". واستبعد المتكلمون ذلك فقالوا: ~~الطير لو كانت عارفة بالله لكانت كالعقلاء الذين يفهمون كلامنا وإشارتنا، ~~لكنها ليست كذلك، فإنا نعلم بالضرورة بأنها أشد نقصانا من الصبي الذي لا ~~يعرف هذه الأمور، فبأن يمتنع ذلك فيها أولى، وإذا ثبت أنها لا تعرف الله ~~استحال كونها مسبحة له بالنطق، فثبت أنها لا تسبح الله إلا بلسان الحال ~~كما تقدم. قال بعض العلماء: إنا نشاهد من الطيور وسائر الحيوانات أعمالا ~~لطيفة يعجز عنها أكثر العقلاء، وإذا كان كذلك (فلم لا) يجوز أن يلهمها ~~معرفته ودعاءه وتسبيحه؟ وبيان أنه سبحانه ألهمها الأعمال اللطيفة من ~~وجوه: # أحدها: أن الدب يرمي بالحجارة ويأخذ العصا ويرمي الإنسان حتى يتوهم أنه ~~مات فيتركه، وربما عاود يشمه ويتحسس نفسه ويصعد الشجر أخف صعود ويهشم ~~الجوز بين كفيه تعريضا بالواحد وصدمة بالأخرى، ثم ينفخ فيه فيدرأ قشره ~~ويتغذى به، ويحكى عن الفأر في سرقته أمور عجيبة. # وثانيها: أمر النحل وما لها من الرياسة والبيوت المسدسة التي لا يتمكن ~~من بنائها أفاضل المهندسين. # وثالثها: انتقال الكراكي من طرف من أطراف العالم إلى الطرف الآخر ~~طلبا لما يوافقها من الأهوية، ويقال: من خواص الخيل أن كل واحد يعرف صوت ~~الفرس الذي قابله وقتا ما، والفهد إذا سقي أو شرب من الدواء المعروف ~~بخانق الفهد عمد إلى زبل الإنسان ليأكله، والتماسيح تفتح أفواهها لطائر ~~يقع عليها يقال له: القطقاط وينظف ما بين أسنانها، وعلى رأس ذلك الطائر ~~كالشوكة، فإذا هم التمساح بالتقام ذلك الطير تأذى من تلك الشوكة، فيفتح ~~فاه، فيخرج ذلك الطائر، والسلحفاة تتناول بعد أكل الحية صعترا جبليا ثم ~~تعود من ذلك. # وحكى بعض الثقاة المجربين للصيد أنه شاهد الحبارى تقاتل الأفعى وتنهزم ~~عنه إلى بقلة تتناول منها ثم تعود، ولا ms6578 تزال كذلك، وكان ذلك الشخص قاعدا ~~في كن، وكانت البقلة قريبة من مسكنه، فلما اشتغل الحبارى قلع البقلة، ~~فعاد الحبارى إلى منبتها فلم يجدها، وأخذ يدور حول منبتها دورانا ~~متتابعا حتى خر ميتا، فعلم الشخص أنه يعالج بأكلها من اللسعة، وتلك ~~البقلة هي الجرجير البري. # وابن عرس يستظهر في الحية أكل السذاب، فإن النكهة السذابية تنفر ~~عنها الأفعى. # والكلاب إذا دودت بطونها أكلت سنبل القمح. وإذا جرحت اللقالق بعضها ~~بعضا داوت الجراحة بالصعتر الجبلي. والقنافذ تحس بالشمال والجنوب قبل ~~الهبوب فتغير المدخل إلى جحرها، وكان رجل بالقسطنطينية قد أثرى بسبب أنه ~~ينذر بالرياح قبل هبوبها، وينتفع الناس بإنذاره، وكان السبب فيه قنفذ في ~~داره يفعل الصنيع المذكور، فيستدل به. # والخطاف صانع في اتخاذ العش من الطين وقطع الخشب فإن أعوزه الطين ~~ابتل وتمرغ في التراب لتحمل جناحاه قدرا من الطين، وإذا فرخ بالغ في ~~تعهد الفراخ، وتأخذ ذرقها بمنقارها وترميها عن العش، وإذا دنا الصائد من ~~مكان فراخ القبجة ظهرت له القبحة وقربت مطمعة له ليتبعها ثم تذهب إلى ~~جانب آخر سوى جانب الفراخ. وناقر الخشب قلما يقع على الأرض، بل على الشجر ~~ينقر الموضع يعلم أن فيه دودا. والغرانيق تصعد في الجو عند الطيران، فإن ~~حجب بعضها عن بعض سحاب أو ضباب أحدثت عن أجنحتها حفيفا مسموعا يتبع به ~~بعضهم بعضا، فإذا باتت على جبل فإنها تضع رؤوسها تحت أجنحتها إلا ~~القائد فإنه ينام مكشوف الرأس فيسرع انتباهه، وإذا سمع جرسا صاح. وحال ~~النمل في الذهاب إلى مواضعها على خط مستقيم يحفظ بعضها بعضا أمر عجيب، ~~وإذا كشف عن بيوتهم الساتر الذي كان يستره وكان تحته بيض لهم، فإن كل ~~نملة تأخذ بيضة في فمها وتذهب في أسرع وقت. # والاستقصاء في هذا الباب مذكور في كتاب " طبائع الحيوان ". والمقصود من ~~ذلك أن الفضلاء من العقلاء يعجزون عن أمثال هذه الحيل، وإذا كان كذلك فلم ~~لا يجوز أن يقال: إنها تسبح الله وتثني عليه وإن كانت غير عارفة بسائر ~~الأمور ms6579 التي يعرفها الناس، ويؤيد هذا قوله تعالى: # ولكن لا تفقهون تسبيحهم # [الإسراء: 44]. ثم قال: { والله عليم بما يفعلون }. # قرأ الجمهور بالياء من تحت على المبالغة في وصف قدرة الله تعالى وعلمه ~~بخلقه. # وقرأ عيسى والحسن بالتاء من فوق، ففيه المعنى المذكور وزيادة الوعيد ~~والتخويف من الله تعالى وفي مصحف أبي وابن مسعود: " والله بصير بما ~~تفعلون ". # قوله تعالى: { ولله ملك السماوات والأرض } تنبيه على أن ~~الكل منه، لأن كل ما سواه ممكن ومحدث، والممكن والمحدث لا يوجد إلا عند ~~الانتهاء إلى القديم الواجب، ويدخل في هذا جميع الأجرام والأعراض، وأفعال ~~العباد وأحوالهم وخواطرهم. # وقوله: { وإلى الله المصير } وهذا دليل على المعاد، وأنه لا ~~بد من مصير الكل إليه. ### || [24.43-44] # وهذه الرؤية بصرية. والإزجاء: السوق قليلا قليلا، ومنه البضاعة ~~المزجاة التي يزجيها كل أحد، وإزجاء السير في الإبل: الرفق بها حتى تسير ~~شيئا شيئا. # قوله: " بينه " إنما دخلت " بين " على مفرد، وهي إنما تدخل على ~~مثنى فما فوقه، لأنه إما أن يراد بالسحاب: الجنس، فعاد الضمير عليه ~~على حكمه، وإما أن يراد حذف مضافه أي: بين قطعه، فإن كل قطعة سحابة. ~~قال ابن عطية: بين مفترق السحاب، لأن مفهوم السحاب يقتضي أن بينه ~~فروجا. وورش عن نافع لا يهمز " يؤلف ". وقالون عن نافع والباقون ~~يهمزون " يؤلف ". # قوله: { ثم يجعله ركاما } أي: متراكما يركب بعضها على البعض ~~ويتكاثف، والعرب تقول: إن الله تعالى إذا جعل السحاب ركاما بالريح عصر ~~بعضه بعضا فخرج الودق منه، ومن ذلك قوله تعالى: # وأنزلنا من المعصرات مآء ثجاجا # [النبأ: 14]، ومن ذلك قول حسان بن ثابت: # 3839- كلتاهما حلب العصير فعاطني # بزجاجة أرخاهما للمفصل # وروي: " للمفصل " بكسر الميم وفتح الصاد. فالمفصل: واحد ~~المفاصل. والمفصل: اللسان. وروي بالقاف. أراد حسان الخمر والماء الذي ~~مزجت، أي: من عصير العنب، وهذه من عصير السحاب، نقله ابن عطية. وقال أهل ~~الطبائع: إن تكوين السحاب والمطر والثلج والبرد والطل والصقيع في أكثر ~~الأمر يكون من تكاثف البخار، وفي الأقل من تكاثف الهواء. # أما الأول ms6580 فالبخار الصاعد إن كان قليلا وكان في الهواء من الحرارة ما ~~يحلل ذلك البخار فحينئذ ينحل وينقلب هواء، وإن كان البخار كثيرا ولم يكن ~~في الهواء من الحرارة ما يحلله فتلك الأبخرة المتصاعدة إما أن تبلغ في ~~صعودها إلى الطبقة الباردة من الهواء أو لا تبلغ. # فإن بلغت فإما أن يكون البرد قويا أو لا يكون. فإن لم يكن البرد هنا ~~قويا تكاثف ذلك البخار بذلك القدر من البرد واجتمع وتقاطر، فالبخار ~~المجتمع هو السحاب، والمتقاطر هو المطر، والديمة والوابل إنما يكون من ~~أمثال هذه الغيوم. وإن كان البرد شديدا فلا يخلو إما أن يصل البرد إلى ~~الإجزاء البخارية قبل اجتماعها وانحلالها حبات كبار أو بعد صيرورتها ~~كذلك. فإن كان على الوجه الأول نزل ثلجا. وإن كان على الوجه الثاني نزل ~~بردا فإن لم تبلغ الأبخرة إلى الطبقة الباردة فإما أن تكون كثيرة أو ~~قليلة. فإن كانت كثيرة فقد تنعقد سحابا ماطرا، وقد لا تنعقد. أما الأول ~~فلأسباب خمسة: # أحدها: إذا منع هبوب الرياح عن تصاعد تلك الأبخرة. # وثانيها: أن تكون الرياح (ضاغطة) إياها إلى الاجتماع بسبب وقوف جبال ~~قدام الريح. # وثالثها: أن تكون هناك رياح متقابلة متصادمة فتعود الأبخرة حينئذ. # ورابعها: أن يعرض للبخار المتقدم وقوف لثقله وبطء حركته يلتص به سائر ~~الأجزاء الكثيرة المدد. # وخامسها: لشدة برد الهواء القريب من الأرض، وقد نشاهد البخار يصعد في ~~بعض الجبال صعودا يسيرا حتى كأنه مكبة موضوعة على وهدة، ويكون ~~الناظر إليها فوق تلك الغمامة، والذين يكونون تحت الغمامة يمطرون، والذين ~~يكونون فوقها يكونون في الشمس. # فإن كانت الأبخرة القليلة الارتفاع قليلة لطيفة، فإذا مر بها برد الليل ~~وكثفها، فإنها تصير ماء محبوسا ينزل أولا متفرقا لا يحس به إلا عند ~~اجتماع شيء يعتد به، فإن لم يجمد كان طلا، وإن جمد كان صقيعا، ونسبة ~~الصقيع إلى الطل نسبة الثلج إلى المطر. # والجواب (أنا دللنا على) حدوث الأجسام وتوسلنا بذلك إلى كونه قادرا ~~مختارا يمكنه إيجاد الأجسام، فلا نقطع بما ذكرتموه ms6581 (لاحتمال أنه سبحانه ~~خلق أجزاء السحاب دفعة لا بالطريق الذي ذكرتموه) وأيضا فهب أن الأمر كما ~~ذكرتم، ولكن الأجسام بالاتفاق ممكنة في ذواتها فلا بد لها من مؤثر، ثم ~~إنها متماثلة، فاختصاص كل واحد منها بصفته المعينة من الصعود والهبوط ~~واللطافة والكثافة والحرارة والبرودة لا بد له من مخصص، فإذا كان هو ~~سبحانه خالقا لتلك الطبائع، فتلك الطبائع في هذه الأحوال لا بد لها من ~~سبب، وخالق السبب خالق المسبب، فكان سبحانه هو الذي يزجي سحابا، لأنه ~~هو الذي خلق تلك الطبائع المحركة لتلك الأبخرة من باطن الأرض إلى جو ~~الهواء، ثم تلك الأبخرة ترادفت في صعودها والتصق بعضها بالبعض، فهو ~~سبحانه هو الذي جعلها ركاما، فعلى جميع التقديرات توجه الاستدلال بهذه ~~الأشياء على القدرة والحكمة. # قوله: { فترى الودق يخرج من خلاله }. تقدم الخلاف في " ~~خلال " هل هو مفرد كحجاب أم جمع كجبال جمع " جبل "؟ ويؤيد الأول ~~قراءة ابن مسعود والضحاك - وتروى عن أبي عمرو أيضا - " من خلله ~~" بالإفراد وقرأ عاصم والأعرج: " ينزل " على المبالغة. # والجمهور على التخفيف. والودق: قيل: هو المطر ضعيفا كان أو شديدا، ~~قال: # 3840- فلا مزنة ودقت ودقها # ولا أرض أبقل إبقالها # وقيل: هو البرق، وأنشد: # 3841- أثرن عجاجة وخرجن منها # خروج الودق من خلل السحاب # والودق في الأصل مصدر، يقال: " ودق السحاب يدق ودقا " و " ~~يخرج " حال، لأن الرؤية بصرية. # قوله: { من السمآء من جبال فيها من برد }. " من " ~~الأولى لابتداء الغاية اتفاقا، لأن ابتداء الإنزال من السماء. وأما ~~الثانية ففيها ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها لابتداء الغاية أيضا فهي ومجرورها بدل من الأولى بإعادة ~~العامل، والتقدير: وينزل من جبال السماء، أي: من جبال فيها، فهو بدل ~~اشتمال. # الثاني: أنها للتبعيض، قاله الزمخشري وابن عطية، لأن جنس تلك الجبال من ~~جنس البرد، فعلى هذا هي ومجرورها في موضع مفعول الإنزال، كأنه قال: وينزل ~~بعض جبال. # الثالث: أنها زائدة، أي: ينزل من السماء جبالا. # وقال الحوفي: (من جبال) بدل من الأولى، ثم قال: " وهي للتبعيض ". # ورده أبو حيان بأنه ms6582 لا تستقيم البدلية إلا بتوافقهما معنى، لو قلت: خرجت ~~من بغداد من الكرخ، لم تكن الأولى والثانية إلا لابتداء الغاية. # وأما الثالثة ففيها أربعة أوجه: # الثلاثة المتقدمة، والرابع: أنها لبيان الجنس، قاله الحوفي والزمخشري. ~~فيكون التقدير على قولهما وينزل من السماء بعض جبال التي هي ~~البرد، فالمنزل برد، لأن بعض البرد برد، ومفعول " ~~ينزل ": هو من جبال كما تقدم تقريره. # وقال الزمخشري: " أو الأوليان للابتداء، والثالثة للتبعيض " يعني: ~~أن الثانية بدل من الأولى كما تقدم تقريره، وحينئذ يكون مفعول " ~~ينزل " هو الثالثة مع مجرورها، التقدير: وينزل بعض برد من ~~السماء من جبالها. وإذا قيل بأن الثانية والثالثة زائدتان، فهل ~~مجرورهما في محل نصب والثاني بدل من الأول، والتقدير: وينزل من ~~السماء جبالا بردا، فيكون بدل كل من كل أو بعض من كل، أو الثاني في ~~محل نصب مفعولا ل " ينزل " ، والثالث في محل رفع على الابتداء ~~وخبره الجار قبله؟ خلاف، الأول قول الأخفش، والثاني قول الفراء، وتكون ~~الجملة على قول الفراء صفة ل " جبال " ، فيحكم على موضعها بالجر ~~اعتبارا باللفظ، أو بالنصب اعتبارا بالمحل. ويجوز أن يكون " فيها " ~~وحده هو الوصف، ويكون " من برد " فاعلا به لاعتماده، أي استقر ~~فيها برد. وقال الزجاج: " معناه: وينزل من السماء من جبال برد ~~فيها، كما تقول: هذا خاتم في يدي من حديد، أي: خاتم حديد في يدي، وإنما ~~جئت في هذا وفي الآية ب " من " لما فرقت، ولأنك إذا قلت: هذا ~~خاتم من حديد، وخاتم حديد، كان المعنى واحدا " انتهى. # فيكون " من برد " في موضع جر صفة ل " جبال " كما كان " من ~~حديد " صفة ل " خاتم " ، ويكون مفعول: " ينزل ": " من ~~جبال " ، ويلزم من كون الجبال بردا أن يكون المنزل بردا. # وقال أبو البقاء: والوجه الثاني: أن التقدير: شيئا من جبال، فحذف ~~الموصوف واكتفى بالصفة. وهذا الوجه هو الصحيح، لأن قوله: { فيها من ~~برد } يحوجك إلى مفعول يعود الضمير إليه، فيكون تقديره: وينزل ~~من جبال السماء جبالا فيها برد، وفي ذلك زيادة حذف وتقدير ms6583 ~~مستغنى عنه. وفي كلامه نظر، لأن الضمير له شيء يعود عليه وهو " ~~السماء " ، فلا حاجة إلى تقدير شيء آخر، لأنه مستغنى عنه، وليس ثم ~~مانع يمنع من عوده على " السماء ". # وقوله آخرا: وتقدير يستغنى عنه ينافي قوله: وهذا الوجه هو الصحيح. ~~والضمير في " به " يجوز أن يعود على البرد وهو الظاهر، ويجوز أن يعود ~~على الودق والبرد معا جريا بالضمير مجرى اسم الإشارة، كأنه قيل: ~~فيصيب بذلك، وقد تقدم نظيره. # فصل # قال ابن عباس: أخبر الله أن في السماء جبالا من برد، ثم ينزل منها ما ~~شاء وهو قول أكثر المفسرين. وقيل: المراد بالسماء هو الغيم المرتفع، سمي ~~بذلك لسموه وارتفاعه، وأنه تعالى أنزل من الغيم الذي هو سماء البرد. ~~وأراد بقوله: " من جبال ": السحاب العظام، لأنها إذا عظمت شبهت ~~بالجبال كما يقال: فلان يملك جبالا من مال، ووصف بذلك توسعا. # وذهبوا إلى أن البرد ماء جامد خلقه الله في السحاب، ثم أنزل إلى الأرض. ~~وقال بعضهم: إنما سمي ذلك الغيم جبالا لأنه سبحانه خلقها من البرد، وكل ~~جسم متحجر فهو من الجبال، ومنه قوله تعالى: # خلقكم والجبلة الأولين # [الشعراء: 184]. قال المفسرون: والأول أولى، لأن السماء اسم لهذا ~~الجسم المخصوص، فتسمية السحاب سماء بالاشتقاق مجاز، وكما يصح أن يجعل ~~الماء في السحاب ثم ينزله بردا، فقد يصح في القدرة جعل هذين الأمرين في ~~السماء، فلا وجه لترك الظاهر. # قوله: { فيصيب به من يشآء } أي: بالبرد من يشاء فيهلك زرعه ~~وأمواله { ويصرفه عن من يشآء } أي: يصرف ضرره عمن يشاء بأن ~~لا يسقطه عليه. # قوله: { يكاد سنا برقه }. العامة على قصر " سنا " وهو الضوء، ~~وهو من ذوات الواو، يقال: سنا يسنو سنا، أي أضاء يضيء، قال امرؤ ~~القيس: # 3842- يضيء سناه أو مصابيح راهب # والسناء - بالمد -: الرفعة، قال: # 3843- (وسن كسنيق سناء وسنما) # وقرأ ابن وثاب: " سناء برقه " بالمد، وبضم الباء من " برقه " ~~وفتح الراء وروي عنه ضم الراء أيضا. فأما قراءة المد فإنه شبه المحسوس ~~من البرق لارتفاعه في الهواء بغير المحسوس ms6584 من الإنسان. فأما " برقه " ~~فجمع " برقة " ، وهي المقدار من البرق، ك " غرفة وغرف " ، و " ~~لقمة ولقم ". وأما ضم الراء فإتباع، ك " ظلمات " بضم اللام ~~إتباعا لضم الظاء، وإن كان أصلها السكون. وقرأ العامة أيضا " يذهب ~~" بفتح الياء والهاء. # وأبو جعفر بضم الياء وكسر الهاء من " أذهب ". # وقد خطأ هذه القراءة الأخفش وأبو حاتم، قالا: " لأن الباء ~~تعاقب الهمزة ". # وليس ردهما بصواب، لأنها تتخرج على ما خرج ما قرئ به في ~~المتواتر: " تنبت بالدهن " من أن الباء مزيدة، أو أن ~~المفعول محذوف والباء بمعنى " من " تقديره: يذهب النور من الأبصار، ~~كقوله: # 3844- شرب النزيف ببرد ماء الحشرج # فصل # المعنى: يكاد ضوء برق السحاب يذهب بالأبصار من شدة ضوئه. واعلم أن ~~البرق الذي صفته كذلك لا بد وأن يكون نارا عظيمة خالصة، والنار ضد الماء ~~والبرد، فظهوره يقتضي ظهور الضد من الضد، وذلك لا يمكن إلا بقدرة قادر ~~حكيم، ثم قال: { يقلب الله الليل والنهار } يصرفهما في ~~اختلافهما، ويعاقبهما: يأتي بالليل ويذهب بالنهار، ويأتي بالنهار ويذهب ~~بالليل قال عليه السلام: # " قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي ~~الأمر، أقلب الليل والنهار " # وقيل: المراد ولوج أحدهما في الآخر. # وقيل: المراد تغير أحوالهما في الحر والبرد وغيرهما. { إن في ذلك ~~لعبرة لأولي الأبصار } أي: إن في الذي ذكرت من هذه الأشياء { ~~لعبرة لأولي الأبصار } البصائر، أي: دلالة لأهل العقول على ~~قدرة الله وتوحيده. ### || [24.45-46] # قوله تعالى: { والله خلق كل دآبة من مآء } الآية. # لما استدل أولا بأحوال السماء والأرض، وثانيا بالآثار العلوية استدل ~~ثالثا بأحوال الحيوانات. قال ابن عطية: قرأ حمزة والكسائي: { والله ~~خالق كل دابة } على الإضافة، فإن قيل: لم قال: { والله ~~خلق كل دآبة من مآء } مع أن كثيرا من الحيوانات لم ~~يخلق من الماء، كالملائكة خلقوا من النور، وهم أعظم الحيوانات عددا، ~~وكذلك الجن وهم مخلوقون من النار، وخلق آدم من التراب لقوله: # خلقه من تراب # [آل عمران: 59] وخلق عيسى من الريح لقوله: # فنفخنا فيه من روحنا # [التحريم: ms6585 12] ونرى كثيرا من الحيوانات يتولد لا عن نطفة؟ فالجواب من ~~وجوه: # أحسنها: ما قال القفال: إن " ماء " صلة " كل دابة " وليس هو ~~من صلة " خلق " والمعنى: أن كل دابة متولدة من الماء فهي ~~مخلوقة لله تعالى. # وثانيها: أن أصل جميع المخلوقات الماء على ما روي: " أول ما خلق الله ~~جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فصارت ماء، ثم من ذلك الماء خلق النار ~~والهواء والنور ". والمقصود من هذه الآية: بيان أصل الخلقة، وكان أصل ~~الخلقة الماء، فلهذا ذكره الله تعالى. # وثالثها: المراد من " الدابة ": التي تدب على وجه الأرض، ومسكنهم ~~هنالك، فيخرج الملائكة والجن، ولما كان الغالب من هذه الحيوانات كونهم ~~مخلوقين من الماء، إما لأنها متولدة من النطفة، وإما لأنها لا تعيش إلا ~~بالماء، لا جرم أطلق عليه لفظ الكل تنزيلا للغالب منزلة الكل. # وقيل: الجار في قوله: " من ماء " متعلق ب " خلق " أي: خلق ~~من ماء كل دابة، و " من " لابتداء الغاية. ويرد على هذا ~~السؤال المتقدم. # فإن قيل: لم نكر الماء في قوله: " من ماء " وعرفه في قوله: # من المآء كل شيء حي # [الأنبياء: 30]؟ # فالجواب: جاء هاهنا منكرا لأن المعنى: خلق كل دابة من نوع من الماء ~~مختصا بتلك الدابة، وعرفه في قوله: # من المآء كل شيء حي # [الأنبياء: 30] لأن المقصود هناك: كونهم مخلوقين من هذا الجنس، وهاهنا ~~بيان أن ذلك الجنس ينقسم إلى أنواع كثيرة. # قوله: { فمنهم من يمشي }. إنما أطلق " من " على غير العاقل ~~لاختلاطه بالعاقل في المفصل ب " من " وهو " كل دابة ". وكان ~~التعبير ب " من " أولى ليوافق اللفظ. # وقيل: لما وصفهم بما يوصف به العقلاء وهو المشي أطلق عليها " ~~من " وفيه نظر، لأن هذه الصفة ليست خاصة بالعقلاء، بخلاف قوله تعالى: # أفمن يخلق كمن لا يخلق # [النحل: 17]، وقوله: # 3845- أسرب القطا هل من يعير جناحه # ........................... # البيت. # وقد تقدم خلاف القراء في { خلق كل دآبة } في سورة " ~~إبراهيم ". # واستعير المشي للزحف على البطن، كما استعير المشفر للشفة وبالعكس، كما ~~قالوا في الأمر المستمر: قد مشى هذا ms6586 الأمر، ويقال: فلان ما يمشي له أمر. ~~فإن قيل: لم حصر القسمة في هذه الثلاثة أنواع من المشي، وقد تجد من يمشي ~~على أكثر من أربع كالعناكب والعقارب والرتيلات والحيوان الذي له أربعة ~~وأربعون رجلا؟ # فالجواب: هذا القسم الذي لم يذكر كالنادر، فكان ملحقا بالعدم. وأيضا ~~قال النقاش: إنه اكتفى بذكر ما يمشي على أربع عن ذكر ما يمشي على أكثر، ~~لأن جميع الحيوان إنما اعتماده على أربع، وهي قوام مشيه، وكثرة الأرجل ~~لبعض الحيوان زيادة في الخلقة، لا يحتاج ذلك الحيوان في مشيه إلى ~~جميعها. قال ابن عطية: والظاهر أن تلك الأرجل الكثيرة ليست باطلا، بل هي ~~محتاج إليها في نقل الحيوان، وهي كلها تتحرك في تصرفه. # وجواب آخر وهو أن قوله تعالى: { يخلق الله ما يشآء } ~~كالتنبيه على سائر الأقسام. # وفي مصحف أبي بن كعب: " ومنهم من يمشي على أكثر " فعم ~~بهذه الزيادة جميع الحيوان، ولكنه قرآن لم يثبت بالإجماع. # قوله: { يخلق الله ما يشآء إن الله على كل ~~شيء قدير } لأنه هو القادر على الكل، والعالم بالكل، فهو المطلع ~~على أحوال هذه الحيوانات، فأي عقل يقف عليها؟ وأي خاطر يصل إلى ذرة من ~~أسرارها؟ بل هو الذي يخلق ما يشاء كما يشاء، ولا يمنعه منه مانع. # قوله: { لقد أنزلنآ آيات مبينات }. الأولى حمله على كل ~~الأدلة. وقيل: المراد القرآن، لأن كالمشتمل على كل الأدلة والعبر. { ~~والله يهدي من يشآء إلى صراط مستقيم } وتقدم ~~الكلام في نظائر هذه الآية بين أهل السنة والمعتزلة. ### || [24.47-50] # قوله تعالى: { ويقولون آمنا بالله وبالرسول ~~وأطعنا } الآية. # لما ذكر دلائل التوحيد أتبعه بذم قوم اعترفوا بالذنب بألسنتهم ولكنهم لم ~~يقبلوه بقلوبهم. # قال مقاتل: نزلت هذه الآية في بشر المنافق وكان قد خاصم يهوديا في أرض، ~~فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - وقال المنافق: ~~نتحاكم إلى كعب بن الأشرف، فإن محمدا يحيف علينا، فأنزل الله هذه الآية. ~~وقد مضت قصتها في سورة " النساء ". # وقال الضحاك: نزلت في المغيرة بن وائل، كان ms6587 بينه وبين علي بن أبي طالب ~~أرض تقاسماها، فوقع إلى علي ما لا يصيبه الماء إلا بمشقة، فقال المغيرة: ~~بعني أرضك. فباعها إياه، وتقابضا. فقيل للمغيرة: أخذت سبخة لا ينالها ~~الماء فقال لعلي: اقبض أرضك، فإنما اشتريتها إن رضيتها، ولم أرضها. فقال ~~علي: بل اشتريتها ورضيتها وقبضتها وعرفت حالها، لا أقبلها منك، ودعاه إلى ~~أن يخاصمه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال المغيرة: أما محمد ~~فلا آتيه ولا أحاكم إليه، فإنه يبغضني، وأنا خاف أن يحيف علي، فنزلت ~~الآية. # وقال الحسن: نزلت هذه في المنافقين الذين كانوا يظهرون الإيمان ويسرون ~~الكفر. # فصل # المعنى: { ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا } ~~يعني: المنافقين يقولونه، " ثم يتولى " يعرض عن طاعة الله ورسوله ~~{ فريق منهم من بعد ذلك } أي من بعد قولهم: آمنا، ~~ويدعو إلى غير حكم الله، ثم قال: { ومآ أولئك بالمؤمنين ~~}. # فإن قيل: إنه تعالى حكى عن كلهم أنهم يقولون: " آمنا " ثم حكى عن ~~فريق منهم التولي، فكيف يصح أن يقول في جميعهم: { ومآ أولئك ~~بالمؤمنين } مع أن المتولي فريق منهم؟ # فالجواب: أن قوله: { ومآ أولئك بالمؤمنين } راجع إلى ~~الذين تولوا لا إلى الجملة الأولى، وأيضا فلو رجع إلى الأولى لصح، ويكون ~~معنى قوله: { ثم يتولى فريق منهم } أي: يرجع هذا الفريق ~~إلى الباقين فيظهر بضهم لبعض الرجوع، كما أظهروه، ثم بين تعالى أنهم إذا ~~دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق ~~منهم معرضون، وهذا ترك للرضا بحكم الرسول لقوله تعالى: { وإن ~~يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين } منقادين ~~لحكمه، أي: إذا كان الحق لهم على غيرهم أسرعوا إلى حكمه لتيقنهم أنه كما ~~يحكم عليهم بالحق يحكم لهم أيضا بالحق، وهذا يدل على أنهم إنما يعرضون ~~متى عرفوا الحق لغيرهم أو شكوا. فأما إذا عرفوه لأنفسهم عدلوا عن الإعراض ~~وسارعوا إلى الحكم وأذعنوا (ببذل الرضا). # قوله: " ليحكم " أفرد الضمير وقد تقدمه اسمان وهما: " الله ~~ورسوله " فهو كقوله: # والله ورسوله أحق أن يرضوه # [التوبة: 62] لأن حكم رسوله هو حكمه. # قال الزمخشري: ms6588 كقولك: أعجبني زيد وكرمه، أي: كرم ~~زيد، ومنه: # 3846- ومنهل من الفيافي أوسطه # غلسته قبل القطا وفرطه # أي: قبل فرط (القطا) يعني: قبل تقدم القطا. وقرأ أبو جعفر والجحدري ~~وخالد بن إلياس والحسن: " ليحكم بينهم " هنا، والتي بعدها ~~مبنيا للمفعول، والظرف قائم مقام الفاعل. # قوله: " إذا فريق " " إذا " هي الفجائية، وهي جواب " إذا " الشرطية ~~أولا وهذا أحد الأدلة على منع أن يعمل في " إذا " الشرطية جوابها، فإن ~~ما بعد الفجائية لا يعمل فيما قبلها، كذا ذكره أبو حيان، وتقدم تحرير هذا ~~وجواب الجمهور عنه. # قوله: " إليه " يجوز تعلقه ب " يأتوا " ، لأن " أتى " و " ~~جاء " قد جاءا معديين ب " إلى " ، ويجوز أن يتعلق ب " ~~مذعنين " لأنه بمعنى: مسرعين في الطاعة. وصححه الزمخشري، قال: ~~لتقدم صلته، ولدلالته على الاختصاص، و " مذعنين " حال والإذعان: ~~الانقياد، يقال: أذعن فلان لفلان، انقاد له. وقال الزجاج: " ~~الإذعان: الإسراع مع الطاعة ". # قوله: { أم ارتابوا أم يخافون }. " أم " فيهما منقطعة، ~~فتقدر عند الجمهور بحرف الإضراب وهمزة الاستفهام، تقديره: بل أرتابوا ~~بل أيخافون، ومعنى الاستفهام هنا: التقرير والتوقيف، ويبالغ فيه ~~تارة في الذم كقوله: # 3847- ألست من القوم الذين تعاهدوا # على اللؤم والفحشاء في سالف الدهر # وتارة في المدح كقول جرير: # 3848- ألستم خير من ركب المطايا # وأندى العالمين بطون راح # و " أن يحيف " مفعول الخوف والحوف: الميل والجور في القضاء، يقال: ~~حاف في قضائه، أي: (مال). # فصل # قوله { أفي قلوبهم مرض } نفاق " أم ارتابوا " شكوا، وهو ~~استفهام ذم وتوبيخ، أي هم كذلك، { أم يخافون أن يحيف الله ~~عليهم ورسوله } أي: يظلم { بل أولئك هم ~~الظالمون } ، لأنفسهم بإعراضهم عن الحق. # قال الحسن بن أبي الحسن: من دعا خصمه إلى حكم من أحكام المسلمين فلم ~~يجب، فهو ظالم فإن قيل: إذا خافوا أن يحيف الله عليهم ورسوله فقد ارتابوا ~~في الدين، وإذا ارتابوا ففي قلوبهم مرض، فالكل واحد، فأي فائدة في ~~التعديد؟ # فالجواب: قوله: { أفي قلوبهم مرض } إشارة إلى النفاق، وقوله: ~~" أم ارتابوا " إشارة إلى أنهم بلغوا في حب الدنيا إلى حيث يتركون ms6589 ~~الدين بسببه. فإن قيل: هذه الثلاثة متغايرة ولكنها متلازمة، فكيف أدخل ~~عليها كلمة " أم "؟ # فالجواب الأقرب أنه تعالى أنبههم على كل واحدة من هذه الأوصاف، فكان في ~~قلوبهم مرض وهو النفاق، وكان فيها شك وارتياب، وكانوا يخافون الحيف من ~~الرسول، وكل واحد من ذلك كفر ونفاق، ثم بين تعالى بقوله: { بل ~~أولئك هم الظالمون } بطلان ما هم عليه، لأن الظلم يتناول ~~كل معصية، كما قال تعالى: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]. ### || [24.51-54] # قوله تعالى: { إنما كان قول المؤمنين }. العامة على نصب ~~" قول " خبرا ل " كان " ، والاسم " أن " المصدرية وما بعدها. ~~وقرأ أمير المؤمنين والحسن وابن أبي إسحاق برفعه على أنه الاسم، و " أن ~~" وما في حيزها الخبر، وهي عندهم مرجوحة، لأنه متى اجتمع ~~معرفتان فالأولى جعل الأعرف الاسم، وإن كان سيبويه خير في ذلك بين ~~كل معرفتين، ولم يفرق هذه التفرقة، وتقدم تحقيق هذا في " آل عمران ". # فصل # قوله: { إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى ~~الله } أي: إلى كتاب الله { ورسوله ليحكم بينهم } وهذا ~~ليس على طريق الخبر، ولكنه تعليم أدب الشرع، بمعنى أن المؤمنين ينبغي أن ~~يكونوا هكذا، { أن يقولوا سمعنا وأطعنا } أي: سمعنا الدعاء ~~وأطعنا بالإجابة، { وأولئك هم المفلحون ومن يطع ~~الله ورسوله } قال ابن عباس: فيما ساءه وسره " ويخشى الله ~~" فيما صدر عنه من الذنوب في الماضي " ويتقه " فيما بقي من عمره { ~~فأولئك هم الفآئزون } الناجون. # قوله: " ويتقه ". القراء فيه بالنسبة إلى القاف على مرتبتين: # الأولى: تسكين القاف، ولم يقرأ بها إلا حفص. والباقون بكسرها. # وأما بالنسبة إلى هاء الكناية فإنهم فيها على خمس مراتب: # الأولى: تحريكها مفصولة قولا واحدا، وبها قرأ ورش وابن ~~ذكوان وخلف وابن كثير والكسائي. # الثانية: تسكينها قولا واحدا، وبها قرأ أبو عمرو وأبو بكر عن عاصم. # الثالثة: إسكان الهاء أو وصلها بياء، وبها قرأ خلاد. # الرابعة: تحريكها من غير صلة، وبها قرأ قالون وحفص. # الخامسة: تحريكها موصولة أو مقصورة، وبها قرأ هشام. # فأما إسكان الهاء وقصرها وإشباعها فقد مر تحقيقه مستوفى. ms6590 وأما ~~تسكين القاف فإنهم حملوا المنفصل على المتصل، وذلك أنهم يسكنون ~~عين " فعل " فيقولون: كبد، وكتف، وصبر في كبد وكتف وصبر، لأنها ~~كلمة واحدة، ثم أجري ما أشبه ذلك من المنفصل مجرى المتصل، فإن " ~~يتقه " صار منه " تقه " بمنزلة " كتف " فسكن كما يسكن، ومنه: # 3849- قالت سليمى اشتر لنا سويقا # بسكون الراء كما سكن الآخر: # 3850- فبات منتصبا وما تكردسا # وقول الآخر: # 3851- عجبت لمولود وليس له أب # وذي ولد لم يلده أبوان # يريد: " منتصبا " ، و " لم يلده ". # وتقدم في أول البقرة تحرير هذا الضابط في قوله: # فهي كالحجارة # [البقرة: 74] و " هي " و " هو " ونحوها: # وقال مكي: كان يجب على من سكن القاف أن يضم الهاء، لأن هاء ~~الكناية إذا سكن ما قبلها ولم يكن الساكن ياء ضمت نحو " منه " ~~و " عنه " ، ولكن لما كان سكون القاف عارضا لم يعتد به، وأبقى ~~الهاء على كسرتها التي كانت عليها مع كسر القاف، ولم يصلها بياء، لأن ~~الياء المحذوفة قبل الهاء مقدرة منوية، (فبقي الحذف الذي في ~~الياء قبل الهاء على أصله). # وقال الفارسي: الكسرة في الهاء لالتقاء الساكنين، وليست الكسرة التي ~~قبل الصلة، وذلك أن هاء الكناية ساكنة في قراءته، ولما أجرى " ~~تقه " مجرى كتف، وسكن القاف التقى ساكنان، ولما التقيا اضطر ~~إلى تحريك أحدهما، فإما أن يحرك الأول أو الثاني، (و) لا سبيل إلى ~~تحريك الأول، لأنه يعود إلى ما فر منه، وهو ثقل " فعل " فحرك ~~ثانيهما (على غير) أصل التقاء الساكنين، فلذلك كسر الهاء، ويؤيده قوله: # 3852-........................ # .................. لم يلده أبوان # وذلك أن أصله: لم " يلده " بكسر اللام وسكون الدال للجزم، ثم لما سكن ~~اللام التقى ساكنان، فلو حرك الأول لعاد إلى ما فر منه، فحرك ثانيهما ~~وهو الدال، وحركها بالفتح وإن كان على خلاف أصل التقاء الساكنين مراعاة ~~لفتحة الياء. وقد رد أبو القاسم بن فيره قول الفارسي وقال: لا يصح ~~قوله: إنه كسر الهاء لالتقاء الساكنين، لأن حفصا لم يسكن الهاء في ~~قراءته قط وقد رد أبو عبد الله شارح قصيدته هذا ms6591 الرد، وقال: وعجبت من ~~نفيه الإسكان عنه مع ثبوته عنه في # أرجه # [الأعراف: 111] و # فألقه # [النمل: 28]، وإذا قرأه في " أرجه " و " فألقه " احتمل أن ~~يكون " يتقه " عنده قبل سكون القاف كذلك، وربما يرجح ذلك بما ثبت ~~عن عاصم من قراءته إياه بسكون الهاء مع كسر القاف. قال شهاب الدين: لم ~~يعن الشاطبي بأنه لم يسكن الهاء قط، الهاء من حيث هي هي، وإنما ~~(عنى هاء) " يتقه " خاصة، وكان الشاطبي أيضا يعترض التوجيه ~~الذي تقدم عن مكي، ويقول: تعليله حذف الصلة بأن الياء المحذوفة قبل ~~الهاء مقدرة منوية، فبقي في حذف الصلة بعد الهاء على أصله غير ~~مستقيم من قبل أنه قرأ " يؤدهي " [آل عمران: 75] وشبهه بالصلة، ~~ولو كان يعتبر ما قاله من تقدير الياء قبل الهاء لم يصلها. # قال أبو عبد الله: هو وإن قرأ " يؤد هي " وشبهه بالصلة فإنه ~~قرأ: # يرضه # [الزمر: 7] بغير صلة، فألحق مكي " يتقه " ب " يرضه " ، ~~وجعله مما خرج فيه عن نظائره لاتباع الأثر، والجمع بين اللغتين، ويرجح ~~ذلك عنده لأن اللفظ عليه، ولما كانت القاف في حكم المكسورة بدليل كسر ~~الهاء بعدها صار كأنه " يتقه " بكسر القاف والهاء من غير صلة، ~~كقراءة قالون وهشام في أحد وجهيه، فعلله بما يعلل به قراءتهما، ~~والشاطبي يرجح عنده حمله على الأكثر مما قرأ به، لا على ما قل وندر، ~~فاقتضى تعليله بما ذكر. # قوله تعالى: { وأقسموا بالله جهد أيمانهم }. في " ~~جهد أيمانهم " وجهان: # أحدهما: أنه منصوب على المصدر بدلا من اللفظ بفعله، إذ أصل: أقسم بالله ~~جهد اليمين: أقسم بجهد اليمين جهدا، فحذف الفعل وقدم المصدر موضوعا ~~موضعه، مضافا إلى المفعول ك # ضرب الرقاب # [محمد: 11]، قاله الزمخشري. # والثاني: أنه حال، تقديره: مجتهدين في أيمانهم، كقولهم: افعل ذلك جهدك ~~وطاقتك. وقد خلط الزمخشري الوجهين فجعلهما وجها واحدا فقال بعد ما ~~تقدم عنه: وحكم هذا المنصوب حكم الحال، كأنه قيل: جاهدين أيمانهم وتقدم ~~الكلام على # جهد أيمانهم # في المائدة [53]. # فصل # قال مقاتل: من حلف بالله فقد أجهد في اليمين، وذلك ms6592 أن المنافقين كانوا ~~يقولون لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # " أينما كنت نكن معك، لئن خرجت خرجنا، وإن أقمت أقمنا، وإن أمرتنا ~~بالجهاد جاهدنا " # فقال الله تعالى: " قل " لهم " لا تقسموا " لا تحلفوا، وهاهنا تم ~~الكلام. # ولو كان قسمهم لما يجب لم يجز النهي عنه، لأن من حلف على القيام بالبر ~~والواجب لا يجوز أن ينهى عنه، فثبت أن قسمهم كان لنفاقهم، وكان باطنهم ~~بخلاف ظاهرهم، ومن نوى الغدر لا الوفاء فقسمه قبيح. # قوله: " طاعة معروفة ". في رفعها ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه خبر مبتدأ مضمر تقديره: " أمرنا طاعة " ، أو " ~~المطلوب طاعة ". # والثاني: أنها مبتدأ والخبر محذوف، أي: (أمثل أو أولى). # وقد تقدم أن الخبر متى كان في الأصل مصدرا بدلا من اللفظ بفعل ~~وجب حذف مبتدأه، كقوله: # صبر جميل # [يوسف: 83]، ولا يبرز إلا اضطرارا، كقوله: # 3853- فقالت على اسم الله أمرك طاعة # وإن كنت قد كلفت ما لم أعود # على خلاف في ذلك. # والثالث: أن يكون فاعله بفعل محذوف، أي: ولتكن طاعة، ولتوجد طاعة. # واستضعف ذلك بأن الفعل لا يحذف إلا (إذا) تقدم مشعر به، كقوله: # يسبح له فيها بالغدو والآصال # [النور: 36] في قراءة من بناه للمفعول، أي: يسبحه رجال. أو ~~يجاب به نفي، كقولك: بلى زيد لمن قال: " لم يقم أحد ". أو استفهام ~~كقوله: # 3854- ألا هل أتى أم الحويرث مرسل # بلى خالد إن لم تعقه العوائق # وقرأ زيد بن علي واليزيدي: " طاعة " بنصبها بفعل مضمر، وهو الأصل. قال ~~أبو البقاء: # ولو قرئ بالنصب لكان جائزا في العربية، وذلك على المصدر، أي: أطيعوا ~~طاعة وقولوا قولا، وقد دل عليه قوله بعدها: { قل أطيعوا ~~الله } قال شهاب الدين: (قوله: (ولو قرئ بالنصب لكان جائزا) قد تقدم ~~النقل لقراءته). وأما قوله: (وقولوا قولا) فكأنه سبق لسانه إلى آية ~~القتال، وهي: # فأولى لهم طاعة وقول معروف # [محمد: 20، 21] ولكن النصب هناك ممتنع أو بعيد. # فصل # المعنى: هذه طاعة بالقول باللسان دون الاعتقاد، وهي معروفة، أي: أمر عرف ~~منكم أنكم تكذبون وتقولون ما لا تفعلون، قاله ms6593 مجاهد. وقيل: طاعة معروفة ~~بنية خالصة أفضل وأمثل من يمين باللسان لا يوافقها الفعل. وقال مقاتل بن ~~سليمان: لتكن منكم طاعة معروفة. هذا على قراءة الرفع. وأما على قراءة ~~النصب فالمعنى: أطيعوا الله طاعة و { الله خبير بما تعملون ~~} أي: لا يخفى عليه شيء من سرائركم، فإنه فاضحكم لا محالة، ومجازيكم على ~~نفاقكم، ثم قال: { قل أطيعوا الله (وأطيعوا) الرسول ~~فإن تولوا } أي: عن طاعة الله ورسوله " فإنما عليه " أي: ~~على الرسول " ما حمل " كلف وأمر به من تبليغ الرسالة { ~~وعليكم ما حملتم } من الإجابة والطاعة. وقرأ نافع في ~~رواية: { فإنما عليه ما حمل } بفتح الحاء والتخفيف أي: فعليه ~~إثم ما حمل من المعصية. # { وإن تطيعوه تهتدوا } أي: تصيبوا الحق، وإن عصيتموه، ف { ~~ما على الرسول إلا البلاغ المبين } ، و " البلاغ " ~~بمعنى: التبليغ. و " المبين ": الواضح. # قوله: " فإن تولوا " يجوز أن يكون ماضيا، وتكون الواو ضمير ~~الغائبين ويكون في الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة، وحسن الالتفات ~~هنا كونه لم يواجههم بالتولي والإعراض، وأن يكون مضارعا حذفت إحدى ~~تاءيه، والأصل: " تتولوا " ، ويرجح هذا قراءة البزي: بتشديد ~~(التاء " فإن) تولوا ". وإن كان بعضهم يستضعفها للجمع بين ساكنين ~~على غير حدهما. # ويرجحه أيضا الخطاب في قوله: { وعليكم ما حملتم وإن ~~تطيعوه تهتدوا } ، ودعوى الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ثانيا ~~بعيد. ### || [24.55] # قوله تعالى: { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا ~~الصالحات } الآية. # تقدير النظم: بلغ أيها الرسول وأطيعوا أيها المؤمنون فقد { وعد ~~الله الذين آمنوا منكم } أي: الذين جمعوا بين الإيمان ~~والعمل الصالح أن يستخلفهم في الأرض فيجعلهم الخلفاء والغالبين ~~والمالكين، كما استخلف عليها من قبلهم في زمن داود وسليمان عليهما السلام ~~- وغيرهما، وأنه يمكن لهم دينهم، وتمكينه ذلك بأن يؤيدهم بالنصر ~~والإعزاز، ويبدلهم من بعد خوفهم من العدو أمنا، بأن ينصرهم عليهم ~~فيقتلوهم، ويأمنوا بذلك شرهم. # قال أبو العالية: مكث النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد الوحي بمكة عشر ~~سنين مع أصحابه، وأمروا بالصبر على أذى الكفار، فكانوا يصبحون ويمسون ~~خائفين، ثم ms6594 أمروا بالهجرة إلى المدينة، وأمروا بالقتال، وهم على خوفهم لا ~~يفارق أحد منهم سلاحه، فقال رجل منهم: ما يأتي علينا يوم نأمن فيه، ونضع ~~السلاح فأنزل الله هذه الآية: { وعد الله الذين آمنوا ~~منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم } أدخل اللام ~~لجواب اليمين المضمرة، يعني: والله ليستخلفنهم في الأرض ليورثنهم أرض ~~الكفار من العرب والعجم فيجعلهم ملوكها وسكانها { كما استخلف ~~الذين من قبلهم }. # (قال قتادة: داود وسليمان وغيرهما من الأنبياء. # وقيل): { كما استخلف الذين من قبلهم } يعني: بني ~~إسرائيل، حيث أهلك الجبابرة بمصر والشام، وأورثهم أرضهم وديارهم. روى عدي ~~بن حاتم قال: # " أتينا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ أتى إليه رجل فشكى إليه ~~الفاقة، ثم أتاه آخر فشكى إليه قطع النسل، فقال: " يا عدي هل رأيت ~~الحيرة؟ " قلت: لم أرها وقد أتيت فيها: قال: " فإن طالت بك حياة فلترين ~~الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله " قلت ~~فيما بيني وبين نفسي: فأين قد سعوا البلاد، " وإن طالت بك حياة لتفتحن ~~كنوز كسرى ". قلت: كسرى بن هرمز، " ولئن طالت بك حياة لترين الرجل من مكة ~~يخرج ملأ كفه من ذهب، أو ذهب يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدا يقبله، ~~وليلقين الله أحدكم يوم القيامة وليس بينه وبينه ترجمان يترجم له، ~~وليقولن: " ألم أبعث إليك رسولا فيبلغك؟ فيقول: بلى، فيقول: ألم أعطك ~~مالا وأتفضل عليك " فيقول: بلى، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا الجنة، ~~وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم " # قال عدي: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد تمرا فبكلمة طيبة " # - قال عدي فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا ~~الله تعالى وكنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ~~ما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - # " يخرج (الرجل ملأ كفه) ". # قوله: " ليستخلفنهم " فيه وجهان: # أحدهما: هو جواب قسم مضمر، أي: أقسم ليستخلفنهم، ويكون مفعول الوعد ~~محذوفا ms6595 تقديره: وعدهم الاستخلاف، لدلالة قوله: " ~~ليستخلفنهم " عليه. # والثاني: أن يجرى " وعد " مجرى القسم لتحققه، فلذلك أجيب بما ~~يجاب به القسم. # قوله: " كما استخلف " أي: استخلافا كاستخلافهم. ~~والعامة على بناء استخلف للفاعل. # وأبو بكر بناه للمفعول. فالموصول منصوب على الأول ومرفوع على الثاني. # قوله: " وليبدلنهم ". قرأ ابن كثير وأبو بكر: " ~~وليبدلنهم " بسكون الباء وتخفيف الدال من أبدل وتقدم توجيهها في ~~الكهف في قوله: # أن يبدلهما ربهما # [الكهف: 81]. # قوله: " يعبدونني " فيه سبعة أوجه: # أحدها: أنه مستأنف، أي: جواب لسؤال مقدر، كأنه قيل: ما بالهم ~~يستخلفون ويؤمنون؟ # فقيل: " يعبدونني ". # والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: هم يعبدونني، والجملة أيضا ~~استئنافية تقتضي المدح. # الثالث: أنه حال من مفعول " وعد الله ". # الرابع: أنه حال من مفعول " ليستخلفنهم ". # الخامس: أن يكون حالا من فاعله. # السادس: أن يكون حالا من مفعول " ليبدلنهم ". # السابع: أن يكون حالا من فاعله. # قوله: " لا يشركون ". يجوز أن يكون مستأنفا، وأن يكون حالا من ~~فاعل " يعبدونني " أي: يعبدونني موحدين، وأن يكون بدلا من الجملة ~~التي قبله الواقعة حالا، وتقدم ما فيها. # فصل # دل قوله: " وعد الله " على أنه متكلم، لأن الوعد نوع من أنواع ~~الكلام، والموصوف بالنوع موصوف بالجنس، ولأنه تعالى ملك مطاع، والملك ~~المطاع لا بد وأن يكون بحيث يمكنه وعد أوليائه ووعيد أعدائه، فثبت أنه ~~سبحانه متكلم. # فصل # ودلت الآية على أنه سبحانه يعلم الأشياء قبل وقوعها خلافا لهشام بن ~~الحكم، فإنه قال: لا يعلمها قبل وقوعها. ووجه الاستدلال أنه تعالى أخبر ~~عن وقوع شيء في المستقبل إخبارا على التفصيل. وقد وقع المخبر مطابقا ~~للخبر، ومثل هذا الخبر لا يصح إلا مع العلم. # فصل # ودلت الآية على أنه تعالى حي قادر على جميع الممكنات لقوله: " ~~ليستخلفنهم في الأرض وليمكنن لهم دينهم ~~الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم ~~أمنا " وقد فعل كل ذلك، وصدور هذه الأشياء لا يصح إلا من القادر على ~~كل الممكنات المقدورات. # فصل # ودلت الآية على أنه سبحانه هو المستحق للعبادة، لأن قال: " ~~يعبدونني ". # وقالت المعتزلة: الآية ms6596 تدل على أن فعل الله تعالى معلل بالغرض، لأن ~~المعنى: لكي يعبدونني. وقالوا أيضا: الآية تدل على أنه سبحانه يريد ~~العبادة من الكل، لأن من فعل فعلا لغرض، فلا بد وأن يكون مريدا لذلك ~~الغرض. # فصل # ودلت الآية على أنه سبحانه منزه عن الشريك، لقوله: { لا يشركون ~~بي شيئا } وذلك يدل على نفي الإله الثاني، وعلى أنه لا يجوز عبادة ~~غير الله سبحانه. # فصل # ودلت الآية على نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - لأنه أخبر عن الغيب ~~بقوله: { ليستخلفنهم في الأرض } { وليمكنن ~~لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من ~~بعد خوفهم أمنا } وقد وجد هذا المخبر موافقا للخبر، ومثل هذا ~~الخبر معجز، والمعجز دليل الصدق، فدل على صدق محمد عليه السلام. # فصل # دلت الآية على أن العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان، خلافا للمعتزلة، ~~لأنه عطف العمل الصالح على الإيمان، والمعطوف خارج عن المعطوف عليه. # فصل # دلت الآية على إمامة الأئمة الأربعة، لأنه تعالى وعد الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات من الحاضرين في زمان محمد - عليه السلام - بقوله: " منكم " ~~بأنه يستخلفهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وأن يمكن لهم دينهم ~~المرضي، وأن يبدلهم بعد الخوف أمنا، ومعلوم أن المراد بهذا الوعد بعد ~~الرسول هؤلاء، لأن استخلاف غيره لا يكون إلا بعده، ومعلوم ألا نبي بعده، ~~لأنه خاتم الأنبياء، فإذن المراد بهذا الاستخلاف طريقة الإمامة، ومعلوم ~~أن بعد الرسول لا يحصل هذا الاستخلاف إلا في أيام أبي بكر وعمر وعثمان، ~~لأن في أيامهم كان الفتوح العظيم، وحصل التمكن، وظهر الدين والأمن، ولم ~~يحصل ذلك في أيام علي - كرم الله وجهه - لأنه لم يتفرغ لجهاد الكفار، ~~لاشتغاله بمحاربة من خالفه من أهل الصلاة، فثبت بهذا دلالة الآية على صحة ~~خلافة هؤلاء. فإن قيل: الآية متروكة الظاهر، لأنها تقتضي حصول الخلافة ~~لكل من آمن وعمل صالحا، ولم يكن الأمر كذلك، نزلنا عنه، ولكن لم لا يجوز ~~أن يكون المراد من قوله: " ليستخلفنهم " هو أنه تعالى أسكنهم ~~في الأرض، ومكنهم من التصرف، لأن ms6597 المراد خلافة الله، ويدل عليه قوله: { ~~كما استخلف الذين من قبلهم } واستخلاف من كان قبلهم لم ~~يكن بطريق الأمانة، فوجب أن يكون الأمن في حقهم أيضا، كذلك نزلنا عنه، ~~لكن هاهنا ما يدل على أنه لا يجوز حمله على خلافة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - لأن من مذهبكم أنه - عليه السلام - لم يستخلف أحدا، وروي عن ~~علي - رضي الله عنه - أنه قال: " أنزلتكم كما نزلت نبي الله " فعبر عنه ~~بلفظ الجمع على سبيل التعظيم كقوله تعالى: # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر: 1]، وقال في حق علي - رضي الله عنه -: # الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم ~~راكعون # [المائدة: 55]، نزلنا عنه، ولكن نحمله على الأئمة الاثني عشر؟ # والجواب عن الأول: أن كلمة " من " للتبعيض، فقوله: " منكم " يدل ~~على أن المراد من هذا الخطاب بعضهم. # وعن الثاني: أن الاستخلاف بالمعنى الذي ذكرتموه حاصل لجميع الخلق، ~~والمذكور هاهنا في معرض البشارة، فلا بد وأن يكون مغايرا له. # وأما قوله تعالى: { كما استخلف الذين من قبلهم } ~~فالذين كانوا قبلهم قد كانوا خلفاء تارة بسبب النبوة وتارة بسبب الملك، ~~فالخلافة حاصلة في الصورتين. # وعن الثالث: أنه وإن كان مذهبنا أنه عليه السلام لم يستخلف أحدا ~~بالتعيين، ولكن قد استخلف بذكر الوصف والأمر والإخبار، فلا يمتنع في ~~هؤلاء أنه تعالى استخلفهم، وأن الرسول استخلفهم، وعلى هذا الوجه قالوا في ~~أبي بكر - رضي الله عنه - خليفة رسول الله، والذي قيل: إنه عليه السلام ~~لم يستخلف أريد به على وجه التعيين، وإذا قيل: استخلف فالمراد على طريق ~~الوصف والأمر. # وعن الرابع: أن حمل لفظ الجمع على الواحد مجاز، وهو خلاف الأصل. # وعن الخامس: أنه باطل لوجهين: # أحدهما: قوله تعالى: " منكم " يدل على أن الخطاب كان مع الحاضرين، ~~وهؤلاء الأئمة ما كانوا حاضرين. # الثاني: أنه تعالى وعدهم القوة والشوكة والبقاء في العالم، ولم يوجد ذلك ~~فيهم. فثبت بهذا صحة إمامة الأئمة الأربعة، وبطل قول الرافضة الطاعنين ~~على أبي بكر وعمر وعثمان، وعلى بطلان قول الخوارج، الطاعنين على عثمان ~~وعلي. ms6598 # قوله: { ومن كفر بعد ذلك } أراد كفر النعمة، ولم يرد الكفر ~~بالله تعالى، { فأولئك هم الفاسقون } العاصون لله عز وجل. ~~قال المفسرون: أول من كفر بهذه النعمة وجحد حقها الذين قتلوا عثمان، فلما ~~قتلوه غير الله ما بهم وأدخل عليهم الخوف حتى صاروا يقتتلون بعد أن كانوا ~~إخوانا. روى حميد بن هلال قال: قال عبد الله بن سلام في عثمان: إن ~~الملائكة لم تزل محيطة بمدينتكم هذه منذ قدمها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - حتى اليوم، فوالله لئن قتلتموه لتذهبون ثم لا تعودون أبدا، ~~فوالله لا يقتله رجل منكم إلا لقي الله أجذم لا يد له، وإن سيف الله لم ~~يزل مغمودا عنكم، والله لئن قتلتموه ليسللنه الله - عز وجل - ثم لا ~~يغمده عنكم إما قال أبدا، وإما قال إلى يوم القيامة، فما قتل نبي قط إلا ~~قتل به سبعون ألفا، ولا خليفة إلا قتل به خمسة وثلاثون ألفا. # وروى علي بن الجعد قال: أخبرني حماد - وهو ابن سلمة - عن ابن دينار عن ~~سعيد بن جهمان عن سفينة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: # " الخلافة ثلاثون سنة، ثم تكون ملكا، ثم قال: أمسك خلافة أبي بكر ~~سنتين، وخلافة عمر عشر، وعثمان اثني عشر، وعلي ست " # قال علي: " قلت لحماد: سفينة القائل لسعيد: أمسك؟ قال: نعم ". ### || [24.56-57] # قوله تعالى: { وأقيموا الصلاة } فيه وجهان: # أحدهما: أنه معطوف على # أطيعوا الله (وأطيعوا) الرسول # [النور: 54] وليس ببعيد أن يقع بين المعطوف والمعطوف عليه فاصل، وإن ~~طال، لأن حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه، قاله الزمخشري. قال شهاب ~~الدين: وقوله: (لأن حق المعطوف... إلى آخره) لا يظهر علة للحكم ~~الذي ادعاه. # والثاني: أن قوله: " وأقيموا " من باب الالتفات من الغيبة إلى ~~الخطاب، وحسنه الخطاب في قوله قبل ذلك: " منكم " ثم قال: { ~~وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون } أي: افعلوها على رجاء ~~الرحمة. # قوله: " لا تحسبن ". قرأ العامة: " لا تحسبن " بتاء ~~الخطاب، والفاعل ضمير المخاطب، أي: لا تحسبن أيها المخاطب، ويمتنع أو ~~يبعد ms6599 جعله للرسول - عليه السلام - لأن مثل هذا الحسبان لا يتصور ~~منه حتى ينهى عنه. وقرأ حمزة وابن عامر: " لا يحسبن " بياء ~~الغيبة، وهي قراءة حسنة واضحة، فإن الفاعل فيها مضمر، يعود على ما ~~دل السياق عليه، أي: " لا يحسبن حاسب واحد ". وإما على الرسول ~~لتقدم ذكره، ولكنه ضعيف للمعنى المتقدم، خلافا لمن لحن قارئ هذه ~~القراءة كأبي حاتم وأبي جعفر والفراء. قال النحاس: ما علمت أحدا من ~~أهل العربية بصريا ولا كوفيا إلا وهو يلحن قراءة حمزة، فمنهم من ~~يقول: هي لحن، لأنه لم يأت إلا مفعول واحد ل " يحسبن ". وقال ~~الفراء: هو ضعيف، وأجازه على حذف المفعول الثاني والتقدير: " لا ~~يحسبن الذين كفروا أنفسهم معجزين " قال شهاب الدين: وسبب تلحينهم هذه ~~القراءة: أنهم اعتقدوا أن " الذين " فاعل، ولم يكن في اللفظ إلا ~~مفعول واحد، وهو " معجزين " فلذلك قالوا ما قالوا. # والجواب عن ذلك من وجوه: # أحدها: أن الفاعل مضمر يعود على ما تقدم، أو على ما يفهم من السياق، ~~كما سبق تحريره. # الثاني: أن المفعول الأول محذوف تقديره: ولا يحسبن الذين كفروا ~~أنفسهم معجزين، إلا أن حذف أحد المفعولين ضعيف عند البصريين، ومنه قول ~~عنترة: # 3855- ولقد نزلت فلا تظني غيره # مني بمنزلة المحب المكرم # أي: تظني غيره واقعا. ولما نحا الزمخشري إلى هذا الوجه قال: وأن يكون ~~الأصل: لا يحسبنهم الذين كفروا معجزين. ثم حذف الضمير الذي هو المفعول ~~الأول، وكان الذي سوغ ذلك أن الفاعل والمفعولين لما كانت لشيء واحد ~~اقتنع بذكر اثنين عن ذكر الثالث. فقدر المفعول الأول ضميرا متصلا. قال ~~أبو حيان: وقد رددنا هذا التخريج في أواخر " آل عمران " في قوله: # لا تحسبن الذين يفرحون بمآ أتوا # [آل عمران: 188] في قراءة من قرأ بالغيبة، وجعل الفاعل: " الذين ~~يفرحون " ، وملخصه: أن هذا ليس من الضمائر التي يفسرها ما ~~بعدها، فلا يتقدر " لا يحسبنهم " إذ لا يجوز ظنه زيد ~~قائما، على رفع (زيد) ب (ظنه). # وقد تقدم هذا الرد في الموضع المذكور. # الثالث: أن المفعولين هما قوله: ms6600 { معجزين في الأرض } قاله ~~الكوفيون. ولما نحا إليه الزمخشري قال: والمعنى: لا يحسبن الذين كفروا ~~أحدا يعجز الله في الأرض يطمعوهم في مثل ذلك، وهذا معنى قوي ~~جيد. قال شهاب الدين: قيل: هو خطأ، لأن الظاهر تعلق " في الأرض ~~" ب " معجزين " فجعله مفعولا ثانيا كالتهيئة للعمل والقطع عنه، ~~وهو نظير: " ظننت قائما في الدار ". # قوله: " ومأواهم النار " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن هذه الجملة عطف على الجملة التي قبلها من غير تأويل ولا ~~إضمار، وهو مذهب سيبويه، أعني: عطف الجمل بعضها على بعض وإن اختلفت ~~أنواعها خبرا وطلبا وإنشاء. وقد تقدم تحقيقه في أول الكتاب. # الثاني أنها معطوفة عليها، ولكن بتأويل جملة النهي بجملة خبرية، ~~والتقدير: الذين كفروا لا يفوتون الله ومأواهم النار. قاله ~~الزمخشري، كأنه يرى تناسب الجمل شرطا في (صحة) العطف، هذا ظاهر حاله. # الثالث: أنها معطوفة على جملة مقدرة. # قال الجرحاني: لا يحتمل أن يكون " ومأواهم " متصلا بقوله: " لا ~~يحسبن " ذلك نهي وهذا إيجاب، فهو إذن معطوف بالواو على مضمر قبله، ~~تقديره: " لا يحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض بل هم ~~مقهورون ومأواهم النار ". ### || [24.58-60] # قوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا ليستأذنكم ~~الذين ملكت أيمنكم } الآية. # قال ابن عباس: وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غلاما من ~~الأنصار يقال له: " مدلج بن عمرو " إلى عمر بن الخطاب وقت الظهيرة ~~ليدعوه، فدخل، فرأى عمر بحالة كره عمر رؤيته ذلك، فأنزل الله هذه الآية. ~~وقال مقاتل: نزلت في أسماء بنت مرثد، كان لها غلام كبير، فدخل عليها ~~في وقت كرهته، فأتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إن خدمنا ~~وغلماننا يدخلون علينا في حال نكرهها، فأنزل الله { يأيها الذين ~~ءامنوا ليستأذنكم } اللام للأمر " ملكت أيمانكم " ~~يعني: العبيد والإماء. # قال القاضي: هذا الخطاب وإن كان ظاهره للرجال، فالمراد به الرجال ~~والنساء، لأن التذكير يغلب على التأنيث. قال ابن الخطيب: والأولى عندي ~~أن الحكم ثابت في النساء بقياس جلي، لأن النساء في باب (حفظ) العورة ~~أشد حالا من الرجال، فهو ms6601 كتحريم الضرب بالقياس على حرمة التأفيف. وقال ~~ابن عباس: هي في الرجال والنساء يستأذنون على كل حال في الليل والنهار. ~~واختلف العلماء في هذا الندب: فقيل للأمر. وقيل: للوجوب، وهو الأظهر. ~~قوله: { والذين لم يبلغوا الحلم منكم } أي: من ~~الأحرار، وليس المراد: الأطفال الذين لم يظهروا على عورات النساء، بل ~~الذين عرفوا أمر النساء، ولكن لم يبلغوا. # واتفق الفقهاء على أن الاحتلام بلوغ. واختلفوا في بلوغ خمس عشرة سنة ~~إذا لم يوجد احتلام: قال أبو حنيفة: لا يكون بالغا حتى يبلغ ثماني عشرة ~~سنة، ويستكملها الغلام والجارية تستكمل سبع عشرة. وقال الشافعي وأبو يوسف ~~ومحمد: في الغلام والجارية خمس عشرة سنة إذا لم يحتلم، لما روى ابن عمر ~~أنه عرض على النبي يوم أحد، وهو ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزه، وعرض عليه ~~يوم الخندق وله خمس عشرة سنة، فأجازه. قال أبو بكر الرازي: هذا الخبر ~~مضطرب، لأن أحدا كان في سنة ثلاث، والخندق كان في سنة خمس، فكيف يكون ~~بينهما سنة؟ ثم مع ذلك فإن الإجازة في القتال لا تعلق لها بالبلوغ، فقد ~~لا يؤذن للبالغ لضعفه، ويؤذن لغير البالغ لقوته ولطاقته لحمل السلاح، ~~ولذلك لم يسأله النبي - عليه السلام - عن الاحتلام والسن. واختلفوا في ~~الإنبات: هل يكون بلوغا؟ فأصحاب الرأي لم يجعلوه بلوغا، لقوله - عليه ~~السلام -: # " وعن الصبي حتى يحتلم " # وقال الشافعي: هو بلوغ، لأن النبي - عليه السلام -: أمر بقتل من أنبت ~~من بني قريظة. قال الرازي: الإنبات يدل على القوة البدنية، فالأمر بالقتل ~~لذلك لا للبلوغ. # فصل # قال أبو بكر الرازي: دلت هذه الآية على أن من لم يبلغ وقد عقل يؤمر ~~بفعل الشرائع، وينهى عن ارتكاب القبائح، فإن الله تعالى أمرهم بالاستئذان ~~في هذه الأوقات. # وقال عليه السلام: # " مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم على تركها وهم أبناء عشر ". # وقال ابن عمر: يعلم الصبي الصلاة إذا عرف يمينه من شماله. وقال ابن ~~مسعود: إذا بلغ الصبي عشر سنين كتبت له حسناته، ولا تكتب عليه سيئاته حتى ms6602 ~~يحتلم. واعلم أنه إنما يؤمر بذلك تمرينا ليعتاده ويسهل عليه بعد البلوغ. # فصل # قال الأخفش: الحلم: من حلم الرجل بفتح اللام، ومن الحلم: حلم بضم اللام ~~يحلم بكسر اللام. # قوله: " ثلاث مرات " فيه وجهان: # أحدهما: أنه منصوب على الظرف الزماني، أي: ثلاثة أوقات، ثم فسر تلك ~~الأوقات بقوله: { من قبل صلوة الفجر وحين تضعون ~~(ثيبكم من الظهيرة) ومن بعد صلوة العشآء }. # والثاني: أنه منصوب على المصدرية، أي ثلاثة استئذانات. # ورجح أبو حيان هذا فقال: والظاهر من قوله: ثلاث مرات: ثلاثة ~~استئذانات، لأنك إذا قلت: ضربت ثلاث مرات، لا يفهم منه إلا ثلاث ~~ضربات، ويؤيده قوله عليه السلام: # " الاستئذان ثلاث " # قال شهاب الدين: مسلم أن الظاهر كذا، ولكن الظاهر هنا متروك للقرينة ~~المذكورة، وهي التفسير بثلاثة الأوقات المذكورة. # وقرأ الحسن وأبو عمرو في رواية: " الحلم " بسكون العين، وهي تميمية. # قوله: { من قبل صلوة الفجر } فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه بدل من قوله: " ثلاث " فيكون في محل نصب. # الثاني: أنه بدل من " مرات " فيكون في محل جر. # الثالث: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: هي من قبل، أي: تلك المرات، فيكون ~~في محل رفع. # وقوله: " وحين تضعون " عطف على محل { من قبل صلوة ~~الفجر }. # قوله: " من الظهيرة " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن " من " لبيان الجنس، أي: حين ذلك الذي هو الظهيرة. # الثاني: أنها بمعنى " في " أي: تضعونها في الظهيرة. # الثالث: أنها بمعنى اللام، (أي): من أجل حر الظهيرة. # وقوله: { ومن بعد صلوة العشآء }: عطف على ما قبله. ~~والظهيرة شدة الحر، وهو انتصاف النهار. # قوله: " ثلاث عورات ". قرأ الأخوان وأبو بكر: " ثلاث " نصبا. ~~والباقون رفعا. فالأولى تحتمل ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنها بدل من قوله: " ثلاث مرات ". # قال ابن عطية: إنما يصح البدل بتقدير: أوقات ثلاث عورات، فحذف ~~المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وكذا قدره الحوفي والزمخشري وأبو ~~البقاء، ويحتمل أنه جعل نفس ثلاث المرات نفس ثلاث العورات مبالغة فلا ~~يحتاج إلى حذف مضاف، وعلى هذا الوجه - أعني: وجه البدل - لا يجوز الوقف ~~على ما ms6603 قبل " ثلاث عورات " لأنه بدل منه وتابع له، ولا يوقف على ~~المتبوع دون تابعه. # الثاني: أن " ثلاث عورات " بدل من الأوقات المذكورة، قاله أبو ~~البقاء. يعني قوله: { من قبل صلوة الفجر } وما عطف ~~عليه، ويكون بدلا على المحل، فلذلك نصب. # الثالث: أن ينتصب بإضمار فعل. # فقدره أبو البقاء: " أعني " وأحسن من هذا التقدير: اتقوا، أو احذروا ~~ثلاث. # فأما الثانية: ف " ثلاث " خبر مبتدأ محذوف تقديره: " هن ثلاث ~~عورات ". # وقدره أبو البقاء مع حذف مضاف، فقال: أي: هي أوقات ثلاث عورات، فحذف ~~المبتدأ والمضاف. قال شهاب الدين: وقد لا يحتاج إليه على جعل العورات ~~نفس الأوقات مبالغة، وهو المفهوم من كلام الزمخشري، وإن كان قد ~~قدر مضافا، كما تقدم عنه. # قال الزمخشري: ويسمى كل واحد من هذه الأحوال عورة، لأن الناس يختل ~~تسترهم وتحفظهم فيها. والعورة: الخلل، ومنه أعور الفارس، وأعور ~~المكان. والأعور: المختل العين. فهذا منه يؤذن بعدم تقدير " أوقات " ~~مضاف ل " عورات " بخلاف كلامه أولا فيؤخذ من مجموع كلاميه وجهان. # وعلى قراءة الرفع وعلى الوجهين قبلها في تخريج قراءة النصب يوقف على ما ~~قبل " ثلاث عورات " لأنها ليست تابعة لما قبلها. وقرأ الأعمش: " ~~عورات " بفتح الواو، وهي لغة هذيل وبني تميم، يفتحون عين " فعلاء " ~~واوا أو ياء، وأنشد: # 3856- أخو بيضات رائح متأوب # رفيق بمسح المنكبين سبوح # فصل # المعنى: يستأذنوا في ثلاثة أوقات: من قبل صلاة الفجر، ووقت القيلولة، ~~ومن بعد صلاة العشاء. وخص هذه الأوقات لأنها ساعات الخلوة ووضع الثياب، ~~فربما يبدو من الإنسان ما لا يحب أن يراه أحد من العبيد والصبيان، فأمرهم ~~بالاستئذان في هذه الأوقات، فأما غيرهم فيستأذنون في جميع الأوقات. وسميت ~~هذه الأوقات عورات لأن الإنسان يضع فيها ثيابه فتبدو عورته. # فصل # قال بعضهم: إن قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير ~~بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها # [النور: 27] يدل على أن الاستئذان واجب في كل حال، فنسخ بهذه الآية في ~~غير هذه الأحوال الثلاثة. قال ابن عباس: لم يكن للقوم ستور ولا ms6604 حجاب، ~~وكان الخدم والولائد يدخلون، فربما يرون منهم ما لا يحبون، فأمروا ~~بالاستئذان، وقد بسط الله الرزق، واتخذ الناس الستور، فرأى أن ذلك أغنى ~~عن الاستئذان. # وقال آخرون: الآية الأولى أريد بها المكلف، لأنه خطاب لمن آمن، والمراد ~~بهذه الآية غير المكلف، لا يدخل في بعض الأحوال إلا بإذن، وفي بعضها ~~بغير إذن، ولا وجه للنسخ. فإن قيل: قوله: { الذين ملكت ~~أيمنكم } يدخل فيه من بلغ، فالنسخ لازم؟ # فالجواب أن قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير ~~بيوتكم حتى تستأنسوا # [النور: 27] لا يدخل تحته العبيد والإماء، فلا يجب النسخ. # قال أبو عبيد: لم يصر أحد من العلماء إلى أن الأمر بالاستئذان منسوخ. ~~وروى عطاء عن ابن عباس أنه قال: ثلاث آيات من كتاب الله تركهن الناس لا ~~أرى أحدا يعمل بهن، قال عطاء: حفظت آيتين ونسيت واحدة، وقرأ هذه الآية، ~~وقوله # يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى # [الحجرات: 13] ذكر سعيد بن جبير أن الآية الثالثة: # وإذا حضر القسمة أولوا القربى... # [النساء: 8] الآية. # قوله: " ليس عليكم " هذه الجملة يجوز أن يكون لها محل من ~~الإعراب، وهو الرفع نعتا ل " ثلاث عورات " في قراءة من رفعها، ~~كأنه قيل: هن ثلاث عورات مخصوصة بالاستئذان، وألا يكون لها ~~محل، بل هي كلام مقرر للأمر بالاستئذان في تلك الأحوال خاصة، وذلك في ~~قراءة من نصب " ثلاث عورات ". # قوله: " بعدهن ". قال أبو البقاء: التقدير: بعد استئذانهم فيهن، ثم حذف ~~حرف الجر والفاعل فبقي " بعد استئذانهم " ثم حذف المصدر. # يعني بالفاعل: الضمير المضاف إليه الاستئذان، فإنه فاعل معنوي بالمصدر، ~~وهذا غير ظاهر، بل الذي يظهر أن المعنى: ليس عليكم جناح ولا عليهم أي: ~~العبيد والإماء والصبيان " جناح " في عدم الاستئذان بعد هذه ~~الأوقات المذكورة، ولا حاجة إلى التقدير الذي ذكره. # قوله: " طوافون " خبر مبتدأ مضمر تقديره: " هم طوافون " ، و ~~" عليكم " متعلق به. # قوله: { بعضكم على بعض }. في " بعضكم " ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه مبتدأ، و " على بعض " الخبر، فقدره أبو البقاء: " ~~يطوف على بعض " وتكون ms6605 هذه الجملة بدلا مما قبلها، ويجوز أن تكون ~~مؤكدة مبينة، يعني: أنها أفادت إفادة الجملة التي قبلها، فكانت بدلا أو ~~مؤكدة. ورد أبو حيان هذا بأنه كون مخصوص، فلا يجوز حذفه. # والجواب عنه: أن الممتنع الحذف إذا لم يدل عليه دليل، وقصد إقامة ~~الجار والمجرور مقامه. وهنا عليه دليل ولم يقصد إقامة الجار مقامه. ~~ولذلك قال الزمخشري: خبره " على بعض " على معنى: طائف على بعض، وحذف ~~لدلالة " طوافون " عليه. # الثاني: أن يرتفع بدلا من " طوافون " قاله ابن عطية قال أبو حيان: ~~ولا يصح إن قدر الضمير ضمير غيبة لتقدير المبتدأ " هم " لأنه يصير ~~التقدير: هم يطوف بعضكم على بعض وهو لا يصح، فإن جعلت التقدير: أنتم ~~يطوف بعضكم على بعض، فيدفعه أن قوله: " عليكم " يدل على أنهم ~~هم المطوف عليهم، و " أنتم طوافون " يدل على أنهم طائفون، ~~فتعارضا. قال شهاب الدين: الذي نختار أن التقدير: أنتم، ولا يلزم محذور، ~~وقوله: فيدفعه إلى آخره، لا تعارض فيه، لأن المعنى: كل منكم ومن عبيدكم ~~طائف على صاحبه، وإن كان طواف أحد النوعين غير طواف الآخر، لأن المراد ~~الظهور على أحوال الشخص، ويكون " بعضكم " بدلا من " طوافون " و " ~~على بعض " بدلا من عليكم بإعادة العامل، فأبدلت مرفوعا من مرفوع ~~ومجرورا من مجرور، ونظيره قوله: # 3857- فلما قرعنا النبع بالنبع بعضه # ببعض أبت عيدانه أن تكسرا # ف " بعضه " بدل من " النبع " المنصوب، و " ببعض " بدل من المجرور ~~بالياء. # الثالث: أنه مرفوع بفعل مقدر، أي: يطوف بعضكم على بعض، لدلالة " ~~طوافون " عليه، قاله الزمخشري. وقرأ ابن أبي عبلة: " طوافين " ~~بالنصب على الحال من ضمير " عليهم ". # فصل # المعنى " ليس عليكم ولا عليهم " يعني: العبيد والإماء ~~والصبيان " جناح " في الدخول عليكم بغير استئذان " بعدهن " أي: ~~بعد هذه الأوقات الثلاثة، " طوافون عليكم " أي: العبيد والخدم ~~يطوفون عليكم: يترددون ويدخلون ويخرجون في أشغالهم بغير إذن { بعضكم ~~على بعض }. فإن قيل: هل يقتضي ذلك إباحة كشف العورة (لهم؟ فالجواب، ~~لا، وإنما أباح تعالى ذلك من حيث كانت العادة لا تكشف العورة) ms6606 في غير تلك ~~الأوقات، فمتى كشفت المرأة عورتها مع ظن دخول الخدم فذلك يحرم عليها. فإن ~~كان الخادم مكلفا حرم عليه الدخول إن ظن أن هناك كشف عورة. # فإن قيل: أليس في الناس من جوز للبالغ من المماليك أن ينظر إلى شعر ~~مولاته؟ # فالجواب: من جوز ذلك فالشعر عنده ليس بعورة في حق المماليك كما هو في ~~حق الرحم، إذ العورة تنقسم أقساما وتختلف بالإضافات. # فصل # هذه الإباحة مقصورة على الخدم دون غيرهم. # وقوله: { ليس عليكم ولا عليهم جناح } هذا الحكم مختص ~~بالصغار دون البالغين، لقوله بعد ذلك: { وإذا بلغ الأطفال ~~منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من ~~قبلهم }. # قوله: { وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم } أي: الاحتلام، ~~يريد: الأحرار الذين بلغوا " فليستأذنوا " أي: يستأذنون في جميع ~~الأوقات في الدخول عليكم { كما استأذن الذين من قبلهم } ~~من الأحرار (الكبار). وقيل يعني الذين كانوا مع إبراهيم وموسى وعيسى ~~(عليهم السلام) { كذلك يبين الله لكم آياته } دلالاته. ~~وقيل: أحكامه " والله عليم " بأمور خلقه " حكيم " بما دبر لهم. ~~قال سعيد بن المسيب: يستأذن الرجل على أمه، فإنما أنزلت الآية في ذلك ~~وسئل حذيفة: أيستأذن الرجل على والدته؟ قال: " نعم وإن لم تفعل رأيت منها ~~ما تكره ". # قوله: { والقواعد من النسآء }. القواعد: من غير تاء تأنيث، ~~ومعناه: القواعد عن النكاح، أو عن الحيض، أو عن الاستمتاع، أو عن الحبل، ~~أو عن الجميع ولولا تخصيصهن بذلك لوجبت التاء نحو ضاربة وقاعدة من ~~القعود المعروف. # وقوله: " من النساء " وما بعده بيان لهن. و " القواعد " ~~مبتدأ، و " من النساء " حال، و " اللاتي " صفة القواعد لا ~~للنساء، وقوله: " فليس عليهن " ، الجملة خبر المبتدأ، وإنما ~~دخلت الفاء لأن المبتدأ موصوف بموصول، لو كان ذلك الموصول مبتدأ لجاز ~~دخولها في خبره، ولذلك منعت أن تكون " اللاتي " صفة للنساء، إذ لا يبقى ~~مسوغ لدخول الفاء في خبر المبتدأ. # وقال أبو البقاء: ودخلت الفاء لما في المبتدأ من معنى الشرط، لأن الألف ~~واللام بمعنى الذي وهذا مذهب الأخفش، وتقدم تحقيقه في المائدة، ولكن ms6607 هنا ~~ما يغني عن ذلك، وهو وصف المبتدأ بالموصول المذكور، و " غير ~~متبرجات " حال من " عليهن ". (والتبرج الظهور من البرج) ~~وهو البناء الظاهر، والتبرج: سعة العين يرى بياضها محيطا بسوادها كله، ~~لا يغيب منه شيء والتبرج: إظهار ما يجب إخفاؤه بأن تكشف المرأة للرجال ~~(بإبداء) زينتها وإظهار محاسنها. و " بزينة " متعلق به. قوله: " وأن ~~يستعففن " مبتدأ بتأويل: " استعفافهن " ، و " خير " ~~خبره. # فصل # قال المفسرون: القواعد: هن اللواتي قعدن عن الحيض والولد من الكبر، ولا ~~مطمع لهن في الأزواج. # والأولى ألا يعتبر قعودهن عن الحيض، لأن ذلك ينقطع، والرغبة فيهن باقية، ~~والمراد: قعودهن عن الأزواج، ولا يكون ذلك إلا عند بلوغهن إلى حيث لا ~~يرغب فيهن الرجال لكبرهن قال ابن قتيبة: سميت المرأة قاعدا إذا كبرت، ~~لأنها تكثر القعود وقال ربيعة: هن العجز اللواتي إذا رآهن الرجل ~~استقذرهن، فأما من كانت فيها بقية من جمال، وهي محل الشهوة، فلا تدخل في ~~هذه الآية. { فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن } ~~عند الرجال، يعني: يضعن بعض ثيابهن، وهي الجلباب، والرداء الذي فوق ~~الثياب، والقناع الذي فوق الخمار، فأما الخمار فلا يجوز وضعه لما فيه من ~~كشف العورة. # وقرأ عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب: { أن يضعن من ثيابهن }. وروي عن ~~ابن عباس أنه قرأ: { أن يضعن جلابيبهن }. وعن السدي عن شيوخه: أن يضعن ~~خمرهن عن رؤوسهن وإنما خصهن الله بذلك لأن التهم مرتفعة عنهن، وقد بلغن ~~هذا المبلغ، فلو غلب على ظنهن خلاف ذلك لم يحل لهن وضع الثياب، ولذلك ~~قال: { وأن يستعففن خير لهن } وإنما جعل ذلك أفضل لأنه ~~أبعد عن الظنة، فعند الظنة يلزمهن ألا يضعن ذلك كما يلزم الشابة، والله ~~سميع عليم. ### || [24.61] # قوله تعالى: { ليس على الأعمى حرج } الآية. # قال ابن عباس: لما أنزل الله - عز وجل - # يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل # [النساء: 29] تحرج المسلمون عن مؤاكلة المرضى والزمنى والعمي والعرج ~~وقالوا: الطعام أفضل الأموال، وقد نهانا الله - عز وجل - عن أكل ~~المال بالباطل، ms6608 والأعمى لا يبصر موضع الطعام الطيب، والأعرج لا يتمكن من ~~الجلوس، ولا يستطيع المزاحمة على الطعام، والمريض يضعف عن التناول، فلا ~~يستوفي الطعام، فأنزل الله هذه الآية. وعلى هذا التأويل تكون " على " ~~بمعنى " في " أي: ليس في الأعمى، أي: ليس عليكم في مؤاكلة الأعمى والأعرج ~~والمريض حرج. وقال سعيد بن جبير والضحاك وغيرهما: " كان العرجان والعميان ~~والمرضى يتنزهون عن مؤاكلة الأصحاء، لأن الناس يتقذرون منهم ويكرهون ~~مؤاكلتهم، ويقول الأعمى: ربما أكل أكثر، ويقول الأعرج: ربما أخذ مكان ~~اثنين، فنزلت هذه الآية ". # وقال مجاهد: نزلت هذه الآية (ترخيصا لهؤلاء في الأكل من بيوت من سمى ~~الله بهذه الآية) لأن هؤلاء كانوا يدخلون على الرجل لطلب العلم، فإذا لم ~~يكن عنده ما يطعمهم ذهب بهم إلى بيوت آبائهم وأمهاتهم، أو بعض من سمى ~~الله - عز وجل - في هذه الآية، فكان أهل الزمانة يتحرجون من ذلك ~~الطعام ويقولون: ذهب بنا إلى بيت غيره، فأنزل الله هذه الآية وقال سعيد ~~بن المسيب: كان المسلمون إذا غزوا اختلفوا منازلهم ويدفعون إليهم مفاتيح ~~أبوابهم، ويقولون: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا، فكانوا ~~يتحرجون من ذلك ويقولون: لا ندخلها وهم غيب، فأنزل الله هذه الآية رخصة ~~لهم. وقال الحسن: نزلت الآية رخصة لهؤلاء في التخلف عن الجهاد، وقال: تم ~~الكلام عند قوله: { ولا على المريض حرج } وقوله تعالى: " ~~وعلى أنفسكم " كلام منقطع عما قبله. # وقيل: لما نزل قوله: # ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل # [البقرة: 188] قالوا: لا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد، فأنزل الله - ~~عز وجل -: { ولا على أنفسكم أن تأكلوا من ~~بيوتكم } ، أي: لا حرج عليكم أن تأكلوا من بيوتكم. فإن قيل: أي ~~فائدة في إباحة أكل الإنسان طعامه في بيته؟ # فالجواب: قيل: أراد من أموال عيالكم وأزواجكم، وبيت المرأة كبيت الزوج. ~~وقال ابن قتيبة: أراد من بيوت أولادكم، نسب بيوت الأولاد إلى الآباء ~~كقوله عليه السلام: # " أنت ومالك لأبيك ". # فصل # دلت هذه الآية بظاهرها على إباحة الأكل من هذه المواضع بغير استئذان، ms6609 ~~وهو منقول عن قتادة، وأنكره الجمهور، ثم اختلفوا: فقيل: كان ذلك في صدر ~~الإسلام، فنسخ بقوله عليه السلام: # " لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه " # ويدل على هذا النسخ قوله تعالى # لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى ~~طعام غير ناظرين إناه # [الأحزاب: 53] وكان في أزواج الرسول من لهن الآباء والأخوات، فعم ~~بالنهي عن دخول بيوتهن إلا بالإذن في الأكل. فإن قيل: إنما أذن الله ~~تعالى في هذه الآية، لأن المسلمين لم يكونوا يمنعون قراباتهم هؤلاء من أن ~~يأكلوا في بيوتهم، حضروا أو غابوا، فجاز أن يرخص في ذلك؟ # فالجواب: لو كان الأمر كذلك لم يكن لتخصيص هؤلاء الأقارب بالذكر معنى، ~~لأن غيرهم كهم في ذلك. وقال أبو مسلم: المراد من هؤلاء الأقارب إذا لم ~~يكونوا مؤمنين، لأنه تعالى نهى من قبل عن مخالطتهم بقوله: # لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوآدون من حآد الله ورسوله # [المجادلة: 22] ثم إنه تعالى أباح في هذه الآية ما حظره هناك، قال: ويدل ~~عليه أن في هذه السورة (أمر بالتسليم على أهل البيوت فقال: # حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها # [النور: 27] وفي بيوت هؤلاء المذكورين لم يأمر بذلك، بل) أمر أن يسلموا ~~على أنفسهم، فالمقصود من هذه الآية إثبات الإباحة في الجملة لا إثبات ~~الإباحة في جميع الأوقات. # وقيل: لما علم بالعادة أن هؤلاء القوم تطيب نفوسهم بأكل من يدخل عليهم، ~~والعادة كالإذن، فيجوز أن يقال: خصهم الله بالذكر لأن هذه العادة في ~~الأصل توجد منهم، ولذلك ضم إليهم الصديق، ولما علمنا أن هذه الإباحة إنما ~~حصلت لأجل حصول الرضا فيها، فلا حاجة إلى النسخ. # قوله: { أو بيوت آبآئكم أو بيوت أمهاتكم أو ~~بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت ~~أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم ~~أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه }. # قال ابن عباس: عنى بذلك وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته، لا بأس عليه ~~أن يأكل من ثمر ضيعته ويشرب من لبن ماشيته، ولا يحمل ms6610 ولا يدخر، وملك ~~المفتاح: كونه في يده وحفظه قال المفضل: " المفاتح " واحدها " مفتح " ~~بفتح الميم، وواحد المفاتيح: مفتح (بكسر الميم). وقال الضحاك: يعني: من ~~بيوت عبيدكم ومماليككم، لأن السيد يملك منزل عبده والمفاتيح: الخزائن، ~~لقوله: # وعنده مفاتح الغيب # [الأنعام: 59]، ويجوز أن يكون الذي يفتح به. وقال عكرمة: " إذا ملك ~~الرجل المفتاح فهو خازن، فلا بأس أن يطعم الشيء اليسير ". # وقال السدي: الرجل يولي طعامه غيره يقوم عليه، فلا بأس أن يأكل منه. ~~وقيل: { أو ما ملكتم مفاتحه }: ما خزنتموه عندكم. قال مجاهد وقتادة: من ~~بيوت أنفسكم مما أحرزتم وملكتم. # قوله: { أو ما ملكتم مفاتحه } العامة على فتح الميم ~~واللام مخففة. وابن جبير: " ملكتم " ، بضم الميم وكسر اللام ~~مشددة؛ أي: " ملككم غيركم ". # والعامة على " مفاتحه " دون ياء، جمع " مفتح ". وابن جبير " ~~مفاتيحه " بالياء بعد التاء، جمع " مفتاح ". وجوز أبو البقاء ~~أن يكون جمع " مفتح " بالكسر، وهو الآلة، وأن يكون جمع " مفتح " ~~بالفتح، وهو المصدر بمعنى الفتح. والأول أقيس. وقرأ أبو عمرو في رواية ~~هارون عنه: " مفتاحه " بالإفراد، وهي قراءة قتادة. # قوله: " أو صديقكم ". العامة على فتح الصاد. وحميد الجزار ~~روى كسرها إتباعا لكسرة الدال والصديق: يقع للواحد والجمع كالخليط ~~والفطين وشبههما. # فصل # الصديق: الذي صدقك في المودة. قال ابن عباس: نزلت في الحارث بن عمرو خرج ~~غازيا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلف مالك بن زيد على أهله، ~~فلما رجع وجده مجهودا، فسأله عن حاله فقال: تحرجت من أكل طعامك بغير ~~إذنك، فأنزل الله هذه الآية وكان الحسن وقتادة يريان دخول الرجل بيت ~~صديقه والتحرم بطعامه من غير استئذان منه في الأكل بهذه الآية. والمعنى: ~~ليس عليكم جناح أن تأكلوا من منازل هؤلاء إذا دخلتموها وإن لم يحضروا من ~~غير أن تتزودوا وتحملوا. يحكى أن الحسن دخل داره وإذا حلقة من أصدقائه ~~وقد أخرجوا سلالا من تحت سريره فيها الخبيص وأطايب الأطعمة مكبون عليها ~~يأكلون، فتهلل أسارير وجهه سرورا وضحك، وقال: " هكذا وجدناهم " يعني: ~~كبراء الصحابة. وعن ابن عباس: ms6611 الصديق أكبر من الوالدين، لأن أهل جهنم ~~لما استغاثوا لم يستغيثوا بالآباء والأمهات، بل قالوا: # ما لنا من شافعين ولا صديق حميم # [الشعراء: 100، 101]. # وحكي أن أخا الربيع بن خيثم دخل منزله في حال غيبته فانبسط إلى جاريته ~~حتى قدمت إليه ما أكل، فلما قدم أخبرته بذلك، فانسر لذلك وقال: إن صدقت ~~فأنت حرة. # فصل # احتج أبو حنيفة بهذه الآية على أن من سرق من ذي رحم محرم أنه لا يقطع، ~~لأن الله تعالى أباح لهم الأكل من بيوتهم، ودخولها بغير إذنهم، فلا يكون ~~ماله محرزا منهم. فإن قيل: فيلزم ألا يقطع إذا سرق من مال صديقه؟ # فالجواب: من أراد سرقة ماله لا يكون صديقا له. # قوله: { ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو ~~أشتاتا } قال الأكثرون: نزلت في بني ليث بن عمرو حي من كنانة، كان ~~الرجل منهم لا يأكل وحده، ويمكث يومه حتى يجد ضيفا يأكل معه، فإن لم يجد ~~من يؤاكله لم يأكل شيئا، وربما قعد الرجل والطعام بين يديه من الصباح ~~إلى الرواح، وربما كانت معه الإبل الحفل فلا يشرب من ألبانها حتى يجد من ~~يشاربه، فإذا أمسى ولم يجد أحدا أكل. هذا قول قتادة والضحاك وابن جريج. ~~وقال عطاء الخراساني عن ابن عباس: كان الغني يدخل على الفقير من ذوي ~~قرابته وصداقته فيدعوه إلى طعامه، فيقول: والله إني لأحتج، أي: أتحرج أن ~~آكل معك، وأنا غني وأنت فقير، فنزلت هذه الآية وقال عكرمة وأبو صالح: " ~~نزلت في قوم من الأنصار كانوا لا يأكلون إذا نزل بهم ضيف إلا مع ضيفهم، ~~فرخص لهم في أن يأكلوا كيف شاءوا جميعا مجتمعين، أو اشتاتا متفرقين ". # وقال الكلبي: " كانوا إذا اجتمعوا ليأكلوا طعاما عزلوا للأعمى طعاما ~~على حدة، وكذلك المزمن والمريض، فبين الله لهم أن ذلك غير واجب ". قوله: ~~" جميعا " حال من فاعل " تأكلوا " ، و " أشتاتا " عطف عليه، ~~وهو جمع " شت " و " شتى " جمع " شتيت ". و " شتان " تثنية " شت ~~". قال المفضل: وقيل: الشت: مصدر بمعنى: التفرق، ثم يوصف به ويجمع. ms6612 # قوله: { فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم ~~}. أي: ليسلم بعضكم على بعض، جعل أنفس المسلمين كالنفس الواحدة، كقوله ~~تعالى: # ولا تقتلوا أنفسكم # [النساء: 29]. قال ابن عباس: " فإن لم يكن أحد فعلى نفسه يسلم، ليقل: ~~السلام علينا من قبل ربنا ". # قال جابر وطاوس والزهري وقتادة والضحاك وعمرو بن دينار: " إذا دخل الرجل ~~بيت نفسه يسلم على أهله ومن في بيته ". وقال قتادة: " إذا دخلت بيتك فسلم ~~على أهلك، فهم أحق من سلمت عليهم، وإذا دخلت بيتا لا أحد فيه فقل: ~~السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، حدثنا أن الملائكة ترد عليه " وعن ~~ابن عباس في قوله: { فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على ~~أنفسكم } قال: " إذا دخلت المسجد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله ~~الصالحين ". قال القفال: " وإن كان في البيت أهل الذمة فليقل: السلام على ~~من اتبع الهدى ". # قوله: " تحية " منصوب على المصدر من معنى " فسلموا " فهو من ~~باب: قعدت جلوسا، كأنه قال: فحيوا تحية، وتقدم وزن " التحية ". و ~~{ من عند الله } يجوز أن يتعلق بنفس " تحية " أي: التحية صادرة ~~من جهة الله، و " من " لابتداء الغاية مجازا إلا أنه يعكر على الوصف ~~تأخر الصفة الصريحة عن المؤولة، وتقدم ما فيه. # فصل # { تحية من عند الله } أي: مما أمركم الله به. قال ابن ~~عباس: من قال: السلام عليكم، (معناه: اسم الله عليكم " مباركة ~~طيبة ". قال ابن عباس): " حسنة جميلة " وقال الضحاك: " معنى البركة ~~فيه تضعيف الثواب " { كذلك يبين الله لكم الآيات } أي: ~~يفصل الله شرائعه " لعلكم تعقلون " عن الله أمره ونهيه. قال ~~أنس: # " وقفت على رأس النبي - صلى الله عليه وسلم - أصب الماء على يديه، فرفع ~~رأسه وقال: " ألا أعلمك ثلاث خصال تنتفع بها "؟ فقلت: بأبي أنت وأمي يا ~~رسول الله، بلى. قال: " من لقيت من أمتي فسلم عليهم يطل عمرك، وإذا دخلت ~~بيتا فسلم عليهم يكثر خير بيتك، وصل صلاة الضحى فإنها صلاة الأوابين ". ### || [24.62-64] # قوله تعالى: { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ~~ورسوله وإذا كانوا معه } أي: مع رسول الله - صلى ms6613 الله عليه ~~وسلم - { على أمر جامع } يجمعهم من حرب حضرت، أو صلاة جمعة، أو ~~عيد، أو جماعة، أو تشاور في أمر نزل. فقوله " أمر جامع " من الإسناد ~~المجازي (لأنه لما كان سببا في جمعهم نسب الفعل) إليه مجازا. # وقرأ اليماني: " على أمر جميع " فيحتمل أن يكون صيغة مبالغة ~~بمعنى " مجمع " وألا يكون. والجملة الشرطية من قوله: " وإذا كانوا ~~" وجوابها عطف على الصلة من قوله: " آمنوا ". # والأمر الجامع: هو الذي يعم ضرره أو نفعه، والمراد به: الخطب الجليل ~~الذي لا بد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أرباب التجارب ~~(والآراء) ليستعين بتجاربهم، فمفارقة أحدهم في هذه الحالة مما يشق على ~~قلبه. # فصل # قال الكلبي: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعرض في خطبته ~~بالمنافقين ويعيبهم، فينظر المنافقون يمينا وشمالا، فإذا لم يرهم أحد ~~انسلوا وخرجوا ولم يصلوا، وإن أبصرهم أحد ثبتوا وصلوا خوفا، فنزلت ~~الآية، فكان المؤمن بعد نزول هذه الآية لا يخرج لحاجته حتى يستأذن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وكان المنافقون يخرجون بغير إذن. # فصل # قال العلماء: كل أمر اجتمع عليه المسلمون مع الإمام لا يخالفونه ولا ~~يرجعون عنه إلا بإذن، وهذا إذا لم يكن سبب يمنعه من المقام، (فإن حدث ~~سبب يمنعه من المقام) بأن يكونوا في المسجد فتحيض منهم امرأة، أو يجنب ~~رجل، أو يعرض له مرض فلا يحتاج إلى الاستئذان. # فصل # قال الجبائي: دلت الآية على أن استئذانهم الرسول من إيمانهم، ولولا ~~ذلك لجاز أن يكونوا كاملي الإيمان. # والجواب: هذا بناء على أن كلمة " إنما " للحصر، وأيضا فالمنافقون إنما ~~تركوا الاستئذان استخفافا، وذلك كفر. # قوله: { إن الذين يستأذنونك } تعظيما لك ورعاية للأدب { ~~أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله } أي: يعملون ~~بموجب الإيمان ومقتضاه. قال الضحاك ومقاتل: المراد: عمر بن الخطاب، وذلك ~~أنه استأذن في غزوة تبوك في الرجوع إلى أهله، فأذن له، وقال: " انطلق، ~~فوالله ما أنت بمنافق " يريد أن يسمع المنافقين ذلك الكلام، فلما ~~سمعوا ذلك قالوا ما بال محمد إذا استأذنه أصحابه أذن ms6614 لهم، وإذا استأذناه ~~أبى، فوالله ما نراه يعدل. # قال ابن عباس: # " إن عمر استأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العمرة، فأذن له، ~~ثم قال: " يا أبا حفص لا تنسنا في صالح دعائك ". # قوله: " لبعض شأنهم " تعليل، أي: لأجل بعض حاجتهم. # وأظهر العامة الضاد عند الشين. وأدغمها أبو عمرو فيها، لما بينهما من ~~التقارب، لأن الضاد من أقصى حافة اللسان والشين من وسطه. وقد استضعف ~~جماعة من النحويين هذه الرواية واستبعدوها عن أبي عمرو - رأس الصناعة - ~~من حيث إن الضاد أقوى من الشين، ولا يدغم الأقوى في الأضعف وأساء ~~الزمخشري على راويها السوسي. وقد أجاب الناس عنه، فقيل: وجه الإدغام أن ~~الشين أشد استطالة من الضاد، وفيها تفشي ليس في الضاد، فقد صارت ~~الضاد أنقص منها، وإدغام الأنقص في الأزيد جائز، قال: ويؤيد ~~هذا أن سيبويه حكى عن بعض العرب " اطجع " في " اضطجع " ، وإذا جاز ~~إدغامها في الطاء فإدغامها في الشين أولى. # والخصم لا يسلم جميع ما ذكر، ومستند المنع واضح. # فصل # { فإذا استأذنوك لبعض شأنهم } أمرهم { فأذن لمن ~~شئت منهم } بالانصراف، أي: إن شئت فأذن وإن شئت فلا تأذن، { ~~واستغفر لهم الله } وهذا تنبيه على أن الأولى ألا يستأذنوا ~~وإن أذن، لأن الاستغفار يكون عن ذنب. ويحتمل أن يكون أمره بالاستغفار لهم ~~مقابلة على تمسكهم بإذن الله تعالى في الاستئذان. # فصل # قال مجاهد: قوله: فأذن لمن شئت منهم نسخت هذه الآية. وقال قتادة: نسخت ~~هذه الآية بقوله: # لم أذنت لهم # [التوبة: 43]. والآية تدل على أنه تعالى فوض إلى رسول الله بعض أمر ~~الدين ليجتهد فيه رأيه. # قوله: { لا تجعلوا دعآء الرسول بينكم كدعآء ~~بعضكم بعضا }. قال سعيد بن جبير وجماعة كثيرة: لا تنادونه باسمه ~~فتقولون: يا محمد، ولا بكنيته فتقولون: يا أبا القاسم، بل نادوه وخاطبوه ~~بالتوقير: يا رسول الله، يا نبي الله. وعلى هذا يكون المصدر مضافا ~~لمفعوله. وقال المبرد والقفال: لا تجعلوا دعاءه إياكم كدعاء بعضكم لبعض ~~فتتباطؤون كما يتباطأ بعضكم عن بعض إذا دعاه لأمر، ms6615 بل يجب عليكم المبادرة ~~لأمره، ويؤيده قوله: { فليحذر الذين يخالفون عن ~~أمره }. وعلى هذا يكون المصدر مضافا للفاعل. # وقال ابن عباس: " احذروا دعاء الرسول عليكم إذا أسخطتموه، فإن دعاءه ~~موجب لنزول البلاء بكم ليس كدعاء غيره ". وروي عنه أيضا: " لا ترفعوا ~~أصواتكم في دعائه ". وهو المراد من قوله: # إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله # [الحجرات: 3] وقول المبرد أقرب إلى نظم الآية. وقرأ الحسن: " نبيكم " ~~بتقديم النون على الباء المكسورة، بعدها ياء مشددة مخفوضة مكان " بينكم " ~~الظرف في قراءة العامة، وفيها ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه بدل من الرسول. # الثاني: أنه عطف بيان له، لأن النبي بإضافته إلى المخاطبين صار ~~أشهر من الرسول. # الثالث: أنه نعت. # لا يقال: إنه لا يجوز لأن هذا كما قررتم أعرف، والنعت لا يكون أعرف ~~من المنعوت بل إما أقل أو مساو، لأن الرسول صار علما بالغلبة ~~على محمد - صلى الله عليه وسلم - فقد تساويا تعريفا. # قوله: { قد يعلم الله }. " قد " تدل على التقليل مع المضارع ~~إلا في أفعال الله فتدل على التحقيق كهذه الآية. وقد ردها بعضهم إلى ~~التقليل، لكن إلى متعلق العلم، يعني: أن الفاعلين لذلك قليل، فالتقليل ~~ليس في العلم بل في متعلقه. # قوله: لواذا فيه وجهان: # أحدهما: أنه منصوب على المصدر من معنى الفعل الأول، إذ التقدير: ~~يتسللون منكم تسللا، أو يلاذون لواذا. # والثاني: أنه مصدر في موضع الحال، أي: ملاوذين. # واللواذ: مصدر لاوذ، وإنما صحت الواو وإن انكسر ما قبلها ولم ~~تقلب ياء كما قلبت في " قيام " و " صيام " ، لأنه صحت في ~~الفعل نحو " لاوذ " ، فلو أعلت في الفعل أعلت في المصدر نحو ~~" القيام " و " الصيام " لقلبها ألفا في " قام " و " صام ". وأما ~~مصدر: " لاذ بكذا يلوذ به " فمعتل نحو: " لاذ لياذا " مثل: " ~~صام صياما، وقام قياما ". واللواذ والملاوذة: التستر، ~~يقال: لاوذ فلان بكذا: إذا استتر به. واللوذ: ما يطيف بالجبل. ~~وقيل: اللواذ: الروغان من شيء إلى شيء في خفية، ووجه المفاعلة ~~أن كلا منهم يلوذ بصاحبه، فالمشاركة موجودة. # وقرأ يزيد ms6616 بن قطيب: " لواذا " بفتح اللام، وهي محتملة لوجهين: # أحدهما: أن يكون مصدر " لاذ " ثلاثيا، فيكون مثل " طاف طوافا ". # والثاني: أن يكون مصدر " لاوذ " إلا أنه فتحت الفاء إتباعا لفتحة ~~العين. وهو تعليل ضعيف يصلح لمثل هذه القراءة. # فصل # المعنى: قال المفسرون: إن المنافقين كانوا يخرجون متسترين بالناس من غير ~~استئذان حتى لا يروا. قال ابن عباس: كان المنافقون يثقل عليهم المقام في ~~المسجد يوم الجمعة واستماع خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - فكانوا ~~يلوذون ببعض أصحابه فيخرجون من المسجد في استتار وقال مجاهد: يتسللون من ~~الصف في القتال. وقيل: كان هذا في حفر الخندق ينصرفون عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - مختفين. وقيل: يعرضون عن الله وعن كتابه وعن ذكره وعن ~~نبيه. # قوله: " فليحذر الذين " فيه وجهان: # أشهرهما، وهو الذي لا يعرف النحاة غيره: أن الموصول هو الفاعل و " أن ~~تصيبهم " مفعوله، أي: فليحذر المخالفون عن أمره إصابتهم فتنة. # والثاني: أن فاعل " فليحذر " ضمير مستتر، والموصول مفعول به. ورد ~~هذا بوجوه: # منها: أن الإضمار خلاف الأصل. وفيه نظر، لأن هذا الإضمار في قوة ~~المنطوق به، فلا يقال: هو خلاف الأصل، ألا ترى أن نحو: " قم " و " ~~ليقم " فاعله مضمر، ولا يقال في شيء منه هو خلاف الأصل، وإنما الإضمار ~~خلاف الأصل فيما كان حذفا نحو: # واسأل القرية # [يوسف: 82]. # ومنها: أن هذا الضمير لا مرجع له، أي: ليس له شيء يعود عليه، فبطل أن ~~يكون الفاعل ضميرا مستترا. وأجيب بأن الذي يعود عليه الضمير هو ~~الموصول الأول، أي: فليحذر المتسللون المخالفين عن أمره، ~~فيكونون قد أمروا بالحذر منهم، أي: أمروا باجتنابهم، كما يؤمر ~~باجتناب الفساق. وردوا هذا بوجهين: # أحدهما: أن الضمير مفرد، والذي يعود عليه جمع، ففاتت المطابقة التي ~~هي شرط في تفسير الضمائر. # الثاني: أن المتسللين هم المخالفون، فلو أمروا بالحذر عن الذين ~~يخالفون لكانوا قد أمروا بالحذر عن أنفسهم، وهو لا يجوز، لأنه لا يمكن ~~أن يؤمروا بالحذر عن أنفسهم. ويمكن أن يجاب عن الأول بأن الضمير وإن ms6617 ~~كان مفردا فإنما عاد على جمع باعتبار أن المعنى: فليحذر هو، أي من ذكر ~~قبل ذلك، وحكى سيبويه: " ضربني وضربت قومك " أي: ضربني من ثم ومن ~~ذكر، وهي مسألة معروفة في النحو. أو يكون التقدير: فليحذر كل واحد ~~من المتسللين. # وعن الثاني: بأنه يجوز أن يؤمر الإنسان بالحذر عن نفسه مجازا، ~~يعني: أنه لا يطاوعها على شهواتها، وما تسوله له من السوء، وكأنه ~~قيل: فليحذر المخالفون أنفسهم فلا يطيعوها فيما تأمرهم به، ولهذا يقال: ~~أمر نفسه ونهاها، وأمرته نفسه باعتبار المجاز. # ومنها: أنه يصير قوله: { أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم ~~عذاب أليم } مفلتا ضائعا، لأن " يحذر " يتعدى لواحد، وقد ~~أخذه على زعمكم، وهو الذين يخالفون ولا يتعدى إلى اثنين حتى يقولوا: إن { ~~أن تصيبهم فتنة } في محل مفعوله الثاني، فيبقى ضائعا. وفيه ~~نظر، لأنا لا نسلم ضياعه، لأنه مفعول من أجله. واعترض على هذا ~~بأنه لا يستكمل شروط النصب لاختلاف الفاعل، لأن فاعل الحذر غير فاعل ~~الإصابة. # وهو ضعيف، لأن حذف حرف الجر يطرد مع " أن " و " أن " منقول مسلم: ~~شروط النصب غير موجودة، وهو مجرور باللام تقديرا، وإنما حذفت مع أن ~~لطولها بالصلة. و " يخالفون " يتعدى بنفسه نحو: خالفت أمر ~~زيد، وب " إلى " نحو: خالفت إلى كذا، فكيف تعدى هذا بحرف ~~المجاورة؟ وفيه أوجه: # أحدها: أنه ضمن معنى " صد " و " أعرض " أي: صد عن أمره، ~~وأعرض عنه مخالفا له. # الثاني: قال ابن عطية: معناه: يقع خلافهم بعد أمره، كما تقول: ~~كان المطر عن ريح كذا، و " عن " لما عدا الشي. # الثالث: أنها مزيدة، أي: يخالفون أمره، وإليه نحا الأخفش وأبو عبيدة. ~~والزيادة خلاف الأصل. وقرئ: " يخلفون " بالتشديد، ومفعوله ~~محذوف، أي: يخلفون أنفسهم. # فصل # المعنى: { فليحذر الذين يخالفون } أي: يعرضون " عن ~~أمره " ، أو يخالفون أمره وينصرفون عنه بغير إذنه { أن تصيبهم ~~فتنة } أي: لئلا تصيبهم فتنة. # قال مجاهد: بلاء في الدنيا. { أو يصيبهم عذاب أليم } وجيع ~~في الآخرة. والضمير في " أمره " يرجع إلى " الرسول ". وقال أبو بكر ~~الرازي: الأظهر أنه ms6618 لله تعالى لأنه يليه. # فصل # الآية تدل على أن الأمر للوجوب، لأن تارك المأمور مخالف للأمر، ومخالف ~~الأمر يستحق العقاب، ولا معنى للوجوب إلا ذلك. # قوله تعالى: { ألا إن لله ما في السماوات والأرض } ~~أي: ملكا وعبيدا، وهذا تنبيه على كمال قدرته تعالى عليهما، وعلى ما ~~بينهما وفيهما. # قوله: { قد يعلم مآ أنتم عليه }. قال الزمخشري: أدخل " قد ~~" ليؤكد علمه بما هم عليه من المخالفة عن الدين والنفاق، ويرجع توكيد ~~العلم إلى توكيد الوعيد، وذلك أن " قد " إذا دخلت على المضارع كانت بمعنى ~~" ربما " فوافقت " ربما " في خروجها إلى معنى التكثير في نحو قوله: # 3858- فإن يمسي مهجور الفناء فربما # أقام به بعد الوفود وفود # ونحو من ذلك قول زهير: # 3859- أخي ثقة لا تهلك الخمر ماله # ولكنه قد يهلك المال نائله # قال أبو حيان: وكون " قد " إذا دخلت على المضارع أفادت التكثير قول ~~لبعض النحاة، وليس بصحيح، وإنما التكثير مفهوم من السياق. والصحيح أن ~~رب لتقليل الشيء أو لتقليل نظيره، وإن فهم تكثير فمن السياق لا ~~منها. # قوله: " ويوم يرجعون " ، في " يوم " وجهان: # أحدهما: أنه مفعول به لا ظرف، لعطفه على قوله: { مآ أنتم عليه } ~~، أي: يعلم الذي أنتم عليه من جميع أحوالكم، ويعلم يوم يرجعون، كقوله # إن الله عنده علم الساعة # [لقمان: 34]. # وقوله: # لا يجليها لوقتهآ إلا هو # [الأعراف: 187]. # والثاني: أنه ظرف لشيء محذوف. قال ابن عطية: ويجوز أن يكون التقدير: ~~والعلم الظاهر لكم أو نحو: هذا يوم، فيكون النصب على الظرف. انتهى. # وقرأ العامة " يرجعون " مبنيا للمفعول، وأبو عمرو في آخرين ~~مبنيا للفاعل، وعلى كلتا القراءتين فيجوز وجهان: # أحدهما: أن يكون في الكلام التفات من الخطاب في قوله: { مآ أنتم ~~عليه } إلى الغيبة في قوله " يرجعون ". # والثاني: أن { مآ أنتم عليه } خطاب عام لكل أحد، والضمير في " ~~يرجعون " للمنافقين خاصة، فلا التفات حينئذ. # فصل # المعنى: { يعلم مآ أنتم عليه } من الإيمان والنفاق و " قد ~~" صلة { ويوم يرجعون إليه } يعني يوم البعث، { ~~فينبئهم بما عملوا } من الخير والشر، { والله بكل ms6619 ~~شيء عليم }. # روي عن عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # " لا تنزلوا النساء الغرف، ولا تعلموهن الكتابة، وعلموهن الغزل وسورة ~~النور ". # وروى الثعلبي عن أبي أمامة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - # " من قرأ سورة النور أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كل مؤمن فيما مضى ~~وفيما بقي ". ### | [25 - سورة الفرقان] ### || [25.1-2] # قوله تعالى: { تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ~~} الآية. اعلم أنه تعالى تكلم في هذه السورة في التوحيد والنبوة وأحوال ~~القيامة ثم ختمها بذكر العباد المخلصين المؤمنين. قال الزجاج: " تبارك " ~~تفاعل من البركة. والبركة كثرة الخير وزيادته، وفيه معنيان: # أحدهما: تزايد خيره وتكاثره. قال ابن عباس: معناه: جاء بكل بركة، قال ~~تعالى: # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها # [إبراهيم: 34]. # والثاني: قال الضحاك: تعظم الذي نزل الفرقان، أي: القرآن على عبده. ~~وقيل: الكلمة تدل على البقاء، وهو مأخوذ من بروك البعير، ومن بروك الطير ~~على الماء. وسميت البركة بركة، لثبوت الماء فيها، والمعنى: أنه سبحانه ~~باق في ذاته أزلا وأبدا ممتنع التغير، وباق في صفاته ممتنع التبدل. # فإن قيل: كلمة " الذي " موضوعة في اللغة للإشارة إلى الشيء عند محاولة ~~تعريفه بقضية معلومة، وإذا كان كذلك فالقوم ما كانوا عالمين بأنه - ~~سبحانه - الذي نزل الفرقان. فالجواب: أنه لما ظهر الدليل على كونه من عند ~~الله، فلقوة الدليل وظهوره أجراه مجرى المعلوم. # فصل # وصف القرآن بالفرقان، لأنه فرق بين الحق والباطل في نبوة محمد - عليه ~~السلام - وبين الحلال والحرام، أو لأنه فرق في النزول كقوله: # وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث # [الإسراء: 106]، وهذا أقرب، لأنه قال: { نزل الفرقان على ~~عبده } ولفظة " نزل " تدل على التفريق، ولفظة " أنزل " تدل على ~~الجمع، ولهذا قال في سورة آل عمران: # نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين ~~يديه # [آل عمران: 3] # وأنزل التوراة والإنجيل # [آل عمران: 3]. والمراد بالعبد ههنا محمد - صلى الله عليه وسلم -. # قوله: " ليكون ". اللام متعلقة ب " نزل " ، وفي اسم " يكون " ثلاثة ~~أوجه: # أحدها: ms6620 أنه ضمير يعود على " الذي نزل " ، أي: ليكون الذي نزل ~~الفرقان نذيرا. # الثاني: أنه يعود على " الفرقان " وهو القرآن، أي: ليكون الفرقان نذيرا ~~(أضاف الإنذار إليه كما أضاف الهداية إليه في قوله: # إن هذا القرآن يهدي # [الإسراء: 9] وهذا بعيد؛ لأن المنذر والنذير من صفات الفاعل للتخويف، ~~ووصف القرآن به مجاز، وحمل الكلام على الحقيقة أولى). # الثالث: أنه يعود على " عبده " ، أي: ليكون عبده محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - نذيرا. وهذا أحسن الوجوه معنى وصناعة لقربه مما يعود عليه الضمير ~~على أقرب مذكور. و " للعالمين " متعلق ب " نذيرا " ، وإنما قدم ~~لأجل الفواصل، ودعوى إفادة الاختصاص بعيدة، لعدم تأتيها هنا، ورجح أبو ~~حيان عوده على " الذي " ، قال: لأنه العمدة المسند إليه الفعل، وهو من ~~وصفه تعالى كقوله: # إنا كنا منذرين # [الدخان: 3]، و " نذيرا " الظاهر فيه أنه بمعنى منذر، وجوزوا أن يكون ~~مصدرا بمعنى الإنذار كالنكير بمعنى الإنكار، ومنه # فكيف كان عذابي ونذر # [القمر: 16] فإن قوله: " تبارك " يدل على كثرة الخير والبركة، فالمذكور ~~عقيبه لا بد وأن يكون سببا لكثرة الخير والمنافع، والإنذار يوجب الغم ~~والخوف، فكيف يليق ذكره بهذا الموضع؟ فالجواب: أن الإنذار يجري مجرى ~~تأديب الولد، كما أنه كلما كانت المبالغة في تأديب الولد أكثر (كان ~~الإحسان إليه أكثر، لما أن ذلك يؤدي في المستقبل إلى المنافع العظيمة، ~~فكذا ههنا كلما كان الإنذار كثيرا) كان رجوع الخلق إلى الله أكثر، وكانت ~~السعادة الأخروية أتم وأكثر، وهذا كالتنبيه على أنه لا التفات إلى ~~المنافع العاجلة؛ لأنه تعالى لما وصف نفسه بأنه معطي الخيرات الكثيرة لم ~~يذكر إلا منافع الدين، ولم يذكر منافع الدنيا البتة. # قوله: { الذي له ملك } يجوز في " الذي " الرفع نعتا للذي ~~الأول، أو بيانا، أو بدلا، أو خبرا لمبتدأ محذوف، أو النصب على المدح. # وما بعد بدل من تمام الصلة فليس أجنبيا، فلا يضر الفصل به بين الموصول ~~الأول والثاني إذا جعلنا الثاني تابعا له. # فصل # { الذي له ملك السماوات والأرض } إشارة إلى احتياج هذه ~~المخلوقات إليه سبحانه حال ms6621 حدوثها، وأنه سبحانه هو المتصرف فيها كيف ~~يشاء. # { ولم يتخذ ولدا } أي: هو الفرد أبدا، ولا يصح أن يكون غيره ~~معبودا ووارثا للملك عنه، وهذا رد على النصارى. { ولم يكن له شريك في ~~الملك } أي: هو المنفرد بالإلهية، وإذا عرف العبد ذلك انقطع رجاؤه عن كل ~~ما سواه، ولم يشتغل قلبه إلا برحمته وإحسانه، وفيه رد على الثنوية، ~~والقائلين بعبادة النجوم والأوثان. # قوله: { وخلق كل شيء } الخلق هنا عبارة عن الإحداث والتهيئة ~~لما يصلح له، لا خلل فيه ولا تفاوت حتى يجيء قوله: " فقدره تقديرا " ~~مفيدا إذ لو حملنا { خلق كل شيء } على معناه الأصلي من التقدير ~~لصار الكلام: وقدر كل شيء فقدره. # فصل # قوله: { خلق كل شيء } يدل على أنه تعالى خلق الأعمال من وجهين: # الأول: أن قوله: " كل شيء " يتناول جميع الأشياء، ومن جملتها أفعال ~~العباد. # والثاني: أنه تعالى نفى الشريك، فكأن قائلا قال: ههنا أقوام معترفون ~~بنفي الشريك والأنداد ومع ذلك يقولون بخلق أفعال أنفسهم، فذكر الله تعالى ~~هذه الآية ردا عليهم. قال القاضي: الآية تدل عليه لوجوه: # أحدها: أنه تعالى صرح بكون العبد خالقا فقال: # وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير # [المائدة: 110]، وقال: # فتبارك الله أحسن الخالقين # [المؤمنون: 14] وتمدح بأنه قدره تقديرا، ولا يجوز أن يريد به إلا الحسن ~~والحكمة دون غيره. فظاهر الآية لا يدل إلا على التقدير، لأن الخلق عبارة ~~عن التقدير، فلا يتناول إلا ما يظهر فيه التقدير وهو الأجسام لا الأعراض. ~~والجواب: أن قوله: " إذ تخلق " ، وقوله: " أحسن الخالقين " ~~معارض بقوله: # الله خالق كل شيء # [الزمر: 62] وبقوله: # هل من خالق غير الله # [فاطر: 3] وقولهم: لا يجوز التمدح بخلق الفساد، فالجواب: لم لا يجوز أن ~~يتمدح به من حيث نفاذ القدرة. ### || [25.3] # قوله تعالى: { واتخذوا } يجوز أن يعود الضمير على الكفار الذين ~~تضمنهم لفظ العالمين، وأن يعود على من ادعى لله شريكا وولدا، لدلالة ~~قوله: # ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك # [الفرقان: 2] وأن يعود على المنذرين، لدلالة " نذيرا " عليهم. # قوله: ms6622 " لا يخلقون " صفة ل " آلهة " ، وغلب العقلاء على غيرهم؛ ~~لأن الكفار كانوا يعبدون العقلاء كعزير والمسيح والملائكة وغيرهم ~~كالكواكب والأصنام. ومعنى " لا يخلقون " لا يقدرون على التقدير، والخلق ~~يوصف به العباد قال زهير: # 3860- ولأنت تفري ما خلقت وبع # ض القوم يخلق ثم لا يفري # ويقال: خلقت الأديم: أي: قدرته، وهذا إذا أريد بالخلق التقدير، فإن أريد ~~به الإيجاد فلا يوصف به غير الباري - تعالى - وقد تقدم. # وقيل: بمعنى يختلقون كقوله: # وتخلقون إفكا # [العنكبوت: 17]. # فصل # لما وصف نفسه بصفات الجلال والعزة والعلو أردفه بتزييف مذهب عبدة ~~الأوثان من وجوه: منها: أنها ليست خالقة للأشياء، والإله يجب أن يكون ~~قادرا على الخلق والإيجاد ومنها: أنها مخلوقة، والمخلوق محتاج، والإله ~~يجب أن يكون غنيا. ومنها: أنها لا تملك لأنفسها ضرا ولا نفعا، ومن كان ~~كذلك لا يملك موتا ولا حياة ولا نشورا. أي: لا يقدر على الإحياء ~~والإماتة لا في زمن التكليف، ولا في زمن المجازاة، ومن كان كذلك كيف يسمى ~~إلها، وكيف يستحق العبادة؟. # فصل # احتج أهل السنة بقوله: " ولا يخلقون شيئا " على أن فعل العبد ~~مخلوق لله تعالى لأنه عاب هؤلاء الكفار من حيث عبدوا ما لا يخلق ~~شيئا، وذلك يدل على أن من خلق يستحق أن يعبد، فلو كان العبد خالقا لكان ~~معبودا إلها. وأجاب الكعبي بأنا لا نطلق اسم الخالق إلا على الله ~~تعالى، (وقال بعض أصحابنا في الخلق: إنه الإحداث لا بعلاج وفكر وتعب ولا ~~يكون ذلك إلا لله تعالى. # ثم قال: قد قال الله تعالى): # ألهم أرجل يمشون بهآ # [الأعراف: 195] في وصف الأصنام، أفيدل ذلك على أن كل من له رجل يستحق أن ~~يعبد. فإذا قالوا: لا. قيل: فكذلك ما ذكرتم، وقد قال الله تعالى: # فتبارك الله أحسن الخالقين # [المؤمنون: 14] هذا كله كلام الكعبي. # والجواب: قوله: لا نطلق اسم الخالق على العبد. قلنا: بل يجب ذلك، لأن ~~الخلق في اللغة هو التقدير، والتقدير يرجع إلى الظن والحسبان، فوجب أن ~~يكون اسم الخالق حقيقة في العبد مجازا في ms6623 الله، فكيف يمكنهم منع إطلاق ~~لفظ الخالق على العبد؟. وأما قوله تعالى: # ألهم أرجل يمشون بهآ # [الأعراف: 195] فالعيب إنما وقع عليهم، فلا جرم أن من تحقق العجز في حقه ~~من بعض الوجوه لم يحسن عبادته. وأما قوله: # فتبارك الله أحسن الخالقين # [المؤمنون: 14] فتقدم الكلام عليه. واعلم أن في استدلال أهل السنة ~~بالآية نظر، لاحتمال أن الغيب إنما حصل بمجموع الأمرين، وهو كونهم ليسوا ~~بخالقين، وكونهم مخلوقون، والعبد وإن كان خالقا إلا أنه مخلوق، فلا يلزم ~~أن يكون العبد إلها معبودا. # فصل # دلت الآية على البعث، لأنه تعالى ذكر النشور، ومعناه: أن المعبود يجب ~~أن يكون قادرا على إيصال الثواب إلى المطيعين، والعقاب إلى العصاة، فمن ~~لا يكون كذلك يجب أن لا يصلح للإلهية. ### || [25.4-9] # قوله تعالى: { وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك ~~افتراه } الآية. لما تكلم أولا في التوحيد وثانيا في الرد على عبدة ~~الأوثان، تكلم ههنا في مسألة النبوة، وحكى شبه الكفار في إنكار نبوة محمد ~~- صلى الله عليه وسلم -. فالشبهة الأولى: قوله: { وقال الذين ~~كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه ~~قوم آخرون }. # قال الكلبي ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث هو الذي قال هذا القول { ~~وأعانه عليه قوم آخرون } يعني: عامر مولى حويطب بن عبد ~~العزى، ويسار غلام عامر بن الحضرمي، وجبير مولى عامر، هؤلاء الثلاثة ~~كانوا من أهل الكتاب، وكانوا يقرؤون التوراة، فلما أسلموا، وكان النبي ~~يتعهدهم، فمن أجل ذلك قال النضر ما قال. وقال الحسن: عبيد بن الحصر ~~الحبشي الكاهن. وقيل: جبر ويسار وعداس عبيد كانوا بمكة من أهل الكتاب، ~~فزعم المشركون أن محمدا يأخذ منهم. # قوله: " افتراه " الهاء تعود على " إفك " وقال أبو البقاء: الهاء تعود ~~على " عبده " في أول السورة. قال شهاب الدين: ولا أظنه إلا غلطا وكأنه ~~أراد أن يقول الضمير المرفوع في " افتراه " فغلط. # قوله " ظلما " فيه أوجه: # أحدها: أنه مفعول به، لأن جاء يتعدى بنفسه (وكذلك أتى). # والثاني: أنه على إسقاط الخافض، أي: جاءوا بظلم. قاله الزجاج. # الثالث: ms6624 أنه في موضع الحال، فيجيء فيه ما في قولك: جاء زيد عدلا. # قال الزمخشري: { فقد جآءوا ظلما وزورا } أي: أتوا ظلما ~~وكذبا كقوله: # لقد جئتم شيئا إدا # [مريم: 89] فانتصب بوقوع المجيء. أما كونه " ظلما " فلأنهم نسبوا هذا ~~الفعل القبيح إلى من كان مبرأ عنه، فقد وضعوا الشيء في غير موضعه، وذلك ~~هو الظلم. وأما كونه " زورا " فلأنهم كذبوا، قال أبو مسلم: الظلم ~~تكذيبهم الرسول. # الشبهة الثانية: قوله تعالى: { وقالوا أساطير الأولين. ~~اكتتبها } الآية. يجوز في " اكتتبها " ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون حالا من " أساطير " ، والعامل فيها معنى التنبيه أو ~~الإشارة المقدرة، فإن " أساطير " خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هذه أساطير ~~الأولين مكتتبة. # الثاني: أن يكون في موضع خبر ثان ل " هذه ". # الثالث: أن يكون " أساطير " مبتدأ و " اكتتبها " خبره. و " ~~اكتتبها " الافتعال هنا يجوز أن يكون بمعنى: أمر بكتابتها كافتصد ~~واحتجم إذا أمر بذلك ويجوز أن يكون بمعنى كتبها، وهو من جملة افترائهم ~~عليه، لأنه كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، ويكون كقولهم: (استكبه واصطبه، ~~أي: سكبه وصبه)، والافتعال مشعر بالتكليف. ويجوز أن يكون من كتب بمعنى ~~جمع من الكتب، وهو الجمع لا من الكتابة بالقلم. # وقرأ طلحة " اكتتبها " مبنيا للمفعول. # قال الزمخشري: والمعنى: اكتتبها له كاتب، لأنه كان أميا لا يكتب بيده، ~~ثم حذفت اللام فأفضى الفعل إلى الضمير، فصار اكتتبها إياه كاتب، كقوله: # واختار موسى قومه # [الأعراف: 155]، ثم بنى الفعل للضمير الذي هو إياه فانقلب مرفوعا ~~مستترا بعد أن كان منصوبا بارزا، وبقي ضمير الأساطير على حاله، فصار " ~~اكتتبها " كما ترى. قال أبو حيان: ولا يصح ذلك على مذهب جمهور ~~البصريين، لأن " اكتتبها " له كاتب، وصل الفعل فيه المفعولين: أحدهما: ~~مسرح، وهو ضمير الأساطير والآخر مقيد، وهو ضميره عليه السلام - ثم اتسع ~~في الفعل، فحذف حرف الجر، فصار " اكتتبها إياه كاتب " ، فإذا بني ~~هذا للمفعول إنما ينوب عن الفاعل المفعول المسرح لفظا وتقديرا، لا ~~المسرح لفظا المقيد تقديرا، فعلى هذا كان يكون التركيب (اكتتبه) لا ~~(اكتتبها)، وعلى هذا الذي ms6625 قلناه جاء السماع، قال الفرزدق: # 3861- ومنا الذي اختير الرجال سماحة # وجودا إذا هب الرياح الزعازع # ولو جاء على ما قدره الزمخشري لجاء التركيب: ومنا الذي اختيره الرجال. ~~لأن (اختير) تعدى إلى الرجال بإسقاط حرف الجر؛ إذ تقديره: اختير من ~~الرجال. وهو اعتراض حسن بالنسبة إلى مذهب الجمهور، ولكن الزمخشري قد لا ~~يلتزمه، ويوافق الأخفش والكوفيين، وإذا كان الأخفش وهم يتركون المسرح ~~لفظا وتقديرا، ويقيمون المجرور بالحرف مع وجوده، فهذا أولى. # والظاهر أن الجملة من قوله { اكتتبها فهي تملى } من تتمة قول الكفار. # وعن الحسن أنها من كلام الباري تعالى، وكان حق الكلام على هذا أن يقرأ " ~~أكتتبها " بهمزة مقطوعة مفتوحة للاستفهام كقوله: # أفترى على الله كذبا أم به جنة # [سبأ: 8]. ويمكن أن يعتذر عنه أنه حذف الهمزة للعلم بها كقوله تعالى: # وتلك نعمة تمنها علي # [الشعراء: 22]. وقول الآخر: # 3862- أفرح أن أرزأ الكرام وأن # أورث ذودا شصائصا نبلا # يريد: أو تلك، أو أأفرح، فحذف لدلالة الحال، وحقه أن يقف على " الأولين ~~" قال الزمخشري: كيف قيل: { اكتتبها فهي تملى عليه } وإنما يقال: أمليت ~~عليه فهو يكتبها. قلت فيه وجهان: # أحدهما: أراد اكتتابها وطلبه، فهي تملى عليه، أو كتبت له، وهو أمر فهي ~~تملى عليه، أي: تلقى عليه من كتاب يتحفظها، لأن صورة الإلقاء على الحافظ ~~كصورة الإلقاء على الكاتب. # وقرأ عيسى وطلحة " تتلى " بتاءين من [فوق من التلاوة. و " بكرة ~~وأصيلا " ظرفا زمان للإملاء، والياء في " تملى " بدل من] اللام، ~~كقوله: # فليملل # [البقرة: 282] وقد تقدم. # فصل # المعنى: أن هذا القرآن ليس من الله، إنما هو مما سطره الأولون كأحاديث ~~رستم واسفنديار، جمع أسطار وأسطورة كأحدوثة استنسخها محمد من أهل الكتاب ~~{ فهي تملى عليه } أي: تقرأ عليه ليحفظها لا ليكتبها " ~~بكرة وأصيلا " غدوة وعشيا. # قوله: { قل أنزله الذي يعلم السر } الآية. وهذا جواب ~~عن شبههم، وذلك أنه - عليه السلام - تحداهم بالمعارضة وأظهر عجزهم عنها، ~~ولو كان عليه السلام أتى بالقرآن من عند نفسه، أو استعان بأحد لكان من ~~الواجب عليهم أيضا أن يستعينوا ms6626 بأحد، فيأتوا بمثل هذا القرآن، فلما ~~عجزوا عنه ثبت أنه وحي الله وكلامه، فلهذا قال: " قل أنزله " ~~يعني: القرآن { الذي يعلم السر } أي: الغيب { في ~~السماوات والأرض }؛ لأن القادر على تركيب ألفاظ القرآن لا بد ~~وأن يكون عالما بكل المعلومات ظاهرها وخفيها، # ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا # [النساء: 82] ثم قال: { إنه كان غفورا رحيما } ، فذكر ~~الغفور في هذا الموضع لوجهين: # أحدهما: قال أبو مسلم: إنه لما أنزله لأجل الإنذار وجب أن يكون غفورا ~~رحيما، غير مستعجل بالعقوبة. # الثاني: أنهم استوجبوا بمكابرتهم هذه أن يصب عليهم العقاب صبا، ولكن ~~صرف عنهم كونه غفورا رحيما، يمهل ولا يعاجل. # الشبهة الثالثة: قوله تعالى: { وقالوا مال هذا الرسول ~~يأكل الطعام }. الآية. " ما " استفهامية مبتدأة، والجار بعدها ~~خبر، و " يأكل " جملة حالية، وبها تتم فائدة الإخبار، كقوله: # فما لهم عن التذكرة معرضين # [المدثر: 49] وقد تقدم في النساء أن لام الجر كتبت مفصولة من مجرورها، ~~وهو خارج عن قياس الخط. والعامل في الحال الاستقرار العامل في الجر، أو ~~نفس الجر ذكره أبو البقاء. # قوله: " فيكون ". العامة على نصبه، وفيه وجهان: # أحدهما: نصبه على جواب التحضيض. # والثاني: قال أبو البقاء: " فيكون " منصوب على جواب الاستفهام. وفيه ~~نظر، لأن ما بعد الفاء لا يترتب على هذا الاستفهام، وشرط النصب أن ينعقد ~~منهما شرط وجزاء. وقرئ " فيكون " بالرفع وهو معطوف على " أنزل " ~~، وجاز عطفه على الماضي؛ لأن المراد بالماضي المستقبل إذ التقدير: لولا ~~ينزل. # قوله: " أو يلقى... أو تكون " معطوفان على " أنزل " لما تقدم من ~~كونه بمعنى ينزل، ولا يجوز أن يعطفا على " فيكون " المنصوب في ~~الجواب؛ لأنهما مندرجان في التحضيض في حكم الواقع بعد " لولا " ، وليس ~~المعنى على أنهما جواب للتحضيض، فيعطفا على جوابه. وقرأ الأعمش ~~وقتادة { أو يكون له } بالياء من تحت؛ لأن تأنيث الجنة مجازي. # قوله: " يأكل منها " الجملة في موضع الرفع صفة ل " جنة ". ~~وقرأ الأخوان " نأكل " بنون الجمع، والباقون بالياء من تحت أي: ~~الرسول. # قوله: " وقال الظالمون " وضع الظاهر ms6627 موضع المضمر؛ إذ الأصل " ~~وقالوا ". # قال الزمخشري: وأراد بالظالمين إياهم بأعيانهم. # قال أبو حيان: وقوله ليس تركيبا سائغا بل التركيب العربي أن يقول ~~أرادهم بأعيانهم. # فصل # وهذه الشبهة التي ذكروها في نهاية الرذالة، فقالوا: { مال هذا ~~الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق } يلتمس ~~المعاش كما نلتمس فمن أين له الفضل علينا؟ وكيف يمتاز عنا بالنبوة، وهو ~~مثلنا في هذه الأمور. # وقالوا: { لولا أنزل إليه ملك } هلا أنزل إليه ملك { ~~فيكون معه نذيرا } يصدقه ويشهد له، ويرد على من خالفه. { أو ~~يلقى إليه كنز } من السماء، فينفعه ولا يحتاج إلى تردد لطلب ~~المعاش، وكانوا يقولون له: لست أنت بملك، لأنك تأكل والملك لا يأكل، ~~ولست بملك؛ لأن الملك لا يتسوق، وأنت تتسوق وتتبذل. وما قالوه فاسد؛ لأن ~~أكله الطعام لكونه آدميا، ومشيه في الأسواق لتواضعه، وكان ذلك صفة له. ~~وقالوا: { أو تكون له جنة يأكل منها } ، والمعنى: إن ~~لم يكن له كنز فلا أقل أن يكون كواحد من الدهاقين، فيكون له بستان يأكل ~~منه { وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا ~~مسحورا } مخدوعا، وقيل: مصروفا عن الحق. وتقدمت هذه القصة في آخر ~~بني إسرائيل. ثم أجابهم الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله: { انظر كيف ~~ضربوا لك الأمثال } يعني الأشباه فضلوا عن الحق { فلا ~~يستطيعون سبيلا } إلى الهدى ومخرجا عن الضلالة. # وبيان وجه الجواب كأنه تعالى قال: انظر كيف اشتغل القوم بضرب هذه ~~الأمثال التي لا فائدة فيها: لأجل أنهم لما ضلوا وأرادوا القدح في ~~نبوتك لم يجدوا إلى القدح فيه سبيلا البتة، إذ الطعن عليه إنما يكون ~~بما يقدح في المعجزات التي ادعاها لا بهذا الجنس من القول. ### || [25.10-14] # قوله تعالى: { تبارك الذي إن شآء جعل لك خيرا من ~~ذلك } الآية وهذا هو الجواب الثاني عن تلك الشبهة، أي: تبارك ~~الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك الذي قالوا، وأفضل ~~من الكنز والبستان الذي ذكروا، أي: أنه قادر على أن يعطي الرسول كل ما ~~ذكروه، ولكنه تعالى يعطي عباده بحسب المصالح، ms6628 أو على وفق المشيئة، ولا ~~اعتراض لأحد عليه في شيء من أفعاله. # قال ابن عباس: { خيرا من ذلك } أي: مما عيروك بفقد الجنة ~~الواحدة، وهو سبحانه قادر على أن يعطيك جنات كثيرة. وقال في رواية عكرمة: ~~{ خيرا من ذلك } أي: من المشي في الأسواق وابتغاء المعاش. # وقوله: " إن شاء " معناه: أنه تعالى قادر على ذلك لا أنه شاك، ~~لأن الشك لا يجوز على الله تعالى. وقيل: " إن " ههنا بمعنى (قد)، أي: ~~قد جعلنا لك في الآخرة جنات ومساكن، وإنما أدخل (إن) تنبيها للعبادة على ~~أنه لا ينال ذلك إلا برحمته، وأنه معلق على محض مشيئته، وليس لأحد من ~~العباد حق على الله لا في الدنيا ولا في الآخرة. # قوله: " جنات ". يجوز أن يكون بدلا من " خيرا " وأن يكون عطف ~~بيان لذلك الخير عند من يجوزه في النكرات، وأن يكون منصوبا بإضمار أعني. ~~و { تجري من تحتها الأنهار } صفة. # قوله: " ويجعل لك " قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر برفع " ~~يجعل " ، والباقون بإدغام لام " يجعل " في لام " لك " وأما الرفع ~~ففيه وجهان: # أحدهما: أنه مستأنف. # والثاني: أنه معطوف على جواب الشرط. قال الزمخشري: لأن الشرط إذا وقع ~~ماضيا جاز في جوابه الجزم والرفع، كقوله: # 3863- وإن أتاه خليل يوم مسألة # يقول لا غائب مالي ولا حرم # قال الزمخشري: وليس هذا مذهب سيبويه بل مذهبه أن الجواب محذوف، وأن هذا ~~المضارع منوي به التقديم، ومذهب المبرد والكوفيين أنه جواب على حذف ~~الفاء، ومذهب آخرين أنه جواب لا على حذفها بل لما كان الشرط ماضيا ضعف ~~تأثير (إن) فارتفع. فالزمخشري بنى قوله على هذين المذهبين. ثم قال أبو ~~حيان: وهذا التركيب جائز فصيح، وزعم بعض أصحابنا أنه لا يجيء إلا في ~~ضرورة. وأما القراءة الثانية فتحتمل وجهين: # أحدهما: أن سكون اللام للجزم عطفا على محل (جعل)؛ لأنه جواب الشرط. # والثاني: أنه مرفوع، وإنما سكن لأجل الإدغام. قاله الزمخشري وغيره. وفيه ~~نظر من حيث إن من جملة من قرأ بذلك وهو نافع والأخوان وحفص ليس ms6629 من أصولهم ~~الإدغام حتى يدعى لهم في هذا المكان. نعم أبو عمرو أصله الإدغام وهو يقر ~~هنا بسكون اللام فيحتمل ذلك على قراءته، وهذا من محاسن علم النحو ~~والقراءات معا وقال الواحدي: وبين القراءتين فرق في المعنى، فمن جزم ~~فالمعنى: إن شاء يجعل لك قصورا في الدنيا، ولا يحسن الوقف على " ~~الأنهار " ومن رفع حسن الوقف (على " الأنهار " ) واستأنف { ~~ويجعل لك قصورا } في الآخرة. # وقرأ ابن سليمان وطلحة بن سليمان " ويجعل " بالنصب، وذلك بإضمار أن ~~على جواب الشرط، واستضعفها ابن جني، ومثل هذه القراءة قوله: # 3864- فإن يهلك أبو قابوس يهلك # ربيع الناس والبلد الحرام # ونأخذ بعده بذناب عيش # أجب الظهر ليس له سنام # بالتثليث في (نأخذ). # فصل # القصور جماعة القصر، وهو المسكن الرفيع. قال المفسرون: القصور هي البيوت ~~المشيدة، والعرب تسمي كل بيت مشيد قصرا. ويحتمل أن يكون لكل جنة قصر ~~فيكون مسكنا ومنتزها، ويجوز أن يكون القصور مجموعة والجنات مجموعة. # وقال مجاهد: " إن شاء جعل لك جنات " في الآخرة وقصورا في ~~الدنيا. # روي أنه - عليه السلام - قال: # " عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا، فقلت: ~~لا يا رب، ولكن أشبع يوما وأجوع يوما - أو قال ~~ثلاثا، أو نحو هذا - فإذا جعت تضرعت إليك ~~ودعوتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك " # وروت عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # " لو شئت لسارت معي جبال الذهب جاءني ملك فقال: إن ربك يقرأ عليك ~~السلام ويقول إن شئت كنت نبيا عبدا، وإن شئت نبيا ملكا، ~~فنظرت إلى جبريل - عليه السلام - فأشار إلي أن ضع نفسك، فقلت: ~~نبيا عبدا قالت: وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك لا يأكل ~~متكئا، ويقول: آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد وعن ابن ~~عباس قال: بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس وجبريل - عليه ~~السلام - معه فقال جبريل: " هذا ملك قد نزل من السماء ~~استأذن ربه في زيارتك " فلم يلبث إلا قليلا حتى جاء ~~الملك وسلم على رسول الله - صلى الله عليه ms6630 وسلم - وقال: " إن ~~الله يخيرك أن يعطيك مفاتيح كل شيء لم يعط أحد قبلك ~~ولا يعطيه أحدا بعدك من غير أن ينقصك مما أداك شيئا " فقال عليه ~~السلام: بل يجمعهما لي جميعا في الآخرة " # فنزل { تبارك الذي إن شآء } الآية. قوله تعالى: { بل ~~كذبوا بالساعة } أي: بالقيامة، فلا يرجون ثوابا ولا عقابا ~~فلا يتكلفون النظر والفكر ولهذا لا ينتفعون بما يورد عليهم من الدلائل. { ~~وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا }. قال أبو مسلم: " ~~أعتدنا " أي: جعلناها عتيدا ومعدة لهم، والسعير: النار الشديدة ~~الاستعار، وعن الحسن: أنه اسم جهنم. # فصل # احتج أهل السنة على أن الجنة مخلوقة بقوله تعالى: # أعدت للمتقين # [آل عمران: 133] وعلى أن النار التي هي دار العقاب مخلوقة بهذه الآية. # قال الجبائي: يحتمل في قوله: " وأعتدنا " أن المراد منه نار ~~الدنيا، وبها نعذب الكفار والفساق في قبورهم، ويحتمل نار الآخرة، ويكون ~~المعنى: " وأعتدنا " أي: سنعدها، كقوله تعالى: # ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار # [الأعراف: 44]. وهذا جواب ساقط، لأن المراد من السعير إما نار الدنيا، ~~أو نار الآخرة، فإن كان الأول فإما أن يكون المراد أنه تعالى يعذبهم في ~~الدنيا بنار الدنيا، أو يعذبهم في الآخرة بنار الدنيا. والأول باطل، لأنه ~~تعالى ما عذبهم بالنار في الدنيا، والثاني - أيضا - باطل؛ لأنه لم يقل ~~أحد من الأمة إنه تعالى يعذب الكفرة في الآخرة بنيران الدنيا. فثبت أن ~~المراد نار الآخرة وأنها معدة. # وأما حمل الآية على أن الله تعالى سيجعلها معدة فترك للظاهر من غير ~~دليل. قوله: " إذا رأتهم " هذه الجملة الشرطية في موضع نصب صفة ل ~~" سعيرا " ، لأنه مؤنث بمعنى النار. # قوله: { سمعوا لها تغيظا وزفيرا } فإن قيل: التغيظ ~~لا يسمع. فالجواب من ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه على حذف مضاف، أي: صوت تغيظها. # والثاني: أنه على حذف تقديره: سمعوا ورأوا تغيظا وزفيرا، فيرجع كل ~~واحد إلى ما يليق به، أي: رأوا تغيظا وسمعوا زفيرا. # والثالث: أن يضمن " سمعوا " معنى يشمل الشيئين، أي: أدركوا لها ~~تغيظا وزفيرا. # وهذان الوجهان الأخيران منقولان من ms6631 قوله: # 3865- ورأيت زوجك في الوغى # متقلدا سيفا ورمحا # ومن قوله: # 3866- علفتها تبنا وماء باردا # أي: ومعتقلا رمحا، وسقيتها ماء، أو يضمن (متقلدا) معنى ~~متسلحا، و(علفتها) معنى أطعمتها تبنا وماء باردا. # فصل # معنى { إذا رأتهم من مكان بعيد }. قال الكلبي والسدي ~~من مسيرة عام. وقيل: من مسيرة مائة سنة. روي عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: # " من كذب علي متعمدا فليتبوأ بين عيني جهنم ~~مقعدا " قالوا: وهل لها من عينين؟ قال: نعم ألم تسمع قول الله - عز ~~وجل - { إذا رأتهم من مكان بعيد } ". # وقيل: إذا رأتهم زبانيتها. قال الجبائي: إن الله تعالى ذكر النار وأراد ~~الخزنة الموكلين بتعذيب أهل النار، لأن الرؤية تصح منهم ولا تصح من ~~النار، فهو كقوله # واسأل القرية # [يوسف: 82] وأراد أهلها. # قوله: { وإذآ ألقوا منها مكانا ضيقا }. " مكانا " ~~منصوب على الظرف، و " منها " في محل نصب على الحال من " مكانا ". لأنه ~~في الأصل صفة له. و " مقرنين " حال من مفعول " ألقوا " ، و " ~~ثبورا " مفعول به، فيقولون: واثبوراه، ويجوز أن يكون مصدرا من معنى " ~~دعوا " ، وقيل: منصوب بفعل من لفظه مقدر تقديره ثبرنا ثبورا. # وقرأ معاذ بن جبل " مقرنون " بالواو، ووجهها أن تكون بدلا من ~~مفعول " ألقوا " وقرأ عمرو بن محمد " ثبورا " بفتح الثاء، والمصادر ~~التي على (فعول) بالفتح قليلة جدا، وينبغي أن يضم هذا إليها، وهي مذكورة ~~في البقرة عند قوله # وقودها الناس # [البقرة: 24]. # فصل # قال ابن عباس: يضيق جهنم عليهم كما يضيق الزج على الرمح، وهو منقول ~~أيضا عن ابن عمر. وسئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال: # " إنهم يستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط ~~". # قال الكلبي: الأسفلون يرفعهم اللهب والأعلون يخفضهم الداخلون فيزدحمون ~~في تلك الأبواب. قال الزمخشري: الكرب مع الضيق كما أن الفرج مع السعة، ~~ولذلك وصف الجنة بأن عرضها السموات والأرض. # وقوله: " مقرنين " (أي: مصفدين قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم في ~~الأغلال. وقيل: مقرنين) مع الشياطين في السلاسل، كل كافر مع شيطان، ~~فعندما يشاهدون هذا العذاب ms6632 دعوا بالويل والثبور. # قال ابن عباس: يقولون: ويلا. وقال الضحاك: هلاكا. فيقولون: واثبوراه ~~فهذا حينك وزمانك، فيقال لهم: { لا تدعوا اليوم ثبورا ~~واحدا وادعوا ثبورا كثيرا } أي: هلاككم أكثر من أن تدعوا ~~مرة واحدة فادعوا أدعية كثيرة. # قال الكلبي: نزل هذا كله في أبي جهل والكفار الذين ذكروا تلك الشبهات. ### || [25.15-16] # قوله تعالى: { أذلك خير أم جنة الخلد } الآية. لما وصف ~~العقاب المعد للمكذبين بالساعة أتبعه بما يؤكد الحسرة والندامة فقال: " ~~أذلك خير ". # فإن قيل: كيف يقال: العذاب خير أم جنة الخلد؟ وهل يجوز أن يقول العاقل: ~~السكر أحلى أم الصبر؟ فالجواب: هذا يحسن في معرض التقريع كما إذا أعطى ~~السيد عبده مالا فتمرد وأبى واستكبر فضربه ويقول له: أهذا خير أم ذلك؟ # فصل # قال أبو مسلم: جنة الخلد: هي التي لا ينقطع نعيمها، والخلد والخلود سواء ~~كالشكر والشكور، قال تعالى: # لا نريد منكم جزآء ولا شكورا # [الإنسان: 9]. فإن قيل: الجنة اسم لدار مخلدة، فأي فائدة في قوله: " ~~جنة الخلد "؟ فالجواب: الإضافة قد تكون للتبيين، وقد تكون لبيان ~~صفات الكمال، كقوله تعالى: # الخالق البارئ # [الحشر: 24] وهذا من هذا الباب. # فصل # احتج المعتزلة بهذه الآية على إثبات الاستحقاق من وجهين: # الأول: اسم الجزاء لا يتناول إلا المستحق، فأما الموعود بمحض التفضيل ~~فلا يسمى جزاء. # والثاني: لو كان المراد بالجزاء ما صرتم إليه بمجرد الوعد فلا يبقى بين ~~قوله: " جزاء " وبين قوله: " مصيرا " تفاوت، فيصير ذلك تكريرا من ~~غير فائدة. # والجواب: أنه لا نزاع في كونه جزاء إنما النزاع في أن كونه جزاء ثبت ~~بالوعد أو بالاستحقاق، وليس في الآية ما يدل على التعيين. # فإن قيل: إن الجنة ستصير للمتقين جزاء ومصيرا لكنها بعد ما صارت كذلك، ~~فلم قال الله { كانت لهم جزآء ومصيرا }؟ # فالجواب من وجهين: # الأول: أن ما وعده فهو في تحققه كأنه قد كان؛ ولأنه قد كان مكتوبا في ~~اللوح المحفوظ قبل أن يخلقهم الله بأزمنة متطاولة أن الجنة جزاؤهم ~~(ومصيرا). # قوله: { لهم فيها ما يشآءون } هو نظير قوله: ms6633 # ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم # [فصلت: 31]، # وفيها ما تشتهيه الأنفس # [الزخرف: 71]. فإن قيل: أهل الدرجات النازلة إذا شاهدوا الدرجات العالية ~~لا بد وأن يريدوها، فإذا سألوها ربهم، فإن أعطاها لم يبق بين الناقص ~~والكامل تفاوت في الدرجة، وإن لم يعطها قدح ذلك في قوله { لهم فيها ~~ما يشآءون } ، وأيضا فالأب إذا كان ولده في دركات النيران وأشد ~~العذاب فلو اشتهى أن يخلصه الله تعالى من ذلك العذاب، (فلا بد وأن يسأل ~~ربه أن يخلصه منه)، فإن فعل قدح ذلك في أن عذاب الكافر مخلد، وإن لم يفعل ~~قدح ذلك في قوله: # ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم # [فصلت: 31]، وفي قوله: ( { لهم فيها ما يشآءون خالدين } ~~). # والجواب أن الله تعالى يزيل هذا الخاطر عن قلوب أهل الجنة ويشتغلون بما ~~هم فيه من اللذات عن الالتفات إلى حال غيرهم. # قوله: " خالدين " منصوب على الحال، إما من فاعل " يشاءون " وإما ~~من فاعل " لهم " ، لوقوعه خبرا، والعائد على " ما " محذوف، أي: لهم ~~فيها الذي يشاءونه حال كونهم خالدين. # قوله: { كان على ربك } في اسم " كان " وجهان: # أحدهما: أنه ضمير " ما يشاءون " ذكره أبو البقاء. # والثاني: أن يعود على الوعد المفهوم من قوله " وعد المتقون ". و ~~" مسؤولا " على المجاز، يسأل هل وفى لك أم لا، أو يسأله من وعد به. # فصل # قوله: { كان على ربك وعدا مسئولا } يدل على أن الجنة ~~حصلت بحكم الوعد لا بحكم الاستحقاق كما تقدم. وقوله: " مسؤولا " أي: ~~مطلوبا، قيل: إن المتقين سألوا ربهم في الدنيا فقالوا: # ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك # [آل عمران: 194] وقال محمد بن كعب القرظي: الملائكة سألوا ربهم للمؤمنين ~~بقولهم: # ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم # [غافر: 8]. # وقيل: إن المكلفين سألوه بلسان الحال؛ لأنهم لما تحملوا المشقة الشديدة ~~في طاعة الله كان ذلك قائما مقام السؤال، قال المتنبي: # 3867- وفي النفس حاجات وفيك فطانة # سكوتي كلام عندها وخطاب # وقيل: " وعدا مسؤولا " أي: واجبا وإن لم يسأل. قاله الفراء وقيل: ~~" مسؤولا " أي: من حقه أن يكون مسؤولا، لأنه حق ms6634 واجب إما بحكم ~~الاستحقاق على قول المعتزلة، أو بحكم الوعد على قول أهل السنة. ### || [25.17-20] # قوله تعالى: { ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون ~~الله } الآية قرأ ابن عامر " نحشرهم... فنقول " بالنون ~~فيهما، وابن كثير وحفص بالياء من تحت فيهما، والباقون بالنون في الأول ~~وبالياء في الثاني. وهن واضحات. # وقرأ الأعرج " نحشرهم " بكسر الشين في جميع القرآن. # قال ابن عطية: هي قليلة في الاستعمال قوية في القياس، لأن يفعل بكسر ~~العين في المتعدي أقيس من يفعل بضم العين. وقال أبو الفضل الرازي: وهو ~~القياس في الأفعال الثلاثية المتعدية؛ لأن يفعل بضم العين قد يكون من ~~اللازم الذي هو فعل بضمها في الماضي. قال أبو حيان: وليس كما ذكرا بل ~~فعل المتعدي الصحيح جميع حروفه إذا لم يكن للمبالغة، ولا حلقي عين ولا ~~لام فإنه جاء على يفعل ويفعل كثيرا، فإن شهر أحد الاستعمالين ~~اتبع وإلا فالخيار حتى إن بعض أصحابنا خير فيهما سمعا للكلمة أم ~~لم يسمعا. # قال شهاب الدين: الذي خير في ذلك ابن عصفور، فيجيز أن يقول: زيد يفعل ~~بكسر العين، ويضرب بكسر الراء مع سماع الضم في الأول والكسر في الثاني ~~وسبقه إلى ذلك ابن درستويه (إلا أن) النحاة على خلافه. # قوله: " وما يعبدون " عطف على مفعول " يحشرهم " ، ويضعف ~~نصبه على المعية، وغلب غير العاقل عليه فأتي ب " ما " دون " من ". # فصل # ظاهر قوله: " وما يعبدون " أنها الأصنام، لأن (ما) لما لا يعقل. ~~وظاهر قوله: { فيقول أأنتم أضللتم } أنه من عبد من الأحياء ~~كالملائكة والمسيح وعزير وغيرهم؛ لأن الإضلال وجد بهم فلهذا اختلفوا. # فقال مجاهد: أراد الملائكة والجن والمسيح وعزير. وقال عكرمة والضحاك ~~والكلبي: يعني الأصنام. فقيل لهم: كيف يخاطب الله تعالى الجماد فأجابوا ~~بوجهين: # أحدهما: أنه تعالى يخلق الحياة فيها ويخاطبها. # والثاني: أن يكون ذلك بالكلام النفساني لا بالقول اللساني بل بلسان ~~الحال كما ذكر بعضهم في تسبيح الموات، وكلام الأيدي والأرجل، وكما قيل سل ~~الأرض من شق أنهارك، وغرس أشجارك؟ فإن لم يحصل جوابا أجابتك اعتبارا. ms6635 # وقال الأكثرون: المراد الملائكة وعيسى وعزير - عليهم السلام - قالوا: ~~ويتأكد هذا القول بقوله تعالى: # ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة ~~أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون # [سبأ: 40] فإن قيل: لفظة " ما " لا تستعمل في العقلاء. فالجواب من ~~وجهين: # الأول: لا نسلم أن كلمة " ما " لا تستعمل لمن لا يعقل؛ لأنهم قالوا: " ~~من " لمن لا يعقل في قوله تعالى: # فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على ~~رجلين ومنهم من يمشي على أربع # [النور: 45]. # الثاني: أنه أريد به الوصف كأنه قيل: ومعبودهم. # وقال تعالى: # والسمآء وما بناها # [الشمس: 5]، # ولا أنتم عابدون مآ أعبد # [الكافرون: 3] وهذا لا يستقيم إلا على أحد هذين الوجهين. # فصل # قالت المعتزلة: (وفيه كسر بين لقول من يقول إن) الله يضل عباده في ~~الحقيقة لأنه لو كان الأمر كذلك لكان الجواب الصحيح أن يقول: إلهنا ههنا ~~قسم ثالث غيرهما هو الحق، وهو أنك أضللتهم فلما لم يقولوا ذلك بل نسبوا ~~ضلالهم إلى أنفسهم، علمنا أنه تعالى لا يضل أحدا من عباده، فإن قيل: لا ~~نسلم أن المعبودين ما تعرضوا لهذا القسم بل ذكروه، وقالوا: { ولكن ~~متعتهم وآبآءهم حتى نسوا الذكر } ، وهذا تصريح ~~بأن ضلالهم إنما حصل لأجل ما فعل الله بهم، وهو أنه تعالى متعهم ~~وآباءهم بنعيم الدنيا. قلنا: لو كان الأمر كذلك لكان يلزم أن يصير الله ~~محجوجا في يد أولئك المعبودين، ومعلوم أنه ليس الغرض ذلك بل الغرض أن ~~يصير الكافر محجوجا مفحما ملوما. # وأجاب أهل السنة بأن القدرة على الضلال إن لم تصلح للاهتداء فالإضلال من ~~الله، وإن صلحت له لم يترجح اقتدارها للضلال على اقتدارها على الاهتداء ~~إلا لمرجح من الله تعالى، وعند ذلك يزول السؤال. # وأما ظاهر الآية وإن كان لهم لكنه معارض بسائر الظوهر المطابقة لقولنا. # قوله: " هؤلاء " يجوز أن يكون نعتا ل " عبادي " أو بدلا أو بيانا. # قوله: " ضلوا السبيل " على حذف حرف الجر وهو " عن " كما صرح به في ~~قوله # يضل عن سبيله # [الأنعام: 117] ثم اتسع فيه فحذف نحو هدى، فإنه ms6636 يتعدى ب ~~(إلى) وقد يحذف اتساعا. و " ضل " مطاوع (أضل). فإن قيل: ~~إنه تعالى كان عالما في الأزل بحال المسؤول عنه فما فائدة هذا ~~السؤال؟ # فالجواب: هذا سؤال تقريع للمشركين كما قيل لعيسى # أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله # [المائدة: 116]. فإن قيل: فما فائدة " أنتم " ، وهلا قيل: ~~أأضللتم عبادي هؤلاء أم ضلوا السبيل؟ # فالجواب: هذا سؤال عن الفاعل فلا بد من ذكره حتى يعلم أنه المسؤول ~~عنه. # وقوله: " أأنتم أضللتم... أم هم ضلوا " (إنما قدم ~~الاسم على الفعل) كما تقدم في قوله: # أأنت قلت للناس # [المائدة: 116]. # قوله: " ينبغي " العامة على بنائه للفاعل، وأبو عيسى الأسود القارئ ~~" ينبغى " مبنيا للمفعول. قال ابن خالويه: زعم سيبويه أن " ~~ينبغى " لغة. # قوله: " أن نتخذ " فاعل " ينبغي " ، أو مفعول قائم مقام ~~الفاعل في قراءة الأسود وقرأ العامة " نتخذ " مبنيا للفاعل، و " ~~من أولياء " مفعوله وزيدت فيه (من) ويجوز أن يكون مفعولا أول ~~على أن (اتخذ) متعديا لاثنين. # ويجوز أن لا تكون المتعدية لاثنين بل لواحد، فعلى هذا " من دونك " ~~متعلق بالاتخاذ، أو بمحذوف على أنه حال من " أولياء ". # وقرأ أبو الدرداء، وزيد بن ثابت، وأبو رجاء، والحسن، وأبو جعفر في ~~آخرين: " نتخذ " مبنيا للمفعول. وفيه أوجه: # أحدها: أنها المتعدية لاثنين، فالأول: " هم " ضمير الاثنين، والثاني: ~~قوله: " من أولياء " و " من " للتبعيض، أي: ما كان ينبغي أن نتخذ ~~بعض أولياء، قاله الزمخشري. # الثاني: أن " من أولياء " هو المفعول الثاني - (أيضا - إلا ~~أن " من " مزيدة في المفعول الثاني). وهذا مردود بأن " من " لا تزاد ~~في المفعول الثاني إنما تزاد في الأول. قال ابن عطية: ويضعف هذه القراءة ~~دخول " من " في قوله: " من أولياء " اعترض بذلك سعيد بن جبير ~~وغيره. قال الزجاج: أخطأ من قرأ بفتح الخاء وضم النون، لأن " من " ~~إنما تدخل في هذا الباب إذا كانت مفعولة أولا ولا تدخل على مفعول ~~الحال، تقول: ما اتخذت من أحد وليا، ولا يجوز ما اتخذت أحدا من ولي. # الثالث: أن يكون " من أولياء " في موضع ms6637 الحال قاله ابن جني إلا ~~أنه قال: ودخلت " من " زيادة لمكان النفي المتقدم كقولك: ما اتخذت ~~زيدا من وكيل. فظاهر هذا أنه جعل الجار والمجرور (في موضع الحال، وحينئذ ~~يستحيل أن تكون " من " مزيدة ولكنه يريد أن هذا المجرور) هو الحال نفسه ~~و " من " مزيدة فيه إلا أنه لا يحفظ زيادة " من " في الحال وإن ~~كانت منفية وإنما حفظ زيادة الباء فيها على خلاف في ذلك. فإن قيل: هذه ~~القراءة غير جائزة، لأنه لا مدخل لهم في أن يتخذهم غيرهم أولياء. قلنا: ~~المراد أنا لا نصلح لذلك، فكيف ندعوهم إلى عبادتنا؟ وقرأ الحجاج: ~~نتخذ من دونك [أولياء] فبلغ عاصما فقال: مقت المخدج، ~~أو ما علم أن فيها " من ". # فصل # أجابوا بقولهم: " سبحانك ". وفيه وجوه: # أحدها: أنه تعجب منهم، تعجبوا مما قيل لهم؛ لأنهم ملائكة، والأنبياء ~~معصومون فما أبعدهم عن الإضلال الذي هو مختص بإبليس وجنوده. # وثانيها: أنهم نطقوا ب " سبحانك " ليدلوا على أنهم المسبحون ~~الموسومون بذلك، فكيف يليق بحالهم أن يضلوا عباده. # وثالثها: قصدوا بالتسبيح تنزيهه عن الأنداد سواء كان المسبح وثنا أو ~~نبيا أو ملكا. # ورابعها: قصدوا تنزيهه أن يكون مقصوده من هذا السؤال استفادة علم أو ~~إبراء من كان بريئا من الجرم، بل إنما سألهم تقريعا للكفار وتوبيخا ~~لهم. # وقولهم: { ما كان ينبغي لنآ أن نتخذ من دونك من ~~أوليآء }. # معناه: إذا كنا لا نرى أن يتخذ من دونك وليا، فكيف ندعو غيرنا إلى ذلك، ~~أي ما كان لنا أن نأمرهم بعبادتنا ونحن نعبدك. # وقيل: ما كان ينبغي لنا أن نكون أمثال الشياطين. وقيل: ما كان لنا أن ~~نتخذ من دون رضاك من أولياء، أي: إنا علمنا أنك لا ترضى بهذا فما فعلنا، ~~فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقيل: قالت الملائكة: (إنا وهم ~~عبيدك، ولا ينبغي لعبيدك أن يتخذوا من دون إذنك وليا ولا حبيبا فضلا ~~عن أن يتخذ عبدا آخر إلها. وقيل: قالت الأصنام): إنا لا يصلح منا أن ~~نكون من العابدين فكيف يمكننا ادعاؤنا من ms6638 المعبودين. # قوله: " ولكن متعتهم ". لما تضمن كلامهم أنا لم نضلهم ~~ولم نحملهم على الضلال حسن هذا الاستدراك، وهو أن ذكروا سببه، أي: أنعمت ~~عليهم وتفضلت فجعلوا ذلك ذريعة إلى ضلالهم عكس القضية. والمعنى متعتهم ~~وآباءهم في الدنيا بطول العمر والصحة والنعمة. { حتى نسوا ~~الذكر } تركوا الموعظة والإيمان بالقرآن. وقيل: تركوا ذكرك وغفلوا ~~عنه. # قوله: { وكانوا قوما بورا } أي: هلكى غلب عليهم الشقاء ~~والخذلان. و " بورا " يجوز فيه وجهان: # أحدهما: أنه جمع بائر كعائذ وعوذ. # والثاني: أنه مصدر في الأصل كالزور، فيستوي فيه المفرد والمثنى والمجموع ~~والمذكر والمؤنث، وهو من البوار وهو الهلاك. # وقيل من الفساد، وهي لغة الأزد، يقولون: بارت بضاعته أي: فسدت، ~~وأمرنا بائر، أي: فاسد، وهذا معنى قولهم: كسدت البضاعة. # وقال الحسن: هو من قولهم: أرض بور، أي: لا نبات بها. وهذا يرجع إلى ~~معنى الهلاك والفساد. # قوله تعالى: " فقد كذبوكم " هذا خطاب مع المشركين، أي: ~~كذبكم المعبودون في قولكم إنهم آلهة وإنهم أضلوكم. وقيل: خطاب ~~للمؤمنين في الدنيا، أي: فقد كذبوكم أيها المؤمنون الكفار بما تقولون من ~~التوحيد في الدنيا، وهو معنى قوله " بما تقولون ". وهذه الجملة من ~~كلام الله تعالى اتفاقا، فهي على إضمار القول والالتفات. قال الزمخشري: ~~هذه المفاجأة بالاحتجاج والإلزام حسنة رائعة وخاصة إذا انضم إليها ~~الالتفات وحذف القول، ونحوها قوله: # يا أهل الكتاب قد جآءكم رسولنا يبين لكم ~~على فترة من الرسل أن تقولوا ما جآءنا من ~~بشير ولا نذير [فقد جاءكم بشير ونذير] # [المائدة: 19]، وقول القائل: # 3868- قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا # ثم القفول فقد جئنا خراسانا # انتهى. # يريد أن الأصل في الآية الكريمة فقلنا فقد كذبوكم، وفي البيت: فقلنا ~~قد جئنا. وقرأ أبو حيوة وقنبل في رواية ابن أبي الصلت عنه بالياء من تحت، ~~أي: " فقد كذبكم الآلهة بما يقولون (سبحانك ما ~~كان ينبغي لنا أن نتخذ " إلى آخره وقيل: المعنى: فقد ~~كذبكم أيها المؤمنون الكفار بما يقولون) من الافتراء عليكم. # قوله: " فما يستطيعون ". # قرأ حفص بتاء الخطاب، والمراد عبادها، والمعنى ms6639 فما تستطيعون أنتم يا ~~كفار صرف العذاب عنكم. وقيل: الصرف: التوبة، وقيل: الحيلة. وقرأ الباقون ~~باء الغيبة، والمراد الآلهة التي كانوا يعبدونها من عاقل وغيره، ولذلك ~~غلب العاقل وأتى بواو الضمير، والمعنى: فما يستطيع آلهتكم أن يصرفوا عنكم ~~العذاب وأن يحتالوا لكم. # قوله: { ومن يظلم منكم نذقه }. قرأ العامة " نذقه " ~~بنون العظمة، وقرئ بالياء، وفي الفاعل وجهان: # أظهرهما: أنه الله تعالى لدلالة قراءة العامة على ذلك. # والثاني: أنه ضمير الظلم المفهوم من الفعل، وفيه تجوز بإسناد إذاقة ~~العذاب إلى سببها وهو الظلم، والمعنى: ومن يشرك منكم نذقه عذابا كبيرا. # فصل # تمسك المعتزلة بهذه الآية (في القطع بوعيد أهل الكبائر، قالوا: ثبت أن ~~كلمة " من " في معرض الشرط للعموم، وثبت أن الكافر ظالم لقوله # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]، والفاسق ظالم لقوله: # ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون # [الحجرات: 11] فثبت بهذه الآية) أن الفاسق لا يعفى عنه بل يعذب لا ~~محالة. # والجواب: أنا لا نسلم أن كلمة " من " في معرض الشرط للعموم، والكلام ~~فيه مذكور في أصول الفقه، سلمنا أنه للعموم لكن قطعا أم ظاهرا؟ ودعوى ~~القطع ممنوعة، فإنا نرى في العرف العام والاستعمال المشهور استعمال صيغ ~~العموم مع إرادة الأكثر أو لأن المراد أقوام معينون ويدل عليه قوله تعالى # إن الذين كفروا سوآء عليهم أأنذرتهم أم ~~لم تنذرهم لا يؤمنون # [البقرة: 6] ثم إن كثيرا من الذين كفروا قد آمنوا فلا دافع أن يقال: ~~قولنا " الذين كفروا " كان يفيد العموم، لكن المراد منه إما ~~الغالب أو المراد منه أقوام مخصصون. # وعلى التقديرين ثبت أن استعمال ألفاظ العموم في الأغلب عرف ظاهر وإذا ~~كان كذلك كانت دلالة هذه الصيغ على العموم دلالة ظاهرة لا قاطعة، وذلك لا ~~ينفي تجويز العفو. # سلمنا دلالته، لكن أجمعنا على أن قوله: { ومن يظلم منكم } ~~مشروط بأن لا يزيل ذلك الظلم بتوبة أو بطاعة هي أعظم من ذلك الظلم، فيرجع ~~حاصل الأمر إلى أن قوله: " يظلم منكم " مشروط بأن لا يعاجل ما ~~يزيله وعند هذا فنقول: هذا ms6640 مسلم، لكن لم قلتم: إنه لم يوجد ما يزيله؟ فإن ~~العفو عندنا أحد الأمور الثلاثة التي تزيله، وذلك هو أول المسألة سلمنا ~~دلالته على ما قال ولكنه معارض بآيات الوعد كقوله: # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم ~~جنات الفردوس نزلا # [الكهف: 107]. # فإن قيل: آيات الوعيد أولى، لأن السارق يقطع على سبيل التنكيل، وإذا ~~ثبت أنه مستحق للعقاب ثبت أن استحقاق الثواب محبط لما بينا أن الجمع بين ~~الاستحقاقين محال. قلنا: لا نسلم أن السارق يقطع على سبيل التنكيل، ألا ~~ترى أنه لو تاب فإنه (لا) يقطع على سبيل التنكيل (بل على سبيل المحنة). # نزلنا عن هذه المقامات، ولكن قوله تعالى: { ومن يظلم منكم } ~~خطاب مع قوم مخصوصين معينين، فهب أنه لا يعفو عن غيرهم. # قوله تعالى: { ومآ أرسلنا قبلك من المرسلين } الآية ~~هذا جواب عن قولهم: # مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في ~~الأسواق # [الفرقان: 7] أي: هذه عادة مستمرة من الله تعالى في كل رسله فلا وجه ~~لهذا الطعن. # قوله: { إلا إنهم ليأكلون } حق الكلام أن يقال: إلا ~~أنهم. بفتح الألف، لأنه متوسط، والمكسورة لا تليق إلا بالابتداء، ~~فلهذا ذكروا في هذه الجملة ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها في محل نصب صفة لمفعول محذوف، فقدره الزجاج والزمخشري: " ~~وما أرسلنا قبلك أحدا من المرسلين إلا آكلين ~~وماشين ". وإنما حذف، لأن في قوله: " من المرسلين " دليلا ~~عليه، نظيره قوله تعالى: # وما منآ إلا له مقام معلوم # [الصافات: 164] بمعنى: ما منا أحد. وقدره ابن عطية: رجالا أو ~~رسلا. والضمير في " إنهم " وما بعده عائد على هذا الموصوف المحذوف. # والثاني: قال الفراء: إنها لا محل لها من الإعراب، وإنما هي صلة لموصول ~~محذوف هو المفعول (ل " أرسلنا " )، تقديره: إلا من أنهم. فالضمير ~~في " إنهم " وما بعده عائد على معنى " من " المقدرة، واكتفي بقوله: ~~" من المرسلين " عنه كقوله: # وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما # [مريم: 71]، أي: إلا من يردها. # فعلى قول الزجاج الموصوف محذوف، وعلى قول الفراء الموصول هو المحذوف، ~~ولا يجوز حذف ms6641 الموصول وتبقية الصلة عند البصريين إلا في مواضع، تقدم ~~التنبيه عليها في البقرة. # الثالث: أن الجملة محلها النصب على الحال، وإليه ذهاب ابن الأنباري قال: ~~التقدير: إلا وإنهم، يعني أنها حالية، فقدر معها الواو بيانا ~~للحالية، فكسر بعد استئناف. ورد بكون ما بعد " إلا " صفة لما قبلها، ~~وقدره أبو البقاء أيضا. والعامة على كسر " إن " ، لوجود اللام في ~~خبرها، ولكون الجملة حالا على الراجح. قال أبو البقاء: وقيل: لو لم ~~تكن اللام لكسرت أيضا لأن الجملة حالية، إذ المعنى: إلا وهم. وقيل: ~~المعنى: إلا قيل أنهم. # وقرئ " أنهم " بالفتح على زيادة اللام وأن مصدرية، والتقدير: إلا ~~لأنهم أي: ما جعلنا رسلا إلى الناس إلا لكونهم مثلهم. # وقرأ العامة " يمشون " خفيفة، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب وعبد ~~الله " يمشون " مشددا مبنيا للمفعول، أي: تمشيهم ~~حوائجهم أو الناس. # وقرأ عبد الرحمن: " يمشون " بالتشديد مبنيا للفاعل، وهي بمعنى " ~~يمشون " قال الشاعر: # 3869- ومشى بأعطان المياه وابتغى # قلائص منها صعبة وركوب # قال الزمخشري: ولو قرئ " يمشون " لكان أوجه لولا الرواية. # يعني بالتشديد. # قال شهاب الدين: قد قرأ بها السلمي ولله الحمد. # فصل # روى الضحاك عن ابن عباس قال: لما عير المشركون رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وقالوا: # مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في ~~الأسواق # [الفرقان: 7] أنزل الله هذه الآية. يعني: ما أنا إلا رسول، وما كنت ~~بدعا من الرسل، وهم كانوا يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، كما قال في ~~موضع آخر: # ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك # [فصلت: 43]. { وجعلنا بعضكم لبعض فتنة } أي: بلية، ~~فالغني فتنة للفقير، (ويقول الفقير): ما لي لم أكن مثله؟ والصحيح فتنة ~~للمريض، والشريف فتنة للوضيع. قال ابن عباس: أي: جعلت بعضكم بلاء لبعض ~~لتصبروا على ما تسمعون منهم، وترون من خلافهم وتتبعون الهدى. # وقال الكلبي والزجاج والفراء: نزلت في رؤساء المشركين وفقراء الصحابة ~~فإذا رأى الشريف الوضيع قد أسلم قبله أنف أن يسلم، وأقام على كفره ~~لئلا يكون للوضيع السابقة والفضل عليه، ويدل ms6642 عليه قوله تعالى: # لو كان خيرا ما سبقونآ إليه # [الأحقاف: 11] وقيل: هذا عام في جميع الناس، روى أبو الدرداء عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: # " ويل للعالم من الجاهل، وويل للسلطان من الرعية، (وويل للرعية من ~~السلطان)، وويل للمالك من المملوك، وويل للشديد من الضعيف، وللضعيف من ~~الشديد بعضهم لبعض فتنة " # وقرأ هذه الآية. # وروي عن ابن عباس والحسن هذا في أصحاب البلاء والعافية (هذا يقول لم ~~لم أجعل مثله) في الخلق، والخلق، وفي العقل، وفي العلم، وفي الرزق، وفي ~~الأجل. # وقيل: هذا احتجاج عليهم في تخصيص محمد بالرسالة مع مساواته لهم في ~~البشرية وصفاتها، فالمرسلون يتأذون من المرسل إليهم بأنواع الأذى على ما ~~قال: # ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ~~ومن الذين أشركوا أذى كثيرا # [آل عمران: 186]، والمرسل إليهم يتأذون أيضا (من الرسل) بحسب الحسد، ~~وصيرورته مكلفا بالخدمة وبذل النفس والمال بعد أن كان رئيسا مخدوما. # والأولى حمل الآية على الكل، لأن بين الجميع قدرا مشتركا. # قال عليه السلام: # " إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال ~~والجسد فلينظر إلى من دونه في المال والجسد ". # قوله: { أتصبرون وكان ربك بصيرا }. " أتصبرون " ~~المعادل محذوف، أي: أم لا تصبرون وهذه الجملة استفهام، والمراد منه: ~~التقرير بأن موقعه بعد الفتنة موقع أيكم بعد الابتلاء في قوله: # ليبلوكم أيكم أحسن عملا # [هود: 7] بمعنى: أنها معلقة لما فيها من معنى فعل القلب، فتكون منصوبة ~~المحل على إسقاط الخافض والمعنى: " أتصبرون " على البلاء، فقد ~~علمتم ما وعد الصابرون، { وكان ربك بصيرا } أي: عالم بمن يصبر، ~~وبمن لا يصبر فيجازي كلا منهم بما يستحقه من ثواب وعقاب. ### || [25.21-24] # قوله تعالى: { وقال الذين لا يرجون لقآءنا } الآية. هذه ~~هي الشبهة الرابعة لمنكري نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وحاصلها: لم ~~(لم) تنزل الملائكة حتى يشهدوا أن محمدا محق في دعواه، { أو نرى ~~ربنا } حتى يخبرنا بأنه أرسله إلينا؟ # فصل # قال الفراء: قوله تعالى: { وقال الذين لا يرجون لقآءنا ~~} أي: لا يخافون لقاءنا، فوضع الرجاء ms6643 موضع الخوف لغة تهامية إذا كان معه ~~جحد، ومنه قوله تعالى: # ما لكم لا ترجون لله وقارا # [نوح: 13] أي: لا تخافون لله عظمة # قال القاضي: لا وجه لذلك، لأن الكلام متى أمكن حمله على الحقيقة لم يجز ~~حمله على المجاز، والمعلوم من حال عباد الأصنام أنهم كانوا لا يخافون ~~العقاب، لتكذيبهم (بالمعاد)، فكذلك لا يرجون الثواب لمثل ذلك، فقوله: { ~~لا يرجون لقآءنا } محمول على الحقيقة، وهو أنهم لا يرجون لقاء ~~ما وعدنا على الطاعة من الثواب والجنة، ومعلوم أن من لا يرجو ذلك لا يخاف ~~العقاب أيضا، فالخوف تابع (للرجاء). # فصل # دل ظاهر الآية على جواز الرؤية، لأن اللقاء جنس تحته أنواع، أحد ~~أنواعه الرؤية، والآخر الاتصال والمماسة. وهما باطلان، فدل على جواز ~~الرؤية، لأن الرائي يصل برؤيته إلى حقيقة المرئي فسمي الرؤية لقاء. وقالت ~~المعتزلة: تفسير اللقاء برؤية البصر جهل باللغة، لأنه يقال في الدعاء: ~~لقاك الله الخير. ويقول القائل: لم ألق الأمير. وإن رآه من بعد إذا ~~حجب عنه، ويقال في الضرير: لقي الأمير إذا أذن له ولم يحجب، وقد يلقاه في ~~الليلة الظلماء ولا يراه، بل المراد من اللقاء هنا المصير إلى حكمه حيث ~~لا حكم لغيره في يوم # لا تملك نفس لنفس شيئا # [الانفطار: 19] لا أنه رؤية البصر. قال ابن الخطيب وهذا كلام ضعيف، ~~لأن اللفظ الموضوع لمعنى مشترك بين معان كثيرة ينطلق على كل واحد من ~~تلك المعاني، فيصح قوله: لقاك الخير، ويصح قول الأعمى: لقيت الأمير، ويصح ~~قول البصير: لقيته (بمعنى رأيته، وما لقيته) بمعنى ما وصلت إليه، وإذا ~~ثبت هذا فنقول: قوله تعالى: { وقال الذين لا يرجون ~~لقآءنا } مذكور في معرض الذم لهم، فوجب أن يكون رجاء اللقاء حاصلا، ~~ومسمى اللقاء مشترك بين الوصول المكاني وبين الوصول بالرؤية، وقد بطل ~~الأول فتعين الثاني. # وقولهم: المراد من اللقاء الوصول إلى حكمه. صرف للفظ عن ظاهره بغير ~~دليل، فثبت دلالة الآية على صحة الرؤية بل على وجوبها، بل على أن إنكار ~~الرؤية ليس إلا من ms6644 دين (الكفار). # قوله: " لولا أنزل ": هلا أنزل " علينا الملائكة " ~~فيخبرونا أن محمدا صادق { أو نرى ربنا } فيخبرنا بذلك { لقد ~~استكبروا في أنفسهم } (أي: تعظموا في أنفسهم) بهذه ~~المقالة. # قال الكلبي ومقاتل: نزلت الآية في أبي جهل والوليد وأصحابهما المنكرين ~~للنبوة والبعث. # قوله: " عتوا " مصدر وقد صح هنا وهو الأكثر وأعل في مريم في " ~~عتيا " ، لمناسبة ذكرت هناك، وهي تواخي رؤوس الفواصل. # فصل # قال مجاهد: " عتوا " طغوا. وقال مقاتل: " عتوا " غلوا في ~~القول. # والعتو: أشد الكفر وأفحش الظلم، وعتوهم طلبهم رؤية الله حتى يؤمنوا به. # وقوله: " في أنفسهم " ، لأنهم أضمروا الاستكبار في قلوبهم ~~واعتقدوه، كما قال: # إن في صدورهم إلا كبر ما هم (ببالغيه) # [غافر: 56]. وعتوا: تجاوزوا الحد في الظلم. # فصل # وهذا جواب عن شبهتهم وبيانه من وجوه: # أحدها: أن القرآن لما ظهر كونه معجزا فقد تمت نبوة محمد - عليه السلام ~~- فبعد ذلك يكون اقتراح أمثال هذه الآيات لا يكون إلا محض التعنت ~~والاستكبار. # وثانيها: أن نزول الملائكة لو حصل لكان أيضا من جملة المعجزات، فلا ~~يدل على الصدق لخصوص كونه نزول الملك بل لعموم كونه معجزا فيكون قبول ~~ذلك المعجز ورد المعجز الآخر ترجيحا لأحد المثلين على الآخر من غير ~~مزيد فائدة ومرجح، وهو محض الاستكبار والتعنت. # وثالثها: أنهم بتقدير أن يروا الرب، ويسألوه عن صدق محمد - عليه السلام ~~- وهو سبحانه يقول: نعم هو رسولي، فذلك لا يزيد في التصديق على إظهار ~~المعجز على يد محمد - عليه السلام - لأنا بينا أن المعجزة تقوم ~~مقام التصديق بالقول، إذ لا فرق وقد ادعى النبوة بين أن يقول: اللهم إن ~~كنت صادقا فأحي هذا الميت، فيحييه الله تعالى، (والعادة لم تجر ~~بمثله)، وبين أن يقول له: صدقت. وإذا كان التصديق بالقول والتصديق الحاصل ~~بالمعجز (سيين) في كونه تصديقا للمدعى، كان تعيين أحدهما محض استكبار ~~وتعنت. # ورابعها: يمكن أن يكون المراد أن الله تعالى قال: لو علمت أنهم ما ~~ذكروا هذا السؤال لأجل الاستكبار والعتو الشديد لأعطيتهم مقترحهم، ولكني ~~علمت أنهم ذكروا هذا الاقتراح ms6645 لأجل الاستكبار والتعنت، فلو أعطيتهم ~~مقترحهم لما انتفعوا به، فلا جرم لا أعطيهم ذلك. # وخامسها: لعلهم سمعوا من أهل الكتاب أن الله لا يرى، وأنه تعالى لا ~~ينزل الملائكة في الدنيا على عوام الخلق، ثم إنهم علقوا إيمانهم على ذلك ~~على سبيل الاستهزاء. # فصل # استدل المعتزلة بهذه الآية على عدم الرؤية، لأن رؤيته لو كانت جائزة ~~لما كان سؤالها عتوا. قالوا: فقوله: { لقد استكبروا في ~~أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا } ليس إلا لأجل سؤال الرؤية، ~~واستعظم في آية أخرى قولهم: # لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم ~~الصاعقة # [البقرة: 55]. فثبت أن الاستكبار والعتو هاهنا إنما حصل لأجل سؤال ~~الرؤية، وتقدم الكلام على ذلك في سورة البقرة. ونقول هاهنا: إنا بينا أن ~~قوله: { وقال الذين لا يرجون لقآءنا } يدل على الرؤية، ~~وأما الاستكبار والعتو فلا يدل ذلك على أن الرؤية مستحيلة، لأن من طلب ~~شيئا محالا لا يقال: إنه عتا واستكبر، ألا ترى قولهم: # اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة # [الأعراف: 138] لم يثبت لهم بطلب هذا المحال عتوا واستكبارا بل قال: # إنكم قوم تجهلون # [الأعراف: 138]. # ومما يدل على ذلك أن موسى - عليه السلام - لما قال: # رب أرني أنظر إليك # [الأعراف: 143] ما وصفه الله بالاستكبار والعتو، لأنه - عليه السلام - ~~طلب الرؤية شوقا، وهؤلاء لما طلبوها امتحانا وتعنتا لا جرم وصفهم ~~بذلك. # قوله: " يوم يرون " فيه أوجه: # أحدها: أنه منصوب بإضمار فعل يدل عليه قوله: " لا بشرى " أي: ~~يمنعون البشرى يوم يرون. # الثاني: أنه منصوب ب (اذكر)، فيكون مفعولا به. # الثالث: أنه منصوب ب (يعذبون) مقدرا. # ولا يجوز أن يعمل فيه نفس " البشرى " لوجهين: # أحدهما: أنها مصدر والمصدر لا يعمل فيما قبله. # والثاني: أنها منفية ب (لا)، (وما بعد (لا)) لا يعمل فيما قبلها. # قوله: " لا بشرى " هذه الجملة معمولة لقول مضمر، أي: يرون ~~الملائكة يقولون لا بشرى، فالقول حال من " الملائكة " ، وهو نظير ~~التقدير في قوله: # والملائكة يدخلون # [الرعد: 23] إلى قوله: # سلام عليكم # [الرعد: 24]. # قال أبو حيان: واحتمل " بشرى " أن يكون مبنيا ms6646 مع " لا " ، واحتمل ~~أن يكون في نية التنوين منصوب اللفظ، ومنع من الصرف للتأنيث اللازم فإنه ~~كان مبنيا مع " لا " احتمل أن يكون " يومئذ " خبرا و " ~~للمجرمين " خبرا بعد خبر، أو نعتا ل " بشرى " ، أو متعلقا ~~بما تعلق به الخبر، وأن يكون " يومئذ " صفة ل " بشرى " والخبر ~~" للمجرمين " ، ويجيء خلاف سيبويه والأخفش هل الخبر لنفس " لا " ~~أو الخبر للمبتدأ الذي هو مجموع " لا " وما بني معها. # وإن كان في نية التنوين وهو معرب، (جاز أن يكون " يومئذ " ، و " ~~للمجرمين " خبرين، و) جاز أن يكون " يومئذ " خبرا و " ~~للمجرمين " صفة، والخبر إذا كان الاسم ليس مبنيا لنفس " لا " ~~بإجماع. قال شهاب الدين: قوله: واحتمل أن يكون في نية التنوين إلى آخره ~~لا يتأتى إلا على قول أبي إسحاق، وهو أنه يرى أن اسم (لا) النافية ~~للجنس معرب، ويعتذر عن حذف التنوين بكثرة الاستعمال ويستدل عليه بالرجوع ~~إليه في الضرورة، وينشد: # 3870- ألا رجلا جزاه الله خيرا # ويتأوله البصريون على إضمار: ألا ترونني رجلا، وكان يمكن الشيخ أن ~~يجعله معربا كما ادعى بطريق أخرى، وهو: أن يجعل " بشرى " عاملة في " ~~يومئذ " أو في " للمجرمين " ، فيصير من قبيل المطول، ~~والمطول معرب، لكنه لم يلم بذلك، وسيأتي شيء من هذا في كلام أبي ~~البقاء رحمه الله. # ويجوز أن يكون " بشرى " معربا منصوبا بطريق أخرى، وهي أن تكون ~~منصوبة بفعل مقدر، أي: لا يبشرون بشرى، كقوله تعالى: # لا مرحبا (بهم) # [ص: 59]، (و) لا أهلا ولا سهلا، إلا أن كلام الشيخ لا يمكن تنزيله ~~على هذا لقوله: جاز أن يكون " يومئذ " و " للمجرمين " خبرين، ~~فقد حكم أن لها خبرا، وإذا جعلت منصوبة بفعل مقدر لا يكون [ل (لا)] ~~حينئذ خبر، لأنها داخلة على ذلك الفعل المقدر، وهذا موضع حسن. # قوله: " يومئذ للمجرمين " قد تقدم في " يومئذ " ~~أوجه: وجوز أبو البقاء أن يكون منصوبا ب " بشرى " ، قال: إذا ~~قدرت أنها منونة غير مبنية مع (لا)، ويكون الخبر " للمجرمين ~~". وجوز - أيضا - هو والزمخشري أن يكون " يومئذ " تكريرا (ل " ~~يوم) ms6647 يرون " ورده أبو حيان سواء أريد بالتكرير التوكيد اللفظي ~~أم أريد به البدل قال: لأن " يوم " منصوب بما تقدم ذكره من (اذكر) ~~(أو من) (يعدمون) البشرى، وما بعد (لا) العاملة في الاسم لا يعمل ~~فيه ما قبلها، وعلى تقدير ما ذكراه يكون العامل فيه ما قبل (لا). وما ~~رده ليس بظاهر، لأن الجملة المنفية معمولة للقول المضمر الواقع ~~حالا من " الملائكة " ، و " الملائكة " معمولة ل " يرون " ، ~~و " يرون " معمول ل " يوم " خصصا بالإضافة، ف (لا) وما في ~~حيزها من تتمة الظرف الأول من حيث إنها معمولة لبعض ما في حيزه، فليست ~~بأجنبية ولا مانعة من أن يعمل ما قبلها فيما بعدها. # والعجب له كيف تخيل هذا وغفل عما تقدم فإنه واضح مع التأمل. و " ~~للمجرمين " من وضع الظاهر موضع المضمر شهادة عليهم بذلك. والضمير ~~في " يقولون " يجوز عوده للكفار (أو للملائكة). و " حجرا " من ~~المصادر الملتزم إضمار ناصبها، ولا يتصرف فيه نحو معاذ الله، وقعدك، ~~وعمرك، وهذه كلمة كانوا يتكلمون بها عند لقاء عدو وهجوم نازلة، ونحو ~~ذلك يضعونها موضع الاستعاذة، قال سيبويه: ويقول الرجل للرجل: أتفعل كذا ~~فيقول: حجرا وهي من حجره: إذا منعه، لأن المستعيذ طالب من الله أن ~~يمنع المكروه ولا يلحقه، وكان المعنى: أسأل الله أن يمنعه منعا ويحجره ~~حجرا. والعامة على كسر الحاء، والضحاك، والحسن، وأبو رجاء على ضمها ~~وهو لغة فيه. # قال الزمخشري: ومجيئه على فعل أو فعل في قراءة الحسن تصرف فيه ~~لاختصاصه بموضع واحد كما كان قعدك وعمرك كذلك وأنشد لبعض الرجاز: # 3871- قالت وفيها حيدة وذعر # عوذ بربي منكم وحجر # وهذا الذي أنشده الزمخشري يقتضي تصرف " حجرا ". وقد تقدم نص سيبويه ~~على أنه يلتزم النصب. وحكى أبو البقاء فيه لغة ثالثة وهي الفتح، قال: ~~وقد قرئ بها. فعلى هذا كمل فيه ثلاثة لغات مقروء بهن. # و " محجورا " صفة مؤكدة للمعنى كقولهم: ذيل ذائل، والذيل: الهوان، ~~وموت مائت، والحجر: العقل، لأنه يمنع صاحبه. # فصل # قوله: { يوم يرون الملائكة } عند الموت. قاله ابن عباس، ms6648 ~~وقال الباقون: يريد يوم القيامة { لا بشرى يومئذ } للكافرين. ~~قالت المعتزلة: الآية تدل على القطع بوعيد الفساق وعدم العفو، قوله: " ~~لا بشرى... للمجرمين " نكرة في سياق النفي فتعم جميع أنواع ~~البشر في جميع الأوقات، بدليل أن من أراد تكذيب هذه القضية قال: بل له ~~بشرى في الوقت الفلاني، فلما كان ثبوت البشرى في وقت من الأوقات يذكر ~~لتكذيب هذه القضية، علمنا أن قوله: " لا بشرى " يقتضي نفي جميع ~~البشرى في كل الأوقات، وشفاعة الرسول لهم من أعظم البشرى فوجب أن لا يثبت ~~ذلك لأحد من المجرمين، والكلام على التمسك بصيغ العموم، وقد تقدم مرارا. # فصل # اختلفوا في القائلين " حجرا محجورا ": فقال ابن جريج: كانت العرب ~~إذا نزلت بهم شدة، ورأوا ما يكرهون، قالوا: " حجرا محجورا " ، فهم ~~يقولونه إذا عاينوا الملائكة. # قال مجاهد: يعني: عوذا معاذا، فيستعيذون به من الملائكة. # وقال ابن عباس: تقول الملائكة: حراما محرما أن يدخل الجنة إلا من قال: ~~لا إله إلا الله. قال مقاتل: إذا خرج الكفار من قبورهم قالت لهم الملائكة ~~" حجرا محجورا " أي: حرام محرم عليكم أن تكون لكم البشرى. # قوله: { وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل } أي: وعمدنا إلى ~~عملهم. # قوله: { فجعلناه هبآء منثورا }. الهباء والهبوة: ~~التراب الدقيق. قاله ابن عرفة. # قال الجوهري: يقال فيه: هبا يهبو: إذا ارتفع، وأهببته أنا ~~إهباء. # وقال الخليل والزجاج: هو مثل الغبار الداخل في الكوة يتراءى مع ضوء ~~الشمس فلا يمس بالأيدي ولا يرى في الظل. وهو قول الحسن وعكرمة ومجاهد. # وقيل: الهباء ما تطاير من شرر النار إذا أضرمت، والواحدة ~~هباءة على حد تمر وتمرة. و " منثورا " أي: مفرقا، نثرت الشيء ~~فرقته. والنثرة لنجوم متفرقة. والنثر: الكلام غير المنظوم على ~~المقابلة بالشعر. # قال ابن عباس وقتادة وسعيد بن جبير: هو ما تسفيه الرياح، وتذريه من ~~التراب، (وحطام الشجر). # وقال مقاتل: هو ما يسطع من حوافر الدواب عند السير. # وفائدة الوصف به أن الهباء تراه منتظما مع الضوء، فإذا حركته ~~تفرق، فجيء بهذه الصفة لتفيد ذلك. # وقال ms6649 الزمخشري: أو مفعول ثالث ل " جعلناه " أي: فجعلناه ~~جامعا لحقارة الهباء والتناثر، كقوله: " كونوا " # قردة خاسئين # [الأعراف: 66] أي: جامعين للمسخ والخسأ. # قال أبو حيان: وخالف ابن درستويه، فخالف النحويين في منعه أن يكون ل ~~(كان) خبران وأزيد، وقياس قوله في (جعل) أن يمنع أن يكون لها خبر ثالث. # قال شهاب الدين: مقصوده أن كلام الزمخشري مردود قياسا على ما منعه ابن ~~درستويه من تعديد خبر (كان). # قوله: { أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا } أي: من ~~هؤلاء المشركين المستكبرين. " وأحسن مقيلا " موضع قائلة. وفي ~~(أفعل) هاهنا قولان: # أحدهما: أنها على بابها من التفضيل، والمعنى: أن المؤمنين خير في الآخرة ~~مستقرا من مستقر الكفار " وأحسن مقيلا " من مقيلهم، ~~لو فرض أن يكون لهم. # والثاني: أن يكون لمجرد الوصف من غير مفاضلة. # فصل # قال المفسرون: يعني أن أهل الجنة لا يمر بهم يوم إلا قدر النهار من ~~أوله إلى قدر القائلة حتى يسكنوا مساكنهم من الجنة. # قال ابن مسعود: لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في ~~الجنة، وأهل النار في النار، وقرأ: " ثم إن مقيلهم لإلى ~~الجحيم " وهكذا كان يقرأ. # وقال ابن عباس في هذه الآية: الحساب ذلك اليوم في أوله. وقال قوم: حين ~~قالوا في منازلهم. # قال الأزهري: القيلولة والمقيل: الاستراحة نصف النهار وإن لم يكن مع ذلك ~~نوم، لأن الله قال: " وأحسن مقيلا " والجنة لا نوم فيها. # وروي " أن يوم القيامة يقصر على المؤمنين حتى يكون كما بين العصر إلى ~~غروب الشمس ". ### || [25.25-29] # قوله: " ويوم تشقق " العامل في " يوم " إما (اذكر)، وإما ~~ينفرد الله بالملك يوم تشقق، لدلالة قوله: { الملك يومئذ ~~الحق للرحمن } عليه. وقرأ الكوفيون وأبو عمرو [هنا وفي (ق) " ~~تشقق " بالتخفيف، والباقون بالتشديد، وهما واضحتان، حذف الأولون] ~~تاء المضارعة أو تاء التفعل على خلاف في ذلك، والباقون أدغموا تاء التفعل ~~في الشين لما بينهما من المقاربة، وهما ك " تظاهرون " و " ~~تظاهرون " حذفا وإدغاما، وقد مضى في البقرة. قوله: " بالغمام ~~" في هذه الباء ثلاثة أوجه: # أحدها: على السببية، ms6650 أي: بسبب الغمام، يعني بسبب طلوعها منها، ونحوه # السمآء منفطر به # [المزمل: 18] كأنه الذي يتشقق به السماء. # الثاني: أنها للحال، أي: ملتبسة بالغمام. # الثالث: أنها بمعنى (عن)، أي: عن الغمام كقوله: # (يوم تشقق الأرض عنهم) # [ق: 44]، [والباء وعن يتعاقبان، تقول: رميت عن القوس وبالقوس]. # قوله: " ونزل الملائكة " فيها اثنتا عشرة قراءة ثنتان في ~~المتواتر، وعشر في الشاذ. فقرأ ابن كثير من السبعة " وننزل " بنون ~~مضمومة ثم أخرى ساكنة وزاي خفيفة مكسورة مضارع (أنزل)، و " ~~الملائكة " بالنصب مفعول به، وكان من حق المصدر أن يجيء بعد هذه ~~القراءة على (إنزال). قال أبو علي: لما كان (أنزل) و(نزل) ~~يجريان مجرى واحدا أجزأ مصدر أحدهما عن مصدر الآخر، وأنشد: # 3872- وقد تطويت انطواء الحضب # لأن تطويت وانطويت بمعنى، ومثله: # وتبتل إليه تبتيلا # [المزمل: 8] [أي: تبتلا] وقرأ الباقون من السبعة " ونزل " بضم ~~النون وكسر الزاي المشددة وفتح اللام ماضيا مبنيا للمفعول، " ~~الملائكة " بالرفع لقيامه مقام الفاعل، وهي موافقة لمصدرها. # وقرأ ابن مسعود وأبو رجاء " ونزل " بالتشديد ماضيا مبنيا ~~للفاعل، وهو الله تعالى، " الملائكة " مفعول به. وعنه - أيضا - " ~~وأنزل " مبنيا للفاعل عداه بالتضعيف مرة، وبالهمزة أخرى، ~~والاعتذار عن مجيء مصدره على التفعيل كالاعتذار عن ابن كثير. وعنه - ~~أيضا - " وأنزل " مبنيا للمفعول. # وقرأ هارون عن أبي عمرو " وتنزل الملائكة " بالتاء من فوق ~~وتشديد الزاي ورفع اللام مضارعا مبنيا للفاعل، " الملائكة " ~~بالرفع مضارع " نزل " بالتشديد، وعلى هذه القراءة، فالمفعول محذوف، ~~أي: وتنزل الملائكة ما أمرت أن تنزله. # وقرأ الخفاف عنه، وجناح بن حبيش " ونزل " مخففا مبنيا للفاعل، ~~" الملائكة " بالرفع. وخارحة عن أبي عمرو - أيضا - وأبو معاذ " ~~ونزل " بضم النون وتشديد الزاي، ونصب " الملائكة " ، والأصل: ~~وننزل بنونين حذفت (إحداهما) وقرأ أبو عمرو وابن كثير في رواية عنهما ~~بهذا الأصل " وننزل " بنونين وتشديد الزاي. # وقرأ أبي " ونزلت " بالتشديد مبنيا للمفعول، " وتنزلت ~~" بزيادة تاء في أوله، وتاء التأنيث (فيهما). # وقرأ أبو عمرو في طريقة الخفاف عنه " ونزل " بضم النون وكسر الزاي ~~خفيفة مبنيا للمفعول. قال صاحب اللوامح: فإن صحت هذه القراءة ms6651 فإنه حذف ~~منها المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، تقديره: ونزل نزول الملائكة، ~~فحذف النزول ونقل إعرابه إلى " الملائكة " بمعنى: نزل نازل ~~الملائكة، لأن المصدر يجيء بمعنى الاسم، وهذا مما يجيء على مذهب سيبويه ~~ترتيب بناء اللازم للمفعول به، لأن الفعل يدل على مصدره. قال شهاب ~~الدين: وهذا تمحل كثير دعت إليه ضرورة الصناعة. وقال ابن جني: وهذا ~~غير معروف، لأن (نزل) لا يتعدى إلى مفعول فيبنى هنا للملائكة، ووجهه ~~أن يكون مثل زكم الرجل وجن، فإنه لا يقال إلا أزكمه، وأجنه الله، ~~وهذا باب سماع لا قياس. ونظير هذه القراءة ما تقدم في سورة الكهف في ~~قراءة من قرأ { فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا } ~~[الكهف: 105] بنصب وزن من حيث تعدية القاصر، وتقدم ما فيها. # فصل # الغمام: هو الأبيض الرقيق مثل الضباب، ولم يكن إلا لبني إسرائيل في ~~تيههم. والألف واللام في " الغمام " ليس للعموم بل للمعهود، وهو ما ذكره ~~في قوله: # هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من ~~الغمام # [البقرة: 210] قال ابن عباس: تتشقق سماء الدنيا فينزل أهلها، وهم أكثر ~~ممن في الأرض من الجن والإنس، [ثم تشقق السماء ثانية، فينزل أهلها وهم ~~أكثر ممن في السماء الدنيا ومن الجن والإنس] ثم كذلك حتى تشقق السماء ~~السابعة وأهل كل سماء يزيدون على أهل السماء التي قبلها، ثم ينزل ~~الكروبيون، ثم حملة العرش. # فإن قيل: ثبت بالقياس أن نسبة الأرض إلى سماء الدنيا كحلقة في فلاة، ~~فكيف بالقياس إلى الكرسي والعرش، فملائكة هذه المواضع (بأسرها، فكيف تتسع ~~الأرض لكل هؤلاء)؟ # فالجواب: قال بعض المفسرين: الملائكة يكونون في الغمام، والغمام يكون) ~~مقر الملائكة. # قوله: " الملك يومئذ " فيها أوجه: # أحدها: أن يكون " الملك " مبتدأ والخبر " الحق " و " يومئذ " ~~متعلق ب " الملك " ، و " للرحمن " متعلق ب " الحق " ، أو بمحذوف ~~على التبيين، أو بمحذوف على أنه صفة للحق. # الثاني: أن الخبر " يومئذ " ، و " الحق " نعت للملك، [و " ~~للرحمن " على ما تقدم]. # [الثالث: أن الخبر " للرحمن " و " يومئذ " متعلق ب " الملك ~~" ، و " الحق ms6652 " نعت للملك]. # قيل: ويجوز نصب الحق بإضمار (أعني). # فصل # المعنى: أن الملك الذي هو الملك حقا ملك الرحمن يوم القيامة. # قال ابن عباس: يريد أن يوم القيامة لا ملك يقضي غيره. ومعنى وصفه ~~بكونه حقا: أنه لا يزول ولا يتغير. فإن قيل: مثل هذا الملك لم يكن قط ~~إلا للرحمن، فما الفائدة في قوله: " يومئذ "؟. فالجواب لأن في ذلك ~~اليوم لا مالك له سواه لا في الصورة، ولا في المعنى، فتخضع له الملوك ~~وتعنو له الوجوه، وتذل له الجبابرة بخلاف سائر الأيام. { وكان يوما ~~على الكافرين عسيرا } أي: شديدا، وهذا الخطاب يدل على أنه ~~لا يكون على المؤمنين عسيرا؛ جاء في الحديث # " أنه يهون يوم القيامة على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة ~~مكتوبة صلاها في الدنيا " # قوله: { ويوم يعض الظالم } يوم معمول لمحذوف، أو معطوف ~~على " يوم تشقق ". و " يعض " مضارع عض، ووزنه فعل بكسر ~~العين بدليل قولهم: عضضت أعض. وحكى الكسائي فتحها في الماضي، ~~فعلى هذا يقال: أعض بالكسر في المضارع. والعض هنا كناية عن شدة ~~الندم، ومثله: حرق نابه، قال: # 3873- أبى الضيم والنعمان يحرق نابه # عليه فأفضى والسيوف معاقله # وهذه الكناية أبلغ من تصريح المكني عنه. # فصل # (أل) في " الظالم " تحتمل العهد والجنس على خلاف في ذلك. فالقائلون ~~بالعهد اختلفوا على قولين: # الأول: قال ابن عباس: # " أراد بالظالم: عقبة بن أبي معيط بن أمية بن عبد شمس، كان لا يقدم من ~~سفر إلا صنع طعاما، ودعا إليه جيرته وأشراف قومه، وكان يكثر مجالسة ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ويعجبه حديثه، فقدم ذات يوم من سفر، فصنع ~~طعاما، ودعا الناس، ودعا الرسول، فلما قرب الطعام قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - " ما أنا بآكل طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني ~~رسول الله " فقال عقبة: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول ~~الله، فأكل الرسول من طعامه، وكان عقبة صديقا لأبي بن خلف، فلما أتى ~~أبي بن خلف قال له: يا ms6653 عقبة صبأت، قال: لا والله ما صبأت، ولكن دخل علي ~~فأبى أن يأكل طعامي إلا أن أشهد له، فاستحييت أن يخرج من بيتي ولم يطعم ~~فشهدت له، فطعم. فقال: ما أنا بالذي أرضى منك أبدا إلا أن تأتيه وتبزق ~~في وجهه، وتطأ على عنقه، ففعل ذلك عقبة، فقال عليه السلام: لا ألقاك ~~خارجا من مكة إلا علوتك بالسيف " # ، فقتل عقبة يوم بدر صبرا، وأما أبي بن خلف فقتله النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بيده يوم أحد. # قال الضحاك: لما بزق عقبة في وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عاد ~~بزاقه في وجهه، فاحترق خداه، فكان أثر ذلك فيه حتى الموت. # وقال الشعبي: كان عقبة بن أبي معيط خليل أمية بن خلف فأسلم عقبة فقال ~~أمية: وجهي من وجهك حرام إن بايعت محمدا، فكفر وارتد، فأنزل الله - عز ~~وجل - { ويوم يعض الظالم على يديه } يعني: عقبة، ~~يقول: { يليتني اتخذت مع الرسول سبيلا } ، أي: ليتني ~~اتبعت محمدا فاتخذت معه سبيلا إلى الهدى. وقرأ أبو عمرو { يا ~~ليتني اتخذت } بفتح الياء، والآخرون بإسكانها. # الثاني: قالت الرافضة: الظالم هو رجل بعينه، وإن المسلمين عرفوا اسمه ~~وكتموه، وجعلوا فلانا بدلا من اسمه، وذكروا فاضلين من أصحاب الرسول. # ومن حمل الألف واللام على العموم، لأنها إذا دخلت على الاسم المفرد ~~أفادت العموم بالقرينة، وهي أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بعلية ~~الوصف، فدل على أن المؤثر في العض على اليدين كونه ظالما، فيعم الحكم ~~لعموم علته. # وهذا القول أولى من التخصيص بصورة واحدة، ونزوله في واقعة خاصة (لا ~~ينافي العموم)، بل تدخل فيه تلك الصورة وغيرها. والمقصود من الآية زجر ~~الكل عن الظلم، وذلك لا يحصل إلا بالعموم. # فصل # قال الضحاك: يأكل يديه إلى المرفق ثم تنبت، ولا يزال هكذا كلما أكلها ~~نبتت وقال المحققون: هذه اللفظة للتحسر والغم، يقال: عض أنامله، وعض ~~على يديه. # قوله: " يقول " هذه الجملة حال من فاعل " يعض " وجملة التمني بعد ~~القول محكية به، وتقدم الكلام في مباشرة (يا) ل ms6654 " ليت " في النساء. # قوله: " يا ويلتى ". قرأ الحسن " يا ويلتي " بكسر التاء وياء ~~صريحة بعدها، وهي الأصل. وقرأ الدوري بالإمالة. # قال أبو علي: وترك الإمالة أحسن، لأن أصل هذه اللفظة الياء فبدلت الكسرة ~~فتحة والياء ألفا فرارا من الياء، فمن أمال رجع إلى الذي منه ~~فر أولا. وهذا منقوض بنحو (باع) فإن أصله الياء، ومع ذلك أمالوا، ~~وقد أمالوا # يحسرتا على ما فرطت # [الزمر: 56] و " يا أسفى " وهما ك (ياء) " ويلتي " في كون ~~ألفهما عن ياء المتكلم. و " فلان " كناية عن علم من يعقل، وهو ~~متصرف. و " فل " كناية عن نكرة من يعقل من الذكور، و " فلة " عن ~~من يعقل من الإناث. والفلان والفلانة بالألف عن غير العاقل، ~~ويختص (فل)، و(فلة) بالنداء إلا في ضرورة كقوله: # 3874- في لجة أمسك فلانا عن فل # وليس (فل) مرخما من (فلان) خلافا للفراء. وزعم أبو حيان أن ابن ~~عصفور وابن مالك، وابن العلج وهموا في جعلهم (فل) كناية عن علم من ~~يعقل (فلان). ولام (فل) و(فلان) فيها وجهان: # أحدهما: أنها واو. # والثاني: أنها ياء. # فصل # تقدم الكلام في " يا ويلتى " في هود. # { ليتني لم أتخذ فلانا خليلا } يعني أبي بن خلف { ~~لقد أضلني عن الذكر } عن الإيمان والقرآن، { بعد إذ ~~جآءني } يعني الذكر مع الرسول " وكان الشيطان " وهو كل متمرد ~~عات من الجن والإنس، وكل من صد عن سبيل الله فهو شيطان. وقييل: أشار ~~إلى خليله. وقيل: أراد إبليس، فإنه الذي حمله على أن صار خليلا لذلك ~~المضل، ومخالفة الرسول، ثم خذله، وهو معنى قوله: " للإنسان خذولا ~~" أي: تاركا يتركه ويتبرأ منه عند نزول البلاء والعذاب. # وقوله: " وكان الشيطان " يحتمل أن تكون هذه الجملة من مقول ~~الظالم فتكون منصوبة المحل بالقول. وأن تكون من مقول الباري تعالى فلا ~~محل لها، لاستئنافها. ### || [25.30-31] # قوله تعالى: { وقال الرسول يرب إن قومي اتخذوا ~~هذا القرآن }. # قال أكثر المفسرين: إن هذا القول وقع مع الرسول. وقال أبو مسلم: بل ~~المراد أن الرسول يقوله في الآخرة كقوله: # فكيف إذا ms6655 جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا # [النساء: 41]. والأول أولى، لأن قوله: { وكذلك جعلنا لكل ~~نبي عدوا من المجرمين } تسلية للرسول، ولا يليق ذلك إلا ~~إذا وقع القول منه. و " مهجورا " مفعول ثان ل " اتخذوا " ، أو ~~حال. وهو مفعول من الهجر - بفتح الهاء - وهو الترك والبعد. أي: ~~جعلوه متروكا بعيدا، لم يؤمنوا به، ولم يقبلوه، وأعرضوا عن استماعه. ~~وقيل: هو من الهجر - بالضم - أي: مهجورا فيه. ثم حذف الجار بدليل قوله: # مستكبرين به سامرا تهجرون # [المؤمنون: 67]. وهجرهم فيه: قولهم فيه: إنه شعر، وسحر، وأساطير ~~الأولين، وكذب وهجر، أي: هذيان. # قال عليه السلام: # " من تعلم القرآن وعلق مصحفا، ولم يتعاهده، ولم ينظر فيه، جاء يوم ~~القيامة متعلقا به، يقول: يا رب العالمين عبدك هذا اتخذني مهجورا اقض ~~بيني وبينه " # وجعل الزمخشري " مهجورا " هنا مصدرا بمعنى الهجر قال كالمجلود ~~والمعقول. قال شهاب الدين: وهو غير مقيس، ضبطه أهل اللغة في ~~أليفاظ فلا يتعدى إلا بنقل. # قوله تعالى: { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا } الآية. ~~جعل ذكر ذلك تسلية للرسول، وأن له أسوة بسائر الرسل، فليصبر على ما يلقاه ~~من قومه كما صبر أولو العزم من الرسل. { وكفى بربك هاديا ~~ونصيرا }. # قال المفسرون: الباء زائدة بمعنى كفى ربك " هاديا ونصيرا " ~~منصوبان على الحال، وقيل: على التمييز " هاديا " إلى مصالح الدين ~~والدنيا، " ونصيرا " على الأعداء. # فصل # احتج أهل السنة بهذه الآية على أنه تعالى خلق الخير والشر، لأن قوله: ~~{ جعلنا لكل نبي عدوا } يدل على أن تلك العداوة من جعل ~~الله تعالى، وتلك العداوة كفر. قال الجبائي: المراد من الجعل التبيين، ~~لأنه تعالى لما بين أنهم أعداؤه، فقد جعل أنهم أعداء، كما إذا بين ~~الرجل أن فلانا لص، فقد جعله لصا، وكما يقال في الحاكم: إنه عدل ~~فلانا، وفسق فلانا، وجرحه. # وقال الكعبي: إنه تعالى لما أمر (الأنبياء) بعداوة الكفار، وعداوتهم ~~للكفار تقتضي (عداوة الكفار) لهم، فلهذا جاز أن يقول: { وكذلك ~~جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين } ، لأنه - ~~سبحانه - هو الذي حمله ms6656 ودعاه إلى ما استعقب تلك العداوة. # وقال أبو مسلم: يحتمل في العدو أنه البعيد الغريب، إذ المعاداة ~~المباعدة، كما أن النصرة قرب من المظاهرة، وقد باعد الله بين المؤمنين ~~والكافرين. والجواب عن الأول: أن التبيين لا يسمي التيه جعلا، لأن من ~~بين لغيره وجود الصانع وقدمه لا يقال: إنه جعل الصانع وجعل قدمه. # والجواب عن الثاني: أن الذي أمره الله تعالى (به) هل له تأثير في ~~وقوع العداوة في قلوبهم، أو ليس له فيه تأثير؟. # فإن كان الأول فقد تم الكلام، لأن عداوتهم للرسول كفر، فإذا أمر الله ~~الرسول بما له أثر في تلك العداوة، فقد أمر بما له أثر في وقوع الكفر، ~~وإن لم يكن له فيه تأثير ألبتة كان منقطعا عنه بالكلية، فيمتنع إسناده ~~إليه، وهذا هو الجواب عن أبي مسلم. فإن قيل: قوله - عليه السلام -: ( " ~~يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا " في ~~المعنى كقول نوح - عليه السلام) - # قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم ~~يزدهم دعآئي إلا فرارا # [نوح: 5 - 6] فكما أن المقصود من هذا إنزال العذاب فكذا هنا، فكيف يليق ~~هذا بمن وصفه الله بالرحمة في قوله # ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين # [الأنبياء: 107]. # فالجواب: أن نوحا - عليه السلام - لما ذكر ذلك دعا عليهم وأما محمد - ~~عليه السلام - لما ذكر هذا ما دعا عليهم بل انتظر، فلما قال تعالى: { ~~وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا } (من المجرمين) كان ذلك ~~كالأمر له بالصبر على ذلك وترك الدعاء عليهم (فافترقا). فإن قيل: قوله: " ~~جعلنا " صيغة تعظيم، والعظيم إذا ذكر نفسه في معرض التعظيم، وذكر أنه ~~يعطي، فلا بد وأن تكون العطية عظيمة كقوله: ولقد آتيناك سبعا من المثاني ~~والقرآن العظيم وقوله: # إنا أعطيناك # [الكوثر: 1]، فكيف يليق بهذه الصيغة أن تكون تلك العطية هي العداوة التي ~~هي منشأ الضرر في الدين والدنيا؟ # فالجواب: خلق العدو تسبب لازدياد المشقة التي هي موجبة لمزيد الثواب. ### || [25.32-34] # قوله تعالى: { وقال الذين كفروا لولا نزل عليه ~~القرآن } الآية. # هذه شبهة خامسة لمنكري ms6657 النبوة؛ فإن أهل مكة قالوا: تزعم أنك رسول من عند ~~الله، فهلا تأتينا بالقرآن جملة (واحدة)، كما أتي موسى بالتوراة جملة، ~~وكما أتي عيسى بالإنجيل جملة، وداود بالزبور. قال ابن جريج: من أوله إلى ~~آخره في ثنتين أو ثلاث وعشرين سنة. و " جملة " حال من " القرآن "؛ إذ هي ~~في معنى مجتمعا. # قوله: " كذلك " الكاف إما مرفوعة المحل، أي: الأمر كذلك، و " ~~لنثبت " علة لمحذوف، أي: لنثبت فعلنا ذلك. وإما منصوبته على الحال، ~~أي: أنزل مثل ذلك، أو على النعت لمصدر محذوف، و " لنثبت " متعلقة بذلك ~~الفعل المحذوف وقال أبو حاتم: هي جواب قسم. وهذا قول مرجوح نحا إليه ~~الأخفش، وجعل منه " ولتصغى " ، وقد تقدم في الأنعام. وقرأ عبد الله " ~~ليثبت " بالياء أي الله تعالى. # فصل # هذا جواب عن شبهتهم، وبيانه من وجوه: # أحدها: أنه - عليه السلام - لم يكن من أهل الكتابة والقراءة، فلو نزل ~~ذلك عليه جملة واحدة كان لا يضبطه وجاز عليه فيه الخطأ والغلط. # وثانيها: أن من كان الكتاب عنده، فربما اعتمد على الكتاب وتساهل في ~~الحفظ، فالله تعالى ما أعطاه الكتاب جملة واحدة بل كان ينزل عليه وظيفة، ~~ليكون حفظه له أكمل، فيكون أبعد عن المساهمة وقلة التحصيل. # وثالثها: أنه تعالى لو أنزل الكتاب جملة واحدة لنزلت الشرائع بأسرها ~~دفعة على الخلق، فكان يثقل عليهم ذلك فلما نزل مفرقا منجما نزلت ~~التكاليف قليلا قليلا، فكان تحملها أسهل. # ورابعها: أنه إذا شاهد جبريل حالا بعد حال يقوى قلبه بمشاهدته على أداء ~~ما حمل، وعلى الصبر على عوارض النبوة، وعلى احتمال الأذى وعلى التكاليف ~~الشاقة. # وخامسها: أنه لما تم شرط الإعجاز فيه مع كونه منجما ثبت كونه معجزا؛ ~~فإنه لو كان ذلك مقدورا للبشر لوجب أن يأتوا بمثله منجما مفرقا، ولما ~~عجزوا عن معارضة نجومه المفرقة، فعن معارضة الكل أولى. # وسادسها: كان القرآن ينزل بحسب أسئلتهم ووقائعهم، فكانوا يزدادون بصيرة، ~~وكان ينضم إلى الفصاحة الإخبار عن الغيوب. # وسابعها: أن السفارة بين الله وبين أنبيائه، وتبليغ كلامه إلى الخلق ~~منصب ms6658 عظيم، فيحتمل أن يقال: إنه تعالى لو أنزل القرآن على محمد دفعة ~~واحدة لبطل المنصب على جبريل - عليه السلام - فلما أنزله مفرقا منجما ~~بقي ذلك المنصب العالي عليه، فلذلك جعلة الله تعالى منجما. # فصل # قوله: " كذلك " يحتمل أن يكون من تمام كلام المشركين، أي: جملة واحدة ~~كذلك أي كالتوراة والإنجيل. # ويحتمل أن يكون من كلام الله تعالى ذكره جوابا لهم، أي: كذلك أنزلناه، ~~مفرقا. فإن قيل: " كذلك " إشارة إلى شيء تقدمه، والذي تقدمه هو إنزالة ~~جملة، (فكيف فسره ب " كذلك أنزلناه " ) مفرقا؟ # فالجواب: أن الإشارة (إلى الإنزال مفرقا لا إلى جملة. قوله: " ورتلناه ~~ترتيلا " الترتيل: التفريق ومجيء الكلمة بعد الأخرى بسكوت) يسير دون قطع ~~النفس، ومنه ثغر رتل ومرتل، أي: مفلج الأسنان بين أسنانه فرج يسيرة. ~~قال الزمخشري: ونزل هنا بمعنى أنزل لا غير كخبر بمعنى أخبر وإلا تدافعا. ~~يعني أن نزل بالتشديد يقتضي بالأصالة التنجيم والتفريق، فلو لم يجعل ~~بمعنى أنزل الذي لا يقتضي ذلك، لتدافع مع قوله " جملة " لأن الجملة ~~تنافي التفريق، وهذا بناء منه على معتقده، وهو أن التضعيف يدل على ~~التفريق، وقد نص على كذلك في مواضع من الكشاف في سورة البقرة، وأول آل ~~عمران، وآخر الإسراء، وحكى هناك عن ابن عباس ما يقوي ظاهره صحة قوله. # فصل # " ورتلناه ترتيلا " قال ابن عباس: بيناه بيانا. والترتيل ~~التبيين في ترسل وتثبيت. وقال السدي: فصلناه تفصيلا. وقال مجاهد: بعضه ~~في أثر بعض. وقال النخعي والحسن وقتادة: فرقناه تفريقا آية بعد آية. ~~قوله: " ولا يأتونك " يعني المشركين " بمثل " يضربونه في إبطال أمرك ~~{ إلا جئناك بالحق } الذي يدفع ما جاءوا به من المثل ويبطله كقوله # بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو ~~زاهق # [الأنبياء: 18] في ما يريدون من الشبه (مثلا، وسمى ما يدفع به ~~الشبه) حقا. # قوله: { إلا جئناك بالحق } هذا الاستثناء مفرغ، والجملة في ~~محل نصب على الحال، أي: لا يأتونك بمثل إلا في حال إيتائنا إياك كذا، ~~والمعنى: ولا يأتونك بسؤال عجيب إلا جئناك بالأمر الحق، " وأحسن ms6659 ~~تفسيرا " أي: بيانا وتفضيلا، و " تفسيرا " تمييز. والمفضل عليه ~~محذوف: تفسيرا من مثلهم. # والتفسير: تفعيل من الفسر، وهو كشف ما قد غطي. # ثم ذكر مآل المشركين فقال: { الذين يحشرون على وجوههم ~~} بساقون ويجرون إلى جهنم، روي أنهم يمشون في الآخرة مقلوبين وجوههم ~~على القفا، وأرجلهم إلى فوق، وقال عليه السلام: # " إن الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم " # والأولى أولى، لأنه ورد أيضا. # قوله: " الذين يحشرون " يجوز رفعه خبر مبتدأ محذوف، أي: هم ~~الذين ويجوز نصبه على الذم، ويجوز أن يرتفع بالابتداء وخبره الجملة من ~~قوله { أولئك شر مكانا } ، ويجوز أن يكون " أولئك " ~~بدلا أو بيانا للموصول، و " شر مكانا " خبر الموصول. # قوله: { أولئك شر مكانا } منزلا ومصيرا من أهل الجنة " ~~وأضل سبيلا " وأخطأ طريقا وههنا سؤال كما تقدم في قوله: # أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا # [الفرقان: 24]. # ولما تكلم في التوحيد، ونفي الأنداد وإثبات النبوة وأحوال القيامة شرع ~~في ذكر القصص على الطريقة المعلومة. ### || [25.35-36] # قوله تعالى: { ولقد آتينا موسى الكتاب } الآية. لما قال: # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين # [الفرقان: 31] وذكر ذلك في معرض التسلية له، ذكر جماعة من الأنبياء، ~~وعرفه تكذيب أممهم، والمعنى: لست يا محمد بأول من أرسلنا فكذب (وآتيناه ~~الآيات فرد): فقد آتينا موسى الكتاب، وقوينا عضده بأخيه هارون (ومع ذلك ~~فقد رد). فإن قيل: كون هارون وزيرا كالمنافي لكونه شريكا، بل يجب أن ~~يقال: إنه لما صار (شريكا) خرج عن كونه وزيرا. فالجواب: لا منافاة بين ~~الصنفين، لأنه لا يمنع أن يشركه في النبوة ويكون وزيرا، وظهيرا، ~~ومعينا له. ولا وجه لقول من قال في قوله: " فقلنا اذهبا " إنه ~~خطاب لموسى عليه السلام وحده بل يجري مجرى قوله: # اذهبآ إلى فرعون إنه طغى # [طه: 43]. # قوله: " هارون " بدل، أو بيان، أو منصوب على القطع و " وزيرا " ~~مفعول ثان، وقيل: حال، والمفعول الثاني قوله " معه ". قال الزجاج: الوزير ~~في اللغة الذي يرجع إليه ويعمل برأيه، والوزر ما يعتصم به، ومنه: # كلا لا وزر ms6660 # [القيامة: 11] أي: لا منجى ولا ملجأ. قال القاضي: ولذلك لا يوصف تعالى ~~بأن له وزيرا. # قوله: { فقلنا اذهبآ إلى القوم الذين كذبوا ~~بآياتنا } يعني القبط. # قوله: " فدمرناهم ". العامة على " فدمرنا " فعلا ماضيا ~~معطوفا على محذوف، أي: فذهب فكذبوهما " فدمرناهم تدميرا " ~~أهلكناهم إهلاكا. وقرأ علي - كرم الله وجهه - " فدمراهم " أمر لموسى ~~وهارون، وعنه أيضا: " فدمرانهم " كذلك أيضا، ولكنه مؤكد ~~بالنون الشديدة، وعنه أيضا: " فدمرا بهم " بزيادة باء الجر بعد فعل ~~الأمر، وهي تشبه القراءة قبلها في الخط، ونقل عنه الزمخشري " ~~فدمرتهم " بتاء المتكلم. فإن قيل: الفاء للتعقيب، والإهلاك لم يحصل ~~عقيب بعث موسى وهارون إليهم بل بعد مدة مديدة. # فالجواب: فاء التعقيب محمولة هنا على الحكم بالإهلاك لا على الوقوع. ~~وقيل: إنه تعالى أراد اختصار القصة فذكر المقصود منها أولها وآخرها، ~~والمراد إلزام الحجة ببعثة الرسل، واستحقاق التدمير بتكذيبهم. واعلم أن ~~قوله: " كذبوا بآياتنا " إن حملنا تكذيب الآيات على تكذيب الآيات ~~الإلهية فلا إشكال، وإن حملناه على تكذيب آيات النبوة، فاللفظ وإن كان ~~للماضي فالمراد به المستقبل. ### || [25.37-39] # قوله تعالى: { وقوم نوح } الآية. يجوز أن يكون " قوم " منصوبا ~~عطفا على مفعول " دمرناهم " ، ويجوز أن يكون منصوبا بفعل مضمر ~~قوله: " أغرقناهم " وترجح هذا بتقديم جملة فعلية قبله. هذا إذا ~~قلنا: إن " لما " ظرف زمان، وأما إذا قلنا إنها حرف وجوب لوجوب فلا يتأتى ~~ذلك، لأن " أغرقناهم " حينئذ جواب " لما " ، وجوابها لا يفسر، ~~ويجوز أن يكون منصوبا بفعل مقدر لا على سبيل الاشتغال، أي: اذكر قوم ~~نوح. # فصل # إنما قال: " كذبوا الرسل " إما لأنهم كانوا من البراهمة المنكرين لكل ~~الرسل، أو لأن تكذيبهم لواحد تكذيب للجميع، لأن من كذب رسولا واحدا فقد ~~كذب جميع الرسل. # وقوله " أغرقناهم ". قال الكلبي: أمطرنا عليهم السماء أربعين ~~يوما، وأخرج ماء الأرض أيضا في تلك الأربعين، فصارت الأرض بحرا ~~واحدا. " وجعلناهم " أي: جعلنا إغراقهم وقصتهم " للناس آية " ~~للظالمين أي: لكل من سلك سبيلهم، " وأعتدنا للظالمين " في ~~الآخرة " عذابا أليما ". # قوله تعالى: { وعادا وثمود وأصحاب الرس } الآية، " ~~وعادا " فيه ms6661 ثلاثة أوجه: # أن يكون معطوفا على " قوم نوح " ، وأن يكون معطوفا على مفعول " ~~جعلناهم " وأن يكون معطوفا على محل " للظالمين " لأنه في ~~قوة وعدنا الظالمين بعذاب. قوله: " وأصحاب الرس " فيه وجهان: # أحدهما: (أنه) من عطف المغاير، وهو الظاهر. # والثاني: أنه من عطف بعض الصفات على بعض. # والمراد ب " أصحاب الرس " ثمود، لأن الرس البئر التي لم تطو ~~عن أبي عبيدة، وثمود أصحاب آبار. وقيل: " الرس " نهر بالمشرق (وكانت ~~قرى أصحاب الرس على شاطئ فبعث الله إليهم نبيا من أولاد يهودا بن يعقوب ~~فكذبوه، فلبث فيهم زمانا يشتكي إلى الله منهم، فحفروا بئرا ورسوه فيها، ~~وقالوا: نرجو أن يرضى عنا إلهنا، وكانوا عامة يومهم يسمعون أنين نبيهم ~~وهو يقول: إلهي ترى ضيق مكاني، وشدة كربي، وضعف قلبي، وقلة صلتي فجعل قبض ~~روحي حتى مات، فأرسل الله ريحا عاصفة شديدة الحر، وصارت الأرض من تحتهم ~~كبريتا متوقدا، وأظلتهم سحابة سوداء، فذابت أبدانهم كما يذوب الرصاص) ~~ويقال: إنهم أناس عبدة أصنام قتلوا نبيهم ورسوه في بئر أي؛ دسوه فيها ~~وقال قتادة والكلبي: الرس بئر بفلج اليمامة قتلوا نبيهم وهو حنظلة بن ~~صفوان وقيل: هم بقية ثمود قوم صالح، وهم أصحاب البئر التي ذكر الله تعالى ~~في قوله: # وبئر معطلة وقصر مشيد # [الحج: 45]. وقال كعب ومقاتل والسدي: الرس بأنطاكية قتلوا فيها حبيب ~~النجار، ورسوه في بئر، وهم الذين ذكرهم الله تعالى في سورة يس. # وقيل: هم أصحاب الأخدود، والرس هو الأخدود الذي حفروه. # وقال عكرمة: هم قوم رسوا نبيهم في بئر. وقيل: الرس المعدن، وجمعه رساس ~~وروي عن علي - رضي الله عنه -: أنهم قوم كانوا يعبدون شجرة الصنوبر ~~وسموا أصحاب الرس؛ لأنهم رسوا نبيهم في الأرض. وروى ابن جرير عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - # " أن الله بعث نبيا إلى أهل قرية، فلم يؤمن به من أهل القرية أحد إلا ~~عبد أسود، ثم إنهم حفروا للرسول بئرا وألقوه فيها، ثم طبقوا عليها حجرا ~~ضخما، وكان ذلك الرجل الأسود يحتطب ويشتري له طعاما وشرابا، ويرفع ms6662 ~~الصخرة ويدليه إليه، فكان ذلك ما شاء الله فاحتطب يوما، فلما أراد أن ~~يحملها وجد نوما، فاضطجع، وضرب الله على أذنه تسع سنين، ثم هب واحتمل ~~حزمته واشترى طعاما وشرابا، وذهب إلى الحفرة فلم يجد أحدا، وكان قومه ~~قد استخرجوه فآمنوا به، وصدقوه، وكان ذلك النبي يسألهم عن الأسود، ويقول ~~لهم إنه أول من يدخل الجنة ". # قوله: ( " وقرونا " ) أي: وأهلكنا قرونا كثيرة بين عاد وأصحاب الرس ~~والقرون: جمع قرن، قال علي - رضي الله عنه -: القرن أربعون سنة، وهو قول ~~النخعي. وقيل: مائة وعشرون سنة. وقيل غير ذلك. وتقدم الكلام عليه في سورة ~~سبحان عند قوله: # وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح # [الإسراء: 17]. # قوله: " بين ذلك " " ذلك " إشارة إلى من تقدم ذكره، وهم جماعات، ~~فلذلك حسن دخول " بين " عليه. وقد يذكر الذاكر بحوثا ثم يشير إليها ~~بذلك، ويحسب الحاسب أعدادا متكاثرة، ثم يقول: فذلك كيت وكيت، أي ذلك ~~المحسوب أو المعدود. # قوله: " وكلا " يجوز نصبه بفعل يفسره ما بعده، أي: وحذرنا أو ذكرنا، ~~لأنها في معنى ضربنا له الأمثال. # ويجوز أن يكون معطوفا على ما تقدم، و " ضربنا " بيان لسبب إهلاكهم. ~~وأما " كلا " الثانية فمفعول مقدم. # قوله: { ضربنا له الأمثال } أي: الأشباه في إقامة الحجة عليهم ~~فلم نهلكهم إلا بعد الإنذار. وقيل: بينا لهم وأزحنا عللهم فلما كذبوا ~~" تبرناهم تتبيرا " أي: أهلكناهم إهلاكا. وقال الأخفش: كسرنا ~~تكسيرا. # قال الزجاج: كل شيء كسرته وفتته فقد تبرته. ### || [25.40-42] # قوله تعالى: { ولقد أتوا على القرية التي أمطرت ~~(مطر السوء) } الآية. أراد بالقرية قريات لوط، وكانت خمس قرى، ~~فأهلك الله منها أربعا ونجت واحدة، وهي (صقر) كان أهلها لا يعملون العمل ~~الخبيث. يعني أن قريشا مروا مرورا كثيرا إلى الشام على تلك ~~القرى، { التي أمطرت مطر السوء } أي: أهلكت بالحجارة من ~~السماء، { أفلم يكونوا يرونها } في مرورهم وينظروا إلى آثار عذاب الله ~~ونكاله فيعتبروا ويتذكروا. # قوله: " مطر السوء " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه مصدر على حذف الزوائد أي: أمطار السوء. # الثاني: أنه مفعول ثان؛ ms6663 إذ المعنى: أعطيتها وأوليتها مطر السوء. # الثالث: أنه نعت مصدر محذوف، أي: أمطارا مثل مطر السوء وقرأ زيد بن ~~علي " مطرت " ثلاثيا مبنيا (للمفعول)، ومطر متعد قال: # 3875- كمن بواديه بعد المحل ممطور # وقرأ أبو السمال " مطر السوء " بضم السين، وتقدم الكلام على السوء ~~والسوء في براءة. وقوله: { أتوا على القرية } إنما عدي ~~(أتى) ب (على)، لأنه ضمن معنى مر. # قوله: { بل كانوا لا يرجون نشورا } في هذا الرجاء ثلاثة ~~أوجه: # أقواها ما قاله القاضي: وهو أنه محمول على حقيقة الرجاء؛ لأن الإنسان لا ~~يحتمل متاعب التكليف إلا رجاء ثواب الآخرة، فإذا لم يؤمن بالآخرة لم ~~يرج ثوابها فلا يتحمل تلك المشاق. # وثانيها: معناه لا يتوقعون نشورا، فوضع الرجاء موضع التوقع؛ لأنه إنما ~~يتوقع العاقبة من يؤمن. # وثالثها: معناه: (لا يخافون) على اللغة التهامية. وهو ضعيف. # قوله: " وإذا رأوك " الآية. لما بين مبالغة المشركين في إنكار ~~نبوته بإيراد الشبهات بين بعد ذلك أنهم إذا رأوا الرسول اتخذوه هزوا، ~~ولم يقتصروا على ترك الإيمان به بل زادوا عليه بالاستهزاء والاستحقار، ~~ويقول بعضهم لبعض: { أهذا الذي بعث الله رسولا }. # قوله: " إن يتخذونك " " إن " الأولى نافية، والثانية مخففة من ~~الثقيلة واللام هي الفارقة بينهما، و " هزوا مفعول ثان، ويحتمل أن ~~يكون التقدير: موضع هزء وأن يكون مهزوءا بك. وهذه الجملة المنفية ~~تحتمل وجهين: # أحدهما: أنها جواب (إذا) الشرطية، واختصت (إذا) بأن جوابها متى كان ~~منفيا ب (ما) أو (إن) أو (لا) لا تحتاج إلى الفاء بخلاف غيرها من أدوات ~~الشرط فعلى هذا يكون قوله: " أهذا الذي " في محل نصب بالقول المضمر، ~~وذلك القول المضمر في محل نصب على الحال، أي: إن يتخذونك قائلين ذلك. # والثاني: أنها جملة معترضة بين (إذا) وجوابها. وجوابها هو ذلك القول ~~المضمر المحكي به " أهذا الذي " والتقدير: وإذا رأوك قالوا أهذا الذي ~~بعث، فاعترض بجملة النفي، ومفعول " بعث " محذوف هو عائد الموصول، أي: ~~بعثه. # و " رسولا " على بابه من كونه صفة فينتصب على الحال، وقيل: هو مصدر ~~بمعنى رسالة، فيكون ms6664 على حذف مضاف، أي ذا رسول بمعنى رسالة، أو يجعل نفس ~~المصدر مبالغة، أو بمعنى: مرسل. وهو تكلف. # قوله: { إن كاد ليضلنا } تقدم نظيره في سبحان. # قوله: { لولا أن صبرنا } جوابها محذوف، أي: لضللنا عن آلهتنا. ~~قال الزمخشري: و " لولا " في مثل هذا الكلام جار من حيث المعنى لا من حيث ~~الصيغة مجرى التقيد للحكم (المطلق). # فصل # قال المفسرون: إن أبا جهل كان إذا مر بأصحابه على رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال مستهزءا: { أهذا الذي بعث الله رسولا } ~~" إن كاد " قد كاد " ليضلنا " أي: قد قارب أن يضلنا عن آلهتنا ~~لولا أن صبرنا عليها أي: (أي لو لم نصبر عليها) انصرافا عنها، { وسوف ~~يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا } من أخطأ ~~طريقا. (واعلم أن الله تعالى أخبر عن المشركين أنهم متى رأوا الرسول - ~~عليه الصلاة والسلام - أتوا بنوعين من الأفعال. أحدهما: الاستهزاء، ~~فيقولون: { أهذا الذي بعث الله رسولا } وذلك جهل عظيم، ~~لأن الاستهزاء إما أن يكون بصورته أو بصفته والأول باطل، لأنه - عليه ~~الصلاة والسلام - كان أحسن منهم صورة وخلقة)، وبتقدير أنه لم يكن كذلك، ~~لكنه - عليه الصلاة والسلام - ما كان يدعي التميز عنهم بالصورة بل ~~بالحجة. والثاني باطل، لأنه - عليه الصلاة والسلام - ادعى التميز عليهم ~~بظهور المعجز عليه دونهم، وأنهم ما قدروا على القدح في حجته، ففي الحقيقة ~~هم الذين يستحقون أن يهزأ بهم، ثم إنهم لوقاحتهم قلبوا القضية، واستهزءوا ~~بالرسول، وذلك يدل على (أنه ليس للمبطل في كل الأوقات) إلا السفاهة ~~والوقاحة. # والنوع الثاني: قولهم: { إن كاد ليضلنا عن آلهتنا ~~لولا أن صبرنا عليها } فسموا ذلك ضلالا، وذلك يدل على ~~أنهم كانوا مبالغين في تعظيم آلهتهم، ويدل على جده واجتهاده في صرفهم عن ~~عبادة الأوثان فلهذا قالوا: { إن كاد ليضلنا عن آلهتنا ~~لولا أن صبرنا عليها } ، وذلك يدل على أنهم كانوا مقهورين ~~بالحجة، ولم يكن في أيديهم إلا مجرد (الوقاحة). # قوله: " من أضل " جملة استفهامية معلقة ب " يعلمون " فهي سادة ~~مسد مفعوليها إن كان على ms6665 بابها، ومسد واحد إن كانت بمعنى (عرف). ويجوز ~~في " من " أن تكون موصولة، و " أضل " خبر مبتدأ مضمر هو العائد على " ~~من " تقديره: من هو أضل، وإنما حذف للاستطالة بالتمييز، كقولهم: ما أنا ~~بالذي قائل لك سوءا. وهذا ظاهر إن كانت متعدية لواحد، وإن كانت متعدية ~~لاثنين فيحتاج إلى تقدير ثان ولا حاجة إليه. # فصل # لما وصفوه بالإضلال في قولهم: { إن كاد ليضلنا } بين تعالى أنه ~~سيظهر لهم من المضل ومن الضال عند مشاهدة العذاب الذي لا مخلص لهم منه، ~~فقال: { وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل ~~سبيلا } ، وهذا وعيد شديد على التعامي والإعراض عن الاستدلال والنظر. ### || [25.43-44] # قوله تعالى: { أرأيت من اتخذ إلهه هواه } الآية. " ~~أرأيت " كلمة تصلح للإعلان والسؤال، وههنا تعجب ممن هذا وصفه ونعته. # وقوله: { من اتخذ إلهه هواه } مفعولا الاتخاذ من غير ~~تقديم ولا تأخير، لاستوائهما في التعريف. وقال الزمخشري: فإن قلت: لم أخر ~~" هواه " والأصل قولك: اتخذ الهوى إلها. قلت: ما هو إلا تقديم ~~المفعول الثاني على الأول للعناية (به) كما تقول: علمت منطلقا زيدا ~~لفضل عنايتك بالمنطلق. # قال أبو حيان: وادعاء القلب، يعني: أن التقديم ليس بجيد، لأنه من ضرائر ~~الأشعار. قال شهاب الدين: قد تقدم فيه ثلاثة مذاهب، على أن هذا ليس من ~~القلب المذكور في شيء إنما هو تقديم وتأخير فقط. # وقرأ ابن هرمز " إلاهة هواه " على وزن فعالة، والإلهة بمعنى ~~المألوه، والهاء للمبالغة ك " علامة ونسابة). و " إلاهة " ~~مفعول ثاني قدم لكونه نكرة ولذلك صرف. وقيل: إلاهة هي الشمس، ورد هذا ~~بأنه كان ينبغي أن يمتنع من الصرف للعلمية والتأنيث. وأجيب بأنها يدخل ~~عليها (أل) كثيرا فلما نزعت منها صارت نكرة جارية مجرى الأوصاف. ويقال: ~~ألاهة بضم الهمزة للشمس وقرأ بعض المدنيين " آلهة هواه " جمع ~~إله، وهو أيضا مفعول مقدم وجمع باعتبار الأنواع، فقد كان الرجل يعبد ~~آلهة شتى. ومفعول " أرأيت " الأول " من " والثاني الجملة ~~الاستفهامية. # فصل # قال ابن عباس: الهوى إله يعبد. وقال سعيد بن جبير: كان الرجل من ms6666 ~~المشركين يعبد الحجر، فإذا رأى حجرا أحسن منه طرح الأول وأخذ الآخر ~~وعبده. { أفأنت تكون عليه وكيلا } أي: حافظا تحفظه من ~~اتباع هواه، أي لست كذلك، ونظيره: # لست عليهم بمسيطر # [الغاشية: 22] # ومآ أنت عليهم بجبار # [ق: 45] # لا إكراه في الدين # [البقرة: 256]، قال الكلبي: نسختها آية القتال. { أم تحسب أن أكثرهم ~~يسمعون أو يعقلون } يسمعون ما تقول سماع طالب الإفهام، أو يعقلون ما ~~يعاينون من الحجج والأعلام. و " أم " هنا منقطعة بعنى: بل. { إن هم ~~إلا كالأنعام } في عدم انتفاعهم بالكلام، وعدم تدبرهم، وتفكرهم، ~~بل هم أضل سبيلا لأن البهائم تهتدي لمراعيها ومشاربها، وتنقاد ~~لأربابها التي تتعهدها، (وتطلب ما ينفعها، وتجتنب ما يضرها، وقلوب ~~الأنعام خالية عن العلم، وعن الاعتقاد الفاسد، وهؤلاء قلوبهم خالية عن ~~العلم ومليئة من الاعتقاد والباطل، وعدم علم الأنعام لا يضر بأحد، وجهل ~~هؤلاء منشأ للضرر العظيم، لأنهم يصدون الناس عن سبيل الله، والبهائم لا ~~تستحق عقابا على عدم العلم، وهؤلاء يستحقون على عدم العلم أعظم العقاب)، ~~وهؤلاء الكفار لا يعرفون طريق الحق ولا يطيعون ربهم الذي خلقهم ورزقهم، ~~ولأن الأنعام تسجد وتسبح الله، وهؤلاء الكفار لا يفعلون فإن قيل: لم قال: ~~{ أم تحسب أن أكثرهم } فحكم بذلك على الأكثر دون الكل؟ ~~فالجواب: لأنه كان فيهم من يعرف الله ويعقل الحق إلا أنه ترك الإسلام ~~لحب الرياسة لا للجهل. فإن قيل: إنه تعالى لما نفى عنهم السمع والعقل ~~فكيف ذمهم على الإعراض عن الدين، وكيف بعث الرسول إليهم، فإن من شرط ~~التكليف العقل؟ فالجواب: ليس المراد أنهم لا يعقلون بل المراد أنهم لم ~~ينتفعوا بذلك العقل، فهو كقول الرجل لغيره إذا لم يفهم: إنما أنت أعمى ~~وأصم. ### || [25.45-49] # قوله تعالى: { ألم تر إلى ربك كيف مد الظل } ~~الآية. لما بين جهل المعرضين عن دلائل التوحيد، وبين فساد طريقهم ذكر ~~أنواعا من الدلائل الدالة على وجود الصانع، فأولها الاستدلال بحال الظل ~~في زيادته ونقصانه، وتغير أحواله قوله: " ألم تر " فيه وجهان: # أحدهما: أنه من رؤية العين. # والثاني: أنه ms6667 من رؤية القلب، يعني: العلم، فإن حملناه على رؤية العين، ~~فالمعنى: ألم تر إلى الظل كيف مده ربك، وإن حملناه على العلم وهو ~~اختيار الزجاج، فالمعنى: ألم تعلم، وهذا أولى، لأن الظل إذا جعلناه من ~~المبصرات فتأثير قدرة الله في تمديده غير مرئي بالاتفاق ولكنه معلوم من ~~حيث أن كل مبصر فله مؤثر، فحمل هذا اللفظ على رؤية القلب أولى من هذا ~~الوجه. وهذا الخطاب وإن كان ظاهره للرسول فهو عام في المعنى، لأن المقصود ~~بيان نعم الله تعالى بالظل، وجميع المكلفين مشتركون في تنبيههم لهذه ~~النعمة و " كيف " منصوبة ب " مد " ، وهي معلقة ل " تر " فهي في ~~موضع نصب، وقد تقدم القول في # ألم تر # [البقرة: 243]. # فصل # الظل عبارة عن عدم الضوء مما شأنه أن يضيء، وهو ما بين طلوع الفجر إلى ~~طلوع الشمس، جعله ممدودا، لأنه ظل لا شمس معه، كما قال في ظل الجنة # وظل ممدود # [الواقعة: 30] إذ لم يكن معه شمس، { ولو شآء لجعله ساكنا } ~~دائما ثابتا لا يزول ولا تذهبه الشمس. # وقال أبو عبيدة: الظل ما نسخته الشمس وهو بالغداة، والفيء ما نسخ الشمس. ~~سمي فيئا، لأنه فاء من جانب المغرب إلى جانب المشرق، { ثم جعلنا ~~الشمس عليه دليلا } ، أي: على الظل دليلا، ومعنى دلالتها ~~عليه أنه لو لم تكن الشمس لما عرفت الظل، ولولا النور ما عرف الظلمة، ~~والأشياء تعرف بأضدادها. # قال الزمخشري: فإن قلت: " ثم " في هذين الموضعين كيف موقعها قلت ~~موقعها لبيان تفاضل الأمور الثلاث، كأن الثاني أعظم من الأول، والثالث ~~أعظم منهما تشبيها لتباعد ما بينهما في الفضل بتباعد ما بينهما في ~~الوقت. # قوله: " ثم قبضناه " يعني: الظل { إلينا قبضا يسيرا } ~~بالشمس التي تأتي عليه، والقبض جمع المنبسط من الشيء، معناه: أن الظل يعم ~~جميع الأرض قبل طلوع الشمس، فإذا طلعت الشمس قبض الله الظل جزءا فجزءا ~~" قبضا يسيرا " أي: خفيا، وقيل: المراد من قبضها يسيرا قبضها عند ~~قيام الساعة، وذلك قبض أسبابها، وهي الأجرام التي تلقي الظلال. وقوله: " ~~يسيرا " كقوله: ms6668 # حشر علينا يسير # [ق: 44] قوله تعالى: { وهو الذي جعل لكم الليل لباسا ~~} الآية. هذا هو النوع الثاني شبه الليل من حيث يستر الكل ويغطي باللباس ~~الساتر للبدن، ونبه على (ما لنا فيه) من النفع بقوله: " والنوم ~~سباتا " والسبات: هو الراحة، أي: راحة لأبدانكم، وقطعا لعملكم، وأصل ~~السبت: القطع، والنائم مسبوت، لأنه انقطع عمله وحركته. # قال أبو مسلم: السبات: الراحة، ومنه يوم السبت، لما جرت به العادة من ~~الاستراحة فيه، ويقال للعليل إذا استراح من تعب العلة مسبوت. # وقال الزمخشري: السبات: الموت، والمسبوت الميت، لأنه مقطوع الحياة، قال: ~~وهذا كقوله: # وهو الذي يتوفاكم بالليل # [الأنعام: 60]. وإنما قلنا إن تفسيره بالموت أولى من تفسيره بالراحة، ~~لأن النشور في مقابلته. { وجعل النهار نشورا } قال أبو مسلم: ~~هو بمعنى الانتشار والحركة، كما سمى تعالى نوم الإنسان وفاة فقال: # يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في ~~منامها # [الزمر: 42] كذلك وفق بين القيام من النوم والقيام من الموت في التسمية ~~بالنشور. # قوله تعالى: { وهو الذي أرسل الرياح بشرا } الآية. ~~هذا هو النوع الثالث، وقد تقدم الكلام على نظيرتها في الأعراف. { بين ~~يدي رحمته } يعني: المطر، { وأنزلنا من السمآء مآء ~~طهورا } قال الزمخشري: فإن قلت: إنزال الماء موصوفا بالطهارة وتعليله ~~بالإحياء والسقي يؤذن بأن الطهارة شرط في صحة ذلك كما تقول: حملني الأمير ~~على فرس جواد لأصيد عليه الوحش. قلت: لما كان سقي الأناسي من جملة ما ~~أنزل له الماء وصف بالطهارة إكراما لهم، وتتميما للمنة عليهم. # وطهور: يجوز أن يكون صفة مبالغة منقولا من ظاهر، كقوله تعالى: # شرابا طهورا # [الإنسان: 21]، وقال: # 3876- إلى رجح الأكفال غيد من الصبا # عذاب الثنايا ريقهن طهور # وأن يكون اسم ما يتطهر به كالسحور لما يتسحر به، والفطور لما يتفطر ~~به، قال عليه السلام في البحر: # " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " # أراد به المطهر، فالماء مطهر، لأنه يطهر الإنسان من الحدث والنجاسة، كما ~~قال في آية أخرى # وينزل عليكم من السمآء مآء ليطهركم به # [الأنفال: 11] فثبت أن التطهير مختص بالماء. # (وذهب ms6669 أصحاب الرأي إلى أن الطهور هو الطاهر حتى جوزوا إزالة النجاسة ~~بالمائعات الطاهرة كالخل وماء الورد، والمرق، ولو جاز إزالة النجاسة بها ~~لجاز رفع الحدث بها. وقال عليه السلام: # " التراب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج " # ولو كان معنى الطهور هو الطاهر لكان معناه التراب طاهر للمسلم، وحينئذ ~~لا ينتظم الكلام، وكذا قوله عليه الصلاة والسلام: # " طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسل سبعا " # ولو كان الطهور هو الطاهر لكان معناه: طاهر إناء أحدكم، وحينئذ لا ينتظم ~~الكلام). # ويجوز أن يكون مصدرا ك (القبول والولوع). # وقوله: " لنحيي به " فيه وجهان: # أظهرهما: أنه متعلق بالإنزال. والثاني: وهو صعب أنه متعلق ب (طهور). # ووصف " بلدة " ب " ميت " وهي صفة للمذكر، لأنها بمعنى البلد. # قوله: " ونسقيه " العامة على ضم النون، وقرأ أبو عمرو وعاصم في ~~رواية عنهما وأبو حيوة وابن أبي عبلة بفتحها، وقد تقدم أنه قرئ بذلك في ~~النحل والمؤمنون وتقدم الكلام (على ذلك). # قوله: " مما خلقنا " يجوز أن يتعلق " من " ب " نسقيه " ، ~~وهي لابتداء الغاية، ويجوز أن تتعلق بمحذوف على أنها حال من " أنعاما ~~" ، ونكرت الأنعام والأناسي، (قال الزمخشري): لأن علية الناس وجلهم ~~مجتمعون بالأودية والأنهار، فيهم غنية عن سقي الماء وأعقابهم وهم كثير ~~منهم لا يعيشهم إلا ما ينزل الله من رحمته وسقيا (سمائه). # قوله: " وأناسي " فيه وجهان: # أحدهما: وهو مذهب سيبويه أنه جمع إنسان، والأصل إنسان، وأناسين، فأبدلت ~~النون ياء، وأدغمت فيها الياء قبلها نحو ظربان وظرابي. # والثاني: وهو قول الفراء والمبرد والزجاج أنه جمع إنسي. وفيه نظر، لأن ~~فعالي إنما يكون جمعا لما فيه ياء مشددة لا تدل على نسب نحو كرسي ~~وكراسي، فلو أريد ب (كرسي) النسب لم يجز جمعه على كراسي، ويبعد أن يقال: ~~إن الياء في إنسي ليست للنسب، وكان حقه أن يجمع على (أناسية) نحو ~~مهالبة في المهلبي، وأزارقة في الأزرقي. وقرأ يحيى بن الحارث الذماري ~~والكسائي في رواية " وأناسي " بتخفيف الياء. قال الزمخشري: بحذف ياء ~~أفاعيل، كقولك (أناعم في ms6670 أناعيم). قال الزمخشري: فإن قلت: لم قدم إحياء ~~الأرض وسقي الأنعام على سقي الأناسي. قلت: لأن حياة الأناسي بحياة أرضهم ~~وحياة أنعامهم، فقدم ما هو سبب حياتهم، ولأنهم إذا ظفروا بسقيا أرضهم، ~~وسقي أنعامهم لم يعدموا سقياهم فإن قيل: لم خص الإنسان والأنعام هاهنا ~~بالذكر دون الطير والوحش مع انتفاع الكل بالماء؟ فالجواب: لأن الطير ~~والوحش تبعد في طلب الماء فلا يعوزها الشرب بخلاف الأنعام، لأن حوائج ~~الأناسي ومنافعهم متعلقة بها فكان الإنعام عليهم (بسقي أنعامهم كالإنعام ~~عليهم) بسقيهم. وقال: " أناسي كثيرا " ولم يقل: كثيرين، لأنه قد ~~جاء فعيل مفردا ويراد به الكثرة كقوله: # وقرونا بين ذلك كثيرا # [الفرقان: 38] # وحسن أولئك رفيقا # [النساء: 69]. ### || [25.50-52] # قوله تعالى: " ولقد صرفناه " في هذه الهاء ثلاثة أوجه: # أحدها: قال الجمهور: إنها ترجع إلى المطر، ثم هؤلاء قال بعضهم: (المعنى ~~صرفنا نزول الماء من وابل، وطل وجود وطش، ورذاذ، وغير ذلك. # وقال بعضهم): " صرفناه " أي: أجريناه في الأنهار حتى انتفعوا ~~بالشرب وبالزراعات وأنواع المعاش به. وقال آخرون: معناه: أنه تعالى ينزله ~~في مكان (دون مكان) في عام ثم في العام الثاني يقع بخلاف ما وقع في العام ~~الأول، قال ابن عباس: ما عام بأكثر من عام، ولكن الله يصرفه في الأرض. ثم ~~قرأ هذه الآية. # وروى ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " ما من عام بأمطر من عام ولكن إذا عمل قوم بالمعاصي حول الله ذلك إلى ~~غيرهم فإذا عصوا جميعا صرف الله ذلك إلى الفيافي ". # الثاني: قال أبو مسلم: الضمير راجع إلى المطر والسحاب والإظلال وسائر ما ~~ذكره الله من الأدلة. # الثالث: أي هذا القول صرفناه بين الناس في القرآن وفي سائر الكتب والصحف ~~التي أنزلت على الرسل، وهو ذكر إنشاء السحاب، وإنزال المطر ليتفكروا ~~ويستدلوا به على الصانع. # وقرأ عكرمة: " صرفناه " بتخفيف الراء. وقيل: التصريف راجع إلى ~~الريح. # " ليذكروا " ويتفكروا في قدرة الله تعالى { فأبى أكثر الناس ~~إلا كفورا } جحودا، وكفرانهم هو أنهم إذا أمطروا قالوا: أمطرنا ~~بنوء كذا، ms6671 روى زيد بن خالد الجهني قال: # " صلى لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الصبح بالحديبية في ~~إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: " هل تدرون ما ~~قال ربكم " قالوا: الله ورسوله أعلم " قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر ~~بي فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذاك مؤمن بي وكافر بالكواكب، ~~وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن بالكواكب ". # فصل # قال الجبائي: قوله: " ليذكروا " يدل على أنه تعالى يريد من الكل ~~أن يذكروا ويشكروا، ولو أراد أن يكفروا أو يعرضوا لما صح ذلك، وذلك يبطل ~~قول من قال: إن الله مريد لكفر من يكفر قال: ودل قوله: { فأبى ~~أكثر الناس إلا كفورا } على قدرتهم على فعل هذا التذكر؛ إذ ~~لو لم يقدروا لما جاز أن يقال: أبوا أن يفعلوه، كما لا يقال في الزمن أبى ~~أن يسعى. # وقال الكعبي: قوله: { ولقد صرفناه بينهم ليذكروا ~~} (حجة على من زعم أن القرآن وبال على الكافرين، وأنه لم يرد بإنزاله أن ~~يؤمنوا، لأن قوله: " ليذكروا " ) عام في الكل، وقوله تعالى: { ~~أكثر الناس } يقتضي أن يكون هذا الأكثر داخلا في ذلك العام، لأنه ~~لا يجوز أن يقال أنزلناه على قريش ليؤمنوا فأبى أكثر بني تميم إلا ~~كفورا. # والجواب قد تقدم مرارا. # قوله تعالى: { ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا ~~} رسولا ينذرهم، والمراد من ذلك تعظيم النبي - صلى الله عليه وسلم - من ~~وجوه: # أحدها: أنه تعالى بين أنه مع القدرة على بعثه نذيرا ورسولا في كل قرية ~~خصه بالرسالة وفضله بها على الكل، ولذلك أتبعه بقوله: { فلا تطع ~~الكافرين } أي: لا توافقهم. # وثانيها: المراد: ولو شئنا لخففنا عنك أعباء الرسالة إلى كل العالمين و ~~{ لبعثنا في كل قرية نذيرا } ولكنا قصرنا الأمر عليك ~~وأجللناك وفضلناك على سائر الرسل، فقابل هذا الإجلال بالتشدد في الدين. # وثالثها: أن الآية تقتضي مزج اللطف بالعنف، لأنها تدل على القدرة على أن ~~يبعث في كل قرية نذيرا مثل ms6672 محمد، وأنه لا حاجة بالحضرة الإلهية إلى محمد ~~البتة. # وقوله: " ولو شئنا " يدل على أنه تعالى لا يفعل ذلك. والمعنى: ولكن ~~بعثناك إلى القرى كلها وحملناك ثقل نذارة جميعها لتستوجب بصبرك عليه ~~ما أعتدنا لك من الكرامة والدرجة الرفيعة. { فلا تطع الكافرين ~~} فيما يدعونك إليه من موافقتهم وهذا يدل على أن النهي عن الشيء لا يقتضي ~~كون المنهي عنه مشتغلا به. # قوله: " وجاهدهم به " أي: بالقرآن، أو بترك الطاعة المدلول عليه ~~بقوله: " فلا تطع " ، أو بما دل عليه { ولو شئنا لبعثنا ~~في كل قرية نذيرا } من كونه نذير كافة القرى، أو بالسيف. # والأقرب الأول؛ لأن السورة مكية، والأمر بالقتال ورد بعد الهجرة بزمان، ~~فالمراد بذل الجهد في الدعاء جهادا كبيرا شديدا. ### || [25.53] # قوله تعالى: { وهو الذي مرج البحرين } الآية. هذا النوع ~~الرابع. في " مرج " قولان: # أحدهما: بمعنى خلط ومرج، ومنه مرج الأمر أي: اختلط قاله ابن عرفة. # وقيل: " مرج " أجرى، وأمرج لغة فيه. # (و) قيل: مرج لغة الحجاز، وأمرج لغة نجد، وفي كلام بعض الفصحاء: ~~بحران أحدهما بالآخر ممروج، وماء العذب منهما بالأجاج ممزوج. وقيل: ~~أرسلهما في مجاريهما وخلاهما كما ترسل الخيل في المرج قاله ابن عباس. # وأصل المرج الخلط والإرسال يقال: مرجت الدابة وأمرجتها إذا أرسلتها في ~~المرعى وخليتها تذهب حيث تشاء. # قوله { هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج } هذه الجملة ~~لا محل لها، لأنها مستأنفة جواب لسؤال مقدر كأن قائلا قال: كيف مرجهما؟ ~~قيل: هذا عذب وهذا ملح. # ويجوز على ضعف أن تكون حالية. والفرات: المبالغ في الحلاوة، والتاء فيه ~~أصلية لام الكلمة، ووزنه فعال. وبعض العرب يقف عليها هاء، وهذا كما تقدم ~~في التابوت. ويقال: سمي الماء الحلو فراتا، لأنه يفرت العطش أي: يشقه ~~ويقطعه والأجاج: المبالغ في الملوحة، وقيل: في الحرارة، وقيل في ~~المرارة. وهذا من أحسن المقابلة، حيث قال تعالى: { عذب فرات ~~وهذا ملح أجاج } وأنشد بعضهم: # 3877- فلا والله لا أنفك أبكي # (إلى أن نلتقي شعثا عراتا) # أألحى إن نزحت أجاج عيني # على جدث حوى ms6673 العذب الفراتا # ما أحسن ما كنى عن دمعه بالأجاج، وعن المبكي عليه بالعذب الفرات وكان ~~سبب إنشاد هذين البيتين أن بعضهم لحن قائلهما في قوله: عراتا. كيف يقف ~~على تاء التأنيث المنونة بالألف؟ فقيل له: إنها لغة مستفيضة يجعلون التاء ~~كغيرها فيبدلون تنوينها بعد الفتح ألفا، حكي عن العرب أكلت تمرتا نحو ~~أكلت زيتا. وقرأ طلحة وقتيبة عن الكسائي " ملح " بفتح الميم وكسر ~~اللام، وكذا في سورة فاطر، وهو مقصور من (مالح) كقولهم: برد في بارد، ~~قال: # 3878- وصليانا بردا # وماء مالح لغة شاذة. وقال أبو حاتم: هذه قراءة منكرة. # قوله: " بينهما برزخا " يجوز أن يكون الظرف متعلقا بالجعل، ~~وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من " برزخا ". # والأول أظهر. ومعنى " برزخا " أي: حاجزا بقدرته لئلا يختلط أحدهما ~~بالآخر. # قوله: " وحجرا محجورا " الظاهر عطفه على " برزخا ". # وقال الزمخشري: (فإن قلت: " حجرا محجورا " ) ما معناه؟ قلت هي ~~الكلمة التي يقولها المتعوذ، وقد فسرناها، وهي هنا واقعة على سبيل ~~المجاز، كأن واحدا من البحرين يقول لصاحبه: حجرا محجورا كأنه يتعوذ من ~~صاحبه ويقول له: حجرا محجورا. كما قال: " لا يبغيان ". وهي من أحسن ~~الاستعارات. # فعلى ما قاله يكون منصوبا بقول مضمر. # فإن قيل: لا وجود للبحر العذب، فكيف ذكره الله تعالى هنا؟ لا يقال: هذا ~~مدفوع من وجهين: # أحدهما: أن المراد منه الأودية العظام كالنيل وجيحون. # الثاني: لعله حصل في البحار موضع يكون أحد جانبيه عذبا والآخر ملحا، ~~لأنا نقول: أما الأول فضعيف، لأن هذه الأودية ليس فيها ماء ملح، والبحار ~~ليس فيها ماء عذب، فلم يحصل البتة موضع التعجب وأما الثاني فضعيف؛ لأن ~~موضع الاستدلال لا بد وأن يكون معلوما، وأما بمحض التجويز فلا يحسن ~~الاستدلال. # فالجواب: أنا نقول: المراد من البحر العذب هذه الأودية ومن البحر الأجاج ~~البحار الكبار. { وجعل بينهما برزخا } أي: حائلا من الأرض، ~~ووجه الاستدلال هاهنا أن العذوبة والملوحة إن كانت بسبب طبيعة الأرض ~~والماء، فلا بد من الاستواء، وإن لم يكن كذلك فلا بد من قادر حكيم يخص ms6674 كل ~~واحد من الأجسام بصفة خاصة. ويمكن الجواب بطريق آخر، وهو أنا رأينا نيل ~~مصر داخلا في بحر ملح أبيض لونه مغاير للون بحر الملح، ولا يختلط به ~~ويؤخذ منه ويشرب. ### || [25.54] # قوله تعالى: { وهو الذي خلق من المآء بشرا } الآية. # هذا نوع خامس، وفي هذا الماء قولان: # أحدهما: أنه النطفة، والثاني: أنه الماء الذي تسقى به الأرض فيتولد منه ~~الأغذية، ويتولد من الأغذية النطفة، كما تقدم في قوله: # وجعلنا من المآء كل شيء حي # [الأنبياء: 30]. # قوله: " من الماء " يجوز أن يكون متعلقا ب " خلق " وأن يتعلق ~~بمحذوف حالا من ماء، و " من " لابتداء الغاية، أو للتبعيض. # قوله: { فجعله نسبا وصهرا } أي: جعله ذا نسب وصهر قال ~~الخليل: لا يقال لأهل بيت المرأة إلا الأصهار، ولا لأهل بيت الرجل إلا ~~أختان. قال: ومن العرب من يطلق الأصهار على الجميع. وهذا هو الغالب. # وقيل: النسب ما لا يحل نكاحه، والصهر ما يحل نكاحه، والنسب ما يوجب ~~الحرمة، والصهر ما لا يوجبها. والصحيح أن النسب من القرابة والصهر الخلطة ~~التي تشبه القرابة وهو النسب المحرم للنكاح، وقد تقدم أن الله تعالى حرم ~~بالنسب سبعا وبالسبب سبعا في قوله عز وجل: # حرمت عليكم أمهاتكم # [النساء: 23] { وكان ربك قديرا } حيث خلق من النطفة نوعين من ~~البشر الذكر والأنثى. ### || [25.55-58] # قوله تعالى: { ويعبدون من دون الله } الآية. لما ذكر دلائل ~~التوحيد عاد إلى تهجين سيرتهم فقال " ويعبدون " أي: هؤلاء المشركون ~~{ ما لا ينفعهم } إن عبدوه " ولا يضرهم " إن تركوه، { ~~وكان الكافر على ربه ظهيرا } أي: معينا للشيطان على ~~ربه بالمعاصي. قال الزجاج: يعاون الشيطان على معصية الله، لأن عبادتهم ~~الأصنام معاونة للشيطان. فإن قيل كيف يصح في الكافر أن يكون معاونا ~~للشيطان على ربه بالعداوة. فالجواب أنه تعالى ذكر نفسه وأراد رسوله فقال: # إن الذين يؤذون الله # [الأحزاب: 57]. وقيل: معناه: وكان الكافر على ربه هينا ذليلا، كما ~~يقول الرجل لمن يستهين به: جعلني بظهر، أي: جعلني هينا، ويقال: ظهرت به: ~~إذا جعلته خلف ظهرك، كقوله: ms6675 # واتخذتموه ورآءكم ظهريا # [هود: 92]. # قال أبو مسلم: وقياس العربية أن يقال: مظهورا، أي: مستخف به متروك وراء ~~الظهر، فقيل فيه: ظهير بمعنى مظهور، ومعناه: هين على الله أن يكفر ~~الكافر، وهو تعالى مستهين بكفره. # والمراد بالكافر قيل: أبو جهل، لأن الآية نزلت فيه. والأولى حمله على ~~العموم لأن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ. قيل: ويجوز أن يريد ~~بالظهير الجماعة كقوله: # والملائكة بعد ذلك ظهير # [التحريم: 4] كالصديق والخليط، فعلى هذا يكون المراد بالكافر الجنس، وأن ~~بعضهم مظاهر لبعض على إطفاء نور الله قال تعالى: # وإخوانهم يمدونهم في الغي # [الأعراف: 202]. # قوله: " على ربه " يجوز أن يتعلق ب " ظهيرا " ، وهو الظاهر، ~~وأن يتعلق بمحذوف على أنه خبر " كان " و " ظهيرا " حال، والظهير ~~المعاون. # قوله: { ومآ أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا } أي: ~~منذرا، ووجه تعلقه بما تقدم أن الكفار يطلبون العون على الله ورسوله ~~والله تعالى بعث رسوله لنفعهم، لأنه بعثه ليبشرهم على الطاعة وينذرهم على ~~المعصية، فيستحقوا الثواب، ويحترزوا عن العقاب فلا جهل أعظم من جهل من ~~استفرغ جهده في إيذاء شخص استفرع جهده في إصلاح مهماته دينا ودنيا، ولا ~~يسألهم على ذلك ألبتة أجرا. # قوله: { إلا من شآء } فيه وجهان: # أحدهما: وهو منقطع، أي: لكن من يشاء { أن يتخذ إلى ربه ~~سبيلا } فليفعل. # والثاني: أنه متصل على حذف مضاف، يعني: إلا أجر من، أي: الأجر الحاصل ~~على دعائه إلى الإيمان وقبوله، لأنه تعالى يأجرني على ذلك. حكاه أبو حيان ~~وفيه نظر، لأنه لم يسند السؤال المنفي في الظاهر إلى الله تعالى إنما ~~أسنده إلى المخاطبين فكيف يصح هذا التقدير. # فصل # المعنى: ما أسألكم على تبليغ الوحي من أجر، فتقولوا إنما يطلب محمد ~~أموالنا بما يدعونا إليه فلا نتبعه. # وقوله: { إلا من شآء أن يتخذ إلى ربه سبيلا } ~~استثناء منقطع معناه: لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا بإنفاق ماله في ~~سبيله فعل ذلك. # والمعنى: لا أسألكم لنفسي أجرا، ولكن لا أمنع من إنفاق المال في طلب ~~مرضاة الله واتخاذ السبيل ms6676 إلى جنته. # قوله: { وتوكل على الحي الذي لا يموت } الآية. لما ~~تبين أن الكفار يتظاهرون على إيذائه، وأمره أن لا يطلب منهم أجرا، أمره ~~بأن يتوكل عليه في دفع جميع المضار، وفي جلب جميع المنافع، وإنما قال: { ~~على الحي الذي لا يموت } ، لأن من توكل على الحي الذي يموت ~~فإذا مات المتوكل عليه صار المتوكل ضائعا، وأما الله تعالى فهو حي ~~لا يموت فلا يضيع المتوكل عليه. # " وسبح بحمده " قيل: المراد بالتسبيح الصلاة. وقيل: قل سبحان ~~الله والحمد لله. { وكفى به بذنوب عباده خبيرا } ~~عالما، وهذه كلها يراد بها المبالغة، يقال كفى بالعلم جمالا، وكفى ~~بالأدب مالا وهو بمعنى حسبك، أي لا يحتاج معه إلى غيره، لأنه خبير ~~بأحوالهم قادر على مكافأتهم وهذا وعيد شديد. ### || [25.59-60] # قوله تعالى: { الذي خلق السماوات والأرض } الآية. لما ~~أمر الرسول بأن يتوكل عليه وصف نفسه بأمور منها: أنه حي لا يموت، وأنه ~~عالم بجميع المعلومات بقوله # وكفى به بذنوب عباده خبيرا # [الفرقان: 58] ومنها أنه قادر على كل الممكنات، وهو قوله: { الذي ~~خلق السماوات والأرض } وهذا متصل بقوله: # الحي الذي لا يموت # [الفرقان: 58] لأنه سبحانه لما كان خالقا للسموات والأرض ولكل ما ~~بينهما ثبت أنه القادر على جميع المنافع ودفع المضار، وأن النعم كلها من ~~جهته فحينئذ لا يجوز التوكل إلا عليه. و " الذي خلق " يجوز أن يكون ~~مبتدأ، و " الرحمن " خبره، وأن يكون خبر مبتدأ مقدر، أي: هو الذي ~~خلق، وأن يكون منصوبا بفعل مضمر، وأن يكون صفة للحي الذي لا يموت، أو ~~بدلا، أو بيانا هذا على قراءة " الرحمن " بالرفع ومن قرأه بالجر ~~فيتعين أن يكون " الذي خلق " صفة للحي فقط. # قوله: { في ستة أيام } فيه سؤال، وهو أن الأيام عبارة عن حركة ~~الشمس في السموات فقيل السموات لا أيام، فكيف قال: خلقها في ستة أيام؟ # والجواب: في مدة مقدارها (هذه المدة)، لا يقال: الشيء الذي يتقدر بمقدار ~~محدود ويقبل الزيادة والنقصان والتجزئة لا يكون عدما محضا بل لا بد وأن ~~يكون موجودا ms6677 فيلزم من وجوده وجود مدة قبل وجود العالم وذلك يقتضي قدم ~~الزمان، لأنا نقول: هذا معارض بنفس الزمان، لأن المدة المتوهمة المحتملة ~~لعشرة أيام لا تحتمل بخمسة أيام والمدة المتوهمة المحتملة لخمسة أيام لا ~~تحتمل عشرة أيام فيلزم أن يكون للمدة مدة أخرى، فلما لم يلزم من هذا قدم ~~الزمان لم يلزم ما قلتموه، وعلى هذا نقول لعل الله سبحانه خلق المدة ~~أولا ثم خلق السموات والأرض فيها بمقدار ستة أيام. وقيل: في ستة أيام من ~~أيام الآخرة كل يوم مقداره ألف سنة. وهو بعيد، لأن التعريف لا بد وأن ~~يكون بأمر معلوم لا بأمر مجهول. فإن قيل: لم قدر الخلق والإيجاد بهذا ~~المقدار؟ # فالجواب على قول أهل السنة المشيئة والقدرة كافية للتخصيص، وقالت ~~المعتزلة: لا بد وأن يكون من حكمة وهو أن التخصيص بهذا المقدار أصلح، ~~وهذا بعيد لوجهين: # الأول: أن حصول تلك الحكمة إما أن يكون واجبا لذاته أو جائزا، فإن كان ~~واجبا وجب أن لا يتغير فيكون حاصلا في كل الأزمنة فلا يصلح أن يكون ~~سببا لزمان معين، وإن كان جائزا افتقر حصول تلك الحكمة في ذلك الوقت ~~إلى مخصص آخر، ولزم التسلسل. # والثاني: أن التفاوت بين كل واحد مما لا يصل إليه خاطر المكلف وعقله ~~فحصول ذلك التفاوت لما لم يكن مشعورا به كيف يقدح في حصول المصالح. # واعلم أنه يجب على المكلف سواء كان على قولنا أو على قول المعتزلة أن ~~يقطع الطمع عن أمثال هذه الأسئلة، فإنه بحر لا ساحل له، كتقدير ملائكة ~~النار بتسعة عشر، وحملة العرش بثمانية، والسموات بالسبع، وعدد الصلوات، ~~ومقادير النصب في الزكوات، وكذا في الحدود، والكفارات، فالإقرار بكل ما ~~قال الله حق هو الدين، والواجب ترك البحث عن هذه الأشياء، وقد نص الله ~~على ذلك في قوله تعالى: # وما جعلنآ أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا ~~عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن ~~الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا ~~إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب ~~والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم ms6678 مرض ~~والكافرون ماذآ أراد الله بهذا مثلا # [المدثر: 31] ثم قال: # وما يعلم جنود ربك إلا هو # [المدثر: 31]، وهو الجواب أيضا في أنه لم لم يخلقها في لحظة وهو ~~قادر على ذلك. وعن سعيد بن جبير: إنما خلقها في ستة أيام وهو يقدر أن ~~يخلقها في لحظة تعليما لخلقه الرفق والتثبت. وقيل: ثم خلقها في يوم ~~الجمعة فجعله الله عيدا للمسلمين. # قوله: { ثم استوى على العرش } لا يجوز حمله على الاستيلاء ~~والقدرة؛ لأن أوصاف الله لم تزل، فلا يصح دخول " ثم " فيه. ولا على ~~الاستقرار، لأنه يقتضي التغيير الذي هو دليل الحدوث، ويقتضي التركيب، وكل ~~ذلك على الله محال، بل المراد أنه خلق العرش ورفعه. # فإن قيل: يلزم أن يكون خلق العرش بعد خلق السموات وليس كذلك لقوله ~~تعالى: # وكان عرشه على المآء # [هود: 7]. # فالجواب: كلمة " ثم " ما دخلت على خلق العرش بل على رفعه على ~~السموات. # قوله: " الرحمن " قرأ العامة بالرفع، وفيه أوجه: # أحدها: أنه خبر " الذي " ، أو خبر مبتدأ مضمر، أي: الرحمن، ولهذا ~~أجاز الزجاج وغيره الوقف على العرش ثم يبدأ الرحمن، أي: هو الرحمن الذي ~~لا ينبغي السجود والتعظيم إلا له، أو يكون بدلا من الضمير في " استوى " ~~أو يكون مبتدأ وخبره الجملة من قوله " فاسأل " على رأي الأخفش كقوله: # 3879- وقائلة خولان فانكح فتاتهم # أو يكون صفة الذي خلق، إذا قلنا: إنه مرفوع. # وقرأ زيد بن علي " الرحمن " بالجر فيتعين أن يكون نعتا للذي خلق و ~~" الذي خلق " صفة للحي فقط، لئلا يفصل بين النعت ومنعوته بأجنبي. # قوله: " فاسأل به " في الباء قولان: أحدهما: هي على بابها، وهي ~~متعلقة بالسؤال، والمراد ب " الخبير " الله تعالى، ويكون من التجريد، ~~كقولك: لقيت به أسدا والمعنى فاسأل الله الخبير بالأشياء. # قال الزمخشري: أو فاسأل بسؤاله خبيرا كقولك: رأيت به أسدا، أي برؤيته ~~انتهى. قال الكلبي: فاسأل خبيرا به، فقوله: " به " يعود إلى ما ذكر من ~~خلق السموات والاستواء على العرش، والباء من صلة الخبير، وذلك الخبير هو ~~الله تعالى؛ لأنه لا ms6679 دليل في العقل على كيفية خلق السموات والأرض، ولا ~~يعلمها أحد إلا الله تعالى، ف " خبيرا " مفعول " اسأل " على هذا، ~~أو منصوب على الحال المؤكدة، واستضعفه أبو البقاء. # قال: ويضعف أن يكون " خبيرا " حالا من فاعل " اسأل "؛ لأن " ~~الخبير " لا يسأل إلا على جهة التوكيد كقوله: # وهو الحق مصدقا # [البقرة: 91]. ثم قال: ويجوز أن يكون حالا من " الرحمن " إذا ~~رفعته ب " استوى ". والثاني: أن تكون الباء بمعنى " عن " إما مطلقا ~~وإما مع السؤال خاصة كهذه الآية الكريمة، وكقول علقمة بن عبدة: # 3880- فإن تسألوني بالنساء فإنني # خبير بأدواء النساء طبيب # والضمير في " به " لله تعالى، و " خبيرا " من صفات الملك وهو جبريل ~~قال ابن عباس: إن ذلك الخبير هو جبريل - عليه السلام - وإنما قدم لرؤوس ~~الآي وحسن النظم وهو قول الزجاج والأخفش. ويجوز على هذا أي: كون " ~~خبيرا " من صفات جبريل، أن تكون الباء على بابها، وهي متعلقة ب " ~~خبير " كما تقدم، أي: فاسأل الخبراء به. # وقال ابن جرير: الباء في " به " صلة، والمعنى: فاسأله خبيرا و " ~~خبيرا " نصب على الحال. وقيل: قوله: " به " يجري مجرى القسم كقوله: # واتقوا الله الذي تسآءلون به # [النساء: 1]. # قوله تعالى: { وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن } الآية. ~~قال أكثر المفسرين: الرحمن اسم من أسماء الله مكتوب في الكتب المتقدمة ~~والعرب ما عرفوه. # قال مقاتل: # " إن أبا جهل قال: إن الذي يقول محمد شعر، فقال عليه السلام: " الشعر ~~غير هذا إن هذا إلا كلام الرحمن " ، فقال أبو جهل: بخ بخ لعمري والله إنه ~~لكلام الرحمن الذي باليمامة هو يعلمك، فقال عليه السلام: " الرحمن الذي ~~في السماء ومن عنده يأتيني الوحي " ، فقال: يا أبا غالب من يعذرني من ~~محمد يزعم أن الله واحد وهو يقول: الله يعلمني والرحمن، ألستم تعلمون ~~أنهما إلهان " # قال القاضي: والأقرب أن مرادهم إنكار الله لا الاسم، لأن هذه اللفظة ~~عربية وهم كانوا يعلمون أنها تفيد المبالغة في الإنعام، ثم إن قلنا: إنهم ~~كانوا منكرين (لله كان قولهم): " وما الرحمن " سؤال عن الحقيقة ~~كقول ms6680 فرعون: # وما رب العالمين # [الشعراء: 23]، وإن قلنا: إنهم كانوا مقرين بالله لكنهم جهلوا كونه ~~تعالى مسمى بهذا الاسم كان قولهم " وما الرحمن " سؤال عن هذا ~~الاسم. # قوله: { أنسجد لما تأمرنا } قرأ الأخوان بياء الغيبة، ~~يعنون محمدا كأن بعضهم قال لبعض: أنسجد لما يأمرنا محمد أو يأمرنا ~~المسمى بالرحمن ولا نعرف ما هو. # والباقون بالخطاب، يعني لما تأمرنا أنت يا محمد. # و " ما " يجوز أن يكون بمعنى (الذي)، والعائد محذوف لأنه متصل؛ لأن ~~(أمر) يتعدى إلى الثاني بإسقاط الحرف، ولا حاجة إلى التدرج الذي ذكره أبو ~~البقاء وهو أن الأصل: لما تأمرنا بالسجود له، ثم بسجوده، ثم تأمرناه، ثم ~~تأمرنا، كذا قدره، ثم قال: هذا على مذهب أبي الحسن وأما على مذهب سيبويه ~~فحذف ذلك من غير تدريج. قال شهاب الدين: وهذا ليس مذهب سيبويه. ويجوز أن ~~تكون موصوفة، الكلام في عائدها موصوفة كهي موصولة ويجوز أن تكون مصدرية، ~~وتكون اللام للعلة، أي: أنسجد من أجل أمرك وعلى هذا يكون المسجود له ~~محذوفا، أي: أنسجد للرحمن لما تأمرنا، وعلى هذا لا تكون " ما " واقعة ~~على العالم، وفي الوجهين الأوليين يحتمل ذلك وهو المتبادر للفهم. # قوله: " وزادهم نفورا " قول القائل لهم اسجدوا للرحمن. نفورا ~~عن الدين والإيمان. ومن حقه أن يكون باعثا على الفعل والقبول، قال ~~الضحاك: سجد الرسول وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعثمان بن مظعون وعمرو بن ~~عنبسة، ولما رآهم المشركون يسجدون تباعدوا في ناحية المسجد مستهزئين من ~~هذا، وهو المراد من قوله " وزادهم نفورا " أي: فزادهم سجودهم ~~نفورا. ### || [25.61-62] # قوله تعالى: { تبارك الذي جعل في السمآء بروجا } ~~الآية. # لما حكى مزيد نفور الكفار عن السجود، وذكر ما لو تفكروا فيه لعرفوا وجوب ~~السجود والعبادة للرحمن فقال: { تبارك الذي جعل في السمآء ~~بروجا } تقدم القول في " تبارك " ، قال الحسن ومجاهد وقتادة ~~ورواية عن ابن عباس البروج هي النجوم الكبار سميت بروجا لظهورها، لأن ~~اشتقاق البرج من التبرج وهو الظهور. # وقال عطية العوفي: البروج هي القصور العالية، لأنها لهذه الكواكب ~~كالمنازل ms6681 لسكانها، وهذا أولى لقوله تعالى: { وجعل فيها } أي: في ~~البروج فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون قوله " فيها " راجعا إلى السماء دون ~~البروج؟ # فالجواب: لأن البروج أقرب، فعود الضمير إليها أولى. # وروى عطاء عن ابن عباس: هي البروج الاثنا عشر. # قوله: { وجعل فيها سراجا }. قرأ الجمهور بالإفراد، والمراد به ~~الشمس لقوله تعالى: # وجعل الشمس سراجا # [نوح: 16]، ويؤيده أيضا ذكر القمر بعده. والأخوان " سرجا " بضمتين ~~جمعا نحو حمر في حمار، وجمع باعتبار الكواكب النيرات، وإنما ذكر ~~القمر تشريفا له كقوله: # وجبريل وميكال # [البقرة: 98] بعد انتظامهما في الملائكة. وقرأ الأعمش والنخعي وعاصم في ~~رواية عصمة " وقمرا " بضمة وسكون وهو جمع قمراء كحمر في حمراء، ~~والمعنى: وذا ليال قمر منيرا، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ثم ~~التفت إلى المضاف بعد حذفه فوصفه تمييزا، ولو لم يعتبره لقال: منيرة، ~~ونظير مراعاته بعد حذفه قول حسان: # 3881- يسقون من ورد البريص عليهم # بردى يصفق بالرحيق السلسل # الأصل: ماء بردى، فحذفه ثم راعاه في قوله: (يصفق) بالياء من تحت ولو لم ~~يكن ذلك لقال: تصفق بالتاء من فوق على أن بيت حسان يحتمل أن يكون كقوله: # 3882- ولا أرض أبقل إبقالها # مع أن ابن كيسان يجيزه سعة. # وقال بعضهم: لا يبعد أن يكون القمر بمعنى القمر كالرشد والرشد. # قوله تعالى: { وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة } ~~الآية. # في " خلفة " وجهان: أحدهما: أنه مفعول ثان. والثاني: أنه حال بحسب ~~القولين في " جعل ". و " خلفة " يجوز أن تكون مصدرا من خلفه يخلفه إذا ~~جاء مكانه، وأن يكون اسم هيئة منه كالركبة، وأن يكون من الاختلاف. # كقوله: # 3883- ولها بالماطرون إذا # أكل النمل الذي جمعا # خلفة حتى إذا ارتبعت # سكنت من جلق بيعا # في بيوت وسط دسكرة # حولها الزيتون قد ينعا # ومثله قوله زهير: # 3884- بها العين والآرام يمشين خلفة # وأفرد " خلفة " قال أبو البقاء: لأن المعنى يخلف أحدهما الآخر، فلا ~~يتحقق هذا إلا منهما. # قال ابن عباس: جعل كل واحد منهما يخلف صاحبه فيما يحتاج أن يعمل فيه، ~~فمن فرط ms6682 في عمل في أحدهما قضاه في الآخر، جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال ~~فاتتني الصلاة الليلة فقال: أدرك ما فاتتك من ليلتك في نهارك فإن الله عز ~~وجل جعل الليل والنهار خلفة. # وقال مجاهد وقتادة والكسائي: يقال لكل شيئين اختلفا: هما خلفان، فقوله: ~~" خلفة " أي مختلفين، هذا أسود، وهذا أبيض، وهذا طويل، وهذا قصير. والأول ~~أقرب. # { لمن أراد أن يذكر } قراءة العامة بالتشديد، وقرأ حمزة ~~بالتخفيف، وعن أبي بن كعب " يتذكر ". والمعنى: لينظر الناظر في ~~اختلافهما، فيعلم أنه لا بد في انتقالهما من حال إلى حال، من ناقل ومغير ~~فيتعظ. # { أو أراد شكورا } قال مجاهد: أي شكر نعمة ربه عليه فيها. والشكور ~~بالضم مصدر شكر شكورا بمعنى الشكر، وبالفتح صيغة مبالغة. ### || [25.63-67] # قوله تعالى: { وعباد الرحمن الذين يمشون } { ~~عباد الرحمن } رفع بالابتداء، وفي خبره وجهان: # أحدهما: الجملة الأخيرة في آخر السورة # أولئك يجزون # [الفرقان: 75]، وبه بدأ الزمخشري و " الذين يمشون " وما بعده ~~صفات للمبتدأ. # والثاني: أن الخبر " يمشون ". والعامة على " عباد " ، [واليماني ~~بضم العين وتشديد الباء جمع عابد، والحسن " عبد " بضمتين. # والعامة " يمشون " بالتخفيف مبنيا للفاعل]، واليماني والسلمي ~~بالتشديد مبنيا للمفعول. # فصل # هذه الإضافة للتخصيص والتفضيل وإلا فالخلق كلهم عباد الله. # قوله: " هونا " إما نعت مصدر، أي: مشيا هونا، وأما حال أي: ~~هينين، والهون: اللين والرفق، أي يمشون بالسكينة والوقار متواضعين، ~~ولا يضربون بأقدامهم أشرا وبطرا ولا يتبخترون خيلاء. وقال الحسن: علماء ~~حكماء. # وقال محمد ابن الحنفية: أصحاب وقار وعفة لا يسفهون وإن سفه عليهم حلموا ~~{ وإذا خاطبهم الجاهلون } يعني السفهاء بما يكرهونه " قالوا سلاما ~~". قال مقاتل: قولا يسلمون فيه من الإثم. وقيل: المعنى: لا نجاهلكم. ~~وقيل: المراد حلمهم في مقابلة الجهل. وقال الأصم: " قالوا سلاما " ~~أي: سلام توديع لا محبة، كقول إبراهيم - عليه السلام - لأبيه: # سلام عليك # [مريم: 47]. # قال الكلبي وأبو العالية: نسختها آية القتال. # قوله: " سلاما " يجوز أن ينتصب على المصدر بفعل مقدر أي: نسلم سلاما ~~أو نسلم تسليما منكم لا نجاهلكم فأقيم السلام مقام التسليم، ويجوز ms6683 أن ~~ينتصب على المفعول به، أي: قالوا هذا اللفظ، قال الزمخشري: أي قالوا ~~سدادا من القول يسلمون فيه من الأذى، والمراد سلامتهم من السفه، كقوله: # 3885- ألا لا يجهلن أحد علينا # فنجهل فوق جهل الجاهلينا # ورجح سيبويه أن المراد بالسلام السلامة لا التسليم، لأن المؤمنين لم ~~يؤمروا قط بالتسليم على الكفرة، وإنما أمروا بالمسالمة، ثم نسخ ذلك، ولم ~~يذكر سيبويه نسخا إلا في هذه الآية. # قوله: { والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما }. لما ~~ذكر وصفهم بالنهار من وجهين: # أحدهما: ترك الإيذاء بقوله: { يمشون على الأرض هونا }. # والثاني: تحمل الإيذاء بقوله: { وإذا خاطبهم الجاهلون ~~قالوا سلاما } شرح صفتهم في الليل. قال الزجاج: كل من أدركه الليل ~~قيل: بات وإن لم ينم كما يقال: بات فلان قلقا. والمعنى يبيتون لربهم ~~سجدا على وجوههم، وقياما على أقدامهم قال ابن عباس: من صلى بعد العشاء ~~ركعتين فقد بات ساجدا وقائما. وروى عثمان بن عفان قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: # " من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة، ومن صلى الفجر في جماعة ~~كان كقيام ليلة ". # قوله: " سجدا " خبر " يبيتون " ، ويضعف أن تكون تامة. # أي: دخلوا في البيات، و " سجدا " حال و " لربهم " متعلق ب " ~~سجدا ". وقدم السجود على القيام وإن كان بعده في الفعل، لاتفاق ~~الفواصل. و " سجدا " جمع ساجد كضراب في ضارب. # وقرأ أبو البرهسيم " سجودا " بزنة قعود، ويبيت هي اللغة الفاشية، ~~وأزد السراة وبجيلة يقولون: يبات، وهي لغة العوام اليوم. # قوله: { والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب ~~جهنم }. قال ابن عباس: يقولون في سجودهم وقيامهم هذا القول. # قوله: " غراما " أي: لازما دائما، وعن الحسن: كل غريم يفارق غريمه ~~إلا غريم جهنم. وأنشد بشر بن أبي خازم: # 3886- ويوم النسار ويوم الجفا # ر كانا عذابا وكان غراما # وقول الأعشى: # 3887- إن يعاقب يكن غراما وإن يع # ط جزيلا فإنه لا يبالي # ف (غراما) بمعنى شر لازم، وقيل: خسرانا ملحا لازما، ومنه الغريم ~~لإلحاحه وإلزامه، ويقال: فلان مغرم بالنساء، إذا كان مولعا بهن، وسأل ms6684 ~~ابن عباس نافع بن الأزرق عن الغرام فقال: هو الوجع. # قوله: { إنها سآءت مستقرا ومقاما }. يجوز أن تكون " ~~ساءت " بمعنى أحزنت، فتكون متصرفة ناصبة المفعول، وهو هنا محذوف، أي: ~~أنها يعني جهنم أحزنت صحابها و " مستقرا " يجوز أن تكون تمييزا وأن ~~تكون حالا. # ويجوز أن تكون " ساءت " بمعنى بئست، فتعطي حكمها، ويكون المخصوص ~~بالذم محذوفا، وفي " ساءت " ضمير مبهم يفسره مستقر و " مستقرا " يتعين ~~أن يكون تمييزا، أي: ساءت هي، فهي مخصوص وهو الرابط بين هذه الجملة ~~وبين ما وقعت خبرا عنه، وهو " إنها كذا قدره أبو حيان، وقال ~~أبو البقاء: " مستقرا " تمييز، و " ساءت " بمعنى بئس. فإن ~~قيل: يلزم من هذا إشكال، وذلك أنه يلزم تأنيث فعل الفاعل المذكر من غير ~~مسوغ لذلك، فإن الفاعل في " ساءت " على هذا يكون ضميرا عائدا ~~على ما بعده، وهو " مستقرا ومقاما " ، وهما مذكران، فن أين جاء ~~التأنيث؟ # والجواب: أن المستقر عبارة عن جهنم فلذلك جاز تأنيث فعله، ومثله ~~قوله: # 3888- أو حرة عيطل ثيجاء مجفرة # دعائم الزور نعمت زورق البلد # و " مستقرا ومقاما " قيل: مترادفان، وعطف أحدهما على الآخر ~~لاختلاف لفظيهما. وقيل: بل هما مختلفا المعنى، فالمستقر للعصاة، فإنهم ~~يخرجون، والمقام للكفار فإنهم مخلدون. فإن قيل: إنهم سألوا الله أن ~~يصرف عنهم عذاب جهنم لعلتين: إحداهما: أن عذابها كان غراما. والثانية: ~~أنها ساءت مستقرا ومقاما فما الفرق بين الوجهين؟ # فالجواب: قال المتكلمون: عقاب الكافر يجب أن يكون مضرة خالصة عن شوائب ~~النفع (دائمة، فقوله: { إن عذابها كان غراما } إشارة إلى ~~كونه مضرة خالصة عن شوائب النفع) وقوله: { إنها سآءت ~~مستقرا ومقاما } إشارة إلى كونه دائما، فحصلت المغايرة. # وقرأت فرقة " مقاما " بفتح الميم، أي: مكان قيام. # وقراءة العامة هي المطابقة للمعنى، أي: مكان إقامة وثوي. # وقوله: { إنها سآءت مستقرا } يحتمل أن يكون من كلامهم، ~~فتكون منصوبة المحل بالقول، وأن يكون من كلام الله تعالى. # قوله: { والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم ~~يقتروا }. # قرأ الكوفيون بفتح الياء وضم التاء من يقتروا، وابن كثير وأبو عمرو ms6685 ~~بالفتح والكسر، ونافع وابن عامر بالضم والكسر من أقتر، وعليه # وعلى المقتر قدره # [البقرة: 236] وأنكر أبو حاتم أقتر، وقال: لا يناسب هنا، فإن ~~أقتر بمعنى افتقر، ومنه # وعلى المقتر قدره # [البقرة: 236] ورد عليه بأن الأصمعي وغيره حكوا أقتر بمعنى ~~ضيق. وقرأ العلاء بن سيابة واليزيدي بضم الياء وفتح القاف وكسر التاء ~~مشددة من قتر بمعنى ضيق، وكلها لغات، والقتر والإقتار ~~والتقتير (التضييق الذي هو نقيض) الإسراف، والإسراف مجاوزة الحد في ~~النفقة. # فصل # المراد من الآية القصد بين الغلو والتقصير، كقوله تعالى: # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها ~~كل البسط # [الإسراء: 29]. وسأل ابن الورد بعض العلماء ما البناء الذي لا سرف ~~فيه؟ قال: ما سترك عن الشمس، وأكنك من المطر. وقال له ما الطعام الذي ~~لا سرف فيه؟ فقال: ما سد الجوعة، وقال له في اللباس: ما ستر عورتك وأدفأك ~~من البرد. # وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: الإسراف في النفقة في معصية الله ~~تعالى، والإقتار: منع حق الله تعالى. # قال مجاهد: لو أنفق الرجل مثل (أبي) قبيس ذهبا في طاعة الله لم يكن ~~مسرفا. وأنشدوا: # 3889- ذهاب المال في حمد وأجر # ذهاب لا يقال له ذهاب # وقيل: السرف مجاوزة الحد في التنعم والتوسع وإن كان من حلال، لأنه يؤدي ~~إلى الخيلاء وكسر قلوب الفقراء. # قوله: { وكان بين ذلك قواما } في اسم " كان " وجهان: # أشهرهما: أنه ضمير يعود على الإنفاق المفهوم من قوله " أنفقوا ". ~~أي: وكان إنفاقهم مستويا قصدا لا إسرافا ولا تقتيرا، وفي خبرها ~~وجهان: # أحدهما: هو " قواما " و " بين ذلك " إما معمول له، وإما ل " ~~كان " عند من يرى إعمالها في الظرف، وإما المحذوف على أنه حال من " ~~قواما " ، ويجوز أن يكون { بين ذلك قواما } ، خبرين ل " كان ~~" عند من يرى ذلك، وهم الجمهور خلافا لابن درستويه. # والثاني: أن الخبر " بين ذلك " و " قواما " حال مؤكدة. # والثاني من الوجهين الأولين: أن يكون اسمها " بين ذلك " وبني ~~لإضافته إلى غير متمكن، و " قواما " خبرها قاله الفراء. قال ~~الزمخشري: وهو ms6686 من جهة الإعراب لا بأس به (ولكنه من جهة المعنى) ليس بقوي؛ ~~لأن ما بين الإسراف والتقتير قوام لا محالة فليس في الخبر الذي هو ~~معتمد الفائدة فائدة. # قال شهاب الدين: وهو يشبه قولك: كان سيد الجارية مالكها. قال ثعلب: ~~القوام - بالفتح - (العدل والاستقامة، وبالكسر ما يدوم عليه الأمر ~~ويستقر. # وقال الزمخشري: القوام) العدل بين الشيئين لاستقامة الطرفين واعتدالهما، ~~وبالكسر ما يقام به الشيء لا يفضل عنه ولا ينقص. وقرأ حسان بن عبد الرحمن ~~" قواما " يكسر القاف، فقيل: هما بمعنى، وقيل: بالكسر اسم ما يقام به ~~الشيء وقيل: بمعنى سدادا وملاكا. ### || [25.68-71] # قوله: { والذين لا يدعون } الآية. قال ابن عباس: إن ناسا من ~~أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا، وزنوا فأكثروا، فأتوا محمدا - صلى ~~الله عليه وسلم - فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما ~~عملنا كفارة فنزلت هذه الآية، ونزل " يا عبادي " # الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من ~~رحمة الله # [الزمر: 53] وروي # " أن رجلا قال: يا رسول الله أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: " أن تدعو ~~لله ندا وهو خلقك " قال: ثم أي؟ قال: " ثم أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم ~~معك " قال: ثم أي؟ قال: " أن تزاني حليلة جارك " # فأنزل الله تصديقها هذه الآية. # فإن قيل: إن الله تعالى ذكر أن من صفات عباد الرحمن الاحتراز عن الشرك ~~والقتل والزنا، فلو كان الترتيب بالعكس كان أولى؟ فالجواب: أن الموصوف ~~بتلك الصفات السالفة قد يكون متمكنا بالشرك تدينا، ويقتل المولود ~~تدينا، ويزني تدينا، فبين تعالى أن المرء لا يصير بتلك الخصال وحدها من ~~عباد الرحمن حتى يتجنب هذه الكبائر. وأجاب الحسن فقال: المقصود من ذلك ~~التنبيه على الفرق بين سيرة المسلمين وسيرة الكفار كأنه قال: وعباد ~~الرحمن هم الذين لا يدعون مع الله إلها آخر، وأنتم تدعون، " ولا ~~يقتلون " وأنتم تقتلون الموءودة، " ولا يزنون " وأنتم تزنون. # قوله: " إلا بالحق " يجوز أن تتعلق الباء بنفس " يقتلون " أي: ~~لا يقتلونها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق، وأن ms6687 تتعلق بمحذوف على أنها ~~صفة للمصدر، أي: قتلا ملتبسا بالحق، أو على أنها حال أي: إلا ~~ملتبسين بالحق. # فإن قيل: من حل قتله لا يدخل في النفس المحرمة، فكيف يصح هذا ~~الاستثناء فالجواب: أن المقتضي لحرمة القتل قائم أبدا، وجواز القتل إنما ~~ثبت بمعارض، فقوله: " حرم الله " إشارة إلى المقتضي، وقوله: " ~~إلا بالحق " إشارة إلى المعارض والسبب المبيح للقتل هو الردة، ~~والزنا بعد الإحصان، وقتل النفس المحرمة. # قوله: { ومن يفعل ذلك } هذه إشارة إلى جميع ما تقدم، لأنه ~~بمعنى ما ذكر (فلذلك وحد). # قوله: " يلق " قراءة العامة مجزوما على جزاء الشرط بحذف الألف، وقرأ ~~عبد الله وأبو رجاء " يلقى " بإثباتها كقوله: # فلا تنسى # [الأعلى: 6] على أحد القولين، وكقراءة # لا تخاف دركا ولا تخشى # [طه: 77] في أحد القولين أيضا، وذلك بأن نقدر علامة الجزم حذف الضمة ~~المقدرة. وقرأ بعضهم " يلق " بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف من ~~لقاه كذا. والأثام مفعول على قراءة الجمهور، ومفعول ثان على قراءة هؤلاء ~~والأثام العقوبة، قال: # 3890- جزى الله ابن عروة حيث أمسى # عقوقا والعقوق له أثام # أي عقوبة. # وقيل: هو الإثم نفسه، أي: يلق جزاء إثم. قال أبو مسلم: والأثام ~~والإثم واحد، والمراد هاهنا جزاء الأثام، فأطلق اسم الشيء على جزائه. # وقال الحسن: الأثام اسم من أسماء جهنم، وقال مجاهد: اسم واد في جهنم ~~وقيل: بئر فيها. وقرأ ابن مسعود: " أياما " جمع يوم، يعني شدائد، ~~والعرب تعبر عن ذلك بالأيام، يقال: يوم ذو أيام لليوم الصعب. # قوله: " يضاعف " قرأ ابن عامر وأبو بكر برفع " يضاعف " و " ~~يخلد " على أحد وجهين: إما الحال، وإما على الاستئناف. والباقون ~~بالجزم فيهما بدلا من " يلق " بدل اشتمال، ومثله قوله: # 3891- متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا # تجد حطبا جزلا ونارا تأججا # فأبدل من الشرط كما أبدل هنا من الجزاء. وابن كثير وابن عامر على ما ~~تقدم لهما في البقرة من القصر والتضعيف في العين. ولم يذكر أبو حيان ابن ~~عامر مع ابن كثير وذكره مع الجماعة في قرائهم. وقرأ أبو ms6688 جعفر وشيبة " ~~نضعف " بالنون مضمومة وتشديد العين، " العذاب " نصبا على المفعول ~~به. وطلحة " يضاعف " مبنيا للفاعل، أي: الله " العذاب " نصبا، وطلحة بن ~~سليمان " وتخلد " بتاء الخطاب على الالتفات، وأبو حيوة " ويخلد " ~~مشددا مبنيا للمفعول. وروي عن أبي عمرو كذلك إلا أنه بالتخفيف. # و " مهانا " حال، وهو اسم مفعول من أهانه يهينه، أي: أذله ~~وأذاقه الهوان. # فصل # قال القاضي: بين الله تعالى (أن) المضاعفة والزيادة يكون حالها في ~~الزيادة كحال الأصل، فقوله: " ويخلد فيه " أي: ويخلد في ذلك ~~التضعيف، وذلك إنما حصل بسبب العقاب على المعاصي، فوجب أن يكون عقاب هذه ~~المعاصي في حق الكافر دائما، وإذا كان كذلك وجب أن يكون في حق المؤمن ~~كذلك؛ لأن حاله فيما يستحق به لا يتغير سواء فعل مع غيره، أو منفردا. # والجواب: لم لا يجوز أن يكون للإتيان بالشيء مع غيره أثر في مزيد القبح، ~~ألا ترى أن الشيئين قد يكون كل واحد منهما في نفسه حسنا وإن كان الجميع ~~قبيحا، وقد يكون كل واحد منهما قبيحا، ويكون الجمع بينهما أقبح. وسبب ~~تضعيف العذاب أن المشرك إذا ارتكب المعاصي مع الشرك فيعذب على الشرك وعلى ~~المعاصي، فتضاعف العقوبة لمضاعفة المعاقب عليه، وهذا يدل على أن الكفار ~~مخاطبون بفروع الإسلام. # قوله: { إلا من تاب } فيه وجهان: # أحدهما: وهو الذي لم يعرف الناس غيره: أنه استثناء متصل؛ لأنه من الجنس. # والثاني: أنه منقطع. قال أبو حيان: ولا يظهر، يعني الاتصال؛ لأن ~~المستثنى منه محكوم عليه بأنه يضاعف له العذاب (فيصير التقدير: إلا ~~من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فلا يضاعف له ~~العذاب)، ولا يلزم من انتفاء التضعيف انتفاء العذاب غير المضعف، ~~فالأولى عندي أن يكون استثناء منقطعا، أي: لكن من تاب وآمن ~~وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيآتهم ~~حسنات وإذا كان كذلك فلا يلقى عذابا ألبتة. # قال شهاب الدين: والظاهر قول الجمهور، وأما ما قاله فلا يلزم إذ ~~المقصود الإخبار بأن من فعل كذا فإنه يحل به ما ذكر إلا أن يتوب، ~~وأما إصابة ms6689 أصل العذاب وعدمها فلا تعرض في الآية له. واعلم أن البحث ~~الذي ذكره أبو حيان ذكره أيضا ابن الخطيب فقال: دلت الآية على أن التوبة ~~مقبولة، والاستثناء لا يدل على ذلك، لأنه أثبت أنه يضاعف له العذاب ~~ضعفين، فيكفي لصحة الاستثناء أن لا يضاعف للتائب ضعفين، وإنما يدل عليه ~~قوله: { فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات }. # فصل # نقل عن ابن عباس أنه قال: توبة القاتل لا تقبل، وزعم أن هذه الآية ~~منسوخة (بقوله تعالى): # ومن يقتل مؤمنا متعمدا # [النساء: 93]، وقالوا: نزلت الغليظة بعد اللينة بمدة يسيرة، وعن الضحاك ~~ومقاتل بثمان سنين، وتقدم في سورة النساء. # فإن قيل: العمل الصالح يدخل في التوبة والإيمان فذكرهما قبل العمل ~~الصالح حشو؟ فالجواب: أفردهما بالذكر لعلو شأنهما ولما كان لا بد ~~معهما من سائر الأعمال لا جرم ذكر عقيبهما العمل الصالح. # قوله: { فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات }. # قال ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير والسدي ومجاهد وقتادة: التبديل إنما ~~يكون في الدنيا، فيبدل الله تعالى قبائح أعمالهم في الشرك بمحاسن الأعمال ~~في الإسلام، فيبدلهم بالشرك إيمانا، وبقتل المؤمنين قتل المشركين، ~~وبالزنا إحصانا وعفة. وقيل: يبدل الله سيئاتهم التي عملوها في الإسلام ~~حسنات. # قال الزجاج: السيئة بعينها لا تصير حسنة، فالتأويل: أن السيئة تمحى ~~بالتوبة وتكتب الحسنة مع التوبة، والكافر يحبط الله عمله ويثبت ~~عليه السيئات. # قوله: " سيئاتهم " هو المفعول الثاني للتبديل، وهو المقيد بحرف ~~الجر، وإنما حذف، لفهم المعنى، و " حسنات " هو الأول المسرح، وهو ~~المأخوذ، والمجرور بالباء هو المتروك، وقد صرح بهذا في قوله تعالى: # وبدلناهم بجنتيهم جنتين # [سبأ: 16] وقال: # 3892- تضحك مني أخت ذات النحيين # أبدلك الله بلون لونين # سواد وجه وبياض عينين # وتقدم تحقيق هذا في البقرة عند قوله: # ومن يبدل نعمة الله # [البقرة: 211]. # قوله: { ومن تاب وعمل صالحا } الآية. قال بعض العلماء: هذا ~~في التوبة عن غير ما سبق ذكره في الآية الأولى من القتل والزنا، أي: تاب ~~من الشرك وأدى الفرائض ممن لم يقتل ولم يزن { فإنه يتوب إلى ~~الله } يعود ms6690 إليه بعد الموت " متابا " حسنا يفضل على غيره ممن قتل ~~وزنا. فالتوبة الأولى وهي قوله: " ومن تاب " رجوع عن الشرك، ~~والثاني رجوع إلى الله للجزاء والمكافأة. # وقيل: هذه التوبة أيضا عن جميع السيئات، ومعناه من أراد التوبة وعزم ~~عليها فليتب لوجه الله، فقوله: { يتوب إلى الله } خبر بمعنى ~~الأمر، أي: ليتب إلى الله، وقيل: معناه وليعلم أن توبته ومصيره إلى الله. ### || [25.72-73] # قوله: { والذين لا يشهدون الزور } في " الزور " وجهان: # أحدهما: أنه مفعول به، أي: لا يحضرون الزور، وفسر بالصنم واللهو. ~~وقال أكثر المفسرين: يعني: الشرك. # والثاني: أنه مصدر، والمراد شهادة الزور، فحذف المضاف وأقام المضاف ~~إليه مقامه. قاله علي بن أبي طالب. # وقال ابن جريج: الكذب. وقال مجاهد: أعياد المشركين. وقيل: النوح. وقال ~~قتادة: لا يساعدون أهل الباطل على باطلهم. وكل هذه الوجوه محتملة. # وأصل " الزور ": تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته، فهو تمويه الباطل بما ~~يوهم أنه حق. # قوله: { وإذا مروا باللغو } أي: بأهله. قال مقاتل: إذا ~~سمعوا من الكفار الشتم والأذى أعرضوا وصفحوا كقوله: # وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه # [القصص: 55]. # وقال الحسن والكلبي: اللغو: المعاصي كلها مما يجب أن يلغى ويترك. # " مروا كراما " مسرعين معرضين، يقال: تكرم فلان عما يشينه إذا ~~تنزه وأكرم نفسه عنه. # قوله: { والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم ~~يخروا عليها صما وعميانا } النفي متسلط على القيد، وهو ~~الصمم والعمى، أي: إنهم يخرون عليها لكن لا على هاتين الصفتين. # قال الزمخشري: فقوله: { لم يخروا عليها } ليس بنفي للخرور، ~~وإنما هو إثبات له ونفي للصمم والعمى، كما تقول: لا يلقاني زيد مسلما. ~~هو نفي للسلام لا للقاء، والمعنى: أنهم إذا ذكروا بها أكبوا عليها حرصا ~~على استماعها، وأقبلوا على المذكر بها وهم في إكبابهم عليها سامعون بآذان ~~واعية ويبصرون بعيون واعية، لا كالذين يذكرون بها فتراهم مكبين عليها ~~مقبلين على من يذكر بها مظهرين الحرص الشديد على استماعها، وهم كالصم ~~والعميان حيث لا يفهمونها، ولا يبصرون ما فيها، وفيه تعريض بالمنافقين. ### || [25.74] # قوله: { والذين يقولون ربنا ms6691 هب لنا من أزواجنا ~~وذرياتنا }. # يجوز أن تكون " من " لابتداء الغاية، أي: هب لنا من جهتهم ما تقر به ~~عيوننا من طاعة وصلاح، وأن تكون للبيان، قاله الزمخشري وجعله من ~~التجريد، أي: هب لنا قرة أعين من أزواجنا كقولك رأيت منك ~~أسدا. # وقرأ أبو عمرو والأخوان وأبو بكر " ذريتنا " بالتوحيد، والباقون ~~بالجمع سلامة وقرأ أبو هريرة وأبو الدرداء وابن مسعود " قرات " ~~بالجمع، وقال الزمخشري: أتى هنا ب " أعين " صيغة القلة دون ~~(عيون) صيغة الكثرة، إيذانا بأن عيون المتقين قليلة بالنسبة إلى ~~عيون غيرهم. ورده أبو حيان بأن أعينا يطلق على العشرة فما دونها، ~~وعيون المتقين كثيرة فوق العشرة. وهذا تحمل عليه، لأنه إنما أراد ~~القلة بالنسبة إلى كثرة غيرهم، ولم يرد قدرا مخصوصا. # فصل # أراد قرة أعين لهم في الدين لا في الدنيا من المال والجمال، قال الزجاج: ~~يقال: أقر الله عينك، أي: صادف فؤادك ما يحبه وقال المفضل: في قرة ~~العين ثلاثة أقوال: # أحدها: برد دمعتها، وهي التي تكون مع السرور، ودمعة الحزن حارة. # الثاني: فرحها، لأنه يكون مع ذهاب الحزن والوجع. # الثالث: قال الأزهري: حصول الرضا. # قوله: { واجعلنا للمتقين إماما } في " إماما " وجهان: # أحدهما: أنه مفرد، وجاء به مفردا إرادة للجنس، وجنسه كونه رأس فاصلة. ~~(أو المراد: اجعل كل واحد منا إماما. كما قال # نخرجكم طفلا # [الحج: 5]. # قال الفراء: قال " إماما " ولم يقل: أئمة. كما قال للاثنين # إنا رسول رب العالمين # [الشعراء: 16]. وقيل: أراد أئمة كقوله: # فإنهم عدو لي # [الشعراء: 77]، وإما لاتحادهم واتفاق كلمتهم، وإما لأنه مصدر في ~~الأصل كصيام وقيام. # الثاني: أنه جمع آم كحال وحلال، أو جمع إمامة كقلادة وقلاد. # قال القفال: وعندي أن الإمام إذا ذهب به مذهب الاسم وحد كأنه قيل: ~~اجعلنا حجة للمتقين، ومثله البينة يقال: هؤلاء بينة فلان. # فصل # قال الحسن: نقتدي بالمتقين ويقتدي بنا المتقون. وقال ابن عباس: اجعلنا ~~أئمة هداة كما قال: # وجعلناهم أئمة يهدون # [الأنبياء: 73] ولا تجعلنا أئمة ضلالة، كقوله: # وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار # [القصص: 41]. وقيل هذا من ms6692 المقلوب، أي: واجعل المتقين لنا إماما ~~واجعلنا مؤتمين مقتدين بهم قاله مجاهد. # فصل # قيل: نزلت الآية في العشرة المبشرين بالجنة. # قال بعضهم: هذه الآية تدل على وجوب طلب الرياسة في الدين والرغبة فيها، ~~قال إبراهيم - عليه السلام - # واجعل لي لسان صدق في الآخرين # [الشعراء: 84] واحتج أهل السنة بهذه الآية على أن فعل العبد مخلوق لله ~~تعالى، لأن الإمامة في الدين لا تكون إلا بالعلم والعمل، والعلم والعمل ~~إنما يكون بجعل الله وخلقه. # قال القاضي: المراد من هذا السؤال الألطاف التي إذا كثرت صاروا مختارين ~~لهذه الأشياء فيصيرون أئمة. # والجواب: أن تلك الألطاف مفعولة لا محالة فيكون سؤالها عبثا. # واعلم أنه تعالى لما بين صفات المتقين المخلصين بين بعده إحسانه ~~إليهم. ### || [25.75-77] # قوله: { أولئك يجزون الغرفة } أي: يثابون الغرفة، وهي ~~الدرجة العالية. و " الغرفة " مفعول ثان ل " يجزون " ، ~~والغرفة كل بناء مرتفع، والجمع غرف. # قوله: " بما صبروا " أي بصبرهم، أي: بسببه أو بسبب الذي ~~صبروه، والأصل: صبروا عليه، ثم حذف بالتدريج. والباء للسببية كما تقدم، ~~وقيل: للبدل، كقوله: # 3893- فليت لي بهم قوما... # ولا حاجة إلى ذلك. وذكر الصبر ولم يذكر المصبور عنه، ليعم جميع أنواع ~~المشاق، ولا وجه لقول من يقول: المراد الصبر على الفقر خاصة. # قوله: " ويلقون فيها " قرأ الأخوان وأبو بكر بفتح الياء وسكون ~~اللام من لقي يلقى، والباقون بضمها، وفتح اللام وتشديد القاف على ~~بنائه للمفعول، كقوله: # ولقاهم نضرة وسرورا # [الإنسان: 11]. والتحية الدعاء بالتعمير، أي: بقاء دائما، وقيل: ~~الملك. والسلام الدعاء بالسلامة، أو يسلم بعضهم على بعض. وهذه التحية ~~والسلام يمكن أن يكون من الله كقوله # سلام قولا من رب رحيم # [يس: 58]. ويمكن أن يكون من الملائكة لقوله: # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام # [الرعد: 23 - 24]. ويمكن أن يكون بعضهم على بعض. # قوله: { خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما }. وصف ذلك ~~بالدوام بقوله: " خالدين فيها " ، وقوله: { حسنت مستقرا ~~ومقاما } أي: موضع قرار وإقامة، وهذا في مقابلة قوله: # سآءت مستقرا ومقاما # [الفرقان: 66] أي: ما أسوأ ذاك وأحسن هذا. # قوله: ms6693 { قل ما يعبأ بكم ربي }. قال مجاهد وابن زيد: أي: ما ~~يصنع وما يفعل بكم. قال أبو عبيدة: يقال: ما عبأت به شيئا، أي: لم ~~أباله، فوجوده وعدمه سواء. وقال الزجاج: معناه لا وزن لكم عندي ~~والعبء في اللغة الثقل. وقال أبو عمرو بن العلاء: ما يبالي ربكم، ويقال: ~~ما عبأت بك، أي: ما اهتممت ولا اكترثت، ويقال: عبأت الجيش وعبأته، أي: ~~هيأته وأعددته. قوله: " لولا دعاؤكم " جوابها محذوف لدلالة ما ~~تقدم، أي: لولا دعاؤكم ما أعبأ بكم ولا أكترث، و " ما " يجوز أن تكون ~~نافية، وهو الظاهر، وقيل: استفهام، بمعنى النفي، ولا حاجة إلى التجوز في ~~شيء يصح أن يكون حقيقة بنفسه. و " دعاؤكم " يجوز أن يكون مضافا ~~للفاعل، أي: لولا تضرعكم إليه، ويجوز أن يكون مضافا للمفعول، أي: لولا ~~دعاؤكم إياه إلى الهدى. # فصل # ومعنى هذا الدعاء وجوه: # الأول: لولا دعاؤكم إياه في الشدائد كما قال تعالى: # فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له ~~الدين # [العنكبوت: 65]. # الثاني: لولا شكركم له على إحسانه، لقوله: # ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم # [النساء: 147]. # الثالث: لولا عبادتكم. # الرابع: لولا إيمانكم. # وقيل المعنى: ما خلقتكم وبي إليكم حاجة إلا أن تسألوني فأعطيكم ~~وتستغفروني فأغفر لكم. # وقيل: المعنى: قل ما يعبأ بخلقكم ربي لولا عبادتكم وطاعتكم إياه، يعني ~~أنه خلقكم لعبادته كما قال: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56]. قاله ابن عباس ومجاهد. وقيل: معناه ما يبالي بمغفرتكم ~~ربي لولا دعاؤكم معه آلهة، أو ما يفعل الله بعذابكم لولا شرككم كما قال: # ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم # [النساء: 147]. # قوله: " فقد كذبتم " أيها الكافرون يخاطب أهل مكة، يعني أن ~~الله دعاكم بالرسول إلى توحيده وعبادته فقد كذبتم الرسول ولم تجيبوه. ~~وقرئ " فقد كذب الكافرون " قوله: { فسوف يكون لزاما } أي: فسوف ~~يلزمكم أثر تكذيبكم، وهذا عقاب الآخرة، ونظيره أن يقول الملك لمن استعصى ~~عليه: إن من عادتي أن أحسن إلى من يطيعني فقد عصيت فسوف ترى ما أحل بك ~~بسبب عصيانك. # قوله: ms6694 " لزاما " قرئ بالفتح يعني اللزوم كالثبات والثبوت. # قال ابن عباس: موتا. وقال أبو عبيدة: هلاكا. وقال ابن زيد: قتالا ~~والمعنى: يكون التكذيب لازما لمن كذب فلا يعطى التوبة حتى يجازى بعمله. ~~وقال ابن جريج: عذابا دائما لازما وهلاكا مفنيا يلحق بعضكم ببعض. ~~قال ابن مسعود وأبي بن كعب ومجاهد ومقاتل: هو يوم بدر واتصل بهم عذاب ~~الآخرة لازما لهم. وقال عبد الله بن مسعود: خمس قد مضين الدخان والقمر ~~واليوم والبطشة واللزام: { فسوف يكون لزاما }. روى الثعلبي عن ~~أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة الفرقان بعثه الله يوم القيامة وهو يؤمن أن الساعة آتية ~~لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور، ودخل الجنة بغير حساب ". ### | [26 - سورة الشعراء] ### || [26.1-4] # قوله تعالى: { طسم تلك آيات الكتاب المبين }. # أظهر حمزة نون " سين " قبل الميم، كأنا ناو الوقف، وإلا فإدغام ~~مثله واجب والباقون يدغمون. وتقدم إعراب الحروف المقطعة. وفي مصحف عبد ~~الله: " ط س م " مقطوعة من بعضها. قيل: وهي قراءة أبي جعفر، يعنون أنه ~~يقف على كل حرف وقفة يميز بها كل حرف، وإلا لم يتصور أن يلفظ بها على ~~صورتها في هذا الرسم وقرأ عيسى - وتروى عن نافع - بكسر الميم هنا وفي ~~القصص على البناء. وأمال الطاء الأخوان وأبو بكر، وقد تقدم. روى عكرمة ~~عن ابن عباس قال: (طسم) عجزت العلماء عن علم تفسيرها. وروى علي بن أبي ~~طلحة الوالبي عن ابن عباس أنه قسم، وهو من أسماء الله تعالى. وقال قتادة: ~~اسم من أسماء القرآن. وقال مجاهد: اسم للسورة. وقال محمد بن كعب القرظي: ~~قسم بطوله وسناه وملكه. " تلك آيات " أي: هذه الآيات آيات " ~~الكتاب المبين " قوله: { لعلك باخع نفسك }. قرأ ~~قتادة: " باخع نفسك " على الإضافة. والمعنى قاتل نفسك { ألا ~~يكونوا مؤمنين } أي: إن لم يؤمنوا، وذلك حين كذبه أهل مكة فشق ~~عليه ذلك، وكان يحرص على إيمانهم، فأنزل الله هذه الآية، وهذا تسلية ~~للرسول، أي: لا تبالغ في الحزن ms6695 والأسف، فصبره وعزاه وعرفه أن غمه ~~وحزنه لا ينفع، كما أن وجود الكتاب ووضوحه لا ينفع. # قوله: { إن نشأ ننزل }. العامة على نون العظمة فيهما. وروي ~~عن أبي عمرو بالياء فيهما، أي: إن يشأ الله ينزل. و " إن " أصلها ~~أن تدخل على المشكوك فيه أو المحقق المبهم زمانه، والآية من هذا الثاني. # قوله: " فظلت " عطف على " ننزل " فهو في محل جزم. ويجوز أن ~~يكون مستأنفا غير معطوف على الجزاء. ويؤيد الأول قراءة طلحة: " ~~فتظلل " بالمضارع مفكوكا. قوله: " خاضعين ". فيه وجهان: # أحدهما: أنه خبر عن " أعناقهم ". واستشكل جمعه جمع سلامة؛ لأنه ~~مختص بالعقلاء. وأجيب عنه بأوجه: # أحدها: أن المراد بالأعناق: الرؤساء كما قيل: لهم وجوه وصدور، قال: # 3894 - في محفل من نواصي الخيل مشهود # الثاني: أنه على حذف مضاف، أي: فظل أصحاب الأعناق، ثم حذف وبقي الخبر ~~على ما كان عليه قبل حذف المخبر عنه مراعاة للمحذوف، وتقدم ذلك ~~قريبا عند قراءة: # وقمرا منيرا # [الفرقان: 61]. # الثالث: أنه لما أضيف إلى العقلاء اكتسب منهم هذا الحكم، كما يكتسب ~~التأنيث بالإضافة لمؤنث في قوله: # 3895 - كما شرقت صدر القناة من الدم # الرابع: أن " الأعناق " جمع " عنق " من الناس، وهم الجماعة، فليس ~~المراد الجارحة البتة، ومنه قوله: # 3896 - أن العراق وأهله # عنق إليك فهيت هيتا # وهذا قريب من معنى الأول، إلا أن هذا القائل يطلق " الأعناق " على جماعة ~~الناس مطلقا، رؤساء كانوا أو غيرهم. # الخامس: قال الزمخشري: أصل الكلام: فظلوا لها خاضعين، فأقحمت " الأعناق ~~" لبيان موضع الخضوع، وترك الكلام على أصله كقولهم: ذهبت أهل ~~[اليمامة، كأن الأهل غير مذكور. قال شهاب الدين: وفي التنظير بقوله: ذهبت ~~أهل اليمامة] نظر، لأن (أهل) ليس مقحما البتة، لأنه المقصود بالحكم، ~~وأما التأنيث فلاكتسابه التأنيث (بالإضافة). # السادس: أنها عوملت معاملة العقلاء لما أسند إليهم ما يكون فعل ~~العقلاء، كقوله: " ساجدين " و " طائعين " في يوسف وفصلت. # وقيل: إنما قال: " خاضعين " لموافقة رؤوس الآي. # والثاني: أنه منصوب على الحال من الضمير في " أعناقهم " قال ~~الكسائي وضعفه أبو البقاء، قال: لأن ms6696 " خاضعين " يكون جاريا على غير ~~فاعل " ظلت " فيفتقر إلى إبراز ضمير الفاعل، فكان يجب أن يكون: ~~خاضعين هم. # قال شهاب الدين: ولم يجر " خاضعين " في اللفظ والمعنى إلا على من ~~هو له، وهو الضمير في " أعناقهم " ، والمسألة التي قالها: هي أن ~~يجري الوصف على غير من هو له في اللفظ دون المعنى، فكيف يلزم ما ألزمه ~~به، على أنه لو كان كذلك لم يلزم ما قاله، لأن الكسائي والكوفيين لا ~~يوجبون إبراز الضمير في هذه المسألة إذا أمن اللبس, فهو (لا) يلتزم ما ~~ألزمه به، ولو ضعف بمجيء الحال من المضاف إليه لكان أقرب، على أنه لا ~~يضعف؛ لأن المضاف جزء من المضاف إليه كقوله: # ما في صدورهم من غل إخوانا # [الحجر:47]. ### || [26.5-9] # قوله تعالى: { وما يأتيهم من ذكر } وعظ وتذكر { من ~~الرحمن محدث } أي: محدث إنزاله فهو محدث في التنزيل. قال ~~الكلبي: " كلما نزل شيء من القرآن بعد شيء فهو أحدث من الأول ". # وقوله: " إلا كانوا " جملة حالية، وتقدم تحقيق هذا وما قبله في أول ~~الأنبياء. ومعنى " معرضين " أي: عن الإيمان به. # قوله: " فقد كذبوا " أي: بلغوا النهاية في رد آيات الله، " ~~فسيأتيهم " أي: فسوف يأيتهم " أنباء ": أخبار وعواقب { ما ~~كانوا به يستهزئون } وذلك إما عند نزول العذاب عليهم في ~~الدنيا، أو عند المعاينة في الآخرة كقوله تعالى: # ولتعلمن نبأه بعد حين # [ص: 88] قوله: { أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا ~~فيها من كل زوج } أي: صنف، والكريم صفة لكل ما يرضى ويحمد في ~~بابه، يقال: " وجه كريم " إذا كان مرضيا في حسنه وجماله. و " كتاب كريم ~~": إذا كان مرضيا في فوائده ومعانيه. و " النبات الكريم ": هو المرضي ~~في منافعه مما يأكل الناس والأنعام يقال: نخلة كريمة: [إذا طاب حملها، ~~وناقة كريمة]: إذا كثر لبنها. قال الشعبي: الناس مثل نبات الأرض، فمن دخل ~~الجنة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم. # قوله: " كم أنبتنا ". " كم " للتكثير، فهي خبرية، وهي منصوبة ~~بما بعدها على المفعول به، أي: كثيرا من الأزواج أنبتنا، ms6697 و { من كل ~~زوج } تمييز. # وجوز أبو البقاء أن تكون حالا. ولا معنى له. قال الزمخشري: فإن قلت: ~~ما معنى الجمع بين " كم " و " كل " ولو قيل: أنبتنا فيه من زوج ~~كريم. قلت: قد دل " كل " على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل، ~~و " كم " على أن هذا المحيط متكاثر مفرط في الكثرة. # قوله: { إن في ذلك } الذي ذكرت " لآية " دلالة على وجودي ~~وتوحيدي وكمال قدرتي وقوله: " للمؤمنين " كقوله: # هدى للمتقين # [البقرة: 2] لأنهم المنتفعون بذلك { وما كان أكثرهم ~~مؤمنين }: مصدقين، أي: سبق علمي فيهم أن أكثرهم لا يؤمنون. # وقال سيبويه: (كان) هنا صلة، مجازه: وما أكثرهم مؤمنين. { وإن ~~ربك لهو العزيز الرحيم } وإنما قدم ذكر " العزيز " على ~~ذكر " الرحيم " لأنه لو لم يقدمه لكان ربما قيل: إنه رحيم لعجزه عن ~~عقوبتهم، فأزال هذا الوهم بذكر " العزيز " وهو الغالب القاهر, ومع ذلك ~~فإنه رحيم بعباده، فإن الرحمة إذا كانت عن القدرة الكاملة كانت أعظم ~~وقعا. فإن قيل: حين ذكر الأزواج دل عليها بكلمتي الكثرة والإحاطة، ~~وكان لا يحصيها إلا عالم الغيب، فكيف قال: { إن في ذلك لآية }؟ ~~وهلا قال: لآيات؟. فالجواب من وجهين: # أحدهما: أن يكون ذلك مشارا به إلى مصدر " أنبتنا " فكأنه قال: إن في ~~ذلك الإنبات لآية. # والثاني: أن يراد: إن في كل واحد من تلك الأزواج لآية. ### || [26.10-11] # قوله تعالى: { وإذ نادى ربك موسى } الآية. العامل في " إذ ~~نادى " مضمر، فقدره الزجاج: اتل. وقدره غيره: اذكر. واختلف في النداء ~~الذي سمعه موسى - عليه السلام - من الله تعالى، فقيل: هو الكلام القديم، ~~فكما أن ذاته تعالى لا تشبه سائر الذوات مع أن الدليل دل على أنها معلومة ~~ومرتبة، فكذا كلامه منزه عن مشابهة الحرف والصوت مع أنه مسموع وقيل: كان ~~نداء من جنس الحروف والأصوات. # وقالت المعتزلة: كان ذلك النداء حروفا وأصواتا علم به موسى من قبل ~~الله تعالى فصار معجزا، علم به موسى أن الله تعالى مخاطب له فلم يحتج مع ~~ذلك إلى واسطة. # قوله: { أن ائت القوم ms6698 الظالمين }. يجوز أن تكون " أن " ~~مفسرة، وأن تكون مصدرية، أي: بأن. قوله: " قوم فرعون ". بدل أو ~~عطف بيان ل " القوم الظلمين ". وقال أبو البقاء: إنه مفعول ~~(تتقون) على قراءة من (تتقون) بالخطاب وفتح النون، كما سيأتي. ~~ويجوز على هذه القراءة أن يكون منادى. قوله: " ألا يتقون ". ~~العامة على الياء في " يتقون " وفتح النون، والمراد قوم فرعون، ~~والمفعول محذوف، أي: يتقون عقابي، [وقرأ عبد الله بن مسلم بن يسار، ~~وحماد، وشقيق بن سلمة بالتاء من فوق على الالتفات، خاطبهم بذلك توبيخا] ~~والتقدير: يا قوم فرعون. # وقرأ بعضهم: " يتقون " بالياء من تحت، وكسر النون، وفيها تخريجان: # أحدهما: أن " يتقون " مضارع، ومفعوله ياء المتكلم اجتزئ عنها ~~بالكسرة. # والثاني: جوزه الزمخشري، أن تكون " يا " للنداء، و " اتقون " فعل ~~أمر، كقوله: " ألا يا اسجدوا " أي: يا قوم اتقون، أو يا ناس ~~اتقون. وسيأتي تحقيق مثل هذا في السورة تحتها. وهذا تخريج بعيد. # وفي هذه الجملة وجهان: # أحدهما: أنها مستأنفة لا محل لها من الإعراب. # وجوز الزمخشري أن تكون حالا من الضمير في " الظالمين " أي: ~~يظلمون غير متقين الله وعقابه، فأدخلت همزة الإنكار على الحال. ~~وخطأه أبو حيان من وجهين: # أحدهما: أنه يلزم عنه الفصل بين الحال وعاملها بأجنبي منهما، فإن أعرب " ~~قوم فرعون " عطف بيان ل " القوم الظالمين ". # والثاني: أنه على تقدير تسليم ذلك لا يجوز أيضا؛ لأن ما بعد الهمزة لا ~~يعمل فيما قبلها، قال: وقولك: (جئت أمسرعا)، إن جعلت (مسرعا) معمولا ~~ل (جئت) لم يجز، فإن أضمرت عاملا جاز. والظاهر أن " ألا " للعرض. # وقال الزمخشري: إنها (لا) النافية، دخلت عليها همزة الإنكار. وقيل: هي ~~للتنبيه. # فصل # قوله: { وإذ نادى ربك موسى } حين رأى الشجرة والنار { أن ~~ائت القوم الظالمين } أي: الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية، ~~فحكم عليهم بالظلم من وجهين: # الأول: ظلموا أنفسهم بكفرهم. # والثاني: ظلمهم بني إسرائيل باستعبادهم وسومهم سوء العذاب. " قوم ~~فرعون " عطف " قوم فرعون " على " القوم الظالمين " ~~فهما يدلان لفظا على معنى واحد. " ألا يتقون " أي: يصرفون عن ~~أنفسهم عقوبة ms6699 الله بطاعته. ومن قرأ " تتقون " بالخطاب فعلى الالتفات ~~إليهم وصرف وجوههم بالإنكار والغضب عليهم، كمن يشكو من جناية والجاني ~~حاضر، فإذا اندفع في الشكاية، وحمي غضبه قطع بأنه يخاطب صاحبه، وأقبل على ~~الجاني يوبخه ويعنفه ويقول له: ألم تتق الله؟ ألم تستحي من الناس؟ فإن ~~قيل: فما الفائدة في هذا الالتفات والخطاب مع موسى - عليه السلام - في ~~وقت المناجاة، والملتفت إليهم غائبون لا يشعرون؟. قلنا: أجري ذلك في ~~تكليم المرسل إليهم معنى إجرائه بحضرتهم وإلقائه إلى مسامعهم، لأنه ~~مبلغهم، وله فيه لطف وحث على زيادة التقوى، وكم من آية نزلت في الكافرين ~~وفيها أوفر نصيب للمؤمنين تدبرا بها، واعتبارا بمواردها. ### || [26.12-17] # قوله تعالى: { قال رب إني أخاف أن يكذبون } لما أمر ~~موسى - عليه السلام - بالذهاب إلى قوم فرعون طلب موسى - عليه السلام - أن ~~يبعث معه هارون - عليه السلام - ثم ذكر الأمور الداعية إلى ذلك السؤال. ~~فقوله: " أن يكذبون " مفعول " أخاف " أي: أخاف تكذيبهم إياي. # قوله: { ويضيق صدري ولا ينطلق } الجمهور على الرفع، وفيه ~~وجهان: # أحدهما: أنه مستأنف، أخبر بذلك. # والثاني: أنه معطوف على خبر " إن " وقرأ زيد بن علي، وطلحة، وعيسى، ~~والأعمش بالنصب فيهما. والأعرج بنصب الأول ورفع الثاني. فالنصب عطف على ~~صلة " أن " فتكون الأفعال الثلاثة: " يكذبون " و " يضيق " ، ~~و " لا ينطلق " داخلة في حيز الخوف. # قال الزمخشري: " والفرق بينهما، أي: الرفع والنصب، أن الرفع يفيد أن ~~فيه ثلاث علل: خوف التكذيب، وضيق الصدر، وامتناع انطلاق اللسان، ~~والنصب على أن خوفه متعلق بهذه الثلاثة. فإن قلت: في النصب تعليق ~~الخوف بالأمور الثلاثة، وفي جملتها نفي انطلاق اللسان، وحقيقه ~~الخوف إنما يلحق الإنسان لأمر سيقع، وذلك كان واقعا، فكيف جاز تعليق ~~الخوف به؟ قلت: قد علق الخوف بتكذيبهم، وبما يحصل له من ضيق الصدر، ~~والحبسة في اللسان زائدة على ما كان به، على أن تلك الحبسة له من ~~ضيق الصدر، والحبسة في اللسان زائدة على ما كان به، على أن تلك ~~الحبسة التي كانت به زالت بدعوته. وقيل: بقيت منها ms6700 بقية يسيرة. فإن ~~قلت: اعتذارك هذا يرده الرفع، لأن المعنى: إني خائف ضيق الصدر ~~غير منطلق اللسان؟ قلت: يجوز أن يكون هذا قبل الدعوة واستجابتها ~~ويجوز أن يريد القدر اليسير الذي بقي ". # قوله: " فأرسل " أي: فأرسل جبريل أو الملك، فحذف المفعول به، أي: ~~ليؤازرني ويظاهرني على تبليغ الرسالة. قيل: إن الله تعالى أرسل موسى. # قال السدي: إن موسى - عليه السلام - سار بأهله إلى مصر، والتقى ~~بهارون وهو لا يعرفه، فقال: أنا موسى، فتعارفا، وأمره أن ينطلق معه إلى ~~فرعون لأداء الرسالة. وقيل: أرسل جبريل إليه كما يرسل إلى الأنبياء - ~~عليه السلام - فلما كان متعينا لهذا الأمر حذف ذكر المرسل لكونه ~~معلوما. # قوله: { ولهم علي ذنب }. أي: دعوى ذنب، وهو قتله للقبطي، أي: ~~لهم علي ذنب في زعمهم { فأخاف أن يقتلون } أي: يقتلونني، ~~فقال الله تعالى: " كلا " أي: لن يقتلوك. # قوله: " فاذهبا " عطف على ما دل عليه حرف الردع من الفعل، كأنه قيل: ~~ارتدع عما تظن فاذهب أنت وأخوك { بآياتنا إنا معكم ~~مستمعون } سامعون ما تقولون قال: " معكم " بلفظ الجمع، وهما ~~اثنان، أجراهما مجرى الجماعة. # وقيل: أراد معكما ومع بني إسرائيل نسمع ما يجيبكم فرعون، { فأتيا ~~فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين } إنما أفرد " ~~رسول " إما لأنه مصدر بمعنى: رسالة والمصدر يوحد، ومن مجيء " ~~رسول " بمعنى رسالة قوله: # 3897 - لقد كذب الواشون ما فهت عندهم # بسر ولا أرسلتهم برسول # أي برسالة. وإما لأنهما ذوا شريعة واحدة فنزلا منزلة رسول. # وإما لأن المعنى: كل واحد منا رسول. وإما لأنه من وضع الواحد موضع ~~التثنية لتلازمهما، فصارا كالشيئين المتلازمين، كالعينين واليدين. وحيث ~~لم يقصد هذه المعاني طابق في قوله: # أنا رسول ربك # [طه: 47]. وقال أبو عبيد: يجوز أن يكون " الرسول " بمعنى الاثنين ~~والجمع، تقول العرب: هذا رسولي ووكيلي، [وهذان رسولي ووكيلي]، وهؤلاء ~~رسولي ووكيلي، كما قال: # وهم لكم عدو # [الكهف: 50]. قوله: " أن أرسل ". يجوز أن تكون مفسرة ل " ~~رسول " إذا قيل: بأنه بمعنى الرسالة، شرحا الرسالة بهذا وبيناها به. ~~ويجوز أن تكون المصدرية، ms6701 أي: رسول بكذا، والمراد من هذا الإرسال: التخلية ~~والإرسال: كقولك: أرسل البازي. ### || [26.18-22] # قوله تعالى: { قال ألم نربك فينا وليدا }. اعلم أن في ~~الكلام حذفا، وهو أنهما أتياه وقالا ما أمر الله به، فعند ذلك قال فرعون ~~ما قال. روي أنهما انطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهما سنة حتى قال ~~البواب: إن هنا إنسانا يزعم أنه رسول رب العالمين. فقال: ائذن له لعلنا ~~نضحك منه، فأديا إليه الرسالة، فعرف موسى، فعدد عليه نعمه أولا ثم إساءة ~~موسى إليه. أما النعم فهي قوله: { ألم نربك فينا وليدا } ~~والوليد: الصبي، لقرب عهده من الولادة. وقيل: الغلام، تسيمة له بما كان ~~عليه. و " وليدا " حال من مفعول [نربك]، وهو فعيل بمعنى مفعول. ~~قوله { ولبثت فينا من عمرك سنين } قرا أبو عمرو في رواية ~~بسكون الميم " عمرك تخفيفا ل " فعل " ، و " من عمرك " حال ~~من " سنين ". # قيل: لبث عندهم ثلاثين سنة، وقيل: وكز القبطي، وهو ابن اثنتي عشرة سنة ~~قوله " وفعلت فعلتك ". قرأ الشعبي: " فعلتك " بالكسر على ~~الهيئة، لأنها نوع من القتل، وهي الوكزة { وأنت من ~~الكافرين }. يجوز أن يكون حالا. قال ابن عباس: أي: وأنت من ~~الكافرين لنعمتي أي: وأنت إذ ذاك ممن تكفرهم الساعة، وقد افترى عليه أو ~~جهل أمره؛ لأنه كان يعاشرهم بالتقية، فإن الكفر غير جائز على ~~الأنبياء قبل النبوة. ويجوز أن يكون مستأنفا، ومعناه وأنت ممن عادته ~~كفران النعم، ومن كانت هذه حاله لم يستبعد منه قتل خواص ولي نعمه. وقيل: ~~" من الكافرين " بفرعون وإلاهيته، أو من الذين يكفرون في دينهم، ~~فقد كانت لهم آلهة يعبدونها بدليل قوله: # ويذرك وآلهتك # [الأعراف: 127] قوله: { قال فعلتهآ إذا وأنا من ~~الضالين }. " إذا " هنا حرف جواب فقط. قال الزمخشري: إنها جواب ~~وجزاء معا قال: فإن قلت: (إذا) حرف جواب وجزاء معا، والكلام ~~وقع جوابا لفرعون، فكيف وقع جزاء؟ قلت: قول فرعون: " وفعلت فعلتك ~~" فيه معنى أنك جازيت نعمتي بما فعلت، فقال له موسى: نعم فعلتها مجازيا ~~لك تسليما لقوله، كأن نعمته كانت ms6702 عنده جديرة بأن تجازى بنحو ذلك ~~الجزاء. # قال أبو حيان: وهذا مذهب سيبويه، يعني: أنها للجزاء والجواب معا، قال: ~~ولكن شراح الكتاب فهموا أنها قد تتخلف عن الجزاء، والجواب معنى لازم لها. # فصل # واعلم أن فرعون عدد عليه نعمه من تربيته وتبليغه مبلغ الرجال، ووبخه بما ~~جرى على يده من قتل أجناده، وعظم ذلك بقوله: { وفعلت فعلتك ~~التي فعلت }. # ولما ذكر فرعون التربية ذكر القتل، وكانت تربيته معلومة ما أنكرها موسى ~~- عليه السلام - وقد تقرر في العقول أن الرسول إلى الغير إذا كان معه ~~معجزة وحجة لم يتغير حاله بأن يكون المرسل إليه أنعم عليه أو لم ينعم، ~~صار قول فرعون غير مؤثر فالإعراض عنه أولى، ولكن أجاب عن القتل بما لا ~~شيء أبلغ منه في الجواب، فقال: { فعلتهآ إذا وأنا من ~~الضالين } أي: من الجاهلين، أي: لم يأتني من عند الله شيء، أو من ~~الجاهلين بأن ذلك يؤدي إلى قتله، لأنه وكزه تأديبا، ومثل ذلك ربما ~~حسن. # وقيل: من المخطئين، فبين أنه فعله على وجه لا تجوز المؤاخذة به، فيعد ~~كافرا لنعمه. # قوله: { ففررت منكم لما خفتكم }. العامة على تشديد ميم ~~" لما " وهي " لما " التي هي حرف وجوب عند سيبويه. أو بمعنى " ~~حين " عند الفارسي. وروي عن حمزة بكسر اللام وتخفيف الميم، أي: ~~لتخوفي منكم، و " ما " مصدرية. وهذه القراءة تشبه قراءته في " ~~آل عمران ": # لمآ آتيتكم # [آل عمران: 81]. وقد تقدمت مستوفاة. # (قال الزمخشري: إنما جمع الضمير في " منكم " و " خفتكم " مع ~~إفراده في " تمنها " و " عبدت " ، لأن الخوف والفرار لم يكونا ~~منه وحده، ولكن منه ومن ملئه المؤتمرين بقتله لقوله: # إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك # [القصص: 20]، وأما الامتنان والتعبد فمنه وحده). # فصل # والمعنى: إني فعلت ذلك الفعل وأنا ذاهل عن كونه مهلكا، وكان مني في حكم ~~السهو، فلم أستحق التخويف الذي يوجب الفرار، ومع ذلك فررت منكم لما خفتكم ~~عن قولكم: # إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك # [القصص: 20] فبين بذلك ألا نعمة له عليه في الفعلة، بل بأن يكون ms6703 مسيئا ~~فيه أقرب. # فصل # وقد ورد لفظ " الفرار " على أربعة: # الأول: بمعنى الهرب، كهذه الآية، ومثله # لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت # [الأحزاب: 16]. # الثاني: بمعنى الكراهية، قال تعالى: # قل إن الموت الذي تفرون منه # [الجمعة: 8] أي: تكرهونه. # الثالث: بمعنى اشتغال المرء بنفسه، قال تعالى: # يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه # [عبس: 34 -35] أي: لا يلتفت إليهم، لاشتغاله بنفسه. # الرابع: بمعنى التباعد، قال تعالى: # فلم يزدهم دعآئي إلا فرارا # [نوح: 6] أي: تباعدا. ثم بين نعم الله عليه بعد الفرار، فكأنه قال: ~~أسأتم وأحسن الله إلي بأن وهب لي حكما. قرأ عيسى: " حكما " بضم ~~الكاف إتباعا. والمراد بالحكم: العلم والفهم، قاله مقاتل: وقيل: النبوة. ~~والأول أقرب، لأن المعطوف غير المعطوف عليه، والنبوة مفهومة من قوله: { ~~وجعلني من المرسلين }. # قوله: " وتلك نعمة " فيه وجهان: # أحدهما: أنه خبر على سبيل التهكم، أي: إن كان ثم نعمة فليست إلا ~~أنك جعلت قومي عبيدا لك. وقيل: " ثم " حرف استفهام محذوف لفهم ~~المعنى، أي: " أو تلك " ، وهذا مذهب الأخفش، وجعل من ذلك: # 3898 - أفرح ان أرزأ الكرام # وقد تقدم هذا مشبعا في النساء عند قوله: # ومآ أصابك من سيئة فمن نفسك # [النساء: 79] وفي غيره. # قوله: " أن عبدت " فيه أوجه: # أحدها: أنه في محل رفع عطف بيان ل " تلك " كقوله: # وقضينآ إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلآء مقطوع # [الحجر: 66]. # الثاني: أنها في محل نصب مفعولا من أجله. # الثالث: أنها بدل من " نعمة ". # الرابع: أنها بدل من هاء " تمنها ". # الخامس: أنها مجرورة بباء مقدرة، أي: بأن عبدت. # السادس: أنها خبر مبتدأ مضمر، أي: هي أن عبدت. # السابع: أنها منصوبة بإضمار " أعني " والجملة من " تمنها " صفة ل ~~" نعمة " و " تمن " يتعدى بالباء، فقيل: هي محذوفة، أي: تمن ~~بها. # وقيل: ضمن " تمن " معنى " تذكر ". ويقال: عبدت الرجل ~~وأعبدته وتعبدته واستعبدته: [إذا اتخذته عبدا]. # فصل # اختلفوا في تأويل " أن عبدت ": فحملها بعضهم على الإقرار، وبعضهم ~~على الإنكار. وعلى كلا القولين فهو جواب لقوله: { قال ألم نربك ~~فينا } [الشعراء: 18]. # فمن قال: ms6704 هو إقرار، قال: عدها موسى نعمة منه عليه حيث رباه ولم يقتله ~~كما قتل سائر غلمان بني إسرائيل، ولم يستعبده كما استعبد بني إسرائيل، ~~أي: بلى و { تلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني ~~إسرائيل } وتركتني فلم تستعبدني. ومن قال: هو إنكار قال: قوله: " ~~وتلك نعمة " هو على طريق الاستفهام، كما تقدم في إعرابها، يعني: ~~أو تلك نعمة، فحذفت ألف الاستفهام، كقوله: # فهم الخالدون # [الأنبياء: 34] وقال الشاعر: # 3899 - تروح من الحي أم تبتكر # وماذا يضيرك لو تنتظر # أي: أتروح من الحي، وقال عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة: # 3900 - لم أنس يوم الرحيل وقفتها # وطرفها في دموعها غرق # وقولها والركاب واقفة # تتركني هكذا وتنطلق # أي: أتتركني. يقول: تمن علي أن ربيتني وتنسى جنايتك على بني إسرائيل ~~بالاستعباد والمعاملة القبيحة. أو يريد: كيف تمن علي بالتربية، وقد ~~استعبدت قومي؟ ومن أهين قومه ذل، فتعبدك بني إسرائيل قد أحبط إحسانك ~~إلي. # وقال الحسن: إنك استعبدت بني إسرائيل، فأخذت أموالهم وأنفقت منها علي ~~فلا نعمة لك بالتربية. وقيل: إن الذي تولى تربيتي هم الذين استعبدتهم فلا ~~نعمة لك علي، لأن التربية كانت من قبل أمي ومن قومي، ليس لك إلا مجرد ~~الاسم، وهذا ما يعد إنعاما. وقيل: معناه: تمن علي بالتربية وأنت ~~لولا استعبادك بني إسرائيل وقتلك أولادهم لما دفعت إليك حتى ربيتني ~~وكفلتني، فإنه كان لي من أهلي من يربيني ويكفلني، ولم يلقوني في ~~اليم، فأي نعمة لك علي. وقيل: معناه أنك تدعي أن بني إسرائيل ~~عبيدك، ولا منة للمولى على العبد في تربيته. ### || [26.23-31] # قوله تعالى: { وما رب العالمين } إنما أتى ب " ما " دون " ~~من " لأنها يسأل بها عن طلب الماهية، كقولك: ما العنقاء؟ ولما كان جواب ~~هذا السؤال لا يمكن عدل موسى - عليه السلام - إلى جواب ممكن، فأجاب ~~بصفاته تعالى، وخص تلك الصفات لأنه لا يشاركه فيها أحد، وفيه إبطال ~~لدعواه أنه إله. # وقيل: جهل السؤال فأتى ب " ما " دون " من ". وليس بشيء. # وقيل: إنما سأل عن الصفات, ذكره ms6705 أبو البقاء. # وليس بشيء، لأن أهل البيان نصوا على أنها يطلب بها الماهيات، وقد جاء ~~ب " من " في قوله: # فمن ربكما يموسى # [طه: 49]. # فصل # اعلم أن فرعون لم يقل: { وما رب العالمين } إلا وقد دعاه موسى ~~إلى طاعة رب العالمين، ويدل على ذلك قوله تعالى: # فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين # [الشعراء: 16] فلا بد من أنهما قالا ذلك حين دخلا عليه، فعند ذلك قال ~~فرعون: { وما رب العالمين } يقول: أي شيء رب العالمين الذي ~~تزعم أنك رسوله إلي يستوصفه إلاهه الذي أرسل إليه؟ وهو سؤال عن جنس ~~الشيء، والله منزه عن الجنسية. فأجابه موسى - عليه السلام - بذكر ~~أفعاله التي يعجز الخلق عن الإتيان بمثلها، فقال: { رب السماوات ~~والأرض وما بينهمآ إن كنتم موقنين } أنه خلقها. # قال أهل المعاني: كما توقنون هذه الأشياء التي تعاينوها، فأيقنوا أن إله ~~الخلق هو الله عز وجل. # قوله: " وما بينهما " عاد ضمير التثنية على جمعين اعتبارا ~~بالجنسين، كما فعل ذلك في قوله: # 3901 - بين رماحي مالك ونهشل # ولما ذكر موسى - عليه السلام - هذا الجواب الحق تحير فرعون في جواب ~~موسى، فقال لمن حوله من أشراف قومه - قال ابن عباس: كانوا خمسمائة -: " ~~ألا تستمعون " على سبيل التعجب من جواب موسى، يعني: أنا أطلب منه ~~الماهية وهو يجيبني بالفاعلية. وقيل: استبعد جواب موسى وقال " ألا ~~تستمعون " لأنهم كانوا يعتقدون أن آلهتهم ملوكهم، فزادهم موسى ~~بيانا فقال: { ربكم ورب آبآئكم الأولين } فعدل عن ~~التعريف بخالقية السموات والأرض إلى التعريف بكونه تعالى خالقا لنا ~~ولآبائنا، وذلك لأنه يمكن أن يعتقد أن السموات والأرضين واجبة لذواتها، ~~فهي غنية عن الخالق، ولا يمكن أن يعتقد في نفسه وفي آبائه وأجداده [كونهم ~~واجبين لذواتهم، لأن المشاهدة دلت على أنهم وجدوا] بعد العدم، وعدموا ~~بعد الوجود، وما كان كذلك استحال أن يكون واجبا لذاته، واستحال وجوده ~~إلا بالمؤثر، فكان التعريف بهذا الأثر أظهر، فلهذا عدل موسى - عليه ~~السلام - إليه فقال فرعون: { إن رسولكم الذي أرسل ~~إليكم لمجنون } يعني: أن المقصود من سؤالنا ms6706 طلب الماهية ~~والحقيقة، والتعريف بهذه الآثار الخارجية لا يفيد البتة تلك الخصوصية ~~فهذا الذي يدعي الرسالة مجنون لا يفهم السؤال فضلا عن أن يجيب عنه، فقال ~~موسى - عليه السلام -: { رب المشرق والمغرب وما ~~بينهمآ إن كنتم تعقلون } فعدل إلى طريق ثالث أوضح من ~~الثاني، وذلك أنه أراد ب " المشرق " طلوع الشمس وظهور النهار، وأراد ~~ب " المغرب ": غروب الشمس وزوالها، والأمر ظاهر؛ لأن التدبير المستمر ~~على الوجه العجيب لا يتم إلا بتدبير مدبر، وهذا بعينه طريقة إبراهيم - ~~عليه السلام - مع نمروذ، فإنه استدل أولا بالإحياء والإماتة، وهو الذي ~~ذكره إبراهيم - عليه السلام - بقوله: { ربكم ورب آبآئكم ~~الأولين } فأجابه نمروذ: # أنا أحيي وأميت # [البقرة: 258] فقال: # فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها ~~من المغرب فبهت الذي كفر # [البقرة:258] وهو الذي ذكره موسى - عليه السلام - بقوله: { رب ~~المشرق والمغرب }. # وأما قوله { إن كنتم تعقلون } فكأنه - عليه السلام - قال: إن ~~كنت من العقلاء عرفت أنه لا جواب عن سؤالك إلا ما ذكرت، لأنك طلبت مني ~~تعريف حقيقته، ولا يمكن تعريف حقيقته بنفس حقيقته، ولا بأجزاء حقيقته، ~~فلم يبق إلا أن أعرف حقيقته بآثار حقيقته، وقد عرفت حقيقته، فمن كان ~~عاقلا يقطع بأنه لا جواب عن سؤالك إلا ما ذكرته. واعلم أن حقيقته غير ~~معقولة للبشر، فيستحيل من موسى - عليه السلام - أن يذكر ما تعرف (به تلك) ~~الحقيقة، إلا أن عدم العلم بتلك الخصوصية لا يقدح في صحة الرسالة، فلما ~~انقطع فرعون عن الجواب ولزمته الحجة تكبر عن الحق، وعدل إلى التخويف، ~~وقال: { لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من ~~المسجونين }: المحبوسين. قال الكلبي: كان سجنه أشد من القتل، لأنه ~~كان يأخذ الرجل فيطرحه في مكان وحده فردا لا يسمع ولا يبصر فيه شيئا ~~يهوي به في الأرض. # وقال: { لأجعلنك من المسجونين } ولم يقل: " ~~لأسجننك " وهو أخص منه؛ لأن فيه مبالغة ليست في ذاك، أو معناه: ~~لأجعلنك ممن عرفت حاله في سجوني فعند ذلك ذكر موسى كلاما مجملا ليعلق ~~قبله به فيعدل عن وعيده، فقال ms6707 { أولو جئتك بشيء مبين } ~~أي: هل يحسن أن يذكر هذا مع اقتداري على أن آتيك بدليلين يدلان على وجوه ~~الله، وعلى أني رسوله. فعند ذلك قال: { فأت به إن كنت من ~~الصادقين } وإنما قال موسى ذلك لأن من أخلاق الناس السكون إلى ~~الإنصاف والإجابة إلى الحق بعد البيان فقال فرعون: " فأت به " فإنا ~~لن نسجنك حينئذ { إن كنت من الصادقين } فإن قيل: كيف قطع ~~الكلام بما لا تعلق له بالأول، وهو قوله: { أولو جئتك بشيء ~~مبين } أي: بآية بينة، والمعجز لا يدل على الله لدلالة سائر ما ~~تقدم؟ # فالجواب: بل يدل على ما أراد أن يظهره من انقلاب العصا حية على ~~الله، وعلى توحيده، وعلى أنه صادق في ادعاء الرسالة، فالذي ختم به كلامه ~~أقوى من كل ما تقدم. والواو في قوله: { أولو جئتك } واو الحال، ~~دخلت عليها همزة الاستفهام، والمعنى: أتفعل بي ذلك ولو جئتك بشيء مبين؟ ~~أي: جائيا بالمعجزة وقال الحوفي: " هي واو العطف ". وتقدم تحرير هذا عند ~~قوله: # أولو كان آباؤهم # [170] في البقرة، وغالب الجمل هنا تقدم إعرابها. ### || [26.32-37] # قوله تعالى: { فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ~~ونزع يده فإذا هي بيضآء للناظرين }. وعلم أن قوله: # أولو جئتك بشيء مبين # الشعراء: 30] يدل على أن الله تعالى عرفه قبل إلقاء العصا بأنها تصير ~~ثعبانا، فلذلك قال ما قال، فلما ألقى موسى عصاه وصارت ثعبانا، روي أنها ~~لما انقلبت حية ارتفعت في السماء قدر ميل، ثم انحطت مقبلة إلى فرعون ~~تقول: يا موسى، مرني بما شئت، ويقول فرعون: (يا موسى) أسألك بالذي أرسلك ~~إلا أخذتها، فأخذها فعادت عصا. فإن قيل: كيف قال: " ثعبان مبين " ~~وفي آية أخرى: # فألقاها فإذا هي حية تسعى # [طه: 20] وفي آية ثالثة: # كأنها جآن # [القصص: 31] والجان مائل إلى الصغر، والثعبان إلى الكبر؟ # فالجواب: أن الحية اسم الجنس، ثم لكبرها صارت ثعبانا، وشبهها بالجان ~~لخفتها، وسرعتها، فصح الكلامان. ويحتمل أنه شببها بالشيطان لقوله: # والجآن خلقناه من قبل من نار السموم # [الحجر: 27]. ويحتمل أنها كانت صغيرة كالجان ms6708 ثم عظمت فصارت ثعبانا ثم ~~إن موسى - عليه السلام - لما أراه آية العصا قال فرعون: " هل غيرها "؟ ~~قال: نعم، فأراه يده، ثم أدخلها جيبه، ثم أخرجها { فإذا هي ~~بيضاء } تضيء الوادي من شدة بياضها من غير برص، لها شعاع كشعاع ~~الشمس. فعند هذا أراد فرعون تعمية هذه الحجة على قومه فذكر أمورا: # أحدها: قال لهم: { إن هذا لساحر عليم } وكان زمانهم زمان ~~السحرة، فأوهمهم أن هذا كبير من السحرة. # وثانيها: قال: { يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره ~~} وهذا موجب للتنفير عنه لئلا يقبلوا قوله، والمعنى: يفرق جمعكم بما ~~يلقيه من العداوة بينكم، ومفارقة الوطن أصعب الأمور، وهذا نهاية ما يفعله ~~المضل المنفر عن المحق. # وثالثها: قوله: " فماذا تأمرون " أي: ما رأيكم فيه، فأظهر لهم ~~من نفسه أني متبع لرأيكم، ومثل هذا يوجب جذب القلوب، وانصرافها عن العدو ~~قوله: " حوله " حال من " الملأ " ، ومفعول القول قوله: { إن ~~هذا لساحر عليم } وقيل: صلة " للملأ " ، فإنه بمعنى " ~~الذي ". وقيل: الموصول محذوف. وهما قولان للكوفيين. قال الزمخشري: " ~~فإنن قلت: قوله تعالى: (للملأ حوله) فما العامل في ~~(حوله)؟. قلت: هو منصوب نصبين: نصب في اللفظ، ونصب في المحل. فالعامل ~~في النصب اللفظي ما تقدم في الظرف، والعامل في النصب المحلي هو النصب على ~~الحال ". # قوله: " أرجه وأخاه ". لما قال لهم فرعون تلك الكلمات اتفقوا ~~على جواب واحد، وهو قولهم: " أرجه " قرىء: " أرجه وأرجئه ~~وأرجه " (بالهمز والتخفيف، وهما لغتان، يقال: أرجأته وأرجيته) إذا ~~أخرته. والمعنى: أخره ومناظرته لوقت اجتماع السحرة. وقيل: " احبسه " { ~~وابعث في المدآئن حاشرين يأتوك بكل سحار ~~عليم } أشاروا عليه بإنفاذ حاشرين يجمعون السحرة، ظنا منهم بأنهم ~~إذا كثروا غلبوه وكشفوا حاله. وعارضوا قوله: { إن هذا لساحر ~~عليم } بقولهم: { بكل سحار عليم } فجاءوا بكلمة الإحاطة، ~~وبصيغة المبالغة ليطيبوا قلبه. ### || [26.38-42] # قوله تعالى: { فجمع السحرة لميقات يوم معلوم }. ~~اليوم المعلوم: يوم الزينة. # قال ابن عباس: وافق ذلك يوم السبت في أول يوم من السنة، وهو يوم النيروز ~~وميقاته: وقت الضحى، لأنه الوقت الذي وقت لهم ms6709 موسى - عليه السلام - من ~~يوم الزينة في قوله: # موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى # [طه: 59]. # قوله: { وقيل للناس هل أنتم مجتمعون }. والمعنى: ~~أنهم بعثوا على الحضور ليشاهدوا ما يكون من الجانبين ولمن تكون الغلبة، ~~وكان موسى - عليه السلام - يطلب ذلك ليظهر حجته عليهم عند الخلق العظيم. # قوله: { لعلنا نتبع السحرة }. أي نرجو أن تكون الغلبة ~~لهم { إن كانوا هم الغالبين } لموسى. وقيل: إنما قالوا ذلك ~~على طريق الاستهزاء. وأرادوا ب " السحرة ": موسى وهارون وقومهما. { ~~فلما جآء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا ~~لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم ~~إذا لمن المقربين }. [فابتدءوا بطلب الجزاء، وهو إما المال ~~وإما الجاه، فبذل لهم ذلك وأكده بقوله: { وإنكم إذا لمن ~~المقربين } ] لأن نهاية مطلوبهم البذل ورفع المنزلة. ### || [26.43-48] # قوله تعالى: { قال لهم موسى ألقوا مآ أنتم ملقون ~~}. اعلم أنهم لما اجتمعوا كان لا بد من ابتداء موسى أو ابتدائهم، ثم إنهم ~~تواضعوا فقدموه على أنفسهم، وقالوا له: # إمآ أن تلقي وإمآ أن نكون نحن الملقين # [الأعراف: 115] فلما تواضعوا له تواضع هو أيضا لهم فقدمهم على نفسه، ~~وقال: { ألقوا مآ أنتم ملقون }. فإن قيل: كيف جاز لموسى - ~~عليه السلام - أن يأمر السحرة بإلقاء الحبال والعصي، وذلك سحر وتلبيس ~~وكفر، والأمر بمثله لا يجوز؟ فالجواب: ليس ذلك بأمر، لأن مراد موسى - ~~عليه السلام - منهم أن يؤمنوا به، ولا يقدموا على ما يجري مجرى المقاتلة، ~~وإذا ثبت ذلك وجب تأويل صيغة الأمر، وفيه وجوه: # أحدها: أن ذلك الأمر كان مشورطا، والتقدير: ألقوا ما أنتم ملقون إن ~~كنتم محقين، كقوله: # فأتوا بسورة من مثله # [البقرة: 23] أي: إن كنتم قادرين. # وثانيها: لما تعين ذلك طريقا إلى كشف الشبهة صار جائزا. # وثالثها: أن هذا ليس بأمر، بل هو تهديد، أي: إن فعلتم ذلك أتينا بما ~~يبطله، كقول القائل: " لئن رميتني لأفعلن ولأصنعن " ثم يفوق له السهم ~~فيقول له: " ارم " فيكون ذلك منه تهديدا. # ورابعها: أنهم لما تواضعوا (له) وقدموه على أنفسهم فقدمهم على نفسه رجاء ~~أن يصير ms6710 تواضعه سببا لقبول الحق، ولقد حصل ببركة ذلك التواضع ذلك ~~المطلوب. # قوله: { فألقوا حبالهم وعصيهم }. روي عن ابن عباس ~~قال: كانت مطلية بالزئبق، والعصي مجوفة مملوءة من الزئبق، فلما حميت ~~اشتدت حركتها، فصارت كأنها حيات تدب من كل جانب من الأرض. # قوله: " بعزة فرعون ". يجوز أن يكون قسما، وجوابه: { ~~إنا لنحن الغالبون } ويجوز أن يتعلق ب " الغالبون " لأن ~~ما في حيز " إن " لا يتقدم عليها. # قوله: { فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما ~~يأفكون } تقدم خلاف القراء في " تلقف " وقال ابن عطية هنا: وقرأ ~~البزي وابن فليح بشد التاء وفتح اللام وشد القاف ويلزم على ~~هذه القراءة إذا ابتدأ أن يجلب همزة الوصل، وهمزة الوصل لا تدخل على ~~الأفعال المضارعة، كما لا تدخل على أسماء الفاعلين. قال أبو حيان كأنه ~~يخيل إليه أنه لا يمكن الابتداء بالكلمة إلا باجتلاب همزة الوصل، ~~[وهذا ليس بلازم (و) كثيرا ما يكون الوصل] مخالفا للوقف، والوقف ~~مخالفا للوصل، ومن له تمرن في القراءات عرف ذلك. قال شهاب الدين: ~~يريد قوله: { فإذا هي تلقف } فإن البزي يشدد التاء، إذ ~~الأصل: " تتلقف " بتاءين، فأدغم، فإذا وقف على " هي " وابتدأ " ~~تتلقف " فحقه أن يفك ولا يدغم لئلا يبتدأ بساكن وهو غير ~~ممكن، وقول ابن عطية: " ويلزم على هذه القراءة. # .. إلى آخره " تضعيف للقراءة لما ذكره هو من أن همزة الوصل لا تدخل على ~~الفعل المضارع، ولا يمكن الابتداء بساكن، فمن ثم ضعفت. # وجواب الشيخ بمنع الملازمة حسن إلا أنه كان ينبغي أن يبدل لفظة الوقف ~~بالابتداء لأنه هو الذي وقع الكلام فيه، أعني: الابتداء بكلمة [ " ~~تلقف " ]. # قوله: " فألقي " قال الزمخشري: " فإن قلت: فاعل الإلقاء ما هو لو ~~صرح به؟ قلت هو الله - عز وجل -، ثم قال: ولك ألا تقدر فاعلا، لأن ~~" ألقوا " بمعنى: خروا وسقطوا ". قال أبو حيان: وهذا ليس بشيء؛ ~~لأنه لا يبنى الفعل للمفعول إلا وله فاعل ينوب المفعول به عنه، أما أنه ~~لا يقدر له فاعل فقول ذاهب عن الصواب. # فصل # تقدم الكلام على ms6711 نظير هذه الآية، واعلم أن السحرة لما شاهدوا أمرا ~~خارجا عن حد السحر لما يتمالكوا أن رموا بأنفسهم إلى الأرض ساجدين و { ~~قالوا آمنا برب العالمين }. # قوله: { رب موسى وهارون }. عطف بيان ل " رب العالمين ~~" لأن فرعون كان يدعي الربوبية فأرادوا عزله. ومعنى إضافته إليهما في ذلك ~~المقام: أنه الذي دعا موسى وهارون - عليهما السلام - إليه. ### || [26.49-51] # قوله: { قال ءامنتم له قبل أن آذن لكم } الآيات. لما ~~آمنوا بأجمعهم لم يأمن فرعون أن يقول قومه: إن هؤلاء السحرة على كثرتهم ~~وبصيرتهم لم يؤمنوا إلا عن معرفة بصحة أمر موسى - عليه السلام - فيسلكون ~~طريقهم، فلبس على القوم وبالغ في التنفير عن موسى من وجوه: # أحدها: قوله: { قبل أن آذن لكم }. والمعنى: إن مسارعتكم إلى ~~الإيمان به دالة على ميلكم إليه فتطرق التهمة إليهم فلعلهم قصروا في ~~السحر حياله. # وثانيها: قوله: { إنه لكبيركم الذي علمكم السحر ~~} هذا تصريح بما رمز به أولا، وتعريض منه بأنهم فعلوا ذلك عن مواطأة ~~بينهم وبين موسى، وقصروا في السحر ليظهروا أمر موسى، وإلا ففي قوة السحر ~~أن يفعلوا مثل ما فعل، وهذا شبهة قوية في تنفير من قبل. # وثالثها: قوله: " فلسوف تعلمون " وهو وعيد وتهديد شديد. # ورابعها: قوله: { لأقطعن أيديكم وأرجلكم من ~~خلاف ولأصلبنكم أجمعين } وهذا الوعيد المفصل، وليس في ~~الإهلاك أقوى منه، ثم إنهم أجابوا عن هذه الكلمات من وجهين: # الأول: قوله: { لا ضير إنآ إلى ربنا منقلبون } ~~والضير والمضرة واحد، وليس المراد أن ذلك وقع، وإنما عنوا بالإضافة إلى ~~ما عرفوه من دار الجزاء. # والجواب الثاني: قوله: { إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا ~~خطايانآ } وهو إشارة منهم إلى الكفر والسحر وغيرهما. والطمع في هذا ~~الموضع يحتمل اليقين، كقول إبراهيم - عليه السلام -: " والذي ~~أطمع ". ويحتمل الظن، لأن المرء لا يعلم ما سيختاره من بعد. قوله: " ~~أن كنا ". قرأ العامة بفتح " أن " أي: لأن كنا بينوا القول ~~بالإيمان وقرأ أبان بن تغلب وأبو معاذ بكسر الهمزة، وفيه وجهان: # أحدهما: أنها شرطية، والجواب محذوف لفهم المعنى، أو ms6712 متقدم عند من يجيزه. # نظيره قول القائل: " إن كنت عملت فوفني حقي " مقولة لمن يؤخر ~~جعله. # والثاني: أنها المخففة من الثقيلة، واستغني عن اللام الفارقة لإرشاد ~~المعنى إلى الثبوت دون النص كقوله: # 3902 - وإن مالك كانت كرام المعادن # وفي الحديث: " إن كان رسول (الله - صلى الله عليه وسلم) - يحب العسل " ~~أي: ليحبه. # والمعنى على الأول: لأن كنا أول المؤمنين، من الجماعة الذين حضروا ذلك ~~الموقف، أو يكون المراد: من السحرة خاصة، أو من رعية فرعون، أو من أهل ~~زمانهم. ### || [26.52-62] # قوله: { وأوحينآ إلى موسى أن أسر بعبادي }. قرىء ~~" أسر " بقطع الهمزة ووصلها. # لما ظهر من أمر موسى - عليه السلام - ما شاهدوه أمره الله أن يخرج ببني ~~إسرائيل، لما كان في المعلوم من تدبير الله وتخليصه من القوم وتمليكه ~~بلادهم وأموالهم، ولم يأمن. وقد جرت تلك الغلبة الظاهرة أن يقع في فرعون ~~ببني إسرائيل ما يؤدي إلى الاستئصال، فلذلك أمره الله تعالى أن يسري ببني ~~إسرائيل، وهم الذين آمنوا، وكانوا من قوم موسى - عليه السلام -. واعلم أن ~~في الكلام حذفا، وهو أنه أسرى بهم كما امره الله تعالى، ثم إن قوم موسى ~~قالوا لقوم فرعون: " إن لنا في هذه الليلة عيدا " ، ثم استعاروا منهم ~~حليهم بهذا السبب، ثم خرجوا بتلك الأموال في الليل إلى جانب البحر، فلما ~~سمع فرعون ذلك أرسل في المدائن حاشرين يحشرون الناس، يعني الشرط ~~ليجمعوا السحرة. وقيل: ليجمعوا له الجيش روي أنه كان له ألف مدينة واثنا ~~عشر ألف قرية. و " حاشرين " مفعول " أرسل " ثم إنه قوى نفسه ونفس ~~قومه بأن وصف قوم موسى بالذم، ووصف قوم نفسه بالمدح، أما وصفه قوم موسى - ~~عليه السلام - بالذم، فقال: { إن هؤلاء لشرذمة } [معمول ~~لقول مضمر] أي: قال: إن هؤلاء، وهذا القول يجوز أن يكون حالا، أي: ~~أرسلهم قائلا ذلك، ويجوز أن يكون مفسرا ل " أرسل ". ~~والشرذمة: الطائفة من الناس وقيل: كل بقية من شيء خسيس يقال لها: ~~شرذمة. ويقال: ثوب شراذم، أي: أخلاق، قال: # 3903 - جاء الشتاء وقميصي أخلاق ms6713 # شراذم تضحك منه الخلاق # وأنشد أبو عبيدة: # 3904 - في شراذم النعال # وجمع الشرذمة: شراذم، فذكرهم بالاسم الدال على القلة، ثم جعلهم قليلا ~~بالوصف، ثم جمع القليل فجعل كل حزب منهم قليلا، واختار جمع السلامة الذي ~~هو جمع القلة. # ويجوز أن يريد بالقلة: الذلة، لا قلة العدو، أي: إنهم لقلتهم لا يبالى ~~بهم. # قال ابن عباس: كان الشرذمة الذين قللهم فرعون ستمائة ألف مقاتل لا شاب ~~فيهم دون عشرين سنة، ولا شيخ يوفي على الستين سوى الحشم، وفرعون يقللهم ~~لكثرة من معه. وهذا الوصف قد استعمل في الكثير عند الإضافة إلى ما هو ~~أكثر منه، فروي أن فرعون خرج على فرس أدهم حصان وفي عسكره على لون فرسه ~~ثمانمائة ألف. # قوله: { وإنهم لنا لغآئظون }. يقال: غاظه وأغاظه ~~وغيظه: إذا أغضبه. والغيظ، الغضب. والمعنى: أنهم يفعلون أفعالا ~~تغيظنا. واختلفوا في تلك الأفعال. فقيل: أخذهم الحلي وغيره. وقيل: ~~خروجهم عن عبوديته. وقيل: خروجهم بغير إذنه، وقيل: مخالفتهم له في الدين. # وقيل: لأنهم لم يتخذوا فرعون إلها. # وأما وصفه قومه فهو قوله: { وإنا لجميع حاذرون }. قرأ ~~الكوفيون وابن ذكوان: " حاذرون " بألف. والباقون: " حذرون " بدونها. فقال ~~أبو عبيدة والزجاج: هما بمعنى واحد، يقال: رجل حذر وحاذر بمعنى. # وقيل: بل بينهما فرق، فالحذر: المتيقظ. والحاذر: الخائف. وقيل: الحذر: ~~المخلوق مجبولا على الحذر. والحاذر: ما عرض له ذلك. # وقيل: الحذر: المتسلح الذي له شوكة سلاح، وأنشد سيبويه في إعمال " حذر ~~" على أنه مثال مبالغة محول من حاذر قوله: # 3905 - حذر أمورا لا تضير وآمن # ما ليس منجيه من الأقدار # وزعم بعضهم أن سيبويه لما سأله: هل يحفظ شيئا في إعمال " فعل "؟ ~~صنع له هذا البيت، فعيب على سيبويه: كيف يأخذ الشواهد الموضوعة؟ # وهذا غلط، فإن هذا الشخص قد أقر على نفسه بالكذب، فلا يقدح قوله في ~~سيبويه. والذي ادعى انه صنع البيت هو الأخفش. و " حذر " يتعدى بنفسه، ~~قال تعالى: # يحذر الآخرة # [الزمر: 9]، وقال العباس بن مرداس: # 3906 - وإني حاذر أنمي سلاحي # إلى أوصال ذيال منيع # وقرأ ms6714 ابن السميفع وابن أبي عمار: " حادرون " بالدال المهملة من ~~قولهم عين حدرة، أي: عظيمة، كقولهم: # 3907 - وعين لها حدرة بدرة # والمعنى: عظيما. وقيل: الحادر: القوي الممتلىء، وحكي: رجل حادر، أي: ~~ممتلىء غيظا، ورجل حادر، أي: أحمق، كأنه ممتلىء من الحمق قال: # 3908 - أحب الغلام السوء من أجل أمه # وأبغضه من بغضها وهو حادر # ويقال أيضا رجل [حدر بزنة يقظ مبالغة في (حادر) من هذا المعنى، فصار ~~يقال] حذر وحذر وحاذر بالذال المعجمة والمهملة والمعنى مختلف. # واعلم أن الصفة إذا كانت جارية على الفعل وهو اسم الفاعل واسم المفعول ~~كالضارب والمضروب أفادت الحدوث. وإذا لم تكن كذلك وهي المشبهة [أفادت ~~الثبوت. فمن قرأ " حذرون " ] ذهب إلى معنى أنا قوم من عادتنا الحذر ~~واستعمال الحزم ومن قرأ: " حاذرون " ذهب إلى معنى: إنا قوم ما عهدنا ~~أن نحذر إلا عصرنا هذا. ومن قرأ: " حادرون " بالدال المهملة، فكأنه ~~ذهب إلى نفي أصلا، لأن الحادر هو السمين، فأراد: إنا قوم أقوياء أشداء، ~~أو أراد: إنا شاكون في السلاح. والغرض من هذه التقادير ألا يتوهم أهل ~~المدائن أنه منكسر من قوم موسى، أو خائف منهم. # قوله: " فأخرجناهم ". أي: خلقنا في قلوبهم داعية الخروج، ~~فاستلزمت الداعية الفعل، فكان الفعل مضافا إلى الله تعالى لا محالة. # وقوله: { من جنات وعيون وكنوز } أي: أخرجناهم من بساتينهم ~~التي فيها عيون الماء وكنوز الذهب والفضة. قال مجاهد: سماها كنوزا، لأنه ~~لم يعط حق الله منها، وما لم يعط الله منه فهو كنز وإن كان ظاهرا. # قوله: " ومقام ". # قرأ العامة بفتح الميم، وهو مكان القيام. وقتادة والأعرج بضمها وهو مكان ~~الإقامة. والمراد ب " الكريم ": الحسن. # قال المفسرون: هي مجالس الأمراء والرؤساء التي كانت تحفها الأتباع. # وقيل: المواضع التي كانوا [يتنعمون فيها]. # قوله: " كذلك ". فيه ثلاثة أوجه: قال الزمخشري: يحتمل ثلاثة أوجه: ~~النصب على أخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفناه والجر على أنه وصف ل " ~~مقام " أي: ومقام كريم مثل ذلك المقام الذي كان لهم، والرفع على أنه ~~خبر لمبتدأ محذوف، أي: الأمر ms6715 كذلك. قال أبو حيان: فالوجه الأول لا يسوغ، ~~لأنه يؤول إلى تشبيه الشيء بنفسه، وكذلك الوجه الثاني؛ لأن المقام الذي ~~كان لهم هو المقام الكريم، فلا يشبه الشيء بنفسه. قال شهاب الدين: وليس ~~في ذلك تشبيه الشيء بنفسه؛ لأن المراد في الأول: أخرجناهم إخراجا مثل ~~الإخراج المعروف المشهور، وكذلك الثاني. # قوله: " وأورثناها " عطف على " فأخرجناهم " أي: وأورثناها ~~بهلاكهم بني إسرائيل وذلك أن الله تعالى رد بني إسرائيل إلى مصر بعدما ~~أغرق فرعون وقومه وأعطاهم جميع ما كان لفرعون وقومه من الأموال والمساكن. # قوله: " فأتبعوهم ". قرأ العامة بقطع الهمزة من " أتبعه " أي: ~~ألحقه نفسه، فحذف الثاني. وقيل: يقال: أتبعه بمعنى " اتبعه " بوصل ~~الهمزة، أي: لحقه. # وقرأ الحسن والحارث الذماري بوصلها وتشديد التاء، وهي بمعنى ~~اللحاق. # وقوله: " مشرقين " أي: داخلين في وقت الشروق من: شرقت الشمس ~~شروقا: إذا طلعت ك " أصبح، وأمسى ": إذا دخل في هذين الوقتين. وقيل: ~~داخلين نحو المشرق ك " أنجد، وأتهم ". و " مشرقين " منصوب على ~~الحال، والظاهر أنه من الفاعل. وقيل: " مشرقين " بمعنى: مضيئين. وفي ~~التفسير: أن بني إسرائيل كانوا في نور، والقبط في ظلمة، فعلى هذا يكون " ~~مشرقين " حالا من المفعول. قال شهاب الدين: وعندي أنه يجوز أن يكون ~~حالا من الفاعل والمفعول إذا جعلنا " مشرقين ": داخلين في وقت ~~الشروق، أو في مكان المشرق، لأن كلا من القبيلين كان داخلا في ذلك ~~الزمان، أو في ذلك المكان. # قوله: { فلما تراءى الجمعان } أي: تقابلا ورأى بعضهم بعضا. ~~قرأ العامة: " تراءى " بتحقيق الهمزة. وابن وثاب والأعمش من غير همز، ~~بأن تكون الهمزة مخففة بين بين، لا بالإبدال المحض، لئلا يجتمع ثلاث ~~ألفات، الأولى الزائدة بعد الراء، والثانية المبدلة من الهمزة، والثالثة ~~لام الكلمة، لكن الثالثة لا تثبت وصلا لحذفها لالتقاء الساكنين، ثم ~~اختلف القراء في إمالة هذا الحرف فنقول: هذا الحرف إما أن يوقف عليه أو ~~لا، فإن وقف عليه فحمزة يميل ألفه الأخيرة؛ لأنها طرف منقبلة عن ياء. # ومن ضرورة إمالتها إمالة فتحة الهمزة المسهلة، لأنه إذا وقف على ms6716 مثل هذه ~~سهلها على مقتضى مذهب، وأمال الألف الأولى إتباعا لإمالة فتحة الهمزة. ~~ومن ضرورة إمالتها إمالة فتحة الراء قبلها، وهذا هو الإمالة لإمالة. ~~وغيره من القراء لا يميل شيئا من ذلك. وقياس مذهب الكسائي أن يميل الألف ~~الأخيرة، وفتحة الهمزة قبلها، وكذا نقله ابن الباذش عنه وعن حمزة. # وإن وصل فإن الألف الأخيرة تذهب لالتقاء الساكنين، ولذهابها تذهب إمالة ~~فتحة الهمزة، وتبقى إمالة الألف الزائدة، وإمالة فتحة الراء قبلها عنده ~~اعتدادا بالألف المحذوفة، وعند ذلك يقال: حذف السبب وبقي المسبب؛ لأن ~~إمالة الألف الأولى إنما كان لإمالة الألف الأخيرة [كما تقدم تقريره، وقد ~~ذهبت الأخيرة] فكان ينبغي ألا تمال الأولى لذهاب المقتضي لذلك، ولكنه ~~راعى المحذوف وجعله في قوة المنطوق؛ ولذا تجرأ عليه أبو حاتم فقالك ~~وقراءة هذا الحرف بالإمالة محال. وقد تقدم في الأنعام عند " رأى ~~القمر " و " رأى الشمس " ما يشبه هذا العمل. # قوله: " لمدركون ". العامة على سكون الدال، اسم مفعول من " ~~أدرك " أي: لملحقون. وقرأ الأعرج وعبيد بن عمرو بفتح الدال مشددة وكسر ~~الراء. # قال الزمخشري: المعنى: متتابعون في الهلاك على أيديهم، ومنه بيت ~~الحماسة: # 3909 - أبعد بني أمي الذين تتابعوا # أرجي الحياة أم من الموت أجزع # يعني: أن " ادرك " على " افتعل " لازم بمعنى فني واضمحل، يقال: ~~ادرك الشيء يدرك فهو مدرك، أي: فني متتابعا، ولذلك كسرت الراء. ~~وممن نص على كسرها أبو الفضل الرازي، قال: " وقد يكون " ادرك " على " ~~افتعل " بمعنى " أفعل " متعديا، ولو كانت القراءة من هذا لوجب فتح الراء ~~ولم يبلغني عنهما - يعني: عن الأعرج وعبيد - إلا الكسر ". # فصل # المعنى { فلما تراءى الجمعان } ، أي: رأى كل فريق صاحبه. # وقرىء " فلما تراءت الفئتان " قال أصحاب موسى: " إنا ~~[لمدركون " أي] لملحقون، وقالوا: يا موسى # أوذينا من قبل أن تأتينا # [الأعراف: 129] كانوا يذبحون أبناءنا، # ومن بعد ما جئتنا # [الأعراف: 129] يدركوننا في هذه الساعة فيقتلوننا، ولا طاقة لنا بهم، ~~فعند ذلك قال موسى ثقة بوعد الله إياه " كلا " وذلك كالمنع مما توهموه، ~~أي: لن يدركونا { إن معي ms6717 ربي سيهدين } يدلني على طريق ~~النجاة. ### || [26.63-68] # قوله: [ { فأوحينآ إلى موسى أن اضرب بعصاك ~~البحر }. لما قال موسى: # إن معي ربي سيهدين # [الشعراء: 62] بين تعالى كيف هداه ونجاه وأهلك أعداءه، فقال]: { ~~فأوحينآ إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر ~~فانفلق } ولا بد قبله من جملة محذوفة، أي: فضرب فانفلق. وزعم ابن ~~عصفور ان المحذوف إنما هو: " ضرب " وفاء: " انفلق ". وأن الفاء الموجودة ~~هي فاء " فضرب " فأبقى من كل فعل ما يدل على المحذوف، أبقى الفاء من ~~" فضرب " ليدل على " ضرب " وأبقى " انفلق " ليدل على الفاء ~~المتصلة به. # قوله: { فكان كل فرق } اختلف القراء في ترقيق راء " فرق " فروي ~~عن ورش الترقيق لأجل القاف. وقرىء: " فلق " بلام بدل الراء، لموافقة " ~~فانفلق " والطود: الجبل العظيم المتطاول في السماء. # فصل # قال ابن جريج: لما انتهى موسى إلى البحر هاجت الريح والبحر يرمي بموج ~~كالجبال قال يوشع: يا مكلم الله، أين أمرت؟ فقد غشينا فرعون والبحر ~~أمامنا، فقال موسى: ها هنا. فخاض يوشع الماء وجاز البحر ما يواري حافر ~~دابته الماء، وقال الذي يكتم إيمانه: يا مكلم الله، أين أمرت؟ قال: ~~هاهنا. فكبح فرسه بلجامه حتى طار الزبد من شدقيه، ثم أقحمه البحر فارتسب ~~في الماء، وصنع القوم مثل ذلك، فلم يقدروا، فجعل موسى لا يدري كيف يصنع، ~~فأوحى الله إليه أن اضرب بعصاك البحر، فضربه فانفلق، فإذا الرجل واقف على ~~فرسه لا يبتل سرجه ولا لبده، وهذا معجز عظيم من وجوه: # أحدها: أن تفرق ذلك الماء معجز. # وثانيها: ثبت في الخبر أنه تعالى أرسل على فرعون وقومه من الرياح ~~والظلمة ما حيرهم، فاحتبسوا القدر الذي يتكامل معه عدد بني إسرائيل، وهذا ~~معجز ثالث. # ورابعها: أن جعل الله في تلك الجدران المائية كوى ينظر بعضهم إلى بعض، ~~وهذا معجز رابع. # وخامسها: أن بقى الله تعالى تلك المسالك حتى قرب آل فرعون فطمعوا أن ~~يتخلصوا من البحر كما تخلص موسى - عليه السلام - فهو معجز خامس. # قوله: " وأزلفنا " أي: قربنا من النجاة، و " ثم " ظرف مكان ~~بعيد، ms6718 و " الآخرين " هم موسى وأصحابه. وقرأ الحسن وأبو حيوة: " ~~وزلفنا " ثلاثيا. # وقال أبو عبيدة: أزلفنا: جمعنا، ومنه: ليلة المزدلفة، أي: ليلة ~~الجمع. # وفي القصة أن جبريل كان بين بني إسرائيل وقوم فرعون، وكان يسوق بني ~~إسرائيل ويقول: ليلحق آخركم بأولكم، ويستقبل القبط، ويقول: رويدكم لكي ~~يلحق آخركم. وقرأ أبي وابن عباس وعبد الله بن الحارث بالقاف، أي: ~~أزللنا، والمراد ب " الآخرين " جعله لبني إسرائيل يبسا فيزلقهم فيه. # قوله: { وأنجينا موسى ومن معه أجمعين }. والمعنى: ~~أنه تعالى جعل البحر يبسا في حق موسى، حتى خرجوا عنه، وأغرق فرعون ومن ~~معه، لأنه لما تكامل دخولهم في البحر انطبق الماء عليهم فغرقوا. # قوله: { إن في ذلك لآية } أي: إن في الذي حدث في البحر آية ~~عجيبة من الآيات العظام الدالة على قدرة الله تعالى؛ لأن أحدا من البشر ~~لا يقدر عليه وعلى حكمته، وكون وقوعه مصلحة في الدين والدنيا، وعلى صدق ~~موسى لكونه معجزة له، وعلى التحذير عن مخالفة أمر الله ورسوله، وفيه ~~تسلية للنبي - عليه السلام - لأنه قد يغتم بتكذيب قومه مع ظهور المعجزات ~~عليه، فنبهه الله تعالى بهذا الذكر على أن له أسوة بموسى وغيره. # ثم قال: { وما كان أكثرهم مؤمنين } أي: من أهل مصر. قيل: ~~لم يكن من أهل مصر إلا آسية امرأة فرعون وحزقيل المؤمن، ومريم بنت ناموشا ~~التي دلت على عظام يوسف - (عليه السلام) - " وإن ربك هو ~~العزيز " في الانتقام من أعدائه " الرحيم " بعباده، لأنه تعالى ~~أفاض عليهم أصناف نعمه، وكان قادرا على أن يهلكهم، فدل على كمال رحمته ~~وسعة جوده وفضله. ### || [26.69-77] # قوله تعالى: { واتل عليهم نبأ إبراهيم... } الآيات. # اعلم أنه تعالى ذكر في أول السورة شدة حزن محمد - عليه السلام - ثم ذكر ~~قصة موسى ليعرف محمدا أن مثل تلك المحنة كانت حاصلة لموسى، ثم ذكر ~~عقيبها قصة إبراهيم ليعرف محمد أن حزن إبراهيم بهذا السبب كان أشد من ~~حزنه. # قوله: " إذ قال " العامل في " إذ " " نبأ " أو " اتل " قاله ~~الحوفي وهذا لا يتأتى إلا على كون ms6719 " إذ " مفعولا به. وقيل: " إذ " بدل ~~من " نبأ " بدا اشتمال، وهو يؤول إلى أن العامل فيه " اتل " بالتأويل ~~المذكور. # قوله: " وقومه " الهاء تعود على إبراهيم، لأنه المحدث عنه. # وقيل: تعود على " أبيه " لأن أقرب مذكور، أي: قال لأبيه وقوم أبيه، ~~ويؤيده: # إني أراك وقومك # [الأنعام: 74] حيث أضاف القوم إليه. # قوله " ما تعبدون " أي: أي شيء تعبدون؟ وهو يعلم أنهم عبدة ~~الأصنام، ولكنه سألهم ليريهم أن ما يعبدونه لا يستحق العبادة، كما تقول ~~(لتاجر الرقيق): ما مالك؟ وأنت تعلم أن ماله الرقيق، ثم تقول: الرقيق ~~جمال وليس بمال. # قوله: { نعبد أصناما } أتوا في الجواب بالتصريح بالفعل ليعطفوا ~~عليه قولهم: " فنظل " افتخارا بذلك، وإلا فكان قولهم: " نعبد ~~أصناما " كافيا كقوله تعالى: " قل العفو " ، " قالوا خيرا ~~". # قوله: { فنظل لها عاكفين }. العكوف: الإقامة على الشيء. قال ~~بعض العلماء: إنما قالوا: (فنظل) لأنهم يعبدونها بالنهار دون الليل، ~~يقال: ظل يفعل كذا: إذا فعل بالنهار. فقال إبراهيم - عليه السلام - ~~منبها على فساد مذهبهم: " هل يسمعونكم " لا بد من محذوف، أي: ~~يسمعون دعاءكم، أو يسمعونكم تدعون، فعلى الأول هي متعدية لواحد اتفاقا. ~~وعلى الثاني هي متعدية لاثنين قامت الجملة المقدرة مقام الثاني، وهو قول ~~الفارسي. # وعند غيره: الجملة المقدرة حال. وتقدم تحقيق القولين. # وقرأ قتادة ويحيى بن يعمر بضم الياء وكسر الميم، والمفعول الثاني: ~~محذوف، أي: يسمعونكم الجواب. # قوله: " إذ تدعون " منصوب بما قبله، فما قبله وما بعده ماضيان معنى ~~وإن كانا مستقبلين لفظا لعمل الأول في " إذ " ولعمل " إذ " في الثاني. # وقال بعضهم: " إذ " هنا بمعنى: " إذا " وقال الزمخشري: إنه على حكاية ~~الحال الماضية، ومعناه: استحضروا الأحوال التي كنتم تدعونها فيها، هل ~~سمعوكم إذا سمعوا؟ وهو أبلغ في التبكيت، وقد تقدم أنه قرىء بإدغام ذال " ~~إذ " وأظهارها في التاء. وقال ابن عطية: ويجوز فيه قياس " مذكر " ونحوه، ~~ولم يقرأ به أحد، والقياس أن يكون اللفظ به " إددعون " والذي منع من ~~هذا اللفظ اتصال الدال الأصلية في الفعل فكثرت المتماثلات، يعني: فيكون ~~اللفظ بدال مشددة مهملة، ثم ms6720 بدال ساكنة مهملة أيضا. # قال أبو حيان: وهذا لا يجوز، لأن هذا الإبدال إنما هو في تاء الافتعال ~~بعد الدال والذال والزاي نحو: ادهن، واذكر، وازدجر، وبعد جيم ~~شذوذا نحو: " اجدمعوا " في " اجتمعوا " ، وفي تاء الضمير بعد الدال ~~والزاي نحو: " فزد في فزت " و " جلد في جلدت " أو تاء " ~~تولج " قالوا فيها: " دولج " وتاء المضارعة، ليس شيئا مما ذكر ~~وقوله: " والذي منع... إلى آخره " يقتضي جوازه لو لم يوجد ما ذكر، فعلى ~~مقتضى قوله يجوز أن تقول في " إذ تخرج ": " إذ خرج " ولا يقول ~~ذلك أحد، بل يقولون: اتخرج فيدغمون الذال في التاء. # فصل # تقرير هذه الحجة التي ذكرها إبراهيم - عليه السلام - أن من عبد غيره لا ~~بد أن يلتجىء إليه في المسألة ليعرف مراده أو يسمع دعاءه، ثم يستجيب له ~~في بذل منفعة أو دفع مضرة، فقال لهم: إذا كان الذي تعبدونه لا يسمع ~~دعاءكم حتى يعرف مقصودكم، ولو عرف ذلك لما صح أن يبذل النفع أو يدفع ~~الضرر، فكيف تعبدون ما هذا صفته؟ فعند هذه الحجة الباهرة لم يجدوا ما ~~يدفعون به حجته إلا التقليد، فقالوا: { وجدنآ آبآءنا كذلك ~~يفعلون }. # وهذا من أقوى الدلائل على فساد التقليد ووجوب التمسك بالاستدلال، إذ لو ~~قلبنا الأمر فمدحنا التقليد وذممنا الاستدلال لكان ذلك مدحا لطريقة ~~الكفار التي ذمها الله، وذما لطريقة إبراهيم التي مدحها الله. # قوله: " كذلك " منصوب ب " يفعلون " أي: يفعلون مثل فعلنا، و " ~~يفعلون " في محل نصب مفعولا ثانيا ل " وجدنا ". # قوله: { أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآبآؤكم ~~الأقدمون }. أراد به أن الباطل لا يتغير بأن يكون قديما أو حديثا، ~~ولا بأن يكون في فاعليه كثرة أو قلة. # قوله: { فإنهم عدو لي } اللغة الغالبة إفراد " عدو " ~~وتذكيره، قال تعالى: # هم العدو # [المنافقون: 4] وإنما فعل به ذلك تشبيها بالمصادر نحو: " الولوع، ~~والقبول " وقد يقال: أعداء، وعدوة، وقوله: " عدو لي " على ~~أصله من غير تقدير مضاف ولا قلب، لأن العدو والصديق يجيئان في معنى ~~الوحدة والكثرة، قال الشاعر: # 3910 - وقوم على ms6721 ذوي مئرة # أراهم عدوا وكانوا صديقا # وتقدم الكلام في نظيره عند قوله: " إنا رسول ". # وقيل: المعنى: { فإنهم عدو لي } لو عبدتهم يوم القيامة، ~~كقوله: # سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا # [مريم: 82]. (وقيل: الأصنام لا تعادى لأنها جماد، والتقدير: فإن عبادهم ~~عدو لي). وقيل: بل في الكلام قلب تقديره: فإنهم عدو لهم وهذان ~~مرجوحان لاستقامة الكلام بدونهما، فإن قيل: لم قال: { فإنهم ~~عدو لي } ولم يقل فإنها عدو لكم؟ فالجواب: أنه - عليه السلام - صور ~~المسألة في نفسه، بمعنى أني فكرت في أمري فرأيت عبادتي لها عبادة للعدو ~~فاجتنبتها، وأراهم أنها نصيحة نصح بها نفسه، فإذا تفكروا وقالوا: ما ~~نصحنا إبراهيم إلا بما نصح به نفسه فيكون أدعى إلى القبول. # قوله: { إلا رب العالمين } فيه وجهان: # أحدهما: أنه منقطع، أي: لكن رب العالمين ليس بعدو لي. وقال الجرجاني: ~~فيه تقديم وتأخير، أي: أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون إلا ~~رب العالمين فإنهم عدو لي، و " إلا " بمعنى " دون، وسوى ". # والثاني: أنه متصل، وهو قول الزجاج، لأنهم كانوا يعبدون الله والأصنام، ~~فقال إبراهيم: كل من تبعدون أعداء لي إلا رب العالمين. # وقال الحسن بن الفضل: معناه: إلا من عبد رب العالمين. وقيل: معناه: ~~فإنهم غير معبود لي إلا رب العالمين. ثم وصف معبوده، وهو قوله: " الذي ~~خلقني " يجوز فيه أوجه: النصب على النعت ل " رب العالمين " ، ~~أو البدل، أو عطف البيان، أو على إضمار " أعني ". والرفع على خبر مبتدأ ~~مضمر، أي: هو الذي خلقني، أو على الابتداء. و " فهو يهدين " جملة ~~اسمية في محل رفع خبرا له. # قال الحوفي: ودخلت الفاء لما تضمنه المبتدأ من معنى الشرط. وهذا مردود. ~~لأن الموصول معين ليس عاما، ولأن الصلة لا يمكن فيها التجدد، فلم ~~يشبه الشرط وتابع أبو البقاء الحوفي، ولكنه لم يتعرض للفاء، فإن عنى ما ~~عناه الحوفي فقد تقدم ما فيه، وإن لم يعفه فيكون تابعا للأخفش في تجويزه ~~زياة الفاء في الخبر مطلقا نحو: " زيد فاضربه " وقد تقدم تجويزه. ### || [26.78-82] # واعلم أن إبراهيم ms6722 - عليه السلام - لما استثنى رب العالمين وصفه بما ~~يستحق العبادة لأجله بأوصاف: # أحدها: قوله { الذي خلقني فهو يهدين } ، وذلك لأن الله ~~تعالى أثنى على نفسه بهذين الأمرين في قوله: # الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى # [الأعلى: 2-3]. # وقال: " خلقني " بلفظ الماضي، لأن خلق الذات لا يتجدد في الدنيا، بل ~~لما وقع بقي إلى الأمد المعلوم. # وقال: " فهو يهدين " بلفظ المستقبل، لأن الهداية مما تتكرر كل ~~حين وأوان، سواء كانت تلك الهداية من المنافع الدنياوية بتمييز النافع عن ~~الضار، أو من المنافع الدينية بتمييز الحق عن الباطل والخير عن الشر. # قوله: { والذي هو يطعمني ويسقين }. يجوز أن يكون مبتدأ ~~وخبره محذوف وكذلك ما بعده، ويجوز أن تكون أوصافا ل " الذي ~~خلقني " ودخول الواو جائز، وقد تقدم تحقيقه في أول البقرة كقوله: # 3911 - إلى الملك القرم وابن الهمام # وليث الكتيبة في المزدحم # وأثبت ابن أبي إسحاق - وتروى عن عاصم أيضا - ياء المتكلم في: " ~~يسقين، ويشفين، ويحيين ". # فصل # المعنى: يرزقني ويغذوني بالطعام والشراب، ونبه بذكر الطعام والشراب على ~~ما عداهما. # قوله: { وإذا مرضت فهو يشفين } أضاف المرض إلى نفسه، وإن ~~كان المرض والشفاء كله من الله استعمالا لحسن الأدب كما قال الخضر: # فأردت أن أعيبها # [الكهف: 79]، وقال: # فأراد ربك أن يبلغآ أشدهما # [الكهف: 82]. # وأجاب ابن الخطيب بأجوبة أخر، منها: أن أكثر أسباب المرض تحدث بتفريط ~~الإنسان في مطاعمه ومشاربه وغير ذلك، ومن ثم قال الحكماء: لو قيل لأكثر ~~الموتى: ما سبب آجالكم؟ لقالوا: التخم. ومنها: أن الشفاء محبوب، وهو من ~~أصول النعم، والمرض مكروه وليس من النعم وكان مقصود إبراهيم - عليه ~~السلام - تعديد النعم، ولما لم يكن المرض من النعم لا جرم لم يضفه إلى ~~الله، فإن نقضته بالأمانة فجوابه: أن الموت ليس بضرر، لأن شرط كونه ضررا ~~وقوع الإحساس به، وحال حصول الموت لا يحصل الإحساس به، إنما الضرر في ~~مقدماته، وذلك هو عين المرض، ولأن الأرواح إذا كملت في العلوم والأخلاق ~~كان بقاؤها في هذه الأجساد عين الضرر، وخلاصتها عنها عين ms6723 السعادة (بخلاف ~~المرض). # قوله: { والذي يميتني ثم يحيين }. والمراد منه: الإماتة ~~في الدنيا والتخلص عن آفاتها، والمراد من الإحياء: المجازاة، ولذلك أدخل ~~" ثم " ههنا للتراخي، أي يميتني ويحيين في الآخرة. # قوله: { والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم ~~الدين } قرأ العامة: " خطيئتي " بالإفراد. والحسن: " خطاياي " ~~جمع تكسير. فإن قيل: لم يقال: " والذي أطمع " والطمع عبارة عن ~~الظن والرجاء، وهو عليه السلام كان قاطعا بذلك؟ فالجواب: هذا الكلام ~~يستقيم على مذهب أهل السنة، حيث قالوا: لا يجب على الله لأحد شيء، وأن ~~يحسن منه كل شيء، ولا اعتراض لأحد عليه في فعله. # وأجاب الجبائي عنه من وجهين: # الأول: أن قوله: { والذي أطمع أن يغفر لي } أراد به سائر ~~المؤمنين، لأنهم الذين يطمعون ولا يقطعون به. # والثاني: المراد من الطمع: اليقين، وهو المروي عن الحسن. # وأجاب الزمخشري بأنه إنما ذكره على هذا الوجه تعليما لأمته كيفية ~~الدعاء. # قال ابن الخطيب: وهذه وجوه ضعيفة، أما الأول فإن الله تعالى حكى الثناء ~~أولا والمدح ثانيا، ومن أول المدح إلى آخر الدعاء كلام إبراهيم - عليه ~~السلام - فجعل الشيء الواحد وهو كقوله: { والذي أطمع أن ~~يغفر لي خطيئتي يوم الدين } كلام غيره مما يبطل نظم ~~الكلام ويفسده. # وأما قوله: إن الطمع هو اليقين (فهذا) على خلاف اللغة. # وأما الثالث وهو أن المراد تعليم الأمة فباطل أيضا، لأن حاصله يرجع إلى ~~أنه كذب على نفسه لغرض تعليم الأمة، وإنه باطل أيضا. فإن قيل: لم أسند ~~إلى نفسه الخطيئة مع أن الأنبياء منزهون عن الخطايا؟ فالجواب من وجوه: # أحدها: قال مجاهد: هي قوله: # إني سقيم # [الصافات: 89] وقوله: # بل فعله كبيرهم # [الأنبياء: 63] وقوله لسارة: " هذه أختي " وزاد الحسن قوله للكوكب: # هذا ربي # [الأنعام: 76]. # قال ابن الخطيب: وهذا ضعيف، لأن نسبة الكذب إليه غير جائز. # وثانيها: أنه ذكره على سبيل التواضع وهضم النفس. # قال ابن الخطيب: وهذا ضعيف، لأنه إن كان صادقا في هذا التواضع فقد لزم ~~الإشكال، وإن كان كاذبا فحينئذ يرجع حاصل الجواب إلى إلحاق المعصية به، ~~وهو ms6724 منزه عن المعصية. # وقال: وثالثها، وهو الجواب الصحيح: أن يحمل ذلك على ترك الأولى، وقد ~~يسمى ذلك خطأ، فإن من ملك جوهرة أمكنه أن يبيعها بألف ألف دينار، فباعها ~~بدينار، وقيل: إنه أخطأ، وترك الأولى على الأنبياء جائز. # فإن قيل: ما فائدة قوله: " يغفر لي "؟ # فالجواب من وجوه: الأول: أن الأب إذا عفا عن ولده، والسيد عن عبده، ~~والزوج عن زوجته فإنما يكون ذلك طلبا للثواب، أو لحسن الثناء والمحمدة، ~~أو دفعا للألم الحاصل من الرقة الجنسية، وإذا كان كذلك لم يكن عفوه إلا ~~رعاية جانب نفسه، إما لتحصيل ما ينبغي، أو لدفع ما لا ينبغي، وأما الإله ~~سبحانه فإنه كامل بذاته فيستحيل أن تحدث له صفات كمال لم تكن، أو يزول ~~عنه نقصان كان، وإذا كان كذلك لم يكن عفوه إلا رعاية لجانب المعفو عنه. # فقوله: " يغفر لي " معناه: أن غفرانه لي ولأجلي، لا لأجل أمر عائد ~~إليه ألبتة. # وثانيها: كأنه قال: خلقتني لا لي، فإنك حين خلقتني لم أكن موجودا، فإذا ~~عفوت كان ذلك العفو لأجلي، فلما خلقتني أولا مع أني ما كنت محتاجا إلى ~~ذلك الخلق، فلأن تغفر لي وتعفو عني حال ما أكون في أشد الحاجة إلى العفو ~~والمغفرة كان أولى. # وثالثها: أن إبراهيم - عليه السلام - كان مع شدة استغراقه في المعرفة ~~شديد الفرار عن الوسائط، ولذلك لما قال له جبريل: " ألك حاجة؟ " قال: " ~~أما إليك فلا " فهاهنا قال: { أطمع أن يغفر لي خطيئتي } ~~أي: بمجرد عبوديتي واحتياجي إليك تغفر لي خطيئتي، لا أن تغفرها بواسطة ~~شفاعة شافع، فإن قيل: لم علق غفران الخطيئة بيوم الدين وإنما تغفر في ~~الدنيا؟ # فالجواب: لأن أثرها يظهر يوم الدين، وهو الآن خفي لا يعلم. ### || [26.83-89] # قوله تعالى: { رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين }. ~~لما حكى عن إبراهيم عليه السلام - ثناءه على الله - ذكر بعد ذلك دعاءه ~~ومسألته، وذلك تنبيه على أن تقديم الثناء على الدعاء من المهمات. فإن ~~قيل: لم لم يقتصر إبراهيم على الثناء ولا سيما يروى عنه ms6725 أنه قال: ~~حسبي من سؤالي علمه بحالي؟ # فالجواب: أنه عليه السلام إنما ذكر ذلك حين اشتغاله بدعوة الخلق إلى ~~الحق لأنه قال: # فإنهم عدو لي إلا رب العالمين # [الشعراء: 77] ثم ذكر الثناء، ثم ذكر الدعاء لأن الشارع لا بد له من ~~تعليم الشرع، فأما حين (ما) خلا بنفسه ولم يكن غرضه تعلم الشرع اقتصر على ~~قوله: " حسبي من سؤالي علمه بحالي " واعلم أن قوله: { رب هب لي ~~حكما وألحقني بالصالحين } أجابه الله تعالى بقوله # وإنه في الآخرة لمن الصالحين # [البقرة: 130]. # والمراد ب " الحكم ": إدراك الحق والعلم، لأن النبوة كانت حاصلة له، ~~وتحصيل الحاصل محال، وهذا قول مقاتل. وقال ابن عباس: معرفة حدود الله ~~وأحكامه. # وقال الكلبي: النبوة " وألحقني بالصالحين " من قبلي من ~~النبيين في المنزلة والدرجة. # قوله: { واجعل لي لسان صدق في الآخرين }. أي: ثناء ~~حسنا، وذكرا جميلا، وقبولا عاما في الأمم التي تجيء بعدي. قال ابن ~~عباس: أعطاه الله بقوله: # وتركنا عليه في الآخرين # [الصافات: 108] فأهل الأديان يتولونه ويثنون عليه. # قال القتيبي: وضع اللسان موضع القول على الاستعارة، لأن القول يكون به. ~~وقيل: المراد منه: أن يجعل في ذريته في آخر الزمان من يكون داعيا إلى ~~الله تعالى وذلك هو محمد - عليه السلام - فالمراد من قوله: { واجعل ~~لي لسان صدق في الآخرين } بعثه محمد - صلى الله عليه وسلم -. # قوله: { واجعلني (من ورثة جنة النعيم } ) " من ~~ورثة " إما أن يكون مفعولا ثانيا، أي: مستقرا أو كائنا من ورثة. ~~وإما أن يكون صفة لمحذوف هو المفعول الثاني، أي: وارثا من ورثة. واعلم ~~أنه لما طلب سعادة الدنيا طلب بعدها سعادة الآخرة، وهي جنة النعيم، ~~وشبهها بما يورث لأنه الذي يغتنم في الدنيا، فشبه غنيمة الآخرة بغنيمة ~~الدنيا. # قوله: { واغفر لأبي إنه كان من الضآلين }. لما فرغ ~~من طلب السعادت الدنيوية والأخروية لنفسه طلبها لأشد الناس التصاقا به، ~~وهو أبوه، وفيه وجهان: # الأول: أن المغفرة مشروط بالإسلام، وطلب المشروط متضمن لطلب الشرط، ~~فقوله " واغفر لأبي " كأنه دعاء له بالإسلام. # الثاني: أن أباه ms6726 وعده بالإسلام لقوله: # وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة ~~وعدهآ إياه # [التوبة: 114] فدعا له قبل أن يتبين له (أنه عدو لله)، كما ~~سبق في سورة التوبة. # وقيل: إن أباه قال له: إنه على دينه باطنا وعلى دين نمروذ ظاهرا ~~تقية وخوفا، فدعا له لاعتقاده أن الأمر كذلك، فلما تبين له خلاف ذلك ~~تبرأ منه ولذلك قال في دعائه: { إنه كان من الضآلين } فلولا ~~اعتقاده فيه أنه في الحال ليس بضال لما قال ذلك. # قوله: { ولا تخزني يوم يبعثون }. (قال الزمخشري): الإخزاء ~~من الخزي، وهو الهوان، ومن الخزاية، وهي الحياء. وهذه الآية تدل على أنه ~~لا يجب على الله شيء كما تقدم في قوله: { والذي أطمع أن ~~يغفر لي خطيئتي يوم الدين }. فإن قيل: لما قال أولا: { ~~واجعلني من ورثة جنة النعيم } كان كافيا عن قوله: { ~~ولا تخزني يوم يبعثون }. وأيضا فقد قال الله تعالى: # إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين # [النحل: 27] فما كان نصيب الكفار فقط كيف يخافه المعصوم؟ # فالجواب: أن حسنات الأبرار سيئات المقربين، فكذا درجات الأبرار خزي ~~المقربين، وخزي كل واحد بما يليق به. # قال الزمخشري: في (يبعثون) ضمير العباد لأنه معلوم، أو ضمير الضالين. # قوله: { يوم لا ينفع مال ولا بنون... } الآية. { يوم ~~لا ينفع } بدل من " يوم " قبله وجعل ابن عطية هذا من كلام الله تعالى ~~إلى آخر الآيات مع إعرابه { يوم لا ينفع } بدلا من { يوم ~~يبعثون }. ورده أبو حيان بأن العامل في البدل هو العامل في المبدل ~~منه آو آخر مثله مقدر. وعلى كلا هذين القولين لا يصح لاختلاف المتكلمين. ~~واعلم أن الله تعالى قد أكرمه بهذا الوصف حيث قال: # وإن من شيعته لإبراهيم إذ جآء ربه بقلب ~~سليم # [الصافات: 83-84]. # قوله: { إلا من أتى الله } فيه أوجه: # أحدها: أنه منقطع، أي { من أتى الله بقلب سليم } فإنه ~~ينفعه ذلك. # وقال الزمخشري: ولا بد مع ذلك من تقدير المضاف، وهو الحال المراد بها ~~سلامة القلب، وليست من جنس المال والبنين حتى يؤول ms6727 المعنى إلى أن البنين ~~والمال لا ينفعان، وإنما ينفع سلامة القلب، ولو لم يقدر المضاف لم يتحصل ~~للاستثناء معنى. # قال أبو حيان: ولا ضرورة تدعو إلى حذف المضاف كما ذكر. # قال شهاب الدين: إنما قدر المضاف ليتوهم دخول المستثنى في المستثنى منه ~~لأنه متى لم يتوهم ذلك لم يقع الاستثناء، ولهذا منعوا: صهلت الخيل ~~إلا الإبل. إلا بتأويل. # الثاني: أنه مفعول به لقوله: " لا ينفع " أي: لا ينفع المال ~~والبنون إلا هذا الشخص فإنه ينفعه ماله المصروف في وجوه البر وبنوه ~~الصلحاء، لأنه علمهم وأحسن إليهم. # الثالث: أنه بدل من المفعول المحذوف، أو مستثنى منه، (إذ التقدير: لا ~~ينفع مال ولا بنون أحدا من الناس إلا من كانت هذه صفته، والمستثنى منه) ~~يحذف كقوله # 3912 - ولم ينج إلا جفن سيف ومئزرا # أي: ولم ينج بشيء. # الرابع: أنه بدل من فاعل " ينفع " فيكون مرفوعا. # قال أبو البقاء: وغلب من يعقل فيكون التقدير: إلا مال من، أو بنون من ~~فإنه ينفع نفسه وغيره بالشفاعة. # قال شهاب الدين: وأبو البقاء خلط وجها بوجه، وذلك أنه إذا أردنا أن ~~نجعله بدلا من فاعل " ينفع " قلنا: فيه طريقتان: # إحداهما: طريقة التغليب، أي: غلبنا البنين على المال، فاستثنى من ~~البنين فكأنه قيل: لا ينفع البنون إلا من أتى من البنين بقلب سليم فإنه ~~ينفع نفسه بصلاحه وغيره بالشفاعة. # والطريقة الثانية: أن نقدر مضافا محذوفا قيل " من " أي: إلا مال من، ~~أو بنو من، فصارت الأوجه خمسة. ووجه الزمخشري اتصال الاستثناء بوجهين: # أحدهما: إلا حالة { من أتى الله بقلب سليم } وهو من قوله: # 3913 - تحية بينهم ضرب وجيع # وما ثوابه إلا السيف، ومثاله أن يقال: هل لزيد مال وبنون؟ فيقال: ~~ماله وبنوه سلامة قلبه، يريد نفي المال والبنين عنه، وإثبات ~~سلامة قلبه بدلا عن ذلك. # والثاني: قال: وإن شئت حملت الكلام على المعنى وجعلت المال والبنين في ~~معنى الغنى، كأنه قيل: يوم لا ينفع غنى إلا من أتى الله، لأن غنى الرجل ~~في دينه بسلامه قلبه، كما ms6728 أن غناه في دنياه بماله وبنيه. # فصل # وفي " السليم " ثلاثة أوجه: # قال ابن الخطيب: أصحها: أن المراد منه سلامه النفس عن الجهل والأخلاق ~~الرذيلة. وقيل: السليم: الخالص من الشرك والشك، فأما الذنوب فليس يسلم ~~منها أحد، وهذا قول أكثر المفسرين. وقال سعيد بن المسيب: القلب السليم هو ~~الصحيح، وهو قلب المؤمن، لأن قلب الكافر والمنافق مريض، قال الله تعالى: # في قلوبهم مرض # [البقرة: 10]. وقيل: السليم: هو اللديغ من خشية الله. وقيل: السليم: هو ~~الذي سلم وأسلم وسالم واستسلم. ### || [26.90-104] # قوله تعالى: { وأزلفت الجنة للمتقين } أي: أن الجنة ~~تكون قريبة من موقف السعداء ينظرون إليها ويفرحون بأنهم المحشورون إليها. ~~{ وبرزت الجحيم للغاوين } أي: أظهرت. # وقرأ مالك بن دينار: " وبرزت " بفتح الباء والراء خفيفة مبنيا للفاعل ~~مسندا ل " الجحيم " ، فلذلك رفع، والمراد ب " الغاوين " الكافرون. # { وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله ~~هل ينصرونكم }: يمنعونكم من العذاب بنصرتهم، أو ينفعون أنفسهم ~~بانتصارهم. # قوله: " فكبكبوا " أي: ألقوا وقلب بعضهم على بعض. قال ~~الزمخشري: الكبكبة. تكرير الكب، جعل التكرير في اللفظ دليلا على ~~التكرير في المعنى. # وقال ابن عطية نحوا منه، قال: وهو الصحيح، لأن تكرير الفعل بين ~~نحو: صر وصرصر، وهذا هو مذهب الزجاج. # وفي مثل هذا البناء ثلاثة مذاهب: # أحدها: هذا. # والثاني: وهو مذهب البصريين أن الحروف كلها أصول. # والثالث: وهو قول الكوفيين: أن الثالث مبدل من مثل الثاني: فأصل " ~~كبكب ": كبب، بثلاث باءات، ومثله " لملم، وكفكف " ، هذا ~~إذا صح المعنى بسقوط الثالث، فأما إذا لم يصح المعنى بسقوطه كانت كلها ~~أصولا من غير خلاف نحو: " سمسم، وخمخم ". وواو " كبكبوا " ~~قيل: للأصنام، إجراء لها مجرى العقلاء. وقيل: (لعابديها). # فصل # قال ابن عباس: جمعوا. وقال مجاهد: دهوروا. وقال مقاتل: قذفوا وقال ~~الزجاج: طرح بعضهم على (بعض). وقال القتيبي: ألقوا على رؤوسهم { ~~هم والغاوون } يعني: الشياطين، قاله قتادة ومقاتل. وقال الكلبي: ~~كفرة الجن. { وجنود إبليس أجمعون } أتباعه من الجن ~~والإنس. وقيل: ذريته. # قوله: { وهم فيها يختصمون } جملة حالية معترضة بين القول ~~ومعموله ms6729 ومعمول الجملة القسمية. # قوله: { إن كنا لفي }. مذهب البصريين: أن " إن " مخففة، واللام ~~فارقة. ومذهب الكوفيين: أن " إن " نافية، واللام بمعنى " إلا ". # فصل # المعنى: قال الغاوون للشياطين والمعبودين { وهم فيها يختصمون ~~} مع المعبودين، ويجادل بعضهم بعضا: { تالله إن كنا لفي ~~ضلال مبين } يذكرون ذلك حين يروا صورها على وجه الاعتراف (بالخطأ ~~العظيم وعلى) وجه الندامة لا على وجه المخاطبة، لأنها جماد لا تخاطب، ~~وأيضا فلا ذنب لها بأن عبدها غيرها. ومما يدل على أن ذلك ليس بخطاب ~~لها في الحقيقة قولهم: { ومآ أضلنآ إلا المجرمون } قوله: ~~" إذ نسويكم ". " إذ " منصوب إما ب " مبين " , وإما ~~بمحذوف, أي: ضللنا في وقت تسويتنا لكم بالله في العبادة. ويجوز ~~على ضعف أن يكون معمولا ل " ضلال " والمعنى عليه إلا أن ضعفه ~~صناعي وهو أن المصدر الموصوف لا يعمل بعد وصفه. # فصل # " نسويكم " نعدلكم " برب العالمين " فنعبدكم, " وما ~~أضلنا ": دعانا إلى الضلال " إلا المجرمون ". قال مقاتل: ~~يعني الشياطين. # وقال الكلبي: إلا أولونا الذين اقتدينا (بهم). # قوله: { فما لنا من شافعين } أي: من يشفع لنا؟ كما نرى ~~المؤمنين لهم شفعاء من الملائكة والنبيين والمؤمنين, " ولا صديق " ~~وهو الصادق في المودة بشرط الدين. قال جابر بن عبد الله: سمعت رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يقول: # " إن الرجل ليقول في الجنة: ما فعل صديقي فلان؟ ~~وصديقه في الجحيم, فيقول الله تعالى: أخرجوا له صديقه إلى ~~الجنة. فيقول من بقي: فما لنا من شافعين ولا صديق ~~حميم ". # قال الحسن: " استكثروا من الأصدقاء المؤمنين, فإن لهم شفاعة يوم القيامة ~~" والحميم: القريب, من قولهم: حامة فلان, أي: خاصته. # وقال الزمخشري: الحميم: من الاحتمام, وهو الاهتمام أو من الحامة وهي ~~الخاصة, وهو الصديق الخالص والنفي هنا يحتمل نفي الصديق من أصله, أو نفي ~~صفته فقط, فهو من باب: # 3914 - على لاحب لا يهتدى بمناره # و " الصديق " يحتمل أن يكون مفردا وأن يكون مستعملا للجمع, كما يستعمل ~~العدو له, فيقال: هم صديق, وهم عدو, وقد تقدم. وإنما جمع " الشافعين " ~~ووحد " الصديق " لكثرة ms6730 الشفعاء في العادة وقله الصديق. # قوله: { فلو أن لنا كرة } لو يجوز أن تكون المشربة ~~معنى التمني, فلا جواب لها على المشهور, ويكون نصب " فنكون " جوابا ~~للتمني الذي أفهمته " لو " ويجوز أن تكون على بابها, وجوابها ~~محذوف, أي: لوجدنا شفعاء وأصدقاء, أو لعملنا صالحا وعلى هذا فنصب ~~الفعل ب " أن " مضمرة عطفا على " كرة " أي: لو أن لنا كرة ~~(فكونا) كقولها: # 3915 - للبس عباءة وتقر عيني # فصل # قال الجبائي: قولهم: { فنكون من المؤمنين } ليس بخبر عن ~~إيمانهم, لكنه خبر عن عزمهم, لأنه لو كان خبرا عن إيمانهم لوجب أن يكون ~~صدقا, لأن الكذب لا يقع من أهل الآخرة, وقد أخبر الله تعالى بخلاف ذلك ~~في قوله: # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه # [الأنعام: 28] وقد تقدم في سور الأنعام بيان فساد هذا الكلام. # قوله: { إن في ذلك لآية } أي: فيما ذكره من قصة إبراهيم - عليه ~~السلام - لآية لمن يريد أن يستدل بذلك ثم قال: { وما كان أكثرهم ~~مؤمنين } حمله أكثر المفسرين على (قوم إبراهيم, ثم بين تعالى أن مع ~~كل هذه الدلائل فأكثر قومه لم يؤمنوا به, فيكون هذا تسلية للرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - فيما يجده) من تكذيب قومه. { وإن ربك لهو ~~العزيز الرحيم } أي: أنه قادر على تعجيل الانتقام لكنه رحيم ~~بالإمهال لكي يؤمنوا. ### || [26.105-122] # قوله تعالى: { كذبت قوم نوح المرسلين } الآيات. لما ~~قص على محمد - صلى الله عليه وسلم - خبر موسى وإبراهيم - عليهما السلام ~~- تسلية له مما يلقاه من قومه قص عليه أيضا نبأ نوح، فقد كان نبؤه أعظم ~~من نبأ غيره، لأنه دعاهم ألف سنة إلا خمسين عاما، ومع ذلك كذبه قومه. # قوله: " كذبت " إنما أنث فعل القوم لأنه مؤنث بدليل تصغير " ~~القوم " على (قويمة) وقيل: لأن القوم بمعنى أمة، ولما كانت آحاده ~~عقلاء ذكورا وإناثا عاد الضمير عليه باعتبار تغليب الذكور، فقيل: لهم ~~أخوهم. وحكى عنهم أنهم كذبوا المرسلين لوجهين: # أحدهما: أنهم وإن كذبوا نوحا لكن تكذيبه في المعنى يتضمن تكذيب غيره، ~~لأن طريقة معرفة الرسل ms6731 لا تختلف من حيث المعنى؛ لأن كل واحد من المرسلين ~~جاء بما جاء به الآخر، فلذلك حكى عنهم أنهم كذبوا المرسلين. # وثانيهما: أن قوم نوح كذبوا جميع رسل الله، إما لأنهم كانوا من الزنادقة ~~أو من البراهمة. # قوله: " أخوهم " لأنه كان منهم، من قول العرب: يا أخا بني تميم. ~~يريدون يا واحدا منهم، فهو أخوهم في النسب لا في الدين " ألا ~~تتقون " أي: عقاب الله، فحذف مفعول (تتقون). # { إني لكم رسول أمين } أي: على الوحي، وكان مشهورا فيهم ~~بالأمانة كمحمد - صلى الله عليه وسلم - في قريش، فكأنه قال: كنت أمينا ~~من قبل، فكيف تتهمونني اليوم؟ ثم قال: " فاتقوا الله " بطاعته وعبادته ~~" وأطيعون " فيما أمرتكم به من الإيمان والتوحيد، { ومآ ~~أسألكم عليه من أجر } أي: على ما أنا فيه من ادعاء ~~الرسالة. لئلا يظن به أنه دعاهم رغبة في الدنيا، ثم قال: { فاتقوا ~~الله وأطيعون }. فإن قيل: فلماذا كرر الأمر بالتقوى؟ # فالجواب: لأنه في الأول أراد: ألا تتقون مخالفتي، وأنا رسول الله، وفي ~~الثاني: ألا تتقون مخالفتي ولست آخذا منكم أجرا، فهو في المعنى مختلف، ~~ولا تكرار فيه، وقد يقول الرجل لغيره: ألا تتقي الله في عقوقي وقد ربيتك ~~صغيرا، ألا تتقي الله وقد علمتك كبيرا. وإنما قدم الأمر بتقوى الله على ~~الأمر بطاعته، لأن تقوى الله علة لطاعته، فقدم العلة على المعلول. # قوله { أنؤمن لك واتبعك الأرذلون } " واتبعك " ~~جملة حالية من كاف " لك ". # قال الزمخشري: والواو للحال، وحقها أن يضمر بعدها (قد) وقرأ ابن مسعود ~~وابن عباس وأبو حيوة: " وأتباعك " مرفوعا جمع تابع " كصاحب ~~وأصحاب " أو تبيع ك " شريف وأشراف " ، أو " تبع " ك (برم ~~وأبرام) وفي رفعه وجهان: # أحدهما: أنه مبتدأ، و " الأرذلون " خبره، والجملة حالية أيضا. # والثاني: أنه عطف على الضمير المرفوع في " نؤمن " ، وحسن ذلك ~~الفصل بالجار، و " الأرذلون " صفته. # وقرأ اليماني: " وأتباعك " بالجر عطفا على الكاف في " ذلك " ~~وهو ضعيف أو ممنوع عند البصريين، وعلى هذا فيرتفع " الأرذلون " على ~~خبر ابتداء مضمر، أي: هم الأرذلون وقد تقدم ms6732 مادة " الأرذل " في ~~هود. # فصل # الرذالة: الخسة والذلة، وإنما استرذلوهم لاتضاع نسبهم وقلة نصيبهم ~~من الدنيا. # وقيل: كانوا من أهل الصناعات الخسيسة كالحياكة والحجامة. # وهذه الشبهة في غاية الركاكة، لأن نوحا - عليه السلام - بعث إلى الخلق ~~كافة، فلا يختلف الحال بسبب الفقر والغنى وشرف المكاسب وخستها، فأجابهم ~~نوح عنه بالجواب الحق، وهو قوله: { وما علمي بما كانوا ~~يعملون } أي: ما أعلم أعمالهم وصنائعهم، وليس علي من دناءة مكاسبهم ~~وأحوالهم شيء، إنما كلفت أن أدعوهم إلى الله ولي منهم ظاهر أمرهم. # قوله: " وما علمي " يجوز في " ما " وجهان: # أظهرهما: أنها استفهامية في محل رفع بالابتداء، و " علمي " خبرها، ~~والباء متعلقة به. # والثاني: أنها نافية، والباء متعلقة ب " علمي " أيضا، قاله الحوفي. ~~ويحتاج إلى إضمار خبر ليصير الكلام به (جملة). # قوله: { إن حسابهم إلا على ربي } " إن " نافية، أي: ~~ما حسابهم إلا على ربي، ومعناه: لا نعتبر إلا الظاهر من أمرهم دون ما ~~يخفى. # قوله: " لو تشعرون " جوابها محذوف، ومفعول " تشعرون " أيضا، ~~والمعنى " لو تشعرون " تعلمون ذلك ما عبتموهم بصنائعهم. # قال الزجاج: الصناعات لا تضر في الديانات. وقيل: معناه: إني لم ~~أعلم أن الله يهديهم ويضلكم، ويوفقهم ويخذلكم. # وقرأ الأعرج وأبو زرعة: " لو يشعرون " بياء الغيبة، هو التفات، ~~ولا يحسن عوده على المؤمنين. # قوله: { ومآ أنا بطارد المؤمنين } وذلك كالدلالة على أن ~~القوم سألوه إبعادهم فبين أن الدين يمنعه عن طردهم، وقد آمنوا به، ~~وبين أن الغرض من تحمل الرسالة كونه نذيرا: فقال: { إن أنا إلا ~~نذير مبين } أي: إني أخوف من كذبني ولم يقبل مني، فمن قبل فهو ~~القريب، ومن رد فهو البعيد، فلما أجابهم بهذا الجواب لم يكن منهم إلا ~~التهديد, فقالوا: { لئن لم تنته ينوح لتكونن من ~~المرجومين }. # قال مقاتل والكلبي: من المقتولين بالحجارة. # وقال الضحاك: من المشئومين. فعند ذلك حصل اليأس لنوح من فلاحهم، وقال: { ~~رب إن قومي كذبون }. وليس الغرض منه إخبار الله تعالى ~~بالتكذيب لعلمه بأنه عالم الغيب والشهادة، ولكنه أراد: لا أدعوك عليهم ~~لما آذوني، ms6733 وإنما أدعوك لأجلك ولأجل دينك ولأنهم كذبوك في وحيك ورسالتك: ~~{ فافتح بيني وبينهم فتحا } أي: فاحكم بيني وبينهم. # و " فتحا " يجوز أن يكون مفعولا به بمعنى المفتوح، وان يكون مصدرا ~~مؤكدا. والفتاحة: الحكومة. والفتاح: الحكم، لأنه يفتح المستغلق. ~~والمراد: إنزال العقوبة عليهم لقوله عقيبه: " ونجني " ، ولولا أن ~~المراد إنزال العقوبة لما كان لذكر النجاة بعده معنى. # قوله: " ونجني " المنجى منه محذوف لفهم المعنى، أي: مما يحل ~~بقومي، و " من المؤمنين " بيان لقوله: " من معي ". # قوله: { فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون }. # قال الزمخشري: الفلك: السفينة، واحدها: فلك، قال الله تعالى: # وترى الفلك مواخر فيه # [النحل: 14] فالواحد بوزن (قفل) والجمع بوزن (أسد) والمشحون: " ~~المملوء الموقر " ، يقال: شحنها عليهم خيلا ورجالا أي ملأها ~~والشحناء: العداوة لأنهما تملأ الصدور إحنا. والفلك هنا مفرد ~~بدليل وصفه بالمفرد، وقد تقدم الكلام عليه في البقرة. # فصل # دلت الآية على أن الذين نجوا معه كان فيهم كثرة، وأن الفلك امتلأ بهم ~~وبما صحبهم من الحيوانات، ثم إنه تعالى بعد أن نجاهم أغرق الباقين فقال: ~~{ ثم أغرقنا بعد الباقين إن في ذلك لآية وما ~~كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز ~~الرحيم }. ### || [26.123-140] # قوله تعالى: { كذبت عاد المرسلين } الآية. الكلام في فاتحة ~~هذه القصة كالكلام في فاتحة قصة نوح. وقوله: " تعبثون " جملة حالية ~~من فاعل " تبنون ". والريع - بكسر الراء وفتحها -: جمع " ريعة " ~~وهو في اللغة: المكان المرتفع، قال ذو الرمة. # 3916 - طراق الخوافي مشرق فوق ريعة # ندى ليله في ريشه يترقرق # وقال أبو عبيدة: وهو الطريق، وأنشد للمسيب بن علس يصف ظعنا: # 3917 - في الآل يخفضها ويرفعها # ريع يلوح كأنه سحل # والريع - بالفتح -: ما يحصل من الخراج. # فصل # قال الوالبي عن ابن عباس: الريع: كل شرف. وقال الضحاك ومقاتل: بكل ~~طريق وهو رواية العوفي عن ابن عباس. وعن مجاهد قال: هو الفج بين جبلين ~~وعنه أيضا أنه المنظر. و " الآية ": العلم. # قال ابن عباس: كانوا يبنون بكل ريع علما يعبثون فيه بمن يمر في الطريق ~~إلى هود - عليه ms6734 السلام -. وقيل: كانوا يبنون في الأماكن المرتفعة ليعرف ~~بذلك غناهم، فنهوا عنه، ونسبوا إلى العبث. وقال سعيد بن جبير ومجاهد: هي ~~بروج الحمام، لأنهم كانوا يلعبون بالحمام. # قوله: { وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون } قال مجاهد: ~~قصورا مشيدة. # وقال الكلبي: هي الحصون. وقال قتادة: مآخذ المآء يعني: الحياض, واحدتها ~~مصنعة. " لعلكم تخلدون ". العامة على تخفيفه مبنيا للفاعل. ~~وقتادة: بالتشديد مبنيا للمفعول، ومنه قور امرىء القيس: # 3918 - وهل ينعمن إلا سعيد مخلد # قليل الهموم ما يبيت بأوجال # و " لعل " هنا على بابها. وقيل: للتعليل. ويؤيده قراءة عبد الله: " ~~كي تخلدون ". وقيل: للاستفهام، قاله زيد بن علي، وبه قال ~~الكوفيون. وقيل: معناه التشبيه، أي: كأنكم تخلدون. ويؤيده ما في حرف ~~أبي: " كأنكم تخلدون " بضم التاء مخففا ومشددا. وقرىء: " ~~كأنكم خالدون " ولم يعلم من نص عليها أنها تكون للتشبيه. ~~والمعنى: كأنكم تبقون فيها خالدين. قوله: " وإذا بطشتم " أي: وإذا ~~أردتم، وإنما احتجنا إلى تقدير الإرادة لئلا يتحد الشرط والجزاء، و " ~~جبارين " حال. واعلم أن اتخاذ الأبنية العالية يدل على حب الدنيا، ~~واتخاذ المصانع يدل على حب البقاء، والجبارية تدل على حب التفرد بالعلو، ~~وهذه صفات الإلهية وهي ممتنعة الحصول للعبد ولما ذكر هود هذه الأشياء ~~قال: { فاتقوا الله وأطيعون } زيادة في دعائهم إلى الآخرة، ~~وزجرا لهم عن حب الدنيا والاشتغال بالسرف والتجبر، ثم وصل هذا الوعظ بما ~~يؤكد القبول بأن نبههم على نعم الله تعالى عليهم فقال: { واتقوا ~~الذي أمدكم [بما تعلمون } أي: أعطاكم من الخير ما ~~تعلمون، ثم فصل ذلك الإعطاء فقال]: { أمدكم بأنعام وبنين ~~وجنات وعيون } أي: بساتين وأنهار، { إني أخاف عليكم ~~}. # قال ابن عباس: " إن عصيتموني " عذاب يوم عظيم. # قوله: " أمدكم بأنعام " فيه وجهان: # أحدهما: أن الجملة الثانية بيان للأولى وتفسير لها. # والثاني: أن " بأنعام " بدل من قوله: " بما تعلمون " بإعادة ~~العامل، كقوله: # اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا # [يس: 20-21]. # قال أبو حيان: والأكثرون لا يجعلون هذا بدلا وإنما يجعلونه تكريرا، ~~وإنما يجعلون بدلا بإعادة العامل إذا كان حرف جر ms6735 من غير إعادة متعلقه ~~نحو: " مررت بزيد بأخيك " ولا يقولون: " مررت بزيد مررت بأخيك " على ~~البدل. # قوله: { أم لم تكن من الواعظين } معادلة لقوله: " ~~أوعظت ". وإنما أتى بالمعادل كذا دون قوله: " أم لم تعظ " لتواخي ~~الفواصل. وأبدى له الزمخشري معنى فقال: وبينهما فرق، لأن المعنى: سواء ~~علينا أفلعت هذا الفعل الذي هو الوعظ أم لم تكن أصلا من أهله ومباشريه، ~~فهو أبلغ في قلة اعتدادهم بوعظه من قولك: " أم لم تعظ ". # وقرأ العامة: " أوعظت " بإظهار الظاء قبل التاء. وروي عن أبي عمرو ~~والكسائي وعاصم، وبها قرأ الأعمش وابن محيصن بالإدغام. وهي ضعيفة، لأن ~~الظاء أقوى، ولا يدغم الأقوى في الأضعف، على أنه قد جاء من هذا في القرآن ~~العزيز أشياء متواترة يجب قبولها نحو: " زحزح عن " و " لئن ~~بسطت ". # فصل # لما وعظهم ورغبهم وخوفهم أجابوه بقولهم: " سواء علينا " أي: مستو ~~عندنا أوعظت أم لم تكن من الواعظين أظهروا قلة أكتراثهم بكلامه، ثم ~~قالوا: { إن هذا إلا خلق الأولين }. قرأ ابن كثير وأبو ~~عمرو والكسائي بفتح الخاء وسكون اللام، أي: اختلاق الأولين وكذبهم، ~~كقوله: " وتخلقون إفكا " والباقون بضمتين. فقيل: معناهما: ~~الاختلاق، وهو الكذب. وكذا قرأ ابن مسعود. وقيل: عادة الأولين من قبلنا ~~حياة وموت هو خلق الأولين وعادتهم. وروى الأصمعي عن نافع، وبها قرأ أبو ~~قلابة ضم الخاء وسكون اللام، وهي تخفيف المضمومة. ثم قالوا: { وما ~~نحن بمعذبين } أظهروا بذلك تقوية نفوسهم فيما تمسكوا به من ~~إنكار المعاد، فعند هذا بين الله تعالى أنه أهلكهم، وقد سبق بيان كيفية ~~الهلاك. ### || [26.141-159] # قوله تعالى: { كذبت ثمود المرسلين } تقدم نظيره. # وقوله: { أتتركون (في ما هاهنآ } أي: أتظنون أنكم تتركون) ~~في دياركم " آمنين " وتطعمون في أنه لا دار (للمجازاة). # وقوله: { في ما هاهنآ } أي: في الذي استقر في هذا المكان من ~~النعيم، ثم فسره (بقوله: { في جنات وعيون } ). # قوله: " في جنات " بدل في " في ما ههنا " بإعادة العامل، فصل ~~بعدما أجمل كما في القصة قبلها، و " ما " موصولة وظرف المكان صلتها. # قوله: " ونخل " يجوز ms6736 أن يكون من باب ذكر الخاص بعد العام، لأن الجنات ~~تشمل النخل، ويجوز أن يكون تكريرا للشيء الواحد بلفظ آخر، فإنهم يطلقون ~~الجنة ولا يريدون إلا النخيل، قال زهير: # 3919 - كأن عيني في غربي مقتلة # من النواضح تسقي جنة سحقا # و " سحقا ": جمع سحوق، ولا يوصف به إلا النخيل. وقيل: المراد ب " ~~الجنات " غيرها من الشجر، لأن اللفظ يصلح لذلك، ثم يعطف عليها النخل. ~~والطلع الكفرى وهو: عنقود التمر قبل خروجه من الكم. وقال الزمخشري: ~~الطلع: هو الذي يطلع من النخلة كنصل السيف في جوفه شماريخ القنو والقنو: ~~هو اسم للخارج من الجذع كما هو بعرجونه، و " الهضيم ": قال ابن عباس: ~~هو اللطيف، ومنه قولهم: كشح هضيم. وروى عطية عنه: يانع. وقال عكرمة: ~~اللين. وقيل: المتراكب. قال الضحاك ومقاتل: قد ركب بعضه بعضا حتى هضم ~~بعضه بعضا، أي: كسره. # وقال أهل المعاني: هو المنضم بعضه إلى بعض في وعائه قبل أن يظهر. وقال ~~الأزهري: الهضيم: هو الداخل بعضه في بعض من النضج والنعامة. وقيل: هضيم، ~~أي: هاضم يهضم الطعام، وكل هذا للطافته. # قوله: " وتنحتون ". العامة على الخطاب وكسر الحاء. والحسن وعيسى ~~وأبو حيوة بفتحها. وعن الحسن أيضا: " تنحاتون " بألف للإشباع. وعنه ~~وعن أبي حيوة " ينحتون " بالياء من تحت، وتقدم ذلك كله في الأعراف. # قوله: " فارهين ". قرأ الكوفيون وابن ذكوان: " فارهين " بالألف، كما ~~قرءوا: " حاذرون " بها. والباقون: " فرهين " بدون ألف، كما ~~قرءوا: " حذرون " بدونها. والفراهة: النشاط والقوة. وقيل: الحذق، ~~يقال دابة فاره، ولا يقال: فارهة، وقد فره يفره فراهة و " فارهين " حال ~~من الناحتين. # فصل # من قرأ: " فرهين " قال ابن عباس: أشرين بطرين. وقال عكرمة: (ناعمين). ~~وقال مجاهد: شرهين. وقال قتادة: معجبين بصنيعكم. وقال السدي: متجبرين. ~~وقال الأخفش: فرحين، والعرب تعاقب بين الحاء والهاء مثل: مدحته ومدهته. ~~وقال الضحاك: كيسين. { فاتقوا الله وأطيعون ولا ~~تطيعوا أمر المسرفين }. # قال ابن عباس: المشركين. وقال مقاتل: هم التسعة الذين عقروا الناقة (وهم ~~الذين) يفسدون في الأرض بالمعاصي " ولا يصلحون " أي: ~~ولا يطيعون الله فيما ms6737 أمرهم به. فإن قيل: ما فائدة قوله: " ولا ~~يصلحون " مع قوله: { يفسدون في الأرض }؟ فالجواب: أن ~~فسادهم خالص ليس معه شيء من الصلاح كما يكون حال بعض المفسدين مخلوطة ~~ببعض الصلاح. ثم إن القوم أجابوه بقولهم: { إنمآ أنت من ~~المسحرين }. قال مجاهد وقتادة: من المسحورين: من المخدوعين، أي: ~~ممن سحر مرة بعد مرة. وروى أبو صالح عن ابن عباس: أي: من المخلوقين ~~المعللين بالطعام والشراب. قال المؤرج: المسحر: المخلوق بلغة بجيلة ~~يريد: أنك تأكل الطعام والشراب، أي: لست بملك، بل أنت بشر مثلنا. # والمعنى: " من المسحرين " أي: ممن له سحر، وكل دابة تأكل فهي سحرة، ~~والسحر: أعلى البطن. وعن الفراء: المسحر: من له جوف، أراد: وإنك تأكل ~~الطعام والشراب { مآ أنت إلا بشر مثلنا } فكيف تكون نبيا؟ ~~" فأت بآية " على صحة ما تقول { إن كنت من الصادقين } ~~أنك رسول الله إلينا. فقال صالح: { هذه ناقة لها شرب } ~~يجوز أن يكون الوصف وحده الجار والمجرور، وهو قوله: ( " لها شرب " ) ~~و " شرب " فاعل به لاعتماده. ويجوز أن يكون " لها شرب " صفة ل " ~~ناقة ". # وقرأ ابن أبي عبلة: " شرب " بالضم فيهما. والشرب - بالكسر - ~~النصيب من الماء كالسقي، وبالضم: المصدر. # فصل # روي أنهم قالوا: نريد ناقة عشراء تخرج من الصخرة فتلد سقبا. فتفكر ~~صالح، فقال له جبريل - عليه السلام - صل ركعتين، وسل ربك الناقة. ففعل، ~~فخرجت الناقة، وبركت بين أيديهم، وحصل سقب مثلها في العظم، ثم قال لهم ~~صالح: { هذه ناقة لها شرب } حظ ونصيب من الماء { ولكم ~~شرب يوم معلوم }. قال قتادة: كانت يوم شربها تشرب ماءهم كلهم ~~وشربهم في اليوم الذي لا تشرب هي. { ولا تمسوها بسوء } بعقر ~~أو ضرب أو غيرهما { فيأخذكم عذاب يوم عظيم } روي أن ~~مسطعا ألجأها إلى مضيق فرماها بسهم، فسقطت، ثم ضربها قدار. { ~~فعقروها فأصبحوا نادمين } على عقرها. فإن قيل: لم أخذهم ~~العذاب وقد ندموا؟ فالجواب: أن ندمهم كان عند معاينة العذاب حين لا ينفع ~~الندم. وقيل: لم يكن ندمهم ندم (التائبين، لكن ندم) (الخائفين) من العقاب ms6738 ~~العاجل. { فأخذهم العذاب إن في ذلك لآية وما كان ~~أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم ~~}. ### || [26.160-175] # قوله تعالى: { كذبت قوم لوط المرسلين } الآيات. # قوله: " من العالمين ". يحتمل عوده إلى الآتي، أي: أنتم من جملة ~~العالمين مخصوصون بهذه الصفة، وهي إتيان الذكران. (ويحتمل عوده إلى ~~المأتى، أي: أنتم اخترتم الذكران) من العالمين لا الإناث منهم. # قوله: " من أزواجكم ". يصلح أن يكون تبيينا، وأن يكون للتبعيض، ~~ويراد بما خلق العضو المباح منهن، وكانوا يفعلون مثل ذلك بنسائهم. { ~~بل أنتم قوم عادون }. معتدون مجاوزون الحلال إلى الحرام، ~~والعادي: المعتدي في ظلمه. # والمعنى: أتركبون هذه المعصية على عظمها { بل أنتم قوم عادون ~~} في جميع المعاصي { قالوا لئن لم تنته يلوط لتكونن ~~من المخرجين } أي: من جملة من أخرجناه من بلدنا، ولعلهم كانوا ~~يخرجون من أخرجوه على أسوأ الأحوال. # قوله: " لعملكم " كقوله: # إني لكما لمن الناصحين # [الأعراف: 21] وقد تقدم. وقيل: " من القالين " صفة لخبر محذوف، هذا ~~الجار متعلق به، أي: إني قال: { لعملكم من القالين } ~~المبغضين. والقلى: البغض الشديد، كأنه بغض يقلي الفؤاد والكبد. ~~وقوله " من القالين " أبلغ من أن يقول: إني لعملكم قال، كما تقول: ~~فلان من العلماء، أبلغ من قولك: فلان عالم. # ويجوز أن يراد: من الكاملين في قلاكم. (والقالي: المبغض، يقال: ~~قلاه يقليه قلى، ويقلاه، وهي شاذة، قال: # 3920 - وترمينني بالطرف أي أنت مذنب # وتقلينني لكن إياك لا أقلي # وقال آخر: # 3921 - والله ما فارقتكم عن قلى لكم # ولكن ما يقضى فسوف يكون # واسم المفعول فيه: " مقلي " والأصل: " مقلوي " فأدغم ك " ~~مرمي " قال: # 3922 - ولست بمقلي الخلال ولا قالي # وغلط بعضهم فجعل ذلك من قولهم: قلى اللحم، أي شواه، فكأنه قلى ~~كبده بالبغض ووجه الغلط أن هذا من ذوات الياء, وذاك من ذوات الواو. # يقال: قلى اللحم يقلوه قلوا، فهو قال كغاز، و " مقلو " ~~كما تقدم)، ثم دعا فقال: { رب نجني وأهلي مما يعملون ~~} من العمل الخبيث. # قال الله تعالى: " فنجيناه وأهله " من عقوبة عملهم { إلا ~~عجوزا في الغابرين } وهي امرأة ms6739 لوط، بقيت في الهلاك والعذاب، ~~فإن قيل: " في الغابرين " صفة لها، كأنه قيل: إلا عجوزا ~~(غابرة، وإن لم يكن الغبور صفتها وقت تنجيتهم؟ فالجواب: معناه: إلا ~~عجوزا) مقدرا غبورها. قيل: إنما هلكت مع من خرج من القرية بما أمطر من ~~الحجارة. { ثم دمرنا الآخرين } أي: أهلكناهم { وأمطرنا ~~عليهم مطرا فسآء مطر المنذرين } والمخصوص بالذم ~~محذوف، أي: (مطرهم) قال وهب بن منبه: الكبريت والنار. { إن في ~~ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك ~~لهو العزيز الرحيم }. # فصل # قال القاضي عبد الجبار في تفسير قوله: { وتذرون ما خلق لكم ~~ربكم من أزواجكم } دليل على بطلان الجبر من وجوه: # الأول: أنه لا يقال: " تذرون " إلا مع القدرة على خلافه، ولذلك لا ~~يقال للمرء: لم تذر الصعود إلى السماء، كما يقال: لم تذر (الدخول و) ~~الخروج. # الثاني: أنه قال: { ما خلق لكم } ولو كان الفعل لله تعالى لكان ~~الذي خلقه لهم ما خلقه فيهم وأوجبه لا ما لم يفعلوه. # الثالث: قوله تعالى: { بل أنتم قوم عادون } فإن كان تعالى ~~خلق فيهم ما كانوا يعملون، فكيف ينسبون إلى أنهم تعدوا؟ وهل يقال للأسود: ~~إنك متعد في لونك؟ وأجيب بأن حاصل هذه الوجوه يرجع إلى أن العبد لو لم ~~يكن موجدا لأفعال نفسه لما توجه المدح والذم والأمر والنهي عليه، (وليس ~~لهذه) الآية في هذا المعنى خاصية أزيد مما ورد من الأمر والنهي والمدح ~~والذم في قصة إبراهيم وموسى ونوح وسائر القصص، فكيف خص هذه القصة بهذه ~~الوجوه دون سائر القصص. وإذا ثبت أن هذه الوجوه هي ذلك الوجه المشهور ~~فالجواب عنها هما الجوابان المشهوران: # الأول: أن الله تعالى لما علم وقوع هذه الأشياء فعدمها محال، ~~لأن عدمها يستلزم انقلاب العلم جهلا، وهو محال، والمفضي إلى المحال ~~محال، وإن كان عدمها محالا كان التكليف بالترك تكليفا بالمحال. # الثاني: أن القادر لما كان قادرا على الضدين امتنع أن يرجح أحد ~~المقدورين على الآخر لا لمرجح، والمرجح: هو الداعي والإرادة، وذلك المرجح ~~مرجح محدث، فله مؤثر، وذلك ms6740 المؤثر إن كان هو العبد لزم التسلسل، وهو ~~محال، وإن كان هو الله تعالى فذاك الجبر على قولك، فثبت بهذين البرهانين ~~القاطعين سقوط ما قاله. ### || [26.176-191] # قوله تعالى: { كذب أصحاب الأيكة المرسلين }. # قرأ نافع وابن كثير وابن عامر: " ليكة " بلام واحدة وفتح التاء ~~جعلوه اسما غير معرف ب " أل " مضافا إليه " أصحاب " هنا وفي " ~~ص " خاصة. # والباقون: " الأيكة " معرفا ب " أل " موافقة لما أجمع عليه ~~في الحجر وفي " ق " وقد اضطربت أقوال الناس في القراءة الأولى، وتجرأ ~~بعضهم على قارئها. # ووجهها على ما قال أبو عبيد: أن (ليكة) اسم للقرية التي كانوا ~~فيها و (الأيكة): اسم للبلد كله. قال أبو عبيد: لا أحب مفارقة ~~الخط في شيء من القرآن إلا ما يخرج من كلام العرب وهذا ليس بخارج من ~~كلامها مع صحة المعنى في هذه الحروف، وذلك أنا وجدنا في بعض التفاسير ~~الفرق بين " ليكة " ، و " الأيكة " ، فقيل: " ليكة " هو اسم ~~للقرية التي كانوا فيها. والأيكة: البلاد كلها، فصار الفرق بينهما ~~شبيها بما بين (مكة، وبكة) ورأيتهن مع هذا في الذي يقال: إنه ~~الإمام - مصحف عثمان - مفترقان، فوجدت التي في " الحجر " والتي في " ق ~~": " الأيكة " ، ووجدت التي في " الشعراء " والتي في " ص " " ليكة ~~" ثم اجتمعت عليها مصاحف الأمصار بعد، فلا نعلمها إذا اختلفت فيها، ~~وقرأ أهل المدينة على هذا اللفظ الذي قصصنا، يعني: بغير ألف ولام، ولا ~~إجراء. انتهى ما قاله أبو عبيد. قال أبو شامة بعد نقله كلام أبي عبيدة: ~~هذه عبارته، وليست سديدة، فإن اللام موجودة في " ليكة " وصوابه: بغير ~~ألف وهمزة. قال شهاب الدين: بل هي سديدة، فإنه يعني بغير ألف ولام ~~معرفة لا مطلق لام في الجملة. # وقد تعقب قول أبي عبيد وأنكروا عليه، فقال أبو جعفر: أجمع القراء ~~على خفض التي في " الحجر " و " ق " فيجب أن يرد ما اختلف فيه إلى ما ~~اتفق عليه إذ كان المعنى واحدا, فأما ما حكاه أبو عبيد من " ليكة ": ~~اسم القرية, وأن " الأيكة ": اسم البلد كله، فشيء لا ms6741 يثبت ولا ~~يعرف من قاله ولو عرف لكان فيه نظر، لأن أهل العلم جميعا من ~~المفسرين والعالمين بكلام العرب على خلافه، ولا نعلم خلافا بين أهل ~~اللغة أن " الأيكة " الشجر الملتف. # فأما احتجاج بعض من احتج لقراءة من قرأ في هذين الموضعين بالفتح، لأنه ~~في السواد " ليكة " فلا حجة فيه، والقول فيه: إن أصله: " الأيكة " ~~ثم خففت الهمزة، فألقيت حركتها على اللام فسقطت واستغنت عن ألف الوصل، ~~لأن اللام قد تحركت فلا يجوز على هذا إلا الخفض، كما تقول: " ~~مررت بالأحمر " على تحقيق الهمزة ثم تخففها فتقول: " بلحمر " ~~، فإن شئت كتبته في الخط على ما كتبته أولا، وإن شئت كتبته بالحذف، ~~ولم يجز إلا الخفض، فلذلك لا يجوز في " الأيكة " إلا الخفض، ~~قال سيبويه: واعلم أن كل ما لم ينصرف إذا دخلته الألف واللام أو ~~أضفته (انصرف). # ولا نعلم أحدا خالف سيبويه في هذا وقال المبرد في كتاب الخط: كتبوا في ~~بعض المواضع: " كذب أصحاب ليكة } بغير ألف، لأن الألف تذهب ~~في الوصل، ولذلك غلط القارىء بالفتح فتوهم أن " ليكة " اسم شيء، وأن ~~اللام أصل فقرأ: " أصحاب ليكة ".؟ # وقال الفراء: نرى - والله أعلم - أنها كتبت في هذين الموضعين بترك ~~الهمز، فسقطت الألف لتحريك اللام. قال مكي: تعقب ابن قتيبة على أبي ~~عبيد فاختار " الأيكة " بالألف والهمزة والخفض، وقال: إنما ~~كتبت بغير ألف على تخفيف الهمز، قال: وقد أجمع الناس على ذلك، يعني: ~~في " الحجر " و " ق " فوجب أن يلحق ما في " الشعراء " و " ص " بما ~~أجمعوا عليه، فما أجمعوا عليه شاهد لما اختلفوا فيه. وقال أبو إسحاق: ~~القراءة بجر ليكة وأنت تريد " الأيكة " أجود من أن تجعلها " ~~ليكه " وتفتحها؛ لأنها لا تتصرف لأن " ليكة " لا تعرف، ~~وإنما هي " أيكة " للواحد، و " أيك " للجمع، مثل: أجمة وأجم. ~~والأيك: الشجر الملتف، فأجود القراءة فيها الكسر وإسقاط الهمزة ~~لموافقة المصحف؛ ولا أعلمه إلا قد قرىء به. # وقال الفارسي: قول من قال: " ليكة " بفتح التاء مشكل، لأنه فتح مع ~~لحاق اللام الكلمة، وهذا في ms6742 الامتناع كقول من قال: مررت بلحمر. ~~فيفتح الآخر مع لحاق لام المعرفة، وإنما كتبت " ليكة " على تخفيف ~~الهمز، والفتح لا يصح في العربية لأنه فتح حرف الإعراب في موضع الجر مع ~~لام المعرفة، فهو على قياس قول من قال: مررت بلحمر، ويبعد أن ~~يفتح نافع ذلك مع ما قال عنه ورش. يعني أن ورشا نقل عن نافع نقل ~~حركة الهمزة إلى الساكن قبلها حيث وجد بشروط مذكورة، ومن جملة ذلك ما ~~في سورة " الحجر " و " ق " لفظ " الأيكة " ، فقرأ على قاعدته في ~~السورتين بنقل الحركة وطرح الهمز وخفض التاء، فكذلك ينبغي أن يكون الحكم ~~في هذين الموضعين أيضا. # وقال الزمخشري: قرىء " أصحاب الأيكة " بالهمزة وبتخفيفها وبالجر ~~على الإضافة، وهو الوجه، ومن قرأ بالنصب وزعم أن " ليكة " بوزن: " ~~ليلة " - اسم بلد - فتوهم قاد إليه خط المصحف. # . وإنما كتبت على حكم لفظ اللافظ، كما يكتب أصحاب (النحو) لان ولاولى ~~على هذه الصورة لبيان لفظ المخفف. وقد كتبت في سائر القرآن على الأصل ~~والقصة واحدة، على " أن ليكة " اسم لا يعرف، وروي أن " ~~أصحاب الأيكة " كانوا أصحاب شجر ملتف، وكان شجرهم الدوم، ~~وهو شجر المقل. يعني أن مادة (ل ي ك) مفقودة في لسان العرب. كذا قال ~~الثقات ممن تتبع ذلك. # قال: وهذا كما نصوا على أن الخاء والذال المعجمتين لم يجامعا الجيم ~~في لغة العرب، ولذلك لم يذكرها صاحب " الصحاح " مع ذكره التفرقة المتقدمة ~~عن أبي عبيد، ولو كانت موجودة في اللغة لذكرها مع ذكره التفرقة المتقدمة ~~لشدة الاحتياج إليها. وقال الزجاج أيضا: أهل المدينة يفتحون على ما جاء ~~في التفسير أن اسم المدينة التي كان فيها شعيب ( " ليكة " ). # قال أبو علي: لو صح هذا فلم أجمع القراء على الهمز في قوله: # وإن كان أصحاب الأيكة # [الحجر: 78] في " الحجر " , و " الأيكة " التي ذكرت هاهنا هي " ~~الأيكة " التي ذكرت هناك، وقد قال ابن عباس: الأيكة: الغيضة ولم ~~يفسرها بالمدينة ولا البلد. قال شهاب الدين: وهؤلاء كلهم كأنهم زعموا ~~أن هؤلاء الأئمة الأثبات إنما ms6743 أخذوا هذه القراءة من خط المصاحف دون ~~أفواه الرجال، وكيف يظن بمثل أسن القراء وأعلاهم إسنادا، والآخذ ~~القرآن عن جملة من (جلة) الصحابة أبي الدرداء وعثمان بن عفان وغيرهما، ~~وبمثل إمام مكة - شرفها الله تعالى - وبمثل إمام المدينة، وكيف ينكر ~~على أبي عبيد قوله أو يتهم في نقله؟ ومن حفظ حجة على من لم يحفظ؛ ~~والتواتر قطعي فلا يعارض بالظني، وأما اختلاف القراءة مع اتحاد القصة ~~فلا يضر ذلك، عبر عنها تارة بالقرية خاصة وتارة بالمصر الجامع للقرى ~~كلها، الشامل هو لها، وأما تفسير ابن عباس فلا ينافي ذلك، لأنه عبر ~~عنها بما كثر فيها. # قوله: { إذ قال لهم شعيب } ولم يقل: أخوهم؛ لأنه لم يكن من ~~أصحاب الأيكة في النسب، فلما ذكر مدين قال: " أخاهم " لأنه كان منهم، ~~وكأن الله تعالى بعثه إلى قومه - أهل مدين - وإلى أصحاب الأيكة. # وفي الحديث: # " إن شعيبا أخا مدين أرسل إليهم وإلى أصحاب الأيكة ". # (قال ابن كثير: ومن زعم من المفسرين كقتادة وغيره أن أصحاب الأيكة أمة ~~أخرى غير أهل مدين فقول ضعيف، وإنما عمدتهم شيئان. # أحدهما: أنه قال: { كذب أصحاب الأيكة المرسلين إذ ~~قال لهم شعيب } ولم يقل: " أخوهم " كما قال: # وإلى مدين أخاهم شعيبا # [الأعراف: 85]. # والثاني: أنه ذكر عذابهم ب " يوم الظلة " وذكر في أولئك " ~~الرجفة والصيحة " والجواب عن الأول: أنه لم يذكر الأخوة بعد قوله: " ~~أصحاب الأيكة " لأنه وصفهم بعبادة الأيكة، فلا يناسب ذكر الأخوة ~~هاهنا، ولما نسبهم إلى القبيلة ساغ ذكر شعيب بأنه أخوهم. وأما احتجاجهم ~~ب " يوم الظلة " فإن كان دليلا على أنهم أمة أخرى فليكن تعداد ~~" الرجفة، والصيحة " دليلا على أنهما أمتان، ولا يقول أحد. # وأيضا فقد ذكر الله عن أهل الأيكة من المذمة ما ذكره عن أهل مدين من ~~التطفيف في المكيال والميزان، فدل على أنهم أمة واحدة أهلكوا بأنواع من ~~العذاب، وذكر في كل موضع ما يناسب ذلك الخطاب، فاجتمعوا تحت الظلة، ~~ورجفت بهم الأرض من تحتهم، وجاءتهم صيحة من السماء). # قوله: { أوفوا الكيل ولا ms6744 تكونوا من المخسرين } ~~الناقصين لحقوق الناس بالكيل والوزن. واعلم أن الكيل على ثلاثة أضرب: ~~واف، وطفيف، وزائد. فأمر بالواجب الذي هو الإيفاء بقوله: " أوفوا ~~الكيل " ونهى عن المحرم الذي هو التطفيف بقوله: { ولا تكونوا ~~من المخسرين } ، ولم يذكر الزائد، لأنه إن فعله فقد أحسن، وإن لم ~~يفعله فلا إثم عليه. ثم لما أمر بالإيفاء بين كيف يفعل، فقال: { ~~وزنوا بالقسطاس المستقيم }. قرىء: " بالقسطاس " ~~مضموما ومكسورا، وهو: الميزان وقيل: القرسطون { ولا تبخسوا ~~الناس أشيآءهم }. يقال بخسه حقه: إذا نقصه إياه، وهذا عام في كل ~~حق. { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } وقد تقدم. # قوله: " والجبلة " العامة على كسر الجيم والباء وشد اللام. وأبو ~~حصين والأعمش والحسن بضمهما وشد اللام. والسلمي بفتح الجيم أو كسرها ~~مع سكون الباء وهذه لغات في هذا الحرف، ومعناه: الخلق المتحد الغليظ، ~~مأخوذ من الجبل قال الشاعر: # 3923 - والموت أعظم حادث # مما يمر على الجبله # وقال الهروي: الجبل والجبل والجبل لغات، وهو الجمع الكثير ~~العدد من الناس. وقيل: " الجبلة " من قولهم: جبل على كذا، أي: ~~خلق وطبع عليه.، وسيأتي في " يس " إن شاء الله تعالى تمام الكلام ~~على ذلك عند قوله: " جبلا كثيرا ". والمراد ب " الجبلة ~~الأولين ": الأمم المتقدمين، أي: أنه المنفرد بخلقهم وخلق من ~~تقدمهم. # قوله: { قالوا إنمآ أنت من المسحرين ومآ أنت ~~إلا بشر مثلنا }. جاء في قصة هود " ما أنت " بغير واو، ~~وهاهنا بالواو. فقال الزمخشري: إذا دخلت الواو فقد قصد معنيان كلاهما ~~مخالف للرسالة عندهم: التسحير والبشرية، وأن الرسول لا يجوز أن يكون ~~مسحرا ولا بشرا، وإذا تركت الواو فلم يقصد إلا معنى واحد، وهو ~~كونه مسحرا، ثم (قرر) بكونه بشرا. # ثم قالوا: { وإن نظنك لمن الكاذبين } ومعناه ظاهر. ثم ~~إن شعيبا - عليه السلام - كان يتوعدهم بالعذاب إن لم يؤمنوا فقالوا: { ~~فأسقط علينا كسفا من السمآء } وقد تقدم كلام في " ~~كسفا " واشتقاقه في الإسراء. وإنما طلبوا ذلك لاسبتعادهم وقوعه فقال ~~شعيب: { ربي أعلم بما تعملون } أي: من نقصان الكيل ~~والوزن، وهو مجازيكم بأعمالكم، وليس ms6745 العذاب إلي، وما علي إلا الدعوة. ~~فلم يدع عليهم، بل فوض الأمر فيه إلى الله تعالى. # قوله: { فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة }. وذلك ~~أنه أخذهم حر شديد، فكانوا يدخلون الأسراب فيجدونها أشد حرا، ~~فخرجوا، فأظلتهم سحابة، وهي الظلة، فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليها ~~نارا فاحترقوا. فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إن العذاب النازل بعاد ~~وثمود وقوم لوط وغيرهم ما كان بسبب كفرهم، بل بسبب تأثيرات الكواكب ~~واتصالاتها على ما أتفق عليه المنجمون؟ وإذا قام هذا الاحتمال لم يحصل ~~الاعتبار بهذه القصص، لأن الاعتبار إنما يحصل إذا علمنا أن نزول ~~العذاب كان بسبب كفرهم، وأيضا فيحتمل أن ينزل العذاب محنة للمكلفين كما ~~قال: # ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم ~~والصابرين # [محمد: 31] وقد ابتلي المؤمنون بالبلاء العظيم في مواضع كثيرة، وإذا كان ~~كذلك لم يدل نزول البلاء بهم على كونهم مبطلين؟ فالجواب: هذا سؤال باطل، ~~لأنه يقال: ما الاتصالات التي أوجبت نجاة بني إسرائيل من البحر وأغرقت ~~فرعون وقومه في ساعة واحدة، وما الاتصالات التي أوجبت الطوفان والجراد ~~والقمل والضفادع والدم على القبط دون بني إسرائيل وهم معهم في بلد واحد، ~~وما الاتصالات التي نجت لوطا ومن معه وأهلكت قومه وهم قريب منهم، وما ~~الاتصالات التي أوجبت حمل الطير الأبابيل حجارة من سجيل ورمت بها أصحاب ~~الفيل دون غيرهم، وما الاتصالات التي فرقت البحر اثني عشر فرقا بعدد ~~أسباط بني إسرائيل، وقلبت العصا حية تسعى، وتلقفت ما صنعته السحرة، ونتقت ~~الجبل فوق بني إسرائيل كأنه ظلة، وأخرجت الناقة من الحجر، وأطفأت نار ~~إبراهيم، وكل ذلك ثابت بالتواتر لا يمكن إنكاره. # وأيضا فإن الله تعالى أنزل هذه القصص على محمد - عليه السلام - تسلية ~~له وإزالة للحزن عن قلبه. فلما أخبر الله تعالى محمدا أنه هو الذي أنزل ~~العذاب عليهم جزاء على كفرهم علم أن الأمر كذلك، وحينئذ حصل له ~~التسلي. ### || [26.192-196] # قوله تعالى: { وإنه لتنزيل رب العالمين }. الهاء تعود ~~على القرآن وإن لم يجر له ذكر للعلم به. و " تنزيل " بمعنى ~~منزل، أو ms6746 على حذف مضاف أي: ذو تنزيل، وقوله: " نزل " قرأ نافع ~~وابن كثير وأبو عمرو وحفص: " نزل " مخففا، و " الروح الأمين " ~~مرفوعان على إسناد الفعل ل " الروح " و " الأمين " نعته، والمراد به ~~جبريل. # وباقي السبعة: بالتشديد مبنيا للفاعل، وهو الله تعالى، و " الروح ~~الأمين " منصوبان على المفعول به، و " الأمين " صفته أيضا، وقرىء: " ~~نزل " مشددا مبنيا للمفعول، و " الروح الأمين " مرفوعان على ~~ما لم يسم فاعله. و " به " إما متعلق ب " نزل " أو بمحذوف على أنه ~~حال. # قوله: { على قلبك لتكون }. قال أبو حيان: الظاهر تعلق " ~~على قلبك " و " لتكون " ب " نزل ". ولم يذكر ما يقابل هذا ~~الظاهر. وأكثر ما يتخيل أنه يجوز أن يتعلقا ب " تنزيل " أي: وإنه ~~لتنزيل رب العالمين على قلبك لتكون، ولكن فيه ضعف من حيث الفصل بين ~~المصدر ومعموله بجملة: { نزل به الروح }. # وقد يجاب عنه بوجهين: # أحدهما: أن هذه الجملة اعتراضية، وفيها تأكيد وتشديد، فليست بأجنبية. # والثاني: الاغتفار في الظرف وعديله. وعلى هذا فلا يبعد أن يجيء في ~~المسألة باب الإعمال، فإن كلا من " تنزيل " و " نزل " يطلب هذين ~~الجارين. # فصل # لما ذكر قصص الأنبياء لمحمد - عليه السلام - أتبعه بما يدل على نبوته ~~فقال: { وإنه لتنزيل رب العالمين } لأنه لفصاحته معجز ~~فيكون من رب العالمين. وأيضا فلأنه إخبار عن الأمم الماضية من غير تعلم ~~ألبتة، وذلك إلا بوحي من الله تعالى. وأيضا فقوله { وإنه لفي ~~زبر الأولين } مؤكد لما ذكرنا، لأن ذكر هذه القصص على ما هي في ~~زبر الأولين من غير تفاوت أصلا مع أنه لم يشتغل بالتعلم والاستفادة دليل ~~على أنه ليس إلا من عند الله، { نزل به الروح الأمين } على ~~قلبك يا محمد، أي: فهمك إياه وأثبته في قلبك كي لا تنساه كقوله: # سنقرئك فلا تنسى # [الأعلى: 6] { لتكون من المنذرين }: المخوفين. وسمي جبريل ~~روحا، لأنه خلق من الروح. وقيل: لأنه نجاة الخلق في باب الدين، فهو ~~كالروح التي تستتبع الحياة. وقيل: لأنه روح كله، لا كالناس في أبدانهم ~~روح. وسماه أمينا لأنه ms6747 مؤتمن على ما يؤديه للأنبياء - (عليهم السلام) -. # فصل # روي أن جبريل - عليه السلام - نزل على آدم - عليه السلام - اثنا عشرة ~~مرة، وعلى إدريس أربع مرات، وعلى نوح خمسين مرة، وعلى إبراهيم اثنتين ~~وأربعين مرة، وعلى موسى أربعمائة مرة، وعلى عيسى عشر مرات وعلى محمد - ~~عليه السلام - أربع عشرة ألف مرة. # فإن قيل: لم قال: " على قلبك " وهو إنما أنزل عليه؟ # فالجواب: ليؤكد أن ذلك المنزل محفوظ للرسول متمكن من قبله لا يجوز عليه ~~التغيير، ولأن القلب هو المخاطب في الحقيقة لأنه موضع التمييز ~~والاختيار، وأما سائر الأعضاء فمسخرة له، ويدل على ذلك القرآن والحديث ~~والمعقول، أما القرآن فقوله تعالى: # نزله على قلبك # [البقرة: 97]، { نزل به الروح الأمين على قلبك } ، # إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب # [ق: 37] واستحقاق الجزاء ليس إلا على ما في القلب، قال تعالى: # لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن ~~يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم # [البقرة: 225] # لن ينال الله لحومها ولا دمآؤها ولكن يناله ~~التقوى منكم # [الحج: 37] والتقوى في القلب لقوله تعالى: # أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى # [الحجرات: 3] وقوله: # وحصل ما في الصدور # [العاديات: 10]. وحكى عن أهل النار قولهم: # لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب ~~السعير # [الملك: 10] والعقل في القلب، والسمع منفذ إليه، وقال: # إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان ~~عنه مسؤولا # [الإسراء: 36] والسمع والبصر لا يستفاد منهما إلا ما يؤديانه إلى القلب، ~~وقال: # يعلم خآئنة الأعين وما تخفي الصدور # [غافر: 19] ولم تخن الأعين إلا بما تضمر القلوب إلى غير ذلك من الآيات. # وأما الحديث فقوله - عليه السلام -: # " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد ~~كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب ~~". # وأما المعقول فإن القلب إذا غشي عليه، فإذا قطع سائر الأعضاء لم يحصل ~~به الشعور، وإذا أفاق القلب شعر بجميع ما ينزل بالأعضاء من الآفات. # وأيضا فإذا فرح القلب أو حزن فإنه يتغير حال الأعضاء عند ذلك. وأيضا ~~فإن القلب منبع المشيئات الباعثة على الأفعال ms6748 الصادر عن سائر الأعضاء. # قوله: " بلسان عربي ". يجوز أن يتعلق ب " المنذرين " أي: ~~لتكون من الذين أنذروا بهذا اللسان العربي، وهم: هود، وصالح، وشعيب، ~~وإسماعيل، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - (و) يجوز أن يتعلق ب " نزل ~~" أي: نزل باللسان العربي لتنذر به، لأنه لو نزل بالأعجمي لقالوا: لم نزل ~~علينا ما لا نفهمه؟ وجوز أبو البقاء أن يكون بدلا من " به " بإعادة ~~العامل، قال: أي نزل بلسان عربي، أي: برسالة أو لغة. قال ابن عباس: بلسان ~~قريش ليفهموا ما فيه. # قوله: { وإنه لفي زبر الأولين }. أي: وإن القرآن. وقيل: ~~وإن محمدا ونعته { لفي زبر الأولين } أي: كتب الأولين. وقيل: ~~المراد وجوه التخويف، لأن ذكر هذه الأشياء بأسرها قد تقدم، وفيه التفات، ~~إذ لو جرى على ما تقدم لقيل: " وإنك لفي زبر ". وقرأ الأعمش: " زبر " ~~بسكون الباء، وهي مخففة من المشهورة. ### || [26.197-204] # قوله: { أو لم يكن لهم آية }. قرأ ابن عامر " تكن " ~~بالتاء من فوقه " آية " بالرفع. والباقون " يكن " بالياء من تحت " ~~آية " بالنصب. وابن عباس: " تكن " بالتاء من فوق " آية " بالنصب. ~~فأما قراءة ابن عامر فتكون يحتمل أن تكون تامة، وأن تكون ناقصة. فإن كانت ~~تامة جاز أن يكون " لهم " متعلقا بها، و " آية " فاعلا بها، و " ~~أن يعلمه " إما بدل من " آية " وإما خبر مبتدأ مضمر، أي: أو لم ~~تحدث لهم علامة علم علماء بني إسرائيل. وإن كانت ناقصة جاز فيها أربعة ~~أوجه: # أحدها: أن يكون اسمها مضمرا فيها بمعنى القصة، و { آية أن ~~يعلمه } جملة قدم فيها الخبر واقعة موقع خبر " تكن ". # الثاني: أن يكون اسمها ضمير القصة أيضا و " لهم " خبر مقدم، و " ~~آية " مبتدأ مؤخر، والجملة خبر " تكن " ، و " أن يعلمه " إما ~~بدل من " آية " وإما خبر مبتدأ مضمر، أي: أن يعلمه. # الثالث: أن يكون " لهم " خبر " تكن " مقدما على اسمها، و " آية ~~" اسمها، و " أن يعلمه " على الوجهين المتقدمين: البدلية، وخبر ~~ابتداء مضمر. # الرابع: أن تكون " آية " اسمها، و " أن يعلمه " خبرها. وقد ~~اعترض هذا ms6749 بأنه يلزم جعل الاسم نكرة والخبر معرفة وقد نص بعضهم على أنه ~~ضرورة كقوله: # 3924 - ولا يك موقف منك الوداعا # وقوله: # 3925 - يكون مزاجها عسل وماء # وقد اعتذر عن ذلك بأن " آية " قد تخصصت بقوله: " لهم " فإنه حال ~~منها، والحال صفة، وبأن تعريف الخبر ضعيف لعمومه. وهو اعتذار باطل، ولا ~~ضرورة تدعو إلى هذا التخريج، بل التخريج ما تقدم. وأما قراءة الباقين ~~فواضحة جدا، ف " آية " خبر مقدم، و " أن يعلمه " اسمها مؤخر، ~~و " لهم " متعلق ب " آية " حالا من " آية ". وأما قراءة ابن عباس ~~كقراءة: # ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا # [الأنعام: 23]، وكقول لبيد: # 3926 - فمضى وقدمها وكانت عادة # منه إذا هي عردت أقدامها # إما لتأنيث الاسم لتأنيث (الخبر)، وإما لأنه بمعنى المؤنث، ألا ترى أن ~~" أن يعلمه " في قوة المعرفة، و { إلا أن قالوا } في قوة ~~مقالتهم، وإقدامها بإقدامتها. # وقرأ الجحدري: " أن تعلمه " بالتاء من فوق، شبه البنين بجمع ~~التكسير في تغير واحده صورة، فعامل فعله المسند إليه معاملة فعله في ~~لحاق علامة التأنيث، وهذا كقوله: # 3927 - قالت بنو عامر خالوا بني أسد # يا بؤس للجهل ضرارا لأقوام # وكتبوا في الرسم الكريم: " علمواء " بواو بين الميم والألف. قيل: هو ~~على لغة من يميل الألف نحو الواو، وهذا كما فعل في " الصلاة والزكاة ~~". # فصل # المعنى: أو لم يكن لهؤلاء المنكرين علم بني إسرائيل علامة ودلالة على ~~نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - لأن العلماء الذين كانوا من بني ~~إسرائيل كانوا يخبرون بوجود ذكره في كتبهم، كعبد الله بن سلام، وابن ~~يامين، وثعلبة، وأسد، وأسيد. قال ابن عباس: بعث أهل مكة إلى اليهود ~~بالمدينة فسألوهم عن محمد - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: إن هذا ~~لزمانه، وإنا لنجد في التوراة نعته وصفته، فكان ذلك آية على صدقه. # قوله: { ولو نزلناه على بعض الأعجمين }. قال صاحب ~~التحرير: الأعجمين: جمع أعجمي بالتخفيف، ولولا هذا التقدير لم يجز أن ~~يجمع جمع سلامة. # قال شهاب الدين: وكأن سبب منع جمعه أنه من باب: أفعل ms6750 فعلاء، ك " ~~أحمر حمراء ". والبصريون لا يجيزون جمعه جمع سلامة إلا ضرورة، ~~كقوله: # 3928 - حلائل أسودين وأحمرينا # فلذلك قدره منسوبا مخفف الياء. وقد جعله ابن عطية " أعجم " فقال: ~~الأعجمون: جمع أعجم، وهو الذي لا يفصح وإن كان عربي النسب يقال له: أعجم، ~~وذلك يقال للحيوانات، ومنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: # " العجماء جبار " # وأسند الطبري عن عبد الله بن مطيع أنه كان واقفا بعرفة وتحته جمل، ~~فقال: جملي هذا أعجم، ولو أنه أنزل عليه ما كانوا يؤمنون. # والعجمي: هو الذي نسبته في العجم وإن كان أفصح الناس. # وقال الزمخشري: الأعجم: الذي لا يفصح، وفي لسانه عجمة واستعجام، ~~والأعجمي مثله إلا أن فيه زيادة ياء النسب توكيدا. وتقدم نحو من هذا ~~في سورة النحل وقد صرح أبو البقاء بمنع أن يكون " الأعجمين " جمع ~~أعجم، وإنما هو جمع أعجمي مخففا من " أعجمي " " كالأشعرون " ~~في الأشعري. قال: " الأعجمين " الأعجميين، فحذف ياء النسب، كما ~~قالوا: (الأشعرون أي): الأشعريون، وواحده (أعجمي) ولا ~~يجوز أن يكون جمع (أعجم) لأن مؤنثه (عجماء)، ومثل هذا لا يجمع ~~جمع التصحيح. قال شهاب الدين: وفيما قاله ابن عطية نظر، وأما الزمخشري ~~فليس في كلامه أنه جمع (أعجم) مخففا أو غير مخفف، وإن كان ظاهره أنه ~~جمع (أعجم) من غير تخفيف، ولكن الذي قاله ابن عطية تبع فيه الفراء فإنه ~~قال: الأعجمين: جمع (أعجم) أو (أعجمي) على حذف ياء النسب، كما ~~قالوا: الأشعرين وواحدهم. (أشعري) وأنشد للكميت: # 3929 - ولو جهزت قافية شرودا # لقد دخلت بيوت الأشعرينا # لكن الفراء لا يضره ذلك، فإنه من الكوفيين، وقد تقدم عنهم أنهم يجيزون ~~جمع (أفعل فعلاء). وقرأ الحسن وابن مقسم: " الأعجميين " ~~بياء النسب - وهي مؤيدة لتخفيفه منه في قراءة العامة. # فصل # قوله " ولو نزلناه " يعني: القرآن على رجل ليس بعربي اللسان " ~~فقرأه عليهم " بغير لغة العرب { ما كانوا به مؤمنين ~~} وقالوا ما نفقه قولك، وجعلوه عذرا لجحودهم، ونظيره: # ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت ~~آياته # [فصلت: 44]. # وقيل: معناه: ولو أنزلناه على رجل ليس ms6751 من العرب لما آمنوا به أنفة من ~~اتباعه. # قوله: " كذلك سلكناه " أي: قيل ذلك، أو الأمر كذلك. والضمير في ~~" سلكناه " عائد على القرآن، وهو الظاهر، أي: سلكناه في قلوب ~~المجرمين (كما سلكناه في قلوب المؤمنين)، ومع ذلك لم ينجع فيهم. وقال ابن ~~عباس والحسن ومجاهد: أدخلنا الشرك والتكذيب في قلوب المجرمين. # وهذه الآية تدل على أن الكل بقضاء الله وخلقه. قال الزمخشري: أراد به ~~أنه صار ذلك التكذيب متمكنا في قلوبهم أشد التمكن، فصار ذلك كالشيء ~~الجبلي. # والجواب: أنه إما أن يكون قد فعل الله تعالى فيهم ما يقتضي الترجيح أم ~~لا، فإن كان الأول فقد دللنا في سورة الأنعام على أن الترجيح لا يتحقق ~~ما لم يثب إلى حد الوجوب، وحينئذ يحصل المقصود، وإن لم يفعل فيهم ما ~~يقتضي الترجيح البتة امتنع قوله: " كذلك سلكناه ". # قوله: { لا يؤمنون به } في الجملة وجهان: # أحدهما: الاستئناف على جهة البيان والإيضاح لما قبله. # والثاني: أنها حال من الضمير في " سلكناه " أي: غير مؤمن به. # ويجوز أن يكون حالا من " المجرمين " لأن المضاف جزء من المضاف ~~إليه { حتى يروا العذاب الأليم } يعني: الموت. # قوله: " فيأتيهم " و " فيقولوا " عطف على " يروا ". # وقرأ العامة بالياء من تحت. والحسن وعيسى بالتاء من فوق. # أنث ضمير العذاب. لأنه في معنى العقوبة. وقال الزمخشري: أنث على أن ~~الفاعل ضمير الساعة. قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى التعقيب في قوله: " ~~فيأتيهم "؟ قلت: ليس المعنى التعقيب في الوجود، بل المعنى ~~ترتبها في الشدة، كأنه قيل: لا يؤمنون بالقرآن حتى تكون رؤيتهم العذاب ~~أشد منها، ومثال ذلك أن تقول: إن أسأت مقتك الصالحون ~~فمقتك الله فإنك لا تقصد أن مقت الله بعد مقت ~~الصالحين، وإنما قصدك إلى ترتيب شدة الأمر على المسيء. # وقرأ الحسن: " بغتة " بفتح الغين. # فصل # المعنى: يأتيهم العذاب " بغتة " أي: فجأة { وهم لا ~~يشعرون } به في الدنيا، { فيقولوا هل نحن منظرون } ~~أي: لنؤمن ونصدق، يتمنون الرجعة والنظرة، وإنما يقولون ذلك استراوحا عند ~~تعذر الخلاص، لأنهم يعلمون في الآخرة ms6752 ألا ملجأ لهم. قال مقاتل: لما ~~وعدهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالعذاب قالوا: إلى متى توعدنا ~~بالعذاب؟ ومتى هذا العذاب؟ قال الله تعالى: { أفبعذابنا ~~يستعجلون }. ### || [26.205-209] # قوله: " أفرأيت " تقدم تحقيقه وقد تنازع " أفرأيت " و " ~~جاءهم " في قوله: { ما كانوا يمتعون } فإن أعملت الثاني ~~وهو " جاءهم " رفعت به " ما كانوا " فاعلا به، ومفعول " ~~أرأيت " الأول ضميره، ولكنه حذف، والمفعول الثاني هو الجملة ~~الاستفهامية في قوله: { مآ أغنى عنهم } ، ولا بد من رابط بين ~~هذه الجملة وبين المفعول الأول المحذوف، وهو مقدر تقديره: أفرأيت ما ~~كانوا يوعدون ما أغنى عنهم تمتعهم حين حل، أي: الموعود به، ودل على ~~ذلك قوة الكلام. # وإن أعملت الأول نصبت به { ما كانوا يوعدون } وأضمرت في " ~~جاءهم " ضميره فاعلا به، والجملة الاستفهامية مفعول ثان أيضا، ~~والعائد مقدر على ما تقرر في الوجه قبله، والشرط معترض، وجوابه محذوف، ~~وهذا كله مفهوم مما تقدم في سورة الأنعام وإنما ذكرناه هنا لأنه تقدير ~~(عسر يحتاج) إلى تأمل. وهذا كله إنما يتأتى على قولنا: " ما " ~~استفهامية، ولا يضير تفسيرهم لها بالنفي، فإن الاستفهام قد يرد بمعنى ~~النفي. وأما إذا جعلتها نافية حرفا، كما قاله أبو البقاء فلا يتأتي ذلك، ~~لأن مفعول " أرأيت " الثاني لا يكون إلا جملة استفهامية كما تقرر. ~~قوله: { أفرأيت إن متعناهم سنين } كثيرة في الدنيا، ~~يعني كفار مكة، ولم نهلكهم { ثم جآءهم ما كانوا يوعدون } ~~يعني: العذاب { مآ أغنى عنهم ما كانوا يمتعون } في ~~تلك السنين، أي: إنهم وإن طال تمتعهم بنعم الدنيا، فإذا أتاهم العذاب لم ~~يغن طول التمتع عنهم شيئا، ويكون كأنهم لم يكونوا في نعيم قط. # قوله: { مآ أغنى عنهم } يجوز أن تكون " ما " استفهامية في محل ~~نصب مفعولا مقدما، و " ما كانوا " هو الفاعل، و " ما " مصدرية ~~بمعنى: أي شيء أغنى عنهم كونهم متمتعين. وأن تكون نافية، والمفعول ~~محذوف، أي: لم يغن عنهم تمتعهم شيئا. وقرىء " يمتعون " بإسكان ~~الميم وتخفيف التاء من: أمتع الله زيدا بكذا. # قوله: { إلا لها منذرون } يجوز أن تكون ms6753 الجملة صفة ل " ~~قرية " وأن تكون حالا منها. وسوغ ذلك سبق النفي. وقال الزمخشري: فإن ~~قلت: كيف عزلت الواو عن الجملة بعد " إلا " ولم تعزل عنها في قوله: # ومآ أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم # [الحجر: 4]؟ قلت: الأصل عزل الواو، لأن الجملة صفة ل " قرية " ~~وإذا زيدت فلتأكيد وصل الصفة بالموصوف، كما في قوله: # سبعة وثامنهم كلبهم # [الكهف: 22]. قال أبو حيان: ولو قدرنا " لها منذرون " جملة لم ~~يجز أن تجيء صفة بعد (إلا)، ومذهب الجمهور أنه لا تجيء الصفة بعد " ~~إلا " معتمدة على أداة الاستثناء، نحو: ما جاءني أحد إلا ~~راكب، وإذا سمع مثل هذا خرجوه على البدل، أي: إلا رجل راكب، ويدل ~~على صحة هذا المذهب أن العرب تقول: ما مررت بأحد إلا قائما ولا ~~يحفظ عنهم " إلا قائم " يعني: بالجر، فلو كانت الجملة صفة بعد " ~~إلا " (لسمع الجر) في هذا. # وأيضا فلو كانت الجملة صفة للنكرة لجاز أن تقع صفة المعرفة بعد " ~~إلا ". يعني نحو: ما مررت بزيد إلا العاقل. # ثم قال: فإن كانت الصفة غير معتمدة على الأداة جاءت الصفة بعد " إلا " ~~نحو: ما جاءني أحد إلا زيد خير من عمرو، والتقدير: ما جاءني أحد ~~خير من عمرو إلا زيد. # وأما كون الواو تزاد لتأكيد وصل الصفة بالموصوف فغير معهود في عبارة ~~النحويين، لو قلت: جاءني رجل وعاقل. لم يجز، وإنما تدخل الواو في ~~الصفات جوازا إذا عطف بعضها على بعض وتغاير مدلولها، نحو: " مررت ~~بزيد الشجاع والشاعر ". وأما # وثامنهم كلبهم # [الكهف: 22] فتقدم الكلام عليه. # قال شهاب الدين: أما كون الصفة لا تقع بعد (إلا) معتمدة فالزمخشري ~~يختار غير هذا، فإنها مسألة خلافية، وأما كونه لم يقل (إلا قائما) ~~بالنصب دون " قائم " بالجر فذلك على أحد الجائزين، وليس فيه دليل على ~~المنع من قسيمه. وأما قوله: فغير معهود في كلام النحويين. فممنوع، هذا ~~ابن جني نص عليه في بعض كتبه، وأما إلزامه أنها لو كانت الجملة صفة ~~بعد (إلا) للنكرة، لجاز أن تقع صفة المعرفة بعد ms6754 (إلا) فغير لازم، ~~لأن ذلك مختص بكون الصفة جملة، وإذا كانت جملة تعذر كونها صفة للمعرفة، ~~وإنما اختص ذلك بكون الصفة جملة، لأنها لتأكيد وصل الصفة والتأكيد لائق ~~بالجمل. # وأما قوله: لو قلت: جاءني رجل وعاقل. لم يجز، فمسلم، ولكن إنما ~~امتنع ذلك في الصفة المفردة لئلا يلبس أإن الجائي اثنان: رجل وآخر ~~عاقل، بخلاف كونها جملة فإن اللبس منتف، وقد تقدم (الكلام في) # سبعة وثامنهم # الكهف: 22]. # قوله: " ذكرى " يجوز فيها أوجه: # أحدها: أنها مفعول من أجله، وإذا كانت مفعولا من أجله ففي العامل فيها ~~وجهان: أحدهما: " منذرون " على أن المعنى: منذرون لأجل الموعظة ~~والتذكرة. # الثاني: " أهلكنا ". # قال الزمخشري: والمعنى: وما أهلكنا من أهل قرية ظالمين إلا ~~بعد ما ألزمناهم الحجة بإرسال المنذرين إليهم، ليكون تذكرة وعبرة ~~لغيرهم، فلا يعصون مثل عصيانهم: ثم قال: وهذا الوجه عليه المعول. قال ~~أبو حيان: وهذا لا معول عليه، فإن مذهب الجمهور أن ما قبل إلا لا ~~يعمل فيما بعدها إلا أن يكون مستثنى أو مستثنى منه، أو تابعا له غير ~~معتمد على الأداة نحو: ما مررت بأحد إلا زيد خير من عمرو. # والمفعول له ليس واحدا من هذه. # ويتخرج مذهبه على مذهب الكسائي والأخفش، وإن كانا لم ينصا على ~~المفعول له بخصوصيته. قال شهاب الدين: والجواب ما تقدم قبل ذلك من أنه ~~يختار مذهب الأخفش. # الثاني من الأوجه الأول: أنها في محل رفع خبرا لمبتدأ محذوف، أي: هذه ~~ذكرى، وتكون الجملة اعتراضية. # الثالث: أنها صفة ل " منذرون " إما على المبالغة، وإما على ~~الحذف، أي: منذرون ذوو ذكرى، أو على وقوع المصدر وقوع اسم الفاعل. ~~أي: منذرون مذكرون. وتقدم تقريره. # الرابع: أنها ي محل نصب على الحال، اي: مذكرين، أو ذوي ذكرى، أو جعلوا ~~نفس الذكرى مبالغة. # الخامس: أنها منصوبة على المصدر المؤكد، وفي العامل فيها حينئذ وجهان: # أحدهما: لفظ " منذرون " لأنه من معناها، فهما ك (قعدت ~~جلوسا). # والثاني: أنه محذوف من لفظها، أي: يذكرون ذكرى، وذلك المحذوف صفة ~~ل " منذرون ". # قوله: { وما كنا ms6755 ظالمين } في تعذيبهم، حيث قدمنا الحجة عليهم، ~~وأعذرنا إليه، أو: ما كنا ظالمين فنهلك قوما غير ظالمين. ### || [26.210-213] # قوله: { وما تنزلت به الشياطين }. العامة على الياء ورفع ~~النون، وهو جمع تكسير. # وقرأ الحسن البصري وابن السميفع والأعمش بالواو مكان الياء والنون ~~مفتوحة، إجراء له مجرى جمع السلامة وهذه القراءة (قد ردها) جمع كثير ~~من النحويين. # قال الفراء: غلط الشيخ، ظن أنها النون التي على هجائين. فقال ~~النضر بن شميل: إن جاز أن يحتج بقول العجاج ورؤبة فهلا جاز أن يحتج ~~بقول الحسن وصاحبه - يعني: محمد بن السميفع - مع أنا نعلم أنهما لم يقرآ ~~به إلا وقد سمعا فيه. وقال النحاس: هو غلظ عند جميع النحويين. # وقال المهدوي: هو غير جائز في العربية. وقال أبو حاتم: هي غلط منه أو ~~عليه. وقد أثبت هذه القراءة جماعة من أهل العلم ودفعوا عنها الغلط، فإن ~~القارىء بها من العلم بمكان مكين. وأجابوا عنها بأجوبة صالحة. # فقال النضر بن شميل: قال يونس بن حبيب: سمعت أعرابيا يقول: دخلت بساتين ~~من ورائها بساتون. فقلت: ما أشبه هذا بقراءة الحسن. # وخرجها بعضهم على أنها جمع (شياط) بالتشديد، مثال مبالغة. مثل: ~~(ضراب وقتال) على أن يكون مشتقا من: شاط يشيط، أي: أحرق، ثم ~~جمع جمع سلامة مع تخفيف الياء، فوزنه: (فعالون) مخففا من ~~(فعالين) بتشديد العين. # ويدل على ذلك أنهما وغيرهما قرءوا بذلك، أعني: بتشديد الياء، وهذا ~~منقول عن مؤرج السدوسي. ووجهها آخرون بأن (آخره لما) كان يشبه ~~يبرين، وفلسطين، أجري إعرابه تارة على النون، وتارة بالحرف، كما قالوا: ~~هذه يبرين وفلسطين ويبرون وفلسطون، وتقدم القول في ذلك في البقرة. والهاء ~~في " به " تعود على القرآن. وجاءت هذه الجمل الثلاثة منفية على أحسن ~~ترتيب، نفى أولا تنزيل الشياطين به، لأن النفي في الغالب يكون في ~~الممكن، وإن كان الإمكان هنا منتفيا ثم نفى ثانيا ابتغاء ذلك، أي: ولو ~~فرض الإمكان لم يكونوا أهلا له. ثم نفى ثالثا الاستطاعة والقدرة، ثم ~~ذكر علة ذلك وهي انعزالهم عن السماع ms6756 من الملأ الأعلى، لأنهم يرجمون ~~بالشهب لو (تسمعوا). # فصل # لما احتج على صدق محمد - عليه السلام - بكون القرآن تنزيل رب العالمين، ~~لوقوعه في الفصاحة القصوى، ولاشتماله على قصص المتقدمين من غير تفاوت، مع ~~أنه - عليه السلام - لم يتعلم من أحد، وكان الكفار يقولون: هذا من إلقاء ~~الجن والشياطين كسائر ما ينزل به على الكهنة، فأجاب الله تعالى بأن ~~ذلك لا يتسهل للشياطين، لأنهم معزولون عن استماع كلام اهل السماء برجمهم ~~بالشهب. فإن قيل: العلم بكون الشياطين ممنوعين عن ذلك لا يحصل إلا بخبر ~~النبي الصادق فإذا أثبتنا كون محمد - عليه السلام - صادقا بفصاحة ~~القرآن، وإخباره عن الغيب، ولا يثبت كون الفصاحة والإخبار عن الغيب ~~معجزا إلا إذا ثبت كون الشياطين ممنوعين عن ذلك. # (فلزم الدور. # فالجواب: لا نسلم أن العلم بكون الشياطين ممنوعين عن ذلك) لا يستفاد إلا ~~من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنا نعلم بالضرورة أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - كان يلعن الشياطين، ويأمر الناس بلعنهم، فلو كان ~~ذلك إنما حصل من إلقاء الشياطين لكان الكفار أولى بأن يحصل لهم مثل هذا ~~العلم، فيجب أن يكون اقتدار الكفار على مثله أولى. ولما لم يكن كذلك ~~علمنا أن الشياطين ممنوعون، لأنهم معزولون عن تعرف الغيوب. ثم إنه تعالى ~~لما ذكر هذا الجواب خاطب الرسول - عليه السلام - فقال: { فلا تدع ~~مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين }. قال ابن ~~عباس: يحذر به غيره، يقول: أنت أكرم الخلق علي ولو اتخذت إلها غيري ~~لعذبتك. وقوله: " فتكون " منصوب في جواب النهي. ### || [26.214-220] # قوله تعالى: { وأنذر عشيرتك الأقربين }. روى عبد الله بن ~~عباس عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: لما نزلت هذه الآية على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم - { وأنذر عشيرتك الأقربين } ~~دعاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: # " يا علي، إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، وضقت بذلك ~~ذرعا، وعرفت أني متى أناديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره، فصمت عليها ~~حتى جاءني جبريل ms6757 فقال: يا محمد: إلا تفعل ما تؤمر يعذبك ربك، فاصنع لنا ~~صاعا من طعام، واجعل عليه رجل شاة، واملأ لنا عسا من لبن، ثم اجمع لي ~~بني عبد المطلب حتى أبلغهم ما أمرت به ". ففعلت ما أمرني به، ثم دعوتهم ~~له وهم يؤمئذ أربعون رجلا، يزيدون رجلا او ينقصونه، فيهم أعمامه: أبو ~~طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب، فلما اجتمعوا دعاني بالطعام الذي صنعت، ~~فجئت به، فلما وضعته تناول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جذبة من ~~اللحم، فشقها بأسنانه، ثم ألقاها في نواحي الصحفة، ثم قال: خذوا باسم ~~الله، فأكل القوم حتى ما لهم بشيء حاجة، وأيم الله إن كان الرجل الواحد ~~منهم ليأكل مثل ما قدمت لجميعهم، ثم قال: اسق القوم. فجئت بذلك العس ~~فشربوا حتى رووا جميعا، وأيم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله، ~~فلما أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكلمهم بدره أبو لهب ~~فقال: سحركم صاحبكم: فتفرق القوم، ولم يكلمهم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال: الغد يا علي، إن هذا الرجل قد سبقني إلى ما سمعت من القول، ~~فتفرق القوم قبل أن أكلمهم، فأعد لنا من الطعام مثل ما صنعت ثم اجمعهم ~~ففعلت، ثم دعاني بالطعام فقدمته، ففعل كما فعل بالأمس، فأكلوا وشربوا، ثم ~~تكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا بني عبد المطلب: إني قد ~~جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فإيكم ~~يؤازرني على أمري ويكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟ فأحجم القوم عنها ~~جميعا، فقلت وأنا أحدثهم سنا: أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه، قال: ~~فأخذ برقبتي ثم قال: إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له ~~وأطيعوا، فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب. قد أمرك أن تسمع لعلي ~~وتطيع ". # وعن ابن عباس قال: # " لما نزلت: { وأنذر عشيرتك الأقربين } خرج رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - حتى صعد الصفا، فهتف: يا صباحاه، فقالوا: من ~~هذا؟ فاجتمعوا إليه، فقال: " أرأيتم إن أخبرتكم أن ms6758 خيلا تخرج من سفح ~~هذا الجبل أكنتم مصدقي "؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبا. قال: ~~فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبا لك ما جمعتنا إلا ~~لهذا، ثم قام، فنزلت { تبت يدآ أبي لهب } [المسد: 1] ". # قوله: { واخفض جناحك }: ألن جانبك { لمن اتبعك من ~~المؤمنين }. واعلم أن الطائر إذا أراد أن ينحط كسر جناحه وخفضه، ~~وإذا أراد أن ينهض للطيران رفع جناحه، فجعل خفض الجناح كناية عن التواضع ~~ولين الجانب. # قوله: " فإن عصوك ": في هذه الواو وجهان: # أحدهما: أنها ضمير الكفار، أي: فإن عصاك الكفار في أمرك لهم بالتوحيد. # والثاني: أنها ضمير المؤمنين، أي: فإن عصاك المؤمنون في فروع الإسلام ~~وبعض الأحكام بعد تصديقك والإيمان برسالتك، وهذا في غاية البعد { فقل ~~إني بريء مما تعملون } (من الكفر وعبادة غير الله). # فصل # قال الجبائي: هذا يدل على أنه - عليه السلام - كان بريئا من ~~معاصيهم، وذلك يوجب أن الله تعالى أيضا بريء من عملهم كالرسول، وإلا كان ~~مخالفة لله، كما لو رضي عن شخص فإن الله راض عنه، وإذا كان تعالى بريئا ~~من عملهم فلا يكون فاعلا له. والجواب: أنه تعالى بريء من المعاصي، بمعنى ~~أنه ما أمر بها بل نهى عنها، فأما بمعنى أنه لا يريدها فلا نسلم، بدليل ~~انه علم وقوعها، وكل ما كان معلوم الوقوع فهو واجب الوقوع، وإلا لانقلب ~~علمه جهلا، وهو محال، والمفضي إلى المحال محال، وعلم ما هو واجب الوقوع ~~لا يراد عدم وقوعه، فثبت قولنا. # قوله: " وتوكل ". قرأ نافع وابن عامر بالفاء. والباقون بالواو. # فأما قراءة الفاء فإنه جعل فيها ما بعد الفاء كالجزاء لما قبلها ~~مترتبا عليه. وقراءة الواو لمجرد عطف جملة على أخرى. والتوكل: عبارة عن ~~تفويض الرجل أمره إلى من يكل أمره ويقدر على نفعه وضره. ثم قال: { على ~~العزيز الرحيم } ليكفيك كيد الأعداء بعزته وينصرك عليهم برحمته. # قوله: " الذي يراك " يجوز أن يكون مرفوع المحل خبرا لمبتدأ ~~محذوف، أو منصوبه على المدح، أو مجروره على النعت أو البدل أو ms6759 البيان. # قال أكثر المفسرين: معناه: يراك حين تقوم إلى صلاتك. وقال مجاهد: يراك ~~أينما كنت. وقيل: حين تقوم لدعائهم. # قوله: " وتقلبك ". عطف على مفعول " يراك " أي: ويرى ~~تقلبك، وهذه قراءة العامة. وقرأ جناح بن حبيش بالياء من تحت ~~مضمومة، وكسر اللام، ورفع الباء، جعله فعلا، مضارع (قلب) بالتشديد، ~~وعطفه على المضارع قبله، وهو " يراك " أي: الذي يقلبك. # فصل # معنى تقلبه أي: تقلبك في صلاتك في حال قيامك وركوعك وسجودك وقعودك، قال ~~عكرمة وعطية عن ابن عباس: " في الساجدين " أي: في المصلين. # وقال مقاتل والكلبي: أي: مع المصلين في الجماعة، أي: يراك حين تقوم وحدك ~~للصلاة، ويراك إذا صليت مع المصلين جماعة. # وقال مجاهد: يرى تقلب بصرك في المصلين، فإنه كان يبصر من خلفه كما ~~يبصر من أمامه. قال عليه السلام: # " والله ما يخفى علي خشوعكم ولا ركوعكم، وإني ~~لأراكم من وراء ظهري " # وقال الحسن: { تقلبك في الساجدين } أي: تصرفك وذهابك ومجيئك ~~في أصحابك المؤمنين. وقال سعيد بن جبير: يعني: وتصرفك في أحوالك كما ~~كانت الأنبياء من قبلك. والساجدون: هم الأنبياء. # وقال عطاء عن ابن عباس: أراد: وتقلبك في أصلاب الأنبياء من نبي إلى نبي ~~حتى أخرجك في هذه الأمة. { إنه هو السميع العليم } السميع ~~لما تقوله، العليم بما تنويه. ### || [26.221-223] # قوله تعالى: { هل أنبئكم } الآية. أعاد الشبهة المتقدمة وأجاب ~~عنها من وجهين: # الأول: قوله: { تنزل على كل أفاك أثيم } كما تقدم من ~~أن الكفار يدعون إلى طاعة الشيطان، ومحمد يدعو إلى لعن الشيطان ~~والبراءة منه. # والثاني: قوله: { يلقون السمع وأكثرهم كاذبون } ~~ومعناه: أنهم كانوا يقيسون حال النبي - صلى الله عليه وسلم - على حال ~~الكهنة (فكأنه قيل: إن كان الأمر على ما ذكرتم فكما أن الغالب على سائر ~~الكهنة الكذب، فيجب أن تكون حال الرسول كذلك، فلما لم يظهر في إخبار ~~الرسول عن المغيبات إلا الصدق علمنا أن حاله بخلاف حال الكهنة). # قوله: " على من " متعلق ب " تنزل " بعده. وإنما قدم، ~~لأن له صدر الكلام، وهو معلق لما قبله من فعل ms6760 التنبئة، لأنها ~~بمعنى العلم. # ويجوز أن تكون هنا متعدية لاثنين، فتسد الجملة المشتملة على الاستفهام ~~مسد الثاني، لأن الأول ضمير المخاطبين. وأن تكون متعدية لثلاثة فتسد ~~مسد اثنين. # وقرأ البزي: { على من تنزل الشياطين تنزل } ~~بتشديد التاء من " تنزل " في الموضعين والأصل: " تتنزل " بتاءين ~~فأدغم، والإدغام في الثاني سهل، لتحرك ما قبل المدغم، وفي الأول صعوبة ~~لسكون ما قبله وهو نون " من ". وتقدم تحقيق هذا في البقرة عند قوله: # ولا تيمموا الخبيث # [البقرة: 267]. # قوله: " يلقون ". يجوز أن يعود الضمير على " الشياطين " فيجوز ~~أن تكون الجملة " يلقون " حالا، وأن تكون مستأنفة. ومعنى إلقائهم ~~السمع: إنصاتهم إلى الملأ الأعلى ليسترقوا شيئا، أو يلقون الشيء ~~المسموع إلى الكهنة. # ويجوز أن يعود على { كل أفاك أثيم } من حيث إنه جمع في ~~المعنى, فتكون الجملة إما مستأنفة، وأما صفة ل " كل أفاك ". ~~ومعنى الإلقاء ما تقدم. # وقال أبو حيان: حال عود الضمير على " الشياطين " ، وبعد ما ذكر ~~المعنيين المتقدمين في إلقاء السمع قال: فعلى معنى الإنصات يكون " ~~يلقون " استئناف إخبار، وعلى إلقاء المسموع إلى الكهنة يحتمل ~~الاستئناف، واحتمل الحال من " الشياطين " أي: تنزل على كل ~~أفاك أثيم ملقين ما سمعوا. انتهى. # وفي تخصيصه الاستئناف بالمعنى الأول وتجويزه الوجهين في المعنى الثاني ~~نظر، لأن جواز الوجهين جار في المعنيين فيحتاج في ذلك إلى دليل، فإن ~~قيل: كيف قال: { وأكثرهم كاذبون } بعد ما حكم عليهم أن كل ~~واحد منهم أفاك؟ # فالجواب: أن الأفاكين هم الذين يكثرون الكذب، لا أنهم الذين لا ~~ينطقون إلا بالكذب، فأراد أن هؤلاء الأفاكين قل من يصدق منهم فيما يحكي ~~عن الجني، وأكثرهم يفتري عليه. ### || [26.224-227] # قوله تعالى: { والشعرآء يتبعهم الغاوون }. قد تقدم أن ~~نافعا بتخفيف التاء ساكنة وفتح الباء في سورة الأعراف عند قوله: " لا ~~يتبعوكم " والفرق بين المخفف والمثقل. وسكن الحسن العين، ورويت ~~عن أبي عمرو، وليست ببعيدة عنه ك " ينصركم " وبابه وروى هارون عن ~~بعضهم نصب العين، وهي غلط، والقول بأن الفتحة للإتباع خطأ، والعامة على ~~رفع " الشعراء " بالابتداء، والجملة ms6761 بعده الخبر. وقرأ عيسى بالنصب ~~على الاشتغال. # فصل # لما قال الكفار: لم لا يجوز أن يقال: الشياطين تنزل بالقرآن على محمد، ~~كما أنهم ينزلون بالكهانة على الكهنة، وعلى الشعراء بالشعر؟ ثم إنه تعالى ~~فرق بين محمد - عليه السلام - وبين الكهنة، ذكر هاهنا ما يدل على الفرق ~~بينه وبين الشعراء: بأن الشعراء يتبعهم الغاوون، وهم: الضالون: ثم بين ~~أن ذلك لا يمكن القول به لأمرين: # الأول: { أنهم في كل واد يهيمون } والمراد منه: الطرق ~~المختلفة، كقولك: أنا في واد وأنت في واد, وذلك بأنهم قد يمدحون الشيء ~~بعد أن ذموه, وبالعكس, وقد يعظمونه بعدما يستحقرونه وبالعكس وذلك يدل ~~على أنهم لا يطلبون بشعرهم الحق ولا الصدق، بخلاف أمر محمد - عليه السلام ~~- فإنه من أول أمره إلى آخره بقي على طريق واحدة، وهو الدعوة إلى الله، ~~والترغيب في الآخرة، والإعراض عن الدنيا. # والثاني: { وأنهم يقولون ما لا يفعلون }. # وذلك أيضا من علامات الغواية، فإنهم يرغبون في الجود، ويرغبون عنه، ~~وينفرون عن البخل ويصيرون إليه، ويقدحون في الناس بأدنى شيء صدر عنهم وعن ~~واحد من أسلافهم. ثم إنهم لا يرتكبون إلا الفواحش، وذلك يدل على الغواية ~~والضلالة، وأما محمد - عليه السلام - فإنه بدأ بنفسه # فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من ~~المعذبين # [الشعراء: 213] ثم بالأقرب فالأقرب فقال: # وأنذر عشيرتك الأقربين # [الشعراء: 214] وكل ذلك خلاف طريقة الشعراء، فظهر بهذا البيان أن حال ~~محمد - عليه السلام - لم يشبه حال الشعراء. # قوله: " يهيمون ". يجوز أن تكون هذه الجملة خبر " أن " وهذا هو ~~الظاهر، لأنه محط الفائدة، و { في كل واد } متعلق به. ويجوز أن ~~يكون { في كل واد } هو الخبر، و " يهيمون " حال من الضمير في ~~الخبر, والعامل ما تعلق به هذا الخبر, أو نفس الجار كما تقدم في نظيره. ~~ويجوز أن تكون الجملة خبرا بعد خبر عند من يرى تعدد الخبر مطلقا. ~~وهذا من باب الاستعارة البليغة، والتمثيل الرائع، شبه جولانهم في ~~أفانين القول، وطرائق المدح والذم، والتشبيب، وأنواع الشعر بهيم ~~الهائم في كل ms6762 وجه وطريق. وقيل: أراد ب " كل واد " أي: على كل حرف ~~من حروف الهجاء يصوغون (القوافي). # والهائم: الذي: يخبط في سيره ولا يقصد موضعا معينا، يقال هام ~~على وجهه، أي: ذهب والهائم: العاشق من ذلك، والهيمان: العطشان ~~والهيام داء يأخذ الإبل من العطش، وجمل أهيم وناقة ~~هيماء والجمع فيهما هيم قال تعالى: " شرب الهيم " والهيام ~~من الرمل: اليابس، فإنهم يخيلون فيه معنى العطش. # فصل # قال المفسرون: أراد شعراء الكفار، وكانوا يهجون رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وذكر مقاتل أسمائهم فقال: منهم عبد الله بن الزبعرى ~~السهمي، وهبيرة بن أبي وهب المخزومي، ومسافع بن عبد مناف، وأبو عزة عمرو ~~بن عبد الله الجمحي، وأمية بن أبي الصلت الثقفي تكلموا بالكذب والباطل، ~~وقالوا: نحن نقول كما قال محمد، وقالوا الشعر، واجتمع إليهم غواة من ~~قومهم يسمعون أشعارهم حين يهجون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وأصحابه، ويروون عنهم ذلك فذلك قوله: " يتبعهم الغاوون " وهم ~~الرواة الذين يريدون هجاء المسلمين. وقال قتادة: هم الشياطين. # ثم إنه تعالى لما وصف شعراء الكفار بهذه الأوصاف استثنى شعراء المسلمين ~~الذي كانوا يجيبون شعراء الجاهلية، ويهجون الكفار ويكافحون عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وأصحابه منهم حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، ~~وكعب بن مالك، فقال: { إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات }. # روي عن كعب بن مالك أنه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - # " إن الله قد أنزل في الشعراء ما أنزل، فقال: النبي صلى الله عليه ~~وسلم -: " إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأن ما ~~ترمونهم به نصح النبل " " # وفي رواية قال له: # " اهجهم فوالذي نفسي بيده هو أشد عليهم من النبل ". # وكان يقول لحسان: # " قل فإن روح القدس معك ". # واعلم أن الله تعالى وصفهم بأمور: # الأول: الإيمان، وهو قوله: { إلا الذين آمنوا }. # وثانيها: العمل الصالح، وهو قوله: { وعملوا الصالحات }. # وثالثها: أن يكون شعرهم في التوحيد والنبوة، ودعوة الحق، وهو قوله: [ { ~~وذكروا الله كثيرا } ]. # ورابعها: أن لا يذكروا هجوا إلا على سبيل الانتصار ms6763 ممن يهجوهم وهو] { ~~وانتصروا من بعد ما ظلموا } قال الله تعالى: # لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ~~ظلم # [النساء: 148]. وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: # " إن من الشعر حكمة " # وقالت عائشة: الشعر كلام فمنه حسن ومنه قبيح فخذ الحسن ودع القبيح. وقال ~~الشعبي: كان أبو بكر يقول الشعر، [وكان عمر يقول الشعر]، وكان علي أشعر ~~الثلاثة. وروي عن ابن عباس أنه كان ينشد الشعر في المسجد ويستنشده. # وقوله: { وذكروا الله كثيرا } أي: لم يشغلهم الشعر عن ذكر ~~الله، { وانتصروا من بعد ما ظلموا } أي: انتصروا من ~~المشركين، لأنهم بدأوا بالهجاء، ثم أوعد شعراء المشركين فقال: { ~~وسيعلم الذين ظلموا } أشركوا وهجوا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - { أي منقلب ينقلبون } أي مرجع يرجعون بعد ~~الموت. # قال ابن عباس: إلى جهنم والسعير. # قوله: " أي منقلب " منصوب على المصدر، والناصب له " ~~ينقلبون " وقدم، لتضمنه معنى الاستفهام، وهو معلق ل " ~~سيعلم " سادا مسد مفعوليها. # وقال أبو البقاء: " أي منقلب " صفة لمصدر محذوف، أي: ينقلبون ~~انقلابا أي منقلب، ولا يعمل في " سيعلم " لأن الاستفهام لا يعمل ~~فيه ما قبله. # وهذا مردود بأن أيا الواقعة صفة لا تكون استفهامية، وكذلك الاستفهامية ~~لا تكون صفة لشيء بل كل منهما قسم برأسه. # و " أي " تنقسم إلى أقسام كثيرة، وهي: الشرطية، والاستفهامية، ~~والموصولة، والصفة، والموصوفة عند الأخفش خاصة، والمناداة نحو: يا أيهذا ~~والموصلة لنداء ما فيه (أل) نحو: يا أيها الرجل. عند غير الأخفش، ~~والأخفش يجعلها في النداء موصولة. # وقرأ ابن عباس والحسن " أي منفلت ينفلتون " بالفاء والتاء ~~من فوق من الانفلات. # روى الثعلبي في تفسيره عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: # " أعطيت السورة التي يذكر فيها البقرة من الذكر الأول، وأعطيت طه ~~والطواسين من ألواح موسى، وأعطيت فواتح القرآن وخواتيم السورة التي يذكر ~~فيها البقرة من تحت العرش، وأعطيت المفصل نافلة ". # وعن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: # " إن الله تعالى أعطاني السبع مكان التوراة، وأعطاني ms6764 الطواسين مكان ~~الزبور، وفضلني بالحواميم والمفصل، ما قرأهن نبي قبلي ". # وعن أبي أمامة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: # " من قرأ سورة الشعراء كان له من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق بنوح وكذب ~~به، وهود, وشعيب، وصالح، وإبراهيم، وبعدد من كذب بعيسى، وصدق بمحمد - صلى ~~الله عليه وسلم - ". ### | [27 - سورة النمل] ### || [27.1-3] # قوله تعالى: { طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين }. " ~~تلك " إشارة إلى آيات السورة أي: هذه آيات القرآن. # قوله: " وكتاب " العامة على جره عطفا على " القرآن " ، وهل ~~المراد به نفس القرآن فيكون من عطف بعض الصفات على بعض، والمدلول واحد، ~~أو اللوح المحفوظ، أو نفس السورة، أقوال. وقيل: القرآن والكتاب علمان ~~للمنزل على نبينا - صلى الله عليه وسلم - فهما كالعباس وعباس، يعني فيكون ~~" أل " فيهما للمح الصفة، وهذا خطأ؛ إذ لو كانا علمين لما وصفا بالنكرة، ~~وقد وصف " قرآن " بها في قوله: # تلك آيات الكتاب وقرآن مبين # [الحجر: 1] - في الحجر - ووصف بها " كتاب " كما في هذه الآية الكريمة. ~~والذي يقال إنه نكر هنا لإفادة التفخيم، كقوله: # في مقعد صدق # [القمر: 55]. # وقرأ ابن أبي عبلة: " وكتاب مبين " برفعها عطفا على " آيات " ~~المخبر بها عن " تلك " فإن قيل: كيف صح أن يشار لاثنين أحدهما ~~مؤنث، والآخر مذكر باسم إشارة المؤنث، ولو قلت: تلك هند وزيد لم يجز؟ # فالجواب من ثلاثة أوجه: # أحدها: (أن المراد بالكتاب) هو الآيات، لأن الكتاب عبارة عن آيات ~~مجموعة، فلما كانا شيئا واحدا، صحت الإشارة إليهما بإشارة الواحد ~~المؤنث. # الثاني: أنه على حذف مضاف، أي: وآيات كتاب مبين. # الثالث: أنه لما ولي المؤنث ما يصح الإشارة به إليه، اكتفى به وحسن، ولو ~~أولي المذكر لم يحسن، ألا تراك تقول: جاءتني هند وزيد، ولو حذفت (هند) أو ~~أخرتها لم يجز تأنيث الفعل. # قوله: " هدى وبشرى " يجوز فيهما أوجه: # أحدها: أن يكونا منصوبين على المصدر بفعل مقدر من لفظهما، أي: يهدي هدى، ~~ويبشر بشرى. # الثاني: أن يكونا في موضع الحال من " آيات ms6765 " والعامل فيها ما في " ~~تلك " من معنى الإشارة. # الثالث: أن يكونا في موضع الحال من " القرآن " وفيه ضعف، من حيث كونه ~~مضافا إليه. # الرابع: أن يكونا حالا من " كتاب " ، في قراءة من رفعه، ويضعف في ~~قراءة من جره، لما تقدم من كونه في حكم المضاف إليه، لعطفه عليه. # الخامس: أنهما حالان من الضمير المستتر في " مبين " سواء رفعته (أم ~~جررته). # السادس: أن يكونا بدلين من " آيات ". # السابع: أن يكونا خبرا بعد خبر. # الثامن: أن يكونا خبري ابتداء مضمر، أي: (هي) هدى وبشرى للمؤمنين. # فصل # المراد يهديهم إلى الجنة وبشرى لهمن كقوله تعالى: # فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه ~~صراطا مستقيما # [النساء: 175]، ولهذا خص به المؤمنين، وقيل: المراد بالهدى: الدلالة, ~~وإنما خصه بالمؤمنين, لأنه ذكر مع الهدى البشرى, والبشرى إنما تكون ~~للمؤمنين أو لأنهم تمسكوا به، كقوله: # إنمآ أنت منذر من يخشاها # [النازعات: 45]، أو أنه يزيد في هداهم، كقوله تعالى: # ويزيد الله الذين اهتدوا هدى # [مريم: 76]. # قوله: { الذين يقيمون الصلاة } يجوز أن يكون مجرور المحل، ~~نعتا للمؤمنين، أو بدلا أو بيانا، أو منصوبة عل المدح، أو مرفوعة على ~~تقدير مبتدأ، أي: هم الذين، والمراد بها: الصلوات الخمس، وكذا القول في ~~الزكاة، فإنها هي الواجبة، لأن التعريف بالألف واللام يقتضى ذلك. وإقامة ~~الصلاة أن يؤديها بشرائطها، والزكاة بوضعها في مواضعها. # قوله: { وهم بالآخرة هم يوقنون } " هم " الثاني تكرير للأول ~~على سبيل التوكيد اللفظي، وفهم الزمخشري منه الحصر، أي: لا يوقن بالآخرة ~~حق الإيقان إلا هؤلاء، المتصفون بهذه الصفات. ويدل عليه أنه عقد جملة ~~ابتدائية، وكرر فيها المبتدأ الذي هو " هم " حتى صار معناها: وما يوقن ~~بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح، لأن ~~خوف العاقبة يحملهم على تحمل المشاق. # و " بالآخرة " متعلق ب " يوقنون " ، ولا يضر الفصل بينهما بالتوكيد. # وهذه الجملة يحتمل أن تكون معطوفة على الصلة، داخلة في حيز الموصول، ~~وحينئذ يكون قد غاير بين الصلتين لمعنى، وهو أنه لما كان إقامة ~~الصلاة، وإيتاء الزكاة مما يتكرر ms6766 ويتجدد أتى بالصلتين جملة فعلية، ~~فقال: " يقيمون " ، و " يؤتون ". # ولما كان الإيقان بالآخرة أمرا ثابتا مطلوبا دوامه، أتى بالصلة جملة ~~اسمية، مكررا فيها المسند إليه، مقدما الموقن به، الدال على الاختصاص، ~~ليدل على الثبات والاستقرار، وجاء بخبر المبتدأ في هذه الجملة فعلا ~~مضارعا، دلالة على أن ذلك متجدد كل وقت، غير منقطع. ويحتمل أن تكون ~~مستأنفة غير داخلة في حيز الموصول. قال الزمخشري: ويحتمل أن تتم الصلة ~~عنده، أي: عند قوله: " وهم " ، قال: وتكون الجملة اعتراضية. # يريد أن الصلة تمت عند الزكاة، فيجوز فيه ذلك، وإلا فكيف يصح - إذا ~~أخذنا بظاهر كلامه - أن الصلة تمت عند قوله: " وهم " وتسمية هذا ~~اعتراضا: يعني من حيث المعنى وسياق الكلام، وإلا فالاعتراض في الاصطلاح: ~~إنما يكون بين متلازمين من مبتدأ أو خبر، وشرط وجزاء، وقسم وجوابه، وتابع ~~ومتبوع، وصلة وموصول، وليس هنا شيء من ذلك. # فإن قيل: إن المؤمنين الذي يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة لا بد وأن ~~يكونوا متيقنين بالآخرة، فما وجه ذكره مرة أخرى؟ # فالجواب من وجهين: # الأول: أن الذي يستفاد منه طرق للنجاة هو معرفة المبدأ، ومعرفة المعاد، ~~والعمل الصالح، وأشرفه الطاعة بالنفس والطاعة بالمال، فقوله: " ~~للمؤمنين " ، أي: الذين يؤمنون بالغيب وهو إشارة إلى ~~معرفة المبدأ، وقوله: ( { الذين يقيمون الصلاة ويؤتون ~~الزكاة } ، إشارة إلى الطاعة بالنفس والمال، وقوله: { وهم) ~~بالآخرة هم يوقنون } إشارة إلى علم المعاد، فكأنه تعالى جعل ~~معرفة المبدأ طرفا أولا، ومعرفة المعاد طرفا أخيرا، وجعل الطاعة ~~بالنفس والمال متوسطا بينهما. # الثاني: أن المؤمنين الذي يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة منهم من هو جازم ~~بالحشر والنشر، ومنهم من يكون شاكا فيه، إلا أنه يأتي بهذه الطاعة ~~احتياطا، فيقول: إن كنت مصيبا فيها فقد فزت بالسعادة، وإن كنت مخطئا ~~فيها لم يفتني إلا خيرات قليلة في هذه المدة اليسيرة, فمن أتى بالصلاة ~~والزكاة على هذا الوجه, لم يكن في الحقيقة مهتديا بالقرآن، (وأما من كان ~~جازما بالآخرة كان مهديا به). فلهذا ذكر هذا القيد. ### || [27.4-5] # قوله: { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ms6767 } الآية. # لما بين ما للمؤمنين من البشرى أتبعه بما للكفار من سوء العذاب، فقال: ~~{ إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم ~~أعمالهم } القبيحة، حتى رأوها حسنة، " فهم يعمهون " يترددون فيها ~~متحيرين. فإن قيل: كيف أسند تزيين أعمالهم إلى ذاته مع أنه أسنده إلى ~~الشيطان في قوله # زين لهم الشيطان أعمالهم # [الأنفال: 48]؟. # فالجواب: أما أهل السنة فأجروا الآية على ظاهرها، لأن الإنسان لا يفعل ~~شيئا ألبتة إلا إذا دعاه الداعي إلى الفعل والمعقول من الداعي هو العلم ~~والاعتقاد، أو الظن بكون الفعل مشتملا على منفعة، وهذا الداعي لا بد وأن ~~يكون من فعل الله تعالى لوجهين: # الأول: أنه لو كان لافتقر فيه إلى داع آخر، ولزم التسلسل، وهو محال. # الثاني: أن العلم إما أن يكون ضروريا، أو كسبيا، فإن كان ضروريا فلا ~~بد من تصورين والتصور يمتنع أن يكون مكتسبا، لأن المكتسب إن كان شاعرا ~~به، فهو متصور له، وتحصيل الحاصل محال، وإن لم يكن متصورا، كان غافلا ~~عنه، والغافل عن الشيء يمتنع أن يكون طالبا له. فإن قيل: هو مشعور به من ~~وجه، قلنا: فالمشعور به غير ما هو غير مشعور به، فيعود التقسم المتقدم في ~~كل واحد من هذين الوجهين. # وإذا ثبت أن التصور غير مكتسب ألبتة، والعلم الضروري هو الذي يكون ~~مكتسبا، فإن كل واحد من تصوريه كاف في حصول التصديق، فالتصورات غير ~~مكتسبة فهي مستلزمة التصديقات، فإذن متى حصلت التصورات البديهية، كان ~~التصديق بها بديهيا فهي مستلزمة التصديقات، فإذن متى حصلت التصورات ~~البديهية، كان التصديق بها بديهيا وليس كسبيا. ثم إن التصديقات ~~البديهية إن كانت مستلزمة التصديقات النظرية، كانت كسبية، لأن لازم ~~الضروري ضروري، وإن لم تكن مستلزمة لها لم تكن تلك الأشياء التي فرضناها ~~علوما نظرية كذلك، بل هي اعتقادات تقليدية، لأنه لا معنى لاعتقاد المقلد ~~إلا اعتقاد تحسيني بفعله ابتداء من غير أن يكون له موجب، فثبت بهذا أن ~~العلوم بأسرها ضرورية، وثبت أن مبادىء الأفعال هي العلوم، وأفعال العباد ~~بأسرها ضرورية فالإنسان مضطر في ms6768 صورة مختار، فثبت أن الله تعالى هو الذي ~~(زين لكل عامل عمله، والمراد من التزيين هو الذي) يخلق في قلبه العلم بما ~~فيه من (المنافع واللذات, ولا يخلق في قلبه العلم بما فيه من) المضار ~~والآفات، فثبت بهذه الدلائل العقلية القاطعة وجوب إجراء هذه الآية على ~~ظاهرها. وأما المعتزلة فتأولوها بوجوه: # أحدها: أن المراد بينا لهم أمر الدين، وما يلزمهم أن يتمسكوا به، وزيناه ~~بأن بينا حسنه وما لهم فيه من الثواب، لأن التزيين من الله للعمل ليس إلا ~~وصفه بأنه حسن واجب وحميد العاقبة، وهو المراد من قوله: # حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم # [الحجرات: 7]. # وقوله: " فهم يعمهون " يدل على ذلك، إذ المراد: فهم يعدلون ~~ويتخيرون عما زينا من أعمالهم. # وثانيها: أنه تعالى لما متعهم بطول العمر وسعة الرزق، جعلوا إنعام الله ~~عليهم بذلك ذريعة إلى اتباع شهواتهم، وعدم الانقياد لما يلزمهم من ~~التكاليف، فكأنه تعالى زين بذلك أعمالهم، ولذلك أشارت الملائكة عيلهم ~~السلام بقولهم: # ولكن متعتهم # [الفرقان: 18] # وآبآءهم حتى نسوا # [الفرقان: 18] # الذكر # [الفرقان: 18]. # وثالثها: أن إمهاله الشيطان وتخليته حتى يزين لهم ملابسة ظاهرة للتزيين، ~~فأسند إليه. # والجواب عن الأول: أن قوله تعالى: { زينا لهم أعمالهم } ~~صيغة عموم، فوجب أن يكون الله تعالى قد زين لهم كل أعمالهم حسنا أو ~~قبيحا. # وعن الثاني: أن الله تعالى لما متعهم بطول العمر وسعة الرزق فهل لهذه ~~الأمور في ترجيح فاعلية المعصية على تركها أثر، وليس لها أثر، وليس لها ~~أثر فيه، فإن كان الأول, فقد دللنا على أن التحصيل متى حصل فلا بد أن ~~ينتهي إلى حد الوجوب والاستلزام وحينئذ يحصل الغرض - وإن لم يكن له فيه ~~أثر - صارت هذه الأشياء بالنسبة إلى أعمالهم كصرير الباب ونعيق الغراب، ~~بالنسبة إلى أعمالهم، وذلك يمنع من إسناد فعلهم إليها، وهذا بعينه هو ~~الجواب عن التأويل الثالث الذي ذكروه. # قوله: { أولئك الذين لهم سوء العذاب } أي: القتل ~~والأسر يوم بدر، وقيل: المراد مطلق العذاب، سواء كان في الدنيا أو في ~~الآخرة، وسوء العذاب: شدته. ms6769 # قوله: " الأخسرون " في (أفعل) قولان: أظهرهما: أنها على بابها ~~من التفضيل، وذلك بالنسبة إلى الكفار، من حيث اختلاف الزمان والمكان، ~~يعني: أنهم أكثر خسرانا في الآخرة منهم في الدنيا، أي أن خسرانهم في ~~الآخرة أكثر من خسرانهم في الدنيا. # وقال جماعة - منهم الكرماني - هي هنا للمبالغة لا للشركة، لأن المؤمن ~~لا خسران له في الآخرة ألبتة، وقد تقدم جواب ذلك، وهو أن الخسران راجع ~~إلى شيء واحد، باعتبار اختلاف زمانه ومكانه. وقال ابن عطية: " ~~الأخسرون " جمع ( " أخسر " ، لأن أفعل صفة لا يجمع إلا أن يضاف، ~~فتقوى رتبته في الأسماء، وفي هذا نظر. قال أبو حيان: ولا نظر في أنه يجمع ~~جمع سلامة أو جمع تكسير إذا كان ب (ال)، بل لا يجوز فيه إلا ذلك إذا كان ~~قبله ما يطابقه في الجمعية، فيقول: الزيدون هم الأفضلون والأفاضل، ~~والهندات هن الفضليات والفضل، وأما قوله: لا يجمع إلا أن يضاف) فلا ~~يتعين إذ ذاك جمعه، بل إذا أضيف إلى نكرة فلا يجوز جمعه، وإن أضيف إلى ~~معرفة جاز فيه الجمع والإفراد. ### || [27.6-9] # قوله: " وإنك لتلقى ": (لقي) مخففا يتعدى لواحد، وبالتضعيف ~~يتعدى لاثنين، فأقيم أولهما هنا مقام الفاعل، والثاني " القرآن " ، وقول ~~من قال: إن أصله (تلقن) بالنون تفسير معنى، فلا يتعلق به متعلق ~~بأن النون أبدلت حرف علة. # فصل # المعنى لتؤتاه وتلقنه من عند أي حكيم وأي عليم، وهذا معنى مجيئهما ~~منكرتين، وهذه الآية تمهيد لما يريد أن يسوق بعدها من القصص كأنه قال على ~~أثر ذلك: خذ من آثار حكمته وعلمه قصة موسى، فإن قيل: الحكمة إما أن تكون ~~نفس العلم، وإما أن يكون العلم داخلا فيها، فبعد ذكر الحكمة لم ذكر ~~العلم؟ # فالجواب: أن الحكمة هي العلم بالأمور العملية فقط، والعلم أعم منه؛ لأن ~~العلم قد يكون عمليا وقد يكون نظريا، والعلوم النظرية أشرف من العلوم ~~العملية، فذكر الحكمة على العموم ثم ذكر العليم وهو البالغ في كمال ~~العلم، وكمال العلم من جهات ثلاثة: وحدتها، وعموم تعلقها بكل المعلومات، ~~وبقاؤها مصونة ms6770 عن كل التغيرات وما حصلت هذه الكمالات الثلاثة إلا في علمه ~~(سبحانه). # قوله تعالى: { إذ قال موسى لأهله... } الآيات، يجوز أن يكون ~~" إذ " منصوبا بإضمار اذكر، أو (يعلم) مقدر مدلولا عليه ب " عليم " ، ~~(أو ب " عليم " ) وفيه ضعف لتقيد الصفة بهذا الظرف. # فصل # { إذ قال موسى لأهله } في مسيره من مدين إلى مصر، قيل: إنه ~~لم يكن مع موسى - عليه السلام - غير امرأته ابنة شعيب - عليه السلام -، ~~وقد كنى الله عنها بالأهل، فتبع لك ورود الخطاب بلفظ الجمع، وهو قوله: # امكثوا إني آنست # [طه: 10]: أبصرت نارا، وذلك أنهما كانا يسيران ليلا وقد اشتبه الطريق ~~عليهما، والوقت وقت برد، وفي مثل هذا الحال تقوى النفس بمشاهدة نار لما ~~يرجى فيها من زوال الحيرة في أمر الطريق، ومن الانتفاع بالنار للاصطلاء، ~~فلذلك بشرها فقال: { إني آنست نارا سآتيكم منها ~~بخبر } والخبر: ما يخبر به عن حال الطريق؛ لأنه كان قد ضله. ثم في ~~الكلام حذف، وهو أنه لما أبصر النار توجه إليها، وقال: سآتيكم منها بخبر ~~يعرف به الطريق. # قوله: { أو آتيكم بشهاب قبس } قرأ الكوفيون بتنوين " شهاب ~~" ، على أن " قبس " بدل من " شهاب " أو صفة له، لأنه بمعنى مقبوس، ~~كالقبض والنفض، والباقون بالإضافة على البيان، لأن الشهاب يكون قبسا ~~وغيره. # والشهاب: الشعلة، والقبس: القطعة منها يكون في عود وغير عود. ~~و " أو ": على بابها من التنويع، والطاء في " تصطلون ": يدل من تاء ~~الافتعال، لأنه من صلي بالنار. # فإن قيل: قال هاهنا: { سآتيكم منها بخبر } ، وفي موضع آخر، # لعلي آتيكم منها بخبر # [القصص: 29] وهما كالمتدافعين، لأن أحدهما ترج والآخر تيقن. # فالجواب: قد يقول الراجي إذا قوي رجاؤه: سأفعل كذا، وسيكون كذا، مع ~~تجويزه الخيبة. فإن قيل: كيف جاء بسين التسويف؟ # فالجواب: عدة لأهله أنه يأتيهم به، وإن أبطأ، أو كانت المسافة بعيدة، ~~وأدخل " أو " بين الأمرين المقصودين، يعني الرجاء على أنه إن لم يظفر ~~بهذين المقصودين، ظفر بأحدهما، إما هداية الطريق، وإما اقتباس النار، ثقة ~~منه بعادة الله تعالى لأنه لا يكاد ms6771 يجمع بين حرمانين على عبده. " ~~لعلكم تصطلون " تستدفئون من البرد. # قوله: " نودي " في القائم مقام الفاعل ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه ضمير موسى، وهو الظاهر، وفي " أن " حينئذ ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها المفسرة، لتقدم ماهو بمعنى القول. # والثاني: أنها الناصبة للمضارع، ولكن وصلت هنا بالماضي، وتقدم تحقيق ~~ذلك، وذلك على إسقاط الخافض، أي: نودي موسى بأن بورك. # الثالث: إنها المخففة، واسمها ضمير الشأن، و " بورك " خبرها، ولم يحتج ~~هنا إلى فاصل، لأنه دعاء، وقد تقدم نحوه في النور، في قوله: { أن ~~غضب } [النور: 9] - في قراءته فعلا ماضيا - قال الزمخشري: فإن قلت: ~~هل يجوز أن تكون المخففة من الثقيلة، والتقدير: بأنه بورك، والضمير ضمير ~~الشأن والقصة؟ # قلت: لا؛ لأنه لا بد من (قد)، فإن قلت: فعلى إضمارها؟ # قلت: لا يصح, لأنها علامة، والعلامة لا تحذف انتهى. # فمنع أن تكون مخففة لما ذكر، وهذا بناء منه على أن " بورك " خبر لا ~~دعاء، أما إذا قلنا إنه دعاءكما تقدم في النور فلا حاجة إلى (الفاصل كما ~~تقدم، وقد تقدم فيه استشكال، وهو الطلب أن لا يقع خبرا في هذا الباب، ~~فكيف وقع هذا خبرا ل (أن) المخففة، وهو دعاء. # الثاني من الأوجة الأول: ان القائم مقام) الفاعل نفس " أن بورك " ~~على حذف حرف الجر، أي: بأن بورك، ف (أن) حينئذ إما ناصبة في الأصل، ~~وإما مخففة. # الثالث: أنه ضمير المصدر المفهوم من الفعل، أي: نودي النداء، ثم فسر ~~بما بعده ومثله # ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه # [يوسف: 35]. # قوله: { من في النار } من قائم مقام الفاعل ل " بورك " ، ~~وبارك يتعدى بنفسه، ولذلك بني للمفعول، يقال: باركك الله، ~~وبارك عليك، وبارك فيك، وبارك لك، وقال الشاعر: # 3930 - فبوركت مولودا وبوركت ناشئا # وبوركت عند الشيب إذ أنت أشيب # وقال عبد الله بن الزبير: # 3931 - فبورك في بنيك وفي بنيهم # إذا ذكروا ونحن لك الفداء # وقال آخر: # 3932 - فبورك في الميت الغريب كما # بورك نبع الرمان والزيتون # فصل # والمراد ب " من " إما الباري تعالى، ms6772 وهو على حذف مضاف، أي من قدرته ~~وسلطانه في النار، وقيل المراد به موسى والملائكة، وكذلك ب " من ~~حولها " ، وقيل المراد ب " من " غير العقلاء وهو النور والأمكنة ~~التي حولها، فالأول مروي عن ابن عباس، وروى مجاهد عنه أنه قال: معناه ~~بوركت النار. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أيضا، قال: سمعت أبيا ~~يقرأ: { أن بوركت النار ومن حولها } و " من ": قد تأتي ~~بمعنى (ما) كقوله: # فمنهم من يمشي على بطنه # [النور: 45]، و (ما) قد تكون صلة في الكلام، كقوله: # جند ما هنالك # [ص: 11]، ومعناه: بورك من في النار وفيمن حولها وهم ~~الملائكة وموسى عليهم السلام، وقال الزمخشري: { بورك من في النار ~~}: بورك من في مكان النار ومن حولها: مكانها، ومكانها: هي البقعة التي ~~حصلت فيها، وهي البقة المذكورة في قوله تعالى: # من شاطىء الواد الأيمن في البقعة المباركة # [القصص: 30] وتدل عليه قراءة أبي. # قوله: " وسبحان الله " فيه أوجه: # أحدها: أنه من تتمة النداء: أي: نودي بالبركة وتنزيه رب العزة، أي: ~~نودي بمجموع الأمرين. # الثاني: أنه من كلام الله تعالى مخاطبا لنبينا محمد - صلى الله عليه ~~وسلم -، وهو على هذا اعتراض بين أثناء القصة. # الثالث: أن معناه وبورك من سبح الله، يعني أنه حذف (من) ~~وصلتها، وأبقى معمول الصلة، إذ التقدير: بورك من في النار ومن ~~حولها، ومن قال: سبحان الله و " سبحان " في الحقيقة ليس ~~معمولا لقال، بل لفعل من لفظه، وذلك الفعل هو المنصوب بالقول. # فصل # روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن في قوله: { بورك من في ~~النار } يعني: قدس من في النار، وهو الله، عنى به نفسه على معنى: ~~أنه نادى موسى منها، وأسمعه كلامه من جهتها، كما روي أنه مكتوب في ~~التوراة: " جاء الله من سيناء وأشرق من ساعير واستعلى من جبال فاران " ، ~~فمجيئه من سيناء بعثته موسى منها، ومن ساعير بعثته المسيح، ومن جبال ~~فاران بعثته المصطفى منها، وفاران: مكة. وهل كان ذلك نوره عز وجل؟ # قال سعيد بن جبير: كانت النار ms6773 بعينها، والنار إحدى حجب الله تعال، كما ~~جاء في الحديث: # " حجابه النار لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما ~~انتهى إليه بصره من خلقه " # والسبب الذي لأجله بوركت البقعة، وبورك من فيها وحواليها: حدوث هذا ~~الأمر العظيم فيها، وهو تكليم موسى وجعله رسولا، وإظهار المعجزات عليه، ~~ولهذا جعل الله أرض الشام موسومة بالبركات في قوله: # ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها # [الأنبياء: 7] وحقت أن تكون كذلك، فهي مبعث الأنبياء عليهم السلام ومهبط ~~الوحي، وكفاتهم أحياء وأمواتا. # ولما نزه نفسه، - وهو المنزه من كل سوء وعيب - تعرف إلى موسى بصفاته في ~~قوله: { يموسى إنه أنا الله العزيز الحكيم }. # في اسم " إن " وجهان: أظهرهما أنه ضمير الشأن ( " وأنا الله ~~" مبتدأ) وخبره، و " العزيز الحكيم " صفتان لله. # والثاني: أنه ضمير راجع إلى دل عليه ما قبله، يعني: إن مكلمك أنا، و ~~" الله " بيان ل " أنا " ، و " العزيز الحكيم ": صفتان للبيان ~~قاله الزمخشري. قال أبو حيان، وإذا حذف الفاعل وبني الفعل للمفعول فلا ~~يجوز أن يعود الضمير على ذلك المحذوف: إذ قد غير الفعل عن بنائه له ~~وعزم على أن لا يكون محدثا عنه، فعود الضمير إليه مما ينافي ذلك؛ إذ ~~يصير معتنى به. قال شهاب الدين: وفيه نظر، لأنه قد يلتفت إليه، وقد تقدم ~~ذلك في البقرة عند قوله: # فمن عفي له # [البقرة: 178]، ثم قال: # وأداء إليه # [البقرة: 178]، قيل: إلا الذي عفي له وهو ولي الدم ما تقدم تحريره ~~ولئن سلم ذلك، فالزمخشري لم يقل إنه عائد على ذلك الفاعل، إنما قال: ~~راجع إلى ما دل عليه ما قبله يعني من (السياق). # وقال أبو البقاء: يجوز أن يكون ضمير رب: أي: إن الرب أنا الله، فيكون ~~" أنا " فصلا أو توكيدا أو خبر إن، والله بدل منه. وقيل: الهاء في ~~قوله " إنه " عماد، وليست كناية، فإن قيل: هذا النداء قد يجوز أن يكون ~~من عند غير الله، فكيف علم موسى أنه من الله؟ # فالجواب: لأهل السنة فيه طريقان: الأول: أنه سمع الكلام المنزه عن ms6774 ~~مشابهة كلام المخلوقين، فعلم بالضرورة أنه صفة الله. # الثاني: قول أئمة ما وراء النهر، وهو أنه - عليه السلام - سمع الصوت من ~~الشجرة، فنقول: إنما عرف أن ذلك من الله تعالى لأمور: # أحدها: أن النداء إذا حصل في النار أو الشجرة، علم أنه من قبل الله ~~تعالى: لأن أحدا منا لا يقدر عليه، وهذا ضعيف، لاحتمال أن الشيطان دخل ~~في النار والشجرة، ثم نادى. # والثاني: يجوز في نفس النداء أن يكون قد بلغ في العظم مبلغا لا يكون ~~إلا معجزا، وهو أيضا ضعيف، لأنا لا نعرف مقادير قوى الملائكة ~~والشياطين، فلا قدر إلا ويجوز صدوره منهم. # وثالثها: أنه قد يقترن به معجز دل على ذلك، وقيل: إن النار كانت مشتعلة ~~في شجرة خضراء لم تحترق، فصار ذلك كالمعجزة وهذا أيضا في غاية الضعف ~~والبعد، لأنه كيف تنادي النار أو الشجرة، وتقول: يا موسى إني أنا ربك، أو ~~إني أنا الله رب العالمين!! ### || [27.10-14] # قوله: { وألق } عطف على ما قبله من الجملة الاسمية الخبرية، وقد ~~تقدم أن سيبويه لا يشترط تناسب الجمل، وأنه يجيز: جاء زيد ومن أبوك، ~~وتقدمت أدلته أول البقرة. # وقال الزمخشري: فإن قلت: علام عطف قوله: " وألق عصاك "؟ قلت: على ~~قوله: " بورك " لأن معنى: نودي أن بورك، وقيل له: ألق عصاك، والدليل ~~على ذلك قوله: " وأن ألق عصاك " ، بعد قوله: أن يا موسى إني أنا الله على ~~تكرير حرف التفسير، كما يقول: كتبت إليه أن حج واعتمر، وإن شئت، أن ~~حج وأن اعتمر. قال أبو حيان: وقوله إنه معطوف على " بورك " مناف ~~لتقديره، وقيل له: ألق عصاك، لأن هذه جملة معطوفة على " بورك " وليس ~~جزؤها الذي هو معمول، وقيل: معطوفا على " بورك " ، وإنما احتاج إلى ~~تقدير: وقيل له: ألق، ليكون جملة خبرية مناسبة للجملة الخبرية التي عطفت ~~عليها، كأنه يرى في العطف تناسب الجمل المتعاطفة. والصحيح أنه لا يشترط ~~ذلك، ثم ذكر مذهب سيبويه. # { فلما رآها تهتز كأنها جآن } ، وهي الحية الصغيرة ~~التي يكثر اضطرابها، سميت جانا، لأنها تستر ms6775 عن الناس. وقرأ الحسن، ~~والزهري، وعمرو بن عبيد " جأن " بهمزة مكان الألف، وقد تقدم تقرير هذا ~~عند # ولا الضآلين # [الفاتحة: 7] على لغة من يهرب من التقاء الساكنين، فيقول شأبة ~~ودأبة. " ولى مدبرا " هرب من الخوف، و " ولم يعقب ": لم ~~يرجع، يقال: عقب فلان: إذا رجع، وكل راجع معقب. # وقال قتادة: ولم يلتفت، فقال الله: { يموسى لا تخف إني لا ~~يخاف لدي المرسلون } ، يريد: إذا أمنتهم لا يخافون، وقيل: ~~المراد إذا أمرتهم بإظهار معجز أن لا يخافوا فيما يتعلق بإظهار ذلك، وإلا ~~فالمرسل قد يخاف لا محالة، لأن الخوف الذي هو شرط الإيمان لا يفارقهم، ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: # " أنا أخشاكم لله ". # قوله: " تهتز " جملة حالية من (هاء) " رآها " ، لأن الرؤية ~~بصرية، وقوله: " كأنها جان ": يجوز أن تكون حالا ثانية، وأن ~~تكون حالا من ضمير " تهتز " ، فيكون حالا متداخلة، وقوله: " ~~ولم يعقب " يجوز أن يكون عطفا على " ولى " ، وأن يكون حالا ~~أخرى، والمعنى: ولم يرجع على عقبه، كقوله: # 3933 - فما عقبوا إذ قيل هل من معقب # ولا نزلوا يوم الكريهة منزلا # قوله: { إلا من ظلم } فيه وجهان: # أحدهما: أنه استثناء منقطع، لأن المرسلين معصومون من المعاصي، وهذا ~~هو الظاهر الصحيح، والمعنى: لكن من ظلم من سائر الناس، فإنه يخاف فإن تاب ~~وبدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم. # والثاني: أنه متصل، وللمفسرين فيه عبارات، قال الحسن: إن موسى ظلم ~~بقتل القبطي، ثم تاب فقال: # رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي # [القصص: 22]. # وقال ابن جريح: قال الله لموسى: أخفتك لقتلك النفس، وقال: معنى الآية: ~~لا يخيف الله الأنبياء إلا بذنب يصيبه أحدهم، فإن أصابه أخافه حتى يتوب. # وقيل: محمول على ما يصدر من الأنبياء من ترك الأفضل. وقال بعض النحويين: ~~" إلا " هاهنا بمعنى ولا، يعني: لا يخاف لدي المرسلون ولا المذنبون ~~التائبون، كقوله تعالى: # لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ~~ظلموا # [البقرة: 150]. يعني ولا الذين ظلموا. وعن الفراء أنه متصل، لكن من جملة ~~محذوفة تقديره: وإنما يخاف غيرهم إلا ms6776 من ظلم. # ورده النحاس: بأنه لو جاز هذا لجاز: لا أضرب القوم إلا زيدا أي: ~~وإنما أضرب غيرهم إلا زيدا، وهذا ضد البيان والمجيء بما لا يعرف معناه. # وقدره الزمخشري ب " لكن " ، وهي علامة على أنه منقطع - وذكر كلاما ~~طويلا - فعلى الانقطاع يكون منصوبا فقط على لغة الحجاز، وعلى لغة تميم ~~يجوز فيه النصب والرفع على البدل من الفاعل قبله، وأما على الاتصال: ~~فيجوز فيه الوجهان على اللغتين، ويكون الاختيار البدل، لأن الكلام غير ~~موجب. # وقرأ أبو جعفر وزيد بن أسلم " ألا " بفتح الهمزة وتخفيف اللام - ~~جعلاها حرف تنبيه - و " من " شرطية، وجوابها: " فإني غفور " ~~والعامة على تنوين " حسنا " ، ومحمد بن عيسى الأصبهاني غير منون، ~~جعله فعلى مصدرا كرجعى، فمنعها الصرف لألف التأنيث، وابن مقسم بضم ~~الحاء والسين منونا، ومجاهد وأبو حيوة ورويت عن أبي عمرو بفتحهما، وتقدم ~~تحقيق القراءتين في البقرة. # قوله: " تخرج " الظاهر أنه جواب لقوله " أدخل " أي: إن ~~أدخلتها تخرج على هذه الصفة، وقيل: في الكلام حذف تقديره: ~~وادخل يدك تدخل، وأخرجها تخرج، فحذف من الثاني ما أثبته في ~~الأول، ومن الأول ما أثبته في الثاني، وهذا تقدير ما لا حاجة إليه. # قوله: " بيضاء " حال من فاعل " تخرج " ، و " من غير سوء " ~~يجوز أن يكون حالا أخرى أو من الضمير في " بيضاء " ، أو صفة ل " ~~بيضاء " والمراد بالجيب: جيب القميص، قال المفسرون كانت عليه مدرعة ~~من صوف لا كم لها ولا إزار، فأدخل يده في جيبه وأخرجها، فإذا هي تبرق مثل ~~البرق. قوله: " في تسع " فيه أوجه: # أحدها: أنه حال ثالثة، قاله أبو البقاء يعني من فاعل " تخرج " ، أي آية ~~في تسع آيات، كذا قدره. # الثاني: أنه متعلق بمحذوف، أي: اذهب في تسع آيات، وقد تقدم اختيار ~~الزمخشري كذلك عند ذكر البسملة، ونظره بقول الآخر: # 3934 - فقلت إلى الطعام فقال منهم # وقولهم: بالرفاء والبنين وجعل هذا التقدير أقرب وأحسن. # الثالث: أن يتعلق بقوله: " وألق عصاك وأدخل ". # قال الزمخشري: ويجوز أن يكون المعنى: وألق عصاك وأدخل يدك ~~في ms6777 تسع آيات، أي: في جملة تسع آيات. ولقائل أن يقول: كانت الآيات ~~إحدى عشرة منها اثنتان اليد والعصا، والتسع الفلق، والطوفان، ~~والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والطمسة، والجدب في بواديهم، ~~والنقصان من مزارعهم انتهى. # وعلى هذا تكون (في) بمعنى (مع) أي: هذه آية مع تسع آيات أنت مرسل بهن ~~إلى فرعون وقومه، لأن اليد والعصا حينئذ خارجتان من التسع، وكذا قال ابن ~~عطية، أعني أنه جعل " في تسع " متصلا ب " ألق " و " أدخل " ~~، إلا أنه جعل اليد والعصا من جملة التسع، وقال: تقديره: تمهد لك ~~ذلك وتيسر في تسع، وجعل في الزجاج (في) بمعنى (من)، قال كما تقول: خذ ~~لي من الإبل عشرا فيها فحلان، أي منها فحلان. # قوله: " إلى فرعون " هذا يتعلق بما تعلق به " في تسع " إذا لم ~~نجعله حالا، فإن جعلناه حالا علقناه بمحذوف، فقدره أبو البقاء مرسلا ~~إلى فرعون. وفيه نظر، لأنه كون مقيد، وسبقه إلى هذا التقدير الزجاج، ~~وكأنهما أرادا تفسير المعنى دون الإعراب. # وجوز أبو البقاء أيضا أن تكن صفة ل " آيات " ، وقدره: واصلة ~~إلى فرعون، وفيه ما تقدم. # قوله: " مبصرة " حال، ونسب الإبصار إليها مجازا، لأن بها يبصر، ~~وقيل: بل هي من أبصر المنقولة بالهمزة من بصر، أي: أنها تبصر غيرها لما ~~فيها من الظهور، ولكنه مجاز آخر غير الأول، وقيل: هو بمعنى مفعول، نحو " ~~ماء دافق " أي: مدفوق. # وقرأ علي بن الحسين وقتادة بفتح الميم والصاد، أي: على وزن أرض مسبعة، ~~ذات سباع، ونصبها على الحال أيضا، وجعلها أبو البقاء في هذه القراءة ~~مفعولا من أجله، وقد تقدم ذلك. ومعنى " مبصرة ": بينة واضحة. # { قالوا هذا سحر مبين } ظاهر. # قوله: { وجحدوا بها } أي: أنكروا الآيات، ولم يقروا أنها من عند ~~الله. # قوله: { واستيقنتها أنفسهم } يجوز أن تكون هذه الجملة ~~معطوفة على الجملة قبلها، ويجوز أن تكون حالا من فاعل " جحدوا " ، وهو ~~أبلغ في الذم، واستفعل هنا بمعنى " تفعل " ، نحو: استعظم واستكبر، ~~والمعنى: أنهم علموا أنها من عند الله، وفائدة ذكر الأنفس أنهم جحدوا ~~بألسنتهم ms6778 واستيقنوها في قلوبهم وضمائرهم، والاستيقان أبلغ من الإيقان. # قوله: { ظلما وعلوا } يجوز أن يكونا في موضع الحال، أي: ظالمين ~~عالين، وأن يكونا مفعولا من أجلهما، أي: الحامل على ذلك الظلم والعلو. # وقرأ عبد الله وابن وثاب والأعمش وطلحة: " وعليا " بكسر العين ~~واللام وقلب الواو ياء، وتقدم تحقيقه في " عتيا " في مريم، وروي عن ~~الأعمش وابن وثاب ضم العين كما في " عتيا ". # وقرىء: " وغلوا " بالغين المعجمة، وهو قريب من هذا المعنى، وأي ظلم ~~أفحش من ظلم من استيقن أنها آيات بينة من عند الله ثم كابر بتسميتها ~~سحرا بينا؟ # والعلو: الترفع عن الإيمان، والشرك وعدم الإيمان بما جاء به موسى، ~~كقوله: # فاستكبروا وكانوا قوما عالين # [المؤمنون: 46]. # { فانظر كيف كان عاقبة المفسدين }. قوله: { كيف ~~كان عاقبة } " كيف " خبر مقدم، و " عاقبة " اسمها، والجملة ~~في محل نصب على إسقاط الخافض لأنها معلقة ل " انظر " بمعنى ~~تفكر. ### || [27.15-19] # قوله تعالى: { ولقد آتينا داوود وسليمان علما } ~~الآية.. والمراد بالعلم أي: علم القضاء ومنطق الطير والدواب وتسبيح ~~الجبال، والمعنى: طائفة من العلم، او علما سنيا عزيزا. # قوله: " وقالا " ، قال الزمخشري: فإن قلت: أليس هذا موضع الفاء دون ~~الواو، كقولك: أعطيته فشكر، ومنعته فصبر؟ قلت: بلى، ولكن عطفه بالواو ~~إشعار بأن ما قالاه بعض ما أحدث فيهما إيتاء العلم وشيء من مواجبه، ~~فأضمر ذلك ثم عطف عليه التحميد، قال: ولقد آتيناهما علما فعملا به ~~وعلماه وعرفاه حق معرفته، وقالا الحمد لله، انتهى. # وإنما نكر " علما " تعظيما له، أي علما سنيا، أو دلالة على ~~التبعيض، لأنه قليل جدا بالنسبة إلى علمه تعالى. # فصل # المعنى: { وقالا الحمد لله الذي فضلنا } بالنبوة ~~والكتاب وتسخير الشياطين، والجن والإنس { على كثير من عباده ~~المؤمنين } ، ولم يفضلوا أنفسهم على الكل، وذلك يدل على حسن ~~التواضع. قوله: { وورث سليمان داوود } ، قال الحسن: المال ~~لأن النبوة عطية مبتدأة لا تورث، وقال غيره: بل النبوة والعلم والملك دون ~~سائر أولاده، ولو تأمل الحسن لعلم أن المال لا يورث من الأنبياء، لقوله ~~عليه السلام: # " نحن معاشر الأنبياء ms6779 لا نورث ما تركناه صدقة " # وأيضا فإن المال إذا ورثه الولد فهو أيضا عطية مبتدأة من الله تعالى، ~~ولذلك يرثه الولد إذا كان مؤمنا، ولا يرث إذا كان كافرا أو قاتلا، ولا ~~كذلك النبوة، لأن الموت لا يكون سببا لنبوة الولد، وكان لداود تسعة عشر ~~ابنا، واعطي سليمان ما أعطي داود من الملك، وزيد له تسخير الريح وتسخير ~~الشياطين، قال مقاتل: كان سليمان أعظم ملكا من داود وأقضى منه، وكان ~~داود أشد تعبدا من سليمان، وكان سليمان شاكرا لنعم الله. # { وقال يأيها الناس علمنا منطق الطير } ، يعني ~~صوته، سمي صوت الطير منطقا، لحصول الفهم منه كما يفهم من كلام الناس، ~~روي عن كعب قال: صاح ورشان عند سليمان عليه السلام، فقال: أتدرون ما ~~يقول؟ قالوا لا، قال: إنه يقول: لدوا للموت، وابنوا للخراب، وصاحت فاختة، ~~فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا لا، قال فإنها تقول: ليت ذا الخلق لم ~~يخلقوا، وصاح الطاووس فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا لا، قال: فإنه يقول: ~~كما تدين تدان، قال: وصاح هدهد، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا لا، قال: ~~فإنه يقول: استغفروا الله يا مذنبين، وصاحت طيطوى، فقال أتدرون ما تقول؟ ~~قالوا لا، قال فإنه يقول: كل حي ميت، وكل جديد بال وصاح خطاف، فقال: ~~أتدرون ما يقول؟ قالوا لا، قال: فإنها تقول: سبحان ربي الأعلى (ملء سمائة ~~وأرضه، وصاح قمري، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا لا، قال: فإنه يقول: ~~سبحان ربي الأعلى)، قال: والغراب يدعو على العشار، والحدأة تقول: # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص: 88]، والقطاة تقول: من سكت سلم، والببغاء: ويل لمن ~~الدنيا همه، والضفدع يقول: سبحان ربي القدوس، والبازي يقول: ~~سبحان ربي وبحمده. وعن مكحول قال: صاح دراج عند سليمان، فقال: أتدرون ~~ما يقول؟ قالوا لا، قال: فإنه يقول: # الرحمن على العرش استوى # [طه: 5]. # قوله: { وأوتينا من كل شيء } تؤتى الأنبياء والملوك، قال ابن ~~عباس: من أمر الدنيا والآخرة. وقال مقاتل: يعني النبوة والملك وتسخير ~~الجن والشياطين والريح { إن هذا لهو الفضل المبين ms6780 } ، ~~والمراد بقوله: { أوتينا من كل شيء } كثرة ما أوتي، لأن كثرة ~~المشاركة سبب لجواز الاستعارة، فلا جرم يطلق لفظ الكل على الكثرة، كقوله: # وأوتيت من كل شيء # [النمل: 23] وقوله: { إن هذا لهو الفضل المبين } ، ~~أي: الزيادة الظاهرة على ما أعطي غيرنا، روي أن سليمان أعطي ملك مشارق ~~الأرض ومغاربها، فملك سبعمائة (سنة) وستة أشهر، ملك جميع أهل الدنيا من ~~الجن والإنس والدواب والطير والسباع، وأعطي على ذلك منطق كل شيء، وفي ~~زمانه صنعت الصنائع العجيبة. # فقوله: { إن هذا لهو الفضل المبين } تقرير لقوله: { ~~الحمد لله الذي فضلنا } والمقصود منه: الشكر والمحمدة، ~~كما قال عليه السلام: # " أنا سيد ولد آدم ولا فخر ". # فإن قيل: كيف قال " علمنا " و " أوتينا " ، وهو كلام المتكبر؟ ~~فالجواب من وجهين: # الأول: أن يريد نفسه وأباه. # والثاني: أن هذه النون يقال لها نون الواحد المطاع، وكان ملكا مطاعا. # قوله: " وحشر لسليمان ": وجمع لسليمان جنوده من الجن والإنس ~~والطير في مسير له، فقوله: " من الجن " وما بعده بيان ل " جنوده " ~~فيتعلق بمحذوف، ويجوز أن يكون هذا الجار حالا، فيتعلق بمحذوف أيضا. # قوله: " فهم يوزعون " أي: يمنعنون ويكفون، والوزع: الكف والحبس، ~~يقال: وزعه يزعه فهو وازع وموزوع، وقال عثمان - رضي الله عنه -: " ما ~~يزع السلطان أكثر مما يزع القرآن " ، وعنه: " لا ~~بد للقاضي من وزعة " وقال الشاعر: # 3935 - ومن لم يزعه لبه وحياؤه # فليس له من شيب فوديه وازع # وقوله: { أوزعني أن أشكر } بمعنى ألهمني من هذا، لأن ~~تحقيقه: اجعلني من حيث أزع نفسي عن الكفر فقوله: " فهم يوزعون " ~~معناه: يحبسون، وهذا لا يكون إلا إذا كان في كل قبيل منها وازع متسلط على ~~من يرده ويكفه. قال قتادة: كان كل صنف من جنوده وزعة ترد أولها على آخرها ~~لئلا يتقدمون في المسير، والوازع: الحابس والنقيب، وقال مقاتل يوزعون ~~يساقون، وقال السدي: يوقفون، وقيل يجمعون. # قوله: " حتى إذا " في المغيا ب " حتى " وجهان: # أحدهما: هو " يوزعون " ، لأنه مضمن معنى فهم يسيرون ممنوعا بعضهم ~~من مفارقة بعض حتى إذا. # والثاني: ms6781 أنه محذوف، أي فساروا حتى وتقدم الكلام في حتى الداخلة على ~~إذا، هل هي حرف ابتداء أو حرف جر. # قوله: " على وادي " متعلق ب " أتوا " ، وإنما عدي ب " على " ~~، لأن الواقع كذا، لأنهم كانوا محمولين على الريح، فهم مستعلون. وقيل: ~~هو من قولهم: أتيت عليه، أي استقصيته إلى آخره، والمعنى أنهم قطعوا ~~الوادي كله وبلغوا آخره. # ووقف القراء كلهم على " واد " دون ياء اتباعا للرسم، ولأنها محذوفة ~~لفظا لالتقاء الساكنين في الوصل، ولأنها قد حذفت حيث لم تحذف لالتقاء ~~الساكنين (نحو # جابوا الصخر بالواد # [الفجر: 9] فحذفها وقفا، وقد عهد حذفها دون التقاء الساكنين)، فحذفها ~~عند التقاء الساكنين أولى، إلا الكسائي، فإنه وقف بالياء، قال: لأن ~~الموجب للحذف إنما هو التقاء الساكنين بالوصل، وقد زال، فعادت اللام، ~~واعتذر عن مخالفة الرسم بقوة الأصل. # والنمل: اسم جنس معروف واحده نملة، ويقال: نملة ونمل بضم ~~النون وسكون الميم، ونملة ونمل بضمهما، ونملة بالفتح، والضم ~~بوزن سمرة، ونمل بوزن رجل، واشتقاقه من: التنمل، لكثرة حركته، ومنه ~~قيل للواشي: المنمل، يقال: أنمل بين القوم منمل، أي: وشى ~~ونم، لكثرة تردده، وحركته في ذلك، قال: # 3936 - ولست بذي فيهم # ولا منمش منهم منمل # ويقال أيضا: نمل ينمل، فهو نمل ونمال، وتنمل القوم: ~~تفرقوا للجميع تفرق النمل، وفي المثل: " أجمع من نملة " ~~والنملة أيضا: قرحة تخرج في الجنب، تشبيها بها في الهيئة، والنملة ~~أيضا شق في الحافر، ومنه: فرس منمول القوائم، والأنملة: طرف الإصبع ~~من ذلك؛ لدقتها وسرعة حركتها، والجمع: أنامل. # فصل # قال كعب: كان سليمان إذا سار بعسكره حملته الريح تهوي بهم فسار من اصطخر ~~إلى اليمن، فمر على مدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فقال سليمان: ~~هذه دار هجرة نبي الله في آخر الزمان، طوبى لمن آمن به، وطوبى لمن اتبعه، ~~ورأى حول البيت أصناما تعبد من دون الله، فلما جاوز سليمان البيت بكى ~~فأوحى الله إلى البيت: ما يبكيك؟ قال: يا رب أبكاني أن هذا نبي من ~~أنبيائك وقوم من أوليائك مروا علي فلم ms6782 يهبطوا ولم يصلوا عندي والأصنام ~~تعبد حولي من دونك، فأوحى الله إليه، لا تبك، فإني سوف أملأك وجوها ~~سجدا، وأنزل فيك قرآنا جديدا، وأبعث منك في آخر الزمان أحب أنبيائي ~~إلي وأجعل فيك عمارا من خلقي يعبدونني، وأفرض على عبادي فريضة يزفون ~~إليك زفيف النسور إلى أوكارها، ويحنون إليك حنين الناقة إلى ولدها ~~والحمامة إلى بيضها، وأطهرك من الأوثان وعبدة الشيطان، ثم مضى سليمان حتى ~~مر بوادي السدير من الطائف، فأتى على وادي النمل، هكذا قال كعب إنه واد ~~بالطائف، وقال مقاتل: إنه واد بالشام كثير النمل، وقيل واد كان يسكنه ~~الجن، وأولئك النمل مراكبهم. # قوله: " قالت نملة " هذه النملة هنا مؤنثة حقيقة، بدليل لحاق ~~علامة التأنيث فعلها، لأن نملة تطلق على الذكر وعلى الأنثى، فإذا أريد ~~تمييز ذلك قيل: نملة ذكر، ونملة أنثى، نحو: حمامة ويمامة. وحكى ~~الزمخشري عن أبي حنيفة - رحمه الله - أنه وقف على قتادة وهو يقول: سلوني، ~~فأمر من سأله عن نملة سليمان: هل كانت ذكرا أو أنثى، فلم يجب، فقيل لأبي ~~حنيفة في ذلك، فقال: كانت أنثى، واستدل بلحق العلامة. # قال الزمخشري: وذلك أن النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على المذكر ~~والمؤنث، فيميز بينهما بعلامة، نحو قولهم: حمامة ذكر وحمامة أنثى، وهو ~~وهي، انتهى. # وقد رد هذا أبو حيان، فقال: ولحاق التاء في " قالت " لا يدل على أن ~~النملة مؤنثة، بل يصح أن يقال في المذكر: قالت نملة؛ لأن نملة وإن كانت ~~بالتاء هو مما لا يتميز فيه المذكر من المؤنث، وما كان كذلك كاليمامة ~~والقملة مما بينه في الجمع وبين واحدة تاء التأنيث من الحيوان، فإنه يخبر ~~عنه إخبار المؤنث، (ولا يدل كونه يخبر عنه إخبار المؤنث) على أنه ذكر أو ~~أنثى، لأن التاء دخلت فيه للفرق لا للدلالة على التأنيث الحقيقي، بل دالة ~~على الواحد من هذا الجنس، قال: وكان قتادة بصيرا بالعربية، وكونه أفحم ~~يدل على معرفته باللسان إذ علم أن النملة يخبر عنها إخبار المؤنث وإن ~~كانت تنطلق على الأنثى ms6783 والذكر إذ لا يتميز فيه أحد هذين، ولحاق العلامة ~~لا يدل، فلا يعلم التذكير والتأنيث إلا بوحي من الله، قال: وإنما استنباط ~~تأنيثه من كتاب الله ب " قالت " ، ولو كان ذكرا لقيل: " قال " فكلام ~~النحاة على خلافه، وأنه لا يخبر عنه إلا إخبار المؤنث، سواء كان ذكرا أم ~~أنثى. # قال: وأما تشبيه الزمخشري النملة بالحمامة والشاة، فبينهما قدر مشترك ~~يتميز فيهما المذكر من المؤنث فيمكن أن تقول: حمامة ذكر، وحمامة أنثى ~~فتميزه بالصفة، وأما تميزه ب " هو " و " هي " فإنه لا يجوز، لا تقول هو ~~الحمامة، ولا هو الشاة، وأما النملة والقملة فلا يتميز فيه المذكر من ~~المؤنث، ولا يجوز فيه في الإخبار إلا التأنيث وحكمه حكم المؤنث بالتاء من ~~الحيوان نحو: المرأة، أو غير العاقل كالدابة، إلا إن وقع فصل بين الفعل ~~وبين ما أسند إليه من ذلك، فيجوز أن تلحق العلامة وأن لا تلحقها، على ما ~~تقرر في علم العربية. انتهى. # قال شهاب الدين: اما ما ذكره ففيه نظر، من حيث إن التأنيث إما لفظي أو ~~معنوي، واللفظي لا يعتبر (في لحاق العلامة) البتة، بدليل أنه لا يجوز ~~(قامت ربعة وأنت تعني رجلا، وكذلك) لا يجوز: قامت طلحة، ولا حمزة - ~~على مذكر - فتعين أن يكون اللحاق إنما هو للتأنيث المعنوي، وإنما يعتبر ~~لفظ التأنيث والتذكير في باب العدد على معنى خاص أيضا، وهو أنا ننظر إلى ~~ما عاملت العرب ذلك اللفظ به من تذكير أو تأنيث من غير نظر إلى مدلوله، ~~فهناك له هذا الاعتبار، وتحقيقه هنا يخرجنا عن المقصود وإنما نبهتك على ~~القدر المحتاج إليه. # وأما قوله: وأما النملة والقملة فلا يتميز، يعني لا يتوصل لمعرفة ~~الذكر منهما ولا الأنثى بخلاف الحمامة والشاة، فإن الاطلاع على ذلك ممكن، ~~فهو أيضا ممنوع إذ قد يمكن الاطلاع على (ذلك، وأن الاطلاع على ذكورية ~~الحمامة والشاة أسهل من الاطلاع على) ذكورية النملة والقملة، ومنعه أيضا ~~أن يقال هو الشاة وهو الحمامة ممنوع. # وقرأ الحسن وطلحة ومعتمر بن سليمان: " النمل " و ms6784 " نملة " بضم ~~الميم وفتح النون بزنة رجل وسمرة، وسليمان التيمي بضمتين فيهما، وتقدم ان ~~ذلك لغات في الواحد والجمع. قوله " لا يحطمنكم " ، فيه وجهان: # أحدهما: أنه نهي. # والثاني: أنه جواب للأمر. # وإذا كان نهيا ففيه وجهان: # أحدهما: أنه نهي مستأنف لا تعلق له بما قبله من حيث الإعراب، وإنما هو ~~نهي للجنود في اللفظ، وفي المعنى للنمل، أي لا تكونوا بحيث يحطمونكم، ~~كقولهم: لا أرينك ههنا. # والثاني: أنه بدل من جملة الأمر قبله، وهي " ادخلوا " ، وقد تعرض ~~الزمخشري لذلك، فقال: فإن قلت: لا يحطمنكم ما هو؟ قلت يحتمل أن يكون ~~جوابا للأمر، وأن يكون نهيا بدلا من الأمر، والذي جوز أن يكون بدلا ~~منه أنه في معنى: لا تكونوا حيث أنتم فيحطمنكم، على طريقة: لا ~~أرينك هاهنا، أرادت: لا يحطمنكم جنود سليمان، فجاءت بما هو أبلغ، ~~ونحوه: # 3937 - عجبت من نفسي ومن إشفاقها # قال أبو حيان: أما تخريجه على أنه جواب الأمر، فلا يكون ذلك إلا على ~~قراءة الأعمش، فإنه مجزوم مع أنه يحتمل أن يكون استئناف نهي يعني أن ~~الأعمش قرأ: " لا يحطمكم " بجزم الميم دون نون توكيد، قال: وأما ~~مع وجود نون التوكيد فلا يجوز ذلك إلا إن كان في شعر، وإذا لم يجز ذلك في ~~جواب الشرط إلا في الشعر فأحرى أن لا جوز في جواب الأمر إلا في الشعر، ~~وكونه جواب الأمر متنازع فيه على ما قرر في علم النحو. ومثال مجيء النون ~~في جواب الشرط قوله الشاعر: # 3938 - نبتم نبات الخيزرانة في الثرى # حديثا متى ما يأتك الخير ينفعا # وقول الآخر: # 3939 - فمهما تشأ منه فزارة تعطكم # ومهما تشأ منه فزارة تمنعا # قال سيبويه: وهو قليل في الشعر شبهوه بالنهي حيث كان مجزوما غير واجب، ~~قال: وأما تخريجه على البدل فلا يجوز، لأن مدلول " لا يحطمنكم " ~~مخالف لمدلول " ادخلوا " ، وأما قوله: لأنه بمعنى لا تكونوا حيث أنتم ~~فيحطمنكم، فتفسير معنى لا إعراب، والبدل من صفة الألفاظ، نعم لو كان ~~اللفظ القرآني: لا تكونوا بحيث لا ms6785 يحطمنكم، لتخيل فيه البدل، لأن ~~الأمر بدخول المساكين نهي عن كونهم بظاهر الأرض. # وأما قوله: إنه أراد لا يحطمنكم جنود سليمان إلى آخره، فيسوغ زيادة ~~الأسماء، وهو لا يجوز، بل الظاهر إسناد الحطم إلى جنوده، وهو على حذف ~~مضاف، أي: خيل سليمان وجنوده، إو نحو ذلك مما يصح تقديره، انتهى. # أما منعه كونه جواب الأمر من أجل النون، فقد سبقه إليه أبو البقاء، ~~فقال: وهو ضعيف، لأن جواب الشرط لا يؤكد بالنون في الاختيار. وأما منعه ~~البدل بما ذكر فلا نسلم تغاير المدلول بالنسبة لما يؤول إليه المعنى. ~~وأما قوله: فيسوغ زيادة الأسماء فهو لم يسوغ ذلك، وإنما فسر المعنى - ~~وعلى تقدير ذلك - فقد قيل به شائعا. وجاء الخطاب في قولها " ادخلوا " ~~كخطاب العقلاء لما عوملوا معاملتهم. وقرأ أبي: { ادخلن ~~مساكنكن لا يحطمنكن } - بالنون الخفيفة - جاء به على الأصل. ~~وقرأ شهر به حوشب: " مسكنكم " بالإفراد وقرأ الحسن وأبو رجاء وقتادة ~~وعيسى الهمداني بضم الياء وفتح الحاء وتشديد الطاء والنون مضارع حطمه ~~بالتشديد. وقرأ الحسن أيضا قراءتان: فتح الياء وتشديد الطاء مع سكون ~~الحاء وكسرها والأصل: يحطمنكم، فأدغم وإسكان الحاء مشكل تقدم نظيره ~~في " لا يهدي " ونحوه، وقرأ ابن أبي إسحاق ويعقوب وأبو عمرو في رواية ~~بسكون نون التوكيد. والحطم: الكسر، يقال منه: حطمته، ثم استعمل لكل كسر ~~معناه، والحطام: ما تكسر يبسا وغلب على الأشياء التافهة، والحطم: ~~السائق السريع، كأنه يحطم الإبل، قال: # 3940 - قد لفها الليل بسواق حطم # ليس براعي إبل ولا غنم # ولا بجزار ظهر وضم # والحطمة: من دركات النار، ورجل حطمة للأكول، تشبيها لبطنه ~~بالنار، كقوله: # 3941 - كأنما في جوفه تنور # وقوله: " وهم لا يشعرون " جملة حالية. # فصل # قال الشعبي: كانت تلك النملة ذات جناحين، فنادت { يأيها النمل ~~ادخلوا مساكنكم } ، ولم تقل: ادخلن، لأنها لما جعلت لهم قولا ~~كالآدميين خوطبوا بخطاب الآدميين، " لا يحطمنكنم " لا يكسرنكم ~~سليمان وجنوده وهم لا يشعرون، فسمع سليمان قولها، وكان لا يتكلم خلق إلا ~~حملت الريح ذلك فألقته في مسامع سليمان. فإن ms6786 قيل: كيف يتصور الحطم من ~~سليمان وجنوده، وكانت الريح تحمل سليمان وجنوده على بساط بين السماء ~~والأرض؟ قيل: كانت جنوده ركبانا وفيهم مشاة على الأرض تطوى بهم، وقيل ~~يحتمل أن يكون هذا قبل تسخير الله الريح لسليمان. # وقال المفسرون: علم النمل أن سليمان نبي ليس فيه جبرية ولا ظلم، ومعنى ~~الآية: أنكم لو لم تدخلوا مساكنكم وطئوكم ولم يشعروا بكم، وروي أن سليمان ~~لما دخل وادي النمل حبس جنده، حتى دخل النمل بيوتهم. قال أهل المعاني: في ~~كلام هذه النملة أنواع من البلاغة: نادت، ونبهت، وسمت، وأمرت، ونصت، ~~وحذرت، وخصت، وعمت، وأشارت، وأعذرت، ووجهه: نادت: " يا " نبهت: " ها " ~~سمت: " النمل " ، أمرت " ادخلوا " ، نصت: " مساكنكم " ، حذرت: " لا ~~يحطمنكم " ، خصت: " سليمان " ، عمت و " جنوده " ، أشارت: " وهم " ، ~~أعذرت: " لا يشعرون ". # قوله: " ضاحكا " قيل: هي حال مؤكدة لأنها مفهومة من (تبسم)، وقيل: بل ~~هي حال مقدرة، فإن التبسم ابتداء الضحك، وقيل: لما كان التبسم قد يكون ~~للغضب، ومنه تبسم تبسم الغضبان، أي تضاحكا مسببا له، قال ~~عنترة: # 3942 - لما رآني قد قصدت أريده # أبدى نواجذه لغير تبسم # وتبسم: تفعل بمعنى بسم المجرد، قال: # 3943 - وتبسم عن ألمى كأن منورا # تخلل حر الرمل دعص له ندي # وقال بعض المولدين: # 3944 - كأنما تبسم عن لؤلؤ # منضد أو برد أو أقاح # وقرأ ابن السميفع: " ضحكا " مقصورا، وفيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه مصدر مؤكد معنى تبسم، لأنه بمعناه. # والثاني: أنه في موضع الحال، فهو في المعنى كالذي قبله. # الثالث: أنه اسم فاعل كفرح، وذلك لأن فعله على فعل بكسر العين، وهو ~~لازم، فهو كفرح وبطر. قوله: " أن أشكر " مفعول ثان ل " أوزعني " ، لأن ~~معناه: ألهمني، وقيل معناه: اجعلني أزع شكر نعمتك، أي: أكفه وأمنعه حتى ~~لا ينفلت مني، فلا أزال شاكرا، وتفسير الزجاج له بامنعني أن أكفر نعمتك ~~من باب تفسير المعنى باللازم. # فصل # قال الزجاج أكثر ضحك الأنبياء التبسم، وقوله: " ضاحكا " أي: مبتسما، ~~وقيل: كان أوله التبسم وآخره الضحك، قال مقاتل: كان ضحك سليمان من قول ~~النملة ms6787 تعجبا، لأن الإنسان إذا رأى ما لا عهد له به تعجب وضحك، وإنما ~~ضحك لأمرين: # أحدهما: إعجابه بما دل من قولها على ظهور رحمته ورحمة جنوده وعلى شهرة ~~حاله وحالهم في التقوى، وهو قولها: " وهم لا يشعرون ". # والثاني: سروره بما آتاه الله ما له يؤت أحدا، من سمعه كلام النملة ~~وإحاطته بمعناه. ثم حمد سليمان ربه على ما أنعم عليه، فقال: { رب ~~أوزعني } ألهمني. { أن أشكر نعمتك التي أنعمت ~~علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه ~~وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين } # وهذا يدل على أن دخول الجنة برحمته وفضله، لا باستحقاق العبد، والمعنى: ~~أدخلني في جملتهم، وأثبت اسمي في أسمائهم واحشرني في زمرتهم، قال ابن ~~عباس: يريد مع إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ومن بعدهم من النبيين. فإن ~~قيل: درجات الأنبياء أفضل من درجات الأولياء والصالحين، فما السبب في أن ~~الأنبياء يطلبون جعلهم من الصالحين، فقال يوسف: # توفني مسلما وألحقني بالصالحين # [يوسف: 101]، وقال سليمان: { وأدخلني برحمتك في عبادك ~~الصالحين }؟. # فالجواب: الصالح الكامل هو الذي لا يعصي الله ولا يهم بمعصية، وهذه درجة ~~عالية. ### || [27.20-25] # قوله تعالى: { وتفقد الطير } الآية " تفقد الطير ": ~~طلبها وبحث عنها، والتفقد طلب ما فقد، والمعنى طلب ما فقد من الطير، ~~واختلفوا فيما تفقده من أجله، فقيل: لأنه أخل بالنوبة التي كان ينوبها، ~~وقيل: لأن هندسة الماء كانت لديه، وكان يرى الماء تحت الأرض كما يرى في ~~الزجاجة وكان يعرف قربه وبعده في عمق الأرض. قال سعيد بن جبير: لما ذكر ~~ابن عباس هذا قال له نافع بن الأزرق: يا وصاف، انظر ما يقول: إن الصبي ~~منا يضع الفخ ويحثو عليه التراب، فيجيء الهدهد ولا يبصر الفخ، حتى يقع في ~~عنقه، فقال له ابن عباس: ويحك إذا نزل القضاء والقدر ذهب اللب وعمي ~~البصر، وهذا القول فيه نظر، لأن الجن أعرف بالأرض من الهدهد، فإنهم ~~سكانها، وقيل: لأنه كان يظله من الشمس. # قوله: { مالي لا أرى الهدهد } ، هذا استفهام توقيف ولا حاجة ~~إلى ادعاء القلب وأن الأصل: ما ms6788 للهدهد لا أراه؟ إذ المعنى قوي دونه، ~~والهدهد معروف، وتصغيره على هديهد، وهو القياس، وزعم بعض النحويين أنه ~~تقلب ياء تصغيره ألفا، فيقال: هداهد، وأنشد: # 3945 - كهداهد كسر الرماة جناحه # يدعوا بقارعة الطريق هديلا # كما قالوا: دوابة وشوابة، في: دويبة وشويبة، ورده بعضهم ~~بأن الهداهد الحمام الكثير ترجيع الصوت. تزعم العرب أن جارحا في زمن ~~الطوفان اختطف فرخ حمامة تسمى الهديل، قالوا: فكل حمامة تبكي فإنما تبكي ~~على الهديل. # قوله: " أم كان " ، هذه " أم " المنقطعة، وتقدم الكلام فيها، وقال ابن ~~عطية: قوله { مالي لا أرى الهدهد } مقصد الكلام: الهدهد غاب، ~~ولكنه أخذ اللازم عن مغيبه وهو أن لا يراه، فاستفهم على جهة التوقيف عن ~~اللازم، وهذا ضرب من الإيجاز، والاستفهام الذي في قوله " ما لي " ناب ~~مناب الألف التي تحتاجها " أم " ، قال أبو حيان: فظاهر كلامه أن " أم " ~~متصلة، وأن الاستفهام الذي في قوله: " ما لي " ناب مناب ألف الاستفهام، ~~فمعناه: أغاب عني الآن فلم أره حال التفقد أم كان ممن غاب قبل، ولم أشعر ~~بغيبته؟. # قال شهاب الدين: ولا يظن بأبي محمد ذلك، فإنه لا يجهل أن شرط المتصلة ~~تقدم همزة الاستفهام أو التسوية لا مطلق الاستفهام. # قوله: " عذابا " ، أي تعذيبا، فهو اسم مصدر أو مصدر على حذف الزوائد ~~ك # أنبتكم من الأرض نباتا # [نوح: 17]، وقد كتبوا: " أو لأذبحنه " بزيادة ألف بين لام ألف ~~والذال، ولا يجوز أن تقرأ بها، وهذا كما تقدم أنهم كتبوا: # ولأوضعوا خلالكم # [التوبة: 47] بزيادة ألف بين لام ألف والواو. # قوله: " أو ليأتيني " ، قرأ ابن كثير بنون التوكيد المشددة بعدها ~~نون الوقاية، وهذا هو الأصل، واتبع مع ذلك رسم مصحفه، والباقون بنون ~~مشددة فقط، والأظهر أنها نون التوكيد الشديدة، توصل بكسرها لياء ~~المتكلم، وقيل: بل هي نون التوكيد الخفيفة أدغمت في نون الوقاية، وليس ~~بشيء لمخالفة الفعلين قبله، وعيسى بن عمر بنون مشددة مفتوحة لم يصلها ~~بالياء. # فصل # قال المفسرون: معنى الآية: ما للهدهد لا أراه، تقول العرب: ما لي أراك ~~كئيبا؟ فقال: ما لي ms6789 لا أرى الهدهد، على تقدير أنه مع جنوده وهو لا يراه، ~~ثم أدركه الشك في غيبته فقال: أم كان من الغائبين، يعني أكان من ~~الغائبين؟ والميم صلة، وقيل: أم بمعنى بل، ثم أوعد على غيبته، فقال: { ~~لأعذبنه عذابا شديدا } ، فقيل: بنتف ريشه ووضعه لهوام ~~الأرض، وقيل: بحبسه في القفص، وقيل: بأن يفرق بينه وبين إلفه، وقيل: ~~بحبسه مع ضده، { أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان ~~مبين } حجة ظاهرة. # قوله: " فمكث " قرأ عاصم بفتح الكاف، والباقون بضمها، وهما لغتان، ~~إلا أن الفتح أشهر، ولذلك جاءت الصفة على ماكث، دون مكيث، واعتذر عنه بأن ~~فاعلا قد جاء لفعل بالضم، نحو: حمض فهو حامض، وخثر فهو خاثر، ~~وفره فهو فاره. # قوله: " غير بعيد " ، يجوز أن يكون صفة للمصدر، أي مكثا غير بعيد، ~~وللزمان أي: زمانا غير بعيد، وللمكان أي: مكانا غير بعيد، والظاهر أن ~~الضمير في مكث للهدهد، وقيل: لسليمان - عليه السلام - فقال: { أحطت ~~بما لم تحط به } ، والإحاطة: العلم بالشيء من جميع جهاته، يقول: ~~علمت ما لم تعلم، وبلغت ما لم تبلغه أنت ولا جنودك. # قوله: " من سبأ " ، قرأ البزي، وأبو عمرو بفتح الهمزة، جعلاه ~~اسما للقبيلة أو البقعة، فمنعاه من الصرف للعلمية والتأنيث، وعليه قوله: # 3946 - من سبأ الحاضرين مأرب إذ # يبنون من دون سيله العرما # وقرأ قنبل بسكون الهمزة، كأنه نوى الوقف وأجرى الوصل مجراه، والباقون ~~بالجر والتنوين، جعلوه اسما للحي او المكان، وعليه قوله: # 3947 - الواردون وتيم في ذرى سبأ # قد عض أعناقهم جلد الجواميس # وهذا الخلاف جار بعينه في سورة سبأ. # وفي قوله: { من سبإ بنبإ } فيه من البديع التجانس، وهو: تجنيس ~~التصريف، وهو عبارة عن انفراد كل كلمة من الكلمتين عن الأخرى بحرف كهذه ~~الآية، ومثله: # تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم ~~تمرحون # [غافر: 75]. # وفي الحديث: # " الخيل معقود بنواصيها الخير " # وقال آخر: # 3948 - لله ما صنعت بنا # تلك المعاجر والمحاجر # وقال الزمخشري: وقوله { من سبإ بنبإ } من جنس الكلام الذي سماه ~~المحدثون البديع، وهو من محاسن الكلام ms6790 الذي يتعلق باللفظ بشرط أن يجيء ~~مطبوعا، أو يصنعه عالم بجوهر هذا الكلام، يحفظ معه صحة المعنى وسداده، ~~ولقد جاء هنا زائدا على الصحة، فحسن وبدع لفظا ومعنى، ألا ترى أنه لو ~~وضع مكان: " بنبأ ": " بخبر " لكان المعنى صحيحا، وهو كما جاء أصح لما ~~في النبأ من الزيادة التي يطابقها وصف الحال. # يريد بالزيادة: أن النبأ أخص من الخبر، لأنه لا يقال إلا فيما له شأن من ~~الأخبار، بخلاف الخبر، فإنه يطلق على ما له شأن، وعلى ما لا شأن له، فكل ~~نبأ خبر من غير عكس. وبعضهم يعبر عن نحو: { من سبإ بنبإ } في علم ~~البديع بالترديد، قاله صاحب التحرير، وقال غيره: إن الترديد عبارة عن رد ~~أعجاز البيوت على صدورها، أو رد كلمة من النصف الأول إلى النصف الثاني، ~~فمثال الأول قوله: # 3949 - سريع إلى ابن العم يلطم وجهه # وليس إلى داعي الخنا بسريع # ومثال الثاني قوله: # 3950 - والليالي إذا نأيتم طوال # والليالي إذا دنوتم قصار # وقرأ ابن كثير في رواية: " من سبا " مقصورا منونا، وعنه أيضا: " ~~من سبأ " بسكون الباء وفتح الهمزة، جعله على فعل ومنعه من الصرف، ~~لما تقدم. وعن الأعمش: " من سبإ " بهمزة مكسورة غير منونة، وفيها ~~إشكال؛ إذ لا وجه للبناء، والذي يظهر أن تنوينها لا بد وأن يقلب ميما ~~وصلا، ضرورة ملاقاته للباء، فسمعها الراوي؛ فظن أنه كسر من غير تنوين. ~~وروي عن أبي عمرو: " من سبا " بالألف صريحة، كقولهم: تفرقوا أيدي ~~سبا. وكذلك قرىء " بنبا " بألف خالصة، وينبغي أن يكونا لقارىء واحد ~~وسبأ في الأصل: اسم رجل من قحطان، واسمه: عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن ~~قحطان، وسبأ لقب له، وإنما لقب به: لأنه أول من سبأ. # قوله: { إني وجدت امرأة تملكهم } لما قال الهدهد ~~لسليمان: { وجئتك من سبإ بنبإ يقين } ، قال سليمان: وما ~~ذاك؟ قال: { إني وجدت امرأة تملكهم } وكان اسمها بلقيس ~~بنت شراحيل، وكان أبوها ملك أرض اليمن من نسل يعرب بن قحطان، وكان ملكا ~~عظيم الشأن، وكان يقول ms6791 لملوك الأطراف: ليس أحد منكم كفؤا لي، وأبى أن ~~يتزوج منهم فزوجوه امرأة من الجن يقال لها: ريحانة بنت السكن، فولدت له ~~بلقيس ولم يكن له ولد غيرها، وفي الحديث: " إن أحد أبوي بلقيس كان ~~جنيا " وكانت هي وقومها مجوسا يعبدون الشمس، والضمير في " تملكهم " ~~راجع إلى " سبأ " ، فإن أريد به القوم فالأمر ظاهر، وإن أريد المدينة ~~فمعناه: تملك أهلها، قال عليه السلام لما بلغه أن أهل فارس قد ملكوا ~~عليهم بنت كسرى: # " لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ". # قوله: { وأوتيت من كل شيء } يجوز أن يكون معطوفا على " ~~تملكهم " ، وجاز عطف الماضي على المضارع، (لأن المضارع) بمعناه، ~~أي: ملكتهم، ويجوز أن يكون في موضع نصب على الحال من مرفوع " تملكهم ". # و " قد " معها مضمرة عند من يرى ذلك. # وقوله: { من كل شيء } عام مخصوص بالعقل؛ لأنها لم تؤت ما أوتيه ~~سليمان. قوله: " ولها عرش " يجوز أن تكون هذه جملة مستقلة بنفسها ~~سيقت للإخبار بها، وأن تكون معطوفة على " أوتيت " ، وأن تكون حالا ~~من مرفوع " أوتيت " ، والأحسن أن يجعل الحال الجار، " وعرش " ~~مرفوع به، وبعضهم يقف على " عرش " ويقطعه عن نعته. قال الزمخشري: ومن ~~نوكى القصاص من يقف على قوله: " ولها عرش " ، ثم يبتدىء، " ~~عظيم وجدتها " ، يريد: أمر عظيم أن وجدتها، فر من استعظام ~~الهدهد عرشها، فوقع في عظيم، وهي مسخ كتاب الله. # قال شهاب الدين: النوكى: الحمقى جمع أنوك وهذا الذي ذكره من أمر ~~الوقف نقله الداني عن نافع وقرره أبو بكر بن الأنباري ورفعه إلى بعض أهل ~~العلم، فلا ينبغي أن يقال (نوكى القصاص)، وخرجه الداني على أن يكون ~~" عظيم " مبتدأ، و " وجدتها " الخبر، وهذا خطأ، كيف يبتدىء بنكرة ~~من غير مسوغ، ويخبر عنها بجملة لا رابط بينهما وبينه، والإعراب ما قاله ~~الزمخشري من أن عظيما صفة لمحذوف خبرا مقدما، و " وجدتها " مبتدأ ~~مؤخرا مقدرا معه حرف مصدري أي: أمر عظيم وجداني إياها وقومها غير عابدي ~~الله. # قوله: " وجدتها " ، هي التي بمعنى لقيت وأصبت، فيتعدى لواحد، فيكون ~~" يسجدون ms6792 " حالا من مفعولها وما عطف عليه، فإن قيل: كيف استعظم ~~الهدهد عرشها مع ما كان يرى من ملك سليمان، وأيضا: فكيف سوى بين عرش ~~بلقيس وعرش الله في الوصف بالعظم؟. # فالجواب عن الأول: يجوز أن يستصغر حالها إلى حال سليمان، فاستعظم لها ~~ذلك العرش ويجوز أن يكون لسليمان - مع جلالته - مثله كما قد يكون لبعض ~~الأمراء شيء لا يكون مثله للسلطان. # وعن الثاني: أنه وصف عرشها بالعظم بالنسبة إلى عروش أبناء جنسها من ~~الملوك، ووصف عرش الله بالعظم تعظيم له بالنسبة إلى سائر ما خلق ~~من السماوات والأرض. # قال المفسرون: العرش السرير الضخم كان مضروبا من الذهب مكللا بالدر ~~والياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر وقوائمه من الياقوت والزمرد، وعليه سبعة ~~أبواب على كل بيت باب مغلق. # قال ابن عباس: كان عرشها ثلاثين ذراعا في ثلاثين ذراعا وطوله في ~~السماء ثلاثون ذراعا. واعلم أن قوله: # الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم # [النمل: 26] إن قلنا: إنه من كلام الهدهد، فالهدهد قد استدرك على نفسه، ~~واستقل عرشها بالنسبة إلى عظمة عرش الله، وإن قلنا: إنه من كلام الله ~~تعالى، فالله رد عليه استعظامه لعرشها. # فصل # طعنت الملاحدة في هذه القصة من وجوه: # أحدها: أن هذه الآيات اشتملت على أن النملة والهدهد تكلما بكلام لا ~~يصدر ذلك إلا عن العقلاء وذلك يجر إلى السفسطة، فإنا لو جوزنا ~~ذلك لما أمنا من النملة التي نشاهدها في زماننا هذا أن تكون أعلم ~~بالهندسة من إقليدس، وبالنحو من سيبويه، وكذا القول في القملة والضئبان، ~~ولجوزنا أن يكون فيهم الأنبياء والمعجزات والتكاليف، ومعلوم أن من ~~جوزه كان إلى الجنون أقرب. # وثانيها: أن سليمان - عليه السلام - كان بالشام، فكيف طار الهدهد في ~~تلك اللحظة اللطيفة من الشام إلى اليمن، ثم رجع إليه؟. # وثالثها: كيف خفي على سليمان (عليه السلام)؟ تلك المملكة العظيمة مع ~~أن الجن والإنس كانوا في طاعته، وأنه - عليه السلام - كان ملك الدنيا ~~كلها، وكان تحت طاعة بلقيس - على ما يقال - اثنا عشر ألف تحت يد ms6793 كل واحد ~~منهم مائة ألف، مع ما يقال إنه لم يكن بين سليمان وبين بلدة بلقيس حال ~~طيران الهدهد إلا مسيرة ثلاثة أيام؟ # رابعها: من أين حصل للهدهد إنكار سجودهم للشمس وإضافته للشيطان وتزيينه؟ # والجواب عن الأول: أن ذلك الاحتمال قائم في أول العقل، وإنما يدفع ذلك ~~بالإجماع. وعن البواقي: أن الإيمان بافتقار العالم إلى القادر المختار ~~يزيل هذه الشكوك. # فصل # قالت المعتزلة: قوله { يسجدون للشمس من دون الله ~~وزين لهم الشيطان أعمالهم } يدل على أن فعل العبد ~~من جهته، لأنه تعالى أضاف ذلك إلى الشيطان بعد إضافته إليهم، وأورده مورد ~~الذم، وبين أنهم لا يهتدون. # والجواب من جوه: # أحدها: أن هذا قول الهدهد فلا يكون حجة. # وثانيها: أنه متروك الظاهر: فإنه قال: { فصدهم عن السبيل } ~~، وعندكم الشيطان، فإنه ما صد الكافر عن السبيل، إذ لو صده الشيطان عن ~~السبيل لكان معذورا ممنوعا، فيسقط عنه التكليف فلم يبق إلا التمسك ~~بالمدح والذم، وجوابه قد تقدم. # قوله: " ألا يسجدوا " قرأ الكسائي بتخفيف " ألا " ، والباقون ~~بتشديدها، فأما قراءة الكسائي، " ألا " فيها تنبيه واستفتاح، و " يا ~~" بعدها حرف نداء، أو تنبيه أيضا على ما سيأتي، و " اسجدوا ": فعل ~~أمر، فكان حق الخط على هذه القراءة أن يكون يا اسجدوا، ولكن الصحابة ~~أسقطوا ألف " يا " وهمزة الوصل من " اسجدوا " خطا لما سقط لفظا، ~~ووصلوا الياء بسين " اسجدوا " ، فصارت صورته " يسجدوا " كما ترى، ~~فاتحدت القراءتان لفظا وخطا، واختلفا تقديرا. واختلف النحويون في " ~~يا " هذه، هل هي حرف تنبيه أو للنداء والمنادى محذوف، تقديره: يا ~~هؤلاء اسجدوا، وقد تقدم ذلك عند قوله في سورة النساء: " يا ~~ليتني " والمرجح أن تكون للتنبيه، لئلا يؤدي إلى حذف ~~كثير من غير بقاء ما يدل على المحذوف، ألا ترى أن جملة النداء حذفت، ~~فلو ادعيت حذف المنادى كثر الحذف، ولم يبق معمول يدل على ~~عامله؛ بخلاف ما إذا جعلتها للتنبيه. # ولكن عارضنا هنا أن قبلها حرف تنبيه آخر، وهو " ألا " وقد اعتذر ~~عن ذلك بأنه جمع بينهما تأكيدا، وإذا كانوا ms6794 قد جمعوا بين حرفن عاملين ~~للتأكيد، كقوله: # 3951 - فأصبحن لا يسألنني عن بما به # فغير العاملين أولى، وأيضا فقد جمعوا بين حرفين عاملين متحدي اللفظ ~~والمعنى كقوله: # 3952 - فلا والله لا يلفى لما بي # ولا للما بهم أبدا دواء # فهذا أولى، وقد كثر مباشرة " يا " لفعل الأمر، وقبلها " ألا " التي ~~للاستفتاح، كقوله: # 3953 - ألا يا اسلمي ثم اسلمي ثمت اسلمي # ثلاث تحيات وإن لم تكلم # وقوله: # 3954 - ألا يا اسلمي دار مي على البلى # ولا زال منهلا بجرعائك القطر # وقوله: # 3955 - ألا يا اسلمي ذات الدماليج والعقد # وذات اللثاث الحم والفاحم الجعد # وقوله: # 3956 - ألا يا اسلمي يا هند هند بني بكر # وإن كان حيانا عدى آخر الدهر # وقوله: # 3957 - ألا يا اسقياني قبل خيل أبي بكر # لعل منايانا قربن ولا ندري # وقوله: # 3958 - ألا يا اسقياني قبل غارة سنجال # وقوله: # 3959 - فقالت ألا يا اسمع أعظك بخطبة # وقلت سمعنا فانطقي وأصيبي # وقد جاء ذلك وإن لم يكن قبلها " ألا " ، كقوله: # 3960 - يا دار هند يا اسلمي ثم اسلمي # بسمسم أو عن يمين سمسم # فعلم أنه قراءة الكسائي قوية، لكثرة دورها في لغتهم، وقد سمع ذلك في ~~النثر، سمع بعضهم يقول: ألا يا ارحموني، ألا يا ~~تصدقوا علينا، وأما قوله: # 3961 - يا لعنة الله والأقوام كلهم # والصالحين على سمعان من جار # فيحتمل أن تكون " يا " للنداء، والمنادى محذوف، وأن يكون للتنبيه، وهو ~~الأرجح لما مر. واعلم أن الوقف عند الكسائي على " يهتدون " ~~تام، وله أن يقف على " ألا يا " معا، ويبتدىء " اسجدوا " بهمزة ~~مضمومة. وله أن يقف على " ألا " وحدها، وعلى " يا " وحدها، لأنهما ~~حرفان منفصلان وهذا الوقفان وقفا اختبار لا اختيار، لأنهما حرفان لا ~~يتم معناهما إلا بما يتصلان به، وإنما فعله القراء امتحانا وبيانا. ~~فهذا توجيه قراءة الكسائي، والخطب فيها سهل. وأما قراءة الباقين ~~فتحتاج إلى إمعان نظر، وفيها أوجه كثيرة: # أحدها: أن " ألا " أصلها: أن لا، فأن ناصبة للفعل بعدها، ولذلك ~~سقطت نون الرفع، و " لا " بعدها ms6795 حرف نفي، وأن وما بعدها في موضع ~~مفعول " يهتدون " على إسقاط الخافض أي: إلى أن لا يسجدوا، و " ~~لا " مزيدة كزيادتها في: # لئلا يعلم أهل الكتاب # [الحديد: 29]، والمعنى: فهم لا يهتدون إلى أن يسجدوا. # الثاني: أنه بدل من " أعمالهم " وما بينهما اعتراض تقديره: ~~وزين لهم الشيطان عدم السجود لله. # الثالث: أنه بدل من " السبيل " على زيادة " لا " أيضا، والتقدير: ~~فصدهم عن السجود لله. # الرابع: أن " ألا يسجدوا " مفعولا له، وفي متعلقه وجهان: # أحدهما: أنه " زين " أي: زين لهم لأجل ألا يسجدوا. # والثاني: انها متعلق ب " صدهم " ، أي: صدهم لأجل أن لا ~~يسجدوا، وفي " لا " حينئذ وجهان: # أحدهما: انها ليست مزيدة (بل باقية على معناها من النفي. # والثاني: أنها مزيدة) والمعنى: وزين لهم لأجل توقعه سجودهم، أو لأجل ~~خوفه من سجودهم، وعدم الزيادة أظهر. # الخامس: أنه خبرأ مبتدأ مضمر، وهذا المبتدأ إما أن يقدر ضميرا ~~عائدا على " أعمالهم " ، والقدير هي ألا يسجدوا، فتكون " لا " ~~على بابها من النفي، وإما أن يقدر ضميرا عائدا على " السبيل " ، ~~التقدير: هو أن لا يسجدوا، فتكون " لا " مزيدة - على ما تقدم - ليصح ~~المعنى. # وعلى الأوجه الأربعة المتقدمة لا يجوز الوقف على " يهتدون " ، ~~لأن ما بعده إما معمول له أو لما قبله من " زين " و صد " أو ~~بدل مما قبله أيضا من " أعمالهم " أو من " السبيل " على ما ~~قرر، بخلاف الوجه الخامس، فإنه مبني على مبتدأ مضمر، وإن كان ذلك ~~الضمير مفسرا بما سبق قبله، وقد كتبت " ألا " موصولة غير مفصولة، ~~فلم تكتب " أن " منفصلة من " لا " ، فمن ثم: امتنع أن يوقف ~~هؤلاء في الابتلاء والامتحان على " أن " وحدها، لاتصالها بلا في ~~الكتابة، بل يوقف لهم على " ألا " بجملتها، كذا قال القراء، ~~والنحويون متى سئلوا عن مثل ذلك وقفوا لأجل البيان على كل كلمة على ~~حدتها. لضرورة البيان، كونها كتبت متصلة ب " لا " غير مانع من ذلك. ~~ثم قول القراء: كتبت متصلة فيه تجوز وتسامح، لأن حقيقة هذا ~~أن يثبتوا صورة نون ويصلونها بلاء، فيكتبونها " أنلا " ، ولكن ms6796 ~~لما أدغمت فيما بعدها لفظا، وذهب لفظها إلى لفظ ما بعدها قالوا ذلك ~~تسامحا. وقد رتب أبو إسحاق على القراءتين حكما، وهو وجوب سجود ~~التلاوة وعدمه، فأوجبه مع قراءة الكسائي، وكأنه لأجل الأمر به، ~~ولم يوجبه في قراءة الباقين لعدم وجود الأمر فيها، إلا أن الزمخشري ~~لم يرتضه منه، فإنه قال: فإن قلت: أسجدة التلاوة واجبة في ~~القراءتين جميعا أو في واحدة منهما؟ قلت: هي واجبة فيهما. # وإحدى القراءتين أمر بالسجود والأخرى ذم للتارك، وما ذكره الزجاج من ~~وجوب السجدة مع التخفيف دون التشديد مرجوع إليه. # قال شهاب الدين: وكأن الزجاج أخذ بظاهر الأمر، وظاهره الوجوب وهذا لو ~~خلينا الآية لكان السجود واجبا، ولكن دلت السنة على استحبابه دون ~~وجوبه، على أنا نقول: هذا مبني على نظر آخر، وهو أن هذا الأمر من ~~كلام الله تعالى أو من كلام الهدهد محكيا عنه، فإن كان من كلام الله ~~تعالى فيقال: يقتضي الوجوب إلا أن يجيء دليل يصرفه عن ظاهره، وإن ~~كان من كلام الهدهد - وهو الظاهر - ففي انتهاضة دليلا نظر، وهذا الذي ~~ذكروه ليس بشيء، لأن المراد بالسجود هاهنا عبادة الله لا عبادة الشمس، ~~وعبادة الله واجبة وليس المراد من الآية سجود التلاوة، وأين كانت التلاوة ~~في زمن سليمان عليه السلام ولم يكن ثم قرآن. # وقرأ الأعمش " هلا " و " هلا " بقلب الهمزة هاء مع تشديد " لا " ~~وتخفيفها، وكذا هي في مصحف عبد الله، (وقرأ عبد الله) " تسجدون " ~~بتاء الخطاب ونون الرفع، وقرىء كذلك بالياء من تحت، فمن أثبت نون ~~الرفع ف " ألا " بالتشديد أو التخفيف للتحضيض، وقد تكون المخففة ~~للعرض أيضا نحو ألا تنزل عندنا فتحدث، وفي حرف عبد الله أيضا { ~~ألا هل تسجدون } بالخطاب. قوله: { الذي يخرج الخبء } ~~يجوز أن يكون مجرور المحل نعتا " لله " أو بدلا منه أو بيانا، و " ~~منصوبة على المدح، ومرفوعة على خبر ابتداء مضمر. و " الخبء " مصدر ~~خبأت الشيء أخبؤه خبئا أي: سترته، ثم أطلق على الشيء ~~المخبوء ونحوه # هذا خلق الله # [لقمان: 11] قال المفسرون: ms6797 الخبء في السماوات المطر، وفي الأرض ~~النبات، والخابية من هذا إلا أنهم التزموا فيها ترك الهمزة ~~كالبرية والذرية عند بعضهم. وقيل: الخبء الغيب أي: يعلم غيب السموات ~~والأرض، وقرأ أبي وعيسى " الخب " بنقل حركة الهمزة إلى الباء وحذف ~~الهمزة فيصير نحو: رأيت لب، وقرأ عبد الله وعكرمة ومالك بن دينار " ~~الخبا " بألف صريحة، وجهها أنه أبدل الهمزة ألفا فلزم تحريك الباء، ~~وذلك على لغة من يقف من العرب بإبدال الهمزة حرفا يجانس حركتها، ~~فيقول: هذا الخبو، ورأيت الخبا، ومررت بالخبي، ثم أجري الوصل ~~مجرى الوقف، وقيل: إنه لما نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها ~~لم يحذفها بل تركها، فسكنت بعد فتحة فدبرت بحركة ما قبلها وهي ~~لغة ثابتة، يقولون: المراة والكماة بألف مكان الهمزة بهذه الطريقة، وقد ~~طعن أبو حاتم على هذه القراءة وقال: لا يجوز في العربية، لأنه إن حذف ~~الهمزة ألقى حركتها على الباء، فقال الخب، وإن حولها قال ~~الخبي، بسكون الباء وياء بعدها. # قال المبرد: كان أبو حاتم دون أصحابه في النحو، لم يلحق بهم إلا ~~أنه إذا خرج من بلدهم لم يلق أعلم منه. # قوله: " في السماوات " فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق ب " الخبء " ، أي؛ المخبوء في السموات. # والثاني: أنه متعلق ب " يخرج " على أن معنى (في) بمعنى (من)، ~~أي: يخرجه من السموات، و " من " و " في " يتعاقبان، يقول العرب: ~~لأستخرجن العلم فيكم، أي منكم - قاله الفراء -، وقرأ عبد الله: { ~~يخرج الخبء من السماوات }. # قوله: " ما تخفون " قرأ الكسائي وحفص بالتاء من فوق فيهما، ~~والباقون بالياء من تحت، فالخطاب ظاهر على قراءة الكسائي، لأن ما قبله ~~أمرهم بالسجود وخطابهم به والغيبة على قراءة الباقين غير حفص ظاهرة ~~أيضا، لتقدم الضمائر الغائبة في قوله: " لهم " ، و " أعمالهم " ~~و " صدهم " و " فهم " وأما قراءة حفص فتأويلها أنه خرج إلى خطاب ~~الحاضرين بعد أن أتم قصة أهل سبأ، ويجوز أن يكون التفاتا على أنه ~~نزل الغائب منزلة الحاضر، فخاطبه ملتفتا إليه. # وقال ابن عطية: القراءة بياء الغيبة تعطي أن ms6798 الآية من كلام ~~الهدهد، وبتاء الخطاب تعطي أنها من خطاب الله لأمة محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - وقد تقدم أن الظاهر أنه من كلام الهدهد مطلقا. ### || [27.26-29] # قوله تعالى: { الله لا إله إلا هو } هل هو من كلام الهدهد ~~استدراكا منه لما وصف عرش بلقيس بالعظم، أو من كلام الله تعالى ردا ~~عليه في وصفه عرشها بالعظم. والعامة على جر " العظيم " تابعا ~~للجلالة، وابن محيصن، بالرفع وهو يحتمل وجهين: أن يكون نعتا للرب، وأن ~~يكون مقطوعا عن تبعية " العرش " إلى الرفع بإضمار مبتدأ. # فصل # دل قوله: # يخرج الخبء في السماوات والأرض # [النمل: 25] على كمال القدرة، وسمي المخبوء بالمصدر ليتناول جميع ~~الأرزاق والأموال، فدل قوله: # ويعلم ما تخفون وما تعلنون # [النمل: 25] على كمال العلم، وإذا كان قادرا على كل المقدرات عالما ~~بكل المعلومات، وجب أن يكون إلها، والشمس ليست كذلك، فلا تكون إلها، ~~وإذا لم تكن إلها، لم تستحق العبادة. فإن قيل: إن إبراهيم وموسى ~~عليهما السلام قدما دلالة الأنفس على دلالة الآفاق، فإن إبراهيم قال: # ربي الذي يحيي ويميت # [البقرة: 258]، ثم قال: # فإن الله يأتي بالشمس من المشرق # [البقرة: 258]، وموسى - عليه السلام - قال # ربكم ورب آبآئكم الأولين # [الشعراء: 26]، ثم قال: # رب المشرق والمغرب # [الشعراء: 28] وهاهنا قدم خبأ السموات على خبء الأرض، فجوابه، أن ~~إبراهيم وموسى ناظرا من ادعى إلهية البشر، فابتدءا بإبطال إلهية البشر، ~~ثم انتقلا إلى إلهية السماء، وهاهنا الكلام مع من ادعى إلهية الشمس، ~~لقوله # وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله # [النمل: 24] فلا جرم ابتدأ بذكر السماويات، ثم بالأرضيات. # قوله: { أصدقت أم كنت } الجملة الاستفهامية في محل نصب ب " ~~ننظر " ، لأنها معلقة لها، و " أم " هنا متصلة، وقوله: { أم ~~كنت من الكاذبين } أبلغ من قوله: " أم كذبت " - وإن كان ~~هو الأصل - لأن المعنى من الذين اتصفوا وانخرطوا في سلك الكاذبين. ~~وقوله: " سننظر " من النظر الذي هو التأمل. قوله: " هذا " يجوز أن ~~يكون صفة ل " كتابي " أو بدلا منه أو بيانا له. # قال المفسرون: إن سليمان - عليه السلام ms6799 - كتب كتابا فيه: " من عند ~~سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ، بسم الله الرحمن الرحيم، السلام ~~على من اتبع الهدى، أما بعد، ألا تعلوا علي وأتوني ~~مسلمين ". قال ابن جريج: لم يزد سليمان على ما قصه الله في كتابه، ثم ~~ختمه بخاتمه، ثم قال للهدهد: " اذهب بكتابي هذا فألقه ~~إليهم ". # قوله: " فألقه " ، قرأ أبو عمرو وحمزة وأبو بكر بإسكان الهاء، ~~وقالون بكسرها فقط من غير صلة بلا خلاف عنه، وهشام عنه وجهان: القصر ~~والصلة، والباقون بالصلة بلا خلاف، وتقدم توجيه ذلك في " آل عمران " و " ~~النساء " وغيرهما، عند # يؤده إليك # [آل عمران: 75] و # نوله ما تولى # [النساء: 115]. وقرأ مسلم بن جندب بضم الهاء موصولة بواو " فألقهو ~~إليهم " ، وقد تقدم أن الضم الأصل، وقال " إليهم " - على لفظ الجمع ~~- لأنه قال: # وجدتها وقومها يسجدون للشمس # [النمل: 24] والمعنى: فألقه إلى الذين هذا دينهم. # قوله: { ثم تول عنهم } ، زعم أبو علي وغيره أن في الكلام ~~تقديما، وأن الأصل: فانظر ماذا يرجعون، ثم تول عنهم. ولا حاجة إلى هذا، ~~لأن المعنى بدونه صحيح، أي: قف قريبا منهم لتنظر ماذا يكون. # قوله: " ماذا يرجعون " إن جعلنا (انظر) بمعنى: تأمل وتفكر كانت " ~~ما " استفهامية، وفيها حينئذ وجهان: # أحدهما: أن يجعل مع " ذا " بمنزلة اسم واحد، وتكون مفعولة ب " يرجعون " ~~تقديره: أي شيء ترجعون. # والثاني: أن يجعل " ما " مبتدأ، و " ذا " بمعنى الذي، و " يرجعون " ~~صلتها، وعائدها محذوف تقديره: أي شيء الذي يرجعونه، وهذا الموصول هو خبر ~~ما الاستفهامية, وعلى التقديرين فالجملة الاستفهامية معلقة ل " انظر ~~" فمحلها النصب على إسقاط الخافض أي: انظر في كذا وفكر فيه وإن جعلناه ~~بمعنى انتظر من قوله # انظرونا نقتبس من نوركم # [الحديد: 13] كانت " ماذا " بمعنى الذي، (و " يرجعون " صلتها ~~وعائدها محذوف)، والعائد مقدر كما تقرر وهذا الموصول مفعول به، أي: ~~انتظر الذي يرجعون. قال أبو حيان: و " ماذا " إن كان معنى " فانظر " ~~معنى التأمل بالفكر كان انظر معلقا، و " ماذا " إما أن يكون كلمة ~~استفهام في موضع نصب، وإما أن يكون ms6800 " ما " استفهاما، و " ذا " موصولة ~~بمعنى الذي، فعلى الأول يكون " يرجعون " خبرا عن " ماذا " ، وعلى الثاني ~~يكون " ذا " هو الخبر، و " يرجعون " صلة انتهى. # وهذا غلط إما من الكاتب، وإما من غيره؛ وذلك أن قوله: " فعلى الأول " ~~يعني به أن " ماذا " كلمة استفهام في موضع نصب يمنع قوله: " يرجعون ~~" خبرا عن " ماذا " ، كيف يكون خبرا عنه وهو منصوب به كما تقرر، وقد ~~صرح هو بأنه منصوب يعني بما بعده ولا يعمل فيه ما قبله، وهذا نظير ما ~~تقدم في آخر السورة قبلها في قوله: # وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون # [الشعراء: 227] في كون اسم الاستفهام معمولا لما بعده، وهو معلق لما ~~قبله، فكما حكمت على الجملة من " ينقلبون " وما اشتملت عليه من اسم ~~الاستفهام المعمول لها بالنصب على سبيل التعليق، كذلك يحكم على " ~~يرجعون " فكيف تقول: إنها خبر؟ ### || [27.30-33] # قوله: { إنه من سليمان وإنه } العامة على كسر الهمزتين ~~على الاستئناف جوابا لسؤال قومها، كأنهم قالوا: ممن الكتاب؟ وما فيه؟ ~~فأجابتهم بالجوابين. وقرأ عبد الله: { وإنه من سليمان } ~~بزيادة واو عاطفة { إنه من سليمان } على قوله: # إني ألقي إلي # [النمل: 29]. وقرأ عكرمة وابن أبي عبلة بفتح الهمزتين، صرح بذلك ~~الزمخشري وغيره. ولم يذكر أبو البقاء إلا الكسر في { إنه من ~~سليمان } وكأنه سكت عن الثانية، لأنها معطوفة على الأولى، وفي تخريج ~~الفتح فيهما أوجه: # أحدهما: أنه بدل من " كتاب " بدل اشتمال، أو بدل كل من كل، كأنه ~~قيل: ألقي إلي أنه من سليمان، وأنه كذا وكذا، وهذا هو الأصح. # والثاني: أنه مرفوع ب " كريم " ذكره أبو البقاء. # الثالث: أنه على إسقاط حرف العلة. # قال الزمخشري: ويجوز أن يريد لأنه من سليمان ولأنه، كأنها عللت كرمه ~~بكونه من سليمان وتصديره باسم الله. وقال مكي: وأجاز الفراء الفتح فيهما ~~في الكلام، كأنه لم يطلع على أنها قراءة وقرأ أبي: أن من سليمان وأن ~~بسم الله بسكون النون فيهما، وفيها وجهان: # أظهرهما: أنها " أن " المفسرة، لتقدم ما هو بمعنى القول. # والثاني: أنها المخففة واسمها ms6801 محذوف، وهذا لا يتمشى على أصول البصريين؛ ~~لأن اسمها لا يكون إلا ضمير شأن وضمير الشأن لا يفسر إلا بجملة مصرح ~~بجزئيها. # فصل # قال المفسرون: أخذ الهدهد هذا الكتاب، وأتى به إلى بلقيس، وكان بأرض ~~يقال لها: " مأرب " من صنعاء، فرمى بالكتاب إليها، فأخذته بلقيس، وكانت ~~قارئة، ومن ثم اتخذ الناس البطائق، فلما رأت الخاتم أرعدت وخضعت، لأن ملك ~~سليمان كان في خاتمه، وعرفت أن الذي أرسل الكتاب أعظم ملكا منها، لطاعة ~~الطير وهيبة الخاتم، فقرأت الكتاب وتأخر الهدهد غير بعيد، فقعدت على سرير ~~ملكها، وجمعت الملأ من قومها، وقالت لهم: # إني ألقي إلي كتاب كريم # [النمل: 29] قال عطاء والضحاك: سمته كريما، لأنه كان مختوما. # وروى ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: # " كرمه ختمه " # وقال مقاتل والزجاج: كريم أي: حسن ما فيه، وروي عن ابن عباس أي: شريف ~~لشرف صاحبه. # وقيل سمته كريما، لأنه مصدر ب " بسم الله الرحمن الرحيم " ، ثم بينت ~~ممن الكتاب، فقالت: { إنه من سليمان } ، وبينت المكتوب فقالت: ~~{ وإنه بسم الله الرحمن الرحيم }. فإن قيل: لم قدم ~~سليمان اسمه على قوله: { بسم الله الرحمن الرحيم }؟ # فالجواب: حاشاه من ذلك، بل ابتدأ الكتاب ب { بسم الله ~~الرحمن الرحيم } ، وإنما كتب اسمه عنوانا بعد ختمه، لأن ~~بلقيس إنما عرفت كونه من سليمان بقراءة عنوانه كما هو المعهود، ولذلك ~~قالت: { وإنه بسم الله الرحمن الرحيم } ، أي: إن ~~الكتاب. # .. فالتقديم واقع في حكاية الحال. واعلم أن قوله: { بسم الله ~~الرحمن الرحيم } مشتمل على إثبات الصانع سبحانه، وإثبات كونه ~~عالما قادرا حيا مريدا حكيما رحيما. # فصل # وقد استنبط الشيخ الإمام العالم شرف الدين محمد بن سعيد الشهير ~~بالبوصيري من أسرار البسملة ما أبطل به مذهب النصارى، فقال: بلغني أن بعض ~~النصارى انتصر لدينه، وانتزع من البسملة الشريفة دليلا على تقوية ~~اعتقاده في المسيح وصحة يقينه فقلب حروفها ونكر معروفها وفرق مألوفها ~~وقدم فيها وأخر وفكر وقدر فقتل كيف قدر، ثم عبس وبسر، ثم أدبر واستكبر، ~~فقال: قد انتظم من البسملة: ms6802 " المسيح ابن الله المحرر ". وظن ذلك سرا في ~~قلب البسملة مضمرا، وعلى جبين الكتاب العزيز مسطرا، فنظرت إلى ما عزاه ~~إلى البسملة واستخرجه من حروفها المستعملة والمهملة فإذا هو: " لا ما ~~المسيح ابن الله محرر " ، فأسقط في يده، ونكص على عقبيه، وقامت حجته من ~~لسانه عليه، ثم عاد إلي رسوله يخبر أن الذي صح له نظمه وتمت عنده منها ~~حكمه: " ألم المسيح ابن الله محررا " ، فقلت: ورسل الله كلهم ألموا ~~وأنبياؤه، فأي خصوصية لربك بالنبوة، وأي رتبة زدته بها على النبوة، فقال: ~~أردت بالألم إثبات ما أنكرته من الصلب، ونفيته عنه من ألم الطعن والضرب، ~~وقد شهدت به كتب الله المنزلة، وشافهتك به حروف البسملة، فقلت: وهل شهدت ~~لك إلا بالنقيض، ورحت منها بأخيب قداح المفيض، وحيث رضيت البسملة بيننا ~~وبينك حكما وجوزت منها أحكاما عليك وحكما، فلتنصرن البسملة الأخيار ~~منا على الأشرار، ولتفضلن أصحاب الجن على أصحاب النار، وحيث كان مقصودك ~~من ذكر الألم الإفصاح عما أردته من الصلب والطعن والضرب والثلب وسقيه من ~~الخل الممزوج بالمرار بئس الشراب فخذ الجواب عنه، والله الموفق للصواب: ~~أما دعواك النبوة فقد قالت لك البسملة بلسان حالها: لا ما المسيح ابن ~~الله محرر، وألحقته بقولها: الحلم ربح رأس المال، لحملة الإيمان، الحلم ~~ربح رأس مال الإيمان، ليس برا من أحل ما حرم الله، المسلم له نبي ~~حرم الراح لنبيه، سلم بالله من يحرم الراح، لله نبي مسلم حرم الراح، ~~المسلم للرحمانية رابح، لا مرحمة للئام أبناء السحرة، رحم حر مسلم أناب ~~إلى الله، إنما الله رب للمسيح راحم. وزعمت أنه ربك، فقالت: حرم من لا رب ~~له إلا المسيح، وقالت أيضا: النحر لأمم لها المسيح رب، وقلت: إنه حمل ~~الله، فقالت: أسمي لله ابن المحرر حملا، وقالت ما أسلم الرب حمله يسخر، ~~وقالت: ألا يحرس الرب حمله من ألم؟ وقلت: إنه ألم، فقالت المحرر من ربه ~~حل الألم، وقالت: سل حمرنا أربهم يحل الألم؟ وقالت: حرم حمار ينسب لله ~~الألم، وقلت: إنه ms6803 طعن بالحربة مسمرا، فقالت: من رأى المسيح ألم للحربة، ~~وقالت: إن ربا حلل مسمره لحليم، وقالت: أحالل ربنا الحليم مسمره؟ ~~وقالت: أمحالل الرب الحي من سمره، وقلت: إنه إله يحلل ويحرم، فقالت: ابن ~~سليل رحم لا إله محرم، وقالت: سل ابن مريم أحل الحرام، وقالت: أمحلل لم ~~حرمه رب الناس، وإن قلت: إنه رسول صدقتك، وقالت: أيل أرسل الرحمة من بلحم ~~ويرحمه؛ أيل اسم من أسماء الله تعالى بلسان كتبهم وترجمة بلحم " بيت لحم ~~" الذي ولد في المسيح. # وقلت: إنه ركب الحمار، فقالت: سلم أن الرب لا يحمله حمار، وقالت للناس: ~~رب لم يحمله حمار وباهيتها ببسملتك التي لفقها الفلاسفة للأساقفة، فقالت ~~لم نر أحبار الملة المسيح، وقالت: أحبار الملة محل مرسلين، وقال: ما حرر ~~إلا المسيح الأمانة وقلت: إن النصارى لا تمسهم النار، فقالت: حر لهب ~~النار لأمم المسيح، وكرهت الإسلام, فقالت للإسلام بحر ما أحلى نميره, ~~الإسلام بحر حلالي منهمر, حلا الإسلام لمحرره بإيمان، وقالت: من حرم ~~الإسلام لا ربح له، وقالت: إن المسلم لحري بالرحمة، وقالت: ما برح الله ~~راحم المسلمين، وقالت: إن ملة الإسلامة لحرم رحيب، وقالت: لا راحة لمحارب ~~المسلمين، وقالت: الإسلام حرم لا رأي لمحاربه. وقالت: المسلم حرب للنار ~~الحامية، وقالت: حن المسلم إلى رحمة الرب، وقالت: الأحبار رحمة للمسلمين، ~~وقالت: المحراب راحة للمسلمين، ونقمت قيام الدين بالسيف، فقالت: أم ~~الحسام للنبي الرحمة، وأثنت البسملة على نفسها فقالت: البسملة لأرحم ~~الراحمين، وقالت: الحر ينال الرحمة ما بسمل. فانظر إلى البسملة قد لاحت ~~لك بارقة من أنوارها وحلت لك عقدة من إزار أسرارها تخبر أن من وراء رجلها ~~خيولا وليوثا، ومن دون طلبها سيولا وغيوثا، وأما بسملتك فلو كان على ~~أصل ثابت، أو لم تغرس من الكفر على أخبث المنابت، لهززت إليك بجذعها، ~~واستدللت على طيب أصلها بخير فروعها، لكني وجدتها شجرة خبيثة، وثمرة لا ~~تسوغها القديمة ولا الحديثة، ألفاظها تصم الأسماع ومعانيها تحل عقود ~~الإجماع، والنظر فيها يصدىء الأفهام والعقول، ويعلم كل غائب ما ms6804 يقول، ~~ولذلك ضربت عن ذكرها صفحا، وعددت الإعراض عنها غنيمة وربحا، فكفرها ~~قائم وقاعد، والمعترف بها سواء والجاحد، والثلاثة الآلهة فيها يوصفون ~~بالواحد، وأما بسملة المسلمين: فإن الله أودعها من العلوم والحكم ما ~~فضلهم به على سائر الأمم، وأعلم أن منها ألفات اختصرت، وبين الهجاء ~~مواضعها غابت أو حضرت، وقد استعملت بعضها في بعض المواضع؛ لأبين حكمها ~~وأحيي رسمها، وصرفتها للمسألتين، وصارت كعبة فضلها للقبلتين، وتارة توافق ~~حروفها في العدد والعادة، وتارة تقضي على ألفات الوصل بالزيادة، وما ~~أخطأت - بحمد الله - منها واحدة صوابا، ولا عييت جوابا ولا خرجت عن ~~حدها كتابة ولا حسابا، ولا تحسبني استحسنت كلمتك الباردة، فنسجت على ~~منوالها، وقابلت الواحدة منها بعشر أمثالها، وما كان ذلك الهذيان مما ~~يجاب، لولا ما يداخلك من التيه والإعجاب، فتظن أنك جئت بشيء عجاب، ~~أو حكمة كلمك الله بها وحيا أو من وراء حجاب، وتقول لإخوانك الذين ~~يمدونك في الغي ويحسبون أنك على شيء: قد أفحمت بكلمتي المسلمين، ~~وأسكت بمسألتي فضلاء المتكلمين، فتذر قومك في طغيانهم، وتقرهم على فساد ~~إيمانهم، ولا أنت ممن يجري بمحاكاة كفرك قلمي، ولا أحرك به لساني، ولا ~~أفغر به فمي، وقد أتيتك بما يتعبك فيبهتك ويسمعك ما يصمك عن الإجابة، ~~ويصمتك على أسلوب رأيته في كتب أنبيائك، وتفاسير علمائك تعلم به أن هذه ~~البسملة مستقر لسائر العلوم والفنون، ومستودع لجوهر سرها المكنون، ~~ألا ترى أن البسملة إذا حصلت جملها كان عدده سبعمائة وستة وثمانين ~~ب، س، م، ا، ل، ل، ه، ا، ل، ر، ح، م، ن، ا، ل، ر، ح، ي، م، 2، 60، 40، 1، ~~30، 30، 5، 1، 30، 200، 8, 40، 50، 1، 30، 200، 8، 10، 40 وإذا قلت ~~إن مثل عيسى كآدم وافق جملها سبعمائة وستة وثمانين، وإن باهيتها ~~ببسملتك التي ترعد من كفرها الفرائص، وتجوز بالبهتان ما لا يجوز على الله ~~من النقائص، ردت عليه وقالت: ليس لله من شريك، جملها سبعمائة وستة ~~وثمانين، بحساب الألف التي بعد لامي الجلالة، وقالت: ولا أشرك بربي ~~أحدا سبعمائة وستة وثمانين، وقالت: ما لعلوم الفلسفة أنوار هداية، ~~سبعمائة وستة ms6805 وثمانين، وقالت: يهدي الله لنوره من يشاء: ~~سبعمائة وستة وثمانين، بإسقاط ألف الجلالة. # ولو استشهدت ببسملتك لشهدت لي بالحق عليك، وشكت إلى الله وإلى الناس ~~مما نسبت من الإفك والبهتان إليك، إذا ألفاظها - وحاكي الكفر ليس بكافر - ~~تنافي المعقول والمنقول، وتنافر: " بسم الأب والابن وروح القدس، إله واحد ~~" ، وباطنها يقول: " ما سبح إلا بنور، الإله القدوس واحد " ، وتقول: ~~بسملوا بالقرآن، ووحدوا الله بلا جسد, فهي كافرة الظاهر مؤمنة الباطن, ~~كسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، ونظرت في محصلها ~~من العدد، فإذا جملته ستمائة وستة وتسعون، فإذا قلت: أف لها بسملة ما ~~نزل الله بها من سلطان، وافقت المعنى وطابقت العدد، وكانت ستمائة ~~وستة وتسعون، وكذلك ما عطفته عليها من الكلام، وهو: # بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان # [الحجرات: 11] موافق للمعنى مطابق للعدد: ستمائة وستة وتسعون، وكذلك ~~قولك: " لا بسملة بحق كبسملة المسلمين " ستمائة وستة وتسعون، وقد ~~أجابتك البسملة بما لم تحط به خبرا، وجاءتك بما لم تستطع عليه صبرا، ~~على الأسلوب الذي تضمنته شريعتكم، فإني رأيت في إنجيلك وقد سألت بنو ~~إسرائيل المسيح أن يريهم آية، ليؤمنوا به وهو في بيت المقدس، فقال: ~~تهدمون هذا الهيكل، وأنا أقيمه في ثلاثة أيام، فقالوا: بيت بني في ~~خمسة وأربعين سنة، يقيمه في ثلاثة أيام!! وعلله في الإنجيل أنه أشار إلى ~~هيكل نفسه الذي هو هيكل آدم، وحمله خمسة وأربعون وفي هذا رد عليهم ليس ~~هذا موضعه. # ورأيت في التوراة في البشارة بإسماعيل بعد قوله: " وأكبره وأنميه بماد ~~ماد " ومعناه بحد جدلها بل أشار بها إلى اسم محمد - صلى الله عليه وسلم ~~-، بطريق الحمل، إذ هو اثنان وتسعون في الموضعين، وفي قصة يعقوب إذ قال ~~لبنيه # ما تعبدون من بعدي # [البقرة: 133]، فقالوا له: أعلم إسرائيل (الله أحد) فطابت نفسه، وعلم أن ~~بنيه الاثني عشر سبطا يعبدون الله وحده، لأنهم عدلوا عن قولهم: " ~~الله واحد " إلى قولهم: " الله أحد " ، إذ جملها ثلاثة عشر، وهي ~~إشارة إلى أن الاثني عشر سبطا يعبدون ms6806 الله الواحد. وفيه أن المصلي ~~إذا دخل في الصلاة تكون على رأسه طيلسان يسمى: " صيصيت " ، وفي طرفه خمسة ~~خيوط وثمان عقد ليجتمع له من جمع صيصيت وهو ستمائة ومن خمسة خيوط وثمان ~~عقد ثلاثة عشر لتتمة ما عليهم من الفرائض، وهي ستمائة، وثلاث عشرة فريضة، ~~ليذكروا بها ما كتب الله عليهم من الفرائض، والتزموا (بها). ولنرجع إلى ~~الإعراب والتفسير. # قوله: " ألا تعلوا " فيه أوجه: # أحدها: أن " أن " مفسرة كما تقدم في أحد الأوجه في " أن " قبلها في ~~قراءة عكرمة، ولم يذكر الزمخشري غيره، وهو وجه حسن، لما في ذلك من ~~المشاكلة، وهو عطف الأمر عليه، وهو قوله: " وأتوني ". # الثاني: أنها مصدرية في محل رفع بدلا من " كتاب " ، كأنه قيل: ألقي ~~إلي أن لا تعلوا علي. # الثالث: أنها في موضع رفع على خبر ابتداء مضمر، أي هو أن لا تعلوا. # الرابع: أنها على إسقاط الخافض، أي: بأن لا تعلوا، فيجيء في موضعها ~~القولان المشهوران. # والظاهر أن " لا " في هذه الأوجه الثلاثة للنهي، وقد تقدم أن " أن " ~~المصدرية توصل بالمتصرف مطلقا. وقال أبو حيان: و " أن " في قوله: { ~~أن لا تعلوا } في موضع رفع على البدل من " كتاب " ، وقيل في موضع ~~نصب على: { بأن لا تعلوا } ، وعلى هذين التقديرين تكون " أن " ~~ناصبة للفعل. فظاهر هذا أنها نافية، إذ لا يتصور أن تكون ناهية بعد " أن ~~" الناصبة للمضارع، ويؤيد هذا ما حكاه عن الزمخشري، فإنه قال: وقال ~~الزمخشري: و " أن " في أن لا تعلوا مفسرة، قال: فعلى هذا تكون " لا ~~" في: " لا تعلوا " للنهي، وهو حسن لمشاكلة عطف الأمر عليه فقوله: " ~~فعلى هذا ": إلى آخره صريح بأنها على غير هذا يعني الوجهين المتقدمين ~~ليس للنهي فيهما، ثم القول بأنها للنفي لا يظهر، إذ يصير المعنى - على ~~الإخبار منه عليه السلام - بأنهم لا يعلون عليه، وليس هذا مقصودا، ~~وإنما المقصود أن ينهاهم عن ذلك. # وقرأ ابن عباس والعقيلي: " تغلوا " - بالغين المعجمة، من الغلو، وهو ~~مجاوزة الحد. # فصل # قال ابن عباس: " لا تتكبروا علي " ، وقيل: ms6807 لا تتعظموا ولا ترتفعوا ~~علي أي: لا تمتنعوا من الإجابة، فإن ترك الإجابة من العلو والتكبر، " ~~وأتوني مسلمين ": مؤمنين طائعين، قيل: هو من الإسلام، وقيل: من ~~الاستسلام. فإن قيل: النهي عن الاستعلاء والأمر بالانقياد قبل إقامة ~~الدلالة على كونه رسولا حقا يدل على الاكتفاء بالتقليد. # فالجواب: معاذ الله أن يكون هناك تقليد؛ وذلك لأن رسول سليمان إلى ~~بلقيس الهدهد، ورسالة الهدهد معجزة، والمعجزة تدل على وجود الصانع ~~وصفاته، وتدل على صدق المدعي للرسالة، فلما كانت تلك الرسالة دلالة ~~تامة على التوحيد والنبوة، لا جرم لم يذكر في الكتاب دليل آخر. # قوله: { يأيها الملأ أفتوني في أمري } أشيروا علي ~~فيما عرض لي، وأجيبوني فيما أشاوركم، والفتوى هي الجواب في الحادثة، ~~استفتت، على طريق الاستفادة من الفتي في السن، أي: أجيبوني في الأمر ~~الفتي، وقصدت بذلك استطلاع آرائهم وتطييب قلوبهم. # { ما كنت قاطعة } قاضية وفاصلة، { أمرا حتى تشهدون } ~~تحضرون. " قالوا " مجيبين لها، { نحن أولو قوة } في القتال، ~~{ وأولو بأس شديد } ، في الحرب، قال مقاتل: أرادوا بالقوة كثرة ~~العدد، وأرادوا بالبأس الشديد: الشجاعة، والبأس: النجدة والبلاء في ~~الحرب، وهذا تعريض منهم بالقتال إن أمرتهم بذلك، ثم قالوا: " والأمر ~~إليك " أيتها الملكة في القتال وتركه. # قوله: " مذا تأمرين " ماذا هو المفعول الثاني ل " تأمرين " ، ~~والأول محذوف تقديره: " تأمريننا " ، والاستفهام معلق للنظر، ولا يخفى ~~حكمه مما تقدم قبله، والمعنى: فانظري في الرأي ماذا تأمرين تجدينا لأمرك ~~طائعين. قالت - مجيبة لهم - عن التعريض بالقتال -: { قالت إن ~~الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها... } ### || [27.34-37] # قوله تعالى: { إن الملوك إذا دخلوا قرية } بالقهر " ~~أفسدوها ": خربوها، { وجعلوا أعزة أهلهآ أذلة ~~} ، فذكرت لهم عاقبة الحرب، وحذرتهم مسير سليمان إليهم ودخوله بلادهم. # قوله: { وكذلك يفعلون } أي: مثل ذلك الفعل يفعلون، وهل هذه ~~الجملة من كلامها - وهو الظاهر - فتكون منصوبة بالقول، أو من كلام الله ~~تعالى، فهي استئنافية لا محل لها من الإعراب، وهي معترضة بين قولها. # قوله: { وإني مرسلة إليهم بهدية }: ما بعث على وجه ~~الإكرام، وهي اسم للمهدى، فيحتمل أن يكون ms6808 اسما صريحا، ويحتمل أن تكون - ~~في الأصل - (مصدرا أطلق على اسم المفعول، وليست مصدرا قياسيا، لأن ~~الفعل منه: أهدى رباعيا، فقياس) مصدره: إهداء. # فصل # اعلم أن بلقيس كانت امرأة لبيبة قد سيست وساست فقالت للملأ من قومها: ~~{ وإني مرسلة إليهم } ، أي: لسليمان وقومه " بهدية " ~~أصانعه على ملكي وأختبره بها أملك أم نبي، فإن يكن ملكا قبل ~~الهدية وانصرف، وإن يكن نبيا لم يقبل الهدية ولم يرضه منا إلا أن ~~نتبعه على دينه، فذلك قوله: { فناظرة بم يرجع المرسلون ~~} ، (وهذا الكلام يدل على أنها لم تثق بالقبول وجوزت الرد، وأرادت أن ~~ينكشف لها غرض سليمان). # قوله: " فناظرة " عطف على " مرسلة " ، و " بم " متعلق ب " ~~يرجع " ، وقد وهم الحوفي فجعلها متعلقة ب " ناظرة " ، وهذا لا ~~يستقيم، لأن اسم الاستفهام له صدر الكلام و " بم يرجع " معلق لناظرة. # قوله: { فلما جآء سليمان } أي: فلما جاء الرسول، أضمره ~~لدلالة قولها " مرسلة " فإنه يستلزم رسولا، والمراد به الجنس لا حقيقة ~~رسول واحد، بدليل خطابه لهم بالجمع في قوله: " أتمدونني.. " إلى ~~آخره، وكذلك قرأ عبد الله: فلما جاءوا، وقرأ: " فارجعوا إليهم " ، ~~اعتبارا بالأصل المشار إليه. # قوله: " أتمدونني " استفهام إنكار، وقرأ حمزة بإدغام نون الرفع في ~~نون الوقاية، وأما الياء فإنه يحذفها وقفا، ويثبتها وصلا على قاعدته في ~~الزوائد، والباقون بنونين - على الأصل - وأما الياء فإن نافعا وأبا عمرو ~~كحمزة يثبتانها وصلا ويحذفانها وقفا، وابن كثير يثبتها في الحالين، ~~والباقون يحذفونها في الحالين. # وروي عن نافع أنه يقرأ بنون واحدة، فتكملت ثلاثة قراءات كما في: # تأمروني أعبد # [الزمر: 64]. # قال الزمخشري: ما الفرق بين قولك: أتمدونني بمال وأنا أغنى منكم، وبين ~~أن تقوله بالفاء؟ قلت: إذا قلته بالواو فقد جعلت مخاطبي عالما بزيادتي ~~عليه في الغنى، وهو - مع ذلك - يمدني بالمال، وإذا قلته بالفاء فقد جعلته ~~ممن خفي عليه حالي، وإنما أخبره الساعة بما لا أحتاح معه إلى إمداده، ~~كأني أقول له: أنكر عليك ما فعلت فإني غني عنه، وعليه ورد قوله: { فمآ ~~آتاني الله } انتهى. # وفي هذا ms6809 الفرق نظر، إذ لا يفهم ذلك بمجرد الواو والفاء، ثم إنه لم يجب ~~عن السؤال الأول، وهو أنه: لم عدل عن قوله: وأنا أغنى منكم إلى قوله: { ~~فمآ آتاني الله }؟ # وجوابه: أنه أسند إيتاء الغنى إلى الله، إظهارا لنعمته عليه، ولو قال: ~~وأنا أغنى منكم، كان فيه افتخار من غير ذكر لنعمة الله عليه، فأظهر - ~~بهذا الكلام - قلة الاكتراث بذلك المال. قوله: " بل أنتم " إضراب ~~انتقال، قال الزمخشري: فإن قلت: فما وجه الإضراب؟ قلت: لما أنكر عليهم ~~الإمداد، وعلل إنكاره، أضرب عن ذلك إلى بيان السبب الذي حملهم عليه، وهو ~~أنهم لا يعرفون سبب رضى إلا مما يهدى إليهم من حظوظ الدنيا التي لا ~~يعرفون غيرها، والهدية: يجوز إضافتها إلى المهدي وإلى المهدى إليه، وهي ~~هنا محتملة للأمرين. قال أبو حيان: وهي هنا مضافة للمهدى إليه، وهذا هو ~~الظاهر، ويجوز أن تكون مضافة إلى المهدي، أي: بل أنتم بهديتكم هذه التي ~~أهديتموها تفرحون فرح افتخار. # قال شهاب الدين: كيف يجعل الأول هو الظاهر، ولم ينقل أن سليمان - صلى ~~الله عليه وسلم - أرسل إليهم هدية في هذه الحالة، حتى يضيفها إليهم، بل ~~الذي يتعين إضافتها إلى المهدي. ومعنى الآية: { بل أنتم ~~بهديتكم تفرحون } ، لأنكم أهل مفاخرة بالدنيا ومكاثرة بها ~~تفرحون بإهداء بعضكم لبعض، وأما أنا فلا أفرح بها وليست الدنيا من حاجتي، ~~لأن الله تعالى قد مكنني فيها وأعطاني منها ما لم يعط أحدا، ومع ذلك ~~أكرمني بالدين والنبوة. قوله: " ارجع " الظاهر أن الضمير يعود على ~~الرسول، وتقدمت قراءة عبد الله: " ارجعوا " ، وقيل: يعود على الهدهد. " ~~فلنأتينهم بجنود " وهذا جواب قسم مقدر، وكذلك قوله: " ~~ولنخرجنهم ". قوله: " لا قبل " صفة ل " جنود " ، أي: لا ~~طاقة, وحقيقته: لا مقابلة والضمير في " بها " عائد على " جنود " , لأنه ~~جمع تكسير فيجري مجرى المؤنثة الواحدة كقولهم: الرجال وأعضادها. ~~وقرأ عبد الله " بهم " على الأصل. " ولنخرجنهم منها " أي من ~~بلادهم وأرض سبأ " أذلة " حال، والذل: أن يذهب عنهم ما كان عندهم من ~~العز والملك. قوله: " وهم صاغرون ms6810 " حال ثانية، والظاهر أنها مؤكدة، ~~لأن " أذلة " تغني عنها. فإن قيل: قوله " فلنأتينهم " ، و ~~" لنخرجنهم " قسم، فلا بد أن يقع! # فالجواب: أنه معلق على شرط حذف لفهم المعنى، أي: إن لم يأتوني ~~مسلمين، والصغار: أن يقعوا في أسر واستبعاد. # فصل # قال ابن عباس: لما رجعت رسل بلقيس إليها من عند سليمان، قالت: قد عرفت ~~والله ما هذا بملك، ولا لنا به من طاقة، وبعثت إلى سليمان: إني قادمة ~~عليك بملوك قومي، حتى أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك ثم آذنت ~~بالرحيل إلى سليمان، فلما قربت منه على فرسخ، فرأى سليما رهجا قريبا، ~~فقال ما هذا؟ قالوا بلقيس قد نزلت منا بهذا المكان. قال ابن عباس: وكان ~~بين الكوفة والحيرة قدر فرسخ، فأقبل سليمان حينئذ على جنوده، فقال: { ~~يأيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن ~~يأتوني مسلمين }؟. ### || [27.38-40] # قال ابن عباس: طائعين، واختلفوا في السبب الذي لأجله أمر سليمان بإحضار ~~عرشها، فقال أكثرهم: لأن سليمان علم أنها إن أسلمت يحرم عليها مالها، ~~فأراد أن يأخذ سريرها قبل أن يحرم عليه أخذه بإسلامها، وقيل: ليريها قدرة ~~الله تعالى وعظيم سلطانه في معجزة يأتي بها في عرشها. وقال قتادة: لأنه ~~أعجبه صفته لما وصفه الهدهد، فأحب أن يراه. وقال ابن زيد: أراد أن يأمر ~~بتنكيرها وتغييرها، فيختبر بذلك عقلها، ويؤيد ذلك قوله تعالى: # نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي # [النمل: 41]. # قوله: " قال عفريت " العامة على كسر العين وسكون الفاء بعدها تاء ~~مجبورة. # وقرأ أبو حيوة: بفتح العين، وأبو رجاء وأبو السمال - ورويت عن أبي بكر ~~الصديق - " عفرية " مفتوحة بعدها تاء التأنيث المنقلبة هاء وقفا، ~~وأنشدوا على ذلك قول ذي الرمة: # 3962 - كأنه كوكب في إثر عفرية # مصوب في سواد الليل منقضب # وقرأت طائفة " عفر " بحذف الياء والتاء، فهذه أربع قراءات قد قرىء ~~بهن، وفيه لغتان أخريان، وهما: عفارية، وطيىء وتميم يقولون: ~~عفرى بألف التأنيث كذكرى، واشتقاقه من العفر، وهو التراب، يقال: عافره ~~فعفره أي: صارعه فصرعه وألقاء في العفر وهو التراب. وقيل: ms6811 من العفر، وهو ~~القوة. والعفريت من الجن المارد الخبيث، ويقال: عفريت نفريت، وهو إتباع ~~كشيطان ليطان، وحسن بسن. ويستعار للعارم من الإنس، ولاشتهار هذه ~~الاستعارة وصف في الآية بكونه من الجن، تمييزا له. قال ابن قتيبة: ~~العفرية الموثق الخلق. وعفرية الديك والحبارى للشعر الذي على رأسهما. ~~وعفرنى للقوي، ورجل عفر - بتشديد الراء - للمبالغة، مثل: شر ~~شمر. قيل: إن الشيطان أقوى من الجن، وإن المردة أقوى من الشياطين، ~~وإن العفريت أقوى منهما. قال بعض المفسرين: العفريت من الرجال الخبيث ~~المنكر، وقال ابن عباس: العفريت، الداهية، وقال الربيع: الغليظ، وقال ~~الفراء: القوي الشديد. # قوله: { أنا آتيك به } يجوز أن يكون فعلا مضارعا، فوزنه أفعل، ~~نحو: أضرب، والأصل: أأتيك - بهمزتين - فأبدلت الثانية ألفا، وأن يكون ~~اسم فاعل، ووزنه فاعل، والألف زائدة، والهمزة أصلية عكس الأول. وأمال ~~حمزة " آتيك " في الموضعين في هذه السورة بخلاف عن خلاد. # فصل # قوله: { قبل أن تقوم من مقامك } أي: مجلسك الذي تقضي فيه، ~~قال ابن عباس: كان له في كل غداة مجلس يقضي فيه إلى انتصاف النهار، " ~~وإني عليه " على حمله، " لقوي أمين " به على ما فيه من الجواهر، ~~فقال سليمان: أريد أسرع من هذا، ف { قال الذي عنده علم من ~~الكتاب } ، فقيل: هو جبريل - عليه السلام - وقيل: ملك من الملائكة ~~أيد الله به نبيه سلمان - عليه السلام - وقال أكثر المفسرين: هو آصف بن ~~برخياء، وكان وزير سليمان، وكان صديقا يعلم اسم الله الأعظم، إذا دعا ~~به أجيب، وقيل: بل هو سليمان نفسه، والمخاطب هو العفريت الذي كلمه، وأراد ~~سليمان - عليه السلام - إظهار معجزة، فتحداهم أولا، ثم بين للعفريت أنه ~~يتأتى له من سرعة الإتيان بالعرش ما لا يتهيأ للعفريت. # (قال محمد بن المنكدر: إنما هو سليمان قال له عالم من بني إسرائيل آتاه ~~الله علما وفهما: { أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك ~~طرفك } ، قال سليمان: هات، قال: أنت النبي ابن النبي، وليس أحد أوجه ~~عند الله منك، فإن دعوت الله وطلبت إليه كان عندك، قال: صدقت، ms6812 ففعل ذلك، ~~فجيء بالعرش في الوقت. وضعف السهيلي ذلك بأنه لا يصح من سياق الكلام)، ~~قال ابن الخطيب: وهذا القول أقرب لوجوه: # الأول: أن لفظة " الذي " موضوعة في اللغة للإشارة إلى شخص معين عند ~~محاولة تعريفها بقضية معلومة، والشخص المعروف بأنه عنده علم من الكتاب هو ~~سليمان - عليه السلام - فوجب انصرافه إليه أقصى ما في الباب أن يقال: كان ~~آصف كذلك أيضا، لكنا نقول: إن سليمان كان أعرف بالكتاب منه، لأنه هو ~~النبي، فكان صرف اللفظ إلى سليمان أولى. # الثاني: أن إحضار العرش في تلك الساعة اللطيفة درجة عالية، فلو حصلت ~~لآصف دون سليمان، لاقتضى ذلك قصور حال سليمان في أعين الخلق. # الثالث: أن سليمان قال { هذا من فضل ربي ليبلوني ~~أأشكر أم أكفر } فظاهره يقتضي أن يكون ذلك المعجز قد أظهره ~~الله تعالى بدعاء سليمان. # فصل # واختلفوا في الكتاب، فقيل: هو اللوح المحفوظ، والذي عنده علم الكتاب ~~جبريل - عليه السلام - وقيل: كتاب سليمان، أو كتاب بعض الأنبياء، وفي ~~الجملة فإن ذلك مدح، وإن لهذا الوصف تأثيرا في نقل ذلك العرش، ولذلك ~~قيل: إنه اسم الله الأعظم، وإن عنده وقعت الإجابة من الله تعالى في ~~أسرع الأوقات. # قوله: { قبل أن يرتد إليك طرفك } فيه وجهان: # أحدهما: أنه الجفن عبر به عن سرعة الأمر كما تقول لصاحبك: افعل ذلك ~~في لحظة، وهذا قول مجاهد، وقال الزمخشري: وهو تحريكك أجفانك إذا نظرت، ~~فوضع موضع النظر. # الثاني: أنه بمعنى المطروف، أي: الشيء الذي تنظره، والأول هو الظاهر، ~~لأن الطرف قد وصف بالإرسال في قوله: # 3963 - وكنت إذا أرسلت طرفك رائدا # لقلبك يوما أتعبتك المناظر # رأيت الذي لا كله أنت قادر # عليه ولا عن بعضه أنت صابر # قال سعيد بن جبير " من قبل أن يرتد " أي: من قبل أن يرجع إليك أقصى (من ~~ترى، وهو أن يصل إليك من كان منك على مد بصرك. # وقال مجاهد: يعني إدامة النظر) حتى يرتد الطرف خاسئا. وقال وهب: تمد ~~عينيك فلا ينتهي طرفك إلى مداه، حتى أمثله ms6813 بين يديك. فإن قيل: هذا يقتضي ~~(إما القول بالطفرة) أو حصول الجسم الواحد دفعة واحدة في مكانين. # والجواب: أن المهندسين قالوا: كرة الشمس مثل كرة الأرض مائة وأربعة ~~وستين مرة ثم إن زمان طلوعها زمان قصير، فإن زمان طلوع تمام القرص على ~~زمان البعد الذي بين الشام واليمن كانت تلك اللمحة كثيرة فلما ثبت عقلا ~~إمكان وجود هذه الحركة السريعة وثبت أنه تعالى قادر على كل الممكنات زال ~~السؤال. # قوله: " فلما رآه " يعني سليمان، العرش " مستقرا " عنده محمولا ~~إليه من مأرب إلى الشام في قدر ارتداد الطرف، ف " مستقرا " حال، ~~لأن الرؤية بصرية، و " عنده " معمول له، لا يقال إذا وقع الظرف حالا وجب ~~حذف متعلقه، فكيف ذكر هنا؟ لأن الاستقرار هنا ليس هو ذلك الحصول المطلق، ~~بل المراد به هنا الثابت الذي لا يتقلقل، قاله أبو البقاء. وقد جعله ابن ~~عطية هو العامل في الظرف الذي كان يجب حذفه، فقال: وظهر العامل في الظرف ~~من قوله " مستقرا " ، وهذا هو المقدر أبدا مع كل ظرف جاء هنا ~~مظهرا، وليس في كتاب الله مثله، وما قاله أبو البقاء أحسن على أنه قد ~~ظهر العامل المطلق في قوله: # 3964 - فأنت لدى بحبوحة الهون كائن # وقد تقدم ذلك محققا في أول الفاتحة. # قوله " أأشكر " معلق " ليبلوني " ، وأم متصلة، وكذلك قوله: # ننظر أتهتدي أم تكون # [النمل: 41]. قوله: { ومن شكر... ومن كفر } يحتمل أن تكون " من " ~~شرطية، أو موصولة مضمنة معنى الشرط، فلذلك دخلت الفاء في الخبر، والظاهر ~~أن جواب الشرط: الثاني: أو خبر الموصول قوله: { فإن ربي غني ~~كريم } ولا بد حينئذ من ضمير يعود على " من " تقديره غني عن شكره، ~~وقيل الجواب محذوف تقديره: فإنما كفر عليه، لدلالة مقابله، وهو قوله { ~~فإنما يشكر لنفسه } عليه. # فصل # تقدم معنى الابتلاء، وقوله: أشكر نعمته أم أكفرها فلا أشكرها، ومن شكر ~~فإنما يشكر لنفسه، أي: يعود نفع شكره إليه وهو أن يستوجب به تمام النعمة ~~ودوامها، لأن الشكر قيد النعمة الموجودة وصيد النعمة المفقودة، ومن كفر ms6814 ~~فإن ربي غني عن شكره كريم بالإفضال على من يكفر نعمه. ### || [27.41-43] # قوله: { قال نكروا لها عرشها } أي: غيروا لها سريرها إلى ~~حال تنكره إذا رأته، وذلك أنه إذا ترك على حاله عرفته لا محالة. ~~وإذا غير دلت معرفتها على فضل عقل. # قوله: " ننظر " العامة على جزمه جوابا للأمر قبله، وأبو حيوة ~~بالرفع، جعله استئنافا. # فصل # روي أنه جعل أسفله أعلاه، وأعلاه أسفله، وجعل مكان الجوهر الأحمر أخضر، ~~ومكان الأخضر أحمر. " ننظر أتهتدي " إلى عرشها فتعرفه، أم تكون ~~من الجاهلين الذين لا يهتدون إليه، وقيل: أتعرف به نبوة سليمان ولذلك ~~قال: { أم تكون من الذين لا يهتدون } إليه، وذلك كالذم، ~~ولا يليق إلا بطريق الدلالة، فكأنه - عليه السلام - أحب أن تنظر فتعرف به ~~نبوته، حيث صار منتقلا من المكان البعيد إلى هناك، وذلك يدل على كمال ~~قدرة الله تعالى، وعلى صدق سليمان - عليه السلام -. ويعرف بذلك أيضا فضل ~~عقلها، لأنه روي أنه ألقي إليه نقصان عقلها، لكي لا يتزوجها - كما ذكر ~~وهب ومحمد بن كعب وغيرهما - أن الشياطين خافت أن يتزوجها سليمان فتفشي ~~إليه أسرار الجن، وذلك أن أمها كانت جنية، وإذا ولدت ولدا لا ينكفون من ~~تسخير سليمان وذريته من بعده، فأساءوا الثناء عليها، ليزهدوه فيها، ~~وقالوا: إن في عقلها شيئا، وإن رجلها كحافر الحمار، وإنها شعراء ~~الساقين، فأراد سليمان أن يختبر عقلها بتنكير عرشها، وينظر إلى قدميها ~~ببناء الصرح. # قوله: " أهكذا " ثلاث كلمات - حرف التنبيه وكأن التشبيه واسم ~~الإشارة - فصل (بحرف الجر بين حرف التنبيه واسم الإشارة، والأصل: ~~أكهذا، أي: (أ) مثل هذا عرشك, ولا يجوز ذلك في غير الكاف لو قلت: ~~أبهذا مررت، وألهذا فعلت لم يجز أن تفصل) بحرف الجر بين " ها " و ~~" ذا " فتقول: أها بذا مررت وأها لذا فعلت. # قوله: { قالت كأنه هو } ، قال مقاتل: عرفته، ولكنها شبهت ~~عليهم كما شبهوا عليها، وقال عكرمة: كانت حكيمة لم تقل، نعم, خوفا من ~~أن تكذب، ولم تقل: لا، خوفا من التكذيب، قالت كأنه هو، فعرف سليمان ms6815 كمال ~~عقلها، حيث توقفت في محل التوقف، قيل لها: فإنه عرشك، فما أغنى عنك إغلاق ~~الأبواب عليه، وكانت قد أغلقت عليه الأبواب وأخذت مفاتيحها. قوله: { ~~وأوتينا العلم من قبلها } فيه وجهان: # أحدهما: أنه من كلام بلقيس، فالضمير في " قبلها " راجع للمعجزة ~~والحالة الدالة عليها السياق والمعنى: وأوتينا العلم بنبوة سليمان من ~~قبل ظهور هذه المعجزة أو من قبل هذه الحالة، وذلك لما رأت قبل ذلك من ~~أمر الهدهد ورد الهدية والرسل " من قبلها " من قبل الآية في العرض، ~~" وكنا مسلمين " منقادين طائعين لأمر سليمان. # الثاني: أنه من كلام سليمان وأتباعه، فالضمير في قبلها عائد على بلقيس، ~~فكأن سليمان وقومه قالوا: إنها قد أصابت في جوابها وهي عاقلة، وقد رزقت ~~الإسلام، ثم عطفوا على ذلك قولهم: وأوتينا نحن العلم بالله وبقدرته على ~~ما يشاء من قبل هذه المرأة مثل علمها، وغرضهم من ذلك شكر الله تعالى في ~~أن خصهم بمزيد التقدم في الإسلام، قاله مجاهد. # قوله: { وصدها ما كانت تعبد من دون الله } في فاعل " ~~صد " ثلاثة أوجه: # أحدها: ضمير الباري. # والثاني: ضمير سليمان، أي منعها ما كانت تعبد من دون الله، وهو الشمس، ~~وعلى هذا ف { ما كانت تعبد } منصوب على إسقاط الخافض، أي: ~~وصدها الله أو سليمان عما كانت تعبد من دون الله، قاله الزمخشري مجوزا ~~له. وفيه نظر من حيث إن حذف الجار ضرورة، كقوله: # 3965 - تمرون الديار فلم تعوجوا # كذا قاله أبو حيان، وقد تقدم آيات كثيرة من هذا النوع. # الثالث: أن الفاعل هو " ما كانت " أي: صدها ما كانت تعبد عن الإسلام، ~~(أي: صدها عبادة الشمس عن التوحيد). والظاهر أن الجملة من قوله: " ~~وصدها " معطوفة على قوله " وأوتينا ". وقيل: هي حال من قوله: أم تكون ~~من الذين و (قد) مضمرة، وهذا بعيد جدا. وقيل: هو مستأنف إخبارا من الله ~~تعالى بذلك. # قوله: { إنها كانت من قوم كافرين } يعبدون الشمس، ~~والعامة على كسر " إنها " استئنافا وتعليلا: وقرأ سعيد بن جبير وأبو ~~حيوة بالفتح، وفيها وجهان: # أحدهما: أنها ms6816 بدل من { ما كانت تعبد } أي: وصدها " أنها كانت ~~". # والثاني: أنها على إسقاط حرف العلة، أي: لأنها، فهي قريبة من قراءة ~~العامة. ### || [27.44] # قوله: { قيل لها ادخلي الصرح } تقدم الخلاف في الظرف الواقع ~~بعد " دخل " هل هو منصوب على الظرف، وشذ ذلك مع دخل خاصة - كما قاله ~~سيبويه - أو مفعول به كهديت البيت كما قاله الأخفش. والصرح: القصر، ~~أو صحن الدار، أو بلاط متخذ من زجاج وأصله من التصريح، وهو الكشف، وكذب ~~" صراح " ، أي: ظاهر مكشوف ولوم صراح. والصريح مقابل الكناية، ~~لظهوره واستتار ضده. وقيل: الصريح الخالص من قولهم: لبن صريح بين ~~الصراحة والصروحة. وقال الراغب: الصرح بيت عال مزوق، سمي بذلك ~~اعتبارا بكونه صرحا عن البيوت، أي: خالصا. # قوله: " ساقيها " العامة على ألف صريحة، وقنبل روى همزها عن ابن ~~كثير، وضعفها أبو علي، وكذلك فعل قنبل في جمع ساق في: ص، وفي الفتح، ~~همز واوه، فقرأ " بالسؤق والأعناق " ، { فاستوى على ~~سؤقه } [الفتح: 29] بهمزة مكان الواو، وعنه وجه آخر: السؤوق، ~~وسؤوقه - بزيادة واو بعد الهمز -، وروي عنه أنه كان يهمزه مفردا في ~~قوله: { يكشف عن ساق } [القلم: 42] فأما همزة الواو ففيها أوجه: # أحدها: أن الواو الساكنة المضموم ما قبلها يقلبها بعض العرب همزة، وتقدم ~~تحقيق هذا أول البقرة عند " يوقنون " ، وأنشد عليه: # 3966 - أحب المؤقدين إلي مؤسى # وكان أبو حية النميري يهمز كل واو في القرآن هذا وصفها. # الثاني: أن ساقا على " فعل " كأسد، فجمع على " فعل " بضم العين، ~~كأسد والواو المضمومة تطلب همزة، نحو: " وجوه " ، و " وقتت " ثم ~~بعد الهمزة سكنت. # الثالث: أن المفرد سمع همزه كما سيأتي تقريره، فجاء جمعه عليه. # وأما سؤوق - بالواو بعد الهمزة - فإن ساقا جمع على سووق بواو، فهمزت ~~الأولى لانضمامها وهذه الرواية غريبة عن قنبل. وأما " ساقها " فوجه ~~الهمزة أحد أوجه: إما لغة من يقلب الألف همزة، وعليه لغة العجاج في: ~~العألم و " الخأتم " ، وأنشد: # 3967 - وخندف هامة هذا العألم # وسيأتي تقريره في: # منسأته # [سبأ: 14] - إن شاء الله - وتقدم طرف منه في الفاتحة، ms6817 وإما على التشبيه ~~برأس، وكأس، كما قالوا: حلأت السويق، حملا على حلأته عن الماء، ~~أي: طردته وإما حملا للمفرد والمثنى على جمعها، وقد تقرر في جمعها ~~الهمز. # فصل # لما حكى تعالى إقامتها على الكفر مع الدلائل المتقدمة، ذكر أن سليمان ~~أظهر أمرا آخر داعيا لها إلى الإسلام، فأمر الشياطين فبنوا صرحا أي: ~~قصرا من زجاج، كأنه الماء بياضا وأجري تحته الماء، وألقى فيه كل شيء من ~~دواب البحر من السمك والضفادع وغيرها، ثم وضع سريره في صدره وجلس عليه ~~وعكفت عليه الطير والجن والإنس، وقيل: اتخذ صحنا من قوارير وجعل تحتها ~~تماثيل من الحيتان والضفادع، فكان الواحد إذا رآه ظنه ماء، فلما جلس على ~~السرير دعا بلقيس، فلما جاءت قيل لها: ادخلي الصرح فلما ~~رأته حسبته لجة، وهي معظم الماء، { وكشفت عن ~~ساقيها } لتخوضه، فقيل كان المقصود من بناء الصرح تهويل المجلس ~~وتعظيمه، وحصل كشف الساق على سبيل التبع، وقيل: إن سليمان أراد أن ينظر ~~إلى ساقيها من غير أن يسألها كشفها لما قالت الشياطين له إن رجلها كحافر ~~الحمار، وهي شعراء الساقين، فنظر سليمان فإذا هي أحسن الناس ساقا ~~وقدما، إلا أنها كانت شعراء الساقين، فلما رأى سليمان ذلك صرف بصره عنها ~~وناداها أنه صرح " ممرد " ، أي: مملس، ومنه الأمرد لملاسة وجهه ~~من الشعر وبرية مرداء لخلوها من النبات، ورملة مرداء، لا تنبت شيئا، ~~والمارد من الشياطين من تعرى من الخير وتجرد منه. # ومارد حصن معروف، وفي أمثال الزباء: " تمرد مارد وعز ~~الأبلق " قالتها في حصنين امتنع فتحهما عليها. والقوارير، وهي الزجاج ~~الشفاف، و " من قوارير " صفة ثانية ل " صرح ". # قوله: { قالت رب إني ظلمت نفسي } قال مقاتل: لما رأت ~~السرير والصرح، علمت أن ملك سليمان من الله، فقالت رب إني ظلمت ~~نفسي بعبادة غيرك، وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين، وأخلصت لك ~~التوحيد. # وقيل: إنها لما بلغت الصرح وظنته لجة قالت في نفسها إن سليمان يريد أن ~~يغرقني وكان القتل أهون من هذا، فقولها: " ظلمت نفسي " تعني ذلك ms6818 ~~الظن. # واختلفوا: هل تزوجها سليمان أم لا؟ وأنه تزوجها في هذه الحال، ومن قبل ~~أن يكشف عن ساقيها؟ والأظهر من كلام الناس أنه تزوجها، وروي عن ابن عباس ~~لما أسلمت، قال لها: اختاري من قومك من يتزوجك، فقالت: مثلي لا تنكح ~~الرجال - مع سلطاني - فقال: النكاح من الإسلام، فقالت: إن كان كذلك ~~فزوجني لتبع ملك همدان، فزوجها إياه، ثم ردهما إلى اليمن. # وروي أن الملك وصل إلى سليمان وهو ابن ثلاث عشرة سنة، ومات وهو ابن ثلاث ~~وخمسين سنة. # قوله: " مع سليمان " متعلق بمحذوف على أنه حال، ولا يتعلق: " ~~أسلمت " ، لأن إسلامه سابق إسلامها بزمان، وهو وجه لطيف، وقال ابن ~~عطية: و " مع " ظرف بني على الفتح، وأما إذا أسكنت العين، فلا خلاف ~~أنه حرف. وقد تقدم القول في ذلك وقال مكي هنا نحوا من قول ابن عطية. ### || [27.45-53] # قوله تعالى: { ولقد أرسلنآ إلى ثمود أخاهم صالحا ~~} الآية. # قوله: { أن اعبدوا الله } أي: وحدوه، ويجوز في " أن " أن ~~تكون مفسرة وأن تكون مصدرية، أي بأن اعبدوا فيجيء في محلها القولان. # قوله: { فإذا هم فريقان } تقدم الكلام في " إذا " الفجائية، ~~والمراد بالفريقين قوم صالح، وأنهم انقسموا فريقين: مؤمن وكافر، وقد صرح ~~بذلك في الأعراف في قوله: # قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين ~~استضعفوا لمن آمن # [الأعراف: 75]. وجعل الزمخشري الفريق الواحد صالحا وحده والآخر جميع ~~قومه؛ وحمله على ذلك العطف بالفاء، فإنه يؤذن أنه بمجرد إرسالة صاروا ~~فريقين، ولا يصير قومه فريقين إلا بعد زمان ولو قليلا. # و " يختصمون " صفة ل " فريقان " على المعنى، كقوله: # هذان خصمان اختصموا # [الحج: 19] و # وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا # [الحجرات: 9] واختير هنا مراعاة الجمع، لكونها فاصله. # قوله: { يقوم لم تستعجلون } أي: قال لهم صالح يا قوم لم ~~تستعجلون بالسيئة بالبلاء والعقوبة، أي أن الله قد مكنكم من التوصل إلى ~~رحمته وثوابه فلماذا تعدلون عنه إلى استعجال عذابه، وقيل: إنهم كانوا ~~يقولون إن العقوبة التي يعدها صالح - إن وقعت على زعمه - تبنا حينئذ ~~واستغفرنا فحينئذ يقبل ms6819 الله توبتنا، ويدفع العذاب عنا، فخاطبهم صالح على ~~حسب اعتقادهم، فقال: هلا تستغفرون الله قبل نزول العذاب، فإن استعجال ~~الخير أولى من استعجال الشر، ووصف العذاب بأنه سيئة مجازا، إما لأن ~~العقاب من لوازمه، أو لأنه يشبهه في كونه مكروها، وأما وصف الرحمة ~~بأنها حسنة، فقيل: حقيقة، وقيل: مجاز. ثم إن صالحا عليه السلام لما ~~قرر هذا الكلام الحق أجابوه بكلام فاسد، فقالوا " اطيرنا بك " ~~أي: تشاءمنا بك، لأن الذي يصيبنا من شدة وقحط شؤمك وشؤم من معك. وقرىء: ~~" تطيرنا بك " ، وهو الأصل، وأدغم، وتقدم تقريره، قال الزمخشري: كان ~~الرجل يخرج مسافرا فيمر بطائر فيزجره، فإن مر سانحا تيمن، وإن مر ~~بارحا تشاءم، فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر استعير لما كان للخير ~~والشر، وهو قدر الله وقسمته، فأجاب صالح - عليه السلام - بقوله: طائركم ~~عند الله، أي السبب الذي يجيء منه خيركم وشركم عند الله، وهو قضاؤه وقدره ~~وهو مكتوب عليكم. سمي طائرا لسرعة نزوله بالإنسان، لأنه لا شيء أسرع من ~~قضاء محتوم. قال ابن عباس: الشؤم أتاكم من عند الله بكفركم. وقيل طائركم: ~~عملكم عند الله، سمى طائرا لسرعة صعوده إلى السماء، وقيل: إنما قالوا ~~ذلك لتفرق كلمتهم، وقيل: لأنه أمسك عنهم المطر في ذلك الوقت وقحطوا. # قوله: " تفتنون " جاء بالخطاب مراعاة لتقدم الضمير، ولو روعي ما ~~بعده لقيل " يفتنون " بياء الغيبة، وهو جائز ولكنه مرجوح، ويقول: ~~أنت رجل يفعل وتفعل بالياء والتاء، ونحن قوم نقرأ ويقرأون. # والمراد من هذا الكلام أن صالحا - عليه السلام - بين بهذا الكلام جهلهم ~~بقوله: { بل أنتم قوم تفتنون } ، فيحتمل أن غيرهم دعاءهم ~~إلى هذا القول، ويحتمل أن المراد أن الشيطان يفتنكم بوسوسته. # وقال ابن عباس: يختبرون بالخير والشر كقوله: # ونبلوكم بالشر والخير فتنة # [الأنبياء: 35]، وقال محمد بن كعب: يعذبون. # قوله: { وكان في المدينة تسعة رهط } يعني: مدينة ثمود، ~~والأكثر أن يتميز، والعدد مجرور ب " من " ، كقوله: # أربعة من الطير # [البقرة: 260] وفي المسألة مذاهب: # أحدها: أنه لا يجوز إلا في قليل. # الثاني: أنه يجوز ms6820 ولكن لا ينقاس. # الثالث: التفصيل بين أن تكون للقلة كرهط ونفر، فيجوز، أو للكثرة فقط، أو ~~لها وللقلة فلا يجوز نحو: تسعة قوم. ونصب سيبويه على امتناع ثلاث غنم. # قال الزمخشري: وإنما جاز تمييز التسعة بالرهط، لأنه في معنى الجمع، كأنه ~~قيل: تسعة أنفس. قال أبو حيان: وتقدير غيره تسعة رجال هو الأولى؛ لأنه من ~~حيث أضاف إلى أنفس كان ينبغي أن يقول: تسع أنفس - على تأنيث النفس - إذا ~~الفصيح فيها التأنيث، ألا تراهم عدوا من الشذوذ قول الشاعر: # 3968 - ثلاثة أنفس وثلاث ذود # قال شهاب الدين: وإنما أراد تفسير المعنى. وقال ابن الخطيب: والأقرب أن ~~يكون المراد تسعة جمع؛ إذ الظاهر من الرهط الجماعة لا الواحد، ثم يحتمل ~~أنهم كانوا قبائل ويحتمل أنهم دخلوا تحت العدد، لاختلاف وصفهم وأحوالهم، ~~لا لاختلاف النسب. # قوله: " يفسدون " يجوز أن يكون نعتا للمعدود أو العدد، فيكون في ~~موضع جر أو رفع. # قوله: " ولا يصلحون " قيل: مؤكد للأول، وقيل: ليس مؤكدا؛ لأن بعض ~~المفسدين قد يصلح في وقت ما، فأخبر عن هؤلاء بانتفاء توهم ذلك، وهم الذي ~~اتفقوا على عقر الناقة، وهم غواة قوم صالح، ورأسهم: قدار بن سالف، وهو ~~عاقر الناقة. # قوله: " قالوا تقاسموا " يجوز في " تقاسموا " أن يكون أمرا، ~~قال بعضهم لبعض: احلفوا على كذا، ويجوز أن يكون فعلا ماضيا، وحينئذ ~~يجوز أن يكون مفسرا ل " قالوا " كأنه قيل: ما قالوا؟ فقيل: تقاسموا. ~~ويجوز أن يكون حالا على إضمار " قد " ، أي: قالوا ذلك متقاسمين، وإليه ~~ذهب الزمخشري، فإنه قال: يحتمل أن يكون أمرا وخبرا في محل الحال بإضمار ~~" قد ". قال أبو حيان: أما قوله: وخبرا. فلا يصح؛ لأن الخبر أحد قسمي ~~الكلام لأنه ينقسم إلى الخبر والإنشاء، وجميع معانيه إذا حققت راجعة إلى ~~هذين القسمين قال شهاب الدين: ولا أدري عدم الصحة مماذا؟ لأنه جعل الماضي ~~خبرا، لاحتماله الصدق والكذب، مقابلا للأمر الذي لا يحتملهما، أما كون ~~الكلام لا ينقسم إلا إلى خبر وإنشاء وأن معانيه إذا حققت ترجع إليهما، ~~فأي مدخل ms6821 لهذا في الرد على الزمخشري. # ثم قال أبو حيان: والتقييد بالحال ليس إلا من باب نسبة التقييد، لا من ~~نسبة الكلام التي هي الإسناد، فإذا أطلق عليها الخبر كان ذلك على تقدير ~~أنها لو لم تكن حالا لجاز أن تستعمل خبرا، وكذلك قولهم في الجملة ~~الواقعة صلة: هي خبرية، فهو مجاز والمعنى: أنها لو لم تكن صلة لجاز أن ~~تسعتمل خبرا، وهذا فيه عوض. # قال شهاب الدين: مسلم أن الجملة ما دامت حالا أو صلة لا يقال لها ~~خبرية، بمعنى أنها تستقل بإفادة الإسناد، لأنها سيقت مساق القيد في ~~الحال ومساق حد كلمة في الصلة، وكان ينبغي أن يذكر أيضا الجملة الواقعة ~~صفة، فإن الحكم فيها كذلك، ثم قال: وأما إضمار " قد " فلا يحتاج إليه، ~~لكثرة وقوع الماضي حالا دون " قد " ، كثرة ينبغي القياس عليها. # قال شهاب الدين: الزمخشري مشى مع الجمهور فإن مذهبهم أنه لا بد من ~~" قد " ظاهرة أو مضمرة لتقربه من الحال. وقرأ ابن أبي ليلى: " ~~تقسموا " - دون ألف مع تشديد السين - والتقاسم والتقسم ~~كالتظاهر والتظهر. # قوله: " بالله " إن جعلت " تقاسموا " أمرا، تعلق به الجار ~~قولا واحدا، وإن جعلته ماضيا احتمل أن يتعلق به، ولا يكون داخلا تحت ~~القول، والمقول هو " لنبيتنه " (إلى آخره، واحتمل ان يتعلق بمحذوف ~~هو فعل القسم، وجوابه: " لنبيتنه " فعلى هذا يكون ما بعده داخلا ~~تحت المقول. # قوله: " لنبيتنه " ) قرأ الأخوان بتاء الخطاب المضمومة وضم ~~التاء، والباقون بنون المتكلم وفتح التاء. " ثم لنقولن ": قرأ ~~الأخوان بتاء الخطاب المضمومة وضم اللام والباقون بنون المتكلم وفتح ~~اللام، ومجاهد وابن وثاب والأعمش كقراءة الأخوين. (إلا أنه بياء الغيبة ~~في الفعلين، وحميد بن قيس كهذه القراءة في الأول، وقراءة غير الأخوين) من ~~السبعة في الثاني. فأما قراءة الأخوين فإن جعلنا " تقاسموا " فعل أمر، ~~فالخطاب واضح، رجوعا بآخر الكلام إلى أوله، وإن جعلناه ماضيا، أو أمرا ~~فالأمر فيهما واضح وهو حكاية إخبارهم عن أنفسهم وأما قراءة الغيبة فيهما ~~فظاهرة على أن يكون " تقاسموا " ماضيا رجوعا بآخر الكلام إلى ms6822 أوله ~~في الغيبة، وإن جعلناه أمرا كان " لنبيتنه " جوابا لسؤال مقدر، ~~كأنه قيل: كيف تقاسموا؟ فقيل: لنبيتنه. وأما غيبة الأول ~~والمتكلم في الثاني: فتعليله مأخوذ مما تقدم في تعليل القراءتين، وقال ~~الزمخشري: وقرىء " لتبيتنه " بالتاء والياء والنون، ف " ~~تقاسموا " مع التاء والنون يصح (فيه الوجهان، يعني يصح) في " ~~تقاسموا " أن يكون أمرا وأن يكون خبرا، قال: ومع الياء لا يصح إلا ~~أن يكون خبرا. # قال شهاب الدين: وليس كذلك لما تقدم من أنه يكون أمرا وتكون الغيبة ~~فيما بعده جوابا لسؤال مقدر. وقد تابع الزمخشري أبو البقاء على ذلك ~~فقال: " تقاسموا " فيه وجهان: # أحدهما: هو أمر أي: أمر بعضهم بذلك بعضا، فعلى هذا يجوز في " ~~لنبيتنه " النون بتقدير: قولوا لنبيتنه، والتاء على خطاب ~~الأمر المأمور، ولا يجوز التاء. # والثاني: هو فعل ماض، وعلى هذا يجوز الأوجه الثلاثة. يعني بالأوجه: ~~النون والتاء والياء، قال: وهو على هذا تفسير، أي: وتقاسموا على كونه ~~ماضيا مفسرا لنفس " قالوا " وقد سبقهما إلى ذلك مكي - رحمه الله - ~~وتقدم توجيه ما منعوه ولله الحمد، وتنزيل هذه الأوجه بعضها على بعض مما ~~يصعب استخراجه من كلام القوم، وتقدم الكلام في " مهلك أهله " في ~~الكهف. # فصل # من جعله أمرا فموضع " تقاسموا " جزم على الأمر، أي: احلفوا، ومن ~~جعله فعلا ماضيا فمحله نصب أي: تحالفوا وتوافقوا لنبيتنه لنقتلنه، ~~بياتا أي: ليلا، وأهله: أي: قومه الذين أسلموا معه، { ثم ~~لنقولن لوليه }: أي لولي دمه، " ما شهدنا " ما حضرنا، " ~~مهلك أهله " إهلاكهم، ولا ندري من قتله، ومن فتح الميم فمعناه: ~~هلاك أهله، " وإنا لصادقون ": في قولنا ما شهدنا ذلك. # قوله: " ومكروا مكرا " غدروا غدرا حين قصدوا تبييت صالح والفتك ~~به، " ومكرنا مكرا " جازيناهم على مكرهم بتعجيل عقوبتهم، " ~~وهم لا يشعرون " فشبه إهلاكهم من حيث لا يشعرون بمكر الماكر ~~على سبيل الاستعارة. وقيل: إن الله تعالى أخبر صالحا بمكرهم فتحرز ~~عنهم، فذلك مكر الله في حقهم. # قوله: { فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا ~~دمرناهم }: قرأ الكوفيون بفتح " أنا " ، والباقون بالكسر، ~~فالفتح من ms6823 أوجه: # أحدها: أن يكون على حذف الجر، لأنا دمرناهم، و " كان " تامة، و " ~~عاقبة " فاعل بها، و " كيف ": حال. # الثاني: أن يكون بدلا من " عاقبة " ، أي: كيف كان تدميرنا إياهم، ~~بمعنى كيف حدث. # الثالث: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هي أنا دمرناهم، أي: العاقبة ~~تدميرنا إياهم، ويجوز مع هذه الأوجه الثلاثة أن تكون كان ناقصة، ويجعل " ~~كيف " خبرها، فتصير الأوجه ستة، ثلاثة مع تمام " كان " وثلاثة مع ~~نقصانها، ونزيد مع الناقصة وجها آخر، وهو أن يجعل " عاقبة " اسمها، و ~~" أنا دمرناهم " خبرها، و " كيف ": حال، فهذه سبعة أوجه، ~~والثامن: أن تكون " كان " زائدة، و " عاقبة " مبتدأ، وخبره " كيف " ، ~~و " أنا دمرناهم " بدل من " عاقبة " أو خبر مبتدأ مضمر، وفيه ~~تعسف. # التاسع: أنها على حذف الجار أيضا، إلا أنه الباء، أي: بأنا ~~دمرناهم، ذكره أبو البقاء. # العاشر: أنها بدل من " كيف " ، وهذا وهم من قائله، لأن المبدل من اسم ~~الاستفهام يلزم معه إعادة حرف الاستفهام، نحو: كم مالكم أعشرون أم ~~ثلاثون؟ وقال مكي: ويجوز في الكلام نصب " عاقبة " ويجعل " أنا ~~دمرناهم " اسم كان. انتهى. # بل كان هذا هو الأرجح كما كان النصب في قوله: # فما كان جواب قومه إلا أن قالوا # [العنكبوت: 24] ونحوه أرجح، لما تقدم شبهه بالمضمر، لتأويله بالمصدر، ~~وتقدم تحقيق هذا. وقرأ أبي: " أن دمرناهم " وهي: أن المصدرية ~~التي يجوز أن تنصب المضارع، والكلام فيها كالكلام على " أنا ~~دمرناهم " وأما قراءة الباقين، فعلى الاستئناف، وهو تفسير ~~للعاقبة، وكان يجوز فيها التمام والنقصان والزيادة، و " كيف " وما في ~~حيزها في محل نصب على إسقاط الخافض، لأنه معلق للنظر، و " أجمعين ~~": تأكيد للمعطوف والمعطوف عليه. # فصل # قال ابن عباس: أرسل الله الملائكة تلك الليلة إلى دار صالح يحرسونه، ~~فأتى التسعة دار صالح شاهرين سيوفهم فرمتهم الملائكة بالحجارة من حيث ~~يرون الحجارة ولا يرون الملائكة، فقتلتهم. وقال مقاتل: نزلوا في سفح جبل ~~ينتظر بعضهم بعضا، ليأتوا دار صالح، فجثم عليه الجبل فأهلكهم وأهلك الله ~~قومهم بالصيحة. # قوله: { فتلك بيوتهم خاوية } العامة ms6824 على نصب " خاوية " ~~حالا، والعامل فيها معنى اسم الإشارة، وقرأ عيسى: " خاوية " بالرفع، ~~إما على خبر " تلك " ، و " بيوتهم " بدل من " تلك " ، وإما خبر ~~ثان، و " بيوتهم " خبر أول، وإما على خبر مبتدأ محذوف, أي: هي ~~خاوية، وهذا إضمار مستغنى عنه، و " بما ظلموا " متعلق ب " خاوية " ~~، أي بسبب ظلمهم. و " خاوية " أي: خالية " بما ظلموا " بظلمهم ~~وكفرهم، { إن في ذلك لآية } لعبرة، " لقوم يعلمون ~~" قدرتنا: { وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون } ~~قيل: كان الناجون منهم أربعة آلاف. ### || [27.54-58] # قوله تعالى: { ولوطا إذ قال لقومه } الآية، " ولوطا " ~~إما منصوب عطفا على " صالحا " أي: وأرسلنا لوطا، وإما عطفا على " ~~الذين آمنوا " ، أي: وأنجينا لوطا، وإما " باذكر " مضمرة، و " ~~إذ قال ": بدل اشتمال من " لوطا " ، وتقدم نظيره في مريم وغيرها. # " أتأتون الفاحشة " استفهام على وجه الإنكار، والتوبيخ بمثل ~~هذا اللفظ أبلغ، و " الفاحشة ": الفعلة القبيحة. # قوله: " وأنتم تبصرون " جملة حالية من فاعل " تأتون " أو ~~من " الفاحشة " ، والعائد محذوف، أي: وأنتم تبصرونها لستم عميا ~~عنها جاهلين بها، وهو أشنع. وقيل: المعنى يرى بعضكم بعضا، وكانوا لا ~~يستترون، عتوا منهم. فإن قيل: إذا فسرت " تبصرون " بالعلم، وبعده: ~~{ بل أنتم قوم تجهلون } فكيف يكون علما جهلا؟ فالجواب: # تفعلون فعل الجاهلين بأنها فاحشة مع علمكم بذلك، أو تجهلون العاقبة، أو ~~أراد بالجهل: السفاهة والمجانة التي كانوا عليها. # قوله: " شهوة ": مفعول من أجله، أو في موضع الحال، وقد تقدم. # قوله: فما كان جواب قومه: خبر مقدم، و { إلا أن ~~قالوا } في موضع الاسم. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق برفعه اسما، و { ~~إلا أن قالوا } خبر وهو ضعيف، لما تقدم تقريره. وتقدم قراءتا " ~~قدرنا " تشديدا وتخفيفا، والمخصوص بالذم محذوف في قوله: { فسآء ~~مطر المنذرين } أي: مطرهم. # فصل # لما بين تعالى جهلهم، بين أنهم أجابوا بما لا يصلح أن يكون جوابا، ~~فقال: { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا ~~آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون } ، أي: ~~يتطهرون من هذا الصنيع الفاحش. وقيل: قالوا ذلك على وجه الهزء. # { فأنجيناه ms6825 وأهله إلا امرأته قدرناها } قضينا ~~عليها وجعلناها بتقديرنا " من الغابرين " ، أي: الباقين في العذاب، ~~و { وأمطرنا عليهم مطرا } ، وهو الحجارة { فسآء مطر ~~المنذرين }. ### || [27.59-60] # قوله تعالى: { قل الحمد لله } الآية، العامة على كسر لام قل، ~~لالتقاء الساكنين، وأبو السمال بفتحها تخفيفا، وكذا في قوله: # وقل الحمد لله سيريكم آياته # [النمل: 93]، " وسلام ": مبتدأ، سوغ الابتداء به كونه دعاء. # فصل # المعنى: " الحمد لله " على هلاكهم، وهذا خطاب لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أمر أن يحمد الله على هلاك كفار الأمم الخالية، و { ~~وسلام على عباده الذين اصطفى } بأن أرسلهم ونجاهم. ~~وقيل: هذا كلام مبتدأ، فإنه تعالى لما ذكر أحوال الأنبياء - عليهم السلام ~~- وكان محمد - عليه السلام - كالمخالف لمن قبله - في العذاب؛ لأن عذاب ~~الاستئصال مرتفع عن قومه - أمره الله تعالى بأن يشكر ربه على ما خصه به ~~من هذه النعم، وبأن يسلم على الأنبياء الذين صبروا على مشاق الرسالة. # قوله: { وسلام على عباده الذين اصطفى } قال مقاتل: ~~هم الأنبياء والمرسلون بدليل قوله تعالى: # وسلام على المرسلين # [الصافات: 181]. وقال ابن عباس - في رواية أبي مالك - هم أصحاب محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - وقال الكلبي: هم أمة محمد وقيل: هم كل المؤمنين من ~~السابقين واللاحقين. # قوله: " أما " أم هذه متصلة عاطفة، لاستكمال شروطها، والتقدير: ~~أيهما خير، و " خير " إما تفضيل - على زعم الكفار - وإلزام ~~الخصم، أو صفة لا تفضيل فيها. و " ما " في " أم ما " بمعنى الذي، ~~وقيل: مصدرية، وذلك على حذف مضاف من الأول، أي أتوحيد الله خير أم شرككم؟ ~~وقرأ أبو عمرو وعاصم: " أما يشركون " بالغيبة حملا على ما قبله ~~من قوله: " وأمطرنا عليهم " ، وما بعده من قوله: " بل ~~أكثرهم " ، والباقون على الخطاب، وهو التفات للكفار، بعد خطاب نبيه ~~- عليه السلام - وهذا تبكيت للمشركين بحالهم، لأنهم آثروا عبادة الأصنام ~~على عبادة الله تعالى، ولا يؤثر عاقل شيئاعلى شيء إلا لزيادة خير ~~ومنفعة، فقيل لهم هذا الكلام تنبيا لهم على نهاية ضلالهم وجهلهم، وروي ~~أن رسول - صلى الله عليه وسلم - كان إذا ms6826 قرأها قال: # " بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم ". # قوله: " أمن خلق " " أم " هذه منقطعة، لعدم تقدم همزة ~~الاستفهام ولا تسوية، و " من خلق " مبتدأ وخبره محذوف، فقدره ~~الزمخشري: خير أما يشركون، فقدر ما أثبت في الاستفهام الأول، ~~وهو حسن، وقدره ابن عطية: يكفر بنعمته ويشرك به، ونحو هذا من ~~المعنى. وقال أبو الفضل الرازي: لا بد من إضمار جملة معادلة، وصار ذلك ~~المضمر كالمنطوق لدلالة الفحوى عليه، وتقدير تلك الجملة: أم من خلق ~~السموات والأرض كمن لم يخلق؟ وكذلك أخواتها، وقد أظهر ~~في غير هذه المواضع ما أضمر فيها، كقوله: # أفمن يخلق كمن لا يخلق # [النحل: 17]. وقال أبو حيان: وتسمية هذا المقدر جملة إن أراد أنها جملة ~~من جهة الألفاظ فصحيح، وإن أراد الجملة المصطلح عليها في النحو، فليس ~~بصحيح، بل هو مضمر من قبيل المفرد. وقرأ الأعمش: " أمن " بتخفيف الميم ~~جعلها (من) الموصولة داخلة عليها همزة الاستفهام، وفيها وجهان: # أحدهما: أن يكون مبتدأ والخبر محذوف وتقديره ما تقدم من الأوجه، قاله ~~أبو حيان. # والثاني: أنها بدل من " الله " ، كأنه قيل: أمن خلق السموات والأرض ~~خير أما يشركون، ولم يذكر الزمخشري غيره. ويكون قد فصل بين البدل ~~والمبدل منه بالخبر وبالمعطوف على المبدل منه، وهو نظير قولك: أزيد ~~خير أم عمروا أأخوك، على أن يكون أأخوك بدلا من: أزيد، وفي جواز ~~مثل هذا نظر. # قوله: " فأنبتنا " هذا التفات من الغيبة إلى المتكلم، لتأكيد معنى ~~اختصاص الفعل بذاته، والإيذان بأن إنبات الحدائق المختلفة الألوان ~~والطعوم - مع سقيها بماء واحد - لا يقدر عليه إلا هو وحده، ولذلك ~~رشحه بقوله: { ما كان لكم أن تنبتوا شجرها }.فإن الإنسان ~~ربما يقول: أنا الذي ألقي البذر في الأرض وأسقيها الماء وأسعى في ~~تشميسها، وفاعل السبب فاعل المسبب، فإذن أنا المنبت للشجرة، فلما كان ~~هذا الاحتمال قائما، لا جرم أزال الله تعالى هذا الاحتمال، فرجع من لفظ ~~الغيبة إلى لفظ المتكلم، والحدائق: جمع حديقة وهي البستان، وقيل القطعة ~~من الأرض ذات الماء. قال الراغب: سميت بذلك ms6827 تشبيها بحدقة العين ~~في الهيئة وحصول الماء فيه. وقال غيره: سميت بذلك لإحداق الجدران بها. # وليس بشيء، لأنها يطلق عليها ذلك م عدم الجدران ووقف القراء على " ذات ~~" من " ذات بهجة " بتاء مجهورة، والكسائي بها، لأنها تاء تأنيث. ~~وقيل: " ذات " ، لأنه بمعنى جماعة حدائق ذات بهجة كما تقول: النساء ذهبت، ~~و " البهجة ": الحسن، لأن حس الناظر يبتهج به. وقرأ ابن أبي عبلة: " ~~ذوات بهجة " بالجمع، وفتح هاء " بهجة ". قوله: { ما كان ~~لكم أن تنبتوا } ، " أن تنبتوا " اسم كان و " لكم " خبر ~~مقدم، والجملة المنفية يجوز أن تكون صفة ل " حدائق " ، وأن تكون حالا، ~~لتخصصها بالصفة. # قوله: { أإله مع الله } استفهام بمعنى الإنكار، هل معبود ~~سواه أعانه على صنعه، بل ليس معه إله، وقرىء: أإلها مع الله، أي: ~~تدعون أو تشركون، { بل هم قوم }: يعني كفار مكة، يعدلون: ~~يشركون، أي: يعدلون بالله سواه، وقيل يعدلون عن هذا الحق الظاهر، ونظير ~~هذه الآية أول سورة الأنعام. ### || [27.61-62] # قوله: { أمن جعل الأرض قرارا } ، قال الزمخشري: " أمن " ~~وما بعده بدل من " أمن خلق " ، وحكمها حكمه. ومعنى قرارا: لا ~~تميد بأهلها، فإنها لو كانت متحركة لما استقر أحد بالسكنى على الأرض. ~~قوله: " خلالها ": يجوز أن يكون ظرفا، ل " جعل " بمعنى خلق ~~المتعدية لواحد، وأن يكون في محل المفعول الثاني على أنها بمعنى صير، ~~وخلالها: وسطها أنهارا. واعلم أن المياه المنبعثة في الأرض أربعة. # الأول: مياه العيون السيالة، قال ابن الخطيب: وهي تنبيعث من أبخرة ~~كثيرة المادة قوية الاندفاع تفجر الأرض بقوة. # الثاني: ماء العيون الراكدة، وهي تحدث من أبخرة بلغت قوتها إلى وجه ~~الأرض، ولم يبلغ من قوتها وكثرة مادتها أن يطرد (تاليها سابقها). # الثالث: ماء القنى والأنهار، وهي متولدة من أبخرة ناقصة القوة عن أن تشق ~~الأرض، فإذا أزيل عن وجهها ثقل التراب صار حينئذ لتلك الأبخرة منفذا ~~يندفع إليه بأدنى حركة. # الرابع: مياه الآبار، وهي منبعثة كمياه الأنهار إلا أنه لم يحصل لها ~~ميل إلى موضع تسيل إليه. ونسبة القنى إلى الآبار نسبة ms6828 العيون السيالة إلى ~~العيون الراكدة. # قوله: { وجعل لها رواسي } وهي الجبال ثوابت. # قوله: { بين البحرين }: يجوز فيه ما جاز في " خلالها " ، ~~والحاجز: الفاصل: حجز بينهم يحجز أي: منع وفصل، والمراد بالبحرين: العذب ~~والملح: { أإله مع الله } قرىء " أإله " بتحقيق الهمزتين ~~وتخفيف الثانية، وإدخال ألف بينهما تخفيفا وتسهيلا. وهذا كله معروف من ~~أول هذا الكتاب، { بل أكثرهم لا يعلمون } توحيد ربهم. # قوله: { أمن يجيب المضطر إذا دعاه } المضطر: اسم مفعول ~~مأخوذ من اضطر، ولا يستعمل إلا مبنيا للمفعول، وإنما كرر الجعل هنا، ~~ولم يشرك بين المعمولات في عامل واحد، لأن كل واحدة من هذه منة مستقلة، ~~فأبرزها في جملة مستقلة بنفسها، قال الزمخشري الضرورة الحال المحوجة إلى ~~الالتجاء، والاضطرار: افتعال منها، فيقال: اضطر إلى كذا والفاعل ~~والمفعول مضطر. فإن قيل: هذا يعم المضطرين، وكم من مضطر يدعو فلا يجاب، ~~فالجواب: # أنه ثبت في أصول الفقه أن المفرد المعرف لا يفيد العموم، وإنما يفيد ~~الماهية فقط، والحكم المثبت للماهية يكفي في صدقه ثبوته في فرد واحد من ~~أفراد الماهية فقط، فإنه تعالى وعد بالاستجابة، ولم يذكر أنه يستجيب في ~~الحال. # قوله: " ويكشف السوء " كالتفسير للاستجابة، فإنه لا يقدر أحد ~~على كشف ما دفع إليه من فقر إلى غنى ومرض إلى صحة، إلا القادر الذي لا ~~يعجز، والقاهر الذي لا ينازع، { ويجعلكم حلفآء الأرض } اي: ~~يورثكم سكناها والتصرف فيها قرنا بعد قرن، وأراد بالخلافة الملك ~~والتسليط. قوله { قليلا ما تذكرون } قرأ أبو عمرو وهشام: " ~~يذكرون " بالغيبة والباقون بالخطاب، وهما واضحتان، وأبو حيوة: " ~~تتذكرون " بتاءين. ### || [27.63-64] # قوله: { أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر } ~~يهديكم بالنجوم في السماء والعلامات في البحر إذا سافرتم بالليل في البر ~~والبحر. و { ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ~~} ، وهي المطر، وتقدم الكلام في " بشرا " في الأعراف، { أإله ~~مع الله تعالى الله عما يشركون }. # قوله: { أمن يبدأ الخلق ثم يعيده } لما عدد نعم الدنيا ~~أتبع ذلك بنعم الآخرة، وهي لا تتم إلا بالإعادة بعد الابتداء والإبلاغ ~~إلى حد التكليف، ms6829 فقد تضمن الكلام كل نعم الدنيا والآخرة، وهي لا تتم إلا ~~بالإرزاق، فلذلك قال: { ومن يرزقكم من السمآء والأرض } ~~" من السماء ": المطر، ومن الأرض: النبات، { أإله مع ~~الله قل هاتوا برهانكم } حجتكم على قولكم: إن مع الله ~~إلها آخر، { إن كنتم صادقين } ولا برهان لكم فإذا أنتم مبطلون. # فإن قيل: كيف قيل لهم: أم من يبدؤ الخلق ثم يعيده، وهم ينكرون الإعادة؟ ~~فالجواب: كانوا معترفين بالابتداء، ودلالة الابتداء على الإعادة دلالة ~~ظاهرة قوية، فلما كان الكلام مقرونا بالدلالة الظاهرة، صاروا كأنهم لم ~~يبق لهم عذر في الإنكار. ### || [27.65-66] # قوله (تعالى: { قل) لا يعلم من في السماوات والأرض ~~الغيب إلا الله } لما بين أنه مختص بالقدرة، بين أنه المختص ~~بعلم الغيب، وإذا ثبت ذلك، ثبت أنه الإله المعبود. # وفي هذا الاستثناء أوجه: # أحدها: أنه فاعل " يعلم " ، و " من " مفعوله، و " الغيب " بدل من " من ~~في السموات " أي: لا يعلم غيب من في السموات والأرض إلا الله، أي: ~~الأشياء الغائبة التي تحدث في العالم، وهو وجه غريب ذكره أبو حيان. # الثاني: أنه مستثنى متصل من " من " ، ولكن لا بد من الجمع بين الحقيقة ~~والمجاز في كلمة واحدة على هذا الوجه، وبيانه أن الظرفية المستفادة من " ~~من في " حقيقة بالنسبة إلى غير الله تعالى، ومجاز بالنسبة إلى الله ~~تعالى بمعنى: أن علمه في السموات والأرض فيندرج (في) { من في ~~السماوات والأرض } بهذا الاعتبار، وهو مجاز، وغيره من مخلوقاته في ~~السموات والأرض حقيقة، فبذلك الاندراج المؤول استثني من " من " ، وكان ~~الرفع على البدل أولى، (لأن الكلام غير موجب، قال مكي: الرفع في اسم الله ~~- عز وجل - على البدل) من من. # ورد الزمخشري هذا بأنه جمع بين الحقيقة والمجاز وأوجب أن يكون منقطعا، ~~فقال: فإن قلت: لم رفع اسم الله، والله يتعالى أن يكون ممن في السموات ~~والأرض؟ قلت: جاء على لغة بني تميم، حيث يقولون: ما في الدار أحد إلا ~~حمار، يريدون: ما فيها إلا حمار، كأن أحدا لم يذكر، ومنه قوله: # 3969 - عشية ms6830 ما تغني الرماح مكانها # ولا النبل إلا المشرفي المصمم # وقولهم: ما أتاني زيد " إلا عمرو " ، وما أعانني أخوانكم إلا إخوانه، ~~فإن قلت: ما الداعي إلى اختيار المذهب التميمي على الحجازي؟ قلت: دعيت ~~إليه نكتة سرية، حيث أخرج المستثنى مخرج قوله: إلا اليعافير، بعد ~~قوله: ليس بها أنيس: ليؤول المعنى إلى قولك: إن كان الله ممن في ~~السموات والأرض، فهم يعلمون الغيب يعني أن علمهم الغيب - في استحالته - ~~كاستحالة أن يكون الله منهم، كما أن معنى " ما في البيت " إن كانت ~~اليعافير أنيسا ففيها أنيس بتا للقول بخلوها من الأنيس. فإن قلت: هلا ~~زعمت أن الله ممن في السموات والأرض، كما يقول المتكلمون: " إن الله في ~~كل مكان " على معنى: أن علمه في الأماكن كلها، فكأن ذاته فيها حتى لا ~~يحمل على مذهب بني تميم؟ قلت: يأبى ذلك أن كونه في السموات والأرض مجاز، ~~وكونهم فيهن حقيقة، وإرادة المتكلم بعبارة واحدة حقيقة ومجازا غير صحيح، ~~على أن قولك: من في السموات والأرض، وجمعك بينه وبينهم في إطلاق اسم واحد ~~فيه إيهام وتسوية، والإيهامات مزالة عنه وعن صفاته، ألا ترى كيف قال عليه ~~السلام لمن قال: ومن يعصهما فقد غوى: # " بئس خطيب القوم أنت ". # فقد رجح الانقطاع، واعتذر في ارتكاب مذهب التميميين بما ذكر، وأكثر ~~العلماء أنه لا يجمع بين الحقيقة والمجاز في كلمة واحدة، وقد قال به ~~الشافعي. # فصل # نزلت هذه الآية في المشركين، حيث سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- عن وقت قيام الساعة. و " ما يشعرون " صفة لأهل السموات والأرض نفى ~~أن يكون لهم علم بالغيب، وذكر في جملة الغيب: متى البعث؛ بقوله: " ~~أيان يبعثون " ، و " أيان " بمعنى متى، وهي كلمة مركبة من: ~~أي والآن، وهو الوقت. وقرىء: " إيان " بكسر الهمزة، قرأ بها السلمي، وهي ~~لغة قومه بني سليم، وهي منصوبة ب " يبعثون " ومعلقة ل " ~~يشعرون " فهي مع ما بعدها في محل نصب بإسقاط الباء، أي ما يشعرون ~~بكذا. # قوله: " ادارك " قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: " أدرك ms6831 " كأكرم، ~~والباقون من السبعة " ادارك " بهمزة وصل وتشديد الدال المفتوحة بعدها ~~ألف - والأصل (تدارك) وبه قرأ أبي، فأريد إدغام التاء في الدال، فأبدلت ~~دالا وسكنت، فتعذر الابتداء بها، لسكونها، فاجتلبت همزة الوصل، فصار: " ~~ادارك " كما ترى - وتقدم تحقيق هذا في قوله: # فادارأتم فيها # [البقرة: 72]. وقراءة ابن كثير، قيل: يحتمل أن يكون " أفعل " فيها بمعنى ~~" تفاعل " ، فتتحد القراءتان، وقيل: أدرك، بمعنى بلغ وانتهى. # وقرأ سليمان وعطاء ابنا يسار: " بل ادرك " بفتح لام " بل " وتشديد ~~الدال دون ألف بعدها وتخريجها: أن الأصل: (ادترك) على وزن افتعل، ~~فأبدلت تاء الافتعال دالا، لوقوعها بعد الدال، قال أبو حيان: فصار فيه ~~قلب الثاني للأول، كقولهم: أثرد، وأصله: اثترد من الثرد، انتهى. # قال شهاب الدين: ليس هذا مما قلب فيه الثاني للأول لأجل الإدغام، ~~كاثرد في اثترد، لأن تاء الافتعال تبدل دالا بعد أحرف منها الدال، ~~نحو: ادان في افتعل من الدين، فالإبدال لأجل كون الدال فاء لا ~~للإدغام، فليس مثل اثرد في شيء، فتأمله فإنه حسن، فلما أدغمت الدال ~~في الدال أدخلت همزة الاستفهام، فسقطت همزة الوصل، فصار اللفظ، أدرك ~~بهمزة قطع مفتوحة، ثم نقلت حركة هذه الهمزة إلى لام " بل " فصار اللفظ: ~~" بل درك ". وقرأ أبو رجاء وشيبة والأعمش والأعرج وابن عباس وتروى ~~عن عاصم كذلك إلا أنه بكسر لام " بل " على أصل التقاء الساكنين، فإنهم ~~لم يأتوا بهمزة استفهام. # وقرأ عبد الله بن عباس والحسن وابن محيصن " آدرك " بهمزة ثم ألف ~~بعدها، وأصلها همزتان أبدلت ثانيهما ألفا تخفيفا، وأنكرها أبو عمرو. ~~وقد تقدم أول البقرة أنه قرىء " أأنذرتهم " بألف صريحة - فلهذه ~~بها أسوة. # وقال أبو حاتم: لا يجوز الاستفهام بعد " بل " ، (لأن " بل " ) ~~إيجاب، والاستفهام في هذا الموضع إنكار بمعنى: " لم يكن " كقوله ~~تعالى: # أشهدوا خلقهم # [الزخرف: 19] أي: لم يشهدوا، فلا يصح وقوعهما معا للتنافي الذي بين ~~الإيجاب والإنكار. قال شهاب الدين: وفي منع هذا نظر، لأن " بل " ~~لإضراب الانتقال، فقد أضرب عن الكلام الأول، وأخذ في استفهام ثان، وكيف ~~ينكر هذا والنحويون ms6832 يقدرون " أم " المنقطعة ببل والهمزة، وعجبت من ~~الشيخ - يعني أبا حيان - كيف قال هنا: وقد أجاز بعض المتأخرين الاستفهام ~~بعد " بل " ، وشبهه بقول القائل: أخبزا أكلت بل أماء ~~شربت؟ على ترك الكلام الأول، والأخذ في الثاني انتهى. فتخصيصه ببعض ~~المتأخرين يؤذن بأن المتقدمين وبعض المتأخرين يمنعونه، وليس كذلك لما ~~حكيت عنهم في " أم " المنقطعة. وقرأ ابن مسعود: " أأدرك " بتحقيق ~~الهمزتين، وقرأ ورش في رواية: " بل ادرك " بالنقل، وقرأ ابن عباس ~~أيضا: " بلى أدرك " بحرف الإيجاب أخت نعم، و " بلى آأدرك " ~~بألف بين همزتين، وقرأ أبي ومجاهد " أن " بدل ( " بل " ) وهي مخالفة ~~للسواد. # قوله: " في الآخرة " فيه وجهان: # أحدهما: أن " في " على بابها و " أدرك " وإن كان ماضيا لفظا فهو ~~مستقبل معنى، لأنه كائن قطعا، كقوله: # أتى أمر الله # [النحل: 1]، وعلى هذا ف " في " متعلق ب " أدرك ". # والثاني: أن " في " بمعنى الباء، أي: بالآخرة، وعلى هذا فيتعلق بنفس ~~علمهم، كقولك: على يزيد كذا. وأما قراءة من قرأ " بلى " ، فقال ~~الزمخشري: لما جاء ببلى بعد قوله: " وما يشعرون " كان معناه: بلى ~~يشعرون، ثم فسر الشعور بقوله: " أدرك علمهم في الآخرة " على سبيل ~~التهكم الذي معناه المبالغة في نفي العلم، ثم قال: وأما قراءة: " بلى ~~أأدرك " على الاستفهام فمعناه: بلى يشعرون متى يبعثون، ثم أنكر ~~علمهم بكونها، وإذا أنكر علمهم بكونها لم يتحصل لهم شعور بوقت كونها، ~~لأن العلم بوقت الكائن تابع للعلم بكون الكائن، ثم قال: فإن قلت ما معنى ~~هذه الإضرابات الثلاثة؟ قلت: ما هي إلا تنزيل لأحوالهم، وصفهم أولا ~~بأنهم لا يشعرون وقت البعث، ثم بأنهم لا يعلمون أن القيامة كائنة، ثم ~~بأنهم يخبطون في شك ومرية انتهى. # فإن قيل: (عمي) يتعدى ب (عن) تقول: عمي فلان عن كذا، فلم عدي ب ~~(من) قوله " منها عمون "؟ فالجواب: أنه جعل الآخرة مبدأ ~~عماهم ومنشأه. # فصل # المعنى على قراءة ابن كثير: " أدرك " أي بلغ ولحق، كما تقول: أدركه ~~علمي، إذا لحقه وبلغه يريد: ما جهلوا في الدنيا وسقط علمه عنهم علموه في ms6833 ~~الآخرة. قال مجاهد: يدريك علمهم في الآخرة ويعلمونها إذا عاينوها، حين لا ~~ينفعهم علمهم. وقال مقاتل: بل علموا في الآخرة حين عاينوها ما شكوا ~~وعموا عنه في الدنيا. كقوله { بل هم في شك منها } ، أي هم ~~اليوم في شك من الساعة. وعلى قراءة " ادارك " ، تتابع علمهم في ~~الآخرة أنها كائنة " وهم في شك " في وقتهم. وقيل استفهام معناه: ~~هل تدارك وتتابع بذلك في الآخرة يعني لم يتتابع، وضل وغاب علمهم به، فلم ~~يبلغوه ولم يدركوه، لأن في الاستفهام ضربا من الجحد. وقال علي بن ~~عيسى: بل ههنا لو أدركوا في الدنيا ما أدركوا في الآخرة لم يشكوا بل ~~هم منها عمون جمع عم، وهو الأعمى القلب. ### || [27.67-75] # قوله: { وقال الذين كفروا } يعني مشركي مكة، " أئذا " ~~تقدم الكلام في الاستفهامين إذا اجتمعا في سورة الرعد. والعامل في " ~~إذا " محذوف يدل عليه " لمخرجون " تقديره: نبعث ونخرج, ولا يجوز ~~أن يعمل فيها " مخرجون " لثلاثة موانع: الاستفهام، وأن، ولام ~~الابتداء، وفي لام الابتداء في خبر إن خلاف، وذكر الزمخشري هنا عبارة ~~حلوة، فقال: لأن بين يدي عمل اسم الفاعل فيها عقابا، وهي همزة ~~الاستفهام، وإن، ولام الابتداء، وواحدة منها كافية، فكيف إذا اجتمعن؟ ~~وقال أيضا: فإن قلت: لم قدم في هذه الآية " هذا " على " نحن ~~وآباؤنا " وفي آية أخرى قدم " نحن وآباؤنا " على " هذا "؟ ~~قلت: التقديم دليل على أن المقدم هو المعنى المعتمد بالذكر وأن الكلام ~~إنما سيق لأجله: ففي إحدى الآيتين دل على اتخاذ البعث الذي هو يعمد ~~بالكلام، وفي الأخرى على اتخاذ المبعوث بذلك الصدد. و " آباؤنا " عطف ~~على اسم كان، وقام الفصل بالخبر مقام الفصل بالتوكيد. # فصل # " إنا لمخرجون " من قبورنا أحياء، { لقد وعدنا هذا ~~نحن وآبآؤنا من قبل } أي: من قبل محمد: وليس ذلك بشيء، " إن ~~هذا " ما هذا، { إلا أساطير الأولين } أحاديثهم وأكاذيبهم ~~التي كتبوها، { قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان ~~عاقبة المجرمين }. فإن قيل: لم لم يقل (كيف كانت) عاقبة ~~المجرمين؟ فالجواب أن تأنيثها غير حقيقي، ولأن ms6834 المعنى: كيف كان آخر ~~أمرهم؟. فإن قيل: لم لم يقل عاقبة الكافرين؟ فالجواب: أن هذا يحصل ~~في التخويف لكل العصاة. ثم إنه تعالى صبر رسوله - صلى الله عليه وسلم - ~~على ما يناله من الكفار، فقال: { ولا تحزن عليهم } على ~~تكذيبهم إياك، { ولا تكن في ضيق مما يمكرون } نزلت في ~~المستهزئين الذين اقتسموا أعقاب مكة، و " الضيق ": الحرج، يقال: ضاق ~~الشيء ضيقا وضيقا بالفتح والكسر. { ويقولون متى هذا ~~الوعد إن كنتم صادقين } ذكروا ذلك على سبيل السخرية فأجاب ~~الله تعالى بقوله: { عسى أن يكون ردف }. # قوله: " ردف لكم " فيه أوجه: # أظهرها: أن " ردف " ضمن معنى فعل يتعدى باللام، أي: دنا وقرب ~~وأزف، وبهذا فسره ابن عباس، و " بعض الذي " فاعل به، وقد عدي ب ~~(من) أيضا على تضمنه معنى " دنا " ، قال: # 3970 - فلما ردفنا من عمير وصحبه # تولوا سراعا والمنية تعنق # أي: دنونا من عمير. # والثاني: أن مفعوله محذوف واللام للعلة: أي: ردف الخلق لأجلكم ~~ولشؤمكم. # الثالث: أن اللام مزيدة في المفعول تأكيدا كزيادتها في قوله: # 3971 - أنخنا للكلاكل فارتمينا # وكزيادتها في قوله: # لربهم يرهبون # [الأعراف: 154] وكزيادة الباء في قوله تعالى: # ولا تلقوا بأيديكم # [البقرة: 195] وعلى هذه الأوجة الوقف على " تستعجلون ". # الرابع: أن فاعل " ردف " ضمير الوعد، أي: ردف الوعد، أي: قرب ودنا ~~مقتضاه و " لكم " خبر مقدم، و " بعض " مبتدأ مؤخر، والوقف على هذا ~~على " ردف " وهذا فيه تفكيك للكلام. # والخامس: أن الفعل محمول على مصدره، أي: الرادفة لكم، وبعض على تقرير ~~ردافة بعض، يعني: حتى يتطابق الخبر والمخبر عنه، وهذا أضعف مما قبله. # وقرأ الأعرج: " ردف " بفتح الدال، وهي لغة، والكسر أشهر. { بعض ~~الذي تستعجلون } من العذاب حل بهم ذلك يوم بدر. # قوله: { وإن ربك لذو فضل على الناس } قال مقاتل: على ~~أهل مكة، حيث لم يعجل عليهم العذاب. والفضل: الإفضال ومعناه أنه متفضل، ~~وهذه الآية تبطل قول من قال: إنه لا نعمة لله على الكفار. # قوله: " لا يشكرون " يجوز أن يكون مفعوله محذوفا، أي: لا يشكرون ~~نعمه، ويجوز ms6835 أن لا يقدر بمعنى: لا يعترفون بنعمة، فعبر عن انتفاء ~~معرفتهم بالنعمة بانتفاء ما يترتب على معرفتها، وهو الشكر. # قوله: { وإن ربك ليعلم ما تكن } العامة على ضم تاء ~~المضارعة من: أكن، قال تعالى: " أو أكننتم " ، وابن محيصن ~~وابن السميفع وحميد بفتحها وضم الكاف، يقال: كننته وأكننته، ~~بمعنى: أخفيت وسترت. # قوله: { وما من غآئبة } في هذه التاء قولان: # أحدهما: أنها للمبالغة، كراوية وعلامة، وقولهم: ويل للشاعر من رواية ~~السوء، كأنه تعالى قال: وما من شيء شديد الغيبوبة والخفاء إلا وقد علمه ~~الله. # والثاني: أنها كالتاء الداخلة على المصادر نحو: العافية والعاقية، قال ~~الزمخشري: ونظيرها الذبيحة والنطيحة والرمية في أنها أسماء غير صفات. { ~~إلا في كتاب مبين } أي: في اللوح المحفوظ والمبين: الظاهر ~~المبين لمن ينظر فيه من الملائكة. ### || [27.76-81] # قوله: { إن هذا القرآن } الآية، لما تمم الكلام في إثبات ~~المبدأ والمعاد، ذكر بعده ما يتعلق بالنبوة، ولما كانت العمدة الكبرى ~~في إثبات نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - هي القرآن لا جرم بين الله ~~تعالى أولا كونه معجزة من وجوه. # أحدها: أن الأقاصيص المذكورة في القرآن موافقة للمذكور في التوراة ~~والإنجيل، مع العلم بأنه - عليه السلام - كان أميا - ولم يخالط ~~العلماء، ولم يشتغل بالاستفادة والتعلم، فإذن لا يكون ذلك إلا من قبل ~~الله تعالى، وأراد ما اختلفوا فيه وتباينوا، وقبل ما حرفه بعضهم، وقيل: ~~إخبار الأنبياء. # وثانيها: قوله { وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين } ، وذلك ~~لأنا تأملنا في القرآن فوجدنا فيه من الدلائل العقلية على التوحيد ~~والحشر والنشر والنبوة وشرح صفات الله ما لم نجده في كتاب من الكتب، ~~ووجدناه مبرءا من النقص والتهافت، فكان هدى ورحمة من هذه الوجوه، ووجدنا ~~القوى البشرية قاصرة عن جمع كتاب على هذا الوجه، فعلمنا أنه ليس إلا من ~~عند الله تعالى، فكان القرآن معجزا من هذه الجهة. # وثالثها: { إنه لهدى ورحمة للمؤمنين } لبلوغه في ~~الفصاحة إلى حيث عجزوا عن معارضته وذلك معجزة. # قوله: " بحكمه " العامة على ضم الحاء وسكون الكاف، وجناح بن حبيش ~~بكسرها وفتح ms6836 الكاف، جمع حكمة، أي: نقضي بين المختلفين يوم القيامة بحكمة ~~الحق " وهو العزيز " والمنيع فلا يرد له أمر، " العليم " ~~بأحوالهم فلا يخفى عليه شيء. فإن قيل: القضاء والحكم شيء واحد، فقوله: { ~~يقضي بينهم بحكمه } كقوله يقضي بقضائه ويحكم بحكمه!! # فالجواب: معنى قوله: " بحكمه " أي: بما يحكم به وهو عدله لا يقضي ~~إلا بالعدل، أو أراد بحكمه على القراءة بكسر الحاء. # قوله: { فتوكل على الله إنك على الحق المبين } ~~أي البين، { إنك لا تسمع الموتى } يعني الكفار، وإنما ~~حسن جعله سببا للأمر بالتوكل، لأن الإنسان ما دام يطمع في أخذ شيء فإنه ~~لا يقوى قلبه على إظهار مخالفته، فإذا قطع طمعه عنه قوي قلبه على إظهار ~~مخالفته، فالله تعالى قطع طمع محمد - عليه السلام - بأن بين أنهم ~~كالموتى وكالصم والعمي فلا يسمعون ولا يفهمون ولا يبصرون ولا يلتفتون إلى ~~شيء من الدلائل، وهذا سبب لقوة قلبه - عليه السلام - على إظهار الدين كما ~~ينبغي. # قوله: { ولا تسمع الصم الدعآء } قرأ ابن كثير: " لا ~~يسمع " بالياء مفتوحة، وفتح الميم " الصم " رفع وكذلك في سورة ~~الروم، وقرأ الباقون بالتاء وضمها وكسر الميم " الصم " نصب { إذا ~~ولوا مدبرين }: معرضين. فإن قيل: ما معنى قوله: " ولوا ~~مدبرين " وإذا كانوا صما لا يسمعون سواء ولوا أو لم يولوا؟ قيل ~~ذكره تأكيدا ومبالغة، وقيل: الأصم إذا كان حاضرا قد يسمع برفع الصوت ~~ويفهم بالإشارة، فإذا ولى مدبرا لم يسمع ولم يفهم. # قال قتادة: الأصم إذا ولى مدبرا ثم ناديته لم يسمع، كذلك الكافر لا ~~يسمع ما يدعى إليه من الإيمان. والمعنى: إنهم لفرط إعراضهم عما يدعون ~~إليه كالميت الذي لا سبيل إلا إسماعه والأصم الذي لا يسمع. قوله: { ~~ومآ أنت بهادي العمي } العامة على " بهادي " مضافا ل " ~~العمي " ، وحمزة " تهدي " فعلا مضارعا و " العمي " نصب على ~~المفعول به. وكذلك التي في الروم. ويحيى بن الحارث وأبو حيوة " بهاد " ~~منونا " العمي " منصوب به وهو الأصل. واتفق القراء على أن يقفوا على ~~" هاد " في هذه السورة بالياء، لأنها رسمت في ms6837 المصحف ثابتة، واختلفوا ~~في الروم، فوقف الأخوان عليها بالياء أيضا كهذه، أما حمزة، فلأنه يقرأها ~~" تهدي " فعلا مضارعا مرفوعا فياؤه ثابتة. قال الكسائي: من قرأ " ~~تهدي " لزمه أن يقف بالياء، وإنما لزمه ذلك لأن الفعل لا يدخله تنوين ~~في الوصل تحذف له الياء، فيكون في الوقف كذلك، كما يدخل التنوين على " ~~هاد " ونحوه، فتذهب الياء في الوصل، فيجري الوقف على ذلك لمن وقف بغير ~~ياء انتهى. ويلزم على ذلك أن يوقف على " يقضي الحق " و # ويدع الإنسان # [الإسراء: 11] بإثبات الياء والواو، ولكن يلزم حمزة مخالفة الرسم دون ~~القياس، وأما الكسائي فإنه يقرأ " بهادي " اسم فاعل كالجماعة، ~~فإثباته للياء بالحمل على " هادي " في هذه السورة، وفيه مخالفة الرسم ~~السلفي. # قوله: " عن ضلالتهم " فيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق ب " تهدي " وعدي ب (عن) لتضمنه معنى تصرفهم. # الثاني: أنه متعلق بالعمي، لأنك تقول: عمى عن كذا ذكره أبو البقاء. # فصل # المعنى: ما أنت بمرشد من أعماه الله عن الهدى وأعمى قلبه عن الإيمان أن ~~يسمع { إلا من يؤمن بآياتنا } إلا من يصدق بالقرآن أنه من الله، { فهم ~~مسلمون } مخلصون لله. # " من " في قوله: # من أسلم وجهه لله # [البقرة: 112] يعني سالما لله خالصا لله. ### || [27.82-86] # قوله: { وإذا وقع القول عليهم } أي: مضمون القول، أو أطلق ~~المصدر على المفعول، أي: المقول. ومعنى وقع القول عليهم: وجب العذاب ~~عليهم، وقال قتادة: إذا غضب الله عليهم { أخرجنا لهم دآبة ~~من الأرض }. # قوله: " تكلمهم " العامة على التشديد، وفيه وجهان: # أظهرهما: أنه من الكلام والحديث، ويؤيده قراءة أبي: " تنبئهم " ~~وقراءة يحيى بن سلام: " تحدثهم " - وهما تفسيران لها. # الثاني: " تجرحهم " ويدل عليه قراءة ابن عباس وابن جبير ومجاهد وأبي ~~زرعة والجحدري " تكلمهم " - بفتح التاء وسكون الكاف وضم اللام - من ~~الكلم وهو الجرح، وقد قرىء " تجرحهم " وجاء في الحديث: إنها تسم ~~الكافر. # قوله: " أن الناس " قرأ الكوفيون بفتح " أن " والباقون بالكسر، ~~فأما الفتح فعلى تقدير الباء، أي: بأن الناس، ويدل عليه التصرح بها في ~~قراءة عبد الله " بأن الناس ". ثم هذه ms6838 الباء يحتمل أن تكون معدية ~~وأن تكون سببية، وعلى التقديرين يجوز أن تكون " تكلمهم " بمعنييه ~~من الحديث والجرح أي: تحدثهم بأن الناس أو بسبب أن الناس أو تجرحهم بأن ~~الناس، أي: تسمهم بهذا اللفظ أو تسمهم بسبب انتفاء الإيمان. وأما الكسر ~~فعلى الاستئناف، ثم هو يحتمل أن يكون من كلام الله تعالى - وهو الظاهر - ~~وأن يكون من كلام الدابة، فيعكر عليه " بآياتنا " ويجاب عنه إما ~~باختصاصها صح إضافة الآيات إليها، كقولك: اتباع الملوك ودوابنا وخيلنا ~~وهي لملكهم، وإما على حذف مضاف أي: بآيات ربنا، و " تكلمهم " إن ~~كان من الحديث فيجوز أن يكون إما لإجراء " تكلمهم " مجرى تقول ~~لهم، وإما على إضمار القول أي: فتقول كذا، وهذا القول تفسير لتكلمهم. # فصل # قال السدي: تكلمهم ببطلان الأديان سوى دين الإسلام. وقيل: تقول للواحد ~~هذا مؤمن وهذا كافر. وقيل كلامهم ما قال { أن الناس كانوا ~~بآياتنا لا يوقنون } تخبر الناس أن أهل مكة لم يؤمنوا بالقرآن ~~والبعث. قال ابن عمر: وذلك حين لا يؤمر بمعروف ولا ينهى عن منكر. قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " بادروا بالأعمال ستا. طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ~~والدخان والدابة وخاصة أحدكم، وأمر العامة " # وقال عليه السلام: # " إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على ~~الناس ضحى، فأيتهما ما كانت قبل صاحبتها، فالأخرى على أثرها " # وقال عليه السلام: # " يكون للدابة ثلاث خرجات من الدهر، فتخرج خروجا في أقصى اليمن، فيفشوا ~~ذكرها بالبادية، ولا يدخل ذكرها القرية - يعني مكة - ثم تكمن زمانا ~~طويلا، ثم تخرج خرجة أخرى قريبا من مكة، فيفشوا ذكرها بالبادية، ويدخل ~~ذكرها القرية - يعني مكة - ثم بينا الناس يوما في أعظم المساجد على الله ~~حرمة، وأكرمها على الله عز وجل يعني المسجد الحرام، ثم لم يرعهم إلا ~~وهي في ناحية المسجد تدنوا وتدنو " # - قال الراوي: ما بين الركن الأسود إلى باب بني مخزوم عن يمين الخارج في ~~وسط من ذلك - " فارفض الناس عنها، وثبت لها عصابة عرفوا أنهم لم يعجزوا ~~الله، ms6839 فخرجت عليهم تنفض رأسها من التراب فمرت بهم فجلت عنهم عن وجوههم، ~~حتى تركتها كأنها الكواكب الدرية، ثم ولت في الأرض لا يدركها طالب ولا ~~يعجزها هارب، حتى إن الرجل ليقوم يتعوذ منها بالصلاة، فتأتيه من خلفه، ~~فتقول: يا فلان الآن تصلي، فيقبل عليها بوجهه فتسمه في وجهه، فيتجاور ~~الناس في ديارهم، ويصطحبون في أسفارهم ويشتركون في الأموال، يعرف ~~الكافر من المؤمن، فيقال للمؤمن يا مؤمن، وللكافر يا كافر ". وقال عليه ~~السلام: # " تخرج الدابة ومعها عصا موسى وخاتم سليمان، فتجلو وجه المؤمن بالعصا، ~~وتخطم أنف الكافر بالخاتم، حتى إن أهل الخوان ليجتمعون، فيقول هذا: يا ~~مؤمن، ويقول هذا: يا كافر " # وروي عن علي قال: ليس بدابة لها ذنب، ولكن لها لحية، كأنه يشير إلى ~~أنها رجل، والأكثرون على أنها دابة، لما روى ابن جريج عن أبي الزبير أنه ~~وصف الدابة فقال: رأسها رأس الثور، وعينها عين الخنزير، وأن لها أذنا، ~~قيل: وقرنها قرن أيل وصدرها صدر أسد، ولونها لون النمر، وخاصرتها خاصرة ~~هر، وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير، بين كل مفصلين اثني عشر ~~ذراعا، معها عصا موسى وخاتم سليمان، وذكر باقي الحديث. وروى حذيفة بن ~~اليمان قال: # " ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الدابة، قلت: يا رسول الله: من ~~أين تخرج؟ قال: " من أعظم حرمة المساجد على الله بينما عيسى يطوف بالبيت ~~ومعه المسلمون إذ تضطرب الأرض تحتهم وينشق الصفا مما يلي المشعر، وتخرج ~~الدابة من الصفا أول ما يبدوا منها رأسها ملمعة ذات وبر وريش لن يدركها ~~طالب ولن يفوتها هارب تسم الناس مؤمنا وكافرا، أما المؤمن فتترك وجهه ~~كأنه كوكب دري، وتكتب بين عينيه مؤمن، وأما الكافر فتنكت بين عينيه نكتة ~~سوداء وتكتب بين عينيه: كافر " " # وروي عن ابن عباس أنه قرع الصفا بعصا - وهو محرم - وقال: إن الدابة ~~لتسمع قرع عصاي هذه وروى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: # " " بئس الشعب شعب جياد " ، مرتين أو ثلاثا، قيل: ولم ذاك يا رسول ~~الله؟ ms6840 قال: " تخرج منه الدابة، فتصرخ ثلاث صرخات يسمعها من بين الخافقين ~~" # وقال وهب: وجهها وجه الرجل، وسائر خلقها خلق الطير فتخبر من رآها أن أهل ~~مكة كانوا بمحمد والقرآن لا يوقنون. قوله: { ويوم نحشر من كل ~~أمة فوجا } ، أي من كل قرن جماعة. و { من كل أمة } يجوز ~~أن يكون متعلقا بالحشر، و " من " لابتداء الغاية، وأن يتعلق بمحذوف ~~على أنه حال من " فوجا " لأنه يجوز أن يكون صفة له في الأصل، والفوج ~~الجماعة كالقوم، وقيدهم الراغب فقال: الجماعة المارة المسرعة. وكأن هذا ~~هو الأصل ثم انطلق، ولم يكن مرور ولا إسراع، والجمع. أفواج وفووج. و " ~~ممن يكذب " صفة له، و " من " في " من كل " تبعيضية، وفي " ~~ممن يكذب " تبيينية. # قوله: " فهم يوزعون " أي يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا ثم ~~يساقون إلى النار، { حتى إذا جآءوا } يوم القيامة، قال لهم ~~الله: { أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما } ~~ولم تعرفوها حتى معرفتها. والواو في " ولم تحيطوا " يجوز أن تكون ~~العاطفة وأن تكون الحالية، و " علما " تمييز. قوله: " أماذا " أم ~~هنا منقطعة، وتقدم حكمها، و " ماذا " يجوز أن يكون برمته استفهاما ~~منصوبا ب " تعملون " الواقع خبرا عن " كنتم " ، وأن تكون " ما " ~~استفهامية مبتدأ, و " ذا " موصول خبره, والصلة: " كنتم تعملون " ~~, وعائده محذوف، أي: أي شيء الذي كنتم تعملونه؟ وقرأ أبو حيوة " أما " ~~بتخفيف الميم، جعل همزة الاستفهام داخلة على اسمه تأكيدا كقوله: # 3972 - أهل رأونا بوادي القف ذي الأكم # قوله: { أماذا كنتم تعملون } حين لم يتفكروا فيها، كأنه ~~قال: ما لم تشتغلوا بذلك العمل المهم فأي شيء كنتم تعملونه بعد ذلك ثم ~~قال: { ووقع القول عليهم } ، أي: وجب العذاب الموعود عليهم " ~~بما ظلموا " ، أي بسبب ظلمهم وتكذيبهم بآيات الله، ويضعف جعل " ما ~~" بمعنى الذي { فهم لا ينطقون } ، قال قتادة، كيف ينطقون ولا حجة ~~لهم، نظيره قوله تعالى: # هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون # [المرسلات: 35 - 36]، وقيل: " لا ينطقون " لأن أفواههم مختومة. ثم ~~إنه تعالى لما خوفهم بأحوال القيامة ذكر ms6841 كلاما يصلح أن يكون دليلا على ~~التوحيد وعلى الحشر وعلى النبوة، مبالغة في الإرشاد إلى الإيمان والمنع ~~من الكفر، فقال: { ألم يروا أنا جعلنا الليل ~~ليسكنوا فيه والنهار مبصرا } مضيئا يبصر فيه. قوله: " ~~ليسكنوا فيه " قيل: فيه حذف من الأول ما أثبت نظيره في الثاني، ~~ومن الثاني ما أثبت نظيره في الأول، إذا التقدير: جعلنا الليل مظلما ~~ليسكنوا فيه, والنهار مبصرا ليتصرفوا فيه, فحذف " مظلما " لدلالة " ~~مبصرا " و " لتتصرفوا " لدلالة " ليسكنوا ". # وقوله: " مبصرا " كقوله: # آية النهار مبصرة # [الإسراء: 12]، وتقدم تحقيقه في الإسراء، قال الزمخشري: فإن قلت: ما ~~للتقايل لم يراع في قوله: " ليسكنوا " و " مبصرة " حيث كان ~~أحدهما علة، والآخر حالا؟ قلت: هو مراعى من حيث المعنى وهكذا النظم ~~المطبوع غير المتكلف يريد لم لا قال: والنهار لتتصرفوا فيها، وأجاب غيره ~~بأن السكون في الليل هو المقصود (من الليل وأما الإبصار في النهار فليس ~~هو المقصود) لأنه وسيلة إلى جلب المنافع الدينية والدنيوية. { إن في ~~ذلك لآيات لقوم يؤمنون } يصدقون فيعتبرون، وخص المؤمنين ~~بالذكر - وإن كانت الأدلة للكل - لأن المؤمنين هم المنتفعون، كقوله: # هدى للمتقين # [البقرة: 2]. ### || [27.87] # قوله: { ويوم ينفخ في الصور } هذه العلامة الثانية لقيام ~~القيامة، والصور: قرن ينفخ فيه إسرافيل، فإذا سمع الناس ذلك الصوت يصيحون ~~ثم يموتون، وهذا قول الأكثرين. وقال الحسن: الصور هو الصور، وأول بعضهم ~~كلامه أن الأرواح تجتمع في القرن ثم ينفخ فيه فتذهب الأرواح إلى الأجساد، ~~فتحيا الأجساد. قوله: { ففزع من في السماوات ومن في ~~الأرض } قال: " ففزع " بلفظ الماضي ولم يقل فيفزع لتحققه وثبوته ~~وأنه كائن لا محالة، لأن الفعل الماضي يدل على وجود الفعل، كقوله: # أتى أمر الله # [النحل: 1]. والمعنى: يلقى عليهم الفزع إلى أن يموتوا، قيل: ينفخ ~~إسرافيل في الصور ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة القيام لرب ~~العالمين. # قوله: { إلا من شآء الله } فالمراد إلا من ثبت الله قلبه من ~~الملائكة، قالوا: وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، وجاء في ~~الحديث: أنهم الشهداء متقلدون أسيافهم حول العرش، قال ms6842 سعيد بن جبير وعطاء ~~عن ابن عباس هم الشهداء، لأنهم أحياء عند ربهم. وعن الضحاك: هم رضوان ~~والحور وخزنة النار وحملة العرش. و " كل أتوه " أي الذين أحيوا ~~بعد الموت. قوله: " أتوه " قرأ حمزة وحفص: " أتوه " فعلا ماضيا ~~ومفعوله الهاء، والباقون: " آتوه ": اسم فاعل مضافا للهاء، وهذا حمل على ~~معنى " كل " وهي مضافة تقديرا، أي: وكلهم. وقرأ قتادة: " أتاه " ~~ماضيا مسندا لضمير " كل " على اللفظ، ثم حمل على معناها، فقرأ " ~~داخرين " ، والحسن والأعرج " دخرين " بغير ألف أي: صاغرين. ### || [27.88] # قوله: { وترى الجبال تحسبها جامدة } هذه العلامة ~~الثالثة لقيام القيامة، وهي قوله تعالى: # ويوم نسير الجبال # [الكهف: 47] " جامدة " قائمة واقعة، و " تحسبها جامدة " ~~هذه الجملة حالية من فاعل " ترى " أو من مفعوله، لأن الرؤية بصرية. # قوله: " وهي تمر " الجملة حالية أيضا، وهكذا الأجرام العظيمة ~~تراها واقفة وهي مارة قال النابغة الجعدي يصف جيشا كثيفا: # 3973 - بأرعن مثل الطود تحسب أنهم # وقوف لحاج والركاب تهملج # و " مر السحاب ": مصدر تشبيهي، قوله: " صنع الله " مصدر ~~مؤكد لمضمون الجملة السابقة عامله مضمر، أي: صنع الله ذلك صنعا، ثم أضيف ~~بعد حذف عامله، وجعله الزمخشري مؤكدا للعامل في # يوم ينفخ في الصور # [النمل: 87] وقدره: ويوم ينفخ وكان كيت وكيت أثاب الله المحسنين وعاقب ~~المسيئين في كلام طويل جريا على مذهبه، وقيل منصوب على الإغراء، أي: ~~انظروا صنع الله وعليكم به. والإتقان: الإتيان بالشيء على أكمل حالاته، ~~وهو من قولهم: تقن أرضه إذا ساق إليها الماء الخاثر بالطين لتصلح ~~للزراعة، وأرض تقنة، والتقن فعل ذلك بها، والتقن أيضا: ما رمي به في ~~الغدير من ذلك أو الأرض، ومعنى { أتقن كل شيء } أي: أحكمه. { ~~إنه خبير بما تفعلون } قرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام ~~بالغيبة جريا على قوله " وكل أتوه " ، والباقون بالخطاب جريا ~~على قوله " وترى " ، لأن المراد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمته. ### || [27.89-90] # قوله: { من جآء بالحسنة فله خير منها } في " خير " ~~وجهان: # أحدهما: أنها للتفصيل باعتبار زعمهم، أو على حذف مضاف، أي: خير من ms6843 قدرها ~~واستحقاقها " منها " في محل نصب، وألا يكون للتفصيل، فيكون (منها) ~~في موضع رفع صفة لها. قوله { وهم من فزع يومئذ } قرأ أهل ~~الكوفة " من فزع " بالتنوين، " يومئذ " بفتح الميم، وقرأ ~~الآخرون بالإضافة، لأنه أعم فإنه يقتضي الأمن من جميع فزع ذلك اليوم ~~وبالتنوين كأنه فزع دون فزع، ويفتح أهل المدينة الميم من " يومئذ " ~~وتقدم في هود فتح " يوم " وجره و " إذ " مضافة للجملة حذفت وعوض عنها ~~التنوين، والأحسن أن تقدر يومئذ جاء بالحسنة، وقيل: يومئذ ترى الجبال، ~~وقيل: يومئذ ينفخ في الصور، والأولى أولى، لقرب ما قدر منه. # فصل # لما تكلم في علامات القيامة شرح - بعد ذلك - أحوال المكلفين بعد قيام ~~القيامة والمكلف إما أن يكوم مطيعا أو عاصيا، أما (المطيع، فهو) الذي ~~جاء بالحسنة وهي كلمة الإخلاص قال أبو معشر يحلف ما استثنى: إن الحسنة ~~لا إله إلا الله وقيل: كل طاعة. { فله خير منها } ، قال ابن ~~عباس: يعني له من تلك الحسنة خير يوم القيامة، وهو: الأمن من العذاب، أما ~~أن يكون له شيء خير من الإيمان، فإنه ليس شيء خيرا من قوله لا إله إلا ~~الله، وقيل: خير منها يعني رضوان الله، قال تعالى: # ورضوان من الله أكبر # [التوبة: 72]، وقال محمد بن كعب وعبد الرحمن بن زيد: خير منها يعني ~~الأضعاف، أعطاه الله بالواحدة عشرا، فصاعدا، وهذا حسن، لأن للأضعاف ~~خصائص وقيل: إن الثواب خير من العمل، لأن الثواب دائم والعمل منقض، ولأن ~~العمل فعل العبد، والثواب فعل الله. { وهم من فزع يومئذ ~~آمنون } أي: آمنون من كل فزع، فإن قيل: أليس قال - في أول الآية - # ففزع من في السماوات ومن في الأرض # [النمل: 87]؟ فكيف نفى الفزع هاهنا؟ فالجواب: أن الفزع الأول ما لا يخلو ~~منه أحد عند الإحساس بشدة تقع أو هول يفجأ، وإن كان المحسن يأمن وصول ذلك ~~الضرر إليه، وأما الثاني: فهو الخوف من العذاب. # وأما من قرأ " من فزع " بالتنوين، فهو محتمل معنيين: من فزع واحد، ~~وهو خوف العذاب، وإما ما يلحق ms6844 الإنسان من الرعب عند مشاهدته، فلا ينفك ~~عنه أحد. فإن قيل: الحسنة لفظة مفردة معرفة، وقد ثبت أنها لا تفيد ~~العموم، بل يكفي في تحققها حصول فرد من أفرادها، وإذا كان كذلك فلنحملها ~~على أكمل الحسنات شأنا، وأعلاها درجة وهو الإيمان، ولهذا قال ابن عباس: ~~الحسنة كلمة الشهادة، وهذا يوجب القطع بأنه لا يعاقب أهل الإيمان، ~~فالجواب: ذلك الخير هو أن لا يكون عقابه مخلدا. و " أمن " يتعدى بالجار ~~وبنفسه، كقوله تعالى: # أفأمنوا مكر الله # [الأعراف: 99]. # قوله: { ومن جآء بالسيئة } يعني الإشراك { فكبت ~~وجوههم في النار } ، يجوز أن يكون ذكر الوجه إيذانا بأنهم ~~يكبون على وجوههم فيها منكبين، يقال: كببت الرجل إذا ألقيته على وجهه ~~فأكب وانكب. # قوله: " هل تجزون " على إضمار قول، وهذا القول حال مما قبله، أي ~~كبت وجوههم مقولا لهم ذلك القول. ### || [27.91-93] # قوله: " إنما أمرت " أي: قل يا محمد إنما أمرت (أي: أمرت) أن ~~أخص الله وحده بالعبادة، ثم إنه تعالى وصف نفسه بأمرين: # أحدهما: أنه رب هذه البلدة، والمراد مكة، وإنما خصها من بين سائر البلاد ~~بإضافة اسمه إليها لأنها احب بلاده إليه وأكرمها، عليه، وأشار إليها ~~إشارة تعظيم لها دالا على أنها وطن نبيه ومهبط وحيه. # قوله: " الذي حرمها " هذه قراءة الجمهور صفة للرب، وابن مسعود ~~وابن عباس " التي " صفة للبلدة، والسياق إنما هو للرب لا للبلدة، ~~فلذلك كانت قراءة العامة واضحة. والمعنى: جعلها الله حرما آمنا لا سفك ~~فيها دم، ولا يظلم فيها أحد، ولا يصطاد صيدها ولا يختلأ خلاؤها، وله كل ~~شيء خلقا وملكا، وإنما ذكر ذلك لأن العرب كانوا معترفين بكون مكة ~~محرمة، وعلموا أن تلك الفضيلة ليست من الأصنام بل من الله فكأنه قال: لما ~~علمت وعلمتهم أنه سبحانه هو المتولي لهذه النعم وجب علي أن أخصه ~~بالعبادات، و { أمرت أن أكون من المسلمين } لله. # قوله: { وأن أتلو القرآن } العامة على إثبات الواو بعد ~~اللام، وفيها تأويلان: # أظهرهما: أنه من التلاوة وهي القراءة، وما بعده يلائمه. # والثاني: من التلو وهو ms6845 الاتباع كقوله: # واتبع ما يوحى إليك # [يونس: 109]، وقرأ عبد الله: " وأن اتل " أمرا له عليه السلام، ف ~~" أن " يجوز أن تكون المفسرة وأن تكون المصدرية، وصلت بالأمر، وتقدم ما ~~فيه. # فصل # المعنى: وأمرت أن أتلو القرآن، ولقد قام بذلك صلوات الله عليه وسلامه ~~أتم قيام " فمن اهتدى " فيما تقدم من المسائل، وهي التوحيد والحشر ~~والنبوة، { فإنما يهتدي لنفسه } ، أي منفعة اهتدائه راجعة ~~إليه، " ومن ضل " عن الإيمان وأخطأ طريق الهدى، { فقل إنمآ ~~أنا من المنذرين } المخوفين فليس علي إلا البلاغ، نسختها آية ~~القتال. # قوله: " ومن ضل " يجوز أن يكون الجواب قوله: { فقل إنمآ ~~أنا } ، ولا بد من حذف عائد على اسم الشرط أي: من المنذرين ~~له، لما تقدم في البقرة وأن يكون الجواب محذوفا أي: فوبال ~~ضلاله عليه. # قوله: { وقل الحمد لله } على ما أعطاني من نعمة العلم ~~والحكمة والنبوة، أو على ما وفقني من القيام بأداء الرسالة والإنذار، " ~~سيريكم آياته " القاهرة، " فتعرفونها " يعني يوم بدر من ~~القتل والسبي، وضرب الملائكة وجوههم وأديارهم، نظيره قوله تعالى: # سأوريكم آياتي فلا تستعجلون # [الأنبياء: 37]. وقال مجاهد: { سيريكم آياته في السماوات ~~والأرض وفي أنفسكم } ، كما قال: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم # [فصلت: 53] " فتعرفونها " أي تعرفون الآيات والدلالات، { وما ربك ~~بغافل عما تعملون } قرىء بالتاء والياء، وهذا وعيد لهم ~~بالجزاء على أعمالهم. # روى أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -: # " من قرأ طس النمل كان له من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق سليمان، وكذب ~~به، وهود وشعيب وصالح وإبراهيم عليهم السلام، ويخرج من قبره وهو ينادي: ~~لا إله إلا الله ". ### | [28 - سورة القصص] ### || [28.1-6] # بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: " نتلوا عليك " يجوز أن يكون ~~مفعول " نتلو " محذوفا دلت عليه صفته وهي: { من نبإ موسى ~~} (تقديره: نتلو عليك شيئا من نبأ موسى، ويجوز أن تكون ~~" من " مزيدة على رأي الأخفش أي: نتلو عليك نبأ موسى). # قوله: " بالحق " يجوز أن يكون حالا من فاعل " نتلو " ، أو من ~~مفعوله، أي نتلو ms6846 عليك بعض خبرهما متلبسين أو متلبسا بالحق ~~أو متعلقا بنفس " نتلو " بمعنى: نتلوه بسبب الحق و " لقوم " ~~متعلق بفعل التلاوة أي: لأجل هؤلاء: و " يؤمنون " يصدقون، ~~وخصهم بالذكر لأنهم قبلوا وانتفعوا. # قوله: " إن فرعون " هذا هو المتلو جيء به في جملة مستأنفة ~~مؤكدة. # وقرىء " فرعون " بضم الفاء وكسرها، والكسر أحسن وهو الفسطاط، { ~~علا في الأرض } استكبر وتجبر { وجعل أهلها شيعا } ~~فرقا وأصنافا في الخدمة والتسخير، يتبعونه على ما يريد ويطيعونه. # قوله: يستضعف يجوز فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه مستأنف بيان لحال الأهل الذين جعلهم فرقا وأصنافا. # الثاني: أنه حال من فاعل " جعل " أي: جعلهم كذا حال كونه مستضعفا ~~طائفة منهم. # الثالث: أنه صفة ل " طائفة ". # قوله: " يذبح " يجوز فيه الثلاثة الأوجه: الاستئناف تفسيرا ل " ~~يستضعف ". أو الحال من فاعله أو صفة ثانية ل " طائفة ". والعامة ~~على التشديد في " يذبح " للتكثير. وأبو حيوة وابن محيصن " يذبح " ~~مفتوح الياء والباء مضارع " ذبح " مخففا. # فصل # المراد بالطائفة بنو إسرائيل، ثم فسر الاستضعاف فقال: { يذبح ~~أبنآءهم ويستحيي نساءهم } ، سمى هذا استضعافا؛ لأنهم ~~عجزوا وضعفوا عن دفعه عن أنفسهم، { إنه كان من المفسدين } ~~ذكروا في سبب ذبح الأبناء وجوها: # قيل: إن كاهنا قال له يولد مولود في بني إسرائيل في ليلة كذا ~~(يذهب ملكك) على يده، فولد تلك الليلة اثنا عشر غلاما، فقتلهم وبقي هذا ~~العذاب في بني إسرائيل سنين كثيرة. قال وهب: قتل القبط في طلب موسى تسعين ~~ألفا من بني إسرائيل. وقال السدي: إن فرعون رأى في منامه أن نارا ~~أقبلت من بيت المقدس إلى مصر فأحرقت القبط دون بني إسرائيل. فسأل عن ~~رؤياه فقيل له: يخرج من هذا البلد من بني إسرائيل رجل يكون هلاك مصر على ~~يده، فأمر بقتل الذكور، وقيل: إن الإنبياء الذين كانوا قبل موسى عليه ~~السلام بشروا بمجيئه فسمع فرعون بذلك فأمر بذبح أبناء بني إسرائيل. # قوله: { ونريد أن نمن } فيه وجهان: # أظهرهما: أنه عطف على قوله: " إن فرعون " عطف عليه على اسمية، ~~لأن كلتيهما تفسير للنبأ. # الثاني: ms6847 أنه حال من فاعل " يستضعف " وفيه ضعف من حيث الصناعة ومن ~~حيث المعنى، أما الصناعة فلكونه (مضارعا) مثبتا فحقه أن يتجرد من الواو ~~وإضمار مبتدأ قبله، أي: ونحن نريك، كقوله: # 3974 - نجوت وأرهنهم مالكا # وهذا تكلف لا حاجة إليه. وأما المعنى فكيف يجتمع استضعاف فرعون، ~~وإرادة المنة من الله، لأنه متى من الله عليهم تعذر استضعاف ~~فرعون إياهم. # وقد أجيب عن ذلك بأنه لما كانت المنة بخلاصهم من فرعون سريعة الوقوع ~~جعل إرادة وقوعها كأنها مقارنة لاستضعافهم. # قوله: " ونجعلهم أئمة " قال مجاهد: دعاة إلى الخير، وقال ~~قتادة: ولاة وملوكا كقوله تعالى: " وجعلكم ملوكا " ، وقيل: ~~يهتدى بهم في الخير، " ونجعلهم الوارثين " يعني لملك فرعون ~~وقومه يخلفونهم في مساكنهم. # قوله: " ونمكن " العامة على ذلك من غير لام علة، والأعمش: ~~ولنمكن " بلام العلة ومتعلقها محذوف، أي: ولنمكن فعلنا ذلك، ~~والمعنى: نوطىء لهم في أرض مصر والشام، ونجعلها لهم مكانا يستقرون فيه، ~~وننفذ أمرهم ونطلق أيديهم، يقال: مكن له إذا جعل له مكانا يقعد عليه ~~وأوطأه ومهده. # قوله: { ونري فرعون وهامان وجنودهما } قرأ الأخوان: ~~" ويرى " بفتح الياء والراء مضارع (رأى) مسندا إلى " فرعون " ~~وما عطف عليه فلذلك رفعوا، والباقون بضم النون وكسر الراء مضارع (أرى)، ~~فلذلك نصب " فرعون " وما عطف عليه مفعولا أول، " وما كانوا " هو ~~الثاني. و " منهم " متعلق بفعل الرؤية أو الإرادة، لا ب " ~~يحذرون " لأن ما بعد الموصول لا يعمل فيما قبله، ولا ضرورة بنا ~~إلى أن نقول اتسع فيه، والحذر هو التوقي من الضرر، والمعنى: وما ~~كانوا خائفين منه. # قوله: " أن أرضعيه " يجوز أن تكون المفسرة والمصدرية، وقرأ عمر ~~بن عبد العزيز وعمر بن عبد الواحد بكسر النون على التقاء الساكنين، وكأنه ~~حذف همزة القطع على غير قياس فالتقى ساكنان، فكسر أولهما. ### || [28.7-9] # قوله: { وأوحينآ إلى أم موسى } وحي إلهام لا وحي نبوة، ~~قال قتادة: قذفنا في قلبها، واسمها يوخابز، وقيل أيادخا، وقيل أيارخت ~~قاله ابن كثير، بنت لاوي بن يعقوب، " أن أرضعيه " قيل: أرضعته ~~ثمانية أشهر، وقيل أربعة أشهر، ms6848 وقيل ثلاثة أشهر، كانت ترضعه في حجرها وهو ~~لا يبكي ولا يتحرك. { فإذا خفت عليه } يعني من الذبح، { ~~فألقيه في اليم } ، واليم البحر وأراد هنا النيل، { ولا ~~تخافي ولا تحزني } قيل: ولا تخافي عليه من الغرق وقيل: من ~~الضيعة، " ولا تحزني " على فراقه، ف { إنا رآدوه إليك } ~~لتكوني أنت المرضعة { وجاعلوه من المرسلين } إلى أهل مصر ~~والشام. قال المفسرون: إنها لما خافت عليه من الذبح، وضعته في تابوت، ~~وألقته في النيل ليلا. قال ابن كثير: وقيل إنها ربطت التابوت في حبل ~~وكانت دارها على حافة النيل، فكانت ترضعه، فإذا خشيت من أحد وضعته في ذلك ~~التابوت، وأرسلته في البحر، وأمسكت طرف الحبل عندها، فإذا ذهبوا استرجعته ~~إليها، وكان لفرعون قوابل معهم رجال يطوفون على الحوامل، فمن وضعت ذكرا ~~ذبحوه، فأرسلت أم موسى التابوت يوما. وذهلت عن ربطه فذهب مع النيل. وقال ~~ابن عباس وغيره: وكان لفرعون يومئذ بنت لم يكن له ولد غيرها، وكانت من ~~أكرم الناس عليه، وكان بها برص شديد، فقال له الأطباء: أيها الملك إنها ~~لا تبرأ إلا من قبل البحر يؤخذ منه شبه الإنس، فيؤخذ من من ريقه فيلطخ به ~~برصها، فتبرأ من ذلك، وذلك يوم كذا وساعة كذا من شهر كذا حين تشرق الشمس، ~~فلما كان ذلك اليوم غدا فرعون من مجلس له كان على شفير النيل، ومعه آسية ~~بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد الذي كان فرعون مصر في زمن يوسف ~~الصديق، وهي امرأة فرعون. # وقيل: كانت من بني إسرائيل من سبط موسى، وقيل: كانت عمته؛ حكاه السهيلي؛ ~~وأقبلت بنت فرعون في جواريها حتى جلست على شاطىء النيل، إذ أقبل النيل ~~بتابوت تضربه الأمواج، فتعلق بشجرة، فقال فرعون: ائتوني به، فابتدروا ~~بالسفن من كل جانب فوضعوه بين يديه، فعالجوا فتحه، فلم يقدروا عليه، ~~فنظرت آسية فرأت نورا في جوف التابوت ولم يره غيرها, فعالجته ففتحته، ~~فإذا هو بصبي صغير في مهده، وإذا نور بين عينيه، فألقى الله محبته في ~~قلوب القوم، وعمدت ms6849 ابنة فرعون إلى ريقه، فلطخت به برصها، فبرأت، فقالت ~~الغواة من قوم فرعون: إنا نظن أن هذا هو الذي نحذر منه، رمي في ~~البحر فرقا منك فاقتله، فهم فرعون بقتله، فاستوهبته امرأة فرعون فترك ~~قتله. # وقوله: { فالتقطه آل فرعون } أي: جواريه. # قوله: " ليكون " في اللام الوجهان المشهوران: العلية المجازية بمعنى ~~أن ذلك لما كانت نتيجة فعلهم وثمرته شبه بالداعي الذي يفعله الفاعل الفعل ~~لأجله، أو الصيرورة. # قووله: " وحزنا " قرأ العامة بفتح الحاء والزاي، وهي لغة قريش، ~~والأخوان بضم وسكون وهما لغتان بمعنى واحد كالعدم والعدم: { إن ~~فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين } العامة على ~~الهمز، مأخوذ من الخطأ ضد الصواب، وقراء بياء دون همز، فاحتمل أن ~~يكون كالأول، ولكن خفف، وأن يكون من خطا يخطوا أي: تجاوز ~~الصواب. # قوله: { قرة عين لي ولك } فيه وجهان: # أظهرهما: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: هو قرة عين. # الثاني - وهو بعيد جدا - أن يكون مبتدأ والخبر " لا تقتلوه ". ~~وكان هذا القائل حقه أن لا يذكر، فيقول: " لا تقتلوها " ، إلا ~~أنه لما كان المراد مذكر ساغ ذلك، والعامة من القراء والمفسرين وأهل ~~العلم يقفون على " ولك ". ونقل ابن الأنباري بسنده إلى ابن عباس عنه ~~أنه وقف على " لا " أي: هو " قرة عين لي " فقط، " ولك لا " ~~، أي: ليس هو لك قرة عين، ثم يبتدىء بقوله " تقتلوه " ، وهذا لا ~~ينبغي أن يصح عنه، وكيف يبقى " تقتلوه " من غير نون رفع، ولا ~~مقتضى لحذفها؟ ولذلك قال الفراء: هو لحن. # قوله: { عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا }. كانت لا ~~تلد, فاستوهبت موسى من فرعون، فوهبه لها، وقال فرعون: أما أنا فلا ~~حاجة لي به، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لو قال يومئذ قرة عين لي كما هو لك، لهداه الله كما هداها " # وقال لآسية سميه، قالت: سميته موسى لأنا وجدناه في الماء والشجر، (فمو ~~هو الماء، و (شا) هو البحر، فذلك قوله: { فالتقطه آل فرعون ~~}. والالتقاط: هو وجود الشيء). # قوله: { وهم لا يشعرون } جملة حالية، وهل هي ms6850 من كلام الباري ~~تعالى وهو الظاهر، أو من كلام امرأة فرعون؟ كأنها لما رأت ملأه أشاروا ~~بقتله، قالت له كذا؛ أي: افعل أنت ما أقول لك وقومك لا يشعرون أنا ~~التقطناه - قاله الكلبي، وجعل الزمخشري الجملة من قوله: { وقالت ~~امرأة فرعون } معطوفة على " فالتقطه " والجملة من قوله: { ~~إن فرعون وهامان } إلى " خاطئين " معترضة بين ~~المتعاطفين، وجعل متعلق الشعور من جنس الجملة المعترضة أي: لا يشعرون ~~أنهم على خطأ في التقاطه، أو أن هلاكهم على يديه، قال أبو حيان: ومتى ~~أمكن حمل الكلام على ظاهره من غير فصل كان أحسن. ### || [28.10-11] # قوله: { وأصبح فؤاد أم موسى فارغا } (قال الحسن: ~~فارغا) من كل هم إلا هم موسى. وقال أبو مسلم: فراغ الفؤاد هو ~~الخوف والإشغاف، كقوله: # وأفئدتهم هوآء # [إبراهيم: 43]. # وقال الزمخشري: فارغا صفرا من العقل، والمعنى أنها حين سمعت بوقوعه في ~~يد فرعون طار عقلها من فرط الجزع والخوف. وقال الحسن ومحمد بن إسحاق ~~فارغا من الوحي الذي أوحينا إليها أن # فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا ~~رآدوه إليك # [القصص: 7] فجاءها الشيطان وقال لها: كرهت أن يقتل فرعون ولدك فيكون لك ~~أجرا وثوابا، وتوليت أنت قتله، فألقيته في البحر، وأغرقتيه، ولما ~~أتاها خبر موسى أنه وقع في يد فرعون فأنساها عظيم البلاء ما كان من عهد ~~الله إليها. وقال أبو عبيدة: فراغا من الحزن لعلمها بأنه لا يقتل، ~~اعتمادا على تكفل الله بمصلحته. قال ابن قتيبة: وهذا من العجائب، كيف ~~يكون فؤادها فارغا من الحزن، والله تعالى يقول: { لولا أن ~~ربطنا على قلبها }؟ وهل يربط إلا على قلب الجازع المحزون؟ ~~ويمكن أن يجاب عنه بأنه لا يمتنع أنها لشدة ثقتها بوعد الله جاز عندها ~~إظهار عدم الحزن، وأيقنت إنها - وإن أظهرت ذلك - فإنه يسلم لأجل ذلك ~~الوعد. إلا أنه كان في المعلوم أن الإظهار (يضر فربط) الله على قلبها. ~~قال المعربون: " فارغا " خبر أصبح أي: فارغا من العقل، أو من الصبر، أو ~~من الحزن، وهو أبعدها، ويرده قراءات تخالفه. فقرأ ms6851 فضالة والحسن " ~~فزعا " بالزاي من الفزع، وابن عباس " قرعا " بالقاف وكسر الراء ~~وسكونها، من قرع رأسه إذا انحسر شعره، (والمعنى: خلا من كل شيء، ~~وانحسر عنه كل شيء إلا ذكر موسى، وقيل: الساكن الراء مصدر ~~قرع يقرع، أي: أصيب، وقرىء " فرغا " بكسر الفاء وسكون الراء، ~~والغين معجمة أي: هدرا، كقوله): # 3975 - فإن يك قتلى قد أصيبت نفوسهم # فلن يذهبوا فرغا بقتل حبال # فرغا حال من " بقتل " ، وقرأ الخليل " فرغا " بضم الفاء ~~وإعجام الغين من هذا المعنى، ومنه قولهم دماهم بينهم فرغ أي: هدر. # قوله: { إن كادت لتبدي } " إن " إما مخففة، وإما نافية، ~~واللام إما فارقة وإما بمعنى إلا والباء في " به (مزيدة في ~~المفعول، أي: لتظهره، وقيل: ليست زائدة بل سببية، والمفعول محذوف، ~~أي: لتبدي القول بسبب موسى أو بسبب الوحي. فالهاء يجوز أن تكون) ~~راجعة إلى موسى، أي: إن كادت لتبدي به أنه ابنها من شدة وجدها: وقال ~~عكرمة عن ابن عباس: كادت تقول: واابناه حين رأت الموج يرفع التابوت ~~ويضعه. # وقال الكلبي: كادت تظهر أنه ابنها حين سمعت الناس يقولون: إنه ابن ~~فرعون. # وقال السدي: لما أخذ من الماء كادت تقول: هو ابني، فعصهما الله. # وقال بعضهم: الهاء عائدة إلى الوحي، أي كادت تبدي بالوحي الذي أوحى الله ~~إليها أنه يرده عليها. قوله: { لولا أن ربطنا } جوابها ~~محذوف، أي لأبدت، كقوله: # وهم بها لولا أن رءا برهان ربه # [يوسف: 24] والمعنى: لولا أن ربطنا على قلبها بالعصمة والصبر والتثبت. { ~~لتكون من المؤمنين } متعلق ب " ربطنا " ، والمعنى: ~~لتكون من المؤمنين المصدقين بوعد الله، وهو قوله: # إنا رآدوه إليك # [القصص: 7]. # قوله: { وقالت لأخته قصيه } أي: قصي أثر موسى، تتبعي ~~أمره حتى تعلمي خبره: وكانت أخته لأبيه وأمه واسمها مريم. قال " ~~فبصرت به " أي: أبصرته، وقرأ قتادة " بصرت " بفتح الصاد ~~وعيسى بكسرها. قال المبرد: أبصرته وبصرت به بمعنى، وتقدم معناه في طه. و ~~" عن جنب " في موضع الحال إما من الفاعل أي: بصرت به مستخفية ~~كائنة عن جنب، وإما من المجرور أي: ms6852 بعيدا منها. # وقرأ العامة " جنب " بضمين وهو صفة لمحذوف، أي: عن مكان بعيد، وقال ~~أبو عمرو بن العلاء: أي: عن شوق، وهي لغة جذام، يقولون: جنبت ~~إليك أي: اشتقت. # (وقرأ قتادة والحسن والأعرج وزيد بن علي بفتح الجيم وسكون النون)، وعن ~~قتادة أيضا بفتحهما، وعن الحسن " جنب " بالضم والسكون، وعن النعمان بن ~~سالم " عن جانب " وكلها بمعنى واحد. ومثله الجناب والجنابة. # { وهم لا يشعرون } جملة حالية، ومتعلق الشعور محذوف أي: أنها ~~تقصه، أو أنه سيكون لهم عدوا وحزنا، أو أنها أخته، أو أنها ~~ترقبه. ### || [28.12-13] # قوله: { وحرمنا عليه المراضع } قيل: يجوز أن يكون جمع ~~مرضع وهي المرأة، وقيل: جمع مرضع بفتح الميم والضاد، ثم جوزوا ~~فيه أن يكون مكانا أي: مكان الإرضاع وهو الثدي وأن يكون مصدرا أي: ~~الإرضاعات، أن: أنواعها، و " من قبل " أي: من قبل قصها ~~أثره، أو من قبل مجيء أخته، ومن قبل ولادته في حكمنا وقضائنا. والمراد ~~من التحريم المنع، لأن التحريم بالنهي تعبد وذلك لا يصح، فلا بد من ~~فعل سواه، فيحتمل أن - تعالى - غير طبعه عن لبن سائر النساء، فلذلك ~~لم يرتضع أو أحدث في لبنهن طعما ينفر عنه طبعه، أو وضع في لبن أمه لذة ~~تعود بها، فكان يكره لبن غيرها. # فصل # قال ابن عباس: إن امرأة فرعون كان همها من الدنيا أن تجد له مرضعة، ~~فكل ما أتوه بمرضعة لم يأخذ ثديها؛ فذلك قوله عز وجل { وحرمنا ~~عليه المراضع } ، فلما رأت أخت موسى التي أرسلتها أمه في ~~طلبه ذلك { فقالت هل أدلكم على أهل بيت ~~يكفلونه } أي: يرضعونه لكم ويضمنونه، وهي امرأة قد قتل ولدها ~~فأحب شيء إليها أن تجد صغيرا ترضعه. # قوله: { وهم له ناصحون } الظاهر أنه ضمير موسى، وقيل لفرعون، ~~قال ابن جريج والسدي: لما قالت أخت موسى { وهم له ناصحون } ~~استنكروا حالها وتفرسوا أنها قرابته، فقالت: إنما أردت وهم ~~للملك ناصحون، فتخلصت منهم، وهذا يسمى عند أهل البيان الكلام ~~الموجه ومثله: لما سئل بعضهم وكان بين أقوام بعضهم يحب ms6853 عليا دون ~~غيره، وبعضهم أبا بكر وبعضهم عمر وبعضهم عثمان، فقيل له: أيهم أحب إلى ~~رسول الله؟ فقال: من كانت ابنته تحته. وقيل لما تفرسوا أنه قرابته ~~قالت: إنما قلت هذا رغبة في سرور الملك, واتصالنا به. وقيل: إنها لما ~~قالت: { هل أدلكم على أهل بيت } , قالوا لها: من؟ ~~قالت: أمي. قالوا: ولأمك ابن؟ قالت: نعم، هارون، وكان هارون ولد في سنة ~~لا يقتل فيها. قالوا: صدقت، فائتينا بها، فانطلقت إلى أمه فأخبرتها بحال ~~ابنها، وجاءت بها إليهم، فلما وجد الصبي ريح أمه قبل ثديها وجعل يمصه ~~حتى امتلأ جنباه ريا. # والنصح: إخلاص العمل من سائر الفساد. # قوله: { فرددناه إلى أمه كي تقر عينها } برد ~~موسى إليها، " ولا تحزن " عطف على " تقر " ، ودمعة الفرح ~~قارة، ودمعة الترح حارة، قال أبو تمام: # 3976 - فأما عيون العاشقين فأسخنت # وأما عيون الشامتين فقرت # وتقدم تحقيق هذا في مريم. # { ولتعلم أن وعد الله حق } برده إليها وكانت عالمة ~~بذلك ولكن ليس المخبر كالمعاين فتحققت بوجود الموعود، { ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون } أن الله وعدها رده إليها. قال الضحاك: ~~لما قبل ثديها قال هامان: إنك لأمه، قالت: لا، قال: فما بالك قبل ثديك ~~من بين النسوة؟ قالت: أيها الملك، إني أمرأة طيبة الريح، حلوة اللبن، فما ~~شم ريحي صبي إلا أقبل على ثديي. قالوا: صدقت. فلم يبق أحد من آل فرعون ~~إلا أهدى إليها أتحفها بالذهب والجواهر. ### || [28.14-17] # قوله: { ولما بلغ أشده } تقدم الكلام عليه، " واستوى " ~~أي: بلغ أربعين سنة - (قاله ابن عباس -) وقيل: استوى: انتهى شبابه، { ~~آتيناه حكما وعلما } أي: الفقه والعقل والعلم في الدين، فعلم ~~موسى وحكم قبل أن يبعث نبيا، { وكذلك نجزي المحسنين } ، ~~وهذا يدل على أنه ليس المراد بالحكم النبوة، لأنه جعل إيتاءه الحكم ~~والعلم مجازاة على إحسانه، والنبوة لا تكون جزاء على العمل. # قوله: " ودخل المدينة " أي: ودخل موسى المدينة. قال السدي: مدينة ~~منف من أرض مصر، وقال مقاتل: قرية تدعى حانين على (رأس) فرسخين من مصر، ~~وقيل: عين شمس، قوله: ms6854 { على حين غفلة } في موضع الحال إما من ~~الفاعل أي: كائنا على حين غفلة، أي: مستخفيا، وإما من المفعول، ~~وقرأ أبو طالب القارىء " على حين " بفتح النون، وتكلف أبو حيان ~~تخريجها على أنه حمل المصدر على الفعل في أنه إذا أضيف الظرف إليه جاز ~~بناؤه على الفتح، كقوله: # 3977 - على حين عاتبت المشيب على الصبا # و " من أهلها " صفة ل " غفلة " ، أي: صادرة من أهلها. # فصل # اختلفوا في السبب الذي لأجله دخل موسى المدينة على حين غفلة من أهلها، ~~فقال السدي: إن موسى كان يسمى ابن فرعون، فكان يركب في مراكب فرعون، ~~ويلبس مثل ملابسه، فركب فرعون يوما وليس عنده موسى، فلما جاء موسى قيل ~~له: إن فرعون قد ركب، فركب في أثره، فأدركه المقيل بأرض منف، فدخلها نصف ~~النهار وليس في طرقها أحد, فذلك { على حين غفلة من أهلها ~~}. وقال ابن إسحاق: كان لموسى شيعة من بني إسرائيل يسمعون منه ويقتدون ~~به، فلما عرف ما هو عليه من الحق فارق فرعون وقومه وخالفهم في دينهم حتى ~~ذكر ذلك منه، وأخافوه وخافهم، فكان لا يدخل قرية إلا خائفا مستخفيا. # وقال ابن زيد: إن موسى ضرب رأس فرعون ونتف لحيته، فأراد فرعون قتله، ~~فقالت امرأته: هو صغير، جىء بجمرة فأخذها فطرحها في فيه، فبها عقد ~~لسانه، فقال فرعون: لا أقتله، ولكن أخرجوه عن الدار والبلد، فأخرج ولم ~~يدخل عليها حتى كبر، فدخل { على حين غفلة }. # قوله " يقتتلان " صفة ل " رجلين " ، وقال ابن عطية: حال ~~منهما، وسيبويه - وإن كان جوزها من النكرة مطلقا - إلا أن الأكثر ~~يشترطون فيها ما يسوغ الابتداء بها. # وقرأ نعيم بن ميسرة " يقتلان " بالإدغام، نقل فتحة التاء الأولى إلى ~~القاف وأدغم. قوله { هذا من شيعته } مبتدأ وخبر في موضع الصفة ~~ل " رجلين " ، أو الحال من الضمير في " يقتتلان " وهو بعيد ~~لعدم انتقالها. # وقوله: " هذا " و " هذا " على حكاية الحال الماضية، فكأنهما حاضران، ~~أي: إذا نظر الناظر إليهما، قال: هذا من شيعته وهذا من عدوه. وقال ~~المبرد: العرب تشير ms6855 بهذا إلى الغائب، وأنشد لجرير: # 3978 - هذا ابن عمي في دمشق خليفة # لو شئت ساقكم إلي قطينا # (فصل) # { هذا من شيعته } من بني إسرائيل، { وهذا من عدوه ~~} من القبط. قال مقاتل: كانا كافرين إلا أن أحدهما من القبط والآخر من ~~بني إسرائيل، لقول موسى عليه السلام له: # إنك لغوي مبين # [القصص: 18]. والمشهور أن الإسرائيلي كان مسلما، قيل: إنه السامري، ~~والقبطي طباخ فرعون. قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: لما بلغ موسى ~~أشده لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل بظلم حتى ~~امتنعوا كل الامتناع. وكان بنو إسرائيل قد عزوا بمكان موسى، لأنهم كانوا ~~يعلمون أنه منهم. # قوله " فاستغاثه " هذه قراءة العامة من الغوث أي طلب غوثه ونصره، ~~وقرأ سيبويه وابن مقسم والزعفراني بالعين المهملة والنون من الإعانة. ~~قال ابن عطية: هي تصحيف وقال ابن جبارة صاحب الكامل: الاختيار قراءة ابن ~~مقسم، لأن الإعانة أولى في هذا الباب قال شهاب الدين: نسبة التصحيف ~~إلى هؤلاء غير محمودة (كما أن تغالي) الهذلي في اختيار الشاذة غير محمود. # قوله: " فوكزه " أي: دفعه بجميع كفه، والفرق بين الوكز ~~واللكز: أن الأول بجميع الكف والثاني: بأطراف الأصابع، وقيل ~~بالعكس، وقيل: اللكز في الصدر، والوكز في الظهر، والنكز كاللكز ~~قال: # 3979 - يا أيها الجاهل ذو التنزي # لا توعدني حبة بالنكز # وقرأ ابن مسعود " فلكزه " و " فنكزه " باللام والنون. # قوله: " فقضى " أي: موسى، أو الله تعالى، أو ضمير الفعل أي: الوكز " ~~فقضى عليه " أي: أماته، وقتله، وفرغ من أمره، وكل شيء فرغت منه ~~فقد قضيته وقضيت عليه، فندم موسى ولم يكن قصده القتل، فدفنه في الرمل، و ~~{ قال: هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل ~~مبين } فقوله: " هذا " إشارة إلى القتل الصادر منه، و { من عمل ~~الشيطان } أي: من وسوسته وتسويله. # فصل # احتج بهذه الآية من طعن في عصمة الأنبياء من وجوه: # أحدها: أن ذلك القبطي إما أن يكون مستحق القتل أو لم يكن كذلك، فإن ~~استحق القتل فلم قال: { هذا ms6856 من عمل الشيطان }؟ ولم قال: { ~~ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له }؟ وقال في سورة أخرى # فعلتهآ إذا وأنا من الضالين # [الشعراء: 20]. وإن لم يستحق القتل كان قتله معصية وذنبا. # وثانيها: أن قوله: { وهذا من عدوه } يدل على أنه كان ~~كافرا حربيا، فكان دمه مباحا، فلم استغفر عنه؟ والاستغفار من الفعل ~~المباح غير جائز لأنه يوهم في المباح كونه حراما. # وثالثها: أن الوكز لا يحصل عنه القتل ظاهرا. فكان ذلك قتل خطأ، ~~فلم استغفر منه؟ # والجواب عن الأول: لم لا يجوز أن يقال إنه لكفره مباح الدم؟ وأما قوله { ~~هذا من عمل الشيطان } ففيه وجوه: # الأول: أن الله تعالى وإن أباح قتل الكفار، إلا أنه كان الأولى ~~تأخير قتلهم إلى زمان آخر، فلما قتل ترك ذلك المندوب؛ وهو قوله: { ~~هذا من عمل الشيطان }. # الثاني: أن قوله: " هذا " إشارة إلى عمل المقتول لا إلى عمل نفسه. # (الثالث: أن قوله: " هذا " إشارة إلى المقتول). (يعني أنه من حزب ~~الشيطان) وجنده، يقال: فلان من عمل الشيطان أي من أحزابه. وأما قوله { ~~رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي } (فعلى نهج قول آدم عليه ~~السلام) # ربنا ظلمنآ أنفسنا # [الأعراف: 23] والمراد أحد وجهين: إما على سبيل الانقطاع إلى الله، ~~والاعتراف بالتقصير عن القيام بحقوقه وإن لم يكن هناك ذنب قط أو من حيث ~~حرم نفسه الثواب بترك المندوب. # وأما قوله " فاغفر لي " أي: فاغفر لي ترك هذا المندوب. وفيه وجه ~~آخر، وهو أن يكون المراد { قال رب إني ظلمت نفسي } حيث ~~قتلت هذا الملعون، فإن فرعون لو عرف ذلك لقتلني به، " فاغفر لي " ~~، فاستره علي ولا توصل خبره إلى فرعون، " فغفر له " أي: ستره عن ~~الوصول إلى فرعون، ويدل على هذا قوله { رب بمآ أنعمت علي ~~فلن أكون ظهيرا للمجرمين } فلو كانت إعانة المؤمن هنا ~~سببا للمعصية لما قال ذلك، وأما قوله # فعلتهآ إذا وأنا من الضالين # [الشعراء: 20] فلم يقل إني صرت بذلك ضالا، بل اعترف أنه كان ضالا أي: ~~متحيرا لا يدري ما يجب عليه. # وأما ms6857 قوله: إن كان كافرا حربيا فلم استغفر من قتله؟ قلنا: كون ~~الكافر مباح الدم أم يختلف باختلاف الشرائع، فلعل قتلهم كان حراما في ~~ذلك الوقت، أو كان مباحا لكن الأولى تركه على ما قررناه. # وأما قوله: كان قتل خطأ، قلنا: لا نسلم، فلعل الرجل إن كان ضعيفا وموسى ~~عليه السلام كان في نهاية الشدة فوكزه كان قاتلا قطعا، ثم إن سلمنا ذلك ~~ولكنه - عليه السلام - كان يمكنه أن يخلص الإسرائيلي من يده بدون الوكز ~~الذي كان الأولى تركه، فلهذا أقدم على الاستغفار. على أنا وإن سلمنا ~~دلالة هذه الآية على صدور المعصية، لكنا بينا أنه لا دلالة البتة ~~فيه، لأنه لم يكن رسولا في ذلك الوقت فيكون ذلك قبل النبوة لا نزاع فيه. # فصل # قالت المعتزلة: الآية تدل على بطلان قول من نسب المعاصي إلى الله، لأنه ~~- عليه السلام - قال: { هذا من عمل الشيطان } ، فلو كانت ~~بخلق الله لكانت من الله لا من الشيطان، وهو كقول يوسف - عليه السلام - # من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي # [يوسف: 100]، وقول فتى موسى # ومآ أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره # [الكهف: 63]، وقوله تعالى: # لا يفتننكم الشيطان كمآ أخرج أبويكم من ~~الجنة # [الأعراف: 27]، وتقدم الكلام على ذلك. # قوله: " بما أنعمت " يجوز في الباء أن تكون (قسما و) الجواب ~~مقدرا: لأتوبن، وتفسيره: فلن أكون، قال القفال: كأنه أقسم بما ~~أنعم الله عليه أن لا يظاهر مجرما، أي: بنعمتك علي، وأن تكون متعلقة ~~بمحذوف ومعناها السببية، أي: اعصمني بسبب ما أنعمت به علي، ويترتب ~~عليه قوله: { فلن أكون ظهيرا } ، و " ما " مصدرية أو بمعنى ~~الذي، والعائد محذوف، وقوله: " فلن " نفي على حقيقته، وهذا يدل على ~~أنه قال: لم أنعمت علي بهذا الإنعام فإني لا أكون معاونا لأحد من ~~المجرمين بل أكون معاونا للمسلمين، وهذا يدل على أن ما أقدم عليه من ~~إعانة الإسرائيلي على القبطي كان طاعة لا معصية، إذ لو كان معصية لنزل ~~الكلام منزلة قوله: " إنك لما أنعمت علي بقبول توبتي من تلك المعصية. ms6858 # وقال الكسائي والفراء: إنه خبر ومعناه الدعاء، وإن " لن " واقعة ~~موقع " لا " ، كأنه قال: ولا تجعلني ظهيرا، قال الفراء: في حرف عبد الله ~~{ ولا تجعلني ظهيرا } قال الشاعر: # 3980 - لن تزالوا كذلكم ثم لا زل # ت لهم خالدا خلود الجبال # قال شهاب الدين: وليس في الآي والبيت دلالة على وقوع " لن " موقع " لا " ~~، لظهور النفي فيهما من غير تقدير دعاء. # فصل # قال ابن عباس: { بما أنعمت علي } بالمغفرة، { فلن ~~أكون ظهيرا } عونا " للمجرمين ". أي: للكافرين وهذا يدل ~~على أن الإسرائيلي الذي أعانه موسى كان كافرا، وهو قول مقاتل، وقال ~~قتادة: لن أعين بعدها على خطيئة. # قال ابن عباس: لم يستثن فابتلي به في اليوم الثاني: (وهذا ضعيف، لأنه في ~~اليوم الثاني ترك الإعانة، وإنما خاف منه ذلك العدو، فقال: # إن تريد إلا أن تكون جبارا # [القصص: 19] إلا أنه لم يقع منه). ### || [28.18-21] # قوله: { فأصبح في المدينة } التي قتل فيها القبطي " خائفا ~~" الظاهر أنه خبر " أصبح " ، و " في المدينة " مفعول به، ويجوز أن ~~يكون حالا، والخبر " في المدينة " ، ويضعف تمام " أصبح " أي: ~~دخل في الصباح. # قوله: " يترقب " يجوز أن يكون خبرا ثانيا، وأن يكون حالا ~~ثانية، وأن يكون بدلا من الحال (الأولى)، أو الخبر الأول، أو حالا من ~~الضمير في " خائفا " فتكون متداخلة، ومفعول " يترقب " محذوف، أي: ~~يترقب المكروه، أو الفرج، أو الخبر: هل وصل لفرعون أم لا؟ قوله: " ~~فإذا الذي " " إذا " فجائية، و " الذي " مبتدأ وخبره إما " ~~إذا " ف " يستصرخه " حال، وإما " يستصرخه " ف " إذا ~~" فضله على بابها، و " بالأمس " معرب، لأنه متى دخلت عليه " ال " أو ~~أضيف أعرب، ومتى عري منها فحاله معروف، الحجاز يبنونه، والتميميون ~~يمنعونه الصرف، كقوله: # 3981 - لقد رأيت عجبا مذ أمسا # على أنه قد بني مع " ال " ندورا، كقوله: # 3982 - وإني حبست اليوم والأمس قبله # إلى الشمس حتى كادت الشمس تغرب # يروى بكسر السين. # قوله: { قال له موسى } الضمير قيل للإسرائيلي، لأنه كان سببا في ~~الفتنة الأولى، وقيل للقبطي، وذلك أن موسى لما أصبح خائفا ms6859 من قتل ~~القبطي " يترقب " ينتظر سوءا، والترقب انتظار المكروه. قال الكلبي: ~~ينتظر متى يؤخذ به، { فإذا الذي استنصره بالأمس ~~يستصرخه } يستغيثه ويصيح به من بعد، قال ابن عباس: أتى فرعون فقيل ~~له: إن بني إسرائيل قتلوا منا رجلا فخذ لنا بحقنا، فقالوا ابغوا لي ~~قاتله ومن يشهد عليه (فلا تنسبوني أن أقضي) بغير بينة، فبينما هم يطوفون ~~لا يجدون بينة إذ مر موسى من الغد، فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل ~~فرعونيا، فاستغاثه على الفرعوني، فصادف موسى وقد ندم على ما كان منه ~~بالأمس من قتل القبطي، فقال موسى للإسرائيلي: { إنك لغوي ~~مبين } (أي: ظاهر الغواية). قال أهل اللغة: " لغوي " يجوز أن ~~يكون فعيلا بمعنى مفعل، أي: إنك لمغوي، فإني وقعت بالأمس فيما ~~وقعت فيه بسببك، ويجوز أن يكون بمعنى الغاوي: قاتلت رجلا بالأمس فقتلته ~~بسببك، وتقاتل اليوم آخر، وتستغيثني عليه، وقيل: إنما قال موسى للفرعوني: ~~{ إنك لغوي مبين } بظلمك، والأكثرون على الأول. # قوله: { فلما أن أراد أن يبطش } الظاهر أن الضميرين ~~لموسى، وقيل للإسرائيلي، والعدو: هو القبطي، والضمير في { قال ~~يموسى } للإسرائيلي، كأنه توهم من موسى مخاشنة، فمن ثم قال ذلك، ~~وبهذا فشا خبره وكان مشكوكا في قاتله. # و " أن " تطرد زيادتها في موضعين: # أحدهما: بعد لما كهذه. # والثاني: قبل " لو " مسبوقة بقسم كقوله: # 3983 - أما والله أن لو كنت حرا # 3983 م - فأقسم أن لو التقينا وأنتم # لكان لكم يوم من الشر مظلم # والعامة على " يبطش " بالكسر، وضمها أبو جعفر، وقيل: إن القائل " ~~يا موسى " هو القبطي، وكان قد عرف القصة من الإسرائيلي. قال ابن ~~الخطيب: وهذا هو الظاهر، لقوله: { فلمآ أن أراد أن يبطش ~~بالذي هو عدو لهما قال يموسى } ، فهذا القول منه لا ~~من غيره، وأيضا قوله: { إن تريد إلا أن تكون جبارا في ~~الأرض } لا يليق إلا بقول الكافر، والجبار: هو الذي يفعل ما يريده من ~~الضرب والقتل بظلم، ولا ينظر في العواقب، وقيل: المتعظم، { وما تريد ~~أن تكون من المصلحين } ، قال المفسرون: فلما سمع القبطي قول ms6860 ~~الإسرائيلي علم أن موسى هو الذي قتل ذلك الفرعوني: فانطلق إلى فرعون ~~فأخبره بذلك، وأمر فرعون بقتل موسى. قال ابن عباس: أرسل فرعون الذباحين ~~لقتل موسى فأخذوا الطريق الأعظم. قوله: { وجآء رجل من أقصى ~~المدينة يسعى } ، أي: من آخر المدينة اسمه: حزقيل مؤمن آل ~~فرعون، وقيل اسمه شمعون، وقيل: (شمعان): " يسعى " قال الزمخشري: " ~~يسعى " يجوز ارتفاعه وصفا ل " رجل " وانتصابه حالا عنه، لأنه قد ~~تخصص بالوصف بقوله: { من أقصى المدينة } ، فإن جعلت " من ~~أقصى " متعلقا ب " جاء " ف " يسعى " صفة ليس إلا. وهذا بناء ~~منه على مذهب الجمهور، وقد تقدم أن سيبويه يجيز ذلك من غير شرط. # وفي آية يس قدم " من أقصى " على " رجل " ، لأنه لم يكن من ~~أقصاها وإنما جاء منها وهنا وصفه بأنه من أقصاها، وهما رجلان مختلفان ~~وقضيتان متباينتان. # (قوله) " يأتمرون " أي: يتآمرون بمعنى يتشاورون، كقول النمر بن ~~تولب: # 3984 - أرى الناس قد أحدثوا شبهة # وفي كل حادثة مؤتمر # وعن ابن قتيبة: يأمر بعضهم بعضا. أخذه من قوله تعالى: # وأتمروا بينكم بمعروف # [الطلاق: 6]. (قوله) " فاخرج " أي: من المدينة، { إني لك من ~~الناصحين } في الأمر بالخروج، فقوله " لك " ، يجوز أن يتعلق بما ~~يدل " الناصحين " عليه، أي؛ ناصح لك من الناصحين، أو بنفس " ~~الناصحين " للاتساع في الظرف، أو على جهة البيان أي: أعني لك. " ~~فخرج منها " موسى " خائفا يترقب " هدايته وغوث ~~الله إياه، { قال رب نجني من القوم الظالمين } ~~أي؛ الكافرين وهذا يدل على أن قتله لذلك القبطي لم يكن ذنبا وإلا لكان ~~هو الظالم لهم، وما كانوا ظالمين له بسبب طلبهم له ليقتلوه قصاصا. ### || [28.22-28] # قوله: { ولما توجه تلقآء مدين } أي: قصد نحوها ماضيا ~~إليها، يقال: داره تلقاه دار فلان، إذا كانت محاذيتها وأصله من اللقاء، ~~قال الزجاج: أي: سلك الطريق الذي تلقاء مدين فيها. قال ابن عباس: خرج وما ~~قصد مدين ولكنه سلم نفسه إلى الله ومشى من غير معرفة فأسلمه الله إلى ~~مدين، وقيل: وقع في نفسه أن بينهم وبينه قرابة؛ لأنهم من ولد مدين ms6861 بن ~~إبراهيم وكان من بني إسرائيل، سميت البلدة باسمه فخرج ولم يكن له علم ~~بالطريق بل اعتمد على الله، وقيل: جاءه جبريل عليه السلام، وعلمه الطريق. # قال ابن إسحاق: خرج من مصر إلى مدين خائفا بلا زاد ولا ظهر وبينهما ~~مسيرة ثمانية أيام ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر. { قال عسى ~~ربي أن يهديني سوآء السبيل } ، أي: قصد الطريق إلى ~~مدين. # قوله: { ولما ورد مآء مدين } وهو الماء الذي يستقون منه ~~وهو بئر، ووروده: مجيئه، والوصول إليه، " وجد عليه " أي: على شفيره ( ~~" أمة " جماعة كثيفة العدد " من الناس " مختلفين " يسقون " ~~منها مواشيهم)، { ووجد من دونهم } أي: سوى الجماعة، وقيل: في ~~مكان أسفل من مكانهم. # قوله: " امرأتين تذودان " ف " تذودان " صفة ل " ~~امرأتين " لا مفعول ثان، لأن " وجد " بمعنى: لقي، والذود، ~~الطرد والدفع، قال: # 3985 - فقام يذود الناس عنها بسيفه # وقيل: حبس: ومفعوله محذوف، أي: يذودان الناس عن غنمهما، أو عن ~~مزاحمة الناس، وقال الزمخشري: لم ترك المفعول غير مذكور في " يسقون " ~~و " تذودان " و " لا نسقي " ، قلت: لأن الغرض هو الفعل لا ~~المفعول، وكذلك قولهما: { لا نسقي حتى يصدر الرعآء } ~~المقصود منه السقي لا المسقي. # فصل # واختلفوا في السبب المقتضي لذلك الحبس، فقال الزجاج: لئلا تختلط ~~أغنامهما بأغنامهم، وقيل: لئلا يختلطن بالرجال، وقيل: كانتا تذودان عن ~~وجوههما نظر الرجال لتسترهما، وقيل: تذودان الناس عن غنمهما، وقال ~~الفراء: يحبسانها لئلا تتفرق وتتسرب، وقيل: تذودان أي: معهما قطيع من ~~الغنم، والقطيع من الغنم يسمى: ذودا، وكذلك قطيع البقرب وقطيع الإبل. ~~قال عليه السلام: # " ليس فيما دون خمس ذود صدقة " # وقال الشاعر: # 3986 - ثلاثة أنفس، وثلاث ذود # لقد جار الزمان على عيالي # قوله: " ما خطبكما " تقدم في طه، وقال الزمخشري: هنا حقيقته: ما ~~مخطوبكما؟ أي: ما مطلوبكما من الذياد؟ فسمي المخطوب خطبا كما سمي ~~المشئون شأنا في قولك: ما شأنك؟ يقال: شأنت شأنه، أي: ~~قصدت قصده. وقال ابن عطية: السؤال بالخطب إنما هو في مصاب أو ~~مضطهد أو من يشفق عليه أو ms6862 يأتي بمنكر من الأمر. # وقرأ شمر " خطبكما " بالكسر أي: ما زوجكما؟ أي: لم تسقيان ~~ولم يسق زوجكما؟ وهي شاذة جدا. # قوله: { حتى يصدر الرعآء } قرأ أبو عمرو وابن عامر وأبو ~~جعفر بفتح الياء وضم الدال من صدر يصدر وهو قاصر، أي: حتى يرجع ~~الرعاء: أي: يرجعون بمواشيهم والباقون بضم الياء وكسر الدال مضارع أصدر ~~معدى بالهمزة، والمفعول محذوف، أي: يصدرون مواشيهم، والعامة على ~~كسر الراء من " الرعاء " ، وهو جمع تكسير غير مقيس لأن فاعلا الوصف ~~المعتل اللام كقاض قياسه (فعلة) نحو قضاة ورماة. وقال الزمخشري: ~~وأما الرعاء بالكسر فقياس كصيام وقيام. وليس كما ذكر (لما ~~ذكرناه). وقرأ أبو عمرو - في رواية - بفتح الراء. قال أبو الفضل: هو ~~مصدر أقيم مقام الصفة فلذلك استوى فيه الواحد والجمع أو على حذف مضاف، ~~وقرىء بضمها، وهو اسم جمع كرخال وثناء. وقرأ ابن مصرف " لا نسقي " ~~بضم النون من أسقى، وتقدم الفرق بين سقى وأسقى في النحل، والمعنى ~~لا نسقي حتى يرجع الرعاء عن الماء، والرعاء جمع راع مثل تاجر وتجار، ~~أي: نحن امرأتان لا نطيق أن نزاحم الرجال فإذا صدروا سقينا مواشينا ما ~~أفضلت مواشيهم في الحوض، و { وأبونا شيخ كبير } لا يقدر أن ~~يسقي مواشيه ولذلك احتجنا نحن إلى سقي الغنم. # فصل # قال مجاهد والضحاك والسدي والحسن: أبوهما هو شعيب النبي صلى الله عليه ~~وسلم. (وإنه عاش عمرا طويلا بعد هلاك قومه حتى أدركه موسى عليه السلام، ~~وتزوج بابنته). وقال وهب وسعيد بن جبير: هو يثرون ابن أخي شعيب (وكان ~~شعيب) قد مات بعد ذلك بعدما كف بصره فدفن بين المقام وزمزم. وقيل: رجل ~~ممن آمن بشعيب. قالوا: فلما سمع قولهما رحمهما فاقتلع صخرة من رأس بئر ~~أخرى كانت بقربهما لا يطيق رفعها إلا جماعة من الناس، وقال ابن إسحاق: ~~إن موسى زاحم القوم ونحاهم عن رأس البئر فسقى غنم المرأتين. وروي أن ~~القوم لما رجعوا بأغنامهم غطوا رأس البئر بحجر لا يرفعه إلا عشر نفر، ~~فجاء موسى فرفع الحجر وحده، وسقى ms6863 غنمهما، ويقال: إنه نزع ذنوبا واحدا ~~ودعا فيه بالبركة فروي منه جميع الغنم. # قوله: " فسقى لهما " مفعوله محذوف أي: غنمهما لأجلهما، { ثم ~~تولى إلى الظل } أي: إلى ظل شجرة فجلس في ظلها من شدة الحر ~~وهو جائع. قال الضحاك: لبث سبعة أيام لم يذق طعاما إلا بقل الأرض. # فصل # " لما أنزلت " متعلق ب " فقير " قال الزمخشري: عدي فقير ~~باللام لأنه ضمن معنى سائل وطالب ويحتمل إني فقير من الدنيا لأجل ما ~~أنزلت إلي من خير الدين، وهو النجاة من الظالمين. # يعني أن افتقر يتعدى ب " من " ، فإما أن نجعله من باب التضمين، ~~وإما أن متعلقه محذوف و " أنزلت " قيل ماض على أصله، ويعني ~~بالخير ما تقدم من خير الدين، وقيل: بمعنى المستقبل. قال أهل اللغة: ~~اللام بمعنى إلى، يقال: فقير له، وفقير إليه، فإن قيل: كيف ساغ بنبي ~~الله شعيب أن يرضى لابنتيه السعي بالماشية فالجواب: أن الناس اختلفوا ~~فيه: هل هو شعيب أو غيره كما تقدم، وإن سلمنا أنه شعيب لكن لا مفسدة فيه، ~~لأن الدين لا يأباه، وأحوال أهل البادية يغر أحوال أهل الحضر سيما إذا ~~كانت الحال حالة ضرورة. # فصل # قال ابن عباس: سأل الله تعالى فلقة خبز يقيم بها صلبه. قال الباقر: لقد ~~قالها وإنه لمحتاج إلى شق تمرة، وقال سعيد بن جبير: قال ابن عباس: لقد ~~قال { رب إني لمآ أنزلت إلي من خير فقير } وهو ~~أكرم خلقه عليه، ولقد افتقر إلى شق تمرة، وقيل: إنما قال ذلك في نفسه مع ~~ربه، وهو اللائق بموسى عليه السلام. فلما رجعتا إلى أبيهما سريعا قبل ~~الناس وأغنامهما حفل بطان قال لهما: ما أعجلكما: قالتا: وجدنا رجلا ~~صالحا رحيما فسقى لنا أغنامنا، فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي، قوله ~~" فجاءته إحداهما " قرأ ابن محيصن: " فجاءته حداهما " ~~بحذف الهمزة تخفيفا على غير قياس، كقوله: يا با فلان، وقوله: # 3987 - يا با المغيرة رب أمر معضل # فرجته بالنكر عني والدها # وويلمه أي: ويل لأمه. قال: # 3988 - ويلمها حاله لو أنها صدقت ms6864 # و " تمشي " حال، و " استحياء " حال أخرى، إما من " جاءت " ~~وإما من " تمشي ". # فصل # قال عمر ابن الخطاب: ليست بسلفع من النساء خراجة ولاجة، ولكن جاءت ~~مستترة وضعت كم درعها على وجهها استحياء. { قالت إن أبي ~~يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا } صرحت بهذا لئلا يوهم ~~كلامها ريبة، وهذا من تمام حيائها وصيانتها، وقيل: ماشية على بعد، ~~مائلة عن الرجال. وقال عبد العزيز بن أبي حازم: على إجلال له، ومنهم من ~~يقف على قوله " تمشي " ، ثم يبتدىء { على استحيآء قالت ~~إن أبي يدعوك } أي: إنها على استحياء قالت هذا القول، لأن ~~الكريم إذا دعا غيره إلى الضيافة يستحي لا سيما المرأة. قال ابن إسحاق: ~~اسم الكبرى صفورا والصغرى لبنا، وقيل ليا، وقال غيره: صفورا وصفيرا. ~~وقال الضحاك: صافورا، قال الأكثرون: التي جاءت إلى موسى الكبرى. وقال ~~الكلبي: هي الصغرى. قال ابن الخطيب: وفي الآية إشكالات. # أحدها: كيف ساغ لموسى عليه السلام أن يعمل بقول امرأة، (وأن يمشي ~~معها) وهي أجنبية، فإذن ذلك يورث التهمة العظيمة؟ وقال صلى الله عليه ~~وسلم: # " اتقوا مواضع التهم ". # وثانيها: أنه سقى أغنامها تقربا إلى الله تعالى، فكيف يليق به أخذ ~~الأجرة عليه، وذلك غير جائز في الشريعة؟. # وثالثها: أنه عرف فقرهن، وفقر أبيهن، وأنه عليه السلام كان في ~~نهاية القوة بحيث يمكنه الكسب بأقل سعي، فكيف يليق بمروءة مثله طلب ~~الأجرة على ذلك القدر من الشيخ الفقير والمرأة الفقيرة؟ # ورابعها: كيف يليق بالنبي شعيب عليه السلام أن يبعث ابنته الشابة إلى ~~رجل شاب قبل العلم بكون الرجل عفيفا أو فاسقا؟ # والجواب عن الأول: أما العمل بقول امرأة فإن الخبر يعمل فيه بقول الواحد ~~حرا كان أو عبدا ذكرا كان أو أنثى، وهي ما كانت إلا مخبرة عن أبيها. # وأما المشي مع المرأة فلا بأس به مع الاحتياط والتورع. # وعن الثاني: أن المرأة لما قالت ذلك، فموسى عليه السلام ما ذهب إليهم ~~طالبا للأجرة، بل للتبرك بذلك الشيخ، لما روي أنه لما دخل على شعيب ~~إذا ms6865 هو بالعشاء تهيأ، فقال: اجلس يا شاب فتعش، فقال موسى: أعوذ ~~بالله، فقال شعيب: ولم ذلك؟ ألست بجائع؟ فقال: بلى، ولكن أخاف أن يكون ~~هذا عوضا لما سقيت لهما، وأنا من أهل بيت لا نطلب على عمل من أعمال ~~الآخرة عوضا من الدنيا، وفي رواية: لا نبيع ديننا بالدنيا، ولا نأخذ ~~بالمعروف ثمنا. فقال شعيب: لا والله يا شاب ولكنها عادتي وعادة آبائي ~~نقري الضيف، ونطعم الطعام، فجلس موسى، فأكل. وأيضا فليس بمنكر أن الجوع ~~قد بلغ به إلى حيث ما كان يطيق تحمله، فقبل ذلك اضطرارا، وهو الجواب عن ~~الثالث، فإن الضرورات تبيح المحظورات. # وعن الرابع: لعله عليه السلام كان قد علم بالوحي طهارتها وبراءتها، فكان ~~يعتمد عليها. # فصل # قال عمر بن الخطاب: فقام يمشي والجارية أمامه، فعبثت الريح، فوصفت ~~ردفها، فكره موسى أن يرى ذلك منها، فقال موسى عليه السلام: إني من عنصر ~~إبراهيم، فكوني خلفي حتى لا ترفع الريح ثيابك، فأرى ما لا يحل، وفي ~~رواية: كوني خلفي ودليني على الطريق برمي الحصى، لأن صوت المرأة عورة. # فإن قيل: لم خشي موسى - عليه السلام - أن يكون ذلك أجرة له عن عمله، ~~ولم يكره مع الخضر ذلك حين قال: # لو شئت لاتخذت عليه أجرا # [الكهف: 77]؟ # فالجواب: أن أخذ الأجرة على الصدقة لا يجوز، وأما الاستئجار ابتداء (ف) ~~غير مكروه. قوله: { فلما جآءه وقص عليه القصص } مصدر ~~كالعلل سمي به المقصوص، قال الضحاك: قال له: من أنت يا عبد الله؟ قال ~~له: أنا موسى بن عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوي بن يعقوب، وذكر له جميع ~~أمره من لدن ولادته وأمر القوابل والمراضع والقذف في اليم وقتل القبطي، ~~وأنهم يطلبوه فيقتلوه، فقال شعيب عليه السلام: { لا تخف نجوت ~~من القوم الظالمين } أي: لا سلطان له بأرضنا، فإن قيل إن ~~المفسرين قالوا: إن فرعون يوم ركب خلف موسى، ركب في ألف ألف وستمائه، ~~والملك الذي هذا شأنه كيف يعقل ألا يكون في ملكه قرية على بعد ثمانية ~~أيام من ms6866 دار مملكته؟ فالجواب: هذا وإن كان نادرا إلا أنه ليس بمحال. # قوله: { قالت إحداهما يأبت استأجره } اتخذه أجيرا ~~ليرعى أغنامنا، { إن خير من استأجرت القوي الأمين ~~} أي: خير من استعملت من قوي على العمل، وأداء الأمانة، وإنما جعل { ~~خير من استأجرت } اسما و " القوي الأمين " خبرا مع ~~أن العكس أولى، لأن العناية سبب للتقديم. فإن قيل: القوة والأمانة لا ~~يكفيان في حصول المقصود ما لم ينضم إليهما العطية والكتابة، فلم أهمل ~~أمر الكتابة؟ فالجواب أنهما داخلان في الأمانة. # قال ابن مسعود: أفرس الناس ثلاثة: بنت شعيب، (وصاحب يوسف)، وأبو بكر ~~في عمر. # فقال لها أبوها: وما علمك بقوته وأمانته؟ قالت: أما قوته، فإنه رفع ~~حجرا من رأس البئر لا يرفعه إلا عشرة، وقيل: إلا أربعون، وأما أمانته، ~~فإنه قال لي: امشي خلفي حتى لا تصف الريح بدنك. قال شعيب عند ذلك: { ~~إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين }. قال ~~أكثر المفسرين: إنه زوجه الصغيرة منهما، وهي التي ذهبت لطلب موسى واسمها ~~صفورة. قوله: { أن أنكحك إحدى } روي عن أبي عمرو " أنكحك ~~حدى " بحذف همزة " إحدى " ، وهذه تشبه قراءة ابن محيصن " فجاءته ~~حداهما " ، وتقدم التشديد في نون " هاتين " في سورة النساء. # قوله { على أن تأجرني } في محل نصب على الحال، إما من الفاعل ~~أو من المفعول، أي: مشروطا على أو عليك ذلك. و " تأجرني " مضارع ~~أجرته، كنت له أجيرا، ومفعوله الثاني محذوف، أي: وتأجرني نفسك، ~~و " ثماني حجج " ظرف له. ونقل أبو حيان عن الزمخشري أنها هي ~~المفعول الثاني. قال شهاب الدين: الزمخشري لم يجعلها مفعولا ثانيا على ~~هذا الوجه، وإنما جعلها مفعولا ثانيا على وجه آخر، وأما على هذا ~~الوجه فلم يجعلها غير ظرف، وهذا نصه ليتبين لك، قال: " تأجرني " ، ~~من أجرته إذا كنت له أجيرا، كقولك: أبوته إذا كنت له أبا، و " ~~ثماني حجج " ظفر، أو من أجرته إذا أثبته، ومنه تعزية رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " آجركم الله ورحمكم " # و " ثماني حجج " مفعول به، ومعناه رعية ثماني ms6867 حجج. فنقل الشيخ عنه ~~الوجه الأول من المعنيين المذكورين في " تأجرني " فقط، وحكى عنه أنه ~~أعرب " ثماني حجج " مفعولا به، وكيف يستقيم ذلك أو يتجه؟ وانظر إلى ~~الزمخشري كيف قدر مضافا ليصح المعنى به، أي: رعي ثماني حجج، ~~لأن العمل هو الذي تقع به الإثابة لا نفس الزمان، فكيف يوجه الإجارة على ~~الزمان؟ # (قوله) " فمن عندك " يجوز أن يكون في محل رفع خبرا لمبتدأ محذوف ~~تقديره: فهي من عندك، أو نصب أي: فقد زدتها أو تفضلت بها من عندك. # فصل # معنى الآية: أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تكون أجيرا ~~لي ثمان سنين قال الفراء: أي تجعل ثوابي من تزويجها أن ترعى غنمي ثماني ~~حجج، تقول العرب: أجرك الله بأجرك، أي: أثابك والحجج: ~~السنون، واحدها حجة. # { فإن أتممت عشرا } أي: عشر سنين " فمن عندك " أي: ذلك ~~تفضل منك وتبرع ليس بواجب عليك. واعلم أن هذا اللفظ - وإن كان على ~~الترديد - فلا شبهة أنه عند التزويج عين، ولا شبهة في أن العقد وقع على ~~أقل الأجلين، والزيادة كالتبرع. ودلت الآيية على أن العمل قد يكون ~~مهرا كالمال، وعلى أن إلحاق الزيادة بالثمن والمثمن جائز، ولكنه شرع ~~من قبلنا، ودلت أيضا على أنه يجوز أن يشرط الولي، وعلى أن عقد ~~النكاح لا تفسده الشروط التي لا يوجبها العقد. (واستدل بعض الحنفية بهذه ~~الآية على صحة بيع أحد هذين العبدين، أو الثوبين، وفيه نظر، لأنها مراضاة ~~لا معاقدة. ودلت الآية أيضا على صحة الإجارة بالطعمة والكسوة، كما جرت ~~به العادة، ويؤيده قوله عليه السلام: # " إن موسى أجر نفسه ثماني سنين أو عشرة على عفة فرجه ~~وطعام بطنه " # وهو مذهب الحنابلة قاله ابن كثير. # فصل # قال النووي: الإجارة بكسر الهمزة هو المشهور، وحكى الرافعي أن الجياني ~~حكى في الشامل أيضا ضم الهمزة، قال أهل اللغة: وأصل الأجر الثواب، يقال: ~~أجرت فلانا عن عمله كذا أي: أثبته، والله يأجر العبد أي؛ يثيبه، ~~والمستأجر يثيب المأجور عوضا عن بذل المنافع. قال الواحدي: قال المبرد: ms6868 ~~يقال أجرت داري ومملوكي غير ممدود، وآجرت ممدود قال المبرد: والأول ~~أكثر). # قوله: { ومآ أريد أن أشق عليك } أي؛ ألزمك تمام العشر. ~~وأن أشق، مفعول " أريد " وحقيقة قولهم: شق عليه أي: شق ظنه ~~نصفين فتارة يقول أطيق، وتارة لا أطيق، وهو من أحسن مجاز. # قوله { ستجدني إن شاء الله من الصالحين } قال عمر: أي ~~في حسن الصحبة والوفاء ولين الجانب. وقيل: أراد الصلاح على العموم، وإنما ~~قال { إن شاء الله } للاتكال على توفيقه ومعونته، فإن قيل: كيف ~~ينعقد العقد بهذا الشرط، ولو قلت أنت طالق إن شاء الله لا ~~تطلق؟ فالجواب: هذا ما يختلف بالشرائع. # قوله: " ذلك " مبتدأ، والإشارة به إلى ما تعاقدا عليه، والظرف خبره، ~~وأضيفت " بين " لمفرد لتكررها عطفا بالواو، فإن قلت: المال بين ~~زيد فعمرو لم يجز، وأما قوله: # 3989 - بين الدخول فحومل # فكان الأصمعي يأباها، ويوري " وحومل " بالواو، والصحيح بالفاء، وأول ~~البيت على أن الدخول وحومل مكانان كل منهما مشتمل على أماكن، نحو ~~قولك: داري بين مصر، لأنه يريد به المكان الجامع، والأصل ذلك بيننا ففرق ~~بالعطف. # قوله: " أيما الأجلين " أي شرطية وجوابها " فلا عدوان ~~علي ". وفي " ما " هذه قولان: # أشهرهما: أنها زائدة، كزيادتها في أخواتها من أدوات الشرط. # والثاني: أنها نكرة، و " الأجلين " بدل منها. # وقرأ الحسن وأبو عمرو في رواية " أيما " بتخفيف الياء كقوله: # 3990 - تنظرت نسرا والسماكين أيهما # علي من الغيث استهلت مواطره # وقرأ عبد الله { أي الأجلين ما قضيت } بإقحام " ما " بين " ~~الأجلين " و " قضيت ". # قال الزمخشري: فإن قلت: ما الفرق بين موقع زيادة " ما " في القراءتين؟ ~~قلت: وقعت في المستفيضة مؤكدة لإبهام، " أي " زيادة في شياعها، وفي ~~الشاذة تأكيدا للقضاء كأنه قال: أي الأجلين صممت على قضائه ~~وجردت عزيمتي له. # وقرأ أبو حيوة وابن قطيب " عدوان ". قال الزمخشري: فإن قلت: تصور ~~العدوان إنما هو في أحد الأجلين الذي هو أقصرهما، وهو المطالب بتتمة ~~العشر، فما معنى تعلق العدوان بهما جميعا؟ قلت: معناه: كما أني إن طولبت ~~بالزيادة على العشر (كان عدوانا) ms6869 لا شك فيه، فكذلك إن طولبت بالزيادة ~~على الثماني، أراد بذلك تقرير أمر الخيار، وأنه ثابت مستقر، وأن ~~الأجلين على السواء إما هذا وإما هذا، ويكون اختيار الأقل والزائد ~~موكولا إلى رأيه من غير أن يكون لأحدهما عليه إجبار. ثم قال: وقيل: ~~معناه فلا أكون متعديا، وهو في نفي العدوان عن نفسه كقولك: لا إثم ~~علي ولا تبعة. # قال أبو حيان: وجوابه الأول فيه تكثير. قال شهاب الدين: كأنه أعجبه ~~الثاني. والثاني لم يرتضه الزمخشري، لأنه ليس جوابا في الحقيقة، فإن ~~السؤال باق أيضا، ولذلك نقله عن غيره، وقال المبرد: وقد علم أنه لا ~~عدوان عليه في أيهما، ولكن جمعهما ليجعل الأول كالأتم في الوفاء. # فصل # قال المفسرون: المعنى " أي الأجلين قضيت " أتممت وفرغت منه ~~الثماني أو العشر، { فلا عدوان علي } لا ظلم علي بأن أطالب ~~بأكثر { والله على ما نقول وكيل } قال مقاتل: شهيد فيما ~~بيني وبينك، وقيل: حفيظ، ولما استعمل الوكيل بمعنى الشاهد عدي ب ~~(على) قال سعيد بن جبير: سألني يهودي من أهل الحيرة: أي الأجلين ~~قضى موسى؟ قلت: لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فأسأله، فقدمت ~~فسألت ابن عباس فقال: قضى أكثرها وأطيبهما، إن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا قال فعل. # وروي عن أبي ذر مرفوعا # " إذا سئلت أي الأجلين قضى موسى؟ فقل خيرهما وأبرهما، ~~وإذا سئلت أي المرأتين تزوج موسى؟ فقل الصغرى منهما، وهي التي جاءت ~~فقالت: { يأبت استأجره } فتزوج صغراهما، وقضى أوفاهما " # وقال وهب: أنكحه الكبرى. ولما تعاقد العقد بينهما أمر شعيب ابنته ~~أن تعطي موسى عصا يدفع بها السباع عن غنمه، واختلفوا في تلك العصا. # فقال عكرمة: عرج بها آدم من الجنة، فأخذها جبريل بعد موت آدم، فكانت معه ~~حتى لقي بها موسى ليلا، فدفعها إليه، قيل: كانت من آس الجنة حملها آدم ~~من الجنة، فتوراثتها الأنبياء، وكان لا يأخذها غير نبي، فصارت من آدم إلى ~~نوح، ثم إلى إبراهيم حتى وصلت إلى شعيب، فكانت عصا الأنبياء عنده فأعطاها ~~موسى، ms6870 وقال السدي: كانت تلك العصا استودعها إياه ملك في صورة رجل فأمر ~~ابنته أن تأتيه بعصا، فدخلت فأخذت العصا فأتته بها، فلما رآها شعيب قال ~~لها: ردي هذه العصا، وأتيه بغيرها، فدخلت وألقتها، وأرادت أن تأخذ ~~غيرها، فلا تقع في يدها إلا هي، حتى فعلت ذلك ثلاث مرات، فأعطاها موسى، ~~وأخرجها موسى معه، ثم إن الشيخ ندم وقال: كانت وديعة فذهب في أثره فطلب ~~أن يرد العصا، فأبى موسى أن يعطيه وقال: # هي عصاي # [طه: 18]، فرضي أن يجعلا بينهما أول رجل يلقاهما، فلقيهما ملك في صورة ~~رجل، فحكم أن تطرح العصا فمن حملها فهي له فطرح موسى العصا فعالجها الشيخ ~~ليأخذها، فلم يطقها، فأخذها موسى بيده، فرعفها فتركها له الشيخ ثم إن ~~موسى لم أتم الأجل وسلم شعيب ابنته إليه، قال مجاهد: لما قضى موسى الأجل ~~مكث بعد ذلك (عند صهره عشرا) أخرى فأقام عنده عشرين سنة، ثم استأذنه في ~~العود إلى مصر، فأذن له فخرج بأهله إلى جانب الطور. ### || [28.29-32] # " آنس " أي: أبصر " { من جانب الطور نارا } وكان في البرية في ~~ليلة مظلمة شديدة البرد وأخذ امرأته الطلق، فقال { لأهله ~~امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها ~~بخبر } عن الطريق لأنه اكن قد أخطأ الطريق. # قوله " أو جذوة " قرأ حمزة بضم الجيم، وعاصم بالفتح، والباقون ~~بالكسر وهي لغات في العود الذي في رأسه نار، هذا هو المشهور، قال ~~السلمي: # 3991 - حما حب هذي النار حب خليلتي # وحب الغواني فهو دون الحباحب # وبدلت بعد المسك والبان شقوة # دخان الجذا في رأس أشمط شاحب # وقيده بعضهم فقال: في رأسه نار من غير لهب. قال ابن مقبل: # 3992 - باتت حواطب ليلى يلتمسن لها # جزال الجذا غير خوار ولا دعر # الخوار الذي يتقصف، والدعر الذي فيه لهب. وقد ورد ما يقتضي وجود ~~اللهب فيه، قال الشاعر: # 3993 - وألقى على قبس من النار جذوة # شديدا عليها حرها والتهابها # وقيل: الجذوة: العود الغليظ سواء كان في رأسه نار أو لم يكن، وليس ~~المراد هنا إلا ms6871 ما يكون في رأسه نار. # قوله " من النار " صفة ل " جذوة " ولا يجوز تعلقها ب " ~~آتيكم " ، كما تعلق بها " منها " ، لأن هذه النار ليست النار ~~المذكورة، والعرب إذا تقدمت نكرة وأرادت إعادتها أعادتها مضمرة أو ~~معرفة بأل العهدية، وقد جمع الأمران هنا. " لعلكم ~~تصطلون " تستدفئون. # قوله " من شاطىء " " من " لابتداء الغاية، و " الأيمن " صفة ~~للشاطىء أو للوادي، والأيمن من اليمن، وهو البركة، أو من ~~اليمين المعادل لليسار من العضوين، ومعناه على هذا بالنسبة إلى موسى، أي: ~~الذي على يمينك دون يسارك، والشاطىء ضفة الوادي والنهر أي: حافته ~~وطرفه، وكذلك الشط والسيف والساحل كلها بمعنى، وجمع الشاطىء " ~~أشطاء " قاله الراغب، وشاطأت فلانا: ماشيته على الشاطىء. # قوله: " في البقعة " متعلق (ب " نودي " أي) بمحذوف على أنه حال ~~من الشاطىء، وقرأ العامة بضم الباء، وهي اللغة الغالبة، وقرأ مسلمة ~~والأشهب العقيلي بفتحها وهي لغة حكاها أبو زيد قال: سمعتهم يقولون: هذه ~~بقعة طيبة، (ووصف البقعة بكونها مباركة لأنه حصل فيها ابتداء الرسالة، ~~وتكليم الله تعالى إياه). # قوله: " من الشجرة " هذا بدل من " شاطىء " بإعادة العامل، وهو ~~بدل اشتمال، لأن الشجرة كانت ثابتة على الشاطىء كقوله: # لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا ~~من فضة # [الزخرف: 33]. # قوله: { أن يموسى } هي المفسرة، وجوز فيها أن تكون في المخففة، ~~واسمها ضمير الشأن، وجملة النداء مفسرة له، وفيه بعد. # قوله { إني أنا الله } العامة على الكسر على إضمار القول، أو ~~على تضمين النداء معناه، وقرىء بالفتح، وفيه إشكال، لأنه إن جعلت " ~~أن " تفسيرية، وجب كسر " إني " للاستئناف المفسر للنداء بماذا كان، ~~وإن جعلتها مخففة لزم تقدير " أني " بمصدر، والمصدر مفرد، وضمير الشأن ~~لا يفسر بمفرد، والذي ينبغي أن تخرج عليه هذه القراءة أن تكون " أن ~~" تفسيرية و " أني " معمولة لفعل مضمر تقديره أن يا موسى اعلم ~~أني أنا الله، واعلم أنه تعالى قال في سورة النمل # نودي أن بورك من في النار ومن حولها # [النمل: 8] وقال ها هنا: نودي أني أنا الله رب العالمين، وقال ~~في سورة طه ms6872 # نودي يموسى إني أنا ربك # [طه: 11-12]، ولا منافاة بين هذه الأشياء، فهو تعالى ذكر الكل إلا أنه ~~تعالى حكى في كل سورة بعض ما اشتمل عليه بعض ذلك النداء. # قوله: { وأن ألق عصاك } تقدم الكلام على ذلك. # وقوله: { اسلك يدك في جيبك تخرج بيضآء من غير ~~سوء } فقد عبر عن هذا المعنى بثلاث عبارات: إحداها هذه، وثانيها # واضمم يدك إلى جناحك # [طه: 22]، وثالثها # وأدخل يدك في جيبك # [النمل: 12] قوله " من الرهب " متعلق بأحد أربعة أشياء، إما ب " ~~ولى " ، وإما ب " مدبرا " ، وإما ب " اضمم " ، ويظهر هذا ~~الثالث إذا فسرنا الرهب بالكم، وإما بمحذوف أي: تسكن من الرهب ~~وقرأ حفص بفتح الراء وإسكان الهاء. والأخوان وابن عامر وأبو بكر بالضم ~~والإسكان، والباقون بفتحتين، والحسن وعيسى والجحدري وقتادة بضمتين وكلها ~~لغات بمعنى الخوف وقيل هو بفتحتين الكم بلغة حمير وحنيفة، قال ~~الزمخشري " هو من بدع التفاسير " قال: وليت شعري كيف صحته في اللغة، ~~وهل سمع من الثقات الأثبات التي ترتضى عربيتهم، أم ليت شعري كيف ~~موقعه في الآية، وكيف تطبيقه المفضل كسائر كلمات التنزيل، على أن موسى ~~صلوات الله عليه ليلة المناجاة ما كان عليه إلا زرمانقة من صوف ~~لا كم لها. # الزرمانقة: المدرعة. قال أبو حيان: هذا مروي عن الأصمعي، وهو ثقة، ~~سمعتهم يقولون أعطني ما في رهبك أي كمك، وأما قوله: كيف موقعه؟ ~~فقالوا: معناه: أخرج يدك من كمك. # قال شهاب الدين: كيف يستقيم هذا التفسير، يفسرون " اضمم " بمعنى ~~أخرج. # وقال الزمخشري: فإن قلت: قد جعل الجناح وهو اليد في أحد الموضعين ~~مضموما، وفي الآخر مضموما إليه، وذلك قوله: { واضمم إليك ~~جناحك } وقوله # واضمم يدك إلى جناحك # [طه: 22] فما التوفيق بينهما؟ قلت: المراد بالجناح المضموم: هو اليد ~~اليمنى، وبالجناح المضموم إليه هو اليد اليسرى، وكل واحدة من يمنى اليدين ~~ويسراهما جناح. # فصل # قال الزمخشري: في { واضمم إليك جناحك من الرهب } ~~معنيان: # أحدهما: أن موسى عليه السلام لما قلب الله له العصا حية فزع ~~واضطرب واتقاها بيده كما يفعل الخائف ms6873 من الشيء، فقيل له: إن اتقاءك ~~بيدك فيه غضاضة عند الأعداء فإذا ألقيتها وقد انقلبت حية فأدخل يدك مكان ~~اتقائك بها، ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران: اجتناب ما منه غضاضة عليك، ~~وإظهار معجزة أخرى، والمراد بالجناح اليد، لأن يد الإنسان بمنزلة جناح ~~الطائر، وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضد اليسرى، فقد ضم جناحه إليه. # (الثاني: أن يراد بضم جناح ة تجلده وضبطه نفسه وتشدده عند انقلاب العصا ~~حية حتى لا يضطرب) ولا يرهب، استعارة من فعل الطائر لأنه إذا خاف ~~نشر جناحية وأرخاهما، وإلا فجناحاه منضمان إليه مستمران ومعنى قوله " ~~من الرهب " أي: من أجل الرهب إذا أصابك الرهب عند رؤية الحية فاضمم ~~إليك جناحك (ومعنى { واضمم إليك جناحك من الرهب } ) ~~وقوله " اسلك يدك " على أحد التفسيرين واحد، وإنما خولف بين ~~العبارتين وكرر المعنى لاختلاف الغرضين، وذلك أن الغرض في أحدهما ~~خروج اليد بيضاء، وفي الثاني إخفاء الرهب. قال البغوي: المعنى إذا هالك ~~أمر يدك وما ترى من شعاعها، فأدخلها في جيبك تعد إلى حالتها الأولى، ~~والجناح اليد كلها وقيل: العضد. وقال عطاء عن ابن عباس: أمره الله (أن ~~يضم) يده إلى صدره فيذهب عنه ما ناله من الخوف عند معاينة الحية. ~~وقال: ما من خائف بعد موسى إلا إذا وضع يده على صدره زال خوفه. # وقال مجاهد: كل من فزع فضم جناحه إليه ذهب عنه الفزع، وقيل: المراد من ~~ضم الجناح السكون، أي: سكن روعك واحفظ عليك جأشك، لأن من شأن الخائف أن ~~يضطرب عليه قلبه وترتعد يداه، ومثله قوله: # واخفض لهما جناح الذل # [الإسراء: 24] يريد: المرفق، وقوله: # واخفض جناحك لمن اتبعك # [الشعراء: 215] أي: أرفق بهم وألن جانبك لهم، وقال الفراء: أراد ~~بالجناح العصا، معناه: واضمم إليك عصاك. # قوله: " فذانك " تقدم قراءة التخفيف والتثقيل في النساء، وقرأ ابن ~~مسعود وعيسى وشبل وأبو نوفل بياء بعد نون مكسورة، وهي لغة هذيل، وقيل ~~تميم، وروى شبل عن كثير بياء بعد نون مفتوحة، وهذا على لغة من يفتح نون ~~التثنية، كقوله: # 3994 ms6874 - على أحوذيين استقلت عشية # فما هي إلا لمحة وتغيب # والياء بدل من إحدى النونين (كتظنيت). # وقرأ عبد الله بتشديد النون وياء بعدها، ونسبت لهذيل. قال المهدوي: بل ~~لغتهم تخفيفها، وكأن الكسرة هنا إشباع كقراءة هشام { أفئيدة من ~~الناس } [إبراهيم: 37]. و " ذانك " إشارة إلى العصا واليد، وهما ~~مؤنثتان، وإنما ذكر ما أشير به إليهما لتذكير خبرهما وهو " برهانان ~~" ، كما أنه قد يؤنث لتأنيث خبره كقراءة { ثم لم تكن فتنتهم ~~إلا أن قالوا } [الأنعام: 23] فيمن أنث ونصب " فتنتهم " ~~وكذا قوله: # 3995 - وقد خاب من كانت سريرته الغدر # وتقدم إيضاح هذا في الأنعام. والبرهان تقدم اشتقاقه، وهو الحجة، وقال ~~الزمخشري هنا: فإنت قلت: لم سميت الحجة برهانا؟ قلت: لبياضها ~~وإنارتها من قولهم (للمرأة البيضاء) برهرهة، بتكرير العين واللام، ~~والدليل على زيادة النون قولهم أبره الرجل إذا جاء بالبرهان، ونظيره ~~تسميتهم إياها سلطانا من السليط وهو الزيت لإنارتها. # قوله " إلى فرعون " متعلق بمحذوف، فقدره أبو البقاء مرسلا إلى ~~فرعون، وغيره: اذهب إلى فرعون، وهذا المقدر ينبغي أن يكون حالا من " ~~برهانان " أي: مرسلا بهما إلى فرعون، والعامل في هذه الحال ما في ~~اسم الإشارة. ### || [28.33-37] # قوله: { قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن ~~يقتلون } اعلم أنه تعالى لما قال: # فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه ~~إنهم كانوا قوما فاسقين # [القصص: 32] تضمن ذلك أن يذهب موسى بهذين البرهانين إلى فرعون وقومه، ~~فعند ذلك طلب من يقوي قلبه فقال: { رب إني قتلت منهم ~~نفسا فأخاف أن يقتلون وأخي هارون هو أفصح ~~مني لسانا } ، لأنه كان في لسانه حبسة إما في أصل الخلقة وإما لأنه ~~وضع الجمرة في فيه عندما (نتف لحية) فرعون. # قوله " هو أفصح " الفصاحة لغة الخلوص، ومنه: فصح وأفصح ~~فهو مفصح وفصيح، أي: خلص من الرغوة، ومنه قولهم: # 3996 - وتحت الرغوة اللبن الفصيح # ومنه: فصح الرجل جادت لغته، وأفصح: تكلم بالعربية، وقيل: ~~بالعكس، وقيل: الفصيح، الذي ينطق، والأعجم: الذي لا ينطق، ومن هذا استعير ~~أفصح الصبح، أي: بدا ضوؤه، وأفصح النصراني: دنا ms6875 فصحه بكسر ~~الفاء، وهو عيد لهم. # وأما في اصطلاح أهل البيان، فهو خلوص الكلمة من تنافر الحروف، كقوله: ~~ترعى الهعخع، ومن الغرابة كقوله: # 3997 - ومرسنا مسرجا # ومن مخالفة القياس اللغوي كقوله: # 3998 - العلي الأجلل # وخلوص الكلام منن ضعف التأليف كقوله: # 3999 - جزى ربه عني عدي بن حاتم # ومن تنافر الكلمات كقوله: # 4000 - وقبر حرب بمكان قفر # وليس قرب قبر حرب قبر # ومن التعقيد وهو إما إخلال نظم الكلام فلا يدرى كيف يتوصل إلى معناه، ~~كقوله: # 4001 - وما مثله في الناس إلا مملكا # أبو أمه حي أبوه يقاربه # وإما عدم انتقال الذهب من المعنى الأول إلى المعنى الثاني الذي هو لازمه ~~والمراد به ظاهرا كقوله: # 4002 - سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا # وتسكب عيناي الدموع لتجمدا # وخلوص (المتكلم من) النطق بجميع ذلك، فصارت الفصاحة يوصف بها ثلاثة ~~أشياء: الكلمة والكلام والمتكلم، بخلاف البلاغة فإنه لا يوصف بها إلا ~~الأخيران، وهذا ليس (موضع) إيضاحه وإنما ذكرناه تنبيها على أصله، ~~ولسانا: تمييز. # قوله " ردءا " (منصوب) على الحال، والردء: العون وهو فعل ~~بمعنى مفعول كالدفء بمعنى المدفوء به، وردأته على عدوه أي: ~~أعنته عليه، وردأت الحائط: دعمته بخشبة لئلا يسقط، وقال ~~النحاس: يقال: ردأته وأردأته، وقال سلامة بن جندل: # 4003 - وردئي كل أبيض مشرفي # شحيذ الحد أبيض ذي فلول # وقال آخر: # 4004 - ألم تر أن أصرم كان ردئي # وخير الناس في قل ومال # وقرأ نافع بغير همزة " ردا " بالنقل، وأبو جعفر كذلك إلا أنه لم ~~ينونه، كأنه أجرى الوصل مجرى الوقف، ونافع ليس من قاعدته النقل في ~~كلمة إلا هنا، وقيل: ليس نقل وإنما هو من أردى على كذا، أي: زاد، ~~قال: # 4005 - وأسمر خطيا كأن كعوبه # نوى القسب قد أردى ذراعا على العشر # أي: زاد، وأنشده الجوهري (قد أربى)، وهو بمعناه. # قوله: " يصدقني " قرأ حمزة وعاصم بالرفع على الاستئناف أو الصفة ~~ل " ردءا " أو الحال من (هاء) " أرسله " ، أو من الضمير في " ~~ردءا " ، أي: مصدقا، والباقون بالجزم جوابا للأمر، وزيد بن علي ~~وأبي " يصدقوني ms6876 " ، أي: فرعون وملأه، قال ابن خالويه: هذا شاهد ~~لمن جزم، لأنه لو كان رفعا، لقال: " يصدقونني ". يعني بنونين، ~~وهذا سهو من ابن خالويه، لأنه متى اجتمعت نون الرفع مع نون الوقاية جازت ~~أوجه: أحدها: الحذف، فهذا يجوز أن يكون مرفوعا، وحذفت نونه، فمن رفع ~~القاف فالتقدير ردءا يصدقني، ومن جزم كان على معنى الجزاء، يعني: إن ~~أرسلته صدقني، ونظيره: # فهب لي من لدنك وليا يرثني # [مريم: 5-6]، وروى السدي عن بعض شيوخه: " ردءا كيما يصدقني ~~". # والتصديق لهارون في قول الجميع، وقال مقاتل: لكي يصدقني فرعون { ~~إني أخاف أن يكذبون } يعني فرعون وقومه، وقال ابن الخطيب: ~~ليس الغرض بتصديق هارون أن يقول له صدقت أو يقول الناس: صدق موسى، ~~وإنما هو أن يخلص بلسانه الفصيح وجوه الدلائل ويجيب عن الشبهات ويجادل ~~به الكفار فهذا هو التصديق المفيد ألا ترى إلى قوله { وأخي هارون ~~هو أفصح مني لسانا فأرسله } ، وفائدة الفصاحة إنما ~~تظهر فيما ذكرناه لا مجرد قوله: " صدقت ". # فصل # قال السدي: إن نبيين وآيتين أقوى من نبي واحد وآية واحدة ~~قال القاضي: والذي قاله من جهة العادة أقوى، فأما من حيث الدلالة فلا ~~فرق بين معجز ومعجزين. # قوله " عضدك " العامة على فتح العين وضم الضاد، والحسن وزيد بن علي ~~(بضمهما) وعن الحسن بضمة وسكون، وعيسى بفتحهما، وبعضهم بفتح العين وكسر ~~الضاد، وفيه لغة سادسة فتح العين وسكون الضاد، وهذا كناية عن التقوية له ~~بأخيه وكان هارون يومئذ بمصر. # قوله { ونجعل لكما سلطانا } أي: حجة وبرهانا { فلا ~~يصلون إليكما }. فإن قيل: بين تعالى أن السلطان هو بالآيات ~~فكيف لا يصلون إليهما لأجل الآيات، أو ليس فرعون قد وصل إلى صلب السحرة؟ ~~فإن كانت هذه الآيات ظاهرة فالجواب: أن الآية التي هي قلب العصا حية ~~كما أنها معجزة فهي أيضا تمنع من وصول ضرر فرعون إلى موسى وهارون، لأنهم ~~علموا أنه متى ألقاها صارت حية عظيمة، وإن أراد إرسالها عليهم أهلكتهم ~~زجرهم ذلك عن الإقدام عليها، فصارت مانعة من الوصول إليهما بالقتل وغيره ms6877 ~~وصارت آية ومعجزة وجمعت بين الأمرين، وأما صلب السحرة ففيه خلاف، فقيل: ~~إنهم ما صلبوا، وليس في القرآن ما يدل على ذلك، وإن سلم فوصول الضرر ~~لغيرهما لا يقدح في عدم الوصول إليهما. # قوله: " بآياتنا " يجوز فيه أوجه أن يتعلق ب " نجعل " أو ب " ~~يصلون " أو بمحذوف أي: اذهبا، أو على البيان فيتعلق بمحذوف أيضا، أو ~~ب " الغالبون " على أن (أل) ليس موصولة أو موصولة، واتسع فيه ما ~~لا يتسع في غيره، أو قسم وجوابه متقدم، وهو " فلا يصلون " ، أو من ~~لغو القسم، قالهما الزمخشري، ورد عليه أبو حيان بأن جواب القسم لا تدخله ~~الفاء عند الجمهور. ويريد: بلغو القسم أن جوابه محذوف أي: وحق آياتنا ~~لتغلبن، ثم قال: { أنتما ومن اتبعكما الغالبون } ~~أي: لكما ولأتباعكما الغلبة. # قوله: { فلما جآءهم موسى بآياتنا بينات } واضحات ~~وقد تقدم كيفية إطلاق لفظ الآيات - وهو جمع - على العصا واليد في سورة ~~طه. { قالوا ما هذآ إلا سحر مفترى } مختلق، ثم ضموا ~~إليه ما يدل على جهلهم، وهو قولهم { وما سمعنا بهذا في ~~آبآئنا الأولين } أي: ما حدثنا بهذا الذي تدعونا إليه. # قوله: " وقال موسى " هذه قراءة العامة بإثبات واو العطف، وابن كثير ~~حذفها. وكل وافق مصحفه، فإنها ثابتة في المصاحف غير مصحف مكة؛ وإثباتها ~~وحذفها واضحان، وهو الذي يسميه أهل البيان: الوصل والفصل. قوله { ~~ربي أعلم بمن جآء بالهدى من عنده } بالمحق من ~~المبطل. # قوله: " ومن تكون " قرأ العامة " تكون " بالتأنيث، و " له " ~~خبرها، و " عاقبة " اسمها، ويجوز أن يكون اسمها ضمير القصة، والتأنيث ~~لأجل ذلك. # و { له عاقبة الدار } جملة في موضع الخبر، وقرىء بالياء من تحت ~~على أن تكون " عاقبة " اسمها، والتذكير للفصل، ولأنه تأنيث مجازي، ~~ويجوز أن يكون اسمها ضمير الشأن، والجملة خبر كما تقدم، ويجوز أن تكون ~~تامة وفيها ضمير يرجع إلى " من " والجملة في موضع الحال، ويجوز أن تكون ~~ناقصة واسمها ضمير " من " والجملة خبرها، والمعنى: " من يكون له ~~عاقبة الدار " أي: العاقبة المحمودة في الدار الآخرة لقوله تعالى: ms6878 # أولئك لهم عقبى الدار جنات عدن # [الرعد: 22-23]، والمراد من الدار: الدنيا. وعاقبتها وعقباها أن ~~يختم للعبد بالرحمة والرضوان، { إنه لا يفلح الظالمون } ~~، أي: الكافرون. ### || [28.38-43] # قوله: { وقال فرعون يأيها الملأ ما علمت لكم ~~من إله غيري } فتضمن كلامه نفي إلهية غيره وإثبات إلهية ~~نفسه، { فأوقد لي يهامان على الطين } فاطبخ لي الآجر، ~~قيل: إنه أول من اتخذ الآجر وبنى به، { فاجعل لي صرحا } ~~أي: قصرا عاليا. وقيل: منارة، واختلفوا في ذلك فقيل: إنه بناه حتى ~~بلغ ما لم يبلغه بنيان أحد من الخلق، وإنه صعد ورمى بسهم وأن ~~السهم عاد إليه ملطخا بدم، وبعث الله جبريل عليه السلام فضربه بجناحة ~~فقطعه ثلاث قطع، وقيل: إنه لم يبن الصرح لأنه يبعد في العقل أنهم بصعود ~~الصرح يقربون من السماء مع علمهم بأن من علا أعلى الجبال الشاهقة ~~يرى السماء كما كان يراها وهو في قرار الأرض، ومن شك في ذلك خرج عن حد ~~العقل، وهذا القول في أنه رمى السهم إلى السماء وأن من حاول ذلك كان من ~~الخائبين، ولا يليق بالعقل، وإنما قال ذلك على سبيل التهكم. # قوله: { لعلي أطلع إلى إله موسى } أنظر إليه. ~~والطلوع والاطلاع واحد، يقال طلع الجبل واطلع واحد، " ~~وإني لأظنه " يعني موسى " من الكاذبين " في زعمه أن للأرض ~~والخلق إلها غيري وأنه رسوله. { واستكبر هو وجنوده في ~~الأرض بغير الحق } واعلم أن الاستكبار بالحق إنما هو لله ~~تعالى، وهو المتكبر في الحقيقة، قال عليه السلام فيما حكاه عن ربه # " الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني ~~واحدا منهما ألقيته في النار " # وكل مستكبر سواه فاستكباره بغير الحق. # قوله: " بغير الحق " حال، أي: استكبروا متلبسين بغير الحق، { ~~وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون } قرأ نافع والأخوان ~~ويعقوب " يرجعون " مبنيا للفاعل، والباقون للمفعول. # قوله: { فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم } وهذا ~~من الكلام المفحم الذي يدل على عظمة شأنه وكبرياء سلطانه، شبههم - ~~استحقارا لهم واستقلالا لعددهم - وإن كانوا الجم الغفير - كحصيات أخذهن ~~آخذ في كفه وطرحهن في البحر، ونحو ms6879 ذلك قوله # وجعلنا فيها رواسي شامخات # [المرسلات: 27] # وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة # [الحاقة: 14] # وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا ~~قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات ~~بيمينه # [الزمر: 67]. وليس الغرض منها إلا تصوير أن كل مقدور وإن عظم فهو ~~حقير بالنسبة إلى قدرته { فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ~~}. قوله: " وجعلناهم " أي: صيرناهم وقال الزمخشري: دعوناهم، ~~كأنه فر من نسبة ذلك إلى الله تعالى، أعني: التصيير لأنه لا يوافق مذهبه، ~~ويدعون صفة ل " أئمة " وقال الجبائي: وجعلناهم: أي بينا ذلك من ~~حالهم وسميناهم به، ومنه قوله: # وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا # [الزخرف: 19]. وقال أبو مسلم: معنى الإمامة التقدم، فلما عجل الله لهم ~~العذاب صاروا متقدمين لمن وراءهم من الكافرين. # ومعنى دعوتهم إلى النار: دعوتهم إلى موجباتها من الكفر والمعاصي، فإن ~~أحدا لا يدعو إلى النار ألبتة، وإنما جعلهم الله أئمة في هذا الباب، ~~لأنهم بلغوا في هذا الباب إلى أقصى النهايات ومن كان كذلك استحق أن يكون ~~إماما يقتدى به في ذلك الباب. # قوله: { ويوم القيامة لا ينصرون } لا يمنعون من العذاب، ~~كما تنصر الأئمة الدعاة إلى الجنة، { وأتبعناهم في هذه ~~الدنيا لعنة } خزيا وعذابا. # قوله: " ويوم القيامة " فيه أوجه: # أحدها: أن تتعلق ب " المقبوحين " على أن (أل) ليست موصولة أو ~~موصولة واتسع فيه، وأن تتعلق بمحذوف يفسره " المقبوحين " ، كأنه ~~قيل: وقبحوا يوم القيامة، نحو: # لعملكم من القالين # [الشعراء: 168]، أو يعطف على موضع " في الدنيا " ، أي: وأتبعناهم ~~لعنة يوم القيامة. أو معطوفة على " لعنة " على حذف مضاف، أي: ولعنة ~~يوم القيامة. # والوجه الثاني أظهرهما, والمقبوح: المطرود قبحه الله: طرده، قال: # 4006 - ألا قبح الله البراجم كلها # وجدع يربوعا وعفر دارما # وسمي ضد الحسن قبحا لأن العين تنبو عنه، فكأنها تطرده، يقال: قبح ~~قباحة، وقيل: " من المقبوحين ": من الموسومين بعلامة منكرة، ~~كزرقة العيون وسواد الوجوه، قاله ابن عباس، يقال: قبحه الله ~~وقبحه، إذا جعله قبيحا، قال الليث: قبحه المرفق، وقال أبو ~~عبيدة: " من المقبوحين " من المهلكين. # قوله: { ولقد آتينا موسى ms6880 الكتاب من بعد مآ ~~أهلكنا القرون الأولى } قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم والمراد ~~بالكتاب: التوراة، بين تعالى أن الذي يجب التمسك به ما جاء به موسى، ~~ووصفه بأنه بصائر للناس من حيث يستبصر به في باب الدين. # قوله: " بصائر " يجوز أن يكون مفعولا له، وأن يكون حالا إما على حذف ~~مضاف أي: ذا بصائر، أو على المبالغة، و " هدى " من حيث يستدل به، ومن ~~حيث أن المتمسك به يفوز بطلبته من الثواب، ووصفه بأنه " رحمة " ، ~~لأنه من نعم الله على من تعبد به. # روى أبو سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " ما أهلك الله قرنا من القرون بعذاب من السماء ولا من الأرض منذ أنزل ~~التوراة غير أهل القرية التي مسخها الله قردة " # وقوله " لعلهم يتذكرون " بما فيه من المواعظ والبصائر. ### || [28.44-47] # قوله: { وما كنت بجانب الغربي } (قال قتادة والسدي: وما ~~كنت بجانب الجبل الغربي) فيكون من حذف الموصوف، وإقامة صفته قيامه أو أن ~~يكون من إضافة الموصوف لصفته، وهو مذهب الكوفيين، ومثله: بقلة ~~الحمقاء، ومسجد الجامع. # قوله: { إذ قضينآ إلى موسى الأمر } أي: عهدنا إليه ~~وأحكمنا الأمر معه بالرسالة إلى فرعون وقومه، والمعنى: وما كنت الحاضر ~~المكان الذي أوحينا فيه إلى موسى ولا كنت من جملة الشاهدين للوحي إليه أو ~~على الوحي إليه وهم نقباؤه الذين اختارهم للميقات. فإن قيل: لما قال: { ~~وما كنت بجانب الغربي } ثبت أنه لم يكن شاهدا، لأن الشاهد ~~لا بد وأن يكون حاضرا فما الفائدة في إعادة قوله: { وما كنت من ~~الشاهدين }. # فالجواب: قال ابن عباس التقدير لم تحضر ذلك الموضع ولو حضرت ما شاهدت ~~تلك الوقائع، فإنه يجوز أن يكون هناك، ولا يشهد ولا يرى. # قوله: { ولكنآ أنشأنا قرونا } وجه الاستدراك أن المعنى: ~~وما كنت شاهدا لموسى وما جرى عليه ولكنا أوحيناه إليك، فذكر ~~سبب الوحي الذي هو إطالة الفترة ودل به على المسبب على عادة الله في ~~اختصاراته، فإن هذا الاستدراك هو شبيه بالاستدراكين بعده، قاله الزمخشري، ~~وهذا ms6881 تنبيه على المعجز، كأنه قال: إن في إخبارك بهذه الأشياء من غير حضور ~~ولا مشاهدة ولا تعلم من أهله دلالة ظاهرة على نبوتك كقوله: # أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى # [طه: 133]. # قوله: { وما كنت ثاويا } أي: مقيما، يقال: ثوى يثوي ~~ثواء وثويا، فهو ثاو ومثوي، قال ذو الرمة. # 4007 - لقد كان في حول ثواء ثويته # تقضي لبانات ويسأم سائم # وقال: # 4008 - طال الثواء على رسول المنزل # وقال العجاج: # 4009 - وبات حيث يدخل الثوي # يعني الضيف المقيم. # قوله: " تتلوا " يجوز أن يكون حالا من الضمير في " ثاويا " ، وأن ~~يكون خبرا ثانيا، وأن يكون هو الخبر، و " ثاويا " حال وجعله الفراء ~~منقطا مما قبله. أي: مستأنفا كأنه قيل: وها أنت تتلو على أمتك، ~~وفيه بعد. # فصل # المعنى: { ولكنآ أنشأنا قرونا } خلقنا أمما من بعد موسى { ~~فتطاول عليهم العمر } أي: طالبت عليهم المهلة، فنسوا عهد ~~الله وتركوا أمره، وذلك أن الله عهد إلى موسى وقومه عهودا في محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - والإيمان به، فلما طال عليهم العمر وخلقت القرون من بعد ~~القرون نسوا تلك العهود وتركوا الوفاء بها، " وما كنت " مقيما { ~~في أهل مدين } كمقام موسى وشعيب فيهم { تتلو عليهم ~~آياتنا } تذكرهم بالوعد والوعيد. # قال مقاتل: يقول لم تشهد أهل مدين فتقرأ على أهل مكة خبرهم { ولكنا ~~كنا مرسلين } في كل زمان رسولا يعني: أرسلناك رسولا، وأنزلنا ~~عليك كتابا فيه هذه الأخبار فتتلوها عليهم ولولا ذلك ما علمتها، ولم ~~تخبرهم بها، { وما كنت بجانب الطور } بناحية الجبل الذي ~~كلم الله عليه موسى " إذ نادينا " أي: نادينا موسى: خذ الكتاب ~~بقوة. # وقال ابن عباس: إذ نادينا أمتك في أصلاب آبائهم: (يا أمة محمد أجبتكم ~~قبل أن تدعوني، وأعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل تستغفروني)، قال: ~~وإنما قال ذلك حين اختار موسى سبعين رجلا لميقات ربه. وقال وهب: لما ذكر ~~الله لموسى فضل أمة محمد قال موسى: يا رب أرني محمدا، قال: إنك لن تصل ~~إلى ذلك، وإن شئت ناديت أمته وأسمعتك ms6882 صوتهم، قال: بلى يا رب، قال الله ~~تعالى: يا أمة محمد، فأجابوه من أصلاب آبائهم. # قوله: { ولكن رحمة من ربك } أي: أرسلناك رحمة، ~~أو أعلمناك بذلك رحمة، أو لكن رحمناك رحمة بإرسالك وبالوحي إليك وإطلاعك ~~على الأخبار الغائبة عنك. # وقرأ عيسى بن عمر وأبو حيوة: " رحمة " بالرفع، أي: أنت رحمة. # قوله: { مآ أتاهم من نذير } في موضع الصفة ل " قوما " ، ~~والمعنى: لتنذر أقواما ما أتاهم من نذير من قبلك، يعني أهل مكة، " ~~لعلهم يتذكرون ". # قوله: { ولولا أن تصيبهم } هي الامتناعية، و (أن) وما في ~~حيزها في موضع رفع بالابتداء، أي: ولولا أصابتهم مصيبة، وجوابها محذوف، ~~فقدره الزجاج: ما أرسلنا إليهم رسلا. يعني أن الحامل على إرسال الرسل ~~إزاحة عللهم بهذا القول، فهو كقوله: # لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل # [النساء: 165]، وقدره ابن عطية: لعاجلناهم، ولا معنى لهذا. " ~~فيقولوا " عطف على " تصيبهم " و " لولا " الثانية تحضيض، و " ~~فنتبع " جوابه، فلذلك نصب بإضمار " أن ". # قال الزمخشري: فإن قلت كيف استقام هذا المعنى وقد جعلت العقوبة هي ~~السبب، لا القول لدخول حرف الامتناع عليه دونه؟ قلت: القول هو المقصود ~~بأن يكون سببا للإرسال، ولكن العقوبة لما كانت هي السبب للقول وكان ~~وجوده بوجودها جعلت العقوبة كأنها سبب للإرسال بواسطة القول، فأدخلت ~~عليها (لولا)، وجيء بالقول معطوفا عليها بالفاء المعطية معنى السبب، ~~ويؤول معناه إلى قولك: ولولا قولهم هذا إذا أصابتهم مصيبة لما أرسلنا، ~~ولكن اختيرت هذه الطريقة لنكتة وهي أنهم لو لم يعاقبوا مثلا على كفرهم ~~عاينوا ما الجئوا به إلى العلم اليقيني ببطلان دينهم لما يقولوا: لولا ~~أرسلت إلينا رسولا. بل إنما يقولون إذا نالهم العقاب، وإنما ~~السبب في قولهم هذا هو العقاب لا غير التأسف على ما فاتهم من الإيمان ~~بخالقهم، وهو كقوله: # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه # [الأنعام: 28]. ### || [28.48-55] # قوله: " فلما جاءهم " يعني محمدا الحق من عندنا قالوا يعني ~~كفار مكة (لولا) هلا " أوتي محمد " مثل ما أوتي موسى من ~~الآيات كاليد البيضاء، والعصا، وفلق البحر، وتظليل ms6883 الغمام، وانفجار الحجر ~~بالماء والمن والسلوى وكلام الله وغيرها. # وقيل: مثل ما أوتي موسى كتابا جملة واحدة. قال الله عز وجل: { ~~أولم يكفروا بمآ أوتي موسى من قبل } ، واختلفوا في ~~الضمير في قوله: أو لم يكفروا، فقيل: إن اليهود أمروا قريشا أن ~~يسألوا محمدا أن يؤتى مثل ما أوتي موسى - عليه السلام - فقال ~~تعالى: " أو لم يكفروا " هؤلاء اليهود { بمآ أوتي موسى } ~~بجميع تلك الآيات الباهرة؟ وقيل: إن الذين اقترحوا هذا هم كفار مكة، ~~والذين كفروا بموسى هم الذين كانوا في زمن موسى إلا أنه تعالى جعله ~~كالشيء الواحد، لأنهم في الكفر والتعنت كالشيء الواحد. وقال الكلبي: إن ~~مشركي مكة بعثوا رهطا إلى يهود المدينة يسألونهم عن محمد وشأنه، فقالوا: ~~إنا نجده في التوراة بنعته وصفته، فلما رجع الرهط وأخبروهم بقول ~~اليهود، وقالوا: إنه كان ساحرا كما أن محمدا ساحر، فقال تعالى في ~~حقهم: { أولم يكفروا بمآ أوتي موسى من قبل }. # وقال الحسن: كان للعرب أصل في أيام موسى - عليه السلام - فمعناه على ~~هذا: أو لم يكفر آباؤهم، وقالوا: موسى وهارون ساحران، وقال قتادة: أو لم ~~يكفر اليهود في عصر محمد بما أوتي موسى من قبل من البشارة بعيسى ومحمد ~~فقالوا ساحران، وقيل: إن كفار قريش كانوا منكرين لجميع النبوات ثم إنهم ~~لما طلبوا من الرسول معجزات موسى - عليه السلام - قال تعالى: { أولم ~~يكفروا بمآ أوتي موسى من قبل } ، بل بما أوتي جميع ~~الأنبياء من قبل، أي: لا غرض لهم من هذا الاقتراح إلا التعنت، ثم حكى ~~كيفية كفرهم بما أوتي موسى، وهو قولهم " ساحران تظاهرا ". # قوله: " من قبل " إما أن يتعلق ب " يكفروا " ، أو ب " ~~أوتي " أي من قبل ظهورك. # قوله: " ساحران " قرأ الكوفيون " سحران " أي هما، أي: القرآن ~~والتوراة، أو موسى وهارون، وذلك على المبالغة، جعلوهما نفس السحر، أو على ~~حذف مضاف، أي: ذوا سحرين، ولو صح هذا لكان ينبغي أن يفرد سحر، ~~ولكنه ثني تنبيها على التنويع، وقيل المراد: موسى ومحمد - عليهما ~~السلام - أو التوراة والإنجيل، والباقون: ms6884 " ساحران " أي: موسى وهارون ~~أو موسى ومحمد كما تقدم. # قوله: " تظاهرا " العامة على تخفيف الظاء فعلا ماضيا صفة ل " ~~سحران " أو " ساحران " أي: تعاونا. # وقرأ الحسن ويحيى بن الحارث الذماري وأبو حيوة واليزيدي بتشديدها، ~~وقد لحنهم الناس، قال ابن خالويه تشديده لحن، لأنه فعل ماض، وإنما ~~يشدد في المضارع، وقال الهذلي: لا معنى له، وقال أبو الفضل: لا أعرف ~~وجهه. وهذا عجيب من هؤلاء، وقد حذفت نون الرفع في مواضع حتى في الفصيح ~~كقوله عليه السلام: # " لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى ~~تحابوا " # ولا فرق بين كونها بعد واو، أو ألف، أو ياء، فهذا أصله تتظاهر أن فأدغم ~~وحذفت نونه تخفيفا، وقرأ الأعمش وطلحة وكذا في مصحف عبد الله " ~~اظاهرا " بهمزة وصل وشد الظاء وأصلها تظاهرا كقراءة العامة، فلما أريد ~~الإدغام سكن الأول فاجتلبت همزة الوصل، واختار أبو عبيدة القراءة ~~بالألف، لأن المظاهر بالناس وأفعالهم أشبه منها بأن المراد الكتابين، لكن ~~لما كان كل واحد من الكتابين يقوي الآخر لم يبعد أن يقال على سبيل المجاز ~~تعاونا، كما يقال: تظاهرت الأخبار. # قوله: { وقالوا إنا بكل كافرون } أي بما أنزل على محمد ~~وموسى وسائر الأنبياء، وهذا الكلام لا يليق إلا بالمشركين إلا باليهود، ~~ثم قال: قل لهم يا محمد: { فأتوا بكتاب من عند الله هو ~~أهدى منهمآ } يعني من التوراة والقرآن، وهو مؤيد لقراءة " ~~سحران " أو من كتابيهما على حذف مضاف، وهو مؤيد لقراءة " ساحران " ~~، " أتبعه " ، وهذا تنبيه على عجزهم عن الإتيان بمثله. # قوله: " أتبعه " جواب للأمر وهو: " فأتوا " ، وقرأ زيد بن علي ~~أتبعه بالرفع استئنافا، أي: فأنا أتبعه. # قوله: { فإن لم يستجيبوا لك } استجاب بمعنى أجاب، قال ابن ~~عباس: يريد فإن لم يؤمنوا بما جئت به من الحجج، وقال مقاتل: فإن لم ~~يمكنهم أن يأتوا بكتاب أفضل منهما، وهذا أشبه بالآية، قال الزمخشري: فإن ~~قلت ما الفرق بين فعل الاستجابة في الآية وبينه في قوله: # 4010 - فلم يستجبه عند ذاك مجيب # حيث عدي بغير لام؟ قلت: هذا الفعل ms6885 يتعدى إلى الدعاء بنفسه وإلى الداعي ~~باللام، ويحذف الدعاء إذا عدي إلى الداعي في الغالب، فيقال: استجاب ~~الله دعاءه أو: استجاب به، ولا يكاد يقال: استجاب له دعاءه، وأما البيت ~~فمعناه: فلم يستجب دعاءه على حذف المضاف. وقد تقدم تقرير هذا في البقرة، ~~وأن استجاب بمعنى أجاب، والبيت الذي أشار إليه هو: # 4011 - وداع دعا يا من يجيب إلى الندا # فلم يستجبه عند ذاك مجيب # والناس ينشدونه على تعديه بنفسه، فإن قيل: الاستجابة تقتضي دعاء، فأين ~~الدعاء هنا؟ قيل: " فأتوا بكتاب " أمر، والأمر دعاء إلى الفعل، ~~وقال: { فاعلم أنما يتبعون أهوآءهم } أي صاروا ~~ملتزمين طريقه، ولم يبق شيء إلا اتباع الهوى، ثم زيف طريقهم بقوله: { ~~ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى } وهذا من أعظم ~~الدلائل على فساد التقليد، وأنه لا بد من الحجة والاستدلال { إن ~~الله لا يهدي القوم الظالمين }. # قوله: { ولقد وصلنا لهم القول } العامة على تشديد " ~~وصلنا " إما من الوصل ضد القطع أي: تابعنا بعضه ببعض. قال الفراء: ~~أنزلنا آيات القرآن يتبع بعضها بعضا، وأصله من وصل الحبل، قال: # 4012 - فقل لبني مروان ما بال ذمتي # بحبل ضعيف لا يزال يوصل # وإما: جعلناه أوصالا أي: أنواعا من المعاني - قاله مجاهد - وقرأ ~~الحسن بتخفيف الصاد وهو قريب مما تقدم، قال ابن عباس ومقاتل: وصلنا: ~~بينا لكفار مكة - بما في القرآن من أخبار الأمم الخالية - كيف عذبوا ~~بتكذيبهم، وقال ابن زيد: وصلنا لهم القول: خبر الدنيا بخبر الآخرة، حتى ~~كأنهم عاينوا الآخرة في الدنيا " لعلهم يتذكرون " ، ثم لما ~~أقام الدلالة على النبوة أكد ذلك بقوله: { الذين آتيناهم ~~الكتاب }. # قوله: " الذين آتيناهم " مبتدأ و " هم " مبتدأ ثان و " ~~يؤمنون " خبره، والجملة خبر الأول، و " به " متعلق ب " ~~يؤمنون " ، وقد يعكر على الزمخشري وغيره من أهل البيان، حيث ~~قالوا: التقديم يفيد الاختصاص وهنا لا يتأتى ذلك، لأنهم لم خصوا ~~إيمانهم بهذا الكتاب فقط لزم كفرهم بما عداه وهو عكس المراد وقد أبدى أهل ~~البيان هذا في قوله: # آمنا به وعليه توكلنا ms6886 # [الملك: 29] فقالوا: لو قدم " به " لأوهم الاختصاص بالإيمان بالله ~~وحده دون ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهذا بعينه جار هنا، ~~والجواب: أن الإيمان بغيره معلوم فانصب الغرض إلى الإيمان بهذا. # فصل # قوله: { الذين آتيناهم الكتاب من قبله } أي من قبل ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - وقيل: من قبل القرآن { هم به يؤمنون ~~} ، قال قتادة: نزلت في (أناس من) أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه. ~~وقال مقاتل: هم أصحاب السفينة الذين قدموا من الحبشة أربعين رجلا من أهل ~~الإنجيل وآمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم -. # قال سعيد بن جبير: قدموا مع جعفر من الحبشة على النبي صلى الله الله ~~عليه وسلم لما رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة قالوا: يا نبي الله إن لنا ~~أموالا فإن أذنت لنا انصرفنا فجئنا بأموالنا فواسينا المسلمين بها، فأذن ~~لهم فانصرفوا فأتوا بأموالهم فواسوا بها المسلمين فنزل فيهم { الذين ~~آتيناهم الكتاب } إلى قوله: { ومما رزقناهم ~~ينفقون } ، وعن ابن عباس قال: نزلت في ثمانين من أهل الكتاب أربعون ~~من نجران واثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية من الشام، وقال رفاعه: نزلت ~~في عشرة أنا أحدهم: وصفهم الله فقال: { وإذا يتلى عليهم } ~~يعني: القرآن، قالوا: { قالوا آمنا به إنه الحق من ~~ربنآ إنا كنا من قبله مسلمين } ، وذلك أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - كان مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، أي كنا من ~~قبل القرآن مسلمين مخلصين لله التوحيد مؤمنين بمحمد - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه نبي حق. # قوله: { أولئك يؤتون أجرهم مرتين } منصوب على ~~المصدر، و " بما صبروا " ما مصدرية والباء متعلق ب " يؤتون (أو ~~بنفس الأجر. ومعنى " مرتين " أي: بإيمانهم بمحمد قيل بعثته، وقيل: ~~يؤتون أجرهم) مرتين لإيمانهم بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر، ~~وقيل: لإيمانهم بالأنبياء الذين كانوا قبل محمد - عليه السلام - ومرة ~~بإيمانهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وقال مقاتل: لما آمنوا بمحمد - ~~صلى الله عليه وسلم - شتمهم المشركون، فصفحوا عنهم فلهم أجران، أجر على ~~الصفح وأجر على الإيمان، وقوله " بما صبروا " أي على دينهم، قال ms6887 ~~مجاهد: نزلت في قوم من أهل الكتاب أسلموا فأوذوا. # قوله: { ويدرؤن بالحسنة السيئة } أي بالطاعة المعصية ~~المتقدمة، قال ابن عباس: يدفعون بشهادة أن لا إله إلا الله الشرك، وقال ~~مقاتل: يدفعون ما سمعوا من الأذى والشتم من المشركين بالصفح والعفو، ~~ومما رزقناهم ينفقون، في الطاعة. قوله: وإذا سمعوا اللغو ~~وهو القبيح من القول أعرضوا عنه، وذلك أن المشركين كانوا يسبون مؤمني ~~أهل الكتاب، ويقولون تبا لكم تركتم دينكم فيعرضون عنهم ولا يردون ~~عليهم، { وقالوا لنآ أعمالنا ولكم أعمالكم } ، لنا ~~ديننا ولكم دينكم، { سلام عليكم } ، ليس المراد سلام التحية ~~ولكنه سلام المتارك، ومعناه: سلمتم منا لا نعارضكم بالشتم ~~والقبح، ونظيره # وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما # [الفرقان: 63]. ثم أكد ذلك تعالى بقوله حاكيا عنهم { لا نبتغي ~~الجاهلين } ، أي: دين الجاهلين، أي: لا نحب دينكم الذي أنتم عليه، ~~وقيل: لا نريد أن نكون من أهل الجهل والسفه، قيل: نسخ ذلك بالأمر ~~بالقتال، وهو بعيد، لأن ترك المسافهة مندوب، وإن كان القتال (واجبا). ~~والله أعلم. ### || [28.56-59] # قوله تعالى: { إنك لا تهدي من أحببت } أي: أحببت هدايته، ~~وقيل: أحببته لقرابته، قال المفسرون: نزلت في أبي طالب قال له النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - # " قل: لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة، قال: لولا أن ~~تعيرني قريش، تقول: إنما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينيك " # فأنزل الله هذه الآية. # فصل # قال في هذه الآية: { إنك لا تهدي من أحببت ولكن ~~الله يهدي من يشآء } ، وقال في آية أخرى # وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم # [الشورى: 52]، ولا تنافي فإن الذي أثبته وأضافه إليه الدعوة، والذي نفاه ~~عنه هداية التوفيق وشرح الصدور، وهو نور يقذف في القلب فيجيء به القلب ~~كما قال سبحانه # أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا ~~يمشي به في الناس # [الأنعام: 122]. # فصل # احتج أهل السنة بهذه الآية في مسألة الهدى والضلال، فقالوا: قوله: { ~~إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من ~~يشآء } يقتضي أن تكون الهداية في الموضعين بمعنى واحد ms6888 لأنه لو كان ~~المراد من الهداية في قوله { إنك لا تهدي } شيئا، وفي قوله: { ~~ولكن الله يهدي من يشآء } شيئا آخر لاختل النظم، ثم ~~إما أن يكون المراد من الهداية بيان الأدلة والدعوة إلى الجنة، أو تعريف ~~طريق الجنة أو خلق المعرفة على سبيل الإلجاء، (أو خلق المعرفة في القلوب ~~لا على سبيل الإلجاء) لا جائز أن يكون المراد (بيان الأدلة، لأنه عليه ~~السلام هدى الكل بهذا المعنى فهي غير) الهداية التي نفى الله عمومها وكذا ~~القول في الهداية بمعنى الدعوة إلى الجنة، وأما الهداية بمعنى تعريف ~~الجنة فهي أيضا غير مرادة، لأنه تعالى علق هذه الهداية على المشيئة. ~~فمن وجب عليه أداء عشرة دنانير لا يقول أعطي عشرة دنانير إن شئت، وأما ~~الهداية بمعنى الإلجاء والقسر فغير جائز. لأن ذلك عندهم قبيح من الله ~~تعالى في حق المكلف، وفعل القبيح مستلزم للجهل أو الحاجة وهما محالان، ~~ومستلزم المحال محال، فذلك محال من الله والمحال لا يجوز تعليقه على ~~المشيئة، ولما بطلت الأقسام لم يبق إلا أن المراد أنه تعالى يخص ~~البعض بخلق الهداية والمعرفة ويمنع البعض منها # لا يسأل عما يفعل # [الانبياء: 3] وإذا أورد الكلام على هذا الوجه سقط ما أورد القاضي عذرا ~~عن ذلك. # قوله: { وهو أعلم بالمهتدين } أي أنه المختص بعلم الغيب ~~فيعلم من يهتدي ومن لا يهتدي، ثم إنه تعالى حكى عنهم شبهة أخرى متعلقة ~~بأحوال الدنيا وهي قولهم: إن نتبع الهدى معك نتخطف من ~~أرضنا، قال المبرد: الخطف الانتزاع بسرعة نزلت في الحارث بن نوفل بن ~~عبد مناف قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - إنا لنعلم أن الذي تقوله ~~حق ولكنا إن اتبعناك على دينك خفنا أن تخرجنا العرب من أرضنا مكة، ~~فأجاب الله عنه من وجوه الأول: قوله: { أولم نمكن لهم ~~حرما آمنا } ، أي أعطاكم مسكنا لا خوف لكم فيه، إما لأن العرب ~~يحترمون الحرم ولم يتعرضوا لسكانه، فإنه يروى أن العرب خارجة الحرم كانوا ~~لا يتعرضون لسكان الحرم. # قوله: " نتخطف " العامة على الجزم ms6889 جوابا للشرط، والمنقري ~~بالرفع، على حذف الفاء، كقوله: # 4013 - من يفعل الحسنات الله يشكرها # وكقراءة " يدرككم " بالرفع، أو على التقديم وهو مذهب سيبويه. # قوله: { أولم نمكن لهم حرما } قال أبو البقاء عداه ~~بنفسه لأنه بمعنى " جعل " وقد صرح به في قوله # أولم يروا أنا جعلنا حرما # [العنكبوت: 67] و " مكن " متعد بنفسه من غير أن يضمن معنى " ~~جعل " كقوله " مكناهم " ، وتقدم تحقيقه في الأنعام وآمنا قيل ~~بمعنى مؤمن أي: يؤمن من دخله، وقيل: هو على حذف مضاف، أي: آمنا أهله، ~~وقيل فاعل بمعنى النسب أي، ذا أمن. # قوله: " يجبى " قرأ نافع بتاء التأنيث مراعاة للفظ ثمرات، والباقون ~~بالياء للفصل ولأن تأنيثه مجازي والجملة صفة ل " حرما " أيضا، وقرأ ~~العامة " ثمرات " بفتحتين وأبان بضمتين جمع ثمر بضمتين، وبعضهم ~~بفتح وسكون. # قوله: " رزقا " إن جعلته مصدرا جاز انتصابه على المصدر المؤكد، لأن ~~معنى " يجبى إليه " يرزقهم وأن ينتصب على المفعول له، والعامل محذوف، ~~أي يسوقه إليه رزقا، وأن يكون في موضع الحال من " ثمرات " لتخصصها ~~بالإضافة، (كما ينتصب عن النكرة المخصصة)، وإن جعلته اسما للمرزوق انتصب ~~على الحال من " ثمرات " ومعنى " يجبى " ، أي يجلب ويجمع، يقال: جبيت ~~الماء في الحوض أي: جمعته قال مقاتل: يحمل إلى الحرم { ثمرات كل ~~شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون } أن ما نقوله حق. # قوله: { وكم أهلكنا من قرية } أي: من أهل قرية " بطرت ~~معيشتها " ، قال الزمخشري: البطر سوء احتمال الغنى، وهو أن لا يحفظ حق ~~الله تعالى، وانتصب " معيشتها " إما بحذف الجار واتصال الفعل كقوله: # واختار موسى قومه # [الأعراف: 155]، أو بتقدير حذف ظرف الزمان، أصله: بطرت أيام معيشتها، ~~وإما بتضمين " بطرت " معنى كفرت أو خسرت أو على التمييز أو على ~~التشبيه بالمفعول به، وهو قريب من " سفه نفسه ". قال عطاء: عاشوا ~~في البطر فأكلوا رزق الله، وعبدوا غيره. # قوله: { فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا ~~قليلا } قال ابن عباس لم يسكنها إلا المسافرون، ومار الطريق يوما ~~أو ساعة. # معناه: لم تسكن من بعدهم إلا ms6890 سكونا يسيرا قليلا، وقيل: لم يعمر ~~منها إلا أقلها وأكثرها خراب، فقوله: " لم تسكن " جملة حالية، ~~والعامل فيها معنى تلك، ويجوز أن يكون خبرا ثانيا، و " إلا قليلا " ~~أي: إلا سكنى قليلا، أو إلا زمانا قليلا، أو إلا مكانا قليلا. { ~~وكنا نحن الوارثين }. كقوله: # إنا نحن نرث الأرض ومن عليها # [مريم: 40]. # قوله: { وما كان ربك مهلك القرى بظلم } يعني القرى ~~الكافرة أهلها حتى نبعث في أمها رسولا، أي في أكثرها وأعظمها رسولا ~~ينذرهم وخص الأعظم ببعثة الرسول فيها لأن الرسول يبعث إلى الأشراف، ~~والأشراف يسكنون المدائن والمواضع التي هي أم ما حولها، وهذا بيان لقطع ~~عذرهم، لأن عدم البعثة يجري مجرى العذر للقوم، فوجب ألا يجوز إهلاكهم إلا ~~بعد البعثة. # وقوله: { يتلو عليهم آياتنا } أي: يؤدي ويبلغ، قال مقاتل: ~~يخبرهم الرسول أن العذاب نازل بهم إن لم يؤمنوا، { وما كنا ~~مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون }: مشركون أي: أهلكهم ~~بظلمهم، وأهل مكة ليسوا كذلك، فإن بعضهم قد آمن وبعضهم قد علم الله منهم ~~أنهم وإن لم يؤمنوا لكنه يخرج من نسلهم من يؤمن. ### || [28.60-66] # قوله: { ومآ أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا } ~~، أي فهو متاع، وقرىء فمتاعا الحياة بنصب " متاعا " على المصدر، أي: ~~يتمتعون متاعا، " والحياة " نصب على الظرف، والمعنى: يتمتعون بها ~~أيام حياتهم ثم هي إلى فناء وانقضاء { وما عند الله خير ~~وأبقى } ، هذا جواب عن شبهتهم فإنهم إن قالوا تركنا الدين لئلا ~~تفوتنا الدنيا، فبين تعالى أن ذلك خطأ عظيم، لأن ما عند الله خير ~~وأبقى (أما أنه خير) فلوجهين: الأول: أن المنافع هناك أعظم، والثاني: ~~أنها خالصة عن الشوائب ومنافع الدنيا مشوبة بالمضار، بل المضار فيها ~~أكثر، وأما أنها أبقى، فلأنها دائمة غير منقطعة ومتى قوبل المتناهي ~~بغير المتناهي كان عدما فظهر بذلك أن منافع الدنيا لا نسبة لها إلى ~~منافع الآخرة، فلا جرم نبه على ذلك فقال: " أفلا تعقلون " أن ~~الباقي خير من الفاني يعني أن من لا يرجح منافع الآخرة على منافع الدنيا ~~كأنه يكون خارجا ms6891 عن حد العقل، ورحم الله الشافعي حيث قال: من أوصى بثلث ~~ماله لأعقل الناس صرف ذلك الثلث إلى المشتغلين بطاعة الله - تعالى - لأن ~~أعقل الناس من أعطي القليل وأخذ الكثير وما هم إلا المشتغلين بالطاعة، ~~فكأنه رحمه الله إنما أخذه من هذه الآية. وقرأ أبو عمرو " أفلا ~~يعقلون " بالياء من تحت التفاتا، والباقون بالخطاب جريا على ما ~~تقدم. # قوله: " أفمن وعدناه " قرأ طلحة " أمن وعدناه " بغير ~~فاء " وعدا حسنا " يعني الجنة " فهو لاقيه " مصيبة ومدركه ~~وصائر إليه { كمن متعناه متاع الحياة الدنيا } ~~وتزول عن قريب { ثم هو يوم القيامة من المحضرين } ~~النار، وقرأ الكسائي وقالون: " ثم هو " بسكون الهاء إجراء لها مجرى ~~الواو والفاء، والباقون بالضم على الأصل، وتخصيص لفظ " المحضرين " ~~بالذين أحضروا للعذاب أمر عرف من القرآن، قال تعالى # لكنت من المحضرين # [الصافات: 57] # فإنهم لمحضرون # [الصافات: 127] وفي اللفظ إشعار به، لأن الإحضار يشعر بالتكليف ~~والإلزام، وذلك لا يليق بمجالس اللذة، وإنما يليق بمجالس الضرر والمكاره. ~~قوله: { ويوم يناديهم فيقول أين شركآئي الذين ~~كنتم تزعمون } في الدنيا أنهم شركائي وتزعمون أنها تشفع فتخلصكم ~~من هذا الذي نزل بكم، وتزعمون مفعولاه محذوفان أي: (تزعمونهم شركاءه)، { ~~قال الذين حق عليهم القول } أي: وجب عليهم العذاب وهم ~~رؤوس الضلالة وقيل: الشياطين. # أحدهما: أن هؤلاء مبتدأ، والذين أغوينا صفته والعائد محذوف، أي ~~أغويناهم، والخبر " أغويناهم " ، و " كما غوينا " نعت لمصدر ~~محذوف، ذلك المصدر مطاوع لهذا الفعل أي فغووا غيا كما غوينا، قاله ~~الزمخشري، وهذا الوجه منعه أبو علي، قال: لأنه ليس في الخبر زيادة فائدة ~~على ما في صفته، قال: فإن قلت: قد أوصل بقوله كما غوينا وفيه زيادة، قلت: ~~الزيادة في الظرف لا يصيره أصلا في الجملة لأن الظرف صلات، ثم أعرب ~~هو " هؤلاء " مبتدأ و " الذين أغوينا " خبره، و " ~~أغويناهم " مستأنف، وأجاب أبو البقاء وغيره عن الأول بأن الظرف قد ~~يلزم كقولك زيد عمرو في داره. # فصل # المعنى: هؤلاء الذين دعوناهم إلى الغي وهم الأتباع { أغويناهم ~~كما غوينا } أضللناهم كما ضلننا " تبرأنا ms6892 إليك " منهم. # قوله: { ما كانوا إيانا يعبدون } إيانا مفعول " ~~يعبدون " قدم لأجل الفاصلة وفي " ما " وجهان: # أحدهما: هي نافية (أي تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا). # والثاني: مصدرية ولا بد من تقدير حرف جر أي: تبرأنا مما كانوا أي من ~~عبادتهم إيانا، وفيه بعد. # قوله: { وقيل ادعوا شركآءكم } أي: وقيل للكافرين ادعوا ~~شركاءكم، أي: الأصنام لتخلصكم من العذاب " فدعوهم " (فلم ~~يستجيبوا) لهم لم يجيبوهم، والأقرب أن هذا على سبيل التقريع، ~~لأنهم يعلمون أنه لا فائدة في دعائهم لهم. # قوله: { لو أنهم كانوا } جوابها محذوف أي: لما رأوا العذاب، ~~أو لدفعوه، قال الضحاك ومقاتل: يعني المتبوع والتابع يرون العذاب ولو ~~أنهم كانوا يهتدون في الدنيا ما أبصروا في الآخرة، وقيل: لو أنهم كانوا ~~مهتدين في الدنيا لعلموا أن العذاب حق، وقيل: لو كانوا يهتدون لوجه من ~~وجوه الحيل لدفعوا به العذاب. وقيل قد آن لهم أن يهتدوا لو أنهم كانوا ~~يهتدون إذا رأوا العذاب ويؤكد ذلك قوله # لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم # [الشعراء: 201] قال ابن الخطيب: وعندي أن الجواب غير محذوف وفي تقديره ~~وجوه: # أحدها: أن الله تعالى لما خاطبهم بقوله { ادعوا شركآءكم } ~~فهاهنا يشتد الخوف عليهم ويصيرون بحيث لا يرون شيئا، فقال تعالى: { ~~ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون } شيئا ولما ~~صاروا من شدة الخوف لا يبصرون شيئا لا جرم ما رأوا العذاب. # وثانيها: أن الله تعالى لما ذكر عن الشركاء وهم الأصنام الذين لا يجيبون ~~الذين دعوهم، قال في حقهم: { ورأوا العذاب لو أنهم ~~كانوا يهتدون } مشاهدين العذاب، وكانوا من الأحياء لاهتدوا، ~~ولكنها ليست كذلك، فلا جرم ما رأت العذاب فإن قيل: قوله: " ورأوا ~~العذاب " ضمير لا يليق إلا بالعقلاء، وكيف يصح عوده للأصنام، قلنا: ~~هذا كقوله: { فدعوهم فلم يستجيبوا لهم } ، وإنما أورد ~~ذلك على حسب اعتقاد القوم فكذا هاهنا. # وثالثها: أن يكون المراد من الرؤية رؤية القلب، أي: والكفار علموا حقيقة ~~هذا العذاب في الدنيا لو كانوا يهتدون، قال: وهذه الوجوه عندي خير من ~~الوجوه المبنية ms6893 على أن جواب " لو " محذوف، فإن ذلك يقتضي تفكيك نظم ~~الآية. # قوله: " ويوم يناديهم " أي: يسأل الله الكفار { ماذآ ~~أجبتم المرسلين } ، فعميت، العامة على تخفيفها، وقرأ الأعمش ~~وجناح بن حبيش بضم العين وتشديد الميم، وتقدمت القراءتان للسبعة في هود، ~~والمعنى: خفيت واشتبهت " عليهم الأنباء " وهي الأخبار والأعذار، ~~وقال مجاهد: الحجج يومئذ فلا يكون لهم عذر ولا حجة، فهم لا يتساءلون لا ~~يجيبون وقال قتادة: لا يحتجون، وقيل: يسكتون لا يسأل بعضهم بعضا وقرأ ~~طلحة " لا يساءلون " بتشديد السين على إدغام التاء في السين، كقراءة { ~~تسآءلون به والأرحام } [النساء: 1]. # فصل # قال القاضي: هذه الآية تدل على بطلان قول الجبرية، لأن فعلهم لو كان ~~خلقا من الله ويجب وقوعه بالقدرة والإرادة لما عميت عليهم الأنباء ~~ولقالوا إنما كذبنا الرسل من جهة خلقك فينا بتكذيبهم والقدرة الموجبة ~~لذلك فكانت حجتهم على الله تعالى ظاهرة وكذلك القول فيما تقدم، لأن ~~الشيطان كان له أن يقول إنما أغويت بخلقك في الغواية، والجواب: أن علم ~~الله بعدم الإيمان مع وجود الإيمان متنافيان لذاتهما، فمع العلم بعدم ~~الإيمان إذا أمرنا بإدخال الإيمان في الوجود فقد أمرنا بالجمع بين ~~الضدين، واعلم أن القاضي لا يترك آية من الآيات المشتملة على المدح ~~والذم والعقاب إلا يعيد استدلاله بها، كما أن وجه استدلاله في الكل هذا ~~الحرف، فكذا وجه جوابنا حرف واحد، وهو كما ذكرنا. ### || [28.67-70] # قوله: { فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن ~~يكون من المفلحين } لما بين حال المعذبين أتبعه بذكر من ~~يتوب منهم في الدنيا ترغيبا في التوبة، وزجرا عن الثبات على الكفر، وفي ~~" عسى " وجوه: # أحدها: أنه من الكرام حقيق، والله أكرم الأكرمين. # وثانيها: أنها للترجي للتائب وطمعه، كأنه قال: فليطمع في الفلاح. # وثالثها: عسى أن يكونوا كذلك إذا داموا على التوبة والإيمان، لجواز أن ~~لا يدوموا. # قوله: { وربك يخلق ما يشآء ويختار } نزلت هذه الآية ~~جوابا للمشركين حين قالوا: # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]، يعني الوليد بن المغيرة، أو ms6894 عروة بن مسعود الثقفي، أخبر ~~الله تعالى أنه لا يبعث الرسل باختيارهم. # قوله: { ما كان لهم الخيرة } فيه وجوه: # أحدها: أن ما نافية، فالوقف على " يختار ". # والثاني: ما مصدرية أي يختار اختيارهم، والمصدر واقع موقع المفعول، أي ~~مختارهم. # الثالث: ان يكون بمعنى " الذي " والعائد محذوف، أي ما كان لهم الخيرة ~~فيه كقوله: # ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور # [الشورى: 43] أي منه، وجوز ابن عطية أن تكون كان تامة، ولهم الخيرة ~~جملة مستأنفة، قال: ويتجه عندي أن يكون ما مفعول إذا قدرنا كان التامة، ~~أي: إن الله يختار كل كائن، ولهم الخيرة مستأنف معناه: تعديد النعم ~~عليهم في اختيار الله لهم لو قبلوا. وجعل بعضهم في كان ضمير الشأن، ~~وأنشد: # 4014 - أمن سمية دمع العين تذريف # لو كان ذا منك قبل اليوم معروف # ولو كان ذا اسمها لقال معروفا، وابن عطية منع ذلك في الآية، قال: لأن ~~تفسير الأمر والشأن لا يكون بجملة فيها محذوف، كأنه يريد أن الجار متعلق ~~بمحذوف وضمير الشأن لا يفسر إلا بجملة مصرح بجزئيها إلا أن في هذا ~~نظرا إن أراده، لأن هذا الجار قائم مقام الخبر ولا أظن أحدا يمنع: هو ~~السلطان في البلد، وهي الدار، والخيرة: من التخير كالطيرة من التطير ~~فيستعملان استعمال المصدر، وقال الزمخشري { ما كان لهم الخيرة ~~} بيان لقوله " ويختار " ، لأن معناه: ويختار ما يشاء ولهذا لم يدخل ~~العاطف، والمعنى أن الخيرة لله في أفعاله وهو أعلم بوجوه الحكمة فيها ليس ~~لأحد من خلقه أن يختار عليه. # قال شهاب الدين: لم يزل الناس يقولون: إن الوقف على " يختار " ~~والابتداء بما على أنها نافية هو مذهب أهل السنة، ونقل ذلك عن جماعة ~~كأبي وغيره، وأن كونها موصولة متصلة " يختار " غير موقوف عليه هو ~~مذهب المعتزلة، وهذا الزمخشري قد قرر كونها نافية وحصل غرضه في كلامه وهو ~~موافق لكلام أهل السنة ظاهرا وإن كان لا يريده، وهذا الطبري من كبار أهل ~~السنة منع أن تكون نافية، قال: لئلا يكون المعنى: أنه ms6895 إن لم يكن لهم ~~الخيرة فيما مضى وهي لهم فيما يستقبل، وأيضا فلم يتقدم نفي، وهذا الذي ~~قاله ابن جرير مروي عن ابن عباس، وقال بعضهم: ويختار لهم ما يشاؤه من ~~الرسل ف " ما " على هذا واقعة على العقلاء. # فصل # إن قيل: " ما " للإثبات فمعناه: ويختار الله ما كان لهم الخيرة، أي: ~~يختار ما هو الأصلح والخير، وإن قيل: ما للنفي أي: ليس إليهم الاختيار، ~~أو ليس لهم أن يختاروا على الله كقوله: # وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم # [الأحزاب: 36] ثم قال منزها نفسه سبحانه وتعالى " عما يشركون ~~" أي: إن الخلق والاختيار والإعزاز والإذلال مفوض إليه ليس لأحد فيه شركة ~~ومنازعة ثم أكد ذلك بأنه { يعلم ما تكن صدورهم } من عداوة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم " وما يعلنون " من مطاعنهم فيه، ~~وقولهم: هلا اختير غيره في النبوة،. ولما بين علمه بما هم عليه من الغل ~~والحسد والسفاهة قال: { وهو الله لا إله إلا هو له ~~الحمد في الأولى والآخرة } ، وهذا تنبيه على كونه قادرا على ~~كل الممكنات عالما بكل المعلومات منزها عن النقائص والآفات { له ~~الحمد في الأولى والآخرة } وهذا ظاهر على مذهب أهل السنة لأن ~~الثواب غير واجب عليه بل يعطيه فضلا وإحسانا، و { له الحمد في ~~الأولى والآخرة } ويؤكد قول أهل الجنة # الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن # [فاطر: 34]. # الحمد لله الذي صدقنا وعده # [الزمر: 74] # وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين # [يونس: 10] " وله الحكم " وفصل القضاء بين الخلق، قال ابن عباس: ~~حكم لأهل طاعته بالمغفرة ولأهل المعصية بالشقاء " وإليه ترجعون " ~~أي: إلى حكمه وقضائه. ### || [28.71-75] # قوله تعالى: { قل أرأيتم إن جعل الله عليكم ~~الليل سرمدا } الآية، لما بين بقوله # وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى ~~والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون # [القصص: 70] فصل عقيب ذلك ببعض ما يجب أن يحمد عليه بما لا يقدر عليه ~~سواه، فقال: { قل أرأيتم إن جعل الله عليكم ms6896 ~~الليل سرمدا } ، نبه بذلك على كون الليل والنهار نعمتان ~~متعاقبتان على الزمان، ووجهه أن المرء في الدنيا مضطر إلى أن يتعب ~~لتحصيل ما يحتاج إليه ولا يتم ذلك إلا براحة وسكون بالليل ولا بد منها ~~والحالة هذه، فأما في الجنة فلا نصب ولا تعب ولا حاجة بهم إلى الليل، ~~ولذلك يدوم لهم الضياء واللذات، فبين بذلك أن القادر على ذلك ليس إلا ~~الله فقال: " قل أرأيتم " أخبروني يا أهل مكة { إن جعل ~~الله عليكم الليل سرمدا } دائما { إلى يوم ~~القيامة } لا نهار معه { من إله غير الله يأتيكم ~~بضيآء } بنهار تطلبون فيه المعيشة " أفلا تسمعون " سماع فهم ~~وقبول؟ # قوله: أرأيتم، وجعل تنازعا في " الليل " وأعمل الثاني ومفعول " ~~أرأيتم " هي جملة الاستفهم بعده والعائد منها على الليل محذوف ~~تقديره: بضياء بعده، وجواب الشرط محذوف، وتقدم تحرير هذا في الأنعام، ~~وسرمدا مفعول ثان إن كان الجعل تصييرا، أو حال إن كان خلقا وإنشاء، ~~والسرمد: الدائم الذي لا ينقطع قال طرفة: # 4015 - لعمرك ما أمري علي بغمة # نهاري ولا ليلي علي بسرمد # والظاهر أن ميمه أصلية، ووزنه فعلل كجعفر، وقيل: هي زائدة واشتقاقه من ~~السرد، وهو تتابع الشيء على الشيء، إلا أن زيادة الميم وسطا وآخرا ~~لا تنقاس نحو: دلامص، وزرقم، من الدلاص والزرقة. # قوله: " إلى يوم " متعلق ب " يجعل " أو ب " سرمدا " أو ~~بمحذوف على أنه صفة ل " سرمدا " وإنما قال: " أفلا تسمعون " ~~، " أفلا تبصرون " ، لأن الغرض من ذلك الانتفاع بما يسمعون ~~ويبصرون من جهة التدبر، فلما لم ينتفعوا أنزلوا منزلة من لا يسمع ولا ~~يبصر، قال المفسرون: " أفلا تسمعون " سماع فهم " أفلا ~~تبصرون " ما أنتم عليه من الخطأ والضلال. # وقال الزمخشري: فإن قيل هلا قيل بنهار يتصرفون فيه كما قيل بليل ~~تسكنون فيه، قلنا: ذكر الضياء وهو ضوء الشمس لأن المنافع التي تتعلق بها ~~متكاثرة ليس التصرف في المعاش وحده والظلام ليس بتلك المنزلة، وإنما قرن ~~بالضياء " أفلا تسمعون " لأن السمع يدرك ما لا يدركه البصر من ~~درك منافعه ووصف فوائده، ms6897 وقرن بالليل " أفلا تبصرون " لأن غيرك ~~يدرك من منفعة الظلام ما تبصره أنت من السكون ونحوه. # قوله: " لتسكنوا فيه " أي في الليل { ولتبتغوا من ~~فضله } أي: في النهار وهذا من باب اللف والنشر ومنه: # 4016 - كأن قلوب الطير رطبا ويابسا # لدى وكرها العناب والحشف البالي # قوله: " لعلكم تشكرون " أي: نعم الله، وقيل: أراد الشكر على ~~المنفعتين معا، واعلم أنه وإن كان السكون في النهار ممكنا (وابتغاء فضل ~~الله بالليل ممكنا) إلا أن الأليق بكل واحد منهما ما ذكره الله تعالى، ~~فلهذا خصه به، وقوله: " ويوم يناديهم " كرر ذلك النداء ~~للمشركين لزيادة التقريع والتوبيخ. # قوله: " ونزعنا " أخرجنا { من كل أمة شهيدا } يعني ~~رسولهم الذي أرسل إليهم، كما قال: # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد # [النساء: 41] أي: يشهد عليهم بأنهم بلغوا القوم الدلائل، وأوضحوها لهم ~~ليعلم أن التقصير منهم، فيزيد ذلك في غمهم، وقيل المراد الشهداء الذي ~~يشهدون على الناس، ويدخل في جملتهم الأنبياء { فقلنا هاتوا ~~برهانكم } حجتكم بأن معي شريكا " فعلموا " حينئذ " أن ~~الحق " التوحيد " لله " ، " وضل عنهم " غاب عنهم { ما ~~كانوا يفترون } من الباطل والكذب. ### || [28.76-78] # قوله تعالى: { إن قارون كان من قوم موسى } الآية، قال ~~المفسرون كان ابن عمه، لأنه قارون بن يصهر ابن قاهث بن لاوي بن يعقوب، ~~وموسى ابن عمران بن قاهث وقال ابن إسحاق: كان قارون عم موسى كان أخا ~~عمران وهما ابنا يصهر ولم يكن في بني إسرائيل أقرأ للتوراة من قارون، ~~ولكنه نافق كما نافق السامري وكان يسمى المنور لحسن صورته. # وقال ابن عباس: إنه كان ابن خالته، فبغى عليهم، وقيل: كان عاملا لفرعون ~~على بني إسرائيل، وكان يبغي عليهم ويظلمهم، وقال قتادة: " بغى ~~عليهم " بكثرة المال (ولم يرع لهم حق الإيمان بل استخف بالفقراء). # وقال الضحاك: بغى عليهم بالشرك، وقال القفال: طلب الفضل عليهم وأن ~~يكونوا تحت يده، وقال ابن عباس: تكبر عليهم وتجبر، وقال الكلبي: حسد ~~هارون على الحبورة، وروي أن موسى عليه السلام لما قطع الله له البحر، ~~وأغرق فرعون ms6898 جعل الحبورة لهارون فحصلت له النبوة والحبورة وكان له ~~القربان والمذبح وكان لموسى الرسالة، فوجد قارون لذلك في نفسه، وقال يا ~~موسى لك الرسالة لهارون الحبورة، ولست في شيء، لا أصبر أنا على هذا، فقال ~~موسى: والله ما صنعت ذلك لهارون بل جعله الله فقال قارون له: فوالله لا ~~أصدقك أبدا حتى تأتيني بآية يعرف بها أن جعل ذلك لهارون، قال: فأمر ~~موسى رؤساء بني إسرائيل ان يجيء كل رجل منهم بعصاه فجاءوا بها، فألقاها ~~موسى عليه السلام في قبة له وكان ذلك بأمر الله ودعا موسى ربه أن يريهم ~~بيان ذلك، فباتوا يحرسون عصيهم، فأصحبت عصا هارون تهتز لها ورق أخضر ~~وكانت من شجر اللوز، فقال موسى لقارون: ألا ترى ما صنع الله لهارون، ~~فقال: والله ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر، فاعتزل قارون ومعه ناس كثير ~~وولي هارون الحبورة والمذبح والقربان، وكانت بنو إسرائيل يأتون ~~بهداياهم إلى هارون فيضعها في المذبح وتنزل نار من السماء فتأكلها، ~~واعتزل قارون بأتباعه وكان كثير المال والتبع من بني إسرائيل، فما كان ~~يأتي موسى ولا يجالسه. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - # " إن قارون كان من السبعين المختارة الذين سمعوا ~~كلام الله " # قوله: { وآتيناه من الكنوز مآ إن مفاتحه } ما ~~موصولة بمعنى الذي صلتها (إن) وما في حيزها ولهذا كسرت ونقل الأخفش ~~الصغير عن الكوفيين منع الوصل بإن وكان يستقبح ذلك عنهم، يعني لوجوده ~~في القرآن، والمفاتح جمع مفتح بفتح الميم وهو الذي يفتح به الباب قاله ~~قتادة ومجاهد وجماعة، وقيل: مفاتحه خزائنه كقوله # وعنده مفاتح الغيب # [الأنعام: 59] أي: خزائنه. # قوله: " لتنوء بالعصبة " فيها وجهان: # أحدهما: بأن الباء للتعدية، كالهمزة ولا قلب في الكلام، والمعنى: لتنيء ~~المفاتح العصبة الأقوياء كما تقول: أجأته وجئت به، وأذهبته ~~وذهبت به، ومعنى ناء بكذا: نهض به بثقل، قال: # 4017 - تنوء بأخراها فلأيا قيامها # وتمشي الهوينا عن قريب فتبهر # وقال أبو زيد: نؤت بالعمل أي: نهضت به، قال: # 4018 - إذا وجدنا خلفا بئس الخلف # عبدا ms6899 إذا ما ناء بالحمل وقف # وفسره الزمخشري بالأثقال، قال: يقال: ناء به الحمل حتى أثقله وأماله، ~~وعليه ينطبق المعنى أي: لتثقل المفاتح العصبة. # والثاني: قال أبو عبيدة إن في الكلام قلبا، والأصل: لتنوء العصبة ~~بالمفاتح أي: لتنهض بها لقولهم: عرضت لناقة على الحوض، وتقدم الكلام في ~~القلب وأن فيه ثلاثة مذاهب، وقرأ بديل بن ميسرة: لينوء بالياء من تحت ~~والتذكير، لأنه راعى المضاف المحذوف، إذ التقدير حملها أو ثقلها، وقيل ~~الضمير في " مفاتحه " ل " قارون " فاكتسب المضاف من المضاف إليه ~~التذكير، كقولهم: ذهبت أهل اليمامة، قاله الزمخشري؛ يعني كما اكتسب " ~~أهل " التأنيث اكتسب هذا التذكير، و " العصبة ": الجماعة الكثيرة، ~~والعصابة مثلها، قال مجاهد: ما بين العشرة إلى الأربعين؛ لقول إخوة يوسف # ونحن عصبة # [يوسف: 8] وكانوا عشرة لأن يوسف وأخاه لم يكونا معهم وقيل: أربعون رجلا ~~وقيل سبعون روي عن ابن عباس: كان يحمل مفاتحه أربعون رجلا أقوى ما يكون ~~من الرجال، وروى جرير عن منصور عن خيثمة قال: وجدت في الإنجيل أن مفاتيح ~~خزائن قارون وقر ستين بغلا ما يزيد مفتاح منها على إصبع لكل مفتاح منها ~~كنز، وطعن بعضهم في هذا القول من وجهين الأول: ان مال الرجل الواحد لا ~~يبلغ هذا المبلغ ولو أنا قدرنا بلدة مملوءة من الذهب والجواهر لكان لها ~~أعداد قليل من المفاتيح، فأي حاجة إلى تكثير هذه المفاتيح؟ الثاني: أن ~~المكنوز هي الأموال المدخرة في الأرض فلا يجوز أن يكون لها مفاتح. # وأجيب عن الأول أن المال إذا كان من جنس (العروض لا من جسن النقد) جاز ~~أن يبلغ في الكثرة إلى هذا الحد، وأيضا أن قولهم تلك المفاتح بلغت ستين ~~حملا ليس مذكورا في القرآن، فلا تقبل هذه الرواية، وعن الثاني أن الكنز ~~وإن كان من جهة العرف ما قالوا فقد يقع على المال المجموع في المواضع ~~التي عليها أغلاق وحمل ابن عباس والحسن المفاتح على نفس المال وهذا أبين، ~~قال ابن عباس كانت خزائنه يحملها أربعون رجلا أقوياء، وقال أبو مسلم ~~المراد ms6900 من المفاتح العلم والإحاطة، كقوله تعالى # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو # [الأنعام: 59] والمراد: آتيناه من الكنوز لكثرتها واختلاف أصنافها ما ~~يتعب القائمين أن يحفظوها. # قوله: " إذ قال " فيه أوجه: أن يكون معمولا ل " تنوء " قاله ~~الزمخشري، أو ل " بغى " قاله ابن عطية، ورده أبو حيان بأن المعنى ~~ليس على التقييد بهذا الوقت أو ل " آتيناه " قاله أبو البقاء ورده ~~أبو حيان بأن الإيتاء لم يكن ذلك الوقت. # أو لمحذوف، فقدره، أبو البقاء: بغى عليهم وهذا ينبغي أن يرد بما رد ~~به قول ابن عطية. وقدره الطبري: اذكر وقدره أبو حيان أظهر الفرح وهو ~~مناسب، واعلم أنه كان في قومه من وعظه بأمور: # أحدها: قوله: لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين، وقرى ~~الفارحين - حكاها عيسى الحجازي - والمراد لا يلحقه من البطر والتمسك ~~بالدنيا ما يلهيه عن أمر الآخرة، قال بعضهم: إنه لا يفرح بالدنيا إلا من ~~رضي بها واطمأن إليها، وأما من يعلم أنه سيفارق الدنيا عن قريب لم ~~يفرح. وما أحسن قول المتنبي: # 4019 - أشد الغم عندي في سرور # تيقن عنه صاحبه انتقالا # (وأحسن وأوجز منه ما قال تعالى) # لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بمآ ~~آتاكم # [الحديد: 23] قال ابن عباس: كان فرحه ذلك شركا، لأنه ما كان يخاف معه ~~عقوبة الله تعالى. # وثانيها: قوله: { وابتغ فيمآ آتاك } يجوز أن يتعلق " فيما ~~آتاك " ب " ابتغ " ، وإن يتعلق بمحذوف على أنه حال، أي: متقلبا " ~~فيما آتاك ". و " ما " مصدرية أو بمعنى الذي. والمراد أن يصرف المال ~~إلى ما يؤديه إلى الجنة، والظاهر أنه كان مقرا بالآخرة. # وثالثها: قوله: { ولا تنس نصيبك من الدنيا } قال مجاهد ~~وابن زيد لا تترك أن تعمل في الدنيا للآخرة وقال السدي: بالصدقة وصلة ~~الرحم وقال علي ألا تنسى صحتك وقوة شبابك وغناك أن تطلب بها الآخرة، ~~قال عليه السلام لرجل وهو يعظه: # " اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل ~~سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، ~~وحياتك قبل موتك ". # قوله: ms6901 { وأحسن كمآ أحسن الله إليك }: أي: إحسانا ~~كإحسانه إليك، أي: أحسن بطاعة الله كما أحسن إليك بنعمته، وقيل: أحسن إلى ~~الناس كما أحسن الله إليك، وقيل إنه لما أمره بالإحسان بالمال أمره ~~بالإحسان مطلقا، ويدخل فيه الإعانة بالمال والجاه وطلاقة الوجه وحسن ~~اللقاء. # قوله: { ولا تبغ الفساد في الأرض } ولا تطلب الفساد في ~~الأرض، وكل من عصى الله فقد طلب الفساد في الأرض، وقيل المراد ماكان عليه ~~من الظلم والبغي، و " في الأرض " يجوز أن يتعلق ب " تبغ " أو ب " ~~الفساد " أو بمحذوف على أنه حال وهو بعيد. ثم قال: { إن الله ~~لا يحب المفسدين } ، قيل: إن هذا القائل هو موسى عليه السلام؛ ~~وقيل: بل مؤمنو قومه. # وقوله: " عندي " إما ظرف ل " أوتيته " ، وإما صفة للعلم. # فصل # قال قارون: { إنمآ أوتيته على علم عندي } أي: على فضل ~~وخير علمه الله عندي فرآني أهلا لذلك ففضلني بهذا المال عليكم كما فضلني ~~بغيره، وقال سعيد بن المسيب والضحاك: كان موسى عليه السلام يعلم عليم ~~الكيمياء (أنزل الله عليه علمه من السماء) فعلم يوشع بن نون ثلث ذلك ~~العلم وعلم كالب بن يوقناء ثلثه وعلم قارون ثلثه، فخدعهما قارون حتى أضاف ~~علمهما إلى علمه. وكان ذلك سبب أمواله. # وقيل: { على علم عندي } بالتصرف في التجارات والزراعات وأنواع ~~المكاسب ثم أجاب الله عن كلامه بقوله: { أولم يعلم أن الله ~~قد أهلك من قبله من القرون } الكافرة { من هو ~~أشد منه قوة وأكثر جمعا } للأموال أو أكثر جماعة ~~وعددا. فقوله { أولم يعلم } يجوز أن يكون هذا إثباتا لعلمه بأن ~~الله قد أهلك قبله من القرون من هو أقوى منه وأغنى، لأنه قرأه في التوراة ~~وأخبر به موسى وسمعه من حفاظ التواريخ؛ كأنه قيل: أو لم يعلم في جملة ما ~~عنده من العلم هذا حتى لا يغتر بكثرة ماله وقوته. ويجوز أن يكون نفيا ~~لعلمه بذلك لأنه لما قال: { أوتيته على علم عندي } فتصلف ~~بالعلم وتعظم به قيل مثل ذلك العلم الذي ادعاه ورأى نفسه به ms6902 مستوجبة لكل ~~نعمة ولم يعلم هذا العلم النافع حتى يقي به نفسه. والمعنى أنه تعالى إذا ~~أراد إهلاكه لم ينفعه ذلك ولا ما يزيد عليه أضعافا. # قوله: { من هو أشد } من موصولة أو نكرة موصوفة وهو في موضع ~~المفعول ب " أهلك " ، و " من قبله " متعلق به، و " من القرون ~~" يجوز فيه ذلك ويجوز أن يكون حالا من { من هو أشد }. # قوله: " ولا يسأل " هذه قراءة العامة على البناء للمفعول وبالياء ~~من تحت، ورفع الفعل، وقرأ ابو جعفر " ولا تسأل " بالتاء من فوق ~~والجزم وابن سيرين وأبو العالية كذلك إلا أنه مبني للفاعل وهو المخاطب، ~~قال ابن أبي إسحاق: لا يجوز ذلك حتى ينصب " المجرمين " ، قال صاحب ~~اللوامح: هذا هو الظاهر إلا أنه لم يبلغني فيه شيء، فإن تركاه ~~مرفوعا فيحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون " المجرمون " خبر مبتدأ محذوف أي هم المجرمون. # الثاني: أن يكون بدلا من أصل الهاء والميم في " ذنوبهم " لأنهما ~~مرفوعا المحل، يعني أن " ذنوبا " مصدر مضاف لفاعله، قال فحمل ~~المجرمون على الأصل كما تقدم في قراءة { مثلا ما بعوضة } بجر ~~بعوضة، وكان قد خرجها على أن الأصل: يضرب مثل بعوضة، وهذا تعسف كثير فلا ~~ينبغي أن يقرأ ابن سيرين وأبو العالية إلا " المجرمين " بالياء فقط ~~وإنما ترك نقلها لظهوره. # قوله: { ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون } قال قتادة: ~~يدخلون النار بغير حساب ولا سؤال، وقال مجاهد يعني لا تسأل الملائكة ~~عنهم، لأنهم يعرفونهم بسيماهم، وقال الحسن: لا يسألون سؤال استعلام وإنما ~~يسألون سؤال تقريع وتوبيخ، وقيل: إن المراد أن الله تعالى إذا عاقب ~~المجرمين فلا حاجة به إلى أن يسألهم عن كيفية ذنوبهم وكنيتها، لأن الله ~~تعالى عالم بكل المعلومات فلا حاجة إلى السؤال، فإن قيل: كيف الجمع بينه ~~وبين قوله: # فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون # [الحجر: 92، 93] فالجواب: يحمل ذلك على وقتين كما قررناه. # وقال أبو مسلم: السؤال قد يكون للمحاسبة، وقد يكون للتقريع والتوبيخ، ~~وقد يكون للاستعتاب، وأليق الوجوه بهذه الآية الاستعتاب لقوله # ثم لا يؤذن ms6903 للذين كفروا ولا هم يستعتبون # [النحل: 84] # هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون # [المرسلات: 35، 36]. # قوله: " في زينته " إما متعلق ب " خرج " ، وإما بمحذوف على أنه ~~حال من فاعل خرج. ### || [28.79-81] # دلت الآية على أنه خرج بأظهر زينة وأكملها، وليس في القرآن إلا هذا ~~القدر والناس ذكروا وجوها مختلفة، والأولى ترك هذه التقديرات لأنها ~~متعارضة، ثم إن الناس لما رأوه على تلك الزينة قال من كان منهم يرغب في ~~الدنيا: { يليت لنا مثل مآ أوتي قارون إنه لذو ~~حظ عظيم } من الحال، وهؤلاء الراغبون يحتمل أن يكونوا من الكفار، ~~وأن يكونوا من المسلمين الذين يحبون الدنيا، فأما الذين أوتوا العلم - ~~وهم أهل الدين - قال ابن عباس: يعني الأحبار من بني إسرائيل، وقال مقاتل: ~~أوتوا العلم بما وعد الله في الآخرة. فقالوا للذين تمنوا: { ويلكم ~~ثواب الله خير } من هذه النعم، أي: ما عند الله من الجزاء ~~والثواب { خير لمن آمن } وصدق بتوحيد الله وعمل صالحا، لأن ~~للثواب منافع عظيمة خالصة عن شوائب المضار دائمة، وهذه النعم على الضد ~~في هذه الصفات. # قوله: " ويلكم ": منصوب بمحذوف، أي: " ألزمكم الله ~~ويلكم " ، قال الزمخشري: ويلك أصله الدعاء بالهلاك، ثم استعمل في ~~الزجر والردع والبعث على ترك ما يضر. # قوله: " ولا يلقاها " أي: هذه الخصلة وهي الزهد في الدنيا ~~والرغبة فيما عند الله. وقيل: الضمير يعود إلى ما دل عليه قوله: { آمن ~~وعمل صالحا } يعني هذه الأعمال لا يؤتاها إلا الصابرون (وقال ~~الزجاج: ولا يلقى هذه الكلمة وهي قولهم: { ثواب الله خير } ~~إلا الصابرون) على أداء الطاعات والاحتراز عن المحرمات، وعلى الرضا ~~بقضاء الله في كل ما قسم من المنافع والمضار. # قوله: { فخسفنا به وبداره الأرض } المشهور كسر هاء ~~الكناية في به وبداره لأجل كسر ما قبلها. وقرىء بضمها وقد تقدم ~~أنها الأصل، وهي لغة الحجاز. # فصل # قيل: لما أشر وبطر وعتا خسف الله به وبداره الأرض جزاء على عتوه وبطره، ~~والفاء تدل على ذلك، لأن الفاء تشعر بالعلية. وقيل: إن قارون كان يؤذي ms6904 ~~نبي الله موسى عليه السلام كل وقت وهو يداريه للقرابة التي بينهما، حتى ~~نزلت الزكاة فصالحه عن كل ألف دينار على دينار، وعن كل ألف درهم على ~~درهم، وعن كل ألف شاة على شاة، فحسبه فاستكثره فشحت به نفسه، فجمع بني ~~إسرائيل وقال إن موسى يريد أن يأخذ أموالكم، فقالوا: أنت كبيرنا فمرنا ~~بما شئت فقال: ائتوا بفلانة البغي فنجعل لها جعلا حتى تقذف موسى ~~بنفسها، فإذا فعلت ذلك خرج عليه بنو إسرائيل ورفضوه فدعوها فجعل لها ~~قارون طشتا من ذهب مملوءا ذهبا، وقال لها: إن أمولك وأخلطك بنسائي ~~على أن تقذفي موسى بنفسك غدا إذا حضر بنو إسرائيل، فلما كان من الغد جمع ~~قارون بني إسرائيل، ثم أتى موسى فقال إن بني إسرائيل ينتظرون خروجك ~~فتأمرهم وتنهاهم، فخرج إليهم موسى وهم في براح من الأرض، فقام فيهم فقال: ~~يا بني إسرائيل من سرق قطعنا يده ومن افترى جلدناه ثمانين جلدة، ومن زنى ~~وليست له امرأة جلدناه مائة، (ومن زنى وله) امرأة رجمناه حتى يموت، فقال ~~له قارون: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا، قال: فإن بني إسرائيل يزعمون ~~أنك فجرت بفلانة، قال: ادعوها فإن قالت فهو كما قالت: فلما جاءت قال لها ~~موسى: يا فلانة أنا فعلت بك ما يقول هؤلاء؟ وناشدها بالذي فلق البحر ~~وأنزل التوراة أن تصدق فتداركها الله فقالت في نفسها: أحدث اليوم توبة ~~أفضل من أن أؤذي رسول الله، فقالت: لا، كذبوا بل جعل لي قارون جعلا على ~~أن أقذفك بنفسي، فخر موسى ساجدا يبكي، وقال: يا رب إن كنت رسولك فاغضب ~~لي، فأوحى الله إليه ان مر الأرض بما شئت فإنها مطيعة لك، قال: يا بني ~~إسرائيل إن الله بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون. # فمن كان معه فليلزم مكانه، ومن كان معي فليعتزل، فاعتزلوا جميعا ولم ~~يبق مع قارون إلا رجلان، ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الأوساط ثم ~~قال: خذيهم فأخذتهم إلى الأعناق وقارون وأصحابه يتضرعون إلى موسى ~~ويناشدونه ms6905 بالله والرحم وهو لا يلتفت إليهم لشدة غضبه، ثم قال خذيهم ~~فانطبقت عليهم فأوحى الله إلى موسى: ما أفظك استغاثوا بك مرارا فلم ~~ترحمهم، أما وعزتي لو دعوني مرة واحدة لوجودني قريبا مجيبا، فأصبحت بنو ~~إسرائيل يتناجون بينهم: إنما دعا موسى على قارون ليستبد بداره وكنوزه ~~فدعا الله حتى خسف الله بداره وأمواله الأرض، ثم إن قارون يخسف به كل يوم ~~قامة. # قال القاضي: إذا هلك بالخسف فسواء نزل عن ظاهر الأرض إلى الأرض السابعة ~~أو دون ذلك، وإن كان لا يمتنع على وجه المبالغة في الزجر، وأما قولهم: ~~إنه - تعالى - قال: لو استغاثوا بي لأغثتهم، فإن صح حمل على استغاثة ~~مقرونة بالتوبة، فأما وهو ثابت على ما هو عليه مع أنه تعالى هو الذي حكم ~~بذلك الخسف، لأن موسى ما فعله إلا عن إذن فبعيد، وقولهم إنهم يتجلجلون في ~~الأرض فبعيد، لأنه لا بد له من نهاية، وكذا القول فيما ذكر من عدو ~~القامات والذي عنده في أمثال هذه الحكايات أنها قليلة الفائدة لأنها من ~~باب أخبار الآحاد فلا تفيد اليقين وليست المسألة عملية حتى يكفي فيها ~~الظن ثم إنها في أكثر الأمر متعارضة مضطربة فالأولى طرحها والاكتفاء بما ~~دل عليه نص القرآن وتفويض سائر التفاصيل إلى عالم الغيب. # قوله: " من فئة " يجوز أن يكون اسم كان إن كانت ناقصة، و " له " ~~الخبر أو " ينصرونه " وأن تكون فاعلة إن كانت تامة و " ~~ينصرونه " صفة ل " فئة " فيحكم على موضعها بالجر لفظا وبالرفع ~~معنى، لأن " من " مزيدة فيها، ثم قال: { وما كان من ~~المنتصرين } أي الممتنعين مما نزل من الخسف، يقالك نصره من عدوه ~~فانتصر أي: منعه فامتنع. ### || [28.82-83] # قوله: { وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس } أي: ~~صار أولئك الذين تمنوا ما رزق من المال والزينة يتندمون على ذلك التمني، ~~والعرب تعبر عن الصيرورة بأصبح وأمسى وأضحى، تقول: أصبح فلان عالما، ~~وأضحى معدما، وأمسى حزينا، والمعنى صار ذلك زاجرا لهم عن حب الدنيا ~~ومخالفة موسى وداعيا إلى الرضا بقضاء الله وقسمته. ms6906 # قوله: { ويكأن الله.... ويكأنه } فيه مذاهب منها: أن ~~وي كلمة برأسها وهي اسم فعل معناها أعجب أي أنا والكاف للتعليل، و " ~~أن " وما في حيزها مجرورة بها، أي: أعجب لأنه لا يفلح الكافرون، وسمع ~~كما أنه لا يعلم غفر الله له، وقياس هذا القول أن يوقف على " وي " ~~وحدها، وقد فعل ذلك الكسائي، إلا أنه ينقل عنه أنه يعتقد في الكلمة أن ~~أصلها " ويلك " كما سيأتي، وهذا ينافي وقفه، وأنشد سيبويه: # 4020 - وي كأن من يكن له نشب يح # بب ومن يفتقر يعش عيش ضر # الثاني: قال بعضهم " كأن " هنا للتشبيه إلا أنه ذهب منها معناه، ~~وصارت للخبر والتقين، وأنشد: # 4021 - كأنني حين أمسي لا يكلمني # متيم يشتهي ما ليس موجودا # وهذا أيضا يناسبه الوقف على " وي ". # الثالث: أن " ويك " كلمة برأسها والكاف حرف خطاب، وأن معمولة ~~لمحذوف، أي: اعلم أنه لا يفلح، قال الأخفش، وعليه قوله: # 4022 - ألا ويك المسرة لا تدوم # ولا يبقى على البؤس النعيم # وقول عنترة: # 4023 - ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها # قيل الفوارس ويك عنتر أقدم # وحقه أن تقف على " ويك " وقد فعله أبو عمرو بن العلاء. # الرابع: أن أصلها " ويلك " فحذف، وإليه ذهب الكسائي ويونس وأبو ~~حاتم، وحقهم أن يقفوا على الكاف كما فعل أبو عمرو، ومن قال بهذا استشهد ~~بالبيتين المتقدمين، فإنه يحتمل أن يكون الأصل فيهما " ويلك " فحذف ~~ولم يرسم في القرآن إلا " ويكأن " " ويكأنه " متصلة في ~~الموضعين. فعامة القراء اتبعوا الرسم، والكسائي وقف على " وي " ~~وأبو عمرو على " ويك " وهذا كله في وقف الاختيار دون الاختبار كنظائر ~~تقدمت. # الخامس: أن ويكأن كلها كلمة مستقلة بسيطة ومعناها " ألم تر ~~". وربما نقل ذلك عن ابن عباس، ونقل الكسائي والفراء أنها بمعنى: أما ~~ترى إلى صنع الله، قال الفراء: هي كلمة تقرير، وذكر أنه أخبره من سمع ~~أعرابية تقول لزوجها: أين ابنك؟ قال: وي كأنه وراء البيت، يعني: أما ~~ترينه وراء البيت، وحكى ابن قتيبة أنها بمعنى: رحمة لك في لغة حمير. # قوله: { لولا ms6907 أن من الله } قرأ الأعمش " لولا من " ~~بحذف " أن " وهي مرادة، لأن لولا هذه لا يليها إلا المبتدأ، وعنه " ~~من " برفع النون وجر الجلالة، وهي واضحة. # قوله: لخسف " قرأ حفص: " لخسف " مبنيا للفاعل أي الله تعالى، ~~والباقون ببنائه للمفعول، و " بنا " هو القائم مقام الفاعل، وعبد الله ~~وطلحة لا نخسف بنا أي: المكان، وقيل: " بنا " هو القائم مقام ~~الفاعل كقولك: انقطع بنا، وهي عبارة رديئة وقيل: الفاعل: ضمير المصدر أي: ~~لا نخسف الانخساف وهي عنه أيضا، وعن عبد الله " لتخسف " بتاء من ~~فوق وتشديد السين مبنيا للمفعول، وبنا قائم مقامه. # قوله: " ويكأن " كلمة مستعملة عند التنبيه للخطاب وإظهار التندم، ~~فلما قالوا: # يليت لنا مثل مآ أوتي قارون # [القصص: 79] ثم شاهدوا الخسف تنبهوا لخطئهم، ثم قالوا: كأنه { يبسط ~~الرزق لمن يشآء من عباده } بحسب مشيئته وحكمته لا لكرامته ~~عليه، ويضيق على من يشاء لا لهوان من يضيق عليه، بل لحكمته وقضائه ~~ابتلاء وفتنة، قال سيبويه: سألت الخليل عن هذا الحرف، فقال: " وي " ~~مفصولة من " كأن " وأن القوم تنبهوا وقالوا متندمين على ما سلف منهم. # قوله تعالى: " تلك الدار " مبتدأ وصفته، و " نجعلها " هو ~~الخبر، ويجوز أن يكون " الدار " هو الخبر " ونجعلها " خبرا آخر، ~~وحال والأولى أحسن، وهذا تعظيم لها وتفخيم لشأنها، يعني: تلك التي سمعت ~~بذكرها وبلغك وصفها { للذين لا يريدون علوا في الأرض ~~ولا فسادا } ليفيد أن كلا منهما مستقل في بابه لا مجموعهما، { ~~والعاقبة للمتقين }. ### || [28.84-88] # قوله: { من جآء بالحسنة فله خير منها } ، لما ~~بين أن الدار الآخرة ليست إلا للمتقين بين بعد ذلك ما يحصل لهم فقال: ~~{ من جآء بالحسنة فله خير منها } ، والمعنى: أنهم ~~يزادون على ثوابهم، وقوله: { ومن جآء بالسيئة فلا يجزى ~~الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون } ~~وظاهره أنهم لا يزادون على ما يستحقون. # فقوله: { فلا يجزى الذين } من إقامة الظاهر مقام المضمر ~~تشنيعا عليهم، وقوله: { إلا ما كانوا } أي: إلا مثل ما كانوا، ~~قال الزمخشري: إنما كرر ذكر السيئات، لأن في إسناد عمل ms6908 السيئة إليهم ~~مكررا فضل تهجين لحالهم، وزيادة تبغيض للسيئة إلى السامعين، وهذا من ~~فضله العظيم أنه لا يجزي بالسيئة إلا مثلها، ويجزي بالحسنة بعشر أمثالها. # فإن قيل: قال تعالى: # إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم ~~فلها # [الإسراء: 7] كرر ذكر الإحسان واكتفى في ذكر الإساءة بمرة واحدة، (وفي ~~هذه الآية كرر الإساءة واكتفى في ذكر الإحسان بمرة واحدة) فما السبب؟ # والجواب: أن هذا المقام مقام الترغيب في الدار الآخرة فكانت المبالغة في ~~النهي عن المعصية مبالغة في الدعوة إلى الآخرة، وأما الآية الأخرى فهي في ~~شرح حالهم فكانت المبالغة في ذكر محاسنهم أولى. فإن قيل: كيف لا تجزى ~~السيئة إلا بمثلها مع أن المتكلم بكلمة الكفر إذا مات في الحال عذب أبد ~~الآباد؟ فالجواب: لأنه كان على عزم أنه لو عاش أبدا لقال ذلك فعومل ~~بمقتضى عزمه. # قوله: { إن الذي فرض عليك القرآن } قال أبو علي: فرض ~~عليك أحكامه وفرائضه " لرادك " بعد الموت " إلى معاد " وتنكير ~~المعاد لتعظيمه، كأنه قال: معاد وأي معاد، أي ليس لغيرك من البشر ~~مثله، وقيل: المراد به مكة وترداده إليها يوم الفتح، ووجه تنكيره إياها ~~كانت في ذلك اليوم معادا لها شأن عظيم لاستيلاء رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عليها، وقهره لأهلها وإظهار عز الإسلام وإذلال حزب الكفرة، ~~والسورة مكية، فكأن الله تعالى وعده وهو بمكة حين أوذي وهو في غلبة من ~~أهلها أنه يهاجر منها، ويعيده إليها ظاهرا ظافرا، وقال مقاتل: # " إنه صلى الله عليه وسلم خرج من الغار وسار في غير الطريق مخافة ~~الطلب فلما رجع إلى الطريق نزل بالجحفة بين مكة والمدينة، وعرف الطريق ~~إلى مكة واشتاق إليها وذكر مولده ومولد أبيه، فنزل جبريل فقال: أتشتاق ~~إلى بلدك ومولدك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نعم " فقال ~~جبريل إن الله يقول: { إن الذي فرض عليك القرآن ~~لرآدك إلى معاد } " # يعني مكة ظاهرا عليهم قال المحققون: وهذا حد ما يدل على نبوته، لأنه ~~أخبر عن الغيب ووقع ما أخبر به فيكون معجزا. ms6909 # قوله: { من جآء بالهدى } منصوب بمضمر، أي: يعلم أو " ~~أعلم " إن جعلناها بمعنى عالم وأعملناها إعماله، ووجه تعلقه بما قبله ~~أن الله تعالى لما وعد رسوله - صلى الله عليه وسلم - الرد إلى معاد ~~قال: قل للمشركين { ربي أعلم من جآء بالهدى } يعني نفسه ~~وما يستحقه من الثواب في المعاد والإعزاز بالإعادة إلى مكة { ومن هو ~~في ضلال مبين } يعنيهم وما يستحقونه من العذاب في معادهم. # قوله: { وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب } أي: ~~يوحى إليك القرآن { إلا رحمة من ربك } قال الفراء هذا ~~استثناء منقطع، أي: لكن رحمة من ربك فأعطاك القرآن وقيل: متصل. قال ~~الزمخشري: هذا كلام محمول على المعنى، كأنه قيل: وما ألقي إليك الكتاب ~~إلا رحمة. فيكون استثناء من الأحوال ومن المفعول له، { فلا تكونن ~~ظهيرا للكافرين } أي: معينا لهم على دينهم، قال مقاتل: وذلك ~~حين دعي إلى دين آبائه فذكره الله نعمه ونهاه عن مظاهرتهم على ما هم ~~عليه. # قوله: { ولا يصدنك عن آيات الله } قرأ العامة بفتح ~~الياء وضم الصاد، من: صده يصده، وقرىء بضم الياء وكسر الصاد، من: ~~أصده بمعنى صده، حكاها أبو زيد عن كلب. قال الشاعر: # 4023 - أناس أصدوا الناس بالسيف عنهم # صدود السواقي عن أنوف الحوائم # وأصل " يصدنك " " يصدوننك " ، ففعل فيه ما فعل في # ليقولن ما يحبسه # [هود: 8]، والمعنى لا تلتفت إلى هؤلاء ولا تركن إلى قولهم فيصدوك عن ~~اتباع آيات الله يعني القرآن. { بعد إذ أنزلت إليك وادع ~~إلى ربك } أي: إلى دين ربك وإلى معرفته وتوحيده { ولا ~~تكونن من المشركين } قال ابن عباس: الخطاب في الظاهر للنبي ~~صلى الله عليه وسلم والمراد به: أهل دينه، أي: لا تظاهروا الكفار ولا ~~توافقوهم ومثله: { ولا تدع مع الله إلها آخر } وهذا وإن ~~كان واجبا على الكل إلا أنه تعالى خاطبه به خصوصا لأجل (التعليم)، ~~فإن قيل: الرسول كان معلوما منه أنه لا يفعل شيئا من ذلك ألبتة، فما ~~فائدة ذلك النهي؟ فالجواب: أن الخطاب وإن كان معه لكن المراد غيره، ms6910 ~~ويجوز أن يكون المعنى: لا تعتمد على غير الله ولا تتخذ غيره وكيلا في ~~أمورك، فإن وثق بغير الله فكأنه لم يكمل طريقه في التوحيد، ثم بين ~~أنه لا إله إلا هو أي: لا نافع ولا ضار ولا معطي ولا مانع إلا هو ~~كقوله: # رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو ~~فاتخذه وكيلا # [المزمل: 9] فلا يجوز اتخاذ إله سواه. # قوله: { كل شيء هالك إلا وجهه } من جعل شيئا يطلق على ~~الباري تعالى - وهو الصحيح - قال: هذا استثناء متصل، والمراد بالوجه ~~الذات، وإنما جرى على عادة العرب في التعبير بالأشرف عن الجملة، ومن لم ~~يطلق عليه جعله متصلا أيضا، وجعل الوجه ما عمل لأجله أو الجاه الذي بين ~~الناس، أو يجعله منقطعا أي: لكن هو تعالى لم يهلك. # فصل # استدلت المعتزلة على أن الجنة والنار غير مخلوقتين بأن هذه الآية ~~تقتضي فناء الكل، فلو كانتا مخلوقتين لكان هذا يناقض قوله تعالى في صفة ~~الجنة # أكلها دآئم # [الرعد: 35]، والجواب: هذا معارض بقوله تعالى (في صفة الجنة) # أعدت للمتقين # [آل عمران: 133] وفي صفة النار: # وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين # [البقرة: 24] ثم إما أن يحمل قوله: { كل شيء هالك } على الأكثر ~~كقوله: # وأوتيت من كل شيء # [النمل: 24] أو يحمل على الفناء القليل كقوله: # أكلها دآئم # [الرعد: 35] على أن فناءها لما كان قليلا بالنسبة إلى زمان بقائها لا ~~جرم أطلق لفظ الدوام عليها. # قوله: " وإليه ترجعون " أي: في الآخرة، والعامة على بنائه ~~للمفعول، وعيسى على بنائه للفاعل، روى الثعالبي في تفسيره عن أبي بن ~~كعب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # " من قرأ طسم القصص لم يبق في السموات والأرض إلا شهد له يوم القيامة ~~أنه كان مصدقا أن كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون ~~". ### | [29 - سورة العنكبوت] ### || [29.1-3] # اعلم أن منكري الحشر يقولون لا فائدة في التكاليف، فإنها مشاق في الحال، ~~ولا فائدة لها في المآل؛ إذ لا مآل ولا مرجع بعد الهلاك والزوال، فلما ~~بين الله تعالى أنهم ms6911 إليه يرجعون في آخر السورة قبلها بين أن الأمر ليس ~~على ما حسبوه، بل (حسن التكليف)، لأنه يهذب الشكور ويعذب الكفور، فقال: { ~~أحسب الناس أن يتركوا } غير مكلفين من غير عمل يرجعون به ~~إلى ربهم. # فصل في حكمة افتتاح هذه السور بحروف التهجي # ولنذكر كلاما كليا في افتتاح السور بالحروف. # اعلم أن الحكيم إذا خاطب من يكون محل الغفلة، أو من يكون مشغول البال ~~بشغل يشغله يقدم على الكلام المقصود سببا غيره ليلتفت المخاطب (إليه) ~~بسببه، ويقبل بقلبه عليه، ثم يشرع في المقصود. # واعلم أن ذلك المتقدم على الكلام (المقصود قد يكون كلاما له معنى ~~مفهوما، كقول القائل: " زيد، ويا زيد " و " ألا زيد ". # وقد يكون المقدم صوتا) غير مفهوم، كمن يصفر خلف إنسان ليلتفت وقد ~~يكون الصوت بغير الفم، كتصفيق الإنسان بيده، ليقبل السامع عليه. # ثم إن توقع الغفلة (كلما كان أتم، والكلام المقصود كان أهم)، كان المقدم ~~على الكلام المقصود أكثر ولهذا ينادى القريب " بالهمزة " فيقال: " ~~أزيد " ، والبعيد ب " يا " ، فيقال: " يا زيد " ، والغافل ينبه ~~أولا، فيقال: " ألا يا زيد ". # إذا تقرر هذا فنقول: النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن كان يقظان ~~الجنان لكنه إنسان يشغله شأن عن شأن، فحسن من الحكيم أن يقدم على ~~الكلام المقصود حروفا هي كالمنبهات. # وتلك الحروف إذا لم يفهم معناها تكون أتم في إفادة المقصود الذي هو ~~التنبيه من تقديم الحروف المفهومة، لأن الحروف إذا كانت مفهومة المعنى، ~~وذكرت لإقبال السامع على المتكلم لكي يسمع ما بعد ذلك فربما يظن السامع ~~أنه كل المقصود و " لا " كلام بعد ذلك فيقطع الالتفات عنه أما إذا سمع ~~صوتا بلا معنى فإنه يقبل عليه ولا يقطع نظره عنه ما لم يسمع غيره، لجزمه ~~بأن ما سمعه ليس هو المقصود. # فإذن تقديم الحروف التي لا يفهم معناها على الكلام المقصود فيه حكمة ~~بالغة. # فإن قيل: فما الحكمة في اختصاص بعض السور بهذه الحروف؟ # فالجواب: قال ابن الخطيب: عقل البشر يعجز عن إدراك الأشياء الكلية ~~على تفاصيلها، ms6912 لكن نذكر ما يوفقنا الله له فنقول: كل سورة في أوائلها ~~(حروف التهجي فإن في أوائلها) ذكر الكتاب أو التنزيل، أو القرآن كقوله ~~تعالى: # الم ذلك الكتاب # [البقرة: 1-2] # الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم # [آل عمران: 1-3] # المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك # [الأعراف: 1-2] # يس والقرآن الحكيم # [يس: 1-2] # الم تنزيل الكتاب # [السجدة: 1-2] # حم تنزيل # [غافر: 1-2] # ق والقرآن المجيد # [ق: 1-2] # ص والقرآن ذي الذكر # [ص: 1-2] (إلا ثلاث سور) # كهيعص # [مريم: 1] { الم أحسب الناس } [العنكبوت: 1-2] # الم غلبت الروم # [الروم: 1-2]. # والحكمة في افتتاح السور التي فيها الكتاب والتنزيل والكتاب بالحروف (و) ~~هي أن القرآن عظيم، والإنزال له أثقل، كما قال تعالى: # إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا # [المزمل: 5]، فكذلك قدم عليها تنبيه يوجب ثبات المخاطب لاستماعه. # لا يقال: كل سورة قرآن، واستماعها استماع للقرآن، سواء كان فيها ذكر ~~الكتاب أو التنزيل أو القرآن أو لم يكن فيجب أن يكون في أول كل سورة ~~(منبه)، وأيضا فقد وردت سور فيها ذكر الإنزال، والكتاب، وليس فيها حروف، ~~كقوله تعالى: # الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم ~~يجعل له عوجا # [الكهف: 1] # سورة أنزلناها وفرضناها # [النور: 1] # تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون ~~للعالمين نذيرا # [الفرقان: 1] # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر: 1] لأنا نقول جوابا عن الأول: (لا ريب) في أن كل سورة من ~~القرآن، لكن السورة التي فيها ذكر القرآن والكتاب - مع أنهما من القرآن - ~~فيها تنبيه على كل القرآن، فإن قوله تعالى: # طه مآ أنزلنا عليك القرآن لتشقى # [طه: 1-2] مع أنها بعض القرآن فيها ذكر جميع القرآن، فيصير مثاله كتاب ~~يرد من ملك على مملوكه فيه شغل ما، وكتاب آخر يرد منه عليه فيه: ~~" إنا كتبنا إليك كتابا فيه أمرنا فامتثله " فلا شك أن هذا الكتاب ~~الآخر أكثر ثقلا من الأول. # وعن الثاني: أن قوله: " الحمد لله، وتبارك الذي " تسبيحات مقصودة، ~~وتسبيح الله لا يغفل عنه العبد، فلا يحتاج إلى منبه، ms6913 بخلاف الأوامر ~~والنواهي، وأما ذكر الكتاب فيها فلبيان وصف عظمة من له التسبيح، و " ~~سورة أنزلناها " قد بينا أنها بعض من القرآن فيها ذكر إنزالها، وفي ~~السورة التي ذكرناها ذكر جميع القرآن فهو أعظم وأثقل. # وأما قوله تعالى: " إنا أنزلناه " فهذا ليس ورودا على مشغول القلب ~~بشيء غيره، بدليل أنه ذكر الكتاب فيها وهي ترجع إلى مذكور سابق أو معلوم ~~عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فكان منبها له فلم ينبه. # واعلم أن التنبيه قد حصل في القرآن بغير الحروف التي لا يفهم معناها، ~~كقوله تعالى: # يأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة ~~شيء عظيم # [الحج: 1]، وقوله: # يا أيها النبي اتق الله # [الأحزاب: 1] # يأيها النبي لم تحرم # [التحريم: 1] لأنها أشياء هائلة عظيمة، فإن تقوى الله حق تقاته أمر عظيم ~~فقدم عليها النداء الذي يكون للبعيد الغافل عنها. وأما هذه السور افتتحت ~~بالحروف وليس فيها الابتداء بالكتاب والقرآن، وذلك لأن ثقل القرآن هو ~~ما فيه من التكاليف والمعاد، وهذه السورة فيها ذكر جميع التكاليف حيث ~~قال: { أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا } ~~يعني لا يتركون بمجرد ذلك، بل لا بد وأن يؤمنوا بأنواع التكاليف، ففيها ~~المعنى الذي في السورة التي ذكر فيها القرآن المشتمل على الأوامر ~~والنواهي. # فإن قيل: فهذا المعنى ورد في سورة التوبة وهو قوله: # برآءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من ~~المشركين # [التوبة: 1] ولم يقدم عليه حروف التهجي!. # فالجواب: أن هذا ابتداء كلام، ولهذا وقع الاستفهام بالهمزة، فقال: " ~~أحسب " ، وذلك وسط كلام بدليل وقوع الاستفهام تاما، والتنبيه (يكون) ~~في أول الكلام، لا في أثنائه. # وأما { الم غلبت الروم } فسيجيء في موضعه إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: { أن يتركوا أن يقولوا آمنا }. # قوله: " أن يتركوا " سد مسد مفعولي " حسب " عند الجمهور، ومسد أحدهما ~~عند الأخفش. # قوله: " أن يقولوا " فيه أوجه: # أحدها: أنه بدل من " أن يتركوا " ، أبدل مصدرا مؤولا من مثله. # الثاني: أنها على إسقاط الخافض، وهو الباء واللام، أي: بأن يقولوا، أو ~~لأن يقولوا. # قال ms6914 ابن عطية وأبو البقاء: إذا قدرت الباء كان حالا. # قال ابن عطية: والمعنى في الباء واللام مختلف، وذلك أنه في الباء، كما ~~تقول: تركت زيدا بحاله وهي في اللام بمعنى من أجل، أي: أحسبوا أن ~~إيمانهم علة للترك انتهى. # وهذا تفسير معنى، ولو فسر الإعراب لقال: أحسبانهم الترك لأجل تلفظهم ~~بالإيمان. # وقال الزمخشري: فإن قلت: فأين الكلام الدال على المضمون الذي يقتضيه ~~الحسبان (في الآية)؟ # قلت: هو في قوله: { أأن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم ~~لا يفتنون } ، وذلك أن تقديره: أحسبوا تركهم غير مفتونين ~~لقولهم: آمنا، فالترك أولى مفعولي " حسب " ، وقولهم آمنا هو الخبر، وأما ~~غير مفتونين فتتمة الترك، لأنه من الترك الذي هو بمعنى التصيير، كقوله: # 2024 - فتركته جزر السباع ينشنه # ........................... # ألا ترى أنك قبل المجيء بالحسبان تقدر أن تقول: (تركهم) غير مفتونين ~~لقولهم آمنا، على تقدير حاصل ومستقر قبل اللام. # فإن قلت: أن يقولوا هو علة تركهم غير مفتونين فكيف يصح أن يقع خبر ~~مبتدأ؟ # قلت: كما تقول: خروجه لمخافة الشر، وضربه للتأديب وقد كان التأديب ~~والمخافة في قولك: خرجت (مخافة) الشر وضربته تأديبا تعليلين. وتقول ~~أيضا: حسبت خروجه لمخافة الشر، وظننت ضربه للتأديب فتجعلهما ~~مفعولين كما جعلتهما مبتدأ وخبرا. # قال أبو حيان: وهذا كلام فيه اضطراب، ذكر أولا أن تقديره غير مفتونين ~~تتمة يعني أنه حال، لأنه سبك ذلك من قوله: { وهم لا يفتنون } ~~وهي جملة حالية، ثم ذكر " أن يتركوا " هنا من الترك الذي هو تصيير، وهذا ~~لا يصح، لأن مفعول " صير " الثاني لا يستقيم أن يكون لقولهم، إذا يصير ~~التقدير: أن يصيروا لقولهم وهم لا يفتنون وهذا كلام لا يصح. # وأما ما مثله به من البيت فإنه يصح أن يكون " جزر السباع " مفعولا ~~ثانيا لترك - بمعنى صير - بخلاف ما قدر في الآية. # وأما تقديره: تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا على تقدير حاصل ومستقر قبل ~~اللام فلا يصح؛ إذ كان تركهم بمعنى تصييرهم كان غير مفتونين حالا، إذ لا ~~ينعقد من تركهم بمعنى تصييرهم ولقولهم مبتدأ ms6915 وخبر لاحتياج تركهم بمعنى ~~تصييرهم إلى مفعول ثان، لأن غير مفتونين عنده حال، لا مفعول ثان. # وأما قوله: فإن قلت: أن يقولوا إلى آخره فيحتاج إلى فضله (فهم)، وذلك أن ~~قوله: أن يقولوا هو علة تركهم، فليس كذلك، لأنه لو كان علة لكان به ~~متعلقا كما يتعلق بالفعل، ولكنه علة الخبر المحذوف الذي هو مستقر أو ~~كائن، والخبر غير المبتدأ، ولو كان " لقولهم " علة للترك لكان من تمامه ~~فكان يحتاج إلى خبر. # وأما قوله: كما تقول: خروجه لمخافة الشر، فلمخافة ليس علة ~~للخروج، بل للخبر المحذوف الذي هو مستقر أو كائن انتهى. # قال شهاب الدين: " ويجاب الشيخ بأن الزمخشري إنما نظر إلى جانب المعنى، ~~وكلامه عليه صحيح. # وأما قوله: ليس علة للخروج ونحو ذلك، يعني في اللفظ، فأما في المعنى فهو ~~علة قطعا، ولولا خوف الخروج فات المقصود " # فصل # معنى الآية: أحسب الناس أن يتركوا بغير اختبار ولا ابتلاء أن يقولوا ~~آمنا { وهم لا يفتنون } وهم لا يبتلون في أموالهم وأنفسهم، ~~كلا لنختبرنهم، ليتبين المخلص من المنافق، والصادق من الكاذب. # واختلفوا في سبب نزول هذه الآية، قال الشعبي: نزلت في ناس كانوا بمكة قد ~~أقروا بالإسلام، فكتب إليهم أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يقبل ~~منكم إقرار باللسان حتى تهاجروا، فخرجوا عامدين إلى المدينة، فاتبعهم ~~المشركون فقاتلوهم، فقتل بعضهم ونجا بعضهم، فأنزل الله هاتين الآيتين. # وقال ابن عباس: نزلت في الذين آمنوا بمكة، وكانوا يعذبون سلمة بن هشام ~~وعياش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد، وعمار بن ياسر وغيرهم. # وقال مقاتل: نزلت في مهجع بن عبد الله، مولى عمر بن الخطاب، كان أول ~~قتيل من المسلمين يوم بدر فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: # " سيد الشهداء مهجع، وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه ~~الأمة " # فجزع أبواه وامرأته، فأنزل الله فيه هذه الآية، وقيل: وهم لا يفتنون ~~بالأوامر والنواهي، وذلك أن الله تعالى أمرهم في الابتداء بمجرد الإيمان، ~~ثم فرض عليهم الصلاة والزكاة وسائر الشرائع فشق على ms6916 بعض فأنزل الله هذه ~~الآية. # ثم عزاهم فقال: { ولقد فتنا الذين من قبلهم } يعني ~~الأنبياء والمؤمنين، فمنهم من نشر بمنشار، ومنهم من قتل، وابتلي ~~بنو إسرائيل بفرعون، فكان يسومهم سوء العذاب. # قوله: { فليعلمن الله الذين صدقوا } العامة على فتح ~~الياء مضارع " علم " المتعدية لواحد كذا قالوا وفيه إشكال تقدم وهو ~~أنها إذا تعدت لمفعول كانت بمعنى عرف، وهذا المعنى لا يجوز إسناده إلى ~~الباري تعالى، لأنه يستدعي سبق حصل ولأنه يتعلق بالذات فقط، دون ما عليه ~~من الأحوال. # وقرأ علي وجعفر بن محمد بضم الياء مضارع " أعلم " ، (ويحتمل أن ~~يكون من علم بمعنى عرف، فلما جيء بهمزة النقل أكسبتها مفعولا آخر، فحذف. # ثم هذا المفعول) يحتمل أن يكون هو الأول، أي ليعلمن الله الناس ~~الصادقين وليعلمهم الكاذبين أي بشهرة يعرف لها هؤلاء من هؤلاء، وأن ~~يكون الثاني، أي ليعلمن هؤلاء منازلهم، وهؤلاء منازلهم في الآخرة، ويحتمل ~~أن يكون من العلامة، وهي السيما، فلا يتعدى إلا لواحد أي ليجعلن لهم ~~علامة يعرفون بها. # وقرأ الزهري الأولى كالمشهورة والثانية كالشاذة. # فصل # المعنى: فليعلمن الله الذين صدقوا في قولهم: آمنا، وليعلمن الكاذبين. # قال المفسرون: ظاهر الآية يدل على تجدد العلم، والله تعالى عالم بهم قبل ~~الاختبار. ومعنى الآية: فليظهرن الله الصادقين من الكاذبين حتى يوحد ~~معلومه. # وقال مقاتل: فليرين الله. وقيل: ليميز الله، كقوله: # ليميز الله الخبيث من الطيب # [الأنفال: 37]. # وقال ابن الخطيب: الية محمولة على ظاهرها، وذلك أن علم الله صفة يظهر ~~فيها كل ما هو واقع كما هو واقع، فقبل التكليف كان الله تعالى يعلم ~~أن زيدا مثلا سيطيع وعمرا سيعصي ثم وقت التكليف بالإتيان ~~يعلم أنه أطاع، والآخر عصى، ولا يتغير علمه في شيء من الأحوال، وإنما ~~المتغير المعلوم. # ومثال ذلك في الحسيات أن المرآة الصافية الصقيلة إذا علقت في ~~موضع، وقوبل بوجهها جهة (ولم تحرك) ثم عبر عليها زيد لابسا ثوبا أبيض ~~يظهر فيها زيد في ثوب أبيض، وإذا عبر عليها " عمرو " في ثوب أصفر يظهر ~~فيها كذلك. فهل ms6917 يقع في ذهن أحد أن المرآة في كونها حديدا تغيرت، أو يقع ~~له أنها في تدويرها تبدلت أو أنها في صقالتها اختلفت، أو يخطر بباله أنها ~~عن مكانها انتقلت؟ لا يقع لأحد شيء من هذه الأشياء ويقطع بأن المتغير ~~إنما هو الخارجات. # فعلم الله من هذا المثال بل أعلى من هذا المثال، فإن المرآة ممكنة ~~التغيير، وعلم الله غير ممكن التغيير، فقوله: " فليعلمن الله ~~" من هذا المثال يعني يعلم من علم الله أنه يأتي بالطاعة فيعلم أنه مطيع ~~بذلك العلم. وليعلمن الكاذبين، يعني من قال: أنا مؤمن، وكان كذابا فبفرض ~~العبادات عليه يظهر منه ذلك ويعلم. # وفي قوله: { الذين صدقوا } بصيغة الفعل، وفي قوله: " ~~الكاذبين " فائدة مع أن الاختلاف في اللفظ أدل على الفصاحة وهي أن ~~اسم الفاعل يدل في كثير من المواضع على ثبوت المصدر في الفاعل ورسوخه ~~فيه، والفعل الماضي لا يدل عليه، كما يقال: فلان شرب الخمر، ~~وفلان شارب الخمر، وفلان نفذ أمره، وفلان نافذ أمره، لا يفهم ~~من صيغة الفعل التكرار والرسوخ، ويفهم من اسم الفاعل ذلك إذا ثبت هذا ~~فنقول: وقت نزول الآية كانت الحكاية في قوم قرباء العهد بالإسلام في ~~أوائل إيجاب التكاليف، وعن قوم قديمين في الكفر، مستمرين فيه. # فقال في حق المؤمنين: " الذين صدقوا " بصيغة الفعل أي وجد منهم الصدق ~~وقال في حق الذين كفروا: " الكاذبين " بالصيغة المفهمة للثبات والدوام، ~~فلهذا قال: # يوم ينفع الصادقين صدقهم # [المائدة: 119] بلفظ اسم الفاعل، لأن في اليوم المذكور يكون الصدق قد ~~رسخ في المؤمن وهو اليوم الآخر. ### || [29.4-9] # قوله تعالى: { أم حسب الذين يعملون السيئات } " أم ~~" هذه منقطعة، فتقدر ببل والهمزة عند الجمهور، والإضراب انتقال لا إبطال. # قال ابن عطية: أم معادلة للألف في قوله: " أحسب " وكأنه عز وجل قرر ~~الفريقين، قرر المؤمنين أنهم لا يفتنون، وقرر الكافرين أنهم يسبقون نقمات ~~الله. # قال أبو حيان: " ليست معادلة "؛ إذ لو كانت كذلك لكانت متصلة، ولا جائز ~~أن تكون متصلة لفقد شرطين: # أحدهما: أن ما بعدها ليس مفردا، ms6918 ولا ما في قوته. # والثاني: أنه لم يكن هنا ما يجاب به من أحد شيئين أو أشياء. # وجوز الزمخشري في " حسب " هذه أن تتعدى لاثنين، وجعل " أن " وما في ~~خبرها سادة مسدهما، كقوله: # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة # [البقرة: 214]، وأن تتعدى لواحد على أنها مضمنة معنى " قدر " ، إلا أن ~~التضمين لا ينقاس # قوله: { سآء ما يحكمون } يجوز أن تكون " ساء " بمعنى بئس فتكون ~~" ما " إما موصولة بمعنى الذي، و " يحكمون " صلتها، وهي فاعل ساء، ~~والمخصوص بالذم محذوف أي حكمهم. # ويجوز أن تكون " ما " تمييزا، و " يحكمون " صفتها، والفاعل مضمر يفسره ~~" ما " والمخصوص أيضا محذوف. # ويجوز أن تكون ساء بمعنى قبح، فيجوز في " ما " أن تكون مصدرية، ~~وبمعنى الذي، ونكرة موصوفة، وجيء ب " يحكمون " دون " حكموا " إما ~~للتنبيه على أن هذا ديدنهم وإما لوقوعه موقع الماضي لأجل الفاصلة. # ويجوز أن تكون ما مصدرية وهو قول ابن كيسان فعلى هذا يكون التمييز ~~محذوفا، والمصدر المؤول مخصوص بالذم أي ساء حكما حكمهم. # وقد تقدم حكم " ما " إذا اتصلت ببئس مشبعا في البقرة. # فصل # لما بين حسن التكليف بقوله: { أحسب الناس أن يتركوا } بين ~~أن من كلف بشيء ولم يأت به يعذب، وإن لم يعذب في الحال فسيعذب في ~~الاستقبال، ولا يفوت الله شيء. في الحال ولا في المآل. # فقوله: { أم حسب الذين يعملون السيئات } يعني الشرك ~~" أن يسبقونا " أي يعجزونا ويفوتونا، فلا نقدرعلى الانتقام منهم { ساء ~~ما يحكمون } بئس ما حكموا حين ظنوا ذلك. # قوله: { من كان يرجوا } يجوز أن تكون من شرطية، وأن تكون موصولة ~~ودخلت الفاء لشبهها بالشرطية. # فإن قيل: المعلق بالشرط عدم عدم الشرط، فمن لا يرجو لقاء الله لا ~~يكون أجل الله آتيا له، وهذا باطل، لأن أجل الله آت لا محالة من غير ~~تقييد بشرط؟ # فالجواب: أن قوله: { فإن أجل الله لآت } ليس بجواب، بل ~~الجواب محذوف، أي فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا كما قد ~~صرح به. # وقال ابن الخطيب: المراد من ذكر إتيان الأجل ms6919 وعد المطيع بما يعده من ~~الثواب أي من كان يرجو لقاء الله فإن أجره لآت بثواب الله، أي يثاب ~~على طاعته، ومن لا يرجو لقاء الله آتيا له على وجه الثواب. # فصل # قال ابن عباس ومقاتل: من كان يخشى البعث والحساب. والرجاء بمعنى الخوف. ~~وقال سعيد بن جبير: من كان يطمع في ثواب الله فإن أجل الله يعني ما وعد ~~الله من الثواب والعقاب. # وقال مقاتل: يعني أن يوم القيامة لكائن والمعنى: أن من يخشى الله ويأمله ~~فليستعد له، وليعمل لذلك اليوم، كقوله # فمن كان يرجو لقآء ربه فليعمل عملا # [الكهف: 110] الآية كما تقدم. # { وهو السميع العليم } ولم يذكر صفة غيرهما، لأنه سبق القول ~~في قوله: { أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا } ~~وسبق القول بقوله: { وهم لا يفتنون } وبقوله: { فليعلمن ~~الله الذين صدقوا } وقوله: { أم حسب الذين ~~يعملون السيئات } ولا شك أن القول يدرك بالسمع والعمل منه ما ~~يدرك بالبصر، ومنه ما لا يدرك به، والعلم يشملهما، فقال: { وهو ~~السميع العليم } أي يسمع ما قالوه، ويعلم من صدق فيما قال، ومن ~~كذب أو عليم بما يعمل فيثيب ويعاقب. # قوله: { ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه } أي له ثوابه، ~~والجهاد هو الصبر على الشدة، ويكون ذلك في الحرب، وقد يكون على مخالفة ~~النفس. # فإن قيل: هذه الآية على أن الجزاء على العمل واجب، فإن قوله: { ~~فإنما يجاهد لنفسه } يفهم منه أن من جاهد ربح بجهاده ما ~~لولاه لما ربح. # فالجواب: هو كذلك ولكن بحكم الوعد لا بالاستحقاق. # فإن قيل: قوله " فإنما " يقتضي الحصر، فيكون جهاد المرء لنفسه فقط ولا ~~ينتفع به غيره وليس كذلك، فإن من جاهد ينتفع به هو، ومن يريد نفعه حتى إن ~~الوالد والولد ببركة المجاهد وجهاده ينتفعون به. # فالجواب: أن ذلك نفع له، فإن انتفاع الولد انتفاع للأب، والحصر هنا ~~معناه أن جهاده لا يصل إلى الله منه نفع، ويدل عليه قوله: { إن ~~الله لغني عن العالمين } أي عن أعمالهم وعبادتهم. # قوله: { والذين آمنوا } يجوز أن يكون ms6920 مرفوعا بالابتداء والخبر ~~جملة القسم المحذوفة وجوابها أي: والله لنكفرن. ويجوز أن يكون منصوبا ~~بفعل مضمر على الاشتغال، أي: وليخلص الذين آمنوا من سيئاتهم. # والتكفير: إذهاب السيئة بالحسنة، والمعنى: لنذهبن سيئاتهم حتى ~~تصير بمنزلة من لم يعمل. # فإن قيل: قوله: فلنكفرن (عنهم سيئاتهم يستدعي وجود السيئات حتى تكفر، { ~~والذين آمنوا وعملوا الصالحات } بأسرها من أين يكون) ~~لهم سيئة؟ # فالجواب: ما من مكلف إلا وله سيئة، أما غير الأنبياء فظاهر، وأما ~~الأنبياء فلأن ترك الأفضل منهم كالسيئة من غيرهم، ولهذا قال تعالى: # عفا الله عنك لم أذنت لهم # [التوبة: 43]. # قوله: { أحسن الذي كانوا } ، قيل: على حذف مضاف، أي: ثواب ~~الذي فالمراد بأحسن هنا مجرد الوصف. # قيل: لئلا يلزم أن يكون جزاؤهم مسكوتا عنه، وهذا ليس بشيء، لأنه من باب ~~الأولى إذا جازاهم بالأحسن جازاهم بما دونه فهو من التنبيه على الأدنى ~~بالأعلى. # قال المفسرون: يجزيهم بأحسن أعمالهم وهو الطاعة. # وقيل: يعطيهم أكثر مما عملوا وأحسن، كما قال: # من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها # [الأنعام: 160]. # قوله: " حسنا " فيه أوجه: # أحدها: أنه نعت مصدر محذوف أي (إيصاء) حسنا، إما على المبالغة جعل ~~نفس الحسن، وإما على حذف مضاف (أي: ذا حسن). # الثاني: أنه مفعول به، قال ابن عطية: " وفي ذلك تجوز " ، والأصل ووصينا ~~الإنسان بالحسن في فعله مع والديه، ونظير ذلك قول الشاعر: # 4025 - عجبت من دهماء إذ تشكونا # ومن أبي دهماء إذ يوصينا # خيرا بها كأنما خافونا # ومنه قول الحطيئة: # 4026 - وصيت من برة قلبا حرا # بالكلب خيرا وبالحماة شرا # وعلىهذا فيكون الأصل: وصيناه بحسن في بر والديه، ثم جر " الوالدين " ~~بالهاء فانتصب حسنا وكذلك البيتان. والباء في الآية والبيتين في هذه ~~الحالة للظرفية. # الثالث: أن " بوالديه " هو المفعول الثاني، فنصب " حسنا " بإضمار فعل، ~~أي يحسن حسنا، فيكون مصدرا مؤكدا كذا قيل. # وفيه نظر، لأن عامل المؤكد لا يحذف. # الرابع: أنه مفعول به على التضمين أي من ألزمناه حسنا. # الخامس: أنه على إسقاط الخافض أي " بحسن ". # وعبر صاحب التحرير عن ذلك بالقطع. ms6921 # السادس: أن (بعض) الكوفيين قدره ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه حسنا. ~~وفيه حذف " أن " وصلتها، وإبقاء معمولها، ولا يجوز عند البصريين. # السابع: أن التقدير: وصيناه بإيتاء والديه حسنا. وفيه حذف المصدر ~~وإبقاء معموله ولا يجوز # الثامن: أنه منصوب انتصاب " زيدا " في قولك لمن رأيته متهيئا للضرب " ~~زيدا " أي اضرب زيدا، والتقدير هنا: أولهما حسنا، أو افعل بهما ~~حسنا. قالهما الزمخشري. # وقرأ عيسى والجحدري: " حسنا " وهما لغتان، كالبخل والبخل. وقد ~~تقدم ذلك في أوائل البقرة. # وقرىء: إحسانا، من قوله تعالى: # وبالوالدين إحسانا # [الإسراء: 23]. # فصل # معنى حسنا أي برا بهما، وعطفا عليهما، والمعنى: ووصينا الإنسان أن ~~يفعل بوالديه ما يحسن. نزلت هذه الآية، والتي في سورة لقمان والأحقاف في ~~سعد بن أبي وقاص، وهو سعد بن مالك أبو إسحاق الزهري وأمه حمنة بنت ~~أبي سفيان بن أمية من عبد شمس، لما أسلم، وكان من السابقين الأولين وكان ~~بارا بأمه، قالت أمه: ما هذا الدين الذي أحدثت؟ والله لا آكل ولا ~~أشرب حتى ترجع إلى ما كنت عليه أو أموت فتعير بذلك أبد الدهر، ويقال: ~~يا قاتل أمه. # ثم إنها مكثت يوما وليلة لم تأكل ولم تشرب (ولم تستظل فأصبحت قد ~~جهدت، ثم مكثت يوما آخر لم تأكل ولم تشرب) فجاء " سعد " إليها، وقال يا ~~أماه: لو كانت مائة نفس (فخرجت نفسا) نفسا ما تركت ديني فكلي، ~~وإن شئت فلا تأكلي فلما أيست منه أكلت وشربت فأنزل الله هذه الآية، وأمره ~~الله بالبر بوالديه والإحسان إليهما. # واعلم أنه إنما أمر بالإحسان للوالدين لأنهما سبب وجود الولد بالولادة ~~وسبب بقائه بالتربية المعتادة، والله تعالى بسبب له في الحقيقة بالإرادة، ~~وسبب بقائه بالإعادة للسعادة، فهو أولى بأن يحسن العبد حاله (معه). # قوله: { وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم ~~فلا تطعهمآ }. # قال عليه (الصلاة) والسلام: # " لا طاعة لمخلوق في معصية الله " # ثم أوعد بالمصير إليه، فقال: { إلي مرجعكم فأنبئكم ~~بما كنتم تعملون } أخبركم بصالح أعمالكم وسيئها فأجازيكم عليها ~~كأنه تعالى يقول: لا تظنوا ms6922 أني غائب عنكم وآباؤكم حاضرون فتوافقون ~~الحاضرين في الحال اعتمادا على غيبتي، وعدم علمي بمخالفتكم فإني حاضر ~~معكم أعلم ما تفعلون، ولا أنسى فأنبئكم بجميعه. # قوله: { والذين آمنوا } يجوز فيه الرفع على الابتداء، والنصب ~~على الاشتغال. # وقوله: { لندخلنهم في الصالحين } أي نجعلهم منهم، ~~وندخلهم في أعدادهم، كما يقال: الفقيه داخل في العلماء. والمعنى: نجعلهم ~~من جملة الصالحين وهم الأنبياء والأولياء. وقيل: في مدخل الصالحين وهو ~~الجنة. # فإن قيل: ما الفائدة في إعادة { والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات }؟ # فالجواب: أنه ذكر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولا، لبيان حال المهتدي ~~وثانيا، لبيان حال الهادي لأنه قال أولا: { لنكفرن عنهم ~~سيئاتهم }. # وقال ثانيا: { لندخلنهم في الصالحين } والصالحين هم ~~الهداة، لأنها مرتبة الأنبياء، ولهذا قال إبراهيم - عليه (الصلالة و) ~~السلام: " والحقني بالصالحين ". ### || [29.10-11] # قوله تعالى: { ومن الناس من يقول آمنا بالله } ~~المكلفون ثلاثة أقسام: مؤمن ظاهر بحسن اعتقاده، وكافر مجاهر بكفره، ~~وعناده، ومذبذب بينهما ويظهر الإيمان بلسانه ويضمر الكفر، فالله تعالى ~~لما بين القسمين الأولين بقوله: { أم حسب الذين يعملون ~~السيئات } إلى قوله: { والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات } بين القسم الثالث وهو المنافق فقال: { ومن الناس ~~من يقول آمنا بالله فإذآ أوذي في الله } أصابه بلاء ~~من الناس افتتن، { جعل فتنة الناس كعذاب الله } أي جعل ~~أذى الناس وعذابهم كعذاب الله في الآخرة أي جزع من أذى الناس ولم يصبر ~~عليه فأطاع الناس كما يطيع الله من يخاف عذابه، قال السدي، ابن زيد هذا ~~(في) المنافق إذا أوذي في الله رجع عن الدين وكفر. # واعلم أنه قال: " فتنة الناس " ولم يقل: " عذاب الناس "؛ لأن فعل العبد ~~ابتلاه من الله، والفتنة تسليط بعض الناس على من أظهر كلمة الإيمان ~~ليؤذيه فبين منزلته، كما جعل التكاليف ابتلاء وامتحانا، وهذا إشارة ~~(إلى) أن الصبر على البلية الصادرة (من الإنسان) كالصبر (على العبادات) ~~فإن قيل: هذا يقتضي منع المؤمن من إظهار كلمة الكفر بالإكراه لأن من أظهر ~~كلمة الكفر بالإكراه - احترازا عن التعذيب العاجل - يكون قد جعل فتنة ~~الناس كعذاب ms6923 الله. # فالجواب: ليس كذلك لأن من أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان لم يجعل ~~فتنة الناس كعذاب الله لأن عذاب الله يوجب ترك ما يعذب عليه ظاهرا ~~وباطنا بل في بطنه الإيمان. قوله: { ولئن جآء نصر من ~~ربك } أي فتح ودولة للمؤمنين " ليقولن " يعني هؤلاء المنافقين ~~للمؤمنين { إنا كنا معكم } على عدوكم، وقال: { ولئن جآء ~~نصر من ربك } ولم يقل: " ولئن جاءكم " " ولئن جاءك " ~~والنصر لو جاءهم ما كانوا يقولون إنا معكم، وهذا يقتضي أن يكونوا قائلين: ~~" إنا معكم " إذا جاء النصر لا يجيء إلا للمؤمنين كما قال تعالى: # وكان حقا علينا نصر المؤمنين # [الروم: 47]، ولأن غلبة الكافر على المسلم ليس بنصر، لأن النصر ما يكون ~~عاقبته سليمة، بدليل أن أحد الجيشين إذا انهزم في الحال ثم ذكر المهزوم ~~كرة أخرى وهزموا الغالبين لا يطلق اسم النصر إلا على من كان له العاقبة ~~فكذلك المسلم وإن كسر في الحال فالعاقبة للمتقين، والنصر لهم في الحقيقة. ~~فإن قيل: { ولئن جآء نصر من ربك } ولم يقل: " من الله " ~~من أن ما تقدم كله يذكر الله كقوله: { أوذي في الله } ، وقوله: " ~~كعذاب الله " فما الحكمة في ذلك؟ # فالجواب: لأن - " الرب " - اسم مدلوله الخاص به الشفقة والرحمة، و " ~~الله " اسم مدلوله الهيبة والعظمة، فعند النصر ذكر الاسم الدال على ~~الرحمة والشفقة، وعند العذاب ذكر اللفظ الدال على العظمة. # قوله: " ليقولن " العامة على ضم اللام، أسند الفعل لضمير جماعة، ~~حملا على معنى " من " بعد أن حمل على لفظها، ونقل أبو معاذ النحوي أنه ~~قرىء: ليقولن بالفتح، جريا على مراعاة لفظها أيضا، وقراءة العامة ~~أحسن لقوله: " إنا كنا ". # فصل # المعنى: إن المنافقين لما قالوا إنا كنا معكم، أي على عدوكم وكنا ~~مسلمين، وإنما أكرهنا حتى قلنا ما قلنا فكذبهم (الله) وقال: { أو ~~ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين } من الإيمان ~~والنفاق ولما بين أنه علم بما في قلوب العالمين بين أنه يعلم المؤمن ~~المحق وإن لم يتكلم، والمنافق وإن لم يتكلم فقال: { وليعلمن ~~الله الذين ms6924 آمنوا } صدقوا فثبتوا على الإسلام عند البلاء، " ~~وليعلمن المنافقين " بترك الإسلام عند البلاء، وتقدم الكلام ~~على (نظر) ذلك. (قال عكرمة) عن ابن عباس إنها نزلت في الذين أخرجهم ~~المشركون معهم إلى " بدر " ، وهم الذين نزلت فيهم: { إن الذين ~~آمنوا وليعلمن المنافقين } ، وقال مجاهد: نزلت في أناس ~~كانوا يؤمنون بألسنتهم فإذا أصابهم بلاء من الناس، أو مصيبة في أنفسهم ~~افتتنوا، وقال قتادة: نزلت في القوم الذين ردهم المشركون إلى مكة. ### || [29.12-13] # قوله تعالى: { وقال الذين كفروا للذين آمنوا ~~اتبعوا سبيلنا } قال مجاهد: هذا قول كفار مكة لمن آمن منهم وذلك ~~أن الكافر يقول للمؤمن تصبر في الذل، وعلى الإيذاء لأي شيء ولم لا تدفع ~~عن نفسك الذل والعذاب بموافقتنا فيجيبه المؤمن بأن يقول خوفا من عذاب ~~الله على خطيئة مذهبكم فقالوا: لا خطيئة فيه وإن كان فيه خطئية فعلينا. # قوله: " ولنحمل " أمر في معنى الجنس، قال الزمخشري: وهو في معنى ~~من يريد اجتماع أمرين في الوجهين فيقول: ليكن منك العطاء، ومني الدعاء. # فقوله: " ولنحمل " أي ليكن منا الحمل، وليس هو في الحقيقة أمر طلب ~~وإيجاب وقرأ الحسن وعيسى بكسر لام الأمر، وهو لغة الحجاز قال الزمخشري: ~~" وهذا قول صناديد قريش كانوا يقولون لمن آمن منهم لا نبعث نحن، ولا ~~أنتم، فإن عسى كان ذلك فإنا نتحمل (عنكم الإثم). قال أبو حيان: " هذا ~~تركيب عجمي من جهة إدخال حرف الشرط وهي جامدة واستعمالها من غير اسم، ولا ~~خبر، وإيلائها كان ". وقرأ العامة " خطاياكم " ، وداود بن هند: " من ~~خطيئاتهم " جمع سلامة، وعنه أيضا: " خطيئتهم " بالتوحيد والمراد الجنس، ~~وهذا شبيه بقراءتي: { وأحاطت به خطيئته } و " خطيئاته " وعنه ~~أيضا: " خطئهم " - بفتح الطاء وكسر الياء، يعني بكسر الهمزة القريبة من ~~الياء لأجل تمهيدها بين بين، و " من شيء " وهو مفعول بحاملين و " من ~~خطاياهم " لما تقدم عليه انتصب حالا. # فصل # معنى الآية اتبعوا سبيلنا أي ديننا وملة آبائنا، ونحن الكفلاء بكل تبعية ~~من الله تصيبكم وهو قوله: " ولنحمل خطاياكم " ، نظير هذه الصيغة: # فليلقه اليم بالساحل # [طه: ms6925 39] ثم أكذبهم الله تعالى فقال: { وما هم بحاملين من ~~خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون } فيما قالوا. # فإن قيل: قال: { وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء ~~} وقال بعده: { وليحملن أثقالهم وأثقالا مع ~~أثقالهم } فنفى الحمل أولا، وأثبت الحمل ثانيا فكيف الجمع ~~بينهما؟ # فالجواب: أن قول القائل في " حمل فلان وعن فلان " يريد: أن حمل فلان خف، ~~فإذا لم يخف حمله فلا يكون قد حمل عنه شيئا، فقوله: { وما هم ~~بحاملين من خطاياهم من شيء } يعني (لا يرحمون) ولا ~~يرفعون عنهم خطيئة، بل يحملون أوزار أنفسهم، وأوزارا بسبب إضلالهم ~~(لهم)، كقوله (عليه الصلاة) والسلام: # " من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من ~~عمل بها من غير أن ينقص من وزره شيء " # والمعنى: وليحملن أوزار أعمالهم التي عملوها بأنفسهم، " أثقالا مع ~~أثقالهم " أي أوزارا مثل أوزار من أضلوا مع أوزارهم، كقوله: # ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن ~~أوزار الذين يضلونهم بغير علم # [النحل: 25]. # قوله: { وليسألن يوم القيامة عما كانوا ~~يفترون } سؤال توبيخ وتقريع، وذلك الافتراء يحتمل ثلاثة أوجه: # أحدها: قولهم: " ولنحمل خطاياكم " كان لاعتقادهم أن لا خطيئة في الكفر، ~~ثم يوم القيامة يظهر لهم خلاف ذلك، فيسألون عن ذلك الافتراء. # وثانيها: أن قولهم " ولنحمل خطاياكم " كان لاعتقادهم أن لا حشر، فإذا ~~جاء يوم القيامة ظهر خلاف ذلك، فيسألون يوقول لهم: أما قلتم: أن لا حشر. # وثالثها: أنهم لما قالوا: نحمل خطاياكم يوم القيامة، يقال لهم: فاحملوا ~~خطايهم، فلا يحملون ويسألون فيقال لهم: فلم افتريتم. ### || [29.14-15] # قوله تعالى: { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه... } لما ~~بين التكليف، وذكر أقسام المكلفين ووعد المؤمن الصادق بالثواب العظيم، ~~وأوعد الكافر والمنافق بالعذاب الأليم فكأنه قال: هذا التكليف ليس مختصا ~~بالنبي وأصحابه وأمته حتى صعب عليهم بل قبله كان كذلك كما قال تعالى: # ولقد فتنا الذين من قبلهم # [العنكبوت: 3]، فذكر من الذين كلفوا قبله نوح عليه (الصلاة و) السلام ~~وقومه، وإبراهيم عليه (الصلاة و) السلام وغيرهما. # قوله: " ألف سنة " منصوب على الظرف { إلا خمسين عاما } ~~منصوب على الاستثناء. ms6926 وفي وقوع الاستثناء من أسماء العدد خلاف. وللمانعين ~~عنه جواب عن هذه الآية، وقد روعيت هنا نكتة لطيفة، وهو أن غاير بين ~~تمييزي العدد فقال في الأول " سنة " ، وفي " الثاني " عاما، لئلا ~~يثقل اللفظ، ثم إنه خص لفظ العام بالخمسين إيذانا بأن نبي الله - صلى ~~الله عليه وسلم - لما استراح منهم بقي في زمن حسن، فالعرب تعبر عن ~~الخصب بالعام، وعن الجدب بالسنة. # فصل # قال بعضهم: إن الاستثناء في العدد تكلم بالباقي، فإذا قال القائل: لفلان ~~علي عشرة إلا ثلاثة فكأنه قال: علي سبعة، إذا علم هذا فقوله: { ~~ألف سنة إلا خمسين عاما } كقوله: تسعمائة وخمسين سنة فما ~~الفائدة في العدول عن هذه العبارة إلى غيرها؟ فقال الزمخشري فيه فائدتان، ~~إحداهما: أن الاستثناء يدل على التحقيق وتركه قد يظن به التقريب، فإن من ~~قال: عاش فلان ألف سنة (يمكن أن يتوهم أن يقول ألف سنة) تقريبا لا ~~تخفيفا، فإذا قال إلا شهرا أو إلا سنة يزول ذلك التوهم، وقد يفهم منه ~~التحقيق. الفائدة الثانية: هي أن ذكر لبث نوح عليه (الصلاة و) السلام ~~في قومه كان لبيان أنه صبر كثيرا فالنبي عليه (الصلاة و) السلام أولى ~~بالصبر مع قصر مدة (دعائه). # قوله: { فأخذهم الطوفان } فغرقوا { وهم ظالمون } قال ~~ابن عباس: مشركون. وفيه إشارة إلى أن الله لا يعذب على مجرد وجود الظلم ~~ولا يعذب من ظلم وتاب بأن الظلم وجد منه وإنما يعذب على الإصرار على ~~الظلم، فقوله: " وهم ظالمون " يعني أهلكهم وهم ملتبسون بالظلم. # قوله: { فأنجيناه وأصحاب السفينة } يعني من الغرق، " ~~وجعلناها " يعني السفينة " آية للعالمين " أي عبرة، وفي كونها آية وجوه: # أحدها: كانت باقية على الجودي مدة مديدة. # وثانيها: أن نوحا أمر بأخذ قومه معه، ورفع قدر من الزاد والبحر العظيم ~~لا يتوقع أحد (نضوبه). ثم إن الماء غيض قبل نفاد الزاد، ولولا ذلك لما ~~حصل النجاة فهو بفضل الله لا بمجرد السفينة. # وثالثها: أن الله سلم السفينة من الرياح المزعجة والحيوانات المؤذية، ~~ولولا ذلك لما حصل النجاة، ms6927 وقيل: " الهاء " في " جعلناها " راجعة ~~إلى الواقعة أو النجاة أو العقوبة بالغرق. # فصل # قال ابن عباس بعث نوح لأربعين سنة، وبقي في قومه يدعوهم ألف سنة إلا ~~خمسين عاما، وعاش بعد الطوفان ستين سنة حتى كثر الناس وفشوا، ~~وكان عمره ألفا وخمسين سنة، وروي عن ابن عباس أنه بعث وهو ابن ~~أربعمائة وثمانين سنة، وعاش بعد الطوفان ثلثمائة وخمسين سنة، فإذا كان ~~هذا محفوظا عن ابن عباس فيضاف إلى لبثه في قومه وهو تسعمائة وخمسين سنة ~~فيكون قد عاش ألف سنة وسبعمائة وثمانين سنة، وأما قبره عليه (الصلاة و) ~~السلام فروى ابن جرير, والأزرقي حديثا مرسلا أن قبر نوح عليه (الصلاة ~~و) السلام بالمسجد الحرام. وقيل: ببلدة بالبقاع تعرف اليوم بكرك نوح ~~وهناك جامع قد بني بسبب ذلك، والأول أقوى وأثبت. ### || [29.16-18] # قوله تعالى: " وإبراهيم " أي " وأرسلنا إبراهيم " ، ~~والعامة على نصبه عطفا على " نوحا " ، أو بإضمار " اذكر " ، أو عطفا ~~على " هاء " " أنجيناه " ، والنخعي، وأبو جعفر، وأبو حنيفة: " ~~وإبراهيم " رفعا على الابتداء، والخبر مقدر أي ومن المرسلين إبراهيم، ~~وقوله: " إذ قال " بدل من " إبراهيم " بدل اشتمال، فإن قلنا: هو ~~ظرف " أرسلنا " أي أرسلنا إبراهيم إذ قال لقومه، ففيه إشكال، لأن ~~قوله لقومه " اعبدوا الله " دعوة، والإرسال يكون قبل الدعوة، فكيف يفهم ~~من قوله: وأرسلنا إبراهيم حين قال لقومه مع أنه يكون مرسلا قبل ~~ذلك؟ # فالجواب: هذا كقول القائل: " وقفت للأمير إذ خرج من ~~الدار " ، وقد يكون الوقوف قبل الخروج لكن لما كان الوقوف يمتد إلى ~~ذلك الوقت صح ذلك. # فصل # معنى { اعبدوا الله واتقوه } أطيعوا الله وخافوه، وقيل: " ~~اعبدوا الله " إشارة إلى الإتيان بالواجبات " واتقوه " إشارة إلى ~~الامتناع عن المحرمات، { ذلكم خير لكم إن كنتم ~~تعلمون } أي عباد الله وتقواه خير، لأن خلاف عبادة الله تعطيل، ~~وخلاف تقواه شرك، وكلاهما شر، { إنما تعبدون من دون الله ~~أوثانا } أصناما، فلا تستحق العبادة لكونها أصناما منحوتة لا شرف ~~لها. # قوله: " وتخلقون إفكا " العامة على فتح التاء، وسكون الخاء، ~~ورفع اللام مضارع " خلق " و ms6928 " إفكا " بكسر الهمزة وسكون الفاء، أي ~~وتختلقون كذبا، أو تنحتون أصناما، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن علي ~~والسليمي، وقتادة بفتح الحاء واللام مشددة، وهو مضارع " تخلق ~~" والأصل: " تتخلقون " بتاءين فحذفت إحداهما " كتنزل " ونحوه، ~~روي عن " زيد بن علي " أيضا تخلقون بضم التاء وتشديد اللام مكسورة ~~مضارع " خلق " مضعفا، وقرأ ابن الزبير، وفضيل بن زرقان إفكا - ~~بفتح الهمزة وكسرها - وهو مصدر كالكذب معنى ووزنا، وجوز الزمخشري في ~~الإفك - بالكسر والسكون - وجهين: # أحدهما: أن يكون مخففا من الأفك بالفتح والكسر كالكذب واللعب، ~~وأصلها: (الكذب واللعب) وأن يكون صفة على " فعل " أي خلقا إفكا ~~أي " ذا إفك ". # قال شهاب الدين: وتقديره مضافا قبل " إفك " مع جعله له صفة غير ~~محتاج إليه (وإنما كان يحتاج إليه) لو جعله مصدرا. # قوله: { إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون ~~لكم رزقا } لا يقدرون أن يرزقوكم، وهذا إشارة إلى عدم المنفعة في ~~الحال والمآل. قوله: " رزقا " يجوز أن يكون منصوبا على المصدر، وناصبه ~~" لا يملكون "؛ لأنه في معناه، وعلى أصول الكوفيين يجوز أن يكون الأصل: ~~لا يملكون أن يرزقوكم رزقا، فإن " يرزقوكم " هو مفعول " يملكون " ~~، ويجوز أن يكون بمعنى " المرزوق " فينتصب مفعولا به، " فابتغوا " ~~فاطلبوا " عند الله الرزق " (و) هذا إشارة إلى استحقاق عبوديته لذاته. # فإن قيل: قال: { لا يملكون لكم رزقا } نكر الرزق وقال: { ~~فابتغوا عند الله الرزق } فعرفه، فما الفائدة؟ قال ~~الزمخشري نكره في معرض النفي أي لا رزق عندهم أصلا، وعرفه عند الإثبات ~~عند الله تعالى أي كل الرزق عنده فاطلبوه منه. وفيه وجه آخر وهو أن الرزق ~~من الله معروف بقوله: # وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها # [هود: 6] والرزق من الأوثان غير معلوم، فقال: { لا يملكون لكم ~~رزقا } لعدم حصول العلم به، وقال: { فابتغوا عند الله ~~الرزق } أي الموعود به، ثم قال: { واعبدوه واشكروا له } ~~اعبدوه لكونه مستحقا للعبادة لذاته، فاشكروا له لكونه سائق النعم إلى ~~الخلق " وإليه ترجعون " أي اعبدوه، لكونه مرجعا منه يتوقع الخير لا من ms6929 ~~غيره. قوله: { وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم ~~} في المخاطب بهذه الآية وجهان: # الأول: أنه قوم إبراهيم؛ لأن القصة لإبراهيم، فكأن إبراهيم قال لقومه: ~~إن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وأنا أتيت بما علي من التبليغ، ~~فإن الرسول ليس عليه إلا البلاغ والبيان. فإن قيل: إن إبراهيم لم يسبقه ~~إلا قوم نوح، وهم أمة واحدة. # فالجواب: إن قبل نوح أيضا كان أقوام كقوم " إدريس " ، وقوم " شيت ~~" ، وآدم، وأيضا فإن نوحا عاش أكثر من ألف سنة، وكان القرن يموت، ~~ويحيا أولاده، والآباء يوصون الأبناء بالامتناع عن الأتباع، فكفى بقوم ~~نوح أمما. # الثاني: أن الآية خطاب مع قوم محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن هذه ~~القصص أكثرها المقصود معه تذكير قومه بحال من مضى حتى يمتنعوا عن ~~التكذيب، ويرتدعوا خوفا من التعذيب، فقال في أثناء حكاياتهم: يا قوم إن ~~تكذبوا فقد كذب قبلكم أقوام هلكوا، فإن كذبتم فإني أخاف عليكم أن يقع بكم ~~ما وقع بغيركم. # وهذه الآية تدل على أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة لأن الرسول ~~إذا بلغ شيئا ولم يبينه فلم يأت بالبلاغ المبين. ### || [29.19-20] # قوله تعالى: { أولم يروا كيف } قرأ الأخوان وأبو بكر ~~بالخطاب، على خطاب " إبراهيم " لقومه بذلك، والباقون بالغيبة، ردا على ~~الأمم المكذبة. # قوله: " كيف يبدىء " ، العامة على ضم الياء من " أبدأ " ~~والزبيري، وعيسى، وأبو عمرو بخلاف عنه يبدأ مضارع بدأ. وقد ~~صرح بماضيه هنا حيث قال: { كيف بدأ الخلق } ، وقرأ الزهري: " ~~كيف يبدأ " بألف (صريحة وهو تخفيف على غير قياس، وقياسه بين بين وهو في ~~الشذوذ كقوله: # 4027 -....................... # فارعي فزارة لا هناك المرتع # فصل # المعنى: أو لم يروا كيف يخلقهم الله ابتداء نطفة ثم علقه، ثم مضغة. # فإن قيل: متى رأى الإنسان بدء الخلق، حتى يقال: { أولم يروا ~~كيف يبدئ الله الخلق }؟ # فالجواب: إن المراد بالرؤية العلم الواضح الذي كالرؤية، والعاقل يعلم أن ~~البدء من الله لأن الخلق الأول لا يكون من مخلوق، وإلا لما كان الخلق ~~الأول خلقا أول، فهو ms6930 من الله، هذا إن قلنا: إن المراد إتيان نفس الخلق ~~وإن قلنا: إن المراد بالمبتدأ خلق الآدمي أولا، وبالإعادة خلقه ثانيا، ~~فنقول: العاقل لا يخفى عليه أن خلق نفسه ليس إلا قادر حكيم يصور الأولاد ~~في الأرحام، والخلقة من نظفة في غاية الإتقان والإحكام فذاك الذي خلق ~~أولا معلوم ظاهر، فأطلق على ذلك العلم لفظ الرؤية، وقال: { أو لم يروا } ~~أي أو لم يعلموا علما ظاهرا واضحا كيف يبدأ الله الخلق وهو من غذاء ~~هو من ماء وتراب يجمعه فكذلك يجمع أجزاءه من التراب وينفخ فيه روحه بل ~~هو أسهل بالنسب إليكم فإن من نحت حجارة حتى صارت أصناما ثم كسرها وفرقها ~~فإن وضعه شيئا بجنب شيء في هذه النوبة أسهل، لأن الحجارة منحوته معلومة. # فإن قيل: علق الرؤية بالكيفية لا بالخلق، ولم يقل: أو لم يروا أن الله ~~خلق او بدأ الخلق والكيفية غير معلومة. # فالجواب: هذا القدر من الكيفية معلوم وهو أنه خلقه ولم يك شيئا ~~مذكورا، وأنه خلقه من نطفة من غذاء هو من ماء وتراب، وهذا القدر كاف في ~~حصول العلم بإمكان الإعادة. # فإن قيل: قال: { ثم يعيده } { إن ذلك على الله ~~يسير } أبرز اسمه مرة أخرى ولم يقل: إن ذلك عليه يسير كما قال: { ~~ثم يعيده } من غير إبراز. # فالجواب: أنه مع إقامة البرهان على أنه يسير أكده بإظهار اسمه، فإنه ~~يوجب المعرفة أيضا بكون ذلك يسيرا فإن الإنسان إذا سمع لفظ " الله " ~~وفهم معناه أنه الحي القادر بقدرة كاملة لا يعجزه شيء محيط بذرات ~~كل جسم نافذ الإرادة يقطع بجواز الإعادة. # قوله: { قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ ~~الخلق } أي انظروا إلى ديارهم وآثارهم كيف بدأ بخلقهم. # فإن قيل: أبرز اسم " الله " في الآية الأولى عند البدء، فقال: { كيف ~~يبدئ الله } وأضمره عند الإعادة، وهاهنا أضمره عند البداء، وأبرزه ~~عند الإعادة فقال: { ثم الله ينشىء النشأة الآخرة }. # فالجواب: أنه في الآية الأولى: لم يسبق ذكر الله بفعل حتى يسند إليه ~~البداء فقال: { كيف ms6931 يبدئ الله الخلق ثم يعيده } ، ~~كقول: ضرب زيد عمرا ثم ضرب بكرا، ولا يحتاج إلى إظهار اسم " زيد " ~~اكتفاء الأول. # وفي الثانية: كان ذكر البداء مسندا إلى الله فاكتفى به، ولم يبرزه، ~~وأما إظهاره عند الإنشاء ثانيا، فقال: { ثم الله ينشىء } مع ~~أنه كان يكفي أن يقول: " ثم ينشىء " النشأة الآخرة لحكمة بالغة وهي أن مع ~~إقامة البرهان على إمكان الإعادة أظهر اسمه، حتى يفهم المسمى به صفات ~~كماله، ونعوت جلاله، فيقطع بجواز الإعادة فقال: " ثم الله " مظهرا لينفع ~~في ذهن الإنسان جل اسمه كمال قدرته، وشمول علمه، ونفوذ إرادته، فيعترف ~~بوقوع بدئه، وجواز إعادته، فإن قيل: فلم لم يقل: " ثم الله يعيده " ~~بعين ما ذكرت من الحكمة فنقول: لوجهين. # أحدهما: أن الله كان مظهرا مبرزا بقرب منه وهو في قوله: { يبدئ ~~الله الخلق } ، ولم يكن بينهما إلا لفظ الخلق، وأما هنا فلم يذكر ~~غير البدء فأظهره. # وثانيهما: أن الدليل هنا تم على جواز الإعادة لأن الدليل منحصر في ~~الآفاق وفي الأنفس، كما قال تعالى: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم # [فصلت: 53] ففي الآية الأولى أشار إلى الدليل الحاصل للإنسان من نفسه، ~~وفي الثانية أشار إلى الدليل الحاصل من الآفاق، لقوله: { سيروا في ~~الأرض } وعندها تم الدليلان فأكده بإظهار نفسه، وأما الدليل الأول ~~فأكده بالدليل الثاني فلم يقل: " ثم الله يعيده " فإن قيل: قال في ~~الأولى: { أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق } بلفظ ~~المستقبل وهاهنا قال: { فانظروا كيف بدأ } بلفظ الماضي، فما ~~الحكمة؟ # فالجواب: أن الدليل الأول هو الدليل النفسي الموجب للعلم، وهو يوجب ~~العلم ببدء الخلق (وأما الدليل الثاني فمعناه إن كان ليس لكم علم بأن ~~الله يبدأ الخلق) فانظروا إلى الأشياء المخلوقة، فيحصل لكم العلم بأن ~~الله بدأ خلقا، وتحصل من هذا القدر بأنه " ينشىء " فإن قيل: قال في هذه ~~الآية: { إن الله على كل شيء قدير } ، وقال في الأولى: ~~{ إن ذلك على الله يسير } (فما فائدته). # فالجواب: فيه فائدتان: # أحدهما: أن الدليل الأول هو الدليل النفسي وهو ms6932 وإن كان موجبا للعلم ~~التام، ولكن عند انضمام الدليل الآفاقي إليه يحصل العلم التام لأنه ~~بالنظر في نفسه علم حاجته إلى غيره ووجوده (منه) فتم علمه (ب) أن الله ~~على كل شيء قدير، أن كل شيء من الله، فقال عند تمام الدليل: إن الله على ~~كل شيء قدير، وقال عند الدليل الواحد إن ذلك على الله يسير وهو الإعادة. # الفائدة الثانية: أن العلم الأول أتم، وإن (كان) الثاني أعم، وكون الأعم ~~يسيرا على الفاعل أتم من كونه مقدورا به، بدليل قولك لمن يحمل مائة ~~من أنه قادر عليه، ولا يقول: إنه سهل عليه فإذا سئلت عن حمله عشر ~~(أمنات) يقول ذلك سهل يسير، فنقول كان التقدير إن لم يحصل لكم العلم ~~التام بأن هذه الأمور عند الله سهل يسير فسيروا في الأرض ليعلموا أنه ~~مقدور، ونفس كونه مقدورا كاف في إمكان الإعادة. # قوله: { ثم الله ينشىء النشأة } ، قرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~النشاءة، بالمد هنا، والنجم، والواقعة والباقون بالقصر، وهما لغتان ~~كالرأفة والرآفة، وانتصابهما على المصدر المحذوف الزوائد والأصل: ~~الإنشاءة، أو على حذف العامل، أي ينشىء فتنشئون النشأة، وهي ~~مرسومة بالألف وهو يقوي قراءة المد والمعنى ثم الله الذي خلقها ينشئها ~~نشأة ثانية بعد الموت، فكما لم يتعذر عليه إحداثها مبتدئا لا يتعذر ~~عليه إنشاؤها معيدا. # وقوله: " ثم يعيده " ، { ثم الله ينشىء } مستأنفات من إخبار ~~الله تعالى، فليس الأول داخلا في حيز الرؤية، ولا الثاني في حيز النظر، ~~{ إن الله على كل شيء قدير }. ### || [29.21-22] # قوله تعالى: { يعذب من يشآء ويرحم من يشآء } ، قدم ~~التعذيب في الذكر على الرحمة مع أن رحمته سابقة كما قال عليه (الصلاة و) ~~السلام عنه تعالى: # " سبقت رحمتي غضبي " # لأن السابق ذكر الكفار فذكر العذاب يسبق ذكر مستحقه بحكم الإيعاد، وعقبه ~~بالرحمة فذكر الرحمة وقع تبعا لئلا يكون العذاب مذكورا وحده، وهذا يحقق ~~قوله عليه (الصلاة و) السلام عنه: # " سبقت رحمتي غضبي " # وذلك ان الله تعالى حيث كان المقصود ذكر العذاب، لم يخصه بالذكرن بل ms6933 ذكر ~~الرحمة معه، فإن قيل: إن كان ذكر هذه الآية لتخويف العاصي، وتفريح ~~المؤمن، فلو قال: يعذب الكافر ويرحم المؤمن لكان أدخل في تحصيل ~~المقصود. # وقوله: { يعذب من يشاء } لا يرهب الكافر، لجواز أن يقول: لعلي لا أكون ~~ممن يشاء الله عذابي. # فالجواب: هذا أبلغ في التخويف لأن الله أثبت بهذا إنفاذ مشيئته، وأنه ~~إذا أراد تعذيب شخص فلا يمنعه منه مانع ثم كان من المعلوم للعباد بحكم ~~الوعد والإيعاد أنه إذا شاء تعذيب الكافر فلزم منه الخوف العام بخلاف ما ~~لو قال: يعذب العاصي، فإنه لا يدل على كمال مشيئته لأنه لا يبعد أنه لو ~~شاء عذاب المؤمن لعذبه، وإذا لم يبعد هذا فنقول الكافر إذا لم يحصل مراده ~~في تلك الصورة يمكن أن (لا) يحصل في صورة أخرى. # ومثاله إذا قيل: إن الملك يقدر على ضرب المخالفين، ولا يقدر على ضرب ~~المطيع فإذا قال: من خالفني أضربه يقع في وهم المخاطب أنه لا يقدر على ~~ضرب المطيع، فلا يقدر أيضا علي (لكوني مثله)، وفيه فائدة أخرى وهو ~~الخوف العام والرجاء العام لأن الأمن الكلي من الله يوجب الجراءة فيفضي ~~إلى صيرورة المطيع عاصيا. # قوله: " وإليه تقلبون " أي تردون، { ومآ أنتم ~~بمعجزين في الأرض ولا في السمآء } والخطاب مع الآدميين ~~وهم ليسوا في السماء، قال الفراء معناه: ولا من في السماء بمعجز (إن ~~عصى) كقول حسان: # 4028 - فمن يهجوا رسول الله منكم # ويمدحه وينصره سواء # أراد: ومن يمدحه وينصره، فأضمر " من " يريد لا يعجز أهل الأرض في ~~الأرض، ولا أهل السماء في السماء يعني (على) أن { من في السموات } عطف ~~على " أنتم " على أصله، حيث يجوز حذف الموصول الاسمي، ويبقى صفته. # قال قطرب: ما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء لو كنتم فيها، كقول ~~القائل: (لا) يفوتني فلان هاهنا ولا في البصرة أي ولا بالبصرة لو كان بها ~~كقوله تعالى: # إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات ~~والأرض # [الرحمن: 33]، أي على تقدير أن يكونوا فيها، وأبعد من ذلك ms6934 من قدره ~~موصولين محذوفين؛ أي) وما أنتم بمعجزين من في الأرض من الجن والإنس، ولا ~~من في السماء من الملائكة فكيف تعجزون خالقها (و) على قول الجمهور يكون ~~المفعول محذوفا أي وما أنتم بمعجزين أين فائتين ما يريد الله بكم. # فصل # اعلم أن إعجاز المعذب عن التعذيب إما بالهرب منه، أو بالثبات ومدافعته ~~فذكر الله تعالى القسمين فقال: { ومآ أنتم بمعجزين في ~~الأرض ولا في السمآء } ، يعني بالهرب لو صعدتم إلى السماء، أو ~~هربتم إلى تخوم الأرض (لم) تخرجوا من قبضة قدرة الله - عز وجل -، فلا ~~مطمع في الإعجاز بالهرب، وأما بالثبات فكذلك لأن الإعجاز بالثبات إما أن ~~يكون بالاستناد إلى ركن شديد يشفع، ولا يمكن المعذب مخالفته فيفوته ~~المعذب، ويعجز عنه أو بالانتصار بقوي يدافعه، وكلاهما محال فلهذا قال: { ~~وما لكم من دون الله من ولي } يشفع { ولا نصير } ~~يدفع. فإن قيل: ما الحكمة في قوله: { ومآ أنتم بمعجزين } ولم ~~يقل: " ولا تعجزون " بصيغة الفعل؟ # فالجواب: لأن نفي الفعل لا يدل على نفي الصلاحة فإن من قال: إن فلانا ~~لا يخيط لا يدل على ما يدل عليه انه ليس بخائط، وقدم " الأرض " على " ~~السماء " ، و " الولي " على " النصير "؛ لأن هربهم الممكن في الأرض، فإن ~~كان يقع منهم هرب فإنه يكون في الأرض، ثم إن فرضنا لهم قدرة غير ذلك ~~فيصعدون في السماء وأما الدفع فإن العاقل متى أمكنه الدفع فأجمل الطرق ~~فيه الشفاعة، لأن ما من أحد في الشاهد إلا ويكون له شفيع يتكلم في حقه ~~عند ملك, وليس لكل أحد ناصر يعادي الملك فلذلك قدم الأرض على السماء، ~~والولي على النصير. ### || [29.23-25] # قوله تعالى: { والذين كفروا بآيات الله ولقآئه } أي ~~بالقرآن وبالبعث { أولئك يئسوا من رحمتي } (جنتي) { ~~وأولئك لهم عذاب أليم } يوم القيامة فإن قيل: هلا اكتفي ~~بقوله: " أولئك " مرة واحدة؟ # فالجواب: أن ذلك لفائدة وهو أنه لو قال أولئك يئسوا وهم في عذاب أليم ~~ذهب (ذاهب) إلى أن هذا المجموع منحصر فيهم، فلا يوجد المجموع إلا فيهم. ms6935 ~~(و) أضاف الرحمة إلى نفسه في قوله تعالى: { يئسوا من رحمتي } ~~وأضاف اليأس إليهم بقوله: " يئسوا " إعلاما لعباده بعموم رحمته. # قوله تعالى: { فما كان جواب قومه } العامة على نصبه والحسن ~~وسالم الأفطس برفعه وتقدم تحقيق هذا. هذه الآيات في تذكير أهل إبراهيم ~~وتحذيرهم وهي معترضة في قصة " إبراهيم " صلوات الله عليه، ثم عاد إلى قصة ~~" إبراهيم " فقال تعالى: { فما كان جواب قومه إلا أن ~~قالوا اقتلوه أو حرقوه }. لما أقام إبراهيم صلوات الله ~~عليه بالبرهان على الأصول الثلاثة لم يجيبوه إلا بقولهم { اقتلوه ~~أو حرقوه } فإن قيل: كيف سمى قولهم: اقتلوه جوابا مع أنه ليس ~~بجواب؟ # فالجواب عنه من وجهين: # أحدهما: أنه خرج مخرج كلام متكبر، كما يقول الملك لرسول ~~خصمه: جوابكم السيف، مع أن السيف ليس بجوابه وإنما معناه لا ~~أقابل بالجواب وإنما أقابل بالسيف. # وثانيهما: أن الله تعالى أراد بيان (ضلالتهم) وأنهم ذكروا ما ليس بجواب ~~في معرض الجواب فبين أنهم لم يكن لهم جواب أصلا، وذلك أن من لا يجيب ~~غيره ويسكت لا يعلم (أنه لا يقدر أم لا) لجواز أن يكون سكوته لعدم ~~الالتفات، وأما إذا أجاب بجواب فاسد علم أنه قصد الجواب وما قدر عليه. # فصل # " أو " تذكر لأمرين الثاني منهما لا ينفك عن الأول، كما يقال: " زوج ~~أو فرد " ، ويقال: هذا إنسان أو حيوان، يعني إن لم يكن إنسانا فهو ~~حيوان، ولايصح أن يقال: " هذا حيوان أو إنسان " إذ يفهم منه أن يقول: هذا ~~حيوان، فإن لم يكن حيوانا فهو إنسان، وهذا فاسد، وإذا كان كذلك فالتحريق ~~مشتمل على القتل، فقوله: " اقتلوه أو حرقوه " كقولك: هذا إنسان أو حيوان. # فالجواب عن هذا من وجهين. # أحدهما: أن الاستعمال على خلاف ما ذكر شائع كقولك: أعطه دينارا أو ~~دينارين. # قال تعالى: # قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا ~~أو زد عليه # [المزمل: 2-4] فكذا هاهنا قال: اقتلوه أو زيدواعلى القتل لأن التحريق ~~قتل وزيادة. # الثاني: سلمنا ما ذكرتم، والأمر هنا كذلك لأن التحريق فعل ms6936 مفض إلى ~~القتل، وقد يتخلف عنه القتل فإن من ألقي في النار حتى احترق جلده بأسره ~~وأخرج منها حيا يصح أن يقال: احترق فلان، وأحرق وما مات. # فكذلك هاهنا قال: اقتلوه ولا تعجلوا قتله وعذبوه بالنار، فإن ترك ~~مقالته فخلو سبيله وإن أصر فاتركوه في النار. # قوله تعالى: { فأنجاه الله من النار } ، قيل: بردت النار ~~وقيل: خلق في إبراهيم صلوات الله (وسلامه) عليه كيفية استبردت ~~النار. وقيل: ترك إبراهيم (على) ما كان عليه (والنار على ما كانت عليه) ~~ومنع أذى النار عنه، والكل ممكن والله قادر عليه. # قوله تعالى: { إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون } فإن ~~قيل: ما الحكمة في قوله هناك " آية للعالمين " في إنجاء نوح صلوات الله ~~(وسلامه) عليه وأصحاب السفينة جعلناها آية وقال هاهنا آيات بالجمع، فما ~~الحكمة؟ # فالجواب: إن إنجاء السفينة شيء يتسع له العقول، فلم يكن فيه من الآية ~~إلا إعلام الله تعالى إياه بالإنجاء وقت الحاجة بسبب أن الله تعالى صان ~~السفينة عن المهلكات كالرياح، وأما الإنجاء من النار فعجيب فقال فيه ~~لآيات فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى هناك: " آية للعالمين " ~~وقال هنا " لقوم يؤمنون " فخص الآيات بالمؤمنين؟ # فالجواب: أن السفينة بقيت أعواما حتى مر عليها الناس ورأوها فحصل ~~العلم بها لكل أحد، وأما تبريد النار فلم يبق فلم يظهر (لمن بعده) إلا ~~بطريق الإيمان والتصديق، وفيه لطيفة (وهو) أن الله تعالى لما برد ~~النار على إبراهيم بسبب اهتدائه في نفسه وهدايته لأبناء جنسه، وقد قال ~~الله تعالى للمؤمنين بأن لهم أسوة في إبراهيم، فحصل للمؤمنين بشارة بأن ~~الله تبارك وتعالى يبرد عنه النار يوم القيامة، فقال: { إن في ذلك ~~لآيات لقوم يؤمنون } ، فإن قيل: لم قال هناك: " جعلناها ~~" ، (وقال هنا جعلناه)؟ # فالجواب: لأن السفينة ما صارت آية في نفسها، ولولا خلق الله الطوفان ~~لبقي فعل نوح (سفها) فالله تعالى جعل السفينة بعد وجودها آية، وأما ~~تبريد النار فهو في نفسه (آية) إذا وجدت لا تحتاج إلى شيء آخر كخلق ~~الطوفان حتى ms6937 يصير آية. # قوله: " إنما اتخذتم " في " ما " هذه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن تكون موصولة بمعنى الذي، والعائد محذوف وهو المفعول الأول، و ~~" أوثانا " مفعول ثان، والخبر " مودة " في قراءة من رفع كما ~~سيأتي، والتقدير: إن الذي اتخذتموه أوثانا مودة أي ذو مودة ~~أو جعل نفس المودة محذوف على قراءة من نصب " مودة " أي الذي ~~اتخذتموه أوثانا لأجل المودة لا تنفعكم، أو يكون " عليكم " لدلالة قوله: ~~{ ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض }. # والثاني: أن تجعل " ما " كافة، و " أوثانا " مفعول به، والاتخاذ هنا ~~يتعدى لواحد أو لاثنين والثاني هو { من دون الله } فمن رفع " مودة ~~" كانت خبر مبتدأ مضمر أي هي مودة أي ذات مودة، أو جعلت نفس المودة ~~مبالغة والجملة حينئذ صفة " لأوثانا " ، أو مستأنفة، ومن نصب كانت ~~مفعولا به، أو بإضمار " أعني ". # الثالث: أن تجعل " ما " مصدرية، وحينئذ يجوز أن تقدر مضافا من الأول أي ~~أن سبب اتخاذكم أوثانا من دون الله (مودة فيمن رفع مودة، ويجوزأن لا ~~يقدر بل يجعل نفس الاتحاد) هو المودة مبالغة (و) في قراءة من نصب يكون ~~الخبر محذوفا على ما مر في الوجه الأول. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي برفع " مودة " غير منونة، وجر " ~~بينكم " ، ونافع وابن عامر وأبو بكر بنصب " مودة " (منونة ~~ونصب " بينكم " وحمزة وحفص بنصب " مودة " ) غير منونة وجر ~~بينكم، فالرفع قد تقدم، والنصب أيضا تقدم فيه وجهان. ويجوز وجه ~~ثالث وهو أن يجعل مفعولا ثانيا على المبالغة والإضافة للاتساع في الظرف ~~كقولهم: " يا سارق الليلة أهل الدار " من صبه فعلى أصله، ونقل عن ~~عاصم أنه رفع " مودة " غير منونة، ونصب بينكم وخرجت إضافة " مودة " ~~للظرف، وإنما بني لإضافته إلي غير متمكن كقراءة: { لقد تقطع ~~بينكم } بالفتح إذا جعلنا (بينكم) فاعلا، وأما " في الحياة " ~~ففيه أوجه: # أحدها: أنه هو وبينكم متعلقان " بمودة " إذا نونت جاز تعلقها بعامل واحد ~~لاختلافهما. # الثاني: أن يتعلقا بمحذوف على أنهما صفتان ل " المودة ". # الثالث: أن يتعلق " بينكم " " بمودة " و " في الحياة " صفة ~~لمودة، ولا ms6938 يجوز العكس لئلا يلزم إعمال المصدر الموصوف، والفرق بينه وبين ~~الأول عمل فيه المصدر قبل أن يوصف، وهذا عمل فيه بعد أن وصف، على أن ابن ~~عطية جوز ذلك هو وغيره، وكأنهم اتسعوا في الظرف، فهذا وجه رابع. # الخامس: أن يتعلق " في الحياة " بنفس " بينكم " لأنه بمعنى الفعل، (إذ) ~~التقدير: اجتماعكم ووصلكم. # السادس: أن يكون حالا من نفس " دينكم ". # السابع: أن يكون " بينكم " صفة المودة و " في الحياة " ، حال من الضمير ~~المستكن فيه. # الثامن: أن يتعلق " في الحياة " " باتخذتم " على أن يكون " ما " كافة و ~~" مودة " منصوبة، قال أبو البقاء: لئلا يؤدي إلى الفصل بين الموصول وما ~~في الصلة (بالخبر). # قوله: " وقال " يعني إبراهيم { إنما اتخذتم من دون ~~الله أوثانا مودة بينكم } ، فعلى قراءة رفع " مودة " ~~وخفض " بينكم " بالإضافة يكون المعنى: اتخذتم من دون الله أوثانا وهي ~~مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم تنقطع ولا تنفع في الآخرة، ومن خفض " ~~مودة " من غير تنوين على الإضافة لوقوع الاتخاذ عليها، ومن نصب " مودة " ~~ونونها ونصب " بينكم " فالمعنى: إنكم إنما اتخذتم هذه الأوثان مودة بينكم ~~في الحياة الدنيا تتوادون على عبادتها، وتتواصلون عليها في الدنيا { ~~ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن ~~بعضكم } تتبرأ الأوثان من عبادة عابديها وتتبرأ السادة من الأتباع، ~~ويلعن الأتباع القادة. # ومأواكم النار جميعا، العابدون والمعبودون { وما لكم من ~~ناصرين }. # فإن قيل: (قال قبل هذا) ومأواكم النار، وما لكم من دون الله من ولي ولا ~~نصير على لفظ الواحد. # وقال هنا: { وما لكم من ناصرين } على لفظ الجمع فما الحكمة ~~فيه؟ # فالجواب: أنهم لما أرادوا إحراق إبراهيم عليه (الصلاة و) السلام، ~~قالوا: نحن ننصر آلهتنا، كما قال تعالى (عنهم): حرقوه وانصروا ~~آلهتكم، فقال: أنتم ادعيتم أن لهؤلاء ناصرين فما لكم كلكم أي ~~الأوثان وعبدتهما من ناصرين، وأما هناك فلم يسبق منهم دعوى النصر فنفى ~~الجنس بقوله: " ولا نصير ". ### || [29.26-27] # قوله تعالى: { فآمن له لوط } أي صدقه، وهو أول من صدق إبراهيم، ~~وكان ابن أخيه وقال إبراهيم: { إني مهاجر ms6939 إلى ربي } إلى ~~حيث أمرني ربي بالتوجه إليه من " كوثا " وهو من سواد الكوفة إلى " حران ~~ثم إلى الشام ومعه " لوط " وامرأته " سارة " وهو أول من هاجر ". وقال ~~مقاتل: هاجر إبراهيم (عليه الصلاة والسلام) وهو ابن خمس وسبعين سنة. ~~ثم قال: " إنه عزيز حكيم " ، عزيز يمنع أعدائي عن إيذائي ~~بعونه، و " حكيم " لا يأمرني إلا بما يوافق الحكمة. # (فإن قيل): قوله { فآمن له لوط } أي بعد ما رأى منه العجز ~~القاهر، ودرجة لوط كانت عالية فبقاؤه إلى هذه الوقت مما ينقص من الدرجة، ~~ألا ترى إلى أبي بكر - رضي الله عنه - لما قبل دين محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - كان قبوله قبل الكل من غير سماع تكلم الحصى، ولا رؤية ~~انشقاق القمر. # فالجواب: أن لوطا لما رأى معجزته آمن برسالته، وأما بالوحدانية فآمن ~~من حيث سمع مقالته، ولهذا قال: { فآمن له لوط } ، ولم يقل: " ~~فآمن لوط ". # فإن قيل: ما وجه تعلق قوله: { وقال إني مهاجر إلى ربي ~~} بما تقدم؟ # فنقول: لما بالغ إبراهيم في الإرشاد، ولم يهتد قومه وحصل اليأس الكلي، ~~ورأى القوم الآية الكبرى ولم يؤمنوا وجبت المهاجرة، لأن الهادي إذا هدى ~~قومه ولم ينتفعوا فبقاؤه فيهم مفسد، لأنه إذا دام على الإرشاد كان ~~اشتغالا بما لا ينتفع في علمه، فيصير كمن يقول للحجر صدق، وهو عبث ~~والسكوت دليل الرضا فيقال: إنه صار منا، ورضي بأفعالنا، وإذا لم يبق ~~للإقامة وجه وجبت المهاجرة. # فإن قيل: ما الحكمة في قوله: { إني مهاجر إلى ربي } ولم ~~يقل: " مهاجر إلى حيث أمرني ربي " مع أن المهاجرة إلى الرب توهم الجهة. # فالجواب: أن قوله " إلى حيث أمرني ربي " ليس في الإخلاص، كقوله: ~~" إلى ربي " لأن الملك إذا صدر منه أمر برواح الأجناد إلى موضع ثم إن ~~واحدا منهم عاد إلى ذلك الموضع لغرض (في) نفسه يصيبه، فقد هاجر إلى حيث ~~أمره الملك ولكن لا مخلصا لوجهه، وقال: { مهاجر إلى ربي } يعني: توجهي ~~إلى الجهة المأمور بالهجرة إليها ليس طلبا للجهة، إنما طلب لله. ms6940 # قوله: { ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ~~ذريته النبوة } ، قيل: إن الله لم يبعث نبيا بعد " ~~إبراهيم " إلا من نسله، { وآتيناه أجره في الدنيا } ~~وهو الثناء الحسن، وكل الأديان يقولون به، وقال السدي: هو الولد الصالح، ~~وقيل: إنه رأى مكانه في الجنة { وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين } أي في زمرة الصالحين قال ابن عباس: " مثل آدم، ونوح " ~~وفي هذه الآية لطيفة وهي أن الله تعالى بدل جميع أحوال إبراهيم في ~~الدنيا بأضدادها لما عذبه قومه بالنار كان وحيدا فريدا، فبدل الله ~~وحدته بالكثرة حتى ملأ الدنيا من ذريته، ولما كانت أقاربه القريبة ضالين ~~مضلين من جملتهم " آزر " بدل الله أقاربه بأقارب مهتدين هادين، وهم ذريته ~~الذين جعل فيهم النبوة والكتاب، وكان أولا لا جاه له، ولا مال، وهم غاية ~~اللذة في الدنيا آتاه الله أجره في المال والجاه وكثر ماله حتى كان له من ~~المواشي ما علم الله عدده حتى قيل: إنه كان له اثنا عشر ألف كلب حارس ~~بأطواق ذهب وأما الجاه فصار (بحيث تقرن) الصلاة عليه بالصلاة على سائر ~~الأنبياء إلى يوم القيامة، وصار معروفا وشيخ المرسلين بعد أن كان خاملا ~~حتى قال قائلهم: # سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم # [الأنبياء: 60]، هذا الكلام لا يقال إلا في مخمول من الناس. # فإن قيل: إن إسماعيل كان من أولاده الصالحين (وكان قد) سلم لأمر الله ~~بالذبح، وانقاد لحكم الله ولم يذكر. # فالجواب: هو مذكور في قوله: { وجعلنا في ذريته ~~النبوة والكتاب } (و) لكن لم يصرح باسمه؛ لأنه كان بين ~~فضله معه بهبته الأولاد والأحفاد، فذكر من الأولاد واحدا وهو الأكبر، ~~ومن الأحفاد واحدا كما يقال القائل: إن السلطان في خدمته الملوك ~~والأمراء، والملك الفلاني، والأمير الفلاني، ولا يعدد الكل لأنه ذكر ذلك ~~الواحد لبيان الجنس لا لخصوصه، ولولا ذكر غيره لفهم منه التعديد، ~~واستيعاب الكل فيظن أنه ليس معه غير المذكور. # فإن قيل: إن الله تعالى لما جعل في ذريته النبوة أجابه لدعائه، والوالد ~~يجب أن يسوي بين ولده فكيف ms6941 صارت النبوة في ولد " إسحاق " أكثر من النبوة ~~في أولاد إسماعيل؟ فالجواب: أن الله تعالى قسم الزمان من وقت إبراهيم إلى ~~(يوم) القيامة قسمين والناس أجمعين، فالقسم الأول من الزمان بعث الله ~~تعالى (فيه) أنبياء فيهم فضائل جمة، وجاءوا تترى واحدا بعد واحد، ~~ومجتمعين في عصر واحد كلهم من ورثة إسحاق عليه السلام، (ثم في القسم ~~الثاني من الزمان أخرج من ذرية ولده إسماعيل واحدا اجتمع فيه ما كان ~~فيهم وأرسله إلى كافة الخلق وهو محمد عليه السلام) وجعله خاتم النبيين، ~~وقد دام الخلق على دين إسماعيل أكثر من أربعة آلاف سنة، ولا يبعد أن ~~يبقى الخلق على دين ذرية إسماعيل مثل ذلك المقدار. ### || [29.28-30] # قوله تعالى: " ولوطا " إعرابه كإعراب إبراهيم { إذ قال لقومه ~~إنكم } قرأ أبو عمرو، وحمزة والكسائي وأبو بكر " أئنكم " ~~بالاستفهام، وقرأ الباقون بلا استفهام، واتفقوا على استفهام الثانية { ~~لتأتون الفاحشة } وهو إتيان الرجال، { ما سبقكم بها } ~~يجوز أن تكون استثنافية جوابا لمن سأل عن ذلك وأن تكون حالية أي مبتدعين ~~لها. # فإن قيل: قال إبراهيم لقومه: " اعبدو الله " ، وقال لوط لقومه ~~هاهنا: { أئنكم لتأتون الفاحشة } ولم يأمرهم بالتوحيد، ~~فما الحكمة؟ # فالجواب: انه لما ذكر الله لوطا عند ذكر إبراهيم كان لوط في زمن ~~إبراهيم فلم يذكر عن لوط أنه أمر قومه بالتوحيد مع الرسول لا بد أن يقول ~~ذلك فحكاية لوط وغيرها هاهنا ذكرها الله على سبيل الاختصار فاقتصر على ~~ما اختص به لوط وهو المنع من الفاحشة، ولم يذكر عنه الأمر بالتوحيد، وإن ~~كان قاله في موضع آخر حيث قال: # اعبدوا الله ما لكم من إله غيره # [هود: 61]؛ لأن ذلك قد أتى به إبراهيم، وسبقه فصار كالمختص به، وأما ~~المنع من علم قوم " لوط " فكان مختصا " بلوط " فذكر كل واحد بما اختص ~~به، وسبق به غيره. # فصل # دلت الآية على وجوب الحد في اللواطة، لأنه سماها فاحشة، وقد ثبت أن ~~إتيان الفاحشة يوجب الحد، وأيضا أن الله تعالى جعل عذاب من أتاها ~~إمطار الحجارة عليهم ms6942 عاجلا وهو الرجم. وتقدم الكلام على قوله: { ~~ما سبقكم بها من أحد }. # قوله: { أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل } ~~، قيل: كانوا يفعلون الفاحشة بمن يمر بهم من المسافرين فترك الناس ~~الممر بهم، وقيل: يقطعون سبيل النسل بإتيان الرجال، كقوله: # إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النسآء # [الأعراف: 81] و [النمل: 55]، { وتأتون في ناديكم المنكر ~~} قال أبو العباس المقري. ورد لفظ النادي في القرآن بإزاء معنيين: # الأول: النادي مجلس القوم المحدد فيه لهذه الآية. # والثاني: بمعنى الناصر، كقوله تعالى: # فليدع ناديه # [العلق: 17]، أي ناصره يعني أبا جهل. # واعلم أن النادي (والندي) والمنتدى مجلس القوم ومتحدثهم، ~~روى أبو صالح مولى أم هانىء بنت أبي طالب قالت: # " سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قوله: { وتأتون في ~~ناديكم المنكر } قلت: ما المنكر الذي كانوا يأتون؟ قال: كانوا ~~يخذفون أهل الطرق، ويسخرون منهم " # وروي أنهم كانوا يجلسون في مجالسهم وعند كل رجل منهم قصعة فيها حصى، ~~فإذا مر بهم عابر سبيل حذفوه فأيهم أصابه كان أولى به. وقيل: إنه كان ~~يأخذ ما معه وينكحه ويغرمه ثلاثة دراهم، ولهم قاضي بذلك، وقال القاسم بن ~~محمد: كانوا يتضارطون في مجالسهم. # وقال مجاهد: كان يجامع بعضهم بعضا في مجالسهم. # وعن عبد الله بن سلام: يبزق بعضهم على بعض. وعن مكحول قال: من ~~أخلاق قوم لوط مضغ العلك، وتطريق الأصابع بالحناء، وحل الإزار، ~~والصفير، والخذف، واللوطية. # (قوله): { فما كان جواب قومه } ، لما أنكر عليهم " لوط " ما ~~يأتون به من القبائح إلا أن قالوا له استهزاء { ائتنا بعذاب ~~الله إن كنت من الصادقين } أن العذاب نازل بنا فعند ذلك قال ~~لوط: { رب انصرني على القوم المفسدين } بتحقيق قولي في ~~العذاب. # فإن قيل: قال قوم " إبراهيم " اقتلوه أو حرقوه، وقال قوم لوط { ~~ائتنا بعذاب الله } وما هددوه (مع) أن " إبراهيم " كان ~~أعظم من " لوط " فإن لوطا كان من قومه. # فالجواب: أن إبراهيم كان يقدح في دينهم ويشتم آلهتهم ويعدد صفات نقصهم ~~بقوله: " لا تبصر ولا تسمع ولا تنفع، ولا تغني " ، والقدح ms6943 ~~في الدين صعب، فجعلوا جزاءه القتل والتحريق، ولوط كان ينكر عليهم فعلهم، ~~وينبههم إلى ارتكاب التحريم وهم ما كانوا يقولون إن هذا واجب من الدين ~~فلم يصعب عليهم مثل ما صعب على قوم إبراهيم كلام إبراهيم وقالوا: إنك ~~تقول: إن هذا حرام والله يعذب عليه ونحن نقول: لا نعذب فإن كنت صادقا ~~فأتنا بالعذاب.؟ # فإن قيل: إن الله قال في موضع آخر: # فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل ~~لوط من قريتكم # [النمل: 56]. # وقال هنا: { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا } ~~فكيف الجمع؟ # فالجواب: أن لوطا كان ثابتا على الإرشاد مكررا على النهي والوعيد ~~فقالوا (أولا) ائتنا (ثم) لما كثر منه ولم يسكت عنهم قالوا: " أخرجوا ". ~~ثم إن لوطا لما يئس منهم طلب النصرة من الله وذكرهم بما لا ~~يحب الله فقال { رب انصرني على القوم المفسدين } (فإن ~~الله لا يحب المفسدين) حتى ينجز النصر. # واعلم أن كل نبي من الأنبياء ما طلب هلاك قومه إلا إذا علم أن ~~عدمهم خير من وجودهم، كما قال نوح # إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا ~~فاجرا كفارا # [نوح: 27]، يعني: أن المصلحة إما أن تكون فيهم حالا، أو بسببها مآلا ~~ولا مصلحة فيهما، فإنهم ضالون في الحال وفي المآل فإنهم يوصون أولادهم من ~~صغرهم بالامتناع عن الأتباع وكذلك لوط لما رأى أنهم يفسدون في الحال، ~~واشتغلوا بما لا يرجى منهم ولد صالح يعبد الله فطلب المصلحة حالا ~~ومآلا، فعدمهم صار خيرا، وطلب العذاب. ### || [29.31-35] # قوله (تعالى): { ولما جآءت رسلنآ إبراهيم بالبشرى ~~} من الله بإسحاق ويعقوب { قالوا إنا مهلكو أهل ~~هذه القرية } يعني قوم لوط { إن أهلها كانوا ~~ظالمين }. " قال " إبراهيم { إن فيها لوطا } ، قالت ~~الملائكة: { نحن أعلم بمن فيها } ويأتي بقية الكلام على ذلك. # قوله: { ولمآ أن جآءت } تقدم نظيرها إلا أن هنا زيدت " أن " وهو ~~مطرد تأكيدا. # اعلم أنه لما دعا لوط على قومه بقوله: " رب انصرني " استجاب الله ~~دعاءه، وأمره ملائكته بإهلاكهم وأرسلهم مبشرين ومنذرين فجاءوا ms6944 إبراهيم ~~وبشروه بذرية طيبة وقالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية يعني أهل ~~سدوم. # وفي الآية لطيفتان: # " إحداهما ": أن الله جعلهم مبشرين ومنذرين لكن البشارة إثر الرحمة ~~والإنذار بالهلاك إثر الغضب، ورحمته سبقت غضبه فقدم البشارة على ~~الإنذار، وقال: { جآءت رسلنآ إبراهيم بالبشرى } ثم ~~قال: " إنا مهلكوا " ، " الثانية ": حين ذكروا البشرى ما هلكوا ~~وقالوا: إنا نبشرك بأنك رسول، أو لأنك مؤمن أو لأنك عادل، وحين ذكروا ~~الإهلاك هلكوا، وقالوا: إن أهلها كانوا ظالمين لأن ذا الفضل لا يكون ~~فضله بعوض، والعادل لا يكون عذابه إلا على جرم. # فإن قيل: قال في قوم نوح: # فأخذهم الطوفان وهم ظالمون # [العنكبوت: 14] (وقيل: إن ذلك إشارة إلى أنهم كانوا على ظلمهم حين أخذهم ~~ولم يقل: وهم ظالمون). # فالجواب: لا فرق في الموضعين في كونهما مهلكين وهم مصرون على ~~الظلم لكن هناك الإخبار من الله عن الماضي حيث قال: " فأخذهم " وهم عند ~~الوقوع في العذاب ظالمون وهاهنا الإخبار من الملائكة عن المستقبل حيث ~~قالوا: إنا مهلكوا أهل هذه القرية، والملائكة ذكروا ما يحتاجون إليه في ~~(إبانة) حسن الأمر من الله بالإهلاك فقالوا: { إنا مهلكو أهل ~~هذه القرية }؛ لأن الله أمرنا؛ وحال (ما) أمرنا كانوا ظالمين ~~فحسن أمر الله عند كل أحد وأما نحن فلا تخبر بما لا حاجة لنا إليه فإن ~~الكلام في الملك بغير إذنه سوء أدب فنحن ما احتجنا إلا إلى هذه ~~القدر وهو أنهم كانوا ظالمين في وقتنا هذا: وكونهم يبقون كذلك فلا ~~حاجة لنا إليه، ثم إن إبراهيم لما سمع كلامهم قال لهم: { قال إن ~~فيها لوطا } إشفاقا عليه ليعلم حاله، قالت الملائكة: { نحن ~~أعلم بمن فيها لننجينه } قرأ حمزة والكسائي ويعقوب " ~~لننجينه " - بالتخفيف، وقرأ الآخرون بالتشديد { وأهله إلا ~~امرأته كانت من الغابرين } أي الباقين في العذاب. وفي ~~استعمال الغابر في المهلك وجهان؛ لأن الغابر لفظ مشترك في الماضي، وفي ~~الباقي يقال: فيما غبر من الزمان أي فيما مضى وقال عليه (الصلاة ~~و) السلام لما سئل عن الماء من السباع فقال: # " ولنا ms6945 ماء غير طهور " # أي بقي فعلى الأول إن ذكر الظالمين سبق في قولهم: إنا مهلكوا أهل هذه ~~القرية إن أهلها كانوا ظالمين، ثم جرى (ذكر) لوط. وقول الملائكة: إنها من ~~الغابرين أي الماضين ذكرهم لا من الذين نحن منهم، أو نقول المهلك ~~يفنى بمضي زمانه، والناجي هو الباقي، (ف) قالوا { إنها من الغابرين } أي ~~من الرائحين الماضين، لا من الباقين المستمرين وأما على الثاني لما ~~قضى الله على القوم بالهلاك كان الكل في الهلاك إلا من ينجى منه، فقالوا: ~~إنا ننجي لوطا وأهله، وأما امرأته فهي من الباقين في ~~الهلاك. # قوله: { ولمآ (أن) جآءت رسلنا لوطا } أي إنهم من عند ~~إبراهيم جاءوا إلى لوط على صورة البشر فظنهم بشرا فخاف عليهم من قومه ~~لأنهم كانوا في أحسن صورة والقوم كما عرف حالهم " سيء بهم " أي جاءه ~~ما ساءه وخاف، ثم عجز عن تدبيرهم فحزن { وضاق بهم ذرعا } كناية ~~عن العجز في تدبيرهم قال الزمخشري: يقال: طال ذرعه وذراعه للقادر، ~~وضاق للعاجز، وذلك لأن من طال ذراعه يصل إلى ما لا يصل إليه قصير الذراع ~~والاستعمال يحتمل وجها آخر معقولا وهو أن الخوف والحزن يوجبان انقباض ~~الروح، ويتبعه اشتمال القلب عليه فينقبض هو أيضا والقلب هو المعتبر من ~~الإنسان فكأن الإنسان انقبض وانجمع وما يكون كذلك يقل ذرعه ومساحته ~~فيضيق، ويقال في الحزين ضاق ذرعه والغضب والفرح يوجبان انبساط ~~الروح فيبسط مكانه وهو القلب، ويتسع فيقال: طال ذرعه، ثم إن الملائكة ~~لما رأوا أول الأمر، وحزنه بسبب تدبيرهم في ثاني الأمر قالوا: لا تخف من ~~قومك علينا ولا تحزن بإهلاكنا إياهم { إنا منجوك وأهلك } ، ~~وإنا منزلون عليهم العذاب حتى يتبين له أنهم ملائكة فيطول ذرعه بطول ~~روعه. # قوله: " إنا منجوك " في الكاف وما أشبهها مذهبان، مذهب سيبويه: ~~أنها في محل جر، ومذهب الأخفش وهشام أنها في محل نصب. وحذف النون ~~والتنوين لشدة اتصال الضمير. # وقد تقدمت قراءتا التخفيف والتثقيل في " لننجينه " منجوك " في ~~الحجر ". # قوله: إنا منزلون " ، قرأ ابن عامر بالتشديد, ms6946 والآخرون بالتخفيف، ~~وقرأ ابن محيصن " رجزا " بضم الراء، والأعمش وأبو حيوة " ~~يفسقون " بالكسر. # (فإن قيل): قال هنا: " إنا منجوك " وقال لإبراهيم: " ~~لننجينه " - بصيغة الفعل فما الحكمة؟ # فالجواب: ما من حرف ولا حركة في القرآن إلا وفيه فائدة، ثم إن العقول ~~البشرية تدرك بعضها، ولا تصل إلى أكثرها، وما أوتي البشر من العلم إلا ~~القليل، والذي يظهر (هاهنا) أن هانك لما قال لهم إبراهيم: { إن فيها ~~لوطا } وعدوه بالتنجية ووعد الكريم حتم، وهاهنا لما قالوا للوط وكان ~~ذلك بعد سبق الوعد مرة (قالوا) إنا منجوك أي ذلك واقع منا كقوله ~~تعالى: " إنك ميت " لضرورة وقوعه. # فإن قيل: ما مناسبة قوله: " إنا منجوك " لقوله: { لا تخف ولا ~~تحزن } فإن خوفه ما كان على نفسه. # فالجواب: أن لوطا لما خاف عليهم وحزن لأجلهم قالوا: لا تخف علينا ولا ~~تحزن لأجلنا فإننا ملائكة. ثم قالوا له يا لوط خفت علينا وحزنت لأجلنا ~~ففي مقابلة خوفك وقت الخوف نزيل خوفك وننجيك وفي مقابل حزنك نزيل حزنك، ~~ولا نتركك تفجع في أهلك، فقالوا: { إنا منجوك وأهلك }. # فإن قيل: القوم عذبوا بسبب ما صدر منهم من الفاحشة وامرأته لم يصدر منها ~~ذلك. فكيف كانت من الغابرين معهم؟ # فالجواب: أن الدال على الشر كفاعل الشر كما أن الدال على الخير كفاعله، ~~وهي كانت تدل القوم على ضيوف لوط حتى كانوا يقصدونهم فبالدلالة صارت ~~كأحدهم، ثم إنهم بعد بشارة " لوط " بالتنجية ذكروا أنهم منزلون على ~~أهل هذه القرية العذاب. # واختلفوا في ذلك، فقيل: حجارة، وقيل: نار، وقيل: خسف، وعلى هذا يكون ~~قولهم: { رجزا من السمآء } بمعنى أن الأمر من السماء بالخسف ~~والقضاء به من السماء، واعلم أن كلام الملائكة مع لوط جرى على (نمط) ~~كلامهم مع إبراهيم، فقدموا البشارة على إنزال العذاب، فقالوا: " إنا ~~منجوك " ثم قالوا: " إنا منزلون " ولم يعللوا التنجية، فلم يقولوا: ~~إنا منجوك لأنك نبي أو عابد، وعللو الإهلاك، فقالوا: { بما كانوا ~~يفسقون } كقولهم هناك: { إن أهلها كانوا ظالمين }. # قوله: { ولقد تركنا منهآ آية } فيها وجهان: ms6947 # أحدهما: أن بعضها " باق " وهو آية باقية إلى اليوم، والمعنى تركنا من ~~قريات (قوم) لوط آية بينة عبرة ظاهرة. # الثاني: أن " من " مزيدة، وإليه نحا الفراء أي تركناها أية كقوله: # 4029 - أمهرت منها جبة وتيسا # أي أمهرتها، وهذا يجيء على رأي الأخفش، أي ولقد تركنا القرية. والقرية ~~معلومة، وفيها الماء الأسود وهي بين القدس والكرك. # فإن قيل: كيف جعل الآية في " نوح " و " إبراهيم " بالنجاة فقال: # فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناهآ آية ~~للعالمين # [العنكبوت: 15]. وقال: # فأنجاه الله من النار إن في ذلك لآيات # [العنكبوت: 24]، وجعل ههنا الهلاك آية. # فالجواب: أن الآية في إبراهيم كانت في النجاة لأن في ذلك الوقت لم يكن ~~إهلاك، وأما في نوح فلأن الإنجاء من الطوفان الذي على أعلى الجبال بأسرها ~~أمر عجيب إلهي وما به النجاة وهو السفينة كان باقيا، والغرق لم يبق ~~لمن بعده أثره، فجعل الباقي آية، وأما ههنا فنجاة " لوط " لم يكن بأمر ~~يبقى أثره للحس والهلاك أثره محسوس في البلاد، فجعل الآية ههنا البلاد، ~~وهنا السفينة، وهنا لطيفة وهي أن الله تعالى آية قدره موجودة في الإنجاء ~~والإهلاك، فذكر من كل باب آية، وقدم آيات الإنجاء لأنها أثر الرحمة، وأخر ~~آيات الإهلاك لأنها أثر الغضب، ورحمته سابقة. # فإن قيل: ما الحكمة في قوله في السفينة " جعلناها آية " ، ولم يقل بينة ~~وقال ههنا آية بينة؟ # فالجواب: أن الإنجاء بالسفينة أمر يسع له كل العقل وقد يقع في ذهن جاهل ~~أن الإنجاء لا يفتقر إلى أمر آخر، وأما الآية ههنا الخسف، وجعل ~~ديارهم المعمورة عاليها سافلها، وهو ليس بمعتاد وإنما ذلك بإرادة قادر ~~مخصصة بمكان دون مكان وفي زمان دون زمان فهي بينة لا يمكن لجاهل، أن يقول ~~هذا أمر يكون كذلك، وكان له أن يقول في السفينة أمرها يكون كذلك، فيقال ~~له: فلو دام الماء حتى ينفذ زادهم كيف كان حصل لهم النجاة؟ ولو سلط الله ~~عليهم الريح العاصفة، وكيف تكون أحوالهم؟ # فإن قيل: ما الحكمة في قوله هناك: " للعالين " ، وفي قوله ههنا: ms6948 " ~~لقوم يعقلون "؟ # فالجواب: أن السفينة (موجودة) معلومة في جميع أقطار العالم فعند كل قوم ~~مثال السفينة يتذكرون بها حالة نوح، وإذا ركبوها يطلبون من الله النجاة، ~~فلا يثق أحد بمجرد السفينة، بل يكون دائما مرتجف القلب متضرعا إلى ~~الله طالبا النجاة، وأما أثر الهلاك في بلاد لوط ففي موضع مخصوص لا يطلع ~~عليها إلا من مر بها، ويصل إليها ويكون له عقل يعلم أن ذلك من الله ~~فإرادته بسبب اختصاصه بمكان دون مكان ووجوده في زمان دون زمان، قال ابن ~~عباس: الآية البينة: آثار منازلهم الخربة. وقال قتادة: هي الحجارة التي ~~أهلكوا بها أبقاها الله (تعالى) حتى أدركها أوائل هذه الأمة. وقال مجاهد: ~~هي ظهور الماء الأسود على وجه الأرض. ### || [29.36-37] # قوله تعالى: " وإلى مدين " أي وأرسلنا، أو بعثنا إلى مدين أخاهم " ~~شعيبا " بدل، أو بيان، أو بإضمار: أعني، قيل: مدين: اسم رجل في الأصل ~~وجهل وله ذرية فاشتهر في القبيلة، كتميم، وقيس وغيرهما، وقيل: اسم ما ~~نسب القوم إليه فاشتهر في القوم، والأول أظهر، لأن الله تعالى أضافه إلى ~~مدين بقوله: { ولما ورد ماء مدين } ولو كان اسم الماء لكانت ~~الإضافة غير صحيحة أو غير حقيقية فالأصل في الإضافة التغاير حقيقة وقوله: ~~" أخاهم " ، قيل: لأن شعيبا كان منهم نسبا. # فإن قيل: قال الله (تعالى) في " نوح ": # ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه # [ العنكبوت: 14] فقدم نوحا في الذكر وعرف القوم بالإضافة إليه ~~وكذلك في إبراهيم، ولوط، وههنا ذكر القوم أولا، وأضاف إليهم أخاهم " ~~شعيبا " فما الحكمة؟ # فالجواب: أن الأصل في الجميع أن يذكر القوم ثم يذكر رسولهم لأن الرسل لا ~~تبعث إلا غير معينين، وإنما تبعث الرسل إلى قوم محتاجين إلى الرسل فيرسل ~~إليهم من يختاره، غير أن قوم نوح وإبراهيم ولوط لم يكن لهم اسم خاص، ولا ~~نسبة مخصوصة يعرفون بها، فعرفوا بالنبي، فقيل: قوم نوح، وقوم لوط، وأما ~~قوم " شعيب " و " هود " و " صالح " فكان لهم نسب معلوم اشتهروا به عند ~~الناس فجرى الكلام على أصله، وقال الله: { وإلى ms6949 مدين أخاهم ~~شعيبا } ، { وإلى عاد أخاهم هودا } فإن قيل: لم يذكر عن ~~" لوط " أنه أمر قومه بالعبادة والتوحيد، وذكر عن شعيب ذلك. # فالجواب قد تقدم وهو أن " لوطا " كان من قوم " إبراهيم " ، وفي ~~زمانه، وكان إبراهيم سبقه بذلك، واجتهد فيه حتى اشتهر الأمر بالتوحيد ~~عند الخلق عن " إبراهيم " فلم يحتج " لوط " إلى ذكره، وإنما ذكر ما اختص ~~به من المنع من الفاحشة وغيرها، وإن كان هو بدأ يأمر بالتوحيد، (إذ ما من ~~رسول إلا ويكون أكثر كلاما في التوحيد، وأما " شعيب " فكان بعد انقراض ~~ذلك الزمان، وذلك القوم، فكان هو أصلا في التوحيد) فبدأ به وقال اعبدوا ~~الله. # قوله: { وارجوا اليوم الأخر } ، قال الزمخشري: معناه افعلوا ~~فعل من يرجو اليوم الآخر؛ إذ يقول القائل لغيره: كن عاقلا ويكون ~~معناه افعل فعل من يكون عاقلا، فقوله: { وارجوا اليوم آلآخر } ~~بعد قوله: " واعبدوا الله " يدل علي التفضل لا على الوجوب. # قوله: { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } ، تقدم الكلام ~~عليه، ونصب " مفسدين " على المصدر، كقول القائل: اجلس قعودا. # قوله: { فكذبوه فأخذتهم الرجفة }. # فإن قيل: (ما الحكمة) فيما حكاه الله عن شعيب من أمر ونهي، فالأمر لا ~~يكذب، ولا يصدق، فإن قال لغيره اعبد الله لا يقال له: كذبت؟ # فالجواب: كان شعيب يقول: الله واحد فاعبدوه، والحشر كائن فارجوه، ~~والفساد محرم فلا تقربوه، وهذه فيها إخبارات، فكذبوه بما أخبر به. # (فإن قيل هنا) قال في الأعراف: " فأخذتهم الرجفة " وقال في ~~هود: " فأخذتهم الصيحة " والحكاية واحدة. # (فالحواب): لا تعارض بينهما، فإن الصيحة كانت سببا للرجفة، قيل: إن ~~جبريل صاح فتزلزلت الأرض من صيحته، فرجفت قلوبهم، والإضافة إلى السبب لا ~~تنافي الإضافة إلى سبب السبب. # فإن قيل: ما الحكمة في أنه حيث قال: " فأخذتهم الصيحة " قال: " في ~~ديارهم " وحيث قال: " فأخذتهم الرجفة " قال في " دارهم "؟ # فالجواب: أن المراد من الدار هو الديار، والإضافة إلى الجمع يجوز أن ~~تكون بلفظ الجمع، وأن تكون بلفظ الواحد إذا أمن (من) الالتباس، ~~وإنما اختلف اللفظ للطيفة وهي أن اللطيفة هائلة ms6950 في نفسها، فلم يحتج إلى ~~تهول بها، وأما الصيحة فغير هائلة في نفسها ولكن تلك الصيحة لما كانت ~~عظيمة حتى أحدثت الزلزلة في الأرض ذكر الديار بلفظ الجمع حتى يعلم ~~هيئتها، والرجفة بمعنى الزلزلة عظيمة عند كل أحد فلم يحتج إلى ~~معظم لأمرها، وقيل: إن الصيحة كانت أعظم حيث عمت الأرض والجو والزلزلة ~~لم تكن إلا في الأرض فذكر الديار هنا، وهذا ضعيف لأن الدار والديار موضع ~~الجثوم لا موضع الصيحة والرجفة فهم ما أصبحوا جاثمين إلا في ديارهم أو ~~دارهم. ### || [29.38-40] # قوله تعالى: " وعادا وثمودا " نصب " بأهلكنا " مقدرا، أو ~~عطف على مفعول " فأخذتهم " أو على منصوب " ولقد فتنا " أول ~~السورة، وهو قول الكسائي. وفيه بعد كثير وتقدم تنوين " ثمود " ، وعدمه في ~~هود، وقرأ ابن وثاب: " وعاد وثمود " بالخفض عطفا على " مدين " ~~عطف لمجرد الدلالة، وإلا يلزم أن يكون شعيب مرسلا إليهما، وليس كذلك. # قوله: { وقد تبين لكم من مساكنهم } أي ما حل بهم ~~وقرأ الأعمش: " مساكنهم " بالرفع على الفاعلية بحذف " من ". ثم ~~(بين) سبب (ما) جرى عليهم فقال: { وزين لهم الشيطان ~~أعمالهم فصدهم عن السبيل } أي عن سبيل الحق، وهو عبادة ~~الله " وكانوا مستبصرين " قال مقاتل والكلبي وقتادة كانوا معجبين ~~في دينهم وضلالتهم يحسبون أنهم على هدى، وكانوا على الباطل، والمعنى أنهم ~~كانوا عند أنفسهم مستبصرين وقال الفراء: كانوا عقلاء ذوي بصائر. وقيل: ~~كانوا مستبصرين بواسطة الرسل، يعني لم يكن لهم في ذلك عذر لأن الرسل ~~أوضحوا السبل. # قوله: { وقارون وفرعون وهامان } عطف على " عادا وثمودا ~~" أو على مفعول: " فصدهم " ، أو بإضمار: اذكروا، { ولقد جآءهم ~~موسى بالبينات } بالدلالات كما قال في عاد وثمود " وكانوا ~~مستبصرين " أي بالرسل. { فاستكبروا في الأرض } أي عن عبادة ~~الله، فقوله " في الأرض " إشارة إلى قلة عقلهم فاستكبارهم، لأن من في ~~الأرض أضعف أقسام المكلفين، ومن في السماء أقواهم، ثم إن " من في السماء ~~" لا يستكبرون على الله بالعبادة فكيف " من في الأرض " ، { وما ~~كانوا سابقين } أي فائتين من عقابنا. # قوله: " فكلا " منصوب " بأخذنا " و ms6951 " بذنبه " أي بسببه أو ~~مصاحبا لذنبه، { فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا } وهم ~~قوم لوط والحاصب: الريح التي تحمل الحصباء وهي الحصا الصغار وقيل: ~~كانت حجارة محمية تقع على واحد منهم وتنفذ من الجانب الآخر، { ~~ومنهم من أخذته الصيحة } يعني ثمود { ومنهم من ~~خسفنا به الأرض } وهم " قارون " وأصحابه، { ومنهم من ~~أغرقنا } يعني قوم نوح وفرعون وقومه. # وقوله: " من أغرفنا " عائده محذوف لأجل سنة الفاصلة، ثم قال: { ~~وما كان الله ليظلمهم } يعني لم يظلمهم بالهلاك وإنما ~~ظلموا أنفسهم بالإشراك. ### || [29.41-43] # قوله (تعالى): { مثل الذين اتخذوا من دون الله ~~(أوليآء) } يعني الأصنام يرجون نصرها ونفعها { كمثل ~~العنكبوت اتخذت } لنفسها { بيتا } تأوي إليه، وإن بيتها في ~~غاية الضعف والوهي لا يدفع عنها حرا ولا بردا كذلك الأوثان لا تملك ~~لعابدها نفعا ولا ضرا { وإن أوهن البيوت لبيت ~~العنكبوت (لو كانوا يعلمون }. واعلم أنه تعالى مثل ~~اتخاذهم الأوثان أولياء باتخاذ العنكبوت) نسجه بيتا ولم يمثل " نسجه " ~~لأن " نسجه " له فائدة لولاه لما حصل، وهو اصطيادها الذباب من غير أن ~~يفوته ما (هو) أعظم منه واتخاذهم الأوثان يفيدهم ما هو أقل من الذباب من ~~متاع الدنيا ولكن يفوتهم ما هو أعظم منها وهو الدار الآخرة (التي) هي خير ~~وأبقى، فليس اتخاذهم كنسج العنكبوت. وقوله: { وإن أوهن ~~البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون } إشارة ~~إلى ما بينا أن كل بيت ففيه إما فائدة الاستظلال أو غير ذلك، وبيته يضعف ~~عن إفادة ذلك لأنه يخرب بأدنى شيء، ولا يبقى منه عين ولا أثر، فذلك ~~عملهم، { لو كانوا يعلمون }. (و) العنكبوت معروف، ونونه ~~أصلية. والواو والتاء مزيدتان بدليل جمعه على " عناكب " وتصغيره عنيكب ~~ويذكر ويؤنث، فمن التأنيث قوله: " اتخذت بيتا " ومن التذكير قوله: # 4030 - على هطالهم منهم بيوت # كأن العنكبوت هو ابتناها # وهذا مطرد في أسماء الأجناس يذكر ويؤنث. # قوله: { لو كانوا يعلمون } جوابه محذوف أي لما اتخذوا من يضرب ~~له بهذه الأمثال لحقارته ومتعلق يعلمون لا يجوز أن يكون من جنس ~~قوله: { وإن أوهن البيوت } لأن كل ms6952 أحد يعلم ذلك، وإنما متعلقه مقدر ~~من جنس ما يدل عليه السياق أي لو كانوا يعلمون أن هذا مثلهم. # قوله: { إن الله يعلم ما يدعون } ، قرأ أبو عمرو وعاصم " ~~يدعون " بياء الغيبة، والباقون بالخطاب. و " ما " يجوز أن تكون موصولة ~~منصوبة ب " يعلم " أي يعلم الذين يدعونهم ويعلم أحوالهم، و " من شيء ~~" مصدر، وأن تكون استفهامية، وحينئذ يجوز فيها وجهان أن تكون هي وما عملت ~~فيها معترضا بين قوله: " يعلم " وبين قوله: { وهو العزيز ~~الحكيم } كأنه قيل: أي شيء تدعون من دون الله. # والثاني: أن تكون متعلقة " ليعلم " فتكون في موضع نصب بها، وإليه ~~ذهب الفارسي وأن تكون نافية و " من " في " من شيء " مزيدة في ~~المفعول به كأنه قيل: ما تدعون من دون الله ما يستحق أن يطلق عليه شيء. # قال الزمخشري: هذا زيادة توكيد على التمثيل حيث إنهم لا يدعون من دونه ~~من شيء يعني ما يدعون ليس بشيء، وهو عزيز حكيم، فكيف يجوز للعاقل أن يترك ~~القادر الحكيم ويشتغل بعبادة ما ليس بشيء أصلا وهذا يفهم منه أنه جعل " ~~ما " نافية، والوجه فيه حينئذ أن تكون الجملة معترضة كالأول من وجهي ~~الاستفهامية، وأن تكون مصدرية، قال أبو البقاء: و " شيء " مصدر، وفي هذا ~~نظر، إذ يصير التقدير يعلم دعاءكم في شيء من الدعاء. # قوله: { وتلك الأمثال نضربها للناس } يجوز أن يكون " ~~نضربها " خبر " تلك الأمثال " و " الأمثال " نعت أو بدل، أو عطف بيان، ~~وأن يكون " الأمثال " خبرا، و " نضربها " حال، وأن يكون خبرا ثانيا. # فصل # وتلك الأمثال: الأشباه، والمثل: كلام سائغ يتضمن تشبيه الآخر بالأول، ~~يريد أمثال القرآن التي شبه بها أحوال الكفار هذه الأمة بأحوال كفار ~~الأمم المتقدمة " نضربها " تنبيها للناس، قال مقاتل: لكفار مكة { ~~وما يعقلهآ إلا العالمون } أي ما يعقل الأمثال إلا ~~العلماء الذين يعقلون عن الله. روى جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- تلا هذه الآية { وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون } ~~قال: # " العالم من عقل عن الله فعمل بطاعته، ms6953 واجتنب سخطه ". # فصل # روي أن الكفار قالوا: كيف يضرب خالق الأرض والسموات الأمثال بالهوام ~~والحشرات كالبعوض والذباب والعنكبوت، فقيل: الأمثال تضربها للناس إذ لم ~~يكونوا كالأنعام يحصل لكم منه إدراك ما يوجب نفرتكم مما أنتم فيه ~~لأن التشبيه يؤثر في النفس تأثيرا مثل تأثير الدليل، فإذا قال الحكيم ~~لمن يغتاب (بالغيبة) كأنك تأكل لحم ميت لأنك وقعت في هذا الرجل الغائب ~~وهو غائب لا يفهم ما تقول ولا يسمع حتى يجيبك كمن يقع في ميت يأكل كما ~~ينفر إذا قال له: إنك توجب العقاب ويورث العتاب. ### || [29.44-45] # قوله تعالى: { خلق الله السماوات والأرض بالحق } ~~بالحق وإظهار الحق { إن في ذلك } إن في خلقها { لآية ~~للمؤمنين } على قدرته وتوحيده، فإن قال قائل كيف خص الآية في خلق ~~السماوات والأرض بالمؤمنين مع أن في خلقها آية لكل عاقل كما قال ~~تعالى: # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله # [الزمر: 38] وقال تعالى: # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل ~~والنهار... لآيات لقوم يعقلون # [البقرة: 164]. # فالجواب: خلق السموات والأرض آية لكل عاقل، وخلقهما بالحق آية للمؤمنين ~~فحسب ويدل عليه النقل والنقل، أما النقل فقوله تعالى: # ما خلقناهمآ إلا بالحق ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون # [الدخان: 39] أخرج أكثر الناس عن العلم بكونه خلقهما بالحق مع أنه أثبت ~~للكل بأنه خلقهما بقوله: # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله # [الزمر: 38] وأما العقل ف (هو أن) العاقل أول ما ينظر إلى خلق ~~السماوات والأرض يعلم أن لها خالقا وهو الله، ثم (من) يهديه الله لا ~~يقطع النظر عنهما عند مجرد ذلك بل يقول: إنه خلقهما متقنا محكما وهو ~~المراد من قوله: " بالحق " لأن ما لا يكون محكما يفسد ويبطل فيكون ~~باطلا، وإذا علم أن خالقهما متقنا يقول: إنه قادر كامل، حيث خلق، ~~فأحكم، وعالم علمه شامل حيث أتقن فيقول: # لا يعزب عنه مثقال ذرة # [سبأ: 3] ولا يعزب عن علمه أجزاء الموجودات في الأرض ولا في السموات، ~~ولا يعجز عن جمعهما كما جمع أجزاء الكائنات والمبدعات فيجوز ms6954 بعث من في ~~القبور، وبعثه الرسل، وهما بالخلق موجودان فيحصل له الإيمان بتمامه من ~~خلق ما خلقه الله على أحسن نظامه. # قوله تعالى: { اتل ما أوحي إليك من الكتاب } يعني ~~القرآن لتعلم أن " نوحا " و " لوطا " وغيرهما كانوا على ما أنت عليه ~~بلغوا الرسلة، وبالغوا في إقامة الدلالة، ولم ينقذوا قومهم من الضلالة، ~~وهذا تسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - (وشرف وكرم). # قوله: { وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن ~~الفحشآء والمنكر } الفحشاء: ما قبح من الأعمال، والمنكر ما ~~لا يعرف في الشرع. قال ابو مسعود، وابن عباس: في الصلاة منتهى ومزدجر ~~عن معاصي الله فمن لم تأمره صلاته بالمعروف، ولم تنهه عن المنكر لم يزدد ~~بصلاته من الله إلا بعدا، وقال الحسن وقتادة: من لم تنهه صلاته عن ~~الفحشاء والمنكر فصلاته وبال عليه، وروي عن أنس بن مالك قال: # " كان فتى من الأنصار يصلي الصلوات مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~ثم (لا) يدع شيئا من الفواحش إلا ركبه فوصف لرسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - حاله فقال: " إن صلاته تنهاه يوما " فلم يلبث أن تاب وحسن ~~حاله " # وقال ابن عون: معنى الآية: إن الصلاة تنهى صاحبها عن الفحشاء وةالمنكر ~~ما دام فيها، وقيل: المراد بالصلاة القرآن كما قال: # ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها # [الإسراء: 110]، أي بقراءتك، وأراد أنه يقرأ القرآن في الصلاة، فالقرآن ~~ينهاه عن الفحشاء والمنكر. # قوله: { ولذكر الله أكبر } أي ذكر الله أفضل الصناعات، قال ~~عليه (الصلاة و) السلام: # " " ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند ~~مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير من إعطاء الذهب ~~والفضة وأن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ~~ويضربوا أعناقكم " قالوا: ماذا يا رسول الله؟ قال: ذكر الله ~~وسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي العباد أفضل درجة عند الله ~~يوم القيامة؟ قال: الذاكرون الله كثيرا، قالوا يا رسول الله: ومن ~~الغازي في سبيل الله، فقال: لو ضرب بسيفه الكفار والمشركين حتى ينكسر أو ~~يختضب دما لكان الذاكرون الله كثيرا أفضل منه " # وروى ms6955 أبو هريرة قال: # " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسير في طرق مكة مر على جبل ~~يقال له: حمدان، فقال: سيروا هذا حمدان. سبق المفردون، قالوا: ~~وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيرا والذاكرات ". # قيل: معنى قوله: { ولذكر الله أكبر } أي ذكر الله إياكم ~~أفضل من ذكركم إياه روي ذلك عن عبد الله، وهو قول مجاهد، وعكرمة، ~~وسعيد بن جبير، ويروى مرفوعا عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال عطاء في قوله: { إن الصلاة ~~تنهى عن الفحشآء والمنكر ولذكر الله أكبر } ~~من أن يبقى معه معصية { والله يعلم ما تصنعون } قال ~~عطاء: لا يخفى عليه شيء. ### || [29.46-49] # قوله تعالى: { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي ~~هي أحسن } أي لا تخاصمهم إلا بالتي هي أحسن أي بالدعاء إلى الله ~~بآياته والتنبيه على حججه، وأراد من قبل الجزية منهم لما بين طريقة إرشاد ~~المشركين بين طريقة إرشاد أهل الكتاب. # قوله: { إلا الذين ظلموا } استثناء متصل، وفيه معنيان. # أحدهما: إلا الظلمة فلا تجادلوهم ألبتة بل جاهدوهم بالسيف حتى يسلموا أو ~~يعطوا الجزية. # ومجاز الآية: إلا الذين ظلموكم لأن جميعهم ظالم بالكفر. # والثاني: جادلوهم بغير التي هي أحسن أي أغلظوا لهم كما أغلظوا عليكم، ~~قال سعيد بن جبير: أهل الحرب، ومن لا عهد له، وقال قتادة ومقاتل: ~~نسخت بقوله: # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله # [التوبة: 29]، وقرأ بن عباس " ألا " حرف تنبيه أي فجادلوهم. # قوله: { وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل ~~إليكم } وهذا تبين لمجادلتهم بالتي هي أحسن يريد إذا أخبركم واحد ~~منهم ممن قبل الجزية بشيء مما في كتبهم فلا تجادلوهم عله ولا تصدقوهم ولا ~~تكذبوهم { وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل ~~إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له ~~مسلمون } ، روى أبو هريرة قال: # " كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل ~~الإسلام فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا تصدقوهم ولا تكذبوهم ~~وقولوا: آمنا بالله وما نزل إلينا... الآية ms6956 " # وروى معمر عن الزهري # " أن أبا نملة الأنصاري أخبره أنه بينما هو جالس عند رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - جاءه رجل من اليهود ومر بجنازة فقال: يا محمد هل تتكلم ~~هذه الجنازة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (الله) أعلم فقال ~~اليهودي: إنها تتكلم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ما حدثكم ~~أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ~~ورسله فإن كان باطلا لم تصدقوه وإن كان حقا لم تكذبوه " ". # قوله: { وكذلك أنزلنا } أي كما أنزلنا إليهم الكتاب أنزلنا ~~إليك الكتاب { فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به } ~~يعني (مؤمني) أهل الكتاب عبد الله بن سلام، (وأصحابه) " ومن ~~هؤلاء " يعني أهل مكة { من يؤمن به } وهم مؤمنوا أهل مكة { ~~وما يجحد بآياتنآ إلا الكافرون } وذلك أن اليهود عرفوا ~~أن محمدا نبي، والقرآن حق، فجحدوا، وقال قتادة: الجحود إنما يكون بعد ~~المعرفة وهذا تنفير لهم عما هم عليه يعني إنكم آمنتم بكل شيء وامتزتم عن ~~المشركين بكل فضيلة إلا هذه المسألة الواحدة، وبإنكارها تلتحقون بهم، ~~وتبطلون مزاياكم، فإن الجاحد بآية يكون كافرا. # قوله: { وما كنت تتلو من قبله } أي من قبل ما أنزلنا إليك ~~الكتاب. # قوله: " من كتاب " مفعول " تتلو " و " من " زائدة و " من قبله " ~~حال من " كتاب " أو متعلق بنفس " تتلو " و " تخطه بيمينك " أي ولا تكتبه ~~أي لم تكن تقرأ ولا تكتب قبل الوحي قوله: " إذا لارتاب " جواب وجزاء، ~~أي لو تلوت كتابا قبل القرآن أو كنت ممن يكتب لارتاب المبطلون ولشك ~~(المشركون من) أهل مكة، وقالوا: إنه يقرأه من كتب الأولين وينسخه منها، ~~وقال قتادة ومقاتل: المبطلون هم اليهود والمعنى: لشكوا فيك واتهموك، ~~وقالوا: من الذي نجد نعته في التوراة أمي لا يقرأ ولا يكتب وليس هذا على ~~ذلك النعت. # قوله: { بل هو آيات بينات } قرأ قتادة " آية " ~~بالتوحيد، قال الحسن: يعني القرآن ( { آيات بينات) في صدور ~~الذين أوتوا العلم } ، يعني: " المؤمنين " الذين حملوا ~~القرآن، وقال ابن عباس وقتادة: ( " بل هو " ) يعني: محمدا ms6957 - صلى الله ~~عليه وسلم - ذو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب ~~لأنهم يجدونه بنعته وصفته في كتبهم { وما يجحد بآياتنآ إلا ~~الظالمون }. # فإن قيل: ما الحكمة في قوله ههنا: " الظالمون " ومن قبل قال: الكافرون؟ # فالجواب: أنهم قبل بيان المعجزة قيل لهم: إن لكم المزايا فلا ~~تبطلوها بإنكار محمد فتكونوا كافرين فلفظ الكافر هناك أبلغ فمنعهم عن ~~ذلك لاستنكافهم عن الكفر، ثم بعد بيان المعجزة قال لهم إن جحدتم هذه ~~الآيات لزمكم إنكار إرسال الرسل فتلحقوا في أول الأمر بالمشركين حكما، ~~وتلتحقون عند جحد هذه الآيات بالمشركين حقيقة فتكونوا ظالمين أي مشركين، ~~كما قال: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13] فهذا اللفظ هنا أبلغ. ### || [29.50-52] # قوله تعالى: { وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ~~ربه } كما أنزل على الأنبياء من قبل. # وقرأ الأخوان وابن كثير، وأبو بكر بالإفراد؛ لأن غالب ما جاء في ~~القرآن كذلك والباقون " آيات " بالجمع لأن بعده { قل إنما الآيات ~~} بالجمع إجماعا، والرسم يحتمله. # فصل # اعلم أنهم قالوا: إنك تقول: إنك أنزل إليك الكتاب كما أنزل إلى موسى ~~وعيسى، وليس كذلك؛ لأن موسى أوتي تسع آيات بينات علم بها كون الكتاب ~~من عند الله، وأنت ما أوتيت شيئا منها ثم إنه تعالى أرشد نبيه إلى أجوبة ~~هذه الشبهة منها. # قوله: " أولم يكفهم " هذا جواب لقولهم: { لولا أنزل ~~عليه آيات من ربه } قل: { أولم يكفهم أنآ ~~أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم } ، ففاعل " يكفهم " ~~هو قوله: " أنا أنزلنا " والمعنى: إن كان إنزال الآيات شرطا في الرسالة ~~فلا يشترط إلا إنزال " آية " وقد أنزل القرآن، وهو آية معجزة ظاهرة ~~كافية. وقوله: " أولم يكفهم " عبارة تنبىء عن كون القرآن آية فوق الكفاية ~~وبيانه أن القرآن أتم من كل معجزة لوجوه: # أحدها: أن تلك المعجزات وجدت وما دامت، فإن قلب العصا ثعبانا، ~~وإحياء الميت لم يبق لنا منه أثر، فلو أنكره واحد لم يمكن إثباتها معه ~~بدون الكتاب، وأما القرآن فهو باق لو أنكره واحد فيقال له: فأت بآية ~~من مثله. ms6958 # الثاني: أن قلب العصا ثعبانا كان في آن واحد ولم يره من لم يكن في ذلك ~~المكان، وأما القرآن فقد وصل إلى المشرق والمغرب وسمعه كل واحد، وهنا ~~لطيفه هي أن آيات النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت أشياء لا تختص بمكان ~~دون مكان، لأن من جملتها انشقاق القمر وهو يعم الأرض لأن الخوف إذا وقع ~~عم، وذلك لأن نبوته كانت عامة لا تختص بقطر دون قطر. وغاص بحر " ساوة " ~~في قطر، وسقط إيوان كسرى في قطر (وانهدت) الكنيسة بالروم في قطر آخر ~~إعلاما بأنه يكون أمرا عاما. # الثالث: أن غير هذه المعجزة يقول الكفار المعاند هذا سحر (وعمل بدواء) ~~والقرآن لا يمكن هذا القول فيه. ثم قال تعالى: { إن في ذلك ~~لرحمة } أي في إنزال القرآن { لرحمة وذكرى لقوم ~~يؤمنون } أي تذكير وعظمة لمن آمن وعمل به. # قوله (تعالى): { قل كفى بالله بيني وبينكم ~~شهيدا } أني رسوله، وهذا القرآن كتابه، وهذا كما يقول الصادق إذا كذب، ~~وأتى بكل ما يدل على صدقه ولم يصدقه المعاند: " الله يعلم صدقي وتكذيبك ~~أيها المعاند وهو على ما أقول شهيد يحكم بيني وبينك " ، كل ذلك إنذار ~~وتهديد ثم بين كونه كافيا، بكونه عالما بجميع الأشياء، فقال: { ~~يعلم ما في السماوات والأرض }. # فإن قيل: ما الحكمة في أنه أخر شهادة أهل الكتاب في آخر الوعد في قوله: # ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله ~~شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب # [الرعد: 43] وهنا قدم شهادة أهل الكتاب، فقال: # فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن ~~هؤلاء من يؤمن به # [العنكبوت: 47] أي من أهل الكتاب؟ # فالجواب: أن الكلام هناك مع المشركين فاستدل عليهم بشهادة غيرهم (ثم) إن ~~شهادة الله أقوى (في ألزامهم) من شهادة غير الله، وهاهنا الكلام مع أهل ~~الكتاب فشهادة الله على نفسه هو إقراره وهو أقوى الحجج عليه فقدم ما هو ~~ألزم عليهم، ثم (إنه) تعالى لما بين الطريقتين في إرشاد الفريقين ~~المشركين وأهل الكتاب عاد الكلام الشامل لهما والإنكار العام فقال: ms6959 { ~~والذين آمنوا بالباطل } ، قال ابن عباس: بغير الله { ~~وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون }. # فإن قيل: قوله { أولئك هم الخاسرون } يقتضي الحصر، أي من ~~أتى بالإيمان (بالباطل) والكفر (بالله) فهو الخاسر فمن يأتي بأحدهما دون ~~الآخر ينبغي أن لا يكون خاسرا. # فالجواب: أنه يستحيل أن يكون الآتي بأحدهما لا يكون آتيا بالآخر لأن ~~المؤمن بما سوى الله مشرك، لأنه جعل غير الله مثله، وغير الله عاجز ممكن ~~باطل فيكون الله كذلك، ومن كفر بالله وأنكره فيكون قائلا بأن العالم ليس ~~له إله موجود فوجود العالم من نفسه فيكون قائلا: بأن العالم واجب ~~الوجود، والواجب إله (فيكون قائلا) بأن غير الله إله فيكون إثباتا ~~لغير الله وإيمانا به. # فإن قيل: إذا كان الإيما بما سواه كفرا (به) فيكون كل من آمن بالباطل ~~فقد كفر بالله فهل لهذا العطف فائدة (غير التأكيد) الذي في قوله القائل ~~(قم ولا تقعد و " واقترب مني ولا تبعد "؟ # فالجواب: فيه فائدة) غيرها وهو أنه ذكر الثاني لبيان قبح الأول كقول ~~القائل: أتقول بالباطل وتترك الحلق لشأ أن القول بالباطل قبيح. ### || [29.53-55] # قوله: { ويستعجلونك بالعذاب } نزلت في النضر بن الحارث ~~حين قال: # فأمطر علينا حجارة من السمآء # [الأنفال: 32] { ولولا أجل مسمى } قال ابن عباس: ما وعدتك ~~أني لا أعذب قومك ولا أستأصلهم وأؤخر عذابهم إلى يوم القيامة كما قال: # بل الساعة موعدهم # [القمر: 46] وقيل: يوم بدر. ولولا ذلك الأجل المسمى الذي اقتضته حكمته { ~~لجآءهم العذاب وليأتينهم بغتة } يعني العذاب. ~~وقيل: الأجل بغتة { وهم لا يشعرون } بإتيانه، وقوله: { وهم لا ~~يشعرون } يحتمل وجهين: # أحدهما: معنى تأكيد قوله: " بغتة " ، كما يقول القائل: أتيته على غفلة ~~منه بحيث لم يدر. # فقوله: (بحيث لم يدر) أكد معنى الغفلة. # والثاني: أنه يفيد فائدة مستقلة وهي أن العذاب يأتيهم بغتة { وهم لا ~~يشعرون } هذا الأمر، ويظنون أن العذاب لا يأتيهم أصلا. # قوله: { يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة ~~بالكافرين } ذكر هذا للتعجب، لأن من توعد بأمر فيه ضرر يسير ~~كلطمة أو لكمة فيرى في نفسه ms6960 الجلد ويقول: بسم الله هات، وأما من توعد ~~بإغراق أو إحراق ويقطع بأن المتوعد قادر لا يخلف الميعاد لا يخطر ببال ~~العاقل أن يقول له: هات ما توعدني به فقال هاهنا " يستعجلونك بالعذاب " ~~والعذاب بنار جهنم المحيطة (بهم) فقوله ( " يستعجلونك بالعذاب " ) أولا: ~~إخبارا عنهم، وثانيا: تعجبا منهم. # وقيل: أعاده تأكيدا، ثم ذكر كيفية إحاطة جهنم فقال: { يوم ~~يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم }. # فإن قيل: لم يخص الجانبين ولم يذكر اليمين والشمال وخلف وقدام؟ # فالجواب: أن المقصود ذكر ما تتميز به نار جهنم عن نار الدنيا، (ونار) ~~الدنيا تحيط بالجوانب الأربعة فإن من دخلها تكون الشعلة قدامه وخلفه ~~ويمينه ويساره، فأما النار من فوق لا تنزل وإنما تصعد من أسفل في ~~العادة وتحت الأقدام، ولا تبقى الشعلة بل تنطفىء الشعلة التي تحت القدم، ~~ونار جهنم تنزل من فوق ولا تنطفىء بالدوس موضع القدم. # فإن قيل: ما الحكمة في قوله: { من فوقهم ومن تحت ~~أرجلهم } ولم يقل: من فوق رؤوسهم ولا قال من فوقهم " ولا من تحتهم ~~" بل ذكر المضاف إليه عند ذكر " تحت " ولم يذكره عند ذكر " فوق "؟ # فالجواب: أن نزول النار من " فوق " سواء كان من (سمت) الرأس أو موضع آخر ~~عجيب فلهذا لم يخصه بالرؤوس وأما بقاء النار تحت القدم فهو عجيب, وإلا ~~فمن جوانب القدم في الدنيا تكون الشعلة فذكر العجيب وهو ما تحت الأرجل ~~حيث لم ينطق بالدوس. وأما " فوق " فعلى الإطلاق. # قوله: " ويقول ذوقوا " قرأ نافع وأهل الكوفة " ويقول " بياء ~~الغيبة أي الله تعالى، أو الملك الموكل بعذابهم، وباقي السبعة بالنون أي ~~جماعة الملائكة، أو نون العظمة لله تعالى، وأبو البرهشم بالتاء من ~~فوق أي جهنم كقوله: # وتقول هل من مزيد # [ق: 30] وعبد الله وابن أبي عبلة: " ويقال " مبنيا للمفعول، ~~وقوله: { ما كنتم تعملون } أي جزاء ما كنتم تعملون لما بين ~~عذاب أجسامهم بين عذاب أرواحهم وهو أن يقال لهم على سبيل التنكيل ~~والإهانة { ذوقوا ما كنتم تعملون } جعل ذلك عين ما كانوا ~~يعملون ms6961 مبالغة بطريق إطلاق اسم المسبب على السبب، فإن عملهم كان ~~سببا لعذابهم وهذا كثير في الاستعمال. ### || [29.56-60] # قوله (تعالى): { يعبادي الذين آمنوا إن أرضي ~~واسعة } لما ذكر حال المشركين على حدة، وحال أهل الكتاب على حدة ~~وجمعهما في الإنذار، وجعلهما من أهل النار اشتد عنادهم، وزاد فسادهم، ~~وسعوا في إيذاء المؤمنين، ومنعهم من العبادة، قال مقاتل والكلبي: (نزلت ~~في ضعفاء) مسلمي مكة يقول: إن كنتم في ضيق بمكة من إظهار الإيمان ~~فاخرجوا منها إلى أرض واسعة، آمنة، قال مجاهد: إن أرضي واسعة فهاجروا ~~وجاهدوا فيها، وقال سعيد بن جبير: إذا عمل في أرض بالمعاصي فاخرجوا ~~منها فإن أرضي واسعة، وقال عطاء: إذا أمرتم بالمعاصي فاهربوا (فإن) أرضي ~~واسعة وكذلك يجب على كل من كان في بلد يعمل فيها بالمعاصي ولا يمكنه ~~تغيير ذلك أن يهاجر إلى حيث تهيأ له العبادة، وقيل: نزلت في قوم ~~تخلفوا عن الهجرة بمكة وقالوا نخشى إن هاجرنا من الجوع وضيق المعيشة، ~~فأنزل الله هذه الآية ولم يعذرهم بترك الخروج، وقال مطرف بن عبد الله: ~~أرضي واسعة: رزقي لكم واسع فاخرجوا. # فصل # قوله: " يا عبادي " لا يدخل فيه الكافر لوجوه: # أحدها: # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان # [الحجر: 42] والكافر يحب سلطنة الشيطان فلا يدخل في قوله: " يا عبادي ". # وثانيها: قوله تعالى: # يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا ~~من رحمة الله # [الزمر: 53]. # وثالثها: أن العباد مأخوذ من العبادة والكافر لا يعبد الله فلا يدخل ~~في قوله: " عبادي " وإنما يختص بالمؤمنين الذين يعبدونه. # ورابعها: الإضافة بين الله والعبد بقول العبد إلهي، وقول الله عبدي. # فإن قيل: إذا كانت " عباده " لا تتناول إلا المؤمنين فما الفائدة في ~~قوله: " الذين آمنوا " مع أن الوصف إنما يذكر لتمييز الموصوف كما يقال: ~~يا أيها المكلفون المؤمنون، يا أيها الرجلاء العقلاء تتمييزا بين الكافر ~~والجاهل؟ # فالجواب: أن الوصف يذكر لا لتمييز بل لمجرد بيان أن فيه الوصف كما يقال: ~~الأنبياء المكرمون والملائكة المطهرون، مع أن كل نبي مكرم، ~~وكل ملك مطهر، فإنما ms6962 يقال لبيان أن فيهم الإكرام والطهارة، ومثله ~~قولنا: الله الله العظيم فهاهنا ذكر لبيان أنهم مؤمنون. # فإن قيل: قوله: " يا عبادي " يفهم منه كونهم عابدين فما الفائدة بالأمر ~~بالعبادة بقوله: " فاعبدون "؟ # فالجواب: فيه فائدتان: # أحدهما: المداومة أي يا من عبدتموني في الماضي فاعبدوني في ~~المستقبل. # والثانية: الإخلاص أي يا من يعبدني أخلص العمل ولا تقبل غيري. # فإن قيل: الفاء في قوله: " فإياي " يدل على أنه جواب لشرط فما ~~ذاك؟ # فالجواب: قوله: { إن أرضي واسعة } إشارة إلى عدم المانع من ~~عبادته فكأنه قال: إذا كان لا مانع من عبادتي فإياي فاعبدون فهو لترتيب ~~المقتضى على المقتضي كما يقال: هذا عالم فأكرموه. # فكذلك هاهنا لما أعلم نفسه بقوله: " فإياي " وهو لنفسه مستحق ~~العبادة، فقال: " فاعبدون ". قال الزمخشري: " هذا جواب شرط مقدر، ~~وجعل تقديم المفعول عوضا من حذفه مع إفادته للاختصاص ". وقد تقدم ~~منازعه أبي حيان له في نظيره. # قوله تعالى: { كل نفس ذآئقة الموت ثم إلينا ~~ترجعون } قرأه بالغيبة أبو بكر، وكذا في الروم في قوله: # ثم إليه ترجعون # [الروم:11] وافقه أبو عمرو في الروم فقط والباقون بالخطاب فيها. وقرىء ~~يرجعون مبينا للفاعل. # فصل # لما أمر الله تعالى المؤمنين بالمهاجرة صعب عليهم ترك الأوطان ومفارقة ~~الإخوان فخوفهم بالموت ليهون عليهم الهجرة أي كل أحد ميت أينما كان فلا ~~تقيموا بدار الشرك خوفا من الموت فإن كل نفس ذائقة الموت فالأولى أن ~~يكون ذلك في سبيل الله فيجازيكم عليه، فإن إلى الله مرجعكم فيجزيكم ~~بأعمالكم، وفيه وجه دقيق آخر وهو أن قوله: { كل نفس ذآئقة ~~الموت } أي إذا كانت (معلقة) بغيرها فهو للموت ثم إلى الله ترجع فلا ~~تموت كما قال تعالى: # لا يذوقون فيها الموت # [الدخان: 56] وإذا كان كذلك فمن يريد أن لا يذوق الموت لا يبقى مع نفسه ~~فإن النفس ذائقته بل يتعلق بغيره، وذلك الغير إن كان غير الله فهو ذائق ~~الموت لقوله: { كل نفس ذآئقة الموت } و # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص: 88] فإذن التعلق بالله (يريح من الموت) ms6963 فقال تعالى: " فإياي ~~فاعبدون " أي تعلقوا بي، ولا تتبعوا النفس، فإنها ذائقة الموت { ثم ~~إلينا ترجعون } أي إذا تعلقتم بي فموتكم رجوع إلي وليس بموت ~~لقوله: # ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ~~بل أحياء عند ربهم يرزقون # [آل عمران: 169]، وقال عليه (الصلاة و) السلام: # " المؤمنون لا يموتون بل ينقلون من دار إلى دار ". # قوله (تعالى): { والذين آمنوا وعملوا الصالحات } يجوز ~~في " الذين " الوجهان المشهوران الابتداء، والاشتغال، وقوله: " ~~لنبوئنهم " ، قرأ الأخوان بتاء مثلثة ساكنة بعد النون، وياء ~~مفتوحة بعد الواو من الثواء وهو الإقامة، يقال: ثوى الرجل إذا ~~أقام، وأثويته إذا أنزلته منزلا يقيم فيه والباقون بباء موحدة ~~مفتوحة بعد النون, وهمزة مفتوحة بعد الواو من المباءة وهي الإنزال أي ~~لنبوئنهم من الجنة غرفا. # قوله: " غرفا " على القراءة الأولى إما مفعول به على تضمين " أثوى ~~" أنزل فيتعدى لاثنين؛ لأن " " ثوى " قاصر، وأكسبته الهمزة ~~التعدي لواحد، وإما (على) تشبيه الظرف المختص بالمبهم كقوله: # لأقعدن لهم صراطك المستقيم # [الأعراف: 16] وإما على إسقاط الخافض اتساعا أي في غرف. وأما في ~~القراءة الثانية فمفعول ثان؛ لأن " بوأ " يتعدى لاثنين قال تعالى: # تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال # [آل عمران: 121]، ويتعدى باللام، قال تعالى: # وإذ بوأنا لإبراهيم # [الحج: 26]. وقرىء " لنثوينهم " بالتشديد مع الثاء المثلثة، عدي ~~بالتضعيف كما عدي بالهمزة، و " تجري " صفة " لغرفا " { خالدين ~~فيها نعم أجر العاملين } وهذا في مقابلة قوله للكفار: # ذوقوا ما كنتم تعملون # [العنكبوت: 55] # قوله: { الذين صبروا } يجوز فيه الجر والنصب والرفع كنظائر له ~~تقدمت، والمعنى: الذين صبروا على الشدائد ولم يتركوا دينهم لشدة لحقتهم { ~~وعلى ربهم يتوكلون } يعتمدون. قوله: { وكأين من ~~دابة لا تحمل رزقها } جوز أبو البقاء في " كأين " وجهين: # أحدهما: أنها مبتدأ و " لا تحمل " صفتها و " الله يرزقها " خبره و " من ~~دابة " تبيين. # والثاني: أن تكون في موع نصب بإضمار فعل يفسره " يرزقها " ويقدر بعد " ~~كأين " يعني لأن لها صدر الكلام، وفي الثاني نظر؛ لأن من شرط المفسر ~~العمل، وهذا المفسر لا يعمل لأنه لو عمل لحل محل ms6964 المفعول لكن لا يحل ~~محله، لأن الخبر (متى كان) فعلا رافعا لضمير مفرد امتنع تقديمه على ~~المبتدأ. وإذا أردت معرفة هذه القاعدة فعليك بسورة " هود " عند قوله: # ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم # [هود: 8]. # فصل # لما ذكر الله { الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون ~~} ذكر ما يعين على التوكل وهو بيان حال الدواب التي لا تدخر شيئا لغد، ~~ويأتيها رزقها كل يوم. # واعلم أن (في) كأين (أربع لغات غير هذه كائن على وزن راع، وكأى على ~~وزن رعى " وكيء " على وزن " ريع " و " كا " على وزن " رع " ولم ~~يقرأ إلا كائن و " كا " قراءة ابن كثير. # فصل # " كأين " كلمة) مركبة من " كاف التشبيه " و " أن " التي تستعمل استعمال ~~" من " و " ما " ركبتا، وجعل المركب بمعنى " كم " ثم لم يكتب إلا ~~بالنون ليفصل بين المركب وغير المركب لأن " كأي " مستعمل غير مركب كما ~~يقول القائل: " رأيت رجلا لا كأي رجل يكون " (فقد حذف المضاف ~~إليه، ويقال: رأيت رجلا لا كأي رجل) وحينئذ لا يكون " كأي " مركبا. ~~فإذا كان " كأي " ههنا مركبا كتبت بالنون للتمييز، (كما تكتب معد ~~يكرب وبعلبك) موصولا للفرق وكما تكتب ثمة بالهاء تمييزا ~~بينها وبين (ثمت). # فصل # روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للمؤمنين الذين كانوا بمكة ~~وآذاهم المشركون هاجروا إلى المدينة. فقالوا: كيف نخرج إلى المدينة وليس ~~لنا بها دار ولا مال؟ فمن يطعمنا بها ويسقينا؟ فأنزل الله تعالى: { ~~وكأين من دابة } وكم من دابة ذات حاجة إلى غذاء و { لا ~~تحمل رزقها } لضعفها، كالقمل والبرغوث والدود { الله ~~يرزقها وإياكم } حيث ما كنتم " وهو السميع " لأقوالكم: ما ~~نجد ما ننفق بالمدينة، " العليم بما في قلوبكم ". # قال سفيان: ليس شيء مما خلق الله نجبا إلا الإنسان والفأرة ~~والنملة روى ابن عمر قال: # " دخلت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حائطا من حوائط الأنصار ~~فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلقط الرطب بيده ويأكل، فقال: ~~كل يا ابن عمر، (قلت: لا أشتهيها يا رسول الله قال: ms6965 لكني أشتهيه، وهذه ~~صبح رابعة لم أطعم طعاما ولم أجده) فقلت: إنا لله الله المستعان قال يا ~~ابن عمر: لو سألت ربي لأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر أضعافا ~~مضاعفة ولكني أجوع يوما وأشبع يوما فكيف بك يا ابن عمر إذا ~~عمرت وبقيت في أمر الناس يخبئون رزق سنة ويضعف اليقين " # فنزلت: { وكأين من دابة لا تحمل رزقها } الآية، ~~وقال عليه (الصلاة و) السلام # " لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله ~~لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا، وتروح بطانا ". ### || [29.61-64] # قوله تعالى: { ولئن سألتهم } يعني كفار مكة { من خلق ~~السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن ~~الله فأنى يؤفكون } أي هم يعتقدون هذا فكيف يصدفون عن عبادة ~~الله مع أن من علم عظمته وجب خدمته ولا عظم فوق السماوات ~~والأرض، ولا حقارة فوق حقارة الجماد؛ لأن الجماد دون الحيوان ~~والحيوان دون الإنسان، والإنسان دون سكان السماوات فكيف يتركون عبادة ~~أعظم الموجودات ويشتغلون بعبادة أخس الموجودات؟ # فصل # لما بين أمر المشرك مخاطبا معه، (ولم ينتفع به، وأعرض عنه، وخاطب ~~المؤمنين بقوله: " يا عبادي " وأتم الكلام معه ذكر معه) ما يكون إرشادا ~~للمشرك بحيث يسمعه وهذا طريق في غاية الحسن، فإن السيد إذا كان له عبدان ~~أو الوالد إذا كان ولدان، وأحدهما رشيد، والآخر مفسد ينصح أولا المفسد ~~فإن لم يسمع يلتفت إلى الرشيد ويعرض عن المفسد، ويقول: إن هذا لا يستحق ~~الخطاب فاسمع أنت ولا يكن منك هذا المفسد فيتضمن هذا الكلام نصيحة ~~الرشيد، وزجر المفسد، فإن قوله هذا لا يستحق الخطاب الموجب نكاية في ~~قلبه، ثم إذا ذكر مع المصلح في أثناء الكلام والمفسد يسمعه إن هذا أخاك ~~العجب منه أنه يعلم قبح فعله ويعرف فيه الفساد من الصلاح، وسبيل الرشاد ~~والفلاح ويشتغل بضده يكون هذا الكلام أيضا داعيا إلى الرشاد ومانعا له ~~من الفساد فكذلك قال الله للمؤمن العجب منهم إنهم إن سألتهم من خلق ~~السماوات والأرض ليقولون الله ثم لا يؤمنون. # فصل # ذكر في السماوات والأرض الخلق، وفي الشمس والقمر ms6966 التسخير، لأن مجرد خلق ~~الشمس والقمر ليس حكمة فإن الشمس لو كانت مخلوقة بحيث تكون في موضع واحد ~~لا تتحرك ما حصل الليل ولا النهار، ولا الصيف ولا الشتاء فإذن الحكمة في ~~تحريكهما (وتسخيرهما). واعلم أن في لفظ التسخير دون التحريك فائدة وهي أن ~~التحريك يدل على مجرد الحركة، وليست مجرد الحركة كافية؛ لأنها لو كانت ~~تتحرك مثل حركتنا لما كانت تقطع الفلك في ألوف من السنين، فالحكمة في ~~تسخيرها تحريكها في قدر ما ينتقل الإنسان آلافا من الفراسخ، ثم لم يجعل ~~لها حركة واحدة، بل حركات. # إحداها: حركة من المشرق إلى المغرب في كل يوم وليلة مرة، والأخرى: ~~حركتها من المغرب إلى المشرق ويدل عليها أن الهلال يرى في جانب (المغرب) ~~على بعد مخصوص من الشمس ثم يبعد منها إلى جانب المشرق حتى يرى القمر في ~~نصف الشهر في مقابلة الشمس، والشمس على أفق المغرب، والقمر على أفق ~~المشرق وأيضا حركة الأوج، وحركة المائل والتدوير في القمر، ولا الحركة ~~التي من المغرب إلى المشرق لما حصلت الفصول. # واعلم أن أصحاب الهيئة قالوا: الشمس مركوزة في الفلك، والفلك يديرها ~~بدوران. # وأنكره المفسرون الظاهريون. واعلم أنه لا بعد في ذلك (إن) لم ~~يقولوا بالطبيعة؛ فإن الله تعالى فاعل مختار إن أراد أن يحركهما (في ~~الفلك وبالفلك ساكن يجوز، وإن أراد أن يحركهما) بحركة الفلك وهما ساكنان ~~يجوز ولم يرد فيه نص قاطع أو ظاهر. واعلم أنه تعالى ذكر إيجاد الذوات ~~بقوله: { خلق السماوات والأرض } وذكر إيجاد الصفات بقوله: { ~~وسخر الشمس والقمر } ثم قال: { الله يبسط الرزق ~~لمن يشآء من عباده } لما ذكر الخلق ذكر الرزق؛ لأن بقاء الخلق ~~ببقائه، وبقاء الإنسان بالرزق، فقال المعبود إما أن يعبد لاستحقاق ~~العبادة والأصنام ليست كذلك والله مستحقها وإما لكونه عظيم الشأن والله ~~الذي خلق السماوات عظيم الشأن فله العبادة، وإما لكونه يأمر الإحسان، ~~والله يرزق الخلق فله الفضل والإحسان، والامتنان فله العبادة { ~~إن الله بكل شيء عليم } يعلم مقادير الحاجات والأرزاق، ~~ولما قال: " يبسط ms6967 الرزق " ذكر اعترافهم بذلك فقال: { ولئن ~~سألتهم من نزل من السمآء مآء فأحيا به ~~الأرض من بعد موتها ليقولن الله } يعني سبب الرزق، ~~وموجد السبب موجد المسبب فالرزق من الله. # قوله: { قل الحمد لله } على ما أقروا به، ولزوم الحجة عليهم { ~~بل أكثرهم لا يعقلون } (ينكرون التوحيد مع إقرارهم بأنه ~~خالق لهذه الأشياء فقل الحمد لله على ظهور تناقضهم وأكثرهم لا يعقلون) ~~هذا التناقض، وقيل: هذا كلام معترض في أثناء كلام، فإنه قال: { فأحيا ~~به الأرض من بعد موتها } " بل أكثرهم لا ~~يعلمون " فذكر في أثناء هذا الكلام الحمد لذكر النعمة كقوله: # 4031 - إن الثمانين - وبلغتها - # قد أحوجت سمعي إلى ترجمان # قوله (تعالى): { وما هذه الحياة الدنيآ إلا لهو ~~ولعب } " اللهو " هو: الاستمتاع بلذات الدنيا، و " اللعب " ~~(العبث)، سميت بها، لأنها فانية، وقيل: " اللهو " الإعراض عن الحق، و ~~" اللعب " في الإقبال على الباطل. # فإن قيل: قال في الأنعام: # وما الحياة الدنيآ # [الأنعام: 32] (ولم يقل: " وما هذه الحياة " ) وقال ههنا: { وما ~~هذه الحياة } فما فائدته؟ # فالجواب: أن المذكور (من قبل ههنا أمر الدنيا، حيث قال: { فأحيا ~~به الأرض من بعد موتها } فقال: هذه، والمذكور قبلها) هناك ~~الآخرة حيث قال: # يحسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون ~~أوزارهم على ظهورهم # [الأنعام: 31] فلم تكن الدنيا في ذلك الوقت في خاطرهم فقال: # وما الحياة الدنيآ # [الأنعام: 32]. # فإن قيل: ما الحكمة في تقديمه هناك " اللعب " على " اللهو " وههنا أخر " ~~اللعب " عن " اللهو ". # فالجواب: لما كان المذكور من قبل هناك الآخرة، وإظهارها للحسرة ففي ذلك ~~الوقت ببعد الاستغراق في الدنيا، بل نفس الاشتغال بها فأخذ الأبعد، وههنا ~~لما كان المذكور من قبل الدنيا وهي خداعة تدعو النفوس إلى الإقبال عليها ~~والاستغراق فيها، اللهم إلا لمانع يمنع من الاستغراق فيشتغل بها من غير ~~استغراق (بها)، أو لعاصم يعصمه فلا يستغل بها أصلا، فكان: (ههنا) ~~الاستغراق أقرب من عدمه فقدم اللهو. # فإن قيل: ما الحكمة في قوله هناك: # ولدار الآخرة خير # [يوسف: 109] وقال ههنا { وإن الدار الآخرة لهي ms6968 ~~الحيوان }؟ # فالجواب: لما كان الحال هناك حال إظهار الحسرة ما كان المكلف يحتاج إلى ~~وازع قوي فقال: الآخرة خير ولما كان الحال هنا حال الاشتغال ~~بالدنيا احتاج إلى وازع قوي فقال: لا حياة إلا حياة الآخرة. # قوله: { وإن الدار الآخرة لهي الحيوان } قدر أبو ~~البقاء وغيره قبل المبتدأ مضافا أي وإن حياة الدار الآخرة وإنما ~~قدر ذلك ليتطابق المبتدأ والخبر والمبالغة أحسن و " واو " الحيوان (عن ~~ياء) عند سيبويه وأتباعه، وإنما أبدلت واوا شذوذا، وكذلك في " حياة ~~" علما وقال أبو البقاء لئلا يلتبس بالتثنية يعني لو قيل: حييان - ~~قال: ولم تقلب ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها؛ لئلا يحذف إحدى ~~الألفين وغير سيبويه حمل ذلك على ظاهره، فالحياة عند لامها " واو ". ولا ~~دليل لسيبويه في " حيي "؛ لأن الواو متى انكسر ما قبلها قلبت ياء ~~نحو: " عدي، ودعي، ورضي ". ومعنى الآية: { وإن الدار ~~الآخرة لهي الحيوان } أي الحياة الدائمة الباقية، والحيوان ~~بمعنى الحياة أي فيها الحياة الدائمة { لو كانوا يعلمون } أي ~~لو كانوا يعلمون أنها الحيوان لما آثروا عليها الدنيا. # فإن قيل: ما الحكمة في قوله: في الأنعام # أفلا تعقلون # [الأنعام: 32] وقال هنا { لو كانوا يعلمون }؟ # فالجواب: أن المثبت هناك كون الآخرة خيرا، ولأنه ظاهر لا يتوقف إلا ~~على العقل والمثبت هنا أن لا حياة إلا حياة الآخرة. وهذا دقيق لا ~~يعلم إلا بعلم نافع. ### || [29.65-69] # قوله: { فإذا ركبوا في الفلك } قال الزمخشري: (فإن قلت): ~~بم اتصل قوله فإذا ركبوا في الفلك؟ # قلت: بمحذوف دل عليه ما وصفهم (به) وشرح من امرهم معناه هم على ما ~~وصفوا به من الشرك والغفلة فإذا ركبوا. # قوله: { دعوا الله } معناه: فإذا خافوا (من) الغرق دعوا الله ~~مخلصين له الدين، وتركوا الأصنام، وهذا إشارة إلى تحقيق أن المانع من ~~التوحيد هو الحياة الدنيا؛ لأنهم إذا انقطع رجاؤهم عن الدنيا رجعوا ~~إلى الفطرة الشاهدة بالتوحيد ووحدوا وأخلصوا، وإذا نجاهم وأرجأهم عادوا ~~إلى ما كانوا عليه من حب الدنيا، وأشركوا لقوله: { فلما نجاهم ~~إلى البر إذا هم يشركون ms6969 } وهذا إخبار عنهم بأنهم عند ~~الشدائد يقرون أن القادر على كشفها هو الله - عز وجل - وحده، وإذا زالت ~~عادوا إلى كفرهم، قال عكرمة: كان أهل الجاهلية إذا ركبوا البحر حملوا ~~معهم الأصنام فإذا اشتدت عليهم الريح ألقوها في البحر، وقالوا: يا رب يا ~~رب. # قوله: " ليكفروا " فيه وجهان: # أظهرهما: أن اللام لام " كي " أي سيشركون ليكون إشراكهم ~~كفرا بنعمة الإنجاء " وليتمتعوا " بسبب الشرك " فسوف ~~يعلمون " وبال عملهم. # والثاني: أن تكون لام الأمر، ومعناه التهديد والتوعيد، كقوله: # اعملوا ما شئتم # [فصلت: 40] أي ليجحدوا نعمة الله في إنجائه إياهم فسيعلمون فساد ما ~~يعملون. # قوله: " وليتمتعوا " ، قرأ ابو عمرو وابن عامر وعاصم وورش ~~بكسرها، وهي محتملة للأمرين المتقدمين، والباقون بسكونها، (وهي) ظاهرة في ~~الأمر، فإن كانت الأولى للأمر فقد عطف أمرا على مثله، وإن كانت للعلة ~~فيكون عطف كلاما على كلام، فيكون المعنى لا فائدة لهم في الإشراك إلا ~~الكفر والتمتع بما يستمتعون به في العاجلة من غير نصيب في الآخرة وقرأ ~~عبد الله فتمتعوا فسوف تعلمون، وأبو العالية " ~~فيمتعوا " بالياء من تحت مبنيا للمفعول. # قوله: { أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا } وجه تعلقه ~~بما قبله إن الإنسان يكون في البحر على أخوف ما يكون لا سيما إذا كان ~~بيته في بلد حصين فلما ذكر الله حال المشركين عند الخوف الشديد ورأوا ~~أنفسهم في تلك الحالة راجعة إلى الله ذكرهم حالهم عند الأمن العظيم ~~وهي كونهم في مكة فإنها مدينتهم وبلدهم، وفيها سكناهم، ومولدهم وهي ~~حصين بحصن الله حيث من دخلها يمتنع من حصل فيها، والحصول فيها يدفع ~~الشرور عن النفوس يعني: إنكم في أخوف ما أنتم دعوتم الله وفي أتم ما ~~حصلتم عليه كفرتم بالله، وهذا متناقض، لأن دعاءكم في ذلك الوقت على سبيل ~~الإخلاص ما كان إلا لقطعكم بأن النعمة من الله لا غير وهذه النعمة ~~العظيمة التي حصلت، وقد اعترفتم بأنها لا تكون إلا من الله فكيف تكفرون ~~بها، والأصنام التي قد (قطعتم) في حال الخوف أن لا أمن منها ms6970 لها كيف ~~أمنتم بها في حال الأمن؟ ثم قال: { أفبالباطل يؤمنون } ~~(قرأ العامة) يؤمنون ويكفرون بياء الغيبة، والحسن، والسلمي بتاء الخطاب ~~فيهما، والمعنى: أفبالأصنام والشياطين يؤمنون وبنعمة الله محمد ~~والإسلام يكفرون؟ # قوله: { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } ~~فزعم أن له شريكا، والظلم وضع الشيء في غير موضعه فإذا وضعه في موضع لا ~~يمكن ذلك موضعه يكون أظلم، لأن عدم الإمكان أقوى من عدم الحصول. # قوله: { أو كذب بالحق لما جآءه } أي بمحمد، والقرآن ~~لما جاءه { أليس في جهنم } وهذا استفهام تقرير، كقوله: # 4032 - ألستم خير من ركب المطايا # وأندى العالمين بطون راح # والمعنى: أما لهذا الكافر المكذب مأوى في جهنم؟ # قوله: { والذين جاهدوا } (يجوز) فيه ما جاز في " الذين آمنوا " ~~أول السورة وفيه رد على ثعلب حيث زعم أن جملة القسم لا تقع خبرا ~~للمبتدأ، والمعنى: والذين جاهدوا المشركين لنصرة ديننا " ~~لنهدينهم سبلنا " لنثبتنهم على ما قاتلوا عليه ~~وقيل: لنزيدنهم هدى، كما قال: # ويزيد الله الذين اهتدوا هدى # [مريم: 76] وقيل: لنهدينهم لإصابة الطرق المستقيمة، والطرق ~~المستقيمة هي التي توصل إلى رضى الله - عز وجل - قال سفيان بن عيينة: ~~إذا اختلفت الناس فانظروا ما عليه أهل الثغور، فإن الله قال: { ~~والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } وقيل: ~~المجاهدة هي الصبر على الطاعات قال الحسن: أفصل الجهاد مخالفة الهوى، ~~وقال الفضيل بن عياض " والذين جاهدوا في إقامة السنة لنهدينهم ~~سبيل الجنة ". # قوله: { وإن الله لمع المحسنين } من إقامة الظاهر ~~مقام المضمر، إظهارا لشرفهم، والمعنى لمع المحسنين بالنصر والمعونة في ~~دنياهم، وبالثواب والمغفرة في عقابهم. # روى أبو أمامة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: # " من قرأ سورة العنكبوت كان له من الأجر عشر حسنات بعدد المؤمنين ~~والمنافقين ". ### | [30 - سورة الروم] ### || [30.1-5] # قوله تعالى: { الم غلبت الروم } وجه تعلق هذه السورة بما ~~قبلها أن الله تعالى لما قال: # ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن # [العنكبوت: 46] وكان يجادل المشركين بنسبتهم إلى عدم العقل كما في قوله: ms6971 # صم بكم عمي فهم لا يرجعون # [البقرة: 18] وكان أهل الكتاب يوافقون النبي والإله كما قال: # وإلهنا وإلهكم واحد # [العنكبوت: 46] وكانوا يؤمنون بكثير مما يقوله، بل كثير منهم كانوا ~~مؤمنين (به) كما قال: # فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به # [العنكبوت: 47] أبغض المشركون أهل الكتاب وتركوا مراجعتهم وكانوا من قبل ~~يراجعونهم في الأمور، وكان بين فارس والروم قتال والمشركون يودون أن تغلب ~~فارس الروم لأن أهل فارس كانوا مجوسا آمنين، والمسلمين يودون غلبة ~~الروم على فارس لكونهم أهل كتاب فبعث " كسرى " جيشا إلى الروم واستعمل ~~عليهم رجلا (يقال له: شهريار وبعث " قيصر " جيشا واستعمل عليهم) رجلا ~~يدعى يحانس، فالتقيا باذرعات، وبصرى، وقال عكرمة: هي أذرعات وكسكر، ~~وقال مجاهد: أرض الجزيرة، وقال مقاتل: الأردن وفلسطين وهي أدنى الشام إلى ~~أرض العرب والعجم فغلبت فارس الروم فبلغ ذلك المسلمين بمكة، فشق ذلك ~~عليهم وفرح به كفار مكة وقالوا للمسلمين: إنكم أهل الكتاب والنصارى أهل ~~كتاب ونحن أميون وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من الروم ~~وإنكم إن قاتلتمونا لنظهرن عليكم فأنزل الله هذه الآيات لبيان أن ~~الغلبة لا تدل على الحق بل الله قد يريد في ثواب المؤمنين من يبتليه، ~~ويسلط عليه الأعادي، وقد يختار تعجيل العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر ~~قبل يوم الميعاد. # فصل # قد تقدم أن كل سورة افتتحت بحروف التهجي فإن في أولها ذكر ~~الكتاب أو التنزيل أو القرآن، كقوله: { الم. ذلك الكتاب } { المص. ~~كتاب } { طه ما أنزلنا عليك القرآن } { الم. تنزيل الكتاب } { حم. ~~تنزيل من الرحمن الرحيم } { يس. والقرآن } { ق. والقرآن } إلا هذه ~~السورة وسورتين أخريين ذكرناهما في العنكبوت، وذكرنا الحكمة منهما هناك. ~~وأما ما يتعلق بهذه السورة فنقول: إن السورة التي في أوائلها التنزيل ~~والكتاب والقرآن في أوائلها ذكر ما هو معجزة فقدمت عليها الحروف على ما ~~تقدم بيانه في العنكبوت، وهذه في أوائلها ذكر ما هو معجز وهو الإخبار عن ~~الغيب، فقدمت الحروف التي لا يعلم معناها ليتنبه السامع فيقبل بقلبه على ~~الاستماع لما ترد عليه المعجزة ms6972 ويفزع للاستماع. # قوله: { في أدنى الأرض } زعم بعضهم أن " أل " عوض عن الضمير، ~~وأن الأصل " في أدنى أرضهم " وهو قول كوفي، وهذا على قول إن الهرب ~~كان من جهة بلادهم، وأما من يقول: إنه من جهة بلاد العرب فلا يتأتى ذلك. ~~وقرأ العامة " غلبت " مبنيا للمفعول، وعلي بن أبي طالب وأبو سعيد ~~الخدري وابن عمر وأهل الشام ببنائه للفاعل. # قوله: { وهم من بعد غلبهم } أي الروم من بعد غلب فارس ~~إياهم. والغلب. والغلبة " لغتان " فعلى القراءة الشهيرة ~~يكون المصدر مضافا لمفعوله. ثم هذا المفعول إما أن يكون مرفوع المحل على ~~أن المصدر المضاف إليه مأخوذ من مبني (للمفعول) على خلاف في ذلك. وإما ~~منصوب المحل على أن المصدر من مبني للفاعل، والفاعل محذوف تقديره: من بعد ~~أن غلبهم عدوهم وهم فارس، وأما على القراءة الثانية فهو مضاف لفاعله. # قوله: " سيغلبون " خبر المبتدأ، و { من بعد غلبهم } ~~متعلق به، والعامة - بل نقل بعضهم الإجماع - على سيغلبون مبنيا للفاعل، ~~فعلى الشهيرة واضح أي من بعد أن غلبتهم فارس سيغلبون فارس، وأما على ~~القراءة الثانية فأخبر أنهم سيغلبون ثاينا بعد أن غلبوا أولا، وروي عن ~~ابن عمر أنه قرأ ببنائه للمفعول. وهذا مخالف لما ورد في سبب الآية، وما ~~ورد في الأحاديث، وقد يلائم هذا بعض ملاءمة من قرأ " غلبت " مبنيا ~~للفاعل، وقد تقدم أن ابن عمر ممن قرأ (بذلك). وقد خرج النحاس قراءة عبد ~~الله بن عمر على تخريج حسن، وهو أن المعنى: وفارس من بعد غلبهم للروم ~~سيغلبون إلا أن فيه إضمار ما لم يذكر ولا جرى سبب ذكره. # قوله: { في بضع سنين } متعلق بما قبله، وتقدم تفسير البضع ~~واشتقاقه في " يوسف ". وقال الفراء: الأصل في غلبهم غلبتهم بتاء ~~التأنيث فحذلت للإضافة كإقام الصلاة, وغلطة النحاس بأن إقام الصلاة قد ~~يقال فيها ذلك لاعتلالها, وأما هنا فلا ضرورة تدعو إليه، وقرأ ابن ~~السميفع وأبو حيوة غلبهم فيحتمل أن يكون ذلك تخفيفا شاذا، وأن ~~يكون لغة في المفتوح كالظعن والظعن. # فصل # قوله: ms6973 { في أدنى الأرض } أي أرض العرب، لأن الألف واللام للعهد، ~~والمعهود عندهم أرضهم. فإن قيل: أي فائدة في ذكر قوله: { من بعد ~~غلبهم } لأن قوله: " سيغلبون " بعد قوله: " غلبت الروم " لا يكون ~~إلا من بعد الغلبة؟ # فالجواب: فائدته إظهار القدرة وبيان أن ذلك بأمر الله لأن من غلب بعد ~~غلبه لا يكون إلا ضعيفا فلو كان غلبتهم بشوكتهم لكان الواجب أن يغلبوا ~~قبل غلبهم فإذا غلبوا بعد ما غلبوا دل عليه أن ذلك بأمر الله (فقال) من ~~بعد غلبهم فيتفكروا في ضعفهم ويتذكروا أنه ليس بقوتهم وإنما ذلك بأمر هو ~~من الله، وقوله: في أدنى الأرض لبيان شدة ضعفهم أي انتهى ضعفهم إلى أن ~~وصل عدوهم إلى طرف الحجاز وكسروهم وهم في بلادهم ثم غلبوا حتى وصلوا إلى ~~المدائن وبنوا هناك " الرومية " لبيان أن هذه الغلبة العظيمة بعد ذلك ~~الضعف العظيم بإذن الله تعالى. # فصل # قال: { في بضع سنين } وهو ما بين الثلاثة والعشرة فأبهم الوقت مع ~~أن المعجزة في تعيين الوقت أتم لأن السنة والشهر واليوم والساعة كلها ~~معلومة عند الله وبينها لنبيه، وما أذن له في إظهاره لأن الكفار كانوا ~~معاندين والأمور التي تقع في البلاد النائية تكون معلومة الوقوع بحيث لا ~~يمكن إنكارها لكن وقتها يمكن الاختلاف فيه فالمعاند كان يتمكن من أن يرجف ~~بوقوع الواقعة قبل الوقوع ليحصل الخلاف في كلامه، ولما نزلت الآية خرج ~~أبو بكر - رضي الله عنه - إلى الكفار فقال: فرحتم بظهور إخوانكم ~~فلا تفرحوا فوالله لتظهرن الروم على فارس أخبرنا بذلك نبينا ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - فقام إليه أبي بن خلف الجمحي فقال: ~~كذبت فقال: أنت أكذب يا عدو الله (فقال اجعل بيننا) أجلا ~~أناحبك عليه، والمناحبة المراهنة على عشر قلائص مني وعشر قلائص منك فإن ~~ظهرت الروم على فارس غرمت وإن ظهرت فارس غرمت، وجعلوا الأجل ثلاث سنين ~~فجاء أبو بكر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بذلك، وذلك قبل ~~تحريم القمار، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms6974 -: ما هكذا ذكرت ~~إنما البضع ما بين الثلاث إلى التسع فزايده في الخطر، وماده (في الأجل) ~~فجعلها مائة قلوص، إلى تسع سنين، وقيل: إلى سبع سنين قال: قد فعلت وهذا ~~يدل على علم النبي - صلى الله عليه وسلم - بوقت الغلبة ثم إن أبي ~~بن خلف خشي أن يخرج أبو بكر من مكة فأتاه ولزمه وقال (أبي): أخاف ~~أن تخرج من مكة فأقم لي كفيلا فكفل له ابن عبد الله بن أبي بكر، فلما ~~أراد أبي بن خلف أن يخرج إلى أحد رآه عبد الله بن أبي بكر فلزمه وقال: ~~والله لا أدعك حتى تعطيني كفيلا فأعطاه، ثم خرج إلى أحد ثم رجع ~~أبي بن خلف فمات بمكة من جراحته التي جرحه رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - حين بارزه وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية، وذلك عند رأس سبع ~~سنين من مناحبتهم.وقيل: كان يوم بدر، قال الشعبي: لم تمض تلك المدة ~~التي عقدوا المانحبة بينهم أهل مكة وصاحب قمارهم أبي بن خلف والمسلمون ~~وصاحب قمارهم أبو بكر الصديق، وذلك قبل تحريم القمار حتى غلبت الروم ~~فارس، وربطوا خيولهم بالمدائن وبنوا الرومية فقمر أبو بكر أبيا، وأخذ ~~مال الخطر من ورثته، وجاء به يحمله إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - تصدق به. # قوله: { من قبل ومن بعد } العامة على بنائها ضما لقطعهما ~~على الإضافة وإرادتهما أي من قبل الغلب ومن بعده أو من قبل كل ~~أمر ومن بعده، وإنما بني على الضم لما قطعت عن الإضافة لأن غير الضمة من ~~الفتح والكسرة تشبيه بما يدخل عليهما وهو النصب والجر، أما النصب ففي ~~قولك: " جئت قبله أو بعده ". # وأما الجر ففي قولك: " من قبله ومن بعده " فبني عليه لعدم دخول ~~مثلها عليه في الإعراب وهو الرفع، وحكى الفراء كسرها من غير تنوين. وغلطه ~~النحاس وقال: إنما يجوز من قبل ومن بعد يعني مكسورا منونا، قال شهاب ~~الدين: وقد قرىء بذلك ووجهه أنه لم ينو إضافتهما فأعربهما ms6975 كقوله: # 4033 - فساغ لي الشراب وكنت قبلا # أكاد أغص بالماء القراح # وقوله: # 4034 - ونحن قتلنا الأسد أسد خفية # فما شربوا بعدا على لذة خمرا # وحكي من قبل بالتنوين والجر ومن بعد بالبناء على الضم. # وقد خرج بعضهم ما حكاه الفراء على أنه قدر أن المضاف إليه موجود فترك ~~الأول بحاله وأنشد: # 4035 -......................... # بين ذراعي وجبهة الأسد # والفرق لائح، فإن في اللفظ مثل المحذوف على خلاف في تقدير البيت أيضا. # (فصل) # وعلى قراءة عبد الله بن عمر، وأبي سعيد الخدري، والحسين، وعيسى بن عمر ~~غلبت الروم بفتح الغين واللام سيغلبون بضم الياء وفتح اللام. ~~قالوا: نزلت حين أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن غلبة الروم فارسا ~~في أدنى الأرض (إليكم) وهم من بعد غلبهم سيغلبون المسلمين في بضع سنين ~~وعند انقضاء هذه المدة أخذ المسلمون في جهاد الروم والأول قول أكثر ~~المفسرين وهو الأصح ولله الأمر من قبل ومن بعد أي من قبل دولة الروم على ~~فارس ومن بعدها فأي الفريقين كان لهم الغلبة فهو بأمر الله وقضائه وقدره. # قوله: " ويومئذ " أي إذ تغلب الروم فارسا، والنصاب " ليوم " ~~(يفرح وقوله " بنصر الله ينصر " من التجنيس، وقد تقدم آخر الكهف، وقوله: ~~بنصر الله " الظاهر تعلقه " بيفرح). وجوز أبو البقاء أن يتعلق " ~~بينصر " وهذا فيه تفكيك للنظم. # فصل # المعنى: يومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله الروم على فارس. قال السدي: فرح ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنون بظهورهم على المشركين يوم بدر، ~~فظهور أهل الكتاب على أهل الشرك { ينصر من يشآء وهو العزيز ~~} الغالب { الرحيم } للمؤمنين. ### || [30.6-10] # قوله: { وعد الله } مصدر مؤكد ناصبه مضمر أي وعدهم الله ~~ذلك وعدا بظهور الروم على فارس { لا يخلف الله وعده } وهذا ~~مقدر لمعنى هذا المصدر ويجوز أن يكون قوله: { لا يخلف الله ~~وعده } حالا من المصدر فيكون كالمصدر الموصوف فهو مبين للنوع (و) ~~كأنه قيل: وعد اله وعدا غير مخلف { ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون }. # قوله: { يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا } يعني أمر ~~معايشهم كيف يكتسبون ms6976 ويتجرون ومتى يغرسون قال الحسن: إن أحدهم لينقر ~~الدرهم بطرف ظفره فيذكر وزنه، ولا يخطىء وهو لا يحسن (يصلي) والمعنى أن ~~علمهم منحصر في الدنيا بل لا يعلمون الدنيا كما هي وإنما يعلمون ظاهرها ~~وهو ملاذها، ولا يعلمون باطنها وهو مضارها ومتاعبها ولا يعلمون فناها { ~~وهم عن الآخرة هم غافلون } ساهون جاهلون بها لا يتفكرون ~~فيها، وذكرهم الثانية ليفيد أن الغفلة منهم وإلا فأسباب التذكر حاصلة. # قوله: { أولم يتفكروا في أنفسهم } فقوله في أنفسهم ~~ظرف للتفكر، وليس مفعولا للتفكر (إذ متعلقه خلق) السماوات والأرض، ~~والمعنى أن أسباب التفكر حاصلة وهي أنفسهم لو تفكروا فيها لعلموا ~~وحدانية الله، وصدقوا بالحشر أما الوحدانية فلأن الله تعالى خلقهم ~~في أحسن تقويم، ومن يفكر في تشريح بدن الإنسان وحواسه رأى في ذلك حكما ~~كل واحدة منها كافية في معرفة كون الله فاعلا مختارا قادرا كاملا ~~عالما، ومن يكون كذلك يكون واحدا وإلا لكان عاجزا عن إرادة شريكه ضد ~~ما أراده وأما دلاله الإنسان على الحشر فلأنه إذا تفكر في نفسه يرى قوى ~~مصائره إلى الزوال، وأجزاء ماثلة إلى الانحلال وله فناء ضروري فلو لم ~~يكن حياة أخرى لكان خلقه على هذا الوجه عبثا وإليه الإشارة بقوله # أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا # [المؤمنون: 115]، هذا ظاهر، لأن من يفعل شيئا للعبث، فلو بالغ في ~~أحكامه لضحك منه فأذن خلقه لذلك للبقاء ولا بقاء دون اللقاء بالآخرة فإذن ~~لا بد من البعث. ثم إنه تعالى ذكر بعد دليل الأنفس دليل الأقطار فقال: { ~~ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهمآ إلا ~~بالحق وأجل مسمى } فقوله: " إلا بالحق " إشارة إلى وجه ~~دلالتها على الوحدانية وقد بينا ذلك في قوله: # إن في ذلك لآية للمؤمنين # [العنكبوت: 44]. # قوله: " ما خلق " " ما " نافية، وفي هذه الجملة وجهان: # أحدهما: أنها مستأنفة لا تعلق لها بما قبلها. # والثاني: أنها معلقة للتفكر فتكون في محل نصب على إسقاط الخافض ويضعف ~~أن تكون استفهامية بمعنى النفي، وفيها الوجهان المذكوران. والباء في " ~~بالحق " إما سببية، وإما حالية لإقامة ms6977 قيل الحق، وقوله: " وأجل ~~مسمى " تذكير بالأصل الآخر الذي أنكروه أي لوقت معلوم، إذا انتهت ~~إليه فنيت وهو يوم القيامة، { وإن كثيرا من الناس بلقآء ~~ربهم لكافرون } لا يعلمون أنه لا بد بعد هذه الحياة من لقاء ~~وبقاء. # قوله: " بلقاء " متعلق " بالكافرين " واللام لا تمنع من ذلك لكونها في ~~خبر " إن ". # فإن قيل: ما الحكمة في تقديمه ههنا دلائل الأنفس على دلائل الآفاق وقدم ~~دليل الآفاق على دلائل الأنفس في قوله: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم # [فصلت: 53]؟. # فالجواب: أن المفيد إذا أفاد فائدة يتذكرها على وجه جيد يختاره فإن مهمة ~~السامع المستفيد فذاك، وإلا يذكرها على وجه أبين منه وينزل درجة فدرجة ~~وأما المستفيد فإنه يفهم أولا الأبين ثم يرتقي إلى فهم ذلك الأخفى الذي ~~لم يكن فهمه فيفهمه بعد فهم الأبين المذكور آخرا فالمذكور من المفيد ~~أخرا مفهوم عند المستمع أولا، إذا علم هذا فنقول ههنا (الفعل) كان ~~منسوبا إلى السامع حيث قال: { أولم يتفكروا في أنفسهم ~~} فقال: " في أنفسهم " يعني فيما فهموه أولا ولم يرتقوا إلى ما فهموه ~~ثانيا، وأما في قوله " سنريهم " الأمر منسوبا إلى المفيد المسمع ~~فذكر أولا الآفاق، فإن لم يفهموه فالأنفس، لأن دلائل الأنفس لا ذهول ~~للإنسان عنها، وأما دلائل الآفاق فيمكن الذهول عنها، وهذا الترتيب مراعى ~~في قوله تعالى: # الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى ~~جنوبهم # [آل عمران: 191] أي يعلمون الله بدلائل الأنفس في سائر الأحوال ويتفكرون ~~في خلق السماوات والأرض بدلائل الآفاق. # فصل # وجه دلالة الخلق بالحق على الوحدانية ظاهر، وأما وجه دلالته على ~~الحشر فلأن (تخريب) السموات وعدمها لا يعلم بالعقل إلا إمكانه، وأما ~~وقوعه فلا يعلم إلا بالسمع لأن الله قادر على إبقاء الحوادث أبدا كما ~~أنه يبقي الجنة والنار بعد إحداثهما أبدا، والخلق دليل إمكان العدم، لأن ~~المخلوق لم يجب له القدم فجاز عليه العدم، فإذا أخبر الصادق عن أمر ~~ممكن وجب على العاقل التصديق والإذعان؛ لأن العالم لما كان خلقه بالحق ~~ينبغي أن يكون بعد هذه الحياة ms6978 حياة أخرى باقية لأن هذه الحياة ليست ~~لعبا ولهوا كما تبين بقوله: # وما هذه الحياة الدنيآ إلا لهو ولعب # [العنكبوت: 64] (وخلق السموات والأرض للهو واللعب عبث، والعبث ليس بحق) ~~فخلق السماوات والأرض بالحق يدل على أنه لا بد بعد هذه الحياة الدنيا من ~~الحياة. # فإن قيل: ما الفائدة في قوله ههنا: { وإن كثيرا من الناس } ~~وقال من قبل: { ولكن أكثر الناس لا يعلمون }؟. # فالجواب: (فائدته) أنه من قبل لم يذكر دليلا على الأصلين وههنا قد ~~ذكر الدلائل الراسخة والبراهين اللائحة ولا شك في أن الإيمان بعد الدليل ~~أكثر من الإيمان قبل الدليل فبعد الدليل لا بد (أن يؤمن) من ذلك الأكثر ~~جمع فلا يبقى الأكثر كما هو، فقال بعد إقامة الدليل وإن كثيرا، وقال ~~قبله: { ولكن أكثر الناس } لأنه بعد الدليل الذي لا يمكن ~~الذهول عنه وهو السماوات والأرض لأن من البعيد أن يذهل الإنسان عن السماء ~~التي فوقه، والأرض التي تحته، فلهذا ذكر ما يقع الذهول عنه وهو أمر ~~أمثالهم، وحكاية أشكالهم فقال: { أولم يسيروا في الأرض ~~فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم } وقال في ~~الدليلين المتقدمين " أولم يروا " " أولم يتفكروا " إذ لا ~~حاجة هناك إلى السير بحضور النفس والسماء والأرض، وقال ههنا " أو لم ~~يسيروا فينظروا " ذكرهم بحال أمثالهم، ومآل أشكالهم ثم ذكر أنهم أولى ~~بالهلاك، لأن من تقدم من " عاد وثمود " كانوا أشد منهم قوة، ولم ~~ينفعهم قواهم وكانوا أكثر مالا وعمارة، ولم يمنعهم من الهلاك ~~أموالهم وحصونهم. # قوله: " وأثاروا الأرض " حرثوها وقلبوها للزراعة (ومنه " ~~البقرة تثير الأرض " وقيل: منه سمي ثورا)، وأنتم لا حراثة لكم، ~~" وعمروها أكثر مما عمروها " أهل مكة، قيل: قال ذلك لأنه لم ~~يكن لأهل مكة حرث، وقوله: " أكثر مما " نعت مصدر محذوف أي عمارة أكثر من ~~عمارتهم. وقرىء: " وآثاروا " بألف بعد الهمزة وهي إشباع لفتح الهمزة. # قوله: { وجآءتهم رسلهم بالبينات } فلم يؤمنوا فأهلكهم ~~الله، { فما كان الله ليظلمهم } بنقص حقوقهم { ولكن ~~كانوا أنفسهم يظلمون } ببخس حقوقهم. # قوله: " عاقبة الذين " قرأ نافع، ms6979 وابن كثير، وأبو عمرو ~~بالرفع، والباقون بالنصب، فالرفع على أنها اسم كان، وذكر الفعل لأن ~~التأنيث مجازي، وفي الخبر حينئذ وجهان: # أحدهما: " السوءى " أي الفعلة السوءى والخصلة السوءى. # والثاني: " أن كذبوا " أي كان آخر أمرهم التكذيب فعلى الأول يكون ~~في " أن كذبوا " وجهان: # أحدهما: أنه على إسقاط الخافض إما لام العلة أي لأن كذبوا، وإما باء ~~السببية أي بأن كذبوا فلما حذف الحرف جرى القولان المشهوران بين الخليل ~~وسيبويه في محل " أن ". # والثاني: أنه بدل من " السوءى " أي ثم كان عاقبتهم التكذيب، وعلى ~~الثاني يكون " السوءى " مصدرا " لأساءوا " أو يكون نعتا لمفعول محذوف ~~أي أساء والفعلة والسوءى، و " السوءى " تأنيث " للأسوأ ". وجوز ~~بعضهم أن يكون خبر كان محذوفا للإبهام، و " السوءى " إما مصدر وإما ~~مفعول كما تقدم أي اقترفوا الخطيئة السوءى؛ أي كان عاقبتهم ~~الدمار. وأما النصب فعلى خبر كان، وفي الاسم وجهان: # أحدهما: " السوءى " إن كانت الفعلة السوءى عاقبة المسيئين، و " أن ~~كذبوا " على ما تقدم. # الثاني: أن الاسم " أن كذبوا " و " السوءى " على ما تقدم. ~~المعنى: ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوءى يعني: الخلة التي تسوؤهم ~~وهي النار (وهي) السوءى اسم لجهنم كما أن الحسنى اسم للجنة " أن ~~كذبوا " أي لأن كذبوا، وقيل: تفسير " السوءى " ما بعده، وهو قوله: " أن ~~كذبوا " يعني: ثم كان عاقبة المسيئين التكذيب حملهم تلك السيئات ~~على أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون. ### || [30.11-16] # قوله: { الله يبدأ الخلق ثم يعيده } أي يخلقهم ابتداء ~~ثم يعيدهم بعد الموت أحياء ولم يقل: " يعيدهم " رد على الخلق، ثم ~~إليه ترجعون؛ فيجزيهم بأعمالهم، قرأ أبو بكر، وأبو عمرو " ~~يرجعون " - بالياء - والآخرون بالتاء. # قوله: { ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون } قرأ ~~العامة " يبلس " ببنائه للفاعل وهو المعروف يقال: أبلس الرجل أي ~~انقطعت حجته فسكت وهو قاصر لا يتعدى، قال العجاج: # 4036 - يا صاح هل تعرف رسما مكرسا # قال: نعم أعرفه وأبلسا # وقرأ السلمي: " يبلس " مبنيا للمفعول، وفيه بعد، لأن ~~أبلس يتعدى، وقد خرجت هذه القراءة على أن القائم مقام ms6980 الفاعل ~~مصدر الفعل، ثم حذف (المضاف، وأقيم) المضاف إليه مقامه، إذ الأصل ~~يبلس إبلاس المجرمين، و " يبلس " هو الناصب " ليوم تقوم " و ~~" يومئذ " مضاف لجملة تقديرها يومئذ يقوم وهذا كأنه تأكيد ~~لفظي، إذ يصير التقدير يبلس المجرمون (يوم تقوم الساعة). # فصل # قال قتادة والكلبي: المعنى يبلس المشركون من كل خير؛ وقال الفراء: ~~ينقطع كلامهم وحججهم. وقال مجاهد: يفتضحون. ولم يكن لهم شركائهم أصنامهم ~~التي عبدوها ليشفعوا لهم شفعاء، { وكانوا بشركآئهم كافرين ~~} يتبرأون منها وتتبرأ منهم. # قوله: { ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون } أي ~~بين أهل الجنة من أهل النار، قال مقاتل: يتفرقون بعد الحساب إلى الجنة ~~والنار فلا يجتمعون أبدا كما قال تعالى: # فريق في الجنة وفريق في السعير # [الشورى: 7]. قوله: { فأما الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات فهم في روضة } وهي البستان الذي في غاية النضارة، ~~وقوله: " يحبرون " قال ابن عباس يكرمون. وقال قتادة ومجاهد: ~~ينعمون، وقال مجاهد وأبو عبيدة: يسرون، والحبر والحبور السرور. ~~وقيل الحبرة في اللغة كل نعمة حسنة والتحبير التحسين يقال هو ~~حسن الحبر والسبر بكسر الحاء والسين وفتحهما وفي الحديث: # " حبرته لك تحبيرا " # أي حسنت لك صوتي والقرآن تحسينا، وجاء في الحديث # " يخرج من النار رجل ذهب حبره وسبره " # فالمفتوح مصدر والمكسور اسم، والروضة الجنة، قيل: ولا تكون روضة إلا ~~وفيها نبت، وقيل: إلا وفيها ماء، وقيل: ما كانت منخفضة، والمرتفعة يقال ~~لها: ترعة، وقيل: لا يقال لها روضة إلا وهي في مكان غليظ مرتفع. قال ~~الأعشى: # 4037 - ما روضة من رياض الحزن معشبة # خضراء جاد عليها مسبل هطل # وأصل رياض رواض، فقلبت الواو ياء على حد حوض وحياض ونكر ~~الروضة للتعظيم، وقال ههنا: " يحبرون " بصيغة الفعل ولم يقل " ~~محبورون " وقال في الأخرى " (محضرون) " بصيغة الاسم ولم يقل " ~~يحضرون " لأن الفعل يدل على التجديد، والاسم لا يدل عليه، فقوله " ~~يحبرون " يعني كل ساعة يأتيهم ما يسرون به، وقوله " محضرون " أي الكفار ~~في العذاب يبقون (فيه) محضرون. ### || [30.17-18] # قوله: { فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون } أي ~~سبحوا الله، ومعناه ms6981 صلوا عليه حين " تمسون " تدخلون في المساء، وهو صلاة ~~المغرب والعشاء " وحين تصبحون " أي تدخلون في الصباح وهو صلاة الصبح. { ~~وله الحمد في السماوات والأرض } قال ابن عباس: ~~يحمده أهل السماوات والأرض ويصلون " وعشيا " أي صلوا لله عشيا؛ ~~يعني صلاة العصر " وحين تظهرون " أي تدخلون في الظهيرة وهي صلاة ~~الظهر، قال نافع الأزرق لابن عباس، هل تجد الصلوات الخمس في القرآن؟ قال: ~~نعم وقرأ هاتين الآيتين، وقال: جمعت الآية الصلوات الخمس ومواقيتها. ~~وروى أبو هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال # " من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة ~~حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر " # (وقال عليه السلام: # " من قال حين يصبح وحين يمسي سبحان الله ~~وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة ~~بأفضل مما جاء به إلا قال مثل ما قال أو زاد ~~عليه " # وقال عليه السلام: # " كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان ~~حبيبتان على الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان ~~الله العظيم ". # قوله: { تمسون وتصبحون } تامات) أي تدخلون في المساء ~~والصباح كقولهم: إذا سمعت بسرى القين فاعلم بأنه (مصبح) أي ~~مقيم في الصباح. والعامة على إضافة الظرف إلى الفعل بعده، وقرأ عكرمة: " ~~حينا " بالتنوين، والجملة بعده صفة له، والعائد حينئذ محذوف أي ~~تمسون فيه، كقوله # واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده # [لقمان: 33]. والناصب لهذا الظرف " سبحان " لأنه نائب عن عامله. # قوله: " وعشيا " عطف على " حين " وما بينهما اعتراض و " في ~~السموات " يجوز أن يتعلق بنفس الحمد (أي أن الحمد) يكون في هذين ~~الظرفين. ### || [30.19] # قوله: { يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من ~~الحي }. قد تقدم اختلاف القراء في تخفيف الميت وتثقيله وكذلك قوله " ~~تخرجون " في سورة الأعراف، و " كذلك " نعت مصدر محذوف أي ومثل ~~ذلك الإخراج العجيب تخرجون. # واعلم أن وجه تعلق إخراج الحي من الميت والميت من الحي بما قبله هو أن ~~عند الإصباح يخرج الإنسان من سنة النوم وهو النوم إلى سنة الوجود ~~وهي اليقظة وعند العشاء يخرج الإنسان من ms6982 اليقظة إلى النوم. واختلف ~~المفسرون في قوله: { يخرج الحي من الميت } فقال أكثرهم ~~يخرج الدجاجة من البيضة، والبيضة من الدجاجة وكذلك الحيوان من النطفة ~~والنطفة من الحيوان. وقيل: يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن ثم ~~قال: { ويحيي الأرض بعد موتها } وفي هذا معنى لطيف وهو أن ~~الإنسان بالموت تبطل حواسه، وأما نفسه الناطقة فتفارقه، وتبقى بعده كما ~~قال: # ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا # [آل عمران: 169] لكن الحيوان نام متحرك حساس لكن النائم لا يتحرك، ولا ~~يحس، والأرض الميتة لا يكون فيها نماء، (ثم) النائم بالانتباه يتحرك ~~ويحس والأرض بعد موتها (ينمو) نباتها، فكما أن تحريك ذلك الساكن وهذا ~~الواقف سهل على الله، كذلك إحياء الميت سهل على الله، وإلى هذا أشار ~~بقوله { وكذلك تخرجون }. ### || [30.20-24] # قوله: { ومن آياته أن خلقكم } مبتدأ أو خبر أي ومن جملة ~~علامات توحيده وأنه يبعثكم خلقكم واختراعكم و " من " لابتداء الغاية، ~~وقوله: " من تراب " أي خلق أصلنا وهو آدم من تراب، (أ) وأنه خلقنا من ~~نطفة والنطفة من الغذاء والغذاء إنما يتولد من الماء والتراب على ما تقدم ~~شرحه { ثم إذآ أنتم بشر تنتشرون } في الأرض. والترتيب ~~والمهلة هنا ظاهران فإنهم يصيرون بشرا بعد أطوار كثيرة و " ~~تنتشرون " حال. # و " إذا " هي الفجائية، إلا أن الفجائية أكثر ما تقع بعد ~~الفاء؛ لأنها تقتضي التعقيب ووجه وقوعها (مع) " ثم " بالنسبة إلى ما يليق ~~بالحالة الخاصة أي بعد تلك الأطوار التي قصها علينا في موضع آخر من ~~كوننا نطفة ثم علقة ثم مضغة (ثم عظما مجردا) ثم عظما مكسوا ~~لحما (فاجأ) البشرية فالانتشار. # قوله: { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم ~~أزواجا } " من أنفسكم " يعني من بني آدم، وقيل خلق " حوى ~~" من ضلع آدم " لتسكنوا إليها ". والصحيح أن المراد من جنسكم ~~كما قال: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم # [التوبة: 128] ويدل عليه قوله: { لتسكنوا إليها } يعني أن ~~الجنسين المختلفين لا يسكن أحدهما إلى الآخر، أي لا يثبت نفسه معه، ولا ~~يميل قلبه إليه { وجعل ms6983 بينكم مودة ورحمة } (وقيل: ~~مودة) بالمجامعة: (ورحمة) للولد تمسكا بقوله: # ذكر رحمة ربك عبده زكريآ # [مريم: 2]، وقيل: جعل بين الزوجين المودة (والرحمة) فهما ~~يتوادان، ويتراحمان وما من شيء أحب إلى أحد من الآخر من ~~غير رحم بينهما. { إن في ذلك } يحتمل أن يكون المراد منه إن في ~~خلق الأزواج " لآيات ". ويحتمل أن يقال: " إن في جعل المودة والرحمة ~~بينهم آيات لقوم يتفكرون " في عظمة الله وقدرته. # قوله: { ومن آياته خلق السماوات والأرض } ثم لما أشار ~~إلى دلائل الأنفس والآفاق (ذكر) ما هو من صفات الأنفس وهو قوله: " ~~واختلاف ألسنتكم " أي لغاتكم من عرب وعجم مع تنوع كل من ~~(الجنسين) إلى أنواع شتى لا سيما العجم، فإن لغاتهم مختلفة، وليس المراد ~~بالألسنة الجوارح، وقيل: المراد بالألسن اختلاف الأصوات، وأما اختلاف ~~الألوان فالمراد أبيض وأسود وأحمر وأنتم ولد رجل واحد، (وامرأة ~~واحدة). وقيل: المراد باختلاف الألوان الذي بين ألوان الإنسان فإن واحدا ~~منهم مع كثرة عددهم، وصغر حجم قدودهم لا يشتبه بغيره، والسموات مع ~~غيرها وقلة عددها مشتبهات في الصورة { إن في ذلك لآيات ~~للعالمين } ، قرأ حفص بكسر اللام، جعله جمع عالم ضد الجاهل ~~ونحوه: # وما يعقلهآ إلا العالمون # [العنكبوت: 43] والباقون بفتحها لأنها آيات لجميع الناس وإن كان بعضهم ~~يغفل عنها وقد تقدم أول الفاتحة الكلام في " العالمين " (قيل):هو ~~جمع أو اسم جمع. # قوله: { ومن آياته منامكم بالليل والنهار } لما ~~ذكر الأعراض اللازمة وهي الاختلاف ذكر الأعراض المفارقة ومن جملتها النوم ~~بالليل والحركة بالنهار طلبا للرزق (و) قيل: في الآية تقديم وتأخير ~~ليكون كل واحد مع ما يلائمه، والتقدير ومن آياته منامكم بالليل وابتغاؤكم ~~من فضله بالنهار، فحذف حرف الجر لاتصاله بالليل، وعطفه عليه لأن حرف ~~العطف قد يقوم مقام الجار، والأحسن أن يجعل على حاله. # والنوم بالنهار مما كانت العرب تعده نعمة من الله، ولا سيما في ~~أوقات القيلولة في البلاد الحارة، وقوله: { وابتغآؤكم من ~~فضله } أي منهما فإن كثير ما يكتسب الإنسان بالليل، ويدل على الأول ~~قوله تعالى: # وجعلنآ آية ms6984 النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ~~ربكم # [الإسراء: 12] وقوله تعالى: # وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا # [النبأ: 10, 11]، ثم قال: { إن في ذلك لآيات لقوم ~~يسمعون } سماع تدبير واعتبار وقال ههنا: " لقوم يسمعون " ~~ومن قبل: " لقوم يتفكرون " وقال: " للعالمين " لأن ~~المنام بالليل، والابتغاء يظن الجاهل أو الغافل أنهما مما يقتضيه طبع ~~الحيوان فلا يظهر لكل أحد كونهما من نعم الله، فلم يقل آيات للعالمين، ~~ولأن الأمرين الأولين وهو اختلاف الألسن والألوان من اللوازم والمنام ~~والابتغاء من الأمور المفارقة فالنظر إليهما لا يدوم لزوالهما في بعض ~~الأوقات ولا كذلك اختلاف الألسنة والألون فإنهما يدومان بدوام الإنسان ~~فجعلها آيات عامة، وأما قوله: " لقوم يتفكرون " فإن من ~~الأشياء ما يعلم من غير تفكر، ومنها ما يكفي فيه مجرد الفكرة، ومنها ~~ما يحتاج بعض الناس في تفهمه إلى مثل حسية كالأشكال الهندسية، لأن خلق ~~الأرواح لا تقع لأحد أنه بالطبع إلا إذا كان جامد الفكرة، فإذا تفكر علم ~~كون ذلك الخلق آية، وأما المنام والابتغاء فقد يقع لكثير أنهما من أفعال ~~العباد، وقد يحتاج إلى مرشد بغير فكرة فقال: " لقوم يسمعون " ~~ويجعلون بالهم من كلام المرشد. # قوله: { ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا } لما ~~ذكر العرضيات اللازمة للأنفس المفارقة ذكر العرضيات التي للآفاق. # قوله: " يريكم البرق " فيه أوجه أظهرها: الموافق لأخواته أن يكون ~~جملة اسمية من مبتدأ وخبر إلا أنه حذف الحرف المصدري، ولما حذف بطل عمله ~~والأصل: ومن آياته أن يريكم، كقوله: # 4038 - ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى # ................................... # الثاني: أن " من آياته " متعلق " بيريكم " أو بمحذوف على أنه حال من ~~البرق. والتقدير " يريكم البرق من آياته " فيكون قد عطف جملة فعلية ~~على جملة اسمية. # والثالث: أن " يريكم " صفة لموصوف محذوف أي ومن آياته (آية) يريكم البرق ~~بها أو فيها البرق فحذف الموصوف والعائد عليها ومثله: # 4039 - وما الدهر إلا تارتان فمنهما # أموت.............................. # أي منهما تارة أموت منها. # الرابع: أن التقدير: ومن آياته سحاب أو شيء يريكم؛ فيريكم صفة لذلك ~~المقدر، وفاعل " يريكم " ضمير يعود عليه ms6985 بخلاف الوجه قبله، فإن الفاعل ~~ضمير الباري تعالى. # فصل # المعنى يريكم البرق خوفا للمسافرين من الصواعق، وطمعا للمقيمين في ~~المطر وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها { إن في ذلك ~~لآيات لقوم يعقلون }. # فصل # قدم لوازم الأنفس على العوارض المفارقة (حيث ذكر أولا اختلاف الألسنة ~~والألوان ثم المنام والابتغاء، وقدم في الآفاق العارضة المفارقة) على ~~اللوازم حيث قال: { يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل } ~~وذلك لأن الإنسان متغير الحال، فالعوارض فيها أغرب من اللوازم فقدم ما هو ~~عجيب لكونه أدخل في كونه " آية " فإن الإنسان يتغير حاله بالكبر ~~والصغر والصحة والسقم فله صوت يعرف به لا يتغير وله لون يتميز به عن ~~غيره، وهو متغير بذلك في الأحوال وذلك لا يتغير وهو آية عجيبة والسماء ~~(والأرض) ثابتان لا يتغيران ثم نرى في بعض الأحوال أمطارا هاطلة، ~~وبروقا هائلة والسماء كما كانت والأرض كما كانت وذلك آية تدل على ~~فاعل مختار يديم أمرا مع تغير المحل ويزيل أمرا مع ثبات المحل. # فصل # كما قدم السماء على الأرض قدم ما هو من السماء وهو البرق والمطر على ما ~~هو من الأرض وهو الإنبات والإحياء وكما أن في إنزال المطر وإنبات الشجر ~~منافع كذلك في تقديم الرعد والبرق على المطر منفعة وهي أن البرق إذا لاح ~~فالذي لا يكون تحت كن يخاف الابتلاء فيستعد له، والذي له صهريج، أو ~~مصنع يحتاج إلى ماء أو زرع يسوي مجاري الماء، وأيضا أهل البوادي لا ~~يعلمون أن البلاد عشبة إن لم يكونوا قد رأوا البروق اللائحة من جانب ~~دون جانب، واعلم أن دلائل البرق وفوائده وإن لم تظهر للمقيمين في ~~البلاد فهي ظاهرة للبادين فلهذا جعل تقديم البرق على تنزيل الماء من ~~السماء نعمة وآية. # فصل # أما كونه آية فلأن الذي في السحاب ليس إلا ماء وهواء وخروج النار ~~منهما بحيث يحرق الجبال في غاية البعد فلا بد له من خالق وهو الله. وقالت ~~الفلاسفة: السحاب فيه كثافة ولطافة بالنسبة إلى الهواء أو الماء فالهوى ms6986 ~~ألطف منه والماء أكثف فإذا هبت الريح قوية تحرك السحاب فيحدث صوت ~~الرعد وتخرج منه النار، كما أن النار تخرج من وقع الحجر على الحديد ~~فإن قيل: الحديد والحجر جسمان صلبان، والسحاب والريح جسمان (لينان) ~~(فنقول لكن حركة يد الإنسان ضعيفة، وحركة الريح قوية تقلع الأشجار) فنقول ~~لهم الرعد والبرق (أمران) حادثان لا بد لهما من مسبب، وقد علم ~~بالبرهان كون كل حادث (فهما) من الله ثم نقول: (هب) أن الأمر كما ~~يقولون فهبوب تلك الريح القوية من الأمور الحادثة العجيبة فلا بد لها من ~~سبب وينتهي إلى واجب الوجود فهو آية للعاقل على قدرة الله كيفما ~~فرضتم. # فإن قيل: ما الحكمة في قوله ههنا: " آيات لقوم يعقلون " وقوله فيما ~~تقدم: " لقوم يتفكرون؟ " فالجواب: # لما كان حدوث الولد من الوالد أمرا عاديا مطردا قليل الاختلاف كان ~~يتطرق إلى الأوهام العامية أن ذلك بالطبيعة لأن المطرد أقرب إلى الطبيعة ~~(من) المختلف، والبرق والمطر ليس أمرا مطردا (غير مختلف) بل يختلف إذ ~~يقع ببلدة دون بلدة وفي وفت دون وقت، وتارة يكون قويا، وتارة يكون ~~ضعيفا فهو أظهر في العقل دلالة على الفاعل المختار، فقال هو آية لمن له ~~عقل وإن لم يتفكر تفكرا تاما. ### || [30.25-26] # قوله تعالى: { ومن آياته أن تقوم السمآء والأرض ~~بأمره } قال ابن مسعود: قامتا على غير عمد بأمره. واعلم أنه ذكر ~~من لوزم السماء والأرض قيامهما فإن الأرض لثقلها يتعجب الإنسان من وقوفها ~~وعدم نزولها وكون السماء في علوها معجب من علوها وثباتها من غير عمد، ~~وهذا من اللوازم، فإن الأرض لا تخرج عن مكانه الذي فيه. # (فإن قيل:) بأنها تتحرك في مكانها كالرحاء، ولكن اتفق العقلاء على ~~أنها في مكانها (لا تخرج عنه. وهذا آية ظاهرة لأن كونهما في الموضع الذي ~~هما فيه، وعلى الموضع الذي هما عليه) من الأمور الممكنة وكونهما في غير ~~ذلك الموضع جائز فكان يمكن أن يخرجا منه، فلما لم يخرجا كان ذلك ~~ترجيحا للجائز على غيره وذلك لا يكون إلا بفاعل ms6987 مختار، وقالت الفلاسفة: ~~كون الأرض في الكائن الذي هي فيه طبيعي لها لأنها أثقل الأشياء، والثقيل ~~يطلب المركز والخفيف يطلب المحيط وكون السماء في مكانها إن كانت ذات مكان ~~فلذاتها، فقيامها فيه لطبعها وأجيبوا بأنكم وافقتمونا بأن ما جاز على ~~أحد المثلين جاز على المثل الآخر لكن مقعر الفلك لا يخالف محدبه في ~~الطبع فيجوز حصول مقعره في موضع محدبه وذلك بالخروج والزوال فإذن تطرق ~~الزوال إليه عن المكان ممكن لا سيما على السماء الدنيا فإنها ليست محدده ~~للجهات على مذهبكم أيضا والأرض كانت يجوز عليها الحركة الدورية كما ~~تقولون على السماء فعدمها وسكونها ليس إلا بفاعل مختار. # فصل # ذكر الله تعالى من كل باب أمرين: أما من الأنفس فقوله: " (خلقكم) وخلق ~~لكم " واستدل بخلق الزوجين ومن الآفاق السماء والأرض (فقال: " خلق ~~السماوات والأرض " ) ومن لوازم الإنسان اختلاف اللسان واختلاف الألوان ~~ومن عوارض الآفاق البرق والأمطار ومن لوازمها قيام السماء والأرض؛ لأن ~~الواحد يكفي للإقرار بالحق، والثاني يفيد الاستقرار ومن هذا اعتبر شهادة ~~شاهدين، فإن قول أحدهما يفيد الظن، وقول الآخر يفيد تأكيده، ولهذا قال ~~إبراهيم عليه (الصلاة و) السلام: # بلى ولكن ليطمئن قلبي # [البقرة: 60]. # فصل # قوله: بأمره أي بقوله: " قوما " أو بإرادته قيامها؛ لأن الأمر عند ~~المعتزلة موافق للإرادة وعندنا ليس كذلك ولكن النزاع في أمر التكليف، لا ~~في أمر التكوين فإنا لا ننازعهم في أن قوله: " كن فيكون " و " ~~كوني " و " كونوا " موافق للإرادة. # فإن قيل: ما الفائدة في قوله " ههنا ": { ومن آياته أن تقوم ~~السمآء } وقال قبله: # ومن آياته يريكم # [الروم: 24] (ولم يقل: أن يريكم) ليصير (كالمصدر " بأن "؟). # فالجواب: أن القيام لما كان غير متغير أخرج الفعل بأن عن الفعل المستقبل ~~ولم يذكر معه الحروف المصدرية. # فإن قيل: ما الحكمة في أنه ذكر ست دلائل وذكر في أربعة منها: # إن في ذلك لآيات # [الروم: 24] ولم يذكر الأولى وهو قوله: # ومن آياته أن خلقكم من تراب # [الروم: 20] ولا في الآخر وهو قوله: { ومن آياته أن تقوم ~~السمآء والأرض ms6988 }؟. # فالجواب: أما الأول فلأن قوله بعده: { ومن آياته أن خلق ~~لكم } أيضا دليل الأنفس فخلق السماء والأرض وخلق الأزواج من باب واحد ~~على ما تقدم من أنه تعالى ذكر من كل باب أمرين للتقرير والتوكيد. فلما ~~قال في الثانية: { إن في ذلك لآيات } كان عائدا إليهما، وأما ~~في قيام السماء والأرض فلأنه ذكر في الآيات السماوية أنها آيات للعالمين ~~ولقوم يعقلون وذلك لظهور فلما كان في أول الأمر ظاهرا ففي آخر الأمر بعد ~~سرد الدلائل يكون أظهر (فلم يميز أحدا في ذلك عن الآخر). ثم إنه ~~تعالى لما ذكر الدليل على القدرة والتوحيد ذكر مدلوله وهو قدرته على ~~الإعادة فقال: { ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذآ ~~أنتم تخرجون } وجه العطف " بثم " و " بم تعلق " فمعناه أنه تعالى ~~إذا بين لكم كمال قدرته بهذه الآيات بعد ذلك يخبركم ويعلمكم أنه إذا قال ~~للعظام الرميمة اخرجوا من الأجداث يخرجون أحياء. # قوله: " من الأرض " فيه أوجه: أظهرها: أنه متعلق بمحذوف يدل عليه " ~~يخرجون " أي خرجتم من الأرض، ولا جائز أن يتعلق " بتخرجون " لأن ما ~~بعد " إذا " لا يعمل فيما قبلها. # فصل # قول القائل: " دعا فلان فلانا من الجبل " يحتمل أن يكون الدعاء ~~من الجبل كما يقول القائل: يا فلان (اصعد) إلى الجبل، (فيقال: ~~دعاه من الجبل، ويحتمل أن يكون المدعو يدعى من الجبل كما يقول ~~القائل: يا فلان انزل من الجبل فيقال دعاه من الجبل)، ولا يخفى على ~~العاقل أن الدعاء لا يكون من الأرض إذا كان الداعي هو الله، والمدعو ~~يدعى من الأرض، يعني أنكم في الأرض فيدعوكم منها فتخرجون، وإذا هي ~~الفجائية، قال أكثر العلماء معنى الآية: ثم إذا دعاكم دعوة إذا أنتم ~~تخرجون من الأرض. # فصل # قال ههنا: { إذآ أنتم تخرجون } وقال في خلق الإنسان أولا: { ~~ثم إذآ أنتم بشر تنتشرون } لأن هناك يكون خلق وتقدير ~~وتدريج حتى يصير التراب قابلا للحياة فينفخ فيه روحه فإذا هو بشر، ~~وأما في الإعادة فلا يكون تدريج وتراخ بل يكون نداء وخروج، ms6989 فلم يقل ~~ههنا: " ثم ". # قوله: { وله من في السماوات والأرض كل له ~~قانتون } قال ابن عباس: كل له مطيعون في الحياة والفناء والموت ~~والبعث وإن عصوا في العبادة. وقال الكلبي: هذا خاص لمن كان منهم ~~مطيعا. ولما ذكر الآيات التي تدل على القدرة على الحشر الذي هو الأصل ~~الآخر والوحدانية التي هي الأصل الأول أشار إليهما بقوله: { وله من ~~في السماوات والأرض } ونفس السموات والأرض له وملكه فكل له ~~منقادون قانتون، والشريك يكون منازعا، فلا شريك له أصلا، ثم ذكر ~~المدلول الآخر فقال: { وهو الذي يبدأ الخلق ثم ~~يعيده } يخلقهم أولا، ثم يعيدهم بعد الموت للبعث. ### || [30.27] # قوله: { وهو أهون عليه } في " أهون " قولان: # أحدهما: أنها للتفضيل على بابها وعلى هذا يقال: كيف يتصور التفضيل، ~~والإعادة والبداءة بالنسبة إلى الله تعالى على حد سواء؟ في ذلك أجوبة: ~~أحدها: أن ذلك بالنسبة إلى اعتقاد البشر باعتبار المشاهدة من أن إعادة ~~الشيء أهون من اختراعه لاحتياج الابتداء إلى إعمال فكر غالبا، وإن كان ~~هذا (منتفيا) عن البارىء تعالى فخوطبوا بحسب ما ألفوه. # الثاني: أن الضمير في " عليه " ليس عائدا على الله تعالى إنما يعود على ~~الخلق أي والعود أهون على الخلق أي أسرع لأن البداء فيها تدريج من ~~طور إلى طور إلى أن صارت إنسانا والإعادة لا تحتاج إلى هذه التدريجات ~~فكأنه قيل: وهو أقصر عليه وأيسر وأقل انتقالا والمعنى يقومون بصيحة ~~واحد فيكون أهون عليهم من أن يكونوا نطفا ثم علقا ثم مضغا إلى ~~أن يصيروا رجالا ونساء - وهي رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن ~~عباس. # الثالث: أن الضمير في " عليه " يعود على (المخلوق بمعنى) والإعادة ~~أهون على المخلوق أي إعادته شيئا بعد ما أنشأه هذه في عرف ~~المخلوقين، فكيف ينكرون ذلك في جانب الله تعالى، والثاني: أن " أهون " ~~ليست للتفضيل بل هي صفة بمعنى " هين " كقولهم " الله أكبر " أي ~~الكبير وهي رواية العوفي عن ابن عباس. # وقد يجيء " أفعل " بمعنى الفاعل كقول الفرزدق: # 4040 - إن الذي سمك السماء بنى ms6990 لنا # بيتا دعائمه أعز وأطول # أي عزيزة طويلة. والظاهر عود الضمير في " عليه " على الباري تعالى ~~ليوافق الضمير في قوله: (وله المثل الأعلى. قال الزمخشري: " فإن قلت: ~~لم أخرت الصلة في قوله { وهو أهون عليه } وقدمت في قوله): # هو علي هين # [مريم: 9] قلت: هنالك قصد الاختصاص وهو (محزة) فقيل: هو على هين وإن ~~كان مستصعبا عندك أن يولد بين هم وعاقر فذلك علي هين لا على غيري، ~~وأما هنا فلا معنى للاختصاص كيف والأمر مبين على ما يعقلون من أن ~~الإعادة أسهل من الابتداء فلو قدمت الصلة لتغير المعنى. قال أبو حيان: ~~ومبنى كلامه على أن التقديم يفيد الاختصاص وقد تقدم منعه. قال شهاب ~~الدين: الصحيح أنه يفيده. وتقدم جميع ذلك. # قوله: { وله المثل الأعلى } يجوز أن يكون مرتبطا بما قبله ~~وهو قوله: { وهو أهون عليه } أي قد ضربه لكم مثلا فيما يسهل ~~ويصعب. وإليه نحا الزجاج. أو بما بعده من قوله: # ضرب لكم مثلا من أنفسكم # [الروم: 28] وقيل: المثل: الوصف أي الصفة العليا. قال ابن عباس: هي أنه ~~{ ليس كمثله شيء } وقال قتادة: هو أنه لا إله إلا هو. # قوله: " في السموات " يجوز أن يتعلق " بالأعلى " أي أنه أعلى في ~~هاتين الجهتين، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من " الأعلى " أو من " ~~المثل " أو من الضمير في " الأعلى " فإنه يعود على المثل، " وهو ~~العزيز " في ملكه " الحكيم " في خلقه. ### || [30.28] # قوله: { ضرب لكم مثلا من أنفسكم } أي بين لكم شبها ~~بحالكم ذلك المثل من أنفسكم، و " من " لابتداء الغاية في موضع الصفة " ~~لمثلا " ، أي أخذ مثلا وانتزعه من أقرب شيء منكم وهو " ~~أنفسكم " ثم بين المثل فقال: { هل لكم من ما ملكت ~~أيمانكم من شركآء في ما رزقناكم } من المال، والمعنى ~~أن من يكون مملوكا لا يكون شريكا له في ماله فكيف يجوز أن يكون عباد ~~الله شركاء له وكيف يجوز أن يكون لهم عظمة الله تعالى حتى يعبدوا؟. # قوله: " من شركاء " مبتدأ و " من " مزيدة فيه لوجود ms6991 شرطي الزيادة، ~~وفي خبره وجهان: أحدهما: الجار الأول وهو " لكم " و " مما ملكت ~~" يجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من " شركاء "؛ لأنه في الأصل نعت ~~نكرة قدم عليها، والعامل فيه العامل في هذا الجار الواقع خيرا، أو الخبر ~~مقدر بعد المبتدأ، و " فيما رزقناكم " متعلق " بشركاء " و " ما " ~~في " مما " بمعنى النوع، تقدير ذلك كله: هل شركاء فيما رزقناكم كائنون ~~من النوع الذي ملكته أيمانكم مستقرون لكم؟ " فكائنون " هو ~~الوصف المتعلق به " مما ملكت " ولما تقدم صار حالا و " مستقرون " ~~هو الخبر الذي تعلق به " لكم ". # والثاني: أن الخبر " مما ملكت " و " لكم " متعلق بما تعلق به ~~الخبر، أو بمحذوف على أنه حال من " شركاء " أو بنفس " شركاء " كقولك: ~~لك في الدنيا محب " فلك " متعلق (بمحب) وفي الدنيا هو الخبر. ~~قوله: { وأنتم فيه سواء } هذه الجملة جواب للاستفهام الذي ~~بمعنى النفي " وفيه " متعلق " بسواء ". # قوله: " تخافونهم " فيه وجهان: # أحدهما: أنها خبر ثان " لأنتم " تقديره " فأنتم " مستوون معهم فيما ~~رزقناكم خائفوهم كخوف بعضهم بعضا أيها السادة، والمراد نفي الأشياء ~~الثلاثة أعني الشركة والاستواء مع العبيد وخوفهم إياهم، وليس المراد ~~ثبوت الشركة، ونفي الاستواء والخوف كما هو أحد الوجهين في قولك: ما ~~تأتينا فتحدثنا بمعنى ما تأتينا محدثا بل تأتينا ولا ~~تحدثنا بل المراد نفي الجميع كما تقدم. وقال أبو البقاء: { فأنتم ~~فيه سواء } الجملة في موضع نصب على جواب الاستفهام أي هل لكم ~~فتستووا أنتم. وفيه نظر كيف يجعل جملة اسمية حالة محل جملة فعليه ويحكم ~~على موضع الاسمية بالنصب بإضمار ناصب، هذا مما لا يجوز ولو أنه فسر ~~المعنى وقال: إن الفعل لو حل بعد الفاء لكان منصوبا بإضمار " أن " ~~لكان صحيحا، ولا بد أيضا أن يبين أن النصب على المعنى الذي قدمته من ~~نفي الأشياء الثلاثة. # والوجه الثاني: أن " تخافونهم " في محل نصب على الحال من ضمير ~~الفاعل في " سواء ". أي فساووا خائفا بعضكم من بعض مشاركته ~~له في المال أي إذا لم ترضوا أنه يشارككم عبيدكم في ms6992 المال فكيف تشركون ~~بالله من هو مصنوع له؟ قاله أبو البقاء. # وقال ابن الخطيب معنى حسنا وهو أن بين المثل والممثل به ~~مشابهة ومخالفة، فالمشابهة معلومة والمخالفة من وجوه: # أحدها: قوله: " من أنفسكم " أي من نسلكم مع حقارة الأنفس ~~ونقصها وعجزها، وقاس نفسه عليكم مع جلالتها وعظمتها وقدرتها ~~وكمالها. # وثانيها: قوله: { ما ملكت أيمانكم } أي عبيدكم لكم عليهم ملك ~~اليمين والملك لها طار (ىء) قابل للنقل والزوال، أما النقل فالبيع ~~وغيره، وأما الزوال فبالعتق ومملوكه تعالى لا خروج له عن الملك فإذا ~~لم يجز أن يكون مملوك يمينكم شريكا لكم مع أنه يجوز أن يصير مثلكم من ~~جميع الوجوه بل هو في الحال مثلكم في الآدمية حال الرق حتى أنكم ليس ~~لكم تصرف في روح وآدميته بقطع وقتل وليس لكم منعهم من العبادة وقضاء ~~الحاجة فكيف يجوز أن يكون مملوك الله الذي هو مملوكه من جميع الوجوه وهو ~~مباين له بالكلية شريكا له؟! # وثالثه: قوله: " مما رزقناكم " يعني: الذي لكم هو في الحقيقة ليس ~~لكم بل هو لله ومن رزقه حقيقة فإذا لم يجز أن يكون لكم شريك فيما هو ~~لكم من حيث الاسم فكيف يجوز أن يكون له شريك فيما هو له من حيث الحقيقة. # ورابعها: قوله: { فأنتم فيه سواء } أي هل أنتم ومماليككم في ~~شيء مما تملكون أنتم سواء ليس كذلك فلا يكون لله شريك في شيء؛ لأن كل شيء ~~فهو لله وما تدعون إلهيته لا يملكون شيئا أصلا، ولا مثقال ذرة ~~خردل فلا يعبد لعظمته ولا لمنفعة تصل إليكم (منهم) منه، وأيضا ~~فأنتم ومماليككم سواء ليس كذلك لأن المملوك ليس له عندكم حرمة ~~الأحرار، وإذا لم يكن المملوك مع مساواته إياكم في الحقيقة والصفة عندكم ~~حرمة فكيف يكون حال المماليك الذين لا مساواة بينهم وبين المالك بوجه من ~~الوجوه، وإلى هذا إشار بقوله: { تخافونهم كخيفتكم ~~أنفسكم } انتهى. وإنما ذكرت هذا المعنى مبسوطا لأنه مبين لما ~~ذكرته من وجوه الإعراب. " كخيفتكم " أي كخيفة مثل خيفتكم. ~~والعامة على نصب ms6993 " نفسكم " ، لأن المصدر مضاف لفاعله. # وقرأ ابن أبي عبلة بالرفع على إضافة المصدر لمفعول. استقبح ~~بعضهم هذا إذا وجد الفاعل. وقال بعضهم: ليس بقبيح بل يجوز إضافته إلى كل ~~منهما إذا وجدا وأنشد: # 4041 - أفنى تلادي وما جمعت من نشب # قرع القوارير أفواه الأباريق # بنصب " الأفواه " و " رفعها ". # قوله: { كذلك نفصل الآيات } أي مثل ذلك التفصيل البين نفصل. ~~وقرأ أبو عمرو - في رواية يفصل - بياء الغيبة ردا على قوله: " ~~ضرب لكم " ، والباقون بالتكلم ردا على قوله " رزقناكم " ~~والمعنى يبين بالآيات والدلائل والبراهين القطعية والأمثلة: " لقوم ~~يعقلون " ينظرون إلى هذه الدلائل بعقولهم، والأمر لا يخفى بعد ذلك إلا ~~على من لا يكون له عقل. ### || [30.29-32] # قوله: { بل اتبع الذين ظلموا أهوآءهم } أي لا يجوز ~~أن يشرك مالك ممولكه ولكن الذين ظلموا أي أشركوا اتبعوا أهواءهم في الشرك ~~{ من غير علم } أي من غير دليل جهلا بما يجب عليهم، ثم بين أن ~~ذلك بإرادة الله بقوله: { فمن يهدي من أضل الله } أي ~~هؤلاء أضلهم الله فلا هادي لهم فلا يحزنك قولهم ثم قال: { ~~وما لهم من ناصرين } مانعين يمنعونهم من عذاب الله - عز وجل ~~-. # قوله تعالى: { فأقم وجهك للدين حنيفا } أي أخلص دينك لله ~~قال سعيد بن جبير: وإقامة الوجه إقامة الدين. وقال غيره: سدد عملك. ~~والوجه ما يتوجه إليه، وقيل: أقبل بكلك على الدين. عبر عن الذات ~~بالوجه كقوله تعالى: # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص: 88] أي ذاته بصفاته. # قوله: " حنيفا " حال من فاعل " أقم " أو من مفعوله، أو من " الدين ~~" ومعنى حنيفا مائلا إليه مستقيما عليه، ومل عن كل شيء لا يكون في ~~قلبك شيء آخر، وهذا قريب من معنى قوله: # ولا تكونن من المشركين # [القصص: 87]. # قوله: " فطرة الله " فيه وجهان: # أحدهما: أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة كقوله: # صبغة الله # [البقرة: 138] و # صنع الله # [النمل: 88]. # والثاني: أنه منصوب بإضمار فعل. قال الزمخشري: وإنما أضمره على خطاب ~~الجماعة لقوله: " منيبين إليه " وهو حال من الضمير في " ~~الزموا ". # وقوله: { واتقوه وأقيموا... ولا ms6994 تكونوا } معطوف على هذا ~~المضمر، ثم قال: " أو عليكم فطرة الله " ورد أبو حيان بأن كلمة الإغراء ~~لا تضمر، إذ هي عوض عن الفعل فلو حذفها لزم حذف العوض والمعوض ~~عنه وهو إجحاف. قال شهاب الدين: هذا رأي البصريين وأما الكسائي وأتباعه ~~فيجيزون ذلك. # فصل # ومعنى فطرة الله: دين الله وهو التوحيد فإن الله فطر الناس عليه حيث ~~أخرجهم من ظهر آدم وسألهم: # ألست بربكم قالوا بلى # [الأعراف: 172] وقال عليه السلام # " ما من مولود إلا وهو يولد على الفطرة وإنما ~~أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه " # فقوله: " على الفطرة " ، يعني على العهد الذي أخذه عليهم بقوله: # ألست بربكم قالوا بلى # [الأعراف: 172] وكل مولود في العالم على ذلك الإقرار وهي الفطرة التي ~~وقع الخلق عليها وإن عبد غيره قال الله تعالى: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله # [الزخرف: 87] # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى # [الزمر: 3] ولكن لا عبرة بالإيمان الفطري في أحكام الدنيا، وإنما ~~يعتبر الإيمان الشرع المأمور به، وهذا قول ابن عباس وجماعة من المفسرين. ~~وقيل: الآية مخصوصة بالمؤمنين وهم الذين فطرهم الله على الإسلام، روي عن ~~عبد الله بن المبارك قال معنى الحديث: إن كل مولود يولد على فطرته أي ~~على خلقته التي جبل عليها في علم الله تعالى من السعادة والشقاوة فكل ~~منهم صائر في العاقبة إلى ما فطر عليها وعامل في الدنيا بالعمل المشاكل ~~لها فمن أمارات الشقاء أن يولد بين يهوديين أو نصرانيين ~~فيحملانه لشقائه على اعتقاده دينهما، وقيل: معنى الحديث أن كل مولود في ~~مبدأ الخلقة على الفطرة أي على الجبلة السليمة والطبع المنهي لقبول ~~الدين، فلو ترك عليها لاستمر على لزومها؛ لأن هذا الدين موجود حسنه ~~في العقول، وإنما يعدل عنه من يعدل إلى غيره لآفة من النشوء ~~والتقليد فمن يسلم من تلك الآفات لم يعتقد غيره، ذكر هذه المعاني أبو ~~سليمان الخطابي في كتابه. # قوله: { لا تبديل لخلق الله } فمن حمل الفطرة على الدين ~~قال معناه: لا تبديل لدين الله، فهو خبر بمعنى النهي، ms6995 أي لا تبدلوا ~~التوحيد بالشرك. وقيل: هذا تسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - وقال ~~عكرمة ومجاهد: معناه تحريم إخصاء البهائم، ثم قال: { ذلك الدين ~~القيم } المستقيم الذي لا عوج فيه { ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمون } أن ذلك هو الدين المستقيم. # قوله: " منيبين " حال من فاعل " الزموا " المضمر كما تقدم، أو من ~~فاعل " أقم " على المعنى لأنه ليس يراد به واحد بعينه، وإنما المراد ~~الجميع، وقيل: حال من " الناس " إذا أريد بهم المؤمنون، وقال الزجاج ~~بعد قوله: " وجهك " معطوف تقديره " فأقم وجهك وأمتك " ~~فالحال من الجميع، وجاز حذف المعطوف لدلالة " منيبين " عليه، كما ~~جاز حذفه في قوله: { يا أيها النبي } أي والناس لدلالة: " ~~إذا طلقتم " عليه، كذا زعم الزجاج، في # يا أيها النبي # [الطلاق: 1] وقيل: على خبر كان، أي كونوا منيبين، لدلالة ~~قوله: " ولا تكونوا ". # فصل # معنى منيبين إليه أي مقبلين عليه بالتوبة والطاعة، " واتقوه " ~~إي إذا أقبلتم عليه، وتركتم الدنيا، فلا تأمنوا فتتركوا عبادته بل ~~خافوه وداوموا على العبادة " وأقيموا الصلاة " ولا تكونوا من ~~المشركين؛ بإعادة العامل. وتقدم قراءتا " فرقوا، وفارقوا " ~~وتفسير " الشيع " أيضا. قوله: " فرحون " الظاهر أنه خبر عن " كل ~~حزب "؛ وجوز الزمخشري أن يرتفع صفة " لكل " قال: ويجوز أن يكون " من ~~الذين " منقطعا مما قبله ومعناه من المفارقين دينهم كل حزب فرحين بما ~~لديهم، ولكنه رفع " فرحين " وصفا لكل كقوله: # 4042 - وكل خليل غير هاضم نفسه # ............................. # قال أبو حيان: قدر أولا " فرحين " مجرورا صفة " لرجل " وهو ~~الأكثر كقوله: # 4043 - جادت عليه كل عين ثرة # فتركن كل حديقة كالدرهم # وجاز الرفع نعتا " لكل " كقوله: # 4044 - ولهت عليه كل معصفة # هوجاء ليس للبها زبر # وهو تقدير حسن. ### || [30.33-35] # قوله: { وإذا مس الناس ضر } قحط وشدة، { دعوا ~~ربهم منيبين إليه } بالدعاء، لما بين التوحيد بالدليل ~~وبالمثل بين أن لهم حالة يعترفون بها، وإن كانوا ينكرونه في وقت ما وهي ~~حالة الشدة، { ثم إذا أذاقهم منه رحمة } ، خصب أو ~~نعمة، يعني إذا خلصناهم من تلك الشدة { إذا فريق منهم ~~بربهم يشركون } ، وقوله: ms6996 " منه " أي من الضر؛ لأن الرحمة ~~غير مطلقة لهم إنما هي على ذلك الضر وحده، وأما الضر المؤخر فلا يذوقون ~~منه رحمة ويحتمل أن يكون الضمير في " منه " عائد إلى الله تعالى، ~~والتقدير ثم إذا أذاقهم الله من فضله رحمة خلصهم بها من ذلك الضر. # قوله: " إذا فريق " هذه " إذا " الفجائية، وقعت جواب ~~الشرط؛ لأنها كالفاء في أنها للتعقيب ولا يقع أول كلام، وقد تجامعها ~~الفاء زائدة. # فإن قيل: ما الحكمة في قوله ههنا: { إذا فريق منهم } ، وقال في ~~موضع: { فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون } ولم ~~يقل: فريق. # فالجواب: أن المذكور هناك غير معين، وهو ما يكون من هول البحر، ~~والتخلص منه بالنسبة إلى الخلق قليل، والذي لا يشرك منهم بعد الخلاص فرقة ~~منهم فهم في غاية القلة، فلم يجعل المشركين فريقا لقلة من خرج من الشرك ~~وأما المذكور ههنا الضر مطلقا فيتناول ضر البحر والأمراض والأهوال، ~~والمتخلص من أنواع الضر خلق كثير بل جميع الناس يكونون قد وقعوا في ضر ~~ما فتخلصوا منه والذي لا يبقى بعد الخلاص مشركا من الناس يكونون قد ~~وقعوا في ضر ما فتخلصوا منه والذي لا يبقى بعد الخلاص مشركا من جميع ~~الأنواع إذا جمع فهو خلق عظيم وهو جميع المسلمين فإنهم تخلصوا من ضر ~~ولم يبقوا مشركين، وأما المسلمون فلم يتخلصوا من ضر البحر بأجمعهم فلما ~~كان الناجي من الضر المؤمن جمعا كثيرا سمى الباقي فريقا. # قوله: " ليكفروا " يجوز أن تكون لام " كي " وأن تكون لام الأمر ~~ومعناه التهديد كقوله: # اعملوا ما شئتم # [فصلت: 40] ثم خاطب هؤلاء الذين فعلوا هذا خطاب تهديد فقال: " ~~فتمتعوا ". # قرأ العامة بالخطاب فيه، وفي " تعلمون " ، وأبو العالية بالياء ~~فيهما، والأول مبني للمفعول. وعنه أيضا " فيتمتعوا " بياء قبل ~~التاء، وعن عبد الله " فليتمتعوا " بلام الأمر، والمعنى: فسوف ~~تعلمون حالكم في الآخرة. # قوله: { أم أنزلنا عليهم سلطانا } أي برهانا ~~وحجة، فإن جعلناه حقيقة كان يتكلم مجازا، وإن جعلناه على حذف مضاف ~~أي ذا سلطان كان يتكلم حقيقة، وقال ms6997 أبو البقاء هنا: وقيل: هو جمع سليط ~~كرغيف ورغفان انتهى. # قال شهاب الدين: وهذا لا يجوز لأنه كان ينبغي أن يقال فهم يتكلمون. و " ~~فهو يتكلم " جواب الاستفهام الذي تضمنته " أم " المنقطعة، وهذا ~~استفهام بمعنى الإنكار أي ما أنزلنا بما يقولون سلطانا، قال ابن عباس: ~~حجة وعذرا، وقال قتادة: كتابا يتكلم بما كانوا به يشركون " أي ينطق ~~بشركهم ". ### || [30.36-38] # قوله: { وإذآ أذقنا الناس رحمة } أي الخصب وكثرة ~~المطر " فرحوا بها " يعني فرح البطر لما بين حال الشرك الظاهر شركه، ~~بين حال الشرك الذي دونه وهو من تكون عبادته للدنيا، فإذا أعطاه رضي، ~~وإذا منعه سخط وقنط، ولا ينبغي أن يكون كذلك بل ينبغي أن يعبد ~~الله في الشدة والرخاء. # فإن قيل: الفرح بالرحمة مأمور به قال: # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا # [يونس: 58] وههنا ذمهم على الفرح بالرحمة. # فالجواب: هناك قال افرحوا برحمة الله من حيث إنها مضافة إلى الله، ~~وههنا فرحوا بنفس الرحمة حتى لو كان المطر من غير الله لكان فرحهم به ~~مثل فرحهم إذا كان من الله. # قوله: { وإن تصبهم سيئة } أي الجدب وقلة المطر، ~~وقيل: الخوف والبلاء { بما قدمت أيديهم } من السيئات { ~~إذا هم يقنطون } ييأسوا من رحمة الله، وهذا خلاف وصف ~~المؤمنين فإنهم يشركونه عند النعمة، ويرجونه عند الشدة. # قوله: { أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن ~~يشآء ويقدر } ألم يعلموا أن الكل من الله فالمحق ينبغي أن لا ~~يكون نظره إلى ما يوجد بل إلى من يوجد وهو الله، فلا يكون له تبدل ~~حال وإنما يكون عنده الفرح الدائم ولذلك قال: { إن في ذلك لآيات ~~لقوم يؤمنون }. قوله: { فآت ذا القربى حقه } من ~~البر والصلة، و " المسكين " بأن يتصدق عليه، " وابن ~~السبيل " يعني المسافر، وقيل: الضيف. وخص هذه الأصناف الثلاثة بالذكر ~~دون بقية الأصناف الثمانية المذكورة في الصدقات، لأنه أراد ههنا بيان من ~~يجب الإحسان إليه على كل من له مال، سواه كان زكويا أو لم يكن وسواء ~~كان قبل الحول أم بعده؛ لأن ms6998 المقصود هنا الشفقة العامة وهؤلاء ~~الثلاثة يجب الإحسان إليهم وإن لم يكن للأنسان مال زائد أما القريب فتجب ~~نفقته عليه إذا كان له مال وإن لم يحل عليه الحول والمسكين كذلك، ~~فإن من لا شيء له إذا وقع في الحاجة حتى بلغ الشدة يجب على القادر دفع ~~حاجته وإن لم يكن عليه زكاة، والفقير داخل في المسكين لأن من أوصى ~~للمساكين بشيء يصرف إلى الفقير أيضا وإذا نظرت إلى الباقين من ~~الأصناف رأيتهم لا يجب صرف المال إليهم إلا على الذين وجبت الزكاة ~~عليهم وقدم القريب لأن دفع حاجته واجب سواء كان في مخمصة أو لم يكن ~~فلذلك قدم على من لا يجب دفع حاجته من غير مال الزكاة إلا إذا كان في ~~شدة، وأما المسكين فحاجته ليست مختصة بموضع، فقدم على من حاجته مختصة ~~بموضع دون موضع. # قوله: " ذلك خير " يحتمل أن يراد: " خير من عنده " ، وأن يكون ~~ذلك خير في نفسه { للذين يريدون وجه الله } أي يطلبون ~~ثواب الله مما يعملون { وأولئك هم المفلحون }. # فإن قيل: كيف قال: { وأولئك هم المفلحون }؟ مع أن ~~للإفلاح شرائط أخرى مذكورة في قوله: { قد أفلح المؤمنون ~~}؟!. # فالجواب: كل وصف مذكور هنا يفيد الإفلاح، وكذا الذي آتى المال لوجه الله ~~يفيد الإفلاح اللهم إلا إذا وجد مانع من ارتكاب محظور أو ترك ~~واجب. # فإن قيل: لم لم يذكر غيره من الأفعال كالصلاة وغيره؟ # فالجواب: الصلاة مذكورة من قبل وكذا غيرها في قوله: # فأقم وجهك للدين حنيفا # [الروم: 30]، وقوله # منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا ~~تكونوا من المشركين # [الروم: 31]. # فإن قيل: قوله في البقرة: { فأولئك هم المفلحون } إشارة إلى ~~من أقام الصلاة وآتى الزكاة، وآمن بما أنزل على الرسول وبما أنزل من قبل ~~وبالآخرين فهو المفلح، وإذا كان المفلح منحصرا في " أولئك " فهذا خارج ~~عنهم فكيف يكون مفلحا؟!. # فالجواب: هذا هو ذاك لأن قوله: # فأقم وجهك للدين حنيفا # [الروم: 30] أمر بذلك، فإذا أتى بالصلاة، وآتى المال، وأراد وجه الله ~~ثبت أنه من مقيمي الصلاة ms6999 ومؤتي الزكاة ومعترف بالآخرة. ### || [30.39-40] # قوله: { ومآ آتيتم من ربا } ، قرأ ابن كثير أتيتم ~~مقصورا، وقرأ الآخرون بالمد أي أعطيتم ومن قصر فمعناه جئتم من ~~ربا ومجيئهم ذلك على وجه الإعطاء كما تقول: أتيت خطأ، وأتيت صوابا وهو ~~يؤول في المعنى إلى قول من مد. # قوله: " ليربو " العامة على الياء تحت مفتوحة، أسند الفعل لضمير " ~~الربا " أي ليزداد، ونافع ويعقوب بتاء من فوق مضمومة خطابا ~~للجماعة، قالوا وعلى الأول لام الكلمة، وعلى الثاني كلمة، وعلى ~~الثاني كلمة، ضمير الغائبين. # فصل # ذكر هذا تحريضا يعني أنكم إذا طلب منكم واحد باثنين (تر) غبون فيه ~~وتؤثرونه، وذلك لا يربو عند الله فاختطاف أموال الناس والزكاة ~~تنمو عند الله كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - # " إن الصدقة تقع في يد الرحمن فتربوا حتى ~~تصير مثل الجبل " # فينبغي أن يكون إقدامكم على الزكاة أكثر واختلفوا في معنى الآية ~~قال سعيد بين جبير، ومجاهد وطاوس وقتادة والضحاك وأكثر المفسرين: هو ~~الرجل يعطي عبده العطية ليثيب أكثر منها، فهذا جائز حلالا، ولكن لا ~~يثاب عليه في الفقه فهو معنى قوله تعالى: { فلا يربو عند الله ~~} وكان هذا حراما على النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة لقوله تعالى: # ولا تمنن تستكثر # [المدثر: 9] أي لا تعط وتطلب أكثر مما أعطيت، وقال النخعي: هو الرجل ~~يعطي صديقة وقريبه ليكثر ماله، ولا يريد به وجه الله. وقال الشعبي: هو ~~الرجل يلتزق بالرجل فيجزيه ويسافر معه فيحصل له ربح ماله التماس ~~عونه لا لوجه الله فلا يربو عند الله؛ لأنه لم يرد به وجه الله ~~{ ومآ آتيتم من زكاة } أعطيتم من صدقة تريدون وجه الله. # قوله: { فأولئك هم المضعفون } أي أصحاب الأضعاف، قال ~~الفراء: نحو مسمن ومعطش أي ذي إبل سمان وعطاش، وتقول العرب: ~~القوم مهزلون ومسمنون، إذا هزلت وسمنت، فالمضعف ذو ~~الأضعاف من الحسنات وقرأ " أبي " بفتح العين، وجعله اسم مفعول. ~~وقوله: ( " فأولئك هم " قال الزمخشري: " التفات حسن كأنه قال ~~لملائكته وخواص خلقه) فأولئك الذين يريدون وجه الله بصدقاتهم ms7000 " هم ~~المضعفون " والمعنى هم المضعفون به لأنه من ضمير يرجع إلى ( " ~~ما انتهى " ) يعني أن اسم الشرط متى كان غير ظرف وجب عود ضمير من ~~الجواب عليه. وقد تقدم ذلك في البقرة عند: # قل من كان عدوا لجبريل # [البقرة: 97] ثم قال: " ووجه آخر: وهو أن يكون تقديره فمؤتوه فأولئك ~~هم المضعفون، والحذف لباقي الكلام من الدليل عليه " ، وهذا أسهل مأخذا، ~~والأول أملأ بالفائدة. # قوله: { الله الذي خلقكم } يجوز في خبر الجلالة وجهان: # أظهرهما: أنه الموصول بعدها. # والثاني: أنه الجملة من قوله: { هل من شركآئكم من يفعل } ~~والموصول (صفة) للجلالة، وقدر الزمخشري الرابط المبتدأ، والجملة الرافعة ~~(خبرا) فقال: " من ذلكم " هو الذي ربط الجملة بالمبتدأ، لأن معناه من ~~أفعاله. قال أبو حيان: والذي ذكره النحويون أن اسم الإشارة يكون رابطا ~~إذا أشير به إلى المبتدأ، وأما ذلك هنا فليس بإشارة إلى المبتدأ لكنه ~~شبيه بما أجازه الفراء من الربط بالمعنى وذلك في قوله: # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ~~يتربصن # [البقرة: 234] قال: التقدير يتربصن أزواجهم، فقدر الرابط ~~بمضاف إلى ضمير " الذين " فحصل به الربط كذلك قدر الزمخشري " من ذلكم " ~~من أفعاله بمضاف إلى الضمير العائد إلى المبتدأ. # قوله: " الذي خلقكم " أوجدكم { رزقكم ثم يميتكم ~~ثم يحييكم هل من شركآئكم من يفعل } جمع في هذه ~~الآية بين الحشر والتوحيد، أما الحشر فقوله: " يحييكم " ، وأما ~~الدليل فقدرته على الخلق ابتداء وأما التوحيد، فقوله: { هل من ~~شركآئكم من يفعل من ذلكم من شيء } ثم قال: { ~~سبحانه وتعالى عما يشركون } أي سبحوه تسبيحا ونزهوه ~~ولا تصفوه بالإشراك ". وقوله: " تعالى " أي لا يجوز ذلك عليه. # قوله: " من شركائكم " خبر مقدم و " من " للتبعيض و " من ~~يفعل " هو المبتدأ، و " ذلكم " متعلق بمحذوف، لأنه حال من " شيء ~~" بعده فإنه في الأصل صفة له و " من " الثانية مزيدة في المفعول به؛ ~~لأنه في حيز النفي المستفاد من الاستفهام والتقدير ما الذي يفعل شيئا ~~من ذلكم من شركائكم؟. # وقال الزمخشري: " ومن الأولى والثانية كل واحدة مستقلة تأكيد لتعجيز ~~شركائهم وتجهيل ms7001 عبدتهم ". # وقال أبو حيان: ولا أدري ما أراد بهذا الكلام؟ وقرأ الأعمش " تشركون " ~~بتاء الخطاب. ### || [30.41-44] # قوله: { ظهر الفساد في البر والبحر } وجه تعلق الآية ~~بما قبلها أن الشرك سبب الفساد كما قال تعالى: # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا # [الأنبياء: 22] وإذا كان الشرك سببه جعل الله إظهارهم الشرك مورثا ~~لظهور الفساد ولو فعل (بهم) ما يقتضيه قولهم لفسدت السموات والأرض، كما ~~قال تعالى: # تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض ~~وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا # [مريم: 90، 91] ولهذا أشار بقوله: { ليذيقهم بعض الذي ~~عملوا } ، واختلفوا في قوله: { في البر والبحر } ، فقيل: ~~المراد خوف الطوفان في البحر والبر، وقيل: عدم إنبات بعض الأرض وملوحة ~~مياه البحار. وقيل: المراد قحط المطر وقلة النبات، وأراد بالبر البوادي ~~والمفاوز وبالبحر المدائن والقرى التي على المياه الجارية. # قال عكرمة: العرب تسمي المصر بحرا تقول: أجدب البر وانقطعت مادة ~~البحر. # قوله: " بما كسبت " أي بسب كسبهم، والباء متعلقة " بظهر " أو بنفس ~~الفساد. وفيه بعد (والمعنى بشؤم ذنوبهم) وقال (ابن) عطية، البر ظهر ~~الأرض الأمصار وغيرها، والبحر هو البحر المعروف، والفساد قلة المطر يؤثر ~~في البر والبحر أما تأثيره في البر فهو القحط وأما تأثيره في البحر ~~فيخلوا أجواف الأصداف؛ لأن الصدف إذا جاء المطر يرتفع إلى وجه البحر ~~ويفتح فاه فما يقع فيه من المطر صار لؤلؤا. قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد: ~~الفساد في البر قتل أحد ابني آدم أخاه وفي البحر غصب الملك الجائر ~~السفينة. وقال الضحاك: كانت الأرض خضرة مونقة لا يأتي ابن آدم بشجرة ~~إلا وجد عليها ثمرة وكان ما في البحر عذبا وكان لا يقصد الأسد البقر ~~والغنم فلما قتل قابيل هابيل اقشعرت الأرض وشاكت الأشجار، وصار ~~ماء البحر ملحا زعاقا وقصد الحيوان بعضه بعضا. وقال قتادة: هذا قبل ~~مبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - امتلأت الأرض ظلما وضلالة فلما ~~بعث الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - رجع الراجعون من الناس { بما ~~كسبت أيدي الناس } من المعاصي " يعني كفار مكة ms7002 ". # قوله: " ليذيقهم " اللام للعلة متعلق " بظهر "؛ وقيل: بمحذوف، ~~أي عاقبهم بذلك ليذيقهم وقيل: اللام للصيرورة. وقرأ قنبل: ~~" لنذيقهم " بنون العظمة والباقون بياء الغيبة والمعنى: لنذيقهم ~~عقوبة بعض الذي عملوا من الذنوب " لعلهم يرجعون " عن الكفر ~~وأعمالهم الخبيثة، قوله: { قل سيروا في الأرض } لما بين حالهم ~~بظهور الفساد في أحوالهم بسبب فساد أقوالهم بين لهم ضلال أمثالهم ~~وأشكالهم الذين كانت أفعالهم كأفعالهم فقال: { قل سيروا في ~~الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل } أي ~~قوم نوح وعاد وثمود ليروا منازلهم ومساكنهم خاوية { كان ~~أكثرهم مشركين } فأهلكوا بكفرهم. # قوله: { فأقم وجهك للدين القيم } لما (نهى) الكافرين ~~عما هم عليه، أمر المؤمنين بما هم عليه وخاطب النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- ليعلم المؤمن فضيلة من هو مكلف به فإنه أمر بما شرف الأنبياء ~~الدين القيم أي المستقيم وهو دين الإسلام. # قوله: { من قبل أن يأتي يوم لا مرد له } المرد مصدر ~~" رد " و " من الله " يجوز أن يتعلق ب " يأتي " أو بمحذوف يدل عليه ~~المصدر أي لا يرده من الله أحد، ولا يجوز أن يعمل فيه " مرد " لأنه كان ~~ينبغي أن ينون؛ إذ هو من قبيل المطولات، والمراد يوم ~~القيامة لا يقدر أحد على رده من الله وغيره عاجز عن رده، فلا بد من ~~وقوعه. " يومئذ يصدعون " أي يتفرقون فريق في الجنة، وفريق في ~~السعير، ثم أشار إلى التفرق بقوله: { من كفر فعليه كفره } ~~أي وبال كفره { ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون } أي ~~يوطئون المضاجع ويسوونها في القبور. قوله: " فعليه ~~كفره " و " فلأنفسهم يمهدون " تقديم الجارين يفيد ~~الاختصاص يعني أن ضرر كفر هذا، ومنفعة عمل هذا لا يتعداه، ووحد الكناية ~~في قوله: " فعليه " وجمعها في قوله: " فلأنفسهم " إشارة إلى أن الرحمة ~~أعم من الغضب فتشمله وأهله وذريته، وأما الغضب فمسبوق بالرحمة لازم لمن ~~أساء وقال: " فعليه كفره " ولم يبين وقال في المؤمن: " ~~فلأنفسهم يمهدون " تحقيقا لكمال الرحمة، فإنه عند الخير ~~بين بشارة وعند غيره أشار إليه إشارة. ### || [30.45-47] # قوله: " ليجزي " في متعلقه ms7003 أوجه: # أحدها: " يمهدون ". # والثاني: " يصدعون ". # والثالث: محذوف. (و) قال ابن عطية: تقديره: " ذلك ليجزي " وتكون ~~الإشارة إلى (ما تقدر من) قوله: " من كفر ومن عمل ". # هذا قوله وجعل أبو حيان قسيم قوله: { الذين آمنوا وعملوا } ~~محذوفا لدلالة قوله { إنه لا يحب الكافرين } عليه هذا إذا ~~علقت اللام ب " يصدعون " أو بذلك المحذوف، قال: تقديره " ليجزي ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله والكافرين بعدله ". # فصل # قال ابن عباس: " ليجزي الذين آمنوا وعملوا ليثيبهم الله أكثر من ثواب ~~أعمالهم ". # قوله: { ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات } لما ~~ذكر ظهور الفساد والهلاك بسبب الشرك ذكر ظهور الصلاح ولم يذكر أنه سببب ~~العمل الصالح لأن الكريم لا يذكر لإحسانه عوضا ويذكر لإضراره سببا ~~لئلا يتوهم (به) الظلم فقال: { يرسل الرياح مبشرات } ~~قيل: بالمطر كما قال تعالى: # بشرا بين يدي رحمته # [النمل: 63]، أي قبل الفطرة، وقيل مبشرات بصلاح الأهوية والأحوال؛ ~~فإن الرياح لو لم تهب لظهر الوباء والفساد وقرأ العامة: " الرياح " ~~جميعا لأجل " مبشرات " ، والأعمش بالإفراد، وأراد الجنس لأجل " مبشرات ~~". # قوله: " وليذيقكم " إما عطف على معنى مبشرات لأن الحال والصفة ~~يفهمان العلة فكان التقدير: " ليبشر وليذيقكم " وإما أن يتعلق بمحذوف ~~أي وليذيقكم أرسلها، وإما أن يكون الواو مزيدة على رأي فتتعلق اللام ~~بأن يرسل. # قوله: { وليذيقكم من رحمته } (نعمته) بالمطر أو الخصب ~~{ ولتجري الفلك } لما أسند الفعل إلى الفلك عقبه بقوله " ~~بأمره " أي الفعل ظاهر عليه ولكنه بأمر الله، والمعنى في ولتجري ~~الفلك في البحر بهذه الرياح بأمره وكذلك لما قال: " ولتبتعوا " ~~مسندا إلى العباد ذكر بعده " من (فضله) ". # أي لا استقلال لغيره بشيء، والمعنى لتطلبوا من رزقه بالتجارة في البحر " ~~ولعلكم تشكرون " هذه النعم. # فصل # قال تعالى: " ظهر الفساد - ليذيقهم بعض الذي عملوا " (وقال ههنا: { ~~وليذيقكم من رحمته } فخاطبهم ههنا تشريفا، ولأن رحمته ~~قريب من المحسنين والمحسنين قريب فيخاطب والمسمى مبعد فلم يخاطب ~~وقال هناك: # بعض الذي عملوا # [الروم: 41) فأضاف ما أصابهم إلى أنفسهم، وأضاف ما أصاب المؤمن إلى ~~رحمته فقال: " من رحمته "؛ لأن ms7004 الكريم لا يذكر لرحمته وإحسانه عوضا فلا ~~يقول أعطيتك لأنك فعلت كذا بل يقول هذا لك مني، وأما ما فعلت من الحسنة ~~فجزاؤه بعد عندي، وأيضا فلو قال: أرسلت بسبب فعلكم لا يكون بشارة عظيمة، ~~وأما إذا قال من رحمته كان غاية البشارة وأيضا فلو قال: بما فعلتم لكان ~~ذلك موهما لنقصان ثوابهم في الآخرة، وأما في حق الكفار فإذا قال بما ~~فعلتم إنما عن نقصان عقابهم وهو كذلك وقال هناك: " لعلهم يرجعون ~~" وقال ههنا: ولعلكم تشكرون، قالوا وإشارة إلى توفيقهم للشكر في النعم ~~فعطف على النعم. # (قوله: { ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم ~~فجآءوهم بالبينات } لما بين الأصلين) بالبراهين ذكر الأصل ~~الثالث وهو النبوة فقال: { ولقد أرسلنا من قبلك رسلا } ~~أي إرسالهم دليل رسالتك فإنهم لم يكن لهم شغل غير شغلك ولم يظهر ~~عليهم غير ما أظهر عليك، ومن آمن بهم كان له (الانتصار) ومن كذبهم ~~أصابهم البوار، وفي تعلق الآية وجه آخر وهو أن الله لما بين ~~بالبراهين ولم ينتفع بها الكفار سلى قلب النبي عليه (الصلاة و) ~~السلام وقال: حالك كحال من تقدمكم كان كذلك وجاءوا بالبينات أيضا: أي ~~بالدلائل والدلالات الواضحات على صدقهم وكان في قومهم كافر ومؤمن ~~كما في قومك { فانتقمنا من الذين أجرموا } عذبنا الذين ~~كذبوهم ونصرنا المؤمنين. # (قوله:) وكان حقا، وقف بعضهم على " حقا " وابتدأ بما بعده ~~فجعل اسم " كان " مضمرا فيها و " حقا " خبرها، أي وكان الانتقام حقا، ~~قال ابن عطية: وهذا ضعيف لأنه لم (يدر) قدر ما عرضه في نظم الآية يعني ~~الوقف على " حقا "؛ وجعل بعضهم " حقا " منصوبا على المصدر واسم كان ~~ضمير (الأمر والشأن) و " علينا " خبر مقدم، و " نصر " اسم مؤخر، وجعل ~~بعضهم " حقا " خبرها و " علينا " متعلق " بحقا " ، أو بمحذوف صفة له، ~~فعلى الأول يكون بشارة للمؤمنين الذين آمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم ~~- أي علينا نصركم أيها المؤمنون ونصرهم إنجاؤهم من العذاب، ~~وعلى الثاني معناه وكان حقا علينا؛ أي نصر المؤمنين كان حقا علينا. ### || [30.48-50] ms7005 # قوله: { الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا } أي ~~تنشره وتبسطه في السماء كيف يشاء سيره يوما أو يومين وأكثر على ما ~~يشاء و " يجعله كسفا " قطعا متفرقة، { فترى الودق } ~~المطر { يخرج من خلاله } وسطه { فإذا أصاب به } ~~بالودق { من يشآء من عباده إذا هم يستبشرون } أي ~~يفرحون بالمطر. # قوله: { وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم } أي وقد ~~كانوا من قبل أن ينزل عليهم. # وقيل: وما كانوا (إلا) " مبلسين " أي آيسين. # قوله: " من قبله " فيه وجهان: # أحدهما: أنه تكرير " لمن قبل " الأولى على سبيل التوكيد. # والثاني: أن يكون غير مكرر؛ وذلك (أن يجعل) الضمير في " قبله " ~~للسحاب، وجاز ذلك لأنه اسم جنس يجوز تذكيره وتأنيثه، أو للريح فتتعلق ~~( " من " الثانية) بينزل. وقيل: يجوز عود الضمير على " كسفا " ~~كذا أطلق أبو البقاء، وأبو حيان، وهذه بقراءة من سكن السين. # وقد تقدمت قراءات " كسفا " في " سبحان ". وقد أبدى الزمخشري ~~وابن عطية (فائدة التوكيد المذكور فقال ابن عطية) أفاد الإعلام ~~بسرعة تقلب قلوب البشر من الإبلاس إلى الاستبشار، وذلك أن قوله: { ~~من قبل أن ينزل عليهم } يحتمل الفسحة في الزمان أي ~~من قبل أن ينزل بكثير كالأيام ونحوه، فجاء قوله: " من قبله " ~~(بمعنى) أن ذلك متصل بالمطر، فهذا تأكيد مفيد. وقال الزمخشري: ومعنى ~~التأكيد فيه الدلالة على أن عهدهم بالمطر قد نفد فاستحكم ~~بأسهم وتمادى إبلاسهم، فكان استبشارهم على قدر اغتمامهم بذلك، وهو كلام ~~حسن، إلا أن أبا حيان لم يرتضه منهما فقال: ما ذكراه من ~~فائدة التأكيد غير ظاهر فإنما هو لمجرد التوكيد ويفيد رفع المجاز انتهى. # قال شهاب الدين ولا أدري عدم الظهور لماذا. # قال قطرب: وإن كانوا من قبل التنزيل من قبل المطر، وقيل ~~التقدير من قبل إنزال المطر من قبل أن يزرعوا، ودل المطر على الزرع ~~لأنه يخرج بسبب المطر ودل على ذلك قوله: " فرأوه مصفرا " يعني ~~الزرع قال أبو حيان: وهذا لا يستقيم؛ (لأن) { من قبل أن ~~ينزل } متعلق " بمبلسين " ، (ولا يمكن من قبل الزرع أن يتعلق " ~~بمبلسين ms7006 " )؛ لأن حرفي جر لا يتعلقان بعامل واحد إلا بوساطة ~~حرف العطف (أ) والبدل، وليس هنا عطف والبدل لا يجوز إذ إنزال ~~الغيث ليس هو الزرع ولا الزرع بعضه، وقد يتخيل فيه بدل الاشتمال بتكلف ~~إما لاشتمال (الإنزال) على الزرع بمعنى أن الزرع يكون ناشئا عن الإنزال ~~فكأن الإنزال مشتمل عليه، وهذا على مذهب من يقول الأول مشتمل على ~~الثاني. # وقال المبرد الثاني السحاب؛ لأنهم لما رأوا السحاب كانوا راجين ~~المطر انتهى يريد من قبل رؤية السحاب ويحتاج أيضا إلى حرف عطف ليصح ~~تعلق الحرفين بمبلسين. (وقال الرماني من قبل الإرسال)، وقال ~~الكرماني: من قبل الاستبشار؛ لأنه قرنه بالإبلاس، ولأنه ~~(من) عليهم بالاستبشار ويحتاج قولهما إلى حرف العطف لما تقدم، وادعاء ~~حرف العطف ليس بالسهل فإن فيه خلافا بعضهم يقيسه، وبعضهم لا ~~يقيسه، هذا كله في المفردات، أما إذا كان في الجمل فلا خلاف في ~~اقتياسه. # وفي حرف عبد الله بن مسعود: وإن كانوا من قبل أن ينزل ~~عليهم لمبلسين غير مكرر. # قوله: { فانظر إلى آثار } قرأ أبن عامر والأخوان وحفص ~~بالجمع والباقون بالإفراد, (وسلام) بكسر الهمزة، وسكون الثاء وهي لغة ~~فيه. وقرأ العامة " كيف يحيي " بياء الغيبة، أي أثر الرحمة فيمن ~~قرأ بالإفراد، ومن قرأ بالجمع فالفعل مسند لله تعالى وهو يحتمل في ~~الإفراد والجحدري وأبو حيوة وابن السميقع " تحيي ~~" بتاء التأنيث وفيها تخريجان أظهرهما: أن الفاعل عائد على الرحمة. ~~والثاني: قاله أبو الفضل عائد على " أثر " وأنث " أثر " لاكتسابه ~~بالإضافة التأنيث كنظائر (له) تقدمت، ورد عليه بأن شرط ذلك كون ~~المضاف (بمعنى المضاف) إليه أو من سببه لا أجنبيا، وهذا أجنبي و " ~~كيف يحيي " معلق " لانظر " وهو في محل نصب على إسقاط الخافض. ~~وقال أبو الفتح: الجملة من " كيف يحيي " في موضع نصب على الحال ~~حملا على المعنى انتهى. وكيف تقع جملة الطلب حالا؟ وأراد برحمة الله ~~هنا المطر أي انظر إلى حسن تأثيره في الأرض كيف يحيي الأرض بعد ~~موتها؟!. # قوله: { إن ذلك لمحيي الموتى } أي إن ذلك ms7007 الذي يحيي ~~الأرض لمحيي الموتى، فأتى باللام المؤكدة لاسم الفاعل. ### || [30.51-54] # قوله: { ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا } لما بين ~~أنهم عند توقف الخير يكونون منيبين آيسين، وعند ظهوره يكونون ~~مستبشرين بين أن تلك الحالة أيضا لا يدومون عليها بل لو أصاب زرعهم ريح ~~مفسد لكفروا فهم متقلبون غير تامين نظرهم إلى الحالة لا إلى المآل. # فصل # سمى النافعة رياحا، والضارة ريحا لوجوه: # أحدها: أن النافعة كثيرة الأنواع كبيرة الأفراد، فجمعها لأن في كل يوم ~~وليلة (تهب) نفحات من الرياح النافعة، (و) لا تهب الريح الضارة في ~~أعوام بل الضارة لا تهب في الدهور. # الثاني: أن النافعة لا تكون إلا رياحا وأما الضارة فنفحة واحدة تقتل ~~كريح السموم. # الثالث: جاء في الحديث أن ريحا هبت فقال عليه (الصلاة و) السلام: # " اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا " # إشارة إلى قوله تعالى: # يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته # [الأعراف: 57] وقوله: # يرسل الرياح مبشرات # [الروم: 46] وإشارة إلى قوله تعالى: ف # أرسلنا عليهم الريح العقيم # [الذاريات: 41] وقوله: # ريحا صرصرا... تنزع الناس # [القمر: 19، 20]. # فصل # معنى الآية ولئن أرسلنا ريحا أي مضرة أفسدت الرزع فرأوه مصفرا بعد ~~الخضرة لظلوا لصاروا من بعد اصفرار الزرع يكفرون يجحدون ما سلف من ~~النعمة يعني أنهم يفرحون عند الخصب، ولو أرسلت عذابا على زرعهم ~~(جحدوا) سالف نعمتي. # قوله: " فرأوه " أي فرأوا النبات لدلالة السياق عليه أو على الأثر، ~~لأن الرحمة هي الغيث وأثرها هو النبات وهذا ظاهر على قراءة الإفراد، وأما ~~على قراءة الجمع فيعود على المعنى. وقيل: الضمير للسحاب. وقيل: ~~للريح. وقرأ (جناح) بن حبيش مصفارا بألف و " لظلوا " جواب القسم ~~الموطأ له " بلئن " وهو ماض لفظا مستقبل معنى، كقوله: # ما تبعوا قبلتك # [البقرة: 145] والضمير في " من بعده " يعود على الاصفرار المدلول عليه ~~بالصفة كقوله: # 4045 - إذا نهي السفيه جرى إليه # ............................... # أي السفه، لدلالة السفيه عليه. # قوله (تعالى:) " إنك لا تسمع الموتى " لما علم رسوله وجوه ~~الأدلة ووعد وأوعد ولم يزدهم دعاؤه إلا فرارا وكفرا وإصرارا، قال: " ~~إنك لا تسمع ms7008 الموتى " وقد تقدم الكلام على نحو { فإنك ~~لا تسمع } إلى آخره في الأنبياء، وفي النمل. واعلم أن إرشاد ~~الميت محال والمحال أبعد من الممكن ثم إرشاد الأصم صعب فإنه لا ~~يسمع الكلام وإنما يفهم بالإشارة والإفهام بالإشارة صعب ثم إرشاد الأعمى ~~أيضا صعب وإنك إذا قلت له الطريق على يمينك يدور إلى يمينه لكنه لا يبقى ~~عليه بل يحيد عن قرب، وإرشاد الأصم أصعب ولهذا تكون المعاشرة مع ~~الأعمى أسهل من المعاشرة مع الأصم الذي لا يسمع لأن غايته الإفهام ~~بالكلام وليس كل ما يفهم بالكلام يفهم بالإشارة، فإن المعدوم والغائب ~~لا إشارة إليه فقال: " إنك لا تسمع الموتى " (ثم قال: ولا ~~الصم ولا تهدي العمي) وقال في الأصم: { إذا ولوا ~~مدبرين }؛ ليكون أدخل في الامتناع لأن الأصم وإن كان يفهم ~~فإنما يفهم بالإشارة، (فإذا ولى لا يكون نظره إلى المشير فامتنع ~~إفهامه بالإشارة أيضا) ثم قال: { ومآ أنت بهاد العمي عن ~~ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا } لما نفى ~~استماع الميت والأصم وأثبت إسماع المؤمن بآياته لزم أن يكون المؤمن حيا ~~سميعا وهو كذلك لأن المؤمن ينظر في البراهين ويسمع زواجر الوعظ فتظهر ~~منه الأفعال الحسنة ويفعل ما يجب عليه فهم مسلمون مطيعون كما قال تعالى ~~(عنهم): # سمعنا وأطعنا # [البقرة: 285]. # قوله: { الله الذي خلقكم من ضعف } لما أعاد دليل الآفاق ~~بقوله: # الله الذي يرسل الرياح # [الروم: 48] أعاد دليلا من دلائل الأنفس أيضا وهو خلق الآدمي وذكر ~~أحواله فقال: { خلقكم من ضعف } أي (بأذى ضعف) كقوله: # ألم نخلقكم من مآء مهين # [المرسلات: 20]، وقرىء: " ضعف " بضم الضاد، وفتحها، فالضم لغة قريش، ~~والفتح لغة تميم, " من ضعف " أي من نطفة. وتقدم الكلام في القراءتين ~~والفرق بينهما في الأنفال، { ثم جعل من بعد ضعف قوة } ~~(أي) من بعد ضعف الطفولية شبابا وهو وقت القوة { ثم جعل من ~~بعد قوة ضعفا } هرما " وشيبة " والشيبة هي تمام الضعف ~~{ يخلق ما يشآء }. # (فإن قيل: ما الحكمة في قوله ههنا: { وهو العليم القدير } ) ~~فقدم العلم على ms7009 القدرة، وقوله من قبل: { وهو العزيز الحكيم ~~} والعزة إشارة إلى كمال القدرة، والحكمة إشارة إلى كمال العلم، فقدم ~~القدرة هناك على العلم؟!. # فالجواب أن المذكور هناك الإعادة # وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في ~~السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم # [الروم: 27] لأن الإعادة بقوله: " كن فيكون " فالقدرة هناك أظهر ~~وههنا المذكور الإبداء وهو أطوار وأحوال والعلم بكل حال حاصل فالعلم ~~ههنا أظهر ثم إن قوله تعالى: { وهو العليم القدير } فيه ~~تبشير وإنذار؛ لأنه إذا كان عالما بأحوال الخلق يكون عالما بأحوال ~~المخلوق فإن علموا خيرا علمه ثم إذا كان قادرا فإذا علم الخير أثاب، ~~وإذا علم الشر عاقب، ولما كان العلم بالأحوال قبل الإثابة والعقاب ~~اللذين هما بالقدرة (والعلم) قدم العلم، وأما الآية الأخرى فالعلم ~~بتلك الأحوال قبل العقاب فقال: { وهو العزيز الحكيم }. ### || [30.55-58] # قوله: { ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون } يحلف ~~المشركون " ما لبثوا " في الدنيا " غير ساعة " أي إلا ساعة، ~~لما ذكر الإعادة والإبداء ذكره بذكر أحوالها ووقتها. # قوله: " ما لبثوا " جواب قوله " يقسم " وهو على المعنى؛ إذا لو ~~حكى قولهم بعينه لقيل: ما لبثنا، والمعنى أنهم استقلوا أجل الدينا لما ~~عاينوا الآخرة. وقال مقاتل والكلبي: ما لبثوا في قبورهم غير ساعة كما ~~قال: # كأنهم يوم يرونها # [النازعات: 46] وقوله: # يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من ~~نهار # [الأحقاف: 35]. # قوله: " كذلك " أي مثل ذلك الإفك " كانوا يؤفكون " أي ~~يصرفون عن الحق في الدنيا، وقال الكلبي ومقاتل كذبوا في (قبورهم) قولهم ~~غير ساعة كما كذبوا في الدنيا أن لا بعث، والمعنى أن الله تعالى أراد ~~يفضحهم فحلفوا على شيء (يتبين) لأهل الجمع أنهم كاذبون، ثم ذكر ~~إنكار المؤمنين عليهم فقال: { وقال الذين أوتوا العلم ~~والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله } أي فيما كتب الله ~~لكم في سابق علمه في اللبث في القبور. وقيل: في كتاب الله في حكم ~~الله أي فيما وعد به في كتابه من الحشر والبعث فيكون " في كتاب الله " ~~متعلقا " بلبثتم " وقال مقاتل وقتادة: فيه تقديم وتأخير معناه ms7010 وقال ~~الذين أوتوا العلم بكتاب الله والإيمان لقد لبثتم إلى يوم البعث. # و " في " ترد بمعنى الباء [و] العامة على سكون عين " البعث " ~~والحسن بفتحها، وقرىء، بكسرها، فالمكسور اسم، والمفتوح مصدر. # قوله: { فهذا يوم البعث } في الفاء قولان: اظهرهما: أنها ~~عاطفة هذه الجملة على " لقد لبثتم ". # وقال الزمخشري هي جواب شرط مقدر كقوله: # 4046 - فقد جئنا خراسانا # كأنه قيل: إن صح ما قلتم إن " خراسان " أقصى ما يراد بكم وآن لنا أن ~~نخلص وكذلك إن كنتم منكرين فهذا يوم البعث، ويشير إلى البيت المشهور. # 4047 - قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا # قلنا القفول فقد جئنا خراسانا # قوله: " لا تعلمون " أي البعث أي ما يراد بكم (أو) لا يقدر له ~~مفعول أي لم يكونوا من أولي العلم وهو المنع. # فصل # اعلم أن الموعود بوعد إذا ضرب له أجل يستقل المدة ويريد تأخيرها، ~~فالمجرم إذا حشر علم أن مصيره (إلى النار يستقل مدة اللبث ~~ويختار تأخير الحشر والإبقاء في الإبقاء، والمؤمن إذا حشر علم أن ~~مصيره) إلى الجنة فيستكثر المدة ولا يريد تأخيرها فيختلف الفريقان ويقول ~~أحدهما: إن مدة لبثنا قليل وإليه الإشارة بقوله: { وقال الذين ~~أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله ~~إلى يوم البعث } ونحن صرنا إلى يوم البعث، وهذا يوم البعث { ~~ولكنكم كنتم لا تعلمون } وقوعه في الدنيا يعني أن طلبكم ~~(التأخير لأنكم كنتم لا تعلمون البعث ولا تعترفون به، فصار مصيركم إلى ~~النار فتطلبون التأخير ولا ينفعكم العلم به الآن. # قوله: " فيومئذ " أي إذ يشفع ذلك يقول الذين أثوتوا ~~العلم تلك المقالة " لا ينفع " هو الناصب ليومئذ قبله، وقرأ الكوفيون ~~هنا وفي غافر بالياء من تحت وافقهم نافع على ما في غافر؛ لأن التأنيث ~~مجازي ولأنه قد فصل أيضا والباقون بالتأنيث فيهما مراعاة للفظ. # قوله: { ولا هم يستعتبون } قال الزمخشري من قولك: ~~استعتبني فلان فأعتبته أي استرضاني فأرضيته، ~~وذلك إذا كان جانيا (عليه) وحقيقة " أعتبته " أزلت عتبه ألا ~~ترى إلى قوله: # 4048 - غضبت تميم أن تقتل عامر ms7011 # يوم النسار فأعتبوا بالصيلم # كيف جعلهم غضابا، ثم قال: " فأعتبوا " أي أزيل غضبهم، ~~والغضب في معنى العتب والمعنى لا يقال (لهم) أرضوا ربكم بتوبة وطاعة، ~~ومثله قوله تعالى: # فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون # [الجاثية: 35]. فإن قلت: كيف جعلوا غير مستعتبين في بعض الآيات ~~وغير معتبين في بعضها وهو قوله: # وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين # [فصلت: 24] قلت: أما كونهم غير مستعتبين فهذا معناه، وأما كونهم ~~غير معتبين فمعناه أنهم غير راضين بما هم فيه فشبهت حالهم بحال ~~قوم جني عليهم فهم عاتبون على الجاني غير راضين (منه) فإن يستعتبو ~~الله أي يسألون إزالة ما هم فيه فما هم من المجابين انتهى. وقال ابن ~~عطية ويستعتبون بمعنى يعتبون كما تقول يملك، ويستملك، والباب ~~في " استفعل " طلب الشيء وليس هذا منه؛ لأن المعنى كان يفسد إذ كان ~~المفهوم منه ولا يطلب منهم عتبى، قال شهاب الدين: وليس (هذا) ~~فاسدا لما تقدم في قول الزمخشري. # قوله: { ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل ~~مثل } وهذا إشارة إلى إزالة الأعذار والإتيان بما فوق الكفاية من ~~الإنذار وأنه لم يبق من جانب الرسول تقصير فإن طلبوا شيئا آخر فذاك ~~عناد محض لأن من كذب دليلا لا يصعب عليه تكذيب الدلائل بل لا ~~يجوز للمستدل أن يشرع في دليل آخر بعد ذكره دليلا جيدا مستقيما ~~ظاهرا لا إشكال عليه، وعانده الخصم لأنه إما أن يعترف بورود سؤال ~~الخصم عليه أو لا يعترف فإن اعترف يكون انقطاعا وهو يقدح في ~~الدليل والمستدل إما أن يكون الدليل فاسدا وإما أن المستدل جاهل بوجه ~~الدلالة والاستدلال وكلاهما لا يجوز الاعتراف (به) من العالم فكيف من ~~النبي عليه الصلاة والسلام وإن لم يعترف بكون الشروع في غيره يوهم أن ~~الخصم معاند فيحترز عن العناد في الثاني أكثر. # فإن قيل: فالأنبياء عليهم (الصلاة و) السلام ذكروا أنواعا من الدلائل، ~~فنقول سردوها سردا ثم فردوها فردا فردا (كما) يقول: الدليل عليه ~~من وجوه: الأول: كذا، والثاني: كذا، والثالث: كذا. ms7012 # وفي مثل هذا الواجب عدم الالتفات إلى عناد المعاند لأنه يريد تضييع ~~الوقت كي لا يتمكن المستدل من الإتيان بجميع ما وعد من الدليل ~~فتنحط درجته وإلى هذا أشار بقوله: { ولئن جئتهم بآية ~~ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون } ~~أي ما أنتم إلا على باطل، ووحد في قوله: " جئتهم " وجمع في قوله: " ~~إن أنتم " لنكتة وهي أنه تعالى أخبر في موضع آخر فقال: { ولئن ~~جئتهم بكل آية } أي جاءت بها الرسل فقال الكفار ما أنتم أيها ~~المدعون الرسالة (كلكم) إلا كذا. ### || [30.59-60] # قوله: { كذلك يطبع } أي مثل ذلك الطبع يطبع الله على ~~قلوب الذين لا يعلمون توحيد الله. # (فإن قيل: من لا يعلم شيئا أي فائدة في الإخبار عن الطبع على قلبه؟ # فالجواب:) معناه أن من لا يعلم الآن فقد طبع على قلبه من قبل، ثم إنه ~~تعالى سلى نبيه عليه (الصلاة و) السلام فقال: { فاصبر إن ~~وعد الله حق } في نصرتك وإظهارك على عدوك وتبيين صدقك. # قوله: { ولا يستخفنك الذين لا يوقنون } العامة من ~~الاستخفاف - بخاء معجمة وفاء - ويعقوب، وابن أبي إسحاق بحاء ~~مهملة وقاف من الاستحقاق. وابن أبي (عبلة) ويعقوب بتخفيف نون ~~التوكيد والنهي من باب: لا أرينك ههنا. # فصل # المعنى ولا يستجهلنك أي لا يجهلنك { الذين لا ~~يوقنون } على الجهل واتباعهم في البغي، وقيل: لا يستحقن رأيك ~~وحلمك الذين لا يؤمنون بالبعث والحساب، وهذا إشارة إلى وجوب ~~مداومة النبي - عليه السلام - على الدعاء إلى الإيمان، فإنه لو سكت ~~لقال الكافريون: إنه متقلب قابل الرأي لا ثبات له. # روى أبو أمامة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم: # " من قرأ سورة الروم كان له من الأجر عشر حسنات بعدد كل ~~ملك يسبح الله بين السماء والأرض وأدرك ما صنع في ~~يومه وليلته " # رواه في تفسيره والله أعلم (وأحكم). ### | [31 - سورة لقمان] ### || [31.1-7] # قوله تعالى: { الم تلك آيات الكتاب الحكيم } تلك إشارة ~~إلى غائب، والمعنى آيات القرآن (أي) آيات الكتاب الحكيم. والحكيم (قيل): ms7013 ~~فعيل بمعنى مفعل وهذا قليل. قالوا عقدت اللبن فهو ~~عقيد، (أو بمعنى فاعل) أو بمعنى ذي الحكمة أو أصله الحكيم قائله ~~(ثم) حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وهو الضمير المجرور، ~~فانقلب مرفوعا فاستتر في الصفة قاله الزمخشري، وهو حسن ~~الصناعة. # قوله: " هدى ورحمة " العامة على النصب على الحال من " آيات " ~~والعامل ما في اسم الإشارة من معنى الفعل او المدح. وحمزة بالرفع على ~~خبر مبتدأ مضمر وجوز بعضهم أن يكون " هدى " منصوبا على الحال رفع " رحمة ~~". قال: ويكون رفعها على خبر ابتداء مضمر، (وجوز بعضهم أن يكون هدى) ~~أي وهو رحمة وفيه بعد. # فصل # قال في البقرة: ذلك الكتاب، ولم يقل: " الحكيم " وههنا قال: " ~~الحكيم "؛ لأنه لما زاد ذكر وصف في الكتاب زاد ذكر أمر أحواله فقال ~~هدى ورحمة وقال هناك: " هدى للمتقين " ، فقوله: " هدى " (في مقابلة قوله: ~~" الكتاب " وقوله: " ورحمة " ) مقابلة قوله " الحكيم " ووصف الكتاب ~~بالحكيم على معنى ذو الحكمة كقوله تعالى: # في عيشة راضية # [الحاقة: 69] أي ذات رضا وقال هناك " للمتقين " وقال هنا: " ~~للمحسنين "؛ لأنه لما ذكر أنه هدى ولم يذكر شيئا آخر قال: " ~~للمتقين " أي يهدى (به) من يتقي من الشرك والعناد، وههنا زاد قوله: ~~" ورحمة " فقال: " للمحسنين "؛ لأن رحمة الله قريب من ~~المحسنين وقال تعالى: # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # [يونس: 26] فناسب زيادة قوله " ورحمة " ، ولأن المحسن يتقي، ~~(وزيادة). # قوله: " الذين يقيمون " صفة أبو بدل أو بيان لما قبله، أو منصوب أو ~~مرفوع على القطع وعلى كل تقدير فهو تفسير للإحسان. وسئل الأصمعي عن ~~الألمعي فأنشد: # 4049 - الألمعي الذي يظن بك الظن # ن كأن قد رأى وقد سمعا # يعني أن الألمعي هو الذي إذا ظن شيئا كان كمن رآه وسمعه كذلك المحسنون ~~هم الذين يفعلون هذه الطاعات ومثله وسئل بعضهم عن الهلوع فلم يزد أن تلا: ~~" إذا مسه الخير منوعا وإذا مسه الشر جزوعا ~~". # فصل # قال في البقرة: # الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة # [البقرة: 3] ولم يقل هنا: الذين يؤمنون بالغيب؛ لأن المتقي هو ~~التارك للكفر ويلزم ms7014 منه أن يكون مؤمنا، والمؤمن هو الآتي بحقيقة ~~الإيمان، ويلزمه أن لا يكون كافرا، فلما كان المتقي دالا على المؤمن ~~بالالتزام مدح بالإيمان هناك، ولما كان المحسن دالا على الإيمان ~~بالتنصيص لم يصرح بالإيمان. # وتقدم الكلام على نظير قوله: { الذين يقيمون الصلاة ~~ويؤتون الزكاة } إلى قوله: " المفلحون ". # قوله: { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } لما بين أن ~~القرآن كتاب حكيم يشتمل على آيات حكيمة بين حال الكفار أنهم ~~يتركون ذلك ويشتغلون بغيره. قال مقاتل والكلبي: نزلت في النضر ~~بن الحارث كان يتجر فيأتي الحيرة ويشتري أخبار العجم ويحدث بها ~~قريشا ويقول: إن محمدا يحدثكم بحديث عاد وثمود وأنا أحدثكم بحديث " ~~رستم، واسفنديار " ، وأخبار الأكاسرة فيستملحون حديثه ويتركون ~~استماع القرآن، فأنزل الله هذه الآية، وقال مجاهد: يعني شراء القيان ~~والمغنين، ووجه الكلام على هذا التأويل من يشتري ذات او ذا لهو ~~الحديث، قال عليه (الصلاة و) السلام: # " لا يحل (تعليم) المغنيات ولا بيعهن وأثمانهن حرام " # وفي مثل هذا نزلت الآية { ومن الناس من يشتري لهو ~~الحديث ليضل عن سبيل الله } وما من رجل يرفع صوته ~~بالغناء إلا بعث الله عليه شيطانين أحدهما على هذا المنكب والآخر ~~على هذا المنكب فلا يزالان يضربانه بأرجلهما حتى هو الذي يسكت قال ~~النحويون قوله: " لهو الحديث " من باب الإضافة بمعنى " من "؛ لأن ~~اللهو يكون حديثا وغيره فهو كباب، وهذا أبلغ من حذف المضاف. # قوله: " ليضل " (قرأه ابن كثير وأبو عمرو) بفتح حرف المضارعة، ~~والباقون بضمه لمن " أضل غيره " فمفعوله محذوف، وهو مستلزم ~~للضلال لأن من " أضل " فقد " ضل " من غير عكس، وقد تقدم ذلك في ~~إبراهيم. قال الزمخشري هنا: فإن قلت: القراءة بالرفع بينة لأن النضر كان ~~غرضه باشتراء اللهو أن يصد الناس عن الدخول في الإسلام واستماع القرآن ~~ويضلهم عنه، فما معنى القراءة بالفتح؟ قلت: معنيان: # أحدهما: ليثبت على ضلالة الذي كان عليه ولا يصدف ويزيد فيه ويمده ~~فإن المخذول كان شديد التمكن في عداوة الدين وصد الناس عنه. # الثاني: ان موضع " ليضل " (موضع) ms7015 من قبل أن من " أضل " كان ~~ضالا لا محالة، فدل بالرديف على المردوف. # فصل # روي عن عبد الله بن مسعود وابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير قالوا: (لهو) ~~الحديث هو الغناء، والآية نزلت فيه، ومعنى قوله: { من يشتري لهو ~~الحديث } أي يستبدل ويختار الغناء والمزامير والمعازف على القرآن، ~~وقال ابن جريح: هو الطبل، وقال الضحاك: وهو الشرك، وقال قتادة: حسب المرء ~~من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق. # قوله: " بغير علم " حال أن يشتري بغير علم بأحوال التجارة حيث اشترى ما ~~يخسر قيمة الدارين. # قوله: " ويتخذها " قرأ الأخوان وحفص بالنصب أي بنصب الذال ~~عطفا على " ليضل " وهو علة كالذي قبله. # والباقون بالرفع عطفا على " يشتري " فهو صلة، وقيل: الرفع على ~~الاستئناف من غير عطف على الصلة، والضمير المنصوب يعود على الآيات ~~المتقدمة أو السبيل لأنه يؤنث، أو الأحاديث الدال عليها الحديث ~~لأنه اسم جنس. # قوله: " أولئك لهم " حمل أولا على لفظ " من " فأفرد (ثم) على ~~معناها فجمع ثم على لفظها فأفرد في قوله: { وإذا تتلى عليه } ~~وله نظائر تقدم التنبيه عليها في المائدة عند قوله: # من لعنه الله وغضب عليه # [المائدة: 6]. قال أبو حيان: ولا نعلم جاء في القرآن ما حمل على اللفظ ~~ثم على المعنى ثم على اللفظ غير هاتين الآيتين، قال شهاب الدين: ووجد ~~غيرهما كما تقدم التنبيه عليه في المائدة. وقوله: " عذاب مهين " أي ~~دائم. # قوله: { وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا } ~~أي يشتري الحديث الباطل، ويأتيه الحق الصراح مجانا فيعرض عليه. # قوله: { كأن لم يسمعها } حال من فاعل " ولى " أو من ضمير " ~~مستكبرا " وقوله: { كأن في أذنيه وقرا } حال ثالثة ~~أو بدل مما قبلها، أو حال من فاعل " يسمعها " أو تبيين لما قبلها، ~~وجوز الزمخشري أن تكون جملة التنبيه استئنافيتين. # معنى { كأن لم يسمعها } شغل المتكبر الذي لا يلتفت إلى الكلام ويجعل ~~نفسه كأنها غافلة، وقوله: { كأن في أذنيه وقرا } أدخل في ~~الإعراض { فبشره بعذاب أليم } أي مؤلم، ووصفه أولا بأنه " ~~مهين " وهو إشارة ms7016 إلى الدوام فكأنه قال: " مؤلم دائم ". ### || [31.8-11] # قوله: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات... } الآية ~~لما بين حال المعرض عن سماع الآيات بين حال من يقبل على تلك الآيات ~~بأن لهم جنات النعيم. ولذلك عذاب مهين ووحد العذاب، وجمع الجنات إشارة ~~إلى أن الرحمة (واسعة أكثر من الغضب، ونكر " العذاب " وعرف " الجنات " ~~إشارة إلى أن الرحمة) تبين النعمة وتعرفها ولم يبين النعمة وإنما نبه ~~عليها تنبيها. # قوله: " خالدين " حال، وخبر " إن " الجملة من قوله: " لهم ~~جنات " والأحسن أن يجعل " لهم " هو الخبر وحده، و " جنات " ~~فاعل به، وقرأ زيد بن علي " خالدون " بالواو فيجوز أن يكون هو ~~الخبر والجملة أو الجار وحده حال، ويجوز أن يكون ( " خالدون " ) خبرا ~~ثانيا. # قوله: " وعد الله " مصدر مؤكد لنفسه؛ لأن قوله: " لهم جنات ~~" في معنى وعدهم الله ذلك، و " حقا " مصدر مؤكد لغيره، أي ~~لمضمون تلك الجملة الأولى، وعاملها مختلف، فتقدير الأولى وعد الله ذلك ~~وعدا، وتقدير الثاني: أحق ذلك حقا، واعلم أنه لم يؤكد " العذاب ~~المهين " , وأكد نعيم الجنات بقوله: { وعد الله حقا وهو ~~العزيز الحكيم } " العزيز " في اقتداره " الحكيم " في أفعاله. # قوله: { خلق السماوات بغير عمد } وهذا تبيين لقوته ~~وحكمته، وقد تقدم الكلام على نظيرها في الوعد. واعلم أن أكثر المفسرين ~~قال: إن السموات مبسوطة كصحف مستوية لقوله تعالى: # يوم نطوي السمآء كطي السجل للكتب # [الأنبياء: 104]. وقال بعضهم: إنها مستديرة وهو قول (جميع) المهندسين ~~والغزالي - رحمه الله - قال ونحن نوافقهم على ذلك فإن لهم عليها دليلا ~~من المحسوسات ومخالفة الحس لا يجوز وإن كان في الباب خبر نؤوله بما ~~يحتمله فضلا من (أن) ليس في القرآن والخبر مما يدل على ذلك صريحا بل ما ~~يدل عليه الاستدارة كقوله تعالى: # كل في فلك يسبحون # [الأنبياء: 33] " والفلك " اسم لشيء مستدير بل الواجب ان يقال: إن ~~السماء سواء كانت مستديرة أو صفحة مستقيمة هو مخلوق بقدر الله لا ~~بإيجاب وطبع (وتقدم) الكلام على نظير الآية إلى قوله: " كريم ". ~~والكريم الحسن، أو ذي كرم لأنه يأتي كثيرا ms7017 من غير حساب أو مكرم مثل ~~نقيص للمنقص. # قوله: { هذا خلق الله } يعني هذا الذي ذكرت مما يعاينون ~~خلق الله { فأروني ماذا خلق الذين من دونه } من آلهتكم ~~التي تعبدونها وتقدم " ماذا " الاستفهام في البقرة. { بل الظالمون ~~في ضلال مبين } أي بين، أو مبين للعاقل أنه ضلال، والمراد ~~بالظالمين المشركين الواضعين العبادة في غير موضعها. ### || [31.12-19] # قوله تعالى: { ولقد آتينا لقمان الحكمة } لقمان قيل: ~~أعجمي وهو الظاهر فمنعه للتعريف والعجمة الشخصية، وقيل: عربي مشتق من ~~اللقم وهو حينئذ مرجل لأنه لم يبق له وضع في النكرات ومنعه حينئذ ~~للتعريف وزيادة الألف والنون، والعامل في " إذ " مضمر. # قال ابن إسحاق لقمان هو ناعور بن ناحور بن تارخ، وهو آزر، وقال وهب ~~كان ابن أخت أيوب وقال مقاتل: ذكر أنه كان ابن خالة أيوب، وقال الواقدي: ~~كان قاضيا في بني إسرائيل واتفق العلماء على أنه كان حكيما ولم يكن ~~نبيا إلا عكرمة فإنه قال كان نبيا وانفرد بهذا القول وقال بعضهم ~~خير لقمان: بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة, وروي ~~أنه كان نائما نصف النهار فنودي يا لقمان: هل لك أن يجعلك الله ~~خليفة في الأرض فتحكم بين الناس بالحق فأجاب الصوت وقال: إن خيرني ~~ربي قبلت العافية ولم أقبل البلاء وإن عزم علي فسمعا وطاعة فإني أعلم ~~إن فعل بي ذلك أعانني وعصمني فقالت الملائكة بصوت لا يراهم لم يا ~~لقمان؟ قال: لأن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها يغشاه الظلم من كل مكان أن ~~يعن فبالحري أن ينجو وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة ومن يكن في الدنيا ذليلا ~~خير من أن يكون شريفا، ومن يختر الدنيا على الآخرة تغنه الدنيا ولا ~~يصيب الآخرة فتعجبت الملائكة من حسن منطقه فقام من نومه فأعطي الحكمة ~~فانتبه وهو يتكلم بها ثم نودي داود بعده فقبلها ولم يشترط ما اشترط ~~لقمان فهوى في الخطيئة غير مرة، كل ذلك بعفو الله عنه وكان لقمان ~~تؤازره الحكمة، قال خالد الربعي: كان لقمان عبدا حبشيا نجارا، وقال ~~سعيد بن المسيب: ms7018 كان خياطا، وقيل: كان راعي غنم، فروي أنه لقيه رجل ~~وهو يتكلم بالحكمة فقال: ألست فلانا الراعي فبم بلغت ما بلغت؟ ~~قال: بصدق الحديث، وأداء الأمانة وترك ما لا يعنيني، وقال مجاهد: كان ~~عبدا أسود عظيم الشفتين مشقق القدمين، وقال الحسن: ~~اعتزل لقمان الناس فنزل ما بين الرقة (وبيت) المقدس لا يخالطهم، وقال ~~أبو جعفر: كان لقمان الحبشي عبدا لرجل فجاء به إلى السوق ليبيعه ~~فكان كلما جاء إنسان يشتريه قال له لقمان: ما تصنع بي (فاعل فيقول: ~~أصنع بك كذا وكذا فيقول: حاجتي إليك أن لا تشتريني حتى جاء رجل ~~فقال له: ما تصنع بي) قال أصيرك بوابا على بابي فقال: أنت اشتري ~~فاشتراه وجاء به إلى جاره قال: وكان لمولاه ثلاث بنات يبغين في ~~القرية، وأراد أن يخرج إلى ضيعة له فقال له: إني أدخلت إليهن ~~طعامهن وما يحتجن إليه فإذا خرجت فأغلق الباب واقعد من ورائه ~~ولا تفتحه حتى أحضر قال: ففعل فخرجن إليه كما كن يخرجن فقلن ~~(له): افتح الباب فأبى (عليهن) فسجنه فغسل الدم وجلس، فلما قدم ~~مولاه لم يخبره (ثم عاد مولاه بعد ذلك فخرج إليه وقال: إني قد أدخلت ~~غليهن ما يحتجن إليه فلا تفتح الباب فأغلق الباب فجئن إليه فقلن له: افتح ~~الباب فأبى فشججنه ورجعن فغسل الدم وجلس فلما جاء مولاه لم يخبره) ~~قال: فقالت الكبرى: وما بال هذا العبد الحبشي أولى بطاعة الله - عز وجل - ~~مني والله لأتوبن فتابت، (وقالت) الصغرى: ما بال هذا العبد الحبشي ~~وهذه الكبرى أولى بطاعة الله - عز وجل - مني والله لأتوبن فتابت ~~فقالت الوسطى: ما بال هاتين وهذا العبد الحبشي أولى بطاعة الله مني ~~والله لأتوبن فتابت فتبن إلى الله تعالى وكن عوابد القرية فقال ~~غواة القرية ما بال هذا العبد الحبشي وبنات فلان أولى بطاعة الله - ~~عز وجل - منا فتابوا، وعن مكحول: أن لقمان كان عبدا حبشيا لرجل من ~~بني إسرائيل وكان مولاه يلعب بالنرد ويخاطر عليه، وكان على بابه ~~نهر جار فلعب يوما ms7019 بالنرد على أن من قهر صاحبه شرب الماء الذي في ~~البحر كله أو افتدى منه فقمر سيد لقمان فقال له القامر: اشرب ما في النهر ~~كله وإلا فافتديه فقال سلني الفداء فقال: عينيك أفقأهما أو جميع ~~ما تملك فقال: أمهلني يوما قال لك ذلك. # فأمسى كئيبا حزينا فكلمه لقمان فأعرض عنه فأعاد عليه القول فأعرض عنه ~~فقال أخبرني فلعل لك عندي فرجا فأخبره فقال: إذا قال لك الرجل اشرب ما ~~في النهر فقل له أشرب ما بين حفتي النهر أو المد (فإنه) يقول لك ما بين ~~حفتي النهر فقل له احبس عني المد حتى أشرب ما بين الحفتين فإنه لا يستطيع ~~وتكون قد خرجت مما ضمنته له فعرف الرجل أنه قد صدق فطابت نفسه، فلما أصبح ~~الرجل جاء فقال أوف لي شرطي فقال له نعم أشرب ما بين الضفتين أو المد ~~فقال ما بين الضفتين قال فاحبس عني المد قال كيف أستطيع فخصمه قال فأعتقه ~~مولاه فأكرمه الله تعالى وكان يختلف إلى داود - عليه السلام - يقتبس منه ~~فاختلف إليه سنة وداود يتخذ درعا يسأله ما هذا ولم يخبره داود حتى فرغ ~~منها ولبسها على نفسه فقال عند ذاك: الصمت حكمة. # فصل # لما بين الله تعالى فساد اعتقاد المشركين في عبادة من لا يخلق ~~شيئا بقوله: # هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه # [الروم: 11] بين أن المشرك ظالم ضال ذكر ما يدل على أن ضلالهم وظلمهم ~~نقيض الحكمة إن لم يكن هناك نبوة وذكر حكاية لقمان فقال: { ولقد ~~آتينا لقمان الحكمة }. # (والحكمة) عبارة عن توفيق العمل بالعلم، فإن أريد تحديدها بما يدخل ~~فيه حكمة الله فنقول: حصول العلم على وفق المعلوم. # قوله: " أن اشكر " هذه " أن " المفسرة، فسر الله إيتاء الحكمة ~~بقوله: { أن اشكر لله } ثم بين أن الشكر لا يشفع إلا الشاكر ~~بقوله: { ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه } وبين أن من ~~كفر لا يتضرر غير الكافر، فقال: { ومن كفر فإن الله غني ~~حميد } أي غير محتاج إلى شكره، ms7020 وقدم الشكر على الكفران ههنا وقال ~~في الروم: # من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم ~~يمهدون # [الروم: 44] لأن الذكر في الروم كان للترهيب ولذلك قال: # يأتي يوم لا مرد له # [الروم: 43] فقدم التخويف، وههنا الذكر للترغيب؛ لأن وعظ الأب للابن ~~يكون بطريق اللطف والوعد. # قوله: { وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه } هذا عطف على ~~ما تقدم والتقدير آتينا لقمان الحكمة حين جعلناه شاكرا في نفسه، وحين ~~جعلناه واعظا لغيره. # قوله: " يا بني " قرأ ابن كثير بإسكان الياء وفتحها حفص والباقون ~~بالكسر { لا تشرك بالله } بدأ في الوعظ بالأهم وهو المنع من ~~الإشراك وقال: { إن الشرك لظلم عظيم } ، أما أنه ظلم فلأنه ~~وضع النفس الشريفة المكرمة في عبادة الخسيس، فوضع العبادة في غير موضعها. # قوله: { ووصينا الإنسان بوالديه } لما منعه من العبادة ~~لغير الله والخدمة قريب منها في الصورة بين أنها غير ممتنعة بل هي واجبة ~~لغير الله (في بعض الصور) كخدمة الأبوين ثم بين السبب فقال: " حملته ~~أمه " يعني لله على العبد نعمة الابتداء بالخلق ونعمة الإبقاء بالرزق ~~أي صارت بقدرة الله سبب وجود فإنها حملته وبرضاه حصل التربية والبقاء. # قوله: { وهنا على وهن } يجوز أن ينتصب على الحال من (أمه) ~~أي ضعفا على ضعف. وقال ابن عباس: شدة عل شدة، وقال مجاهد: مشقة بعد ~~مشقة وقال الزجاج: المرأة إذا حملت توالى عليها الضعف والمشقة، ~~وقيل: الحمل ضعف والوضع ضعف، وقيل: منصوب على إسقاط الخافض أي في وهن. ~~قال أبو البقاء: " وعلى وهن " صفة له " لوهنا ". وقرأ الثقفي وأبو ~~عمرو - في رواية - وهنا على وهن - بفتح الهاء فيهما - فاحتمل أن ~~تكونا لغتين كالشعر والشعر، واحتمل أن يكون المفتوح مصدر " ~~وهن " بالكسر يوهن وهنا. # قوله: " وفصاله " قرأ الجحدري وقتادة وأبو رجاء والحسن " ~~وفصله " دون ألف - أي وفطامه في عامين. # فإن قيل: وصى الله بالوالدين، وذكر السبب في حق الأم مع أن الأب وجد منه ~~الحشر من الأم لأنه حمله في صلبه سنين ورباه بكسبه سنين فهو أبلغ. # فالجواب: أن المشقة ms7021 الحاصلة للأم أعظم فإن الأب حمله خلفة لكونه من ~~جملة جسده، والأم حملته ثقلا آدميا مودع فيها وبعد وضعه وتربيته ~~ليلا ونهارا وبينهما ما لا يخفى من المشقة. # قوله: " أن اشكر " في " أن " وجهان: # أحدهما: أنها مفسرة. # والثاني: أنها مصدرية في محل نصب ب " وصينا " قاله الزجاج، لما كان ~~الوالدان سبب وجود الولد والموجد في الحقيقة للولد والوالدين هو الله ~~أمر بأن يشكر قبلهما. ثم بين الفرق فقال " إلي المصير " أي ~~المرجع، قال سفيان بن عيينة في هذه الآية من صلى الصلوات الخمس فقد شكر ~~الله، ومن دعا للوالدين في أدبار الصلوات الخمس فقد شكر ~~الوالدين. # قوله: { وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به ~~علم فلا تطعهما } يعني أن خدمتهما واجبة، وطاعتهما لازمة ما لم ~~يكن فيها ترك طاقة الله فإن أفضى إليه فلا تطعهما، وتقدم تفسير الآية ~~في العنكبوت. وقوله: " معروفا " صفة لمصدر محذوف أي صحابا ~~معروفا وقيل: الأصل: بمعروف. # قوله: { واتبع سبيل من أناب إلي } أي دين من أقبل إلى ~~طاعتي وهو النبي - صلى الله عليه وسلم - قال عطاء عن ابن عباس: يريد: أبا ~~بكر، وذلك انه حين أسلم أتاه عثمان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص ~~وعبد الرحمن بن عوف وقالوا له: (لقد) صدقت هذا الرجل وآمنت به قال ~~نعم هو صادق فآمنوا ثم حملهم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى ~~أسلموا وهؤلاء لهم سابقة الإسلام أسلموا بإرشاد أبي بكر قال الله ~~(تعالى): { واتبع سبيل من أناب إلي } يعني أبا بكر. # قوله: " إلي " متعلق " بأناب " ثم " إلي " متعلق بمحذوف لأنه خبر ~~" مرجعكم " فأنبئكم بما كنتم تعملون. قيل: نزلت هاتان ~~الآيتان في سعد بن أبي وقاص وأمه، وقيل: الآية عامة. # قوله: { يبني إنهآ } هذا الضمير يرجع إلى الخطيئة، وذلك أن ~~ابن لقمان قال لأبيه: يا أبت إن عملت الخطيئة حيث لا يراني أحد كيف ~~يعلمها (الله)؟ فقال: { يبني إنهآ إن تك مثقال حبة ~~من خردل }. قوله: " إن تك " الضمير ضمير القصة، والجملة ~~الشريطة مفسرة ms7022 (للضمير)، وتقدم أن نافعا يقرأ مثقال بالرفع على أن ~~كان تامة وهو فاعلها وعلى هذا فيقال: لم ألحقت فله تاء التأنيث؟ قيل: ~~لإضافته إلى مؤنث؛ ولأنه بمعنى " زنة حبة " ، وجوز الزمخشري في ~~ضمير " إنها " أن تكون للحبة من السيئات والإحسان في قراءة من نصب " ~~مثقال ". وقيل: الضمير يعود على ما يفهم من سياق الكلام أي إن التي ~~سألت عنها (إن تك)، قال المفسرون: إنه سأل أباه أرأيت الحبة تقع ~~في مغاص البحر يعلمها الله؟. # قوله: " فتكن " الفاء لإفادة الاجتماع يعني إن كانت صغيرة ومع صغرها ~~تكون خفية في موضع حريز كالصخرة لا تخفى على الله لأن الفاء ~~للاتصال بالتعقيب وقرأ عبد الكريم الجحدري " فتكن " بكسر الكاف، ~~وتشديد النون مفتوحة أي فتستقر. # وقرأ محمد بن أبي محمد البعلبكي: فتكن، إلا ~~أنه مبني للمجهول، وقتادة " فتكن " بكسر الكاف وتخفيف النون مضارع ~~" وكن " أي استقر في وكنه ووكره. # فصل # الصخرة لا بد وأن تكون في السموات أو في الأرض فما الفائدة من ذكرها؟ ~~قال بعض المفسرين المراد بالصخرة صخرة عليها الثور وهي لا في الأرض ~~ولا في السماء، (وقال الزمخشري: فيه إضمار تقديره إن تكن في صخرة أو ~~في موضع آخر في السموات أو في الأرض). وقيل: هذا من تقديم الخاص ~~وتأخير العام، وهو جائز في مثل هذا التقسيم، وقيل: خفاء الشيء يكون بطرق ~~منها أن يكون في غاية الصغر، هذه الأمور فلا يخفى في العادة فأثبت ~~الله الرؤية والعلم مع انتفاء الشرائط فقوله: { إن تك مثقال حبة من ~~خردل } إشارة إلى الصغر، وقوله: { تكن في صخرة } إشارة (إلى ~~الحجاب، وقوله: " في السموات " إشارة إلى البعد، فإنها أبعد ~~الأبعاد، وقوله: " أو في الأرض " إشارة) إلى الظلمة فإن جوف الأرض ~~أظلم الأماكن، وقوله: { يأت بها الله } أبلغ من قول القائل: ~~يعلمه الله لأن من يظهر له شيء (ولا يقدر على إظهاره لغيره يكون حاله في ~~العلم دون حال من يظهر له الشيء) ويظهره لغيره فقوله: { يأت ~~بها الله } أي يظهرها (للإشهار) { إن الله لطيف ms7023 } نافذ ~~القدرة، " خبير " عالم ببواطن الأمور، روي في بعض الكتب أن هذه آخر ~~كلمة تكلم بها لقمان فانشقت مرارته من هيبتها فمات، قال الحسن: ~~معنى الآية هو الإحاطة بالأشياء صغيرها وكبيرها. # قوله: { يبني أقم الصلاة } لما منعه من الشرك وخوفه بعلم ~~الله وقدرته أمره بما يلزم من التوحيد وهو الصلاة وهي العبادة لوجه الله ~~مخلصا وبهذا يعلم أن الصلاة كانت في سائر الملل غير أن هيئاته اختلفت. ~~وقوله: { وأمر بالمعروف وانه عن المنكر } أي إذا ~~كملت أنت في نفسك بعبادة الله فكمل غيرك فإن شغل الأنبياء رتبتهم عن ~~العلماء هو أن يكملوا في أنفسهم ويكملوا غيرهم { واصبر على مآ ~~أصابك } يعني من الأذى لأن من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يؤذى ~~فأمره بالصبر عليه. # فإن قيل: كيف قدم (في) وصيته لابنه الأمر بالمعروف على النهي عن المنكر ~~وحين أمر ابنه قدم النهي عن المنكر على الأمر بالمعروف فقال: { لا ~~تشرك بالله } ثم قال: " أقم الصلاة "؟. # فالجواب: أنه كان يعلم أن ابنه معترف بوجود الإله فما أمره بهذا ~~المعروف بل نهاه عن المنكر الذي يترتب على هذا المعروف، وأما ابنه فأمره ~~أمرا مطلقا والمعروف يقدم على المنكر. # قوله: { من عزم الأمور } يجوز أن يكون عزم بمعنى مفعول أي من ~~معزومات الأمور أو بمعنى عازم كقوله: # فإذا عزم الأمر # [محمد: 21] وهو مجاز بليغ، وزعم المبرد أن العين تبدل حاء فيقال " ~~حزم، وعزم " والصحيح أنهما مادتان مختلفتان اتفقا في المعنى، والمراد ~~من الآية أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على الأذى (فيهما) ~~من الأمور الواجهة التي أمر الله تعالى بها ويعزم عليها لوجوبها. # قوله: " ولا تصعر " قرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم " تصاعر ~~" بألف وتخفيف العين، والباقون بالألف وتشديد العين، والرسم يحتملهما، ~~فإنه رسم بغير ألف، وهما لغتان لغة الحجاز التخفيف وتميم التثقيل فمن ~~التثقيل قوله: # 4050 - وكنا إذا الجبار صعر خده # أقمنا له من ميله فيقوم # ويقال أيضا: تصعر، قال: # 4051 -........................... # أقمنا له من خده المتصعر # وهو من الميل، وذلك أن ms7024 المتكبر يميل بخده تكبرا كقوله # ثاني عطفه # [الحج: 9]. قال أبو عبيدة: أصله من الصعر داء يأخذ الإبل في أعناقها ~~فتميل وتلتوي؛ يقال: صعر وجهه وصاعر إذا مال وأعرض تكبرا، ~~ورجل أصعر أي مائل العنق، وتفسير اليزيدي له بأنه التشدق في ~~الكلام لا يوافق الآية هنا، قال ابن عباس: يقول لا تتكبر فتحتقر الناس ~~وتعرض عنهم وجهك إذا كلموك، وقال مجاهد: هو الرجل يكون بينك وبين إحنة ~~فتلقاه فيعرض عنك بوجهه، وقال عكرمة: هو الذي إذا سلم عليه لوى عنقه ~~تكبرا، وقال الربيع بن أنس وقتادة ولا تحتقر الفقراء ليكون الغني ~~والفقير عندك سواء، واعلم أنه لما أمره بأن يكون كاملا في نفسه مكملا ~~لغيره فكان يخشى بعدها من أمرين: # أاحدهما: التكبر على الغير لكونه مكملا له. # والثاني: التبختر في المشي لكونه كاملا في نفسه فقال: { ولا ~~تصعر خدك } تكبرا { ولا تمش في الأرض مرحا } أي ~~خيلاء { إن الله لا يحب كل مختال } في نفسه " ~~فخور " على الناس بنفسه. # قوله: " واقصد " (هذا قاصر) بمعنى اقتصد واسلك الطريقة الوسطى ~~بين ذلك قواما أي ليكن مشيك قصدا لا تخيلا ولا إسراعا. وقال عطاء: ~~امش بالوقار والسكينة لقوله: # يمشون على الأرض هونا # [الفرقان: 63]. # (وقرىء) " وأقصد " بهمزة قطع من أقصد إذا سدد سهمه ~~للرمية. # قوله: { واغضض من صوتك } من تبعيضيه، وعند الأخفش يجوز أن ~~تكون زائدة، ويؤيده قوله # يغضون أصواتهم # [الحجرات: 3]. وقيل: " من صوتك " صفة لموصوف محذوف أي شيئا من صوتك، ~~وكان الجاهلية يتمدحون برفع الصوت، قال: [من المتقارب]: # 4052 - جهير الكلام جهير العطاس # جهير الرواء جهير النعم # والمعنى أنقص من صوتك، وقال مقاتل: اخفض من صوتك. # فإن قيل: لم ذكر المانع من رفع الصوت ولم يذكر المانع من سرعة المشي؟. # فالجواب: أن رفع الصوت يؤذي السامع ويقرع الصماخ بقوته، وربما يخرق ~~الغشاء الذي داخل الأذن، وأما سرعة المشيء فلا تؤذي وإن أذت فلا يؤذي ~~غير من في طريقه والصوت يبلغ من على اليمين وعلى اليسار ولأن اللمس يؤذي ~~آلة اللمس والصوت يؤذي آلة السمع، ms7025 وآلة السمع على باب القلب فإن الكلام ~~ينتقل من السمع إلى القلب ولا كذلك اللمس وأيضا فلأن قبيح القول أقبح ~~من قبيح الفعل وحسنه أحسن لأن اللسان ترجمان القلب. # قوله: " إن أنكر " قيل: أنكر مبني من مبني للمفعول نحو: " ~~أشغل من ذات النحيين " ، وهو مختلف فيه ووحد " صوت " لأنه ~~يراد به الجنس ولإضافته لجمع، وقيل: يحتمل أن يكون " أنكر " من باب " ~~أطوع له من بنانه " ومعناه أشد طاعة. فإن " أفعل " لا يجيء (في) " ~~مفعل ولا في " مفعول " ولا في باب العيوب إلا ما شذ كقولهم " ~~أطوع من كذا " للتفضيل على مطيع و " أشغل من ذات ~~النحيين " و " أحمق (من فلان " ) من باب العيوب، وعلى هذا ~~فهو من باب " أفعل " كأشغل في باب مفعول فيكون للتفضيل على ~~المنكر. أو نقول هو من باب " أشغل " مأخوذ من نكر الشيء فهو ~~منكور، وهذا أنكر منه، وعلى هذا فله معنى لطيف وهو أن كل حيوان ~~قد يفهم من صوته بأنه يصيح من ثقل أو تعب كالبعير أو لغير ذلك والحمار ~~لو مات تحت الحمل لا يصيح ولو قتل لا يصيح وفي بعض أوقات عدم الحاجة يصيح ~~وينهق بصوت منكر (فيمكن) أن يقال: هو من نكير كأحد من حديد. # فإن قيل: كيف يفهم كونه أنكر الأصوات مع أن حز المنشار بالمبرد ودق ~~النحاس بالحديد أشد صوتا؟!. # فالجواب من وجهين: # الأول: أن المراد أنكر أصوات الحيوانات صوتا الحمير فلا يرد السؤال. # الثاني: أن الآمر بمصلحة وعبادة لا ينكر صوته بخلاف صوت (الحمير). # فصل # قال مقاتل: اخفض من صوتك { إن أنكر الأصوات } أقبح ~~الأصوات { لصوت الحمير } أوله زفير، وآخره شهيق وهما صوت (أهل ~~النار) وقال موسى بن أعين سمعت سفيان الثوري يقول في قوله تعالى: { إن ~~أنكر الأصوات لصوت الحمير } قال صياح كل شيء تسبيح لله ~~تعالى إلا الحمار وقال جعفر الصادق في قوله تعالى: { إن أنكر ~~الأصوات لصوت الحمير } قال: هي العطسة القبيحة المنكرة، قال ~~وهب تكلم لقمان اثني عشر ألف كلمة من الحكمة أدخلها الناس ms7026 في ~~كلامهم ومن حكمه: قال خالد الربعي كان لقمان عبدا حبشيا فدفع (له) ~~مولاه إليه شاة فقال اذبحها فأتني بأطيب مضغتين منها فأتاه ~~باللسان والقلب فسأله مولاه فقال: ليس شيء أطيب منهما إذا طابا ~~ولا أخبث منهما إذا خبثا. ### || [31.20-26] # قوله تعالى: { ألم تروا أن الله سخر لكم... } الآية ~~(أي) سخر لأجلكم ما في السماوات والقمر والنجوم مسخرات بأمره وفيها ~~الفوائد لعباده وسخر ما في الأرض لأجل عباده. # قوله: { وأسبغ عليكم نعمه } قرأ نافع وأبو عمرو ~~وحفص (نعمه) جمع نعمة مضافا لها الضمير " فظاهرة " حال ~~منها، والباقون " نعمة " بسكون العين، وتنوين تاء التأنيث، اسم جنس ~~يراد به الجمع كقوله: # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها # [إبراهيم: 34] و [النحل: 18] فظاهرة (نعت) لها، وقرأ ابن عباس ويحيى بن ~~عمارة " وأصبغ " بأبدال السين صادا وهي لغة كلب، يفعلون ذلك مع ~~الغين والخاء والقاف، وتقدم نظير هذه الجمل كلها في البقرة. # فصل # قال عكرمة عن ابن عباس النعمة الظاهرة الإسلام، والقرآن، والباطنة ما ~~ستر عليك من الذنوب، ولم يعجل عليك بالنقمة، وقال الضحاك: الظاهرة حسن ~~الصورة وتسوية الأعضاء، والباطنة المعرفة، وقال مقاتل: الظاهرة تسوية ~~الخلقة، والرزق، والإسلام والباطنة: ما ستر عليك من الذنوب وقال ~~الربيع الظاهرة الجوارح، والباطنة القلب، وقيل:الظاهرة تمام الرزق ~~والباطنة حسن الخلق، وقال عطاء: الظاهرة تخفيف الشرائع، والباطنة ~~الشفاعة، وقال مجاهد: الظاهرة ظهور الإسلام والنصر على الأعداء والباطنة ~~الإمداد بالملائكة، وقيل: الظاهرة الإمداد بالملائكة والباطنة إلقاء ~~الرعب في قلوب الكفار، وقال سهل بن عبد الله: الظاهرة: ~~اتباع الرسول والباطنة محبته. # قوله: { ومن الناس من يجادل في الله (بغير علم } ~~نزلت في النضر بن الحرث، وأبي بن خلف وأشباههم كانوا يجادلون النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -) وفي صفاته { بغير علم ولا هدى ولا ~~كتاب منير } أي بغير هدى أرسلناه إليه (وحيا ولا بكتاب ~~يتلى عليه وعظا) { وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل ~~الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آبآءنا } بين ~~أن مجادلتهم مع كونها من غير علم فهي في غاية القبح، ms7027 فإن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يدعوهم إلى كلام الله وهم يأخذون بكلام آبائهم ~~وبين كلام الله وكلام العلماء بون عظيم فكيف ما بين كلام الله وكلام ~~الجهال؟ ثم قال: { أولو كان الشيطان يدعوهم إلى ~~عذاب السعير } ، جواب " لو " محذوف ومجازه: يدعوهم فيتبعونه أي ~~يتبعون الشيطان وإن كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير، والمعنى أن الله ~~يدعوهم إلى الثواب، والشيطان يدعوهم إلى العذاب وهم مع هذا يتبعون ~~(الشيطان) وقد تقدم الكلام على " أو لو " ونحوه. # قوله: { ومن يسلم وجهه إلى الله } قرأ علي ~~(والسلمي) " يسلم " بالتشديد، لما بين حال المشرك والمجادل في ~~الله بين حال المستسلم المسلم لأمر الله وقوله: " وهو محسن " أي ~~لله يعني يخلص دينه لله ويفوض أمره إليه وهو محسن في عمله { فقد ~~استمسك بالعروة الوثقى } أي اعتصم بالعهد الأوثق الذي لا ~~يخاف انقطاعه لأن أوثق العرى جانب الله، فإن كل ما عداه هالك منقطع وهو ~~باق لا انقطاع له { وإلى الله عاقبة الأمور } يعني فقد ~~استمسك بالعروة التي توصله إلى الله لأن عاقبة كل شيء إليه. # فإن قيل: كيف قال ههنا: { ومن يسلم وجهه إلى الله } ~~(فعداه " بإلى " وقال في البقرة: # بلى من أسلم وجهه لله # [البقرة: 112]) فعداه باللام؟ فقال الزمخشري: أسلم لله أي إلى ~~الله يعني أن " أسلم " يتعدى تارة " باللام " ، وتارة " بإلى " كما ~~يتعدى " أرسل " تارة باللام, وتارة " بإلى " قال تعالى: # وأرسلناك للناس # [النساء ": 79] وقال: # كمآ أرسلنآ إلى فرعون رسولا # [المزمل: 15] ثم قال: { ومن كفر فلا يحزنك كفره ~~إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا } (لما بين حال ~~المسلم رجع إلى بيان حال الكافر وقال: { ومن كفر فلا يحزنك } ) ~~أي لا تحزن إذا كفر كافر، فإن من يكذب وهو مقطوع بأن صدقه بين عن قرب ~~لا تحزن بل قد يتوب المكذب عن تكذيبه، وأما إذا كان لا يرجو ظهور صدقه ~~فإنه يتألم من التكذيب فقال: { فلا يحزنك كفره } فإن المرجع ~~إلي " فأنبئهم بما عملوا " فينخجلون ثم قال { إن الله ~~عليم بذات الصدور } أي لا يخفى ms7028 عليه سرهم وعلانيتهم ~~فينبئهم بما أسرته صدورهم. # قوله: " نمتعهم قليلا " أي نمهلهم ليتمتعوا بنعم الدنيا ~~قليلا إلى انقضاء آجالهم " ثم نضطرهم " نلجئهم ونردهم في الآخرة { ~~إلى عذاب غليظ } وهو عذاب النار. # قوله: { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله... } الآية لما استدل بخلق السموات بغير عمد، ~~وبنعمه الظاهرة والباطنة بين أنهم يعترفون بذلك ولا ينكرونه وهذا يقتضي ~~أن الحمد كله لله لأن خالق السماوات والأرض محتاج إليه كل من في ~~السماوات والأرض، وكون الحمد كله لله يقتضي أن لا يعبد غيره لكنهم لا ~~يعلمون هذا، ووجه آخر وهو أن الله تعالى لما سلى قلب النبي - عليه ~~السلام - بقوله: { فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم ~~فننبئهم بما عملوا } أي لا تحزن على تكذيبك فإن صدقك ~~وكذبهم يتبين عن قريب وهو رجوعهم إلينا بل لا يتأخر إلى ذلك اليوم بل ~~يتبين قبل يوم القيامة بأنهم يعترفون بأن خالق السموات والأرض هو الله، ~~ثم قال في دعوى الوحدانية وتبيين كذبهم في الشرك { قل الحمد ~~لله } على (ظهور) صدقك وكذبهم { بل أكثرهم لا يعلمون } ~~أي ليس لهم علم يمنعهم من تكذيبك مع اعترافهم بما يوجب تصديقك، وعلى هذا ~~يكون " لا يعلمون " استعجالا للفعل مع القطع عن المفعول بالكلية، ~~كما يقال: فلان يعطي ويمنع ولا يكون ضميره من يعطي بل يريد أن ~~له عطاء ومعا فكذلك ههنا قال: " لا يعلمون " أي ليس لهم علم، ~~وعلى الأولى يكون " لا يعلمون " (له مفعول مفهوم) وهو أنهم لا يعلمون أن ~~الحمد كله لله وعلى الثاني هو كقول القائل: فلان لا علم له بكذا. # قوله: لا علم له وكذا قوله: فلان لا ينفع زيدا ولا يضره دون قوله: " ~~فلان لا يضر ولا ينفع ". # قوله تعالى: { لله ما في السماوات والأرض } ذكر ما يلزم ~~منه وهو أن يكون له ما فيهما { إن الله هو الغني الحميد ~~} أي إن الكل لله وهو غير محتاج إليه غير منتفع به وخلق منافعها لكم، فهو ~~غني لعدم حاجته " حميد " مشكور (لدفعه) حوائجكم بها. ### || [31.27-32] ms7029 # قوله: { ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام... } ~~الآية. لما قال: لله ما في السماوات والأرض أوهم تناهي ملكه لانحصار ما ~~في السموات والأرض فيهما وحكم العقل الصريح بتناهيهما بين أن في قدرته ~~وعلمه عجائب لا نهاية لها فقال: { ولو أنما في الأرض من ~~شجرة أقلام } يكتب بها والأبحر مداد لا تغني عجائب صنع الله، قال ~~المفسرون نزل بمكة قوله تعالى: # ويسألونك عن الروح # [الإسراء: 85]، إلى قوله: # ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا # [الأسراء: 85] فلما هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " أتاه أحبار اليهود فقالوا يا محمد: بلغنا أنك تقول: وما أوتيتم من ~~العلم إلا قليلا، أفعنيتنا أم قومك؟ فقال - عليه السلام -: ~~كلا قد عنيت. قالوا: ألست تتلو فيما جاءك إنا أوتينا التوراة وفيها علم ~~كل شيء؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هي في علم الله قليل، ~~وقد أتاكم ما إن عملتم به انتفعتم قالوا يا محمد: كيف تزعم هذا وأنت ~~تقول: { ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا } ~~فكيف يجمع هذا علم قليل وخير كثير " # ؟ فأنزل الله هذه الآية. وقال قتادة: إن المشركين قالوا: إن القرآن وما ~~يأتي به محمد يوشك أن ينفد فينقطع فنزلت: { ولو أنما في ~~الأرض من شجرة أقلام }. ووحد الشجرة، وجمع الأقلام ولم ~~يقل: ولو أن ما في الأرض من الأشجار أقلام ولم يقل من شجرة قلم إشارة ~~إلى التكثير يعني لو أن بعدد كل شجرة أقلاما, قال الزمخشري: # فإن قلت: لم قيل: من شجرة بالتوحيد؟ قلت: أريد تفصيل الشجرة وتقصيها ~~شجرة شجرة حتى لا يبقى من جنس الشجر واحدة إلا قد بريت أقلاما. قال ~~أبو حيان: وهو من وقوع المفرد موقع الجمع والنكرة موضع المعرفة كقوله: # ما ننسخ من آية أو ننسها # [البقرة: 106] # قال شهاب الدين: وهذا يذهب بالمعنى الذي أبداه الزمخشري. # قوله: " والبحر " قرأ أبو عمرو بالنصب، والباقون بالرفع، فالنصب من ~~وجهين: # أحدهما: العطف على اسم " أن " أي ولو أن البحر، و " يمده " ~~الخبر. # والثاني: النصب بفعل مضمر يفسره " يمده ms7030 ". والواو حينئذ للحال، والجملة ~~حالية، ولم يحتج إلى ضمير رابط بين الحال وصاحبها للاستغناء عنه بالواو، ~~والتقدير: ولو أن الذي في الأرض حال كون البحر ممدودا بكذا. ~~وأما الرفع، فمن وجهين: # أحدهما: العطف على " أن " وما في حيزها، وقد تقدم في " أن " الواقعة ~~بعد " لو " مذهبان مذهب سيبويه الرفع على الابتداء، ومذهب المبرد على ~~الفاعلية بفعل مقدر وهما عائدان هنا. فعلى مذهب سيبويه يكون تقدير العطف ~~ولو أن البحر، إلا أن أبا حيان قال: إنه لا يلي المبتدأ اسما صريحا ~~إلا في ضرورة كقوله: # 4053 - لو بغير الماء حلقي شرق # ............................... # وهذا القول يؤدي إلى ذلك، ثم أجاب بأنه يغتفر في المعطوف عليه كقولهم: " ~~رب رجل وأخيه يقولان ذلك " وعلى مذهب المبرد يكون ~~تقديره ولو ثبت البحر، وعلى التقديرين يكون " يمده " جملة حالية من ~~البحر. # والثاني: أن " البحر " مبتدأ (ويمده) الخبر والجملة حالية كما تقدم في ~~جملة الاشتغال، والرابط الواو، وقد جعله الزمخشري سؤالا وجوابا وأنشد: # 4054 - وقد أغتدي والطير في وكناتها # ............................. # و " من شجرة " حال، إما من الموصول، أو من الضمير المستتر في ~~الجار الواقع صلة، و " أقلام " خبر " أن " ، قال أبو حيان: وفيه ~~دليل على من يقول كالزمخشري ومن تعصب له من العجم على أن خبر أن ~~الواقعة بعد " لو " لا يكون اسما البتة لا جامدا ولا مشتقا بل يتعين ~~أن يكون فعلا وهو باطل وأنشد: # 4055 - ولو نها عصفورة لحسبتها # مسومة تدعو عبيدا وأزنما # وقال: # 4056 - ما أطيب العيش لو أن الفتى حجر # تنبو الحوادث عنه وهو ملموم # وقال: # 4057 - ولو أن حيا فائت الموت فإنه # أخو الحرب فوق القارح العدوان # قال: وهو كثير في كلامهم، قال شهاب الدين: وقد تقدم أن هذه الآية ~~ونحوها يبطل ظاهر قول المتقدمين في " لو " أنها حرف امتناع لامتناع إذ ~~يلزم محذور عظيم وهو أن ما بعدها إذا كان مثبتا لفظا فهو مثبت ~~معنى وبالعكس، وقوله: ما نفدت منفي لفظا فلو كان مثبتا معنى فسد ~~المعنى، فعليك بالالتفات إلى أول البقرة. وقرأ ms7031 عبد الله: " وبحر " ~~بالتنكير وفيه وجهان معروفان، وسوغ الابتداء بالنكرة وقوعها بعد واو ~~الحال وهو معدود من مسوغات الابتداء بالنكرة، وأنشدوا: # 4058 - سرينا ونجم قد أضاء فمذ بدا # محياك أخفى ضوؤه كل شارق # وبهذا يظهر فساد قول من قال: إن في هذه القراءة يتعين (القول بالعطف على ~~" أن " كأنه يوهم أنه ليس ثم مسوغ، وقرأ عبد الله وأبي " ~~تمده " بالتأنيث لأجل " سبعة " والحسن، وابن هرمز، وابن ~~مصرف " يمده " بالياء من تحت مضمومة وكسر الميم من أمده ~~وقد تقدم اللغتان في آخر الأعراف وأوائل البقرة، والألف واللام في البحر ~~لاستغراق الجنس أي (وكل) بحر مداد. # فصل # المعنى والبحر يمده، أي يزيده، وينصب فيه من بعده أي من بعد خلقه ~~سبعة أبحر، وهذا إشارة إلى بحار غير موجودة يعني لو مدت البحار ~~الموجودة سبعة أبحر أخرى، وقوله: " سبعة " ليس لانحصارها في سبعة وإنما ~~الإشارة إلى المدد والكثرة، ولو بألف بحر، وإنما خصت السبعة بالذكر ~~من بين الأعداد لأنها عدد كثير يحصر المعدود في العادة، ويدل على ذلك ~~وجوه: # الأول: أن المعلوم عند كل أحد لحاجته إليه هو الزمان والمكان فالزمان ~~منحصر في سبعة أيام، ولأن الكواكب السيارة سبعة، والمنجمون ينسبون إليها ~~مرارا فصارت السبعة كالعدد الحصر للمكثرات الواقعة في العادة ~~فاستعملت في كل كثير. # الثاني: أن في السبعة معنى يخصها ولذلك كانت السماوات سبعا، ~~والأرضين سبعا، (وأبواب جهنم سبعا)، وأبواب الجنة ثمانية لأنها الحسنى ~~وزيادة فالزيادة هي الثامن؛ لأن العرب عند الثامن يزيدون واوا، يقول ~~الفراء: إنها واو الثمانية وليس ذلك إلا للإستئناف؛ لأن العدد تم ~~بالسبعة. واعلم أن في الكلام اختصارا تقديره: ولو أن ما في ~~الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ~~يكتب بها كلام الله ما نفدت كلمات الله. # قوله: " كلمات الله " قال الزمخشري: فإن قلت: الكلمات جمع قلة، ~~والموضع موضع تكثير فهلا قيل: كلم؟ قلت: معناه أن كلماته لا يقع ~~بكتبها البحار يكفي بكلمه، يعني أنه من باب التنبيه بطريق الأولى. ~~ورده أبو حيان بأن ms7032 جمع السلامة متى عرف " بأل " (غير العهدية، أو أضيف ~~عم). قال شهاب الدين: للناس خلاف في " أل " هل تعم أو لا؟ وقد يكون ~~الزمخشري ممن لا يرى العموم ولم يزل الناس يشكون في بيت حسان - ~~رضي الله عنه -: # 4059 - لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى # .............................. # ويقولون: كيف أتى بجمع القلة في مقام المدح ولم لم يقل " الجفان " وهو ~~تقرير لما قاله الزمخشري، واعتراف بأن " أل " لا تؤثر في جمع القلة ~~تكثيرا. ثم قال تعالى: { إن الله عزيز } أي كامل القدرة لا ~~نهاية لمقدوراته " حكيم " كامل العلم لا نهاية لمعلوماته، وهذه الآية ~~على قول عطاء بن يسار مدنية، وعلى قول غيره مكية. # قوله: { ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة } ~~لما بين كمال قدرته وعلمه ذكر ما يبطل استبعادهم لحشر فقال: { خلقكم ~~ولا بعثكم إلا كنفس واحدة } ، فقوله: " إلا كنفس ~~" خبر " ما خلقكم " والتقدير: إلا كخلق نفس واحدة وبعثها لا ~~يتعذر عليه شيء { إن الله سميع بصير } " سميع " لما يقولون " ~~بصير " بما يعملون فإذا كان قادرا على البعث ومحيطا بالأقوال والأفعال ~~وجب الاحتراز الكامل، وقوله: { ألم تر أن الله يولج ~~الليل في النهار ويولج النهار في الليل } في ~~النظم وجهان: # الأول: أن الله تعالى لما قال: # ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات ~~وما في الأرض # [لقمان: 20] على وجه العموم ذكر منها بعض ما فيها على الوجه المخصوص ~~بقوله: { يولج الليل في النهار } وقوله: { وسخر ~~الشمس والقمر } إشارة إلى ما في السموات. # الثاني: أن الله تعالى لما ذكر البعث فكان من الناس من يقوله: # وما يهلكنآ إلا الدهر # [الجاثية: 24] والدهر هو بالليالي والأيام فقال الله تعالى هذه الليالي ~~والأيام التي ينسبون إليها الموت والحياة هي بقدرة الله فقال: ألم تر ~~أن الله يولج الليل في النهار ثم قال: إن ذلك باختلاف مسير الشمس فتارة ~~تكون القوس التي هي فوق الأرض أكبر من التي تحت الأرض فيكون الليل أقصر ~~والنهار أطور وتارة (يكون) العكس (فيكون بالعكس)، وتارة يتساويان ~~(فيتساويان) فقال (تعالى): ms7033 { وسخر الشمس والقمر } يعني إن ~~كنتم لا تعرفون بأن هذه الأشياء كلها من الله فلا بد من الاعتراف بأنها ~~بأسرها عائدة إلى الله فالآجال إن كانت بالمدد والمدد يسير ~~الكواكب فسير الكواكب ليس إلا بالله وقدرته. # فصل # قال: " يولج " بصيغة الفعل المستقبل وقال في الشمس والقمر " وسخر " ~~بصيغة الماضي؛ لأن إيلاج الليل في النهار أمر يتجدد كل يوم وتسخير الشمس ~~والقمر أمر مستمر كما قال تعالى: # حتى عاد كالعرجون القديم # [يس: 39] وقال ههنا: " إلى أجل " وفي الزمر " لأجل "؛ لأن ~~المعنيين لائقان بالحرفين فلا عليك في أيهما وقع. قال الأكثرون: هذا ~~خطاب للنبي - عليه السلام - والمؤمنين، وقيل: عام، ثم قال: { وأن ~~الله بما تعملون خبير } أي لما كان الليل والنهار محل ~~الأفعال بين أن ما يقع في هذين الزمانين اللذين هما بتصرف الله لا يخفى ~~على الله، وقرأ أبو عمرو في رواية - { وأن الله بما يعملون } - ~~بياء الغيبة، والباقون بتاء الخطاب. قوله: { وأن ما يدعون من ~~دونه الباطل } أي ذلك الذي ذكرت، لتعلموا أن الله هو الحق { ~~وأن ما يدعون من دونه الباطل } أي الزائل يقال: بطل ~~ظله، إذا زال { وأن الله هو العلي } أي في ذاته. # قوله: { ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمت ~~الله } لما قال ألم تر أن الله يولج الليل في النهار وسخر الشمس ~~والقمر ذكر آية سماوية وأشار إلى السبب والمسبب ذكر بعده آية أرضية ~~وأشار إلى السبب والمسبب بقوله: { ألم تر أن الفلك تجري ~~في البحر } وقوله: " بنعمت الله " أي الريح التي هي بأمر ~~الله { ليريكم من آياته } يعني يريكم بإجرائها " بنعمة ~~الله " بعض آياته وعجائبه { إن في ذلك لآيات لكل ~~صبار } على أمر الله " شكور " على نعمه. # قوله: { وإذا غشيهم موج كالظلل } لما قال: إن في ~~ذلك لآيات لكل صبار ذكر أن الكل معترف به غير أن البصير ~~يدركه أولا ومن في بصيرته ضعف لا يدركه أولا فإذا غشيه موج ووقع ~~في شدة اعترف بأن الكل لله ودعاه مخلصا. # وقوله: " كالظلل " قال مقاتل: ms7034 كالجبال، وقال الكلبي: كالسحاب. والظلل ~~جمع الظلة شبه بها الموج في كثرتها وارتفاعها، وجعل الموج وهو واحد ~~كالظلل وهو جمع لأن الموج يأتي منه شيء بعد شيء وقوله: { دعوا ~~الله مخلصين له الدين } أي يتركون كل من دعوهم { فلما ~~نجاهم إلى البر } أي نجاهم من تلك الشدة فمنهم من يبقى على ~~تلك الحالة ووصفهم بقوله: " فمنهم مقتصد " أي عدل موف في البر ~~بما عاهد الله عليه في البحر من التوحيد له يعني على إيمانه. قيل: ~~نزلت في عكرمة بن أبي جهل هرب عام الفتح في البحر فجاءهم ريح عاصف ~~فقال عكرمة: لئن أنجاني الله من هذا الأمر لأرجعن إلى محمد ولأضع يدي ~~في يده. فسكنت الريح فرجع عكرمة إلى مكة فأسلم وحسن إسلامه، وقال مجاهد: ~~مقتصد في القول أي من الكفار لأن منهم من كان أشد قولا من بعض. # فإن قيل: ما الحكمة في قوله في العنكبوت: # فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون # [العنكبوت: 65] وقال ههنا: { فلما نجاهم إلى البر ~~فمنهم مقتصد }؟!. # فالجواب: لما ذكر ههنا امرا عظيما وهو الموج الذي كالجبال بقي أثر ذلك ~~في قلوبهم فخرج منهم مقتصد أي في الكفر وهو الذي انزجر بعض الانزجار، ~~ومقتصد في الإخلاص فيبقى معه شيء منه ولم يبق على ما كان عليه من ~~الإخلاص، وهناك لم يذكر مع ركوب البحر معانيه مثل ذلك الأمر فذكر إشراكهم ~~حيث لم يبق عندهم أثر. # قوله: { وما يجحد بآياتنآ } في مقابلة قوله تعالى: { إن ~~في ذلك لآيات } يعني يعترف بها الصبار والشكور، ويجحدها الختار ~~الكفور فالصبار في موازنة الختار لفظا ومعنى، والكفور في موازنة ~~الشكور أما لفظا فظاهر، وأما معنى فلأن الختار هو الغدار الكثير ~~الغدر، أو شديد الغدر مثال مبالغة من الختر وهو أشد الغدر (قال ~~الأعشى): # 4060 - بأبلق الفرد من تيماء منزله # حصن حصين وجار غير ختار # وقال عمرو بن معديكرب: # 4061 - فإنك لو رأيت أبا عمرو # ملأت يديك من غدر وختر # وقالوا: " إن مددت لنا يدا من غدر مددنا لك باعا ms7035 ~~من ختر " والغدر لا يكون إلا من قلة الصبر لأن الصبور إن لم يعقد مع ~~أحد لا يعهد منه الإضرار فإنه يصبر ويفوض الأمر إلى الله، وأما ~~الغدار فيعاهدك ولا يصبر على العهد فينقضه وأما أن الكفور في مقابلة ~~الشكور معنى ظاهر. ### || [31.33-34] # قوله تعالى: { يأيها الناس اتقوا ربكم } لما ذكر ~~الدلائل من أول السورة إلى آخرها وعظ بالتقوى فقال: { يأيها ~~الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي } لا ~~يقضي، ولا يغني { والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن ~~والده شيئا }. قال ابن عباس: كل امرىء تهمه نفسه، واعلم أنه تعالى ~~ذكر شخصين في غاية الشفقة والحنان والحنو وهو الوالد والولد، فاستدل ~~بالأولى على الأعلى فذكر الوالد والولد جميعا لأن من الأمور ما يبادر ~~الأب إلى تحمله عن الولد كدفع المال، وتحمل الآلام والولد لا ~~يبادر إلى تحمله عن الوالد (مثل ما يبادر الوالد إلى تحمله عن الولد)، ~~ومنها ما يبادر الولد إليه كالإهانة فإن من يريد (إحضار) والد آخر عند ~~وال أو قاض يهون على الابن أن يدفع الإهانة عن والده ويحضر هو بدله ~~وإذا انتهى الأمر إلى الإيلام يهون على الأب أن يدفع الألم عن ابنه ~~ويتحمله هو بنفسه. فقوله: { لا يجزي والد عن ولده } في دفع ~~الآلام { ولا مولود هو جاز عن والده شيئا } في دفع ~~الإهانة ثم قال: { إن وعد الله حق } أي إن هذا اليوم الذي ~~هذا شأنه هو كائن لأن الله وعد به ووعده حق، وقيل: وعد الله حق بأنه لا ~~يجزي والد عن ولده لأنه وعد بأن لا تزر وازرة وزر أخرى ووعد الله حق { ~~فلا تغرنكم الحياة الدنيا } أي لا تغتروا بالدنيا ~~فإنها زائلة لوقوع اليوم المذكور بالوعد الحق. # { ولا يغرنكم بالله الغرور } يعني الشيطان يزين في ~~عينه الدنيا ويؤمله يقول: إنك تحصل بها الآخرة أو تلتذ بها ثم تتوب ~~فتجتمع لك الدنيا والآخرة فنهاهم عن الأمرين. # قوله: " ولا مولود " جوزوا فيه وجهين: # أحدهما: أنه مبتدأ، وما بعده الخبر. # والثاني: أنه ms7036 معطوف على " والد " وتكون الجملة صفة له. وفيه إشكال وهو ~~أنه نفى عنه أن يجزي ثم وصفه بأنه جاز، وقد يجاب عنه: بأنه وإن كان ~~جازيا عنه في الدنيا فليس جازيا عنه يوم القيامة، (فالحالان) باعتبار ~~زمنين. وقد منع المهدوي أن يكون مبتدأ، قال لأن الجملة بعده صفة ~~له فيبقى بلا خبر، ولا مسوغ غير الوصف، وهو سهو لأن النكرة متى اعتمدت ~~على نفي ساغ الابتداء بها، وهذا من أشهر مسوغاته، وقال الزمخشري: فإن ~~قلت: (قوله) { ولا مولود هو جاز عن والده شيئا } هو ~~وارد على طريق من التوكيد لم يرد عليه ما هو معطوف عليه قلت: الأمر كذلك ~~لأن الجملة الاسمية آكد من الفعلية، وقد انضم إلى ذلك قوله: " هو " ~~وقوله: " مولود " قال: ومعنى التوكيد في لفظ المولود أن الواحد منهم ~~لو شفع للوالد الأدنى الذي ولد منه لم يقبل منه، فضلا أن يشفع لمن فوقه ~~من أجداده؛ لأن الولد يقع على الولد وولد الولد بخلاف المولود فإنه ~~الذي ولد منك قال: والسبب في مجيئه على هذا السنن أن الخطاب ~~للمؤمنين وعليتهم قبض آباؤهم في الكفر فأريد حسم أطماعهم وأطماع ~~الناس فيهم. # والجملة من قوله " لا يجزي " صفة (ليوم)، والعائد محذوف أي (فيه) ~~فحذف برمته أو على التدريج، وقرأ عكرمة " لا يجزى " مبنيا ~~للمفعول، وأبوا السمال، وأبو السوار لا يجزىء بالهمز من " ~~أجزأ عنه " أي أغنى، وقوله " شيئا " منصوب على المصدر وهو من ~~الإعمال، لأن " يجزي " و " جاز " يطلبانه، والعامل " جاز " ~~على ما هو المختار للحذف من الأول. # قوله: " فلا تغرنكم " العامة على تشديد النون، وابن أبي ~~إسحاق وابن أبي عبلة ويعقوب بالتخفيف وسماك بن حرب " ~~الغرور " - بالضم - وهو مصدر، والعامة بالفتح صفة مبالغة كشكور صفة ~~مبالغة كشكور وفسر بالشيطان على أنه يجوز أن يكون المضموم مصدرا ~~واقعا وصفا للشيطان. # قوله تعالى: { إن الله عنده علم الساعة... } الآية، ~~نزلت في الوارث بن حارثة محارب بن خصفة أتى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- من البادية فسأله عن الساعة ووقتها، وقال ms7037 إن أرضنا أجدبت فمتى ~~ينزل الغيث؟ وتركت امرأتي حبلى فمتى تلد؟ وقد علمت أين ولدت فبأي ~~أرض أموت؟ فأنزل الله هذه الآية روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: # " مفاتيح الغيب خمس إن الله عنده علم الساعة ~~وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري ~~نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض ~~تموت إن الله عليم خبير " # قال ابن الخطيب: قال بعض المفسرين: إن الله تعالى نفى (علم) أمور ~~خمسة عن غيره بهذه الآية وهو كذلك لكن المقصود ليس ذلك لأن الله ~~يعلم الجوهر الفرد والطوفان وتقلب الريح من المشرق إلى المغرب كم ~~مرة ويعلم أين هو ولا يعلمه غيره ويعلم أنه (ذره) في برية لا ~~يسلكها أحد ولا يعلمها غيره فلا وجه لاختصاص هذه الأشياء بالذكر وإن ~~الحق فيه أن نقول لما قال: اخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده وذكر أنه ~~كائن بقوله: { إن وعد الله حق } كأن قائلا قال: فمتى يكون ~~هذا اليوم؟ فأجيب بأن هذا العلم مما لم يحصل لغير الله ولكن هو ~~كائن. # قوله: " ماذا تكسب " يجوز أن تكون " ما " استفهامية فتعلق الدراية، ~~وأن تكون موصولة فينتصب بها، وقد تقدم حكم " ماذا " أول الكتاب وتكرر ~~في غضونه. # قوله: { بأي أرض تموت } " بأي أرض " متعلق " بتموت " ~~وهو متعلق للدراية فهو في محل نصب، وقرأ أبي بن كعب وموسى ~~الأهوازي " بأية أرض " على تأنيثها، وهي لغة ضعيفة كتأنيث " كل " حيث ~~قالوا: كلهن (فعلن ذلك) والمشهور بأي أرض؛ لأن الأرض ليس ~~فيها من علامات التأنيث شيء، وقيل: أراد بالأرض المكان. # نقله البغوي والباطن فيه بمعنى في أي (في) أرض نحو: زيد بمكة ~~أي فيها، ثم قال: { إن الله عليم خبير } لما خصص أولا علمه ~~بالأشياء المذكورة بقوله: { إن الله عنده علم الساعة } ~~ذكر أن علمه غير مختص بل هو عليم مطلقا بكل شيء وليس علمه بظاهر ~~الأشياء فقط بل هو خبير بظواهر الأشياء وبواطنها. # روى الثعلبي عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله - صلى ms7038 الله عليه ~~وسلم: # " من قرأ سورة لقمان كان له لقمان رفيقا يوم القيامة ~~وأعطي من الحسنات عشرا بعدد من عمل بالمعروف ونهى عن المنكر ". ### | [32 - سورة السجدة] ### || [32.1-12] # قوله: { الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه }. # في " تنزيل " خمسة أوجه: # أحدها: أنه خبر { الم } ، (لأن الم) يراد به السورة وبعض القرآن، ~~و " تنزيل " بمعنى منزل، والجملة من قوله: { لا ريب فيه } حال ~~من " الكتاب ". والعامل فيها " تنزيل " لأنه مصدر. و " من رب ~~" متعلق به أيضا. ويجوز أن يكون حالا من الضمير في " فيه "؛ لوقوعه ~~خبرا، والعامل فيه الظرف، أو الاستقرار. # الثاني: أن يكون " تنزيل " مبتدأ و " لا ريب فيه " خبره. " ومن ~~رب " حال من الضمير في " فيه " ولا يجوز حينئذ أن يتعلق ب " تنزيل "؛ ~~لأن المصدر قد أخبر عنه فلا يعمل. ومن يتسع في الجار لا يبالي بذلك. # الثالث: أن يكون " تنزيل " مبتدأ أيضا و " من رب " خبره، و " لا ريب " ~~حال من معترض. # الرابع: أن يكون " لا ريب " و " من رب العالمين " خبرين ل " تنزيل ~~". # الخامس: أن يكون " تنزيل " خبر مبتدأ (مضمر)، وكذلك " لا ريب " ، ~~وكذلك " من رب " فتكون كل جملة مستقلة برأسها. # ويجوز أن يكون حالين من " تنزيل " ، وأن يكون " من رب " هو الحال و " لا ~~ريب " معترض وأول البقرة مرشد لهذا. # وجوز ابن عطية أي يكون { من رب العالمين } متعلقا ب " تنزيل ~~". قال: على التقديم والتأخير. ورده أبو حيان: بأنا إذا قلنا: { لا ~~ريب فيه } اعتراض لم يكن تقديما وتأخيرا بل لو تأخر لم يكن ~~اعتراضا. وجوز أيضا أن يكون متعلقا بلا ريب فيه من جهة رب العالمين ~~وإن وقع شك الكفرة فذاك لا يراعى، قال مقاتل: لا شك فيه أنه تنزيل من رب ~~العالمين. # قوله: " أم يقولون " هي المنقطعة، والإضراب للانتقال لا للإبطال، ~~وقيل: الميم صلة أي أيقولون افتراه. # وقيل: فيه إضمار مجازه فهل يؤمنون أم يقولون افتراه. وقوله: { بل هو ~~الحق } إضراب ثان ولو قيل: بأنه إضراب إبطال لنفس " افتراه " وحده ~~لكان صوابا وعلى هذا يقال: ms7039 كل ما في القرآن إضراب وهو انتقال إلا هذا ~~فإنه يجوز أن يكون إبطالا لأنه إبطال لقولهم، أي ليس هو كما قالوا ~~مفترى بل هو الحق. وفي كلام الزمخشري ما يرشد إلى هذا فإنه قال: ~~والضمير في " فيه " راجع إلى مضمون الجملة كأنه قيل لا ريب في ذلك أي ~~في كونه من رب العالمين ويشهد لواجهته: { أم يقولون افتراه }؛ ~~لأن قولهم مفترى إنكار لأن يكون من رب العالمين وكذلك قوله: { بل هو ~~الحق من ربك } وما فيه من تقرير أنه من الله وهذا أسلوب صحيح ~~محكم. # قوله: " من ربك " حال من " الحق " والعامل فيه محذوف على ~~القاعدة وهو العامل في " لتنذر " ويجوز أن يكون العامل في: " لتنذر ~~" غيره أي أنزله لتنذر. # قوله: { قوما ما أتاهم } الظاهر أن المفعول الثاني للإنذار ~~محذوف، و " قوما " هو الأول، إذ التقدير: لتنذر قوما العقاب و " ما ~~أتاهم " جملة منفية في محل نصب صفة " لقوما " يريد الذين في الفترة ~~بين عيسى ومحمد عليهما السلام. وجعله الزمخشري كقوله: # لتنذر قوما مآ أنذر آبآؤهم # [يس: 6] فعلى هذا يكون " من نذير " هو فاعل " أتاهم " و " من " ~~مزيدة فيه و " من قبلك " صفة " لنذير " ، ويجوز أن يتعلق " من ~~قبلك " " بأتاهم ". وجوز أبو حيان أن تكون " ما " موصولة في ~~الموضعين والتقدير: لتنذر قوما العقاب الذي أتاهم من نذير من قبلك و " ~~من نذير " متعلق " بأتاهم " أي أتاهم على لسان نذير من قبلك ~~وكذلك # لتنذر قوما مآ أنذر آبآؤهم # [يس: 6] أي العقاب الذي أنذره آباؤهم، " فما " مفعولة في الموضعين، ~~و " أنذر " يتعدى إلى اثنين قال الله تعالى: # فقل أنذرتكم صاعقة # [فصلت: 13] وهذا القول جار على ظواهر القرآن قال تعالى: # وإن من أمة إلا خلا فيها نذير # [فاطر: 24] # أن تقولوا ما جآءنا من بشير ولا نذير فقد ~~جاءكم بشير ونذير # [المائدة: 19] هذا الذي قال ظاهر، ويظهر أن في الآية الأخرى وجها آخر ~~وهو أن تكون " ما " مصدرية تقديره لتنذر قوما إنذار آبائهم لأن الرسل ~~كلهم متفقون على كلمة الحق. # فصل # المعنى بل ms7040 هو يعني القرآن الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من ~~قبلك. قال قتادة: كانوا أمة لم يأتهم نذير قبل محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - (قال ابن عباس ومقاتل: ذاك في الفترة التي كانت بين عيسى ومحمد - ~~صلى الله عليه وسلم -) " لعلهم يهتدون ". # قوله: { الله الذي خلق السماوات والأرض وما ~~بينهما في ستة أيام } لما ذكر الرسالة، وبين ما على الرسول ~~من الدعاء إلى التوحيد وإقامة الدليل فقال: { خلق السماوات ~~والأرض } ، (والله مبتدأ، وخبره " الذي خلق " يعني الله هو ~~الذي خلق السموات) ولم يخلقها إلا واحد فلا إله إلا واحد. وقد تقدم ~~الكلام في معنى قوله " ستة أيام ". # قوله: { ثم استوى على العرش } اختلف العلماء في هذه الآية ~~ونظائرها على قولين: # أحدهما: ترك التعرض إلى بيان المراد. # والثاني: التعرض إليه. والأول أسلم؛ لأن صفة الاستواء مما لا يجب العلم ~~بها فمن لم يتعرض إليه لم يترك واجبا ومن تعرض إليه فقد يخطر فيعتقد ~~خلاف ما هو عليه فالأول غاية ما يلزمه أنه لا يعلم، والثاني يكاد يقع في ~~أن يكون جاهلا وعدم العلم والجهل المركب كالسكوت والكذب ولا شك أن ~~السكوت خير من الكذب وأيضا فإنه أقرب إلى الحكمة لأن من يطالع كتابا ~~صنفه إنسان وكتب له شرحا والشارح دون المصنف فالظاهر أنه لا يأتي ~~على جميع ما أتى عليه المصنف ولهذا كثيرا ما نرى أن الإنسان يورد ~~الإشكالات على المصنف المتقدم ثم يجيء من ينصر كلام المصنف ويقول: ~~لم يرد المصنف هذا وإنما أراد كذا وكذا، وإذا كان حال الكتب الحادثة التي ~~تكتب من علم قاصر هكذا فما ظنك بالكتاب العظيم الذي فيه كل حكمة كيف ~~يجوز أن يدعي جاهل أني علمت كل سر في هذا الكتاب؟ فلو ادعى عالم أني ~~علمت كل سر وكل فائدة يشتمل عليها الكتاب الفلاني يستقبح منه ذلك ~~فكيف من يدعي أنه علم كل ما في كتاب الله؟ # (وليس لقائل أن يقول: بأن الله بين كل ما أنزله)؛ لأن تأخير البيان ~~إلى ms7041 وقت الحاجة جائز. ولعل في القرآن ما لا يحتاج إليه أحد غير نبيه ~~فبين له لا لغيره. # وإذا ثبت هذا علم أن في القرآن ما لا يعلم، وهذا أقرب إلى ذلك (الذي) لا ~~يعلم للتشابه البالغ الذي فيه. قوله: { ما لكم من دونه من ~~ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون }. لما ذكر أن الله خالق ~~السموات والأرض قال بعضهم: نحن معترفون بأن خالق السموات والأرض واحد هو ~~إله السموات والأرض وهذا الأصنام صور كواكب منها نصرتنا وقوتنا. # وقال آخرون: هذه صورة ملائكة شفعاء لنا عند الله، فقال تعالى: لا إله ~~غير الله، ولا نصرة من غير الله، ولا شفاعة إلا بإذن الله فعبادتكم لهذه ~~الأصنام باطلة ضائعة. # ثم قال: " أفلا تتذكرون " ما علمتموه من أنه خالق السموات ~~والأرض، وخالق لهذه الأجسام العظام، لا يقدر عليه مثل هذه الأصنام حتى ~~ينصروكم وتكون لها شفاعة. # قوله: { يدبر الأمر من السمآء إلى الأرض } لما بين ~~الخلق بين الأمر كما قال تعالى: # ألا له الخلق والأمر # [الأعراف: 54] يحكم الأمر، وينزل القضاء، والقدر من السماء إلى الأرض. ~~وقيل: ينزل الوحي مع جبريل - عليه السلام - بالأمر. # قوله: { ثم يعرج إليه } العامة على بنائه للفاعل. وابن أبي ~~عبلة على بنائه للمفعول. والأصل يعرج به، ثم حذف الجار فارتفع ~~الضمير واستتر. وهو شاذ يصلح لتوجيه مثلها، والمعنى: أن أمره ينزل من ~~السماء على عباده ويعرج إليه أعمالهم الصالحة الصادرة على موافقة ذلك ~~الأمر. # قوله: { في يوم كان مقداره ألف سنة } (أي في يوم واحد ~~يعني نزول وعروج العمل في مسافة ألف سنة مما تعدون)، وهو بين ~~السماء والأرض فإن مسافته خمسمائة سنة (فينزل في مسيرة خمسمائة سنة ~~ويعرج في خمسمائة سنة فهو مقدار ألف سنة) يقول لو سار أحد من بني آدم لم ~~يقطعه إلا في ألف سنة والملائكة يقطعونه في يوم واحد هذا في وصف عروج ~~الملائكة من الأرض إلى السماء وأما قوله: # تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان ~~مقداره خمسين ألف سنة # [المعارج: 4] أراد مدة المسافة ms7042 من الأرض إلى سدرة المنتهى التي هي مقام ~~جبريل - عليه السلام - يسير جبريل والملائكة الذين معه من أهل مقامه ~~مسيرة خمسين ألف سنة في يوم واحد من أيام الدنيا. قاله مجاهد ~~والضحاك، وقيل: إن ذلك إشارة إلى امتداد نفاذ الأمر وذلك لأن من نفذ أمره ~~غاية النفاذ في يوم أو يومين وانقطع لا يكون مثل من ينفذ أمره في ~~سنين متطاولة، فقوله: { في يوم كان مقداره ألف سنة ~~مما تعدون } ، يعني يدبر الأمر في زمان يوم منه ألف سنة فكم ~~يكون شهر منه (وكم تكون سنة) منه وكم يكون دهر منه، وعلى هذا فلا فرق ~~بين هذا وبين قوله: { مقداره خمسين ألف سنة } لأن ذلك ~~(إذا كان إشارة إلى دوام إنفاذ الأمر، فسواء يعبر بألف سنة أو ~~بخمسين ألف سنة) لا يتفاوت إلا أن المبالغة بالخمسين أكثر، وسيأتي ~~بيان فائدتها في موضعها إن شاء الله تعالى. وقيل: ألف سنة وخمسون ألف ~~سنة كلها في القمة يكون على بعضهم أطول، وعلى بعضهم أقصر معناه يدبر ~~الأمر من السماء إلى الأرض مدة أيام الدنيا ثم يعرج أي يرجع الأمر ~~والتدبير إليه بعد فناء الدنيا وانقطاع أمر الأمراء أو حكم الحكماء في ~~يوم مقداره ألف سنة وهو يوم القيامة فأما قوله { خمسين ألف سنة ~~} فإنه أراد على الكافر يجعل ذلك اليوم عليه مقدار خمسين ألف سنة وعلى ~~المؤمن دون ذلك حتى جاء في الحديث أنه يكون على المؤمن كقدر صلاة مكتوبة ~~صلاها في الدنيا، وقال إبراهيم التيمي (لا) يكون على المؤمن (إلا) كما ~~بين الظهر والعصر، ويجوز أن يكون هذا إخبارا عن شدته ومشقته وهوله، ~~وقال ابن أبي مليكة: دخلت أنا وعبد الله بن فيروز علي ابن عباس ~~فسألناه عن هذه الآية وعن قوله: { خمسين ألف سنة } فقال ابن ~~عباس: أيام سماها الله لا أدري ما هي أكره أن أقول في كتاب الله ما لا ~~أعلم. # قوله: " مما تعدون " العاملة على الخطاب، والحسن، ~~والسلمي، وابن وثاب والأعمش بالغيبة، وهذا الجار صفة " ~~لألف " أو ms7043 " لسنة ". # قوله: " ذلك عالم " العامة على رفع " عالم " و " العزيز " و " ~~الرحيم " ، على أن يكون " ذلك " مبتدأ، و " عالم " خبره و " ~~العزيز والرحيم " خبران أو نعتان أو " العزيز الرحيم " مبتدأ ~~وصفة. و " الذي أحسن " خبره، أو " العزيز الرحيم " خبر مبتدأ ~~مضمر. وقرأ زيد (بن علي) بجر الثلاثة وتخريجها على إشكالها: أن يكون " ~~ذلك " إشارة إلى الأمر المدبر، ويكون فاعلا (ليعرج)، والأوصاف ~~الثلاثة بدل من الضمير في " إليه " أيضا. وتكون الجملة بينهما ~~اعتراضا. # قوله: " الذي أحسن " يجوز أن يكون تابعا لما قبله في قراءتي ~~الرفع والخفض، وأن يكون خبرا آخر وأن يكون خبر مبتدأ مضمر، وأن يكون ~~منصوبا على المدح. # قوله: " خلقه " قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: بسكون اللام، ~~والباقون بفتحها فأما الأولى ففيها أوجه: # أحدها: أن يكون " خلقه " بدلا من: " كل شيء " بدل اشتمال ~~والضمير عائد على " كل شيء " وهذا هو المشهور. # الثاني: أنه بدل كل من كل. والضمير في " هذا " عائد على " الباري " ~~تعالى، ومعنى " أحسن " حسن لأنه ما من شيء خلقه إلا وهو مرتب على ما ~~يقتضيه الحكمة، فالمخلوقات كلها حسنة. # الثالث: أن يكون " كل شيء " مفعولا أول، و " خلقه " مفعولا ~~ثانيا، على أن يضمن " أحسن " معنى أعطى وألهم. قال مجاهد: وأعطى ~~كل جنس شكله، والمعنى خلق كل شيء على شكله الذي خص به. # الرابع: أن يكون " كل شيء " مفعولا ثانيا قدم و " خلقه ~~" مفعولا أول أخر على أن يضمن " أحسن " معنى ألهم وعرف. # قال الفراء: ألهم كل شيء خلقه فيما يحتاجون إليه فيكون أعلمهم ذلك. ~~(وقال أبو البقاء: ضمن " أحسن " معنى " عرف " وأعرف على نحو ما ~~تقدم إلا أنه لا بد أن يجعل الضمير) لله تعالى، ويجعل الخلق بمعنى ~~المخلوق أي عرف مخلوقاته كل شيء يحتاجون إليه فيؤول المعنى إلى معنى ~~قوله: # أعطى كل شيء خلقه ثم هدى # [طه: 50]. # الخامس: أن تعود الهاء على " الله " تعالى وأن يكون " خلقه " ~~منصوبا على المصدر المؤكد لمضمون الجملة كقوله: # صنع الله # [النمل: 88]، وهو مذهب سيبويه أي خلقه خلقا، ms7044 ورجح على بدل ~~الاشتمال بأن فيه إضافة المصدر إلى فاعله، وهو أكثر من إضافته إلى ~~المفعول وبأنه أبلغ في الامتنان لأنه إذا قال: { أحسن كل شيء } ~~كان أبلغ من " أحسن خلق كل شيء "؛ لأنه قد يحسن الخلق وهو المحاولة ولا ~~يكون الشيء في نفسه " حسنا " وإذا قال: { أحسن كل شيء } اقتضى ~~أن كل (شيء) خلقه حسن بمعنى أنه وضع كل شيء في موضعه. # وأما القراءة الثانية " فخلق " فيها فعل ماض، والجملة صفة للمضاف أو ~~أو المضاف إليه فتكون منصوبة المحل أو مجرورته. # قوله: " وبدأ " العاملة على الهمز. وقرأ الزهري " بدأ " بألف ~~خالصة وهو خارج عن قياس تخفيفها إذ قياسه بين بين على أن الأخفش ~~حكى قريبا. وجوز أبو حيان أن يكون من لغة الأنصار، يقولون في " بدا ~~" بكسرها وبعدها ياء كقول عبد الله بن رواحة الأنصاري. # 4062 - باسم الإله وبه بدينا # ولو عبدنا غيره شقينا # قال: وطيىء تقول في تقى تقاء، قال: فاحتمل أن تكون قراءة الزهري من ~~هذه اللغة أصله " بدي " ثم صار " بدأ " ، قال شهاب الدين: فتكون ~~القراءة مركبة من لغتين. # فصل # { ذلك عالم الغيب والشهادة } يعني ذلك الذي صنع ما ذكر ~~من خلق السموات والأرض عالم ما غاب عن الخلق وما حضر " العزيز ~~الرحيم " لما بين أنه عالم ذكر أنه " عزيز " قادر على الانتقام من ~~الكفرة " رحيم " واسع الرحمة على البررة { الذي أحسن كل ~~شيء خلقه } أي أحسن خلق كل شيء. قال ابن عباس: أتقنه وأحكمه ~~وقال مقاتل: علم كيف يخلق كل شيء من قولك: فلان يحسن كذا، إذا كان ~~يعلمه. وقيل: خلق كل حيوان على صورة لم يخلق البعض على صورة البعض فكل ~~حيوان كامل في خلقه حسن، وكل عضو من أعضائه مقدر بما يصلح معاشه. واعلم ~~أنه تعالى لما ذكر الدليل على الوحدانية من الآفاق بقوله: { خلق ~~السماوات والأرض وما بينهما } أتبعه بذكر الدليل الدال ~~عليها من الأنفس فقال: { الذي أحسن كل شيء خلقه ~~وبدأ خلق الإنسان من طين } يعني آدم، ويمكن أن يقال: الطين ms7045 ~~ماء وتراب مجتمعان، والأدمي أصله مني، والمني أصله غذاء، والأغذية ~~إما حيوانية وإما نباتية (والحيوانية ترجع إلى نباتية) والنبات وجوده ~~بالماء والتراب الذي هو الطين { ثم جعل نسله من سلالة } ~~أي جعل ذريته من نطفة سميت سلالة؛ لأنها تنسل من الإنسان، هذا على ~~التفسير الأول؛ لأن آدم كان من طين، ونسله من سلالة { من مآء ~~مهين } أي ضعيف وهو نطفة الرجل " ثم سواه " سوى خلقه { ~~ونفخ فيه من روحه } يعني آدم؛ لأن كلمة " ثم " للتراخي ~~فتكون التسوية بعد جعل النسل من سلالة، وذلك بعد خلق آدم، ثم عاد إلى ~~ذريته فقال: { وجعل لكم السمع والأبصار } (أي جعل لكم ~~بعد أن كنتم نطفا السمع والأبصار) والأفئدة { قليلا ما تشكرون ~~} يعني لا تشكرون رب هذه النعم فتوحدونه، فقوله { وجعل لكم ~~السمع } هذه التفات من ضمير (غائب) مفرد في قوله: " نسله " إلى ~~آخره إلى خطاب جماعة. # وفي هذا الخطاب لطيفة وهي أن الخطاب يكون مع الحي فلما قال: { ونفخ ~~فيه من روحه } خاطبه من بعد وقال: " وجعل لكم ". # فإن قيل: الخطاب واقع قبل ذلك كما في قوله تعالى: # ومن آياته أن خلقكم من تراب # [الروم: 20]. # فالجواب: هناك لم يذكر الأمور المترتبة وهي كون الإنسان طينا ثم ماء ~~مهينا، ثم خلقا مسوى بأنواع القوى فخاطبه في بعض المراتب دون بعض. # فإن قيل: ما الحكم في ذكر المصدر في السمع وفي البصر والفؤاد الاسم، ~~ولهذا جمع الأبصار، والأفئدة ولم يجمع السمع؛ لأن المصدر لا ~~يجمع؟ # فالجواب: أن السمع قوة واحدة ولها محل واحد وهو الأذن ولا اختيار ~~لها فيه فإن الصوت من أي جانب كان يصل إليه ولا قدرة للأذن على تخصيص ~~السمع بإدراك البعض دون البعض، وأما الإبصار فمحله العين ولها ~~فيه اختيار فإنها تتحرك إلى جانب المرئي دون غيره، وكذلك الفؤاد محل ~~الإدراك وله نوع اختيار يلتف إلى ما يريد دون غيره، وإذا كان كذلك فلم ~~يكن للمحل في السمع تأثير، والقوة مستبدة فذكر القوة في العين والفؤاد؛ ~~(لأن للمحل نوع اختيار، فذكر ms7046 المحل لأن الفعل مسند إلى المختار ألا ترى ~~أنك) تقول: سمع زيد، ورأى عمرو، ولا تقول: " سمع أذن زيد " ~~ولا " رأى عين عمرو " إلا نادرا لأن المختار هو الأصل وغيره آلته، ~~فالسمع أصل دون محله لعدم له لاختيار له والعين كالأصل وقوة الإبصار ~~آلتها والفؤاد كذلك وقوة الفهم آلته فذكر في السمع المصدر الذي هو القوة، ~~وفي الإبصار والأفئدة الاسم الذي هو محل القوة ولأن السمع قوة واحدة ~~لها محل واحد ولهذا لا يسمع الإنسان في زمان واحد كلامين على وجه يضبطها ~~ويرى في زمان واحد صورتين فأكثر ويتقنهما. # قوله تعالى: " أئذا ضللنا " تقدم خلاف القراء في الاستفهامين، ~~والواو للعطف على ما سبق فإنهم قالوا محمد ليس برسول، والله ليس بواحد ~~وقالوا: الحشر ليس بممكن، فالعامل في " إذا " محل تقديره " نبعث أو ~~نخرج " لدلالة: " خلق جديد " عليه ولا يعمل فيه " خلق ~~جديد "؛ لأن ما بعد " إن " والاستفهام لا يعمل فيما قبلهما، وجواب " ~~إذا " محذوف إذا جعلتها شرطية. وقرأ العامة " ضللنا " بضاد معجمة، ~~ولام مفتوحة بمعنى ذهبنا، وضعنا من قولهم: ضل اللبن في الضرع ~~وقيل: غيبنا، قال النابغة: # 4063 - فآب مضلوه بعين جلية # وغودر بالجولان حزم ونائل # والمضارع من هذا: يضل بكسر العين وهو كثير، وقرأ يحيى بن ~~يعمر وابن محيصن وأبو رجاء: بكسر اللام وهي لغة العالية، ~~والمضارع من هذا يضل بالفتح، وقرأ علي وأبو حي(وة) " ضللنا ~~" بضم الضاد وكسر اللام المشددة من " ضلله " بالتشديد، وقرأ علي ~~أيضا وابن عباس والحسن والأعمش وأبان بن سعيد: " صللنا " بصاد ~~مهملة، ولام مفتوحة، وعن الحسن أيضا صللنا بكسر اللام. # وهما لغتان، يقال: صل اللحم بفتح الصاد وكسرها لمجيء الماضي ~~مفتوح العين ومكسورها، ومعنى صل اللحم أنتن وتغيرت ~~رائحته ويقال أيضا: أصل بالألف قال: # 4064 - تلجلج مضغة فيها أنيض # أصلت فهي تحت الكشح داء # وقال النحاس: لا يعرف في اللغة " صللنا " ولكن يقال: صل ~~اللحم وأصل، وخم وأخم وقد عرفها غير أبي جعفر. # فصل # قال في تكذيبهم بالرسالة: " أم يقولون " بلفظ المستقبل وقال في ms7047 ~~تكذيبهم بالحشر: " وقالوا " بلفظ الماضي؛ لأن تكذيبهم بالرسالة لم يكن ~~قبل وجوده، وإنما كان حال وجوده فقال: " يقولون " يعني هم فيه. وأما ~~إنكار الحشر فكان سابقا صادرا منهم ومن آبائهم فقال: " وقالوا " ~~وصرح بقولهم في الرسالة فقال: " أم يقولون " وفي الحشر فقال: { ~~وقالوا أإذا ضللنا } ولم يصرح بقولهم في الوحدانية؛ لأنهم ~~كانوا مصرين في جميع الأحوال على إنكار الحشر والرسالة وأما الوحدانية ~~فكانوا يعترفون بها في بعض الأحوال في قوله: # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله # [لقمان: 25] فلم يقل: قالوا إن الله ليس بواحد وإن كانوا قالوه في ~~الظاهر. # فإن قيل: إنه ذكر الرسالة من قبل وذكر دليلها (وهو التنزيل الذي لا ريب ~~فيه وذكر الوحدانية وذكر دليلها وهو) خلق السماوات والأرض وخلق ~~الإنسان من طين، ولما ذكر إنكارهم الحشر لم يذكر الدليل؟ # فالجواب: أنه ذكر دليله أيضا وهو أن خلق الإنسان ابتداء دليل على ~~قدرته على الإعادة ولهذا استدل (تعالى) على إمكان الحشر بالخلق الأول كما ~~قال: # ثم يعيده وهو أهون عليه # [الروم: 27] وقوله: # قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة # [يس: 79] وأيضا خلق السماوات والأرض كما قال: # أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على ~~أن يخلق مثلهم بلى # [يس: 81]. # قوله: { أإنا لفي خلق جديد } استفهام إنكاري أي إننا ~~كائنون في خلق جديد أو واقعون فيه { بل هم بلقآء ربهم ~~كافرون } إضراب عن الأول يعني ليس إنكارهم لمجرد الخلق ثانيا بل ~~يكفرون بجميع أحوال الآخرة حتى لو صدقوا بالخلق الثاني لما اعترفوا ~~بالعذاب والثواب. أو يكون المعنى لم ينكروا البعث لنفسه بل لكفرهم بلقاء ~~الله فإنهم كرهوه فأنكروا المفضي إليه، ثم بين لهم ما يكون (من ~~الموت إلى العذاب) فقال: " قل يتوفاكم " يقبض أرواحكم { ملك ~~الموت الذي وكل بكم } أي وكل بقبض أرواحكم وهو عزرائيل، ~~(والتوفي) استيفاء العدد معناه أنه يقبض أرواحهم حتى لا يبقى أحد من ~~العدد الذي كتب عليه الموت. # فصل # روي أن ملك الموت جعلت له الدنيا مثل راحة اليد يأخذ منها صاحبها، ما ~~أحب ms7048 من غير مشقة فهو يقبض أنفس الخلق من مشارق الأرض ومغاربها، وله ~~أعوان من ملائكة الرحمة وأعوان من ملائكة العذاب، وقال ابن عباس: خطوة ~~ملك الموت ما بين المشرق والمغرب، وقال مجاهد: جعلت الأرض مثل طست ~~يتناول منها حيث شاء. # قوله: { ثم إلى ربكم ترجعون } أي تصيرون إليه أحياء ~~فيجزيكم بأعمالكم، وقرأ العامة: ترجعون ببنائه للمفعول، وزيد بن ~~علي: ببنائه للفاعل. # قوله: " ولو ترى " في " لو " هذه وجهان: # أحدهما: أنها لما كان سيقع لوقوع غيره. وعبر عنها الزمخشري ~~بامتناع لامتناع، وناقشه أبو حيان في ذلك. وقد تقم تحقيقه أول ~~البقرة، وعلى هذا جوابها محذوف أي لرأيت أمر فظيعا. # والثاني: أنها للتمني. قال الزمخشري كأنه قيل: وليتك ترى. وفيها إذا ~~كانت للتمني خلاف على تقتضي جوابا أم لا، وظاهر تقدير الزمخشري هنا ~~أنه لا جواب لها. # قال أبو حيان: والصحيح أن لها جوابا وأنشد: # 4065- فلو نبش المقابر عن كليب # فيخبر بالذنائب أي زير # بيوم الشعثمين لقر عينا # وكيف لقاء من تحت القبور # قال الزمخشري: ولو تجيء في معنى التمني كقولك: " لو تأتيني فتحدثني " ~~(كما تقول): " ليتك تأتيني فتحدثني " قال ابن مالك: أن أراد ~~به الحذف أي وددت لو تأتني فتحدثني فصحيح وإن أراد أنها موضوعة له ~~فليس بصحيح، إذ لو كانت موضوعة له لم يجمع بينها وبينه كما لم يجمع من " ~~ليت " والتمني، ولا " لعل وأترجى " ، ولا " إلا " وأستثني، ويجوز أن ~~يجمع بين " لو " وأتمنى تقول (تمنيت لو فعلت كذا)، والمخاطب ~~يحتمل أن يكون - النبي صلى الله عليه وسلم - شفاء لصدره، فإنهم كانوا ~~يؤذونه بالتكذيب، ويحتمل أن يكون عاما، و " إذ " على بابها من المضي؛ ~~لأن " لو " تصرف المضارع للمضي، وإنما جيء هنا ماضيا لتحقق وقوعه نحو: # أتى أمر الله # [النحل: 1]. وجعله أبو البقاء مما وقع فيه " إذ " موقع " إذا ". ولا ~~حاجة إليه. والمراد بالمجرمين المشركين. # قوله: " ناكسوا " العامة على أنه اسم فاعل مضاف لمفعوله تخفيفا، ~~وزيد بن علي " نكسوا " فعلا ماضيا " رؤوسهم " مفعول به، ~~والمعنى مطأطئو رؤوسهم. # قوله: " ربنا " على ms7049 إضمار القول، وهو حال أي قائلين ذلك، وقدره ~~الزمخشري يستغيثون بقولهم، وإضمار القول أكثر. # قوله: " أبصرنا وسمعنا " يجوز أن يكون المفعول مقدرا أي ~~أبصرنا ما كنا نكذب وسمعنا ما كنا ننكر. ويجوز أن لا يقدر أي صرنا ~~بصراء سميعين فارجعنا " (إلى الدنيا) نعمل صالحا " ~~يجوز أن يكون " صالحا " مفعولا به، وأن يكون نعت مصدر، وقولهم " إنا ~~موقنون " أي إنا آمنا في الحال، ويحتمل أن يكون المراد أنهم ينكرون ~~الشرك كقولهم: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23]. ### || [32.13-22] # قوله: { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها } رشدها ~~وتوفيقها للإيمان، وهذا جواب عن قولهم: ربنا أبصرنا وسمعنا وذلك ~~أن الله تعالى قال: إني لو رجعتكم إلى الإيمان لهديتكم في الدنيا، ولما ~~لم أهدكم في الدنيا تبين أني ما أردت وما شئت إيمانكم فلا أردكم، وهذا ~~صريح في الدلالة على صحة مذهب أهل السنة حيث قالوا إن الله تعالى ما أراد ~~الإيمان من الكافر، وما شاء منه إلا الكفر. # قوله: { ولكن حق القول مني } وجب القول (مني) وهو قوله ~~تعالى: { لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ~~}. { فذوقوا بما نسيتم } قال مقاتل: إذا دخلوا النار قال لهم ~~الخزنة: { فذوقوا بما نسيتم لقآء يومكم هذآ } أي ~~تركتم الإيمان به في الدنيا. " لقاء يومكم " (يجوز فيه أوجه: # أحدها: أنها من التنازع لأن " ذوقوا " يطلب " لقاء يومكم " و " ~~نسيتم " يطلبه أيضا أي ذوقوا عذاب لقاء يومكم) هذا بما ~~نسيتم عذاب لقاء يومكم هذا ويكون من إعمال الثاني عند البصريين ومن ~~إعمال الأول عند الكوفيين، والأول أصح لللحذف من الأول؛ إذ لو عمل الأول ~~لأضمر في (الثاني). # الثاني: أن مفعول " ذوقوا " محذوف أي ذوقوا العذاب بسبب نسيانكم ~~لقاء يومكم، (و " هذا " على هذين الإعرابين صفة " ليومكم ". # الثالث: أن يكون مفعول " ذوقوا " " هذا " والإشارة به إلى العذاب، ~~والباء سببية أيضا أي فذوقها هذا العذاب بسبب نسيانكم لقاء يومكم)، ~~وهذا ينبو عنه الظاهر، قال ابن الخطيب " هذا " يحتمل ثلاثة أوجه: أن يكون ~~إشارة إلى اللقاء (وأن يكون إشارة إلى اليوم)، وأن ms7050 يكون إشارة إلى ~~العذاب، ثم قال: " إنا نسيناكم " تركناكم غير ملتفت إليكم { ~~وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون } من الكفر ~~والتكذيب. # قوله: { إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا ~~بها خروا سجدا } سقطوا على وجوههم ساجدين { وسبحوا ~~بحمد ربهم } ، قيل: سلموا بأمر ربهم. وقيل: قالوا سبحان ~~الله وبحمده { وهم لا يستكبرون } عن الإيمان به والسجود له. # قوله: { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } يجوز في " ~~تتجافى " أن يكون مستأنفا، وأن يكون حالا وكذلك " يدعون " إذا ~~جعل " يدعون " حالا احتمل أن يكون حالا ثانية، وأن يكون حالا من ~~الضمير في " جنوبهم "؛ لأن المضارع خبر، والتجافي الارتفاع، وعبر به عن ~~ترك النوم، قال ابن رواحة: # 4066 - نبي تجافى جنبه عن فراشه # إذا استثقلت بالمشركين المضاجع # والمعنى يرتفع (وينبو) جنوبهم عن المضاجع جمع المضجع وهو الموضع ~~الذي يضطجع عليه يعني الفراش وهم المتهجدون بالليل الذين يقيمون ~~الصلاة، قال أنس: نزلت فينا معشر الأنصار، كنا نصلي المغرب الصلاة ~~فلا نرجع إلى رحالنا حتى نصلي العشاء مع - النبي صلى الله عليه ~~وسلم -. # (وعن أنس: أيضا قال: نزلت في أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم) كانوا يصلون من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء وهو قول أبي ~~حازم، ومحمد بن المنكدر، وقال في صلاة الأوابين وهو مروي عن ~~ابن عباس. وقال عطاء: هم الذين لا ينامون حتى يصلوا العشاء الآخرة والفجر ~~في جماعة، (وقال صلى الله عليه وسلم: # " من صلى العشاء في جماعة) (كان كقيام نصف ليلة ومن ~~صلى الفجر في جماعة) كان كقيام ليلة " # والمشهور أن المراد منه صلاة الليل، وهو قول الحسن وجماعة ومجاهد، ~~ومالك والأوزاعي وجماعة لقوله عليه (الصلاة و) السلام: # " أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله ~~المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل ~~" # وقال عليه (الصلاة و) السلام -: # " إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ~~ظاهرها أعدها الله لمن ألان الكلام، وأطعم ~~الطعام، وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس ~~نيام ". # (قوله): " خوفا وطمعا " إما مفعول من أجله وإما حالان، (وإما) ~~مصدران ms7051 لعامل مقدر. # قال ابن عباس: خوفا من النار وطمعا في الجنة، { ومما ~~رزقناهم ينفقون }. قيل: أراد به الصدقة المفروضة وقيل: عام في ~~الواجب والتطوع. # قوله: { فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة ~~أعين } قرأ حمزة " أخفي " فعلا مضارعا مسندا لضمير المتكلم ~~فلذلك سكنت ياؤه (لأنه) مرفوع، ويؤيده قراءة ابن مسعود: " ما نخفي " ~~بنون العظمة، والباقون " أخفي " ماضيا مبنيا للمفعول، (فمن) ثم ~~فتحت ياؤه، وقرأ محمد بن كعب " أخفى " ماضيا مبنيا للفاعل، وهو ~~الله تعالى، يؤيدها قراءة الأعمش و [ " ما] أخفيت " مسندا ~~للمتكلم. و " ما " يجوز أن تكون موصولة أي لا يعلم الذي أخفاه الله، وفي ~~الحديث: # " ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على ~~قلب بشر " # وأن تكون استفهامية معلقة " لتعلم " فإن كانت متعدية لاثنين سدت ~~مسدهما أو لواحد سدت مسده. # قوله: { من قرة أعين } قرأ عبد الله، وأبو الدرداء وأبو ~~هريرة " من قرات أعين " جمعا بالألف والتاء، و " جزاء " مفعول ~~له، أو مصدر مؤكد لمعنى الجملة قبله، إذا كانت " ما " استفهامية فعلى ~~قراءة (من قرأ ما) بعدها فعلا ماضيا يكون في محل رفع بالابتداء، ~~والفعل بعدها الخبر، وعلى قراءة من قرأ مضارعا يكون مفعولا مقدما و " ~~من قرة " حال من " ما " والمعنى ما يقر الله به أعينهم { ~~جزآء بما كانوا يعملون } قال ابن عباس: هذا مما لا تفسير ~~له. # قال بعضهم: أخفوا أعمالهم فأخفى الله ثوابهم. # قوله: { أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا } نزلت في علي ~~بن أبي طالب، والوليد بن عقبة بن أبي معيط أخي عثمان لأمه وذلك أنه ~~كان بينهما تنازع فقال الوليد بن عقبة لعلي: اسكت فإنك فاسق ~~فأنزل الله عز وجل: { أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا ~~لا يستوون } ولم يقل لا يستويان لأنه لم يرد مؤمنا واحدا ولا ~~فاسقا واحدا بل أراد جميع المؤمنين وجميع الفاسقين. قوله: " لا يستوون ~~" مستأنف؛ روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعتمد الوقف على قوله ~~" فاسقا " ثم يبتدىء: " لا يستوون ". # قوله: { أما الذين آمنوا ms7052 وعملوا الصالحات } لما ذكر ~~أن المؤمن والفاسق لا يستويان بطريق الإجمال بين عدم استوائهما على سبيل ~~التفصيل فقال: { أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~فلهم جنات المأوى } قرأ طلحة " جنة المأوى " بالإفراد، ~~والعامة بالجمع، أي التي يأوي إليها المؤمنون. وقرأ أبو حيوة نزلا - ~~بضم وسكون - وتقدم تحقيقه آخر آل عمران، { وأما الذين فسقوا ~~فمأواهم النار كلمآ أرادوا أن يخرجوا منهآ ~~أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار } وهذا ~~إشارة إلى حال الكافر، واعلم أن العمل الصالح له مع الإيمان تأثير فلذلك ~~قال: { آمنوا وعملوا الصالحات } ، وأما الكافر فلا التفات ~~إلى الأعمال معه فلهذا لم يقل: " وأما الذين فسقوا وعملوا السيئات "؛ لأن ~~المراد من " فسقوا " كفروا، ولو جعل العقاب في مقابلة الكفر والعمل ~~لظن (أن) مجرد الكفر (لا) عقاب عليه. # قوله: { الذي كنتم به } صفة لعذاب، وجوز أبو البقاء أن يكون ~~صفة للنار قال: وذكر على معنى الجحيم والحريق. # قوله: { ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون ~~العذاب الأكبر } قال أبي بن كعب والضحاك والحسن ~~وإبراهيم: العذاب الأدنى مصائب الدنيا وأسقامها وهو رواية الوالبي ~~عن ابن عباس، وقال عكرمة عنه: الحدود، وقال مقاتل: الجوع سبع سنين بمكة ~~حتى أكلوا الجيف والعظام والكلاب. وقال ابن مسعود: هو القتل بالسيف يوم ~~بدر وهو قول قتادة والسدي. وأما العذاب الأكبر وهو عذاب الآخرة فإن عذاب ~~الدنيا لا نسبة له إلى عذاب الآخرة. # فإن قيل: ما الحكمة في مقابلته " الأدنى " " بالأكبر " ، " والأدنى " ~~إنما هو في مقابلة " الأقصى " " والأكبر " إنما هو مقابله " الأصغر "؟ # فالجواب: أنه حصل في عذاب الدنيا أمران: أحدهما: أنه قريب والآخر: أنه ~~قليل صغير، وحصل في عذاب الآخرة أيضا أمران، أحدهما: انه بعيد والآخر ~~أنه عظيم كبير لكن العرف في عذاب الدنيا هو أنه الذي يصلح التخويف به ~~فإن العذاب العاجل وإن كان قليلا فلا يحترز عنه بعض الناس أكثر مما ~~يحترز من العذاب الشديد إذا كان آجلا، وكذا الثواب العاجل قد ~~يرعب فيه بعض الناس ويستبعد الثواب العظيم الآجل. # وأما في عذاب الآخرة فالذي يصلح ms7053 للتخويف هو العظيم والكبير (لا) البعيد ~~لما بينا فقال في عذاب الدنيا الأدنى ليحترز العاقل عنه ولو قال: " ~~ولنذيقنهم من العذاب الأصغر " ما كان يحترز عنه لصغره وعدم ~~فهم كونه عاجلا، وقال في عذاب الآخرة الأكبر لذلك المعنى ولو قال: ~~من العذاب الأبعد الأقصى (لما حصل) التخويف به مثل ما يحصل بوصفه ~~بالكبر. # قوله: " لعلهم يرجعون " إلى الإيمان يعني من بقي منهم بعد " بدر ". # فإن قيل: ما الحكمة في هذا الترجي وهو على الله تعالى محال؟ # فالجواب: فيه وجهان: # أحدهما: معناه لنذيقنهم إذاقة الراجين كقوله: " إنا نسيناكم " ~~يعني تركناكم كما يترك الناسي (حيث لا يلتفت إليه) أصلا كذلك ههنا. # والثاني: نذيقهم العذاب إذاقة يقول القائل: لعلهم يرجعون بسببه. # قوله: { ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه } (أي من ذكر ~~بآيات الله) من النعم أولا، والنقم ثانيا ولم يؤمنوا، فلا أظلم ~~منهم أحد. # قوله: { ثم أعرض عنهآ } هذه أبعد ما بين الرتبتين ~~معنى، وشبهها الزمخشري بقوله: # 4067 - وما يكشف الغماء إلا ابن حرة # يرى غمرات الموت ثم يزورها # قال: استبعد (أن يزور) غمرات الموت بعد أن رآها وعرفها، واطلع على ~~شدتها. # قوله: { إنا من المجرمين } (يعني المشركين) " منتقمون ~~". ### || [32.23-30] # قوله: { ولقد آتينا موسى الكتاب } لما قرر الأصول الثلاثة ~~عاد إلى الأمثل الذي بدأ به وهو الرسالة المذكورة في قوله: # لتنذر قوما مآ أتاهم من نذير # [السجدة: 3] وقال: إنك لست بدعا من الرسل بل كان قبلك ~~رسل مثلك، وذكر موسى لقربه (من) النبي - صلى الله عليه وسلم - ووجود ~~من كان على دينه إلزاما لهم، وإنما لم يختر عيسى - عليه (الصلاة و) ~~السلام (للذكر) والاستدلال لأن اليهود ما كانوا يوافقون على نبوته، وأما ~~النصارى فكانوا يعترفون بنبوة عيسى عليه السلام فتمسك بالمجمع عليه. # قوله: { فلا تكن في مرية } قرأ الحسن بالضم وهي لغة، ~~وقوله: " من لقائه " في الهاء أقوال: # أحدها: أنها عائدة على " موسى " والمصدر مضاف لمفعوله أي من لقائك ~~موسى ليلة الإسراء. وامتحن المبرد الزجاج في هذه المسألة فأجاب ~~بما ذكر، قال ابن ms7054 عباس وغيره: المعنى فلا تكن في شك من لقاء موسى فإنك ~~تراه وتلقاه، روى ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: # " رأيت ليلة أسري بي موسى رجلا آدم طوالا جعدا ~~كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى رجلا مربوعا ~~إلى الحمرة والبياض سبط الرأس، ورأيت مالكا خازن النار ~~والدجال في آيات أراهني الله إياه ". # والثاني: أن المضير يعود على " الكتاب " وحينئذ يجوز أن تكون الإضافة ~~للفاعل أي من لقاء الكتاب لموسى أو للمفعول أي من لقاء موسى الكتاب لأن ~~اللقاء يصح نسبته إلى كل منهما، لأن من لقيك فقد لقيته. # قال السدي المعنى فلا تكن في مرية من لقائه أي تلقى موسى كتاب الله ~~بالرضا والقبول. # الثالث: أي يعود على الكتاب على حذف مضاف أي من لقاء مثل كتاب موسى. # الرابع: أنه عائد على ملك الموت لتقدم ذكره. # الخامس: عوده على الرجوع المفهوم من قوله: # إلى ربكم ترجعون # [السجدة: 11] أي لأنك في مرية من لقاء الرجوع. # السادس: أنه يعود على ما يفهم من سياق الكلام مما ابتلي به موسى من ~~البلاء والامتحان، قاله الحسن. أي لا بد ان يلقى ما لقي موسى من قومه ~~فاختار موسى عليه السلام لحكمة وهي أن أحدا من الأنبياء لم يؤذه من ~~قومه إلا الذين لم يؤمنوا، وأما الذين آمنوا به فلم يخالفوه غير قوم موسى ~~عليه السلام فإن من لا آمن به آذاه كفرعون (وغيره) ومن آمن به من بني ~~إسرائيل أيضا (آذاه) بالمخالفة وطلب أشياء مثل رؤية الله جهرة وكقولهم: # فاذهب أنت وربك فقاتلا # [المائدة: 24]. وأظهر هذه الأقوال أن الضمير إما لموسى وإما للكتاب، ثم ~~بين (أن له هداية غير عادية عن المنفعة كما أنه لم تحل هداية موسى حيث ~~جعل الله كتاب موسى هدى) وجعل منهم أئمة يهدون كذلك يجعل كتابك هدى ويجعل ~~من أمتك صحابة يهدون كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: # " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " # ، ثم بين أن ذلك يحصل بالصبر فقال: { لما صبروا وكانوا ~~بآياتنا يوقنون ms7055 }. # فصل # " لما صبروا " قرأ الأخوان بكسر اللام وتخفيف الميم، على أنها لام ~~الجر و ( " ما " ) مصدرية، والجار متعلق بالجعل أي جعلناهم كذلك لصبرهم ~~ولإيقانهم، والباقون بفتحها وتشديد الميم. وهي " لما " التي تقتضي ~~جوابا وتقدم فيها قولا سيبويه والفارسي، والمعنى حين صبروا على دينهم ~~وعلى البلاء من عدوهم بمصر. # قوله: { إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة ~~فيما كانوا فيه يختلفون } هذا يصلح أن يكون جوابا لسؤال ~~وهو أنه تعالى لما قال: { وجعلنا منهم أئمة يهدون } ~~فكان لقائل أن يقول: كيف يهدون وهم اختلفوا وصاروا فرقا والحق ~~واحد؟ فقال (الله) يبين المبتدع من المتبع كما يبين المؤمن من الكافر يوم ~~القيامة. # قوله: { أو لم يهد لهم } يتبين لهم { كم أهلكنا من ~~قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم } لما أعاد ذكر ~~الرسالة أعاد ذكر التوحيد وقال: { أولم يهد لهم كم ~~أهلكنا من قبلهم } وقوله { يمشون في مساكنهم } أي ~~مساكن المهلكين (دلالة على حالتهم) وأنتم تمشون فيها وتبصرونها { ~~إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون } آيات الله وعظاته ~~واعتبر السمع لأنهم ما كان لهم قوة الإدراك بأنفسهم والاستنباط بعقولهم ~~فقال: " أفلا يسمعون " (يعني) ليس لكم درجة المتعلم الذي يسمع الشيء ~~ويفهمه. # قوله: { أولم يروا أنا نسوق المآء إلى الأرض ~~الجرز } قرىء الجرز - بسكون الراء - وتقدم أول الكهف. وهي الأرض ~~اليابسة الغليظة التي لا نبات فيها، قال ابن عباس: هي أرض باليمن، وقال ~~مجاهد: هي أرض بأنين. والجرز هو القطع فكأنها المقطوع عنها الماء ~~والنبات. لما بين الإهلاك وهو الإماتة بين الإحياء ليكون إشارة إلى أن ~~الضرر والنفع بيد الله ثم قال: { فنخرج به زرعا تأكل ~~منه أنعامهم } من العشب والتبن " وأنفسهم " من الحبوب ~~والأقوات، وقدم الأنعام على الأنفس في الأكل لوجوه: # الأول: أن الزرع أول ما ينبت للدواب ولا يصلح للإنسان. # الثاني: أن الزرع غذاء للدواب لا بد منه وأما غذاء الإنسان فقد يصلح ~~للحيوان فكان الحيوان يأكل الزرع ثم الإنسان يأكل من الحيوان. # قوله: " أفلا يبصرون " قرأ العامة بالغيبة، (وابن مسعود) ~~بالخطاب التفاتا. ms7056 # وقال تبصرون لأن الأمر (يرى) بخلاف حال الماضي فإنها كانت مسموعة. ثم ~~لما بين الرسالة والتوحيد بين الحشر فقال: { ويقولون متى ~~هذا الفتح إن كنتم صادقين } قيل: أراد بيوم الفتح يوم ~~القيامة الذي فيه الحكم بين العابد قال قتادة: قال أصحاب النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - للكفار: إن لنا يوما ننعم فيه ونستريح ويحكم الله ~~بيننا وبينكم فقالوا استهزاء: { متى هذا الفتح } أي القضاء ~~والحكم. # وقال الكلبي: يعني فتح مكة، وقال السدي: يوم بدر لأن أصحاب النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كانوا يقولون لهم إن الله ناصرنا ومظهرنا عليكم فيقولون ~~متى هذا الفتح. # فصل # " يوم الفتح " منصوب " بلا ينفع " و " لا " غير مانعة من ذلك. وقد ~~تقدم فيها مذاهب والمعنى يوم الفتح يوم القيامة لا ينفع الذين كفروا ~~إيمانهم. ومن حمل الفتح على فتح مكة والقتل يوم بدر قال معناه لا ينفع ~~الذين كفروا إيمانهم إذا جاءهم من العذاب وقتلوا { ولا هم ~~ينظرون } أي لا يمهلون بالإعادة إلى الدنيا ليؤمنوا، ثم لما ~~بين أن الدلائل لم تنفعهم قال: " فأعرض عنهم " قال ابن عباس: ~~نسختها آية القتال. # قوله: { وانتظر إنهم منتظرون } العامة على كسر الظاء من ~~" منتظر " اسم فاعل، والمفعول من " انتظر " ومن " منتظرون ~~" محذوف أي انتظر ما يحل بهم إنهم منتظرون (على زعمهم ما يحل بك. ~~وقرا اليماني: " منتظرون " ) اسم مفعول. # قيل: المعنى انتظر موعدي لك بالنصر إنهم منتظرون بك حوادث الزمان. # وقيل: انتظر عذابنا فيهم إنهم منتظرون ذلك وعلى هذا فلا فرق بين ~~الانتظار. وقيل: انتظر عذابهم بنفسك إنهم منتظرونه بلفظهم استهزاءا كما ~~قالوا: # فأتنا بما تعدنآ # [الأعراف: 70]. # فصل # روى أبو هريرة قال: # " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الفجر يوم الجمعة { ~~الم. تنزيل } و { هل أتى على الإنسان } ". # وعن جابر قال: # " كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا ينام حتى يقرأ تبارك. ~~والم. تنزيل، ويقول: هما يفضلان على كل سورة في القرآن ~~سبعين سنة، ومن قرأهما كتب له سبعون حسنة، ومحي عنه ~~سبعون سيئة، ورفع ms7057 له سبعون درجة ". # وروى الثعلبي عن ابن عباس عن أبي بن كعب أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: # " من قرأ سورة " الم. تنزيل " أعطي من الأجر كمن ~~أحيا ليلة القدر " # والله أعلم. ### | [33 - سورة الأحزاب] ### || [33.1-5] # قوله تعالى: { يا أيها النبي اتق الله } اعلم أن الفرق ~~ين نداء المنادى بقوله: " يا رجل " ويا أيها الرجل، أن قوله: " ~~يا رجل " يدل على النداء، وقوله: " يا أيها الرجل " يدل على ذلك ~~وينبىء عن خطر المنادى له أو غفلة المنادى فقوله: " يأيها " لا يجوز ~~حمله على غفلة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن قوله: " النبي " ينافي ~~الغفلة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خبير، فلا يكون غافلا، فيجب ~~حمله على خطر الخطب. # فإن قيل: الأمر بالشيء لا يكون إلا عند عدم اشتغال المأمور بالمأمورية ~~إذ لا يصلح أن (يكون) يقال للجالس: اجلس وللساكت اسكت والنبي - عليه ~~الصلاة والسلام - كان متقيا فما الوجه في قوله " اتق الله "؟. # فالجواب: أنه أمر (بالمدينة) بالمداومة فإنه يصح أن يقال للجالس: اجلس ~~ههنا إلى أن يأتيك ويقال للساكت قد أصبت فاسكت تسلم أي دم على ما أنت ~~عليه، وأيضا من جهة العقل أن الملك يتقي منه عباده على ثلاثة أوجه بعضهم ~~يخاف من عقابه وبعضهم يخاف من قطع ثوابه وثالث يخاف من احتجابه فالنبي - ~~عليه (الصلاة و) السلام لم يؤمر بالتقوى بالأول ولا بالثاني، وأما ~~الثالث: فالمخلص لا يأمنه ما دام في الدنيا فكيف والأمور البدنية شاغلة ~~فالآدمي في الدنيا تارة مع الله والأخرى مقبل على ما لا بد منه وإن ~~كان معه الله وإلى هذا أشار بقوله: # إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى إلي # [الكهف: 110] يعني برفع الحجاب عني وقت الوحي ثم أعود إليكم كأني منكم ~~فأمر بتقوى توجب استدامة الحضور، وقال المفسرون: نزلت في أبي سفيان ~~وعكرمة بن أبي جهل وأبي الأعور عمرو بن أبي (رأس المنافقين) بعد قتال أحد ~~وقد أعطاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - قولهم الأمان على أن يكلموه ~~فقام (معهم) عبد الله ms7058 بن سعد بن أبي سرح، وطعمة بن أبيرق ~~فقالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - وعنده عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ~~- ارفض ذكر آلهتنا اللات والعزى ومناة وقل إن لها شفاعة لمن ~~عبدها وندعك وربك فشق على النبي - صلى الله عليه وسلم - قولهم فقال ~~عمر: يا رسول الله ائذن لي في قتلهم. فقال: إني قد أعطيتهم الأمان. ~~فقال عمر: اخرجوا في لعنة الله وغضبه وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~عمر أن يخرجهم من المدينة فأنزل الله: { يأيها النبي ~~اتق الله } أي دم على التقوى كما يقول الرجل لغيره وهو قائم: " ~~قم قائما " أي اثبت قائما، وقيل: الخطاب مع النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - والمراد الأمة، وقال الضحاك معناه: اتق الله ولا تنقض العهد ~~الذي بينك وبينهم. # قوله: { ولا تطع الكافرين } أي من أهل مكة يعني أبا سفيان، ~~وعكرمة وأبا الأعور، والمنافقين من أهل المدينة عبد الله بن أبي، وطعمة { ~~إن الله كان عليما (حكيما) } بخلقه قبل أن يخلقهم حكيما ~~فيما دبره لهم # فإن قيل: لم خص الكافر والمنافق بالذكر مع أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ينبغي أن لا يطع أحدا غير الله؟. # فالجواب من وجهين: # الأول: أن ذكر الغير لا حاجة إليه لأن غيرهما لا يطلب من النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - الاتباع ولا يتوقع أن يصير النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - مطيعا له بل يقصد اتباعه ولا يكون عنده إلا مطاعا. # الثاني: أنه (تعالى) لما قال: { ولا تطع الكافرين ~~والمنافقين } منعه (من) طاعة الكل لأن كل من طلب من النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - طاعته فهو كافر أو منافق لأن من يأمر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يأمر إيجاب معتقدا أنه لو لم يفعله يعاقبه بحق يكون كافرا. # قوله: { واتبع ما يوحى إليك من ربك } وهذا يقدر ما ~~ذكره أولا من أنه عليم حكيم فاتباعه واجب. # قوله: { بما تعملون خبيرا } وبعده { بما تعملون ~~بصيرا } قرأهما أبو عمرو بياء الغيبة، والباقون بتاء الخطاب أما ~~الغيبة (في الأولى) فلقوله ms7059 " الكافرين والمنافقين " وأما الخطاب فلقوله: ~~" يأيها النبي " لأن المراد هو وأمته وخوطب بالجمع تعظيما (له) كقوله: # 4068 - فإن شئت حرمت النساء سواكم # ................................ # وجوز أبو حيان أن يكون التفاتا يعني (عن) الغائبين (و) الكافرين ~~والمنافقين (وهو بعيد) وأما (الغيبة) في الثاني فلقوله { إذ جاءتكم جنود ~~} وأما الخطاب فلقوله { يا أيها الذين آمنوا }. قوله: { وتوكل على الله } ~~أي ثق بالله يعني إن توهمت من أحد فتوكل على الله فإنه كافيك { وكفى ~~بالله وكيلا } حافظا لك، وقيل: كفيلا برزقك. قوله { ما ~~جعل الله لرجل من قلبين في جوفه } جعل الله ~~لرجل من قلبين في جوفه " نزلت في أبي يعمر (و) جميل ~~بن معمر الفهري وكان رجلا لبيبا حافظا لما يسمعه فقالت قريش: ~~ما حفظ أبو معمر هذه الأشياء إلا وله قلبان وكان يقول: لي قلبان أعقل ~~بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد فلما هزم الله المشركين يوم بدر ~~انهزم أبو معمر فلقيه أبو سفيان وإحدى نعليه بيده والأخرى في ~~رجله فقال له: يا أبا معمر ما حال الناس؟ قال: انهزموا قال فما لك إحدى ~~نعليك (في يدك) والأخرى في رجلك. قال أبو معمر: ما شعرت إلا أنهما في ~~رجلي فعلموا يومئذ أنه لو كان له قلبان لما نسي نعله في يده. # وقال الزهري ومقتل: هذا مثل ضربه الله للمظاهر من امرأته ~~والمتبني ولد غيره يقول: فكما لا يكون لرجل قلبان فكذلك لا يكون امرأة ~~المظاهر أمه حتى يكون لها ابنا ولا يكون ولدا واحدا من رجلين. ~~(قال الزمخشري): قوله: { وما جعل أزواجكم اللائي ~~تظاهرون منهن أمهاتكم } أي ما جعل الله لرجل قلبين كما ~~لم يجعل لرجلين أمين ولا لابن أبوين، (وقوله: { وما جعل ~~أزواجكم اللائي } ) قرأ الكوفيون وابن عامر اللائي ههنا وفي ~~سورة الطلاق بياء ساكنة بعد همزة مكسورة وهذا هو الأصل في هذا اللفظ لأنه ~~جميع " التي " معنى وأبو عمرو والبزي اللائي بياء ساكنة وصلا بعد ~~ألف محضة في أحد وجهيها، ولهما وجه آخر سيأتي، ووجه هذه القراءة أنهما ~~حذفا الياء ms7060 بعد الهمزة تخفيفا ثم أبدلا الهمزة ياء وسكناها لصيرورتها ~~ياء مكسورا ما قبلها (إلا أن هذا ليس بقياس وإنما القياس جعل ~~الهمزة بين بين). # (قال أبو علي: لا يقدم على مثل هذا البدل إلا أن يسمع). قال ~~شهاب الدين: قال أبو عمرو بن العلاء إنها لغة قريش التي أمر الناس أن ~~يقرءوا بها. وقال بعضهم: لم يبدلوا وإنما كتبوا فعبر عنهم القرآن ~~بالإبدال. وليس بشيء. وقال أبو علي: " أو غير بإظهار أبي عمرو اللائي ~~يئسن يدل على أنه يشهد ولم يبدل " وهذا غير لازم لأن البدل عارض ~~فلذلك لم يدغم وقرأها ورش بهمزة مسهلة بين بين، وهذا الذي ~~زعم بعضهم أنه لم يصح عنهم غيره وهو تخفيف قياس، وإذا وقفوا سكنوا الهمزة ~~ومتى سكنوها استحال تسهيلها بين بين لزوال حركتها فتقلب ياء لوقوعها ~~ساكنة بعد كسرة وليس (هذا) من مذهبهم تخفيفها فتقر همزة، وقرأ قنبل ~~وورش بهمزة مكسورة دون ياء حذف الياء واجتزأ عنها بالكسرة وهذا الخلاف ~~بعينه جار في المجادلة أيضا والطلاق. # قوله: " تظاهرون " قرأ عاصم تظاهرون بضم التاء وكسر الهاء ~~بعد ألف، مضارع " ظاهر " وابن عامر " تظاهرون " بفتح التاء والهاء ~~وتشديد الظاء مضارع " تظاهر " والأصل " تتظاهرون " بتاءين ~~فأدغم. والأخوان كذلك إلا أنهما خففا الظاء والأصل أيضا بتاءين (إلا ~~أنهما) حذفا إحداهما، وهما طريقان في تخفيف هذا النحو إما الإدغام وإما ~~الحذف وقد تقدم تحقيقه في نحو تذكر وتذكرون مخففا ومثقلا وتقدم ~~نحوه في البقرة أيضا. والباقون " تظهرون " بفتح التاء والحاء ~~(وتشديد الظاء) والهاء دون ألف، والأصل " تتظهرون " بتاءين فأدغم ~~نحو " تذكرون " وقرأ الجميع في المجادلة كقراءتهم في قوله: " الذين ~~يظهرون من نسائهم " إلا الأخوين، فإنهما خالفا أصلهما هنا ~~فقرءا في المجادلة بتشديد الظاء كقراءة ابن عامر. # والظهار مشتق من الظهر، وأصله أن يقول الرجل لامرأته: " أنت ~~علي كظهر أمي " وإنما لم يقرأ الأخوان بالتخفيف في المجادلة ~~لعدم المسوغ له وهو الحذف؛ لأن الحذف إنما كان لاجتماع مثلين وهما ~~التاءان وفي المجادلة ياء من تحت وتاء من فوق فلم ms7061 يجتمع مثلان فلا حذف ~~فاضطر إلا الإدغام، وهذا ما قرىء به متواترا، وقرأ ابن وثاب " ~~تظهرون " بفتح التاء والظاء مخففة وتشديد الهاء والأصل: ~~تتظهرون مضارع " تظهر " مشددا، فحذف إحدى التاءين، وقرأ ~~الحسن " تظهرون " بضم التاء وفتح الظاء مخففة وتشديد الهاء مكسورة ~~مضارع " ظهر " مشددا وعن أبي عمرو " تظهرون " بفتح التاء ~~والهاء وسكون الظاء مضارع " ظهر " مخففا وقرأ أبي - وهي في مصحفه ~~كذلك - تتظهرون - بتاءين فهذه تسع قراءات، أربع متواترة، وخمس ~~شاذة، وأخذ هذه الأفعال من لفظ " الظهر " كأخذ " لبى " من ~~التلبية، و " أفف " من أف. وإنما عدي " بمن " لأنه ضمن معنى ~~التباعد كأنه قيل: يتباعدون من نسائهم بسبب الظهار كما تقدم في ~~البقرة في تعدية الإيلاء (بمن). # فصل # الظهار أن يقول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي، فقال الله ~~تعالى: ما جعل الله نساءكم اللاتي تقولون لهم هذا في التحريم ~~كأمهاتكم ولكنه منكر وزور. وفيه كفارة يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى في ~~سورة المجادلة. # قوله: { وما جعل أدعيآءكم أبنآءكم } (يعني) ما جعل من ~~تبنيتموهم أبناءكم، (نسخ) التبني، وذلك أن الرجل في الجاهلية كان يتبنى ~~الرجل فيجعله كالابن يدعوه الناس إليه ويرث ميراثه، وكان النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أعتق زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي وتبناه قبل الوحي ~~وآخى بينه وبين حمزة بن عبد المطلب فلما تزوج رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - زينب بنت جحش وكانت تحت زيد بن حارثة قال المنافقون تزوج محمد ~~امرأة ابنه وهو ينهى الناس عن ذلك فأنزل الله هذه الآية، ونسخ التبني. ~~واعلم أن الظهار كان في الجاهلية طلاقا حتى كان للزوج ان يتزوج بها من ~~جديد. # قوله: " ذلكم قولكم " مبتدأ وخبر أي دعاؤكم الأدعياء أبناء ~~مجرد قول لسان من غير حقيقة، والأدعياء جمع دعي بمعنى مدعو ~~فعيل بمعنى مفعول وأصله دعيو فأدغم ولكن جمعه على أدعياء غير ~~مقيس؛ لأن " أفعلاء " إنما يكون جمعا لفعيل المعتل اللام إذا كان ~~بمعنى فاعل نحو: تقي وأتقياء، وغني وأغنياء، وهذا وإن كان ~~فعيلا معتل اللام إلا ms7062 أنه بمعنى مفعول فكان قياس جمعه على فعلى ~~كقتيل وقتلى، وجريح، وجرحى، ونظير هذه (الآية في) الشذوذ، ~~قولهم: أسير وأسراء، والقياس: أسرى، وقد سمع فيه الأصل. # واعلم أن الله تعالى قال ههنا { ذلكم قولكم بأفواهكم } ~~وقال في قوله: # وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم ~~بأفواههم # [التوبة: 30] يعني نسبة الشخص إلى غير الأب قول لا حقيقة له ولا يخرج من ~~قلب ولا يدخل أيضا في قلب، فهو قول بالفم مثل أصوات البهائم. # قوله: { والله يقول الحق } أي قوله الحق { وهو يهدي ~~السبيل } أي يرشد إلى سبيل الحق وهذا إشارة إلى أنه ينبغي للعاقل أن ~~يكون قوله إما من عقل أو شرع فإذا قال: فلان بن فلان ينبغي أن يكون عن ~~حقيقة أو شرع بأن يكون ابنه شرعا وإن لم تعلم الحقيقة كمن تزوج بامرأة ~~فولدت لستة أشهر ولدا وكانت الزوجة من قبل زوجة شخص آخر يحتمل أن ~~يكون الولد منه فإنا نلحقه بالزوج الثاني لقيام الفراش ونقول: إنه ابنه ~~شرعا، وفي الدعي لم توجد الحقيقة ولا ورد الشرع به لأنه لا يقول ~~إلا الحق وهذا خلاف الحق، لأن أباه مشهور ظاهر وأشار فيه من وجه آخر إلى ~~أن قولهم هذه زوجة الابن فتحرم فقال الله هي لك حلال فقولهم لا اعتبار له ~~لأنه بأفواههم كأصوات البهائم وقوله الحق فيجب اتباعه وهو يهدي السبيل ~~فيجب اتباعه لكونه حقا ولكونه هاديا. # قوله: { ادعوهم لآبآئهم } (أي الذين ولدوهم { هو أقسط ~~عند الله } أي أعدل قال عبد الله بن عمران زيد بن حارثة مولى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل ~~القرآن ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند) الله. واعلم أن قوله: هو أقسط ~~أي دعاؤهم لآبائهم فهو مصدر قاصر لدلالة فعله عليه كقوله: # اعدلوا هو أقرب للتقوى # [المائدة: 8] قال ابن الخطيب وهو يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون ترك الإضافة للعموم أي اعدلوا كل كلام كقولك الله أكبر. # الثاني: أن يكون ما تقدم منويا كأنه (قال): ذلك ms7063 أقسط من قولكم هو ~~ابن فلان ثم تمم الإرشاد فقال: { فإن لم تعلموا آباءهم ~~فإخوانكم في الدين } أي قولوا لهم إخواننا فإن كانوا ~~مجردين فقولوا موالي فلان ثم قال: { وليس عليكم جناح ~~فيمآ أخطأتم به } أي قبل النهي فنسبتموه إلى غيره. # قوله: { ولكن ما تعمدت قلوبكم } يجوز في " ما " ~~وجهان: # أحدهما: أن تكون مجرورة المحل عطف على ( " ما " ) المجرورة قبلها بفي، ~~والتقدير: ولكن الجناح فيما تعمدته. # الثاني: أنها مرفوعة المحل بالابتداء والخبر محذوف، تقديره تؤاخذون به ~~أو عليكم في الجناح ونحوه. # قوله: { وكان الله غفورا رحيما } المغفرة هي أن يستر ~~القادر قبيح من تحت قدرته حتى أن العبد إذا ستر عيب سيده ~~مخافة عقابه لا يقال غفر له والرحمة هي أن يميل بالإحسان إلى المرحوم ~~لعجز المرحوم لا لعوض فإن من مال إلى إنسان قادر كالسلطان لا يقال رحمه ~~وكذلك من أحسن إلى غيره رجاء في خيره أو عوضا عما صدر منه آنفا من ~~الإحسان لا يقال: رحمه إذا علم هذه فالمغفرة إذا ذكرت قبل الرحمة يكون ~~معناها أنه ستر عيبه ثم رآه مفلسا عاجزا فرحمه وأعطاه، وإذا ذكرت ~~المغفرة بعد الرحمة وهو قليل يكون معناها أنه مال إليه لعجزه فترك عقابه ~~(ولم) يقتصر عليه بل ستر ذنوبه. ### || [33.6-8] # قوله: { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم } أي ~~من بعضهم ببعض في نفوذ حكمه ووجوب طاعته عليهم وقال ابن عباس (وقتادة) ~~وعطاء يعني إذا دعاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ودعتهم أنفسهم إلى ~~شيء كانت طاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - أولى بهم من طاعة أنفسهم. ~~وقال ابن زيد. النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم فيما قضى بينهم كما كنت ~~أولى بعبدك فيما قضيت عليه، وقيل: أولى بهم في الحمل على الجهاد وبذل ~~النفس دونه، وقيل: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخرج إلى الجهاد ~~فيقول قوم: نذهب فنستأذن من آبائنا وأمهاتنا. فنزلت (الآية)، وروى ~~أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من مؤمن إلا أنا أولى به في الدنيا ms7064 ~~والآخرة اقرءوا إن شئتم: { النبي أولى ~~بالمؤمنين من أنفسهم } فأيما مؤمن مات وترك ~~مالا فليرثه عصبته من كانوا ومن ترك دنيا أو ~~ضياعا فليأتني فأنا مولاه " # قوله: { وأزواجه أمهاتهم } أي مثل أمهاتهم وهو أب لهم وهن ~~أمهات المؤمنين في تعظيم حقهن وتحريم نكاحهن على التأبيد لا في النظر ~~إليهن، والخلوة بهن فإنه حرام في حقهن كما في حق الأجانب قال الله تعالى: # وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من ورآء حجاب # [الأحزاب: 33] ولا يقال لبناتهن هن أخوات للمؤمنين ولا لإخوانهن ~~وأخواتهن أخوال المؤمنين وخالاتهم وقال الشافعي: تزوج الزبير أسماء بنت ~~أبي بكر - رضي الله عنه - وهي أخت أم المؤمنين، واختلفوا في أنهن هل كن ~~أمهات النساء المؤمنات، قيل: كن أمهات المؤمنين جميعا وقيل: كن أمهات ~~المؤمنين دون النساء. # روى الشعبي عن مسروق أن امرأة قالت لعائشة يا أمه فقالت: لست لك بأم ~~إنما أنا أم رجالكم فدل هذا على أن معنى هذه الأمومة تحريم ~~نكاحهن. # فصل # قال ابن الخطيب: هذا تقرير آخر، وذلك لأن زوجة النبي - عليه السلام - ما ~~جعلها الله في حكم الأم إلا لقطع نظر الأمة عما تعلق به غرض النبي - عليه ~~السلام - فإذا تعلق خاطره بامرأة شاركت زوجاته في التعلق فحرمت مثل ما ~~حرمت أزواجه على غيره. فإن قيل: كيف قال: وأزواجه أمهاتهم وقال من قبل: # وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن ~~أمهاتكم # [الأحزاب: 4] فأشار إلى أن غير من ولدت لا تصير أما بوجه، ولذلك قال ~~في موضع آخر # إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم # [المجادلة: 2]؟. # فالجواب: أن قوله تعالى في الآية المتقدمة: # والله يقول الحق وهو يهدي السبيل # [الأحزاب: 4] جواب عن هذا والمعنى أن الشرع مثل الحقيقة ولهذا يرجع ~~العاقل عند تعذر اعتبار الحقيقة إلى الشريعة كما أن امرأتين (إذا) ~~ادعت كل واحدة ولدا (بعينه) ولم يكن لهما بينة وحلفت إحداهما دون ~~الأخرى حكم لها بالولد فعلم أن عند عدم الوصول إلى الحقيقة يرجع إلى ~~الشرع بل في بعض المواضع (على المندوب) تغلب الشريعة على الحقيقة فإن ~~الزاني لا ms7065 يجعل أبا لولد الزنا وإن كان ولده في الحقيقة وإذا كان كذلك ~~فالشارع له الحكم فقول القائل: هذه أمي قول (يفهم) لا عن حقيقة ولا يترتب ~~عليه حقيقة وأما قول الشارع فهو حق فله أن يتصرف في الحقائق كم يشاء، ألا ~~ترى أن الأم ما صارت أما إلا بخلق الله الولد في رحمها ولو خلقه في جوف ~~غيرها لكانت الأم غيرها فإذا كان الذي يجعل الأم الحقيقة أما فله أن ~~يسمى أي امرأة أما ويعطيها حكم الأمومة. # على الابن لأن الزوجية تحصل الغيرة فإن تزوج بمن كانت تحت الأب يفضي ~~إلى قطع الرحم والعقوق ولكن النبي - عليه الصلاة والسلام - يربي في ~~الدنيا والأخرة فوجب أن يكون زجاته مثل زوجات الآباء. # فإن قيل: فلم لم يقل إن النبي أبوكم ويحصل هذا المعنى أو لم يقل ~~أزواج أبيكم؟. # فالجواب: أن الحكمة فيه هو النبي (عليه السلام) (مما بينا) أنه إذا أراد ~~زوجة واحد من الأمة وجب عليه تركها ليتزوج بها النبي - عليه (الصلاة و) ~~السلام - فلو قال: أنت أبوهم لحرم عليه زوجات المؤمنين على التأبيد، ~~ولأنه لما جعل أولى بهم من أنفسهم والنفس مقدمة على الأب لقوله ( - عليه ~~السلام -): # " ابدأ بنفسك ثم بمن تعول " # ولذلك فإن المحتاج (إلى القوت) لا يجب عليه صرفه إلى (الأب ويجب عليه ~~صرفه إلى) النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم إن أزواجه لهم حكم أزواج الأب ~~حتى لا تحرم أولادهن على المؤمنين ولا أخواتهن ولا أمهاتهن وإن كان الكل ~~يحرمن في الأم الحقيقة والرضاعة. # قوله: { وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في ~~كتاب الله } يعني في الميراث قال قتادة: كان المسلمون يتوارثون ~~بالهجرة قال الكلبي: إخاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الناس ~~كان يؤاخي بين رجلين فإذا مات أحدهما ورثه الأخر دون عصبته ~~حتى نزلت هذه الآية: { وأولو الأرحام بعضهم أولى ~~ببعض في كتاب الله } في حكم الله من المؤمنين الذين آخى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بينهم والمهاجرين يعني ذوي القرابات بعضهم ~~أولى بميراث ms7066 بعض من أن يرثوا بالإيمان والهجرة فنسخت هذه الآية الموارثة ~~بالمؤاخاة والهجرة فصارت بالقرابة وبعضهم يجوز فيه وجهين: # أحدهما: أن يكون بدلا من أولو. # والثاني: أنه مبتدأ، وما بعده خبر، والجملة خبر الأول. # قوله: { في كتاب الله } يجوز أن يتعلق " بأولي " إلا أن أفعل ~~التفضيل يعمل في الظرف، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من الضمير في ~~أولو والعمل فيها أولو لأنها شبيهة بالظرف ولا جائز أن يكون حالا (من ~~أولو) للفصل بالخبر ولأنه لا عامل فيها. # قوله: " من المؤمنين " يجوز فيه وجهان: # أحدهما: أنها " من " الجارة للمفضول كهي في " زيد أفضل من ~~عمرو " والمعنى وأولو الأرحام أولى بالإرث من المؤمنين والمهاجرين ~~الأجانب. # والثاني: أنها للبيان جيء بها بيانا لأولى الأرحام فيتعلق بمحذوف أي ~~(أعني) والمعنى وأولو الأرحام من المؤمنين أولى بالإرث من الأجانب. # قوله: { إلا أن تفعلوا } هذا استثناء من غير الجنس وهو مستثنى ~~من معنى الكلام وفحواه إذا التقدير وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في ~~الإرث وغيره لكن إذا فعلتم مع غيرهم من أوليائكم خيرا كان لكم ذلك وعدى ~~تفعلوا (بإلى) لتضمنه معنى تدخلوا، وأراد بالمعروف الوصية للذين يتولونه ~~من المعاقدين يعني إن أوصيتم فغير الوارثين أولى وإذا لم توصوا ~~فالوارثون أولى بميراثكم وذلك أن الله لما نسخ التوارث بالحلف والهجرة ~~وأباح أن يوصي (لمن يتولاه) بما أحب ثلث ماله. قال مجاهد: أراد ~~بالمعروف المعرفة وحفظ الحرمة بحق الإيمان والهجرة يعني وأولو الأرحام ~~من المؤمنين والمهاجرين أولى ببعض أي لا توارث بين المسلم ~~والكافر ولا بين المهاجر وغير المهاجر { إلا أن تفعلوا ~~إلى أوليآئكم معروفا } أي إلا أن تعرضوا لذوي ~~قراباتكم بشيء وإن كانوا من غير أهل الإيمان والهجرة وهذا قول ~~عطاء وقتادة وعكرمة. # فإن قيل: أي تعلق للميراث والوصية بما تقدم. # فالجواب: قال ابن الخطيب وجوابه من وجهين: # أحدهما: أن غير النبي في حال حياته لا يصير إليه مال الغير وبعد وفاته ~~لا يصير ماله لغير ورثته والنبي - عليه السلام - في حال حياته كان يصير ~~له ms7067 مال الغير إذا أراده ولا يصير ماله لورثته بعد وفاته فكأن الله ~~تعالى عوض النبي عن قطع ميراثه بقدرته بأن له تملك مال الغير وعوض ~~المؤمنين بأن ما تركه النبي يرجع إليهم حتى لا يكون حرج على المؤمنين في ~~أن النبي (عليه السلام) إذا أراد شيئا يصير له ثم يموت ويبقى لورثته ~~فيفوت عليهم، ولا يرجع إليهم فقال الله تعالى: { وأولو الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض } يعني التوارث بينكم فيصير مال أحدكم ~~لغيره بالإرث والنبي لا توارث بينه وبين أقاربه فينبغي أن يكون له بدل ~~هذا وهو أنه أولى في حياته بما في أيديكم. # الثاني: أن الله تعالى ذكر دليلا على أن النبي عليه السلام أولى فيصير ~~أولى من قريبه فكأنه بالواقع قطع الإرث وقال هذا مالي لا ينتقل عني إلا ~~لمن أريده فكذلك جعل الله تعالى لنبيه من الدنيا ما أراده ثم ما يفضل منه ~~يكون لغيره ثم قال: { كان ذلك في الكتاب مسطورا } مكتوبا. # قال القرطبي: أراد بالكتاب القرآن وهو آية المواريث والوصية وقيل: اللوح ~~المحفوظ. # قوله: { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم } الآية وجه ~~تعلق هذه الآية بما قبلها هو أن الله تعالى لما أمر النبي عليه السلام ~~بالاتقاء وقال: { يأيها النبي اتق الله } وأكده بالحكاية ~~التي خشي (فيها) منهم، خفف عنه لكي لا يخشى أحدا غيره وبين أنه لم ~~يرتكب أمرا يوجب الخشية بقوله: { النبي أولى بالمؤمنين ~~من أنفسهم } وأكده بوجه آخر فقال: " وإذ أخذنا " كأنه قال: ~~اتق الله ولا تخف أحدا واذكر أن الله (أخذ ميثاق) النبيين في أنهم ~~مبلغون رسالات الله ولا يمنعهم من ذلك خوف ولا طمع والمراد من الميثاق ~~العهد الذي بينه في إرسالهم وأمرهم بالتبليغ وأن يصدق بعضهم بعضا قال ~~مقاتل: أخذنا ميثاقهم على أن يدعوا الناس إلى عبادته، ويصدق بعضهم بعضا ~~وينصحوا لقومهم. قوله: " وإذ " يجوز فيه وجهان: # أحدهما: أن يكون منصوبا " باذكر " أي اذكر إذ أخذنا. # والثاني: أن يكون معطوفا على محل: " في الكتاب " فيعمل فيه " ~~مسطورا " أي كان مسطورا في ms7068 الكتاب (و) وقت أخذنا. قوله: { ~~ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم ~~} خص هؤلاء الخمسة بالذكر لأنهم أصحاب الكتب والشرائع وأولو العزم من ~~الرسل، وقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه أولهم في كتاب الله، ~~كما قال صلى الله عليه وسلم: # " كنت أول النبيين في الخلق، وآخرهم في البعث " # قال قتادة وذلك قول الله عز وجل: { وإذ أخذنا من ~~النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح } فبدأ به - صلى الله ~~عليه وسلم - قال ابن الخطيب: وخص بالذكر أربعة من الأنبياء وهم نوح ~~وإبراهيم وموسى وعيسى، لأن موسى وعيسى كان لهما في زمان نبينا قوم وأمه ~~فذكرهما احتجاجا على قومهما، وإبراهيم (عليه الصلاة والسلام) يقولون ~~بفضله (وكانوا يتبعونه في الشعائر، ونوحا لأنه كان أصلا ثانيا للناس ~~حيث وجد الخلق منه بعد الطوفان)، وعلى هذا لو قال قائل: فآدم كان أولى ~~بالذكر من نوح فنقول: خلق آدم كان للعمارة ونبوته كانت مثل الأبوة ~~للأولاد ولهذا لم يكن في زمانه إهلاك قوم ولا تعذيب، وأما نوح فكان ~~مخلوقا للنبوة وأرسل للإنزال ولما كذبوه أهلك قومه وأغرقوا، وأما ~~ذكرعيسى بقوله: عيسى ابن مريم والمسيح ابن مريم؛ فهو إشارة إلى أنه لا أب ~~له، إذ لو كان لوقع التعريف به. # قوله: " ميثاقا غليظا " هو الأول، وإنما كرر لزيادة صفته وإيذانا ~~بتوكيده، قال المفسرون: عهدا شديدا على الوفاء بما حملوا. # قوله: " ليسأل " فيها وجهان: # أحدهما: أنها لام كي أي أخذنا ميثاقهم ليسأل المؤمنين عن صدقهم ~~والكافرين عن تكذيبهم فاستغنى عن الثاني بذكر مسببه وهو قوله: " ~~وأعد " ومفعول صدقهم محذوف أي صدقهم عهدهم، ويجوز أن يكون ~~" صدقهم " في معنى تصديقهم ومفعوله محذوف أيضا أي عن تصديقهم ~~الأنبياء. # قوله: " وأعد " يجوز فيه وجهان: # أحدهما: أن يكون معطوفا على ما دل عليه " ليسأل الصادقين "؛ ~~إذ التقدير: فأثاب الصادقين وأعد للكافرين. والثاني: أنه معطوف على " ~~أخذنا "؛ لأن المعنى أن الله أكد على الأنبياء الدعوة إلى دينه ~~لإثابة المؤمنين وأعد للكافرين، وقيل: إنه حذف من الثاني ما أثبت ~~مقابله في الأول، ومن ms7069 الأول ما أثبت مقابله في الثاني والتقدير: ~~ليسأل الصادقين عن صدقهم فأثابهم ويسأل الكافرين عما أجابوا رسلهم " ~~وأعد لهم عذابا أليما ". # فصل # قال المفسرون: المعنى أخذنا ميثاقهم لكي يسأل الصادقين عن صدقهم يعني ~~النبيين عن تبليغهم الرسالة والحكمة في سؤالهم مع علمه أنهم صادقون ~~بتبكيت من أرسلوا إليهم. وقيل: ليسأل الصادقين عن علمهم بالله عز وجل، ~~وقيل: ليسأل الصادقين بأفواههم عن صدقهم بقلوبهم. ### || [33.9-17] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة ~~الله عليكم... } الآية وهذا تحقيق لما سبق من الأمر بتقوى الله ~~بحيث لا يبقى معه خوف من أحد وذلك حين حوصر المسلمون مع رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أيام الخندق، واجتمع الأحزاب واشتد الأمر على ~~الأصحاب حيث اجتمع المشركون بأسرهم واليهود بأجمعهم، ونزلوا على المدينة ~~وعمل النبي - صلى الله عليه وسلم - الخندق وكان الأمر في غاية الشدة ~~والخوف بالغا إلى الغاية والله دفع القوم عنهم من غير قتال وآمنهم ~~من الخوف فينبغي أن لا يخاف العبد غير ربه فإنه القادر على كل ~~الممكنات فكان قادرا على أن يقهر المسلمين بالكفار مع أنهم ضعفاء كما ~~قهر الكافرين بالمؤمنين مع قوتهم وشوكتهم. # قوله: " إذ جاءتكم " يجوز أن يكون منصوبا " بنعمة " أي النعمة ~~الواقعة في ذلك الوقت، ويجوز أن يكون منصوبا باذكروا على أن يكون ~~بدلا من " نعمة " بدل اشتمال، والمراد بالجنون الأحزاب وهم قريش ~~وغطفان، ويهود قريظة والنضير { فأرسلنا عليهم ~~ريحا } وهي الصبا، قال عكرمة: قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب: ~~انطلق بنصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت الشمال إن الحرة ~~لا تسري بالليل فكانت الريح التي أرسلت عليهم الصبا وروى مجاهد عن ابن ~~عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: # " نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور ". # قوله: { وجنودا لم تروها } قرأ الحسن بفتح الجيم، والعامة ~~بضمها، و " جنودا " عطفا على " ريحا " و " لم تروها " صفة لهم، ~~وروي عن أبي عمرو، وأبي بكر " لم يروها " بياء الغيبة، وهم الملائكة ~~ولم تقاتل الملائكة يومئذ فبعث الله عليهم تلك الليلة ريحا ms7070 باردة فقلعت ~~الأوتاد وقطعت أطناب الفساطيط وأطفأت النيران وأكفأت القدور، ~~وجالت الخيل بعضها في بعض وكثر تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم حتى كان ~~سيد كل حي يقول: يا بني فلان هلم إلي فإذا اجتمعوا عنده قال: ~~النجا النجا أتيتم لما بعث الله عليهم من الرعب فانهزموا من غير ~~قتال. { وكان الله بما تعملون بصيرا } وهذا إشارة إلى ~~أنه الله علم التجاءكم إليه وجاءكم فضله فنصركم على الأعداء عند ~~الاستعداد والقصة مشهورة. # قوله: " إذ جاؤوكم " بدل من " إذ " الأولى، والحناجر جمع " ~~حنجرة " وهي رأس الغلصمة والغلصمة منتهى الحلقوم، ~~والحلقوم مجرى الطعام والشراب، وقيل: الحلقوم مجرى النفس والمريء ~~الطعام والشراب وهو تحت الحلقوم وقال الراغب: رأس الغلصمة من ~~خارج. # قوله: " الظنونا " قرأ نافع وابن عامر وأبو بكر بإثبات ألف بعد نون " ~~الظنون " ولام الرسول في قوله: # وأطعنا الرسولا # [الأحزاب: 66] ولام السبيل في قوله: # فأضلونا السبيلا # [الأحزاب: 67] وصلا ووقفا موافقة للرسم؛ لأنهن رسمن في المصحف كذلك ~~وأيضا فإن هذه الألف تشبه هاء السكت لبيان الحركة، وهاء السكت تثبت ~~وقفا للحاجة إليها وقد ثبتت وصلا إجراء للوصل مجرى الوقف كما ~~تقدم في البقرة والأنعام فكذلك هذه الألف، وقرأ أبو عمرو وحمزة بحذفها ~~في الحالين؛ لأنها لا أصل لها وقولهم: أجريت الفواصل مجرى القوافي غير ~~معتد به لأن القوافي يلتزم الوقف عليها غالبا، والفواصل لا يلزم ذلك ~~فيها فلا تشبه بها، والباقون بإثباتها وقفا وحذفها وصلا إجراء ~~للفواصل مجرى القوافي في ثبوت ألف الإطلاق كقوله: # 4069 - استأثر الله بالوفاء وبالعدل # وولى الملامة الرجلا # وقوله: # 4070 - أقلي اللوم عاذل والعتابا # وقولي إن أصبت لقد أصابا # ولأنها كهاء السكت وهي تثبت وقفا وتحذف وصلا، قال شهاب الدين: " كذلك ~~يقولون تشبيها للفواصل بالقوافي وأنا لا أحب هذه العبارة فإنها منكرة ~~لفظا ". ولا خلاف في قوله: { وهو يهدي السبيل } أنه بغير ألف ~~في الحالين. # فصل # المعنى إذ جاؤوكم من فوقكم أي من فوق الوادي من قبل المشرق وهم ~~" أسد " ، وغطفان عليهم مالك بن عوف النضري، وعيينة ~~بن حصن الفزاري ms7071 في ألف من غطفان ومنهم طلحة بن خويلد ~~الأسدي في بني أسد، وحيي بن أخطب في يهود بني قريظة { ~~ومن أسفل منكم } أي من بطن الوادي من قبل المغرب وهم ~~قريش وكنانة عليهم أبو سفيان بن حرب ومن معه وأبو ~~الأعور بن سفيان السلمي من قبل الخندق، وكان الذي جر غزوة الخندق ~~فيما قيل إجلاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بني النضير من ~~ديارهم { وإذ زاغت الأبصار } مالت وشخصت من الرعب، وقيل: ~~مالت عن كل شيء فلم تنظر إلا إلى عدوها { وبلغت القلوب ~~الحناجر } فزالت عن أماكنها حتى بلغت الحلوق من الفزع، وهذا على ~~التمثيل عبر به عن شدة الخوف. قال الفراء معناه أنهم جبنوا، وسبيل ~~الجبان إذا اشتد خوفه أن تنتفخ رئته فإذا انتفخت الرئة رفعت ~~القلب إلى الحنجرة ولهذا يقال للجبال: انتفخ سحره؛ لأن القلب عند الغضب ~~يندفع وعند الخوف يجتمع فيتقلص بالحنجرة وقد يفضي إلى أن يسد مخرج ~~النفس فلا يقدر المرء (أن) يتنفس ويموت من الخوف. { وتظنون ~~بالله الظنونا } وهو اختلاف الظنون، فظن المنافقون استئصال محمد ~~وأصحابه وظن المؤمنون النصر والظفر لهم. # فإن قيل: المصدر لا يجمع فما الفائدة من جمع الظنون؟ # فالجواب: لا شك أنه منصوب على المصدر ولكن الاسم قد يجعل مصدرا كما ~~يقال: " ضربته سياطا " و " أدبته مرارا " فكأنه قال: ~~ظننتم ظنا جاز أن يكون مصيبين فإذا قال: ظنونا بين أن فيهم من ~~كان ظنه كاذبا لأن الظنون قد تكذب كلها، وقد تكذب بعضها إذا كانت في ~~أمر واحد كما إذا رأى جمع جسما من بعيد فظنه بعضهم أنه زيد، وآخرون ~~أنه عمرو، وآخرون أنه بكر، ثم ظهر لهم الحق قد يكونون كلهم مخطئين ~~والمرئي شجر أو حجر، وقد يكون أحدهم مصيبا ولا يمكن أن يكونوا كلهم ~~مصيبين في ظنونهم، فقوله: " الظنون " أفادنا أن فيهم من أخطأ الظن، ~~ولو قال: " تظنون بالله ظنا " ما كان يفيد هذا، والألف واللام في " ~~الظنون " يمكن أن تكون للاستغراق مبالغة بمعنى تظنون كل ظن، لأن عند ms7072 ~~الأمر العظيم كل أحد يظن شيئا، ويمكن أن تكون الألف واللام للعهد أي ~~ظنونهم المعهودة؛ لأن المعهود من المؤمن ظن الخير بالله كما قاله عليه ~~(الصلاة و) السلام: # " ظنوا بالله خيرا " # ومن الكافر الظن السوء كقوله تعالى: # ذلك ظن الذين كفروا # [ص: 27] وقوله: # إن يتبعون إلا الظن # [الأنعام: 148]. # قوله: " هنالك " منصوب " بابتلي ". وقيل: " بتظنون " ~~واستضعفه ابن عطية وفيه وجهان: # أحدهما: أنه ظرف مكان بعيد أي في ذلك المكان الدحض وهو الخندق. # والثاني: أنه ظرف زمان، وأنشد بعضهم على ذلك: # 4071 - وإذا الأمور تعاظمت وتشاكلت # فهناك يعترفون أين المفزع # " وزلزلوا " قرأ العامة بضم الزاي الأولى، (وكسر الثانية على أصل ~~ما لم يسم فاعله، وروى غير واحد عن " أبي عمرو " كسر الأولى)، وروى ~~الزمخشري عنه إشمامها كسرا، ووجه هذه القراءة أن يكون أتبع الزاي الأولى ~~للثانية في الكسر ولم يعتد بالساكن لكونه غير حصين كقولهم: مبين - بكسر ~~الميم - والأصل ضمها. # قوله: " زلزالا " مصدر مبين للنوع بالوصف والعامة على كسر ~~الزاي، وعيسى، والجحدري فتحاها وهما لغتان في مصدر الفعل المضعف إذا ~~جاء على " فعلال " نحو: " زلزال، وقلقال وصلصال " ، وقد يراد ~~بالمفتوح اسم الفاعل نحو: صلصال بمعنى مصلصل بمعنى " مزلزل ~~". # فصل # قال المفسرون: معنى ابتلي المؤمنون اختبر المؤمنون بالحصر والقتال ~~ليبين المخلص من المنافق، والابتلاء من الله ليس لإبانة الأمر له بل ~~لحكمة أخرى وهي أن الله تعالى عالم بما هم عليه لكنه أراد أظهار الأمر ~~لغيره من الملائكة والأنبياء كما أن السيد إذا علم من عبده المخالفة عزم ~~على معاقبته على مخالفته، وعنده غيره من العبيد أو غيرهم فيأمره بأمر ~~عالما بأنه مخالف لكي يتبين الأمر عند الغير فيقع المعاقبة على أحسن ~~الوجوه حيث لا يقع لأحد أنه يظلم، وقوله: { وزلزلوا زلزالا ~~شديدا } أي أزعجوا وحركوا حركة شديدة فمن ثبت منهم كان من الذين إذا ~~ذكر الله وجلت قلوبهم. # ثم قال: { وإذ يقول المنافقون } معتب بن قشير، وقيل: عبد ~~الله بن أبي وأصحابه { والذين في قلوبهم مرض } شك وضعف ~~اعتقاد { ما وعدنا الله ms7073 ورسوله إلا غرورا } وهذا ~~تفسير الظنون وبيان لها، فظن المنافقون أن ما قال الله ورسوله كان زورا ~~ووعدهما كان غرورا حيث ظنوا بأن الغلبة واقعة لهم يعدنا محمد ~~فتح قصر الشام وفارس وأحدنا لا يستطيع أن يجاوز رحله هذا والله ~~الغرور. # قوله: { وإذ قالت طآئفة منهم } أي من المنافقين " وهم ~~أوس بن قيظي وأصحابه " { يأهل يثرب } يعني المدينة، قال أبو ~~عبيد(ة): يثرب: اسم أرض ومدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في ~~ناحية منها، وفي بعض الأخبار: # " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن تسمى المدينة يثرب " # وقال: هي طابة كأنه كره هذه اللفظة، وقال أهل اللغة: يثرب اسم المدينة، ~~وقيل: اسم البقعة التي فيها المدينة، وامتناع صرفها إما للعلمية والوزن ~~أو للعلمية والتأنيث، وأما يترب - بالتاء المثناة وفتح الراء فموضع ضع ~~آخر باليمن، قال الشاعر: # 4072 - وعدت وكان الخلف منك سجية # مواعيد عرقوب أخاء بيترب # وقال: # 4073 - وقد وعدتك موعدا لوقت # مواعيد عرقوب أخاه بيترب # { لا مقام لكم } قرأ حفص، وأبو عبد الرحمن السلمي بضم ~~الميم، ونافع وابن عامر بضم ميمة أيضا في الدخان في قوله: # إن المتقين في مقام # [الدخان: 51] ولم يختلف في الأولى أنه بالفتح وهو " مقام كريم " ~~والباقون بفتح الميم في الموضعين، والضم والفتح مفهومان من سورة مريم عند ~~قوله: # خير مقاما وأحسن نديا # [مريم: 73] فمعنى الفتح لا مكان لكم تنزلون به وتقيمون فيه. ومعنى الضم ~~لا إقامة لكم فارجعوا إلى منازلكم عن اتباع محمد - صلى الله عليه وسلم -. ~~وقيل: عن القتال إلى منازلكم. { ويستأذن فريق منهم ~~النبي } هم بنو حارثة وبنو سلمة { إن بيوتنا عورة } أي ~~خالية ضائعة، وهي مما يلي العدو ويخشى عليها السراق. # قوله: " عورة " أي ذات عورة، وقيل: منكشفة أي قصيرة الجدران ~~للسارق وقال الشاعر: # 4074 - له الشدة الأولى إذا القرن أعورا # وقرأ ابن عباس وابن يعمر وقتادة وأبو رجاء وأبو حيوة وآخرون: ~~عورة بكسر الواو وكذلك { وما هي بعورة } ، وهما اسم فاعل، يقال: ~~عور المنزل: يعور عورا وعورة فهو عور، وبيوت ms7074 عورة، ~~قال ابن جني: تصحيح الواو شاذ، يعني حيث تحركت وانفتح ما قبلها ولم تقلب ~~ألفا، وفيه نظر لأن شرط ذاك في الاسم الجاري على الفعل أن يعتل فعله نحو ~~مقام ومقال، وأما هذا ففعله صحيح نحو عور، وإنما صح الفعل وإن ~~كان فيه مقتضى الإعلال لمدرك آخر وهو أنه في معنى ما لا يعل وهو " ~~أعور " ولذلك لم نتعجب من " عور " وبابه، وأعور المنزل: بدت ~~عورته، واعور الفارس بدا منه خلله للضرب قال الشاعر: # 4075 - متى تلقهم لم تلق في البيت معورا # ولا الصيف مسجورا ولا الجار مرسلا # ثم كذبهم الله تعالى فقال: { وما هي بعورة إن يريدون ~~إلا فرارا }. # قوله: { ولو دخلت عليهم من أقطارها } ولو دخل عليهم ~~المدينة أو البيوت يعني هؤلاء الجيوش الذين يريدون قتالهم وهم الأحزاب " ~~من أقطارها " جوانبها. وفيه لغة وتروى: أقتار - بالتاء -. ~~والقطر: الجانب أيضا ومنه قطرته أي ألقيته على قطره ~~فتقطر أي وقع عليه قال: # 4076 - قد علمت سلمى وجاراتها # ما قطر الفارس إلا أنا # وفي المثل: " الانفضاض يقطر الجلب " تفسيره أن القوم إذا ~~انفضوا أي فني زادهم احتاجوا إلى جلب الإبل، وسمي القطر قطرا ~~لسقوطه. # قوله: " ثم سئلوا " قرأ مجاهد " سويلوا " بواو ساكنة ثم ياء ~~مكسورة " كقوتلوا ". حكى أبو زيد: هما يتساولان بالواو، والحسن: ~~سولوا بواو ساكنة فقط فاحتملت وجهين: # أحدهما: أن يكون أصلها: سيلوا كالعامة، ثم خففت الكسرة فسكنت كقولهم في ~~ضرب - بالكسر - ضرب بالسكون فسكنت الهمزة بعد ضمة فقلبت واوا نحو: ~~بوس في بؤس. # والثاني: أن يكون من لغة الواو، ونقل عن أبي عمرو أنه قرأ سيلوا بياء ~~ساكنة بعد كسرة نحو: قيلوا. # قوله: " لأتوها " قرأ نافع وابن كثير بالقصر بمعنى لجاؤوها ~~وغشوها، والباقون بالمد بمعنى لأعطوها ومفعوله الثاني محذوف تقديره: ~~لآتوها السائلين. والمعنى ولو دخلت البيوت أو المدينة من جميع نواحيها ثم ~~سئل أهلها الفتنة لم يمتنعوا من إعطائها، وقراءة المد يستلزم قراءة القصر ~~من غير عكس بهذا المعنى الخاص. # قوله: " إلا يسيرا " أي إلا تلبثا أو إلا ms7075 زمانا يسيرا. ~~وكذلك قوله: { إلا قليلا } [الأحزاب: 16-18] أي إلا تمتعا أو ~~إلا زمانا قليلا. # فصل # دلت الآية على أن ذلك الفرار والرجوع ليس لحفظ البيوت لأن من يفعل فعلا ~~لغرض فإذا فاته الغرض لا يفعله فقال تعالى هم قالوا بأن رجوعنا عنك لحفظ ~~بيوتنا ولو دخلها الأحزاب وأخذوها منهم لرجعوا أيضا فليس رجوعهم عنك إلا ~~بسبب كفرهم وحبهم الفتنة وهي الشرك، { وما تلبثوا بهآ } أي ما ~~تلبثوا بالمدينة أو البيوت " إلا يسيرا " وأن المؤمنين ~~يخرجونهم قاله الحسن، وقيل: ما تلبثوا أي ما احتبسوا عن ~~الفتنة - وهي الشرك - إلا يسيرا ولأسرعوا للإجابة إلى الشرك طيبة به ~~أنفسهم وهذا قول أكثر المفسرين. # قوله: { ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل } أي من قبل ~~غزوة الخندق { لا يولون الأدبار } عدوهم أي لا ينهزمون قال ~~يزيد بن رومان: هم بنو حارثة هموا يوم الخندق أن يقتتلوا مع بني ~~سلمة، فلما نزل فيهم ما نزل عاهدوا الله أن لا يعودوا لمثلها، وقال ~~قتادة: هم ناس كانوا قد غابوا عن واقعة بدر ورأوا ما أعطى الله أهل بدر ~~من الكرامة والفضيلة وقالوا لئن أشهدنا الله قتالا ~~لنقاتلن فساق الله إليهم ذلك وقال مقاتل والكلبي: # " هم سبعون رجلا جاءوا بايعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة ~~العقبة وقالوا اشترط لنفسك ولربك ما شئت فقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن ~~تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأولادكم قالوا: وإذا فعلنا ذلك ~~(فما لنا يا رسول الله؟ قال: لكم النصر في الدنيا والجنة في الآخرة، ~~قالوا: قد فعلنا فذلك) عهدهم " # وهذا القول ليس بمرضي؛ لأن الذين بايعوا ليلة العقبة كانوا سبعين ~~لم يكن فيهم شاك ولا من يقول مثل هذا القول وإنما الآية في قوم ~~عاهدوا الله أن يقاتلوا ولا يفروا فنقضوا العهد. وهذا بيان لفساد ~~سريرتهم وقبح سيرتهم لنقضهم العهود فإنهم قبل ذلك تخلفوا وأظهروا عذرا ~~وندما ثم هددهم بقوله: { وكان عهد الله مسئولا } أي ~~مسؤولا ms7076 عنه. # قوله: " لا يولون " جواب لقوله: " عاهدوا " لأنه في معنى: " ~~أقسموا " وجاء على حكاية اللفظ فجاء بلفظ الغيبة ولو جاء على حكاية ~~المعنى لقيل: لا يولي، والمفعول الأول محذوف أي يولون العدو الأدبار. ~~وقال أبو البقاء: ويقرأ بالتشديد تشديد النون وحذف الواو على تأكيد جواب ~~القسم. قال شهاب الدين: ولا أظن هذا إلا غلظا منه وذلك أنه إما أن ~~يقرأ مع ذلك بلا النافية أو بلام التأكيد، والأول لا يجوز لأن المضارع ~~المنفي بلا لا يؤكد بالنون إلا ما ندر مما لا يقاس عليه والثاني فاسد ~~المعنى. # قوله: " إن فررتم " جوابه محذوف لدلالة النفي قبله عليه أو متقدم ~~عند من يرى ذلك. # قوله: { وإذا لا تمتعون إلا قليلا } إذن جواب وجزاء، ~~ولما وقعت بعد عاطف جاءت على الأكثر وهو عدم إعمالها ولم يشذ هنا ما ~~شذ في الإسراء، فلم يقرأ بالنصب، والعامة بالخطاب في " تمتعون ~~". وقرىء بالغيبة. # فصل # المعنى: { قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من ~~الموت أو القتل } الذي كتب عليكم لأن من حضر أجله مات أوقتل { ~~وإذا لا تمتعون إلا قليلا } أي لا تمتعون بعد الفرار ~~إلا مدة آجالكم وهي قليل. وهذا إشارة إلى ان الأمور مقدرة لا يمكن الفرار ~~مما قدره الله لأنه كائن لا محالة فلو فررتم لما دمتم بل لا تمتعون إلا ~~قليلا وهو ما بقي من آجالكم فالعاقل لا يرغب في شيء قليل يفوت عليه ~~شيئا كثيرا. # قوله: { من ذا الذي } تقدم في البقرة، قال الزمخشري: فإن قلت: كيف ~~جعلت الرحمة قرينة السوء في العصمة ولا عصمة إلا من السوء؟ قلت: معناه أو ~~يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة، فاختصر الكلام وأجري مجرى قوله: # متقلدا سيفا ورمحا # أو حمل الثاني على الأول لما في العصمة من معنى المنع قال أبو حيان: ~~أما الوجه الأول فيه حذف جملة لا ضرورة تدعو إلى حذفها، والثاني هو الوجه ~~لا سيما إذا قدر مضاف محذوف أي يمنعكم من مراد الله، قال شهاب الدين: ~~وأين الثاني من الأول ولو ms7077 كان معه حذف جمل. # فصل # المعنى من ذا الذي يمنعكم من الله إن أراد بكم سوءا هزيمة أو أراد بكم ~~رحمة نصرة، وهذا بيان لما تقدم من قوله: { لن ينفعكم ~~الفرار } وقوله: { ولا يجدون لهم من دون الله ~~وليا ولا نصيرا } تقرير لقوله: { من ذا الذي يعصمكم ~~من الله } أي ليس لكم شفيع أي قريب ينفعكم ولا نصير ينصركم ويدفع ~~عنكم السوء إذا أتاكم. ### || [33.18-27] # قوله: { قد يعلم الله المعوقين منكم } المثبطين ~~الناس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - { والقآئلين ~~لإخوانهم هلم إلينا } ارجعوا إلينا ودعوا محمدا فلا ~~تشهدوا معه الحرب فإنا نخاف عليكم الهلاك، قال قتادة: هم ناس من ~~المنافقين كانوا يثبطون أنصار النبي - صلى الله عليه وسلم - يقولون ~~لإخوانهم: إن محمدا وأصحابه لو كانوا (لحما لالتهمهم) أبو سفيان ~~وأصحابه دعوا الرجل فإنه هالك. وقال مقاتل: نزلت في المنافقين فإن ~~اليهود أرسلوا إلى المنافقين قالوا ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد ~~أبي سفيان ومن معه فإنهم إن قدروا عليكم في هذه المرة لم ~~يستبقوا منكم أحدا وإنا نشفق عليكم أنتم إخواننا وجيراننا هلم ~~إلينا فأقبل عبد الله بن أبي وأصحابه على المؤمنين يعوقونهم ~~ويخوفونهم بأبي سفيان وبمن معه قالوا: لئن قدروا عليكم لم ~~يستبقوا منكم أحدا ما ترجون من محمد، ما عنده خير ما هو إلا أن يقتلنا ~~ههنا انطلقوا بنا إلى إخواننا يعني اليهود فلم يزدد المؤمنون بقول ~~المنافقين إلا إيمانا واحتسابا. # قوله: " هلم " (تقدم) الكلام فيه آخر الأنعام. وهو هنا لازم، وهناك ~~متعد لنصبه مفعوله وهو " شهداءكم " بمعنى أحضروهم، ~~وههنا بمعنى " احضروا " وتعالوا، وكلام الزمخشري هنا مؤذن بأنه متعد ~~أيضا وحذف مفعوله، فإنه قال: " وهلموا إلينا " أي قربوا ~~أنفسكم إلينا (قال): " وهي صوت سمي به فعل متعد مثل: احضر وقرب " ، ~~وفي تسميته إياه صوتا نظر إذا أسماء الأصوات محصورة ليس هذا منها. ولا ~~يجمع في لغة الحجاز ويجمع في غيرها فيقال للجماعة: هلموا وللنساء ~~هلممن. # قوله: { ولا يأتون البأس } الحرب " إلا قليلا " رياء ~~وسمعة أي ms7078 لا يقاتلون معكم ويتعللون عن الاشتغال بالقتال وقت الحضور معكم ~~ولو كان ذلك القليل لكان كثيرا. # قوله: " أشحة " العامة على نصبه وفيه وجهان: # أحدهما: أنه منصوب على الشتم. # والثاني: على الحال وفي العامل فيه أوجه: # أحدها: " ولا يأتون " قاله الزجاج. # الثاني: " هلم إلينا ". قاله الطبري. # الثالث: " يعوقون " مضمرا، قاله الفراء. # الرابع: " المعوقين ". # الخامس: " القائلين " ورد هذان الوجهان الأخيران بأن فيهما الفصل ~~بين أبعاض الصلة بأجنبي، وفي الرد نظر لأن الفصل بين أبعاض الصلة من ~~متعلقاتها، وإنما يظهر الرد على الوجه الرابع لأنه قد عطف على الموصول ~~قبل تمام صلته فتأمله فإنه حسن وأما " ولا يأتون " فمعترض ~~والمعترض لا يمنع من ذلك. وقرأ ابن أبي عبلة أشحة بالرفع على ~~خبر ابتداء مضمر أي هم أشحة وأشحة جمع " شحيح " وهو جمع لا ينقاس؛ إذ ~~قياس " فعيل " الوصف الذي عينه ولامه من واد واحد أن يجمع على أفعلاء ~~نحو خليل وأخلاء وظنين وأظناء، وضنين وأضناء، وقد سمع ~~أشحاء وهو القياس. # والشح البخل، وقد تقدم في آل عمران. # فصل # المعنى أشحة عليكم بخلاء بالنفقة في سبيل الله والنصرة، وقال قتادة ~~بخلاء عند الغنيمة وصفهم الله بالبخل والجبن فقال: { فإذا جآء ~~الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم } في ~~الرؤوس من الخوف والجبن { كالذي يغشى عليه من الموت } ~~أي كدوران عين الذين يغشى عليه من الموت وذلك أن من قرب من الموت ~~وغشيته أسبابه يذهب عقله ويشخص بصره فلا يطرف، واعلم أن البخل ~~شبيه الجبن فلما ذكر البخيل بين سببه وهو الجبن لأن الجبان يبخل بماله ~~ولا ينفقه في سبيل الله لأنه لا يتوقع الظفر فلا يرجو الغنيمة فيقول هذا ~~إنفاق لا بدل له فيتوقف فيه، وأما الشجاع فيتيقن الظفر والاغتنام فيهون ~~عليه إخراج المال في القتال طمعا فيما هو أضعاف ذلك. # قوله: " ينظرون " في محل (نصب) حال من مفعول " رأيتهم " لأن ~~الرؤية بصرية. # قوله: " تدور " إما حال تانية وإما حال من " ينظرون " " كالذي ~~يغشى " يجوز فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون حالا من: " أعينهم " أي ms7079 تدور أعينهم حال كونها مشبهة ~~عين الذي يغشى عليه من الموت. # الثاني: أنه نعت مصدر مقدر لقوله " ينظرون " تقديره: ينظرون إليك نظرا ~~مثل نظر الذي يغشى عليه من الموت ويؤيده الآية الأخرى: # ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت # [محمد: 20] المعنى يحسبون أي هؤلاء المنافقون يحسبون الأحزاب يعني ~~قريشا وغطفان واليهود " لم يذهبوا " لم ينصرفوا عن قتالهم من ~~غاية الجبن عند ذهابهم كأنهم غائبون حيث لا يقاتلون كقوله: { ولو ~~كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا } { وإن يأت ~~الأحزاب } أي يرجعون إليهم للقتال بعد الذهاب { يودوا لو ~~أنهم بادون في الأعراب } من الخوف والجبن. # (قوله): " بادون " هذه قراءة العامة جمع " باد " وهو المقيم ~~بالبادية يقال: بدا يبدوا بداوة إذا خرج إلى البادية، وقرأ عبد ~~الله وابن عباس وطلحة وابن يعمر بدى - بضم الباء وفتح الدال ~~مشددة - مقصورا كغاز وغزى، وسار وسرى.وليس بقياس، وإنما ~~قياسه في باد وبداة، كقاض وقضاة، ولكن حمل على الصحيح كقولهم: " ~~ضرب ". وروي عن ابن عباس قراءة ثانية بزنة " عدى " وثالثة: " ~~بدوا " فعلا ماضيا. # (قوله): " يسألون " يجوز أن يكون مستأنفا، وإن يكون حالا من فاعل ~~" يحسبون " والعامة على سكون السين بعدها " همزة " ، ونقل ابن عطية ~~عن أبي عمرو وعاصم بنقل حركة الهمزة إلى السين كقوله: # سل بني إسرائيل كم آتيناهم # [البقرة: 211] وهذه ليست بالمشهورة عنهما، ولعلها نقلت عنهما شاذة، ~~وإنما هي معروفة بالحسن والأعمش، وقرأ زيد بن علي والجحدري ~~وقتادة والحسن " يساءلون " بتشديد السين والأصل " ~~يتساءلون " فأدغم، أي يسأل بعضهم بعضا. # فصل # { يسألون عن أنبآئكم } أخباركم، وما آل إليه أمركم " ولو ~~كانوا " يعني هؤلاء المنافقين { فيكم ما قاتلوا إلا ~~قليلا }. أي يقاتلون قليلا يقيمون به عذرهم فيقولون: قد قاتلنا، ~~قال الكلبي: " إلا قليلا " أي رميا بالحجارة. وقال مقاتل: ~~إلا رياء وسمعة من غير احتساب. # (قوله) تعالى: { لقد كان لكم في رسول الله أسوة ~~حسنة } قرأ عاصم: " أسوة " بضم الهمزة حيث وقعت هذه اللفظة ~~والباقون بكسرها. وهما لغتان كالغدوة والغدوة والقدوة ~~والقدوة والأسوة بمعنى الاقتداء أي قدوة صالحة، وهي ms7080 اسم وضع ~~موضع المصدر وهو " الايتساء " فالأسوة من الايتساء كالقدوة من ~~الاقتداء، وائتسى فلان بفلان أي اقتدى به، وأسوة اسم " ~~كان " وفي الخبر وجهان: # أحدهما: هو " لكم " فيجوز في الجار الآخر وجوه: التعلق بما يتعلق به ~~الخبر، أي بمحذوف على أنه حال من " أسوة "؛ إذ لو تأخر لكان صفة أو ~~" بكان " على مذهب من يراه. # الثاني: أن الخبر هو: " في رسول الله " و " لكم " على ما تقدم ~~في " رسول الله " أو يتعلق بمحذوف على التبيين أعني لكم. # قوله: { لمن كان يرجو } فيه أوجه: # أحدها: أنه بدل من الكاف في " لكم " قاله الزمخشري، ومنعه أبو ~~البقاء، وتابعه أبو حيان، قال أبو البقاء: وقيل: هو بدل من ضمير ~~المخاطب بإعادة الجار، ومنع منه الأكثرون؛ لأن ضمير المخاطب لا ~~يبدل منه. وقال أبو حيان: قال الزمخشري بدل من " لكم " كقوله: # استضعفوا لمن آمن منهم # [الأعراف: 75]. قال: ولا يجوز على مذهب جمهور البصريين أن يبدل من ضمير ~~المتكلم ولا من ضمير المخاطب بدل شيء من شيء وهما لعين واحدة وأجاز ذلك ~~الكوفيون والأخفش وأنشد: # 4077 - بكم قريش كفينا كل معضلة # وأم نهج الهدى من كان ضليلا # قال شهاب الدين: لا نسلم أن هذا بدل شيء من شيء وهما لعين واحدة، بل بدل ~~بعض من كل باعتبار الواقع لأن الخطاب في قوله: " لكم " أعم من: " من ~~كان يرجو الله وغيره " ثم خصص ذلك العموم لأن المتأسي به ~~عليه (الصلاة و) السلام في الواقع إنما هو المؤمنون ويدل عليه ما قلته ~~ظاهر تشبيه الزمخشري هذه الآية بآية الأعراف، وآية الأعراف البدل فيها ~~بدل كل من كل ومجاب بأنه إنما قصد التشبيه في مجرد إعادة العامل. # والثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة " لحسنة ". # والثالث: أن يتعلق بنفس " حسنة " قالهما أبو البقاء، ومنع أن يتعلق ~~بأسوة قال: لأنها قد وصفت و " كثيرا " أي ذكرا كثيرا. # فصل # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة أي قدوة صالحة أن تنصروا دين الله ~~وتؤازروا الرسول ولا تتخلفوا عنه وتصبروا ms7081 على ما يصيبكم كما فعل هو إذا ~~كسرت رباعيته، وجرح وجهه وقتل عمه، وأوذي بضروب من الأذى ~~فواساكم مع ذلك بنفسه فافعلوا أنتم كذلك أيضا، واستنوا بسنته { لمن ~~كان يرجو الله واليوم الآخر } قال ابن عباس لمن كان يرجو ~~ثواب الله. وقال مقاتل: يخشى الله واليوم الآخر أي يخشى يوم البعث الذي ~~فيه جزاء الأعمال وذكر الله كثيرا في جميع المواطن على السراء والضراء، ~~ثم وصف حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب فقال: { ولما رأى ~~المؤمنون الأحزاب } لما بين حال المنافقين ذكر حال المؤمنين ~~عند لقاء الأحزاب وهو أنهم لما رأوا الأحزاب قالوا تسليما لأمر الله ~~وتصديقا بوعده وهو قولهم: { هذا ما وعدنا الله ورسوله ~~} ، وقولهم { وصدق الله ورسوله } ليس بإشارة إلى ما وقع ~~فإنهم كانوا يعرفون صدق الله قبل الوقوع وإنما هو إشارة إلى بشارة وهو ~~أنهم قالوا: { هذا ما وعدنا الله } وقد وقع صدق الله في جميع ~~ما وعد فيقع الكل مثل فتح مكة وفتح الروم وفارس { وما زادهم إلا ~~إيمانا وتسليما } (عند وجوده ووعد الله إياهم ما ذكر في سورة ~~البقرة: # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة # [البقرة: 214] إلى قوله: # ألآ إن نصر الله قريب # [البقرة: 214] فالآية تتضمن أن المؤمنين يلحقهم مثل ذلك البلاء فلما) ~~(رأوا الأحزاب وما أصابهم من الشدة قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق ~~الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما) أي تصديقا لله وتسليما ~~له. # قوله: { وصدق الله ورسوله } من تكرير الظاهر تعظيما لقوله: # 4078 - لا أرى الموت يسبق الموت شيء # ................................ # ولأنه لو أعادهما مضمرين لجمع بين اسم الباري تعالى واسم رسوله في لفظة ~~واحدة فكان يقال: " وصدقا " ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد كره ذلك ~~ورد على من قال حيث قال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ~~ومن يعصهما فقد غوى فقال له بئس خطيب القوم أنت قل: ومن ~~يعص الله ورسوله قصدا إلى تعظيم الله. وقيل إنما رد عليه لأنه وقف على " ~~يعصهما " وعلى الأولى استشكل بعضهم قوله: " حتى يكون الله ~~ورسوله ms7082 أحب إليه مما سواهما " فقد جمع بينهما في ضمير ~~واحد وأجيب: بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعرف بقدر الله منا فليس ~~لنا أن نقول كما يقول. # قوله: " وما زادهم " فاعل " زادهم " ضمير الوعد أي وما زادهم وعد ~~الله أو الصدق. وقال مكي ضمير النظر لأن قوله " لما رأى " بمعنى لما نظر. ~~وقال أيضا: وقيل ضمير الرؤية، وإنما ذكر لان تأنيثها غير حقيقي ولم يذكر ~~غيرهما، وهذا عجيب منه حيث حجروا واسعا مع الغنية عنه. وقرأ ابن أبي ~~عبلة " وما زادوهم " بضمير الجمع، ويعود للأحزاب لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أخبرهم أن الأحزاب يأتيهم بعد عشر أو تسع. # قوله: { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله ~~عليه } ووفوا به. # قوله: " صدقوا " صدق يتعدى لاثتين لثانيهما بحرف الجر، ويجوز حذفه ومنه ~~المثل: " صدقني سن بكرة " أي في سن. والآية يجوز أن تكون من ~~هذا، والأول محذوف أي صدقوا الله فيما عاهدوا الله عليه، ويجوز أن يتعدى ~~لواحد كقولك " صدقني زيد، وكذبني عمرو " أي قال لي الصدق ~~وقال الكذب، ويكون المعاهد عليه مصدوقا مجازا كأنهم قالوا للشيء ~~المعاهد عليه لنوفين بك وقد فعلوا و " ما " بمعنى الذي، ولذلك عاد عليها ~~الضمير في " عليه " ، وقال مكي " ما " في موضع نصب " بصدقوا " وهي والفعل ~~مصدر تقديره " صدقوا " العهد أي وفوا به. وهذا يرده عود المضير إلا أن ~~الأخفس وابن السراج يذهبان إلى اسمية " ما " المصدرية. # (قوله): " قضى نحبه " النحب ما التزمه الإنسان واعتقد الوفاء به ~~قال: # 4079 - عشية فر الحارثيون بعدما # قضى نحبه في ملتقى القوم هوبر # وقال: # 4080 - بطخفة جالدنا الملوك وخيلنا # عشية بسطام جرين على نحب # أي على أمر عظيم، ولهذا يقال: نحب فلان أي نذر نذرا التزمه ويعبر به عن ~~الموت كقولهم " قضى أجله " لما كان الموت لا بد منه جعل كالشي الملتزم ~~والنحيب البكاء معه صوت. # فصل # قال المفسرون معنى { صدقوا ما عاهدوا الله عليه } أي ~~وفوا بعهدهم الذي عاهدوا الله " فمنهم نحبه " أي فرغ من نذره ~~ووفاه بعهده ms7083 فصبر على الجهاد وقاتل حتى قتل والنحيب النذر قال القرطبي: ~~من قضى نحبه أجله فقتل على الوفاء يعني حمزة وأصحابه، وقيل: قضى نحبه ~~أي بذل جهده في سبيل الوفاء بالعهد من قول العرب " نحب فلان في سيره يومه ~~وليلته أجمع " إذ مد فلم ينزل { ومنهم من ينتظر } الشهادة ~~يعني من بقي من المؤمنين ينتظرون أحد أمرين إما الشهادة أو النصر { وما ~~بدلوا تبديلا } بخلاف المنافقين فإنهم قالوا: لا نولي الأدبار ~~وبدلوا قولهم وولوا أدبارهم. # قوله: " ليجزي الله " فيه وجهان: # أحدهما: أنها لام العلة. # والثاني: أنها لام الصيرورة، وفيما يتعلق به أوجه إما " بصدقوا " ~~وإما " بزادهم " وإما بما بدلوا وعلى هذا قال الزمخشري: جعل ~~المنافقون كأنهم قصدوا عاقبة السوء وأرادوها بتبديلهم كما قصد الصادقون ~~عاقبة الصدق بوفائهم لأن كلا الفريقين مسوق إلى عاقبته من الثواب ~~والعقاب فكأنهما استويا في طلبهما والسعي لتحصيلها، والمعنى ليجزي الله ~~الصادقين بصدقهم أي جزاء صدقهم وهو الوفاء بالعهد. # { ويعذب المنافقين إن شآء } أي الذين كذبوا وأخلفوا، ~~وقوله: " إن شاء " ذلك فيمنعهم من الإيمان أو يتوب عليهم إن أراد ( " ~~وأو " ) وجواب إن شاء مقدر وكذلك مفعول " شاء " أي إن شاء تعذيبهم ~~عذبهم، فإن قيل: عذابهم متحتم فكيف يصح تعليقه على المشيئة وهو قد شاء ~~تعذيبهم إذا ماتوا على النفاق؟!. فأجاب ابن عطية بأن تعذيب المنافقين ~~ثمرة إدامتهم الإقامة على النفاق إلى موتهم، والعقوبة موازية لتلك ~~الإقامة وثمرة التوبة تركهم دون عذاب فهما درجتان إقامة على نفاق، أو ~~توبة منه وعنهما ثمرتان تعذيب أو رحمة فذكر تعالى على جهة الإيجاز واحدة ~~من هاتين وواحدة (من هاتين) ما ذكر على ما ترك ذكره، ويدل على أن معنى ~~قوله: " ليعذب " ليديم على النفاق، قوله: " إن شاء " ومعادلته ~~بالتوبة وحرف " أو ". قال أبو حيان وكان ما ذكر يؤول إلى أن التقدير: ~~ليقيموا على النفاق فيموتوا عليه إن شاء فيعذبهم أو يتوب عليهم فيرحمهم ~~فحذف سبب التعذيب وأثبت المسبب وهو التعذيب، وأثبت سبب الرحمة والغفران ~~وحذف المسبب وهو الرحمة والغفران، وقال ابن ms7084 الخطيب إنما قال ذلك حيث لم ~~يكن قد حصل ما بين النبي - صلى الله عليه وسلم - عن إيمانهم وآمن بعد ذلك ~~ناس " وكان الله غفورا " حيث ستر ذنبهم و " رحيما " حيث رحمهم ورزقهم ~~الإيمان فيكون هذا فيمن آمن بعده. أو نقول " ويعذب المنافقين " مع أنه ~~كان غفورا رحيما لكثرة ذنوبهم وقوة جرمهم ولو كان دون ذلك لغفر لهم ثم ~~بين بعض ما جزاهم الله على صدقهم فقال: { ورد الله الذين ~~كفروا بغيظهم } وهم قريش وغطفان ردهم بغيظهم لم تشف صدورهم ~~بنيل ما أرادوا لم ينالوا خيرا " ظفرا " وكفى الله المؤمنين ~~القتال بالملائكة والريح أي لم يحوجهم إلى القتال { وكان الله ~~قويا } في ملكه غير محتاج إلى قتالهم " عزيزا " في انتقامه قادرا ~~على استئصال الكفار. # قوله: " بغيظهم " يجوز أن تكون الباء سببية وهو الذي عبر عنه أبو ~~البقاء بالمفعول أي أنها معدية. # والثاني: أن تكون للمصاحبة فتكون حالا أي مغيظين. # قوله: { لم ينالوا خيرا } حال ثانية أو حال من الحال الأولى ~~فهي متداخلة، ويجوز أن تكون حالا من الضمير المجرور بالإضافة. # وجوز الزمخشري فيها أن تكون بيانا للحال الأولى أي مستأنفة، ولا يظهر ~~البيان إلا على البدل والاستئناف بعيد. # قوله: " وأنزل الذين " أي أنزل الله الذين " ظاهروهم " أي ~~عاونوا الأحزاب من قريش وغطفان على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~والمسلمين وهم بنو قريظة. # قوله: { من أهل الكتاب } بيان للموصول فيتعلق بمحذوف، (ويجوز ~~أن يكون حالا) " من صياصيهم " متعلق " بأنزل " و " من " لابتداء ~~الغاية، والصياصي جمع صيصية وهي الحصون والقلاع والمعاقل ويقال لكل ~~ما يمتنع به ويتحصن " صيصية " ومنه قيل لقرن الثور ولشوكة ~~الديك: صيصية، والصياصي أيضا شوك الحاكة، ويتخذ من حديد قال ~~دريد بن الصمة: # 4081 -............................. # كوقع الصياصي في النسيج الممدد # قوله: { وقذف في قلوبهم الرعب } حتى سلموا أنفسهم للقتل ~~وأولادهم ونساءهم للسبي. # قوله: " فريقا تقتلون " منصوب بما بعده وكذلك " فريقا " منصوب بما ~~قبله، والجملة مبينة ومقررة لقذف الرعب في قلوبهم والعامة على الخطاب في ~~الفعلين، وابن ذكوان - في رواية ms7085 - بالغيبة فيهما، واليماني بالغيبة في ~~الأول فقط، وأبو حيوة " تأسرون " بضم السين. # فإن قيل: ما فائدة التقديم المفعول في الأول حيث قال: تقتلون وتأخيره ~~حيث قال " وتأسرون فريقا "؟!. # فالجواب: قال ابن الخطيب إن القائل يبدأ بالأهم فالأهم والأقرب فالأقرب ~~والرجال كانوا مشهورين وكان القتل واردا عليهم والأسراء كانوا هم النساء ~~والذراري ولم يكونوا مشهورين ولاسبي والأسر أظهر من القتل لأنه يبقى ~~فيظهر لكل أحد أنه أسير فقدم من المحلين ما هو أشهر على الفعل القائم ~~به ومن الفعلين ما هو أشهر قدمه على المحل الخفي ووجه آخر وهو أن قوله " ~~فريقا تقتلون " فعل ومفعول والأصل في الجمل الفعلية تقديم الفعل على ~~المفعول والفاعل أما أنها جملة فعلية فلأنها لوكانت اسمية لكان الواجب في ~~" فريق " الرفع، كأنه يقول فريق منهم تقتلونهم (فلما نصب كان ذلك بفعل ~~مضمر يفسره الظاهر تقديره: " تقتلون فريقا تقتلون " ) والحامل على مثل ~~هذا الكلام شدة الاهتمام ببيان المفعول، وههنا كذلك لأنه تعالى لما ذكر ~~حال الذين ظاهروهم وأنه قد قذف في قلوبهم الرعب فلو قال: تقتلون أوهم أن ~~يسمع السامع مفعول " تقتلون " سبق في قلوبهم الرعب إلى سمعهم فيستمع إلى ~~تمام الكلام، وإذا كان الأول فعلا ومفعولا قدم المفعول لفائدة عطف ~~الجملة الثانية عليها على الأصل (فعدم) تقديم الفعل لزوال موجب التقديم ~~إذ عرف حالهم وما يجيء بعده يكون مصروفا إليهم فلو قال بعد ذلك: " ~~وفريقا تأسرون " فمن سمع " فريقا " ربما يظن أنه يقال فيهم يطلقون أو ~~لا يقدرون عليهم فكان تقديم الفعل ههنا أولى وكذا الكلام في قوله: { ~~وأنزل الذين (ظاهروهم) } وقوله: " قذف " ، فإن قذف الرعب قبل ~~الإنزال لأن الرعب صار سبيل الإنزال ولكن لما كان الفرح في إنزالهم أكثر ~~قدم الإنزال على قذف الرعب والله أعلم. # فصل # فريقا تقتلون هم الرجال قيل: كانوا ستمائة، و " تأسرون فريقا " وهم ~~النساء والذراري، قيل: كانوا سبعمائة وخمسين، وقيل تسعمائة { ~~وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا ~~لم تطئوها } بعد؛ قال ابن زيد ومقاتل يعني خيبر وقال قتادة. كنا ~~نحدث أنها ms7086 مكية، وقال الحسن: فارس والروم وقيل: القلاع وقال عكرمة: كل ~~أرض تفتح إلى يوم القيامة. # قوله: " لم تطئوها " الجملة صفة " لأرضا " والعامة على همزة مضمومة ~~ثم واو ساكنة، وزيد بن علي " تطوها " بواو بعد طاء مفتوحة ووجهها ~~أنها كبدل الهمزة ألفا على الإسناد كقوله: # 4082 - إن الأسود لتهدى في مرابضها # .............................. # فلما أسنده للواء التقى ساكنان محذوف أولهما نحو " لم تروها " وهذا ~~أحسن من أن تقول ثم أجرى الألف المبدلة من الهمزة مجرى الألف المتأصلة ~~فحذفها جزما لأن الأحسن هناك أن لا يحذف اعتدادا بأصلها، واستشهد بعضهم ~~على الحذف بقول زهير: # 4083 - جريء متى يظلم يعاقب بظلمه # سريعا وإلا يبد بالظلم يظلم # قوله: { وكان الله على كل شيء قديرا } هذا يؤكد قول ~~من قال: إن المراد من قوله { وأرضا لم تطئوها } ما يؤخذ بعد ~~من بني قريظة لأن الله تعالى لما ملكهم تلك البلاء ووعدهم بغيرها دفع ~~استبعاد من لا يكون قوي الاتكال على الله تعالى وقال أليس الله ملككم هذه ~~فهو على كل شيء قدير يملككم غيرها، روى أبو هريرة - أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يقول: # " لا إله إلا الله وحده، أعز جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده، ~~فلا شيء بعده ". ### || [33.28-36] # قوله تعالى: { يأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن ~~تردن الحياة الدنيا } الآية وجه التعلق (هو) أن مكارم ~~الأخلاق منحصرة في شيئين التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله وإلى ~~هذا أشار عليه (الصلاة و) السلام بقوله: # " الصلاة وما ملكت أيمانكم " # فالله (تعالى لما) أرشد نبيه إلى ما يتعلق بجانب التعظيم لله بقوله: # يأيها النبي اتق الله # [الأحزاب: 1] ذكره ما يتعلق بجانب الشفقة وبدأ بالزوجات فإنهن أولى ~~الناس بالشفقة ولهذا قدمهن في النفقة. # فصل # قال المفسرون: سبب نزول هذه الآية نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~(سألنه) عن عرض الدنيا (شيئا) وطلبن منه زيادة في النفقة وآذينه ~~بغيرة بعضهن على بعض فهجرهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآلى أن لا ~~يقربهن شهرا ولا يخرج إلى ms7087 أصحابه فقالوا ما شأنه وكانوا يقولون طلق رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - نساءه فقال عمر: لأعلمن لكم شأنه قال: ~~فدخلت على رسوله الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت يا رسول الله: أطلقتهن ~~قال: لا، فقلت: يا رسول الله إني دخلت المسجد والمسلمون يقولون طلق رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - نساءه أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن قال: ~~نعم إن شئت فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي لم يطلق رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - نساءه ونزلت هذه الآية: # وإذا جآءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا ~~به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر ~~منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم # [النساء: 83] فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر وأنزل الله آية التخيير وكانت ~~تحت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ تسع نسوة خمس من قريش ~~عائشة بنت أبي بكر, وحفصة بنت عمر، وأم حبيبة بنت أبي سفيان وأم ~~سلمة بنت أمية، وسودة بنت زمعة وغير القرشيات زينب بنت جحش الأسدية، ~~وميمونة بنت الحارث الهلالية وصفية بنت حيي بن أخطب الخيبرية ~~وجويرية بنت الحارث المصطلقية، فلما نزلت آية التخيير بدأ ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعائشة وكانت أحبهن إليه فخيرها فقرأ ~~عليها (القرآن) فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة. ورؤي الفرح في وجه ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتابعنها على ذلك، قال قتادة فلما ~~اخترن الله ورسوله شكرهن الله على ذلك وقصره عليهن فقال: " لا ~~تحل لك النساء من بعد ". وعن جابر بن عبد الله قال: # " دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوجد الناس ~~جلوسا ببابه لم يؤذن لواحد منهم قال: فأذن لأبي بكر فدخل ثم أقبل عمر ~~فاستأذن فأذن له فوجد النبي - صلى الله عليه وسلم - جالسا حوله نساؤه ~~واجما ساكنا قال: فقال: لأقولن شيئا أضحك النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال: يا رسول الله لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة فقمت ~~إليها فوجأت عنقها فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: هن حولي ms7088 ~~كما ترى يسألنني النفقة فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها وقام عمر ~~إلى حفصة يجأ عنقها كلاهما يقول: تسألن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - شيئا أبدا ليس عنده ثم اعتزلهن شهرا أو تسعا وعشرين يوما ثم ~~نزلت هذه الآية: { يأيها النبي قل لأزواجك } حتى بلغ { ~~للمحسنات منكن أجرا عظيما } قال: فبدأ بعائشة فقال: يا ~~عائشة إني أعرض عليك أمرا لا أحب أن تعجلي حتى تستشيري أبويك، قالت: وما ~~هو يا رسول الله فتلا عليها الآية فقالت: أفيك يا رسول الله أستشير ~~أبوي بل اختار الله ورسوله والدار الآخرة وأسألك أن لا تخبر امرأة من ~~نسائك بالذي قلت، قال: لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها أن الله لم ~~يبعثني معنتا ولا متعنتا ولكن بعثني معلما مبشرا " # وروى الزهري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقسم أن لا يدخل على ~~أزواجه شهرا قال الزهري: فأخبرني عروة عن عائشة قالت: # " فلما مضت تسع وعشرون أعدهن دخل علي رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فقلت: بدأ بي فقلت: يا رسول الله إنك أقسمت أن لا تدخل علينا ~~شهرا وإنك دخلت من تسع وعشرين أعدهن فقال: إن الشهر تسع وعشرون ". # فصل # اختلف العلماء في هذا الخيار هل كان ذلك تفويض الطلاق إليهن حتى يقع ~~بنفس الاختيار أم لا؟ فذهب الحسن وقتادة وأكثر أهل العلم إلى أنه ~~لم يكن تفويض للطلاق، وإنما خيرهن على أنهن إذا اخترن الدنيا فارقهن ~~لقوله تعالى: { فتعالين أمتعكن وأسرحكن } ويدل ~~عليه أنه لم يكن جوابهن على الفور فإنه قال لعائشة: # " لا تعجلي حتى تستشيري أبويك " # وفي تفويض الطلاق يكون الجواب على الفور. وذهب آخرون إلى أنه كان تفويض ~~طلاق ولو اخترن أنفسهن كان طلاقا، واختلف العلماء في حكم التخيير فقال ~~عمر وابن مسعود وابن عباس إذا خير رجل امرأته فاختارت زوجها لا يقع شيء، ~~ولو اختارت نفسها وقع طلقة واحدة وهو قول عمر بن عبد العزيز وابن أبي ~~ليلى وسفيان والشافعي وأصحاب الرأي إلا أن عند أصحاب الرأي تقع ms7089 طلقة ~~بائنة إذا اختارت نفسها، وعند الآخرين رجعية، وقال زيد بن ثابت: إذا ~~اختارت الزوج يقع طلقة واحدة وإذا اختارت نفسها فثلاث وهو قول الحسن، ~~ورواية عن مالك. # وروي عن علي أيضا أنها إذا اختارت زوجها يقع طلقة واحدة وإذا اختارت ~~نفسها فطلقة ثانية، وأكثر العلماء على أنها إذا اختارت زوجها لا يقع شيء ~~لما روت عائشة قالت: خيرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاخترنا ~~الله ورسوله فلم يعد ذلك شيئا. # قوله: " أمتعكن وأسرحكن " العامة على جزمهما، وفيه ~~وجهان: # أحدهما: أنه مجزوم على جواب الشرط، وما بين الشرط وجوابه معترض، ولا يضر ~~دخول الفاء على جملة الاعتراض ومثله في دخول الفاء قوله: # 4084 - واعلم فعلم المرء ينفعه # أن سوف يأتي كل ما قدرا # يريد: واعلم أن سوف يأتي. # والثاني: أن الجواب قوله " فتعالين " و " أمتعكن " جواب لهذا الأمر، ~~وقرأ زيد بن علي " أمتعكن " ، بتخفيف التاء من " أمتعه " وقرأ ~~حميد الحزاز " أمتعكن وأسرحكن " بالرفع فيهما على ~~الاستئناف و " سراحا " قائم مقام التسريح. # فصل # قال ابن الخطيب: وههنا مسائل منها هل كان هذا التخيير واجبا على النبي ~~(صلى الله عليه وسلم) أم لا والجواب أن التخيير كان قولا واجبا من غير ~~شك لأنه إبلاغ للرسالة لأن الله تعالى لما قال (له): " قل لهم " صار من ~~الرسالة، وأما التخيير معنى فمبني على أن الأمر للوجوب أم لا، والظاهر ~~أنه للوجوب ومنه أن واحدة منهم لو اختارت الفراق هل كان يصير اختيارها ~~فراقا. والظاهر أنه لا يصير فراقا وإنما تبين المختارة نفسها فإنه من ~~جهة النبي عليه السلام لقوله: { فتعالين أمتعكن ~~وأسرحكن سراحا جميلا } ومنها أن واحدة منهن لو اختارت ~~نفسها وقلنا إنها لا تبين إلا بإبانة النبي - صلى الله عليه وسلم - فهل ~~كان يجب على النبي عليه (الصلاة و) السلام الطلاق أم لا؟ الظاهر نظرا ~~إلى منصبه عليه (الصلاة و) السلام أنه كان طلاقا لأن الخلف في الوعد ~~من النبي غير جائز بخلاف أحدنا فإنه لا يلزمه شرعا الوفاء بما يعد، ~~ومنها ms7090 أن المطلقة بعد البينونة هل كانت تحرم على غيره أم لا؟ والظاهر ~~أنها لا تحرم وإلا لم يكن التخيير ممكنا لها من التمتع بزينة الدنية ~~ومنها أن من اختارت الله ورسوله هل كان يحرم على النبي عليه (الصلاة و) ~~السلام طلاقها أم لا؟ الظاهر الحرمة نظرا إلى منصب الرسول عليه السلام ~~على معنى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يمتنع منه أصلا لا بمعنى أنه ~~لو أتى به لعوقب أو لعوتب. # قوله: { أعد للمحسنات منكن } أي من عمل صالحا منكن ~~كقوله تعالى: # ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن # [لقمان: 22] والأجر العظيم: الكثير الزائد في الطول وفي العرض وفي العمق ~~حتى لو كان زائدا في الطول يقال له طويل ولو كان زائدا في العرض يقال ~~له: عريض وكذلك العميق فإذا وجدت (منه) الأمور الثلاثة قيل عظيم، فيقال: ~~جبل عظيم إذا كان عاليا ممتدا في الجهات، وإن كان مرتفعا حيث يقال: ~~جبل عال. # إذا عرف هذا فأجر الدنيا في ذاته قليل وفي صفاته غير خال عن وجهة قبح ~~لما في مأكوله ومشروبه من الضرر وغيره، وأيضا فهو غير دائم، وأجر الآخرة ~~كثير خال عن جهات القبح دائم فهو عظيم. # قوله تعالى: { ينسآء النبي من يأت منكن بفاحشة... ~~} الآية العامة على " يأت " بالياء من تحت حملا على لفظ " من " لأن " ~~من " أداة تقوم مقام الاسم يعبر به عن الواحد والجمع (و) المذكر ~~والمؤنث، وزيد بن علي، والجحدري، ويعقوب بالتاء من فوق حملا على ~~معناها لأنه يرشح بقوله: " منكن " حال من فاعل " يأت " وتقدم ~~القراءة في " مبينة " بالنسبة لكسر الياء وفتحها، في النساء. # قوله: " يضاعف " قرأ عمرو " يضعف " - بالياء من تحت وتشديد العين ~~مفتوحة على البناء للمفعول - العذاب بالرفع لقيامة مقام الفاعل، وقرأ ~~ابن كثير وابن عامر " يضعف " - بنون العظمة وتشديد العين مكسورة على ~~البناء للفاعل - العذاب بالنصب على المفعول به وقرأ الباقون " ~~يضاعف " من المفاعلة مبنيا للمفعول العذاب بالرفع لقيامه مقام ~~الفاعل (وقد) تقدم توجيه التضعيف والمضاعفة في سورة البقرة. # فصل # قال ms7091 ابن عباس المراد هنا بالفاحشة النشوز وسوء الخلق، وقيل: هو كقوله ~~تعالى: # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر: 65]. واعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما خير نساءه ~~واخترن الله ورسوله أدبهن الله وهددهن بالتوقي عما يسوء النبي ويقبح بهن ~~من الفاشحة التي هي أصعب على الزوج من كل ما يأتي به زوجته وأوعدهن ~~بتضعيف العذاب وفيه حكمتان: # إحدهما: أن زوجة الغير تعذب على الزنا بسبب ما في الزنا من المفاسد ~~وزوجة النبي تعذب إن أتت به لذلك لإيذاء قلبه والإزراء بمنصبه وعلى ~~هذا بنات النبي عليه السلام كذلك ولأن امرأة لو كانت تحت النبي عليه ~~السلام وأتت بفاحشة تكون قد اختارت غير النبي على النبي ويكون ذلك الغير ~~خيرا عندها من النبي وأولى والنبي أولى من النفس التي هي أولى من الغير ~~فقد نزلت منصب النبي مرتبتين فتعذب من العذاب ضعفين. # وثانيهما: أن هذا إشارة إلى شرفهن، لأن الحرة عذابها ضعف عذاب الأمة ~~إظهارا لشرفها ونسبة النبي إلى غيره من الرجال نسبة السادات إلى العبيد ~~لكونه أولى بهم من أنفسهم فكذلك زوجاته اللائي هن أمهات المؤمنين، وأم ~~الشخص امرأة حاكمة عليه واجبة الطاعة وزوجته مأمورة محكومة له وتحت طاعته ~~فصارت زوجة الغير بالنسبة إلى زوجة النبي عليه السلام كالأمة بالنسبة ~~إلى الحرة، واعلم أن قول القائل من يفعل ذلك في قوة قوله: { لئن ~~أشركت ليحبطن عملك } من حيث إن ذلك ممكن الوقوع في أول ~~النظر ولا يقع في بعض الصور جزما وفي بعض (يقع) جزما، وفي البعض يتردد ~~السامع في الأمرين، فقوله تعالى: { من يأت منكن بفاحشة } من ~~القبيل الأولى فإن الأنبياء صان الله زوجاتهم عن الفاحشة ثم قال: { ~~وكان ذلك على الله يسيرا } أي ليس كونكن تحت النبي عليه ~~السلام وكونكن شريفات جليلات مما يدفع العذاب عنكن فليس أمر الله كأمر ~~الخلق حيث يتعذر عليهم تعذيب الأعزة بسبب كثرة أوليائهم وأعوانهم ~~وشفعائهم وإخوانهم. # قوله: { ومن يقنت منكن } أي يطع الله ورسوله وهذا بيان لزيادة ~~ثوابهن كما بين زيادة عقابهن ms7092 { نؤتهآ أجرها مرتين } في ~~مقابلة قوله: { يضاعف لها العذاب ضعفين } وفيه لطيفة وهي ~~أن عند إيتاء الأجر ذكر الموفي وهو الله وعند العذاب لم يصرح بالعذاب ~~فقال: " يضاعف " وهذا إشارة إلى كمال الرحمة والكرم. قوله: { وتعمل ~~صالحا نؤتهآ } قرأ الأخوان " ويعمل ويؤت " - بالياء من ~~تحت فيهما، والباقون " وتعمل " بالتاء من فوق و " نؤتها " بالنون، فأما ~~الياء في " ويعمل " فلأجل الحمل على لفظ " من " وهو الأصل والتاء من فوق ~~على معناها إذا المراد بها مؤنث ويرشح هذا بتقدم لفظ المؤنث وهو " منكن ~~" ومثله قوله: # 4085 - وإن من النسوان من هي روضة # ........................... # لما تقدم قوله " من النسوان " يرجع المعنى فحمل عليه، وأما " يؤتها " ~~بالياء من تحت فالضمير لله تعالى لتقدمه في " لله ورسوله " وبالنون فهي ~~نون العظمة، وفيه انتقال من الغيبة إلى التكلم، وقرأ الجحدري ~~ويعقوب وابن عامر - في رواية - وأبو جعفر وشيبة: " تقنت " بالتاء من ~~فوق حملا على المعنى وكذلك " وتعمل ". وقال ابو البقاء: إن بعضهم ~~قرأ " ومن تقنت " بالتأنيث حملا على المعنى ويعمل بالتذكير ~~حملا على اللفظ قال: فقال بعض النحويين: هذا ضعيف لأن التذكير أصل فلا ~~يجعل تبعا للتأنيث وما عللوه به قد جاء مثله في القرآن قال تعالى: # خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا # [الأنعام: 139]. # فصل # معنى أجرها مرتين أي مثل أجر غيرها، قال مقاتل: مكان كل حسنة ~~عشرون حسنة { وأعتدنا لها رزقا كريما } يعني الجنة، ووصف ~~رزق الآخرة بكونه كريما مع أن الكرم لا يكون وصفا إلا للرزاق، وذلك ~~إشارة إلى أن الرزق في الدنيا مقدر على أيدي الناس، التاجر يسترزق من ~~السوقة، والعاملين والصناع من المتعلمين والملوك من الرعية منهم، فالرزق ~~في الدنيا لا يأتي بنفسه وإنما هو مستمر للغير يمسكه ويرسله إلى الأغيار، ~~وأما في الآخرة فلا يكون له ممسك ومرسل في الظاهر فهو الذي يأتي بنفسه ~~فلأجل هذا لا يوصف في الدنيا بالكريم إلا الرازق وفي الآخر يوصف بالكريم ~~نفس الرزق. # قوله: { ينسآء النبي لستن كأحد من النسآء } ~~قال الزمخشري: " أحد " في الأصل يعني وحد ms7093 وهو الواحد، ثم وضع في النفي ~~العام مستويا فيه المذكر والمؤنث، والواحد وما وراءه والمعنى لستن ~~كجماعة واحدة من جماعة النساء (أي) إذا تقصيت جماعات النساء واحدة ~~واحدة لم يوجد منهن جماعة واحدة تساويكن في الفضل والسابقة. ومنه قوله ~~عز وجل # والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين ~~أحد منهم # [النساء: 152] يريد بين جماعة واحدة منهم تسوية بين جميعهم في أنهم على ~~الحق البين. قال أبو حيان أما قوله: " أحد " في الأصل بمعنى " وحد " وهو ~~الواحد فصحيح، وأما قوله: وضع إلى قوله وما وراءه. فليس بصحيح، لأن الذي ~~يستعمل في النفي العام مدلوله غير مدلول واحد لأن " واحد " ينطلق على شيء ~~اتصف بالوحدة " وأحدا " المستعمل في النفي العام مختص بمن يعقل، وذكر ~~النحويون أن مادته همزة وحاء ودال ومادة " أحد " بمعنى واحد واو ~~وحاء ودال فقد اختلفا مادة ومدلولا، وأما قوله: " لستن كجماعة ~~واحدة " فقد قلنا إن معناه ليست كل واحدة منكن فهو حكم على كل واحدة لا ~~على المجموع من حيث هو مجموع، وأما # ولم يفرقوا بين أحد منهم # [النساء: 152] فيحتمل أن يكون الذي يستعمل في النفي العام ولذلك جاء في ~~سياق النفي فعم وصلحت التثنية للعموم، ويحتمل أن يكون " أحد " بمعنى " ~~واحد " وحذف معطوف، أي بين أحد وأحد (كما قال:) # 4086 - فما كان بين الخير لو جاء سالما # أبو حجر إلا ليال قلائل # أي بين الخير وبيني انتهى، قال شهاب الدين " أما قوله فإنهما مختلفان ~~مدلولا ومادة فمسلم، ولكن الزمخشري لم يجعل أحدا الذي أصله واحد - ~~بمعنى أحد المختص بالنفي، ولا يمنع أن " أحدا " الذي أصله " واحد " أن ~~يقع في سياق النفي، وإنما الفارق بينهما أن الذي همزته أصل لا يستعمل إلا ~~في النفي كأخواته في غريب، وكيتع ودابر، وتامر والذي أصله واحد يجوز ~~أن يستعمل إثباتا ونفيا وأيضا المختص بالنفي مختص بالعقلاء، وهذا لا ~~يختص، وأما معنى النفي فإنه ظاهر على ما قاله الزمخشري من الحكم على ~~المجموع ولكن المعنى على ما قاله أبو حيان أوضح وإن ms7094 كان خلاف الظاهر ". # قوله: " إن اتقيتن " في جوابه وجهان: # أحدهما: أنه محذوف لدلالة ما تقدم عليه أي إن اتقيتن الله ~~فلستن كأحد، فالشرط قيد في نفي أن يشبهن بأحد من النساء. # والثاني: أن جوابه قوله " فلا تخضعن " والتقوى على بابها، وجوز ~~أبو حيان على هذا أن يكون " اتقى " بمعنى استقبل أي استقبلتن ~~أحدا فلا تلن له القول، واتقى بمعنى استقبل معروف في اللغة، ~~وأنشد: # 4087 - سقط النصيف ولم ترد إسقاطه # فتناولته واتقتنا باليد # أي واستقبلتنا باليد قال: " ويكون على هذا المعنى أبلغ من مدحهن؛ إذ لم ~~يعلق فضيلتهن على التقوى ولا على نهيه عن الخضوع بها إذ هن متقيات لله ~~في أنفسهن، والتعليق يقتضي ظاهره أنهن لسن متحليات بالتقوى، قال شهاب ~~الدين: هذا خروج عن الظاهر من غير ضرورة وأما البيت فالاتقاء أيضا ~~على بابه أي صانت وجهها بيدها عنا. # قوله: " فيطمع " العامة على نصبه جوابا للنهي، والأعرج بالجزم ~~فيكسر العين لالتقاء الساكنين وروي عنه وعن أبي السمال وعيسى بن عمر ~~وابن محيصن بفتح الياء وكسر الميم، وهذا شاذ حيث توافق الماضي ~~والمضارع في حركة. وروى عن الأعرج أيضا أنه قرأ بضم الياء وكسر الميم من ~~" أطمع " وهي تحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون الفاعل ضميرا مستترا عائدا على الخضوع المفهوم من ~~الفعل و " الذي " مفعوله أي لا تخضعن فيطمع الخضوع المريض القلب، ~~ويحتمل أن يكون " الذي " فاعلا، ومفعوله محذوف أي فيطمع المريض نفسه. # فصل # قال ابن عباس: معنى لستن كأحد من النساء يريد ليس قدركن عندي مثل ~~قدر غيركن من النساء الصالحات أنتن أكرم علي، وثوابكن أعظم لدي، ولم ~~يقل كواحد لأن الأحد عام يصلح للواحد، والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث، ~~قال تعالى: # لا نفرق بين أحد من رسله # [البقرة: 285] وقال: # فما منكم من أحد عنه حاجزين # [الحاقة: 47] وقوله: " إن اتقيتن " الله فأطعتنه ولما منعهن ~~من الفعل القبيح منعهن من مقدماته وفي المحادثة مع الرجال فقال: { فلا ~~تخضعن بالقول } أي تلن القول للرجال، ولا ترفضن الكلام { ~~فيطمع الذي في قلبه مرض ms7095 } أي فسق وفجور وشهوة، وقيل: ~~نفاق أي لا تقولن قولا يجد منافق أو فاجر به سبيلا إلى المطامع ~~فيكن والمرأة مندوبة إلى الغلظة في المقالة إذا خاطبت الأجانب لقطع ~~الأطماع { وقلن قولا معروفا } أي ذكر الله وما تحتجن إليه من ~~الكلام مما يوجب الدين والإسلام بتصريح أو بيان من غير خضوع. # قوله: { وقرن في بيوتكن } قرأ نافع وعاصم بفتح القاف ~~والباقون بكسرها، فأما الفتح فمن وجهين: # أحدهما: أنه أمر من قررت - بكسر الراء الأولى - في المكان أقر ~~به - بالفتح - فاجتمع راءان في: " اقررن " فحذفت الثانية تخفيفا، ~~ونقلت حركة الراء الأولى إلى القاف فحذفت همزة الوصل استغناء عنها فصار " ~~قرن " على وزن " فعن " فإن المحذوف هو اللام لأنه حصل به الثقل, ~~وقيل: المحذوف الراء الأولى لأنه لما نقلت حركتها بقيت ساكنة وبعدها أخرى ~~ساكنة فحذفت الأولى لالتقاء الساكنين، ووزنه على هذا " فلن " فإن ~~المحذوف هو العين، وقال أبو علي: أبدلت الراء الأولى ياء ونقلت حركتها ~~إلى القاف، فالتقى ساكنان فحذفت الياء لالتقائهما، فهذه ثلاثة أوجه في ~~توجيه أنها أمر من " قررت بالمكان ". # والوجه الثاني: أنها أمر من " قار - يقار- " كخاف يخاف إذا ~~اجتمع، ومنه " القارة " لاجتماعها، فحذفت العين لالتقاء الساكنين، ~~فقيل: " قرن " " كخفن " ووزنه على هذا أيضا: فلن، إلا أن بعضهم ~~تكلم في هذه القراءة من وجهين: # أحدهما: قال أبو حاتم يقال: قررت بالمكان - بالتفح - أقر به - ~~بالكسر - وقرت عينه - بالكسر - تقر - بالفتح - فكيف تقرأ وقرن ~~بالفتح؟! والجواب عن هذا أنه قد سمع في كل منهما الفتح والكسر، حكاه أبو ~~عبيد، وتقدم ذلك في سورة مريم. # الثاني: سلمنا أنه يقال قررت بالمكان - بالكسر - أقر به - ~~بالفتح - وأن الأمر اقررن إلا أنه لا مسوغ للحذف، لأن الفتحة خفيفة، ~~ولا يجوز قياسه على قولهم " ظلت " في " ظللت " قال تعالى: # فظلتم تفكهون # [الواقعة: 65] و # ظلت عليه عاكفا # [طه: 97] وبابه، لأن هناك شيئين ثقيلين التضعيف والكسرة (فحسن الحذف ~~وأما هنا فالتضعيف فقط)، والجواب أن المقتضي للحذف إنما هو التكرار ويؤيد ~~هذا أنهم لم يحذفوا مع التكرار ms7096 ووجود الضمة وإن كان أثقل نحو " اغضضن ~~أبصاركن " وكان أولى بالحذف فيقال: غضن لكن السماع خلافه قال ~~تعالى: # وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن # [النور: 31] على أن ابن مالك قال: إنه يحذف في هذا بطريق الأولى. أو ~~نقول: إن هذه القراءة إنما هي من " قار - يقار " بمعنى اجتمع وهو ~~وجه حسن بريء من التكلف فيندفع اعتراض أبي حاتم وغيره لولا أن المعنى على ~~الأمر بالاستقرار لا بالاجتماع. وأما الكسر فمن وجهين أيضا: # أحدهما: أنه أمر من قر في المكان - بالفتح - في الماضي والكسر في ~~المضارع، وهي اللغة الفصيحة، ويجيء فهيا التوجيهات الثلاث المذكورة ~~أولا، أما حذف الراء الثانية أو الأولى أو إبدالها ياء وحذفها كما ~~قاله الفارسي، ولا اعتراض على هذه القراءة لمجيئها على مشهور اللغة، ~~فيندفع اعتراض أبي حاتم، ولأن الكسر ثقيل فيندفع الاعتراض الثاني ومعناها ~~مطابق لما يراد بها من الثبوت والاستقرار. # الوجه الثاني: أنها أمر من " وقر " " يقر " أي ثبت واستقر ومنه " ~~الوقار " وأصله اوقرن فحذفت الفاء - وهو الواو - واستغني عن همزة ~~الوصل فبقي " قرن " ، وهذا كالأمر من وعد سواء، ووزنه على هذا " ~~علن " ، قال البغوي: الأصح أنه أمر من " الوقار " كقولك من الوعد " ~~عدنا " ، ومن الوصل " صلنا ". # وهذه الأوجه المذكورة إنما يهتدي إليها من مرن في علم التصريف وإلا ~~ضاق به ذرعا. # قوله: " تبرج الجاهلية " مصدر تشبيهي أي مثل تبرج والتبرج ~~الظهور من البرج لظهوره، وقد تقدم، وقرأ البزي: " ولا تبرجن " ~~بإدغام التاء في التاء، والباقون بحذف إحداهما وتقدم تحقيقه في البقرة ~~في: " ولا تيمموا ". # فصل # قال المفسرون وقرن أي الزمن بيوتكن من قولهم: قررت بالمكان أقر ~~قرارا يقال: قررت: أقر وقررت: أقر، وهما لغتان، فإن كان من الوقار أي كن ~~أهل وقار وسكون من قولهم: وقر فلان يقر وقورا إذا سكن واطمأن، و ~~" لا تبرجن " قال مجاهد وقتادة التبرج هو التكسر والتغنج، وقال ابن أبي ~~نجيح: وهو التبختر، وقيل: هو إظهار الزينة، وإبراز المحاسن للرجال { ~~تبرج الجاهلية الأولى } قال الشعبي: هي ما بين عيسى ومحمد ~~- صلى ms7097 الله عليه وسلم - وقال أبو العالية: هي بين داود وسليمان - عليهما ~~السلام -، وكانت المرأة تلبس قميصا من الدر غير مخيط الجانبين فيرى ~~حلقها فيه، وقال الكلبي: كان ذلك في زمن نمروذ، وكانت المرأة تتخذ الدرع ~~من اللؤلؤ فتلبسه، وتمشي وسط الطريق ليس عليها شيء غيره، وتعرض نفسها على ~~الرجال، وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: الجاهلية الأولى أي فيما ~~بين نوح وإدريس وكانت ألف سنة وإن بطنين من ولد آدم كان أحدهما يسكن ~~السهل والآخر يسكن الجبل وكان رجال الجبل صباحا وفي النساء دمامة، وكان ~~نساء السهل صباحا وفي الرجال دمامة، وإن إبليس أتى رجلا من أهل السهل ~~وأجر نفسه منه فكان يخدمه واتخذ شيئا مثل الذي يزمر به الرعاء فجاء بصوت ~~لم يسمع الناس مثله فبلغ ذلك من حولهم فانتابوهم يسمعون إليه واتخذوه ~~عيدا يجتمعون إليه في السنة فتتبرج النساء للرجال وتتزين الرجال لهن، ~~وإن رجلا من أهل الخيل هجم عليهم في عيدهم فرأى النساء وصباحتهن فأتى ~~أصحابه فأخبرهم بذلك فنزلوا معهم فظهرت الفاحشة فذلك قوله: { ولا ~~تبرجن تبرج الجاهلية الأولى } ، وقيل: الجاهلية ~~الأولى ما ذكرنا والجاهلية الأخرى قوم يفعلون مثل فعلهم في آخر الزمان، ~~وقيل: قد تذكر الأولى وإن لم يكن لها أخرى كقوله تعالى: # وأنه أهلك عادا الأولى # [النجم: 50] ولم يكن لها أخرى. # قوله: { وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ~~ورسوله } يعني ليس التكليف في النهي وحده حتى يحصل بقوله: " ولا ~~تخضعن. ولا تبرجن " بل في النهي وفي الأوامر فأقمن الصلاة ~~وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله فيما أمر به، ونهى عنه { إنما ~~يريد الله ليذهب عنكم الرجس } قال مقاتل: الرجس: ~~الإثم الذي نهى الله النساء عنه، وقال ابن عباس يعني عمل الشياطين وما ~~ليس لله فيه رضا. # وقال قتادة يعني السوء، وقال مجاهد: الرجس: الشك. # قوله: " أهل البيت " فيه أوجه: النداء والاختصاص، إلا أنه في ~~المخاطب أقل منه في المتكلم وسمع " بك الله نرجو الفضل " ، ~~والأكثر إنما هو في التكلم كقولها: # 4088 - نحن بنات طارق # نمشي ms7098 على النمارق # (وقوله:) # 4089 - نحن - بني ضبة - أصحاب الجمل # الموت أحلى عندنا من العسل # (و) # " نحن العرب أقرى الناس للضيف " # (و): # " نحن معاشر الأنبياء لا نورث " # أو على المدح أي أمدح أهل البيت، واختلف في أهل البيت، فروى سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس أنهم نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنهن في بيته، ~~وتلا قوله: { واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات ~~الله } وهو قول عكرمة ومقاتل. وذهب أبو سعيد الخدري وجماعة من ~~التابعين منهم مجاهد وقتادة غيرهم إلى أنهم علي، وفاطمة، والحسن ~~والحسين، لما روت عائشة قالت: # " خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات غداة وعليه مرط مرجل من ~~شعر أسود فجلست فأتت فاطمة فأدخلها فيه ثم جاء علي فأدخله فيه ثم جاء ~~حسين فأدخله فيه، ثم قال: { إنما يريد الله ليذهب ~~عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا } ". # وروت أم سلمة قالت: # " في بيتي أنزل: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ~~أهل البيت قالت: فأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى فاطمة ~~وعلي والحسين والحسن فقال: هؤلاء أهل بيتي. فقلت: يا رسول الله أما أنا ~~من أهل البيت قال: بلى إن شاء الله " # وقال زيد بن أرقم: أهل بيته من حرم الصدقة بعده، آل علي، وآل عقيل، وآل ~~جعفر، وآل عباس، قال ابن الخطيب: والأولى أن يقال: هم أولاده وأزواجه ~~والحسن والحسين، وعلي منهم لأنه كان من أهل بيته لمعاشرته بنت النبي ~~عليه (الصلاة و) السلام وملازمته له. # قوله: { واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات ~~الله } يعني القرآن والحكمة، قال قتادة يعني السنة، وقال مقاتل: أحكام ~~القرآن ومواعظه، و { من آيات الله } بيان للموصول فيتعلق " بأعني ~~" ويجوز أن يكون حالا إما من الموصول، وإما من عائده المقدر فيتعلق ~~بمحذوف أيضا { إن الله كان لطيفا } بأوليائه " خبيرا " ~~بجميع خلقه. # قوله: { إن المسلمين والمسلمات } قال مقاتل: قالت أم ~~سلمة بنت أبي أمية، ونسيبة بنت كعب الأنصارية للنبي - صلى الله عليه وسلم ~~- ما بال ربنا يذكر الرجال ولا ms7099 يذكر النساء في شيء من كتابه نخشى أن ~~لا يكون فيهن خير فنزلت فيهن هذه الآية، ويروى أن أزواج النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قلن: يا رسول الله ذكر الرجال في القرآن ولم يذكر النساء ~~بخير فما فينا خير نذكر إنا نخاف أن لا تقبل منا طاعة، فأنزل الله هذه ~~الآية، وروي أن أسماء بنت عميس رجعت من الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي ~~طالب فدخلت على نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: هل نزل فينا ~~شيء من القرآن قلن: لا فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول ~~الله إن النساء لفي خيبة وخسارة، قال ومم ذلك؟ قالت: لأنهن لا يذكرن ~~بخير كما تذكر الرجال فأنزل الله - عز وجل -: { إن المسلمين ~~والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين } ~~المطيعين " والقانتات والصادقين " في إيمانهم، وفيما سرهم وساءهم ~~" والصادقات والصابرين " على أمر الله " والصابرات ~~والخاشعين " المتواضعين " والخاشعات ". # وقيل: أراد به الخشوع في الصلاة ومن الخشوع أن لا يلتفت " ~~والمتصدقين " مما رزقهم الله { والمتصدقين ~~والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين ~~فروجهم } عما لا يحل " والحافظات ". وحذف مفعول الحافظات لتقدم ~~ما يدل عليه والتقدير: والحافظاتها وكذلك: والذاكرات، وحسن الحذف ~~رؤوس الفواصل { والذاكرين الله كثيرا والذاكرات } ، ~~قال مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرا حتى يذكر الله قائما ~~وقاعدا ومضطجعا. وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال # " سبق المفردون، قالوا: وما المفردون؟ قال: الذاكرون الله كثيرا ~~والذاكرات " # قال عطاء بن أبي رباح من فوض أمره إلى الله عز وجل فهو داخل في قوله: { ~~إن المسلمين والمسلمات } ومن أقر بأن الله ربه، ومحمدا ~~رسوله، ولم يخالف قلبه لسانه فهو داخل في قوله: " والمؤمنين ~~والمؤمنات " ومن أطاع الله في الفرض، والرسول في السنة فهو داخل في ~~قوله: " والقانتين والقانتات " ومن صان قوله عن الكذب فهو داخل ~~في قوله: " والصادقين والصادقات " ومن صبر على الطاعة وعن ~~المعصية وعلى الرزية فهو داخل في قوله: " والصابرين والصابرات " ومن صلى ~~ولم يعرف من يمينه عن يساره فهو داخل في قوله: " والخاشعين ms7100 ~~والخاشعات " ومن تصدق في كل أسبوع بدرهم فهو داخل في قوله: " ~~والمتصدقين والمتصدقات " ، ومن صام في كل شهر أيام البيض ~~الثالث عشر، والرابع عشر, والخامس عشر فهو داخل في قوله: " ~~والصائمين والصائمات ". ومن حفظ فرجه فهو داخل في قوله " ~~والحافظين فروجهم والحافظات " ومن صلى الصلوات الخمس بحقوقها ~~فهو داخل في قوله: { والذاكرين الله كثيرا والذاكرات ~~أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما } وغلب المذكرعلى ~~المؤنث في " لهم " ولم يقل: " لهن " (لشرفهم). # قوله: { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة } نزلت الآية في زينب ~~بنت جحش الأسدية، وأخيها عبد الله بن جحش وأمها أميمة بنت عبد المطلب عمة ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - اشترى زيدا في الجاهلية بعكاظ، فأعتقه ~~وتبناه، فلما خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زينب رضيت وظنت أنه ~~يخطبها لنفسه فلما علمت أنه يخطبها لزيد أبت وقال: أنا ابن عمتك يا رسول ~~الله فلا أرضاه لنفسي وكانت بيضاء جميلة فيها حدة وكذلك كره أخوها ذلك ~~فانزل الله عز وجل: { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة } يعني ~~عبد الله بن جحش وأخته زينت { إذا قضى الله ورسوله أمرا } ~~(أي أراد الله ورسوله أمرا) وهو نكاح زيد لزينب { أن يكون لهم ~~الخيرة من أمرهم }. والخيرة الاختيار أي يريد غير ما أراد ~~الله ويمتنع مما أمر الله ورسوله. # قوله: { أن يكون لهم الخيرة } " أن يكون " هو اسم كان، ~~والخبر الجار متقدم وقوله: { إذا قضى الله } يجوز أن يكون محض ~~ظرف معموله الاستقرار الذي تعلق به الخبر، أي وما كان مستقرا لمؤمن ولا ~~مؤمنة وقت قضاء الله كون خيرة وأن تكون شرطية ويكون جوابها مقدرا ~~مدلولا عليه بالنفي المتقدم. وقرأ الكوفيون وهشام " يكون " - بالياء ~~من أسفل؛ لأن " الخيرة " مجازي التأنيث، وللفصل أيضا، والباقون ~~بالتاء من فوق مراعاة للفظها، وقد تقدم أن " الخيرة " مصدر " ~~تخير " " كالطيرة " من " تطير " ، ونقل عيسى بن ~~سليمان أنه قرىء الخيرة - بسكون الياء - و " من أمرهم " ~~حال من الخيرة، وقيل: " من " بمعنى " في " وجمع الضمير في " أمرهم " وما ~~بعده لأن المراد بالمؤمن ms7101 والمؤمنة الجنس. وغلب المذكر على المؤنث، وقال ~~الزمخشري: " كان من حق الضمير أن يوحد كما تقول: ما جاءني من ~~رجل ولا امرأة إلا كان من شأنه كذا " قال أبو حيان: ~~" وليس بصحيح؛ لأن العطف بالواو، فلا يجوز ذلك إلا بتأويل الحذف ". # قوله: { ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا ~~مبينا } أخطأ خطأ ظاهرا. فلما سمعا ذلك رضيا بذلك وسلما ~~وجعلت أمرها بيد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليها عشرة ~~دنانير وستين درهما وخمارا ودرعا وإزارا وملحفة ~~وخمسين مدا من الطعام وثلاثين صاعا من تمر. ### || [33.37-40] # قوله: { وإذ تقول للذي أنعم الله عليه } وهو زيد ~~بن حارثة أنعم الله عليه بالإسلام " وأنعمت عليه " بالتحرير ~~والإعتاق. # قوله: " أمسك عليك " نص بعض النحويين على أن " على " في مثل هذا ~~التركيب اسم قال: لئلا يتعدى فعل المضمر المتصل إلى ضمير المتصل في غير ~~باب " ظن " وفي لفظتي: فقد وعدم وجعل من ذلك: # 4090 - هون عليك فإن الأم # ور بكف الإله مقاديرها # وكذلك حكم على " عن " في قوله: # 4091 - [ف] دع عنك نهبا صيح في حجراته # وقد تقدم ذلك مشبعا في النحل في قوله: # ولهم ما يشتهون # [النحل: 57]، وفي قوله: # وهزى إليك بجذع النخلة # [مريم: 25] (وقوله): # واضمم إليك جناحك # [القصص: 32]. # قوله: " وتخفي " فيه أوجه: # أحدها: أنه معطوف على " تقول " أي وإذ تجمع بين قولك كذا ~~وإخفاء كذا وخشية الناس قاله الزمخشري. # الثاني: أنها واو الحال أي تقول كذا في هذه الحالة، قاله الزمخشري ~~أيضا، وفيه نظر حيث إنه مضارع مثبت فكيف تباشره الواو؟ وتخريجه كتخريج " ~~قمت وأصك عينه " أعني على إضمار مبتدأ. # الثالث: أنه مستأنف قاله الحوفي، وقوله: { والله أحق أن ~~تخشاه } تقدم مثله في براءة. # فصل # قال المفسرون إن الآية نزلت في زينب بنت جحش، وذلك # " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما زوج " زينب " من " زيد " ~~مكثت عنده حينا ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتى زيدا ذات ~~يوم لحاجة فأبصر زينب قائمة في درع وخمار، وكانت بيضاء وجميلة ms7102 ذات ~~خلق من أتم نساء قريش فوقعت في نفسه، وأعجبه حسنها فقال: سبحان الله ~~مقلب القلوب وانصرف فلما جاء زيد ذكرت ذلك له، ففطن زيد فألقي في نفس ~~زيد كراهتها في الوقت فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن ~~أريد أن أفارق صاحبتي قال: ما لك أرابك منها شيء قال: لا والله ~~يا رسول الله ما رأيت منها إلا خيرا، ولكنها تتعظم علي لشرفها ~~وتؤذيني بلسانها. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - أمسك عليك ~~زوجك يعني زينب بنت جحش واتق الله في أمرها ثم طلقها زيد " # فذلك قوله عز وجل: { وإذ تقول للذي أنعم الله عليه ~~} بالإسلام وأنعمت عليه بالإعتاق وهو زيد بن حارثة { أمسك ~~عليك زوجك واتق الله } فيها ولا تفارقها { وتخفي في ~~نفسك ما الله مبديه } أي تسر في نفسك ما الله مظهره أي ~~كان في قلبه لو فارقها تزوجها. وقال ابن عباس: حبها، وقال قتادة: ود ~~أنه لو طلقها " وتخشى الناس " قال ابن عباس والحسن: تستحييهم، ~~وقيل: تخاف لائمة الناس أن يقولوا أمر رجلا بطلاق امرأته ثم نكحها، " ~~والله أحق أن يخشاه ". # قال عمر وابن مسعود وعائشة: ما نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- آية هي أشد عليه من هذه (الآية). وروي عن مسروق قال: قالت عائشة: لو ~~كتم النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئا مما أوحي إليه لكتم هذه ~~الآية: { وتخفي في نفسك ما الله مبديه } وروي عن سفيان ~~بن عيينة عن علي بن جدعان قالك سألني علي بن الحسين ~~زين العابدين ما يقول الحسن في قوله: { وتخفي في نفسك ما ~~الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه } ~~قال: قلت: (تقول): لما جاء زيد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال ~~له: يا نبي إني أريد أن أطلق زينب فأعجبه ذلك قال: أمسك عليك زوجك واتق ~~الله فقال علي بن الحسين ليس كذلك كان الله قد أعلمه أنها ستكون من ~~أزواجه وأن زيدا سيطلقها فلما جاء زيد قال: أريد أن أطلقها ms7103 قال له: ~~أمسك عليك زوجك فعاتبه الله وقال: لم قلت: أمسك عليك زوجك وقد ~~أعلمتك أنها ستكون من أزواجك وهذا هو الأولى والأليق بحال الأنبياء وهو ~~مطابق للتلاوة لأن الله تعالى أعلم أنه يبدي ويظهر ما أخفاه ولم يظهر غير ~~تزويجها منه فقال: " زوجناكها " فلو كان الذي أضمره رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - محبتها أو إرادة طلاقها لكان يظهر ذلك لأنه لا يجوز ~~أنه يخبر أنه يظهره ثم يكتمه فلا يظهره فدل على أنه لا يجوز أن يخبر ~~أنه يظهره ثم يكتمه فلا يظهره فدل على أنه إنما عوتب على إخفاء ما ~~أعلمه الله أنها ستكون زوجة له، وإنما أخفاه استحياء أن يقول لزيد: إن ~~الذي تحتك في نكاحك ستكون امرأتي وهذا حسن وإن كان الآخر وهو أنه ~~أخفى محبتها أو نكاحها لو طلقها لا يقدح في حال الأنبياء؛ لأن العبد غير ~~ملوم على ما يقع في قلبه من مثل هذه الأشياء ما لم يقصد فيه المأثم؛ لأن ~~الود وميل النفس من طبع البشر، وقوله: { أمسك عليك ~~زوجك واتق الله } أمر بالمعروف وهو خشية الإثم فيه وقوله: { ~~والله أحق أن تخشاه } لم يرد به أنه لم يكن يخشى الله فيما ~~سبق فإنه عليه (الصلاة و) السلام قد قال: # " أنا أخشاكم لله وأتقاكم له " # ولكن المعنى الله أحق أن تخشاه وحده، ولا تخشى أحدا معه ~~وأنت تخشاه وتخشى الناس أيضا، فلما ذكر الخشية من الناس ذكر أن الله أحق ~~بالخشية في عموم الأحوال وفي جميع الأشياء. # قوله: { فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها } ، " ~~وطرا " مفعول " قضى " ، والوطر الشهوة والمحبة قاله المبرد وأنشد: # 4092 - وكيف ثوائي بالمدينة بعدما # قضى وطرا منها جميل بن معمر # وقال أبو عبيدة: الوطر: الأرب والحاجة، وأنشد الربيع بن ضبع ~~الفزاري. # 4093 - ودعنا قبل أن نودعه # لما قضى من شبابنا وطرا # وقرأ العامة: " زوجناكها " ، وقرأ علي وابناه الحسنان - رضي ~~الله عنهم، وأرضاهم - " زوجتكها " ، بتاء المتكلم و " لكيلا " ~~متعلق " بزوجناكها ". وهي هنا ناصبة فقط لدخول الجار عليها، واتصل ms7104 ~~الضميران بالفعل، لاختلافهما رتبة. # فصل # المعنى فلما قضى زيد منها حاجة من نكاحها زوجناكها، وذكر قضاء الوطر ~~ليعلم أن زوجة المتبنى تحل بعد الدخول بها إذا طلقت وانقضت عدتها؛ ~~لأن الزوجة ما دامت في نكاح الزوج فهي تدفع حاجته وهو محتاج إليها فلم ~~يقض منها الوطر بالكلية ولم يستغن عنها، وكذلك إذا كانت في العدة له بها ~~تعلق لأجل شغل الرحم فلم يقض منها بعد وطر، فإذا طلقت وانقضت عدتها ~~استغنى عنها ولم يبق له معها تعلق فقضى منها الوطر. قال أنس: كانت زينب ~~تفتخر على أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - زوجكن ~~أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات، وقال ~~الشعبي: كانت زينب تقول للنبي - صلى الله عليه وسلم - إني لأدل ~~عليك بثلاث ما من نسائك امرأة تدل بهن، جدي وجدك واحد، وإني ~~أنكحنيك الله في السماء وإن السفير لجبريل. # قوله: { لكي لا يكون على المؤمنين حرج } إثم { في ~~أزواج أدعيآئهم إذا قضوا منهن وطرا } فالأدعياء ~~جمع أدعى وهو المتبنى بخلاف امرأة ابن الصلب لا تحل للأب { وكان ~~أمر الله مفعولا } أي قضاء الله ماضيا وحكمه نافذا، وقد قضى ~~في زينب أن يتزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # قوله: { ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله ~~له } أي فيما أحل الله له. # قوله: " سنة الله " منصوب على المصدر ك # صنع الله # [النمل: 88] و # وعد الله # [الزمر: 20] أو اسم وضع موضع المصدر أو منصوب " بجعل " أبو ~~بالإغراء أي فعليه سنة الله، قاله ابن عطية ورده أبو حيان بأن عامل ~~الإغراء لا يحذف، وبأن فيه إغراء الغائب وما ورد منه مؤول على ندوره ~~نحو: " عليه رجلا ليسني ". قال شهاب الدين: وقد ورد قوله عليه ~~السلام: # " وإلا فعليه بالصوم " # فقيل: هو إغراء، وقيل: ليس به وإنما هو مبتدأ وخبر، والباء زائدة في ~~المبتدأ وهو تخريج فاسد المعنى، لأن الصوم ليس واجبا على ذلك. وقال ~~البغوي: نصب بنزع الخافض أي كسنة الله. # فصل # المراد بسنة الله في الذين خلوا من ms7105 قبل أي في الأنبياء الماضين أن لا ~~يؤاخذهم بما أحل لهم, قال الكلبي ومقاتل: أراد داود حين جمع بينه وبين ~~المرأة التي هويها فكذلك جمع بين محمد وبين زينب، وقيل أراد بالسنة ~~النكاح، فإنه من سنة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - { وكان أمر ~~الله قدرا مقدورا } ، مقضيا كائنا ماضيا. # واعلم أن في قوله أولا: { وكان أمر الله مفعولا } وقوله ~~ثانيا: { وكان أمر الله قدرا مقدورا } لطيفة وهي أن ~~الله تعالى لما قال: " زوجناكها " قال: { وكان أمر الله ~~مفعولا } ، أي تزويجنا زينت إياك كان مقصودا مقضيا مراعى، ~~ولما قال: { سنة الله في الذين خلوا } أشار إلى قصة داود ~~حين افتتن بامرأة " أوريا " قال: { وكان أمر الله قدرا ~~مقدورا } أي كان ذلك حكما تبعيا. # قوله: " الذين يبلغون " يجوز أن يكون تابعا " للذين خلوا " وأن ~~يكون مقطوعا عنه رفعا ونصبا على إضمار: " هم " أو أعني، أو أمدح. # فصل # المعنى إن الذين يبلغون رسالات الله كانوا أيضا رسلا مثلك، ثم ~~ذكر حالهم بأنهم جربوا الخشية ووجدوها فيخشون الله ولا يخشون أحدا سواه ~~فصار كقوله: " فبهداهم اقتده " ولا يخشى قالة الناس فإنهم ليسوا ~~بمهتمين فيما أحل الله لهم وفرض عليهم، { وكفى بالله حسيبا } ~~حافظا لأعمال خلقه ومحاسبتهم فلا يخشى غيره. # قوله: { ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم } لما ~~تزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - زينب قال الناس: إن محمدا تزوج امرأة ~~ابنه فأنزل الله - عز وجل - { ما كان محمد أبآ أحد من ~~رجالكم } يعني زيد بن حارثة أي ليس أبا أحد من رجالكم الذين لم ~~يلده فيحرم عليه نكاح زوجته بعد فراقه إياها. فإن قيل: أليس أنه كان له ~~أبناء القاسم والمطهر، وإبراهيم، والطيب، وكذلك الحسن، ~~الحسين، قال - عليه (الصلاة و) السلام -: # " إن ابني هذا سيد؟ ". # فالجواب: هؤلاء كانوا صغارا ولم يكونوا رجالا، والصحيح أنه أراد أبا ~~أحد من رجالكم الذي لم يلده. # قوله: { ولكن رسول الله } العامة على تخفيف " لكن " ونصب " ~~رسول " ، ونصبه إما على إضمار " كان " لدلالة " كان " السابقة عليها، ~~أي ولكن كان، ms7106 وإما بالعطف على " أبا أحد ": والأول أليق؛ لأن " ~~لكن " ليست عاطفة لأجل الواو، فالأليق بها أن تدخل على الجمل " كبل " ~~التي ليست عاطفة. وقرأ أبو عمرو - في رواية - بتشديدها، على أن " ~~رسول الله " اسمها وخبرها محذوف للدلالة، أي ولكن رسول الله هو أي ~~محمد، وحذف خبرها سائغ وأنشد: # 4094 - فلو كنت ضبيا عرفت قرابتي # ولكن زنجيا عظيم المشافر # أي أنت، وهذا البيت يروونه أيضا " ولكن زنجي " بالرفع، شاهدا على ~~حذف اسمها، أي " ولكنك ". وقرأ زيد بن علي، وابن أبي عبلة بتخفيفها ورفع ~~" رسول " على الابتداء، والخبر مقدر أي هو، أو بالعكس أي ولكن هو ~~رسول كقوله: # 4095 - ولست الشاعر السفساف فيهم # ولكن مدره الحرب العوان # أي ولكن أنا مدره. # قوله: " وخاتم النبيين " قرأ عاصم بفتح التاء والباقون ~~بكسرها, فالفتح اسم للآلة التي يختم بها كالطابع والقالب، لما يطبع ~~به، ويقلب فيه هذا هو المشهور، وذكر أبو البقاء فيه أوجها أخر ~~منها أنه في معنى المصدر قال: كذا ذكر في بعض الأعاريب، قال شهاب الدين: ~~وهو لغط محض كيف وهو محوج إلى تجوز أو إضمار، ولو حكى هذا في ~~خاتم - بالكسر - لكان أقرب، لأن قد يجيء المصدر على فاعل وفاعلة وسيأتي ~~ذلك قريبا، ومنها أنه اسم بمعنى " آخر " ومنها أنه فعل ماض مثل " ~~قاتل " فيكون " النبيين " مفعولا به، قال شهاب الدين: ويؤيد هذا ~~قراءة عبد الله المتقدمة. وقال بعضهم هو بمعنى المفتوح يعني بمعنى آخرهم ~~لأنه قد ختم النبيين فهو خاتم. # فصل # قال ابن عباس: يريد لو لم أختم به النبيين لجعلت له ابنا يكون من بعده ~~نبيا، وروى عطاء عن ابن عباس: أن الله تعالى لما حكم أنه لا نبي بعده ~~لم يعطه ولدا ذكرا يصير رجلا، وقيل: من لا نبي بعده يكون أشفق ~~على أمته وأهدى لهم إذ هو كالوالد لولد ليس له غيره. { وكان الله ~~بكل شيء عليما } أي علمه بكل شيء دخل فيه أن لا نبي بعده، فعلم ~~أن من الحكمة إكمال شرع محمد عليه (الصلاة و) ms7107 السلام أن زوجه بزوجة ~~دعيه تكميلا للشرع، وذلك من حيث إن قول النبي - عليه الصلاة والسلام ~~- يفيد شرعا لكن إذا امتنع هو عنه يفيد في بعض النفوس نفرة، ألا ترى ~~أنه ذكر بقوله ما فهم منه حل أكل الضب، ثم لما لم يأكله بقي في ~~النفوس شيء، ولما أكل لحم الجمل طاب أكله، مع أنه في بعض الملل لا يؤكل ~~وكذلك الأرنب، روى أبو هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: # " مثلي ومثل الأنبياء كمثل قصر أحكم بنيانه ~~ترك منه موضع لبنة فطاف به النظار ~~يتعجبون من حسن بنائه إلا موضع تلك ~~اللبنة لا يجيبون سواها فكنت أنا موضع تلك ~~اللبنة ختم به البنيان، وختم بي الرشد " # وقال - عليه (الصلاة و) السلام: # " إن لي أسماء أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا ~~الماحي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي ~~يحشر الله الناس على قدمي وأنا العاقب " # والعاقب الذي ليس بعده شيء. ### || [33.41-48] # قوله: { يأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا ~~كثيرا } قال ابن عباس: لم يفرض الله على عباده فريضة إلا جعل لها ~~حدا معلوما ثم عذر أهلها في حال العذر غير الذكر فإنه لم يجعل له حدا ~~ينتهي إليه ولم يعذر أهله في تركه إلا مغلوبا على عقله وأمرهم به في ~~الأحوال كلها، فقال: # فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم # [النساء: 103] وقال: { اذكروا الله ذكرا كثيرا } أي بالليل ~~والنهار، والبر والبحر والصحة والسقم في السر والعلانية وقال مجاهد: ~~الذكر الكثير أن لا ينساه أبدا { وسبحوه بكرة وأصيلا } أي ~~صلوا له بكرة يعني صلاة الصبح و " أصيلا " يعني صلاة العصر، وقال ~~الكلبي: " وأصيلا " صلاة الظهر والعصر والعشاء، وقال مجاهد معناه: ~~قولوا: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا ~~حول ولا قوة إلى بالله فعبر بالتسبيح عن أخواته، وقيل: المراد من ~~قوله: " ذكرا كثيرا " هذه الكلمات يقولها الطاهر والخبيث والمحدث. # قوله: { هو الذي يصلي عليكم وملائكته } الصلاة من ~~الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار للمؤمنين فذكر صلاته تحريضا ms7108 ~~للمؤمنين على الذكر والتسبيح، قال السدي: قالت بنو إسرائيل لموسى: أيصلي ~~ربنا؟ فكبر هذا الكلام على موسى فأوحى الله إليه قل لهم: إني أصلي ~~وإن صلاتي رحمتي وقد وسعت رحمتي كل شيء. وقيل: الصلاة من الله هي ~~إشاعة الذكر الجميل له في عباده، وقيل: الثناء عليه. قال أنس: لما نزلت ~~إن الله وملائكته يصلون على النبي قال أبو بكر: ما خصك الله يا رسول ~~الله بشرف إلا وقد أشركنا فيه فأنزل الله عز وجل هذه الآية. # قوله: " وملائكته " إما عطف على فاعل " يصلي " ، وأغنى الفصل ~~بالجار عن التأكيد بالضمير، وهذا عند من يرى الاشتراك أو القدر المشترك ~~أو المجاز؛ لأن صلاة الله غير صلاتهم. وإما مبتدأ وخبره محذوف، أي " ~~وملائكته يصلون " وهذا عند من يرى شيئا مما تقدم جائزا إلا أن فيه ~~بحثا، وهو أنهم نصوا على أنه إذا اختلف مدلولا الخبرين فلا يجوز حذف ~~أحدهما لدلالة الآخر عليه وإن كانا بلفظ واحد، فلا تقول: " زيد ضارب ~~وعمرو " يعني وعمرو ضارب في الأرض أي مسافر. # فصل # الصلاة من الله رحمة، ومن الملائكة استغفار، فقيل: إن اللفظ المشترك ~~يجوز استعماله في معنييه معا وكذلك الجمع بين الحقيقة والمجاز في ~~لفظ جائز. قال ابن الخطيب: وينسب هذا القول للشافعي رحمه الله، وهو غير ~~بعيد؛ وذلك لأن الرحمة والاستغفار مشتركان في العناية بحال المرحوم ~~والمستغفر له والمراد هو القدر المشترك فتكون الدلالة واحدة، ثم قال: { ~~ليخرجكم من الظلمات إلى النور } أي من ظلمة الكفر ~~إلى نور الإيمان يعنى (أنه) برحمته وهدايته ودعاء الملائكة لكم أخرجكم من ~~ظلمة الكفر إلى نور الإيمان. # { وكان بالمؤمنين رحيما } وهذا بشارة لجميع المؤمنين وأشار ~~بقوله: " يصلي عليكم " أن هذا غير مختص بالسامعين وقت الخطاب. قوله: " ~~تحيتهم " يجوز أن يكون مصدرا مضافا لمفعوله، وأن يكون مضافا ~~لفاعله ومفعوله على معنى أن بعضهم يحيي بعضا، فيصح أن لا يكون ~~الضمير للفاعل والمفعول باعتبارين لا أنه يكون فاعلا ومفعولا من وجه ~~واحد وهو قول من قال: # وكنا لحكمهم شاهدين # [الأنبياء: 78] أنه ms7109 مضاف للفاعل والمفعول. # فصل # المعنى تحية المؤمنين يوم يلقونه أي يرون الله سلام أي يسلم الله ~~عليهم ويسلمهم من جميع الآفات، وروي عن البراء بن عازب قال: تحيتهم يوم ~~يلقونه سلام يعني ملك الموت لا يقبض روح مؤمن إلا سلم عليه. وعن ابن ~~مسعود قال: إذا جاء ملك يقبض روح المؤمن قال: ربك يقرئك السلام، ~~وقيل: تسلم عليهم الملائكة تبشرهم حين يخرجون من قبورهم ثم قال: { ~~وأعد لهم أجرا كريما } يعني الجنة. # فإن قيل: الإعداد إنما يكون ممن لا يقدر عند الحاجة إلى الشيء عليه، ~~وأما الله تعالى فغير محتاج ولا عاجز فحيث يلقاه (و) يؤتيه ما يرضى به ~~وزيادة فما معنى الإعداد من قبل؟. # فالجواب: أن الأعداد للإكرام لا للحاجة. # قوله: { يأيها النبي إنآ أرسلناك شاهدا } أي ~~شاهدا للرسل بالتبليغ " ومبشرا " لمن آمن بالجنة و " نذيرا " ~~لمن كذب بالنار " فشاهدا " حال مقدرة، أو مقارنة لقرب الزمان { ~~وداعيا إلى الله } إلى توحيده وطاعته، وقوله " بإذنه " حال ~~أي ملتبسا بتسهيله، ولا يريد حقيقة الإذن لأنه مستفاد من " ~~أرسلناك ". # قوله: " وسراجا " يجوز أن يكون عطفا على ما تقدم، إما على التشبيه، ~~وإما على حذف مضاف أي ذا سراج، وجوز الفراء أن يكون الأصل: وتاليا ~~سراجا، ويعني بالسراج القرآن، وعلى هذا فيكون من عطف الصفات وهي لذات ~~واحدة، لأن التالي هو المرسل. وجوز الزمخشري أن يعطف على مفعول " ~~أرسلناك " وفيه نظر لأن السراج هو القرآن ولا يوصف بالإرسال بل ~~بالإنزال إلا أن يقال: إنه حمل على المعنى كقوله: # 4096 - فعلفتها تبنا وماء باردا # [حتى شتت همالة عيناها] # وأيضا فيغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل، وقوله: " منيرا " ~~لأنه يهتدى به كالسراج يستضاء به في الظلمة. واعلم أن في قوله: " ~~سراجا " ولم يقل: إنه شمس مع أن الشمس أشد إضاءة من السراج فائدة وهي ~~أن نور الشمس لا يؤخذ منه شيء، والسراج يؤخذ منه أنوار كثيرة إذا انطفى ~~الأول يبقى الذي أخذ منه وكذلك إن غاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~كل ms7110 صحابي كذلك سراجا يؤخذ منه نور الهداية كما قال عليه (الصلاة و) ~~السلام: # " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " # وفي هذا الخبر لطيفة وهي أن النبي عليه (الصلاة و) السلام لم يجعل ~~أصحابه كالسراج وجعلهم كالنجوم لأن النجم لا يؤخذ منه (نور) بل له في ~~نفسه نور إذا غرب لا يبقى نور مستفاد منه فكذلك الصحابي إذا مات فالتابعي ~~يستنير بنور النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يأخذ إلا قول النبي - ~~عليه (الصلاة و) والسلام - وعليه فأنوار المجتهدين كلهم من النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ولو جعلهم كالسراج والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~سراجا كان للمجتهد أن يستنير بمن أراد منهم، ويأخذ النور ممن ~~اختار وليس كذلك فإن مع نص النبي - صلى الله عيه وسلم - لا يعمل بقول ~~الصحابي بل يؤخذ النور من النبي ولا يؤخذ من الصحابي، فلم يجعله ~~سراجا. # قوله: " وبشر المؤمنين " عطف على مفهوم تقديره: " إنا ~~أرسلناك شاهدا ومبشرا فاشهد وبشر " ولم يذكر " فاشهد ~~" للاستغناء عنه، وأما البشارة فذكرت إشارة للكرم، ولأنها غير واجبة لولا ~~الأمر. وقوله { بأن لهم من الله فضلا كبيرا } كقوله ~~تعالى: { وأعد لهم أجرا عظيما } والعظيم والكبير متقاربان. # قوله: { ولا تطع الكافرين والمنافقين } تقدم تفسيره ~~أول السورة، وهو إشارة إلى الإنذار يعني خالفهم ورد عليهم. # قوله: " ودع أذاهم " يجوز أن يكون " أذاهم " مضافا لمفعوله ~~أي اترك أذاك لهم، أي عقابك إياهم. # قال الزجاج: لا تجازهم عليه، وهذا منسوخ بأية السيف، ويجوز أن يكون ~~مضافا لفاعله أي اترك ما أذوك به فلا تؤاخذهم حتى تؤمر أي دعه ~~إلى الله فإنه يعذبهم بأيديكم وبالنار وبين هذا قوله تعالى: { ~~وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا } أي حافظا. ### || [33.49-52] # قوله: { يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم ~~المؤمنات... } الآية وجه تعلق الآية بما قبلها هو أن الله تعالى في ~~هذه السورة مكارم الأخلاق وأدب نبيه على ما تقدم والله تعالى أمر عباده ~~المؤمنين بما أمر به نبيه فكلما ذكر لنبيه مكرمة، وعلمه أدبا ذكر ~~للمؤمنين ما يناسبه، ولما بدأ ms7111 الله تعالى في تأديب النبي - عليه الصلاة ~~والسلام - ذكر ما يتعلق بجانب الله تعالى بقوله: # يا أيها النبي اتق الله # [الأحزاب: 1] وثنى بما يتعلق بجانب من هو تحت يده من أزواجه بقوله: بعده # يأيها النبي قل لأزواجك # [الأحزاب: 28، 59] وثلث بما يتعلق بجانب العامة بقوله: # يأيها النبي إنآ أرسلناك شاهدا # [الأحزاب: 45] كذلك بدأ في إرشاد المؤمنين بما يتعلق بجانب الله فقال: # يأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا # [الأحزاب: 41] ثم ثنى بما يتعلق بجانب من تحت أيديهم بقوله: { ~~يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات } ثم ~~كما ثلث في تأديب النبي بجانب الأمة ثلث في حق المؤمنين بما يتعلق بهم ~~فقال بعد هذا: # يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي # [الأحزاب: 53] وبقوله: # يأيها الذين آمنوا صلوا عليه # [الأحزاب: 56] فإن قيل: إذا كان هذا إرشادا إلى ما يتعلق بجانب من هو ~~خواص المرء فلم خص المطلقات اللاتي طلقن قبل المسيس؟. # فالجواب: هذا إرشاد إلى أعلى درجات المكرمات ليعلم منها ما دونها، ~~وبيانه أن المرأة إذا طلقت قبل المسيس لم يحصل بينهما تأكد العهد، ولهذا ~~قال تعالى في حق الممسوسة: # وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ~~وأخذن منكم ميثاقا غليظا # [النساء: 21] فإذا أمر الله (تعالى) بالتمتع والإحسان مع من لا مودة ~~بينه وبينها فما ظنك بمن حصلت المودة بالنسبة إليها بالإفضاء أو حصل ~~تأكدها بحصول الولد بينهما، وهذا كقوله تعالى: # فلا تقل لهمآ أف ولا تنهرهما # [الإسراء: 23] لو قال: لا تضربهما ولا تشتمهما ظن أنه حرام لمعنى مختص ~~بالضرب أو الشتم، فأما إذ قال: " لا تقل لهما أف " علم من معان كثيرة ~~فكذلك ههنا لما أمرنا بالإحسان مع من لا مودة معها علم منه الإحسان مع ~~الممسوسة ومن لم تطلق بعد ومن ولدت عنده منه. # قوله: " ثم طلقتموهن " إن قيل: ما الفائدة بالإتيان " ~~بثم " وحكم من طلقت على الفور بعد العقد كذلك؟ فالجواب: أنه جرى على ~~الغالب. وقال الزمخشري: نفى التوهم عمن عسى يتوهم تفاوت الحكم بين أن ~~يطلقها قريبة العهد بالنكاح وبين ms7112 أن يبعد عهدها بالنكاح وتتراخى بها ~~المرأة في حبالة الزوج ثم طلقها. قال أبو حيان: واستعمل " عسى " صلة ~~لمن وهو لا يجوز. " قال شهاب الدين " يخرج قوله على ما خرج عليه قول ~~الآخر: # 4097 - وإني لرام نظرة قبل التي # لعلي - وإن شطت نواها - أزورها # وهو إضمار القول، وفي هذه الآية دليل على أن تعليق الطلاق قبل النكاح لا ~~يصح، لأن الله تعالى رتب الطلاق على النكاح بكلمة " ثم " وهي للتراخي حتى ~~(و) لو قال لأجنبية: إذا نكحتك فأنت طالق، أو كل امرأة ~~أتزوجها فهي طالق فنكح، لا يقع الطلاق، وهو قول علي، وابن مسعود، ~~وجابر، ومعاذ، وعائشة. وبه قال سعيد بن أبي المسيب، وعروة، ~~وشريح، وسعيد بن جبير، والقاسم، وطاوس والحسن، وعكرمة، وعطاء ~~بن يسار، والشعبي، وقتادة، وأكثر أهل العلم. وبه قال الشافعي، ~~وأحمد. وروي عن ابن مسعود أنه قال: يقع الطلاق وهو قول إبراهيم ~~النخعي وأصحاب الرأي، وقال ربيعة ومالك والأوزاعي: إن عين ~~امرأة يقع، وإن عم فلا يقع، وروى عكرمة عن ابن عباس قال: كذبوا على ابن ~~مسعود إن كان قالها فزلة من عالم في الرجل يقول: إن تزوجت فلانة فهي ~~طالق، يقول الله تعالى: { إذا نكحتم المؤمنات ثم ~~طلقتموهن } ولم يقل: " إذا طلقتموهن ثم ~~نكحتموهن " وروى عطاء عن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - # " لا طلاق قبل النكاح ". # قوله: { من قبل أن تمسوهن } تجامعوهن { فما لكم ~~عليهن من عدة تعتدونها } أي تحصونها وتستوفونها ~~بالأقراء والأشهر، " فتعتدونها " صفة " لعدة " وتعتدونها تفتعلونها إما ~~من العدد، وإما من الاعتداد أي تحتسبونها أو تستوفون عددها من ~~قولك: عد الدراهم فاعتدها أي استوفى عددها، نحو: كلته ~~فاكتاله، ووزنته فاتزنه، وقرأ ابن كثير - في رواية - وأهل ~~مكة بتخفيف الدال وفيها وجهان: # أحدهما: أنها من الاعتداد وإنما كرهوا تضعيفه فخففوه؛ قاله الرازي، ~~قال: ولو كان من الاعتداء الذي هو الظلم لضعف، لأن الاعتداء يتعدى " بعلى ~~". قيل: ويجوز أن يكون من الاعتداء وحذف حرف الجر أي تعتدون ~~عليها أي على العدة مجازا، ms7113 ثم تعتدونها كقوله: # 4098 - تحن فتبدي ما بها من صبابة # وأخفي الذي لولا الأسى لقضاني # أي لقضى علي، وقال الزمخشري: وقرىء تعتدونها مخففا أي ~~تعتدون فيها كقوله: # 4099 - ويوم شهدناه سليمى وعامرا # قليل سوى الطعن النهال نوافله # وقيل: معنى تعتدونها أي تعتدون عليهن فيها، وقد أنكر ابن عطية القراءة ~~عن ابن كثير وقال: غلط ابن أبي بزة عنه، وليس كما قال. # والثاني: أنها من العدوان (والاعتداء) وقد تقدم شرحه، واعتراض أبي الفضل ~~عليه بأنه كان ينبغي أن يتعدى " بعلى " وتقدم جوابه، وقرأ الحسن " ~~تعتدونها " - بسكون العين وتشديد الدال - وهو جمع بين ساكنين على (غير) ~~حديهما. # فصل # دلت هذه الآية على أن العدة حق الزوج فيها غالب وإن كان لا يسقط ~~بإسقاطه؛ لما فيه من حق الله تعالى. # ثم قال: " فمتعوهن " أي أعطوهن ما يستمتعن به قال ابن عباس: ~~هذا إذا لم يكن سمى لها صداقا فلها المتعة، وإن كان فرض لها صداقا فلها ~~نصف الصداق ولا متعة لها، وقال قتادة: هذه الآية منسوخة بقوله: # فنصف ما فرضتم # [البقرة: 237]، قيل: إنه عام وعلى هذا فهل هو أمر وجوب أو أمر استحباب؟ ~~فقيل: للوجوب فتجب المتعة مع نصف المهر، وقيل: للاستحباب فيستحب أن ~~يمتعها مع الصداق بشيء، ثم قال: { وسرحوهن سراحا جميلا } ~~أي خلوا سبيلهن بالمعروف من غير ضرار، وقيل: السراح الجميل: أن لا ~~يطالبها بما آتاها. # قوله تعالى: { يأيها النبي إنآ أحللنا لك ~~أزواجك اللاتي آتيت أجورهن } أي مهورهن { وما ~~ملكت يمينك } وقوله: { ممآ أفآء الله عليك } رد ~~عليك من الكفار بأن تسبي فتملك، وهذا بيان لما ملكت، وليس هذا قيدا ~~بل لو ملكت يمينه بالشراء كان الحكم كذا، وإنما خرج مخرج الغالب. ~~واعلم أنه ذكر للنبي - عليه الصلاة والسلام - ما هو أولى فإن الزوجة التي ~~أوتيت مهرها أطيب قلبا من التي لم تؤت والمملوكة التي سباها الرجل ~~بنفسه أطهر من التي اشتراها الرجل لأنه لا يدري كيف حالها، ومن هاجرت من ~~أقارب النبي - صلى الله عليه وسلم - معه أشرف ممن ms7114 لم تهاجر، وقال بعضهم: ~~إن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما كان يستوفي ما لا يجب له والوطء قبل ~~إيتاء الصداق غير مستحق وإن كان حالا لنا وكيف والنبي عليه الصلاة ~~والسلام إذا طلب شيئا حرم الامتناع على المطلوب؟ والظاهر أن الطالب في ~~المرة الأولى إنما هو الرجل لحياء المرأة فلو طلب النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - من المرأة التمكين قبل المهر للزم أن يجب وأن لا يجب وهو محال ولا ~~كذلك أحدنا ويؤكد هذا قوله: { وامرأة مؤمنة إن وهبت ~~نفسها للنبي } يعني حينئذ لا يبقى لها صداق فتصير كالمستوفية ~~مهرها. # واعلم أن اللاتي يملكت يمينه مثل صفية، وجويرية، ومارية { ~~وبنات عمك وبنات عماتك } يعني نساء قريش { وبنات ~~خالك وبنات خالاتك } يعني نساء بني زهرة { اللاتي ~~هاجرن معك } إلى المدينة فمن لم تهاجر معه منهم لم يجز له نكاحها، ~~روى أبو صالح عن أم هانىء أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما فتح ~~مكة خطبني فأنزل الله هذه الآية فلم أحل له لأني لم أكن من المهاجرات ~~وكنت من المطلقات، ثم نسخ شرط الهجرة في التحليل. # قوله " وامرأة " العامة على النصب وفيه وجهان: # أحدهما: أنها عطف على مفعول " أحللنا " أي وأحللنا لك امرأة ~~موصوفة بهذين الشرطين، قال أبو البقاء وقد رد هذا قوم، وقالوا: " ~~أحللنا " ماض، و " إن وهبت " - وهو صفة للمرأة - مستقبل، " ~~فأحللنا " في موضع جوابه، وجواب الشرط لا يكون ماضيا في المعنى، قال: ~~وهذا ليس بصحيح لأم معنى الإحلال ههنا الإعلام بالحل إذا وقع الفعل على ~~ذلك كما تقول: " أبحت لك أن تكلم فلانا إن سلم ~~عليك ". # والثاني: انه ينتصب بمقدر تقديره: " ويحل لك امرأة ". # قوله: " إن وهبت، إن أراد " هذا من اعتراض الشرط على الشرط، ~~والثاني هو قيد في الأول ولذلك نعربه حالا، لأن الحال قيد، ولهذا اشترط ~~الفقهاء أن يتقدم الثاني على الأول في الوجود. فلو قال: إن أكلت إن ~~ركبت فأنت طالق، فلا بد أن يتقدم الركوب على الأكل، وهذا له تحقق ~~الحالية والتقييد ms7115 كما ذكرنا، إذ لو لم يتقدم لخلا جزء من الأكل غير مقيد ~~بركوب فلهذا اشترطنا تقدم الثاني وقد مضى تحقيق هذا وأنه يشترط أن لا ~~تكون ثم قرينة تمنع من تقدم الثاني على الأول كقوله: " إن ~~تزوجتك إن طلقتك فعبدي حر " (لأنه) لا يتصور هنا ~~تقديم الطلاق على التزويج. # قال شهاب الدين: وقد عرض لي إشكال على ما قاله الفقهاء بهذه الآية وذلك ~~أن الشرط الثاني هنا لا يمكن تقدمه في الوجود بالنسبة إلى الحكم الخاص ~~بالنبي - صلى الله عليه وسلم - لا أنه لا يمكن عقلا، وذلك ان المفسرين ~~فسروا قوله تعالوا: " إن أراد " بمعنى قبل الهبة لأن بالقبول منه ~~عليه (الصلاة و) السلام يتم نكاحه وهذا لا يتصور تقدمه على الهبة إذ ~~القبول متأخر، وأيضا فإن القصة كانت على ما ذكرته من تأخر إرادته من ~~هبتها وهو مذكور في التفسير، وأبو حيان لما جاء إلى ههنا جعل الشرط ~~الثاني متقدما على الأول على القاعدة العامة، ولم يسشكل شيئا مما ~~ذكرته، وقد عرضت هذا الإشكال على جماعة من أعيان زماننا فاعترفوا به ولم ~~يظهر عن جواب إلا ما قدمته من أنه ثم قرينة مانعة من ذلك كما مثلته ~~آنفا، وقرأ أبو حيوة " وامرأة " بالرفع على الابتداء، والخبر مقدر، ~~أي أحللنا لك أيضا. وفي قوله: { إن أراد النبي } ~~التفات من الخطاب إلى الغيبة بلفظ الظاهر تنبيها على أن سبب ذلك النبوة، ~~ثم رجع إلى الخطاب فقال: " خالصة لك " ، وقرأ أبي والحسن وعيسى " ~~أن " بالفتح، وفيه وجهان: # أحدها: أنه بدل من " امرأة " بدل اشتمال قاله أبو البقاء، كأنه قيل: ~~وأحللنا لك هبة المرأة نفسها لك. # والثاني: أنها على حذف لام العلة (أي) لأن وهبت, وزيد بن علي:إذ ~~وهبت " وفيه معنى العلية. # قوله: " خالصة " العامة على النصب وفيه أوجه: # أحدها: أنه منصوب على الحال من فاعل " وهبت " أي حال كونها خالصة ~~لك دون غيرك. # الثاني: أنها حال من " امرأة " لأنها وصفت فتخصصت، وهو بمعنى الأول، ~~وإليه ذهب الزجاج. # الثالث: أنها نعت مصدر مقدر ms7116 أي هبة خالصة فنصبها " بوهبت ". # الرابع: أنها مصدر مؤكد " كوعد الله " ، قال الزمخشري: والفاعل ~~والفاعلة في المصادر غير عزيزين كالخارج والقاعد، والكاذبة ~~والعافية يريد بالخارج ما في قول الفرزدق: # 4100 -........................... # ولا خارجا من في زور كلام # وبالقاعد ما في قولهم: " أقاعدا وقد سار الركب " ، ~~وبالكاذبة ما في قوله تعالى: # ليس لوقعتها كاذبة # [الواقعة: 2]، وقد أنكر أبو حيان عليه قوله: " غير عزيزين " وقال: بل ~~هما عزيزان، وما ورد متأول، وقرىء: " خالصة " بالرفع، فإن كانت " ~~خالصة " حالا قدر المبتدأ " هي " أي المرأة الواهبة، وإن كانت مصدرا ~~قدر فتلك الحالة خالصة، و " لك " على البيان أي أعني لك نحو: " سقيا ~~لك ". # فصل # المعنى: أحللنا لك امرأة مؤمنة وهبت نفسها لك بغير صداق، فأما غير ~~المؤمنة فلا تحل له إذا وهبت نفسها منه، واختلفوا في أنه هل كان يحل ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم - نكاح اليهودية والنصرانية، فذهب أكثرهم إلى ~~أنه كان لا يحل له ذلك لقوله: " وامرأة مؤمنة " وأول بعضهم الهجرة في ~~قوله: " هاجرن معك " يعني على الإسلام أي أسلمن معك، فيدل ذلك على ~~أنه لا يحل نكاح غير المسلمة. وكان نكاح ينعقد في حقه بمعنى الهبة من غير ~~ولي ولا شهود ولا مهر، وكان ذلك من خصائصه عليه (الصلاة و) السلام - ~~لقوله تعالى: { خالصة لك من دون المؤمنين } كالزيادة على ~~الأدب ووجوب تخيير النساء من خصائص لا مشاركة لأحد معه، واختلفوا في ~~انعقاد النكاح بلفظ الهبة في حق الأمة، فقال سعيد بن المسيب والزهري ~~ومجاهد وعطاء: لا ينعقد إلا بلفظ النكاح أو التزويج، وبه قال ربيعة ومالك ~~والشافعي، ومعنى الآية أن إباحة الوطء بالهبة وحصول التزويج بلفظها من ~~خواصه عليه السلام. وقال النخعي وأبو حنيفة وأهل الكوفة ينعقد بلفظ ~~الهبة والتمليك وأن معنى الآية أن تلك المرأة صارت خالصة لك زوجة من ~~أمهات المؤمنين ولا تحل لغيرك أبدا بالتزويج وأجيب بأن هذا التخصيص ~~بالواهبة لا فائدة فيه فإن أزواجه كلهن خالصات له، وما ذكرناه (يتبين) ~~للتخصيص فائدة. # فصل # اختلفوا في التي وهبت ms7117 نفسها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - هل كانت ~~عنده امرأة منهن فقال عبد الله بن عباس ومجاهد: لم يكن عند النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - امرأة وهبت نفسها منه ولم يكن عنده امرأة إلا بعقد نكاح ~~أو ملك يمين، وقوله " وهبت نفسها " على طريق الشرط والجزاء، ~~وقيل: بل كانت موهوبة واختلفوا فيها، فقال الشعبي: هي زينب بنت خزيمة ~~الهلالية يقال لها: أم المساكين، وقال قتادة: هي ميمونة بنت الحارث، وقال ~~علي بن الحسين والضحاك ومقاتل: أم شريك بنت جابر من بني أسد، وقال عروة ~~بن الزبير: هي خولة بنت حكيم من بني سليم. # قوله: { قد علمنا ما فرضنا } أوجبنا على المؤمنين " في ~~أزواجهم " من الأحكام أن لا يتزوجوا أكثر من أربع ولا يتزوجوا إلا ~~بولي وشهود ومهر { وما ملكت أيمانهم } أي ما أوجبنا من ~~الأحكام في ملك اليمين، وإنما ذكر هذا لئلا يحمل واحد من المؤمنين نفسه ~~على ما كان النبي عليه السلام فإن له في النكاح خصائص ليست لغيره، وكذلك ~~في السراري. # قوله: " لكيلا " يتعلق " بخالصة " وما بينهما اعتراض و " من دون ~~" متعلق " بخالصة " كما تقول: خلص من كذا. # فصل # قال المفسرون: هذا يرجع إلى أول الآية أي أحللنا لك أزواجك وما ملكت ~~يمينك والموهبة { لكيلا يكون عليك حرج } { وكان ~~الله غفورا رحيما } يغفر الذنوب جميعا ويرحم العبيد. # قوله: " ترجي " أي تؤخر { من تشآء منهن وتؤوي إليك ~~} أي تضم إليك " من تشاء " واختلف المفسرون في معنى الآية فأشهر ~~الأقاويل أنه في القسم بينهن وذلك أن التسوية بينهن في القسم كان واجبا ~~عليه، فلما نزلت هذه الآية سقط عنه وصار الاختيار إليه فيهن. قال أبو ~~رزين وابن زيد نزلت هذه الآية حين غار بعض أمهات المؤمنين على النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وطلب بعضهن زيادة النفقة وهجرهن النبي - صلى الله ~~علي وسلم - شهرا حتى نزلت آية التخيير فأمره الله - عز وجل - أن ~~يخيرهن بين الدنيا والآخرة وأن يخلي سبيل من اختارت الدنيا، ويمسك من ~~اختارت الله ورسوله والدار الأخرة ms7118 على أنهن أمهات المؤمنين فلا ينكحن ~~أبدا وعلى أنه يؤوي إليه من يشاء منهن ويرجي من يشاء فيرضين به قسم ~~لهن أو لم يقسم أو قسم لبعض دون بعض أوفضل بعضهن على بعض في النفقة ~~والقسمة فيكون الأمر في ذلك إليه يفعل كيف يشاء وكان ذلك من خصائص فرضين ~~بذلك واخترنه على هذا الشرط وذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام بالنسبة ~~إلى أمته نسبة السيد المطاع والرجل وإن لم يكن نبيا فالزوجة في ملك ~~نكاحه والنكاح عليها فكيف زوجات النبي بالنسبة إليه فإذن هن كالمملوكات ~~له ولا يجب القسم بين المملوكات. والإرجاء التأخير والإيواء الضم، ~~واختلفوا في أنه هل أخرج أحدا منهن عن القسم فقيل: لم يخرج أحدا بل كان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع ما جعل الله من ذلك يسوي بينهن في ~~القسم إلا سودة فإنها رضيت بترك حقها من القسم وجعلت نوبتها ~~لعائشة، وقيل: أخرج بعضهن، روى جرير عن منصور عن أبي رزين قال: ~~لما نزلت آية التخيير أشفقن أن يطلقهن، فقلن يا رسول الله: ~~اجعل لنا من نفسك ومالك ما شئت ودعنا على حالنا فنزلت هذه الآية ~~فأرجأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعضهن وآوى إليه بعضهن فكان ممن ~~آوى عائشة وحفصة وزينب وأم سلمة وكان يقسم بينهن سواء، وأرجأ منهن ~~خمسا: أم حبيبة، وميمونة، وسودة، وصفية، وجوريرية فكان يقسم ~~لهن ما شاء. # وقال مجاهد: ترجى من تشاء منهن يعني تعزل من تشاء منهن بغير طلاق وترد ~~إليك من تشاء بعد العزل بلا تجديد عقد، وقال ابن عباس: تطلق من تشاء منهن ~~وتمسك من تشاء وقال الحسن: تترك نكاح من شئت وتنكح من شئت من تشاء من ~~أمتك وقال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا خطب امرأة لم يكن ~~لغيره خطبتها حتى يتركها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقيل: ~~تقبل من تشاء من المؤمنات اللاتي يهبن أنفسهن لك فتؤويها إليك ~~وتترك من تشاء فلا تقبلها، روى هشام عن أبيه قال: كانت خولة ms7119 ~~بنت حكيم من اللاتي وهبن أنفسهن للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت ~~عائشة: أما تستحي المرأة انت تهب نفسها للرجل فلما نزلت { ترجي من ~~تشآء منهن } قالت: يا رسول الله. ما أرى ربك إلا يسارع في ~~هواك. # قوله: " ومن ابتغيت " يجوز في " من " وجهان: # أحدهما: أنها شرطية في محل نصب بما بعدها وقوله: { فلا جناح ~~عليك } جوابها، والمعنى من طلبتها من النسوة اللاتي عزلتهن فليس ~~عليك في ذلك جناح. # والثاني: أن تكون مبتدأة، والعائد محذوف وعلى هذا فيجوز في " من " أن ~~تكون " موصولة " وأن تكون شرطية، و { فلا جناح عليك } خبر، أو ~~جواب أي التي ابتغيتها. ولا بد حينئذ من ضمير راجع إلى اسم الشرط من ~~الجواب أي في ابتغائها وطلبها، وقيل: في الكلام حذف معطوف تقديره: ومن ~~ابتغيت ممن عزلت وممن لم تعزل سواء، لا جناح عليك كما تقول: " ~~من لقيك ممن لم يلقك جميعهم لك شاكر " يريد من لقيك ~~ومن لم يلقك وهذا فيه إلغاز. # قوله: " ذلك " أي التفويض إلى مشيئتك { أدنى أن تقر ~~أعينهن } أي أقرب إلى قرة أعينهن، والعامة " تقر " مبنيا ~~للفاعل مسندا " لأعينهن " وابن محيصن " تقر " من " أقر " - ~~رباعيا - وفاعله ضمير المخاطب (و) " أعينهن " نصب على المفعول به ~~وقرىء " تقر " مبنيا للمفعول (و) " أعينهن " رفع لقيامه مقام ~~الفاعل وتقدم معنى " قرة العين " في مريم. # قوله: " كلهن " العامة على رفعه توكيدا لفاعل " يرضين " ، وأبو ~~إياس بالنصب توكيدا لمفعول " آتيتهن ". # فصل # قال المفسرون لا جناح عليك لا إثم عليك، أباح له ترك القسم لهن حتى ~~إنه ليرجي من يشاء في نوبتها ويطأ من يشاء منهن في غير نوبتها ويرد ~~إلى فراشه من عزلها تفضيلا له على سائر الرجال { ذلك أدنى أن ~~تقر أعينهن ولا يحزن } أي ذلك التخيير الذي خيرتك في ~~صحبتهن أقرب إلى رضاهن، وأطيب لأنفسهن وأقل لحزنهن إذا علمن أن ذلك من ~~الله عز وجل، { ويرضين بمآ آتيتهن } أعطيتهن من تقريب ~~وإرجاء وعزل وإيواء { والله يعلم ما في قلوبكم } من أمر ~~النساء والميل إلى بعضهن ms7120 { وكان الله عليما حليما } أي إن ~~أضمرت خلاف ما أظهرت فالله يعلم ضمائر القلوب فإنه عليم وإن لم يعاقبهن ~~في الحال فلا يغتررن فإنه حليم لا يعجل. # قوله: { لا يحل لك النسآء } قرأ أبو عمرو " لا تحل " ~~بالتأنيث اعتبارا باللفظ والباقون بالياء لأنه جنس والمفصل أيضا، وقوله ~~" من بعد " أي من (بعد) اللائي نصصنا لك على إحلالهن كما ~~تقدم، وقيل: من بعد إباحة النساء المسلمات دون الكتابيات. # فصل # قال المفسرون: من بعد أي من بعدهن: قال ابن الخطيب: والأولى أن يقال لا ~~تحل لك النساء من بعد اختيارهن الله ورسوله ورضاهن بما تؤتيهن من الوصل ~~والهجران، وقال ابن عباس وقتادة: من بعد هؤلاء التسعة خيرتهن فاخترنك، ~~وذلك ان النبي - صلى الله عليه وسلم - لما خيرهن فاخترن الله ورسوله شكر ~~الله لهن، وحرم عليه النساء سواهن ونهاه عن تطليقهن وعن الاستبدال ~~بهن، واختلفوا في أنه هل أبيح له النساء من بعد، قالت عائشة: ما مات رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أحل له النساء. وقال أنس: مات على ~~التحريم، وقال عكرمة: معنى الآية لا تحل لك النساء إلا اللاتي أحللنا لك ~~أزواجك، الآية ثم قال: لا تحل لك النساء من بعد اللاتي أحللنا لك بالصفة ~~التي تقدم ذكرها. وقيل لأبي بن كعب: لو مات نساء النبي - صلى الله عيله ~~وسلم - كان يحل له أن يتزوج، قال: (و) ما يمنعه من ذلك؟ قيل: قوله عز ~~وجل: { لا يحل لك النسآء من بعد } قال: إنما أحل ~~الله ضربا من النساء فقال: { يأيها النبي إنآ ~~أحللنا لك أزواجك } قال: { لا يحل لك النسآء من ~~بعد } (و) قال أبو صالح: أمر أن لا يتزوج أعرابية ولا غريبة ويتزوج من ~~نساء قومه من بنات العم والعمة والخال والخالة إن شاء ثلاثمائة. # وقال مجاهد: معناه لا تحل لك اليهوديات بعد المسلمات { ولا أن ~~تبدل } بالمسلمات غيرهن من اليهود والنصارى يقول: لا تكون أم ~~المؤمنين يهودية ولا نصرانية { إلا ما ملكت يمينك } أحل له ~~ما ملكت يمينه ms7121 من الكتابيات أن يتسرى بهن؛ وروي عن الضحاك معنى { ~~ولا أن تبدل بهن } ولا أن تبدل بأزواجك اللاتي هن في حبالك ~~أزواجا غيرهن بأن تطلق فتنكح غيرهن فحرم عليه طلاق النساء اللواتي كن ~~عنده وجعلهن أمهات المؤمنين وحرمهن على غيره حين اخترنه، فأما نكاح غيرهن ~~فلم يمنع عنه. وقال ابن زيد في قوله: { ولا أن تبدل بهن من ~~أزواج } كانت العرب في الجاهلية يتبادلون بأزواجهم يقول الرجل: ~~بادلني بامرأتك وأبادلك بأمرأتي، تنزل لي عن امرأتك وانزل لك عن ~~امرأتي، فأنزل الله - عز وجل - { ولا أن تبدل بهن من ~~أزواج } يعني تبادل بأزواجك غيرك بأن تعطيه زوجتك وتأخذ زوجته { ~~إلا ما ملكت يمينك } لا بأس أن تبادل بجاريتك ما شئت، فأما ~~الحرائر فلا، روى عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: # " دخل عيينة بن حصن على النبي - صلى الله عليه وسلم - بغير إذن ~~وعنده عائشة فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - يا عيينة أين الاستئذان؟ ~~قال يا رسول الله: ما استأذنت على رجل من مضر منذ أدركت، ثم قال: من ~~هذه الحميراء التي جنبك؟ فقال: هذه عائشة أم المؤمنين فقال عيينة: أفلا ~~أنزل لك عن أحسن الخلق؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن الله ~~قد حرم ذلك فلما خرج قالت عائشة: من هذا يا رسول الله؟ قال: هذا أحمق ~~مطاع وإنه على ما ترين لسيد قومه " # قوله: " ولو أعجبك " كقوله: " أعطوا السائل ولو على ~~فرس " أي في كل حال ولو على هذه الحال المنافية قال الزمخشري: قوله " ~~حسنهن " في معنى الحال. # فصل # معنى { ولو أعجبك حسنهن } أي ليس لك أن تطلق أحدا من ~~نسائك وتنكح بدلها أخرى ولو أعجبك جمالها. قال ابن عباس يعني أسماء بنت ~~عميس الخثعمية امرأة جعفر بن أبي طالب فلما استشهد جعفر أراد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أن يخطبها فنهي عن ذلك. وقال بعض ~~المفسرين ظاهر هذا ناسخ لما كان قد ثبت له عليه (الصلاة و) السلام من أنه ~~إذا رأى واحدة فوقعت ms7122 في قلبه موقعا كانت تحرم على الزوج ويجب عليه ~~طلاقها. وهذه مسألة حكمية وهي أن النبي عليه (الصلاة و) السلام وسائر ~~الأنبياء في أول النبوة يشتد عليهم برحاء الوحي ثم يستأنسون به فينزل ~~عليهم وهم متحدثون مع أصحابهم لا يمنعهم من ذلك مانع، ففي أول الأمر ~~أحل الله من وقع في قلبه تفريغا لقلبه، وتوسعا لصدره لئلا يكون مشغول ~~القلب بغير الله، ثم لما استأنس بالوحي نسخ ذلك إما لقوله عليه (الصلاة ~~و) السلام الجمع بين الأمرين، وإما لأنه بدوام الإنزال لم يبق له مألوف ~~من أمور الدنيا فلم يبق له التفات إلى غير الله فلم يبق له حاجة إلى ~~إخلاء المتزوج بمن وقع بصره عليه. # قوله: { إلا ما ملكت } فيه أوجه: # أحدها: أنه مستثنى من النساء فيجوز فيه وجهان: النصب على أصل الاستثناء ~~والرفع على البدل وهو المختار، والثالث: أنه مستثنى من " أزواج " قاله ~~أبو البقاء، فيجوز أن يكون في موضع نصب على أصل الاستثناء، وأن يكون في ~~موضع جر بدلا من " هن " (على) اللفظ، وأن يكون في موضع نصب بدلا ~~من " هن " على المحل، وقال ابن عطية إن كانت (ما) مصدرية فهي في موضع ~~نصب لأنه من غير الجنس وليس بجيد؛ لأنه قال بعد ذلك والتقدير: إلا ملك ~~اليمين، و " ملك " بمعنى مملوك انتهى. وإذا كان بمعنى مملوك صار من الجنس ~~وإذا صار من الجنس لم يكن منقطعا على أنه على تقدير انقطاعه لا يتحتم ~~نصبه، بل يجوز عند تميم الرفع بدلا والنصب على الأصل كالمتصل بشرط صحة ~~توجه العامل إليه كما تقدم تحقيقه، وهذا يمكن توجه العامل إليه، ولكن ~~اللغة المشهورة لغة الحجاز وهو لزوم النصب في المنقطع مطلقا، كما ~~ذكره أبو محمد آنفا. # فصل # قال ابن عباس ملك بعد هؤلاء مارية، و { وكان الله على كل ~~شيء رقيبا } حافظا عالما بكل شيء قادرا عليه، وفي الآية دليل ~~على جواز النظر إلى من يريد نكاحها من النساء، روي عن جابر قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه ms7123 وسلم - # " إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر ~~إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل ". ### || [33.53-68] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت ~~النبي } الآية قال أكثر المفسرين: نزلت هذه الآية في شأن وليمة ~~زينب حين بنى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما روى ابن شهاب ~~قال: أخبرني أنس بن مالك أنه كان ابن عشر سنين فقدم رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - المدينة قال: فكانت ام هانىء تواظبني على خدمة ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فخدمته عشر سنين وتوفي وانا ابن عشرين ~~فكنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل وكان أول ما أنزل في مبتنى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بزينب بنت جحش أصبح النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بها عروسا فدعا القوم وأصابوا من الطعام ثم خرجوا ~~وبقي رهط منهم عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فأطالوا المكث ~~فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - وخرج وخرجت معه لكي يخرجوا فمشى النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فمشيت حتى جاء عتبة حجرة عائشة ثم ظن أنهم قد ~~خرجوا فرجع فرجعت معهم حتى إذا دخل على زينب فإذا هم جلوس لم يخرجوا ~~فرجع النبي - صلى الله عليه وسلم - ورجعت معه حتى إذا بلغ عتبة حجرة ~~عائشة فظن أنهم قد خرجوا فرجع ورجعت معه فإذا هم قد خرجوا فضرب النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - بيني وبينه بالستر - فأنزل الله الحجاب، (و) قال ~~أبو عثمان واسمه الجعد عن أنس (قال) فدخل - يعني رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - البيت وأرخى الستر وإني لفي الحجرة وهو يقول: { يأيها ~~الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن ~~يؤذن لكم } إلى قوله: { والله لا يستحيي من الحق ~~} وروي عن ابن عباس أنها نزلت في ناس من المسلمين كانوا يتحينون طعام ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيدخلون عليه قبل الطعام إلى أن يدرك ~~ثم يأكلون ولا يخرجون وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتأذى بهم ~~فنزلت الآية { يأيها الذين آمنوا لا ms7124 تدخلوا بيوت ~~النبي }. وروى ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن أزواج النبي - صلى ~~الله عيه وسلم - كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى ~~المناصع وهو صعيد أفيح فكان عمر يقول للنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - احجب نساءك فلم يكن رسول الله يفعل فخرجت سودة بنت زمعة ~~زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة من الليالي عشاء وكانت امرأة ~~طويلة فناداها عمر: قد عرفناك يا سودة حرصا على أن تنزل آية الحجاب ~~فأنزل الله الحجاب، وعن أنس قال: قال عمر: وافقني ربي في ثلاثة، قلت ~~يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فأنزل الله: # واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى # [البقرة: 125]، وقلت يا رسول الله: إنه يدخل عليك البر الفاجر فلو ~~أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فأنزل الله آية الحجاب قال: بلغني ما آذين ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نساؤه قال: فدخلت عليهن فجعلت استقربهن ~~واحدة واحدة قلت: والله لتنتبهن أو ليبدلنه الله أزواجا ~~خيرا منكن حت أتيت على زينب فقالت: يا عمر: ما كان في رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت قال: ~~فخرجت فأنزل الله: # عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا ~~منكن # [التحريم: 5] الآية # قوله: { إلا أن يؤذن لكم } فيه أوجه: # أحدها: أنها في موضع نصب على الحال تقديره إلا مصحوبين بالإذن. # الثاني: أنها على إسقاط باء السبب تقديره: " إلا بسبب الإذن لكم " ~~كقوله " فأخرج به " أي بسببه. # الثالث: أنه منصوب على الظرف قال الزمخشري: { إلا أن يؤذن } في ~~معنى الظرف تقديره: إلا وقت أن يؤذن لكم و " غير ناظرين " حال من " ~~لا تدخلوا " وقع الاستثناء على الحال والوقت معا كأنه قيل: لا ~~تدخلوا بيوت النبي إلا وقت الإذن ولا تدخلوا إلا غير ناظرين ~~إناه، ورد أبو حيان الأول بأن النحاة نصوا على أن " أن " المصدرية لا ~~تقع موقع الظرف، لا يجوز: " آتيك أن يصيح الديك " وإن جاز ~~ذلك في المصدر الصريح نحو: " آتيك صياح الديك " ، ورد الثاني ~~بأنه لا يقع ms7125 بعد " إلا " في الاستثناء إلا المستثنى أو المستثنى منه أو ~~صفته ولا يجوز فيما عدا هذا عند الجمهور، وأجاز ذلك الكسائي والأخفش ~~أجازا " ما قام القوم إلا يوم الجمعة ضاحكين " و " ~~إلى طعام " متعلق ب " يؤذن " لأنه بمعنى إلا أن يدعوا إلى ~~طعام، وقرأ العامة غير ناظرين - بالنصب على الحال - كا تقدم، فعند ~~الزمخشري ومن تابعه العامل فيه " يؤذن " وعند غيرهم العامل فيه مقدر ~~تقديره ادخلوا غير ناظرين، وقرأ ابن أبي عبلة " غير " بالجر صفة لطعام ~~واستضعفها الناس من أجل عدم بروز الضمير لجريانه على غير من هو له ~~فكان من حقه أن يقال: غير ناظرين إناه أنتم، وهذا رأي البصريين، ~~والكوفيون يجيزون ذلك إن لم يلبس كهذه الآية، وقد تقدمت هذه المسألة ~~وفروعها وما قيل فيها، وهل هذا مختص بالاسم أو يجري في الفعل خلاف مشهور ~~قل من يضبطه. # قوله: " إناه " قرأ العامة " إناه " مفردا أي نضجه، يقال: ~~أنى الطعام إنى، نحو: قلاه قلى، أي غير منتظرين إدراكه ~~ووقت نضجه ويقال: أنى الحميم إذا انتهى حره، وأنى أن ~~يفعل كذا أي حان إنى بكسر الهمزة مقصورة؛ وقرأ الأعمش " آناءه " ~~جمعا على أفعال، فأبدلت الهمزة الثانية ألفا والياء همزة لتطرفها ~~بعد ألف زائدة فصار في اللفظ " كآناء " من قوله: " ومن آناء ~~الليل " وإن كان المعنى مختلفا، قال البغوي: إذا فتحت الهمزة ~~مددت فقلت: الآناء وفيه لغتان أنى يأني، وآن يئين مثل: حان ~~يحين. # قوله: { ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم } ~~أكلتم " فانتشروا " تفرقوا واخرجوا من منزله. # فصل # قال ابن الخطيب قوله: { إلا أن يؤذن لكم إلى طعام } ~~إما أن يكون فيه تقديم وتأخير تقديره " ولا تدخلوا إلى طعام إلا ~~أن يؤذن لكم " فلا يكون منعا من الدخول في غير وقت الطعام بغير ~~الإذن وإما أن لا يكون فيه تقديم وتأخير فيكون معنى: ولا تدخلوا إلا أن ~~يؤذن لكم إلى طعام فيكون الإذن مشروطا بكونه إلى طعام فإن لم يؤذن إلى ~~طعام فلا يجوز الدخول فلو أذن لواحد في الدخول لاستماع ms7126 كلام لا لأكل طعام ~~لا يجوز فنقول المراد هو الثاني ليعم النهي عن الدخول، وأما كونه لا ~~يجوز إلا بإذن إلى طعام فلما تقدم في سبب النزول أن الخطاب مع قوم كانوا ~~يتحينون حين الطعام ويدخلون من غير إذن فمنعوا من الدخول في وقتهم ~~بغير إذن، والأولى أن يقال المراد هو الثاني لأن التقديم والتأخير ~~خلاف الأصل. وقوله: " إلى طعام " من باب التخصيص بالذكر فلا يدل على نفي ~~ما عداه لا سيما إذا علم أن غيره مثله فإن من جاز دخول بيته بإذنه إلى ~~طعامه، جاز دخوله إلى غير طعامه فإن غير الطعام يمكن وجوده مع الطعام فإن ~~من الجائز أن يتكلم معه وقت ما يدعوه إلى الطعام ويستعينه في حوائجه ~~ويعلمه مما عنده من العلوم مع زيادة الطعام فإن رضي بالكل فرضاه بالبعض ~~أقرب إلى العقل فيصير من باب: # فلا تقل لهمآ أف ولا تنهرهما # [الإسراء: 23] وقوله: { غير ناظرين إناه } أي لا تنظروا وقت ~~الطعام فإنه ربما لا يتهيأ. # فصل # لا يشترط في الإذن التصريح به بل إذا حصل العلم بالرضا جاز الدخول ولهذا ~~قال: " إلا أن يؤذن " من غير بيان فاعل فالآذن إن كان الله أو ~~النبي أو العقل المؤيد بالدليل جاز والنقل دال عليه حيث قال: # أو صديقكم # [النور: 61] فلو جاء الرجل وعلم أن لا مانع في البيت من يكشف أو بحضور ~~غير محرم أو علم خلو الدار من الأهل وهي محتاجة إلى إطفاء حريق فيها أو ~~غير ذلك جاز الدخول وفي معنى البيت موضع مباح اختاره شخص لعبادته او ~~اشتغاله بشغل فيأتيه أحد ويطيل المكث عنده. # قوله: { ولا مستأنسين } يجوز أن يكون منصوبا عطفا على " غير ~~" أي لا تدخلوها غير ناظرين ولا مستأنسين والمعنى ولا طالبين ~~الأنس للحديث، وكانوا يجلسون بعد الطعام يتحدثون طويلا فنهوا عن ~~ذلك. # قوله: " لحديث " يحتمل أن تكون لام العلة أي مستأنسين لأجل أن يحدث ~~بعضكم بعضا وأن تكون المقوية للعامل لأنه قرع أي ولا مستأنسين حديث ~~أهل البيت أو غيرهم. # قوله: ms7127 " إن ذلكم " أي إن انتظاركم واسئناسكم فأشير إليهما ~~إشارة الواحد كقوله # عوان بين ذلك # [البقرة: 68] أي إن المذكور. # قوله: " فيستحيي منكم " قرىء " لا يستحي " بياء واحدة، والأخرى ~~محذوفة، واختلف فيها هل هي الأولى أو الثانية وتقدم ذلك في البقرة، وأنها ~~رواية عن ابن كثير وهي لغة تميم يقولون استحى يستحي مثل: استقى ~~يستقي. # قوله: { والله لا يستحيي من الحق } أن لا يترك تأديبكم ~~وهذا إشارة إلى أن ذلك حق وأدب، ثم ذكر أدبا آخر فقال: { وإذا ~~سألتموهن متاعا فاسألوهن من ورآء حجاب } أي من ~~وراء ستر، فبعد آية الحجاب لم يكن لأحد أن ينظر إلى امرأة من نساء ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منتقبة كانت أو غير منتقبة { ~~ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن } من الريب لأن العين ~~روزنة القلب فإذا لم تر العين لا يشتهي القلب، فأما وإن رأت العين فقد ~~يشتهي القلب وقد لا يشتهي، فالقلب عند عدم الرؤية أطهر وعدم الفتنة حينئذ ~~أظهر. # قوله: { ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا } نزلت ~~في رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لئن قبض رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - لأنكحن عائشة. قال مقاتل ابن سليمان: هو ~~طلحة ابن عبيد الله فأخبر الله عز وجل - أن ذلك محرم وقال: { ~~إن ذلكم كان عند الله عظيما }. وروى معمر عن الزهري ~~أن العالية بنت ظبيان التي طلق النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوجت ~~رجلا وولدت له وذلك قبل تحريم أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - على ~~الناس. # قوله: { إن تبدوا شيئا أو تخفوه } الآية نزلت فيمن أضمر ~~نكاح عائشة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقيل: قال رجل من ~~الصحابة ما بالنا نمنع الدخول على بنات أعمامنا فنزلت هذه الآية، ولما ~~نزلت آية الحجاب قال الآباء والأقارب ونحن أيضا نكلمهن من وراء حجاب ~~فأنزل الله - عز وجل - { لا جناح عليهن في آبآئهن ~~ولا أبنآئهن ولا إخوانهن ولا أبنآء ~~إخوانهن ولا أبنآء أخواتهن } أي لا إثم عليهن في ~~ترك الاحتجاب ms7128 عن هؤلاء " ولا نسائهن " قيل: أراد به نساء ~~المسلمات حتى لا يجوز للكتابيات الدخول عليهن. # وقيل: هو عام في المسلمات والكتابيات وإنما قال: " ولا ~~نسائهن " لأنهن من أجناسهن، وقد الآباء لأن اطلاعهم على بناتهم ~~أكثر، وكيف وهم رأوا جميع بدن البنات في حال صغرهن ثم الأبناء ثم الإخوة ~~وذلك ظاهر، إنما الكلام في بني الإخوة حيث قدمهم الله عليه على بنات ~~الأخوات لأن بني الأخوات آباؤهم ليس المحارم خالات أبنائهم وبني الإخوة ~~آباؤهم محارم أيضا, ففي بني الأخوات مفسدة ما وهي أن الابن ربما يحكي ~~خالته عند أبيه وهو ليس بمحرم ولا كذلك بنوة الإخوة. فإن قيل: لم يذكر ~~الله تعالى من المحارم الأعمام والأخوال ولم يقل: ولا أعمامهن ولا ~~أخوالهن؟. # فالجواب من وجهين: # أحدهما: أن ذلك معلوم من بني الإخوة وبني الأخوات لأن من علم أن بني ~~الأخ للعمات محارم علم أن بنات الأخ عند آبائهم وهم غير محارم وكذلك ~~الحال في ابن الخال. # قوله: { ولا ما ملكت أيمانهن } ذكر هذا بعد الكل، فإن ~~المفسدة في التكشف لهم ظاهرة، واختلفوا في عبد المرأة هل يكون محرما لها ~~فقيل يكون لها لقوله: { ولا ما ملكت أيمانهن } ، وقيل: ~~المراد من كان دون البلوغ. # قوله: " واتقين " عطف على محذوف أي امتثلن ما أمرتن به ~~واتقين الله أن يراكن غير هؤلاء، وقوله: { إن الله كان ~~على كل شيء شهيدا } في غاية الحسن في هذا الموضع لأن ما سبق ~~إشارة إلى جواز الخلوة بهم والتكشف لهم فقال إن الله شاهد عند اختلاء ~~بعضكم ببعض فخلوتكم مثل ملئكم بشهادة الله فاتقوا الله فإنه شهيد على ~~أعمال العباد. # قوله: { إن الله وملائكته يصلون على النبي } ~~العامة على نصب " الملائكة " نسقا على اسم " إن " و " يصلون " هل ~~هو خبر عن " الله وملائكته " أو عن " الملائكة " فقط، وخبر الجلالة ~~محذوف لتغاير الصلاتين خلاف. وقرأ ابن عباس ورويت عن أبي عمرو: ~~وملائكته رفعا فيحتمل أن يكون عطفا على محل اسم " إن " عند ~~بعضهم، وأن يكون مبتدأ والخبر محذوف وهو ms7129 مذهب البصريين، وقد تقدم فيه بحث ~~نحو: زيد ضارب وعمرو أي ضارب في الأرض. # فصل # لما أمر بالاستئذان وعدم النظر إلى نسائه احتراما له كمل بيان حرمته ~~وذلك أن حالاته منحصرة في حالتين حالة خلوة فذكر ما يدل على احترامه في ~~تلك الحالة بقوله: { لا تدخلوا بيوت النبي } وحالة بكونه ~~في ملأ والملأ إما الملأ الأعلى وإما الملأ الأدنى أما احترامه في الملأ ~~الأعلى فإن الله وملائكته يصلون عليه، وأما احترامه في الملأ الأدنى ~~فقوله: { يأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا ~~تسليما }. # فصل # قال ابن عباس: أراد أن الله يرحم النبي والملائكة يدعون له، وعن ابن ~~عباس أيضا: يصلون يزكون، قويل: الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة ~~الاستغفار. وقال أبو العالية: صلاة الله ثناؤه عليه عند الملائكة وصلاة ~~الملائكة الدعاء، روى عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: # " لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هدية سمعتها من ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت بلى فأهدها إلي قال: قلنا يا ~~رسول الله قد علمنا كيف نسلم فكيف نصلي عليك؟ قال: " قولوا اللهم صل ~~على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك ~~حميد مجيد " " # وروى أبو حميد الساعدي أنهم قالوا # " يا رسول الله: كيف نصلي عليك؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قولوا: اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وبارك ~~على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد " # وروى ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # " إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي ~~صلاة " # وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: # " من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرا " # وروى عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه جاء ذات يوم والبشر في وجهه فقال: # " إني جاءني جبريل فقال: أما يرضيك يا محمد أن لا يصلي ~~عليك أحد من ms7130 أمتك إلا صليت عليه عشرا ولا ~~يسلم عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه ~~عشرا " # وروى عامر بن ربيعة أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول # " من صلى علي صلاة صلت الملائكة عليه ما ~~صلى علي فليقل العبد من ذلك أو ليكثر " # وروى عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # " إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغون عني ~~أمتي السلام ". # فصل # دلت الآية على وجوب الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن الأمر ~~للوجوب ولا تجب في غير التشهد فتجب في التشهد وكذلك قوله: " وسلموا ~~تسليما " أمر فيجب السلام ولم يجب في غير الصلاة فيجب فيها وهو قولنا ~~في التشهد: السلام عليك أيها النبي، وذكر في السلام ~~المصدر للتأكيد، ولم يؤكد الصلاة لأنها كانت مؤكدة بقوله: { إن ~~الله وملائكته يصلون على النبي }. # فإن قيل: إذا صلى الله وملائكته عليه فأي حاجة به إلى صلاتنا؟. # فالجواب: أن الصلاة عليه ليس لحاجة إليها وإلا فلا حاجة إلى صلاة ~~الملائكة مع صلاة الله عليه، وإنما هو إظهاره وتعظيمه (كما أن الله ~~تعالى) وجب علينا ذكر نفسه ولا حاجة له إليه وإنما هو لإظهاره وتعظيمه ~~منا شفقة علينا ليثيبنا عليه ولهذا قال عليه (الصلاة و) السلام: # " ومن صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرا ". # قوله (تعالى): { إن الذين يؤذون الله } فيه أوجه أي ~~يقولون فيه ما صورته أذى وإن كان تعالى لا يلحقه ضرر ذلك حيث وصفوه بما ~~لا يليق بجلاله من اتخاذ الأنداد ونسبة الولد والزوجة إليه، قال ابن عباس ~~هم اليهود والنصارى والمشركون، قال عليه (الصلاة و) السلام # " يقول الله تعالى: " شتمني عبدي يقول اتخذ الله ~~ولدا وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم ~~يكن لي كفوا أحد " # وقال عليه (الصلاة و) السلام # " قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا ~~الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار " # وقيل: يؤذون الله: يلحدون في أسمائه وصفاته، وقال عكرمة: هم أصحاب ~~التصاوير، روى أبو هريرة قال: ms7131 سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: # " قال الله تعالى: ومن أظلم ممن يخلق كخلقي فليخلقوا ~~ذرة أو ليخلقوا حبة أو شعيرة ". # ويحتمل أن يكون على حذف مضاف أي أولياء الله كقوله: # وسئل القرية # [يوسف: 82] أي أهل القرية قال عليه (الصلاة و) السلام: # " قال الله تعالى: " من عادى لي وليا فقد آذنته ~~بالحرب " # وقال: # " من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة " # ومعنى الأذى هو مخالفة أمر الله وارتكاب معاصيه وذكره على ما يتعارفه ~~الناس بينهم والله عز وجل منزه عن أن يلحقه أذى من أحد، وقال بعضهم أتى ~~بالجلالة تعظيما، والمراد يؤذون رسولي كقوله: # إنما يبايعون الله # [الفتح: 10] وأما إيذاء الرسول فقال ابن عباس: هو أنه شج في وجهه ~~وكسرت رباعيته، وقيل: ساحر شاعر معلم مجنون، ثم قال: { لعنهم ~~الله في الدنيا والآخرة } واللعن الطرد، وهذا إشارة إلى بعد ~~لا رجاء للقرب معه، لأن البعيد في الدنيا يرجو القرب في الآخرة فإذا خاب ~~في الآخرة فقد خاب وخسر. ثم إنه تعالى لم يحصر جزاءه في الإبعاد بل أوعده ~~بالعذاب المهين فقال: " وأعد لهم " وهذا يفيد التأكيد؛ لأن السيد ~~إذا عذب عبده حالة الغضب من غير إعداد يكون دون ما أعد له قيدا وغلا. # قوله: { والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات ~~بغير ما اكتسبوا } أي من غير ما عملوا ما أوجب أذاهم، وقال ~~مجاهد: يقعون فيهم ويرمونهم بغير كلام، وقيل: إن من جلد مائة على شرب ~~الخمر أو حد أربعين على لعب النرد فقد أوذي بغير ما اكتسب. # قوله: " فقد احتملوا " خبر " والذين " ودخلت الفاء لشبه الموصول ~~بالشرط. # وقوله: { بهتانا وإثما مبينا } قال مقاتل: نزلت في علي بن ~~أبي طالب - رضي الله عنه - كانوا يؤذونه ويسمعونه وقيل: نزلت في شأن ~~عائشة، وقال الضحاك والكلبي: نزلت في الزناة (الذين) كانوا يتمشون في ~~طريق المدينة يتبعون النساء إذا برزن بالليل لقضاء حوائجهن فيغمزون ~~المرأة فإن سكتت اتبعوها وإن زجرتهم انتهوا عنها ولم يكونوا يطلبون إلا ~~الإماء ولكن كانوا لا يعرفون الحرة من الأمة؛ لأن زي ms7132 الكل كان واحدا ~~يخرجن في درع وخمار الحرة والأمة فشكوا ذلك إلى أزواجهن فذكروا ذلك ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزلت هذه الآية: { والذين ~~يؤذون المؤمنين والمؤمنات } الآية، ثم نهى الحرائر أن ~~يتشبهن بالإماء فقال - عز وجل - { يأيها النبي قل ~~لأزواجك وبناتك ونسآء المؤمنين يدنين ~~عليهن من جلابيبهن }. # فإن قيل: البهتان هو الزور، وهو لا يكون إلا في القول، والإيذاء قد يكون ~~بغير القول، فمن آذى مؤمنا بالضرب أو أخذ ماله لا يكون قد احتمل ~~بهتانا؟. # فالجواب: أن المراد: والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بالقول لأن الله ~~تعالى أراد إظهار شرف المؤمنين لأنه لما ذكر أن من آذى الله ورسوله لعن، ~~وإيذاء الله أن ينكر وجوده أو يشرك به من لا يبصر لا يسمع وذلك قول فذكر ~~إيذاء المؤمنين بالقول وعلى هذا خص إيذاء القول بالذكر لأنه أعم؛ لأنه ~~الإنسان لا يقدر أن يؤذي الله بما يؤلمه من ضرب أو أخذ مال ويؤذيه بالقول ~~وكذا الغائب لا يمكن إيذاؤه بالفعل ويمكن إيذاؤه بالقول بأن يقول فيه ما ~~يصل إليه فيتأذى، ووجه آخر في الجواب بأن يقال: قوله بعد ذلك: وإثما ~~مبينا، كأنه استدرك فكان قوله احتمل بهتانا إن كان بالقول، وإثما ~~مبينا ما كان الإيذاء. # قوله: " يدنين " كقوله # قل لعبادي... الذين آمنوا يقيموا.. # [إبراهيم: 31] و " من " للتبعيض، و " الجلابيب " جمع " ~~الجلباب " وهو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار، ~~قال ابن عباس و (أبو) عبيدة من نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوههن ~~بالجلابيب أقرب إلى عرفانهن أي أدنى أن يعرفن أنهن حرائر " ~~فلا يؤذين " لا يتعرض لهن، ويمكن أن يقال: المراد يعرفن أنهن لا ~~يزنين لأن من تستر وجهها مع أنه ليس بعورة لا يطمع فيها أنها تكشف ~~عورتها فيعرفن أنهن مستورات لا يمكن طلب الزنا منهن. { وكان ~~الله غفورا رحيما } قال أنس: مرت بعمر بن الخطاب جارية مقنعة ~~فعلاها بالدرة، وقال: يا لكاع أتتشبهين بالحرائر ألقي ~~القناع. # قوله: { لئن لم ينته المنافقون والذين في ~~قلوبهم مرض } لما ذكر ms7133 حال المشركين الذي يؤذون الله ورسوله ~~والمجاهر الذي يؤذي المؤمنين ذكر حال المسر الذي لا يظهر الحق ويظهر ~~الباطل وهو المنافق ولما كان المذكور من قبل أقواما ثلاثة نظر إلى ~~أمور ثلاثة وهم المؤذون لله والمؤذون للرسول، والمؤذون للمؤمنين ~~ذكر للمسرين ثلاثة نظرا إلى اعتبار أمور ثلاثة: # أحدها: المنافق الذي يؤذي الله سرا. # والثاني: الذي في قلبه مرض وهو الذي يؤذي المؤمن باتباع نسائه. # والثالث: المرجف الذي يؤذي النبي عليه (الصلاة و) السلام بالإرجاف ~~بقوله: غلب محمد، وسيخرج من المدينة وسيؤخذ، وهؤلاء وإن كانوا قوما ~~واحدا إلا أن لهم ثلاث اعتبارات وهذا لقوله تعالى: { إن ~~المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات } ~~حيث ذكر أصنافا عشرة وكلهم يوجد في واحد بالشخص لكنه كثير الاعتبار ~~فقال: { لئن لم ينته المنافقون } أي عن نفاقهم { ~~والذين في قلوبهم مرض } يعني الزناة، { والمرجفون ~~في المدينة } بالكذب وذلك أن ناسا منهم كانوا إذا خرجت سرايا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يوقعون في الناس أنهم قتلوا وهزموا ~~ويقولون قد أتاكم العدو ونحوه، وقال الكلبي: كانوا يحبون أن تشيع ~~الفاحشة في الذين آمنوا ويفشو الأخبار. # قوله: " لنغرينك بهم " أي لنحرشنك ولنسلطنك ~~عليهم لتخرجهم من المدينة { ثم لا يجاورونك فيهآ } لا ~~يساكنونك فيها أي في المدينة " إلا قليلا " حتى يخرجوا منها، وقيل: ~~لنسلطنهم عليهم بقتلهم ونخرجهم من المدينة. # قوله: " الا قليلا " أي إلا زمانا قليلا، أو إلا جوارا ~~قليلا، وقيل: " قليلا " نصب على الحال من فاعل " يجاورونك " أي إلا ~~أقلاء أذلاء بمعنى قليلين، وقيل: قليلا منصوب على ~~الاستثناء أي لا يجاورك إلا القليل منهم على أذل حال وأقله. # قوله: " ملعونين " حال من فاعل " يجاورونك " قاله ابن عطية، ~~والزمخشري وأبو البقاء، قال ابن عطية لأنه بمعنى منتفون منها ~~ملعونين، وقال الزمخشري: دخل حرف الاستثناء على الحال والظرف معا ~~كما مر في قوله: { إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير } ~~وتقدم بحث أبي حيان معه، وهو عائد هنا، وجوز الزمخشري أن ينتصب على ~~الشتم؛ وجوز ابن عطية أن يكون بدلا من " قليلا ms7134 " على أنه حال كما ~~تقدم تقريره، ويجوز أن يكون " ملعونين " نعتا، ل " قليلا " على أنه ~~منصوب على الاستثناء من واو " يجاورونك " كما تقدم تقريره، أي لا ~~يجاورك منهم أحد قليلا ملعونا، ويجوز أن يكون منصوبا " ~~بأخذوا " الذي هو جواب الشرط نحو: خيرا إن تأتني تصب، وقد ~~منع الزمخشري من ذلك فقال: ولا يصح أن ينتصب " بأخذ " لأن ما بعد ~~كلمة الشرط لا يعمل فيها قبلها، وهذا منه مشي على الجارة، وقوله ما ~~بعد كلمة الشرط يشمل فعل الشرط والجواب، فأما الجواب فتقدم حكمه وأما ~~الشرط فأجاز الكسائي أيضا تقديم معموله على الأداة، نحو: " زيدا إن ~~تضرب أهنك " فتلخص في المسألة ثلاثة مذاهب المنع مطلقا، الجواز ~~مطلقا، التفصيل يجوز تقديم معمولي الجواب، ولا يجوز تقديم معمولي الشرط ~~وهو رأي الفراء. # قوله: " وقتلوا " العامة على التشديد، وقرىء بالتخفيف. وهذه يردها ~~مجيء المصدر على التفعيل إلا أن يقال: جاء على غير مصدره، وقوله: " ~~سنة الله " تقدم نظيرها. # قوله: " ملعونين " مطرودين من باب الله وبابك، وإذا خرجوا لا ~~ينفكون عن الذلة ولا يجدون ملجأ بل أينما يكونون يؤخذون ويقتلون، ~~وهذا ليس بدعا بل هو سنة جارية وعادة مستمرة تفعل بالمكذبين { ولن ~~تجد لسنة الله تبديلا } أي ليست هذه السنة مثل الحكم الذي ~~يتبدل وينسخ فإن النسخ يكون في الأقوال أما الأفعال إذا وقعت والأخبار لا ~~تنسخ. # قوله: { يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها ~~عند الله } لما بين حالهم في الدنيا أنهم يلعنون ويهانون ~~ويقتلون أراد أن يبين حالهم في الآخرة، فذكرهم بالقيامة وما يكون ~~لهم فيها فقال: { يسألك الناس عن الساعة قل إنما ~~علمها عند الله } أي إن وقت القيامة علمه عند الله لا يبين لهم ~~فإن الله أخفاها لحكمة وهي امتناع المكلف عن الاجتراء وخوفهم منها في ~~كل وقت. # قوله: { وما يدريك لعل الساعة } الظاهر أن " لعل " تعلق ~~كما تعلق التمني و " قريبا " خبر كان على حذف موصوف أي شيئا قريبا، ~~وقيل: التقدير: قيام الساعة فروعيت " الساعة " في تأنيث " يكون " ~~وروعي المضاف ms7135 المحذوف في تذكير " قريبا " وقيل: " قريبا " أكثر ~~استعماله استعمال الظرف فهو هنا ظرف في موضع الخبر. وقال ابن الخطيب: ~~فعيل يستوي فيه المذكر والمؤنث قال تعالى: # إن رحمة الله قريب من المحسنين # [الأعراف: 56] أي لعل الساعة تكون قريبة. # فصل # المعنى أي شيء يعلمك أمر الساعة ومتى يكون قيامها أي أنت لا تعرفه لعل ~~الساعة تكون قريبا. وهذا إشارة إلى التخويف، ثم قال: { إن الله ~~لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا } أي كما أنهم ملعونون ~~في الدنيا عندكم فكذلك هم يلعنون عند الله وأعد لهم سعيرا كما قال: { ~~لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم ~~عذابا مهينا خالدين فيهآ أبدا } مطيلين المكث فيها ~~مستمرين، وقوله " فيها " أي في السعير لأنها مؤنثة، أو لأنه في معنى " ~~جهنم " { لا يجدون وليا ولا نصيرا } حال ثانية، أو من " ~~خالدين " لا يجدون وليا ولا نصيرا أي لا صديق يشفع لهم، ولا ناصر ~~يدفع عنهم. # قوله: " يوم " معمول " لخالدين " أو لمحذوف، أو " لنصير " أو " ~~لاذكر " أو ل " يقولون " بعده، وقرأ العامة تقلب - مبنيا ~~للمفعول (و) وجوههم رفع على ما لم يسم فاعله، وقرأ الحسن وعيسى ~~والرؤاسي - بفتح التاء - أي تتقلب (و) وجوههم فاعل به، وأبو ~~حيوة نقلب بالنون أي نحن (و) وجوههم بالنصب. # وعيسى تقلب - بضم التاء وكسر اللام - أي السعير أو الملائكة ~~وجوههم بالنصب على المفعول به " يقولون " حال و " يا ليتنا ~~" محكي. # قوله: { تقلب وجوههم في النار } ظهرا لبطن كانا يسحبون ~~عليها يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسول في الدنيا. # قوله: " سادتنا " قرأ ابن عامر في آخرين بالجمع بالألف والتاء، قال ~~البغوي على جمع الجمع، والباقون " سادتنا " على أنه جمع تكسير غير ~~مجموع بألف وتاء، ثم " سادة " يجوز أن يكون جمعا لسيد ولكن لا ينقاس ~~لأن " فيعلا " لا يجمع على " فعلة " وسادة فعلة، إذ الأصل ~~سودة، ويجوز أن يكون جمعا لسائد نحو: فاجر وفجرة وكافر ~~وكفرة، وهو أقرب إلى القياس مما قبله، وابن عامر جمع هذا ثانيا ~~بالألف والتاء وهو غير مقيس أيضا نحو: ms7136 بيوتات، وجمالات. # فصل # لما بين أنه لا شفيع لهم يدفع عنهم العذاب بين أن بعض أعضائه أيضا لا ~~يدفع العذاب عن البعض بخلاف عذاب الدنيا فإن الإنسان يدفع عن وجهه الضربة ~~اتقاء بيده فإن من يقصد رأسه ووجهه يجعل يده جنة لوجهه ووقاية له ~~يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسول في الدنيا فيندمون حيث لا ~~تنفعهم الندامة ثم يقولون { ربنآ إنآ أطعنا سادتنا } أي ~~أطعنا السادة بدل طاعة الله وطاعة الرسول { فأضلونا السبيلا }. ~~{ ربنآ آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا ~~كبيرا } قرأ عاصم " كبيرا " - بالباء الموحدة - والباقون بالمثلثة ~~وتقدم معناهما في البقرة، والمراد بضعفين من العذاب أي ضعفي عذاب ~~غيرهم. ### || [33.69-73] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تكونوا ~~كالذين آذوا موسى } الآية لما بين أن من يؤذي الله ورسوله ~~يلعن ويعذب، وكان ذلك إشارة إلى أن الإيذاء كفر أرشد المؤمنين إلى ~~الامتناع من الإيذاء الذي هو دونه وهو لا يورث كفرا وهو من لم يرض بقسمة ~~النبي عليه (الصلاة و) السلام وبحكمه (بالفيء لبعض) فقال: لا تكونوا ~~كالذين آذوا موسى قال بعضهم: إيذاؤهم لموسى بنسبة عيب في بدنه، وقيل: ~~إن قارون قال لامرأة: قولي إن موسى قد وقع في فاحشة والإيذاء المذكور ~~في القرآن كاف وهو قولهم: # فاذهب أنت وربك فقاتلا # [المائدة: 24] وقولهم: # لن نصبر على طعام واحد # [البقرة: 61] إلى غير ذلك فقال للمؤمنين: لا تكونوا أمثالهم إذا طلبكم ~~الرسول للقتال لا تقولوا اذهب أنت وربك فقاتلا وإذا أمركم الرسول بشيء ~~فأتوا منه ما استطعتم، وقوله: { فبرأه الله مما قالوا } ~~على الأول ظاهر لأنه أبرز جسمه لقومه فرأوه وعلموا فساد اعتقادهم ونطقت ~~المرأة بالحق وأمر ملائكته حتى عبروا بهارون عليهم فرأوه غير مجروح ~~فعلموا براءة موسى - عليه الصلاة واسلام - عن ما رموه به وعلى الثاني ~~فبرأه الله مما قالوا أي أخرجه عن عهدة ما طلبوا بإعطائه البعض إياهم ~~وإظهاره عدم جواز البعض وقطع حججهم ثم ضرب عليهم الذلة والمسكنة ~~وغضب عليهم. # قوله: " عند الله " العامة على " عند " الظرفية المجازية، ms7137 وابن ~~مسعود والأعمش وأبو حيوة " عبدا " من العبودية " لله " جار ومجرور ~~وهي حسنة قال ابن خالويه صليت خلف ابن شنبوذ في رمضان فسمعته يقرأ ~~بقراءة ابن مسعود هذه قال شهاب الدين: وكان مولعا بنقل الشاذة، وما ~~في " مما قالوا " إما مصدرية، وإما بمعنى الذي، و " وجيها " ~~كريما ذا جاه، يقال وجه الرجل يوجه وجاهة فهو وجيه ~~إذا كان ذا جاه وقدر. قال ابن عباس: كان حظيا عند الله لا ~~يسأل شيئا إلا أعطاه وقال الحسن: كان مستجاب الدعوة، وقيل: كان ~~محببا مقبولا، واختلفوا فيما أوذي به موسى فروى أبو هريرة ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # " إن موسى كان رجلا حييا سترا لا يرى من جلده شيء ~~استحياء منه فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقال: ما يستتر هذا ~~التستر إلا من عيب بجلده إما برص، وإما أدرة، وإما آفة، وإن ~~الله أراد أن يبرئه مما قالوا فخلا يوما وحده فخلع فوضع ~~ثيابه على حجر ثم اغتسل فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها وإن الحجر ~~غدا بثوبه فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر فجعل يقول ثوبي حجر، ثوبي حجر ~~حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله ~~وأبرأه مما يقولون وقام الحجر فأخذ ثوبه واستتر وطفق بالحجر ~~يضربه بعصاه فوالله إن بالحجر لندبا من أثر ضربه ثلاثا أو أربعا ~~أو خمسا " # وقيل: لما مات هارون في التيه ادعوا على موسى أنه قتله فأمر الله ~~الملائكة حتى مروا به على بني إسرائيل فعرفوا أنه لم يقتله ولم يروا ~~ببدنه جرحا، وقال أبو العالية: إن قارون استأجر امرأة لتقذف موسى بنفسها ~~على رأس الملأ فعصمه الله وبرأ موسى وأهلك قارون، وروى أبو ~~وائل قال: سمعت عبد الله قال: # " قسم النبي - صلى الله عليه وسلم- قسما فقال رجل إن هذه القسمة ما ~~أريد بها وجه الله فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته فغضب حتى ~~رأيت الغضب في وجهه ثم قال " يرحم الله موسى أوذي بأكثر ~~من هذا ms7138 فصبر " ". # قوله: { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا ~~قولا سديدا }. قال ابن عباس: صوابا، وقال قتادة عدلا، وقال ~~الحسن: صدقا، وقيل: مستقيما، وقال عكرمة: هو قول لا إله إلا الله { ~~يصلح لكم أعمالكم } ، قال ابن عباس: يتقبل حسناتكم، وقال ~~مقاتل: يزكي أعمالكم { ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع ~~الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما }؛ لأن النجاة من ~~العذاب تعظيم بعظم العذاب فإن من أراد أن يضرب عبده سوطا ثم نجا منه لا ~~يقال: فاز فوزا عظيما، ويحتمل أنه أراد بالفوز العظيم الثواب الكبير ~~الدائم الأبدي. # قوله: { إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال } وهذا إما حقيقة وإما تمثيل وتخييل. وأراد بالأمانة الطاعة ~~والفرائض التي فرضها الله على عباده عرضها على السموات والأرض والجبال ~~على أنهم إن أدوها أثابهم وإن ضيعوها عذبهم، قاله ابن عباس. وقال ~~ابن مسعود: الأمانة أداء الصلوات وإيتاء الزكاة وصوم رمضان ~~وحج البيت وصدق الحديث وقضاء الدين والعدل في المكيال ~~والميزان وأشد من هذا كله الودائع. وقال مجاهد: الأمانة الفرائض ~~وحدود الدين. وقال أبو العالية: ما أمروا به ونهوا عنه، وقال زيد بن ~~أسلم: هي الصوم والغسل من الجنابة وما يخفى من الشرائع. وقال عبد الله بن ~~عمرو بن العاص: أول ما خلق الله من الإنسان فرجه وقال: هذه أمانة ~~استودعتكها فالفرج أمانة والأذن أمانة والعين أمانة واليد ~~أمانة والرجل أمانة ولا إيمان لمن لا أمانة له، وقيل: هي أمانات ~~الناس والوفاء بالعهود فحق كل مؤمن أن لا يغش مؤمنا ولا معاهدا في ~~شيء قليل ولا كثير. وهذه رواية الضحاك عن ابن عباس وجماعة من ~~التابعين، وأكثر السلف أن الله عرض هذه الأمانة على السموات والأرض ~~والجبال فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة بما فيها؟ قلن: وما ~~فيها؟ قال: إن أحسنتن جوزيتن وإن عصيتن عوقبتن ~~فقلن: لا يا رب نحن مسخرات لأمرك لا نريد ثوابا ولا عقابا وقلن ~~ذلك خوفا وخشية وتعظيما لله خوفا أن لا يقوم بها لا معصية ~~ومخالفة وكان العرض عليهن تخييرا لا إلزاما ولو الزمهن ms7139 لم يمتنعن ~~من حملها والجمادات فيها خاشعة لله - عز وجل - ساجدة له كما قال تعالى ~~للسموات والأرض. # ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا طآئعين # [فصلت: 11] وقال في الحجارة: # وإن منها لما يشقق فيخرج منه المآء وإن ~~منها لما يهبط من خشية الله # [البقرة: 74]، وقال: # ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن ~~في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال ~~والشجر والدوآب... # [الحج: 18] الآية. وقال بعضهم: ركب الله (عز وجل) فيهن العقل والفهم ~~حين عرض الأمانة عليهن حتى عقلن الخطاب وأجبن بما أجبن. وقيل: المراد ~~من العرض على السموات والأرض هو العرض على أهل السموات عرضها على من فيها ~~من الملائكة وقيل: المراد المقابلة أي قابلنا الأمانة مع السموات فرجحت ~~الأمانة وهي الدين والأول أصح، وهو قول أكثر العلماء. # قوله: " فأبين " أتى بضمير هذه كضمير الإناث لأن جمع التكسير غير العاقل ~~يجوز فيه ذلك وإن كان مذكرا وإنما ذكرنا ذلك لئلا يتوهم أنه قد غلب ~~المؤنث - وهو السموات - على المذكر وهو الجبال. واعلم أنه لم يكن إباؤهن ~~كإباء إبليس في قوله تعالى: # أبى أن يكون مع الساجدين # [الحجر: 31]؛ لأن السجود هناك كان فرضا وههنا الأمانة كانت عرضا ~~والإباء هناك كان استكبارا وههنا استصغارا لقوله تعالى: " وأشفقن ~~منها " أي خفن من الأمانة أن لا يؤدينها فيلحقهن العقاب " وحملها ~~الإنسان " يعني آدم عليه السلام فقال يا آدم: إني عرضت الأمانة على ~~أهل السموات والأرض والجبال فلم تطقها فهل أنت آخذها بما فيها؟ فقال ~~يا رب: وما فيها؟ قال: إن أحسنت جوزيت وإن أسأت عوقبت فتحملها ~~آدم عليه السلام. فقال الله تعالى أما إذ تحملتها فسأعينك أجعل ~~لبصرك حجابا فإذا خشيت فاغلق وأجعل لفرجك سترا فإذا خشيت فلا تكشفه ~~على ما حرمت عليك قال مجاهد: فما كان بين أن تحملها وبين أن أخرج من ~~الجنة إلا مقدار ما بين الظهر إلى العصر { إنه كان ظلوما ~~جهولا } قال ابن عباس: ظلوما لنفسه جهولا بأمر الله وما احتمل من ~~الأمانة وقال مقاتل: ظلوما لنفسه جهولا ms7140 بعاقبة ما تحمل. وذكر الزجاج ~~وغيره من أهل المعاني في قوله: " وحملها الإنسان " قولا، فقالوا: ~~إن الله ائتمن آدم وأولاده على شيء وائتمن أهل السماوات والأرض ~~والجبال على شيء فالأمانة في حق بني آدم ما ذكرنا من الطاعة والقيام ~~بالفرائض والأمانة في حق السموات والأرض هي الخضوع والطاعة لما خلقهم له، ~~{ فأبين أن يحملنها } أي أدين الأمانة يقال فلان لم يتحمل الأمانة ~~أي يخون فيها " وحملها الإنسان " أي خان فيها، ويقال: فلان حمل ~~الأمانة أي أثم فيها بالخيانة قال تعالى: # وليحملن أثقالهم # [العنكبوت: 13]، { إنه كان ظلوما جهولا } حكي عن الحسن على ~~هذا التأويل أنه قال: " وحملها الإنسان " يعني الكافر والمنافق ~~حمل الأمانة أي خان، والأول قول السلف. # قوله: " ليعذب " متعلق بقوله: " وحملها " فقيل: هي لام ~~الصيرورة لأنه لم يحملها لذلك، وقيل: لام العلة على المجاز لما كانت ~~نتيجة حمله ذلك جعلت كالعلة الباعثة. # فصل # قال مقاتل: { ليعذب الله المنافقين والمنافقات ~~والمشركين والمشركات } بما خانوا الأمانة ونقضوا الميثاق. ~~ثم قال: { ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات } ، ~~قرأ الأعمش برفع " ويتوب " على الاستئناف أي يهديهم ويرحمهم بما أدوا من ~~الأمانة، وقال ابن قتيبة عرضنا الأمانة ليظهر نفاق المنافق وشرك المشرك ~~فيعذبهما الله ويظهر إيمان المؤمن فيتوب الله عليه أي يعود عليه بالرحمة ~~والمغفرة إن حصل منه تقصير في الطاعات، وعطف المشرك على المنافق ولم ~~يعد اسمه تعالى فلم يقل: " ويعذب الله المشركين " وعند ~~التوبة أعاد اسمه وقال: { ويتوب الله على المؤمنين ~~والمؤمنات } ولو قال: يتوب على المؤمنين والمؤمنات كان المعنى ~~حاصلا ولكنه أراد تفضيل المؤمن على المنافق فجعله كالكلام المستأنف ويجب ~~هناك ذكر الفاعل فقال " ويتوب الله " ثم قال: { وكان الله غفورا ~~رحيما } لما ذكر في الإنسان وصفين الظلوم والجهول ذكر من أوصافه ~~وصفين فقال: { وكان الله غفورا رحيما } أي كان غفورا ~~للظالم رحيما على الجهول. # روى الثعلبي عن أبي أمامة عن أبي بن كعب قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - # " من قرأ سورة الأحزاب وعلمها أهله وما ملكت ~~يمينه أعطي ms7141 الأمان من عذاب القبر ". ### | [34 - سورة سبإ] ### || [34.1-6] # قوله تعالى: { الحمد لله الذي له ما في السماوات } ~~اعلم أن السور المفتتحة بالحمد خمس، سورتان منها في النصف الأول وهما ~~الأنعام والكهف وسورتان في النصف الأخير وهما هذه وسورة الملائكة، ~~والخامسة وهي سورة فاتحة الكتاب تقرأ مع النصف الأول ومع النصف الأخير. ~~والحكمة فيها أن نعم الله مع كثرتها وعدم قدرتنا على إحصائها منحصرة في ~~قسمين نعمة الإيجاد ونعمة الإبقاء فإن الله خلقنا أولا برحمته وخلق لنا ~~ما نقوم به وهذه النعمة توجد مرة أخرى بالإعادة فإنه خلقنا مرة أخرى ~~ويخلق لنا ما ندوم به فلنا حالتان الإبداء والإعادة وفي كل حالة له تعالى ~~علينا نعمتان نعمة الإيجاد ونعمة الإبقاء فقال في النصف الأول: { ~~الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل ~~الظلمات والنور } إشارة إلى الشكر على نعمة الإيجاد، ويدل عليه ~~قوله تعالى: { الذي خلقكم من طين } فأشار إلى الإيجاد الأول ~~وقال في السورة الثانية: { الحمد لله الذي أنزل على ~~عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما لينذر } ~~فأشار إلى الشكر على نعمة الإبقاء فإن الشرائع بها البقاء ولولا شرع ~~ينقاد له لا تبع كل واحد هواه ووقعت المنازعات وأدت إلى التقاتل ~~والتفاني وقال ههنا: { الحمد لله الذي له ما في ~~السماوات والأرض } إشارة إلى نعمة الإيجاد الثاني بدليل قوله: # وله الحمد في الآخرة # [سبأ:1] وقال في الملائكة: # الحمد لله فاطر السماوات والأرض # [فاطر:1] إشارة إلى نعمة الإبقاء بدليل قوله تعالى: { جاعل ~~الملائكة رسلا } أي: يوم القيامة يرسلهم الله مسلمين على ~~المسلمين كما قال تعالى: # وتتلقاهم الملائكة # [الأنبياء:103] وقال تعالى عنهم: # سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين # [الزمر:73] وفاتحة الكتاب لما اشتملت على ذلك نعمتين أشار بقوله: # الحمد لله رب العالمين # [الفاتحة:2] إلى النعمة العاجلة، وأشار بقوله: # مالك يوم الدين # [الفاتحة: 4] إلى النعمة الآجلة، فرتب الافتتاح والاختتام عليهما. # فإن قيل: قد ذكرتم أن الحمد ههنا إشارة إلى النعم التي في الآخرة فلماذا ~~ذكر الله السموات والأرض؟ # فالجواب: أن نعم الآخرة غير مرئية ms7142 فذكر الله النعم المرئية وهي ما في ~~السموات وما في الأرض ثم قال: { وله الحمد في الآخرة } لتنقاس ~~نعم الآخرة بنعم الدنيا ويعلم فضلها بدوامها. # قوله: " الذي له " يجوز فيه أن يكون تابعا وأن يكون مقطوعا نصبا ~~ورفعا على المدح فيهما و " ما في السماوات " يجوز أن يكون فاعلا ~~به وهو الأحسن وأن يكون متبدأ. # قوله: " في الآخرة " يجوز أن يتعلق بنفس الحمد، وأن يتعلق بما ~~تعلق به خبره (وهو الحكيم) يجوز أن يكون معترضا إذا أعربنا " ~~يعلم " حالا مؤكدة من ضمير الباري تعالى، ويجوز أن يكون " يعلم ~~" مستأنفا، وأن يكون حالا من الضمير في " الخبير ". # فصل # له ما في السموات وما في الأرض ملكا وخلقا وله الحمد في الآخرة ~~كما هو له في الدنيا؛ لأن النعم في الدين كلها منه وقيل: الحمد في الآخرة ~~هو حمد أهل الجنة كما قال تعالى: # وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن # [فاطر:34] و # الحمد لله الذي صدقنا وعده # [الزمر:74] وهو الحكيم الخبير فالحكمة هي العلم الذي يتصل به الفعل فإن ~~من يعلم أمرا ولا يأتي بما يناسب علمه لا يقال له حكيم، والفاعل الذي ~~فعله على وفق العلم وهو الحكيم، والخبير هو الذي يعلم عواقب الأمور ~~وبواطنها، فقوله حكيم أي في ابتداء الخلق كما ينبغي وخبير أي بالانتهاء ~~يعلم ما يصدر من المخلوق وما لا يصدر فهو حكيم في الابتداء خبير في ~~الانتهاء ثم بين كمال خيره بقوله: { يعلم ما يلج في الأرض } ~~أي ما يدخل فيها من الماء والأموات وما يخرج منها من النبات والأموات إذا ~~حشروا. # قوله: " وما ينزل " العامة على " ينزل " مفتوح الياء مخفف ~~الزاي مسند إلى ضمير " ما " وعلي - رضي الله عنه - والسلمي ~~بضمها وتشديد الزاي أي الله تعالى. والمراد الأمطار والملائكة والقرآن. { ~~وما يعرج فيها } من الكلام الطيب لقوله: # إليه يصعد الكلم الطيب # [فاطر:10] والملائكة والأعمال الصالحة لقوله: { والعمل الصالح ~~يرفعه } وقدم: { ما يلج في الأرض } على: { ما ينزل من ~~السماء }؛ لأن الحبة تبذر أولا ثم تسقي ms7143 ثانيا. وقال: { وما ~~يعرج فيها } ولم يقل: " ما يعرج إليها " إشارة إلى قبول ~~الأعمال الصالحة لأن كلمة: " إلى " للغاية فلو قال وما يعرج إليها لفم ~~الوقوف عند السموات فقال: وما يعرج فيها ليفهم نفوذها فيها وصعودها منها ~~ولهذا قال في الكلم الطيب: { إليه يصعد الكلم الطيب }؛ ~~لأن الله هو المنتهى ولا مرتبة فوق الوصول إليه ثم قال: { وهو ~~الرحيم الغفور } رحيم عند الإنزال حيث ينزل الرزق من السماء غفور ~~عندما يعرج إليه الأرواح والأعيان والأعمال. ثم بين أن هذه النعمة التي ~~يستحق الله بها الحمد هي نعمة الآخرة أنكرها قوم فقال: { وقال ~~الذين كفروا لا تأتينا الساعة } قوله: " بلى " جواب ~~لقولهم: " لا تأتينا " وما بعدها قسم على ذلك. وقرأ العامة: ~~لتأتينكم بالتأنيث، وقرأ (طلق) بالياء فقيل: (أي) البعث. وقيل: ~~على معنى الساعة أي اليوم. قاله الزمخشري وره أبو حيان بأنه ضرورة كقوله: # 4101-........................ # ولا أرض أبقل إبقالها # وليس مثله، وقيل: (أي) الله بمعنى أمره. ويجوز على قياس هذا الوجه أن ~~يكون: " عالم " فاعلا لتأتينكم في قراءة من رفعه. # قوله: " عالم " قرأ الأخوان: علام على صيغة المبالغة وخفضه ~~نعتا ل " ربي " أو بدلا منه. وهو قليل؛ لكونه مشتقا. # ونافع وابن عامر عالم بالرفع على هو عالم، أو على أنه مبتدأ ~~وخبره " لا يعزب " أو على أن خبره مضمر أي هو ذكره الحوفي. وفيه ~~بعد، والباقون عالم بالخفض على ما تقدم وإذا جعل نعتا فلا بد من تقدير ~~تعريفه. وقد تقدم أن كل صفة يجوز أن تتعرف بالإضافة إلى الصفة المشبهة، ~~وتقدمت قراءتا " يعزب " في يونس. # فصل # اعلم أن الله تعالى رد على منكري الساعة فقال: { قل بلى ~~وربي لتأتينكم } فأخر بإتيانها وأكدها باليمين. # فإن قيل: إنهم يقولون لا ريب أو إن كانوا يقولون به لكن المسألة ~~الأصولية لا تثبت باليمين فأجاب عن هذا بأنه لم يقتصر على اليمين بل ذكر ~~الدليل وهو قوله: { ليجزي الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات }. وبيان كونه دليلا هو أن المسيء قد يبقى في الدنيا مدة ~~مديدة في اللذات ms7144 العاجلة ويموت عليها والمحسن قد يدوم في الدنيا في ~~الآلام الشديدة ويموت فيها فلولا دار تكون للجزاء لكان الأمر على خلاف ~~الحكمة. # قوله: { لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا ~~في الأرض } فيه لطيفة وهي أن الإنسان له جسم وروح، فالأجسام أجزاءها ~~في الأرض والأرواح في السماء فقوله: { لا يعزب عنه مثقال ~~ذرة في السموات } إشارة إلى علمه بالأرواح، وقوله: { ولا في ~~الأرض } إشارة إلى عمله بالأجسم فإذا علم الروح والأجسام قدر على ~~جمعها فلا استبعاد في الإعادة. # قوله: " ولا أصغر " العامة على رفع " أصغر وأكبر " وفيه ~~وجهان: # أحدهما: الابتداء، والخبر قوله " إلا في كتاب ". # والثاني: النسق على " مثقال " وعلى هذا فيكون: " إلا في ~~كتاب " تأكيدا للنفي في: " لا يعزب " كأنه قال لكنه في كتاب ~~مبين وقرأ قتادة والأعمش ورويت عن أبي عمرو ونافع أيضا بفتح الراءين. ~~وفيها وجهان: # أحدهما: أنها " لا " التبرئة وبني اسمها معها، والخبر قوله: " إلا في ~~كتاب ". # والثاني: النسق على " ذرة " وتقدم في يونس أن حمزة قرأ بفتح راء " ~~أصغر وأكبر " وهنا وافق على الرفع وتقدم البحث هناك. # قال الزمخشري: فإن قلت: هلا جاز عطف: " ولا أصغر " على " ~~مثقال " وعطف " ولا أكبر " على ذرة؟ # قلت: يأبي ذلك حرف الاستثناء إلا إذا جعلت الضمير في " عنه " ~~للغيب وجعلت الغيب اسما للخفيات قبل أن تكتب في اللوح المحفوظ لأنها ~~إثباتها في اللوح نوع من البروز عن الحجاب على معنى أنه لا ينفصل عن ~~الغيب شيء ولا يزال عنه إلا مسطورا في اللوح. قال أبو حيان: ولا ~~يحتاج إلى هذا التأويل إذ جعلنا الكتاب ليس اللوح المحفوظ، وقرأ زيد ~~بن علي بخفض راء أصغر وأكبر وهي مشكلة جدا، وخرجت على أنهما في نية ~~الإضافة، إذ الأصل: " ولا أصغره ولا أكبره " وما لا ينصرف إذا أضيف انجر ~~في موضع الجر ثم حذف المضاف إليه ونوي معناه فترك المضاف بحاله وله نظائر ~~كقولهم: # 4102- بين ذراعي وجبهة الأسد # 4103- يا تيم تيم عدي # على خلاف. وقد يفرق بأن هناك ما يدل على ms7145 المحذوف لفظا بخلاف هنا. # وقد رد بعضهم هذا التخريج لوجود " من "؛ لأن " أفعل " متى أضيف لم ~~يجامع " من " وأجيب عن ذلك بوجهين: # أحدهما: أن (من) ليست متعلقة " بأفعل " بل بمحذوف على سبيل البيان؛ ~~لأنه لما حذف المضاف إليه أبهم المضاف فبين " بمن " ومجروها أي أعني من ~~ذلك. # والثاني: أنه مع تقديره للمضاف إليه نوي طرحه، فلذلك أتى " بمن " ويدل ~~على ذلك أنه قد ورد التصريح بالإضافة مع وجود " من " قال الشاعر: # 4104- نحن بغرس الودي أعلمنا # منا بركض الجياد في السدف # وخرج على هذين الوجهين إما التعلق بمحذوف وإما نية طرح المضاف إليه وهذا ~~كما احتاجوا إلى تأويل الجمع بين " أل " ومن في أفعل كقوله: # 4105- ولست بالأكثر منهم حصى # ......................... # وهذه توجيهات شذوذ ويكفي فيها مثل ذلك. # فصل # قوله: { ولا أصغر من ذلك } إشارة إلى أن مثقال لم يذكر ~~للتحديد بل الأصغر منه لا يعزب. # فإن قيل: فأي حاجة إلى ذكر الأكبر وإن من علم الأصغر من الذرة لا ~~بد وأن يعلم الأكبر؟ # فالجواب: لما كان الله تعالى أراد بيان إثبات الأمور في الكتاب فلو ~~اقتصر على الأصغر لتوهم متوهم أنه يثبت الصغائر لكونها محل النسيان ~~وأما الأكبر فلا ينسى فلا حاجة إلى إثباته فقال الإثبات في الكبائر ليس ~~كذلك فإن الأكبر فيه أيضا مكتوب ثم لما بين علمه بالصغائر والكبائر ذكر ~~أن جميع ذلك وإثباته للجزاء فقال: { ليجزي الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات }. # قوله: " ليجزي " فيه أوجه: # أحدهما: أنه متعلق (بلا) وقال أبو البقاء و (يعزب) بمعنى لا يعزب أي ~~يحصي ذلك ليجزي. وهو حسن أو بقوله: " ليأتينكم " أو بالعامل في ~~قوله: " إلا في كتاب " اي إلا استقر ذلك " في كتاب مبين " ~~ليجزي. # فصل # اعلم أنه تعالى ذكر منهم أمرين الإيمان والعمل الصالح وذكر لهم أمرين ~~المغفرة والرزق الكريمة فالمغفرة جزاء الإيمان فكل مؤمن مغفور له ~~لقوله تعالى: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء: 116] وقوله عليه (الصلاة و) السلام: # " يخرج من النار من قال ms7146 لا إله إلا الله ومن (في) ~~قلبه وزن ذرة من إيمان ". # والرزق الكريم مرتب على العمل الصالح وهذا مناسب فإن من عمل لسيد كريم ~~عملا فعند فراغه من العمل لا بد وأن ينعم عليه. وتقدم وصف الرزق ~~بالكريم أنه بمعنى ذا كرم أو مكرم أو لأنه يأتي من غير طلب بخلاف رزق ~~الدنيا فإنه إن لم يطلب ويتسبب إليه لا يأتي. # فإن قيل: ما الحكمة في تمييزه الرزق بوصفه بأنه كريم ولم يضف ~~المغفرة؟ # فالجواب: لأن المغفرة واحدة وهي للمؤمنين وأما الرزق فمنه شجرة ~~الزقوم والحميم ومن الفواكه والشراب الطهور فميز الرزق لحصول ~~الانقسام فيه ولم يميز المغفرة لعدم الانقسام فيها. # فصل # قوله: { أولئك لهم مغفرة ورزق كريم } يحتمل ~~وجهين: # أحدهما: أن يكون ذلك لهم جزاء فيوصله إليه لقوله: { ليجزي الذين ~~آمنوا }. # وثانيهما: أن يكون ذلك لهم والله يجزيهم بشيء آخر لأن قوله: " ~~أولئك لهم " جملة (تامة اسمية، وقوله تعالى: { ليجزي ~~الذين آمنوا } جملة) فعلية مستقلة وهذا أبلغ في البشارة من قول ~~القائل: " ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات رزقا ". # فصل # اللام في " ليجزي " ومعناه الآخرة للجزاء. # فإن قيل: فما وجه المناسبة؟ # فالجواب: أن الله تعالى أراد أن لا يقطع ثوابه فجعل للمكلف دارا باقية ~~تكون ثوابه واصلا إليه فيها دائما أبدا وجعل قبلها دارا فيه الآلام ~~والأسقام وفيها الموت ليعلم المكلف مقدار ما يكون فيه في الآخرة إذا نسبه ~~إلى ما قبله. # قوله: " والذين سعوا " يجوز فيه وجهان: # أظهرهما: أنه مبتدأ و " أولئك " (و) ما بعده خبره. # والثاني:أنه عطف على الذي قبله أي ويجزي الذين سعوا ويكون " أولئك " ~~الذي بعده مستأنفا و " أولئك " الذي قبله وما في خبره معترضا بين ~~المتعاطفين. # قوله: { والذين سعوا في آياتنا معاجزين } أي في إبطال ~~أدلتنا معاجزين يحسبون أنهم يفوتوننا وقد تقدم في الحج ~~قراءتا معاجزين. واعلم أنه تعالى لما بين حال المؤمنين يوم القيامة بين ~~حال الكافرين والمراد بهم الذين كذبوا بآياتنا وقوله: " معاجزين " ~~أي سعوا في إبطالها لأن المكذب آت بإخفاء آيات بينات ms7147 فيحتاج ~~إلى السعي العظيم والجد البليغ ليروج كذبه لعله يعجز المتمسك به. # قوله: { أولئك لهم عذاب من رجز أليم } قرأ ابن كثير ~~وحفص هنا وفي الجاثية أليم بالرفع والباقون بالخفض. فالرفع على أنه ~~نعت " لعذاب " والخفض على أنه نعت " لرجز " إلا أن مكيا ضعف ~~قراءة الرفع واستبعدها قال: لأن الرجز هو العذاب فيصير التقدير عذاب ~~أليم من عذاب وهذا المعنى غير ممكن قال: والاختيار خفض " أليم " لأنه ~~أصح في التقدير والمعنى إذ تقديره لهم عذاب من عذاب أليم أي هذا ~~الصنف من أصناف العذاب، لأن العذاب بعضه آلم من بعض وأجيب: بأن الرجز ~~مطلق العذاب فكأنه قيل: لهم هذا الصنف من العذاب من جنس العذاب، وكأن أبا ~~البقاء لحظ هذا حيث قال: وبالرفع صفة لعذاب، والرجز مطلق العذاب. # فصل # قال قتادة: الرجز أسوأ العذاب فيكون " من " لبيان الجنس كقولك: ~~خاتم من فضة. قال ابن الخطيب: قال هناك: لهم رزق كريم ~~ولم يقدر بمن التبغيضية فلم يقل: لهم نصيب من رزق، ولا رزق من جنس ~~كريم، وقال ههنا: { لهم عذاب من رجز أليم } بلفظة صالحة للتبعيض، ~~وذلك إشارة إلى سعة الرحمة وقله الغضب وقال هناك: " لهم مغفرة ~~" ثم قال: # ورزق كريم # [الأنفال:4] وههنا لم يقل إلا: " لهم عذاب " فزادهم هناك الرزق ~~الكريم، وههنا لم يزدهم على العذاب وفيما قاله نظر، لقوله تعالى في موضع ~~آخر: # زدناهم عذابا فوق العذاب # [النحل:88]. # قوله: { ويرى الذين أوتوا العلم } فيه وجهان: # أحدهما: أنه عطف على " ليجزي " قال الزمخشري: أي وليعلم الذين ~~أوتوا العلم عند مجيء الساعة. وإنما قيده بقوله عند مجيء الساعة لأنه ~~علق: " ليجزي " بقوله: " لتأتينكم " فبنى هذا عليه وهو من أحسن ~~ترتيب. # والثاني: أنه مستأنف أخبر عنهم بذلك " و الذي أنزل " هو المفعول ~~الأول وهو فصل و " الحق " مفعول ثان، لأن الرؤية علمية، ~~وقرأ ابن أبي عبلة الحق بالرفع على أن خبر " هو " والجملة في ~~موضع المفعول الثاني وهي لغة تميم يجعلون ما هو فصل مبتدأ وخبر و " من ~~ربك " حال على القراءتين. ms7148 # فصل # لما لين حال من يسعى في التكذيب في الآخرة بين حاله في الدنيا وهو أن ~~سعيه باطل فإن من أوتي علما لا يعتبر تكذيبه وهو يعلم أن ما أنزل ~~إلى محمد عليه (الصلاة و) السلام حق وصدق وقوله: هو الحق يفيد الحصر ~~أي ليس الحق إلا ذلك وأم قول المكذب فباطل بخلاف ما إذا تنازع خصمان ~~والنزاع لفظي فيكون قوله كل واحد حقا في المعنى، قال المفسرون: { ~~ويرى الذين أوتوا العلم } يعني مؤمني أهل الكتاب عبد الله ~~بن سلام وأصحابه { الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ~~} يعني القرآن هو الحق يعني أنه من عند الله. # قوله: { ويهدي } فيه أوجه: # أحدها: أنه مستأنف وفي فاعله احتمالان: أظهرهما: أنه ضمير " الذي " ~~وهو القرآن والثاني: ضمير الله تعالى ويتعلق هذا بقوله: { إلى صراط ~~العزيز الحميد }؛ إذ لو كان كذلك لقيل: إلى صراطه ويجاب بأنه ~~من الالتفات ومن إبراز المضمر ظاهرا تنبيها على وصفه بهاتين ~~الصفتين. # الوجه الثاني: أنه معطوف على موضع " الحق " و " أن " معه مضمرة تقديره ~~هو الحق والهداية. # الثالث: أنه عطف على " الحق " عطف فعل على اسم لأنه في تأويله كقوله ~~تعالى: # صافات ويقبضن # [الملك: 19] أي: وقابضات كما عطف الاسم على الفعل بمعناه كقوله: # 4106- فألفيته يوما يبير عدوه # ومجر عطاء يستخف المعابرا # كأنه قيل: وليروه الحق وهاديا. # الرابع: أن " ويهدي " حال من " الذي أنزل " ولا بد من إضمار ~~مبتدأ أي وهو يهدي كقوله: # 4107-............................. # نجوت وأرهنهم مالكا # وهو قليل جدا، ثم قال: { إلى صراط العزيز الحميد } وهاتان ~~الصفتان يفيدان الرهبة والرغبة فالعزيز يفيد التخويف والانتقام من ~~المكذب والحميد يفيد الترغيب في الرحمة للمصدق. ### || [34.7-9] # قوله: { وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل } ~~لما بين حالة المكذب بالساعة ورد عليه بقوله: { قل بلى وربي ~~لتأتينكم } ثم بين ما يكون بعد إتيانها من جزاء المؤمن على عمله ~~الصالح وجزاء الساعي في تكذيب الآيات بالتعذيب على السيئات وبين حال ~~الكافر والمؤمن بعد قوله عليه (الصلاة و) السلام - { بلى وربي ~~لتأتينكم } فقال المؤمن الذي ms7149 أنزل إليك من ربك الحق وهو يهدي ~~وقال الكافر المنكر للبعث متعجبا: { هل ندلكم على رجل ~~ينبئكم } يخبركم يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم - وهذا كقول ~~القائل في الاستبعاد: جاء رجل يقول: إن الشمس تطلع من المغرب؛ ~~إلى غير ذلك من المحاولات. # فصل # إذا مزقتم " إذا " منصوب بمقدر أي تبعثون وتحشرون وقت ~~تمزيقكم لدلالة: { إنكم لفي خلق جديد } عليه ولا يجوز أن ~~يكون العامل " ينبئكم " لأن التنبئة " لأن التنبئة لم تقع ~~ذلك الوقت ولا " خلق جديد " لأن ما بعد " إن " لا يعمل فيما ~~قبلها. ومن توسع في الظرف أجازه هذا إذا جعلنا " إذا " ظرفا محضا، ~~فإن جعلناه شرطا كان جوابها مقدرا أي تبعثون وهو العامل في " إذا " عند ~~جمهور النحاة. وجوز الزجاج أن تكون معمولة لمزقتم، وجعله ابن عطية ~~خطأ وإفسادا للمعنى، قال أبو حيان: وليس بخطأ ولا إفساد. # وقد اختلف في العامل في " إذا " الشرطية، والصحيح أن العامل فيها فعل ~~الشرط كأخواتها من أسماء الشرط. وقال شهاب الدين: والجمهور على خلافه، ~~ثم قال أبو حيان: والجملة الشرطية تحتمل أن تكون معمولة ل " ~~ينبئكم " لأن في معنى: يقول لكم إذا مزقتم تبعثون، ثم أكد ~~ذلك بقوله: { إنكم لفي خلق جديد } ويحتمل أن يكون: { ~~إنكم لفي خلق } معلقا ل " ينبئكم " سادا مسد ~~المفعولين ولولا اللام لفتحت " أن " وعلى هذا فجملة الشرط اعتراض، وقد ~~منع قوم التعليق في " اعلم " وبابها والصحيح جوازه، قال: # 4108- حذار فقد نبئت إنك للذي # ستجزى بما تسعى فتسعد أو تشقى # وقرأ زيد بن علي بإبدال الهمزة ياء، وعنه ينبئكم من " ~~أنبأ " كأكرم و " ممزق " فيه وجهان: # أحدهما: أنه اسم " مصدر " وهو قياس كل ما زاد على الثلاث أن يجىء مصدره ~~وزمانه ومكانه على زنة اسم مفعوله أي كل تمزيق. # والثاني: أنه ظرف مكان، قاله الزمخشري، أي كل تمزيق من القبور وبطون ~~الوحش والطير، ومن مجئ مفعل مجيء التفعيل قوله: # 4109- ألم تعلمي مسرحي القوافي # فلا عيا بهن ولا اجتلابا # أي تسريحي، والتمزيق التخريق والتقطيع، يقال ثوب ممزق وممزوق ~~ويقال: ms7150 مزقه فهو مازق ومزق أيضا قال: # 4110- أتاني أنهم مزقون عرضي # .......................... # وقال الممزق العبدي - وبه سمي الممزق -: # 4111- فإن كنت مأكولا فكن خير آكل # وإلا فأدركني ولما أمزق # أي ولما أبلى وأفنى، و " جديد " عند البصريين بمعنى فاعل يقال: ~~جد الشيء فهو جاد وجديد وعند الكوفيين بمعنى مفعول من ~~جددته أي قطعته. # فصل # المعنى أن الكفار قالوا لقومهم متعجبين: إن محمدا يقول: إنكم إذا ~~متم ومزقتم كل تمزيق وصرتم ترابا إنكم لفي خلق جديد أي تخلقون خلقا ~~جديدا. # (قوله) " أفترى " هذه همزة الاستفهام وحذفت لأجلها همزة الوصل فلذلك ~~ثبتت همزة الهمزة وصلا وابتداء. قال البغوي: هذه ألف استفهام دخلت على ~~ألف الوصل فلذلك نصب { على الله كذبا } وبهذه الآية استدل ~~الجاحظ على أن الكلام ثلاثة أقسام صدق وكذب ولا صدق ولا كذب ووجه ~~الدلالة عنه على القسم. # الثالث: أن قوله " به جنة " لا جائز أن يكون كذبا لأنه قسيم ~~الكذب وقسيم الشيء غيره ولا جائز أن يكون صدقا لأنهم لم يعتقدوه فثبت ~~قسم ثالث. وأجيب عنه بأن المعنى: أم لم يفتر، ولكن عبر عن هذا ~~بقولهم: " أم به جنة "؛ لأن المجنون لا افتراء له والظاهر في " ~~أم " هذه أنها متصلة لأنها تقدر بأي الشيئين ويجاب بأحدهما لأنه ~~قيل: أي الشيئين واقع افتراؤه الكذب أم كونه مجنونا ولا يضر كونها بعدها ~~جملة لأن الجملة بتأويل المفرد كقوله: # 4112- لا أبالي أنب بالحزن تيس # أم جفاني بظهر غيب اللئيم # ومثل قوله الآخر: # 4113- لعمرك ما أدري وإن كنت داريا # شعيث بن سهم أم شعيث بن منقر # لأن " منقر " خبر لا نعت كذا أنشده بعضهم مستشهدا على أنها جملة وفيه ~~حذف التنوين بما قبل " ابن " وليس بصفة، وهذا إشارة إلى البحث المتقدم في ~~سورة التوبة. # فصل # قوله: { أفترى على الله كذبا } يحتمل أن يكون من تمام قول ~~الكافر أولا أي من كلام القائلين: " هل ندلكم " ويحتمل أن يكون ~~من كلام السامع المجيب للقائل: " هل ندلكم " كأن السامع لما قيل ~~له: هل ندلكم على رجل قال له وهو ms7151 يفتري على الله كذبا إن كان يعتقد ~~خلافه " أو به جنة " مجنون؟ إن كان لا يعتقد خلافه، وفي هذا ~~لطيفة وهي أن الكافر لا يرضى بأن يظهر كذبه ولهذا قسم ولم يجزم بأنه ~~مفتر بل قال مفتر أو مجنون احترازا من أن يقول قائل: كيف يقول بأنه ~~مفتر مع أنه جاز أن يظن أن الحق ذلك، وظن الصدق يمنع تسمية القائل ~~مفتريا وكاذبا في بعض المواضع ألا ترى أن من يقول: جاء زيد فإذا تبين ~~أنه لم يجىء وقيل له: لم كذبت؟ يقول: ما كذبت وإنما سمعت من فلان ~~فظننت أنه صادق فيدفع الكذب عن نفسه بالظن فهم احترزوا عن تبيين كذبهم ~~فكل عاقل ينبغي أن يحترز عن ظهور كذبه عند الناس ولا يكون العاقل أدنى ~~درجة من الكافر، ثم إنه تعالى أجابهم مرة أخرى ردا عليهم فقال: { ~~بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب } في مقابلة ~~قولهم: { أفترى على الله كذبا }. # وقوله: " في الضلال البعيد " عن الحق في الدنيا، وهذا في مقابلة ~~قولهم: " به جنة " وكلاهما مناسب أما العذاب فلأن نسبة المكذب إلى ~~الصادق مؤذ، لأنه شهادة عليه بأنه يستحق العذاب فجعل العذاب عليهم حيث ~~نسبوا العذاب إلى البريء وأما الجنون فلأن نسبة الجنون إلى العاقل دونه ~~في الإيذاء فإنه لا يشهد عليه بأنه يعذب وإنما ينسبه إلى عدم الهداية ~~فبين أنهم هم الضالون، ثم وصل ضلالهم بالبعد لأن من يسمي المهتدي ~~ضالا يكون أضل، والنبي عليه (الصلاة و) السلام (كان) هادي كل مهتد. # قوله: " أفلم " فيه الرأيان المشهوران، قدره الزمخشري أعموا ~~فلم يروا، وغيره يدعي أن الهمزة مقدمة على حرف العطف. # قوله: " من السماء " بيان للموصول، فيتعلق بمحذوف، ويجوز أن يكون ~~حالا فيتعلق به أيضا قيل: (و) ثم حال محذوفة تقديره: أفلم يروا ~~إلى كذا مقهورا تحت قدرتنا، أو محيطا بهم ~~فيعلموا أنهم حيث كانوا فإن أرضي وسمائي محيطة بهم لا ~~يخرجون من أقطارها وأنا القادر عليهم. # قوله: " إن نشأ " قرأ الأخوان يشأ يخسف يسقط بالياء في ~~الثلاثة، ms7152 والباقون بنون العظمة فيها، وهم واضحتان، وأدغم الكسائي ~~الفاء في الباء واستضعفها الناس من حيث أدغم الأقوى في الأضعف، قال ~~الفارسي: وذلك لا يجوز لأن الباء أضعف في الصوت من الفاء فلا يدغم فيها ~~وإن كانت الباء يدغم فيها نحو: اضرب فلانا كما تدغم الباء في الميم ~~كقولك: اضرب مالكا وإن كانت الميم لا تدغم في الباء نحو: اضمم ~~بكرا؛ لأن الباء انحطت عن الميم يفقد الغنة، وقال الزمخشري: وليست ~~بالقوية، وهذا لا ينبغي لأنها تواترت. # فصل # لما ذكر الدليل بكونه عالم الغيب وكونه جازيا على السيئات والحسنات ~~ذكر دليلا آخر فيه التهديد والتوحيد فأما دليل التوحيد فذكره السماء ~~والأرض فإنهما يدلان على الوحدانية كما تقدم مرارا ويدلان على الحشر ~~والإعادة لأنهما يدلان على كمال القدرة بقوله تعالى: # أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على ~~أن يخلق مثلهم بلى # [يس:81] وأما التهديد فقوله: { إن نشأ نخسف بهم الأرض أو ~~نسقط عليهم كسفا من السماء } أي نجعل عين نافعهم ضارهم ~~بالحق والكشف ثم قال: { إن في ذلك لآية لكل عبد } أي: ~~فيما يرون من السماء والأرض آية تدل على قدرتنا على البعث { لكل ~~عبد منيب } تائب راجع الله بقلبه. ثم إنه تعالى لما ذكر من ينيب ~~من عباده ذكر منهم من أناب وأصاب ومن جملتهم داود كما قال تعالى عنه: # فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب # [ص:24]. ### || [34.10-14] # قوله تعالى: { ولقد آتينا داوود منا فضلا } فقوله: " ~~منا " إشارة إلى بيان فضل داود لأن قوله: { ولقد آتينا ~~داوود منا فضلا } مستقبل بالمفهوم وتام كما يقول القائل: آتى ~~الملك زيدا خلعة، فإذا قال القائل: آتاه منه خلعة يفيد أنه كان من ~~خاص ما يكون له فكذلك إيتاء الله الفضل عام لكن النبوة من عنده خاص ~~بالبعض، ونطيره قوله تعالى: # يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان # [التوبة: 21] فإن رحمة الله واسعة تصل إلى كل أحد لكن رحمته في ~~الآخرة على المؤمنين رحمة من عنده لخواصه، والمراد بالفضل النبوة ~~والكتاب، وقيل: الملك، وقيل: جميع ما أوتي من ms7153 حسن الصوت وتليين ~~الحديد وغير ذلك مما خص به. # قوله: " يا جبال " محكي بقول مضمر، ثم إن شئت قدرته مصدرا ويكون ~~بدلا من " فضلا " على جهة تفسيره به كأنه قيل: آتيناه فضلا قولنا ~~يا جبال، وإن شئت جعلته مستأنفا. # قوله: " أوبي " العامة على فتح الهمزة، وتشديد الواو، أمرا من ~~التأويب وهو الترجيع، وقيل: التسبيح بلغة الحبشة، وقال ~~القتيبي: أصله من التأويب في السير وهو أن يسير النهار كله، وينزل ~~ليلا كأنه قال: ادأبي النهار كله بالتسبيح معه، وقال وهب: ~~نوحي معه، وقيل: سيري معه، وقيل: سيري معه، والتضعيف يحتمل أن يكون ~~للتكثير، واختار أبو حيان أن يكون للتعدي قال: لأنهم فسروه برجع مع ~~التسبيح، ولا دليل فيه لأنه دليل معنى. # وقرأ ابن عباس والحسن وقتادة وابن أبي إسحاق: أوبي بضم الهمزة ~~أمرا من آب يؤوب أي ارجع معه بالتسبيح. # قوله: " والطير " العامة على نصبه وفيه أوجه: # أحدهما: أنه عطف على محل جبال لأنه منصوب تقديرا. # الثاني: أنه مفعول معه قاله الزجاج. ورد عليه بأنه قبله لفظ " معه " ولا ~~يقتضي العامل أكثر من مفعول معه واحد إلا بالبدل أو العطف لا يقال: ~~جاء زيد مع بكر مع عمرو. قال شهاب الدين: وخلافهم في ~~تقصيه حالين يقتضي مجيئه هنا. # الثالث: أنه عطف على " فضلا " ، قاله الكسائي، ولا بد من حذف مضاف ~~تقديره آتيناه فضلا وتسبيح الطير. # الرابع: أنه منصوب بإضمار فعل أي سخرنا له الطير. قاله أبو ~~عمرو، وقرأ السلمي والأعرج ويعقوب وأبو نوفل وأبو يحيى وعاصم ~~- في رواية - والطير بالرفع، وفيه أوجه: النسق على لفظ " الجبال " ~~وأنشد: # 4114- ألا يا زيد والضحاك سيرا # فقد جاوزتما خمر الطريق # بالوجهين، وفي عطف المعرف بأل على المنادى المضموم ثلاثة مذاهب، ~~الثاني: عطفه على الضمير المستكن في " أوبي " وجاز ذلك، للفصل ~~بالظرف، والثالث: الرفع على الابتداء والخبر مضمر أي والطير كذلك أي ~~مؤوبة. # فصل # لم يكن الموافقون له في التأويب منحصرا في الطير والجبال ولكن ذكر ~~الجبال لأن الصخور للجمود والطير للنفور وكلاهما مستبعد منه الموافقة، ms7154 ~~فإذا وافقه هذه الأشياء فغيرها أولى ثم إن من الناس من لم يوافقه وهم ~~القاسية قلوبهم التي هي أشد قسوة. # قال المفسرون كان داود إذا نادى بالنياحة أجابته الجبال بصداها وعكفت ~~الطير على من فوقه فصدى الجبال الذي يسمعه الناس اليوم من ذلك وقيل: كان ~~داود إذا تخلل الجبال فسبح الله جعلت الجبال تجاوبه بالتسبيح. وقيل: كان ~~داود إذا لحقه فتور أسمعه الله تسبيح الجبال تنشيطا له. # قوله: " وألنا " عطف على " آتيتا " وهو من جملة الفضل، قال ~~ابن الخطيب: ويحتمل أن يعطف على " قلنا " في قوله { يجبال ~~أوبي... وألنا }. # فصل # ألان الله تعالى له الحديد حتى كان في يده كالشمع والعجين يعمل منه ما ~~يشاء من غير نار ولا ضرب مطرقة وذلك في قدرة الله يسير، روي أنه طلب ~~من الله أن يغنيه عن أكل مال بيت المال فألان الله له الحديد وعلمه صنعة ~~اللبوس وهي الدرع وأنه أول من اتخذها. وإنما اختار الله له ذلك لأنه ~~وقاية للروح التي هي من أمره وتحفظ الآدمي المكرم عند الله من القتل، ~~فالزراد خيرمن القواس والسياف وغيرهما؛ لأن القوس والسيف ~~وغيرهما من السلاح ربما يستعمل في قتل النفس المحرمة، بخلاف الدرع ~~قال عليه (الصلاة و) السلام: # " كان داود لا يأكل إلا من عمل يده ". # قوله: " أن اعمل " فيه وجهان: # أظهرهما: أنها مصدرية على حذف الجر أي لأن. # والثاني: قاله الحوفي وغيره إنها مفسرة لقوله: " وألنا له ~~الحديد ليعمل سابغات " ورد هذا بأن شرطها تقدم بما هو بمعنى القول ~~ولم يتقدم إلا " ألنا " ، واعتذر بعضهم عن هذا بأن قدر ما هو ~~بمعنى القول أي وأمرناه أن اعمل. ولا ضرورة تدعو إلى ذلك، ~~وقرىء: " صابغات " لأجل الغين وتقدم تقديره في لقمان عند " وأسبغ ~~عليكم نعمه ". # فصل # معنى " سابغات " أي كوامل واسعات طوالا تسحب في الأرض. وذكر الصفة ~~ويعلم منها الموصوف. # قوله: { وقدر في السرد } والسرد: نسيج الدروع يقال لصانعه: ~~السراد " الزراد. # والمعنى قدر المسامير في حلق الدروع أي لا تجعل المسامير غلاظا فتكسر ~~الحلق ms7155 ولا دقاقا فتغلغل فيها. ويقال السرد المسمار في الحلقة، ~~يقال: درع مسرودة أي مسمورة الحلق. وقدر في السرد أي اجعله ~~على القصد وقدر الحاجة، ويحتمل أن يقال السرد هو عمل الزرد. # وقوله: { وقدر في السرد } أي إنك غير مأمور به أمر إيجاب إنما هو ~~اكتساب والكسب (إنما) يكون بقدر الحاجة وباقي الأيام والليالي للعبادة ~~فقدر في ذلك العمل ولا تشغل جميع أوقاتك بالكسب بل حصل به القوت فحسب. # ويدل عليه قوله تعالى: { واعملوا صالحا } أي لستم مخلوقين إلا ~~للعمل الصالح فاعملوا ذلك وأكثروا منه والكسب فقدروا فيه ثم أكد طلب ~~الفعل الصالح بقوله: { إني بما تعملون بصير } يريد بهذا ~~داود وآله، ثم لما ذكر المنيب الواحد منيبا آخر وهو سليمان كقوله ~~تعالى: # وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب # [ص:34] ذكر ما استفاد من الإنابة وهو قوله تعالى: { ولسليمان ~~الريح } العامة على النصب بإضمار فعل، أي سخرنا لسليمان، ~~وأبو بكر بالرفع على الابتداء، والخبر في الجار قبله أو محذوف، وجوز أبو ~~البقاء أن يكون فاعلا يعني بالجار، وليس بقوي لعدم اعتماده وكان قد ~~وافقه في الأنبياء غيره، وقرأ العامة الريح بالإفراد. والحسن وأبو ~~حيوة، وخالد بن إلياس الرياح جمعا. وتقدم في الأنبياء أن ~~الحسن يقرأ مع ذلك بالنصب وهنا لم ينقل له ذلك. # فإن قيل: الواو في قوله: " ولسليمان " للعطف فعلى قراءة الرفع ~~يصير عطفا للجملة الاسمية على فعلية وهو لا يجوز أو لا يحسن؟ # فالجواب: أنه لما بين حال داود فكأنه قال: لما ذكر لداود ولسليمان الريح ~~وإما على النصب على قوله: { وألنا له الحديد } (كأنه قال وألنا ~~لداود الحديد) وسخرنا لسليمان الريح. # قوله: { غدوها شهر } مبتدأ وخبر ولا بد من حذف مضاف أي ~~غدوها مسيرة شهر أو مقدار غدوها شهر، ولو نصب لجاز، ~~إلا أنه لم يقرأ بها فيما علمنا، وقرأ ابن أبي عبلة غدوتها ~~وروحتها على المرة، والجملة إما مستأنفة، وإما في محل حال. # فصل # المعنى غدو تلك الريح المستمرة له مسيرة شهر، وسير رواحها شهر ~~فكانت تسير ms7156 به في يوم واحد مسيرة شهرين. قال الحسن: كان يغدو من ~~دمشق فيقيل بإصطخر (وبينهما مسيرة شهر، ثم يروح من إصطخر فيبيت ~~بكابل) وبينهما مسيرة شهر للراكب المسرع وقيل: كان يتغذى بالري ~~ويتعشى بسمرقند. # فإن قيل: ما الحكمة في قوله في الجبال مع داود الجبال وفي ~~الأنبياء وفي هذه السورة فقال: يا جبال أوبي معه وقال في الريح هناك ~~وههنا: لسليمان باللام؟ # فالجواب: أن الجبال لما سبحت شرفت بذكر الله فلم يضيفها إلى داود ~~بلام الملك بل جعلها معه كالمصاحب والريح لم يذكر تسبيحها فجعلها ~~كالمملوكة له. # قوله: { وأسلنا له عين القطر } أي أذبنا له عين النحاس. ~~والقطر: النحاس، قال المفسرون: أجريت له عين النحاس ثلاثة أيام ~~بلياليها كجري المياه، وكان بأرض اليمن. وإنما ينتفع الناس اليوم بما ~~أخرج الله لسليمان. # قوله: " من يعمل " يجوز أن يكون مرفوعا بالابتداء وخبره في الجار ~~قبله أي من الجن من يعمل وأن يكون في موضع نصب بفعل مقدر أي ~~وسخرنا له من يعمل و " من الجن " يتعلق بهذا المقدر، ~~أو بمحذوف على أنه حال أو بيان، و " بإذن " حال أي ميسرا بإذن ربه، ~~والإذن مصدر مضاف لفاعله، وقرىء: " ومن يزغ " بضم الياء من أزاغ ~~ومفعوله محذوف أي يزغ نفسه، أي يميلها و " من عذاب " ~~لابتداء الغاية أو للتبعيض. # فصل # قال ابن عباس: سخر الله الجن لسليمان وأمرهم بطاعته فيما يأمرهم به، ~~ومن يزغ يعدل منهم من الجن عن أمرنا الذي أمرنا به من طاعة سليان ~~نذقه من عذاب السعير في الآخرة، وقيل: في الدنيا وذلك أن الله ~~وكل بهم ملكا بيده سوط من نار فمن زاغ منهم عن أمر سليمان ضربه ~~ضربة أحرقته. # قوله: { يعملون له ما يشآء } مفسر لقوله: " من يعمل " ~~و " من محاريب " بيان ل " ما يشاء " والمراد بالمحاريب: ~~المساجد والأبنية المرتفعة، وكان مما عملوا له بيت المقدس، ابتدأه داود ~~ورفعه قامة رجل فأوحى إليه أني لم أقض ذلك على يدك ولكن ابن لك ~~أملكه بعدك اسمه سليمان أقضي تمامه على ms7157 يده، فلما توفاه الله استخلف ~~سليمان فأحب إتمام بناء بيت المقدس فجمع الجن والشياطين وقسم عليهم ~~الأعمال فخص كل طائفة منهم بعمل يستصلحه له فأرسل الجن والشياطين في ~~تحصيل الرخام والميها الأبيض من معادنه وأمر ببناء المدينة ~~بالرخام والصفاح وجعلها اثني عشر ربضا وأنزل على كل ربض منها ~~سبطا من الأسباط وكانوا اثنى عشر سبطا، فلما فرغ من بناء المدينة، ~~ابتدأ في بناء المسجد فوجه الشياطين فرقا فرقا يستخرجون الذهب ~~والفضة والياقوت من معادنها والدر الصافي من البحر وفرقا يقلعون ~~الجواهر من الحجارة من أماكنها وفرقا يأتونه بالمسك والعنبر ~~وسائر الطيب من أماكنها فأتى من ذلك بشيء لا يحصيه إلا الله عز وجل. ~~ثم أحضر الصناع وأمرهم بنحت تلك الحجارة المرتفعة وتصييرها ألواحا ~~وإصلاح تلك الجواهر وثقب الياقوت واللآلىء فبنى المسجد بالرخام ~~الأبيض والأصفر والأخضر وعمده بأساطين الميها الصافي وسقفه ~~بألواح الجواهر الثمينة وفصص سقوفه وحيطانه باللآلىء ~~واليواقيت وسائر الجواهر وبسط أرضه بألواح الفيروزج فلم يكن يومئذ في ~~الأرض بين أبهر ولا أنور من ذلك المسجد كان يضيء في الظلمة كالقمر ~~ليلة البدر، فلما فرغ منه جمع أحبار بين إسرائيل وأعلمهم أنه بناه لله ~~وأن كل شيء فيه خالص لله، واتخذ ذلك اليوم الذي فرغ منه عيدا، روى عبد ~~الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: # " لما فرغ سليمان من بناء بيت المقدس سأل ~~ربه ثلاثا فأعطاه اثنتين وأنا أرجو أن يكون ~~أعطاه الثالثة سأل حكما يصادف حكمه فأعطاه إياه، ~~وسأله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه، ~~وسأله أن لا يأتي هذا البيت أحد يصلي ركعتين ~~إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه وأنا أرجو ~~أن يكون قد أعطاه ذلك " # قالوا: فلم يزل بيت المقدس على ما بناه سليمان حتى غزاه ~~بخنتصر فخرب المدينة وهدمها ونقض المسجد وأخذ ما كان في ~~سقوفه وحيطانه من الذهب والفضة والدر والياقوت وسائر الجواهر إلى دار ~~مملكته من أرض العراق وبنى الشيطان لسليمان باليمن حصونا كثيرة وعجيبة ms7158 ~~من الصخر. # قوله: { وتماثيل } وهي النقوش التي تكون في الأبنية. وقيل: صور من ~~نحاس وصفر وشبه وزجاج ورخام. قيل: كانوا يصورون السباع ~~والطيور. وقيل: كانوا يتخذون صور الملائكة والأنبياء والصالحين في ~~المساجد ليراها الناس فيزدادوا عبادة ولعلها كانت مباحة في شريعتهم كما ~~أن عيسى كان يتخذ صورا من طين فينفخ فيها فيكون طيرا. # قوله: " وجفان كالجواب " الجفان القصاع، وقرأ ابن كثير ~~بإثبات ياء " الجواب " وصلا ووقفا وأبو عمرو وورش بإثباتها وصلا ~~وحذفها وقفا. والباقون بحذفها في الحالين. و " كالجواب " صفة " ~~لجفان " والجفان جمع جفنة، والجوابي جمع جابية كضاربة ~~وضوارب والجابية الحوض العظيم سميت بذلك لأنه يجبي إليها الماء، ~~أي يجمع وإسناد الفعل إليها مجاز لأنه يجبى فيها كما قيل: خابية، ~~لما يخبأ فيها قال الشاعر: # 4115- بجفان تعتري نادينا # من سديف حين هاج الصنبر # كالجوابي لا تني مترعة # لقرى الأضياف أو للمحتضر # وقال الأعشى: # 4116- نفى الذم عن آل المحلق جفنة # كجابية الشيخ العراقي تفهق # وقال الأفوه: # 4117- وقدور كالربا راسية # وجفان كالجوابي مترعه # قيل: كان يقعد على الجفنة الواحدة ألف رجل يأكلون منها. # فصل # وقدور راسيات ثابتات لها قوائم لا يحركن عن أماكنها ولا يبدلن ~~ولا يعطلن وكان يصعد إليها بالسلاليم وكانت باليمن. # قوله: { اعملوا آل داوود شكرا } في " شكرا " أوجه: # أحدهما: أنه مفعول به أي اعملوا الطاعة سميت الصلاة ونحوها شكرا ~~لسدها مسده. # الثاني: أنه مصدر من معنى " اعملوا " كأنه قيل: اشكروا شكرا ~~بعملكم أو اعملوا عمل شكر. # الثالث: أنه مفعول من أجله أي لأجل الشكر كقولك: جئتك طمعا، وعبدت ~~الله رجاء غفرانه. # الرابع: أنه مصدر موقع الحال أي شاكرين. # الخامس: أنه منصوب بفعل مقدر من لفظه تقديره واشكروا شكرا. # السادس: أنه صفة لمصدر اعملوا تقديره اعملوا عملا شكرا أي ذا ~~شكر قال المفسرون: معناه اعملوا يا آل داود بطاعة الله شكرا له على ~~نعمة، واعلم أن كما قال عقيب قوله (تعالى): { أن اعمل سابغات } ~~{ اعملوا صالحا } قال عقيب ما تعمله الجن له اعملوا آل داود شكرا ~~إشارة إلى ما تقدم ms7159 من أنه لا ينبغي أن يجعل الإنسان نفسه مستغرقة في هذه ~~الأشياء، وإنما يجب الإكثار من العمل الصالح الذي يكون شكرا. # قوله: " وقليل " خبر مقدم " ومن عبادي " صفة له، " والشكور ~~" مبتدأ. والمعنى أن العامل بطاعتي شكرا لنعمتي قليل. قيل: المراد من ~~آل داود هو داود نفسه، وقيل: داود وسليمان وأهل بيته. # فصل # قال جعفر بن سليمان: سمعت ثابتا يقول: كان داود نبي الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قد جزأ ساعات الليل والنهار على أهله فلم تكن تأتي ~~ساعة من ساعات الليل والنهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي. # قوله: { فلما قضينا عليه الموت } أي على سليمان، قال ~~أهل العلم: كان سليمان - عليه السلام - يتحرز ببيت المقدس السنة ~~والسنتين والشهر والشهرين، وأقل من ذلك وأكثر يدخل فيه طعامه ~~وشاربه فأدخله في المرة التي مات فيها وكان بدء ذلك أنه كان لا يصبح ~~يوما إلا نبتت في محرابه ببيت المقدس شجرة فيسألها ما اسمك؟ فتقول ~~اسمي كذا فيقول: لأن شيء أنت؟ فتقول: لكذا وكذا فيأمرها فتقطع فإن ~~كانت تنبت لغرس غرسها وإن كانت لدواء كتبه حتى نبتت الخروبة فقال لها ~~ما أنت؟ قالت الخروبة قال: لأي شيء نبتت؟ قالت: لخراب مسجدك فقال ~~سليمان: ما كان الله ليجزيه وأنا حي أنت الذي على وجهك هلاكي وخراب ~~بيت المقدس فنزعها وغرسها في حائط له ثم قال: اللهم عم على ~~الجن موتى حتى يعمل الناس أن الجن لا يعلمون الغيب وكانت الجن تخبر ~~الإنس أنهم يعلمون من العيب أشياء ويعلمون ما في غد، ثم دخل المحراب فقام ~~يصلي متكئا على عصاه فمات قائما وكان للمحراب كوى بني يديه وخلفه فكانت ~~الجن تعمل تلك الأعمال الشاقة التي كانوا يعملونها في حياته وينظرون إلى ~~سليمان فيرونه قائما متكئا على عصاه فيحسبونه حيا فلا ينكرون خروجه ~~إلى الناس لطول صلاته فمكثوا يدأبون له بعد موته حولا كاملا حتى أكلت ~~الأرضة عصا سليمان فخر ميتا فعلموا بموته، قال ابن عباس: ~~فشكرت الجن الأرضة فهم يأتونها بالماء والطين في ms7160 جوف الخشب فذلك قوله: { ~~ما دلهم على موته إلا دابة الأرض } وهي الأرضة ~~" تأكل منسأته " أي عصاه. # قوله: " تأكل " إما حال، أو مستأنفة، وقرأ ابن ذكوان منسأته - ~~بهمزة ساكنة - ونافع وأبو عمرو بألف محضة، والباقون بهمزة مفتوحة، ~~والمنسأة اسم آلة من نسأه أي أخره كالمكسحة والمكنسة من ~~نسأت الغنم أي زجرتها وسقتها، ومنه: نسأ الله في أجله أي ~~أخره وفيها الهمزة وهو لغة تميم وأنشد: # 4118- أمن أجل حبل لا أباك ضربته # بمنسأة قد جر حبلك أحبلا # (والألف) وهو لغة الحجاز وأنشد: # 4119- إذا دببت على المنسأة من كبر # فقد تباعد عنك اللهو والغزل # فأما بالهمزة المفتوحة فهي الأصل لأن الاشتقاق يشهد له والفتح لأجل بناء ~~مفعلة كمكنسة وأما سكونها ففيه وجهان: # أحدهما: أنه أبدل الهمزة ألفا كما أبدلها نافع وأبو عمرو وسيأتي، ثم ~~أبدل هذه الألف همزة على لغة من يقول العألم والخأتم وقوله: # 4120-................... # وخندف هامة هذا العألم # ذكره ابن مالك قال شهاب الدين وهذا لا أدري ما حمله عليه كيف نعتقد أنه ~~هرب من شيء ثم يعود إليه وأيضا فإنهم نصوا على أنه إذا أبدل من الألف ~~همزة فإن كان لتلك الألف أصل حركت هذه الهمزة بحركة أصل الألف. # وأنشد ابن عصفور على ذلك: # 4121- ولى نعام بني صفوان زوزأة # ................................. # قال: الأصل زوزاة وأصل هذا: زوزوة، فلما أبدل من الألف همزة ~~حركها بحركة الواو، إذا عرف هذا فكان ينبغي أن تبدل هذه الألف همزة ~~مفتوحة لأنها عن أصل متحرك وهو الهمزة المفتوحة فتعود إلى الأول وهذا لا ~~يقال. # الثاني: أنه سكن الفتحة تخفيفا والفتحة قد سكنت في مواضع تقدم التنبيه ~~عليها وشواهدها، ويحسنه هنا أن الهمزة تشبه حروف العلة، وحرف العلة ~~يستثقل عليه الحركة من حيث الجملة وإن كان لا تستثقل الفتحة لخفتها، ~~وأنشدوا على تسكين همزتها: # 4122- صريع خمر قام من وكأته # كقومة الشيخ إلى منسأته # وقد طعن قوم على القراءة ونسبوا راويها إلى الغلط قالوا: لأن قياس ~~تخفيفها إنما هو تسهيلها بين بين وبه قرأ ابن عامر وصاحباه ~~فظن الراوي ms7161 أنهم سكنوا وضعفها أيضا بعضهم بأنه يلزم سكون ما قبل تاء ~~التأنيث وما قبلها واجب الفتح إلا الألف. وأما قراءة الإبدال فقيل: هي ~~غير قياسية يعنون أنها ليست على قياس تخفيفها إلا أن هذا مردود بأنها لغة ~~الحجاز ثابتة فلا يلتفت لمن طعن، وقد قال أبو عمرو وكفى به: أنا لا ~~أهمزها لأني لا أعرف لها اشتقاقا، فإن كانت مما لا يهمز فقد احتطت وإن ~~كانت تهمز فقد يجوز لي ترك الهمز فيما يهمز، وهذا الذي ذكره أبو عمرو ~~أحسن ما يقال في هذا ونظائره. وقرىء منسأته بفتح الميم مع تحقيق ~~الهمز، وإبدالها ألفا وحذفها تخفيفا وقرىء منساءته بزنة منعالته ~~كقولهم: ميضأة وميضاءة. وكلها لغات، وقرأ ابن جبير من ساته فصل ~~" من " وجعلها حرف جر وجعل " ساته " مجرورة بها، والساة والسية ~~هنا العصا وأصلها يد القوس العليا والسفلى يقال: ساة القوس ~~مثل شاة وسئتها، فسميت العصا بذلك على وجه الاستعارة والمعنى ~~تأكل من طرف عصاه. ووجه بذلك - كما جاء في التفسير - أنه اتكأ على عصا ~~خضراء من خروب والعصا الخضراء متى اتكيء عليها تصير كالقوس في ~~الاعوجاج غالبا. و " سأة " فعلة وسئة فعلة نحو قحة وقحة ~~والمحذوف لامهما. وقال ابن جني: سمي العصا منسأة لأنها تسوء وهي فلة ~~والعين محذوفة. # قال شهاب الدين: وهذا يقتضي أن تكون القراءة بهمزة ساكنة والمنقول أن ~~هذه القراءة بألف صريحة ولأبي الفتح أن يقول أصلها الهمزة ولكن ~~أبدلت. # قوله: " دابة الأرض " فيه وجهان: # أظهرهما: أن الأرض هذه المعروفة والمراد بدابة الأرض الأرضة دويبة ~~تأكل الخشب. # والثاني: أن الأرض مصدر لقولك أرضت الدابة الخشبة تأرضها ~~أرضا أي أكلتها فكأنه قيل: دابة الأكل يقال: أرضت الدابة ~~الخشبة تأرضها أرضا فأرضت بالكسر تأرض هي بالفتح أيضا ~~وأكلت الفوازج الأسنان تأكلها أكلا فأكلت هي بالكسر ~~تأكل أكلا بالفتح. # ونحوه أيضا: جدعت أنفه جدعا فجدع هو جدعا بفتح عين ~~المصدر، وقرأ ابن عباس والعباس بن الفضل بفتح الراء وهي مقوية المصدرية ~~في القراءة المشهورة وقيل: الأرض بالفتح ليس مصدرا ms7162 بل هو جمع أرضة ~~وهذا يكون من باب إضافة العام إلى الخاص لأن الدابة أعم من الأرضة وغيرها ~~من الدواب. # قوله: " فلما خر " أي سقط الظاهر أن فاعله ضمير سليمان عليه ~~(الصلاة و) السلام، وقيل: عائد على الباب لأن الدابة أكلته فوقع وقيل: بل ~~أكلت عتبة الباب وهي الخارة وينبغي أن لا يصح؛ إذ كان يكون التركيب ~~خرت بتاء التأنيث و: أبقل إبقالها ضرورة، أو نادر تأويلها بمعنى ~~العود أندر منه. # قوله: " تبينت " العامة على نيابته للفاعل مسندا للجن وفيه ~~تأويلات. # أحدهما: أنه على حذف مضاف تقديره تبين أمر الجن أي ظهر ~~وبان، و " تبين " يأتي بمعنى " بان " لازما كقوله: # 4123- تبين لي أن القماءة ذلة # وأن أعزاء الرجال طيالها # فلما حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وكان مما يجوز تأنيث فعله ~~ألحقت علامة التأنيث (به). # وقوله: { أن لو كانوا } بتأويل المصدر مرفوعا بدلا من الجن ~~والمعنى ظهر كونهم لو علموا الغيب ما لبثوا في العذاب أي ظهر ~~جهلهم. # الثاني: أن تبين بمعنى بان وظهر أيضا والجن فاعل. ولا حاجة إلى حذف ~~مضاف و " أن لو كانوا " بدل كما تقدم والمعنى ظهر الجن جهلهم للناس ~~لأنهم كانوا يوهمون الناس بذلك كقولك: بان زيد جهله. # الثالث: أن تبين هنا متعد بمعنى أدرك وعلم وحينئذ يكون ~~المراد " بالجن " ضعفتهم وبالضمير في " كانوا " كبارهم ~~ومردتهم و " أن لو كانوا " مفعول به، وذلك أن المردة (و) ~~الرؤساء من الجن كانوا يوهمون ضعفاءهم أنهم يعلمون الغيب فلما خر ~~سليمان ميتا ومكثوا بعده عاما في العمل تبينت السفلة من الجن أن ~~المراد منهم لو كانوا يعلمون الغيب كما ادعوا ما مكثوا في العذاب، ومن ~~مجيء " تبين " متعديا بمعنى أدرك قوله: # 4124- أفاطم إني ميت فتبيني # ولا تجزعي كل الأنام يموت # وفي كتاب أبي جعفر ما يقتضي أن بعضم قرأ: " الجن " بالنصب. # وهي واضحة أي تبينت الإنس الجن، و " أن لو كانوا " بدل أيضا من " ~~الجن " ، قال البغوي: قرأ ابن مسعود وابن عباس تبينت الإنس أن لو كان ~~الجن ms7163 يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين أي علمت الإنس ~~وأيقنت ذلك. وقرأ ابن عباس ويعقوب تبينت الجن على البناء ~~للمفعول وهي مؤيدة لما نقله النحاس وفي الآية قراءات كثيرة ~~أضربت علها لمخالفتها الشواذ و " أن " في " أن لو " الظاهر أنها ~~مصدرية مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن و " لو " فاصلة بينها وبين ~~خبرها الفعلي. وتقدم تحقيق ذلك كقوله: # وألو استقاموا # [الجن:16] و # أن لو نشآء أصبناهم # [الأعراف: 100] وقال ابن عطية: وذهب سيبويه إلى أن " أن " لا موضع ~~لها من الإعراب إنما هي مؤذنة بجواب ما ينزل منزلة القسم من ~~الفعل الذي معناه التحقيق واليقين؛ لأن هذه الأفعال التي هي تحققت وتيقنت ~~وعلمت ونحوها تحل محل القسم فما لبثوا جواب القسم لا جواب " لو " ~~وعلى الأقولا الأول يكون جوابها. قال شهاب الدين: وظاهر هذا أنها زائدة ~~لأنهم نصوا على اطراد زيادتها قبل لو في حيز القسم. # وللناس خلاف هل الجواب للو أو للقسم. والذي يقتضيه القياس أن يجاب ~~أسبقهما كما في اجتماعه مع الشرط الصريح ما لم يتقدمهما ذو خبر كما ~~تقدم بيانه. # وتقدم الكلام والقراءات في سبأ في سورة النمل. # فصل # المعنى أن سليمان لما سقط ميتا تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون ~~الغيب ما لبثوا في العذاب المهين أي التعب والشقاء مسخرين لسليمان وهو ~~ميت يظنونه حيا أراد الله بذلك أن يعلم الجن أنهم لا يعلمون الغيب لأنهم ~~كانوا يظنون أنهم يعلمون الغيب لغلبة الجهل عليهم وذكر الزهري أن ~~معنى تبينت الجن أي ظهرت وانكشفت الجن للإنس أي ظهر لهم أمرهم ~~أنهم لا يعلمون الغيب لأنهم كانوا قد شبهوا على الإنس ذلك، ويؤيد هذا ~~قراءة ابن مسعود وابن عباس المتقدمة، وقوله: { ما لبثوا في العذاب ~~المهين } يدل على أن المؤمنين من الجن لم يكونوا في التسخير، لأن ~~المؤمن لا يكون في زمان النبي في العذاب المهين. # فصل # روي أن سليمان كان عمره ثلاثا وخمسين سنة ومدة ملكه أربعون سنة ~~وملك يوم ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة وابتدأ ms7164 في بناء بيت ~~المقدس لأربع سنين مضين من ملكه. ### || [34.15-19] # (قوله) تعالى: { لقد كان لسبإ في مسكنهم ءاية } قرأ ~~حمزة وحفص مسكنهم بفتح الكاف مفردا، والكسائي كذلك إلا أنه كسر ~~الكاف والباقون مساكنهم جمعا فأما الإفراد فلعدم اللبس لأن المراد ~~الجمع كقوله: # 4125- كلوا في بعض بطنكم تعفوا # ........................ # والفتح هو القياس لأن الفعل متى ضمت عين مضارعة أو فتحت جاء المفعل منه ~~زمانا أو مكانا أو مصدرا بالفتح والكسر مسموع على غير قياس، وقال أبو ~~الحسن: كسر الكاف لغة فاشية وهي لغة الناس اليوم والكسر لغة الحجاز وهي ~~قليلة وقال الفراء: هي لغة يمانية فصيحة. # و " مسكنهم " يحتمل أن يراد به المكان، وأن يراد به المصدر أي ~~السكنى، ورجح بعضهم الثاني، قال: لأن المصدر يشمل الكل، فليس فيه ~~وضع مفرد موضع جمع بخلاف الأول فإن فيه وضع المفرد موضع ~~الجمع، كما تقرر، لكن سيبويه يأباه إلا ضرورة كقوله: # 4126-.............. # قد عض أعناقهم جلد الجواميس # أي جلود، وأما الجمع فهو الظاهر لأن كل واحد مسكن، ورسم في المصاحف دون ~~ألف بعد الكاف فلذلك احتمل القراءات المذكورة. # فصل # لما بين حال الشاكرين لنعمه بذكر داود وسليمان وبين حال الكافرين ~~بأنعمه، بحكاية أهل " سبأ " وقرىء سبأ بالفتح على أنه اسم بقعة، ~~وبالجر مع التنوين على أنه اسم قبيلة، وهو الأظهر لأن الله جعل الآية ~~لسبأ والظاهر هو العاقل لا المكان فلا يحتاج إلى إضمار الأهل، وقوله " ~~آية " أي من فضل ربهم دلالة على وحدانيتنا وقدرتنا وكانت مساكنهم بمأرب ~~من اليمن واسم سبأ عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان وسمي (سبأ) ~~لأنه أول من سبأ من العرب. # قال السهيلي: ويقال: إنه أول من تبرج، وذكر بعضهم أنه كان مسلما ~~وكان له شعر يشير فيه بوجود رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال (يعني ~~سليمان عليه الصلاة والسلام): # 4127-سيملك بعدنا ملكا عظيما # نبي لا يرخص في الحرام # ويملك بعد منهم ملوك # يدينون العباد بغير دام # ويملك بعده منهم ملوك # يصير الملك فينا باقتسام # ويملك بعد ms7165 قحطان نبي # نفى جنته خير الأنام # يسمى أحمد يا ليت أني # أعمر بعد مبعثه بعام # فأعضده وأحبوه بنصري # بكل مدجج وبكل رامي # متى يظهر فكونوا ناصريه # ومن يلقاه يبلغه سلامي # روى ابن عباس قال # " سأل فروة بن مسيك الغطيفي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن سبأ ما هو؟ ~~أكان رجلا أو امرأة أو أرضا؟ قال: بل هو رجل من العرب ولد عشرة من ~~الولد فسكن اليمن منهم ستة وبالشام منهم أربعة فأما الذين تيامنوا فمذحج ~~وكندة والأزد والأشعريون وأنمار وحمير فقال رجل وما أنمار؟ قال: الذين ~~منهم خثعم وبجيلة، وأما الذين تشاموا فلخم وجذام وعاملة وغسان، ولما ~~هلكت أموالهم وخربت بلادهم تفرقوا في غور البلاد ونجدها أيدي سبا شذر ~~مذر " # فلذلك قيل لكل متفرقين بعد اجتماع: " تفرقوا أيادي سبا " ~~فنزلت طوائف منهم الحجاز فمنهم خزاعة نزلوا بظاهر مكة ومنهم الأوس ~~والخزرج نزلوا بيثرب فكانوا أول من سكنها ثم نزلت عندهم ثلاث قبائل من ~~اليهود بنو قينقاع وبنو قريظة والنضير فخالفوا الأوس والخزرج ~~وأقاموا عندهم ونزلت طوائف أخر منهم الشام وهم الذين تنصروا فيما بعد ~~وهم غسان وعاملة ولخم وجذام وتنوخ وتغلب وغيرهم، و " سبأ " يجمع هذه ~~القبائل كلها. والجمهور على أن جميع العرب ينقسمون إلى قسمين فحطانية ~~وعدنانية، فالقحطانية شعبان سبأ وحضرموت والعدنانية ~~شعبان ربيعة ومضر وأما قضاعة فمختلف فيها فبعضهم نسبها إلى ~~قحطان وبعضهم إلى عدنان، وقيل: إن قحطان أول من قيل له: أنعم ~~صباحا، وأبيت اللعن قال بعضهم: إن جميع العرب ينتسبون إلى ~~إسماعيل بن إبراهيم عليهما (الصلاة و) السلام وليس بصحيح فإن إسماعيل نشأ ~~بين جرهم بمكة وكانوا عربا. والصحيح أن العرب العاربة كانوا قبل إسماعيل ~~منهم عاد وثمود وطسم وجديس وأهم وجرهم والعماليق يقال: إن " أهم " كان ~~ملكا يقال إنه أول من سقف البيوت بالخشب المنشور وكانت الفرس تسميه ~~آدم الأصغر وبنوه قبيلة، يقال لها: وبار هلكوا بالرمل انثال عليهم ~~فأهلكهم وطم (مناهلهم) وفي ذلك يقول بعض الشعراء: # 4128- وكر دهر على وبار # فهلكت عنوة وبار # قوله: ms7166 " جنتان " فيه ثلاثة أوجه: # الرفع على البدل من " آية " وأبد مثنى من مفرد لأن هذا المفرد يصدق ~~على هذا المثنى وتقدم في قوله: # وجعلنا ابن مريم وأمه ءاية # [المؤمنون:50]. # الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر. وضعف ابن عطية الأول ولم يبينه. ولا يظهر ~~ضعفه بل قوته وكأنه توهم أنهما مختلفان إفرادا أو تثنية فلذلك ضعف البدل ~~عنده والله أعلم. # الثالث - وإليه نحا ابن عطية - أن يكون جنتان متبدأ وخبره " عن ~~يمين وشمال ". # ورده أبو حيان بأنه ابتداء بنكرة من غير مسوغ واعتذر عنه بأنه قد ~~يعتقد حذف صفة أي جنتان لهم أو جنتان عظيمتان فيصح ما ذهب إليه ~~وقرأ ابن أبي عبلة جنتين بالياء نصبا على خبر كان واسمها " آية ". # قإن قيل: اسم كان كالمبتدأ ولا مسوغ للابتداء به حتى يجعل اسم كان ~~والجواب أنه يخصص بالحال المتقدمة عليه وهي صفته في الأصل ألا ترى أنه لو ~~تأخر " لسبأ " لكان صفة " لآية " في هذه القراءة. # قوله: " عن يمين " إما صفة لجنتان أو خبر مبتدأ مضمر أي هما عن ~~يمين. قال المفسرون أي عن يمين الوادي وشماله. # وقيل: عن يمين من أتاها وشماله وكان لهم واد قد أحاط الجنتان بذلك ~~الوادي. # قال الزمخشري: أية آية في جنتين مع أن بعض بلاد العراق فيها ألف من ~~الجنان؟ وأجاب بأن المراد لكل واحد جنتين أو عن يمين أيديهم وشمالهم ~~جماعات من الجنان ولإيصال بعضها ببعض جعلها جنة واحدة. # قوله: " كلوا " على إضمار القول أي قال الله أو الملك كلوا ~~من رزق ربكم. # وهذه إشارة إلى تكميل النعمة عليهم واشكروا له على ما رزقكم من النعمة ~~فإن الشكر لا يطلب إلا على النعمة المعتبرة أي اعملوا له بطاعته. قوله " ~~بلدة " أي بلدتكم بلدة (طيبة) وربكم " رب غفور " ~~والمعنى أن أرض سبأ بلدة طيبة ليست مسبخة. # قال ابن زيد: لم ير في بلدتهم بعوضة ولا ذباب ولا برغوث ولا ~~حية ولا عقرب ولا وباء ولا وخم وكان الرجل يمر ببلدهم وفي ثيابه ~~القمل فيموت القمل كلها ms7167 من طيب الهواء، فذلك قوله: " بلدة طيبة ~~" أي طيبة الهواء " ورب غفور " قال مقاتل: وربكم إن شكرتم فيما ~~رزقكم رب غفور للذنوب. وقيل ورب غفور أي لا عقاب عليه ولا عذاب في الآخرة ~~وقرأ رويس بنصب " بلدة، ورب " على المدح أو اسكنوا أو اعبدوا. وجعله ~~أبو البقاء مفعولا به والعامل فيه " اشكروا " وفيه نظر؛ إذ يصير ~~التقدير اشكروا لربكم ربا غفورا، ثم إنه تعالى لما بين ما كان من ~~جانبه ذكر ما كان من جانبهم فقال: " فأعرضوا " من كمال ظلمهم، ~~الإعراض بعد إبانة الآية كقوله: # ومن أظلم ممن ذكر بآيت ربه ثم أعرض ~~عنهآ # [السجدة:22] قال وهب: أرسل الله إلى سبأ ثلاثة عشر نبيا فدعوهم ~~إلى الله وذكروهم نعم الله عليهم وأنذروهم عقابه فكذبوهم وقالوا ما نعرف ~~لله عز وجل علينا نعمة، فقولوا لربكم فليحبس هذه النعمة عنا إن استطاع ~~فذلك قوله عز وجل: فأعرضوا، ثم ذكر كيفية الانتقام منهم كما قال ~~تعالى: # إنا من المجرمين منتقمون # [السجدة:22] وكيفيته أنه تعالى أرسل عليهم سيلا غرق أموالهم وخرب ~~دورهم. # قوله: { سيل العرم } العرم فيه أوجه: # أحدهما: أنه من باب إضافة الموصوف لصفته في الأصل إذ الأصل: السيل ~~العرم، والعرم الشديد وأصله من العرامة، وهي الشراسة ~~والصعوبة وعرم فلان فهو عارم وعرم وعرام الجيش منه. # الثاني: أنه من حذف الموصوف وإقامة صفته مقامه تقديره فأرسلنا عليهم ~~سيل المطر العرم أي الشديد الكثير. # الثالث: أن العرم اسم للبناء الذي يجعل سدا وأنشد (قول الشاعر): # 4129- من سبأ الحاضرين مأرب إذ # يبنون من دون سيله العرما # أي البناء القوي. قال البغوي: العرم والعرم جمع عرمة وهي السد ~~الذي يحبس الماء. # الرابع: أن العرم اسم للوادي الذي كان فيه الماء نفسه. # وقال ابن الأعرابي: العرم السيل الذي لا يطاق وقيل: كان ماء أحمر أرسله ~~الله عليهم من حيث شاء. # الخامس: أنه اسم للجرذ وهو الفأر. وقيل: هو الخلد وإنما أضيف إليه؛ ~~لأنه تسبب عنه إذ يروى في التفسير أنه قرض السد إلى أن انفتح عليهم ~~فغرقوا ms7168 به. وعلى هذه الأقوال الثلاثة تكون الإضافة إضافة صحيحة معرفة ~~نحو: غلام زيد، أي سيل البناء أو سيل الوادي الفلاني أو سيل ~~الجرذ. وهؤلاء هم الذين ضربت العرب بهم المثل للفرقة فقالوا " ~~تفرقوا أيدي سبا ". وقد تقدم. # فصل # قال ابن عباس ووهب وغيرهما: كان ذلك السد بنته بلقيس وذلك أنهم ~~كانوا يقتتلون على ماء واديهم، فأمرت بواديهم فسد بالعرم وهو المسناة ~~بلغة حمير فسكت ما بين الجبلين بالصخور وجعلت له أبوابا ثلاثة بعضها فوق ~~بعض وبنت من دونه بركة ضخمة وجعلت فيها اثني عشر مخرجا ~~على عدة أنهار هم يفتحونها إذا احتاجوا إلى الماء وإذا استغنوا سدوها ~~فإذا جاء المطر اجتمع إليه ماء أودية اليمن فاحتبس السيل من وراء ~~السد فأمرت بالباب الأعلى يفتح فجرى ماؤه في البركة فكانوا يسقون من ~~بالباب الأعلى (ثم) من الثاني ثم من الثالث الأسفل فلا ينفذ الماء حتى ~~يثوب الماء من السنة المقبلة فكانت تقتسمه بينهم على ذلك فبقوا ~~على ذلك بعدها مدة فلما طغوا وكفروا سلط الله عليهم جرذا ~~يسمى الخلد فنقب السد من أسفله فغرق الماء جنانهم وخرب أرضهم. # قوله: " بجنتيهم جنتين " قد تقدم في البقرة أن المجرور ~~بالباء هو الخارج، والمنصوب هو الداخل؛ ولهذا غلط من قال من الفقهاء: ~~فلو أبدل ضادا بظاء بطلت صلاته بل الصواب أن يقول: ظاء بضاد. # قوله: " أكل خمط " قرأ أبو عمرو بإضافة " أكل " إلى " خمط " ~~والباقون بتنوينه غير مضاف، وقد تقدم في البقرة أن ابن عامر، وأبا ~~عمرو والكوفيين يضمون كاف " أكل " غير المضاف لضمير المؤنثة وأن ~~نافعا وابن كثير يسكنونها بتفصيل هناك تقدم تحريره فيكون القراء هنا ~~على ثلاث مراتب، الأولى لأبي عمرو أكل خمط بضم كاف أكل مضافا " لخمط ~~". # الثانية: لنافع وابن كثير بتسكين كافة وتنوينه. # الثالثة: للباقين ضم كافة وتنوينه فمن أضاف جعل الأكل بمعنى الجنى ~~والثمر. # والخمط قيل: شجر الأراك وثمره يقال له: البرير. (و) هذا قول أكثر ~~المفسرين وقيل: كل شجر ذي شوك وقال المبرد والزجاج: كل نبت أخذ طعما ms7169 من ~~مرارة حتى لا يمكن أكله فهو خمط. وقال ابن الأعرابي: الخمط ثمرة ~~شجرة يقال لها: فسوة الضبغ على صورة الخشخاش لا ينتفع به. قال ~~البغوي: من جعل الخمط اسما للمأكول فالتنوين في " أكل " حسن ومن جعله ~~أصلا وجعل " الأكل " ثمرة فالإضافة فيه ظاهرة والتنوين سائغ تقول ~~العرب في بستان فلان أعناب كرم وأعناب كرم يترجم الأعناب ~~بالكرم لأنها منه. # قوله: { وأثل وشيء من سدر } معطوفان على " أكل " لا على " ~~خمط " لأن الخمط لا أكل له، وقال مكي: لما لم يجز أن يكون الخمط ~~نعتا للأكل؛ لأن الخمط اسم شجر بعينه ولا بدلا؛ لأنه ليس الأول ولا ~~بعضه وكان الجنى والثمر من الشجر أضيف على تقدير " من " كقولك: " هذا ~~ثوب خز ". ومن نون فيحتمل أوجها: # الأول: أنه جعل " خمطا " وما بعده إما صفة " لأكل " قال الزمخشري: أو ~~وصف الأكل بالخمط كأنه قيل: ذواتى أكل بشيع. قال أبو حيان: ~~والوصف بالأسماء لا يطرد وإن كان قد جاء منه شيء نحو قولهم: " ~~مررت بقاع عرفج كله ". # الثاني: البدل من " أكل " قال أبو البقاء: وجعل خمطا أكلا ~~لمجاورته إياه، وكونه سببا له إلا أن الفارسي رد كونه بدلا قال: ~~لأن الخمط ليس بالأكل نفسه، وقد تقدم جواب أبي البقاء، وقد أجاب ~~بعضهم عنه وهو منتزع من كلام الزمخشري أي أنه على حذف مضاف تقديره ذواتي ~~أكل خمط قال: والمحذوف هو الأول في الحقيقة. # الثالث: أنه عطف بيان وجعله أبو علي أحسن ما في الباب، قال: كأنه بين ~~أن الأكل هذه الشجرة، إلا أن عطف البيان لا يجيزه البصريون في ~~النكرات إنما يخصونه بالمعارف، والأثل هو الطرفاء. وقيل: ~~شجر يشبه الطرفاء وقيل: نوع من الطرفاء ولا يكون على ثمرة إلا في بعض ~~الأوقات يكون عليه شيء كالعفص أصغر منه في طعمه وطبعه، والسدر شجر ~~معروف وهو شجر النبق ينتفع بورقه لغسل اليد ويغرس في ~~البساتين ولم يكن هذا من ذلك بل كان سدرا بريا لا ينتفع به ولا ~~يصلح ورقه لشيء، وقال بعضهم: السدر ms7170 سدران سدر له ثمرة ~~عفصة لا يؤكل ولا ينتفع بورقه في الاغتسال وهو الضال وسدر له ثمرة ~~يؤكل وهو النبق (و) يغتسل بورقه. والمراد بالآية الأول. وقال قتادة: ~~كان شجرهم خير الشجر فصيره الله من شر الشجر بأعمالهم. # قوله: " قليل " نعت ل " سدر ". وقيل: نعت " لأكل " وقال أبو ~~البقاء: ويجوز أن يكون نعتا " لخمط " و " أثل " و " سدر " وقرىء " ~~وأثلا وشيئا " بنصبهما عطفا على " جنتين " ثم بين (الله) ~~تعالى أن ذلك (كان) مجازاة لهم على كفرانهم فقال: { جزيناهم بما ~~كفروا وهل نجازي } بذلك الجزاء " إلا الكفور ". # قوله: { وهل نجازي } قرأ الأخوان وحفص نجازي بنون العظمة ~~وكسر الزاي لقوله: " جزيناهم " أي (نحن) ( وهل نجازي هذا ~~الجزاء) إلا الكفور مفعول به والباقون بضم الياء وفتح الزاي مبنيا ~~للمفعول إلا الكفور رفع على ما لم يسم فاعله ومسلم بن جندب " يجزى ~~" للمفعول إلا الكفور رفعا على ما تقدم وقرىء " يجزي " مبنيا ~~للفاعل وهو الله تعالى " الكفور " نصبا على المفعول به. # فصل # قال مجاهد: يجازي أي يعاقب ويقال في العقوبة وفي التوبة يجزى. قال ~~الفراء: المؤمن يجزى ولا يجازى أي يجزى الثواب بعمله ولا يكأفأ ~~بسيئاته. وقال بعضهم: المجازاة يقال في النعمة والجزاء في النقمة لكن ~~قوله تعالى: { ذلك جزيناهم بما كفروا } يدل على أن " ~~يجزي " في النقمة ولعل من قال ذلك أخذه من المجازاة مفاعلة وهي في ~~أكثر الأمر يكون ما بين اثنين يؤخذ من كل واحد جزاء في حق الآخر وفي ~~النعمة لا تكون مجازاة لأن الله مبتدىء بالنعم. # قوله: { وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا ~~فيها } بالماء والشجر وهي قرى الشام " قرى ظاهرة " متواصلة أي ~~يظهر بعضها لبعضها يرى سواد القرية من القرية الأخرى لقربها منها فكان ~~شجرهم من اليمن إلى الشام فكانوا يبيتون بقرية ويقيلون بأخرى ~~وكانوا لا يحتاجون إلى حمل زاد من سبأ إلى الشام. # فإن قيل: هذا من النعم والله تعالى أراد بيان تبديل نعمهم بقوله: { ~~وبدلناهم بجنتيهم جنتين } فكيف عاد مرة أخرى إلى بيان ~~النعمة بعد النعمة؟ ms7171 # فالجواب: أنه ذكر حال نفس بلدهم وبين تبديل ذلك بالخمط والأثل ثم ذكر ~~حال خارج بلدهم وذكر عمراتها بكثرة القرى ثم ذكر تبديله ذلك ~~بالمفاوز والبراري والبوادي بقوله: { باعد بين ~~أسفارنا } ، وقد فعل ذلك ويدل عليه قراءة من قرأ ربنا بعد ~~بين أسفارنا على المبتدأ والخبر. # قوله: { وقدرنا فيها السير } أي قدرنا سيرهم من هذه القرى ~~وكان سيرهم في الغدو والرواح على قدر نصف يوم فإذا ساروا نصف يوم ~~وصلوا إلى قرية ذات مياه وأشجار قال قتادة: كانت المرأة تخرج ومعها ~~مغزلها وعلى رأسها مكتلها فتمتهن بمغزلها فلا تأتي بيتها حتى ~~يمتلىء مكتلها من الثمار وكان ما بين اليمن إلى الشام كذلك. # قوله: " سيروا " أي وقلنا لهم سيروا، وقيل: هو أمر بمعنى الخبر أي ~~مكناهم من السير فكانوا يسيرون فيها ليالي وأياما أي بالليالي ~~والأيام أي وقت شئتم " آمنين " لا تخافون عدوا ولا جوعا ولا ~~عطشا. # وقيل: معنى قوله تعالى: { ليالي وأياما } أنكم تسيرون فيه إن ~~شئتم ليالي وإن شئتم أياما لعدم الخوف بخلاف المواضع المخوفة فإن ~~بعضها يسلك ليلا لئلا يعلم العدو بسيرهم وبعضها يسلك نهارا لئلا ~~يقصدهم العدو إذا كان العدو غير مجاهر بالقصد والعداوة فبطروا وطغوا ~~ولم يصبروا على العاقبة وقالوا: لو كان جنى جناتنا أبعد مما هي ~~كان أجدر أن نشتهيه فقالوا: ربنا بعد بين أسفارنا فاجعل بيننا ~~وبين الشام فلوات ومفاوز لنركب فيها الرواحل ونتزود فيها ~~الأزواد. # وقال مجاهد: بطروا النعمة وسئموا الراحة كما طلبت اليهود الثوم ~~والبصل. ويحتمل أن يكون ذلك لفساد اعتقادهم وشدة اعتمادهم على أن ذلك لا ~~يعدم كما يقول القائل لغيره: اضربني إشارة إلى أنه لا يقدر عليه، ~~ويحتمل أن يكون قولهم: " ربنا باعد " بلسان الحال أي لما كفروا ~~فقد طلبوا أن يبعد بين أسفارهم وتخريب المعمور من ديارهم، وقوله: " ~~ظلموا " يكون بيانا لذلك. # قوله: " ربنا " العامة بالنصب على النداء. وابن كثير وأبو عمرو ~~وهشام " بعد " بتشديد العين فعل طلب والباقون باعد طلب أيضا من ~~المفاعلة بمعنى الثلاثي. وقرأ ابن الحنفية ms7172 وسفيان بن حسين ~~وابن السميفع بعد بضم العين فعلا ماضيا والفاعل المسير أي بعد ~~المسير، و " بين " ظرف وسعيد بن أبي الحسن كذلك إلا أنه ضمن نون ~~بين جعله فاعل " بعد " فأخرجه عن الظرفية، كقراءة { تقطع ~~بينكم } [الأنعام: 94] رفعا. فالمعنى على القراءة المتضمنة للطلب ~~أنهم أشروا وبطروا فلذلك طلبوا بعد الأسفار، وعلى القراءة ~~المتضمنة للخبر الماضي يكون شكوى من بعد الأسفار التي طلبوها أولا وقرأ ~~جماعة كبيرة منهم ابن عباس وابن الحنفية ويعقوب (وعمرو) بن فايد: " ~~ربنا " رفعا على الابتداء بعد بتشديد العين فعلا ماضيا خبره، ~~وأبو رجاء والحسن ويعقوب كذلك إلا أنه " باعد " بالألف والمعنى على ~~هذه القراءة شكوى بعد أسفارهم على قربها ودنوها تعنتا منهم ~~وقرىء: " بوعد " مبنيا للمفعول. وإذا نصبت " بين " بعد فعل متعد من ~~هذه المادة في إحدى هذه القراءات سواء أكان أمرا أم ماضيا فجعله أبو ~~حيان منصوبا على المفعول به لا ظرفا قال: " ألا ترى إلى قراءة من رفع ~~كيف جعله اسما "؟ قال شهاب الدين: إقراره على ظرفيته أولى ويكون المفعول ~~محذوفا تقديره بعد المسير بين أسفارنا. ويدل على ذلك قراءة بعد بضم ~~العين بين بالنصب فكما يضمر هنا الفاعل وهو ضمير السير كذلك يبقى ~~هنا " بين " على بابها وينوى السير وكان هذا أولى؛ لأن حذف المفعول ~~كثير جدا لا نزاع فيه وإخراج الظرف غير المتصرف عن ظرفيته فيه نزاع ~~كثير. وتقدم تحقيق هذا والاعتذار عن رفع " بينكم " في الأنعام ~~وقرأ العامة أسفارنا جمعا. وابن يعمر " سفرنا " مفردا. # قوله: " فجعلناهم أحاديث " عبرة لمن بعدهم يتحدثون بأمرهم ~~وشأنهم { ومزقناهم كل ممزق } وفرقناهم في كل وجه من البلاد ~~كل التفريق. وهذا بيان لجعلهم أحاديث. قال الشعبي: لما غرقت قراهم ~~تفرقوا في البلاد أما غسان فلحقوا بالشام ومر الأزد على عمان وخزاعة ~~إلى تهامة وموالي جذيمة إلى العراق والأوس والخزرج إلى يثرب وكان الذي ~~قدم منهم المدينة عمرو بن عامر وهو جد الأوس والخزرج. # قوله: { إن في ذلك لآيات } أي فيما ذكرنا من حال الشاكرين ووبال ~~الكافرين ms7173 لعبر ودلالات " لكل صبار " عن معاصي الله " ~~شكور " لنعمة الله قال مقاتل: يعني المؤمن في هذه الآية صبور على ~~البلاد شكور للنعماء قال مطرف: هو المؤمن إذا أعطي شكر، وإذا ~~ابتلي صبر. ### || [34.20-23] # قوله: { ولقد صدق عليهم إبليس ظنه } قرأ الكوفيون ~~صدق بتشديد الدال والباقون بتخفيفها، فأما الأولى " فظنه " مفعول ~~به والمعنى أن طن إبليس ذهب إلى شيء فوافق فصدق هو ظنه على المجاز ~~والاتساع ومثله: كذبت ظني ونفسي وصدقتهما وصدقاني ~~وكذباني وهو مجاز شائع سائغ أي ظن شيئا فوقع وأصله من قوله: # ولأضلنهم # [النساء:119] وقوله: # فبعزتك لأغوينهم أجمعين # [ص:82] # ولا تجد أكثرهم شاكرين # [الأعراف:17] فصدق ظنه وحققه بفعله ذلك بهم واتباعهم إياه. وأما ~~الثانية: فانصب " ظنه " على ما تقدم من المفعول به كقولهم " أصبت ~~ظني، وأخطأت ظني " أو على المصدر بفعل مقدر أي " يظن ~~ظنه " أو على إسقاط (الخافض أي) في ظنه، وزيد بن علي ~~والزهري بنصب " إبليس " ورفع " ظنه " كقول الشاعر: # 4130- فإن يك ظني صادقا فهو صادق # .......................... # جعل " ظنه " صادقا فيما ظنه مجازا واتساعا، وروي عن أبي عمرو برفعهما ~~وهي واضحة جعل " ظنه " بدل اشتمال من إبليس والظاهر أن الضمير في " عليهم ~~" عائد على أهل سبأ و " إلا فريقا " استثناء من فاعل " ~~اتبعوه " " ومن المؤمنين " صفة " فريقا " و " من " ~~للبيان لا للتبعيض لئلا يفسد المعنى؛ إذا يلزم أن يكون بعض من آمن ~~اتبع إبليس. # فصل # قال المفسرون: صدق عليهم أي على أهل سبأ. وقال مجاهد: على الناس كلهم ~~إلا من أطاع الله فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين. قال السدي عن ابن ~~عباس يعني المؤمنين كلهم لأن المؤمنين لم يتبعوه في أصل الدين وقد قال ~~تعالى: # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان # [الحجر:42] يعني المؤمنين وقيل: هو خاص في المؤمنين الذين يطيعون الله ~~ولا يعصونه. وقال ابن قتيبة: إن إبليس سأل النظرة فأنظره الله ~~قال: لأغوينهم ولأضلنهم لم يكن مستيقنا وقت هذه المقالة أن ~~ما قاله فيهم يتم وإنما قال ظنا فلما اتبعوه وأطاعوه صدق عليهم ما ظنه ~~فيهم. ms7174 # قوله: { وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم ~~} هذا استثناء مفرغ من العلل العامة تقديره: وما كان له عليهم (من سلطان) ~~استيلاء لشيء من الأشياء إلا لهذا وهو تمييز المحق من الشاك. # قوله: " منها " متعلق بمحذوف على معنى البيان أي أعني منها ~~وبسببها وقيل: " من " بمعنى " في " وقيل: هو حال من " شك " وقوله: ~~" من يؤمن " يجوز في " من " وجهان: # أحدهما: أنها استفهامية فتسد مسد مفعولي العلم كذا ذكر أبو البقاء. ~~وليس بظاهر؛ لأن المعنى إلا لنميز ويظهر للناس من يؤمن ممن لا يؤمن ~~فعثر عن مقابله بقوله { ممن هو منها في شك } لأنه من نتائجه ~~ولوازمه. # والثاني: أنها موصولة وهذا هو الظاهر على ما تقدم تفسيره. # فصل # قال ابن الخطيب: إن علم الله من الأزل إلى الأبد محيط بكل معلوم وعلمه ~~لا يتغير وهو في كونه عالما لا يتغير ولكن يتغير تعلق علمه فإن العلم ~~صفة كاشفة يظهر فيها كل ما في نفس الأمر فعلم الله في الأزل أن العالم ~~سيوجد فإذا وجد علمه موجودا بذلك العلم وإذا عدم علمه معدوما كذلك ~~المرآة المصقولة الصافية يظهر فيها صورة زيد إن قابلها ثم إذا قابلها ~~عمرو يظهر فيها صورة والمرآة لم تتغير في ذاتها ولا تبدلت في صفاتها ~~وإنما التغيير في الخارجات فكذلك ههنا. # قوله: { إلا لنعلم } أي ليقع في العلم صدور الكفر من الكافر، ~~والإيمان من المؤمن وكان علمه فيه أن سيكفر زيد ويؤمن عمرو ~~قال البغوي: المعنى إلا ليميز المؤمن من الكافر وأراد علم الوقوع والظهور ~~وقد كان معلوما عنده بالغيب. وقوله: { وربك على كل شيء ~~حفيظ } محقق، ذلك أن الله تعالى قادر على منع إبليس منهم عالم بما ~~يقع فالحفظ يدخل في مفهومه العلم والقدرة إذ الجاهل بالشيء لا يمكنه حفظه ~~ولا الجاهل. # قوله: { قل ادعوا الذين زعمتم } مفعول " زعمتم " الأول ~~محذوف هو عائد الموصول، والثاني أيضا محذوف قامت صفته مقامه أي ~~زعمتموهم شركاء من دون الله ولا جائز أن يكون: " من دون ~~الله " هو المفعول الثاني؛ ms7175 إذ لا ينعقد منه مع ما قبله كلام لو قلت: ~~هم من دون الله أي من غير نية موصوف لم يجز ولولا قيام الوصف مقامه ~~أيضا لم يحذف لأن حذفه اختصارا قليل على أن بعضهم منعه. # فصل # لما بين الله تعالى حال الشاكرين وحال الكافرين وذكرهم بما مضى عاد إلى ~~خطابهم فقال لرسوله عليه (الصلاة و) السلام: قل للمشركين { ادعوا ~~الذين زعمتم من دون الله }. وفي الكلام حذف أي ادعوهم ~~ليكشفوا الضر الذي نزل لكم في سنين الجوع ثم وصفها فقال: { لا ~~يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض } ~~من خير وشر ونفع وضر " وما لهم " أي الآلهة فيهما أي السموات والأرض ~~" من شرك " أي شركة " وما له " أي وما لله " منهم من ~~ظهير " غون. # قوله: { ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ~~} اللام في " لمن " فيها أوجه: # أحدهما: أن اللام متعلقة بنفس الشفاعة قال أبو البقاء: وفيه نظر وهو أنه ~~يلزم أحد أمرين إما زيادة اللام في المفعول في غير موضعها وإما حذف مفعول ~~" تنفع " وكلاهما خلاف الأصل. # الثاني: أنه استثناء مفرغ من مفعول الشفاعة المقدر أي لا تنفع الشفاعة ~~لأحد إلا لمن أذن له ثم المستثنى منه المقدر يجوز أن يكون هو ~~المشفوع له وهو الظاهر والشافع ليس مذكورا إنما دل عليه الفحوى ~~والتقدير: # لا تنفع الشفاعة لأحد من المشفوع لهم إلا لمن أذن له ~~تعالى للشافعين أن يشفعوا فيه ويجوز أن يكون هو الشافع والمشفوع له ليس ~~مذكورا تقديره لا تنفع الشفاعة إلا لشافع أذن له أن يشفع وعلى هذا ~~فاللام في " له " لام التبليغ لا لام العلة. # الثالث: أنه استثناء مفرغ أيضا لكن من الأحوال العامة تقديره لا تنفع ~~الشفاعة إلا كائنة لمن أذن له. وقدره الزمخشري فقال: تقول الشفاعة لزيد ~~على معنى الشافع كما تقول: الكرم لزيد على معنى أنه المشفوع له كما تقول: ~~القيام لزيد فاحتمل قوله: { ولا تنفع الشفاعة عنده إلا ~~لمن أذن له } أن يكون على أحد هذين الوجهين أي ms7176 لا تنفع ~~الشفاعة إلا كائنة لمن أذن له من الشافعين ومطلقة له أو لا تنفع ~~الشفاعة إلا كائنة لمن أذن له أي لشفيعه أو هي اللام الثانية في ~~قولك: " أذن زيد لعمرو " أي لأجله فكأنه قيل: إلا لمن وقع الإذن ~~للشفيع لأجله وهذا وجه لطيف وهو الوجه. انتهى فقوله: " الكرم لزيد " ~~يعني أنها ليست لام العلة بل لام الاختصاص. وقوله: القيام لزيد يعني ~~أنها لام العلة كما هي في: " القيام لزيد " وقوله: " أذن زيد ~~لعمرو " أن الأولى للتبليغ والثانية لام العلة، وقرأ الأخوان وأبو ~~عمرو " أذن " مبنيا للمفعول والقائم مقام الفاعل الجار والمجرور ~~والباقون مبنيا للفاعل أي أذن الله وهو المراد في القراءة الأخرى وقد ~~صرح به في قوله: # إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشآء # [النجم:26] و # إلا من أذن له الرحمن # [طه: 109، النبأ:38]. # فصل # معنى الآية إلا لمن أذن الله له في الشفاعة قاله تكذيبا لهم ~~حيث قالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله ويجوز أن يكون المعنى إلا لمن أذن ~~الله في أن يشفع له. # قوله: " حتى إذا " هذه غاية لا بد لها من مغيا وفيه أوجه: # أحدهما: أن قوله: " فاتبعوه " على أن يكون الضمير في " عليهم " ~~من قوله: " صدق عليهم " وفي " قلوبهم " عائدا على جميع الكفار ~~ويكون التفريغ حالة مفارقة الحياة أو يجعل اتباعهم إياه مفارقة إلى يوم ~~القيامة مجازا. والجملة من قوله { قل ادعوا الذين زعمتم } ~~معترضة بين الغاية والمغيا. ذكره أبو حيان. وهو حسن. # والثاني: أنه محذوف قاله ابن عطية كأنه قيل: ولا هم شفاء كما تحبون ~~أنتم بل هم عبدة أو مسلمون أي منقادون { حتى إذا فرع عن ~~قلوبهم } انتهى وجعل الضمير في " قلوبهم " عائدا على الملائكة ~~وقدر ذلك وضعف قول من جعله عائدا على الكفار أو على جميع العالم. # وقوله: " قالوا ماذا " هو جواب " إذا " ، وقوله: " قالوا الحق ~~" جواب لقوله: { ماذا قال ربكم } و " الحق " منصوب بقال ~~مضمرة أي قالوا: قال ربنا الحق أي القول الحق، إلا ~~أن أبا حيان رد هذا فقال: ms7177 وما قدره ابن عطية لا يصح لأن ما بعد ~~الغاية مخالف لما قبلها (و) هم منقادون عنده دائما لا ينفكون عن ذلك لا ~~إذا فرع عن قلوبهم ولا إذا لم يفرع. # الثالث: أنه " زعمتم " أي زعمتم الكفر في غاية التفريغ ثم تركتم ما ~~زعمتم وقلتم: قال الحق وعلى هذا يكون في الكلام التفات من خطاب في قوله: ~~" زعمتم " إلى الغيبة في قوله: " قلوبهم ". # الرابع: أنه ما فهم من سياق الكلام، قال الزمخشري: فإن قلت: بأي شيء ~~اتصل قوله: { حتى إذا فزع }؟ ولأي شيء وقعت " حتى " ~~غاية؟ قلت: بما فهم من هذا الكلام من أن ثم انتظارا للأذن وتوقفا ~~وتمهلا وفزعا من الراجين الشفاعة والشفعاء هل يؤذن لهم أو لايؤذن؟ وأنه ~~لا يطلق الإذن إلا بعد ملي من الزمان وطول من التربص ودل على هذه ~~الحالة قوله - عز من قائل - # رب السماوات والأرض # [النبأ:37] إلى قوله: # إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا # [النبأ:38] فكأنه قيل: يتربصون ويتوقفون مليا فزعين وجلين حتى إذا ~~فزع عن قلوبهم أي كشف الفزع عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بكلمة ~~يتكلم بها رب العزة في إطلاق الإذن تباشروا بذلك وقال بعضهم لبعض: ~~ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى وقرأ ابن ~~عامر فزع مبنيا للفاعل. فإن كان الضمير في " قلوبهم " للملائكة ~~فالفاعل في " فزع " ضمير اسم الله تعالى لتقدم ذكره وإن كان للكفار ~~فالفاعل ضمير مغويهم. كذا قال أبو حيان. والظاهر أنه يعود على الله ~~مطلقا وقرأ الباقون مبنيا للمفعول والقائم مقام الفاعل الجار بعده، ~~وفعل بالتشديد معناه السلب هنا نحوه " قردت البعير " أي أزلت ~~قراده كذا هنا أي أزال الفزع عنها أي كشف الفزع وأخرجه عن ~~قلوبهم فالتفزيع لإزالة الفزع كالتمريض والتقريد. # وقرأ الحسن فزع مبنيا للمفعول مخففا كقولك " ذهب بزيد " ~~، والحسن أيضا قتادة ومجاهد فرغ مشددا مبنيا للفاعل من الفراغ ~~وعن الحسن أيضا تخفيف الراء، وعنه أيضا وعم ابن عمر وقتادة مبنيا ~~للمفعول والفراغ الفناء والمعنى حتى إذا أفنى الله الرجل ms7178 انتفى بنفسه ~~أو نفى الوجل والخوف عن قلوبهم فلما بني للمفعول قام الجار مقامه وقرأ ~~ابن مسعود وابن عمر افرنقع من الافرنقاع وهو التفرق قال الزمخشري: ~~والكلمة مركبة من حروف المفارقة مع زيادة العين كما ركب " اقمطر " من ~~حروف القمط مع زيادة الراء، قال أبو حيان: فإن عنى أن العين من حروف ~~الزيادة (وكذا الراء وهو ظاهر كلامه فليس بصحيح لأن العين والراء ليسا من ~~حروف الزيادة) وإن عنى أن الكلمة فيها حروف ما ذكر وزاد إلى ذلك العين ~~والراء والمادة " فرقع وقمطر " فهو صحيح انتهى، وهذه قراءة ~~مخالفة للشواذ ومع ذلك هي لفظة غريبة ثقيلة اللفظ نص أهل البيان عليها ~~ومثلوا بها وحكي عن عيسى بن عمر أنه غشي عليه ذات يوم فاجتمع عليه ~~النظارة فلما أفاق قال: " ما لي أراكم تكأكأتم علي تكأكؤكم ~~على ذي جنة افرنقعوا عني " أي اجتمعتم علي اجتماعكم على ~~المجنون تفرقوا عني فعابها الناس عليه حيث استعمل مثل هذه الألفاظ ~~الثقيلة المستغربة، وقرأ ابن أبي عبلة بالرفع الحق على أنه خبر مبتدأ ~~مضمر أي قالوا: قوله الحق. # فصل # اختلفوا في الموصوفين بهذه الصفة فقيل: هم الملائكة، ثم اختلفوا في ذلك ~~السبب فقال بعضهم إنما يفزع عن قلوبهم من غشية تصيبهم عند سماع كلام ~~الله - عز وجل - لما روى أبو هريرة أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال # " إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة ~~بأجنحتها خضعانا " # لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ~~ربكم؟ قالوا الحق هو العلي الكبير. وقال - عليه (الصلاة و) السلام -: # " إذا أراد الله أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي ~~أخذت السموات منه رجفة أو قال رعدة شديدة خوفا من ~~الله تعالى فإذا سمع بذلك أهل السموات ضعفوا ~~وخروا لله سجدا فيكون أول من يرفع رأسه جبريل ~~فيكلمه من وحيه بما أراد ثم يمر جبريل على ~~الملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها ماذا ~~قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل الحق وهو العلي الكبير ~~قال: فيقولون ms7179 كلهم مثل ما قال جبريل. فينتهي ~~جبريل بالوحي حيث أمره الله " # وقيل: إنما يفزعون حذرا من قيام الساعة. قال مقاتل والسدي: كانت الفترة ~~بين عيسى ومحمد - عليهما (الصلاة و) السلام - خمسمائة سنة. وقيل: سمتائة ~~سنة لم تسمع الملائكة فيها وحيا فلما بعث الله محمدا - صلى الله عليه ~~وسلم - كلم جبريل - عليه (الصلاة و) السلام - بالرسالة إلى محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - فلما سمعت الملائكة ظنوا أنها الساعة لأن محمدا - عليه ~~(الصلاة و) السلام - عند أهل السموات من أشراط الساعة فصعقوا مما سمعوا ~~خوفا من قيام الساعة فلما انحدر جبريل جعل يمر بأهل كل سماء ~~فيكشف عنهم فيرفعون رؤوسهم ويقول بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم؟ قالوا ~~الحق وهو العلي الكبير وقيل: الموصوف بذلك المشركون. قال الحسن وابن زيد: ~~حتى إذا كشف الفزع عن قلوب المشركين عند نزول الموت إقامة للحجة عليهم ~~قالت لهم الملائكة: ماذا قال ربكم في الدنيا؟ قالوا الحق وهو العلي ~~الكبير فأقروا به حين لم ينفعهم الإقرار. # قوله: { وهو العلي الكبير } فقوله: " الحق " إشارة إلى أنه كامل وقوله: ~~" وهو العلي الكبير " إشارة إلى أنه فوق الكاملين في ذاته وصفاته. ### || [34.24-30] # قوله (تعالى): { من يرزقكم من السماوات } المطر " و " من ~~" الأرض " النبات " قل الله " يعني إن لم يقولوا رازقنا الله فقل ~~أنت رازقكم الله. # قوله: " أو إياكم " عطف على اسم " إن " وفي الخبر أوجه: # أحدها: أن الملفوظ به الأول. وحذف خبر الثاني للدلالة عليه أي وإنا ~~لعلى هدى أو في ضلال أو إنكم لعلى هدى أو في ضلال. # والثاني: العكس أي حذف الأول والملفوظ به خبر الثاني وهو خلاف مشهور ~~وتقدم تحقيقه عند قوله: # والله ورسوله أحق أن يرضوه # [التوبة:62] وهذان الوجهان لا ينبغي أي يحملا على ظاهرهما قطعا لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يشك أنه على هدى ويقين وأن الكفار على ~~ضلال وإنما هذا الكلام جار على ما تتخاطب به العرب من استعمال الإنصاف ~~في محاوراتهم على سبيل الفرض والتقدير ويسميه أهل البيان الاستدراج ~~وهو أن ms7180 يذكر المخاطب أمرا يسلمه وإن كان بخلاف ما يذكر حتى يصغي إلى ~~ما يلقيه إليه إذ لو بدأه بما يكره لم يصغ، ونظيره قولهم: أخزى ~~الله الكاذب مني ومنك ومثله قول الآخر: # 4131- فأيي ما وأيك كان شرا # فقيد إلى المقامة ولا يراها # وقول حسان - رضي الله عنه -: # 4132- أتهجوه ولست له بكفء # فشركما لخيركما الفداء # مع العلم لكل أحد أنه - صلى الله عليه وسلم - خير خلق الله كلهم. # الثالث: أنه من باب اللف والنشر والتقدير: وإنا لعلى هدى ~~وإنكم لفي ضلال مبين ولكن لف الكلامين وأخرجهما كذلك ~~لعدم اللبس، وهذا لا يتأتي إلا أن تكون " أو " بمعنى الواو. وهي مسألة ~~خلاف ومن مجيء " أو " بمعنى الواو قوله: # 4133- قوم إذا سمعوا الصريخ رأيتهم # ما بين ملجم مهره أو سافع # وتقدم تقرير هذا، وهذا الذي ذكرناه منقول عن أبي عبيدة. # الرابع: قال أبو حيان: و " أو " هنا على موضوعها لكونها لأحد الشيئين ~~وخبر " إنا أو إياكم " هو " لعلى هدى أو في ضلال ~~مبين " ولا يحتاج إلى تقدير حذف إذ المعنى إن أحدنا لفي أحد هذين ~~لقولك: " زيد أو عمرو في القصر أو في المسجد " لا يحتاج إلى تقدير حذف ~~إذ معناه أحد هذين في أحد هذين. # وقيل: الخبر محذوف ثم ذكر ما تقدم إلى آخره، وهذا الذي ذكره تفسير معنى ~~لا تفسير إعراب. (والناس) نظروا إلى تفسير الإعراب فاحتاجوا إلى ما ~~ذكرناه. # وذكروا في الهدى كلمة " على " وفي الضلال كلمة " في " لأن المهتدي كأنه ~~مرتفع مطلع فذكره بكلمة " التعالي " والضال منغمس في الظلمة غريق فيها ~~فذكره بكلمة " في ". # قوله: { قل لا تسألون عما أجرمنا } أضاف الإجرام إلى ~~النفس وقال في حقهم: { ولا نسأل عما تعملون } ذكر بلفظ ~~العمل لئلا يحصل الإغضاب المانع من الفهم. # قوله: { قل يجمع بيننا ربنا } يوم القيامة { ثم ~~يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم } وهاتان ~~صفتا مبالغة وقرأ عيسى بن عمر " الفاتح " اسم فاعل. # قوله: " أروني " فيها وجهان: # أحدهما أنها علمية متعدية قبل النقل إلى اثنين فلما جيء بهمزة ms7181 النقل ~~تعدت لثلاثة أولها " ياء " المتكلم ثانيها " الموصول " ، ثالثها: " ~~شركاء " وعائد الموصول محذوف أي ألحقتموهم. # والثاني: أنها بصرية متعدية قبل النقل لواحد وبعده لاثنين أولهما: ياء ~~المتكلم وثانيهما: الموصول و " شركاء " نصب على الحال من عائد الموصول أي ~~بصروني الملحقين به حال كونهم شركاء. قال ابن عطية في هذا ~~الثاني " ولا غناء " له أي لا منفعة فيه يعني أن معناه ضعيف. قال أبو ~~حيان: وقوله: " لا غناء له " ليس بجيد بل في ذلك تبكيت لهم وتوبيخ ولا ~~يريد حقيقة التنزيل بل المعنى الذين هم شركاء لله على زعمكم هم ممن إن ~~أريتموهم افتضحتم لأنه خشب وحجر وغير ذلك. # فصل # الضمير في " به " أي بالله أي أروني الذين ألحقتم بالله شركاء في ~~العبادة معه هل يخلقون وهل يرزقون؟ كلا لا يخلقون ولا يرزقون. # قوله: " بل هو الله " في هذا الضمير قولان: # أحدهما: أنه ضمير عائد على الله تعالى أي ذلك الذي ألحقتم به شركاء هو ~~الله، و " العزيز الحكيم " صفتان. # والثاني: أنه ضمير الأمر والشأن و " الله " مبتدأ، و " العزيز ~~والحكيم " خبران، والجملة... خبر " هو " والعزيز هو الغالب على أمره، ~~(و) الحكيم في تدبير لخلقه فأنى يكون له شريك في ملكه؟ # قوله: " كافة " فيه أوجه: # أحدها: أنه حال من كاف " أرسلناك " والمعنى إلا جامعا للناس في ~~الإبلاغ. والكافة بمعنى الجامع والهادي لله للمبالغة كهي في " علامة ~~" و " راوية " قال الزجاج: وهذا بناء منه على أنه اسم فاعل من كف ~~يكف، قال أبو حيان: أما قول الزجاج إن كافة بمعنى جامعا، والهاء ~~فيه للمالبغة فإن اللغة لا تساعده على ذلك لأن كف ليس معناه محفوظا ~~بمعنى " جمع " يعني أن المحفوظ معناه " منع " يقال: كف يكف ~~أي منع والمعنى إلا مانعا لهم من الكفر وأن يشذوا من تبليغك، ومنه ~~الكف لأنها تمنع ما فيه. # الثاني: أن كافة مصدر جاءت على الفاعلة كالعاقبة والعافية وعلى ~~هذا فوقوعها حالا إما على المبالغة وإما على حذف مضاف أي ذا كافة ~~للناس. # الثالث: أن كافة صفة لمصدر ms7182 محذوف تقديره: إلا إرسالة كافة قال ~~الزمخشري: إلا إرسالة عامة لهم محيط بهم لأنها إذا شملتهم ~~فقد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم. قال أبو حيان: أما كافة بمعنى عامة ~~فالمنقول عن النحويين أنها لا تكون إلا حالا ولم يتصرف فيها بغير ذلك ~~فجعلها صفة لمصدر محذوف خروج عما نقلوا، ولا يحفظ أيضا استعمالها صفة ~~لموصوف محذوف. # الرابع: أن " كافة " حال من " للناس " أي للناس كافة إلا أن هذا ~~قدره الزمخشري فقال: " ومن جعله حالا من المجرور متقدما عليه فقد ~~أخطأ لأن تقدم حال المجرور عليه في الإحالة بمنزلة تقدم المجرور على ~~الجار وكم ترى من يرتكب مثل هذا الخطأ ثم لا يقنع به حتى يضم إليه ~~أن يجعل اللام بمعنى " إلى "؛ لأنه لا يستوي له الخطأ الأول إلا بالخطأ ~~الثاني فيرتكب الخطأين معا ". قال أبو حيان: أما قوله كذا فهو مختلف فيه ~~ذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز، وذهب أبو علي وابن كيسان وابن ~~برهان وابن ملكون إلى جوازه قال: وهو الصحيح قال: ومن أمثله ~~أبي علي: " زيد خيرا ما يكون خير منك " التقدير: زيد خير منك ~~خيرا ما يكون فجعل " خيرا ما يكون " حالا من الكاف في " منك " ~~وقدمها عليها وأنشد: # 4134- إذا المرء أعيته المروءة ناشئا # فمطلبها كهلا عليه شديد # أي فمطلبها عليه كهلا، وأنشد أيضا: # 4135- تسليت طرا عنكم بعد بينكم # بذكراكم حتى كأنكم عندي # أي عنكم طرا، وقد جاء تقديم الحال على صاحبها المجرور على ما ~~يتعلق به قال الشاعر: # 4136- مشغوفة بك قد شغفت وإنما # حم الفراق فما إليك سبيل # أي قد شغفت بك مشغوفة وقال الآخر: # 4137- غافلا تعرض المنية للمرء # فيدعى ولات حين إباء # أي تعرض المنية للمرء غافلا قال: وإذا جاز تقديمها على صاحبها ~~وعلى العامل فيه فتقديمها على صاحبها وحده أجوز قال: وممن حمله على ~~الحال ابن عطية فإنه قال: قدمت للاهتمام والمنقول عن ابن عباس قوله إلى ~~العرب وللعجم ولسائر الأمم وتقديره إلى الناس كافة. وقول الزمخشري: لا ~~يستوي له الخطأ الأول إلى ms7183 آخره شنيع لأن القائل بذلك لا يحتاج إلى جعل ~~اللام بمعنى " إلى " لأن " أرسل " يتعدى باللام قال تعالى: # وأرسلناك للناس رسولا # [النساء:79] وأرسل مما يتعدى باللام وبإلى وأيضا فقد جاءت اللام بمعنى ~~" إلى " و " إلى " بمعناها. # قال شهاب الدين: أما أرسلناك للناس فلا دلالة فيه لاحتمال أن تكون اللام ~~لام المجازية وأما كونها بمعنى " إلى " والعكس فالبصريون لا ~~يتجوزون في الحروف، و " بشيرا " و " نذيرا " حالان أيضا. # فصل # لما بين مسألة التوحيد شرع في الرسالة فقال تعالى: { ومآ ~~أرسلناك إلا كآفة } أي الرسالة كافة أي تكف الناس أنت من ~~الكفر وتمنعهم عن الخروج عن الانقياد لها أو تكف الناس أنت عن الكفر ~~والهاء للمبالغة على ما تقدم. و " للناس " أي عامة أحمرهم وأسودهم ~~" بشيرا ونذيرا " أي مبشرا ومنذرا تحثهم بالوعد وتزجرهم بالوعيد ~~" ولكن أكثر الناس لا يعلمون " ذلك لا لخفائه ولكن ~~لغفلتهم قال - عليه (الصلاة و) والسلام -: # " كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى ~~الناس عامة ". # قوله: { ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ~~} يعني يوم القيامة لما ذكر الرسالة بين الحشر. # قوله: " لكم ميعاد " مبتدأ وخبر. والميعاد يجوز فيه أوجه: # أحدهما: أنه مصدر مضاف لظرفه والميعاد يطلق على الوعد والوعيد. وقد تقدم ~~أن الوعد في الخير، الوعيد في الشر غالبا. # الثاني: اسم أقيم مقام المصدر والظاهر الأول، قال أبو عبيدة: ~~الوعد والوعيد والميعاد بمعنى. # الثالث: أنه هنا ظرف زمان (قال الزمخشري: الميعاد ظرف الوعد من مكان أو ~~زمان وهو هنا ظرف زمان)، والدليل عليه (قراءة) من قرأ: ميعاد يوم ~~يعني برفعهما منونين فأبدل منه " اليوم " وأما الإضافة فإضافة تبيين ~~لقولك: سحق ثوب، وبعير سانية، وقال أبو حيان: ولا يتعين ما ~~قال لاحتمال أن يكون التقدير: لكم ميعاد ميعاد يوم، فلما حذف المضاف أعرب ~~المضاف إليه بإعرابه، قال شهاب الدين والزمخشري لو فعل مثل ذلك لسمع به، ~~وجوز الزمخشري في الرفع وجها آخر وهو الرفع على التعظيم يعني على ~~إضمار مبتدأ وهو الذي يسمى القطع، وسيأتي هذا قريبا، وقرأ ms7184 ابن أبي ~~عبلة واليزيدي ميعاد يوما بتنوين الأول ونصب " يوما " منونا ~~وفيه وجهان: # أحدهما: أنه منصوب على الظرف والعامل فيه مضاف مقدر تقديره: لكم إنجاز ~~وعد في يوم صفته كيت وكيت. # الثاني: أن ينتصب بإضمار فعل. قال الزمخشري: وأما نصب " اليوم " فعلى ~~التعظيم بإضمار فعل تقديره أعني يوما، ويجوز أن يكون الرفع على هذا ~~أعني التعظيم. وقرأ عيسى بتنوين الأول ونصب " يوم " مضافا للجملة ~~بعده. وفيه الوجهان المتقدمان النصب على التعظيم أو الظرف. # قوله: { لا تستأخرون عنه } يجوز في هذه الجملة أن تكون صفة " ~~لميعاد " إن عاد الضمير في " عنه " عليه أو " ليوم " إن عاد الضمير ~~في " عنه " عليه فيجوز أن يحكم على موضعها بالرفع أو الجر وأما على قراءة ~~عيسى فينبغي أن يعود الضمير في " عنه " على " ميعاد " لأنهم نصوا على ~~أن الظرف إذا أضيف إلى جملة لم يعد منها إليه ضمير إلا في ~~ضرورة كقوله: # 4138- مضت سنة لعام ولدت فيه # وعشر بعد ذاك وحجتان # فصل # تقدم الكلام في سورة الأعراف أن قوله: # لا يستأخرون # [الأعراف:34] يوجب الإنذار لأن معناه عدم المهلة عن الأجل ولكن ~~الاستقدام ما وجهه؟ وقد تقدم، ونذكر ههنا أنهم لما طلبوا الاستعجال بين ~~أنه استعجال فيه كما أنه لا إمهال وهذا لا يفيد عظم الأمر، وخطر ~~الخطب، لأن الأمر الحقير إذا طلبه من غيره لا يؤخره ولا يوقفه على وقت ~~بخلاف الأمر الخطير والمراد باليوم يوم القيامة وقال الضحاك: يوم الموت ~~لا يتأخرون عنه ولا يتقدمون بأن يزاد في أجلكم أو ينقص. ### || [34.31-33] # قوله: { وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا ~~القرآن } لما بين التوحيد والرسالة والحشر وكانوا بالكل كافرين بين ~~كفرهم العام بقوله: { وقال الذين كفروا لن نؤمن ~~بهذا القرآن } وذلك لأن القرآن مشتمل على الكل وقوله: { ولا ~~بالذي بين يديه } يعني التوراة والإنجيل وعلى هذا فالمراد ~~" بالذين كفروا " هم المشركون المنكرون للثواب والحشر. ويحتمل أن يكون ~~المراد بالذين كفروا العموم ويكون المراد بقوله: { القرآن ولا ~~بالذي بين يديه } أن لا نؤمن بالقرآن أنه من ms7185 الله { ولا ~~بالذي بين يديه } أي ولا بما فيه من الإخبارات والآيات ~~والدلائل وذلك لأن أهل الكتاب لم يؤمنوا بالقرآن أنه من الله ولا بالذي ~~فيه من الرسالة وتفاصيل الحشر. # فإن قيل: أليس هم مؤمنين بالوحدانية والحشر؟ # فالجواب: إذا لم يصدق واحد بما في كتاب من الأمور المختصة به يقال فيه ~~إنه لم يؤمن بشيء منه وإن آمن ببعض ما فيه لكونه في غيره إيمانه لا بما ~~فيه كمن يكذب رجلا فيما يقوله فإذا أخبره بأن النار حارة لا يكذبه فيه ~~ولكن لا يقال بأنه صدقة لأنه إنما صدق نفسه فإنه كان عالما به من قبل ~~وعلى هذا فقوله: " بين يديه " الذي هو مشتمل عليه من حيث إنه وارد ~~فيه. # قوله: { ولو ترى } مفعول " ترى " وجواب " لو " محذوفان للفهم أي ~~ولو ترى حال الظالمين وقت وقوفهم مراجعا بعضهم إلى بعض القول ~~لرأيت حالا فظيعة وأمرا منكرا. " ويرجع " حال من ضمير " ~~موقوفون " و " القول " منصوب ب " يرجع "؛ لأنه يتعدى قال تعالى: # فإن رجعك الله إلى طآئفة # [التوبة:83] وقوله: { يقول الذين استضعفوا } إلى آخره ~~تفسير لقوله: " يرجع " فلا محل له. و " أنتم " بعد " لولا " ~~متبدأ على أصح المذاهب، وهذا هو الأفصح أعني وقوع ضمائر الرفع بعد " ~~لولا " خلافا للمبرد؛ حيث جعل خلاف هذا لحنا، وأنه لم يرد إلا في قول ~~زياد: # 4139- وكم موطن لولاي... # ............................ # وقد تقدم تحقيقه، والأخفش جعل إنه ضمير نصب أو جر قام مقام ضمير الرفع. ~~وسيبويه ضمير جر. # فصل # لما وقع اليأس من إيمانهم في هذه الدار بقولهم: " لن نؤمن " فإنه ~~لتأبيد النفي وعد النبي عليه (الصلاة و) السلام - بأنه يراهم على ~~أذل حال موقوفين للسؤال يرجع بعضهم إلى بعض القول أي يرد بعضهم إلى بعض ~~القول في الجدال كما يكون عليه حالة جماعة أخطأوا في أمر يقول بعضهم ~~لبعض. { يقول الذين استضعفوا } استحقروا وهم الاتباع " ~~للذين استكبروا " وهم القادة والأشراف { لولا أنتم ~~لكنا مؤمنين } أي أنتم منعتمونا عن الإيمان بالله وسوله ~~وهذا إشارة إلى أن كفرهم كان لمانع ms7186 لأن بعد المقتضي لا يمكنهم أن يقولوا: ~~ما جاءنا رسول ولا أن يقولوا: قصر الرسول لأن الرسول لو أهمل شيئا ~~لما كانوا يقولون لولا المستكبرون. # ثم أجابهم المستكبرون وهم المتبوعون في الكفر للذين استضعفوا رد ~~لما قالوا إن كفرنا كان لمانع { أنحن صددناكم عن الهدى ~~بعد إذ جآءكم } يعني المانع ينبغي أن يكون راجحا على المقتضي ~~حتى يعمل علمه والذي جاء به هو الهدى، والذي صدر من المستكبرين لم يكن ~~شيئا يوجب الامتناع من قبول ما جاء به فلم يصح تعلقكم بالمانع ~~{ بل كنتم مجرمين } بترك الإيمان فبين أن كفرهم كان اجتراما ~~من حيث إن المعذور لا يكون معذورا إلا لعدم المقتضي أو ليقام المانع ولم ~~يوجد شيء منهما. ثم قال { وقال الذين استضعفوا للذين ~~استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننآ ~~أن نكفر بالله } لما قال المستكبرون: إنا صددنا، وما صدر منا ~~ما يصلح مانعا وصادفا اعترف المستضعفون به وقالوا بل مكر الليل والنهار ~~أي مكركم في الليل والنهار. واعلم أنه يجوز رفع " مكر " من ثلاث أوجه: # أحدها: الفاعلية تقديره: بل صدنا مكركم في هذين الوقتين. # الثاني: أن يكون مبتدأ خبره محذوف أي مكر الليل صدنا. # الثالث: العكس أي سبب كفرنا مكركم. وهو المتقدم في التفسير ~~وإضافة المكر إلى الليل والنهار إما على الإسناد المجازي كقولهم: ~~ليل ماكر، فالعرب تضيف الفعل إلى الليل والنهار كقول الشاعر: # 4140 -........................ # ونمت وما ليل المطي بنائم # فيكون مصدرا مضافا لمرفوعه، وإما على الاتساع في الظرف فجعل كالمفعول ~~به فيكون مضافا لمنصوبه وهذا أحسن من قول من قال: إن الإضافة ~~بمعنى " في " أي في الليل، لأن ذلك لم يثبت في (غير) محل النزاع، وقيل: ~~مكر الليل والنهار طول السلامة وطول الأمل فيهما كقوله تعالى: # فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم # [الحديد:16] وقرأ العامة مكر بتخفيف الراء ساكن الكاف مضافا لما ~~بعد، وابن يعمر وقتادة بتنوين: " مكر " وانتصاب الليل والنهار ~~ظرفين. وقرآ أيضا وسعيد بن جبير وأبو رزين بفتح الكاف وتشديد الراء ~~مضافا لما بعده أي ms7187 كرور الليل والنهار، واختلافهما، من كر ~~يكر إذا جاء وذهب، وقرأ ابن جبير أيضا وطلحة وراشد ~~القاري - وهو الذي كان يصحح المصاحف أيام الحجاج بأمره - كذلك إلا أنه ~~ينصب الراء، وفيها أوجه: # أظهرها: ما قاله الزمخشري وهو الانتصاب على المصدر قال: " بل تكرون ~~الإغواء مكرا دائما لا تفترون عنه ". # الثاني: النصب على الظرف بإضمار فعل أي بل صددتمونا مكر ~~الليل والنهار أي دائما. # الثالث: أنه منصوب " بتأمروننا " قاله أبو الفضل الرازي. # وهو غلط؛ لأن ما بعد المضاف لا يعمل فيما قبله إلا في مسألة واحدة وهي " ~~غير " إذا كانت بمعنى " لا " كقوله: # 4141- إن امرءا خصني عمدا مودته # على التنائي لعندي غير مكفور # وتقدم تقرير هذا آخر الفاتحة، وجاء قوله: { قال الذين ~~استكبروا } بغير عاطف؛ لأنه جواب لقول الضعفة فاستؤنف بخلاف ~~قوله: { وقال الذين استضعفوا } فإنه لم يكن جوابا لعطف، ~~والضمير في " وأسروا الندامة " للجميع للأتباع والمتبوعين. # فصل # لما اعترف المستضعفون وقالوا بل مكر الليل والنهار منعنا ثم قالوا لهم ~~إنكم وإن كنتم ما أتيتم بالصارف القطعي والمانع القوي ولكن انضم أمركم ~~إيانا بالكفر إلى طول الأمد وامتداد المدد فكفرنا فكان قولكم جزءا ~~لسبب وقولهم " إذ تأمروننا أن نكفر بالله " أي ننكره " ~~ونجعل له أندادا " هذا يبين أن المشرك بالله مع أنه في ~~الصورة مثبت لكنه في الحقيقة منكر لوجود الله لأن من يساويه بالمخلوق ~~المنحوت لا يكون مؤمنا به. # فصل # قوله أولا يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين ~~استضعفوا بلفظ المستقبل وقوله في الآيتين الآخيرتين: " وقال ~~الذين استكبروا، وقال الذين استضعفوا " بلفظ الماضي ~~مع أن السؤال والمراجعة في القول لم يقع إشارة إلى أن ذلك لا بد من ~~وقوعه فإن الأمر الواجب الوقوع كأنه وقع كقوله تعالى: # إنك ميت وإنهم ميتون # [الزمر:30] وأما الاستقبال فعلى الأصل. # قوله: { وأسروا الندامة لما رأوا العذاب } أي ~~أنهم يتراجعون القول ثم إذا جاءهم العذاب الشاغل يسرون ذلك التراجع الدال ~~على الندامة، وقيل: معنى الإسرار الإظهار وهو من الأضداد أي أظهروا ~~الندامة ويحتمل أن ms7188 يقال: بأنهم لما تراجعوا في القول رجعوا إلى الله ~~بقولهم أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا وأجيبوا بأن ~~لا مرد لكم فأسروا ذلك القول، وقوله: { وجعلنا الأغلال في ~~أعناق الذين كفروا } أي الأتباع والمتبوعين جميعا في النار، ~~وهذا إشارة إلى كيفية عذابهم { هل يجزون إلا ما كانوا ~~يعملون } من الكفر والمعاصي في الدنيا. ### || [34.34-39] # قوله: { ومآ أرسلنا في قرية من نذير إلا قال ~~مترفوهآ } أي أغنياؤها ورؤساؤها، وقوله: { إلا قال ~~مترفوهآ } جملة حالية من " قرية " وإن كانت نكرة لأنها في سياق ~~النفي. # قوله: " بما أرسلتم " متعلق بخبر " إن " و " به " متعلق ~~بأرسلتم، والتقدير: إنا كافرون بالذي أرسلتم. وإنما قدم للاهتمام ~~وحسنه تواخي الفواصل. وهذا تسلية لقلب النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن ~~إيذاء الكفار للأنبياء ليس بدعا بل ذلك عادة جرت من قبل، وإنما نسب ~~القول إلى المترفين مع أن غيرهم أيضا قالوا ذلك القول لأن المترفين ~~هم الأصل في ذلك القول كقول المستضعفين للذين استكبروا: { لولا ~~أنتم لكنا مؤمنين } ثم استدلوا على كونهم مصيبين في ذلك ~~بكثرة الأموال والأولاد فقالوا { نحن أكثر أموالا وأولادا ~~} أي بسبب لزومنا لديننا ولو لم يكن الله راضيا بما نحن عليه من الدين ~~والعمل لم يخولنا الأموال والأولاد " وما نحن بمعذبين " أي أن ~~الله أحسن إلينا في الدنيا بالمال فلا يعذبنا. ثم إن الله تعالى بين ~~خطأهم بقوله: { قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشآء ~~ويقدر } يعني أن الرزق في الدنيا لا يدل سعته وضيقه على حال ~~المحق والمبطل فكم من موسر شقي ومعسر تقي فقوله: " ويقدر " أي ~~يضيق بدليل مقابلته " يبسط ". وهذا هو الطباق البديعي. وقرأ ~~الأعمش: ويقدر بالتشديد ثم قال: { ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمون } أن قلة الرزق وضيق العيش وكثرة المال وسعة العيش ~~بالمشيئة من غير اختصاص بالفاسق والصالح. ثم بين فساد استدلالهم بقوله: { ~~ومآ أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم ~~عندنا زلفى } يعني إن قولكم نحن أكثر أموالا وأولادا فنحن أحسن ~~حالا عند الله استدلالا صحيحا فإن المال لا يقرب إلى الله ms7189 وإنما ~~المفيد العمل الصالح بعد الإيمان وذلك أن المال والولد يشغل عند ~~الله فيبعد عنه فكيف يقرب منه والعمل الصالح إقبال على الله واشتغال ~~بالله ومن توجه إلى الله وصل ومن طلب من الله شيئا حصل؟ # قوله: " بالتي تقربكم " صفة للأموال والأولاد، لأن جمع ~~التكسير غير العاقل يعامل معاملة المؤنثة الواحدة، وقال الفراء والزجاج ~~إنه حذف من الأول لدلالة الثاني عليه قالا والتقدير: وما أموالكم ~~بالتي تقربكم عندنا زلفى ولا أولادكم بالتي ~~تقربكم وهذا لا حاجة إليه أيضا. ونقل عن الفراء ما تقدم من أن " ~~التي " صفة للأموال والأولاد معا وهو الصحيح وجعل الزمخشري " التي " صفة ~~لموصوف محذوف قال: " ويجوز أن يكون هي التقوى وهي المقربة عند الله زلفى ~~وحدها أي ليست أموالكم ولا أولادكم بتلك الموصوفة عند الله ~~بالتقريب ". # قال أبو حيان: ولا حاجة إلى هذا الموصوف. # قال شهاب الدين: والحاجة إليه بالنسبة إلى المعنى الذي ذكره داعية، و " ~~زلفى " مصدر من معنى الأول، إذ التقدير تقربكم قربى، ~~وعن الضحاك زلفا بفتح اللام وتنوين الكلمة على أنها جمع " زلفى " ~~نحو قربة وقرب، جمع المصدر لاختلاف أنواعه وقال الأخفش: " ~~زلفى " اسم مصدر كأنه قال: بالتي تقربكم عندنا تقريبا. # قوله: " إلا من " فيه أوجه: # أحدهما: أنه استثاء منقطع فهو منصوب المحل والمعنى لكن من آمن ~~وعمل صالحا، قال ابن عباس يريد من آمن إيمانه وعمله يقربه مني. # الثاني: أنه في محل جر بدلا من الضمير في: " أموالكم " قاله ~~الزجاج. وغلطه النحاس بأنه بدل ضمير من ضمير المخاطب قال: ولو ~~جاز هذا لجاز: رأيتك زيدا، وقول أبي إسحاق هذا هو قول الفراء ~~انتهى. قال أبو حيان: ومذهب الأخفش والكوفيين أنه يجوز البدل من ضمير ~~المخاطب والمتكلم إلا أن البدل في الآية لا يصح ألا ترى أنه لا يصح تفريغ ~~الفعل الواقع صلة لما بعد إلا لو قلت: ما زيد بالذي يضرب إلا ~~خالدا لم يجز. وتخيل الزجاج أن الصلة وإن كانت من حيث المعنى منفية أنه ~~يجوز البدل وليس بجائز إلا أن ms7190 يصح التفريغ له. قال شهاب الدين: ومنعه ~~قولك " ما زيد بالذي يضرب إلا خالدا " فيه نظر لأن النفي ~~إذا كان منسحبا على الجملة أعطى حكم ما لو باشر ذلك الشيء ألا ترى أن ~~النفي في قولك: " ما طننت أحدا يفعل ذلك إلا زيد " سوغ ~~البدل في زيد من ضمير " يفعل " وإن لم يكن النفي متسلطا عليه وقالوا ~~ولكنه لما كان في حيز النفي صح فيه ذلك فهذا مثله والزمخشري أيضا ~~تبع الزجاج والفراء في ذلك في حيث المعنى إلا أنه لم يجعله بدلا بل ~~منصوبا على أصل الاستثناء فقال: { إلا من آمن } استثناء من " كم ~~" في " نقرب " والمعنى أن الأموال لا تقرب أحدا إلا المؤمن الذي ~~ينققها في سبيل الله والأولاد لا تقرب أحدا إلا من علمهم الخير ~~وفقههم في الدين ورشحهم للصلاح. ورد عليه أبو حيان بنحو ما ~~تقدم فقال: لا يجوز: " ما زيد بالذي يخرج إلا أخوه " و " ~~ما زيد بالذي يضرب إلا عمرا " والجواب عنه ما تقدم ~~وأيضا فالزمخشري لم يجعله بدلا بل استثناء صريحا، ولا يشترط في ~~الاستثناء التفريغ اللفظي بل الإسناد المعنوي ألا ترى أنك تقول: قام ~~القوم إلا زيدا ولو فرغته لفظا لامتنع لأنه مثبت وهذا الذي ذكره ~~الزمخشري هو الوجه الثالث في المسألة. # الرابع: أن " من آمن " في محل رفع على الابتداء والخبر. # قوله: { فأولئك لهم جزآء الضعف } قال الفراء: هو في ~~موضع رفع تقديره ما هو المقرب إلا من آمن، وهذا ليس بجيد وعجيب من ~~الفراء كيف يقوله. قوله: { فأولئك لهم جزآء الضعف } ، ~~قرأ العامة جزاء الضعف مضافا على أنه مصدر مضاف لمفعوله، أي أن ~~يجازيهم الضعف وقدره الزمخشري مبنيا للمفعول أي يجزون ~~الضعف. ورده أبو حيان بأن الصحيح منعه. وقرأ قتادة برفعها على إبدال ~~الضعف من " جزاء " وعنه أيضا وعن يعقوب بنصب جزاء على الحال منونا ~~والعامل فيها الاستقرار. وهذه كقوله: # فله جزآء الحسنى # [الكهف:88]، فيمن قرأه بالنصب نصب جزاء في الكهف. # قوله: { وهم في الغرفات آمنون } قرأ حمزة الغرفة ~~بالتوحيد ms7191 على إرادة الجنس ولعدم اللبس لأنه معلوم أن لكل أحد غرفة تخصه ~~وقد أجمع على التوحيد في قوله: # يجزون الغرفة # [الفرقان:75]، ولأن لفظ الواحد أخف فوضع موضع الجمع مع أمن اللبس ~~والباقون " الغرفات " جمع سلامة وقد أجمع على الجمع في قوله: # لنبوئنهم من الجنة غرفا # [العنكبوت:58] والرسم محتمل للقراءتين. وقرأ الحسن بضم راء غرفات على ~~الإتباع وبعضهم يفتحها وتقدم تحقيق ذلك أول البقرة. وقرأ ابن وثاب ~~الغرفة بضم الراء والتوحيد. # فصل # والمعنى يضعف الله حسناتهم فيجزي بالحسنة الواحدة عشرة إلى سبع مائة ~~لأنه الضعف لا يكون إلا في الحسنة وفي السيئة لا يكون إلا المثل ثم زاد ~~وقال: { وهم في الغرفات آمنون } إشارة إلى دوامها وتأبيدها. ~~ثم بين حال المسيء فقال: { والذين يسعون في آياتنا ~~معاجزين } أي سعون في إبطال حججنا معاجزين معاندين يحسبون أنهم ~~يعجزوننا ويفوتوننا. وقد تقدم تفسير: { أولئك في العذاب محضرون }. وهذا ~~إشارة إلى الدوام أيضا كقوله: # وما هم عنها بغآئبين # [الإنفطار:16]. ثم قال مرة أخرى: { قل إن ربي يبسط ~~الرزق لمن يشآء من عباده ويقدر له } إشارة إلى أن ~~نعيم الآخرة لا ينافي نعمة الدنيا بل الصالحون قد يحصل لهم في الدنيا ~~النعم في القطع بحصول النعم في العقبى بناء على الوعد قطعا لقول من ~~يقول: إذا كانت العاجلة والآجلة لهم فالنقد أولى فقال هذا النقد غير مختص ~~بكم فإن كثيرا من الأشقياء مدفوعون وكثيرا من الأتقياء ممنوعون، ~~ولهذا المعنى ذكر هذا الكلام مرتين مرة لبيان أن كثرة أموالهم وأولادهم ~~غير دالة على حسن أحوالهم ومرة لبيان أنه غير مختص بهم كأنه قال وجود ~~القرب لا يدل على الشرف ثم إن سلمنا أنه كذلك لكن المؤمنون سيحصل لهم ~~ذلك فإن الله يملكهم دياركم وأموالكم ويدل على ذلك أن الله تعالى لم يذكر ~~أولا لمن يشاء من عباده بل قال: لمن يشاء. وقال ثانيا: لمن يشاء من ~~عبادة فالكافر أثره مقطوع وماله إلى زوال وماله إلى الهواء وأما المؤمن ~~فما ينفقه يخلفه الله. # قوله: " ومآ أنفقتم " يجوز ms7192 أن تكون ما موصولة في محل رفع ~~بالابتداء والخبر قوله: " فهو يخلفه " ودخلت الفاء لشبهه بالشرط، ~~و " من شيء " بيان كذا قيل. وفيه نظر؛ لإبهام شيء فأي (تبيين) فيه؟ ~~ويجوز أن تكون " ما " شرطية فيكون في محل نصب مفعولا مقدما و " فهو ~~يخلفه " جواب الشرط. # فصل # المعنى: وما أنققتم من شيء فهو يخلفه أي يعطي خلقه ~~قال سعيد بن جبير: ما كان في غير إسراف ولا تقتير فهو يخلفه، ~~وقال الكلبي: ما تصدقتم من صدقة وأنفقتم في الخير من نفقة فهو ~~(ينفقه) ويخلفه على المنفق إما أن يعجل له في الدنيا وإما أن ~~يدخر له في الآخرة. { وهو خير الرازقين } خير من يعطي ~~ويرزق، روى أبو هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " إن الله قال: أنفق أنفق عليك " # وقال - عليه (الصلاة و) السلام -: # " ما من يوم يصبح فيه العباد إلا وينزل (فيه) ~~ملكا (ن) فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا ويقول ~~الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا " # وإنما جمع الرازقين من حيث الصورة لأن الإنسان يرزق عياله من رزق الله ~~والرازق للكل في الحقيقة إنما هو الله، واعلم أن خير الرازقين يكون ~~لأمور أن لا يؤخر في وقت الحاجة وأن لا ينقص من قدر الحاجة وأن لا ~~ينكده بالحساب وأن لا يكدره بطلب الثواب والله تعالى كذلك. # فإن قيل: قوله: " خير الرازقين " ينبىء عن كثرة الرازقين ولا ~~رازق إلا الله. # فالجواب: أن يقال: الله خير الرازقين الذين تظنونهم رازقين وكذلك في ~~قوله تعالى: # أحسن الخالقين # [المؤمنون:14] وأيضا فإن الصفات منها ما هو لله وللعبد حقيقة كالعلم ~~بأن الله واحد فإن الله يعلم أنه واحد، والعبد يعلم أنه واحد حقيقة ~~ومنها ما يقال لله حقيقة وللعبد مجازا مثل الرزاق والخالق فإن ~~العبد إذا أعطى غيره شيئا فالله هو المعطي في الحقيقة ولكن لما وجدت ~~صورة العطاء من العبد سمي معطيا وهذا منه. ### || [34.40-45] # قوله: { ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول } وقد تقدم أنه ~~يقرأ بالنون والياء في الأنعام. # قوله: { أهؤلاء ms7193 إياكم كانوا يعبدون } إياكم منصوب ~~بخبر " كان " قدم لأجل الفواصل والاهتمام. واستدل بل على جواز تقديم خبر ~~" كان " عليها إذا كان خبرها جملة فإن فيه خلافا جوزه ابن السراج، ~~ومنعه غيره. وكذلك اختلفوا في توسطه إذا كان جملة. قال ابن السراج: ~~القياس جوازه لكن لم يسمع. # قال شهاب الدين: قد تقدم في قوله: # ما كان يصنع فرعون وقومه # [الأعراف:137] ونحوه أنه يجوز أن يكون من تقديم الخبر وأن لا يكون. ووجه ~~الدلالة هنا أن تقديم المعمول مؤذن بتقديم العامل. وتقدم تحقيق هذا ~~في " هود " في قوله تعالى: # ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم # [هود:8] (و) وضع هذه القاعدة. # فصل # لما بين أن حال النبي - عليه الصلاة والسلام - كحال من تقدمه من ~~الأنبياء وحال قومه حال من تقدم من الكفار وبين بطلان استدلالهم بكثرة ~~أموالهم وأولادهم بين ما يكون عاقبة حالهم فقال: { ويوم يحشرهم ~~جميعا } يعني المكذبين بك { ثم يقول للملآئكة } الذين ~~يدعون أنهم يعبدونهم فإن غاية ما ترتقي إليه منزلتهم أنهم يقولون: نحن ~~نعبد الملائكة والكواكب قال قتادة: هذا استفهام تقرير كقوله تعالى لعيسى # ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين # [المائدة:116] فيقول: { أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون } ~~فتبرأ منهم الملائكة فيقولون: " سبحانك " تنزيها لك { أنت ~~ولينا من دونهم } أي نحن نتولاك ولا نتولاهم يعني كونك ولي ~~بالعبودية أولى وأحب إلينا من كونهم أولياءنا بالعبادة لنا فقالوا: { ~~بل كانوا يعبدون الجن } أي الشياطين فهم في الحقيقة كانوا ~~يعبدون الجن ونحن (كنا) كالقبلة لهم. # فإن قيل: فهم كانوا يعبدون الملائكة فما وجه قولهم يعبدون الجن؟ قيل: ~~أراد أن الشياطين زينوا لهم عبادة الملائكة فهم كانوا يطيعون الشياطين ~~في عبادة الملائكة فقوله: " يعبدون " أي يطيعون الجن والعبادة هي الطاعة ~~{ أكثرهم بهم مؤمنون } أي مصدقون الشياطين. # فإن قيل: جميعهم كانوا متابعين للشياطين فما وجه قوله: { أكثرهم ~~بهم } فإنه يدل على أن بعضهم لم يؤمن بهم ولم يطعهم؟ # فالجواب من وجهين: # أحدهما: أن الملائكة أحتزوا عن (دعوى) الإحاطة بهم فقالوا: أكثرهم ~~لأن الذين رأوهم واطلعوا على ms7194 أحوالهم كانوا يعبدون الجن ويؤمنون ~~بهم ولعل في الوجود من لم يطلع الله الملائكة عليه من الكفار. # الثاني: هو أن العبادة علم ظاهر والإيمان عمل باطن فقالوا بل يعبدون ~~الجن لاطلاعهم على أعمالهم وقالوا أكثرهم بهم مؤمنون عند عمل القلب ~~لئلا يكونوا مدعين اطلاعهم على ما في القلوب فإن القلب لا يطلع على من ~~فيه إلا الله كما قال: # إنه عليم بذات الصدور # [هود:5]. # ثم بين أن ما كانوا يعبدون لا ينفعهم فقال: { فاليوم لا يملك ~~بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا } وهذا الخطاب يحتم أن يكون ~~مع الملائكة لسبق قوله: { أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون ~~} وعلى هذا يكون تنكيلا للكافرين حيث بين لهم أن معبودهم لا ينفعهم ولا ~~يضر. ويصحح هذا قوله تعالى: " لا يملكون الشفاعة إلا لمن ارتضى ". # ولقوله بعده: { ونقول للذين ظلموا ذوقوا } ولو كان ~~المخاطب هم الكفار لقال: " فذوفوا " ويحتمل أن يكون داخلين في الخطاب ~~حتى يصح معنى قوله: { بعضكم لبعض } أي الملائكة والجن وإذا لم ~~تملكوها لأنفسكم فلا تملكوها لغيرهم، ويحتمل أن يكون الخطاب والمخاطب هم ~~الكفار لأن ذكر اليوم يدل على حضورهم وعلى هذا فقوله { ونقول ~~للذين ظلموا } إنما ذكره تأكيدا لبيان حالهم في الظلم. # فإن قيل: قوله " نفعا " مفيد للحسرة فما فائدة ذكر الضر مع أنهم لو ~~كانوا يملكون الضر لما نفع الكافرين ذلك؟ # فالجواب: لما كان العبادة نفع لدفع ضرر المعبود كما يعبد الجبار، ~~ويخدم مخافة شره بين أنهم ليس فيهم ذلك الوجه الذي يحسن لأجله عبادتهم. # فإن قيل: قوله ههنا: " التي كنتم بها " صفة للنار وفي ~~السجدة وصف العذاب فجعل المكذب هنا النار وجعل المكذب في السجدة العذاب ~~وهم كانوا يكذبون بالكل فما فائدته؟ # فالجواب: قيل: لأنهم هناك كانوا ملتبسين بالعذاب مترددين فيه بدليل ~~قوله: # كلمآ أرادوا أن يخرجوا منهآ أعيدوا فيها ~~وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به ~~تكذبون # [السجدة:20] فوصف لهم ما لا بسوه وهنا لم يلابسوه بعد لأنه عقيب ~~حشرهم وسؤالهم فهو أول ما رأوا النار فقيل لهم: هذه ms7195 النار التي كنتم بها ~~تكذبون. # قوله: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما ~~هذا } يعنون محمدا - صلى الله عليه وسلم - { إلا رجل يريد ~~أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم } فعارضوا البرهان ~~بالتقليد { وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى } يعنون القرآن ~~وقيل: القول بالوحدانية " إفك مفترى " كقوله تعالى في حقهم: # أئفكا آلهة دون الله تريدون # [الصافات: 86] وكقولهم للرسول: # قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا # [الأحقاف:22] وعلى هذا فيكون قوله: { وقال الذين كفروا } ~~بدلا وقالوا للحق لما جاءهم؛ هذا إنكار للتوحيد وكان مختصا ~~بالمشركين، وأما إنكار القرآن والمعجزة فكان متفقا عليه بين المشركين ~~وأهل الكتاب فقال تعالى: { وقال الذين كفروا للحق } على ~~العموم. # قوله: { وما آتيناهم } يعني المشركين { من كتب يدرسونها } ~~العامة على التخفيف مضارع " درس " مخففا أي حفظ وأبو حيوة ~~يدرسونها بفتح الدال مشددة وكسر الراء والأصل " يدترسونها " ~~من الادارس على الافتعال فأدغم، وعنه أيضا بضم الياء وفتح الدال وتشديد ~~الراء نم التدريس. والمعنى يقرأونها وقوله: { ومآ أرسلنا ~~إليهم قبلك } أي إلى هؤلاء المحاضرين لك لم ترسل إليهم أي لم ~~يأت العرب قبلك نبي ولا نزل عليهم كتاب ولا أتاهم نذير يشافههم ~~بالنذارة غيرك، فلا تعارض بينه وبين قوله: # وإن من أمة إلا خلا فيها نذير # [فاطر:24] إذ المراد هناك آثار النذير. ولا شك أن هذا كان موجودا يذهب ~~النبي وتبقى شريعته، ثم بين أنهم كالذين من قبلهم كذبوا مثل عاد ~~وثمود وغيرهم. # قوله: " وما بلغوا " الظاهر أن الضمير في " بلغوا " وفي " آتيناهم ~~" للذين من قبلهم ليناسق قوله: " فكذبوا رسلي " يعني أنهم لم ~~يبلغوا في شكر النعمة وجزاء المنة " معشار ما آتيناهم " من ~~النعم والإحسان إليهم. وقيل: بل ضمير الرفع لقريش والنصب " للذين من ~~قبلهم " وهو قول ابن عباس على معنى أنهم كانوا أكثر أموالا، وقيل: ~~بالعكس على معنى إنا أعطينا قريشا من الآيات والبراهين ما لم نعط ~~من قبلهم. واختلف في المشعار فقيل: هو بمعنى العشر بني مفعال من لفظ ~~العشر كالمرباع، ولا ثالث لهما من ألفاظ العدد لا يقال: مسداس ms7196 ~~ولا مخماس، وقيل: هو عشر العشر، إلا أن ابن عطية أنكره وقال: ~~ليس بشيء، وقال الماوردي: المعشار هنا عشر العشير، والعشير ~~هو عشر العشر. # فيكون جزءا من ألف قال: وهو الأظهر لأن المراد به المبالغة في التقليل. # فصل # المعنى أن هؤلاء المشركين ما بلغوا معشار ما أعطينا الأمم الخالية ~~من النعمة والقوة وطول العمر فكذبوا رسلي فكيف كان نكير؟ أي ~~إنكاري وتغييري عليهم يحذر كفار هذه الأمة عذاب الأمم الماضية وقي: ~~المراد وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم أي الذين من ~~قبلهم ما بلغوا معشار ما آتينا قوم محمد من البيان والبرهان وذلك ~~لأن كتاب محمد - عليه السلام - أكمل من سائر الكتب وأوضح ومحمد - عليه ~~السلام - أفضل من جميع الرسل وأفصح وبرهانه أوفى، وبيانه أشفى، ثم إن ~~المتقدمين لما كذبوا بما جاءهم من الكتب وبما آتاهم من الرسل أنكر عليهم ~~فكيف لا ينكر عليهم وقد كذبوا بأفصح الرسل وأوضح السبل ويؤيد هذا ~~قوله تعالى: { ومآ آتيناهم من كتب يدرسونها } يعني ~~غير القرآن ما آتيناهم كتابا { وما أرسلنا إليهم قبلك ~~من نذير } فلما كان المؤتى في الآية الأولى هو الكتاب فحمل الآية ~~الثانية على إيتاء الكتاب أولى. # قوله: " فكذبوا " فيه وجهان: # أحدهما: أنه معطوف على { كذب الذين من قبلهم }. # والثاني: أنه معطوف على " وما بلغوا ". وأوضحهما الزمخشري فقال: " ~~فإن قلت: ما معنى " فكذبوا رسلي " وهو مستغنى عنه بقوله: { وكذب ~~الذين من قبلهم }؟ قلت: لما كان معنى قوله: { وكذب ~~الذين من قبلهم } وفعل الذين من قبلهم التكذيب وأقدموا عليه ~~جعل تكذيب الرسل سببا عنه ونظيره أن يقول القائل: أقدم فلان على ~~الكفر فكفر بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ويجوز أن يعطف على قوله: " ~~وما بلغوا " كقولك: " ما بلغ زيد معشار فضل عمرو ~~فيضل عليه " و " نكير " مضاف لفاعله أي إنكاري وتقدم حذف يائه ~~وإثباتها. ### || [34.46-50] # قوله: { قل إنمآ أعظكم بواحدة } أي آمركم وأوصيكم بواحدة ~~أي بخصلة واحدة ثم بين تلك الخصلة فقال: { أن تقوموا لله } أي ~~لأجل الله. # قوله: ms7197 " أن تقوموا " فيه أوجه: # أحدها: أنها مجرورة المحل بدلا من " واحدة " على سبيل البيان. قاله ~~الفارسي. # الثاني: أنها عطف بيان " لواحدة " قاله الزمخشري. وهو مردود لتخالفها ~~تعريفا وتنكيرا، وقد تقدم هذا عند قوله: # فيه آيات بينات مقام إبراهيم # [آل عمران: 97]. # الثالث: أنها منصوبة بإضمار " أعني ". # الرابع: أنها مرفوعة على خبر ابتداء مضمر أي هي أن تقوموا، و " مثنى ~~وفرادى " حال. وتقدم تحقيق القول في " مثنى " وبابه في سورة النساء، ~~ومضى القول في " فرادى " في الأنعام، ومعنى " مثنى " أي اثنين ~~اثنين، و " فرادى " واحدا واحدا. ثم قوله: { ثم تتفكروا } ~~عطف على " أن تقوموا " أي قيامكم ثم تفكركم، والوقف عند ~~أبي حاتم على هذه الآية ثم يتبدىء: { ما بصاحبكم من جنة } ~~وقال مقاتل: تم الكلام (عند) قوله: { ثم تتفكروا } أي في خلق ~~السموات والأرض فتعلموا أن خالقهما واحد لا شريك له. # قوله: { ما بصاحبكم من جنة } وفي " ما " هذه قولان: # أحدهما: أنها نافية. # والثاني: أنها استفهامية لكن لا يراد به حقيقة الاستفهام فيعود إلى ~~النفي. وإذا كانت نافية فهل هي معلقة أو مستأنفة أو جواب القسم الذي ~~تضمنه معنى " تتفكروا " لأنه فعل تحقيق كتبين وبابه؟ ثلاثة ~~أوجه نقل الثالث ابن عطية. وربما نسبه لسيبويه، وإذا كانت ~~استفهامية جاز فيها الوجهان الأولان دون الثالث و " من جنة " يجوز ~~أن يكون فاعلا بالجار لاعتماده وأن يكون مبتدأ، ويجوز في " ما " إذا ~~كانت نافية أن تكون الحجازية أو التميمية. # قوله: " مثنى وفرادى " إشارة إلى جميع الأحوال فإن الإنسان إما أن ~~يكون مع غيره فيدخل في قوله " مثنى " وإن كان وحده دخل في قوله: " ~~فرادى " فكأنه قال: تقوموا لله مجتمعين ومنفردين لا يمنعكم ~~الجمعية من ذكر الله ولا يحوجكم الانفراد إلى معين يعينكم على ذكر ~~الله، ثم تتفكروا في حال محمد - صلى الله عليه وسلم - فتعلموا ما بصاحبكم ~~من " جنة " جنون. وليس المراد من القيام القيام ضد الجلوس وإنما هو ~~القيام بالأمر الذي هو طلب الحق كقوله: # وأن تقوموا لليتامى بالقسط # [النساء:127]. قال ابن الخطيب وقوله: ms7198 { بصاحبكم من جنة } ~~يفيد كونه رسولا وإن كان لا يلزم في كل من لا يكون به جنة أن يكون ~~رسولا، لأن النبي - عليه السلام - كان يظهر من أشياء لا تكون مقدورة ~~للبشر وغير البشر من يظهر منه العجائب إما الجن وإما الملك فإذا لم يكن ~~الصادر من النبي - عليه السلام - بواسطة الجن بل بقدرة الله من غير واسطة ~~وعلى التقديرين فهو رسول الله وهذا من أحسن الطرق، وهو الذي يثبت الصفة ~~التي هي أشرف الصفات في البشر بنفي أخس الصفات فإنه لو قال أولا هو ~~رسول كانوا يقولون فيه النزاع فإذا قال: ما هو مجنون لم يسعهم إنكار ~~ذلك، ليعلمهم بعلو شأنه وحاله في قوة لسانه، فإذا ساعدوا على ذلك لزمتهم ~~المسألة ولهذا قال بعده: { إن هو نذير لكم } يعني إما هو به ~~جنة و هو رسول لكن تبين أنه ليس به جنة فهو نذير. # وقوله: { بين يدي عذاب شديد } إشارة إلى قرب العذاب كأنه ~~قال ينذركم بعذاب حاضر يمسكم عن قريب. # قوله: { قل ما سألتكم من أجر } في " ما " وجهان: # أحدهما: أنها شرطية فيكون مفعولا مقدما و " فهو لكم " جوابها. # والثاني: أنها موصولة في محل رفع بالابتداء والعائد محذوف أي ~~سألتكموه والخبر: " فهو لكم " ودخلت الفاء لشبه الموصول ~~بالشرط والمعنى يحتمل أنه لم يسألهم أجرا البتة كقولك: إن أعطيتني ~~شيئا فخذه مع عملك أي لم يعطك شيئا وقول القائل: ما لي من هذا فقد ~~وهبته لك يريد ليس لي فيه شيء. ويؤيده: { إن أجري إلا على ~~الله } ويحتمل أنه سألهم شيئا نفعه عائد عليهم وهو المراد بقوله: # إلا المودة في القربى # [الشورى:23] " إن أجري " ما ثوابي { إلا على الله وهو ~~على كل شيء شهيد }. # قوله: { إن ربي يقذف بالحق } يجوز أن يكون " يقذف ~~بالحق " مفعوله محذوفا لأن القذف في الأصل الرمي وعبر عنه هنا ~~عوضا عن الإلقاء أي يلقي الوحي إلى أنبيائه " بالحق " أي بسبب الحق ~~أو ملتبسا بالحق. ويجوز أن يكون التقدير يقذف الباطل بالحق أي ~~يدفعه ويطرحه، ms7199 كقوله تعالى: # بل نقذف بالحق على الباطل # [الأنبياء:18]. ويجوز أن يكون الباء زائدة أي نلقي الحق، كقوله: # ولا تلقوا بأيديكم # [البقرة:195] أو تضمن " يقذف " معنى يقضي ويحكم، والقذف الرمي بالسهم أو ~~بالحصاة أو الكلام. قال المفسرون: معناه نأتي بالحق بالوحي ننزله من ~~السماء فنقذفه إلى الأنبياء. # قوله: " علام الغيوب " العامة على رفعه وفيه أوجه: أظهرها: أنه ~~خبر (ثان) ل " إن " أو خبر لمتبدأ مضمر أو بدل من الضمير في " ~~يقذف " أو نعت له على رأي الكسائي؛ لأنه يجيز نعت الضمير الغائب. ~~وقد صرح به هنا وقال الزمخشري: رفع على محل إن واسمها، أو على ~~المستكن في " يقذف " يعني بقوله محمول على محل إن واسمها يعني ~~به النعت إلا أن ذلك ليس مذهب البصريين لأنهم لم يعتبروا المحل إلا في ~~العطف بالحرف بشروط عند بعضهم. # ويريد بالحمل على الضمير في نقذف أنه بدل منه لا أنه نعت له لأن ذلك ~~انفرد به الكسائي، وقرأ زيد بن علي وعيسى بن عمر وابن ~~أبي إسحاق بالنصب نعتا لاسم إن أو بدلا منه على قلة الابدال ~~بالمشتق أو منصوب على المدح. وقرىء الغيوب بالحركات الثلاث في الغين. ~~فالضم والكسر تقدما في " بيوت " وبابه. وأما الفتح صيغة مبالغة ~~كالشكور والصبور وهو الشيء الغائب الخفي. # فصل # قال ابن الخطيب في يقذف بالحق وجهان: أحدهما: نقذف بالحق في قلوب ~~المحقين. وعلى هذا تعلق الآية بما قبلها من حيث إن الله تعالى لما ~~بين رسالة النبي - عليه (الصلاة و) السلام - بقوله: { إن هو إلا ~~نذير } وأكده بقوله: { قل ما سألتكم من أجر فهو لكم ~~} وكان من عادة المشركين استعباد تخصيص واحد من بينهم بإنزال الذكر عليه ~~كما حكى عنهم قولهم: # أءنزل عليه الذكر من بيننا # [ص:8] ذكر ما يصلح جوابا لهم فقال: { قل إن ربي يقذف ~~بالحق } في القلوب (إشارة إلى أن الأمر بيده يفعل ما يريد ويعطي ما ~~يشاء لمن يشاء ثم قال: { علام الغيوب } إشارة إلى جواب سؤال فاسد ~~يذكر عليه وهو أن من فعل شيئا ms7200 كما يريد من غير اختصاص محل الفعل بشيء لا ~~يوجد في غيره لا يكون عالما وإنما ذلك فعل اتفاقا، كما يصيب السهم ~~موضعا دون غيره مع تسوية المواضع في المحاذاة، فقال: " بالحق " كيف ~~شاء وهو عالم بما يفعله (دعاكم) بعواقب ما يفعله إذ هو علام ~~الغيوب فهو كما يريد لا كما يفعل الهاجم الغافل عن العواقب. # الوجه الثاني: أن المراد منه أنه يقذف بالحق على الباطل كقوله: # بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه # [الأنبياء:18] وعلى هذا تعلق الآية بما قبلها من حيث إن براهين التوحيد ~~لما ظهرت وشبهتهم داحضة قال: " إن ربي يقذف بالحق " أي يبلي باطلكم. ~~وعلى هذا الوجه فقوله: " علام الغيوب " هو أن البرهان المعقول لم يقع ~~إلا على التوحيد والرسالة وأما الحشر فلا برهان على وقوعه إلا إخبار ~~الله تعالى عنه وعن أحواله وأهواله ولولا بيان الله بالقول لما بان لأحد ~~بخلاف التوحيد والرسالة فلما قال: " يقذف بالحق " أي على الباطل ~~أشار به إلى ظهور البراهين على التوحيد والنبوة. ثم قال: " علام ~~الغيوب " أي ما يخبره عن الغيب وهو قيام الساعة وأهوالها فهو لا خلف ~~فيه فإن الله علام الغيوب. وتحتمل الآية وجها آخر هو أن يقال: { ربي ~~يقذف بالحق } أي ما يقذفه يقذفه بالحق لا بالباطل. # والباء على الوجهين الأولين متعلق بالمفعول به والحق مقذوف على الوجهين ~~الأولين وعلى هذا الباء في قوله: " بالحق " كالباء في قوله تعالى: # فاحكم بين الناس بالحق # [ص:26] والمعنى على هذا الوجه هو أن الله تعالى قذف ما قذف في قلوب ~~الرسل وهو علام الغيوب يعلم ما في قلوبهم وما في قلوبكم. # قوله: { قل جآء الحق } يعني القرآن. وقيل: التوحيد والحشر، وكل ~~ما ظهر على لسان النبي - عليه (الصلاة و) السلام. وقيل المعجزات الدالة ~~على نبوة محمد - عليه (الصلاة و) السلام وقيل: المراد من جاء بالحق أي ~~ظهر الحق لأن كل ما جاء فقد ظهر. # قوله: { وما يبديء } يجوز في " ما " أن تكون نفيا، وأن تكون ~~استفهاما، ولكن يؤول معناها إلى ms7201 النفس، ولا مفعول " ليبدىء " ولا ~~" ليعيد " إذ المراد لا يوقع هذين الفعلين كقوله: # 4142- أقفر من أهله عبيد # أصبح لا يبدي ولا يعيد # وقيل: مفعوله محذوف أي ما يبدىء لأهله خبرا ولا يعيده، وهو ~~تقدير الحسن. والمعنى: ذهب الباطل ووهن فلم يبق منه بقية يبدي ~~شيئا أو يعيد. وهو كقوله: # بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه # [الأنبياء:18]. وقال قتادة: الباطل هو إبليس أي ما يخلق إبليس أحدا ~~ابتداء ولا يبعثه. وهو (قول) مقاتل والكلبي، وقيل: الباطل الأصنام. # قوله: " إن ضللت " العامة على فتح لامه في الماضي وكسرها في ~~المضارع ولكن بنقل الساكن قبلها. وابن وثاب بالعكس وهو لغة تميم. وتقدم ~~ذلك. # فصل # قال المفسرون: إن كفار مكة كانوا يقولون: إنك ضللت حتى تركت دين آبائك، ~~فقال الله تعالى: { قل إن ضللت فإنمآ أضل على نفسي ~~} أي إثم ضلالي على نفسي { وإن اهتديت فبما يوحي إلي ~~ربي } من القرآن والحكمة { إنه سميع قريب }. # قوله: " فبما يوحي " يجوز أن تكون " ما " مصدرية أي بسبب إيحاء ربي ~~لي، وأن تكون موصولة أي بسبب الذي يوحيه فعائده محذوف. وقوله " سميع " ~~أي يسمع إذا ناديته واستعنت به عليكم قريب يأتيكم من غير تأخير ليس كمن ~~يسمع من بعيد ولا يلحق الداعي. ### || [34.51-54] # قوله: { ولو ترى إذ فزعوا } قال قتادة: عند البعث حتى ~~يخرجوا من قبورهم " فلا فوت " أي فلا تفوتوني كقوله: # ولات حين مناص # [ص:3] وقيل: إذ فرعوا عند الموت فلا نجاة و " لو ترى " جوابه ~~محذوف؛ أي (جوابه) ترى عجبا. # قوله: " فلا فوت " العامة على بنائه على الفتح و " أخذوا " ~~فعلا ماضيا مبنيا للمفعول معطوفا على " فزعوا ". # وقيل: على معنى: " فلا فوت " أي فلم يفوتوا وأخذوا وقرأ عبد الرحمن ~~مولى هاشم، وطلحة فلا فوت وأخذ مرفوعين منونين، وأبي يفتح " ~~فوت " ، ورفع " أخذ " ، فرفع " فوت " على الابتداء أو على اسم لا ~~الليسية، ومن رفع " وأخذ " رفعه بالابتداء والخبر محذوف أي وأخذ هناك ~~أو على خبر ابتداء مضمر أي وحالهم أخذ. ويكون من عطف الجمل مثبتة ~~على ms7202 منفية. # قوله: { وأخذوا من مكان قريب } قال الكلبي: من تحت ~~أقدامهم. وقيل: أخذوا من بطن الأرض إلى ظهرها. وحيث ما كانوا فهم من ~~الله قريب لا يفوتونه. وقيل: من مكان قريب يعني عذاب الدنيا. قال الضحاك: ~~هو يوم بدر. وقال ابن أبزى: خسف بالبيداء. وجواب " لو ترى " ~~محذوف أي لرأيت أمرا يعتبر به. # قوله: { وقالوا آمنا به } أي عند اليأس. والضمير في " به " لله ~~أو للرسول، أو للقرآن أو للعذاب أو للبعث و " أنى لهم " أي من أين ~~لهم أي كيف يقدرون على الظفر بالمطلوب وذلك لا يكون إلا من الدنيا ~~وهم في الآخرة والدنيا من الآخرة بعيدة. # فإن قيل: فكيف قال في كثير من المواضع: إن الآخرة من الدنيا قريبة ~~وسمى الله الساعة قريبة فقال: # اقتربت الساعة # [القمر:1] # اقترب للناس حسابهم # [الأنبياء:1] # لعل الساعة قريب # [الشورى:17]. # فالجواب: أن الماضي كالأمس الدابر وهو أبعد ما يكون؛ إذ لا وصول إليه ~~والمستقبل وإن كان بينه وبين الحاضر سنين فإنه آت فيوم القيامة الدنيا ~~بعيدة منه لمضيها ويوم القيامة في الدنيا قريب لإتيانه. # قوله: " التناوش " مبتدأ و " أنى " خبره، أي كيف لهم التناوش ~~و " لهم " حال، ويجوز أن يكون " لهم " رافعا للتناوش لاعتماده على ~~الاستفهام تقديره كيف استقر لهم التناوش؟ وفيه بعد، والتناوش مهموز في ~~قراءة الأخوين وأبي عمرو، وأبي بكر وبالواو في قراءة غيرهم، فيحتمل أن ~~يكونا مادتين مستقلتين مع اتحاد معناهما، وقيل: الهمزة عن الواو ~~لانضمامها كوجوه وأجوه، ووقتت وأقتت وإليه ذهب جماعة كثيرة ~~كالزجاج والزمخشري وابن عطية والحوفي وأبي البقاء قال الزجاج: ~~كل واو مضمومة ضمة لازمة فأنت فيها بالخيار، وتابعه الباقون قريبا من ~~عبارته. # ورد أبو حيان هذا الإطلاق وقيده بأنه لا بد أن تكون الواو غير مدغم ~~فيها تحرزا من التعوذ وأن تكون غير مصححة في الفعل فإنها متى صحت في ~~الفعل لم تبدل همزة نحو: ترهوك ترهوكا، وتعاون تعاونا. ~~وهذا القيد الآخر يبطل قولهم لأنها صحت في: " تناوش يتناوش " ، ~~ومتى سلم له هذان القيدان أو الأخير ms7203 منهما ثبت رده. والتناوش ~~الرجوع، قال: # 4143- تمنى أن تئوب إلي مي # وليس إلى تناوشها سبيل # أي إلى رجوعها. وقيل: هو التناول يقال: ناش كذا أي تناوله ومنه ~~تناوش القوم بالسلاح كقوله: # 4144- ظلت سيوف بني أبيه تنوشه # لله أرحام هناك تشقق # وقال آخر: # 4145- وهي تنوش الحوض نوشا من علا # نوشا به تقطع أجواز الفلا # وفرق بعضهم بين المهموز وغيره فجعل المهموز بمعنى التأخير. وقال الفراء: ~~من نأشت أي تأخرت. وأنشد: # 4146- تمنى نئيشا أن يكون مطاعنا # وقد حدثت بعد الأمور أمور # وقال آخر: # 4147- قعدت زمانا عن طلابك للعلا # وجئت نئيشا بعد ما فاتك الخير # وقال الفراء أيضا: هما متقاربان يعني الهمزة وتركها مثل ذمت الشيء ~~وذأمته أي عبته وانتاش انتياشا كتناوش وقال: # 4148- كانت تنوش العنق انتياشا # وهذا مصدر على غير المصدر، و " من مكان " متعلق بالتناوش. # فصل # المعنى كيف لهم تناول ما بعد وهم الإيمان والتوبة وقد كان قريبا في ~~الدنيا فضيعوه وهذا على قراءة من لم يهمز وأما من همز فقيل معناه هذا ~~أيضا. وقيل: التناوش بالهمز من النيش وهي حركة في إبطاء، يقال: جاء ~~نيشا أي مبطئا متأخرا والمعنى من أي لهم الحركة فيما لا حيلة لهم ~~فيه. # قال ابن عباس: يسألون الرد فيقال: وأنى لهم الرد إلى الدنيا " من ~~مكان بعيد " أي من الآخرة إلى الدنيا. # قوله: { وقد كفروا به } جملة حالية. وقوله " به " أي بالقرآن. ~~وقيل: بالله أو محمد - عليه (الصلاة و) السلام -. # وقيل: بالعذاب أو البعث. و " من قبل " أي من قبل نزول العذاب. وقيل: من ~~قبل أن عاينوا أهوال القيامة، ويجوز أن تكون الجملة مستأنفة والأول أظهر. # قوله: " ويقذفون " يجوز فيها الاستئناف والحال، وفيه بعد. عكس ~~الأول لدخول الواو على مضارع مثبت. وقرأ أبو حيوة ومجاهد ومحبوب عن أبي ~~عمرو: ويقذفون مبنيا للمفعول أي يرجمون بما يسوؤهم من جزاء ~~أعمالهم من حيث لا يحتسبون. # فصل # ويقذفون قال مجاهد: يرمون محمدا صلى الله عليه وسلم بالظن لا باليقين ~~وهو قولهم: ساحر وشاعر وكاهن. ومعنى الغيب هو الظن ms7204 لأنه غاب علمه عنهم ~~والمكان البعيد بعدهم عن علم ما يقولون والمعنى يرمون محمدا بما لا ~~يعلمون من حيث لايعلمون. # وقال قتادة: " أي يرجمون بالظن يقولون لا بعث ولا جنة ولانار ". # قوله: { وحيل } تقدم في الإشمام والكسر أول البقرة. والقائم مقام ~~الفاعل ضمير المصدر أي وحيل هو أي الحول ولا تقدره مصدرا مؤكدا بل ~~مختصا حتى يصح قيامه، وجعل الحوفي القائم مقام الفاعل " بينهم ". ~~واعترض عليه بأنه كان ينبغي أن يرفع. وأجيب عنه بأنه إنما بني على الفتح ~~لإضافته إلى غير متمكن. ورده أبو حيان بأنه لا يبنى المضاف إلى غير ~~متمكن مطلقا، فلا يجوز: قام غلامك ولا مررت بغلامك ~~بالفتح. قال شهاب الدين: وقد تقدم في قوله: # لقد تقطع بينكم # [الأنعام:94] ما يغني عن إعادته. ثم قال أبو حيان: وما يقول قائل ذلك في ~~قول الشاعر: # 4149-...................... # وقد حيل بين العير والنزوان # فإنه نصب " بين " مضافة إلى معرب. وخرج أيضا على ذلك قول الآخر: # 4150- وقالت متى يبخل عليك ويعتلل # يسؤك (و) إن يكشف غرامك تدرب # أي يتعلل هو أي الاعتلال. # قوله: { وحيل بينهم وبين ما يشتهون } يعني الإيمان ~~والتوبة والرجوع إلى الدنيا. # وقيل: نعيم الدنيا وزهرتها، { كما فعل بأشياعهم } بنظرائهم ~~ومن كان (على) مثل حالهم من الكفار. " من قبل " لم يقبل منهم ~~الإيمان في وقت اليأس { إنهم كانوا في شك } من البعث ونزول ~~العذاب بهم، و " من قبل " متعلق " بفعل " أو " بأشياعهم " ~~أي (الذين) شايعوهم قبل ذلك الحين. # قوله: " مريب " قد تقدم أنه اسم فاعل من أراب أي أتى بالريب أو دخل ~~فيه وأربته أوقعته في الريب. ونسبة الإرابة إلى الشك ~~مجازا. # وقال الزمخشري هنا إلا أن ههنا فريقا وهو أن المريب من المتعدي ~~منقول من صحاب الشك إلى الشك كما تقول شعر شاعر.... وهي عبارة حسنة مفيدة ~~وأين هذا من قول بعضهم ويجوز أن يكون أردفه على الشك ليناسق آخر الآية ~~بالتي قبلها من مكان قريب. وقول ابن عطية الشك المريب: أقوى ما يكون من ~~الشك وأشده، وتقدم تحقيق ms7205 الريب أول البقرة، وتشينع الراغب على من يفسره ~~بالشك، والله أعلم. # روى أو أمامة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-. # " من قرأ سورة سبأ لم يبق نبي ولا رسول إلا ~~كان له رفيقا ومصافحا ". # (صدق نبي الله وحبيب الله - صلى الله عليه وسلم -). ### | [35 - سورة فاطر] ### || [35.1-5] # قوله: { الحمد لله فاطر السماوات والأرض } قد تقدم ~~أن الحمد يكون على النعمة في أكثر الأمر. ونعم الله على قسمين عاجلة ~~وآجلة والعاجلة وجود وبقاء والآجلة كذلك إيجاد مرة وإبقاء. # قوله: " فاطر " إن جعلت إضافة محضة كان نعتا " لله " وإن جعلتها غير ~~محضة كان بدلا. وهو قليل، من حيث إنه مشتق، وهذه قراءة العامة. ~~والزهري والضحاك: " فطر " فعلا ماضيا وفيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها صلة لموصول محذوف أي الذي فطر. كذا قدره أبو (حيان) وأبو ~~الفضل، ولا يليق بمذهب البصريين لأن حذف الموصول الاسمي لا يجوز، وقد ~~تقدم هذا الخلاف متسوفى في البقرة. # الثاني: أنه حال على إضمار " قد ". قاله أبو الفضل أيضا. # الثالث: أنه خبر مبتدأ مضمر أي هو فطر. وقد حكى الزمخشري قراءة تؤيد ~~ما ذهب إليه الرازي فقال: " وقرىء الذي فطر وجعل " ، فصرح ~~بالموصول. # فصل # معنى فاطر السموات والأرض أي خالقهما ومبدعهما على غير مثال سبق. قاله ~~ابن عباس. وقيل: فاطر السموات والأرض أي شاقهما لنزول الأرواح من ~~السماء وخروج الأجساد من الأرض. ويدل عليه قوله تعالى: { جاعل ~~الملائكة رسلا } فإن في ذلك اليوم تكن الملائكة رسلا. # قوله: " جاعل " العامة أيضا على جره نعتا أو بدلا، والحسن بالرفع ~~والإضافة. # وروي عن أبي عمرو كذلك إلا أنه لم ينون ونصب الملائكة، وذلك على حذف ~~التنوين لالتقاء الساكنين كقوله: # 1451-........................ # ولا ذاكر الله إلا قليلا # وابن يعمر وخليد بن نشيط " جعل " فعلا ماضيا بعد قراءة ~~فاطر بالجر وهذه كقراءة: # فالق الإصباح وجعل الليل # [الأنعام:96]. والحسن وحميد رسلا بسكون السين وهي لغة تميم. ~~وجاعل يجوز أن يكون بمعنى مصير أوبمعنى خالق فعلى الأولى يجري الخلاف هل ~~نصب الثاني ms7206 باسم الفاعل أو بإضمار فعل هذا إن اعتقد أن جاعلا غير ماض ~~أما إذا كان ماضيا تعين أن ينتصب بإضمار فعل. # وتقدم تحقيق ذلك في الأنعام وعلى الثاني ينتصب على الحال، و " مثنى ~~وثلاث ورباع " صفة لأجنحة و " أولي " صفة لرسلا. # وتقدم تحقيق الكلام في مثنى وأختيها في سورة النساء. قال أبو ~~حيان وقيل: أولي أجنحة معترض و " مثنى " حال والعامل فعل محذوف يدل عليه ~~رسلا أي يرسلون مثنى وثلاث ورباع. وهذا لا يسمى اعتراضا ~~لوجهين: # أحدهما: أن " أولي " صفة لرسلا والصفة لا يقال فيها معترضة. # والثاني: أنها ليست حالا من " رسلا " (بل) من محذوف فكيف يكون ما ~~قبله معترضا؟ ولو جعله حالا من الضمير في " رسلا " لأنه مشتق لسهل ~~ذلك بعض شيء ويكون الاعتراض بالصفة مجازا من حيث إنه فاصل في الصورة. # قوله: " يزيد " مستأنف. و " ما يشاء " هو المفعول الثاني ~~للزيادة. والأول لم يقصد فهو محذوف اقتصارا لأن قوله في الخلق يغني ~~عنه. # فصل # قول قتادة ومقاتل: أولي أجنحة بعضهم له جناحان وبعضهم له ثلاثة أجنحة، ~~وبعضهم له أجنحة يزيد فيها ما يشاء وهو قوله: { يزيد في الخلق ~~ما يشآء } قال (عبد الله) بن مسعود في قوله عز وجل: # لقد رأى من آيات ربه الكبرى # [النجم:18]. قال: رأي جبريل في صورته له ستمائة جناح. " قال ابن ~~شهاب في قوله: { يزيد في الخلق ما يشآء } قال: حسن الصوت ". ~~وعن قتادة: هو الملاحة في العينين. وقيل: هو العقل والتمييز { إن ~~الله على كل شيء قدير }. # قوله: { ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك ~~لها } لما بين كمال القدرة ذكر بيان نفوذ المشيئة ونفاذ الأمر وقال: { ~~ما يفتح الله } إن رحم الله فلا مانع له وإن لم يرحم فلا باعث ~~له عليها. وفي الآية دليل على سبق الرحمة الغضب من وجوه: # أحدها: التقديم حيث قدم بيان فتح أبواب الرحمة في الذكر. # وثانيها: أنه أنث الكناية فقال: { فلا ممسك لها } ويجوز من حيث ~~العربية أن يقال: " له " عودا إلى " ما " ولكن ms7207 قال الله تعالى ذلك ~~ليعلم أن المفتوح أبواب الرحمة فيه واصلة إلى من رحمته وقال عند ~~الإمساك: { وما يمسك فلا مرسل له } بالتذكير ولم يقل " لها ~~" فلم يصرح بأنه لا مرسل للرحمة بل ذكره بلفظ يحتمل أن يكون الذي يرسل هو ~~غير الرحمة، فإن قوله (تعالى): " وما يمسك " عام من غير بيان ~~وتخصيص. # وثالثها: قوله من بعده أي من بعد الله فاستثنى ههنا وقال: { لا ~~مرسل له إلا الله } وعند الإمساك قال: { لا ممسك لها } ~~ولم يقل غير الله لأن الرحمة إذا جاءت لا ترتفع فإن من رحمه الله في ~~الآخرة لا يعذبه بعدها هو ولا غيره ومن يعذبه الله قد يرحمه الله بعد ~~العذاب كالفساق من أهل الإيمان. # قوله: " من رحمة " تبين أو حال من اسم الشرط ولا يكون صفة ل " ما ~~" لأن اسم الشرط لا يوصف قال الزمخشري: وتنكير الرحمة للإشاعة والإبهام ~~كأنه قيل: أي رحمة كانت سماوية أو أرضية؟ قال أبو حيان: والعموم مفهوم ~~من اسم الشرط و " من رحمة " بيان لذلك العام من أي صنف هو وهو مما ~~اجتزىء فيه بالنكرة المفردة عن الجمع المعرف المطابق في العموم لاسم ~~الشرط وتقديره من الرحمات. و " من " في موضع الحال. انتهى. # قوله " وما يمسك " يجوز أن يكون على عمومه أي أي شيء أمسكه ~~من رحمة أو غيرها. # فعلى هذا التذكير في قوله له ظاهر لأنه عائد على " ما يمسك ". ويجوز أن ~~يكون قد حذف المبين من الثاني لدلالة الأول عليه تقديره وما يمسك من ~~رحمة فعلى هذا التذكير في قوله: " له " على لفظ " ما " وفي قوله أولا: ~~فلا ممسك لها التأنيث فيه حمل على معنى " ما " لأن المراد به الرحمة فحمل ~~أولا على المعنى وفي الثاني على اللفظ. والفتح والإمساك استعارة حسنة ~~" وهو العزيز " فيما أمسك أي كامل القدرة " الحكيم " فيما أرسل ~~أي كامل العلم. قال - عليه (الصلاة و) السلام - # " اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما ~~منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ". # قوله: { يأيها الناس ms7208 اذكروا نعمت الله عليكم } ~~لما بين أن الحمد لله وبين بعض وجوه النعمة التي تستوجب الحمد على ~~سبيل التفصيل بين النعمة على سبيل الإجمال فقال: { اذكروا نعمة ~~الله عليكم } وهي مع كونها منحصرة في قسمين نعمة الإيجاد ونعمة ~~الإبقاء فقال: { هل من خالق غير الله } إشارة إلى نعمة ~~الإيجاد في الابتداء وقال: " يرزقكم " إشارة إلى نعمة الإبقاء ~~بالرزق في الانتهاء. # قوله: { من خالق غير الله } قرأ الأخوان " غير " بالجر ~~نعتا " لخالق " على اللفظ و " من خالق " مبتدأ مراد فيه " من ~~" وفي خبره قولان: # أحدهما: هو الجملة من قوله: " يرزقكم ". # والثاني: أنه محذوف تقديره: " لكم " ونحوه، وفي " يرزقكم " على هذا ~~وجهان: # أحدهما: أنه صفة أيضا لخلق فيجوز أن يحكم على موضعه بالجر ~~اعتبارا باللفظ وبالرفع اعتبارا بالموضع. # والثاني: أنه مستأنف. وقرأ الباقون بالرفع وفيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه خبر المبتدأ. # والثاني: أنه صفة لخالق على الموضع والخبر إما محذوف وإما " ~~يرزقكم ". # والثالث: أنه مرفوع باسم الفاعل على جهة الفاعلية لأن اسم الفاعل قد ~~اعتمد على أداة الاستفهام إلا أن أبا حيان توقف في مثل هذا من حيث إن ~~اسم الفاعل وإن اعتمد إلا أنه لم يحفظ (فيه) زيادة " من " قال: فيحتاج ~~مثله إلى سماع. ولا يظهر التوقف فإن شروط الزيادة والعمل موجودة، وعلى ~~هذا الوجه " فيرزقكم " إما صفة أو مستأنف. # وجعل أبو حيان استئنافه أولى، قال: لانتفاء صدق " خالق " على غير الله ~~بخلاف كونه صفة فإن الصفة تقيد فيكون ثم خالق غير الله لكنه ليس ~~برازق. وقرأ الفضل بن إبراهيم النحوي " غير " بالنصب على ~~الاستثناء والخبر " يرزقكم " أو محذوف و " يرزقكم " مستأنفة أو ~~صفة. # فصل # قال المفسرون: هذا استفهام على طريق التنكير كأنه قال: لا خالق غير الله ~~يرزقكم من السماء والأرض أي من السماء المطر ومن الأرض النبات { لا إله ~~إلا هو } مستأنف " فأنى تؤفكون " أي فأنى تصرفون عن ~~هذا الظاهر فكيف تشركون المنحوت بمن له الملكوت؟ ثم لما بين الأصل ~~الأول وهو التوحيد ذكر الأصل الثاني وهو الرسالة فقال: ms7209 { وإن ~~يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك } يسلي نبيه - صلى ~~الله عليه وسلم - ثم بين من حيث الإجمال أن المكذب في العذاب (و) غير ~~المكذب له الثواب بقوله: { وإلى الله ترجع الأمور } ثم بين ~~الأصل الثالث وهو الحشر فقال: { يأيها الناس إن وعد ~~الله حق } يعني وعد القيامة { فلا تغرنكم الحياة ~~الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور } أي الشيطان. ~~وقرأ العامة بفتح " الغرور " وهو صفة مبالغة كالصبور والشكور. ~~وأبو السمال وأبو حيوة بضمها؛ إما جمع غار كقاعد وقعود ~~وإما مصدر كالجلوس. ### || [35.6-9] # قوله: { إن الشيطان لكم عدو } لما قال تعالى: # ولا يغرنكم بالله الغرور # [فاطر:5] يمنع العاقل من الاغترار وقال: { الشيطان لكم عدو ~~فاتخذوه عدوا } ، ولا تسمعوا قوله. وقوله: " فاتخذوه ~~عدوا " أي اعملوا ما يسوؤه وهو العمل الصالح. ثم قال: { إنما ~~يدعوا حزبه ليكونوا } أي أشياعه { ليكونوا من ~~أصحاب السعير }. (و) في الآية إشارة إلى معنى لطيف وهو أن من ~~يكون له عدو فإما أن يعاديه مجازاة له وإما أن يرضيه فلما قال ~~تعالى: { إن الشيطان لكم عدو } أمرهم بالعداوة وأشار ~~إلى أن الطريق ليس إلا هذا. وأما الإرضاء فلا فائدة فيه لأنكم إن ~~أرضيتموه واتبعتموه فهو لا يؤديكم إلا إلى السعير. # واعلم أن من علم أن له عدوا لا مهرب له منه وجزم بذلك فإنه يقف له ~~ويصير معه على قتاله إلى أن يظفر به وكذلك الشيطان لا يقدر الإنسان (أن) ~~يهرب منه فإنه يقف معه ولا يزال ثابتا على الجادة والاتكال على ~~العبادة. ثم بين تعالى ما حال حزبه وحال حزب الله وهو قوله: " الذين ~~كفروا " يجوز رفعه ونصبه وجره فرفعه من وجهين: # أظهرهما: أن يكون مبتدأ والجملة بعده خبره. والأحسن أن يكون " لهم " هو ~~الخبر و " عذاب " فاعله. # الثاني: أنه بدل من واو " ليكونوا ". ونصبه من أوجه: البدل من " ~~حزبه " أو النعت له أو إضمار فعل " أذم " ونحوه، وجره من وجهين: ~~النعت أو البدلية من " أصحاب السعير " وأحسن الوجوه الأول لمطابقة ~~التقسيم. واللام في " ليكونوا " إما للعلة على ms7210 المجاز من إقامة ~~السبب مقام المسبب وإما الصيرورة ثم قال: { لهم عذاب ~~شديد } وهذا حال حزب الشيطان { والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير } فالإيمان في مقابلته ~~المغفرة فلا يؤبد مؤمن في النار والعمل الصالح في مقابلته " الأجر ~~الكبير ". # قوله: { أفمن زين له سوء عمله } " من " موصول مبتدأ ~~وما بعده صلته والخبر محذوف فقدره الكسائي { تذهب نفسك عليهم ~~حسرات } لدلالة: " فلا تذهب " عليه. وقدره الزجاج: " وأضله ~~الله كمن هداه " وقدره غيرهما كمن لم يزين له. وهو أحسن، ~~لموافقته لفظا ومعنى. ونظيره " أفمن كان على بينة من ~~ربه كمن (هو أعمى) " # أفمن يعلم أنمآ أنزل إليك من ربك الحق ~~كمن هو أعمى # [الرعد:19]. والعامة على " زين " مبنيا للمفعول " سوء " رفع ~~وعبيد بن عمير زين مبنيا للفاعل وهو الله " سوء " بالنصب ~~به. وعنه " أسوأ " بصيغة التفضيل منصوبا. وطلحة " أمن " بغير ~~فاء. # قال أبو الفضل: الهمزة للاستخبار بمعنى العامة للتقرير ويجوز أن تكون ~~بمعنى حرف النداء فحذف التمام كما حذف من المشهور الجواب، يعني أنه ~~يجوز في هذه القراءة أن تكون الهمزة للنداء وحذف التمام أي ما نودي ~~لأجله كأنه قيل: يا من زين له سوء عمله ارجع إلى الله وتب ~~إليه، وقوله: " كما حذف الجواب " يعني به خبر المبتدأ الذي تقدم ~~تقريره. # فصل # قال ابن عباس: نزلت في أبي جهل ومشركي مكة. وقال سعيد بن جبير: نزلت في ~~أصحاب الأهواء والبدع فقال قتادة: منهم الخوارج الذين يستحلون دماء ~~المسلمين وأموالهم فأما أهل الكبائر فليسوا منهم لأنهم لا يستحلون ~~الكبائر. ومعنى زين له سوء عمله شبه له وموه عليه وحسن له سوء عمله أي ~~قبح عمله فرآه حسنا زين له الشيطان ذلك بالوسواس. وفي الآية حذف مجازه: ~~أفمن زين له سوء عمله فرأى الباطل حقا كمن هداه الله ~~فرأى الحق حقا والباطل باطلا؟ { فإن الله يضل من يشاء ~~ويهدي من يشاء } وذلك لأن أشخاص الناس متساوية في الحقيقة ~~والإساءة والإحسان والسيئة والحسنة تمتاز بعضها عن بعض فإذا عرفها البعض ~~دون البعض لا ms7211 يكون ذلك بالاستقلال منهم فلا بد من الاستناد إلى إرادة ~~الله تعالى. # ثم سلى- رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث حزن على إصرارهم بعد ~~إتيانه بكل آية ظاهرة وحجة قاهرة فقال: { فلا تذهب نفسك ~~عليهم حسرات } كقوله تعالى: # فلعلك باخع نفسك على ءاثارهم إن لم ~~يؤمنوا # [الكهف:6] أي لا تغتم بكفرهم وهلاكهم إن لم يؤمنوا. # قوله: " فلا تذهب " العامة على فتح التاء مسندا " لنفسك " من ~~باب " لا أرينك ههنا " أي لا تتعاط أسباب ذلك. وقرأ أبو جعفر ~~وقتادة والأشهب بضم التاء وكسر الهاء مسندا لضمير المخاطب (و) نفسك ~~مفعول به. # قوله: " حسرات " فيه وجهان: # أحدهما: أنه مفعول من أجله أي لأجل الحسرات. # والثاني: أنه في موضع الحال على المبالغة كأن كلها صا(ر)ت حسرات ~~لفرط التحسر كما قال: # 4152- مشق الهواجر لحمهن مع السرى # حتى ذهبن كلاكلا وصدورا # يريد: رجعن كلاكلا وصدروا، أي لم يبق إلا كلاكلها وصدورها كقولهم ~~(شعر): # 4153- فعلى إثرهم تساقط نفسي # حسرات وذكرهم لي سقام # وكون " كلاكل وصدور " حال قوله سيبويه. وجعلها المبرد تمييزين ~~منقولين من الفاعلية. والحسرة شدة الحزن على ما فات من الأمر. ثم قال: { ~~إن الله عليم بما يصنعون } أي الله عالم بفعلهم يجازيهم ~~على ما يصنعونه، ثم عاد إلى البيان وقال: { الله الذي أرسل ~~الرياح } وهبوب الرياح دليل ظاهر على الفاعل المختار، لأن الهواء قد ~~يسكن وقد يتحرك وعند حركته قد يتحرك إلى اليمين وقد يتحرك إلى الشمال وفي ~~حركاته المخلتفة قد ينشىء السحاب وقد لا ينشىء. # فهذه الاختلافات دليل على مسخر مدبر مؤثر مقدر. # قوله: " فتثر " عطف على " أرسل " لأن " أرسل " بمعنى المستقبل ~~فلذلك عطف عليه وأتى بأرسل لتحقق وقوعه. و " تثير " لتصور ~~الحال واستحضار الصورة البديعة كقوله: # أنزل من السمآء مآء فتصبح الأرض مخضرة # [الحج:63] وكقول تأبط شرا: # 4154- ألا من مبلغ فتيان فهم # بما لاقيت عند رحا مطان # بأني قد رأيت الغول تهوي # بسهب كالصحيفة صحصحان # فقلت لها كلانا نضو أرض # أخو سفر فخل لي مكاني # فشدت شدة نحوي فأهوت # لها كفي بمصقول ms7212 يماني # فأضربها بلا دهش فخرت # صريعا لليدين وللجران # حيث قال: " فأضربها " ليصور لقومه حاله وشجاعته وجرأته وقوله: " ~~فسقناه و أحيينا " معدولا بهما عن لفظ الغيبة إلى ما هو ~~أدخل في الاختصاص وأدل عليه. # فصل # قال: أرسل بلفظ الماضي وقال: " فتثير سحابا " بلفظ المستقبل، ~~لأنه لما أسند فعل الإرسال إلى الله وما يفعله يكون بقوله كن فلا يبقى ~~في العدم لا زمانا ولا جزءا من الزمان فلم يقل بلفظ المستقبل لوجوب ~~وقوعه وسرعة كونه كأنه كان، ولأنه فرغ من كل شيء فهو قدر الإرسال في ~~الأوقات المعلومة وإلى المواضع المعينة. ولما أسند فعل الإشارة إلى الريح ~~وهي تؤلف في زمان فقال: تثير أي على هيئتها وقال: " سقنا " أسند ~~الفعل إلى المتلكم وكذلك في قوله: " فأحيينا " ، لأنه في الأول عرف ~~نفسه بفعل من الأفعال وهو الإرسال ثم لما عرف قال: أنا الذي بعثت ~~السحاب وأحييت الأرض. ففي الأول كان تعريفا بالفعل العجيب وفي ~~الثاني: كان تذكيرا بالنعمة فإن كمال نعمة الرياح والسحاب بالسوق ~~والإحياء وقوله: " سفنا وأحيينا " بصيغة الماضي يؤيد ما ذكرنا ~~من الفرق بين قوله: " أرسل " وبين قوله: " تثير ". ثم قال: " كذلك ~~النشور " أي من القبور ووجه التشبيه من وجوه: # أحدها: أن الأرض الميتة لما وصلت الحياة اللائقة بها كذلك الأعضاء تقبل ~~الحياة. # وثانيها: كما أن الريح تجمع القطع السحابية كذلك نجمع أجزاء الأعضاء ~~وأبعاض الأشياء. # وثالثها: كما أنا نسوق الريح والسحاب إلى البلد نسوق الروح إلى ~~الجسد الميت. # فإن قيل: ما الحكمة في هذه الآية من بين الآيات مع أن الله تعالى له في ~~كل شيء آية تدل على أنه واحد؟ # فالجواب: أنه تعالى لما ذكر أنه فاطر السماوات والأرض وذكر من الأمور ~~السماوية والأرواح وإرسالها بقوله: { جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة ~~} ذكر في الأمور الأرضية الرياح. ### || [35.10-14] # قوله: { من كان يريد } شرط جوابه مقدر باختلاف التفسير في قوله: { ~~من كان يريد العزة } (فقال مجاهد: معناه) من كان يريد العزة ~~بعبادة الأوثان فيكون تقديره فليطلبها. # وقال قتادة: من كان يريد ms7213 العزة وطريقة القويم ويحب نيلها على ~~وجهها. فيكون تقديره على هذا فليطلبها. # وقال الفراء: من كان يريد علم العزة فيكون التقدير: فلينسب ذلك ~~إلى الله. # قويل: من كان يريد العزة لا يعقبها ذلة. فيكون التقدير: فهو لا ~~يبالها. ودل على هذه الأجوبة قوله: " فلله العزة " وإنما ~~قيل: إن الجواب محذوف وهو هذه الجملة لوجهين: # أحدهما: أن العزة لله مطلقا من غير ترتبها على شرط إرادة أحد. # والثاني: أنه لا بد في الجواب من ضمير يعود على اسم الشرط إذا كان غير ~~ظرف ولم يوجد هنا ضمير، و " جميعا " حال، والعامل فيها الاستقرار. # فصل # قال قتادة: من كان يريد العزة فليتفرد بطاعة الله - عز وجل - ومعناه ~~الدعاء إلى طاعة من له العزة أي فليطلب العزة من عند الله بطاعته كما ~~يقال: من كان يريد المال فالمال لفلان (أي) فليطلبه من عنده وذلك أن ~~الكفار عبدوا الأصنام وطلبوا بها التعزيز كما قال تعالى: # واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا ~~كلا # [مريم: 81-82] وقال: # الذين يتخذون الكافرين أوليآء من دون ~~المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة ~~لله جميعا # [النساء:139]. # قوله: " إليه يصعد " العامة على بنائه للفاعل من " صعد " ~~ثلاثيا " الكلم الطيب " (برفعهما فاعلا ونعتا. وعلي وابن ~~مسعود يصعد من أصعد الكلم الطيب) منصوبان على المفعول ~~والنعت وقرىء يصعد مبنيا للمفعول. وقال ابن عطية: قرأ الضحاك ~~يصعد بضم الياء لكن لم يبين كونه مبنيا للفاعل أو المفعول. # فصل # قال المفسرون: الكلم الطيب قول لا إله إلا الله. وقيل: هو قول ~~الرجل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا والله ~~أكبر. وعن ابن مسعود قال: إذا حذثتكم حديثا أنبأتكم ~~بمصداقه من كتاب الله - عز وجل - ما من عبد مسلم يقول خمس كلمات ~~سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وتبارك الله ~~إلا أحذهن ملك فجعلهن تحت جناحه ثم صعد بهن، فلا يمر بهن ~~على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يجيء بهن وجه ~~رب العالمين ومصداقه من كتاب الله ms7214 عز وجل قوله: { إليه يصعد ~~الكلم الطيب } وقيل: الكلم الطيب: ذكر الله. وعن قتادة: إليه ~~يصعد الكلم الطيب أي يقبل الله الكلم الطيب. # قوله: " والعمل الصالح " العامة على الرفع وفيه وجهان: # أحدهما: أنه معطوف على " الكلم الطيب " فيكون صاعدا أيضا. # و " يرفعه " على هذا استئناف إخبار من الله برفعهما. وإنما وحد ~~الضمير وإن كان المراد الكلم والعمل ذهابا بالضمير مذهب اسم الإشارة. ~~كقوله: # عوان بين ذلك # [البقرة:68] وقيل: لاشتراكهما في صفة واحدة وهي الصعود. # والثاني: أنه مبتدأ و " يرفعه " الخبر ولكن اختلفوا في فاعل " يرفع ~~" على ثلاثة أوجه: # أحدهما: أنه ضمير الله تعالى أي والعمل على الصالح يرفعه الله إليه. # والثاني: أنه ضمير العمل الصالح. وضمير النصب على هذا وجهان: # أحدهما: أنه يعود على صاحب العمل أي يرفع صاحبه. # والثان: أنه ضمير الكلم الطيب أي العمل الصالح يرفع الكلم الطيب. ونقل ~~هذا عن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن وعكرمة وأكثر المفسرين إلا أن ~~ابن عطية منع هذا عن ابن عباس وقال: لا يصح؛ لأن مذهب أهل السنة أن الكلم ~~الطيب مقبول وإن كان صاحبه عاصيا. # والثالث: أن ضمير الرفع للكلم والنصب للعمل أي يرفع العمل، وقرأ ابن ~~أبي عبلة وعيسى بالنصب العمل الصالح على الاشتغال والضمير ~~المرفوع للكلم أو لله والمنصوب للعمل. # فصل # قال الحسن وقتادة: الكلم الطيب ذكر الله والعمل الصالح أداء ~~فرائضه، فمن ذكر الله ولم يؤد فرائضه رد كلامه على عمله وليس الإيمان ~~بالتمني ولا بالتخلي لكن ما وقر في القلوب وصدقه الأعمال فمن قال ~~حسنا وعمل غير صالح رد الله عليه قوله ومن قال حسنا وعمل ~~صالحا رفعه العمل لقوله تعالى: { إليه يصعد الكلم ~~الطيب والعمل الصالح يرفعه } وقال -عليه (الصلاة و) ~~السلام - # " لم يقبل الله إلا قولا بعمل ولا قولا وعملا ~~إلا بنية " # ومن قال الهاء في قوله " يرفعه " راجعة إلى العمل الصالح أي الكلم ~~الطيب يرفع العمل الصالح فلا يقبل عمل إلا أن يكون صادرا عن ~~التوحيد. وهذا معنى قول الكلبي ومقاتل. وقال ms7215 سفيان بن عيينة: العمل ~~الصالح هو الخالص يعني أن الإخلاص سبب قبول الخيرات من الأقولا والأفعال ~~لقوله تعالى: # فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه ~~أحدا # [الكهف:110] فجعل نقيض العمل الصالح الشرك والرياء. # قوله: { والذين يمكرون السيئات } " يمكرون " أصله قاصر ~~فعلى هذا ينتصب " السيئات " على نعت مصدر محذوف أي المكرات السيئات أو ~~تعت لمضاف إلى (مصدر) أي أصناف المكرات السيئات. ويجوز أن يكون " ~~يمكرون " مضمنا معنى يكسبون فينتصب " السيئات " مفعولا به. قال ~~الزمخشري: ويحتمل أن يقال استعمل المكر استعمال العمل فمعناه تعديته كما ~~قال: # للذين يعملون السيئات # [النساء:18] قال مقاتل: يعني الشرك. وقال أبو العالية: يعني الذين مكروا ~~برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في دار الندوة كما قال تعالى: # وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك # [الأنفال:30]. # قوله: { ومكر أولئك هو يبور } هو مبتدأ و " يبور " خبره ~~والجملة خبر قوله: { ومكر أولئك } وجوز الحوفي وأبو ~~البقاء أن يكون " هو " فصلا بين المبتدأ أو الخبر وخبره. وهذا مردود بأن ~~الفصل لا يقع قبل الخبر إذا كان فعلا إلا أن الجرجاني جوز ذلك، ~~وجوز أبو البقاء أيضا أن يكون " هو " تأكيدا وهذا مردود بأن المضمر لا ~~يؤكد الظاهر. ومعنى " يبور " يهلك ويبطل في الآخرة. # قوله تعالى: { والله خلقكم من تراب....الآية } قد تقدم أن ~~الدلائل مع كثرتها منحصرة في قسمين: دلائل الآفاق ودلائل الأنفس كما قال ~~تعالى: # سنريهم ءاياتنا في الآفاق وفي أنفسهم # [فصلت: 53] فلما ذكر دلائل الآفاق من السموات وما يرسل منها من الرياح ~~شرع في دلائل الأنفس وتقدم ذكره مرارا أن قوله: " من تراب " إشارة ~~إلى خلق آدم " ثم من نطفة " إشارة إلى خلق أولاده. وتقدم أن ~~الكلام غير محتاج إلى هذا التأويل بل خلقكم خطاب مع الناس وهم أولاد آدم، ~~وكلهم من تراب ومن نطفة لأن كلهم من نطفة والنطفة من غذاء والغذاء ~~(ينتهي) بالآخرة إلى الماء والتراب فهو من تراب صار نطفة " ثم ~~جعلكم أزواجا ذكرانا وإناثا ". # قوله: " من أنثى " من مزيدة في " أنثى " وكذلك في: " من ~~معمر " إلا ms7216 أن الأول فاعل وهذا مفعول قام مقامه و " إلا ~~بعلمه " حال أي إلا ملتبسة بعلمه. # قوله: " من عمره " في هذا الضمير قولان: # أحدهما: أنه يعود على " معمر " آخر لأن المراد بقوله: " من ~~معمر " الجنس فهو يعود عليه لفظا لا معنى، لأنه بعد أن فرض كونه ~~معمرا استحال أن ينقص من عمره نفسه كقوله: # 4155- وكل أناس قاربوا قتل فحلهم # ونحن خلعنا قيده فهو سارب # ومنه: عندي درهم ونصفه أي ونصف درهم آخر. # والثاني: أنه يعود على " معمر " لفظا ومعنى. أنه إذا مضى من عمره ~~حول أحصي وكتب ثم حول آخر كذلك فهذا هو النقص. وإليه ذهب ابن عباس ~~وابن جبير وأبو مالك؛ ومنه قول الشاعر: # 4156- حياتك أنفاس تعد فكلما # مضى نفس منك انتقصت به جزءا # وقرأ يعقوب وسلام - وتروى عن أبي عمرو - ولا ينقص مبنيا للفاعل. ~~وقرأ الحسن: من عمره بسكون الميم. # فصل # معنى " وما يعمر من معمر " لا يطول عمره ولا ينقص من عمره أي من عمر آخر ~~كما يقال: لفلان عندي درهم ونصفه أي ونصف درهم آخر " إلا في كتاب ". ~~وقيل: قوله ولا ينقص من عمره ينصرف إلى الأول. وقال سعيد بن جبير: مكتوب ~~في أم الكتاب عمر فلان كذا وكذا سنة ثم يكتب أسفل (من) ذلك ذهب يوم ذهب ~~يومان ذهب ثلاثة أيام حتى ينقطع عمره. # وقال كعب الأحبار حين حضر الوفاة عمر: والله لو دعا عمر ربه أن يؤخر ~~أجله لأخر فقيل له: إن الله عز وجل يقول: # فإذا جآء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون # [الأعراف: 34] فقال: هذا إذا حضر الأجل فأما قبل ذلك فيجوز أن يزاد ~~و(أن) ينقص، وقرأ هذه الآية. # فصل # " وما تحمل من أنثى ولا تضع " إشارة إلى كمال قدرته فإن ما في الأرحام ~~قبل التخليق بل بعده ما دام في البطن لا يعلم حاله أحد كيف والأم الحامل ~~لا تعلم منه شيئا فلما ذكر بقوله: { خلقكم من تراب } كمال ~~قدرته بين بقوله: { ما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه } كمال علمه. ms7217 ~~ثم بين نفوذ إرادته بقوله: { وما يعمر من معمر ولا ~~ينقص من عمره إلا في كتاب } فبين أنه هو القادر العليم ~~المريد والأصنام لا قدرة لها (ولا علم)، ولا إرادة فكيف يستحق شيء منها ~~العبادة. ثم قال: { إن ذلك على الله يسير } أي الخلق من ~~التراب. ويحتمل أن يكون المراد إن التعمير والنقصان على الله يسير. ~~ويحتمل أن يكون المراد: إن العلم بما تحمله الأنثى يسير والكل على الله ~~يسير. والأول أشبه لأن استعمال اليسير في الفعل أليق. # قوله: { وما يستوي البحران } يعني العذب والملح ثم ذكرهما ~~فقال: { هذا عذب فرات } طيب { سائغ شرابه } جائز في ~~الحلق هنيء { وهذا ملح أجاج } شديد الملوحة. وقال الضحاك: هو ~~المر. # قوله: " سآئغ شرابه " يجوز أن يكون متبدأ وخبرا، والجملة خبر ~~ثان وأن يكون " سائغ " خبرا و " شرابه " فاعلا به لأنه اعتمد، وقرأ ~~عيسى - ويوى عن أبي عمرو وعاصم - سيغ مثل سيد وميت. وعن عيسى ~~بتخفيف يائه كما يخفف هين وميت. # وقرأ طلحة وأبو نهيك ملح بفتح الميم وكسر اللام، فقيل: هو مقصور من ~~مالح ومالح لغية شاذة. وقيل: ملح بالفتح والكسر لغة في ~~ملح، بالكسر والسكون. # فصل # قال أكثر المفسرين: إن المراد من الآية ضرب المثل في حق الكفر والإيمان ~~أو الكافر والمؤمن فالإيمان لا يشبه بالكفر كما لا يشبه البحر ~~العذب الفرات بالبحر الملح الأجاج ثم على هذا فقوله: { ومن كل ~~تأكلون لحما طريا } فالبيان أن حال الكافر والمؤمن أو الكفر ~~والإيمان دون حال البحرين لأن الأجاج يشارك الفرات في خير ونفع إذ ~~اللحم الطري يوجد فيهما والحلية تؤخذ منها والفلك تجري فيهما ولا ~~نفع في الكفر والكافر. وهذا على نسق قوله تعالى: # أولئك كالأنعام بل هم أضل # [الأعراف: 179] وقوله: # كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما ~~يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق ~~فيخرج منه المآء # [البقرة:74]. قال ابن الخطيب: والأظهر أن المراد من ذكر دليل آخر على ~~قدرة الله تعالى وذلك من حيث إن البحرين يستويان في الصورة ~~ويختلفان ms7218 في الماء، فإن أحدهما فرات والآخر ملح أجاج ولولا ذلك ~~بإيجاب موجب، لما اختلف المستويان ثم إنهما بعد اختلافهما يوجد منهما ~~أمور متشابهة فإن اللحم الطري يوجد فيهما والحلية تؤخذ منهما ومن ~~يوجد من المتشابهين اختلافا ومن المختلفين اشتباها لا يكون إلا قادرا ~~مختارا فقوله: { وما يستوي البحران } إشارة إلى أن عدم ~~استوئهما دليل على كمال قدرته ونفوذ إرادته. # فصل # قال أهل اللغة: لا يقال لماء البحر إذا كان فيه ملوحة مالح وإنما ~~يقال له: ملح. # وقد يذكر في بعض كتب الفقه يصير بها ماء البحر مالحا. ويؤاخذ ~~قائله (به). وهو أصح مما يذهب إليه القوم وذلك لأن الماء العذب إذا ألقي ~~فيه ملح حتى ملح لا يقال له إلا مالح. وماء ملح يقال للماء الذي ~~صار من أصل خلقته كذلك لأن المالح شيء فيه ملح ظاهر في ~~الذوق والماء الملح ليس ماء وملحا بخلاف الطعام المالح فالماء ~~العذب الملقى فيه الملح ما فيه ملح ظاهر في الذوق بخلاف (ما هو ~~ملح ظاهر في الذوق بخلاف) ما هو من أصل خلقته كذلك (فلما) قال ~~الفقيه: الملح أجزاء أرضية سبخة يصير بها ماء البحر مالحا ~~راعى فيه الأصل فإنه جعله ماء جاوره ملح. وأهل اللغة حيث قالوا في ~~البحر ماؤه ملح جعلوه كذلك من أصل الخلقة والأجاج المر كما تقدم. # قوله: { ومن كل تأكلون لحما طريا } من الطير ~~والسمك من العذب والملح جميعا " وتستخرجون حلية " يعني ~~من الملح دون العذب " تلبسونها " من اللؤلؤ والمرجان. وقيل: ~~نسب اللؤلؤ إليهما لأنه قد يكون في البحر الأجاج (عيون) عذبة تمتزج ~~بالملح فيكون اللؤلؤ من ذلك. وقرىء { الفلك فيه مواخر } أي ~~ماخرات تمخر البحر بالجريان أي تشق جواري مقبلة ومدبرة بريح ~~واحدة { لتبتغوا من فضله } بالتجارة " ولعلكم تشكرون ~~" الله على نعمة وهذا يدل على أن المراد من الآية الاستدلال بالبحرين وما ~~فيهما على وجود الله ووحدانيته وكمال قدرته. # قوله: { يولج الليل في النهار ويولج النهار في ~~الليل } وهذا استدلال آخر باختلاف الأزمنة وقوله: { وسخر ~~الشمس ms7219 والقمر } جواب لسؤال يذكره المشركون وهو أنهم قالوا ~~اختلاف الليل والنهار بسبب اختلاف القسي الواقعة فوق الأرض وتحتها فإن ~~الصيف تكون الشمس على سمت الرؤوس في بعض البلاد المائلة الآفاق ~~وحركة الشمس هناك مائلة فتقع تحت الأرض أقل من نصف دائرة فيقل زمان مكثها ~~تحت الأرض فيقصر الليل وفي الشتاء بالضد فيقصر النهار فقال الله ~~تعالى: { وسخر الشمس والقمر } يعني سبب الاختلاف وإن كان ~~ما ذكرتم لكن سير الشمس والقمر بإرادة الله وقدرته فهو الذي فعل ذلك { ~~كل يجري لأجل مسمى }. # قوله: { ذلكم الله ربكم } ذلكم مبتدأ و " الله " خبره و " ~~ربكم " خبر ثان أو نعت لله. وقال الزخشري: ويجوز في حكم الإعراب إيقاع ~~اسم الله صفة لاسم الإشارة أو عطف بيان و " ربكم " خبر لولا أن المعنى ~~يأباه. ورده أبو حيان بأن " الله " علم لا جنس فلا يوصف به. ورد ~~قوله إن المعنى يأباه قال: لأنه يكون قد أخبر عن المشار إليه بتلك ~~الصفات أنه مالككم ومصلحكم. # فصل # المعنى ذلك الذي فعل هذه الأشياء من فطر السموات والأرض ~~وإرسال الأرواح وخلق الإنسان من تراب وغيرذلك له الملك كله فلا ~~معبود إلا هو فإذا كان له الملك كله فله العبادة كلها. ثم بين ما ينافي ~~صفة الإلهية فقال: { والذين تدعون من دونه } يعني الأصنام { ~~ما يملكون من قطمير }. # قوله: { والذين تدعون من دونه } العامة على الخطاب في " ~~تدعون " لقوله: " ربكم ". وعيسى وسلام ويعقوب - وتروى عن ~~أبي عمرو - بياء الغيبة إما على الالتفات وإما على الانتقال إلى ~~الإخبار. والفرق بينهما أن يكون في الالتفات المراد بالضميرين واحدا ~~بخلاف الثاني فإنهما غيران. و " يملكون " هو خبر الموصول و " ~~من قطمير " مفعول به. و " من " فيه مزيدة. والقطمير المشهور فيه ~~أنه لفافة النواة. وهو مثل في القلة كقوله: # 4157- وأبوك يخصف نعله متوركا # ما يملك المسكين من قطمير # وقيل: هو القمع وقيل: ما بين القمع والنواة. وقد تقدم أن ~~النواة أربعة أشياء يضرب بها المثل في القلة: الفتيل وهو ما في ~~شق النواة، والقطمير ms7220 وهو اللفافة والنقير والثفروق وهو ما بين ~~القمع والنواة. # قوله: { إن تدعوهم لا يسمعوا دعآءكم } يعني الأصنام { ~~ولو سمعوا ما استجابوا لكم } وهذا إبطال لما كانوا يقولون: ~~إن في عبادة الأصنام عزة من حيث القرب منها والنظر إليها وعرض الحوائج ~~عليها والله لا يرى ولا يصل إليه أحد فقال مجيبا لهم: إن هؤلاء لا ~~يسمعون كما تظنون فإنهم كانوا يقولون: إن الأصنام تسمع وتعلم ولكن لا ~~يمكنهم أن يقولون بأنها تجيب لأن ذلك إنكار للمحسوس فقال: " ولو ~~سمعوا " كما تظنون { ما استجابوا لكم }. # قوله: { ويوم القيامة يكفرون بشرككم } أي ~~يتبرءون منكم ومن عبادتكم إياها ويقولون { ما كنتم إيانا ~~تعبدون }. واعلم أنه لما بين عدم النفع فيهم في الدنيا بين عدم ~~النفع فيهم في الآخرة ووجود الضرر منهم في القيامة بقوله: { ويوم ~~القيامة يكفرون بشرككم } أي بإشراككم بالله غيره وهذا ~~مصدر مضاف لفاعله ثم قال: { ولا ينبئك مثل خبير } يعني ~~نفسه أي لا ينبئك أحد مثل خبير عالم بالأشياء وهذا الخطاب يحتمل ~~وجهين: # أحدهما: أن يكون خطابا للنبي - صلى الله عليه وسلم - ووجهه أن الله ~~تعالى لما أخبر أن الخشب والحجر يوم القيامة ينطق ويكذب عابده وذلك ~~ما لا يعلم بالعقل المجرد لولا إخبار الله تعالى عنه بقوله: " إنهم ~~يكفرون بهم يوم القيامة " فهذا القول مع كون المخبر عنه أمرا عجيبا ~~قال إن المخبر عنه خبير. # والثاني: أن ذلك الخطاب غير مختص بأحد أي هذا الذي ذكر هو كما ذكر ولا ~~ينبئك أيها السامع كائنا من كنت مثل خبير. ### || [35.15-23] # قوله: { يأيها الناس أنتم الفقرآء إلى الله } ~~(أي) إلى فضل الله. والفقير هو المحتاج { والله هو الغني } عن ~~خلقه " الحميد " أي المحمود في إحسانه إليهم. واعلم أنه لما كثر ~~الدعاء من النبي - عليه السلام - والإصرار من الكفار قالوا إن الله ~~لعله محتاج إلى عبادتنا حتى يأمرنا بها أمرا بالغا ويهددنا على تركها ~~مبالغا فقال الله. { أنتم الفقرآء إلى الله والله هو ~~الغني } فلا يأمركم بالعبادة لاحتياجه إليكم وإنما هو لإشفاقه ~~عليكم. ms7221 # فصل # التعريف في الخبر قليل والأكثر أن يكون الخبر نكرة والمبتدأ معرفة لأن ~~المخبر لا يخبر في الأكثر إلا بأمر يعلمه المخبر أو في ظن المتكلم أن ~~السامع لا علم له به ثم إن المبتدأ لا بد وأن يكون معلوما عند السامع ~~حتى يقول له: أيها السامع الأمر الذي تعرفه ثبت له قيام لا علم عندك ~~به فإن الخبر معلوم عند السامع والمبتدأ كذلك ويقع الخبر تنبيها لا ~~تفهيما فإنه يحسن تعريف الخبر كقول القائل: " الله ربنا ~~ومحمد نبينا " حيث عرف كون الله ربنا وكون محمد نبينا وههنا ~~لما كان كون الناس فقراء أمرا ظاهرا لا يخفى على أحد قال: " أنتم ~~الفقراء " وقوله: " إلى الله " إعلام بأنه لا افتقار إلا إليه ولا ~~اتكال إلا عليه. وهذا يوجب عبادته لكونه مفتقرا إليه وعدم عبادة ~~غيره لعدم الافتقار إلى غيره ثم قال: { والله هو الغني } أي ~~هو مع استغنائه يدعوكم كل الدعاء وأنتم مع احتياجكم لا تجيبونه. # قوله: { إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد } وهذا ~~بيان لغناه وفيه بلاغة كاملة لأن قوله تعالى: { إن يشأ ~~يذهبكم } أي ليس إذهابكم موقوفا إلا على مشيئته بخلاف الشيء ~~المحتاج إليه فإن المحتاج إلى الشيء لا يقال فيه: إن شاء فلان ~~هدم داره، وإنما يقال: لولا حاجة السكنى على الدار ~~لبعتها، ثم إنه تعالى زاد على بيان الاستغناء بقوله: { ويأت ~~بخلق جديد } يعني إن كان يتوهم متوهم أن هذا الملك كمال وعظمة ~~فلو أذهبه لزال ملكه وعظمته فهو قادر أن يخلق خلقا جديدا أحسن من هذا ~~(وأجمل). # { وما ذلك على الله بعزيز } أي الإذهاب والإتيان. واعمل ~~أن لفظة " العزيز " استعمله الله تارة في القائم بنفسه فقال في حق نفسه: # وكان الله قويا عزيزا # [الأحزاب:25] وقال في هذه السورة: " عزيز غفور " واستعملة تارة في ~~القائم بغيره فقال: { وما ذلك على الله بعزيز } وقال: # عزيز عليه ما عنتم # [التوبة:128] فهل هما بمعنى واحد أو بمعنيين؟ فنقول: العزيز في اللغة هو ~~الغالب والفعل إذا كان لا يطيقه شخص يقال: ms7222 هو مغلوب بالنسبة إلى ذلك ~~الفعل فقوله: { وما ذلك على الله بعزيز } أي ذلك الفعل لا يغلبه بل هو ~~هين على الله وقوله: # عزيز عليه ما عنتم # [التوبة:128] أي يحزنه ويؤذيه كالشغل (الشاغل) الغالب. # قوله: { ولا تزر وازرة } أي نفس وازة بحذف الموصوف للعمل ~~به. ومعنى " تزر " تحمل، أي لا تحمل نفس حاملة حمل نفس ~~أخرى. # قوله: { وإن تدع مثقلة } أي نفس مثقلة بالذنوب نفسا إلى ~~حملها فحذف المفعول به للعلم به. والعامة " لا يحمل " مبنيا للمفعول ~~و " شيء " قائم مقام الفاعل، وأبو السمال وطلحة - وتروى عن ~~الكسائي - بفتح التاء من فوق وكسر الميم. أسند الفعل إلى ضمير النفس ~~المحذوفة التي هي مفعولة " لتدع " أي لا تحمل تلك النفس ~~الدعوة (و) شيئا مفعول " بلا تحمل ". # قوله: { ولو كان ذا قربى } أي ولو كان المدعو ذا قربى، ~~وقيل التقدير ولو كان الداعي ذا قربى، والمعنيان حسنان، وقرىء: " ~~ذو " بالرفع على أنها التامة أي ولو حضر ذو قربى نحو: قد كان من ~~مطر، # وإن كان ذو عسرة # [البقرة:280]. قال الزمخشري: ونظم الكلام أحسن ملاءمة للناقصة لأن ~~المعنى على أن المثقلة إذا دعت أحدا إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ~~مدعوها ذا قربى وهو ملتئم ولو قلت: ولو وجد ذو قربى لخرج عن ~~التئامه، قال أبو حيان: وهو ملتئم على المعنى الذي ذكرناه. قال شهاب ~~الدين: والذي قال هو ولو حضر إذ ذاك ذو قربى. ثم قال: وتفسيره " كان " ~~وهو مبني للفاعل ب " وجد " وهو مبني للمفعول تفسير معنى والذي يفسر ~~النحوي به كان التامة نحو: حدث وحضر ووقع. # فصل # المعنى وإن تدع مثقلة بذنوبها غيرها إلى حملها أي يحمل ~~ما عليه من الذنوب لا يحمل منه شيء ولو كان المدعو ذا قرابة ~~له ابنة أو أباه أو أمة أو أخاه. قال ابن عباس: يلقى الأب أو ~~الأم ابنه فيقول يا بني احمل عني بعض ذونوبي فيقول لا أستطيع ~~حسبي ما علي. # قوله: { إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب } ~~ولم يروه. ms7223 قال الأخفش: تأويله إنذارك إنما ينفع الذين يخشون ربهم بالغيب. # قوله: " بالغيب " حال من الفاعل أي يخشونه غائبين عنه. أو من ~~المفعول أي غائبا عنهم. وقوله: الذين يخشون ربهم ~~بالغيب ويقيمون الصلاة في المعنى. # قوله: " ومن تزكى " قرأ العامة " تزكى " تفعل " فإنما ~~يتزكى " يتفعل. وعن أبي عمرو " ومن يزكى فإنما يزكى ~~" والأصل فيهما يتزكى فأدغمت التاء في الزاي كما أدغمت في الدال نحو ~~" يذكرون " في " يتذكرون " ، وابن مسعود وطلحة: " ومن ~~ازكى " والأصل تزكى فأدغم (باجتلاب همزة الوصل " فإنما ~~يزكى " أصله " يتزكى فأدغم " ) كأبي عمرو في غير المشهور ~~عنه. # فصل # معنى " ومن تزكى " صلى وعمل خيرا { فإنما يتزكى لنفسه } ~~لها ثوابه. " وإلى الله المصير " أي التزكي إن لم تظهر فائدته ~~عاجلا فالمصير إلى الله يظهر عنده يوم القيامة في دار البقاء. والوازر ~~إن لم تظهر تبعة وزره في الدنيا فهي تظهر في الآخرة إذ المصير إلى ~~الله. ثم لما بين الهدى والضلالة ولم يهتد الكافر وهدى الله المؤمن ضرب ~~له مثلا بالبصير والأعمى فالمؤمن بصير حيث أبصر الطريق الواضح والكافر ~~أعمى. # قوله: { وما يستوي الأعمى والبصير } استوى من الأفعال ~~التي لا يكتفي فيها بواحد لو قلت: استوى زيد لم يصح فمن ثم لزم ~~العطف على الفاعل أو تعدده و " لا " في قوله: { ولا الظلمات } إلى ~~آخره مكررة لتأكيد النفي. وقال ابن عطية: دخول " لا " إنما هو على نية ~~التكرار كأنه قال: ولا الظلمات والنور والظلمات فاستغنى بذكر الأوائل عن ~~الثواني ودل مذكور الكلام على متروكه. قال أبو حيان: وهذا غير محتاج ~~إليه لأنه إذا نفي استؤاؤهما أولا فأي فائدة في نفي استوئهما ثانيا؟ ~~وهو كلام حسن إلا أن أبا حيان هنا قال: فدخول " لا " في النفي لتأكيد ~~معناه كقوله: # ولا تستوي الحسنة ولا السيئة # [فصلت: 34] وللناس في هذه الآية قولان: # أحدهما: ما ذكر. # والثاني: أنها غير مؤكدة إذ يراد بالحسنة الجنس وكذلك السيئة فكل ~~واحد منهما متفاوت في جنسه لأن الحسنات درجات متفاوتة وكذلك السيئات. ~~وسيأتي تحقيق هذا إن شاء الله ms7224 تعالى. فعلى هذا يمكن أن يقال بهذا هنا في ~~الظاهر؛ إذ المراد مقابلة هذه الأجناس بعضها ببعض لا مقابلة بعض أفراد كل ~~جنس على حدته ويرجح هذا الظاهر التصريح بهذا في قوله أولا: { وما ~~يستوي الأعمى والبصير } حيث لم يكررها وهذا من المواضع ~~الحسنة المفيدة. " والحرور " شدة حر الشمس، وقال الزمخشري: الحرور ~~السموم إلا أن السموم بالنهار والحرور فيه وفي الليل. قال شهاب ~~الدين: وهذا مذهب الفراء وغيره. وقيل السموم بالنهار والحرور بالليل ~~خاصة. نقله ابن عطية عن رؤبة. وقال: ليس بصحيح بل الصحيح ما قال الفراء. ~~وهذا عجيب منه كيف يرد على أصحاب اللسان بقول من يأخذ عنهم؟ وقرأ ~~الكسائي - في رواية زاذان - عنه " وما تستوي الأحياء " ~~بالتأنيث على معنى الجماعة. وهذا الأشياء جيء بها على سبيل الاستعارة ~~والتمثيل فالأعمى والبصير الكافر والمؤمن والظلمات والنور الكفر والإيمان ~~والظل والحرور الحق والباطل والأحياء والأموات لم دخل في ~~الإسلام ولمن لم يدخل فيه. وجاء ترتيب هذه المنفيات على أحسن الوجوه ~~فإنه تعالى لما ضرب الأعمى والبصير مثلين للكافر والمؤمن عقبة بما كل ~~منهما فيه فالكافر في ظلمة والمؤمن في نور لأن البصير وإن كان حديد النظر ~~لا بد له من ضوء يبصر فيه وقدم الأعمى؛ لأن البصير فاصلة فحسن تأخيره ~~ولما تقدم الأعمى في الذكر ناسب تقديم ما هو فيه فلذلك قدمت الظلمة على ~~النور ولأن النور فاصل. # ثم ذكر ما لكل منهما فللمؤمن الظل وللكافر الحرور، وأخر الحرور لأجل ~~الفاصلة كما تقدم. وقولنا: لأجل الفاصلة هنا وفي غيره من الأماكن أحسن من ~~قيل بعضهم لأجل السجع لأن القرآن ينزه عن ذلك. وقد منع الجمهور أن ~~يقال في القرآن سجع، وإنما كرر الفعل في قوله: { وما يستوي ~~الأحيآء } مبالغة في ذلك لأن المنافاة بين الحياة والموت أتم من ~~المنافاة المتقدمة وقدم الأحياء لشرف الحياة ولم يعد " لا " تأكيدا في ~~قوله الأعمى والبصير وكررها في غيره لأن منافاة ما بعده أتم فإن الشخص ~~الواحد قد يكون بصيرا ثم أعمى فلا منافاة إلا ms7225 من حيث الوصف بخلاف ~~الظل والحرور والظلمات والنور فإنها متنافية أبدا لا تجتمع اثنان ~~منهما في محل فالمنافاة بين الظل والحرور وبين الظلمة والنور دائمة. # فإن قيل: الحياة والموت بمنزلة العمى والبصر فإن الجسم قد يكون ~~متصفا بالحياة ثم يتصف بالموت! # فالجواب: أن المنافة بينهما أتم من المنافاة بين الأعمى والبصير لأن ~~الأعمى والبصير يشتركان في إدراكات كثيرة ولا كذلك الحي والميت فالمنافاة ~~بينهما أتم. وأفرد " الأعمى والبصير " لأنه قابل الجنس بالجنس إذ قد ~~يوجد في أفراد العميان ما يساوي بعض أفراد البصراء كأعمى ذكي له ~~بصيرة يساوي بصيرا بليدا فالتفاوت بين الجنسين مقطوع به لا بين ~~الأفراد. # وجمع الظلمات لأنها عبارة عن الكفر والضلال وطرقهما كثيرة متشعبة. ~~ووحد النور لأنه عبارة عن التوحيد وهو واحد فالتفاوت بين كل فرد من أفراد ~~الظلمة وبين هذا الفرد الواحد والمعنى الظلمات كلها لا تجد فيها ما يساوي ~~هذا الواحد. قال شهاب الدين: كذا قيل. وعندي (أنه) ينبغي أن يقال: إن ~~هذا الجمع لا يساوي هذا الواحد فنعلم انتفاء مساواة (فرد منه) (ل) هذا ~~الواحد بطريق أولى وإنما جمع الأحياء والأموات لأن التفاوت بينهما ~~أكثر إذ ما من ميت يساوي في الإدراك حيا فذكر أن الأحياء لا يساوون ~~الأموات سواء قابلت الجنس أم الفرد بالفرد. # فصل # قال ابن الخطيب: قدم الأشرف في مثلين وهو الظل والحي وأخره في ~~مثلين وهو البصر والنور في مثل هذا يقول المفسرون: إنه لتواخي أواخر ~~الآيات. وهذا ضعيف لأن تواخي الأواخر راجع إلى السجع ومعجزة القرآن في ~~المعنى لا في مجرد اللفظ فالشاعر يقدم ويؤخر للسجع فيكون اللفظ حاملا له ~~على تغيير المعنى وأما القرآن فحكمة بلغة المعنى فيه صحيح واللفظ يصح فلا ~~يقدم ويؤخر اللفظ بلا معنى فنقول: الكفار قبل النبي - عليه الصلاة ~~والسلام - كانوا في ضلالة فكانوا كالعمي وطريقتهم كالظلمة ثم لما ~~جاء النبي - عليه (الصلاة و) السلام - وبين الحق واهتدى به منهم قوم ~~فصاروا بصيرين وطريقتم كالنور فقال: " لا يستوي " من كان قبل ~~البعث على ms7226 الكفر ومن اهتدى بعده إلى الإيمان فلما كان الكفر قبل الإيمان ~~في زمان محمد - عليه (الصلاة و) السلام - والكافر قبل المؤمن قدم المقدم. # ثم لما ذكر المآل والمرجع قدم ما يتعلق بالرحمة على ما يتعلق بالغضب ~~لقوله - عليه (الصلاة و) السلام - في الإلهيات: # " سبقت رحمتي غضبي " # ، ثم إن الكافر المصر بعد البعث صار أضل من الأعمى وشابه الأموات في ~~عدم إدراك الحق من جميع الوجوه فقال: { وما يستوي الأحيآء } أي ~~المؤمنون الذين آمنوا بما أنزل الله والأموات الذين تليت عليهم ~~تليت عليهم الآيات البينات ولم ينتفعوا بها وهؤلاء كانوا بعد ~~الإيمان من آمن فأخرهم عن المؤمنين لوجود حياة المؤمنين قبل ممات ~~الكافرين المعاندين. وقدم الأعمى على البصير لوجود الكفار الصالين قبل ~~البعثة على المؤمنين المهتدين بها. # فصل # قال المفسرون: { وما يستوي الأعمى والبصر } (يعني) الجاهل ~~والعالم. وقيل الأعمى عن الهدى والبصير بالهدى أي المؤمن والمشرك { ولا ~~الظلمات ولا النور } يعني الكفر والإيمان { ولا الظل ولا ~~الحرور } يعني الجنة والنار { وما يستوي الأحياء ولا ~~الأموات } يعني المؤمنين والكفار. وقيل: العلماء الجهال. { إن ~~الله يسمع من يشآء } حتى يتعظ ويجيب { ومآ أنت ~~بمسمع من في القبور } يعني الكفار شبههم بالأموات في القبور ~~حين لم يجيبوا { إن أنت إلا نذير } ما أنت إلا منذر فخوفهم ~~بالنار. ### || [35.24-26] # قوله: { إنآ أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا } لما ~~قال: إن أنت إلا نذير بين أنه ليس نذيرا من تلقاء نفسه إنما هو نذير ~~بإذن الله تعالى وإرساله. # قوله: " بالحق " يجوز فيه أوجه: # أحدهما: أنه حال من الفاعل أي أرسلناك محقين. أو من المفعول ~~أي محقا أو نعت لمصدر محذوف أي إرسالا ملتبسا بالحق. و متعلق ~~ببشير ونذير، قال الزمخشري: بشيرا بالوعد ونذيرا بالوعيد الحق. # قال أبو حيان: ولا يمكن أن يتعلق " بالحق " هذا ببشيرا ونذيرا معا بل ~~ينبغي أن يتأول كلامه على أنه أراد أن ثم محذوفا والتقدير: بشيرا ~~بالوعد الحق ونذيرا بالوعيد الحق، قال شهاب الدين: قد صرح ~~الرجل بهذا. # قوله: { وإن من أمة } أي وما ms7227 من أمة فيما مضى. وقوله: { ~~إلا خلا فيها نذير } خبر " من امة ". ومعنى " خلا " أي ~~سلف فيها نذير نبي منذر. وحذف من هذا ما أثبته في الأول، إذ التقدير: ~~إلا خلا فيها نذير وبشير. # قوله: { وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم ~~جآءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر } أي الكتب " ~~وبالكتاب المنير " أي الواضح. وكرر ذلك الكتاب بعد ذكر الزبر على ~~طريق التأكيد. وقيل: البينات المعجزات، والزبر: هي الكتب التي فيها مواعظ ~~وشبهات لا تحتمل النسخ. والمراد بالكتاب المنير الشريعة والأحكام ~~الموافقة للحكمة الإليهة وهي المحتملة للنسخ. وهذا تسلية للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - حيث يعلم أن غيره كان مثله محتملا لأذى القوم وأن ~~غيره أيضا أتاهم بمثل ذلك فكذبوه وآذوه وصبروا على تكذيبهم { ثم ~~أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير }؟ وهذا سؤال تقرير ~~فإنهم علموا شدة إنكار الله عليهم واستئصالهم. ### || [35.27-38] # قوله: { ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء }. ~~قيل: الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - وفيه حكمة وهي أن الله تعالى ~~لما ذكر الدلائل ولم ينتفعوا قطع الكلام منهم والنعت إلى غيرهم كما أن ~~السيد إذا نصح بعض عبيده ولم ينزجر يقول لغيره: اسمع ولا تكن مثل هذا. ~~ويكرر معه ما ذكره للأول ويكون فيه إشعار بأنه الأول فيه نقيصه لا يصلح ~~للخطاب فيتنبه له ويدفع عن نفسه تلك النقيصة وأيضا فلا يخرج إلى كلام ~~أجنبي عن الأول بل يأتي بما يقاربه لئلا يسمع الأول كلاما آخر فيترك ~~التفكر فيما كان من النصيحة. # قوله: " فأخرجنا " هذا التفات من الغيبة إلى التكلم وإنما كان كذلك ~~لأن المنة بالإخراج أبلغ من إنزال الماء و " مختلفا " نعت " ~~لثمرات " و " ألوانها " فاعل به. ولولا ذلك لأنث " مختلفا " ~~ولكنه لما أسند إلى جميع تكسير غير عاقل جاز تذكيره ولو أنت فقيل مختلفة ~~كما يقول اختلفت ألوانها لجاز. وبه قرأ زيد بن علي. # قوله: { ومن الجبال جدد } العامة على ضم الجيم وفتح الدال جمع ~~" جدة " وهي الطريقة. قال ابن بحر: قطع من قولك: جددت ~~الشيء ms7228 قطعته. وقال أبو الفضل الرازي: هي ما يخالف من الطرائق ~~لون ما يليها. ومنه جدة الحمار للخط الذي في ظهره. وقرأ الزهري ~~جدد بضم الجيم والدال جمع جديدة يقال: جديدة وجدد وجدائد، ~~قال أبو ذؤيب: # 4158-........................ # جون السراة له جدائد أربع # نحو: سفينة وسفن وسفائن. وقال أبو الفضل: جمع جديد بمعنى: ~~آثار جديدة واضحة الألوان. وعنه أيضا جدد بفتحهما، وقد رد أبو حاتم ~~هذه القراءة من حيث الأثر والمعنى. وقد صححها غيره وقال: الجدد الطريق ~~الواضح البين، إلا نه وضع المفرد موضع الجمع إذ المراد الطرائق ~~والخطوط. # قوله: " مختلف ألوانها " مختلف صفة " لجدد " أيضا و " ~~ألوانها " فاعل به كما تقدم في نظيره ولا جائز أن يكون " مختلف " ~~خبرا مقدما و " ألوانها " مبتدأ مؤخر والجملة صفة؛ إذ كان يجب أن يقال ~~مختلفة لتحملها ضمير المبتدأ. وقوله: " ألوانها " يحتمل ~~معنيين: # أحدهما: أن البياض والحمرة يتفاوتان بالشدة والضعف فرب أبيض أشد ~~من أبيض وأحمر أشد من أحمر فنفيس البياض مختلف وكذلك الحمرة ~~فلذلك جمع ألوانها فيكون من باب المشكل. # والثاني: أن الجدد كلها على لونين بياض وحمرة فالبياض والحمرة وإن كان ~~لونين إلا أنهما جمعا باعتبار محالهما. # قوله: " وغرابيب سود " فيه ثلاثة أوجه: # أحدهما: أنه معطوف على " حمر " عطف ذي لون على ذي لون. # والثاني: أنه معطوف على " بيض ". # الثالث: أنه معطوف على " جدد " ، قال الزمخشري: معطوف على بيض (أ) وعلى ~~" جدد " كأنه قيل: ومن الجبال مخطط ذو جدد ومنها ما هو على لون ~~واحد. ثم قال: ولا بد من تقدير حذف مضاف في قوله: { ومن الجبال جدد } ~~بمعنى ومن الجبال ذو جدد بيض وحمر وسود حتى يؤول إلى قولك: " ~~ومن الجبال مختلف ألوانها " ، كما قال { ثمرات مختلفا ~~ألوانها } ولم يذكر بعد غرابيب سود (مختلفا ألوانها) كما ذكر ذلك ~~بعد " بيض وحمر " ، لأن الغربيب هو البالغ في السواد فصار لونا ~~واحدا غير متفاوت بخلاف ما تقدم. # وغرابيب: جمع غربيب وهو الأسود المتناهي في السواد. # فهو تابع للأسود كقان وناصع وناضر ويقق، فمن ثم زعم ms7229 بعضهم أنه في ~~نية التأخير ومن مذهب هؤلاء أنه يجوز تقديم الصفة على موصوفها ~~وأنشدوا: # 4159- والمؤمن العائذات الطير يمسحها # ...................... # يريد: والمؤمن الطير العائذات، وقول الآخر: # 4160- وبالطويل العمر عمرا حيدرا # ........................ # يريد: وبالعمر الطويل. والبصريون لا يرون ذلك ويخرجون هذا وأمثاله على ~~أن الثاني بدل من الأول " فسود والطير والعمر " أبدال مما قبلها. ~~وخرجها الزمخشري وغيره على أنه حذف الموصوف وقامت صفته مقامه ~~وأن المذكور بعد الوصف دال على الموصوف قال الزمخشري: الغربيب تأكيد ~~للأسود ومن حق التأكيد أن يتبع المؤكد كقولك أصفر فاقع وأبيض يقق، ~~ووجهه أن يضمر المؤكد قبله فيكون الذي بعده تفسيرا لما أضمر كقوله: " ~~والمؤمن العائذات الطير " وإنما يفعل ذلك لزيادة التوكيد حيث يدل ~~على المعنى الواحد من طريقي الإظهار والإضمار، يعني فيكون الأصل وسود ~~غرابيب سود والمؤمن الطير العائذات الطير. قال أبو حيان: وهذا لا يصح ~~إلا على مذهب من يجوز حذف المؤكد ومن النحويين من منعه وهو اختيار ~~ابن مالك. قال شهاب الدين: ليس هذا هو التوكيد المختلف في حذف مؤكده لأن ~~هذا من باب الصفة والموصوف ومعنى تسمية الزمخشري لها تأكيدا من حيث ~~إنها لا تفيد معنى زائدا إنما تفيد المبالغة والتوكيد في ذلك اللون ~~والنحويون قد سموا الوصف إذا لم يفد غير الأول تأكيدا فقالوا وقد يجيء ~~لمجرد التوكيد نحو: # نعجة واحدة # [ص:23] و # إلهين اثنين # [النحل:51] والتوكيد المختلف في حذف مؤكده إنما هو في باب التوكيد ~~الصناعي. # ومذهب سيبويه جوازه، أجاز: " مررت بأخويك أنفسهما " بالنصب ~~والرفع على تقدير أعينهما أنفسهما أو هما أنفسهما فأين ~~هذا من ذاك إلا أنه يشكل على الزمخشري هذا المذكور بعد " غرابيب " ونحوه ~~بالنسبة إلى أنه جملة مفسرا لذلك المحذوف وهذا إنما عهد في الجمل لا في ~~المفردات إلا في باب البدل وعطف البيان فبأي شيء يسميه؟ والأولى فيه أن ~~يسمى توكيدا لفظيا إذ الأصل سود غرابيب سود. # قوله: " مختلف ألوانه " " مختلف " نعت لمنعوت محذوف هو ~~مبتدأ والجار قبله خبره أي ومن الناس صنف أو نوغ مختلف ولذلك ~~عمل ms7230 اسم الفاعل كقوله: # 4161- كناطح صخرة يوما ليفلقها # ........................ # وقرأ ابن السميقع ألوانها. وهو ظاهر. وقرأ الزهري " والدواب " ~~خفيفة الباء هربا من التقاء ساكنين كما حرك أولهما في الضالين وجان. # فصل # قال ابن الخطيب في الآية لطائف الأولى: قوله: " أنزل " وقال: " ~~أخرجنا " وفائدته أن قوله تعالى: { ألم تر أن الله ~~أنزل من السمآء مآء } فإن كان جاهلا يقول نزول الماء بالطبع ~~لثقله فيقال له فالإخراج لا يمكنك أن تقول فيه إنه بالطبع فهو بإرادة ~~الله فلما كان ذلك أظهره أسنده إلى المتكلم. وأيضا فإن الله تعالى لما ~~قال إن الله أنزل علم الله بالدليل وقرب التفكر فيه إلى الله فصار من ~~الحاضرين فقال: أخرجنا، لقربه وأيضا فالإخراج أتم نعمة من الإنزال، ~~لأن الإنزال لفائدة الإخارج فأسند (تعالى) الأتم إلى نفسه بصيغة ~~المتلكم وما دونه بصيغة المخاطب الغائب. الثانية: قال تعالى: { ومن ~~الجبال جدد بيض وحمر } كأن قائلا قال: اختلاف الثمرات ~~لاختلاف البقاع ألا ترى أن بعض النباتات لا تنبت ببعض البلاد ~~كالزغفران فقال تعالى: اختلاف البقاع ليس إلا بإرادة الله (تعالى) ~~وإلا فلم صار بعض الجبال فيه مواضع حمر ومواضع بيض. # فإن قيل: الواو في " ومن الجبال " ما تقديرها؟ هي تحتمل وجهين: # أحدهما: أن تكون للاستئناف كأنه تعالى قال: أخرجنا بالماء ثمرات ~~مختلفة الألوان وفي الجبال جدد بيض دالة على القدرة الرادة على من ينكر ~~الإرادة في اختلاف ألوان الثمار. # ثانيهما: أن تكون للعطف والتقدير وخلق من الجبال جدد " بيض ". # قال الزمخشري: أراد ذو جدد. # الثالثة: ذكر الجبال ولم يذكر الآية في (الأرض) كما قال في موضع آخر: # وفي الأرض قطع متجاورات # [الرعد:4] مع أن هذا الدليل مثل ذلك وذلك لأن الله تعالى لما ذكر في ~~الأول: { فأخرجنا به ثمرات } كان نفس إخراج الثمار دليلا ~~على القدرة. ثم زاد عليه بيانا وقال: " مختلفا " كذلك في الجبال في ~~نفسها دليل القدرة والإرادة لكن كون الجبل في بعض نواحي الأرض دون بعضها ~~وكون بعضها أخفض وبعضها أرفع دليل القدرة والاختيار. ثم زاد بيانا وقال: ms7231 ~~" جدد بيض " أي دلالتها بنفسها هي دالة باختلاف ألوانها كما أن ~~إخراج الثمرات في نفسها دلائل واختلاف ألوانها دليل. # الرابع: قوله: " مختلفا ألوانها " الظاهر أن الاختلاف راجع إلى كل ~~لون أي بيض مختلف ألوانها وحمر مخلتف ألوانها لأن الأبيض قد يكون على لون ~~الجص وقد يكون على لون التراب الأبيض وبالجملة فالأبيض تتفاوت درجاته ~~في البياض وكذلك الأحمر تتفاوت درجاته في الحمرة ولو كان المراد البيض ~~والحمر مختلف الألوان لكان لمجرد التأكيد والأول أولى. # وعلى هذا ذكر " مختلف ألوانها " في البيض والحمر وأخر " السود الغرابيب ~~" لأن الأسود لما ذكره مع المؤكد وهو الغربيب يكون بالغا غاية السواد ~~فلا يكون فيه اختلاف. # قوله: { ومن الناس والدوآب والأنعام } استدلال آخر على ~~قدرة الله وإرادته فكان تعالى قسم الدلائل دلائل الخلق في هذا العالم وهو ~~عالم المركبات قسمين حيوان وغير حيوان وهو إما نبات وإما معدن والنبات ~~أشرف فأشار إليه بقوله: { فأخرجنا به ثمرات } ثم ذكر المعدن ~~بقوله: " ومن الجبال " ثم ذكرالحيوان وبدأ بالأشرف منها وهو ~~الإنسان فقال: " ومن الناس " ثم ذكر الدواب، لأن منافعها في حياتها ~~والأنعام منفعتها في الأكل منها أو لأن الدابة في العرف تطلق على ~~الفرس وهو بعد الإنسان أشرف من غيره. وقوله: " مختلف ألوانه " القول ~~فيه كما تقدم أنها في أنفسها دلائل كذلك باختلافها دلائل. وقوله: " مختلف ~~ألوانه " مذكرا؛ لكون الإنسان من جملة المذكور فكان التذكير أولى. # قوله: " كذلك " فيه وجهان: # أظهرهما: أنه متعلق بما قبله أي مختلف اختلافا مثل الاختلاف ~~في الثمرات والجدد والوقف على " كذلك ". # والثاني: أنه متعلق بما بعده والمعنى مثل ذلك المطر والاعتبار ~~بمخلوقات الله واختلاف ألوانها يخشى الله العلماء. وإلى هذا نحا ~~ابن عطية. وهو فاسد من حيث إن ما بعد " إنما " مانع من العمل ~~فيها قبلها. وقد نص أبو عمرو الداني على أن الوقف على " كذلك " ~~تام. ولم يحك فيه خلافا. # قوله: { إنما يخشى الله } العامة على نصب الجلاله ورفع " ~~العلماء " وهي واضحة. وقرأ عمر بن عبد العزيز وأبو ~~حنيفة - فيما نقله ms7232 الزمخشري - وأبو حيوة - فيما نقله الهذلي في ~~كامله - بالعكس. وتؤولت على معنى التعظيم أي إنما يعظم الله من ~~عباده العلماء. وهذا القراءة شبيهة بقراءة: { وإذ ابتلى إبراهيم ~~ربه } برفع إبراهيم ونصب " ربه ". # فصل # قال ابن عباس: إنما يخافني من خلقي من علم جبروتي وعزتي ~~وسلطاني. واعلم أن الخشيبة بقدر معرفة المخشي والعالم يعرف الله ~~فيخافه ويرجوه. وهذا دليل على أن العالم أعلى درجة من العابد؛ لقوله ~~تعالى: # إن أكرمكم عند الله أتقاكم # [الحجرات:13] بين أن الكرامة بقدر التقوى والتقوى بقدر العلم لا بقدر ~~العلم قال - عليه الصلاة والسلام -: # " والله إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية ~~" # ، وقال - عليه (الصلاة و) السلام -: # " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم ~~كثيرا " # وقال مسروق: كفى بخشية علما وكفى بالاغترار بالله جهلا. ثم قال: { ~~إن الله عزيز غفور } أي عزيز في ملكه غفور لذنوب عباده فذكر ~~ما يوجب الخوف والرجاء فكونه عزيزا يوجب الخوف التام وكونه غفورا لما ~~دون ذلك يوجب الرجاء البالغ. وقراءة من قرأ بنصب العلماء ورفع الجلالة ~~تقدم معناه. قوله: { إن الذين يتلون } في خبر " إن " وجهان: # أحدهما: الجملة من قوله: " يرجون " أي (إن) التالين يرجون و ~~" لن تبور " صفة " تجارة " و " ليوفيهم " متعلق " ~~بيرجون " أو " بتبور " أو بمحذوف أي فعلوا ذلك ليوفيهم، ~~وعلى الوجهين الأولين يجوز أن تكون لام العاقبة. # والثاني: أن الخبر { إنه غفور شكور }. (و) جوزه الزمخشري على ~~حذف العائد أي غفور لهم. وعلى هذا " فيرجون " حال من " أنفقوا " أي ~~أنفقوا ذلك راجين. # فصل # المراد بالذين يتلون كتابا الله أي قراء القرآن لما بين العلماء بالله ~~وخشيتهم وكرامتهم بسبب خشيتهم ذكر العالمين بكتاب الله العاملين بما فيه ~~فقوله: { يتلون كتاب الله } إشارة إلى الذكر وقوله: { ~~وأقاموا الصلاة } إشارة إلى العل البدني وقوله: { وأنفقوا ~~مما رزقناهم } إشارة إلى العمل المالي. وفي الآية حكمة بالغة ~~وهي قوله: { إنما يخشى الله من عباده } إشارة إلى عمل ~~القلب. وقوله: { الذين يتلون } إشارة إلى عمل اللسان ~~وقوله: { وأقاموا الصلاة } إشارة إلى علم الجوارح. ثم ms7233 إن هذه ~~الأشياء الثلاثة متعلقة بجانب تعظيم الله وقوله: { وأنفقوا مما ~~رزقناهم سرا وعلانية } يعني الشفقة على خلقه. وقوله: { ~~سرا وعلانية } حث على الإنفاق كيفما تهيأ فإن تهيأ سرا ~~فذاك وإلا فعلانية ولا يمنعه ظنه أن يكون رياء فإن ترك الخير مخافة ~~ذلك هو عين الرياء ويمكن أن يكون المراد بالسر الصدقة المطلقة ~~وبالعلانية الزكاة فإن الإعلان بالزكاة كالإعلان بالفرض وهو مستحب. " ~~يرجون تجارة " هي ما وعد الله من الثواب " لن تبور " لن تفسد ~~ولن تهلك " ليوفيهم أجورهم " جزاء أعمالهم بالثواب " ~~ويزيدهم من فضله " قال ابن عباس: يني سوى الثواب ما لم تر ~~عين ولم تسمع أذن. ويحتمل أن يزيدهم النظر إليه كما جاء في تفسير ~~الزيادة " إنه غفور شكور ". قال ابن عباس: يغفر الذنب العظيم من ~~ذنوبهم ويشكر اليسير من أعمالهم. وقيل: غفور عند الإبطاء شكور عند ~~إعطاء الزيادة. # قوله: { والذي أوحينآ إليك من الكتاب } يعني ~~القرآن. وقيل: اللوح المحفوظ لما بين الأصل (الأول) وهو وجود الله ~~الواحد بالدلائل في قوله: # الله الذي يرسل الرياح # [الروم:48] وقوله: " والله (الذي) خلقكم " وقوله: { ألم تر ~~أن الله أنزل من السمآء مآء } ذكر الأصل الثاني وهو ~~الرسالة فقال: { والذي أوحينآ إليك من الكتاب هو ~~الحق }. # قوله: " من الكتاب " يجوز أن تكون للبيان كما يقال: " أرسل ~~إلي فلان من الثياب جملة " ، وأن تكون للجنس وأن تكون ~~لابتداء الغاية كما يقال: " جاءني كتاب من الأمير " وعلى هذا ~~فاكتاب يمكن أن يراد به اللوح يعني الذي أوحينا إليك من اللوح المحفوظ ~~إليك حق، ويمكن أن يراد به القرآن يعني الإرشاد والتبيين الذي أوحينا ~~إليه من القرآن ويمكن أن تكون للتبعيض و " هو " فصل أو مبتدأ و " ~~مصدقا " حال. # فصل # " هو الحق " آكد من قول القائل: " الذي أوحينا حق ~~إليك " من وجهين: # أحدهما: أن التعريف للخبر يدل على أن الأمر في غاية الظهور لأن الخبر في ~~الأكثر يكون نكرة. # الثاني: أن الإخبار في الغالب يكون إعلاما بثبوت أمر لا يعرفه السامع ~~كقولنا: " زيد قام " فإن السامع ms7234 ينبغي أن يكون عارفا بزيد ولا يعرف ~~قيامه فيخبره به فإذا كان الخبر معلوما فيكون الإخبار للتنبيه فيعرفان ~~باللام كقولنا: " إن زيدا العالم في هذه المدينة " إذا كان ~~علمه مشهورا. وقوله { مصدقا لما بين يديه } من الكتب ~~وهذا تقرير لكونه وحيا لأن النبي - عليه (الصلاة و) السلام - لم يكون ~~قارئا كاتبا وأتى ببيان ما في كتاب الله ولا يكون ذلك إلا بوحي من ~~الله تعالى. أو يقال: إن هذا الوحي مصدق لما تقدم لأن الوحي لو لم يكن ~~موجودا لكذب موسى وعيسى - عليهما (الصلاة و) السلام - في إنزال التوراة ~~والإنجيل فإذا وجد الوحي ونزل على محمد - عليه (الصلاة و) السلام - علم ~~جوازه وصدق ما تقدم في إنزال التوراة. وفي هذه لطيفة وهي أنه تعالى جعل ~~القرآن مصدقا لما مضى، لأن ما مضى أيضا مصدق له لأن الوحي إذا نزل ~~على واحد جاز أن ينزل على غيره وهو محمد - عليه (الصلاة و) السلام - ولم ~~يجعل ما تقدم مصدقا للقرآن لأن القرآن كونه معجزة يكفي في تصديقه بأنه ~~وحي وأما ما تقدم فلا بد فيه من معجزة تصدقه. ثم قال: { إن ~~الله بعباده لخبير بصير } خبير بالبواطن بصير بالظواهر ~~فلا يكون الوحي من الله باطلا لا في الباطن ولا في الظاهر ويمكن أن يكون ~~جوابا لقولهم إن القرآن لو ينزل على رجل من القريتين عظيم فقال: " إن ~~الله بعباده خبير " يعلم بواطنهم وبصير يرى ظواهرهم فاختار ~~محمدا ولم يختر غيره كقوله: # الله أعلم حيث يجعل رسالته # [الأنعام:124]. # قوله: { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا } " ~~الكتاب الذين اصطفينا " مفعولا أورثنا و " الكتاب " هو الثاني قدم ~~لشرفه إذ لا لبس. وأكثر المفسرين على أن المراد بالكتاب القرآن. # وقيل: المراد جنس الكتاب ينتهي إلى الذين اصطفينا من عبادنا وتجويز أن ~~يكون ثم بمعنى الواو وأورثنا كقوله: # ثم كان من الذين آمنوا # [البلد:17] ومعنى أورثنا أعطينا لأن المثراث عطاء. قال مجاهد. وقيل: ~~أورثنا: أخرنا ومنه الميراث لأنه أخر عن الميت ومعناه: أخرنا القرآن من ~~الأمم السالفة وأعطيناكموه ms7235 وأهلناكم له. # قوله: " من عبادنا " يجوز أن يكون للبيان على معنى إن ~~المصطفين هم عبادنا وأن يكون للتبعيض أي إن المصطفين بعض عبادنا ~~لا كلهم. وقرأ أبو عمران الجوني ويعقوب وأبو عمرو - في رواية - ~~سباق مثال مبالغة. # فصل # قال ابن عباس: يريد بالعباد أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ثم قسمهم ~~ورتبهم فقال: { فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ~~ومنهم سابق بالخيرات }. وروى أسامة بن زيد في هذه الآية ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- كلهم من هذه الأمة وروى أبو ~~عثمان النهدي قال: سمعت عمر بن الخطاب قرأ على المنبر { ثم أورثنا الكتاب ~~الذين اصطفينا من عبادنا } الآية فقال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم- # " سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له ~~". # وروى # " أبو الدرداء قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ هذه ~~الآية { ثم أورثنا الكتاب.... } الآية وقال: أما السابق ~~بالخيرات فيدخل الجنة بغير حساب وأما المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا ~~وأما الظالم لنفسه فيجلس في المقام حتى يدخله الهم ثم يدخل الجنة ثم ~~قرأ: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا ~~لغفور شكور ". # وقال عقبة بن صهبان: سألت عائشة عن قول الله - عز وجل -: { أورثنا ~~الكتاب الذين اصطفينا } الآية. فقالت: يا بني كلهم في الجنة أما ~~السابق بالخيرات فمن مضى على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهد ~~له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالخير وأما المقتصد فمن اتبع أثره ~~من أصحابه حتى لحق به وأما الظالم فمثلي ومثلكم. فجعلت نفسها معنا. ~~وقال مجاهد والحسن وقتادة: فمنهم ظالم لنفسه هم أصحاب المشأمة، ومنهم ~~مقتصد أصحاب الميمنة ومنهم سابق بالخيرات السابقون المقربون من الناس ~~كلهم. وعن ابن عباس قال: السابق المؤمن المخلص والمقتصد المرائي والظالم ~~الكافر نعمة الله غير الجاحد لها لأنه حكم للثلاثة بدخول الجنة. وقيل: ~~الظالم هو الراجح السيئات والمقتصد هم الذي تساوت سيئاته ~~وحسناته والسابق هو الذي رجحت حسناته. وقيل: الظالم هو الذي ظاهره ~~خير من باطنه والمقتصد من تساوى ظاهره ms7236 وباطنه والسابق من باطنه خير من ~~ظاهره. وقيل الظالم هو الموحد بلسانه الذي تخالفه جوارحه، والمقتصد هو ~~الموحد الذي يمنع جوراحه من المخالفة بالتكليف والسابق هو الموحد الذي ~~ينسيه التوحيد غير التوحيد. # وقيل: الظالم صاحب الكبيرة والمقتصد التالي العالم والسابق التالي ~~العالم العامل. وقيل: الظالم الجاهل والمقتصد المتعلم والسابق العالم. ~~وقال جعفر الصادق: بدأ بالظالم إخبارا أنه لا يتقرب إليه إلا بكرمه وأن ~~الظالم لا يؤثر في الاصطفاء، ثم ثنى بالمقتصد لأنه بين الخوف والرجاء ~~ثم ختم بالسابق لئلا يأمن أحد مكره وكلهم في الجنة. وقال أبو بكر الوراق: ~~ربتهم على مقامات الناس لأن أحوال العبد ثلاثة معصية وغلفة ثم ~~توبة ثم قرب فإذا عصى دخل في حيز الظالمين وإذا تاب دخل في جملة ~~المقتصدين فإذا صحت له التوبة وكثرت العبادة والمجاهدة دخل في عداد ~~السابقين. وقيل غير ذلك. وأما من قال: المراد بالكتاب جنس الكتاب كقوله: # جآءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب ~~المنير # [فاطر:25] فالمعنى أنا أعطيناك الكتاب الذين اصطفينا وهم الأنبياء لأن ~~لفظ المصفطى إنما يطلق في الأكثر على الأنبياء لا على غيرهم ولأن قوله: " ~~من عبادنا " يدل على أن العباد أكابر مكرمون لأنه أضافهم إليه ثم ~~المصطفين (منهم) أشرف ولا يليق بمن يكون أشرف من الشرفاء أن يكون ظالما ~~مع أن لفظ الظالم أطلقه الله في كثير من المواضع على الكافر وسمى الشرك ~~ظلما. # فإن قيل: كيف قال في حق من ذكر في حقه أنه من عباده وأنه مصطفى ظالم مع ~~أن الظالم يطلق على الكافر في كثير من المواضع؟ # فالجواب: أن المؤمن عند المعصية يضع نفسه في غير موضعها فهو ظالم لنفسه ~~حال المعصية قال - عليه (الصلاة و) السلام -: # " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " # الحديث. وقال آدم - عليه السلام- مع كونه مصطفى: # ربنا ظلمنآ أنفسنا # [الأعراف: 23]. وأما الكافر فيضع قبله الذي به اعتماد الجسد في غير ~~موضعه فهو ظالم على الإطلاق وأما قلب المؤمن فمطمئن بالإيمان لا يضعه في ~~غير التفكر في آلاء الله. ووجه آخر ms7237 وهو أن قوله: " منهم " غير راجع ~~إلى الأنبياء المصطفين بل المعنى: إن الذي أوحينا إليك هو الحق وأنت ~~المصطفى كما اصطفينا رسلنا وآتيناهم كتبا " ومنهم " أي ومن قومكم " ظالم ~~" كفر بك وبما أنزل إليك ومقتصد أمر به ولم يأت بجميع ما أمر به وسابق ~~آمن وعمل صالحا. وقال الكلبي: المراد بالظالم لنفسه هوالكافر. وقيل: ~~المراد منه المنافق وعلى هذا لا يدخل الظالم في قوله: { جنات عدن ~~يدخلونها } وحمل هذا القائل الاصطفاء على أن الاصطفاء في ~~الخلقة وإرسال الرسول إليهم وأنزل الكتاب. والذي عليه عامة أهل العلم أن ~~المراد من جميعهم المؤمنون. # فصل # معنى سابق بالخيرات أي الجنة وإلى رحمة الله بالخيرات أي بالأعمال ~~الصالحة بإذن الله أي بأمر الله وإرادته { ذلك هو الفضل ~~الكبير } يعني إيراثهم الكتاب، ثم أخبر بثوابهم فقال: { جنات ~~عدن يدخلونها } يعني الأصناف الثلاثة. # قوله: " جنات عدن " يجوز أن يكون مبتدأ والجملة بعدها الخبر، وأن يكون ~~بدلا من " الفضل ". قال الزمخشري، وابن عيطة إلا أن الزمخشري ~~اعترض وأجاب فقال: فإن قلت: فكيف جعلت " جنات عدن " بدلا من " الفضل " ~~الذي هو السبق بالخيرات (المشار إليه بذلك؟ قلت: لما كان السبب في نيل ~~الثواب نزل منزلة المسبب كأنه هو الثواب) فأبدل عنه " جنات عدن ". وقرأ ~~زر والزهري جنة مفردا والجحدري جنات بالنصب على الاشتغال ~~وهي تؤيد رفعها بالابتداء. وجوز أبو البقاء أن كون " جنات " بالرفع خبرا ~~ثانيا لاسم الإشارة وأن يكون خبر مبتدأ محذوف. وتقدمت قراءة ~~يدخلونها مبنيا للفاعل أو المفعول وباقي الآية في الحج. # فصل # قيل: المراد بالداخلين الأقسام الثلاثة. وهذا على قولنا بأنهم أقسام ~~المؤمنين. وقيل: الذين يتلون كتاب الله وقيل: هم السابقون. وهو أقوى لقرب ~~ذكرهم ولأنه ذكر إكرامهم بقوله: " يحلون " والمكرم هو السابق. # فإن قيل: تقديم الفاعل على الفعل وتأخير المفعول عنه موافق لترتيب ~~المعنى إذا كان المفعول حقيقيا كقولنا: الله الذي خلق ~~السموات وقول القائل: زيد بنى الجدار، فإن الله موجود قبل كل ~~شيء ثم له فعل هو الخلق ثم حصل به المفعول وهو ms7238 السموات وكذا زيد ثم ~~البناء ثم الجدار من البناء وإذا لم يكن المفعول حقيقا كقولنا: دخل ~~الداخل الدار، وضرب عمرا فإن " الدار " في الحقيقة ليس مفعولا للداخل ~~وإنما فعله متحقق بالنسبة إلى الدار وكذلك عمرو فعل (من أفعال) زيد تعلق ~~به فسمي مفعولا ولكن الأصل تقديم الفعل على المفعول ولهذا يعاد الفعل ~~المقدم بالضمير تقول: عمرا ضربه زيد فتوقعه بعد الفعل بالهاء ~~العائدة إليه وحينئذ يطول الكلام فلا يختاره الحكيم إلا لفائدة فما ~~الفائدة في تقديم " الجنات " على الفعل الذي هو الدخول وإعادة ذكرها ~~بالهاء في " يدخلونها " وما الفرق بين هذا و(بين) قوله القائل: ~~يدخلون جنات عدن؟ # فالجواب: أن السامع إذا علم له مدخلا من المداخل وله دخول ولم يعلم ~~غير المدخل فإذا قيل له: أنت تدخل مال إلى أن يسمع الدار والسوق فيبقى ~~متعلق القلب بأنه في أي المداخل يكون. فإذا قيل: " الدار تدخلها " ~~فيذكر الدار يعلم مدخله وبما عنده من العلم السابق بأنه له دخولا يعلم ~~الدخول فلا يبقى متعلق القلب ولا سيما الجنة والنار فإن بين المدخلين ~~بونا بعيدا. # قوله: " يحلون فيها " إشارة إلى سرعة الدخول فإن التحلية لو ~~وقعت خارجا لكان فيه تأخير المدخول فقال: { يدخلونها } وفيها يقع ~~تحليتهم، وقوله: " من أساور " بجمع الجمع فإنه جمع " ~~أسورة " وهي جمع " سوار " " من ذهب ولؤلؤا " وقوله: " ~~ولباسهم " أي ليس كذلك لأن الإكثار من اللباس يدل على حاجة من ~~دفع برد أو غيره والإكثار من الزينة لا يدل (إلا) على الغنى، وذكر ~~الأساور من بين سائر الحلي في مواضع كثيرة كقوله تعالى: # وحلوا أساور من فضة # [الإنسان:21] وذلك لأن التحلي بمعنيين: # أحدهما: إظهار كون المتحلي غير مبتذل في الأشغال لأن التحلي لا ~~يكون (حاله) حالة الطبخ والغسل. # وثانيهما: إظهار الاستغناء عن الأشياء وإظهار القدرة على الأشياء لأن ~~التحلي إما بالآلىء والجواهر وإما بالذهب والفضة والتحلي بالجواهر ~~واللآلىء يدل على أن المتحلي لا يعجز عن الوصول إلى الأشياء الكثيرة ~~عند الحاجة حيث لم يعجز عن الوصول إلى الأشياء العزيزة الوجود ms7239 لا لحاجة ~~والتحلي بالذهب والفضة يدل على أنه غير محتاج حاجة أصلية وإلا لصرف ~~الذهب والفضة إلى دفع حاجته. وإذا عرف هذا فنقول: الأساور محلها ~~الأيدي وأكثر الأعمال باليد فإذا حليت بالأساور علم الفراغ من ~~الأعمال. # قوله تعالى: { وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا ~~الحزن } قرأ العامة " الحزن " بفتحتين وجناح بني حبيش بضم ~~الحاء وسكون الزاي. وتقدم من ذلك أول القصص. والمعنى يقولون إذا دخلوا ~~الجنة الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن. والحزن والحزن واحد ~~كالبخل والبخل، قال ابن عباس: حزن النار. وقال قتادة: حزن الموت ~~وقال مقاتل: لأنهم كانوا لا يدرون ما يصنع بهم. وقال عكرمة: حزن السيئات ~~والذنوب وخوف رد الطاعات وقال القاسم: حزن زوال النعم وخوف العاقبة. ~~وقيل: حزن أهوال يوم القيامة. وقال الكلبي: ما كان يحزنهم في الدنيا من ~~أمر يوم القيامة، وقال سعيد بن جبير: الخبز في الدنيا. وقيل: هم المعيشة، ~~وقال الزجاج: أذهب الله عن أهل الجنة كل الأحزان ما كان منها ~~لمعاش أو معاد. وقال - عليه (الصلاة و) السلام - # " ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا ~~في منشرهم وكأني بأهل لا إله إلا الله ينفضون ~~التراب عن رؤوسهم ويقولون: الحمد لله الذي ~~أذهب عنا الحزن " # ثم قالوا: { إن ربنا لغفور شكور }. ذكر الله عنهم ~~أمورا كلها تفيد الكرامة: الأول (أن) الحمد لله فإن الحامد مثاب. ~~الثاني: قولهم: ربنا فإن الله (تعالى) إذا نودي بهذا اللفظ استجاب ~~للمنادى اللهم إلا أن يكون المنادي يطلب ما لا يجوز. الثالث: قوله: ~~غفور شكور. والغفور إشارة إلى ما غفر لهم في الآخرة بحمدهم في الدنيا، ~~والشكور إشارة إلى ما يعطيهم الله ويزيدهم بسبب حمدهم في الآخرة. # قوله: " الذي أحلنا " أي أنزلنا " دار المقامة " مفعول ~~ثان " لأحلنا ". ولا يكون ظرفا لأنه مختص فلو كان ظرفا لتعدي ~~إليه الفعل بفي. # والمقامة الإقامة. والمفعول قد يجيء بالمصدر يقال: ما له معقول ~~أي عقل. قال تعالى: # مدخل صدق # [الإسراء:80] # ومزقناهم كل ممزق # [سبأ:19] وكذلك المستخرج للإخراج لأن ms7240 المصدر هو المفعول في الحقيقة فإنه ~~هو الذي فعل (فجاز إقامة المفعول مقامه). # فصل # في قوله: " دار المقامة " إشارة إلى أن الدنيا منزلة ينزلها ~~المكلف ويرتحل عنها إلى منزلة القبور ومن القبور إلى منزلة العرصات ~~التي فيها الجمع ومنها التفريق وقد يكون النار لبعضهم منزلة أخرى ~~والجنة دار البقاء وكذا النار لأهلها. # قوله: " من فضله " متعلق " بأحلنا " و " من " إما للعلة ~~وإما لابتداء الغاية. ومعنى فضله أي يحكم وعده لا بإيجاب من عنده. # قوله: " لا يمسنا " حال من مفعول " أحلنا " الأول والثاني، ~~لأن الجملة مشتملة على ضمير كل منهما وإن كان الحال من الأول أظهر. ~~والنصب التعب والمشقة، واللغوب الفتور الناشيء عنه ~~وعلى هذا فيقال إذا انتفى السبب نفي المسبب فإذا قيل: لم آكل ~~فيعلم انتفاء الشبع فلا حاجة إلى قوله ثانيا فلم أشبع بخلاف العكس ألا ~~ترى أنه يجوز لم أشبع ولم آكل و (في) الآية الكريمة على ما تقرر من نفي ~~السبب فما فائدته؟ وقد أجاب ابن الخطيب: بأنه بين مخالفة الجنة لدار ~~الدنيا فإن أماكنها على قسمين موضع يمس فيه المشاق كالبراري وموضع يمس ~~فيه الإعباء كالبيوت والمنازل التي في الأسفار فقيل: لا يمسنا ~~فيها نصب لأنها ليست مظان المتاعب كدار الدنيا ولا يمسنا ~~فيها لغوب أي لا يخرج منها إلى مواضع يتعب ويرجع إليها فيمسنا فيها ~~الإعياء وهذا الجواب ليس بذاك. والذي يقال: إن النصب هو تعب البدن ~~واللغوب تعب النفس. وقيل: اللغوب الوجع وعلى هذين فالسؤال زائل. وقرأ ~~علي والسلمي بفتح لام لغوب وفيه أوجه: # أحدهما: أنه مصدر على فعول كالقبول. # والثاني: أنه اسم لما يغلب به كالفطور والسحور. قاله الفراء. # الثالث: أنه صفة لمصدر مقدر أي لا يمسنا لغزب لغوب نحو: شعر ~~شاعر وموت مائت. وقيل: صفة لشيء غير مقدار أي أمر لغوب. # قوله: { والذين كفروا لهم نار جهنم } عطف على قوله: ~~{ إن الذين يتلون كتاب الله } وما بينهما كلام يتعلق ب ~~{ الذين يتلون كتاب الله } على ما تقدم. # قوله: " فيموتوا " العامة على نصبه ms7241 لحذف النوف جوابا للنفي وهو على ~~أحد معنيين نصب: " ما تأتينا فتحدثنا " أي ما يكون منك ~~إتيان ولا حديث. انتفى السبب وهو الإتيان فانتفى مسببه، وهو الحديث. ~~والمعنى الثاني: إثبات الإتيان ونفي الحديث أي ما تأتينا محدثا بل ~~تأتينا غير محدث. وهو لا يجوز في الآية البتة وقرأ عيسى والحسن " ~~فيموتون " بإثبات النون. # قال ابن عطية: وهي ضعيفة قال شهاب الدين وقد وجهها المازني على ~~العطف على " لا يقضى " أي لا يقضى عليهم فلا يموتون. وهو أحد ~~الوجهين في معنى الرفع في قولك: ما تأتينا فتحدثنا أو انتفاء ~~الأمرين معا كقوله: # ولا يؤذن لهم فيعتذرون # [المرسلات: 36] أي فلا يعتذرون. و " عليهم " قائم مقام ~~الفاعل وكذلك " عنهم " بعد " يخفف ". ويجوز أن يكون القائم " ~~من عذابها " و " عنهم " منصوب المحل، ويجوز أن يكون " من " ~~مزيدة عند الأخفش فيتعين قيامه مقام الفاعل لأنه هو المفعول به. وقرأ ~~أبو عمرو - في رواية- ولا يخفف بسكون الفاء - شبه المنفصل بعضد ~~كقوله: # 4162- فاليوم أشرب غير مستحقب # ........................... # فصل # { لا يقضى عليهم فيموتوا } أي لا يهلكون فيستريحوا ~~كقوله: # فوكزه موسى فقضى عليه # [القصص:15] أي قتله. لا يقضي عليهم الموت فيموتوا كقوله: # ونادوا يملك ليقض علينا ربك # [الزخرف:77] أي الموت فنستريح بل العذاب دائم { ولا يخفف عنهم من عذابها ~~} أي من عذاب النار. وفي الآية لطائف: # الأولى: أن العذاب في الدنيا إن دام قتل وإن لم يقتل يعتاده ~~البدن ويصير مزاجا فاسدا لا يحس به المعذب فقال عذاب نار الآخرة ليس ~~كعذاب الدنيا إما أن يفني وإما أن يألفه البدن بل هو في كل زمان ~~شديد والمعذب فيه دائم. # الثانية: دقيق العذاب بأنه لا يفتر ولا ينقطع ولا بأقوى الأسباب وهو ~~الموت حتى يتمنوه ولا يجابون كما قال تعالى: # ونادوا يملك ليقض علينا ربك # [الزخرف:77] أي بالموت. # الثالث: ذكر في المعذبين الأشقياء بأنه لا ينقص عذابهم ولم يقل: ~~يزيدهم، وفي المثابين قال: { يزيدهم من فضله }. # قوله: " كذلك " إما مرفوع المحل أي الأمر كذلك، وإما منصوبة أي ~~مثل ذلك الجزاء يجزى. ms7242 وقرأ أبو عمرو " يجزى " مبنيا ~~للمفعول كل رفع به. والباقون نجزي بنون العظمة مبنيا للفاعل كل ~~مفعول به. والكفور الكافر. # قوله: " وهم يصطرخون " يستغيثون ويصيحون " فيها " وهو ~~يفتعلون من الصراخ وهو الصياح. وأبدلت الفاء صادا لوقوعها قبل ~~الطاء، " يقولون ربنا أخرجنا منها " من النار فقوله: " ~~ربنا " على إضمار القول وذلك القول إن شئت قدرته فعلا مفسرا ~~ليصطرخون أي يقولون في صراخهم كما تقدم وإن شئت قدرته حالا من ~~فاعل " يصطرخون " أي قائلين ربنا. # قوله: { صالحا غير الذي كنا نعمل } يجوز أن يكونا ~~نعتي مصدر محذوف أي عملا صالحا غير الذي كنا نعمل وأن يكونا نعتي ~~مفعول به محذوف أي نعمل شيئا صالحا غير الذي كنا نعمل وأن يكون " ~~صالحا " نعتا لمصدر و " غيرا لذي كنا نعمل " هو المفعول به. وقال ~~الزمخشري: فإن قلت: فهلا اكتفي بصالحا كما اكتفي به في قوله: ~~فارجعنا نعمل صالحا؟ وما فائدة زيادة غير الذي كنا نعمل؟ على ~~أنه يوهم أنهم يعملون صالحا آخر غير الصالح الذي عملوه؟ قلت: فائدته ~~زيادة التحسر على ما عملوه من غير الصالح مع الاعتراف به وأما الوهم ~~فزائل بظهور حالهم في الكفر وظهور المعاصي ولأنهم كانوا يحسبون أنهم على ~~سيرة صالحة كما قال تعالى: # وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا # [الكهف: 104] فقالوا: أخرجنا نعمل صالحا غير الذي ~~كنا نحسبه صالحا فنعمله. # قوله: " أو لم نعمركم " (أي فيقول لهم توبيخا: أو لم نعمركم ~~أي عمرناكم مقدارا يمكن التذكر فيه. # قوله: " ما يتذكر " جوزوا في " ما " هذه وجهين: # أحدهما - ولم يحك أبو حيان غيره -: أنها مصدرية طرفية قال: أي مدة ~~تذكر، وهذه غلط لأن الضمير (في) (فيه) يمنع ذلك لعوده على " ما " ولم ~~يقل باسمية ما المصدرية إلا الأخفش وابن السراج. # والثاني: أنها نكرة موصوفة أي تعمرا يتذكر فيه أو زمانا ~~يتذكر فيه. وقرأ الأعمش ما يذكر بالإدغام من " اذكر " ، ~~قال أبو حيان: بالإدغام واجتلاب همزة الوصل ملفوظا بها في الدرج وهذا ~~غريب حيث أثبت همزة الوصل مع الاستغناء عنها إلا أن يكون ms7243 حافظ على ~~سكون " من " وبيان ما بعدها. # فصل # معنى قوله: { أولم نعمركم ما يتذكر فيه من ~~تذكر } قيل: هو البلوغ. وقال قتادة وعطاء والكلبي: ثماني عشرة سنة ~~وقال الحسن: أربعون سنة. وقال ابن عباس: ستون سنة. روي ذلك عن علي ~~وهو العمر الذي أعذر الله إلى ابن آدم. قال - عليه (الصلاة و) السلام ~~-: # " أعذر الله إلى ابن آدم امرىء أخر أجله حتى ~~بلغ ستين سنة " # وقال - عليه (الصلاة و) السلام -: # " أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين ~~وأقلهم من يجوز ذلك ". # قوله: " وجآءكم " عطف على " أولم نعمركم "؛ لأنه في ~~معنى قد عمرناكم كقوله: # ألم نربك # [الشعراء:18] ثم قال: ولبثت # ألم نشرح لك # [الشرح:1] ثم قال: # ووضعنا # [الشرح:2]، إذ هما في معنى ربيناك وشرحنا، والمراد بالنذير ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - في قول أكثر المفسرين. وقيل: القرآن. وقال ~~عكرمة وسفيان بن عيينة ووكيع: هو الشيب. والمعنى أو لم نعمركم حتى ~~شبتم. ويقال: الشيب نذير الموت. وفي الأثر: ما من شعرة ~~تبيض إلا قالت لأختها: استعدي فقد قرب ~~الموت. وقرىء: النذر جمعا. # قوله: " فذوقوا " أمر إهانة " فما للظالمين " الذين وضعوا ~~أعمالهم وأقوالهم في غير موضعها. " من نصير " في وقت الحاجة ينصرهم، ~~و " من نصير " يجوز أن يكون فاعلا بالجار لاعتماده وأن يكون مبتدأ ~~مخبرا عنه بالجار قبله. # قوله: { إن الله عالم غيب السماوات والأرض } قرأ ~~العامة عالم غيب على الإضافة تخفيفا. وجناح بن جبيش بتنوين ~~عالم ونصبب (غيب) إنه عليم بذات الصدور. وهذا تقرير لدوامهم ~~في العذاب وذلك من حيث إن الله تعالى لما أعلم أن جزاء السيئة سيئة ~~مثلها ولا يزاد عليها فلو قال (قائل): الكافر ما كفر بالله إلا أياما ~~معدودة فينبغي أن لا يعذب إلا مثل تلك الأيام فقال: إن اله لا يخفى ~~عليه غيب السموات والأرض فلا يخفى عليه ما في الصدور وكان يعلم من الكافر ~~أن في قلبه تمكن الكفر لو دام إلى الأبد لما أطاع الله. ### || [35.39-43] # قوله تعالى: { هو الذي جعلكم خلائف في الأرض } أي ms7244 خلف ~~بعضكم بضعا. وقيل: جعلكم أمة واحدة خلت من قبلها ما ينبغي أن يعتبر به ~~فجعلكم خلائف في الأرض أي خليفة بعد خليفة تعلمون حال الماضين وترضون ~~بحالهم، فمن كفر بعد هذا كله " فعليه كفره " أي وبال كفره ~~{ ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا ~~مقتا } أي غضبا لأن الكافر (و) السابق كان ممقوتا { ولا يزيد ~~الكافرين كفرهم إلا خسارا } أي الكفر لا ينفع عند الله حيث ~~لاي يزيد إلا المقت ولا ينفهم في أنفسهم حيث لا يفيدهم إلا الخسار لأن ~~العمر كرأس (مال) من اشترى به رضى الله ربح ومن اشترى به سخطه ~~خسر. # قوله: " أرأيتم " فيها وجهان: # أحدهما: أنها ألف استفهام على بابها ولم تتضمن هذه الكملة معنى ~~أخبروني بل هو استفهام حقيقي وقوله: " أروني " أمر تعجيز. # والثاني: أن الاستفهام غير مراد وأنها ضمنت معنى أخبروني. ~~فعلى هذا يتعدى لاثنين: # أحدهم: شركاءكم. # والثاني: الجملة الاستفهامية من قوله " ماذا خلقوا ". و " ~~أروني " يحتمل أن تكون جملة اعتراضية. # والثاني: أن تكون المسألة من باب الإعمال فإن " أرأيتم " يطلب ~~" ماذا خلقوا " مفعولا ثانيا و " أروني " أيضا يطلبه معلقا ~~له وتكون المسألة من باب إعمال الثاني على مختار البصريين، و " ~~أروني " هنا بصرية تعدت للثاني بهمزة النقل والبصرية قبل النقل تعلق ~~بالاستفهام كقولهم: " أما ترى أي برق ههنا " وقد تقدم الكلام ~~على (أن) " أرأيتم " هذه في الأنعام. وقال ابن عطية هنا: " أرأيتم " ~~ينزل عند سيبويه منزلة أخبروني ولذلك لا يحتاج إلى مفعولين. وهو غلط بل ~~يحتاج كما تقدم تقريره. وجعل الزمخشري الجملة من قوله " أروني " بدلا ~~من قوله: " أرأيتم " قال: لأن معنى أرأيتم أخبروني. ورده أبو حيان ~~بأن البدل إذا دخلت عليه أداة الاستفهام (لا) يلزم إعادتها في المبدل ولم ~~تعد هنا وأيضا فإبدال جملة من جملة لم يعهد في لسانهم. قال شهاب الدين: ~~والجواب عن الأول أن الاستفهام فيه غير مراد قطعا فلم تعد أداته، وأما ~~قوله: لم يوجد في لسانهم فقد وجد ومنه: # 4163- متى تأتنا تلمم بنا... # .................. # (و): # 4416- إن علي ms7245 الله أن تبايعا # تؤخذ كرها وتجيب طائعا # وقد نص النحويون على أنه متى كانت الجملة في معنى الأول ومبينة لها ~~أبدلت منها. # فصل # هذه الآية تقرير للتوحيد وإبطال للإشراك والمعنى جعلتموهم ~~شركائي بزعمكم يعني الأصنام " أروني " أخبروني { ماذا خلقوا من ~~الأرض } فقال: " شركاءكم " فأضافهم إليهم من حيث إن الأصنام في ~~الحقيقة لم تكن شركاء لله وإنما هم الذين جعلوها شركاء فقال شركاءكم أي ~~الشركاء بجعلكم. # ويحتمل أن يقال: معنى شركاءكم أي # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [الأنبياء:98]. ويحتمل أن يكون معنى " أرأيتم " أي أعلمتم هذه الأصنام ~~التي تدعونها هل لها قدرة أم لا؟ فإن كنتم تعلمونها عاجزة فكيف تعبدونها؟ ~~وإن كنتم تعلمون أن لها قدرة فأروني قدرتها في أي شيء أهي في الأرض كما ~~قال بعضهم: إن الله إله السماء وهؤلاء آلهة الأرض وهم الذين قالوا: أمور ~~الأرض من الكواكب والأصنام صورها أم هي في السموات كما قال بعضهم: إن ~~السموات خلقت باستعانة الملائكة شركاء في خلق السموات وهذه الأصنام صورها ~~أم قدرتها في الشفاعة لكم كما قال بعضهم: " إنما نعبدهم ~~ليقربونا إلى الله زلفى " فهل معهم كتاب من الله؟ قال ~~مقاتل: هل أعطينا كفار مكة كتابا فهم على بينة منه؟ # قوله: { آتيناهم كتابا فهم } الأحسن في هذا الضمير أن يعود ~~على " الشركاء " ليتناسق الضمائر. وقيل: يعود على المشركين كقول ~~مقاتل فيكون التفاتا من خطاب إلى غيبة. وقرأ أبو عمرو وحمزة وابن ~~كثير وحفص بينة بالإفراد والباقون بينات بالجمع أي دلائل واضحة منه ~~مما في ذلك الكتاب من ضروب البيان. # قوله: { بل إن يعد } " إن " نافية والمعنى ما يعد الظالمون { ~~بعضهم بعضا إلا غرورا } غرهم الشيطان وزين لهم عبادة ~~الأصنام. والغرورو ما يغر الإنسان ما لا أصل له، قال مقاتل: يعين ما ~~يعد الشيطان كفار بني آدم من شفاعة الآلهة في الآخرة غرور باطل. # قوله تعالى: { إن الله يمسك السماوات والأرض أن ~~تزولا } لما بين أنه لا خلق للأصنام ولا قدرة لها بين أن الله قادر ~~بقوله: ms7246 إن الله يمسك السموات والأرض. ويحتمل أن يقال: لما بين شركهم قال: ~~مقتضى شركهم زوال السموات والأرض كقوله تعالى: # تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض ~~وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا # [مريم:90-91] ويؤيد هذا قوله تعالى في آخر الآية " إن الله كان ~~حليما غفورا " حليما ما ترك تعذيبهم إلا حلما منه وإلا كانوا ~~يستحقون إسقاط السماء وانطباق الأرض عليهم. وإنما أخر إزالة ~~السموات لقيام الساعة حكما. ويحتمل أن يقال: إن ذلك من باب التسليم ~~وإثبات المطلوب كأنه تعالى قال: شركاؤكم ما خلقوا من الأرض شيئا ~~ولا من السماء جزءا لا قدرة لهم على الشفاعة فلا عبادة لهم وهب أنهم ~~فعلوا شيئا من الأشياء فهل يقدرون على إمساك السموات والأرض ولا ~~يمكنهم القول بأنهم يقدرون لأنهم ما كانوا يقولون ذلك كما قال تعالى ~~عنهم: # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله # [لقمان:25] ويؤيد هذا قوله: { ولئن زالتآ إن أمسكهما ~~من أحد من بعده } فإذن تبين أن لا معبود إلا الله من حيث ~~إن غيره لم يخلق شيئا من الأشياء وإن قال كافر بأن غيره خلق فما خلق ~~مثل ما خلق فلا شريك. # قوله: " أن تزولا " يجوز أن يكون مفعولا من أجله أي كراهة ~~أن تزولا. وقيل: لئلا تزولا، ويجوز أن يكون مفعولا ثانيا على ~~إسقاط الخافض أي يمنعهما من أن تزولا. كذا قدره أبو إسحاق ويجوز أن يكون ~~بدل اشتمال أي يمنع زوالهما. # قوله: " إن أمسكهما " جواب القسم الموطأ له بلام القسم وجواب ~~الشرط محذوف يدل عليه جواب القسم ولذلك كان فعل الشرط ماضيا. وقول ~~الزمخشري: إنه سد مسد الجوابين يعني أنه دال على جواب الشرط. # قال أبو حيان؛ وإن أخذ كلامه على ظاهر لم يصح لأنه لو سد مسدهما لكان ~~له موضع من الإعراب من حيث إنه سد مسد جواب الشرط ولا موضع له من حيث ~~إنه سد مسد جواب القسم، والشيء الواحد لا يكون معمولا غير معمول. و " ~~من أحد " من مزيدة لتأكيد الاستغراق و " من بعده ms7247 " من لابتداء ~~الغاية والمعنى أحد سواه { إنه كان حليما غفورا } ، " حليما ~~" حيث لم يعجل في إهلاكهم بعد إصرارهم على إشراكهم " غفورا " لمن تاب ~~ويرحمه وإن إستحق العقاب. # فإن قيل: ما معنى ذكر الحليم ههنا؟ قيل: لأن السموات والأرض همت بما ~~همت من عقوبة الكفار فأمسكهما الله - عز وجل - عن الزوال لحلمه وغفرانه ~~أن يعاجلهم بالعقوبة. # قوله: { وأقسموا بالله } يعني كفار مكة لما بلغهم أن أهل ~~الكتاب كذبوا رسلهم قالوا لعن الله اليهود والنصارى أتتهم ~~الرسل فكذبوهم وأقسموا بالله وقالوا: " لو أتانا رسول لنكونن ~~أهدى " دينا منهم وذلك قبل مبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما ~~بعث محمد كذبوه فأنزل الله - عز وجل - { وأقسموا بالله جهد ~~أيمانهم لئن جاءهم نذير } رسول { ليكونن أهدى من ~~إحدى الأمم } يعني اليهود والنصارى. وقيل: المعنى أهدى مما نحن عليه. ~~وعلى هذا فقوله: { من إحدى الأمم } للتبيين كما يقال: زيد ~~من المسلمين، ويؤيده قوله تعالى: { فلما جآءهم نذير ما ~~زادهم إلا نفورا } أي صاروا أضل مما كانوا يقولون: نكون أهدى. ~~وقيل: المراد أهدى من إحدى الأمم كقولك: زيد أولى من عمرو. ~~وقيل: المراد بإحدى الأمم العموم أي إن إحدى الأمم يفرض واعلم أنه لما ~~بين إنكارهم للتوحيد من تكذيبهم للرسول ومبالغتهم فيه يحث كانوا يقسمون ~~على أنهم لا يكذبون الرسل إذا تبين لهم كونهم رسلا وقالوا إنما نكذب ~~محمدا - عليه (الصلاة و) السلام - لكونه كاذبا ولو تبين لنا كونه ~~رسولا لآمنا كما قال تعالى: # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جآءتهم آية ~~ليؤمنن بها # [الأنعام:109] وهذا مبالغة في التكذيب. # قوله: " ليكونن " جواب القسم المقدر والكلام فيه كما تقدم. وقوله: ~~" لئن جآءهم " حكاية لمعنى كلامهم لا للفظه إذ لو كان كذلك لكان ~~التركيب لئن جاءنا لنكونن. # قوله: { من إحدى الأمم } أي من الأمة التي يقال فيها: هي إحدى ~~الأمم تفضيلا لها كقولهم: هو إحد(ى) الأحدين قال: # 4165- حتى استثاروا بي إحدى الإحد # ليثا هزبرا في سلاح معتد # قوله: " ما زادهم " جواب " لما ". وفيه دليل على أنها حرف لا ~~ظرف ms7248 إذا لا يعمل ما بعد " ما " النافية فيما قبلها، وتقدمت له نظائر. ~~وإسناد الزيادة للنذير مجاز لأنه سبب في ذلك كقوله: # فزادتهم رجسا إلى رجسهم # [التوبة:125] # فصل # معنى جاءهم أي صح لهم مجيئه بالمعجزة وهو محمد - صلى الله عليه وسلم - { ~~ما زادهم إلا نفورا } أي ما زادهم بمجيئه إلا تباعدا عن ~~الهدى. # قوله: " استكبارا " يجوز أن يكون مفعولا له أي لأجل الاستكبار. وأن ~~يكون بدلا من " نفورا " وأن يكون حالا أي حال كونهم مستكبرين. قال ~~الأخفش. # قوله: " ومكر السيىء " فيه وجهان: # أظهرهما: أنه عطف على " استكبارا ". # والثاني: أنه عطف على " نفورا ". وهذا من إضافة الموصوف إلى صفته في ~~الأصل إذ الأصل والمكر والسيىء. وقرأ العامة بخفض همزة " السيىء ~~". وحمزة والأعمش بسكونها وصلا. وقد تجرأت النحاة وغيرهم على هذه ~~القراءة ونسبوها للحن ونزهوا الأعمش من أن يكون قرأ بها. قالوا: ~~وإنما وقف مسكنا فظن أنه واصل فغلط عليه. وقد احتج لها قوم بأنه ~~إجراء الوصل مجرى الوقف أو أجري المنفصل مجرى المتصل وحسنه كون ~~الكسرة على حرف ثقيل بعد ياء مشددة مكسورة. وقد تقدم أن أبا عمرو ~~يقرأ: " إلى بارئكم " " عند بارئكم " بسكون الهمزة. فهذا أولى ~~لزيادة الثقل هنا. وقد تقدم هنا (ك) أمثلة وشواهد، وروي عن ابن كثير " ~~ومكر السأي " بهمزة ساكنة بعد السين ثم ياء مكسورة. (و) خرجت على ~~أنها مقلوبة من السيء، والسيء مخفف (من السيىء) كالميت من ~~الميت قال الحماسي: # 4166- ولا يجزون من حسن بسيء # ولا يجزون من غلظ بلين # وقد كثر في قراءة القلب نحو ضياء، وتأيسوا ولا يأيس، كما تقدم ~~تحقيقه. وقرأ عبد الله: " ومكرا سيئا " بالتنكير وهو موافق لما ~~قبله. وقرىء: ولا يحيق بضم الياء المكر السيىء بالنصب على أن ~~الفاعل ضمير الله تعالى؛ أي لا يحيط الله المكر السيىء ~~إلا بأهله. # فصل # المراد بالمكر السيىء أي القبيح أضيف المكر إلى صفته قال الكلبي: هو ~~اجتماعهم على الشرك. # وقيل النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال ابن الخطيب: هذا من إضافة الجنس ~~إلى نوعه كما ms7249 يقال: علم الفقه وحرفة الحدادة ومعناه: ~~ومكروا مكرا سيئا ثم عرف لظهور مكرهم ثم ترك التعريف باللام وأضيف ~~إلى السيىء لكون السر فيه أبين الأمور. ويحتمل أن يقال: بأن المكر ~~استعمل استعمال العمل كما ذكرنا في قوله تعالى: # والذين يمكرون السيئات # [فاطر:10] أي يعملون السيئات. # قوله: { ولا يحيق المكر السيىء } أي لا يحل ولا يحيط، وقوله: " يحيق ~~" ينبىء عن الإحاطة التي هي فوق اللحوق. # فإن قيل: كثيرا ما نرى الماكر يمكر ويفيده المكر ويغلب الخصم بالمكر ~~والآية تدل على عدم ذلك. # فالجواب من جوه: # أحدهما: أن يكون المكر المذكور في الآية هو المكر الذي مكروه مع النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - من العزم على القتل والإخراج ولم يحق إلا بهم حيث ~~قتلوه يوم بدر وغيره. # وثانيها: أن نقول: المكر عام وهو الأصح، فإن النبي - عليه (الصلاة و) ~~السلام - نهى عن المكر وأخبر بقوله: # " لا تمكروا ولا تعينوا ماكرا فإن الله يقول: ~~ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله " # وعلى هذا (فذلك) الرجل الماكر يكون أهلا فلا يرد نقضا. # وثالثها: أن الأعمال بعواقبها ومن مكر غيره ونفذ فيه المكر عاجلا في ~~الظاهر فهو في الحقيقة هو الفائز والماكر هو الهالك كمثل راحة الكافر ~~ومشقة المسلم في الدنيا ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى: { فهل ~~ينظرون إلا سنت الأولين } يعني إن كان لمكرهم في الحال ~~رواج فالعاقبة للتقوى والأمور بخواتيمها. # قوله: " سنة الأولين " مصدر مضاف لمفعوله و " وسنة الله ~~" مصدر مضاف لفاعله لأنه سنها بهم فصحت إضافتها إلى الفاعل والمفعول. ~~وهذا جواب (عن) سؤال وهو أن الإهلاك ليس سنة الأولين إنما هو سنة الله في ~~الأولين والجواب عن هذا السؤال من وجهين: # أحدهما: أن المصدر الذي هو المفعول المطلق يضاف إلى الفاعل والمفعول ~~لتعلقه بهما من وجه دون وجه فيقال فيما إذا ضرب زيد عمرا: ~~عجبت من ضرب عمرو وكيف ضرب مع ما له من القوم والقوة؟ ~~وعجبت من ضرب عمرو وكيف ضرب مع ماله من العلم والحلم؟ فكذلك سنة الله ~~بهم أضافها إليهم ms7250 لأنها (سنة) سنت بهم وإضافتها إلى نفسه بعدها بقوله: { ~~ولن تجد لسنت الله } لأنها سنة من الله، فعلى هذا نقول: ~~أضافها في الأول إليهم حيث قال: سنة الأولين، لأن سنة الله الإهلاك ~~بالإشراك والإكرام على الإسلام فلا يعلم أنهم ينتظرون أيتهما فإذا قال: ~~سنة الأولين تميزت وفي الثاني أضافها إلى الله لأنها لما علمت فالإضافة ~~إلى الله تعظيما وتبين أنها أمر واقع ليس لها من دافع. # وثانيهما: أن المراد من سنة الأولين استمرارهم على الإنكار واستكبارهم ~~عن الإقرار وسنة الله استئصالهم بإصرارهم فكأنه قال: أنتم تريدون الإتيان ~~بسنة الأولين والله يأتي بسنة لا تبديل لها ولا تحويل عن مستحقها. # فإن قيل: ما الحكمة في تكرار التبديل والتحويل؟ # فالجواب: أن المراد بقوله: { فلن تجد لسنت الله تبديلا ~~} حصول العلم بأن العذاب لا يبدل بغيره وبقوله: { ولن تجد لسنة ~~الله تحويلا } حصول العلم بأن العذاب مع أنه لا يتبدل بالثواب لا ~~يتحول عن مستحقه إلى غيره فيتم تهديد المسيء. # فصل # المعنى فهل ينتظرون إلا أن ينزل بهم العذاب كما نزل بمن مضى من الكفار ~~والمخاطب بقوله: " فلن تجد " عام كأنه قال: لن تجد أيها السامع ~~وقيل: الخطاب مع محمد - عليه (الصلاة و) السلام -. ### || [35.44-45] # قوله: { أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان ~~عاقبة الذين من قبلهم } لما ذكر الأولين وسنته في إهلاكهم ~~نبههم بتذكير الأولين فإنهم كانوا يمرون على ديارهم ويرون آثارهم وأملهم ~~كان فوق أملهم وعملهم كان دون عملهم وكانوا أطول أعمارا منهم وأشد ~~اقتدارا ومع هذا لم يكذبوا مثل محمد وأنتم يا أهل مكة كفرتم محمدا ~~ومن تقدمه. # قوله: " وكانوا أشد " جملة في موضع نصب على الحال ونظيرتها في ~~الروم: " كانوا " بلا " واو " على أنها مستأنفة فالمقصدان ~~مختلفان. # وقال ابن الخطيب: الفرق بينهما أن قول القائل: " أما رأيت زيدا ~~كيف أكرمني هو أعظم منك " يفيد أن القائل يخبره بأن ~~زيدا أعظم وإذا قال: ما رأيته كيف أكرمني وهو أعظم ~~(منك) يفيد أن يقرر أن المعنيين حاصلان عند السامع كأنه رآه ms7251 أكرمه ~~ورآه أكرم منه (و) لا شك في أن هذه العبارة الأخيرة تفيد كون الأمر ~~الثاني في الظهور مثل الأول بحيث لا يحتاج إلى إعلام من المتكلم ولا ~~إخبار. وإذا علم هذا فنقول: المذكور ههنا كونهم أشد منهم قوة لا غير ~~ولعل ذلك كان ظاهرا عندهم فقال " بالواو " أي نظركم كما يقع على عاقبة ~~أمرهم يقع على قولهم وأما هناك فالمذكور أشياء كثيرة فإنه قال: # أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروهآ أكثر # [الروم: 9]. وفي موضع آخر قال: # أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد ~~قوة وآثارا في الأرض # [غافر:82] ولعل عملهم لم يحصل بإثارتهم في الأرض أو بكثرتهم ولكن نفس ~~القوة ورجحانهم كان معلوما عندهم فإن كل طائفة تعتقد فيمن تقدمها أنها ~~أقوى منها ولا تنازع فيه. # قوله: { وما كان الله ليعجزه من شيء } أي ليفوت عنه. ~~وهذا يحتمل شيئين: # أحدهما: أن يكون المراد بيان أن الأولين مع شدة قوتهم ما عجزوا الله وما ~~فاتوه فهم أولى بأن لا يعجزوه. # والثاني: أن يكون قطعا لاعتقاد الجهال فإن قائلا لو قال: هب أن ~~الأولين كانوا أشد قوة وأطول أعمارا لكنا نستخرج بذكائنا ما يزيد ~~على قواهم ونستعين بأمور أرضية لها خواص أو كواكب سماوية لها أثارها ~~فقال الله تعالى: { وما كان الله ليعجزه من شيء في ~~السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما } بأفعالهم ~~وأقوالهم " قديرا " على إهلاكهم واستئصالهم. # قوله: { ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا } من ~~الجرائم { ما ترك على ظهرها من دابة } يعني على ظهر ~~الأرض كناية عن غير مذكور. وتقدم نظيرها في النحل، إلا أن هناك لم يجر ~~للأرض ذكر بل عاد الضمير على ما فهم من السياق وهنا قد صرح بها في ~~قوله: { في السماوات ولا في الأرض } فيعود الضمير إليها ~~لأنها أقرب، وأيضا فلقوله: " من دابة " والدب إنما يكون على ظهر ~~الأرض وهنا قال: " على ظهرها " استعارة من ظهر الدابة دلالة على ~~التمكن والتقلب عليها والمقام هنا يناسب ms7252 ذلك لأنه حث على السير للنظر ~~والاعتبار. # قوله: " من دابة " أي كما في زمن نوح - عليه (الصلاة و) السلام - ~~أهلك الله ما على ظهر الأرض من كان في السفينة مع نوح. # فإن قيل: إذا كان الله يؤاخذ الناس بما كسبوا فما (بال) الدواب ~~يهلكون؟ # فالجواب من وجوه: # أحدهما: أن خلق الجواب نعمة فإذا كفر الناس يزيل الله النعم والدواب ~~أقرب النعم، لأن المفرد (أولا) ثم المركب والمركب إما أن يكون معدنا ~~وإما أن يكون ناميا والنامي إما أن يكون حيوانا أو نباتا والحيوان إما ~~إنسانا أو غير إنسان فالدواب أعلى درجات المخلوقات في عالم العناصر ~~للإنسان. # الثاني: أن ذلك بيان لشدة العذاب وعمومه فإن بقا (ء الأشياء) بالإنسان ~~كما أن بقاء الإنسان بالأشياء لأن الإنسان يدبر الأشياء ويصلحها فتبقى ~~الأشياء ثم ينتفع بها الإنسان فإذا كان الهلاك عاما لا يبقى من الإنسان ~~من يعمر فلا يبقى الأبنية والزروع فما تبقى الخيرات الإلهية فإن ~~بقاءها لحفظ الإنسان إياها عن التلف والهلاك السقي القلب. # الثالث: أن إنزال المطر إنعام من الله في حق العباد فإذا لم يستحقوا ~~الإنعام قطعت الأمطار عنهم فيظهر الجفاف على وجه الأرض فتموت جميع ~~الحيوانات. # فإن قيل: كيف يقال لما عليه الخلق من الأرض وجه الأرض وظهر الأرض مع أن ~~الظهر مقابله الوجه فهو كالتضاد؟ فيقال: من حيث إن الأرض كالدابة ~~الحاملة للأثقال والحمل يكون على الظهر وأما وجه الأرض فلأن الظاهر من ~~باب والبطن والباطن من باب ووجه الأرض ظهر لأنه هو الظاهر وغيره منها ~~باطن وبطن. # قوله: { ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى } قيل: هو يوم ~~القيامة. وقيل: يوم لا يوجد في الخلق مؤمن وقيل: لكل أمة أجل، ولكل أجل ~~كتاب وأجل قوم محمد - عليه (الصلاة و) السلام - أيام القتل والأسر كيوم ~~بدر وغيره. # قوله: { فإذا جآء أجلهم فإن الله كان بعباده ~~بصيرا } تسلية للؤمنين لأنه قال: ما ترك على ظهرها من دابة وقال # لا تصيبن الذين ظلموا منكم خآصة # [الأنفال: 25] فقال: فإذا جاء الهلاك فالله بالعباد ms7253 بصير، ~~قال ابن عباس: يريد أهل طاعته وأهل معصيته، (و) روى أبو أمامة عن أبي ~~بن كعب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # " من قرأ سورة الملائكة دعته يوم القيامة ~~ثمانية أبواب الجنة أن ادخل من أي الأبواب شئت ~~" # [والله الموفق للصواب، وإليه المرجع والمآب]. ### | [36 - سورة يس] ### || [36.1-6] # قوله: { يس } بسكون النون. وأدغم النون في الواو بعدها ابن كثير وأبو ~~عمرو وحمزة وحفص وقالون وورش بخلاف عنه. وكذلك النون من " نون والقلم " ~~وأظهرهما الباقون. فمن أدغم فللخفة، ولأنه لما وصل والنفي متقاربان من ~~كلمتين أولهما ساكن وجب الإدغام كالمثلين. ومن أظهر فاللمبالغة في ~~تفكيك هذه الحروف بعضها من بعض، لأنه بنية الوقف وهذا أجري على ~~القياس في الحروف المقطعة وكذلك التقى فيها الساكنان وصلا ونقل إليهما ~~حركة همزة الوصل على رأي نحو " الم. الله " كما تقدم تقريره. # (وأمال الياء من " يس " الأخوان، وأبو بكر؛ لأنها اسم من الأسماء ~~كما تقدم تقريره) أول البقرة. # قال الفارسي: وإذا أمالوا " ياء " وهي حرف نداء فلأن يميلوا " ~~يا " من " يس " أجدر. وقرأ عيسى وابن أبي إسحاق بفتح النون إما ~~على البناء على الفتح تخفيفا ك " أين وكيف " وإما على أنه مفعول ~~ب " اتل " وإما على أنه مجرور بحرف القسم، وهو على الوجهين غير منصرف ~~للعلمية والتأنيث ويجوز أن يكون منصوبا على إسقاط حرف القسم كقوله: # 4167-...................... # ..........أمانة الله الثريد # وقرأ الكلبي بضم النون، فقيل: على أنها خبر مبتدأ مضمر، أي هذه يس ~~ومنعت من الصرف؛ لما تقدم. # وقيل: بل هي حركة بناء ك " حيث " فيجوز أن (يكون) خبرا كما تقدم ~~وأن يكون مقسما بها نحو: " عهد الله لأفعلن ". # وقيل: لأنها منادى فبنيت على الضم، ولهذا فسرها الكلي القارىء لها ب ~~" يا إنسان ". قال: وهي لغة طيىء. قال الزمخشري: إن صح معناه ~~فوجهه أن يكون أصله يا أنيسين فكثر النداء به على ألسنتهم حتى ~~اقتصروا على شطره كما قالوا في القسم: " م الله " في أيمن ~~الله. # قال أبو حيان: والذي نقل عن العرب ms7254 في تصغير إنسان أنيسان بياء بعدها ~~ألف فدل أن أصله أنسيان؛ لأن التصغير يرد الأشياء إلى أصولها، ولا ~~نعلم أنهم قالوا في تصغيره: أنيسين. وعلى تقديره أنه يصغر كذلك فلا ~~يجوز ذلك إلا أن يبنى على الضم، لأنه منادى مقبل عليه، ومع ذلك ~~فلا يجوز لأنه تحقير ويمتنع من ذلك في حق النبوة. # قال شهاب الدين: أما الاعتراض الأخير فصحيح نصوا على أن التصغير لا يدخل ~~في الأسماء المعظمة شرعا، ولذلك يحكى أن ابن قبيبة (لما قال) في ~~المهيمن إنه مصغر من " مؤمن " والأصل: مؤيمن فأبدلت الهمزة ~~هاء قيل له: هذا يقرب من الكفر فليتق الله قائله. # وتقدمت هذه الحكايات في المائدة وما قيل فيها. وقد تقدم للزمخشري في " ~~طه " ما يقرب من هذا البحث وتقدم كلام الشيخ معه. # وقرأ ابن أبي إسحاق أيضا وأبو السما يس بكسر النون، وذلك على ~~أصل التقاء الساكنين ولا يجوز أن يكون حركة إعراب. " والقرآن " إما ~~قسم مستأنف إن لم تجعل ما تقدم قسما وإما عطف على ما قبله إن كان مقسما ~~به. وقد تقدم كلام عن الخليل في ذلك أوائل البقرة فاعتبره هنا فإنه ~~حسن جدا. # فصل # قد تقدمت في سورة العنكبوت ذكر حروف التهجي وأن كل سورة بدأ الله فيها ~~يحروف التهجي كان في أوائله الذكر أو الكتاب أو القرآن. ولنذكر ههنا أن ~~في ذكر الحروف أوائل السور أمورا تدل على أنها غير خالية عن الحكمة لكن ~~علم الإنسان لا يصل إليها. والذي يدل على أن فيها حكمة من حيث الجملة هو ~~أن الله تعالى ذكر من الحروف نصفها وهي أربعة عشر حرفا وهي نصف ثمانية ~~وعشرين حرفا هي جميع الحروف التي في لسان العرب على قولنا: الهمزة ألف ~~متحركة. # ثم إنه تعالى قسم الحروف ثلاثة أقسام تسعة أحرف من الألف إلى الذال ~~والتسعة الأخيرة من الفاء إلى الياء وعشرة في الوسط من الراء إلى ~~الغين، وذكر من القسم الأول حرفين الألف والحاء وترك سبعة، ولم يترك ~~من القسم الأول من حروف ms7255 الحلق والصدر إلا واحدا لم يذكره وهو الخاء ولم ~~يذكر من القسم الأخير من حروف الشفة إلا واحدا لم يتركه وهو الميم. ~~والعشر الأواسط ذكر منه حرفا وترك حرفا، فترك الزاي وذكر الراء وذكر ~~السين وترك الشين، وذكر الصاد وترك الضاد، وذكر الطاء وترك الظاء وذكر ~~العين وترك الغين. وليس هذا أمرا يقع اتفاقا بل هو ترتيب مقصود وهو ~~لحكمة لكنها غير معلومة وهب أن واحدا يدعي فيه شيئا فماذا يقول في كون ~~بعض السور مفتتحة بحرف كسورة " ن " و " ق " و " ص " وبعضها بحرفين كسورة ~~" حم " و " يس " و " طه " وبعضها بثلاثة أحرف كسورة " الم " و " طسم " و ~~" الر " وبعضها بأربعة أحرف كسورة " المر " و " المص " وبعضها بخمسة ~~كسورة " حمعسق " و " كهيعص " وهب أن قائلا يقول: إن هذا إشارة بأن ~~الكلام إما حرف، وإما فعل، وإما اسم، والحرف كثيرا ما جاء على حرف ~~كواو العطف وفاء العقيب، وهمزة الاستفهام، وكاف التشبيه، وياء الإلصاق ~~وغيرها، وجاء على حرفين كمن للتبعيض و " أو " للتخيير، و " أم " ~~للاستفهام المتوسط، وإن للشرط وغيرها. والفعل والاسم والحرف جاء على ~~ثلاثة أحرف كإلى وعلى في الحرف وإلى وعلى في الاسم وألا يألو وعلا ~~يعلو في الفعل، والاسم والفعل جاءا على أربعة أحرف، والاسم خاصة جاء على ~~ثلاثة أحرف وأربعة وخمسة ك " عجل " وسنجل وجرحل. # فما جاء في القرآن إشارة إلى أن تركيب العربية من هذه الحروف على هذه ~~الوجوه فماذا يقول هذا القائل في تخصيص بعض السور بالحرف الواحد، والبعض ~~بأكثر فلا يعلم ما السر إلا الله ومن أعلمه الله به وإذا علم هذا ~~العبادة منها قلبية ومنها لسانية ومنها جارحية، وكل واحد منها قسمان: # قمس عقل معناه وحقيقته وقسم لم يعلم. # أما القلبية مع أنها أبعد عن الشك والجهل ففيها ما لم يعلم دليله عقلا ~~وإنما وجب الإيمان به والاعتقاد سمعا كالصراط الذي هو أرق من الشعر ~~وأحد من السيف، ويمر عليه المؤمن كالبرق الخاطف، والميزان الذي توزن ~~به الأعمال الذي لا ثقل لها ms7256 في نظر الناظر وكيفية الجنة والنار فإن هذه ~~الأشياء وجودها لم يعلم بدليل عقلي وإنما المعلوم بالعقل إمكانها ووقوعها ~~معلوم (و) مقطوع به بالسمع ومنها ما علم كالتوحيد والنبوة وقدرة الله ~~وصدق الرسول وكذلك في العبادات الجارحية ما علم معناه وما لم يعلم ~~كمقادير النصب وعدد الركعات والحكمة في ذلك أن العبد إذا أتى بما أمر به ~~من غير أن يعلم ما فيه من الفائدة لا يكون الإتيان إلا لمحض العبادة ~~بخلاف ما لو علم الفائدة فربما يأتي بها لفائدة وإن لم يؤمن كما لو قال ~~السيد لعبده: انقل هذه الحجارة من ههنا ولم يعلمه بما في النقل فنقلها ~~ولو قال انقلها فإن تحتها كنزا هو لك فإنه ينقلها وإن لم يؤمر. وإذا ~~علم هذا فكذلك في العبادات اللسانية الذكرية يجب أن يكون ما لم يفهم ~~معناه إذا تكلم به العبد علم أنه لا يعقل غير الانقياد لأمر المعبود ~~الإلهي. فإذا قال: حم، يس، طس علم أنه لا يذكر ذلك لمعنى يفهمه بل يتلفظ ~~به امتثالا لما أمر به. # فصل # قال ابن عباس: يس قسم، ووري عنه أن معناه يا إنسان بلغة طيىء. قيل: لأن ~~تصغير إنسان أنيسين كما تقدم عن الزمخشري فكأنه حذف الصدر منه وأخذ ~~العجز وقال: ياسين أي يا أنيسين. # قال أكثر المفسرين يعني محمدا - صلى الله عليه وسلم - قال الحسن وسعيد ~~بن جبير وجماعة. وقال أبو (العالية: يا رجل. وقال أبو بكر الوراق: يا ~~سيد البشر. وقوله: { والقرآن الحكيم } أي ذي) الحكمة ك # عيشة راضية # [الحاقة:21] أي ذات رضا، أو أنه ناطق بالحكمة وهو كالحي المتكلم. # قوله: " إنك " جواب القسم و " على صراط " يجوز أن يكون متعلقا ~~ب " المرسلين " يقول: أرسلت عليه، كما قال تعالى: # وأرسل عليهم طيرا # [الفيل:3] وأن يكون متعلقا بمحذوف على أنه حال من الضمير المستكن في ~~" لمن المرسلين " لوقوعه خبرا، وأن يكون حالا من " ~~المرسلين " وأن يكون خبرا ثانيا ل " إنك ". # فصل # أقسم بالقرآن على أن محمدا من المرسلين. وهو رد على ms7257 الكفار، حيث قالوا: ~~(لست مرسلا). # فإن قيل: المطلب ثبت بالدليل لا بالقسم فما الحكمة بالإقسام؟!. # فالجواب من وجوه: # الأول: إن العرب كانوا يتقون الأيمان الفاجرة وكانوا يقولون بأن ~~الأيمان الفاجرة توجب خراب العالم وصحح النبي - عليه الصلاة والسلام - ~~ذلك بقوله: # " اليمين الكاذبة تدع الديار بلاقع " # ثم إنهم كانوا يقولون: إن النبي عليه - (الصلاة و) السلام - يصيبه عذاب ~~آلهتهم، وهي الكواكب والنبي عليه (الصلاة و) السلام يحلف بأمر الله ~~وإنزال كلامه عليه بأشياء مختلفة، وما كان يصيبه عذاب بل كان كل يوم ~~أرفع شأنا وأمنع مكانا، فكان ذلك يوجب اعتقاد أنه ليس بكاذب. # الثاني: أن المتناظر(ين) إذا وقع بينهما كلام، وغلب أحدهما الآخر ~~بتمشية دليله وأسكته يقول المغلوب: إنك قدرت هذا بقوة جدالك، وأنت خبير ~~في نفسك بضعف مقالتك، وتعلم أن الأمر ليس كما تقول وإن أقمت عليه الدليل ~~صورة، وعجزت أنا عن القدح فيه وهذا كثير الوقوع بين المتناظرين ~~فعند هذا لا يجوز أن يأتي هو بدليل آخر؛ لأن الساكت المنقطع يقول في ~~الدليل الآخر ما قاله في الأول، فلا يجد أمرا إلا باليمين فيقول: ~~والله إني لست مكابرا، وإن الأمر على ما ذكرت ولم علمت ~~خلافه لرجعت إليه فههنا يتعين اليمين، فكذلك النبي عليه (الصلاة و) ~~السلام أقام البراهين، وقالت الكفرة: # ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان ~~يعبد آبآؤكم # [سبأ:43] وقالوا # للحق لما جآءهم هذا سحر مبين # [الأحقاف: 7] فالتمسك بالأيمان لعدم فائدة. # الدليل الثالث: أن هذا ليس مجرد الحلف بل دليل خرج في صورة اليمين؛ لأن ~~القرآن معجزة ودليل كونه مرسلا هو المعجزة والقرآن كذلك. # فإن قيل: لم لم يذكر في صورة الدليل؟ وما الحكمة في صورة اليمين؟ # فالجواب: أن الدليل إذا ذكر لا في صورة اليمين، قد لا يقبل عليه ~~السامع فلا يفيد فائدة، فإذا ابتدأ به على صورة اليمين لا يقع ولا سيما ~~من العظيم إلا على عظيم، والأمر العظيم تتوفر الدواعي على الإصغاء إليه ~~فلصروة اليمين تقبل عليه الأسماع لكونه دليلا شافيا يتشربه ms7258 الفؤاد فيقع ~~في السمع وفي القلب. # قوله: { على صراط مستقيم } أي إنك على صراط ~~مستقيم. والمسقيم أقرب الطرق الموصلة إلى المقصد والدين كذلك فإنه ~~يوصل إلى الله وهو المقصد. # قوله: { تنزيل العزيز الرحيم } قرأ نافع وابن كثيروأبو ~~عمرو وأبو بكر برفع " تنزيل " على أنه خبر مبتدأ مضمير أي هو تنزيل. ~~ويجوز أن يكون خبرا لمبتدأ إذا جعلت " يس " اسما للسورة أي هذه السورة ~~المسماة ب " يس " تنزيل، أو هذه الأحرف المقطعة تنزيل. # والجملة القسمية على هذا اعتراض. والباقون بالنصب على المصدر كأنه قال: ~~نزل تنزيل العزيز الرحيم لتنذر. أو على أنه مفعول بفعل ~~منوي كأنه قال والقرآن الحكيم أعين تنزيل العزيز الرحيم إنك لمن ~~المرسلين لتنذر. وهذا اختيار الزمخشري. وهو المراد بقوله: " أو على ~~المدح ". وهو في المعنى كالرفع على خبر ابتداء مضمر. و " تنزيل " مصدر ~~مضاف لفاعله. # وقيل: هو بمعنى منزل. وقرأ أبو حيوة واليزيدي وأبو جعفر يزيد بن ~~القعقاع وشيبة تنزيل بالجر على النعت للقرآن أو البدل منه، كأن قال: ~~والقرآن الحكيم تنزيل العزيز الرحيم إنك لمن المرسلين. # وقوله: { العزيز الرحيم } إشارة إلى أن الملك إذا أرسل ~~فالمرسل إليهم إما أن يخالفوا المرسل ويعينوا المرسل، وحينئذ لا ~~يقدر الملك على الانتقام منهم إلا إذا كان عزيزا، أو يخافوا المرسل ~~ويكرموا المرسل وحينئذ يرحمهم الملك. أو يقال: المرسل يكون معه في ~~رسالته منع عن أشياء وإطلاق لأشياء والمنع يؤكده العزة والإطلاق يدل ~~على الرحمة. # قوله: " لتنذر " يجوز أن يتعلق ب " تنزيل " أو بمعنى المرسلين ~~يعني بإضمار فعل يدل عليه هذا اللفظ أي أرسلناك لتنذر. # قوله: { مآ أنذر آبآؤهم } يجوز أن تكون " ما " هذه بمعنى الذي، ~~وأن تكون نكرة موصوفة والعائد على الوجهين مقدر. # أي ما أنذره آباؤهم فتكون ما وصلتها أو وصفتها في محل نصب مفعولا ~~ثانيا لقوله: " لتنذر " كقوله: # إنآ أنذرناكم عذابا قريبا # [النبأ:40] أو التقدير لتنذر قوما الذي أنذره آباؤهم ~~من العذاب، أو لتنذر قوما عذابا أنذره آباؤهم. # ويجوز أن تكون مصدرية أي إنذار آبائهم أي مثله. ms7259 ويجوز أن تكون ما ~~نافية، وتكون الجملة المنفية صلة ل " قوما " أي قوما غير منذر آباؤهم. ~~ويجوز أن تكون زائدة أي قوما أنذر آباؤهم. والجملة المثبتة أيضا صفة ل ~~" قوما ". قال أبو البقاء. # وهو مناف للوجه الذي قبله. فعلى قولنا ما نافية، فالمعنى ما أنذر ~~آباؤهم الأدنون وإن قلنا: ما للإثبات فالمعنى لينذروا بما أنذر ~~آباؤهم الأولون. وقوله: " فهم غافلون " أي عن الإيمان والرشد. ### || [36.7-12] # قوله: { لقد حق القول } وجب العذاب { على أكثرهم ~~فهم لا يؤمنون } وهذا كقوله: # ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين # [الزمر:71] وفي الآية وجوه: # أشهرها: أن المراد من القول هو قوله تعالى: # ولكن حق القول مني # [السجدة:13] # لأملأن جهنم منك وممن تبعك # [ص:85]. # والثاني: أن معناه لقد سبق في علمه أن هذا يؤمن وهذا لا يؤمن فحق القول ~~أي وجد وثبت بحيث لا يبدل بغيره. لا يبدل القول لدي. # الثالث: المراد لقد حق القول الذي قاله الله على لسان الرسل من التوحيد ~~وغيره وبان برهانه، فإنهم لما لم يؤمنوا عندما ما حق القول ~~واستمروا، فإن كانوا يريدون شيئا أوضح من البرهان فهو العناد وعند ~~العناد لا يفيد الإيمان. وقوله: " على أكثرهم " على هذا الوجه ~~معناه أن من لم تبلغه الدعوة والبرهان قليلون فحق القول على ~~أكثرهم وهو من لم يوجد منه الإيمان وعلى الأول والثاني ظاهر، لأن أكثر ~~الكفار ماتوا على الكفر. # قوله تعالى: { إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا } نزلت في ~~أبي جهل وصاحبيه، وذلك أن أبا جهل كان (قد) حلف لئن رأى محمدا ~~يصلي ليرضخن رأسه بالحجارة فأتاه وهو يصلي ومعه حجر ليدمغه ~~به فلما رفعه انثنت يده إلى عنقه، ولزق الحجر بيده، فلما رجع إلى ~~أصحابه وأخبرهم بما رأى سقط الحجر، فقال رجل من بني مخزوم أنا أقتله بهذا ~~الحجر، فأتاه وهو يصلي ليرميه بالحجر فأعمى الله بصره فجعل ~~يسمع صوته ولا يراه فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه فقالوا له: ~~ماذا صنعت؟ فقال: ما رأيته، ولقد سمعت كلامه، وحال بيني وبينه كهيئة ms7260 ~~الفحل يخطر بذنبه لو دنوت منه لأكلني، فأنزل الله تعالى: { ~~إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا }. # ووجه المناسبة لما تقدم أنه لما قال: { لقد حق القول على ~~أكثرهم } وتقدم أن المراد به البرهان قال بعد ذلك: بل عاينوا ~~وأبصروا ما يقرب من الضرورة حيث التزقت يده بعنقه ومنع من إرسال ~~الحجر، وهو مضطر إلى الإيمان ولم يؤمن على أنه لا يؤمن أصلا. # وقال الفراء: معناه حبسناهم عن الإنفاق في سبيل الله، كقوله تعالى: # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك # [الإسراء:29] معناه ولا تمسكها عن النفقة. # الرابع: قال ابن الخطيب وهو الأقوى وأنشد مناسبة لما تقدم: إن ذلك ~~كناية عن منع الله إياهم عن الاهتداء وأما مناسبة قول الفراء لما تقدم أن ~~قوله تعالى: { فهم لا يؤمنون } يدخل فيه أنهم لا يصلون كقوله ~~تعالى: # ليضيع إيمانكم # [البقرة:143] أي صلاتكم عند بعض المفسرين، والزكاة مناسبة للصلاة فكأنه ~~قال: لا يصلون ولا يزكون. # قوله: { فهى إلى الأذقان } في هذا الضمير وجهان: # أشهرهما: أنه عائد على الأغلال، لأنها هي المحدث عنها، ومعنى هذا ~~الترتيب بالفاء أن الغل لغلظه وعرضه يصل إلى الذقن، لأنه يلبس ~~العنق جميعه. # قال الزمخشري: والمعنى إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا ثقالا غلاظا ~~بحيث تبلغ إلى الأذقان فلم يتمكن المغلول معنا من أن يطأطىء ~~رأسه. # الثاني: أن الضمير يعود على " الأيدي " لأن الغل لا يكون إلا في ~~العنق، واليدين، ولذلك سمي جامعة، ودل على الأيدي وإن لم تذكر ~~للملازمة المفهومة من هذه الآلة أعني الغل، وإليه ذهب الطبري. ~~إلا أن الزمخشري قال: جعل الإقماح نتيجة قوله: { فهي إلى ~~الأذقان } ولو كان للأيدي لم يكن معنى التسبب في الإقماح ظاهرا، على ~~أن هذا الإضمار فيه ضرب من التعسف وترك للظاهر. # وفي هذا الكلام قولان: # أحدهما: أن جعل الأغلال حقيقة. # والثاني: أنه استعارة، وعلى كل من القولين جماعة من الصحابة ~~والتابعين. # وقال الزمخشري: (مثل) لتصميمهم على الكفر، وأنه لا سبيل إلى ~~ارعوائهم بأن جعلهم كالمغلولين المقمحين في أنهم لا يلتفتون ~~إلى الحق، ولا يعطفون ms7261 أعناقهم نحوه، ولا يطأطئون رؤوسهم له، ~~وكالحاصلين بين سدين لا يبصرون ما قدامهم ما خلفهم في أن لا تأمل لهم ~~ولا تبصر وأنهم متعامون عن آيات الله. وقال غيره: هذا استعارة لمنع الله ~~إياهم من الإيمان وحولهم بينهم وبينه. (و) قال ابن عطية: وهذا أرجح ~~الأقوال؛ لأنه تعالى لما ذكر أنهم لا يؤمنون لما سبق لهم في الأول عقب ~~ذلك بأن جعل لهم من المنع وإحاطة الشقاوة ما حالهم معه حال المغلوبين. ~~وتقدم تفسير الأذقان. # وقال ابن الخطيب: المانع إما أن يكون في النفس فهو الغل وإما من ~~الخارج فالسد، فلم يقع نظرهم على أنفسهم فيرون الآيات التي في أنفسهم كما ~~قال تعالى: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم # [فصلت:53] وذلك لأن المقمح لا يرى (في) نفسه ولا يقع بصره على ~~بدنه، ولا يقع نظرهم على الآفاق فلا يتبين لهم الآيات التي في ~~الآفاق. وعلى هذا فقوله: { إنا جعلنا في أعناقهم.... ~~وجعلنا من بين أيديهم سدا } إشارة إلى عدم هدايتهم ~~لآيات الله في (الأنفس و) الآفاق. " فهم مقمحون " هذا الفاء ~~لأحسن ترتيب، لأنه لما وصلت الأغلال إلى الأذقان لعرضها لزم عن ذلك ~~ارتفاع رؤوسهم إلى فوق. أو ولما جمعت الأيدي إلى الأذقان وصارت تحتها ~~لزم من ذلك رفعها إلى فوق فترتفع رؤوسهم. # والإقماح رفع الرأس إلى فوق كالإقناع، وهو من قمح البعير رأسه إذا ~~رفعها بعد الشرب، إما لبرودة الماء وإما لكراهة طعمه قموحا ~~وقماحا - بكسر القاف وضمها - وأقمحته أنا إقماحا، والجمع ~~قماح، وأنشد: # 4168- ونحن على جوانبها قعود # نغض الطرف كالإبل القماح # يصف نفسه وجماعة كانوا في سفينة، فأصابهم الميد. # قال الزجاج قيل: الكانونين شهرا قماح، لأن الإبل إذا وردن ~~الماء رفعت رؤوسها، لشدة البرد وأنشد أبو زيد للهذلي: # 4169- فتى ما ابن الأغر إذا شتونا # وحب الزاد في شهري قماح # كذا رواه بضم القاف، وابن السكيت بكسرها. وقال الليث: ~~القموح رفع البعير رأسه إذا شرب الماء الكرية ثم يعود. وقال أبو عبيدة ~~إذا رفع رأسه عن الحوض ولم يشرب. والمشهور ms7262 أنه رفع الرأس إلى السماء كما ~~تقدم تحريره. # وقال الحسن: القامح الطامح يبصره إلى موضع قدمه. وهذا ينبو عنه اللفظ ~~والمعنى. وزاد بعضهم مع رفع الرأس غض البصر مستدلا بالبيت المتقدم: # 4170-........... # نغض الطرف كالإبل القماح # وزاد مجاهد مع ذلك وضع اليد على الفم. وسأل الناس أمير المؤمنين (عليا) ~~- كرم الله وجهه - عن هذه الآية فجلع يده تحت لحيته، ورفع رأسه. ~~وهذه الكيفية ترجح قول الطبري في عود " فهي " على الأيدي. # قوله: { وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم ~~سدا } تقدم خلاف القراء في فتح السين وضمها والفرق بينهما مستوفى ~~آخر الكهف والحمد لله. # وأما فائدة السد من بين الأيدي فإنهم في الدنيا سالكون فيبغي أن ~~يسلكوا الطريقة المستقيمة { من بين أيديهم سدا } فلا ~~يقدرون على السلوك. وأما فائدة السد من خلفهم فهو أن الإنسان له ~~فطرية والكافر ما أدركها فكأنه تعالى يقول: جعلنا من بين أيديهم ~~سدا فلا يسلكون طريق الاهتداء الذي هو فطرية وجعلنا من خلفهم سدا فلا ~~يرجعون إلى الهداية والجبلية التي هي فطرية، وأيضا فإن الإنسان مبدأه من ~~الله ومصيره إليه فعمي الكافر لا يبصر ما بين من المصير إلى الله، وما ~~خلفه من الدخول في الوجود بخلق الله وأيضا فإن السالك إذا لم يكن له ~~بد من سلوك طريق، فإن اشتد الطريق الذي قدامه يفوته المقصد ولكنه ~~يرجع، وإذا اشتد الطريق من خلفه ومن قدامه والموضع الذي هو فيه لا يكون ~~موضع إقامة يهلك. فقوله { وجعلنا من بين أيديهم سدا ~~ومن خلفهم سدا } إشارة إلى هلاكهم فصاروا بمنزلة من يبنى ~~عليه الحائط وهو واقف. # قوله: " فأغشيناهم " العامة على الغين المعجمة أي غطينا ~~أبصارهم وهو على حذف مضاف. وابن عباس وعمر بن عبد العزيز، ~~والحسن، وابن يعمر، وأبو رجاء في آخرين بالعين المهملة. # وهو ضعف البصر. يقال: عشي بصره، وأعشيته أنا. # وهذا يحتمل الحقيقة والاستعارة. # فصل # قوله: " فأغشيناهم " بحرف الفاء يقتضي أن يكون الإغشاء مرتبا ~~على جعل السد فما وجهه؟ فيقال من وجهين: # أحدهما: أن ذلك بيان ms7263 لأمور مرتبة ليس بعضها سببا في البعض فكأنه تعالى ~~قال: إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فلا يبصرون ~~أنفسهم لإقماحهم، وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فلا ~~يبصرون ما في الآفاق وحينئذ يمكن أن يروا السماء ما على يمينهم وشمالهم ~~فقال بعد هذا كله: جعلنا على أبصارهم غشاوة فلا يبصرون شيئا ~~أصلا. # والثاني: أن ذلك بيان لكون السد قريبا منهم بحيث يصير ذلك كالغشاوة ~~على أبصارهم، فإن من جعل من خلف وقدامه سدين ملتزقين به بحيث ~~يبقى بينهما ملتزقا بهما يبقى عينه على سطح السد فلا يبصر شيئا، ~~لأن شرط المرئي أن يكون قريبا من العين جدا. # فإن قيل: ذكر السد من بين الأيدي ومن خلف، ولم يذكر من اليمين ~~والشمال فما الحكمة فيه؟. # فالجواب: إن قلنا: إنه إشارة إلى الهداية الفطرية والنظرية فظاهر. وأما ~~على غير ذلك فيقال: إنه حصل العموم بما ذكر والمنع من انتهاج المناهج ~~المستقيمة، لأنهم إذا قصدوا السلوك إلى جانب اليمين أو جانب الشمال صاروا ~~متوجهين إلى شيء، ومولين عن شيء فصار ما إليه توجههم ما ~~بين أيديهم فجعل الله السد هناك فمنعه من السلوك فكيمفا توجه الكافر يجعل ~~الله بين أيديه سدا وأيضا (فإنا) لما بينا أن جعل السد سببا لاستتار ~~بصره فكان السد ملتزقا به وهو ملتزق بالسدين، فلا قدره له على الحركة ~~يمنة ولا يسرة، فلا حاجة إلى السد عن اليمين وعن الشمال. # وقوله: { فأغشيناهم فهم لا يبصرون } أي لا يبصرون ~~شئيا، أو لا يبصرون سبيل الحق؛ لأن الكافر مصدور عن سبيل الهدى. # قوله: { وسوآء عليهم أأنذرتهم } تقدم الكلام عليه أول ~~البقرة، بين أن الإنذار لا ينفعهم مع ما فعل الله بهم من الغل والسد ~~والإغشاء والإعماء بقوله: { أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا ~~يؤمنون } أي الإنذار وعدمه سيان بالنسبة إلى إيمانهم. # { إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن ~~بالغيب } قال من قبل: # لتنذر قوما # [يس:6] وذلك يقتضي الإنذار العام وقال هنا: " إنما تنذر " وهو يقتضي ~~التخصيص، فكيف الجمع بينهما؟! وطريقة من ms7264 وجوه: # الأول: أن قوله: " لتنذر " أي (كيف) ما كان سواء كان مفيدا أو لم ~~يكن. # وقوله: " إنما تنذر " أي الإنذار المفيد لا يكون إلا بالنسبة لمن ~~يتبع الذكر ويخشى. # الثاني: (هو) أن الله تعالى لما بين أن الإرسال أو الإنزال للإنذار ~~وذكر (أن) الإنذار وعدمه سيان بالنسبة إلأى أهل العناد قال لنبيه: ليس ~~إنذارك غير مفيد من جميع الوجوه، فأنذر على سبيل العموم وإنما ~~ينذر بذلك الإنذار العام من يتبع الذكر كأنه يقول: يا محمد أنذر ~~بإنذارك وتتبع بذكرك. # الثالث: أن يقول: لتنذر أولا فإذا أنذرت وبالغت (وبلغت)، واستهزأ البعض ~~وتولى واستكبر فبعد ذلك إنما تنذر الذين اتبعوك. والمراد ~~بالذكر: القرآن لتعريف الذكر الألف واللام. وقد تقدم ذكر القرآن في قوله ~~تعالى: # والقرآن الحكيم # [يس:2]. وقيل: ما في القرآن من الآيات لقوله: # والقرآن ذي الذكر # [ص:1] فما جعل القرآن نفس الذكر. والمعنى إنما تنذر العلماء ~~الذين يخشون ربهم. وقوله: { وخشي الرحمن } أي عمل صالحا ~~لقوله: { فبشره بمغفرة وأجر كريم } وهذا جزاء العمل ~~كقوله: # فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ~~ورزق كريم # [الحج:50] والمراد بالغيب: ما غاب وهو أحوال يوم القيامة. وقيل ~~الوحدانية. # وقوله: " فبشره " إشارة إلى الرسالة، فإن النبي بشير ~~ونذير. # وقوله: " بمغفرة " على التنكير أي بمغفرة واسعة تسير من جميع الجوانب ~~" وأجر كريم " أي ذي كرم كقوله: " ورزق كريم " والمراد به ~~الجنة. # قوله تعالى: { إنا نحن نحيي الموتى } عند البعث. لما بين ~~الرسالة وهو أصل من الأصول الثلاثة التي يصير بهم المكلف مؤمنا مسلما ~~ذكر أصلا آخر وهو الحشر. ووجه آخر وهو أن الله تعالى لما ذكر الإنذار ~~والبشارة بقوله: " فبشرهم بمغفرة " ولم يظهر ذلك بكماله في الدنيا ~~فقال: إن لم ير في الدنيا فالله يحيي الموتى ويجزى المنذرون ~~والمبشرون ووجه آخر وهو أنه تعالى لما ذكر خشية الرحمن بالغيب ذكر ما ~~يؤكده وهو إحياء الموتى. # فصل # " إنا نحن " يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون مبتدأ وخبرا كقوله: # 4171- أنا أبو النجم وشعري شعري # ومثل هذا يقال عند الشهرة العظيمة، وذلك ms7265 لأن من لا يعرف ~~يقال (له): من أنت؟ فيقول: أنا ابن فلان فيعرف، ومن يكون ~~مشهورا إذا قيل له: من أنت، يقول: أنا ولا معرفة لي أظهر من نفسي ~~فيقال: إنا نحن معروفون بأوصاف الكمال، وإذا عرفنا بأنفسنا فلا ينكر ~~قدرتنا على إحياء الموتى. # والثاني: أن الخبر " نحيي " كأنه قال: " إنا نحيي الموتى " و ~~" نحن " يكون تأكيدا. # وفي قوله: { إنا نحن نحيي الموتى } إشارة إلى الوحيد؛ لأن ~~الإشراك يوجب التمييز، فإن " زيدا " إذا شاركه غيره في الاسم، فلو قال: ~~" أنا زيد " لا يحصل التعريف التام، (لأن) للسامع أن يقول: أيما زيد؟ ~~فيقول: ابن عمرو، (ولو كان هناك زيد آخر أبو عمرو ولا يكفي قوله: ابن ~~عمرو) فلام قال الله: { إنا نحن نحيي الموتى } أي ليس ~~غيرنا أحد يشركنا حتى يقول: أنا كذا فيمتاز، وحينئذ تصير الأصول الثلاثة ~~مذكورة: الرسالة والتوحيد والحشر. # قوله: " ونكتب " العامة على بنائه للفاعل، فيكون " ما قدموا " ~~مفعولا به و " آثارهم " عطف عليه. وزر ومسروق قرآه مبنيا ~~للمفعول، و " آثارهم " بالرفع عطفا على " ما قدموا " ~~لقيامه مقام الفاعل. # فصل # المعنى ماقدموا وأخروا، فاكتفي بأحدهما، لدلالته على الآخر كقوله تعالى: # سرابيل تقيكم الحر # [النحل: 81] أي والبرد. وقيل: المعنى ما أسلفوا من الأعمال صالحة ~~كانت أو فاسدة، كقوله تعالى: # بما قدمت أيديهم # [البقرة: 95] أي بما قدمت في الوجود وأوجدته. وقيل: نكتب نياتهم ~~فإنها قبل الأعمال و " آثارهم " أي أعمالهم. # وفي " آثارهم " وجوه: # أحدها: ما سنوا من سنة حسنة وسيئة. فالحسنة كالكتب المصنفة والقناظر ~~المبنية، والسيئة كالظلامة المستمرة التي وضعها ظالم والكتب المضلة. قال ~~- عليه (الصلاة و) السلام: # " من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها من ~~بعده كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها من ~~غير أن ينقص من أجورهم شيئا، ومن سن في ~~الإسلام سنة سيئة فعمل بها من بعده كان ~~عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص ~~من أوزارهم شيئا " # وقيل: نكتب آثارهم أي خطاهم إلى المسجد؛ لما روي أبو سعيد الخدري ~~قال: ms7266 شكت بنو سلمة بعد منازلهم من المسجد فأنزل الله: { ونكتب ~~ما قدموا وآثارهم } فقال - عليه (الصلاة و) السلام -: # " إن الله يكتب خطواتكم ويثيبكم عليه " # وقال - عليه (الصلاة و) السلام -: # " أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم ممشى ~~والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام ~~أعظم أجرا من الذي يصلي ثم ينام " # فإن قيل: الكتابة قبل الإحياء فكيف أخر في الذكر حيث قال: ( " نحيي " ~~) و " نكتب " ولم يقل: نكتب ما قدموا ونحييهم؟. # فالجواب: أن الكتابة معظمة، لا من الإحياء، لأن الإحياء إن لم يكن ~~للحساب لا يعظم، والكتابة في نفسها إن لم تكن إحياء وإعادة لا يبقى لها ~~أثر أصلا والإحياء هو المعتبر، والكتابة مؤكدة معظمة لأمره فلهذا قدم ~~الإحياء. (و) لأنه تعالى قال: { إنا نحن } وذلك يفيد العظمة ~~والجبروت، والإحياء العظيم يختص بالله، والكتابة دونه تقرير العريف ~~الأمر العظيم وذلك مما يعظم ذلك الأمر العظيم. # قوله: { وكل شيء أحصيناه } العامة على نصب " كل " على ~~الاشتغال. وأبو السمال قرأه مرفوعا بالابتداء والأرجح قراءة ~~العامة، لعطف جملة الاشتغال على جملة فعلية. # فصل # " أحصيناه " حفظناه وثبتناه " في إمام مبين ". فقوله " ~~أحصيناه " أبلغ من كتبناه، لأن كتب شيئا مفرقا يحتاج إلى جمع ~~عدده، فقال يحصي فيه. وإمام جاء جمعا في قوله: # يوم ندعوا كل أناس بإمامهم # [الإسراء:71] أي بأئمتهم وحينئذ ف " إمام " إذا كان فردا فهو ككتاب ~~وحجاب، وإذا كان جمعا فهو كجبال. والمبين هو المظهر للأمور لكونه ~~مظهرا (للملائكة ما) يفعلون وللناس ما يفعل بهم، وهو الفارق بين أحوال ~~الخلق فيجعل فريقا في الجنة وفريقا في السعير. وسمي الكتاب إماما، لأن ~~الملائكة يأتمون به، ويتبعونه، وهو اللوح المحفوظ. وهذا بيان لكونه ما ~~قدموا وآثارهم أمرا مكتوبا عليهم لايبدل، فإن القلم جف بما هو ~~كائن، فلما قال { نكتب ما قدموا } بين أن قبل ذلك كتابة أخرى، ~~فإن الله تعالى كتب عليهم أنهم سيفعلون كذا وكذا ثم إذا فعلوا كتب عليهم ~~أنهم فعلوه. # وقيل: إن ذلك مؤكد لمعنى قوله: " ونكتب "؛ لأن من يكتب شيئا في ~~أرواق ms7267 ويرميها وقد لا يجدها، فكأنه لم يكتب فقال: نكتب ونحفظ ذلك في ~~إمام مبين وهو كقوله تعالى: # علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى # [طه:52]. وقيل: إن ذلك تعميم بعد التخصيص كأنه تعالى يكتب ما قدموا ~~وآثارهم، وليست الكتابة مقتصرة عليه بل كل شيء محصى في إمام مبين، ~~وهذا يفيد أن شيئا من الأفعال والأقوال لا يعزب عن (علم) الله، ولا ~~يفوته وهو قوله تعالى: # وكل شيء فعلوه في الزبر وكل صغير وكبير ~~مستطر # [القمر: 52-53] يعني ليس ما في الزبر منحصرا فيما فعلوه بل كل شيء ~~مكتوب. ### || [36.13-19] # قوله تعالى: { واضرب لهم مثلا أصحاب القرية } تقدم ~~الكلام على نظيره في البقرة والنحل. والمعنى واضرب لأجلهم مثلا، أو ~~اضرب لأجل نفسك أصحاب القرية لهم مثلا أي مثلهم عند نفسك بأصحاب القرية. ~~فعلى الأول لما قال تعالى: # إنك لمن المرسلين # [يس:3] وقال: # لتنذر قوما # [يس:6] قال: قل لهم ما أنا بدعا من الرسل بل (قبلي) بقليل جاء أصحاب ~~القرية مرسلون وأنذروهم بما أنذرتكم وذكروا التوحيد وخوفوا بالقيامة ~~وبشروا بنعيم دار الإقامة. وعلى الثاني لما قال تعالى: إن الإنذار لا ~~ينفع من أضله الله وكتب عليه أنه لا يؤمن قال للنبي عليه (الصلاة و) ~~السلام: فلا بأس واضرب لنفسك ولقومك (مثلا) أي مثل لهم عند نفسك ~~مثلا بأصحاب القرية، حيث جاءهم ثلاثة رسل فلم يؤمنوا، وصبر الرسل على ~~القتل والإيذاء وأنت جئتهم واحدا وقومك أكثر من قوم الثلاثة، فإنهم ~~جاءوا قرية وأنت بعثت إلى العالم. # قوله: { أصحاب القرية } أي واضرب لهم مثلا (مثل) أصحاب ~~القرية، فترك " المثل " وأقيم " الأصحاب " مقامة في الإعراب كقوله: # وسأل القرية # [يوسف:82]. # قال الزمخشري: وقيل: لا حاجة إلى الإضمار بل المعنى اجعل أصحاب القرية ~~لهم مثلا أو مثل أصحاب القرية بهم. قال المفسرون: المراد بالقرية ~~أنطاكية. # قوله: " إذ جآءها " بدل اشتمال. قال الزمخشري: " إذ " منصوبة ~~لأنها بدل من أصحاب القرية كأنه تعالى قال: واضرب لهم وقت مجيء ~~المرسلين ومثل ذلك الوقت بوقت محمد. # وقيل: منصوب ms7268 بقوله: " اضرب " أي اجعل الضرب كأنه حين مجيئهم وواقع ~~فيه. والمرسلون من قوم عيسى وهم أقرب مرسل أرسل إلى قوم إلى زمان ~~محمد - عليه (الصلاة و) السلام- وهم ثلاثة. # قوله: " إذ أرسلنآ " بدل من " إذ " الأولى، كأنه قال: اضرب لهم ~~مثلا إذ أرسلنا إلى أصحاب القرية اثنين. قال ابن الخطيب: والأصح الأوضح ~~أن يكون " إذ " ظرفا والفعل الواقع فيه " جاءها " ، أي جاءها المرسلون ~~حين أرسلناهم إليهم. # وإنما جاءوهم حيث أمروا. وهذا فيه لطيفة أخرى وهي أن في القصة أن الرسل ~~كانوا مبعوثين من جهة عيسى - عليه (الصلاة و) السلام - أرسلهم إلى ~~أنطاكية فقال تعالى: إرسال عيسى (- عليه السلام -) هو إرسالنا رسول رسول ~~الله بإذن الله فلا يقع لك يا محمد أن أولئك كانوا رسل الرسل وإنما هم ~~رسل الله، فإن تكذيبهم كتكذيبك فتتم التسلية بقوله: " إذ ~~أرسلنا ". ويؤيد هذا مسألة فقهية وهي أن وكيل الوكيل بإذن ~~الموكل وكيل الموكل لا وكيل الوكيل حتى لا ينعزل بعزل الوكيل إياه ~~وينعزل إذا عزله الموكل (الأول). وهذا على قولنا: { واضرب لهم مثلا } ~~ضرب المثل لأجل محمد - عليه الصلاة والسلام - ظاهر وقوله: { إذا أرسلنا ~~إليهم اثنين } في بعثة الاثنين حكمة بالغة وهي أنهما كانا مبعوثين ~~من جهة عيسى عليه (الصلاة و) السلام - (بإذن الله فكان عليهما إنهاء ~~الأمر إلى عيسى عليه الصلاة والسلام) فهو بشر فأمره الله بإرسال اثنين ~~ليكون قولهما على قومهما عند عيسى حجة تامة. # فصل # قال ابن كثير: وروى ابن إسحاق عن ابن عباس وكعب الأحبار ووهب بن منبه ~~وروي عن بريدة بن الحصيب وعكرمة وقتادة والزهري أن هذه القرية ~~أنطاكية وكان اسم ملكها انطيخش، وكان يعبد الأصنام فبعث الله إليه ثلاثة ~~من الرسل وهم صادق وصدوق وسلوم فكذبهم وهذا ظاهر (ه) أنهم رسل الله ~~- عز وجل - وزعم قتادة أنهم كانوا رسلا من عند المسيح وكان اسم الرسولين ~~الأولين شمعون ويوحنا واسم الثالث بولص والقرية أنطاكية. وهذا القول ~~ضعيف جدا؛ لأن أهل أنطاكية لما بعث إليهم المسيح ثلاثة من ~~الحواريين كانوا أول ms7269 مدينة آمنت بالمسيح في ذلك الوقت، ولهذا كانت إحدى ~~المدن الأربع التي تكون فيها مباركة النصارى وهي أنطاكية والقدس ~~واسكندرية رومية، ثم بعدها قسطنطينية، ولم يهلكوا (إذ) أهل هذه القرية ~~المذكورة في القرآن أهلكوا لقول الله تعالى: # إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون # [يس: 29] لكن إن كانت الرسل الثلاثة المذكورة في القرآن بعثوا لأهل ~~أنطاكية قديما فكذبوهم فأهلكهم الله ثم عمرت بعد ذلك فلما كان في زمن ~~المسيح آمنوا برسله فيجوز. والله أعلم. # قوله: " فعززنا " قرأ أبو بكر بتخفيف الزاي بمعنى غلبنا، ومنه: # وعزني في الخطاب # [ص: 23] ومنه قولهم: عز وبز أي صا له بز. # والباقون بالتشديد بمعنى قوينا، يقال: عزز المطر الأرض أي ~~قواها ولبدها، ويقال لتلك الأرض العزاء وكذا كل أرض صلبة. ~~وتعزز لحم الناقة أي صلب وقوي. وعلى كلتا القراءتين ~~المفعول محذوف أي فقويناهما (أو فغلبناهما بثالث)؛ لأن المقصود من ~~البعثة نصرة الحق، لا نصرتهما، والكل كانوا مقوين للدين والبرهان. # وقرأ عبد الله " بالثالث " بألف ولام. # قوله: { إنآ إليكم لمرسلون } جرد خبر " إن " هذه من لام ~~التوكيد، وأدخلها في خبر الثانية، لأنهم في الأولى استكملوا مجرد الإنكار ~~فقابلتهم الرسل بتوكيد واحد وهو الإتيان ب " إن " وفي الثانية ~~بالغوا في الإنكار فقابلتهم (الرسل) بزيادة التأكيد، فأتوا ب " إن " ~~وب " اللام ". # قال أهل البيان: الأخبار ثلاثة أقسام: ابتداء وطلبي وإنكاري. # فالأول: (يقال) لمن لك يتردد في نسبة أحد الطرفين إلى الآخر نحو: زيد ~~عارف. # والثاني: لمن هو متردد في ذلك طالب له منكر له بعض إنكار فيقال له: ~~إن زيدا عارف. # والثالث: لم يبالغ في إنكاره فيقال له: إن زيدا لعارف. # ومن أحسن ما يحكى أن رجلا جاء إلى أبي العباس الكندي فقال: يا أبا ~~العباس: إني لأجد في كلام العرب حشوا. قال: وما ذالك؟ قال: يقولون ~~زيد قائم، وإن زيدا لقائم، فقال: كلا، بل المعاني ~~مختلفة، " فعبد الله قائم " إخبار بقيامة، و " إن عبد الله قائم " ~~جواب لسؤال سائل و " إن عبد الله لقائم " جواب عن ms7270 إنكار منكر وهذا ~~هوا لكندي الذي سئل أن يعارض القرآن ففتح المصحف فرأى سورة المائدة. وقال ~~أبو حيان: وجاء أولا " مرسلون " بغير لام، لأنه ابتداء إخبار، فلا ~~يحتاج إلى توكيد، وبعد المجاورة " لمرسلون " بلام التوكيد، لأنه ~~جواب عن إنكار. # قال شهاب الدين: " وهذا قصور عن فهم ما قاله أهل البيان، فإنه جعل ~~المقام الثاني - وهو الطلبي - مقام المقام الأول وهو الابتدائي ". # قوله: { مآ أنتم إلا بشر مثلنا ومآ أنزل ~~الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون } جعلوا كونهم ~~بشرا مثلهم دليلا على عدم الإرسال. وهذا عام في المشركين قالوا في حق ~~محمد عليه (الصلاة و) السلام: # أأنزل عليه الذكر من بيننا # [ص:8] وإنما ظنوه دليلا بناء على أنهم لم يعتقدوا في الله الاختيار ~~وإنما قالوا: إنه موجب بالذات وقد استوينا في البشرية فلا يمكن ~~(الرجحان)، فرد الله تعالى عليهم بقوله: # الله أعلم حيث يجعل رسالته # [الأنعام: 124]، وبقوله: # الله يجتبي إليه من يشآء ويهدي إليه من ~~ينيب # [الشورى: 13] إلى غير ذلك. ثم قالوا: " وما أنزل الرحمن من ~~شيء " وهذا يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون متمما لما ذكرو (ه) فيكون الكل شبهة واحدة، ~~والمعنى وما أنزل الله إليكم أحدا فكيف صرتم رسلا؟! # والثاني: أن يكون هذا شبهة أخرى مستقلة وهي أنهم لما قالوا: أنتم بشر ~~مثلنا، فلا يجوز رجحانكم علينا. ذكروا الشبهة من جهة النظر إلى ~~المرسلين ثم قولوا شبهة أخرى من جهة المرسل وهو أنه تعالى ليس بمنزل ~~شيئا في هذا العالم، فإن تصرفه في العالم العلوي فالله لم ينزل شيئا ~~من الأشياء في الدينا فكيف أنزل إليكم؟!. # وقوله تعالى: { الرحمن } إشارة إلى الرد عليهم، لأن الله تعالى ~~لما كان رحمن الدنيا، والإرسال رحمة فكيف لا ينزل رحمته وهو ~~رحمن؟! ثم قال: { إن أنتم إلا تكذبون } أي ما أنتم إلا ~~كاذبون فيما تزعمون. { إذ أرسلنا إليهم اثنين } قال وهب: ~~اسمهما يحيى وبولس { فكذبوهما فعززنا } برسول " ثالث " ~~وهو شمعون. وقال كعب: الرسولان صادق وصدوق والثالث سلوم. وإنما أضاف ~~الله الإرسال إليه، لأن ms7271 عيسى - عليه (الصلاة و) السلام - إنما بعثهم ~~بأمره - عز وجل-. # قوله: { قالوا ربنا يعلم إنآ إليكم لمرسلون } ~~وهذا إشارة إلى أنهم بمجرد التكذيب لم يسأموا ولم يتركوا بل أعادوا ذلك ~~لهم، وكرروا القول عليهم وأكدوه باليمين. # { قالوا ربنا يعلم إنآ إليكم لمرسلون } وأكدوه ~~باللام لأن علم الله يجري مجرى القسم، كقوله: # الله أعلم حيث يجعل رسالته # [الأنعام:124] أي هو عالم بالأمور { وما علينا إلا البلاغ ~~المبين } ، وذلك تسلية لأنفسهم أي نحن خرجنا عن عهدة ما علينا هو ~~البلاغ. وقوله " المبين " أي المبين الحق عن الباطل وهوالفارق بالمعجزة ~~والبرهان؛ إذ البلاغ المظهر لما أرسلنا إلى الكل أي لا يكفي أن يبلغ ~~الرسالة إلى شخص أو شخصين. أو المظهر للحق بكل ما يمكن فإذا لم يقبلوا ~~الحق فهنالك الهلاك فما كان جوابهم بعد ذلك إلا قولهم: { إنا تطيرنا ~~بكم } أي تشاءمنا بكم وذلك أن المطر حبس عنهم فقالوا أصابنا ~~هذا بشؤمكم { لئن لم تنتهوا لنرجمنكم } لنقتلنكم. ~~قاله قتادة. # وقيل: لنشتمنكم. { وليمسنكم منا عذاب أليم } فإن فسرنا الرجم بالحجارة ~~فيكون قولهم: { وليمسنكم منا عذاب أليم } كأنهم قالوا: لا نكتفي ~~برجمكم بحجر أو حجرين بل نديم ذلك عليكم إلى الموت وهو العذاب الأليم أو ~~يكون المراد: وليمسنكم بسبب الرجم منا عذاب أليم أي مؤلم. # وإن قلنا: الرجم الشتم فكأنهم قولوا ولا يكفينا الشتم بل شتم يؤدي إلى ~~الضرب والإيلام الحسي. وإذا فسرنا " أليم " بمعنى مؤلم فالفعيل ~~بمعنى مفعل قليل. # ويحتمل أن يقال: هو من باب قوله: # عيشة راضية # [الحاقة: 21] أي ذات رضا أي عذاب ذو ألم، فيكون فعيل بمعنى ~~فاعل وهو كثير. # ثم أجابهم المرسلون فقالوا " طائركم معكم " أي شؤمكم معكم، أي ~~كفركم. # قوله: " طائركم " العامة على " طائر " اسم فاعل أي ما طار لكم من ~~الخير والشر، فعبر به عن الحظ والنصيب وقرأ الحسن - فيما روى عنه ~~الزمخشري " اطيركم " مصدر اطير الذي أصله تطير، فلما ~~أريد إدغامه أبدلت الفاء طاء وسكنت واجتلبت همزة الوصل وصار اطير، ~~فيكون مصدره " اطيارا ". # ولما ذكر أبو حيان هذا ms7272 لم يرد عليه وكان (هو) في بعض ما رد به على ابن ~~مالك في شرح التسهيل في باب المصادر أن مصدر " تطير وتدارأ " إذا ~~أدغما وصار " اطير وادارأ " لا يجيء مصدرهما علهيما، بل عل أصلهما، ~~فيقال: اطير تطيرا، وادارأ تدارءا. ولكن هذه القراءة ~~ترده إن صحت. وهو بعيد. # وقد روى غيره طيركم بياء ساكنة. ويغلب على الظن أنها هذه. وإنما ~~تصحفت على الرواي فحسبها مصدرا وظن أن ألف " قالوا " همزة وصل. # قوله: { أإن ذكرتم } قرأ السبعة بهمزة استفهام بعدها إن الشرطية ~~وهم على أصولهم من التسهيل والتحقيق، وإدخال ألف بين الهمزتين وعدمه في ~~سورة (البقرة). واختلف سيبويه ويونس إذا اجتمع استفهام وشرط ~~أيهما يجاب؟ فذهب سيبويه إلى أجابة الاستفهام، ويونس إلى إجابة ~~الشرط. # فالتقدير عند سيبويه أئن ذكرتم تتطيرون وعند يونس ~~تطيروا مجزوما. # فالجواب للشرط على القولين محذوف. # وقد تقدم هذا في سورة الأنبياء. وقرأ أبو جفعر وطلحة وزر بهمزتين ~~مفتوحتين، إلا أن زرا لم يسهل الثانية، كقوله: # 4172- أإن كنت داود بن أحوى مرحلا # فلست براع لابن عمك محرما # وروي عن أبي عمرو وزر أيضا كذلك، إلا أنها فصلا بألف بين ~~الهمزتين. وقرأ الماجشون (بهمزة ) واحدة مفتوحة. # وتخرج هذه القراءات الثلاث على حذف لام العلة أي (أ) لأن ذكرتم ~~تطيرتم ف " تطيرتم " هو المعلول، وأن ذكرتم عليته. والاستفهام ~~منسحب عليهما في قراءة الاستفهام. وفي غيرها يكون إخبارا بذلك. وقرأ ~~الحسن بهمزة واحدة مكسروة وهي شرط من غير استفهام، وجوابه محذوف أيضا. ~~وقرأ الأعمش والهمداني أين بصيغة الظرف. وهي أين الشرطية وجوابها ~~محذوف عند جمهور البصريين أي أين ذكرتم فطائركم معكم أو صحبتكم ~~طائركم، لدلالة ما تقدم من قوله: " طائركم معكم " ومن يجوز ~~تقديم الجواب لا يحتاج إلى حذف. # وقرأ الحسن وأبو جعفر وأبو رجاء والأصمعي عن نافع ذكرتم ~~بتخفيف الكاف. # فصل # قوله: " أئن ذكرتم " جواب عن قوله: " لنرجمنكم " أي أتفعلون ~~بنا ذلك وإن ذكرتم أي وعظتم بالله وبين لكم الأمر بالمعجز والبرهان { ~~بل أنتم قوم مسرفون } مشركون مجاوزون حيث تجعلون ms7273 ما ~~يتبرك به يتشاءم به وتقصدون إيلام من يجب إكرامه، أو مسرفون حيث ~~تكفرون ثم تصرون بعد ظهور الحق بالمعجزة والبرهان. # فإن قيل: (بل) للإضراب فما (الأمر) المضروب عنه؟. # فالجواب: يحتمل أن يقال قوله: أئن ذكرتم واردة على تكذيبهم فإنهم ~~قالوا: نحن كاذبون وإن جئتنا بالبرهان لا بل قوم مسرفون. ويحتمل أن يقال: ~~أنحن مشؤومون وإن جئنا ببيان صحة ما نحن عليه لا بل أنتم قوم مسرفون. ~~ويحتمل أن يقال: أنحن مستحقون الرجم والإيلام وإن بينا صحة ما أتينا ~~به لا بل أنتم قوم مسرفون. # فصل # ذكر المفسرون أن عيسى - عليه (الصلاة و) السلام - بعث رجلين إلى أهل ~~أنطاكية فدعوا إلى توحيد الله وأظهرا المعجزة من إبراء الأكمه ~~والأبرص وإحياء الموتى فحبسهم الملك فأرسل بعدهما شمعون، فأتى الملك، ~~ولم يدع الرسالة وقرب نفسه من الملك بحسن التدبير، ثم قال: إني أسمع ~~(أن) في الحبس رجلين يدعيا(ن) أمرا بديعا أفلا يحضران نسمع ~~كلامهما؟ فقال الملك: بلى فأحضرا وذكرا مقالتهما الحقة فقال شمعون: ~~وهل لكما بينة؟ قالا: نعم فأبرءا الأكمه والأبرص وأحييا الموتى. ~~فقال شمعون: يا أيها الملك: إن شئت أن تغلبهم فقل للآلهة التي ~~تعبدونها تفعل شيئا من ذلك فقال له الملك أنت لا يخفى عليك أنها لا تسمع ~~ولا تبصر ولا تعلم فقال شمعون: فإذن ظهر لي الحق من جانبهم فآمن الملك ~~(وقوم) وكفر آخرون. وكانت الغلبة للمكذبين. ### || [36.20-27] # قوله: { وجآء من أقصا المدينة رجل يسعى } في تعلقه ~~بما قبله وجهان: # أحدهما: أنه بيان لكونهم أتوا بالبلاغ المبين حيث أمن بهم الرجل الساعي. ~~وعلى هذا فقوله: { من أقصا المدينة } فيه بلاغة باهرة لأنه لما ~~جاء من أقصى المدينة رجل و(هو) قد آمن دل على (أن) إنذارهم وإبلاغهم بلغ ~~إلى أقصى المدينة. # والثاني: أن ضرب المثل لما كان لتسلية قلب محمد - عليه (الصلاة و) ~~السلام - ذكر بعد الفراغ من ذكر الرسل سعي المؤمنين في تصديق أنبيائهم، ~~وصبرهم على ما أوذوا، ووصول الجزاء الأوفر إليهم ليكون ذلك تسلية لقلب ~~أصحاب محمد - عليه ms7274 الصلاة والسلام -. # قوله: " رجل يسعى " في تنكير " الرجل " مع أنه كان معروفا معلوما عند ~~الله فائدتان: # الأولى: أن يكون تعظيما (لشأنه) أي رجل كامل في الرجولية. # الثانية: أن يكون مفيدا ليظهر من جانب المرسلين أمر رجل من الرجال لا ~~معرفة لهم به، فلا يقال: إنهم تواطئوا. والرجل هو حبيب النجار كان ينحت ~~الأصنام. وقال السدي: كان قصارا. وقال وهب: كان يعمل الحرير وكان سقيا ~~قد أسرع فيه الجذام. وكان منزله عند أقصى باب المدينة وكان مؤمنا آمن ~~بمحمد - صلى الله عليه وسلم - قبل وجوده حين صار من العلماء بكتاب الله، ~~ورأى فيه نعت محمد وبعثته وقوله: " يسعى " تبصير للمسلمين وهداية لهم ~~ليبذلوا جهدهم في النصح. # قوله: { قال يقوم اتبعوا المرسلين } تقدم الكلام في ~~فائدة قوله: " يا قوم " عند قوله موسى: # يقوم إنكم ظلمتم أنفسكم # [البقرة:54]. # فإن قيل: هذا مثل مؤمن آل فرعون # وقال الذي ءامن يقوم اتبعون # [غافر: 38] وهذا قال: " اتبعوا المرسلين " فما الفرق؟. # فالجواب: هذا الرجل جاءهم وفي أول مجيئه نصحهم ولم يعلموا سيرته فقال ~~اتبعوا هؤلاء الذين أظهروا لكم الدليل وأوضحوا لكم السبيل وأما مؤمن ~~آل فرعون فكان فيهم ونصحهم مرارا فقال: " اتبعوني في الإيمان ~~بموسى وهارون - عليهما (الصلاة و) السلام - واعلموا أنه لو لم يكن ~~خيرا لما اخترته لنفسي وأنتم تعلمون أني اخترته " ولم يكن للرجل الذي ~~جاء من أقصى المدينة أن يقول: أنتم تعلمون اتباعي لهم. واعلم أنه جمع ~~بين إظهار النصيحة وإظهار إيمانه فقوله: " اتبعوا " نصيحة وقوله: " ~~المرسلين " إظهار إيمانه وقدم إظهار النصيحة على إظهار الإيمان لأنه كان ~~ساعيا في النصيحة وأما الإيمان فكان قد آمن من قبل وقوله: " يسعى " على ~~إرادته النصح. # قوله: { من لا يسألكم أجرا } بدل من " المرسلين " بإعادة ~~العامل إلا أن أبا حيان قال: النحاة لا يقولون ذلك إلا إذا كان العامل ~~حرف (جر) وإلا فلا يسمونه بدلا بل تابعا وكأنه يريد التوكيد اللفظي ~~بالنسبة إلى العامل. # فصل # هذا الكلام في غاية الحسن لأن لما قال اتبعوا المرسلين كأنهم منعوا ~~كونهم ms7275 مرسلين فنزل درجة وقال لا شك أن الخلق في الدنيا سالكون طريقة ~~الاستقامة والطريق إذا كان فيه دليل وجب اتباعه والامتناع من الدليل لا ~~يحسن إلا عند أحد أمرين إما لطالب الدليل الأجرة وإما عدم الاعتماد على ~~اهتدائه ومعرفة الطريق لكن هؤلاء لا يطلبون أجرة وهم مهتدون عالمون ~~بالطريق المستقيم الموصولة إلى الحق فهب أنهم ليسوا بمرسلين هادين أليسوا ~~بمهتدين فاتبعوهم. # قوله: { وما لي لا أعبد الذي فطرني } أصل الكلام وما ~~لكم لا تعبدون ولكنه صرف الكلام عليهم ليكون الكلام أسرع قبولا ولذلك ~~جاء قوله: { وإليه ترجعون } دون " وإليه أرجع " وقوله { ~~أأتخذ } مبني على كلام الأول وهذه الطريقة أحسن من ادعاء ~~الالتفات، وقرأ حمزة ويعقوب ما لي بإسكان الياء والآخرون فتحها. واعلم ~~أن قوله: { وما لي لا أعبد } أي أي مانع من جانبي وهذا ~~إشارة إلى أن الأمر من جهة المعبود ظاهر لا خفاء فيه فمن يمنع من عبادته ~~يكون من جانبه مانع ولا مانع من جانبي فلا جرم عبدته وفي العدول من ~~مخاصمة القوم إلى حال نفسه حكمة أخرى وهي أنه لو قال: " ما لكم لا تعبدون ~~الذي فطركم " لم يكن في البيان مثل قوله: " وما لي " لأنه لو قال: " ~~ومالي " وأحد لا يخفى عليه (حال) نفسه علم كل أحد أنه لا يطلب العلة ~~وبيانها من أحد لأنه أعلم بحال نفسه فهو بين عدم المانع وأما لو قال: " ~~وما لكم " جاز أن يفهم (منه) أنه يطلب بيان العلة لكون غيره أعلم ~~بحال نفسه، وقوله: { الذي فطرني } إشارة إلى وجود المقتضي، فإن ~~قوله: " وما لي " إشارة إلى عدم المانع وعند عدم المانع لا يوجد الفعل ~~ما لم يوجد المقتضي فقوله: { الذي فطرني } دليل المقتضي فإن ~~الخالق ابتداء مالك والمالك يجب على المملوك إكرامه وتعظيمه ومنعم ~~بالإيجاد والمنعم يجب على المنعم عليه شكر نعمته. وقدم بيان عدم المانع ~~على بيان وجود المقتضي مع أن المستحسن تقديم المقتضي لأن المقتضي لظهروه ~~كأن مستغنيا عن البيان فلا أقل من تقديم ما هو أولى ms7276 بالبيان للحاجة ~~إليه واختار من الآيات فطرة نفسه لأن خالق عمرو يجب على زيد ~~عبادته لأن من خلق عمرا (لا يكون إلا) كامل القدرة واجب الوجود فهو ~~مستحق العبادة بالنسبة إلى كل مكلف لكن العبادة على " زيد " بخلق " زيد " ~~أظهر إيجابا # فصل # أضاف الفطرة إلى نفسه والرجوع إليهم كأن الفطرة أثر النعمة وكان عليه ~~أظهر وفي الرجوع معنى الشكر وكان بهم أليق. # روي أنه لما قال: اتبعوا المرسلين أخذوه ورفعوه إلى الملك فقال له: " ~~أفأنت تتبعهم "؟ فقال: { وما لي لا أعبد الذي ~~فطرني وإليه ترجعون } أي أي شيء يمنعني أن أعبد خالقي ~~وإليه ترجعون تردون عند البعث فيجزيكم بأعمالكم. ومعنى فطرني: خلفني ~~اخترعا ابتداء. وقيل جعلني على الفطرة كما قال تعالى: # فطرت الله التي فطر الناس عليها # [الروم: 30]. # قوله: " أأتخذ " استفهام بمعنى الإنكار، أي لا أتخذ من دونه آلهة ~~و " من دونه " يجوز أن يتعلق " بأتخذ " على أنها متعدية لواحد ~~وهو " آلهة " ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من " آلهة " وأن يكون ~~مفعولا ثانيا قدم على أنها المتعدية لاثنين. # فصل # في قوله: { من دونه آلهة } لطيفة وهي أنه لما بين أنه يعبد الذي فطره ~~بين أن من دونه لا يجوز عبادة لأن الكل محتاج مفتقر حادث وقوله: ~~" أأتخذ " إشارة إلى أن غيره ليس بإله لأن المتخذ لا يكون إلها ~~قوله: " إن يردني " شرط جوابه " لا تغن عني " والجملة ~~الشرطية في محل نصب صفة " لآلهة ". وفتح طلحة السلماني - وقيل: ~~طلحة بن مصرف - ياء المتكلم. وقال الزمخشري وقرىء: إن يردني ~~الرحمن بضر بمعنى إن يوردني ضرا أي يجعله موردا للضر. ~~قال أبو حيان: وهذا والله اعلم رأى في كتب القراءات بفتح الياء فتوهم ~~أنها ياء المضارعة فجعل الفعل متعديا بالياء المعدية كالهمزة فلذلك دخل ~~همزة التعدية فنصب به اثنين والذي في كتب القراءات الشواذ أنها ياء ~~الإضافة المحذوفة خطا ونطقا لالتقاء الساكنين قال شهاب الدين: وهذا ~~رجل ثقة قد نقل هذا القراءة فتقبل منه. # فإن قيل: ما الحكمة في قوله { إن ms7277 يردن الرحمن بضر } ~~ولم يقل: إن يرد الرحمن بي ضرا وكذلك قوله تعالى: # إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره # [الزمر:38] ولم يقل: إن أراد الله بي ضرا؟. # فالجواب: أن الفعل إذا كان متعديا إلى مفعول واحد تعدى إلى مفعولين ~~بالحرف كالأمر تعدى بالحرف في قولهم: ذهب به وخرج به. ثم إن ~~المتكلم البليغ يجعل المفعول بغير حرف أولى بوقوع الفعل عليه ويجعل الآخر ~~مفعولا بحرف فإذا قال القائل مثلا: كيف حال فلان؟ يقول: اختصه الملك ~~بالكرامة والنعمة. فإذا قال: كيف كرامة الملك؟ يقول: اختصها بزيد فيقول ~~المسؤول مفعولا بغير حرف؛ لأنه هو المقصود. وإذا تقرر هذا فالمقصود فيما ~~نحن فيه: بيان كون العبد تحت تصرف الله يقلبه كيف يشاء في البؤس ~~والرخاء وليس الضر مقصود بيانه كيف والقائل مؤمن يرجو الرحمة والنعمة ~~بناء على إيمانه بحكم وعد الله. # ويؤيد هذا قوله من قبل: " الذي فطرني " حيث جعل نفسه ~~مفعول الفطرة فلذلك جعلها مفعول الإرادة ووقع الضر تبعا. وكذلك القول في ~~قوله: { إن أرادني الله بضر } المقصود بيان أنه يكون كما ~~يريده الله (وليس الضر) لخصوصيته مقصودا بالذكر ويؤيده ما تقدم حيث قال ~~الله تعالى: # أليس الله بكاف عبده # [الزمر: 36] يعني هو تحت إرادته. # فإن قيل: ما الحكمة في قوله هنا: { إن يردن الرحمن } بصيغة المضارع ~~وقال في الزمر: # إن أرادني الله # [الزمر:38] بصيغ الماضي وذكر المريد هنا باسم الرحمن وذكر المريد هناك ~~باسم الله؟. # فالجواب أن الماضي والمستقبل مع الشرط يصير الماضي مستقبلا لأن المذكور ~~هنا من قبل بصيغة الاستقبال في قوله: { أأتخذ } وقوله: { وما ~~لي لا أعبد } والمذكور هناك من قبل بصيغة الماضي قوله: # أفرأيتم # [الزمر:38]. # قوله: { لا تغن عني شفاعتهم شيئا } [يس:23] أي إن ~~يمسسني الله بضر أي بسوء ومكروه لا تغن شفاعتهم شيئا أي لا ~~شفاعة لها فتغني " ولا ينقذون " من ذلك المكروه أو لا ينقذون من ~~العذاب لو عذبني الله إن فعلت ذلك. قوله تعالى: { إني إذا لفي ~~ضلال مبين } أي خطأ ظهار إن ms7278 فعلت ذلك فأنا ضال ضلالا بينا. و ~~" المبين " مفعل بمعنى " فعيل " وعكسه " فعيل " بمعنى ~~مفعل في قوله " أليم " بمعنى مؤلم. # قوله: { إني آمنت بربكم } فيه وجوه: # أحدها: أنه خطاب المرسلين. قال المفسرون: أقبل القوم عليه يريدون قلته ~~فأقبل هو للمرسلين وقال: إني آمنت بربكم فاسمعوا قولي ~~واشهدوا لي. # والثاني: هم الكفار لما نصحهم وما نفعهم قال آمنت فاسمعون. # الثالث: بربكم أيها السامعون فاسمعوني على العموم كقول الواعظ: يا ~~مسكين ما أكثر أملك (وما أترر عملك) يريد كل سامع يسمعه ~~وفي قوله " فاسمعون " فوائد منها: أنه كلام متفكر حيث قال: اسمعوا ~~فإن المتكلم إذا كان يعلم أن لكلامه جماعة سامعين يتفكر، ومنها أن ينبه ~~القوم ويقول: إن أخبرتكم بما فعلت حتى لا يقولوا لم أخفيت عنا أمرك ولو ~~أظهرته لآمنا معك. # فإن قيل: قال من قبل: ما لي لا أعبد الذي فطرني، وقال ههنا: ~~آمنت بربكم ولم يقل: آمنت بربي!؟ فالجواب: إن قلنا: الخطاب مع الرسل ~~فالأمر ظاهر لأنه لما قال: آمنت بربكم ظهر عند الرسل أنه قبل قولهم ~~وآمن بالرب الذي دعوه إليه وقال " بربكم ". وإن قلنا: الخطاب مع ~~الكفار ففيه (وجوه) بيان للتوحيد لأنه لما قال: { أعبد الذي فطرني } ثم ~~قال: { آمنت بربكم فاسمعون } فهم أنه يقول: ربي وربكم واحد وهو الذي ~~فطرني وهو بعينه ربكم بخلاف ما لو قال: آمن بربي فيقول الكافر: وأنا ~~أيضا آمنت بربي. # قوله: { فاسمعون } العامة على كسر النون وهي نون الوقاية حذفت ~~بعدها ياء الإضافة مجتزءا عنها بكسرة النون وهي اللغة الغالبة. # وقرأ عصمة عن عاصم بفتحها. وليست إلا غلطا (على عاصم)، إذ لا وجه ~~(لها)، وقد وقع لابن عطية وهم فاحش في ذلك فقال: وقرأ الجمهور بفتح ~~النون. وقال أبو حاتم: هذا خطأ فلا يجوز لأنه أمر فإما حذف النون وإما ~~كسرها على جهة الياء، يعني ياء المتكلم، وقد يكون قوله: " الجمهور " سبق ~~قلم منه أو من النساخ وكان الأصل: وقرأ غير الجمهور فسقط لفظة " غيره ". ~~(و) قال ابن عطية حذف من ms7279 الكلام ما تواترت الأخبار والروايات به وهو أنهم ~~قتلوه فقيل له عند موته: ادخل الجنة بعد القتل وقيل: قوله: ~~(قيل) ادخل الجنة عطف على قوله: { آمنت بربكم } فعلى الأول ~~يكون قوله: { يليت قومي يعلمون } بعد موته والله أخبر ~~بقوله، وعلى الثاني قال ذلك في حياته وكان يسمع الرسل يقولون إنه من ~~الداخلين الجنة وصدقهم وقطع به. قوله: { قال يا ليت قومي ~~يعلمون } كما علمت فيؤمنون كما آمنت. وقال الحسن: خرقوا خرقا في ~~حلقه وعلقوه في سور المدينة وقبره بأنطاكية فأدخله الله الجنة وهو حي ~~فيها يرزق، فذلك قوله عز وجل: { قيل ادخل الجنة }. فلما أفضى إلى ~~الجنة قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي أي بغفران ربي لي وجعلني من ~~المكرمين. قوله: { بما غفر لي } يجوز في (ما) هذه ثلاثة أوجه: ~~المصدرية كما تقدم. والثاني: أنها بمعنى الذي والعائد محذوف أي بالذي ~~غفره لي ربي. واستضعف هذا من حيث إنه يبقى معناه أنه تمنى أن يعلم ~~قومه بذنوبه المغفورة. وليس المعنى على ذلك إنما المعنى على تمني ~~علمهم بغفران ربه ذنوبه. والثالث: أنها استفهامية وإليه ذهب ~~الفراء. ورده الكسائي بأنه كان ينبغي حذف ألفها لكونها مجرورة. وهو رد ~~صحيح. وقال الزمخشري الأجود طرح الألف والمشهور من مذهب البصريين وجوب ~~حذف ألفها كقوله: # 4173- (علام يقول الرمح يثقل عاتقي # إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرت # إلا في ضرورة كقول الشاعر): # 4174- على ما قام يشتمني لئيم # كخنزير تمرغ في رماد # وقرىء من المكرمين بتشديد الراء. ### || [36.28-32] # قوله (تعالى): { ومآ أنزلنا على قومه من بعده من ~~جند من السمآء } لما تمنى أن يعلم قومه أن الله غفر له وأكرمه ~~ليرغبوا في دين الرسل فلما قتل حبيب غضب الله وعجل لهم النقمة وأمر ~~جبريل - عليه (الصلاة و) السلام - فصاح بهم صيحة واحدة فماتوا عن آخرهم ~~فذلك قوله: { ومآ أنزلنا على قومه من بعده من جند ~~من السمآء } يعني الملائكة. # قوله: " وما كنا منزلين " في (ما) هذه ثلاثة أوجه: # أحدهما: أنها ناقية كالتي ms7280 قبلها فتكون الجملة الثانية جارية مجرى ~~التأكيد للأولى. # والثاني: أنها مزيدة قال أبو البقاء: أي وقد كنا منزلين. وهذا لا يجوز ~~البتة لفساده لفظا ومعنى. # الثالث: أنها اسم معطوف على " جند " قال ابن عطية: أي من جند من ~~الذين كنا منزلين ورده أبو حيان بأن " من " مزيدة، وهذا ~~التقدير يؤدي إلى زيادتها في الموجب جارة لمعرفة ومذهب البصريين غير ~~الأخفش أن يكون الكلام غير موجب وأن يكون المجرور نكرة، قال شهاب الدين: ~~فالذي ينبغي عند من يقول بذلك (أن) يقدرها بنكرة أي: ومن عذاب كنا ~~منزليه والجملة بعضها صفة لها. وأما قوله إن هذا التقدير يؤدي إلى ~~زيادتها في الموجب فليس بصحيح البتة وتعجبت كيف يلزم ذلك؟!. # فصل # قال ههنا " وما أنزلنا " بإسناد الفعل إلى النفس، وقال في بيان حال ~~المؤمن: { قيل ادخل الجنة } بإسناد القول إلى غير مذكور لأن ~~العذاب من الهيئة فقال بلفظ التعظيم وأما إدخال الجنة فقال: قيل: (ليكون ~~كالمهنأ بقول الملائكة وبقول كل صالح يراه ادخل الجنة خالدا كالتهنئة ~~له، وكثيرا ما ورد) في القرآن قوله تعالى: " وقيل ادخلوا " إشارة إلى أن ~~الدخول يكون دخولا بإكرام. فإن قيل: لم أضاف القوم إليه مع أن الرسل ~~أولى بكون الجمع قوما لهم لأن الرسول لكونه مرسلا يكون جميع الخلق أو ~~جميع من أرسل إليهم قوما لهم؟. # فالجواب: تبين الفرق بينه وبنيهم لأنهما من قبيلة واحدة وأيضا فالعذاب ~~كان مختصا بهم أكرم أحدهما غاية الإكرام بسبب الإيمان وأهين الآخر غاية ~~الإهانة بسبب الكفر ونسبهما من قبيلة واحدة وأيضا فالعذاب كان مختصا ~~بهم وهم أقاربه لأن غيرهم من قوم الرسل آمنوا بهم فلم يصبهم العذاب. # فإن قيل: لم خصص عدم الإنزال بما بعده والله تعالى لم ينزل عليهم جندا ~~قبله أيضا فما فائدة التخصيص؟. # فالجواب: أن استحقاقهم العذاب كان بعده حيث أصروا واستكبروا فبين حال ~~الإهلاك. # فإن قيل: قال: " من السماء " وهو تعالى لم ينزل عليهم ولا أرسل إليهم ~~جندا من الأرض فما فائدة التقييد؟. # فالجواب من وجهين: # أحدهما: أن ms7281 يكون المراد ما أنزل عليهم جندا بأمر من السماء فتكون ~~للعموم. # والثاني: أن العذاب نزل عليهم من السماء فبين أن النازل لم يكن جندا ~~وإنما كان بصيحة أخذتهم وخربت ديارهم. # فإن قيل: أي فائدة في قوله: { وما كنا منزلين } مع قوله: { ~~ومآ أنزلنا } وهو يستلزم أن لا يكون من المنزلين؟. # فالجواب: أن قوله: " وما كنا " أي ما كان ينبغي أن ينزل، لأن الأمر كان ~~يتم بدون ذلك والمعنى وما أنزلنا وما كنا محتاجين إلى الإنزال أو وما ~~أنزلنا وما كنا منزلين في مثل تلك الواقعة جندا في غير تلك الواقعة أي ~~وما أنزلنا على قومه من بعده أي على قوم حبيب من بعد قتله من جنده وما ~~كنا منزلين ما ننزله على الأمم إذا أهلكناهم كالطوفان والصاعقة ~~والريح. # فإن قيل: فكيف أنزل الله جنودا في يوم " بدر " وفي غير ذلك حيث قال ~~تعالى: # ريحا وجنودا لم تروها # [الأحزاب:9]. # فالجواب: أن ذلك تعظيما لمحمد - عليه (الصلاة و) السلام - وإلا لكان ~~تحريك ريشة من جناح ملك كافيا في استئصالهم ولم تكن رسل (عيسى) - ~~عليه الصلاة والسلام - في درجة محمد عليه السلام - ثم بين الله تعالى ~~عقوبتهم فقال: { إن كانت إلا صيحة واحدة }. # قوله: { إن كانت إلا صيحة } العامة على النصب على أن " كان ~~" ناقصة واسمها ضمير الأخذ لدلالة السياق عليها و " صيحة " ~~خبرها. وقرأ أبو جعفر وشيبة ومعاذ القارىء برفعها على أنها التامة أي ~~إن وقع وحدث وكان ينبغي أن لا يلحق تاء التأنيث للفصل " بإلا " بل ~~الواجب في غير ندور واضطرار حذف التاء نحو: ما قام إلا هند. وقد ~~شذ الحسن وجماعة فقرأوا: { لا ترى إلا مساكنهم } [الأحقاف: ~~25] كما سيأتي إن شاء الله تعالى وقوله: # 4175-............... # وما بقيت إلا الضلوع الجراشع # وقوله: # 4176- ما برئت من ريبة وذم # في حربنا إلا بنات العم # قال الزمخشري: أصله إن كان شيء إلا صيحة فكان الأصل أن يذكر لكنه تعالى ~~أنث لما بعده من المفسر وهو الصيحة وقوله: " واحدة " تأكيد لكون ~~الأمر هينا عنده وقوله: { فإذا ms7282 هم خامدون } إشارة إلى سرعة ~~الهلاك فإن خمودهم كان من الصيحة في وقتها لم يتأخر ووصفهم بالخمود في ~~غاية الحسن لأن الحي فيه الحرارة الغريزية وكلما كانت الحرارة أوفر كانت ~~القوة الغضبية والشهوانية أتم وهم كانوا كذلك أما الغضب. # فإنهم قتلوا مؤمنا كان ينصحهم وأما الشهوة فلأنهم احتملوا العذاب ~~الدائم بسبب استيفاء اللذات الخالية فإذن كانوا كالنار الموقدة لأنهم ~~كانوا جبارين ومستكبرين كالنار ومن خلق منها. { فإذا هم خامدون } ~~ميتون. قال المفسرون: أخذ جبريل بعضادتي باب المدينة ثم صاح بهم صيحة ~~واحدة فإذا هم خامدن ميتون. # قوله: " يحسرة " العامة على نصبها وفيه وجهان: # أحدهما: أنها منصوبة على المصدر والمنادى محذوف تقديره يا هؤلاء ~~تحسروا حسرة. # والثاني: أنها منونة لأنها منادى منكر فنصبت على أصلها كقوله: # 4177- فيا راكبا إما عرضت فبلغا # نداماي من نجران أن لا تلاقيا # ومعنى النداء هنا على المجاز، كأنه قيل: هذا أوانك فاحضري. وقرأ قتادة ~~وأبي - في أحد وجهيه - يا حسرة بالضم جعلها مقبلا عليها وأبي أيضا ~~وابن عباس وعلي بن الحسين { يا حسرة على العباد } بالإضافة ~~فيجوز أن تكون الحسرة مصدرا مضافا لفاعله أي يتحسرون على غيرهم ~~لما يرون من عذابهم وأن يكون مضافا لمفعوله أي يتحسر عليهم (من) ~~غيرهم. وقرأ أبو الزناد وابن هرمز وابن جندب " يا حسره " بالهاء ~~(المهملة) المبدلة من تاء التأنيث وصلا وكأنهم أجروا الوصل مجرى ~~الوقف وله نظائر مرت. وقال صاحب اللوامح وقفوا بالهاء مبالغة في التحسر ~~لما في الهاء من التاهة بمعنى التأوه ثم وصلوا على تلك الحال. وقرأ ~~ابن عباس أيضا: يا حسرة بفتح التاء من غير تنوين ووجهها أن الأصل يا ~~حسرتا فاجتزىء بالفتحة عن الألف كما اجتزىء بالكسرة عن الياء ومنه: # 4178- ولست براجع ما فات مني # بلهف ولا بليت ولا لو اني # أي بلهفها بمعنى لهفي. وقرىء: يا حسرتا بالألف كالتي في الزمر. وهي ~~شاهدة لقراءة ابن عباس وتكون التاء لله تعالى، وذلك على سبل المجاز دلالة ~~على فرط هذه الحسرة وإلا فالله تعالى لا يوصف بذلك. ms7283 قوله: " ما ~~يأتيهم " هذه الجملة لا محل لها لأنها مفسرة لسبب الحسرة عليهم. ~~وهذا الضمير يجوز أن يكون عائدا إلى قوم حبيب أي ما يأتيهم من رسول من ~~الرسل الثلاثة. ويجوز: أن يعود إلى الكفار المصرين. وقوله: " إلا ~~كانوا " جملة حالية من مفعول " يأتيهم ". # فصل # الألف واللام في العبادة قيل: للعهد وهم الذين أخذتهم الصيحة فيا حسرة ~~على أولئك. وقيل: لتعريف الجنس أي جنس الكفار المكذبين وقيل: المراد ~~بالعبادة الرسل الثلاثة كأنه الكافرين يقولون عند ظهور اليأس يا حسرة ~~عليهم يا ليتهم كانوا حاضرين لنؤمن بهم ثانيا، وهم قوم (حبيب) وفي ~~التحسر وجوه: # الأول: لا متحسر أصلا في الحقيقة إذا المقصود بيان (أن) ذلك وقت طلب ~~الحسرة حيث تحققت الندامة عن تحقق العذاب وههنا بحث لغوي وهو أن المفعول ~~قد يرفض كثيرا إذا كان الغرض غير متعلق به يقال: فلان يعطي ويمنع ولا ~~يكون هناك شيء معطى ولا شخص معطى، إذ المقصود أن له المنع والإعطاء، ~~ورفض المفعول كثير وما نحن فيه رفض الفاعل وهو قليل. والوجه فيه أن ذكر ~~التحسر غير مقصود وإنما المقصود أن الحسرة متحققة في خلال الوقت. # الثاني: أن القائل يا حسرة هو الله على الاستعارة تعظيما للأمر ~~وتهويلا له وحينئذ يكون كالألفاظ التي وردت في حق الله كالضحك ~~والسخرية والتعجب والتمني. أو يقال ليس معنى قوله يا حسرة أو يا ~~ندامة أن القائل متحسر أو نادم بل المعنى أنه مخبر عن الوقوع وقوع ~~الندامة ولا يحتاج إلى التجوز في كونه تعالى قائلا يا حسرة بل تجريه ~~على حقيقته إلا في النداء فإن النداء مجاز والمراد الإخبار. # الثالث: أن المتلهفين من المسلمين والملائكة لما حكى عن حبيب أنه حين ~~القتل كان يقوله اللهم اهد قومي وبعد ما قتلوه وأدخل الجنة قال يا ليت ~~قومي يعلمون فيجوز أن يتحسر المسلم لكافر ويتندم له وعليه. وقوله: { ما ~~يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون } هذا ~~سبب الندامة. # فصل # قال الزهري الحسرة لا تدعى، ودعاؤها تنبيه للمخاطبين، وقيل العرب ms7284 تقول: ~~يا حسرتا ويا عجبا على طريق المبالغة. والنداء عندهم بمعنى ~~التنبيه فكأنه يقول: أيها العجب هذا وقتك وأيتها الحسرة هذا أوانك ~~وحقيقة المعنى أن هذا زمان الحسرة والتعجب. # قوله: { ألم يروا كم أهلكنا } لما بين حال الأولين قال ~~للحاضرين: ألم يروا الباقون ما جرى على من تقدم منهم. قوله: " كم ~~أهلكنا " كم هنا خبرية فهي مفعول " بأهلكنا " تقديره كثيرا من القرون ~~أهلكنا وهي معلقة " ليروا " ذهابا بالخبرية مذهب الاستفهامية، ~~وقيل: بل " يروا " علمية " وكم " استفهامية كما سيأتي بيانه و { ~~أنهم إليهم لا يرجعون } فيه أوجه: # أحدها: أنه بدل من " كم " قال ابن عطية و " كم " هنا خبرية و " أنهم " ~~بدل منها، والرؤية بصرية قال أبو حيان وهذا لا يصح لأنها إذا كانت خبرية ~~(كانت) في موضع نصب " بأهلكنا " ولا يسوغ فيها إلا ذلك وإذا كانت كذلك ~~امتنع أن يكون " أنهم " بدلا منها لأن البدل على نية تكرار العامل ولو ~~سلطت " أهلكنا(هم) " على " أنهم " لم يصح ألا ترى أنك لو قلت: أهلكنا ~~انتفى رجوعهم أو أهلكنا كونهم لا يرجعون لم يكن كلاما لكن ابن عطية ~~توهم أن (يروا) مفعولة " كم " فتوهم أن قوله: { أنهم إليهم ~~لا يرجعون } بدل منه لأنه لا يسوغ أن يسلط عليه فتقول: ألم يروا ~~أنهم إليهم لا يرجعون. وهذا وأمثاله دليل إلى ضعفه في (علم) العربية. ~~قال شهاب الدين: وهذا الإنحاء عليه تحامل عليه لأنه لقائل أن يقول: كم ~~قد جعلها خبرية والخبرية يجوز أن تكون معمولة لما قبلها عند قوم فيقولون: ~~" ملكت كم عبد " فلم يلزم الصدر فيجوز أن يكون بناء هذا التوجيه على ~~هذه اللغة وجعل " كم " منصوبة " بيروا " و " أنهم " بدل منها. # وليس هو ضعيفا في العربية حينئذ. # الثاني: أن " أنهم " بدل من الجملة قبله. الزجاج وهو بدل من الجملة ~~والمعنى ألم يروا أن القرون التي أهلكناهم أنهم لا يرجعون لأن عدم الرجوع ~~والهلاك بمعنى. قال أبو حيان وليس بشيء لأنه ليس بدلا صناعيا وإنما فسر ~~المعنى ولم يلحظ صناعة النحو قال شهاب ms7285 الدين: بل هو بدل صناعي لأن الجملة ~~في قوة المفسر إذ هي سادة مسد مفعولي " يروا " فإنها معلقة لها كما تقدم. # الثالث: قال الزمخشري: ألم يروا ألم يعلموا وهو معلق عن العمل ~~في " كم " لأن " كم " لا يعمل فيها عامل قبلها سواه كانت للاستفهام (أو ~~للخبر، لأن أصلها الاستفهام) إلا أن معناها نافد في الجملة كما نفذ في ~~قولك: (ألم يروا) إن زيدا لمنطلق و " أن " لم يعمل في لفظه و ~~" أنهم إليهم لا يرجعون " بدل من " كم أهلكنا " على ~~المعنى لا على اللفظ تقديره: ألم يروا كثرة إهلاكنا القرون من قبلهم ~~كونهم غير راجعين إليهم. # قال أبو حيان قوله " لأن كم لا يعمل فيها ما قبلها كانت للاستفهام أو ~~للخبر " ليس على إطلاقه لأن إذا كان حرف جر أو اسما مضافا جاز أن يعمل ~~فيها نحو: على كم جذع بيتك؟ وأين كم رئيس صحبت؟ كم ~~فقير تصدقت أرجو الثواب؟ وأين كم شهيد في سبيل الله أحسنت إليه. ~~وقوله أو الخبرية الخبرية فيها لغة الفصيحة كما ذكر لا يتقدمها عامل إلا ~~ما ذكرنا من الجار، واللغة الأخرى حكاها الأخفض يقولون: ملكت كم ~~غلام اي ملكت كثيرا من الغلمان فكما يجوز تقدم العامل على " كثيرا ~~". كذلك يجوز على " كم " لأنها بمعناها، وقوله: لأنها أصلها الاستفهام ~~والخبرية ليس أصلها الاستفهام بل كل واحدة أصل ولكنهما لفظان مشتركان بين ~~الاستفهام والخبر وقوله: لأن معناها نافذ في الجملة يعني معني " يروا ~~" نافذ في الجملة لأنه جعلها معلقة وشرح " يروا " بيعلموا، وقوله: كما ~~نفذ في قولك: " ألم يروا إن زيدا لمنطلق " يعني أنه لو كان ~~معمولا من حيث اللفظ لامتنع دخول اللام ولفتحت " أن " فإن " إن " التي ~~في خبرها اللام من الأدوات المعلقة لأفعال القلوب، وقوله: " أنهم ~~إليهم " إلى آخر كلامه لا يصح أن يكون بدلا على اللفظ ولا على ~~المعنى أما على اللفظ فإن زعم أن " يروا " معلقة فتكون كم استفهامية فهي ~~معمولة " لأهلكنا " و " أهلكنا " لا يتسلط على { أنهم إليهم ~~لا يرجعون } كما ms7286 تقدم. # وأما على المعنى فلا يصح أيضا لأنه قال تقديره: أي على (هذا) المعنى ~~ألم يروا كثرة إهلاكنا القرون من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم. ~~فكونهم غير كذا ليس كثرة الإهلاك فلا يكون بدل كل من كل وليس بعض الإهلاك ~~فلا يكون (بدل بعض من كل ولا يكون) بدل اشتمال لأن بدل الاشتمال يصح أن ~~يضاف إلى ما أبدل منه وكذلك بدل بعض من كل وهذا لا يصح هنا لا نقول: ~~ألم يروا انتفاء رجوع كثرة إهلاكنا القرون من قبلهم وفي بدل الاشتمال ~~نحو: أعجبتني الجارية ملاحتها وسرق زيد ثوبه يصح أعجبتني ملاحة ~~الجارية وسرق ثوب زيد. # الرابع: أن يكون أنهم بدلا من موضع " كم أهلكنا " والتقدير ألم يروا ~~أنهم إليهم قاله أبو البقاء ورده أبو حيان بأن " كم أهلكنا " لي بمعمول " ~~ليروا ". قال شهاب الدين: وقد تقدم أنها معمولة لها على معنى أنه معلقة ~~لها. # الخامس: وهو قول الفراء: أن يكون " يروا " عاملا في الجملتين من غير ~~إبدال ولم يبين كيفية العمل وقوله الجملتين يجوز لأن " أنهم " ليس بجملة ~~لتأويله بالمفرد إلا أنه مشتمل على مسند ومسند إليه. # السادس: (أن) " أنهم " معمول لفعل محذوف دل عليه السياق والمعنى ~~تقديره: قضينا وحكمنا أنهم إليهم لا يرجعون ويدل على صحة هذا ~~قول ابن عباس والحسن إنهم بكسر الهمزة على الاستئناف والاستئناف قطع ~~لهذه الجملة عما قبلها. فهما مقولان تكون معمولة لفعل محذوف يقتضي ~~انقطاعها عما قبلها والضمير في " أنهم " عائد على معنى كم، وفي " إليهم " ~~عائد على ما عاد عليه واو " يروا ". (وقيل: بل الأول عائد على ما عاد ~~عليه واو يروا) والثاني عائد على المهلكين. # فصل # المعنى ألم يخبروا أهل مكة كم أهلكنا قبلهم من القرون والقرن أهل ~~كل عصر سموا بذلك لاقترانهم في الوجود أنهم إليهم لا ~~يرجعون أي لا يعودون إلى الدنيا أفلا يعتبرون. وقيل: لا يرجعون أي ~~الباقون لا يرجعون إلى المهلكين بنسب ولا ولادة أي أهلكناهم وقطعنا ~~نسلهم ولا شك أن الإهلاك الذي يكون مع قطع ms7287 النسل أتم وأعم. والأول أشه ~~نقلا والثاني أظهر عقلا. # قوله: { وإن كل لما جميع } تقدم في هود تشديد " لما " ~~وتخفيفها والكلام في ذلك، وقال ابن الخطيب في مناسبة وقع " لما " المشددة ~~موقع " إلا ": إن لما كأنها حرفا نفي جمعا وهما: " لم " و " ما ~~" فتأكد النفي وإلا كأنها حرفا نفي: " إن ولا " فاستعمل أحدهما مكان ~~الآخر انتهى. وهذا يجوز أن يكون أخذه من قول الفراء في إلا في الاستثناء ~~إنها مركبة من " إن ولا " إلا أن الفراء جعل إن مخففة من الثقيلة ~~وجعلها نافية. # وهو قول ركيك رده عليه النحويون. وقال الفراء أيضا إن لما هذه ~~أصلها لمما فخففت بالحذف وتقديم هذا كله موضحا. # و " كل " مبتدأ و " جميع " خبره و " محضرون " خبر ثان لا يختلف ذلك ~~سواء شددت " لما " أم خففتها، لا يقال: إن جميعا تأكيد لا خبر (لأن) " ~~جميعها " هنا فعيل بعنى مفعول أي مجموعون فكل يدل على الإحاطة والشمول ~~وجميع يدل على الاجتماع فمعناها حمل على لفظها، كما في قوله: # جميع منتصر # [القمر: 44] وقدم " جميع " في الموضعين لأجل الفواصل و " لدينا " ~~متعلق " بمحضرون ". فمن شدد " فلما " بمعنى إلا وإن نافية كما تقدم ~~والتقدير: وما كل إلا جميع، ومن خفف " فإن " مخففة (من ~~الثقيلة) واللام فارقة وما مزيدة. هذا قولا البصريين والكوفيون يقولون: ~~إن " إن " نافية واللام بمعنى إلا كما تقدم مرارا. # فصل # لما بين الإهلاك بين أن من أهلكه ليس بتارك له بل بعده جمع وحبس ~~وحساب وعقاب ولو أن من أهلك ترك لكان الموت راحة ونعم ما قال القائل: # 4179- ولو أنا إذا ما متنا تركنا # لكان الموت راحة كل حي # ولكنا إذا متنا بعثنا # ونسأل بعدها عن كل شي # قال الزمخشري: إن قال قائل: " كل وجميع " بمعنى واحد فكيف جعل جميعا ~~خبرا ل " كل " حيث أدخل اللام عليه إذ التقدير وإن كل لجميع؟ نقول ~~معنى " جميع " مجموع ومعنى " كل " أي كل فرد مجمع مع الآخر مضموم إليه ~~ويمكن أن يقال: " محضرون " يعني كما ذكره وذلك لأنه لو ms7288 قال: وإن ~~جميع لجميع محضرون لكان كلاما صحيحا. قال ابن الخطيب: ولم يوجد ما ذكره ~~من الجواب بل الصحيح أن محضرون كالصفة للجمع فكأنه قال جميع ~~جميع محضرون كما نقول: الرجل رجل عالم والنبي نبي مرسل. والواو ~~في " وإن كل " يعطف على الحكاية كأنه يقول: بينت لك ما ذكرت ~~وأبين أن كلا لدينا محضرون. ### || [36.33-36] # قوله: " وآية " خبر مقدم و " لهم " صفتها أو متعلقة " بآية "؛ ~~لأنها (بمعنى) علامة. و " الأرض " مبتدأ. وتقدم تخفيف " الميتة " ~~وتشديدها في أول (آل) عمران. # ومنع أبو حيان أن يكون " لهم " صفة لآية ولم يبين وجهه ولا وجه له ~~وأعرب أبو البقاء " آية " مبتدأ و " لهم " الخبر و " الأرض الميتة " ~~مبتدأ وصفته و " أحييناها " خبره، والجملة مفسرة " لآية ". # وبهذا بدأ ثم قال: وقيل؛ فذكر الوجه الأول وكذلك حكى مكي أعني أن ~~تكون " آية " ابتداء و " لهم " الخبر وجوز مكي أيضا أن تكون " آية " ~~متبدأ و " الأرض " خبره وهذا ينبغي أن لا يجوز؛ لأنه لا يترك المعرفة ~~من الابتداء بها ويبتدأ بالنكرة إلا في مواضع للضرورة. # قوله: " أحييناها " تقدم أنه يجوز أن يكون خبر " الأرض " ويجوز أيضا ~~أن يكون حالا من " الأرض " إذا جعلناها مبتدا و " آية " خبر مقدم. ~~وجوز الزمخشري في " أحييناها " وفي " نسلخ " أن يكونا صفتين ~~للأرض والليل وإن كانا معرفين بأل لأنه تعريف بأل الجنسية فهما في قوة ~~النكرة قال كقوله: # 4180- ولقد أمر على اللئيم يسبني # ................ # لأنه لم يقصد لئيما بعينه، ورده أبو حيان بأن فيه هدما للقواعد من ~~أنه لا تنعت المعرفة بنكرة. قال: وقد تبعه ابن مالك ثم خرج أبو حيان ~~الحمل على الحال أي الأرض محياة والليل منسلخا منه النهار ~~واللئيم شاتما لي، قال شهاب الدين: وقد اعتبر النحاة ذلك في مواضع ~~فاعتبروا معنى المعرف بأل الجنسية دون لفظه فوصفوه بالنكرة ~~الصريحة، نحو: يا لرجل خير منك على أحد الأوجه. وقوله: # إلا الذين # [العصر: 3] بعد # إن الإنسان # [العصر: 2] وقوله: # أو الطفل الذين لم يظهروا # [النور:31] و " أهلك الناس الدينار الحمر والدرهم ms7289 ~~البيض ". كل هذا ما روعي فيه المعنى دون اللفظ، وإن اختلف نوع المراعاة، ~~ويجوز أن يكون " أحييناها " استئنافا بين به كونها آية. # فصل # وجه التعلق بما قبله من وجهين: # أحدهما: أنه لما قال: { وإن كل لما جميع } كان ذلك (إشارة) ~~إلى الحشر فذكر ما يدل على إمكانه قطعا لإنكارهم واستعبادهم وإصرارهم ~~وعنادهم فقال: { وآية لهم الأرض الميتة أحييناها } ~~كذلك يحيي الموتى. # وثانيهما: أنه لما ذكر حال المرسلين وإهلاك المكذبين وكان شغلهم ~~التوحيد ذكر ما يدل عليه وبدأ بالأرض لكونها مكانهم لا مفارقة لهم منها ~~عند الحركة والسكون. # فإن قيل: الأرض آية مطلقة فلم خصها بهم حيث قال: " وآية لهم "؟. # فالجواب: الآية تعدد وتردد لمن لم يعرف الشيء بأبلغ الوجوه أما من عرف ~~الشيء بطريق الرؤية لا يذكر له لدليل فالنبي - عليه (الصلاة و) السلام - ~~وعباد الله المخلصين عرفوا الله قبل الأرض والسماء فليست الأرض معرفة لهم ~~وهذا كما قال الله تعالى: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم # [فصلت: 53] وقال: # أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد # [فصلت: 53] يعني أنت كفاك الله معرفا به عرفت كل شيء فهو شهيد لك على ~~كل شيء وأما هؤلاء نبين لهم الحق بالآفاق والنفس وكذلك ها هنا الأرض آية ~~لهم، فإن قيل: إن قلنا الآية مذكروة للاستدلال على جواز إحياء ~~الموتى فيكفي قوله: " أحينناها " ولا حاجة إلى قوله: { ~~وأخرجنا منها حبا } وغير ذلك وإن قلنا: إنه للاستدلال على ~~وجود الإله ووحدانيته فلا فائدة في قوله: { الأرض الميتة } ~~فقوله: { الميتة أحييناها } كاف في التوحيد فما فائدة قوله: ~~{ وأخرجنا منها حبا }؟ فالجواب: هي مذكورة للاستدلال عليها ~~ولكل ما ذكره الله تعالى فائدة أما فائدة قوله: { وأخرجنا منها ~~حبا } فهو بالنسبة إلى بيان إحياء الموتى لأنه لما أحيا الأرض وأخرج ~~منها حبا كان ذلك إحياء تاما لأن الأرض المخضرة التي لا تنبت ~~الزرع ولا تخرج الحب دون ما تنبته الحياة، فكأنه تعالى قال: الذي ~~أحيا الأرض إحياء كاملا منبتا للزرع يحيي الموتى إحياء كاملا ms7290 بحيث ~~يدري الأمور وأما بالنسبة إلى التوحيد فلأن فيه تقرير النعمة، كأنه يقول: ~~آية لهم الأرض فإنها مكانهم ومهدهم الذي فيه تحريكهم وإسكانهم ~~والأمر الضروري الذي عنده وجودهم وإمكانهم وسواء كانت ميتة أو لم تكن فهي ~~مكان لهم لا بد لهم منها في نعمة ثم إحياؤها نعمة ثانية فإنها تصير أحسن ~~وأنزه ثم إخراج الحب منها نعمة ثالثة فإن قوتهم تصير في مكانهم وكان ~~يمكن أن يجعل رزقهم في السماء أو الهواء فلا يحصل لهم الوثوق ثم جعل ~~الحياة منها نعمة رابعة لأن الأرض تنبت الحب في كل سنة والأشجار بحيث ~~يوجد منها الثمار فيكون بعد الحب وجودا ثم فجر منها العيون ليحصل ~~لهم الاعتمال بالحصول ولو كان ماؤها من السماء لحصل ولكن لم يعلم أنها ~~أين تغرس وأين (يقع) المطر. # فصل # المعنى { أحييناها } بالمطر { وأخرجنا منها حبا } يعني ~~الحنطة والشعير وما أشبههما { فمنه يأكلون } أي من الحب { ~~وجعلنا فيها جنات } بساتين { من نخيل وأعناب ~~وفجرنا فيها } في الأرض { من العيون ليأكلوا من ~~ثمره } الحاصل بالماء. # قوله: " وفجرنا " العامة على التشديد تكثيرا لأنها مخففة متعدية، ~~وقرأ جناح بن حبيش بالتخفيف، والمفعول محذوف على كلتا القراءتين أي ~~ينبوعا كما في آية: " سبحان ". # قوله: { من ثمره } قيل: الضمير عائد على النخيل؛ لأنه أقرب مذكور ~~وكان من حق الضمير أن يثنى على هذا لتقدم شيئين وهما الأعناب ~~والنخيل إلا أنه اكتفى بذكر أحدهما، وقيل يعود على جنات وعاد بلفظ ~~المفرد ذهابا بالضمير مذهب اسم الإشارة كقول رؤبة: # 4181- فيها خطوط من سواد وبلق # كأنه في الجلد توليع البهق # فقيل له، فقال: أردت كأن ذاك وتلك، وقيل: عائد على الماء المدلول عليه ~~بعيون. وقيل: بل عاد عليه لأنه مقدر أي من العيون. ويجوز أن يعود على ~~العيون. ويعتذر عن إفراده بما تقدم في عوده على جنات، ويجوز أن يعود على ~~الأعناب والنخيل معا ويعتذر عنه بما تقدم أيضا. وقال الزمخشري وأصله من ~~" ثمرنا " لقوله: " وفجرنا " و " أيدينا " فنقل الكلام من ~~التكلم إلى الغيبة على طريق ms7291 الالتفات. والمعنى ليأكلوا مما خلقه الله من ~~الثمر. فعلى هذا يكون الضمير عائدا على الله تعالى ولذلك فسر معناه بما ~~ذكر، وتقدمت هذه القراءات في هذه اللفظ في سورة الأنعام. # قوله: " وما عملت أيديهم " في " ما " هذه أربعة أوجه: # أحدها: أنها موصولة أي ومن الذي عملته أيديهم من الغرس والمعالجة. ~~وفيه تجوز على هذا. # والثاني: أنها نافية أي لم يعلموه هم بل الفاعل له هو الله سبحانه ~~وتعالى، أي وجدها معمولة ولا صنع لهم فيها. وهو قول الضحاك ومقاتل. وقيل: ~~أراد العيون والأنهار التي لم تعلمها يد خلق مثل الدجلة والفرات ~~والنيل ونحوها. وقرأ الأخوان وأبو بكر بحذف الهاء. والباقون: وما عملته ~~بإثباتها. فإن كانت " ما " موصولة فعلى قراءة الأخوين وأبي بكر حذف ~~العائد كما حذف في قوله: # أهذا الذي بعث الله رسولا # [الفرقان: 41] بالإجماع وعلى قراءة غيرهم جيء به على الأصل، وإن كانت ~~نافية فعلى قراءة الأخوين وأبي بكر لا ضمير مقدر ولكن المفعول محذوف أي ~~ما عملت أيديهم شيئا من ذلك وعلى قراءة غيرهم الضمر يعود على " ~~ثمره " وهي مرسومة بالهاء في غير مصاحف الكوفة وبحذفها فيما عداها، ~~فالأخوان وأبو بكر وافقوا مصاحفهم والباقون غير حفص وافقو(ها) أيضا ~~وحفص خالف مصحفه وهذا يدل على أن القراءة متلقاة من أفواه الرجال فيكون ~~عاصم قد أقرأها لأبي (بكر) بالهاء ولحفص بدونها؟ # الثالث: أنها نكرة موصوفة والكلام فيها كالكلام في الموصولة. # والرابع: أنها مصدرية أي ومن عمل أيديهم والمصدر واقع موقع المفعول به ~~فيعود المعنى إلى معنى الموصولة أو الموصوفة. # فصل # إذا قلنا: " ما " موصولة يحتمل أن يكون المعنى وما عملته أيديهم ~~بالتجارة كأنه ذكر نوعي ما يأكل الإنسان وهما الزراعة والتجارة ~~(أ) و من النبات ما يؤكل من غير عمل الأيدي كالعنب والتمر وغيرهما ~~ومنه ما يعمل فيه عمل فيؤكل كالأشياء التي لا تؤكل إلا مطبوخة أو ~~كالزيتون الذي لا يؤكل إلا بعد إصلاح ثم لما عدد النعم أشار إلى الشكر ~~بقوله: { أفلا يشكرون } وذكر بصيغة الاستفهام لما تقدم في ms7292 فوائد ~~الاستفهام. # قوله: { سبحان الذي خلق الأزواج كلها } أي الأصناف و ~~" سبحان " علم دال على التسبيح تقديره: سبح تسبيح الذي خلق ~~الأزواج. ومعنى (سبح) نزه. (و) وجه تعلق الآية بما قبلها هو أنه ~~تعالى لما قال: { أفلا يشكرون } وشكر الله بالعبادة وهم تركوها ~~وعبدوا غيره فقال: سبحان الذي خلق الأزواج كلها وغيره لم يخلق شيئا. ~~أو يقال: لما بين أنهم أنكروا الآيات ولم يشكروا (بين) ما ينبغي علهي أن ~~يكون عليه العامل فقال { سبحان الذي خلق } تنزه عن أن ~~يكون له شريك أو يكون عاجزا عن إحياء الموتى. # قوله: { مما تنبت الأرض } من الثمار والحبوب والمعادن ~~ونحوها، " ومن أنفسهم " يعني الذكور والإناث والدلائل النفسية " ~~ومما لا يعلمون " يدخل فيه ما في أقطار السموات وتخوم الأرض. ### || [36.37-40] # قوله: { وآية لهم الليل } كقوله: { وآية لهم ~~الليل } و { نسلخ } و استعارة بديعة شبه انكشاف ظلمة الليل ~~بكشط الجلد عن الشاة لم استدل تعالى بأحوال الأرض وهو المكان ~~الكلي استدل بالليل والنهار وهو الزمان الكلي؛ فإن دلالة الزمان ~~والمكان متناسبة؛ لأن المكان لا يستغني عنه الجواهر والزمان لا يستغني ~~عنه الأعراض لأن كل عرض فهو في زمان. # فإن قيل: إذا كان المراد منه الاستدلال بالزمان فلم خص الدليل؟!. # فالجواب: أنه لما استدل بالمكان المظلم وهو الأرض استدل بالزمان ~~المظلم وهو الليل. ووجه آخر وهو أن الليل فيه سكون (الناس) وهدوء ~~الأصوات وفيه النوم وهو الموت الأصغر فيكون بعد طلوع الفجر كالنفخ ~~في الصور فيتحرك الناس فذكر الموت كما قال في الأرض: # وءاية لهم الأرض الميتة # [يس:33] وذكر من الزمان أشبههما بالموت كما ذكر في المكان أشبههما ~~بالموت. # فإن قيل: الليل بنفسه آية فأي حاجة إلى قوله: { نسلخ منه ~~النهار }؟. # فالجواب: أن الشيء تتبين بضده منافعه ومحاسنه ولهذا لم يجعل الله الليل ~~وحده آية في موضع من المواضع إلا وذكر آية النهار معها. # قوله: { فإذا هم مظلمون } أي داخلون في الظلام كقوله: " ~~مصبحين " و " إذا " للمفاجأة؛ أي ليس لهم بعد ذلك أمر لا بد لهم ms7293 ~~من الدخول فيه. # قوله: { والشمس تجري لمستقر لها } يحتمل أن تكون ~~الواو للعطف على " الليل " تقديره: " وآية لهم الليل نسلخ ~~والشمس تجري والقمر قدرناه " فيه كلها آية وقوله: " والشمس تجري " ~~إشارة إلى سبب سلخ النهار فإنها تجري لمستقر لها بأمر الله فمغرب الشمس ~~سالخ النهار فذكر السبب بين صحة الدعوة ويحتمل أن يقال بأن قوله: { ~~والشمس تجري لمستقر لها } إشارة إلى نعمة النهار بعد الليل كأنه تعالى ~~لما قال: { وآية لهم الليل نسلخ منه النهار } ذك أن الشمس تجري فتطلع عن ~~انقضاء الليل فيعود النهار لمنافعه. # قال المفسرون: إن الأصل هي الظلمة والنهار داخل عليها فإذا غربت الشمس ~~سلخ النهار من الليل فتظهر الظلمة. # قوله: " لمستقر " قيل: في الكلام حذف مضاف تقديره تجري لمجرى ~~مستقر لها وعلى هذا فاللام للعلة أي لأجل جري مستقر لها. والصحيح ~~أنه لا حذف وأن اللام بمعنى " إلى ". ويدل على ذلك قراءة بعضهم " إلى ~~مستقر ". وقرأ عبد الله وابن عباس وعكرمة وزين العابدين وابنه ~~الباقر والصادق ابن الباقر: لا مستقر بلا النافية للجنس وبناء " ~~مستقر " على الفتح و " لها " الخبر. وابن عبلة لا مستقر بلا ~~العاملة عمل ليس " فمستقر " اسمها و " لها " في محل نصب خبرها، كقوله: # 4182- تعز فلا شيء على الأرض باقيا # ولا وزر مما قضى الله واقيا # والمراد (بذلك) أنها لا تستقر في الدنيا بل هي دائمة الجريان وذلك ~~إشارة إلى جريها المذكور. # فصل # قيل: المراد بالمستقر يوم القيامة فعندها تستقر ولا يقى لها حركة. وقيل: ~~تسير حتى تنتهي إلى أبعد مغاربها فلا تتجاوزه ثم ترجع. وقيل: ~~الليل. وقيل: نهاية ارتفاعها في الصيف ونهاية هبوطها في الشتاء. # " وروى أبو ذر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- لأبي ذر حين ~~غربت الشمس: " تدري أين تذهب "؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: فإنها تذهب ~~حت تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل (منها) ~~وتستأذن فلا يؤذن لها يقال لها: ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها ~~فذلك قوله: " والشمس تجري لمستقر ms7294 لها ذلك تقدير العزيز العليم " # وروى عمرو بن دينار عن ابن عباس والشمس (تجري) لا مستقر لها أي لا ~~قرار لها ولا وقوف وهي جارية أبدا. # قوله: " ذلك " إشارة إلى جري الشمس أي ذلك الجري تقدير الله، ~~ويحتمل أن يكون إشارة إلى المستقر أي ذلك المستقر تقدير الله العزيز ~~الغالب والعليم الكامل العلم أي قادر على إجرائها على الوجه الأنفع وذلك ~~من وجوه: # الأول: أن الشمس لو مرت كل يوم على مسامتة واحدة لاحترقت (الأرض) ~~التي تسامتها بمرورها عليها كل يوم وبقي الجمود مستوليا على الأماكن ~~الأخر فقدر الله لها بعدا لتجمع الرطوبات في باطن الأرض والإسخان في ~~زمان الشتاء ثم قدر قربها بتدريج ليخرج النبات والثمار من الأرض والشجر ~~وينضج ويجف. # الثاني: قدر لها في كل يوم طلوعا وفي كل ليلة غروبا، لئلا تكل ~~القوى والأبصار بالسهر والتعب ولئلا يخرب العالم بترك العمارة بسبب ~~الظلمة الدائمة. # الثالث: جعل سيرها أبطأ من سير القمر وأسرع من سير زحل لأنها كاملة ~~النور فلو كانت بطيئة السير لدامت زمانا كثيرا في مسامتة شيء ~~واحد فتحرقه ولو كانت سريعة السير لما حصل لها لبث بقدر ما ينضج من ~~الثمار في بقعة واحدة. # قوله: { والقمر قدرناه } قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو برفع ~~" القمر ". والباقون بنصبه. فالرفع على الابتداء والنصب بإضمار فعل على ~~الاشتغال. والوجهان مستويان لتقدم جملة ذات وجهين وهي قوله: " ~~والشمس تجري ". فإن راعيت صدرها رفعت لتعطف جملة اسمية على مثلها وإن ~~راعيت عجزها نصبت لتعطف جملة اسمية على مثلها وإن راعيت عجزها ~~نصبت لتعطف فعلية على مثلها. وبهذه الآية يبطل (قول) الأخفش: إنه لا يجوز ~~النصب في الاسم إلا إذا كان في جملة الاشتغال ضمير يعود على الاسم الذي ~~تضمنته جملة ذات وجهين: قال: لأن المعطوف على الخبر خبر فلا بد من ضمير ~~يعود على المبتدأ فيجوز: " أزيد قام وعمرا أكرمته في داره ~~" ولو لم يقل " في داره " لم يجز ووجه الرد من هذه الآية أن أربعة من ~~السبعة نصبوا وليس ms7295 في جملة الاشتغال ضمير يعود على الشمس وقد أجمع على ~~النصب في قوله تعالى: # والسمآء رفعها # [الرحمن:7] بعد قوله: # والنجم والشجر يسجدان # [الرحمن:6]. # قوله: " منازل " فيه أوجه: # أحدها: أنه مفعول ثان لأن " قدرنا " بمعنى صيرنا. # الثاني: أنه حال ولا بد من حذف مضاف قبل منازل تقديره: ذا منازل ~~قال الزمخشري: لا بد من تقدير لفظ يتم به معنى الكلام، لأن القمر لم ~~يجعل نفسه منازل. # الثالث: أنه ظرف أي قدرنا مسيره في منازل. وتقدم نحوه أول ~~يونس. # قوله: { حتى عاد كالعرجون } العامة على ضم العين والجيم. وفي ~~وزنه وجهان: # أحدهما: أنه فعلول. فنونه أصلية وهذا هو المرجح. # والثاني: وهو قول الزجاج: أن نونه مزيدة ووزنه فعلون مشتقا من ~~الانعراج، وهو الانعطاف وقرأ سليمان التيمي بكسر العين ~~وفتح الجيم وهما لغتان كالبزيون والبزيون. والعرجون عود العذق ما ~~بين الشماريخ إلى منبته من النخلة وهو تشبيه بديع شبه به القمر في ~~ثلاثة أشياء دقته واستقواسه واصفراره لأن العذق الذي عليه ~~الشماريخ إذا قدم وعتق دق وتقوس واصفر. والقديم ما ~~تقادم عهده بحكم العادة ولا يشترط في جواز إطلاق لفظ القديم عليه ~~مدة بعينها بل إنما يعتبر العادة حتى لا يقال لمدينة بنيت من سنة أو ~~سنتين لبنائها قديم أو هي مدينة قديمة ويقال لبعض الأشياء: إنه قديم ~~وإن لم يكن له سنة (واحدة) ولهذا جاز أن يقال: بيت قديم وبناء قديم ~~ولم يجز (أن يقال) في العالم: إنه قديم؛ لأن القدم في البيت والبناء ~~يثبت بحكم تقادم العهد ومرور السنين عليه وإطلاق القديم على العالم ~~بتمادي الأزمنة عند من (لا) يعتقد أنه لا أول له ولا سابق عليه. # قوله: { لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر } أي لا ~~يدخل على الليل قبل انقضائه ولا يدخل الليل على النهار قبل انقضائه وهو ~~معنى قوله: { ولا الليل سابق النهار } أي يتعاقبان بحساب ~~معلوم لا يجيء أحدهما قبل وقته. وقيل: لا يدخل أحدهما في سلطان الآخر لا ~~تطلع الشمس بالليل ولا (يطلع) القمر بالنهار وله ms7296 ضوء فإذا اجتمعا وأدرك ~~كل (واحد) منهما صاحبه قامت القيامة. وقيل: { لا الشمس ينبغي ~~لهآ أن تدرك القمر } لا تجتمع معه في فلك واحد { ولا ~~الليل سابق النهار } أي لا يتصل ليل بليل لا يكون بينهما ~~نهار فاصل. # فإن قيل: ما الفائدة في قوله تعالى: { لا الشمس ينبغي لهآ أن ~~تدرك القمر } بصيغة الفعل وقوله: { ولا الليل سابق } ~~بصيغة اسم الفاعل ولم يقل ولا الليل " سبق " ولا قال: لا الشمس ~~مدركة للقمر؟. # فالجواب: أن حركة الشمس التي لا تدرك بها القمر مختصة بالشمس فجعلها ~~كالصادرة منها فذكر بصيغة الفعل لأن صيغة الفعل لا تطلق على من لا يصدر ~~منه الفعل فلا يقال: يخيط ولا يكون تصدر منه الخياطة وأما حركة ~~القمر فليست مختصة بكوكب من الكواكب بل الكل فيها مشترك بسبب حركة ~~فلك لا يختص بكوكب فالحركة ليست كالصادرة منه فأطلق على اسم الفاعل ~~لأنه لا يستلزم صدور الفعل يقال: فلان خياط وإن لك يكن يخيط. ~~فإن قيل: قوله: # يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا # [الأعراف:54] يدل على أن الليل سابق. # فالجواب: أن المراد من الليل ها هنا سلطان الليل وهو القمر ولا يسبق ~~الشمس بالحركة اليومية السريعة والمراد من الليل هناك نفس الليل وكل ~~واحد لما كان في عقب الآخر فكأنه طالبه. # فإن قيل: قد ذكر ههنا سابق (النهار) وقال هناك يطلبه ولم يقل طالبه. # فالجواب: لما بينا (من) أن المراد في هذه السورة من الليل كواكب الليل ~~وحركتها بحركة الفلك فكأنها لا حركة لها فلا سبق ولا من شأنها ~~أنها سابقة والمراد هناك نفس الليل والنهار وهما زمانان لا قرار ~~لهما فهو يطلب حثيا لصدور المنقضي منه. # فإن قيل: ما الحكمة في إطلاق الليل وإرادة سلطانه وهو القمر وماذا يكون ~~لو قال: ولا القمر سابق الشمس. # فالجواب: لو قال ولا القمر سابق الشمس ما كان يفهم أن الإشارة إلى ~~الحركة اليومية فكان يتوهم المناقض بأن الشمس إذا كانت لا تدرك القمر ~~فالقمر أسرع ظاهرا وإذا قال: ولا القمر سابق ms7297 يظن أن القمر لا يسبق فليس ~~بأسرع فقال الليل والنهار ليعمل أن الإشارة إلى الحركة التي بها تتم ~~الدورة في يوم وليلة مرة وأن جميع الكواكب لها طلوع وغروب في الليل ~~والنهار. # قوله: { ولا الليل سابق النهار } قرأ عمارة بنصب " ~~النهار " حذف التنوين لالتقاء الساكنين. # قال المبرد: سمعته يقرؤها فقلت: ما هذا؟ فقال: أردت سابق - يعني ~~بالتنوين - فخففت. # قوله: { وكل في فلك يسبحون } أي يجرون. وهذا يحقق أن ~~لكل طلوع في يوم وليلة ولا يسبق بعضها بالنسبة إلى هذه الحركة ~~والتنوين في قوله: " كل " عوض عن الإضافة. والمعنى كل واحد. وإسقاط ~~التنوين للإضافة حتى لا يجتمع التعريف والتنكير في شيء واحد فلما أسقط ~~المضاف إليه لفظا رد التنوين عليه لفظا وفي المعنى معرف بالإضافة. # فإن قيل: فهل يختلف الأمر عند الإضافة لفظا وتركها؟. # فالجواب: نعم، لأن قول القائل: كل واحد من الناس كذا لا يذهب الفهم إلى ~~غيرهم فيفيد اقتصار الفهم عليه، فإذا قال: كل كذا يدخل في الفهم عموم ~~أكثر من العموم عند الإضافة وهذا كما في: " قبل وبعد " إذا قلت: ~~أفعل قبل كذا فإذا حذفت المضاف وقلت أفعل قبل أفاد فهم الفعل قبل ~~كل شيء. # فإن قيل: فهل بين قولنا: " كل منهم " وبين: " كلهم " وبين " ~~كل " فرق؟. # فالجواب: نعم فقولك: كلهم يثبت الأمر للاقتصار عليهم، وقولك: كل منهم ~~يثبت الأمر أولا للعموم ثم استدركه بالتخصيص فقال: منهم وقولك: كل ~~يثبت الأمر على العموم وتركت عليه. فإن قيل: إذا كان " كل " معناه كل ~~واحد منهم والمذكور الشمس والقمر فكيف قال: يسبحون؟. # فالجواب: أن قوله " كل " للعموم فكأنه أخبر عن كل كوكب في السماء ~~سيارا. وأيضا فلفظ " كل " يجوز أن يوحد نظرا إلى كون لفظه ~~موحدا غير مثنى ولا مجموع ويجوز أن يجمع لكونه معناه جمعا، وأما ~~التثنية فلا يدل عليه اللفظ ولا المعنى وعلى هذا يحسن أن يقال: " زيد ~~وعمرو كل جاء " ولا يقال: (كل) جاءا بالتثنية. وجواب آخرا قوله: ~~{ ولا الليل سابق } فالمراد من الليل الكواكب فقال: " ~~يسبحون ms7298 ". # فصل # الفلك هو الجسم المستدير أو السطح المستدير أو الدائرة لأن أهل ~~اللغة اتفقوا على أن فلكة المغزل سميت فكلة لاستدارتها وفلك الخيمة ~~هي الخشبة المسطحة المستديرة التي توضع على رأس العمود، لئلا يمزق ~~العمود الخيمة وهي صفحة مستديرة. فإن قيل: فعلى هذا تكون السماء مستديرة ~~وقد اتفق أكثر المفسرين (على) أن السماء مبسوطة لها أطراف على جبال ~~وهي كالسقف المستوي ويدل عليه قوله تعالى: # والسقف المرفوع # [الطور: 5]. قال ابن الخطيب: ليس في النصوص ما يدل دلالة قاطعة على كون ~~السماء مبسوطة غير مستديرة بل دل الدليل الحسي على كونها مستديرة ~~فوجب المصير إليه والسقف والمقبب لا يخرج عن كونه سقفا وكذلك كونه ~~على جبال. وأما الدليل الحسي فوجوه: # الأول: أن من أمعن في النظر في جانب الجنوب تظهر له كواكب مثل ~~سهيل وغيره ظهورا أبديا ولو كان السماء سطحا مستويا لبان الكل ~~للكل بخلاف ما إذا كان مستديرا فإن بضعه حينئذ يستتر بأطراف الأرض فلا ~~يرى. # الثاني: أن الشمس إذا كانت مقارنة للحمل مثلا فإذا غربت ظهر لك ~~كواكب في منطقة البروج من الحمل إلى الميزان ثم في كل قليل يستتر ~~الكوكب الذي يكون طلوعه بعد طلوع الشمس وبالعكس وهذا دليل ظاهر وإن بحث ~~فيه يصير (قطعيا). # الثالث: أن الشمس قبل طلوعها وبعد غروبها يظهر ضوؤها ويستنير نورها ~~وإلا لما كان كذا بل كان (عند) إعادتها إلى السماء يظهر لك أحد جرمها ~~ونورها معا لكون السماء مستوية (حنيئذ مكشوفة كلها لكل أحد. # الرابع: لو كانت السماء مستوية) لكان القمر عندما يكون فوق رؤوسنا ~~على المسامتة أقرب ما يكون إلينا وعندما يكون على الأفق أبعد منا ~~لأن العمود أصغر من القطر والوتر وكذلك في الشمس والكواكب وكان يجب ~~أن يرى أكبر لأن القريب يرى أكبر وليس كذلك. # الخامس: لو كانت السماء مستوية لكان ارتفاعها أول النهار ووسطه ~~وآخره مستويا وليس كذلك. والوجوه كثيرة وفي هذا كفاية. # فصل # قال المنجمون قوله تعالى: " يسبحون " يدل على أنها أحياء لأن ~~ذلك لا يطلق ms7299 إلا على العاقل قال ابن الخطيب إن أرادوا القدر الذي يكون ~~منها التسبيح فنقول به لأن كل شيء يسبح بحمده وإن أرادوا شيئا آخر فلم ~~يثبت ذلك والاستعمال لا يدل كما في قوله تعالى في حق الأصنام: # ما لكم لا تنطقون # [الصفات:92] وقوله: # ألا تأكلون # [الصافات:91]. ### || [36.41-44] # قوله تعالى: { وآية لهم أنا حملنا ذريتهم } لما ~~من بإحياء الأرض وهي مكان الحيوانات بين أنه لم يقتصر عليه بل بين ~~للإنسان طريقا يتخذ من البحر ويسير فيها كما يسير في البر وهو كقوله ~~تعالى: # وحملناهم في البر والبحر # [الإسراء:70] ويؤيد هذا قوله تعالى: { وخلقنا لهم من ~~مثله ما يركبون } إذا فسرناه بأن المراد منه الإبل فإنها سفن ~~البر. ووجه آخر وهو أن الله تعالى لما بين سباحة الكواكب في ~~الأفلاك ذكر ما هو مثله وهو سباحة الفلك في البحار ووجه آخر وهو أن ~~الأمور التي أنعم الله (تعالى) بها على عباده منها ضرورة ومنها نافعة ~~فالأول للحاجة والثاني للزينة فخلق الله الأرض وإحياؤها من القبيل الأول ~~فإنها المكان الذي لولاه لما وجد الإنسان ولولا إحياؤها لما عاش الإنسان، ~~والليل والنهار في قوله: # وآية لهم الليل # [يس:37] أيضا من القبيل الأول لأنه الزمان الذي لولاه لما حدث الإنسان ~~والشمس والقمر وحركتهما لو لم تكن لما عاش الإنسان، ثم إنه تعالى لما ~~ذكر من القبيل الأول وآيتين ذكر من القبيل الثاني وهو الزينة آيتين: # إحداهما: الفلك التي تجري في البحر فتستخرج من البحر ما يتزين ~~به كما قال تعالى: # ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية ~~تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر # [فاطر:12]. # وثانيهما: الدواب التي هي في البر كالفلك في البحر في قوله: { ~~وخلقنا لهم من مثله ما يركبون } فإن الدواب زينة ~~كما قال تعالى: # والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة # [النحل:8]. # قوله: " أنا حملنا " مبتدأ " وآية " خبر مقدم، وجوز أبو البقاء ~~أن يكون: " أنا حملنا " خبر مبتدأ محذوف بناء منه على أن " آية ~~لهم " مبتدأ وخبر كلام مستقل بنفسه كما تقدم في نظيره والظاهر ms7300 أن ~~الضميرين في " لهم " و " ذريتهم " لشيء واحد. ويراد بالذرية ~~آباؤهم المحمولين في سفينة نوح - عليه (الصلاة و) السلام - أو يكون ~~الضميران مختلفين أي ذرية القرون الماضية. ووجه الامتنان عليهم أنهم في ~~ذلك مثل الذرية من حيث إنهم ينتفعون بها كانتفاع أولئك. وقوله " ما ~~يركبون " هذا يحتمل أن يكون من جنس الفلك إن أريد بالفلك سفينة ~~نوح - عليه (الصلاة و) السلام - خاصة وأن يكون من جنس آخر كالإبل ونحوه ~~ولهذا سمتها العرب سفن البر فقوله: " من مثله " أي من مثل ~~الفلك أو من مثل ما ذكر من خلق الأزواج، (في قوله " وآخر من ~~شكله أزواج " ). والضمير في " لهم " يحتمل أن يكون عائدا إلى ~~الذرية أي حملنا ذريتهم وخلقنا للمحمولين ما يركبون، ويحتمل أن يعود ~~إلى العباد الذين عاد إليهم قوله: " وآية لهم ". # وهو الظاهر لعود الضمائر إلى شيء واحد. و " من " يحتمل أن تكون صلة أي ~~خلقنا لهم مثله، وأن تكون للبيان؛ لأن المخلوق كان أشياء. وقال ~~من مثل الفلك للبيان. وتقدم اشتقاق الذرية في البقرة، واختلاف ~~القراء فيها في الأعراف. # فصل # قال المفسرون: المراد بالذرية الآباء والأجداد واسم الذرية يقع ~~على الآباء كما يقع على الأولاد أي حملنا آباءكم في الفلك، ~~والألف للتعريف أي فلك نوح وهو مذكور في قوله: # واصنع الفلك # [هود:37] وهو معلوم عند العرب. وقال الأكثرون: الذرية لا تطلق إلا على ~~الولد. وعلى هذا فالمراد إما أن يكون الفلك المعين الذي كان لنوح وإما أن ~~يكون المراد الجنس كقوله تعالى: # وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون # [الزخرف:12] وقوله: # وترى الفلك فيه مواخر # [فاطر:12] وقوله: # فإذا ركبوا في الفلك # [العنكبوت:65] إلى غير ذلك من استعمال لام التعريف في الفلك لبيان الجنس ~~فإن كان المراد سفينة وح ففيه وجوه: # الأول: أن المراد: حملنا أولادهم إلى يوم القيامة في ذلك الفلك ولولا ~~ذلك لما بقي للأب نسل ولا عقب وعلى هذا فقوله: " حملنا ~~ذريتهم " إشارة إلى كمال النعمة أي لم تكن النعمة مقتصرة عليكم بل ~~متعدية إلى أعقابكم ms7301 إلى يوم القيامة وهذا قول الزمخشري، ويحتمل أن يقال: ~~إنه تعالى إنما خص الذريات بالذكر لأن الموجودين كانوا كفارا لا فائدة ~~في وجودهم فقال: " حملنا ذريتهم " أي لم يكن الحمل حملا ~~لهم وإنما كان حملا لما في أصلابهم من المؤمنين كمن حمل صندوقا لا ~~قيمة له وفيه جواهر (ف) قيل: إنه لم يحمل الصندوق إنما حمل ما فيه. # الثاني: أن المراد بالذرية الجنس أي حملنا أجناسهم لأن ذلك ~~الحيوان من جسنه ونوعه، والذرية تطلق على الجنس ولذلك تطلق على النساء ~~كنهي النبي - عليه (الصلاة و) السلام - عن قتل الذراري أي النساء ~~لأن المرأة وإن كانت صنفا غير صنف الرجل لكنها من جنسه ونوعه يقال: ~~ذرارينا أي أمثالنا. # الثالث: أن الضمير في قوله: " وآية لهم " عائد على العباد، حيث ~~قال: # يحسرة على العباد # [يس:30] وقال بعد ذلك: { وآية لهم أنا حملنا ~~ذريتهم }. (وإذا علم هذا فكأنه تعالى قال: " وآية للعباد أنا ~~حملنا ذريتهم " ). وإذا علم هذا فكأنه تعالى قال: " وآية للعباد أنا ~~حملنا ذريات العباد ". ولا يلزم أن يكون المراد بالضمير في الموضعين ~~أشخاصا معينين كقوله: # ولا تقتلوا أنفسكم # [النساء:29] # ويذيق بعضكم بأس بعض # [الأنعام:65] وكذلك إذا تقاتل قوم ومات الكل في القتال يقال: هؤلاء ~~القوم هم قتلوا أنفسهم. " فهم " في الموضعين يكون عائدا إلى القوم ولا ~~يكون المراد أشخاصا معينين بل المراد أن بعضهم قتل بعضهم فكذلك ~~قوله تعالى: " آية لهم " أي آية لكل بعض منهم أنا حلمنا ذرية كل ~~(بعض) منهم، أو ذرية بعض منهم. # وإن قلنا: المراد جنس الفلك وهو الأظهر لأن سفينة نوح لم تكن بحضرتهم ~~ولم يعلموا من حمل فيها فأما جنس الفلك فآية ظاهرة لكل أحد وقوله ~~تعالى في سفينة نوح: # وجعلناهآ آية للعالمين # [العنكبوت: 15] أي بوجود جنسها ومثلها. ويؤيده قوله تعالى: # ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمت الله ~~ليريكم من آياته إن في ذلك لآيات لكل ~~صبار شكور # [لقمان: 31]. وإن قيل: المراد سفينة نوح فوجه المناسبة أنه ذكرهم بحال ~~نوح وأن المكذبين ms7302 هلكوا والمؤمنين فازوا فكذلك هم إن آمنوا يفوزوا وإن ~~كذبوا يهلكوا. والأول أظهر وهو أن المراد بالفلك الموجود في زمانهم ~~ويؤيده قوله تعالى: { وإن نشأ نغرقهم }. # فإن قيل: لم قال " حملنا ذريتهم " ولم يقل: " حملناهم " ليكون ~~أعم كما قال: # وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا ~~منها حبا فمنه يأكلون # [يس:33] ولم يقل: تأكل ذريتهم؟. # فالجواب: قوله تعالى: " حملنا ذريتهم " أي ذريات العباد ولم يقل حملناهم ~~لأن سكون الأرض عام (ل) كل أحد يسكنها فقال: { وآية لهم الأرض ~~الميتة } إلى أن قال: " فمنه يأكلون "؛ لأن الأكل عام وأما ~~الحمل في السفنية فمن الناس من لا يركبها في عمره ولا يحمل فيها ولكن ~~ذرية العباد لا بد لهم من ذلك فإن فيهم من يحتاج إليها فيحمل فيها. # فإن قيل: ما الحكمة في كونه جمع الفلك في قوله: # وترى الفلك فيه مواخر # [فاطر:12] وأفرده في قوله: { في الفلك المشحون }. # فالجواب: أن فيه تدقيقا مليحا في علم اللغة وهو أن الفلك تكون حركتها ~~مثل حركة تلك الكلمة في الصورة، والحركتان مختلفنان في المعنى مثاله ~~قولك: سجد يسجد سجودا للمصدر وهم قوم سجود في جمع " ساجد ~~" يظن أنها كلمة واحدة لمعنيين وليس كذلك بل السجود عند كونه مصدرا ~~حركته أصلية إذا قلنا: إن الفعل مشتق من المصدر وحركة السجود عند كونه ~~للجمع حركة معتبرة من حيث إن الجمع مشتق من الواحد وينبغي أن يلحق ~~المشتق تغيير في حرف أو حركة أو في مجموعهما، فساجد لما أردنا أن ~~يشتق منه لفظ جمع غيرناه وجئنا بلفظ السجود فإذن السجود للمصدر ~~والجمع ليس من قبيل الألفاظ المشتركة التي وضعت بحركة واحدة لمعنيين. ~~وإذا عرف هذا فنقول " الفلك " عند كونه واحدا مثل: " قفل وبرد " ~~وعند كونها جمعا مثل خشب أو برد أو غيرهما. # فإن قيل: فإذا جعلته جمعا ما يكون واحدها؟. # فالجواب: نقول جاز أن يكون واحدها فلكة أو غيرها مما لم يستعمل كواحد ~~النساء لم يستعمل وكذا القول في: " إمام مبين " إمام كزمام وكتاب ~~عند قوله تعالى: # كل ms7303 أناس بإمامهم # [الإسراء:71] أي بأئمتهم إمام كسهام وحفان، وهذا من دقيق ~~التصريف. وأما من جهة المعنى ففيه سؤالات: # السؤال الأول: قال ههنا: " حملنا ذريتهم " من عليهم بحمل ~~ذرياتهم وقال تعالى: # إنا لما طغا المآء حملناكم في الجارية # [الحاقة:11] من عليهم هناك بحمل أنفسهم. # فالجواب: أن من ينفع المتعلق بالغير يكون قد نفع ذلك الغير ومن يدفع ~~الضر عن المتعلق بالغير لا يكون قد دفع الضر عن ذلك الغير بل يكون قد ~~نفعه كمن أحسن إلى ولد إنسان وفرحه فرح بفرحه أبوه وإذا دفع ~~الألم عن ولد إنسان يكون قد فرح أباه ولا يكون في الحقيقة أزال الألم ~~عن أبيه فعند طغيان الماء كان الضرر يلحقهم فقال: دفعت عنكم الضرر ولو ~~قال: دفعت عن أولادكم الضرر لما حصل بيان دفع الضرر وههنا أراد بيان ~~المنافع فقال: " حملنا ذرياتهم " لأن النفع حاصل بنفع الذرية، ويدل على ~~هذا قوله: " في الفلك المشحون " فإن امتلأ الفلك من الأموال يحصل ~~(بذكره) بيان المنفعة وإذا دفع المضرة فلا لأن الفلك كلما كان أثقل كان ~~الخلاص بها أبطأ وهنالك السلامة فاختار هناك ما يدل على الخلاص من الضرر ~~وهو الجري وههنا ما يدل على كمال المنفعة وهو الشحن. # فإن قيل: قال تعالى: # وحملناهم في البر والبحر # [الإسراء:70] ولم يقل: وحملنا ذريتكم مع أن المقصود في الموضعين بيان ~~النعمة لا دفع النقمة نقول: لما قال في البر والبحر عم الخلق لأن ~~ما من أحد إلا وحمل في البر والبحر وأما الحمل في البحر فلم يعم فقال ~~إن كنا ما حملناكم بأنفسكم فقد حملنا من يهمكم أمره من الأولاد والأقارب ~~والإخوان والأصدقاء. # فصل # وفي قوله: " المشحون " فائدة أخرى وهي أن الآدمي يرسب في الماء ~~ويغرق فحمله في الفلك واقع بقدرته لكن من الطبيعين من يقول: ~~الخفيف لا يرسب في الماء لأنه يطلب جهة فوق فقال: " الفلك المشحون ~~" وهو أثقل من الثقال التي لا ترسب ومع هذا حمل الله الإنسان فيه مع ~~ثقله. # فإن قيل: ما الحكمة في قوله: " وآية ms7304 لهم الأرض (و) وآية ~~لهم الليل "؟ ولم يقل: وآية لهم الفلك جعلناها بحيث تحملهم؟. # فالجواب: أن حملهم في الفلك هو العجيب. أما نفس الفلك فليس بعجيب لأنه ~~كبيت مبني من خشب وأما نفس الأرض فعجيب ونفس الليل عجيب لا قدرة ~~لأحد عليهما إلا الله. # قوله: { وإن نشأ نغرقهم } قرأ الحسن بتشديد الراء وهذه ~~الآية تدل على أن المراد بقوله: " من مثله " الفلك الموجود في ~~زمانهم وليس المراد الإبل كما قاله بعض المفسرين بأن المراد الإبل لأنها ~~سفن البر لأن ذلك يؤدي إلى أن يكون قوله: { وخلقنا لهم من ~~مثله ما يركبون } فاصلا بين متصلين. # ويحتمل أن يقال: الضمير في مثله يعود إلى معلوم غير مذكور. وتقريره أن ~~يقال: وخلقنا لهم من مثل ما ذكر من المخلوقات كما في قوله تعالى: # ليأكلوا من ثمره # [يس:35] أن الهاء عائدة إلى ما ذكرنا أي من ثمرنا. # فصل # في قوله: { وإن نشأ نغرقهم } فائدتان: # إحداهما: أن في حال النعمة ينبغي أن لا يؤمن عذاب الله. # والثانية: أن ذلك جواب عن سؤال مقدر وهو أن الطبيعي يقول: السفينة ~~تحمل بمقتضى الطبيعة والمجوف لا يرسب، فقال: ليس كذلك بل ~~لو شاء الله إغراقهم لأغرقهم وليس كذلك بمقتضى الطبيعة ولو صح كلامه ~~الفاسد لكان لقائل أن يقول: ألست توافق أن من السفن ما ينقلب وينكسر ~~ومنها ما يثقبه ثاقب فيرسب وكل ذلك بمشيئة الله فإن شاء أغرقهم من غير ~~شيء من هذه الأسباب كما هو مذهب أهل السنة أو شيء من تلك الأسباب التي ~~سلمتها أنت. # قوله: { فلا صريخ لهم } فعيل بمعنى فاعل لا مغيث لهم. وقيل: ~~فلا مستغيث. وقال الزمخشري: فلا إغاثة جعله مصدرا من " أصرخ " ~~قال أبو حيان " ويحتاج إلى نقل أن " صريحا " يكون مصدرا بمعنى إصراخ ~~". والعامة على فتح " صريخ ". وحكى أبو البقاء أنه قرىء بالرفع ~~والتنوين. قال: ووجهه على ما في قوله: # فلا خوف عليهم # [البقرة:38]. # فصل # معناه: لا مغيث لهم يمنع عنهم الغرق { ولا هم ينقذون } إذا ~~أدركهم الغرق لأن الخلاص من ms7305 العذاب إما أن يكون برفع العذاب من أصله أو ~~برفعه بعد وقوعه فقال: { لا صريخ لهم } يدفع ولا هم ينقذون ~~بعد الوقوع فيه وهو كقوله تعالى: # لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون # [يس:23] وفيه فائدة أخرى غير الحصر وهي أنه تعالى قال: لا صريخ لهم ~~ولم يقل: ولا منقذ لهم؛ لأ(ن) من لا يكون من شأنه أن ينصر لا يشرع ~~في النصر مخافة أن يغلب ويذهب ماء وجهه وإنما ينصر ويغيث ~~من كان من شأنه أن يغيث فقال: " لا صريخ لهم " وأما من لا يكون ~~من شأنه أن ينقذ إذا رأى من يعين عليه في نصره يشرع في الإنقاذ وإن لم ~~يثق من نفسه في الإنقاذ ولا يغلب على ظنه وإنما يبذل المجهود فقال: " ~~ولا هم ينقذون " ولم يقل: ولا منقذ لهم، ثم استثنى وقال: { إلا رحمة ~~منا ومتاعا إلى حين } وهو يفيد أمرين: # أحدهما: انقسام الإنقاذ إلى قسمين: الرحمة والمتاع أي فمن علم أنه ~~يؤمن فينقذه الله رحمة وفيمن علم أنه لا يؤمن فليمتنع زمانا ويزداد ~~إثمه. # وثاينهما: أنه بيان لكون الإنقاذ غير مفيد للدوام بل الزوال في الدنيا ~~لا بد منه، فينقذه رحمة ويمتعه إلى حين ثم يميته فإذن الزوال لازم أن ~~يقع. # قال ابن عباس المراد " بالحين " انقضاء آجالهم يعني (إلا) أن يرحمهم ~~ويمتعهم إلى حين آجالهم. # قوله: " إلا رحمة " منصوب على المفعول له وهو استثناء مفرغ، وقيل: ~~استثناء منقطع وقيل: على المصدر بفعل مقدر، أو على إسقاط الخافض أي إلا ~~برحمة، والفاء في قوله: " فلا صريخ " رابطة لهذه الجملة بما ~~قبلها؛ فالضمير في " لهم " عائد على " المغرقين ". وجوز ابن عطية ~~هذا ووجها آخر وجعله أحسن منه وهو أن يكون استئناف إخبار عن ~~المسافرين في البحر ناجين كانوا أو مغرقين هم بهذه الحالة لا ~~نجاة لهم إلا برحمة الله وليس قوله: { فلا صريخ لهم } ~~مربوطا بالمغرقين انتهى. # وليس جعله هذا الأحسن بالحسن لئلا تخرج الفاء عن موضوعها والكلام ~~عن التئامه. ### || [36.45-47] # قوله: { وإذا قيل لهم اتقوا ms7306 } جوابها محذوف أي أعرضوا يدل ~~عليه بعده: { إلا كانوا عنها معرضين }. وعلى هذا فلفظ " ~~كانوا " زائد، قال ابن عباس: ما بين أيديكم يعني الآخرة فاعملوا لها، ~~وما خلفكم يعني الدنيا فاحذروها ولا تغتروا بها. وقيل: ما بين أيديكم ~~وقائع الله فيمن كان قبلكم من الأمم وما خلفكم عذاب الآخرة قاله قتادة ~~ومقاتل، " لعلكم ترحمون ". # قوله: { وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا ~~كانوا عنها معرضين } أي دلالة على صدق محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - إلا كانوا عنها معرضين. وهذا الاستئناف في محل (نصب) حال كما تقدم ~~في نظائره، وهذه الآية متعلقة بقوله تعالى: # يحسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا ~~كانوا به يستهزئون # [يس:30] أي إذا جاءتهم الرسل كذبوا وإذا أتوا بالآيات أعرضوا. # قوله: { وإذا قيل لهم اتقوا } لما عدد الآيات بقوله: ( { ~~وآية لهم الأرض } ) (و) " آية لهم الليل " (و) { آية ~~لهم أنا حملنا ذريتهم } وكانت الآيات تفيد اليقين ~~والقطع ولم تفدهم اليقين قال فلا أقل من أن يحترزوا وقوع العذاب، ~~فإن من أخبر بوقوع العذاب يتقيه وإن مل يقطع بصدق المخبر احتياطا ~~فقال تعالى: إذا ذكرتم الدليل القاطع لا يعترفون به فإذا قيل لهم اتقوا ~~لا يتقون فهم في غاية الجهل ونهاية الغفلة لا مثل العلماء الذين يبنون ~~الأمر على الأحوط ويدل على ذلك قوله تعالى: " لعلكم ترحمون " ~~بحرف التمني أي أن يخفى عليه البرهان لا يترك الاحتراز والاحتياط. # قوله: { وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله } أي ~~أعطاكم الله. وهذا إشاءة إلى أنهم بخلوا بجميع التكاليف لأن المكلف يجب ~~عليه التعظيم لجانب الله والشفقة على خلق الله وهم تركوا التعظيم حيث قيل ~~لهم: اتقوا (فلم يتقوا) وتركوا الشفقة على خلق الله حيث قيل لهم: ~~أنققوا ولم ينفقوا فما الحكمة في حذف الجواب في قوله: { وإذا ~~قيل لهم أنفقوا }؟ وههنا أجاب وأتى بأكثر من الجواب ولو قال: " ~~وإذا قيل لهم أنفقوا قالوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه ~~" لكان كافيا فما الفائدة في قوله تعالى: { قال الذين ms7307 كفروا ~~للذين آمنوا } فالجواب: أن الكفار كانوا يقولون بأن الإطعام ~~من الصفات الحميدة وكانوا يفتخرون بطعمة الأضياف فأوردوا في ذلك على ~~المؤمنين معتقدين بأن أفعالنا منا ولولا إطعامنا منا لما اندفعت ~~حاجة الضيف وأنتم تقولون: إن إلهكم يرزق من يشاء فلم تقولون لنا: ~~أنفقوا؟ فلما كان غرضهم الرد على المؤمنين، لا الامتناع من الإطعام قال ~~تعالى عنهم: { قال الذين كفروا للذين آمنوا } إشارة ~~إلى الرد. وأما قوله: { اتقوا ما بين أيديكم } فلم يكن لهم ~~رد على المؤمنين فأعرضوا فأعرض (الله) عن ذكر إعراضهم لحصول العلم به. # فصل # قال المفسرون: إن المؤمنين قالوا لكفار مكة: أنفقوا على المساكين ~~مما زعمتم أنه لله من أموالكم وهو ما جعلوا لله من حروثهم وأنعامهم ~~" قالوا أنطعم " أنرزق " من لو يشاء الله " رزقه ثم لم ~~يرزقه مع قدرته عليه فنحن نوافق مشيئة الله فلا نطعم من لم يطعمه الله. ~~وهذا مما يتمسك به البخلاء يقولون: لا نعطي من حرمه الله. وهذا الذي ~~يزعمون باطل؛ لأن الله تعالى أغنى بعض الخلق وأفقر بعضهم ابتلاء فمنع ~~الدنيا من الفقير لا بخلا، وأمر الغني بالإنفاق لا حاجة إلى ماله ولكن ~~ليبلو الغني بالفقير فيما فرض له في مال الغني ولا اعتراض لأحد على ~~مشيئة الله وحكمه في خلقه. # فإن قيل: ما الفائدة من تغيير اللفظ في جوابهم حيث لم يقولوا: أننفق من ~~لو يشاء الله رزقه وذلك أنهم أمروا بالإنفاق في قوله: { وإذا قيل ~~لهم أنفقوا } فكان جوابهم أن يقولوا: أننفق؛ فلم قالوا: ~~أنطعم؟. # فالجواب: أن في هذا بيان غاية مخالفتهم لأنهم إذا أمروا بالإنفاق ~~والإنفاق يدخل فيه الإطعام وغيره فمل يأتوا بالإنفاق ولا بأقل منه وهو ~~الإطعام. وهذا كقول القائل لغيره: " أعط زيدا دينارا " فيقول: ~~لا أعطيه درهما مع أن المطابق هو أن يقول لا أعطيه دينارا ولكن ~~المبالغة في هذا الوجه أتم. فكذلك ههنا. # فإن قيل: قولهم: { من لو يشآء الله أطعمه } كلام حق ~~فلماذا ذكر في معرض الذم؟. # فالجواب: لأن مرادهم كان الإنكار لقدرة الله ms7308 أو لعدم جواز الأمر ~~بالإنفاق مع قدرة الله وكلاهما فاسد فبين الله ذلك بقوله: { مما ~~رزقكم الله } فإنه يدل على قدرته ويصحح أمره بالإعطاء لأن من كان ~~له في يد الغير مال وله في خزانته مال فهو مخير إن أراد أعطى مما في ~~خزانته وإن أراد أمر من عنده المال بالإعطاء، ولا يجوز أن يقول من في يده ~~مال: في خزانتك أكثر مما في يدي أعطه منه. # قوله: { من لو يشآء الله أطعمه } مفعول " أنطعم " و ~~" أطعمه " جواب " لو " وجاء على أحد الجائزين (و) هو تجرده من ~~اللام. والأفصح أن يكون بلام، نحو: # لو نشآء لجعلناه حطاما # [الواقعة:65] قوله: { إن أنتم إلا في ضلال مبين } يقول ~~الكفار للمؤمنين: ما أنت إلا في خطأ بين في اتباعكم محمدا وترك ما ~~نحن عليه وهذا إشارة إلى أنهم قطعوا المؤمنين بهذا الكلام وأن أمرهم ~~بالإنفاق مع قولهم بقدرة الله ظاهر الفساد واعتقادهم هو الفاسد. # فصل # اعلم أن " إن " وردت للنفي بمعنى " ما " وكان الأصل في " إن " أن ~~تكون للشرط والأصل في " ما " أن تكون للنفي لكنهما اشتركا من بعض الوجوه ~~فتعارضا. # واستعمل " ما " في الشرط، واستعمل " إن " في النفي. أما وجه اشتراكهما ~~فهو أن كل واحدة منها حرف مركب من حرفين متقاربين فإن الهمزة تقرب من ~~الأنف والميم من النون ولا بد أن يكون المعنى الذي يدخل عليه " ما " و " ~~إن " لا يكون ثابتا أما في " ما " فظاهر وأما في " إن " فلأنك إذا ~~قلت: " إن جاء زيد أكرمه " ينبغي أن لا يكون منه في الحال ~~(مجيء) فاستعمل إن مكان " ما ". وقيل: " إن زيد قائم " أي ما ~~زيد بقائم. واستعمل ما في الشرط تقول: ما تصنع أصنع والذي يدل ~~على ما ذكرنا أن " ما " النافية تستعمل بحيث لا تستعمل إن (وذلك) لأنك ~~تقول: " ما إن جلس زيد " فتجعل إن " صلة " ولا تقول: " إن ~~جلس زيد " ، بمعنى النفي وبمعنى الشرط تقول: إما ترين فتجعل " ~~إن " أصلا و " ما " صلة فدلنا هذا على أن " إن " في ms7309 الشرط أصل و " ~~ما " دخيل فيه و " ما " في النفي بالعكس. # فصل # قوله: " إن أنتم " يفيد ما لا يفيد قوله: { أنتم في ضلال } ~~لأنه يوجب الحصر وأنه ليسوا في غير الضلال، ووصف الضلال بالمبين أي ~~أنه لظهوره تبين نفسه أنه ضلال أي في ضلال لا يخفى على أحد أنه في ~~ضلال. # وقوله: " في ضلال " يفيد كونهم مغمورين فيه غائصين، فأما قوله في ~~موضع آخر: " على بينة " و " على هدى " فهو إشارة إلى كونهم ~~راكبين متن الطريق المستقيم قادرين عليه. # فصل # إنما وصفوا المؤمنين بأنهم في ضلال مبين لظنهم أن كلام المؤمنين ~~متناقض ومن يتناقض كلامه يكون في غاية الضلال. قال ابن الخطيب: ووجه ذلك ~~أنهم قالوا: أنطعم من لو يشاء الله أطعمه وهذا إشارة إلى أن الله إن شاء ~~أن يطعمهم فهو يطعمهم فكان الأمر بإطعامهم أمرا بتحصيل الحاصل وإن لم ~~يشأ إطعامهم لا يقدر أحد على إطعامهم لامتناع وقوع ما لم يشأ فلا قدرة ~~لنا على الإطعام فكيف تأمروننا بالإطعام؟! ووجه آخر وهو أنهم قالوا إن ~~أراد الله تجويعهم فلو أطعمناهم يكون ذلك سعيا في إبطال فعل الله ~~وأنه لا يجوز وأنتم تقولون أطعموهم فهو ضلال. واعلم أنه لم يكن في الضلال ~~إلا هم حيث نظروا إلى المراد ولم ينظروا إلى الطلب والأمر وذلك لأن العبد ~~إذا أمره السيد بأمر لا ينبغي الاطلاع على المقصود الذي لأجله ~~الذي أمره به مثاله إذا أراد الملك الركوب للهجوم على عدوه بحيث لا ~~يطلع عليه أحد وقال للعبد: أحضر المركوب فلو تطلع واستكشف المقصود ~~الذي لأجله الركوب لنسب إلى أنه يريد أن يطلع عدوه على الحذر منه وكشف ~~سره فالأدب في الطاعة هو اتباع الأمر لا تتبع المراد فالله تعالى إذ(ا) ~~قال: أنفقوا مما رزقكم الله لا يجوز أن يقال: لم لم يطعمهم (الله) ~~مما في خزائنه؟. ### || [36.48-54] # قوله: { ويقولون متى هذا الوعد } أي القيامة والبعث " إن ~~كنتم صادقين " وهذا إشارة إلى ما اعتقدوا أن التقوى المأمور بها ~~في قوله: # وإذا قيل ms7310 لهم اتقوا # [يس:45] والإنفاق المذكور في قوله: # وإذا قيل لهم أنفقوا # [يس:47] لا فائدة فيه لأن لا حقيقة له وقولهم: { متى هذا الوعد } ~~أي متى يقع الموعود به. # فصل # " إن " للشرط وهي تستدعي جزاء و " متى " استفهام لا تصلح جوابا فيه ~~فما الجواب؟. # قيل: هو في صورة الاستفهام وهو في المعنى إنكار كأنهم قالوا: إن كنتم ~~صادقين في قوع الحشر فقولوا متى يكون. # فصل # الظاهر أن هذا الخطاب مع الأنبياء لما أنكروا الرسالة قالوا إن كنتم ~~أيها المدعون للرسالة صادقين فأخبرونا متى يكون ما تعدوننا به. # فإن قيل: ليس في هذا الموضع وعد فالإشارة بقوله: " هذا الوعد " إلى ~~أي وعد؟ # فالجواب: هو ما في قوله تعالى: # وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما ~~خلفكم # [يس:45] من قيام الساعة، أو نقول: هو معلوم وإن لم يكن مذكورا لكون ~~الأنبياء مقيمين على تذكيرهم بالساعة والحساب والثواب والعقاب. # قوله: { ما ينظرون إلا صيحة واحدة }. قال ابن عباس: ما ~~ينتظرون إلا الصيحة المعلومة يريد النفخة الأولى، والتنكير للتكثير. # فإن قيل: هم ما كانوا ينتظرون بل كانوا يجزمون بعدمها. # فالجواب: المراد بالانتظار فعلهم لأنهم كانوا يفعلون ما يستحق به فاعله ~~الهوان وتعجيل العذاب وتقريب الساعة لولا حكم الله وعلمه بأنهم لا ~~يفوتونه أو يقال: لما لم يكن قولهم " متى " استفهاما حقيقيا قال ~~ينتظرون انتظارا غير حقيقي لأن القائل متى يفهم منه الانتظار نظر لقوله. # فصل # ذكر في الصيحة أمورا تدل على عظمها: # أحدها: التنكير # وثانيها: قوله " واحدة " أي لا يحتاج معها إلى ثانية. # ثالثها: " تأخذهم " أي تعمهم بالأخذ وتصل إلى من في الأرض ~~مشارقها ومغاربها. # قوله: " وهم يخصمون " قرأ حمزة بسكون الخاء وتخفيف الصاد من ~~خصم يخصم. والمعنى يخصم بعضهم بعضا فالمفعول محذوف، وأبو عمرو ~~وقالون بإخفاء فتحة الخاء، وتشديد الصاد. ونافع وابن كثير وهشام كذلك إلا ~~أنه بإخلاص فتحة الخاء، والباقون بكسر الخاء وتشديد الصاد والأصل في ~~القراءات الثلاث يختصمون فأدغمت التاء في الصاد. فنافع وابن كثير ~~وهشام نقولا فتحتها إلى الساكن قبلها ms7311 نقلا كاملا، وأبو عمرو وقالون ~~اختلسا حركتها تنبيها على أن الخاء أصلها السكون والباقون حذفوا ~~حركتها فالتقى ساكنان كذلك فكسر(وا) أولهما. فهذه أربع قراءات قرىء بها ~~في المشهور، وروي عن أبي عمرو وقالون سكون الخاء وتشديد الصاد فالنحاة ~~يستشكلونها للجمع بين ساكنين على غير حديهما. # وقرأ جماعة " يخصمون " بكسر الياء والخاء وتشديد الصاد وكسروا ~~الياء إتباعا. وقرأ أبي يختصمون على الأصل، وقال أبو حيان وروي ~~عنهما - أي عن أبي عمرو وقالون - سكون الخاء، وتخفيف الصاد من خصم. قال ~~شهاب الدين: هذه هي قراءة حمزة ولم يحكها هو عنه، وهذا يشبه قوله: # يخطف أبصارهم # [البقرة: 20] في البقرة و " لا يهدي " في يونس وقرأ ابن ~~محيصن " يرجعون " مبنيا للمفعول. # فصل # قال عليه (الصلاة و) السلام: # " لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما ~~بينهما فلا يبيعانه ولا يطويانه ولتقومن ~~الساعة وقد رفع الرجل أكلته إلى فيه فلا ~~يطعمها ". # قوله: { فلا يستطيعون توصية } أي لا يقدرون على الإيصاء ~~قال مقاتل: أي أعجلوا عن الوصية فماتوا { ولا إلى أهلهم ~~يرجعون } ينقلبون. أي أن الساعة لا تمهلهم لشيء. # واعلم أن قول القائل: فلان في هذه الحالة لا يوصي دون قوله لايستطيع ~~التوصية لأن ما من لايوصي قد يستطيعها والتوصية بالقول، والقول يوجد أسرع ~~مما يوجد الفعل فقال: لا يتسطيعون كلمة، فكيف الذي يحتاج إلى زمن طويل من ~~أداء الواجبات ورد المظالم؟! واعتبار الوصية من بين سائر الكلمات يدل على ~~أنه لا قدرة له على أهم الكلمات فإن وقت الموت الحاجة إلى الوصية أمس. ~~والتنكير في التوصية للتعميم أي لا يقدر على توصية (ما) ولو كانت ~~بكلمة يسيرة، ولأن الوصية قد تحصل بالإشارة، فالعاجز عنها عاجز عن ~~غيرها. قوله: { ولا إلى أهلهم يرجعون } بيان لشدة الحاجة ~~إلى التوصية، ثم بين ما بعد الصيحة الأولى فقال: { ونفخ في الصور ~~} أي نفخ فيه أخرى كقوله تعالى: # ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون # [الزمر:68] وقرأ الأعرج ونفخ في الصور بفتح الواو. وهي القبور واحدها ~~جدث، وقرىء من الأجداف بالفاء. ms7312 وهو لغة في الأجداث يقال: جدث، ~~وجدف كثم وفم، وثوم، وفوم. # فإن فيل: أين يكون ذلك الوقت أجداث وقد زلزت الصيحة الجبال؟. # فالجواب: أن الله يجمع أجزاء كل ميت في الموضع الذي أقبر فيه من ذلك ~~الموضع وهو جدثه. # قوله: { إلى ربهم ينسلون } أي يخرجون من القبور أحياء. وقرأ ~~ابن أبي إسحاق وأبو عمرو في رواية: ينسلون بضم السين، يقال: ~~نسل الثعلب ينسل وينسل إذا أسرع في عدوه، ومنه قيل ~~للولد: نسل لخروجه من ظهر أبيه وبطن أمه. # فإن قيل: المسيء إذا توجه إلى من أحسن إليه يقدم رجلا ويؤخر أخرى ~~والنسلان سرعة الشيء فكيف يوجد بينهم ذلك؟ # فالجواب: ينسلون من غير اختيارهم والمعنى أنه أراد أن يبين كمال قدرته ~~ونفوذ إرادته حيث ينفخ في الصور فيكون في وقته جمع وإحياء وقيام وعدو في ~~زمان واحد، فقوله: " إذا هم ينسلون " أي في زمان واحد ينتهون إلى ~~هذه الدرجة وهي النسلان الذي لا يكون إلا بعد مراتب. # فإن قيل: قال في آية # فإذا هم قيام ينظرون # [الزمر:68] وقال ههنا: { فإذا هم من الأجداث إلى ~~ربهم ينسلون } والقيام غير النسلان فقوله في الموضعين: " إذا ~~هم " يقتضي أن يكونا معا. # فالجواب من وجهين: # الأول: أن القيام لا ينافي المشي السريع لأن الماشي قائم ولا ينافي ~~النظر. # الثاني: أن لسرعة الأمور كأن الكل في زمان واحد كقول القائل: # 4183- مكر مفر مقبل مدبر معا # .................................. # واعلم أن النفختين تورثان تزلزلا وانقلابا للأجرام فعند اجتماع ~~الأجرام يفرقها. وهو المراد بالنفخة الأولى وعند تفرق الأجرام ~~يجمعها وهو النفخة الثانية. # قوله: " يويلنا " العامة على الإضافة إلى ضمير المتكلمين دون ~~تأنيث وهو " ويل " مضاف لما بعده. ونقل أبو البقاء أن " وي " كلمة ~~برأسها عن الكوفيين و " لنا " جار ومجرور انتهى. قال شهاب الدين: ولا ~~معنى لهذا إلا بتأويل بعيد وهو أن يكون يا عجب لنا، لأن " وي " تفسير ~~بمعنى أعجب منا. وابن أبي ليلى يا ويلتنا بتاء التأنيث وعنه أيضا ~~يا ويلتي بإبدال التاء ألفا. وتأويل هذه أن كل واحد ms7313 منهم يقول يا ~~ويلتي. # قوله: " من بعثنا " العامة على فتح ميم " من " و " بعثنا " فعلا ~~ماضيا خبرا " لمن " الاستفهامية قبله، وابن عباس والضحاك وأبو نهيك ~~بكسر الميم على أنها حرف جر، و " بعثنا " مصدر مجرور " بمن " ف " من " ~~الأولى تتعلق بالويل والثانية تتعلق بالبعث. والمرقد يجوز أن يكون ~~مصدرا أي من رقادنا وأن يكون مكانا وهو مفرد أقيم مقام الجمع ~~والأول أحسن؛ إذ المصدر يفرد مطلقا. # فصل # قال ابن عباس وأبي بن كعب وقتادة: إنما يقولون هذا لأن الله يرفع عنهم ~~العذاب بين النفختين فيرقدون فإذا بعثوا بعد النفخة الأخيرة وعاينوا ~~القيامة، دعوا بالويل. وقال (أهل) المعاني: الكفار إذا عاينوا جهنم ~~وأنواع عذابها صار عذاب القبر في جنبها كالنوم فقالوا: من بعثنا ~~من مرقدنا. # فإن قيل: لو قيل: فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون يقولون يا ويلنا ~~كان أليق قال ابن الخطيب: نقول: معاذ الله وذلك لأن قوله إذا هم من ~~الأجداث إلى ربهم ينسلون إشارة إلى أنهم تعالى بأسرع زمان يجمع أجزاءهم ~~ويؤلفها ويحييها ويحركها بحيث يقع نسلانهم في وقت النفخ مع أن ذلك لا بد ~~له من الجمع والتأليف فلو قال يقولون لكان ذلك مثل الحال لينسلون أي ~~ينسلون قائلين يا ويلنا وليس كذلك فإن قولهم: يا ويلنا قبل أن ينسلوا ~~وإنما ذكر النسلان لما ذكرنا من الفائدة. # فإن قيل: ما وجه تعلق " من بعثنا من مرقدنا " بقولهم " يا ~~ويلنا "؟ # فالجواب: لما بعثوا تذكروا ما كانوا يسمعون من الرسل فقالوا: ~~ياويلنا أبعث الله البعث الموعود به أم كنا نياما هنا كما ~~إذا كان إنسان موعودا بأن يأتيه عدو لايطيقه ثم يرى رجلا هائلا ~~يقبل عليه فيرتجف في نفسه ويقول أهذا ذاك أم لا؟. # ويدل على هذا قولهم: " من مرقدنا " حيث جعلوا القبور موضع ~~الرقاد إشارة إلى أنهم شكوا في أنهم كانوا نياما فنبهوا أو كانوا ~~موتى فبعثوا وكان الغالب على ظنهم هو البعث فجمعوا بين الأمرين وقالوا من ~~بعثنا إشارة إلى ظنهم أنه بعثهم الموعود به وقالوا ms7314 من مرقدنا إشارة إلى ~~توهمهم احتمال الانتباه. # قوله: { هذا ما وعد الرحمن } في " هذا " وجهان: # أظهرهما: أنه مبتدأ وما بعده خبره. ويكون الوقف تاما على قوله: " من ~~مرقدنا ". وهذه الجملة حينئذ فيها وجهان: # أحدهما: أنها مستأنفة إما من قول الله تعالى، أو من قول الملائكة، أو من ~~قول المؤمنين للكفار. # الثاني: أنها من كلام الكفار فيكون في محل نصب بالقول. # والثاني من الوجهين الأولين: (أن) " هذا " صفة " لمرقدنا " و { ما ~~وعد الرحمن } منقطع عما قبله، ثم في " ما " وجهان: # أحدهما: أنها في محل رفع بالابتداء والخبر مقدر أي الذي وعده الرحمن ~~وصدق فيه المرسلون حق عليكم. وإليه ذهب الزجاج والزمخشري. # والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر أي هذا وعد الرحمن، وقد تقدم في أول الكهف ~~أن حفصا يقف على " مرقدنا " وقفة لطيفة دون قطع نفس لئلا يتوهم أن ~~اسم الإشارة تابع ل " مرقدنا ". وهذان الوجهان يقويان ذلك ~~المعنى المذكور الذي تعمد الوقف لأجله، و " ما " يصح أن تكون موصولة ~~اسمية أو حرفية كما تقدم. ومفعولا الوعد والصدق محذفوفان أي وعدناه ~~الرحمن وصدقناه المرسلون والأصل " صدقنا فيه " ويجوز حذف ~~الخافض وقد تقدم ذلك نحو: صدقني سن بكر(ه) أي في سنه. # قوله: { إن كانت إلا صيحة واحدة } تقدمت قراءتا: # صيحة واحدة # [يس:53] نصبا ورفعا أي ما كانت النفخة إلا صيحة واحدة، ويدل على ~~النفخة قوله: { ونفخ في الصور }. ويحتمل أن يقال: إنها كانت ~~الواقعة وقرئت الصيحة مرفوعة على أن " كان " هي التامة بمعنى " ما وقعت ~~إلا صيحة " قال الزمخشري: لو كان كذلك لكان الأحسن أن يقال: إن ~~كان؛ لأن المعنى حينئذ ما وقع شيء إلى صيحة لكن التأنيث جائز إحالته على ~~الظاهر. ويمكن أن يقول الذي قرأ بالرفع إن قوله: # إذا وقعت الواقعة # [الواقعة: 1] تأنيث تهويل ومبالغة بدليل قوله تعالى: # ليس لوقعتها كاذبة # [الواقعة:2] فإنها للمبالغة فكذلك ههنا قال: { إن كانت إلا موتتنا ~~الأولى } تأنيث تهويل، ولهذا جاءت أسماء يوم الحشر كلها مؤنثة كالقيامة ~~والقارعة والحاقة والصاخة إلى غيرها. # والزمخشري يقول: كاذبة بمعنى ms7315 ليس لوقعتها نفس كاذبة وتأنيث أسماء الحشر ~~لكون الحشر مسمى بالقيامة. وقوله " محضرون " دليل على أن كونهم ينسلون ~~إجباري لا اختياري ثم بين ما يكون في ذلك اليوم فقال: { فاليوم ~~لا تظلم نفس شيئا } فاليوم منصوب " بلا تظلم " ، و " ~~شيئا " إما مفعول ثان وإما مصدر. # فقوله: { لا تظلم نفس } ليأمن المؤمن (و) { ولا تجزون ~~إلا ما كنتم تعملون } لييأس المجرم والكافر. # فإن قيل: ما الفائدة في الخطاب عند الإشارة إلى يأس المجرم وترك الخطاب ~~في الإشارة إلى أمان المؤمن؟ # فالجواب: أن قوله: { لا تظلم نفس شيئا } يفيد العموم وهو ~~كذلك فإنه لا يظلم أحدا وأما " لا تجزون " فيختص بالكافر لأن الله يجزي ~~المؤمن وإن لم يفعل فإن لله فضلا مختصا بالمؤمن وعدلا عاما فيه. وفيه ~~بشارة. ### || [36.55-59] # ثم بين حال المحسن فقال: { إن أصحاب الجنة اليوم في ~~شغل فاكهون } فقوله: " في شغل " يجوز أن يكون خبرا ل " إن ~~" و " فاكهون " خبر ثان وأن يكون " فاكهون " هو الخبر و " في ~~شغل " يتعلق به، وأن يكون حالا، وقرأ الكوفيون وابن عامر " شغل " ~~بضمتين. والباقون بضم سكون. وما لغتان للحجازيين قاله الفراء، ومجاهد ~~وأبو السمال بفتحتين. ويزيد النحوي وابن هبيرة بفتح وسكون. ~~وهما (لغتان) أيضا. والعامة على رفع " فاكهون " على ما تقدم. والأعمش ~~وطلحة " فاكهين " نصبا على الحال، والجار الخبر. والعامة أيضا على ~~فاكهين بالألف بمعنى أصحاب فاكهة كلابن وتامر ولاحم، والحسن ~~وأبو جعفر وأبو حيوة وأبو رجاء وشيبة وقتادة ومجاهد " فكهون " ~~بغير ألف بمعنى طربون فرحون من الفكاهة بالضم. وقيل: الفاكه والفكه ~~بمعنى المتلذذ والمتنعم لأن كلا من الفاكهة والفكاهة مما يتلذذ ~~به ويتنعم كحاذر وحذر، وقرىء " فكهين " بالقصر والياء على ما تقدم. ~~وفكهون بالقصر وضم الكاف، يقال: رجل فكه وفكه كرجل ندس وندس ~~وحذر وحذر. # فصل # اختلفوا في الشغل فقال ابن عباس: في افتضاض الأبكار، وقال وكيع بن ~~الجراح: في السماع. وقال الكلبي: في شغل عن أهل النار وما هم فيه لا ~~يهمهم أمرهم ولا يذكرونهم. وقال ابن كيسان: في زيارة ms7316 بعضهم بعضا. # وقيل: في ضيافة الله فاكهون. وقيل: في شغل عن هول اليوم بأخذ ما ~~آتاهم الله من الثواب فما عندهم خير من عذاب ولا حساب. وقوله " ~~فاكهون " متمم لبيان سلامتهم فإنه لو قال: في شغل جاز أن يقال هم ~~في شغل أعظم من التذكر في اليوم وأهواله فإن من يصيبه فتنة عظيمة ثم يعرض ~~عليه أمر من أموره أو يخبر بخسران وقع في ماله يقول أنا مشغول عن هذا ~~بأهم منه فقال: فاكهون أي شغلوا عنه باللذة والسرور لا بالويل ~~والثبور. وقال ابن عباس: فاكهون فرحون. # قوله: " هم وأزواجهم " يجوز في " هم " أن يكون تأكيدا للضمير ~~المستكن في: " فاكهون " و " أزواجهم " عطف على المستكن، ~~ويجوز أن يكون تأكيدا للضمير المستكن في " شغل " إذا جعلناه خبرا و ~~" أزواجهم " عطف عليه (مستكن ويجوز أن أيضا). كذا ذكره أبو حيان. وفيه ~~نظر من حيث الفصل بين المؤكد والمؤكد بخير " أن " ، ونظيره أن نقول: " ~~إن زيدا في الدار قائم هو وعمرو " على أن يجعل " هو " ~~تأكيدا للضمير في قولك: " في الدار " ، وعلى هذين الوجهين يكون قوله: " ~~متكئون " خبرا آخر ل " إن " و " في ظلال " متعلق به أو حال، ~~و " على الأرائك " متعلق به، ويجوز أن يكون " هم " مبتدأ ومتكئون ~~خبره والجاران على ما تقدم، وجوز أبو البقاء أن يكون " في ظلال " هو ~~الخبر قال " وعلى الأرائك " مستأنف. # وهي عبارة موهمة غير الصواب ويرد بذلك أن " متكئون " خبر مبتدأ ~~مضمر و " على الأرائك " متعلق به، فهذا وجه استئنافه لا أنه خبر مقدم و " ~~متكئون " مبتدأ مؤخر إذا لا معنى له. وقرأ عبد الله " متكئين " ~~نصبا على الحال. وقرأ الأخوان " في ظلل " بضم الظاء والقصر. وهو جمع ~~ظلة نحو غرفة وغرف، وحلة وحلل. وهي عبارة عن الفرش ~~والستور والباقون بكسر الظاء والألف جمع ظلة أيضا كحلة وحلال ~~وبرمة وبرام أو جمع " فعلة " بالكسر إذ يقال: ظلة وظلة ~~بالضم والكسر، كلقحة ولقاح إلا أن فعالا لا ينقاس فيها أو ~~جمع " فعل " نحو: ذئب وذئاب وريح ورياح. ms7317 # فصل # الأرائك هي السرر في الحجال واحدها أريكة. قال ثعلب: لا تكون ~~أريكة (جمع) حتى يكون عليها حجلة. " متكئون " ذو(و) اتكاء. وهو ~~إشارة إلى الفراغ. وقوله " هم وأزواجهم " إشارة إلى عدم الوحشة { ~~لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون } إشارة إلى دفع جميع ~~جوائجهم. وقوله: { لهم فيها فاكهة } إشارة إلى أن لا جوع هناك ~~لأن التفكه لا يكون لدفع ألم الجوع. # قوله: { ولهم ما يدعون } في " ما " هذه ثلاثة أوجه: موصولة ~~اسمية (أو) نكرة موصوفة والعائد على هذين محذوف (أو) مصدرية. و " ~~يدعون " مضارع ادعى افتعل من دعا يدعو؛ وأشرب التمني. ~~قال أبو عبيدة: العرب تقول: " ادع علي ما شئت " أي تمن، و " ~~فلان في خير ما يدعي " أي ما يتمنى، وقال الزجاج: هو من الدعاء ~~أي ما يدعونه أهل الجنة يأتيهم، من: دعوت غلامي. فيكون الافتعال بمعنى ~~الفعل كالاحتمال بمعنى الحمل والارتحال بمعنى الرحل. وقيل: افتعل بمعنى ~~تفاعل أي ما يتداعونه كقولهم: ارتموا وتراموا، و " ما " مبتدأ وفي ~~خبرها وجهان: # أظهرهما: أنه الجار قبلها. # والثاني: أنه " سلام " أي مسلم خالص أو ذو سلامة. # قوله: " سلام " العامة على رفعه وفيه أوجه: # أحدها: ما تقدم من كونه خبر " ما يدعون ". # الثاني: أنه بدل منها. قاله الزمخشري. قال أبو حيان: وإذا كان بدلا كان ~~" ما يدعون " خصوصا والظاهر أنه عموم في كل ما يدعونه وإذا كان ~~عموما لم يكن بدلا منه. # الثالث: أنه صفة " لما " وهذا إذا جعلتها نكرة موصوفة. أما إذا ~~جعلتها بمعنى الذي أو مصدرية تعذر ذلك لتخالفهما تعريفا وتنكيرا. # الرابع: أنه خبر مبتدأ مضمير أي هو سلام. # الخامس: أنه مبتدأ خبره الناصب ل (قوله) " قولا " أي سلام ~~يقال لهم قولا. وقيل: تقديره سلام عليكم. # السادس: أنه مبتدأ وخبره " من رب ". و " قولا " مصدر مؤكد لمضمون ~~الجملة وهو مع عامله معترض بين المبتدأ والخبر، وقرأ أبي وعبد الله ~~وعيسى سلاما بالنصب. وفيه وجهان: # أحدهما: أنه حال، قال الزمخشري: أي لهم مرادهم خالصا. # والثاني: أنه مصدر (أي) يسلمون سلاما إما من التحية ms7318 وإما من ~~السلامة. # و " قولا " إما مصدر مؤكد، وإما منصوب على الاختصاص. قال الزمخشري: ~~وهو الأوجه و " من رب " إما صفة ل " قولا " وإما خبر " سلام " ~~كما تقدم. وقرأ القرظي " سلم " بالكسر السكون، وتقدم الفرق ~~بينهما في البقرة. # فصل # إذا قيل: بأن سلام بدل من " ما يدعون " فكأنه تعالى قال لهم ما ~~يدعون ونبه ببدله فقال: لهم سلام فيكون مبتدأ وخبره الجار والمجررو كما ~~يقال: " في الدار رجل ولزيد مال " وإن كان في النحو ليس ~~كذلك بل هو بدل وبدل النكرة م المعرفة جائز، فتكون " ما " بمعنى الذي ~~معرفة، وسلام نكرة. ويحتمل على هذا أن يقال: " ما " في قوله تعالى: { ~~ما يدعون } لا موصوفة ولا موصولة بل هي نكرة تقديره لهم شيء ~~يدعون، ثم بين بذكر البدل فقال: " سلام ". والأول أصح. وإن قيل: ~~سلام خبر " ما " و " لهم " لبيان الجهة فتقديره ما يدعون سلام لهم أي ~~خالص لهم. والسلام بمعنى السالم والسليم، يقال: عبد سلام أي ~~سليم من العيوب كما يقال: لزيد الشرف متوفر فالجار والمجرور ~~يكون لبيان من له ذلك، " والشرف " هو المبتدأ " ومتوفر " خبره، وإن قيل: ~~" سلام " منقطع عما قبله وهو مبتدأ وخبره محذوف فتقديره: سلام ~~عليهم ويكون ذلك إخبارا من الله تعالى في يومنا هذا كأنه تعالى حكى ~~لنا وقال: إن أصحاب الجنة في شغل، ثم لما بين كمال حالهم قال: ~~سلام عليهم كقوله تعالى: # سلام على نوح # [الصافات:79] و # وسلام على المرسلين # [الصافات:181] فيكون الله تعالى أحسن إلى عباده المؤمنين كما أحسن إلى ~~عباده المرسلين. أو يقال تقديره: سلام عليكم ويكون التفاتا حيث قال لهم ~~كذا وكذا، ثم قال: # سلام عليكم # [الأنعام:54] # فصل # إذا قيل: إن " قولا " منصوب على المصدر فتقديره على قولنا إن ~~المراد لهم سلام هو أن يقال لهم سلام يقوله الله قولا. # أو تقول الملائكة قولا، وعلى قولنا ما يدعون سلام لهم فتقديره قال ~~الله ذلك قولا ووعدهم أن لهم ما يدعون سلام وعدا، وعلى قولنا: سلام ~~عليهم فتقديره أقوله قولا، وقوله { من ms7319 رب رحيم } يكون ~~لبيان (أن) السلام منه أي سلام عليهم من رب رحيم أقوله قولا، ويحتمل أن ~~يقال على هذا بأنه تمييز؛ لأن السلام قد يكون قولا وقد يكون فعلا فإن ~~من يدخل على الملك يطأطىء رأسه يقال: سلمت على الملك فهو حينئذ كقول ~~القائل: موجودة حكما لا حسا. # فصل # روى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # " بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور ~~فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب - عز وجل - قد أشرف ~~عليهم من فوقهم فقال: السلام عليكم يا أهل ~~الجنة؛ فذلك قوله - عز وجل -: { سلام قولا من ~~رب رحيم } فينظر إليهم وينظرون إليه فلا ~~يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه ~~حتى يحتجب عنهم فيبقى نوره وبركته عليهم في ~~ديارهم " # وقيل: تسلم عليهم الملائكة من ربهم كقوله: # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام ~~عليكم # [الرعد: 23-24] أي يقولون سلام عليكم يا أهل الجنة من ربكم الرحيم، ~~وقيل: يعطيهم السلامة. # قوله: " وامتازوا " على إضمار قول مقابل لما قيل للمؤمنين أي ويقال ~~للمجرمين امتازوا أي انعزلوا من مازه يميزه. # قال المفسرون: إن المجرم يرى منزلة المؤمن ورفعته (ويرى ذلة نفسه) ~~فيتحسر فيقال: امتازوا اليوم. وقيل: المعنى ادخلوا مساكنكم من النار، ~~وقال أبو العالية تميزوا، وقال السدي: كونوا على حدة. وقال الزجاج: ~~انفردوا عن المؤمنين والمجرم هو الذي يأتي بالجريمة. وقيل إن قوله ~~وامتازوا أمر تكوين فحين يقول فيميزون بسيماهم ويظهر على جباههم أو في ~~وجوههم سواد كما قال تعالى: # يعرف المجرمون بسيماهم # [الرحمن:41]. ### || [36.60-68] # قوله: { ألم أعهد إليكم } العامة على فتح الهمزة على الأصل ~~في حرف المضارعة، وطلحة والهذيل بن شرحبيل الكوفي بكسرها. وتقدم أن ~~ذلك لغة في حروف المضارعة بشروط ذكرت في الفاتحة، وقرأ ابن وثاب " ~~أحد " بحاء مشددة، قال الزمخشري: وهي لغة تميم ومنه: " دحا ~~محا " أي دعها معها فقلبت الهاء حاء ثم العين حاء حين أريد ~~الإدغام، والأحسن أن يقال: إن العين أبدلت حاء وهي لغة هذيل ms7320 فلما أدغم ~~قلب الثاني للأول وهو عكس باب الإدغام. وقد مضى تحقيقه آخر آل عمران، ~~وقال ابن خالويه وابن وثاب والهذيل: " ألم اعهد " بكسر الميم والهمزة ~~وفتح الهاء وهي على لغة من كسر أول المضارع سوى الياء. وروي عن ابن وثاب ~~" أعهد " بكسر الهاء يقال: عهد وعهد، انتهى. يعني بكسر الميم ~~والهمزة أن الأصل في هذه القراءة أن يكون كسر حرف المضارعة ثم نقل حركته ~~إلى الميم فكسرت لا أن الكسر موجود في الميم وفي الهمزة لفظا إذ يلزم من ~~ذلك قطع همزة الوصل وتحريك الميم من غير سبب، وأما كسر الهاء فلما ذكر من ~~أنه سمع في الماضي " عهد " بفتحها. قوله: " سوى الياء " - وكذا قال ~~الزمخشري- هو المشهور، وقد نقل عن بعض كلب أنهم يكسرون الياء ~~فيقولون: يعلم. وقال الزمخشري فيه: وقد جوز الزجاج أن يكون من باب: ~~نعم ينعم وضرب يضرب يعني أن تخريجه على أحد وجهين إما ~~بالشذوذ فيما اتحد فيه فعل يفعل بالكسر فيهما كنعم ينعم ~~وحسب يحسب، ويئس ييئس. وهي ألفاظ معدودة في البقرة. وإما ~~(أنه) سمع في ماضيه الفتح كضرب كما حكاه ابن خالويه، وحكى الزمخشري أنه ~~قرىء " أحهد " بإبدال العين حاء. وقد تقدم أنها لغة هذيل. وهذه تقوي ~~أن أصل أحد أحهد فأدغم كما تقدم. قوله: " أن لا تعبدوا " و " ~~وأن اعبدوني " يجوز في " أن " أن تكون مفسرة فسرت العهد بنهي وأمر ~~وأن تكون مصدرية (أي) ألم أعهد إليكم في عدم عبادة الشيطان وفي ~~عبادتي. # فصل # في معنى هذا العهد وجوه: أقواها ألم أوص إليكم، واختلفوا في هذا العهد ~~فقيل: هو العهد الذي كان مع آدم في قوله: # ولقد عهدنآ إلى ءادم # [طه:115] وقيل: هو الذي كان مع ذرية آدم حين أخرجهم وقال: ألست ~~بربكم قالوا بلى، وقيل: مع كل قوم على لسان رسولهم. وهو الأظهر، ~~وقوله { أن لا تعبدوا الشيطان } أي لا تطيعوا الشيطان. ~~والطاعة قد تطلق على العبادة ثم قال: { إنه لكم عدو مبين ~~} أي ظاهر العداوة ووجه عداوته أنه لما أكرم ms7321 الله آدم - عليه (الصلاة و) ~~السلام - عاداه إبليس. # فإن قيل: إذا كان الشيطان عدوا للإنسان فما بال الإنسان يقبل على ما ~~يرضيه من الزنا والشرب ويكره ما يسخطه من المجاهدة والعبادة؟ # فالجواب: استعانة الشيطان بأعوان من عند الإنسان وترك استعانة الإنسان ~~بالله فيستعين بشهوته التي خلقها الله فيه لمصالح بقائه وبقاء نوعه ~~ويجعلها سببا لفساد حاله ويدعوه بها إلى مسالك المهالك وكذلك يستعين ~~بغضبه الذي خلقه الله فيه لدفع المفاسد عنه ويجعلها سببا لوباله وفساد ~~أحواله وميل الإنسان إلى المعاصي كميل المريض إلى (المصادر)، وذلك حيث ~~ينحرف المزاج عن الاعتدال فترى المحموم يريد الماء البارد وهو يزيد من ~~مرضه ومن معدته فاسدة لا يهضم القليل من الغذاء يميل إلى الأكل الكثير ~~ولا يشبع بشيء وهو يزيد فساد معدته وصحيح المزاج لا يشتهي إلا ما ينفعه. # قوله: " وأن اعبدوني " أطيعوني ووحدوني { هذا صراط ~~مستقيم } لما منع من عبادة الشيطان بقوله { ولقد أضل ~~منكم جبلا كثيرا } أي خلقا كثيرا. # قوله: " جبلا " قرأ نافع وعاصم بكسر الجيم والباء وتشديد اللام، وأبو ~~عمرو وابن عامر بضمة وسكون والباقون بضمتين واللام مخففة في ~~كلتيهما. وابن أبي إسحاق والزهري وابن هرمز بضمتين ~~وتشديد اللام والأعمش بكسرتين وتخفيف اللام والأشهب العقيلي واليماني ~~وحماد بن سلمة بكسرة وسكون وهذه لغات في هذه اللفظة وتقدم معناها آخر ~~الشعراء. وقرىء جبلا بكسر الجيم وفتح الباء جمع جبلة، كفطر جمع ~~فطرة، وقرأ علي بن أبي طالب بالياء من أسفل (ثنتان). وهي واضحة. # قال ابن الخطيب: الجيم والباء لا تخلو عن معنى الاجتماع (و) الجبل فيه ~~اجتماع الأجسام الكثيرة وجبل الطين فيه اجتماع أجزاء الماء والتراب، وشاة ~~لجباء إذا كانت مجتمعة اللبن الكثير، ولا يقال: البلجة نقض على ما ذكرتم ~~فإنها تنبىء عن التفرق فإن الأبلج خلاف المقرون لأنا نقول: هي لاجتماع ~~الأماكن الخالية التي تسع المتمكنات فإن البلجة والبلدة بمعنى. ~~والبلد سمي بلدا للاجتماع، لا لتفرق الجمع (العظيم) حتى قيل: إن ~~دون العشر آلاف لا يكون بلدا وإن لم يكن صحيحا. ms7322 قوله: " أفلم ~~تكونوا " قرأ العامة بالخطاب لبني آدم. وطلحة وعيسى بياء الغيبة ~~والضمير للجبل، ومن حقهما أن يقرءا: التي كانوا يوعدون لولا أن ~~يعتذروا بالالتفات. # فصل # في كيفية هذا الإضلال وجهان: # الأول: تولية عن المقصد وخديعته فالشيطان يأمر البعض بترك عبادة الله ~~وبعبادة غيره فهو توليه فإن لم يقدر يحيد بأمر غير ذلك من رياسة وجاه ~~وغيرهما وهو يفضي إلى التولية لأن مقصوده لو حصل لترك الله وأقبل على ~~ذلك الغير فتحصل التولية. ثم قال: { أفلم تكونوا تعقلون } ما أتاكم من ~~هلاك الأمم الخالية بطاعة إبليس. # ويقال لهم لما دنوا من النار: { هذه جهنم التي كنتم ~~توعدون } بها في الدنيا { اصلوها اليوم } أي ادخلوها اليوم { ~~بما كنتم تكفرون }. وفي هذا الكلام ما يوجب شدة ندامتهم وحزنهم ~~من ثلاثة أوجه: # أحدها: قوله تعالى: { اصلوها اليوم } أمر تنكيل وإهانة كقوله: # ذق إنك أنت العزيز الكريم # [الدخان:49]. # الثاني: قوله: " اليوم " يعني العذاب حاضر ولذاتك قد مضت وبقي اليوم ~~العذاب. # الثالث: قوله تعالى: { بما كنتم تكفرون } فإن الكفر والكفران ~~ينبىء عن نعمة كانت فكفر بها وحياء الكفور من المنعم من أشد الآلام كما ~~قيل: أليس الله بكاف لذي همة حياء المسيء من ~~المحسن. # قوله: " اليوم نختم " اليوم ظرف لما بعده. وقرىء يختم ~~مبنيا للمفعول. والجار بعده قائم مقام فاعله. وقرىء: " وتتكلم " ~~بتاءين من فوق. وقرىء ولتتكلم ولتشهد بلام الأمر. وقرأ طلحة ~~ولتكلمنا ولتشهد بلام كي ناصبة للفعل ومتعلقها محذوف أي ~~للتكلم وللشهادة ختمنا. " وبما كانوا " أي بالذي كانوا أو بكونهم ~~كاسبين. # فصل # في الترتيب وجهان: # الأول: أنهم حين يسمعون قوله تعالى: { بما كنتم تكفرون } ~~يريدون ينكرون كفرهم كما قال عنه: " ما أشركنا " " وقالوا ~~آمنا به " فيختم الله على أفواههم فلا يقدرون على الإنكار وينطق ~~الله جوارحهم غير لسانهم فيعترفون بذنوبهم. # الثاني: لما أن قال الله تعالى لهم: { ألم أعهد إليكم } لم ~~يكن لهم جواب فسكتوا وخرسوا وتكلمت أعضاؤهم غير اللسان. وفي الختم على ~~الأفواه وجوه أقواها: أن الله تعالى يسكت ألسنتهم وينطق جوارحهم فيشهدون ms7323 ~~عليهم وأنه في قدرة الله يسير(و) أما الإسكان فلا خفاء فيه وأما الإنطاق ~~فلأن اللسان عضو متحرك بحركة مخصوصة كما جاز تحرك غيره بمثلها والله قادر ~~على كل الممكنات. والوجه الآخر: أنهم لا يتكلمون بشيء لانقطاع أعذارهم ~~وانتهاك أستارهم فيقفون ناكسي الرؤوس لا يجدون عذرا فيعتذرون ~~ولا مجال توبة فيستغفرون وتكلم الأيدي هو ظهور الأمور بحيث لا يسمع مع ~~الإنكار كقول القائل: الحيطان تبكي على صاحب الدار إشارة إلى ظهور الحزن ~~والصحيح الأول لما ثبت في الصحيح أن الله تعالى يقول للعبد كفى بنفسك ~~اليوم عليك شهيدا وبالكرام الكاتبين شهودا قال: فيختم على فيه، فيقال ~~لأركانه انطقي قال: فتنطق بأعماله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول بعدا ~~لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل وقال عليه (الصلاة و) السلام: # " أول ما يسأل من أحدكم فخذه ولفه ". # فإن قيل: ما الحكمة في إسناده الختم إلى نفسه وقال " نختم " وأسند ~~الكلام والشهادة إلى الأرجل والأيدي؟ # فالجواب: أنه لو قال: نختم على أفواههم وتنطق أيديهم لاحتمل أن يكون ذلك ~~جبرا منه وقهرا والإقرار والإجبار غير مقبول فقال: تكلمنا أيديهم وتشد ~~أرجلهم أي باختيارها يقدرها الله تعالى على الكلام ليكون أدل على صدور ~~الذنب منهم. # فإن قيل: ما الحكمة في جعل الكلام للأيدي وجعل الشهادة للأرجل؟ # فالجواب: لأن الأفعال تسند إلى الأيدي قال تعالى: # وما عملته أيديهم # [يس:35] أي ما عملوه وقال # ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة # [البقرة: 195] أي لا تلقوا بأنفسكم، فإذن الأيدي كالعاملة والشاهد على ~~العامل ينبغي أن يكون غيره فجعل الأرجل والجلود من الشهود لبعد إضافة ~~الأفعال إليهم. # فإن قيل: إن يوم القيامة من تقبل شهادته من المقربين والصديقين كلهم ~~أعداء للمجرمين وشهادة العدو غير مقبولة وإن كان عدلا وغير الصديقين ~~من الكفار والفساق لا تقبل شهادتهم والأيدي والأرجل صدرت الذنوب (منها) ~~فهي فاسقة فينبغي أن لا تقبل شهادتها. # فالجواب: أن الأيدي والأرجل ليسوا من أهل التكليف ولا ينسب إلهيا ~~عدالة ولا فسق، إنما المنسوب من ذلك إلى العبد المكلف لا إلى أعضائه، ms7324 ~~ولا يقال: إن العين تزني إن الفرج يزني. وأيضا فإنا نقول: في در ~~شهادتها (قبول شهادتها) لأنها إن كذبت في مثل ذلك اليوم مع ظهور ~~الأمور لا بد أن يكون مذنبا في الدينا وإن صدقت في مثل ذلك اليوم ~~فقد صدر منها الذنب في الدنيا وهذا كمن قال لفاسق: " إن كذبت في نهار ~~هذا اليوم فعبدي حر " فقال الفاسق: كذبت في نهار هذا اليوم ~~عتق العبد؛ لأنه إن صدق في قوله كذبت في نهار ذلك اليوم فوجد ~~االشرط أيضا بخلاف ما لو قال في اليوم الثاني كذبت في نهار اليوم الذي ~~علقت عتق عبدك على كذا فيه. # قوله: { ولو نشآء لطمسنا على أعينهم } أي أذهبنا ~~أعينهم الظاهرة بحيث لا يبدو لها جفن ولا شق وهو معنى الطمس، ~~كقوله تعالى: # ولو شآء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم # [البقرة: 20] يقول: إذا أعمينا قلوبهم لو شئنا أعمينا أبصارهم الظاهرة. # قوله: " فاستبقوا " عطف على " لطمسنا " وهذا على سبيل الفرض ~~والتقدير. وقرأ عيسى فاستبقوا أمرا. وهو على إضمار القول أي ~~فيقال لهم استبقوا والصراط ظرف مكان مختص عند الجمهور فلذلك ~~تأولوا وصول الفعل إليه إما بأنه مفعول (به) مجازا جعله مستبقا لا ~~مستبقا إليه ويضمن استبقوا معنى بادروا وإما على حذف الجار أي إلى ~~الصراط. وقال الزمخشري: منصوب على الظرف، وهو ماش على قول ابن الطراوة ~~فإن الصراط والطريق ونحوهما ليست عنده مختصة إلا أن سيبويه على أن قوله: # 4184- لدن بهز الكف يعسل متنه # فيه كما عسل الطريق الثعلب # ضرورة لنصبه الطريق. # وقرأ أبو بكر مكاناتهم جمعا، وتقدم في الأنعام. والعامة على " ~~مضيا " بضم الميم وهو مصدر على فعول أصله مضوي فأدغم وكسر ~~ما قبل الياء ليصبح نحو " لقيا ". وقرأ أبو حيوة ورويت عن ~~الكسائي مضيا (أي) بكسر الميم إتباعا لحركة العين نحو { عتيا ~~} و { صليا } [مريم:69 - 70] وقرىء بفتحها وهو من المصارد التي وردت ~~على فعيل كالرسيم والزميل. # فصل # المعنى كما أعمينا قلوبهم لو شئنا أعمينا أبصارهم الظاهرة فاستبقوا ~~الصراط فتبادروا إلى الطريق " فأنى يبصرون " كيف ms7325 يبصرون وقد ~~أعمينا أعينهم يعني لو نشاء لأضللناهم عن الهدى وتركناهم عميا ~~يترددون فكيف يبصرون الطريق حنيئذ؟ هذا قول الحسن، وقتادة، والسدي. وقال ~~ابن عباس ومقاتل وعطاء وقتادة: معناه لو نشاء لفقأنا أعين ضلالتهم ~~فأعميناهم من غيهم وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى فأبصروا رشدهم ~~فأنى بصرون ولم أفعل لك بهم. { ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم } أي ~~مكانهم أي لو نشاء جعلناهم قردة وخنازير في منازلهم لا أزواج لهم { ~~فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون } إلى ما كانوا عليه. ~~وقيل: لا يقدرون على ذهاب ولا رجوع. # قوله: { ومن نعمره ننكسه في الخلق } قرأ عاصم ~~وحمزة بضم النون الأولى وفتح الثانية وكسر الكاف مشددة من نكسه ~~مبالغة، والباقون بفتح الأولى وتسكين الثانية وضم الكاف، خفيفة من ~~نكسه. وهي محتملة للمبالغة وعدمها. وقد تقدم في الأنعام أن نافعا ~~وابن ذكوان قرءا " تعقلون " والباقون بالغيبة. # فصل # معنى ننكسه نرده إلى أرذل العمر شبه الصبي في أول الخلق، ~~وقيل: ننكسه في الخلق أي ضعف جوارحه بعد قوتها ونقصانها بعد زيادتها " ~~أفلا يعقلون " فيعتبرون، ويعلمون أن الذي قدر على تصريف أحوال ~~الإنسان يقدر على البعث بعد الموت. ### || [36.69-70] # قوله: { وما علمناه الشعر وما ينبغي له } قال ~~الكلبي: إن كفار مكة قالوا: إن محمدا شاعر، وما يقوله شعر فأنزل الله ~~تكذيبا لهم وما علمناه الشعر وما ينبغي له أي ما يتسهل له ذلك وما كان ~~يتزن له بيت شعر حتى إذا تمثل ببيت شعر جرى على لسانه منكسرا. روى ~~الحسن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتمثل بهذا البيت: # كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا # فقال أبو بكر: يا نبي الله إنما قال الشاعر: كفى الشيب ~~والإسلام للمرء ناهيا. فقال عمر: أشهد أنك رسول بقول الله - عز ~~وجل -: { وما علمناه الشعر وما ينبغي له } وعن أبي ~~شريح قال: قلت لعائشة: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتمثل من ~~الشعر قالت: كان يتمثل من شعر عبد الله بن رواحة قالت: وربما قال: # 4185- ويأتيك بالأخبار من لم تزود ms7326 # وفي رواية (قالت): كان الشعر أبغض الحديث إليه، قالت: ولم يتمثل بشيء ~~من الشعر إلى ببيت أخي بني قيس طرفة: # 4186- ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا # ويأتيك بالأخبار من لم تزود # فجعل يقول: ويأتيك من لم تزود بالأخبار. فقال أبو بكر: ليس هكذا يا رسول ~~الله فقال: إني لست بشاعر ولا ينبغي لي. وقيل: معناه ما كان يتأتى له. ~~قاله ابن الخطيب. وفيه وجه أحسن من ذلك وهو أن يحمل ما ينبغي له على ~~مفهومه الظاهر وهو أن الشعر ما كان يليق به ولا يصلح له لأن الشعر يدعو ~~إلى تغيير المعنى لمراعاة اللفظ والوزن والشارع يكون اللفظ منه تبعا ~~للمعنى والشاعر يكون المعنى منه تبعا للفظ لأنه يقصد لفظا به يصح وزن ~~الشعر (أ) و قافيته فيحتاج إلى التخيل لمعنى يأتي به لأجل ذلك اللفظ. ~~وعلى هذا فنقول: الشعر هو الكلام الموزون الذي قصد إلى وزنه قصدا ~~أوليا وأما من يقصد المعنى فيصدر موزونا لا يكون شاعرا ألا ترى أن ~~قوله تعالى: # لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون # [آل عمران:92] ليس بشعر والشاعر إذا صدر منه هذا الكلام فيه متحركات ~~وساكنات بعدد ما في الآية تقطعيه بفاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن ~~فاعلاتن يكون شعرا لأنه قصد الإتيان بألفاظ حروفها متحركة وساكنة كذلك. ~~والمعنى تبعه. والحكيم قصد المعنى فجاء على تلك الألفاظ وعلى هذا يحصل ~~الجواب عن قول من يقول: إن النبي ذكر بيت شعر وهو قوله: # 4187- أنا النبي لا كذب # أنا ابن عبد المطلب # أو بيتين لأنا نقول: ذلك ليس بشعر لعدم قصده إلى الوزن والقافية وعلى ~~هذا لو صدر من النبي - عليه (الصلاة و) السلام - كلام كثير موزون ~~مقفى لا يكون شعرا لعدم قصده اللفظ قصدا أوليا، ويؤيد ما ذكرنا ~~أنك إذا تتبعت كلام الناس في الأسواق تجد فيه ما يكون موزونا واقعا في ~~بحر من بحور الشعر ولا يسمى المتكلم به شاعرا ولا الكلام شعرا لفقد ~~القصد إلى اللفظ أولا. # فصل # وجه الترتيب ما تقدم من أنه ms7327 تعالى في كل موضع ذكر أصلين من الأصول ~~الثلاثة وهي الوحدانية والرسالة والحشر ذكر الأصل الثالث منها وههنا ذكر ~~أصلين الوحدانية والحشر. أما الوحدانية ففي قوله تعالى: # ألم أعهد إليكم يبني آدم أن لا تعبدوا ~~الشيطان # [يس:60] وفي قوله: # وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم # [يس:61] وأما الحشر ففي قوله تعالى: # اصلوها اليوم # [يس:64] وبقوله: # اليوم نختم على أفواههم # [يس:65] إلى غير ذلك فلما ذكرهما وبينهما ذكر الأصل الثالث وهو الرسالة ~~فقال: { وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو ~~إلا ذكر وقرآن مبين }. # فقوله: { وما علمناه الشعر } إشارة إلى أنه معلم من عند ~~الله فعلمه ما أراد ولم يعلمه ما لم يرد. # فإن قيل: لم خص الشعر بنفي التعليم مع أن الكفار كانوا ينسبون إلى النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أشياء من جملتها السحر، والكهانة ولم يقل: وما ~~علمناه السحر وما علمناه الكهانة؟ # فالجواب: أما الكهانة فكانوا ينسبون النبي - صلى الله عليه وسلم - إليها ~~عندما كان خبر عن الغيوب ويكون كما يقول. وأما السحر فكانوا ينسبونه إليه ~~عندما كان يفعل ما لا يقدر عليه الغير كشق القمر، وتكلم الحجر، ~~والجذع وغير ذلك، وأما الشعر فكانوا ينسبونه إليه عندما كان يتلو ~~القرآن عليهم لكنه - عليه (الصلاة و) السلام - ما كان يتحدى إلى ~~بالقرآن كما قال تعالى: # وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا ~~فأتوا بسورة من مثله # [البقرة: 23] إلى غير ذلك ولم يقل: إن كنتم في شك من رسالتي فاقطعوا ~~الجذوع أو أشبعوا الخلق العظيم أو أخبروا الغيوب فلما كان تحديه عليه ~~(الصلاة و) السلام بالكلام وكانوا ينسبونه إلى الشعر عند الكلام خص الشعر ~~بنفس التعليم. # قوله: " إن هو " أي (إن) القرآن، دل عليه السياق أو إن المعلم " ~~إلا ذكر " يدل عليه: " وما علمناه " والضمير في قوله " له " ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم - وقيل: للقرآن. # قوله: " إلا ذكر " موعظة " وقرآن مبين " فيه الفرائض ~~والحدود والأحكام. # قوله: " لينذر " قرأ نافع وابن عامر هنا وفي الأحقاف " لتنذر " ~~خطابا، والباقون بالغيبة بخلاف عن ms7328 البزي في الأحقاف، والغيبة يحتمل ~~أن يكون الضمير فيما للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأن يكون للقرآن. وقرأ ~~الجحدري واليماني " لتنذر " مبنيا للمفعول. وأبو ~~السمال واليماني أيضا - لينذر - بفتح الياء والذال من نذر ~~بكسر الذال أي علم فتكون " من " فاعلا. # فصل # المعنى لتنذر القرآن من كان حيا يعني مؤمنا حي القلب لأن ~~الكافر كالميت في أنه لا يتدبر ولا يتفكر قال تعالى: # أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا ~~يمشي به في الناس # [الأنعام:122]. وقيل: من كان حيا أي عاقلا وذكر الزمخشري في " ربيع ~~الأبرار " " ويحق القول " ويجب العذاب على الكافر. ### || [36.71-76] # ثم إنه تعالى أعاد الوحدانية والدلائل عليها فقال: { أولم يروا ~~أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ } أي من جملة ما عملت ~~أيدينا أي ما عملناه من غير معين ولا ظهير بل عملناه بقدرتنا وإرادتنا { ~~أنعاما فهم لها مالكون } ضابطون قاهرون أي لم يخلق الأنعام ~~وحشية نافرة من بني آدم لا يقدرون على ضبطها بل هي مسخرة لهم كقوله: " ~~وذللناها لهم " ، " سخرناها لهم ". " فمنها ~~ركوبهم " أي ما يركبون وهي الإبل " ومنها يأكلون " من ~~لحمانها. # قوله: " ركوبهم " أي مركوبهم كالحلوب والحصور بمعنى المفعول ~~وهو لا ينقاس. وقرأ أبي وعائشة " ركوبتهم " بالتاء وقد عد بعضهم ~~دخول التاء على هذه الزنة شاذا وجعلها الزمخشري في قول بعضهم جمعا ~~يعني اسم جمع وإلا فلم يرد في أبنية التكسير هذه الزنة. وقد عد ابن مالك ~~أيضا أبنية أسماء الجموع فلم يذكر فيها فعولة، وقرأ الحسن وأبو ~~البرهسم والأعمش ركوبهم بضم الراء، ولا بد من حذف مضاف إما من الأول ~~أي فمن منافعها ركوبهم وإما من الثاني أي ذو ركوبهم. قال ابن خالويه ~~العرب تقول: ناقة حلوب ركوب وركوبة حلوبة وركباة ~~حلباة وركبوت حلبوت وركبى حلبى وركبوتا ~~(حلبوتا) وركبانة حلبانة وأنشد: # 4188- ركبانة حلبانة زفوف # تخلط بين وبر وصوف # فصل # لما بين الركوب والأكل ذكر غير ذلك فقال: { ولهم فيها منافع ~~ومشارب } فالمراد بالمنافع أصوافها وأوبارها وأشعراها ونسلها ~~وبالمشارب ألبانها، والمشارب جمع مشرب بالفتح مصدرا ms7329 ومكانا. ثم ~~قال: " أفلا يشكرون " رب هذه النعم " واتخذوا من دون ~~الله آلهة " إشارة إلى بيان زياة ضلالهم لأنه كان الواجب عليهم ~~عبادة الله شكرا لأنعمه فتركوها، وأقبلوا على عبادة من لا يضر ولا ~~ينفع " لعلهم ينصرون " أي ليمنعهم من عذاب الله ولا يكون ذلك، ~~والضمير في قوله: " لا يستطيعون " إما للآلهة وإما لعابديها وكذلك ~~الضمائر بعده. قال ابن عباس: لا تقدر الأصنام على نصرهم ومنعهم من ~~العذاب { وهم لهم جند محضرون } أي الكفار جند للأصنام ~~فيغضبون لها ويحضرونها في الدنيا وهي لا تسوق لهم خيرا ولا تستطيع لهم ~~نصرا، وقيل: هذا في الآخرة يؤتى بكل معبود من دون الله ومعه أبتاعه ~~الذين عبدوه كأنه جند(ه) يحضرون في النار. وهذا إشارة إلى الحشر بعد ~~تقرير التوحيد. وهذا كقوله تعالى: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [الأنبياء:98] وقوله: # احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا ~~يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم # [الصافات:22-23]. # قوله: " فلا يحزنك " قد تقدم قراءة " يحزن " و " يحزن ". " ~~قولهم " يعني قول الكفار في تكذيبك وهذا إشارة إلى الرسالة لأن ~~الخطاب معه بما يوجب تسلية قلبه { إنا نعلم ما يسرون وما ~~يعلنون } ما يسرون في ضمائرهم وما يعلنون من عبادة الأصنام أو ما ~~يعلنون بألسنتهم من الأذى. ### || [36.77-83] # قوله تعالى: { أولم ير الإنسان أنا خلقناه من ~~نطفة } لما ذكر دليلا من الآفاق على وجوب عبادته بقوله: # أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ ~~أنعاما # [يس:71] ذكر دليلا من الأنفس فقال: { أولم ير الإنسان أنا ~~خلقناه من نطفة } ، قيل: المراد بالإنسان # " أبي بن خلف الجمحي خاصم النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~إنكار البعث وأتاه بعظم قد بلي ففتته بيده وقال: أترى يحيي الله ~~هذا العظم بعدما رم فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: نعم ~~ويبعثك ويدخلك النار " # فأنزل الله هذه الآيات قال ابن الخطيب: وقد ثبت في أصول الفقه أن ~~الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ألا ترى قوله تعالى: # قد سمع الله قول التي ms7330 تجادلك في زوجها # [المجادلة:1] نزلت في واحدة وأراد الحكم في الكل فكذلك كل إنسان ينكر ~~الله أو الحشر هذه الآية رد عليه وقوله: { فإذا هو خصيم ~~مبين } أي جدل بالباطل " مبين " بين الخصومة. وفي (هذه) الآية ~~لطيفة وهي أن اختلاف صور أعضائه مع تشابه أجزاء النطفة آية ظاهرة ومع ذلك ~~فهناك ما هو أظهر، وهو نطقه وفهمه لأن النطفة جسم فهب أن جاهلا ~~يقول إنه استحال جسما آخر لكن القوة الناطقة، والقوة الفاهمة من أين ~~تقتضيهما النطفة فإبداع النطق والفهم أعجب وأغرب من إبداع الخلق والجسم ~~وهو (إلى) إدراك القوة والاختيار منه أقرب فقوله: " خصيم " أي ناطق، ~~وإنما ذكر الخصيم مكان الناطق لأنه أعلى أحوال الناطق فإن الناطق مع نفسه ~~لا يبين كلامه مثل ما يبينه وهو يتكلم مع غيره والمتكلم مع غيره إذا لم ~~يكن خصما لا يبين ولا يجتهد مثل ما يجتهد إذا كان كلامه مع خصمه. # قوله (تعالى): { وضرب لنا مثلا ونسي خلقه } قرأ زيد بن ~~علي: " ونسي خالقه " بزنة اسم الفاعل. # فصل # المعنى: " ونسي خلقه " أي بدء أمره { قال من يحيي العظام ~~وهي رميم } قيل: فعيل بمعنى فاعل، وقيل: مفعول فعلى الأول عدم ~~التاء غير مقيس. وقال الزمخشري: الرميم اسم لما بلي من العظام غير ~~صفة كالرمة والرفات فلا يقال: لم لم يؤنث وقد وقع خبرا لمؤنث ولا هو ~~فعيل بمعنى فاعل أو مفعول وقال البغوي ولم يقل: رميمة لأنه معدول من ~~فاعله فكل ما كان معدولا عن وجهه ووزنه كان مصروفا إعرابه كقوله: # وما كانت أمك بغيا # [مريم:28] أسقط الهاء لأنها مصروفة عن " باغية ". # فصل # هذه الآية وما بعدها إشارة إلى بيان الحشر، واعلم أن المنكرين للحشر ~~منهم من لم يذكر فيه دليلا ولا شبهة بل اكتفى بمجرد الاستبعاد وهم ~~الأكثرون كقولهم: # وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق ~~جديد # [السجدة:10] # أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون # [المؤمنين:82] { قال من يحيي العظام وهي رميم } على طريق ~~الاستعباد، فأبطل استبعادهم بقوله: " نسي خلقه " أي ms7331 نسي أنا ~~خلقناه من تراب ومن نطفة متشابهة (الأجزاء)، ثم جعلنا لهم من النواصي ~~إلى الأقدام أعضاء مختلفة الصورة، وما اكتفينا بذلك حتى أودعناهم ما ليس ~~من قبيل هذه الأجرام وهو النطق والعقل اللذي(ن) بهما استحقوا الإكرام ~~فإن كانوا يقنعون بمجرد الاستبعاد فهلا يستبعدون خلق الناطق العاقل من ~~نطفة قذرة لم تكن محلا للحياة أصلا ويستبعدون إعادة النطق والعقل ~~إلى محل كانا فيه. واختاروا العظم بالذكر لأنه أبعد عن الحياة لعدم ~~الإحساس فيه ووصفوه بما يقوي جانب الاستبعاد من البلى والتفتت. ~~والله تعالى دفع استبعادهم من جهة ما في العبد من القدرة والعلم فقال: { ~~وضرب لنا مثلا } أي جعل قدرتنا كقدرتهم " ونسي خلقه " ~~العجيب وبدأه الغريب. ومنهم من ذكر شبهة وإن في آخرها يعود إلى مجرد ~~الاستبعاد وهي على وجهين: # الأول: أنه بعد العدم لن يبقى شيء فكيف يصح على العدم الحكم بالوجود؟! # فأجاب الله عن هذه الشبهة بقوله تعالى: { الذي أنشأهآ أول ~~مرة } يعني كما خلق الإنسان ولم يكن شيئا مذكورا كذلك يعيده وإن لم ~~يبق شيئا مذكورا. # الثاني: أن من تفرقت أجزاؤه في مشارق الأرض ومغاربها وصار بعضه في ~~أبدان السباع، وبعضه في حواصل الطيور وبعض في جدران الرباع كيف ~~يجمتع؟ وأبعد من هذا: لو أكل الإنسان إنسانا وصار أجزاء المأكول في ~~أجزاء الآكل (فإن أعيدت أجزاء الآكل) فلا يبقى للمأكول أجزاء تتخلق منها ~~أعضاء وإما أن تعاد إلى بدن المأكول فلا يبقى للآكل أجزاء. فأبطل الله ~~تعالى هذه الشبهة بقوله: { وهو بكل خلق عليم }. ووجهه: أن ~~في الأكل أجزاء أصلية وأجزاء فضلية وفي المأكول كذلك فإذا أكل إنسان ~~إنسانا صار الأصلي من أجزاء المأكول فضليا من أجزاء الآكل والأجزاء ~~الأصلية للآكل هي ما كان قبل الأكل فالله بكل خلق عليم يعلم الأصل من ~~الفضل فيجمع الأجزاء الأصلية للآكل ويجمع الأجزاء الأصلية للمأكول وينفخ ~~فيه روحا وكذلك يجمع أجزاءه المتفرقة في البقاع المتبددة بحكمته ~~وقدرته. # ثم إنه تعالى عاد إلى تقرير ما تقدم من دفع استبعادهم وإبطال إنكارهم ms7332 ~~فقال: { الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا } هذه ~~قراءة العامة، وقرىء الخضراء اعتبارا بالمعنى، وقد تقدم أنه يجوز ~~تذكر اسم الجنس وتأنيثه قال تعالى: # نخل منقعر # [القمر:20] # نخل خاوية # [الحاقة:7]، وتقدم أن بني تميم ونجد يذكرونه، والحجاز يؤنثونه إلا ~~ألفاظا استثنيت. # فصل # قال ابن عباس: هما شجرتان يقال لإحداهما المرخ وللأخرى العفار فمن أراد ~~منهما النار قطع منهما غصنين مثل السواكين وهما خضراوان يقطران الماء ~~فيسحق المرخ على العفار فيخرج منهما النار بإذن الله تعالى. # وتقول العرب: في كل شجر نار واستمجد المرخ العفار. وقالت ~~الحكماء: في كل شجرنا إلا العناب. # قوله: { فإذآ أنتم منه توقدون } أي تقدحون وتوقدون ~~النار من ذلك الشجر، ثم ذكر ما هو أعظم من خلق الإنسان فقال { أوليس ~~الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق ~~مثلهم } هذه قراءة العامة ودخلت الباء زائدة على اسم الفاعل، ~~والجحدري وابن أبي إسحاق والأعرج " يقدر " فعلا مضارعا، والضمير ~~في مثلهم قيل: عائد على الناس لأنهم هم المخاطبون وقيل: على السموات ~~والأرض لتضمنهم من يعقل، ثم قال: " بلى " (أي قل بلى) هو قادر على ~~ذلك { وهو الخلاق العليم } (يخلق خلقا بعد خلق) العليم ~~بجميع ما خلق و " بلى " جواب " لليس " وإن دخل عليها الاستفهام ~~لتصيرها إيجابا، والعامة على " الخلاق " صيغة مبالغة، والجحدري ~~والحسن ومالك بن دينار " الخالق " اسم فاعل. # قوله: { إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون }. تقدم الخلاف في " فيكون " نصبا ورفعا وتوجيه ذلك في ~~البقرة. # قوله: { فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء } قرأ ~~طلحة والأعمش ملكة بزنة شجرة. وقرىء مملكة بزنة مفعلة ~~وقرىء ملك. والملكوت أبلغ الجميع، والعامة على " ترجعون " مبنيا ~~للمفعول، وزيد بن علي مبنيا للفاعل وتقدم الكلام على قوله " ~~سبحان " والتسبيح التنزيه، والملكوت مبالغة في الملك ~~كالرحموت، والرهبوت، وهو فعلول أو فعلوت فيه كلام، قال - ~~عليه (الصلاة و) السلام -: # " اقرءوا على موتاكم يس " # وقال عليه (الصلاة) والسلام: # " لكل شيء قلب، وإن قلب القرآن سورة يس ومن قرأ ~~يس كتب الله له ms7333 بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات ~~" # ، وعن عائشة قالت:قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # " إن في القرآن سورة تشفع لقارئها ويغفر لمستمعها ~~ألا وهي سورة يس " # وعن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - # " يس تدعى المعمة قيل: يا رسول الله: وما المعمة؟ قال: تعم ~~صاحبها خير الدنيا والآخرة وتدعى الدافعة القاضية ~~تدفع عنه كل سوء وتقضي له كل حاجة، ومن قرأها ~~عدلت له عشرين حجة ومن سمعها كان له ألف ~~دينار في سبيل الله ومن كتبها وشربها أدخلت ~~جوفه ألف دواء وألف يقين وألف رأفة ونزع منه كل ~~داء وغل " # ، وعن أبي أمامة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - # " من قرأ يس يريد بها وجه - عز وجل - غفر الله ~~له وأعطي من الأجر كأنما قرأ القرآن اثنتي عشرة ~~مرة، وأيما مريض قرىء عنده سورة يس نزل عليه ~~بقدر كل حرف عشرة أملاك، يقومون بين يديه صفوفا ~~فيصلون عليه ويستغفرون عليه ويشهدون قبضه ~~وغسله ويتبعون جنازته ويصلون عليه ويشهدون ~~دفنه وأيما مريض قرأ سورة يس وهو في سكرات الموت ~~لم يقبض ملك الموت روحه حتى يجيئه رضوان خازن ~~الجنان بشربة من الجنة فيشربها وهو على فراشه ~~فيموت وهو ريان ويبعث وهو ريان، ويحاسب وهو ~~ريان ولا يحتاج إلى حوض من حياض الأنبياء، حتى ~~يدخل الجنة وهو ريان " # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " من قرأ سورة يس في ليلة أصبح مغفورا له " # وعن أنس ين مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " من دخل المقابر فقرأ سورة يس خفف عنهم يومئذ ~~وكان له بعدد من فيها حسنات " # وعن يحيى بن أبي كثير قال: بلغنا أنه " من قرأ يس حين ~~يصبح لم يزل في فرح حتى يمسي ومن قرأها حين ~~يمسي لم يزل في فرح حتى يصبح ". ### | [37 - سورة الصافات] ### || [37.1-5] # قوله تعالى: { والصافات صفا } قرأ أبو عمرو وحمزة بإدغام التاء ms7334 ~~من " الصافات " و " الزاجرات " و " التاليات " في صاد " ~~صفا " وزاي " زجرا " وذال " ذكرا " ، وكذلك فعلا في # والذاريات ذروا # [الذاريات:1] وفي # فالملقيات ذكرا # [المرسلات:5]، وفي # والعاديات ضبحا # [العاديات:1] بخلاف عن خلاد في الأخيرين وأبو عمرو جار على أصله في ~~إدغام المتقاربين كما هو المعروف من أصله، وحمزة خارج عن أصله. والفرق ~~بين مذهبيهما أن أبا عمرو يجيز الروم وحمزة لا يجيزه وهذا كما اتفقا في ~~إدغام # بيت طآئفة # [النساء:81] وإن كان ليس من أصل حمزة إدغام مثله. وقرأ الباقون بإظهار ~~جميع ذلك. # قال الواحدي: إدغام التاء في الصاد حسن لمقاربة الحرفين، ألا ترى أنهما ~~من طرف اللسان وأصول الثنايا يسمعان في الهمس والمدغم فيه يزيد على ~~المدغم بالإطباق والصفير وإدغام الأنقص في الأزيد حسن ولا يجوز أن يدغم ~~الأزيد صوتا في الأنقص. # وأيضا إدغام التاء في الزاي في قوله: { فالزاجرات زجرا } حسن ~~لأن التاء مهموسة والزاي مجهورة وفيها زيادة صفير كما كان في الصاد. ~~وأيضا حسن إدغام التاء في الذال في قوله: { فالتاليات ذكرا ~~} لاتفاقهما في أنهما من طرف اللسان وأصول الثنايا. وأما من قرأ ~~بالإظهار فلاختلاف المخارج ومفعول " الصافات " " والزاجرات " ~~غير مراد إذ المعنى الفاعلات لذلك. وأعرب أبو البقاء " صفا " مفعولا ~~به على أنه قد يقع على المصفوف. وهذا ضعيف، وقيل: وهو مراد والمعنى ~~والصافات أنفسها وهم الملائكة، أو المجاهدون أو المصلون أو الصافات ~~أجنحتها وهي الطير، كقوله: # والطير صآفات # [النور: 41] والزاجرات: السحاب أو العصاة إن أريد بهم العلماء، والزجر ~~الدفع بقوة وهو قوة التصويت وأنشد: # 4189- زجر أبي عروة السباع إذا # أشفق أن يختلطن بالغنم # وزجرت الإبل والغنم إذا فزعت من صوتك. وأما " ~~والتاليات " فيجوز أن يكون " ذكرا " مفعوله، والمراد بالذكر القرآن ~~وغيره من تسبيح وتحميد، ويجوز أن يكون " ذكرا " مصدرا أيضا من معنى ~~التاليات، وهذا أوفق لما قبله. قال الزمخشري: الفاء في " فالزاجرات ~~" (وفي) فالتاليات إما أن تدل على ترتيب معانيها في الوجود كقوله: # 4190- يا لهف زيابة للحارث الص # صابح فالغانم فالآيب # أي الذي صبح فغنم فآب، وإما على ms7335 ترتبها في التفاوت من بعض الوجوه كقولك: ~~خذ الأفضل فالأكمل واعمل الأحسن فالأجمل، وإما على ترتب موصوفاتها في ذلك ~~كقوله (صلى الله عليه وسلم): # " رحم الله المحلقين فالمقصرين " # فأما هنا فإن وجدت الموصوف كانت للدلالة على ترتب الصفات في التفاضل، ~~فإذا كان الموحد الملائكة فيكون الفضل للصف ثم للزجر، ثم للتلاوة وعلى ~~العكس وإن ثلثت الموصوف فترتب في الفضل، فيكون " الصافات " ذوات فضل ~~والزاجرات أفضل (و التاليات أبهر فضلا أو على العكس يعني بالعكس في ~~الموضعين أنك ترتقي من أفضل) إلى فاضل إلى مفضول أو تبدأ بالأدنى ثم ~~بالفاضل ثم بالأفضل. # والواو في هذه للقسم، والجواب قوله: { إن إلهكم لواحد }. # وقد ذكر الكلام في الواو (و) الثانية والثالثة هي للقسم أو للعطف. # فصل # قال ابن عباس والحسن وقتادة: والصافات صفا هم الملائكة في السماء ~~يصفون كصفوف الخلق في الدنيا للصلاة وقال - عليه (الصلاة و) السلام -: # " ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم "؟ ~~قلنا: وكيف تصف الملائكة عند ربهم قال: " ~~يتمون الصفوف المقدمة ويتراصون في الصف " # وقيل: هم الملائكة تصف أجنحتها في الهواء واقفة حتى يأمر(ها) ~~الله بما يريد، وقيل: هي الطير لقوله تعالى " والطير صافات " " ~~فالزاجرات زجرا " يعني الملائكة تزجر السحاب وتسوقه، وقال قتادة: هي ~~زواجر القرآن تنهى وتزجر عن القبيح " فالتاليات ذكرا " هم الملائكة ~~يتلون ذكر الله وقيل: هم جماعة قراء القرآن، وهذا كله قسم، وقيل: فيه ~~إضمار، أي ورب الصافات والزاجرات والتاليات. # فصل # قال أبو مسلم الأصفهاني لا يجوز حمل هذه الألفاظ على الملائكة لأنها ~~مشعرة بالتأنيث والملائكة مبرأون عن هذه الصفة، وأجيب بوجهين: # الأول: أن الصافات جمع الجمع فإنه يقال جماعة صافة، ثم يجمع على صافات. # والثاني: أنهم مبرأون عن التأنيث المعنوي وأما التأنيث اللفظي فلا وكيف ~~وهم يسمون بالملائكة مع أن علامة التأنيث حاصلة. # فصل # اختلف الناس ههنا في المقسم به على قولين: # أحدهما: أن المقسم به خالق هذه الأشياء لنهيه - صلى الله عليه وسلم ~~- عن الحلف بغير الله تعالى ولأن الحلف في مثل هذا الموضع ms7336 تعظيم للمحلوف ~~به، ومثل هذا التعظيم لا يليق إلا بالله تعالى ومما يؤكد هذا أنه تعالى ~~صرح به في قوله: # والسمآء وما بناها والأرض وما طحاها ونفس وما ~~سواها # [الشمس:5-7] # الثاني: أن المقسم به هو هذه الأشياء لظاهر اللفظ فالعدول عنه خلاف ~~الدليل وأما قوله تعالى: { وما بناها } فإنه علق لفظ القسم بالسماء ~~ثم عطف عليه القسم بالباء في السماء ولو كان المراد من القسم بالسماء ~~القسم بمن بنى السماء لزم التكرار في موضع واحد وأنه لا يجوز وأيضا لا ~~يبعد أن تكون الحكمة في قسم الله تعالى بهذه الأشياء التنبيه على شرف ~~ذواتها. # فإن قيل: ذكر الحلف في هذا الموضع غير لائق وبيانه من وجوه: # الأول: أن المقصود من هذا القسم إما إثبات هذا المطلوب عند المؤمن أو ~~عند الكافر. والأول باطل لأن المؤمن مقر به من غير حلف. # والثاني: باطل لأن الكافر لا يقر به سواء حصل الحلف أو لم يحصل فهذا ~~الحلف عديم الفائدة على كل تقدير. # الثالث: أنه تعالى أقسم في أول هذه السورة على أن الإله واحد وأقسم في ~~أول سورة الذاريات على أن القيامة حق فقال: # والذاريات ذروا # [الذاريات:1] إلى قوله: # إنما توعدون لصادق وإن الدين لواقع # [الذاريات:5، 6]. وإثبات هذه المطالب العالية الشريفة على المخالفين من ~~الدهرية وأمثالهم بالحلف لايليق بالعقلاء. # فالجواب: من وجوه: # الأول: أنه قرر التوحيد وصحة البعث والقيامة في سائر السور بالدلائل ~~اليقينية فلما تقدم ذكر تلك الدلائل لم يبعد تقريرها بذكر القسم تأكيدا ~~لم تقدم لا سيما والقرآن أنزل بلغة العرب وإثبات المطالب بالحلف واليمين ~~طريقة مألوفة عند العرب. # الثاني: أنه تعالى لما أقسم بهذه الأشياء على صحة قوله تعالى: { إن ~~إلهكم لواحد } ذكر عقيبه ما هو الدليل اليقيني في كون الإله واحدا وهو ~~قوله تعالى: { رب السماوات والأرض وما بينهما ~~ورب المشارق } وذلك لأنه تعالى بين في قوله: # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا # [الانبياء:22] أن انتظام أحوال السماوات والأرض يدل على أن الإله ~~واحد فههنا لما قال: ms7337 { إن إلهكم لواحد } أردفه: { رب السموات ~~والأرض وما بينهما ورب المشارق } كأنه قيل: بينا أن النظر في انتظام ~~هذه العالم يدل على كون الإله واحدا فتأملوا ليحصل لكم العلم بالتوحيد. # الثالث: أن المقصود من هذا الكلام الرد على عبدة الأصنام في قولهم: ~~بأنها آلهة فكأنه قيل: إن هذا المذهب قد بلغ في السقوط والركاكة إلى ~~حيث يكفي في إبطاله مثل هذه الحجة. # قوله: { رب السماوات } يجوز يكون خبرا ثانيا، وأن يكون بدلا ~~من " لواحد " وأن يكون خبر مبتدأ مضمر، وجمع المشارق والمغارب ~~باعتبار جميع السنة فإن للشمس ثلثمائة وستين مشرقا وثلثمائة وستين ~~مغربا، وأما قوله: " المشرقين والمغربين " فباعتبار ~~الصيف والشتاء، وقيل: المراد بالمشارق مشارق الكواكب، لأن لكل ~~كوكب مشرقا ومغربا، (وقيل: كل موضع شرقت عليه الشمس فو مشرق وكل موضع ~~غربت عليه الشمس فهو مغرب كأنه أراد رب جميع ما شرقت عليه الشمس وغربت). # فإن قيل: لم اكتفى بذكر المشارق؟. # فالجواب: من وجهين: # الأول: أراد المشارق والمغارب كما قال في موضع آخر: # فلا أقسم برب المشارق والمغارب # [المعارج:40] وأنه اكتفى بذكر المشارق كقوله: # تقيكم الحر # [النحل:81]. # والثاني: أن الشروق قوى حالا من الغروب وأكثر نفعا من الغروب فذكر ~~المشرق بينهما على كثرة إحسان الله تعالى على عباده. ولهذه الدقيقة استدل ~~إبراهيم - عليه (الصلاة و) السلام - بالمشرق فقال: # فإن الله يأتي بالشمس من المشرق # [البقرة:258]. # فصل # دل قوله تعالى: { رب السماوات والأرض وما بينهما ~~} على كونه تعالى خالقا لأعمال العباد، لأن أعمال العباد موجودة ~~فيما بين السموات والأرض وهذه الأية دلت على أن كل ما حصل بين السموات ~~والأرض فالله ربه ومالكه وهذا يدل على أن فعل العبد حصل بخلق الله. # فإن قيل: الأعراض لا يصح وصفها بأنها حصلت بين السموات والأرض لأن هذا ~~الوصف إنما يكون حاصلا في حيز وجهة والأعراض ليست كذلك. # قلنا: إنها لما كانت حاصلة في الأجسام الحاصلة بين السماء والأرض فهي ~~أيضا حاصلة بين السموات والأرض. ### || [37.6-11] # قوله: { إنا زينا السمآء الدنيا بزينة الكواكب ~~} قرأ عاصم ms7338 برواية أبي بكر: " بزينة " منونة ونصب " الكواكب " وفيه ~~وجهان: # أحدهما: أن تكون الزنية مصدرا، وفاعله محذوف بأن زين الله الكواكب في ~~كونها مضيئة حسنة في أنفسها. # والثاني: أن الزينة اسم لما يزان به كالليقة اسم لما يلاق به ~~الدواة فتكون الكواكب على هذا منصوبة بإضمار أعني أو يكون بدلا من ~~(ال)سماء الدنيا بدل اشتمال أي كواكبها أو من محل " بزينة " ~~وحمزة وحفص كذلك إلا أنهما خفضا الكواكب على أن يراد بزينة ما يزان ~~به، والكواكب بدل أو بيان للزينة وهي قراءة مسروق بن الأجدع. قال الفراء: ~~وهو رد معرفة على نكرة كقوله: " بالناصية. ناصية كاذبة " ~~فرد نكرة على معرفة، وقال الزجاج: الكواكب بدل من الزينة لأنها هي كقولك: ~~" مررت بأبي عبد الله زيد ". والباقون بإضافة زينة إلى ~~الكواكب. وهي تحتمل ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون إضافة أعم إلى أخص فتكون للبيان نحو: ثوب خز. # الثاني: أنها مصدر مضاف لفاعله أي بأن زينت الكواكب السماء ~~بضوئها. # والثالث: أنه مضاف لمفعوله أي بأن زينها الله بأن جعلها مشرقة مضئية في ~~نفسها، وقرأ ابن عباس وابن مسعود بتنوينها وبرفع الكواكب فإن جعلتها ~~مصدرا ارتفع الكواكب به، وإن جعلتها اسما لما يزان به فعلى هذا ترتفع " ~~الكواكب " بإضمار مبتدأ أي هي الكواكب. وهي في قوة البدل، ومنع الفراء ~~إعمال المصدر المنون وزعم أنه لم يسمع، وهو غلط لقوله تعالى: # إطعام في يوم ذي مسغبة # [البلد:14] كما سيأتي إن شاء الله. قوله: " وحفظا " منصوب على ~~المصدر، بإضمار فعل أي حفظناها حفظا، وإما على المفعول من أجله ~~على زيادة الواو، والعامل فيه زينا، أو على أن يكون العامل مقدرا ~~أي لحفظها زيناها أو على الحمل على المعنى المتقدم أي: إنا ~~خلقنا السماء الدينا زينة وحفظا، و " من كل " متعلق " بحفظا " إن ~~لم يكن مصدرا مؤكدا، وبالمحذوف إن جعل مصدرا مؤكدا؛ ويجوز أن يكون ~~صفة " لحفظا " ، قال المبرد: إذا ذكرت فعلا ثم عطفت عليه مصدر فعل ~~آخر نصبت المصدر لأنه قد دل على فعله كقولك: أفعل وكرامة ms7339 لما قال ~~أفعل علم أن الأسماء لا تعطف على الأفعال فكان المعنى أفعل ذاك ~~وأكرمك كرامة. # فصل # قال ابن عباس { زينا السماء الدنيا } بضوء الكواكب { وحفظناها من كل ~~شيطان مارد } متمرد يرمون بها، وتقدم الكلام على المارد عند قوله: # مردوا على النفاق # [التوبة: 101]. واعلم أنه تعالى بين أنه زين السماء لمنفعتين: # إحداهما: تحصل الزينة. # والثانية: الحفظ من الشيطان المارد. # فإن قيل: ثبت في علم الهيئة أن هذه الكواكب الثوابت مركوزة في الكرة ~~الثامنة وأن السيارات مركوزة في الكرات الستة المحيطة بسماء الدنيا ~~فكيف يصح قوله: إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب؟. # فالجواب: أن الناس الساكنين على سطح كرة الأرض إذا نظروا إلى السماء ~~فإنهم يشاهدو(ن)ها مزينة بهذه الكواكب فصح قوله تعالى: { إنا ~~زينا السمآء الدنيا بزينة الكواكب }. وأيضا فكون ~~هذه الكواكب مركوزة في الفلك الثامن لم يتم دليل الفلاسفة عليه. # فإن قيل: هذه الشهب التي يرمى بها هل هي من الكواكب التي زين الله ~~المساء بها أم لا؟ والأول باطل لأن هذه الشهب تبطل وتضمحل فلو ~~كانت هذه الشهب تلك الكواكب الحقيقة لوجب أن يظهر نقصان كثير في أعداد ~~كواكب السماء ولم يوجد ذلك فإن أعداد كواكب السماء باقية لم تتغير ألبتة ~~وأيضا فجعلها رجوما للشياطين مما يوجب وقوع النقصان في زينة السماء ~~فكان الجمع بين هذين المقصودين كالمتناقض. وإن كانت هذه الشهب جنسا آخر ~~غير الكواكب المركوزة في الفلك فهو أيضا مشكل لأنه تعالى قال في سورة ~~الملك: # ولقد زينا السمآء الدنيا بمصابيح وجعلناها ~~رجوما للشياطين # [الملك:5] فالضمير في قوله: " وجعلناها " عائد إلى المصابيح فوجب ~~أن تكون تلك المصابيح هي الرجوم بأعينها. # فالجواب: أن الشهب غير تلك الكواكب الثاتبة وأما قوله تعالى: { ولقد ~~زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين } فنقو(ل) كل نير ~~يحصل في الجو العالي فهو مصباح لأهل الأرض إلا أن تلك المصابيح منها ~~باقية على وجه الأرض آمنة من التغير والفساد ومنها ما لا يكون كذلك وهي ~~هذه الشهب التي يحدثها الله تعالى ويجعلها رجوما للشياطين ms7340 إلى حيث ~~يعلمون وبهذا يزول الإشكال. # فإن قيل: كيف يجوز أن تذهب الشياطين حيث يعلمون أن الشهب تحرقهم ولا ~~يصلون إلى مقصودهم البتة وهل يمكن أن يصدر (مثل) هذا الفعل عن عاقل فكيف ~~من الشياطين الذين لهم مزية في معرفة الحيل الدقيقة؟. # فالجواب: أن حصول هذه الحال ليس له موضع معين وإلا لم يذهبوا إليه وإنما ~~يمنعون من المصير إلى مواضع الملائكة ومواضعها مختلفة فربما صاروا إلى ~~موضع تصيبهم الشهب وربما صاروا إلى غيره ولا صادفوا الملائكة ولا تصيبهم ~~الشهب فلما هلكوا في بعض الأوقات وسلموا في بعض الأوقات جاز ان يصيروا ~~إلى مواضع يغلب على ظنونهم أنهم لا تصيبهم الشهب فيما كما يجوز فيمن ~~سلك البحر أن يسلكه في موضع يغلب على ظنه حصول النجاة. هذا ما ذكره ~~أبو علي الجبائي في الجواب عن (هذا) السؤال في تفسيره وفي هذا ~~الجواب نظر فإن السموات ليس فيها موضع خال من الملائكة لقوله - عليه ~~(الصلاة و) السلام -: # " أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع ~~قدم إلا وفيه ملك قائم أو ساجد " # ، قال ابن الخطيب: ولقائل أن يقول: إنهم إذا صعدوا إما أن يصلوا إلى ~~مواضع (الملائكة) وإلى غير (تلك) المواضع فإن وصلوا إلى مواضع الملائكة ~~احترقوا وإن وصلوا إلى غير مواضع الملائكة لم يفوزوا بمقصود أصلا وعلى ~~كلا التقديرين فالمقصود غير حاصل. وإذا كان الفوز بالمقصود محالا وجب أن ~~يمتنعوا عن هذا الفعل وألا يقدموا عليه أصلا بخلاف حال المسافر في البحر ~~فإن الغالب عليهم السلامة والفوز بالمقصود وأما ههنا فالشيطان الذي يسلم ~~من الإحراق إنما يسلم إذا لم يصل إلى مواضع الملائكة وإذا لم يصل إلى ذلك ~~الموضع لم يفز بالمقصود فوجب أن لا يعود إلى هذا العمل البتة والأقرب في ~~الجواب أن يقال هذه الواقعة إنما تتفق في الندرة فلعلها لا تشتهر بسبب ~~ندرتها فيما بين الشياطين. والله أعلم. فإن قيل: دلتنا التواريخ ~~المتواترة على أن حدوث الشهب كان حاصلا قبل مجيء النبي - صلى الله عليه ~~وسلم- (ولذلك) ms7341 فإن الحكماء الذين كانوا موجودين قبل مجيء النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بزمان طويل ذكروا ذلك وتكلموا في سبب حدوثه وإذا ثبت أن ~~ذلك كان موجودا قبل مجيء النبي - صلى الله عليه وسلم - امتنع حمله على ~~مجيء النبي - صلى الله عليه وسلم - أجاب القاضي بأن الأقرب أن هذه ~~الحالة كانت موجودة قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكنها كثرت في ~~زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - فصارت بسبب الكثرة معجزة. # فإن قيل: الشيطان مخلوق من النار كما حكي عن قول إبليس # خلقتني من نار # [الأعراف:12] وقال: # والجآن خلقناه من قبل من نار السموم # [الحجر:27] ولهذا السبب يقدر على الصعود إلى السموات وإذا كان كذلك فكيف ~~يعقل إحراق النار بالنار؟. # فالجواب: يحتمل أن الشياطين وإن كانوا من النيران إلا أنها نيران ~~ضعيفة ونيران الشهب أقوى حالا منهم ولا جرم صار الأقوى للأضعف ~~مبطلا، ألا ترى أن السراج الضعيف إذا وضع في النار القوية فإنه ينطفىء ~~فكذلك ههنا. # قوله: " لا يسمعون " قرأ الأخوان وحفص بتشديد السين (فالميم) ~~والأصل يستمعون فأدغم، والباقون بالتخفيف فيهما. واختار أبو ~~عبيد الأولى وقال: لو كان مخففا لم يتعد بإلى. وأجيب عنه بأن معنى ~~الكلام لا يسمعون إلى الملأ، وقال مكي: لأنه جرى مجرى مطاوعه وهو ~~يسمعون فكما كان يسمع يتعدى " بإلى " تعدى سمع بإلى، وفعلت ~~وافتعلت في التعدي سواء فتسمع مطاوع سمع واستمع أيضا مطاوع سمع ~~فتعدى سمع تعدي مطاوعه. وهذه الجملة منقطعة عما قبلها ولا يجوز فيها أن ~~تكون صفة لشيطان على المعنى إذ يصير التقدير: من كل شيطان ~~مارد غير سامع أو مستمع وهو فاسد، ولا يجوز أن يكون جوابا لسؤال ~~سائل: لم تحفظ من الشياطين؟ إذ يفسد معنى ذلك. # وقال بعضهم: وأصل الكلام لئلا يسمعوا فحذفت " اللام وأن " فارتفع الفعل ~~وفيه تعسف. وقد وهم أبو البقاء فجوز أن تكون صفة وأن تكون حالا ~~وأن تكون مستأنفة فالأولان ظاهرا الفساد والثالث إن عني به ~~الاستئناف البياني فهو فاسد أيضا. وإن أراد الانقطاع على ما تقدم ms7342 فهو ~~صحيح. # فصل # واحتجوا لقراءة التخفيف بقوله تعالى: # إنهم عن السمع لمعزولون # [الشعراء:212]. وروى مجاهد عن ابن عباس: أن الشياطين يسمعون إلى الملأ ~~الأعلى ثم يمنعون ولا يسمعون وللأولين أن يجيبوا فيقولوا التنصيص على ~~كونهم معزولين عن السمع لا يمنع من كونهم معزولين أيضا عن التسمع بدلالة ~~هذه الآية بل هذا أقوى في ردع الشياطين ومنعهم من استماع أخبار السماء ~~فإن الذي منع من الاستماع بأن يكون ممنوعا عن السمع أولى واعلم أن الفرق ~~بين قولك: سمعت حديث فلان وبين قولك: سمعت إلى حديثه أن ~~قولك: سمعت حديثه يفيد الإدراك وسمعت إلى حديثه يفيد الإصفاء مع ~~الإدراك، وفي قوله: { لا يسمعون إلى الملإ الأعلى } قولان أشهرهما: أن ~~تقدير الكلام لئلا يسمعوا، فلما حذف الناصب صار كقوله: # يبين الله لكم أن تضلوا # [النساء:176] وقوله: # رواسي أن تميد بكم # [النحل:15]. قال الزمخشري: حذف اللام وإن كل واحد منهما جائز بانفراده ~~وأما اجتماعهما فمن المنكرات التي يجب صون القرآن عنها، قال الزمخشري: ~~إنه كلام منقطع عما قبله وهو حكاية المسترقين السمع وأنهم لا ~~يقدرون أن يسمعوا إلى كلام الملائكة ويتسمعوا وهم مقذوفون بالشهب مدحورون ~~عن المقصود. والملأ الأعلى هم الملائكة الكتبة سكان السموات ومعنى ~~يقذفون يرمون من كل جانب من آفاق السماء. # قوله: " دحورا " العامة على ضم الدال. وفي نصبه أوجه: # أحدهما: المفعول له أي لأجل الطرد. # الثاني: مصدر ليقذفون أي يدحرون دحورا أو يقذفون قذفا ~~فالتجوز إما في الأول وإما في الثاني. # الثالث: أنه مصدر لمقدر أي يدحرون دحورا. # الرابع: أنه في موضع الحال أي ذوي دحور أو مدحورين. وقيل: هو ~~جمع داحر قاعد وقعود فيكون حالا بنفسه من غير تأويل. قال مجاهد: ~~دحورا مطرودين. وروي عن أبي عمرو أنه قرأ ويقذقون مبنيا للفاعل ~~وقرأ علي والسلمي وابن أبي عبلة دحورا بفتح الدال ~~وفيها وجهان: # أحدهما: أنه صفة لمصدر مقدر أي قذفا دحورا. وهو كالصبور ~~والشكور. # والثاني: أنه مصدر كالقبول والولوع وقد تقدم أنه محصور في ألفاظ، ~~والدحور قال المبرد: أشد الصغار ms7343 والذل. وقال ابن قتيبة: دحرته ~~دحورا ودحرا أي دفعته وطردته. وتقدم في الأعراف عند ~~قوله: # مذءوما مدحورا # [الأعراف:18]. # قوله: { ولهم عذاب واصب } قال مقاتل: دائم إلى النفخة الأولى. ~~وتقدم في سورة النحل في قوله: # وله الدين واصبا # [النحل:52]. # قوله: { إلا من خطف } فيه وجهان: # أحدهما: أنه مرفوع المحل بدلا من ضمير " لا يسمعون " وهو أحسن ~~لأنه غير موجب. # والثاني: أنه منصوب على أصل الاستثناء، والمعنى: أن الشياطين لا يسمعون ~~الملائكة إلا من خطف، قال شهاب الدين: ويجوز أن يكون " من " شرطية ~~وجوابها: " فأتبعه " أو موصولة وخبرها " فأتبعه ". وهو ~~استثناء منقطع وقد نصوا على أن مثل هذه الجملة تكون استثناء منقطعا ~~كقوله: # لست عليهم بمصيطر إلا من تولى وكفر # [الغاشية: 22، 23]، والخطفة مصدر معرف بأل الجنسية أو العهدية، وقرأ ~~العامة خطف بفتح الخاء وكسر الطاء مخففة، وقتادة والحسن بكسرهما ~~وتشديد الطاء. وهي لغة تميم بن مرة وبكر بن وائل. وعنهما أيضا وعن ~~عيسى: بفتح الخاء وكسر الطاء مشددة وعن الحسن (أيضا) خطف كالعامة. وأصل ~~القراءتين اختطف فلما أريد الإدغام سكنت التاء وقبلها الخاء ساكنة فكسرت ~~الخاء لالتقاء الساكنين ثم كسرت الطاء إتباعا لحركة الخاء وهذه [الأولى] ~~واضحة. وأما الثانية فمشكلة جدا لأن كسر الطاء إنما كان لكسر الخاء ~~وهو مفقود. وقد وجه على التوهم وذلك أنهم لما أرادوا الإدغام نقلوا ~~حركة التاء إلى الخاء ففتحت وهم يتوهمون أنهم مكسورة لالتقاء الساكنين - ~~كما تقدم تقريره - فأتبعوا الطاء لحركة الخاء المتوهمة، وإذا كانوا قد ~~فعلوا ذلك في مقتضيات الإعراب فلأن يفعلوه في غيره أولى. وبالجملة ~~فهو تعليل شذوذ، وقرأ ابن عباس خطف بكسر الخاء والطاء خفيفة. ~~وهو إتباع كقولهم: نعم بكسر النون والعين. وقرىء فاتبعه بالتشديد. # فصل # ومعنى الخطف أي اختلس الكلمة من كلام الملائكة مسارقة " فأتبعه " أي ~~لحقه شهاب ثاقب كوكب مضيء قوي لا يخطئه يقلته أو يحرقه، قيل: سمي ثاقبا ~~لأنه يثقب بنوره سبع سموات. وقال عطاء: سمي النجم الذي يرمي به ~~الشياطين ثاقبا لأنه يثقبهم وإنما يعودون إلى استراق السمع مع ms7344 ~~علمهم بأنهم لا يصلون إليه طمعا في السلامة ونيل المراد كراكب البحر. # قوله: { فاستفتهم } يعني كفار مكة أي سلهم { أهم أشد ~~خلقا أم من خلقنا } يعني السموات والأرض والجبال. وهو استفهام ~~بمعنى التقرير أي هذه الأشياء أشد خلقا كقوله: # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس # [غافر: 57] وقوله: # أأنتم أشد خلقا أم السمآء بناها # [النازعات:27]. (وقيل: معنى) أمن خلقنا (يعني): من الأمم ~~الخالية لأن من تذكر لمن يعقل. والمعنى أن هؤلاء ليسوا بأحكم خلقا من ~~غيرهم من الأمم وقد أهلكناهم في ذنوبهم فما الذي يؤمن هؤلاء من ~~العذاب. # قوله: " أمن خلقنآ " العامة على تشديد الميم. الأصل أم من ~~وهي " أم " المتصلة عطفت " من " على " هم " وقرأ الأعمش بتخفيفها وهو ~~استفهام ثان، فالهمزة للاستفهام أيضا و " من " مبتدأ وخبره محذوف أي ~~الذين خلقناهم أشد، فهما جملتان مستلقتان، وغلب من يعقل على غيره ولذلك ~~أتى " بمن " قوله: { إنا خلقناهم من طين لازب } أي جيد ~~حر لاصق يعلق باليد. # واللازب واللازم بمعنى. وقد قرىء: لازم، لأنه يلزم اليد، وقيل: ~~اللازب اللزج. وقال مجاهد والضحاك: منتن، وأكثر أهل اللغة على أن ~~الباء في اللازب بدل من الميم. # فصل # وجه النظم: أنه قد تقرر أن المقصود الأعظم من القرآن إثبات الأصول ~~الأربعة وهي الإلهيات والمعاد والنبوة وإثبات القضاء والقدر ~~فافتتح تعالى هذه السورة بإثبات ما يدل على وجود الصانع وعلى علمه ~~وقدرته وحكمته ووحدانيته وهو خالق السموات والأرض وما بينهما ورب ~~المشارق، ثم فرع عليها إثبات الحشر والنشر والقيامة وهو أن من قدر على ما ~~هو أصعب وأشق وجب أن يقدر على ما هو دونه وهو قوله: { فاستفتهم ~~أهم أشد خلقا أم من خلقنآ } فمن قدر على ما هو أشد ~~وأصعب فبأن يكون قادرا على إعادة الحياة في هذه الأجساد كان أولى. ~~وأيضا فقوله: { إنا خلقناهم من طين لازب } يعني أن هذه الأجساد قابلة ~~للحياة إذ لو تكن قابلة للحياة لما صارت حية في المرة الأولى والمراد ~~بقوله: { إنا خلقناهم من طين لازب } يعني أصلهم ms7345 وهو آدم ~~- عليه (الصلاة و) السلام - روي أن القوم قالوا: كيف يعقل تولد ~~الإنسان لا من أبوين ولا من نطفة؟ فكأنه تعالى قال لهم: إنكم لما أقررتم ~~بحدوث العالم واعترفتم بأن السموات والأرض وما بينهما إنما حصل ~~بتخليق الله تعالى وتكوينه فلا بد وأن يعترفوا بأن الإنسان الأول إنما ~~حدث لا من الأبوين فإن اعترفتم به فقد سقط قولكم: إن الإنسان كيف ~~يحدث من غير نطفة ومن غير الأبوين؟ وأيضا فقد اشتهر عند الجمهور أن آدم ~~مخلوق من طين لازب ومن قدر على خلق الحياة من الطين اللازب كيف يعجز عن ~~إعادة الحياة إلى هذه الذوات ويمكن أن يكون المراد بقوله: { إنا خلقناهم ~~من طين لازب } أي كل الناس ووجهه أن الحيوان إنما يتولد من المني ودم ~~الطمث والمني إنما يتولد من الدم فالحيوان إنما يتولد من الدم ~~والدم إنما يتولد من الغذاء، والغذاء إما حيواني وإما نباتي، أما ~~تولد الحيوان الذي صرا غذاء فالكلام في كيفية تولده كالكلام في تولد ~~الإنسان فثبت أن الأصل في الأغذية هو النبات والنبات إنما يتولد من ~~امتزاج الأرض بالماء وهو الطين اللازب فظهر أن كل الخلق (منه) ~~متولدون من الطين اللازب وهو قابل للحياة والله تعالى قادر ~~عليها. وهذه القابلية والقادرية واجبة البقاء فوجب بقاء هذه الصفة في كل ~~الأوقات. وهذه بيانات ظاهرة. ### || [37.12-18] # قوله: " بل عجبت " قرأ الأخوان بضم التاء والباقون بفتحها، ~~فالفتح ظاهر وهو ضمير الرسول أو كل من يصح منه ذلك. وأما الضم فعلى صرفه ~~للمخاطب أي قل يا محمد بل عجبت أنا، أو على إسناده للباري تعالى ~~على ما يليق به. وقد تقدم هذا في البقرة وما ورد منه في الكتاب والسنة. ~~وعن شريح أنه أنكرها وقال: الله لا يعجب فبلغت إبراهيم ~~النخعي فقال: إن شريحا كان معجبا برأيه قرأها من هو أعلم ~~(منه)؛ يعني عبد الله بن مسعود وابن عباس. والعجب من الله ليس ~~كالتعجب من الآدميين كما قال: # فيسخرون منهم سخر الله منهم # [التوبة:79] وقال: # نسوا الله ms7346 فنسيهم # [التوبة:67]. فالعجب من الآدميين إنكاره وتعظيمه والعجب من الله تعالى ~~قد يكون بمعنى الإنكار والذم وقد يكون بمعنى الاستحسان والرضا كما ~~جاء في الحديث: # " عجب ربكم من شاب ليست له صبوة " # ، وقوله: # " عجب ربكم من إلكم وقنوطكم وسرعة إجابته ~~إياكم " # وسئل جنيد من هذه الآية فقال: إن الله لا يعجب من شيء ولكن ~~الله وافق رسوله لما عجب رسوله وقال: # إن تعجب فعجب قولهم # [الرعد:5] أي هو كما تقوله. # قوله: " ويسخرون " يجوز أن يكون استئنافا وهو الأظهر. وأن يكون ~~حالا. والمعنى أي عجبت من تكذيبهم إياك وهم يسخرون من تعجبك، وقالد ~~قتادة: عجب نبي الله - صلى الله عليه وسلم - من هذا القرآن حين ~~أنزل وضلال بني آدم وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يظن أن كل ~~من يسمع القرآن يؤمن به فلما سمع المشركون القرآن فسخروا منه ولم يؤمنوا ~~عجب النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك فقال الله تعالى: { بل ~~عجبت ويسخرون } وإذا ذكروا لا يذكرون أي إذا ~~وعظوا بالقرآن لا يتعظون. # وقرأ (جناح) بن حبيش " ذكروا " مخففا، " وإذا رأوا آية " قال ابن ~~عباس ومقاتل: يعني انشقاق القمر " يستسخرون " يسخرون ~~ويستهزئون، وقيل: يستدعي بعضهم عن بعض السخرية وقرىء " يستستخرون " ~~بالحاء المهملة. { وقالوا إن هذا إلا سحر مبين } (أي سحر ~~بين) يعني إذا رأوا آية ومعجزة سخروا منها لاعتقادهم أنها من باب ~~السحر. # فصل # قال ابن الخطيب: والذي عندي في هذا الباب أن يقال: القوم كانوا ~~يستبعدون الحشر والقيامة وبقولون من مات وصار ترابا وتفرقت ~~أجزاؤه في العالم كيف يعقل عوده بعينه؟ وبقوا في هذا الاستبعاد إلى حيث ~~كانوا يسخرون ممن يذهب إلى هذا المذهب وإذا كان كذلك ولا طريق إلى إزالة ~~هذا الاستبعاد إلا من وجهين: # أحدهما: أن يذكر لهم الدليل على صحة الحشر والنشر مثل أن يقال لهم: هل ~~تعلمون أن القادر على الأصعب الأشق يجب أن يكون قادرا على الأسهل. # فهذا الدليل وإن كان جليا قويا إلا أن (ذكر) أولئك المنكرين إذا ~~عرض على ms7347 قلوبهم هذه المقدمات لا يفهمونها ولا يقفون عليها وإذا ذكروا لم ~~يتذكروها لشدة بلادتهم وجهلهم فلا جرم لم ينتفعوا بهذا الدليل. # والطريق الثاني: أن يثبت الرسول - صلى الله عليه وسلم - رسالته ~~بالمعجزات ثم يقول: لما ثبت بالمعجزة كوني رسولا صادقا من عند الله ~~فأنا أخبركم بأن البعث والقيامة حق ثم إن أولئك المنكرين لا ينتفعون ~~بهذا الطريق أيضا لأنهم إذا رأوا معجزة قاهرة وآية باهرة حملوها على ~~أنها سحر وسخروا منها واستهزأوا بها. وهذا هو المراد من قوله ~~تعالى: { وإذا رأوا آية يستسخرون وقالوا إن ~~هذآ إلا سحر مبين }. # قوله: { أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا ~~لمبعوثون } وهذا بيان للسبب الذي حملهم على الاستهزاء بجميع ~~المعجزات وهو اعتقادهم أن من مات وتفرقت أجزاؤه في العالم فما فيه من ~~الأرض اختلط (بتراب) الأرض وما فيه من المائية والهوائية اختلط ببخارات ~~العالم. فهذا الإنسان كيف يعقل عوده بعينه حيا ثانيا؟!. ثم إنه ~~تعالى لما حكى عنهم هذه الشبهة قال: قل (لهم) يا محمد " نعم ~~وأنتم داخرون " أي نعم تبعثون وأنتم صاغرون، والدخور أشد الصغار ~~وإنما اكتفى تعالى بهذا القدر من الجواب لأنه ذكر في الآية المتقدمة ~~البرهان القطعي على أنه (أمر) ممكن وإذا ثبت الجواب القطعي فلا سبيل إلى ~~القطع بالوقوع إلا بأخبار المخبر الصادق فلما قامت المعجزات على صدق محمد ~~- عليه (الصلاة و) السلام - كان واجب الصدق فكان مجرد قوله: " نعم " ~~دليلا قاطعا على الوقوع. # قوله: { أو آبآؤنا } قرأ ابن عامر وقالون: بسكون الواو على أنها ~~" أو " العاطفة المقتضية للشك والباقون بفتحها على أنها همزة استفهام ~~دخلت على واو العطف، وهذا الخلاف جار أيضا في " الواقعة " وتقدم مثل هذا ~~في الأعراف في قوله: # أو أمن أهل القرى # [الأعراف:98]، فمن فتح الواو أجاز في: " آباؤنا " وجهين: # أحدهما: أن يكون معطوفا على محل إن واسمها. # والثاني: أن يكون معطوفا على الضمير المستتر في: " لمبعوثون ". ~~واستغني بالفصل بهمزة الاستفهام، ومن سكنها تعين فيما الأول دون الثاني ~~على قول الجمهور لعدم الفاصل، وقد أوضح هذا ms7348 الزمخشري حيث قال: " أو ~~آباؤنا " معطوف على محل إن واسمها أو على الضمير في: " لمبعوثون ~~" ، والذي جوز العطف عليه الفصل بهمزة الاستفهام. قال أبو حيان: أما قوله ~~معطوف على محل " إن " واسمها فمذهب سيبويه خلافه، فإن قولك: " إن ~~زيدا قائم وعمرو " وعمرو فيه مرفوع بالابتداء وخبره محذوف، وأما ~~قوله: أو على الضمير في لمبعوثون (الخ. # ....فلا يجوز أيضا؛ لأن همزة الاستفهام لا تدخل إلى على الجمل لا على ~~المفرد؛ لأنه إذا عطف على المفرد كان الفعل عاملا في المفرد بواسطة حرف ~~العطف وهمزة الاستفهام لا يعمل ما قبلها فيما بعدها، فقوله: { أو ~~آباؤنا } مبتدأ محذوف الخبر لما ذكرنا. قلت: أما الرد الأول: فلا يلزم ~~لأنه لا يلتزم مذهب سيبويه، وأما الثاني: فإن الهمزة مؤكدة للأولى ~~فهي داخلة في الحقيقة على الجملة إلا أنه فصل بين الهمزتين بإن ~~واسمها وخبرها. ويدل على هذا ما قاله هو في سورة الواقعة فإنه قال: ~~دخلت همزة الاستفهام على حرف العطف، فإن قلت: كيف حسن العطف على المضمر ~~في لمبعوثون) من غير تأكيد بنحن؟ قلت: حسن للفاصل الذي هو الهمزة كما حسن ~~في قوله: # مآ أشركنا ولا آباؤنا # [الأنعام: 148] لفصل (لا) المؤكدة بالنفي انتهى. فلم يذكر هنا غير هذا ~~الوجه وتشبيهه بقوله لفصل (لا) المؤكدة للنفي لأن لا مؤكدة للنفي المتقدم ~~بما إلا أن هذا مشكل بأن الحرف إذا كرر للتأكيد لم يعد في الأمر ~~العام إلا بإعادة ما اتصل به أولا أو بضميره. وقد مضى القول فيه. وتحصل ~~في رفع " آباؤنا " ثلاثة أوجه: العطف على محل " إن " واسمها، والعطف على ~~الضمير المستكن في " لمبعوثون ". والرفع على الابتداء والخبر مضمر، ~~والعامل في " إذا " محذوف أي: أنبعث إذا متنا. هذا إذا جعلتها ~~ظرفا غير متضمن لمعنى الشرط، فإن جعلتها شرطية كان جوابها عاملا فيها ~~أي إذا متنا بعثنا أو حشرنا. # وقرىء " إذا " دون استفام، وقد مضى القول فيه في الرعد. # قوله: " وأنتم داخرون " جملة حالية العامل فيها الجملة القائمة ~~مقامها " نعم " أي تبعثون وأنتم صاغرون أذلاء. ms7349 قال أبو حيان: وقرأ ~~ابن وثاب " نعم " بكسر العين وتقدم أن الكسائي قرأها كذلك حيث ~~وقعت. وكلامه هنا موهم أن ابن وثاب منفرد بها. ### || [37.19-26] # قوله: " فإنما هي " قال الزمخشري: " فإنما هي " جواب شرط ~~مقدر تقديره إذا كان كذلك فما هي إلا زجره واحدة. قال أبو حيان: وكثيرا ~~ما تضمن جملة الشرط قبل فاء إذا ساغ تقديره ولا ضرورة تدعو إلى ذلك ولا ~~يحذف الشرط ويبقى جوابه إلا إذا انجزم الفعل في الذي يطلق عليه أنه جواب ~~للأمر والنهي وما ذكر معهما، أما ابتداء فلا يجوز حذفه. # فصل # " هي " ضمير البعثة المدلول عليها بالسياق لما كانت بعثتهم ناشئة عن ~~الزجرة جعلت إياها مجازا، قال الزمخشري " هي " مبهمة يوضحها ~~خبرها، قال أبو حيان: وكثيرا ما يقول هو وابن مالك: إن الضمير يفسره ~~خبره. ووقف أبو حاتم على " يا ويلنا " وجعل مع ما بعده من قوله ~~الباري تعالى، وبعضهم جعل { هذا يوم الدين } من كلام الكفار ~~الكفرة فيقف عليه، وقوله: { هذا يوم الفصل } من قول الباري ~~تعالى: وقيل: الجميع من كلامهم. وعلى هذا فيكون قوله: " تكذبون " ~~إما التفاتا من التكلم إلى الخطاب وإما مخاطبة بعضهم لبعض. # فصل # لما بين في الآية المتقدمة ما يدل على إنكار البعث والقيامة وأردفه ~~بما يدل على وقوع القيامة ذكر في هذه الآيات بعض تفاصيل أحوال القيامة ~~فمنها قوله: { فإنما هي زجرة واحدة } أي صيحة واحدة وهي نفخة البعث فإذا ~~هم ينظرون أي إحياء ينظر بعضهم إلى بعض، وقيل: ينتظرون ما يحدث لهم أو ~~ينظرون إلى البعث الذي كذبوا به والزجرة هي الصيحة التي يزجرها كالزجرة ~~بالنعم والإبل عند الحث، ثم كثر استعمالها حتى صارت بمعنى ~~الصيحة، قال ابن الخطيب: ولا يبعد أن يقال تلك الصيحة إذا سميت زجرة ~~لأنها تزجر الموتى عن الرقود في القبور وتحثهم على القيام من القبور إلى ~~الحضور في موقف القيامة. # فإن قيل: فما الفائدة في هذه الصيحة للأموات وهذه النفخة جارية مجرى ~~السبب لحياتهم فتكون مقدمة على حياتهم فلزم أن هذه ms7350 الصيحة إنما تكون ~~حالا لكونهم أمواتا فتكون الصيحة عديمة الفائدة فهي عبث والعبث لا ~~يجوز في فعل الله؟ # فالجواب: على قول أهل السنة يفعل الله ما يشاء وأما المعتزلة فقال ~~القاضي: فيه وجهان: # الأول: أن يعتبر بها الملائكة. # والثاني: أن تكون فائدتها التخويف والإرهاب. (انتهى). وهذه الصيحة لا ~~تأثير لها في الحياة بدليل أن الصيحة الأولى استعقبها الموت والثانية ~~الحياة وذلك يدل على أن الصيحة لا أثر لها في الموت ولا في الحياة بل ~~خالق الموت والحياة هو الله (وذلك يدل على أن الصيحة لا أثر لها) كما ~~قال: # الذي خلق الموت والحياة # [الملك:2] روي أن الله تعالى يأمرنا سرا قيل فينادى أيتها ~~العظام النخرة، والجلود البالية والأجزاء المتفرقة اجتمعوا ~~بإذن الله تعالى. # الحالة الثانية من تفاصيل أحوال القيامة قولهم بعد القيام من القبور: { ~~يا ويلنا هذا يوم الدين } أي يوم الحساب ويوم الجزاء. قال الزجاج: الويل ~~كلمة يقولها القائل وقت الهلكة، ويحتمل أن يكون المراد بقولهم: " هذا ~~يوم الدين " أي يوم الحساب القيامة المذكور في قوله: # ملك يوم الدين # [الفاتحة:4] أي لا مالك في ذلك اليوم إلا الله تعالى وأما قوله: { ~~هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون } تقدم ~~الكلام على قائله هل هو من كلام الله تعالى أو من كلام الملائكة أو من ~~كلام المؤمنين أو من كلام الكفار. # قوله: { احشروا الذين ظلموا } هذا من كلام الملائكة والمراد ~~اجمعوا الذين أشركوا إلى الموقف للحساب والجزاء. # فإن قيل: ما معنى احشروا مع أنهم قد حشروا من قبل وحضروا محفل ~~القيامة وقالوا: هذا يوم الدين وقالت الملائكة لهم: بل هذا يوم الفصل؟ # أجاب القاضي عنه وقال: المراد احشروهم إلى دار الجزاء وهي النار، ولذلك ~~قال بعده: { فاهدهم إلى صراط الجحيم } أي دلوهم على ذلك ~~الطريق، ثم سأل نفسه وقال: كيف يصح ذلك وقد قال بعده: { وقفوهم ~~إنهم مسؤولون } ومعلوم أن (م) حشرهم إلى الجحيم إنما ~~يكون بعد المسألة وأجاب بأنه ليس في العطف بحرف الواو ترتيب ولا يمتنع أن ~~يقال ms7351 احشروهم وقفوهم مع أنا بعقولنا نعلم أن الوقوف كان قبل ~~الحشر. قال ابن الخطيب: وعندي فيه وجه آخر وهو أن يقال: إنهم إذا قاموا ~~من قبورهم لم يبعد أن يقفوا هناك لحيرة تلحقهم لمعاينتهم ~~أهوال القيامة، ثم إن الله تعالى يقول للملائكة: احشروا الذين ظلموا ~~واهدوهم إلى صراط الجحيم، أي سوقوهم إلى طريق جهنم وقفوهم هناك ويحصل ~~السؤال هناك ثم (من) هنا (ك) يساقون إلى النار. # قوله: { وأزواجهم } العامة على نصبه وفيه وجهان: # أحدهما: العطف على الموصول. # والثاني: أنه مفعول معه. قال أبو البقاء: وهو في المعنى أقوى، وإنما قال ~~في المعنى لأنه في الصناعة ضعيف لأنه أمكن العطف لا يعدل عنه، وقرأ ~~عيسى بن سليمان الحجازي بالرفع عطفا على ضمير " ظلموا ". ~~وهو ضعيف لعدم العامل، وقوله: { وما كانوا يعبدون } لا يجوز ~~فيه هذا لأنه لا ينسب إليهم ظلم إن لم يرد بهم الشياطين وإن أريد بهم ذلك ~~جاز فيه الرفع أيضا على ما تقدم. # قوله: " إنهم مسؤولون " العامة على الكسر على الاستئناف ~~المفيد للعلة، وقرىء بفتحها على حذف لام العلة أي قفوهم لأجل سؤال ~~الله إياهم. # فصل # المراد بالأزواج أشباههم وأمثالهم وأتباعهم. قال قتادة والكلبي: كل من ~~عمل مثل عملهم فأهل الخمر مع أهل الخمر وأهل الزنا مع أهل الزنا ~~واليهودي مع اليهودي والنصراني مع النصراني لقوله تعالى: # وكنتم أزواجا ثلاثة # [الواقعة: 7] أي أشكالا وأشباها، وتقول " عندي من هذا أزواج " أي ~~أمثال، وتقول: زوجان من الخف لأن كل واحد منهما نظير الآخر وكذلك ~~الرجل والمرأة يسميان زوجين متشابهين، وكذلك العدد الزوج، ~~وقال الضحاك ومقاتل قرناؤهم من السوء الشياطين كل كافر مع شيطانه في ~~سلسلة. وقال الحسن: أزواجهم: المشركات، وما كانوا يعبدون من دون الله في ~~الدنيا يعني الأوثان والطواغيت. وقال مقاتل: يعني إبليس وجنوده لقوله: # أن لا تعبدوا الشيطان # [يس:60]. { فاهدوهم إلى صراط الجحيم } ، قال ابن عباس: دلوهم إلى ~~طريق النار. وقال ابن كيسان والأصم: قدموهم والعرب تسمي السابق ~~هاديا. وقال الواحدي: وهذا وهم لأنه يقال هدى إذا تقدم ms7352 ومنه ~~الهادية والهوادي، وهاديات الوحش، ولا يقال هدى بمعنى قدم. ~~" وقفوهم " يقال وقفت الدابة أقفها وقفا فوقفت هي ~~وقوفا. قال المفسرون: لما سيقوا إلى النار حبسوا عند الصراط لأن ~~السؤال عند الصراط فقال: { قفوهم إنهم مسؤولون }. قال ابن ~~عباس: عن أقوالهم وأفعالهم. # وقيل: تسألهم الخزنة: " ألم يأتكم نذير رسل منكم " ، (رسل) بالبينات ~~قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين. ويجوز أن يكون هذا السؤال ~~هو قوله بعد ذلك: { ما لكم لا تناصرون } (أي لا تسألون) ~~(توبيخا لهم فيقال): ما لكم لا يناصرون قال ابن عباس: لا ينصر بعضكم ~~بعضا كما كنتم في الدنيا وذلك أن أبا جهل قال يوم بدر: نحن جميع منتصر ~~فقيل لهم يوم القيامة: ما لكم لا تناصرون، وقيل: يقال للكفار: ما ~~لشركائكم لا يمنعونكم من العذاب. # قوله: " ما لكم " يجوز أن يكون منقطعا عما قبله والمسؤول عنه غير ~~مذكور ولذلك قدره بعضهم عن أعمالهم، ويجوز أن يكون هو المسؤول عنه في ~~المعنى فيكون معلقا للسؤال و " لا تناصرون " جملة حالية العامل ~~فيها الاستقرار في " لكم ". وقيل: بل هي على حذف حرف الجر وأن ~~الناصبة فلما حذفت " أن " ارتفع الفعل. والأصل في أن لا. وتقدمت قراءة ~~البزي لا تناصرون بتشديد التاء. وقرىء تتناصرون على الأصل. # قوله (تعالى): { بل هم اليوم مستسلمون } قال ابن عباس: ~~خاضعون. وقال الحسن منقادون، يقال استسلم للشيء إذا انقاد له وخضع. ~~والمعنى هم اليوم أذلاء منقادون لا حيلة لهم في دفع تلك المضار. ### || [37.27-37] # قوله: { وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون } قيل: ~~الأتباع والرؤساء يتساءلون متخاصمون. وقيل: هم والشياطين يقولون إنكم ~~كنتم تأتوننا عن اليمين أي من قبل الدين فتضلوننا عنه. قاله الضحاك، وقال ~~مجاهد: من الصراط الحق واليمين عبارة عن الدين والحق كما أخبر الله عن ~~إبليس: # ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن ~~أيمانهم وعن شمآئلهم # [الأعراف:17] فمن أتاه الشيطان من قبل اليمين أتاه من قبل الدين فليس ~~عليه الحق، واليمين ههنا استعارة عن الخيرات والسعادات لأن الجانب الأيمن ~~أفضل ms7353 من الجانب الأيسر إجماعا، ولا تباشر الأعمال الشريفة إلا باليمين ~~ويتفاءلون بالجانب الأيمن ويسمونه البارح وكان - عليه (الصلاة و) ~~السلام - يحب التيامن في شأنه كله وكاتب الحسنات من الملائكة على اليمين ~~ووعد الله المحسن أن يعطيه الكتاب باليمين. وقيل: إن الرؤساء كانوا ~~يحلفون للمستضعفين أن ما يدعونهم إليه هوا لحق فوثقوا بأيمانهم، وقيل: عن ~~اليمين أي عن القوة والقدرة كقوله: # لأخذنا منه باليمين # [الحاقة:45]. # قوله: " عن اليمين " حال من فاعل: " تأتوتنا ". واليمين إما ~~الجارحة عبر بها عن القوة وإما الحلف لأن المتعاقدين بالحلف يمسح كل ~~منهما يمين الآخر فالتقدير على الأول وتأتوننا أقوياء وعلى الثاني ~~مقسمين حالفين. # قوله: { بل لم تكونوا مؤمنين } وهذا جواب الرؤساء للأتباع ~~أي ما كنتم موصوفين بالإيمان حتى يقال: إنا أزلناكم عنه وإنما الكفر ~~من قبلكم { وما كان لنا عليكم من سلطان } من قوة ~~وقدرة حتى نقهركم ونجبركم { بل كنتم قوما طاغين } ضالين ~~" فحق علينا " وجب علينا جمعيا " قول ربنا " يعني كلمة ~~العذاب وهو قوله: # لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين # [هود:119]. # قوله: " إنا لذائقوا العذاب " الظاهر أنه من إخبار الكفرة ~~المتبوعين أو الجن بأنهم ذائقون العذاب. ولا عدول في هذا الكلام. وقال ~~الزمخشري: ولزمنا قول ربنا إنا لذائقون يعني وعيد الله بأنا لذائقون ~~لعذابه لا محالة ولو حكى الوعيد كما هو لقال إنكم لذائقون ولكنه عدل به ~~إلى لفظ المتكلم لأنهم متكلمون بذلك عن أنفسهم ونحوه قول القائل: # 4191- لقد علمت هوازن قل مالي # ..................... # ولو حكمى قولها لقال: قل مالك، ومنه قول المحلف للحالف احلف ~~(لأخرجن) ولتخرجن، الهمزة لحكاية الحالف، والتاء لإقبال ~~المحالف على المحلف. # قوله: { فأغويناكم إنا كنا غاوين } أي إنما أقدمنا ~~إغوائكم لأنا كنا موصفين في أنفسنا بالغواية. وفيه دقيقة أخرى كأنهم ~~قالوا: إن اعتقدتم أن غوايتكم بسبب إغوائنا فغوايتنا إن كانت بسبب إغواء ~~غاو آخر لزم التسلسل. وذلك محال فعلمنا أن حصول الغواية والرشاد ليس من ~~قبلنا بل من قبل غيرنا. وذلك الغير هو الذي فيما قبل وهو قوله: { ~~فحق علينا قول ربنآ ms7354 }. # ثم قال تعالى بعده: { فإنهم يومئذ في العذاب ~~مشتركون } يعني الرؤساء والأتباع يومئذ يسألو(ن) ~~ويراجعو(ن) الكلام فيما بينهم ثم قال: { إنا كذلك نفعل ~~بالمجرمين } أي الكفار. قال ابن عباس: الذين جعلوا لله شركاء ثم ~~وصفهم بأنهم { إذا قيل لهم لا إله إلا الله ~~يستكبرون } يتكبرون عن كلمة التوحيد ويمتنعون منها { ويقولون ~~أإنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون } يعني النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وقرأ ابن كثير أينا لتاركوا بهمزة وياء بعدها خفيفة ~~وألف ساكنة بلا مدة. وقرأ نافع في رواية قالون وأبو عمرو كذلك، ويمدان. ~~والباقون بهمزتين بلا مد، ثم إنه تعالى كذبهم في ذلك الكلام بقوله: { ~~بل جآء بالحق } أي جاء بالدين الحق. # قوله: " وصدق المرسلين " أي صدقهم محمد - عليه (الصلاة و) ~~السلام - يعني صدقهم في مجيئهم بالتوحيد، وقرأ عبد الله صدق خفيف ~~الدال " المرسلون " فاعلا به أي صدقوا فيما جاؤوا به. ثم التفت من ~~الغيبة إلى الحضور فقال: # إنكم لذآئقوا العذاب الأليم # [الصافات:38]. ### || [37.38-49] # قوله: { لذآئقو العذاب } العامة على حذف النون والجر. وقرأ ~~بعضهم بإثباتها والنصب هو الأصل. وقرأ أبان بن تغلب - عن عاصم وأبو ~~السمال في رواية - بحذف النون والنصب أجرى النون مجرى التنوين ~~في حذفها لالتقاء الساكنين كقوله: # أحد * الله الصمد # [الإخلاص:1-2] (و). # 4192- ولا ذاكر الله إلا قليلا # وقال أبو البقاء: قرىء شاذا بالنصب. وهو سهو من قارئه لأن اسم الفاعل ~~يحذف منه النون وينصب إذا كان فيه الألف واللام، قال شهاب الدين: وليس ~~بسهو لما تقدم، وقرأ أبو السمال أيضا لذائق بالإفراد والتنوين ~~العذاب نصبا. وتخريجه. # على حذف اسم جمع هذه صفته أي إنكم لفريق أو لجمع ذائق ليتطابق الاسم ~~والخبر في الجمعية. ثم كأنه قيل: فكيف يليق بالرحيم الكريم المتعالي ~~عن النفع والضر أن يعذب عباده؟ فأجاب بقوله: { وما تجزون إلا ~~ما كنتم تعملون } أي " إلا جزاء ما كنتم تعملون ". # قوله: { إلا عباد الله } استثناء منقطع أي لكن عباد الله ~~المخلصين الموحدين، وقوله: " أولئك لهم " بيان لحالهم، وقد تقدم ~~في فتح اللام وكسرها من المخلصين ms7355 قراءتان فمن قرأ بالفتح فالمعنى أن ~~الله تعالى أخلصهم واصطفاهم بفضله. والكسر هو أنهم أخلصوا الطاعة لله ~~تعالى. والرزق المعلوم قيل: بكرة وعشيا لقوله: # ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا # [مريم:62] فيكون المراد منه معلوم الوقت وهو مقدار غدوة أو عشوة ~~وإن لم يكن ثم بكرة ولا عشية. وقيل: ذلك الرزق معلوم الصفة أي مخصوصا ~~بصفات من طيب طعم ولذة وحسن منظر. وقيل معناه أنهم يتيقنون دوامة لا كرزق ~~الدنيا الذي لا يعلم متى يحصل ومتى ينقطع وقيل: معلوم القدر الذي ~~يستحقونه بأعمالهم من ثواب الله وقد (بين أنه) تعالى يعطيهم غير ذلك ~~تفضلا. # قوله: " فواكه " يجوز أن يكون بدلا من " رزق " وأن يكون خبر ~~ابتداء مضمر أي ذلك الرزق فواكه، وفي الفواكه قولان: # أحدهما: أنها عبارة عما يؤكل للتلذذ لا للحاجة وأرزاق أهل الجنة كلها ~~فواكه لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات فإن أجسامهم محكومة ومخلوقة ~~للأبد فكل ما يأكلونه فهو على سبيل التلذذ. # والثاني: أن المقصود بذكر الفاكهة التنبيه بالأدنى على الأعلى، لما كانت ~~الفاكهة حاضرة أبدا كان المأكول للغذاء أولى بالحضور. # قوله: " وهم مكرمون " قرأ العامة مكرمون خفيفة الراء. و ~~(ابن) مقسم بتشديدها. والمعنى وهم مكرمون بثواب الله في جنات ~~النعيم لما ذكر مأكولهم ذكر مسكنهم. وقوله " في جنات " يجوز أن ~~يتعلق " بمكرمون " وأن يكون خيرا ثانيا وأن يكون حالا. # قوله: " على سرر " العامة على ضم الراء. وأبو السمال بفتحها. # وهي لغة بعض كلب، وتميم يفتحون عين " فعل " جمعا إذا كان اسما ~~مضاعفا. وأما الصفة نحو: ذلل ففيها خلاف. والصحيح أنه لا يجوز لأن ~~السماع ورد في الجوامد دون الصفات. و { على سرر متقابلين } حال، ~~ويجوز أن يتعلق " على سرر " بمتقابلين و " يطاف " صفة " لمكرمون " ~~أو حال من الضمير في: " متقابلين " أو من الضمير في أحد الجارين إذا ~~جعلناه حالا. # ومعنى متقابلين لا يرى بعضهم ققا بعض، ولما ذكر المأكل والمسكن ذكر ~~بعده صفة المشرب فقال: { يطاف عليهم بكأس من معين } ~~والكأس من الزجاج ما دام فيها شراب ms7356 وإلا فهو قدح. وقد يطلق الكأس على ~~الخمر نفسها وهو مجاز سائغ وأنشد: # 4193- وكأس شربت على لذة # وأخرى تداويت منها بها # و " من معين " صفة " لكأس ". والمعين معناه الخمر الجارية في ~~الأنهار، أي ظاهرة تراها العيون وتقدم الكلام في معين. وعن الأخفش: كل ~~كأس في القرآن فهي الخمر، وقوله: " من معين " أي من شراب معين ~~أو من نهر معين. المعين مأخوذ من عين الماء أي يخرج من العيون ~~كما يخرج الماء، وسمي (م)عينا لظهوره، يقال: عان الماء إذا ظهر ~~جاريا، (قاله ثعلب) فهو مفعول من العين نحو: مبيع ومكيل، ~~وقيل: سمي معينا لأنه يجري ظاهر العين كما تقدم. ويجوز أن يكون فعيلا ~~من المعين وهو الماء الشديد الجري، ومنه أمعن في الجري إذا اشتد ~~فيه. # قوله: " بيضاء " صفة لكأس. وقال أبو حيان: صفة " لكاس " أو " للخمر ~~" ، قال شهاب الدين: لم يذكر الخمر اللهم إلا أن يعني بالمعين الخمر. وهو ~~بعيد جدا. ويمكن أن يجاب بأن الكأس إنما، سميت كأسا إذا كان فيها ~~الخمر. # وقرأ عبد الله: صفراء وهي مخالفة للسواد، إلا أنه جاء وصفها بهذا ~~اللون وأنشد لبعض المولدين: # 4194- صفراء لاتنزل الأحزان ساحتها # لو مسها حجر مسته سراء # و " لذة " صفة أيضا وصفت بالمصدر مبالغة كأنها نفس اللذة وعينها كما ~~يقال: فلان جود وكرم إذا أرادوا المبالغة. # وقال الزجاج: أو على حذف المضاف أي ذات لذة، أو على تأنيث " لذ " ~~بمعنى لذيذ فيكون وصفا على " فعل " كصعب يقال: لذ الشيء ~~يلذ لذا فهو لذيد ولذ وأنشد: # 4195- بحديثها اللذ الذي لو كلمت # أسد الفلاة به أتين سراعا # وقال آخر: # 4196- لذ كطعم الصرخدي تركته # بأرض العدا من خشية الحدثان # واللذيد كل شيء مستطاب. وأنشد: # 4197- يلذ لطعمه وتخال فيه # إذا نبهتها بعد المنام # و " للشاربين " صفة " للذة ". وقال الليث: اللذة ~~واللذيذة يجريان مجرى واحدا في النعت يقال: شراب لذ ولذيد ~~قال تعالى: { بيضآء لذة للشاربين } وقال تعالى: # من خمر لذة للشاربين # [محمد:15] وعلى هذا " لذة " بمعنى لذيذ. # قوله: { لا فيها غول } صفة أيضا، ms7357 وبطل عمل لا وتكررت لتقدم ~~خبرها، وتقدم أول البقرة فائدة تقديم مثل هذا الخبر، والبحث مع أبي حيان ~~فيه. قال الفراء: العرب تقول ليس فيها غيلة وغائلة وغول (وغول) ~~سواء، وقال عبيدة: الغول أن تغتال عقولهم وأنشد قول مطيع بن إياس: # 4198 - وما زالت الكأس تغتالهم # وتذهب بالأول فالأول # وقال الليث: الغول الصداع والمعنى لي فيها صداع كما في خمر الدنيا، وقال ~~الواحدي: الغول حقيقته الإهلاك، يقال: غاله غولا واغتاله ~~أهلكه، والغول والغائل المهلك وسمي (وطء) المرضع غولا ~~لأنه يؤدي إلى الهلاك، والغول كل ما اغتالك أي أهلكك، ومنه الغول ~~بالضم شيء توهمته العرب ولها فيه أشعار كالعنقاء يقال: ~~غالني كذا ومنه الغيلة في العقل والرضاع قال: # 4199- مضى أولونا ناعمين بعيشهم # جمعيا وغالتني بمكة غول # فالغول اسم لجميع الأذى. وقال الكلبي: لا فيها إثم، وقال قتادة: وجع ~~البطن. وقال أهل المعاني: الغول فساد يلحق أمره في خفية، وخمر الدنيا ~~يحصل فيها أنواع من الفساد منها السكر وذهاب العقل ووجع البطن ~~والصداع والقيء والبول ولا يوجد شيء من ذلك من خمر الجنة. # قوله: { ولا هم عنها ينزفون } قرأ الأخوان " ينزقون " هنا، ~~وفي الواقعة، بضم الياء وكسر الزاي. وافقهما عاصم على ما في الواقعة ~~فقط. والباقون بضم الياء وفتح الزاي. وابن أبي إسحاق بالفتح والكسر. ~~وطلحة بالفتح والضم فالقراءة الأولى من أنزف الرجل إذا ذهب ~~عقله من السكر فهو نزيف ومنزوف، وكان قياسه منزف ~~كمكرم، ونزف الرجل الخمرة فأنزف هو ثلاثيه متعدد ~~ورباعية بالهمزة قاصر وهو نحو: كببته فأكب وقشعت الريح ~~السحاب فأقشع أي دخلا في الكب والقشع وقال الأسود: # 4200- لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم # لبئس الندامى أنتم آل أبجرا # ويقال: أنزف أيضا أي نفذ شرابه. وأما الثانية فمن نزف أيضا ~~بالمعنى المتقدم وقيل هو من قولهم: نزفت الركية أي نزحت ~~ماءها. والمعنى أنهم لا تذهب خمورهم بل هي باقية أبدا، وضمن ينزفون ~~معنى يصدون عنها بسبب النزيف. # وأما القراءتان الأخيرتان فيقال: نزف الرجل ونزف بالكسر والضم ~~بمعنى ذهب عقله بالسكر، ولما ms7358 ذكر تعالى صفة مشروبهم ذكر عقيبه صفة ~~منكوحهم فقال: { وعندهم قاصرات الطرف عين }. " قاصرات ~~الطرف " يجوز أن يكون من باب الصفة المشبهة أي قاصرات أطرافهن ~~كمنطلق اللسان، وأن يكون من باب إطلاق اسم الفاعل على أصله. فعلى ~~الأول المضاف إليه مرفوع المحل وعلى الثاني منصوبه أي قصرن ~~أطرافهن على أزواجهن. وهو مدح عظيم قال امرؤ القيس: # 4201- من القاصرات الطرف لو دب محول # من الذر فوق الإتب منها لأثرا # ومعنى القصر في اللغة الحبس ومنه قوله تعالى: # مقصورات في الخيام # [الرحمن: 72]. والمعنى أنهن يحبسن نظرهن ولا ينظرن إلى غير ~~أزواجهن، والعين جمع عيناء وهي الواسعة العينين والذكر ~~أعين، قال الزجاج كبار الأعين حسانها، يقال رجل أعين، ~~وامرأة عيناه، ورجال ونساء عين. # قوله: { كأنهن بيض مكنون } والبيض جمع بيضة وهو ~~معروف والمراد به هنا بيض النعام، والمكنون المصون المستور من ~~كننته أي جعلته في كن والعرب تشبه المرأة بها في لونها وهو بياض ~~مشوب ببعض صفرة والعرب تحبه. # قال امرؤ القيس: # 4202- وبيضة خذ(ر) لا يرام خباؤها # تمتعت من لهو بها غير معجل # كبكر مقاناة البياض بصفرة # غذاها نمير الماء غير المحلل # وقال ذو الرمة: # 4203- بيضاء في برج صفراء في غنج # كأنها فضة قد مسها ذهب # وقال بعضهم: إنما شبهت المرأة بها في أجزائها فإن البيضة من أي جهة ~~أتيتها كانت في رأي العين مشبهة للأخرى. وهو في غاية المدح وقد لحظ هذا ~~بعض الشعراء حيث قال: # 4204- تناسبت الأعضاء فيها فلا ترى # بهن اختلافا بل أتين على قدر # ويجمع البيض على بيوض قال: # 4205- بتيهاء قفر والمطي كأنها # قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها # قال الحسن: شب(ه)هن ببيض النعام تكنها بالريش عن الريح والغبار ~~فلونها أبيض في صفرة. # يقال: هذا أحسن ألوان النساء تكون المرأة بيضاء مشربة صفرة، (وإنما ~~ذكر المكنون والبيض جمع مؤنث لأنه رده إلى اللفظ). ### || [37.50-61] # قوله: { فأقبل بعضهم على بعض } وهذا على عطف قوله: # يطاف عليهم # [الصافات:45] والمعنى يشربون فيتحادثون على الشراب قال: # 4206- وما بقيت من اللذات إلا # محادثة الكرام ms7359 على المدام # وأتى بقوله " فأقبل " ماضيا لتحقق وقوعه، كقوله # ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة # [الأعراف:50] وقوله: { يتساءلون } حال من فاعل " أقبل " ~~والمعنى: أهل الجنة يسأل بعضهم بعضا عن حاله في الدنيا. # قوله: { قال قآئل منهم إني كان لي قرين } أي في ~~الدنيا ينكر البعث. و { يقول أئنك لمن المصدقين } أي ~~كان يوبخني على التصديق بالبعث والقيامة ويقول تعجبا: { أإذا ~~متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمدينون } أي ~~لمحاسبون ومجازون، والمعنى أن ذلك القرين كان يقول هذه الكلمات على ~~سبيل الاستنكار. واعلم أنه تعالى لما ذكر أن أهل الجنة يتساءلون عند ~~اجتماعهم على الشرب ويتحدثون كانت من جملة كلماتهم أنهم يتذكرون ما ~~كان قد حصل لهم في الدنيا مما يوج الوقوع في عذاب الله ثم إنهم تخلصوا ~~عنه وفازوا بالسعادة الأبدية. قال مجاهد: كان ذلك القرين شيطانا، وقيل: ~~كان من الإنس، وقال مقاتل: كانا أخوين. وقيل: كانا شريكين حصل لهما ~~ثمانية آلاف دينار فتقاسماها واشترى أحدهما دارا بألف دينار فأراها ~~صاحبه وقال كيف ترى حسنها؟ (فقال: ما أحسنها)، ثم خرج فتصدق بألف ~~دينار وقال: اللهم إن صاحبي قد اتباع هذه الدار بألف دينار وإني أسألك ~~دارا من دور الجنة ثم إن صاحبه تزوج امرأة حسناء بألف دينار، فتصدق ~~صاحبه بألف دينار لأجل أن يزوجه الله تعالى من الحور العين ثم إن ~~صاحبه اشترى بساتين بألفي دينار فتصدق هذا بألفي دينار، ثم إن الله تعالى ~~أعطاه ما طلب في الجنة. # وقيل: كان أحدهما كافرا اسمه نطروس والآخر مؤمن اسمه يهودا وهما ~~اللذان قص الله خبرهما في سورة الكهف: # واضرب لهم مثلا رجلين # [الكهف:32]. # قوله: { لمن المصدقين } العامة على التخفيف الصاد من التصديق ~~أي لمن المصدقين بلقاء الله. وقرىء بتشديدها من الصدقة، واختلف ~~القراء في هذه الاستفهامات الثلاثة وهي قوله: { أإنك لمن ~~المصدقين } { أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما } { ~~أإنا لمدينون } فقرأ نافع الأولى والثانية بالاستفهام بهمزة غير ~~مهموسة والثالثة بكسر الألف من غير استفهام. (ووافقه الكسائي إلا أنه ~~يستفهم الثالثة بهمزتين وابن عامر الأولى ms7360 والثالثة بالاستفهام بهمزتين ~~والثانية بكسر الألف من غير استفهام). والباقون بالاستفهام في جميعها. ثم ~~اختلفوا فابن كثير يستفهم بهمزة واحدة غير مطولة وبعدها ياء ساكنة خفيفة ~~وأبو عمرو مطولة وحمزة وعاصم بهمزتين. # فصل # ثم إن الرجل يقول لجلسائه يدعوهم إلى كمال السرور بالاطلاع إلى ~~النار لمشاهدة ذلك القرين ومخاطبته { هل أنتم مطلعون } إلى ~~النار فيقول أهل الجنة أنت أعرف به منا " فاطلع أنت ". # قال ابن عباس: إن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى النار. # قوله: " مطلعون " قرأ العامة بتشديد الطاء مفتوحة وبفتح النون ~~فاطلع ماضيا مبنيا للفاعل افتعل من الطلوع. وقرأ ابن عباس في آخرين ~~- ويروى عن أبي عمرو - بسكون الطاء وفتح النون " فأطلع " بقطع ~~(ال)همزة مضمومة وكسر اللام ماضيا مبنيا للمفعول، ومطلعون على هذه ~~القراءة يحتمل أن يكون قاصرا أي مقبلون من قولك: اطلع علينا فلان أي ~~أقبل، وأن يكون متعديا ومفعوله محذوف أي أصحابكم، وقرأ أبو ~~البرهسم وحماد بن أبي عمار: مطلعون خفيفة الطاء مكسورة النون ~~فأطلع مبنيا للمفعول، ورد أبو حاتم وغيره هذه القراءة من حيث ~~الجمع بين النون وضمير المتكلم إذ كان قياسها مطلعي، والأصل ~~مطلعوي فأبدل فأدغم نحو: جاء مسلمي القاطنون وقوله عليه - ~~(الصلاة و) السلام - # " أو مخرجي هم " # ، وقد وجهها ابن جني على أنها أجري فيها اسم الفاعل مجرى المضارع يعني ~~في إثبات النون مع الضمير وأنشد الطبري على ذلك: # 4207- وما أدري وظني كل ظني # أمسلمني إلى قومي شراح # وإليه نحا الزمخشري قال: أوشبه اسم الفاعل في ذلك بالمضارع لتآخ بينهما ~~(كأنه) قال يطلعون وهو ضعيف لا يقع إلا في شعر. وذكر فيه فيه ~~توجيها آخر فقال: أراد مطلعون إياي فوضع المتصل موضع المنفصل ~~كقوله: # 4208- هم الفاعلون الخير والآمرونه # ........................ # ورده أبو حيان بأن هذا ليس من مواضع المنفصل حتى يدعي أن المتصل وقع ~~موقعه لا يجوز: " هند زيد ضارب إياها " ولا " زيد ضارب ~~إياي ". قال شهاب الدين: وإنما لم يجز ما ذكر لأنه إذا قدر على المتصل ~~لم يعدل إلى المنفصل. ولقائل أن ms7361 يقول: لا أسلم أنه يقدر على المتصل ~~حالة ثبوت النون أو التنوين قبل الضمير بل يصير الموضع موضع الضمير ~~المنفصل فيصح ما قال(ه) الزمخشري، وللنحاة في اسم الفاعل المنون قبل ~~ياء المتكلم نحو البيت المتقدم وقول الآخر: # 4209- فهل فتى من سراة القوم يحملني # وليس حاملني إلا ابن حمال # وقول الآخر: # 4210- وليس بمعييني وفي الناس ممنع # صديق وقد أعيى علي صديق # قولان: # أحدهما: أنه تنوين وأنه شذ ثبوته مع الضمير. وإن قلنا: إن الضمير بعده ~~في محل نصب. # والثاني: أنه ليس تنوينا وإنما هو نون وقاية. # واستدل ابن مالك على هذا بقوله: وليس بمعييني، وبقوله أيضا: # 4211- وليس الموافيني (وفي الناس ممنع # صديق إذا أعيا علي صديق) # ووجه الدلالة من الأول أنه لو كان تنوينا لكان ينبغي أن يحذف الياء ~~قبله لأنه منقوص منون، والمنقوص المنون تحذف ياءؤه رفعا وجرا لالتقاء ~~الساكنين، ووجهها من الثاني أن الألف واللام لا تجامع التنوين. والذي ~~يرجح القول الأول ثبوت النون في قوله: " والآمرونه " ، وفي قول ~~الآخر: # 4212- ولم يرتفق والناس محتضرونه # جميعا وأيدي المعتفين رواهقه # فإن النون قائمة مقام التنوين تثنية وجمعا على حدها، وقال أبو البقاء " ~~وتقرأ بكسر النون ". وهو بعيد جدا؛ لأن النون إن كانت للوقاية فلا تلحق ~~الأسماء وإن كانت نون الجمع لا تثبت في الإضافة وهذا الترديد صحيح لولا ~~ما تقدم من الجواب عنه مع تكلف فيه وخروج عن القواعد. # (وقرىء مطلعون بالتشديد كالعامة فأطلع مضارعا) منصوبا ~~(بإضمار " أن " على جواب الاستفهام). وقرىء مطلعون بالتخفيف ~~فأطلع مخففا ماضيا ومخففا مضارعا على ما تقدم يقال: طلع ~~علينا فلان وأطلع كأكرم واطلع بالتشديد بمعنى واحد. ~~وأما قراءة من بني الفعل للمفعول ففي القائم مقام الفاعل ثلاثة أوجه: # أحدهما: أنه مصدر الفعل أي اطلع الاطلاع. # الثاني: الجار المقدر. # الثالث: - وهو الصحيح - أنه ضمير القائل لأصحابه ما قاله لأنه يقال: ~~طلع زيد وأطلعه غيره فالهمزة فيه للتعدية، وأما الوجهان ~~الأولان فذهب إليهما أبو الفضل الرازي في لوامحه فقال: طلع واطلع ~~إذا بدا وظهر واطلع اطلاعا إذا ms7362 جاء وأقبل. ومعنى ذلك: هل أنت مقبلون ~~فأقبل، وإنما أقيم المصدر فيه مقام الفاعل بتقدير فاطلع الاطلاع، ~~أو بتقدير حرف الجر المحذوف أي أطلع به لأن أطلع لازم كما أن ~~أقبل كذلك. ورد عليه أبو حيان هذين الوجهين فقال قد ذكرنا أن " أطلع " ~~بالهمزة معدى بها من طلع اللازم. وأما قوله أو حرف الجر المحذوف أي ~~اطلع به فهذا لا يجوز لأن مفعول ما لم يسم فاعله لا يجوز حذفه لأنه نائب ~~عنه فكما أن الفاعل لا يجوز حذفه دون عامله، فكذلك هذا لو قلت: " زيد ~~ممرور أو مغضوب " تريد " به " أو " عليه " لم يجز. # قال شهاب الدين: أبو الفضل لا يدعي أن النائب عن الفاعل محذوف وإنما ~~قال: بتقدير حرف الجر المحذوف. (ومعنى ذلك) أنه لما حذف حرف الجر ~~اتساعا انقلب الضمير مرفوعا فاستتر في الفعل كما يدعى ذلك في حذف ~~عائد الموصول المجرور عند عدم شروط الحذف ويسمى الحذف على التدريج. # قوله: " فرآه " عطف على " فاطلع ". و " سواء الجحيم " ~~وسطها، وأحسن ما قيل فيه ما قاله ابن عباس سمي بذلك لاستواء المسافة منه ~~إلى الجوانب، وعن عيسى بن عمر أنه قال لأبي عبيدة: كنت أكتب حتى ~~ينقطع سوائي. # قوله: " تالله " قسم فيه تعجب، و " إن " مخففة أو نافية. واللام في ~~" لتردين " فارقة أو بمعنى إلا. وعلى التقديرين فهي جواب القسم أعني ~~إن وما في خبرها. # فصل # قال المفسرون: إنه ذهب إلى أطراف الجنة فاطلع عندها إلى النار فرآه ~~في سواء الجحيم أي وسط الجحيم فقال له توبيخا: { تالله إن كدت ~~لتردين } أي والله لقد كدت أن تهلكني. # وقال مقاتل: والله لقد كدت أن تغويني ومن أغوى إنسانا فقد أهلكه، ~~والردى الهلاك أي لتهلكني بدعائك إياي إلى إنكار البعث والقيامة. { ~~ولولا نعمة ربي } أي رحمة ربي وإنعامه علي بالإسلام { ~~لكنت من المحضرين } معك في النار. ولما تمم الكلام مع قرينه ~~الذي هو في النار عاد إلى مخاطبة جلسائه من أهل الجنة وقال: { أفما ~~نحن بميتين } قال بعضهم: إن أهل ms7363 الجنة لا يعلمون في أول دخولهم ~~الجنة أنهم لا يموتون فإذا جيء بالموت على صورة كبش أملح وذبح ~~يقول أهل الجنة للملائكة: " أفما نحن بميتين "؟ فتقول ~~الملائكة: لا. فعند ذلك يعلمون أنهم لا يموتون. وعلى هذا فالكلام حصل قبل ~~ذبح الموت. وقيل: إن الذي تكاملت سعادته إذا عظم تعجبه بها يقول ذلك. ~~والمعنى أهذا لي على جهة الحديث بنعمة الله عليه، وقيل: يقوله المؤمن ~~لقرينه توبيخا له بما كان ينكره. # قوله: " بميتين " قرأ زيد بن علي بمائتين، وهما مثل ضيق، ~~وضائق كما تقدم، وقوله " أفما " فيه الخلاف المشهور، فقدره ~~الزمخشري أنحن مخلدون منعمون فما نحن بميتين، وغيره يجعل ~~الهمزة متقدمة على الفاء. # قوله: " إلا موتتنا " منصوب على المصدر، والعامل فيه الوصف ~~قبله، ويكون استثناء مفرغا، وقيل: هوا ستثناء منقطع أي لكن الموتة ~~الأولى كانت لنا في الدنيا. وهذا قريب في المعنى من قوله تعالى: # لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى # [الدخان:56] وفيها هناك بحث حسن. # قوله: { إن هذا لهو الفوز العظيم } وهذا قول أهل ~~الجنة عند فراغهم من (هذه) المحادثات. وقوله: { لمثل هذا ~~فليعمل العاملون } قيل: إنه من بقية كلامهم، وقيل: إنه ابتداء ~~كلام من الله تعالى أي لمثل هذا النعيم الذي ذكرناه. ### || [37.62-71] # قوله: { أذلك خير نزلا } أي أذلك الذي ذكره لأهل الجنة خير ~~نزلا أم شجرة الزقوم. (فنزلا) تمييز " لخير " والخيرية ~~بالنسبة إلى ما اختاره الكفار على غيره. والزقوم شجرة مسمومة يخرج لها ~~لبن متى مس جسم أحد تورم فمات. والتزقم البلع بشدة وجهد للأشياء ~~الكريهة، وقول أبي جهل وهو من العرب: لا نعرف الزقوم إلا بالتمر والزبد ~~من العناد والكذب البحث. # فصل # لما ذكر ثواب أهل الجنة ووصفها وذكر مآكل أهل الجنة ومشاربهم وقال: ~~لمثل هذا فليعمل العاملون أتبعه بقوله: " قل " يا محمد أذلك خير ~~أم شجرة الزقوم ليصير ذلك زاجرا لهم عن الكفر. وذكر مآكل أهل النار ~~ومشاربهم. والنزل الفضل الواسع في الطعام؛ يقال: طعام كثير ~~النزل، و (استعير) للحاضر من الشيء؛ ويقال: أرسل الأمير ms7364 إلى فلان ~~نزلا وهو الشيء الذي يحصل حال من نزل بسببه. وإذا عرف هذا فحاصل الرزق ~~المعلوم لأهل الجنة اللذة والسرور وحاصل شجرة الزقوم الألم والغم. ~~ومعلوم أنه لا نسبة لأحدهما إلى الآخر في الجزائية إلا أنه جاء هذا ~~الكلام إما على سبيل السخرية بهم أو لأجل أن المؤمنين لما اختاروا ما ~~أوصلهم إلى الرزق الكريم العظيم والكافرين اختاروا ما أوصلهم إلى العذاب ~~الأليم قيل لهم ذلك توبيخا لهم على اختيارهم. # قال الكلبي: لما نزلت هذه الآية ابن الزبعرى: أكثر الله في بيوتكم ~~الزقوم فإن أهل اليمن يسمون التمر والزبد بالزقوم فقال أبو جهل ~~لجاريته: زقمينا فأتته بزبد وتمر وقال تزقموا. قال ~~الواحدي: ومعلوم أن الله تعالى لم يرد بالزقوم ههنا التمر والزبد. قال ~~ابن دريد: لم يكن للزقوم اشتقاق من الزقم وهو الإفراط في أكل ~~الشيء حتى يكره ذلك، يقال: بات فلان يتزقم. وظاهر لفظ القرآن يدل ~~على أنها شجرة كريهة الطعم منتنة الرائحة شديدة الخشونة موصوفة بصفات ~~ردية وأنه تعالى يكره أهل النار على أكلها. # قوله: { إنا جعلناها فتنة للظالمين } أي الكافرين ~~وذلك أن الكفار لما سمعوا هذه الآية قولوا: كيف يكون في النار شجرة ~~والنار تحرق الشجر؟ فأجيبوا: بأن خالق النار قادر على أن يمنع النار من ~~إحراق الشجر؛ لأنه إذا جاز أن تكون في النار زبانية والله تعالى يمنع ~~النار عن إحراقهم فلم لا يجوز مثله في هذه الشجرة؟ # فمعنى كون شجرة الزقوم فتنة للظالمين هو أنهم لما سمعوا هذه الآية ~~وبقيت تلك الشبهة في قلوبهم وصارت سببا لتماديهم في الكفر فهو المراد ~~من كونها فتنة لهم. أو بكون المراد صيرورة هذه الشجرة فتنة لهم من ~~النار لأنهم إذا كلفوا تناولها شق ذلك عليهم فحينئذ يصير ذلك فتنة في ~~حقهم. # أو يكون المراد من الفتنة الامتحان والاختبار فإن هذا شيء بعيد عن ~~العرف والعادة. وإذا ورد على سمع المؤمن فوض علمه إلى الله وإذا ورد ~~على الزنديق توسل به إلى الطعن في القرآن والنبوة. ثم إنه ms7365 تعالى ~~وصف هذه الشجرة بصفات الأولى قوله: { إنها شجرة تخرج في ~~أصل الجحيم } قال الحسن: أصلها في قعر جهنم وأغصانها ترتفع إلى ~~دركاتها. # الصفة الثانية قوله: " طلعها " أي ثمرها سمي طلعا لطلوعه. قال ~~الزمخشري: الطلع للنخلة فاستعير لما طلع من شجرة الزقوم من حملها إما ~~استعارة لفظية أو معنوية، قال ابن قتيبة: سمي طلعا لطلوعه كل ~~سنة فلذلك قيل: طلع النخل لأول ما يخرج من ثمره. # قوله: { رءوس الشياطين } فيه وجهان: # أحدهما: أنه حقيقة، وأن رؤوس الشياطين شجرة معينة بناحية اليمن تسمى ~~الأستن قال النابغة: # 4213- تحيد عن أستن سود أسافلها # مثل الإماء الغوادي تحمل الحزما # وهو شجر منكر الصورة سمته العرب بذلك تشبيها برؤوس الشياطين في ~~القبح ثم صار أصلا يشبه به. وقيل: الشياطين صنف من الحيات ولهن أعراف ~~قال: # 4214- عجيز تحلف حين أحلف # كمثل شيطان الحماط أعرف # وقيل: شجر يقال له: الصوم ومنه قول ساعدة بن جؤية: # 4215- موكل بشدوف الصوم يرقبها # من المعازب مخطوف الحشا زرم # فعلى هذا قد خوطبت العرب بما تعرفه، وهذه الشجرة موجودة فالكلام حقيقة، ~~والثاني أنه من باب التخيل والتمثيل وذلك أنه كل ما يستنكر ويستقبح في ~~الطباع والصورة يشبه بما يتخيله الوهم وإن لم يره والشياطين وإن كانوا ~~موجودين غير مرئيين للعرب إلا أنه خاطبهم بما ألفوه من ~~الاستعارات التخييليه كقول امرىء القيس: [البسيط] # 4216- أيقتلني والمشرفي مضاجعي # ومسنونة رزق كأنياب أغوال # ولم ير أنيابها؛ بل ليست موجودة ألبتة، قال ابن الخطيب: وهذا هو الصحيح؛ ~~وذلك أن الناس لما اعتقدوا في الملائكة كمال الفضل في الصورة والسيرة ~~واعتقدوا في الشياطين نهاية القبح في الصورة والسيرة فكما حسن التشبيه ~~بالملك عند إرادة الكمال والفضيلة في قول النساء: # إن هذآ إلا ملك كريم # [يوسف:31] فكذلك حسن التشبيه برؤوس الشياطين بالقبح وتشويه الخلقة، ~~ويؤكد هذا أن العقلاء إذا رأوا شيئا (شديد الاضطراب منكر الصورة قبيح ~~الخلقة قالوا: إنه شيطان وإذا رأوا شيئا) حسنا قالوا: إنه ملك من ~~الملائكة. قال ابن عباس: هم الشياطين بأعيانهم شبهه بها لقبحه. # قوله: ms7366 { فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون ~~} والملء حشو الوعاء بما لا يحتمل الزيادة عليه. # فإن قيل: كيف يأكلونها مع نهاية خشونتها ونتنها ومرارة طعمها؟ # فالجواب: أن المضطر ربما استروح من الضرر بما يقاربه في الضرر فإذا ~~جوعهم الله الجوع الشديد فزعوا إلى إزالة ذلك الجوع بتناول هذا الشيء. ~~أو يقال: إن الزبانية يكرهونهم على الأكل من تلك الشجرة تكميلا ~~لعذابهم. # قوله: { ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم } قرأ ~~العامة بفتح الشين وهو مصدر على أصله. # وقيل: يراد به اسم المفعول. ويدل له قراءة شيبان النحوي ~~لشوبا - بالضم -. قال الزجاج: المفتوح مصدر، والمضموم اسم بمعنى ~~المشوب كالنقض بمعنى المنقوض، وعطف " بثم " لأحد معينين إما لأنه يؤخر ~~ما يظنونه يرويهم من عطشهم زيادة في عذابهم فلذلك أتى " بثم " ~~المقتضية للتراخي، وإما لأن العادة تقضي بتراخي الشرب عن الأكل فعمل ~~على ذلك المنوال وأما ملء البطن فيعقب الأكل فلذلك عطف على ما قبله ~~بالفاء. # قال الزجاج: الشوب اسم عام في كل ما خلط بغيره، والشوب الخلط ~~والمزج، ومنه شاب اللبن يشوبه أي خلطه ومزجه، والحميم: ~~الماء الحار والمتناهي في الحرارة. و " من حميم " صفة " لشوبا " ~~واعلم أن الله تعالى وصف شرابهم في القرآن بأشياء منها: # وغساقا # [النبأ:25] ومنها: # وسقوا مآء حميما فقطع أمعآءهم # [محمد: 15] ومنها المذكور في هذه الآية، ولما ذكر الطعام بتلك الشناعة ~~والكراهة وصف الشراب بما هو أشنع منه وسماه شوبا أي خلطا ومزجا ~~من حميم من ماء حار، فإذا أكلوا الزقوم وشربوا عليه الحميم ~~فيشرب الحميم في بطونهم فيصير شوبا له. # قوله: { ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم } قال مقاتل: أي ~~بعد أكل الزقوم وشرب الحميم. وهذا يدل على أنهم عند شرب الحميم لم يكونوا ~~في الجحيم وذلك بأن يكون الحميم في موضع خارج عن الجحيم فهم يوردون ~~الحميم لأجل الشرب كما تورد الإبل إلى الماء ثم يردون إلى الجحيم؛ ~~ويدل عليه قوله: # يطوفون بينها وبين حميم آن # [الرحمن:44] وقرأ ابن مسعود: { ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم } ~~" إنهم ألفوا " وجدوا ms7367 { آبآءهم ضآلين * فهم على ~~آثارهم يهرعون }؛ قال الفراء: الإهراع الإسراع، يقال: هرع ~~وأهرع إذا استحث. والمعنى أنهم يتبعون آباءهم اتباعا في سرعة كأنهم ~~يزعجون إلى اتباع آبائهم. وقال الكلبي: يعملون مثل عملهم، ثم إنه تعالى ~~ذكر لرسوله ما يسليه في كفرهم وتكذيبهم فقال: { ولقد ضل ~~قبلهم أكثر الأولين } من الأمم الخالية. ### || [37.72-74] # { ولقد أرسلنا فيهم منذرين } فبين تعالى أن إرساله ~~الرسل قد تقدم والتكذيب لهم قد سلف فوجب أن يكون له - صلى الله عليه وسلم ~~- أسوة بهم حتى يصبر كما صبروا ويستمر على الدعاء إلى الله وإن تمردوا ~~فليس عليه إلا البلاغ. ثم قال: { فانظر كيف كان عاقبة ~~المنذرين } الكافرين أي كان عاقبتهم العذاب وهذا الخطاب وإن كان ~~ظاهره مع الرسول - عليه (الصلاة و) السلام - إلا أن المقصود منه خطاب ~~الكفار لأنهم سمعوا بالأخبار ما جرى على قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من ~~أنواع العذاب فإن لم يعلموا ذلك فلا أقل من ظن وخوف يحتمل أن يكون ~~زاجرا لهم عن كفرهم. # قوله: { إلا عباد الله } استثناء من قوله: " المنذرين " ~~استثناء منقطعا لأنه وعيد وهم لم يدخلوا (في) هذا الوعيد، وقيل: ~~استثناء من قوله: # ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين # [الصافات:71] والمراد بالمخلصين: الموحدين نجوا من العذاب. وتقدم ~~الكلام على هذا الإخلاص في سورة الحجر عند قوله تعالى: # إلا عبادك منهم المخلصين # [الحجر:40]. ### || [37.75-82] # قوله تعالى: { ولقد نادانا نوح } الآية. لما قال: ولقد ضل ~~قبلهم أكثر الأولين وقال: " فانظر كيف كان عاقبة المنذرين " أتبعه بشرح ~~وقائع الأنبياء - عليهم (الصلاة و) السلام - فقال: { ولقد نادانا ~~نوح } أي نادى ربه أن ينجيه مع من نجا من الغرق، وقيل: نادى ربه ~~أي استنصره على كفار قومه، فأجاب الله دعاءه. # قوله: { فلنعم المجيبون } جواب لقسم مقدر أي فوالله ومثله: # 4217- لعمري لنعم السيدان وجدتما # ...................... # والمخصوص بالمدح محذوف تقديره أي نحن أجبنا دعاءه وأهلكنا قومه. ~~{ ونجيناه وأهله من الكرب العظيم } واعلم أن هذه ~~الإجابة كانت من النعم العظيمة وذلك من وجوه: # أحدهما: أنه تعالى عبر عن ذاته بصيغة ms7368 الجمع فقال: { ولقد نادانا ~~نوح } والقادر العظيم لا يليق به إلا الإحسان العظيم. # وثانيها: أنه أعاد صيغة الجمع في قوله: فلنعم المجيبون (من ذلك أيضا ~~يدل على تعظيم تلك النعمة لا سيما وقد وصف تلك الإجابة بأنها نعمة ~~الإجابة. # وثالثها: أن الفاء في قوله: { فلنعم المجيبون } ) يدل على أن ~~محصول هذه الإجابة مرتب على ذلك النداء والحكم المرتب على الوصف المناسب ~~يقتضي كونه معللا به. وهذا يدل على أن النداء بالإخلاص سبب لحصول ~~الإجابة ثم إنه تعالى لما بين أنه نعم المجيب بين أن الإنعام حصل في تلك ~~الإجابة بقوله: { ونجيناه وأهله من الكرب العظيم ~~}. والكرب: هو الخوف الحاصل من الغرق والكرب الحاصل من أذى قومه { ~~وجعلنا ذريته هم الباقين } وذلك يفيد الحصر وذلك يدل ~~على أن كل من سواه وسوى ذريته فقد فنوا، قال ابن عباس: ذريته بنوه ~~الثلاثة سام وحام ويافث. فسام أبو العرب وفارس، وحام أبو السودان ويافث ~~أبو الترك والخزر ويأجوج ومأجوج، قال ابن عباس: لما خرج نوح من السفينة ~~مات من كان معه من الرجال والنساء وإلا ولده ونساءهم. # قوله: { وتركنا عليه في الآخرين } أي أبقينا له ثناء ~~حسنا وذكرا جميلا فيمن بعده من الأنبياء والأمم إلى يوم القيامة. # قوله: { سلام على نوح } مبتدأ وخبر، وفيه أوجه: # أحدهما: أنه مفسر " لتركنا ". # والثاني: أنه مفسر لمفعوله، أي تركنا عليه ثناء وهو هذا الكلام، وقيل: ~~ثم قول مقدر أي فقلنا سلام. # وقيل: ضمن تركنا معنى قلنا، وقيل: سلط " تركنا " على ما بعده. قال ~~الزمخشري: وتركنا عليه في الآخرين " هذه الكلمة " وهي " سلام على ~~نوح " يعني يسلمون عليه تسليما ويدعون له، وهو من الكلام ~~المحكي كقولك: " قرأت سورة أنزلناها ". # وهذا الذي قاله قول الكوفيين جعلوا الجملة في محل نصب مفعولا ~~بتركنا لا أنه ضمن معنى القول بل و على معناه بخلاف الوجه قبله. وهذا ~~أيضا من أقوالهم، وقرأ عبد الله " سلاما " وهو مفعول به " بتركنا " ~~و " كذلك " نعت مصدر أو حال من ضمير. كما تقدم تحريره. # فصل # المعنى: ms7369 سلام عليه في العالمين، وقيل: تركنا عليه في الآخرين أن ~~يصلى عليه إلى يوم الدين { إنا كذلك نجزي المحسنين } ~~أي إنما خصصنا نوحا - عليه (الصلاة و) السلام - بهذه التشريفات ~~الرفيعة من جعل الدنيا مملوءة من ذريته ومن تبقية ذكره الحسن في ~~ألسنة العالمين لأجل كونه محسنا، ثم علل كونه محسنا بأنه كان عبدا ~~مؤمنا. ### || [37.83-100] # القصة الثانية: قصة إبراهيم - عليه (الصلاة و) السلام - قوله تعالى: " ~~وإن من شيعته " أي من أهل دينه وسنته وفي الضمير وجهان: # أظهرهما: أنه يعود على " نوح " أي ممن كان يشايعه أي يتبعه على دينه ~~والتصلب في أمر الله. # الثاني: أنه يعود على محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو قول الكلبي. ~~والشيعة قد تطلق على المتقدم كقوله: # 4218- وما لي إلا آل أحمد شيعة # وما لي إلا مشعب الحق مشعب # فجعل (آل) أحمد وهم متقدومون عليه وهو تابع لهم شيعة له، قال الفراء، ~~والمعروف أن الشيعة تكون في المتأخر. قالوا كان بين نوح وإبراهيم (نبيان ~~هود وصالح، وروى الزمخشري أنه كان بين نوح وإبراهيم) ألفان وستمائة ~~وأربعون سنة. # قوله: " إذ جاء " في العامل فيه وجهان: # أحدهما: اذكر مقدرا. وهو المتعارف. # والثاني: قال الزمخشري: ما في الشيعة من معنى المشايعة يعني وإن ممن ~~شايعه على دينه وتقواه حين جاء ربه، قال أبو حيان: (لا يجوز لأن ~~فيه) الفصل بين العامل والمعمول بأجنبي وهو " لإبراهيم "؛ (لأنه ~~أجنبي من " شعته " ومن " إذ " وزاد المنع أن قدره ممن شايعه حين ~~جاء لإبراهيم)؛ (لأنه قدر ممن شايعه فجعل العامل قبله صلة لموصول، وفصل ~~بينه وبين " إذ " بأجنبي وهو " لإبراهيم " )، وأيضا فلام الابتداء ~~تمنع أن يعمل ما قبلها فيما بعدها لو قلت: إن ضاربا لقادم ~~علينا زيدا تقديره: أن ضاربا زيدا قادم علينا. لم يجز. # فصل # قال مقاتل والكلبي: المعنى أنه سليم من الشرك؛ لأنه أنكر على ~~قومه الشرك لقوله: { إذ قال لأبيه وقومه ماذا ~~تعبدون }. وقال الأصوليون: معناه أنه عاش ومات على طهارة القلب من ~~كل معصية. # قوله: " إذ قال " بدل من ms7370 " إذ " الأولى، أو ظرف لسليم أي سلم ~~عليه في وقت قوله كيت وكيت، أو ظرف لجاء، ذكره أبو البقاء، ~~وقوله: " ماذا تعبدون " استفهام توبيخ وتهجين لتلك الطريقة ~~وتقبيحها. # قوله: " أإفكا " فيه أوجه: # أحدهما: أنه مفعول من أجله، أي أتريدون آلهة دون الله إفكا، فآلهة ~~مفعول به، ودون ظرف " لتريدون " وقدمت معمولات الفعل اهتماما بها، ~~وحسنه كون العامل رأس فاصلة، وقدم المفعول من أجله على المفعول به ~~اهتماما به لأنه مكافح لهم بأنهم على إفك وباطل، وبهذا الوجه بدأ ~~الزمخشري. # الثاني: أن يكون مفعولا وتكون " آلهة " بدلا منه، جعلها نفس الإفك ~~مبالغة فأبدلها عنه وفسره بها، ولم يذكر ابن عطية غيره. # الثالث: أنه حال من فاعل " تريدون " أي تريدون آلهة أفكين أو ~~ذوي إفك، وإليه نحا الزمخشري. # قال أبو حيان: وجعل المصدر حالا لا يطرد إلى مع أما نحو: أما ~~علما فعالم، والإفك أسوأ الكذب. # قوله: { فما ظنكم برب العالمين } أي أتظنون برب ~~العالمين أنه جوز جعل هذه الجمادات مشاركة في المعبودية، أو تظنون برب ~~العالمين أنه من جنس هذه الأجسام حتى جعلتموها مساوية له في المعبودية ~~فنبههم بذلك على أنه ليس كمثله شيء. أو فما ظنكم برب العالمين إذا ~~لقيتموه وقد عبدتم غيره أنه يصنع بكم؟ # قوله: { فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم } قال ~~ابن عباس: كان قومه يتعاطون علم النجوم فعاملهم على مقتضى عادتهم، وذلك ~~أنه أراد أن يكايدهم في أصنامهم ليلزمهم الحجة في أنها غير معبودة وكان ~~لهم من الغد يوم عيد يخرجون إليه فأراد أن يتخلف عنهم ليبقى خاليا في ~~بيت الأصنام فيقدر على كسرها. # فإن قيل: النظر في علم النجوم غير جائز فكيف أخبرهم بخلاف حاله؟ # فالجواب: من وجوه. # الأول: أن نظره في النجوم أي في أوقات الليل والنهار، وكانت تأتيه ~~الحمى في بعض ساعات الليل والنهار فنظر ليعرف هل هي تلك الساعة فقال: ~~إني سقيم فجعله عذرا في تخلفه عن العيد الذي لهم فكان صادقا فيما قال، ~~لأن السقم كان يأتيه في ذلك الوقت. ms7371 # الثاني: أنهم كانوا أصحاب النجوم يعظمونها ويقضون بها على أمورهم فلذلك ~~نظر إبراهيم في النجوم أي في علم النجوم كما تقول: " نظر فلان في ~~الفقه " أي في علم الفقه فأراد إبراهيم أن يوهمهم أنه نظر في علمهم ~~وعرف منه ما يعرفونه حتى إذا قال: إني سقيم سكنوا إلى قوله، وأما ~~قوله: إني سقيم فمعناه سأسقم كقوله: # إنك ميت وإنهم ميتون # [الزمر:30] أي ستموت. # الثالث: أن نظره في النجوم هو قوله تعالى: # فلما جن عليه الليل رأى كوكبا # [الأنعام: 76] إلى آخر الآيات فكان نظره لتعرف أحوال هذه الكواكب هل هي ~~قديمة أو محدثة؟ وقوله: " إني سقيم " أي سقيم القلب أي غير عارف ~~بربي، وكان ذلك قبل البلوغ. # الرابع: قال ابن زيد: كان له نجم مخصوص طلع على صفة مخصوصة مرض ~~إبراهيم فلهذا الاستقراء لما رآه في تلك الحالة المخصوصة قال: إني سقيم ~~أي هذا السقم واقع لا محالة. # الخامس: أن قوله: إني سقيم أي مريض القلب بسبب إطباق ذلك الجمع العظيم ~~على الكفر والشرك كقوله تعالى لمحمد - صلى الله عليه وسلم -: # فلعلك باخع نفسك # [الكهف:6]. # السادس: أنا لا نسلم أن النظر في علم النجوم والاستدلال بها حرام؛ لأن ~~من اعتقد أن الله تعالى خص كل واحد من هذه الكواكب بطبع وخاصية لأجلها ~~يظهر منه أثر مخصوص فهذا العلم على هذا الوجه ليس بباطل وأما الكذب فغير ~~لازم لأن قوله: إني سقيم على سبيل التعريض بمعنى أن الإنسان لا ينفك ~~في أكثر حاله عن حصول حالة مكروهة إما في بدنه وإما في قلبه وكل ذلك ~~سقم. # السابع: قال ابن الخطيب: قال بعضم ذلك القول عن إبراهيم - عليه (الصلاة ~~و) السلام - كذبا. وأوردوا فيه حديثا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: # " ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات ". # قلت: لبعضهم: هذا الحديث لا ينبغي أن ينقل لأن فيه نسبه الكذب (إلى ~~إبراهيم فقال ذلك الرجل فكيف نحكم بكذب الراوي العدل؟) فقلت: لما وقع ~~التعارض بين نسبة الكذب إلى الراوي وبين نسبة الكذب ms7372 إلى الخليل عليه ~~(الصلاة و) السلام كان من المعلوم بالضرورة أن نسبته إلى الراوي أولى. ثم ~~نقول: لم لا يجوز أن يكون المراد من قوله: { فنظر نظرة في ~~النجوم } أي في نجوم كلامهم ومتفرقات أقوالهم، فإن الأشياء التي ~~تحدث قطعة قطعة يقال: إنها منجمة أي متفرقة. ومنه نجمت ~~الكتابة، والمعنى: أنه لما جمع كلماتهم المتفرقة نظر فيها حتى يسخرج ~~منها حيلة يقدر بها على إقامة عذر لنفسه في التخلف عنهم، فلم يجد عذرا ~~أحسن من قوله: " إني سقيم "؛ (والمراد: أنه لا بد من أن أصير ~~سقيما كما تقول لمن رأيته يتجهز للسفر: إنك مسافر، ولما قال: إني سقيم) ~~تولوا عنه مدبرين وتركوه، وعذروه في عدم الخروج إلى عيدهم. # قوله: " فراغ " أي مال في خفية، وأصله من روغان الثعلب، وهو ~~تردده وعدم ثبوته بمكان، ولا يقال: راغ حتى يكون صاحبه مخفيا لذهابه ~~ومجيئه، فقال استهزاء بها: " ألا تأكلون " يعني الطعام الذي كان ~~بين أيديهم { ما لكم لا تنطقون } قاله أيضا استهزاء، فراغ ~~عليهم مال عليهم مستخفيا. # قوله: " ضربا " مصدر واقع موقع الحال أي فراغ عليهم ضاربا، أو مصدر ~~لفعل ذلك الفعل حال تقديره فراغ يضرب ضربا، أو ضمن راغ معنى " ~~يضرب " وهو بعيد، و " باليمين " متعلق " بضربا " إن لم تجعله ~~مؤكدا وإلا فلعامله، واليمين يجوز أن يراد بها إحدى اليدين وهو الظاهر ~~وأن يراد بها القوة، فالباء على هذا للحال أي ملبسا بالقوة، وأن يراد ~~بها الحلف وفاء، بقوله: # وتالله لأكيدن أصنامكم # [الأنبياء:57] والباء على هذا للسبب، وعدي " راغ " الثاني " بعلى " لما ~~كان مع الضرب المستولي عليهم من فوقهم إلى أسفلهم بخلاف الأول فإنه مع ~~توبيخ لهم، وأتى بضمير العقلاء في قوله: " عليهم " جريا على ظن ~~عبدتها أنها كالعقلاء. # قوله (تعالى): " يزفون " حال من فاعل " أقبلوا ". و " إليه " ~~يجوز تعلقه بما قبله أو بما بعده، وقرأ حمزة يزقون. # بضم الياء من أزف. وله معنيان: # أحدهما: أنه من أزف يزف أي دخل في الزفيف. وهو الإسراع، أو زفاف ~~العروس، وهو المشى على ms7373 هيئة؛ لأن القوم كانوا في طمأنينة من أمرهم، ~~كذا قيل. وهذا الثاني ليس بشيء، إذ المعنى أنهم لما سمعوا بذلك بادروا ~~مسرعين، فالهمزة على هذا ليست للتعدية. # والثاني: أنه من أزف غيره أي حمله على الزفيف وهو الإسراع، أو ~~على الزفاف، وقد تقدم ما فيه، وباقي السبعة بفتح الياء من زف ~~الظليم يزف أي عدا بسرعة. وأصل الزفيف للنعام. وقرأ مجاهد وعبد ~~الله بن يزيد والضحاك وابن أبي عبلة: يزفون من وزف يزف أي أسرع ~~إلا أن الكسائي والفراء قالا لا نعرفها بمعنى زف. وقد عرفها ~~غيرهما، قال مجاهد - وهو بعض من قرأ بها -: الوزيف النسلان، وقرىء: ~~يزفون مبنيا للمفعول ويزفون كيرمون من زفاه بمعنى حداه ~~كأن بعضهم يزفو بعضا لتسارعهم إليه، وبين قوله: " فأقبلوا " ~~وقوله " فراغ عليهم " جمل محذوفة يدل عليها الفحوى أي فبلغهم ~~الخبر، فرجعوا من عيدهم ونحو هذا. # قال ابن عرفة: من قرأ بالنصب فهو من زف يزف (ومن قرأ بالضم فهو ~~من: أزف يزف). قال الزجاج: يزفون يسرعون، وأصله من زفيف النعامة ~~وهو من أشد عدوها. # قوله: { أتعبدون ما تنحتون } لما عاتبوا إبراهيم على كسر ~~الأصنام ذكر لهم الدليل الدال على فساد عباتها فقال: { أتعبدون ما ~~تنحتون والله خلقكم وما تعملون } ووجه الاستدلال: ~~أن الخشب والحجر قبل النحت والإصلاح ما كان معبودا البتة فإذا نحته ~~وشكله على الوجه المخصوص لم يحدث فيه الآثار تصرفه فلو صار معبودا عند ~~ذلك لكان معناه أن الشيء الذي لم يكن معبودا إذا حصلت آثار ~~تصرفاته فيه صار معبودا (إلى (ذلك))، وفساد ذلك معلوم ببديهة ~~العقل. # قوله: " وما تعملون " في " ما " هذه أربعة أوجه: # أجودها: أنها بمعنى الذي أي وخلق الذي تصنعونه، فالعمل هنا التصوير ~~والنحت نحو: عمل الصانع السوار الذي صاغه. ويرجح كونها بمعنى الذي ~~تقدم " ما " قبلها فإنها بمعنى الذي أي أتعبدون الذي تنحتون والله خلقكم ~~وخلق الذي تعملون(ه) بالنحت. # والثاني: أنها مصدرية أي خلقكم وأعمالكم، وجعلها الأشعرية دليلا على ~~خلق أفعال العباد لله تعالى وهو الحق، إلا أن ms7374 دليل من هنا غير قوي لما ~~تقدم من ظهور كونها بمعنى الذي، وقال مكي: يجب أن تكون ما والفعل مصدرا ~~جيء به ليفيد أن الله خالق الأشياء كلها. وقال أيضا: وهذا أليق لقوله: # من شر ما خلق # [الفلق:2] أجمع القراء على الإضافة فدل على أنه خالق الشر. وقد فارق ~~عمرو بن عبيد الناس فقرأ من شر بالتنوين ليثبت مع الله خالقين، ~~وشنع الزمخشري على القائل هنا بكونها مصدرية. # والثالث: أنها استفهامية، وهو استفهام توبيخ، أي: (و) أي شيء ~~تعملون؟ # الرابع: أنها نافية، أي أن العمل في الحقيقة ليس لكم فأنتم (لا) تعملون ~~شيئا، والجملة من قوله: { والله خلقكم } حال. ومعناها حسن أي ~~أتبعدون الأصنام على حالة تنافي ذلك وهي أن الله خالقكم وخالقهم ~~جميعها، ويجوز أن تكون مستأنفة. # فصل # دلت الآية على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى لأن النحويين اتفقوا على أن ~~لفظ (ما) مع ما بعده في تقدير المصدر فقوله: " وما تعملون " معناه ~~وعملكم، وعلى هذا فيصير معنى الآية: والله خلقكم وخلق عملكم. # فإن قيل: هذه الآية حجة عليكم من وجوه: # الأول: أنه تعالى قال: { أتعبدون ما تنحتون } أضاف العبادة ~~والنحت إليهم إضافة الفعل إلى الفاعل ولو كان ذلك دافعا بتخليق الله ~~لاستحال كونه فعلا (للعبد). # الثاني: أنه تعالى إنما ذكر هذه الآية توبيخا لهم على عبادة الأصنام؛ ~~لأنه تعالى لما ذكر هذه الآية بين أنه خالقهم وخالق لتلك الأصنام، ~~والخالق هو المستحق للعبادة دون المخلوق، فلما تركوا عبادته - سبحانه ~~وتعالى - وهو خالقهم وعبدوا الأصنام لا جرم أنه سبحانه وبخهم على ~~هذا الخطأ العظيم فقال: { أتعبدون ما تنحتون والله ~~خلقكم وما تعملون } ولو لم يكونوا فاعلين لأعمالهم لما جاز ~~توبيخهم عليها سلمنا أن هذه الآية ليست حجة عليكم ولكن لا نسلم أنها حجة ~~لكم فقولكم: لفظ ما مع ما بعدها في تقدير المصدر قلنا: ممنوع لأن سيبويه ~~والأخفش اختلفا هل يجوز أن يقال: أعجبني ما قمت أي قيامك، ~~فجوزه سيبويه ومنعه الأخفش، وزعم أن هذا لا يجوز إلا ms7375 في الفعل المتعدي ~~وذلك يدل على أن ما مع ما بعده في تقدير المفعول عند الأخفش سلمنا أن ~~ذلك قد يكون بمعنى المصدر لكنه أيضا قد يكون بمعنى المفعول. ويدل عليه ~~وجوه: # الأول: قوله: { أتعبدون ما تنحتون } والمراد بقوله: " ما ~~تنحتون " المنحوت لا النحت لأنهم ما عبدوا النحت فوجب أن يكون المراد ~~بقوله: " وما تعملون " المعمول لا العمل حتى يكون كل واحد من ~~هذين اللفظين على وفق الآخر. # الثاني: أنه تعالى قال: # فإذا هي تلقف ما يأفكون # [الأعراف:117] وليس المراد أنها تلقف نفس الإفك بل أراد العصي ~~والحبال التي هي متعلقات ذلك الإفك فكذا ههنا. # الثالث: إن العرب تسمي محل العمل عملا، يقال في الباب والخاتم: هذا ~~عمل فلان والمراد محل عمله فثبت بهذه الوجوه أن لفظ (ما) مع ما بعده ~~كما يجيء بمعنى المصدر قد يجيء أيضا بمعنى المفعول فكان حمله ههنا على ~~المفعول أولى؛ لأن المقصود في الآية تزييف مذهبهم في عبادة الأصنام لا ~~بيان أنهم لا يوجدون أفعال أنفسهم لأن الذي جرى ذكره من أول الآية إلى ~~هذا الموضع فهو مسألة عبادة الأصنام لا خلق الأعمال. # قال ابن الخطيب: و (اعلم أن) هذه (ال)سؤالات قوية فالأولى ترك ~~الاستدلال بهذه الآية. # قوله: { قالوا ابنوا له بنيانا } لما أورد عليهم الحجة ~~القوية ولم يقدروا على الجواب عدلوا إلى طريقة الإيذاء (فقالوا: ابنوا ~~(له) بنيانا) قال ابن عباس: بنوا حائطا من حجر طوله في السماء ~~ثلاثون ذراعا وعرضه عشرون ذارعا وملأوه نارا وطرحوه فيها وذلك هو ~~قوله: { فألقوه في الجحيم } وهي النار العظيمة. قال الزجاج: كل ~~نار بعضها فوق بعض فهي جحيم، والألف واللام في الجحيم يدل على النهاية ~~(والمعنى في جحيمه أي في جحيم ذلك البنيان. ثم قال تعالى: { فأرادوا ~~به كيدا فجعلناهم الأسفلين } ) والمعنى أن في وقت ~~المحاجة حصلت الغلبة له وعندما ألقوه من النار صرف الله عنه ضرر النار ~~فصار هو الغالب عليهم " وأرادوا كيدا " أي شواء وهو أن يحرقوه { ~~فجعلناهم الأسفلين } المقهورين من حيث سلم الله ms7376 إبراهيم ورد ~~كيدهم، ولما انقضت هذه الواقعة قال إبراهيم: { إني ذاهب إلى ~~ربي سيهدين } ونظير هذه الآية قوله تعالى: # وقال إني مهاجر إلى ربي # [العنكبوت:26] والمعنى أهجر دار الكفر أي أذهب إلى موضع دين ربي، وقوله: ~~" سيهدين " أي إلى حيث أمرني بالمصير إليه وهو الشام، وهذا يدل على ~~أن الهداية لا تحصل إلا من الله تعالى. ولا يمكن حمله على وضع الأدلة ~~وإزاحة الأعذار لأن ذلك كان حاصلا في الزمان الماضي، قال مقاتل: فلما ~~قدم الأرض المقدسة سأل ربه الولد فقال: { رب هب لي من ~~الصالحين } أي هب لي ولدا صالحا، لأن لفظ الهبة غلب في الولد ~~وإن كان قد جاء في الأخ في قوله تعالى: # ووهبنا له من رحمتنآ أخاه هارون نبيا # [مريم:53]. ### || [37.101-111] # { فبشرناه بغلام حليم } في كبره ففيه بشارة أنه ابن ~~وأنه يعيش وينتهي إلى سن يوسف بالحلم، وأي حلم أعظم من أنه عرض ~~عليه أبوه الذبح فقال { ستجدني إن شآء الله من ~~الصابرين }؟!. # قوله: { فلما بلغ معه } (معه) متعلق بمحذوف على سبيل ~~البيان كأن قائلا قال: مع (من) بلغ السعي؟ فقيل: مع أبيه ولا يجوز ~~تعلقه " ببلغ "؛ لأنه يقتضي بلوغهما معا حد السعي؛ ولا يجوز تعلقه ~~بالسعي لأنه صلة المصدر لا تتقدم عليه، فتعين ما تقدم. قال معناه ~~الزمخشري ومن يتسع في الظرف يجوز تعلقه بالسعي. # فصل # قال ابن عباس وقتادة: معنى بلغ السعي أي المشي معه إلى الجبل، قال مجاهد ~~عن ابن عباس: لما شب حتى بلغ سعيه سعي إبراهيم والمعنى أن ينصرف معه ~~ويعينه في عمله، قال الكلبي: يعني العمل لله. وهو قول الحسن؛ ومقاتل وابن ~~حبان وابن زيد قالوا: هو العبادة، واختلفوا في سنه، فقيل: كان ابن ~~ثلاث عشرة سنة، وقيل: كان ابن سبع سنين. # قوله: { إني أرى في المنام أني أذبحك } قال ~~المفسرون: لما بشر إبراهيم - عليه (الصلاة و) السلام - بالولد قبل أن ~~يولد له فقال: هو إذن لله ذبيح، فقيل لإبراهيم: قد نذرت نذرا فأوف ~~بنذرك فلما أصبح قال يا بني: ms7377 إن أرى في المنام أني ~~أذبحك، وقيل: رأى في ليلة التروية في منامه كأن قائلا يقول: إن ~~الله يأمرك بذبح ابنك، فلما أصبح تروى في ذلك من الصباح إلى الرواح، ~~أمن الله أو من الشيطان؟ فلذا سمي يوم التروية، فلما رأى ذلك أيضا ~~عرف أنه من الله تعالى فسمي يوم عرفة، ثم رأى مثله في الليلة الثالثة ~~فهم بالنحر فسمي يوم النحر. وهو قول أكثر المفسرين. وهذا يدل على أنه ~~رأى في المنام ما يوجب أن يذبح ابنه في اليقظة، وعلى هذا فتقدير اللفظ ~~أرى في المنام ما يوجب أني أذبحك. # فصل # اختلفوا في الذبيح، فقيل: إسحاق. وهو قول عمر، وعلي، وابن مسعود، ~~والعباد بن عبد المطلب، وكعب الأحبار، وقتادة، وسعيد بن جبير، ومسروق، ~~وعكرمة والزهري، والسدي، ومقاتل، وهي رواية عكرمة،وسعيد بن جبير، عن ابن ~~عباس. وقالوا: وكانت هذه القصة بالشام، وقيل: إنه إسماعيل وهو قول ابن ~~عباس وابن عمر، وسعيد بن المسيب، والحسن، والشعبي، ومجاهد، والكلبي، ~~والربيع بن أنس، ومحمد بن كعب القرظي وهي رواية عطاء بن أبي رباح ويوسف ~~بن (مهران) عن ابن عباس، وكذا القولين رويا عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - واحتج القائلون بأنه إسماعيل بقوله عليه (الصلاة و) ~~والسلام: # " أنا ابن الذبيحين " # وقال له أعرابي: با ابن الذبيحين فتبسم النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فسئل عن ذلك فقال: # " إن عبد المطلب لما حفر بئر زمزم نذر إن سهل الله أمرها ~~ليذبحن أحد ولده، فخرج السهم على عبد الله فمنعه أخواله وقالوا ~~له: افد ابنك بمائة من الإبل " # والذبيح الثاني إسماعيل ونقل الأصمعي أنه قال: سألت أبا عمرو بن ~~العلاء عن الذبيح فقال يا أصمعي: أين عقلك؟ ومتى كان إسحاق بمكة؟ ~~وإنما كان إسماعيل بمكة وهو الذي بنى البيت مع أبيه والمنحر بمكة وقد ~~وصف الله إسماعيل بالصبر دون إسحاق في قوله: # وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين # [الأنبياء:85] وهو صبره على الذبح، ووصفه أيضا بصدق الوعد فقال: # إنه كان صادق الوعد # [مريم:54] لأنه ms7378 وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح، فقال: { ستجدني ~~إن شاء الله من الصابرين }. وقال قتادة: # فبشرناها بإسحاق ومن ورآء إسحاق يعقوب # [هود:71] فكيف تقع البشارة المتقدمة؟! وقال الإمام أحمد: الصحيح أن ~~الذبيح هو إسماعيل وعليه جمهور العلماء من السلف والخلق، قال ابن عباس: ~~وذهبت اليهود أنه إسحاق وكذبت اليهود، وروى ابن عباس أنه هبط عليه ~~الكبش من بشير فذبح وهو الكبش الذي قربه ابن آدم فتقبل منه فذبحه بمنى ~~وقيل بالمقام، وروي: أنه كان وعلا. وقيل: كان تيسا من الأروى، قال ~~سفيان: لم يزل قرنا الكبش في البيت حتى أحرق فاحترقا. وروى ابن ~~عباس: أن الكبش لم يزل معلقا عند ميزاب الكعبة حتى وحش وأرسل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن طلحة فقالت امرأة عثمان لم دعاك ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: إني كنت رأيت قرني الكبش حين ~~دخلت البيت فنسيت أن أريك أين نحرها فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء ~~يشغل المصلي، وهذا يدل على أن الذبيح كان إسماعيل لأنه الذي كان مقيما ~~بمكة، وإسحاق لا يعلم أنه كان قدمها في صغره وهذا ظاهر القرآن لأنه ذكر ~~قصة الذبيح، ثم قال بعده: # وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين # [الصافات:112] قال ابن كثير: من قال: إنه إسحاق فإنما أخذه - والله أعلم ~~- من كعب الأحبار أو من صحف أهل الكتاب وليس في ذلك حديث صحيح عن المعصوم ~~حتى ينزل لأجله ظاهر الكتاب العزيز. # قوله: " ماذا ترى " يجوز أن تكون " ماذا " مركبة مغلبا فيها ~~الاستفهام فتكون منصوبة وهي وما بعدها في محل نصب " بانظر " لأنها معلقة ~~له، وأن تكون " ما " استفهامية و " ذا " موصولة فتكون مبتدأ وخبرا. ~~والجملة معلقة أيضا، وأن تكون ماذا بمعنى الذي فيكون معمولا لانظر. ~~وقرأ الأخوان تري بالضم والكسر، والمفعولان محذوفان أي تريني ~~إياه من صبرك واحتمالك. وباقي السبعة ترى - بفتحتين - من الرأي. # وقرأ الأعمش و الضحاك ترى بالضم والفتح، بمعنى ما يخيل إليك ~~ويسنح لخاطرك. # قوله: " ما تؤمر " يجوز أن ms7379 تكون " ما " بمعنى الذي، والعائد مقدر، ~~أي تؤمره والأصل: تؤمر به، ولكن حذف الجار مطرد فلم يحذف العائد ~~إلا وهو منصوب المحل، فليس حذفه هنا كحذفه (في) قولك: جاء الذي مررت ~~وأن تكون مصدرية، قال الزمخشري: أو أمرك على إضافة المصدر للمفعول وتسمية ~~المأمور به أمرا. يعني بقوله المفعول أي الذي لم يسم فاعله، إلا أن ~~في تقدير المصدرية (بفعل) مبني للمفعول خلافا مشهورا. # قوله: { ستجدني إن شآء الله من الصابرين } لما تؤمر. ~~إنما علق المشيئة لله تعالى على سبيل التبرك والتيمن فإنه لا حول عن ~~معصية الله إلا بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق ~~الله. # فصل # اختلف الناس في أن إبراهيم - عليه (الصلاة و) السلام - كان مأمورا ~~بهذا. وهذا الاختلاف يتفرع عليه مسألة أصولية وهي أنه هل يجوز نسخ الحكم ~~قبل حضور وقت الامتثال، فقال بعضهم: إنه يجوز، وقالت المعتزلة وبعض ~~الشافعية والحنفية: إنه لا يجوز فعلى الأول أن الله تعالى أمره بالذبح، ~~ثم إن الله تعالى فسخ هذا التكليف قبل حضور وقته، وعلى الثاني أن الله ~~تعالى ما أمره بالذبح وإنما أمره بمقدمات الذبح، واحتج الأولون بقصة ~~إبراهيم - عليه (الصلاة و) السلام - وقول الولد لأبيه: { افعل ما ~~تؤمر }. وقالت المعتزلة لا نسلم أنه أمر بذبح ولده بل إنما أمر ~~بمقدمات وهي إضجاعه، ووضع السكين على حلقه، والعزم الصحيح في الإتيان ~~بذلك الفعل، ثم إن الله تعالى أخبر عنه بأنه أتى بما أمر به لقوله: { ~~يإبراهيم * قد صدقت الرؤيآ } فدل على أنه تعالى إنما ~~أمره بمقدمات الذبح لا بنفس الذبح. وأيضا فإن الذبح عبارة عن قطع ~~الحلقوم، فلعل إبراهيم - عليه (الصلاة و) السلام - قطع الحلقوم إلا ~~أنه كلما قطع جزءا أعاد الله تأليفه ولهذا السبب لم يحصل الموت. وأيضا ~~فإنه تعالى لو أمر شخصا معينا بإيقاع فعل معين في وقت معين فهذا يدل ~~على أن إيقاع ذلك الفعل في ذلك الوقت حسن فلو حصل النهي في عقيب ذلك ~~الأمر لزم أحد أمرين إما أن يكون عالما ms7380 بحال ذلك الفعل فيلزم أن يقال: ~~إنه أمر بالقبيح أو نهى عن الحسن، وإن لم يكن عالما به لزم جهل الله ~~(تعالى) وأنه محال، والجواب عن الأول أنه تعالى إنما أمره بالذبح لظاهر ~~الآية وأما قولهم كلما قطع إبراهيم عليه (الصلاة و) السلام جزءا أعاد ~~الله تأليفه فهذا باطل لأن إبراهيم عليه (الصلاة و) السلام لو أتى بكل ما ~~أمر به لما احتاج إلى الفداء وحيث احتاج إليه علمنا أنه لم يأت بكل ما ~~أمر به، وأما قولهم: يلزم إما الأمر بالقبيح وإما الجهل فنقول: هذا بناء ~~على أن الله لا يأمر إلا بما يكون حسنا في ذاته ولا ينهى إلا عما ~~يكون قبيحا في ذاته فذلك مبني على تحسين العقل وتقبيحه. # وهو باطل فإن سلمنا ذلك فلم (لا) يجوز أن يكون الأمر بالشيء ~~تارة حسنا لكون المأمور به حسنا في ذلك الوقت لمصلحة من المصالح وإن ~~لم يكن المأمور به حسنا كما إذا أراد السيد اختبار طاعة العبد فيقول له: ~~افعل الفعل الفلاني في يوم الجمعة ويكون ذلك الفعل شاقا ويكون ~~مقصود السيد ليس أن يأتي العبد بذلك الفعل بل أن يوطن العبد نفسه على ~~الانقياد والطاعة ثم إن السيد إذا علم منه توطين نفسه على الطاعة فقد ~~يزيل (الألم عنه) بذلك التكليف فكذا ههنا. # فصل # احتجوا بهذه الآية على أنه تعالى قد يأمر بما لا يريد وقوعه، لأنه تعالى ~~لو أراد وقوعه لوقع الذبح لا محالة. # فصل في الحكمة في ورود هذا التكليف في النوم لا في اليقظة # وذلك من وجوه: # الأول: أن هذا التكليف في نهاية المشقة على الذابح والمذبوح فورد أولا ~~في النوم حتى يصير ذلك كالمفيد لورود هذا التكليف الشاق، ثم يتأكد ذلك ~~بأحوال اليقظة لكيلا يهجم هذا التكليف الشاق على النفس دفعة واحد بل على ~~التدريج. # الثاني: أن الله تعالى جعل رؤيا الأنبياء - عليهم (الصلاة و) السلام ~~- حقا، قال تعالى: # لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق # [الفتح: 27] وقال عن يوسف: # إني رأيت أحد عشر ms7381 كوكبا والشمس والقمر ~~رأيتهم لي ساجدين # [يوسف:4] وقول إبراهيم: { إني أرى في المنام أني أذبحك ~~}. والمقصود من هذا تقوية الدلالة على كونهم صادقين فإذا تظاهرت ~~الحالتان على الصدق دل ذلك نهاية كونهم محقين في كل الأحوال. # فصل # والحكمة في مشاورة الابن في هذا الأمر ليظهر له صبره في طاعة الله فيكون ~~فيه قوة عين لإبراهيم حيث يراه قد بلغ في الحكمة إلى هذا الحد العظيم ~~في الصبر على أشد المكاره إلى هذه الدرجة العالية ويحصل للابن الثواب ~~العظيم في الآخرة والثناء الحسن في الدنيا. # قوله: " فلما أسلما " في جوابها ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنه محذوف أي ذادته الملائكة أو ظهر صبرهما، ~~أو أجزلنا لهما أجرهما، وقدره بعضهم: بعد الرؤيا؛ أي كان ما كان مما ~~ينطق به الحال والوصف مما لا يدرك كنهه، ونقل ابن عطية: أن ~~التقدير فلما أسلما أسلما وتله كقوله: # 4219- فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى # بنا بطن خبت ذي قفاف عقنقل # أي فلما أجزنا أجزنا وانتحى ويعزى هذا لسيبويه وشيخه الخليل. وفيه ~~نظر من حيث اتخاذ الفعلين الجاريين مجرى الشرط والجواب، إلا ~~أن يقال: جعل التغاير في الآية بالعطف على الفعل وفي البيت بعمل ~~الثاني في " ساحة " وبالعطف عليه أيضا، والظاهر أن مثل هذا لا يكفي في ~~التغاير. # الثاني: أنه " وتله للجبين " والواو زائدة وهو قول الكوفيين ~~والأخفش. # والثالث: أنه " وناديناه " والواو زائدة أيضا كقوله: # وأجمعوا أن يجعلوه في غيبت الجب وأوحينآ ~~إليه # [يوسف:15] فنودي من الجبل أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا. تم ~~الكلام هنا. ثم ابتدأ: إن كذلك (نجزي المحسنين) وقرأ ~~علي وعبد الله وابن عباس سلما، وقرىء: استسلما. " وتله " أي ~~صرعه وأضجعه على شقه، وقيل: هو الرمي بقوة وأصله من رمى به على ~~التل وهو المكان المرتفع أو من التليل وهو العنق، أي رماه على ~~عنقه، ثم قيل لكل إسقاط وإن لم يكن على تل ولا عنق. والتل ~~الريح الذي يتل به، و " الجبين " ما انكشف من الجبهة من هنا ومن ~~هنا، وشذ جمعه على أجبن، ms7382 وقياسه في القلة أجبنه كأرغفة وفي ~~الكثرة جبن وجبنان كرغيف ورغف ورغفان. # فصل # والمعنى سلم لأمر الله، وأسلم واستسلم بمعنى واحد أي انقاد ~~وخضع. والمعنى أخلص نفسه لله وجعلها سالمة خالصة وكذلك استسلم استخلص ~~نفسه لله، وعن قتادة في أسلما: أسلم هذا ابنه، وهذا نفسه، وقوله: { ~~وتله للجبين } أي صرعه على شقه فوقع أحد جبينيه للأرض ~~وللوجه جبينان والجبهة بينهما. قال ابن الأعرابي: التليل ~~والمتلول المصروع والمتل الذي يتل به أي يصرع، والمعنى ~~أنه صرعه على جبينه. وقال مقاتل: كبه على جبهته وهذا خطأ لأن الجبين غير ~~الجبهة { وناديناه أن يإبراهيم * قد صدقت ~~الرؤيآ }. # فإن قيل: لم قال: صدقت الرؤيا وكان قد رأى الذي لم يذبح؟ ~~قيل: جعله مصدقا لأنه قد أتى بما أمكنه والمطلوب إسلامهما لأمر الله وقد ~~فعلا. وقيل: قد كان رأى في النوم مصالحة ولم ير إراقه دم وقد فعل ~~في اليقظة ما رأى في النوم ولذلك قال: قد صدقت الرؤيا، قال المحققون: ~~السبب في هذا التكليف كمال طاعة إبراهيم لتكاليف الله فلما كلفه هذا ~~التكليف الشاق الشديد وظهر منه كمال الطاعة وظهر من ولده كمال الطاعة ~~والانقياد لا جرم قال الله تعالى: { قد صدقت الرؤيآ } وقوله: ~~{ إنا كذلك نجزي المحسنين } ابتداء إخبار من الله تعالى ~~والمعنى إنا كما عفونا عن ذبح ولده كذلك نجزي من أحسن في طاعتنا قال ~~مقاتل: جزاه الله بإحسانه في طاعته العفو عن ذبح ولده { إن هذا ~~لهو البلاء المبين } الاختبار البين الذي يتميز فيه ~~المخلصون من غيرهم أو المحنة البينة الصعوبة التي لا محنة أصعب منها، ~~وقال مقاتل: البلاء ههنا النعمة وهو أن فدى ابنه بالكبش، وقوله: { ~~وفديناه بذبح عظيم } الدبح مصدر ذبحت والذبح ~~أيضا ما يذبح. وهو المراد في هذه الآية. وسمي عظيما لسمنه ~~وعظمه، وقال سعيد بن جبير: حق له أن يكون عظيما لعظم قدره ~~حيث قبله الله فداء ولد إبراهيم. وتقدم الكلام على نظير بقية القصة. ### || [37.112-113] # قوله: { وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين }. " ~~نبيا " نصب على الحال. وهي ms7383 حال مقدرة. قال أبو البقاء: إن كان ~~الذبيح إسحاق فيظهر كونها مقدرة وإن كان إسماعيل هو الذبيح وكانت هذه ~~البشارة بشارة بولادة إسحاق فقد جعل الزمخشري ذلك محل سؤال قال: فإن ~~قلت: فرق بين هذا وبين قوله: # فادخلوها خالدين # [الزمر:73] وذلك أن الدخول موجود مع وجود الدخول والخلود (غير) ~~موجود معهما فقدرت الخلود فكان مستقيما وليس كذلك المبشر به فإنه معدوم ~~وقت وجود البشارة وعدم المبشر به أوجب عدم حاله لأن الحال حلية لا يقوم ~~إلا في المحلى. وهذا المبشر به الذي هو إسحاق حين وجد لم توجد النبوة ~~أيضا بوجوده بل تراخت عنه مدة طويلة فكيف نجعل " نبيا " حالا مقدرة ~~والحال صفة للفاعل والمفعول عند وجود الفعل منه أو به؟! فالخلود وإن ~~لم يكن صفتهم عند دخول الجنة فنقدرها صفتهم لأن المعنى مقدرين الخلود ~~وليس كذلك النبوة فإنه لا سبيل إلى أن تكون موجودة أو مقدرة وقت وجود ~~البشارة بإسحاق لعدم إسحاق قلت: هذا سؤال دقيق المسلك. والذي يحل ~~الإشكال أنه لا بد من تقدير مضاف وذلك قوله: وبشرناه بوجود إسحاق ~~نبيا أي بأن يوجد مقدرة نبوته، والعالم في الحال الوجود لا فعل ~~البشارة، وذلك يرجع نظير قوله تعالى: # فادخلوها خالدين # [الزمر:73] انتهى. وهو كلام حسن. # قوله: " من الصالحين " يجوز أن يكون صفة " لنبيا " وأن ~~يكون حالا من الضمير في " نبيا " فتكون حالا متداخلة، ويجوز أن ~~تكون حالا ثانية، قال الزمخشري: وورودها على سبيل الثناء ~~والتقريظ لأن كل نبي لا بد أن يكون من الصالحين. # قوله: " وباركنا عليه " يعني على إبراهيم في أولاده " وعلى ~~إسحاق " بأن أخرج جميع بني إسرائيل من صلبه. # وقيل: هو الثناء الحسن على إبراهيم وإسحاق إلى يوم القيامة. { ومن ~~ذريتهما محسن } مؤمن " وظالم لنفسه " أي كافر " ~~مبين " ظاهر وفي ذلك تنبيه على أنه لا يلزم من كثرة فضائل الأب فضيلة ~~الابن لئلا تصير هذه الشبهة سببا لمفاخرة اليهود، ودخل تحت قوله: " ~~محسن " الأنبياء والمؤمنون، وتحت قوله: " وظالم " الكافر ~~والفاسق. ### || [37.114-122] # قوله تعالى: { ولقد مننا على ms7384 موسى وهارون } أنعمنا ~~عليهما بالنبوة { ونجيناهما وقومهما من الكرب ~~العظيم } الذي كانوا فيه من استعباد فرعون إياهم. # (قوله: " ونصرناهم " ) قيل: الضمير يعود على " موسى وهارون ~~وقومهما " ، وقيل: عائد على الاثنين بلفظ الجمع تعظيما كقوله: # 4220- فإن شئت حرمت النساء سواكم # ...................... # يأيها النبي إذا طلقتم النسآء # [الطلاق:1]. # قوله: " فكانوا هم " يجوز في " هم " أن تكون تأكيدا، وأن تكون ~~بدلا، وأن تكون فصلا، وهو الأظهر. # فصل # المعنى: فكانوا هم الغالبين على القبط في كل الأحوال، أما في ~~أول الأمر فبظهور الحجة، وما في آخر الأمر فبالدولة والرفعة { ~~وآتيناهما الكتاب المستبين } المستنير المشتمل على جميع ~~العلوم المحتاج إليها في مصالح الدين والدنيا كما قال تعالى: # إنآ أنزلنا التوراة فيها هدى ونور # [المائدة:44]. { وهديناهما الصراط المستقيم } دللناهما ~~على طريق الحق عقلا وسمعا { وتركنا عليهما في الآخرين } ~~تقدم الكلام عليه في آخر القصة. ### || [37.123-132] # قوله: { وإن إلياس لمن المرسلين } قرأ العامة إلياس ~~بهمزة مكسورة همزة قطع، وابن ذكوان بوصلها، ولم ينقلها عنه أبو حيان بل ~~نقلها عن جماعة غيره، ووجه القراءتين أنه اسم أعجمي تلاعبت به العرب ~~فقطعت همزته تارة وصلتها أخرى، وقالوا فيه إلياسين كجبرائين، وقيل: تحتمل ~~قراءة الوصل أن يكون اسمه ياسين ثم دخلت عليه " أل " المعرفة كما دخلت ~~على " يسع "؛ وقد تقدم. وإلياس هذا قيل: ابن (إل) ياسين المذكور ~~بعد ولد هارون أخي موسى، وقال ابن عباس هو ابن عم اليسع، وقال ابن ~~إسحاق: هو الياس بن بشير بن فنحاص بن العيران بن هارون بن عمران، ~~ووري عن عبد الله بن مسعود قال: إلياس هو إدريس وفي مصحفه " وإن ~~إدريس لمن المرسلين " وبها قرأ عبد الله والأعمش وابن وثاب، ~~وهذا قول عكرمة، وقرىء إدراس(يل) وإبراهيم وإبراهام، وفي مصحف أبي ~~قراءته وإن أيليس بهمزة مكسورة ثم ياء ساكنة بنقطتين من تحت ثم لام ~~مكسورة ثم ياء بنقطتين من تحت ساكنة، ثم سين مفتوحة مهملة. # قوله: " إذ قال " ظرف لقوله " لمن المرسلين " والتقدير: اذكر يا ~~محمد لقومك إذ قال لقومه: ألا تتقون أي لا تخافون ms7385 الله. ولما ~~خوفهم على سبيل الاحتمال ذكر ما هو السبب لذلك التخويف فقال: { ~~أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين }. # قوله: " بعلا " القراء على تنوينه منصوبا وهو الرب بلغة اليمن سمع ~~ابن عباس رجلا منهم ينشد ضالة فقال آخر: أنا بعلها، فقال: ~~الله أكبر وتلا الآية. ويقال: من بعل هذه الدار؟ أي من ربها؟ ~~وسمي الزوج بعلا لهذا المعنى، قال تعالى: # وبعولتهن أحق بردهن # [البقرة:228]، وقال: # وهذا بعلي شيخا # [هود:72] فعلى هذا التقدير: المعنى أتعبدون بعض البعول وتتركون عبادة ~~الله تعالى وقيل: هو علم لصنم بعينه، وقيل: هو علم لامرأة بعينها أتتهم ~~بضلال فاتبعوها، ويؤيده قراءة من قرأ: " بعلاء " بزنة حمراء. # قوله: " وتذرون " يجوز أن يكون حالا، على إضمار مبتدأ، وأن يكون ~~عطفا على " تدعون " فيكون داخلا في حيز الإنكار. # قوله: { الله ربكم ورب } قرأ الأخوان بنصب الثلاثة من ~~ثلاثة أوجه: النصب على المدح أو البدل أو البيان إن قلنا: إن إضافة " ~~أفعل " إضافة محضة، والباقون بالرفع إما على أنه خبر ابتداء مضمر أي هو ~~الله، أو على أن الجلالة مبتدأ وما بعده الخبر، روي عن حمزة أنه كان إذا ~~وصل نصب، وإذا وقف رفع. وهو حسن جدا. وفيه جمع بين ~~الروايتين. # فصل # قال المفسرون: لما قبض الله حزقيل - عليه (الصلاة و) السلام - ~~عظمت الأحداث في بني إسرائيل وظهر فيهم الفساد والشك وعبدوا الأوثان ~~من دون الله - عز وجل - فبعث الله إليهم إلياس نبيا، وكانت الأنبياء من ~~بني إسرائيل، يبعثون من بعد موسى بتجديد ما نسوا من التوراة وبنو ~~إسرائيل كانوا متفرقين في أرض الشام، وسبب ذلك أن يوشع بن نون لما ~~فتح الشام بوأها بني إسرائيل وقسمها بينهم فأحل سبطا منهم ببعلبك ~~ونواحيها وهم السبط الذين كان منهم إلياس فبعثه الله إليهم نبيا وعليهم ~~يومئذ ملك يقال له أحب قد أضل قومه وأجبرهم على عبادة الأصنام وأن يعبد ~~هو وقومه صنما يقال له بعل وكان طوله عشرين ذارعا وله أربعة أوجه ~~فجعل إلياس يدعوهم إلى الله - عز وجل - وهم لا يسمعون ms7386 إلى ما كان من ~~الملك فإنه صدقه وآمن به ثم ذكروا قصة طويلة وذكروا في آخرها ان إلياس ~~رفع إلى السماء وكساه الله الريش وقطع عنه لذة المطعم والمشرب فكان ~~إنسيا ملكيا أرضيا سمائيا، قال ابن أبي دؤاد: إن الخضر وإلياس ~~يصومان شهر رمضان ببيت المقدس ويوافيان الموسم في كل عام. # وقيل: إن إلياس وكل بالفيافي والخضر وكل بالعمار. ثم قال ~~تعالى: { فكذبوه فإنهم لمحضرون } أي لمحضرون النار ~~غدا { إلا عباد الله المخلصين } من قومه الذين أوتوا ~~بالتوحيد الخالص فإنهم محضرون { وتركنا عليه في الآخرين }. # قوله: { إلا عباد الله } استثناء من فاعل " فكذبوه " وفيه ~~دلالة على أن في قومه من لم يكذبه فلذلك استثنوا ولا يجوز أن يكونوا ~~مستثنين من ضمير " لمحضرون "؛ لأنه يلزم أن يكونوا ~~مندرجين فيمن كذب لكنهم لم يحضروا لكونهم عباد الله المخلصين. وهو ~~بين الفساد. (و) لا يقال: هو مستثنى منه استثناء منقطعا؛ لأنه يصير ~~المعنى لكن عباد الله المخلصين من غير هؤلاء لم يحضروا. ولا حاجة إلى ~~هذا بوجه إذ به يفسد نظم الكلام. # قوله تعالى: " على إل ياسين " قرأ نافع وابن عامر " آل ياسين " ~~بإضافة " آل " - بمعنى الأهل - إلى ياسين والباقون بكسر الهمزة وسكون ~~اللام موصولة بياسين؛ كأنه جمع إلياس جمع سلامة، فأما الأولى فإنه ~~أراد بالآل إلياس ولد ياسين كما تقدم وأصحابه، وقيل: المراد بياسين ~~هذا إلياس المتقدم فيكون له اسمان مثل إسماعيل وإسماعين وميكائل ~~وميكائين، وآله: رهطه وقومه المؤمنون، وقيل: المراد بياسين، محمد بن ~~عبد الله - صلى الله عليه وسلم - وقيل: المراد بياسين اسم القرآن كأنه ~~قيل سلام على من آمن بكتاب الله الذي هو ياسين. # وأما القراءة الثانية، فقيل: هي جمع إلياس المتقدم وجمع باعتبار ~~أصحابه (ك)المهالبة والأشاعثة في المهلب وبنيه ~~والأشعث وقومه. وهو في الأصل جمع المنسوب إلى إلياس والأصل إلياسي ~~كأشعري، ثم استثقل تضعيفهما فحذفت إحدى يائي النسب، فلما جمع جمع ~~سلامة التقى ساكنان إحدى اليائين(و) ياء الجمع فحذفت أولاهما لالتقاء ~~الساكنين فصار الياسين كما ترى ومثله الأشعرون والخبيبون، ms7387 قال: # 4221- قدني من نصر الخبيبين قد(ي) # ............... # وقد تقدم طرف من هذا آخر الشعراء عند قوله: # الأعجمين # [الشعراء: 198] إلا أن الزمخشري قد رد هذا بأنه لو كان على ما ذكر ~~لوجب تعريفه بأل، فكان يقال على الإلياسين. # قال شهاب الدين: لأنه متى جمع العلم جمع سلامة أو ثني لزمته الألف ~~واللام لأنه تزول علميته فيقال: الزيدان، والزيدون، ~~والزينبات، ولا يلتفت إلى قولهم: جماديان وعمايتان علمي ~~شهرين، وجبلين لندورهما. وقرأ الحسن وأبو رجاء على الياسين ~~بوصول الهمزة لأنه يجمع الياسين وقومه المنسوبين إليه بالطريق المذكورة. ~~وهذه واضحة لوجود " ال " المعرفة كالزيدين. وقرأ عبد الله على ~~إدراسين لأنه قرأ في الأول: وإن إدريس، وقرأ أبي علي إيليسين لأنه قرأ ~~في الأول وإن إيليس كما تقدم عنه، وهاتان القراءتان تدلان على أن " ~~الياسين " جمع إلياس. ### || [37.133-148] # قوله تعالى: { وإن لوطا لمن المرسلين } تقدم الكلام على ~~نظيره، وقوله: " مصبحين " حال، وهو من أصبح التامة أي داخلين في ~~الصباح، ومنه: # 4222- إذا سمعت بسرى القي # ن فاعلم بأنه مصبح # أي مقيم في الصباح، وتقدم ذلك في سورة الروم، و " بالليل " عطف على ~~الجار قبلها، أي ملتبسين بالليل، والمعنى أن أولئك القوم كانوا ~~يسافرون إلى الشام، والمسافر في أكثر الأمر إنما يمشي في الليل أو في ~~النهار فلهذا السبب عبر تعالى عن هذين الوقتين ثم قال: { وبالليل ~~أفلا تعقلون } أي ليس فيكم عقول تعتبرون بها قوله: { ~~وإن يونس لمن المرسلين } قرىء بضم النون وكسرها، قال ~~الزمخشري، قال ابن الخطيب: وإنما صارت هذه القصة آخر القصص لأنه لم ~~يصبر على أذى قومه، قال المفسرون: بعث الله تعالى يونس عليه (الصلاة ~~و) السلام إلى أرض نينوى من أرض الموصل فدعاهم إلى الله - عز وجل - ~~فكذبوه وتمادوا عليه على كفرهم فلما طال ذلك عليه خرج من بين اظهرهم ~~وواعدهم حلول العذاب بعد ثلاث كما سياتي. # قوله: " إذ أبق " (ظرف للمرسلين، أي هو من المرسلين، حتى في ~~هذه الحالة و " أبق " هرب يقال: أبق العبد يأبق إباقا فهو ~~آبق و) الجمع إباق ms7388 كضراب، وفيه لغة ثانية أبق بالكسر يأبق ~~بالفتح وتأبق الرجل تشبه به في الاستتار، وقول الشاعر: # 4223-............. # (و) أحكمت حكمات القد والأبقا # قيل: هو القتب. (قوله): " فساهم " أي فغالبهم في المساهمة وهي ~~الاقتراع، وأصله (أن) يخرج السهم على من غلب " فكان من ~~المدحضين " أي المغلوبين، يقال أدحض الله حجته فدحضت ~~أي أزالها فزالت وأصل الكلمة من الدحض وهو الزلق يقال: دحضت ~~رجل البعير إذا زلقت. # فصل # قال ابن عباس ووهب: كان يونس وعد قومه العذاب فلما تأخر عنهم خرج ~~كالمتشرد منهم فقصد البحر فركب السفينة فاحتبست السفينة فقال الملاحون: ~~ههنا عبد أبق من سيده فاقترعوا فوقعت القرعة على يونس فاقترعوا ثلاثا ~~فوقعت على يونس فقال يونس: أنا الآبق وزج نفسه في الماء. # قوله: { فالتقمه الحوت وهو مليم } المليم الذي أتى بما ~~يلام عليه. قال: # 4224- وكم من مليم لم يصب بملامة # ومشبع بالذنب ليس له ذنب # يقال: ألام فلان أي فعل ما يلام عليه، وقوله " وهو مليم " حال. ~~وقرىء " مليم " بفتح الميم من لام يلوم وهي شاذة جدا، إذا كان ~~قياسها " ملوم "؛ لأنها من ذوات الواو كمقول ومصوب. قيل: ولكن ~~أخذت من ليم على كذا مبنيا للمفعول ومثله في ذلك: شيب الشيء فهو ~~مشيب ودعي فهو مدعي. والقياس مشوب ومدعو لأنهما من ~~يشوب ويدعو. # فصل # روى ابن عباس أن يونس - عليه (الصلاة و) السلام - كان يسكن مع قومه ~~فلسطين فغزاهم ملك وسبى منهم تسعة أسباط ونصف وبقي سبطان ~~ونصف وكان قد أوحي إلى بني إسرائيل إذا أسركم عدوكم (أ) وأصابتكم مصيبة ~~فادعوني أستجب لكم فلما نسوا ذلك وأسروا أوحى الله تعالى بعد حين إلى ~~نبي من أنبيائهم أن اذهب إلى ملك هؤلاء الأقوام وقل لهم يبعث إلى ~~بني إسرائيل نبيا فاختار يونس - عليه (الصلاة و) السلام - لقوته ~~وأمانته، قال يونس: الله أمرك بهذا؟ قال: لا ولكن أمرت أن أبعث قويا ~~أمينا وأنت كذلك فقال يونس: وفي بني إسرائيل من هو أقوى مني فلم لا ~~تبعثه؟ فألح الملك عليه فغضب يونس منه وخرج ms7389 حتى أتى بحر الروم فوجد ~~سفينة مشحونة فحملوه فيها، فلما أشرف على لجة البحر أشرفوا على ~~الغرق. فقال الملاحون إن فيكم عاصيا وإلا لم يحصل في السفينة ما نراه. ~~وقال التجار قد جربنا مثل هذا فإذا رأيناه نقترع فمن خرج عليه نغرقه ~~فلأن يغرق واحد خير من غرق الكل فخرج من بينهم يونس فقال يا هؤلاء: ~~أنا العاصي وتلفف في كساء ورمى بنفسه فالتقمه الحوت وأوحى الله إلى ~~الحوت: لا تكسر منه عظما ولا تقطع له وصلا ثم إن السمكة خرجت من نيل ~~مصر ثم إلى بحر فارس ثم إلى (بحر) البطائح، ثم دجلة فصعدت به ورمته في ~~أرض نصيبين بالعراء، وهو كالفرخ المنتوف لا شعر ولا لحم ~~فأنبت الله عليه شجرة من يقطين فكان يتسظل بها ويأكل من ثمرها حتى ~~اشتد. ثم إن الأرض(ة) أكلتها فحزن يونس لذلك حزنا ~~فقال يا رب كنت أستظل تحت هذه الشجرة من الشمس والريح وأمص من ~~ثمرها وقد سقطت فقيل (له): يا يونس تحزن (على شجرة) أنبتت في ساعة ~~واقتلعت في ساعة ولا تحزن على مائة ألف أو يزيدون تركتهم فانطلق ~~إليهم. # قوله: { فلولا أنه كان من المسبحين } من الذاكرين ~~الله قبل ذلك وكان كثير الذكر، قال ابن عباس: من المصلين وقال وهب: ~~من العابدين. وقال الحسن: ما كانت له صلاة في بطن الحوت ولكن قدم ~~عملا صالحا. وقال سعيد بن جبير هو قوله في بطن الحوت: " لا إله إلا ~~أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ". # قوله: " في بطنه " الظاهر أنه متعلق " بلبث ". وقيل: حال أي ~~مستقر. وكان بطنه قبرا له إلى يوم القيامة، قال الحسن: لم يلبث ~~إلا قليلا ثم أخرج من بطن الحوت. وقال بعضهم: التقمة بكرة ولفظه ~~عشيا وقال مقاتل بن حيان ثلاثة أيام، وعن عطاء: سبعة أيام، وعن ~~الضحاك، عشرون يوما. وقيل: شهر، وقيل: أربعين يوما. # قال ابن الخطيب: ولا أدري بأي دليل عينوا هذه المقادير. وروى أبو بردة ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن قال: سبح يونس ms7390 في بطن الحوت ~~فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا ربنا إنا نسمع صوتا بأرض غريبة فقال ~~ذاك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر، قالوا: ~~العبد الصالح الذي كان يصيعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح قال: ~~نعم فشفعوا له فأمر الحوت فقذفه بالساحل. وروي أن يونس لما ابتلعه الحوت ~~ابتلغ الحوت حوت آخر أكبر منه فلما استقر في جوف الحوت حسب أنه قد ~~مات فحرك جوارحه فتحركت فإذا هي حي فخر ساجدا وقال: يار رب اتخذت ~~لك مسجدا لم يعبدك أحد في مثله. # قوله: " فنبذناه " أضاف النبذ إلى نفسه مع أن ذلك النبذ إنما حصل ~~بفعل الحوت وهذا يدل على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى. وقوله: " ~~بالعرآء " أي في العراء نحو: زيد بمكة. # والعراء: الأرض الواسعة التي لا نبات بها و معلم اشتقاقا من العري ~~وهو عدم السترة وسميت الأرض الجرداء بذلك لعدم استتهارها بشيء. ~~والعرى بالقصر الناحية ومنه اعتراه أي قصد عراه. وأما الممدود ~~فهو كما تقدم الأرض الفيحاء قال: # 4225- ورفعت رجلا لا أخاف عثارها # ونبذت بالمتن العراء ثيابي # قوله: " وأنبتنا عليه " أي له، وقيل: عنده { شجرة من ~~يقطين } اليقطين (ي)فعيل من قطن بالمكان إذا أقام فيه لا ~~يبرح. قال المبرد والزجاج: اليقطين كل ما لم يكن له ساق من عود ~~كالقثاء والقرع والبطيخ والحنظل وهو قوله الحسن و (قتادة)، ~~ومقاتل. # قال البغوي: المراد هنا القرع على قول جميع المفسرين. وروى الفراء أنه ~~ورق القرع عن ابن عباس. # فقال: " ومن جعل ورق القرع من بين الشجر يقطينا كل ورقة اتسعت وسترت ~~فهي يقطين ". # واعلم أن في قوله: " شجرة " ما يرد قول بعضهم أن الشجرة في كلامهم ما ~~كان لها ساق من عود بل الصحيح أنها أعم، ولذلك بينت بقوله: " من ~~يقطين " ، وأما قوله: # والنجم والشجر # [الرحمن: 6] فلا دليل فيه لأنه استعمال اللفظ العام في أحد مدلولاته. # وقيل: بل أنبت الله اليقطين الخاص على ساق معجزة له، فجاء على أصله. ~~قال الواحدي: الآية تقتضي شيئين لم ms7391 يذكرهما المفسرون: # أحدهما: أن هذا اليقطين لم يكن فأنبته الله لأجله، والآخر: أن اليقطين ~~مغروس ليحصل له ظل، ولو كان منبسطا على الأرض لم يمكن أن يستظل به. وقال ~~مقاتل بن حيان: كان يونس يستظل بالشجرة وكانت وعلة تختلف إليه ~~فيشرب من لبنها بكرة وعشيا حتى اشتد لحمه ونبت شعره. # وقال ههنا: " فنبذناه بالعراء " وقال في موضع آخر: # لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعرآء ~~وهو مذموم # [القلم: 49] ولكنه تداركه النعمة فنبذه وهو غير مذموم. # فصل # قال شهاب الدين: ولو بنيت من الوعد مثل يقطين لقلت: يوعيد، لا يقال ~~بحذف الواو لوقوعها بين ياء وكسرة كيعد مضارع " وعد " لأن شرط تلك ~~الياء أن تكون للمضارعة، وهذه مما يمتحن بها أهل التصريف بعضهم بعضا. # قوله: { وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون } ~~يحتمل أن يكون المراد: " وأرسلناه قبل ملتقمه "؛ وعلى هذا ~~فالإرسال وإن ذكر بعد الالتقام فالمراد به التقديم. والواو معناها الجمع ~~ويحتمل أن يكون المراد به الإرسال بعد الالتقام قال ابن عباس: كان إرسال ~~يونس بعدما نبذة الحوت وعلى هذا التقدير يجوز أنه أرسل إلى قوم آخرين ~~سوى القوم الأول ويجوز أن يكون أرسل إلى الأولين بشريعة فآمنوا بها. # قوله: " أو يزيدون " في " أو " هذه سبعة أوجه تقدم تحقيقها أول ~~البقرة عند قوله تعالى: # أو كصيب من السمآء # [البقرة: 19] فالشك بالنسبة إلى المخاطبين أي أن الرائي يشك عند ~~رؤيتهم، والإبهام بالنسبة إلى الله تعالى أبهم أمرهم والإباحة أي أن ~~الناظر إليهم يباح له أن يحذرهم بهذا القدر أو بهذا القدر وكذا التخيير ~~أي هو مخير بين أن يحذرهم كذا أو كذا، والإضراب ومعنى الواو واضحان. # قوله: { فآمنوا فمتعناهم إلى حين } قال قتادة أرسل إلى ~~أهل نينوى من أرض الموصل قبل الالتقام كما تقدم، وقيل: بعده، وقيل: ~~إلى قوم آخرين. وتقدم الكلام على " أو ". قال ابن عباس: إنها بمعنى ~~الواو، وقال مقاتل والكلبي: بمعنى بل، وقال الزجاج: على الأصل بالنسبة ~~للمخاطبين. واختلفوا في مبلغ الزيادة، قال ابن عباس ومقاتل: كانوا ~~عشرين ms7392 ألفا. ورواه أبي بن كعب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وقال الحسن: بضعا وثلاثين ألفا، وقال سعيد بن جبير: تسعين ألفا ~~فآمنوا يعني الذين أرسل إليهم يونس بعد معاينة العذاب فآمنوا فمتعناهم ~~إلى حين انقضاء آجالهم. ### || [37.149-160] # قوله: " فاستفتهم " قال الزمخشري: معطوف على مثله في أول السورة ~~وإن تباعدت. قال أبو حيان: وإذا كان قد عدوا الفصل بنحو: كل ~~لحما، واضرب زيدا و خبزا من أقبح التر (ا) كيب فكيف بجمل كثيرة ~~وقصص متباينة؟ قال شهاب الدين: ولقائل أن يقول: إن الفصل وإن كثر بين ~~الجمل المتعاطفة مغتفر، وأما المثال الذي ذكره فمن قبيل المفردات، ألا ~~ترى كيف عطفت خبزا على لحما، فعلى الأول أنه تعالى لما ذكر أقاصيص ~~الأنبياء - عليهم (الصلاة و) السلام - عاد إلى شرح مذاهب المشركين وبيان ~~قبحها ومن جملة أقوالهم الباطلة أنهم أثبتوا الأولاد لله تعالى ثم زعموا ~~أنها من جنس الإناث لا من جنس الذكور فقال " فاستفتهم " باستفتاء ~~قريش عن وجه الإنكار للبعث أولا ثم ساق الكلام موصولا بعضه ببعض إلى أن ~~أمرهم بأن يستفتيهم في أنهم لم أثبتوا لله سبحانه البنات ولهم البنين؟ # ونقل الواحدي عن المفسرين أنهم قالوا: إن قريشا وأجناس العرب ~~جهينة وبني سلمة وخزاعة وبني مليح، قالوا الملائكة بنات الله. وهذا ~~الكلام يشتمل على أمرين: # أحدهما: إثبات البنات لله وذلك باطل لأن العرب كانوا يستنكفون من البنت ~~والشيء الذي يستنكف منه المخلوق كيف يمكن إثباته للخالق؟ # والثاني: إثبات أن الملائكة إناث، وهذا أيضا باطل لأن طريق العلم إما ~~الحس وإما الخبر وإما النظر أما الحس فمفقود لأنهم لم يشاهدوا كيف ~~خلق الله الملائكة وهو المراد من قوله: { أم خلقنا الملائكة ~~إناثا وهم شاهدون }. وأما الخبر فمفقود أيضا لأن الخبر إنما ~~يفيد العلم إذا علم كونه صدقا قطعا وهؤلاء الذين يخبرون عن هذا الحكم ~~كذابون أفاكون لم يدل على صدقهم دليل وهذا هو المراد من قولهم: { ألا ~~إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم ~~لكاذبون } وأما النظر فمفقود من وجهين: ms7393 # الأول: أن دليل العقل يقتضي فساد هذا المذهب لأنه تعالى أكمل الموجودات ~~والأكمل لا يليق به اصطفاء البنات على البنين بمعنى إسناد الأفضل إلى ~~الأفضل أقرب إلى العقل من إسناد الأخس إلى الأفضل فإن كان حكم العقل ~~معتبرا في هذا الباب كان قولكم باطلا. # الثاني: أن يتركوا بترك الاستدلال على فساد مذهبهم بل نطالبهم بإثبات ~~الدليل على صحة مذهبهم فإذا لم يجدوا دليلا ظهر بطلان مذهبهم، وهذا ~~هوالمراد بقوله: { أم لكم سلطان مبين فأتوا ~~بكتابكم إن كنتم صادقين }. فقوله: { فاستفتهم } ~~فاسأل يا محمد أهل مكة وهو سؤال توبيخ { ألربك البنات ولهم ~~البنون أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون } ~~وهذه جملة حالية من الملائكة، والرابط الواو، وهي هنا واجبة عدم رابط ~~غيره قاله شهاب الدين؛ ويحتمل أن يكون جملة حالية من السؤالين. # قوله: { ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله ~~وإنهم لكاذبون } العامة على " ولد " فعلا ماضيا مسندا ~~للجلالة، أي أتى بالولد؛ تعالى عما يقولون علوا كبيرا، وقرىء: ولد ~~الله بإضافة الولد إليه، أي يقولون الملائكة ولده، فحذف المبتدأ للعلم ~~به، وأبقى خبره، والولد فعل بمعنى مفعول كالقبض فلذلك يقع ~~خبرا عن المفرد والمثنى والمجموع تذكيرا وتأنيثا، (تقول: هذه) ~~ولدي وهم ولدي. # قوله: " أصطفى " العامة على فتح الهمزة على أنها همزة استفهام بمعنى ~~الإنكار والتقريع، وقد حذف معها همزة الوصل استغناء عنها. وقرأ نافع في ~~رواية وأبو جعفر وشيبة والأعمش بهمزة وصل تثبت ابتداء وتسقط درجا. ~~وفيه وجهان: # أحدهما: أنه على نية الاستفهام، وإنما حذف للعلم به ومنه قول عمر بن أبي ~~ربيعة: # 4226- قالوا: تجبها قلت: بهرا # عدد الرمل والحصى والتراب # أي أتحبها. # والثاني: أن هذه الجملة بدل من الجملة المحكية بالقول وهي: " ولد ~~الله " أي تقولون كذا وتقولون اصطفى هذا الجنس على هذا الجنس. # (قال الزمخشري: وقد قرأ بها حمزة والأعمش. وهذا القراءة وإن كان هذا ~~محلها فهي ضعيفة والذي أضعفها) أن هذه الجملة قد اكتنفها الإنكار من ~~جانبيها وذلك قوله: { وإنهم لكاذبون.... ما لكم كيف ~~تحكمون } فمن جعلها للإثبات ms7394 فقد أوقعها دخيلة بين نسبتين؛ لأن لها ~~مناسبة ظاهرة مع قولهم: " ولد الله " وأما قولهم: " وإنهم ~~لكاذبون " فهي جملة اعتراض بين مقالة الكفرة جاءت للتشديد والتأكيد ~~في كون مقالتهم تلك هي من إفكهم، ونقل أبو البقاء أنه قرىء " آصطفى " ~~بالمد قال: وهو بعيد جدا. # قوله: { ما لكم كيف تحكمون } جملتان استفهاميتان ليس ~~لإحداهما تعلق بالأخرى من حيث الإعراب استفهم أولا عما استقر لهم وثبت ~~استفهام إنكار، وثانيا استفهام تعجب من حكمهم بهذا الحكم الجائر وهو ~~أنهم نسبوا أحسن الجنسين إليهم والمعنى: ما لكم كيف تحكمون لله بالبنات ~~ولكم بالبنين؟ " أفلا تذكرون " تتعظون { أم لكم سلطان ~~مبين } برهان بين على أن الله ولد { فأتوا بكتابكم } الذي ~~لكم فيه حجة { إن كنتم صادقين } في قولكم. # قوله: { وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا } قال مجاهد ~~وقتادة: أراد بالجنة الملائكة سموا جنة لاجتنانهم عن الأبصار. # وقال ابن عباس: جنس من الملائكة يقال لهم الجن منهم إبليس، وقيل: إنهم ~~خزان الجنة، قال ابن الخطيب: وهذا القول عندي مشكل؛ لأنه تعالى ~~أبطل قولهم: الملائكة بنات الله، ثم عطف عليه قوله: { وجعلوا ~~بينه وبين الجنة نسبا } ولاعطف يقتضي كون المعطوف ~~مقابلا بمعطوف عليه فوجب أن يكون المراد من الآية غير ما تقدم. # وقال مجاهد: قالت كفار قريش الملائكة بنات الله فقال لهم أبو بكر ~~الصديق: فمن أمهاتهم؟ قالوا: سروات الجن وهذا أيضا بعد لأن ~~المصاهرة لا تسمى نسبا. # قال ابن الخطيب: وقد روينا في تفسير قوله تعالى: # وجعلوا لله شركآء الجن # [الأنعام: 100] أن قوما من الزنادقة يقولون: إن الله وإبليس أخوان ~~فالله هو الحر الكريم إبليس هو الأخ الشديد، فقوله تعالى: { وجعلوا ~~بينه وبين الجنة نسبا } المراد منه هذا المذهب. وهذا ~~القول عندي هو أقرب الأقاويل. وهو مذهب المجوس القائلين بيزدان وأهرمن، ~~ثم قال: { ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون } أي ~~علمت الجنة أن الذين قالوا هذا القول محضرون النار ومعذبون. وقيل: ~~المراد ولقد علمت الجنة أنهم سيحضرون في العذاب. فعلى (القول) الأول: ~~الضمير عائد إلى قائل هذا القول ms7395 وعلى (القول) الثاني عائد إلى ~~نفس الجنة، ثم إنه تعالى نزه نفسه عما قالوا من الكذب فقال { سبحان ~~الله عما يصفون }. قوله: { إلا عباد الله ~~المخلصين } في هذا الاستثناء وجوه: # أحدهما: أنه مستثنى منقطع والمستثنى منه إما فاعل " جعلوا " أي جعلوا ~~بينه وبين الجنة نسبا إلى عباد الله. # الثاني: أنه فاعل " يصفون " أي لكن عباد الله يصفونه بما يليق به ~~تعالى. # الثالث: أنه ضمير " محضرون " أي لكن عباد الله ناجون. وعلى هذا فتكون ~~جملة التسبيح معترضة. وظاهر كلام أبي البقاء أنه يجوز أن يكون استثناء ~~متصلا لأنه قال: مستثنى من " جعلوا " أو " محضرون ". ويجوز أن ~~يكون منفصلا. وظاهر هذه العبارة أن الوجهين الأولين هو فيهما متصل لا ~~منفصل. وليس ببعيد كأنه قيل: وجعل الناس، ثم استثنى منهم هؤلاء وكل ~~من لم يجعل بين الله وبين الجنة نسبا فهو عند الله مخلص من الشرك. ### || [37.161-170] # قوله: { فإنكم وما تعبدون } في المعطوف وجهان: # أحدهما: أنه معطوف على اسم " إن " " وما " نافية و " أنتم " اسمها ~~أو مبتدأ. و " أنتم " فيه تغليب المخاطب على الغائب إذ الأصل فإنكم ~~ومعبودكم ما أنتم وهو؛ فغلب الخطاب (و) " عليه " متعلق بقوله ~~" بفاتنين " والضمير عائد على " ما تعبدون " بتقدير حذف مضاف ~~وضمن " فاتنين " معنى حاملين على عبادته إلا الذي سبق في علمه أنه من ~~أهل صلي الجحيم و " من " مفعول بفاتنين. والاستثناء مفرغ. # الثاني: أنه مفعول معه وعلى هذا فيحسن السكوت على تعبدون كما يحسن في ~~قولك: إن كل رجل وضيعته. (وحكى الكسائي: إن كل ثوب ~~وثمنه، والمعنى إنكم مع معبودكم مقرنون) كما تقدر ذلك في كل رجل ~~وضيعته مقترنان. وقوله: { مآ أنتم عليه بفاتنين } مستأنف أي ~~ما أنتم على ماتعبدون بفاتنين أو بحاملين على الفتنة، " إلا من هو ~~ضال " مثلكم، قاله الزمخشري، إلا أن أبا البقاء ضعف الثاني وتابعه أبو ~~حيان في تضعيفه لعدم تبارده (إلى) الفهم، قال شهاب الدين: الظاهر أنه ~~معطوف واستئناف " ما أنتم عليه فاتنين " غير واضح والحق أحق أن يتبع. # وجوز الزمخشري أن ms7396 يعود الضمير في " عليه " على الله. قال: فإن قلت: كيف ~~يفتنونهم على الله؟. # قلت: يفسدونهم عليه بإغوائهم من قولك: فتن فلان على امرأته كما ~~تقول: أفسدها عليه وخيبها عليه، و " من هو " يجوز أن تكون ~~موصولة أو مصوفة. وقرأ العامة صال الجحيم بكسر اللام لأنه منقوص ~~مضاف حذفت لامه لالتقاء الساكنين وحمل على لفظ " من " فأفرد " هو ~~". # وقرأ الحسن وابن أبي عبلة بضم اللام مع واو بعدها فيما نقله الهذلي ~~عنهما، و (ابن عطية) عن الحسن (وقرأ بضمها مع عدم واو (بعدها) فيما ~~نقل ابن خالويه عنهما) وعن الحسن فقط فيما نقله الزمخشري، وأبو ~~الفضل. فأما مع الواو فإنه جمع سلامة بالواو والنون ويكون قد حمل على ~~لفظ " من " أولا فأفرد في قوله: " هو " وعلى معناها ثانيا فجمع في ~~قوله: " صالو " وحذفت النون للإضافة ومما حمل فيه على اللفظ والمعنى في ~~جملة واحدة وهي صلة الموصول قوله تعالى: # إلا من كان هودا أو نصارى # [البقرة:111] فأفرد في " كان " وجمع في " هودا ". ومثله قوله: # 4227- وأيقظ من كان منكم نياما # وأما مع عدم الواو فيحتمل أن يكون جمعا (أيضا) وإنما حذفت الواو خطا ~~كما حذفت لفظا، وكثيرا ما يفعلون هذا يسقطون في الخط ما ~~يسقط في اللفظ، ومنه # يقص الحق # [الأنعام:57]، في قراءة من قرأ بالضاد المعجمة ورسم بغير ياء، وكذلك: # واخشون اليوم # [المائدة:3]. ويحتمل أن يكون مفردا وحقه على هذا كسر اللام فقط لأنه ~~عين منقوص وعين المنقوص مكسورة أبدا وحذفت اللام - وهي الياء - لالتقاء ~~الساكنين نحو: هذا قاض البلد، وقد ذكروا فيه توجيهين: # أحدهما: أنه مقلوب إذ الأصل صالي ثم صائل قدموا اللام إلى موضع ~~العين، فوقع الإعراب على العين ثم حذفت لام الكملة بعد القلب فصار ~~اللفظ كما ترى ووزنه على هذا فاع، فيقال على هذا: جاء صال ~~ورأيت صالا، ومررت بصال فيصير في اللفظ كقولك: هذا باب ~~ورأيت بابا، ومررت بباب، ونظيره في مجرد القلب، شاك ولاث في شائك ~~ولائث، ولكن شائك ولائث قبل القلب صحيحان فصارا به ms7397 معتلين مقنوصين بخلاف ~~صالي فإنه قبل القلب كان معتلا منقوصا فصار به صحيحا. # والثاني: أن اللام حذفت استثقالا من غير قلب، وهذا عندي أسهل مما قبله ~~وقد رأيناهم يتناسون اللام المحذوفة ويجعلون الإعراب على العين، ~~وقد قرىء: { وله الجوار } [الرحمن: 24] برفع الراء. { وجنى ~~الجنتين دان } برفع النون تشبيها بجناح وجان، وقالوا: ما ~~باليت به بالة، والأصل بالية، كعافية. وقد تقدم طرف من ~~هذا عند قوله: { ومن فوقهم غواش } [الأعراف:41] فيمن قرأه برفع ~~الشين. # فصل # قال المفسرون: المعنى " فإنكم " تقولون لأهل مكة " وما تعبدون " من ~~الأصنام " ما أنتم عليه " ما تعبدون " بفاتنين " بمضلين أحدا إلا ~~من هو صال الجحيم أي من قدر الله أنه سيدخل النار، ومن سبق له في علم ~~الله الشقاوة، واعلم أنه لما ذكر الدلائل على فساد مذاهب الكفار أتبعه ~~بما ينبه على أن هؤلاء الكفار لا يقدرون على إضلال أحد إلا إذا كان قد ~~سبق حكم الله في حقه بالعذاب والوقوع في النار. وقد احتج أهل السنة بهذه ~~الآية على أنه لا تأثير لإيحاء الشيطان ووسوسته وإنما المؤثر قضاء الله ~~وقدره. # قوله: { وما منآ إلا له مقام معلوم } فيه وجهان: # أحدهما: أن " منا " صفة لموصوف محذوف فهو مبتدأ والخبر الجملة من قوله: ~~{ إلا له مقام معلوم } تقديره: ما أحد منا إلا له ~~مقام، وحذف المبتدأ مع " من " جيد فصيح. # والثاني: أن المبتدأ محذوف أيضا و { إلا له مقام } صفة حذف ~~موصوفها والخبر على هذا هو الجار المتقدم والتقدير: " وما منا أحد ~~إلا له مقام ". قال الزمخشري: حذف الموصوف وأقام الصفة ~~مقامه كقوله: # 4228- أنا ابن جلا وطلاع الثنايا # ..................... # وقوله: # 4229- يرمي بكفي كان من أرمى البشر # ورده أبو حيان فقال: ليس هذا من حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، ~~لأن المحذوف مبتدأ و { إلا له مقام } ولأنه لا ينعقد كلام من ~~قوله: " وما منا أحد " ، وقوله: { إلا له مقام معلوم ~~} محط الفائدة وإن تخيل أن " له مقام معلوم " في موضع الصفة فقد نصوا ~~على أن " إلا " لا تكون صفة إذا ms7398 حذف موصوفها وأنها فارقت " غيرا " ~~إذا كانت صفة في ذلك لتمكن " غير " في الوصف وعدم تمكن " إلا ~~" فيه؛ وجعل ذلك كقوله: " أنا ابن جلا " أي أنا ابن رجل جلا، و ~~" بكفي كان " أي رجل كان فقد عده النحويون من أقبح الضرائر، حيث ~~حذف الموصوف والصفة جملة لم يتقدمها من، بخلاف قوله: # 4230- " منا ظعن ومنا أقام " # يريدون: منا فريق ظعن، ومنا فريق أقام، وقد تقدم نحو من هذا في ~~النساء عند قوله: # وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به # [النساء:159]. # وهذا الكلام وما بعده ظاهره أنه من كلام الملائكة، وقيل: من كلام ~~الرسول صلى الله عليه وسلم. # فصل # قال المفسرون: يقول جبريل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: " وما منا ~~معشر الملائكة إلا له مقام معلوم " أي ما منا ملك إلا له ~~مقام معلوم في السموات يعبد الله فيه. قال ابن عباس: " ما في السموات ~~موضع شبر إلا وعليه ملك يصلي أو يسبح " ، وقال - عليه (الصلاة و) ~~السلام -: # " أطت السماء وحق لها أن تئط، والذي نفسي ~~بيده ما فيها موضع أربعة أصابع إلا وفيه ملك ~~واضع جبهته ساجد لله " # وقال السدي: إلا له مقام معلوم في القربة والمشاهدة. # قوله: { وإنا لنحن الصآفون وإنا لنحن ~~المسبحون } مفعول " الصافاون والمسبحون " يجوز أن يكون مرادا أي ~~الصافون أقدامنا وأجنحتنا، والمسبحون الله تعالى، وأن لا ~~يراد البتة أي نحن من أهل هذا الفعل. # فعلى الأول يفيد الحصر ومعناه أنهم هم الصافون في مواقف العبودية لا ~~غيرهم وذلك يدل على أن طاعات البشر بالنسبة إلى طاعات الملائكة ~~كالعدم حتى يصح هذا الحصر. # قال ابن الخطيب: وكيف يجوز مع هذا الحصر أن يقال: البشر أقرب درجة من ~~الملك فضلا عن أن يقال: هم أفضل منه أم لا؟!. # قال قتادة: قوله: { وإنا لنحن الصآفون } هم الملائكة ~~صفوا أقدامهم، وقال الكلبي: صفوف الملائكة في السماء كصفوف الناس ~~في الأرض. { وإنا لنحن المسبحون } أي المصلون المنزهون ~~الله عن السوء بخير جبريل للنبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم يعبدون الله ~~بالصلاة والتسبيح ms7399 وأنهم ليسوا بمعبودين كا زعمت الكفار، ثم أعاد الكلام ~~إلى الإخبار عن المشركين فقال: " وإن كانوا " أي وقد كانوا: يعني أهل ~~مكة " ليقولون " لام التأكيد { لو أن عندنا ذكرا من ~~الأولين } أي كتابا من كتب الأولين { لكنا عباد الله ~~المخلصين } أي لأخلصنا العبادة لله ولما كذبنا، ثم جاءهم الذكر ~~الذي هو سيد الأذكار وهو القرآن، { فكفروا به فسوف ~~يعلمون } عاقبة هذا الكفر وهذا تهديد عظيم. ### || [37.171-182] # قوله: { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين } ~~وهي قوله: # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي # [المجادلة:21] لما هدد الكفار بقوله: # فسوف يعلمون # [الحجر:3] أردفه بما يقوي قلب الرسول فقال { ولقد سبقت ~~كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم ~~المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون } والنصرة ~~والغلبة قد تكون بالحجة وقد تكون بالدولة والاستيلاء وقد تكون بالدوام ~~والثبات فالمؤمن وإن صار مغلوبا في بعض الأوقات بسبب ضعف أحوال ~~الدنيا فهو الغالب ولا يلزم على هذه الآية أن يقال قد قتل بعض الأنبياء ~~وهزم كثير من المؤمنين. # قوله: { إنهم لهم المنصورون } تفسير للكلمة فيجوز أن لا ~~يكون لها محل من الإعراب، ويجوز أن تكون خبر مبتدا مضمر ومنصوبة ~~بإضمار فعل أي هي أنهم لهم المنصورون أو أعني بالكلمة هذا اللفظ ويكون ~~ذلك على سبيل الحكاية لأنك لو صرحت بالفعل قبلها حاكيا للجملة بعده كان ~~صحيحا كأنك قلت: عنيت هذا اللفظ كما تقول: كتبت زيد قائم، ~~وإن زيدا لقائم. وقرأ الضحاك: " كلماتنا " جمعا. # قوله: " فتول عنهم " أي أعرض عنهم " حتى حين " قال ابن ~~عباس: يعني الموت، وقال مجاهد: يوم بدر، وقال السدي: حتى يأمرك الله ~~بالقتال، وقيل: إلى أن يأتيهم عذاب الله، وقيل: إلى فتح مكة. # قال مقاتل بن حيان: نسختها آية القتال " وأبصرهم " إذا نزل بهم ~~العذاب عن القتل والأسر في الدنيا والعذاب في الآخرة " فسوف ~~يبصرون " ذلك من النصرة والتأييد في الدنيا والثواب العظيم في ~~الآخرة فقالوا: متى هذا العذاب؟ فقال تعالى: { أفبعذابنا ~~يستعجلون } أي إن ذلك الاستجعال جهل لأن لكل شيء من أفعال الله ~~تعالى وقتا معينا لا يتقدم ms7400 ولا يتأخر. # قوله: { فإذا نزل بساحتهم } العامة على نزل مبنيا ~~للفاعل، وعبد الله مبنيا للمفعول، والجار قائم مقام فاعله. # والساحة الفناء الخالي من الأبنية وجمعها سوح فألفها عن واو ~~فيصغر على سويحة قال الشاعر: # 4231- فكان سيان أن لا يسرحوا نعما # أو يسرحوه بها واغبرت السوح # وبهذا يتبين ضعف قول الراغب: إنها من ذوات الياء حيث عدها في مادة ~~سيح، ثم قال: الساحة المكان الواسع ومنه: ساحة الدار. والسائح الماء ~~الجري في الساحة، وساح فلان في الأرض مر مر السائح. ورجل ~~سائح وسياح انتهى. ويحتمل أن يكون لها مادتان لكن كان ينبغي ~~أن يذكر ما هي الأشهر أو يذكرهما معا. # قوله تعالى: { فإذا نزل بساحتهم } يعني العذاب بساحتهم، ~~قال مقاتل: بحضرتهم وقيل: بعتابهم. # قال الفراء: العرب تكتفي بذكر الساحة عن القوم { فسآء صباح ~~المنذرين } فبئس صباح الكافرين الذين أنذروا بالعذاب. لما ~~خرج - عليه (الصلاة و) السلام - إلى خيبر أتاها ليلا، وكان إذا ~~جاء قوما بليل لم يغز حتى يصبح فلما أصبح خرجت يهود ~~(خيبر) بمساحيها ومكاتلها، فلما رأوه قالوا: محمد ~~والله محمد والخميس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم ~~فساء صباح المنذرين ". # قوله: { وتول عنهم حتى حين وأبصر فسوف ~~يبصرون }. # قيل: المراد من هذه الكلمة فيما تقدم أحوال الدنيا وفي هذه الكلمة أحوال ~~القيامة وعلى التقديرين فالتكرير زائل، وقيل: المراد من التكرير المبالغة ~~في التهديد والتهويل. # فإن قيل: ما الحكمة في قوله أولا: " وأبصرهم " وههنا قال: " ~~وأبصر " بغير ضمير؟ # فالجواب أنه حذف مفعول " أبصر " الثاني إما اختصارا لدلالة الأولى ~~عليه وإما اقتصارا تفننا في البلاغة. ثم إنه تعالى ختم السورة ~~بتنزيه نفسه عن كل ما لا يليق بصفات الإلهية فقال: { سبحان ربك ~~رب العزة } أي الغلبة والقوة، أضاف الرب إلى العزة لاختصاصه ~~بها كأنه قيل: ذو العزة، كما تقول: صاحب صدق لاختصاصه به. وقيل: ~~المراد بالعزة المخلوقة الكائنة بين خلقه. # ويترتب على القولين مسألة اليمين. # فصل # قوله: " رب العزة " الربوبية إشارة ms7401 إلى كمال الحكمة والرحمة ~~والعزة إشارة إلى كمال القدرة، فقوله: " رب العزة " يدل على أنه القادر ~~على جميع الحوادث، لأن الألف واللام في قوله: " العزة " يفيد الاستغراق ~~وإذا كان الكل ملكا له لم يبق لغيره شيء فثبت أن قوله: { سبحان ~~ربك رب العزة عما يصفون } كلمة محتوية على أقصى ~~الدرجات وأكمل النهايات { وسلام على المرسلين } ، الذين بلغوا ~~عن الله التوحيد بالشرائع " والحمد لله رب العالمين " على ~~هلك الأعداء ونصر الأنبياء - عليه (الصلاة و) السلام -. # روي عن علي - رضي الله عنه - قال " من أحب أن يكتال ~~بالمكيال الأوفى من الأجر فليكن آخر كلامه من ~~مجلسه: سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام ~~على المرسلين والحمد لله رب العالمين ". وروى أبو ~~أمامة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " من قرأ سورة " والصافات " أعطي من الأجر عشر حسنات ~~بعدد كل جني وشيطان وتباعدت منه مردة ~~الشياطين وبرىء من الشرك وشهد له حافظاه يوم ~~القيامة أنه كان مؤمنا ". # والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [38 - سورة ص] ### || [38.1-3] # قوله تعالى: { ص } قرأ العامة بسكون الدال كسائر حروف التهجي في أوائل ~~السور وقد مر ما فيه. # وقرأ أبي والحسن وابن أبي إسحاق وابن أبي عبلة وأبو السمال بكسر ~~الدال من غير تنوين. وفيه وجهان: # أحدهما: أنه كسر لالتقاء الساكنين وهذا أقرب. # والثاني: أنه (أمر) من المصاداة وهي المعارضة ومنه صوت الصدى ~~لمعارضته لصوتك، وذلك في الأماكن الصلبة الخالية. # والمعنى عارض القرآن بعملك فاعل بأوامره (وانته عن نواهيه. قاله الحسن. ~~وعنه أيضا أنه من صاديت أي حادثت) والمعنى حادث الناس ~~بالقرآن، وقرأ ابن أبي إسحاق كذلك إلا أنه نونه وذلك على أنه ~~مجرور بحرف قسم مقدر حذف وبقي عمله كقولهم: الله لافعلن بالجر ~~إلا أن الجر يقل في غير الجلالة، وإنما صرفه ذهابا به إلى معنى الكتاب ~~أو التنزيل. وعن الحسن أيضا وابن السميقع وهارون الأعور صاد بالضم ~~من غير تنوين على أنه اسم للسورة وهو (خبر) مبتدأ مضمر أي هذه صاد. ms7402 ومنع ~~من الصرف للعلمية والتأنيث وكذلك قرأ ابن السميقع وهارون قاف ~~ونون بالضم على ما تقدم وقرأ عيسى وأبو عمرو - في رواية محبوب - صاد ~~بالفتح من غير تنوين وهي تحتمل ثلاثة أوجه: البناء على الفتح تخفيفا ~~كأين وكيف، والجر بحرف القسم المقدر وإنما منع من الصرف للعلمية ~~والتأنيث كما تقدم. والنصب بإضمار فعل أو على حذف حرف القسم نحو قوله: # 4232- فذاك أمانة الله الثريد # وامتنعت من الصرف لما تقدم. وكذلك قرأ قاف ونون بالفتح فيهما. وهما كما ~~تقدم ولم يحفظ التنوين مع الفتح والضم. # فصل # قيل: هذا قسم، وقيل: اسم للسورة كما ذكر في الحروف المقطعة في أوئل ~~السور. قال محمد بن كعب القرظي: (ص) مفتاح اسم الصمد وصادق الوعد. ~~وقال الضحاك: معناه صدق الله وروي عن ابن عباس صدق محمد صلى الله عليه ~~وسلم. وقيل معناه أن القرآن مركب من هذه الحروف وأنتم قادرون عليها ولستم ~~قادرين على معارضته. # فإن قيل: قوله { والقرآن ذي الذكر } قسم فأين المقسم عليه؟. # فالجواب من وجوه: # أحدهما: قال الزجاج والكوفيون غير الفراء: هو قوله: # إن ذلك لحق # [ص:64] قال الفراء: لا نجده مستقيما لتأخيره جدا عن قوله " والقرآن ~~". وقال ثعلب والفراء هو قوله: " كم أهلكنا " والأصل: " لكم ~~أهلكنا " فحذف اللام كما حذفها في قوله: # قد أفلح من زكاها # [الشمس:9] بعد قوله: " والشمس " ، لما طال الكلام. # الثالث: قال الأخفش هو قوله: " إن كل لما كذب الرسل " ، ~~كقوله: # تالله إن كنا # [الشعراء:97] وقوله: # والسمآء والطارق # [الطارق:1] # إن كل # [الطارق:4]. # الرابع: قوله: # إن هذا لرزقنا # [ص:54]. # الخامس: هو قوله: " (ص) " لأن المعنى والقرآن لقد صدق محمد قاله الفراء ~~وثعلب أيضا؛ وهذا بناء منهما على جواز تقديم جواب القسم وأن هذه الحرف ~~مقتطع من جملة دال هو عليها وكلاهما ضعيف. # السادس: أنه محذوف. واختلفوا في تقديره فقال الحوفي تقديره: " ~~لقد جاءكم الحق " ونحوه وقدره ابن عطية: ما الأمر كما تزعمون. ~~ودل على هذا المحذوف قوله: { بل الذين كفروا }. والزمخشري: أنه ~~لمعجز، وأبو حيان: إنك لمن المرسلين. قال: ms7403 لأنه نظير: # يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين # [يس:1-3]. # وللزمخشري هنا عبارة بشعة جدا قال: فإن قلت: قوله: " ص. والقرآن ذي ~~الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق " كلام ظاهر متناف غير منتظم فما وجه ~~انتظامه؟. # قلت: فيه وجهان: # أحدهما: أن يكون قد ذكر اسم هذا الحرف من حروف المعجم على سبيل التحدي ~~والتنبيه على الإعجاز كما مر في أول الكتاب ثم أتبعه القسم محذوف الجواب ~~بدلالة التحدي عليه كأنه قال: والقرآن ذي الذكر إنه لكلام معجز. # والثاني: أن يكون (صاد) خبر مبتدأ محذوف على أنها اسم للسورة كأنه قال: ~~هذه " ص " يعني هذه السورة التي أعجزت العرب والقرآن ذي الذكر كما ~~تقول: " هذا حاتم والله " تريد هو المشهور بالسخاء والله وكذلك ~~إذا أقسم بها كأنه قال: أقسمت بصاد والقرآن ذي الذكر إنه لمعجز. ثم ~~قال: بل الذين كفروا في عزة واستكبار عن الإذعان لذلك ~~والاعتراف (بالحق) وشقاق لله ورسوله. (و) جعلتها مقسما بها وعطفت ~~عليها " والقرآن ذي الذكر " جاز لك أن تريد بالقرآن التنزيل كله، وأن ~~تريد السورة بعينها. ومعناه: أقسم بالسورة الشريفة والقرآن ~~ذي الذكر كما تقول: مررت بالرجل الكريم وبالنسبة ~~المباركة، ولا تريد بالنسبة غير الرجل. وقيل: فيه تقديم وتأخير ~~تقديره بل الذين كفروا في عزة وشقاق والقرآن ذي الذكر. # (والمراد بكون القرآن ذي الذكر) أي ذي الشرف، قال تعالى: # وإنه لذكر لك ولقومك # [الزخرف:44] وقال: # لقد أنزلنآ إليكم كتابا فيه ذكركم # [الأنبياء:10] كما تقول: " لفلان ذكر في الناس ". ويحتمل أن ~~يكون معناه ذو النبأ أي فيه أخبار الأولين والآخرين وبيان العلوم الأصلية ~~والفرعية. # قوله: { بل الذين كفروا } إضراب انتقال من قصة إلى أخرى. ~~وقرأ الكسائي - في رواية سورة - وحماد بن الزبرقان وأبو جعفر ~~والجحدري: في غرة بالغين المعجمة والراء. وقد نقل أن حمادا ~~الراوية قرأها كذلك تصحيفا فلما ردت عليه قال: ما ظننت أن الكافرين في ~~عزة. وهو وهم منه، لأن العزة المشار إليها حمية الجاهلية. والتنكير ~~في (عزة وشقاق) دلالة على شدتهما وتفاقمهما. # فصل # قالت ms7404 المعتزلة دل قوله: (ذي الذكر) على أنه محدث، ويؤيده قوله: # وإنه لذكر لك ولقومك # [الزخرف:44] # وهذا ذكر مبارك # [الأنبياء: 50] # إن هو إلا ذكر وقرآن مبين # [يس:69]، والجواب: أنا نصرف دليلكم إلى ما نقرأه نحن به. # فصل # قال القتيبي: بل لتدارك كلام ونفي آخر، ومجاز الآية أن الله أقسم ~~بصاد والقرآن ذي الذكر أن الذين كفروا من أهل مكة في عزة وحمية ~~جاهلية وتكبر عن الحق وشقاق خلاف وعداوة لمحمد - صلى الله عليه ~~وسلم - وقال مجاهد: في عزة وتغابن. # قوله: " كم أهلكنا " (كم) مفعول " أهلكنا " و " من قرن ~~" تمييز، و " من قبلهم " لابتداء الغاية والمعنى كم أهلكنا من ~~قبلهم من قرن يعني من الأمم الخالية فنادوا استغاثوا عند نزول العذاب ~~وحلول النقمة. وقيل: نادوا بالإيمان والتوبة عند معاينة العذاب. # قوله: " ولات حين " هذه الجملة في محل نصب على الحل من فاعل " ~~نادوا " أي استغاثوا والحال أنه مهرب ولا منجى. # وقرأ العامة " لات " بفتح التاء وحين منصوبة وفيها أوجه: # أحدها وهو مذهب سيبويه: أن لا نافية بمعنى ليس والتاء مزيدة فيها ~~كزيادتها في رب وثم، كقولهم: ربت وثمت وأصلها " ها " وصلت ~~بلا فقالوا " لاه " كما قالوا " ثمه " ولا يعمل إلا في الزمان خاصة ~~نحو: لات حين، ولات أوان كقوله: # 4233- طلبوا صلحنا ولات أوان # فأجبنا أن ليس حين بقاء # وقوله الآخر: # 4234- ندم البغاة لات ساعة مندم # والبغي مرتع مبتغيه وخيم # والأكثر حينئذ حذف مرفوعها تقديره: ولات الحين حين مناص. وقد ~~يحذف المنصوب ويبقى المرفوع. وقد قرأ هنا بذلك بعضهم لقوله: # 4235- من صد عن نيرانها # فأنا ابن قيس لا براح # أي لا براح لي. ولا تعمل في غير الأحيان على المشهور، وقد تمسك بإعمالها ~~في غير الأحيان في قوله: # 4236- حنت نوار ولات هنا حنت # وبدا الذي كانت نوار أجنت # فإن " هنا " من ظروف الأمكنة، وفيه شذوذ من ثلاثة أوجه: # أحدهما: عملها في اسم الإشارة وهو معرفة ولا تعمل إلا في النكرات. # والثاني: كونه لا ينصرف. # الثالث: كونه غير زمان. وقد رد بعضهم هذا بأن ms7405 " هنا " قد خرجت عن ~~المكانية واستعملت في الزمان كقوله تعالى: # هنالك ابتلي المؤمنون # [الأحزاب:11]، وقوله: # 4237- (وإذا الأمور تعاظمت وتشاكلت) # فهناك يعترفون أين المفزع # كما تقدم في سورة الأحزاب. # إلا أن الشذوذين الأخيرين باقيان. وتأول بعضهم البيت أيضا بتأويل آخر ~~وهو أن " لات " هنا مجملة لا عمل لها، و " هنا " ظرف خبر مقدم و " ~~حنت " مبتدأ بتأويل حذف " أن " المصدرية تقديره " أن حنت " نحو: " ~~تسمع بالمعيدي خير من أن تراه ". وفي هذا تكلف وبعد ~~إلى أن فيه الاستراحة من الشذوذات المذكورة أو الشذوذين. وفي الوقف عليها ~~مذهبان: أشهرهما عند [علماء] العربية وجماهير القراء السبعة بالتاء ~~المجبورة اتباعا لمرسوم الخط، والكسائي وحده من السبعة بالهاء. # والأول: مذهب الخليل وسيبويه والزجاج والفراء وابن ~~كيسان. # والثاني: مذهب المبرد. # وأغرب أبو عبيدة فقال: الوقف على " لا " والتاء متصلة بحين ~~فيقولون: قمت تحين قمت وتحين كان كذا فعلت كذا، وقال: رأيتها في الإمام ~~كذا " ولا تحين " متصلة، وأنشد على هذا أيضا قول أبي وجزة ~~السعدي: # 4238- العاطفون تحين ما من عاطف # والمطعمون زمان لا من مطعم # ومنه حديث ابن عمر وسأله رجل من عثمان فذكر مناقبه ثم قال: " اذهب ~~تلان إلى أصحابك " يريد " الآن " والمصاحف إنما هي لات حين. ~~وحمل العامة ما رآه على أنه مما شذ عن قياس الخط كنظائر له مرت. فأما ~~البيت فقيل فيه: إنه شاذ لا يلتفت إليه. وقيل: إنه إذا حذف الحين المضاف ~~إلى الجملة التي فيها " لات حين " جاز أن يحذف (لا) وحدها ويستغنى عنها ~~بالتاء، والأصل: العاطفون حين لات حين لا من عاطف، فحذف الأول ~~ولا وحدها كما أنه قد صرح بإضافة حين إليها في قوله الآخر: # 4239- وذلك حين لات أوان حلم # .................... # ذكر هذا الوجه ابن مالك؛ وهو متعسف جدا. وقد يقدر إضافة " حين " إليها ~~من غير حذف لها كقوله: # 4240- تذكر حب ليلى لات حينا # ........................ # أي حين لات حين. وأيضا فكيف يصنع أبو عبيد بقوله: " ولات ساعة ~~مندم، ولات أوان " فإنه قد وجدت التاء من " لا " دون حين؟! # الوجه الثاني ms7406 من الأوجه السابقة: أنها عاملة عمل " أن " يعني أنها نافية ~~للجنس فيكون " حين مناص " اسمها، وخبرها مقدر تقديره ولات حين ~~مناص لهم، كقولك: لا غلام سفر لك. واسمها معرب لكونه ~~مضافا. # الثالث: أن بعدها فعلا مقدرا ناصبا لحين مناص بعدها أي لات أرى ~~حين مناص لهم بمعنى لست أرى ذلك، ومثله: " لا مرحبا بهم ولا ~~أهلا ولا سهلا " أي لا أتوا مرحبا ولا وطئوا سهلا ولا لقوا ~~أهلا. # وهذا الوجهان ذهب إليهما الأخفش. وهما ضعيفان وليس إضمار الفعل هنا نظير ~~إضماره في قوله: # 4241-ألا رجلا جزاه الله خيرا # .......................... # لضرورة أن اسمها المفرد النكرة مبني على الفتح فلما رأينا هنا معربا ~~قدرنا له فعلا خلافا للزجاج فإنه يجوز تنوينه في الضرورة ويدعي أن ~~فتحته للإعراب، وإنما حذف التنوين للتخفيف ويستدل بالبيت المذكور ~~وقد تقدم تحقيق هذا. # الرابع: أن لات هذه ليست هي " لا " مرادا فيها تاء التأنيث. وإنما هي ~~ليس فأبدلت السين تاء، وقد أبدلت منها في مواضع قالوا: النات يريدون ~~الناس ومنه ست وأصله سدس، وقال: # 4242- يا قاتل الله بني السعلات # عمرو بن يربوع شرار النات # ليسوا بأخيار ولا أليات # وقرىء شاذا: " قل أعوذ برب النات " إلى آخرها [الناس:1-6] يريد ~~شرار الناس ولا أكياس فأبدل، ولما أبدل السين تاء خاف من التباسها ~~بحرف التمني فقلب الياء ألفا فبقيت تاء " لات " وهو من الاكتفاء بحرف ~~العلة، لأن حرف العلة لا يبدل ألفا إلا بشرط منها أن يتحرك، وأن ~~ينفتح ما قبله فيكون " حين مناص " خبرها والاسم محذوف على ما تقدم ~~والعمل هنا بحق الأصالة لا الفرعية. # وقرأ عيسى بن عمر: ولات حين مناص بكسر التاء وجر حين. وهي قراءة ~~مشكلة جدا، زعم الفراء أن لات يجر بها وأنشد: # 4243- ولتندمن ولات ساعة مندم # وأنشد غيره: # 4244- طلبوا صلحنا ولات أوان # وقال الزمخشري: ومثله قول أبي زبيد الطائي: # 4245- طلبوا صلحنا............. # البيت قال: فإن قلت: ما وجه الجر في أوان؟. # قلت: شبه بإذ في قوله: # 4246- وأنت إذ صحيح # في أنه زمان قطع عنه المضاف إليه ms7407 وعوض منه التنوين لأن الأصل: ولات ~~أوان صلح. فإن قلت: فما تقول في " حين مناص " والمضاف إليه قائم؟ ~~قلت: نزل قطع المضاف إليه من " مناص " لأن أصله حين مناصهم منزلة قطعه من ~~" حين " لاتحاد المضاف والمضاف إليه وجعل تنوينه عوضا عن المضاف ~~المحذوف، ثم بين الجهة لكونه مضافا إلى غير متمكن انتهى. # وخرجها أبو حيان على إضمار " من " والأصل ولات من حين مناص فحذفت " ~~من " وبقي عملها نحو قولهم: " على كم جذع بنيت بيتك " أي من ~~جذع في أصح القولين. وفيه قول آخر: أن الجر بالإضافة مثل قوله: # 4247- ألا رجل جزاه الله خيرا # أنشده بجر رجل أي ألا من رجل. # وقد يتأيد بظهورها في قوله: # 4248-..................... # وقال ألا لا من سبيل إلى هند # قال: ويكون موضع (من حين مناص) رفعا على أنه اسم لات بمعنى ليس، كما ~~تقول: ليس من رجل قائما والخبر محذوف، وهذا على قول سيبويه، (و) ~~على أنه مبتدأ والخبر محذوف على قول الأخفش. وخرج الأخفش " ولات أوان " ~~على حذف مضاف يعني أن(ه) حذف المضاف وبقي المضاف إليه مجرورا على ما ~~كان والأصل ولات حين أوان. # وقدر هذا الوجه مكي بأنه كان ينبغي أن يقوم المضاف إليه مقامه في ~~الإعراب فيرفع. # قال شهاب الدين: قد جاء بقاء المضاف إليه على جره وهو قسمان قليل ~~وكثير: فالكثير أن يكون في اللفظ مثل المضاف نحو قوله: # 4249- أكل امرىء تحسبين امرءا # ونار توقد بالليل نارا # أي وكل نار، والقليل أن لا يكون كقراءة من قرأ: " والله يريد ~~الآخرة " بجر الآخرة فليكن هذا منه. على أن المبرد رواه بالرفع على ~~إقامته مقام المضاف، وقال الزجاج: الأصل ولات أواننا، فحذف المضاف إليه ~~فوجب أن لا يعرف وكسره لالتقاء الساكنين. # وقال أبو حيان: وهذا هو الوجه الذي قرره الزمخشري أخذه من أبي إسحاق ~~يعني الوجه الأول وهو قوله ولات أوان صلح. هذا ما يتعلق بجر " حين " وأما ~~كسرة لات فعلى أصل التقاء الساكينن كحين إلا أنه لا يعرف تاء تأنيث ~~إلا مفتوحة. وقرأ عيسى ms7408 أيضا بكسر التاء فقط ونصب حين كالعامة. وقرأ ~~ايضا ولات حين بالرفع. مناص بالفتح. وهذه قراءة مشكلة جدا لا تبعد عن ~~الغلط من راويها عن عيسى فإنه بمكان من العلم المانع له من مثل هذه ~~القراءة. وقد خرجها أبو الفضل الرازي في لوامحه على التقديم والتأخير وأن ~~" حين " أجري مجرى " قبل وبعد " في بنائه على الضم عند قطعه ~~عن الإضافة بجامع ما بينه وبينها من الظرفية الزمانية و " مناص " اسمها ~~مبني على الفتح فصل بينه وبينها بحين المقطوع عن الإضافة والأصل: ولات ~~مناص حين كذا، ثم حذف المضاف إليه حين وبني على الضم وقدم فاصلا بين ~~لات واسمها قال: وقد يجوز أن يكون لذلك معنى لا أعرفه وقد روي في تاء لات ~~الفتح والكسر والضم. # (قوله): { فنادوا } لا مفعول له لأن الأصل فعلوا النداء من غير ~~قصد منادى. وقال الكلبي: كانوا إذا قاتلوا فاضطربوا نادى بعضهم لبعض ~~مناص أي عليكم بالفرار فلما أتاهم العذاب قالوا مناص فقال الله لهم: ~~ولات حين مناص. قال القشيري فعلى هذا يكون التقدير فنادوا فحذف ~~لدلالة ما بعده (عليه). # قال شهاب الدين: فيكون قد حذف المنادى وهو بعضا وما ينادون به وهو " ~~مناص " أي نادوا بعضهم بهذا اللفظ وقال الجرجاني: أي فنادوا حين لا ~~مناص أي ساعة لا منجى ولا فوت، فلما قدم " لا " وأخر " حين " اقتضى ~~ذلك الواو كما يقتضي الحال إذا جعل ابتداء وخبرا مثل ما تقول: جاء ~~زيد راكبا، ثم تقول: جاء وهو راكب، " فحين " ظرف لقوله: " ~~فنادوا " (وقال أبو حيان: وكون أصل هذه الجملة فنادوا حين لا مناص ~~وأن حين ظرف لقوله): فنادوا دعوى أعجمية في نظم القرآن والمعنى على نظمه ~~في غاية الوضوح. قال شهاب الدين: الجرجاني لا يعني أن " حين " ظرف " ~~لنادوا " في التركيب الذي عليه القرآن الآن إنما يعني بذلك في أصل ~~المعنى والتركيب كما شبه ذلك بقوله: " جاء زيد راكبا، ثم جاء ~~زيد وهو راكب " " فراكبا " في التركيب الأول حال وفي الثاني خبر ~~مبتدأ حين كان (في ms7409 الأصل) ظرف للنداء، ثم صار خبر " لات " أو اسمها على ~~حسب الخلاف المتقدم. # و " المناص " مفعل من ناص ينوص أي هرب فهو مصدر. # يقال ناصه ينوصه إذا فاته فهو متعد، وناص ينوص أي ~~تأخر، ومنه ناص عن قرنه أي تأخر عنه جبنا. قاله الفراء. وأنشد ~~قول امرىء القيس: [من الطويل] # 4250- أمن ذكر سلمى إن نأتك تنوص # فتقصر عنها حقبة وتنوص # قال أبو جعفر النحاس: ناص ينوص إذا تقدم فيكون من الأضداد، ~~واستناص طلب المناص، قال حارثة بن بدر: # 4251- غمر الجراء إذا قصرت عنانه # بيدي استناص ورام جري المسحل # ويقال: ناص إلى كذا ينوص نوصا إذا التجأ إليه. قال بعضهم ~~المناص المنجى والغوث، يقال ناصه ينوصه إذا أغاثه، قال ابن ~~عباس: كان كفار مكة إذا قاتلوا فاضطربوا في الحرب قال بعضهم لبعض مناص أي ~~اهربوا وخذوا حذركم، فلما نزل بهم العذاب ببدر، وقالوا مناص فأنزل ~~الله تعالى: ولات حين مناص أي ليس حين هذا القول. ### || [38.4-11] # قوله: { وعجبوا أن جآءهم } أي من أن، ففيها الخلاف ~~المشهور. " وقال الكافرون " من باب وضع الظاهر موضع المضمر شهادة ~~عليهم بهذا الوصف القبيح. # فصل # لما حكى عن الكفار في كونهم في غزة وشقاق أتبعه بشرح كلماتهم الفاسدة ~~فقال: { وعجبوا أن جآءهم منذر منهم } وفي قوله: " ~~منهم " وجهان: # الأول: أنهم قالوا: إن محمدا مساو لنا في الخلقة الظاهرة والأخلاق ~~الباطنة والنسب والشكل والصورة فكيف يعقل أن يختص من بيننا بهذا ~~المنصب العالي؟!. # والثاني: أن الغرض من هذه الكلمة التنبيه على كمال جهلهم (لأنهم جاءهم ~~رجل يدعوهم إلى التوحيد وتعظيم الملائكة والترغيب في الآخرة والتنفير عن ~~الدنيا ثم إن هذا الرجل) من أقاربهم يعلمون أنه كان بعيدا عن الكذب ~~والتهمة وكان ذلك مما يوجب الاعتراف بتصديقه ثم إنهم لحماقتهم يتعجبون له ~~من قوله. ونظيره قوله: # أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون # [المؤمنون:69] { وقال الكافرون هذا ساحر كذاب * ~~أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب } ~~مبالغة في " عجب " كقولهم: رجل طوال، وأمر سراع، هما أبلغ من ms7410 ~~طويل وسريع، وقرأ علي والسلمي وعيسى وابن مقسم: عجاب ~~بتشديد الجيم. وهي أبلغ مما قبلها فهي مثل رجل كريم وكرام بالتخفيف ~~وكرام بالتشديد. # قال مقاتل: وعجاب - يعني بالتخفيف - لغة أزد شنوءة، وهذه القراءة ~~أعني بالتشديد كقوله: # ومكروا مكرا كبارا # [نوح:22]. وهو أبلغ من كبار وكبار أبلغ من كبير، وقوله: " ~~أجعل " أي أصيرها إلها واحدا في قوله وزعمه. # قوله: { وانطلق الملأ منهم } الملأ: هم القوم الذين إذا ~~حضروا امتلأت العيون والقلوب من مهابتهم، وقوله " منهم " أي من ~~قريش انطلقوا عن مجلس أبي طالب بعد ما بكتهم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بالجواب العنيد قائلين بعضهم لبعض: " أن امشوا واصبروا ~~على آلهتكم " ، وذلك أن # " عمر بن الخطاب أسلم فشق ذلك على قريش وفرح به المؤمنون فقال ~~الوليد بن المغيرة للملأ من قريش وهم الصناديد والأشراف وكانوا خمسة ~~وعشرين رجلا أكبرهم سنا الوليد بن المغيرة قال لهم: امشوا إلى أبي ~~طالب فأتوا أبا طالب وقالوا له: انت شيخنا وكبيرنا وقد علمت ما فعل ~~هؤلاء السفهاء وإنا قد أتيناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك، فأرسل أبو ~~طالب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فدعا به فقال يا ابن أخي: هؤلاء ~~قومك يسألونك السواء فلا تمل كل الميل على قومك، فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: " ماذا تسألون؟ " فقالوا: ارفض ذكر ~~آلهتنا وندعك وآلهتك فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أتعطوني ~~كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم فقال أبو جهل لله أبوك ~~لنعطيكها وعشرا أمثالها فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~قولوا لا إله إلا الله فنفروا من ذلك وقالوا: أجعل الآلهة إلها واحدا ~~كيف يسع الخلق كلهم إله واحد؟! { إن هذا لشيء عجاب } أي ~~عجيب ". # قوله: { أن امشوا } يجوز أن تكون " أن " مصدرية أي انطلقوا بقولهم ~~أن امشوا، وأن تكون مفسرة إما " لانطلق " لأنه ضمن معنى ~~القول، قول الزمخشري: لأن المنطلقين عن مجلس التقاول لا بد لهم أن ~~يتكلموا ويتعارضوا فيما جرى لهم انتهى. # وقيل: بل هي مفسرة ms7411 لجملة محذوفة في محل حال تقديره وانطلقوا ~~يتحاورون أن امشوا. # ويجوز أن تكون مصدرية معمولة لهذا المقدر. وقيل: الانطلاق هنا الاندفاع ~~في القول والكلام نحو: انطلق لسانه فإن مفسرة له من غير تضمين ولا ~~حذف. والمشي الظاهر أنه هو المتعارف. وقيل: (بل) هو دعاء بكثرة ~~الماشية. وهذا فاسد لفظا ومعنى، أما اللفظ فلأنه إنما يقال من هذه ~~المعنى: أمشى الرجل إذا كثرت ماشيته، بالألف؛ أي صار ذا ماشية ~~فكان ينبغي على أن يقرأ أمشوا بقطع الهمزة مفتوحة. وأما المعنى فليس ~~مرادا البتة وأي معنى على ذلك، إلا أن الزمخشري ذكر وجها صحيحا من حيث ~~الصناعة وأقرب معنى مما تقدم(فقال): ويجوز أنهم قالوا امشوا أي اكثروا ~~واجتمعوا من: مشت المرأة إذا كثرت ولادتها، ومنه: الماشية للتفاؤل ~~انتهى وإذا وقف على " أن " وابتدىء بما بعدها فليبتدأ بكسر الهمزة لا ~~بضمها، لأن الثالث مكسور تقديرا إذ الأصل: امشيوا، ثم أعل ~~بالحذف، وهذا كما يبتدأ بضم الهمزة في قولك: أغزي يا امرأة، وإن كانت ~~الزاي مكسورة لأنها مضمومة، إذا الأصل اغزوي كاخرجي فأعل بالحذف. # فصل # لما أسلم عمر وحصل للمسلمين قوة لمكانه قال المشركون: إن هذا الذي نراه ~~من زيادة أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - لشيء يراد بنا، وقيل: يراد ~~بأهل الأرض، وقيل: يراد بمحمد (أن) يملك علينا، وقيل: إن دينكم لشيء ~~يراد أي يطلب ليؤخذ عنكم. # قوله: { ما سمعنا بهذا في الملة } أي ما سمعنا بهذا ~~الذي يقول (ه) محمد من التوحيد في الملة الآخرة، قال ابن عباس والكلبي ~~ومقاتل: يعنون في النصرانية لأنها آخر الملل وهم لا يوحدون بل ~~يقولون: ثالث ثلاثة، وقال مجاهد وقتادة: يعنون ملة قريش دينهم الذي ~~هم عليه. # قوله: " في الملة " وفيه وجهان: # أحدهما: أنه متعلق " بسمعنا " أي (لم نسمع في الملة الآخرة بهذا ~~الذي جئت به. # والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من هذا أي ما سمعنا بهذا كائنا ~~في الملة الآخرة) أي لم نسمع من الكهان ولا من أهل الكتب أنه يحدث ~~توحيد الله ms7412 في الملة الآخرة. # وهذا من فرط كذبهم. # قوله: { إن هذا إلا اختلاق } أي افتعال وكذب. # (قوله): أأنزل عليه الذكر (من بيننا)، قد تقدم حكم ~~هاتين الهمزتين في أوائل آل عمران، وأن الوارد منه في القرآن ثلاثة ~~أماكن، والإضرابات في هذه الآية واضحة و " أم " منقطعة. # فصل # المعنى أأنزل عليه الذكر أي القرآن من بيننا وليس بأكبرنا ولا أشرفنا، ~~وهذا استفهام على سبيل الإنكار فأجابهم الله تعالى بقوله: { بل هم في ~~شك من ذكري } (أي وحيي وما أنزلت)، (وقيل: بل هم في شك من ذكري) ~~أي من الدلائل التي لو نظروا فيها لزال هذا الشك عنهم { بل لما ~~يذوقوا عذاب } ولو ذاقوه لما قالوا هذا القول، وقيل: معنى { بل هم ~~في شك من ذكري } هو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخوفهم من عذاب ~~الله لو أصروا على الكفر. ثم إنهم أصروا على الكفر ولم ينزل عليهم العذاب ~~فصار ذلك سببا لشكهم في صدقه و # قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك ~~فأمطر علينا حجارة # [الأنفال:32] (من السماء). # قوله: { أم عندهم خزآئن رحمة ربك } يعني مفاتيح نعمة ~~ربك وهي النبوة يعطونها من شاءوا، ونظيره: # أهم يقسمون رحمت ربك # [الزخرف: 32] أي نبوة ربك العزيز في ملكه الكامل القدر الوهاب أي وهب ~~النبوة لمحمد - صلى الله عليه وسلم -. # قوله: { أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما ~~} لما قال: { أم عندهم خزآئن رحمة ربك } فخزائن الله ~~تعالى غير متناهية كما قال: # وإن من شيء إلا عندنا خزائنه # [الحجر:21] ومن جملة تلك الخزائن السموات والأرض، فلما ذكر الخزائن ~~أولا على العموم أردفها بذكر السموات والأرض وما بينهما يعني أن هذه ~~الأشياء أحد أنواع خزائن الله فإذا كانوا عاجزين عن هذا القسم فبأن ~~يكونوا عاجزين عن كل خزائن الله أولى. # قوله: " فليرتقوا " قال أبو البقاء: هذا كلام محمول على المعنى ~~أي إن زعموا ذلك فليرتقوا، فجعلها جوابا لشرط مقدر. # وكثيرا ما يفعل الزمخشري ذلك، ومعنى الكلام إن ادعوا شيئا من ذلك ~~فليصعدوا في ms7413 الأسباب التي توصلهم إلى السماء فليأتوا منها بالوحي إلى من ~~يختارون. # قال مجاهد: أراد بالأسباب أبواب السماء وطرقها من سماء إلى سماء وكل ما ~~يوصلك إلى شيء من باب أو طريق فهو سببه، وهذا أمر توبيخ وتعجيز. واستدل ~~حكماء الإسلام بقوله: { فليرتقوا في الأسباب } على أن ~~الأجرام الفلكية وما أودع الله فيها من القوى والخواص أسباب لحوادث ~~العالم السفلي لأن الله تعالى سمى الفلكيات أسبابا، وذلك يدل على ما ~~ذكرنا. # قوله: " جند " يجوز فيه وجهان: # أظهرهما: أنه خبر مبتدأ مضمر أي هم جند و " ما " فيها وجهان: # أحدهما: أنها مزيدة. # والثاني: أنها صفة لجند على سبيل التعظيم للهزء بهم أو للتحقير ومثله ~~قوله امرىء القيس: # 4252-...................... # وحديث ما على قصره # وقد تقدم هذا في أوائل البقرة. و " هنالك " يجوز فيه ثلاثة أوجه: # أحدهما: أن يكون خبر الجند و " ما " مزيدة، ومهزوم نعت لجند. ذكره مكي. # الثاني: أن يكون صفة لجند. # الثالث: أن يكون منصوبا " بمهزوم " ومهزوم يجوز فيه أيضا وجهان: # أحدهما: أنه خبر ثان لذلك المبتدأ المقدر. # والثاني: أنه صفة لجند إلا أن الأحسن على هذا الوجه أن لا يجعل " هنالك ~~" صفة بل متعلقا به لئلا يلزم تقدم الوصف غير الصريح على الصرح. # و " هنالك " مشار به إلى موضع التقاول والمحاورة بالكلمات السابقة وهو ~~مكة أي سيهزمون بمكة، وهو إخبار بالغيب. وقيل: مشار به نصرة الأصنام، ~~وقيل: إلى حفر الخندق يعني إلى مكان ذلك. # الثاني من الوجهين الأولين: أن يكون " جند " مبتدأ و " ما " مزيدة، و " ~~هنالك " نعت ومهزوم خبره، قاله أبو البقاء قال أبو حيان: وفيه بعد لتفلته ~~عن الكلام الذي قبله قال شهاب الدين وهذا الوجه المنقول عن أبي البقاء ~~سبقه إليه مكي. # قوله: " من الأحزاب " يجوز أن يكون صفة لجند وأن يكون صفة " ~~لمهزوم " وجوز أبو البقاء أن يكون متعلقا به وفيه بعد لأن المراد ~~بالأحزاب هم المهزومون. # فصل # المعنى أن الذين يقولون هذا القول جند هنالك و " ما " صلة مهزومة مغلوب ~~من الأحزاب أي من جملة الأجناد، ms7414 عين قريشا، قال قتادة: أخبر الله تعالى ~~نبيه - صلى الله عليه وسلم - وهو بمكة أنه سيزم جند المشركين فقال: # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر:45] فجاء تأويلها يوم بدر، وهنالك إشارة إلى (يوم) بدر ومصارعهم، ~~وقيل: يوم الخندق. وقال ابن الخطيب: والأصح عندي حمله على يوم فتح مكة ~~لأن المعنى أنهم جند سيصيرون منهزمين في الموضع الذي ذكروا فيه الكلمات ~~وذلك الموضع هو مكة فوجب أن يكون المراد أنهم سيصيرون منهزمين في مكة وما ~~ذاك إلا يوم الفتح. # وقوله: " من الأحزاب " أي من جملة الأحزاب أي هم من القرون الماضية ~~الذين تحزبوا وتجمعوا على الأنبياء بالتكذيب فقهروا وأهلكوا. ### || [38.12-17] # ثم قال لنبيه - صلى الله عليه وسلم - معزيا له: { كذبت قبلهم ~~قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد } قال ابن عباس ومحمد ~~بن كعب: ذو البناء المحكم، وقيل: أراد ذو الملك الشديد الثابت، وقال ~~القتيبي: تقول العرب: هم في عز ثابت الأوتاد بريدون أنه دائم شديد، ~~وقال الضحاك: ذو القوة البطش، وقال عطية: ذو الجنود والجموع الكثيرة، ~~وسميت الأجناد أوتادا لكثرة المضارب التي كانوا يضربونها ويوتدونها في ~~أسفارهم. وهي رواية عطية العوفي عن ابن عباس يعني أنهم كانوا يقوون أمره ~~ويشدون ملكه كما يقوي الوتد الشيء. وهذه استعارة بليغة حيث شبه الملك ~~ببيت الشعر، وبيت الشعر لا يثبت إلا بالأوتاد والأطناب كما قال ~~الأفوه الأودي: # 4253- والبيت لا يبتنى إلا على عمد # ولا عماد إذا لم ترس أوتاد # فاستعير لثبات العز والملك واستقرار الأمر كقول الأسود بن يعفر: # 4254- ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة # في ظل ملك ثابت الأوتاد # والأوتاد جمع وتد فيه لغات: وتد بفتح الواو وكسر التاء وهي الفصحى، ~~ووتد بفتحتين، وود بإدغام التاء في الدال قال: # 4255- تخرج الود إذا ما أشجذت # وتواريه إذا تشتكر # ووت بإبدال (الدال) تاء، ثم إدغام التاء فيها، وهذا شاذ؛ لأن الأصل ~~إبدال الأول للثاني لا العكس، وقد تقدم نحو من هذا في آل عمران عند ~~قوله: # فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة # [آل عمران:185]. # ويقال: وتد (واتد) ms7415 أي قوي ثابت وهو مثل مجاز قولهم: شغل ~~شاغل. # أنشد الأصمعي: # 4256- لاقت (على) الماء جذيلا واتدا # ولم يكن يخلفها المواعدا # وقيل: الأوتاد هنا حقيقة لا استعارة، (و) قال الكبي ومقاتل: الأوتاد جمع ~~الوتد وكان له أوتاد يعذب الناس عليها فكان إذا غضب على أحد مده ~~مستلقيا بين أربعة أوتاد تشد كل يد ولك رجل منه إلى سارية ويتركه كذلك ~~في الهواء بين السماء والأرض حتى يموت. وقال مجاهد ومقاتل بن حيان كان ~~يمد الرجل مستلقيا على الأرض ثم يشد يديه ورجليه ورأسه على الأرض ~~بالأوتاد. وقال السدي: كان يمد الرجل ويشده بالأوتاد ويرسل عليه ~~العقارب والحيات. وقال قتادة وعطاء: كانت له أوتاد وأرسان وملاعب ~~يلعب عليها بين يديه، ثم قال: { وثمود وقوم لوط وأصحاب ~~الأيكة } تقدم الخلاف في الأيكة في سورة الشعراء. # قوله: { أولئك الأحزاب } يجوز أن تكون مستأنفة لا محل لها ~~(من الإعراب) وأن تكون خبرا، والمبتدأ قال أبو البقاء (من) قوله: " وعاد ~~" وأن يكون من " ثمود " وأن يكون من قوله " وقوم لوط ". # قال شهاب الدين: الظاهر عطف (عاد) وما بعدها على " قوم نوح " واستئناف ~~الجملة بعده، وكان يسوغ على ما قاله أبو البقاء أن يكون المبتدأ وحده { ~~وأصحاب الأيكة }. # فصل # المعنى أن هؤلاء الذين ذكرناهم من الأمم هم الذين تحزبوا على أنبيائهم ~~فأهلكناهم وكذلك قومك هم من جنس الأحزاب المتقدمين. وقيل: المعنى أولئك ~~الأحزاب مع كمال قوتهم لما كان عاقبتهم هي الهلاك والبوار فكيف حال ~~هؤلاء الضعفاء (المساكين)؟ # قوله: { إن كل إلا كذب الرسل } إن نافية ولا عمل لها هنا ~~البتة ولو على لغة من قال: # 4257- إن هو مستوليا على أحد # ..................... # وعلى قراءة: { إن الذين تدعون من دون الله عبادا } ~~[الأعراف:194] لانتقاض النفي ب " إلا " فإن انتقاضه مع الأصل وهي " ما ~~" مبطل فكيف بفرعها؟ وقد تقدم أنه يجوز أن تكون جوابا للقسم. # فصل # المعنى كل هذه الطوائف لما كذبوا أنبياءهم في الترغيب والترهيب لا جرم ~~نزل العقاب عليهم وإن كان ذلك بعد حين، والمقصود منه زجر السامعين. ثم ms7416 ~~بين تعالى أن هؤلاء المكذبين وإن تأخر هلاكهم فكأنه واقع بهم { وما ~~ينظر هؤلآء } أي وما ينتظر هؤلاء يعني كفار مكة { إلا ~~صيحة واحدة } وهي نفخة الصور الأولى كقوله: # ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم ~~يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم ~~يرجعون # [يس:49-50] والمعنى أنهم وإن لم يذوقوا عذابي في الدنيا فهو معد لهم ~~يوم القيامة فجعلهم منتظرين لها على معنى قربها منهم كالرجل الذي ينتظر ~~الشيء فهو ماد الطرف إليه يقطع كل ساعة في حضوره. وقيل: المراد ~~بالصيحة عذاب يفجأهم ويجيئهم دفعة واحدة كما يقال: صاح الزمان ~~بهم إذا هلكوا (قال): # 4658- صاح الزمان بآل برمك صيحة # خروا لشدتها على الأذقان # ونطيره قوله تعالى: # فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من ~~قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين # [يونس:102]. # قوله: { ما لها من فواق } يجوز أن يكون " لها " رافعا " لمن ~~فواق " بالفاعلية؛ لاعتماده على النفي، وأن يكون جملة من مبتدأ وخبر ~~وعلى التقديرين فالجملة المنفية في محل نصب صفة " لصيحة " و " من " ~~مزيدة. وقرأ الأخوان: " فواق " بضم الفاء، والباقون بفتحها، قال ~~الكسائي والفراء وأبو عبيدة: هما لغتان وهما الزمان الذي بين ~~حلبتي الحالب، ورضعتي الراضع، والمعنى ما لها من توقف قدر ~~فواق ناقة. # وفي الحديث: # " العيادة قدر فواق ناقة " # وهذا في المعنى كقوله: # فإذا جآء أجلهم لا يستأخرون ساعة # [الأعراف:34]. # وقال ابن عباس: ما لها من رجوع من أفاق المريض إذا رجع إلى صحته ~~وإفاقة الناقة ساعة يرجع اللبن إلى ضرعها يقال: أفاقت الناقة ~~تفيق إفاقة رجعت الفيقة في ضرعها، والفيقة اللبن الذي يجتمع ~~بين الحلبتين، ويجمع على أفواق وأما أفاويق فجمع الجمع، ويقال: ناقة ~~مفيق ومفيقة. # وقال الفراء وأبو عبيدة ومؤرج السدوسي: الفواق بالفتح الإفاقة ~~والاستراحة كالجواب من الإجابة وهو قول ابن زيد والسدي. # وأما المضموم فاسم لا مصدر أي اسم لما بين الحلبتين، والمشهور ~~أنهما بمعنى واحد كقصاص الشعر وقصاصه وجمام المكول ~~وجمامه، فالفتح لغة قريش، والضم لغة تميم. قال الواحدي: الفواق ~~والفواق اسمان من ms7417 الإفاقة. والإفاقة معناها الرجوع والسكون كما في إفاقة ~~المريض إلا أن الفواق بالفتح يجوز أن يقام المصدر، والفواق بالضم ~~اسم لذلك الزمان، الذي يعود فيه اللبن، وروى الواحدي في البسيط عن أبي ~~هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في هذه الآية: يأمر الله ~~تعالى إسرافيل فينفخ نفخة الفزع قال: فيمدها ويطولها وهي التي يقول ما ~~لها من فواق، ثم قال الواحدي: وهذا يحتمل معنيين: # أحدهما: ما لها من سكون. # الثاني: ما لها من رجوع والمعنى ما تسكن تلك الصيحة ولا ترجع إلى السكون ~~ويقال لكل من بقي على حالة واحدة بأنه لايفيق منه ولا يستفيق. # قوله: " قطنا " أن نصيبنا وحظنا، وأصله من قط الشيء أي ~~قطعه، ومنه قط القلم والمعنى قطعه مما وعدتنا به ولهذا يطلق على ~~الصحيفة والصك قط، لأنهما قطعتان يقطعان، ويقال للجائزة أيضا قط ~~لأنها قطعة من العطية، قال الأعشى: # 4259- ولا الملك النعمان يوم لقيته # بغبطته يعطي القطوط ويأفق # وأكثر استعماله في الكتاب، قال أمية بن أبي الصلت: # 4260- قوم لهم ساحة أرض العراق وما # يجبى إليهم بها والقط والقلم # ويجمع على قطوط كما تقدم، وعلى قططة نحو: قرد وقردة ~~وقرود، وفي القلة على أقطة وأقطاط كقدح وأقدحة ~~وأقداح، إلا أن أفعلة في فعل شاذ. # فصل # قال سعيد بن جبير عن ابن عباس يعني كتابنا. والقط: الصحيفة أحصت كل ~~شيء، قال الكلبي: لما نزل قوله في الحاقة: # فأما من أوتي كتابه بيمينه # [الحاقة:19] # وأما من أوتي كتابه بشماله # [الحاقة:25] قالوا استهزاء: عجل لنا كتابنا في الدنيا قبل يوم الحساب، ~~وقال سعيد بن جبير: يعنون حظنا ونصيبنا من الجنة التي تقول. وقال الحسن ~~وقتادة ومجاهد والسدي: عين عقوبتنا ونصيبنا من العذاب قال عطاء: قاله ~~النضر بن الحرث وهو قوله: # إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة من السمآء # [الأنفال:32] وعن مجاهد قطنا: حسابنا يقال للكتاب قط. # قال أبو عبيدة والكسائي: القط الكتابة بالجوائز. واعلم أن القوم تعجبوا ~~من أمور ثلاثة، أولها: من أمر ms7418 النبوات وإثباتها فقال: وعجبوا أن ~~جاءهم منذر منهم، فقال الكافرون هذا ساحر ~~كذاب ". # وثانيها: تعجبهم من الإليهات فقالوا: أجعل الآلهة إلها واحدا. # وثالثها: تعجبهم من المعاد والحشر والنشر فقالوا: { ربنا عجل ~~لنا قطنا قبل يوم الحساب } ، قالوا ذلك استهزاء فأمره ~~الله تعالى بالصبر على سفاهتهم فقال: { اصبر على ما يقولون }. # فإن قيل: أي تعلق بين قوله: { اصبر على ما يقولون } وبين ~~قوله { واذكر عبدنا داوود }؟ # فالجواب: هذا التعلق من وجوه: # الأول: كأنه قيل: إن كنت شاهدت من هؤلاء الجهال جراءتهم على الله ~~وإنكارهم الحشر والنشر فاذكر قصة داود حتى تعرف شدة خوفه من الله ~~تعالى ومن يوم الحشر فإن بقدر ما يزداد أحد الضدين شرفا يزداد ~~(الضد) الآخر نقصانا. # الثاني: كأنه قيل لمحمد - صلى الله عليه وسلم - (لا) تضيق صدرك بسبب ~~إنكارهم لقولك ودينك فإنهم وإن خالفوك فالأكابر من الأنبياء وافقوك. # الثالث: أن للناس في قصة داود قولان: منهم من قال: إنها تدل على دينه، ~~ومنهم من قال إنها لا تدل عليه فمن قال بالأول كان وجه المناسبة فيه كأنه ~~قيل لمحمد - صلى الله عليه وسلم - إن حزنك ليس إلا لأن الكفار كذبوك، ~~وأما حزن داود فكان بسبب وقوع ذلك الذنب، ولا شك أن حزنه أشد فتأمل في ~~قصة داود وما كان فيه من الحزن. ومن قال بالثاني قال الخصمان اللذان ~~دخلا على داود كانا من البشر وإنما دخلا عليه لقصد قتله، فخاف منهما ~~داود ومع ذلك فلم يتعرض لإيذائهما ولا دعا عليهما بسوء بل استغفر ~~لهم على (ما سيجيء تقرير هذه الطريقة)، فلا جرم أمر الله تعالى محمدا ~~- صلى الله عليه وسلم - بأن يقتدي به في حسن الخلق. # الرابع: أن قريشا إنما كذبوا محمدا - صلى الله عليه وسلم - واستخفوا ~~به لقولهم: إنه يتيم فقير، ثم إنه تعالى قص على محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - ما كان في مملكة داود، ثم بين بعد ذلك أنه ما سلم من الأحزان ~~والغموم ليعلم أن الخلاص من الحزن لاسبيل إليه في الدنيا. # الخامس: ms7419 قوله تعالى: { اصبر على ما يقولون واذكر ~~عبدنا داوود } ولم يقتصر على قصة داود بل ذكر عقيب قصة داود قصص ~~أنبياء كثيرة فكأنه تعالى قال: فاصبر على ما يقولون واعتبر بحال سائر ~~الأنبياء ليعلمه أن كل واحد منهم كان مشغولا بهم خاص وحزن خاص ~~فيعلم حنيئذ أن لا انفكاك عن الهموم والأحزان وأن استحقاق الدرجة العالية ~~عند الله لا تحصل إلى بتحمل المشاق والمتاعب في الدنيا. # قال ابن الخطيب: وههنا وجه آخر قوي وأحسن من كل هذه الوجوه وسيأتي ~~ذكره إن شاء الله تعالى عند الانتهاء إلى تفسير قوله: # كتاب أنزلناه إليك مبارك # الآية [ص:29]. # قوله: " داوود " بدل أو عطف بيان، أو منصوب بإضمار أعني و " ذا ~~الأيد " نعت له، والأيد القوة، قال ابن عباس: أي القوة في العبادة، ~~وقيل: القوة في الملك، واعلم أن قوله: " عبدنا داوود " فوصفه ~~بكونه عبدا له. وعبر عن نفسه بصيغة الجمع الدالة على نهاية التعظيم وذلك ~~يدل على غاية التشريف ألا ترى أنه تعالى لما أراد أن يشرف محمدا - صلى ~~الله عليه وسلم - ليلة المعراج، قال: # سبحان الذي أسرى بعبده # [الإسراء:1] وأيضا فإن وصف الأنبياء بالعبودية مشعر بأنهم قد حصلوا ~~معنى العبودية بسبب الاجتهاد في الطاعة والمراد بالأيد القوة في الطاعة ~~والاحتراز عن المعاصي لأن مدحه بالقوة يوجب أن تكون تلك القوة موجبة ~~للمدح العظيم وليست إلا القوة على فعل ما أمر الله به، وترك ما نهى عنه، ~~والأيد المذكورة ههنا كالقوة المذكورة في قوله: # ييحيى خذ الكتاب بقوة # [مريم:12] وقوله: # وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة ~~وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة # [الأعراف:145] أي باجتهاد وتشدد في القيام بالدعوة وترك إظهار الوهن ~~والضعف، والأيد (و) القوة سواء، ومنه قوله: # هو الذي أيدك بنصره # [الأنفال:62] وقوله: # وأيدناه بروح القدس # [البقرة: 87] (وقوله): # والسمآء بنيناها بأييد # [الذاريات:47] وقال عليه (الصلاة و) السلام: # " أحب الصيام إلى الله صيام داود عليه (الصلاة و) ~~السلام وأحب الصلاة إلى الله عز وجل صلاة داود ~~كان يصوم يوما ويفطر يوما ms7420 وكان ينام نصف ~~الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه ". # قوله: " إنه أواب " أي رجاع إلى الله عز وجل بالتوبة عل كل ما ~~يكره، والأواب فعال من آب يؤوب إذا رجع قال تعالى: # إن إلينآ إيابهم # [الغاشية:25] وهذا بناء مبالغة كما يقال: قتال وضراب وهو أبلغ من ~~قاتل وضارب، وقال ابن عباس: مطيع، وقال سعيد من جبير: مسبح بلغة ~~الحبشة. ### || [38.18-26] # قوله: { إنا سخرنا الجبال معه يسبحن } فقوله: " ~~يسبحن " جملة حالية من " الجبال " وأتى بها هنا فعلا مضارعا دون اسم ~~الفاعل فلم يقل مسبحات، دلالة على التجدد والحدوث شيئا بعد شيء كقول ~~الأعشى: # 4261- لعمري لقد لاحت عيون كثيرة # إلى ضوء نار في بقاع تحرق # أي تحرق شيئا فشيئا، ولو قال: محرقة لم يدل على هذا المعنى. # فصل # المعنى يسبحن بتسبيحه. (و) في كيفية تسبيح الجبال وجوه: # الأول: أن الله تعالى يخلق في جسم الجبل حياة وعقلا وقدرة ونطقا، ~~فحينئذ يصير الجبل مسبحا لله تعالى. # الثاني: قال القفال: إن داود - عليه (الصلاة و) السلام - أوتي من شدة ~~الصوت وحسنة ما كان له في الجبال دوي حسن وما يصغي الطير (إليه) لحسنه ~~فيكون دوي الجبال وتصويت الطير معه وإصغاؤها إليه تسبيحا، وروى محمد بن ~~إسحاق أن الله تعالى لم يعط أحدا من خلقه مثل صوت داود حتى إنه كان إذا ~~قرأ الزبور دنت منه الوحوش حتى تؤخذ بأعناقها. # الثالث: أن الله تعالى سخر الجبال حتى إنها كانت تسير إلى حيث يريده ~~داود فجعل ذلك السير تسبيحا لأنه يدل على كمال قدرة الله وحكمته. # قوله: { بالعشي والإشراق } قال الكلبي غدوة وعشيا ~~والإشراق هو أن تشرق الشمس ويتناهى ضوؤها قال الزجاج: يقال شرقت الشمس ~~(إذا طلعت، وأشرقت إذا أضاءت، وقيل: هما بمعنى. والأول أكثر. تقول العرب ~~شرقت الشمس) والماء يشرق، وفسره ابن عباس بصلاة الضحى # " قال ابن عباس كنت أمر بهذه الآية لا أدري ما هي حتى حدثتني أم ~~هانىء بنت أبي طالب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها فدعا ~~بوضوء فتوضأ ثم ms7421 صلى الضحى وقال يا أم هانىء: هذه صلاة الإشراق " # وروى طاوس عن ابن عباس قال: هل تجدون ذكر صلاة الضحى في القرآن؟ ~~قالوا: لا؛ فقرأ: { إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق } ~~قال: وكانت صلاة يصليها داود عليه السلام وقال لم يزل في نفس شيء من صلاة ~~الضحى حتى طلبتها فوجدتها في قوله تعالى: { يسبحن بالعشي ~~والإشراق }. # قوله: { والطير محشورة } العامة على نصبها عطف مفعولا على ~~مفعول، وحالا على حال كقولك: ضربت زيدا مكتوفا وعمرا مطلقا، وأتى ~~بالحال اسما لأنه لم يقصد أن الفعل وقع شيئا فشيئا لأن حشرها دفعة ~~واحدة وأدل على القدرة والحاشر الله تعالى. # وقرأ ابن أبي عبلة والجحدري برفعهما جعلاها مستقلة من مبتدأ ~~وخبر. # والمعنى وسخرنا الطير محشورة، قال ابن عباس: كان داود إذا سبح جاءته ~~الجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه واجتماعها إليه هو حشرها فيكون على ~~هذا التقدير حاشرها هو الله تعالى. # فإن قيل: كيف يصدر تسبيح الله عن الطير مع أنه لا عقل لها؟ # فالجواب: أنه لا يبعد أن يخلق الله تعالى لها عقولا حتى تعرف الله ~~فتسبحه حينئذ ويكون ذلك معجزة لداود قال الزمخشري قوله: " محشورة " ~~في مقابلة: " يسبحن " إلا أنه ليس في الحشر ما كان في التسبيح من إرادة ~~الدلالة على الحدوث شيئا بعد شيء فلا جرم أتى به اسما لا فعلا، ~~وذلك أنه لو قيل: وسخرنا الطير (محشورة) (يحشرن) على تقدير أن الحشر يوجد ~~من حاشرها شيئا بعد شيء والحاشر هو الله عز وجل لكان خلفا لأنه تعالى ~~حشرهم جملة واحدة. # قوله: { كل له أواب } أي كل من الجبال والطير لداود أي لأجل ~~تسبيحه، فوضع أواب موضع مسبح. وقيل: (إن) الضمير في: " له " للباري ~~تعالى، والمراد كل من داود والجبال والطير مسبح ورجاع لله تعالى. # قوله: " وشددنا " العامة على تخفيف شددنا أي قوينا كقوله: # سنشد عضدك بأخيك # [القصص:35] وابن أبي عبلة والحسن " شددنا " بالتشديد. وهي ~~مبالغة كقراءة العامة، ومعنى الكلام قويناه بالحرس والجنود. # قال ابن عباس: كان أشد ملوك الأرض ms7422 سلطانا كان يحرس محرابه كل ليلة ~~ستة وثلاثون ألف رجل. # قوله: { وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب } أما الحكمة فهي ~~النبوة، وقيل: العلم والخير؛ قال تعالى: # ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا # [البقرة:269] وأما فصل الخطاب فقال بعض المفسرين: إن داود أول من قال في ~~كلامه: أما بعد. وقيل: المراد منه: معرفة الأمور التي بها يفصل بين ~~الخصوم وهو طلب البينة واليمين. # قال ابن الخطيب: وهذا بعيد لأن فصل الخطاب عبارة عن كونه قادرا على ~~التعبير على كل ما يخطر بالبال ويحضر في الخيال بحيث لا يخلط شيئا بشي ~~وبحيث يفصل كل مقام عن ما يخالفه. هذا معنى عام يتناول فصل الخصومات ~~ويتناول الدعوة إلى الدين الحق ويتناول جميع الأقسام والله أعلم. # وروى ابن عباس أن رجلا من بني إسرائيل استعدى على رجل من عظمائهم عند ~~داود أن هذا غصبني بقرا فسأله (داود) فجحد فقال للآخر البينة ~~فلم يكن له بينة فقال لهما داود: قوما حتى ينظر في أمركما فأوحى الله إلى ~~داود من منامه أن يقتل الذي استعدى عليه فقال هذه رؤيا ولست أعجل حتى ~~أتثبت فأوحى الله إليه ثانية فلم يفعل فأوحى الله إليه الثالثة أن يقتله ~~أو تأتيه العقوبة، فأرسل داود إليه فقال إن الله أوحى إلي أن أقتلك؛ ~~فقال: تقتلني بغير بينة، فقال داود نعم والله لأنفذن أمر الله فيك فلما ~~عرف الرجل أنه قاتله قال لا تعجل حتى أخبرك إني والله ما أخذت بهذا الذنب ~~ولكن اغتلت والد هذا فقتلته ولذلك أخذت فأمر به داود فقتل فاشتد هيبة ~~داود عند ذلك في قلوب بني إسرائيل، واشتد به ملكه فذلك قوله: " ~~وشددنا ملكه " " وآتيناه الحكمة " يعني النبوة ~~والإصابة في الأمور، و " فصل الخطاب " قال ابن عباس: بيان الكلام. # وقال ابن مسعود والحسن والكلبي ومقاتل: على الحكم باالقضاء، وقال علي بن ~~أبي طالب: هو أن البينة على المدعي واليمين على ما أنكر؛ لأن كلام ~~الخصوم ينقطع وينفصل به، ويروى ذلك عن أبي بن كعب قال: فصل الخطاب الشهود ms7423 ~~والإيمان. وقال مجاهد وعطاء بن أبي رباح عن الشعبي: فصل الخطاب هو قول ~~الإنسان بعد حمد الله والثناء عليه: أما بعد إذا أراد الشروع في كلام ~~آخر. # قوله (تعالى): { وهل أتاك نبأ الخصم } قد تقدم أن الخصم في ~~الأصل مصدر فلذلك يصلح للمفرد والمذكر وضديهما، وقد يطابق، ومنه # لا تخف خصمان # [ص:22]. والمراد بالخصم هنا جمع بدليل قوله: " إذ تسوروا " ~~وقوله: " إذ دخلوا ". قال الزمخشري: وهو يقع للواحد والجمع ~~كالضيف، قال تعالى: # حديث ضيف إبراهيم المكرمين # [الذاريات: 24] لأنه مصدر في أصله، يقال خصمه يخصمه كما تقول: ~~ضافه ضيفا. فإن قلت: هذا جمع وقوله: خصمان تثنية فكيف استقام ~~ذلك؟ قلت: معنى خصمان فريقان خصمان، والدليل قراءة من قرأ: " بغى ~~بعضهم على بعض " ونحوه قوله تعالى: # هذان خصمان اختصموا # [الحج:19] فإن قلت: فما تصنع بقوله: { إن هذآ أخي } وهو دليل ~~على الاثنين؟ قلت: معناه أن التحاكم بين ملكين ولا يمنع أن يصحبهما ~~آخرون، فإن قلت: كيف سماهم جميعا خصما في قوله: " نبأ الخصم ~~وخصمان "؟ قلت: لما كان صحب كل واحد من المتحاكمين في صورة الخصم صحت ~~التسمية به. # قوله: " إذ تسوروا " في العامل في " إذ " أوجه: # أحدهما: أنه معمول للنبأ إذا لم يرد به القصة. وإليه ذهب ابن عطية وأبو ~~البقاء ومكي أي هل أتاك الخبر الواقع في وقت تسورهم المحراب، وقد ~~رد بعضهم هذا بأن النبأ الواقع في ذلك الوقت لا يصح إتيانه رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وإن أريد بالنبأ القصة لم يكن ناصبا. قاله أبو ~~حيان. # الثاني: أن العامل فيه " أتاك ". ورد بما رد به الأول، وقد صرح ~~الزمخشري بالرد على هذين الوجهين. فقال: " فإن قلت: بم انتصب إذ؟ ~~قلت: لا يخلوا إما أن ينتصب " بأتاك " أو " بالنبأ " أو بمحذوف فلا ~~يسوغ انتصابه بأتاك لأن إتيان النبأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لا يقع إلا في عهده لا في عهد داود (و) لا بالنبأ؛ لن النبأ واقع في عهد ~~داود فلا يصح إتيانه رسول الله - صلى الله ms7424 عليه وسلم - وإن أردت بالنبأ ~~القصة في نفسها لم يكن ناصبا، فبقي أن يكون منصوبا بمحذوف تقديره: ~~وهل أياك نبأ تحاكم الخصم إذ ". # فاختار أن يكون معمولا لمحذوف. # الرابع: أن ينتصب بالخصم؛ لما فيه من معنى الفعل. # قوله: " إذ دخلوا " فيه وجهان: # أحدهما: أنه بدل من " إذ " الأولى. # الثاني: أنه منصوب بتسوروا. # ومعنى تسوروا علو أعلى السور، وهو الحائط غير مهموز كقولك: ~~تسنم البعير أي بلغ سنامه. والضمير في " تسوروا " و " ~~دخلوا " راجع على الخصم، أنه جمع في المعنى على ما تقدم، (أو على أنه ~~مثنى والمثنى جمع في المعنى. وتقدم) تحقيقه. # قوله: " خصمان " خبر مبتدأ مضمر أي نحن خصمان ولذلك جاء ~~بقوله: " بعضنا " ، ومن قرأ " بعضهم " بالغيبة يجوز أن يقدره كذلك ~~ويكون قد راعى لفظ: خصمان، ويجوز أن يقدرهم خصمان ليتطابق، وروي عن ~~الكسائي خصمان بكسر الخاء. وقد تقدم أنه قرأها كذلك في الحج. # قوله: " بغى بعضنا " جملة يجوز أن تكون مفسرة لحالهم، وأن ~~تكون خبرا ثانيا. # فإن قيل: كيف قالا: بغى بعضنا على بعض وهما ملكان - على قول بعضهم - ~~والملكان لا يبغيان؟ قيل: معناه أرأيت خصمين بغى أحدهما على ~~الآخر، وهذا من معاريض الكلام لا على تحقيق البغي من أحدهما. # قوله: { فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط } العامة على ضم ~~التاء وسكون الشين، وضم الطاء الأولى من (أ) شطط يشطط إشططا ~~إذا تجاوز الحق، قال أبو عبيدة: شططت في الحكم وأشططت إذا ~~جرت؛ فهو مما اتفق فيه فعل وأفعل، وإنما فكه على أحد ~~الجائزين كقوله: # من يرتدد # [البقرة:217] وقد تقدم تحقيقه. وقرأ الحسن وأبو رجاء وابن أبي عبلة ~~تشطط بفتح التاء وضم الطاء من " شط " بمعنى " أشط " كما تقدم. # وقرأ قتادة: تشط من " أشط " رباعيا إلا أنه أدغم. وهو أحد ~~الجائزين كقراءة من قرأ { من يرتد منكم } وعنه أيضا " ~~تشطط " بفتح الشين وكسر الطاء مشددة من شطط يشطط. والتثقيل ~~فيه للتكثير. وقرأ زر بن حبيش تشاطط من المفاعلة وأصل الكلمة من: ~~شطت الدار وأطت إذا بعدت. { واهدنا إلى سواء ms7425 ~~الصراط } أرشدنا إلى طريق الصواب فقال لهما داود: تكلما ~~فقال أحدهما: { إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة } ~~يعني امرأة { ولي نعجة واحدة } أي امرأة واحدة. # قوله: " تسع وتسعون " العامة على كسر التاء وهي اللغة الفاشية، ~~وزيد بن علي والحسن بفتحها. وهي لغية لبعض تميم، وكثر في كلامهم ~~الكناية بها عن المرأة، قال ابن عون: # 4262- أنا أبوهن ثلاث هنة رابعة في البيت ~~صغراهنه # ونعجتي خمسا توفيهنه # وقال آخر: # 4263- هما نعجتان من نعاج تبالة # لدى جؤذرين أو كبعض دمى هكر # قال الحسين: بن الفضل: هذا تعريض للتنبيه والتفهيم لأنه لم يكن هناك ~~نعاج ولا بغي كقولهم: ضرب زيد عمرا، أو اشترى بكر دارا. ~~ولا ضرب هناك ولا شراء. # قال الزمخشري: " أخي " بدل من " هذا " وقر عبد الله: " تسع ~~وتسعون نعجة أنثى " وهذا تأكيد كقوله: # وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين # [النحل:51] وقال الليث: النعجة الأنثى من الضأن والبقر الوحشي ~~والشاة والجمع النعاج. # قوله: " فقال أكفلنيها " قال ابن عباس أعطنيها، وقال مجاهد: ~~انزل لي عنها. وحقيقته ضمها إلي واجعلني كافلها، وهو الذي ~~يعولها وينفق عليها، والمعنى: طلقها لأتزوج إياها. # قوله: " وعزني " أي غلبني، قال: # 4264- قطاة عزها شرك فباتت # تجاذبه وقد علق الجناح # يقال: عزه يعزه بضم العين. وتقدم تحقيقه في يس عند قوله تعالى: # فعززنا بثالث # [يس:14]. # وقرأ طلحة وأبو حيوة: " وعزني " بالتخفيف. قال ابن جني: حذف ~~الزاي الواحدة تخفيفا كما قال الشاعر: # 4265-................. # أحسن به فهن إليه شوس # يريد أحسسن فحذف. وتروى هذه قراءة عن عاصم. وقرأ عبد الله والحسن ~~وأبو وائل ومسروق والضحاك: وعازني بألف مع تشديد الزاي أي ~~غالبني. # قوله: " بسؤال نعجتك " مصدر مضاف لمفعوله. والفاعل محذوف أي ~~بأن سألك نعجتك، وضمن السؤال معنى الإضافة والانضمام أي ~~بإضافة نعجتك على سبيل السؤال ولذلك عدي (بإلى). # فصل # قال ابن الخطيب: للناس في هذه القصة ثلاثة أقوال: # أحدها: أن هذه القصة دلت على صدور الكبيرة عنه. # وثانيها: دلالتها على الصغيرة. # وثالثها: لا تدل على كبيرة ولا على صغيرة، فأما القول الأول فقالوا: ms7426 إن ~~داود أحب امرأة " أوريا " فاحتال في قتل زوجها ثم تزوج بها ثم أرسل ~~الله (تعالى) ملكين في صورة المتخاصمين في واقعة تشبه واقعته (وعرضا تلك ~~الواقعة عليه) فحكم داود بحكم لزم منه اعترافه بكونه مذنبا ثم تنبه لذك ~~فاشتغل بالتوبة. وقال ابن الخطيب: والذي أدين به وأذهب إليه أن ذلك ~~باطل لوجوه: # الأول: أن هذه الحكاية لا تناسب داود لأنها لو نسبت إلى أفسق ~~الناس وأشدهم فجورا لانتفى منها، والذي نقل هذه القصة لو نسب إلى مثل ~~العمل لبالغ في تنزيه نفسه ورعا ولعن من نسبه إليها فكيف يليق بالعاقل ~~نسبة المعصية إليه؟!. # الثاني: أن حاصل القصة يرجع إلى أمرين إلى السعي وقتل رجل مسلم بغير حق ~~وإلى الطمع في زوجته أما الأول فأمر منكر؛ قال - عليه (الصلاة و) السلام: # " من سعى في دم مسلم ولو بشر كلمة جاء مكتوب ~~عليه بين عينيه أيس من رحمة الله " # وأما الثاني فمنكر عظيم، قال - عليه (صلاة و) السلام -: # " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده " # وإن " أوريا " لم يسلم من داود لا في روحه ولا في منكوحه. # الثالث: أن الله تعالى وصل داود بصفات تنافي كونه- عليه (الصلاة و) ~~السلام - موصوفا بهذا الفعل المنكر فالصفة الأولى أنه تعالى أمر محمدا ~~- صلى الله عليه وسلم - (في) أن يقتدي بداود في المصابرة مع المكاره فلو ~~قيل إن داود لم يصبر على مخالفة النفس بل سعى في إراقة دم مسلم لغرض ~~شهوته فكيف يليق بأحكم الحاكمين أن يأمر محمدا أفضل الرسل بأن يقتدي ~~بداود في الصبر على طاعة الله؟!. وأما الصفة الثانية فإنه وصفه بكونه ~~عبدا له، وقد بينا أن المقصود من هذا الوصف بيان كون ذلك الموصوف كاملا ~~في وصف العبودية أما في القيام بأداء الطاعات والاحتراز عن المحظورات، ~~فلو قلنا: إن داود اشتغل بتلك الأعمال الباطلة فحينئذ ما كان داود كاملا ~~إلا في طاعة الهوى والشهوة. وأما الصفة الثالثة وهي قوله: # ذا الأيد # [ص:17] أي ذا القوة ولا شك أن المراد منه القوة ms7427 في الدين لأن القوة في ~~غير الدين كانت موجودة في ملوك الكفار، ولا معنى للقوة في الدين إلا ~~القوة الكاملة في أداء الواجبات والاجتناب عن المحظورات، وأي قوة لمن لم ~~يملك نفسه عن القتل والرغبة في زوجة المسلم؟! الصفة الرابعة: كونه ~~أوابا كثير الرجوع إلى الله تعالى فكيف يليق هذا بمن قلبه مشغوف ~~بالقتل والفجور؟!. الصفة الخامسة: قوله تعالى: { إنا سخرنا ~~الجبال معه يسبحن } أفترى أنه سخرت له الجبال ليتخذوا سبيله ~~إلى القتل والفجور؟! الصفة السادسة: قوله تعالى: { والطير ~~محشورة } قيل: إنه كان محرما عليه صيد شيء من الطير فكيف يعقل ~~أن يكون الطير آمنا منه ولا يجوز أمن الرجل المسلم على زوجته ومنكوحه. ~~الصفة السابعة: قوله تعالى: " وشددنا ملكه " ومحال أن يكون ~~المراد أنه تعالى: شد ملكه بأسباب الدنيا بل المراد بأنا ملكناه تقوى ~~الدين وأسباب سعادة الآخرة، أو المراد تشديد ملكه في الدين والدنيا ومن ~~لايملك نفسه عن القتل والفجور كيف يليق به ذلك؟! الصفة الثامنة: قوله ~~تعالى: { وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب } (والحكمة اسم ~~جامع لك ما ينبغي علما وعملا فكيف يجوز أن يقال: إنا آتيناه) ~~الحكمة وفصل الخطاب مع إصراره على ما يستنكف عنه الشيطان من مزاحمة ~~أخص أصحابه في الروح والمنكوح؟! فهذه الصفات التي وصف بها قبل شحر ~~القصة. # وأما الصفات المذكورة بعد ذكر القصة فأولها قوله تعالى: { وإن له ~~عندنا لزلفى وحسن مآب } وهذا الكلام إنما يناسب لو دلت ~~القصة المتقدمة (على قوته في طاعة الله أما لو كانت القصة المتقدمة) دالة ~~على سعيه في القتل والفجور لم يكن قوله: { وإن له عندنا ~~لزلفى وحسن مآب } لائقا. # وثانيها: قوله تعالى: { يداوود إنا جعلناك خليفة في ~~الأرض } وهذا يدل على كذب تلك القصة من وجوه: الأول: أن الملك الكبير ~~إذا حكي عن عبده أنه قصد دماء الناس وأموالهم وأزواجهم فعند فراغه من ~~شرح قصته على الناس يقبح منه أن يقول عقيبة أيها العبد إني فوضت إليك ~~خلافتي ونبوتي لأن ذكر تلك القبائح والأفعال المنكرة يناسب الزجر ms7428 والحجر ~~فأما جعله نائبا وخليفة لنفسه فذلك مما (لا) يليق البتة. # الثاني: أنه ثبت في أصول الفقه أن ذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يدل على ~~كون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف فلما حكى الله تعالى عنه تلك الواقعة ~~القبيحة، ثم قال بعده: { إنا جعلناك خليفة في الأرض } ~~أشعر هذا (الوصف) بأن الموجب لتفويض هذه الخلافة هو إتيانه بتلك الأفعل ~~المنكرة. ومعلوم أن هذا فاسد. أما لو ذكرنا أن تلك القصة كانت على وجه ~~يدل على براءة ساحته عن المعاصي والذنوب وعلى شدة مصابرته في طاعة الله ~~تعالى فحينئذ يناسب أن يذكر عقيبه: { إنا جعلناك خليفة في ~~الأرض } فثبت أن الذي نختاره أولى. # الثالث: أنه لما كان مقدمة الآية دالة على مدح داود - عليه (الصلاة و) ~~السلام - وتعظيمه ومؤخرتها أيضا دالة على ذلك فلو كانت الواسطة دالة على ~~المقابح والمعايب لجرى مجرى أن يقال: فلان عظيم الدرجة عالي المرتبة في ~~طاعة الله تعالى يقتل ويزني ويسرق وقد جعله الله خليفة له في أرضه وصوب ~~أحكامه فكما أن هذا الكلام مما لا يليق بالعاقل فكذا ههنا ومن المعلوم أن ~~ذكر العشق والسعي في القتل من أعظم أبواب العيوب. # ورابعها: أن بعض القائلين ذكر في هذه الآية أن داود - عليه (الصلاة و) ~~السلام - تمنى أن يحصل له في الدين كما حصل للأنبياء المتقدمين من ~~المنازل العالية مثل ما حصل للخيل من الإلقاء في النار، وحصل للذبيح من ~~الذبح وحصل ليعقوب من الشدائد الموجبة لكثرة الثواب فأوحى الله إليه ~~إنما وجدوا تلك الدرجات لأنهم لما ابتلوا صبروا فعند ذلك سأل داود عليه ~~(الصلاة و) السلام الابتلاء فأوحى الله إليه إنك مبتلى في يوم كذا فبالغ ~~في الاحتراز، ثم وقعت الواقعة فنقول: إن حكايتهم تدل على أن الله ~~تعالى يبتليه بالبلاء الذي يزيد في منقبته ويكمل مراتب إخلاصه، فالسعي في ~~قتل النفس (بغير الحق) والإفراط في العشق كيف يليق بهذه الحالة بحيث إن ~~الحكاية التي ذكروها يناقص أولها آخرها. # وخامسها: أن داود عليه (الصلاة و) ms7429 السلام (تمنى أن يحصل له في الدين ~~كما حصل للأنبياء المتقدمين من المنازل العالية) قال: { وإن كثيرا ~~من الخلطآء ليبغي بعضهم على بعض إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم } ~~استثنى الذين آمنوا من البغي. فلو قلنا: إنه كان موصوفا بالبغي لزم أن ~~يقال: إنه حكم بعدم الإيمان على نفسه وذلك باطل. # وسادسها: حضرت في مجلس وفيه بعض أكابر المسلمين وكان يريد أن يتعصب ~~لتقرير ذلك القول الفاسد والقصة الخبيثة لسبب اقتضى ذلك فقلت له: لا شك ~~أن داود عليه (الصلاة و) السلام كان من أكابر الأنبياء والرسل وقال الله: # الله أعلم حيث يجعل رسالته # [الأنعام:124]، ومن مدحه الله (تعالى بمثل) هذا المدح العظيم لم يجز لنا ~~أن نبالغ في المطعن فيه وأيضا فتبقدير أنه ما كان من الأنبياء فلا شك ~~أنه كان مسلما؛ وقال - صلى الله عليه وسلم - # " لا تذكروا موتاكم إلا بخير " # ثم على تقدير أنا لا نلتفت إلى شيء من هده الدلائل إلا أنا ~~نقول: إن من المعلوم بالضرورة أن بتقدير أن تكون القصة التي ذكرتموها ~~في حقه صحيحة فإن روايتها وذكرها لا يوجب شيئا من الثواب، لأن إشاعة ~~الفاحشة إن لم توجب العقاب فلا أقل من ألا توجب الثواب. وأما بتقدير أن ~~تكون هذه القصة باطلة فاسدة فإن ذكرها مستحق به أعظم العقاب، والواقعة ~~التي هذا شأنها وصفتها فإن صريح العقل يوجب السكوت عنها فثبت أن الحق ~~ما ذهبنا إليه، وأن شرح تلك القصة محرم محظور، فلما سمع ذلك الملك الشديد ~~هذا الكلام سكت ولم يذكر شيئا. # السابع: أن ذكر هذه القصة وذكر قصة يوسف - عليه (الصلاة و) السلام - ~~يقتضي إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا. # الثامن: لو سعى داود في قتل ذلك الرجل لدخل تحت قوله: " من سعى في ~~دم امرىء مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة ~~مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله ". وأيضا لو ~~فعل ذلك لكان ظالما وكان يدخل تحت قوله: # ألا لعنة الله على الظالمين # [هود:18]. # التاسع: عن سعيد بن ms7430 المسيب أن علي بن أبي طالب قال: من حدثكم ~~بحديث داود على ماترويه القصاص فاجلدوه مائة وستين ~~(جلدة) وهو حد الفرية على الأنبياء، وما يقوي هذا انهم لما ~~قالوا: إن المغيرة بن شعبة زنى وشهد ثلاثة من عدول الصحابة وأما الرابع ~~فإنه لم يقل: إني رأيت ذلك بعيني فإن عمر بن الخطاب كذب أولئك الثلاثة ~~وجلد كل واحد منهم ثمانين جلدة لأجل أنهم قذفوا، فإذا كان الحال في واحد ~~من آحاد الصحابة كذلك فكيف الحال مع داود عليه (الصلاة و) السلام؟! مع ~~أنه كان من كابر الأنبياء - عليهم (الصلاة و) السلام -. # العاشر: روي أن بعضهم ذكر هذه القصة على ما في كتاب الله، ثم قال: فما ~~ينبغي أن يزاد عليها وإن كانت الواقعة على ما ذكرت ثم إنه تعالى لم ~~يذكرها لستر تلك الواقعة على داود عليه الصلاة والسلام فلا يجوز للعاقل ~~أن يسعى في هتك ستر ستره الله ألف سنة أو أقل أو أكثر فقال عمر: سماعي ~~هذا الكلام أحب إلي مما طلعت عليه الشمس. # فثبت بهذه الوجوه التي ذكرناها أن القصة التي ذكروها باطلة فاسدة. فإن ~~قال قائل: إن كثيرا من أكابر المحدثين المفسرين ذكروا هذه القصة فكيف ~~الحال فيها؟! # فالجواب الحقيقي: أنه لما وقع التعارض بين الدلائل القاطعة وبين خبر ~~(كل) واحد من أخبار الآحاد كان الرجوع إلى الدلائل القاطعة أولى. وأيضا ~~فالأصل براءة الذمة، وأيضا فلما تعارض ذكر التحرم والتحليل كان جانب ~~التحريم أولى، وأيضا طريقة الاحتياط توجب ترجيح قولنا، وأيضا فنحن ~~نعلم بالضرورة أن بتقدير (وقوع) هذا الواقعة لا يقول لنا الله يوم ~~القيامة لم لم تسعوا في تشهير هذه الواقعة أما بتقدير كونها باطلة ~~فإنه يوجب أن لا تجوز الشهادة بها، وأيضا كل المفسرين لم يتفقوا على ~~هذا القول، بل الأكثرون والمحققون يردونه ويحكمون عليه بالكذب، وإذا ~~تعارضت أقوال المفسرين والمحدثين تساقطت وبقي الرجوع فيه إلى ~~الدلائل التي ذكرناها. # الاحتمال الثاني أن نحمل هذه القصة على حصول الصغيرة لا على حصول ~~الكبيرة وذلك من ms7431 وجوه: # الأول: أن هذه المرأة خطبها " أوريا " فأجابوه، ثم خطبها داود فآثره ~~أهلها فكان ذنبه أن خطب على خطبته أخيه المؤمن مع كثرة نسائه. # الثاني: قالوا إنه وقع بصره عليها فمال قلبه إليها وليس له في هذا ذنب ~~ألبتة، أما وقوع بصره عليها من غير قصد بذنب، وأما حصول الميل عقيب ~~النظر فليس أيضا ذنبا، لأن الميل ليس في وسعه فلا يكون مكلفا به بل ~~لما اتفق أنه قتل زوجها لأجل أنه طمع في أن يتزوج بتلك المرأة فحصلت ~~بسبب هذا المعنى وهو أنه لم يشق عليه قتل ذلك الرجل. # والثالث: أنه كان أهل زمان داود عليه (الصلاة و) السلام يسأل بعضهم ~~بعضا أن يطلق زوجته حتى يتزوجها وكانت عادتهم مألوفة مفهومة في هذا ~~المعنى فاتفق أن عين داود (عليه السلام) وقعت على تلك المرأة فأحبها ~~فسألوه النزول فاستحيا أن يرده ففعل وهي أم سليمان فقيل له هذا وإن كان ~~جائزا في ظاهر الشريعة إلا أنه لا يليق بك فإن حسنات الأبرار سيئات ~~المقربين. فهذه وجوه ثلاثة لو حملنا هذه القصة على واحد منها لم يلزم في ~~حق داود عليه (الصلاة و) السلام إلا ترك الأفضل، والأولى. # الاحتمال الثالث: أن تحمل هذه القصة على وجه لا يلزم منه إيجاب كبيرة ~~ولا صغيرة لداود عليه (الصلاة و) السلام بل يوجب إلحاق أعظم أنواع المدح ~~والثناء به وهو أنه نقول: روي أن جماعة من الأعداء طمعوا أن يقتلوا ~~داود - عليه (الصلاة و) السلام - وكان له يوم يخلو فيه بنفسه ويشتغل ~~بطاعة ربه، فانتهزوا الفرصة في ذلك اليوم وتسوروا المحراب فلما دخلوا ~~عليه وجدوا عنده أقواما يمنعهم منه فخافوا ووضعوا كذبا وقالوا خصمان ~~بغى يعضنا على بعض إلى آخر القصة. # وليس في لفظ القرآن ما يمكن أن يحتج به في إلحاق الذنب بداود عليه ~~(الصلاة و) السلام إلا ألفاظ أربعة: # أحدهما: قوله: { وظن داوود أنما فتناه }. # وثانيها: قوله: { فاستغفر ربه وخر راكعا }. # وثالثها: { وأناب }. # ورابعها: قوله: { فغفرنا له ذلك }. ثم نقول: هذه الألفاظ ms7432 لا ~~يدل شيء منها على ما ذكروه من وجه: # الأول: أنهم لما دخلوا عليه لطلب قتله بهذه الطريق وعلم داود عليه ~~السلام دعاه الغضب إلى أن يشتغل بالانتقام منهم أي أنه مال إلى الصفح ~~والتجاوز عنهم طلبا لمرضاة الله تعالى فكانت هي الفتنة لأنها جارية ~~مجرى الابتلاء والامتحان ثم إنه استغفر ربه مما هم به من ~~الانتقام منهم وتاب عن ذلك الهم وأناب فغفر له ذلك القدر من الهم ~~والعزم. # الثاني: أنه وإن غلب على ظنه أنهم دخلوا عليه ليقتلوه إلا أنه ندم على ~~ذلك الظن وقال: لما لم تقم دلالة ولا أمارة على أن الأمر كذلك ~~فلبئس ما عملت حيث ظننت فيهم هذا الظن الرديء فكان هذا هو ~~المراد من قوله: { وظن داوود أنما فتناه } ثم إنه استغفر ~~ربه وأناب منه فغفر الله له ذلك. # الثالث: دخولهم عليه كان فتنة لداود - عليه (الصلاة و) السلام - إلا أنه ~~عليه (الصلاة و) السلام استغفر لذلك العازم على قتله كقوله في حق محمد - ~~صلى الله عليه وسلم -: # واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات # [محمد:19] فداود (عليه السلام) استغفر لهم، وأناب أي رجع إلى الله تعالى ~~في طلب المغفرة لذلك الرجل الداخل القاصد القتل، وقوله: { فغفرنا ~~له ذلك } أي فغفرنا ذلك الذنب لأجل احترام داود وتعظيمه كما ~~قال بعض المفسرين في قوله تعالى: # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # [الفتح:2] إن معناه: إن الله يغفر لك ولأجلك ما تقدم من ذنب أمتك. # الرابع: أنه عاتب داود عليه السلام عن زلة صدرت منه لكن لا نسلم أن ~~تلك الزلة وقعت بسبب المرأة. ولم لا يجوز أن يقال: إن تلك الزلة إنما ~~حصلت لأنه قضى لأحد الخصمين قبل أن يسمع كلام الخصم الثاني لأنه لما قال: ~~{ لقد ظلمك بسؤال نعجتك } حكم عليه بكونه ظالما بمجرد دعوة الخصم بلا ~~بينة فيكون هذا الحكم مخالفا للصواب. فعند هذا اشتغل بالاستغفار والتوبة ~~إلا أن هذا من باب ترك الأفضل والأولى فثبت بهذه البيانات أنا إذا ~~حملنا هذه ms7433 الآيات على هذا الوجه فإنه لا يلزم إسناد شيء من الذنوب ~~إلى داود - عليه (الصلاة و) السلام - بل ذلك يوجب إسناد أعظم ~~الطاعات إليه. # ثم نقول: وحمل الآية عليه أولى لوجوه: # الأول: أن الأصل في حال المسلم البعد عن المناهي لا سيما وهو رجل من ~~أكابر الأنبياء والرسل. # الثاني: أنه أحوط. # الثالث: أنه تعالى قال في أول الآية لمحمد (صلى الله عليه وسلم): # " اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود " # فإن قوم محمد - صلى الله عليه وسلم - لما أظهروا السفاهة حيث قالوا: إنه ~~ساحر كذاب، واستهزأوا به حيث قالوا: ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم ~~الحساب، فقال تعالى في أول الآية: اصبر على ما يقولون يا محمد وعلى ~~سفاهتهم وتحمل ولا تظهر الغضب واذكر عبدنا داود فهذا الذكر إنما يحسن إذا ~~كان داود عليه السلام قد صبر على أذاهم وتحمل سفاهتهم وحلم ولم يظهر ~~الطيش والغضب وهذا المعنى إنما يحصل إذا حملنا الآية على ما ذكرناه. أما ~~إذا حملنا الآية على ما ذكروه صار الكلام متناقضا. # الرابع: أن تلك الرواية إنما تتمشى إذا قلنا: إن الخصمين كانا ملكين ~~وإذا كانا ملكين ولم يكن بينهما مخاصمة ولم يبغ أحدهما على الآخر كان ~~قولهما: { خصمان بغى بعضنا على بعض } كذب. فهذه الرواية لا ~~تتم إلا بشيئين. # أحدهما: إسناد الكذب إلى الملائكة. # والثاني: إسناد أفحش القبائح إلى رجل كبير من أكابر الأنبياء وأما إذا ~~حملنا الآية على ما ذكرنا استغنينا عن إسناد الكذب إلى الملائكة وعن ~~إسناد القبيح إلى الأنبياء، فكان قولنا أولى. # فصل # قال المفسرون قوله: وعزني (في الخطاب) أي قهرني وغلبني " في ~~الخطاب " أي في القول. قال الضحاك يقول: إن تكلم كان أفصح مني، وإن حارب ~~كان أبطش مني وحقيقة المعنى أن الغلبة كانت له فضعفي في يده وإن كان ~~الحق معي فقال داود: { لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى ~~نعاجه } أي بسؤاله نعجتك ليضمها إلى نعاجه. # فإن قيل: كيف قال: لقد ظلمك بسؤال نعجتك ولم يكن سمع قوله صاحبه؟!. # فالجواب: قيل: ms7434 إن معناه إن كان الأمر كما تقول فقد ظلمك، قال ابن إسحاق: ~~لما فرغ الخصم الأول من كلامه نظر داود إلى الخصم الذي لم يتكلم وقال: " ~~لئن صدق لقد ظلمه ". # وقال ابن الأنباري: لما ادعى أحد الخصمين اعترف الثاني فحكم داود ~~عليه ولم يذكر الله ذلك الاعتراف لدلالة الكلام عليه. وقيل التقدير: إن ~~الخصم الذي هذا شأنه قد ظلمك ثم قال: { وإن كثيرا من ~~الخلطآء ليبغي بعضهم على بعض }. # قال الليث: خليط الرجل مخالطه، وقال الزجاج: الخلطاء: ~~الشركاء. # فإن قيل: لم خص الخلطاء ببغي بعضهم على بعض مع أن غير الخلطاء يفعلون ~~ذلك؟ # فالجواب: أن المخالطة توجب كثرة المنازعة والمخاصمة لأنهما إذا اختلطا ~~اطلع كل واحد منهما على أحوال الآخر فكل ما يملكه من الأشياء النفسية إذا ~~اطلع عليه عظمت رغبته فيه فيفضي ذلك إلى زيادة المخاصمة والمنازعة ~~فلهذا خص داود - عليه (الصلاة و) السلام الخلطاء بزيادة البغير ~~والعدوان. # ثم استثنى عن هذا الحكم الذين آمنوا وعملوا الصالحات لأن مخالطة هؤلاء ~~لا تكون لأجل الدين. وهذا استثناء متصل من قوله: " بعضهم ". # قوله: { وقليل ما هم } خبر مقدم و " ما " مزيدة للتعظيم. و " هم ~~" مبتدأ. # قال الزمخشري: و " ما " في قوله: { قليل ما هم } للإبهام وفيه ~~تعجب من قتلهم. قال: فإن أرادت أن تتحقق فائدتها وموقعها فاطرحها من قول ~~امرىء القيس: # 4266- وحديث ما على قصره # وانظر هل بقي لها معنى قط؟ { وظن داود أنما فتناه } أي ~~امتحناه، قرأ العامة فتناه بالتخفيف وإسناده إلى الضمير المتكلم ~~المعظم نفسه، وعمر بن الخطاب والحسن وأبو رجاء فتناه بتشديد ~~التاء. وهي مبالغة وقرأ الضحاك: أفتناه، يقال: فتنه ~~وأفتنه أي حمله على الفتنة ومنه: # 4267- لئن فتنتني لهي بالأمس أفتنت # ....................... # وقرأ قتادة وأبو عمرو - في رواية - فتناه بالتخفيف وفتناه ~~بالتشديد، والألف ضمير الخصمين، و " راكعا " حال مقدرة، قال أبو البقاء، ~~وفيه نظر لظهور المقارنة. # فصل # قال المفسرون: إن الظن ههنا بمعنى العلم؛ لأن داود عليه (الصلاة و) ~~السلام لما قضى بينهما نظر أحدهما إلى صاحبه فضحك، ثم ms7435 صعد إلى ~~السماء قبل وجهه فعل داود أن الله ابتلاه بذلك فثبت أن داود علم ~~بذلك. وإنما جاز حمل لفظ الظن على العلم، لأن العلم الاستدلالي يشبه ~~الظن مشابهة عظيمة والمشابهة علة لجواز المجاز. قال ابن الخطيب: هذا ~~الكلام إنما يلزم إذا قلنا الخصمان كانا ملكين إما إذا لم يقل ذلك لا ~~يلزمنا حمل الظن على العلم بل لقائل أن يقول: إنه لما غلب على ظنه ~~حصول الابتلاء من الله تعالى اشتغل بالاستغفار والإنابة. # قوله: " فاستغفر ربه " أي سأل الغفران من ربه، ثم ههنا وجهان ~~إن قلنا: إنه صدرت منه زلة حمل هذا الاستغفار عليها وإن لم يقل به ~~قلنا فيه وجوه: # الأول: أن القوم لما دخلوا عليه قاصدين قتله وإنه كان سلطانا شديد ~~القهر عظيم القوة مع القدرة الشديدة على الانتقام ومع محصول الفزع في ~~قلبه عفا عنهم ولم يقل لهم شيئا قرب الأمر من أن يدخل قبله شي من ~~العجب فاستغر ربه من تلك الحالة وأناب إلى الله، واعترف بأن إقدامه ~~على ذلك الخير ما كان إلا بتوفيق الله فغفر له وتجاوز عنه بسبب طريان ~~ذلك الخاطر. # الثاني: لعله هم بإيذاء القوم، ثم قال: إنه لم يدل دليل قاطع على أن ~~هؤلاء قصدوا الشر فعفا عنهم ثم استغفر من ذلك الهم. # الثالث: لعل القوم تابوا إلى الله تعالى وطلبوا منه أن يستغفر الله ~~(لهم) ولأجل أن يقبل توبتهم فاستغفر وتضرع إلى الله فغفر له توبتهم ~~بسبب شفاعته ودعائه. # وهه كلها وجوه محتملة ظاهرة، والقرآن مملوء من أمثال هذه الوجوه، وإذا ~~كان الفظ محتملا لما ذكرناه ولم يقم دليل قطعي ولا ظني على التزام ما ~~ذكروه من المنكرات فما الذي دل عليه التزامه والقول به؟ ويؤيد ما ذكرنا ~~أنه تعالى ختم هذه القصة بقوله: { وإن له عندنا لزلفى ~~وحسن مآب } ومثل هذه الخاتمة إنما يحصل في حق من صدر عن امتثال ~~الأوامر في الخدمة والطاعة وتحمل أنواعا من الشدائد في الموافقة ~~والانقياد. # قوله: " ذلك " الظاهر أنه مفعول " غفرنا " وجوز ms7436 أبو البقاء فيه أن ~~يكون خبر مبتدأ مضمر أي الأمر ذلك ولا حاجة إلى هذا. والمشهور أن ~~الاستغفار إنما كان بسبب قصة النعجة، والنعاج، وقيل: بسبب أنه ~~حكم لأحد الخصمين قبل أن يسمع كلام الثاني، وذلك غير جائز. # قوله: { يداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض } أي ~~تدبر أمور العباد بأمرنا، واعلم أنه لما تمم الكلام في شرح القصة أردفها ~~ببيان أن الله تعالى فوض إلى داود خلافة الأرض وهذا من أقوى الدلائل ~~على فساد القول المشهور في القصة لأن من البعيد جدا أن يوصف الرجل بكونه ~~ساعيا في سفك دماء المسلمين رغبة في انتزاع أزواجهم منهم، ثم يذكر عقيبه ~~أن الله فوض خلافة الأرض إليه. ثم في تفسير كونه خليفة وجهان: # الأول: جلعناك تخلف من تقدمك من الأنبياء في الدعاء إلى الله تعالى ~~وفي سياسة الناس لأن خليفة الرجل من يخلفه وذلك إنما يعقل في حق من يصح ~~عليه الغيبة، وذلك على الله محال. # الثاني: إنا جعلناك ممكنا في الناس نافذ الحكم فيهم. فبهذا التأويل ~~يسمى خليفة، ومنه يقال خليفة الله في الرض وحاصله أن خليفة الرجل يكون ~~نافذ الحكم في رعيته، وحقيقة الخلافة ممتنعة في حق الله تعالى فلما ~~امتنعت الحقيقة جعلت اللفظة (مفيدة) للزوم نفاذ ذلك الحكم في تلك ~~الحقيقة. # قوله: { فاحكم بين الناس بالحق } أي بالعدل لأن الأحكام ~~إذا كانت مطابقة للشريعة الحقيقة الإلهية انتظمت مصالح العالم واتسعت ~~أبواب الخيرات، وإذا كانت الأحكام على وفق الأهوية وتحصيل مقاصد الأنفس ~~أفضى إلى تخريب العالم ووقوع الهرج والمرج في الخلق وذلك يفضي إلى ~~هلاك ذلك الحاكم ولهذا قال: { ولا تتبع الهوى فيضلك عن ~~سبيل الله } ، لأن متابعة الهوى توجب الضلال عن سبيل الله، والضلال ~~عن سبيل الله يوجب سوء العذاب. # قوله: " فيضلك " فيه وجهان: # أظهرهما: أنه منصوب في جواب النهي. # الثاني: أنه عطف على " لا تتبع " فهو مجزوم، وإنما فتحت اللام ~~لالتقاء الساكنين. وهو نهي عن كل واحدة على حدته، والأول فيه النهي عن ~~الجمع بينهما وقد يترجح الثاني ms7437 لهذا المعنى، وقد تقدم تقرير ذلك في ~~البقرة في قوله # وتكتموا الحق # [البقرة:42]. # وفاعل " فيضلك " يجوز أن يكون الهوى، ويجوز أن يكون ضمير المصدر ~~المفهوم من الفعل أي فيضلك اتباع الهوى. # قوله: { إن الذين يضلون } قرأ العامة بفتح ياء يضلون. وقرأ ~~ابن عباس والحسن وأبو حيوة بضمها أي يضلون الناس وهي مستلزمة ~~للقراءة الأولى فإنه لا يضل غيره إلا ضال بخلاف العكس. # قوله: " بما نسوا " ما مصدرية، والجار يتعلق بالاستقرار الذي تضمنه ~~" لهم " ، و " لهم عذاب " يجوز أن يكون جملة خبرا ل " إن " ، ~~ويجوز أن يكون الخبر وحده الجار، و " عذاب " فاعل به وهو الأحس لقربه ~~من المفرد. # فصل # قيل: معناه بما تركوا الإيمان بيوم الحساب. وقال الزجاج: بتركهم العمل ~~ذلك اليوم، وقال عكرمة والسدي: في الآية تقديم وتأخير تقديره لهم عذاب ~~شديد يوم الحساب بما نسوا أي تركوا القضاء بالعدل. ### || [38.27-29] # قوله تعالى: { وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما ~~باطلا } قال ابن عباس: أي لا لثواب ولا لعقاب، احتج ~~الجبائي بهذه الآية على أنه تعالى لا يجوز أن يكون خالقا لأعمال ~~العباد قال: لأنه مشتملة على الكفر والفسق وكلها أباطيل فلما بين ~~تعالى أنه ما خلق السماء والأرض وما بينهما باطلا دل هذا على أنه لم ~~يخلق أعمال العباد. # (وأيضا قوله تعالى: { ما خلقنا السمآء والأرض وما ~~بينهما باطلا } ). وعند المجبرة أنه خلق الكافر لأجل أن يكفر ~~والكفر باطل، فقد خلق الباطل، ثم أكد تعالى ذلك بأن قال: { ذلك ظن ~~الذين كفروا فويل للذين كفروا } أي كل من قال بهذا ~~القول فهو كافر فهذا تصريح بأن مذهب المجبرة من الكفر. واحتج أهل ~~السنة بأن هذه الآية تدل على أنه تعالى خلق أعمال العباد لأن الآية ~~دلت على أنه تعالى خلق ما بين السماء والأرض وأعمال العباد مما بين ~~السماء والأرض فوجب أن يكون تعالى خالقا لها. # فصل # دلت الآية على صحة القول بالحشر لأنه تعالى لما خلق الخلق في هذا ~~العالم فإما أن يكون خلقهم للإضرار أو الانتفاع، أو ms7438 لا لشيء، والأول ~~باطل، لأن ذلك لا يليق بالرحيم الكريم، والثالث أيضا باطل؛ لأن هذه ~~الحالة حاصلة حين كانوا معدومين، فلم يبق إلا أن يقال: خلقهم للانتفاع ~~فذلك الانتفاع إما أن يكون في حياة الدنيا أو في حياة الآخرة، والأول ~~باطل لأن منافع الدنيا قليلة ومضارها كثيرة وتحمل الضرر الكثير لوجدان ~~المنفعة القليلة لا يليق بالحكمة، ولما بطل هذا القول ثبت القول بوجود ~~حياة أخرى بعد هذه الحياة، وذلك هو القول بالحشر والنشر والقيامة. # قوله: " باطلا " يجوز أن يكون نعتا لمصدر محذوف أو حالا من ضمير أي ~~خلقا باطلا، ويجوز أن يكون حالا من فاعل " خلقنا " أي مبطلين، ~~أو ذوي باطل، ويجوز أن يكون مفعولا من أجله أي للباطل، وهو ~~العبث. # قوله: { ذلك ظن الذين كفروا } يعني أهل مكة هم الذين ~~ظنوا أنهم خلقوا لغير شيء وأنه لا بعث ولا حساب { فويل ~~للذين كفروا من النار }. # قوله: { أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض } أم في الموضعين منقطعة، وقد تقدم ما ~~فيها. قال مقاتل: قال كفار قريش للمؤمنين: إنا نعطى في الآخرة من ~~الخير ما تعطون فنزلت هذه الآية: { أم نجعل المتقين ~~كالفجار } أي المؤمنين كالكفار، قيل: أراد بالمتقين أصحاب النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -. # قوله: " كتاب أنزلناه " يجوز أن يكون " كتاب " خبر مبتدأ مضمر، ~~أي هذا كتاب و " أنزلناه " و " مبارك " خبر مبتدأ مضمر أو خبر ثان. # ولا يجوز أن يكون نعتا ثانيا لأنه لا يتقدم عند الجمهور غير الصريح ~~على الصريح، ومن يرى ذلك استدل بظاهرها. وقد تقدم تحرير هذا في ~~المائدة. # قوله: " ليدبروا " متعلق " بأنزلناه " وقرىء: مباركا على ~~الحال اللازمة، لأن البركة لا تفارقه وقرأ علي - رضي الله عنه - ~~ليتدبروا، وهي أصل قراءة العامة، فأدغمت التاء في الدال، وأبو جعفر ~~ورويت عن عاصم والكسائي لتدبروا بتاء الخطاب وتخفيف ~~الدال، وأصلها لتتدبروا بتاءين فحذفت إحداهما، وفيها الخلاف المشهور هل ~~هي الأولى أو الثانية، قال الحسن: تدبروا آياته (أتباعه) " وليتذكر " ~~ليتعظ أولو الألباب أي العقول. ### || [38.30-40] # (قوله): ms7439 { ووهبنا لداوود سليمان نعم العبد } ~~المخصوص بالمدح محذوف أي نعم العبد سليمان، وقيل: داود؛ لأنه وصفه بهذا ~~المعنى وقد تقدم حيث قال: # داوود ذا الأيد إنه أواب # [ص:17]. والأول أظهر لأنه هو المسوق للحديث عنه، وقرىء: بكسر العين وهي ~~الأصل كقوله: # 4268-.................. # نعم الساعون في القوم في القوم الشطر # فصل # قوله: " إنه أواب " يدل على أنه كان نعم العبد لأنه كان أوابا؛ ~~أي كثير الرجوع إلى الله في أكثر أوقاته ومهماته. # قوله: " إذ عرض " في ناصبه أوجه: # أحدها: " نعم ": وهو أضعفها؛ لأنه لا يتقيد مدحه بوقت، (و) لعدم ~~تصرف " نعم ". قال ابن الخطيب: التقدير نعم العبد إذ كان من أعماله ~~أنه فعل كذا. # الثاني: " أواب " وفيه تقييد وصفه بذلك بهذا الوقت. # والثالث: اذكر مقدرا، وهو أسلمها. # والعشي من العصر إلى آخر النهار. والصافنات جمع صافن، وفيه ~~خلاف بين أهل اللغة فقال الزجاج: هو الذي يقف على إحدى يديه ويقف على طرف ~~سنبكه، وقد يفعل ذلك بإحدى رجليه قال وعي علامة الفراهة وأنشد: # 4269- ألف الصفون فلا يزال كأنه # مما يقوم على الثلاث كسيرا # وقيل: هو الذي يجمع بين يديه ويسويهما، وأما الذي يقف على سنبكه فاسمه ~~المخيم، قاله أبو عبيدة. # وقيل: هو القائم مطلقا أي سواء كان من الخيل، أو من غيرها، قاله ~~القتبي. واستدل (بحديث) وبقوله عليه (الصلاة و) السلام # " من سره أن يقوم الناس له صفونا فليتبوأ ~~مقعده من النار " # أي يديمون له القيام. وحكاه قطرب أيضا. وجاء في الحديث " قمنا ~~صفونا " أي صافين أقدامنا، وقيل: هو القيام مطلقا سواء وقفت على ~~طرف سنبك أم لا، قال الفراء: على هذا رأيت أشعار العرب، وقال النابغة: # 4270- لنا قبة مضروبة بفنائها # عتاق المهارى والجياد الصوافن # والجياد إما من الجودة، يقال: جاد الفرس يجود جودة وجودة ~~بالفتح والضم فهو جواد، للذكر والأنثى. والجمع جياد وأجواد، ~~وأجاويد، وقيل: جمع لجود بالفتح كثوب وثياب. وقيل: جمع ~~جيد. وإما من الجيد وهو العنق، والمعنى: طويلة الأعناق الأجياد. ~~وهو دال على فراهتها. # قوله: " حب الخير " فيه أوجه: ms7440 # أحدها: هو مفعول أحببت لأنه بمعنى آثرت، و " عن " على هذا بمعنى " على ~~" أي على ذكر ربي، لأنه روي أن عرض الخيل حتى شغلته عن صلاة العصر أول ~~الوقت حتى غربت الشمس. # وقال أبو حيان - وكأنه منقول عن الفراء - إنه ضمن " أحببت " معنى ~~آثرت، حيث نصب " حب الخير " مفعولا (به). وفيه نظر؛ لأنه متعد بنفسه ~~وإنما يحتاج إلى التضمين وإن لم يكن متعديا. # الثاني: أن " حب " مصدر على حذف الزوائدة والناصب له " أحببت ". # الثالث: أنه مصدر تشبيهي أي حبا مثل حب الخير. # الرابع: أنه قيل: ضمن معنى أنبت فلذلك تعدى بعن. # الخامس: أن أحببت بمعنى لزمت. # قال ابن الخطيب: إن الإنسان قد يحب (شيئا ولكنه يجب أن) لا يحبه ~~كالمريض الذي يشتهي في مرضه فأما من أحب شيئا وأحب أن يحبه فذلك غاية ~~المحبة، فقوله: { أحببت حب الخير } أي أحببت حبي للخير. # السادس: أن أحببت من أحب البعير إذا سقط وبرك من الإعياء، ~~والمعنى قعدت عن ذكر ربي فيكون " حب الخير " على هذا مفعولا من أجله، ~~والمراد بقوله: { عن ذكر ربي } ، قيل: عن صلاة العصر، وقيل: عن ~~كتاب ربي وهو التوراة، لأن إرتباط الخيل كما أنه في القرآن ممدوح فكذلك ~~في التوراة ممدوح وقوله " ذكر ربي " يجوز أن يكون مضافا للمفعول أي ~~عن أن أذكر ربي، وأن يكون مضافا للفاعل أي عن ذكر بي ربي والمراد ~~بالخير: الخيل والعرب تعاقب بين الراء واللام (تقول): ختلت الرجل ~~وخترته أي خدعته، وسميت الخيل (خيرا) لأنه معقود بنواصيها ~~الخير الأجر والمغنم. # قوله: " حتى توارت " في الفاعل وجهان: # أحدهما: هو: " الصافنات " ،والمعنى: حتى دخلت إصطبلاتها فتوارت ~~وغابت. # والثاني: أنه: " الشمس " أضمرت لدلالة السياق عليها، وقيل: لدلالة " ~~العشي " عليها فإنها تشعر بها، وقيل: يدل عليها الإشراق في قصة ~~داود. وما أبعده. # قوله: " ردوها " هذا الضمير للصافنات، وقيل: للشمس وهو غريب جدا. ~~قال ابن الخطيب: وهذا بعيد لوجوه: # منها: أن الصافنات مذكورة بالتصريح، والشمس غير مذكورة وعود الضمير ~~إلى المذكور أولى من عوده إلى المقدر، ومنها: ms7441 أنه لو اشتغل بالخيل حتى ~~غربت الشمس وفاتت صلاة العصر كان ذلك ذنبا عظيما ومن كان هذا حاله ~~فطريقه التضرع والبكاء والمبالغة في إظهار التوبة فإما أن يقول على ~~سبيل العظمة لرب العالمين مثل هذه الكلمة العارية عن كل جهات الأدب ~~عقيب ذلك الجرم العظيم (فهذا) لا يصدر عن أبعد الناس عن الخير فكيف ~~يجوز إسناده للرسول المطهر المكرم ومنها أن القادر على تحريك الأفلاك ~~والكواكب هو الله تعالى فكان يجب أن يقول ردها علي، ولا يقول: ردوها ~~علي لأن هذا اللفظ مشعر بأعظم أنواع الاستعلاء فيكف يليق بهذا اللفظ ~~رعاية التعظيم؟ ومنها: أن الشمس لو رجعت بعد الغروب لصار ذلك مشاهدا ~~لأهل الدنيا ولو كان كذلك لتوفرت الدواعي على نقله وحيث لم ينقل ~~علمنا فساده. # قوله: " فطفق مسحا " نصب " مسحا " بفعل مقدر، هو خبر طفق أي ~~(ف)طفق يمسح مسحا، لأن خبر هذه الأفعال لا يكون إلا مضارعا في ~~الأمر العام. # وقال أبو البقاء - وبه بدأ -: مصدر في موضع الحال وهذا ليس بشيء؛ لأن " ~~طفق " لا بد لها من خبر. # وقرأ زيد بن علي: مساحا بزنة قتال، والباء في " بالسوق " مزيدة ~~مثلها في قوله: # وامسحوا برءوسكم # [المائدة:6]. وحكى سيبويه: مسحت رأسه وبرأسه بمعنى واحد. # ويجوز أن تكون للإلصاق كما تقدم، وتقدم همز السوق وعدمه في النمل. وجعل ~~الفارسي الهمز ضعيفا. وليس كما قال لما تقدم من الأدلة. وقرأ زيد بن ~~علي (أيضا) " بالساق " مفردا اكتفاء بالواحد لعدم اللبس ~~كقوله: # 4271-................ # وأما جلدها فصليب # وقوله: # 4272-.................. # كلوا في بعض بطنكم تعفوا # وقوله: # 4273-................... # في حلقكم عظم وقد شجينا # قال الزمخشري: فإن قلت: بم اتصل قوله " ردوها علي "؟ # قلت: بمحذوف تقديره قال ردوها فأضمر وأضمر ما هو جواب له كأن قائلا ~~قال: فماذا قال سليمان؟ لنه موضع مقتض للسؤال اقتضاءا ظاهرا. # قال أبو حيان: وهذا لا يحتاج إليه لأن هذه الجملة مندرجة تحت حكاية ~~القول وهو: { فقال: إني أحببت }. # فصل # قال المفسرون: إنه - عليه (الصلاة و ) السلام - لما فاتته صلاة العصر ~~لاشتغاله بالنظر إلى تلك ms7442 الخيل استردها وعقر سوقها وأعناقها تقربا إلى ~~الله تعالى، وبقي منها مائة، فالخيل التي في أيدي الناس اليوم، من نسل ~~تلك المائة، قال الحسن: فلما عقر الخيل، أبدله الله - عز وجل - خيراي ~~منها وأوسع وهي الريح تجري بأمره كيف شاء. قال ابن الخطيب: وهذا عندي ~~بعيد لوجوه: # الأول: أنه لو كان مسح السوق والأعناق قطعها لكان معنى فامسحوا برؤوسكم ~~أي اقطعوها وهذا لا يقوله عاقل، بل لو قيل: مسح رأسه بالسيف فربما فهم ~~منه ضرب العنق، أما إذا لم يذكر لفظ السيف لم يفهم منه البتة من ~~المسح العقر والذبح. # الثاني: أن القائلين بهذا القول جمعوا على سليمان - عليه (الصلاة و) ~~السلام - أنواعا من الأفعال المذمومة. # فأولها: ترك الصلاة. # وثانيها: أنه استولي عليه الاشتغال بحب الدنيا حيث نسي الصلاة ~~وقال - عليه (الصلاة و) السلام -: # " (حب) الدنيا رأس كل خطيئة ". # وثالثها: أنه بعد الإتيان بهذا الذنب العظيم لم يشتغل بالتوبة والإنابة ~~البتة. # ورابعها: أنه خاطب رب العالمين بقوله: " ردوها علي " وهذه كلمة ~~لا يقولها الرجل الحصيف إلا مع الخادم الخسيس. # وخامسها: أنه أتبع هذه المعاصي بعقر الخيل من سوقها وأعناقها وقد " ~~نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذبح الحيوان إلا لمأكله " ، وهذه ~~أنواع من الكبائر نسبوها إلى سليمان- عليه (الصلاة و) السلام - مع أن لفظ ~~القرآن لم يدل على شيء منها. وخلاصتها: أن هذه القصص إنما ذكرها الله ~~تعالى عقيب قوله: # وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب # [ص:16] وأن الكفار لما لبلغوا في السفاهة إلى هذا الحد قال الله عز ~~وجل لمحمد - عليه (الصلاة و) السلام -: يا محمد اصبر على سفاهتهم، واذكر ~~عبدنا داود، ثم ذكر عقيبه قصة سليمان فكان التقدير أنه تعالى قال لمحمد ~~- عليه (الصلاة و) السلام -: يا محمد اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا ~~سليمان. وهذا الكلام إنما يليق إذا قلنا: إن سليمان عليه (الصلاة و) ~~السلام - أتى في هذه القصة بالأعمال الفاضلة والأخلاق الحميدة وصبر على ~~طاعة الله تعالى وأعرض عن الشهوات واللذات، فلو كان ms7443 المقصود من قصة ~~سليمان في هذا الموضع أنه أقدم على الكبائر العظيمة والذنوب لم يكن ذكر ~~هذه القصة لائقا. والصواب أن نقول: إن رباط الخيل كان مندوبا إليه في ~~دينهم كما هو في دين محمد عليه (الصلاة و) السلام؛ ثم إن سليمان - ~~عليه (الصلاة و) السلام - احتاج إلى الغزو فجلس وأمر بإحضار الخيل ~~وأمر بإجرائها، وذكر أني لا أجريها لأجل الدنيا ونصيب النفس وإنما حبها ~~لأمر الله وطلب تقوية دينه وهو المراد من قوله: { عن ذكر ربي }. ~~ثم إنه - عليه السلام - أمر بإجرائها وسيرها حتى توارت بالحجاب أي غابت ~~عن بصره، ثم إنه أمر الرابضين بأن يردوها فردوا تلك الخيل إليه فلما عادت ~~إليه طفق يمسح سوقها وأعناقها. والغرض من ذلك أمور: # الأول: تشريفا لها وإبانة لعزتها لكونها من أعظم الأعوان في دفع العدو. # الثاني: أنه أراد أن يظهر أنه في ضبط السياسة والملك يتضع إلى حيث ~~يباشر أكثر الأمور بنفسه. # الثالث: أنه كان أعلم بأحوال الخيل ومراميها وعيوبها فكان يمسحها ويمسح ~~سوقها وأعناقها حتى يعلم هل فيها ما يدل على المرض. فهذا التفسير هو الذي ~~ينطبق عليه لفظ القرآن ولا يلزم منه نسبة شيء من تلك المنكرات إلى سليمان ~~عليه - (الصلاة و) السلام - والعجب منهم كيف قبلوا هذه الوجوه ~~السخيفة مع أن العقل والنقل يردها وليس لهم في إثباتها شبهة فضلا عن ~~حجة؟ # فإن قيل: فالجمهور فسروا الآية بتلك الوجوه. # فالجواب: أن نقول لفظ الآية لا يدل على شيء من تلك الوجوه التي يذكرونها ~~لما ذكرنا، وأيضا فإن الدلائل الكثيرة قامت على عصمة الأنبياء - عليهم ~~(الصلاة و) السلام - ولم يدل على صحة هذه الحكايات دليل قاطع، ورواية ~~الآحاد لا تصلح معارضة للدلائل القوية فكيف الحكايات عن أقوام لا نلتفت ~~إلى أقوالهم؟ والذي ذهبنا إليه قول الزهري وابن كيسان. # قوله: { ولقد فتنا سليمان } قال بعض المفسرين: إن سليمان - ~~عليه (الصلاة و) السلام - بلغه خبر مدينة في البحر يقال لها: صيد، فخرج ~~إليها بجنوده فأخذها وقتل ملكها وأخذ بنتا له اسمها: ms7444 " جرادة " من أحسن ~~الناس وجها فاصطفاها لنفسه وأسلمت فأحبها فكانت تبكي على أبيها، فأمر ~~سليمان الشيطان فمثل لها صورة أبيها فكستها مثل كسوته وكانت تذهب إلى تلك ~~الصورة بكرة وعشيا مع جواريها يسجد(و)ن لها فأخبر " آصف " ~~سليمان بذلك فكسر الصورة وعاقب المرأة وخرج وحده إلى فلاة ففرش الرماد ~~وجلس عليه تائبا لله تعالى، وكانت له أم ولد يقال لها: الأمينة إذا دخل ~~للطهارة أو لإصابة امرأة وضع خاتمة عندها وكان ملكه فيه موضعه عندها ~~يوما فأتاها الشيطان صاحب البحر واسمه صخر على صورة " سليمان " وقال لها ~~يا أمينة: خاتمي فناولته الخاتم فتختم به وجلس على كرسي سليمان فعكفت ~~عليه الطير والجن والإنس وتغيرت هيئة سليمان فأتى الأمينة لطلب الخاتم ~~فأنكرته فعلم أن الخطيئة قد أدركته فكان يدور على البيوت يتكفف، وإذا ~~قال: أنا سليمان حثوا عليه التراب وسبوه، وأخذ ينقل السمك ~~للسماكين فيعطونه كل يوم سمكتين فمكث على هذه الحالة أربعين يوما عدد ~~ما عبد الوثن في بيته فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم الشيطان وسأل آصف ~~نساء سليمان فقلن: ما يدع امرأة (منا) في دمها ولا تغتسل من جنابة، ~~وقيل: (بل) نفذ حكمه في كل شيء إلا فيهن، ثم طار الشيطان وقذف الخاتم في ~~البحر فابتلعته سمكة، ووقعت السمكة في يد سليمان فبقر بطنها فإذا هو ~~بالخاتم فتختم به ووقع ساجدا لله تعالى ورجع إليه ملكه وأخذ ذلك الشيطان ~~فحبسه في صخرة ألقاها في البحر. # وقيل: إن تلك المرأة لما أقدمت على عبادة تلك الصورة افتتن سليمان فكان ~~يسقط الخاتم من يده ولا يتماسك فيها فقال له آصف إنك لمفتون بذنبك فتب ~~إلى الله تعالى. # وقيل: إن سليمان قال لبعض الشياطين: كيف تفتنون الناس، فقال: أرني ~~خاتمك أخبرك، فلما أعطاه إياه نبذه في البحر، وذهب ملكه وقعد هذا ~~الشيطان على كرسيه ثم ذكر الحكاية إلى آخرها فقالوا: المراد من قوله: { ~~ولقد فتنا سليمان } أن الله تعالى ابتلاه، وقوله: { ~~وألقينا على كرسيه جسدا } عقوبة له. قال ابن الخطيب: ~~واستبعد أهل ms7445 التحقيق هذا الكلام من وجوه: # الأول: أن الشيطان لو قدر على أن يتشبه في الصورة والخلقة بالأنبياء ~~فحينئذ لا يبقى اعتماد على شيء من ذلك فلعل هؤلاء الذين رآهم الناس على ~~صورة محمد وعيسى وموسى - عليهم (الصلاة و) السلام - ما كانوا أولئك بل ~~كانوا شياطين تشبهوا بهم في الصورة لأجل الإغواء والإضلال. وذلك يبطل ~~الدين بالكلية. # الثاني: أن الشيطان لو قدر أن يعامل نبي الله سليمان بمثل هذه المعاملة ~~لوجب أن يقدر على مثلها مع جميع العلماء والزهاد وحينئذ يجب أن يقلتهم ~~ويمزق تصانيفهم، ويخرب ديارهم، ولما بطل ذلك في حق آحاد ~~العلماء فلأن يبطل في حق أكابر الأنبياء أولى. # الثالث: كيف يليق بحكمة الله وإحسانه أن يسلط الشيطان على أزواج سليمان؟ ~~(ولا شك أنه قبيح. # الرابع: لو قلنا: إن سليمان أذن لتلك المرأة في عبادت(ها) تلك الصورة ~~فهذا كفر منه) وإن لم يأذن فيه البتة فالذنب على تلك المرأة فكيف يؤاخذ ~~الله سليمان بفعل لم يصدر منه؟ # وأما أهل التحقيق فذكروا وجوها: # الأول: أن فتنة سليمان أنه ولد له ابن فقال الشيطان إن عاش صار ~~ملكا مثل أبيه فسبيلنا أن نقتله فعلم سليمان ذلك فكان يربيه في السحاب ~~فبينما هو يشتغل بمهماته إذ لقي ذلك (الولد) ميتا على كرسيه فتنبه على ~~خطيئته في أنه لم يثق ويتوكل على الله فاستغفر ربه وتاب. # الثاني: روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " قال سليمان لأطوفن الليلة على سبعين امرأة ~~كل امرأة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله ولم ~~يقل إن شاء الله تعالى فطاف عليهن فلم تحمل إلا ~~امرأة واحدة جاءت بشق رجل والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله ~~تعالى لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعين " # فذلك قوله تعالى: { ولقد فتنا سليمان وألقينا ~~على كرسيه جسدا } وذلك لشدة المرض. والعرب تقول في الضعيف: " ~~إنه لحم على وضم وجسم بلا روح ". " ثم أناب " أي رجع إلى ~~حال الصحة. فاللفظ يحتمل لهذه الوجوه ولا حاجة إلى حمله على تلك ms7446 الوجوه ~~الركيكة. # الثالث: لا يبعد أيضا أن يقال: إنه ابتلاه الله تعالى بتسليط خوف أو ~~وقوع بلاء توقعه من بعض الجهات حتى صار بسبب قوة ذلك الخوف كالجسد ~~الضعيف الخفي على ذلك الكرسي. ثم إن الله تعالى أزال عنه ذلك الخوف ~~وأعاده إلى ما كان عليه من القوة وطيب القلب. # قوله: " جسدا " فيه وجهان: # أظهرهما: أنه مفعول به لألقينا. # والثاني: أنه حال، وصاحبها إما سليمان لأنه يروى أنه مرض حتى ~~صار كالجسد الذي لا روح فيه، وإما ولده، قالهما أبو البقاء ولكن " ~~جسد " جامد فلا بد من تأويله بمشتق أي ضعيفا أو فارغا. # قوله: { قال رب اغفر لي } تمسك به من حمل الكلام المتقدم ~~على صدور الزلة لأنه لو لا تقدم الذنب لما طلب المغفرة ويمكن أن ~~يجاب: بأن الإنسان لا ينفك عن ترك الأفضل والأولى وحينئذ يحتاج إلى طلب ~~المغفرة لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين ولأنه أبدا في مقام هضم ~~النفس وإظهار الذلة والخضوع كما قال - عليه (الصلاة و) السلام -: # " إني لأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين ~~مرة " # مع أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. # قوله: { وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي } دلت ~~هذه الآية على أنه يجب تقديم مهم الدين على مهم الدينا لأن سليمان ~~طلب المغفرة أولا ثم طلب المملكة بعده، ثم دلت الآية أيضا على أن طلب ~~المغفرة من الله تعالى سبب لافتتاح أبواب الخيرات في الدنيا لأن سليمان ~~طلب المغفرة أولا، ثم توسل به إلى طلب المملكة ونوح - عليه (الصلاة و) ~~السلام - قال: # فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل ~~السمآء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين # [نوح10-12] وقال لمحمد عليه (الصلاة و) السلام: # وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك ~~رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى # [طه:132]. # فإن قيل: قول سليمان - عليه (الصلاة و) السلام -: { وهب لي ملكا ~~لا ينبغي لأحد من بعدي } مشعر بالحسد. # فالجواب: أن القائلين بأن الشيطان استولى على مملكته قالوا معناه هو: أن ~~يعطيه الله ملكا لا ms7447 يقدر الشيطان على أن يقوم فيه مقامه ألبتة، وأما ~~المنكرون فأجابوا بوجوه: # الأول: أن الملك هو القدرة فكان المراد أقدرني على { } أشياء لا ~~يقدر عليها غيري ألبتة ليصير اقتداري عليها معجزة تدل على صحة نبوتي ~~ورسالتي ويدل على صحة هذا قوله تعالى عقيبه: { فسخرنا له ~~الريح تجري بأمره رخآء حيث أصاب } فكون الريح جارية ~~بأمره قدرة عجيبة وملك دال على صحة نبوته لا يقدر أحد على معارضته. # الثاني: أنه - عليه (الصلاة و) السلام - لما مرض ثم عاد إلى الصحة عرف ~~أن خيرات الدنيا صائرة إلى التغيرات فسأل ربه ملكا لا يمكن أن ينتقل ~~عني إلى غيري. # الثالث: أن الاحتراز عن طيبات الدنيا مع القدرة عليها أشق من الاحتراز ~~عنها حال عدم القدرة فكأنه قال: يا إلهي أعطني مملكة فائقة على ~~ممالك البشر بالكلية حتى أحترز عنها مع القدرة عليها ليصير (ثوابي) ~~أكمل وأفضل. # الرابع: سأل ذلك ليكون علما على قبول توبته حيث أجاب الله دعاءه ورد ~~عليه ملكه وزاده فيه. # قوله: { فسخرنا له الريح تجري بأمره رخآء } ~~لينة أي رخوة لينة، وهي من الرخاوة والريح إذا كانت لينة لا تزعزع ~~(ولا تمتنع عليه إذا كانت طيبة). # فإن قيل: قد قال في آية أخرى: # ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره # [الأنبياء:81]. # فالجواب: من وجهين: # الأول: لا منافاة بين الآيتين فإن المراد أن تلك الريح كانت في قوة ~~الريح العاصفة إلا أنها لما أمرت بأمره كانت لذيذة طيبة وكانت رخاء. # الثاني: أن تلك الريح كانت لينة مرة وعاصفة أخرى فلا منافاة بين ~~الآيتين. # قوله: " حيث أصاب " ظرف ل " تجري " أو " لسخرنا " و " ~~أصاب " أراد بلغة حمير. # وقيل: بلغة هجر. وحكى الأصمعي عن العرب أنهم يقولون: أصاب الصواب ~~فأخطأ الجواب. # وروي أن رجلين خرجا يقصدان " رؤبة " ليسألاه عن هذا الحرف فقال ~~لهما: أين تصيبان فعرفاها وقالا هذه بغيتنا، وأنشد الثعلبي على ذلك: # 4274-أصاب الجواب فلم يستطع # فأخطا الجواب لدى المفصل # أي أراد الجواب ويقال: " أصاب الله بك خيرا " أي أراد بك. ~~وقيل: الهمزة في ms7448 أصاب للتعدية من (أ) صاب يصوب أي نزل، قال: # 4275-................. # تنزل من جو السماء يصوب # والمفعول محذوف أي أصاب جنوده أي حيث وجههم وجعلهم ~~يصوبون صوب المطر، و " الشياطين " نسق على " الريح " و " كل بناء ~~" بدل من " الشياطين " ، كانوا يبنون له ما شاء من الأبنية. # روي أن سليمان - عليه (الصلاة و) السلام - أمر الجان فبنت له ~~إصطخر، فكانت فيها قرار مملكة النزل قديما، وبنت هل الجان أيضا " ~~تدمر " وبيت المقدس وباب جبرون وباب البريد الذين بدمشق على أحد ~~الأقوال، وبنوا له ثلاثة قصور باليمن غدان وشالخين ويبنون ومدينة صنعاء. ~~قوله: " وغواص " نسق على " بناء " أي يغوصون له فيستخرجون اللؤلؤ. وأتى ~~بصيغة المبالغة لأنه في معرض الامتنان. # قوله: { وآخرين } عطف على " كل " فهو داخل في حكم البدل وتقدم ~~شرح { مقرنين في الأصفاد } آخر سورة إبراهيم. # فصل # قال ابن الخطيب: دلت هذه الآيات على أن الشياطين لها قولة عظيمة قدروا ~~بها على بناء تلك الأبنية العظيمة التي لا يقدر عليها البشر، وقدروا ~~على الغوص في البحار واستخراج الآلىء وقيدهم سليمان - عليه (الصلاة و) ~~السلام -. ولقائل أن يقول: هذه الشياطين إما أن تكون أجسادهم كثيفة أو ~~لطيفة؛ فإن كانت كثيفة وجب أن يراهم من كان شديد الحاسة؛ إذ لو جاز أن ~~لا نراهم مع كثافة أجسادهم فليجز أن تكون بحضرتنا جبال عالية وأصوات ~~هائلة ولا نراها ولا نسمعها وذلك دخول في السفسطة وإن كانت أجسادهم ~~لطيفة فمثل هذا يمتنع أن يكون موصوفا بالقوة الشديدة، ويلزم أيضا أن ~~تتفرق أجسادهم وأن تتمزق بالرياح العاصفة القوية وأن يموتوا (في ~~الحال) وذلك يمنع وصفهم بالقوة وأيضا فالجن والشياطين وإن كانوا ~~موصوفين بهذه القوة والشدة فلم لا يقتلون العلماء والزهاد في ~~زماننا هذا ولم لا يخربون ديار الناس مع أن المسلمين يبالغون في ~~إظهار لعنتهم وعداوتهم وحيث لم يحس بشيء من ذلك علمنا أن ~~القول بإثبات الجن ضعيف. # قال ابن الخطيب: واعلم أن أصحابنا يجوزون أن تكون أجسادهم كثيفة مع أنا ~~لا نراهم وأيضا لا يبعد أن تكون ms7449 أجسادهم لطيفة بمعنى عدم الكون ولكنها ~~صلبة بمعنى أنها لا تقبل التفرق. وأما الجبائي فقد سلم أنها كانت ~~كثيفة الأجسام، وزعم أن الناس كانوا يشاهدونهم في زمن سليمان - ~~عليه (الصلاة و) السلام - ثم إنه لما توفي سليمان - عليه (الصلاة و ) ~~السلام - أمات الله أولئك الجن والشياطين وخلق أنواعا أخر من الجن ~~والشياطين تكون أجسادهم في غاية الرقة، ولا يكون لهم شيء من القوة، ~~والموجود في زماننا من الجن والشياطين ليس إلا من هذا الجنس - والله أعلم ~~-. # قوله: " هذا عطاؤنا " أي قلنا له: هذا عطاؤنا فامنن أو ~~أمسك، قال ابن عباس: أعط من شئت وامنع من شئت. # قوله: " بغير حساب " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه متعلق " بعطاؤنا " أي أعطيناك بغير حساب ولا تقدير. ~~وهو دلالة على كثرة الإعطاء. # الثاني: أنه حال من: " عطاؤنا " أي في حال كونه غير محاسب ~~عليه لأن جم كثير يعسر على الحساب ضبطه. # الثالث: أنه متعلق " بامنن " أو " أمسك " ، ويجوز أن يكون حالا ~~من فاعلهما أي غير محاسب عليه. # فصل # قال المفسرون: معناه لا حرج عليك فيما أعطيت وفيما (أ) مسكت، قال ~~الحسن: ما أنعم الله على أحد نعمة إلا عليه تبعة إلا سليمان، فإنه (إن) ~~أعطى أجر وإن لم يعط لم يكن عليه تبعة. وقال مقاتل: هذا في أمر الشياطين ~~يعني خل من شئت منهم وأمسك من شئت (منهم) في وثاقك لا تبعة عليك ~~فيما تتعطاه. # قوله: { وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب } نسقا على ~~اسم " إن " هو " لزلفى ". وقرأ الحسن وابن أبي عبلة برفعه ~~على الابتداء، وخبره مضمر، لدلالة ما تقدم عليه، ويقفان على (لزلفى) ~~ويبتدئان ب " حسن مآب "؛ أي وحسن مآب له أيضا. ### || [38.41-44] # قوله: (تعالى): { واذكر عبدنآ أيوب } كقوله " (واذكر) ~~عبدنا داود " وفيه الثلاثة الأوجه، و " إذ نادى " بدل منه بدل ~~اشتمال أي بأني، وقوله: " أني " جاء به على حكاية كلامه الذي ناداه ~~بسببه ولو لم يحكه لقال: " إنه مسه " لأن غائب. وقرأ العامة بفتح ~~الهمزة على أنه هو المنادي بهذا اللفظ. وعيسى ms7450 بن عمر بكسرها على ~~إضمار القول أو على إجراء النداء مجراه. # قوله: " بنصب " قرأ العامة بالضم والسكون، فقيل: هو جمع نصب ~~بفتحتين، نحو: (وثن) ووثن وأسد وأسد، وقيل: هو لغة في النصب ~~نحو: رشد ورشد وحزن وحزن وعدم وعدم. وأبو جعفر ~~وشيبة وحفص ونافع - في رواية - بضمتين - وهو تثقيل نصب بضمة ~~وسكون، قاله الزمخشري. وفيه بعد لما تقرر أن مقتضى اللغة تخفيف فعل ~~كعنق لا تثقيل فعل كقفل. وفيه خلاف. وقد تقدم في هذا العسر ~~واليسر في البقرة. # وقرأ أبو حيوة ويعقوب وحفص - في رواية - بفتح وسكون وكلها بمعنى واحد ~~وهو التعب والمشقة. # فصل # النصب المشقة والضر. قال قتادة ومقاتل: النصب في الجسد والعذاب في ~~المال. واعلم أن داود وسليمان - عليهما (الصلاة و) السلام - كانا ~~ممن أفاض الله عليهما أصناف الآلاء والنعماء، وأيوب كان ممن خصه ~~الله تعالى بأنواع البلاء. والمقصود من جميع هذه القصص الاعتبار كأن الله ~~تعالى قال: يا محمد اصبر على سفاهة قومك فإنه ما كان في الدنيا أكثر ~~نعمة ومالا وجاها أكثر من داود وسليمان، وما كان أكثر بلاء ولا ~~محنة من أيوب. فتأمل في أحوال هؤلاء لتعرف أن أحوال الدنيا لا تنتظم ~~لأحد وأن العاقل لا بد له من الصبر على المكاره. # فصل # قال بعض الحكماء: الآلام والأسقام الحاصلة في جسمه إنما حصلت بفعل ~~الشيطان، وقيل: إنما حصلت بفعل الله تعالى. والعذاب المضاف في هذه الآية ~~إلى الشيطان هو عذاب الوسوسة وإلقاء الخواطر الفاسدة أما تقرير القول ~~الأول فهو ما روي أن إبليس سأل فيه ربه فقال: هل في عبيدك من لو ~~سلطتني عليه يمتنع مني؟ فقال الله تعالى: نعم عبدي أيوب فجعل يأتيه ~~بوساوسه وهو يرى إبليس عيانا ولا يلتفت إليه فقال: رب إنه قد امتنع ~~علي فسلطني على ماله فكان يجيئه ويقول له: هلك من مالك كذا وكذا ~~فيقول: الله أعطى والله أخذ ثم يحمد الله تعالى فقال: يا رب إن أيوب لا ~~يبالي بماله فسلطني على ولده فجاءه وأخبره به فلم يلتفت ms7451 إليه فقال يا ~~رب إنه لا يبالي بماله وولده فسلطني على جسده فأذن فيه فنفخ في جلد ~~أيوب فحدث أسقام عظيمة وآلام شديدة فيه فمكث في ذلك البلاء سنين حتى ~~استقذره أهل بلده فخرج إلى الصحراء وما كان يقرب منه أحد فجاء ~~الشيطان إلى امرأته، وقال: إن زوجك إن استغاث إلي خلصته من ~~هذا البلاء فذكرت المرأة ذلك لزوجها فحلف بالله لئن عافاه الله ~~ليجلدها مائة جلده وعند هذه الواقعة قال: { أني مسني ~~الشيطان بنصب وعذاب } فأجاب الله دعاءه وأوحى إليه أن: " ~~اركض برجلك " وأظهر الله تعالى من تحت رجله عينا باردة طيبة ~~فاغتسل منها فأذهب الله عنه كل داء في ظاهره وباطنه، ورد عليه أهله ~~وماله. # وأما القول الثاني أن الشيطان لا قدرة له البتة على إيقاع الناس في ~~الأمراض والأسقام ويدل عليه وجوه: # الأول: أنا لو جوزنا حصول الموت والحياة والصحة والمرض من الشيطان فلعل ~~الواحد منا إنما وجد الحياة بفعل الشيطان ولعل ما عندما من الخيرات ~~والسعادات قد حصل بفعل الشيطان وحينئذ لاسبيل (لنا) إلى معرفة معطي ~~الحياة والموت والصحة والسقم هو الله تعالى أم الشيطان. # الثاني: أن الشيطان لو قدر على ذلك فلم لا يسعى في قتل الأنبياء ~~والأولياء، ولم (لا) يخرب دورهم ولم يقتل أولادهم. # الثالث: أن الله حكى عن الشيطان أنه قال: # وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي # [إبراهيم:22] فصرح بأنه لا قدرة له في حق البشر، إلا إلقاء الوساوس ~~والخواطر الفاسدة فدل ذلك على فساد القول بأن الشيطان هو الذي ألقاه في ~~تلك الأمراض. # فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إن الفاعل لهذه الأحوال هو الله لكن على ~~وفق التماس الشيطان؟ # قلنا: فإذا كان لا بد من الاعتراف بأن خالق تلك الآلام والأسقام هو ~~الله تعالى فأي فائدة في جعل الشيطان واسطة في ذلك بل الحق أن المراد ~~في قوله: { أني مسني الشيطان بنصب وعذاب } أنه سبب ~~إلقاء الوساوس الفاسدة كأن يلقيه في أنواع العذاب، والقائلون بهذا ms7452 القول ~~اختلفوا في أن تلك الوساوس كيف كانت وذكروا وجوها: # الأول: أن علته كانت شديدة الألم ثم طالت تلك العلة واستقذره الناس ~~ونفروا عن مجاورته ولم يبق له مال ألبتة وامرأته كانت تخدم الناس وتحصل ~~قدر القوت، ثم بلغت نفرة الناس عنه إلى أن منعوا امرأته من الدخول ~~عليهم ومن خدمتهم والشيطان كان يذكر(ه) النعم التي كانت، والآفات التي ~~حصلت وكان يحتال في دفع تلك الوساوس، فلما قويت تلك الوساوس في قلبه خاف ~~وتضرع إلى الله تعالى وقال: { مسني الشيطان بنصب وعذاب ~~} لأنه كلما كثرت تلك الخواطر كان تألم قلبه منها أشد. # الثاني: أنه لما طالت مدة المرض جاء الشيطان فكان يقنطه مدة ويزلزله ~~أن يجزع فخاف من خاطر القنوط في قلبه وتضرع إلى الله تعالى وقال: إني ~~مسني الشيطان. # الثالث: روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: # " بقي أيوب في البلاء ثمان عشرة سنة حتى رفضه القريب ~~والبعيد إلا رجلين، ثم قال أحدهما لصاحبه: لقد أذنب أيوب ~~ذنبا ما أتى به أحد من العالمين، ولولاه لما وقع في مثل هذا البلاء ~~فذكروا ذلك لأيوب فقال: لا أدري ما تقولان غير أنني كنت أمر على ~~الرجلين يتنازعان فيذكران الله تعالى فأرجع إلى بيتي فأنفر عنهما كراهية ~~أن يذكر الله تعالى إلا في حق ". # الرابع: قيل: إن امرأته كانت تخدم الناس وتأخذ منهم قدر القوت وتجيء به ~~إلى أيوب فاتفق أنهم ما استخدموها ألبتة وطلب بعض النساء منها قطع إحدى ~~ذؤابتيها على أن تعطيها قدر القوت ففعلت، ثم في اليوم الثاني ~~فعلت مثل ذلك فلم يبق لها ذؤابة وكان أيوب - عليه (الصلاة و) السلام - ~~إذا أراد أن يتحرك على فراشه تعلق بتلك الذؤابة فلما لم يجد الذؤابة ~~وقعت الخواطر الرديئة في قلبه، فعند ذلك قال: { مسني الشيطان ~~بنصب وعذاب }. # الخامس: روي أنه - عليه (الصلاة و) السلام - قال في بعض الأيام: يا رب ~~لقد علمت أني ما اجتمع علي أمران إلا آثرت طاعتك، ولما أعطيتني المال ~~كنت للأرامل قيما، ولابن السبيل ms7453 معينا ولليتامى أبا فنودي: يا أيوب ~~ممن كان ذلك التوفيق؟ فأخذ أيوب التراب ووضعه على رأسه وقال: منك يا رب ~~ثم خاف من الخاطر الأول فقال: مسني الشيطان بنصب وعذاب وذكر ~~احوالا أخر. والله أعلم. # قوله: " اركض برجلك " معناه أنه لما اشتكى مس الشيطان ~~فكأنه سأل ربه أن يزيل عنه تلك البلية فأجابه الله بأن قال: " اركض ~~برجلك ". والركض هو الدفع القوي بالرجل. ومنه ركض الفرس، ~~والتقدير قلنا له اركض برجلك قيل: إنه ضرب برجله تلك الأرض ~~فنبعت عين، فقيل: هذا مغتسل بارد وشراب أي هذا ما تغتسل به فيبرأ ~~ظاهرك وتشرب منه فيبرأ باطنك. وظاهر (هذا) اللفظ يدل على أنه نبعت له ~~عين واحدة من الماء فاغتسل منه، وشرب منه، والمفسرون قالوا: نبعت له ~~عينان فاغتسل من إحداهما وشرب من الأخرى فذهب الداء من ظاهره ~~ومن باطنه بإذن الله تعالى. وقيل: ضرب برجله اليمين فنبعت عين حارة ~~فاغتسل منها ثم باليسرى فنبعت عين باردة فشرب منها. # قوله: { ووهبنا له أهله ومثلهم معهم } قيل: هم ~~عين أهله ودياره " ومثلهم " قيل: غيرهم مثلهم، والأول أولى؛ لأنه الظاهر ~~فلا يجوز العدول عنه من غير ضرورة. ثم اختلفوا فقيل: أزلنا عنهم ~~السقم فأعيدوا أصحاء، وقيل: بل حضروا عنده بعد أن غابوا عنه ~~واجتمعوا بعد أن تفرقوا، وقيل: بل تمكن منهم وتمكنوا منه كما يفعل ~~بالعشرة والخدمة. # قوله: " ومثلهم معهم " الأقرب أنه تعالى (متعه) بصحته ~~وماله وقواه حتى كثر نسله وصاروا أهله ضعف ما كانوا وأضعاف ذلك. وقال ~~الحسن: المراد بهبة الأهل أنه تعالى أحياهم بعد أن هلكوا. # قوله: " رحمة وذكرى " مفعول من أجله وهبناهم له لأجل رحمتنا إياه ~~وليتذكر بحاله أولو الألباب يعني سلطنا عليه البلاء أولا فصبر، ثم ~~أزلنا عنه البلاء وأوصلنا إليه الآلاء والنعماء تنبيها لأولي ~~الألباب عن أن من صبر ظفر. وهو تسلية لمحمد - عليه (الصلاة و) السلام - ~~كما تقدم. قالت المعتزلة: وهذا يدل على أن أفعال الله تعالى معللة ~~بالأغراض والمقاصد لقوله: { رحمة منا وذكرى لأولي ~~الألباب }. # قوله: { وخذ ms7454 بيدك ضغثا } (ضغثا) معطوف على " اركض ". ~~والضغث الحزمة الصغيرة من الحشيش والقضبان، وقيل: الحزمة ~~الكبيرة من القضبان. وفي المثل: " ضغث على إبالة " والإبالة ~~الحزمة من الحطب، قال الشاعر: # 4276- وأسفل مني نهدة قد ربطتها # وألقيت ضغثا من خلى متطيب # وأصل المادة يدل على جمع المختلطات، وقد تقدم هذا في يوسف في قوله: # أضغاث أحلام # [يوسف:44]. # قوله: { فاضرب به ولا تحنث } الحنث الإثم ويطلق على فعل ~~ما حلف على تركه أو ترك ما حلف على فعله لأنهما سببان فيه غالبا. # فصل # هذا الكلام يدل على تقدم يمين منه، وقد روي أنه حلف على أهله، وختلفوا ~~في سبب حلفه عليها، ويبعد ما قيل: إنها رغبة في طاعة الشيطان ويبعد أيضا ~~ما روي أنها قطعت ذوائبها لأن المضطر يباح له ذلك، بل الأقرب أنها ~~خالفته في بعض المهمات، وذلك أنها ذهبت في بعض المهمات فأبطأت فحلف في ~~مرضه ليضربنها مائة إذا برىء، ولما كانت حسنة الخدمة لا جرم حلل ~~الله يمينه بأهون شيء عليه وعليها وهذه الرخصة باقية، لما روي أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أتى برجل ضعيف زنا بأمة فقال: # " خذوا (عثكالا فيه) مائة شمراخ فاضربوه بها ضربة واحدة ". # قوله: { إنا وجدناه صابرا } فإن قيل: كيف وجده صابرا وقد ~~شكا إليه؟ # فالجواب من وجوه: # الأول: أنه شكى مس الشيطان إليه وما شكى إلى أحد. # والثاني: أن الآلام حين كانت على الجسد لم يذكر شيئا فلما عظمت ~~الوساوس خاف على القلب والدين (ف)تضرع. # الثالث: أن الشيطان عدو والشكاية من العدو إلى الحبيب لا تقدح في الصبر. # قوله: { نعم العبد إنه أواب } يدل على أن التشريف ~~بقوله: " نعم العبد " إنما حصل لكونه أوابا. # روي أنه لما نزل قوله تعالى: " نعم العبد " في حق سليمان تارة ~~وفي حق أيوب أخرى عظم في قلوب أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - وقالوا: ~~إن قوله: نعم العبد تشريف عظيم فإن احتجنا إلى تحمل بلاء مثل أيوب لم ~~نقدر عليه فكيف السبيل إلى تحصيله؟ فأنزل الله تعالى قوله: # فنعم ms7455 المولى ونعم النصير # [الحج: 78]. والمراد أنك إن لم تكن نعم العبد فأنا نعم المولى فإن كان ~~منك الفضل فمني الفضل وإن كان منك التقصير فمني الرحمة والتيسير. ### || [38.45-48] # قوله: { واذكر عبادنآ إبراهيم وإسحاق ويعقوب } ~~قرأ ابن كثير: عبدنا بالتوحيد. والباقون عبادنا بالجمع والرسم ~~يحتملهما، فأما قراءة ابن كثير فإبراهيم بدل، أو بيان، أو بإضمار أعني، ~~وما بعده عطف على نفس " عبدنا " لا على: " إبراهيم "؛ إذ يلزم إبدال ~~جمع من مفرد. # ولقائل أن يقول: لما كان المراد بعبدنا الجنس جاز إبدال الجمع منع ~~كقراءة ابن عباس: " وإله أبيك إبراهيم " في البقرة [133] في أحد ~~القولين. وقد تقدم. وأما قراءة الجماعة، فواضحة لأنها موافقة للأول في ~~الجمع. # قال ابن الخطيب: لأن غير إبراهيم من الأنبياء قد أجري عليه هذا الوصف ~~فجاء في حق عيسى: # إن هو إلا عبد أنعمنا عليه # [الزخرف:59] وفي أيوب: # نعم العبد # [ص:44] وفي نوح: # إنه كان عبدا شكورا # [الإسراء:3] والمعنى اصبر يا محمد على ما يقولون واذكر صبر أيوب على ~~البلاء واذكر صبر إبراهيم حين ألقي في النار وصبر إسحاق حين عرض على ~~الذبح وصبر يعقوب حين فقد ولده وذهب بصره. # قوله: " أولي الأيدي " العامة على ثبوت الياء وهو جمع " يد " وهي ~~إما الجارحة وكني بذلك عن الأعمال لأن أكثر الأعمال إنما تزاول ~~باليد، وقيل: المراد بالأيدي - جمع يد - المراد بها النعمة. وقرأ عبد ~~الله والأعمش والحسن وعيسى: الأيد بغير ياء، فقيل: هي الأولى. وإنما ~~حذفت الياء اجتزاء عنها بالكسرة ولأن " أل " تعاقب التنوين والياء ~~تحذف مع التنوين فأجريت مع " أل " إجراؤها معه. وهذا ضعيف جدا. ~~وقيل: الأيد القوة، إلا أن الزمخشري قال: وتفسيره بالأيد من ~~التأييد قلق غير متمكن. انتهى. # وكأنه إنما قلق عنده لعطف " الأبصار " عليه فهو مناسب للأيدي لا ~~للأيد من التأييد. وقد يقال: إنه لا يراد حقيقة الجوارح، إذ كل ~~أحد كذلك إنما المراد الكناية عن العمل الصالح والتفكر ببصيرته، فلم ~~يقلق حينئذ إذ لم يرد حقيقة الأبصار وكأنه قيل أولي القوة والتفكر ~~بالبصيرة، وقد ms7456 نحا الزمخشري إلى شيء من هذا قبل ذلك، قال ابن عباس: ~~أولي القوة في طاعة الله والأبصار في المعرفة بالله أي البصائر في الدين، ~~وقال قتادة ومجاهد أعطوا قوة في العبادة وبصرا في الدين. # قوله: { بخالصة ذكرى الدار } بالإضافة وفيها أوجه: أحدها: أن ~~يكون إضافة خالصة إلى " ذكرى " ، للبيان لأن الخالصة تكون ذكرى وغير ~~ذكرى كما في قوله: # بشهاب قبس # [النمل: 7] لأن الشهاب يكون قبسا وغيره. # الثاني: أن " خالصة " مصدر بمعنى إخلاص فيكون مصدرا مضافا لمفعوله ~~والفاعل محذوف أي بأن أخلصوا ذكرى الدار وتناسوا عندها ذكر(ى) ~~الدنيا، وقد جاء المصدر على فاعله كالعافية، أو يكون المعنى بأن ~~أخلصنا نحن لهم ذكرى الدار. # الثالث: أنها مصدر أيضا بمعنى الخلوص فتكون مضافة لفاعلها أي بأن ~~خلصت لهم ذكرى الدار. وقرأ الباقون بالتنوين وعدم الإضافة وفيها ~~أوجه: # أحدها: أنها مصدر بمعنى الإخلاص فتكون: " ذكرى " منصوبا به، وأن ~~يكون بمعنى الخلوص فيكون " ذكرى " مرفوعا به كما تقدم. # والمصدر يعمل منونا كما يعمل مضافا. أو يكون خالصة اسم فاعل على بابه، ~~" وذكرى " بدل أو بيان لها. أو منصوب بإضمار أعني، أو مرفوع على إضمار ~~مبتدأ. و " الدار " يجوز أن يكون مفعولا به " بذكرى " وأن يكون ظرفا ~~إما على الاتساع، وإما على إسقاط الخافض. ذكرهما أبو البقاء. و " خالصة ~~" إذا كانت صفة فهي صفة لمحذوف أي بسبب خصلة خالصة. # فصل # من قرأ بالإضافة فمعناه أخلصناهم بذكرى الدار الآخرة إن لم يعملوا لها، ~~والذكرى بمعنى الذكر. قال مالك بن دينار: نزعنا من قلوبهم حب الدنيا ~~وذكرها وأخلصناهم بحب الآخرة وذكرها، وقال قتادة: كانوا يدعون إلى ~~الآخرة وإلى الله عز وجل. وقال السدي: أخلصوا الخوف للآخرة، وقيل: ~~أخلصناهم بأفضل ما في الآخرة، قاله ابن زيد. ومن قرأ بالتنوين فمعناه ~~بخلة خالصة وهي ذكرى الدار فتكون " ذكرى الدار " بدلا عن الخالصة أو ~~جعلناهم مخلصين بما اخترنا من ذكر الآخرة. والمراد بذكرى الدار: الذكر ~~الجميل الرفيع لهم في الآخرة. # وقيل: (إنهم) أبقى لهم الذكر الجميل في الدنيا، وقيل: هو دعاؤهم ms7457 # واجعل لي لسان صدق في الآخرين # [الشعراء:84]. # قوله: { وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار } أي ~~المختارين من أبناء جنسيهم، والأخيار: جمع خير أو خير- بالتثقيل ~~والتخفيف - كأموات في جميع ميت أوميت. واحتج العلماء بهذه الآية ~~على إثبات عصمة الأنبياء لأنه تعالى حكم عليهم بكونهم أخيارا على ~~الإطلاق وهذا يعم حصلو الخيرية في جميع الأفعال ولاصفات بدليل صحة ~~الاستثناء منه. # قوله تعالى: { واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل ~~وكل من الأخيار } وهم (قوم) آخرون من الأنبياء تحملوا الشدائد ~~في دين الله، وقد تقدم شرح أصحاب هذه الأسماء في سورة " الأنعام ". ### || [38.49-54] # قوله: { هذا ذكر } جملة جيء بها إيذانا بأن القصة قد ~~تمت وأخذ في أخرى وهذا كما فعل الجاحظ في كتبه يقول فهذا باب ثم ~~يشرع في آخر ويدل على ذلك أنه لما أراد أن يعقب بذكر أهل النار ذكر أهل ~~الجنة ثم قال: " هذا وإن للطاغين " وقيل: المراد هذا شرف وذكر ~~جميل لهؤلاء الأنبياء يذكرون أبدا والصحيح الأول. # قوله: { وإن للمتقين لحسن مآب } المآب المرجع، لما ~~حكى سفاهة قريش على النبي - صلى الله عليه وسلم - بقولهم: " ساحر ~~كذاب " وقولهم له استهزاء: { عجل لنا قطنا } ثم أمره بالصبر ~~على سفاهتهم واقتدائه بالأنبياء المذكورين في صبرهم على الشدائد ~~والمكاره بين ههنا أن من أطاع الله كان له من الثواب كذا وكذا وكل من ~~خالفه كان له من العقاب كذا وكذا. وذلك يوجب الصبر على تكاليف الله ~~تعالى. وهذا نظم حسن، وترتيب لطيف. # قوله: " جنات عدن " العامة على نصب " جنات " بدلا من " حسن مآب ~~" سواء كانت " جنات عدن " معرفة أم نكرة لأن المعرفة تبدل من النكرة ~~وبالعكس، ويجوز أن تكون عطف بيان إن كانت نكرة ولا يجوز ذلك فيها إن كانت ~~معرفة. # (وقد جوز الزمخشري ذلك بعد حكمه) واستدلاله على أنها معرفة، وهذا كما ~~تقدم له في مواضع يجيز عطف البيان وإن تخلفا تعريفا وتنكيرا. وقد تقدم ~~هذه في قوله تعالى: # فيه آيات بينات مقام إبراهيم # [آل عمران:97]، ويجوز أن ينتصب " جنات عدن " بإضمار فعل، و ms7458 " ~~مفتحة " حال من " جنات عدن " أو نعت لها إن كانت نكرة. # وقال الزمخشري: حال، والعامل فيها ما في " المتقين " من معنى ~~الفعل. انتهى. # وقد علل أبو البقاء بعلة في " متكئين " تقتضي مع " مفتحة " أن ~~تكون حالا وإن كانت العلة غير صحيحة فقال: ولا يجوز أن تكون - يعني ~~متكئين - حالا من " للمتقين "؛ لأنه قد أخبر عنهم قبل الحال. وهذه العلة ~~موجودة في جعل " مفتحة " حالا من للمتقين كما ذكره الزمخشري إلا ~~أن هذه العلة ليست صحيحة. وهو نظير قولك: " إن لهند (ما) لا قائمة ~~" وأيضا في عبارته تجوز فإن " للمتقين " لم يخبر عنهم صناعة إنما أخبر ~~عنهم معنى وإلا فقد أخبر عن " حسن مآب " بأنه لهم، وجعل الحوفي ~~العامل مقدرا أي يدخلونها مفتحة. # قوله: " الأبواب " في ارتفاعها وجهان: # أشهرهما عند الناس: أنها مرتفعة باسم المفعول كقوله: # وفتحت أبوابها # [الزمر:73]. واعترض على هذا بأن " مفتحة " إما حال، وما نعت " ~~لجنات ". # وعلى التقديرين فلا رابط. وأجيب بوجهين: # أحدهما: قول البصريين وهو أن ثم خبرا مقدرا تقديره الأبواب منها. # والثاني: أن ( " أل " ) قامت مقام الضمير، إذ الأصل أبوابها، وهو قول ~~الكوفيين. وتقدم تحقيق هذا. والوجهان جريان في قوله: # فإن الجنة هي المأوى # [النازعات:41]. # الثاني: أنها مرتفعة على البدل من الضمير في مفتحة العائد على جنات. وهو ~~قول الفارسي. لما رأى خلوها من الرابط لفظا ادعى ذلك. واعترض على هذا ~~بأن هذا من بدل البعض أو الاشتمال وكلاهما لا بد فيهما من ضمير فيضطر ~~إلى تقديره كما تقدم. ورجح بعضهم الأول بأن فيه إضمارا واحدا وفي هذا ~~إضماران وتبعه الزمخشري فقال " والأبواب " بدل من الضمير في " مفتحة " أي ~~مفتحة هي الأبواب كقولك: " ضرب زيد اليد والرجل " وهو من ~~بدل الاشتمال. # فقوله: " بدل الاشتمال " إنما يعني به الأبواب لأن الأبواب قد يقال: ~~إنها ليست بعض الجنات، وأما ضرب زيد اليد والرجل فهو بعض من كل ليس إلا. # وقرأ زيد بن علي وأبو حيوة جنات عدن مفتحة برفعها إما على أنها جملة من ~~مبتدأ وخبر، وإما على ms7459 أن كل واحدة خبر مبتدأ مضمر أي هي جنات هي ~~مفتحة. # قوله: " متكئين " حال من " لهم " العامل فيها مفتحة، وقيل: العامل " ~~يدعون ". (و) تأخر عنها. وقد تقدم منع أبي البقاء أنها حال من " ~~للمتقين " وما فيه، و " يدعون " يجوز أن يكون مستأنفا وأن يكون ~~حالا إما من ضمير " متكئين " وإما حالا ثانية. # فصل # اعلم أنه تعالى وصف أحوال أهل الجنة في هذه الآية بأشياء: # أولها: أحوال مساكنهم جنات عدن وذلك يدل على أمرين: # أحدهما: كونها بساتين. # والثاني: كونها دائمة ليست منقضية، وقوله: { مفتحة لهم ~~الأبواب } قيل: المراد أن الملائكة يفتحو(ن) لهم أبواب الجنة ~~ويحيونهم بالسلام كما قال تعالى: # حتى إذا جآءوها وفتحت أبوابها وقال لهم ~~خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين # [الزمر:73]. وقيل: الحق أنهم كلما أرادوا انفتاح الأبواب انفتحت لهم ~~وكلما أرادوا انغلاقها انغلقت لهم، وقيل: المراد من هذا الفتح وصف تلك ~~المساكن بالسعة وقرة العيون فيها، وقوله: " متكئين " قد ذكر ~~في آيات أخر كيفية ذلك الاتكاء فقال في آية: # على الأرآئك متكئون # [يس:56] وقال في آخرى: # متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان # [الرحمن:76]، وقوله: " يدعون فيها " في الجنات بألوان الفاكهة ~~وألوان الشراب والتقدير بفاكهة كثيرة وشراب كثير، ولما بين المسكن ~~والمأكول والمشروب ذكر ألأمر المنكوح فقال { وعندهم قاصرات ~~الطرف } أي عن غيرهم وقوله " أتراب " أي على سن واحد، وقيل: ~~بنات ثلاث وستين سنة واحدها ترب. # وعن مجاهد: متواخيات لا يتباغضن ولا يتغايرن، وقيل: أتراب ~~للأزواج، وقال القفال: والسبب في اعتبار هذه الصفة أنهن لما تشابهن ~~في الصفة والسن والجبلة كان الميل إليهن على السوية وذلك يقتضي ~~عدم الغيرة. # قوله: { هذا ما توعدون } قرأ ابن كثير وأبو عمرو: { هذا ما ~~يوعدون } بياء الغيبة وفي (ق) (و) ابن كثير وحده. والباقون بالخطاب ~~فيهما. وجه الغيبة هنا وفي (ق) تقدم ذكر المتقين ووجه الخطاب الالتفات ~~إليهم والإقبال عليهم؛ أي قل للمتقين هذا ما توعدون ليوم الحساب ~~أي في يوم الحساب. { إن هذا لرزقنا ما له من نفاد } أي ~~فناء وانقطاع، وهذا ms7460 إخبار عن دوام هذا الثواب. # قوله: " من نفاد " إما مبتدأ وإما فاعل و " من " مزيدة، والجملة في محل ~~نصب الحال من رزقنا أي غير فان، ويجوز أن يكون خبرا ثانيا. ### || [38.55-64] # قوله: { هذا وإن للطاغين } يجوز أن يكون " هذا " مبتدأ، ~~والخبر مقدر، فقدره الزمخشري: " هذا كما ذكر " وقدره أبو علي للمؤمنين، ~~ويجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمر أي الأمر هذا. # فصل # لما وصف ثواب المؤمنين وصف بعده عقاب الظالمين ليكون الوعيد مذكورا ~~عقيب الوعد والترهيب عقيب الترغيب فقال: { هذا وإن للطاغين ~~لشر مآب } أي مرجع، وهذا في مقابلة قوله: { وإن للمتقين ~~لحسن مآب }. والمراد " بالطاغين ": الكفار، وقال الجبائي: هم أصحاب ~~الكبائر سواء كانوا كفارا أم لا، واحتج الأولون بقوله: { ~~أتخذناهم سخريا }؛ ولأن هذا ذم مطلق فلا يحمل إلا على ~~الكامل في الطغيان وهو الكافر، واحتج الجبائي بقوله تعالى: # إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى # [العلق: 6-7] فدل على أن الوصف بالطغيان قد يحصل لصاحب الكبيرة، لأن كل ~~من تجاوز حد تكاليف الله وتعداها فقد طغى. # قوله: " جهنم " يجوز أن يكون بدلا من " شر مآب " أو منصوبة ~~بإضمار أعني فعل، وقياس قول الزمخشري في: " جنات عدن " أي يكون ~~عطف بيان وأن يكون جهنم منصوبة بفعل يتقدمه على الاشتغال أي يصلون ~~جهنم يصلونها، والمخصوص بالذم محذوف أي " هي ". # قوله: " فبئس المهاد " هو معنى قوله: # لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش # [الأعراف:41] شبه الله تعالى ما تحتهم من النار بالمهاد الذي يفرشه ~~النائم. # قوله: " هذا فليذوقوه " في هذا أوجه: # أحدها: أن يكون مبتدأ وخبره: " حميم وغساق ". وقد تقدم أن اسم ~~الإشارة يكتفي بواحدة في المثنى كقوله: # عوان بين ذلك # [البقرة:68] أو يكون المعنى: هذا جامع بين الوصفين ويكون قوله: " ~~فليذوقوه " جملة اعتراضية. # الثاني: أن يكون " هذا " منصوبا بمقدر على الاشتغال أي ليذوقوا ~~هذا، وشبهه الزمخشري بقوله تعالى: # وإياي فارهبون # [البقرة:40] يعني على الاشتغال والكلام على مثل هذه الفاء قد تقدم. و " ~~حميم " على هذا خبر مبتدأ مضمر، أو مبتدأ وخبره مضمر أي ms7461 منه حميم ~~ومنه غساق كقوله: # 4277- حتى إذا ما أضاء البرق في غلس # وغودر البقل ملوي ومحصود # أي منه ملوي ومنه محصود. # الثالث: أن يكون " هذا " مبتدأ والخبر محذوف أي هذا كما ذكر أو هذا ~~للطاغين. # الرابع: أنه خبر مبتدأ مضمر أي الأمر هذا. ثم استأنف أمرا فقال " ~~فليذوقوه ". # الخامس: أن يكون مبتدأ خبره فليذوقوه وهو رأي الأخفش. ومنه: # 4278- وقائلة خولان فانكح فتاتهم # وتقدم تحقيق هذا عند قوله: # والسارق والسارقة فاقطعوا # [المائدة:38]. وقرأ الأخوان وحفص غساق بتشديد السين هنا وفي # عم يتسآءلون # [النبأ:1] وخففه الباقون فيهما. فأما المثقل فهو صفة كالجبار ~~والضراب مثال مبالغة وذلك أن " فعالا " في الصفات أغلب منه في ~~الاسم. # ومن وروده في الأسماء الكلاء والحبان والفياد لذكر ~~البوم والعقار والخطار. وأما المخفف فهو اسم لا صفة لأن فعالا ~~بالتخفيف في الأسماء كالعذاب والنكال أغلب منه في الصفات على أن ~~منهم من جعله صفة بمعنى " ذو كذا " أي ذي غسق، وقال أبو البقاء ~~أو يكون " فعال " بمعنى فاعل. قال شهاب الدين: وهذا غير معروف. # فصل # قيل: هذا على التقديم والتأخير. والتقدير: هذا حميم وغساق ~~(فليذوقوه، وقيل: التقدير: جهنم يصلونها فبئس المهاد هذا فليذوقوه ~~ثم يبتدىء فيقول: حميم وغساق أي منه حميم وغساق). والغسق ~~السيلان، يقال: غسقت عينه أي سالت، قال المفسرون: إنه ما ~~يسيل من صديدهم، وقيل: غسق أي امتلأ، ومنه غسقت عينه أي امتلأت بالدمع ~~ومنه الغاسق للقمر لامتلائه وكماله. وقيل: الغساق ما قتل ~~ببرده، ومنه قيل: لليل: غاسق، لأنه أبرد من النهار، (و) قال ابن ~~عباس: هو الزمهرير يحرقهم ببرده كما تحرقهم النار بحرها. وقال ~~مجاهد وقتادة: هو الذي انتهى برده، وقيل: الغسق شدة الظلمة ومنه قيل ~~لليل غاسق، ويقال للقمر غاسق إذا كسف لا سوداده، والقولان ~~منقولان في تفسير قوله تعالى: # ومن شر غاسق # [الفلق:2]. وقيل: الغساق: المنتن بلغة الترك وحكى الزجاج: " لو قطرت ~~منه قطرة بالمغرب لأنتنت أهل المشرق ". وقال ابن عمر: هو القيح ~~الذي يسيل منهم يجتمع فيسقونه، قال قتادة: هو ما يغسق ms7462 أي يسيل ~~من القيح والصديد من جلود أهل النار ولحومهم وفروج الزناة من قولهم: ~~غسقت عينه إذا انصبت والغسقان الانصباب، قال كعب: ~~الغساق عين في جهنم يسيل إليهم كل ذوات حية وعقرب. # قوله: " وآخر " قرأ أبو عمرو بضم الهمزة على أنه جمع وارتفاعه من ~~أوجه: # أحدها: أنه مبتدأ و " من شكله " خبره، و " أزواج " فاعل به. # الثاني: أن يكون مبتدأ أيضا و " من شكله " خبر مقدم، و " أزواج " ~~مبتدأ. والجملة خبره، وعلى هذين القولين فيقال: كيف يصح من غير ضمير ~~يعود على " آخر " فإن الضمير في " شكله " يعود على ما تقدم أي من شكل ~~المذوق؟ والجواب أن الضمير عائد على المبتدأ وإنما أفرد وذكر لأن المعنى ~~من شكل ما ذكرنا. ذكر هذا التأويل أبو البقاء. وقد منع مكي ذلك ~~لأجل الخلو من الضمير. وجوابه ما ذكرنا. # الثالث: أن يكون " من شكله " نعتا " لآخر " و " أزواج " خبر ~~المبتدأ أي و " آخر من شكله المذوق أزواج ". # الرابع: أن يكون " من شكله " نعتا أيضا، و " أزواج " فاعل به ~~والضمير عائد على " آخر " بالتأويل المتقدم وعلى هذا فيرتفع " آخر " على ~~الابتداء، والخبر مقدر أي ولهم أنواع أخر استقر من شكلها أزواج. # الخامس: أن يكون الخبر مقدرا كما تقدم أي ولهم آخر و " من شكله " ~~و " أزواج " صفتان لآخر، وقرأ العامة " من شكله " بفتح الشين، وقرأ ~~مجاهد بكسرها. وهما لغتان بمعنى المثل والضرب. تقوله: هذا على ~~شكله أي مثله وضربه وأما الشكل بمعنى الغنج فبالكسر لا غير. قاله ~~الزمخشري. وقرأ الباقون وآخر بفتح الهمزة وبعدها ألف بصيغة أفعل ~~التفضيل والإعراب فيه كما تقدم، والضمير في أحد الأوجه يعود عليه من غير ~~تأويل لأنه مفرد إلا أن في أحد الأوجه يلزم الإخبار عن المفرد بالجمع أو ~~وصف المفرد بالجمع لأن من جملة الأوجه المتقدمة أن يكون " أزواج " خبرا ~~عن " آخر " أو نعت له كما تقدم. وعنه جوابان: # أحدهما: أن التقدير وعذاب آخر أو مذوق آخر، وهو ضروب ودرجات فكان في قوة ~~الجمع أو يجعل كل جزء ms7463 من ذلك الآخر مثل الكل وسماه باسمه وهو شائع كثير ~~نحو غليظ الحواجب وشابت مفارقه. # على أن لقائل أن يقول: إن " أزواجا " صفة للثلاثة الأشياء المتقدمة ~~أعني الحميم والغساق وآخر من شكله فيلغي السؤال. # قوله: { هذا فوج مقتحم معكم } مفعول " مقتحم " محذوف ~~أي مقتحم النار، والاقتحام الدخول في الشيء بشدة والقحمة الشدة. ~~وقال الراغب: الاقتحام توسط شدة مخيفة ومنه قحم الفرس فارسه أي توغل ~~به ما يخاف منه، والمقاحيم الذين يقتحمون في الأمر الذي يتجنب. # قوله: " معكم " يجوز أن يكون نعتا ثانيا " لفوج " وأن يكون ~~حالا منه لأنه قد وصف وأن يكون حالا من الضمير المستتر في " مقتحم ~~". قال أبو البقاء: ولا يجوز أن يكون طرفا لفساد المعنى، قال شهاب ~~الدين: ولم أدر من أي وجه يفسد والحالية والصفة في المعنى كالظرفية، ~~وقوله: " هذا فوج " إلى " النار " يجوز أن يكون من كلام الرؤساء ~~بعضهم لبعض بدليل قول الأتباع " لا مرحبا بكم أنتم ~~قدمتموه لنا " وأن يكون من كلام الخزنة، ويجوز أن يكون " ~~هذا فوج " من كلام الملائكة والباقي من كلام الرؤساء. وكان القياس ~~على هذا أن يقال: بل هم لا مرحبا بهم لا يقولون للملائكة ذلك إلا ~~أنهم عدلوا عن خطاب الملائكة إلى خطاب أعدائهم تشفيا منهم. والمعنى هنا ~~جمع كثيف وقد اقتحم معكم النار كما كانوا قد اقتحموا معكم في الجهل ~~والضلال، والفوج القطيع من الناس وجمعه أفواج. # (قوله): " لا مرحبا " في " مرحبا " وجهان: # أظهرهما: أنه مفعول بفعل مقدر أي لا أتيتم مرحبا (أو لا سمعتم مرحبا. # والثاني: أنه منصوب على المصدر. قاله أبو البقاء أي لا رحبتكم ~~داركم مرحبا) بل ضيقا، ثم في الجملة المنفية وجهان: # أحدهما: أنها مستأنفة سيقت للدعاء عليهم، وقوله: " بهم " بيان ~~للمدعو عليهم. # والثاني: أنها حالية، وقد يعترض عليه بأنه دعاء والدعاء طلب (والطلب) لا ~~يقع حالا والجواب أنه على إضمار القول أي مقولا لهم لا مرحبا. قال ~~المفسرون قوله تعالى: { لا مرحبا بهم } دعاء منهم على أتباعهم ~~يقول الرجل لمن يدعو له: مرحبا ms7464 أي أتيت رحبا من البلاد لا ضيقا أو ~~رحبت بلادك رحبا، ثم تدخل عليه كلمة " لا " في دعاء النفي. # قوله: { إنهم صالو النار } تعليل لاستجابة الدعاء عليهم. ~~ونظير هذه الآية قوله: # كلما دخلت أمة لعنت أختها # [الأعراف: 38] " قالوا " أي الأتباع { بل أنتم لا مرحبا ~~بكم } يريدون أن الدعاء الذي دعوتم به علينا أيها الرؤساء أنتم أحق به ~~وعللوا ذلك بقولهم: " أنتم قدمتموه لنا " والضمير للعذاب أو ~~للضلال. # فإن قيل: ما معنى تقديمهم العذاب لهم؟ # فالجواب: الذي أوجب التقديم عو عمل السوء كقوله تعالى: # ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق ذلك بما ~~قدمت يداك # [الحج:9،10] إلا أن الرؤساء لما كانوا هم السبب فيه بإغوائهم وكان ~~العذاب جزاءهم عليه قيل: أنتم قدمتموه لنا، وقوله: " فبئس القرار " أي ~~بئس المستقر والمستكن جهنم. # قوله: " من قدم " يجوز أن تكون " من " شرطية و( " ف)زده " ~~جوابها، وأن تكون استفهامية وقدم خبرها أي (أن) أي شخص قم لنا هذا؟ ثم ~~استأنفوا دعاء، بقوله: " فزده " وأن تكون موصولة بمعنى الذي وحينئذ ~~يجوز فيها وجهان: الرفع بالابتداء والخبر " فزده " والفاء زائدة ~~تشبيها له بالشرط، والثاني: أنها منصوبة بفعل مقدر على الاشتغال والكلام ~~في مثل هذه الفاء (قد) تقدم. # وهذا الوجه يجوز عند بعضهم حال كونها شرطية أو استفهامية أعني الاشتغال ~~إلا أنه لا يقدر الفعل إلا بعدها لأن لها صدر الكلام و " ضعفا " نعت ~~لعذاب أي مضاعفا. # قوله: " في النار " يجوز أن تكون ظرفا " لزده " أو نعتا " ~~لعذاب " أو حالا منه لتخصيصه أو حالا من مفعول " زده ". # قوله: " قالوا " يعني الأتباع { ربنا من قدم لنا هذا } ~~أي شرعه وسنه لنا فزده عذابا ضعفا أي مضاعفا " في النار " ~~ونظيره قوله تعالى: # ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا (ضعفا) من ~~النار # [الأعراف: 38] وقولهم # إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا السبيلا ~~ربنآ آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا ~~كبيرا # [الأحزاب: 67-68]. # فإن قيل: كل مقدار يفرض من العذاب فإن كان بقدر الاستحقاق لم يكن ~~مضاعفا وإن كان زائدا عليه كان ظلما وإنه لا يجوز. # فالجواب: ms7465 المراد منه قوله - صلى الله عليه وسلم - # " من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل ~~بها إلى يوم القيامة " # والمعنى أنه يكون أحد القسمين عذاب الضلال، والثاني عذاب ~~الإضلال، والله أعلم. # وهذا آخر شرح أحوال الكفار مع الذين كانوا أحبابا لهم في الدنيا، وأما ~~شرح أحوالهم مع الذين كانوا أعداء لهم في الدنيا فهو قوله: { وقالوا ~~ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار } ~~أي أن صناديد قريش قالوا، وهم في النار: { ما لنا لا نرى رجالا ~~كنا نعدهم من الأشرار } في الدنيا يعنون فقراء المؤمنين ~~عمارا وخبابا وصهيبا وبلالا وسلمان وسموهم أشرارا إما بمعنى الأرذال ~~الذين لا خير فيهم ولا جدوى أو لأنهم كانوا على خلاف دينهم فكانوا عندهم ~~أشرارا. # قوله: " أتخذناهم سخريا " قرأ الأخوان وأبو عمرو بوصل ~~الهمزة، وهي تحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون خبرا محضا، وتكون الجملة في محل نصب صفة ثانية " ~~لرجالا " كما وقع " كنا نعدهم " صفة وأن يكون المراد الاستفهام ~~وحذفت أداته لدلالة " أم " عليها كقوله: # 4279- تروح من الحي أم تبتكر # وماذا عليك بأن تنتظر # " فأم " متصلة على هذا، وعلى الأول منقطعة، بمعنى " بل " والهمزة لأنها ~~لم يتقدمها همزة استفهام ولا تسوية، والباقون بهمزة استفهام سقطت لأجلها ~~همزة الوصل، والظاهر أنه لا محل للجملة حينئذ لأنه طلبية، وجوز بعضهم أن ~~تكون صفة لكن على إضمار القول أي رجالا مقولا فيهم أتخذناهم كقوله: # 4280-........................ # جاؤوا بمذق هل رأيت الذئب قط # إلا أن الصفة في الحقيقة ذلك القول المضمر، وقد تقدم الخلاف في " ~~سخريا " في " قد أفلح المؤمنون " والمشهور أن المكسور ~~من الهزء كقوله: # 4281- إني أتاني لسان لا أسر بها # من علو لا كذب فيها ولا سخر # وتقدم معنى لحاق الياء المشددة في ذلك، و " أم " مع الخبر منقطعة فقط ~~كما تقدم ومع الاستفهام يجوز أن تكون متصلة، وأن تكون منقطعة كقولك: ~~(أ) زيد عندك أم عندك عمرو، ويجوز أن يكون " أم ~~زاغت " متصلا بقوله: " ما لنا "؛ لأنه استفهام إلا أنه يتعين ~~انقطاعها لعدم الهمزة ويكون ms7466 ما بينهما معترضا على قراءة " ~~أتخذناهم " بالاستفهام إن لم تجعله صفة على إضمار القول كما ~~تقدم. قال أهل المعاني: قراءة الأخوين أولى لأنهم علموا أنهم اتخذوهم ~~سخريا لقوله تعالى: { فاتخذتموهم سخريا حتى ~~أنسوكم ذكري } فلا يستقيم الاستفهام. وتكون " أم " على هذه ~~القراءة بمعنى " بل " وأجاب الفراء عن هذا بأن قال: هذا من الاستفهام ~~الذي معناه التعجب والتوبيخ. # ومثل هذا الاستفهام جائز عن الشيء المعلوم ومن فتح الألف قال هو على ~~اللفظ لا على المعنى ليعادل " أم " في قوله " أم زاغت ". # فإن قيل: فما الجملة المعادلة بقوله: " أم زاغت " على القراءة الأولى؟ # فالجواب: أنها محذوفة، والتقدير: أم زاغت عنهم الأبصار. ~~وقرأ نافع سخريا - بضم السين - والباقون بكسرها. فقيل: هما بمعنى، ~~وقيل: الكسر بمعنى الهزء، وبالضم التذليل والتسخير وأما نظم الآية على ~~قراءة الإخبار فالتقدير: ما لنا نراهم حاضرين لأجل أنهم ~~لحقارتهم تركوا لأجل أنهم زاغت عنهم الأبصار، ووقع التعبير عن ~~حقارتهم بقولهم: " أتخذناهم سخريا " وأما على قراءة ~~الاستفهام فالتقدير لأجل أنا قد اتخذناهم سخريا وما كانوا كذلك فلم ~~يدخلوا لأجل أنه زاغت عنهم الأبصار. # فصل # معنى الآية: وما لنا لا نرى هؤلاء الذين اتخذناهم سخريا لم يدخلوا ~~معنا النار أم دخلو(ها) فزاغت أي فمالت عنهم أبصارنا فلم نرهم ~~حتى دخلوا. # وقيل: (أم) هم في النار ولكن احتجبوا عن أبصارنا، وقال ابن كيسان أم ~~كانوا خيرا منا ونحن لا نعلم فكان أبصارنا تزيغ عنهم في الدنيا فلا ~~نعدهم شيئا. # قوله: { إن ذلك لحق } أي الذي ذكرت لحق أي لا بد وأن يتكلموا ~~به، ثم بين ذلك الذي حكاه عنهم فقال: { تخاصم أهل النار } ~~العامة على رفع " تخاصم " مضافا " لأهل " وفيه أوجه: # أحدها: أنه بدل من " لحق ". # الثاني: أنه عطف بيان. # الثالث: أنه بدل من " ذلك " على الموضع حكاه مكي وهذا يوافق قول ~~بعض الكوفيين. # الرابع: أنه خبر ثان ل " إن ". # الخامس: أنه خبر مبتدأ مضمر أي هو تخاصم. # السادس: أنه مرفوع بقوله: " لحق " إلا أن أبا البقاء قال: ولو قيل: هو ~~مرفوع ms7467 " بحق " لكان بعيدا لأنه يصير جملة ولا ضمير فيها يعود على اسم " ~~إن " ، وهذا رد صحيح. وقد يجاب عنه بأن الضمير مقدر أن لحق تخاصم ~~أهل النار فيه، كقوله: # ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور # [الشورى:43] أي منه، وقرأ ابن محيصن بتنوين " تخاصم " ورفع " ~~أهل " فرفع " تخاصم " على ما تقدم، وأما رفع " أهل " فعلى الفاعلية ~~بالمصدر المنون كقولك: " يعجبني تخاصم الزيدون " أي (أن) ~~تخاصموا وهذا قول البصريين، وبعض الكوفيين خلا الفراء، ~~وقرأ ابن أبي عبلة تخاصم بالنصب مضافا " لأهل " وفيه أوجه: # أحدها: أنه صفة " لذلك " على اللفظ، قال الزمخشري: لأن أسماء الإشارة ~~توصف بأسماء الأجناس وهذا فيه نظر لأنهم نصوا على أن أسماء الإشارة لا ~~توصف إلا بما فيه أل نحوه: (مررت) بهذا الرجل ولا يجوز: " مررت ~~" بهذا غلام الرجل، فهذا أبعد، ولأن الصحيح أن الواقع بعد اسم الإشارة ~~المقارن " لأل " إن كان مشتقا كان صفة وإلا كان بدلا، و " تخاصم " ليس ~~مشتقا. # الثاني: أنه بدل من " ذلك " الثالث: أنه عطف بيان. # الرابع: على إضمار أعني، وقال أبو الفضل: ولو نصب " تخاصم " ~~على أنه بدل من " ذلك " لجاز انتهى. كأنه لم يطلع عليها قراءة. وقرأ ابن ~~السميقع " تخاصم " فعلا ماضيا " أهل " فاعل به وهي جملة ~~استئنافية، وإنما سمى الله تعالى تلك الكلمات تخاصما لأن قول الرؤساء: " ~~لا مرحبا بهم " وقول الأتباع " بل أنتم لا مرحبا بكم " من باب ~~الخصومة. ### || [38.65-68] # قوله: { قل إنمآ أنا منذر } لما شرح الله نعيم أهل ~~الثواب وعقاب أهل العقاب عاد إلى تقرير التوحيد والنبوة والبعث ~~المذكورين أول السورة فقال: قل يا محمد إنما أنا منذر مخوف ولا بد ~~من الإقرار بأنه ما من إله إلا الله الواحد القهار فكونه واحدا يدل على ~~عدم التشريك وكونه قهارا مشعر بالترهيب والتخويف ولما ذكر ذلك أردفه بما ~~يدل على الرجاء والترغيب فقال: { رب السماوات والأرض وما ~~بينهما العزيز الغفار } فكونه ربا يشعر بالتربية ~~والإحسان والكرم والجود وكونه غفارا يشعر بأن العبد لو أقدر على المعاصي ~~والذنوب ms7468 فإنه يغفر برحمته. وهذا الموصوف هو الذي (يجب عبادته لأنه هو ~~الذي يخشى عقابه ويرجى ثوابه ويجوز أن يكون) " رب السموات " خبر مبتدأ ~~مضمر، وفيه معنى المدح. # قوله: " هو نبأ " (هو) يعود على القرآن وما فيه من القصص والأخبار، ~~وقيل: على تخاصم أهل النار وقيل: على ما تقدم من إخباره - صلى الله عليه ~~وسلم - بأنه نذير مبين وبأن الله إله واحد متصف بتلك الصفات ~~الحسنى و { أنتم عنه معرضون } صفة " لنبأ " ، أو مستأنفة، ~~قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: المراد بالنبأ العظيم القرآن، وقيل: القيامة ~~لقوله: # عم يتسآءلون عن النبإ العظيم # [النبأ: 1و 2]. # قال ابن الخطيب: هذا النبأ العظيم يحتمل وجوها: فيمكن أن يكون المراد ~~به القول بأن " الإله " واحد، وأن يكون المراد القول بإثبات الحشر ~~والقيامة نبأ عظيم ويمكن أن يكون المراد (كون) القرآن معجزا لتقدم ذكره ~~في قوله: # كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته # [ص:29]، وهؤلاء الأقوام أعراضوا عنه. قوله: # ما كان لي من علم بالملإ الأعلى # [ص:69] يعني الملائكة فقوله: # " بالملإ الأعلى " متعلق بقوله: " من علم " وضمن معنى الإحاطة ~~فلذلك تعدي بالباء. و (قد) تقدم تحقيقه. ### || [38.69-85] # قوله: " إذ يختصمون " فيه وجهان: # أحدهما: هو منصوب بالمصدر أيضا. # والثاني: بمضاف مقدر أي بكلام الملأ الأعلى إذ؛ قال الزمخشري، ~~والضمير في " يختصمون " للملأ الأعلى هذا هو الظاهر، وقيل: ~~لقريش أي يختصمون في الملأ الأعلى فبعضهم يقول: بنات الله، وبعضهم ~~يقول غير ذلك فالتقدير إذ يختصمون فيهم؛ (يعني) في شأن آدم، قال الله ~~تعالى: # إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من ~~يفسد فيها # [البقرة:30]. # فإن قيل: الملائكة لا يجوز أن يقال: إنهم اختصموا بسبب قولهم: أتجعل ~~فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، والمخاصمة مع الله كفر. # فالجواب: لا شك أنه جرى هناك سؤال وجواب وذلك يشبه المخاصمة والمناظرة ~~والمشابهة علة لجواز المجاز فلهذا السبب حسن إطلاق لفظ المخاصمة عليه، ~~ولما أمر الله تعالى محمدا - صلى الله عليه وسلم - أن يذكر هذا الكلام ~~على سبيل الرمز أمره أن يقول: { إن ms7469 يوحى إلي إلا أنمآ ~~أنا نذير مبين } يعني أنا ما عرفت هذه المخاصمة إلا بالوحي. # قوله: { إلا أنمآ أنا } العامة على فتح همزة " أنما " وفيها ~~وجهان: # أحدهما: أنها مع ما في خبرها في محل رفع لقيامها مقام الفاعل أي ما يوحى ~~إلي (إلا) الإنذار أو إلا كوني نذيرا مبينا. # والثاني: أنها في محل نصب أو جر بعد إسقاط لام العلة والقائمة مقام ~~الفاعل على هذا الجار والمجرور أي ما يوحى إلي إلا للإنذار، أو لكوني ~~نذيرا، ويجوز أن يكون القائم مقام الفاعل على هذا ضميرا يدل عليه ~~السياق أي ما يوحى إلي ذلك الشيء إلا للإنذار. وقرأ أبو جعفر ~~بالكسر؛ لأن الوحي قول، قاله البغوي. وهي القائمة مقام الفاعل على سبيل ~~الحكاية كأنه قيل: ما يوحى إلي إلا هذه الجملة المتضمنة لهذا ~~الإخبار، وقال الزمخشري: (على) الحكاية أي إلا هذا القول وهو أن أقول ~~لكم إنما أنا نذير مبين ولا أدعي شيئا آخر. قال أبو حيان: ~~وفي تخريجه تعارض لأنه قال إلا هذا فظاهره الجملة التي هي " إنما أنا ~~نذير مبين " ثم قال: وهو أن أقول لكم إني نذير، فالقائم مقام الفاعل هو ~~أن أقوال لكم وإني وما بعده في موضع نصب. وعلى قوله: " إلا هذا القول ~~" يكون في موضع رفع فتعارضا. # قال شهاب الدين: ولا تعارض البتة لأنه تفسير معنى في التقدير الثاني وفي ~~الأول تفسير إعراب فلا تعارض. # قوله: " إذ قال " يجوز أن يكون بدلا من " إذ " الأولى وأن يكون ~~منصوبا باذكر مقدرا. قال الأول الزمخشري وأطلق، (و) أبو البقاء ~~الثاني وأطلق. وفصل أبو حيان فقال بدل من " إذ يختصمون " هذا إذا ~~كانت الخصومة في شأن من يستخلف في الأرض وعلى غيره من الأقوال يكون ~~منصوبا " باذكر " انتهى. # قال شهاب الدين: وتلك الأقوال أن التخاصم إما بين الملأ الأعلى ~~أو بين قريش وفي ما (إ) ذا كان المخاصمة خلاف. # قوله: " من طين " يجوز أن يتعلق بمحذوف صفة " لبشرا " وأن يتعلق ~~بنفس " خالق ". # فصل # اعلم أن المقصود من ذكر ms7470 هذه القصة المنع من الحسد والكبر؛ لأن إبليس ~~وقع فيما وقع فيه بسبب الحسد والكبر والكفار إنما نازعوا محمدا - صلى ~~الله عليه وسلم - بسبب الحسد والكبر فذكر الله تعالى هذه القصة ههنا ~~ليصير سماعها زاجرا لهم عن هاتين الخصلتين المذمومتين، والمراد ~~بالبشر ههنا: آدم - عليه (الصلاة و) السلام -. # قوله: { فإذا سويته } أتممت خلقه { ونفخت فيه من ~~روحي } فأضاف الروح إلى نفسه وذلك يدل على أنه جوهر شريف علوي قدسي، ~~والفاء في قوله: { فقعوا له ساجدين } يدل على أنه كما تم (نفخ) ~~الروح في الجسد توجه أمر الله عليهم بالسجود. وقد تقدم الكلام في ~~الملائكة المأمورين بالسجود (و) هل هم ملائكة الأرض أو يدخل فيه ملائكة ~~السموات مثل جبريل وميكائيل والروح الأعظم المذكور في قوله: # يوم يقوم الروح والملائكة صفا # [النبأ:38]. وقال بعض الصوفية: الملائكة الذين أمروا بالسجود لآدم هم ~~القوى النباتية والحيوانية والحسية والحركية فإنها في بدن الإنسان ~~خوادم النفس الناطقة، وإبليس الذي لم يسجد هو القوى الوهمية التي هي ~~المنازعة لجوهر العقل. # قوله: " كلهم أجمعون " تأكيدان. وقال الزمخشري " كل " ~~للإحاطة و " أجمعون " للاجتماع، فأفادا معا أنهم سجدوا عن آخرهم ~~ما بقي منهم ملك إلا سجد وأنهم سجدوا جميعا في وقت واحد غير متفرقين. # وقد تقدم الكلام معه في ذلك في سورة الحجر. # قوله: " أن تسجد " قد يستدل به من يرى أن " لا " في " أن لا ~~تسجد " في السورة الأخرى زائدة، حيث سقطت هنا والقصة واحدة. وقوله: " ~~لما خلقت " قد يستدل به من يرى جواز وقوع " ما " على العاقل؛ لأن ~~المراد به آدم، وقيل: لا دليل فيه لأنه كان فخارا غير جسم حساس ~~فأشير إليه في تلك الحالة. وهذا ليس بشيء؛ لأن هذا الخطاب إنما كان بعد ~~نفخ الروح فيه لقوله: { فإذا سويته ونفخت فيه من ~~روحي فقعوا له ساجدين } فلما امتنع من السجود قال: { ما ~~منعك أن تسجد لما خلقت بيدي }. وقيل: ما مصدرية ~~والمصدر غير مراد فيكون واقعا موقع المفعول به أي لمخلوقي. وقرأ ~~الجحدري " لما " بتشديد الميم ms7471 وفتح اللام وهي " لما " الظرفية ~~عند الفارسي، وحرف وجوب لوجوب عند سيبويه. # والمسجود له على هذا غير مذكور؛ أي ما منعك من السجود لما خلقت أي ~~حين خلقت لمن أمرتك بالسجود له. قرىء: " بيدي " بكسر الياء كقراءة ~~حمزة: { بمصرخي } [إبراهيم:22]، وتقدم ما فيها وقرى: بيدي ~~بالإفراد. # قوله: " أستكبرت " قرأ العامة بهمزة الاستفهام، وهو استفهام ~~توبيخ وإنكار، و " أم " متصلة هنا، وهذا قول جمهور النحويين ونقله ~~ابن عطية عن بعض النحويين أنها لا تكون معادلة للألف مع اختلاف الفعلين ~~وإنما تكون معادلة إذا دخلتا على فعل واحد كقولك: أقام زيد أم ~~عمرو، وأزيد قام أم عمرو، وإذا اختلف الفعلان كهذه الآية فليست ~~معادلة. وهذا الذي حكاه عن بعض النحاة مذهب فاسد بل جمهور النحاة على ~~خلافه. قال سيبويه: وتقول: أضربت زيدا أم قتلته، فالبداءة ~~هنا بالفعل أحسن لأنك إنما تسأل عن أحدهما لا تدري أيهما كان، ولا ~~تسأل عن موضع أحدهما كأنك قلت: أي ذلك كان. انتهى، فعادل بها الألف مع ~~اختلاف الفعلين، وقرأ جماعة منهم ابن كثير - وليست مشهورة عنه - ~~استكبرت بألف الوصل؛ فاحتملت وجهين: # أحدهما: أن يكون الاستفهام مرادا يدل عليه " أم " كقوله: # 4282-................. # بسبع رمين الجمر أم بثمان # وقوله: # 4283- تروح من الحي أم تبتكر # ................. # فتتفق القراءتان في المعنى، واحتمل أن يكون خبرا محضا، وعلى هذا " فأم ~~" منقطعة لعدم شرطها. # فصل # المعنى استكبرت الآن أم كنت من المتكبرين أبدا أي من القوم الذين ~~يتكبرون فتكبرت عن السجود لكونك منهم فأجاب إبليس بقوله: { أنا خير ~~منه خلقتني من نار وخلقته من طين } فبين كونه ~~خيرا منه بأن أصله من النار، وأصل آدم من الطين، والنار أشرف من الطين، ~~والدليل على أن النار أفضل من الطين أن الأجرام الفلكية أفضل ~~من الأجرام العنصرية، والنار أقرب العناصر من الفلك والأرض أبعدها ~~عنه، فوجب كون النار أفضل من الأرض وأيضا فالنار خليفة الشمس والقمر ~~في إضاءة العالم عند غيبتهما، والشمس والقمر أشرف من الأرض فخليفتهما في ~~الإضاءة أفضل من الأرض وأيضا فالكيفية الفاعلة الأصلية ms7472 إما الحرارة أو ~~البرودة والحرارة أفضل من البرودة لأن الحرارة تناسب الحياة والبرودة ~~تناسب الموت، وأيضا فالنار لطيفة، والأرض كثيفة، واللطافة أشرف من ~~الكثافة وأيضا فالنار مشرقة والأرض مظلمة، والنور خير من الظلمة، وأيضا ~~فالنار خفيفة تشبه الروح، والأرض كثيفة تشبه الجسد، والروح أفضل من الجسد ~~فالنار أفضل من الأرض، وذهب آخرون إلى تفضيل الأرض على النار، وقالوا: إن ~~الأرض أمين مصلح فإذا أودعته حبة ردها إليك شجرة مثمرة، ~~والنار خائن مفسد كل ما سلمته إليه وأيضا فالنار بمنزلة الخادم ~~لما في الأرض إن احتيج إليها استدعيت استدعاء الخادم وإن استغني ~~عنها طردت وأيضا والأرض مستولية على النار فإنها تطفىء النار وأيضا فإن ~~استدلال إبليس بكون أصله خيرا من أصله فهو استدلال فاسد لأن أصل الرماد ~~وأصل البساتين المزهرة والأشجار المثمرة هو الطين، ومعلوم بالضرورة أن ~~الأشجار المثمرة خير من الرماد وأيضا (هب) أن اعتبار هذه الجهة يوجب ~~الفضيلة إلا ان هذا يمكن أن يعارض بجهة أخرى فوجب الرجحان مثل ~~إنسان نسيب عار عن كل الفضائل فإن نسبه يوجب رجحانه إلا أن ~~من لا يكون نسيبا قد يكون كثير العلم والزهد فيكون أفضل من النسيب ~~بدرجات لا حد لها فكذبت مقدمة إبليس. # فإن قيل: هب أن إبليس أخطأ في هذا القياس لكنه كيف لزمه الكفر في تلك ~~المخالفة؟ وتقرير هذا السؤال من وجوه: # الأول: أن قوله: " اسجدوا " أمر والأمر لا يقتضي الوجوب بل ~~الندب، ومخالفة الندب لا تقضي العصيان فضلا عن الكفر، (وأيضا ~~فالذين يقولون: إن الأمر للوجوب فهم لا ينكرون كونه محتملا للندب ~~احتمالا ظاهرا ومع قيام الاحتمال الظاهر كيف يلزم العصيان فضلا عن ~~الكفر؟!). # الثاني: هب أنها للوجوب إلا أن إبليس ما كان من الملائكة فالأمر ~~(بالسجود) لآدم لا يدخل فيه إبليس. # الثالث: هب أنه تناوله إلا أن تخصيص العام بالقياس جائز فجاز أن يخصص ~~نفسه من عموم ذلك الأمر بالقياس. # الرابع: هب أنه لم يسجد مع علمه بأنه كان مأمورا به إلا أن هذا القدر ~~يوجب العصيان ms7473 ولا يوجب الكفر فكيف لزمه الكفر؟!. # فالجواب: هب أن صيغة الأمر لا تدل على الوجوب ولكن يجوز أن ينضم إليها ~~من القرائن ما يدل على الوجوب وههنا حصلت تلك القرائن وهي قوله تعالى: { ~~أستكبرت أم كنت من العالين } ، فلما أتى إبليس بقياسه ~~الفاسد ودل ذلك على أنه إنما ذكر القياس ليتوسل به إلى القدح في أمر ~~الله وتكليفه وذلك يوجب الكفر. وإذا عرفت هذا فنقول: إن إبليس لما ذكر ~~هذا القياس الفاسد قال تعالى: { اخرج منها فإنك رجيم } وقد ~~ثبت في أصول الفقه أن ذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يدل على كون ذلك ~~الحكم معللا بذلك الوصف، وههنا الحكم بكونه رجيما ورد عقيب ما حكى ~~عنه أنه خصص النص بالقياس فهذا يدل على أن تخصيص النص بالقياس يوجب هذا ~~الحكم. # قوله: " منها " أي من الجنة أو من الخلقة لأنه كان حسنا ~~فرجع قبيحا؛ وكان نورانيا فعاد مظلما. وقيل: من ~~السموات. وقال هنا لعنتي وفي غيرها اللعنة، وهما وإن كانا في ~~اللفظ عاما وخاصا إلا أنهما من حيث المعنى عامان بطريق اللازم لأن ~~من كانت عليه لعنة الله كانت عليه لعنة كل أحد لا محالة، وقال ~~تعالى: # أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس ~~أجمعين # [البقرة:161] وباقي الجملة تقدم نظيرها. # قوله: " الرجيم " المرجوم والرجم ههنا عبارة عن الطرد؛ لأن ~~الظاهر أن من طرد فقد يرمى بالحجارة وهو الرجم فلما كان الرجم من ~~لوازم الطرد جعل الرجم كناية عن الطرد. # فإن قيل: الطرد هو اللعن، فلو حملنا قوله: " رجيم " (على الطرد) ~~لكان قوله بعد ذلك: { وإن عليك لعنتي } تكرارا. # فالجواب: من وجهين: # الأول: أنا نحمل الرجم على الطرد من الجنة ومن السموات ونحمل اللعن على ~~الطرد من رحمة الله. # الثاني: أنا نحمل الرجم على الطرد ونحمل قوله: { عليك لعنتي ~~إلى يوم الدين } على أنه الطرد إلى يوم القيامة فيكون على هذا ~~فيه فائدة زائدة ولا يكون تكرارا، وقيل: المراد بالرجم كون الشياطين ~~مرجومين بالشهب. # فإن قيل: كلمة " إلى " لانتهاء الغاية فقوله: { إلى يوم ms7474 الدين ~~} يقتضي انقطاع تلك اللعنة عند مجيء يوم الدين وأجاب الزمخشري بأن ~~اللعنة باقية عليه في الدنيا فإذا جاء يوم القيامة حصل مع اللعنة أنواع ~~من العذاب فتصير اللعنة مع حصرها منفية واعمل أن إبليس لما صار ~~مغلوبا قال: { فأنظرني إلى يوم يبعثون } ، قيل: إنما طلب ~~الإنظار إلى يوم القيامة لأجل أن يتخلص من الموت لأنه إذا أنظر إلى يوم ~~البعث لم يمت قبل يوم البعث وعند مجيء البعث لا يموت فحينئذ يتخلص من ~~الموت فقال تعالى: { فإنك من المنظرين إلى يوم ~~الوقت المعلوم } أي إنك من المنظرين إلى يوم يعلمه الله ولا ~~يعلمه أحد سواه فقال إبليس: " فبعزتك " وهو قسم بعزة الله وسلطانه ~~{ لأغوينهم أجمعين } فههنا أضاف الإغواء إلى نفسه على مذهب ~~القدرية، وقال مرة أخرى: رب بما أغويتني فأضاف الإغواء ~~إلى الله على ما هو مذهب الجبرية. ثم قال: { إلا عبادك ~~منهم المخلصين } قيل: إن غرض إبلس من هذا الاستثناء أن لا يقع ~~في كلامه الكذب لأنه لو لم يذكر هذا الاستثناء او أدعى أنه يغوي الكل ~~لظهر كذبه حين يعجز عن إغواء عباد الله المخلصين وعند هذا يقال: إن الكذب ~~شيء يستنكف منه إبليس فكيف يليق بالمسلم (الإقدام عليه)؟ وهذا يدل على ~~أن إبليس لا يغوي عباد الله المخلصين، وقد قال الله تعالى في صفة ~~يوسف عليه (الصلاة و) السلام -: # إنه من عبادنا المخلصين # [يوسف: 24] فتحصل من مجموع الآيتين أن إبليس ما أغوى يوسف عليه السلام ~~فدل على كذب المانوية فيما نسبوه إلى يوسف - عليه (الصلاة و) السلام ~~- من القبائح. # قوله: { فالحق والحق } قرأهما العامة منصوبيين، وفي نصب الأول ~~أوجه: # أحدها: أنه مقسم به حذف منه حرف القسم فانتصب كقوله: # 4284- فذاك أمانة الله الثريد # وقوله: لأملأن (جهنم) جواب القسم، قال أبو البقاء: إلا أن ~~سيبويه يدفعه لأنه لا يجوز حذف حرف القسم إلا مع اسم الله ويكون ~~قوله: " والحق أقول " معترضا بين القسم وجوابه قال الزمخشري: كأنه ~~قيل: ولا أقول إلا الحق يعني أن تقديم المفعول أفاد ms7475 الحصر. # والمراد بالحق إما الباري تعالى كقوله: # ويعلمون أن الله هو الحق المبين # [النور: 25] وإما نقيض الباطل. # والثاني: أنه منصوب على الإغراء أي الزموا الحق. # والثالث: أنه مصدر مؤكد لمضمون قوله: " لأملأن " ، قال ~~الفراء: هو على معنى قولك: حقا لآتينك، ووجود الألف واللام ~~وطرحهما سواء (أي لأملأن جهنم حقا) انتهى. وهذا لا يتمشى مع قول ~~البصريين، فإن شرط نصب المصدر المؤكد لمضمون الجملة أن يكون بعد جملة ~~ابتدائية جزءاها معرفتان جامدان. وجوز ابن العلج أن يكون الخبر ~~نكرة، وأيضا فإن المصدر المؤكد لا يجوز تقديمه على الجملة المؤكد هو ~~لمضمونها؛ وهذا قد تقدم. # وأما الثاني فمنصوب " بأقول " بعده، والجملة معترضة كما تقدم، وجوز ~~الزمخشري أن يكون منصوبا على التكرير بمعنى (أن) الأول والثاني ~~كليهما منصوبان بأقول وسيأتي إيضاح ذلك في عبارته وقرأ عاصم وحمزة ~~برفع الأول ونصب الثاني، فرفع الأول من أوجه: # أحدهما: أنه مبتدأ وخبره مضمر تقديره فالحق مني أو فالحق أنا. # والثاني: أنه مبتدأ خيره " لأملأن " ، قاله ابن عطية، قال: لأن ~~المعنى إني أملأ. قال أبو حيان: وهذا ليس بشيء؛ لأن " لأملأن " ~~جواب قسم ويجب أن يكون جملة فلا تتقدر بمفرد، وأيضا ليس مصدرا ~~مقدرا بحرف مصدري والفعل حتى ينحل إليهما ولكنه لما صح إسناد ~~ما قدر إلى المبتدأ حكم أنه خبر عنه. # قال شهاب الدين: وتأويل ابن عطية صحيح من حيث المعنى لا من حيث ~~الصناعة. # الثالث: أنه مبتدأ خبره مضمر تقديره فالحق قسمي و " لأملأن " ~~جواب القسم، كقوله: # لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون # [الحجر: 72] ولكن حذف الخبر هنا ليس بواجب لأنه ليس نصا في اليمين، ~~بخلاف " لعمرك " ومثله قول امرىء القيس: # 4285- فقلت يمين الله أبرح قاعدا # ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي # وأما نصب الثاني فبالفعل بعده، أي وأنا أقول الحق وقرأ ابن عباس ~~ومجاهد والأعمش برفعهما، فرفع الأول على ما تقدم، ورفع الثاني ~~بالابتداء وخبره الجملة بعده، والعائد محذوف كقوله تعالى في قراءة ابن ~~عارم: { وكل وعد الله الحسنى } وقوله أبي النحم: # 4286- قد أصبحت أم الخيار ms7476 تدعي # علي ذنبا كله لم أصنع # ويجوز أن يرتفع على التكرير عند الزمخشري وسيأتي، وقرأ الحسن وعيسى ~~بجرهما وتخريجهما على أن الأول مجرور بواو القسم مقدرة أي فوالحق ~~و " الحق " عطف عليه كقولك: " والله والله لأقومن " ، و " ~~أقول " اعتراض بين القسم وجوابه ويجوز أن يكون مجروا على الحكاية ~~وهو منصوب المحل " بأقول " بعده، قال الزمخشري: ومجرورين - أي ~~وقرئا مجرورين - على أن الأول مقسم به قد أضمر حرف قسمه ~~كقولك: " (و) الله لأفعلن والحق أقول " أي ولا أقول إلا ~~الحق على حكاية لفظ المقسم به ومعناه التوكيد والتشديد، وهذا الوجه ~~جائز في المرفوع والمنصوب أيضا وهو وجه دقيق حسن. # انتهى. # يعني أنه أعمل القول في قوله: " والحق " على سبيل الحكاية فيكون ~~منصوبا بأقول سواء نصب أو رفع أو جر كأنه قيل: وأقول هذا اللفظ ~~المتقدم مقيدا بما لفظ به أولا. # فصل # معنى لأملأن جهنم منك أي من جنسك وهم الشياطين وممن تبعك منهم من ~~ذرية آدم. # قوله: " أجمعين " فيه وجهان: # أظهرهما: أنه توكيد للضمير في " منك " ولمن عطف عليه في قوله " وممن ~~تبعك " والمعنى لأملأن جهنم من (المتبوعين والتابعين لا أترك ~~منهم أحدا، وجيء بأجمعين دون كل، وقد تقدم أن الأكثر خلافه وجوز ~~الزمخشري أن يكون تأكيدا للضمير في " منهم " خاصة، فقدر: لأملأن ~~جهنم من) الشياطين وممن تبعهم من جميع الناس لا تفاوت في ذلك بين ناس ~~وناس. ### || [38.86-88] # قوله: { قل مآ أسألكم عليه } أي على تبليغ الرسالة " من ~~أجر " جعل فقوله: " عليه " متعلق " بأسألكم " لا " بالأجر " لأنه ~~مصدر، ويجوز أن يكون حالا منه والضمير إما للقرآن وإما للوحي وإما ~~للدعاء إلى الله. # قوله: { ومآ أنآ من المتكلفين } المتقولين القرآن من ~~تلقاء نفسي، وكل من قال شيئا من تلقاء نفسه فقد تكلف له وقيل: معناه أن ~~هذا الدين الذين أدعوكم إليه ليس يحتاج في معرفة صحته إلى التكليفات ~~الكثيرة بل هو دين يشهد صريح القعل بصحته. # قوله: " إن هو " ما هو يعني القرآن " إلا ذكر " موعظة " ~~للعالمين " أي للخلق أجمعين " لتعلمن ms7477 " جواب قسم مقدر ومعناه ~~لتعرفن " نبأه " أنتم يا كفار (مكة) خبر صدقه " بعد حين ~~" قال ابن عباس وقتادة: بعد الموت، وقال عكرمة: يعني يوم القيامة، وقال ~~الكلبي: من بقي علم ذلك إذا ظهر أمره وعلا من مات علمه بعد الموت. ~~قال الحسن: ابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين. # روى الثعلبي في تفسيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: # " من قرأ سورة " ص " أعطي من الأجر بعدد كل ~~جبل سخره الله لداود - عليه السلام - عشر حسنات وعصم ~~أن يصر على ذنب صغير أو كبير " # ، وقال أبو أمامة عصمة الله من كل ذنب صغير أو كبير، والله أعلم( وهو ~~الرحيم الغفور، وإليه ترجع الأمور). ### | [39 - سورة الزمر] ### || [39.1-3] # قوله تعالى: { تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ~~} في " تنزيل " وجهان: # أحدهما: أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هذا تنزيل. وقال أبو حيان: وأقول: ~~إنه خبر والمبتدأ " هو " ليعود على قوله: # إن هو إلا ذكر للعالمين # [يوسف:104] كأنه قيل: وهذا الذكر ما هو؟ فقيل: هو تنزيل الكتاب. # الثاني: أنه مبتدأ، والجار بعده خبره أي تنزيل الكتاب كائن من ~~الله، وإليه ذهب الزجاج والفراء. # قال بعضهم: وهذا أولى من الأول؛ لأن الإضمار خلاف الأصل فلا يصار إليه ~~إلا لضرورة، وأيضا فإنا إذا قلنا: { تنزيل الكتاب من ~~الله } جملة تامة من المبتدأ والخبر أفاد فائدة شريفة وهي تنزيل ~~الكتاب يكون من الله لا من غيره، وهذا الحصر معنى معتبر، وإذا ~~أضمرنا المبتدأ لم تحصل هذه الفائدة، وأيضا فإنا إذا أضمرنا ~~المبتدأ صار التقدير: هذا تنزيل الكتاب، وحينئذ يلزم مجاز آخر لأن هذا ~~إشارة إلى السورة وهي ليست نفس التنزيل بل السورة منزلة فحينئذ يحتاج إلى ~~أن يقول: المراد منه المفعول وهو مجاز تحملناه لا لضرورة. # قوله: " من الله " يجوز فيه أوجه: # أحدها: أنه مرفوع المحل خبر التنزيل كما تقدم. # الثاني: أنه خبر بعد خبر إذا جعلنا تنزيل خبر مبتدأ مضمر، كقولك: ~~هذا زيد من أهل العراق. # الثالث: أنه خبر مبتدأ مضمر أي هذا تنزيل هذا ms7478 من الله. # الرابع: أنه متعلق بنفس " تنزيل " إذا جعلناه خبر مبتدأ مضمر. # الخامس: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من " تنزيل " عمل فيه اسم ~~الإشارة المقدر قاله الزمخشري. # قال أبو حيان: ولا يجوز أن يكون حالا عمل فيها معنى الإشارة؛ لأن معاني ~~الأفعال لا تعمل إذا كان ما هي فيه محذوفا، ولذلك ردوا على أبي العباس ~~قوله في بيت الفرزدق: # 4287-....................... # .......... وإذ ما مثلهم بشر # أن " مثلهم " منصوب بالخبر المحذوف وهو مقدر وإذ ما في الوجود في ~~حال مماثلتهم بشرا. # السادس: أنه حال من " الكتاب ". قاله أبو البقاء، وجاز مجيء الحال من ~~المضاف إليه لكونه مفعولا للمضاف، فإن المضاف مصدر مضاف لمفعوله. # والعامة على رفع " تنزيل " على ما تقدم، وقرأ زيد بن علي ~~(وعيسى) وابن أبي عبلة بنصبه بإضمار فعل تقديره الزم أو ~~اقرأ ونحوهما. # فصل # احتج القائلون بخلق القرآن بأن الله تعالى وصف القرآن بكونه تنزيلا ~~ومنزلا. وهذا الوصف لا يليق إلا بالمحدث المخلوق، قال ابن الخطيب: ~~والجواب أنا نحمل هذه اللفظة على الصيغ والحروف. # قوله: " العزيز الحكيم " والعزيز هو القادر الذي لايغلب، ~~والحكيم هو الذي يفعل (لداعية) الحكمة وهذا إنما يتم إذا كان عالما ~~بجميع المعلومات غنيا عن جميع الحاجات. # قوله: { إنآ أنزلنآ إليك الكتاب بالحق } اعلم أن ~~لفظ " تنزيل " يشعر بأنه تعالى أنزله نجما نجما على سبيل التدريج، ~~ولفظ الإنزال يشعر بأنه تعالى أنزله دفعة واحدة، وطريق الجمع أن يقال: ~~إنا حكمنا حكما كليا بأن نوصل إليك هذا الكتاب وهذا الإنزال ثم أوصلنا ~~إليك نجما نجما على وفق المصالح. (وهذا هو التنزيل). # قوله: " بالحق " يجوز أن يتعلق " بالإنزال " أي بسبب الحق ~~وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من الفاعل أو المفعول وهو الكتاب أي ~~ملتبسين بالحق أو ملتبسا بالحق والصدق والصواب، والمعنى كل ما فيه ~~من إثبات التوحيد والنبوة والمعاد وأنواع التكاليف فهو حق يجب العمل به ~~وفي قوله: { إنآ أنزلنآ إليك الكتاب } تكرير تعظيم بسبب ~~إبرازه في جملة أخرى مضافا إنزاله إلى المعظم نفسه. # قوله: { فاعبد الله ms7479 مخلصا } لما بين أن هذا الكتاب مشتمل على ~~الحق والصدق وأردفه ببيان بعض ما فيه من الحق والصدق وهو أن يشتغل ~~الإنسان بعبادة الله على سبيل الإخلاص فقال: فاعبد الله مخلصا ~~له الدين، فقوله: " مخلصا له " حال من فاعل " فاعبد " و " ~~الدين " منصوب باسم الفاعل، والفاء في " فاعبد " للربط، كقولك: " ~~أحسن إليك فلان فاشكره " والعامة على نصب " الدين " ، وقرأ ابن ~~أبي عبلة برفعه، وفيه وجهان: # أحدهما: أنه مرفوع بالفاعلية رافعه " مخلصا ". وعلى هذا فلا بد من ~~تجوز وإضمار، أما التجوز فإسناد الإخلاص للدين وهو لصاحبه في الحقيقة ~~ونظيره قولهم: شعر شاعر، وأما الإضمار فهو إضمار عائد على ذي ~~الحال، أي مخلصا له الدين منك، هذا رأي البصريين في مثل هذا، وأما ~~الكوفيون فيجوز أن يكون عندهم " أل " عوضا عن الضمير أي مخلصا ~~دينك. # قال الزمخشري: وحق لمن رفعه أن يقرأ مخلصا - بفتح اللام - لقوله ~~تعالى: # وأخلصوا دينهم لله # [النساء:146] حتى يطابق قوله: { ألا لله الدين الخالص } ~~والخالص والمخلص واحد إلا أن يصف الدين بصفة صاحبه على الإسناد ~~المجازي كقولهم: " شعر شاعر ". # الثاني: أن يتم الكلام على: " مخلصا " وهو حال من فاعل " فاعبد ~~" ، و " له الدين " مبتدأ وخبر، وهو قول الفراء. وقدر رده الزمخشري ~~وقال: فقد جاء بإعراب رجع به الكلام إلى قولك: لله الدين ألا لله الدين ~~الخالص. قال شهاب الدين: وهذا الذي ذكره الزمخشري لا يظهر فيه رد على ~~هذا الإعراب. # فصل # المراد بإخلاص الدين الطاعة، { ألا لله الدين الخالص } قال ~~قتادة: شهادة أن لا إله إلا الله. واعلم أن العبادة فعل أو قول أو ترك ~~فعل أو ترك قول يؤتى به لمجرد اعتقاد أن الأمر به عظيم يجب الانقياد له ~~وأما الإخلاص فهو أن أن يكون الداعي إلى الإتيان بذلك الفعل أو الترك ~~مجرد الانقياد والامتثال، واحتج قتادة بما روي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - # " لا إله إلا الله حصني، ومن دخل حصني أمن ~~عذابي وهذا قول من يقول لا تضر المعصية مع الإيمان كما لا ينتفع ms7480 ~~بالطاعة مع الكفر " # وقال الأكثرون الآية متناولة لكل ما يخلق الله به من الأوامر والنواهي ~~لأن قوله تعالى " فاعبد الله " عام. # وروي أن امرأة الفرزدق لما قربت وقاتها أوصت أن يصلي الحسن ~~البصري عليها، فلما دفنت قال الحسن للفرزدق: أبا فراس ما الذي أعددت ~~لهذا الأمر؟ قال شهادة أن لا إله إلا الله. قال الحسن: هذا العمود فأي ~~الطنب؟ فبين هذا اللفظ الوجيز أن عمود الخيمة لا ينتفع به إلا مع ~~الطنب حتى يمكن الانتفاع بالخيمة. قال القاضي: فأما ما يروى # " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذ وأبي الدرداء: وإن زنا ~~وإن سرق على رغم أنف أبي الدرداء " # فإن صح فإنه يجب أن يجب أن يحمل عليه بشرط التوبة وإلا لم يجز قبول ~~هذا الخبر لأنه مخالف للقرآن، ولأنه يوجب أن يكون الإنسان مزجورا عن ~~الزنا والسرقة ويكون إغراء له لفعل القبيح، وذلك ينافي حكمة الله، ~~وهذا يدل على أن اعتقاد فعل القبيح لا يضر مع التمسك بالشهادتين، هذا ~~تمام قول القاضي. # قال ابن الخطيب: فيقال له: أما قولك: إن القول بالمغفرة مخالف للقرآن ~~فليس كذلك بل القرآن يدل عليه قال تعالى: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء:48] وقال: # وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم # [الرعد: 6] كما يقال: رأيت الأمير على أكله وشربه أي حين كونه آكلا ~~وشاربا. وقال: # يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا ~~من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا # [الزمر:53] وأما قوله: إن ذلك يوجب الإغراء بالقبيح فيقال له: إن كان ~~الأمر كذلك وجب أن يقبح غفرانه عقلا. وهذا مذهب البغدادي من ~~المعتزلة، وأنت لا تقول به لأن مذهب البصريين غفران الذنب جائز عقلا، ~~وأيضا فيلزم عليه أن لا يحصل الغفران بالتوبة لأنه إذا علم أنه أذنب ثم ~~تاب غفر الله له لم ينزجر، وأما الفرق الذي ذكره القاضي فبعيد لأنه إذا ~~عزم على أن يتوب عنه في الحال علم أنه لا يضر(ه) ذلك ms7481 الذنب البتة. ثم ~~نقول: مذهبنا أنا نقطع بحصول العفو عن الكبائر في الجملة إلا أنه ~~تعالى لم يقطع بحصول هذا الغفران في حق كل أحد بل في حق من يشاء وإذا ~~كان الأمر كذلك كان الخوف حاصلا والله أعلم. # قوله: { والذين اتخذوا من دونه أوليآء } يجوز فيه ~~أوجه: # أحدها: أن يكون " الذين " مبتدأ، وخبره قول مضمر حذف وبقي معموله وهو ~~قوله: " ما نعبدهم " والتقدير: يقولون ما نعبدهم. # الثاني: أن يكون الخبر قوله: { إن الله يحكم بينهم } ~~ويكون ذلك القول المضمر (في محل نصب على الحال أي والذين اتخذوا ~~قائلين كذا إن الله يحكم بينهم. # الثالث: أن يكون القول المضمر) بدلا من الصلة التي هي " اتخذوا " ~~والتقدير: والذين اتخذوا قالوا ما نعبدهم، والخبر أيضا: إن الله ~~يحكم بينهم. و " الذين " في هذه الأقوال عبارة عن ~~المشركين المتخذين غيرهم أولياء. # الرابع: أن يكون " الذين " عبارة عن الملائكة وما عبدوا من دون الله ~~كعزير، واللات والعزى ويكون فاعل " اتخذ " عائدا على ~~المشركين ومفعول الاتخاذ الأول محذوف هو عائد الموصول، والمفعول الثاني ~~هو: " أولياء " والتقدير: والذين اتخذهم المشركون أولياء. ثم لك في ~~خبر المبتدأ وجهان: # أحدهما: القول المضمر والتقدير والذين اتخذهم المشركون ~~أولياء يقول فيهم المشركون ما نعبدهم إلا. # الثاني: أن الخبر هي الجملة من قوله: { إن الله يحكم ~~بينهم } وقرىء: " ما نعبدهم " بضم النون إتباعا للباء، ولا ~~يعتد بالساكن. # قوله: " زلفى " مصدر مؤكد على غير المصدر ولكنه ملاق لعامله في ~~المعنى، والتقدير (والمعنى) ليزلفونا زلفى وليقربونا ~~قربى. وجوز أبو البقاء أن يكون حالا مؤكدة. # فصل # والذين اتخذوا من دونه أي من دون الله أولياء يقولون ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله. وهذا الضمير عائد إلى الأشياء التي عبدت، وهذا الكلام ~~إنما يليق بالعقلاء لأن الضمير في: " نعبدهم " ضمير العقلاء فيحمل ~~على المسيح وعزير والملائكة لكي يشفعوا لهم عند الله. ويمكن أن ~~يحمل على الأصنام أيضا لأن العاقل لا يعبد الصنم من حيث إنه خشب أو ~~حجر، وإنما يعبد ربه لاعتقادهم أنها تماثيل الكواكب ms7482 أو تماثيل الأرواح ~~السماوية أو تماثيل الملائكة أو تماثيل الصالحين الذين مضوا ويكون ~~مقصودهم من عبادتها توجيه تلك العبادات إلى أصحاب تلك الصور. # ولما حكى الله تعالى مذاهبهم أجاب عنها من وجوه: # الأول: أنه اقتصر في الجواب على مجرد القول فقال: { إن الله ~~يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون }. # واعلم أن المبطل إذا ذكر مذهبا باطلا وأصر عليه فعلاجه أن يحتال ~~بحيلة توجب زوال والإصرار عن قلبه، فإذا زال الإصرار عن قلبه فبعد ~~ذلك يذكر له الدليل الدال على بطلانه فيكون هذا الطريق أفضى إلى ~~المقصود كما يقول الأطباء: لا بد من تقديم (المنضج) على سقي المسهل، ~~فإن تناول المنضج يصير المواد الفاسدة رخوة قابلة للزوال، فإذا سقي ~~المسهل بعد ذلك حصل النقاء التام فكذلك ههنا سماع التهديد والتخويف ~~أولا يجري مجرى سقي المنضج أولا، وإسماع الدليل ثانيا يجري ~~مجرى المنضج المسهل ثانيا. # فهذا هو الفائدة في تقديم هذا التهديد. # ثم قال الله تعالى: { إن الله لا يهدي من هو ~~كاذب كفار } أي من أصر على الكذب والكفر بقي (مح)روما من ~~الهداية. والمراد بهذا الكذب وصفهم للأصنام بأنها آلهة مستحقة للعبادة مع ~~علمهم بأنها جمادات خسيسة، ويحتمل أن يكون المراد بالكفار كفران النعمة ~~لأن العبادة نهاية التعظيم وذلك لا يليق إلا ممن يصدر عنه غاية الإنعام ~~وهو الله تعالى، والأوثان لا مدخل لها في الإنعام فعبادتها توجب كفران ~~نعمة المنعم الحق. # قوله: " كاذب كفار " قرأ الحسن والأعرج - وتروى عن أنس ~~- كذاب كفار، وزيد بن علي كذوب كفور. ### || [39.4-9] # قوله: { لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى } ~~لاختار { مما يخلق ما يشآء } يعني الملائكة كما قال: # لو أردنآ أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنآ # [الأنبياء:17] ثم نزه نفسه فقال: " سبحانه " تنزيها له عن ذلك ~~وعما لا يليق بطهارته { هو الله الواحد القهار } والمراد ~~من هذا الكلام إقامة الدلائل القاهرة على كونه منزها عن الولد. # قوله: { خلق السماوات والأرض بالحق } لما بين في الآية ~~المتقدمة كونه منزها عن الولد بكونه إلها واحدا ms7483 قهارا أي كامل القدرة ~~ذكر عقيبها ما يدل على الاستغناء. وأيضا لما أبطل إلهية الأصنام ذكر ~~عقيبها الصفات التي باعتبارها تحصل الإلهية، وقد تقدم أن الدلائل التي ~~يذكرها الله تعالى في إثبات الإلهية إما أن تكون فلكية أو أرضية أما ~~الفلكية فأقسام: # أحدها: خلق السموات والأرض. وقد تقدم شرحها في تفسير قوله تعالى: # الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض # [الأنعام:1]. # وثانيها: اختلاف أحوال الليل والنهار، وهو المراد ههنا من قوله: { ~~يكور الليل على النهار }. وفي هذه الجملة وجهان: # أظهرهما: أنها مستأنفة، أخبر تعالى بذلك. # والثاني: أنها حال، قاله أبو البقاء، وفيه ضعف من حيث أن تكوير أحدهما ~~على الآخر إنما كان بعد خلق السموات والأرض إلا أن يقال: هي حال مقدرة، ~~وهو خلاف الأصل. # والتكوير: اللف واللي يقال: كار العمامة على رأسه ~~وكورها، ومعنى تكوير الليل على النهار وتكوير النهار على الليل على ~~هذا المعنى أن الليل والنهار خلفة يذهب هذا ويغشى مكانه هذا وإذا غشي ~~مكانه فكأنه لف عليه وألبسه كما يلف اللباس على اللابس أو أن كل واحد ~~منهما يغيب الآخر إذا طرأ عليه فشبه في تغييبه إياه بشيء لف عليه ما ~~غيبه عن مطامح الأبصار أو إن هذا يكر على هذا كرورا متتابعا فشبه ~~ذلك بتتابع إكرار العمامة بعضها على بعض. قاله الزمخشري. وهذا أوفق ~~للاشتقاق من أشياء قد ذكرت. وقال الراغب: كور الشيء إدارته وضم بعضه ~~إلى بعض ككور العمامة، وقوله: { يكور الليل على ~~النهار } إشارة إلى جريان الشمس في مطالعها وانتقاص الليل والنهار ~~وازديادهما. وكوره إذا ألقاه مجتمعا. واكتار الفرس إذا رد ذنبه ~~في عدوه، وكوارة النحل معروفة، والكور الرحل. وقيل لكل ~~مصر كورة وهي البقعة التي يجتمع فيها قرى ومحال. قال ابن الخطيب: إن ~~النور والظلمة عسكران عظيمان، وفي كل يوم يغلب هذا ذاك وذاك هذا، وذلك ~~يدل على أن كل واحد منهما يكون مغلوبا مقهورا، ولا بد من غالب قاهر ~~لهما يكونان تحت تدبيره وقهوة وهو الله تعالى، والمراد من هذا التكوير ~~أنه ms7484 يزيد في كل واحد منهما بقدر ما ينقص من الآخر، والمراد من تكوير ~~الليل والنهار ما ورد في الحديث: # " نعوذ بالله من الحور بعد الكور " # أي من النقصان بعد الزيادة، وقيل: من الإدبار بعد الإقبال. # قوله: { وسخر الشمس والقمر } فإن الشمس سلطان النهار، ~~والقمر سلطان الليل وأكثر مصالح هذا العالم مربوطة بهما كل يجري لأجل ~~مسمى إلى يوم القيامة لا يزالان يجريان إلى هذا اليوم، فإذا كان يوم ~~القيامة ذهبا، والمراد من هذا التسخير أن هذه الأفلاك تدور كدوران ~~المنجنون على حد واحد. # ثم قال: { ألا هو العزيز الغفار } ومعناه أن خلق هذه ~~الأجرام العظيمة وإن دل على كونه عزيزا أي كامل القدرة إلا أنه غفار ~~عظيم الرحمة والفضل والإحسان، فإنه لما كان الإخبار عن كونه عظيم القدرة ~~يوجب الخوف والرهبة فكونه غفارا كثير الرحمة يوجب الرجاء والرغبة. # ثم إنه تعالى لما ذكر الدلائل الفلكية أتبعها بذكر الدلائل السفلية فبدأ ~~بذكر الإنسان فقال: { خلقكم من نفس واحدة } يعني آدم. # قوله: { ثم جعل منها } في " ثم " هذه أوجه: # أحدها: أنها على بابها من الترتيب بمهلة وذلك أنه يروى أنه تعالى أخرجنا ~~من ظهر آدم كالذر، ثم خلق حواء بعد ذلك بزمان. # الثاني: أنها على بابها أيضا ولكن لمدرك آخر وهو أن يعطف بها ما ~~بعدها على ما فهم من الصفة في قوله " واحدة " إذا التقدير من نفس ~~وحدت أي انفردت ثم جعل منها زوجها. # الثالث: أنها للترتيب في الإخبار لا في الزمان الوجودي كأنه قيل: كان ~~من أمرها قبل ذلك أن جعل منها زوجها. # (الرابع: أنها للترتيب في الأحوال والرتب، قال الزمخشري: فإن قلت: ~~ما وجه قوله: { ثم جعل منها زوجها } ) وما تعطيه من ~~التراخي؟ قلت: هما آيتان من جملة الآيات التي عددها دالا على وحدانيته ~~وقدرته بتشعيب هذا الخلق الثابت للحصر من نفس آدم عليه (الصلاة و) السلام ~~وخلق حواء من قصيراه إلا أن إحديهما جعلها الله عادة مستمرة ~~والأخرى لم تجر بها العادة ولم تخلق أنثى غير حواء من ms7485 قصيرى رجل ~~فكانت أدخل في كونها آية وأجلب لعجب السامع فعطفها " بثم " على ~~الآية الأولى للدلالة على مباينتها فضلا ومزية وتراخيها عنها ~~فيما يرجع إلى زيادة كونها آية فهي من التراخي في الحال والمنزلة لا من ~~التراخي في الوجود. # قال ابن الخطيب: إن كلمة " ثم " كما تجيء لبيان كون إحدى الواقعتين ~~متأخرة عن الثانية فكذلك تجيء لبيان تأخر أحد المكانين عن الآخر كقول ~~القائل: بلغني ما صنعت اليوم ثم ما صنعت أمس أعجب، ~~وأعطيتك اليوم شيئا ثم الذي أعطيتك أمس ~~أكثر. # قوله: { وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج } ~~عطف على " خلقكم ". والإنزال يحتمل الحقيقة، يروى أنه خلقها ~~في الجنة ثم أنزلها. # ويحتمل المجاز. وله وجهان: # أحدهما: أنها لما لم تعش إلا بالنبات والماء والنبات إنما يعيش بالماء ~~والماء ينزل من السحاب أطلق الإنزل عليها وهو في الحقيقة مطلق على سبب ~~السبب كقوله: # 4288- أسنمة الآبال في ربابه # وقوله: # 4289- صار الثريد في رؤوس العيدان # وقوله: # 4290- إذا نزل السماء بأرض قوم # رعيناه وإن كانوا غضابا # والثاني: أن قضاياه وأحكامه منزلة من السماء من حيث كتبها في اللوح ~~المحفوظ، وهو أيضا سبب في إيجادها. وقال البغوي: معنى الإنزل ههنا ~~الإحداث والإنشاء كقوله: # أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم # [الأعراف:26]، وقيل: معناه: أنزل لكم من الأنعام جعلها نزلا لكم ورزقا ~~ومعنى ثمانية أزواج أي ثمانية أصناف، وهي الإبل والبقر والضأن ~~والمعز، وتقدم تفسيرها في سورة الأنعام. # قوله: " يخلقكم " هذه الجملة استئنافية، ولا حاجة إلى جعلها ~~خبر مبتدأ مضمر بل استؤنفت للإخبار بجملة فعلية، وقد تقدم خلاف القراء في ~~كسر الهمزة في " امهاتكم ". # قوله: " خلقا " مصدر " خلق " ، وقوله: { من بعد خلق } صفة ~~له فهو لبيان النوع من حيث إنه لما وصف زاد معناه على معنى عامله، ويجوز ~~أن يتعلق { من بعد خلق } بالفعل قبله، فيكون خلقا لمجرد ~~التوكيد. # قوله: " في ظلمات " متعلق " بخلق " الذي قبله، ولا يجوز تعلقه " ~~بخلقا " المنصوب، لأنه مصدر مؤكد، وإن كان أبو البقاء جوزه ثم منعه ~~بما ذكرت فإنه قال: و " في " يتعلق ms7486 به؛ أي " بخلقا " أو " بخلق ~~" الثاني، لأن الأول مؤكد فلا يعمل، ولا يجوز تعلقه بالفعل قبله لأنه قد ~~تعلق به حرف مثله، ولا يتعلق حرفان متحدان لفظا ومعنى إلا ~~بالبدلية أو العطف، فإن جعلت " في ظلمات " بدلا من { في بطون ~~أمهاتكم } بدل اشمتال لأن البطون مشتملة عليها وتكون بدلا ~~بإعادة العامل جاز ذلك أعني تعلق الجارين ب " يخلقكم " ولا ~~يضر الفصل بين البدل والمبدل منه بالمصدر لأنه من تتمة العامل ~~فليس بأجنبي. # فصل # هذه الحالة مشتركة بين الإنسان وبين الأنعام وهي كونها مخلوقة في بطون ~~الأمهات، وقوله: { خلقا من بعد خلق } معناه ما ذكر الله تعالى في قوله: # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم ~~جعلناه نطفة في قرار مكين.... # الآيات [المؤمنون:12-14]. # وقوله: { في ظلمات ثلاث } قال ابن عباس: ظلمة البطن، وظلمة ~~الرحم، وظلمة المشيمة، وقيل: الصلب والرحم والبطن. ووجه الاستدلال ~~بهذه الآيات مذكور في قوله: # هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشآء # [آل عمران:6]. # قوله: { ذلكم الله ربكم } يجوز أن يكون " الله " خبرا " ~~لذلكم " و " ربكم " نعت لله أو بيان له أو بدل منه. ويجوز أن ~~يكون " الله " بدلا من " ذلكم " و " ربكم " خبره، والمعنى: ذلكم ~~الله الذي خلق هذه الأشياء ربكم. # قوله: " له الملك " يجوز أن يكون مستأنفا، ويجوز أن يكون خبرا ~~بعد خبر، وأن يكون " الله " بدلا من " ذلكم " و " ربكم " نعت لله أو بدل ~~منه، والخبر الجملة من " له الملك ". ويجوز أن يكون الخبر نفس الجار ~~والمجرور وحده، و " الملك " فاعل به فهو من باب الإخبار بالمفرد. # قوله: { لا إله إلا هو } يجوز أن يكون مستأنفا، وأن يكون ~~خبرا بعد خبر. # فصل # قوله: " له الملك " يفيد الحصر أي له الملك لا لغيره، ولما ثبت أنه لا ~~ملك إلا له وجب القول بأن لا إله إلا هو. # ولما بين بهذه الدلائل كمال قدرته وحكمته ورحمته زيف طريقة المشركين ~~وقال: " فأنى تصرفون " عن طريق الحق بعد هذا البيان، وهذا يدل ~~على أنهم لم يصرفوا بأنفسهم عن هذه ms7487 البيانات بل صرفهم عنها غيرهم وما ~~ذلك الغير إلا الله وأيضا فدليل العقل يقوي ذلك لأن كل أحد يريد تحصيل ~~الحق والصواب فلما لم يحصل ذلك فإنما حصل الجهل والضلال علمنا أنه من ~~غيره لا منه. واستدلت المعتزلة بهذه الآيات أيضا لأن قوله تعالى: { ~~فأنى تصرفون } تعجب من هذا الانصراف ولو كان الفاعل لذلك الصرف ~~هو الله لم يبق لهذا التعجب معنى. قوله: { إن تكفروا فإن ~~الله غني عنكم } أي إنه تعالى ما كلف المكلفين ليجر إلى نفسه ~~منفعة أو ليدفع عن نفسه مضرة لأنه تعالى غني على الإطلاق فيمتنع في ~~حقه جر المنفعة ودفع المضرة، لأنه واجب الوجود لذاته وواجب الوجود لذاته ~~في جميع صفاته يكون غنيا على الإطلاق وأيضا فالقادر على خلق السموات ~~والأرض والشمس والقمر والنجوم والعرش والكرسي والعناصر الأربعة ~~والمواليد الثلاثة ممتنع أن ينتفع بصلاة " زيد " وصيام " عمرو " ~~وأن يستضر بعدم صلاة هذا وعدم صيام ذلك. # ثم قال: { ولا يرضى لعباده الكفر } أي وإن كان لا ينفعه ~~إيمانهم ولا يضره كفرهم، إلا أنه لا يرضى بالكفر. قال ابن عباس والسدي: ~~لا يرضى لعباده المؤمنين الكفر وهم الذين قال الله تعالى فيهم: # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان # [الحجر:42] فيكون عاما في اللفظ خاصا في المعنى كقوله: # عينا يشرب بها عباد الله # [الإنسان:6] يريد بعض العباد، وقال قتادة: لا يرضى لأحد من عباده الكفر ~~أي لا يرضى لعباده أن يكفروا به. وهو قول السلف قالوا: كفر الكافر ~~غير مرضي لله وإن كان بإرادته. # واحتج الجبائي بهذه الآية من وجهين: # الأول: أن المجبرة يقولون: إن الله تعالى خلق العباد وأفعالهم وأقوالهم ~~وكل ما خلقه حق وصواب، وإذا كان كذلك كان قد رضي بالكفر من التوجه ~~الذي خلقه وذلك ضد الآية. # الثاني: لو كان الكفر بقضاء الله تعالى لوجب علينا أن نرضى به لأن الرضا ~~بقضاء الله واجب وحيث اجتمعت الأمة على أن الرضا بالكفر كفر ثبت أنه ليس ~~بقضاء الله وليس أيضا برضا الله تعالى. وأجيب بوجوه: # أحدها: ms7488 إن عادة القرآن جارية بتخصيص لفظ العباد بالمؤمنين كما قدماه عن ~~ابن عباس. # وثانيها: قول السلف المتقدم وأنشد ابن دريد: # 4291- رضيت قسرا أو على القسر رضا # من كان ذا سخط على صرف القضا # أثبت الرضا مع القسر. # وثالثها: هب أن الرضا هو الإرادة إلا أن قوله: { ولا يرضى ~~لعباده الكفر } عام فيتخصص بالآيات الدالة على أنه تعالى لا ~~يريد الكفر لقوله تعالى: # وما تشآءون إلا أن يشآء الله # [الإنسان:30]. # قوله: " وإن تشكروا " أي تؤمنوا بربكم وتطيعوه " يرضه ~~لكم " فيثيبكم عليه. قرأ ابن كثير والكسائي وابن ذكوان يرضهو ~~بالصلة. وهي الأصل من غير خلاف وهي قراءة واضحة. قال الواحدي: من أشبع ~~الهاء (حتى ألحق فيها واوا لأن ما قبل الهاء متحرك فصار بمنزلة ضربه، ~~وقرأ " يرضه " بضم الهاء) من غير صلة بلا خلاف نافع وعاصم وحمزة ~~وقرأ " يرضه " بإسكانها وصلا من غير خلاف السوسي عن أبي عمرو، ~~وقرأ بالوجهين أعني الإسكان والصلة الدوري عن أبي عمرو. وقرأ ~~بالإسكان والتحريك من غير صلة هشام عن ابن عامر. فهذه خمس مراتب للقراءة ~~وقد تقدم توجيه الإسكان والقصر والإشباع أول الكتاب وما أنشد عليه، ولا ~~يلتفت إلى أبي حاتم في تغليطه راوي السكون؛ فإنها لغة ثابتة عن بني ~~عقيل وبني كلاب. # قوله: { ولا تزر وازرة وزر أخرى } قال الجبائي: هذا يدل ~~على أنه لا يجوز أن يقال: إنه تعالى يأخذ الأولاد بذنوب الآباء واحتج به ~~أيضا من أنكر وجوب ضرب الدية على العاقلة. ثم قال: { ثم إلى ~~ربكم مرجعكم } وهذا يدل على إثبات البعث والقيامة { ~~فينبئكم بما كنتم تعملون } وهذا يدل على تهديد العاصي ~~وبشارة المطيع. وقوله: { إنه عليم بذات الصدور } كالعلة ~~لما سبق أي إنه إنما ينبئكم بأعمالكم لأنه عالم بجميع المعلومات فيعلم ما ~~في قلوبكم من الدواعي والصوارف قال - صلى الله عليه وسلم -: # " إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ~~ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ". # قوله: { وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه } لما بين فساد ~~القول بالشرك وبين أنه تعالى ms7489 هو الذي يجب أن يعبد بين ههنا أن طريقة ~~الكفار متاقضة لأنهم إذا مسهم الضر طلبوا دفعه من الله، وإذا أزال ذلك ~~الضر عنهم رجعوا إلى عبادة غيره فكان الواجب عليهم أن يتعرفوا بالله ~~تعالى في جميع الأحوال لأنه القادر على إيصال الخير ودفع الشر فظهر تناقض ~~طريقهم. # والمراد بالإنسان الكافر، وقيل المراد: أقوام معينين كعتبة بن ~~ريبعة وغيره. والمراد بالضر جميع المكاره سواء كان في جسمه أو ماله أو في ~~أهله وولده، لأن اللفظ مطلق فلا معنى لتقييده. # قوله: { منيبا } حال من فاعل " دعا " و " إليه " متعلق " ~~بمنيبا " أي راجعا إليه في إزالة ذلك الضر، ولأن الإنابة الرجوع. # قوله: { ثم إذا خوله } أعطاه " نعمة منه " أي أعطاها إياه ~~ابتداء من غير مقتض. ولا يتسعمل في الجزاء بل في باتداء العطية، قال ~~زهير: # 4292- هنالك إن يستخولوا المال يخولوا # ..................... # ويروى: يستخبلوا المال يخبلوا، وقال أبو النجم: # 4293- أعطى فلم يبخل ولم يبخل # كوم الذرى من خول المخول # وحقيقة خول من أحد معنيين إما من قولهم: هو خائل مال إذا كان متعهدا ~~له حسن القيام عليه، وإما من خال يخول إذا اختال وافتخر، ومنه ~~قول العرب: إن الغني طويل الذيل مياس الخيل، وقد تقدم ~~اشتقاق هذه المادة مستوفى في الأنعام. # قوله: " منه " يجوز أن يكون متعلقا " بخول " وأن يكون متعلقا ~~بمحذوف على أنه صفة: " لنعمة ". # قوله: " نسي " أي ترك { ما كان يدعو إليه } يجوز في " ما ~~" هذه أربعة أوجه: # أحدها: أن تكون موصولة بمعنى الذي مرادا بها الضر أي نسي ~~الشر الذي يدعو إلى كشفه أي ترك دعاءه كأنه (لم) يتضرع إلى ربه. # الثاني: أنها بمعنى الذي مرادا الباري تعالى أي نسي الله الذي كان ~~يتضرع إليه. وهذا عند من يجيز وقوع " ما " على أولي العلم، وقال ابن ~~الخطيب: وما بمعنى " من " كقوله: # وما خلق الذكر والأنثى # [الليل:3] # ولا أنتم عابدون مآ أعبد # [الكافرون:3] # فانكحوا ما طاب لكم من النسآء # [النساء:3]. # الثالث: أن تكون " ما " مصدرية أي نسي كونه داعيا. # الرابع: أن تكون ms7490 (ما) نافية وعلى هذا فالكلام تام على قوله: ( " نسي ~~" ) ثم استأنف إخبارا بجملة منفية، والتقدير: نسي ما كان فيه لم يكن ~~دعاء هذا الكافر خالصا لله (تعالى). وقوله: " من قبل " أي من قبل ~~الضر على القول الأخير، وأما على الأقوال قبله فالتقدير من قبل تحويل ~~النعمة. # قوله: { وجعل لله أندادا } يعني الأوثان { ليضل عن ~~سبيله } قرأ ابن كثير وأبو عمرو " ليضل " بفتح الياء أي ليفعل ~~الضلال بنفسه، والباقون بضمها فمفعوله محذوف، وله نظائر تقدمت، واللام ~~يجوز أن تكون للعلة، وأن تكون لام العاقبة كقوله: # فالتقطه ءال فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا # [القصص:8]. # ثم قال: قل يا محمد لهذا الكافر " تمتع بكفرك قليلا " ~~في الدنيا أي إلى انقضاء أجلك، وليس المراد منه الأمر بل المراد منه ~~الزجر وأن يعرفه قلة تمتعه في الدنيا ثم مصيره إلى النار، قيل: ~~نزلت في عتبة بن ربيعة، وقال مقاتل: نزلت في حذيفة بن المغيرة ~~المخزومي، وقيل: عام في كل كافر. # قوله تعالى: { أمن هو قانت } لما شرح الله تعالى صفات المشركين ~~وتمسكهم بغير الله أردفه بشرح أحوال المحقين. قرأ الحرميان نافع ~~وابن كثير بتخفيف الميم والباقون بتشديدها فأما الأولى ففيها وجهان: # أحدهما: أنها همزة الاستفهام دخلت على " من " بمعنى الذي، والاستفهام ~~للتقرير، ومقابله محذوف تقديره: أمن هو قانت كمن جعل لله ~~أندادا؟ أو: أمن هو قانت كغيره؟ أو التقدير: أهذا القانت ~~خير أم الكافر المخاطب بقوله: { قل تمتع بكفرك قليلا }؟ ~~ويدل عليه قوله: { قل هل يستوي الذين يعلمون ~~والذين لا يعلمون } محذوف خبر المبتدأ وما يعادل المستفهم ~~عنه. والتقدير أن الأولان أولى لقلة الحذف ومن حذف المعادل للدلالة ~~قول الشاعر: # 4294- دعاني إليها القلب إني لأمرها # سميع فما أدري أرشد طلابها # يريد: أم غي. # الثاني: أن تكون الهمزة للنداء و " من " منادى ويكون المنادى هو ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو المأمور بقوله: { قل هل يستوي ~~الذين يعلمون } كأنه قال: يا من هو قانت قل كيت ~~وكيت كقول الآخر: # 4295- أزيد أخا ورقاء إن كنت ثائرا # ........................ # وفيه ms7491 بعد، ولم يقع في القرآن نداء بغير يا حتى يحمل هذا عليه. وضعف أبو ~~حيان هذا الوجه بأنه أجنبي مما قبله ومما بعده، قال شهاب الدين: وقد تقدم ~~أنه ليس أجنبيا مما بعده إذ المنادى هو المأمور بالقول. وضعفه الفارسي ~~ايضا بقريب من هذا. وتجرأ على قارىء هذه القراءة أبو حاتم والأخفش، ~~وأما القراءة الثانية فهي " أم " داخلة على من الموصولة أيضا فأدغمت ~~الميم في الميم. وفي " أم " حينئذ قولان: # أحدهما: أنها متصلة ومعادلها محذوف تقديره: الكافر خير أم الذي هو ~~قانت، وهذا معنى قول الأخفش. # قال أبو حيان: ويحتاج حذف المعادل إذا كان أول إلى سماع، وقيل: ~~تقديره أمن يعصي أمن هو مطيع يستويان وحذف الخبر لدلالة قوله { هل ~~يستوي الذين يعلمون }. # والثاني: أنها منقطعة فتتقدر ببل والهمزة أي بل أمن هو قانت كغيره ~~أو كالكافر المقول له تمتع بكفرك. # وقال أبو جعفر: هي بمعنى " بل " و " من " بمعنى الذي تقديره بل الذي ~~هو قانت أفضل مما ذكر قبله. # وانتقد عليه هذا التقدير من حيث إن من تقدم ليس له فضيلة البتة حتى ~~يكون هذا أفضل منه والذي ينبغي أن يقدر: بل الذي هو قانت من أصحاب ~~الجنة لدلالة ما لقسيمه عليه من قوله: { إنك من أصحاب ~~النار }. وقال البغوي من شدد فله وجهان: # أحدهما: أن تكون الميم في " أم " صلة ويكون معنى الكلام استفهاما ~~وجوابه محذوف مجازه: أمن هو قانت كمن هو غير قانت كقوله: # أفمن شرح الله صدره للإسلام # [الزمر:22] يعني كمن لم يشرح صدره. # والثاني: أنه عطف على الاستفهام مجازه: الذي جعل لله أندادا. # فصل # القانت: هو القائم بما يجب عليه من الطاعة، ومنه قوله عليه (الصلاة و) ~~السلام: # " أفضل الصلاة صلاة القنوت " # وهو القائم فيها ومنه القنوت لأنه يدعو قائما، وعن ابن عمر أنه قال: ~~لا أعلم القنوت إلا قراءة القرآن وطول القيام وتلا: { ~~أمن هو قانت }. وعن ابن عباس: القنوت الطاعة كقوله: # كل له قانتون # [البقرة:116] أي مطيعون. # قوله: " آنآء الليل " آناء منصوب على ms7492 الظرف. وتقدم اشتقاقه، ~~والكلام في مفرده، والمعنى ساعات الليل. وفي هذه الآية دلالة على أن قيام ~~الليل أفضل من قيام النهار، قال ابن عابس- في رواية عطاء -: نزلت ~~في (أبي بكر الصديق، وقال الضحاك: نزلت في أبي بكر وعمر، وعن ابن عمر: ~~أنها نزلت في عثمان وعن الكلبي: أنها نزلت في) ابن مسعود، وعمار ~~وسلمان. # قوله: " ساجدا " حال و " قائما " حال أيضا وفي صاحبها وجهان: # أظهرهما: أن الضمير المستتر (في) " وقانت ". # والثاني: أنه الضمير المرفوع " بيحذر " قدما على عاملهما، والعامة ~~على نصبهما. # وقرأ الضحاك برفعهما على أحد وجهين، إما النعت " لقانت " وإما أنها ~~خبر بعد خبر. # قوله: " يحذر الآخرة " يجوز أن يكون حالا من الضمير في " قانت ~~" وأن يكون حالا من الضمير في " ساجدا " و " قائما " وأن يكون ~~مستأنفا جوابا لسؤال مقدر كأنه قيل: ما شأنه يقنت آناء الليل ويتعب ~~نفسه ويكدها؟ فقيل: يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، أي عذاب الآخرة. وفي ~~الكلام حذف، والتقدير كمن لا يفعل شيئا من ذلك، وإنما حسن هذا ~~الحذف دلالة ذكر الكافر قبل هذه الآية وذكر بعدها { قل هل يستوي ~~الذين يعلمون والذين لا يعلمون } والتقدير: هل يستوي ~~الذين يعملون وهم الذين صفتهم أنهم يقنتون آناء الليل ساجدا وقائما ~~والذين لا يعلمون وهم الذين صفتهم عند البلاء والخوف يوحدون وعند الراحة ~~والفراغ يشركون، وإنما وصف الله الكفار بأنهم لا يعلمون لأنه تعالى وإن ~~آتاهم آلة العلم إلا أنهم أعرضوا عن تحصيل العلم فلهذا جعلهم الله كأنهم ~~ليسوا أولي الألباب من حيث إنهم لم ينتفعوا بعقولهم وقلوبهم. # قوله: { قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا ~~يعلمون } قيل: الذين يعلمون " عمار " والذين لا يعملون أبو ~~حذيفة المخزومي، وهذا الكلام تنبيه على فضيلة العلم قيل لبعض ~~العلماء: إنكم تقولون العلم أفضل من المال (ثم نرى العلماء عند أبواب ~~الملوك) ولا نرى الملوك عند أبواب العلماء فأجاب بأن هذا أيضا يدل على ~~فضيلة العلم لأن العلماء علموا ما في المال من المنفعة فطلبوه، والجهال ~~لم يعرفوا ما للعلم من ms7493 المنافع فلا جرم تركوه. # (قوله): { إنما يتذكر أولوا الألباب } قرىء: إنما ~~يذكر بإدغام التاء في الذال. ### || [39.10] # قوله: { قل يعباد الذين آمنوا اتقوا ربكم } أي ~~بطاعته، واجتناب معاصيه. قال القاضي أمرهم بالتقوى لكي لا يحبطوا إيمانهم ~~بأعمالهم لأن عند الاتقاء من الكبائر يسلم لهم الثواب وبالإقدام عليها ~~يحبط. # فيقال (له): هذا بأن يدل على ضد قولك أولى لأنه أمر المؤمنين بالتقوى ~~فدل ذلك على أنه يبقى مؤمنا مع عدم التقوى وذلك يدل على أن الفسق لا ~~يزيل الإيمان. # واعلم أنه تعالى لما أمر المؤمنين بالاتقاء بين لهم ما في هذا ~~الاتقاء من الفوائد فقال: { للذين أحسنوا في هذه ~~الدنيا حسنة }. # قوله: { في هذه الدنيا } يجوز أن يتعلق بالفعل قبله، وحذفت ~~صفة " حسنة " إذ المعنى حسنة عظيمة لأنه لا يوعد من عمل حسنة في ~~الدنيا حسنة مطلقا بل مقيدة بالعظم، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من ~~" حسنة " كانت صفة لها فلما تقدمت بقيت حالا. # فصل # قوله: { في هذه الدنيا } يحتمل أن يكون صلة لقوله: " ~~للذين أحسنوا " أي آمنوا وأحسنوا العمل في الدنيا حسنة في ~~الآخرة وهي دخول الجنة، والتنكير في " حسنة " للتعظيم أي حسنة لا يصل ~~العقل إلى كنه كمالها، قاله مقاتل. ويحتمل أن يكون صلة لقوله: " حسنة ~~". وعلى هذا قال السدي: معناه في هذه الدنيا حسنة يريد الصحة. قال ابن ~~الخطيب: الأولى أن يحمل على الثلاثة المذكورة في قوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " ثلاثة ليس لها نهاية الأمن والصحة والكفاية " # ، وقال بعضهم: الأول أولى لوجوه: # أحدها: أن التنكير يفيد النهاية في التعظيم والرفعة، وذلك لا يليق ~~بأحوال الدنيا لأنها خسيسة منقطعة وإنما يليق بأحوال الآخرة. # وثانيها: أن الثواب للتوحيد والأعمال الصالحة إنما يحصل في الآخرة، ~~وأما الأمن والصحة والكفاية فحاصل للكفار أكثر من حصولها للمؤمنين كما ~~قال - عليه (الصلاة و) السلام -: # " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ". # وقال تعالى: # لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا ~~من فضة # [الزخرف:33]. # وثالثها: قوله: { للذين أحسنوا في هذه الدنيا ~~حسنة } يفيد الحصر، ومعناه أن ms7494 حسنة هذه الدنيا لا تحصل إلا للذين ~~أحسنوا وهذا باطل. أما لو حملنا هذه الحسنة على حسنة الآخرة صح هذا ~~الحصر فكان حمله على حسنة الآخرة أولى. # قوله: { وأرض الله واسعة } قال ابن عباس: يعني ارتحلوا من ~~مكة، وفيه حث على الهجرة من البلد الذي يظهر فيه المعاصي، ونظيره ~~قوله تعالى: # قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض ~~قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها # [النساء:97]. # وقيل: نزلت في مهاجري الحبشة، وقال سعيد بن جبير: من أمر بالمعاصي ~~فليهرب، وقال أبو مسلم: لا يمتنع أن يكون المراد من الأرض أرض الجنة؛ ~~لأنه تعالى أمر المؤمنين بالتقوى وهي خشية الله، ثم بين أن من اتقى فله ~~في الآخرة الحسنة وهي الخلود في الجنة، ثم بين أن أرض الله أي جنته واسعة ~~كقوله تعالى: # نتبوأ من الجنة حيث نشآء # [الزمر:74] وقوله تعالى: # وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين # [آل عمران:133]. قال ابن الخطيب: والأول عندي أولى لأن قوله: { إنما ~~يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } لا يليق إلا ~~بالأول. # قوله: { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } ~~أي الذين صبروا على دينهم فلم يتركوه للأذى، وقيل: نزلت في جعفر بن أبي ~~طالب وأصحابه حيث لم يتركوا دينهم لما اشتد بهم البلاء وصبروا وهاجروا. ~~قوله: " بغير حساب " أي بغير نهاية؛ لأن كل شيء دخل تحت الحساب ~~فهو متناه فما لا نهاية له كان خارجا عن الحساب قال علي - رضي الله ~~عنه -: كل مطيع يكال له كيلا أو يوزن له وزنا الصابرين فإنه يحثى ~~لهم حثيا، يروى: أنه يؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ~~دوان ويصب عليهم الأجر صبا قال الله تعالى: { إنما يوفى ~~الصابرون أجرهم بغير حساب } حتى يتمنى أهل العافية في ~~الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض ما ذهب به أهل البلاء من الفضل. ### || [39.11-18] # قوله: { إني أمرت أن أعبد الله مخلصا (له ~~الدين } أي مخلصا له) التوحيد لا أشرك به شيئا، وهذا هو النوع ~~الثامن من البيانات التي ms7495 أمر الله رسوله أن يذكرها. # قوله: { وأمرت لأن أكون } في هذه اللام وجهان: # أحدهما: أنها للتعليل تقديره وأمرت بما أمرت به لأن أكون قال ~~الزمخشري: فإن قلت: كيف عطف " أمرت " على " أمرت " وهما واحد؟ قلت: ~~ليسا بواحد لاختلاف جهتيهما؛ وذلك أن الأمر بالإخلاص وتكليفه شيء والأمر ~~به ليحوز به قصب السبق في الدين شيء آخر، وإذا اختلف وجها الشيء ~~وصفتاه ينزل بذلك منزلة شيئين مختلفين. # الثاني: أن تكون اللام مزيدة في " أن " قال الزمخشري: وذلك أن تجعل ~~اللام مزيدة مثلها في قولك: أردت لأن أفعل. ولا تزاد إلا ~~مع " أن " خاصة دون الاسم الصريح كأنها زيدت عوضا من ترك الأصل إلى ما ~~يقوم مقامه، كما عوض السين في " أسطاع " عوضا من ترك الأصل الذي هو " ~~أطوع " والدليل على هذا الوجه مجيئه بغير لام في قوله: # وأمرت أن أكون من المسلمين # [يونس:72 والنمل:91] (و) # وأمرت أن أكون من المؤمنين # [يونس:104] (و) # أمرت أن أكون أول من أسلم # [الأنعام:14] انتهى. # قوله: " ولا تزاد إلا مع أن " فيه أن نظر من حيث إنها تزاد باطراد إذا ~~كان المعمول متقدما أو كان العامل فرعا وبغير اطراد من غير الموضعين. ~~ولم يذكر أحد من النحويين هذا التفصيل. وقوله. كما عوض السين في " أسطاع ~~" هذا على أحد القولين، والقول الآخر أنه استطاع، فحذف تاء ~~الاستفعال، وقوله: والدليل عليه مجيئه بغير لام قد يقال: إن أصله باللام، ~~وإنما حذفت لأن حرف الجر يطرد حذفه مع " أن " و " أن " ويكون ~~المأمور به محذوفا تقديره: أن أعبد لأن أكون. # فصل # المراد من الكلام: أن يكون أول من تمسك بالعبادات التي أرسلت بها. واعلم ~~أن العبادة لها ركنان عمل القلب وعمل الجوارح وعمل القلب أشرف من عمل ~~الجوارح وهو الإسلام فقال: { وأمرت لأن أكون أول ~~المسلمين } أي من هذه الأمة. # قوله: { إني أخاف إن عصيت ربي } وعبدت غيره { عذاب ~~يوم عظيم } وهذا حين دعا إلى دين آبائه، والمقصود منه المبالغة في ~~زجر الغير من المعاصي. ودلت هذه الآية على أن ms7496 الأمر للوجوب لقوله في أول ~~الآية: { إني أمرت أن أعبد الله } ثم قال بعده: { قل ~~إني أخاف إن عصيت ربي } فيكون معنى هذا العصيان ترك ~~الأمر الذي تقوم ذكره، ودلت الآية أيضا على أن المرتب على المعصية ليس ~~حصول العقاب بل الخوف من العقاب. # قوله: { قل الله أعبد } قدمت الجلالة عند قوم لإفادة الاختصاص. ~~قال الزمخشري: ولدلالته على ذلك قدم المعبود على فعل العبادة هنا وأخره ~~في الأول فالكلام أولا وقع في الفعل نفسه وإيجاده، وثانيا فيمن يفعل ~~الفعل من أجله فلذلك رتب عليه قوله: { فاعبدوا ما شئتم من ~~دونه }. قال ابن الخطيب: فإن قيل: ما معنى التكرير في قوله: { قل ~~إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين } ~~وقوله: { قل الله أعبد مخلصا له ديني }؟ قلنا: هذا ليس ~~بتكرير لأن الأول إخبار بأنه مأمور من جهة الله بالإيمان بالعبادة ~~والثاني إخبار بأنه أمر أن لا يعبد أحدا غير الله، وذلك لأن قوله: { ~~أمرت أن أعبد الله } لا يفيد الحصر ووقوله تعالى: { قل ~~الله أعبد } يفيد الحصر أي الله أعبد ولا أعبد أحدا سواه، ~~ويدل عليه أنه لما قال: { قل الله أعبد } قال بعده: { ~~فاعبدوا ما شئتم من دونه } وهذا أمر توبيخ وتهديد. ~~والمراد منه الزجر كقوله: # اعملوا ما شئتم # [فصلت:40]. ثم بين كمال الزجر بقوله: { قل إن الخاسرين ~~الذين خسروا أنفسهم } أوقعوها في هلاك لا يعقل هلاك أعظم ~~منه وخسروا أهاليهم أيضا لأنهم إن كانوا من أهل النار فقد خسروهم كما ~~خسروا أنفسهم وإن كانوا من أهل الجنة فقد ذهبوا عنهم ذهابا لا رجوع بعده ~~البتة. وقيل خسران النفس بدخول النار وخسران الأهل أن يفرق بينه ~~وبين أهله. # ولما شرح الله تعالى خسرانهم وصف ذلك الخسران (المبين بالفظاعة ~~فقال: { ألا ذلك هو الخسران) المبين } ، وهذا يدل على غاية ~~المبالغة من وجه: # أحدها: أنه وصفهم بالخسران، ثم أعاد ذلك بقوله: { ألا ذلك هو ~~الخسران المبين } وهذا التكرير لأجل التأكيد. # وثانيها: ذكره حرف " ألا " وهو للتنبيه، وذكر التنبيه يدل على ~~التعظيم ms7497 كأنه قيل: بلغ في العظم إلى حيث لا تصل عقولكم إليه فتنبهوا ~~له. # وثالثها: قوله: " هو الخسران " ولفظ " هو " يفيد الحصر كأنه قيل: ~~كل خسران يصير في مقابلته كلا خسران. # ورابعها: وصفه بكونه خسرانا مبينا وذلك يدل على التهويل. # قوله: { لهم من فوقهم ظلل } يجوز أن يكون الخبر أحد ~~الجارين المتقدمين وإن كان الظاهر جعل الأول هو الخبر، ويكون " من ~~فوقهم " إما حالا من " ظلل " فيتعلق بمحذوف، وإما متعلقا بما ~~تعلق به الخبر و " من النار " صفة لظلل، وقوله: { ومن ~~تحتهم ظلل } كما تقدم. # وسماها ظللا بالنسبة لمن تحتهم، ونظيره قوله: # لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش # [الأعراف:41]. وقوله: # يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت ~~أرجلهم # [العنكبوت: 55]. والمعنى أن النار محيطة بهم من جميع الجوانب. # فإن قيل: الظلة ما علا الإنسان فكيف سمى ما تحته بالظلة؟ # فالجواب من وجوه: # الأول: أنه من باب إطلاق اسم أحد الضدين على الآخر، كقوله: # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى:40]. # الثاني: أن الذي تحته يكون ظلة لغيره لأن النار درجات كما أن الجنة ~~درجات. # الثالث: أن الظلة التحتانية وإن كانت مشابهة للظلة الفوقانية في ~~الحرارة والإحراق والإيذاء أطلق اسم أحدهما على الآخر لأجل المماثلة ~~والمشابهة. # قوله: " ذلك " مبتدأ. وقوله: { يخوف الله به } خبر، ~~والتقدير ذلك العذاب المعد للكفار هو الذي يخوف الله به عباده أي ~~المؤمنين، لأن لفظ العباد في القرآن يختص بأهل الإيمان، وقيل: تخويف ~~للكفار والضلال والأول أقرب لقوله بعده: { يعباد فاتقون }. ~~والظاهر أن المراد منه المؤمنون. # قوله: { والذين اجتنبوا الطاغوت } الذين مبتدأ، والجملة ~~من " لهم البشرى " الخبر، وقيل: " لهم " هو الخبر نفسه، و " ~~البشرى " فاعل به. # وهذا أولى لأنه من باب الإخبار بالمفردات. والطاغوت قال الزمخشري: ~~فعلوت من الطغيان كالملكوت والرهبوت إلا أن فيها قلبا ~~بتقديم اللام على العين. لما ذكر وعيد عبدة الأصنام ذكر وعد من ~~اجتنب عبادتها واحترز عن أهل الشرك ليكون الوعد مقرونا بالوعيد ~~أبدا فيحصل كمال الترغيب والترهيب. # قيل: المراد بالطاغوت هنا: الشيطان. # فإن قيل: إنما ms7498 عبدوا الصنم. # فالجواب: أن الداعي إلى عبادة الصنم هو الشيطان فلما كان الشيطان هو ~~الداعي كانت عبادة للشيطان، وقيل المراد بالطاغوت: الصنم وسميت ~~طواغيت على سبيل المجاز لأنه لا فعل لها، (والطغاة هم الذين يعبدونها ~~إلا أنه لما حصل الطغيان بسبب عبادتها والقرب منها وصفت بذلك) إطلاقا ~~لاسم السبب على المسبب بحسب الظاهر. # وقيل: الطاغوت كل من يعبد ويطاع دون الله. نقل (ذلك) في التواريخ أن ~~الأصل في عبادة الأصنام أن القوم (كانوا) مشبهة واعتقدوا في الإله أنه ~~نور عظيم وأن الملائكة أنواع مختلفة في الصغر والكبر فوضعوا تماثيل ~~صورها على وفق تلك الخيالات فكانوا يعبدون تلك التماثيل على اعتقادهم ~~أنهم يعبدون الله والملائكة. # قوله: " أن يعبدوها " الضمير يعود على الطاغوت لأنها تؤنث، وقد ~~تقدم الكلام عليها مستوفى في البقرة و " أن يعبدوها " في محل نصب ~~على البدل من " الطاغوت " بدل اشتمال كأنه قيل: اجتنبوا عبادة ~~الطاغوت. # قوله: " فبشر عباد " من إيقاع الظاهر موقع المضمر أي فبشرهم ~~أي أولئك المجتبين، وإنما فعل ذلك تصريحا بالوصف المذكور. # فصل # الذين اجتنبوا الطاغوت أي أعرضوا عن عبادة ما سوى الله وأنابوا أي ~~رجعوا بالكلية إلى الله وأقبلوا بالكلية على عبادة الله. ثم إنه تعالى ~~وعد هؤلاء بأشياء: # أحدها: قوله: " لهم البشرى " وهذه البشرى تحصل عند القرب من ~~الموت وعند الوضع في القبر، وعند الخروج من القبر، وعند الوقوف في ~~عرصة القيامة وعند ما يصير فريق في الجنة وفريق في السعير، ففي كل ~~موضع من هذه المواضع تحصل البشارة بنوع من الخير، وهذا المبشر يحتمل ~~أن يكون هم الملائكة عند الموت لقوله: # الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام ~~عليكم # [النحل:32] أو بعد دخول الجنة لقوله: # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام ~~عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار # [الرعد:23-24]. ويحتمل أن يكون هو الله تعالى كما قال: # تحيتهم يوم يلقونه سلام # [الأحزاب:44]، ثم قال { فبشر عباد * الذين يستمعون ~~القول فيتبعون أحسنه } وهم الذين اجتنبوا وأنابوا لا ~~غيرهم. وهذه الآية تدل على وجوب النظر والاستدلال ms7499 لأنه مدح الإنسان الذي ~~إذا سمع أشياء كثيرة يختار منها ما هو الأحسن الأصوب وتمييز الأحسن ~~الأصوب عما سواه لا يتأتى بالمساع وإنما بحجة العقل. واختلفوا في المراد ~~باتباع الأحسن، فقيل: هو مثل أن يسمع القصاص والعفو فيعفو، لأن ~~العفو مندوب إليه لقوله: # وأن تعفوا أقرب للتقوى # [البقرة:237]، وقيل: يسمع العزائم والرخص فيتبع الأحسن وهو العزائم، ~~وقيل: يستمعون القرآن وغير القرآن فيتعبون القرآن. وروى عطاء عن ابن ~~عباس: آمن أبو بكر بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فجاءه عثمان وعبد ~~الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد ~~فسألوه فأخبرهم بإيمانه فأمنوا فنزل فيهم: { فبشر عباد * ~~الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه }. وقال ~~ابن الخطيب: إنا قبل البحث عن الدلائل وتقريرها والشهبات وتزييفها نعرض ~~تلك المذاهب وأضدادها على عقولنا فكل ما حكم به أو العقل بأنه أفضل وأكمل ~~كان أولى بالقبول، مثاله أن صريح العقل شاهد بأن الإقرار بأن (إله العالم ~~حي عالم قادر حكيم رحيم أولى من إنكار ذلك فكان ذلك المذهب أولى ~~والإقرار) بأن الله لا يجري في ملكه وسلطانه إلا ما كان على وفق ~~مشيئته أولى من القول بأن أكثر ما يجري في سلطان الله على خلاف إرادته، ~~والإقرار بأن الله تعالى فرد أحد صمد، منزه عن التركيب والأعضاء ~~أولى من القول بكونه متبعضا، مؤلفا، وأيضا القول باستغنائه عن ~~المكان والزمان أولى من القول بأنه لايستغني عنه ألبتة، فكل هذه الأبواب ~~داخلة تحت قوله: { الذين يستمعون القول فيتبعون ~~أحسنه } ، فهذا في أبواب الاعتقادات وأما أبواب التكاليف فهي قسمان: ~~عبادات ومعاملات، أما العبادات فكقولنا: الصلاة التي يذكر في تحريمها: ~~الله أكبر وهي بنية ويقرأ فيها بالفاتحة ويؤتى فيها بالطمأنينة في ~~المواقف الخمسة ويتشهد فيها ويخرج منها بالسلام فلا شك أنها أحسن ~~من تلك التي لا يراعى فيها شيء من هذه الأحوال، فوجب على العاقل أن ~~يختار هذه الصلاة دون غيرها، وكذا القول في جميع أبواب العبادات. # وأما المعاملات فكما تقدم في القصاص والعفو عنه، وروي عن ms7500 ابن عباس: أن ~~المراد منه أن الرجل يجلس مع القوم فيسمع الحديث فيه محاسن ومساوىء ~~فيحدث بأحسن ما سمع ويترك ما سواه. # قوله: " الذين يستمعون " الظاهر أنه نعت " لعبادي " ، أو بدل ~~منه، أو بيان له، وقيل: يجوز أن يكون مبتدأ، وقوله: " أولئك ~~الذين " إلى آخره خبره، وعلى هذا فالوقف على قوله: " عبادي " ~~والابتداء بما بعده. # قوله: { أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم ~~أولوا الألباب } قال ابن زيد: نزلت: { والذين اجتنبوا الطاغوت أن ~~يعبدوها... } الآيتان في ثلاثة نفر كانوا في الجاهية يقولون: لا إله إلا ~~الله زيد بن عمرو وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي، والأحسن قول لا ~~إله إلا الله. وفي هذه الآية لطيفة وهي أن حصول الهداية في العقل والروح ~~حادث فلا بد له من فاعل وقاتل أما الفاعل فهو الله تعالى وهو المراد من ~~قوله { أولئك الذين هداهم الله } ، وأما القائل فإليه ~~الإشارة بقوله: { وأولئك هم أولوا الألباب } فإن ~~الإنسان ما لم يكن عاقلا كامل الفهم امتنع حصول هذه المعارف والحقيقة في ~~قلبه. ### || [39.19-20] # قوله: { أفمن حق عليه } في " من " هذه وجهان: # أظهرهما: أنها موصولة في محل رفع بالابتداء وخبره محذوف فقدره أبو ~~البقاء: " كمن نجا ". وقدره الزمخشري: " فأنت تخلصه " ~~قال: حذف لدلالة: " أفأنت تنقذ " عليه وقدره غيره: تتأسف ~~عليه، وقدره آخرون: تتخلص منه، أي من العذاب. # وقدر الزمخشري على عادته جملة بين الهمزة والفاء تقديره، أأنت ~~مالك أمرهم فمن حق عليه كملة العذاب؟ # وأما غيره فيدعي أن الأصل تقديم الفاء، وإنما آخرت لما تستحقه الهمزة ~~من التصدير. وقد تقدم تحقيق هذين القولين. # الثاني: أن تكون " من " شرطية وجوبها: " أفأنت " فالفاء فاء ~~الجواب دخلت على جملة الجزاء، وأعيدت الهمزة لتوكيد معنى الإنكار. وأوقع ~~الظاهر وهو " من في النار " موقع المضمر إذ كان الأصل أفأنت تنقذه ~~وإنما وقع موقعه شهادة عليه بذلك، وإلى هذا نحا الحوفي ~~والزمخشري، قال الحوفي: وجيء بألف الاستفهام لما طال الكلام توكيدا ~~ولولا طوله لم يجز الإتيان بها لأنه لا يصلح في العربية أن يؤتى بألف ms7501 ~~الاستفهام في الاسم، وألف أخرى في الجزاء ومعنى الكلام أفأنت ~~تنقذه. # وعلى القول بكونها شرطية يترتب على قول الزمخشري وقول الجمهور مسألة ~~وهو أنه على قول الجمهور يكون قد اجتمع شرط واستفهام. وفيه حينئذ خلاف ~~بين سيبويه ويونس هل الجملة الأخيرة في جواب الاستفهام وهو قول يونس ~~أو جواب الشرط وهو قول سيبويه. # وأما على قول الزمخشري فلم يجتمع شرط (و) استفهام؛ إذ أداة ~~الاستفهام عنده داخلة على جملة محذوفة عطفت عليها جملة الشرط ولو ~~لم يدخل على جملة الشرط. وقوله: " أفأنت تنقذ " استفهام توقيف، ~~وقدم فيها الضمير إشعارا بأنك لست قادرا على إنقاذه إنما القادر ~~عليه الله وحده. # فصل # قال ابن عباس: معنى الآية من سبق في علم الله أنه في النار. وقيل كلمة ~~العذاب قوله تعالى: # لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين # [هود:119]. وقيل: هي قوله: " هؤلاء في النار ولا أبالي ". # فصل # احتج أهل السنة بهذه الآية في مسألة الهدى والضلال بقوله: { أفمن ~~حق عليه كلمة العذاب } فإذا حقت كلمة العذاب عليه امتنع ~~منه فعل الإيمان والطاعة وإلا لزم (انقلاب) خبر الله الصدق كذبا ~~وانقلاب علمه جهلا، وهو محال، وأيضا فإنه تعالى حكم بأن حقية كلمة ~~العذاب (توجب الاستنكار التام من صدور الإيمان والطاعة منه لو كان ذلك ~~ممكنا ولم تكن حقية كلمة العذاب) مانعة منه لم يبق لهذا الاستنكار ~~والاستبعاد معنى. # فصل # احتج القاضي بهذه الآية على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يشفع ~~لأهل الكبائر لأنه حق عليهم العذاب فتلك الشفاعة تكون جارية مجرى ~~إنقاذهم من النار وأن الله تعالى حكم عليهم بالإنكار والاستبعاد، وأجيب: ~~بأنا لا نسلم أن أهل الكبائر قد حق عليهم العذاب وكيف يحق عليهم العذاب ~~مع أن الله تعالى قال: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء:116] وقال: # إن الله يغفر الذنوب جميعا # [الزمر:53]. # قوله: { لكن الذين اتقوا ربهم } استدراك بين شيئين ~~نقيضين، أو (بين) ضدين، وهما المؤمنون والكافرون وقوله: { لهم غرف ~~من فوقها ms7502 غرف } وهذا كالمقابل لما ذكر في وصف الكفار: " لهم من ~~فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ". والمعنى لهم منازل في الجنة رفعية، ~~وفوقها منازل أرفع منها. # فإن قيل: ما معنى قوله " مبنية "؟ # فجوابه: أن المنزل إذا بني على منزل آخر كان الفوقاني أضعف ~~بناء من التحتاني، فقوله " مبنية " معناه أنه وإن كان فوق غيره ~~لكنه في القوة والشدة مساو المنزل الأسفل، ثم قال: { تجري من ~~تحتها الأنهار } وذلك معلوم. # قوله: " وعد الله " مصدر مؤكد لمضمون الجملة فهو منصوب بواجب ~~الإضمار لأن قوله: " لهم غرف " في معنى وعدهم الله ذلك، وفي ~~الآية دقيقة شريفة وهي أنه تعالى في كثير من آيات الوعد يصرح بأن هذا وعد ~~الله وأنه لا يخلف وعده ولم يذكر في آيات الوعيد البتة مثل هذا التأكيد ~~والتقوية، وذلك يدل أن جانب الوعد أرجح من جانب الوعيد بخلاف قول ~~المعتزلة إنه قال في جانب الوعيد # ما يبدل القول لدي ومآ أنا بظلام للعبيد # [ق:29] وأجيبوا بأن قوله: " ما يبدل القول لدي " ليس تصريحا بجانب ~~الوعيد بل هو عام يتناول القسمين الوعد والوعيد فثبت أن الترجيح الذي ~~ذكرنا حق. والله أعلم. ### || [39.21-22] # قوله تعالى: { ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء ~~} (الآية) لما وصف الآخرة بوصف يوجب الرغبة العظيمة فيها وصف الدنيا بصفة ~~توجب (اشتداد) النفرة عنها، وذلك أنه أنزل من السماء ماء وهو المطر وقيل: ~~كل ماء في الأرض فهو من السماء، ثم إنه تعالى ينزله إلى بعض المواضع ثم ~~يقسمه { فسلكه ينابيع في الأرض } أي عيونا ومسالك ~~وركايا في الأرض ومجاري كالعروق في الأجساد { ثم يخرج به ~~زرعا مختلفا ألوانه } من خضرة وحمرة، وصفرة وبياض ~~وغير ذلك مختلفا أصنافه من بر وشعير وسمسم " ثم يهيج " ~~أي يبيس " فتراه مصفرا " لأنه إذا تم جفافه جاز (له) أن ~~ينفصل عن منابته وإن لم تتفرق أجزاؤه فتلك الأجزاء كأنها هاجت لأن ~~تتفرق ثم تصير حطاما فتاتا متكسرا { إن في ذلك لذكرى ~~لأولي الألباب } يعني من شاهد هذه الأحوال ms7503 في النبات علم أن أحوال ~~الحيوان والإنسان كذلك وأنه وإن طال عمره فلا بد من الانتهاء إلى أن ~~يصير مصفر اللون متحطم الأعضاء والأجزاء ثم يكون عاقبته الموت، ~~فإذا كانت مشاهدة هذه الأحوال في النبات مذكرة حصول (مثل) هذه الأحوال في ~~نفسه وفي حياته فحينئذ تعظم نفرته عن الدنيا ولذاتها. # قوله: " ثم يجعله " العامة على رفع الفعل نسقا على ما قبله، ~~وقرأ أبو بشر ثم يجعله منصوبا. # قال أبو حيان: قال صاحب الكامل - يعني الهذلي -: وهو ضعيف. ولم يبين ~~هو ولا صاحب الكامل وجه ضعفه ولا تخريجه، فأما ضعفه فواضح حيث لم ~~يتقدم ما يقتضي نصبه في الظاهر، وأما تخريجه فذكر أبو البقاء فيه ~~وجهين: # أحدهما: أن ينتصب بإضمار " أن " ويكون معطوفا على قوله: { أن ~~الله أنزل من السمآء مآء } في أول الآية والتقدير: ألم تر ~~إنزال الله ثم جعله. # والثاني: أن يكون منصوبا بتقدير: ترى أي ثم ترى جعله حطاما يعني ~~أنه ينصب " بأن " مضمرة وتكون أن وما في حيزها مفعولا به بفعل مقدر ~~وهو " ترى " لدلالة: " ألم تر " عليه. # قوله (تعالى): { أفمن شرح الله صدره للإسلام } ~~الآية، لما بين الدلائل الدالة على وجوب الإقبال على طاعة الله ووجوب ~~الإعراض عن الدنيا وذلك أن الانتفاع بهذه البيانات لا تكمل إلا إذا ~~شرح الصدر ونور القلب، والكلام في قوله (تعالى): { أفمن شرح ~~الله } وقوله: " أفمن يتقي " كالكلام في " أفمن حق " ~~والتقدير: أفمن شرح الله صدره للإسلام كمن قسا ~~قلبه، أو كالقاسي المعرض لدلالة: { فويل للقاسية ~~قلوبهم } عليه وكذا التقدير في: " أفمن يتقي " أي كمن أمن ~~العذاب، وهو تقدير الزمخشري، أو: كالمنعمين في الجنة وهو تقدير ابن ~~عطية. # فصل # معنى شرح الله صدره للإسلام أي وسعه لقبول الحق { فهو على نور ~~من ربه } كمن أقسى الله قلبه { فويل للقاسية ~~قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين }. ~~قال مالك بن دينار: ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة وما غضب الله ~~على قوم إلا نزع منهم الرحمة. # فإن قيل: إن ذكر ms7504 الله - عز وجل - سبب لحصول النور والهداية وزيادة ~~الاطمئنان قال تعالى: # ألا بذكر الله تطمئن القلوب # [الرعد:28] فكيف جعله في هذه الآية مبينا لحصول القسوة في القلب؟. # فالجواب: أن النفس إذا كانت خبيثة الجوهر كدرة العنصر بعيدة عن ~~مناسبة الروحانيات شديدة الميل إلى الطبائع البهيمة والأخلاق ~~الذميمة فإن سماعها لذكر الله يزيدها قسوة وكدورة، مثاله أن الفاعل ~~الواحد تختلف أفعاله بحسب اختلاف القوابل كنور الشمس تسود وجه القصار ~~ويبيض ثوبه، وحرارة الشمس تلين الشمع وتعقد الملح. وقد نرى إنسانا ~~(واحدا) يذكر كلاما واحدا في مجلس واحد فيستطيبه واحد ويستكرهه غيره، ~~وما ذاك إلا بحسب اختلاف جواهر النفوس، ولما نزل قوله تعالى: # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين # [المؤمنون: 12] وعمر بن الخطاب حاضر وإنسان آخر فلما انتهى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - إلى قوله تعالى: # ثم أنشأناه خلقا آخر # [المؤمنون:14] قال كل (واحد) منهما: # فتبارك الله أحسن الخالقين # [المؤمنون:14] فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اكتب فكذا نزلت ~~فازداد عمر إيمانا على إيمان، وازداد ذلك الإنسان (كفرا على ~~كفر) وإذا عرف هذا لم يبعد أن يكون ذكر الله - عز وجل - يوجب النور ~~والهداية والاطمئنان في النفوس الطاهرة الروحانية ويوجب القسوة ~~والبعد عن الحق في النفوس الخبيثة الشيطانية. ### || [39.23-26] # قوله: { الله نزل أحسن الحديث } احتج القائلون بحدوث ~~القرآن بهذه الآية من وجوه: # الأول: أنه تعالى وصفه بكونه: " حديثا " في هذه الآية وفي قوله: # فليأتوا بحديث مثله # [الطور:34] وفي قوله: # أفبهذا الحديث أنتم مدهنون # [الواقعة: 81] والحديث لا بد وأن يكون حادثا بل الحديث أقوى في ~~الدلالة على الحدوث من الحادث لأنه (لا) يصح أن يقال: هذا حديث وليس ~~بعتيق، وهذا عتيق وليس بحديث، ولا يصح أن يقال: هذا عتيق وليس ~~بحادث فثبت أن الحديث هو الذي يكون قريب العهد بالحدوث. وسمي الحديث ~~حديثا لأنه مؤلف من الحروف والكلمات وتلك الحروف والكلمات تحدث ~~حالا فحالا وساعة فساعة. # الثاني: قالوا بأنه تعالى وصفه بأنه أنزله والمنزل يكون في ~~محل تصرف الغير وما ms7505 كان كذلك فهو محدث وحادث. # الثالث: قالوا: إن قوله: " أحسن الحديث " يقتضي أن يكون هو من ~~جنس سائر الأحاديث كما أن قوله: " زيد أفضل الإخوة " (يقتضي أن يكون ~~زيد مشاركا لأولئك الأقوام في صفة الأخوة) ويكون من جنسهم، فثبت أن ~~القرآن من جنس سائر الأحاديث، ولما كان سائر الأحاديث حادثة وجب أيضا ~~أن يكون القرآن حادثا. # الرابع: قالوا: إنه تعالى وصفه بكونه كتابا والكتاب مشتق من الكتيبة ~~وهي الاجتماع، وهذا يدل على كونه حادثا. # قال ابن الخطيب: والجواب أن نحمل هذا الدليل على الكلام المؤلف من ~~الحروف والألفاظ والعبارات، وذلك الكلام عندنا محدث مخلوق. # فصل # كون القرآن أحسن الحديث إما أن يكون بحسب اللفظ وذلك من وجهين: # الأول: أن يكون ذلك الحسن لأجل الفصاحة والجزالة. # الثاني: أن يكون بحسب النظم في الأسلوب وذلك لأن القرآن ليس من جنس ~~الشعر ولا من جنس الخطب ولا من جنس الرسالة بل هو نوع يخالف الكل ~~مع أن كل (ذي) طبع سليم يستلذه ويستطيبه، وإما أن يكون ~~أحسن الحديث لأجل المعنى. وهو من وجوه: # الأول: أنه كتاب منزه عن التناقض قال تعالى: # ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا # [النساء:82]، ومثل هذا الكتاب إذا خلا عن التناقض كان ذلك من ~~المعجزات. # الثاني: اشتماله على الغيوب الكثيرة في الماضي والمستقبل. # الثالث: أن العلوم الموجودة فيه كثيرة جدا. وقد شرح ابن الخطيب منها ~~أقساما كثيرة. # قوله: " كتابا " فيه وجهان: # أظهرهما: أنه بدل من: " أحسن الحديث ". # والثاني: أنه حال منه، قال أبو حيان، لما نقله عن الزمخشري: وكأنه ~~بناه على أن " أحسن الحديث " معرفة لإضافته إلى معرفة، وأفعل ~~التفضيل إذا أضيف إلى معرفة فيه خلاف، فقيل: إضافته محضة وقيل: ~~غير محضة. # قال شهاب الدين: وعلى تقدير كونه نكرة يحسن أيضا أيضا أن يكون حالا؛ ~~لأن النكرة متى أضيفت ساغ مجيء الحال منها بلا خلاف، والصحيح أن ~~إضافة " أفعل " محضة وقوله: " متشابها " نعت " لكتاب ". # وهو المسوغ لمجيء الجامد حالا، أو لأنه في قوة " مكتوب " ، أو ms7506 ~~تمييزا منقولا من الفاعلية أي متشابها مثانيه. وإلى هذا ذهب ~~الزمخشري. # قوله: " مثاني " قرأ العامة مثاني - بفتح الياء - صفة ثانية، ~~أو حالا أخرى. وقرأ هشام عن ابن عامر وأبو بشر بسكونها، وفيها وجهان: # أحدهما: أنه تسكين حرف العلة استثقالا للحركة عليه كقراءة: # تطعمون أهليكم # [المائدة:89]، (و) (قوله): # 4296- كأن أيديهن...... # ............................. # ونحوهما. # والثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو مثاني. كذا ذكره أبو حيان، ~~وفيه نظر من حيث إنه كان ينبغي أن ينون تحذف ياؤه لالتقاء ~~الساكنين، فيقال: مثان كما تقول: هؤلاء جوار، وقد يقال: ~~إنه وقف عليه ثم أجري الوصل مجرى الوقف لكن يعترض عليه بأن الوقف على ~~المنقوص المنون بحذف الياء نحو: هذا قاض وإثباتها لغة قليل، ويمكن ~~الجواب عنه بأنه قد قرىء بذلك في المتواتر نحو: { من والي } [الرعد:11] و ~~{ باقي } [النحل:96] و { هادي } [الرعد:7] في قراءة ابن كثير. # فصل # تقدم تفسير الكتاب عند قوله: " ذلك الكتاب " ، وقوله: " ~~متشابها " أي يشبه بعضه بعضا (في الحسن ويصدق بعضه بعضا) ~~ليس فيه تناقض ولا اختلاف، قاله ابن عباس، وقوله: " مثاني " جمع " ~~مثنى " أي يثنى فيه ذكر الوعد، والوعيد، والأمر، والنهي، ~~والأخبار والأحكام، أو جمع " مثنى " مفعل من التثنية بمعنى ~~التكرير، وإنما وصف كتاب وهو مفرد " بمثاني " وهو جمع لأن الكتاب ~~مشتمل على سوة وآيات، وهو من باب: برمة أعشار، وثوب ~~أخلاق. قاله الزمخشري. وقيل: ثم موصوف محذوف أي فصولا مثاني، ~~حذف للدلالة عليه، وقال ابن الخطيب: إن أكثر الأشياء المذكورة زوجين ~~زوجين مثل الأمر، والنهي، والعام، والخاص، والمجمل، والمفصل، وأحوال ~~السموات والأرض والجنة والنار، والضوء والظلمة، واللوح، والقلم، ~~والملائكة، والشياطين، والعرش، والكرسي، والوعد، والوعيدن والرجاء ~~والخوف والمقصود منه أن بيان كل ما سوى الحق زوج يدل على أن كل شيء ~~ممثل بضده ونقيضه وأن الفرد الأحد الحق هو الله تعالى. # قوله: " تقشعر " هذه الجملة يجوز أن تكون صفة " لكتاب " وأن تكون ~~حالا منه لاختصاصه بالصفة، وأن تكون مستأنفة، واقشعر جلده إذا تقبض ~~وتجمع من الخوف وقف شعره، والمصدر الاقشعرار والقشعريرة ~~أيضا ms7507 ووزن اقشعر افعلل، ووزن القشعريرة فعليلة. # فصل # قال المفسرون: تقشعر تضطرب وتشمئز { منه جلود الذين ~~يخشون ربهم } والاقشعرار تغير في جلد الإنسان عند الوجل ~~والخوف، وقيل: المراد من الجلود القلوب أي قلوب الذين يخشون ربهم { ثم ~~تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله } (أي لذكر ~~الله). # قيل: إذا ذكرت آيات العذاب اقشعرت جلود الخائفين لله وإذا ذكرت آيات ~~الرحمة لانت وسكنت قلوبهم كما قال الله: # ألا بذكر الله تطمئن القلوب # [الرعد:28] وحقيقة المعنى أن قلوبهم تقشعر عند الخوف وتلين عند الرجاء. ~~قال عليه (الصلاة و) السلام: # " إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله تحاتت ~~عنه ذنوبه كما يتحات عن الشجرة اليابسة ورقها ~~" # ، وقال: # " إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله حرمه ~~الله على النار " # ، قال قتادة: هذا نعت أولياء الله نعتهم الله بأنهم تقشعر جلودهم ~~وتطمئن قلوبهم ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم إنما ذلك في ~~أهل البدع وهو من الشيطان، وعن عروة بن الزبير قال: قلت لجدتي ~~أسماء بنت أبي بكر كيف كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يفعلون إذا قرىء عليهم القرآن؟ (قالت: كانوا كما نعتهم الله عز ~~وجل تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم، قال: فقلت لها: إن ناسا ~~اليوم إذا قرىء عليهم القرآن) خر أحدهم مغشيا عليه فقالت: أعوذ ~~بالله من الشيطان الرجيم. وعن ابن عمر أنه مر برجل من أهل العراق ساقط ~~فقال: ما بال هذا؟ قالوا: إنه إذا قرىء عليه القرآن أو سمع ذكر الله ~~سقط فقال ابن عمر: إنا لنخشى الله (- عز وجل) - وما نسقط. # وقال ابن عمر: إن الشيطان يدخل في جوف أحدهم ما كان هذا صنيع أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم -. # فصل # قال الزمخشري: تركيب لفظ القشعريرة من حروف التقشع وهو ~~الأديم وضموا إليه حرفا رابعا وهو الراء ليكون رباعيا دالا على معنى ~~زائد، يقال: اقشعر جلده من الخوف (إذا) وقف شعره وهو مثل في شدة الخوف ~~فإن قيل: كيف قال: " تلين إلى ذكر الله " فعداه بحرف " إلى "؟ # فالجواب: التقدير: ms7508 تلين جلودهم وقلوبهم حال وصولها إلى حضرة الله وهو لا ~~يحس الإدراك. # فإن قيل: كيف قال: إلى ذكر الله ولم يقل: إلى ذكر رحمة الله؟ # فالجواب: أن من أحب الله لأجل رحمته فهو ما أحب الله وإنما أحب شيئا ~~غيره، وأما من أحب الله لا لشيء سواه فهو المحب وفي الدرجة العالية ~~فلهذا لم يقل: تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر رحمة الله وإنما قال: إلى ذكر ~~الله وقد بين الله تعالى هذا بقوله: # ألا بذكر الله تطمئن القلوب # [الرعد:28]. # فإن قيل: لم ذكر في جانب الخوف قشعريرة الجلود فقط، وفي جانب الرجاء ~~لين الجلود والقلوب؟ # فالجواب: لأن المكاشفة في مقام الرجاء أكمل منها في مقام الخوف لأن ~~الخير مطلوب بالذات، والشر مطلوب بالعرض ومحل المكاشفات هي القلوب ~~والأرواح والله أعلم. # ثم إنه تعالى: لما وصف القرآن بهذه الصفات قال: { ذلك هدى الله ~~يهدي به من يشآء } فقوله " ذلك " إشارة إلى الكتاب وهو هدى ~~الله وهو الذي شرح الله صدره (أولا) لقبول الهداية ومن يضلل الله أي ~~يجعل قلبه قاسيا مظلما { فما له من هاد }. # واعلم أن سؤالات المعتزلة وجوابها عن مثل هذه الآية قد تقدم في قوله: # فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام # [الأنعام:125] ونظائرها. # قوله: { أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب } الآية لما حكم ~~على القاسية قلوبهم بحكم في الدنيا وهو الضلال التام حكم عليهم في الآخرة ~~بحكم آخر وهو العذاب الشديد فقال: { أفمن يتقي بوجهه سوء ~~العذاب يوم القيامة } وتقريره أن أشرف الأعضاء الظاهرة هو ~~الوجه لأنه محل الصباحة وصومعة الحواس (والسعادة والشقاوة) لا تظهر إلا ~~فيه، قال تعالى: # وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه ~~يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة أولئك هم ~~الكفرة الفجرة # [عبس:38-42]. ويقال لمقدم القوم: يا وجه العرب، ويقال الطريق ~~الدال على حال الشيء: إن وجه كذا هو كذا. فثبت بما ذكرنا أن أشرف ~~الأعضاء الظاهرة هو الوجه وإذا وقع الإنسان في نوع من أنواع العذاب فإنه ~~يجعل يده وقاية لوجهه، وإذا عرف هذا ms7509 فنقول: إذا كان القادر على الاتقاء ~~يجعل كل ما سوى الوجه فداء للوجه لا جرم حسن جعل الاتقاء بالوجه ~~كناية (عن العجز) عن الاتقاء ونظيره قوله النابغة: # 4297- ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم # بهن فلول من قراع الكتائب # أي لا عيب فيهم إلا هذا، وهو ليس بعيب فلا عيب فيهم إذن بوجه من ~~الوجوه فكذا ههنا لا يقدرون على الاتقاء بوجه من الوجوه إلا بالوجه، وهذا ~~ليس باتقاء، فلا قدرة لهم على الاتقاء البتة، وقيل: إنه يلقى في ~~النار مغلولة يده إلى عنقه، فلا يتهيأ له أن يتقي النار إلا بوجهه، وتقدم ~~الكلام على الإعراب. و " سوء العذاب " أشده، وقال مجاهد: يجر على وجهه في ~~النار، وقال عطاء: يرمى به في النار منكوسا، فأول شيء يمس النار منه ~~وجهه. # قوله: " وقيل للظالمين " أي تقول الخزنة للظالمين: { ذوقوا ~~ما كنتم تكسبون } أي وباله. # ولما بين كيفية عقاب القاسية قلوبهم في الآخرة وبين كيفية وقوعهم في ~~العذاب قال: { كذب الذين من قبلهم } أي من قبل كفار مكة ~~كذبوا الرسل { فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون } ~~يعني وهم آمنون غافلون عن العذاب أي من الجهة التي لا يخشون ولا يخطر ~~ببالهم أن الشر يأتيهم منا، { فأذاقهم الله الخزي في ~~الحياة الدنيا } وهو الذل والصغار والهوان ثم قال: { ولعذاب ~~الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون } يعني أن أولئك وإن نزل ~~بهم العذاب والخزي في الدنيا فالعذاب المدخر لهم يوم القيامة أكبر وأعظم ~~من ذلك الذي وقع بهم في الدنيا. ### || [39.27-29] # ولما ذكر الله تعالى هذه الفوائد الكثيرة في هذه المطالب بين أن هذه ~~البيانات بلغت حد الكمال والتمام فقال: { ولقد ضربنا للناس ~~في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون } ~~يتعظون، قالت المعتزلة: دلت الآية على أن أفعال الله تعالى وأحكامه ~~معللة، ودلت أيضا على أنه تعالى يريد الإيمان والمعرفة من الكل؛ لأن ~~قوله: { ولقد ضربنا للناس } مشعر بالتعليل، وقوله في آخر ~~الآية: { لعلهم يتذكرون } مشعر بالتعليل أيضا ومشعر بأن ~~المراد من ضرب هذه الأمثال ms7510 حصول التذكرة والعلم. # قوله: " قرآنا عربيا " فيه ثلاثة أوجه: # أحدهما: (أن يكون منصوبا على المدح؛ لأنه لما كان نكرة امتنع إتباعه ~~للقرآن. # الثاني: أن ينتصب ب " يتذكرون " أي) يتذكرون قرآنا. # الثالث: أن ينتصب على الحال من " القرآن " على أنها حال مؤكدة وتسمى ~~حالا موطئة؛ لأن الحال في الحقيقة " عربيا " ، و " قرآنا " توطئه ~~له، نحو: جاء زيد رجلا صالحا، وقوله: { غير ذي عوج } نعت " ~~لقرآنا " ، أو حال أخرى. # قال الزمخشري: فإن قلت: فهلا قيل مستقيما أو غير معوج؟ قلت: فيه ~~فائدتان: # إحداهما: نفي أن يكون فيه عوج قط كما قال: # ولم يجعل له عوجا # [الكهف:1]. # والثانية: أن العوج يختص بالمعاني دون الأعيان وقيل: المراد بالعوج ~~الشك واللبس وأنشد: # 4298- وقد أتاك يقين غير ذي عوج # من الإله وقول غير مكذوب # فصل # اعلم أنه تعالى وصف القرآن بصفات ثلاثة: # أولها: كونه قرآنا، والمراد كونه متلوا في المحاريب إلى قيام ~~الساعة. # وثانيها: كونه عربيا أي أنه أعجز الفصحاء والبلغاء عن معارضته كما ~~قال: # قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله # [الإسراء:88]. # وثالثها: كونه غير ذي عوج، والمراد براءته من التناقض، قال ابن عباس: ~~غير مختلف، وقال مجاهد: غير ذي لبس وقال السدي: غير مخلوق، ويروى ذك عن ~~مالك بن أنس، وحكى سفيان بن عيينة عن سبعين من التابعين أن القرآن ليس ~~بخالق ولا مخلوق. # قوله: " لعلهم يتقون " الكفر والتكذيب به. وتمسك المعتزلة ~~به في تعليل أحكام الله تعالى، وقوله في الآية الأولى: { لعلهم ~~يتذكرون } ، وههنا: " لعلهم يتقون " لأن التذكر يتقدم على ~~الاتقاء والاحتراز. والله أعلم. # قوله تعالى: { ضرب الله مثلا رجلا } قال الكسائي: نصب " ~~رجلا " لأنه تفسير للمثل. # واعلم أنه تعالى لما شرح وعيد الكفار مثل بما يدل على فساد ~~مذهبهم وقبح طريقتهم، فقال: { ضرب الله مثلا }. # قوله: " فيه شركآء " يجوز أن يكون هذا جملة من مبتدأ وخبر في محل ~~نصب صفة " لرجل " ويجوز أن يكون الوصف الجار وحده، و " شركاء " ~~فاعل به، وهو أولى لقربه من ms7511 المفرد، و " متشاكسون " صفة " ~~لشركاء " والتشاكس (التخالف، وأصله سوء الخلق وعسره، وهو سبب ~~التخالف، والتشاجر، ويقال: التشاكس) والتشاخس - بالخاء - ~~موضع الكاف، وقد تقدم الكلام على نصب المثل وما بعده الواقعين بعد ~~ضرب. # وقال الكسائي: انتصب " رجلا " على إسقاط الجار، أي لرجل أو في ~~رجل، والمتشاكسون المختلفون العسرون، يقال: شكس يشكس ~~شكوسا وشكسا إذا عسر، وهو رجل شكس أي عسر وشاكس إذا ~~تعاسر قال الليث: التشاكس التضاد والاختلاف ويقال: الليل والنهار ~~يتشاكسان أي يتضادان إذا جاء أحدهما ذهب الآخر. وقوله " فيه " صلة " ~~لشركاء " كما تقول اشتركوا فيه أي في رقة، (قال شهاب الدين: وقال ~~أبوا البقاء كلاما لايشبه أن يصدر من مثله بل ولا أقل منه قال: " ~~وفيه شركاء " ) الجملة صفة " لرجل " و " فيه " متعلق ~~بمتشاكسون، وفيه دلالة على جواز تقديم خبر المبتدأ عليه انتهى أما ~~هذا فلا أشك أنه سهو لأنه من حيث جعله جملة كيف يقول بعد ذلك: إن " فيه " ~~يتعلق " بمتشاكسون ". وقد يقال: أراد من حيث المعنى. وهو بعيد ~~جدا، ثم قوله: " وفيه دلالة " إلى آخره يناقضه أيضا وليست المسألة ~~غريبة حتى يقول: " وفيه دلاله " وكأنه أراد وفيه دلالة على تقديم معمول ~~الخبر على المبتدأ بناء منه على أن " فيه " يتعلق بمتشاكسون، ~~ولكنه فاسد، والفاسد لا يرام صلاحه. # قوله: " سلما لرجل " قرأ ابن كثير وأبو عمرو سالما بالألف ~~وكسر اللام، والباقون سلما بفتح السين واللام، وابن جبير بكسر السين ~~وسكون اللام، (قال ابن الخطيب: ويقال أيضا: بفتح السين وسكون اللام)، ~~فالقراءة الأولى اسم فاعل من سلم له كذا فهو سالم. والقراءتان الأخيرتان ~~سلما فهما مصدران وصف بهما على سبيل المبالغة أو على حذف مضاف، أوعلى ~~وقوعهما موقع اسم الفاعل فيعود كالقراءة الأولى، وقرىء: " ورجل ~~سالم " برفعهما وفيه وجهان: # أحدهما: أن يكون مبتدأ والخبر محذوف تقديره وهناك رجل سالم لرجل،كذا ~~قدره الزمخشري. # الثاني: أنه مبتدأ، و " سالم " خبره، وجاز الابتداء بالنكرة لأنه موضع ~~تفصيل كقول أمرىء القيس: # 4299- إذا ما بكى من خلفها انصرفت له # بشق وشق عندنا لم يحول ms7512 # وقولهم: " الناس رجلان رجل أكرمت ورجل أهنت ". # قوله: " مثلا " منصوب على التمييز المنقول من الفاعلية إذ الأصل: هل ~~يستوي مثلهما، وأفرد التمييز لأنه مقتصر عليه أولا في قوله: { ~~ضرب الله مثلا }. وقرىء " مثلين " فطابق حال الرجلين. ~~وقال الزمخشري فيمن قرأ مثلين: إن الضمير في " يستويان " " ~~للمثلين " لأن التقدير: مثل رجل ومثل رجل، والمعنى هل ~~يستويان فيما يرجع إلى الوصيفة كما تقول: كفى بهما رجلين. # قال أبو حيان: والظاهر أنه يعود الضمير في " يستويان " على " رجلين " ~~، وأما إذا جعلته عائدا إلى المثلين اللذين ذكر أن التقدير: مثل رجل ~~ومثل رجل، فإن التمييز يكون إذ ذاك قد فهم من المميز الذي هو الضمير ~~إذ يصير التقدير: هل يستوي المثلان مثلين في الوصفية، فالمثلان الأولان ~~معهودان الثانيان جنسان مبهمان كما تقول: كفى بهما ~~رجلين، فإن الضمير في بهما عائد على ما يراد بالرجلين فلا فرق ~~بين المسألتين فما كان جوابا عن: " كفى بهما رجلين " يكون جوابا له. # فصل # تقدم الكلام: اضرب لقومك مثلا وقل ما تقولون في رجل مملوك ~~لشركاء بينهم اختلاف وتنازع فيه وكل واحد يدعي أنه عبده فهم يتجاذبونه ~~في حوائجهم وهو متحير في أمره وكلما أرضى أحدهم غضب الباقون، وإذا ~~احتاج إليهم فكل واحد منهم يرده إلى الآخر فيبقى متحيرا لا يعرف أيهم ~~أولى أن يطلب رضاه؟ وأيهم يعينه في حاجاته؟ فهو بهذا السبب في عذاب ~~دائم، وآخر له مخدوم واحد يخدمه على سبيل الإخلاص وذلك المخدوم يعينه في ~~مهماته فأي هذا (من) العبدين أحسن حالا؟ والمراد أن من أثبت آلهة أخرى ~~فإن الآلهة تكون متنازعة متغالبة كما قال تعالى: # لو كان فيهمآ ءالهة إلا الله لفسدتا # [الأنبياء:22] وقال: # ولعلا بعضهم على بعض # [المؤمنون:91] فيبقى ذلك المشرك متحيرا ضالا لا يدري أي هؤلاء ~~الآلهة يعبد؟ وعلى ربوبية أيهم يعتمد؟ وممن يطلب رزقه؟ فهمه مشاع وقلبه ~~أوزاع أما من لم يثبت إلا إلها واحدا فهو قائم بما كلفه عارف بما ~~يرضيه ويسخطه فكان حال هذا أقرب إلى الصلاح من حال الأول، ms7513 وهذا المثال ~~في غاية الحسن في تقبيح الشرك وتحسين التوحيد. # فإن قيل: هذا المثال لا ينطبق على عبادة الأصنام لأنها جمادات فليس ~~بينهما منازعة ولا تشاكس. # فالجواب: أن عبدة الأصنام مختلفون منهم من يقول: هذه الأصنام تماثيل ~~الكواكب السبعة وهم يثبتون بينهما منازعة ومشاكسة، ألا ترى أنهم يقولون: ~~زحل هو النحس الأعظم، (والمشتري: هو السعد الأعظم) ومنهم من يقول: ~~هذه الأصنام تماثيل الأرواح السماوية وحنيئذ (يحصل) بين تلك الأرواح ~~منازعة ومشاكسة وحنيئذ يكون المثال مطابقا، ومنهم من يقول: هذه الأصنام ~~تماثيل الأشخاص من العلماء والزهاد (الذين) مضوا فهم يعبدون فهم ~~يعبدون هذه التماثيل ليصير أولئك الأشخاص من العلماء والزهاد شفعاء ~~لهم عند الله. والقائلون بهذا القول يزعم كل طائفة منهم أن المحق هو ذلك ~~الرجل الذي هو على دينه، وأن من سواه مبطل وعلى هذا التقدير أيضا ينطبق ~~المثال. # قوله: { الحمد لله } يعني أنه لما أبطل القول بإثبات الشركاء ~~والأنداد وثبت أنه لا إله إلا الواحد الأحد المحق ثبت أن الحمد له لا ~~لغيره، ثم قال { بل أكثرهم لا يعلمون } أن الحمد له لا لغيره، وأن ~~المستحق العبادة هو الله. وقيل: لا يعلمون ما يصيرون إليه، وقيل: المراد ~~أنه لما سيقت عنده الدلائل الظاهرة قال: " الحمد لله " على حصول ~~هذه البيانات، وظهور هذه البينات وإن كان (أكثر) الخلق لا يعرفونها قال ~~البغوي: والمراد بالأكثر الكل. ### || [39.30-37] # قوله: " إنك ميت " أي ستموت " وإنهم ميتون " أي ~~سيموتون. قال الفراء والكسائي: الميت - بالتشديد - من لم يمت ~~وسيموت والميت - بالتخفيف - من فارقه الروح ولذلك لم يخفف ~~ههنا. والعامة على ميت وميتون، وقراءة ابن محيصن وابن أبي عبلة ~~واليماني: مائت ومائتون، وهي صفة مشعرة بحدوثها دون ميت، وقد ~~تقدم أنه لا خلاف بين القراء في تثقيل مثل هذا. # فصل # والمراد أن هؤلاء الأقوام وإن لم يلتفتوا إلى هذه الدلائل القاهرة لأجل ~~الحسد فلا تبال يا محمد بهذا فإنك ستموت وهم أيضا يموتون " ثم ~~إنكم " تحشرون يوم القيامة وتختصمون عند الله تعالى والعادل الحق ~~بينكم فيوصل ms7514 إلى كل أحد حقه وحينئذ يتميز المحق من المبطل. # ثم إنه تعالى بين نوعا آخر من قبائح أفعالهم وهم أنهم يكذبون ويضمون ~~إليه أنهم يكذبون القائل المحق أما كذبهم فهو أنهم أثبتوا لله ولدا ~~وشركاء، وأما تكذيبهم الصادق فلأنهم يكذبون (القائل المحق) محمدا - صلى ~~الله عليه وسلم - بعد قيام الدلائل القاطعة على كونه صادقا في ادعاء ~~النبوة، ثم أردفه بالوعيد فقال: { أليس في جهنم مثوى ~~للكافرين } أي منزل ومقام للكافرين، وهذا استفهام بمعنى التقرير. # ولما ذكر (الله) من افترى على الله الكذب أو كذب بالحق ذكر مقابله وهو ~~الذي جاء بالصدق وصدق به، وقوله: { والذي جآء بالصدق } ~~لفظ مفرد، ومعنا جمع لأنه أريد به الجنس، وقيل: لأنه قصد به الجزاء ~~وما كان كذلك كثر فيه وقوع: " الذي " موقع " الذين " ولذلك روعي معناه ~~فجمع في قوله: { أولئك هم المتقون } كما روعي معنى " من ~~" في قوله: " للكافرين " فإن " الكافرين " ظاهرة واقع موقع ~~المضمر؛ إذ الأصل مثوى لهم، وقيل: بل الأصل: والذين جاء بالصدق ~~فحذفت النون تخفيفا كقوله: # كالذي خاضوا # [التوبة:69] وهذا وهم؛ إذ لو قصد ذلك لجاء بعده ضمير الجمع فكان ~~يقال: والذي جاءوا، كقوله: # كالذي خاضوا # [التوبة:69]. ويدل عليه أن نون التثنية إذا حذفت عاد الضمير مثنى ~~كقوله: # 4300- أبني كليب إن عمي اللذا # قتلا الملوك وفككا الأغلالا # ولجاء كقوله: # 4301- [و] إن الذي حانت بفلج دماؤهم # هم القوم كل القوم يا أم خالد # وقرأ عبد الله: { والذي جاءوا بالصدق وصدقوا به }. وقد ~~تقدم تحقيق نظير الآية في أوائل البقرة وغيرها، وقيل: " الذي " صفة ~~لموصوف محذوف بمعنى الجمع تقديره والفريق أو الفوج، ولذلك قال: { ~~أولئك هم المتقون }. وقيل: المراد بالذي واحد بعينه وهو ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - ولكن لما كان المراد هو وأتباعه اعتبر ذلك ~~فجمع واحد فقال: " أولئك هم " كقوله: # ولقد ءاتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون # [المؤمنون:49] قاله الزمخشري، وعبارته: هو رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أراد به إياه ومن تبعه كما أراد بموسى إياه وقومه، ~~وناقشه أبو حيان في ms7515 إيقاع الضمير المنفصل موقع المتصل، قال: وإصلاحه أن ~~يقول: وأراده به كما أراده بموسى وقومه، قال شهاب الدين: ولا مناقشة ~~لأنه مع تقديم " به " و " بموسى " لغرض من الأغراض استحال اتصال ~~الضمير، وهذا كالبحث في قوله تعالى: # ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ~~وإياكم # [النساء:131] وقوله: # يخرجون الرسول وإياكم # [الممتحنة:1] وهو أن بعض الناس زعم أنه يجوز الانفصال مع القدرة على ~~الاتصال. وتقدم الجواب بقريب مما ذكرنا ههنا، وتقدم بيان حكمة التقديم ~~ثمة. وقول الزمخشري إن الضمير في: " لعلهم يهتدون " لموسى وقومه ~~فيه نظر بل الظاهر خصوص الضمير بقومه دونه لأنهم هم المطلوب منهم ~~الهداية، وأما موسى - عليه (الصلاة و) السلام - فمهتد ثابت على الهداية ~~وقال الزمخشري أيضا: ويجوز أن يريد: والفوج أو الفريق الذي جاء بالصدق ~~وصدق به وهم الرسول الذي جاء بالصدق وصاحبته الذين صدقوا به. قال أبو ~~حيان: وفيه توزيع للصلة، والفوج هو الموصول فهو كقولك: " جاء ~~الفريق الذي شرف وشرف " والأظهر عدم التوزيع بل المعطوف على الصلة ~~صلة لمن له الصلة الأولى. # وقرأ أبو صالح وعكرمة بن سليمان ومحمد بن جحادة مخففا ~~بمعنى صدق فيه ولم يغيره بل أداه من غير تحريف، وقرىء: " وصدق ~~به " مشددا مبنيا للمفعول. # فصل # المعنى فمن أظلم ممن كذب على الله فزعم أن له ولدا وشريكا وكذب ~~بالصدق بالقرآن، أو بمحمد إذ جاءه، ثم قال { والذي جآء ~~بالصدق } قال ابن عباس: والذي جاء بالصدق رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وصدق به محمد - صلى الله عليه وسلم - تلقاه بالقبول، ~~وقال أبو العالية والكلبي: والذي جاء بالصدق: رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وصدق به: أبو بكر - رضي الله عنه - وقال قتادة: والذي جاء بالصدق ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصدق به: هم المؤمنون لقوله: # أولئك هم المؤمنون # [الأنفال: 4]. وقال عطاء والذي جاء بالصدق: الأنبياء وصدق به: الأتباع ~~وحنيئذ يكون " الذي " بمعنى " الذين " كقوله: # مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلمآ أضاءت ما ~~حوله ذهب الله بنورهم # [البقرة: 17]. وقال الحسن: هم ms7516 المؤمنون صدقوا به في الدينا وجاءوا به في ~~الآخرة، { أولئك هم المتقون لهم ما يشآءون عند ~~ربهم } وهذا لايفيد العبدية بمعنى الجهة والمكان بل بمعنى الإخلاص، ~~كقوله: # عند مليك مقتدر # [القمر:55]. # ثم قال: { ذلك جزآء المحسنين } قالت المعتزلة: وهذا يدل على ~~أن الأجر مستحق لهم على إحسانهم في العبادة. # قوله: " ليكفر الله " في تعلق الجار وجهان: # أحدهما: أنها متعلقة بمحذوف أي يسر لهم ذلك ليكفر. # والثاني:أن تتعلق بنفس المحسنين كأنه قيل: الذين أحسنوا ليكفر ~~أي لأجل التكفير. # قوله: " أسوأ الذي " الظاهر أنه أفعل تفضيل، وبه قرأ العامة ~~وقيل: ليست للتفضيل بل بمعنى سيء الذي عملوا كقولهم: " الأشج ~~والناقص أعدلا بني مروان " أي عادلاهم. ويدل عليه قراءة ~~ابن كثير - في رواية -: أسواء بألف بين الواو والهمزة بزنة أعماله ~~جمع سوء، وكذا قرأ في: " حم " السجدة. # فصل # قوله: { لهم ما يشآءون عند ربهم } يدل على حصول الثواب ~~على أكمل الوجوه، وقوله تعالى: { ليكفر الله عنهم } يدل ~~على سقوط العقاب عنهم على أكمل الوجوه ومعنى تكفيرها أي يسترها عليهم ~~بالمغفرة ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعلمون. وقال مقاتل: يجزيهم ~~بالمحاسن من أعمالهم ولا يجزيهم بالمساوىء، قال ابن الخطيب: واعلم أن ~~مقاتلا كان شيخ المرجئة وهم الذين يقولون: لا يضر شيء من المعاصي ~~مع الإيمان كما لا ينفع شيء من الطاعات مع الكفر. واحتج بهذه الآية ~~فقال: إنها تدل على أن من صدق الأنبياء والرسل فإنه تعالى يكفر عنهم ~~أسوأ الذي عملوا ولا يجوز حمل هذا الأسوأ على الكفر السابق لأن ظاهر ~~الآية أن التكليف إنما حصل في حال وصفهم بالتقوى، (وهو التقوى) من ~~الشرك وإذا كان كذلك وجب أن يكون المراد منه الكبائر التي يأتي بها بعد ~~الإيمان فتكون هذه الآية تنصيصا على أنه تعالى يكفر عنهم بعد إيمانهم ~~(أسوأ) ما يأتون به وذلك هو الكبائر. # قوله: { أليس الله بكاف عبده } العامة على توحيد " عبده ~~" ، والأخوان عباده جمعا، وهم الأنبياء وأتباعهم، وقرىء " ~~بكافي عباده " بالإضافة. ويكافي مضارع كافي عباده نصب على ~~المفعول به. ms7517 # ثم المفاعلة هنا تحتمل أن تكون معنى " فعل " نحو: يجازي بمعنى ~~يجزي وبني على لفظ المفاعلة لما تقدم من أن بناء المفاعلة يشعر ~~بالمبالغة لأنه للمغالبة، ويحتمل أن يكون أصله يكافيء بالهمز من ~~المكافأة بمعنى يجزيهم فخففت الهمزة، وهذا استفهام تقرير. # قوله: " ويخوفونك " يجوز أن يكون حالا؛ إذ المعنى أليس ~~(الله) كافيك حال تخويفهم إياك بكذا كأن المعنى أنه كافيه ~~في كل حال حتى في هذه الحال، ويجوز أن تكون مستأنفة. # فصل # من قرأ بكاف عبده يعني محمدا - صلى الله عليه وسلم - ومن قرأ ~~عباده يعني الأنبياء عليهم (الصلاة و) السلام قصدهم قومهم بالسوء ~~كما قال تعالى: # وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه # [غافر:5] وكفاهم الله شر من عاداهم. وقيل: المراد أن الله تعالى ~~كفى نوحا - عليه (الصلاة و) السلام - وإبراهيم النار ويونس ما دفع فهو ~~سبحانه وتعالى كافيك يا محمد كما كفى هؤلاء الرسل قبلك. # وقوله تعالى: { ويخوفونك بالذين من دونه } وذلك أن ~~قريشا خوفوا النبي - صلى الله عليه وسلم - معاداة الأوثان وقالوا: ~~لتكفن عن شتم آلهتنا أو ليصبنك منهم خبل أو جنون، فأنزل ~~الله هذه الآية. # ولما شرح الوعد والوعيد والترغيب ختم الكلام بخاتمة هي المفصل الحق ~~فقال: { ومن يضلل الله فما له من هاد ومن يهد ~~الله فما له من مضل } أي هذه الدلائل والبينات لا تنفع إلا ~~إذا خص الله العبد بالهداية والتوفيق، ثم قال: { أليس الله ~~بعزيز ذي انتقام }. وهذا تهديد للكفار. # فصل # احتج أهل السنة بهذه الآية على مسألة خلق الأعمال لأن قوله: { ومن ~~يضلل الله فما له من هاد ومن يهد الله فما ~~له من مضل } صريح في ذلك، وتمسك المعتزلة بقوله أليس الله بعزيز ~~ذي انتقام ولو كان الخالق للكفر فيهم هو الله تعالى لكان الانتقام ~~والتهديد غير لائق. والله أعلم. ### || [39.38] # قوله تعالى: { ولئن سألتهم من خلق السماوات ~~والأرض ليقولن الله }.... الآية. لما بين وعيد المشركين ~~ووعد الموحدين عاد إلى إقامة الدليل على تزييف طريق عبدة الأوثان ~~وهذا التزييف مبني على أصلين: ms7518 # الأصل الأول: أن هؤلاء المشركون مقرون بوجود الإله القادر على العالم ~~الحكيم وهو المراد من قوله: { ولئن سألتهم من خلق ~~السماوات والأرض ليقولن الله }. قال بعض العلماء العلم ~~بوجود الإله القادر الحكيم علم متفق عليه بين جمهور الخلائق لا نزاع ~~بينهم فيه وفطرة العقل شاهدة بصحة هذا العلم فإن من تأمل في عجائب بدن ~~الإنسان وما فيه من أنواع الحكم الغربية والمصالح العجيبة علم أنه لا ~~بد من الاعتراف بالإله القادر الحكيم الرحيم. # والأصل الثاني: أن هذه الأصنام لا قدرة لها على الخبر والشر وهو المراد ~~من قوله: { قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن ~~أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو ~~أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته } فثبت أنه لا ~~بد من الإقرار بوجود (الله) الإله القادر الحكيم الرحيم، وثبت أن هذه ~~الأصنام لا قدرة لها على الخير والشر وإذا كان الأمر كذلك كانت عبادة ~~الله كافية والاعتماد عليه كافيا وهو المراد من قوله: { قل حسبي ~~الله عليه يتوكل المتوكلون }. # قوله: { أفرأيتم ما تدعون } هي المتعدية لاثنين أولهما: " ~~ما تدعون " ، وثانيهما: الجملة الاستفهامية والعائد على المفعول منها ~~قوله " هن ". وإنما أنثه تحقيرا لما يدعون من دونه ولأنهم ~~كانوا يسمونها بأسماء الإناث اللات ومناة والعزى، وتقدم تحقيق هذا. # قوله: { هل هن كاشفات } قرأ أبو عمرو كاشفات وممسكات - ~~بالتنوين - ونصب " ضره ورحمته " وهو الأصل في اسم الفاعل. ~~والباقون بالإضافة. هو تخفيف. # فصل # قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية سألهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ~~ذلك فسكتوا فقال الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - قل حسبي ~~الله ثقتي بالله واعتمادي { عليه يتوكل ~~المتوكلون } يثق الواثقون. ### || [39.39-40] # قوله: { قل يقوم اعملوا على مكانتكم } وهذا أمر ~~تهديد أي أنكم تعتقدون في أنفسكم أنكم في نهاية القوة والشدة فاجتهدوا في ~~أنواع مكركم وكيدكم فإني عامل في تقرير ديني فسوف تعلمون أن العذاب ~~والخزى يصيبني أو يصيبكم. ### || [39.41] # قوله تعالى: { إنآ أنزلنا عليك الكتاب للناس ~~بالحق } الآية.. اعلم أن النبي - صلى الله عليه ms7519 وسلم - كان يعظم ~~عليه إصراهم على الكفر كما قال تعالى: # فلعلك باخع نفسك على ءاثارهم # [الكهف:6] وقال: # فلا تذهب نفسك عليهم حسرات # [فاطر:8] وقال: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين # [الشعراء:3] فلما بين الله تعالى في هذه الآيات فساد مذاهب المشركين ~~تارة بالدلائل البينات وتارة بضرب الأمثال وتارة بذكر الوعد والوعيد ~~أردفه بكلام يزيل ذلك الخوف العظيم عن قلب الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: إنا أنزلنا إليك الكتاب الكامل الشريف لنفع الناس ~~وهداهم وجعلنا إنزاله مقرونا بالحق وهو المعجز الذي يدل على أنه من عند ~~الله فمن اهتدى فنفعه يعود إليه ومن ضل فضير ضلاله يعود إليه { ومآ ~~أنت عليهم بوكيل } أي لست مأمورا بأن تحملهم على الإيمان على ~~سبيل القهر بل القبول، وعدم القبول مفوض إليهم وذلك تسلية للرسول - ~~عليه (الصلاة و) السلام - ثم بين تعالى الهداية لا تحصل إلا بتوفيق الله ~~تعالى، وكما أن الموت والنوم لا يحصلان إلا بتخليق الله تعالى، كذلك ~~الضلال لا يحصل إلا بأمر الله تعالى، ومن عرف هذه الدقيقة فقد عرف سر ~~الله في القدر ومن عرف سر الله تعالى في القدر هانت عليه المصائب فيصير ~~التنبيه على هذه الدقيقة سببا لزوال ذلك الحزن عن قلب الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - فهذا وجه النظم، وفيه وجه آخر وهو أن الله تعالى ذكر حجة ~~أخرى في إثبات أنه إله عالم ليلد على أنه بالعبادة أحق من هذه ~~الأصنام. ### || [39.42-45] # قوله: { الله يتوفى الأنفس حين موتها } أي الأرواح ~~حين موتها فيقبضها عند انقضاء أجلها، وقوله: " حين موتها " يريد ~~موت أجسادها " والتي لم تمت " يريد يتوفى الأنفس التي لم تمت في ~~منامها فالتي تتوفى عند النوم هي النفس التي بها العقل والتمييز ولكل ~~إنسان نفسان إحادهما نفس الحياة وهي التي تفارقه عند الموت وتزول ~~بزوالها النفس والأخرى هي النفس التي تفارقه إذا نام وهو بعد النوم تنفس ~~{ فيمسك التي قضى عليها الموت } فلا يردها إلى الجسد ~~" ويرسل الأخرى " أي يردها إلى الجسد وهي التي لم ms7520 يقض عليها ~~الموت { إلى أجل مسمى } وهو وقت موته. # قوله: { والتي لم تمت } عطف على " الأتفس " أي يتوفى ~~الأنفس حين تموت وتتوفى أيضا الأنفس التي لم تمت في منامها ف " في ~~منامها " ظرف " ليتوفى ". وقرأ الأخوان: " قضي " مبنيا ~~للمفعول الموت رفعا لقيامه مقام الفاعل. # فصل # قيل: إنا للإنسان نفسا وروحا، فعند النوم يخرج النفس وتبقى ~~الروح، وعن علي قال: تخرج الروح عند النوم ويبقى شعاعه في الجسد، ~~فبذلك يرى الرؤيا فإذا انتبه من النوم عاد الروح إلى حسده بأسرع من لحظة ~~ويقال: إن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فتتعارف ما شاء ~~الله فإذا أرادت الرجوع إلى أجسادها أمسك الله أرواح الأموات عنده وأرسل ~~أرواح الأجساد حتى ترجع إلى أجسادها إلى انقضاء مدة حياتها { إن في ~~ذلك لآيات لقوم يتفكرون } لدلالات على قدرته حيث لم ~~يغلط في إمساك ما يمسك من الأرواح وإرسال ما يرسل منها. # وقال مقاتل: لعلامات لقوم يتفكرون في أمر البعث يعني أن توفي نفس ~~النائم وإرسالها بعد التوفي دليل على البعث. # فإن قيل: قوله تعالى: { الله يتوفى الأنفس } يدل على أن ~~المتوفي هو الله تعالى فقط، ويؤكده قوله تعالى: # الذي خلق الموت والحياة # [الملك:2] وقوله: # ربي الذي يحيي ويميت # [البقرة: 258] وقال في آية أخرى: # قل يتوفاكم ملك الموت # [السجدة:11] (وقال في آية ثالثة: # إذا جآء أحدكم الموت توفته رسلنا # [الأنعام:61] فكيف الجمع؟ # فالجواب: أن المتوفي في الحقيقة هو الله تعالى إلا أنه تعالى فوض كل ~~نوع إلى ملك من الملائكة ففوض قبض الأرواح إلى ملك الموت وهو الرئيس ~~وتحته أتباع وخدم فأضيف التوفي في آية الله تعالى وهي الإضافة ~~الحقيقة، وفي آية إلى ملك الموت لأن الرئيس في هذا العمل وفي آية إلى ~~أتباعه والله أعلم. # قوله: " أم اتخذوا " أم منقطعة فتقدر ببل والهمزة. # واعلم أن الكافر أوردوا على هذا الكلام سؤالا قالوا: نحن لا نعبد ~~هذه الأصنام لاعتقاد أنها تضر وتنفع وإنما نعبدها لأجل أنها تماثيل ~~لأشخاص كانوا عنده من المقربين فنحن نعبدها لأجل أن ms7521 يصير أولئك الأكابر ~~شفعاء فأجاب الله تعالى بأن قال { أم اتخذوا من دون الله ~~شفعآء }. # قوله: { قل أولو كانوا } تقدم الكلام على نحو " أولو " ~~وكيف هذا التركيب، والمعنى قل يا محمد أو لو كانوا أي وإن ~~كانوا يعني الآلهة { لا يملكون شيئا } من الشفاعة " ولا ~~يعقلون " أنكم تعبدونهم، وجواب هذا محذوف تقديره وإن كانوا بهذه ~~الصفة تتخذونهم. # قوله: { قل لله الشفاعة جميعا } قال مجاهد: لا يشفع أحد ~~إلا بإذنه { له ملك السماوات والأرض ثم إليه ~~ترجعون }. # قوله: { وإذا ذكر الله وحده اشمأزت } نفرت، قال ابن ~~عباس ومجاهد ومقاتل: أي انقبضت عن التوحيد وقال قتادة استكبرت، ~~وأصل الاشمئزاز النفور والاستكبار { قلوب الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة } وهذا نوع آخر من أعمال المشركين القبيحة { ~~وإذا ذكر الذين من دونه } يعني الأصنام { إذا هم ~~يستبشرون } يعني يفرحون. قال مجاهد ومقاتل: وذلك حين قرأ النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - سورة والنجم فألقى الشيطان في أمنيته " تلك ~~الغرانيق العلا " ففرح به الكفار. # قوله: { وإذا ذكر الذين } قال الزمخشري: فإن قلت: ما العامل ~~في: " إذا ذكر "؟ # قلت: العامل فيه " إذا " الفجائية تقديره وقت ذكر الذين من دونه ~~فاجأوا وقت الاستبشار. # قال أبو حيان: أما قول الزمخشري فلا أعلمه من قول من ينتمي إلى النحو ~~وهو أن الظرفين معمولان " لفاجأوا " ثم " إذا " الأول تنصب على ~~الظرفية والثانية على المفعولية. وقال الحوفي: { إذا هم ~~يستبشرون } " إذا " مضافة إلى الابتداء والخبر، و " إذا " مكررة ~~للتوكيد، وحذف ما يضاف إليه، والتقدير: إذا كان ذلك هم يستبشرون، ~~فيكون (هم يستبشرون) هو العامل في " إذا " المعنى: إذا كان كذلك ~~استبشروا. # قال أبو حيان: هذا يبعد جدا عن الصواب إذا جعل " إذا " مضافة إلى ~~الابتداء والخبر، ثم قال و " إذا " مكررة للتوكيد وحذف ما يضاف إليه إلى ~~آخره كلامه. (فإذا كانت إذا حذف ما يضاف إليه) فكيف تكون مضافة إلى ~~الابتداء والخبر الذي هو " هم يستبشرون "! وهذا كله يوجبه عدم الإتقان ~~لعلم النحو والتحذق فيه، انتهى. # قال شهاب الدين: وفي هذه العبارة تحامل على ms7522 أهل العلم المرجوع إليهم ~~فيه. واختار أبو حيان أن يكون العامل في " إذا " الشرطية الفعل بعدها لا ~~جوابها وأنها ليست مضافة لما بعدها سواء كانت زمانا أم مكانا أما إذا ~~قيل: إنها حرف فلا يحتاج إلى عامل. وهي رابطة لجملة الجزاء بالشرط ~~كالفاء. # والاشمئزاز النفور والتقبض، وقال أبو زيد: هو الذعر، اشمأز ~~فلان أي ذعر ووزنه افعلل كاقشعر، قال الشاعر: # 4302- إذا عض الثقاف بها اشمأزت # وولته عشوزنة زبونا # قال الزمخشري: ولقد تقابل الاستبشار والاشمئزاز إذ كل واحد منهما في ~~بابه لأن الاستبشار أن يمتلىء قلبه سرورا حتى يظهر ذلك السرور في ~~أسرة وجهه ويتهلل، والاشمئزاز أن يعظم (غمه) وغيظه فينقبض الروح ~~إلى داخل القلب فيبقى في أديم الوجه أثر الغبرة والظلمة الأرضية. ### || [39.46-52] # ولما حكى هذا الأمر العجيب الذي تشهد فطرة العقل بفساده أردفه بذكر ~~الدعاء العظيم فقال: { قل اللهم فاطر السماوات والأرض ~~عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ~~ما كانوا فيه يختلفون } روى أبو سلمة قال سألت عائشة بم كان ~~يفتتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاته بالليل؟ قالت: كان يقول: # " اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم ~~الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لم ~~اختلف فيه الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ". # ولما حكى عنهم هذا المذهب الباطل ذكر في وعيدهم أشياء: # أولها: أن هؤلاء الكفار لو ملكوا كل ما في الأرض من الأمور وملكوا مثله ~~معه جعلوا الكل فدية لأنفسهم من العذاب الشديد. # وثانيها: قوله: { وبدا لهم من الله ما لم يكونوا ~~يحتسبون } أي ظهرت لهم أنواع من العذاب لم يكن في حسابهم، وهذا ~~كقوله - عليه (الصلاة و) السلام - في صفة الثواب في الجنة: # " فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر ~~على قلب بشر " # فكذلك حصل في العقاب مثله وهو قوله: { وبدا لهم من الله ما ~~لم يكونوا يحتسبون } وقال مقاتل: ظهر لهم حين بعثوا ما لم ~~يحتبسوا في الدنيا أنه ms7523 نازل بهم في الآخرة. وقال السدي: ظنوا أن أعمالهم ~~حسنات فبدت لهم سيئات والمعنى أنهم كانوا يتقربون إلى الله بعبادة ~~الأصنام فلما عوقبوا عليها بدا لهم من الله ما لم يحتسبوا. # وثالثها: قوله تعالى: { وبدا لهم سيئات ما كسبوا } أي ~~مساوىء أعمالهم من الشرك وظلم أولياء الله " وحاق بهم " أي أحاط بهم ~~من جميع الجوانب { ما كانوا به يستهزئون } فنبه تعالى بهذه ~~الوجوه على عظم عقابهم. # قوله: { سيئات ما كسبوا } يجوز أن يكون " ما " مصدرية أي ~~سيئات كسبهم أو بمعنى الذي أي سيئات أعمالهم التي اكتسبوها. # قوله: { فإذا مس الإنسان ضر دعانا... } الآية. وهذه ~~حكاية طريقة أخرى من طرائقهم الفاسدة وهي أنهم عند الوقوع في الضر الذي ~~هو الفقر والمرض يفزعون إلى الله تعالى ويرون أن دفع ذلك البلاء لا ~~يكون إلا منه، ثم إنه تعالى إذا خوله أعطاه نعمة يقول: إنما أوتيته ~~على علم أي علم من الله أني أهل له. # وقيل: إن كان ذلك سعادة في الحال أو عافية في النفس يقول إنما حصل له ~~ذلك بجده واجتهاده، وإن كان مالا يقول: إنما أوتيته بكسبي وإن كان صحة ~~قال: إنما حصل بسبب العلاج الفلاني، وهذا تناقض عظيم، لأنه لما كان ~~عاجزا محتاجا أضاف الكل إلى الله وفي حال السلامة والصحة قطعه من الله ~~وأسنده إلى كسب نفسه وهذا تناقض قبيح. # قوله: " إنمآ أوتيته " يجوز أن تكون (ما) مهيئة زائدة على نحو: ~~إنما قام زيد، وأن تكون موصولة، والضمير عائد عليها من " أوتيته " أي إن ~~الذي أوتيته على علم مني، أو على علم من الله في أني أستحق ذلك. # قوله: " بل هي " الضمير للنعمة ذكرها أولا في قوله: " إنما أوتيته ~~" لأنها بمعنى الإنعام، وقيل: تقديره " شيئا ". وأنث هنا اعتبارا ~~بلفظها، وقيل: بل الحالة أو الإتيانة، وإنما عظمت هذه الجملة وهي قوله: { ~~فإذا مس الإنسان } بالفاء والتي في أول السورة بالواو لأن هذه ~~مسببة عن قوله: " وإذا ذكر " أي يشمئزون من ذكر الله ويستبشرون بذكر ~~آلهتهم فإذا مس أحدهم بخلاف ms7524 الأولى حيث لا تسبب فيها، فجيء بالواو التي ~~لمطلق العطف وعلى هذا فما بين السبب والمسبب جمل اعتراضية. قال معناه ~~الزمخشري. واستبعده أبو حيان من حيث إن أبا علي يمنع الاعتراض بجملتين ~~فيكف بهذه الجمل الكثيرة؟. # ثم قال: " والذي يظهر في الربط أنه لما قال: { ولو أن للذين ~~ظلموا.... } الآية كان ذلك إشعارا بما ينال الظالمين من شدة العذاب ~~وأنه يظهر لهم القيامة من العذاب أتبع ذلك بما يدل على ظلمة وبغيه إذ كان ~~إذا مسه ضر دعا الله فإذا أحسن إليه لم ينسب ذلك إليه ". وقال ابن ~~الخطيب: إن السبب في عطف هذه الآية بالفاء أنه تعالى حكى عنهم قبل هذه ~~الاية أنهم يشمئزون من سماع التوحيد، ويستبشرون بسماع ذكر الشركاء، ~~ثم ذكر " بفاء " التعقيب أنهم إذا وقعوا في الضرر والبلاء التجأوا ~~إلى الله وحده، فكان الفعل الأول مناقضا للفعل الثاني، فذكر بفاء ~~التعقيب ليدل به على أنهم واقعون في المناقضة الصريحة في الحال وأنه ~~ليس بين الأول والثاني: فاصل مع أن كل واحد منهما مناقض للثاني، فهذا ~~فائدة ذكر فاء التعقيب ههنا وأما الآية الأولى فليس المقصود منها ~~بيان وقوعهم في التناقض في الحال فلا جرم ذكره تعالى بحرف الواو لا بحرف ~~الفاء. # ومعنى قوله: " فتنة " استدراج من الله تعالى وامتحان. # قوله: " قد قالها " أي قال القولة المذكورة وهي قوله: { إنمآ ~~أوتيته على علم } لأنها كلمة أو جملة من القول. وقرىء: قد ~~قاله أي هذا القول أو الكلام. والمراد بالذين من قبلهم قارون وقومه، ~~حيث قال: # إنمآ أوتيته على علم عندي # [القصص:78] وقومه راضون به فكأنهم قالوها، ويجوز أن يكون في الأمم ~~الماضية قائلون مثلها. # قوله: " فمآ أغنى " يجوز أن يكون " ما " هذه نافية أو استفهامية ~~مؤولة بالنفي. # وإذا احتجنا إلى تأويلها بالنفي فلنجعلها نافية استراحة من المجاز. ~~ومعنى الآية ما أغنى عنهم الكفر من العذاب شيئا. # قوله: { فأصابهم سيئات ما كسبوا } أي جزاؤها يعني ~~العذاب، ثم أوعد كفار مكة فقال: { والذين ظلموا من ~~هؤلاء سيصيبهم سيئات ما ms7525 كسبوا } ثم قال: { وما ~~هم بمعجزين } أي بفائتين لأن مرجعهم إلى الله - عز وجل -. # قوله: { أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن ~~يشآء ويقدر } يعني أو لم يعلموا أن الله هو الذي يبسط الرزق تارة ~~ويقبض أخرى، ويدل على ذلك أنا نرى الناس مختلفين في سعة الرزق وضيقه فلا ~~بد لذلك من سبب وذلك السبب ليس هو عقل الرجل وجهله لأنا نرى العاقل ~~القادر في أشد الضيق ونرى الجاهل الضعيف في أعظم السعة وليس ذلك أيضا ~~لأجل الطبائع والأنجم والأفلاك لأن في الساعة التي ولد فيها ذلك الملك ~~الكريم والسلطان القاهر قد ولد فيها أيضا عالم من الناس وعالم من ~~الحيوانات غير الإنسان ويولد أيضا في تلك الساعة عالم من النبات، فلما ~~شاهدنا حدوث هذه الأشياء الكثيرة في تلك الساعة الواحدة مع كونها مختلفة ~~في السعادة والشقاوة علمنا أن الفاعل لذلك هو الله تعالى فصح بهذا ~~البرهان (العقلي) القاطع صحة قوله تعالى: { الله يبسط الرزق ~~لمن يشآء ويقدر } وقال الشاعر: # 4303- فلا السعد يقضي به المشتري # ولا النحس يقضي علينا زحل # ولكنه حكم رب السما # وقاضي القضاة تعالى وجل ### || [39.53-61] # قوله (تعالى): { قل يعبادي الذين أسرفوا على ~~أنفسهم.... } الآية لما ذكرالوعيد أردفه بشرح كمال رحمته وفضله، ~~قيل: في هذه الآية أنواع من المعاني والبينات حسنة منها إقباله عليهم ~~ونداؤهم ومنها إضافتهم إلى الله إضافة تشريف ومنها الالتفات من التكلم ~~إلى الخطاب، في قوله: { من رحمة الله } ومنها إضافة الرحمة لأجل ~~أسمائه الحسنى، ومنها إعادة الظاهر بلفظه في قوله: " إن الله " ، ~~ومنها: إبراز الجملة من قوله " إنه هو الغفور الرحيم " مؤكدة ب " ~~إن " ، وبالفصل، وبإعادة الصفتين اللتين تضمنتهما الآية السابقة. # فصل # روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن ناسا من أهل الشرك كانوا قتلوا ~~وأكثروا فأتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وقالوا: إن الذين تدعو إليه ~~لحسن إن كان لما عملنا كفارة فنزلت هذه الآية، وروى عطاء بن رباح عن ~~ابن عباس أنها نزلت في وحشي قاتل حمزة حين بعث إليه ms7526 النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - يدعوه إلى الإسلام فأرسل إليه كيف تدعوني إلى دينك وأنت ~~تزعم أنه من قتل أو أشرك أو زنا # يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة # [الفرقان: 68،69] وأنا قد فعلت ذلك كله فأنزل الله: # إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا # [الفرقان: 70] فقال وحشي: هذا شرط شديد لعلي لا أقدر عليه فهل ~~غير ذلك فأنزل الله - عز وجل -: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء:116] فقال وحشي: أراني بعد في شبهة فلا أدري أيغفر لي أم لا ~~فأنزل الله تعالى: { قل يعبادي الذين أسرفوا على ~~أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله } قال وحشي: نعم ~~هذا فجاء وأسلم فقال المسلمون: هذا له خاصة أم للمسلمين عامة؟ قال: بل ~~للمسلمين عامة. # وروي عن ابن عمر قال: نزلت هذه الآية في عياش بن أبي ربيعة والوليد بن ~~الوليد ونفر من المسلمين كانوا قد أسلموا ثم فتنوا وعذبوا فافتتنوا ~~وكنا نقول لا يقبل الله من هؤلاء صرفا ولا عدلا أبدا (قوم) قد ~~أسلموا ثم تركوا دينهم لعذاب عذبوا فيه، فأنزل الله هذه الآيات فكتبها ~~عمر بن الخطاب بيده ثم بعث بها إلى عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد ~~وإلى أولئك النفر فأسلموا وهاجروا. واعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص ~~السبب. # فصل # دلت هذه الآية على أنه تعالى يعفو عن الكبائر لأن عرف القرآن جار ~~بتخصيص اسم العباد بالمؤمنين قال تعالى: # وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا # [الفرقان: 63] وقال: # عينا يشرب بها عباد الله # [الإنسان:6] وإذا كان لفظ العبد مذكورا في معرض التعظيم وجب أن لا يقع ~~إلا على المؤمنين وإذا ثبت هذا ظهر أن قوله: " يا عبادي " مختص ~~بالمؤمنين، ولأن المؤمن هو الذي يعترف بكونه عبد الله وأما المشركون ~~فإنهم يسمون أنفسهم بعبد اللات وعبد العزى (وعبد المسيح). # وإذا ثبت ذلك فقوله تعالى: { يعبادي الذين أسرفوا على ~~أنفسهم } عام في جميع المسرفين، ثم قال: { إن الله يغفر ~~الذنوب جميعا ms7527 } وهذا يقتضي كونه غافرا لجميع الذنوب الصادرة عن ~~المؤمنين وهو المطلوب. # فإن قيل: هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها وإلا لزم القطع بكون ~~الذنوب مغفورة قطعا وأنتم لا تقولون به فسقط الاستدلال، وأيضا فإنه ~~تعالى قال عقيب هذه الآية { وأنيبوا إلى ربكم ~~وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب... } الآية؛ ~~ولو كان المراد من الآية أنه تعالى يغفر الذنوب قطعا لما أم عقيبه ~~بالتوبة، ولما خوفهم بنزول العذاب عليهم من حيث لا يشعرون وأيضا قال: { ~~أن تقول نفس يحسرتا على ما فرطت في جنب الله ~~} الآية؛ وأيضا لو كان المراد ما دل عليه ظاهر الآية لكان ذلك إغراء ~~بالمعاصي وإطلاقا في الإقدام عليها وذلك لا يليق بحكمة الله تعالى. وإذا ~~ثبت هذا وجب أن يحمل على أن المراد منه التنبيه على أنه لا يجوز أن يظن ~~(العاصي) أن لا مخلص له من العذاب البتة فإن اعتقد ذلك فهو قانط جميعا ~~أي بالتوبة والإنابة. # فالجواب: (قوله) إن الآية تقتضي كون كل الذنوب مغفورة قطعا وأنتم لا ~~تقولون به قلنا: بلى نحن نقول به لأن صيغة " يغفر " للمضارع وهي ~~الاستقبال وعندنا أن الله يخرج من النار من قال لا إله إلا الله محمد ~~رسول الله وعلى هذا التقدير فصاحب الكبير مغفور له قطعا إما قبل دخول ~~النار وإما بعد دخولها فثبت أن دلالة ظاهر الآية عين مذهبنا وأما قوله: ~~لو صارت الذنوب بأسرها مغفورة لما أمر بالتوبة. # فالجواب: أن عندنا التوبة واجبة وخوف العقاب قائم فإذن لا يقطع ~~بإزالة العقاب بالكلية بل نقول لعله يعفو مطلقا ولعله يعذب بالنار مدة ~~ثم يعفو بعد ذلك وبهذا يخرج الجواب عن بقية الأسئلة والله أعلم. # وروى مقاتل بن حيان عن نافع عن ابن عمر قال: كنا معشر أصحاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - نرى أو نقول ليس شيء من حسناتنا إلا وهي ~~مقبولة حتى نزلت: # أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا ~~أعمالكم # [محمد: 33] فلما نزلت هذه الآية قلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ ms7528 فقلنا: ~~الكبائر والفواحش وكنا إذا رأينا من أصاب شيئا منها (قلنا: قد هلك فأنزل ~~الله هذه الآية فكففنا عن القول في ذلك، فكنا إذا رأينا أحدا أصاب) ~~منها شيئا خفنا عليه وإن لم يصب منها شيئا رجونا له، وأراد ~~بالإسراف ارتكاب الكبائر. # (وروي) عن ابن مسعود أنه دخل المسجد فإذا قاص (يقص) وهو يذكر النار ~~والأغلال فقام على رأسه فقال: يا مذكر لم تقنط النا؟ ثم ~~قرأ: { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطو من رحمة الله }. وعن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: # " يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله (إن ~~الله يغفر الذنوب جميعا ولا يبالي) " # ، وروى أبو هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: # " قال رجل لم يعمل خيرا قط لأهله: إذا مات فحرقوه ثم ذروا ~~نصفه في البر ونصفه في البحر فوالله لئن قدر الله عليه ~~ليعدبنه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين فلما مات فعلوا ما أمرهم ~~فأمر الله البحر فجمع ما فيه وأمر البر فجمع ما فيه، ثم قال له: ~~لم فعلت هذا قال: من خشيتك يا رب وأنت أعلم فغفر له " # وعن ضمضم بن حوش(ب) قال: دخلت مسجد المدينة فناداني شيخ فقال: ~~يا يماني تعال وما أعرفه فقال: لا تقولن لرجل والله لا يغفر الله لك ~~أبدا ولا يدخلك الجنة قلت: ومن أنت يرحمك الله؟ قال: أبو هريرة قال: ~~فقلت إن هذه الكملة يقولها أحدنا لبعض أهله إذا غضب أو زوجه أو لخادمه ~~قال: فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: # " إن رجلين كانا في بني إسرائيل متحابين أحدهما مجتهد ~~في العبادة والآخرة كأنه يقول: مذنب فجعل يقول أقصر عما أنت فيه قال: ~~فيقول خلني وربي قال: حتى وجده يوما على ذنب استعظمه فقال أقصر فقال: ~~خلني وربي أبعثت علي رقيبا فقال: والله لا يغفر لك الله أبدا ولا يدخلك ~~الجنة أبدا قال: فبعث الله إليهما ملكا ms7529 فقبض أرواحها فاجتمعا عنده فقال ~~للمذنب ادخل الجنة برحمتي وقال للآخر: أتستطيع أن تحظر على عبدي رحمتي؟ ~~فقال: لا يا رب فقال: اذهبوا به إلى النار " # ، قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده ل (قد) تكلم بكلمة أوبقت دنياه ~~وآخرته. # قوله عز وجل: { إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه ~~هو الغفور الرحيم }. # قوله: " يا عبادي " قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم يا عبادي ~~بفتح الياء، والباقون وعاصم - في بعض الروايات - بغير فتح، وكلهم يقفون ~~عليها بإثبات الياء؛ لأنها ثابتة في المصحف إلا في بعض رواية أبي بكر عن ~~عاصم أنه يقف بغير ياء. # قوله: " لا تقنطوا " قرأ أبو عمرو والكسائي بكسرالنون، والباقون ~~بفتحها، وهما لغتان، قال الزمخشري: وفي قراءة ابن عباس وابن مسعود { ~~يغفر الذنوب جميعا لمن يشاء }. # قوله: { وأنيبوا إلى ربكم } قال الزمخشري أي توبوا ~~إليه " وأسلموا له " أي وأخلصوا له العمل من قبل أن يأتيكم ~~العذاب ثم لا تنصرون. # { واتبعوا أحسن مآ أنزل إليكم من ربكم } ~~يعني القرآن، والقرآن كله حسن، ومعنى الآية ما قال الحسن: الزموا طاعته ~~واجتنبوا معصيته، فإن (في) القرآن ذكر القبيح ليجتنبه وذكر الأدون ~~لئلا نرغب فيه، وذكر الأحسن لنؤثره، وقيل: الأحسن الناسخ دون المنسوخ، ~~لقوله تعالى: # ما ننسخ من ءاية أو ننسها نأت بخير منها أو ~~مثلها # [البقرة:106]. # ثم قال: { من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم ~~لا تشعرون } وهذا تهديد وتخويف. والمعنى يفاجئكم العذاب وأنتم ~~غافلون عنه. # واعلم أنه تعالى لما خوفهم بالعذاب بين أنهم بتقدير نزول العذاب عليهم ~~ماذا يقولون؟ فحكم تعالى عليهم بثلاثة أنواع من الكلام: # فالأول: (قوله: " أن تقول " ) مفعول من أجله فقدره الزمخشري: ~~كراهة أن تقول، (وابن عطية: أنيبوا من أجل أن تقول، وأبو البقاء ~~والحوفي أنذرناكم مخافة أن تقول) ولا حاجة إلى إضمار هذا ~~العامل مع وجود " أنيبوا ". وإنما نكر نفسا لأنه أراد التكثير ~~كقول الأعشى: # 4304- ورب بقيع لو هتفت بجوه # أتاني كريم ينغض الرأس مغضبا # يريد أتاني (كرام كثيرون لا كريم فذ لمنافاته المعنى المقصود، ويجوز ms7530 ~~أن يريد نفسا متميزة عن الأنفس) باللجاج الشديد في الكفر والعذاب ~~العظيم. # قوله: " يا حسرتى " العامة على الألف بدلا من ياء الإضافة، وعن ~~ابن كثير: يا حسرتاه بهاء السكت وقفا وأبو جعفر يا حسرتي على ~~الأصل، وعنه أيضا: يا حسرتاي بالألف والياء. وفيها وجهان: # أحدهما: لاجمع بين العوض والمعوض منه. # والثاني: أنه تثنية " حسرة " مضافة لياء المتكلم، واعترض على هذا ~~بأنه كان ينبغي أن يقال: يا حسرتي - بإدغام ياء النصب في ياء ~~الإضافة - وأجيب: بأنه يجوز أن يكون راعى لغة الحرث بن كعب ~~وغيرهم نحو: رأيت الزيدان، وقيل: الألف بدل من الياء والياء ~~(بعدها) مزيدة. # وقيل: الألف مزيدة بين المتضايفين وكلاهما ضعيف. # قوله: { على ما فرطت } ما مصدرية أي على تفريطي، وثم مضاف أي ~~في جنب طاعة الله، وقيل: في جنب الله المراد به الأمر والجهة يقال: ~~هو في جنب فلان وجانبه أي جهته وناحيته قال: # 4305- الناس جنب والأمير جنب # وقال آخر: # 4306- أفي جنب بكر قطعتني ملامة # سليمى لقد كانت ملامتها ثنى # ثم اتسع فيه فقيل: فرط في جنبه أي في حقه، قال: # 4307- أما تتقين الله في جنب عاشق # له كبد حرى عليك تقطع # (فصل) # المعنى: أن تقول نفس يا حسرتي يعني لأن تقول: نفس كقوله: # وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم # [النحل:15] و[لقمان:10] أي لئلا تميد بكم، قال المبرد: أي ~~بادروا واحذروا أن تقول نفس، قال الزجاج: خوف أن تصيروا إلى ~~حال تقولون يا حسرتنا يا ندامتنا، والتحسر الاغتمام على ما فات، وأراد: ~~يا حسرتي على الإضافة لكن العرب تحول ياء الكناية ألفا في الاستغاثة ~~فتقول: يا ويلتا، ويا ندامتا، وربما ألحقوا بها الياء بعد ~~الألف ليدل على الإضافة كقراءة أبي جعفر المتقدمة، وقيل: معنى قوله: " ~~يا حسرتا " أي يا أيتها الحسرة هذا وقتك. # { على ما فرطت في جنب الله }. قال الحسن: قصرت في ~~طاعة الله، وقال مجاهد: في أمر الله، وقال سعيد بن جبير في حق الله، ~~وقيل: قصرت في الجانب الذي يؤدي إلى رضا الله، والعرب ms7531 تسمي الجنب جانبا. # ثم قال: { وإن كنت لمن الساخرين } المستهزئين بدين الله، ~~قال قتادة ولم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى جعل السخر بأهل طاعته، ومحل " ~~وإن كنت " النصب على الحال كأنه قال فرطت وأنا ساخر أي فرطت في حال ~~سخرتي. # النوع الثاني من الكلمات التي حكاها الله تعالى (عنهم) بعد نزول العذاب ~~عليهم قوله: { أو تقول لو أن الله هداني لكنت من ~~المتقين }. # النوع الثالث: { أو تقول حين ترى العذاب } عيانا { لو ~~أن لي كرة } رجعه إلى الدنيا { فأكون من المحسنين } ~~الموحدين. # فتحسروا أولا: على التفريط في طاعة الله، وثانيا: عللوا بفقد الهداية، ~~وثالثا: تمنوا الرجعة. # قوله: " فأكون " في نصبه وجهان: # أحدهما: عطفه على " كرة " فإنها مصدر، فعطف مصدرا مؤولا على مصدر ~~مصرح به كقولها: # 4308- للبس عباءة وتقر عيني # أحب إلي من لبس الشفوف # وقول الآخر: # 4309- فما لك منها غير ذكرى وحسرة # وتسال عن ركبانها أين يمموا # والثاني: أنه منصوب على جواب التمني المفهوم من قوله: { لو أن لي ~~كرة } والفرق بين الوجهين أن الأول يكون فيه الكون متمنى ويجوز ~~أن تضمر " أن " وأن تظهر والثاني يكون فيه الكون مترتبا على حصول ~~المتمني لا متمني ويجب أن تضمر " أن ". # قوله: " بلى " حرف جواب وفيما وقعت جوابا له وجهان: # أحدهما: هو نفي مقدر، قال ابن عطية: وحق " بلى " أن تجيء بعد نفي عليه ~~تقرير، كأن النفس قال: لم يتسع لي النظر أو لم يبين لي الأمر، قال أبو ~~حيان: ليس حقها النفي المقدر بل حقها النفي ثم حمل التقرير عليه ولذلك ~~أجاب بعض العرب النفي المقدر بنعم دون بلى، وكذا وقع في عبارة سيبويه ~~نفسه. # والثاني: أن التمني المذكور وجوابه متضمنان لنفي الهداية كأنه قال: ~~لم أهتد فرد الله عليه ذلك. # قال الزجاج: " بلى " جواب النفي وليس في الكلام لفظ النفي إلا أنه حصل ~~فيه معنى النفي لأنه قوله: " لو أن الله هداني " أنه ما هداني فلا جرم ~~حسن ذكر " بلى " بعده. # قال الزمخشري: فإن قلت: هلا قرن الجواب بينهما ms7532 بما هو جواب له وهو قوله: ~~لو أن الله هداني ولم يفصل بينهما قلت: لأنه لا يخلو إما أن يقدم على ~~أخرى القرائن الثلاث فيفرق بينهن، وإما أن يؤخر القرينة الوسطى فلم يحسن ~~الأول لما فيه من تغير النظم بالجمع بين القراءتين، وأما الثاني فلما ~~فيه من نقض الترتيب وهو التحسر على التفريط في الطاعة ثم التعلل بفقد ~~الهداية ثم تمني الرجعة فكان الصواب ما جاء عليه وهو أنه حكى أقوال ~~النفس على ترتيبها ونظمها، ثم أجاب من بينها عما اقتضى الجواب. # قوله: { جآءتك } قرأ العامة بفتح الكاف " فكذبت ~~واستكبرت وكنت " بفتح التاء خطابا للكافرين دون النفس. وقرأ ~~الجحدري وأبو حيوة وابن يعمر والشافعي عن ابن كثير وروتها ~~أم سملة عنه - عليه (الصلاة و) السلام - بها قرأ أبو بكر وابنته عائشة ~~- رضي الله عنهما- بكسر الكاف والتاء؛ خطابا للنفس والحسن والأعرج ~~والأعمش " جأتك " بوزن " جعتك " بهمزة دون ألف؛ فيحتمل أن يكون ~~قصرا كقراءة قنبل # أن رآه استغنى # [العلق: 7] وأن يكون في الكلمة قلب بأن قدمت اللام على العين فالتقى ~~ساكنان، فحذفت الألف لالتقائهما نحو: رمت وغزت، ومعنى الآية يقال ~~لهذا القائل: بلى قد جاءتك آياتي يعني القرآن " فكذبت " وقلت ~~ليست من الله واستكبرت أي تكبرت عن الإيمان بها وكنت من الكافرين. # قوله: { ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله ~~وجوههم مسودة } العامة على رفع " وجوههم مسودة " ~~وهي جملة من مبتدأ وخبر، وفي محلها وجهان: # أحدهما: النصب على الحال من الموصول لأن الرؤية بصرية، وكذا أعربها ~~الزمخشري ومن مذهبه أنه لا يجوز إسقاط الواو من مثلها إلا شاذا تابعا ~~في ذلك الفراء، فهذا رجوع منه عن ذلك. # والثاني: أنها في محل نصب مفعولا ثانيا، لأن الرؤية قلبية وهو بعيد ~~لأن تعلق الرؤية البصرية بالأجسام وألوانها أظهر من تعلق القلبية بهما، ~~وقرىء: " وجوههم مسودة " بنصبهما على أن " وجوهم " بدل بعض من ~~" كل " ، و " مسودة " على ما تقدم من النصب على الحال أو على المفعول ~~الثاني. # وقال أبو البقاء: ولو قرىء وجوههم بالنصب لكان ms7533 على بدل الاشتمال، قال ~~شهاب الدين: قد قرىء به والحمد لله ولكن ليس كما قال: على بدل الاشتمال ~~بل على بدل البعض، وكأنه سبق لسان أو طغيان قلم. وقرأ أبي ~~أجوههم بقلب الواو همزة وهو فصيح نحو: # أقتت # [المرسلات:11] وبابه، وقوله: { أليس في جهنم مثوى ~~للمتكبرين } عن الإيمان. # قوله: { وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم } قرأ ~~الأخوان وأبو بكر بمفازتهم جمعا لما اختلفت أنواع المصدر جمع ~~كقوله تعالى: # وتظنون بالله الظنونا # [الأحزاب:10]، ولأن لكل متق نوعا آخر من المفازة، والباقون بالإفراد ~~على الأصل. # وقيل: ثم مضاف محذوف أي بدواعي مفازتهم أو بأسبابها. والمفازة ~~المنجاة، وقيل: لا حاجة إلى ذلك، إذ المراد بالمفازة الفلاح. قال البغوي: ~~لأن المفازة بمعنى الفوز أي ينجيهم بفوزهم من النار بأعمالهم ~~الحسنة. وقال المبرد: المفازة مفعلة من الفوز والجمع حسن ~~كالسعادة والسعادات. # قوله: { لا يمسهم السوء } يجوز أن تكون هذه الجملة مفسرة ~~لمفازتهم كأنه قيل: وما مفازتهم؟ فقيل: " لا يمسهم السوء " فلا محل لها، ~~ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من " الذين اتقوا ". # ومعنى الكلام لا يصيبهم مكروه ولا هم يحزنون. ### || [39.62-66] # قوله تعالى: { الله خالق كل شيء... } الآية تقدم الكلام ~~على هذه الآية في الأنعام وأنها تدل على أن أعمال العباد مخلوقة لله ~~تعالى، وقال الكعبي هنا: إن الله تعالى مدح نفسه بقوله: { الله ~~خالق كل شيء } وليس من المدح أن يخلق الكفر والقبائح فلا يصح ~~احتجاج المخالف به، وأيضا فلفظة " كل " قد لا توجب العمم لقوله تعالى: # وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم # [النمل:23] يريد كل شيء يحتاج الملك إليه أيضا لو كانت أعمال العباد من ~~خلق الله لما أضافها إليهم بقوله: # كفارا حسدا من عند أنفسهم # [البقرة:109] ولما صح قوله تعالى: # ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله # [آل عمران:78]. وقال الجبائي الله خالق كل شيء سوى أفعال خلقه التي صح ~~فيها الأمر والنهي، واستحقوا بها الثواب والعقاب ولو كانت أفعالهم خلقا ~~لله لما جاز ذلك فيها كما ms7534 لا يجوز في ألوانهم وصورهم، وقال أبو مسلم: ~~الخلق هو التقدير لا الإيجاد، فإذا أخبر الله أنهم يفعلون الفعل الفلاني ~~فقد قدر ذلك الفعل فصح أن يقال: إنه تعالى خلقه وإن لم يكن موجدا له، ~~والجواب عن هذه الوجوه تقدم في سورة الأنعام، وأما قوله: { وهو على ~~كل شيء وكيل } أي الأشياء كلها موكولة إليه فهو القائم بحفظها ~~وتدبيرها من غير مشارك، وهذا أيضا يدل على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى ~~لأن فعل العبد لو وقع بخلق العبد لكان الفعل غير موكول إلى الله تعالى ~~فلم يكن الله وكيلا عليه ينافي عموم الآية. # قوله: { له مقاليد السماوات والأرض } " له مقاليد " ~~جملة مستأنفة، والمقاليد جمع مقلاد أو مقليد، ولا واحد له من لفظه ~~كأساطير وإخوته، ويقال أيضا إقليد وهي المفاتيح، والكلمة فارسية معربة. ~~وفي هذا الكلام استعارة بديعة نحو قولك: بيد فلان مفتاح هذا الأمر، وليس ~~ثم مفتاح، وإنما هو عبارة عن شدة تمكنه من ذلك الشيء. # قال الزمخشري: قيل سأل عثمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ~~تفسير قوله: { له مقاليد السموات والأرض } فقال: يا عثمان ما سألني عنها ~~أحد قبلك تفسيرها لا إله إلا الله، والله أكبر وسبحان الله وبحمده (و) ~~أستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله وهو الأول والآخر والظاهر والباطن ~~بيده الخير يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. # وقال قتادة ومقاتل: مفاتيح السموات والأرض بالرزق والرحمة، وقال الكلبي ~~خزائن المطر والنبات. # قوله: { والذين كفروا بآيات الله أولئك هم ~~الخاسرون } وهذا يقتضي أنه لا خاسر إلا الكافر وأن من لم يكن كافرا ~~فإنه لا بد وأن يحصل له حظ من رحمة الله. قال الزمخشري: فإن قلت: بم ~~اتصل قوله { والذين كفروا بآيات الله } بقوله { له مقاليد السموات والأرض ~~}؟ قلت: إنه اتصل بقوله: # وينجي الله الذين اتقوا # [الزمر:16] أي ينجي الله المتقين بمفازتهم، والذين كفروا هم الخاسرون ~~واعترض ما بينهما أنه خالق الأشياء كلها وأنه له مقاليد السموات والأرض. # قال ابن الخطيب: وهذا عندي ms7535 ضعيف من وجهين: # الأول: أن قوع الفصل الكثير بين المعطوف والمعطوف عليه بعيد. # الثاني: أن قوله: # وينجي الله الذين اتقوا # [الزمر:61] (جملة فعلية)، وقوله: { والذين كفروا بآيات ~~الله أولئك هم الخاسرون } جملة اسمية وعطف الجملة ~~الاسمية على الجملة الفعلية لا يجوز. # قال شهاب الدين: وهذا الاعتراض معترض إذ لا مانع من ذلك. # ثم قال ابن الخطيب: بل الأقرب عند أن يقال: إنه لما وصف الله تعالى ~~بصفات الإليهة والجلالة وهو كونه خالقا للأشياء كلها وكونه مالكا ~~لمقاليد السموات والأرض بأسرها قال بعده: { والذين كفروا بآيات الله } ~~الظاهرة الباهرة هم الخاسرون. # قوله: { قل أفغير الله تأمروني أعبد } فيه ثلاثة ~~أوجه: # أظهرها: أن " غير " منصوب " بأعبد " و " أعبد " معمول " لتأمروني " على ~~إضمار " أن " المصدرية، فلما حذفت بطل عملها وهو أحد الوجهين والأصل ~~أفتأمروني بأن أعبد غير الله ثم قدم مفعول " أعبد " على " تأمروني ~~" العامل في عامله، وقد ضعف بعضهم هذا بأنه يلزم منه تقديم معمول الصلة ~~على الموصول، وذلك أن " غير " منصوب " بأعبد " و " أعبد " صلة " لأن " ~~وهذا لا يجوز. # وهذا الرد ليس بشيء لأن الموصول لما حذف لم يراع حكمه فيما ذكر بل إنما ~~يراعى معناه لتصحيح الكلام. # قال أبو البقاء: لو حكمناه بذلك لأفضى إلى حذف الموصول وإبقاء صلته وذلك ~~لا يجوز إلا في ضروة شعر. # وهذا الذي ذكر فيه نظر من حيث إن هذا مختص " بأن " دون سائر ~~الموصولات وهو أنها تحذف ويبقى صلتها وهو منقاس عند البصريين في مواضع ~~تحذف ويبقى عملها وفي غيرها إذا حذفت لا يبقى عملها إلى في ضرورة أو ~~قليل، وينشد بالوجهين (قوله): # 4310- ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى # وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي # ويدل على إرادة " أن " في الأصل قراءة بعضهم: " أعبد " بنصب الفعل ~~اعتدادا بأن. # الثاني: أن " غير " منصوب " بتأمروني " و " أعبد " بدل منه ~~بدل اشتمال، و " أن " مضمرة معه أيضا. # والتقدير: أفغير الله تأمروني في عبادته، والمعنى: أفتأمرون ~~بعبادة غير الله. # الثالث: أنها منصوبة بفعل مقدر (تقديره) أفتلزموني غير الله أي ms7536 ~~عبادة غير الله، وقدره الزمخشري تعبدون(ي) وتقولون لي أعبده، والأصل: ~~تأمرونني أن أعبد (فحذفت) أن، ورفع الفعل، ألا ترى أنك تقول: أفغير ~~الله تقولون لي أعبده، وأفغير الله تقولون لي أعبد، فكذلك، أفغير ~~الله تقولون لي أن أعبده، وأفغير الله تأمروني أن أعبد. # والدليل على صحة هذا الوجه قراءة من قرأ " أعبد " بالنصب، وأما " ~~أعبد " ففيه ثلاثة أوجه: # أحدهما: أنه مع " أن " المضمرة في محصل نصب على البدل من " غير " ، وقد ~~تقدم. # الثاني: أنه في محل نصب على الحال. # الثالث: أنه لا محل له ألبتة. # قوله: " تأمروني " قرأ الجمهور " تأمروني " بإدغام نون الرفع ~~في نون الوقاية، وفتح الياء ابن كثير، وأرسلها الباقون، وقرأ نافع " ~~تأمروني " بنون خفيفة وفتح الياء وابن عامر تأمرونني بالفك وسكون ~~الياء، وقد تقدم في سورة الأنعام، والحجر، وغيرهما أنه متى اجتمع نون ~~الرفع مع نون الوقاية جاز ذلك أوجه وتقدم تحقيق الخلاف في أيتهما ~~المحذوفة. # قال مقاتل: وذلك حين قاله له المشركون: دع دينك واتبع دين آبائك ونؤمن ~~بإلهك، ونظير هذه الآية: # قل أغير الله أتخذ وليا # [الأنعام: 14]، وتقدم في تلك الآية وجه الحكمة في تقدم المفعول ووصفهم ~~بالجهل لأنه تقدم وصف الإله بكونه خالقا للأشياء كلها وبكونه له مقاليد ~~السموات والأرض وكون هذه الأصنام جمادات لا تضر ولا تنفع فمن أعرض ~~عن عبادة الإله الموصوف بتلك الصفات المقدسة الشريقة واشتغل بعبادة ~~الأصنام الخسيسة فقد بلغ في الجهل مبلغا لا مزيد عليه، فلهذا قال: " ~~أيها الجاهلون ". # قوله: { ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك ~~لئن أشركت ليحبطن عملك } الذي عملت قبل الشرك، واعلم ~~أن الظاهر (أن) قوله " لئن أشركت " هذه الجملة هي القائمة مقام ~~الفاعل لأنها هي الموحاة وأصول البصريين تأبى ذلك، ويقدرون أن القائم ~~مقامه ضمير المصدر لأن الجملة لا تكون فاعلا عندهم والقائم هنا مقام ~~الفاعل الجار والمجرور وهو " إليك ". وقرىء ليحبطن - بضم الياء ~~وكسر الباء - أي الله ولنحبطن بنون العظمة (وليحبطن) على ~~البناء للمفعول و " عملك " مفعول به على القراءتين الأوليين ومرفوع على ms7537 ~~الثالثة لقيامه مقام الفاعل. # قال ابن الخطيب: واللام الأولى موطئة للقسم المحذوف والثانية لام ~~الجواب. # فإن قيل: كيف أوحي إليه وإلى من قبله حال شركه على التعيين؟. # فالجواب: تقرير الآية أوحي إليك لئن أشركت ليحبطن عملك وإلى الذين من ~~قبلك مثله أي أوحي (إليك) وإلى كل أحد منهم لئن أشركت كما تقول: كسانا ~~حلة: أي كل واحد منا. # فإن قيل: كيف صح هذا الكلام مع علم الله تعالى أن رسله لا يشركون ولا ~~يحبط أعمالهم؟. # فالجواب: أن قوله: { لئن أشركت ليحبطن عملك } قضية شرطية والقضية ~~الشرطية لا يلزم (من) صدقها صدق جزئيها ألا ترى قولك: لو كانت ~~الخمسة زوجا لكانت منقسمة بمتساويين قضية صادقة مع أن كل واحد من ~~جزئيها غير صادق. # قال تعالى: # لو كان فيهمآ ءالهة إلا الله لفسدتا # [الأنبياء:22] ولم يلزم من هذا صدق القول بأن فيهما آلهة وأنهما قد ~~فسدتا، قال المفسرون: هذا خطاب مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمراد ~~منه غيره، وقيل: هذا أدب من الله لنبيه وتهديده لغيره، لأن الله تعالى - ~~عز وجل - عصمه من الشرك، وقوله: { ولتكونن من الخاسرين } ~~قال ابن الخطيب: كما أن طاعات الأنبياء والرسل أفضل من طاعات غيرهم فكذلك ~~القبائح التي تصدر عنهم فإنها بتقدير الصدور تكون أقبح لقوله تعالى: # إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات # [الإسراء:75] فكان المعنى أن الشرك الحاصل منه بتقدير حصوله منه يكون ~~تأثيره في غضب الله تعالى أقوى وأعظم. # قوله: { بل الله فاعبد } الجلالة منصوبة ب " اعبد ". وتقدم ~~الكلام في مثل هذه الفاء في البقرة، وجعله الزمخشري جواب شرط مقدر أي إن ~~كنت عاقلا فاعبد الله، فحذف الشرط، وجعل تقديم المفعول عوضا ~~منه، ورد ابو حيان عليه بأنه يجوز أن يجيء " زيدا فعمرا اضرب ~~" ، فلو كان التقديم عوضا لجمع بين العوض والمعوض عنه. وقرأ عيسى ~~بل الله - رفعا - على الابتداء، والعائد محذوف أي فاعبده. # فصل # لما قال الله تعالى: { قل أفغير الله تأمروني أعبد } يفيد أنهم أمروه ~~بعبادة غير الله فقال الله تعالى له ms7538 لا تعبد إلا الله، فإن قوله (بل ~~الله فاعبد) يفيد الحصر { وكن من الشاكرين } لإنعامه ~~عليك بالهداية. ### || [39.67-75] # قوله: { وما قدروا الله حق قدره } قرأ الحسن وأبو حيوة ~~وعيسى قدروا بتشديد الدال حق قدره بفتح الدال، وافقهم الأعمش ~~على فتح الدال من " قدره " والمعنى وما عظموه حق عظمته حين أشركوا به ~~غيره. # قوله: { والأرض جميعا قبضته } مبتدأ وخبر في محل نصب على ~~الحال أي ما عظموه حق تعظيمه والحال أنه موصوف بهذه القدرة الباهرة، ~~كقوله: # كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم # [البقرة: 28] أي (كيف) تكفرون بمن هذا وصفه وحال ملكه كذا. و " جميعا " ~~حال وهي دالة على أن المراد بالأرض الأرضون فإن هذا التأكيد لا يحسن ~~إدخاله إلا على الجمع. قال ابن الخطيب: ونظيره قوله تعالى: # كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل # [آل عمران: 93] وقوله: # أو الطفل الذين لم يظهروا # [النور:31] وقوله: # إن الإنسان لفى خسر # [العصر:2] ولأن الموضع موضع تفخيم ولعطف الجمع عليها. (والعامل) في هذه ~~الحال ما دل عليه " قبضته " ، (ولا يجوز أن يعمل فيها " قبضته ~~" ) سواء جعلته مصدرا؛ لأن المصدر لا يتقدم عليه معموله أم مرادا به ~~المقدار. قال الزمخشري: ومع القصد إلى الجمع " يعني في الأرض " فإنه ~~أريد به الجمع وتأكيده بالجميع أتبع الجميع مؤكده قبل مجيء الخبر ليعلم ~~أول الأمر أن الخبر الذي يرد لا يقع عن أرض واحدة ولكن عن الأرض كلها. # وقال أبو البقاء: و " جميعا " حال من الأرض، والتقدير: إذا كانت ~~مجتمعة قبضته أي مقبوضة، فالعامل في " إذا " المصدر، لأنه بمعنى ~~المفعول، وقال أبو علي في الحجة: التقدير: " ذات قبضته ". وقد رد ~~عليه ذلك بأن المضاف إليه لا يعمل فيما قبله، وهذا لا يصح لن الآن ~~غير مضاف إليه، وبعد حذف المضاف لا يبقى حكمه انتهى. وهو كلام فيه إشكال؛ ~~إذ لا حاجة إلى تقدير العامل في " إذ " التي لم يلفظ بها. # وقوله: " قبضته " إن قدرنا مضافا - كما قال الفارسي أي ~~ذات قبضته - لم يكن فيه وقوع المصدر موقع " مفعول " وإن لم ms7539 يقدر ذلك ~~احتمل أن يكون المصدر واقعا موقعه، وحينئذ يقال: كيف أنث المصدر الواقع ~~موقع مفعول وهو غير جائز؟! لا يقال: حلة نسجة اليمن بل نسج ~~اليمن أي منسوجه. # والجواب: أن الممتنع دخول التاء الدال على التحديد، وهذه المجرد ~~التأنيث. كذا أجيب. وليس بذاك فإن المعنى على التحديد لأنه أبلغ في ~~القدرة، واحتمل أن يكون أريد بالمصدر مقدار (ذلك) (التحديد). # والقبضة - بالفتح - المرة، وبالضم اسم المقبوض كالغرفة ~~والغرفة، قال تعالى: # فقبضت قبضة من أثر الرسول # [طه:96]. # والعامة على رفع " قبضته ". # والحسن ينصبها، وخرجها ابن خالويه وجماعة على النصب على الظرفية أي " ~~(في) قبضته ". ورد هذا بأنه ظرف مختص فلا بد من وجود " في ". وهذا ~~هو رأي البصريين، وأما الكوفيون فهو جائز عندهم إذ يجيزون: زيد دارك ~~- بالنصب - أي في دارك، وقال الزمخشري: جعلها ظرفا تشبيها للمؤقت ~~بالمبهم، فوافق الكوفيين. # قوله: " والسماوات مطويات " العامة على رفع " مطويات " ~~خبرا، و " بيمينه " فيه أوجه: # أحدهما: أنه متعلق " بمطويات ". # الثاني: أنه حال من الضمير في " مطويات ". # الثالث: أنه خبر ثان، وعيسى والجحدري نصباها حالا. واستدل بها الأخفش ~~على جواز تقديم الحال إذا كان العامل فيها حرف جر نحو: زيد قائم في ~~الدار. وهذه لا حجة فيها لإمكان تخريجها على وجهين: # أظهرهما: أن يكون " السموات " نسقا على الأرض ويكون قد أخبر عن الأرضين ~~والسموات بأن الجميع قبضته ويكون " مطويات " حالا من السموات، كما كان ~~جميعا حالا من الأرض و " بيمينه " متعلق " بمطويات ". # والثاني: أن يكون " مطويات " منصوبا بفعل مقدر و " بيمينه " ~~الخبر، و " مطويات " وعامله جملة معترضة وهو ضعيف. # (فصل # لما حكى عن المشركين أنهم أمروا الرسول بعبادة الأصنام ثم إنه تعالى ~~أقام الدلائل على فساد قولهم وأمر الرسول بأن يعبد الله ولا يعبد سواه ~~بين أنهم لو عرفوا الله حق معرفته لما جعلوا هذه الأشياء الخسيسة مشاركة ~~له في العبودية فقال: { وما قدروا الله حق قدره } أي ما ~~عظموا الله حق عظمته فقال: { والأرض جميعا قبضته يوم ~~القيامة والسماوات مطويات بيمينه } ، وروى البخاري ~~أن ms7540 حبرا من الأحبار أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا محمد ~~إنا نجد أن الله يجعل السموات على أصبع والأرضين على أصبع والماء والثرى ~~على أصبع وسائر الخالق على أصبع، ويقول: أنا الملك فضحك النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - حتى بدت نواجذه تصديقا لقوله الحبر ثم قرأ: { وما ~~قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة } وروى مسلم قال: ~~والجبال والشجر على إصبع وقال: ثم يهزهن فيقول: أنا الملك أنا ~~الله. وروى شبية عن ابن أبي شيبة بإسناده عن ابن عمر قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - # " يطوي الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن ~~بيده اليمنى ثم يقال: أنا الملك أين الجبارون أين ~~المتكبرون " # ولما بين سبحانه وتعالى عظمته قال: { سبحانه وتعالى عما ~~يشركون } ). # فصل # قال ابن الخطيب: وههنا سؤالات: # الأول: أن العرض أعظم من السموات السبع، والأرضين السبع، ثم إنه تعالى ~~قال في صفة العرش: # ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية # [الحاقة:17] فإذا وصف الملائكة بكونهم حاملين للعرش العظيم فكيف يجوز ~~تقرير عظمة الله عز وجل بكونه حاملا للسموات والأرض؟!. # السؤال الثاني: قوله تعالى: { والأرض جميعا قبضته يوم ~~القيامة والسماوات مطويات بيمينه } شرح حالا لا ~~يحصل إلا في القيامة والقوم ما شاهدوا ذلك فإن كان هذا الخطاب مع ~~المصدقين للأنبياء فهم مقرون بأنه لا يجوز القول بجعل الأصنام شركاء لله ~~فلا فائدة في إيراد هذه الحجة عليهم وإن كان الخطاب مع المكذبين في ~~النبوة فهم ينكرون قوله: { والأرض جميعا قبضته يوم القيامة } فكيف يمكن ~~الاستدلال به على إبطال القول بالشرك؟. # السؤال الثالث: حاصل القول بالقبضة واليمين هو القدرة الكاملة الوافية ~~بحفظ هذه الأجسام العظيمة فكما أن حفظها وإمساكها يوم القيامة ليس إلا ~~بقدر الله تعالى فكذلك الآن فما الفائدة في تخصيص هذه الأحوال بيوم ~~القيامة؟. # والجواب عن الأول: أن مراتب التعظيم كثيرة فأولها تقرير عظمة الله بكونه ~~قادرا على حفظ هذه الأجسام العظيمة كما أن حفظها وإمساكها يوم القيامة ~~عظيم، ثم بعده تقرير عظمته بكونه ms7541 قادرا على إمساك أولئك الملائكة الذين ~~يحملون العرش. # والجواب: عن الثاني: أن المقصود منه أن المتولي لإبقاء السموات ~~والأرضين من وجوه العمارة في هذا الوقت هو المتولي لتخريبها ~~وإبقائها يوم القيامة وذلك يدل على حصول قدرة تامة على الإيجاد والإعدام ~~ويدل أيضا على كونه قادرا غنيا على الإطلاق فإنه يدل على أنه حاول ~~تخريب الأرض فكأنه يقبض صغيرة، وذلك يدل على كمال الاستغناء. # والجواب عن الثالث: أنه إنما خصص تلك الحالة بيوم القيامة ليدل على أنه ~~كما ظهر كمال قدرته في الإيجاد عند عمارة الدنيا يظهر كمال قدرته في ~~الإعدام عند خراب الدنيا والله أعلم. # قوله: { ونفخ في الصور } العامة على سكون الواو، وزيد بن علي ~~وقتادة بفتحها جمع " صورة ". وهذه ترد قول ابن عطية أن الصور هنا يتعين ~~أن يكون القرن، ولا يجوز أن يكون جمع صورة. وقرىء: فصعق - مبنيا للمفعول ~~- وهو مأخوذ من قوله: صعقتهم الصاعقة، يال: صعقه الله ~~فصعق. # قوله: { إلا من شآء الله } (استثناء) متصل، والمستثنى إما ~~جبريل وميكائيل وإسرافيل: وإما رضوان والحور والزبانية، وإما البارىء ~~تعالى، قاله الحسن، وفيه نظر من حيث قوله { من في السماوات ومن ~~في الأرض } فإنه لا يتحيز فعلى هذا يتعين أن يكون منقطعا. # قوله: { ثم نفخ فيه أخرى } يجوز أن يكون " أخرى " هي ~~القائمة مقام الفاعل وهي في الأصل صفة لمصدر محذوف أي نفخ فيه نفخة أخرى ~~ويؤيده التصريح بذلك في قوله: # فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة # [الحاقة: 13] فصرح بإقامة المصدر ويجوز أن يكون القائم مقامه الجار، و ~~" أخرى " ، منصوبة على ما تقدم. # قوله: { فإذا هم قيام } العامة على رفع " قيام " خبرا، وزيد ~~بن علي نصبه حالا، وفيه حينئذ أوجه: # أحدهما: أن الخبر " ينظرون " وهو العامل في هذه الحال أي فإذا هم ~~ينظرون قياما. # والثاني: أن العامل في الحال ما عمل في " إذا " الفجائية إذا كانت ~~ظرفا. فإن كانت مكانية - كما قال سيبويه - فالتقدير فبالحضرة هم ~~قياما، وإن كان زمانية كقول الرماني فتقديره: ففي ذلك الزمان ~~هم قياما أي ms7542 وجودهم، وإنما احتيج إلى تقدير مضاف في هذا الوجه لأنه ~~لا يخبر بالزمان عن الجثث. # الثالث: أن الخبر محذوف هو العامل في الحال أي فإذا هم مبعوثون أو ~~مجموعون قياما، وإذا جعلنا الفجائية حرفا كقول بعضهم فالعامل في الحال ~~إما " ينظرون " ، وإما الخبر المقدر كما تقدم تحقيقهما. # فصل # لما ذكر كمال قدرته وعظمته بما سبق ذكره أردفه بذكر طريق آخر يدل أيضا ~~على كمال عظمته وهو شرح مقدمات يوم القيامة، لأن نفخ الصور يكون قبل ذلك ~~اليوم، فقال: { ونفخ في الصور... } الآية. # اختلفوا في الصعقة فقيل: إنها غير الموت لقوله تعالى في موسى - عليه ~~(الصلاة و) السلام -: # وخر موسى صعقا # [الأعراف:143] وهو لم يمت فهذه النفخة تورث الفزع الشديد وعلى هذا ~~فالمراد من نفخ الصعقة ومن نفخ الفزع واحد وهو المذكور في سورة النمل في ~~قوله تعالى: # ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن ~~في الأرض إلا من شآء الله # [النمل:87] وعلى هذا القول فنفخ الصور ليس إلا مرتين. وقيل: الصعقة ~~عبارة عن الموت، والقائلون بهذا قالوا: المراد بالفزع أي كادوا يموتون من ~~الفزع وشدة الصوت، وعلى هذا التقدير فالنفخة تحصل ثلاث مرات أولها نفخة ~~الفزع وهي المذكورة في سورة النمل، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة ~~القيام وهما مذكورتان في هذه السورة، وقوله: { إلا من شآء الله ~~} قال ابن عباس: نفخة الصعق يموت من في السموات ومن في الأرض إلا جبريل ~~وميكائيل وإسرافيل: ويبقى جبريل وملك الموت، ثم يموت عزرائيل جبريل ثم ~~يموت ملك الموت، وقيل: المستثنى هم الشهداء لقوله تعالى: # بل أحياء عند ربهم يرزقون # [آل عمران:169] وروى أبو هريرة عن - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " هم الشهداء متقلدون أسيافهم حول العرش " # ، وقال جابر: هو موسى - صلى الله عليه وسلم - لأنه صعق، ولا يصعق. # وقيل: هم الحور العين وسكان العرش والكرسي، وقال قتادة: الله أعلم بهم ~~وليس في القرآن والأخبار ما يدل على أنهم من هم. # ثم قال: { ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ms7543 ~~} وهذا يدل على أن هذه النفخة متأخرة عن النفخة الأولة لأن لفظة " ثم " ~~للتراخي. # وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " " ما بين النفختين أربعون " ، قالوا: أربعون يوما قال: ~~أبيت قالوا: أربعون شهرا قال: أبيت قالوا أربعون سنة، قال: أبيت ~~قال: ثم ينزل الله من السماء ماء فتنبتون كما ينبت البقل ليس من ~~الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظم واحد وهو عجب الذنب، وفيه يركب ~~الخلق يوم القيامة ". # وقوله: { فإذا هم قيام ينظرون } يعني أن قيامهم من القبور ~~يحصل عقيب هذه النفخة الأخيرة في الحال من غير تراخ لأن الفاء في قوله: " ~~فإذا هم " يدل على التعقيب، وقوله " ينظرون " أي يقبلون أبصارهم في ~~الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب عظيم، وقيل: ينظرون ماذا يفعل بهم، ~~ويجوز أن يكون القيام بمعنى الوقوف والجمود في مكان لأجل استيلاء ~~الحيرة والدهشة عليهم. # قوله: { وأشرقت الأرض } العامة على بنائه للفاعل، وابن عباس ~~وأبو الجوزاء. # وعبيد بن عمير، على بنائه للمفعول. وهو منقول بالهمزة من شرقت ~~إذا طلعت، وليس من أشرقت بمعنى أضاءت لأن ذلك لازم، وجعله ابن عطية ~~مثل رجع ورجعته، ووقف ووقفته فيكون أشرق لازما ~~ومتعديا. # فصل # هذه الأرض عرصة القيامة وليست بأرضنا الآن لقوله تعالى: # يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات # [إبراهيم: 48] وقوله: " بنور ربها " أي خالقها يتجلى الرب لفصل ~~القضاء بين خلقه، وقال الحسن والسدي: بنور ربها أي بعدل ربها قال عليه ~~(الصلاة و) السلام: # " إنكم سترون ربكم " # وقال: # " كما لا تضارون في الشمس في اليوم الصحو " # ، وقوله: " ووضع الكتاب " أي كتاب الأعمال لقوله: # وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه ونخرج ~~له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا # [الإسراء: 13] وقوله: # مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ~~إلا أحصاها # [الكهف:49] وقيل: المراد بالكتاب اللوح المحفوظ. # وقوله: { وجيء بالنبيين والشهدآء } قال ابن عباس: ~~يعني الذين يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة، وهم أمة محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - وقال عطاء ومقاتل: يعني الحفظة لقوله تعالى: # وجآءت كل نفس معها سآئق ms7544 وشهيد # [ق:21]، وقي: أراد بالشهداء: المستشهدون في سبيل الله. # ثم قال: { وقضي بينهم بالحق } أي بالعدل { وهم لا ~~يظلمون } أي يزادون في سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم { ووفيت ~~كل نفس ما عملت } أن ثواب ما عملت: واعلم أنه تعالى لما ~~بين أنه يوصل إلى كل أحد حقه عبر عن هذا المعنى بأربع عبارات: # أولها: قوله تعالى: { وقضي بينهم بالحق }. # وثانيها: قوله تعالى: { وهم لا يظلمون }. # وثالثها: قوله تعالى: { ووفيت كل نفس ما عملت }. # واربعها: قوله تعالى: { وهو أعلم بما يفعلون } يعني أنه ~~(إن) لم يكن عالما بكيفيات أحوالهم فلعله لا يقضي (إلا) بالحق لأجل عدم ~~العلم أما إذا كان عالما بمقادير أفعالهم وبكيفياتها امتنع دخول الخطأ ~~عليه، والمقصود من الآية المبالغة في تقرير أن كل مؤمن فإنه يصل إلى ~~حقه، قال عطاء يريد أني عالم بأفعالهم لا أحتاج إلى كاتب ولا شاهد. # قوله: { وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا } لما ~~شرح أحوال أهل القيامة على سبل الإجمال وقال: { ووفيت كل نفس ~~ما عملت } بين بعده كيفية أحوال العقاب ثم كيفية أحوال الثواب، ~~فأما شرح أحوال العقاب فهو هذه الآية وهذا السوق يكون بالعنق ~~والدفع بدليل قوله تعالى: # يوم يدعون إلى نار جهنم دعا # [الطور:13] أي يدفعون دفعا، وقوله: # ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا # [مريم:86]. # قوله: " زمرا " حال، و " زمر " جمع " زمرة " وهي الجماعات في ~~تفرقة بعضها في إثر بعض، و " تزمروا " تجمعوا قال: # 4311- حتى احزألت زمر بعد زمر # هذا قول أبي عبيد(ة)، والأخفش، وقال الراغب: الزمرة الجماعة القليلة، ~~ومنه شاة زمرة أي قليلة الشعر، ورجل زمر أي قليل المروءة، وزمرت ~~النعامة تزمر زمارا ومنه اشتق الزمر. والزمارة كناية عن ~~الفاجرة. # قوله: " حتى إذا " تقدم الكلام في " حتى " الداخلة على " إذا " ~~مرارا، وجواب " إذا " قوله: فتحت. وتقدم خلاف القراء في التشديد ~~والتخفيف في سورة الأنعام. # قوله: { وقال لهم خزنتهآ ألم يأتكم } قرأ ابن هرمز ~~ألم تأتكم بتاء التأنيث لتأنيث الجمع، و " منكم " صفة " لرسل ~~" أو متعلق بالإتيان و " يتلون " صفة أخرى، ms7545 و " خالدين " في ~~الموضعين حال مقدرة. # فصل # بين تعالى أنهم يساقون إلى جهنم فإذا جاءوها فتحت أبوابها، وهذا يدل ~~على أن أبواب جهنم تكون مغلقة قبل ذلك وإنما تفتح عند وصول الكفار إليها ~~فإذا دخلوا جهنم قال لهم خزنة جهنم: ألم يأتكم رسل منكم أي من جنسكم ~~يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا. # فإن قيل: لم أضيف اليوم إليهم؟. # فالجواب: أراد لقاء وقتكم هذا وهو وقت دخولهم النار لا يوم القيامة ~~واستعمال لفظ اليوم (إليهم) والأيام في أوقات الشدة مستفيض فعند هذا تقول ~~الكفار " بلى " أتونا وتلوا علينا { ولكن حقت كلمة ~~العذاب على الكافرين } أي وجبت كلمة العذاب على الكافرين وهي ~~قوله عزو وجل: # لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين # [السجدة: 13]. وهذا صريح في أن السعيد (لا ينقلب) شقيا والشقي لا ينقلب ~~سعيدا، ودلت الآية على أنه لا وجوب قبل مجيء الشرع لأن الملائكة بينوا ~~أنهم ما بقي لهم عذر ولا علة بعد مجيء الأنبياء - عليهم (الصلاة و) ~~السلام -، (ولو) لم يكن مجيء الأنبياء شرطا في استحقاق العذاب لما بقي ~~في هذا الكلام فائدة. # ثم إن الملائكة إذا سمعوا منهم هذا الكلام قالوا: لهم ادخلوا ~~أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين. # (قالت المعتزلة: لو كان دخولهم النار لأجل أنهم حقت عليهم كلمة العذاب ~~لم يبق لقوله الملائكة: { فبئس مثوى المتكبرين } ~~فائدة)، وأجيبوا بأن (هذا) الكلام إنما يبقى مفيدا إذا قلنا: إنهم إنما ~~دخلوا النار لأنهم تكبروا على الأنبياء ولم يقبلوا قولهم ولم يلتفتوا إلى ~~دلائلهم، وذلك يدل على صحة قولنا. والله أعلم. # قوله: { وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة ~~زمرا }. # فإن قيل: السوق في أهل النار معقول لأنهم لما أمروا بالذهاب إلى ~~موضع العذاب لا بد وأن يساقوا إليه، وأما أهل الثواب فإذا أمروا ~~بالذهاب إلى موضع السعادة والراحة فأي حاجة فيه إلى السوق؟!. # فالجواب: من وجوه: # الأول: أن المحبة و الصداقة باقية بين المتقين يوم القيامة كما قال ~~تعالى: # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين ms7546 # [الزخرف:67]. فإذا قيل لواحد منهم: اذهب إلى الجنة فيقول: لا أدخلها إلا ~~مع أحبائي وأصدقائي فيتأخرون لهذا السبب فحينئذ يحتاجون إلى السوق ~~إلى الجنة. # والثاني: أن المتقين قد عبدوا الله لا للجنة ولا للنار فتصير شدة ~~استغراقهم في مشاهدة مواقف الجلال مانعا لهم من الرغبة في الجنة فلا ~~جرم يحتاجون إلى أن يساقوا إلى الجنة. # والثالث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: # " أكثر أهل الجنة البله " # فلهذا السبب يساقون إلى الجنة. # الرابع: أن أهل النار وأهل الجنة يساقون إلا أن المراد بسوق أهل النار ~~طردهم إليها بالهوان والشدة كما يفعل بالأسير الذي يساق إلى الحبس ~~والقتل، والمراد بسوق أهل الجنة سوق مراكبهم لأنه لا يذهب بهم إلا ~~راكبين، والمراد بذلك السوق إسراعهم إلى دار الكرامة والرضوان كما ~~يفعل بمن يكرم من الوافدين إلى الملوك فشتان ما بين السوقتن. # قوله: { حتى إذا جاءوها وفتحت } في جواب " إذا " ثلاثة أوجه: # أحدهما: قوله: " وفتحت " والواو زائدة. وهو رأي الكوفيين والأخفش. ~~وإنما جيء هنا بالواو دون التي قبلها لأن أبواب السجن تكون مغلقة إلى ~~أن يجيئها صاحب الجريمة فيفتح له ثم تغلق عليه فناسب ذلك عدم الواو فيها ~~بخلاف أبواب السرور والفرح فإنها تفتح انتظارا لمن يدخلها فعلى ذلك ~~أبواب جهنم تكون مغلقة لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها فأما أبواب الجنة ~~ففتحها يكون متقدما على دخولهم إليها كما قال تعالى: # جنات عدن مفتحة لهم الأبواب # [ص:50] فلذلك جيء بالواو فكأنه قيل: حتى إذا جاؤوها وقود فتحت أبوابها. # والثاني: أن الجواب قوله: { وقال لهم خزنتها } على زيادة ~~الواو أيضا أي حتى إذا جاءوها قال لهم خزنتها. # والثالث: أن الجواب محذوف قال الزمخشري: وحقه أن يقدر بعد: " خالدين " ~~انتهى يعني لأنه يجيء بعد متعلقات الشرط وما عطف عليه، والتقدير: ~~اطمأنوا، وقدره المبرد: سعدوا، وعلى هذين الوجهين فتكون الجملة من ~~قوله: " وفتحت " في محل نصب على الحال. # وقال البغوي: قال الزجاج: القول عندي أن الجواب محذوف تقديره: حتى ~~إذا جاءوها وفتحت أبوابها، وقال لهم ms7547 خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها ~~خالدين " دخلوها ". فحذف " دخلوها " لدلالة الكلام عليه، وسمى بعضهم ~~الواو في قوله " وفتحت " واو الثمانية قال: لأن أبواب الجنة ثمانية وكذا ~~قالوا في قوله: # وثامنهم كلبهم # [الكهف:22]. وقيل: تقديره: حتى إذا جاءوها (جاءوها) وفتحت أبوابها يعني ~~أن الجواب بلفظ الشرط، ولكنه بزيادة تقييده بالحال فلذلك صح. # قوله: { وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم ~~فادخلوها } يريد أن خزنة الجنة يسلمون عليهم ويقولون: طبتم قال ابن ~~عباس: طاب لكم المقام. وقال قتادة: إنهم إذا قطعوا النار حبسوا على ~~قنطرة بين الجنة والنار فيقتص بعضهم من بعد حتى إذا هذبوا وطيبوا ~~أدخلوا الجنة فيقول لهم رضوان وأصحابه: سلام عليكم طبتم فادخلوها ~~خالدين. # وروي عن علي قال: سيقوا إلى الجنة فإذا انتهوا إليها وجدوا عند بابها ~~شجرة يخرج من تحت ساقها عينان فيغتسل المؤمن من إحدايهما فيطهر ~~ظاهره ويشرب من الأخرى فيطهر باطنه وتتلقاهم الملائكة على أبواب الجنة ~~يقولون: { سلام عليكم فادخلوها خالدين } فعند ذلك يقول ~~المتقون: الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض أي أرض الجنة وهو قوله ~~تعالى: # ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض ~~يرثها عبادي الصالحون # [الأنبياء:105]. # قوله: " نتبوأ " جملة حالية و " حيث " مفعول به، ويجوز أن تكون ~~ظرفا على بابها، وهو الظاهر، قال ابن الخطيب: إنما عبر عن أرض الجنة ~~بالأرض لوجوه: # الأول: أن الجنة كانت في أول الأمر لآدم - عليه (الصلاة و) السلام - ~~لأنه تعالى قال: # وكلا منها رغدا حيث شئتما # [البقرة:35] فلما عادت الجنة إلى أولاد آدم كان ذلك سببا للإرث. # الثاني: أن هذا اللفظ مأخوذ من قول القائل: هذا الذي أورث كذا وهذا ~~العمل أورث كذا. فلما كانت طاعاتهم قد أفادتهم الجنة لا جرم قالوا: ~~وأورثنا الأرض، والمعنى أن الله تعالى أورثنا الجنة بأن وفقنا للإتيان ~~بأعمال أورثت الجنة. # الثالث: أن الوارث يتصرف فيما يرثه كيف يشاء من غير منازع فكذلك ~~المؤمنون المتقون يتصرفون في الجنة حين شاءوا وأرادوا. # فإن قيل: هل يتبوأ أحدهم مكان غيره؟. # فالجواب: يكون لكل ms7548 واحد منهم جنة لا يحتاج معها إلى جنة غيره. # ثم قال تعالى: { فنعم أجر العاملين } أي ثواب المطيعين، قال ~~مقاتل: هذا ليس من كلام أهل الجنة بل الله تعالى لما حكى ما جرى بين ~~الملائكة وبين المتقين من صفة ثواب أهل الجنة قال بعده: { فنعم ~~أجر العاملين }. # قوله: { وترى الملائكة حآفين من حول العرش } ~~حافين جمع حاف: وهو المحدق بالشيء من حففت بالشيء إذا أحطت ~~به، قال: # 4312- يحفه جانبا نيق ويتبعه # مثل الزجاجة لم تكحل من الرمد # وهو مأخوذ من الحفاف وهو الجانب قال: # 4313- له لحظات عن حفافي سريره # إذا كرها فيها عقاب ونائل # وقال الفراء - وبتعه الزمخشري - ولا واحد لحافين وكأنهما رأيا أن ~~الواحد لا يكون " حافا " إذ الحفوف هو الإحداق بالشيء والإحاطة به ~~وهذا لا يتحقق إلا في جمع. # فصل # لما ذكر صفة (الثواب) البشر ذكر عقيبه ثواب الملائكة فكما دار ثواب ~~المتقين هو الجنة فكذلك دار ثواب الملائكة جوانب العرش فقال: { ~~حآفين من حول العرش } أي محدقين محيطين بالعرش بحفافيه أي ~~جوانبه، قال الليث حف القوم بسيدهم يحفون حفا إذا ~~طافوا به. # قوله: " من حول " في " من " وجهان: # أحدهما: وهو قول الأخفش: أنها مزيدة. # والثاني: أنها للابتداء. # وقوله { يسبحون بحمد ربهم } " يسبحون " حال من الضمير في ~~" حافين " ، قيل هذا تسبيح لتذذ لا تسبيح تعبد، لأن التكليف يزول في ذلك ~~اليوم. وهذا يشعر بأن ثوابهم هو عين ذلك التسبيح. # قوله: { وقضي بينهم بالحق } هذا الضمير إما للملائكة، ~~وإما للعباد(ة)، وقيل: قضى بين أهل الجنة والنار بالعدل. { وقيل ~~الحمد لله رب العالمين }. وقيل: إن الملائكة لما قضى ~~بينهم (بالحق) قالوا: الحمد لله رب العالمين على قضائه بيننا بالحق. # روى أبو أمامة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- (وشرف وكرم وبجل ومجد وعظم): # " من قرأ سورة الزمر لم يقطع الله رجاءه ~~وأعطاه ثواب الخائفين " # وعن عاشئة - رضي الله عنها - قالت: # " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ كل ليلة بني ~~إسرائيل والزمر " # رواهما ms7549 الثعلبي في تفسيره. والله (تعالى) أعلم. ### | [40 - سورة غافر] ### || [40.1-6] # قوله تعالى: { حم } كقوله الم وبابه، وقرأ الأخوان وأبو بكر وابن ~~ذكوان بإمالة (حا) في السور السبع إمالة محضة، وورش، وأبو عمرو بالإمالة ~~بين بين، والباقون بالفتح، والعامة على سكون الميم كسائر الحروف المقطعة. ~~وقرأ الزهري برفع الميم على أنه خبر مبتدأ مضمر، أو مبتدأ والخبر ما ~~بعدها، وابن إسحاق وعيسى بفتحها وهي تحتمل وجهين: # أحدهما: أنها منصوبة بفعل مقدر أي اقرأ حم، وإنما منع من الصرف للعلمية ~~والتأنيث، أو العلمية وشبه العجمة وذلك أنه ليس في الأوزان العربية وزن " ~~فاعيل " بخلاف الأعجمية نحو قابيل وهابيل. # والثاني: أنها حركة بناء تخفيفا كأين وكيف. وفي احتمال هذين ~~الوجهين قول الكميت: # 4314 وجدنا لكم في آل حاميم آية # تأولها منا تقي ومعرب # وقول شريح بن أوفى: # 4315 يذكرني حاميم والرمح شاجر # فهلا تلا حاميم قبل التقدم # وقرأ أبو السمال بكسرها، وهل يجوز أن يجمع (حم) على " حواميم " ~~ونقل ابن الجوزي عن شيخه الجواليقي أنه خطأ وليس بصواب بل الصواب أن تقول ~~قرأت أل حم، وفي الحديث عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم # " إذا وقعت في آل حم وقعت في روضات أتأنق فيهن " # وقال سعيد بن إبراهيم: كل آل حم يسمين العرائس، قال الكميت: # 4316 وجدنا لكم في آل حاميم....... # ................................. # ومنهم من جوزه، وروي في ذلك أحاديث منها قوله عليه (الصلاة و) السلام: # " الحواميم ديباج القرآن " # ، وقوله عليه الصلاة والسلام : # " الحواميم سبع وأبواب جهنم سبع: جهنم والحطمة ولظى ~~والسعير وسقر والهاوية والجحيم فتجيء كل جسم منهم يوم القيامة على ~~باب من هذه الأبواب فتقول لا يدخل النار من كان يؤمن بي ويقرأني " # وقوله عليه الصلاة والسلام : # " لكل شيء ثمرة وثمرة القرآن ذوات حم هن روضات حسان مخصبات متجاورات ~~فمن أحب أن يرتع في رياض الجنة فليقرأ الحواميم " # ، وقوله عليه الصلاة والسلام : # " الحواميم في القرآن كمثل الحبرات في الثياب " # وقال ابن عباس رضي الله عنهما لكل شيء لباب ms7550 ولباب القرآن ~~الحواميم. # فإن صحت هذه الأحاديث فهي الفصل في ذلك. # قوله " تنزيل " إما خبر ل " حم " إن كانت مبتدأ، وإما خبر لمبتدأ ~~مضمر، أو مبتدأ وخبره الجار بعده. قال ابن الخطيب: قال " تنزيل " والمراد ~~منه المنزل. # فصل # روى السدي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حم اسم الله الأعظم، ~~وروى عكرمة عنه قال: الم وحم ون حروف الرحمن مقطعة، وقاله سعيد بن جبير: ~~(وقال) عطاء الخراساني: الحاء افتتاح أسمائه حكيم حميد حي حليم حنان، ~~والميم افتتاح اسمائه ملك مجيد. # قال الضحاك والكسائي معناه قضى ما هو كائن كأنهما أشارا إلى أن معناه: ~~حم، بضم الحاء وتشديد الميم. # قوله " من الله " لما ذكر أن حم تنزيل الكتاب وجب بيان أن المنزل من ~~هو؟ فقال: من الله، ثم بين أن الله تعالى موصوف بصفات الجلالة فقال " ~~العزيز العليم ". # فبين أنه بقدرته وعلمه نزل القرآن الذي يتضمن المصالح والإعجاز، ولولا ~~كونه عزيزا عالما لما صح ذلك. # قوله تعالى: { غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ~~} في هذه الأوصاف ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها كلها صفات الجلالة كالعزيز، والعليم. وإنما جاز وصف المعرفة ~~بهذه وإن كانت إضافتها لفظية لأنه يجوز أن تجعل إضافتها (معنوية) ~~فيتعرف بالإضافة نص سيبويه على أن كل ما إضافته غير محضة جاز أن يجعل ~~محضة وتوصف به المعارف إلا الصفة المشبهة، ولم يستثن غيره شيئا وهم ~~الكوفيون يقولون في مثل " حسن الوجه " بأنه يجوز أن تصير إضافته ~~محضة. وعلى هذا فقوله: " شديد العقاب " من باب الصفة المشبهة فكيف ~~أجزت جعله صفة للمعرفة وهو لا يتعرف إلا بالإضافة؟ # والجواب: إما بالتزام مذهب الكوفيين وهو أن الصفة المشبهة يجوز أن ~~تتمحض إضافتها أيضا فتكون معرفة وإما بأن " شديد " بمعنى مشدد كأذين ~~بمعنى " مؤذن " فتتمحض إضافته. # والثاني: أن يكون الكل أبدالا لأن إضافتها غير محضة قاله الزمخشري، ~~إلا أن هذا الإبدال بالمشتق قليل جدا إلا أن يهجر فيها جانب الوصفية. # الثالث: أن يكون " غافر " و " قابل " نعتين و " شديد " ~~بدلا لما تقدم من ms7551 أن الصفة المشبهة لا تتعرف بالإضافة قاله الزجاج إلا ~~أن الزمخشري قال: جعل الزجاج " شديد العقاب " وحده بدلا للصفات فيه ~~نبو ظاهر. والوجه أن يقال: لما صودف بين هذه المعارف هذه النكرة ~~الواحدة فقد آذنت بأنها كلها أبدال غير أوصاف، ومثال ذلك قصيدة جاءت ~~تفاعيلها كلها على " مستفعلن " فهي محكوم عليها بأنها من الرجز، ~~فإن وقع فيها جزء واحد على " متفاعلن " كانت من الكامل. وناقشه أبو ~~حيان فقال: ولا نبو في ذلك؛ لأن الجري على القواعد التي قد استقرت ~~وصحت وهو الأصل. وقوله " فقد آذنت بأن كلها أبدال " تركيب غير عربي لأنه ~~جعل فقد آذنت جواب لما، وليس من كلامهم: لما قام زيد فقد قام ~~عمرو. وقوله بأن كلها أبدال فيه تكرير للأبدال إما بدل البداء عند ~~من أثبته فقد تكررت فيه الأبدال، وإما بدل كل من كل وبدل بعض من كل وبدل ~~اشتمال، فلا نص على أحد من النحويين أعرفه في جواز التكرار فيها أو منعه ~~إلا أن في كلام بعض أصحابنا ما يدل على أن البدل لا يكرر وذلك في قول ~~الشاعر: # 4317 فإلى ابن أم أناس أرحل ناقتي # عمرو فتبلغ حاجتي أو تزحف # ملك إذا نزل الوفود ببابه # عرفوا موارد مزبد لا ينزف # قال: " فملك " بدل من " عمرو " بدل نكرة من معرفة، قال: فإن قلت: ألا ~~يكون بدلا من " ابن أم أناس " قلت: لأنه قد أبدل منه " عمرا " فلا ~~يجوز أن يبدل منه مرة أخرى لأنه قد طرح انتهى. # قال أبو حيان: فدل هذا على أن البدل لا يتكرر ويتحد المبدل منه، ودل على ~~أن البدل من البدل جائز. قال شهاب الدين: وهذا البحث قد تقدم في قوله # غير المغضوب عليهم # [الفاتحة:7] فليلتفت إليه. # قال: وقوله تفاعيلها هو جمع تفعال أو تفعول أو تفعيل وليس شيء ~~منها معدودا من أجزاء العروض، فإن أجزاءه منحصرة ليس فيها شيء من ~~هذه الأوزان فصوابه أن يقول: جاءت أجزاؤها كلها مستفعلن. # وقال الزمخشري أيضا: ولقائل أن يقول هي صفات وإنما حذفت ms7552 الألف واللام ~~من " شديد " ليزاوج ما قبله وما بعده لفظا فقد غيروا كثيرا من ~~كلامهم عن قوانينه لأجل الإزواج، قالوا: ما يعرف سحادليه من ~~عنادليه، فثنوا ما هو " وتر " لأجل ما هو " شفع ". على أن ~~الخليل قال في قولهم: ما يحسن بالرجل (مثلك أن يفعل ذلك، ~~وما يحسن بالرجل) خير منك أنه على نية الألف واللام كما كان ~~الجماء الغفير على نية طرح الألف واللام، ومما سهل ذلك الأمن من اللبس ~~وجهالة الموصوف. قال أبو حيان: ولا ضرورة إلى حذف " آل " من " شديد ~~العقاب " وتشبيهه بنادر مغير وهو تثنية الوتر لأجل الشفع فيتنزه كتاب ~~الله عن ذلك. # قال شهاب الدين: أما الازدواج وهو المشاكلة من حيث هو فإنه واقع في ~~القرآن وقد مضى منه مواضع. # وقال الزمخشري أيضا: ويجوز أن يقال: قد تعمد تنكيره وإبهامه للدلالة ~~على فرط الشدة على ما لا شيء أدهى منه وأمر لزيادة الإنذار. ~~ويجوز أن يقال: هذه النكتة هي الداعية إلى اختيار البدل على الوصف إذا ~~سلكت طريق الإبدال انتهى. # وقال مكي: يجوز في " غافر وقابل " البدل على أنهما نكرتان لاستقبالهما ~~والوصف على أنهما معرفتان لمضيهما. وقال ابن الخطيب لا نزاع في جعل ~~" غافر " صفة، وإنما كانا كذلك لأنهما يفيدان معنى الدوام والاستمرار ~~فكذلك (شديد العقاب) يفيد ذلك لأن صفاته منزهة عن الحدوث والتجدد فمعناه ~~كونه بحيث شديد عقابه، وهذا المعنى حاصل أبدا لا يصوف بأنه حصل بعد أن ~~لم يكن قال أبو حيان: وهذا كلام من لم يقف على علم النحو ولا نظر فيه ~~ويلزمه أن يكون " حكيم عليم " و " مليك مقتدر " معارف ~~لتنزيه صفاته عن الحدوث والتجدد، ولأنها صفات لم تحدث لم تحصل بعد ~~أن لم تكن ويكون تعريف صفاته بأل وتنكيرها سواء، وهذا لا يقوله مبتدىء ~~في علم النحو بله أن يصنف فيه ويقدم على تفسير كتاب الله تعالى. # وقد سردت هذه الصفات كليا من غير عاطف إلا " قابل التوب " قال ~~بعضهم: وإنما عطف لاجتماعهما وتلازمهما وعدم انفكاك أحدهما عن الآخر وقطع ms7553 ~~" شديد " عنهما فلم يعطف لانفراده. # قال أبو حيان: وفيه نزعة اعتزالية، ومذهب أهل السنة جواز الغفران للعاصي ~~وإن لم يتب إلا الشرك. قال شهاب الدين: وما أبعده عن نزعة الاعتزالية. ثم ~~أقول: التلازم لازم من جهة أنه تعالى متى قبل التوبة فقد غفر الذنب ~~وهو كاف في التلازم. # قال الزمخشري فإن قلت: ما بال الواو في قوله: " وقابل التوب "؟ ~~قلت: فيها نكتة جليلة وهي إفادة الجمع المذنب والتائب بين رحمتين بين أن ~~يقبل توبته فيقبلها فيكتبها له طاعة من الطاعات وإن لم يجعلها محاءة ~~للذنوب كمن لم يذنب كأنه قال: جامع المغفرة والقبول أنتهى. # وبعد هذا الكلام الأنيق وإبراز هذه المعاني الحسنة قال أبو حيان: وما ~~أكثر تهجح هذا الرجل وشقشقته، والذي أفاد: أن الواو للجمع وهذا ~~معروف من ظاهر علم النحو. قال شهاب الدين: وقد أنشدني بعضهم رحمه الله: # 4318 وكم من عائب قولا صحيحا # وآفته من الفهم السقيم # (وآخر): # 4319 قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد # وينكر الفم طعم الماء من سقم # والتوب (يحتمل) أن يكون اسما مفردا مرادا به الجنس كالذنب، ~~وأن يكون جمعا لتوبة كتمر وتمرة و " ذي الطول " نعت أو ~~بدل كما تقدم، والطول سعة الفضل، و " لا إله إلا هو " يجوز ~~أن يكون مستأنفا، وأن يكون حالا وهي حال لازمة، وقال أبو البقاء يجوز ~~أن يكون صفة، وهذا على ظاهره فاسد؛ لأن الجمل لا تكون صفة للمعارف، ~~ويمكن أن يريد أنه صفة لشديد العقاب، لأنه لم يتعرف بالإضافة. # والقول في " إليه المصير " كالقول في الجملة قبله ويجوز أن يكون ~~حالا من الجملة قبله. # فصل # قال المفسرون: غافر الذنب ساتر الذنب وقابل التوب أي التوبة، مصدر تاب ~~يتوب توبا، وقيل: التوب جمع توبة مثل: دومة ودوم، وعومة ~~وعوم، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : غافر لمن قال لا إله إلا ~~الله، وقال التوب لمن قال لا إله إلا الله، شديد العقاب لمن لا يقول لا ~~إله إلا الله، " ذي الطول " ذي الغنى عمن لا ms7554 يقول لا إله إلا الله. قال ~~مجاهد: ذي الطول ذي السعة، والغنى، وقال الحسن: ذي الفضل، وقال ~~قتادة: ذو النعم، وقيل: ذو القدرة، وأصل الطول الإنعام الذي تطول ~~مدته على صاحبه، لا إله إلا هو إليه المصير. # والمعنى أنه لما وصف نفسه بصفات الرحمة والفضل فلو حصل معه إله آخر ~~يشاركه في صفة الرحمة والفضل لما كانت الحاجة إلى عبوديته شديدة فكان ~~الترغيب والترهيب الكاملين حاصلين بسبب هذا التوحيد. و قوله " إليه ~~المصير " مما يقوي الرغبة في الإقرار بالعبودية. # قوله تعالى: { ما يجادل في آيات الله إلا الذين ~~كفروا } لما قرر أن القرآن كتابه أنزله ليهتدى به في الدين ذكر أقوال ~~من يجادل لغرض إبطاله فقال { ما يجادل في آيات الله } أي في ~~دفع آيات الله بالتكذيب والإنكار إلا الذين كفروا. # واعلم أن الجدال نوعان، جدال في تقرير الحق، وجدال في تقرير الباطل، ~~أما الجدال في تقرير الحق فهو حرفة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~قال تعالى لمحمد عليه الصلاة والسلام # وجادلهم بالتي هي أحسن # [النحل:125] وحكى عن قوم نوح قولهم: # قالوا ينوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا # [هود:32]. وأما الجدال في تقرير الباطل فهو مذموم وهو المراد بهذه ~~الآية، وقال عليه الصلاة والسلام : # " إن جدالا في القرآن كفر " # وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: # " سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما يتمارون فقال: إنما ~~هلك من كان قبلكم بهذا ضربوا كتاب الله عز وجل بعضه ~~ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضا فلا تكذبوا بعضه ببعض ~~فما علمتم منه فقولوه، وما جهلتم فكلوه إلى عالمه " # ، وقال تعالى: # ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون # [الزخرف:58] وقال: { وجادلوا بالباطل ليدحضوا به ~~الحق } [غافر:5]. # قوله " فلا يغررك " قرأ العامة بالفك وهي لغة الحجاز، وزيد ~~بن علي وعبيد بن عمير فلا يغرك بالإدغام مفتوح الراء وهي ~~لغة تميم. # فصل # جدالهم في آيات الله هو قولهم مرة سحر، ومرة هو شعر، ومرة إنه قول ~~الكهنة، ومرة إنه أساطير ms7555 الأولين، ومرة إنه يعلمه بشر، وقولهم: # مآ أنتم إلا بشر مثلنا # [يس:15] أأنزل علينا الملائكة، وأشباه هذا. # ثم قال: { فلا يغررك تقلبهم في البلاد } أي لا ~~تغتر بأني أمهلتهم وتركتهم سالمين في أبدانهم وأموالهم يتقلبون ~~في البلاد أي يتصرفون فيها للتجارات وطلب المعاش فإني وإن أمهلتهم فإني ~~سآخذهم وأنتقم كما فعلت بالأمم الماضية. # ثم كشف عن هذا المعنى فقال { كذبت قبلهم قوم نوح ~~والأحزاب من بعدهم } وهم الكفار الذين تحزبوا على أنبيائهم ~~بالتكذيب من بعد قوم نوح { وهمت كل أمة برسولهم ~~ليأخذوه } ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : ليقتلوه ويهلكوه ~~وقيل: ليأسروه. وقرأ عبدالله برسولها، أعاد الضمير على لفظ " الله ~~" والجمهور على معناها، وفي قوله " ليأخذوه " عبارة عن المسبب ~~بالسبب وذلك أن القتل مسبب عن الأخذ ومنه قيل للأسير: أخيذ قال: # 4320 فإما تأخذوني تقتلوني # فكم من واحد يهوى خلودي # { وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق } ليبطلوا ~~به الحق الذي جاءت به الرسل، { فأخذتهم فكيف كان عقاب } ~~اجتزاء بالكسرة عن ياء المتكلم وصلا ووقفا؛ لأنها رأ س فاصلة، والمعنى ~~فأنزلت بهم من الهلاك ما هموا بإنزاله بالرسل، وأرادوا أن يأخذوهم ~~فأخذتهم أنا فكيف كان عقابي إياهم؟ أليس كان مستأصلا؟ فأنا أفعل ~~بقومك ما فعلت بهؤلاء إن أصروا على الكفر والجدال في آيات الله. # قوله (تعالى) " وكذلك حقت " يحتمل الكاف أن تكون مرفوعة المحل ~~على خبر مبتدأ مضمر، أي والأمر كذلك: ثم أخبر بأنه حقت كلمة الله عليهم ~~بالعذاب، وأن يكون نعتا لمصدر محذوف أي مثل ذلك الوجوب من عقابهم وجب ~~على الكفرة، والمعنى كما حقت كلمة العذاب على الأمم المكذبة حقت أيضا ~~على الذين كفروا من قومك. # قوله { أنهم أصحاب النار } يجوز أن يكون على حذف حرف الجر ~~أي لأنهم (فحذف) فيجري في محلها القولان (قال الأخفش لأنهم أو ~~بأنهم أصحاب النار)، ويجوز أن يكون في محل رفع بدلا من " كلمة ~~". وقد تقدم خلافهم في إفراد " كلمة " وجمعها، وأن نافعا وابن عامر ~~قرأ " كلمات " على الجمع والباقون بالإفراد. ### || [40.7-9] # قوله: " الذين ms7556 يحملون " مبتدأ و " يسبحون " خبره، ~~والعامة على فتح عين العرش وابن عباس في آخرين بضمها. فقيل: يحتمل ~~أن يكون جمعا لعرش كسقف في سقف وقوله " من حوله " يحتمل ~~أن يكون مرفوع المحل عطفا على " الذين يحملون العرش " أخبر عن الفريقين ~~بأنهم يسبحون، وهذا هو الظاهر، وأن يكون منصوب المحل عطفا على " ~~العرش " يعني أنهم يحملون أيضا الملائكة الحافين بالعرش، وليس ~~بظاهر. # فصل # لما بين أن الكفار يبالغون في إظهار العداوة مع المؤمنين بين أن أشرف ~~طبقات المخلوقات هم الملائكة الذين هم حملة العرش والحافون حول العرش ~~يبالغون في إظهار المحبة والنصرة للمؤمنين، فكأنه تعالى يقول: إن كان ~~هؤلاء الأراذل يبالغون في العداوة فلا تلتفت إليهم ولا تقم لهم وزنا ~~فإن حملة العرش معك، والحافون من حول العرش ينصرونك وهم الكربيون، ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما : حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى أسفل ~~قدميه مسيرة خمسمائة عام، وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أنه ~~قال: بين القائمة من قوائم العرش والقائمة الثانية خفقان الطير المسرع ~~ثلاثين ألف عام. وقال مجاهد: بين السماء الثانية وبين العرش سبعون ~~ألف حجاب: حجاب من نور، وحجاب من ظلمة، وقال وهب بن منبه: إن حول العرش ~~سبعون ألف صف من الملائكة، صف خلف صف يطوفون بالعرش. # قوله { يسبحون بحمد ربهم } قال شهر بن حوشب: حملة العرش ~~ثمانية، فأربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك ~~لك الحمد على حلمك بعد علمك، وأربعة منهم يقولون: سبحانك ~~اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك؛ قال: ~~وكأنهم يرون ذنوب بني آدم. # وقوله: " ويؤمنون به " فيه سؤال وهو أن يقال: ما الفائدة في قوله ~~" ويؤمنون به " مع أن الاشتغال بالتسبيح والتحميد لا يمكن إلا بعد سبق ~~الإيمان بالله؟ # وأجاب الزمخشري: بأن المقصود منه التنبيه على أن الله تعالى لو كان ~~حاضرا لكان حملة العرش والحافون بالعرش يشاهدونه ويعاينونه، ولو كان ~~كذلك لما كان إيمانهم بوجود الله موجبا للمدح والثناء لأن الإقرار ~~بوجود شيء مشاهد معاين لا يوجب ms7557 المدح والثناء، ألا ترى أن الإقرار ~~بوجود الشمس وبكونها مضيئة لا يوجب المدح والثناء؟ فلما ذكر الله سبحانه ~~وتعالى إيمانهم بالله على سبيل المدح والثناء والتعظيم دل على أنهم إنما ~~آمنوا به مع أنهم ما شاهدوه حاضرا جالسا هناك. # قوله: { ويستغفرون للذين آمنوا } اعلم أن كمال السعادة ~~بأمرين: # أحدهما: التعظيم لأمر الله. # والثاني: الشفقة على خلق الله، ويجب أن يكون التعظيم لأمر الله مقدما ~~على الشفقة على خلق الله، فقوله تعالى: { يسبحون بحمد ~~ربهم ويؤمنون به } مشعر بالتعظيم لأمر الله، وقوله { ~~ويستغفرون للذين آمنوا } مشعر بالشفقة على خلق الله، ~~واحتج كثير من العلماء بهذه الآية على أن الملك أفضل من البشر؛ لأنها ~~دلت على أن الملائكة لما فرغوا من ذكر الله تعالى بالثناء والتقدير ~~اشتغلوا بالاستغفار لغيرهم وهم المؤمنون وهذا يدل على أنهم مستغنون ~~بأنفسهم؛ إذ لو كانوا محتاجين إلى الاستغفار لاستغفروا لأنفسهم أولا، ~~لقوله صلى الله عليه وسلم # " ابدأ بنفسك " # ولقوله تعالى لمحمد عليه الصلاة والسلام # واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات # [محمد:19] وقال عن نوح عليه الصلاة والسلام # رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا ~~وللمؤمنين والمؤمنات # [نوح:28] وهذا يدل على أن من كان محتاجا إلى الاستغفار (فإنه يقدم ~~الاستغفار لنفسه على الاستغفار لغيره والملائكة لو كانوا محتاجين إلى ~~الاستغفار) لاستغفروا لأنفسهم أولا ثم استغفروا لغيرهم، ولما لم يذكر ~~الله تعالى استغفارهم لأنفسهم علمنا أنهم لم يكونوا محتاجين إلى ~~الاستغفار، وأما الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فهم كانوا محتاجين ~~إلى الاستغفار لقوله تعالى لمحمد عليه الصلاة والسلام " واستغفر ~~لذنبك " فظهر أن الملك أفضل من البشر والله أعلم. # قوله " ربنا " معمول لقول مضمر تقديره يقولون ربنا، والقول المضمر ~~في محل نصب على الحال من فاعل " يستغفرون " أو خبر بعد خبر، و " ~~رحمة وعلما " تمييز منقول من الفاعلية أي وسع كل شيء رحمتك ~~وعلمك. واعلم أن الدعاء في أكثر الأمر مذكور بلفظ " الرب "؛ لأن ~~الملائكة قالوا في هذه الآية " ربنا " ، وقال آدم عليه الصلاة والسلام ~~: # ربنا ظلمنآ أنفسنا # [الأعراف:23] وقال نوح: # قال ms7558 رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا # [نوح:5] وقال # رب اغفر لي ولوالدي # [نوح:28] وقال إبراهيم: # رب أرني كيف تحيي الموتى # [البقرة:260] وقال: # ربنا واجعلنا مسلمين لك # [البقرة:128] وقال يوسف # رب قد آتيتني من الملك # [يوسف:101] وقال موسى عليه الصلاة والسلام: # رب أرني أنظر إليك # [الأعراف:143] وقال: # رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له # [القصص:16] وحكى عن داود عليه الصلاة والسلام أنه استغفر ربه وخر ~~راكعا وقال سليمان عليه الصلاة والسلام # رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من ~~بعدي إنك أنت الوهاب # [ص:35]، وحكى عن زكريا عليه الصلاة والسلام أنه # نادى ربه ندآء خفيا # [مريم:3] وقال عيسى عليه الصلاة والسلام : # ربنآ أنزل علينا مآئدة من السمآء # [المائدة:114] وقال تعالى لمحمد عليه الصلاة والسلام: # وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين # [المؤمنون:97] وحكى عن المؤمنين أنهم قالوا: # ربنآ ما خلقت هذا باطلا.... # [آل عمران:191]. # فإن قيل: لفظ الله أعظم من لفظ الرب فلم خص لفظ الرب بالدعاء؟ # فالجواب: بأن العبد يقول: كنت في العدم المحض والنفي الصرف ~~فأخرجتني إلى الوجود وربيتني فاجعل تربيتك لي شفيعا إليك في أن لا ~~تخليني طرفة عين عن تربيتك وإحسانك (وفضلك)، لإجابة دعائي. # فإن قيل: قوله ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فيه سؤال، لأن العلم وسع ~~كل شيء وأما الرحمة فما وصلت إلى كل شيء؛ لأن المضرور حال وقوعه في ~~الضرر لا يكون ذلك في حقه رحمة وهذا السؤال أيضا مذكور في قوله: # ورحمتي وسعت كل شيء # [الأعراف:156]. # فالجواب: كل موجود فقد نال من رحمة الله نصيبا؛ لأن الوجود إما واجب ~~وإما ممكن أما الواجب فليس إلا الله (سبحانه) وتعالى. وأما الممكن فوجوده ~~من الله تعالى وبإيجاده وذلك رحمة فثبت أنه لا موجود غير الله إلا وقد ~~حصل له نصيب من الرحمة فلهذا قال: { ربنا وسعت كل شيء ~~رحمة وعلما } هذه الآية دلت على أنه تعالى عالم بجميع المعلومات ~~التي لا نهاية لها من الكليات والجزئيات. # قوله: { فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك ms7559 } دينك ~~{ وقهم عذاب الجحيم }. # فإن قيل: لا معنى للغفران إلا إسقاط العذاب وعلى هذا فلا فرق بين قوله ~~" فاغفر لهم " وبين قوله { وقهم عذاب الجحيم }. # فالجواب: قولهم: فاغفر فيه رمز وإشارة لإسقاط العذاب، فلهذا أردفوه ~~بذكره على سبيل التصريح تأكيدا ومبالغة. # واعلم أنهم لما طلبوا من الله إزالة العذاب (عنهم) أردفوه بطلب إيصال ~~الثواب إليهم فقالوا: { ربنا وأدخلهم جنات عدن التي ~~وعدتهم }. # فإن قيل: أنتم زعمتم أن الشفاعة إنما جعلت للمذنبين وهو الآية تبطل ~~ذلك، لأنه تعالى ما وعد المذنبين بأن يدخلهم جنات عدن. # فالجواب: (لا نسلم أنه) ما وعدهم بذلك، لأن الدلائل الكثيرة دلت ~~على أنه لا يخلد أهل " لا إله إلا الله، محمد رسول الله " في النار، وإذا ~~أخرجهم من النار وجب أن يدخلهم الجنة فكان هذا وعد من الله بأن يدخلهم ~~جنات عدن إما من غير دخول النار، وإما بعد أن يدخلهم النار. # قوله: " ومن صلح " في محل نصب إما عطفا على مفعول " أدخلهم ~~" وإما على مفعول " وعدتهم " وقال الفراء والزجاج نصبه من مكانين ~~إن شئت على الضمير في " أدخلهم " وإن شئت على الضمير في " ~~وعدتهم ". والعامة على فتح لام " صلح " يقال: صلح فهو ~~صالح، وابن أبي عبلة بضمها، يقال: صلح فهو صليح. والعامة على ~~" ذرياتهم " جمعا، وعيسى " ذريتهم " إفرادا. والمراد بقوله ومن ~~صلح من أهل الإيمان. # ثم قالوا { إنك أنت العزيز الحكيم }. وإنما ذكروا في ~~دعائهم هذين الوصفين، لأنه لو لم يكن عزيزا بل كان بحيث يغلب ويمنع لما ~~صح وقوع المطلوب منه ولو لم يكن حكيما لما حصل هذا المطلوب على وفق ~~الحكمة والمصلحة. # ثم قالوا: بعد ذلك " وقهم السيئات " (قال بعض المفسرين ~~المراد منه عذاب السيئات. # فإن قيل: فعلى هذا التقدير لا فرق بين قوله: " وقهم السيئات " ) وبين ~~قوله { وقهم عذاب الجحيم } وحينئذ يلزم التكرار الخالي من ~~الفائدة وهو لا يجوز! # فالجواب: أن التفاوت حاصل من وجهين: # الأول: أن يكون قوله { وقهم عذاب الجحيم } ، دعاء مذكورا ~~(للأصول وقوله " وقهم السيئات " دعاء مذكورا) للفروع وهم ms7560 الآباء ~~والأزواج والذريات. # الثاني: أن يكون قوله { وقهم عذاب الجحيم } مقصورا على ~~إزالة عذاب الجحيم، وقوله " وقهم السيئات " يتناول عذاب الجحيم ~~وعذاب موقف القيامة والحساب والسؤال. # وقال بعض المفسرين: المراد بقوله: " وقهم السيئات " هو أن الملائكة ~~طلبوا إزالة عذاب النار بقولهم: " عذاب الجحيم " وطلبوا إيصال الثواب ~~(إليهم) بقولهم: { وأدخلهم جنات عدن } ثم طلبوا بعده ذلك ~~أن يصونهم الله تعالى في الدنيا عن العقائد الفاسدة بقولهم: " وقهم ~~السيئات " ثم قالوا { ومن تق السيئات يومئذ فقد ~~رحمته } يعني من تق السيئات في الدنيا فقد رحمته في يوم القيامة، ~~ثم قالوا { وذلك هو الفوز العظيم } حيث وجدوا بأعمال ~~منقطعة نعيما لا ينقطع وبأفعال حقيرة ملكا لا تصل العقول إلى كنه ~~جلالته و الله أعلم. # قوله: " يومئذ " التنوين عوض من جملة محذوفة، ولكن ليس في الكلام ~~جملة مصرح بها عوض من هذه التنوين بخلاف قوله: # وأنتم حينئذ تنظرون # [الواقعة:84] أي حين إذ بلغت الحلقوم لتقدمها في اللفظ فلا ~~بد من تقدير جملة يكون هذا عوضا منها تقديره: يوم إذ يؤاخذ ~~بها. # فصل # قال مطرف: أنصح عباد الله للمؤمنين الملائكة وأغش الخلق للمؤمنين ~~هم الشياطين، قال سعيد بن جبير في تفسير قوله { ومن صلح من ~~آبآئهم } يدخل المؤمن الجنة فيقول: ابن أبي؟ أين ولدي؟ أين زوجتي؟ ~~فيقال لهم: إنهم لم يعملوا مثل عملك فيقول: إن كنت أعمل لي ولهم فيقال: ~~أدخلوهم الجنة. ### || [40.10-12] # قوله تعالى: { إن الذين كفروا ينادون } أي يوم القيامة ~~وهم في النار وقد مقتوا أنفسهم حين عرض عليهم سيئاتهم وعاينوا العذاب ~~فيقال لهم: { لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم ~~إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون } أي لمقت الله إياكم في ~~الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم اليوم أنفسكم عند ~~دخول العذاب قاله البغوي. # واعلم أن الله تعالى عاد إلى شرح أحوال الكافرين المجادلين في آيات ~~الله، وهم المذكورون في قوله # ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا # [غافر:4] وبين أنهم في القيامة يعترفون بذنوبهم واستحقاقهم العذاب ~~ويسألون الرجوع إلى ms7561 الدنيا ليتلافوا ما فرط منهم. # قوله " إذ تدعون " منصوب بمقدر يدل عليه (هذا الظاهر، تقديره ~~مقتكم إذ تدعون، وقدره بعضهم: اذكروا إذ تدعون). وجوز الزمخشري أن يكون ~~منصوبا بالمقت الأول. ورد عليه أبو حيان بأنه يلزم الفصل بين المصدر ~~ومعموله بالأجنبي وهو الخبر، وقال: هذا من ظواهر علم النحو التي لا تكاد ~~تخفى على المبتدىء، فضلا عن من يدعي من العجم أنه شيخ العرب ~~والعجم، قال شهاب الدين: ومثل هذا لا يخفى على أبي القاسم، وإنما ~~أراد أنه دال على ناصبه، (و) على تقدير ذلك فهو مذهب كوفي قال به. أو لأن ~~الظرف يتسع فيه ما لا يتسع في غيره، وأي غموض في هذا حتى ~~ينحي عليه هذا الإنحاء؟ ولله در القائل: # 4321 حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه # فالقوم أعداء له وخصوم # كضرائر الحسناء قلن لوجهها # كذبا وزورا إنه لذميم # وهذا الرد سبقه إليه أبو البقاء فقال: ولا يجوز أن يعمل فيه مقت الله؛ ~~لأنه مصدر أخبر عنه وهو قوله " أكبر " فمن ثم أخذه أبو حيان، ولا ~~يجوز أن ينتصب بالمقت الثاني لأنهم لم يمقتوا أنفسهم وقت دعائهم إلى ~~الإيمان إنما مقتوها يوم القيامة. والظاهر أن " مقت الله " واقع في ~~الدنيا كما تقدم في تفسير الآية. وجوز الحسن أن يكون في الآخرة وضعفه أبو ~~حيان بأنه يبقى " إذ تدعون " مفلتا من الكلام لكونه ليس له عامل ~~مقدم فلا يفسر قائلا فإذا كان المقت في الدنيا أمكن أن يضمر له عامل ~~تقديره (مقتكم). قال شهاب الدين: وهذا التجري على مثل الحسن يهون عليك ~~تجريه على الزمخشري ونحوه. # واللام في " لمقت " لام ابتداء، أو قسم، ومفعوله محذوف أي لمقت الله ~~إياكم أو أنفسكم فهو مصدر مضاف لفاعله كالثاني. ولا يجوز أن تكون المسألة ~~من باب التنازع في " أنفسكم " بين المقتين؛ لئلا يلزم الفصل بالخبر بين ~~المقت الأول ومعموله على تقدير إعماله. لكن قد اختلف النحاة في مسألة وهي ~~التنازع في فعلي التعجب فمن منع اعتل بما ذكرته لأنه لا يفصل بين ms7562 ~~فعل التعجب ومعموله، ومن جوز فقال: يلتزم (إعمال) الثاني حتى لا يلزم ~~الفصل فليكن هذا منه، والحق عدم الجواز فإنه على خلاف قاعدة التنازع. # فصل # ذكروا في تفسير مقتهم أنفسهم وجوها: # الأول: أنهم إذا شاهدوا القيامة والجنة والنار مقتوا أنفسهم على إصرارهم ~~على التكذيب بهذه الأشياء في الدنيا. # الثاني: أن الأتباع يشتد مقتهم للرؤساء الذين دعوهم إلى الكفر في ~~الدنيا، والرؤساء أيضا يشتد مقتهم للأتباع فعبر عن مقت بعضهم بعضا ~~بأنهم مقتوا أنفسهم كقوله تعالى: # فاقتلوا أنفسكم # [البقرة:54]، والمراد قتل بعضهم بعضا. # الثالث: قال محمد بن كعب (القرظي): إذا خطبهم إبليس وهم في النار ~~بقوله: # وما كان لي عليكم من سلطان # إلى قوله: # ولوموا أنفسكم # [إبراهيم:22] ففي هذه الحالة مقتوا أنفسهم، وأما الذين ينادون الكفار ~~بهذا الكلام فهم خزنة جهنم. # فصل # المقت: أشد البغض وذلك في حق الله تعالى محال، فالمراد منه الإنكار ~~والزجر، قال الفراء قوله { ينادون لمقت الله } معناه ينادون ~~أن مقت الله، يقال: ناديت إن زيدا قائم، وناديت لزيد قائم. # ثم إنه تعالى بين أن الكفار إذا خوطبوا بهذا الخطاب قالوا: { ربنآ ~~أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين... } الآية: " ~~اثنتين " نعت مصدر محذوف تقديره إماتتين اثنتين. قال عباس ~~وقتادة والضحاك: كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم فأحياهم الله في الدنيا، ~~ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها، ثم أحياهم للبعث يوم القيامة فهما ~~موتان وحياتان، وهو كقوله: # كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ~~ثم يميتكم ثم يحييكم # [البقرة:28]. وقال السدي: أميتوا في الدنيا ثم أحيوا في قبورهم ~~للسؤال ثم أميتوا في قبورهم، ثم أحيوا في الآخرة. وقوله { ~~فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل } أي من ~~خروج من النار إلى الدنيا فنصلح أعمالنا ونعمل بطاعتك، ومر نظير: # هل إلى مرد من سبيل # [الشورى:44] والمعنى أنهم لما عرفوا أن الذي كانوا عليه في الدنيا كان ~~فاسدا باطلا تمنوا الرجوع إلى الدنيا ليشتغلوا بالأعمال الصالحة. # فإن قيل: الفاء في قوله: " فاعترفنا " يقتضي أن تكون الإماتة ~~مرتين (والإحياء مرتين) سببا لهذا الاعتراض فما ms7563 وجه هذه ~~السببية؟. # فالجواب: لأنهم كانوا منكرين البعث فلما شاهدوا هذا الأحياء بعد الإماتة ~~مرتين لم يبق لهم عذر في الإقرار بالبعث فلا جرم وقع هذا الإقرار كالمسبب ~~عن تلك الإماتة والإحياء. # واعلم أنهم لما قالوا فهل إلى خروج من سبيل فالجواب الصريح عنه أن يقال: ~~لا أو نعم وهو تعالى لم يقل ذلك بل قال كلاما يدل على أنه لا سبيل ~~لهم إلى الخروج وهو قوله { ذلكم بأنه إذا دعي الله ~~وحده كفرتم } أي ذلك الذي أنتم فيه من العذاب والخلود من النار ~~وأن لا سبيل لكم إلى خروج قط إنما وقع بسبب كفرهم بتوحيد الله، أي إذا ~~قيل لا إله إلا الله كفرتم وقلتم # أجعل الآلهة إلها واحدا # [ص:5] { وإن يشرك به تؤمنوا } أي تصدقوا ذلك الشرك. # قوله " وحده " فيه وجهان: # أحدهما: أنه مصدر في موضع الحال، وجاز كونه معرفة لفظا لكونة في قوة ~~النكرة، كأنه قيل: منفردا. # والثاني وهو قول يونس : أنه منصوب على الظرف والتقدير: دعي ~~على حياله. وهو مصدر محذوف الزوائد، والأصل أوحدته إيحادا. # قوله " فالحكم لله " حيث حكم عليكم بالعذاب السرمد. وقوله: " ~~العلي الكبير " يدل على الكبرياء والعظمة الذي لا أعلى منه ولا ~~أكبر. ### || [40.13-17] # قوله تعالى: { هو الذي يريكم آياته } ليدل على كمال قدرته ~~وحكمته وأنه لا يجوز جعل هذه الأحجار المنحوتة والخشب المصور شركاء لله ~~تعالى في المعبودية، ثم قال { وينزل لكم من السمآء ~~رزقا } يعني المطر الذي هو سبب الأرزاق. وقرأ ابن كثير وأبو عمر " ~~ينزل " خفيفة والباقون بالتشديد. # واعلم أن أهم المهمات رعاية مصالح الأديان ومصالح الأبدان، فالله ~~تعالى يراعي مصالح أديان العباد بإظهار البينات والآيات وراعى مصالح ~~العباد بأبدانهم بإنزال الرزق من السماء فموقع الآيات من الأديان كموقع ~~الأرزاق من الأبدان وعند حصولها يحصل الإنعام الكامل. # ثم قال: { وما يتذكر إلا من ينيب } أي ما يتعظ بهذه ~~الآيات إلا من يرجع إلى الله في جميع أموره فيعرض عن غير الله ويقبل ~~الكلية على الله تعالى ولهذا قال { فادعوا الله ms7564 مخلصين له ~~الدين } عن الشرك ولو كره الكافرون. # قوله تعالى: " رفيع الدرجات " فيه وجهان: # أحدهما: أن يكون مبتدأ والخبر " ذو العرش " و " يلقي الروح " يجوز أن ~~يكون خبرا ثانيا، وأن يكون حالا، ويجوز أن يكون الثلاثة أخبارا ~~لمبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون الثلاثة أخبارا لقوله { هو الذي ~~يريكم } قال الزمخشري: ثلاثة أخبار يجوز أن تكون مترتبة على قوله { ~~هو الذي يريكم } أو أخبار مبتدأ محذوف وهي مختلفة تعريفا ~~وتنكيرا، قال شهاب الدين: أما الأول ففيه طول الفصل وتعدد الأخبار، ~~وليست في معنى خبر واحد، (وأما الثاني ففيه تعدد الأخبار وليس في معنى ~~واحد) وهي مسألة خلاف ولا يجوز أن يكون " ذو العرش " صفة " لرفيع ~~الدرجات " إن جعلناه صفة مشبهة، أما إذا جعلناه مثال مبالغة أي يرفع ~~درجات المؤمنين فيجوز ذلك على أن يجعل إضافته محضة، وكذلك عند من ~~يجوز تمحض إضافة الصفة المشبهة أيضا. وقد تقدم، وقرىء " ~~رفيع " بالنصب على المدح. # فصل # لما ذكر من صفات كبريائه كونه مظهرا للآيات منزلا للأرزاق ذكر في هذه ~~الآية ثلاثة أخرى من صفات الجلال والعظمة وهو قوله رفيع الدرجات وهذا ~~يحتمل أن يكون المراد منه الرافع وأن يكون المراد منه المرتفع، فإن ~~حملناه على الأول ففيه وجوه: # الأول: أن الله يرفع درجات الأنبياء والأولياء في الجنة. # والثاني: يرفع درجات الخلق في العلوم والأخلاق الفاضلة فجعل لكل أحد من ~~الملائكة درجة معينة كما قال: # وما منآ إلا له مقام معلوم # الصافات:164]، وجعل لكل أحد من العلماء درجة معينة فقال تعالى: # يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا ~~العلم درجات # [المجادلة:11] وعين لكل جسم درجة معينة فجعل بعضها سفلية كدرة، ~~وبعضها فلكية كوكبية، وبعضها من جواهر العرش والكرسي، وأيضا جعل لكل ~~واحد مرتبة معينة في الخلق والخلق والرزق والأجل فقال: # وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم ~~فوق بعض درجات # [الأنعام:165] وجعل لكل أحد من السعداء والأشقياء في الدنيا درجة معينة ~~من موجبات السعادة وموجبات الشقاوة وفي الآخرة تظهر تلك الآثار. وإن ~~جعلنا " الرفيع " على ms7565 " المرتفع " فهو سبحانه أرفع الموجودات في جميع ~~صفات الكمال والجلال. وقوله " ذو العرش " أي خالقه ومالكه ومدبره، و " ~~يلقي الروح " أي ينزل الوحي من السماء روحا لأنه تحيا به القلوب ~~كما تحيا الأبدان بالأرواح وقوله " من أمره " متعلق ب " يلقي " ~~، و " من " لابتداء الغاية، ويجوز أن يكون متعلقا بمحذوف على أنه ~~حال من " الروح ". # فصل # قال ابن عباس رضي الله عنهما : معنى من أمره أي من قضائه، وقيل: من ~~قوله. وقال مقاتل بأمره على من يشاء من عباده. وقوله: { لينذر يوم ~~التلاق } العامة على بنائه للفاعل، ونصب اليوم والفاعل هو الله تعالى ~~أو الروح أو " من يشاء " أو الرسول، ونصب " اليوم " إما على الظرفية ~~والمنذر به محذوف تقديره لينذر العذاب يوم التلاق، وإما على المفعول ~~به اتساعا في الظرف وقرأ أبي وجماعة كذلك إلا أنه رفع اليوم على ~~الفاعلية مجازا أي لينذر الناس العذاب يوم التلاق. وقرأ الحسن واليماني ~~" لتنذر " بالتاء من فوق وفيه وجهان: # أحدهما: أن الفاعل ضمير المخاطب وهو الرسول صلى الله عليه وسلم . # والثاني: أن الفاعل ضمير الروح فإنها مؤنثة على رأي. # وقرأ اليماني أيضا " لينذر " مبنيا للمفعول " يوم " بالرفع وهي تؤيد ~~نصبه في قراءة الجمهور على المفعول به اتساعا. وأثبت ياء " التلاق " ~~وصلا ووقفا ابن كثير، وأثبتها في الوقف دون الوصل من غير خلاف ورش، ~~وحذفها الباقون وصلا ووقفا إلا قالون، فإنه روي عنه وجهان، وجه ~~كورش، ووجه كالباقين، وكذلك هذا الخلاف بعينه جار في " يوم ~~التناد ". وقد تقدم توجيه هنذه الوجهين في الرعد في قوله: # الكبير المتعال # [الرعد:9]. # قوله " { يوم هم بارزون } في " يوم " أربعة أوجه: # أحدها: أنه بدل من " يوم التلاق " بدل كل من كل. # الثاني: أن ينتصب بالتلاق أي يقع التلاق في يوم بروزهم. # الثالث: أن ينتصب بقوله لا يخفى على الله (منهم شيء) ذكره ~~ابن عطية. وهذا على أحد الأقوال الثلاثة في " لا " هل يعمل ما بعدها فيما ~~قبلها؟ ثالثها التفصيل بين أن تقع جواب قسم فيمتنع أو لا فيجوز هذا على ms7566 ~~قولين من هذه الأقوال. # الرابع: أن ينتصب بإضمار " اذكر " و " يوم " ظرف مستقبل " كإذا ". # وسيبويه لا يرى إضافة الظرف المستقبل إلى الجمل الاسمية والأخفش يراه ~~ولذلك قدر سيبويه في قوله # إذا السمآء انشقت # [الإنشقاق:1] ونحوه فعلا قبل الاسم، والأخفش لم يقدره، وعلى هذا فظاهر ~~الآية مع الأخفش. ويجاب عن سيبويه بأن " هم " ليس مبتدأ بل مرفوعا ~~بفعل محذوف يفسره اسم الفاعل، أي يوم برزوا ويكون " بارزون " خبر مبتدأ ~~مضمر، فلما حذف الفعل انفصل الضمير فبقي كما ترى، وهذا كما قالوا في ~~قوله ( رحمه الله ): # 4322 لو بغير الماء حلقي شرق # كنت كالغصان بالماء اعتصاري # في أن " حلقي " مرفوع بفعل يفسره " شرق "؛ لأن " لو " لا ~~يليها إلا الأفعال، وكذا قوله (شعرا) # 4323............................ # إلي فهلا نفس ليلى شفيعها # لأن " هلا " لا يليها إلا الأفعال، فالمفسر في هذه المواضع ~~أسماء مشتقة وهو نظير: أنا زيدا أضاربه من حين التفسير، وحركة " ~~يوم هم بارزون " حركة إعراب على المشهور، ومنهم من جوز بناء ~~الظرف وإن أضيف إلى فعل مضارع أو جملة اسمية وهم الكوفيون، وقد وهم ~~بعضهم فحتم بناء الظرف المضاف للجمل الاسمية وقد تقدم أنه لا يبنى ~~عند البصريين إلا ما أضيف إلى (فعل) ما نص كقوله: # 4324 على حين عاتبت........ # ............................ # وتقدم هذا مستوفى في آخر المائدة. # وكتبوا " يوم " هنا وفي الذاريات منفصلا، وهو الأصل. # قوله: { لا يخفى على الله } يجوز أن تكون مستأنفة، وأن تكون ~~حالا من ضمير " بارزون " ، وأن تكون خبرا ثانيا. # فصل # قال بعض المفسرين: يوم التلاق هو يوم يلتقي أهل السماء وأهل الأرض. ~~وقال قتادة ومقاتل: يلتقي الخلق والخالق. وقال ابن زيد: يتلاقى العباد. ~~وقال ميمون بن مهران: يلتقي الظالم والمظلوم، وقيل: يلتقي ~~العابد والمعبود، وقيل: يلتقي فيه المرء مع عمله، وقيل: يلتقي الأرواح مع ~~الأجساد، بعد مفارقتها إياها يوم هم بارزون، كناية عن ظهور أعمالهم ~~وانكشاف أسرارهم كما قال تعالى: # يوم تبلى السرآئر # [الطارق:9]. # { لا يخفى على الله منهم } أي من أحوالهم شيء ويقول الله ~~سبحانه بعد فناء الخلق { لمن ms7567 الملك اليوم } فلا يجيبه أحد ~~فيجيب نفسه فيقول { لله الواحد القهار } الذي قهر الخلق ~~بالموت. # فإن قيل: الله تعالى لا يخفى عليه شيء منهم في جميع الأيام فما معنى ~~تقييد هذا العلم بذلك اليوم؟. # فالجواب: أنهم كانوا يتوهمون في الدنيا أنهم إذا استتروا بالحيطان ~~والحجب أن الله لا يراهم ويخفى عليه أعمالهم فهم في ذلك اليوم صائرون ~~من البروز والانكشاف إلى حالة لا يتوهمون فيها مثل ما يتوهمونه في ~~الدنيا، كما قال تعالى: # ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما ~~تعملون # [فصلت:22]، وقال تعالى: # يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو ~~معهم # [النساء:108] وهو معنى قوله: # وبرزوا لله الواحد القهار # [إبراهيم:48]. # فصل # قال المفسرون: إذا هلك كل من في السموات ومن في الأرض فيقول الرب تعالى: ~~لمن الملك اليوم؟ يعني يوم القيامة، فلا يجيبه أحد، فهو تعالى يجيب نفسه ~~فيقول: لله الواحد القهار، قال ابن الخطيب: قال أهل الأصول هذا القول ~~ضعيف من وجوه: # الأول: أنه تعالى بين أن هذا النداء إنما يحصل يوم التلاق يوم هم ~~بارزون، ويوم تجزى كل نفس ما كسبت، والناس في ذلك الوقت أحياء فبطل قولهم ~~إنما ينادى هذا النداء حين يهلك كل من في السموات ومن في الأرض. # الثاني: أن الكلام لا بد فيه من فائدة؛ لأن الكلام إما أن يذكر حال ~~حضور الغير أو حال ما لا يحضر الغير، والأول باطل ههنا؛ لأن القوم ~~قالوا: إنه تعالى إنما يذكر هذا الكلام عند فناء الكل. والثاني أيضا ~~باطل لأن الرجل إنما يحسن تكلمه حال كونه وحده إما لأن يحفظ به شيئا ~~كتكريره على الدرس وذلك على الله تعالى محال أو لأجل أن يعدي الله بذلك ~~الذكر وهذا ايضا على الله تعالى محال فثبت (أن) قولهم: إن الله تعالى ~~يذكر هذا النداء حال هلاك جميع المخلوقات باطل، وقال بعض المفسرين: إنه ~~في يوم التلاق إذا حضر الأولون والآخرون وبرزوا لله نادى مناد: لمن ~~الملك اليوم؟ فيقول كل الحاضرين في محفل القيامة: لله الواحد ms7568 القهار، ~~فالمؤمنون يقولونه تلذذا بهذا الكلام حيث نالوا بهذا الذكر المنزلة ~~الرفيعة، والكفار يقولونه تحسرا وصغارا وندامة على تفويتهم هذا ~~الذكر في الدنيا، وقال القائلون بهذا القول الأول عن ابن عباس وغير إن ~~هذا النداء بعد هلاك البشر لم يمنع أن يكون هناك ملائكة يسمعون ذلك ~~النداء ويجيبون بقولهم: لله الواحد القهار. وقال ابن الخطيب: أيضا على ~~هذا القول لا يبعد أن يكون السائل والمجيب هو الله تعالى، ولا يبعد أيضا ~~أن يكون السائل جمعا من الملائكة والمجيب جمع آخرون وليس على التعيين ~~دليل. # قوله: { اليوم تجزى كل نفس بما كسبت } يجزى المحسن ~~بإحسانه، والمسيء بإساءته { لا ظلم اليوم إن الله سريع ~~الحساب }. ### || [40.18-20] # قوله تعالى: { وأنذرهم يوم الأزفة... } والمقصود بها وصف ~~يوم القيامة، ويوم الآزفة يجوز أن يكون مفعولا به اتساعا، وأن يكون ~~ظرفا، والمفعول محذوف، والآزفة فاعلة من أزف الأمر إذا دنا وحضر، ~~كقوله في صفة القيامة # أزفت الأزفة # [النجم:57]. أي قربت، قال النابغة الشاعر (رحمة الله عليه): # 4325 أزف الترحل غير أن ركابنا # لما تزل برحالنا وكأن قد # وقال كعب بن زهير: # 4326 بان الشباب وهذا الشيب قد أزفا # ولا أرى لشباب بائن خلفا # وقال الراغب: وأزف، وأفد يتعاقبان، ولكن أزف يقال ~~اعتبارا بضيق وقتها، ويقال أزف الشخوص، والأزف ضيق الوقت. قال شهاب ~~الدين، فجعل بينهما فرقا، ويروى بيت النابغة أفد والآزفة صفة ~~لموصوف محذوف، فيجوز أن يكون التقدير الساعة الآزفة، أو الظلمة الآزفة، ~~وقوله: " إذ القلوب " بدل من " يوم الآزفة " أو من " هم " في " ~~أنذرهم " بدل اشتمال. # فصل # المقصود من الآية التنبيه على أن يوم القيامة قريب، ونظيره قوله تعالى: # اقتربت الساعة # [القمر:1] قال الزجاج: إنما قيل لها آزفة لأنها قريبة وإن استبعد الناس ~~مداها وما هو كائن فهو قريب. # واعلم أن الآزفة نعت لمحذوف مؤنث فقيل: يوم القيامة الآزفة، أو يوم ~~المجازاة الآزفة، قال القفال: وأسماء القيامة تجري على التأنيث كالطامة ~~والحاقة ونحوها، كأنها يرجع معناها على الداهية. # وقيل: المراد بيوم الآزفة مشارفتهم دخول النار، ms7569 فإن عند ذلك ~~ترتفع قلوبهم عن مقارها من شدة الخوف، وقال أبو مسلم: يوم الآزفة يوم ~~حضور الأجل لأنه تعالى وصف يوم القيامة بأنه يوم التلاق ويوم هم بارزون، ~~ثم قال بعده: { وأنذرهم يوم الأزفة } فوجب أن يكون ذلك ~~اليوم غير ذلك اليوم وأيضا فهذه الصفة مخصوصة في سائر الآيات بيوم الموت ~~قال تعالى: # فلولا إذا بلغت الحلقوم # [الواقعة:83]، وقال # كلا إذا بلغت التراقي # [القيامة:26] وأيضا فوصف يوم الموت بالقرب أولى من وصف يوم القيامة ~~بالقرب، وأيضا فالصفات المذكورة بعد قوله: " يوم الآزفة " لائقة بيوم ~~حضور المنية؛ لأن الرجل عند معاينة ملائكة العذاب يعظم خوفه، ~~فكأن قلوبهم تبلغ حناجرهم من شدة الخوف وبقوا كاظمين ساكتين عن ~~ذكر ما في قلوبهم من شدة الخوف، ول ايكون لهم من حميم ولا شفيع يطاع ~~ويدفع ما به من أنواع الخوف والقلق. # قوله: " كاظمين " نصب على الحال، واختلفوا في صاحبها والعامل ~~فيها، فقال الحوفي " القلوب " مبتدأ, و " لدى الحناجر " ~~خبره و " كاظمين " حال من الضمير المستكن فيه. # قال شهاب الدين: ولا بد من جواب عن جمع العقول القلوب جمع من يعقل فقال ~~" كاظمين " وهو أن يكون لما أسند إليهم ما يسند للعقلاء جمعت جمعه كقوله: # رأيتهم لي ساجدين # [يوسف:4] و # فظلت أعناقهم لها خاضعين # [الشعراء:4] ويعضده قراءة من قرأ: " كاظمون ". # الثاني: أنها حال من " القلوب " وفيه السؤال والجواب المتقدمان، ~~والمعنى أن القلوب كاظمة عن كرب وغم مع بلوغها الحناجر. # والثالث: أنه حال من أصحاب القلوب قال الزمخشري: هو حال من أصحاب القلوب ~~على المعنى؛ إذ المعنى إذ قلوبهم لدى الحناجر كاظمين عليها. قال شهاب ~~الدين: فكأنه في قوة أن جعل " أل " عوضا من الضمير في حناجرهم. # الرابع: أن يكون حالا من " هم " في " أنذرهم " ويكون حالا مقدرة لأنهم ~~وقت الإنذار غير كاظمين، وقال ابن عطية: كاظمين حال مما أبدل منه " إذ ~~القلوب " أو مما يضاف إليه القلوب؛ إذ المراد إذ قلوب الناس لدى ~~حناجرهم، وهذا كقوله # تشخص فيه الأبصار مهطعين # [إبراهيم:42، 43] أراد تشخص فيه ms7570 أبصارهم قال شهاب الدين: ظاهر قوله أنه ~~حال مما أبدل منه قوله: " إذ القلوب " مشكل؛ لأنه أبدل من قوله: " يوم ~~الآزفة " وهذا لا يصح البتة، وإنما يريد على الوجه الثاني وهو أن يكون ~~بدلا من " هم " في أنذرهم بدل اشتمال وحينئذ يصح، وقد تقدم ~~الكلام على الكظم والحناجر في آل عمران والأحزاب. # فصل # قيل: المراد بقوله { إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين } ~~شدة الخوف والفزع ونظيره قوله # وبلغت القلوب الحناجر # [الأحزاب:10] وقال: # فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون # [الواقعة: 83 و84]. وقال الحسن: القلوب تنتزع من الصدور لشدة الخوف ~~وبلغت القلوب الحناجر فلا هي تخرج فيموتوا ولا ترجع إلى مواقعها ~~فيتنفسوا ويتروحوا، وقوله: (كاظمين) أي مكروبين، والكاظم الساكت ~~حال امتلائه غما وغيظا والمعنى أنهم لا يمكنهم أن ينطقوا وأن يشرحوا ما ~~عندهم من الخوف والحزن وذلك يوجب مزيد القلق والاضطراب. # قوله: { ما للظالمين من حميم } قريب ينفعهم { ولا شفيع ~~يطاع } فيشفع لهم. وقوله " يطاع " يجوز أن يحكم على موضعه بالجر ~~نعتا على اللفظ، وبالرفع نعتا على المحل لأنه معطوف على المجرور بمن ~~المزيدة، وقوله { ولا شفيع يطاع } من باب: # 4327 على لاحب لا يهتدى بمناره # ............................. # أي لا شفيع فلا طاعة، أو ثم شفيع ولكن لا يطاع. # فصل # احتجت المعتزلة بهذه الآية في نفي الشفاعة عن المذنبين فقالوا نفى حصول ~~شفيع لهم يطاع فوجب أن لا يحصل لهم هذا الشفيع وأجيبوا بوجوه: # الأول: أنه تعالى نفى أن يحصل لهم شفيع يطاع وهذا لا يدل على نفي ~~الشفيع، كقولك: ما عندي كتاب يباع فيقتضي نفي كتاب يباع ولا يقتضي نفي ~~الكتاب، قال الشاعر: # 4328......................... # ولا ترى الضب بها ينجحر # أو لفظ الطاعة بمعنى حصول المرتبة فهذا يدل على أنه ليس لهم يوم القيامة ~~شفيع يطيعه الله، لأن ليس في الوجود أحد أعلى حالا من الله سبحانه ~~وتعالى حتى يقال: إن الله تعالى يطيعه. # والثاني: أن المراد بالظالمين ههنا: الكفار، لأن هذه الآية وردت في زجر ~~الكفار وقال تعالى: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان:13]. ms7571 # الثالث: أن لفظ الظالمين إما أن يفيد الاستغراق أو لا يفيد الاستغراق ~~فإن كان المراد من الظالمين مجموعهم فيدخل في هذا المجموع هم الكفار وليس ~~لهم شفيع فحينئذ لا يكون لهذا المجموع شفيع، وإن لم يفد الاستغراق كان ~~المراد من الظالمين بعض الموصوفين بهذه الصفة وعندنا أن بعض الموصوفين ~~بهذه الصفة ليس لهم شفيع وهم الكفار. # وأجاب (بعض) المعتزلة عن الأول فقالوا: يجب حمل كلام الله تعالى على ~~محمل مفيد وكل أحد يعلم أنه ليس في الوجود شيء يطيعه الله لأن المطيع ~~أدون حالا من المطاع وليس في الوجود أعلى درجة من الله حتى يقال: إن ~~الله يطيعه، وإذا كان هذا المعنى معلوما بالضرورة كان حمل الآية عليه ~~إخراجا لها عن الفائدة، فوجب حمل الطاعة على الإجابة ويدل على أن لفظ ~~الطاعة بمعنى الإجابة قول الشاعر: # 4329 رب من أنضجت غيظا صدره # قد تمنى لي موتا لم يطع # وعن الثاني: بأن لفظ " الظالمين " صيغة جمع دخل عليها حرف التعريف فيفيد ~~العموم، أقصى ما في الباب أن هذه الآية وردت لذم الكفار، لأن العبرة ~~بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وعن الثالث أن قوله: { ما للظالمين ~~من حميم } يفيد أن كل واحد من الظالمين محكوم عليه بأنه ليس له حميم ~~ولا شفيع يطاع. # وأجيبوا عن الأول بأن القوم كانوا يقولون في الأصنام: إنها شفعاؤهم عند ~~الله، وكانوا يقولون: إنها تشفع لهم عند الله من غير حاجة إلى إذن فلهذا ~~السبب رد الله تعالى عليهم ذلك بقوله: # من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه # [البقرة:255] فهذا يدل على أن القوم اعتقدوا أنه يجب على الله تعالى ~~إجابة تلك الأصنام في الشفاعة وهذا نوع طاعة فالله تعالى نفى تلك الطاعة ~~بقوله: { ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع }. وعن ~~الثاني بأن قالوا: الأصل في حرف التعريف أن ينصرف إلى المعهود السابق ~~فإذا دخل حرف التعريف على صيغة الجمع وكان هناك معهود سابق انصرف إليه، ~~وقد حصل في هذه الآية معهود سابق وهم الكفار الذين ms7572 يجادلون في آيات الله ~~فوجب أن ينصرف إليهم. وعن الثالث بأن قالوا قوله: { ما للظالمين ~~من حميم ولا شفيع يطاع } يحتمل عموم السلب، ويحتمل سلب ~~العموم، أما الأول: فعلى تقدير أن يكون المعنى أن كل واحد من الظالمين ~~محكوم عليه بأنه ليس له حميم، ولا شفيع. وأما الثاني: فعلى تقدير أن يكون ~~مجموع الظالمين ليس لهم حميم ولا شفيع، ولا يلزم من نفي الحكم عن المجموع ~~نفيه عن كل واحد من آحاد ذلك المجموع، ويؤيد ما ذكرناه قوله تعالى: # إن الذين كفروا سوآء عليهم أأنذرتهم أم ~~لم تنذرهم لا يؤمنون # [البقرة:6] وقوله: # إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون # [يونس:96] فإن حملناه على أن كل واحد منهم محكوم عليه بأنه لا يؤمن لزم ~~وقوع الخلف في كلام الله تعالى؛ لأن كثيرا ممن كفر قد آمن بعد ذلك، ~~أما لو حملناه على أن مجموع الذين كفروا لا يؤمنون سواء آمن بعضهم أو لم ~~يؤمن صدق وتخلص عن الخلف، فلا جرم حملنا هذه الآية على سلب العموم لا ~~على عموم السلب وحينئذ يسقط استدلال المعتزلة بهذه الآية. # قوله " يعلم " فيه أربعة أوجه: # أظهرها: أنه خبر آخر عن " هو " في قوله # هو الذي يريكم آياته # [غافر:13]، قال الزمخشري: فإن قلت: بم اتصل قوله { يعلم ~~خآئنة الأعين } قلت: هو خبر من أخبار " هو " في قوله # هو الذي يريكم آياته # [غافر:13] مثل " يلقي الروح " ولكن " يلقي الروح " قد علل بقوله ~~" لينذر " ثم استطرد لذكر أحوال يوم التلاق إلى قوله " ولا شفيع ~~يطاع " فبعد لذلك عن أخواته. # الثاني: أنه متصل بقوله " وأنذرهم " لما أمر بإنذاره يوم الآزفة ~~وما يعرض فيه من شدة الغم والكرب وأن الظالم لا يجد من يحميه ولا ~~شفيع له، ذكر اطلاعه على جميع ما يصدر من الخلق سرا وجهرا إذ ~~المعنى أنه تعالى عالم لا يخفى عليه مثقال ذرة في السموات والأرض، ~~والحاكم إذا بلغ في العلم إلى هذا الحد كان خوف المذنب شديدا جدا وعلى ~~هذا فهذه الجملة لا محل ms7573 لها لأنها في قوة التعليل للأمر بالإنذار. # الثالث: أنها متصلة بقوله: " سريع الحساب ". # الرابع: أنها متصلة بقوله: # لا يخفى على الله # [غافر:16] وعلى هذين الوجهين فيحتمل أن تكون جارية مجرى العلة، وأن تكون ~~في محل نصب على الحال. # و " خائنة الأعين " فيه وجهان: # أحدهما: أنها مصدر بمعنى الخيانة كالعافية بمعنى المعافاة (والعافية) أي ~~يعلم خيانة الأعين أي استراق النظر إلى ما لا يحل كما يفعل أهل الريب. # والثاني: أنها صفة على بابها وهو من باب إضافة الصفة للموصوف والأصل ~~الأعين الخائنة كقوله: # 4330........................... # وإن سقيت كرام الناس فاسقينا # وقد رده الزمخشري وقال: لا يحسن أن يراد الخائنة من الأعين لأن قوله: { ~~وما تخفي الصدور } لا يساعد عليه يعني أنه لا يناسب أن يقابل ~~المعنى إلا بالمعنى. # وفيه نظر؛ أذ لقائل أن يقول لا نسلم أن " ما " في قوله { وما تخفي ~~الصدور } مصدرية حتى يلزم ما ذكره، بل يجوز أن يكون بمعنى الذي وهو ~~عبارة عن نفس ذلك الشيء المخفى فيكون قد قابل الاسم غير المصدر بمثله، ~~والمراد بقوله: { وما تخفي الصدور } أي تضمر القلوب. # واعلم أن الأفعال قسمان: أفعال الجوارح، وأفعال القلوب، وأما أفعال ~~الجوارح فأخفاها خائنة الأعين والله عالم بها فكيف الحال في سائر ~~الأعمال، وأما أفعال القلوب فهي معلومة لله تعالى لقوله { وما تخفي ~~الصدور } فدل هذا على كونه عالما بجميع أفعالهم. # قوله { والله يقضي بالحق } وهذا أيضا يوجب عظم الخوف لأن ~~الحاكم إذا كان عالما بجميع الأحوال وثبت أنه لا يقضي إلا بالحق في كل ~~ما دق وجل كان خوف المذنب منه في الغاية القصوى. # قوله: " والذين يدعون " ، قرأ نافع وهشام تدعون بالخطاب ~~للمشركين والباقون بالغيبة، إخبارا عنهم بذلك. # واعلم أن الكفار إنما عولوا في دفع العقاب عن أنفسهم على شفاعة هذه ~~الأصنام فبين الله تعالى أنه لا فائدة فيها البتة، فقال: { الذين ~~يدعون من دونه لا يقضون بشيء } ثم قال: { إن الله ~~هو السميع البصير } أي يسمع من الكفار ثناءهم على الأصنام، ولا ~~يسمع ثناءهم على الله ms7574 ويبصر خضوعهم وسجودهم، ولا يبصر خضوعهم وتواضعهم ~~لله. ### || [40.21-22] # ولما بالغ في تخويفهم بأحوال أهل الآخرة أردفه بيان تخويفهم بأحوال ~~الدنيا فقال { أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف ~~كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم } والمعنى أن العاقل ~~من اعتبر بغيره، فإن الذين مضوا من الكفار كانوا أشد قوة من هؤلاء ~~الحاضرين من الكفار، وأقوى آثارا في الأرض أي حصونهم وقصورهم وعساكرهم، ~~فلما كذبوا رسلهم أهلكهم الله عاجلا حتى إن هؤلاء الجاحدين من الكفار ~~شاهدوا تلك الآثار فحذرهم الله من مثل ذلك وقال # وما لهم من الله من واق # [الرعد:34] أي لما نزل العذاب بهم لم يجدوا معينا يخلصهم. # قوله " فينظروا " يجوز أن يكون منصوبا في جواب الاستفهام، وأن ~~يكون مجزوما نسقا على ما قبله كقوله: # 4331 ألم تسأل فتخبرك الرسوم # ........................... # رواه بعضهم بالجزم، والنصب. # قوله " منهم " قوة " قرأ ابن عامر " منكم " على سبيل ~~الالتفات، وكذلك هو في مصاحفهم، والباقون " منهم " بضمير الغيبة جريا ~~على ما سبق من الضمائر الغائبة. # قوله: " وآثارا " عطف على " قوة " وهو في قوة قوله " وتنحتون ~~من الجبال بيوتا آمنين ". وجعله الزمخشري منصوبا بمقدر، قال: ~~أو أراد أكثر آثارا كقوله: " متقلدا سيفا ورمحا " (يعني ~~ومعتقلا رمحا)؟ ولا حاجة إلى هذا مع الاستغناء عنه. # قوله " ذلك " أي ذلك العذاب الذي نزل بهم { بأنهم كانت ~~تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم ~~الله إنه قوي شديد العقاب } وهو مبالغة في التخويف ~~والتحذير. ### || [40.23-35] # قوله تعالى: { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا... } الآيات. ~~لما سلى رسوله بذكر الكفار الذين كذبوا الأنبياء قبله وبمشاهدة آثارهم ~~سلاه أيضا بذكر قصة موسى عليه الصلاة والسلام وأنه مع قوته ومعجزته ~~بعثه إلى فرعون وهامان وقارون فكذبوه، وقالوا: ساحر كذاب، فلما ~~جاءهم بالحق من عندنا أي بتلك الآيات الباهرة والسلطان المبين وهو ~~المعجزات القاهرة قالوا يعني فرعون وقومه اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه، ~~قال قتادة: هذا غير القتل الأول؛ لأن فرعون كان قد أمسك عن قتل ~~الولدان فلما بعث موسى دعا بالقتل عليهم لئلا ينشأوا على دين موسى ~~فيقوى ms7575 بهم، وهذه العلة مختصة بالبنين دون البنات فلهذا أمر بقتل الأبناء ~~واستحيوا نساءهم ليصدوهم بذلك عن متابعة موسى ومظاهرته ثم قال: { ~~وما كيد الكافرين } أي وما مكر فرعون وقومه واحتيالهم إلا في ~~ضلال. # قوله { وقال فرعون ذروني أقتل موسى } أي وقال فرعون ~~لملئه { ذروني أقتل موسى } فتح ابن كثير ياء " ذروني " ~~وسكنها الباقون. وإنما قال فرعون ذلك؛ لأنه كان في خاصة قوم فرعون من ~~يمنعه من قتل موسى وفي منعهم من قتله احتمالان: # الأول: أنهم منعوه من قتله لوجوه: # الأول: لعله كان فيهم من يعتقد بقلبه كون موسى صادقا فيتحيل في منع ~~فرعون من قتله. # وثانيهما: قال الحسن: إن أصحابه قالوا له: لا تقتله فإنما هو ساحر ضعيف ~~ولا يمكن أن يغلب سحرتنا وإن قتلته أدخلت الشبهة على الناس ~~ويقولوا: إنه كان محقا وعجزوا عن جوابه فقتلوه. # وثالثها: أنهم كانوا يحتالون في منعه من قتله لأجل أن يبقى فرعون مشغول ~~القلب بموسى فلا يتفرغ لتأديب أولئك الأقوام؛ لأن من شأن الأمراء أن ~~يشغلوا قلب ملكهم بخصم خارجي حتى يصيروا آمنين من قلب ذلك الملك. # الاحتمال الثاني: أن أحدا ما منع فرعون من قتل موسى وأنه كان يريد ~~قتله، إلا إنه كان خائفا من أنه لو حاول قتله لظهرت معجزات قاهرات تمنعه ~~من قتله فيفتضح إلا أنه قال ذروني أقتل موسى وغرضه منه إخفاء خوفه. # قوله: " وليدع ربه " أي وليدع موسى ربه الذي يزعم أنه أرسله ~~فيمنعه منا؛ ذكر ذلك استهزاءا. # قوله { إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في ~~الأرض الفساد } قرأ الكوفيون ويعقوب (أو أن) بأو التي للإبهام ~~ومعناه أنه لا بد من وقوع أحد الأمرين والباقون بواو النسق على تسلط ~~الخوف من التبديل وظهور الفساد معا. وفتح نافع وابن كثير وابو عمرو ~~الياء من " إني أخاف "؛ وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص " يظهر " بضم ~~الياء وكسر الهاء من أظهر، وفاعله ضمير موسى عليه الصلاة والسلام " ~~الفساد " نصبا على المفعول به والباقون بفتح الياء والهاء من ظهر ~~الفساد، " الفساد ms7576 " رفعا، وزيد بن علي يظهر مبنيا للمفعول ~~الفساد مرفوع لقيامه مقام الفاعل ومجاهد " يظهر " بتشديد الظاء ~~والهاء، وأصلها يتظهر من تظهر بتشديد الهاء فأدغم التاء في ~~الظاء، " الفساد " رفع على الفاعلية. # فصل # ذكر فرعون النسب الموجب لقتل موسى وهو أن الموجب لقتله إما فساد ~~الدين أو فساد الدنيا، أما فساد الدين فلأن القوم اعتقدوا أن الدين ~~الصحيح هو دينهم الذي كانوا عليه، فلما كان موسى ساعيا في إفساده ~~اعتقدوا أنه ساع في إفساد الدين الحق، وأما فساد الدنيا فهو أنه لا بد ~~وأن يجتمع عليه قوم ويصير ذلك سببا لوقوع الخصومات وإثارة الفتن، ولما ~~كان حب الناس لأديانهم فوق حبهم لأموالهم لا جرم بدأ فرعون بذكر ~~الدين فقال: { إني أخاف أن يبدل دينكم } ثم أتبعه بذكر ~~فساد الدنيا فقال أو أن يظهر في الأرض الفساد. # قوله: { وقال موسى إني عذت } قرأ نافع وأبو عمرو و حمزة ~~والكسائي عدت بإدغام الذال، والباقون بالإظهار. وقوله " لا يؤمن " ~~صفة " لمتكبر ". # فصل # لما توعد فرعون موسى بالقتل لم يأت في دفع شره إلا بأن استعاذ بالله ~~واعتمد على فضل الله فلا جرم صانه الله وحفظه منه. واعلم أن الموجب ~~للإقدام على أيذاء الناس أمران: # أحدهما: كون الإنسان متكبرا قاسي القلب. # والثاني: كونه منكرا للبعث والقيامة. # لأن المتكبر القاسي القلب قد يحمله طبعه على إيذاء الناس إلا أنه إذا ~~كان مقرا بالبعث والحساب صار خوفه من الحساب مانعا له من الجري على ~~موجب تكبره فإذا لم يحصل له الإيمان بالبعث والقيامة كان طبعه داعيا له ~~إلى الإيذاء، لأن المانع وهو الخوف من السؤال والحساب زائل فلا جرم ~~تعظيم القسوة والإيذاء. # وقوله: { وقال رجل مؤمن من آل فرعون } اختلفوا في ~~هذا المؤمن، قال مقاتل والسدي: كان قبطيا. (وقيل): ابن عم فرعون، وهو ~~الذي حكى الله عنه # وجآء رجل من أقصى المدينة يسعى # [القصص:20] وقيل: كان إسرائيليا، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: الصديقون حبيب النجار مؤمن آل ياسين ومؤمن آل فرعون الذي قال: ms7577 ~~أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله، والثالث أبو بكر الصديق وهو أفضلهم، وعن ~~جعفر بن محمد أنه قال: كان أبو بكر خيرا من مؤمن آل فرعون، لأنه كان ~~يكتم إيمانه، وقال أبو بكر جهارا أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وكان ~~ذلك سرا، وهذا جهرا. روى عروة بن الزبير قال: قلت لعبد الله بن عمرو ~~بن العاص أخبرني بأشد ما صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ قال: " بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بفناء الكعبة إذ ~~أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلوى ~~ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا وأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفعه عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ~~وقد جاءكم بالبينات من ربكم؟ ". # قال ابن عباس وأكثر العلماء كان اسم الجرل خزييل. وقال ابن إسحاق جبريل، ~~وقيل حبيب. # قوله: " رجل مؤمن " الأكثرون قرأوا بضم الجيم، وقرىء رجل ~~بكسر الجيم كما يقال: عضد في عضد. وقرأ الأعمش وعبد الوارث ~~بتسكينها وهي لغة تميم ونجد والأولى هي الفصحى. # قوله " من آل " يحتمل أن يكون متعلقا " بيكتم " بعده أي يكتم إيمانه ~~من آل فرعون. # قيل: هذا الاحتمال غير جائز؛ لأنه لا يقال: كتمت من فلان كذا، إنما ~~يقال: كتمته كذا، قال تعالى: # ولا يكتمون الله حديثا # [النساء:42] بل الظاهر تعلقه بمحذوف صفة لرجل. # قال ابن الخطيب: يجوز أن يكون متعلقا بقوله: " مؤمن " وإن كان ذلك ~~المؤمن شخصا من آل فرعون. # قال شهاب الدين: وجاء هنا على أحسن ترتيب حيث قدم المفرد ثم ما يقرب منه ~~وهو حرف الجر ثم الجملة وقد تقدم أيضا هذه المسألة في المائدة وغيرها ~~ويترتب على الوجهين هل كان هذا الرجل من قرابة فرعون فعلى الأولى لا دليل ~~فيه، وقد رد بعضهم الأول بما تقدم، وأنه لا يقال: كتمت من فلان كذا إنما ~~يقال: كتمت فلانا كذا فيتعدى لاثنين بنفسه، قال تعالى: # ولا يكتمون الله حديثا # [النساء:42] ms7578 وقال الشاعر: # 4332 كتمتك هما بالجمومين ساهرا # وهمين هما مستكنا وظاهرا # أحاديث نفس تشتكي ما يريبها # وورد هموم لن يجدن مصادرا # أي كتمتك أحاديث نفس وهمين، فقدم المعطوف على المعطوف عليه ومحله ~~الشعر. # قوله { أن يقول ربي } أي كراهة أن يقول، أو لأن يقول. قال ~~الزمخشري: ولك أن تقدر مضافا محذوفا أي وقت أن يقول والمعنى أتقتلونه ~~ساعة سمتعم منه هذا القول من غير روية ولا فكر (في أمره) وهذا الذي أجازه ~~رده أبو حيان بأن تقدير هذا الوقت لا يجوز إلا مع المصدر المصرح به، ~~تقول: صياح الديك أي وقت صياحه، ولو قلت: أجيئك أن صاح الديك ~~أو أن يصيح لم يصح نص عليه النحويون. # قوله: " وقد جاءكم " جملة حالية، يجوز أن تكون من المفعول. # فإن قيل: هو نكرة. # فالجواب: أنه في حيز الاستفهام وكل ما سوغ الابتداء بالنكرة سوغ ~~انتصاب الحال عنها، ويجوز أن تكون حالا من الفاعل. # فصل # لما حكى الله تعالى عن موسى عليه الصلاة والسلام أنه ما زاد في دفع ~~مكر فرعون وشره على الاستعاذة بالله بين أنه تعالى قيض له إنسانا ~~أجنبيا حتى ذب عنه بأحسن الوجوه وبالغ في تسكين تلك الفتنة فقال: { ~~أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله } وهذا استفهام على ~~سبيل الإنكار، وذكر في هذا الكلام ما يدل على حسن ذلك الإنكار، وذلك لأنه ~~ما زاد على أن قال: ربي الله وجاء بالبينات، وذلك لا يوجب القتل البتة ~~فقوله: { وقد جآءكم بالبينات من ربكم } يحتمل ~~وجهين: # الأول: أن قوله " ربي الله " إشارة إلى تعزيز النبوة بإظهار المعجزة. # الثاني: أن قوله " ربي الله " إشارة إلى التوحيد. # وقوله: { وقد جآءكم بالبينات من ربكم } إشارة إلى ~~الدلائل الدالة على التوحيد، ثم ذكر ذلك المؤمن حجة ثانية على أن الإقدام ~~على قتله غير جائز، وهي حجة مذكورة على طريق التقسيم فقال: إن كان هذا ~~الرجل كاذبا كان وبال كذبه عائدا عليه فاتركوه وإن كان صادقا يصبكم ~~بعض الذي يعدكم فعلى كلا التقديرين الأولى إبقاؤه حيا. # فإن ms7579 قيل: الإشكال على هذا الدليل من وجهين: # الأول: أن قوله { فإن يك كاذبا فعليه كذبه } معناه أن ~~(ضرر) كذبه مقصور عليه ولا يتعداه، وهذا كلام فاسد لوجوه: # أولها: أنا لا نسلم أن بتقدير كونه كاذبا يكون ضرر كذبه مقصورا عليه ~~لأنه يدعو الناس إلى ذلك الدين الباطل ويغتر به جماعة ويقعون في المذهب ~~الباطل والاعتقاد السيىء ثم يقع بينهم وبين غيرهم الخصومات الكثيرة ~~فثبت أن بتقدير كونه كاذبا لم يكن ضرر كذبه مقصورا عليه بل يكون ~~متعديا إلى الكل، ولهذا أجمع العلماء على أن الزنديق الذي يدعو ~~الناس إلى زندقته يجب قتله. # وثانيها: أنه إن كان هذا الكلام حجة فلا كذاب إلا ويمكنه أن يتمسك بهذه ~~الطريقة فيمكن جميع الزنادقة والمبطلة من أديانهم الباطلة. # وثالثها: أن الكفار الذين انكروا موسى عليه الصلاة والسلام يجب أن ~~لا يجوز الإنكار عليهم لأنه يقال إن كان ذلك المنكر كاذبا في ذلك ~~الإنكار فعليه كذبه وإن يك صادقا فما انتفعتم بصدقه، فثبت أن هذه الطريق ~~صوبت صدقه وما أفضى ثبوته إلى عدم صدقه كان فاسدا. # الوجه الثاني: كان من الواجب أن يقال: وإن يك صادقا يصبكم ~~كل الذي يعدكم؛ لأن الذي يصيب من بعض الذي يعد دون البعض ~~هو الكفار والمنجمون. أما الرسول الصادق الذي لا يتكلم إلا بالوحي فإنه ~~يجب أن يكون صادقا في كل ما يقول فكان قوله: { يصبكم بعض الذي يعدكم } ~~غير لائق بهذا المقام. # والجواب عن الأسئلة الثلاثة بأن تقدير الكلام (أنه) لا حاجة لكم في دفع ~~شره إلى قتله بل يكفيكم أن تمنعوه من إظهار هذه المقالة ثم تتركوا قتله ~~فإن كان كاذبا فحينئذ لا يعود ضرره إلا إليه وإن كان صادقا فما انتفعتم ~~به. # والمقصود من ذلك التقسيم أنه لا حاجة بكم إلى قتله بل يكفيكم أن ~~تعرضوا عنه وأن تمنعوه من إظهار دينه. وأما الجواب عن الوجه الثاني: ~~وهو قوله كان الأولى أن يقال: " يصيبكم كل الذي يعدكم " فهو من وجوه: # الأول: أن مدار هذا الاستدلال على ms7580 إظهار الإنصاف وترك اللجاج؛ ~~لأن المقصود منه وإن كان كاذبا كان ضرر كذبه مقصورا عليه وإن كان ~~صادقا فلا أقل من أن يصيبكم بعض ما يعدكم وإن كان المقصود من الكلام ~~هذا صح، ونظيره قوله # وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين # [سبأ:24]. # والثاني: أنه عليه الصلاة والسلام كان يتوعدهم بهم بعذاب الدنيا ~~وبعذاب الآخرة، فإذا وصل إليهم في الدنيا عذاب الدنيا فقد أصابهم بعض ~~الذي وعدهم به. # الثالث: قال الزمخشري: " بعض " على بابها وإنما قال ذلك ليهضم موسى بعض ~~حقه في ظاهر الكلام فيريهم أنه ليس بكلام من أعطاه حقه وافيا فضلا ~~عن أن يتعصب له. وهذا أحسن من قول أبي عبيدة وغيره أن بعض بمعنى كل، ~~وأنشد قول لبيد: # 4333 تراك أمكنة إذا لم أرضها # أو يرتبط بعض النفوس حمامها # وأنشد أيضا قول عمرو بن شييم: # 4334 قد يدرك المتأني بعض حاجته # وقد يكون مع المستعجل الزلل # وقول الآخر: # 4335 إن الأمور إذا الأحداث دبرها # دون الشيوخ ترى في بعضها خللا # قال شهاب الدين: ولا أدري كيف فهموا " الكل " من البيتين الأخيرين، وأما ~~الأول ففيه بعض دليل لأن الموت يأتي على الكل. قال ابن الخطيب: والجمهور ~~على أن هذا القول خطأ قالوا: وأراد لبيد ببعض النفوس نفسه، ومعنى البيت ~~أنه وصف نفسه أنه نزال أمكنة أي كثير النزول في أماكن لا يرضاها ~~إلا أن يربط نفسه الحمام وهو الموت، وقال الليث: بعض ههنا صلة يريد ~~يصبكم الذي يعدكم. لما حكى الزمخشري قول أبي عبيدة أن " بعض " بمعنى " ~~الكل " وأنشد عنه بيت لبيد قال: إن صحت الرواية عنه فقد حق فيه قول ~~المازني في مسألة العلقى: كان أجفى من أن يفقه ما أقول له. قال ~~شهاب الدين: ومسألة المازني معه: هي أن أبا عبيدة قال للمازني: ما أكذب ~~النحويين يقولون هاء التأنيث لا تدخل على ألف التأنيث، فإن الألف في ~~علقى ملحقة، قال: فقلت له وما أنكرت من ذلك؟ فقال: سمعت رؤبة ~~ينشد: # 4336 ينحط في علقى............. ms7581 # .................................. # فلم ينونها، فقلت: ما واحد علقى؟ قال: علقاة، قال المازني: فأسفت ~~ولم أفسر له لأنه كان أغلظ من أن يفهم مثل هذا. قال شهاب الدين: وإنما ~~استغلظه المازني؛ لأن الألف التي للإلحاق قد تدخل عليها تاء التأنيث ~~(دالة على الوحدة فيقال: أرطى، وأرطاة، وإنما الممتنع دخولها على ~~ألف التأنيث) نحو: دعوى، وصرعى. # وأما عدم تنوين " علقى " فلأنه سمى بها شيئا بعينه، وألف الإلحاق ~~المقصورة حال العلمية تجري مجرى تاء التأنيث فيمتنع الاسم الذي هو فيه ~~كما يمتنع فاطمة وينصرف قائمة. # قوله: { إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب } وفيه ~~احتمالان: # الأول: أن هذا إشارة إلى الرمز والتعريض بعلو شأن موسى عليه الصلاة ~~والسلام والمعنى أن الله تعالى هدى موسى إلى الإتيان بالمعجزات ~~الباهرة، ومن هداه إلى الإتيان بالمعجزات لا يكون مسرفا كذابا فدل ~~على أن موسى ليس من الكذابين. # الاحتمال الثاني: أن يكون المراد أن فرعون مسرف في عزمه على قتل موسى ~~كذاب في ادعائه الإلهية والله لا يهدي من هذا شأنه وصفته بل ~~يبطله ويهدم أمره. # قوله: { يقوم لكم الملك اليوم } اعلم أن مؤمن آل فرعون ~~لما استدل على أنه لا يجوز قتل موسى خوف فرعون وقومه ذلك العقاب الذي ~~توعدهم به في قوله { يصبكم بعض الذي يعدكم } فقال: يا قوم لكم الملك ~~اليوم ظاهرين في الأرض. أي أرض مصر يعني قد علوتم الناس وقهرتموهم ~~فلا تفسدوا أمركم على أنفسكم ولا تتعرضوا لعذاب الله بالتكذيب وقتل النبي ~~فإنه لا مانع من عذاب الله إن حل بكم، وإنما قال " ينصرنا ~~وجاءنا "؛ لأنه كان يظهر أنه منهم وأن الذي ينصحهم به هو مشارك لهم ~~فيه. # قوله " ظاهرين " حال من الضمير " لكم " والعامل فيها وفي اليوم ما ~~تعلق به " لكم ". # ولما قال المؤمن هذا الكلام قال فرعون: { مآ أريكم إلا مآ ~~أرى } هي من رؤية الاعتقاد فيتعدى لمفعولين ثانيهما: " إلا ما أرى ~~" أي إلا ما أرى لنفسي. وقال الضحاك: ما أعلمكم إلا ما أعلم. قوله { ~~ومآ أهديكم إلا سبيل الرشاد } العامة ms7582 على تخفيف الشين، ~~مصدر رشد يرشد. وقرأ معاذ بن جبل بتشديدها، وخرجها أبو الفتح ~~وغيره على أنها صفة مبالغة، نحو ضرب فهو ضراب، وقال النحاس: هو ~~لحن، وتوهمه من الرباعي يعني أرشد، ورد على النحاس قوله: بأنه يحتمل أن ~~يكون من " رشد " الثلاثي، وهو الظاهر، وقد جاء فعال أيضا من أفعل وإن ~~كان لا ينقاس، قالوا: أدرك فهو دراك وأجبر فهو جبار، ~~وأقصر فهو قصار، وأسأر فهو سئار. ويدل على أنه صفة مبالغة ~~أن معاذا كان يفسرها بسبيل الله. # قال ابن عطية: ويبعد عندي على معاذ رضي الله عنه وهل كان فرعون يدعي ~~إلا الإلهية؟ ويعلق بناء اللفظ على هذا التركيب. قال شهاب الدين يعني ~~ابن عطية أنه كيف يقول فرعون ذلك فيقر بأن ثم من يهدي إلى الرشاد ~~غيره مع أنه يدعي أنه إله. # وهذا الذي عزاه ابن عطية والزمخشري وابن جبارة صاحب الكامل إلى معاذ بن ~~جبل من القراءة المذكورة ليس هو في " الرشاد " الذي هو في كلام فرعون ~~كما توهموا، وإنما هو في " الرشاد " الثاني الذي هو من قول المؤمن ~~بعد ذلك. # ويدل على ذلك ما روى أبو الفضل الرازي في كتاب اللوامح: وقرأ معاذ بن ~~جبل سبيل الرشاد الحرف الثاني بالتشديد وكذلك الحسن وهو سبيل الله تعالى ~~أوضحه لعباده كذلك فسره معاذ (بن جبل) وهو منقول من مرشد كدراك من ~~مدرك، وجبار من مجبر، وقصار من مقصر عن الأمر، ولها نظائر معدودة فأما ~~قصار الثوب فهو من قصرت الثوب قصارة. فعلى هذا يزول إشكال ابن عطية ~~المتقدم ويتضح القراءة والتفسير. وقال أبو البقاء وهو الذي يكثر منه ~~الإرشاد أو الرشد يعني أنه يحتمل أن يكون من " أرشد " الرباعي، أو " ~~رشد " الثلاثي، والأولى أن يكون من الثلاثي لما عرفت أنه ينقاس دون ~~الأول. # قوله: { يقوم إني أخاف عليكم مثل يوم ~~الأحزاب } اعلم أنه تعالى (لما) حكى عن ذلك المؤمن أنه (كان) يكتم ~~إيمانه والذي يكتم إيمانه كيف يمكنه أن يذكر هذه الكلمات مع فرعون فلهذا ~~السبب حصل ms7583 ههنا قولان: # الأول: أن فرعون لما قال ذروني أقتل موسى لم يصرح ذلك المؤمن بأنه ~~على دين موسى بل أوهم أنه على دين فرعون إلا أنه زعم أن المصلحة تقتضي ~~إبقاء موسى؛ لأنه لم يصدر عنه إلا الدعوة إلى الله والإتيان بالمعجزات ~~القاهرة، وهذا لا يوجب القتل، فالإقدام على قتله يوجب الوقوع في ألسنة ~~الناس بقبح الكلمات بل الأولى تأخير قتله ومنعه من إظهار دينه لأنه إن ~~كان كاذبا فوبال كذبه عليه، وإن كان صادقا حصل الانتفاع به من ~~بعض الوجوه. ثم أكد ذلك بقوله { إن الله لا يهدي من هو ~~مسرف كذاب } يعنى أنه إن صدق فيما يدعيه من إثبات الإله القادر ~~الحكيم فهو لا يهدي المسرف الكذاب، فأوهم بقوله: { إن الله لا ~~يهدي من هو مسرف كذاب } أنه يريد موسى، وإنما كان يقصد به ~~فرعون؛ لأن المسرف الكذاب هو فرعون. # والقول الثاني: أن مؤمن آل فرعون كان يكتم إيمانه أولا فلما قال فرعون ~~ذروني أقتل موسى أزال الكتمان وأظهر أنه على دين موسى وشاق فرعون ~~بالحق وقال: يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب أي مثل أيام ~~الأحزاب إلا أنه لما أضاف اليوم إلى الأحزاب وفسرهم بقوم نوح وعاد ~~وثمود، وكان لكل حزب يوم في العذاب اقتصر من الجمع على ذكر الواحد لعدم ~~الالتباس. # قوله: " مثل دأب " يجوز أن يكون " مثل " بدلا، وأن يكون عطف بيان ~~والمعنى مثل دأبهم في عملهم من الكفر والتكذيب وسائر المعاصي دائما لا ~~يفترون عنه. # ولا بد من حذف مضاف يريد مثل جزاء دأبهم. والحاصل أنه خوفهم الهلاك في ~~الدنيا ثم خوفهم هلاك الآخرة { وما الله يريد ظلما ~~للعباد } أي لا يهلكهم قبل إقامة الحجة عليهم، والمقصود ~~التنبيه على عذاب الآخرة يعنى أن تدمير أولئك الأحزاب كان عدلا بأنهم ~~استوجبوه بتكذيبهم الأنبياء، وتلك العلة قائمة هنا فوجب حصول الحكم هنا. # قالت المعتزلة: وما الله يريد ظلما للعباد يدل على أنه لا يريد أن يظلم ~~العباد، ولا يريد الظلم من أحد العباد البتة، ms7584 ولو خلق الكفر فيهم ثم ~~عذبهم على ذلك الكفر لكان ظالما، وإذا ثبت أنه لا يريد الظلم ألبتة ثبت ~~أنه غير خالق لأفعال العباد، لأنه لو خلقها لأرادها، وثبت أيضا أنه قادر ~~على الظلم إذ لو لم يقدر عليه لما حصل التمدح بترك الظلم، وهذا الاستدلال ~~قد تقدم مرارا مع الجواب. # قوله (تعالى): { ويقوم إني أخاف عليكم يوم ~~التناد } التناد تفاعل من النداء يقال: تنادى القوم أي نادى بعضهم ~~بعضا، والأصل: الياء، وقد تقدم الخلاف في يائه كيف تحذف والأصل ~~تناديا بضم الدال ولكنهم كسروها؛ لتصح الياء. وقرأت طائفة ~~بسكون الدال إجراء للوصل مجرى الوقف، وتنادى القوم أي نادى بعضهم ~~بعضا، قال (الشاعر رحمه الله ): # 4337 تنادوا فقالوا أردت الخيل فارسا # فقلنا عبيد الله ذلكم الردي # وقال آخر: # 4338 تنادوا بالرحيل غدا # وفي ترحالهم نفس # وقرأ ابن عباس والضحاك والكلبي وأبو صالح وابن مقسم والزعفراني في آخرين ~~بتشديدها مصدر تناد من: ند البعير إذا هرب ونفر، وهو في ~~معنى قوله تعالى: # يوم يفر المرء من أخيه # [عبس:34] الآيات ويدل على صحة هذه القراءة قوله تعالى بعد ذلك: { يوم ~~تولون مدبرين }. قال أبو علي: التنادي مخففا من التناد من ~~قولهم ند فلان إذا هرب. وفي الحديث: # " إن للناس جولة يندون يظنون أنهم يجدون ~~مهربا " # وقال أمية بن أبي الصلت: # 4339 وبث الخلق فيها إذ دحاها # فهم سكانها حتى التنادي # قوله: " يوم تولون " يجوز أن يكون بدلا من " يوم التناد " وأن ~~يكون منصوبا بإضمار " أعني ". ولا يجوز أن يكون عطف بيان، لأنه نكرة وما ~~قبله معرفة، وقد تقدم في قوله # فيه آيات بينات مقام إبراهيم # [آل عمران:97] أن الزمخشري جعله بيانا مع تخالفهما تعريفا وتنكيرا ~~وهو عكس هذا، فإن الذي نحن فيه الثاني نكرة، والأول معرفة. # قوله { ما لكم من الله من عاصم } يجوز في " من عاصم " أن ~~يكون فاعلا بالجار، لاعتماده على النفي، وأن يكون مبتدأ أو من مزيدة على ~~كلا التقديرين، ومن الله متعلق بعاصم. # فصل # أجمع المفسرون على أن ms7585 يوم التنادي (هو) يوم القيامة وفي تسميته بهذا ~~الاسم وجوه: # قيل: لأن أهل النار ينادون أصحاب الجنة، وأصحاب الجنة ينادون أصحاب ~~النار كما حكى الله عنهم. # وقال الزجاج: هو قوله تعالى: # يوم ندعوا كل أناس بإمامهم # [الإسراء:71]. # وقيل: ينادي بعض الظالمين بعضا بالويل والثبور، فيقولون: يا ~~ويلنا. وقيل: ينادون إلى المحشر وقيل ينادي المؤمن: هاؤم ~~اقرأوا كتابيه، والكافر: يا ليتني لم أوت كتابيه، ~~وقيل: ينادى باللعنة على الظالمين، وقيل: يجاء بالموت على صورة كبش ~~أملح ثم يذبح بين الجنة والنار، ثم ينادى يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا ~~أهل النار خلود بلا موت، وقيل: ينادى بالسعادة والشقاوة ألا إن فلان ~~ابن فلان سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا، وفلان ابن فلان شقي شقاوة ~~فلا يسعد بعدها أبدا. # وقوله: { يوم تولون مدبرين }. قال الضحاك: إذا سمعوا زفير ~~النار ندوا هربا فلا يأتون قطرا من الأقطار إلا وجدوا الملائكة ~~صفوفا فيرجعون إلى مكانهم فذلك قوله: # والملك على أرجآئهآ # [الحاقة:17] وقوله: # يمعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من ~~أقطار السماوات والأرض فانفذوا # [الرحمن:33]. قال مجاهد رضي الله عنه : فارين عن النار غير ~~معجزين، ثم أكد التهديد فقال: { ما لكم من الله من عاصم } ~~يعصمكم من عذابه، ثم نبه على قوة ضلالتهم وشدة جهالتهم فقال { ومن ~~يضلل الله فما له من هاد }. # قوله (تعالى): { ولقد جآءكم يوسف من قبل ~~بالبينات } يعني يوسف بن يعقوب من قبل موسى بالبينات، ونقل ~~الزمخشري أنه قبل يوسف بن إبراهيم بن يوسف بن يعقوب أقام فيهم نيفا ~~وعشرين سنة وقيل: إن فرعون موسى هو فرعون يوسف بقي حيا إلى زمانه، ~~وقيل: هو فرعون آخر. والمقصود من الكل شيء واحد هو أن يوسف جاء قومه ~~بالبينات وهي قوله تعالى: # أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد ~~القهار # [يوسف:39] والأولى أن يراد بها المعجزات. # واعلم أن مؤمن آل فرعون لما قال لهم: ومن يضلل الله فما له من هاد ذكر ~~هذا المثال وهو أن يوسف جاءهم بالبينات الباهرة فأصروا على ms7586 التكذيب ولم ~~ينتفعوا بتلك الدلائل، وهذا يدل على (أن) من أضله الله فما له من هاد، ثم ~~قال: { فما زلتم في شك مما جآءكم به } قال ابن عباس ~~ (رضي الله عنه ): من عبادة الله وحده لا شريك له، فلم ينتفعوا ألبتة ~~بتلك البينات. # قوله " حتى إذا " غاية لقوله { فما زلتم في شك } ، فلما هلك { ~~قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا } أي أقمتم على ~~كفركم، وظننتم أن الله تعالى لا يجدد عليكم الحجة، وقرىء ألن يبعث الله ~~بإدخال همزة التقرير يقرر بعضهم بعضا. # قوله: " كذلك " أي الأمر كذلك، أو مثل هذا الضلال يضل الله كل مسرف ~~كذاب في عصيانه مرتاب في دينه، فقوله " يضل الله " مستأنف، أو نعت مصدر ~~أي مثل إضلال الله إياكم حين لم تقبلوا من يوسف يضل الله من هو مسرف. # ثم بين تعالى ما لأجله بقوا في ذلك الشك والإسراف فقال: { الذين ~~يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم } أي ~~بغير حجة إما بناء على التقليد، وأما بناء على شبهات خسيسة. # قوله: " الذين يجادلون " يجوز فيه عشرة أوجه: # أحدها: أنه بدل من قوله " من هو مسرف " وإنما جمع اعتبارا بمعنى " من ~~". # الثاني: أن يكون بيانا له. # الثالث: أن يكون صفة له وإنما جمع على معنى " من " أيضا. # الرابع: أن ينتصب بإضمار أعني. # الخامس: أن يرتفع خبر مبتدأ مضمر أي هم الذين. # السادس: أن يرتفع مبتدأ خبره " يطبع الله " ، و " كذلك " خبر مبتدأ ~~مضمر أيضا أي الأمر كذلك، والعائد من الجملة وهي يطبع على المبتدأ محذوف ~~أي على كل متكبر منهم. # السابع: أن يكون مبتدأ، والخبر " كبر مقتا " ولكن لا بد من حذف ~~مضاف ليعود الضمير من " كبر " عليه والتقدير: قال الذين يجادلون كبر ~~مقتا، ويكون " مقتا " تمييزا، وهو منقول من الفاعلية؛ إذ التقدير ~~كبر مقت حالهم أي جادل المجادلين. # الثامن: أن يكون " الذين " مبتدأ أيضا، ولكن لا يقدر حذف مضاف، ~~ويكون فاعل كبر ضميرا عائدا على ما تقدم أي كبر مقت جدالهم. # التاسع: أن يكون " الذين ms7587 " مبتدأ أيضا، والخبر { بغير سلطان ~~أتاهم } قاله الزمخشري. ورده أبو حيان بأن فيه تفكيك الكلام بعضه من ~~بعض؛ لأن الظاهر تعلق " بغير سلطان " " بيجادلون " ولا ~~يتعقل جعله خبرا " للذين " لأنه جار ومجرور فيصير التقدير: الذي يجادلون ~~كائنون أو مستقرون بغير سلطان أي في غير سلطان؛ لأن الباء إذ ذاك ~~ظرفية خبر عن الجثث. # العاشر: أنه مبتدأ وخبره محذوف أي معاندون ونحوه قاله أبو البقاء. # قوله: " كبر مقتا " يحتمل أن يراد به التعجب والاستفهام، وأن يراد ~~به الذم " كبئس " وذلك أنه يجوز أن يبنى (فعل) بضم العين مما يجوز ~~فيه التعجب منه، ويجري مجرى نعم وبئس في جميع الأحكام، وفي ~~فاعله ستة أوجه: # الأول: أنه ضمير عائد على حال المضاف إلى الذين، كما تقدم تقريره. # الثاني: أنه ضمير يعود على جدالهم المفهوم من " يجادلون " كما تقدم ~~تقريره أيضا. # الثالث: أنه الكاف في " كذلك ". قال الزمخشري: وفاعل " كبر " ~~قوله: كذلك، أي كبر مقتا مثل ذلك الجدال، و " يطبع الله ~~" كلام مستأنف. ورده أبو حيان: بأن فيه تفكيكا للكلام وارتكاب مذهب ليس ~~بصحيح، أما التفكيك فلأن ما جاء في القرآن من " كذلك يطبع أو تطبع " ~~إنما جاء مربوطا بعضه ببعض، وكذلك هذا وأما ارتكاب مذهب غير صحيح فإنه ~~جعل الكاف اسما، ولا يكون اسما إلا في ضرورة خلافا للأخفش. # الرابع: أن الفاعل محذوف نقله الزمخشري، قال: ومن قال كبر مقتا عند ~~الله جدالهم فقد حذف الفاعل والفاعل لا يصح حذفه. قال شهاب الدين: ~~القائل بذلك هو الحوفي لكنه لا يريد بذلك تفسير الإعراب إنما يريد ~~به تفسير المعنى، وهو معنى ما تقدم من أن الفاعل ضمير يعود على جدالهم ~~المفهوم من فعله، فصرح به الحوفي بالأصل، وهو الاسم الظاهر، ومراده ضمير ~~يعود عليه. # الخامس: أن الفاعل ضمير يعود على ما بعده، وهو التمييز، نحو: نعم رجلا ~~زيد، وبئس غلاما عمرو. # السادس: أنه ضمير يعود على من في قوله: " من هو مسرف " وأعاد الضمير من ~~كبر مقتا اعتبارا بلفظها وحينئذ يكون قد راعى لفظ ms7588 من أولا في قوله كبر ~~مقتا. # وهذا كله إذا أعربت " الذين " تابعا ل { من هو مسرف } نعتا ~~أو بيانا، أو بدلا. وقد تقدم أن الجملة من قوله " كبر مقتا " فيها ~~وجهان: # أحدهما: الرفع، إذا جعلناها خبر المبتدأ. # والثاني: أنها لا محل لها، إذا لم نجعلها خبرا، بل هي جملة استئنافية. # وقوله: " عند الله " متعلق " بكبر " ، فكذلك قد تقدم أنه يجوز أن ~~يكون خبر المبتدأ محذوفا وأن يكون فاعلا وهما ضعيفان. # والثالث وهو الصحيح : أنه معمول ل " يطبع " أي مثل ذلك الطبع ~~يطبع الله، و " يطبع الله " فيه وجهان: # أظهرهما: أنه مستأنف. # والثاني: أنه خبر للموصول كما تقدم. # قوله: " قلب متكبر " قرأ أبو عمرو، وابن ذكوان بتنوين " قلب ~~" ، وصف القلب بالتكبر والجبروت لأنهما ناشئان منه، وإن كان المراد ~~الجملة، كما وصف بالإثم في قوله: # فإنه آثم قلبه # [البقرة:283] وفي قوله: # إن في صدورهم إلا كبر # [غافر:56] قال ابن الخطيب: " وأيضا قال قوم: الإنسان الحقيقي هو القلب ~~" والباقون بإضافة " قلب " إلى ما بعده، أي كل قلب شخص متكبر. ~~قال أبو عبيد: الاختيار الإضافة، لوجوه: # الأول: أن عبد الله قرأ: " على قلب كل متكبر " وهو شاهد لهذه القراءة. # الثاني: أن وصف الإنسان بالتكبر والجبروت أولى من وصف القلب بهما. وقد ~~قدر الزمخشري مضافا في القراءة الأولى، أي على كل ذي قلب متكبر، ~~فجعل الصفة لصاحب القلب. قال أبو حيان: " ولا ضرورة تدعو إلى اعتقاد ~~الحذف ". قال شهاب الدين: بل ثم ضرورة إلى ذلك، وهو توافق القراءتين ~~واحدا وهو صاحب القلب بخلاف عدم التقدير، فإنه يصير الموصوف في إحداهما ~~القلب وفي الأخرى صاحبه. # فصل # قال الزجاج: قوله: " الذين " تفسير ل " المسرف المرتاب " ، يعني ~~هم الذين يجادلون في آيات الله أي في إبطالها بالتكذيب " بغير سلطان " ~~حجة، " أتاهم " ، " كبر مقتا " أي كبر ذلك الجدال مقتا عند الله وعند ~~الذين آمنوا. ودلت الآية على أنه يجوز وصف الله تعالى بأنه قد مقت بعض ~~عباده، إلا أنها صفة التأويل في حق الله، كالغضب، والحياء، والعجب. # ثم بين ms7589 أن هذا المقت كما حصل عند الله فكذلك حصل عند الذين آمنوا، قال ~~القاضي: مقت الله إياهم يدل على أن كل فعل ليس بخلق الله لا أن كونه ~~فاعلا للفعل، وما قاله محال. # فصل # قد تقدم الكلام في الطبع، والرين، والقسوة، قال أهل السنة: قوله: { ~~كذلك يطبع الله } يدل على أن الكل من عند الله. وقالت ~~المعتزلة: الآية تدل على أن هذا الطبع إنما حصل، لأنه كان في نفسه ~~متكبرا جبارا. قال ابن الخطيب: وعند هذا تصير الآية حجة لكل واحد من ~~الفريقين من وجه، وعليه من وجه آخر، والقول الثاني يخرج عليه رجحان ~~مذهبنا، وهو أنه تعالى يخلق دواعي الكبر والرياسة في القلب فتصير تلك ~~الدواعي مانعة من حصول ما يدعو إلى الطاعة، والانقياد لأمر الله، فيكون ~~القول بالقضاء والقدر حقا، فيكون تعليل القلب بكونه متكبرا متجبرا ~~باقيا، فثبت أن القول بالقضاء والقدر هو ما ينطبق عليه لفظ القرآن من ~~أوله لي آخره. # فصل # قال مقاتل: الفرق بين المتكبر، والجبار، أن المتكبر عن قبول التوحيد، ~~والجبار في غير حق. قال ابن الخطيب: كما السعادة في أمرين: التعظيم لأمر ~~الله، والشفقة على خلق الله فعلى قول مقاتل المتكبر كالمضاد للتعظيم لأمر ~~الله، والجبروت كالمضاد للشفقة على خلق الله. ### || [40.36-37] # قوله: { وقال فرعون يهامان ابن لي صرحا }... الآية. ~~قال المفسرون: إن فرعون قال لوزيره هامان: ابن لي صرحا، والصرح: ~~البناء الظاهر الذي لا يخفى على الناظر، وإن بعد. وأصله من التصريح، ~~وهو الإظهار { لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات ~~} طرقها. # فإن قيل: ما فائدة هذا التكرير؟ ولو قيل: لعلي أبلغ أسباب السموات ~~كان كافيا؟ # فاجاب الزمخشري عنه فقال: " إنه إذا أبهم الشيء، ثم أوضح كان تفخيما ~~لشأنه، فلما أراد تفخيم السموات أبهمها ثم أوضحها ". # فصل # اختلف الناس في أن فرعون هل قصد بناء الصرح ليصعد منه إلى السموات أم ~~لا؟ قال ابن الخطيب: أما الظاهريون من المفسرين فقد قطعوا بذلك، ~~وذكروا حكاية طويلة في كيفية بناء الصرح. والذي عندي أن هذا بعيد، ms7590 ~~والدليل عليه أن فرعون لا يخلو إما أن يقال: إنه كان مجنونا أو عاقلا، ~~فإن كان مجنونا لم يجز من الله عز وجل أن يذكر حكاية كلامه في ~~القرآن، وإن كان عاقلا فنقول: إن كل عاقل يعلم ببديهة عقله أنه يتعذر في ~~قدرة البشر وضع بناء يكون أرفع من الجبل العالي ويعلم أيضا ببديهة عقله ~~أنه لا يتفاوت في البصر من حال السماء بين أن ينظر إليها من أسفل الجبال ~~وبين أن ينظر إليها من أعلى الجبال، وإذا كان هذان العلمان بديهيان ~~امتنع أن يقصد العاقل وضع بناء يصعد منه إلى السماء، وإذا كان فاسدا ~~معلوما بالضرورة امتنع إسناده إلى فرعون. والذي عندي في تفسير ~~هذه الآية، أن فرعون كان من الدهرية، وغرضه من هذا الكلام إيراد ~~شبهة في نفي الصانع وتقريره أنه قال: إنا لا نرى شيئا نحكم عليه أنه ~~إله العالم، فإنه لو كان موجودا لكان في السماء، ونحن لا سبيل لنا إلى ~~صعود السموات فكيف يمكننا أن نراه، ثم إنه لأجل المبالغة لبيان أنه لا ~~يمكن الصعود إلى السماء قال: { يهامان ابن لي صرحا لعلي ~~أبلغ الأسباب } والمقصود أنه لما عرف كل أحد أن هذا الطريق ممتنع ~~كان الوصول إلى معرفة وجود الله بطريق الحس ممتنعا. ونظيره قوله ~~تعالى: # فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما ~~في السمآء فتأتيهم بآية # [الأنعام:35] وليس المراد منه أن محمدا عليه الصلاة والسلام طلب ~~نفقا في الأرض، أو وضع سلما إلى السماء بل المعنى أنه لما عرف أن ~~هذا المعنى ممتنع فقد عرف أنه لا سبيل لك إلى تحصيل ذلك المقصود، كذا ~~ههنا غرض فرعون من قوله: { يا هامان ابن لي صرحا } يعني أن الاطلاع إلى ~~إله موسى لما كان لا سبيل إليه إلا بهذا الطريق، وكان هذا الطريق ~~ممتنعا، فحينئذ يظهر منه أنه لا سبيل إلى معرفة الإله الذي يثبته موسى. # واعلم أن هذه الشبهة فاسدة؛ لأن طرق العلم ثلاثة: الحس، والخبر، ~~النظر، ولا يلزم من انتفاء طريق ms7591 واحد وهو الحس انتفاء المطلوب؛ ~~وذلك لأن موسى عليه الصلاة والسلام كان قد بين لفرعون أن الطريق في ~~معرفة الله تعالى إنما هو الحجة، والدليل كما قال: # ربكم ورب آبآئكم الأولين # [الشعراء: 26] # رب المشرق والمغرب # [المزمل:9] إلا أن فرعون بخبثه ومكره تغافل عن ذلك الدليل، ~~وألقى إلى الجهال أنه لما كان لا طريق إلى الإحساس بهذه الإله وجب ~~نفيه. # قوله: " أسباب السموات " ، فيه وجهان: # أحدهما: أنه تابع " للأسباب " قبله، بدلا أو عطف بيان. # والثاني: أنه منصوب بإضمار أعني. والأول أولى؛ إذ الأصل عدم الإضمار. # قوله: " فأطلع " العامة على رفعه عطفا على أبلغ فهو داخل في حيز ~~الترجي؛ وقرأ حفص في آخرين بنصبه وفيه ثلاثة أوجه: # أحدهما: أنه جواب الأمر في قوله " ابن لي " فنصب بأن مضمرة بعد الفاء في ~~جوابه على قاعدة البصريين كقوله: # 4340 يا ناق سيري عنقا فسيحا # إلى سليمان فنستريحا # وهو أوفق لمذهب البصريين # الثاني: أنه منصوب، قال أبو حيان: عطفا على التوهم؛ لأن خبر " لعل " ~~جاء مقرونا " بأن " كثيرا في النظم، وقليلا في النثر، فمن نصب توهم أن ~~الفعل المضارع الواقع خبرا منصوب " بأن " والعطف على التوهم كثير وإن ~~كان لا ينقاس. # الثالث: أن ينتصب على جواب الترجي في لعل، وهو مذهب كوفي استشهد أصحابه ~~بهذه القراءة وبقراءة نافع # وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه ~~الذكرى # [عبس:34] بنصب " فتنفعه " جوابا ل " لعله ". وإلى هذا نحا الزمخشري، ~~قال: " تشبيها للترجي بالتمني ". والبصريون يأبون ذلك ويخرجون القراءتين ~~على ما تقدم. # وفي سورة عبس يجوز أن يكون جوابا للاستفهام في قوله: " وما يدريك ~~" فإنه مترتب عليه معنى. وقال ابن عطية وابن جبارة الهذلي على جواب ~~التمني، وفيه نظر؛ إذ ليس في اللفظ تمن، إنما فيه ترج، وقد فرق الناس ~~بين التمني والترجي، بأن الترجي لا يكون إلا في الممكن عكس ~~التمني فإنه يكون فيه وفي المستحيل كقوله: # 4341 ليت الشباب هو الرجيع على الفتى # والشيب كان هو البديء الأول # قوله: { وكذلك زين لفرعون } ، قرىء: " زين " مبنيا ~~للفاعل، وهو ms7592 الشيطان، وتقدم الخلاف في " صد عن السبيل " في الرعد، فمن ~~بناه للفاعل حذف المفعول أي صد قومه عن السبيل، (وهو الإيمان). قالوا: ~~ومن صده قوله: # فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف # [طه:71]، ويدل على ذلك قوله تعالى: # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله # [محمد:1] وقوله: # هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام # [الفتنح:25] وابن وثاب: " وصد " بكسر الصاد، كأنه نقل حركة الدال ~~الأولى إلى فاء الكلمة بعد توهم سلب حركتها، وقد تقدم ذلك في نحو: رد، ~~وأنه يجوز فيه ثلاث لغات الجائزة في قيل وبيع، وابن إسحاق وعبد ~~الرحمن بن أبي بكرة: وصد بفتح الصاد، ورفع الدال منونة جعله ~~مصدرا منسوقا على " سوء عمله " ، أي زين له الشيطان سوء ~~العمل والصد، { وما كيد فرعون إلا في تباب } أي ~~وما كيده في إبطال ما جاء به موسى إلا في خسارة وهلاك. والتباب ~~الخسارة، وقد تقدم في قوله " غير تتبيب ". ### || [40.38-46] # قوله تعالى: { وقال الذي آمن يقوم اتبعون أهدكم ~~سبيل الرشاد } أي طريق الهدى { يقوم إنما هذه ~~الحياة الدنيا متاع } أي متعة تنتفعون بها مرة ثم تنقطع { ~~وإن الآخرة هي دار القرار } التي لا تزول، ثم قال: { ~~من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل ~~صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك ~~يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب } تقدم ~~االخلاف في قوله: " يدخلون الجنة " في سورة النساء. وقال مقاتل: لا تبعة ~~عليهم فيما يعطون في الجنة من الخيرات. # واختلفوا في تفسير قوله: " بغير حساب " فقيل: لما كان لا نهاية ~~لذلك الثواب قيل: بغير حساب، وقيل: لأنه تعالى معطيهم ثواب آبائهم، ~~ويضم إلى ذلك الثواب من التفضيل ما يخرج من الحساب واقع في مقابلة: " ~~إلا مثلها " يعني أن جزاء السيئة له حساب وتقدير، لئلا يزيد على ~~الاستحقاق فأما جزاء العمل الصالح فبغير تقدير وغير حساب، وهذا يدل على ~~أن جانب الرحمة والفضل راجح على جانب العقاب، فإذا عارضنا عمومات ~~الوعيد بعمومات الوعد وجب أن يكون الترجيح لجانب عمومات ~~الوعد، وذلك يهدم قواعد ms7593 المعتزلة. # فصل # احتج أهل السنة بهذه الآية، فقالوا: قوله: { ومن عمل صالحا } ~~نكرة في معرض الشرط في جانب الإثبات فجرى مجرى أن يقال: " من ذكر ~~كلمة أو من خطا خطوة فله كذا " فإنه يدخل فيه أن من آمن بتلك الكلمة أو ~~بتلك الخطوة مرة واحدة فكذلك ها هنا وجب أن يقال: كل من عمل صالحا ~~واحدا من الصالحات فإنه يدخل الجنة، ويرزق فيها بغير حساب، والآتي ~~بالإيمان والمواظب على التوحيد والتنزيه والتقديس مدة ثمانين سنة قد أتى ~~بأعظم الطاعات، وبأحسن الطاعات، فوجب أن يدخل الجنة، والخصم يقول: إنه ~~يخلد في النار أبد الآباد، وذلك مخالف لهذا النص الصريح. قالت ~~المعتزلة: إنه تعالى شرط فيه كونه مؤمنا، ومرتكب الكبيرة عندنا ليس ~~بمؤمن، فلا يدخل في هذا الوعد والجواب ما تقدم في قوله: " يؤمنون ~~بالغيب " فإن صاحب الكبيرة مؤمن فسقط كلامهم. # فصل # دلت هذه الآية على اعتبار المماثلة في الشريعة، وأن الزائد على المثل ~~غير مشروع، وليس في الآية بيان أن تلك المماثلة معتبرة في أي الأمور، ~~فلو حملناها على رعاية المماثلة في جميع الأمور صارت الآية عامة خاصة. ~~وقد ثبت في أصول الفقه أن التعارض إذا وقع بين الإجمال والتخصيص كان ~~الأول أولى، فوجب أن تحمل هذه الآية على رعاية المماثلة من كل الوجوه إلا ~~ما خصه الدليل وإذا ثبت ذلك بني عليه أحكام كثيرة من الجنايات على ~~النفوس والأعضاء والأموال؛ لأنه تعالى بين أن جزاء السيئة مقصور على ~~المثل، وبين أن جزاء الحسنة ليس مقصورا على المثل بل هو خارج عن ~~الحساب. # قوله تعالى: { ويقوم ما لي أدعوكم إلى النجاة ~~وتدعونني إلى النار }. قوله تعالى: { ويقوم } قال ~~الزمخشري: فإن قلت: لم جاء بالواو في النداء الثالث دون الثاني؟ ~~قلت: لأن الثاني داخل على كلام هو بيان للمجمل، وتفسير له، فأعطي الداخل ~~عليه حكمه في امتناع دخول الواو. وأما الثالث فداخل على كلام ليس بتلك ~~المثابة، أي كلام مباين للأول والثاني، فحسن إيراد الواو ~~العاطفة فيه. وكرر النداء لأن فيه زيادة ms7594 تنبيه له وإيقاضا من سنة ~~الغفلة، وأظهر أن له بهذا مزيد اهتمام، وعلى أولئك الأقوام فرط شفقة. # قوله: { وتدعونني إلى النار } هذه الجملة مستأنفة، أخبر ~~عنهم بذلك بعد استفهام عن دعاء نفسه ويجوز أن يكون التقدير: وما لكم ~~تدعونني إلى النار، وهو الظاهر، ويضعف أن تكون الجملة حالا، أي مالكم ~~أدعوكم إلى النجاة حال دعائكم إياي إلى النار. # قوله: " تدعونني " هذه الجملة بدل من " تدعونني " الأولى على ~~جهة البيان لها. وأتى في قوله " تدعونني " بجملة فعلية؛ ليدل على أن ~~دعوتهم باطلة لا ثبوت لها، وفي قوله: " وأنا أدعوكم " بجملة ~~إسمية؛ ليدل على ثبوت دعوته وتقويتها. # فصل # معنى قوله: " مالكم " كقولك: ما لي أراك حزينا، أي ما لك، يقول: ~~أخبروني عنك، كيف هذه الحال؟ أدعوكم إلى النجاة من النار بالإيمان ~~بالله، وتدعونني إلى النار بالشرك الذي يوجب النار، ثم فسر فقال { ~~تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به ~~علم }. والمراد بنفي العلم نفي الإله كأنه قال: وأشرك به ما ليس لي ~~بإله، وما ليس إله كيف يعقل جعله شريكا للإله؟ # ولما بين أنهم يدعونه إلى الكفر بين أنه يدعوهم إلى الإيمان بالعزيز ~~الغفار، " العزيز " في انتقامه ممن كفر، " الغفار " لذنوب أهل ~~التوحيد. فقوله: " العزيز " إشارة إلى كونه كامل القدرة، وأما فرعون ~~فهو في غاية العجز، فكيف يكون إلها؟ وأما الأصنام فهي حجارة منحوتة فكيف ~~يعقل كونها آلهة؟ قوله: " الغفار " إشارة إلى أنهم يجب أن لا ~~ييأسوا من رحمة الله بسبب إصرارهم على الكفر مدة مديدة فإن ~~إله العالم، وإن كان عزيزا لا يغلب، قادرا لا يعارض، لكنه غفار ~~يغفر كفر سبعين سنة بإيمان ساعة واحدة. # قوله: " لا جرم " تقدم الخلاف في " لا جرم " في سورة هود في ~~قوله: # لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون # [هود:22]، وقال الزمخشري هنا: " وروي عن بعض العرب: لا جرم أنه ~~يفعل كذا بضم الجيم وسكون الراء بمعنى: لا بد. وفعل وفعل ~~أخوان كرشد، ورشد، وعدم، وعدم ". # وشأنه على مذهب البصريين أن يجعل ردا ms7595 على دعاه إليه قومه. # و " جرم " فعل بمعنى حق، و " أن " مع ما في حيزها فاعله، أي ~~وجب بطلان دعوته، أو بمعنى كسب من قوله تعالى: # ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد ~~الحرام أن تعتدوا # [المائدة:2] أي بسبب ذلك الدعاء إليه بطلان دعوته بمعنى أنه ما حصل من ~~ذلك إلا ظهور بطلان دعوته. # ويجوز أن يقال إن " لا جرم " نظير " لا بد " فعل من الجرم ~~ وهو القطع كما أن " بدا " فعل من التبديد وهو التفريق، وكما أن ~~معنى: لا بد أنك تفعل كذا بمعنى لا بد لك من فعله، ~~فكذلك # لا جرم أن لهم النار # [النحل:62] أي لا قطع لذلك بمعنى أنهم أبدا يستحقون (العقاب) النار ~~لا انقطاع لاستحقاقهم، ولا قطع لبطلان دعوة الأصنام أي لا تزال ~~باطلة لا ينقطع ذلك فينقلب حقا. # فصل # قال البغوي: " لا جرم " حقا { أنما تدعونني إليه ~~ليس له } أي للدين دعوة في الآخرة قال السدي (رحمه الله) لا يستجيب ~~لأحد في الدنيا ولا في الآخرة يعني ليست له استجابة دعوة، فسمى استجابة ~~الدعوة دعوة، إطلاقا لاسم أحد المضافين على الآخر، كقوله: وجزاء سيئة ~~سيئة مثلها. وقيل: ليست له دعوة أي عبادة في الدنيا؛ لأن الأوثان لا ~~تدعي الربوبية، ولا تدعو إلى عبادتها وفي الآخرة تتبرأ من عابديها. # ثم قال: " وأن مردنا " أي مرجعنا " إلى الله " فيجازي كلا ~~بما يستحقه، " وأن المسرفين " المشركين { هم أصحاب ~~النار }. قاله قتادة. وقال مجاهد: السفاكين الدماء. # ولما بالغ مؤمن آل فرعون في هذا البيان ختم كلامه بخاتمة لطيفة فقال: ~~{ فستذكرون مآ أقول لكم } وهذا كلام مبهم يوجب التخويف، ~~وهذا يحتمل أن يكون المراد منه أن هذا الذكر يحصل في الدنيا أي عند ~~الموت، وأن يكون في القيامة عند مشاهدة العذاب حين لا ينفعكم الذكر. # قوله: " وأفوض " هذه مستأنفة. وجواز أبو البقاء أن تكون حالا من ~~فعال " أقول ". # وفتح نافع وأبوا عمرو الياء من: أمري، والباقون بالإسكان. # فصل # لما خوفهم بقوله: { فستذكرون مآ أقول لكم } توعدوه ~~وخوفوه فعول ms7596 في دفع تخويفهم وكيدهم ومكرهم على الله بقوله: { وأفوض ~~أمري إلى الله } وهو إنما تعلم هذه الطريقة من موسى عليه ~~الصلاة والسلام حين خوفة فرعون بالقتل فرجع موسى في دفع ذلك الشر إلى ~~الله تعالى فقال: # إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا ~~يؤمن بيوم الحساب # [غافر:27]. ثم قال: { إن الله بصير بالعباد }. أي عالم ~~بأحوالهم يعلم المحق من المبطل. # قوله: { فوقاه الله سيئات ما مكروا }. قال مقاتل: لما ~~قال هذه الكلمات قصدوا قتله فهرب منهم إلى الجبل فطلبوه، فلم يهتدوا ~~عليه. وقيل: المراد بقوله: فوقاه الله سيئات ما مكروا أنه قصدوا إدخاله ~~في الكفر، وصرفه عن الإسلام، فوقاه الله من ذلك. والأول أولى، لأن قوله ~~بعد ذلك: { وحاق بآل فرعون سوء العذاب } لا يليق إلا ~~بالوجه الأول. # وقرأ حمزة وحيق بكسر الحاء وكذلك في كل القرآن والباقون بالفتح. # قال قتادة: نجا مع موسى، وكان قبطيا. " وحاق " نزل " بآل ~~فرعون سواء العذاب " الغرق في الدنيا، والنار في الآخرة. # قوله: " النار " الجمهور على رفعها، وفيه ثلاثة أوجه: # أحدهما: أنه بدل من: " سوء العذاب " قاله الزجاج. # الثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو أي سوء العذاب النار، لأنه جواب ~~لسؤال مقدر؛ و " يعرضون " على هذين الوجهين يجوز أن يكون حالا من " ~~النار " ، ويجوز أن يكون حالا من " آل فرعون ". # الثالث: أنه مبتدأ، وخبره: " يعرضون ". # وقرىء النار منصوبا، وفيه وجهان: # أحدهما: أنه منصوب بفعل مضمر يفسره يعرضون من حيث المعنى أي يصلون ~~النار يعرضون عليها كقوله: # والظالمين أعد لهم # [الإنسان:31]. # الثاني: أن ينتصب على الاختصاص، قال الزمخشري: فعلى الأول لا محل " ~~ليعرضون "؛ لكنه مفسرا، وعلى الثاني هو حال كما تقدم. # فصل # دلت هذه الآية على إثبات عذاب القبر؛ لأن الآية تقتضي عرض النار عليهم ~~غدوا وعشيا، وليس المراد منه يوم القيامة، لقوله بعده { ويوم ~~تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب } ، ~~وليس المراد منه أيضا الدنيا؛ لأن عرض النار عليهم غدوا وعشيا ما كان ~~حاصلا في الدنيا فثبت أن هذا العرض إنما ms7597 حصل بعد الموت، وقبل القيامة. ~~وذلك يدل على إثبات عذاب القبر في حق هؤلاء، وإذا ثبت في حقهم ثبت في ~~غيرهم لأنه لا قائل بالفرق. # فإن قيل: لا يجوز أن يكون المراد من عرض النار عليهم غدوا وعشيا عرض ~~القبائح عليهم في الدنيا لأن أهل الدين إذا ذكروا لهم الترغيب والترهيب، ~~وخوفهم بعذاب الله فقد عرضوا عليهم النار. ثم في الآية ما يمنع حمله على ~~عذاب القبر وبيانه من وجهين: # أحدهما: أن ذلك العذاب يجب أن يكون دائما غير منقطع. وقوله: { ~~يعرضون عليها غدوا وعشيا } يقتضي أن لا يحصل ذلك ~~العذاب إلا في هذين الوقتين فثبت أن هذا لا يمكن حمله على عذاب القبر. # الثاني: أن الغدوة والعشية إنما يحصلان في الدنيا، أما في القيامة فلا ~~وجود لهما، فثبت أنه لا يمكن حمل هذه الآية على عذاب القبر. # والجواب على الأول: أن في الدنيا عرض عليهم الكلمات التي تذكرهم أمر ~~النار، ولم يعرض عليهم نفس النار، وهذا لظاهر الآية، وارتكاب المجاز، ~~وأما قولهم: الآية تدل على حصول العذاب في هذين الوقتين وذلك لا يجوز ~~فالجواب لم لا يجوز أن يكتفى في القبر بإيصال العذاب إليه في هذين ~~الوقتين، ثم عند قيام يلقى في النار، فيدوم عذابه حينئذ، وأيضا لا ~~يمتنع أن يكون ذكر الغدوة والعشية كناية عن الدوام، كقوله تعالى: # ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا # [مريم:62] وأما قولهم: إنه ليس في القبر والقيامة غدوة وعشية قلنا: لم ~~لا يجوز أن يقال: إن (عند) حصول هذين الوقتين لأهل الدنيا يعرض عليهم ~~العذاب. # فصل # قال ابن مسعود رضي الله عنه أرواح آل فرعون في أجواف طير ~~سود يعرضون على النار كل يوم مرتين تغدوا وتروح إلى النار، يقال: يا آل ~~فرعون هذه منازلكم. وقال قتادة، والسدي والكلبي: تعرض روح كل كافر على ~~النار بكرة وعشيا ما دامت الدنيا. وروى ابن عمر رضي ~~الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة ~~والعشي إن ms7598 كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، ~~وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا ~~مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة ". # قوله: " ويوم تقوم " فيه ثلاثة أوجه: # أظهرها: أنه معمول لقول مضمر، وذلك القول المضمر محكي به الجملة الأمرية ~~من قوله: " أدخلوا، والتقدير: يقال لهم يوم تقوم الساعة: أدخلوا. # الثاني: أنه منصوب " بأدخلوا " أي أدخلوا يوم تقوم، وعلى هذه ~~الوجهين، فالوقف تام على قوله: " وعشيا ". # الثالث: أنه معطوف على الظرفين قبله، فيكون معمولا ليعرضون، ~~والوقف على هذا قوله: " الساعة ". و " ادخلوا " معمول لقول مضمر، أي يقال ~~لهم كذا. وقرأ الكسائي وحمزة ونافع وحفص أدخلوا بقط الهمزة وكسر ~~الخاء، أي يقال للملائكة أدخلوا، أمرا من " أدخل " " فآل فرعون " ~~مفعول أول، و " أشد العذاب " مفعول ثان، والباقون بهمزة وصل، من دخل ~~يدخل، فآل فرعون منادى حذف حرف النداء منه و " أشد " منصوب ~~به، إما ظرفا، وإما مفعولا به. أي ادخلوا يا آل فرعون في أشد ~~العذاب. قال ابن عباس رضي الله عنهما يريد ألوان العذاب، غير العذاب ~~الذي كانوا يعذبون به منذ غرقوا. ### || [40.47-52] # قوله تعالى: { وإذ يتحآجون } في العامل في " إذ " ثلاثة ~~أوجه: # أحدها: أنه معطوف على " غدوا " فيكون معمولا ليعرضون أي ~~يعرضون على النار في هذه الأوقات كلها قاله أبو البقاء. # الثاني: أنه معطوف على قوله # إذ القلوب لدى الحناجر # [غافر:18] قاله الطبري. وفيه نظر؛ لبعد ما بينهما، ولأن الظاهر عود ~~الضمير من " يتحاجون " إلى آل فرعون. # الثالث: أنه منصوب بإضمار اذكر. # قوله: " تبعا " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه اسم جمع لتابع، ونحوه: خادم وخدم، وغائب وغيب ~~وآدم وأدم. # قال البغوي: والتبع يكون واحدا وجمعا في قول أهل البصرة، واحده ~~تابع. وقال الكوفيون: هو جمع لا واحد له و جمعه أتباع. # والثاني: أنه مصدر واقع موقع اسم الفاعل أي تابعين. # والثالث: أنه مصدر أيضا ولكن على حذف مضاف أي ذوي تبع. # قوله: " نصيبا " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن ينتصب بفعل مقدر به عليه قوله: " مغنون " تقديره: هل أنتم ms7599 ~~دافعون عنا. # الثاني: أن يضمن مغنون معنى حاملين. # الثالث: أن ينتصب على المصدر، قال أبو البقاء: كما كان " شيء " ~~كذلك، ألا ترى إلى قوله: # لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله ~~شيئا # [آل عمران:10] " فشيئا " في موضع " غنى " فكذلك " نصيبا " و " من ~~النار " صفة ل " نصيبا ". # قوله: { إنا كل فيهآ } العامة على رفع " كل " ورفعه على ~~الابتداء و " فيها " خبره والجملة خبر " إن " ، وهذا كقوله في آل ~~عمران: # قل إن الأمر كله لله # [آل عمران:154]، في قراءة أبي عمرو. وقرأ ابن السميقع وعيسى بن ~~عمر بالنصب، وفيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون تأكيدا لاسم إن، قال الزمخشري: توكيد لاسم إن، وهو ~~معرفة، والتنوين عوض من المضاف إليه، يريد: إنا كلنا فيها انتهى، ~~يعني فيكون " فيها " هو الخبر، وإلى كونه توكيدا ذهب ابن عطية أيضا. # ورد ابن مالك هذا المذهب فقال في تسهيله: " ولا يستغني بنية إضافته ~~خلافا للزمخشري ". # قال شهاب الدين: " وليس هذا مذهبا للزمخشري وحده بل هو منقول عن ~~الكوفيين أيضا ". # والثاني: أن تكون منصوبة على الحال، قال ابن مالك: والقول المرضي ~~عندي أن " كلا " في القراءة المذكورة منصوبة على الحال من الضمير ~~المرفوع في " فيها " و " فيها " هو العامل؛ وقد قدمت عليه مع عدم ~~تصرفه، كما قدمت في قراءة من قرأ: # والسماوات مطويات # [الزمر:67]. # وفي قول النابغة: # 4342 رهط ابن كوز محقبي أدراعهم # فيهم ورهط ربيعة بن حذار # وقال بعض الطائيين: # 4343 دعا فأجبنا وهو بادي ذلة # لديكم وكان النصر غير بعيد # يعني بنصب " بادي ". وهذا هو مذهب الأخفش، إلا أن الزمخشري منع من ذلك، ~~قال رحمه الله : فإن قلت: هل يجوز أن يكون " كلا " حالا، قد ~~عمل فيه " فيها "؟ قلت: لا؛ لأن الظرف لا يعمل في الحال متقدمة كما ~~يعمل في الظرف متقدما، تقول: كل يوم لك ثوب، ولا تقول: ~~قائما في الدار زيد، قال أبو حيان: وهذا الذي منعه أجازه الأخفش، ~~إذا توسعت الحال، نحو: زيد قائما في الدار، وزيد قائما عندك. # والمثال الذي ذكره ms7600 ليس مطابقا لما في الآية؛ لأن الآية تقدم فيها ~~المسند إليه الحكم وهو اسم إن، وتوسطت الحال إذا قلنا: إنها حال، وتأخر ~~العامل فيها. وأما تمثيله بقوله: " ولا تقول قائما في الدار زيد " ~~فقد تأخر فيه المسند والمسند إليه، وقد ذكر بعضهم: أن المنع في ذلك إجماع ~~من النحاة. # قال شهاب الدين: الزمخشري منعه صحيح؛ لأنه ماش على مذهب الجمهور وأما ~~تمثيله بما ذكر فلا يضره؛ لأنه في محل المنع، فعدم تجويزه صحيح. # الثالث: أن " كلا " بدل من " نا " في " إنا "؛ لأن " كلا " قد ~~وليت العوامل فكأنه قيل: إن كلا فيها وإذا كانوا قد تأولوا ~~قوله: # 4344........................ # ................. حولا أكتعا # و " حولا أجمعا " على البدل مع تصرف أكتع وأجمع؛ فلأن ذلك ~~في " كل " أولى وأجدى. وأيضا فإن المشهور تعريف " كل " حال قطعها، ~~حكي في الكثير الفاشي: مررت بكل قائما وببعض جالسا، وعزاه ~~بعضهم لسيبويه. # وتنكير " كل " ونصبها حالا في غاية الشذوذ، نحو: " مررت بهم ~~كلا " أي جميعا. # فإن قيل: فيه بدل الكل من الكل في ضمير الحاضر وهو لا يجوز. # أجيب بوجهين: # أحدهما: أن الكوفيين والأخفش يرون ذلك وأنشدوا قوله: # 4345 أنا سيف العشيرة فاعرفوني # حميدا قد تذريت السناما # " فحميدا " بدل من ياء " فاعرفوني ". وقد تأوله البصريون على نصبه على ~~الاختصاص. # والثاني: أن هذا الذي نحن فيه ليس محل الخلاف "؛ لأن دال على الإحاطة ~~والشمول، وقد قالوا: إنه متى كان البدل دالا على ذلك جاز، وأنشدوا: # 4346 فما برحت أقدامنا في مكاننا # ثلاثتنا حتى أزيروا المنائيا # ومثله قوله تعالى: # لنا عيدا لأولنا وآخرنا # [المائدة:114] قالوا: " ثلاثتنا " بدل من " نا " في " مكاننا "؛ ~~لدلالتها على الإحاطة، وكذلك " لأولنا وآخرنا " بدل من " نا " في " لنا " ~~، فلأن يجوز ذلك في كل التي هي أصل في الشمول والإحاطة بطريق الأولى، هذا ~~كلام أبي حيان في الوجه الثالث. # وفيه نظر لأن المبرد ومكيا نصا على أن البدل في هذه الآية لا يجوز ~~فكيف يدعى أنه لا خلاف في البدل والحالة هذه؟ لا يقال: إن في الآية قولا ~~رابعا، ms7601 وهو أن " كلا " نعت لاسم إن، وقد صرح الكسائي والفراء ~~بذلك فقالا: هو نعت لاسم إن؛ لأن الكوفيين يطلقون اسم النعت على التأكيد، ~~ولا يريدون حقيقة النعت. # وممن نص على هذه التأويل مكي رحمه الله ؛ ولأن الكسائي إنما جوز نعت ~~ضمير الغائب فقط دون المتكلم والمخاطب. # فصل # معنى الآية واذكر يا محمد لقومك إذ يتحاجون أي يحاج بعضهم ~~بعضا. ثم شرح خصومتهم وهي أن الضعفاء يقولون للرؤساء: إنا كنا لكم تبعا ~~في الدنيا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار أي فهل تقدرون على أن ~~تدفعوا عنا أيها الرؤساء نصيبا من العذاب؟ ومقصودهم من هذا الكلام ~~المبالغة في تعجيز أولئك الرؤساء وإيلام قلوبهم؛ لأنهم يعلمون أن أولئك ~~الرؤساء لا قدرة لهم على ذلك التخفيف فعند ذلك يقول الرؤساء إنا كل فيها ~~أي إنا كلنا واقعون في هذا العذاب، فلو قدرنا على إزالة العذاب ~~لدفعناه عن أنفسنا. ثم يقولون: { إن الله (قد) حكم بين ~~العباد } يعنى فأوصل إلى شكل أحد حقه من النعيم أو من العذاب، ~~فعند هذا يحصل اليأس للأتباع من المتبوعين، فيرجعون إلى خزنة جهنم ~~ويقولون لهم: { ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من ~~العذاب }. # فإن قيل: لم لم يقل: وقال الذين في النار لخزنتها؟. # فالجواب من وجهين: # الأول: أن يكون المقصود من ذكر جهنم التهويل والتفظيع. # والثاني: أن تكون جهنم اسما لموضع من أشد المواضع بعيد القرار من ~~قولهم: بئر جهنام أي بعيدة القعر وفيها أعظم أقسام الكفار ~~عقوبة، وخزنة ذلك الموضع تكون أعظم خزنة جهنم عند الله درجة، فإذ عرف ~~الكافر أن الأمر كذلك استغاثوا بهم فيقولون لهم: { أولم تك ~~تأتيكم رسلكم بالبينات }؟. # قوله: { يوما من العذاب } في يوما وجهان: # أحدهما: أنه ظرف ليخفف، ومفعول " يخفف " محذوف، أي يخفف عنا شيئا ~~من العذاب في يوم. ويجوز على رأي الأخفش أن تكون " من " مزيدة فيكون ~~العذاب هو المفعول، أي يخفف عنا في يوم العذاب. # الثاني: أن يكون مفعولا به، واليوم لا يخفف، وإنما يخفف مظروفه، ~~والتقدير يخفف عذاب يوم، ms7602 وهو قلق لقوله: " من العذاب " والقول بأنه ~~صفة كالحال أقلق منه. والظاهر أن " من العذاب " هو المفعول ليخفف، ~~ومن تبعيضية، و " يوما " ظرف، سألوا أن يخفف عنهم بعض العذاب ~~لا كله في يوم ما، لا في كل يوم ولا في يوم معين. # فصل # لما أجابوهم الخزنة بقولهم: { أولم تك تأتيكم رسلكم ~~بالبينات }؟ قالوا: بلى والمعنى أن لولا إرسال الرسل كان للقوم أن ~~يقولوا ما جاءنا من نذير. # وهذه الآية تدل على أن الجواب لا يتحقق إلا بعد مجيء الشرع. ثم إن ~~أولئك الملائكة يقولون لهم: ادعوا أنتم فإنا لا نتجرأ على ذلك ولا ~~نشفع إلا بشرطين: # أحدهما: أن يكون المشفوع له مؤمنا. # والثاني: حصول الإذن في الشفاعة، ولم يوجد شيء من هذين الشرطين لكن ~~ادعوا أنتم. # وليس قولهم فادعوا لرجاء المنفعة، ولكن للدلالة على الخيبة، وأن ~~الملك المقرب إذا لم يسمع دعاؤه فكيف يسمع دعاء الكافر؟ ثم صرحوا لهم ~~بأنه لا أثر لدعائهم فقالوا: { وما دعاء الكافرين إلا في ~~ضلال } أي يبطل ويضل ولا ينفعهم. # فإن قيل: إنه تعالى يمتنع عليه أن يتأذى من المجرمين يسبب جرأتهم، ~~وإذا كان التأذي محالا كانت شهوة الانتقام ممتنعة في حقه، وإذا ~~ثبت هذا فنقول إيصال هذه المضار العظيمة إلى أولئك الكفار إضرار خال عن ~~جميع جهات المنفعة فكيف يليق بالرحيم الكريم أن يعذب بترك الآلام أبد ~~الآباد ودهر الداهرين من غير أن يرحم حاجتهم، ومن غير أن يسمع ~~دعاءهم، ومن غير أن يلتفت إلى تضرعهم وانكسارهم، ولو أن أقسى الناس قلبا ~~فعل مثل هذا التعذيب ببعض عبيده لأداء كرمه ورحمته إلى العفو عنه ~~مع أن هذا السيد في محل الحاجة والنفع والضرر فأكرم الأكرمين كيف يليق ~~به هذا الإضرار؟. # فالجواب: أن أفعال الله لا تعلل، ولا يسأل عما يفعل وهم ~~يسألون فلما جاء الحكم الحق به في الكتاب الحق وجب الإقرار به والله ~~أعلم. # قوله تعالى: { إنا لننصر رسلنا... } الآية. في كيفية النظم ~~وجوه: # الأول: أنه تعالى لما ذكر وقاية الله موسى عليه ms7603 الصلاة والسلام ، ~~وذلك المؤمن من مكر فرعون من في هذه الآية بأنه ينصر رسله والذين ~~آمنوا معه. # الثاني: لما بين من قبل تخاصم أهل النار، وأنهم عند الفزع إلى خزنة ~~جهنم يقولون: ألم تك تأتيكم رسلكم بالبينات أتبع ذلك الرسل وأنه ينصرهم ~~في الدنيا والآخرة. # الثالث: قال ابن الخطيب: وهو الأقرب عندي أن الكلام في أول السورة إنما ~~وقع من قوله: إنما يجادل في آيات الله الذين كفروا فلا يغرنك ~~تقلبهم في البلاد. وأصل الكلام في الرد على أولئك المجادلين وعلى أن ~~المحقين أبدا مشغولين بدفع كيد المبطلين، وكل ذلك إنما ذكره الله تعالى ~~تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتصبيرا له على تحمل الأذى من ~~قومه. # ولما بلغ الكلام في تقرير هذا المطلوب إلى الغاية القصوى وعد تعالى بأن ~~ينصر رسوله على أعدائه تعالى فقال: { إنا لننصر رسلنا ~~والذين آمنوا في الحياة الدنيا }., قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما : بالغلبة والقهر، وقال الضحاك: بالحجة، وفي الآخرة ~~بالانتقام من الأعداء وبإعلاء درجاتهم في مراتب الثواب، وكل ذلك قد كان ~~للأنبياء والمؤمنين، فهم منصورون بالحجة على من خالفهم، وأهلك أعداءهم ~~بعد أن قتلوا بالانتقام من أعدائهم، كما نصر يحيى بن زكريا لما قتل ~~فقتل به سبعين ألفا. # قوله: { ويوم يقوم الأشهاد } قرأ الجمهور يقوم بالياء من ~~أسفل، وأبو عمرو في رواية المنقري عنه وابن هرمز وإسماعيل بالتاء من ~~فوق لتأنيث الجماعة. # والأشهاد يجوز أن يكون جمع " شهيد " كشريف وأشراف، وهو مطابق ~~لقوله: # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد # [النساء:41] وأن يكون جمع " شاهد " كصاحب، وأصحاب، وطائر، وأطيار، ~~قال المبرد وهو مطابق لقوله: # إنآ أرسلناك شاهدا # [الأحزاب:45]. # واعلم أن قوله تعالى: { ويوم يقوم الأشهاد } فيه دقيقة ~~لطيفة، وهي أن السلطان العظيم إذا آثر بعض خواصه بالإكرام العظيم عند ~~حضور الجمع من أهل المشرق والمغرب كان ذلك أتم وأبهج. وعنى بالأشهاد كل ~~من شهد بأعمال العباد يوم القيامة من ملك ونبي ومؤمن. أما الملائكة فهو ~~الكرام الكاتبون يشهدون على الرسل بالتبليغ وعلى ms7604 الكفار بالتكذيب. وأما ~~الأنبياء فقال تعالى: # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا # [النساء:41] وأما المؤمنون فقال تعالى: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء ~~على الناس # [البقرة:143]. # قوله " يوم " بدل من " يوم " قبله، أو بيان له، أو نصب بإضمار ~~أعني. # وتقدم الخلاف في قوله " ينفع الظالمين " بالياء والتاء آخر ~~الروم. والمعنى لا ينفع الظالمين معذرتهم إن اعتذروا " ولهم اللعنة " ~~البعد من الرحمة، وهذا يفيد الحصر يعني أن اللعنة مقصورة عليهم، وهي ~~الإهانة والإذلال { ولهم سوء الدار } يعني جهنم. # فإن قيل: قوله: { لا ينفع الظالمين معذرتهم } يدل على أنهم يذكرون ~~الأعذار، ولكن تلك الأعذار لا تنفعهم فكيف الجمع بين هذا وبين قوله: # ولا يؤذن لهم فيعتذرون # [المرسلات:36]؟. # فالجواب: قوله { لا ينفع الظالمين معذرتهم } لا يدل على أنهم ذكروا ~~الأعذار بل ليس فيه إلا أنه ليس عندهم عذر مقبول، وهذا لا يدل على أنهم ~~ذكروه أم لا وأيضا فيوم القيامة يوم طويل فيعتذرون في وقت ولا يعتذرون ~~في وقت آخر. ### || [40.53-55] # قوله تعالى: { ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني ~~إسرائيل الكتاب... } الآية لما بين أنه تعالى ينصر الأنبياء ~~والمؤمنين في الدنيا والآخرة ذكر نوعا من أنواع تلك النصرة في الدنيا ~~فقال: { ولقد آتينا موسى الهدى }. # قال مقاتل: هدى من الضلالة، يعني التوراة، ويجوز أن يكون المراد ~~الدلائل القاهرة التي أوردها على فرعون وأتباعه وكادهم بها، ويجوز أن ~~يكون المراد بالهدى النبوة التي هي أعظم المناصب الإنسانية { ~~وأورثنا بني إسرائيل الكتاب } وهو التوراة { هدى ~~وذكرى لأولي الألباب } يعنى أنه تعالى لمنا أنزل التوراة على ~~موسى بقي ذلك العلم فيهم وتوارثوه خلفا عن سلف. # وقيل: المراد سائر الكتب أنزلها الله عليهم، وهي كتب أنبياء بني إسرائيل ~~كالتوراة والإنجيل والزبور. # قوله: " هدى وذكرى " فيهما وجهان: # أحدهما: أنهما مفعول من أجلهما أي لأجل الهدى والذكر. # والثاني: أنهما مصدران في موضع الحال. # والفرق بين الهدى والذكرى، أن الهدى ما يكون دليلا على الشيء وليس من ~~شرطه أن يذكر شيئا آخر كان معلوما ms7605 ثم صار منسيا، وأما الذكرى فهو ~~الذي يكون كذلك، فكتب أنبياء الله تعالى مشتملة على هذين القسمين بعضها ~~دلائل في أنفسها، وبعضها مذكرات لما ورد في الكتب الإلهية المتقدمة. # ولما بين تعالى أنه ينصر رسله وينصر المؤمنين في الدنيا والآخرة وضرب ~~المثال في ذلك بحال موسى خاطب بعد ذلك محمدا صلى الله عليه وسلم ~~فقال: { فاصبر إن وعد الله حق } أي فاصبر يا محمد على ~~أذاهم، إن وعد الله حق في إظهار دينك وهلاك أعدائك. وقال الكلبي: نسخت ~~آية القتل آية الصبر. # قوله: { واستغفر لذنبك } قيل: المصدر مضاف للمفعول أي لذنب ~~أمتك في حقك. والظاهر أن الله تعالى يقول ما أراد وإن لم يجز لنا نحن أن ~~نضيف إليه عليه الصلاة والسلام : ذنبا، قال المفسرون: هذا تعبد من ~~الله تعالى ليزيده به درجة، وليصير سنة لمن بعده. # قوله: { وسبح بحمد ربك } صل شكرا لربك بالعشي ~~والإبكار، قال الحسن: يعني صلاة العصر وصلاة الفجر، وقال ابن عباس: ~~الصلوات الخمس. ### || [40.56] # قوله (تعالى): { إن الذين يجادلون في آيات الله ~~بغير سلطان أتاهم... } الآية لما ابتدأ بالرد على الذين ~~يجادلون في آيات الله واتصل الكلام بعضه ببعض على الترتيب المتقدم إلى ~~هنا نبه تعالى على الداعية التي تحمل أولئك الكفار على تلك المجادلة، ~~فقال: { إن الذين يجادلون في آيات الله بغير ~~سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر } أي ما يحملهم ~~على هذا العمل الباطل إلا الكبر الذي في صدروهم. قال ابن عباس: والمراد ~~ما في قلوبهم، والصدر موضع القلب فكني به عن القلب لمجاورته. # قوله: { ما هم ببالغيه } قال مجاهد: ما هم ببالغي مقتضى ذلك ~~الكبر؛ لأن الله عز وجل مذلهم. قال ابن قتيبة: " إن في صدورهم إلا ~~تكبر على محمد، وطمع أن يغلبوه، وما هم ببالغي ذلك ". # وقوله { فاستعذ بالله } قال المفسرون: نزلت في اليهود، وذلك ~~أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا صاحبنا المسيح بن داود ~~يعنون الدجال يخرج في آخر الزمان فيبلغ سلطانه البر والبحر ويرد ~~الملك إلينا، ms7606 قال الله تعالى: فاستعذ بالله من فتنة الدجال إنه هو ~~السميع البصير. وقال ابن الخطيب: يعني بقوله { ما هم ببالغيه } ~~يعنى أنهم يريدون أذاك، ولا يصلون إلى هذا المراد بل لا بد وأن يصيروا ~~تحت أمرك ونهيك. ثم قال تعالى: { فاستعذ بالله } أي فالتجىء ~~إليه من كيد من يجادلك إنه هو السميع بما يقولون أو تقول " البصير ~~" بما يعملون وتعمل فهو يجعلك نافذ الحكم عليهم ويصونك عن مكرهم ~~وكيدهم. ### || [40.57-58] # قوله تعالى: { لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق ~~الناس } المصدران مضافان لمفعولهما، والفاعل محذوف، وهو الله تعالى. # ويجوز أن يكون الثاني مضافا للفاعل أي أكبر مما يخلقه الناس، أي ~~يصنعونه. # ويجوز أن يكون المصدران واقعين موقع المخلوق، أي مخلوقهما أكبر من ~~مخولقهم، أي جرمهما أكبر من جرمهم. # فصل # اعلم أنه تعالى لما وصف جدالهم في الآيات بأنه بغير سلطان ولا حجة، ذكر ~~لهذا مثلا، فقال: لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس والقادر على ~~الأكبر قادر على الأقل لا محالة. وتقرير هذا الكلام أن الاستدلال بالشيء ~~على غيره ينقسم ثلاثة أقسام: # أحدها: أن يقال: لما قدر على الأضعف، وجب أن يقدر على الأقوى وهذا فاسد. # (وثانيها: أن يقال: لما قدر على الشيء قدر على مثله، فهذا استدلال ~~صحيح لما ثبت في الأصول: أن حكم الشيء حكم مثله). # وثالثها: أن يقال: لما قدر على الأقوى الأكمل (فبأن) يقدر على ~~الأقل الأرذل كان أولى. وهذا استدلال في غاية الصحة والقوة، ولا يرتاب ~~فيه عاقل البتة. ثم إن هؤلاء القوم يسلمون أن خالق السموات والأرض هو ~~الله سبحانه وتعالى ويعلمون بالضرورة أن خلق السموات والأرض أكبر من خلق ~~الناس، وكان من حقهم أن يقروا بأن القادر على خلق السموات والأرض يكون ~~قادرا على إعادة الإنسان الذي خلقه اولا فهذا برهان كلي في إفادة هذا ~~المطلوب. # ثم إن هذا البرهان على قوته صار بحيث لا يعرفه أكثر الناس، والمراد منه ~~الذين ينكرون الحشر والنشر. فظهر بهذا المثال أن هؤلاء الكفار يجادلون ~~في آيات الله ms7607 بغير سلطان ولا حجة بل بمجرد الحسد والكبر والغضب. # ثم لما بين الله تعالى أن الجدال المقرون بالكبر والحسد، والجهل ~~كيف يكون؟ وأن الجدال بالحجة والبرهان كيف يكون؟ نبه تعالى على الفرق بين ~~البيانين فقال: { وما يستوي الأعمى والبصير } يعني: وما ~~يستوي المستدل والجاهل المقلد، ثم قال تعالى: { والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلا ما ~~تتذكرون } فالمراد بالأول: التفاوت بين العالم والجاهل والمراد ~~بالثاني: التفاوت بين الآتي بالأعمال الصالحة وبين الآتي بالأعمال السيئة ~~الباطلة، ثم قال: { قليلا ما تتذكرون } يعني أنهم وإن كانوا ~~(يعلمون) أن العلم خير من الجهل، وأن العمل الصالح خير من العمل الفاسد ~~إلا أنه قليلا ما يتذكرون. فبين في النوع الأول المعنى من الاعتقاد أنه ~~علم أو جهل، وفي النوع الثاني المعنى من العمل أنه عمل صالح أو فاسد. # فصل # قوله: (والبصير) اعلم أن التقابل يجيء على ثلاث طرق: # أحدهما: أن يجاور المناسب ما يناسبه كهذه الآية. # والثانية: أن يتأخر المتقابلان كقوله تعالى: # مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير ~~والسميع # [هود:24]. # والثالثة: أن يقدم مقابل الأول ويؤخر مقابل الآخر كقوله تعالى: # وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا ~~النور # [فاطر:1920]. وكل ذلك تفنن في البلاغة. # وقدم الأعمى في نفي التساوي لمجيئه بعد صفة الذم في قوله: { ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون }. # قوله: { ولا المسيء } لا زائدة للتوكيد؛ لأنه لما طال الكلام ~~بالصلة بعد تقسيم المؤمنين، فأعاد معه " لا " توكيدا، وإنما قدم ~~المؤمنين لمجاورتهم. # قوله: " تتذكرون " قرأ الكوفيون بتاء الخطاب، والباقون بياء الغيبة، ~~والخطاب على الالتفات للمذكورين بعد الإخبار عنهم. والغيبة نظرا لقوله: ~~{ إن الذين يجادلون } وهم الذين التفت إليهم في قراءة الخطاب. ### || [40.59] # قوله: { إن الساعة } يعني القيامة { لآتية لا ريب ~~فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } والمراد بأكثر ~~الناس الكفار الذين ينكرون البعث والقيامة لما قرر الدليل على إمكان وجود ~~يوم القيامة أردفه بالإخبار عن وقوعها. ### || [40.60] # قوله تعالى: { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم... } ~~الآية لما بين أن القول بالقيامة حق وكان من المعلوم بالضرورة ms7608 أن ~~الإنسان لا ينتفع في يوم القيامة إلا بطاعة الله تعالى أو التضرع عليه لا ~~جرم كان الاشتغال بالطاعة من أهم المهمات، ولما كان أشرف أنواع ~~الطاعات الدعاء والتضرع لا جرم أمر الله تعالى به فقال: { وقال ~~ربكم ادعوني أستجب لكم }. # واختلفوا في المراد بقوله " ادعوني " فقيل: المراد منه الأمر بالدعاء، ~~وقيل: الأمر بالعبادة بدليل قوله بعده: { إن الذين ~~يستكبرون عن عبادتي } ، وأيضا الدعاء بمعنى العبادة كثير ~~في القرآن كقوله: # إن يدعون من دونه إلا إناثا # [النساء:117]. وأجاب الأولون بأن هذا ترك للظاهر فلا يصار إلا ~~بدليل. # فإن قيل: كيف قال: { ادعوني أستجب لكم } ، وقد يدعى كثيرا فلا ~~يستجاب؟ # وأجاب الكعبي بأن الدعاء إنما يصح بشرط، ومن دعا كذلك يستجيب له، ~~وذلك الشرط هو أن يكون المطلوب بالدعاء مصلحة وحكمة. # ثم سأل نفسه فقال: إن الله تعالى يفعل ما هو الأصلح بغير دعاء فما ~~الفائدة في الدعاء؟ # وأجاب عنه بوجهين: # الأول: أن فيه الفزع والانقطاع إلى الله تعالى. # الثاني: أن هذا أيضا وارد على الكل لأنه إن علم أنه يفعله فلا بد وأن ~~يفعله، فلا فائدة في الدعاء وإن علم أنه لا يفعله فإنه البتة لا يفعله، ~~فلا فائدة في الدعاء أيضا، فكل ما يقولونه ههنا فهو جوابنا. # قال ابن الخطيب: وعندي وجه آخر وهو أنه قال: ادعوني أستجب لكم، وكل من ~~دعا الله وفي قلبه ذرة من الاعتماد على ماله وجاهه وأصدقائه واجتهاده ~~فهو في الحقيقة ما دعا الله إلا باللسان وأما القلب فإنه يعول في تحصيل ~~ذلك المطلوب على غير الله، فهذا اللسان ما دعا ربه، أما إذا في وقت لا ~~يكون القلب فيه متلفتا إلى غير الله فالظاهر أن يستجاب له. # قوله: { إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون ~~جهنم داخرين } وهذا إحسان عظيم من الله تعالى حيث ذكر الوعيد ~~الشديد على ترك الدعاء. وروى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " من لم يدع الله غضب الله عليه ". # فإن قيل: إنه ms7609 صلى الله عليه وسلم قال حكاية عن ربه عز وجل: # " من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما ~~أعطي السائلين ". # فهذا يقتضي أن ترك الدعاء أفضل، وهذه الآية تدل على أن ترك الدعاء يوجب ~~الوعيد الشديد فكيف الجمع بينهما؟. # فالجواب: لا شك أن العقل إذا كان مستغرقا في الثناء كان ذلك أفضل في ~~الدعاء لأن الدعاء طلب الجنة، والاستغراق في معرفة جلال الله أفضل من طلب ~~الجنة، أما إذا لم يحصل الاستغراق كان الاشتغال بالدعاء أولى؛ لأن ~~الدعاء يشتمل على معرفة الربوبية وذل العبودية. # قوله: " سيدخلون " قرأ ابن كثير وأبو جعفر " سيدخلون " بضم ~~الياء وفتح الخاء، والآخرون بفتح الياء وضم الخاء " داخرين " صاغرين ~~ذليلين. ### || [40.61-65] # قوله تعالى: { الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا ~~فيه } اعلم أن تعلقه بما قبله من وجهين: # الأول: كأنه تعالى قال: إني أنعمت عليك قبل طلبك هذه النعم العظيمة، ومن ~~أنعم عليك قبل السؤال بهذه النعم العالية فكيف لا ينعم بالأشياء القليلة ~~بعد السؤال؟!. # والثاني: أنه تعالى لما أمر بالدعاء فكأنه قيل: الاشتغال بالدعاء لا بد ~~وأن يكون مسبوقا بحصول المعرفة فما الدليل على وجود الإله القدر؟ فذكر ~~تعالى هذه الدلائل العشرة على وجوده وقدرته وحكمته، وقد تقدم ذكر ~~الدلائل الدالة على وجود الله وقدرته وهي إما فلكية، وإما عنصرية ~~وأن الفلكيات أقسام كثيرة، أحدها الليل والنهار، وأن أكثر مصالح ~~العالم مربوطة بهما فذكرهما الله تعالى ههنا، وبين أن الحكمة في خلق ~~الليل حصول الراحة بالنوم والسكون، والحكمة في خلق النهار إبصار ~~الأشياء؛ ليمكن التصرف فيها على الوجه الأنفع. # فإن قيل: هلا قيل بحسب رعاية النظم هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا ~~فيه والنهار لتبصروا فيه أو يقال: جعل لكم الليل ساكنا والنهار مبصرا ~~ولكنه لم يقل ذلك، فما الفائدة؟ وما الحكمة في تقدم ذكر الليل؟. # فالجواب عن الأول: هو أن الليل والنوم في الحقيقة طبيعة عدمية فهو ~~غير مقصود بالذات، وأما اليقظة فأمور وجودية، وهي مقصودة بالذات. وقد ~~بين الشيخ عبد القاهر النحوي في دلائل ms7610 الإعجاز أن دلالة ~~صيغة الاسم على الكمال والتمام أقوى من دلالة صيغة الفعل عليها فهذا هو ~~السبب في الفرق. # وأما الجواب عن الثاني: فهو أن الظلمة طبيعة عدمية، والنور ~~طبيعة وجودية، والعدم في المحدثات مقدم على الوجود؛ فلهذا السبب ~~قال في أول سورة الأنعام: # وجعل الظلمات والنور # [الأنعام:1]. # ثم قال تعالى: { إن الله لذو فضل على الناس ولكن ~~أكثر الناس لا يشكرون } والمعنى أن فضل الله تعالى على ~~الخلق كثير جدا، ولكنه لا يشكرونه. # واعلم أن ترك الشكر لوجوه: # الأول: أن يعتقد الرجل أن هذه النعم ليست من الله، مثل أن يعتقد ~~أن هذه الأفلاك واجبة الوجود لذواتها، واجبة الدوران (لذواتها) فيعتقد أن ~~هذه النعم منها. # الثاني: أن يعتقد أن كل هذا العالم إنما حصل بتخليق الله وتكوينه ~~إلا أن نعمة تعاقب الليل والنهار لما دامت واستمرت نسيها الإنسان، ~~فإذا ابتلي الإنسان بفقدان شيء منها عرف قدرها مثل أن يحبس في بئر ~~عميق مظلمة مدة مديدة، فحينئذ يعرف ذلك الإنسان قدر نعمة ~~الهواء الصافي وقدر نعمة الضوء، وقد كان بعض الملوك يعذب بعض خدمه بأن ~~يأمر أقواما يمنعونه من النوم وعن الاستناد إلى الجدار. # والثالث: أن الإنسان وإن كان عارفا بهذه النعم إلا أنه يكون حريصا على ~~الدنيا، محبا المال والجاه، فإذا فاته المال الكثير والجاه العريض ~~وقع في كفران هذه النعم العظيمة، ولما كان أكثر الخلق واقعون في أحد ~~هذه الأودية الثلاثة لا جرم قال تعالى: { ولكن أكثر الناس ~~لا يشكرون }. # ونظيره قوله تعالى: # وقليل من عبادي الشكور # [سبأ:13] وقول إبليس: # ولا تجد أكثرهم شاكرين # [الاعراف:17]. # ولما بين الله تعالى بتلك الدلائل المذكورة وجود الإله القادر قال: { ~~ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله ~~إلا هو }. قال الزمخشري: ذلكم المعلوم المتميز بالأفعال الخاصة ~~التي لا يشاركه فيها أحد هو الله ربكم، خالق كل شيء " لا إله إلا ~~هو " أخبار مترادفة أي هو الجامع لهذه الأوصاف من الإلهية والربوبية وخلق ~~كل شيء وأنه لا ثاني له. { فأنى تؤفكون } أي ms7611 فأنى تصرفون ~~أي ولم تعدلون عن هذه الدلائل وتكذبون بها؟. # قوله: { خالق كل شيء } العام على الرفع، وزيد بن علي ~~بالنصب. قال الزمخشري: " على الاختصاص ". وقرأ طلحة يؤفكون بياء ~~الغيبة. وقوله: " وكذلك يؤفك " أي مثل ذلك الإفك بمعنى كما ~~أفكتم عن الحق مع قيام الأدلة { كذلك يؤفك الذين ~~كانوا بآيات الله يجحدون } يعنى كل من جحد بآيات الله ولم ~~يتأملها ولم يكن فيه عزم طلب الحق وخوف العاقبة أفك كما ~~أفكوا. # قوله تعالى: { الله الذي جعل لكم الأرض قرارا... } ~~لما تقدم أن دلائل وجود الله تعالى وقدرته إما أن يكون من دلائل الآفاق ~~وهي غير الإنسان وهي أقسام، وذكر منها أحوال الليل والنهار كما تقدم، ~~وذكر منها أيضا ههنا الأرض والسماء فقال: { الله الذي جعل ~~لكم الأرض قرارا } قال ابن عباس رضي الله عنهما قرارا أي ~~منزلا في حال الحرارة وبعد الممات والسماء بناء أي قائما ثابتا وإلا ~~وقعت علينا. وقيل: سقفا كالقبة، ثم ذكر دلائل الأنفس، وهي ~~دلالة أحوال بدن الإنسان على وجود الصانع القادر الحكيم، وهو قوله: { ~~وصوركم فأحسن صوركم }. قوله: { فأحسن ~~صوركم } قرأ أبو رزين والأعمش صوركم بكسر الصاد فرارا من ~~الضمة قبل الواو. وقرأت فرقة بضم الصاد وسكون الواو، وجعلوه اسم جنس ~~لصورة، كبسر وبسرة. # فصل # قال مقاتل: خلقكم فأحسن خلقكم. قال ابن عباس رضي الله عنهما ~~ خلق ابن آدم قائما معتدلا يأكل ويتناول بيده، وغير بن آدم ~~يتناول بفيه. { ورزقكم من الطيبات } ، قيل: من غير رزق ~~الدواب. ثم قال: { ذلكم الله ربكم فتبارك الله ~~رب العالمين } ، ومعنى تبارك إما الدوام والتبيان وإما كثرة ~~الخيرات. ثم قال: " هو الحي " وهذا يفيد الحصر؛ ولأن لا حي إلا ~~هو. ثم نبه على الوحدانية فقال: لا إله إلا هو ثم أمر العباد بالإخلاص ~~في الدعاء فقال: { فادعوه مخلصين له الدين }. ثم قال: { ~~الحمد لله رب العالمين }. # والمراد أنه لما كان موصوفا بصفات الجلال والعزة استحق لذاته أن يقال ~~له: الحمد لله رب العالمين وقال الفراء هو خبر، وفيه إضمار ms7612 الأمر ومجازه ~~فادعوه واحمدوه. وروى مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما من قال: ~~لا إله إلا الله فليقل على أثرها: الحمد لله رب العالمين، فذلك قوله: ~~فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين. ### || [40.66-68] # قوله تعالى: { قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون ~~من دون الله } لما أورد على المشركين تلك الأدلة الدالة على إثبات ~~إله العالم أمره بهذا القول؛ ليصرفهم عن عبادة الأوثان، وبين وجه النهي ~~في ذلك وهو ما جاءه من البينات، وهو ما تقدم من الدلائل على أن إله ~~العالم قد ثبت كونه موصوفا بصفات الجلال والعظمة على ما تقدم ~~وصريح العقل يشهد بأن العبادة لا تليق إلا به، والأحجار المنحوتة ~~والأخشاب المصورة لا تصلح أن تكون شريكا له فقال: وأمرت أن ~~أسلم لرب العالمين، وذلك حين دعي إلى الكفر. # قوله تعالى: { هو الذي خلقكم من تراب... } لما استدل على ~~إثبات الإلهية بدليل الآفاق وذكر منها الليل والنهار والأرض والسماء، ثم ~~ذكر الدليل على إثبات الإله القادر بخلق الأنفس وهو نوعان: أحدهما: حسن ~~العودة ورزق الطيبات؛ ذكر النوع الثاني وهو: تكوين البدن من ابتداء كونه ~~نطفة وجنينا إلى آخر الشيخوخة والموت فقال: { هو الذي ~~خلقكم من تراب ثم من نطفة } ، قيل: المراد آدم. قال ~~ابن الخطيب: وعندي لا حاجة إلى ذلك لأن كل إنسان فهو مخلوق من المني ~~ومن دم الطمث والمني مخلوق من دم فالإنسان مخلوق من الدم، والدم ~~إنما يتولد من الأغذية والأغذية إما حيواينة وإما نباتية، والحال في ذلك ~~الحيوان كالحال في تكوين الإنسان فكانت الأغذية إما حيوانية وإما نباتية، ~~والحال في ذلك الحيوان كالحال في تكوين الإنسان فكانت الأغذية كلها ~~منتهية إلى النبات والنبات إنما يكون من التراب والماء فثبت أن كل إنسان ~~متكون من التراب، ثم إن ذلك التراب يصير نطفة ثم علقة، ثم بعد ~~كونه علقة مراتب إلى أن ينفصل من بطن الأم. والله تعالى ترك ذكرها ههنا ~~لأنه ذكرها في آيات أخر، قال: { ثم يخرجكم طفلا } أي ~~أطفالا ms7613 { ثم لتبلغوا أشدكم }. (قال الزمخشري: قوله: ~~لتبلغوا أشدكم) متعلق بفعل محذوف، تقديره ثم يبعثكم ~~لتبلغوا أشدكم، { ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من ~~يتوفى من قبل } أي: أن يصير شيخا، أو من قبل هذه الأحوال ~~إذا خرج سقطا ثم قال: { ولتبلغوا أجلا مسمى } أي ~~ولتبلغوا جميعا { أجلا مسمى } وقتا محدودا لا تجاوزونه ~~وهو وقت الموت. وقيل: يوم القيامة، { ولعلكم تعقلون } أي ~~لكي تعقلوا توحيد ربكم وقدرته وتستدلوا بهذه الأحوال العجيبة على وحدانية ~~الله تعالى. # ثم قال: { هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمرا ~~فإنما يقول له كن فيكون } والمعنى أنه تعالى لما ذكر ~~انتقال الأجسام من كونها ترابا إلى أن بلغت الشيخوخة، واستدل بهذه ~~التغييرات على وجود الإله القادر قال بعده: { هو الذي يحيي ~~ويميت } أي كما أن الانتقال من الحياة إلى الموت وبالعكس، يدل على ~~الإله القادر. # (و) قوله: { فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن ~~فيكون } فيه وجوه: # الأول: معناه أنه لم ينقل هذه الأجسام من صفة إلى صفة أخرى بآلة تعينه ~~إنما يقول له كن فيكون. # الثاني: أنه عبر عن الإحياء والإماتة بقوله: { كن فيكون } فكأنه ~~قيل: الانتقال من كونه ترابا إلى كونه نطفة إلى كونه علقة انتقالات ~~تحصل على التدريج قليلا. وأما صيرورته حيا فهي إنما تحصل ~~بتعليق جوهر الروح، وذلك يحدث دفعة واحدة فلهذا عبر عنه بقوله: " كن ~~فيكون ". # الثالث: أن من الناس من يقول: إن الإنسان إنما يتكون من المني ~~والدم في الرحم في مدة معينة بحسب الانتقالات من حال إلى حال، فكأنه ~~قيل: إنه يمتنع أن يكون كل إنسان عن إنسان آخر؛ لأن التسلسل محال، ~~ووقوع الحادث في الأزل محال فلا بد من الاعتراف بإنسان هو الناس وحينئذ ~~يكون حدوث ذلك الإنسان لا بواسطة المني والدم بل بإيجاد الله تعالى، ~~ابتداء، فعبر الله تعالى عن هذه المعنى بقوله: { كن فيكون }. ### || [40.69-76] # قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات ~~الله... } الآيات. اعلم أنه تعالى عاد إلى ذم الذين يجادلون في ~~آيات الله، أي في ms7614 إنكار آيات الله ودفعها والتكذيب بها، فعجب تعالى ~~منهم بقوله: { أنى يصرفون }؟ كيف صرفوا عن دين الحق وهذا كما ~~يقول الرجل لمن لا يسمع نصحه: إلى أين يذهب بك؟! تعجبا من غفلته. # قوله: " الذين كذبوا " ، يجوز فيه أوجه، أن يكون بدلا من الموصول قبله، ~~أو بيانا له أو نعتا أو خبر مبتدأ محذوف، أو منصوبا على الذم، وعلى ~~هذه الأوجه، فقوله: { فسوف يعلمون } جملة مستأنفة، سيقت ~~للتهديد. # ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر الجملة من قوله: { فسوف يعلمون } ~~ودخول الفاء فيه واضح. # فصل # المعنى هم الذين كذبوا بالكتاب أي بالقرآن وبما أرسلنا به رسلنا من سائر ~~الكتب؛ قيل: هم المشركون. وعن محمد بن سيرين وجماعة: أنها نزلت في ~~القدرية. # قوله: { إذ الأغلال } فيه سؤال، هو أن " سوف " للاستقبال، و " ~~إذ " للماضي، فقوله: { فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم } مثل قولك: ~~سوف أصوم أمس، والجواب: جوزوا في " إذ " هذه أن تكون بمعنى " ~~إذا "؛ لأن العامل فيها محقق الاستقبال وهو فسوف يعلمون. # قالوا: وكما تقع " إذا " موضع إذ في قوله تعالى: # وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها # [الجمعة:11] كذلك تقع إذ موقعها. # وقد مضى نحو من هذا في البقرة عند قوله تعالى: # ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب # [البقرة:165] قالوا: والذي حسن هذا تيقن وقوع الفعل، فأخرج في صورة ~~الماضي. # قال شهاب الدين: ولا حاجة إلى إخراج " إذ " عن موضوعها؛ بل هي باقية ~~على دلالتها على المعنى، وهي منصوبة بقوله: { فسوف يعلمون } ~~نصب المفعول به، أي فسوف يعلمون يوم القيامة وقت الأغلال في أعناقهم أي ~~وقت سبب الأغلال، وهي المعاصي التي كانوا يفعلونها في الدنيا، كأنه ~~قيل: سيعرفون وقت معاصيهم التي تجعل الأغلال في أعناقهم وهو وجه واضح ~~غاية ما فيه التصرف في إذ يجعلها. وهو وجه واضح غاية في ما فيه التصرف ~~في إذ يجعلها مفعولا بها. ولا يضر ذلك، فإن المعربين غالب أوقاتهم ~~يقولون: منصوب " باذكر " مقدرا، أو لا يكون حينئذ إلا مفعولا به ~~لاستحالة عمل المستقبل في الزمن ms7615 الماضي. # وجوز أن يكون منصوبا باذكر مقدرا، أي اذكر لهم وقت الإغلال؛ ~~ليخالفوا وينزجروا، فهذه ثلاثة أوجه خيرها أوسطها. # قوله: " والسلاسل " العامة على رفعها، وفيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه معطوف على الأغلال. وأخبر عن النوعين بالجار، فالجال في ~~نية التأخير والتقدير: إذ الأغلال والسلاسل في أعنقاهم. # الثاني: أنه مبتدأ، والخبر محذوف لدلالة خبر الأول عليه. # الثالث: أنه مبتدأ أيضا، وخبره الجملة من قوله: " يسحبون " ولا ~~بد من ذكر ضمير يعود عليه منها، والتقدير: والسلاسل يسحبون ~~بها، حذف لقوة الدلالة عليه. # " فيسحبون " مرفوع المحل على هذا الوجه. وأما في الوجهين ~~المتقدمين فيجوز فيه النصب على الحال من الضمير المنوي في الجار، ويجوز ~~أن يكون مستأنفا. # وقرأ ابن عباس وابن مسعود وزيد بن علي وابن ~~وثاب، والحسن في اختياره " والسلاسل " نصبا يسحبون بفتح ~~الياء، مبنيا للفاعل، فيكون السلاسل مفعولا مقدما، ويكون قد عطف جملة ~~فعلية على جملة اسمية. # قال ابن عباس في معنى هذه القراءة: إذا كانوا يجرونها فهو أشد ~~عليهم يكلفون ذلك ولا يطيقونه. # وقرأ ابن عباس وجماعة " والسلاسل " بالجر يسحبون مبنيا ~~للمفعول وفيها ثلاثة تأويلات: # أحدها: الحمل على المعنى وتقديره إذ أعناقهم في الأغلال ~~والسلاسل فلما كان معنى الكلام على ذلك حمل عليه في العطف. # قال الزمخشري: ووجه إنه لو قيل: " إذ أعناقهم في الأغلال مكان ~~قوله: إذ الأغلال في أعناقهم " لكان صحيحا مستقيما، فلما كانتا ~~عبارتين معتقبتين، حمل قوله: " والسلاسل " (عليه) على العبارة ~~الأخرى. ونظيره: # 4347 مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة # ولا ناعب إلا ببين غرابها # كأنه قيل: بمصلحين. # وقرىء: بالسلاسل. وقال ابن عطية: تقديره: إذا أعناقهم في الأغلال ~~والسلاسل فعطف على المراد من الكلام لا على ترتيب اللفظ؛ إذ ترتيبه فيه ~~قلب، وهو على حد قول العرب: أدخلت القلنسوة في رأسي. # وفي مصحف أبي: وفي السلاسل يسحبونها. قال أبو حيان بعد قول ابن ~~عطية والزمخشري المتقدم: ويسمى هذا العطف على التوهم، إلا أن قولهم: ~~إدخال حرف الجر على مصلحين أقرب من تغيير تركيب الجملة بأسرها، والقراءة ~~من تغيير تركيب ms7616 الجملة السابقة بأسرها، ونظير ذلك قوله: # 4348 أجدك لن ترى بثعيلبات # ولا بيداء ناجية ذمولا # ولا متدارك والليل طفل # ببعض نواشغ الوادي حصولا # التقدير: لست براء ولا بمتدارك. # وهذا الذي قالاه سبقهما إليه الفراء فإنه قال: " من جر السلاسل ~~حمله على المعنى " ، إذ المعنى أعناقهم في الأغلال والسلاسل. # الوجه الثاني: أنه عطف على " الحميم " ، فقدم على المعطوف عليه وسيأتي ~~تقرير ذلك. # الثالث: أن الجر على تقدير إضمار الخافض ويؤيده قراءة أبي: " وفي ~~السلاسل " وقرأ غيره: وبالسلاسل وإلى هذا نحا الزجاج، إلا ~~أن ابن الأنباري رده وقال: لو قلت: " زيد في الدار " لم يحسن أن ~~تضمر " في " فتقول: زيد (في) الدار ثم ذكر تأويل الفراء وخرج القراءة ~~عليه. ثم قال: كما تقول: " خاصم عبد الله زيدا العاقلين " ، ~~بنصب " العاقلين " ورفعه؛ لأن أحدهما إذا خاصم صاحبه فقد خاصمه الآخر. # وهذه المسألة ليست جارية على أصول البصريين، ونصوا على منعها وإنما قال ~~بها من الكوفيين ابن (س)عدان. # وقال مكي: وقد قرىء: والسلاسل بالخفض على العطف على الأعناق، وهو ~~غلط؛ لأنه يصير الأغلال في الأعناق وفي السلاسل ولا معنى للأغلال في ~~السلاسل؟ # قال شهاب الدين: وقوله: على العطف على الأعناق ممنوع بل خفضه على ما ~~تقدم. وقال أيضا: وقيل: هو معطوف على " الحميم " وهو أيضا لا يجوز؛ لأن ~~المعطوف المخفوض، لا يتقدم على المعطوف عليه لو قلت: " مررت وزيد ~~بعمرو " لم يجز، وفي المرفوع يجوز، نحو: قام وزيد عمر، ويبعد ~~في المنصوب لا يحسن رأيت وزيدا عمرا، ولم يجزه في المخفوض ~~أحد. # قال شهاب الدين: وظاهر كلامه أنه يجوز في المرفوع منعه، وقد نصوا أنه لا ~~يجوز إلا ضرورة بثلاثة شروط: # أن لا يقع حرف العطف صدرا، وأن يكون العامل متصرفا، وأن لا يكون ~~المعطوف عليه مجرورا وأنشدوا: # 4349........................ # عليك ورحمة الله السلام # إلى غير ذلك من الشواهد مع تنصيصهم على أنه مختص بالضرورة. و " ~~السلاسل " معروفة، قال الراغب: " وتسلسل الشيء اضطرب كأنه ~~تصور منه تسلسل متردد فتردد لفظه تنبيها على تردد معناه. وماء سلسل ms7617 ~~متردد في مقره ". # والسحب: الجر بعنف، والسحاب من ذلك لأن الريح تجره، أو لأنه ~~يجر الماء، وسجرت التنور أي ملأته نارا وهيجتها، ومنه البحر ~~المسجور، أي المملوء، وقيل: المضطرب نارا، وقال الشاعر ( رحمة الله ~~عليه ): # 4350 إذا شاء طالع مسجورة # ترى حولها النبع والشوحطا # فمعنى قوله تعالى هنا: { ثم في النار يسجرون } أي يوقد بهم، ~~كقوله تعالى: # وقودها الناس والحجارة # [التحريم:6] والسجير: الخليل الذي يسجر في مودة خليله، ~~كقولهم: فلان يحترق في مودة فلان. # فصل # هذه كيفية عقابهم، والمعنى أنه يكون في أعناقهم أغلال وسلاسل ثم يسحبون ~~بتلك السلاسل في الماء المسخن بنار جهنم، ثم توقد بهم النار { ~~قيل لهم أين ما كنتم تشركون من دون الله } يعني ~~الأصنام { قالوا ضلوا عنا } أي فقدناهم وغابوا عن عيوننا فلا ~~نراهم، ثم قالوا: { بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا } ~~أنكروا، كقولهم في سورة الأنعام: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام:23] وقيل: معناه لم نكن ندعو من قبل شيئا يضر وينفع. وقال ~~الحسين بن الفضل: أي لم نكن نصنع من قبل شيئا أي ضاعت عبادتنا لها كما ~~يقول من ضاع عمله: " ما كنت أعمل شيئا ". # ثم قال تعالى: { كذلك يضل الله الكافرين } قال القاضي: ~~معناه أنه يضلهم عن طريق الجنة، ولا يجوز أن يقال: بضلهم عن الحجة، ~~وقد هداهم في الدنيا، وقال { يضل الله الكافرين } مثل ضلال ~~آلهتهم عنهم يضلهم عن آلهتهم حتى أنهم لو طلبوا الآلهة، أو طلبتهم الآلهة ~~لم يجد أحدهما الآخر. # قوله تعالى: { بما كنتم تفرحون } أي ذلكم العذاب الذي نزل ~~بكم { بما كنتم تفرحون } تبطرون وتأشرون { في الأرض ~~بغير الحق وبما كنتم تمرحون } تفرحون وتختالون. وقيل: ~~تفرحون من باب التجنيس المحرف، وهو أن يقع الفرق بين اللفظين بحرف. # قوله: { ادخلوا أبواب جهنم } أي السبعة المقسومة لكم { ~~خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين } المخصوص بالذم ~~محذوف؛ أي جهنم أو مثواكم، ولم يقل: فبئس مدخل؛ لأن الدخول لا يدوم ~~وإنما يدوم الثواء، فلذلك خصه بالذم، وإن كان أيضا مذموما. ### || [40.77-81] # قوله ms7618 تعالى: { فاصبر إن وعد الله حق } لما زيف ~~طريقة المجادلين في آيات الله تعالى أمر في هذه الآية رسوله بأن يصبر ~~على أذاهم بسبب جدالهم، ثم قال: { إن وعد الله حق }. والمراد ~~ما وعد الرسول نصرته، ومن إنزال العذاب على أعدائه. # قوله: { فإما نرينك } قال الزمخشري: أصله: فإن نرك و " ~~ما " مزيدة لتأكيد معنى الشرط، ولذلك ألحقت النون بالفعل، ألا تراك ~~تقول: " إن تكرمني أكرمك، ولكن إما تكرمني أكرمك ~~" قال أبو حيان: " وما ذكره من تلازم النون، وما الزائدة، ليس مذهب ~~سيبويه، إنما هو مذهب المبرد، والزجاج. # ونص سيبويه على التخيير، وقد تقدمت هذه القواعد مستوفاة. # قوله: { فإلينا يرجعون } ليس جوابا للشرط الأول، بل جوابا ~~لما عطف عليه. وجواب الأول محذوف. (قال الزمخشري: " فإلينا " متعلق ~~بقوله " نتوفينك " وجواب نرينك محذوف) تقديره: فإن نرينك بعض الذي ~~نعدهم من العذاب والقتل يوم بدر، فذاك؛ وإن " نتوفينك " قبل ~~يوم بدر " فإلينا يرجعون " فننتقم منهم أشد الانتقام. وقد ~~تقدم مثل هذا في سورة يونس. وبحث أبي حيان معه. # وقال أبو حيان ههنا: وقال: جواب " إما نرينك " محذوف؛ لدلالة ~~المعنى عليه أي فتقر عينك، ولا يصح أن يكون " فإلينا يرجعون " ~~جوابا للمعطوف عليه والمعطوف، لأن تركيب " فإما نرينك بعض الذي نعدهم ~~في حياتك فإلينا يرجعون " ليس بظاهر، وهو يصح أن يكون جواب " أو ~~نتوفينك " أي فإلينا يرجعون فننتقم منهم ونعذبهم، لكونهم ~~يتبعوك. # ونظير هذه الآية قوله تعالى: # فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون أو ~~نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون # [الزخرف:41 و42]. إلا أنه هنا صرح بجواب الشرط، قال شهاب الدين: وهذا ~~بعينه هو قول الزمخشري. وقرأ السلمي ويعقوب: يرجعون ~~بفتح ياء الغيبة مبنيا للفاعل، وابن مصرف ويعقوب أيضا بفتح ~~الخطاب. # قوله: { منهم من قصصنا } يجوز أن يكون " منهم " صفة " ~~لرسولا " فيكون " من قصصنا " فاعلا لاعتماده ويجوز أن يكون ~~خبرا مقدما، و " من " مبتدأ مؤخر. # ثم في الجملة وجهان: # أحدهما: الوصف " لرسلا " وهو الظاهر. # والثاني: الاستئناف. # فصل # معنى الآية قال لمحمد ( صلى الله عليه وسلم ms7619 )، أنت كالرسل من قبلك وقد ~~ذكرنا حال بعضهم لك ولم نذكر حال الباقين وليس فيهم أحد أعطاه الله آيات ~~ومعجزات، إلا وقد جادله قومه فيها وكذبوه فصبروا، وكانوا أبدا ~~يقترحون على الأنبياء إظهار المعجزات الزائدة على الحاجة عنادا وعبثا، ~~{ وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله } ~~، والله تعالى علم الصلاح في إظهار ما أظهروه، فلم يقدح ذلك في ~~نبوتهم، فكذلك الحال في اقتراح قومك عليك المعجزات الزائدة لما لم ~~يكن إظهارها صلاحا لا جرم ما أظهرناها. # ثم قال: { فإذا جآء أمر الله قضي بالحق } أي فإذا ~~جاء قضاء الله بين الأنبياء والأمم قضي بالحق { وخسر هنالك ~~المبطلون } وهم المعاندون الذين يجادلون في آيات الله فيقترحون ~~المعجزات الزائدة على قدر الحاجة تعنتا وعبثا. # قوله تعالى: { الله الذي جعل لكم الأنعام... } الآية. ~~لما ذكر الوعيد عاد إلى ذكر ما يدل على وجود الإله القادر ~~الحكيم، وإلى ذكر ما يصلح أن يعد إنعاما على العباد. # قال الزجاج: " الأنعام الإبل (خاصة) " ، وقال القاضي: هي الأزواج ~~الثمانية. وقوله: " منها.... ومنها ". # " من " الأولى يجوز أن تكون للتبعيض، إذ ليس كلها تركب، ~~ويجوز أن تكون لابتداء الغاية إذ المراد بالأنعام شيء خاص هي الإبل، ~~قال الزجاج: " لأنه لم يعهد المركوب غيرها ". # وأما الثانية فكالأولى. وقال ابن عطية: هي لبيان الجنس قال: لأن الخيل ~~منها ولا تؤكل. # فإن قيل: ما السبب في إدخال لام العوض على قوله: " لتركبوا " ~~وعلى قوله: " لتبلغوا " ولم يدخل على البواقي؟. # فالجواب: قال الزمخشري: الركوب في الحج والغزو إما أن يكون واجبا أو ~~مندوبا، وأيضا ركوبها لأجل حاجتهم، وهي الانتقال من بلد إلى بلد آخر ~~لطلب علم أو إقامة دين يكون إما واجبا أو مندوبا فهذان القسمان أغراض ~~دينية، فلا جرم أدخل عليها حرف التعليل نظيره قوله تعالى: # والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة # [النحل:8] فأدخل حرف التعليل على " الركوب " ولم يدخله على ~~الزينة. # قوله { لتركبوا منها } أي بعضها { ومنها تأكلون ~~ولكم فيها منافع } أي في أصوافها وأوبارها وأشعارها وألبانها { ~~ولتبلغوا عليها حاجة ms7620 في صدوركم } لحمل أثقالكم من ~~بلد إلى بلد. قوله: { وعليها وعلى الفلك تحملون } أي ~~على الإبل في البر، وعلى السفن في البحر. # فإن قيل: لم لم يقل: في الفلك، كما قال: # قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين # [هود:40]؟. # فالجواب: كلمة على للاستعلاء، فالشيء يوضع على الفلك كما صح أن ~~يقال: وضع فيه صح أن يقال: وضع عليه ولما صح الوجهان كانت لفظة " على ~~" أولى حتى يتم المزاوجة في قوله: { وعليها وعلى الفلك تحملون }. # وقال بعضهم: إن لفظة " في " هناك أليق؛ لأن سفينة نوح على ما قيل ~~كانت مطبقة عليهم وهي محيطة بهم كالوعاء، وأما غيرها فالاستعلاء فيه ~~واضح، لان الناس على ظهرها. # قوله: { ويريكم آياته } دلائل قدرته، وقوله: { فأي آيات ~~الله } منصوب ب " تنكرون " وقدم وجوبا لأن له صدر الكلام. قال ~~مكي: ولو كان مع الفعل هاء لكان الاختيار الرفع في أي بخلاف ألف ~~الاستفهام تدخل على الاسم، وبعدها فعل واقع على ضمير الاسم فالاختيار ~~النصب نحو قولك: أزيدا ضربته، هذا مذهب سيبويه فرق بين الألف ~~وبين " أي " يعني أنك إذا قلت: أيهم ضربت؟ كان الاختيار الرفع؛ ~~لأنه لا يحوج إلى إضمار مع أن الاستفهام موجود وفي: " أزيدا ~~ضربته " يختار النصب لأجل الاستفهام فكان مقتضاه اختيار النصب أيضا ~~فيما إذا كان الاستفهام بنفس الاسم، والفرق عسر. # وقال الزمخشري: " فأي آيات " جاءت على اللغة المستفيضة وقولك: فأية ~~آيات الله قليلة؛ لأن التفرقة بين المذكر والمؤنث في الأسماء غير ~~الصفات، نحو: حمار، وحمارة غريب، وهو في أي أغرب (لإبهامه) قال أبو ~~حيان (رحمة الله عليه): ومن قلة تأنيث أي قوله: # 4351 بأي كتاب أم بأية سنة # ترى حبهم عارا علي وتحسب # وقوله: وهو في " أي " أغرب إن عنى " أيا " على الإطلاق فليس بصحيح؛ ~~لأن المستفيض في النداء أن يؤنث في نداء المؤنث كقوله تعالى: # يأيتها النفس المطمئنة # [الفجر:27] ولا نعلم أحدا ذكر تذكيرها فيه فيقول: يأيها المرأة، ~~إلا صاحب البديع في النحو. وإن عنى غير المناداة فكلامه صحيح يقل ~~تأنيثها في ms7621 الاستفهام، وموصولة شرطية. # قال شهاب الدين: أما إذا وقعت صفة لنكرة أو حالا لمعرفة فالذي ينبغي ~~أن يجوز الوجهان كالموصولة ويكون التأنيث أقل نحو: مررت بامرأة ~~أية امرأة، وجاءت هند أية امرأة وكان ينبغي لأبي ~~حيان أن ينبه على هذين الفرعين. # فصل # معنى قوله { فأي آيات الله تنكرون } أي هذه الآيات التي ~~عددناها كلها ظاهرة باهرة ليس في شيء منها ما يمكن إنكاره. ### || [40.82-85] # قوله تعالى: { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف ~~كان عاقبة الذين من قبلهم... } معناه أن هؤلاء الكفار ~~الذين يجادلون في آيات الله وحصل الكبر العظيم في صدورهم، إنما كان ~~السبب في ذلك طلب الرياسة والتقديم على الغير في المال والجاه ومن ترك ~~الانقياد على الحق طلبا لهذه الأشياء فقد باع الآخرة بالدنيا وهذه طريقة ~~فاسدة؛ لأن الدنيا ذاهبة واحتج بقوله تعالى: { أفلم يسيروا في ~~الأرض... } يعني لو ساروا في أطراف الأرض لعرفوا أن عاقبة المتكبرين ~~والمتمردين ليس إلا الهلاك والبوار مع أنهم كانوا أكثر عددا ~~وعددا ومالا من هؤلاء المتأخرين، فلما لم تفدهم تلك المكنة ~~العظيمة إلا الخيبة والخسار فكيف حال هؤلاء الفقراء المساكين؟!. # قوله: { فما أغنى عنهم } يجوز في " ما " أن تكون نافية واستفهامية بمعنى ~~النفي، ولا حاجة إليه وقوله " ما كانوا " يجوز أن يكون " ما " مصدرية، ~~ومحلها الرفع أي مكسوبهم أو كسبهم ويجوز أن يكون بمعنى الذي ~~فلا عائد على الأول وعلى الثاني هو محذوف أي يكسبونه وهي فاعل " بأغنى ~~" على التقديرين. # قوله: { بما عندهم من العلم } فيه أوجه: # أحدها: أنه تهكم بهم، والمعنى ليس عندهم علم. # الثاني: أن ذلك جاء على زعمهم أن عندهم علما ينتفعون به. # الثالث: أن " من " بمعنى بدل أي بما عندهم من الدنيا بدل العلم. # الرابع: أن يكون الضمير للرسل، أي فرح الرسل بما عندهم من العلم. # الخامس: أن الأول للكفار، وأما الثاني للرسل، ومعناه فرح الكفار فرح ~~ضحك واستهزاء بما عند الرسل من العلم؛ إذ لم يأخذوه بقبول ويمتثلوا ~~أوامر الوحي ونواهيه. وقال الزمخشري: ومنها أي من الوجوه ms7622 أن يوضع ~~قوله: فرحوا بما عندهم من العلم مبالغة في نفي فرحهم ~~بالوحي الموجب لأقصى الفرح والمسرة مع تهكم بفرط خلوهم من العلم ~~وجهلهم. # قال أبو حيان: ولا يعبر بالجملة الظاهر كونها مثبتة عن الجملة المنفية ~~إلا في قليل من الكلام، نحو: " شر أهر ذا ناب " على خلاف فيه، ولما ~~آل أمره إلى الإثبات المحصور جاز. وأما في الآية فينبغي أن لا يحمل على ~~القليل لأن في ذلك تخليطا لمعاني الجمل المتباينة. # فصل # قال المفسرون: الضمير في قوله: " فرحوا " يحتمل أن يكون عائدا على ~~الكفار وأن يكون عائدا إلى الرسل فإن عاد إلى الكفار، فذلك العلم الذي ~~فرحوا به قيل: هو الأشياء التي كانوا يسمونها علما، وهي الشبهات ~~المحكية عنهم في القرآن، كقولهم: # وما يهلكنآ إلا الدهر # [الجاثية:24] وقولهم: # لو شآء الله مآ أشركنا ولا آباؤنا # [الأنعام:148] وقولهم: # من يحيي العظام وهي رميم # [يس:78] # ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها ~~منقلبا # [الكهف:36] وكانوا يفرحون بذلك ويدفعون به علوم الأنبياء، كما قال: # كل حزب بما لديهم فرحون # [المؤمنون:53] و [الروم:32] وقيل: المراد علوم الفلاسفة فإنهم كانوا إذا ~~سمعوا بوحي الله دفعوه وصغروا علوم الأنبياء عن علومهم كما روي عن ~~سقراط أن سمع بمجيء أحد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقيل له: لو ~~هاجرت إليه فقال: نحن قوم مهتدون فلا حاجة بنا إلى من يهدينا. وقيل: ~~المراد علمهم بأمور الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها، كقوله تعالى: # يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن ~~الآخرة هم غافلون # [الروم:7] # ذلك مبلغهم من العلم # [النجم:30] فلما جاءت الرسل بعلوم الديانات ومعرفة الله تعالى، ومعرفة ~~المعاد وتطهير النفس من الرذائل لم يلتفتوا إليها واستهزأوا بها، ~~واعتقدوا أنه لا علم أنفع وأجلب للفائدة من علمهم ففرحوا به. # وإن عاد الضمير إلى الأنبياء ففيه وجهان: # الأول: أن يفرح الرسل إذا رأوا من قومهم جهلا كاملا وإعراضا ~~عن الحق وعلموا سوء غفلتهم وما يلحقهم من العقوبة على جهلهم ~~وإعراضهم يفرحوا بما أوتوا من العلم، ويشركوا الله عليه " وحاق " ~~بالكافرين جزاء جهلهم ms7623 واستهزائهم. # الثاني: أن المراد أن الرسل فرحوا بما عندهم من العلم فرح ضحك ~~واستهزاء. # قوله: { فلما رأوا بأسنا } أي عذابنا { قالوا آمنا ~~بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين } أي ~~تبرأنا مما كنا نعدل بالله، البأس: شدة العذاب، ومنه قوله تعالى: # بعذاب بئيس # [الأعراف:165]. قوله: { فلم يك ينفعهم إيمانهم } يجوز ~~رفع " إيمانهم " اسما لكان، و " ينفعهم " جملة خبرا مقدما، ~~ويجوز أن يرتفع بأنه فاعل ينفعهم، وفي كان ضمير الشأن. # وقد تقدم هذا محققا في قوله: # ما كان يصنع فرعون # [الأعراف:137] وأنه ليس من باب التنازع. ودخل حرف النفي على الكون لا ~~على النفي؛ لأنه بمعنى لا يصح ولا ينبغي، كقوله تعالى: # ما كان لله أن يتخذ من ولد # [مريم:35]. # واعلم أن المراد بالوقت الذي لا ينفع الإيمان فيه هو وقت معاينة نزول ~~ملائكة الرحمة وملائكة العذاب لأن في ذلك الوقت يصير المرء ملجأ إلى ~~الإيمان فذلك الإيمان لا ينفع. # قوله: { سنة الله } يجوز انتصابها على المصدر المؤكد لمضمون ~~الجملة يعني إن الذي فعل الله بهم سنة سابقة من الله، ويجوز انتصابها على ~~التحذير، أي احذروا سنة الله في المكذبين { التي قد خلت في عباده } ، ~~وتلك السنة أنهم إذا عاينوا العذاب آمنوا ولا ينفعهم إيمانهم { وخسر ~~هنالك الكافرون } " هنالك " في الأصل مكان. قيل: واستعير ~~هنا للزمان، ولا حاجة فالمكانية فيه ظاهرة، أي وخسر هنالك الكافرون ~~بذهاب الدارين. # قال الزجاج: " الكافر خاسر في كل وقت، وإنما يبين لهم خسرانهم ~~إذا رأوا العذاب ". # فصل # قال ابن سيرين: رأى رجل في المنام سبع جوار حسان في مكان واحد لم ~~ير أحسن منهن فقال لهن: لمن أنتن؟ فقلن: لمن ~~قرأ آل حم. # (اللهم وفقنا لكتابك) (والله سبحانه وتعالى أعلم). ### | [41 - سورة فصلت] ### || [41.1-5] # قوله تعالى: حم تنزيل من الرحمن الرحيم يجوز أن يكون " تنزيل " خبر " حم ~~" على القول بانها اسم السورة،. ويجوز أن يكون تنزيل خبر ابتداء مضمر، أي ~~هذا تنزيل. وقال الأخفش: تنزيل رفعت بالابتداء و " كتاب " خبره. # قوله: " كتاب " قد تقدم أنه يجوز ms7624 أن يكون خبرا لتنزيل، ويجوز أن ~~يكون خبرا ثانيا، وأن يكون بدلا من تنزيل، وأن يكون فاعلا بالمصدر، ~~وهو تنزيل أي نزل الكتاب، قاله أبو البقاء. و { فصلت آياته } صفة ~~" لكتاب ". # قوله: " قرآنا " في نصبة ستة أوجه: # أحدها: هو حال بنفسه. و " عربيا " صفته، أو حال موطئة، والحال ~~في الحقيقة " عربيا " وهي حال غير متنقلة وصاحب الحال إما كتاب لوصفه ~~بفصلت، وما " آياته " ، أو منصوب على المصدر، أي يقرأه قرآنا أو على ~~الاختصاص والمدح، أو مفعول ثان " لفصلت " ، أو منصوب بتقدير فعل، أي ~~فصلناه قرآنا. # قوله: " لقوم " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يتعلق " بفصلت " أي فصلت لهؤلاء وبينت لهم؛ لأنهم هم ~~المنتفعون بها وإن كانت مفصلة في نفسها لجميع الناس. # الثاني: أن يتعلق بمحذوف صفة " لقرآنا " , أي كائنا لهؤلاء خاصة؛ لما ~~تقدم من المعنى. # الثالث: أن يتعلق بتنزيل. وهذا إذا لم تجعل " من الرحمن " صفة له؛ ~~لأنك إن جعلت " من الرحمن " صفة له، فقد أعملت المصدر الموصوف وإذا لم ~~يكن " كتاب " خبرا عنه، ولا بدلا منه؛ لئلا يلزم الإخبار عن الموصول أو ~~المبدل منه قبل تمام صلته، ومن يتسع في الظرف وعديله لم يبال بشيء. # وأما إذا جعلت " من الرحمن " متعلقا به و " كتاب " فاعلا به فلا ~~يضر ذلك؛ لأنه من تتماته وليس بأجنبي. # فصل # اعلم أنه تعالى حكم على هذه السورة بأشياء: # أولها: كونها تنزيلا، والمراد المنزل، والتعبير عن المفعول بالمصدر ~~مجاز مشهور، كقوله: هذا بناء الأمير أي مبنيه، وهذا الدرهم ضرب ~~السلطان (أي مضروبه) ومعنى كونه منزلا: أن الله كتبها في اللوح ~~المحفوظ، وأمر جبريل، عليه (الصلاة) والسلام أن يحفظ الكلمات ثم ينزل ~~بها على النبي محمد صلى الله عليه وسلم ويؤديها إليه، فلما حصل ~~تفهيم هذه الكلمات بواسطة نزول جبريل عليه (الصلاة) والسلام سمي ~~بذلك تنزيلا. # وثانيها: كون ذلك التنزيل من الرحمن الرحيم، وذلك يدل على أن ذلك ~~التنزيل نعمة عظيمة من الله تعالى، لأن الفعل المقرون بالصفة لا بد وأن ~~يكون مناسبا لتلك الصفة، فكونه تعالى ms7625 رحمن رحيما صفتان دالتان على كمال ~~الرحمة، فالتنزيل المضاف إلى هاتين الصفتين لا بد وأن يكون دالا على ~~أعظم وجوه الرحمة والنعمة والأمر كذلك؛ لأن الخلق في هذا العالم ~~كالمرضى والمحتاجين، والقرآن مشتمل على كل ما يحتاج إليه المرضى من ~~الأدوية، وعلى ما يحتاج إليه الأصحاء من الأغذية، فكان أعظم النعم من ~~الله تعالى على أهل هذا العالم إنزال القرآن عليهم. # وثالثها: كونه كتابا، وتقدم أن هذا الاسم مشتق من الكتب وهو الجمع، ~~فسمي كتابا لأنه جمع فيه علم الأولين والآخرين. # ورابعها: قوله فصلت آياته، أي ميزت وجعلت تفاصيل في معان مختلفة ~~فبعضها وصف ذات الله، وصفات التنزيه والتقديس وشرح كمال علمه وقدرته ~~ورحمته وعجائب أصول خلقه من السموات والكواكب وتعاقب الليل والنهار، ~~وعجائب أحوال النبات والحيوان وبعضها في المواعظ والنصائح، وبعضها في ~~تهذيب الأخلاق ورياضة النفس، وبعضها في قصص الأنبياء وتواريخ الماضين، ~~وبالجملة فمن أنصف علم أنه ليس في بدء الخلق كتاب اجتمع فيه من العلوم ~~المختلفة مثل ما في القرآن. # وخامسها: قوله: قرآنا وقد سبق توجيه هذا الاسم. # وسادسها: قوله عربيا أي إنما نزل بلغة العرب، ويؤكده قوله تعالى: # ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه # [إبراهيم:4]. # وسابعها: قوله " لقوم يعلمون " أي جعلناه قرآنا لأجل أنا أنزلناه ~~على قوم عرب بلغتهم ليفهموا منه المراد. # وثامنها وتاسعها: قوله " بشيرا ونذيرا " يجوز أن يكونا نعتين لقرآنا، ~~وأن يكونا حالين؛ إما من كتاب وإما من آياته، وإما من الضمير المنوي في ~~قرآنا. وقرأ زيد بن علي برفعهما على النعت لكتاب، أو على خبر ابتداء ~~مضمر، أي هو بشير ونذير، ومعناه بشيرا للمطيعين بالثواب ونذيرا ~~للمجرمين بالعقاب. # قال ابن الخطيب: والحق أن القرآن بشارة ونذارة إلا أنه أطلق اسم ~~الفاعل عليه للتنبيه على كونه كاملا في هذه الصفة كما يقال: شعر شاعر ~~وكلام قائل. # عاشرها: كونهم معرضين عنه لا يسمعونه ولا يتلفتون إليه، فهذه الصفات ~~العشرة التي وصف الله تعالى القرآن بها. # فصل # احتج القائلون بخلق القرآن بهذه الآية من وجوه: # الأول: ms7626 أنه وصف القرآن بكونه منزلا وتنزيلا، والمنزل ~~والتنزيل مشعر بالتغيير من حال إلى حال فوجب أن يكون مخلوقا. # الثاني: أن التنزيل مصدر، والمصدر هو المفعول المطلق باتفاق النحويين. # الثالث: أن المراد بالكتابة إما الكتابة، وهي المصدر الذي هو المفعول ~~المطلق وإما المكتوب الذي هو المفعول. # الرابع: أن قوله: " فصلت آياته " (بدل) على أن متصرفا يتصرف فيه ~~بالتفصيل وذلك لا يليق بالقديم. # الخامس: أنه إنما سمي قرآنا، لأنه قرن بعض أجزائه ببعض وذلك يدل على ~~كونه مفعول فاعل ومجعول جاعل. # السادس: وصفه بكونه " عربيا " ، وإنما صحت هذه النسبة لأن هذه الألفاظ ~~إنما دلت على هذه المعاني بحسب وضع العرب، واصطلاحاتهم، وما حصل بجعل ~~جاعل وفعل فاعل فلا بد وأن يكون محدثا ومخلوقا. # والجواب: أن كل هذه الوجوه المذكورة عائدة إلى اللغات وإلى الحروف ~~والكلمات وهي حادثة. # فصل # ذهب قوم إلى أن القرآن من سائر اللغات كالإستبرق والسجيل فإنهما ~~فارسيان والمشكاة فإنها حبشية، والقسطاس، فإنه من لغة الروم، وهذا ~~فاسد لقوله تعالى: " قرآنا عربيا " ، وقوله: # ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه # [إبراهيم:4]. # فصل # قالت المعتزلة: الإيمان والكفارة والصلاة والزكاة والصوم والحج، ألفاظ ~~شرعية لا لغوية بمعنى أن الشرع نقل هذه الألفاظ عن مسمياتها ~~اللغوية الأصلية إلى مسميات أخرى. وهذا باطل، وليس للشرع تصرف في ~~هذه الألفاظ إلا من وجه واحد، وهو أنه خصص هذه الأسماء بنوع معين ~~من أنواع مسمياتها، كما أن الإيمان عبارة عن التصديق والصلاة عبارة ~~عن الدعاء، فخصصه الشرع بنوع معين من الدعاء، وكذا القول في البواقي. # فصل # تمسك القائلون بأن أفعال الله تعالى معللة بالمصالح والحكمة بهذه ~~الآية فقالوا: إنها تدل على أنه إنما جعله قرآنا عربيا لأجل أن يعلموا ~~المراد منه، فدل على أن تعليل أفعال الله وأحكامه جائز. # فصل # قال قوم: القرآن كله معلوم لقوله تعالى: قرآنا عربيا لقوم يعلمون يعني ~~إنما جعلناه عربيا ليصير معلوما والقول بأنه غير معلوم يقدح فيه. # قوله: { فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون } لا يصغون ~~تكبرا. وهذه الآية تدل على ms7627 أنه لا مهتدي إلا من هداه الله، ولا ~~مضل إلا من أضله الله. ولما وصف الله تعالى القرآن بأنهم أعرضوا عنه ~~ولم يلتفتوا إليه بين أنهم صرحوا بهذه النفرة، وذكروا ثلاثة أشياء: # أحدها: قوله: " في أكنة " ، قال الزمخشري: فإن قلت: هلا قيل: ~~على قلوبنا أكنة، كما قيل: وفي آذاننا وقر ليكون الكلام على نمط ~~واحد؟ قلت: هو على نمط واحد؛ لأنه لا فرق في المعنى بين قولك: قلوبنا في ~~أكنة، وعلى قلوبنا أكنة، والدليل عليه قوله تعالى: (إنا) جعلنا على ~~قلوبهم، ولو قيل: جعلنا قلوبهم في أكنة لم يختلف المعنى، وترى ~~المطابيع منه لا يرون الطباق (والملاحظة) إلا في المعاني. # قال أبو حيان: و " في " هنا أبلغ من على، لأنهم قصدوا الإفراط في عدم ~~القبول بحصول قلوبهم في أكنة احتوت عليها احتواء الظرف على المظروف، فلا ~~يمكن أن يصل إليها شيء كما تقول: المال في الكيس بخلاف قولك: المال ~~على الكيس، فإنه لا يدل على الحصر، وعدم الوصول دلالة الوعاء، وأما " ~~وجعلنا " فهو من إخبار الله تعالى فلا يحتاج إلى مبالغة. # وتقدم تفسير الأكنة والوقر. # وقرأ طلحة بن مصرف وقر بكسر الواو وتقدم الفرق بينهما. # قوله: " مما تدعونا " من في " مما " وفي " ومن بيننا " ~~لابتداء الغاية والمعنى أن الحجاب ابتداء منا وابتداء منك فالمسافة ~~المتوسطة جهتنا وجهتك مستوعبة بالحجاب لا فراغ فيها، فلو لم تأت " من ~~" لكان المعنى أن حجابا حاصل وسط الجهتين. # والمقصود المبالغة بالتباين المفرط، فلذلك جيء بمن قاله الزمخشري. ~~وقال أبو البقاء: هو محصول على المعنى؛ لأن المعنى في أكنة محجوبة عن ~~سماع ما تدعونا إليه. ولا يجوز أن يكون نعتا لأكنة؛ لأن الأكنة ~~الأغشية، وليس الأغشية مما تدعونا إليه. # فصل # وقالوا: يعنى المشركين قلوبنا في أكنة أغطية، والأكنة جمع كنان، كأغطية ~~جمع غطاء، والكنان هو الذي جعل فيه السهام، والمعنى لا نفقه ما تقول، ~~وفي آذاننا وقر أي صمم فلا نسمع ما تقول، والمعنى: إنا في ترك القبول ~~عنك بمنزلة من لا يفهم ولا يسمع ومن ms7628 بيننا وبينك حجاب، خلاف في الدين، ~~فلا نوافقك على ما تقول فاعمل أنت على دينك إنا عاملون على ديننا. ### || [41.6-12] # قوله تعالى: { قل إنمآ أنا بشر } قرأ ابن وثاب والأعمش: " ~~قال " فعلا ماضيا خبرا عن الرسول. والرسم يحتملهما. وقد تقدم مثل ~~هذا في الأنبياء وآخر المؤمنين. وقرأ الأعمش والنخعي يوحي بكسر ~~الحاء؛ أي الله تعالى، والمعنى إنما أنا بشر مثلكم أي كواحد منكم لولا ~~الوحي ما دعوتكم { أنمآ إلهكم إله واحد } قال الحسن ~~ رضي الله عنه علمه الله التواضع. # قوله: { فاستقيموا إليه } عدي بإلى؛ لتضمنه معنى ~~توجهوا والمعنى وجهوا استقامتكم إليه بالطاعة ولا تميلوا عن ~~سبيله " واستغفروه " من ذنوبكم. # قوله: { وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة ~~} قال ابن عباس رضي الله عنهما : الذي لا يقولون لا إله إلا الله، وهي ~~زكاة الأنفس. والمعنى لا يطهرون أنفسهم من الشرك بالتوحيد، وهو ~~مأخوذ من قوله: " ونفس وما زكاها ". وقال الحسن وقتادة: لا ~~يقرون بالزكاة ولا يرون إيتاءها واجبا. وكان يقال: الزكاة قنطرة ~~الإسلام، فمن قطعها نجا، ومن تخلف عنها هلك. وقال الضحاك ومقاتل: لا ~~ينفقون في الطاعة ولا يتصدقون، وقال مجاهد: لا يزكون أعمالهم { وهم ~~بالآخرة هم كافرون }. # فصل # احتج من قال: إن الكفار مخاطبون بفروع الإسلام بهذه الآية، فقالوا: إنه ~~تعالى توعدهم بأمرين: # أحدهما: كونهم مشركين. # والثاني: لا يؤتون الزكاة، فوجب أن يكون لكل واحد من هذين تأثير عظيم في ~~حق وصول الوعيد، وذلك يدل على أن لعدم ايتاء الزكاة من المشرك تأثير عظيم ~~في زيادة الوعيد وهو المطلوب. # فصل # احتج بعضهم على أن مانع الزكاة كافر بهذه الآية فقال: إن الله تعالى لما ~~ذكر هذه الصفة ذكر قبلها ما يوجب الكفر وهو قوله: " وويل ~~للمشركين " وذكر بعدها ما يوجب الكفر وهو قوله: { وهم ~~بالآخرة هم كافرون } فلو لم يكن منع الزكاة كفرا لكان ذكره ~~فيما بين الصفتين الموجبتين للكفر قبيحا؛ لأن الكلام إنما يكون فصيحا ~~إذا كانت المناسبة مرعية بين أجزائه، ثم أكدوا ذلك بأن أبا بكر الصديق ~~رضي الله ms7629 عنه حكم بكفر مانعي الزكاة. قال ابن الخطيب: والجواب أنه ثبت ~~بالدليل أن الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، وهما ~~حاصلان عند عدم إيتاء الزكاة، فلم يلزم حصول الكفر بسبب عدم إيتاء ~~الزكاة والله أعلم. # قوله: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم ~~أجر غير ممنون } قال ابن عباس رضي الله عنهما غير مقطوع، ~~من قولك: مننت الحبل أي قطعته، ومنه قولهم: " قد منه السفر " ~~أي قطعه وأنشدوا: # 4352 فضل الجواد على الخيل البطاء فلا # يعطي بذلك ممنونا ولا نزقا # وقال مقاتل: غير منقوص، ومنه المنون لأنه ينقص منة الإنسان وقوته، ~~وأنشدوا لذي الإصبع العدواني: # 4353 إني لعمرك ما بابي بذي غلق # على الصديق ولا خيري بممنون # وقيل: غير ممنون به عليهم؛ لأن عطاء الله لا يمن به إنما يمن ~~المخلوق. وقال مجاهد: غير محسوب وقال السدي: نزلت هذه الآية في ~~المرضى والزمنى والهزمى إذا عجزوا عن الطاعة يكتب لهم الأجر ~~كأصح ما كانوا يعملون فيه. # روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " إن العبد إذا كان على طريقة حسنة من العبادة ثم مرض، قيل للملك ~~الموكل به: اكتب له مثل عمله إذا كان طليقا حتى أطلقه أو اكفته إلي ~~". # قوله تعالى: { قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق ~~الأرض في يومين } الآية قرأ ابن كثير أينكم لتكفرون بهمزة ~~وبعدها ياء محققة ساكنة بلا مد والباقون ممدودا مشدد النون. وهو ~~استفهام بمعنى الإنكار، أي كيف تكفرون بالله، وكيف يجوز جعل هذه الأنداد ~~الخسيسة أندادا لله مع أنه تعالى خلق الأرض في يومين، وهما يوم الأحد ~~ويوم الاثنين، وتمم بقية مصالحها في يومين آخرين وخلق السموات بأسرها في ~~يومين آخرين، فمن قدر على خلق هذه الأشياء العظيمة كيف يعقل الكفر به، ~~وإنكار قدرته على الحشر والنشر؟. # فإن قيل: من استدل بشيء على إثبات شيء فذلك الشيء المستدل به يجب أن ~~يكون مسلما عند الخصم حتى يصح الاستدلال به، وكونه تعالى خالقا للأرض ~~في ms7630 يومين أمر لا يمكن إثباته بالعقل المحض إنا يمكن إثباته بالسمع ووحي ~~الأنبياء والكفار كانوا منازعين في الوحي والنبوة، فلا يعقل تقرير ~~المقدمة عليهم، وإذا امتنع تقريرها عليهم امتنع الاستدلال بها على فساد ~~مذاهبهم. # فالجواب: إثبات كون السموات والأرض مخلوقة بالعقل ممكن، وإذا أمكن ~~ذلك أمن الاستدلال به على وجود الإله القادر القاهر العظيم. وحينئذ يقال: ~~الكافر كيف يعقل التسوية بين الإله الموصوف بهذه القدرة القادرة وبين ~~الصنم الذي هوة جماد لا يضر ولا ينفع في المعبودية والإلهية؟ بقي أن ~~يقال: فحينئذ لا يبقى في الاستدلال بكونه تعالى خالقا للأرض في يومين ~~أثر. قال ابن الخطيب: بل له أثر في هذا الباب، وذلك أن التورية مشتملة ~~على هذا المعنى، فكان ذلك في غاية الشهرة بين أهل الكتاب فكفار مكة كانوا ~~يعتقدون في أهل الكتاب أنهم أصحاب العلوم، والظاهر أنهم كانوا قد سمعوا ~~من أهل الكتاب هذه المعاني فاعتقدوا كونها حقا، وإذا كان الأمر كذلك ~~حسن أن يقال لهم: إن الإله الموصوف بالقدرة على خلق هذه الأشياء ~~العظيمة في هذه المدة اللطيفة كيف يليق بالعقل جعل الخشب المنجور والحجر ~~المنحوت شريكا له في المعبودية والإلهية؟! فبهذا التقدير حسن الاستدلال. # قوله: " وتجعلون له " عطف على " لتكفرون " فهو داخل في ~~حيز الاستفهام وقوله: { ذلك رب العالمين } أي ذلك الموجود ~~الذي علمت من صفته وقدرته أن خلق الأرض في يومين (هو رب العالمين ~~وخالقهم ومبدعهم فكيف أثبتم له أندادا من الخشب والحجر؟ ثم إنه تعالى ~~لما أخبر عن كونه خالقا للأرض في يومين) ثم أخبر أنه أتى بثلاثة أنواع ~~من الصنع العجيب والفعل البديع بعد ذلك، فالأول قوله: { وجعل ~~فيها رواسي } وهذا مستأنف ولا يجوز عطفه على صلة الموصول، للفصل ~~بينهما بأجنبي، وهو قوله: " وتجعلون " فإنه معطوف على قوله: " ~~لتكفرون " كما تقدم. # والمراد بالرواسي الجبال. # فإن قيل: ما الفائدة في قوله: " من فوقها " ولم يقتصر على قوله { ~~وجعل فيها رواسي } كما اقتصر على قوله # وجعلنا فيها رواسي شامخات # [المرسلات:27] وقوله # وجعلنا في الأرض رواسي ms7631 # [الأنبياء:31] وقوله: # وجعل فيها رواسي # [الرعد:3]. # فالجواب: أنه تعالى لو جعل فيها رواسي من تحتها لأوهم ذلك أن تلك ~~الأساطين التحتانية هي التي أمسكت هذه الأرض الثقيلة عن النزول، ~~ولكنه تعالى قال: خلقت هذه الجبال الثقال فوق الأرض ليرى الإنسان ~~بعينه أن الأرض والجبال أثقال وكلها مفتقرة إلى ممسك وحافظ وما ~~ذاك الحافظ المدبر إلا الله سبحانه وتعالى. # النوع الثاني: قوله " وبارك فيها " أي في الأرض بما خلق من البحار ~~والأنهار والأشجار والثمار. قال ابن عباس رضي الله عنهما : يريد شق ~~الأنهار، وخلق الجبال وخلق الأشجار والنار، وخلق أصناف الحيوانات، وكل ما ~~يحتاج إليه من الخيرات. # النوع الثالث: قوله { وقدر فيهآ أقواتها } قيل: المعنى وقدر ~~فيها أقوات أهلها ومعايشهم وما يصلحهم وقال محمد بن كعب: قدر أقوات ~~الأبدان قبل أن يخلق الأبدان. وقال مجاهد: وقدر فيها أقواتها من المطر. ~~وعلى هذا فالأقوات للأرض لا للسكان، والمعنى أن الله عز وجل قدر لكل ~~أرض حظها من المطر. وقيل المراد من إضافة القوت إلى الأرض كونها ~~متولدة في تلك الأرض وحادثة فيها؛ لأن النحاة قالوا في حسن الإضافة أدنى ~~سبب فالشيء قد يضاف إلى فاعله تارة، وإلى محله أخرى، فقوله { وقدر فيها ~~أقواتها } أي قدر الأقوات التي يختص حدوثها بها، وذلك لأنه تعالى جعل كل ~~بلدة معدنا لنوع آخر من الأشياء المطلوبة بمعنى أن أهل هذه البلدة ~~يحتاجون إلى الأشياء المتولدة في ذلك البلد وبالعكس فصار هذا المعنى ~~سببا لرغبة الناس في التجارات واكتساب الأموال. # قوله: { في أربعة أيام } تقديره: في تمام أربعة أيام ~~باليومين المتقدمين. قال الزجاج: في تتمة أربعة أيام، يريد ~~بالتتمة اليومين. وقال الزمخشري: في أربعة أيام فلذلك المدة خلق الله ~~الأرض وما فيها كأنه قال: كل ذلك في أربعة أيام كاملة مستوية بلا زيادة ~~ولا نقصان. قال شهاب الدين: وهذا كقولك: بنيت بيتي في يوم وأكملته ~~في يومين أي بالأول. # وقال أبو البقاء: أي في تمام أربعة أيام، ولولا هذا التقدير لكانت ~~الأيام ثمانية يومان في الأول، وهو ms7632 قوله: { خلق الأرض في ~~يومين } ويومان في الآخر وهو قوله { فقضاهن سبع ~~سماوات في يومين } وأربعة في الوسط وهو قوله { في ~~أربعة أيام }. # فإن قيل: إنه تعالى لما ذكر خلق الأرض في يومين، فلو ذكر أنه خلق هذه ~~الأنواع الثلاثة الباقية في يومين آخرين كان أبعد عن الشبهة وعن الغلط ~~فلم ترك التصريح وذكر الكلام المجمل؟. # فالجواب: أن قوله " في أربعة أيام سواء " فيه فائدة زائدة على ما إذا ~~قال: خلقت هذه الثلاثة في يومين؛ لأنه لو قال: خلقت هذه الأشياء في يومين ~~لم يفد هذا الكلام كون اليومين مستغرقين بتلك الأعمال؛ لأنه قد يقال: ~~عملت هذا العمل في يومين مع أن اليومين ما كانا مستغرقين بذلك العمل، ~~أما لما ذكر خلق الأرض، وخلق هذه الأشياء ثم قال: في أربعة أيام سواء ~~دل على أن هذه الأيام الأربعة صارت مستغرقة في تلك الأعمال من غير ~~زيادة ولا نقصان. # قوله: " سواء " العامة عل النصب، وفيه أوجه: # أحدها: أنه منصوب على المصدر بفعل مقدر، أي استوت قاله مكي وأبو البقاء. # الثاني: أنه حال من " ها " في أقواتها، أو من " ها " في " فيها " ~~العائدة على الأرض أو من الأرض قاله أبو البقاء وفيه نظر لأن المعنى إنما ~~هو وصف الأيام بأنها سواء، لا وصف الأرض بذلك وعلى هذا جاء التفسير. # ويدل على ذلك قراءة سواء بالجر صفة للمضاف، أو المضاف إليه، وقال ~~قتادة والسدي سواء معناها سواء لمن سأل عن الأمر، واستفهم عن حقيقة ~~وقوعه وأراد العبرة فيه فإنه يجده كما قال تعالى. إلا أن ابن زيد وجماعة ~~قالوا شيئا يقرب من المعنى الذي ذكره أبو البقاء فإنهم قالوا معناه ~~مستو مهيأ أمر هذه المخلوقات ونفعها للمحتاجين إليها من البشر، فعبر ~~بالسائلين عن الطالبين. وقرأ زيد بن علي والحسن وابن أبي إسحاق وعيسى ~~ويعقوب وعمرو بن عبيد: سواء بالخفض على ما تقدم. وأبو جعفر بالرفع ~~وفيه وجهان: # أحدهما: أنه على خبر ابتداء مضمر، أي هي سواء، لا يزيد ولا ينقص، ~~وقال مكي: هو ms7633 مرفوع بالابتداء وخبره للسائلين؛ وفيه نظر، من حيث ~~الابتداء بنكرة من غير مسوغ. ثم قال: بمعنى مستويات لمن سأل فقال: في ~~كم خلقت؟ وقيل: للسائلين لجميع السائلين لأنهم يسألون الرزق وغيره من ~~عند الله تعالى. # قوله " للسائلين " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه متعلق بسواء بمعنى مستويات للسائلين. # الثاني: أنه متعلق بقدر، أي قدر فيها أقواتها لأجل الطالبين لها ~~المحتاجين المقتاتين. # الثالث: أن يتعلق بمحذوف، كأنه قيل: هذا الحصر لأجل من سأل: في كم خلقت ~~الأرض وما فيها؟. # قوله (تعالى): { ثم استوى إلى السمآء وهي دخان } أي ~~عمد إلى خلق السماء. وقال ابن الخطيب: من قولهم: استوى إلى مكان كذا إذا ~~توجه إليه توجها لا يلتفت معه إلى عمل آخر وهو من الاستواء الذي هو ~~ضد الاعوجاج. ونظيره قولهم: استقام إليه وامتد إليه، قال تعالى: { ~~فاستقيموا إليه } [فصلت:6] والمعنى: ثم دعاه داعي الحكمة إلى ~~خلق السموات بعد خلق الأرض ما فيها من صارف يصرفه عن ذلك. والدخان: ~~هو ما ارتفع عن لهب النار. ويستعار لما يرى من بخار الأرض عند جدبها ~~وقياس جمعه في القلة أدخنة وفي الكثرة دخيان، نحو: غراب وأغربة ~~وغربان وشذوا في جمعه على: دواخن، قيل: هو جمع داخنة تقديرا ~~على سبيل الإسناد المجازي، ومثله عثان وعواثن. # وقوله: و " هي دخان " من باب التشبيه الصوري؛ لأن صورتها صورة ~~الدخان في رأي العين. # فصل # قال المفسرون: هذا الدخان بخار الماء وذلك أن عرش الرحمن كان على الماء ~~قبل خلق السموات والأرض، كما قال تعالى: # وكان عرشه على المآء # [هود:7]. ثم إن الله تعالى أحدث في ذلك الماء اضطرابا فأزبد وارتفع، ~~وخرج منه دخان فأما الزبد فبقي على وجه الماء فخلق منه اليبوسة ~~وأحدث منه الأرض، وأما الدخان فارتفع وعلا فخلق منه السموات. # فإن قيل: قوله تعالى { ثم استوى إلى السماء وهي دخان } يشعر بأن تخليق ~~السماء حصل بعد تخليق الأرض، وقوله تعالى # والأرض بعد ذلك دحاها # [النازعات:30] يشعر بأن تخليق الأرض حصل بعد تخليق السماء وذلك يوجب ~~التناقض!. # فالجواب: ms7634 المشهور أن يقال: إنه تعالى خلق الأرض أولا، ثم خلق بعده ~~السماء، ثم بعد أن خلق السماء دحى الأرض، وبهذه الطريق يزول التناقض. ~~قال ابن الخطيب: وهذا الجواب عندي مشكل من وجوه: # الأول: أنه تعالى خلق الأرض في يومين، ثم إنه في اليوم الثالث جعل ~~فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها، وهذه الأحوال لا يمكن ~~إدخالها في الوجود، إلا بعد أن صارت الأرض منبسطة ثم إنه تعالى قال بعد ~~ذلك: { ثم استوى إلى السمآء } فهذا يقتضي أنه تعالى خلق ~~السماء بعد خلق الأرض، وبعد أن جعلها مدحوة وحينئذ يعود السؤال. # الثاني: أنه ورد أن الدلائل الهندسية دلت على أن الأرض كرة في أول ~~حدوثها إن قلنا: إنها كرة، والآن بقيت كرة أيضا فهي منذ خقلت كأنها ~~مدحوة، وإن قلنا: إنها غير كرة ثم جعلت كرة فيلزم أن يقال: إنها كانت ~~مدحوة قبل ذلك، ثم أزيل عنها هذه الصفة وذلك باطل. # الثالث: أن الأرض جسم في غاية العظم والجسم الذي يكون كذلك فإنه من ~~أول دخوله في الوجود يكون مدحوا، فالقول بأنها كانت غير مدحوة ثم صارت ~~مدحوة قول باطل. # والذي جاء في كتب التواريخ أن الأرض خلقت من موضع الصخرة ببيت المقدس ~~فهو كلام مشكل لأنه إذا كان المراد أنها على عظمها خلقت من ذلك الموضع ثم ~~خلق بقية أجزائها، وأضيفت إلى تلك الأجزاء التي خلقت أولا فهذا يكون ~~اعترافا بأن تخليق الأرض وقع متأخرا عن تخليق السماء. # الرابع: أنه لما حصل تخليق ذات الأرض في يومين، وتخليق سائر الأشياء ~~الموجودة في الأرض في يومين وتخليق السموات في يومين آخرين كان مجموع ذلك ~~ستة أيام، فإذا حصل دحو الأرض بعد ذلك فقد حصل هذا الدحو في زمان آخر ~~بعد الأيام الستة فحينئذ يقع تخليق السموات والأرض في أكثر من ستة أيام ~~وذلك باطل. # الخامس: أنه لا نزاع في أن قوله تعالى بعد هذه الآية: { فقال لها ~~وللأرض ائتيا طوعا أو كرها } كناية عن إيجاد السموات ~~والأرض، فلو ms7635 تقدم إيجاد السموات لكان قوله تعالى: { ائتيا طوعا ~~أو كرها } يقتضي إيجاد الموجودات ,انه محال باطل. هذا تمام البحث عن ~~هذا الجواب. # ونقل الواحدي في البسيط عن مقاتل أنه قال: خلق السماء قبل الأرض، وتأول ~~قوله: { ثم استوى إلى السماء } ثم كان قد استوى إلى السماء وهي دخان ~~قبل أن يخلق الأرض، فأضمر فيه كان كما قال تعالى: # قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل # [يوسف:77] معناه إن يكن سرق، وقال تعالى: # وكم من قرية أهلكناها فجآءها بأسنا # [الأعراف:4] (والمعنى) فكان قد جاءها، هذا ما نقله الواحدي قال ابن ~~الخطيب وهذا عندي ضعيف، لأن تقدير الكلام ثم كان قد استوى إلى السماء. ~~هذا جمع بين الضدين لأن كلمة " ثم " تقتضي التأخير، وكلمة " كان " ~~تقتضي التقديم، والجمع بينهما يفيد التناقض، وإنما يجوز تأويل كلام الله ~~بما لا يؤدي إلى وقوع التناقض والركاكة فيه. والمختار عندي إن يقال: خلق ~~السماء مقدم على خلق الأرض، وتأويل الآية أن يقال: الخلق ليس عبارة عن ~~التكوين والإيجاد، والدليل عليه قوله تعالى: # إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ~~تراب ثم قال له كن فيكون # [آل عمران:59] فلو كان الخلق عبارة عن الإيجاد والتكوين لصار تقدير ~~الآية أوجده من تراب، ثم قال له كن فيكون وهذا محال فثبت أن الخلق ليس ~~عبارة عن الإيجاد والتكوين، بل هو عبارة عن التقدير، والتقدير في حق ~~الله هو كلمته بأن سيوجده. وإذا ثبت هذا فنقول قوله: خلق الأرض في ~~يومين معناه أنه قضى بحدوثه في يومين، وقضاء الله أنه سيحدث كذا في مدة ~~كذا لا يقتضي حدوث ذلك الشيء في الحال فقضاء الله بحدوث الأرض في ~~يومين قد تقدم على إحداث السماء وحينئذ يزول السؤال. # قوله: { فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها ~~قالتآ أتينا طآئعين }. وقرأ العامة " ائتيا " أمرا من ~~الإتيان " قالتا أتينا " منه أيضا. وقرأ ابن عباس وابن جبير ~~ومجاهد " آتيا " قالتا آتينا بالمد فيهما وفيه وجهان: # أحدهما: من المؤاتاة وهي الموافقة، أي ms7636 ليوافق كل منكما الأخرى لما يليق ~~بها. وإليه ذهب الرازي والزمخشري، فوزن " آتيا " فاعلا، كقاتلا، و ~~" آتينا " وزنه فاعلنا كقاتلنا. # والثاني: أنه من الإيتاء بمعنى الإعطاء، فوزن " آتيا " أفعلا ~~كأكرما، ووزن " آتينا " أفعلنا كأكرمنا. فعلى الأول يكون قد ~~حذف مفعولا، وعلى الثاني قد حذف مفعولين؛ إذ التقدير أعطيا الطاعة من ~~أنفسكما من أمركما، قالتا أعطيناه الطاعة. وقد منع أبو الفضل الرازي ~~الوجه الثاني فقال: آتينا بالمد على فاعلنا من المؤاتاة بمعنى سارعنا، ~~على حذف المفعول به، ولا يكون من الإيتاء الذي هو الإعطاء لبعد حذف ~~مفعوليه. # قال شهاب الدين: وهذا هو الذي منع الزمخشري أن يجعله من الإيتاء. قوله: ~~{ طوعا أو كرها } مصدران في موضع الحال، أي طائعتين أو ~~مكرهتين. # وقرأ الأعمش " كرها " بالضم، وتقدم الكلام على ذلك في النساء. قوله: ~~" قالتا " أي قالت السماء والأرض، وقال ابن عطية: (رحمة الله عليه) ~~أراد الفرقتين المذكورتين، جعل السموات سماء والأرضين أرضا كقوله: # 4354 ألم يحزنك أن حبال قومي # وقومك قد تباينتا انقطاعا # عبر عنهما " بتباينتا ". قال أبو حيان وليس كما ذكر لأنه لم يتقدم ~~إلا ذكر الأرض مفردة والسماء مفردة فلذلك حسن التعبير بالتثنية. # وأما البيت فكأنه قال: حبلي قومي وقومك، وأنث في ~~تباينتا على المعنى؛ لأنه عنى بالحبال المودة. قوله: " طائعين " ~~في مجيئه مجيء جمع المذكورين العقلاء وجهان: # أحدهما: أن المراد يأتينا من فيهما من العقلاء وغيرهم، فلذلك غلب ~~العقلاء على غيرهم، وهو رأي الكسائي. # والثاني: أنه لما عاملهم معاملة العقلاء في الإخبار عنهما، والأمر لهما ~~جمعهما كجمعهم، كقوله: # رأيتهم لي ساجدين # [يوسف:4] وهل هذه المحاورة حقيقة أو مجازا وإذا كانت مجازا فهل هو ~~تمثيل أو تخييل؟. خلاف. # فصل # ظاهر هذا الكلام يقتضي أن الله تعالى أمر السماء والأرض بالإيمان ~~فأطاعوه وهذا ليس بمستبعد كما أن الله تعالى أنطق الجبال مع داود ~~عليه الصلاة والسلام فقال: # يجبال أوبي معه والطير # [سبأ:10] وأنطق الأيدي والأرجل، فقال: # يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون # [النور:24] وقوله: # وقالوا لجلودهم لم شهدتم ms7637 علينا قالوا ~~أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء # [فصلت:21] وإذا كان كذلك فكيف يستبعد أن يخلق الله تعالى في ذات ~~السموات والأرض حياة وعقلا ثم يوجه التكليف عليهما؟ ويؤكد هذا وجوه: # الأول: أن الأصل حمل اللفظ على ظاهره، إلا إن منع منه مانع، فههنا لا ~~مانع. # الثاني: أنه تعالى جمعهما جمع العقلاء فقال: { قالتآ أتينا ~~طآئعين }. # الثالث: قوله: # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها # [الأحزاب:72] وهذا يدل على كونها عارفة بالله، عالمة بتوجه تكليف الله ~~تعالى. # وأجاب ابن الخطيب عن هذا القول: بأن المراد من قوله { ائتيا طوعا ~~أو كرها } الإثبات الى الوجود والحدوث والحصول، فعلى هذا التقدير ~~فحال توجه هذا الأمر كانت السموات والأرض معدومة، إذ لو كانت موجودة ~~فذلك لا يجوز، فثبت أن حال توجه هذا الأمر عليها كانت معدومة، وإذا كانت ~~معدومة لم تكن فاهمة، ولا عارفة للخطاب، فلم يجز توجه الأمر عليها. # فصل # روى مجاهد وطاوس عن ابن عباس أنه قال: قال الله للسموات والأرض أخرجا ~~ما فيكما من المنافع ومصالح العباد، أما أنت يا سماء فأطلعي شمسك ~~وقمرك ونجومك، وأنت يا أرض فشققي أنهارك وأخرجي ثمارك ونباتك، ~~وقال لهما: افعلا ما آمركما طوعا، وإلا ألجأتكما إلى ذلك (حتى) تفعلا ~~(ه) فنقول: فعلى هذا التقدير لا يكون المراد من قوله: أتينا طائعين ~~حدوثهما في ذاتهما، بل يصير المراد من هذا الأمر أن يظهرا ما كان مودعا ~~فيهما، وهذا باطل؛ لأنه تعالى قال: { فقضاهن سبع سماوات في ~~يومين } وذلك يدل على حدوث السماء إنما حصل بعد قوله: { ائتيا ~~طوعا أو كرها }. # فصل # اعلم أن المقصود من هذا الكلام إظهار كمال القدرة، والتقدير ائتيا شئتما ~~ذلك أو أبيتما كما يقول الجبار لمن تحت يده: لتفعلن هذا شئت أو ~~أبيت، ولتفعلنه طوعا أو كرها. # وقيل: إنه تعالى ذكر السماء والأرض، ثم ذكر الطوع والكره فوجب أن ~~ينصرف الطوع إلى السماء والكره إلى الأرض، وتخصص السماء بالطوع لوجوه: # أحدهما: أن السماء في دوام حركتها ms7638 على نهج واحد لا يختلف تشبه ~~حيوانا مطيعا لله عز وجل بخلاف الأرض فإنها مختلفة الأحوال، تارة ~~تكون ساكنة، وتارة تضطرب. # وثانيها: أن الموجود في السماء ليس إلا الطاعة، قال تعالى: # يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون # [النحل:50] وأما أهل الأرض فليس كذلك. # وثالثها: أن السماء موصوفة بكمال الحال، وقيل: إنها أفضل الألوان وشكلها ~~أفضل الأشكال وهو المستدير ومكانها أفضل الأمكنة، وهو العلو، ~~وسكانها أفضل الأجرام، وهي الكواكب المنيرة بخلاف الأرض فإنها مكان ~~الظلمة والكثافة، واختلاف الأحوال وتغيير الذات والصفات فلا جرم عبر عن ~~تكوين السماء بالطوع وعن تكوين الأرض بالكره. # قوله تعالى: { فقضاهن سبع سماوات } في نصب " سبع " ~~أربعة أوجه: # أحدها: أنه مفعول ثان " لقضاهن "؛ لأنه ضمن معنى صيرهن ~~بقضائه سبع سموات. # الثاني: أنه منصوب على الحال من مفعول " فقضاهن " أي قضاهن معدودة، ~~وقضى بمعنى " صنع " كقول أبي ذؤيب: # 4355 وعليهما مسرودتان قضاهما # داود أو صنع السوابغ تبع # أي صنعها. # الثالث: أنه تمييز؛ قال الزمخشري: ويجوز أن يكون ضميرا مبهما مفسرا ~~بسبع سموات على التمييز يعني بقوله " مبهما " ، أنه لا يعود على ~~السماء، لا من حيث اللفظ، ولا من حيث المعنى بخلاف كونه حالا أو مفعولا ~~ثانيا. # الرابع: أنه بدل من " هن " في " فقضاهن " قاله مكي، وقال ~~أيضا: السماء، تذكر وتؤنث، وعلى التأنيث جاء القرآن، ولو جاء على ~~التذكير لقيل: سبعة سموات. وقد تقدم تحقيق تذكيره وتأنيثه في أوائل ~~البقرة. # فصل # قال أهل الأثر: إن الله تعالى خلق الأرض يوم الأحد والإثنين، وخلق سائر ~~ما في الأرض يوم الثلاثاء والأربعاء وخلق السموات وما فيها في يوم الخميس ~~والجمعة، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة فخلق بها آدم، وهي الساعة ~~التي تقوم فيها القيامة. # فإن: قيل: اليوم عبارة عن النهار والليل، وذلك إنما يحصل بطلوع ~~الشمس وغروبها، وقبل حدوث السموات والشمس والقمر كيف يعقل حصوم اليوم؟. # فالجواب: معناه أنه مضى من المدة ما لو حصل هناك فلك وشمس لكان المقدار ~~مقدرا بيوم. وقضاء الشيء إتمامه والفراغ منه. # قوله: ms7639 { وأوحى في كل سمآء أمرها }. قال عطاء عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما: خلق في كل سماء خلقها من الملائكة وما فيها من ~~البحار، وجبال البرد، وما لا يعلمه إلا الله تعالى، وقال قتادة ~~والسدي: يعني خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها. وقال مقاتل: وأوحى ~~إلى كل سماء ما أراد من الأمر والنهي، وذلك يوم الخميس والجمعة، قال ~~السدي: ولله في كل سماء بيت يحج إليه ويطوف به الملائكة، كل واحد ~~منها مقابل للكعبة بحيث لو وقعت منه حصاة لوقعت على الكعبة. # قوله: { وزينا السمآء الدنيا بمصابيح } وهي النيرات ~~التي خلقها في السموات، وخص كل واحد بضوء معين، وسر معين وطبيعة معينة ~~لا يعرفها إلا الله تعالى. # قوله: " وحفظا " في نصبه وجهان: # الأول: أنه منصوب على المصدر بفعل مقدر، أي: وحفظناها بالثواقب من ~~الكواكب حفظا. # والثاني: أنه مفعول من أجله على المعنى؛ فإن التقدير: خلقنا الكواكب ~~زينة وحفظا، قال أبو حيان " وهو تكلف وعدول عن السهل ~~البين ". # فصل # المعنى وحفظناها من الشياطين الذي يسترقون السمع، ثم قال: " ذلك " أي ~~الذي ذكر من صنعة " العزيز " في ملكه " العليم " بخلقه ~~فالعزيز إشارة إلى كمال القدرة، والعليم إشارة إلى كمال العلم. ### || [41.13-15] # قوله تعالى: { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة } هذا ~~التفات من خطابهم بقوله: " قل أئنكم " إلى الغيبة لفعلهم ~~الإعراض، أعرض عن خطابهم وهو تناسب حسن، والمعنى أن الحجة قد تمت على ~~أكمل الوجوه، فإن بقوا مصرين على الجهل لم يبق حينئذ علاج في حقهم ~~إلا إنزال العذاب عليهم، فلهذا قال: { فإن أعرضوا فقل ~~أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود } ، أي ~~هلاكا مثل هلاكهم، والإنذار التخويف. # قال المبرد: الصاعقة المرة المهلكة لأي شيء كان. وقرأ الجمهور: ~~صاعقة مثل صاعقة بالألف فيهما. وابن الزبير والنخعي ~~والسلمي وابن محيصن: صعقة مثل صعقة محذوف الألف وسكون العين. ~~وتقدم الكلام في ذلك في أوائل البقرة. يقال: صعقته الصاعقة فصعق. وهذا ~~مما جاء فيه فعلته بالفتح ففعل بالكسر. ومثله: جذعته فجذع. قال ~~الزمخشري: والصعقة المرة من الصعق. # قوله: " إذ ms7640 جاءتهم " فيه أوجه: # أحدها: أنه ظرف " لأنذرتكم " ، نحو: لقيتك إذ كان كذا. # الثاني: أنه منصوب بصاعقه، لأنها بمعنى العذاب، أي أنذرتكم العذاب ~~الواقع في وقت مجيء رسلهم. # الثالث: أنه صفة لصاعقة الاولى. # الرابع: أنه حال من " صاعقة " الثانية، قالهما أبو البقاء. وفيه نظر إذ ~~الظاهر أن الصاعقة جثة وهي قطعة نار تنزل من السماء فتحرق ~~كما تقدم تفسيرها، ولا يقع الزمان صفة لها، ولا حالا عنها، وتأويلها ~~بمعنى العذاب إخراج لها عن مدلولها من غير ضرورة، وإنما جعلها وصفا ~~للأولى، لأنها نكرة، وحالا من الثانية لأنها معرفة لإضافتها إلى علم، ~~ولو جعلها حالا من الأولى لأنها تخصصت بالإضافة لجاز. فتعود الأوجه ~~خمسة. # قوله: { من بين أيديهم ومن خلفهم } الظاهر أن ~~الضميرين عائدان على عاد وثمود. وقيل: الضمير في " خلفهم " يعود ~~على الرسل واستبعد هذا من حيث المعنى؛ إذ يصير التقدير: جاءتهم الرسل من ~~خلف الرسل أي من خلف أنفسهم، وقد يجاب عنه بأنه من باب: درهم ~~ونصفه، أي ومن خلف رسل أخرين. # قوله: { أن لا تعبدوا } يجوز في " أن " ثلاثة أوجه: # أحدها: أن تكون المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، الجملة ~~النهيية بعدها خبر، كذا أعربه أبو حيان وفيه نظر من وجهين: # أحدهما: أن المخففة (من الثقيلة) لا يقع بعدها فعل إلا من أفعال ~~اليقين. # والثاني: أن الخبر في باب إن وأخواتها لا يكون طلبا، فإن ورد منه شيء ~~أول، ولذلك تأولوا: # 4356 إن الذين قتلتم أمس سيدهم # لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما # وقوله: # 4357 ولو أصابت لقالت وهي صادقة # إن الرياضة لا تنصبك للشيب # على إضمار القول. # الثاني: أنها الناصبة للمضارع، والجملة النهيية بعدها صلتها وصلت بالنهي ~~كما توصل بالأمر في كتبت إليه بأن قم. # وقد مر في وصلها بالأمر إشكال يأتي مثله في النهي. # الثالث: أن تكون مفسرة لمجيئهم؛ لأنه يتضمن قولا، و " لا " في هذه ~~الأوجه كلها ناهية، ويجوز أن تكون نافية على الوجه الثاني، ويكون الفعل ~~منصوبا بأن بعد لا النافية، فإن لا النافية ms7641 لا تمنع العامل أن يعمل ~~فيما بعدها، نحو: جئت بلا زيد، ولم يذكر الحوفي غيره. # قوله: " لو شاء " قدر الزمخشري مفعول شاء لو شاء إرسال الرسل ~~لأنزل ملائكة قال أبو حيان تتبعت القرآن وكلام العرب، فلم أجد حذف ~~مفعول شاء الواقع بعد لو إلا من جنس جوابها، نحو # ولو شآء الله لجمعهم على الهدى # [الأنعام:35] أي لو شاء (الله) جمعهم على الهدى لجمعهم عليه. (و) # لو نشآء لجعلناه حطاما # [الواقعة:65] و # لو نشآء جعلناه أجاجا # [الواقعة:70] و # ولو شآء ربك لآمن # [يونس:99] و # ولو شآء ربك ما فعلوه # [الأنعام:112] و # لو شآء الله ما عبدنا من دونه # [النحل:35]، وقال الشاعر ( رحمة الله عليه ): # 4358 فلو شاء ربي كنت قيس بن خالد # ولو شاء ربي كنت عمرو بن مرثد # وقال الأخرة: # 4359 واللذ لو شاء لكنت صخرا # أو جبلا أشم مشمخرا # قال: فعلى ما تقدم لا يكون المحذوف ما قدره الزمخشري، وإنما التقدير: لو ~~شاء ربنا إنزال ملائكة بالرسالة إلى الإنس لأنزلهم بها إليهم وهذا ~~أبلغ في الامتناع من إرسال البشر إذ علقوا ذلك بإنزال الملائكة وهو لم ~~يشأ ذلك فكيف يشاء ذلك في البشر. # قال شهاب الدين: وتقدير أبي القاسم أوقع معنى وأخلص من إيقاع الظاهر ~~موقع المضمر؛ إذ يصير التقدير " لوشاء إنزال ملاكة لأنزل ملائكة ". # قوله: { بمآ أرسلتم به } هذا خطاب لهود وصالح وغيرهم من ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وغلب المخاطب على الغائب نحو: أنت ~~وزيد تقومان. و " ما " يجوز أن تكون موصولة بمعنى " الذي " ، ~~وعائدها " به " ، وأن تكون مصدرية، أي بإرسالكم فعلى هذا يكون " به " ~~يعود على ذلك المصدر المؤول، ويكون من باب التأكيد، كأنه قيل: كافرون ~~بإرسالكم به. # فصل # معنى جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم، أي إن الرسل المبعوثين ~~إليهم أتوهم من كل جانب، وأتوا بجميع وجوه الدلالات، فلم يروا منهم إلا ~~العتو والإعراض، كما حكى الله تعالى عن الشيطان: # لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم # [الأعراف:17] أي من كل جهة. وقيل: المعنى أن الرسل ms7642 جاءتهم من قبلهم أي ~~أرسلوا إلى آبائهم، ومن خلفهم يعني الذين أرسلوا إليهم. # فإن قيل: كيف يمكن وصفهم بأنهم جاءوا؟!. # فالجواب: قد جاءهم هود وصالح داعيين إلى الإيمان بهما، وبجميع الرسل، ~~وبهذا التقدير: فكأن جميع الرسل قد جاءوهم وأمروهم بالتوحيد ونفي الشرك، ~~فقالوا: { لو شاء ربنا لأنزل ملائكة } وجعلوا عدم إنزال الملائكة دليلا ~~على تكذيب الرسل، والمعنى أنه تعالى لو شاء إرسال الرسل إلى البشر لجعل ~~رسله ملائكة؛ لأن الملائكة أفضى إلى المقصود من بعثة البشر. # ثم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون، وتقدم الجواب عن هذه الشبهة في ~~سورة الأنعام. # واعلم أن قولهم: أرسلتم به، ليس إقرارا بأن أولئك الأنبياء رسل وإنما ~~ذكروه حكاية الكلام الرسل أو على سبيل الاستهزاء، كما قال فرعون: # إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون # [الشعراء:27]. # فصل # روي أن أبا جهل لعنه الله قال في ملأ من قريش: التبس علينا أمر ~~محمد، فلو التمستم لنا رجلا عالما بالشعر والسحر والكهانة وكلمه ~~ثم أتانا من أمره، فقال عيينة بن حصن: والله لقد علمت الشعر والسحر ~~والكهانة، وعلم من ذلك علما ولا يخفى علي، فأتاه، فقال يا محمد: أنت ~~خير أم هاشم؟ أتت خير أم عبد المطلب؟ أنت خبر أم عبد الله؟ فلم ~~تشتم آلهتنا وتضلل آباءنا؟ فإن كنت تريد الرياسة عقدنا لك اللواء ~~فكنت رئيسنا، وإن أردت الباءة زوجناك أعز نسوة تختاروهن من أي ~~بنات قريش شئت، وإن كنت تريد المال جمعنا لك ما تستعين به على ذلك، ورسو ~~الله صلى الله عليه وسلم ساكت، فلما فرغ، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أفرغت؟ قال: نعم. قال: فاسمع ثم إن النبي صلى الله عليه ~~وسلم تعوذ ثم قرأ: " بسم الله الرحمن الرحيم " حم تنزيل من الرحمن ~~الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا إلى أن بلغ قوله: فإن أعرضوا ~~فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود فأمسك عيينة على فيه وناشده ~~بالرحم إلا ما سكت، ثم رجع إلى أهله، فلم يخرج إلى قريش، فلما احتبس عنهم ms7643 ~~قالوا: ما نرى عيينة إلا قد صبأ فانطلقوا إليه وقالوا: يا عيينة، ما ~~حبسك عنا، إلا أنك قد صبأت إلى محمد، وأعجبك طعامه، فإن كان بك حاجة ~~جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد، فغضب وأقسم لا يكلم محمدا ~~أبدا، ثم قال: " والله لقد علمتم أني من أكثر قريش مالا، ولكني قصصت ~~عليه القصة فأجابني بشيء والله ماهو بشعر ولا كهانة ولا سحر، وقرأ ~~السورة ولما بلغ صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود أمسكت بفيه، وناشدته بالرحم ~~حتى سكت، لقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب فخفت أن ينزل ~~العذاب ". # قوله تعالى: { فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير ~~الحق } قيل: هذا الاستكبار إظهار العجب والتيه وعدم الالتفات إلى ~~الغير. وقيل: الاستعلاء على الناس واستخدامهم. ثم ذكر تعالى سبب ذلك ~~الاستكبار وهو قولهم: { من أشد منا قوة } وكانوا ذوي أجسام ~~طوال، وقوة شديدة. # ثم إنه تعالى ذكر ما يدل على أنهم لا يجوز لهم أن يغتروا بشدة قوتهم ~~فقال: { أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو ~~أشد منهم قوة } وإن كانت الزيادة في القوة توجب كون الناقص ~~في طاعة الكامل فيجب عليهم الانقياد لله تعالى والخضوع لأوامره ونواهيه. # فإن قيل: صيغة أفعل التفضيل إنما تجري بين شيئين لأحدهما نسبة إلى الآخر ~~لكن قدرة العبد متناهية، وقدرة الله لا نهاية لها والمتناهي لا نسبة لها ~~إلى غير المتناهي فما معنى قوله: " أن الله أشد منهم قوة "؟. # فالجواب: هذا ورد على قانون قولنا: الله أكبر، ثم قال: { وكانوا ~~بآياتنا يجحدون } والمعنى أنهم يعرفون أنها حق ولكنهم يجحدونها ~~كما يجحد المودع الوديعة. # واعلم أن نظم الكلام أن يقال: أما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق ~~وكانوا بآياتنا يجحدون، وأما قولهم: من أشد منا قوة أو لم يروا أن الله ~~الذي خلقهم هو أشد منهم قوة اعتراض وقع في البين لتقرير الداعي إلى ~~الاستكبار. ### || [41.16-19] # قوله: { فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا } الصرصر: الريح ~~الشديدة، فقيل: هي الباردة من الصر وهو البرد، وقيل: هي ms7644 الشديدة ~~السموم، وقيل: المصوتة من صر الباب أي سمع صريره. ~~والصرة: الصيحة ومنه: # فأقبلت امرأته في صرة # [الذاريات:29] قال ابن قتيبة " صرصر " يجوز أن يكون الصر وهو ~~البرد، وأن يكون من صر الباب، وأن يكون من الصرة ومنه: # فأقبلت امرأته في صرة # [الذاريات:29]. # قوال الراغب: صرصر لفظه من الصر وذلك يرجع إلى الشد لما في البرودة ~~من التعقيد. # قوله: في أيام نحسات قرأ الكوفيون وابن عامر بكسر الحاء والباقون ~~بسكونها. # فأما الكسر فهو صفة على " فعل " وفعله: " فعل " بكسر العين ~~أيضا كفعله؛ يقال: نحس فهو نحس، كفرح، فهو فرح، ~~وأشر فهو أشر، ومعناه نكدات مشئومات ذات نحوس. # وأمال الليث عن الكسائي ألفه لأجل الكسرة، ولكنه غير مشهور عنه حتى ~~نسبه الداني للوهم وأما قراءة الإسكان فتحتمل ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون مخفف من " فعل " في القراءة المتقدمة وفيه توافق ~~القراءتين. # الثاني: أنه مصدر وصف به كرجل عدل، إلا أن هذا يضعفه الجمع، فإن ~~الفصيح في المصدر الموصوف (به) أن يوحد وكأن المسوغ للجمع ~~اختلاف أنواعه في الأصل. # الثالث: أنه صفة مستقلة على " فعل " بسكون العين ولكن أهل التصريف لم ~~يذكروا في الصفة الجائية من " فعل " بكسر العين إلا أوزانا محصورة ليس ~~فيه " فعل " بالسكون فذكروا: فرح فهو فرح وحور فهو أحور، ~~وشبع فهو شبعان، وسلم فهو سالم، وبلي فهو بال. وفي معنى " ~~نحسات " قولان: # أحدهما: أنها من الشؤم، قال السدي أي مشائيم من النحس المعروف. # والثاني: أنها من شدة البرد وأنشدوا على الأول قول الشاعر: # 4360 يومين غيمين ويوما نحسا # نجمين سعدين ونجما نحسا # وعلى المعنى الثاني: # 4361 كأن سلافة عرضت لنحس # يحيل شفيفها الماء الزلالا # ومنه: # 4362 قد أغتدي قبل طلوع الشمس # للصيد في يوم قليل النحس # وقيل: يريد به في هذا البيت الغبار، أي قليل الغبار. وقد قيل بذلك في ~~الآية إنها ذات غبار. و " نحسات " نعت لأيام، والجمع بالألف والتاء ~~مطرد في صفة ما لا يعقل كأيام معدودات كما تقدم تحقيقه في البقرة ~~(اللهم يسر). # فصل # الصرصر: ms7645 العاصفة التي تصرصر في هبوبها. روي عن عبد الله بن ~~عباس رضي الله عنهما أنه قال: الرياح ثمان، اربع منها عذاب ~~وهي العاصف، والصرصر، والعقيم، والعاصفة، وأربع منها رحمة، وهي: ~~الناشرات، والمبشرات، والمرسلات، والذاريات. وعن ابن عباس رضي ~~الله عنهما: أن الله تعالى ما أرسل على عباده من الريح إلا قدر خاتمي. ~~وقال الضحاك: أمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين، وتوالت الرياح عليهم من ~~غير مطر. # فصل # استدل الأحكاميون من المنجمين بهذه الآية على أن بعض ~~الأيام يكون نحسا وبعضها سعدا وأجاب المتكلمون بأن المراد بهذه النحسات ~~أي ذات غبار وتراب ثائر، لا يكاد يبصر فيه ولا يتصرف فيه، ~~وقالوا أيضا: معنى كون هذه الأيام نحسات أن الله أهلكهم فيها. وأجاب ~~الأحكاميون بأن الأحكام في وضع اللغة هي المشئومات لأن النحس مقابلة ~~السعد، والهواء الكدر يقابله الصافي. وأيضا فإنه تعالى أخبر عن إيقاع ~~ذلك العذاب في تلك الأيام النحسات، فوجب أن كون تلك الأيام نحسة ~~مغايرا لذلك العذاب الذي وقع فيها. # قوله: { لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا } ~~أي عذاب الهوان والذل مقابل لذلك الاستكبار { ولعذاب الآخرة ~~أخزى } أشد إهانة { وهم لا ينصرون } أي لا يكون لهم ناصر ~~يدفع عنهم ذلك الخزي. # قوله تعالى: { وأما ثمود } الجمهور على رفعه، ممنوع الصرف. ~~والأعمش وابن وثاب مصروفا، وكذلك كل ما في القرآن إلا قوله: # وآتينا ثمود الناقة # [الإسراء:59]، قالوا لأن الرسم ثمود بغير ألف. وقرأ ابن عباس وابن أبي ~~إسحاق والأعمش في رواية ثمودا منصوبا مصروفا. والحسن وابن هرمز ~~وعاصم أيضا منصوبا غير منصرف. # فأما الصرف وعدمه فقد تقدم توجيههما في " هود ". وأما الرفع فعلى ~~الابتداء والجملة بعده الخبر، وهو متعين عند الجمهور لأن " أما " لا ~~يليها إلا المبتدأ، فلا يجوز فيما بعدها الاشتغال إلا في قليل كهذه ~~القراءة، وإذا قدرت الفعل الناصب فقدره بعد الاسم المنصوب أي وأما ~~هديناهم فهديناهم. قالو: لأنها لا يليها الأفعال. # فصل # قال الزمخشري: وقرىء: بضم الثاء. قال مجاهد: هديناهم: دعوناهم. وقال ~~ابن عباس رضي الله عنهما ms7646 بينا لهم سبيل الهدى، وقيل: دللناهم على ~~طريق الخير والشر، كقوله # هديناه السبيل # [الإنسان:3] { فاستحبوا العمى على الهدى } أي فاختاروا ~~الكفر على الإيمان. # وذكر الزمخشري في تفسير الهدى قوله تعالى: # هدى للمتقين # [البقرة:2]: أن الهدى عبارة عن الدلالة الموصلة إلى البغية، وهذه الآية ~~تبطل قوله لأنها تدل على أن الهدى قد حصل مع أن الإفضاء إلى البغية لم ~~يحصل. (انتهى). # فصل # قالت المعتزلة: دلت هذه الآية على أن الله تعالى ينصب الدلائل ويزيح ~~الأعذار إلا أن الإيمان إنما يحصل من العبد، لأن قوله تعالى: " ~~فهديناهم " يدل على أنه تعالى نصب لهم الدلائل، وقوله { فاستحبوا ~~العمى على الهدى } يدل على أنهم من عند أنفسهم أتوا بذلك العمى، وهذا يدل ~~على أن الكفر والإيمان يحصلان من العبد. # والجواب من وجهين: # الأول: أنه إنما صدر عنهم ذلك العمى لأنهم أحبوا تحصيله، فلما وقع في ~~قلوبهم هذه المحبة دون محبة ضده، فإن حصل هذا الترجيح لا لمرجح فهو ~~باطل وإن كان لمرجح فإن كان المرجح هو العبد عاد الطلب، وإن كان ~~المرجح هو الله فقد حصل المطلوب. # الثاني: أنه تعالى قال: { فاستحبوا العمى على الهدى } ~~ومن المعلوم بالضرورة أن أحدا لا يحب العمى والجهل مع العلم بكونه عمى ~~وجهلا بل ما يظن في ذلك العمى والجهل بكونه تبصرة وعلما مما يرغب ~~فيه فإقدامه على اختياره على ذلك الجهل الثاني إن كان باختياره لزم ~~التسلسل وهو محال، فلا بد من انتهاء تلك الجهالات إلى جهل يحصل فيه لا ~~باختياره وهو المطلوب. # قوله: { فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا ~~يكسبون } وصاعقة العذاب أي المهلكة والعذاب الهون أي ذي الهون، أي ~~الهوان وهو الذي يهينهم { بما كانوا يكسبون } من شركهم وتكذيبهم صالحا. # ثم قال: { ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون } يعني ~~يتقون الأعمال التي كانوا يأتون بها عاد وثمود. # فإن قيل: كيف يجوز للرسول صلى الله عليه وسلم أن ينذر قومه مثل ~~صاعقة عاد وثمود مع العلم بأن ذلك لا يقع في أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم ms7647 وقد صرح الله تعالى بذلك في قوله: # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم # [الأنفال:33] وجاء في الحديث الصحيح أن الله رفع عن هذه الأمة أنواع ~~العذاب؟!. # فالجواب: أنهم لما عرفوا كونهم مشاركين لعاد وثمود في استحقاق مثل تلك ~~الصاعقة وأن السبب الموجب للعذاب واحد ربما يكون العذاب النازل بهم من ~~جنس ذلك وإن كان أقل درجة، وهذا القدر يكفي في التخويف. # قوله تعالى: { ويوم يحشر أعدآء الله إلى النار } ~~الآية لما بين كيفية عقوبة أولئك الكفار في الدنيا أردفه ببيان كيفية ~~عقوبتهم في الآخرة ليحصل تمام الاعتبار في الزجر والتحذير، فقال: " ويوم ~~يحشر ". في العامل في هذا الظرف وجهان: # أحدهما: محذوف دل عليه ما بعده من قوله " فهم يوزعون " تقديره: ~~يساق الناس يوم يحشر وقدره أبو البقاء يمنعون يوم يحشر. # الثاني: أنه منصوب باذكر، أي اذكر يوم. وقرأ نافع " نحشر " بنون ~~العظمة وضم الشين " أعداء " نصبا أي نحشر نحن، والباقون بياء الغيبة ~~مضمومة والشين مفتوحة على ما لم يسم فاعله و " أعداء " رفعا لقيامه ~~مقام الفاعل. # ووجه الأول أنه معطوف على " ونجينا " فيحسن أن يكون على وفقه في ~~اللفظ (يقويه) وقوله # يوم نحشر المتقين # [مريم:85]، # وحشرناهم # [الكهف:47]. # وحجة الثانية: أن قصة ثمود قد تمت وقوله: " ويوم يحشر " ابتداء ~~كلام آخر وأيضا الحاشرون لهم هم المأمورون بقوله: # احشروا الذين ظلموا # [الصافات:22] وهم الملائكة، وأيضا موافقة لقوله: " فهم يوزعون " ~~وأيضا فتقدير القراءة الأولى، أن الله تعالى قال: { ويوم يحشر ~~أعدآء الله } فكان الأولى على هذا التقدير أن يقال: ويوم نحشر ~~أعداءنا إلى النار. وكسر الأعرج شين " يحشر ". ثم قال: " فهم يوزعون " ~~أي يساقون، ويدفعون إلى النار. وقال قتادة والسدي: يحبس أولهم على آخرهم ~~ليتلاحقوا. أي يوقف سوابقهم حتى يصل إليهم تواليهم. ### || [41.20-23] # قوله تعالى: { حتى إذا ما جآءوها } " حتى " غاية ليحشر ~~والمعنى حتى إذا جاءوا النار فيكون " ما " صلة. وقيل: فيها فائدة زائدة ~~وهي تأكيد أن عند مجيئهم لا بد وأن تحصل هذه الشهادة كقوله تعالى: # أثم إذا ما وقع ءامنتم به ms7648 # [يونس:51] أي لا بد لوقت وقوعه من أن يكون وقت إيمانهم به. # فصل # في كيفية تلك الشهادة ثلاثة أقوال: # الأول: أن الله تعالى يخلق الفهم والقدرة والنطق فتشهد كما يشهد الرجل ~~على ما يعرفه. # والثاني: أنه تعالى يخلق في تلك الأعضاء الأصوات والحروف الدالة على تلك ~~المعاني. # الثالث: أن يظهر في تلك الأعضاء أحوال تدل على صدور تلك الأعمال من ذلك ~~الإنسان وتلك الأمارات تسمى شهادات كما يقال: يشهد هذا العالم بتغيرات ~~أحواله على حدوثه. # فصل # قال ابن الخطيب: والسبب في تخصيص هذه الأعضاء الثلاثة بالذكر أن ~~الحواس الخمس وهي السمع والبصر، والشم والذوق واللمس، وآلة ~~اللمس هي الجلد، فالله تعالى ذكر هاهنا ثلاثة أنواع من الحواس وهي السمع ~~والبصر واللمس، وأهمل ذكر نوعين، وهما: الذوق والشم، فالذوق داخل في ~~اللمس من بعض الوجوه؛ لأن إدراك الذوق إنما يتأتى بأن تصير جلدة اللسان ~~مماسة لجرم (الطعام وكذلك الشم لا يتأتى حتى تصير جلدة الحنك مماسة ~~لجرم) المشموم فكانا داخلين في جنس اللمس. وإذا عرف هذا فنقول: نقل عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: المراد من شهادة الجلود شهادة ~~الفروج، وهذا من باب الكنايات، كما قال: # لا تواعدوهن سرا # [البقرة:235] وأراد النكاح وقال: # أو جآء أحد منكم من الغآئط # [النساء:43] والمراد قضاء الحاجة، وقال عليه الصلاة والسلام: # " أول ما يتكلم من الآدمي فخذه وكفه " # وعلى هذا التقدير فتكون هذه الآية وعيدا شديدا في إتيان الزنا؛ لأن ~~مقدمة الزنا إنما تحصل بالفخذ. وقال مقاتل: تنطق جوارحهم بما كتمته ~~الأنفس من عملهم. # قوله: " وقالوا " يعني الكفار الذين يحشرون إلى النار { ~~لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله ~~الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة ~~وإليه ترجعون } هذا من جواب الجلود، ومعناه أن القادر على ~~خلقكم وإنطاقكم في المرة الأولى حال كونكم في الدنيا ثم (على) خلقكم ~~وأنطاقكم في المرة الثانية وهي حال القيامة والبعث كيف يستبعد منه إنطاق ~~الجوارح والأعضاء؟!. # قوله تعالى: { وما كنتم تستترون } أي تستخفون عند الإقدام ~~على ms7649 الأعمال القبيحة. وقال مجاهد تتقون، وقال قتادة: تظنون. قوله { أن ~~يشهد } يجوز فيه أوجه: # أحدها: من أن يشهد. # الثاني: خيفة أن يشهد. # الثالث: لأجل أن يشهد وكلاهما بمعنى المفعول له. # الرابع: عن أن يشهد أي ما كنتم تمتنعون ولا يمكنكم الاختفاء عن أعضائكم ~~والاستتار عنها. # الخامس: أنه ضمن معنى الظن وفيه بعد. # فصل # معنى الكلام أنهم كانوا يستترون عند الإقدام على الأعمال القبيحة؛ لأن ~~استتارهم ما كان لأجل قولهم من أن يشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم ~~لأنهم كانوا منكرين للبعث والقيامة، وذلك الاستتار لأجل أنهم كانوا يظنون ~~أن الله لا يعلم الأعمال التي يخفونها. روي عن ابن مسعود رضي الله عنه ~~ قال: كنت مستترا بأستار الكعبة فدخل ثلاثة نفر ثقفيان وقرشي أو ~~قرشيان وثقفي كثير شحم بطونهم، قليل فقه قلوبهم، فقال أحدهم: أترون أن ~~الله يسمع ما نقول؟ قال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا، وقال ~~الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا سمع إذا أخفينا. فذكرت ذلك لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأنزل الله { وما كنتم تستترون... } ~~الآية. قيل: الثقفي عبد ياليل وختناه القرشيان ربيعة وصفوان بن أمية. # قوله: " وذلكم ظنكم " فيه أوجه: # أحدها: أن " ذلكم " رفع بالإبتداء و " ظنكم " خبره و " الذي ~~ظننتم " نعته " وأرداكم " حال و " قد " معه مقدرة على رأي ~~الجمهور خلافا للأخفش، ومنع مكي الحالية للخلو من " قد " وهو ممنوع لما ~~تقدم. # والثاني: أن يكون " ظنكم " بدلا، والموصول خبره، و " أرداكم ~~" حال أيضا. # الثالث: أن يكون الموصول خبرا ثانيا. # الرابع: أن يكون " ظنكم " بدلا أو بيانا، والموصول هو الخبر، و " ~~أرداكم " خبر ثان. # الخامس: أن يكون ظنكم والموصول والجملة من " أرداكم " أخبارا إلا أن ~~أبا حيان رد على الزمخشري قوله: " وظنكم وأرداكم " خبران ~~قال: لأن قوله " وذلكم " إشارة إلى ظنهم السابق فيصير التقدير: وظنكم ~~بربكم أنه لا يعلم ظنكم بربكم فاستفيد من الخبر ما استفيد من المبتدأ وهو ~~لا يجوز وهذا نظير ما منعه النحاة من قولك: سيد الجارية مالكها. # وقد منع ابن ms7650 عطية كون " أرداكم " حالا، لعدم وجود " قد ". ~~وتقدمم الخلاف في ذلك. # فصل # قال المفسرون: وذلك ظنكم الذي ظننتم بربكم أي ظنكم أن الله لا يعلم ~~كثيرا مما تعملون أرداكم أهلككم. قال ابن عباس رضي الله عنهما : ~~طرحكم في النار { فأصبحتم من الخاسرين } وهنذا نص صريح في أن من ظن أنه ~~يخرج شيء من المعلومات عن علم الله فإنه يكون من الهالكين الخاسرين. # قال المحققون: الظن قسمان: # أحدهما: حسن، والآخر: فاسد. فالحسن أن يظن بالله عز وجل الرحمة والفضل ~~والإحسان، قال عليه الصلاة والسلام حكاية عن الله عز وجل: # " أنا عند ظن عبدي بي " # وقال عليه الصلاة والسلام: # " لا يموتن أحدكم إلا وهو حسن الظن بالله ". # والظن القبيح أن يظن أنه تعالى أنه يعزب عن علمه بعض الأحوال. وقال ~~قتادة: والظن نوعان: منجي ومردي فالمنجي قوله: # إني ظننت أني ملاق حسابيه # [الحاقة:20] وقوله: # الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم # [البقرة:46] والمردي هو قوله { وذلكم ظنكم الذي ظننتم ~~بربكم أرداكم }. ### || [41.24-27] # قوله تعالى: { فإن يصبروا فالنار مثوى لهم } أي سكن ~~لهم، يعني إن أمسكوا عن الاستغاثة لفرج ينتظرونه لم يجدوا ذلك وتكون ~~النار مثوى لهم أي مقاما لهم. # قوله: { وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين } العامة ~~على فتح الياء من " يستعتبوا " وكسر التاء الثانية مبنيا للفاعل { ~~فما هم من المعتبين } بكسر التاء اسم الفاعل ومعناه وإن طلبوا العتبى ~~وهي الرضا فما هم ممن يعطاها. والمعتب الذي قبل عتابه وأجيب إلى ما سأل، ~~يقال: أعتبني فلان، أي أرضاني بعد إسخاطه إياي، واستعتبته طلبت منه أن ~~يعتب أي يرضى. وقيل: المعنى وإن طلبوا زوال ما يعتبون فيه فماهم من ~~المجابين إلى إزالة العتب. وأصل العتب المكان النائي بنازله، ومنه قيل ~~لأسكفة الباب والمرقاة: عتبة، ويعبر بالعتب عن الغلظة التي يجدها ~~الإنسان في صدره على صاحبه، وعتبت فلانا أبرزت له الغلظة، وأعتبته أزلت ~~عتباه كأشكيته وقيل: حملته على العتب. # وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد: وإن يستعتبوا مبنيا للمفعول فما هم من ~~المعتبين اسم فاعل بمعنى إن ms7651 يطلب منهم أن يرضوا فما هم فاعلون ذلك، ~~لأنهم فارقوا دار التكليف، وقيل: معناه أن يطلب ما لا يعتبون عليه فما هم ~~ممن يريد العتبى وقال أبو ذؤيب: # 4363 أمن المنون وريبه تتوجع # والدهر ليس بمعتب من يجزع # قوله: " وقيضنا لهم " بعثنا لهم ووكلنا، وقال مقاتل: ~~هيأناه. وقال الزجاج: سينالهم وأصل التقييض التيسير والتهيئة، ~~قيضته للداء هيأته له ويسرته، وهذان ثوبان قيضان أي كل منهما مكافىء ~~للآخرة في الثمن. والمقايضة المعارضة، وقوله # نقيض له شيطانا # [الزخرف:36] أي نسهل ونيسر ليستولي عليه استيلاء القيض على البيض. # والقيض في الأصل قشر البيض الأعلى. قال الجوهري: ويقال: قايضت الرجل ~~مقايضة أي عاوضته بمتاع، وهما قيضان كما يقال: بيعان. وقيض الله فلانا ~~لفلان أي جاء به ومنه قوله تعالى: { وقيضنا لهم قرنآء } ~~والمراد بالقرناء النظراء من الشياطين حتى أضلونهم { فزينوا لهم ~~ما بين أيديهم } من أمر الدنيا حتى أثروه على الآخر " وما ~~خلفهم " من أمر الآخرة فدعوهم إلى التكذيب وإنكار البعث. # وقال الزجاج: زينوا (لهم ما بين أيديهم من أمر الآخرة أنه لا بعث ولا ~~جنة ولا نار، وما خلفهم من أمر الدنيا وأن الدنيا قديمة، ولا صانع إلا ~~الطبائع والأفلاك. وقيل: ما بين أيديهم أعمالهم التي يعملونها وما خلفهم ~~ما يعزمون أن يعملوه. # وقال ابن زيد: مابين أيديهم ما مضى من أعمالهم الخبيثة (وما بقي من ~~أعمالهم الخسيسة)). # فصل # دلت هذه الآية على أنه تعالى يريد الكفر من الكافر؛ لأنه تعالى قيض ~~لهم قرناء فزينوا لهم الباطل، وهذا يدل على أنه تعالى أراد منهم الكفر. # وأجاب الجبائي بأن قال: لو أراد المعاصي لكانوا بفعلها مطيعين؛ لأن ~~الفاعل لما يريده منه غيره يجب أن يكون مطيعا له. وأجاب ابن الخطيب: ~~بأنه لو كان من فعل ما أراده غيره مطيعا له لوجب أن يكون الله مطيعا ~~لعباده إذا فعل ما أرادوه فهذا إلزام الشيء على نفسه وإن أردت غيره فلا ~~بد من بيانه حتى ينظر فيه هل يصح أم لا. # قوله: " في أمم " نصب على ms7652 الحال من الضمير في " عليهم " ~~والمعنى كائنين في جملة أمم، وهذا كقوله (شعرا): # 4364 إن تك عن أحسن الصنيعة مأ # فوكا ففي آخرين قد أفكوا # أي في جملة قوم آخرين. وقيل: في بمعنى " مع ". # فصل # احتج أهل السنة بأنه تعالى أخبر أن هؤلاء حق عليهم القول فلو لم يكونوا ~~كفارا لانقلب هذا الخبر الحق باطلا، وهذا العلم جهلا، وهذا الخبر ~~الصدق كذبا، وكل ذلك محال، ومستلزم المحال محال فثبت أن صدور الإيمان ~~وعدم صدور الكفر عنهم محال. # قوله (تعالى): { وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا ~~القرآن والغوا فيه... } الآية اعلم أن الكلام ابتداء من قوله ~~تعالى: # وقالوا قلوبنا في أكنة # [فصلت:5] إلى قوله: # إننا عاملون # [فصلت:5]. # وأجاب الله تعالى عن تلك الشبهة واتصل الكلام إلى هذا الموضع، ثم إنه ~~تعالى حكى عنهم شبهة أخرى فقال: { وقال الذين كفروا لا ~~تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه } العامة على فتح ~~الغين وهي تحتمل وجهين: # أحدهما: أن تكون من " لغي " بالكسر يلغى، وفيها معنيان: # أحدهما: من ألغى إذا تكلم باللغو وهو ما لا فائدة فيه. # والثاني: أنه من لغى بكذا أي رمى به فتكون " في " بمعنى الباء أي ارموا ~~به وانبذوه. # والثاني: من الوجهين الأولين: أن يكون من " لغا " بالفتح أيضا حكاه ~~الأخفش، وكان قياسه الضم كغزا يغزو، ولكنه فتح لأجل حرف الحلق. وقرأ ~~قتادة وأبو حيوة وأبو السمال والزعفراني وابن أبي إسحاق وعيسى بضم الغين، ~~من لغا بالفتح يلغو كدعا يدعو، وفي الحديث: # " فقد لغوت " # وهنذا موافق لقراءة غير الجمهور. # فصل # قال ابن عباس رضي الله عنهما : يعني الغطوا فيه، كان بعضهم يوصي ~~بعضا: إذا رأيتم محمدا يقرأ فعارضوه بالرجز والشعر واللغو. # قال مجاهد: والغوا في بالمكاء والصفير. وقال الضحاك: أكثروا الكلام ~~فيختلط عليه ما يقول؛ وقال السدي صيحوا في وجهه. " لعلكم ~~تغلبون " على قراءته، وهذا جهل منهم لأنهم في الحال أقروا بأنهم ~~مشتغلين باللغو والباطل من العمل والله تعالى ينصر محمدا بفضله ولما ذكر ~~الله تعالى هددهم بالعذاب الشديد وقال { فلنذيقن الذين ms7653 ~~كفروا عذابا شديدا } وهذا تهديد شديد؛ لأن لفظ الذوق إنما بذكر ~~في القدر القليل الذي يؤتى به لأجل التجربة، ثم إنه تعالى ذكر أن ذلك ~~الذوق عذاب شديد، فإن كان القليل منه عذابا شديدا فكيف يكون حال ~~الكثير منه؟! ثم قال: { ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا ~~يعملون } قال أكثر العلماء: المراد بالأسوأ أي أقبح أعمالهم لأنهم ~~أحبطوها بالكفر فضاعت أعمالهم الحسنة، ولم يبق معهم إلا الأعمال القبيحة ~~فلا جرم لم يحصلوا إلا على السيئات. ### || [41.28-31] # قوله تعالى: " ذلك " فيه وجهان: # أحدهما: أنه مبتدا و " جزاء " خبره. # والثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف أي: الأمر ذلك و { جزآء أعدآء ~~الله النار } جملة مستقلة مبينة للجملة قبلها. # (قوله): " النار " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها بدل من " جزاء " وفيه نظر؛ إذ البدل يحل محل المبدل منه ~~فيصير التقدير ذلك النار. # الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر. # الثالث: أنه مبتدأ و { لهم فيها دار الخلد } الخبر، و " دار ~~" يجوز ارتفاعها بالفاعلية أو الابتداء. # وقوله: { فيها دار الخلد } يقتضي أن يكون " دار الخلد " غير ~~النار، وليس كذلك بل النار هي نفس دار الخلد. وأجيب عن ذلك: بأنه قد يجعل ~~الشيء ظرفا لنفسه باعتبار متعلقه على سبيل المبالغة، لأن ذلك المتعلق ~~صار مستقرا له، وهو أبلغ من نسبة المتعلق إليه على سبيل الإخبار به عنه. ~~ومثله قول الآخر: # 4365........................... # وفي الله إن لم تنصفوا حكم عدل # وقوله تعالى: # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة # [الأحزاب:21] والرسول هو نفس الأسوة. كذا أجابوا. وفيه نظر؛ إذ الظاهر ~~وهو معنى صحيح منقول أن في النار دارا تسمى دار الخلد، والنار محيطة ~~بها. # قوله: " جزاء " في نصبه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه منصوب بفعل مقدر، وهو مصدر مؤكد، أي يجزون جزاء. # الثاني: أن يكون منصوبا بالمصدر الذي قبله، وهو جزاء أعداء الله. ~~والمصدر ينصب بمثله كقوله # فإن جهنم جزآؤكم جزاء # [الإسراء:63]. # الثالث: أن ينتصب على أنه مصدر واقع موقع الحال و " بما " متعلق " ~~بجزاء " الثاني إن لم يكن مؤكدا وبالأول إن كان (مؤكدا) ms7654 و " ~~بآياتنا " متعلق بيجحدون. # فصل # لما قال: # ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون # [فصلت:27] بين أن ذلك الأسوأ الذي جعل جزاء أعداء الله هو النار، ثم ~~قال: { لهم فيها دار الخلد } ، أي لهم في جملة النار دار ~~معينة، وهي دار العذاب الخلد، { جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون } أي ~~يبلغون في القراءة، وسماه جحدا؛ لأنهم لما علموا أن القرآن بالغ إلى حد ~~الإعجاز خافوا من أنه لو سمعه الناس لآمنوا به فاستخرجوا (تلك) الطريقة ~~الفاسدة وذلك يدل على أنهم علموا كونه معجزا وأنهم جحدوا حسدا. # قال الزمخشري: " أي بما كانوا يلغون، فذكر الجحود؛ لأنه سبب اللغو " ~~انتهى. # يعني أنه من باب إقامة السبب مقام المسبب، وهو مجاز سائغ. # قوله: { وقال الذين كفروا ربنآ أرنا الذين ~~أضلانا.... } الآية تقدم الخلاف في " أرنا " وفي نون اللذين ~~وقال الخليل: إذا قلت: أرني ثوبك فمعناه بصرنيه، وبالسكون أعطنيه. # فصل # لما بين أن الذي حملهم على الكفر الموجب للعقاب الشديد مجالسة قرناء ~~السوء بين أن الكفار (عند الوقوع في العذاب الشديد) في النار يقولون: { ~~ربنآ أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس } ~~ومعناه أن الشيطان على نوعين جني وإنسي. # قال تعالى: # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس ~~والجن # [الأنعام:112] وقال: # الذى يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس # [الناس:56] وقيل: هما إبليس وقابيل بن آدم الذي قتل أخاه؛ لأن الكفر ~~سنة إبليس والقتل بغير حق سنة قابيل فهما سنا المعصية. { نجعلهما ~~تحت أقدامنا } في النار { ليكونا من الأسفلين } قال ~~مقاتل: يكونون أسفل منا في النار. وقال الزجاج: ليكونا في الدرك الأسفل. ~~وقال بعض الحكماء: المراد باللذين يضلان الشهو والغضب والمراد ~~بجعلهما تحت أقدامهم كونهما مسخرين للنفس مطيعين لها، وأن لا يكونا ~~مستوليين عليها قاهرين لها. # قوله تعالى: { إن الذين قالوا ربنا الله ثم ~~استقاموا } الآية. لما ذكر الوعيد أردفه بذكر الوعد كما هو الغالب. ~~واعلم أن " ثم " لتراخي الرتبة في الفضيلة سئل أبو بكر الصديق رضي ~~الله عنه عن الاستقامة فقال: أن لا تشرك بالله شيئا. وقال ms7655 عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه : الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي، ولا ~~تروغ روغات الثعلب. وقال عثمان رضي الله عنه أخلصوا العمل. ~~وقال علي رضي الله عنه أدوا الفرائض. وقال ابن عباس رضي الله عنه ~~ استقاموا على أداء الفرائض. وقال الحسن (رضي الله عنه) استقاموا ~~على أمر الله بطاعته واجتنبوا معصيته. وقال مجاهد وعكرمة استقاموا على ~~شهادة أن لا إله إلا الله حتى لحقوا بالله. وقال قتادة: كان الحسن إذا ~~تلا هذه الآية قال: اللهم فارزقنا الاستقامة. # قوله: { تتنزل عليهم الملائكة } قال ابن عباس (رضي ~~الله عنهما) عند الموت. وقال مقاتل وقتادة: إذا قاموا من قبورهم. وقال ~~وكيع بن الجراح: البشرى تكون في ثلاثة مواطن، عند الموت وفي القبر وعند ~~البعث. # قوله: { أن لا تخافوا } يجوز في " أن " أن تكون المخففة، أو ~~المفسرة، أو الناصبة و " لا " ناهية على الوجهين الأولين، ونافية على ~~الثالث. وقد تقدم ما في ذلك من الإشكال. فالتقدير بأن لا تخافوا أي ~~بانتفاء الخوف. وقال أبو البقاء: التقدير: بأن لا تخافوا، أو قائلين أن ~~لا تخافوا فعلى الأول: هو حال، أي نزلوا بقولهم: لا تخافوا. وعلى الثاني: ~~الحال محذوفة. قال شهاب الدين: يعني الباء المقدرة حالية، فالحال غير ~~محذوفة وعلى الثاني الحال هو القول المقدر وفيه تسامح، وإلا فالحال ~~محذوفة في الموضعين، وكما قام المقول مقام الحال كذلك قام الجار مقامها. ~~وقرأ عبد الله " لا تخافوا " بإسقاط " أن " وذلك على إضمار القول، أي: ~~يقولون لا تخافوا. # فصل # { أن لا تخافوا } من الموت. قال مجاهد: لا تخافون على ما تقدمون ~~عليه من أمر الآخرة ولا تحزنوا على ما خلفتم من أهل وولد، فإنا نخلفكم ~~في ذلك كله. وقال عطاء ابن أبي رباح: لا تخافوا ولا تحزنوا على ذنوبكم ~~فإني أغفرها لكم. # قوله: { وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون }. # فإن قيل: البشارة عبارة عن الخبر الأول بحصول المنافع، فأما إذا أخبر ~~الرجل بحصول المنفعة ثم أخبر ثانيا بحصولها كان الإخبار الثاني إخبارا ~~ولا يكون بشارة، والمؤمن قد يسمع ms7656 بشارات الخير، فإذا سمع المؤمن هذا ~~الخبر من الملائكة وجب أن يكون هذا إخبارا ولا يكون بشارة، فما السبب ~~في تسمية هذا الخبر بشارة؟. # فالجواب: أن المؤمن قد يسمع بشارات الخير، (فإذا سمع المؤمن هذا الخبر ~~من الملائكة وجب أن يكون هذا إخبارا ولا يكون بشارة! قلنا: المؤمن يسمع ~~أن من كان مؤمنا تقيا) كان له الجنة أما إذا لم (يسمع) ألبتة أنه من ~~أهل الجنة فإذا سمع هذا الكلام من الملائكة كان أخبارا بنفع عظيم مع أنه ~~هو الخبر الاول فكان ذلك بشارة. # واعلم أن هذا الكلام يدل على أن المؤمن عند الموت وفي القبر وعند البعث ~~(لا) يكون فازعا من الأهوال ومن الفزع الشديد (بل يكون آمن الصدر لأن ~~قوله: { ألا تخافوا ولا تحزنوا } يفيد نفي الخوف، والحزن ~~على الإطلاق). # قوله تعالى: { نحن أوليآؤكم في الحياة الدنيا وفي ~~الآخرة } وهذا في مقابلة ما ذكره في وعيد الكفار حيث قال: # وقيضنا لهم قرنآء فزينوا # [فصلت:25]. قال السدي: تقول الملائكة نحن الحفظة الذين كنا معكم في ~~الدنيا (ونحن أولياؤكم في الدينا) ونحن أولياؤكم في الآخرة أي لا نفارقكم ~~حتى تدخلوا الجنة. { ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم } من ~~الكرامات واللذات { ولكم فيها ما تدعون } أي تتمنون. # فإن قيل: هلى هذا التفسير لا فرق بين قوله: { ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ~~} و { ولكم فيها ما تدعون } قال ابن الخطيب: والأقرب عندي أن قوله: { ~~ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم } إشارة إلى الجنة الروحانية المذكورة في ~~قوله # دعواهم فيها سبحانك اللهم # [يونس:10] الآية. ### || [41.32-35] # قوله: " نزلا " فيه أوجه: # أحدها: أنه منصوب على الحال من الموصول، أو من عائده، والمراد بالنزل ~~الرزق المعد للنازل كأنه قيل ولكم فيها الذي تدعونه حال كونه معدا. # الثاني: أنه حال من فاعل " تدعون " أو من الضمير في " لكم " على ~~أن يكون نزلا جمع نازل كصابر وصبر وشارف وشرف. # والثالث: أنه مصدر مؤكد، وفيه نظر، لأن المصدر " نزل " النزول لا النزل. ~~وقيل: هو مصدر أنزل. # قوله: { من غفور رحيم } يجوز ms7657 أن يكون تعلقه بمحذوف على أنه صفة " لنزلا ~~" في " لكم " من الاستقرار أي استقر لكم من جهة غفور رحيم، وأن يتعلق بما ~~تعلق به الظرف في " لكم " من الاستقرار أي استقر لكم من جهة غفور رحيم. # قال أبو البقاء: فيكون حالا من ما. قال شهاب الدين: وهذا البناء منه ~~ليس بواضح بل هو متعلق بالاستقرار فضلة كسائر الفضلات، وليس حالا من " ~~ما ". # قوله تعالى: { ومن أحسن قولا ممن دعآ إلى الله... ~~} الآية قال ابن سيرين والسدي: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ دعا إلى شهادة أن لا إله إلا الله وقال الحسن: هو المؤمن الذي أجاب ~~الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب إليه، وعمل صالحا في إجابته وقال ~~إنني من المسلمين. وقالت عائشة رضي الله عنها إن هذه الآية نزلت في ~~المؤذنين. وقال عكرمة: هو المؤذن. وقال أبو أمامة الباهلي: وعمل ~~صالحا: ركعتين بين الأذان والإقامة. وقال قيس بن أبي حازم: هو الصلاة ~~بين الأذان والإقامة. # قوله: { وقال إنني من المسلمين } العامة على إنني ~~بنونين. وابن أبي عبلة وابن نوح بنون واحدة. قوله تعالى: " ولا السيئة ~~" في " لا " هذه وجهان: # أحدهما: أنها زائدة للتوكيد، كقوله: # ولا الظل ولا الحرور # [فاطر:21] وكقوله: # ولا المسيء # [غافر:58]، لأن استوى لا يكتفي بواحد. # والثاني: أنها مؤسسة غير مؤكدة؛ إذ المراد بالحسنة والسيئة الجنس، أي ~~لا تستوي الحسنات في أنفسنا فإنها متفاوته، ولا تستوي السيئات أيضا، ~~فرب واحدة أعظم من أخرى، وهو مأخوذ من كلام الزمخشري، وقال أبو حيان: ~~" إن أخذت الحسنة والسيئة جنسا لم يكن زيادتها كزيادتها في الوجه الذي ~~قبل هذا ". قال شهاب الدين: " فقد جعلها في المعنى الثاني زائدة، وفيه ~~نظر لما تقدم ". # فصل # قال المفسرون: المراد بالحسنة الصبر، وبالسيئة الغضب. وقيل: الحلم ~~والجهل. وقيل: العفو والإساء. قال ابن الخطيب: لما حكى الله تعالى عنهم ~~قولهم: " قلوبنا في أكنة " وإصرارهم الشديد على دينهم، وعدم ~~التأثر بدلائل محمد صلى الله عليه وسلم ثم أطنب في الجواب عن ~~شبهاتهم ثم رغب ms7658 محمدا صلى الله عليه وسلم في أن لا يترك الدعوة إلى ~~الله بقوله: # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا # [فصلت:30] فلهم الثواب العظيم، ثم ترقى من تلك الدرجة إلى درجة ~~أخرى، وهي أن الدعوة إلى الله تعالى أعظم الدرجات، ثم كأن سائلا (سأل ~~ف) قال: إن الدعوة إلى الله، وإن كانت طاعة عظيمة، إلا أن الصبر ~~على سفاهة الكفار شديدة، فذكر الله تعالى ما يصلح لأ، يكون دافعا ~~لهذا الإشكال فقال: { ولا تستوي الحسنة ولا السيئة }. # والمراد بالحسنة دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الحق، والصبر ~~على جهالة الكفار، وترك الانتقام وترك الالتفات إليهم؛ والمراد بالسيئة ~~ما أظهروا من الجلافة في قولهم: " قلوبنا في أكنة " وقوله: # لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه # [فصلت:26] فكأنه قال: يا محمد فعلك حسنة، وفعلهم سيئة، ولا تستوي ~~الحسنة (ولا السيئة) أنت إذا أتيت بهذه الحسنة استوجبت التعظيم في الدنيا ~~والثواب في الآخرة، وهم بالضد من ذلك، فلا ينبغي أن يكون إقدامهم على ~~تلك السيئة مانعا لك من الاشتغال بهذه الحسنة. ثم قال { ادفع ~~بالتي هي أحسن } يعني ادفع سفاهتهم وجهالتهم بالطريق التي هي ~~أحسن الطرق. قال ابن عباس رضي الله عنهما أمر بالصبر عند الغضب، ~~وبالحلم عند الجهل، وبالعفو عن الإساءة. والمعنى أنك إذا صبرت على سوء ~~أخلاقهم مرة بعد أخرى ولم تقابل سفاهتهم بالغضب استحيوا من تلك الأخلاق ~~المذمومة وتركوا أفعالهم القبيحة، وانقلبوا من العداوة إلى المحبة، ومن ~~البغضاء إلى المودة فقال: { فإذا الذي بينك وبينه ~~عداوة } يعني إذا فعلت ذلك خضع لك عدوك { كأنه ولي حميم ~~} أي كالصديق القريب، قال مقاتل بن حيان: نزلت في أبي سفيان بن حرب، ~~وذلك لأنه لان للمسلمين بعد شدة عداوته بالمصاهرة التي حصلت بينه وبين ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أسلم فصار وليا بالإسلام وحميما ~~بالقرابة. # قوله: " كأنه ولي " في هذه الجملة التشبيهية وجهان: # أحدهما: أنها في محل نصب على الحال، والموصول مبتدأ، و " إذا " التي ~~للمفاجأة خبره والعامل في هذا الظرف من ms7659 الاستقرار هو العامل في هذا ~~الحال. ومحط الفائدة في هذا الكلام (هي الحال والتقدير: فبالحضرة ~~المعادي مشبها القريب الشفوق. # والثاني: أن الموصول مبتدأ) أيضا، والجملة بعده خبره، و " إذا " ~~معمولة لمعنى التشبيه والظرف يتقدم على عامله المعنوي. هذا إن قيل: إنها ~~ظرف. # فإن قيل: إنها حرف فلا عامل. # قوله: " وما يلقاها " العامة على يلقاها من التلقية. ~~وابن كثير في رواية وطلحة بن مصرف يلاقاها من الملاقاة، ~~فالضمير للخصلة أو الكلمة، (أو الجنة أو شهادة التوحيد. # فصل # لما أرشد الله تعالى إلى الطريق النافع في الدين والدنيا) قال: { وما ~~يلقاها إلا الذين صبروا } (قال الزجاج: " وما ~~يلقى هذه الفعلة إلا الذين صبروا) على تحمل المكاره ~~وتجرح الشدائد وكظم الغيظ، وترك الانتقام. { يلقاهآ إلا ذو ~~حظ عظيم } من الفضائل النفسانية. وقال قتادة الحظ العظيم الجنة، أي ~~وما يلقاها إلا من وجبت له الجنة. ### || [41.36-39] # قوله تعالى: { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ... } ~~الآية. تقدم تفسيرها في آخر سورة الأعراف. قال الزمخشري: النزغ ~~والنسغ بمعنى واحد وهو شبه النخس والشيطان ينزغ الإنسان كأنه ينخسه ~~يبعثه على ما لا ينبغي. والمعنى وإن صرفك الشيطان عما شرع لك من الدفع ~~بالتي هي أحسن فاستعذ بالله من شره " إنه هو السميع " لاستعاذتك وأقوالك ~~" العليم " بأفعالك وأحوالك. # قوله تعالى: { ومن آياته الليل والنهار... } الآية لما ~~بين تعالى في الآية المتقدمة أن أحسن الأعمال والأقوال هو الدعوة إلى ~~الله تعالى وهي عبارة عن تنوير الدلائل الدالة على ذات الله وصفاته، ومن ~~جملتها العالم بجميع أجزائه فبدأ هاهنا بذكر الفلكيات وهي الليل ~~والنهار، والشمس والقمر، وقدم ذكر الليل على ذكر النهار تنبيها على أن ~~الظلمة عدم، والنور وجود، والعدم سابق على الوجود، وهذا كالتنبيه على ~~وجود الصانع وتقدم شرحه مرارا. ولما بين أن الشمس والقمر يحدثان وهما ~~دليلان على وجود الإله القادر قال { لا تسجدوا للشمس ولا ~~للقمر } يعني أنهما عبدان دليلان على وجود الإله (القادر) والسجود ~~عبارة عن نهاية التعظيم وهو لا يليق إلا بمن كان أشرف الموجودات فقال: ms7660 { ~~لا تسجدوا للشمس ولا للقمر } لأنهما عبدان مخلوقان، واسجدوا لله الخالق ~~القادر الحكيم. # قوله: " خلقهن " في هذا الضمير ثلاثة أوجه: # أحدهما: أنه يعود على " الليل والنهار والشمس والقمر ". وفي مجيء الضمير ~~كضمير الإناث (كما قال الزمخشري هو أن جمع ما لا يعقل حكمه حكم الأنثى ~~أو الإناث) نحو: الأقلام بريتها وبريتهن. # وناقشه أبو حيان: من حيث إنه لم يفرق بين جمع القلة والكثرة في ذلك؛ لأن ~~الأفصح في جمع القلة أن يعامل معاملة الإناث، وفي جمع الكثرة أن يعامل ~~معاملة الأنثى، فالأفصح أن يقال: الأجذاع كسرتهن، والجذوع كسرتها، ~~والذي تقدم في هذه الآية ليس بجمع قلة أعني بلفظ واحد ولكنه ذكر أربعة ~~متعاطفة فتنزلت منزلة الجمع المعبر به عنها بلفظ واحد. قال شهاب ~~الدين: والزمخشري ليس في مقام بيان الفصيح والأفصح بل في مقام كيفية مجيء ~~الضمير ضمير إناث بعد تقدم ثلاثة أشياء مذكرات وواحد مؤنث والقاعدة تغليب ~~المذكر على المؤنث أو لما قال: " ومن آياته " كن في معنى ~~الآيات فقيل: خلقهن. ذكر الزمخشري أيضا أنه يعود على لفظ الآيات ~~وهذا هو الوجه الثاني. # الثالث: أنه يعود على الشمس والقمر؛ لأن الاثنين جمع، والجمع مؤنث ~~لقولهم: " شموس وأقمار ". # وقال البغوي: إنما قال خلقهن بالتأنيث لأنه أجراها على طريق جمع ~~التكسير، ولم يجر على طريق التغليب للمذكر على المؤنث. # قوله: { إن كنتم إياه تعبدون } قيل: كان ناس يسجدون للشمس ~~والقمر كالصابئين في عبادتهم الكواكب ويزعمون أنه يقصدون بالسجود لهما ~~السجود لله، فنهوا عن هذه الواسطة وأمروا أن لا يسجدوا إلا لله الذي ~~خلق هذه الأشياء. # قوله: { فإن استكبروا } أي عن السجود { فالذين عند ~~ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا ~~يسأمون } لا يملون. # فإن قيل: إن الذين يسجدون للشمس والقمر يقولون نحن أقل وأذل من أن ~~يحصل لنا أهلية لعبادة الله تعالى ولكنا عبيد للشمس والقمر وهما ~~عبدان لله تعالى، وإذا كان قولهم هكذا فكيف يليق بهم أنهم استكبروا عن ~~السجود لله تعالى؟!. # فالجواب: ليس المراد من الاستكبار ههنا ما ذكرتم ms7661 بل المراد استكبارهم ~~عن قبول قولك يا محمد بالنهي عن السجود للشمس والقمر. # فصل # قال ابن الخطيب ليس المراد بهذه العندية قرب المكان، بل يقال: عند ~~الملك من الجند كذا وكذا، ويدل عليه قوله: # " أنا عند ظن عبدي بي " # وأنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي في مقعد صدق عند ملك ~~مقتدر، ويقال: عند الشافعي: أن المسلم لا يقتل بالذمي. # فصل # دلت هذه الآية على أن الملك أفضل من البشر؛ لأنه إنما يستدل ~~بحال الأعلى على الأدنى فيقال: هؤلاء القوم إن استكبروا عن طاعة فلان، ~~فالأكابر يخدمونه. # فإن قيل: وصف الملائكة بأنهم يسبحون له بالليل والنهار لا يفترون، وهذا ~~يدل على مواظبتهم على التسبيح لا ينفكون عنه لحظة واحدة كما قال: # يسبحون الليل والنهار لا يفترون # [الأنبياء:20] واشتغالهم بهذا العمل على سبيل الدوام يمنعهم من الاشتغال ~~بسائر الأعمال لكنهم ينزلون على الأرض، كما قال تعالى # نزل به الروح الأمين على قلبك # [الشعراء:193194] وقال # ونبئهم عن ضيف إبراهيم # [الحجر:51] وقال # عليها ملائكة غلاظ شداد # [التحريم:6] وقال عن الذين قاتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يوم بدر # يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة ~~مسومين # [آل عمران:125]. # فالجواب: أن الذين ذكرهم الله ههنا بكونهم مواظبين على التسبيح أقوام ~~معينون من الملائكة. # فصل # اختلفوا في مكان السجدة فقال الشافعي رحمه الله هو عند قوله تعالى ~~" إياه تعبدون " وقال أبو حنيفة رضي الله : هو عند قوله ~~تعالى " وهم لا يسأمون ". # قوله: " ومن آياته " أي ومن دلائل قدرته أنك ترى الأرض خاشعة أي ~~يابسة غير الإنبات فيها { فإذآ أنزلنا عليها المآء ~~اهتزت وربت } ، أي تحركت بالنبات، وربت انتفخت؛ لأن ~~النبت إذا قرب أن يظهر ارتفعت له الأرض وانتفخت ثم تصدعت عن النبات. # واعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل الأربعة الفلكية أتبعها بذكر الدلائل ~~الأرضية وهي هذه الآية ثم قال: { إن الذي أحياها لمحى ~~الموتى } يعنى أن القادر على إحياء الأرض بعد موتها هو القادر على ~~أحياء هذه الأجساد بعد موتها. ثم قال: { إنه على كل ms7662 شيء ~~قدير } وهذا هو الدليل الأصلي وتقدم تقريره مرارا. ### || [41.40-43] # قوله تعالى: { إن الذين يلحدون في ءاياتنا } الآية ~~لما بين أن الدعوة إلى دين الله تعالى أعظم المناصب، وأشرف المراتب، ثم ~~بين أن الدعوة إنما تحصل بذكر دلائل التوحيد والعدل وصحة البعث ~~والقيامة عاد إلى تهديد من ينازع في تلك الآيات، ويجادل بإبقاء الشبهات ~~فيها فقال: إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا، يقال: ألحد ~~الحافر ولحد إذ مال عن الاستقامة فحفر في شق فالملحد، هو ~~المنحرف، ثم اختص في العرف بالمنحرف عن الحق إلى الباطل قال ~~مجاهد: يلحدون في آياتنا بالمكاء والتصدية واللغو واللغط. وقال ~~قتادة: يكذبون في آياتنا. وقال السدي: يعاندون ويشاقون { لا يخفون ~~علينآ } وهو كقول الملك المهيب: إن الذين ينازعون في ملكي أعرفهم ~~فإن ذلك (لا) لا يكون تهديدا. ثم قال: { أفمن يلقى في النار ~~خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة } وهذا استفهام ~~بمعنى التقرير، والغرض منه التنبيه على أن الملحدين في الآيات ~~يلقون في النار، وأن المؤمنين بالآيات يأتون آمنين يوم القيامة. قال ~~المفسرون: المراد حمزة، وقيل: عثمان، وقيل: عمار بن ياسر. ثم قال: { ~~اعملوا ما شئتم } وهذا أمر تهديد ووعيد أيضا، { إنه بما ~~تعملون بصير } أي عالم بأعمالكم فيجازيكم. # قوله: { إن الذين كفروا } في خبرها ستة أوجه: # أحدها: أنه مذكور، وهو قوله " أولئك ينادون " وقد سئل بلال بن ~~أبي بردة عن ذلك في مجسله فقال: لا أجد لها معادا، فقال له أبو عمرو ~~بن العلاء: إنه منك لقريب أولئك ينادون. وقد استبعد هذا من وجهين: # أحدهما: كثرة الفواصل. # والثاني: تقدم من يصح الإشارة إليه بقوله: " أولئك " وهو قوله: " ~~والذين لا يؤمنون " واسم الإشارة يعود على أقرب مذكور. # الثاني: أنه محذوف لفهم المعنى فقدر: معذبون، أو مهلكون، أو ~~معاندون. وقال الكسائي: سد مسده ما تقدم من الكلام قبل " إن " وهو ~~قوله { أفمن يلقى في النار }. يعني في الدلالة عليه، والتقدير ~~يخلدون في النار، وقال البغوي: يجازون بكفرهم. وسأل عيسى ~~بن عمر عمرو بن ms7663 عبيد عن ذلك فقال معناه في التفسير: إن الذين كفروا ~~بالذكر لما جاءهم كفروا به، فقدر الخبر من جنس الصلة. وفيه نظر من حيث ~~اتحاد الخبر والمخبر عنه في المعنى من غير زيادة فائدة، نحو: سيد ~~الجارية مالكها. # الثالث: أن " إن الذين " الثانية بدل من " إن الذين " ~~الأولى المحكوم به على البدل محكوم به على المبدل منه فيلزم أن يكون ~~الخبر { لا يخفون علينآ } وهو منتزع من كلام الزمخشري. # الرابع: أن الخير قوله: { لا يأتيه الباطل من بين ~~يديه ولا من خلفه } والعائد محذوف تقديره لا يأتيه الباطل ~~منهم، نحو: " السمن منوان بدرهم " أي منوان منه أو يكون " أل " ~~عوضا من الضمير في رأي الكوفيين، تقديره: " إن الذين كفروا ~~بالذكر لا يأتيه باطلهم ". # الخامس: أن الخبر قوله تعالى: { ما يقال لك } والعائد محذوف ~~أيضا تقديره: إن الذين كفروا بالذكر ما يقال لك في شأنهم ~~إلا ما قد قيل للرسل من قبلك. وهذان الوجهان ذهب إليهما أبو حيان. # والسادس: قال بعض الكوفيين: إنه قوله: { وإنه لكتاب } وهذا غير ~~متعقل. # قوله: { وإنه لكتاب عزيز } جملة حالية، وقوله { لا ~~يأتيه الباطل } صفة " لكتاب " ، و " تنزيل " خبر مبتدأ ~~محذوف، أو صفة لكتاب على أن " لا يأتيه " معترض أو صفة كما تقدم ~~على رأي من يجوز تقديم غير الصريح من الصفات على الصريح، وتقدم تحقيقه في ~~المائدة. و " من حكيم " صفة " لتنزيل " أو متعلق به و " الباطل " اسم ~~فاعل، وقيل: مصدر كالعاصفة والعاقبة. # فصل # لما بلغ في تهديد الملحدين في آيات القرآن أتبعه تعظيم القرآن فقال: { ~~وإنه لكتاب عزيز } قال الكلبي عن أبن عباس رضي الله عنهم ~~: أي كريم على الله. وقال قتادة: أعزه الله تعالى لا يجد الباطل إليه ~~سبيلا. قال قتادة والسدي: الباطل هو الشيطان لا يستطيع أن يغيره أو يزيل ~~فيه أو ينقص منه. وقال الزجاج: معناه أنه محفوظ من أن ينقص منه ~~فيأتيه الباطل من بين يديه أو يزاد فيه فيأتيه الباطل من خلفه، وعلى ~~هذا فمعنى الباطل هو الزيادة والنقصان. ms7664 وقال مقاتل: لا يأتيه التكذيب من ~~الكتب التي قبله، ولا يأتي بعده كتاب فيبطله (و) قال الزمخشري هذا ~~تمثيل والمقصود أن الباطل لا يتطرق إليه ولا يجد إليه سبيلا من جهة من ~~الجهات حين يصل إليه. # فصل # اعلم أن لأبي مسلم الأصفهاني أن يحتج بهذه الآية على أنه لم يوجد ~~النسخ فيه؛ لأن النسخ إبطال، فلو دخل النسخ فيه لكان قد أتاه الباطل من ~~خلفه وهذا خلاف الآية. ثم قال: { تنزيل من حكيم حميد } أي ~~حكيم في جميع أفعاله حميد إلى جميع خلقه بسبب كثرة نعمه. # قوله تعالى: { ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من ~~قبلك }... الآية لما هدد الملحدين في آيات الله ثم بين شرف آيات ~~الله وعلو درجة كتاب الله تعالى رجع إلى أمر رسوله بأن يصبر على أذى ~~قومه، وأن لا يضيق قلبه بسبب ما حكاه عنهم في أول السورة وهو قولهم: # قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه # [فصلت:5] إلى قوله: # فاعمل إننا عاملون # [فصلت:5] فقال: { ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك } أي إنهم ~~قالوا للأنبياء قبلك: ساحر، وكذبوهم كما كذبت. وقيل: المراد ما قال ~~لك إلا مثل ما قال لسائر الرسل وهو أنه أمرك وأمرهم بالصبر على سفاهة ~~الأقوام. # قوله: { إن ربك لذو مغفرة } قيل: هو مفسر للمقول كأنه ~~قيل: قيل للرسل إن ربك لذو مغفرة وقيل: هو مستأنف ومعناه لذو مغفرة لمن ~~تاب وآمن بك، وذو عقاب أليم لمن أصر على التكذيب. ### || [41.44-47] # قوله: { ولو جعلناه } أي جعلنا هذا الكتاب الذي يقرؤه على الناس ~~قرآناه أعجميا بغير لغة العرب { لقالوا لولا فصلت ~~آياته } أي هلا بينت آياته بالعربية حتى نفهمها. # قوله: " أأعجمي " قرأ الأخوان وأبو بكر بتحقيق الهمزة، وهشام ~~بإسقاط الأولى، والباقون: بتسهيل الثانية بين بين. وأما المد فقد ~~عرف حكمه من قوله: # أأنذرتهم # [البقرة:6] في أول الكتاب. فمن استفهم قال معناه أكتاب أعجمي ورسول ~~عربي؟. وقيل: ومرسل إليه عربي؟ وقيل: معناه (أ) بعضه أعجمي وبعضه عربي؟ ~~ومن لم ms7665 يثبت همزة الاستفهام فيحتمل أنه حملها لفظا وأرادها معنى، وفيه ~~توافق القراءتين، إلا أن ذلك لاي يجوز عند الجمهور إلا إذا كان في الكلام ~~" أم " نحو: بسبع رمين الجمر أم بثمان. # فإن لم يكن " أم " لم يجز إلا عند الأخفش. وتقدم ما فيه. # ويحتمل أن يكون جعله خبرا محضا ويكون معناه: هلا فصلت آياته فكان ~~بعضها أعجميا يفهم العجم وبعضه عربيا يفهمه العرب. والأعجمي من لا ~~يفصح، وإن كان من العرب وهو منسوب إلى صفته، كأحمري، ودواري؛ فالياء ~~فيه للمبالغة في الوصف وليس فيه حقيقيا. وقال الرازي في لوامحه: فهو ~~كياء كرسي وبختي. # وفرق أبو حيان بينهما فقال: ليست كياء كرسي، فإن ياء كرسي وبختي ~~بنيت الكلمة عليها بخلاف ياء " أعجمي " فإنهم يقولون: رجل أعجم ~~وأعجمي. # وقرأ عمرو بن ميمون أعجمي بفتح العين وهو منسوب إلى العجم والياء ~~فيه للنسب حقيقة، ويقال: رجل عجمي وإن كان فصحيا. وقد تقدم الفرق ~~بينهما في سورة الشعراء. وفي رفع أعجمي ثلاثة أوجه: # أحدهما: أنه مبتدأ والخبر محذوف تقديره أعجمي وعربي يستويان. # والثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو أي القرآن أعجمي والمرسل به عربي. # والثالث: أنه فاعل فعل مضمر، أي أيستوي عجمي وعربي. إذ لا يحذف ~~الفعل إلا في مواضع تقدم بيانها. # فصل # قال المفسرون: هذا استفهام على وجه الإنكار، لأنهم كانوا يقولون: ~~المنزل عليه عربي، والمنزل أعجمي وذلك أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان يدخل على يسار غلام عامر بن الحضرمي وكان يهوديا ~~أعجميا يكنى أبا فكيهة، فقال المشركون: إنما يعلمه يسار فضربه سيده ~~وقال: إنك تعلم محمدا فقال يسار: هو يعلمني، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية. وقال ابن الخطيب: نقلوا في نزول هذه الآية أن الكفار لأجل التعنت ~~قالوا: هلا نزل القرآن بلغة العجم فنزلت هذه الآية. وعندي: أن أمثال هذه ~~الكلمات فيها حذف عظيم على القرآن، لأن يقتضي ورود آيات لا تعلق للبعض ~~فيها بالبعض، وأنه يوجب أعظم أنواع الطعن فكيف يتم مع التزام مثل هذه ~~الطعن ادعاه ms7666 كونه كتابا منتظما؟! فضلا عن ادعاء كونه معجزا؛ بل ~~الحق عندي أن هذه السورة من أولها إلى آخرها كلام واحد على ما حكى الله ~~عنهم من قولهم { قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذننا وقر } وهذا ~~الكلام متعلق به أيضا وجواب له والتقدير: إنا لو أنزلنا هذا القرآن بلغة ~~العجم لكان لهم أن يقولوا: كيف أرسلت الكلام العجمي إلى القوم العرب؟ ~~ويصح لهم أن يقولوا: قلوبنا في أكنة من هذا الكلام، وفي آذاننا وقر منه ~~لأنا لا نفهمه ولا نحيط بمعناه. # أما لما نزل هذا الكتاب بلغة العرب وبألفاظهم وأنتم من أهل هذه اللغة ~~فكيف يمكنكم ادعاء أن قلوبكم في أكنة منها وفي آذانكم وقر منها؟! فظهر ~~أنا إذا جعلنا هذا الكلام جوابا عن ذلك الكلام بقيت السورة من أولها إلى ~~آخرها على أحسن وجوه النظم، وأما على الوجه الذي يذكره الناس فهو عجيب ~~جدا. # قوله: { قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء } أي قل يا محمد ~~هو يعني القرآن للذين آمنوا هدى وشفاء هدى من الضلالة وشفاء لما في ~~القلوب. وقيل: شفاء من الأوجاع. قال ابن الخطيب: هذا متعلق بقولهم: # قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه # [فصلت:5]...الآية كأنه تعالى يقول: إن هذا الكلام أرسلته إليكم بلغتكم ~~لا بلغة أجنبية عنكم فلا يمكنكم أن تقولوا قلوبنا في أكنة منه بسبب جهلنا ~~هذه اللغة فكل من أعطاه الله تعالى طبعا مائلا إلى الحق، وقلبا داعيا ~~إلى الصدق وهمة تدعوه إلى بذل الجهد في طلب الدين فإن هذا القرآن يكون ~~في حقه هدى وشفاء. أما كونه هدى فإنه إذا أمكنه الاهتداء فقد حصل ~~الهدى، وذلك شفاء لهم من مرض الكفر والجهل، وأما من غرق في بحر الخذلان ~~وشغف بمتابعة الشيطان فكأن هذا القرآن عليهم عمى، كما قال: # ومن بيننا وبينك حجاب # [فصلت:5] أولئك ينادون من كان بعيد بسبب ذلك الحجاب الحائل بينه وبين ~~الانتفاع ببيان القرآن وكل من أنصف ولم يتعسف علم أن التفسير على هذا ~~الوجه الذي ذكرناه أولى مما ذكروه؛ ms7667 لأن السورة نتصير من أولها إلى آخرها ~~كلاما واحدا منتظما منسوقا نحو غرض واحد. # قوله: { والذين لا يؤمنون } فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون مبتدأ و " في آذانهم " خبره و " وقر " فاعل، أو " ~~في آذانهم " خبر مقدم و " وقر " مبتدأ مؤخر، فالجملة خبر الأول. # الثاني: أن " وقرا " خبر مبتدأ مضمر، والجملة خبر الأول، والتقدير ~~والذين لا يؤمنون هو وقر في آذانهم. لما أخبر عنه بأنه هدى لأولئك أخبر ~~عنه أنه وقر في آذان هؤلاء وعمى عليهم، قال معناه الزمخشري. ولا حاجة ~~إلى الإضمار مع تمام الكلام بدونه. # الثالث: أن يكون " الذين لا يؤمنون " عطفا على " الذين آمنوا " و " ~~وقر " عطف على " هدى ". # وهذا باب العطف على معمولي عاملين وفيه مذاهب تقدم تحريرها. # قوله: " عمى " العامة على فتح الميم المنونة، وهو مصدر لعمي يعمى ~~عمى، نحو: صدي يصدى صدى وهوي يهوى هوى. وقرأ ابن عباس، ~~وابن عمر، وابن الزبير وجماعة عم بكسرها منونة اسما منقوصا، وصف ~~بذلك مجازا. وقرأ عمرو بن دينار، ورويت عن ابن عباس: " عمي " بكسر ~~الميم وفتح الياء فعلا ماضيا. وفي الضمير وجهان: # أظهرهما: أنه القرآن. # والثاني: أنه للوقر، والمعنى يأباه و " في آذانهم " إن تجعله خبرا تعلق ~~بمحذوف على أنه حال منه لأنه صفة في الأصل، ولا يتعلق به لأنه مصدر، فلا ~~يتقدم معموله عليه وقوله: { وهو عليهم عمى } كذلك في قراءة ~~العامة وأما في القراءتين المتقدمتين فيتعلق " على " بما بعده إذ ليس ~~بمصدر. قال أبو عبيد: والأولى هي الوجه، لقوله: { هدى وشفآء } ~~وكذلك " عمى " وهو مصدر مثلهما ولو كان المذكور أنه هاد وشاف لكان ~~الكسر في " عمي " أجود، فيكون نعتا لهما. # فصل # قال قتادة: عموا عن القرآن وصموا عنه، فلا ينتفعون به. { أولئك ~~ينادون من مكان بعيد } قال ابن عباس رضي الله عنهما يريد مثل البهيمة ~~التي لا تفهم إلا دعاء ونداء. # وقيل: من دعي من كان بعيد لم يسمع وإن سمع لم يفهم فكذا حال هؤلاء، وهذا ~~مثل لقلة انتفاعهم بما يوعظون به. # قوله تعالى: ms7668 { ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه } ~~وجه تعلقه بما قبله كأنه قيل: إنا لما آتينا موسى الكتاب فقبله بعضهم ~~ورده آخرون فكذلك آتيناك هذا الكتاب، فقبله بعضهم وهم أصحابك، ورده ~~آخرون وهم الذين يقولون: قلوبنا في أكنة مما تدعوننا إليه. ثم قال: { ~~ولولا كلمة سبقت من ربك } يعني في تأخير العذاب عنهم { ~~إلى أجل مسمى } وهو يوم القيامة { لقضي بينهم } يعني ~~المصدق والمكذب بالعذاب الواقع أي لفرغ من عذابهم وعجل إهلاكهم { ~~وإنهم لفي شك منه } من صدقك وكتابك " مريب " موقع لهم ~~الريبة، فلا ينبغي أن يعظم استيحاشك من قولهم: { قلوبنا في أكنة مما ~~تدعونا إليه }. ثم قال: { من عمل صالحا فلنفسه ومن ~~أسآء فعليها } يعني خفف على نفسك إعراضهم فإنهم إن آمنوا فنفع ~~إيمانهم يعود عليهم وإن كفروا فضرر كفرهم يعود عليهم فالله سبحانه وتعالى ~~يوصل إلى كل أحد ما يليق بعمله من الجزاء { وما ربك بظلام ~~للعبيد }. # قوله: " فلنفسه " يجوز أن يتعلق بفعل مقدر أي فلنفسه عمله، وأن يكون ~~خبر مبتدأ مضمر أي فالعامل الصالح لنفسه. وقوله " فعليها " مثله. ~~ثم قال: { وما ربك بظلام للعبيد } والكلام على نظيره قد ~~تقدم في سورة آل عمران عند قوله: # وأن الله ليس بظلام للعبيد # [آل عمران:182]. # قوله (تعالى): { إليه يرد علم الساعة } لما هدد الكفار ~~بقووله: { من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها } ومعناه أن جزاء كل أحد ~~يصل إليه يوم القيامة، فكأن سائلا قال: ومتى يكون ذلك اليوم؟ فقال ~~تعالى: إنه لا سبيل للخلق إلى معرفة وقت ذلك اليوم ولا يعلمه إلا الله ~~فقال: إليه يرد علم الساعة وهذه الكلمة تفيد الحصر، أي لا يعلم وقت ~~الساعة بعينه إلا الله تعالى وكذلك العلم بحدوث الحوادث المستقبلة في ~~أوقاتها المعينة ليس إلا عند الله، ثم ذكر من أمثلة هذا الباب مثالين: # أحدهما: قوله: { وما تخرج من ثمرات من أكمامها }. # والثاني: قوله: { وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا ~~بعلمه }. # قوله: { وما تخرج من ثمرات } ما هذه يجوز أن تكون نافية وهو ~~الظاهر ms7669 وأن تكون موصولة جوز ذلك أبو البقاء، ولم يبين وجهه، وبيانه ~~أنها مجرورة المحل عطف على الساعة أي (علم الساعة) وعلم التي تخرج، و " ~~من ثمرات " على هذا حال، أو تكون " من " للبيان، و " من " الثانية ~~لابتداء الغاية. وأما الثانية فنافية فقط. قال أبو البقاء: لأنه عطف ~~عليها " ولا تضع " ثم نقض النفي بإلا ولو كانت بمعنى الذي معطوف على ~~الساعة لم يجز ذلك. # وقرأ نافع وابن عامر " ثمرات " ويقويه أنها رسمت بالتاء ~~الممطوطة والباقون ثمرة بالإفراد، والمراد بها الجنس، فإن كانت " ما " ~~نافية كانت " من " مزيدة في الفاعل، وإن كانت موصولة كانت للبيان كما ~~تقدم. والأكمام جمع " كم " بكسر الكاف؛ كذا ضبطه الزمخشري، وهو ما يغطي ~~الثمرة كجف الطلع. وقال الراغب: الكم ما يغطي اليد من القميص وما ~~يغطي الثمرة وجمعه: أكمام، وهذا يدل على أنه مضموم الكاف؛ إذ جعله ~~مشتركا بين " كم " القميص، و " كم " الثمرة، ولا خلاف في " كم " ~~القميص بالضم فيجوز أن يكون في وعاء الثمرة لغتان، دون " كم " القميص ~~جمعا بين قوليهما. وأما أكمة فواحدها " كمام " كأزمة وزمام. # قال أبو عبيدة: أكمامها أوعيتها وهي ما كانت فيه الثمرة واحدها كم ~~وكمة. قال ابن عباس (رضي الله عنهما): يعني الكفرى قبل أن تنشق. ~~{ وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه } أي ~~إليه يرد علم الساعة كما يرد إليه علم الثمار والنتاج. # قوله: { ويوم يناديهم أين شركآئي } أي بحسب زعمكم ~~واعتقادكم. (و) فتح ابن كثير ياء شركائي. { قالوا آذناك } قال ~~ابن عباس (رضي الله عنهما): أسمعناك، كقوله # وأذنت لربها وحقت # [الإنشقاق:2]، يعني سمعت. # وقال الكلبي: أعلمناك، قال ابن الخطيب: وهذا بعيد؛ لأن أهل القيامة ~~يعلمون أن الله تعالى يعلم الأشياء علما واجبا، فالإعلام في حقه محال. # قوله: { ما منا من شهيد } هذه الجملة المنفية معلقة " لآذناك "؛ ~~لأنهما بمعنى أعلمناك، قال: # 4366 آذنتنا ببينها أسماء # رب ثاو يمل منه الثواء # وتقدم الخلاف في تعليق أعلم. و " من " للغاية. والصحيح وقوعه سماعا ~~من العرب. وجوز أبو حاتم أن ms7670 يوقف على " آذناك " وعلى " ظنوا " ~~ويبتدأ بالنفي بعدهما على سبيل الاستئناف. و " منا " خبر مقدم. و " ~~من شهيد " مبتدأ، ويجوز أن يكون " من شهيد " فاعلا بالجار ~~قبله؛ لاعتماده على النفي. # فصل # في معنى الآية وجوه: # قيل: ليس أحد منا يشهد بأن لك شريكا لما عاينوا العذاب تبرأوا من ~~الأصنام. # وقيل: معناه ما منا أحد يشاهدهم لأنهم ضلوا عنهم وضلت عنهم آلهتهم فلا ~~يبصرونها في ساعة التوبيخ وقيل: هذا كلام الأصنام كأن الله يجيبها، ثم ~~إنها تقول: " ما منا من أحد يشهد " بصحة ما أضافه إلينا من ~~الشركة، وعلى هذا التقدير فمعنى ضلالهم عنهم أنهم لا ينفعونهم وهي معنى ~~قوله: # وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل # [فصلت:48]. ### || [41.48-54] # قوله تعالى: { وظنوا ما لهم من محيص } كقوله: { ما ~~منا من شهيد } ومعناه: أنهم أيقنوا أنهم لا محيص لهم عن النار أي ~~مهرب، وهذا ابتداء كلام من الله تعالى. # قوله تعالى: { لا يسأم الإنسان من دعآء الخير }... ~~الآية لما بين تعالى من حال هؤلاء الكفار (أنهم) بعد أن كانوا مصرين على ~~القول بإثبات الشركاء والأضداد لله في الدنيا تبرأوا عن تلك الشركاء في ~~الآخرة بين أن الإنسان في جميع الأوقات متغير الأحوال، فإن أحس بخير ~~وقدرة تعاظم، وإن أحس ببلاء ومحنة ذل. والمعنى أن الإنسان في حال ~~الإقبال لا ينتهي إلى درجة إلا ويطلب الزيادة عليها، وفي مجال الإدبار ~~والحرمان يصير آيسا قانطا. وفي قوله " يئوس قنوط " مبالغة من ~~وجهين: # أحدهما: من طريق فعول. # والثاني: من طريق التكرار. # واليأس من صفة القلب، والقنوط أن يظهر آثار اليأس في الوجه والأحوال ~~الظاهر. ثم بين تعالى أن الذي صار آيسا قانطا لو عاودته النعمة ~~والدولة وهو قوله: { ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ~~ضرآء مسته } فإنه يأتي بثلاثة أنواع من الأقوايل الفاسدة ~~الموجبة للكفر والبعد عن الله. # فالأول: قوله { ليقولن هذا لي } وهو جواب القسم لسبقه الشرط، ~~وجواب الشرط محذوف كما تقدم تقريره. # وقال أبو البقاء: ليقولن جواب الشرط والفاء محذوفة. قال شهاب الدين ms7671 ~~(رحمه الله) وهو لايجوز إلا في شعر كقوله: # 4367 من يفعل الحسنات الله يشكرها # ........................... # حتى إن المبرد يمنعه في الشعر، ويروى البيت: # 4368 من يفعل الخير فالرحمن يشكره # فصل # معنى قوله: " هذا لي " أي هذا حقي وصل إلي؛ لأني استوجبته بعلمي ~~وعملي، ولا يعلم المسكين أن أحدا لا يستحق على الله شيئا، لأنه إن ~~كان عاريا من الفضائل، فكلامه ظاهر الفساد، وإن كان موصوفا بشيء من ~~الفضائل والصفات الحميدة فهي إنما حصلت بفضل الله تعالى وإحسانه، فيثبت ~~بهذا فساد قوله: إنما حصلت هذه الخيرات بسبب استحقاقي. # النوع الثاني من كلامه الفاسد: قوله: { ومآ أظن الساعة ~~قآئمة } ، والمعنى أنه يكون شديد الرغبة في الدنيا عظيم النفرة عن ~~الآخرة فإذا آل الأمر إلى أحوال الدنيا يقول: إنها لي، وإذا آل الأمر ~~إلى الآخرة يقول: وما أظن الساعة قائمة. # النوع الثالث: من كلامه الفاسد: قوله: { ولئن رجعت إلى ~~ربي إن لي عنده للحسنى } أي أن هذا الكافر يقول: لست ~~على يقين من البعث وإن كان الأمر على ذلك ورددت إلى ربي إن لي عنده ~~الحسنى أي الجنة، كما أعطاني في الدنيا سيعطيني في الآخرة: ولما حكى الله ~~عنهم هذه الأقوال الثلاثة الفاسدة قال: { فلننبئن الذين ~~كفروا بما عملوا } قال ابن عباس رضي الله عهما : لنوقفنهم ~~على مساوىء أعمالهم { ولنذيقنهم من عذاب غليظ } وهذا ~~في مقابلة قوله: { إن لي عنده للحسنى }. # ولما حكى الله تعالى أقوال الذي أنعم عليه بعد وقوعه في الآفات حكى ~~أفعاله أيضا فقال: { وإذآ أنعمنا على الإنسان أعرض ~~ونأى بجانبه } أي أعرض عن التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق ~~الله. { ونأى بجانبه } أي تعاظم، ثم إن مسه الضر والفقر أقبل على ~~دوام الدعاء وأخذ في الابتهال والتضرع. ومعنى " عريض " كبير. والعرب ~~تستعمل الطول والعرض في الكثرة، يقال: أطال فلان الكلام ~~والدعاء وأعرض أي أكثر. # قوله تعالى: (قل أرأيتم) تقدم الكلام عليها، ومفعولها الأول هنا ~~محذوف، تقديره أرأيتم أنفسكم والثاني هو الجملة الاستفهامية. # فصل # ومعنى الآية إنكم لما سمعتم هذا القول ms7672 القرآن أعرضتم عنه، وما تأملتهم ~~فيه وبالغتم في النفرة عنه حتى قلتم قلوبنا في أكنة مما تدعوننا إليه ~~وفي آذاننا وقر ومن المعلوم بالضرورة أنه ليس العلم بكون القرآن باطلا ~~وليس العلم فساد القول بالتوحيد والنبوة علما بديهيا فقيل: الدليل ~~يحتمل أن يكون صحيحا، وأن يكون فسادا، فبتقدير أن يكون صحيحا كان ~~إصراركم على دفعة من أعظم موجبات العقاب فيجب عليكم أن تتركوا هذه ~~النفرة، وأن ترجعوا إلى النظر والاستدلال فإن دل دليل على صحته ~~قبلتموه، وإن دل دليل على فساده تركتموه، وقبل الدليل فالإصرار على ~~الدفع والإعراض بعيد عن العقل. # فقوله: { ممن هو في شقاق بعيد } موضوع موضع بيان حالهم ~~وصفتهم. # ولما ذكر هذه الوجوه الكثرة في تقرير التوحيد والنبوة آجاب عن شبهات ~~المشركين فقال: { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ~~} الآفاق جمع أفق وهو الناحية. نقل النووي في التهذيب قال أهل ~~اللغة: الآفاق النواحي، الواحد أفق بضم الهمزة والفاء، وأفق ~~بإسكان الفاء قال الشاعر (رحمه الله): # 4369 لو نال حي من الدنيا بمنزلة # أفق السماء لنالت كفه الأفقا # وهو كأعناق في عنق، أبدلت همزته ألفا. ونقل الراغب أنه يقال: ~~أفق بفتح الهمزة والفاء فيكون كجبل وأجبال. وأفق فلان أي ذهب ~~في الآفاق. والآفق الذي بلغ نهاية الكرم تشبيها في ذلك بالذاهب في ~~الآفاق. والنسبة إلى الأفق أفقي بفتحهما . ويحتمل أن نسب إلى ~~المفتوح ثم استغنوا بذلك عن النسبة إلى المضموم، وله نظائر. قال النووي: ~~قالوا: والنسبة إليه أفقي بضم الهمزة والفاء وبفتحهما لغتان ~~مشهورتان. # فصل # قال ابن عباس (رضي الله عنهما ): معنى قوله سنريهم آياتنا في الآفاق ~~أي منازل الأمم الخالية وفي أنفسهم بالبلاء والأمراض. وقال قتادة: يعني ~~وقائع الله تعالى في الأمم الخالية وفي أنفسهم يوم بدر. وقال مجاهد ~~والحسن والسدي: ما يفتح الله من القرى على محمد صلى الله عليه وسلم ~~والمسلمين وفي أنفسهم: فتح مكة. # فإن قيل: حمل الآية على (هذا) الوجه بعيد؛ لأن أقصى ما في الباب أن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم استولى ms7673 على البلاد المحيطة بمكة ثم استولى على ~~مكة إلا أن الاستيلاء على بعض البلاد لا يدل على كون المستولي محقا فإنا ~~نرى بعض الكفار قد يستولي على بلاد المسلمين وعلى مولكهم (وهذا لا يدل ~~على كونهم) محقين. # فالجواب: أنا لا نستدل بمجرد استيلاء محمد عليه الصلاة والسلام على ~~تلك البلاد على كونه محقا في ادعاء النبوة، بل يستدل به من حيث إنه صلى ~~الله عليه وسلم أخبر عن أنه سيستولي عليها ويقهر أهلها وهذا إخبار عن ~~الغيب، وقد وقع مخبره مطابقا لخبره، فيكون هذا إخبارا صدقا عن ~~الغيب فيكون معجزا فبهذا الطريق يستدل بحصول هذا الاستيلاء على كون هذا ~~الدين حقا. وقال عطاء وابن زيد: في الآفاق يعني أقطار السموات والأرض من ~~الشمس والقمر والنجوم، وآيات الليل والنهار، والأضواء، والظلال والظلمات ~~والنبات والأشجار والأنهار، وفي أنفسهم من لطيف الصنعة، وبديع الحكمة، في ~~كيفية تكوين الأجنة في ظلمات الأرحام، وحدوث الأعضاء العجيبة، والتركيبات ~~الغريبة، كقوله: # وفي أنفسكم أفلا تبصرون # [الذاريات:21] يعني نريهم هذه الدلائل { حتى يتبين لهم ~~أنه الحق } من عند الله يعني محمدا صلى لله عليه وسلم، وأنه ~~مرسل من عند الله. # فإن قيل: هذا الوجه ضعيف، لأن قوله تعالى { سنريهم آياتنا } ~~يقتضي أنه تعالى ما أطلعهم على تلك الآيات إلى الآن وسيطلعهم عليها بعد ~~ذلك، والآيات الموجودة في العالم الأعلى والأسفل قد أطلعهم عليها قبل ذلك ~~فيعتذر حمل اللفظ على هذا الوجه. # فالجواب: أن القوم وإن كانوا قد رأوا هذه الأشياء إلا أن العجائب (التي ~~أودعها الله تعالى في هذه الأشياء مما لا نهاية لها فهو تعالى ~~يطلعهم على تلك العجائب زمانا فزمانا؛ لأن كل أحد رأى بنية الإنسان ~~وشاهدها، إلا أن العجائب) إلى أبدعها الله تعالى في تركيب هذا البدن ~~كثيرة وأكثر الناس لا يعرفونها، والذي وقف على شيء منها كلما أزداد ~~وقوفا على تلك العجائب ازداد يقينا وتعظيما، وكذلك التركيبات ~~(الفلكية أيضا). # والأولى أن يقال: إن كان المراد بقوله: { حتى يتبين لهم ~~أنه الحق } وهو الرسول فقول ms7674 مجاهد أولى وإن كان المراد به الدين ~~والتوحيد فهذا أولى. # قوله: { أولم يكف بربك } فيه وجهان: # أحدهما: أن الباء مزيدة في الفاعل، وهذا هو الراجح، والمفعول محذوف، أي ~~أو لم يكف ربك. # وفي قوله: { أنه على كل شيء شهيد } وجهان: # أحدهما: أنه بدل من " بربك " فيكون مرفوع المحل، مجرور اللفظ كمتبوعه. # والثاني: أن الأصل بأنه، تم حذف الجار فجرى الخلاف. # الثاني من الوجهين الأولين: أن يكون " بربك " هو المفعول و " أنه " ~~وما بعده هو الفاعل، أي أو لم يكف ربك شهادته. # وقرىء: " إنه على كل " " بالكسر " ، وهو على إضمار القول أو على ~~الاستئناف. # فصل # اعلم أن قوله " بربك " في موضع الرفع على أنه فاعل كما تقدم ومعناه: ~~أو لم يكفهم أن ربك على كل شيء شهيد، أي شهيدا على الأشياء لأنه خلق ~~الدلائل الدالة عليها. # وقال مقاتل: أو لم يكف بربك شاهدا أن القرآن من الله عز وجل. قال ~~الزجاج: معنى الكفاية ههنا أن الله عز وجل قد بين من الدلائل ما فيه ~~كفاية. # قوله: { ألا إنهم في مرية من لقآء ربهم } أي في ~~شك من البعث والقيامة. وقرأ أبو عبد الرحمن والحسن في مرية بضم ~~الميم وقد تقدم أنها لغة في المكسورة الميم. # ثم قال: { ألا إنه بكل شيء محيط } أي عالم بكل ~~المعلومات (التي لا نهاية لها فيعلم بواطن الكفر وظواهرهم ويجازي كل واحد ~~على فعله). # فإن قيل: الإحاطة مشعرة بالنهاية، وهذا يقتضي أن يكون معلومه ~~متناهيا!. # فالجواب: أن قوله: { بكل شيء محيط } يقتضي أن يكون عمله بكل ~~شيء محيطا أي بكل واحد من الأشياء وهذا يقتضي أن يكون واحد منها ~~متناهيا لا كون مجموعها متناهيا والله أعلم. # روى الثعلبي في تفسيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من قرأ حم السجدة أعطاه الله من الأجر بكل حرف منها عشر حسنات ~~". ### | [42 - سورة الشورى] ### || [42.1-10] # قوله تعالى: " حم عسق " تقدم الكلام في أمثال هذه الفواتح. # وسئل الحسين بن الفضل: لم قطع حم عسق ولم يقطع كهيعص ms7675 فقال: لأنها سور ~~أوائلها " حم " فجرت مجرى نظائرها. كأن " حم " مبتدأ " عسق " خبره، ~~ولأنهما عدا آيتين وأخواتها مثل: كهيعص، والمص والمر عدت آية واحدة. ~~وقيل: لأن أهل التأويل لم يختلفوا في كهيعص، وأخواتها، لأنها حروف التهجي ~~لا غير. # واختلفوا في " حم " فأخرجها بعضهم من حيز الحروف، وجعلها فعلا. وقيل: ~~معناه حم أي قضي ما هو كائن. روى عكرمة عن ابن عباس (رضي الله ~~عنهما) أنه قال: " ح " حلمه " م " مجده " ع " علمه، " س " سناؤه، " ق " ~~قدرته أقسم الله بها. وقال شهر بن حوشب وعطاء بن أبي رباح: " ح " حرب ~~يعز فيها الذليل ويذل فيها العزيز من قريش " م " ملك يتحول من ~~قوم إلى قوم " ع " عدو لقريش يقصدهم " س " سبي يكون فيهم " ق " قدرة ~~الله النافذة في خلقه؛ وروي عن ابن عباس (رضي الله عنهما) أنه ~~قال: ليس من نبي صاحب كتاب إلا وقد أوحيت إليه حم عسق فلذلك قال: يوحى ~~إليك وإلى الذين من قبلك وعلى هذا فقوله { الله العزيز ~~الحكيم } تبيين للفاعل كأنه قال: من يوحي؟ فقيل: الله العزيز الحكيم ~~كما سيأتي. وقرأ ابن عباس وابن مسعود حم سق. # قوله: " كذلك يوحي " القراء على يوحي بالياء من أسفل مبنيا ~~للفاعل، وهو الله تعالى، والعزيز الحكيم نعتان، والكاف منصوبة المحل إما ~~نعتا لمصدر، أو حالا من ضميره، أي يوحي إيحاء مثل ذلك الإيحاء. # وقرأ ابن كثير وتروى عن أبي عمرو يوحى بفتح الحاء مبنيا ~~للمجهول وفي القائم مقام الفاعل ثلاثة أوجه: # أحدها: ضمير مستتر يعود على كذلك، لأنه مبتدأ، والتقدير مثل ذلك ~~الإيحاء يوحى هو إليك. " فمثل ذلك " مبتدأ، و " يوحى إليك " ~~خبره. # الثاني: أن القائم مقام الفاعل " إليك " والكاف منصوبة المحل على ~~الوجهين المتقدمين. # الثالث: أن القائم مقامه الجملة من قوله " الله العزيز " أي يوحى ~~إليك هذا اللفظ. وأصول البصريين لا تساعد عليه؛ لأن الجملة لا تكون ~~فاعلة ولا قائمة مقامه. وقرأ أبو حيوة والأعمش وأبان نوحي بالنون ~~وهي موافقة العامة. ويحتمل أن تكون الجملة من قوله: { الله ms7676 العزيز ~~الحكيم } منصوبة المحل مفعولة بنوحي أي نوحي إليك هذا اللفظ، إلا ~~أن فيه حكاية الجملة بغير القول الصريح. # و " يوحي " على اختلاف قراءته يجوز أن يكون على بابه من الحال ~~والاستقبال فيتعلق قوله: { وإلى الذين من قبلك } بمحذوف ~~لتعذر ذلك تقديره: " وأحي إلى الذين من قبلك " وأن يكون يكون ~~بمعنى الماضي، وجيء به على صورة المضارع لغرض وهو تصوير الحال. # قوله: " الله العزيز " يجوز أن يرتفع بالفاعلية في قراءة العامة، وأن ~~يرتفع بفعل مضمر في قراءة ابن كثير كأنه قيل: من يوحيه؟ فقيل: الله ~~العزيز، كقوله تعالى: # يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال # [النور:36، 37] وقوله: # 4370 ليبك يزيد ضارع لخصومة # وقد مر. وأن يرتفع بالابتداء، وما بعده خبره، والجملة قائمة مقام ~~الفاعل على ما مر، وأن يكون " العزيز الحكيم " خبرين، أو نعتين، ~~والجملة من قوله: { له ما في السماوات } خبر أول أو ثان على ~~حسب ما تقدم في " العزيز الحكيم ". وجوز أبو البقاء يكون " ~~العزيز " مبتدأ، و " الحكيم " خبره، أو نعته و { له ما في ~~السماوات } خبره. # وفيه نظر؛ إذا الظاهر تبعيتها للجلالة. وأنت إذا قلت: " جاء زيد ~~العاقل الفاضل " لا تجعل العامل مرفوعا على الابتداء. # فصل # الكاف في " كذلك " معناه المثل و " ذا " للإشارة إلى شيء سبق ذكره ~~فيكون المعنى مثل حم عسق يوحي إليك وإلى الذين من قبلك، وعند هذا حصل ~~قولان: # أحدهما: ما نقل عن ابن عباس (رضي الله عنهما) أنه قال: لا نبي صاحب كتاب ~~إلا وقد أوحي إليه حم عسق كما تقدم. # قال ابن الخطيب: " وهذا عندي بعيد ". # والثاني: أن يكون مثل الكتاب المسمى بحم عسق يوحى إليك وإلى الذين من ~~قبلك، وهذه المماثلة المراد منها المماثلة في الدعوة إلى التوحيد والنبوة ~~والمعاد، وتقبيح أحوال الدنيا، والترغيب في أمور الآخرة. # قال الزمخشري: لم يقل: أوحي إليك ولكن قال: يوحى إليك على لفظ ~~المضارع ليدل على أن إيحاء مثله عادة وكونه عزيزا بدل على كونه قادرا ~~على ما لا نهاية له وكونه حكيما يدل على ms7677 كونه عالما بجميع المعلومات ~~غنيا عن جميع الحاجيات كما تقدم بيانه في أول سورة " حم " المؤمن. # وقوله: { له ما في السماوات وما في الأرض } يدل على كونه ~~موصوفا بالقدرة الكاملة النافذة في جميع أجواء السموات والأرض على عظمها ~~وسعتها بالإيجاد والإعدام وأن ما في السموات وما في الأرض ملكه وملكه، ~~وهو العلي أي المتعالي عن مشابهة الممكنات العظيم بالقدرة ~~والقهر والاستعلاء. # قوله تعالى: { تكاد السماوات يتفطرن } تقدم الكلام فيه ~~مشبعا في مريم، إلا أن الزمخشري زاد هنا وروى يونس عن أبي عمرو قراءة ~~غريبة تتفطرن بتاءين مع النون. # ونظيرها حرف نادر، روي في نوادر ابن الأعرابي: " الإبل تتشممن ~~". # قال أبو حيان: والظاهر أن هذا وهم، لأن ابن خالويه قال في شاذ القرآن ~~ما نصه " تنفطرن " بالتاء والنون يونس عن أبي عمرو. # قال ابن خالويه: وهذا حرف نادر؛ لأن العرب لا تجمع بين علامتي التأنيث ~~لا يقال: النساء تقمن، ولكن يقمن، والوالدات يرضعن ولا ~~يقال: ترضعن. وقد كان أبو عمر الزاهد روى في نوادر ابن الأعرابي: ~~الإبل تتشممن فأنكرناه، فقد قواه الآن هذا. # قال أبو حيان: فإن كانت نسخ الزمخشري متفقة على قوله: " بتاءين مع ~~النون " فهو وهم، وإن كان في بعضها بتاء مع النون كان موافقا لقول ابن ~~خالويه وكان بتاءين تحريفا من النساخ وكذلك كتبهم تتفطرن وتتشممن ~~بتاءين. انتهى. # قال شهاب الدين: كيف يستقيم أن يكو(ن) كتبهم تتشممن بتاءين وهما وذلك ~~لأن ابن خالويه أورده في معرض الندرة والإنكار حتى يقوى عنده بهذه ~~القراءة، وإنما يكون نادرا منكرا بتاءين، فإنه حينئذ يكون مضارعا ~~مسندا لضمير الإبل، فكان من حقه أن يكون حرف مضارعته ياء منقوطة من ~~أسفل، نحو: النساء يقمن فكان ينبغي أن يقال: الإبل يتشممن بالياء ~~من تحت ثم بالتاء من فوق، فلما جاء بتاءين كلاهما من فوق ظهر ندوره ~~وإنكاره، ولو كان على ما قال أبو حيان: إن كتبهم بتاءين وهما بل كان ~~ينبغي كتبه بتاء واحدة لما كان فيه شذوذ ولا إنكار، لأنه نظير: النسوة ~~تدحرجن ms7678 فإنه ماض مسند لضمير الإناث، وكذا لو كتبت بياء من تحت وتاء من ~~فوق لم يكن فيه شذوذ، ولا إنكار. # وإنما يجيء الشذوذ والإنكار إذا كان بتاءين منقوطتين من فوق، ثم إنه ~~سواء قرىء تتفطرن بتاءين أو بياء ونون، فإنه نادر لما ذكر ابن ~~خالويه، وهذه القراءة لم يقرأ بها في نظيرتها في سورة مريم. # قوله: " من فوقهن " في هذا الضمير ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه عائد على السموات، أي كل واحدة منها تتفطر فوق التي تليها ~~من قول المشريكن: # اتخذ الله ولدا # [الكهف:4] كما في سورة مريم، أي يبتدىء انفطارهن من هذه الجهة " ~~فمن " لابتداء الغاية متعلقة بما قبلها. # الثاني: أنه يعود على الأرضين؛ لتقدم ذكر الأرض. # الثالث: أنه يعود على فرق الكفار والجماعات الملحدين. قاله الأخفش ~~الصغير. وأنكره مكي وقال لا يجوز ذلك في المذكور من بني آدم، وهذا لا ~~يلزم الأخفش فإنه قال على الفرق والجماعات فراعى ذلك المعنى. # فصل # قال الزمخشري: كلمة الكفر إنما جاءت من الذين تحت السموات، وكان ~~القياس أن يقال: ينفطرن من تحتهن (أي) من الجهة التي (تحت) جاءت منها ~~الكلمة، ولكن بولغ في ذلك فجعلت مؤثرة من جهة الفوق، فكأنه قيل: يكون ~~ينفطرن من الجهة التي فوقهن، دع الجهة التي تحتهن. # ونظيره في المبالغة، قوله تعالى: # يصب من فوق رءوسهم الحميم يصهر به ما في ~~بطونهم والجلود # [الحج:19و20]. فجعل مؤثرا في أجزائهم الباطنة. # وقال ابن الخطيب: يعني من فوقهن أي من فوق الجهة التي حصلت هذه السموات ~~فيها، وتلك الجهة هي فوق، فقولهن: من فوقهن أي من الجهة الفوقانية التي ~~هن فيها. # قوله: { والملائكة يسبحون بحمد ربهم } فالتسبيح ~~عبارة عن تنزيه الله تعالى عما لا ينبغي والتحميد عبارة عن وصفه بكونه ~~مفيضا لكل الخيرات. # قوله: { ويستغفرون لمن في الأرض } أي من المؤمنين كما حكى ~~عنهم في سورة المؤمن فقال: # ويستغفرون للذين آمنوا # [غافر:7]. # فإن قيل: (قوله): ويستغفرون لمن في الأرض عام، فيدخل فيهم الكفار وقد ~~لعنهم الله تعالى فقال: # أولئك عليهم لعنة الله ms7679 والملائكة والناس ~~أجمعين # [البقرة:161] فكيف (يكونون) لاعنين لهم ومستغفرين لهم؟! قال ابن الخطيب: ~~والجواب من وجوه: # الأول: أنه عام مخصوص بآية المؤمن كما تقدم. # الثاني: أن قوله { لمن في الأرض } لا يفيد العموم؛ لأنه (لا) يصح ~~أن يقال: إنهم استغفروا لكل من في الأرض وأن يقال: إنهم استغفروا لبعض من ~~في الأرض دون البعض ولو كان صريحا في العموم لما صح ذلك. # الثالث: يجوم أن يكون المراد من الاستغفار أنه لا يعاجلهم بالعقاب، كما ~~في قوله تعالى: # إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا # [فاطر:41] إلى أن قال: # إنه كان حليما غفورا # [فاطر:41]. # الرابع: يجوز أن يقال: إنهم يستغفرون لكل من في الأرض، أما في حق الكفار ~~فبطلب الإيمان لهم وأما في حق المؤمنين فبالتجاوز عن سيئاتهم فإنا نقول: ~~اللهم أهد الكفار، وزين قلوبهم بنور الإيمان وأزل عن خواطرهم وحشة ~~الكفر، وهذا استغفار لهم في الحقيقة. # فصل # قال ابن الخطيب: قوله: " ويستغفرون لمن في الأرض " يدل على أنهم لا ~~يستغفرون لأنفسهم ولو وجد منهم معصية لاستغفروا لأنفسهم قبل استغفارهم ~~لمن في الأرض، فحيث لم يذكر الله عز وجل استغفارهم لأنفسهم علمنا ~~أنهم مبرأون عن كل الذنوب والأنبياء عليهم الصلاة والسلام لهم ~~ذنوب، والذين لا ذنب لهم ألبتة أفضل ممن له ذنب، وأيضا فقوله: " ~~ويستغفرون لمن في الأرض " يدل على أنهم يستغفرون للأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام لأنهم من جملة من في الأرض، وإذا كانوا مستغفرين للأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام كان الظاهر أنهم أفضل منهم. ثم قال تعالى: { ~~ألا إن الله هو الغفور الرحيم } وهذا تنبيه على أن ~~الملائكة وإن كانوا يستغفرون للبشر، إلا أن المغفرة المطلقة لله تعالى ~~وهذا يدل على أنه تعالى يعطي المغفرة التي طلبوها ويضم إليها الرحمة. # قوله: { والذين اتخذوا من دونه أوليآء } أي جعلوا له ~~شركاء وأندادا الله حفيظ عليهم أي رقيب عليهم ويحفظ أعمالهم، وأقوالهم ~~ويحصيها ليجازيهم بها، { ومآ أنت عليهم } يا محمد " بوكيل " ~~أي لم يوكلك بهم ولا أمرهم إليك إنما أنت منذر. # قوله تعالى: ms7680 { وكذلك أوحينآ إليك قرآنا عربيا } ~~في قرآنا وجهان: # أظهرهما: أنه مفعول أوحينا، والكاف للمصدر نعتا أو حالا. # الثاني: أنه حال من الكاف، و الكاف هي المفعول " لأوحينا " أي ~~أوحينا مثل ذلك الإيحاء، وهو قرآن عربي وإليه نحا الزمخشري. وكون الكاف ~~اسما في النثر مذهب الأخفش. # فصل # قال ابن الخطيب: قوله وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا يقتضي تشبيه وحي ~~الله بالقرآن بشيء سبق ذكره، وليس ههنا شيء سبق ذكره يمكن تشبيه وحي ~~القرآن به إلا قوله: { والذين اتخذوا من دونه أوليآء ~~الله حفيظ عليهم ومآ أنت عليهم بوكيل } يعني ~~أوحينا إليك أنك لست حفيظا عليهم ولست وكيلا عليهم وكذلك أوحينا إليك ~~قرآنا عربيا ليكون نذيرا لهم. # قوله: و { لتنذر أم القرى } أي أهل أم القرى؛ لأن البلد ~~لا تعقل. # قوله: { ومن حولها } عطف على أهل المقدر من قبل أم القرى ~~والمفعول الثاني محذوف أي العذاب. # وقرىء: لينذر بالياء من تحت أي القرآن، وأم القرى أصل القرى بمعنى ~~مكة، وسمي بهذا الاسم إجلالا؛ لأن فيها البيت ومقام إبراهيم. والعرب ~~تسمي أصل كل شيء أمة، حتى يقال: هذه القصيدة من أمهات قصائد فلان ~~ومعنى " من حولها " أي قرى الأرض كلها من أهل البدو والحضر وأهل ~~المدر والوبر. والإنذار: التخويف. # قوله: { وتنذر يوم الجمع } أي تنذرهم بيوم الجمع، وهو يوم ~~القيامة، جمع الله فيه الأولين والآخرين وأهل السموات والأرض. وقيل: ~~المراد تجمع الأرواح بالأجساد. وقيل: يجمع بين العامل وعمله وقيل: يجمع ~~بين الظالم والمظلوم. # قوله: { لا ريب فيه } إخبار فهو مستأنف، ويجوز أن يكون حالا من ~~" يوم الجمع " وجعله الزمخشري اعتراضا وهو غير ظاهر صناعة إذ لم ~~يقع بين متلازمين. # قوله: " فريق " العامة على رفعه بأحد وجهين: # إما الابتداء، وخبره الجار بعده، وساغ هذا في النكرة، لأنه مقام تفصيل ~~كقوله: # 4371........................ # فثوب نسيت وثوب أجر # ويجوز أن يكون الخبر مقدرا تقديره منهم فريق. وساغ الابتداء بالنكرة ~~لشيئين: تقديم خبرها جار ومجرورا ووصفها بالجار بعدها، والثاني: أنه خبر ~~ابتداء مضمر إي هم أي المجموعون، دل على ms7681 ذلك يوم الجمع. # وقرأ زيد بن علي: فريقا وفريقا، نصبا على الحال من جملة محذوفة أي ~~افترقوا أي المجموعون. # وقال مكي: وأجاز الكسائي والفراء النصب في الكلام في " فريقا " على ~~معنى: تنذر فريقا في الجنة وفريقا في السعير يوم الجمع وكأنه لم يطلع ~~على أنها قراءة. وظاهر نقله عن هذين الإمامين أنهما لم يطلعا (عليها) ~~وجعل " فريقا " مفعولا أول لتنذر، " ويوم الجمع " مفعولا ثانيا. # وفي ظاهره إشكال وهو أن الإنذار لا يقع للفريقين وهما في الجنة وفي ~~السعير إنما يكون الإنذار قبل استقرارهما فيهما. ويمكن أن يجاب عنه ~~بأن المراد من هو من أهل الجنة ومن أهل السعير، وإن لم يكن حاصلا ~~فيهما وقت الإنذار، و " في الجنة " صفة " فريقا " أو متعلق بذلك ~~المحذوف. # فإن قيل: يوم الجمع يقتضي كون القوم مجتمعين، والجمع بين الصنفين محال!. # فالجواب: أنهم يجتمعون أولا ثم يصيرون فريقين. # قوله تعالى: { ولو شآء الله لجعلهم أمة واحدة } ~~قال ابن عباس ( رضي الله عنهما ) على دين واحد وقال مقاتل: على ~~ملة الإسلام، كقوله: # ولو شآء الله لجمعهم على الهدى # [الأنعام:35] { ولكن يدخل من يشآء في رحمته } أي في ~~دين الإسلام " والظالمون " الكافرون { ما لهم من ولي } ~~يرفع عنهم العذاب " ولا نصير " يمنعهم من النار وهذا تقرير لقوله ~~تعالى: { حفيظ عليهم ومآ أنت عليهم بوكيل } أي أنت ~~لا تقدر أن تحملهم على الإيمان فلو شاء الله لفعله؛ لأنه أقدر منك، ولكنه ~~جعل البعض مؤمنا والبعض كافرا. # قوله تعالى: { أم اتخذوا من دونه أوليآء } أم هذه (هي) ~~أم المنقطعة فتقدر ببل التي للانتقال وبهمزة الإنكار، أو بالهمزة فقط. ~~واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أولا أنهم اتخذوا من دونه أولياء ثم يقال ~~بعده لمحمد عليه الصلاة والسلام : لست عليهم بوكيل أي لا ~~يجب عليك أن تحملهم على الإيمان فإن الله لو شاء لفعله أعاد ذلك الكلام ~~على سبيل الاستنكار. ثم قال: { فالله هو الولي } ، قال ابن ~~عباس (رضي الله عنهما): وليك يا محمد، وولي من اتبعك، والفاء ~~جواب شرط ms7682 مقدر كأنه قال: إن أرادوا أولياء بحق فالله هو الولي، لا ~~ولي سواه؛ لأنه يحيي الموتى { وهو على كل شيء قدير } ~~فهو الحقيق بأن يتخذ وليا دون من لا يقدر على شيء قاله الزمخشري. وقيل: ~~الفاء عاطفة ما بعدها على ما قبلها. # قوله تعالى: { وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى ~~الله } وجه النظم أنه تعالى كما منع الرسول صلى الله عليه وسلم أن ~~يحمل الكفار على الإيمان قهرا فكذلك منع المؤمنين أن يشرعوا معهم في ~~الخصومات والمنازعات فقال: { وما اختلفتم فيه } (من شيء) من ~~أمر الدين فحكمه إلى الله يقضي فيه ويحكم يوم القيامة بالفصل الذي يزيل ~~الريب، وقيل: وما اختلفتم فيه من شيء وتنازعتم فتحاكموا فيه إلى رسول ~~الله صلى لله عليه وسلم ولا يؤثروا حكومة غيره على حكومته. # وقيل: ما وقع بينكم فيه خلاف من الأمور التي لا يصل تكليفكم ولا طريق ~~لكم إلى علمه، فقولوا الله أعلم كما قال تعالى: # ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي # [الإسراء:85]. # قوله: { فحكمه إلى الله } إما أن يكون المراد فحكمه مستفاد من ~~نص الله عليه، أو المراد فحكمه مستفاد من القياس على مان نص الله عليه، ~~والثاني باطل، لأنه يقتضي كون كل الأحكام مثبتة بالقياس وأنه باطل فتعين ~~الأول، فوجب كون كل الأحكام مثبتة بالمعنى، وذلك ينفي العمل بالقياس. # فإن قيل: لايجوز أن يكون المراد فحكمه معروف من بيان الله تعالى سواء ~~كان ذلك البيان بالنص أو القياس؟. # فالجواب: أن المقصود من التحاكم إلى الله قطع الاختلاف والرجوع إلى ~~القياس يقوي حكم الاختلاف ولا يوضحه فوجب أن يكون الواجب هو الرجوع إلى ~~نص الله تعالى. # قوله: { ذلكم الله } أي الذي يحكم بين المختلفين { ربي ~~عليه توكلت } في رفع كيد الأعداء وفي طلب كل خير { وإليه ~~أنيب } أي أرجع إليه في كل المهمات، وهذا يفليد الحصر أي لا أتوكل إلا ~~عليه. ### || [42.11-15] # قوله تعالى: { فاطر السماوات والأرض جعل لكم من ~~أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ~~ليس كمثله ms7683 شيء وهو السميع البصير }. # قوله تعالى: " فاطر " العامة على رفعه خبرا " لذلكم " ، أو نعتا " ~~لربي " على محض إضافته و " عليه توكلت " معترض على هذا، أو مبتدأ خبره " ~~جعل لكم " أو خبر مبتدأ مضمر أي هو. # وقرأ زيد بن علي " فاطر " بالجر، نعتا للجلالة في قوله: " إلى الله ~~" وما بينهما اعتراض أو بدل من الهاء في " عليه " أو " إليه ". # وقال مكي: وأجار الكسائي النصب على البدل، وقال غيره: على المدح ~~ويجوز في الكلام الخفض على البدل من الهاء كأنه لم يطلع على أنها قراءة ~~زيد بن علي. # قوله: { جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام ~~أزواجا } قيل: معناه: جعل لكم من أنفسكم أزواجا أي مثل خلقكم، ~~وأزواجا أي حلائل، وقيل معنى من أنفسكم أي خلق حواء من ضلع آدم، { ~~ومن الأنعام أزواجا } أي أصنافا ذكورا وإناثا. # قوله: { يذرؤكم فيه } أي يكثركم. وقوله: " فيه " يجوز أن تكون " ~~في " على بابها، والمعنى يكثركم في هذا التدبير، وهو أن يجعل الناس ~~والأنعام أزواجا حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد. والضمير في " ~~يذرأكم " للمخاطبين والأنعام، إلا أنه غلب فيه العقلاء من وجهين: # أحدهما: أن غلب فيه جانب العقلاء على غير العقلاء. # الثاني: أنه غلب جانب المخاطبين على الغائبين. # قال الزمخشري: وهي من الأحكام ذات العلتين. قال أبو حيان: وهو اصطلاح ~~غريب يعني أن الخطاب يغلب على الغيبة إذا اجتمعا. ثم قال الزمخشري: فإن ~~قلت: ما معنى يذرأكم في هذا التدبير وهلا قيل: يذرأكم به؟ قلت: جعل هذا ~~التدبير كالمنبع والمعدن للبث والتكثير، ألا تراك تقول للحيوان في خلق ~~الأزواج تكثير، كما قال تعالى: # ولكم في القصاص حياة # [البقرة:179]. وقيل: إنها للسببية كالباء أي يكثركم بسببه، والضمير ~~يعود على الجعل أو للمخلوق. # وقيل: يذرأكم فيه أي يخلقكم في الرحم. وقيل: في البطن. # قوله: { ليس كمثله شيء } في هذه الآية أوجه: # أشهرها: أن الكاف زائدة في خبر ليس، و " شيء " اسمها، والتقدير: ليس ~~شيء مثله. قالوا: ولولا ادعاء زيادتها للزم أن يكون له مثل، وهو محال؛ ~~إذ ms7684 يصير التقدير على أصالة الكاف: ليس (مثل) مثله شيء فنفى المماثلة ~~عن مثله، فثبت أن له مثلا لا مثل لذلك المثل، وهذا محال تعالى الله عن ~~ذلك. # وقال أبو البقاء: لو لم تكن زائدة، لأفضى ذلك إلى المحال؛ إذ كان (يكون) ~~المعنى أن له مثلا وليس لمثله مثل، وفي ذلك تناقض؛ لأنه إذا كان له مثل ~~فلمثله مثل وهو هو، مع أن إثبات المثل لله تعالى محال. # وهذه طريقة حسنة في تقرير زيادة الكاف، وفيها حسن صناعة. # الثاني: أن " مثل " هي الزائدة كزيادتها في قوله تعالى: # بمثل مآ آمنتم به # [البقرة:137] قال الطبري: كما زيدت الكاف في قوله: # 4372 وصاليات ككما يؤثفين # وفي قوله: # 4373 فصيروا مثل كعصف مأكول # وهذا ليس بجيد، لأن زيادة الأسماء ليست بجائزة، وأيضا يصير التقدير: ~~ليس كهو شيء. ودخول الكاف على الضمائر لا يجوز إلا في شعر. # الثالث: أن العرب تقول: " مثلك لا يفعل كذا " يعنون المخاطب ~~نفسه؛ لأنهم يريدون المبالغة في نفي الوصف عن المخاطب فينفونها في اللفظ ~~عن مثله، فثبت انتفاؤها عنه بدليلها ومنه قول الشاعر (رحمة الله عليه) ~~: # 4374 على مثل ليلى يقتل المرء نفسه # وإن بات من ليلى على الناس طاويا # وقال أوس بن حجر: # 4375 # وليس كمثل الفتى زهير # خلق يوازيه في الفضائل # وقال آخر: # 4376 وقتلى كمثل جذوع النخيل # تغشاهم مسبل منهمر # وقال آخر: # 4377 سعد بن زيد إذا أبصرت فضلهم # فما كمثلهم في الناس من أحد # قال ابن قتيبة: العرب تقيم المثل مقام النفس فتقول: " ~~مثلي لا يقال له هذا " أي أنا لا يقال لي. قيل: ونسبة المثل ~~إلى من لا مثل له قولك: فلان يده مبسوطة، يريد: أنه جواد، ولا نظير له ~~في الحقيقة إلى اليد حتى تقول ذلك لمن لا يد له كقوله: # بل يداه مبسوطتان # [المائدة:64]. # الرابع: أن يراد بالمثل الصفة، وذلك أن المثل بمعنى المثل، والمثل الصفة ~~كقوله # مثل الجنة # [محمد:15]، فيكون المعنى ليس مثل صفته تعالى شيء من التي لغيره (وهو ~~محمل سهل). ms7685 # فصل # قال ابن عباس (رضي الله عنهما) معناه ليس له نظير " وهو السميع ~~البصير " أي سامعا للمسموعات بصيرا للمرئيات. # فإن قيل: قوله: { وهو السميع البصير } يفيد الحصر، فما معنى هذا الحصر ~~مع أن العباد أيضا موصوفون بكونهم سميعين بصيرين؟!. # فالجواب: " السميع البصير " لفظان مشعران بحصول هاتين الصفتين على سبيل ~~الكمال والكمال في كل الصفات وليس إلا الله، فهذا هو المراد من هذا ~~الحصر. # قوله تعالى: { له مقاليد السماوات والأرض } أي مفاتيح ~~الرزق في السموات والأرض، قال المفسرون: مفاتيح السموات: الأمطار. ~~ومقاليد الأرض: النبات وتقدم الكلام على المقاليد في الرمز. { يبسط ~~الرزق لمن يشآء ويقدر } لأن مفاتيح الأرزاق بيده { إنه ~~بكل شيء } من البسط والتقدير " عليم ". # قوله تعالى: { شرع لكم من الدين... } الآية لما عظم وحيه ~~إلى محمد عليه الصلاة والسلام بقوله: { كذلك يوحي إليك وإلى ~~الذين من قبلك الله العزيز الحكيم } ذكر في هذه الآية تفصيل ذلك فقال: { ~~شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا } أي بين لكم من ~~الدين يا أصحاب محمد ما وصى به نوحا وهو أول أنبياء الشريعة. # قال مجاهد: أوصيناك وإياه يا محمد دينا واحدا { والذي ~~أوحينآ إليك } من القرآن وشرائع الإسلام { وما وصينا ~~به إبراهيم وموسى وعيسى } إنما خص هؤلاء الأنبياء الخمسة ~~بالذكر لأنهم كانوا أكابر الأنبياء وأصحاب الشرائع العظيمة والأتباع ~~الكثيرة. # واختلفوا في الموصى به، فقال قتادة: تحليل الحلال وتحريم الحرام، وقال ~~الحكم: تحريم الأمهات والبنات والأخوات. وقال مجاهد: لم يبعث الله تعالى ~~نبيا إلا وهداه بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والإقرار لله بالطاعة، فذلك ~~دينه الذي شرع لهم. وقيل: هو التوحيد والبراءة من الشرك. وقيل: هو ما ذكر ~~من بعد في قوله: { أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ~~} بعث الأنبياء كلهم بإقامة الدين والألفة والجماعة وترك الفرقة ~~والمخالفة. # فصل # قال ابن الخطيب: في لفظ الآية إشكالات: # أحدها: قال في أول الآية: { ما وصى به نوحا } وفي آخرها: { ~~وما وصينا به إبراهيم } وفي وسطها { والذي ~~أوحينآ إليك } فما فائدة هذا التفاوت؟. # وثانيها: ذكر نوحا ms7686 على سبيل الغيبة فقال: { ما وصى به نوحا } ~~وقال { وما وصينا به إبراهيم }. # وثالثها: تقدير الآية شرع لكم من الدين الذي أوحينا إليك. وهذا يقتضي ~~الجمع بين خطاب الغيبة وخطاب الحضور في الكلام الواحد بالاعتبار الواحد، ~~وهو مشكل، وهذه مضايق يجب البحث عنها والقوم ما داروا حولها بالجملة. # واعلم أن المقصود من الآية أن يقال: شرع لكم من الدين دينا تطابقت ~~الأنبياء على صحته، فيجب أن يكون المراد من هذا الدين شيئا مغايرا ~~للتكاليف والأحكام؛ لأنها مختلفة متفاوتة، قال تعالى: # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا # [المائدة:48] فوجب أن يكون المراد منه (الأمور) التي لا تختلف باختلاف ~~الشرائع، وهو الإيمان بالله، وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، (وأصول ~~الدين). # فصل # استدل بعضهم بقوله: { شرع لكم من الدين ما وصى به ~~نوحا } على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في أول الأمر متعبدا ~~بشريعة نوح عليه الصلاة والسلام ، وأجيب: بأنه عطف عليه سائر ~~الأنبياء، فدل ذلك على أن المراد هو الأخذ بالشريعة المتفق عليها بين ~~الكل. # قوله: { أن أقيموا الدين } يجوز فيها أوجه: # أحدها: أن تكون مصدرية في محل رفع على خبر مبتدأ مضمر، كأنه قيل: وما ~~ذلك المشروع؟ فقيل: هو إقامة الدين المشروع توحيد الله. # الثاني: أنها في محل نصب بدلا من الموصول، كأنه قيل: شرع لكم ما وصى ~~به نوحا توحيد الله. # الثالث: أنها في محل جر بدلا من الدين. # الرابع: أنها في محل جر أيضا. بدلا من الهاء. # الخامس: أن تكون مفسرة؛ لأنه قد تقدمها ما هو بمعنى القول. # قوله: { كبر على المشركين ما تدعوهم إليه } من ~~التوحيد، ورفض الأوثان. # قوله: " الله يجتبي " أي يصطفي { إليه من يشآء } يهدي إليه ~~من يشاء يصطفي لدينه من عباده من يشاء { ويهدي إليه من ينيب ~~} يقبل إلى طاعته. والاجتباء يدل على الضم ومنه: جبى الخراج واجتبى ~~الماء في الحوض فقوله: " الله يجتبي " أي يضم إليه ويقربه منه تقريب ~~الإكرام والرحمة. # فصل # احتج نفاة القياس بهذه الآية، فقالوا: إنه تعالى أخبر بأن أكابر ms7687 ~~الأنبياء أطبقوا على أنه يجب إقامة الدين بحيث لا يفضي إلى الاختلاف ~~والنزاع، والله تعالى ذكر في معرض المنة على عباده أنه أرشدهم إلى ~~الدين الخالي عن التفرق والمخالفة، المعلوم أن فتح باب القياس يفضي ~~إلى أعظم أنواع التفرق والمنازعة فإن الحس شاهد بأن هؤلاء الذين بنوا ~~دينهم على القياس تفرقوا تفرقا لا رجاء في حصول الاتفاق بينهم إلى قيام ~~القيامة، فوجب أن يكون ذلك محرما. # فصل # اعلم أنه تعالى لما بين أنه أمر كل الأنبياء والأمم بالأخذ بالدين ~~المتفق عليه كان لقائل أن يقول: فلماذا نجدهم متفرقين؟ فأجاب بقوله: { ~~وما تفرقوا إلا من بعد ما جآءهم العلم بغيا ~~بينهم } يعني أنهم ما تفرقوا إلا من بعد أن علموا أن الفرقة ضلالة، ~~ولكنهم فعلوا ذلك للبغي وطلب الرياسة، فحملتهم الحمية النفسانية ~~الطبيعية، على أن ذهبت كل طائفة إلى مذهب، ودعوا الناس إليه، وقبحوا ما ~~سواه طلبا للذكر والرياسة فصار ذلك سببا لوقوع الاختلاف. # ثم أخبر تعالى أنهم استحقوا العذاب بسبب هذا الفعل، إلا أنه تعالى ~~أخر عنهم ذلك العذاب لأن لكل عذاب عنده أجلا مسمى، أي وقتا معلوما ~~وهذا معنى قوله: { ولولا كلمة سبقت من ربك إلى ~~أجل مسمى لقضي بينهم }. والأجل المسمى قد يكون في ~~الدنيا، وقد يكون في الآخرة، واختلفوا في الذين أريدوا بهذه الصفة، فقال ~~ابن عباس والأكثرون: هم اليهود والنصارى، لقوله تعالى في آل عمران: # وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما ~~جآءهم العلم بغيا بينهم # [آل عمران:19]. # قوله في سورة " لم يكن ": # وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما ~~جآءتهم البينة # [البينة:4]. وقيل: هم العرب، وهذا باطل، لما تقدم، لأن قوله تعالى بعد ~~هذه الآية: { وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم } ~~أي من بعد أنبيائهم. وقيل: من بعد الأمم الخالية { لفي شك منه } ~~أي من كتابهم. وقيل من محمد صلى الله عليه وسلم و " مريب " صفة ~~الشك، أي لا يؤمنون به حق الإيمان. # قوله: " أورثوا " قرأ زيد بن علي: ورثوا بالتشديد ms7688 مبنيا ~~للمفعول. # قوله تعالى: { فلذلك فادع واستقم كمآ أمرت } في ~~اللام وجهان: # أحدهما: أن تكون بمعنى " إلى " أي فإلى ذلك الدين فادع واستقم، وهو ~~الاتفاق على الملة الحنيفية، " واستقم " عليها (أي على الدين الذي ~~أمرك به) كما أمرك الله { ولا تتبع أهوآءهم } المختلفة ~~الباطلة. # والثاني: أنها للعلة، أي لأجل التفرق والاختلاف ادع للدين القيم { ~~وقل آمنت بمآ أنزل الله من كتاب } أي بأي كتاب صح ~~أن الله أنزله يعني الإيمان بجميع الكتب المنزلة. # قوله: { وأمرت لأعدل } يجوز أن يكون التقدير: وأمرت بذلك لأعدل ~~بينكم في الحكم، وقيل: أمرت أن أعدل، فاللام مزيدة. وفيه نظر ~~لأنك بعد زيادة اللام تحتاج إلى تقدير حرف أي بأن أعدل. # فصل # قال القفال: معناه أن ربي أمرني أن لا أفرق بين نفسي أو أنفسكم بأن ~~آمركم بما لا أعمله أو أخالفكم إلى ما لا أنهاكم عنه، لكني أسوي بينكم ~~وبين نفسي كذلك أسوي بين أكابركم وأصاغركم في الحكم. وقيل معناه: لا أضيف ~~عليكم بأكثر مما افترض الله عليكم من الأحكام. # قوله: { الله ربنا وربكم لنآ أعمالنا ولكم ~~أعمالكم } يعني إلهنا واحد، وإن اختلفت أعمالنا، فكل يجازى ~~بعمله، " لا حجة " ، لا خصومة، " بيننا وبينكم ". نسختها أية ~~القتال، وإذا لم يؤمر بالقتال وأمر بالدعوة لم يكن بينه وبين من لا يجيب ~~خصومة. # قال ابن الخطيب: ومعنى الآية أنه إله الكل واحد، وكل واحد مخصوص بعمل ~~نفسه، فوجب أن يشتغل كل واحد في الدنيا بنفسه فإن الله تعالى يجمع بين ~~الكل يوم القيامة ويجازيه على عمله. # فإن قيل: كيف يليق بهذه المتاركة ما فعل بهم من القتل وتخريب البيوت ~~وقطع النخيل والإجلاء؟! فالجواب: هذه المتاركة كانت مشروطة بشرط أن ~~يقبلوا الدين المتفق على صحته بين كل الأنبياء ودخل فيه التوحيد، وترك ~~عبادة الأصنام والإقرار بنبوة الأنبياء وبصحة البعث والقيامة فلما لم ~~يقبلوا هذه الدين فات الشرط فيفوت المشروط. # واعلم أن قوله تعالى: { لا حجة بيننا وبينكم } يجري مجرى ~~محاجتهم، بدليل أن هذا الكلام مذكور في معرض المحاجة، فلو ms7689 كان المراد ~~من هذه الآية تحريم المحاجة لزم كونها محرمة لنفسها، وهو متناقض. وأيضا ~~لولا الأدلة لما توجه التكليف، وأيضا: أن الدليل يفيد العلم وذلك لا ~~يمكن تحريمه بل المراد أن القوم عرفوا بالحجة صدق محمد صلى الله عليه ~~وسلم . وإنما تركوا تصديقه عنادا فبين تعالى أنه حصل الاستغناء عن ~~محاجتهم؛ لأنهم عرفوا صدقه، ولا حاجة معهم إلى المحاجة ألبتة. # ومما يقوي عدم تحريم المحاجة قوله: # وجادلهم بالتي هي أحسن # [النحل:125] وقوله: # قالوا ينوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا # [هود:31] وقوله: # وتلك حجتنآ ءاتيناهآ إبراهيم على قومه # [الأنعام:83]. ### || [42.16-28] # قوله: { والذين يحآجون } (مبتدأ، و " حجتهم " ) مبتدأ ثان و ~~(داحضة) خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول. وأعرب مكي: حجتهم بدلا ~~من الموصول بدل اشتمال. والهاء في " له " تعود على الله تعالى، أو على ~~الرسول عليه الصلاة والسلام أي من بعد ما استجاب الناس لله أو من ~~بعد ما استجاب الله لرسوله حين دعا على قومه. وقال ابن الخطيب: يعود على ~~" الدين " أي من بعد ما استجاب الناس لذلك الدين. # فصل # المعنى والذين يخاصمون في دين الله نبيه. وقال قتادة: هم اليهود، ~~قالوا كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم، فنحن خير منكم، فهذه خصومتهم ~~من بعد ما استجاب له الناس، فأسلموا ودخلوا في دينه لظهور معجزته " حجتهم ~~داحضة " خصومتهم باطلة " عند ربهم " قال ابن الخطيب: تلك ~~المخاصمة هي أن اليهود قالوا: ألستم تقولون إن الأخذ بالمتفق عليه أولى ~~بالأخذ من المختلف فيه فنبوة موسى عليه الصلاة والسلام وحقيقة ~~التوراة معلومة بالاتفاق، ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم ليست متفقا ~~عليها فوجب الأخذ باليهودية، فبين تعالى فساد هذه الحجة، وذلك لأن اليهود ~~أجمعوا على أنه إنما وجب الإيمان بموسى عليه الصلاة والسلام لأجل ~~ظهور المعجزات على قوله وهاهنا ظهرت المعجزات على وفق قول محمد صلى ~~الله عليه وسلم ، واليهود شاهدوا تلك المعجزات، فإن كان ظهور المعجزة ~~يدل على الصدق فهاهنا يجب الاعتراف بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~وإن كان لا يدل على الصدق ms7690 وجب في حق موسى أن لا يقروا بنبوته بظهور ~~المعجزات؛ لأنه يكون متناقضا، ولما قرر (الله تعالى) هذه الدلائل خوف ~~المنكرين بعذاب القيامة فقال: { وعليهم غضب ولهم عذاب ~~شديد } في الآخرة. # قوله تعالى: { الله الذي أنزل الكتاب بالحق ~~والميزان } قال قتادة ومجاهد ومقاتل: سمي العدل ميزانا؛ لأن ~~الميزان آلة للإنصاف والتسوية. قال ابن عباس (رضي الله عنهما) أمر ~~الله تعالى بالوفاء ونهى عن البخس. # ومعنى الآية أنه تعالى أنزل الكتاب المشتمل على الدلائل والبينات ~~وأنزل الميزان وهو الفصل الذي هو القسطاس المستقيم وأنهم لا يعلمون أن ~~القيامة حق يفاجئهم، ومتى كان الأمر كذلك وجب على العاقل أن يجتهد في ~~النظر والاستدلال، ويترك طريقة أهل الجهل والتقليد. ولما كان الرسول ~~عليه الصلاة والسلام يهددهم يوم القيامة ولم يروا لذلك أثرا قالوا ~~على سبيل السخرية متى تقوم الساعة؟ وليتها قامت حتى يظهر لنا الحق أهو ~~الذي نحن عليه أم الذي عليه محمد وأصحابه؟!. # قوله: { لعل الساعة قريب } إنما ذكر " قريب " وإن كان صفة ~~لمؤنث لأن الساعة في معنى الوقت أو البعث أو على معنى النسب أي ذات ~~قرب، أوعلى حذف مضاف، أي مجيء الساعة. # وقيل للفرق بينها وبين قرابة النسب. وقيل: لأن تأنيثها مجازي نقله مكي. ~~وليس بشيء، إذ لا يجوز: الشمس طالع، ولا القدر فائر، وجملة الترجي ~~أو الإشفاق معلقة للدراية. وتقدم مثله آخر الأنبياء. # فصل # قال مقاتل: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الساعة وعنده قوم من ~~المشركين فقالوا مستهزءين: متى تكون الساعة؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية: ~~{ يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها } ظنا منهم أنها ~~غير آتية { والذين آمنوا مشفقون } خائفون { منها ~~ويعلمون أنها الحق } أي أنها آتية لا ريب فيها، ثم قال: { ~~ألا إن الذين يمارون } يخاصمون. وقيل: يدخلهم المرية والشك ~~في " وقوع الساعة " لفي ضلال بعيد؛ لأن استيفاء حق المظلوم من ~~الظالم واجب في العدل فلو لم تحصل القيامة لزم إسناد الظلم إلى الله عز ~~وجل، وهذا من أمحل المحالات، فلا جرم كان إنكار القيامة ضلالا ms7691 بعيدا. # قوله تعالى: { الله لطيف بعباده } قال ابن عباس (رضي الله ~~عنهما) : حفي بهم. وقال عكرمة: بار بهم. وقال السدي: رفيق بهم. ~~وقال مقاتل: لطيف بالبر والفاجر حيث لم يهلكهم جوعا بمعاصيهم بدليل ~~قوله: { يرزق من يشآء } وكل من رزقه الله من مؤمن وكافر وذي ~~روح فهو ممن يشاء الله أن يرزقه. # قال جعفر الصادق: اللطيف في الرزق من وجهين: # أحدهما: أنه جعل رزقك من الطيبات. # الثاني: أنه لم يدفعه إليك مرة واحدة. # و " هو القوي " القادر على ما يشاء " العزيز " الذي لا يغالب. # فصل # إنما حسن ذكر هذا الكلام هاهنا؛ لأنه أنزل عليهم الكتاب المشتمل على هذه ~~الدلائل اللطيفة، فكان ذلك من لطف الله (تعالى) بعباده، وأيضا ~~فالمتفرقون استوجبوا العذاب الشديد. ثم إنه تعالى آخر عنهم ذلك العذاب ~~فكان ذلك أيضا من لطف الله تعالى، فلما سبق ذكر إيصال أعظم المنافع ~~إليهم (و) دفع أعظم المضار عنهم لا جرم حسن ذكره هاهنا. # قوله: { من كان يريد حرث الآخرة نزد له في ~~حرثه... } الآية الحرث في اللغة الكسب، أي من كان يريد بعمله الآخرة ~~نزد له في حرثه بالتضعيف بالواحد عشرة إلى ما شاء الله من الزيادة. قال ~~مقاتل. وقيل: معناه إنا نزيد في توفيقه وإعانته وتسهيل سبيل الخيرات ~~والطاعات عليه. # وقال الزمخشري: إنه تعالى سمى ما يعمله العامل مما يطلب به الفائدة ~~حرثا على سبيل المجاز. واعلم أنه قد تقدم أن كون الشرط ماضيا والجزاء ~~مضارعا مجزوما لا يختص مجيئه بكان خلافا لأبي الحكم مصنف كتاب ~~الإعراب فإنه قال: لا يجوز ذلك إلا مع " كان " إلا في ضرورة شعر. # وأطلق النحويون جواز ذلك وأنشدوا بيت الفرزدق: # 4378 دست رسولا بأن القوم إن قدروا # عليك يشفوا صدورا ذات توغير # وقوله أيضا: # 4379 تعش فإن عاهدتني لا تخونني # نكن مثل من يا ذئب يصطحبان # وقرأ ابن مقسم والزعفراني ومحبوب: يزد ويؤته بالياء من تحت، أي الله ~~تعالى. # وقرأ سلام يؤته بضم هاء الكناية وهو الأصل، وهو لغة الحجاز وتقدم ~~خلاف القراء ms7692 في ذلك. # فصل # قال قتادة: معنى قوله: ومن كان يريد (حرث) الدنيا أي يريد جملة حرث ~~الدنيا نؤته منها أي نؤته بقدر ما قسم له كما قال: # عجلنا له فيها ما نشآء # [الإسراء:18] وما له في الآخرة من نصيب؛ لأنه لم يعمل للآخرة قال عليه ~~الصلاة والسلام : # " بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والنصر ~~والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة ~~للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب " # واعلم أنه تعالى قال في طلب الآخرة (إنه) يزيد له في حرثه ولم يذكر أنه ~~يعطيه الدنيا أم لا بل سكت عنه نفيا وإثباتا. # وأما طالب الدنيا فبين أنه لا يعطيه شيئا من نصيب الآخرة على التنصيص، ~~وهذا يدل على التفاوت العظيم كأنه يقول: الآخرة أصل والدنيا تبع فواجد ~~الأصل يكون واجدا للتبع بقدر الحاجة، إلا أنه لم يذكر ذلك تنبيها على ~~أن الدنيا أحسن من أن يقرن ذكرها بذكر الآخرة. وأيضا بين أن طالب ~~الآخرة يزاد في مطلوبه وطالب الدنيا يعطى بعض مطلوبه ولا يحصل له في ~~الآخرة من نصيب البتة فبين أن طالب الآخرة يكون حاله أبدا في التزايد، ~~وأن طالب الدنيا يكون حاله في النقصان والبطلان في الآخرة، وذلك يدل على ~~تفضيل طلب الآخرة. # وأيضا فإنه تعالى بين أن منافع الآخرة ومنافع الدنيا ليست حاضرة ~~ناجزة، بل لا بد فيهما من الحرث والحرث لا يتأتى إلا بتحمل المشاق (في ~~البذر ثم التسقية والتنمية ثم الحصد ثم التنقية فلما سمى الله كلا ~~القسمين حرثا علمنا أن كل واحد منهما لا يحصل) والمتاعب. ثم بين أن ~~مصير الآخرة إلى الزيادة والكمال وأن مصير الدنيا إلى النقصان والعناء، ~~فكأنه قيل: إذا كان لا بد في القسمين من متاعب الحراثة من التبقية ~~والتنمية والحصد والتنقية فصرف هذه المتاعب إلى ما يكون في التزايد ~~الباقي أولى من صرفها إلى ما يكون في التناقص والانقضاء. # فصل # قال ابن الخطيب: فإن قيل: ظاهر اللفظ يدل على أن من صلى لأجل طلب ~~الثواب أو لأجل دفع العقاب ms7693 فإنه تصح صلاته، وأجمعوا على أنها لا تصح. # فالجواب: أنه تعالى قال: { من كان يريد حرث الآخرة } ، ~~والحرث لا يتأتى إلا بإلقاء البذر الصحيح في الأرض، والبذر الصحيح ~~الجامع للخيرات والسعادات ليس إلا عبودية الله سبحانه وتعالى. # فصل # إذا توضأ بغير نية، لم يصح، لأنه لم يرد حرث الآخرة، وذلك لا يحصل ~~بالوضوء العاري عن النية. # قوله تعالى: { أم لهم شركاء شرعوا لهم من ~~الدين... } الآية. لما بين القانون الأعظم في أعمال الآخرة والدنيا ~~أردفه ببيان ماهو الأصل في باب الضلالة والسعادة فقال: { أم لهم ~~شركاء شرعوا لهم } ومعنى الهمزة في " أم " التقرير والتقريع. ~~والضمير في " شرعوا " يجوز أن يكون عائدا على " الشركاء " ، والضمير ~~في " لهم " على الكفار، ويجوز العكس؛ لأنهم جعلوا لهم أنصباء، والمعنى ~~شركاؤهم أي شياطينهم الذين زينوا لهم الشرك وإنكار البعث، والعمل للدنيا. ~~وقيل: شركاؤهم أوثانهم، وإنما أضيفت إليهم؛ لأنهم هم الذين اتخذوها ~~شركاء لله. ولما كانت سببا لضلالتهم جعلت شارعة لدين ضلالتهم لهم كما ~~قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام : # رب إنهن أضللن كثيرا من الناس # [إبراهيم:36]. # قال المفسرون: يعني كفار مكة أي (أ) لهم آلهة سنوا لهم من الدين ما لم ~~يأذن به الله. قال ابن عباس (رضي الله عنهما) شرعوا لهم دينا غير ~~دين الإسلام. # قوله: { ولولا كلمة الفصل } أي لولا القضاء السابق بتأخير ~~الحزاء أو لولا الوعد بأن الفصل يكون بينهم يوم القيامة " لقضي ~~بينهم " أي بين الكافرين والمؤمنين، أو بين المشركين وشركائهم. # قوله: " وإن الظالمين " العامة بكسر " إن " على الاستئناف ومسلم ~~بن جنوب والإعرج بفتحها عطفا على كلمة الفصل. وفصل بين المتعاطفين بجواب ~~" لولا " ، تقديره: ولولا كلمة واستقرار الظالمين في العذاب لقضي ~~بينهم في الدنيا. وهو نظير قوله: # ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل ~~مسمى # [طه:129]. ثم إنه تعالى ذكر أحوال أهل العقاب وأحوال أهل الثواب. أما ~~الأول فهو قوله: { ترى الظالمين مشفقين } أي ترى المشركين ~~يوم القيامة خائفين وجلين " مما كسبوا " من السيئات، { وهو ~~واقع بهم } أي جزاء كسبهم واقع ms7694 سواء أشفقوا أو لم يشفقوا. # وأما الثاني وهو أحوال أهل الثواب فهو قوله: { والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات في روضات الجنات } قال أبو حيان: ~~اللغة الكثيرة تسكين واو " روضات " ، ولغة هذيل فتح الواو إجراء لها ~~مجرى الصحيح نحو: جفنات. ولم يقرأ أحد فيما علمناه بلغتهم. قال ~~شهاب الدين: إن عنى لم يقرأ أحد بلغتهم في هذا الباب من حيث هو فليس ~~كذلك؛ لما تقدم في سورة النور أن الأعمش قرأ: " ثلاث عورات " ~~بفتح الواو وإن عنى أنه لم يقرأ في روضات بخصوصها فقريب، لكن ليس هو ~~ظاهر عادته. # فصل # اعلم أن روضة الجنة أطيب بقعة فيها، وفيه تنبيه على أن الفساق من أهل ~~الصلاة كلهم من أهل الجنة؛ لأنه خص الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأنهم في ~~روضات الجنات، وهي البقاع الشريفة كالبقاع التي دون تلك الروضات، لا ~~بد وأن تكون مخصوصة بمن كانوا دون الذين آمنوا وعملوا الصالحات. # ثم قال: { لهم ما يشآءون عند ربهم } وهذا يدل على أن ~~تلك الأشياء حاضرة عنده مهيأة. والعندية مجاز و " عند ربهم " ~~يجوز أن يكون ظرفا " ليشاءون ". قاله الحوفي، أو للاستقرار العامل ~~في " لهم " قاله الزمخشري. ثم قال: { ذلك هو الفضل الكبير } ~~وهذا يدل على أن الجزاء المرتب على العمل إنما حصل بطريق الفضل من الله ~~تعالى لا بطريق الوجوب والاستحقاق. # قوله تعالى: { ذلك الذي يبشر الله عباده } كقوله: " ~~كالذي خاضوا ". وقد تقدم تحقيقه. وتقدمت القراءات في يبشر. ~~وقرأ مجاهد وحميد بن قيس: يبشر بضم الياء وسكون الباء ~~وكسر الشين من أبشر منقولا من بشر بالكسر لا من بشر بالفتح؛ ~~لأنه متعد والتشديد في " بشر " للتكثير لا للتعدية، لأنه متعد بدونها. # ونقل أبو حيان قراءة يبشر بفتح الياء وضم الشين عن حمزة والكسائي ~~(أي) من السبعة، ولم يذكر غيرهما من السبعة، وقد وافقهما على ذلك ابن ~~كثير وأبو عمرو. و " ذلك " مبتدأ، والموصول بعده خبره، وعائده محذوف على ~~التدريج المذكور كقوله " كالذي خاضوا " أي يبشر به، ثم ~~يبشره على الاتساع. وأما على رأي يونس ms7695 فلا يحتاج إلى عائد؛ لأنها ~~عنده مصدرية وهو قول الفراء أيضا، أي ذلك تبشير الله عباده. وذلك إشارة ~~إلى ما أعده الله تعالى لهم من الكرامة. وقال الزمخشري: أو ذلك التبشير ~~الذي يبشره الله عباده. قال أبو حيان: وليس بظاهر؛ إذ لم يتقدم في هذه ~~السورة لفظ البشرى ولا ما يدل عليها من " بشر " أو شبهه. # فصل # هذه الآيات دالة على تعظيم حال الثواب من وجوه: # الأول: أن الملك الذي هو أعظم الموجودات وأكرمهم إذا رتب على أعمال شاقة ~~جزاء، دل ذلك على أن ذلك الجزاء قد بلغ إلى حيث لا يعلم كنهه إلا ~~الله تعالى. # الثاني: أن قوله تعالى: و { لهم ما يشآءون } يدخل في باب غير ~~المتناهي؛ لأنه لا درجة إلا والإنسان يريد ما هو أعلى منها. # الثالث: أنه تعالى قال: { ذلك هو الفضل الكبير } والذي ~~يحكم بكبره من له الكبرياء والعظمة على الإطلاق يكون في غاية الكبر. # واعلم أنه تعالى لما أوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم هذا الكتاب ~~الشريف، وأودع فيه أقسام الدلائل والتكاليف ورتبه على الطاعة والثواب ~~وأمره بتبليغه إلى الأمة أمره بأن يقول إني لا أطلب منكم بسبب هذا ~~التبليغ نفعا حاضرا فقال: { قل لا أسألكم عليه أجرا ~~إلا المودة في القربى }. # في هذا الاستثناء قولان: # أحدهما: أنه منقطع؛ إذ ليست المودة من جنس الأجر. # والثاني: أنه متصل، أي لا أسألكم عليه أجرا إلا هذا وهو أن تودوا أهل ~~قرابتي ولم يكن هذا أجرا في الحقيقة؛ لأن قرابتهم وكانت صلتهم لازمة ~~لهم في المودة. قاله الزمخشري. # وقال أيضا: فإن قلت: هلا قيل: إلا مودة القربى، أو إلا المودة ~~للقربى؟! # قلت: جعلوا مكانا للمودة ومقرا لها، كقولك: في آل فلان مودة وليست " ~~في " صلة المودة، كاللام إذا قلت: إلا المودة للقربى، إنما هي متعلقة ~~بمحذوف فتعلق الظرف به في قولك: المال في الكيس، وتقديره: إلا المودة ~~ثابتة في القربى ومتمكنة فيها. # وقال أبو البقاء: وقيل: متصل، أي لا أسألكم شيئا إلا المودة. # قال شهاب ms7696 الدين: وفي تأويله متصلا بما ذكر نظر؛ لمجيئه بشيء الذي هو ~~عام، وما من استثناء منقطع إلا ويمكن تأويله بما ذكر، ألا ترى إلى قولك: ~~ما جاءني أحد إلا حمار، أنه يصح ما جاءني شيء إلا حمارا. # وقرأ زيد بن علي: " مودة " بدون ألف ولام. # فصل # في الآية ثلاثة أقوال: # الاول: قال الشعبي: أكثر الناس علينا في هذه الآية فكتبنا إلى ابن ~~عباس نسأله عن ذلك، فكتب أبن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان وسط النسب من قريش ليس بطن من بطونهم إلا قد ولده، وكان له فيهم ~~قرابة، فقال الله عز وجل { قل لا أسألكم عليه أجرا } ~~على ما أدعوكم إليه إلا أن تؤثروني لقرابتي أي تصلوا ما بيني وبينكم من ~~القرابة، والمعنى أنكم قومي وأحق من أجابني وأطاعني، فإذا قد أبيتم ذلك ~~فاحفظوا حق القربى وصلوا رحمي، ولا تؤذوني. وإلى هذا ذهب مجاهد وقتادة ~~وعكرمة ومقاتل والسدي والضحاك. # الثاني: روى الكلبي عن ابن عباس، قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لما قدم المدينة كانت تنوبه نوائب وحقوق، وليس في يده سعة فقالت ~~(الأنصار): إن هذا الرجل هداكم هو ابن أخيكم، وأجاركم من بلدكم، فاجمعوا ~~له طائفة من أموالكم، ففعلوا ثم أتوه بها، فردها عليهم ونزل قوله تعالى: ~~{ قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في ~~القربى } أي على الإيمان (إلا) أن لا تؤذوا أقاربي وعشيرتي، ~~وتحفظوني فيهم، قاله سعيد بن جبير وعمرو بن شعيب. # الثالث: قال الحسن: معناه إلا أن تودوا الله وتتقربوا إليه بالطاعة ~~والعمل الصالح، ورواه ابن أبي نجيح عن مجاهد. # فالقربى على القول الأول بالقرابة التي بمعنى الرحم، وعلى الثاني ~~بمعنى الأقارب، وعلى الثالث فعلى من القرب والتقريب. # فإن قيل: طلب الأجر على تبليغ الوحي لا يجوز لوجوه: # أحدها: أنه تعالى حكى عن أكثر الأنبياء التصريح بنفي طلب الأجر، فقال في ~~قصة نوح عليه الصلاة والسلام # ومآ أسألكم عليه من أجر # [الشعرا:109].. الآية وكذا في قصة هود وصالح ولوط وشعيب عليهم ms7697 ~~الصلاة والسلام ورسلونا أفضل الأنبياء فبأن لا يطلب الأجر على ~~النبوة والرسالة أولى. # وثانيها: أنه عليه الصلاة والسلام صرح بنفي طلب الأجر فقال: # قل مآ أسألكم عليه من أجر ومآ أنآ من ~~المتكلفين # [ص:86] وقال: # قل ما سألتكم من أجر فهو لكم # [سبأ:47].. الآية وطلب الأجر على أداء الواجب لا يليق بأقل الناس فضلا ~~عن أعلم العلماء. # ورابعها: أن النبوة أفضل من الحكمة، وقد قال تعالى: # ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا # [البقرة:269] ووصف الدنيا بأنها متاع قليل فقال: # قل متاع الدنيا قليل # [النساء:77] فكيف يحين بالعاقل مقابلة أشرف الأنبياء بأخس الأشياء؟!. # وخامسها: أن طلب الأجر يوجب التهمة، وذلك ينافي القطع بصحة النبوة. فثبت ~~بهذه الوجوه أنه لا يجوز من النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلب أجرا ~~ألبتة على التبليغ والرسالة، وهاهنا قد ذكر ما يجري مجرى طلب الأجر ~~وهو المودة في القربى (هذا تقرير السؤال). # فالجواب: أنه لا نزاع في أنه لا يجوز طلب الأجر على التبليغ، وأما قوله: ~~إلا المودة في القربى فالجواب عنه من وجهين: # الأول: أنه هذا من باب قوله: # 4380 ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم # بهن فلول من قراع الكتائب # يعني أنا لا أطلب منكم إلا هذا. وهذا في الحقيقة ليس أجرا؛ لأن حصول ~~المودة بين المسلمين أمر واجب، قال تعالى: # والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء بعض # [التوبة:71]، وقال عليه الصلاة والسلام : # " المؤمنون كالبنيان يشد بعضه بعضا " # والآيات والأخبار في هذا كثيرة. وإذا كان حصول المودة بين المسلمين واجب ~~فحصولها في حق أشرف المسلمين أولى، فقوله: { إلا المودة في القربى } ~~تقديره والمودة في القربى ليست أجرا، فرجع الحاصل إلى أنه لا أجر ~~ألبتة. # الثاني: إن هذا استثناء منقطع، وتم الكلام عند قوله: { لا ~~أسألكم عليه أجرا } ثم قال: إلا المودة في القربى أي ~~أذكركم قرابتي منكم فكأنه في اللفظ أجر وليس بأجر. # فصل # اختلفوا في قرابته، فقيل: هم فاطمة وعلي وأبناؤهما، وفيهم نزل: # إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت ويطهركم تطهيرا ms7698 # [الأحزاب:33]. # وروى زيد بن أرقم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله تعالى وأهل ~~بيتي وأذكركم الله في أهل بيتي " # قيل لزيد بن أرقم: فمن أهل بيته؟ فقال: هم آل علي وآل عقيل وآل ~~جعفر، وآل عباس رضي الله عنهم وروى ابن عمر عن ابن بكر رضي الله ~~تعالى عنه قال: ارقبوا محمدا صلى الله عليه وسلم في أهل بيته. # وقيل: هم الذين تحرم عليهم الصدقة من أقاربه ويقسم فيهم الخمس وهم بنو ~~هاشم، وبنوا المطلب الذين لم يتفرقوا بجاهلية ولا إسلام. وقيل: هذه الآية ~~منسوخة، وإليه ذهب الضحاك بن مزاحم والحسين بن الفضل. قال البغوي وهذا ~~قول (غير) مرض؛ لأن مودة النبي صلى الله عليه وسلم وكف الأذى عنه ~~ومودة أقاربه والتقرب إلى الله تعالى بالطاعة والعمل الصالح من فرائض ~~الدين. # قوله تعالى: { ومن يقترف حسنة } أي من يكتسب طاعة { نزد ~~له فيها حسنا } العامة على " نزد " بالنون، وزيد بن علي وعبد ~~الوارث عن أبي عمرو يزد بالياء من تحت أي يزد الله. والعامة " ~~حسنا " بالتنوين مصدرا على " فعل " نحو: شكر وهو مفعول به، وعبد ~~الوارث عن أبي عمرو حسنى بألف التأنيث على وزن بشرى، ورجعى، ~~وهنو مفعول به أيضا. ويجوز أن يكون صفة كفضلى، فيكون وصفا لمحذوف أي ~~خصلة حسنى. قيل: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق رضي الله ~~تعالى عنه والظاهر العموم في أي حسنة كانت، إلا أنها لما ذكرت عقيب ~~المودة في القربى دل ذلك على أن المقصود التأكيد في تلك المودة. # ثم قال سبحانه وتعالى: { إن الله غفور شكور }: للقليل ~~(حتى يضاعفها) والشكر في حق الله تعالى مجاز، والمعنى أنه تعالى يحسن ~~للمطيعين في إيصال الثواب إليهم، وفي أن يزيد عليهم أنواعا كثيرة من ~~التفضل. # قوله: { أم يقولون افترى على الله كذبا } اعلم أن ~~الكلام ابتداء من أول هذه السورة في تقرير أن هذا الكتاب إنما حصل ~~بوحي الله تعالى، قال تعالى: # كذلك يوحي إليك وإلى الذين ms7699 من قبلك # [الشورى:3] واتصال الكلام في تقرير هذا المعنى وتعلق بعضه ببعض (حتى ~~وصل) إلى هاهنا، ثم حكى هاهنا، شبهة القوم وهي قولهم: إن هذا ليس وحيا ~~من الله تعالى فقال: { أم يقولون افترى على الله كذبا ~~}. قال الزمخشري: " أم " منقطعة ومعنى الهمزة للتوبيخ والمعنى: أيقع في ~~قلوبهم ويجري على ألسنتهم أن ينسبوا مثله على الافتراء على الله سبحانه ~~وتعالى الذي هو أقبح الأنواع وأفحشها، ثم أجاب عنه بأن قال: { فإن ~~يشإ الله يختم على قلبك } قال مجاهد: يربط على قلبك ~~بالصبر حتى لا يشق عليك أذاهم وقولهم: إنه مفتر كذاب، وقال قتادة: ~~يعني يطبع على قلبك فينسيك القرآن وما آتاك فأخبرهم أنه لو افترى على ~~الله كذبا لفعل به، وما أخبر في هذه الآية فإنه لا يجترىء على افتراء ~~الكذب إلا من كان في هذه الحالة والمقصود من هذا الكلام المبالغة في ~~تقرير الاستبعاد، ومثاله: أن ينسب رجل بعض الأمناء إلى الخيانة فيقول ~~الأمين: لعل الله أعمى قلبي، وهو لا يريد إثبات الخذلان ولا عمى ~~القلب لنفسه وإنما يريد استبعاد صدق الله تعالى الخيانة عنه. # قوله تعالى: { ويمح الله الباطل } هذا مستأنف غير داخل في ~~جزاء الشرط؛ لأنه تعالى يمحو الباطل مطلقا، وسقطت الواو منه لفظا ~~لالتقاء الساكنين في الدرج، وخطا حملا للخط على اللفظ كما كتبوا: # سندع الزبانية # [العلق:18] عليه، ولكن ينبغي أن لا يجوز الوقف على هذه الآية لأنه إن ~~وقف عليه بالأصل هو الواو خالفنا خط المصحف وإن وقف عليه بغيرها ~~موافقا للرسل خالفنا الأصل. وتقدم بحث مثل هذا. # وقد منع مكي الوقف على نحو: # ومن تق السيئات # [غافر:9]. وقال الكسائي: فيه تقديم وتأخير مجازه والله يمح الباطل فهو ~~في محل رفع، ولكن حذفت منه الواو في المصحف حملا على اللفظ كما حذفت من ~~قوله: # ويدع الإنسان # [الإسراء:11] # سندع الزبانية # [العلق:18]. # فصل # أخبر تعالى أن ما يقولونه باطل يمحوه الله " ويحق الحق " أي ~~الإسلام بكلماته، أي بما أنزل الله تعالى من كتاب، وقد فعل الله ذلك ms7700 فمحى ~~باطلهم، وأعلى كلمة الإسلام " إنه عليم " بما في صدرك وصدورهم، قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما : لما نزلت { قل لا أسألكم عليه ~~أجرا إلا المودة في القربى } وقع في قلوب قوم منها شيء ~~وقالوا: يريد أن يحثنا على أقاربه من بعده، فنزل جبريل فأخبره أنهم ~~اتهموه فأنزل الله هذه الآية فقال القوم يا رسول الله: (ف) إنا نشهد أنك ~~صادق فنزل: { وهو الذي يقبل التوبة عن عباده } قال ~~ابن عباس: يريد أولياءه وأهل طاعته. قال الزمخشري: يقال: قبلت منه ~~الشيء وقبلته عنه. # فصل # قيل: التوبة بترك المعاصي نية وفعلا، والإقبال على الطاعة نية ~~وفعلا. وقال سهل ابن عبد الله: التوبة الانتقال من الأحوال المذمومة إلى ~~الأحوال الممدوحة. وقيل: الندم على الماضي والترك في الحال والعزم على أن ~~لا يعود إليه في المستقبل روى جابر أن أعرابيا دخل مسجد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك، وكبر، فلما فرغ ~~من صلاته قال علي رضي الله تعالى عنه: يا هذا إن سرعة اللسان ~~بالاستغفار توبه الكذابين، فقال يا أمير المؤمنين (وما) التوبة؟ فقال: ~~اسم يقع على ستة أشياء على الماضي من الذنوب الندامة، ولتضييع الفريضة ~~الإعادة ورد المظالم وإدامة النفس في الطاعة كما ربتيها في المعصية، ~~وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية، والبكاء بدل كل ضحك ~~ضحكته. # قالت المعتزلة: يجب على الله قبول التوبة، وقال أهل السنة: لا يجب على ~~الله تعالى، وكل ما يقبله فهو كرم وفضل، واحتجوا بهذه الآية فقالوا: إنه ~~تعالى تمدح بقبول التوبة، ولو كان ذلك القبول واجبا لما حصل المدح ~~العظيم، ألا ترى أنه من مدح نفسه بأن لا يضرب الناس ظلما كان ذلك مدحا. # قوله: { ويعفوا عن السيئات } إما أن يكون المراد منه أن ~~يعفو عن الكبائر بعد التوبة، أو المراد أن يعفو عن الصغائر أو المراد: إن ~~يعفو عن الكبائر قبل التوبة. # والأول باطل وإلا صار قوله: { ويعفوا عن السيئات } عين ~~قوله: { وهو الذي يقبل التوبة عن ms7701 عباده } والتكرار ~~خلاف الأصل. # والثاني أيضا باطل؛ لأن ذلك واجب، وأداء الواجب لا يمدح به فبقي القسم ~~الثالث فيكون المعنى أنه تارة يعفو بواسطة قبول التوبة، وتارة يعفو ~~ابتداء من غير توبة. # فصل # روى أنس (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : # " لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من ~~أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه ~~وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها فأتى شجرة ~~فاضطجع في ظلها، قد أيس من راحلته فبينا هو ~~كذلك إذ هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم ~~قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك ~~" # أخطأ من شدة الفرح. # قوله: { ويعلم ما تفعلون } قرأ الأخوان وحفص يفعلون ~~بالياء من تحت؛ نظرا إلى قوله: " من عباده " وقال بعده: { ~~ويزيدهم من فضله } والباقون بالخطاب إقبالا على الناس عامة، ~~وهو خطاب للمشركين. # قوله تعالى: { الذين آمنوا } يجوز أن يكون الموصول فاعلا أي ~~يجيبون ربهم إذا دعاهم كقوله تعالى: # استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم # [الأنفال:24] واستجاب كأجاب، ومنه قوله الشاعر: # 4381 وداع دعا يا من يجيب إلى الندى # فلم يستجبه عند ذلك مجيب # ويجوز أن تكون السين للطلب على بابها بمعنى ويستدعي المؤمنون الإجابة من ~~ربهم بالأعمال الصالحة. ويجوز أن يكون الموصول مفعولا به والفاعل مضمر ~~يعود على الله بمعنى: ويجيب الذين آمنوا أي دعاءهم. وقيل: ثم ~~لام مقدرة أي ويستجيب الله للذين آمنوا، (فحذفها، للعلم بها، كقوله: # وإذا كالوهم # [المطففين:3] قال عطاء عن ابن عباس معناه: ويثيب الذين آمنوا) وعملوا ~~الصالحات { ويزيدهم من فضله } سوى ثواب أعمالهم تفضلا منه، ~~وروى أبو صالح عنه: يشفعهم ويزيدهم من فضله. (ثم) قال في إخوان ~~إخوانهم: { والكافرون لهم عذاب شديد }. # قوله تعالى: { ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا ~~في الأرض } ، قال خباب بن الأرت: فينا نزلت هذه الآية، وذلك أنا ~~نظرنا إلى أموال بني قريظة والنضير وبني قينقاع وتمنيناها فأنزل ~~الله عز وجل { ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا } ~~، لطغوا في الأرض، قال ms7702 ابن عباس (رضي الله عنهما): بغيهم طلب (هم) ~~منزلة بعد منزلة، ومركبا بعد مركب وملبسا بعد ملبس، ولكن ينزل أرزاقهم ~~قدر ما شاء نظرا منه لعباده. # (قرأ ابن كثير وأبو عمر ينزل مشددة، والباقون مخففة) إنه بعباده ~~خبير بصير. # روى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل عن الله عز ~~وجل في حديث طويل وفيه يقول الله عز وجل: # " ما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض روح ~~عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد ~~له منه وإن من عبادي المؤمنين لمن يسألني ~~الباب عن العبادة فأكفه عنه (أن) لا يدخله ~~عجب فيفسده ذلك وإن من عبادي المؤمنين لمن لا ~~يصلح إيمانه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ~~ذلك، وإن من عبادي (المؤمنين) لمن لا يصلح إيمانه ~~إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك، وإن من ~~عبادي (المؤمنين) لمن لا يصلح إيمانه إلا الصحة، ~~ولو أسقمته لأفسده ذلك، وإن من عبادي ~~(المؤمنين) لمن لا يصلح إيمانه إلا السقم ولو ~~أصححته لأفسده ذلك وذلك أني أدبر أمر ~~عبادي بعلمي بقلوبهم إني عليم خبير ". # فصل # وجه التعلق أنه تعالى لما قال في الآية الأولى إنه يجيب دعاء المؤمنين ~~ورد عليه سؤال وهو أن المؤمن قد يكون في شدة وبلية وفقر ثم يدعو ~~فلا يظهر أثر الإجابة فكيف الجمع بينه وبين قوله: ويستجيب الذين آمنوا؟! ~~فأجاب تعالى عنه بقوله: { ولو بسط الله الرزق لعباده ~~لبغوا في الأرض } ، ولأقدموا على المعاصي، فلذلك وجب أن لا ~~يعطيهم ما طلبوه، ويؤيده الحديث المتقدم. # فصل # قال الجبائي: هذه الآية تدل على فساد قول المجبرة من وجهين: # الأول: أنه تعالى لو بسط الرزق لعباده لبغوا في الأرض غير مراد، فعلمنا ~~أنه تعالى لا يريد البغي في الأرض، وذلك يوجب فساد قول المجبرة. # الثاني: أنه تعالى إنما لم يرد بسط الرزق؛ لأنه يفضي إلى المفسدة، فلما ~~بين تعالى أنه لا يريد ما يفضي إلى المفسدة فبأن لا يكون مريدا للمفسدة ~~كان أولى. # وأجيب: بأن الميل ms7703 إلى البغي والقسوة والقهر صفة حدثت بعد أن لم تكن، فلا ~~بد لها من فاعل وفاعل هذه الأحوال إما العبد أو الله، والأول باطل؛ لأنه ~~إنما يفعل هذه الأشياء لو مال طبعه إليه وعاد السؤال في أنه من المحدث ~~لذلك الميل الثاني؟ ويلزم التسلسل، وأيضا فالميل الشديد إلى الظلم ~~والقسوة عيوب ونقصانات، والعاقل لا يرضى بتحصيل موجبات النقصان لنفسه، ~~ولما بطل هذا ثبت أن محدث هذا الميل والرغبة هو الله تعالى. # ثم أورد الجبائي على نفسه سؤالا: # فإن قيل: أليس قد يبسط الرزق لبعض عباده مع أنه يبغي؟!. # فأجاب عنه: بأن الذي يبسط له الرزق إذا بغى كان المعلوم من حاله أنه ~~يبغي على كل حال سواء أعطي ذلك الرزق أو لم يعط. قال ابن الخطيب: ~~هذا الجواب فاسد، ويدل عليه القرآن والعقل أما القرآن فقوله تعالى: # كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى # [العلق:67] حكم مطابق لكن حصول الغنى سبب لحصول الطغيان وأما العقل فهو ~~أن النفس إذا كانت مائلة إلى الشر فمع حصول الغنى تميل إلى الشر أكثر، ~~فثبت أن وجدان المال يوجب الطغيان. # فصل # في كون بسط الرزق موجبا للطغيان وجوه: # الأول: أن الله تعالى لو سوى في الرزق بين الكل لامتنع كون البعض ~~محتاجا إلى البعض، وذلك يوجب خراب العالم وتعطيل المصالح. # الثاني: أن هذه الأية مختصة بالعرب. فإنه كلما اتسع رزقهم، ووجدوا من ~~ماء المطر ما يرويهم ومن الكلأ والعشب ما يشبعهم، أقدموا على النهب ~~والغارة. # الثالث: أن الإنسان متكبر بالطبع، فإذا وجد الغنى والقدرة عاد إلى مقتضى ~~خلقته الأصلية وهو التكبر وإذا وقع في شدة وبلية ومكروه انكسر وعاد إلى ~~التواضع والطاعة. # قوله تعالى: { وهو الذي ينزل الغيث } أي المطر { من ~~بعد ما قنطوا } من بعد ما يئس الناس منه. وإنزال الغيث بعد ~~القنوط أدعى إلى الشكر؛ لأن الفرح بحصول النعمة بعد البلية أتم. # قال الزمخشري: قرىء قنطوا، بفتح النون وكسرها. (فأما فتح النون فهي ~~قراءة العامة، وأما كسرها فهي قراءة يحيى بن وثاب، ms7704 والأعمش وهي لغة ~~وعليها قراءة: # يقنط # [الحجر:56] # لا تقنطوا # [الزمر:53] بفتح النون في المتواتر. ولم يقرأ في الكسر في الماضي إلا ~~شاذا و " ما " مصدرية أي من بعد قنوطهم). قال مقاتل: حبس الله ~~المطر عن أهل مكة سبع سنين حين قنطوا، ثم أنزل الله المطر فذكرهم الله ~~نعمه. # قوله: { وينشر رحمته } يبسط مطره، كما قال: # وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته # [الأعراف:57] وهو الولي الحميد. " الولي ": الذي يتولى عباده ~~بإحسانه " الحميد " المحمود على ما يوصل إلى الخلق من الرحمة وقيل: " ~~الولي " لأهل طاعته، " الحميد " عند خلقه. ### || [42.29-31] # قوله تعالى: { ومن آياته خلق السماوات والأرض... } ~~الآية قد تقدم الكلام على دلالة خلق السموات والأرض والحيوانات على وجود ~~الإله الحكيم. # فإن قيل: كيف يجوز إطلاق لفظ الدابة على الملائكة؟!. # فالجواب: فيه وجوه: # الأول: أنه قد يضاف الفعل إلى جماعة، وإن كان فاعله واحدا منهم كما ~~يقال: " بنو فلان فعلوا كذا " ، وإنما فعله واحد منهم ومنه ~~قوله: # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # [الرحمن:22]. # الثاني: أن الدابة عبارة عما فيه الروح والحركة، والملائكة لهم الروح ~~والحركة. # الثالث: لا يبعد أن يقال: إنه تعالى خلق في السموات أنواعا من ~~الحيوانات يمشون مشي الأناس على الأرض. وروى العباس (رضي الله عنه) ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " فوق السماء السابعة بحر (بين) أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، ثم ~~فوق ذلك ثمانية أوعال بين ركبهن وأظلافهن كما بين ~~السماء والأرض، ثم فوق ذلك العرش... " # الحديث. # قوله: " وما بث " يجوز أن تكون مجرورة المحل عطفا على " السموات " ~~أو مرفوعته عطفا على " خلق " ، على حذف مضاف أي وخلق ما بث. قاله أبو ~~حيان. وفيه نظر؛ لأنه يئول إلى جره بالإضافة " لخلق " المقدر فلا يعدل ~~عنه. # قوله: " إذا يشاء " " إذا " منصوبة " بجمعهم " لا " بقدير ~~" ، قال أبو البقاء: لأن ذلك يؤدي إلى أن يصير المعنى: وهو على جمعهم ~~قدير إذا يشاء، فتتعلق القدرة بالمشيئة وهو محال. قال شهاب الدين: ولا ~~أدري ما وجه كونه محالا على مذهب ms7705 أهل السنة، فإن كان يقول المعتزلة، وهو ~~القدرة تتعلق بما لم يشأ الله مشى كلامه، ولكنه مذهب رديء لا يجوز ~~اعتقاده. ونقول: يجوز تعلق الظرف به أيضا. قال الزمخشري: " إذا " تدخل ~~على المضارع كما تدخل على الماضي, قال تعالى: # والليل إذا يغشى # [الليل:1] ومنه: " إذا يشاء قدير " ، والمقصود أنه تعالى خلقها ~~لا لعجز ولا لمصلحة ولهذا قال: { وهو على جمعهم إذا يشاء قدير } ، يعني ~~الجمع والحشر والمحاسبة. # فصل # احتج الجبائي بقوله: إذا يشاء قدير على أن مشيئة الله تعالى محدثة، ~~قال: لأن كلمة " إذا " ظرف لما (لم) يستقبل من الزمان وكلمة " يشاء " ~~صيغة المستقبل فلو كانت مشيئته تعالى قديمة لم يكن لتخصيصها بذلك الوقت ~~المستقبل فائدة، ولما دل قوله: " إذا يشاء " على التخصيص علمنا أن ~~مشيئته تعالى محدثة. # وأجيب: بأن هاتين الكلمتين كما دخلتا على المشيئة فقد دخلتا أيضا على ~~لفظ " القدير " فلزم على هذا أن تكون قدرته صفة محدثة، ولما كان هذا ~~باطلا فكذا القول في المشيئة. # قوله: { ومآ أصابكم من مصيبة فبما كسبت ~~أيديكم } قرأ نافع وابن عامر بما كسبت بغير فاء، والباقون بالفاء " ~~فما " في القراءة الأولى الظاهر أنها موصولة بمعنى الذي، والخبر الجار من ~~قوله " بما كسبت ". # وقال قوم منهم أبو البقاء: إنها شرطية حذفت منها الفاء، قال أبو البقاء: ~~كقوله تعالى: # وإن أطعتموهم إنكم لمشركون # [الأنعام:121] # وقول الآخر: # 4382 من يفعل الحسنات الله يشكرها # ........................... # وهذا ليس مذهب الجمهور، إنما قال به الأخفش وبعض البغداديين، وأما ~~قوله: " إنكم لمشركون " فليس جوابا للشرط، إنما هو جواب لقسم ~~مقدر حذفت لامه الموطئة قبل أداة الشرط. # وأما القراءة الثانية، فالظاهر أنها فيها شرطية. وقال أبو البقاء: إنه ~~ضعيف ولا يلتفت إلى ذلك. ويجوز تكون موصولة، والفاء داخلة في الخبر ~~تشبيها للموصول بالشرط بشروط مذكورة في هذا الكتاب. وقد وافق نافع وابن ~~عامر مصاحفهما، فإن الفاء ساطقة من مصاحف المدينة والشام، وكذلك الباقون، ~~فإنها ثابتة في مصاحف مكة والعراق. # فصل # اختلفوا فيما يحصل في الدنيا من الآلام والأسقام، والقحط، والغرق، ms7706 ~~والمصائب هل هي عقوبات على ذنوب سلفت أم لا؟ فمنهم من أنكر ذلك لوجوه: # الأول: قوله تعالى: # اليوم تجزى كل نفس بما كسبت # [غافر:17] بين تعالى أن ذلك إنما يحصل يوم القيامة وقال تعالى: # ملك يوم الدين # [الفاتحة:3] أي يوم الجزاء، وأجمعوا على أن المراد منه يوم القيامة. # الثاني: مصائب الدنيا يشترك فيها الزنديق، والصديق، فيمتنع أن يكون ~~عقوبة على الذنوب، بل حصول المصائب (للصالحين) والمتقين أكثر منه ~~للمذنبين، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : # " خص البلاء بالأنبياء ثم الأمثل فالأمثل ". # الثالث: أن الدنيا دار تكليف، فلو حصل الجزاء فيها لكانت دار تكليف ودار ~~جزاء معا وهو محال. وقال آخرون: هذه المصائب قد تكون أجزية على ذنوب ~~متقدمة لهذه الآية، ولما روى الحسن قال: لما نزلت هذه الآية قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " والذي نفسي بيده ما من خدش عود ولا عثرة قدم ~~ولا اختلاج عرق إلا بذنب وما يعفو الله عنه ~~أكثر ". # قال علي بن أبي طالب: # " ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله حدثنا بها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : { وما أصابكم من ~~مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوعن كثير } (قال): ~~وسأفسرها لك يا علي ما أصابكم من مرض أو ~~عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم والله ~~عز وجل أكرم من أن يثني عليكم العقوبة في ~~الآخرة، وما عفا الله عنه في الدنيا، فالله أحلم ~~من أن يعود بعد عفوه " # وتمسكوا أيضا بقوله تعالى بعد هذه الآية: { أو يوبقهن بما ~~كسبوا } وذلك تصريح بأن ذلك الاهلاك بسبب كسبهم. # وأجاب الأولون بأن حصول هذه المصائب يكون من باب الأمتحان في التكليف، ~~لا من باب العقوبات، كما في حق الإنبياء والأولياء. ويحمل قوله: { بما ~~كسبت أيديكم } على أن الأصلح عند إتيانكم بذلك الكسب إنزال هذه المصائب ~~عليكم. # فصل # هذه الآية تقتضي إضافة الكسب إلى اليد، والكسب لا يكون باليد بل بالقدرة ~~القائمة باليد فوجب أن يكون المراد من لفظ اليد هاهنا القدرة، وإذا كان ~~هذا المجاز مشهورا ms7707 مستعملا كان لفظ اليد الوارد في حق الله تعالى يجب ~~حمله على القدرة تنزيها لله تعالى عن الأعضاء. # قوله: { ويعفوا عن كثير } أي قد يترك الكثير بفضله ورحمته قال ~~الواحدي بعد أن روى حديث علي المتقدم : وهذه أرجى آية في كتاب الله؛ ~~لأن الله تعالى جعل ذنوب المؤمنين صنفين، صنف كفر عنهم بالمصائب، وصنف ~~عفا عنه في الدنيا، وهو كرم لا يرجع في عفوه فهذه سنة الله مع ~~المؤمنين. وأما الكافر، فإنه لا يعجل له عقوبة ذنبه حتى يوافي (ربه) ~~يوم القيامة. # ثم قال: { ومآ أنتم بمعجزين } أي بفائتين " في الأرض " ~~هربا، أي لا تعجزونني حيث ما كنتم ولا تسبقوني { وما لكم ~~من دون الله من ولي ولا نصير } والمراد به من يعبد ~~الأصنام، بين أنه لا فائدة فيها ألبتة بل النصير هو الله تعالى، فلا جرم ~~هو الذي يحسن عبادته. ### || [42.32-35] # قوله تعالى: { ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام ~~} قرأ نافع وأبو عمرو " الجواري " بياء في الوصل. وأما الوقف فإثباتها ~~على الأصل وحذفها للتخفيف، وهي السفن، وأحدثها جارية، وهي السائرة في ~~البحر. # فإن قيل: الصفة متى لم تكن خاصة بموصوفها امتنع حذف الموصوف، لا تقول: ~~مررت بماش؛ لأن المشي عام، وتقول: مررت بمهندس وكاتب، والجري ليس ~~من الصفات الخاصة فما وجه ذلك؟. # فالجواب: أن قوله: " في البحر " قرينة دالة على الموصوف، ويجوز أن تكون ~~هذه صفة غالبة كالأبطح والأبرق، فوليت العوامل دون موصوفها. و " في ~~البحر " متعلق " بالجواري " ، إذا لم يجر مجرى الجوامد، فإن جرى مجراه ~~كان حالا منه، وكذا قوله: " كالأعلام " وهي الجبال قالت ~~الخنساء: # 4383 وإن صخرا لتأتم الهداة به # كأنه علم في رأسه نار # روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم استنشد (ب) قصيدتها هذه، فلما ~~وصل (الراوي) (إلى) هذا البيت قال: قاتلها الله ما رضيت ~~تشبيهه بالجبل حتى جعلت في رأسه نارا. # وقال مجاهد: الأعلام القصور، واحدها علم. وقال الخليل بن أحمد: كل شيء ~~مرتفع عند العرب فهو علم وسمع: هذه الجوار، وركبت الجوار، وفي ms7708 الجوار، ~~بالإعراب على الراء تناسيا للمحذوف، وتقدم هذا في قوله تعالى: # ومن فوقهم غواش # [الأعراف:41]. # فصل # اعلم أن المقصود من ذكر هذه الآية أمران: # أحدهما: أن يستدل به على وجود الإله القادر الحكيم. # الثاني: أن يعرف ما فيه من النعم العظيمة لله تعالى على العباد، وأما ~~وجه الأول فإن هذه السفن العظيمة التي كالجبال تجري على وجه البحر عند ~~هبوب الريح على أسرع الوجوه وعند سكون الرياح (تقف) وقد تقدم في سورة ~~النحل أن محرك الرياح و مسكنها هو الله (سبحانه و) تعالى؛ إذ ~~لا يقدر أحد من البشر على تحريكها ولا على تسكينها، وذلك يدل وجود الإله ~~القادر مع أن تلك السفينة في غاية الثقل ومع ثقلها بقيت على وجه الماء ~~أيضا. وأما دلالتها على النعم العظيمة، وهو ما فيها من المنافع فإنه ~~تعالى خص كل جانب من الأرض بنوع من الأمتعة، فإذا نقل متاع هذا الجانب ~~إلى الجانب الآخر في السفن وبالعكس حصلت المنافع العظيمة بالتجارة، فلهذه ~~الأسباب ذكر الله تعالى حال هذه السفن. # قوله: { إن يشأ يسكن الريح } التي تجري بها { فيظللن ~~رواكد } قرأ أبو عمرو والجمهور بهمزة: " إن يشأ " لأن السكون ~~علامة الجزم، وورش عن نافع بلا همز وقرأ ناقع " يسكن الرياح " ~~على الجمع والباقون " الريح " على التوحيد. # وقوله: " فيظللن " العامة على فتح اللام التي هي عين الكلمة وهو ~~القياس؛ لأن الماضي بكسرها، تقول ظللت قائما. # وقرأ قتادة بكسرها وهو شاذ، نحو: حسب يحسب وأخواته وقد تقدمت آخر ~~البقرة. # وقال الزمخشري: قرىء بفتح اللام وكسرها من ظل يظل ويظل، نحو: ضل ~~يضل ويضل. قال أبو حيان: وليس كما ذكر؛ لأن يضل بفتح العين من ~~ضللت بكسرها في الماضي ويضل بالكسر من ضللت بالفتح وكلاهما ~~مقيس يعني أن كلا منهما له أصل يرجع إليه بخلاف " ظل " فإن ماضيه ~~مكسور العين فقط. # والنون أسمها، و " رواكد " خبرها ويجوز: أن يكون " ظل " هنا بمعنى ~~صار؛ لأن المعنى ليس على وقت الظلول، وهو النهار فقط وهو نظير: أين باتت ~~يده، ms7709 من هذه الحيثية. والركود والثبوت الاستقرار قال: # 4384 وقد ركدت وسط السماء نجومها # ركودا بوادي الربرب المتفرق # والمعنى فيظللن رواكد أي ثوابت على ظهر البحر، لا تجري { إن في ~~ذلك لآيات لكل صبار } على بلاء الله " شكور " على ~~نعمائه. # قوله: " أو يوبقهن " عطف على " يسكن " قال الزمخشري: لأن ~~المعنى: إن يشأ يسكن فيركدن، أو يعصفها فيغرقن ~~بعصفها، قال أبو حيان: ولا يتعين أن يكون التقدير: أو يعصفها فيغرقن ~~لأن إهلاك السفن لا يتعين أن يكون بعصف الريح، بل قد يهلكها بقلع لوح أو ~~خسف. # قال شهاب الدين: والزمخشري لم يذكر أن ذلك متعين، وإنما ذكر شيئا ~~مناسبا؛ لأن قوله: يسكن الرياح يقابله " يعصفها " فهو في غاية الحسن ~~والطباق. # فصل # معنى " يوبقهن " يهلكهن ويغرقهن " بما كسبوا " أي بما ~~كسبت ركابها من الذنوب { ويعف عن كثير } من ذنوبهم فلا يعاقب ~~عليها. يقال: أوبقه أي أهلكه، كما يقال للمجرم: أوبقته ذنوبه أي ~~أهلكته. # فإن قيل: ما معنى إدخال العفو في حكم الإيباق حيث جعل مجزوما مثله؟. # فالجواب: معناه إن يشأ يهلك ناسا وينج ناسا على طريق العفو عنهم، وأما ~~من قرأ " ويعفو " فقد استأنف الكلام. والعامة على الجزم عطفا على جواب ~~الشرط. واستشكله القشيري، وقال: لأن المعنى إن يشأ يسكن الريح فتبقى ~~تلك السفن رواكدا ويهلكها بذنوب أهلها، فلا يحسن عطف: " ويعف " على ~~هذا لأن المعنى يصير: إن يشأ يعف، وليس المعنى على ذلك، بل المعنى ~~الإخبار عن العفو من غير شرط المشيئة فهو عطف على المجزوم من حيث اللفظ ~~لا من حيث المعنى. قال أبو حيان: وما قاله ليس بجيد، إذ لم يفهم مدلول ~~التركيب والمعنى إلا أنه تعالى إن يشأ أهلك ناسا وأنجى ناسا على طريق ~~العفو عنهم. وقرأ الأعمش: ويعفو بالواو. وهي تحتمل أن تكون كالمجزوم، ~~وثبتت الواو في الجزم كثبوت الياء في " من يتقي ويصبر ". # ويحتمل أن يكون الفعل مرفوعا، أخبر الله تعالى أنه يعفو عن كثير من ~~السيئات. # وقرأ بعض أهل المدينة بالنصب بإضمار " أن " بعد الواو كنصبه ms7710 في قول ~~النابعة: شعرا: # 4385 فإن يهلك أبو قابوس يهلك # ربيع الناس والبلد الحرام # ونأخذ بعده بذناب عيش # أجب الظهر ليس له سنام # بنصب ونأخذ ورفعه وجزمه، وهذا كما ترى بالأوجه الثلاثة بعد الفاء في ~~قوله تعالى: # فيغفر لمن يشآء # [البقرة:284] كما تقدم آخر البقرة ويكون قد عطف هذا المصدر المؤول من " ~~أن " المضمرة والفعل على مصدر متوهم من الفعل قبله تقديره: أو يقع ~~إيباق، وعفو عن كثير. فقراءة النصب كقراءة الجزم في المعنى إلا أن في ~~هذه عطف مصدر مؤول على مصدر متوهم وفي تيك عطف فعل على مثله. # قوله تعالى: { ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما ~~لهم من محيص } قرأ نافع وابن عامر برفعه والباقون بنصبه. وقرىء: ~~بجزمه أيضا. فأما الرفع فواضح جدا، وهو يحتمل وجهين: الاستئناف بجملة ~~فعلية, والاستئناف بجملة اسمية، فتقدر قبل الفعل مبتدأ أي وهو يعلم الذين ~~و " الذين " على الأول فاعل، وعلى الثاني مفعول. وأما قراءة النصب ففيها ~~أوجه: # أحدها: قال الزجاج: على الصرف قال: ومعنى الصرف صرف العطف عن اللفظ إلى ~~العطف على المعنى قال: وذلك أنه لم يحسن عطف " ويعلم " مجزوما على ما ~~قبله؛ إذ يكون المعنى إن يشأ يعلم عدل إلى العطف على مصدر الفعل الذي ~~قبله، ولا يتأتى ذلك إلا بإضمار " أن " ليكون من الفعل في تأويل اسم. ~~وقال البغوي: قرىء بالنصب على الصرف والجزم إذا صرف عنه معطوفه نصب ~~كقوله: # ويعلم الصابرين # [آل عمران:142] نقل من حال الجزم إلى النصب استخفافا وكراهية توالي ~~الجزم. # الثاني: قول الكوفيون: إنه منصوب بواو الصرف يعنون أن الواو نفسها هي ~~الناصبة، لا بإضمار " أن " وتقدم معنى الصرف. # الثالث: قال الفارسي ونقله الزمخشري عن الزجاج إن النصب على إضمار " ~~إن "؛ لأن قبلها جزاء تقول: ما تصنع أصنع، وأكرمك وإن شئت: وأكرمك على: ~~وأنا أكرمك، وإن شئت: وأكرمك جزما. # قال الزمخشري: وفيه نظر؛ لما أورده سيبويه في كتابه قال: واعلم أن ~~النصب بالواو والفاء في قوله: إن تأتني آتك، وأعطيك ضعيف، ~~وهو نحو من قوله: ms7711 # 4386.......................... # وألحق بالحجاز فأستريحا # فهذا (لا) يجوز، لأنه ليس بحد الكلام ولا وجه، إلا أنه في الجزاء صار ~~أقوى قليلا؛ لأنه ليس بواجب أنه يفعل إلا أن يكون من الأول فعل، فلما ~~ضارع الذي لا يوجبه كالاستفهام ونحوه أجازوا فيه هذا على ضعفه. قال ~~الزمخشري: ولا يجوز أن تحصل القراءة المستفيضة على وجة ليس بحد الكلام ~~ولا وجهه، ولو كانت من هذا الباب لما أخلى سيبويه منها كتابه. # وقد ذكر نظائرها من الآيات المشكلة. # الرابع: أن ينتصب عطفا على تعليل محذوف تقديره: لينتقم منهم ويعلم ~~الذين ونحوه في العطف على التعليل المحذوف غير عزيز في القرآن ومنه: # ولنجعله ءاية للناس # [مريم:21] # وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى # [الجاثية:22] قاله الزمخشري. قال أبو حيان: ويبعد تقديره: لينتقم منهم ~~لأنه مرتب على الشرط إهلاك قوم ونجاة قوم فلا يحسن " لينتقم منهم " وأما ~~الآيتان فيمكن أن تكون اللام متعلقة بفعل محذوف تقديره " ولنجعله ~~آية للناس فعلنا ذلك، ولتجزى كل نفس فعلنا ذلك ~~" وهو كثيرا (ما) يقدر هذا الفعل مع هذه اللام إذا لم يكن فعل يتعلق به. ~~وقال شهاب الدين: بل يحسن تقدير: لينتقم؛ لأنه يعود في المعنى على إهلاك ~~قوم المترتب على الشرط. # وأما الجزم فقال الزمخشري: # فإن قلت كيف يصح المعنى على جزم " ويعلم "؟!. # قلت: كأنه قيل: أو إن يشأ يجمع بين ثلاثة أمور إهلاك قوم ونجاة قوم ~~وتحذير آخرين. وإذا قرىء بالجزم فيكسر الميم لالتقاء الساكنين. # وقوله: { ما لهم من محيص } في محل نصب، بسدها مسد مفعولي ~~العلم. # فصل # المعنى وليعلم الذين يجادلون أي يكذبون بالقرآن إذا صاروا إلى الله ~~عز وجل بعد البعث لا مهرب لهم من عذاب الله، كما أنه لا مخلص لهم إذا ~~وقصت السفن وإذا عصفت الرياح، ويكون ذلك سببا لاعترافهم بأن الإله ~~النافع الضار ليس إلا الله. ### || [42.36-42] # قوله تعالى: { فمآ أوتيتم من شيء فمتاع الحياة ~~الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا ~~وعلى ربهم يتوكلون } [الشورى:36] الآية لما ذكر دلائل ~~التوحيد أردفها بالتنفير عن ms7712 الدنيا وتحقير شأنها؛ لأن المانع من قبول ~~الدليل هو الرغبة في الدنيا، فقال: " وما أوتيتم " " ما " شرطية، ~~وهي في محل نصب مفعولا ثانيا " لأوتيتم " والأول هو ضمير المخاطبين ~~قام مقام الفاعل، وإنما قدم الثاني؛ لأن له صدر الكلام، وقوله: " من ~~شيء " بيان لما الشرطية لما فيها من الإيهام. وقوله " فمتاع " ~~الفاء جواب الشرط و " متاع " خبر مبتدأ مضمر أي فهو متاع، وقوله " وما ~~عند الله " " ما " موصولة مبتدأة, و " خير " خبرها، و " ~~للذين " يتعلق " بأبقى ". # فصل # المعنى: وما أوتيتم من شيء من رياش الدنيا فمتاع الحياة الدنيا ليس من ~~زاد المعاد، وسماه متاعا تنبيها على قلته وحقارته وجعله من متاع الدنيا ~~تنبيها على انقراضه، وأما الآخرة فإنها خير وأبقى والباقي خير من ~~الخسيس الفاني. # ثم بين أن هذه الخيرية إنما تحصل لمن كان موصوفا بصفات منها أن يكون من ~~المؤمنين فقال { للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ~~}. وهذا يدل على من زعم أن الطاعة توجب الثواب؛ لأنه متكل على عمل نفسه ~~لا على الله فلا يدخل تحت الآية. # الصفة الثانية: قوله: " والذين يجتنبون " نسق الى " الذين " ~~الأولى. وقال أبو البقاء: " الذين يجتنبون " في موضع جر بدلا من " ~~الذين آمنوا " ويجوز أن يكون في محل نصب بإضمار " أعني " أو في ~~موضع رفع على تقدير " هم " وهذا وهم منه في التلاوة كأنه اعتقد أن ~~القرآن: وعلى ربهم يتوكلون الذين يجتنبون فبنى عليه الثلاثة الأوجه وهو ~~بناء فاسد. # قوله: " كبائر الإثم " قرأ الأخوان هنا وفي النجم: " كبير ~~الإثم " بالإفراد، والباقون كبائر بالجمع في السورتين، والمفرد ~~هنا في معنى الجمع والرسم الكريم يحتمل القراءتين. # فصل # تقدم معنى كبائر الإثم في سورة النساء. قال ابن الخطيب: نقل الزمخشري عن ~~ابن عباس: أن كبير الإثم هو الشرك، وهو عندي ضعيف لأن شرط الإيمان مذكور ~~وهو يغني عن عدم الشرك، وقيل: كبائر الإثم ما يتعلق بالبدع واستخراج ~~الشبهات. وأما الفواحش فقال السدي: يعني الزنا. وقال مقاتل: ما يوجب ~~الوحد. # قوله: { وإذا ما غضبوا } " إذا " منصوبة بيغفرون، و " ~~يغفرون ms7713 " خير لهم والجملة بأسرها عطف على الصلة وهي " يجتنبون " ، ~~والتقدير: والذين يجتنبون وهم يغفرون عطف اسمية على فعلية. # ويجوز أن يكون " هم " توكيد للفاعل في قوله: " غضبوا " ، وعلى هذا ~~فيغفرون جواب الشرط. وقال أبو البقاء: هم مبتدأ، ويغفرون الخبر، والجملة ~~جواب إذا. # قال شهاب الدين: وهذا غير صحيح، لأنه لو كان جوابا لإذا لاقترن بالفاء، ~~تقول: إذا جاء زيد فعمرو منطلق، ولا يجوز: عمرو ينطلق. وقيل: (هم) مرفوع ~~بفعل مقدر يفسره " يغفرون " بعده ولما حذف الفعل انفصل الضمير. ولم ~~يستبعده أبو حيان، وقال: ينبغي أن يجوز ذلك في مذهب سيبويه، لأنه أجازه ~~في الأداة الجازمة تقول: إن ينطلق زيد ينطلق تقديره: ينطلق زيد ~~ينطلق فينطلق واقع جوابا ومع ذلك فسر الفعل فكذلك هذا. وأيضا فذلك ~~جائز في فعل الشرط بعدها نحو: إذا السماء انشقت فليجز في جوابها ~~أيضا. # فصل # وإذا ما غضبوا هم يغفرون يحلمون ويكظمون الغيظ، وخص الغضب ~~بلفظ الغفران؛ لأن الغضب على طبع النار واستيلاؤه شديد ومقاومته صعبة، ~~فلهذا خصه الله تعالى بهذا اللفظ. # قوله (تعالى): { والذين استجابوا لربهم } أي أجابوه إلى ~~ما دعاهم إليه من طاعته. وقال ابن الخطيب: المراد منه تمام الانقياد. # فإن قيل: أليس أنه لما حصل الإيمان فيه شرطا فقد دخل في الإيمان إجابة ~~الله؟!. # والجواب: أن يحصل هذا على الرضا بضاء الله من صميم القلب وأن لا يكون في ~~قلبه منازعة. ثم قال: " وأقاموا الصلاة " أي الواجبة لأن هذا هو ~~الشرط في حصول الثواب. # قوله: { وأمرهم شورى بينهم } أي يتشاورون فيما يبدوا لهم ~~ولا يعجلون. والشورى مصدر كالفتيا بمعنى التشاور. { ومما ~~رزقناهم ينفقون }. # قوله: { والذين إذآ أصابهم البغي } أي الظلم والعدوان " ~~هم ينتصرون " أي ينتقمون من ظالمهم من غير أن يعتدوا. قال ابن ~~زيد: جعل الله المؤمنين صنفين: صنف يعفون عن ظالمهم فبدأ بذكرهم وهو ~~قوله: { وإذا ما غضبوا هم يغفرون } وصنف ينتصرون من ظالمهم وهم المذكورون ~~في هذه الآية كانوا يكرهون أن يستذلوا، فإذا قدروا عفوا. وقال عطاء: هم ~~المؤمنون الذين أخرجهم ms7714 الكفار من مكة وبغوا عليهم، ثم مكنهم الله في ~~الأرض حتى انتصروا ممن ظلمهم. وعن النخعي أنه كان إذا قرأها قال: ~~كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترىء عليهم السفهاء. # فإن قيل: هذه الآية مشكلة لوجهين: # الأول: أنه لما ذكر قبله: وإذا ما غضبوا هم يغفرون كيف يليق أن يذكر معه ~~ما يجري مجرى الضد له وهم الذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون؟!. # الثاني: أن جميع الآيات دالة على أن العفوا أحسن. قال تعالى: # وأن تعفوا أقرب للتقوى # [البقرة:237] وقال: # وإذا مروا باللغو مروا كراما # [الفرقان:72] وقال # خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين # [الأعراف:199] وقال: # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن ~~صبرتم لهو خير للصابرين # [النحل:126]؟. # فالجواب: أن العفو على قسمين: # أحدهما: أن يصير العفو سببا لتسكين الفتنة ورجوع الجاني عن جنايته. # والثاني: أن يصير العفو سببا لمزيد جرأة الجاني وقوة غيظه، فآيات العفو ~~محمولة على القسم الأول، وهذه الآية محمولة على القسم الثاني وحينئذ يزول ~~التناقض. # روي: # " أن زينب أقبلت على عائشة تشتمها فنهاها النبي صلى الله عليه ~~وسلم عنها فلم تنته فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " دونك ~~فانتصري " # وأيضا فإنه تعالى لم يرغب في الانتصار، بل بين أنه مشروع فقط، ثم بين ~~أن مشروعيته مشروطة برعاية المماثلة فقال: { وجزآء سيئة ~~سيئة مثلها } ثم بين أن العفو أولى بقوله: { فمن عفا ~~وأصلح فأجره على الله } فزال السؤال. # قوله: " هم ينتصرون " إعرابه كإعراب: { وإذا ما غضبوا هم يغفرون ~~} ففيه ما تقدم، إلا أنه يزيد هنا أنه يجوز أن يكون " هم " توكيدا ~~للضمير المنصوب في " أصابهم " أكد بالضمير المرفوع وليس فيه إلا ~~الفصل بين المؤكد والمؤكد، والظاهر أنه غير ممنوع. # قوله تعالى: { وجزآء سيئة سيئة مثلها... } الآية لما ~~قال: { والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون } بين بعده أن ذلك الانتصار ~~يجب أن يكون مقيدا بالمثل، فإن العدل هو المساواة، وسمي الجزاء سيئة وإن ~~كان مشروط مأذونا فيه قال الزمخشري: كلتا الفعلتين: الأولى: وجزاؤها ~~سيئة؛ لأنها تسوء من تنزل ms7715 به، قال تعالى: # وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك # [النساء:78] يريد: ما يسوءهم من المصائب والبلاء. وأجاب غيره بأنه لما ~~جعل أحدهما في مقابلة الآخر أطلق اسم أحدهما على الآخر مجازا والأول ~~أظهر. وقال آخرون: إنما سمي الجزاء سيئة وإن لم يكن سيئة لتشابههما في ~~الصورة. # فصل # قال مقاتل: يعني القصاص في الجراحات والدماء. وقال مجاهد والسدي: هو ~~جواب القبيح إذا قال: أخزاك الله تقول: أخزاك الله وإذا شتمك فاشتمه ~~بمثلها من غير أن تعتدي. قال سفيان بن عيينة: قلت لسفيان الثوري: ما ~~قوله عز وجل: وجزاء سيئة سيئة مثلها؟ قال: أن يشتمك رجل فتشتمه أو يفعل ~~بك فتفعل به فلم أجد عنده شيئا، فسألت هشام بن حجير عن هذه الآية فقال: ~~الجارح إذا جرح يقتص منه وليس هو أن يشتمك فتشتمه. # فصل # دلت هذه الآية على أن المسلم لا يقتل بالذمي وأن الحر لا يقتل ~~بالعبد؛ لأن المماثلة شرط لجريان القصاص وهي مفقودة في المسألتين، وأيضا ~~فإن الحر إذا قتل العبد يكون قد أتلف على مالك البعد شيئا (ف) يساوي ~~عشرة دنانير مثلا فوجب أن يلزمه أداء عشرة دنانير لهذه الآية وإذا وجب ~~الضمان وجب أن لا يجب القصاص، لأنه لا قائل بالفرق، فوجب أن يجري ~~القصاص بينهما. والدليل على أن المماثلة شرط لوجوب القصاص هذه الآية، ~~وقوله: # من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها # [غافر:40] وقوله # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به # [النحل:126] وقوله تعالى: # والجروح قصاص # [المائدة:45] وقوله تعالى: # كتب عليكم القصاص في القتلى # [البقرة:178]. والقصاص عبارة عن المساواة والمماثلة فهذه النصوص تقتضي ~~مقابلة الشيء بمثله. ودلت الآية أيضا على أن الأيدي تقطع باليد الواحدة؛ ~~لأن كل القطع أو بعضه صدر عن (كل) أولئك القاطعين أو عن بعضهم. فوجب أن ~~يشوع في حق أولئك القاطعين مثله بهذه النصوص. # فإن قيل: فيلزم استيفاء الزيادة من الجاني وهو ممنوع!. # فالجواب: أنه لما وقع التعارض بين جانب الجاني وبين جانب المجني عليه ~~كان جانب المجني عليه بالرعاية أولى. ms7716 ودلت الآية أيضا على مشروعية ~~القصاص في حق شريك الأب لأنه صدر عنه الجرح فوجب أن يقابل بمثله. ودلت ~~الآية أيضا على أن من حرق حرقناه، ومن غرق غرقناه، وعلى أن شهود ~~القصاص إذا رجعوا وقالوا: تعمدنا الكذب يلزمهم القصاص؛ لأنهم بتلك ~~الشهادة أهدروا دمه فوجب أن يهدر دمهم. ودلت أيضا على أن المكره يجب ~~عليه القود، لأنه صدر منه القتل ظلما فوجب مثله أما صدور القتل فالحس ~~يدل عليه، وأما أنه قتل ظلما فلإجماع المسلمين على أنه مكلف بأن لا يقتل ~~فوجب أن يقابل بمثله ودلت أيضا على أن منافع الغصب مضمونة، لأن الغاصب ~~فوت على المالك منافع تقابل في العرف بدينار مثلا فوجب أن يفوت على ~~الغاصب مثله من المال. # قوله: { فمن عفا وأصلح } بالعفو بينه وبين ظالمه " فأمره ~~إلى الله ". قال الحسن رضي الله عنه : إذا كان يوم القيامة نادى ~~مناد: من كان له عند الله أجر فليقم، فلا يقوم ~~إلا من عفا. ثم مقرأ هذه الآية " إن الله لا يحب ~~الظالمين ". قال ابن عباس (رضي الله عنهما): الذين يبدأون بالظلم، ~~وفيه تنبيه على أن المجني عليه لا يجوز له الزيادة والتعدي في الاستيفاء ~~خصوصا في حال الحرب والتهاب الحمية فربما صار المظلوم عند الاستيفاء ~~ظالما. # وفيه دقيقة وهو أنه تعالى لما حث على العفو عن الظالم وأخبر أنه لا يحب ~~الظالم وإذا كان لا يحبه وندب غيره إلى العفو عنه فالمؤمن الذي يحبه الله ~~بسبب إيمانه أولى أن يعفو الله عنه. # قوله: " ولمن انتصر " هذه لام الابتداء، وجعلها الحوفي وابن ~~عطية للقسم، وليس بجيد إذا جعلنا " من " شرطية كما سيأتي؛ لأنه كان ~~ينبغي أن يجاب السابق، وهنا لم يجب إلا الشرط. و " من " يجوز أن تكون ~~شرطية وهو الظاهر، والفاء في " فأؤلئك " جواب الشرط، وأن تكون ~~موصولة ودخلت الفاء لشبه الموصول بالشرط. و " ظلمه " مصدر مضاف ~~للمفعول وأيدها الزمخشري بقراءة من قرأ: " بعدما ظلم " مبنيا ~~للمفعول. # فصل # معنى الآية: ولمن انتصر بعد ظلم الظالم إياه فأولئك ms7717 المنتصرين ما عليهم ~~من سبيل لعقوبة ومؤاخذة، لأنهم ما فعلوا إلا ما أبيح لهم من الانتصار. ~~واحتجوا بهذه الآية على أن سراية القود مهدرة لأنه فعل مأذون فيه ~~مطلقا فيدخل تحت هذه الآية. # قوله تعالى: { إنما السبيل على الذين يظلمون ~~الناس } أي يبدأون بالظلم { ويبغون في الأرض بغير ~~الحق } يعملون فيها بالمعاصي { أولئك لهم عذاب أليم ~~}. ### || [42.43-50] # قوله: { ولمن صبر } الكلام في اللام كما تقدم: فإن جعلناها شرطية ~~فإن جواب القسم المقدر، وحذف الشرط للدلالة عليه، وإن كانت موصولة، كان ~~قوله: " إن ذلك " هو الخبر. وجوز الحوفي وغيره أن تكون " من " ~~شرطية و " إن ذلك " جوابها على حذف الفاء على حد حذفها في قوله: # 4387 من يفعل الحسنات..... # ............................. # وفي الرابط قولان: # أحدهما: هو اسم الإشارة، إذا أريد به المبتدأ، ويكون حينئذ على حذف مضاف ~~تقديره: إن ذلك لمن ذوي عزم الأمور. # والثاني: أنه ضمير محذوف تقديره لمن عزم الأمور " منه أو له ". وقوله: { ~~ولمن صبر } عطف على قوله: " ولمن انتصر " والجملة من قوله: " ~~إنما السبيل " اعتراض. # فصل # المعنى لمن صبر وغفر فلم يقتص وتجاوز، إن ذلك الصبر والتجاوز من عزم ~~الأمور حقها وحزمها. قال مقاتل: من الأمور التي أمر الله بها. وقال ~~الزجاج: الصابر يؤتى بصبره الثواب والرغبة في الثواب أتم عزما. # قوله: { ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده } ~~أي فليس له ناصر يتولاه من بعد إضلال الله إياه، وليس له من يمنعه من ~~عذاب الله، وهذا صريح في جواز أن الإضلال من الله وأن الهداية ليست في ~~مقدور أحد سوى الله. # قال القاضي: المراد: ومن يضلل الله عن الجنة لجنايته فما له من ولي من ~~بعده ينصره. وأجيب بأن تقييد الإضلال بهذه الصور المعينة خلاف الدليل، ~~وأيضا فالله تعالى ما أضله عن الجنة في قولكم بل هو أضل نفسه عن الجنة. # قوله: { وترى الظالمين لما رأوا العذاب } يوم ~~القيامة { يقولون هل إلى مرد من سبيل } أي يطلبون ~~الرجوع إلى الدنيا لعظم ما شاهدوا من العذاب. # ثم ms7718 ذكر حالهم عند عرض النار. قوله: " يعرضون " حال، لأن الرؤية ~~بصرية، و " خاشعين " حال والضمير في " عليها " يعود على النار ~~لدلالة العذاب عليها. # وقرأ طلحة: من الذل بكسر الذال وقد تقدم الفرق بين الذل ~~والذل و " من الذل " يتعلق بخاشعين أي من أجل. وقيل: هو متعلق ~~بينظرون. وقوله: " من طرف " يجوز في " من " أن تكون لابتداء ~~الغاية، وأن تكون تبعيضية وأن تكون بمعنى الباء، والظرف قيل: يراد به ~~العضو وقيل: يراد به المصدر يقال: طرفت عينه تطرف طرفا أي ينظرون نظرا ~~خفيا. # فصل # اعلم أنه ذكر حالهم عند عرضهم على النار، فقال: خاشعين أي خاضعين حقيرين ~~بسبب ما لحقهم من الذل يسارقون النظر إلى النار خوفا منها وذلة في ~~أنفسهم، كما ينظر المقتول إلى السيف فلا يقدر أن يملأ عينيه منه، ولا ~~يفتح عينه إنما ينظر ببعضها، وإذا كانت من بمعنى الباء أي بطرف خفي ضعيف ~~من الذل. # فإن قيل: إنه قال في صفة الكفار: إنهم يحشرون عميا فكيف قال هاهنا إنهم ~~ينظرون من طرف خفي؟! فالجواب: لعلهم يكونون في الابتداء هاهنا ثم يصيرون ~~عميا، أو لعل هذا في قوم وذاك في قوم آخرين. وقيل: معنى ينظرون من طرف ~~خفي أي ينظرون إلى النار بقلوبهم لأنهم يحشرون عميا والنظر بالقلب ~~خفي. # ولما وصف الله تعالى حال الكفار حكى ما يقوله المؤمنون فيهم فقال: { ~~وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا ~~أنفسهم وأهليهم يوم القيامة } وقيل: خسروا أنفسهم بأن ~~صاروا إلى النار وأهليهم بأن صاروا لغيرهم إلى الجنة. وهذا القول يحتمل ~~أن يكون واقعا في الدنيا، وإما أن يقولوه يوم القيامة إذا رأوهم على تلك ~~الصفة، ثم قال: { ألا إن الظالمين في عذاب مقيم } أي ~~دائم. قال القاضي: هذا يدل على أن الكافر والفاسق يدوم عذابهما والجواب: ~~أن لفظ الظالم المطلق في القرآن مخصوص بالكافر قال تعالى: # والكافرون هم الظالمون # [البقرة:254] والذي يؤكد هذا قوله تعالى بعد هذه الآية: { وما كان ~~لهم من أوليآء ينصرونهم من دون الله } والمعنى أن ~~الأصنام ms7719 التي كانوا يعبدونها لتشفع لهم عند الله تعالى ما أتوا بتلك ~~الشفاعة وهذا لا يليق إلا بالكافر. # قوله: " ينصرونهم " صفة " لأولياء " ، فيجوز أن يحكم على موضعها ~~بالجر اعتبارا بلفظ موصوفها وبالرفع اعتبارا بمحلة، فإنه اسم لكان. ~~وقوله: " من سبيل " إما فاعل وإما مبتدأ، والمعنى فما له من سبيل ~~إلى الحق في الدنيا والجنة في العقبى وقد أفسد عليهم طريق الخير. # قوله: { وقال الذين آمنوا } يجوز أن يكون ماضيا على حقيقته، ~~ويكون " يوم القيامة " معمولا " لخسروا " ويجوز أن يكون بمعنى ~~يقول فيكون يوم القيامة معمولا له. # قله تعالى: { استجيبوا لربكم... } الآيات. لما ذكر الوعد ~~والوعيد ذكر بعده ما هو المقصود، فقال: { استجيبوا لربكم } أي ~~أجيبوا داعي (ربكم) يعني محمدا صلى الله عليه وسلم { من قبل أن ~~يأتي يوم لا مرد له من الله } أي لا يقدر أحد على ~~دفعه. # قوله: " من الله " يجوز تعلقه بيأتي أي يأتي من الله يوم لا مرد له، ~~وأن يتعلق بمحذوف يدل عليه " لا مرد له " أي لا يرد ذلك اليوم ما ~~حكم الله به فيه. # وجوز الزمخشري أن يتعلق " بلا مرد " ، ورده أبو حيان: بأنه يكون ~~معمولا وكان ينبغي أن يعرب فينصب منونا. # واختلفوا في المراد بذلك اليوم، فقيل: هو ورود الموت. وقيل: يوم ~~القيامة، قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يكون معنى قوله: " لا مرد له " أي لا ~~يقبل التقديم ولا التأخير، وأن يكون معناه أنه لا مرد فيه إلى حال ~~التكليف حتى يحصل فيه التلاقي. # ثم وصف اليوم فقال فيه: { ما لكم من ملجأ } تلجأون إليه يقع ~~به المخلص من العذاب { وما لكم من نكير } ينكر تغير ما بكم. ~~ويجوز أن يكون المراد من النكير الإنكار، أي لا تقدرون أن تنكروا شيئا ~~مما اقترفتموه من الأعمال. # قوله: " فإن أعرضوا " عن الاستجابة ولم يقبلوا هذا الأمر { فمآ ~~أرسلناك عليهم حفيظا } بأن تحفظ أعمالهم وتحصيها { ~~إن عليك إلا البلاغ } أي ما عليك إلا البلاغ، وذلك تسلية من ~~الله تعالى له. ثم بين السبب في إصرارهم على ms7720 الكفر فقال: { وإنآ ~~إذآ أذقنا الإنسان منا رحمة } قال ابن عباس (رضي الله ~~عنهما) يعني الغنى والصحة " فرح بها ". # واعلم أن نعم الله وإن كانت في الدنيا عظيمة إلا أنها بالنسبة إلى ~~سعادات الآخرة كالقطرة بالنسبة إلى البحر، فلذلك سميت ذوقا. فبين (الله) ~~تعالى أن الإنسان إذا حصل له هذا القدر الحقير في الدنيا فرح به وعظم ~~غروره، ووقع في العجب والكبر، ويظن أنه فاز بكل المنى، ووصل إلى أقصى ~~السعادات، وهذه طريقة من ضعف اعتقاده في سعادات الآخرة. # ثم إنه تعالى بين أنه متى أصابهم سيئة أي شيء يسوءهم في الحال كالمرض ~~والفقر والقحط وغيرها فإنه يظهر الكفر وهو (معنى) قوله: { فإن ~~الإنسان كفور } ، والكفور: هو المبالغ في الكفران والمراد بقوله: ~~كفور أي لما تقدم من نعمة الله عليه ينسى ويجحد بأول شدة جميع ما سلف من ~~النعم. # وقوله: فإن الإنسان من وقوع الظاهر موقع المضمر أي فإنه كفور. وقدر ~~أبو البقاء: ضميرا محذوفا فقال فإن الإنسان (منهم) ولما ذكر إذاقة ~~الإنسان الرحمة وإصابته بعدها اتبع ذلك بقوله: { لله ملك ~~السماوات والأرض } له التصرف فيهما بما يريد والمقصود منه أن لا ~~يغتر الإنسان بما ملكه من المال والجاه بل إذا علم أن الكل ملك لله وملكه ~~وإنما حصل له القدر إنعاما من الله عليه فيصير ذلك حاملا له على مزيد ~~من الطاعة. # ثم ذكر من أقسام تصرف الله تعالى في العالم أنه يخص البعض بالأولاد ~~والإناث والبعض بالذكور والبعض بهما، والبعض بأن يجعله محروما من الكل ~~وهو المراد بقوله: { ويجعل من يشآء عقيما }. # قوله: { ذكرانا وإناثا } حال وهي حال لازمة؟ وسوغ مجيئها كذلك ~~أنها بعد ما يجوز أن يكون الأمر على خلافه، لأن معنى يزوجهم يقرنهم. # قال الزمخشري: فإن قلت: لم قدم الإناث على الذكور مع تقديمهم عليهن ثم ~~رجع فقدمهم؟! ولم عرف الذكور بعدما نكر الإناث؟!. قلت: لأنه ذكر البلاء ~~في آخر الآية الأولى، وكفران الإنسان بنسيانه الرحمة السابقة عنه، ثم ~~عقبه بذكر ملكه ومشيئته وذكر قسمة الأولاد ms7721 فقد الإناث؛ لأن سياق الكلام ~~أنه فاعل ما يشاؤه لا ما يشاؤ (ه) الإنسان، فكان ذكر الإناث اللاتي من ~~جملة ما يشاؤه الإنسان أهم، والأهم واجب التقديم، وليلي الجنس التي كانت ~~العرب تعده بلاء (ذكر) البلاء، وآخر الذكور، فلما أخرهم تدارك تأخيرهم ~~وهم أحقاء بالتقديم وبالتعريف، لأن تعريفهم فيه تنويه وتشهير، كأنه ~~قال: ويهب لمن يشاء الفرسان الأعلام المذكورين الذين لا يخفون عليكم. # ثم أعطى بعد ذلك كلا الجنسين حظه من التقديم والتأخير وعرف أن تقديمهن ~~لم يكن لتقدمهن ولكن لمقتضى آخر فقال: " ذكرانا وإناثا " (كما ~~قال: إنا) # خلقناكم من ذكر وأنثى # [الحجرات:13] فجعل فيه { الزوجين الذكر والأنثى }. # فصل # قال ابن الخطيب: وفي الآية سؤالات: # الأول: أنه قدم الإناث في الذكر على الذكور أولا، ثم قدم الذكور على ~~الإناث ثانيا فما السبب في هذا التقديم والتأخير؟ # الثاني: أنه نكر الإناث وعرف الذكور وقال في الصنفين معا { أو ~~يزوجهم ذكرانا وإناثا }. # الثالث: لما كان حصول الولد هبة من الله تعالى فيكفي في عدم حصوله أن لا ~~يهب فأي حاجة في عدم حصوله إلى قوله: { ويجعل من يشآء عقيما ~~}. # الرابع: هل المراد بهذا الحكم جمع معينون أو الحكم على الإنسان ~~المطلق؟. # والجواب على الأول: أن الكريم يسعى في أن يقع الحتم على الخير والراحة ~~فإذا وهب الأنثى أولا ثم أعطي الذكر بعده فكأنه نقله من الغم إلى الفرح، ~~وهذا غاية الكرم، أما إذا أعطي الذكر أولا ثم أعطي الأنثى ثانيا فكأنه ~~نقله من الفرح إلى الغم، فذكر الله تعالى هبة الأنثى أولا، ثم ثنى ~~بهبة الذكر حتى يكون قد نقله من الغم إلى الفرح فيكون أليق بالكرم. # قيل: من يمن المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذكر؛ لأن الله بدأ بالإناث ~~وأما تقديم ذكر الذكور على الإناث ثانيا؛ لأن الذكر أكمل وأفضل من ~~الأنثى، والأفضل مقدم على المفضول. # وأما الجواب عن تنكير الإناث وتعريف الذكور فهو أن المقصود منه التنبيه ~~على أن الذكر أفضل من الأنثى وأما قوله: { أو يزوجهم ذكرانا ~~وإناثا } وهو أن ms7722 كل شيئين يقرن أحدهما بالآخر، فهما زوجان وكل واحد ~~منهما يقال له: زوج والكناية في " يزوجهم " عائدة على الإناث ~~والذكور والمعنى يجعل الذكور والإناث أزواجا أي يجمع له بينهما فيولد له ~~الذكور والإناث. # وأما الجواب عن قوله " عقيما " فالعقيم هو الذي لا يلد ولا يولد له ~~يقال: رجل عقيم، وامرأة عقيم، وأصل العقم القطع ومنه قيل: ~~الملك عقيم، لأنه يقطع فيه الأرحام بالقتل والعقوق. # وأما الجواب عن الرابع فقال ابن عباس (رضي الله عنهما) : يهب لمن ~~يشاء إناثا، يريد لوطا وشعيبا لم يكن لهما إلا البنات، { ويهب ~~لمن يشآء الذكور } يريد: إبراهيم لم يكن له إلا الذكور، { أو ~~يزوجهم ذكرانا وإناثا } يريد محمدا صلى الله عليه وسلم كان له من ~~البنين ثلاثة على الصحيح القاسم وعبدالله، وإبراهيم، ومن البنات إربع: ~~زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة { ويجعل من يشآء عقيما } ~~يريد يحيى وعيسى عليهما الصلاة والسلام . # وقال أكثر المفسرين: هذا على وجه التمثيل، وإنما الحكم عام في كل الناس؛ ~~لأن المقصود بيان نفاذ قدرة الله تعالى في تكوين الأنبياء كيف شاء، فلا ~~معنى للتخصيص. ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله: { إنه عليم قدير ~~}. قال ابن عباس (رضي الله عنهما) : عليم بما خلق قدير على ما يشاء أن ~~يخلقه. والله أعلم. ### || [42.51-53] # قوله تعالى: { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا ~~وحيا... } الآية لما بين حال قدرته وعلمه وحكمته أتبعه ببيان أنه كيف ~~يخص أنبياءه بوحيه وكلامه. وقوله: " أن يكلمه " " أن " ومنصوبها ~~اسم كان و " لبشر " خبرها. وقال أبو البقاء: " أن " والفعل في موضع ~~رفع على الابتداء وما قبله الخبر، أو فاعل بالجار لاعتماده على حرف ~~النفي، وكأنه وهم في التلاوة فزعم أن القرآن: وما لبشر أن يكلمه مع أنه ~~يمكن الجواب عنه بتكلف. # و { إلا وحيا } يجوز أن يكون مصدرا أي إلا كلام وحي. وقال أبو ~~البقاء: استثناء منقطع؛ لأن الوحي ليس من جنس الكلام. وفيه نظر؛ لأن ~~ظاهره أنه مفرغ، والمفرغ لا يوصف بذلك. ويجوز أن يكون مصدرا في موضع ms7723 ~~الحال. # قوله: " أو يرسل " قرأ نافع: " أو يرسل " برفع اللام، وكذلك: ~~فيوحي فسكنت ياؤه. والباقون بنصبهما. فأما القراءة الأولى ففيها ثلاثة ~~أوجه: # أحدها: أنه رفع على إضمار مبتدأ أي: أو هو يرسل. # الثاني: أنه عطف على " وحيا " على أنه حال؛ لأن وحيا في تقدير الحال ~~أيضا فكأنه قال: إلا موحيا أو مرسلا. # الثالث: أن يعطف على ما يتعلق به " من وراء "؛ إذ تقديره أو ~~يسمع من وراء حجاب و " وحيا " في موضع الحال عطف عليه ذلك المقدر ~~المعطوف عليه " أو يرسل " ، والتقدير: إلا موحيا أو مسمعا ~~من وراء حجاب أو مرسلا. # وأما الثانية ففيها ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يعطف على المضمر الذي يتعلق به { من ورآء حجاب } إذ ~~تقديره: أو يكلمه من وراء حجاب. وهذا الفعل (المقدر) معطوف ~~على " وحيا " ، والمعنى: إلا بوحي أو إسماع من وراء حجاب أو إرسال ~~رسول. # ولا يجوز أن يعطف على " يكلمه " لفساد المعنى؛ إذ يصير التقدير: ~~وما كان لبشر أن يرسل الله رسولا، فيفسد لفظا ومعنى. # وقال مكي: لأنه يلزم منه نفي الرسل، ونفي المرسل إليهم. # الثاني: أن ينصب بأن مضمرة وتكون هي وما نصبته معطوفين على " وحيا " ~~و " وحيا " ، فيكون هذا أيضا حالا، والتقدير: إلا موحيا أو مرسلا. # وقال الزمخشري: " وحيا وأن يرسل " مصدران واقعان موقع الحال، لأن: أن ~~يرسل في معنى: إرسالا و { من ورآء حجاب } ظرف واقع موقع ~~الحال أيضا كقوله: # وعلى جنوبهم # [آل عمران:191] والتقدير: وما صح أن يكلم أحدا إلا موحيا أو مسمعا من ~~وراء حجاب أو مرسلا. # ورد عليه أبو حيان بأن وقوع المصدر موقع الحال غير منقاس وإنما قاس منه ~~المبرد ما كان نوعا للفعل فيجيز أتيته ركضا ويمنع: أتيته بكاء أي ~~باكيا. # وبأن: أن يرسل لا يقع حالا لنص سيبويه:على أن " أن " والفعل لا يقع ~~حالا وإن كان المصدر الصريح يقع حالا تقول: جاء زيد ضحكا، ولا يجوز أن ~~يضحك. # الثالث: أنه عطف على معنى وحيا فإنه مصدر مقدر بأن والفعل والتقدير: ~~إلا بأن يوحي إليه ms7724 أو بأن يرسل. ذكره مكي وأبو البقاء. # قوله: { من ورآء حجاب } العامة على الإفراد. وابن أبي عبلة: حجب ~~جمعا. وهذا الجار يتعلق بمحذوف تقديره: أو يكلمه من وراء حجاب. وقد تقدم ~~أن هذا الفعل معطوف على معنى وحيا، أي إلا أن يوحي أو يكلمه. # قال أبو البقاء: ولا يجوز أن يتعلق من ب " يكلمه " (الموجودة في ~~اللفظ لأن ما قبل الاستثناء لا يعمل فيما بعد إلا. ثم قال: وقيل: من ~~مسبوقة بيكلمه) لأنه ظرف والظرف يتسع فيه. # فصل # ذكر المفسرون أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ألا تكلم ~~الله وتنظر إليه إن كنت نبيا كما كلمه موسى ونظر إليه؟ فقال: لم ينظر ~~موسى إلى الله عز وجل. فأنزل الله تعالى وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا ~~وحيا أي يوحي إليه في المنام أو بالإلهام أو من وراء حجاب يسمعه كلامه ~~ولا يراه كما كلم موسى عليه الصلاة والسلام أو يرسل رسولا إما جبريل ~~أو غيره من الملائكة فيوحي بإذنه ما يشاء أن يوحي ذلك الرسول إلى المرسل ~~إليه بإذن الله ما يشاء. # وهذه الآية تدل على (أن) الحسن لا يحسن لوجه عائد إليه وأن القبح لا ~~يقبح لوجه عائد إليه بل الله إنما يأمر بما يشاء من غير تخصيص وأنه ينهى ~~عما يشاء من غير تخصيص، إذ لو لم يكن الأمر كذلك لما صح قوله: " ما ~~يشاء " ، ثم قال: { إنه علي حكيم } أي عليم بصفات ~~المخلوقين حكيم تجري أفعاله على الحكمة فيتكلم تارة بغير واسطة على سبيل ~~الإلهام وأخرى بإسماع الكلام وثالثا بواسطة الملائكة الكرام. ولما بين ~~الله كيفية أقسام الوحي إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قال: ~~{ وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا } أي كما ~~أوحينا إلى سائر رسلنا أوحينا إليك روحا من أمرنا. # قال ابن عباس (رضي الله عنهما) نبوة. وقال الحسن (رضي الله عنه) ~~: رحمة وقال السدي ومقاتل: وحيا. وقال الكلبي: كتابا، وقال الربيع، ~~جبريل. وقال مالك بن دينار: يعني القرآن. # قوله: { ما كنت تدري ms7725 ما الكتاب } " ما " الأولى نافية ~~والثانية استفهامية، والجملة الاستفهامية معلقة للدراية، فهي في محل ~~نصب لسدها مسد مفعولين، والجملة المنفية بأسرها في محل نصب على الحال من ~~الكاف في " إليك ". # فصل # المعنى: وما كنت تدري قبل الوحي ما الكتاب ولا الإيمان يعني شرائع ~~الإيمان ومعالمه. وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة: الإيمان هنا الصلاة لقوله ~~تعالى: # وما كان الله ليضيع إيمانكم # [البقرة:143] أي صلاتكم. وقيل: هذا على حذف مضاف أي ما كنت تدري ما ~~الكتاب ولا الإيمان حين كنت طفلا في المهد. # وقيل الإيمان عبارة عن الإقرار بجميع ما كلف الله تعالى به وأنه قبل ~~النبوة ما كان عارفا بجميع تكاليف الله تعالى بل كان عارفا بالله ~~تعالى. وقال بعضهم: صفات الله تعالى على قسمين: منها ما يمكن معرفته بمحض ~~دلائل العقول ومنها ما لا يمكن معرفته إلا بالدلائل السمعية فهذا القسم ~~الثاني لم يكن معرفته حاصلا قبل النبوة. واعلم أن أهل الأصول على أن ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا مؤمنين من قبل الوحي، كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يعبد الله قبل الوحي على دين إبراهيم ولم ~~يتبين له شرائع دينه. # قوله: " جعلناه " الضمير يعود إما لروحا وإما للكتاب، وإما لهما، ~~لأنهما مقصد واحد، فهو كقوله: # والله ورسوله أحق أن يرضوه # [التوبة:62]. # فصل # قال ابن عباس (رضي الله عنهما) يعني الإيمان: وقال السدي: يعني ~~القرآن يهدي به من يشاء " نرشد به من نشاء " من عبادنا، و " نهدي " ~~يجوز أن يكون مستأنفا وأن يكون مفعولا مكررا للفعل وأن يكون صفة ~~لنورا. # قوله: { وإنك لتهدي } قرأ (شهر) بن حوشب: لتهدي مبنيا ~~للمفعول وابن السميقع: لتهدي بضم التاء وكسر الدال من: أهدى والمراد ~~بالصراط المستقيم الإسلام. # قوله: { صراط الله } بدل من: " صراط " قبله بدل كل من كل معرفة ~~من نكرة. # فصل # نبه بهذه الآية على أن الذي يجوز عبادته هو الذي يملك السموات والأرض، ~~ثم قال: { ألا إلى الله تصير الأمور } أمور الخلائق كلها في ~~الآخرة وهذا كالوعيد والزجر أي ترجع الأمور ms7726 كلها إلى الله تعالى حيث لا ~~يحاكم سواه فيجازي كلا منهم بما يستحقه من ثواب أو عقاب. # روى أبو أمامة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من قرأ سورة حم عسق كان ممن تصلي عليه الملائكة ~~ويستغفرون له ويسترحمون له " # (والله أعلم). ### | [43 - سورة الزخرف] ### || [43.1-5] # قوله تعالى: { حم والكتاب المبين } إن جعلت " حم " قسما ~~كانت الواو عاطفة، وإن لم تكن الواو للقسم. # وقوله: { إنا جعلناه } جواب القسم. وهذا عندهم من البلاغة، وهو ~~كون القسم والمقسم عليه من واد واحد، كقول أبي تمام: # 4388.......................... # وثناياك إنها إغريض # إن أريد بالكتاب القرآن، وإن أريد به جنس الكتب المنزلة غير القرآن ~~لم يكن من ذلك. والضمير في " جعلناه " على الأول يعود على الكتاب ~~وعلى الثاني للقرآن وإن لم يصرح بذكره. والجعل في هذا تصيير، ولا ~~يلتفت لخطأ الزمخشري في تجويزه أن يكون بمعنى خلقناه. # فصل # ذكر المفسرون في هذه الآية وجهين: # الأول: أن يكون التقدير هذه حم والكتاب المبين فيكون المقسم واقعا على ~~أن هذه السورة هي سورة حم. # الثاني: أن يكون القسم واقعا على قوله: { إنا جعلناه قرآنا ~~عربيا }. # وفي المراد بالكتاب قولان: # أحدهما: أنه القرآن فيكون قد أقسم بالقرآن أنه جعله عربيا. # والثاني: المراد بالكتاب الكتابة والخط، أقسم بالكتاب لكثرة ما فيه من ~~المنافع، ووصف الكتاب بأنه مبين أي أبان طريق الهدى من طريق الضلال، ~~وأبان ما يحتاج إليه الأمة من الشريعة وتسميته مبينا مجاز؛ لأن المبين ~~هو الله تعالى وإنما سمي القرآن بذلك توسعا من حيث إنه حصل البيان عنده. # وقوله: " جعلناه " أي صيرنا قراءة هذا الكتاب عربيا. وقيل: ~~بيناه. وقيل: سميناه وقيل وضعناه. يقال: جعل فلان زيدا ~~عالما، أي وصفه بهذا، كقوله: # وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا # [الزخرف:19] و # جعلوا القرآن عضين # [الحجر:91] # أجعلتم سقاية الحاج # [التوبة:19] كلها بمعنى الوصف والتسمية. # فصل # احتج القائلون بحدوث القرآن بهذه الآية من وجوه: # الأول: أنها تدل على أن القرآن مجعول, والمجعول هو المصنوع المخلوق. ms7727 # فإن قيل: المراد به أنه سماه عربيا, فهذا مدفوع من وجهين: # الأول: أنه لو كان المراد من الجعل التسمية لزم أن سماه عجميا أنه يصير ~~عجميا، وإن كان بلغة العرب، وهذا باطل. # الثاني: (أنه) لو صرف الجعل إلى التسمية لزم كون التسمية مجعولة، ~~والتسمية أيضا كلام الله وذلك أنه جعل بعض كلامه، وإذا صح ذلك في البعض ~~صح في الكل. # الثاني: أنه وصفه بكونه قرآنا، وهو إنما سمي قرآنا، لأنه جعل بعضه ~~مقرونا بالبعض، وما كان ذلك كان مصنوعا. # الثالث: وصفه بكونه عربيا، وإنما يكون عربيا، لأن العرب اختصت بضوع ~~ألفاضه واصطلاحهم، وذلك يدل على أنه مجعول. والتقدير: حم ورب ~~الكتاب المبين. # ويؤكد هذا بقوله عليه الصلاة والسلام : # " يا رب طه ويس، ويا رب القرآن العظيم ". # وأجاب ابن الخطيب: بأن هذا الذي ذكرتموه حق؛ لأنكم استدللتم بهذه الوجوه ~~على كون الحروف المتواليات والكلمات المتعاقبة محدثة، وذلك معلوم ~~بالضرورة ومن الذي ينازعكم فيه. # قله: { لعلكم تعقلون } كلمة " لعل " للتمني والترجي، ~~وهي لا تليق بمن كان عالما بعواقب الأمور، وكان المراد ههنا: إنا ~~أنزلناه قرآنا عربيا لأجل أن تحيطوا بمعناه. # قوله تعالى: { وإنه في أم الكتاب لدينا } متعلقان بما ~~بعدهما، ولا تمنع اللام من ذلك. ويجوز أن يكونا حالين مما بعدهما؛ لأنهما ~~كانا وصفين له في الأصل فيتعلقان بمحذوف، ويجوز أن يكون " لدينا " ~~متعلقا بما تعلق به الجار قبله، إذا جعلناه حالا من لعلي، وأن يكون ~~حالا من الضمير المستتر فيه. وكذا يجوز في الجار أن يتعلق بما تعلق به ~~الظرف وأن يكون حالا من ضميره عند من يجوز (تقديمها) على العامل ~~المعنوي، ويجوز أن يكون الظرف بدلا من الجار قبله، وأن يكونا حالين من " ~~الكتاب " أو من " أم ". # ذكر هذه الأوجه الثلاثة أبو البقاء، وقال: " ولا يجوز أن يكون واحد من ~~الظرفين خبرا؛ لان الخبر لزم أن يكون " عليا " من أجل اللام ". قال ~~شهاب الدين: وهذا يمنع أن تقول: " إن زيدا كاتب لشاعر؛ لأنه ~~منع أن يكون غير المقترن بها خبرا ms7728 ". # وقرأ حمزة والكسائي إم الكتاب بكسر الألف والباقون بالضم. ~~والضمير في قوله " وإنه " عائد إلى الكتاب المتقدم ذكره. # فصل # قيل: أم الكتاب هو اللوح المحفوظ. قال قتادة: أم الكتاب أصل الكتاب، ~~وأم كل شيء أصله. # قال ابن عباس: (رضي الله عنهما) : أول ما خلق الله القلم ~~أمره أن يكتب بما يريد أن يخلق فالكتاب عنده ثم قرأ: ~~وإنه في أم الكتاب لدينا، فالكتاب مثبت عنده في اللوح ~~المحفوظ كما قال: # بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ # [البروج:2122]. # وقوله: { لعلي حكيم } قال قتادة: يخبر عن منزلته وشرفه، أي إن ~~كذبتم بالقرآن يا أهل مكة فإنه عندنا " لعلي " رفيع شريف " ~~حكيم " أي محكم في أبواب البلاغة والفصاحة، أو ذو حكمة بالغة. قيل: ~~المراد بأم الكتاب الآيات المحكمة لقوله تعالى: # هو الذي أنزل عليك الكتاب منه ءايات ~~محكمات هن أم الكتاب # [آل عمران:7] والمعنى أن سورة حم واقعة في الآيات المحكمة التي هي الأصل ~~والأم. # فإن قيل: ما الحكمة في خلق هذا اللوح المحفوظ مع أنه تعالى علام الغيوب ~~فيستحيل عليه السهو والنسيان؟. # فالجواب: أنه تعالى لما أثبت في ذلك أحكام حوادث المخلوقات، ثم إن ~~الملائكة إذا شاهدوا أن جميع الحوادث إنما تحدث على موافقة ذلك المكتوب ~~استدلوا بذلك على كمال حكمته وعلمه. # قوله تعالى: { أفنضرب عنكم الذكر صفحا } في نصب " صفحا ~~" خمسة أوجه: # أحدها: أنه مصدر في معنى يضرب؛ لأنه يقال: ضرب عن كذا وأضرب ~~عنه بمعنى أعرض عنه وصرف وجهه عنه قال: # 4389 اضرب عنك الهموم طارقها # ضربك بالسيف قونس الفرس # والتقدير: أفنصفح عنكم الذكر، أي أفنزيل القرآن عنكم إزالة، ~~ينكر عليهم ذلك. # الثاني: أنه منصوب على الحال من الفاعل أي صافحين. # الثالث: أن ينتصب على المصدر المؤكد لمضمون الجملة، فيكون عامله ~~محذوفا، نحو: # صنع الله # [النمل:88] قاله ابن عطية. # الرابع: أن يكون مفعولا من أجله. # الخامس: أن يكون منصوبا على الظرف. # قال الزمخشري: و " صفحا " على وجهين: إما مصدر من صفح عنه إذا ~~أعرض عنه، منتصب على أنه مفعول ms7729 له، على معنى أفنعزل عنكم ~~إنزال القرآن وإلزام الحجة به إعراضا عنكم؟ وإما بمعنى الجانب من ~~قولهم: نظر إليه بصفح وجهه، وصفح وجهه بمعنى أفننحيه ~~عنكم جانبا؟ فينتصب على الظرف، نحو: ضعه جانبا، وأمش جنبا، ~~وبعضده قراءة: صفحا بالضم. يشير إلى قراءة حسان بن عبد الرحمن ~~الضبعي وسميط بن عمر وشبيل بن عزرة قرأوا: صفحا ~~بضم الصاد وفيه احتمالات: # أحدهما: ما ذكره من كونه لغة في المفتوح، ويكون ظرفا. وظاهر عبارة ~~أبي البقاء أنه يجوز فيه ما جاز في المفتوح؛ لأنه جعله لغة فيه كالسد ~~والسد. # والثاني: أنه جمع صفوح، نحو: صبور، وصبر، فينتصب حالا من فاعل ~~" يضرب " وقدر الزمخشري على عادته فعلا بين الهمزة والفاء، أي: ~~أنهملكم فنضرب. وقد تقدم ما فيه. # قوله: { أن كنتم } قرأ نافع والأخوان بالكسر، على أنها شرطيه. ~~وإسرافهم كان متحققا و " إن " إنما تدخل على غير ~~المتحقق أو المتحقق المبهم الزمان. # وأجاب الزمخشري: أنه من الشرط الذي يصدر عن المدلي بصحة الأمر ~~والتحقيق لثبوته كقوله الأجير: " إن كنت عملت لك عملا ~~فوفني حقي " ، وهو عالم بذلك، ولكنه تخيل في كلامه أن تفريطك في ~~إيصال حقي فعل من له شك في استحقاقه إياه تجهيلا لهم. # وقيل: المعنى على المجازاة، والمعنى أفنضرب عنكم الذكر صفحا متى ~~أسرفتم، أي إنكم غير متروكين من الإنذار متى كنتم قوما مسرفين. وهذا ~~أراد أبو البقاء بقوله: وقرىء: إن بكسرها على الشرط وما تقدم يدل على ~~الجواب، والباقون بالفتح على العلة، أي لأن كنتم كقوله: # 4390 أتجزع أن بان الخليط المودع # ............................. # ومثله قوله: # 4391 أتجزع أن أذنا قتيبة جزتا # ............................. # يروى بالكسر والفتح، وقد تقدم نحو من هذا أول المائدة. وقرأ زيد بن ~~علي: إذا بذال عوض النون وفيها معنى العلة، كقوله: # وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين # [آل عمران:139]. # فصل # قال الفراء والزجاج: يقال: ضربت عنه وأضربت عنه. أي ~~تركته ومسكت عنه، وقوله: " صفحا " أي إعراضا، والأصل ~~فيه: إنك توليت بصفحة عنقك. والمراد بالذكر عذاب الله. ~~وقيل: أفنرد عنكم النصائح والمراعظ والأعذار ms7730 بسبب كونكم مسرفين، وقيل: ~~أفنرد عنكم القرآن، وهذا الاستفهام على سبيل الإنكار، والمعنى: ~~أفنترك عنكم الوحي، ونمسك عن إنزال القرآن، فلا نأمركم ولا ننهاكم من أجل ~~أنكم أسرفتم في كفركم وتركتم الإيمان؟ وهذا قول قتادة وجماعة، قال ~~قتادة: والله لو كان هذا القول رفع حين رده أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن ~~الله برحمته كرره عليهم ودعاهم إليه عشرين سنة أو ما شاء الله. # وقيل: معناه أفنضرب عنكم بذكرنا إياكم صافحين معرضين. وقال الكسائي: ~~أفنطوي عنكم الذكر طيا، فلا تدعون ولا توعظون، وقال الكلبي: ~~أفنترككم سدى، لا نأمركم ولا ننهاكم. وقال مجاهد والسدي: ~~أفنعرض عنكم ونترككم فلا نعاقبكم على كفركم. ### || [43.6-14] # قوله: { وكم أرسلنا } " كم " خبرية مفعول مقدم، و { من ~~نبي } و { في الأولين } يتعلق بالإرسال أو بمحذوف على أنه صفة ~~" لنبي " والمعنى: أن عادة الأمم مع الأنبياء الذين يدعونهم إلى ~~الدين الحق هو التكذيب والاستهزاء، فلا ينبغي أن يتأذى بسبب ~~تكذيبهم، وأستهزائهم، لأن المصيبة إذا عمت خفت. # ثم قال: { فأهلكنآ أشد منهم بطشا } أي إن أولئك ~~المتقدمين الذين أرسل إليهم الرسل، كانوا أشد بطشا من قريش وأكثر ~~عددا وجلدا. # قوله " بطشا " فيه وجهان: # أحدهما: أنه تمييز " لأشد " والثاني: أنه حال من الفاعل أي ~~أهلكناهم باطشين. # قوله: { ومضى مثل الأولين } والمعنى أن كفار مكة سلكوا في ~~الكفر والتكذيب مسلك من كان قبلهم فليحذروا أن ينزل بهم ~~الخزي مثل أنزل بالأولين. أي صفتهم وسنتهم وعقوبتهم، فعاقبة ~~هؤلاء كذلك في الإهلاك. # قوله تعالى: { ولئن سألتهم من خلق السماوات ~~والأرض... } الآية والمعنى: ولئن سألت قومك من خلق ~~السموات والأرض؟ وقيل: الضمير في " سألتهم " يحتمل رجوعه إلى الأنبياء. ~~والأقرب الأول، أي أنهم مع كفرهم مقرين بعزته، وعلمه، ثم عبدوا غيره، ~~وأنكروا قدرته في البعث، لفرط جهلهم. # قوله: { خلقهن العزيز العليم } كرر الفعل للتوكيد؛ إذ لو ~~جاء " العزيز " بغير " خلقهن " لكان كافيا، كقولك: من قام؟ فيقال: ~~زيد. وفيها دليل على أن الجلالة الكريمة من قوله: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله # [الزخرف:87] مرفوعة بالفاعلية، لا بالابتداء ms7731 للتصريح بالفعل في نظيرتها. # وهذا الجواب مطابق للسؤال من حيث المعنى؛ إذ لو جاء على اللفظ لجيء فيه ~~بجملة ابتدائية كالسؤال. # قوله: { الذي جعل لكم الأرض مهدا } اعلم أنه قد تم ~~الإخبار عنهم، ثم ابتدأ دالا على نفسه بذكر مصنوعاته فقال: { الذي ~~جعل لكم الأرض مهدا } ولو كان هذا من جملة كلام الكفار ~~لقالوا: الذي جعل لنا الأرض مهادا، إلا أن قوله في أثناء الكلام: { ~~فأنشرنا به بلدة ميتا } لا يليق إلا بكلامه. # ونظيره من كلام الناس أن يسمع الرجل رجلا يقول: الذي بنى هذا المسجد ~~فلان العالم فيقول السامع لهذا الكلام: الزاهد الكريم، كأن ذلك ~~السامع يقول: أنا أعرفه بصفات حميدة فوق ما تعرفه فأزيد في وصفه، ~~فيكون النعتان جميعا من رجلين لرجل واحد. # ومعنى كون الأرض مهادا واقعة ساكنة، فإنها لو كانت متحركة لما أمكن ~~الانتفاع بها في الزراعة والأبنية، وستر عيوب الأحياء والأموات، ولأن ~~المهد موضع راحة الصبي. فكانت الأرض مهادا لكثرة ما فيها من الراحات { ~~وجعل لكم فيها سبلا } وذلك أن انتفاع الناس بها إنما يكمل ~~إذا سعوا في أقطار الأرض، فهيأ تعالى تلك السبل ووضع عليها علامات، ليحصل ~~بها الانتفاع. # ثم قال: { لعلكم تهتدون } إلى مقاصدكم في أسفاركم، أو ~~لتهتدوا إلى الحق في الدين. # قوله تعالى: { والذي نزل من السمآء مآء بقدر } أي ~~بقدر حاجتكم إليه من غير زيادة ولا نقصان، لا كما أنزل على قوم ~~نوع بغير قدر حتى أغرقهم. # قوله: { فأنشرنا به بلدة ميتا } قرأ العامة مخففا، ~~وعيسى وأبو جعفر مثقلا، وتقدم الكلام فيه في آل عمران. وتقدم ~~في الأعراف الخلاف في تخرجون وتخرجون أي كما أحيينا هذه البلدة ~~بالمطر، ومعنى الميتة الخالية من النبات، كذلك تخرجون من قبوركم أحياء. ~~والمعنى أن هذا الدليل كما دل على قدرة الله تعالى وحكمته، فكذلك يدل على ~~قدرته على المبعث والقيامة. # ووجه التشبيه أنه جعلهم أحياء بعد إماتة كهذه الأرض لتي انتشرت ~~بعدما كانت ميتة. # قيل: بل وجه التشبيه أنه يعيدهم ويخرجهم من الأرض بماء كالمني ms7732 كما ~~تنبت الأرض بماء المطر، وهذا ضعيف؛ لأن ظاهر لفظ الإنشار الإعادة ~~فقط دون هذه الزيادة. # قوله تعالى: { والذي خلق الأزواج كلها } ، قال ابن عباس ~~ (رضي الله عنهما) الأزواج الضروب والأنواع كالحلو والحامض والأبيض ~~والأسود والذكر والأنثى. # وقال بعض المحققين: كل ما سوى الله فهو زوج، كالفوق، والتحت، ~~واليمين، واليسار، والقدام والخلف، والماضي، ~~والمستقبل، والذوات والصفات، والصيف، والشتاء، والربيع ~~والخريف. وكونها أزواجا يدل على أنها ممكنة الوجود في ذواتها محدثة ~~مسبوقة بالعدم، فأما الحق تعالى فهو المفرد المنزه عن الضد ~~والند، والمقابل، والمعاضد، فلهذا قال تعالى: { والذي خلق ~~الأزواج كلها } أي كل ما هو زوج فهو مخلوق، فدل هذا على أن ~~خالقها فرد مطلق منزه عن الزوجية. # قال ابن الخطيب: وأيضا علماء الحساب بينوا أن المفرد أفضل من الزوج ~~لوجوه: # الأول: أن الاثنين لا توجد إلا عند حصول وحدتين، فالزوج محتاج ~~إلى الفرد، والفرد هو الوحدة وهي غنية عن الزوج والغني أفضل من المحتاج. # الثاني: أن الزوج يقبل القسمة بقسمين متساويين والفرد لا يقبل ~~القسمة، وقبول القسمة انفعال وتأثر وعدم قبولها قوة وشدة، فكان الفرد ~~أفضل من الزوج. # (ثم ذكر وجوها أخر تدل على أن الفرد أفضل من الزوج) وإذا كان كذلك ~~ثبت أن الأزواج ممكنات ومحدثات ومخلوقات وأن الفرد هو القائم ~~بذاته المستقل بنفسه، الغني عما سواه. # قوله: { وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون ~~} ما موصولة وعائدها محذوف، أي ما تركبونه، وركب بالنسبة (إلى ~~الفلك) يتعدى بحرف الجر: # فإذا ركبوا في الفلك # [العنكبوت:65] وفي غيره بنفسه، قال: # لتركبوها # [النحل:8] فغلب هنا المتعدي بنفسه على المتعدي بواسطة، فلذلك حذف ~~العائد. # فصل # السفر إما أن يكون في البحر، وإما أن يكون في البر، فأما سفر ~~البحر فعلى السفينة، وأما سفر البر فعلى الأنعام. # فإن قيل: لم لم يقل على ظهورها؟. # فالجواب: من وجوه: # الأول: قال أبو عبيدة التذكير لقوله: " ما تركبون " والتقدير: ما ~~تركبونه، فالضمير يعود على لفظ " ما " فلذلك أفرده. # الثاني: قال الفراء: أضاف الظهر إلى واحد فيه معنى ms7733 الجمع بمنزلة الجنس، ~~فلذلك ذكره، وجمع الظهور باعتبار معناها. # الثالث: أن التأنيث فيها ليس حقيقا، فجاز أن يختلف اللفظ فيه، كما ~~يقال: عندي من النساء من يوافقك. # قوله: " لتستووا " يجوز أن تكون هذه لام العلة، وهو الظاهر وأن ~~تكون للصيرورة فتتعلق في كليهما ب " جعل ". وجوز ابن عطية: أن تكون ~~للأمر، وفيه بعد، لقلة دخولها على أمر المخاطب. # وقرىء شاذا: فلتفرحوا وفي الحديث: # " لتأخذوا مصافكم " # وقال: # 4392 لتقم أنت يا ابن خير قريش # فتقضي حوائج المسلمينا # نص النحويون على قلتها عدا أبا القاسم الزجاجي، فإنه جعلها ~~لغة جيدة. # قوله: { ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم ~~عليه } أي تذكرونها في قلوبكم، وذلك الذكر هو أن يعرف أن الله ~~تعالى خلق البحر وخلق الرياح، وخلق جرم السفينة على وجه يمكن ~~الإنسان من تصريف هذه السفينة إلى أي جانب شاء، فإذا تذكر أن خلق البحر، ~~وخلق الرياح، وخلق السفينة على هذه الوجوه القابلة لتصرف الإنسان ~~ولتحريكاته، إنما هو من تدبير الحكيم العليم القدير، عرف أن ذلك نعمة من ~~الله تعالى، فيحمله ذلك على الانقياد لطاعة الله تعالى، وعلى ~~الاشتغال بالشكر، لنعم الله التي نهاية لها. # قوله: { سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له ~~مقرنين } مطيقين وقيل: ضابطين. # واعلم أنه تعالى عين ذكرا لركوب السفينة والدابة، وهو قوله: { ~~سبحان الذي سخر لنا هذا } وذكر دخول المنازل: # رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين # [المؤمنون:29] وتحقيقه أن الدابة المركوبة لا بد أن تكون أكثر قوة من ~~الإنسان بكثير، وليس لها عقل يهديها إلى طاعة الإنسان، ولكنه تعالى خلق ~~تلك البهيمة على وجوه مخصوصة في خلقها الظاهر، وخلقها الباطن، فحصل منها ~~هذا الانتفاع. أما خلقها الظاهر، فلأنها تمشي على أربع، وكان ~~ظهرها يحسن لاستقرار الإنسان وأما خلقها الباطن فلأنها مع قوتها الشديدة ~~قد صيرها الله تعالى منقادة للإنسان، ومسخرة له، فإذا تأمل ~~الإنسان في هذه العجائب عظم تعجبه من تلك القدرة، والحكمة التي لا ~~نهاية لها، فلا بد وأن يقول: سبحان الذي سخر لنا هذا ms7734 وما كنا له ~~مقرنين. # قوله: " (له) مقرنين " ، " له " متعلق " بمقرنين " ، وقدم ~~للفواصل. والمقرن: المطيق للشيء الضابط له من: أقرنه: أي ~~أطاقه. قال الواحدي: كأن اشتقاقه من قولك: صرت له قرنا، ومعنى ~~قرن فلان، أي مثله في الشدة. # وقال أبو عبيدة: قرن لفلان أي ضابط له. والقرن الحبل، وقال ~~ابن هرمة: # 4393 وأقرنت ما حملتني ولقلما # يطاق احتمال الصد يا دعد والهجر # وقال عمرو بن معد يكرب: # 4394 لقد علم القبائل ما عقيل # لنا في النائبات بمقرنينا # وحقيقة أقرنه: وجده قرينه؛ لأن القوي لا يكون قرينه الضعيف، قال ~~( رحمه الله ): # 4395 وابن اللبون إذا ما لز في قرن # لم يستطع صولة البزل القناعيس # وقرىء: مقترنين بالتاء قبل الراء. # فصل # ومعنى الآية ليس عندنا من القوة والطاعة أن نقرن هذه الدابة والفلك، وأن ~~نضبطها فسبحان من سخر لنا هذا بقدرته وحكمته، روى الزمخشري # " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا وضع رجله في الركاب، ~~قال: بسم الله، فإذا استوى على الدابة قال: الحمد لله على كل ~~حال، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين. وإنا إلى ربنا ~~لمنقلبون ". # وروى # " عن علي أيضا مثله وزاد: ثم حمد ثلاثا، وكبر ثلاثا، ثم قال: ~~لا إله إلا الله ظلمت نفسي فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ~~ضحك، فقيل: مما تضحك يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فعل ما فعلت، فقلنا: ما يضحكك يا نبي الله؟ قال: ~~العبد إذا قال لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب ~~إلا أنت يعلم أنه لا يغفر الذنوب إلا هو ". # فصل # دلت هذه الآية على خلاف قول المجبرة من وجوه: # الأول: أنه تعالى قال: { لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم ~~إذا استويتم عليه } فذكره بلام " كي " وهذا يدل على أنه أراد منا هذا ~~الفعل وهذا يدل على بطلان قولهم: إنه تعالى أراد الكفر منه. # الثاني: قوله " لتستووا " يدل على أن فعله معلل ms7735 بالأغراض. # الثالث: أنه تعالى بين أن خلق هذه الحيوانات على هذه الطبائع إنما كان ~~لغرض أن يصدر الشكر عن العبد ولو كان فعل العبد فعلا لله لكان معنى ~~الآية إني خلقت هذه الحيوانات على هذه الطبائع لأجل أن أخلق ~~سبحان الله في لسان العبد. وهذا باطل؛ لأنه تعالى قادر على أن يخلق ~~هذا اللفظ في لسانه بدون هذه الوسائط. # قال ابن الخطيب: " الكلام على هذه الوجوه معلوم مما تقدم فلا فائدة في ~~الإعادة ". # قوله: { وإنآ إلى ربنا لمنقلبون } أي لمصيرون ~~في المعاد. ووجه اتصال الكلام بما قبله أن راكب الفلك في خطر الهلاك ~~وراكب الدابة كذلك أيضا؛ لأن الدابة قد حصل لها ما يوجب هلاك الراكب، ~~وكذا السفينة قد تنكسر، ففي ركوبهما تعريض النفس للهلاك فوجب على ~~الراكب أن يتذكر أمر الموت، ويقطع أنه هالك، وأنه منقلب إلى الله، وغير ~~منقلب من قضائه وقدره، فإذا اتفق له ذلك (المحذور) كان قد وطن ~~نفسه على الموت. ### || [43.15-23] # قوله: " جزءا " قرأ عاصم في رواية أبي بكر جزءا بضم الجيم ~~والزاي، في كل القرآن، والباقون بإسكان الزاي في كل القرآن. وهما ~~لغتان. # وأما حمزة فإذا وقف قال: جزا بفتح الزاي بلا همز. و " جزءا " ~~مفعول أول للجعل والجعل تصيير قولي. ويجوز أن يكون بمعنى سموا ~~واعتقدوا. # وأغرب ما قيل هنا: أن الجزء الأنثى، وأنشدوا: # 4396 إن أجزأت حرة يوما فلا عجب # قد تجزىء الحرة المذكار أحيانا # وقال الآخر: # 4397 زوجته من بنات الأوس مجزئة # للعوسج اللدن في أبياتها زجل # قال الزمخشري: أثر الصنعة فيهما ظاهر. # وقال الزجاج والأزهري: هذه اللغة فاسدة، وهذه الآبيات ~~مصنوعة. # فصل # المشهور أن المراد من هذا الجعل أنهم أثبتوا لله ولدا بمعنى حكموا ~~به، كما تقول: جعلت زيدا أفضل الناس أي وصفته وحكمت به، وذلك ~~قولهم: الملائكة بنات الله؛ لأن ولد الرجل جزء منه، قال عليه ~~الصلاة والسلام -: # " فاطمة بضعة مني ". # والمعقول من الولد أن ينفصل من الوالد جزء من أجزائه ثم يتربى ذلك الجزء ~~ويتولد منه شخص مثلك ms7736 ذلك الأصل، وإذا كان كذلك فولد الرجل جزء منه. # وقيل: المراد بالجزء إثبات الشركاء لله، وذلك أنهم لما أثبتوا الشركاء ~~فقد زعموا أن كل العباد ليست لله، بل بعضها لله، وبعضها لغير الله، فهم ~~ما جعلوا لله من عباده كلهم، بل جعلوا له من بعضهم جزءا منهم. قالوا: ~~وهذا القول أولى، لأنا إذا حملنا هذه الآية على إنكار الشريك لله وحملنا ~~الآية التي بعدها على إنكار الولد لله كانت الآية جامعة للرد على جميع ~~المبطلين، ثم قال: " إن الإنسان لكفور " يعني الكافر لكفور جحود ~~لنعم الله " مبين " ظاهر الكفر. # قوله: { أم اتخذ مما يخلق بنات } هذا استفهام توبيخ ~~وإنكار، يقول اتخذ ربكم لنفسه البنات و " أصفاكم " ~~أخلصكم بالبنين يقال: أصفيت فلانا أي آثرته به إيثارا حصل ~~له على سبيل الصفاء من غير أن يكون فيه مشارك، كقوله: # أفأصفاكم ربكم بالبنين # [الإسراء:40] فقوله: " وأصفاكم " يجوز أن يكون داخلا في حيز ~~الإنكار معطوفا على " اتخذ " ، ويجوز أن يكون حالا، أي أم ~~اتخذ في هذه الحالة. و " قد " مقدرة عن الجمهور. # فصل # واعلم أن الله تعالى رتب هذه المناظر على أحسن الوجوه، وذلك لأنه ~~بين أن إثبات الولد لله محال، وبتقدير أن ثبت الولد فجعله بنتا محال ~~أيضا. # أما بيان أن إثبات الولد لله محال؛ فلأن الولد لا بد وأن يكون ~~جزءا من الوالد، ولما كان له جزء كان مركبا، وكل مركب ممكن ~~وأيضا ما كان كذلك، فإنه يقبل الاتصال والانفصال والاجتماع ~~والافتراق وما كان كذلك فهو محدث عبد، فلا يكون إلها قديما ~~أزليا. # وأما المقام الثاني وهو أن يكون لله ولد فإنه يمتنع أن يكون بنتا، لأن ~~الابن أفضل من البنت فلو اتخذ لنفسه البنات وأعطى البنين لعباده لزم أن ~~يكون حال العبد أفضل وأكمل من حال الله، وذلك مدفوع ببديهة العقل. # قوله: { وإذا بشر أحدهم } تقدم نظيره. قال الزمخشري: " وقرىء ~~هنا: وجهه مسود ومسواد بالرفع على أنها جملة في موضع خبر " ~~ظل " ، واسم " ظل " ضمير الشأن ". # فصل # والمعنى بما ضرب للرحمن ms7737 مثلا، أي جعل لله شبها؛ لأن ولد كل شيء ~~يشبهه، { ظل وجهه } أي صار وجهه { مسودا وهو كظيم ~~} من الحزن والغيظ. والمعنى أن الذي بلغ حاله في النقص إلى هذا الحد كيف ~~يجوز للعاقل إثباته؟ روي أن بعض العرب هجر بيته حين وضعت امرأته بنتا ~~فقالت المرأة: # 4398 ما لأبي حمزة لا يأتينا # يظل في البيت الذي يلينا # غضبان أن لا نلد البنينا # ليس لنا من القضاء ما شينا # وإنما نأخذ ما أعطينا # قوله تعالى: { أومن ينشأ في الحلية... } يجوز في " من " ~~وجهان: # أحدهما: أن تكون في محل نصب مفعولا بفعل مقدر، أي: أو تجعلون ~~من ينشأ في الحلية. # والثاني: أنه مبتدأ وخبره محذوف، تقديره أو من ينشأ جزء أو ~~ولد، إذ جعلوا الله جزءا. # وقال البغوي: يجوز أن يكون في محل خفض ردا على قوله: مما يخلق، وقوله: ~~" بما ضرب ". وقرأ العامة ينشأ بفتح الياء وسكون النون من ~~نشأ في كذا ينشأ فيه. والأخوان وحفص بضم الياء وفتح النون ~~وتشديد الشين مبنيا للمفعول أي يربى وقرأ الجحدري كذلك، إلا ~~أنه خفف الشين أخذه من أنشأه. والحسن: يناشأ كيقاتل، مبنيا ~~للمفعول. والمفاعلة تأتي بمعنى الإفعال، كالمعالاة بمعنى الإعلاء. # فصل # المراد من هذا الكلام التنبيه على نقصانها والمعنى: أن الذي يتربى ~~في الحلية والزينة يكون ناقص الذات؛ لأنه لولا نقصانها في ذاتها ~~لما احتاجت إلى تزيين نفسها بالحلية، ثم بين نقصان حالها بطريق ~~آخر وهو قوله: { وهو في الخصام غير مبين } الجملة حال. و ~~" في الخصام " يجوز أن يتعلق بمحذوف يدل عليه من بعده تقديره وهو لا ~~يبين في الخصام أي الحجة ويجوز أن يتعلق " بمبين " وجاز للمضاف ~~إليه أن يعمل فيما قبل المضاف، لأن غير بمعنى " لا " كما تقدم ~~تحقيقه آخر الفاتحة. # فصل # المعنى وهو في المخاصمة غير مبين الحجة من ضعفهن وسقمهن. قال قتادة ~~في هذه الآية: كل ما تتكلم امرأة، فتريد أن تتكلم بحجتها إلا تكلمت ~~بالحجة عليها. # قوله: { وجعلوا الملائكة الذين هم عباد ~~الرحمن إناثا } جعلوا أي ms7738 حكموا به. # وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر: " عند الرحمن " ظرفا ويؤيده ~~قوله: # إن الذين عند ربك # [الأعراف:206] والباقون " عباد " جمع عبد والرسم يحتملهما. وقرأ ~~الأعمش كذلك، إلا أنه نصب " عباد " على إضمار فعل، أي الذين هم ~~خلقوا عبادا ونحوه وقرأ عبد الله وكذلك هي في مصحفه الملائكة عباد ~~الرحمن وأبي عبد الرحمن بالإفراد، وإناثا هو المفعول الثاني للجعل ~~بمعنى الاعتقاد أو التصيير القولي. وقرأ زيد بن علي: أنثا جمع ~~الجمع. # قوله: " أشهدوا " قرأ نافع بهمزة مفتوحة، ثم بأخرى مضمومة ~~مسهلة بينها وبين الواو وسكون الشين على ما لم يسم فاعله أي ~~أحضروا خلقهم حين خلقوا، كقوله: # أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون # [الصافات:150]. وهذا استفهام على سبيل الإنكار. وقرأ قالون ذلك بالمد ~~يعني بإدخال ألف بين الهمزتين، والقصر يعني بعدم الألف. والباقون بفتح ~~الشين بعد همزة واحدة. فنافع أدخل همزة للتوبيخ على " أشهدوا " فعلا ~~رباعيا مبنيا للمفعول فسهل همزته الثانية وأدخل ألفا بينهما كراهة ~~لاجتماعهما، وتارة لم يدخلها اكتفاء بتسهيل الثانية وهي أوجه. ~~والباقون أدخلوا همزة الإنكار على " شهدوا " ثلاثيا. ولم ينقل أبو ~~حيان عن نافع تسهيل الثانية. بل نقله عن علي بن أبي طالب. # وقرأ الزهري أشهدوا رباعيا مبنيا للمفعول وفيه وجهان: # أحدهما: أن يكون حذف الهمزة لدلالة القراءة الأخرى عليها، كما تقدم في ~~قراءة أعجمي. # والثاني: أن تكون الجملة خبرية، وقعت صفة لإناثا، أي أجعلوهم ~~إناثا مشهودا خلقهم كذلك. # قوله: { ستكتب شهادتهم } قرأ العام ستكتب بالتاء من فوق ~~مبنيا للمفعول " شهادتهم " بالرفع لقيامه مقام الفاعل. وقرأ الحسن: ~~شهاداتهم بالجمع، والزهري: سيكتب بالياء من تحت وهو في ~~الباقي كالعامة. وابن عباس وزيد بن علي وأبو جعفر وأبو حيوة ~~سنكتب بنون العظمة شهادتهم بالنصب مفعولا به. # فصل # المعنى سنكتب شهادتهم على الملائكة أنهم بنات الله ويسألون عنها. قال ~~الكلبي ومقاتل: لما قالوا هذا القول سألهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: ما يدريكم أنهم إناث؟ قالوا: سمعنا من آبائنا ونحن نشهد أنهم ~~لم يكذبوا فقال الله تعالى: { ستكتب شهادتهم ms7739 ~~ويسألون } عنها في الآخرة وهذا يدل على أن القول بغير دليل منكر، ~~وأن التقليد حرام يوجب الذم العظيم، والعقاب الشديد. # قال المحققون: هؤلاء الكفار كفروا في هذا القول من ثلاثة أوجه: # أولها: إثبات الولد. # ثانيها: أن ذلك الولد بنت. # وثالثها: الحكم على هؤلاء الملائكة بالأنوثة. # فصل # احتج من قال بتفضيل الملائكة على البشر بهذه القراءات، أما قراءة " ~~عند " بالنون، فهذه العندية لا شك أنها عندية الفضل والقرب من الله ~~تعالى بسبب الطاعة ولفظة " هم " يوجب الحصر والمعنى أنهم هم الموصوفون ~~بهذه العندية لا غيرهم، فوجب كونهم أفضل من غيرهم، رعاية للفظ الدال على ~~الحصر. # وأما قراءة عباد جمع " العبد " فقد تقدم أن لفظ العباد في القرآن ~~مخصوص بالمؤمنين، فقوله " عباد الرحمن " يفيد حصر ~~العبودية فيهم، فإذا كان اللفظ الدال على العبودية ~~دالا على حصر الفضل والقرب والشرف لهم وجب كونهم أفضل؛ والله أعلم. # قوله تعالى: { وقالوا لو شآء الرحمن ما ~~عبدناهم... } الآية يعنى الملائكة قاله قتادة ومقاتل والكلبي. وقال ~~مجاهد: يعني الأوثان. وإنما لم يعجل عقوبتنا على عبادتنا إياهم، لرضاه ~~منا بعبادتها وهذا نوع آخر من كفرهم وشبهاتهم. # فصل # قالت المعتزلة: هذه الآية تدل على فساد القول بالجبر في أن كفر الكافر ~~يقع بإرادة الله من وجهين: # الأول: أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا: لو شاء الرحمن ما عبدناهم ~~وهذا تصريح بقول المجبرة. ثم إنه تعالى أبطله بقولهم: { ما لهم ~~بذلك من علم إن هم إلا يخرصون } فثبت بطلان هذا ~~المذهب ونظيره قوله تعالى في سورة الأنعام: # سيقول الذين أشركوا لو شآء الله مآ أشركنا # [الأنعام:148] إلى قوله: # قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنآ إن تتبعون ~~إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون # [الأنعام:148]. # الثاني: أنه تعالى حكى عنهم قبل هذه الآية أنواع كفرهم، فأولها: قوله ~~(تعالى): { وجعلوا له من عباده جزءا } وثانيها: قوله: { ~~وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا } وثالثها: قوله تعالى: { وقالوا لو شآء الرحمن ~~ما عبدناهم }. # فلما حكى هذه الأقاويل بعضها على إثر بعض وثبت أن ms7740 القولين الأولين كفر ~~محض، فكذلك هذا القول الثالث يجب أن يكون كفرا وأجاب الواحدي في البسيط ~~بوجهين: # الأول: ما ذكره الزجاج وهو أن قوله تعالى: { ما لهم بذلك من ~~علم } عائد إلى قولهم: الملائكة بنات الله. # والثاني: أنهم أرادوا بقولهم: لو شاء الرحمن ما عبدناهم أنه أمرنا ~~بذلك ورضي بذلك فقررنا عليه فأنكر عليهم ذلك. # قال ابن الخطيب: وهذان الوجهان عندي ضعيفان، أما الأول، فلأنه تعالى حكى ~~عن القوم قولين باطلين، وبين وجه بطلانهما، ثم حكى بعده وجها ثالثا ~~في مسألة أجنبية عن المسألتين الأوليين، ثم حكى البطلان، والوعيد، فصرف ~~هذا الإبطال الذي ذكره عنه إلى كلام متقدم وأجنبي عنه في غاية البعد. ~~وأما الوجه الثاني: فهو أيضا ضعيف؛ لأن قوله: { لو شاء الرحمن ما ~~عبدناهم } ليس فيه بيان متعلق خلاف تلك المشيئة والإجمال خلاف الدليل، ~~فوجب أن يكون التقدير: لو شاء الله أن نعبدهم ما عبدناهم. وكلمة " لو " ~~تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره، فهذا يدل على أنه لم توجد مشيئة لعدم ~~عبادتهم، وهذا غير مذهب المجبرة. والإبطال والإفساد يرجع إلى فساد هذا ~~المعنى. # ومن الناس من أجاب عن هذا الاستدلال بأن قال: إنهم لما ذكروا ذلك الكلام ~~على سبيل الاستهزاء والسخرية، فلهذا السبب استوجبوا الظن والذم. # وأجاب الزمخشري عنه من وجهين: # الأول: أنه ليس في اللفظ ما يدل على أنهم قالوه مستهزئين، وادعاء ما لا ~~دليل عليه باطل. # الثاني: أنه تعالى حكى فيهم ثلاثة أشياء وهي أنهم جعلوا له من عباده ~~جزءا، وأنهم جعلوا الملائكة إناثا، وأنهم قالوا لو شاء الرحمن ما ~~عبدناهم فلو قلنا بأنه إنما جاء الذم على القول الثالث لأنهم قالوه على ~~طريق الهزء لا على سبيل الجد وجب أن يكون الحال في الحكاية للقولين ~~كذلك فيلزم أنهم لو نطقوا بتلك الأشياء على سبيل الجد أن يكونوا محقين ~~ومعلوم أنه كفر. # وأما القول بأن الظن في القولين الأولين إنما يوجد على بعض ذلك القول ~~وبعض القول الثالث لا على نفسه، بل على إيراده على سبيل الاستهزاء ms7741 فهذا ~~يوجب تشويش النظم، وأنهم لا يجوز في كلام الله تعالى. # قال ابن الخطيب: والجواب الحق عندي عن هذا الحكم هو ما ذكرنا في سورة ~~الأنعام وهو أن القوم لما ذكروا هذا الكلام، استدلوا بمشيئة الله تعالى ~~للكفر على أنه لا يجوز ورود الأمر بالإيمان، فاعتقدوا أن الأمر والإرادة ~~يجب كونهما متطابقين وعندنا أن هذا باطل فالقوم لم يستحقوا الذم ~~لمجرد قولهم: إن الله يريد الكفر من الكافر، بل لأجل أنهم قالوا: لما ~~أراد الكفر من الكافر وجب أن يقبح منه أمر الكافر بالإيمان، فإذا صرفنا ~~الذم إلى هذا المقام سقط استدلال المعتزلة بهذه الآية. وتمام التقرير ~~موجود في سورة الأنعام. # قوله: { ما لهم بذلك من علم } فيما يقولون { إن هم ~~إلا يخرصون } ما هم إلا كاذبون في قولهم: إن الله رضي عنا ~~بعبادتنا. وقيل: إن هم إلا يخرصون في قولهم: الملائكة إناث وهم بنات ~~الله. # قوله: { أم آتيناهم كتابا من قبله } أي من قبل القرآن، ~~أو الرسول بأن يعبد غير الله { فهم به مستمسكون } يعني أن ~~القول الباطل الذي حكاه الله عنهم عرفوا صحته بالعقل أو بالنقل؟ أما ~~إثباته بالعقل فهو أيضا باطل، لقوله تعالى: { أم آتيناهم ~~كتابا من قبله فهم به مستمسكون } والمعنى أنهم وجدوا ~~ذلك الباطل في كتاب منزل قبل القرآن، حتى جاز لهم أن يتمسكوا به؟ فذكر ~~هذا في معرض الإنكار. # قوله: { بل قالوا إنا وجدنآ آبآءنا على أمة ~~وإنا على آثارهم مهتدون } والمقصود أنه تعالى لما بين ~~أنه لا دليل على صحة قولهم ألبتة لا من العقل ولا من النقل، بين أنه ليس ~~لهم حامل يحملهم عليه إلا التقليد المحض. ثم بين أن تمسك الجهال ~~بالتقليد أمر كان حاصلا من قديم الزمان فقال: { وكذلك مآ ~~أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال ~~مترفوهآ إنا وجدنآ آبآءنا على أمة وإنا على ~~آثارهم مقتدون } ، قوله: أمه العامة على ضم الهمزة بمعنى ~~الطريقة والدين قال قيس بن الخطيم: # 4399 كنا على أمة آبائنا # ويقتدي بالأول الآخر ms7742 # أي على طريقتهم، وقال آخر: # 4400 هل يستوي ذو أمة وكفور # أي ذو دين. وقرأ مجاهد وقتادة وعمر بن العزيز بالكسر. # قال الجوهري: (هي الطريقة الحسنة لغة في أمة بالضم قال الزمخشري): ~~كلتاهما من الأم وهو القصد، والأمة الطريقة التي تؤم كالرحلة ~~للمرحول إليه، والإمة الحالة (التي) يكون عليها الآم وهو القاصد. وقرأ ~~ابن عباس بالفتح وهي المرة من الأم، والمراد بها القصد والحال. # فصل # المراد بالمترفين الأغنياء والرؤساء. والمترف هو الذي آثر النعمة، ~~فلا يحب إلا الشهوات والملاهي ويبغض المشاق في طلب الحق. وإذا عرف ذلك ~~علمنا أن رأس جميع الآفات حب الدنيا واللذات الجسمانية ورأس جميع الخيرات ~~هو حب الله تعالى، والدار الآخرة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام # " حب الدنيا رأس كل خطيئة ". ### || [43.24-25] # قوله: { قل أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم ~~عليه آبآءكم قالوا إنا بمآ... } الآية. قرأ ابن عامر ~~وحفص قال ماضيا مكان " قل " أمرا، أي قال النذير أو الرسول وهو ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # والأمر في " قل " يجوز أن يكون للنذير، أو الرسول وهو الظاهر. وقرأ أبو ~~جعفر وشيبة: جئناكم بنون المتكلمين " بأهدى " أي بدين ~~أصوب { مما وجدتم عليه آبآءكم } وإن جئتكم بأهدى منه ~~فعند هذا حكى الله عنهم أنهم قالوا: إنا لا ننفك عن دين آبائنا وإن جئتنا ~~بما هو أهدى " فإنا بما أرسلتم به كافرون " وإن كان ~~أهدى مما كنا عليه فعند هذا لم يبق لهم عذر، فلهذا قال تعالى: { ~~فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين ~~} وهذا تهديد للكفار. ### || [43.26-28] # قوله تعالى: { وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني ~~برآء مما تعبدون } لما بين في الآية المتقدمة أنه ليس لأولئك ~~الكفار حجة إلا تقليد الآباء، ثم بين أنه طريق باطل، وأن الرجوع إلى ~~الدليل أولى من التقليد أردفه بهذه الآية، وهو وجه آخر يدل على فساد ~~التقليد من وجهين: # الأول: أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه تبرأ من دين ~~آبائه بناء على الدليل وذلك أن تقليد الآباء في الأديان إما ms7743 أن يكون ~~محرما أو جائزا. فإن كان محرما فقد بطل القول بالتقليد، وإن كان ~~جائزا فمعلوم أن أشرف آباء العرب هو إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأنهم ~~لا يشرفو(ن) ولا يفتخرو(ن) إلا بكونهم من أولاده. وإذا كان كذلك فتقليد ~~هذا الأب الذي هو أشرف الآباء أولى من تقليد سائر الآباء. وإذا ثبت أن ~~تقليده أولى من تقليد غيره فنقول: إنه ترك دين الآباء وحكم بأن اتباع ~~الدليل أولى من متابعة الآباء، فوجب تقليده في ترجيح الدليل على التقليد. # الوجه الثاني: أنه تعالى بين أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما ~~عدل عن طريقة أبيه إلى متابعة الدليل لا جرم جعل الله دينه ومذهبه ~~باقيا في عقبه إلى يوم القيامة، وأما أديان آبائه فقد اندرست ~~وبطلت. فثبت أن الرجوع إلى متابعة الدليل يبقى محمود الأثر إلى قيام ~~الساعة، وأن التقليد ينقطع أثره. # قوله: " براء " العامة على فتح الباء، وألف وهمزة بعد الراء وهو مصدر ~~في الأصل وقع موقع الصفة وهي بريء، وبها قرأ الأعمش. ولا يثنى " ~~براء " ولا يجمع، ولا يؤنث، كالمصادر في الغالب. قال الزمخشري ~~والفراء والمبرد: لا يقولون البراءان، ولا البراءون؛ لأن المعنى ~~ذوا البراء(ة) وذوو البراءة. فإن قلت: منك ثنيت وجمعت. # وقرأ الزعفراني وابن المبارك عن نافع بضم الباء، بزنة طوال ~~وكرام، يقال: طويل وطوال، وبريء، وبراء. وقرأ الأعمش بنون ~~واحدة. # قوله: { إلا الذي فطرني } فيه أربعة أوجه: # أحدها: أنه استثناء منقطع، لأنهم كانوا عبدة أصنام فقط. # الثاني: أنه متصل؛ لأنه روي أنهم كانوا يشركون مع الباري غيره. # الثالث: أن يكون مجرورا بدلا من " ما " الموصولة في قوله: { مما ~~تعبدون } قاله الزمخشري. ورده أبو حيان: بأنه لا يجوز إلا في نفي أو ~~شبهه. قال: " وغره كون " براء " في معنى النفي، ولا ينفعه ذلك، ~~لأنه موجب ". قال شهاب الدين: قد تأول النحاة ذلك في مواضع من القرآن ~~كقوله: # ويأبى الله إلا أن يتم نوره # [التوبة:32]، # وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين # [البقرة:45]. والاستثناء المفرغ لا يكون في إيجاب، ولكن لما كان " ~~يأبى ms7744 " بمعنى لا يفعل، " وإنها لكبيرة " بمعنى لا تسهل ولا ~~تخف ساغ ذلك فهذا مثله. # الرابع: أن تكون إلا صفة بمعنى غير على أن تكون " ما " نكرة موصوفة. ~~قاله الزمخشري. قال أبو حيان: وإنما أخرجها في هذا الوجه عن كونها ~~موصولة، لأنه يرى أن " إلا " بمعنىغير لا يوصف بها إلا النكرة وفيها ~~خلاف. فعلى هذا يجوز أن تكون " ما " موصولة " و " إلا " بمعنى غير صفة ~~لها. # فصل # { إلا الذي فطرني } أي خلقني { فإنه سيهدين } ~~يرشدني لدينه ويوفقني لطاعته. # قوله: { وجعلها كلمة باقية } الضمير المرفوع لإبراهيم وهو ~~الظاهر، أو الله والضمير المنصوب لكلمة التوحيد المفهومة من قوله: " ~~إنني براء " إلى آخره، أو لأنها بمنزلة الكلمة، فعاد الضمير على ~~ذلك اللفظ لأجل المعنى به. وقر حميد بن قيس: كلمة بكسر ~~الكاف وسكون اللام . وقرىء: في عقبه بسكون القاف. وقرىء: في ~~عاقبه أي ورائه، والمعنى أن هذه الكلمة كلمة باقية في عقبه أي ~~في ذريته. قال قتادة: لا يزال في ذريته من يعبد الله ويوحده. ~~قال القرظي: يعني وجعل وصية إبراهيم التي وصى بها بنيه باقية في ~~ذريته. وهو قوله تعالى عز وجل : # ووصى بهآ إبراهيم بنيه # [البقرة:132]. قال ابن زيد: يعني قوله: # أسلمت لرب العالمين # [البقرة:131] وقرأ: # هو سماكم المسلمين من قبل # [الحج:78] { لعلهم يرجعون } لعل أهل مكة يتبعون هذا الدين ~~ويرجعون عما هم عليه إلى دين إبراهيم قال السدي: لعلهم يتوبون ويرجعون ~~إلى طاعة الله عز وجل. ### || [43.29-32] # قوله: " بل متعت " قرأ الجمهور متعت بتاء المتكلم ~~وقتادة، والأعمش بفتحها للمخاطب خاطب إبراهيم أو محمد ربه بذلك. وبها قرأ ~~نافع في رواية يعقوب. # والأعمش أيضا: بل متعنا بنون العظمة هؤلاء وآباءهم يعني ~~أهل مكة وهم عقب إبراهيم يريد مشركي مكة، ولم أعاجلهم بالعقوبة على ~~الكفر { حتى جآءهم الحق } وهو القرآن. وقال الضحاك: يعني ~~الإسلام " ورسول مبين " برسالة واضحة يبين لهم الأحكام، وهو محمد ~~ صلى الله عليه وسلم فلم يطيقوه وعصوا، وكذبوا به، وسموه ساحرا ووجه ~~النظم أنه لما عولوا على تقليد الآباء ولم ms7745 يتفكروا في الحجة اغتروا بطول ~~الإمهال، وإمتاع الله إياهم بنعيم الدنيا، فأعرضوا عن الحق. وقال ~~الزمخشري: # فإن قيل: ما وجه من قرأ: متعت، بفتح التاء؟. # قلنا: كأن الله سبحانه وتعالى اعترض على ذاته في قوله: # وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون # [الزخرف:28] فقال: بل متعتهم بما متعتهم به من طول العمر ~~والسعة في الرزق حتى منعهم ذلك عن كلمة التوحيد وأراد بذلك ~~المبالغة في تعييرهم، لأنه إذا متعهم بزيادة النعم، وجب عليهم أن يجعلوا ~~ذلك شيئا في زيادة الشكر، والثبات على التوحيد، لا أن يشركوا به ويجعلوا ~~له أندادا، فمثاله أن يشكو الرجل إساءة من أحسن إليه، ثم يقبل على ~~نفسه، فيقول: أنت السبب في ذلك بمعروفك وإحسانك إليه ويريد بهذا الكلام ~~توبيخ المسيء لا تقبيح فعل نفسه. # قوله: { ولما جآءهم الحق } وهو القرآن { قالوا هذا ~~سحر وإنا به كافرون وقالوا لولا نزل هذا ~~القرآن على رجل من القريتين عظيم } هذا نوع آخر ~~من كفر آبائهم، وهو أنهم قالوا: منصب الرسالة منصب شريف فلا يليق إلا ~~برجل شريف، وصدقوا في ذلك، إلا أنهم ضموا إليه مقدمة فاسدة، وهو أن ~~الرجل الشريف عندهم هو الذي يكون كثير المال والجاه، ومحمد ليس كذلك، ~~فلا تليق رسالة الله به، وإنما يليق هذا المنصب برجل عظيم الجاه، كثير ~~المال، يعنون الوليد بن المغيرة بمكة، وعروة بن مسعود الثقفي ~~بالطائف. قاله قتادة. وقال مجاهد: عتبة بن ربيعة من مكة وعبد ~~ياليل الثقفي من الطائف. وعن ابن عباس (رضي الله عنهما) هو ~~الوليد بن المغيرة من مكة، ومن الطائف حبيب بن عمرو بن عمير ~~الثقفي وقيل: من إحدى القريتين. وقيل: المراد عروة بن مسعود الثففي ~~كان بالطائف وكان يتردد بين القريتين فنسب إلى كليهما. وقرىء: رجل ~~بسكون العين، وهي تميمية. # قوله: { أهم يقسمون رحمة ربك } يعني النبوة. والهمزة ~~للإنكار. وهذا إبطال لشبهتهم وتقريره من وجوه: # الأول: أنا إذا أوقعنا التفاوت في مناصب الدنيا، ولم يقدر أحد من ~~الخلق على التفسير، فالتفاوت الذي أوقعناه في مناصب ms7746 الدين والنبوة بأن لا ~~يقدروا على التصرف أولى. # الثاني: إن اختصاص ذلك المعنى ذلك الرجل إنما كان لأجل حكمنا وفضلنا ~~وإحساننا فكيف يليق بالعقل أن يجعل إحسانا إليه بكثرة المال حجة علينا ~~في أن يحسن إليه بالنبوة؟. # الثالث: أنا إنما أوقعنا التفاوت في الإحسان بمنافع الدنيا لا بسبب سابق ~~فلم لا يجوز أيضا أن يوقع التفاوت في الإحسان بمناصب الدين والنبوة لا ~~لسبب سابق؟!. # ثم قال: { نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة ~~الدنيا } فجعلنا هذا غنيا وهذا فقيرا، وهذا مالكا، وهذا ~~مملوكا، كما فضلنا بعضهم على بعض في الرزق كما شئنا، كذلك اصطفينا ~~بالرسالة من شئنا { ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات } ~~في القوة والضعف، والعلم، والجهل، والغنى، والفقر لأن لو سويناهم في كل ~~هذه الأحوال، لم يخدم أحد أحدا، ولم يصر أحد منهم مسخرا لغيره. ~~وحينئذ يخرب العالم ويفسد نظام الدنيا. # وقوله: { ليتخذ بعضهم بعضا سخريا } أي ليستخدم بعضهم ~~بعضا، فيسخر الأغنياء بأموالهم الأجراء الفقراء بالعمل فيكون بعضهم ~~لبعض سبب المعاش هذا بماله وهذا بأعماله فيلتئم قوام العالم. وقد مضى ~~الكلام في سخريا في المؤمنين. وقرأ بالكسر هنا عمرو بن ميمون، ~~وابن محيصن، وأبو رجاء وابن أبي ليلى، والوليد بن مسلم، ~~وخلائق بمعنى المشهورة وهو الاستخدام. ويبعد قول بعضهم: إنه ~~استهزاء الغني بالفقير. ثم قال: " ورحمة ربك " يعني الجنة " ~~خير للمؤمنين " مما يجمع الكفار من الأموال. ### || [43.33-35] # قوله تعالى: { ولولا أن يكون الناس أمة واحدة } اعلم ~~أنه تعالى أجاب ههنا بوجه ثالث عن شبهتهم بتفضيل الغني على ~~الفقير، وهو أنه تعالى بين أن منافع الدنيا وطيباتها حقيرة خسيسة عند ~~الله تعالى وبين حقارتها بقوله: { ولولا أن يكون الناس أمة واحدة } ~~والمعنى لولا أن يرغب الناس في الكفر إذا رأوا الكفار في سعة من الخير ~~والرزق لأعطيتهم أكثر الأسباب المفيدة للنعم فأحدها: أني كون سقفهم ~~من فضة. وثانيها: معارج عليها يظهرون أي يعلون ~~ويرتقون، يقال: ظهرت على السطح إذا علوته. # وثالثها: " أن يجعل لبيوتهم أبوابا وسررا أيضا من فضة عليها ~~يتكئون ms7747 ". # قوله: " لبيوتهم " بدل اشتمال، بإعادة العامل، واللامان ~~للاختصاص. # وقال ابن عطية: الأولى للملك، والثانية للاختصاص. ورده أبو حيان: بأن ~~الثاني بدل فيشترط أن يكون (الحرف) متحد المعنى لا مختلفه. وقال ~~الزمخشري: ويجوز أن يكونا بمنزلة اللامين في قولك: وهبت له ثوبا ~~لقميصه. قال أبو حيان: ولا أدري ما أراد بقوله. قال شهاب الدين: ~~أراد بذلك أن اللامين للعلة، أي كانت الهبة لأجلك لأجل قميصك، فلقميصك ~~بدل اشتمال، بإعادة العامل بعينه وقد نقل أن قوله: # ووهبنا له إسحاق # [الأنعام:84] و [الأنبياء:72] و [العنكبوت:27] أنها للعلة. # قوله: " سقفا " قرأ ابن كثير، وأبو عمرو بفتح السين، وسكون القاف ~~بالإفراد، على إرادة الجنس والباقون بضمتين على الجمع (كرهن) في جمع ~~رهن. وفي رهن تأويل لا يمكن هنا، وهو أن يكون جمع رهان جمع رهن، ~~لأنه لم يسمع سقاف جمع سقف. وعن الفراء أنه جمع سقيفة فيكون ~~كصحيفة، وصحف. وقرىء: سقفا بفتحتين لغة في سقف، ~~وسقوفا بزنة فلس وفلوسا. وأبو رجاء بضمة وسكون. # و " من فضة " يجوز أن يتعلق بالجعل، وأن يتعلق بمحذوف صفة " ~~لسقف ". # قوله: " ومعارج " قرأ العامة معارج جمع " معرج " وهو السلم وطلحة ~~معاريج جمع معراج وهو كمفتاح لمفتح، ومفاتيح لمفتاح. # قوله: " وسررا " جمع " سرير " والعامة على ضم الراء. وقرىء بفتحها، ~~وهي لغة بعض تميم وكلب وقد تقدم أن " فعيلا " المضعف يفتح عينه، إذا ~~كان اسما، أو صفة نحو: ثوب جديد، وثياب جدد. وفيه كلام ~~للنحاة. وهل قوله: " من فضة " شالم للمعارج والأثواب والسرر؟. # فقال الزمخشري: نعم، كأنه يرى تشريك المعطوف مع المعطوف عليه في قيوده. ~~و " عليها يتكئون " و " عليها يظهرون " صفتان لما ~~قبلهما. # قوله: " وزخرفا " يجوز أن يكون منصوبا بجعل أي وجعلنا لهم ~~زخرفا، وجوز الزمخشري أن ينصب عطفا على محل " من فضة " ، كأنه قيل: ~~سقفا من فضة وذهب، فلما حذف الخافض انتصب أي بعضها كذا وبعضها كذا. # الزخرف قيل: هو الذهب، لقوله: # أو يكون لك بيت من زخرف # [الإسراء:93]. # وقيل: الزخرف الزينة، لقوله تعالى: # حتى إذآ أخذت الأرض زخرفها وازينت ms7748 # [يونس:24] فيكون المعنى نعطيهم زينة عظيمة في كل باب. # قوله: { وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا } قرأ ~~حمزة وعاصم لما بالتشديد على معنى: وما كل ذلك إلا متاع الحياة ~~الدنيا. فكان لما بمعنى إلا. حكى سيبويه: " أنشدتك بالله لما ~~فعلت " بمعنى إلا. ويؤيد هذه القراءة قراءة من قرأ: وما ذلك ~~إلا متاع الحياة الدنيا وخففه الآخرون على معنى: وكل ذلك ~~متاع الحياة الدنيا. فتكون اللام للابتداء، وما صلة يريد: أن هذا كله ~~متاع الحياة الدنيا وسماع متاعا، لأن الإنسان يستمتع به قليلا، ثم يزول ~~ويذهب. وتقدم الخلاف في لما تخفيفا وتشديدا في سورة هود. # قال أبو الحسن: الوجه التخفيف، لأن لما بمعنى إلا لا يعرف. وحكي عن ~~الكسائي أنه قال: لا أعرف وجه التثقيل. وقرأ أبو رجاء وأبو حيوة: ~~لما بكسر اللام على أنها لام العلة ودخلت على ما الموصولة، وحذف ~~عائدها، وإن لم تطل الصلة، والأصل: الذي هو متاع، كقوله: # تماما على الذي أحسن # [الأنعام:154] برفع النون. # و " إن " هي المخففة من الثقيلة، و " كل " مبتدأ، والجار بعده خبره، أي ~~وإن كل ما تقدم ذكره كائن للذي هو متاع الحياة. وكان الوجه ~~أن تدخل اللام الفارقة، لعدم إعمالها، إلا إنها لما دل الدليل على ~~الإثبات جاز حذفها، كما حذفها الآخر في قوله (رحمه الله) : # 4401 أنا ابن أباة الضيم من آل مالك # وإن مالك كانت كرام المعادن # قوله: { والآخرة عند ربك للمتقين } خاصة، يعني الجنة ~~للمتقين عن حب الدنيا. # قال عليه الصلاة والسلام: # " لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما ~~سقى منها كافرا قطرة ماء ". # وروى المستورد بن شداد قال: # " كنت في الركب الذين وقفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~السحلة الميتة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أترى هذه هانت على ~~أهلها حين ألقوها؟ قالوا: من هوانها ألقوها, قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " فالدنيا أهون على الله من هذه على ~~أهلها " ". # فإن قيل: لما بين تعالى أنه لو فتح ms7749 على الكافر أبواب النعم لصار ذلك ~~سببا لاجتماع الناس على الكفر، فلم لم يفعل ذلك بالمسلمين حتى يصير ذلك ~~سببا لاجتماع الناس على الإسلام؟!. # فالجواب: لأن الناس على هذا التقدير كانوا يجتمعون على الإسلام، لطلب ~~الدنيا، وهذا الإيمان إيمان المنافقين، فكان الأصوب أن يضيق الأمر على ~~المسلمين حتى أن كل من دخل الإسلام فإنما يدخل لمتابعة الدليل، ولطلب ~~رضوان الله تعالى، فحينئذ يعظم ثوابه لهذا السبب. ### || [43.36-40] # قوله: { ومن يعش } العامة على ضم الشين من عشا يعشو، أي ~~يتعامى، ويتجاهل. وعن ابن عباس وقتادة ويحيى بن سلام ~~بفتح الشين بمعنى يعم، يقال: عشي يعشى عشا إذا عمي، ~~فهو أعشى، وامرأة عشواء. وزيد بن علي يعشو بإثبات الواو. ~~وقال الزمخشري: على أن من موصولة، وحق هذا أن يقرأ نقيض بالرفع. ~~قال أبو حيان: ولا يتعين موصوليتها، بل يخرج على وجهين، إما تقدير حذف ~~حركة حرف العلة، وقد حكاها الأخفش لغة، وتقدم منه في سورة يوسف ~~شواهد. # وإما على أنه جزم بمن الموصولة تشبيها لها بمن ~~الشرطية. # قال: وإذا كانوا قد جزموا بالذي وليس بشرط قط فأولى بما استعمل شرطا ~~وغير شرط، وأنشد: # 4402 ولا تحفرن بئرا تريد أخا بها # فإنك فيها أنت من دونه تقع # كذلك الذي يبغي على الناس ظالما # تصبه على رغم عواقب ما صنع # قال: وهو مذهب الكوفيين، وله وجه من القياس، وهو أن " الذي " ~~أشبهت اسم الشرط في دخول الفاء في خبرها، واسم الشرط في الجزم أيضا، ~~إلا أن دخخول الفاء منقاس بشرطه وهذا لا ينقاس. # ويقال: عشا يعشوا، وعشي يعشى، فبعضهم جعلهما بمعنى. وبعضهم ~~فرق بأن عشي يعشى، إذا جعلت الآفة في بصره، وأصله الواو. وإنما ~~قبلت ياء، لانكسار ما قبلها، كرضي يرضى. وعشا يعشو أي تفاعل ~~ذلك، ونظر نظر العشي، ولا آفة ببصره. كما قال: عرج لمن به آفة ~~العرج. وعرج لمن تعارج ومشى مشية العرجان. قال (رحمة الله ~~عليه) : # 4403 أعشو إذا ما جارتي برزت # حتى يواري جارتي الخدر # أي أنظر نظر العشي، وقال ms7750 آخر: # 4404 متى تأته تعشوا إلى ضوء ناره # تجد خير نار عندها خير موقد # أي ينظر نظر العشي لضعف بصره من كثرة الوقود. وفرق بعضهم: بأن عشوت ~~إلى النار إذا استدللت عليها بنظر ضعيف. وقال الفراء عشا يعشوا: ~~يعرض، وعشي يعشى عمي، إلا أن ابن قتيبة قال: لم نر أحدا ~~حكى: عشوت عن الشيء، أعرضت عنه، وإنما يقال: تعاشيت عن ~~كذا، إذا تغافلت عنه وتعاميت. # قوله: " نقيض " قراءة العامة بنون العظمة وعلي بن أبي طالب، ~~والأعمش ويعقوب، والسلمي، وأبو عمرو، وعاصم في رواية عنهما: ~~يقيض بالياء من تحت. أي يقيض الرحمن. و " الشيطان " نصب في ~~القراءتين وابن عباس (رضي الله عنهما) يقيض مبنيا للمفعول ~~شيطان بالرفع قائم مقام الفاعل. # فصل # { ومن يعش عن ذكر الرحمن } أي يعرض عن القرآن، وقيل: ~~يعرض عن الله، فلم يخف عقابه ولم يرج ثوابه، يقال: عشوت إلى ~~النار، أعشو عشوا، إذا قصدتها مبتديا، وعشوت عنها إذا ~~أعرضت عنها، كما يقال: عدلت إلى فلان، وعدلت عنه أي ملت إليه، ~~وملت عنه. # قال القرطبي: تولية ظهره، كقوله: # صم بكم عمي # [البقرة:18و171] وقال الخليل: أصل العشو النظر ببصر ضعيف. وأما ~~القراءة بالضم فمعناه: يتعام عن ذكره أي يعرف أنه الحق ويتجاهل ~~ويتعامى، كقوله تعالى: # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا # [النمل:14]. # { نقيض له شيطانا } أي نضمه إليه، ونسلطه عليه { فهو له ~~قرين } لا يفارقه، يزين له العمى ويخيل إليه أنه الهدى. # قوله: { وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون ~~أنهم مهتدون }. # " وإنهم " يعني الشياطين { ليصدونهم عن السبيل } أي يمنعونهم عن الهدى. ~~وذكر الشياطين والإنسان بلفظ الجمع، لأن قوله { ومن يعش عن ذكر الرحمن ~~نقيض له شيطانا } يفيد الجمع وإن كان اللفظ على الواحد. # قال أبو حيان: الظاهر أن ضميري النصب في { وإنهم ~~ليصدونهم } عائدان على " من " من حيث معناها راعى لفظها أولا، ~~فأفرد (في) " له " ثم راعى معناها فجمع في قوله: { وإنهم ليصدونهم } ~~والضمير المرفوع على الشيطان لأن المراد به الجنس ولأن كل كافر معه قرين. # وقال ابن عطية: إن ms7751 الضمير الأول للشياطين، والثاني للكفار والتقدير: وإن ~~الشياطين ليصدون الكفار العاتين، ويحسبون أنهم مهتدون أي ويحسب كفار ~~بني آدم أنهم على الهدى. # قوله تعالى: { حتى إذا جآءنا } قرأ أبو عمرو والأخوان وحفص " ~~جاءنا " بإسناد الفعل إلى ضمير مفرد يعود على لفظ " من " وهو العاتي، ~~وحينئذ يكون هذا مما حمل فيه على اللفظ، ثم على المعنى ثم على اللفظ، ~~فإنه حمل أولا على لفظها في قوله: " نقيض له.. فهو له " ثم ~~جمع على معناها في قوله: { وإنهم ليصونهم }... ويحسبون أنهم ثم رجع إلى ~~لفظها في قوله: " جاءنا " والباقون: " جاءانا " مسندا إلى ضمير ~~تثنية، وهما العاتي وقرينه جعلا في سلسلة واحدة فحينئذ يقول الكافر ~~لقرينه { يليت بيني وبينك بعد المشرقين } أي بعد ~~ما بين المشرق والمغرب، فغلبت إحداهما على الآخر، كالقمرين والعمرين ~~قال الفرزدق: # 4405............................. # لنا قمراها والنجوم الطوالع # ويقولون للكوفة والبصرة: البصرتان، والغداة والعصر: العصران، ~~ولأبي بكر، وعمر: العمران وللماء والثمر: الأسودان وقيل: أراد ~~بالمشرقين: مشرق الصيف ومشرق الشتاء والأول أصلح. وقيل: بعد ~~المشرقين من المغربين. وقال ابن الخطيب: إن أهل النجوم ~~يقولون: إن الحركة التي تكون من المشرق إلى المغرب هي حركة الفلك ~~الأعظم، والحركة التي من المغرب إلى المشرق هي حركة الكواكب الثابتة ~~والأفلاك المميلة والسيارات سوى القمر، وإذا كان كذلك المشرق والمغرب كل ~~واحد منهما مشرق بالنسبة إلى شيء ومغرب بالنسبة إلى شيء آخر. فثبت أن ~~إطلاق لفظ المشرق على كل واحد من الجهتين حقيقة ثم ذكر وجها آخر، وهو ~~أن الحس يدل على أن الحركة اليومية إنما تحصل بطلوع الشمس من المشرق ~~إلى المغرب، وأما من المغرب فإنه يظهر في أول الشهر في جانب المغرب، ثم ~~لا يزال يتقدم إلى جانب المشرق وذلك يدل على أن حركة القمر من المغرب. # وإذا ثبت هذا بالجانب المسمى بالمشرق، فإنه مشرق الشمس ولكنه مغرب ~~القمر. وأما الجانب المسمى بالمغرب فإنه مشرق القمر ولكنه مغرب الشمس، ~~وبهذا التقدير يصح تسمية المشرق والمغرب بالمشرقين. قال: " ولعل هذا ~~الوجه أقرب إلى مطابقة اللفظ من ms7752 سائر الوجوه ". وهذا ليس بشيء، فإن ظهور ~~القمر من المغرب ما كان لكونه أشرق من المغرب إنما كان ظهورها لغيبوبة ~~شعاع الشمس عنه، وإنما كان إشراقه وظهوره من المشرق الحقيقي ولكنه ~~كان مختفيا بشعاع الشمس. # قوله: { فبئس القرين } والمخصوص بالذم محذوف أي أنت. قال أبو ~~سعيد الخدري: " إذا بعث الكافر زوج بقرينه من الشياطين فلا يفارقه حتى ~~يصير به إلى النار ". # قوله: { ولن ينفعكم } في فاعله قولان: # أحدهما: أنه ملفوظ به وهو " أنكم " وما في خبرها التقدير: ولن ~~ينفعكم اشتراككم في العذاب بالتأسي كما ينفعكم الاشتراك في مصائب ~~الدنيا فيتأسى المصاب بمثله. # ومنه قول الخنساء: # 4406 ولولا كثرة الباكين حولي # على موتاهم لقتلت نفسي # وما يبكون مثل أخي ولكن # أعزي النفس عنهم بالتأسي # والثاني: أنه مضمر، فقدره بعضهم ضمير التمني، المدلول عليه بقوله: " يا ~~ليت بيني " أي لن ينفعكم تمنيكم البعد. # وبعضهم: لن ينفعكم اجتماعكم. وبعضهم: ظلمكم، وجحدكم. وعبارة من عبر بأن ~~الفاعل محذوف مقصوده الإضمار المذكور لا الحذف؛ إذ الفاعل لا يحذف إلا في ~~مواضع، ليس هذا منها وعلى هذا الوجه يكون قوله: " أنكم " تعليل، أي ~~لأنكم، فحذف الخافض، فجرى في محلها الخلاف، أهو نصب أم جر؟ ويؤيد ~~إضمار الفاعل لا أنه هو إنكم قراءة إنكم بالكسر فإنه استئناف مفيد ~~للتعليل. # قوله: " إذ ظلمتم " قد استشكل المعربون هذه الآية، ووجهه هو أن ~~قوله (اليوم) ظرف حالي و " إذ " ظرف ماض، و " ينفعكم " مستقبل، لاقترانه ~~بلن، التي لنفي المستقبل، والظاهر أنه عامل في الظرفين، وكيف يعمل ~~الحدث المستقبل الذي لم يقع بعد في ظرف حاضر أو ماض؟! هذا ما لا يجوز. ~~وأجيب: عن إعماله في الظرف على سبيل قربه منه، لأن الحال قريب من ~~الاستقبال، فيجوز في ذلك، قال تعالى: # فمن يستمع الآن # [الجن:9]، وقال الشاعر: # 4407............................. # سأسعى الآن إذ بلغت إناها # وهو إقناعي، وإلا فالمستقبل يستحيل وقوعه في الحال عقلا. وأما قوله: " ~~إذ " ففيها للناس أوجه كثيرة: قال ابن جني: راجعت أبا علي فيها مرارا، ~~وآخر ما حصلت منه أن ms7753 الدنيا والآخرة متصلتان، وهما سواء في حكم الله ~~تعالى وعلمه. " فإذ " بدل من " اليوم " حتى كأنه مستقبل، أو كأن اليوم ~~ماض. # وإلى هذا نحا الزمخشري، قال: " وإذ بدل من اليوم " وحمله الزمخشري على ~~معنى إذ تبين وصح ظلمكم ولم يبق لأحد لكم شبهة في أنكم كنتم ~~ظالمين ونظيره: # 4408 إذا انتسبنا لم تلدني لئيمة # ............................. # أي تبين أني ولد كريمة. # قال أبو حيان: ولا يجوز البدل ما دامت إذ على موضوعها من المغيا فإن ~~جعلت لمطلق الزمان جاز. # قال شهاب الدين: " لم يعهد في إذ أنها تكون لمطلق الزمان بل هي موضوعة ~~لزمان خاص بالمضي كأمس. # الثاني: أن في الكلام حذف مضاف تقديره: " بعد إذ ظلمتم ". # الثالث: أنها للتعليل، وحينئذ تكون حرفا للتعليل كاللام. # الرابع: أن الفاعل في " إذ " هو ذلك الفاعل المقدر، لا ضميره، والتقدير: ~~ولن ينفعكم ظلمكم أو جحودكم إذ ظلمتم. # الخامس: أن العامل في إذ ما دل عليه المعنى كأنه قال: ولكن لن ينفعكم ~~اجتماعكم إذ ظلمتم. قاله الحوفي. ثم قال: وفاعل ينفعكم ~~الاشتراك انتهى. # وظاهر هذا متناقض، لأنه جعل الفاعل أولا اجتماعكم ثم جعله أخرا ~~الاشتراك. ومنع أن يكون " إذ " بدلا من " اليوم " لتغايرهما في ~~الدلالة. # وفي كتاب أبي البقاء: وقيل: إذ بمعنى " إن " أي إن ظلمتم. ولم يقيدها ~~بكونها أن بالفتح أو الكسر. ولكن قال أبو حيان: " وقيل: إذ للتعليل حرف ~~بمعنى أن، يعني بالفتح. وكأنه أراد ما ذكره أبو البقاء إلا أن تسميته " ~~أن " للتعليل مجازا، فإنها على حذف حرف العلة أي لأن، ~~فلمصاحبتها لها والاستغناء بها عنها سماها باسمها. ولا ينبغي أن يعتقد ~~أنها في كتاب أبي البقاء بالكسر على الشرطية، لأن معناه بعيد. # وفي كتاب مجاهد: أن ابن عامر قرأ: إنكم بالكسر، على الاستئناف المفيد ~~للعلة وحينئذ يكون الفاعل مضمرا على أحد التقادير المذكورة. # فصل # المعنى: { ولن ينفعكم اليوم } في الآخرة " إذ ظلمتم " ~~أشركتم في الدنيا { أنكم في العذاب مشتركون } أي لا ~~ينفعكم الاشتراك في العذاب ولا يخفف الاشتراك عنكم؛ لأن لكل واحد ms7754 من ~~الكفار والشياطين الحظ الأوفر من العذاب. وقال مقاتل: لن ينفعكم ~~الاعتذار والندم اليوم، فأنتم وقرناؤكم اليوم مشتركون في العذاب، كما ~~كنتم في الدنيا تشتركون. واعلم أنه تعالى بين أن الشركة في العذاب لا ~~تفيد التخفيف، كما كان يفيده في الدنيا، والسبب فيه وجوه: # الأول: أن ذلك العذاب الشديد عظيم، واشتغال كل واحد بنفسه يذهله عن حال ~~الآخر، فلا جرم لم تفد الشركة خفة. # الثاني: إذا اشترك الأقوام في العذاب، أعان كل واحد منهم صاحبه بما مقدر ~~عليه ليحصل بسببه بعض التخفيف. وهذا المعنى متبدد في القيامة. # الثالث: أن جلوس الإنسان مع قرينه يفيده أنواعا كثيرة من السلوة. فبين ~~تعالى أن الشيطان وإن كان قرينا له، إلا أن مجالسته في القيامة لا ~~توجب السلوة وخفة العقوبة. # قوله (تعالى): { أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي... ~~} لما وصفهم في الآية المتقدمة بالعشي وصفهم في هذه الآية بالصمم ~~والعمى. وما أحسن هذا الترتيب، وذلك أن الإنسان في أول اشتغاله يطلب ~~الدنيا يكون كمن حصل بعينه رمد ضعيف، ثم لما كان اشتغاله بتلك الأعمال ~~أكثر كان ميله إلى الجسمانيات أشد، وإعراضه عن الروحانيات أكمل؛ ~~لأن كثرة المواظبة على الشيء توجب حصول الملكة اللازمة لينتقل الإنسان ~~من الرمد إلى أن يصير أعشى، فإذا واظب على تلك الحال انتقل من كونه أعشى ~~إلى كونه أعمى. # روى أنه عليه الصلاة والسلام، كان يجتهد في دعاء قومه، وهم لا يزيدون ~~إلا تصميما على الكفر وعنادا في الغي فقال الله تعالى: { أفأنت ~~تسمع الصم أو تهدي العمي } بمعنى أنهم في النفرة عنك ~~وعن دينك بحيث إذا أسمعتهم القرآن كانوا كالصم، وإذا أريتهم المعجزات ~~كانوا كالعمي. ### || [43.41-44] # قوله: { فإما نذهبن بك } قد تقدم الكلام عليه قريبا، ~~والمعنى فإما تذهبن بك بأن نميتك قبل أن تعذبهم { ~~فإنا منهم منتقمون } بالقتل بعدك، { أو نرينك } في ~~حياتك { الذي وعدناهم } من العذاب، { فإنا عليهم ~~مقتدرون } قادرون متى شئنا عذبناهم وأراد به مشركي مكة، انتقم ~~منهم يوم بدر هذا قول أكثر المفسرين. وقال الحسن وقتادة: ms7755 عنى به أهل ~~الإسلام من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وقد كان بعد النبي صلى ~~الله عليه وسلم نقمة شديدة في أمته فأكرم الله تعالى نبيه وذهب به ولم ~~يره في أمته إلا الذي تقر عينه، وأبقى النقمة بعده وروي أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أري ما يصيب أمته بعده فما رؤي ضاحكا ~~منبسطا حتى قبضه الله تعالى. وقرىء " نرينك " بالنون الخفيفة. # قوله تعالى: { فاستمسك بالذي أوحي إليك } العامة على ~~أوحي مبنيا للمفعول مفتوح الياء وبعض قراء الشام سكنها تخفيفا، والضحاك: ~~مبنيا للفاعل وهو الله تعالى. # فصل # لما بين له ما يوجب التسلية أمره أن يتمسك بما أمره الله تعالى به ~~فاستمسك بالذي أوحي إليك بأن تعتقد أنه حق، وبأن تعمل بموجبه، فإنه ~~الصراط المستقيم الذي لا يميل عنه إلا ضال في الدين. ولما بين تأثير ~~التمسك بهذا الدين في منافع الآخرة بين أيضا تأثيره في منافع الدنيا ~~فقال: { وإنه لذكر لك ولقومك } أي أنه يعني القرآن " لذكر لك " لشرف لك " ~~ولقومك " من قريش نظيره: # لقد أنزلنآ إليكم كتابا فيه ذكركم # [الأنبياء:10] شرفكم وأنه يوجب الشرف العظيم لك ولقومك، حيث يقال: إن ~~هذا الكتاب العظيم أنزله الله عز وجل لقوم من هؤلاء. # وهذه الآية تدل على أن الإنسان لا بد وأن يكون عظيم الرغبة في الثناء ~~الحسن والذكر الجميل ولو لم يكن الذكر الجميل أمرا مرغوبا فيه لما ~~من الله تعالى به على محمد صلى الله عليه وسلم فقال: { إنه لذكر ~~لك ولقومك } ولم طلبه إبراهيم عليه الصلاة والسلام حيث قال: # واجعل لي لسان صدق في الآخرين # [الشعراء:84] ولأن الذكر الجميل قائم مقام الحياة الشريفة، بل الذكر ~~أفضل من الحياة؛ لأن أثر الحياة لا يحصل إلا في مسكن ذلك الحي، وأما أثر ~~الذكر الجميل فإن يحصل في كل زمان وكل مكان ثم قال تعالى: { وسوف ~~تسألون } قال الكلبي: تسألون هل أديتم شكر إنعامنا عليكم بهذا الذكر ~~الجميل. وقال مقاتل: يقال لمن كذب به: لم كذبت؟ فيسأل سؤال توبيخ. ms7756 # وقيل: تسألون هل علمتم بما دل عليه القرآن من التكاليف. وروى الضحاك عن ~~أبي عباس (رضي الله عنهم) : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ~~سئل لمن هذا الأمر؟ لم يخبر بشيء حتى نزلت هذه الآية، فكان بعد ذلك إذا ~~سئل لمن هذا الأمر بعدك؟ قال لقريش. # وروى ابن عمر (رضي الله عنهما) قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي اثنان " # وروى معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه ~~ما أقاموا الدين " # وقال مجاهد: القوم هم العرب، فالقرآن لهم شرف، إذ نزل بلغتهم، ثم ~~يختص بذلك الشرف الأخص فالأخص من العرب ثم يكون الأكثر لقريش ولبني هاشم. # وقيل: ذكر لك بما أعطاك من الحكمة، ولقومك من المؤمنين، بما هداهم الله ~~به، وسوف تسألون عن القرآن، وعما يلزمكم من القيام بحقه. ### || [43.45-56] # قوله تعالى: { وسأل من أرسلنا } فيه ثلاثة أوجه: # أظهرها: أن من موصولة، وهي مفعولة للسؤال، كأنه قيل: وأسأل الذي ~~أرسلناه من قبلك عما ارسلوا به، فإنهم لم يرسلوا إلا بالتوحيد. # الثاني: أنه على حذف حرف الجر على أنه المسؤول عنه والمسؤول الذي هو ~~المفعول الأول محذوف تقديره واسألنا عمن أرسلناه. # الثالث: أن من استفهامية، مرفوعة بالابتداء، و " أرسلنا " خبره والجملة ~~معلقة للسؤال فيكون في محل نصب على إسقاط الخافض. # وهذا ليس بظاهر بل الظاهر أن المعلق للسؤال إنما هو الجملة الاستفهامية ~~من قوله: " أجعلنا ". # فصل # اختلف في هؤلاء المسؤولين، فروى عطاء عن ابن عباس (رضي الله عنهم) قال: # " لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى بعث ~~له آدم وولده من المرسلين فأذن جبريل ثم أقام وقال: يا محمد تقدم ~~فصل بهم، فلما فرغ من الصلاة قال له جبريل: سل يا محمد من أرسلنا من قبلك ~~من رسلنا... الآية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أسأل قد ~~اكتفيت، ولست ms7757 شاكا فيه " # وهذا قول الزهري، وسعيد بن جبير، وابن زيد؛ قالوا: جمع له الرسل ليلة ~~أسري به وأمر أن يسألهم، فلم يسأل ولم يشك. # وقال أكثر المفسرين: سل مؤمني أهل الكتاب الذين أرسلت إليهم ~~الأنبياء هل جاءتهم الرسل إلا بالتوحيد، وهو قول ابن عباس في سائر ~~الروايات ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي والحسن، ويدل عليه قراءة عبد الله ~~وأبي: واسأل الذين أرسلنا إليهم قبلك من رسلنا ومعنى الأمر ~~بالسؤال التقرير لمشركي قريش أنه لم يأت رسوله بعبادة غير الله عز وجل ~~. # وقال عطاء سؤال الأنبياء الذين كانوا قبله ممتنع، فكأن المراد منه: انظر ~~في هذه المسألة بعقلك وتدبرها بفهمك. # قوله تعالى: { ولقد أرسلنا موسى بآياتنآ... } لما طعن ~~كفار قريش في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بكونه فقيرا، عديم المال ~~والجاه بين الله تعالى أن موسى عليه الصلاة والسلام بعد أن أورد ~~المعجزات القاهرة التي لا يشك في صحتها عاقل، أورد عليه فرعون هذه ~~الشبهة التي ذكرها كفار قريش فقال: إنه غني كثير المال والجاه، ~~ألا ترون أني حصل لي ملك مصر، وهذه الأنهار تجري من تحتي، وأما موسى فإنه ~~فقير مهين، وليس له بيان ولسان، والرجل الفقير كيف يكون رسولا من عند ~~الله الملك الكبير؟!. # فثبت أن هذه الشبهة التي ذكرها كفار قريش بمكة، وهي قولهم: # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف:31] قد أوردها بعينها فرعون على موسى " ثم انتقمنا منهم ~~فأغرقناهم ": فيكون الأمر في حق أعدائك هكذا. # فثبت أنه (ليس) المقصود من إعادة هذه القصة عينها، بل المقصود تقرير ~~الجواب عن الشبهة المذكورة. # قوله تعالى: { فلما جآءهم بآياتنآ إذا هم منها ~~يضحكون } قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جاز أن يجاب لما بإذا ~~المفاجأة؟!. # قلت: لأن فعل المفاجأة معها مقدر، وهو عامل النصب في محلها، كأنه قيل: ~~فلما جاءهم بآياتنا فأجأوا وقت ضحكهم. قال أبو حيان: ولا نعلم ~~نحويا ذهب إلى ما ذهب إليه من أن " إذا " الفجائية تكون منصوبة بفعل ~~مقدر، تقديره: فاجأ، بل المذاهب ms7758 ثلاثة: # إما حرف فلا يحتاج إلى عامل، أو ظرف مكان، أو ظرف زمان. فإن ذكر بعد ~~الاسم الواقع بعدها خبر، كانت منصوبة على الظرف والعامل فيها ذلك الخبر. ~~نحو: خرجت فإذا زيد قائم تقديره: خرجت ففي المكان الذي ~~خرجت فيه زيد قائم، أو ففي الوقت الذي خرجت فيه زيد قائم. # وإن لم يذكر بعد الاسم خبر، أو ذكر اسم منصوب على الحال، فإن كان الاسم ~~جثة، وقلنا: إنها ظرف مكان، كان الأمر واضحا، نحو: خرجت فإذا ~~الأسد، أي فبالحضرة الأسد، أو فإذا الأسد رابضا. وإن ~~قلنا: إنها زمان كان على حذف مضاف، لئلا يخبر بالزمان عن الجثة، نحو: ~~خرجت فإذا الأسد، أي ففي الزمان حضور الأسد، وإن كان ~~الاسم حدثا جاز أن يكون مكانا أو زمانا. ولا حاجة إلى تقدير مضاف ~~نحو: خرجت فإذا القتال. إن شئت قدرت: فبالحضرة القتال، أو ~~ففي الزمان القتال. # قوله: { إلا هي أكبر } جملة واقعة صفة لقوله: " من آية " ~~فنحكم على موضعها بالجر اعتبارا باللفظ، وبالنصب اعتبارا بالمحل. وفي ~~معنى قوله: " أكبر من أختها " أوجه: # أحدها: قال ابن عطية: هم أنهم يستعظمون الآية التي تأتي لجدة أمرها ~~وحدوثه، لأنهم أنسوا بتلك الآية السابقة فيعظم أمر الثانية ويكبر ~~وهذا كقول الشاعر: # 4409 على أنها تعفو الكلوم وإنما # توكل بالأدنى وإن جل ما يمضي # الثاني: قيل: إن المعنى إلا هي أكبر من أختها السابقة، فحذف الصفة للعلم ~~بها. # الثالث: قال الزمخشري: فإن قلت: هو كلام مناقض؛ لأن معناه ما من آية ~~من التسع إلا وهي أكبر من كل واحدة، فتكون كل واحدة منها فاضلة ~~ومفضولة في حالة واحدة. # قلت: الغرض بهذا الكلام وصفين بالكبر، لا يكدن يتفاوتن فيه ~~وكذلك العادة في الأشياء التي تتقارب في الفضل التقارب اليسير تختلف آراء ~~الناس في تفضيلها، فبعضهم يفضل هذا وبعضهم يفضل هذا، وربما اختلف ~~آراء الواحد فيها، كقول الحماسي: # 4410 من تلق منهم تقل لآقيت سيدهم # مثل النجوم التي يهدى بها الساري # وقالت الأنبارية في الجملة من أبنائها: ثكلتهم إن ms7759 كنت أعلم ~~أيهم أفضل، هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين ~~طرفاها. انتهى كلامه. # وأوله فظيع جدا، كأن العبارات ضاقت عليه حتى قال ما قال، وإن كان ~~جوابه حسنا فسؤاله فظيع. # فصل # ذكر أنه تعالى أرسل موسى بآياته، وهي المعجزات التي كانت من موسى إلى ~~فرعون وملئه أي قومه فقال موسى: { إني رسول رب العالمين }. ~~فلما جاءه بتلك الآيات { إذا هم منها يضحكون } ~~استهزاء قيل: إنه لما ألقى عصاه صار ثعبانا، ثم أخذه فصار عصا كما كان ~~فضحكوا. ولما عرض عليهم اليد البيضاء ثم عادت كما كانت ضحكوا. # ثم قال: { وما نريهم من آية إلا هي أكبر من ~~أختها } أي قرينتها وصاحبتها التي كانت قبلها وأخذناهم ~~بالعذاب أي بالسنين والطوفان، والجراد والقمل والضفادع والدم ~~والطمس، فكانت هذه دلالات لموسى وعذابا، وكانت كل واحدة أكبر من التي ~~قبلها { لعلهم يرجعون } عن الكفر إلى الإيمان. # قالت المعتزلة: هذا يدل على أنه تعالى يريد الإيمان من الكل فإنه إنما ~~أظهر تلك المعجزات القاهرة لإرادة أن يرجعوا عن الكفر إلى الإيمان. # قوله: { وقالوا يأيها الساحر } تقدم الكلام فيه في النور، ~~والمعنى أنهم لما عاينوا العذاب قالوا لموسى يا أيها الساحر، أي يا ~~أيها العالم الكامل الحاذق، وإنما قالوا هذا توقيرا وتعظيما؛ لأن السحر ~~عندهم كان علما عظيما، وصفة محمودة. # وقيل: معناه " يا أيها الذين غلبنا بسحره ". وقال الزجاج: خاطبوه به ~~لما تقدم له عندهم من التسمية بالساحر. # فإن قيل: كيف سموه بالساحر مع قولهم: إننا لمهتدون؟!. # فالجواب من وجوه: # الاول: أنهم كانوا يسمون العالم الماهر ساحرا، لأنهم يستعظمون السحر ~~وكما يقال في زماننا في العمل العجيب الكامل: إنه أتى بالسحر. # والثاني: أيها الساحر في زعم الناس، ومتعارف قوم فرعون، كقوله: # وقالوا يأيها الذي نزل عليه الذكر إنك ~~لمجنون # [الحجر:6] أي نزل عليه الذكر في اعتقاده وزعمه. # الثالث: أن قولهم: { إننا لمهتدون } وقد كانوا عازمين على ~~خلافه، ألا ترى إلى قوله { فلما كشفنا عنهم العذاب إذا ~~هم ينكثون } فتسميتهم إياه بالساحر لا ينافي قوله: { إننا ~~لمهتدون ms7760 }. # قوله: { ادع لنا ربك بما عهد عندك } أي بما أخبرنا عن ~~عهده إليك إن آمنا كشف عنا العذاب فاسأله يكشف عنا إننا لمهتدون مؤمنون ~~فدعا موسى فكشف عنهم، فلم يؤمنوا فذلك قوله عز وجل: { فلما كشفنا ~~عنهم العذاب إذا هم ينكثون } أي نكثوا ذلك العهد، يعني ~~ينقضون عهدهم ويصرون على كفرهم. # قوله تعالى: { ونادى فرعون في قومه } لما ذكر معاملة قوم ~~فرعون مع موسى ذكر أيضا معاملة فرعون معه. فقال { ونادى فرعون ~~في قومه } أي أظهر هذا القول. { وقال يقوم أليس لي ~~ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي } أي أنهار ~~النيل ومعظمها نهر الملك، ونهر طولون، ونهر دمياط، ونهر تنيس. قيل: ~~كانت تجري تحت قصره وحاصل الأمر أنه احتج بكثرة أمواله، وقوة جاهه على ~~فضيلة نفسه. # ثم قال: { أفلا تبصرون } من تحت قصري. وقال قتادة: تجري من بين ~~يدي في جناني وبساتيني، وقال الحسن: بأمري أفلا تبصرون عظمتي وشدة ملكي. ~~وقيل من ملك القبط يسمى فرعون، ومن ملك اليهود يسمى قبطون والمعروف ~~مالخ، ومن ملك الصابئة يسمى نمرود، ومن ملك البربر يسمى جالوت، ومن ملك ~~الهند يسمى بهمن، وقيل يعفور، ومن ملك فرغانة يسمى الإخشيد، ومن ملك ~~العرب من قبل العجم يسمى النعمان. # قوله: { وهذه الأنهار تجري } يجوز في " وهذه " وجهان: # أحدهما: أن تكون مبتدأة، والواو للحال، و " الأنهار " صفة لاسم ~~الإشارة، أو عطف بيان و " تجري " الخبر والجملة حال من ياء " لي ". # والثاني: أن هذه معطوفة على " ملك مصر " و " تجري " على هذا حال ~~أي أليس ملك مصر وهذه الأنهار جارية؟! أي الشيئان. # قوله: " تبصرون " العامة على الخطاب لمن ناداهم، وقرأ عيسى بكسر النون ~~أي تبصروني وفي قراءة العامة المفعول محذوف أي تبصرون ملكي ~~وعظمتي. # وقرأ فهد بن الصقر: يبصرون بياء الغيبة، إما على الالتفات ~~من الخطاب إلى الغيبة وإما ردا على قوم موسى. # قوله: { أم أنآ خير } في أم هذه أقوال: # أحدها: أنها منقطعة، فتقدر ب " بل " التي لإضراب الانتقال، وبالهمزة ~~التي للإنكار. # والثاني: أنها بمعنى بل ms7761 فقط، كقوله: # 4411 بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى # وصورتها أم أنت في العين أملح # أي بل أنت. # الثالث: أنها منقطعة لفظا متصلة معنى. قال أبو البقاء: " أم هنا منقطعة ~~في اللفظ لوقوع الجملة بعدها في اللفظ، وهي في المعنى متصلة معادلة؛ إذ ~~المعنى أنا خير منه أم لا؟ وأينا خير؟ " وهذه عبارة غريبة أن تكون منقطعة ~~لفظا متصلة معنى وذلك أنهما معنيان مختلفان، فإن الانقطاع يقتضي ~~إضرابا إما إبطالا، وإما انتقالا. # الرابع: أنها متصلة، والمعادل محذوف، تقديره: أم تبصرون؟ وهذا لا ~~يجوز إلا إذا كانت " لا " بعد " أم " ، نحو: أتقوم أم لا؟ أي أم لا تقوم، ~~وأزيد عندك أم لا؟ أي أم لا هو عندك أما حذفه دون معادل فلا يجوز. وقد ~~جاء حذف " أم " مع المعادل، وهو قليل جدا، قال الشاعر: # 4412 دعاني إليها القلب إني لأمرها # سميع فما أدري أرشد طلابها؟ # أي أم غي. # ونقل أبو حيان عن سيبويه أن هذه هي أم المعادلة، أي أم تبصرون الأمر ~~الذي هو حقيق أن يبصر عنده وهو أنه خير من موسى. # قال: وهذا القول بدأ به الزمخشري فقال: أم هذه متصلة؛ لأن المعنى ~~أفلا تبصرون أم تبصرون؟ إلا أنه وضع قوله: " أنا خير " ~~موضع " تبصرون " لأنهم إذا قالوا: أنت خير فهم عنده بصراء، وهذا من ~~إنزال السبب منزلة المسبب. # قال أبو حيان: وهذا متكلف جدا، إذ المعادل إنما يكون مقابلا للسابق ~~فإن كان المعادل جملة فعلية، كان السابق جملة فعلية، أو جملة إسمية يتقدر ~~منها جملة فعلية، كقوله: # أدعوتموهم أم أنتم صامتون # [الأعراف:193]؛ لأن معناه أو صمتم وهنا لا يتقدر منها جملة فعلية لأن ~~قوله: { أم أنآ خير } ليس مقابلا لقوله: أفلا تبصرون، ~~وإن كان السابق اسما كان المعادل اسما أو جملة فعلية يتقدر منها اسم ~~نحو قوله: # 4413 أمخدج اليدين أم أتمت؟ # " فأتمت " معادل للاسم والتقدير: أم متما؟. # قال شهاب الدين: وهذا الذي رده على الزمخشري رده على سيبويه، لأنه هو ~~السابق به وكذا قوله أيضا: إنه ms7762 لا يحذف المعادل بعد " أم " وبعدها " لا ~~" فيه نظر في تجويز سيبويه حذف المعادل دون لا فهو رد على سيبويه أيضا. # قوله: " ولا يكاد يبين " هذه الجملة يجوز أن تكون معطوفة على الصلة وأن ~~تكون مستأنفة وأن تكون حالا. والعامة على يبين من أبان، والباقون: ~~يبين بفتح الياء من بان أي ظهر. # فصل # قال أكثر المفسرين: " أم " هنا بمعنى " بل " وليس بحرف عطف. قال الفراء: ~~الوقف على قوله أم وفيه إضمار مجاز(ه) أفلا تبصرون أم ~~تبصرون؟ لكنه اكتفى بلفظ " أم " كما تقول لغيرك: " أتأكل أم ~~" أي أتأكل أم لا تأكل؟ لكنك تقتصر على كلمة أم اقتصارا. # قال أبو عبيدة: معناها بل أنا خير، وعلى هذا فقد تم الكلام عند ~~قوله: أفلا تبصرون. ثم ابتدأ فقال: أم أنا خير، يعنى بل أنا خير. وقال ~~الباقون أم هذه متصلة، لأن المعنى أفلا تبصرون أم تبصرون؟ إلا ~~أنه وضع قوله: " أنا خير " موضع: " تبصرون " ، لأنهم إذا قالوا له: ~~أنت خير فهم عنده بصراء. # قوله: { من هذا الذي هو مهين } أي ضعيف حقير يعني موسى { ~~ولا يكاد يبين } أي يفصح لسانه لرتة كانت في ~~لسانه. # فإن قيل: أليس أن موسى عليه الصلاة والسلام سأل الله أن يزيل ~~الرتة عن لسانه بقوله: # واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي # [طه:27و28] فأعطاه الله ذلك بقوله تعالى: # قد أوتيت سؤلك يموسى # [طه:36] فكيف عابه فرعون بتلك الرتة؟!. # فالجواب من وجهين: # الأول: أن فرعون أراد بقوله: " ولا يكاد يبين " حجته التي تدل على صدقه، ~~ولم يرد أنه لا قدرة له على الكلام. # والثاني: أنه عابه بما كان عليه أولا، وذلك أن موسى عليه الصلاة ~~والسلام مكث عند فرعون زمانا طويلا، وكان في لسانه حبسة فنسبه فرعون ~~إلى ما عهد عليه من الرتة؛ لأنه لم يعلم أن الله تعالى أزال ذلك العيب ~~عنه. # قوله تعالى: { فلولا ألقي عليه أساورة } قرأ حفص ~~أسورة كأحمرة. والباقون أساورة، فأسورة جمع " سوار " ~~كحمار، وأحمرة، وهو جمع قلة. وأساورة جمع إسوار بمعنى ~~سوار، يقال: سوار ms7763 المرأة، وأسوارها. والأصل أساوير بالياء، ~~فعوض من حرف المد تاء التأنيث، كبطريق وبطارقة، وزنديق ~~وزنادقة. # وقيل: بل هي جمع أسورة فهي جمع الجمع. وقر أبي والأعمش وتروى عن ~~أبي عمرو أساور دون تاء. وروي عن أبي أيضا وعبد الله: أساوير. ~~وقرأ الضحاك: ألقى مبنيا للفاعل، أي الله تعالى وأساورة نصبا ~~على المفعولية و " من ذهب " صفة لأساورة. ويجوز أن تكون " من " ~~الداخلة على التمييز. # فصل # ومعنى الكلام أن عادتهم جرت بأنهم إذا جعلوا واحدا منهم رئيسا لهم ~~سوروه بسوار من ذهب وطوقوه بطوق من ذهب، فطلب فرعون من موسى ~~عليه الصلاة والسلام مثل عادتهم، وحاصل الكلام أن فرعون كان يقول: أنا ~~أكثر منه مالا وجاها فوجب أن أكون أفضل منه فيمتنع كونه رسولا من عند ~~الله لأن منصب النوبة يقتضي المخدومية، والأخس لا يكون مخدوما ~~للأشرف ثم قال: { أو جآء معه الملائكة مقترنين } ~~متتابعين يعاون بعضهم بعضا يشهدون له بصدقه ويعينونه على أمره ~~ويجوز أن يكون المراد مقترنين به من قولك: قرنته به. # قوله تعالى: { فاستخف قومه فأطاعوه } أي وجدهم جهالا ~~فحملهم على الخفة والجهل، يقال: استخفه عن رأيه، إذا حمله على الجهل ~~وأزاله عن الصواب " فأطاعوه " على تكذيب موسى، { إنهم كانوا ~~قوما فاسقين } حين أطاعوا ذلك الفاسق الجاهل. # قول: { فلمآ آسفونا } أغضبونا, حكي أن أن ابن جريج غضب في ~~شيء فقيل له: أتغضب يا أبا خالد؟ فقال فقد غضب الذي خلق الأحلام إن الله ~~تعالى يقول: فلمآ آسفونا أي أغضبونا { انتقمنا منهم فأغرقناهم ~~أجمعين } واعلم أن ذرك لفظ الأسف في حق الله تعالى، وذكر لفظ الانتقام كل ~~واحد منهما من المتشابهات التي يجب تأويلها فمعنى الغضب في حق الله تعالى ~~إرادة الغضب ومعنى الانتقام إرادة العقاب بجرم سابق. # وآسفونا منقول بهمزة التعدية من أسف بمعنى غضب، والمعنى: ~~أغضبونا بمخالفتهم أمرنا. وقال بعض المفسرين معناه: " أحزنوا ~~أولياءنا ". # قوله: " فجعلناهم سلفا " قرأ الأخوان سلفا بضمتين ، والباقون ~~بفتحتين، فأما الأولى فتحتمل ثلاثة أوجه: # أحدهما: أنه جمع سليف، كرغيف، ورغف، وسمع القاسم بن ms7764 معن من ~~العرب معنى سليف من الناس والسليف من الناس كالغريق منهم. # والثاني: أنها جمع سالف، كصابر، وصبر. # الثالث: أنها جمع سلف كأسد وأسد. # والثانية تحتمل وجهين: # أحدهما: أن تكون جمعا لسالف، كحارس وحرس، وخادم وخدم، ~~وهذا في الحقيقة اسم جمع لا جمع تكسير، إذ ليس في أبنية التكسير صيغة ~~فعل. # والثاني: أنه مصدر يطلق على الجماعة، تقول: سلف الرجل يسلف ~~سلفا أي تقدم، والسلف: كل شيء قدمته من عمل صالح، أو ~~قرض فهو سلف، وسلف الرجل آباؤه المتقدمون، والجمع ~~أسلاف وسلاف قال طفيل: # 4414 مضوا سلفا قصد السبيل عليهم # صروف المنايا بالرجال تقلب # وقرأ علي ومجاهد رضي الله عنهما سلفا بضم السين. وفيه ~~وجهان: # أشهرهما: أنه جمع سلفة كغرفة وغرف. والسلفة الأمة. # وقيل: الأصل سلفا بضمتين، وإنما أبدل من الضمة فتحة. # وقوله: " مثلا " إما مفعول ثان إن كانت بمعنى صير، وإلا حالا. قال ~~الفراء والزجاج: جعلناهم متفرقين ليتعظ بهم الآخرون، وهم كفار أمة محمد ~~ صلى الله عليه وسلم والمعنى ومثلا للآخرين أي عظة لمن بقي بعدهم ~~وعبرة. # قال أبو علي الفارسي: المثل واحد يراد به الجمع، ومن ثم عطف على سلف ~~والدليل على وقوعه (على) أكثر من واحد قوله تعالى: # ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على ~~شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا # [النحل:75]. فأدخل تحت المثل شيئين وقيل: المعنى سلفا لكفار هذه ~~الأمة إلى النار، ومثلا لمن يجيء بعدهم. ### || [43.57-65] # قوله تعالى: { ولما ضرب ابن مريم مثلا } اعلم أنه تعالى ~~ذكر أنواعا كثيرة من كفراناتهم، فأولها: قوله تعالى: # وجعلوا له من عباده جزءا # [الزخرف:15]. # وثانيها: قوله: # وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا # [الزخرف:19]. # وثالثها: قوله: # وقالوا لو شآء الرحمن ما عبدناهم # [الزخرف:20]. # ورابعها: قوله: # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف:31]. # وخامسها: هذه الآية: وليس في لفظها ما يدل على أن ذلك المثل أي شيء كان ~~والمفسرون ذكروا فيه وجوها: # أشهرها: قال ابن عباس وأكثر المفسرين: نزلت الآية في مجادلة عبدالله بن ms7765 ~~الزبعرى مع النبي صلى الله عليه وسلم في شأن عيسى عليه الصلاة ~~والسلام لما نزل قول الله عز وجل: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [الأنبياء:98] كما تقدم في سورة الأنبياء. # والمعنى: ولما ضرب عبد الله بن الزبعرى عيسى ابن مريم مثلا، وجادل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعبادة النصارى إياه " إذا قومك " من ~~قريش " منه " أي من هذا المثل " يصدون " أي يرتفع لهم ضجيج فرحا ~~بسبب ما رأوا من سكوت النبي صلى الله عليه وسلم فإنه قد جرت العادة ~~بأن أحد الخصمين إذا انقطع، أظهر الخصم الثاني الفرح والضجيج. # وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم لما حكى أن النصارى عبدوا المسيح ~~وجعلوه إلها لأنفسهم قالت كفار قريش: إن محمدا يريد أن يجعل نفسه لنا ~~إلها كما جعل النصارى المسيح إلها لأنفسهم فعند هذا قالوا: { ~~أآلهتنا خير أم هو } فعند ذلك قالوا: إن محمدا يدعونا ~~لعبادة نفسه وآباؤنا زعموا أنه يجب عبادة هذه الأصنام وإذا كان لا بد من ~~عبادة أحد هذين فعبادة الأصنام أولى؛ لأن آبائنا وآسلافنا أجمعوا على ~~ذلك، وأما محمد فإنه متهم في أمرنا بعبادته. ثم إنه تعالى لم يقل: إن ~~عبادة المسيح طريق حسن، بل هو كلام باطل، وأن عيسى ليس إلا عبدا ~~أنعمنا عليه فزالت شبهتهم في قولهم: إن محمدا يريد أن يأمرنا ~~بعبادة نفسه. # وقيل: إن الكفار لما رأوا النصارى يعبدون عيسى قالوا إذا عبد النصارى ~~عيسى فآلهتنا خير من عيسى فعبدوا الملائكة. # قوله: " يصدون " قرأ نافع وابن عامر والكسائي ويصدون بضم الصاد ~~والباقون بكسرها، فقيل: هما بمعنى واحد. وهو الصحيح واللفظ، يقال: صد ~~يصد ويصد كعكف يعكف ويعكف وعرش يعرش ~~ويعرش. # قال ابن عباس (رضي الله عنهما) يضجرون. وقال سعيد بن المسيب: يصيحون. ~~وقال الضحاك: يعجون. وقال قتادة: يجزعون، وقال القرظي: يضجرون. ~~وقيل: الضم من الصدود وهو الإعراض وقد أنكر ابن عباس الضم، وقد روي ~~له عن علي رضي الله عنه . # وهذا والله أعلم قبل بلوغه تواتره. # قوله تعالى: ms7766 { وقالوا أآلهتنا خير } قرأ أهل الكوفة بتحقيق ~~الهمزة الثانية والباقون بتسهيلها بين بين. ولم يدخل أحد من القراء ~~الذين من قاعدتهم الفصل بين الهمزتين بألف ألفا كراهة لتوالي أربع ~~متشابهات. وأبدل الجميع الهمزة الثانية ألفا، ولا بد من زيادة ~~بيان، وذلك أن آلهة جمع إله كعماد، وأعمدة، فالأصل أألهة، ~~بهمزتين الأولى زائدة، والثانية فاء الكلمة، وقعت الثانية ساكنة بعد ~~مفتوحة فوجب قلبها ألفا " كآمن وبابه " ، ثم دخلت همزة الاستفهام ~~على الكل فالتقى همزتان في اللفظ، الأولى للاستفهام، والثانية همزة " ~~أفعلة " فالكوفيون لم يعتدوا باجتماعهما، فأبقوهما على ما لهما، ~~وغيرهم استثقل فخفف الثانية بالتسهيل بين بين، والثالثة ألف محضة لم تغير ~~البتة. وأكثر أهل العصر يقرأون هذا الحرف بهمزة واحدة بعدها ألف على ~~لفظ الخبر ولم يقرأ به أحد من السبعة فيما علمنا إلا أنه قد روي أن ~~ورشا قرأ كذلك في رواية أبي الأزهر وهي تحتمل الاستفهام كالعامة. ~~وإنما حذف أداة الاستفهام لدلالة أم عليها، وهو كثير. ويحتمل أنه قرأة ~~خبرا محضا وحينئذ تكون أم منقطعة تقدر ببل والهمزة وأما الجماعة فهي ~~عندهم متصلة. فقوله:: " أم هو " على قراءة العامة عطف على " آلهتنا ~~خير " وهو من عطف المفردات، والتقدير: أالهتنا أم هو خير؟ أي ~~أيهما خير؟ وعلى قراءة ورش يكون هو مبتدأ، وخبره محذوف تقديره: بل أهو ~~خير. وليست " أم " حينئذ عاطفة. # فصل # قال قتادة معنى قوله: " أم هو " يعنون محمدا فنعبده ونترك آلهتنا. ~~وقال السدي وابن زيد: أم هو يعني عيسى قالوا يزعم محمد أن كل ما عبد من ~~دون الله في النار، فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى وعزير، والملائكة ~~في النار، قال الله تعالى: { ما ضربوه } يعني هذا المثل: " لك ~~إلا جدلا " أي خصومة بالباطل، فقد علموا أن المراد من قوله: # وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [الأنبياء:98] هؤلاء الأصنام { بل هم قوم خصمون } مبالغون في ~~الخصومة. روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: # " ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل " # ثم قرأ: ms7767 { ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم ~~خصمون }. # قوله: " جدلا " مفعول من أجله، أي لأجل الجدل والمراء، لا لإظهار ~~الحق، وقيل: هو مصدر في موضع الحال أي إلا مجادلين. وقرأ ابن مقسم: ~~جدالا والوجهان جاريان فيه. والظاهر أن الضمير في " هو " لعيسى كغيره ~~من الضمائر. وقيل: هو للنبي عليه الصلاة والسلام وبكل قال به ~~المفسرون كما تقدم. # فصل # تمسك القائلون بذم الجدل بهذه الآية، والآيات الكثيرة دالة على مدح ~~الجدل فالتوفيق بينهما أن تصرف الآيات الدالة على مدح الجدل إلى ~~الجدل الذي يفيد تقرير الحق وتصرف هذه الآية إلى الجدل الذي يوجب تقرير ~~الباطل. # قوله (تعالى): { إن هو إلا عبد } أي ما هو يعني عيسى " إلا ~~عبد " كسائر العبيد " انعمنا عليه " حيث جعلناه آية، بأن ~~خلقناه من غير ذكر كما خلقنا آدم، وشرفناه بالنبوة " وجعلناه ~~مثلا " أي آية وغيره " لبني إسرائيل " يعرفون به قدرة الله على ~~ما يشاء حيث خلقه من غير أب { ولو نشآء لجعلنا منكم ~~ملائكة } أي لو نشاء لأهلكناكم وجعلنا بدلا منكم ملائكة { في ~~الأرض يخلفون } أي يكونون خلفا منكم يعمرون الأرض، ~~ويعبدونني ويطيعوني. وقيل: يخلف بعضهم بعضا. # قوله: { لجعلنا منكم ملائكة } في من هذه أقوال: # أحدها: أنها بمعنى بدل أي لجعلنا بدلكم كما تقدم في التفسير، ومنه ~~أيضا # أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة # [التوبة:38] أي بدلها. وأنشد ( رحمة الله عليه) : # 4415 أخذوا المخاض من الفصيل غلبة # ظلما ويكتب للأمير إفالا # وقال آخر: # 4416 جارية لم تأكل المرققا # ولم تذق من البقول الفستقا # والثاني: هو المشهور: أنها تبعيضية. وتأويل الآية لولدنا منكم يا رجال ~~ملائكة في الأرض يخلفونكم كما تخلفكم أولادكم، كما ولدنا ~~عيسى من أنثى دون ذكر. ذكره الزمخشري. # والثالث: أنها تبعيضية قال أبو البقاء وقيل: المعنى لحولنا ~~بعضكم ملآئكة. # قوله: " وإنه لعلم " المشهور أن الضمير " لعيسى يعني نزوله آخر ~~الزمان، وقيل الضمير للقرآن، أي فيه علم الساعة وأهوالها، أو هوعلامة على ~~قربها ومنه # اقترب للناس حسابهم # [الأنبياء:1] # اقتربت الساعة # [القمر:1] ومنه: # " بعثت أنا والساعة ms7768 كهاتين " # والعامة على " علم " مصدرا جعل علما مبالغة، لما كان به يحصل ~~العلم، أو لما كان شرطا يعلم به ذلك أطلق عليه علم. وابن عباس وأبو ~~هريرة وأبو مالك الغفاري وزيد بن علي لعلم ، بفتح العين والفاء ~~ أي لشرط وعلامة. وقرأ أبو نضرة وعكرمة كذلك إلا أنهما ~~عرفا باللام فقرآ للعلم أي للعلامة المعروفة. # فصل # معنى الآية أن نزول عيسى من أشراط الساعة يعلم بها قربها، قال عليه ~~الصلاة والسلام : # " ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عادلا ~~يكسر الصليب ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ~~وتهلك في زمانه الملل كلها إلا الإسلام " # ويروى: أنه ينزل على ثنية بالأرض المقدسة يقال لها أفيق، وبيده ~~حربة، وعليه ممصرتان، وشعر رأسه دهين يقتل الدجال، ~~ويأتي بيت المقدس والناس في صلاة العصر روري في صلاة الصبح فيتأخر ~~الإمام فيتقدمه عيسى عليه الصلاة والسلام ويصلي خلفه على شريعة ~~محمد صلى لله عليه وسلم ثم يقتل الخنازير، ويكسر الصليب، ~~ويخرب البيع والكنائس ويقتل النصارى إلا من آمن به. # قوله: " فلا تمترن " من المرية وهي الشك أي لا تشكن ~~فيها. قال ابن عباس (رضي الله عنهما) لا تكذبوا بها " واتبعوني " ~~على التوحيد " هذا " الذي أنا عليه " صراط مستقيم ". # " ولا يصدنكم " لا يصرفنكم " الشيطان " عن دين الله { ~~إنه لكم عدو مبين } قد بانت عداوته لكم لأجل أنه أخرج ~~أبويكم من الجنة، ونزع عنهما لباس النور. # قوله تعالى: { ولما جآء عيسى بالبينات } أي بالمعجزات ~~وبالشرائع البينات الواضحات { قال قد جئتكم بالحكمة } وهي ~~النبوة. وقيل: معرفة ذات الله وصفاته وأفعاله { ولأبين لكم ~~بعض الذي تختلفون فيه } من أحكام التوراة. # قال قتادة: يعني اختلاف الفرق الذين تحزبوا في أمر عيسى. قال الزجاج: ~~الذي جاء به عيسى في الإنجيل إنما هو بعض الذي اختلفوا فيه فبين لهم في ~~غير الإنجيل ما احتاجوا إليه. # وقيل: كانوا قد اختلفوا في أشياء من أحكام التكاليف، واتفقوا على أشياء ~~فجاء عيسى ليبين لهم الحق في تلك المسائل الخلافية. # قال ابن الخطيب: وبالجملة فالحكمة معناها أصول الدين، وبعض ms7769 الذي يختلفون ~~فيه معناه فروع الدين. # فإن قيل: لم لم يبين لهم كل الذي يختلفون فيه؟. # فالجواب: لأن الناس قد اختلفوا في أشياء لا حاجة لهم إلى معرفتها فلا ~~يجب على الرسول بيانها. ولما بين لهم الأصول والفروع قال: " فاتقوا ~~الله " من الكفر والإعراض عن دينه " وأطيعوه " فيما أبلغه إليكم من ~~التكاليف، { إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا ~~صراط مستقيم، فاختلف الأحزاب } أي الفرق المتحزبة بعد ~~عيسى وهم الملكانية واليعقوبية والنسطورية، وقيل: اليهود والنصارى { ~~فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم } وهو وعيد ~~يوم الأحزاب. # فإن قيل: الضمير في قوله " بينهم " إلى من يرجع؟. # فالجواب: إلى الذي خاطبهم عيسى في قوله: { قد جئتكم بالحكمة ~~} وهم قومه. ### || [43.66-73] # قوله: { هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم } أين أنها ~~تأتيهم لا محالة، فكأنهم ينظرونها. فقوله: " أن تأتيهم " بدل من ~~الساعة. والمعنى هل ينظرون إلا إتيان الساعة. قوله: " بغتة " فجأة. # فإن قيل: قوله بغتة يفيد ما يفيد قوله: " وهم لا يشعرون " فما ~~فائدته؟. # فالجواب: يجوز أن تأتيهم بغتة وهم يعرفونه بسبب أنهم يشاهدونه ". # قوله تعالى: " الأخلاء يومئذ " مبتدأ وخبره " عدو " ~~والتنوين في " يومئذ " عوض عن جملة، تقديره: يومئذ تأتيهم ~~الساعة. والعامل في يومئذ: تأتيهم الساعة والعامل في " ~~يومئذ " لفظ " عدو " أي عداوتهم في ذلك اليوم. # فصل # معنى الآية الأخلاء على المعصية في الدنيا يومئذ أي يوم القيامة { ~~بعضهم لبعض عدو إلا المتقين } يعني المتحابين في ~~الله على طاعة الله وهم الموحدون الذين يخال بعضهم بعضا على الإيمان ~~والتقوى فإن خلتهم لا تصير عداوة. # روى أبو ثور عن معمر عن قتادة عن أبي إسحاق أن عليا (رضي ~~الله عنه) قال: في الآية خليلان مؤمنان وخليلان كافران، فمات أحد ~~المؤمنين فقال: يا رب إن فلانا كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك، ويأمرني ~~بالخير، وينهاني عن الشر، ويخبرني أني ملاقيك يا رب، فلا تضله ~~بعدي، واهده كما هديتني وأكرمه كما أكرمتني، فإذا مات خليله ~~المؤمن جمع (الله) بينهما فيقول (الله تعالى): ليثن أحدكما على ~~صاحبه فيقول: (يا ms7770 رب) نعم الأخ، ونعم الخليل، ونعم الصاحب. قال: ويموت ~~أحد الكافرين فيقول: يا رب إن فلانا كان ينهاني عن ذاتك وطاعة رسولك ~~ويأمرني بالشر، وينهاني عن الخير، ويخبرني أني غير ملاقيك فيقول: بئس ~~الأخ وبئس الخليل وبئس الصاحب. # قوله: " يا عبادي " قرأ أبو بكر عن عاصم: " يا عبادي لا خوف " ~~بفتح الياء. والأخوان وابن كثير وحفص بحذفها وصلا ووقفا. والباقون ~~بإثباتها ساكنة. وقرأ العامة: لا خوف بالرفع والتنوين إما مبتدأ وإما ~~اسما لها وهو قليل. وابن محيصن دون تنوين على حذف مضاف وانتظاره أي ~~لا خوف شيء. والحسن وابن أبي إسحاق بالفتح على لا التبرئة، وهي ~~عندهم أبلغ. # فصل # قد تقدم أن عادة القرآن جارية بتخصيص لفظ العباد بالمؤمنين المطيعين ~~المتقن. وفيه أنواع كثيرة توجب الفرح: # أولها: أن الحق سبحانه وتعالى خاطبهم بنفسه من غير واسطة. # وثانيها: أنه تعالى وصفهم بالعبودية من غير واسطة، وهذا تشريف عظيم، ~~بدليل أنه تعالى لما أراد تشريف محمد صلى الله عليه وسلم ليلة ~~المعراج قال: # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا # [الإسراء:1]. # وثالثها: قوله: { لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم ~~تحزنون } فنفى عنهم الحزن بسبب فوت الدنيا الماضية. # قوله: " الذين آمنوا " يجوز أن يكون نعتا لعبادي، أو بدلا ~~منه، أو عطف بيان الله، أو مقطوعا منصوبا بفعل أي أعني الذين آمنوا. # أو مرفوعا بالابتداء وخبره مضمر، تقديره يقال لهم: ادخلوا. # فصل # قال مقاتل: إذا وقع الخوف يوم القيامة نادى مناد: يا عبادي لا خوف ~~عليكم اليوم. فإذا سمعوا النداء رفع الخلائق رؤوسم فيقال: { الذين ~~آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين } فينكس أهل الأديان ~~الباطلة رؤوسهم فيمر حسابهم على أحسن الوجوه ثم يقال لهم: { ادخلوا ~~الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون } تسرون وتنعمون ~~والحبرة المبالغة في الإكرام على أحسن الوجوه وتقدم تفسيره في سورة ~~الروم. # قوله تعالى: { يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب ~~وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم ~~فيها خالدون }. # قوله: " يطاف عليهم " قبله محذوف أي يدخلون (و) يطاف. ~~والصحاف جمع صحفة كجفنة وجفان؛ قال الجوهري: الصحفة ~~كالقصعة. ms7771 وقال الكسائي: أعظم القصاع الجفنة، ثم القصعة تشبع ~~العشرة، ثم الصفحة تشبع الخمسة، ثم المكيلة تشبع الرجلين والثلاثة (ثم ~~الصحيفة تشبع الرجل). والصحيفة الكتاب والجمع صحف وصحائف. وأمال ~~الكسائي في رواية بصحاف من ذهب؟. # " وأكواب " جمع كوب، وهو إناء مستدير مدور الرأس لا عرى له. وقيل: ~~هو كالإبريق إلا أنه لا عروة له. وقيل: إنه ما لا خرطوم له. وقيل: إنه لا ~~خرطوم له ولا عروة معا. قال الجواليقي: ليتمكن الشارب من أين شاء، فإن ~~العروة تمنع من ذلك، وقال عدي: # 4417 متكئا تصفق أبوابه # يطوف عليه العبد بالكوب # والتقدير: وأكواب من ذهب. فقوله: { يطاف عليهم بصحاف من ~~ذهب } إشارة إلى المطعوم، وقوله: " وأكواب " إشارة إلى المشروب. ~~ثم إنه تعالى لما ذكر التفصيل ذكر بيانا كليا فقال: { وفيها ما ~~تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين } أي في الجنة. # قوله: { ما تشتهيه الأنفس } قرأ نافع وابن عامر وحفص ~~تشتهيه بإثبات العائد على الموصول، كقوله: ك # الذي يتخبطه الشيطان # [البقرة:275]. والباقون بحذفه كقوله: # أهذا الذي بعث الله رسولا # [الفرقان:41]. وهذه القراءة شبيهة بقوله: # وما عملته أيديهم # [يس:35]. وقد تقدم في يس. وهذه الهاء في هذه السورة رسمت في مصاحف ~~المدينة والشام وحذفت من غيرها. # وقد وقع لأبي عبدالله الفاسي شارح القصيدة وهم فسبق قلمه فكتب والهاء ~~منه محذوفة في مصاحف المدينة والشام ثابتة في غيرهما أراد أن يكتب ثابتة ~~في مصاحف المدينة والشام محذوفة من غيرهما فعكس. وفي مصحف عبد الله: ~~تشتهيه الأنفس وتلذه الأعين بالهاء فيهما. # فصل # روي أن رجلا قال يا رسول الله (هل) في الجنة خيل؟ فإني أحب الخيل ~~فقال: إن يدخلك الله الجنة فلا تشاء أن يركبك فرسا من ياقوتة حمراء ~~فتطير بك في أي الجنة شئت إلا فعلت. فقال أعرابي يا رسول الله: أفي ~~الجنة إبل؟ فإني أحب الإبل فقال يا أعرابي: إن أدخلك الله الجنة ~~أصبت فيها ما اشتهت نفسك ولذت عينك. # قوله (تعالى) { وتلك الجنة التي أورثتموها بما ~~كنتم تعملون } قد تقدم الكلام في معنى وراثة الجنة ms7772 عند قوله: # أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس # [المؤمنون:1011] ولما ذكر الطعام والشراب ذكر الفاكهة فقال: { لكم ~~فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون } جاء في الحديث: # " لا ينزع رجل من الجنة من ثمرة إلا نبتت مكانها ~~مثلاها ". # واعلم أنه تعالى لما بعث محمدا صلى الله عليه وسلم أولا إلى العرب ~~ثم إلى العالمين، وكانت العرب في ضيق شديد بسبب المأكول، والمشروب ~~والفاكهة، فلهذا ذكر الله تعالى هذه المعاني مرة بعد أخرى تكميلا ~~لرغباتهم، وتقوية لدواعيهم. و " من " في قوله: " منها تأكلون " ~~تبعيضية، أو اتبدائية. وقدم الجار لأجل الفاصلة. ### || [43.74-80] # قوله تعالى: { إن المجرمين } أي المشركين { في عذاب ~~جهنم خالدون } لما ذكر الوعد أردفه بالوعيد على الترتيب المستمر ~~في القرآن. واحتج القاضي على القطع بوعيد الفساق بهذه الآية فقال: لفظ ~~المجرم بتناول الكافر والفاسق، فوجب كون الكل في عذاب جهنم. # وقوله: { لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون } و " خالدون ~~" بدل على الخلود. والجواب: إن ما قبل الآية وما بعدها يدل على أن المراد ~~من لفظ المجرم ههنا الكافر. فأما قبل الآية فقوله: يا عبادي لا ~~خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون. الذين ~~آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين. وهذا يدل على أن كل من آمن ~~بآيات الله وكان مسلما، فإنه يدخل تحت قوله: " يا عبادي لا ~~خوف عليكم اليوم " والفاسق من أهل الصلاة آمن بالله وآياته ~~وأسلم فوجب أن يدخل تحت ذلك الوعد، وأن يخرج من هذا الوعيد. لكن وأما بعد ~~الآية فقوله تعالى: { لقد جئناكم بالحق ولكن ~~أكثركم للحق كارهون } والمراد بالحق ههنا إما الإسلام ~~وإما القرآن، والرجل المسلم لا يكره الإسلام ولا القرآن. فثبت أن ما قبل ~~الآية وما بعدها يدل على أن المراد من المجرمين الكفار. والله أعلم. # قوله: { لا يفتر عنهم } جملة حالية وكذلك { وهم فيه ~~مبلسون } وقرأ عبد الله: " وهم فيها " أي في النار لدلالة ~~العذاب عليها. واعلم أنه قد تقدم أن الخلود عبارة عن طول المكث، ولا ~~يفيد الدوام. # وقوله: { لا يفتر عنهم } أي لا يخفف فلا ينقص ms7773 من قولهم: ~~فترت عنه الحمى إذا سكنت ونقص حرها. # وقوله: { وهم فيه مبلسون } والمبلس هو اليائس الساكت سكوت ~~يائس من فرج. عن الضحاك: يعقل المجرم في تابوت من نار، ثم يقفل ~~عليه فيبقى خالدا لا يرى ولا يرى. # قوله: { وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين } ~~العامة على الياء خبرا لكان، و " هم " إما فصل، وإما توكيد، وقرأ عبد ~~الله وأبو زيد النحويان: الظالمون على أنه مبتدأ و " الظالمون " ~~خبره والجملة خبر كان. وهي لغة تميم. # قال أبو زيد: سمعتهم يقرأون: # تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا # [المزمل:20] بالرفع. وقال قيس بن ذريح (الشاعر): # 4418 تحن إلى ليلى وأنت تركتها # وكنت عليها بالملا أنت أقدر # برفع " أقدر " و " أنت " فصل أو توكيد. # قال سيبويه: بلغنا أن رؤبة كان يقول: أظن زيدا هو خير ~~منك يعني بالرفع. # فصل # احتج القاضي بقوله: { وما ظلمناهم ولكن كانوا هم ~~الظالمين } فقال: إن كان خلق فيهم الكفر ليدخلهم النار فما الذي ~~نفاه بقوله: { وما ظلمناهم (ولكن كانواهم الظالمين) }؟ وما الذي نسبه ~~إليهم مما نفاه عنه نفسه؟ أو ليس لو أثبتناه لهم كان لا يزيد عما يقوله ~~القوم؟ فإن قالوا ذلك الفعل لم يقع بقدرة الله عز وجل بل إنما وقع ~~بقدرة الله مع قدرة العبد معا فلم يكن ذلك ظلما من الله تعالى: قلنا: ~~عندكم القدرة على الظلم موجبة للظلم، وخالق تلك القدرة هو الله تعالى، ~~وكأنه تعالى لما فعل مع خلق الكفر قدرة على الكفر خرج من أن يكون ظلما ~~لهم، وذلك محال، لأن من يكون ظالما في فعله إذا فعل معه ما يوجب ذلك ~~الفعل يكون ذلك أحق فيقال للقاضي: قدرة العبد هل هي صالحة للطرفين أو هي ~~متعينة لأحد الطرفين؟ فإن كانت صالحة لكلا الطرفين فالترجيح إن وقع لا ~~لمرجح، لزم نفي الصانع، وإن افتقر إلى مرجح عاد التقسيم الأول، وأن ~~ينتهي إلى داعية مرجحة يخلقها الله تعالى في العبد، وحينئذ يلزمك ما ~~ألزمته علينا. # وأن كانت تلك القدرة متعينة لأحد الطرفين ms7774 فحينئذ يلزمك ما أوردته علينا. ~~قال ابن الخطيب: وليس الرجل من يرى (وجه) الاستدلال فيذكره إنما الرجل ~~من ينظر فيما قبل الكلام وفيما بعده، فإن رآه واردا على مذهبه بعينه ~~لم يذكره. # قوله تعالى: { ونادوا يمالك } العامة من غير ترخيم. وعلي ~~بن أبي طالب، وعبد الله بن وثاب والأعمش يا مال " مرخما ~~" على لغة ينتظر المحذوف. قيل لابن عباس: إن ابن مسعود قرأ " ونادوا ~~يا مال " فقال: ما أشغل أهل النار بالترخيم، وأجيب عنه: بأنه إنما ~~حسن الترخيم لأنهم بلغوا من الضعف والنحافة إلى حيث لا يمكن أن ~~يذكروا من الكلمة إلا بعضها. وقرأ أبو السرار الغنوي: يا مال ~~مبنيا على الضم على لغة من لا ينوي. # فصل # روى ابن عباس (رضي الله عنهما) أن أهل النار يدعون مالكا خازن ~~النار يقولون: { ليقض علينا ربك } ليمتنا ربك فنستريح ~~فيجيئهم مالك بعد ألف سنة " إنكم ماكثون " مقيمون في العذاب وعن ~~عبد الله بن عمرو بن العاص يجيئهم بعد أربعين سنة وعن غيره مائة سنة. # فصل # اختلفوا في أن قولهم: يا مالك ليقضي علينا ربك على أي الوجوه طلبوه؟ ~~فقال بعضهم: على التمني. وقال آخرون: على وجه الاستغاثة، وإلا فهم عالمون ~~بأنه لا خلاص لهم من ذلك العقاب. وقيل: لا يبعد أن يقال: إنهم لشدة ما هم ~~فيه نسوا تلك المسألة تذكرة على وجه الطلب. ثم إنه تعالى بين أن مالكا ~~يقول لهم: " إنكم ماكثون " وليس في القرآن متى أجابهم، هل أجابهم في ~~الحال أو بعد ذلك بمدة؟ ثم إنه تعالى ذكر بعد ذلك ماهو كالعلة لذلك ~~الجواب فقال: { لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم ~~للحق كارهون } والمراد نفرتهم عن محمد صلى الله عليه ~~وسلم وعن القرآن، وشدة بغضهم لقبول الدين الحق. # فإن قيل: كيف قال: " ونادوا يا مالك " بعد ما وصفهم ~~بالإبلاس؟. # فالجواب: أنها أزمنة متطاولة، وأحقاب ممتدة فتختلف بهم الأحوال ~~فيسكنون أوقاتا لغلبة اليأس عليهم ويستغيثون أوقاتا لشدة ما بهم. ~~روي أنه يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم ms7775 فيه من العذاب ~~فيقولون: ادعوا مالكا فيدعون يا مالك ليقضي علينا ربك. # ولما ذكر الله تعالى كيفية عذابهم في الآخرة، ذكر بعده كيفية مكرهم، ~~وفساد باطنهم في الدنيا فقال: { أم أبرموا أمرا } أي أحكموا ~~أمرا في المكر برسول الله صلى الله عليه وسلم يعني مشركي مكة " ~~فإنا مبرمون " محكمون أمرا في مجازاتهم أي مبرمون كيدنا كما ~~أبرموا كيدهم كقوله تعالى: # أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون # [الطور:42]. قال مقاتل: نزلت في تدبيرهم في المكر في دار الندوة وقد ~~تقدم في قوله: # وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك... # [الأنفال:30] الآية. قوله: " أم أبرموا " أم منقطعة. والإبرام ~~الإتقان وأصله في الفتل يقال: أبرم الحيل، أي أتقن فتله ~~وهو الفتل الثاني، والأول يقال له: سحيل قال زهير: # 4419 لعمري لنعم السيدان وجدتما # على كل حال من سحيل ومبرم # قوله تعالى: { أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ~~ونجواهم } السر ما حدث الرجل به نفسه أو غيره في مكان والنجوى ما ~~تكلموا به فيما بينهم " بلى " نسمع ذلك " و " نعلم " رسلنا " أي ~~الحفظة " لديهم يكتبون " أي يكتبون عليهم جميع أحوالهم. ### || [43.81-89] # قوله تعالى: { قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول ~~العابدين }. قوله { إن كان للرحمن } قيل: هي شرطية على ~~بابها، واختلف في تأويله، فقيل: إن صح ذلك فأنا أول من يعبده، لكنه لم ~~يصح ألبتة بالدليل القاطع، وذلك أنه علق العبادة بكينونة الولد، وهي ~~محال في نفسها، فكان المعلق بها محالا مثلها. فهو في صورة إثبات ~~الكينونة والعبادة وفي معنى نفيهما على أبلغ الوجوه وأقواها. ذكره ~~الزمخشري. # وقيل: إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول العابدين أي الموحدين لله، ~~المكذبين لهذا القول. # واعلم أن هذا التأويل فيه نظر، سواء أثبتوا لله ولدا، أو لم يثبتوا ~~له، فالرسول منكر لذلك الولد، فلم يكن لزعمهم تأثير في كون الرسول منكرا ~~لذلك الولد، فلم يصلح جعل زعمهم إثبات الولد مؤثرا في كون الرسول منكرا ~~للولد. وهذا التأويل قاله الواحدي. # وقيل: العابدين بمعنى الأنفين، من عبد يعبد ms7776 إذا اشتد ~~أنفه فهو عبد وعابد، ويؤيده قراءة السلمي واليماني: ~~العبدين دون ألف. وحكى الخليل قراءة غريبة وهي العبدين بسكون الباء ~~وهي تخفيف قراءة السلمي، فأصلها بالكسر. # قال ابن عرفة: يقال: عبد بالكسر يعبد بالفتح فهو عبد. ~~وقل ما يقال:عابد والقرآن لا يجيء على القليل أو الشاذ يعني تخريج من ~~قال: إن العابدين بمعنى الأنفين لا يصح، ثم قال كقول مجاهد. وقال ~~الفرزدق: # 4420 أولئك آبائي فجئني بمثلهم # وأعبد أن أهجو كليبا بدارم # وقال آخر: # 4421 متى ما يشأ ذو الود يصرم خليله # ويعبد عليه لا محالة ظالما # قال ابن الخطيب: وهذا التعليق أيضا فاسد؛ لأن هذه الأنفة سواء حصل ذلك ~~الزعم والاعتقاد أو لم يحصل. # وقال أبو عبيدة: معناه الجاحدين، يقال: عبدني حقي، أي ~~جحدنيه. وقال أبو حاتم: العبد بكسر الباء الشديد الغضب، ~~وهو معنى حسن، أي إن كان له ولد على زعمكم فأنا أول من يغضب لذلك. # وقيل: " إن " نافية؛ أي ما كان ثم أخبر بقوله: { فأنا أول ~~العابدين } أي الموحدين من أهل مكة أن لا ولد له وتكون الفاء سببية. ~~ومنع مكي أن تكون نافية. قال: " لأنه يوهم أنك إنما نفيت عن الله الولد ~~فيما مضى دون ما هو آت، وهذا محال ". ورد عليه بأن " كان " قد تدل على ~~الدوام. كقوله: " وكان الله غفورا رحيما " إلى ما لا يحصى. ~~والصحيح من مذاهب النحاة أنها لا تدل على الانقطاع والقائل بذلك يقول ما ~~لم تكن قرينة كالآيات المذكورة. # وروي عن عبد الله بن عباس (رضي الله عنهما) أن المعنى ما كان للرحمن ~~ولد فأنا أول العابدين الشاهدين له بذلك، جعل " إن " بمعنى الجحد، ~~وقال السدي معناه: ولو كان للرحمن ولد فأنا أو من عبده بذلك ولكن لا ولد ~~له. # وتقدم الخلاف في قراءتي " ولد " و " ولد " في مريم. ثم إن تعالى ~~نزه نفسه فقال: { سبحان رب السماوات والأرض رب ~~العرش عما يصفون } أي عما يقولون من الكذب وذلك أن إله العالم ~~يجب أن يكون واجب الوجود لذاته، وكل ms7777 ما كان كذلك فهو لا يقبل ~~التجزيء بوجه من الوجوه، والولد عبارة أن ينفصل عن الشيء جزء ~~فيتولد عن ذلك الجزء شخص مثله، وهذا إنما يعقل فيما تكون ذاته قابلة ~~للتجزيء والتبعيض، وإذا كان ذلك محالا في حق إله العالم امتنع ~~إثبات الولد. # ولما ذكر هذا البرهان القاطع قال: { فذرهم يخوضوا ~~ويلعبوا } أي يخوضوا في باطلهم، ويلعبوا في دنياهم { حتى ~~يلاقوا يومهم الذي يوعدون } يعنى يوم القيامة. والمقصود ~~منه التهديد، يعني قد ذكرت الحجة على فساد ما ذكروا، فلم يلتفتوا إليها، ~~لأجل استغراقهم في طلب المال والجاة، والرياسة، فاتركهم في ذلك الباطل، ~~واللعب حتى يصلوا إلى ذلك اليوم الموعود. # قوله: " يلاقوا " قراءة العامة من الملاقاة. وابن محيصن ~~ويروى عن ابن عمرو " يلقوا " من " لقي ". قوله (تعالى): { وهو ~~الذي في السمآء إله } " في السماء " متعلق ب " إله " لأنه ~~بمعنى معبود في السماء معبود في الأرض، وحينئذ فيقال: (إن) الصلة لا ~~تكون إلا جملة، أو ما في تقديرها وهو الظرف وعديله. ولا شيء منها هنا. # والجواب: أن المبتدأ حذف لدلالة المعنى عليه، ولأن المحذوف هو العائد، ~~تقديره: وهو الذي هو في السماء إله، وهو في الأرض ~~إله، وإنما حذف لطول الصلة بالمعمول، فإن الجار متعلق " بإله " ~~ومثله: ما أنا بالذي قائل لك سوءا وقال أبو حيان: وحسنه ~~طوله بالعطف عليه كما حسن في قولهم: " قائل لك شيئا " طوله ~~بالمعمول. # قال شهاب الدين: حصوله في الآية، وفيما حكاه سواء، فإن الصلة طالت ~~بالمعمول في كليهما والعطف أمر زائد على ذلك، فهو زيادة في تحسين الحذف. ~~ولا يجوز أن يكون الجار خبرا مقدما و " إله " مبتدأ مؤخرا، لئلا ~~تعرى الجملة من رابط؛ إذ يصير نظير " جاء الذي في الدار ~~زيد " فإن جعلت الجار صلة، وفيه ضمير عائد على الموصول وجلعت " إله ~~" بدلا منه، فقال أبو البقاء: " جاء على ضعفه؛ لأن الغرض الكلي إثبات ~~الإلهية، لا كونه في السموات والأرض فكان يفسد أيضا من وجه آخر، وهو ~~قوله: { وفي الأرض إله }؛ لأنه معطوف على ما ms7778 قبله، وإذا لم ~~يقدر ما ذكرنا صار منقطعا عنه، وكان المعنى أنه في الإرض إله. # انتهى. # وقال أبو علي: نظرت فيما يرتفع به " إله " فوجدت ارتفاعه يصح بأن يكون ~~خبر مبتدأ محذوف، والتقدير هو الذي في السماء هو إله. وقال أبو ~~حيان: ويجوز أن تكون الصلة الجار والمجرور، والمعنى أنه فيهما بإلهيته، ~~وربوبيته؛ إذ يستحيل حمله على الاستقرار، وقرأ عمر، وعلي، ~~وعبد الله في جماعة وهو الذي في السماء الله ضمن العلم أيضا معنى ~~المشتق فيتعلق به الجار ومثله: هو حاتم في طيىء. أي الجواد ~~فيهم. ومثله: فرعون العذاب. # فصل # قال ابن الخطيب: وهذه الآية من أدل الدلائل على أنه تعالى غير مستقر في ~~السماء لأنه تعالى بين في هذه الآية أن نسبته بإلهيته السماء كنسبته إلى ~~الأرض، فلما كان إلها للأرض مع أنه غير مستقر فيها فكذلك وجب أن يكون ~~إلها للسماء مع أنه لا يكون مستقرا فيها. # فإن قيل: أي تعلق لهذا الكلام ينفي الولد عن الله عز وجل؟. # فالجواب: تعلقه به أنه تعالى خالق عيسى عليه الصلاة والسلام ~~بمحض كن فيكون من غير واسطة النطفة والأب فكأنه قيل: إن كان هذا ~~القدر لا يوجب كون عيسى ولدا لله عز وجل؛ لأن هذا المعنى حاصل في ~~تخليق السموات والأرض مع انتفاء حصول الولد به هناك. ثم قال: { وهو ~~الحكيم العليم } الحكيم في تدبير خلقه العليم بمصالحهم. ~~وقد تقدم في سورة الأنعام أن كونه حكيما عليما ينافي حصول الولد له. # قوله: " تبارك " إما أن يكون مشتقا من وجوب البقاء، وإما من كثرة ~~الخير، وعلى التقديرين فكل واحد من الوجهين ينافي كون عيسى عليه الصلاة ~~والسلام واجب البقاء والدوام؛ لأنه حدث بعد أن لم يكن ثم عند ~~النصارى أنه قتل ومات ومن كان كذلك لم يكن بينه وبين الباقي الأزلي ~~الدائم مجانسة ومشابهة فامتنع كونه ولدا له، وإن كان المراد بالبركة ~~كثرة الخيرات مثل كونه خالقا للسموات والأرض وما بينهما فعيسى لم يكن ~~خالقا لهما مع أن اليهود عندهم أخذوه ms7779 وقتلوه وصلبوه، والذي هذا صفته كيف ~~يكون ولدا لمن كان خالقا للسموات والأرض وما بينهما؟ ثم قال: { ~~وعنده علم الساعة } والمقصود منه التنبيه على أن كل من كان ~~كاملا في الذات، والعلم، والقدرة على الوصف المشروح فإنه يمتنع أن يكون ~~ولده في العجز وعدم القدرة عن أحوال العالم بالحد الذي وصفته النصارى به. # قوله: { وإليه ترجعون } قرا الأخوان، وأبن كثير بالياء من ~~تحت، والباقون بالتاء من فوق وهو في كلاهما مبني للمفعول. وقرىء بالخطاب ~~مبنيا للفاعل. # قوله: { ولا يملك الذين يدعون } قرأ العامة يدعون بياء ~~الغيبة، والضمير للموصول. # والسلمي وابن وثاب بتاء الخطاب. والأسود بن يزيد ~~بتشديد الدال، ونقل عنه القراءة مع ذلك بالياء والتاء. # وقوله: { إلا من شهد بالحق } فيه قولان: # أحدهما: أنه متصل، والمعنى إلا من شهد بالحق، كعزيز، ~~والملائكة فإنهم يملكون الشفاعة بتمليك الله إياهم لها وقيل: هو منقطع ~~بمعنى أن هؤلاء لا يشفعون إلا فيمن شهد بالحق أي لكن من شهد بالحق يشفع ~~فيه هؤلاء كذا قدروه. وهذا التقدير يجوز فيه أن يكون الاستثناء متصلا ~~على حذف المفعول تقديره: ولا يملك الذين يدعون من دونه ~~الشفاعة في أحد إلا فيمن شهد. # فصل # ذكر المفسرون قولين في الآية: # أحدهما: أن الذين يدعون من دون الملائكة وعيسى، وعزير، لا يشفعون إلا ~~لمن شهد بالحق. # الثاني: روي أن النضر بن الحارث ونفرا معه قالوا: إن كان ما ~~يقوله محمد حقا فنحن نتولى الملائكة فهم أحق بالشفاعة من محمد، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية، والمعنى لا يقدر هؤلاء أن يشفعوا لأحد. # ثم استثنى فقال: إلا من شهد بالحق أي الملائكة وعيسى وعزير، فإنهم ~~يشفعون. فعلى الأول: تكون " من " في محل جر، وعلى الثاني تكون " من " في ~~محل رفع. والمراد بشهادة الحق قول: لا إله إلا الله كلمة التوحيد " وهم ~~يعلمون " بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم. # قوله تعالى: { ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن ~~الله... } الآية ظن قوم أن هذه الآية وأمثالها في القرآن تدل على أن ~~القوم مضطرون إلى الاعتراف بوجود ms7780 الإله قال الجبائي: وهذا لا يصح لأن ~~قوم فرعون قالوا: لا إله (لهم) غيره. وقوم إبراهيم قالوا: إنا لفي ~~شك مما تدعوننا إليه (مريب). # وأجيب: بأنا لا نسلم أن قوم فرعون كانوا منكرين لوجود الإله، بدليل قوله ~~تعالى: # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا # [النمل:14] وقال موسى عليه الصلاة والسلام : # لقد علمت مآ أنزل هؤلاء إلا رب السماوات ~~والأرض بصآئر # [الإسراء:102] على قراءة من فتح التاء من " علمت " وهذا يدل على أن ~~فرعون كان عارفا بالله. وأما قول قوم إبراهيم (عليه الصلاة والسلام) ~~: # وإنا لفي شك مما تدعونا إليه # [إبراهيم:9] فهو مصورف إلى إثبات القيامة، وإثبات التكليف، وإثبات ~~النبوة. # قوله: { فأنى يؤفكون } أي لم يكذبون على الله فيقولون: إن ~~الله أمرنا بعبادة الأصنام؟. # قوله تعالى: { وقيله يرب إن هؤلاء قوم لا ~~يؤمنون } قراءة حمزة وعاصم بالجر، والباقون بالنصب فأما الجر ~~فعلى وجهين: # أحدهما: أنه عطف على " الساعة " أي عنده علم قيله، أي قول محمد، أو ~~عيسى والقول والقال والقيل بمعنى واحد. جاءت المصادر على هذه ~~الأوزان. # والثاني: أن الواو للقسم، والجواب إما محذوف، تقديره: لتنصرن أو ~~لأفعلن بهم ما أريد وإما مذكور، وهو قوله: إن هؤلاء لا ~~يؤمنون. ذكره الزمخشري. وأما قراءة النصب ففيها ثمانية أوجه: # أحدها: أنه منصوب على محل " الساعة " كأنه قيل: إنه يعلم الساعة ويعلم ~~قيله كذا. # الثاني: أنه معطوف على " سرهم ونجواهم " (أي لا يعلم سرهم) ولا ~~يعلم قيله. # الثالث: عطف على مفعول " يكتبون " المحذوف، أي يكتبون ذلك، ويكتبون ~~قيله كذا أيضا. # الرابع: أنه معطوف على مفعول يعلمون المحذوف، أي يعلمون ذلك (ويعلمون) ~~قيله. # الخامس: أنه مصدر أي قال قيله. # السادس: أن ينتصب بإضمار فعل، أي الله يعلم قيل رسوله. وهو ~~محمد صلى الله عليه وسلم . # السابع: أن ينتصب على محل " بالحق " ، أي شهد بالحق وبقيله. # الثامن: أن ينتصب على حذف القسم، كقوله: " فذاك أمانة الله ~~الثريد ". # وقرأ الأعرج وأبو قلابة، ومجاهد والحسن، بالرفع، وفيه أوجه: الرفع، ~~عطفا على " علم الساعة " ، بتقدير مضاف، أي وعنده علم ms7781 قيله، ثم حذف، ~~وأقيم هذا مقامه. # الثاني: أنه مرفوع بالابتداء، والجملة من قوله: " يا رب " إلى آخره ~~هو الخبر. # الثالث: أنه مبتدأ وخبره محذوف، تقديره: وقيله كيت وكيت مسموع ~~أو متقبل. # الرابع: أنه مبتدأ أو صلة القسم، كقولهم: أيمن الله، ولعمر ~~الله، فيكون خبره محذوفا، والجواب كما تقدم. ذكره الزمخشري أيضا. ~~واختار القراءة بالنصب جماعة. قال النحاس: القراءة البينة بالنصب من ~~جهتين: # أحدهما: أن التفرقة بين المنصوب، وما عطف عليه مغتفرة، بخلافها بين ~~المخفوض وما عطف عليه. # والثانية: تفسير أهل التأويل بمعنى النصب. كأنه يريد ما قال أبو عبيدة ~~قال: إنما هي في التفسير أم يحسبون أنا لا نسمع وسرهم ونجواهم ولا نسمع ~~قيله يا رب. # ولم يرتض الزمخشري من الأوجه المتقدمة شيئا. وإنما اختار أن يكون ~~قسما في القراءات الثلاث. وتقدم تحقيقها. # وقرأ أبو قلابة: يا رب بفتح الباء، على قلب الياء ألفا، ثم ~~حذفهنا مجتزئا عنها بالفتحة كقوله: # 4423.............................. # بلهف ولا بليت................. # والأخفش يطردها. # قال ابن الخطيب بعد أن حكى قول الزمخشري : وأقول: الذي ذكره الزمخشري ~~متكلف أيضا وها هنا إضمار، امتلأ القرآن منه، وهو إضمار اذكر، والتقدير ~~في قراءة النصب: واذكر قيله يا رب، وفي قراءة الجر: واذكر وقت قيله ~~يا رب، وإذا وجب التزام إضمار ما جرت العادة في القرآن بالتزامه، ~~فالتزام إضماره أولى من غيره. وعن ابن عباس (رضي الله عنهما) أنه قال ~~في تفسير قوله: " وقيله يا رب " المراد: وقيل يا رب. الهاء ~~زائدة. # فصل # القيل مصدر، كالقول، ومنه الحديث: # " أنه نهى عن قيل وقال " # وحكى الليث عن العرب تقول: كثر فيه القيل والقال. وروى ~~شمر عن أبي زيد يقال: ما أحسن قيلك، وقولك، ومقالتك، ~~ومقالك. والضمير في " وقيله " لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمعنى يعلم قول محمد صلى الله عليه وسلم شاكيا إلى ربه، يا ~~رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون لما عرف إصرارهم، وهذا قريب مما حكى الله ~~عن نوح عليه الصلاة والسلام أنه قال: # رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ms7782 ماله ~~وولده إلا خسارا # [نوح:21] ثم قال: " فاصفح عنهم " أي أعرض عنهم، " وقل ~~سلام " قال سيبويه: معناه المتاركة كقوله تعالى: # سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين # [القصص:55] ثم قال: " فسوف يعلمون " والمراد به التهديد. # قوله: " فسوف يعلمون " قرأ نافع وابن عامر بتاء الخطاب ~~التفاتا، والباقون بياء الغيبة نظرا لما تقدم. # فصل # قال ابن عباس (رضي الله عنهما ) قوله: { فاصفح عنهم وقل ~~سلام } منسوخ (بآية) السيف. # قال ابن الخطيب: وعندي التزام النسخ في مثل هذه المواضع مشكل؛ لأن الأمر ~~لا يفيد الفعل إلا مرة واحدة فسقطت دلالة اللفظ، فأي حاجة إلى التزام ~~النسخ، وأيضا فاللفظ المطلق قد يقيد بحسب العرف، وإذا كان كذلك، فلا ~~حاجة فيه إلى التزام النسخ. والله أعلم بالصواب. # روى أبو أمامة عن أبي بن كعب (رضي الله عنهم ) قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة الزخرف كان ممن كان يقال له ~~يوم القيامة: { يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا ~~أنتم تحزنون } ادخلوا الجنة بغير حساب " # (انتهى). ### | [44 - سورة الدخان] ### || [44.1-9] # قوله تعالى: { حم والكتاب المبين } فيه احتمالان: # الأول: أن يكون التقدير: هذه حم والكتاب المبين، كقولك: هذا ~~زيد والله. # الثاني: أن يكون التقدير: (و) حم والكتاب المبين إنا ~~أنزلناه؛ فيكون في ذلك تقدير قسمين على شيء واحد. # قوله: " إنا أنزلناه " يجوز أن يكون جواب القسم، وأن يكون ~~اعتراضا، والجواب قوله: { إنا كنا منذرين } واختاره ابن عطية. # وقيل: إنا كنا (منذرين) مستأنف، أو جواب ثان من غير عاطف. # قوله: " يفرق " يجوز أن تكون مستأنفة، وأن تكون صفة لليلة وما ~~بينهما اعتراض. # قال الزمخشري: فإن قلت: { إنا كنا منذرين } " فيها ~~يفرق " ما موقع هاتين الجملتين؟. # قلت: هما جملتان مستأنفتان ملفوفتان، فسر بهما جواب القسم الذي هو: " ~~إنا أنزلناه " كأنه قيل: أنزلناه؛ لأن من شأننا الإنذار ~~والتحذير، وكأن إنزالنا إياه في هذه الليلة خصوصا لأن إنزال القرآن من ~~الأمور الحكيمة، وهذه الليلة يفرق فيها كل أمر حكيم. # وقرأ الحسن، والأعرج والأعمش: يفرق بفتح الياء، وضم الراء ms7783 " ~~كل " بالنصب، أي يفرق الله كل أمر. وزيد بن علي: نفرق ~~بنون العظمة " كل " بالنصب (كذا) نقله الزمخشري. ونقل عنه الأهوازي ~~بفتح الياء وكسر الراء كل بالنصب حكيم بالرفع على أنه فاعل ~~يفرق. وعن الحسن والأعمش أيضا يفرق كالعامة، إلا أنه بالتشديد. # فصل # استدلوا بهذه الآية على حدوث القرآن من وجوه: # الأول: أن قوله حم تقديره: هذه حم يعني هذا شيء مؤلف من هذه الحروف ~~والمؤلف من الحروف المتعاقبة محدث. # الثاني: أنه ثبت أن الحلف لا يصح بهذه الأشياء، بل بإله هذه الأشياء ~~فيكون التقدير: ورب حم ورب الكتاب المبين، وكل ما كان ~~مربوبا فهو محدث. # الثالث: أنه وصفه بكون " كتابا " ، والكتاب مشتق من الكتب، وهو الجمع ~~فمعناه أنه مجموع، والمجموع محل تصرف الغير. وما كان كذلك فهو ~~محدث. # الرابع: قوله: " إنا أنزلناه " والمنزل محل تصرف الغير، وما كان ~~كذلك فهو محدث. قال ابن الخطيب: وقد ذكرنا أن جميع هذه الدلائل تدل على ~~أن الشيء المركب من الحروب المتعاقبة، والأصواب المتوالية محدث والعلم ~~بذلك ضروري بديهي لا نزاع فيه، إنما القديم شيء آخر سوى ما تركب من ~~هذه الحروف والأصوات. # فصل # يجوز أن يكون المراد بالكتاب ههنا الكتب المتقدمة المنزلة على الأنبياء، ~~كما قال: # لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم ~~الكتاب والميزان # [الحديد:25] ويجوز أن يكون المراد به اللوح المحفوظ. قال الله تعالى: # يمحو الله ما يشآء ويثبت وعنده أم الكتاب # [الرعد:39] وقال: # وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم # [الزخرف:4]ويجوز أن يكون المراد به القرآن، وبهذا التقدير فقد أقسم ~~بالقرآن على أنه أنزل في ليلة مباركة وهذا النوع من الكلام يدل على غاية ~~تعظيم القرآن، فقد يقول الرجل إذا أراد تعظيم الرجل (له) إليه حاجة: " ~~أستشفع بك إليك، وأقسم بحقك عليك ". # وجاء في الحديث: # " أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك وبك ~~منك، لا أحصي ثناء عليك ". # قوله: " المبين " هو المشتمل على بيان ما بالناس من حاجة إليه في دينهم ~~ودنياهم فوصفه بكونه مبينا وإذا كانت حقيقة الإبانة لله ms7784 تعالى، لأن ~~الإبانة حصلت به، كقوله تعالى: # إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل # [النمل:76] وقوله: # نحن نقص عليك أحسن القصص # [يوسف:3] وقوله: # أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما ~~كانوا به يشركون # [الروم:35] فوصفه بالتكلم، إذ كان غاية في الإبانة، فكأنه ذو لسان ~~ينطق مبالغة. # فصل # قال قتادة وابن زيد وأكثر المفسرين: المراد بقوله: إنا أنزلناه في ليلة ~~مباركة هي ليلة القدر. وقال عكرمة وطائفة: إنها ليلة البراءة وهي ليلة ~~النصف من شعبان. واحتج الأولون بوجوه: # الأول: قوله تعالى: # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر:1] وقوله: ههنا: { إنآ أنزلناه في ليلة ~~مباركة } فوجب أن تكون هي تلك الليلة المسماة بليلة القدر لئلا ~~يلزم التناقض. # الثاني: قوله تعالى: # شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن # [البقرة:185] فقوله ههنا: { إنآ أنزلناه في ليلة ~~مباركة } [الدخان:3] فيجب أن تكون تلك الليلة المباركة في رمضان ~~فثبت أنها ليلة القدر. # الثالث: قوله تعالى: # تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من ~~كل أمر # [القدر:4] وقال ههنا: { فيها يفرق كل أمر حكيم } وقال ~~ههنا: { رحمة من ربك } وقال في ليلة القدر: # سلام هي # [القدر:5]، وإذا تقاربت الأوصاف وجب القول بأن إحدى الليلتين هي الأخرى. # الرابع: نقل محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن قتادة أنه قال: نزلت ~~صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان والتوراة لست ليال منه والزبور لثنتي ~~عشرة ليلة مضت منه، والإنجيل لثماني عشرة ليلة مضت منه، والقرآن لأربع ~~وعشرين مضت منه، والليلة المباركة هي ليلة القدر. # الخامس: أن ليلة القدر إنما سميت بهذا الاسم لأن قدرها وشرفها عند الله ~~عظيم ومعلوم أنه ليس قدرها وشرفها لسبب نفس الزمان، لأن الزمان شيء واحد ~~في الذات والصفات، فيمتنع كون بعضه أشرف من بعض لذاته فثبت أن شرفه وقدره ~~بسبب أنه حصل فيه أمور شريفة لها قدر عظيم، ومن المعلوم أن منصب الدين ~~أعظم من مناصب الدنيا، وأعظم الأشياء وأشرفها منصبا في الدين هو القرآن؛ ~~لأنه ثبت به نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبه ظهر ms7785 الفرق بين الحق ~~والباطل كما قال تعالى في صفته: " ومهيمنا عليه " وبه ظهرت ~~درجات أرباب السعادات ودركات أرباب الشقاوات فعلى هذا لا شيء إلا والقرآن ~~أعظم قدرا، وأعلى ذكرا, وأعظم منصبا، وحيث أطبقوا على أن ليلة القدر ~~هي التي وقعت في رمضان علمنا أن القرآن إنما أنزل في تلك الليلة. # واحتج الآخرون على أنها ليلة النصف من شعبان بأن لها أربعة أسماء: ~~الليلة المباركة، وليلة البراءة، وليلة الصك، وليلة الرحمة، ولأنها ~~مختصة بخمس خصال: الأولى: قال تعالى: { فيها يفرق كل أمر ~~حكيم } والثانية: فضيلة العبادة فيها، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " من صلى في هذه الليلة أرسل الله تعالى إليه مائة ~~ملك، ثلاثون يبشرونه بالجنة، وثلاثون يؤمنونه من عذاب ~~النار، وثلاثون يدفعون عنه آفات الدنيا وعشرة يدفعون عنه مكايد ~~الشيطان " # الثالثة: نزول الرحمة قال عليه الصلاة والسلام # " إن الله يرحم أمتي في هذه الليلة بعدد شعر ~~أغنام بني كلب " # الرابعة: حصول المغفرة قال عليه الصلاة والسلام: # " إن الله يغفر لجميع المسلمين في تلك الليلة إلا ~~الكاهن، والمشاحن ومدمن الخمر وعاق والديه والمصر على الزنا " # والخامسة: أنه تعالى أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه ~~الليلة تمام الشفاعة وذلك أنه سأل في الليلة الثالثة عشر الشفاعة في ~~أمته فأعطي الثلث منها ثم سأل الليلة الرابعة عشر فأعطي ~~الثلثين ثم سأل ليلة الخامس عشر فأعطي جميع الشفاعة إلا من شرد ~~عن الله شراد البعير، نقله الزمخشري. # فصل # روي أن عطية الحروري سأل ابن عباس (رضي الله عنهم) عن قوله: { ~~إنا أنزلناه في ليلة مباركة } وقوله: # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر:1] كيف يصح ذلك مع أن الله تعالى أنزل القرآن في جميع الأيام؟. # فقال ابن عباس: يا ابن الأسود لو هلكت أنا ووقع في نفسك هذا، ولم تجد ~~جوابه لهلكت، نزل القرآن جملة من اللوح المحفوظ إلى البيت المعمور في ~~السماء الدنيا، ثم نزل بعد ذلك في أنواع الوقائع حالا فحالا. قال قتادة ~~وابن زيد: أنزل الله القرآن ms7786 في ليلة القدر من أم الكتاب إلى السماء ~~الدنيا، ثم نزل به جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم نجوما في ~~عشرين سنة. # قوله: { إنا كنا منذرين } يعني إن الحكمة في إنزال القرآن أن ~~إنذار الخلق لا يتم إلا به. # قوله: " فيها " أي في الليلة المباركة " يفرق " يفصل { كل ~~أمر حكيم } محكم ومعناه ذو الحكمة، وذلك لأن تخصيص الله تعالى كل ~~واحد بحالة معينة من الأجل والرزق والسعادة والشقاوة يدل على حكمة بالغة ~~لله عز وجل، فلما دلت تلك الأقضية على حكمة فاعلها، وصفت بكونها حكمة، ~~وهذا إسناد مجازي لأن الحكيم صفة صاحب الأمر على الحقيقة، ووصف الأمر به ~~مجاز. قال ابن عباس: يكتب في أم الكتاب في ليلة القدر ما هو كائن في ~~السنة من الخير، والشر، والأرزاق، والآجال حتى الحجاج يقال: يحج ~~فلان ويحج فلان. # وقال الحسن ومجاهد وقتادة: يبرم في ليلة القدر في شهر رمضان كل أجل، ~~وعمل، وخلق، ورزق، وما يكون في تلك السنة. وقال عكرمة: هي ليلة النصف من ~~شعبان يقوم فيها أمر السنة، وتنسخ الأحياء من الأموات، فلا يزاد فيهم، ~~ولا ينقص منه أحد. قال عليه الصلاة والسلام : # " تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان حتى إن ~~الرجل لينكح، ويولد له، ولقد أخرج اسمه في ~~الموتى " # وعن ابن عباس (رضي الله عنهما) إن الله يقضي الأقضية في ليلة النصف ~~من شعبان، ويسلمها إلى أربابها في ليلة القدر وروي أن الله تعالى أنزل كل ~~القرآن من اللوح المحفوظ في ليلة البراءة، ووقع الفراغ في ليلة القدر، ~~وتدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل، ونسخة الحروف إلى جبريل، وكذلك ~~الزلازل، والصواعق، والخسف، ونسخة الأعمال إلى إسرافيل صاحب سماء ~~الدنيا، وهو ملك عظيم، ونسخة المصائب إلى ملك الموت. # قوله: " أمرا " فيه اثنا عشر وجها: # أحدها: أن ينتصب حالا من فاعل " أنزلناه ". # الثاني: (أنه) حال من مفعوله أي أنزلناه آمرين، أو مأمورا ~~به. # الثالث: أن يكون مفعولا له وناصبه إما " أنزلناه " وإما " ~~منذرين " وإما " يفرق ". # الرابع: أنه مصدر من معنى يفرق ms7787 أي فرقا. # الخامس: أنه مصدر " لأمرنا " محذوفا. # السادس: أن يكون يفرق بمعنى يأمر. والفرق بين هذا وما تقدم أنك رددت ~~في هذا بالعامل إلى المصدر، وفيما تقدم بالعكس. # السابع: أنه حال من " كل ". حكى أبو علي الفارسي عن (أبي) الحسن أنه ~~حمل قوله: " أمرا " على الحال، وذو الحال " كل أمر حكيم ". # الثامن: أنه حال من " أمر ". وجاز ذلك؛ لأنه وصف؛ إلا أن فيه شيئين: ~~مجيء الحال من المضاف إليه في غير المواضع المذكورة. والثاني: أنها ~~مؤكدة. # التاسع: أنه مصدر لأنزل، أي (إنا) أنزلناه إنزالا، قاله ~~الأخفش. # العاشر: أنه مصدر لكن بتأويل العامل فيه إلى معناه، أي أمرنا به ~~أمرا بسبب الإنزال، كما قالوا ذلك في وجهي: " فيها يفرق " ~~فرقا، أو ينزل إنزالا. # الحادي عشر: أنه منصوب على الاختصاص، قاله الزمخشري. ولا يعني بذلك ~~الاختصاص الاصطلاحي فإنه لا يكون نكرة. # الثاني عشر: أن يكون حالا من الضمير في " حكيم ". # الثالث عشر: أن ينتصب مفعولا به بمنذرين، كقوله: # لينذر بأسا شديدا # [الكهف:2] ويكون المفعول الأول محذوفا أي منذرين الناس أمرا، ~~والحاصل أن انتصابه يرجع إلى أربعة أشياء: المفعول به والمفعول له، ~~والمصدرية، والحالية، وإنما التكثير بحسب المحال. # وقرأ زيد بن علي: أمر بالرفع. قال الزمخشري: وهي تقوي النصب على ~~الاختصاص. # قوله: " من عندنا " يجوز أن يتعلق " بيفرق " أي من جهتنا وهي ~~لابتداء الغاية مجازا. # ويجوز أن تكون صفة لأمرا. # قوله: { إنا كنا مرسلين } جواب ثالث، أو مستأنف، أو بدل من ~~قوله: إنا كنا منذرين. قال ابن الخطيب: أي إنا فعلنا ذلك الإنذار لأجل ~~أنا كنا مرسلين، يعني الأنبياء. # قوله: " رحمة " فيها خمسة أوجه: # الأول: المفعول له والعامل فيه: إما " أنزلناه " ، وإما " أمرا " ، ~~وإما " يفرق " ، وإما " منذرين ". # الثاني: مصدر بفعل مقدرا، أي رحمنا رحمة. # الثالث: مفعول بمرسلين. # الرابع: حال من ضمير " مرسلين " ، أي ذوي رحمة. # الخامس: أنها بدل من " أمرا " فيجيء فيها ما تقدم، وتكثر الأوجه فيها ~~حينئذ. و " من ربك " يتعلق برحمة، أو بمحذوف على أنها صفة. وفي: ~~" من ربك " التفات من ms7788 المتكلم إلى الغيبة ولو جرى على منوال ما ~~تقدم لقال: رحمة منا. # فصل # قال ابن عباس (رضي الله عنهم): معنى رحمة من ربك أي رأفة مني ~~بخلقي، ونعمة عليهم بما بعثت إليهم من الرسل. وقال الزجاج: أنزلناه في ~~ليلة مباركة، { إنه هو السميع العليم } أي إن تلك الرحمة كانت رحمة في ~~الحقيقة؛ لأن المحتاجين إما أن يذكروا حاجاتهم بألسنتهم أول يذكروها فإن ~~ذكروها فهو سميع، وإن لم يذكروها فهو تعالى عالم بها. # قوله تعالى: { رب السماوات والأرض } قرأ الكوفيون بخفض " ~~رب " والباقون برفعه. فالجر على البدل أو البيان، أو النعت، والرفع على ~~إضمار مبتدأ، أو على أنه مبتدأ خبره: { لا إله إلا هو }. # فصل # المقصود من هذه الآية أن المنزل إذا كان موصوفا بهذه الجلالة ~~والكبرياء كان المنزل الذي هو القرآن في غاية الشرف والرفعة. ثم ~~قال: { إن كنتم موقنين } قال أبو مسلم معناه: إن كنتم تطلبونه ~~وتريدونه فاعرفوا أن الأمور كما قلنا؛ كقولهم: فلان منجد ~~منهم، أي يريد نجدا وتهامة. وقال الزمخشري: كانوا يقرون بأن ~~(رب) السموات والأرض رب خالق فقيل لهم: إن إرسالنا الرسل ~~وإنزالنا الكتب رحمة من الرب ثم قال: إن هذا الرب هو السميع ~~العليم الذي أنتم مقرون به، ومعترفون بأنه رب السموات والأرض وما بينهما ~~إن كان إقراركم عن علم ويقين، كما تقول: هذا إنعام زيد الذي ~~تسامع الناس بكرمه إن بلغك حديثه وسمعت بصيته. والمعنى ~~إن كنتم موقنين بقوله. { بل هم في شك يلعبون } ، وأن ~~إقرارهم غير صادر عن علم ويقين ولا عن حد وحقيقة بل قول مخلوط بهزء ~~ولعب. # قوله تعالى: { ربكم ورب آبآئكم } العامة على الرفع، بدلا ~~أو بيانا أو نعتا لرب السموات فيمن رفعه أو على أنه مبتدأ، والخبر: لا ~~إله إلا هو. # أو خبر بعد خبر، لقوله: إنه هو السميع أو خبر مبتدأ مضمر عند الجميع، ~~أعني قراء الجر والرفع، أو فاعل لقوله: " يميت ". وفي " يحيي " ~~ضمير يرجع إلى ما قبله أي يحيي هو أي رب السموات، ويميت هو، فأوقع ms7789 ~~الظاهر موقع المضمر. ويجوز أن يكون " يحيي ويميت " من التنازع يجوز أن ~~ينسب الرفع إلى الأول أو الثاني، نحو: يقوم ويقعد زيد. وهذا ~~عنى أبو البقاء بقوله: على شريطة التفسير. وقرأ ابن محيصن وابن أبي ~~إسحاق وأبو حيوة والحسن بالجر، على البدل أو البيان أو النعت لرب ~~السموات، وهذا يوجب أن يكونوا يقرأون رب السموات بالجر. والأنطاكي بالنصب ~~على المدح. ### || [44.10-16] # قوله تعالى: { فارتقب يوم تأتي السمآء } " يوم " منصوب ~~بارتقب على الظرف، ومفعول الارتقاب محذوف لدلالة ما بعده عليه، وهو قوله: ~~هذا عذاب أليم، أي ارتقب وعيد الله في ذلك اليوم. ويجوز أن يكن " يوم " ~~هو المفعول المرتقب. # فصل # اختلفوا في هذا الدخان، فروى الضحاك عن مسروق قال: بينما رجل يحدث ~~في كندة فقال يجيء دخان يوم القيامة فيأخذ بأسماعهم وأبصارهم ~~ويأخذ المؤمن كهيئة الزكام، ففزعنا فأتينا ابن مسعود، وكان متكئا فعضب ~~فجلس فقال: من علم فليقل ومن لم يعلم فيلقل الله أعلم فإن من العلم أن ~~يقول لما لا يعلم: لا أعلم، فإن الله تعالى قال لنبيه: # قل مآ أسألكم عليه من أجر ومآ أنآ من ~~المتكلفين # [ص:86]. # " وإن قريشا لما استعصت عن الإسلام، فدعا عليهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف، فأخذتهم سنة ~~حتى هلكو فيها، وأكلوا الميتة، والعظام، ويرى الرجل ما بين السماء ~~والأرض كهيئة الدخان، فجاءه أبو سفيان فقال يا محمد: جئت كافرا بصلة ~~الرحم، وإن قومك قد هلكوا، فادع الله فقرأ: { فارتقب يوم ~~تأتي السمآء بدخان مبين } إلى قوله " عابدون " وهذا ~~قول ابن عباس ومقاتل ومجاهد واختيار الفراء والزجاج وهو قول ابن مسعود، ~~وكان ينكر أن يكون الدخان إلا الذي أصابهم من شدة الجوع كالظلمة على ~~أبصارهم حتى كانوا كأنهم يرون دخانا. وذكر ابن قتيبة في تفسير الدخان ~~في هذه الحالة وجهين: # الأول: أن في سنة القحط لعظم يبس الأرض بسبب انقطاع المطر ~~يرتفع الغبار الكثير، ويظلم الهواء وذلك يشبه الدخان، ويقولون: كان ~~بيننا أمر ارتفع له دخان ولهذا ms7790 يقال للسنة المجدبة الغبراء. # الثاني: أن العرب يسمون الشيء الغالب بالدخان، والسبب فيه أن الإنسان ~~إذا اشتد خوفه أو ضعفه أظلمت عيناه، ويرى الدنيا كالمملوءة من الدخان. ~~وقيل: إنه دخان يظهر في العالم وهو إحدى علامات القيامة، وهذا منقول عن ~~علي بن أبي طالب، وعن ابن عباس في المشهور عنه لما روى عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " أول الآيات الدخان، ونزول عيسى ابن مريم، ونار ~~تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر. قال حذيفة: ~~يا رسول الله، وما الدخان؟ فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية ~~به وكان يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوما وليلة، أما المؤمن ~~فيصيبه كالزكمة. وأما الكافر فهو كالسكران يخرج من منخريه، وأذنيه، ~~دبره. ويكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه النار قال عليه الصلاة السلام ~~: " باكروا بالأعمال " # ، وذكر منها طلوع الشمس من مغربها، والدخان والدابة، رواه ~~الحسن. # واحتج الأولون بأن الله تعالى حكى عنهم أنهم يقولون: ربنا اكشف عنا ~~العذاب إنا مؤمنون. فإذا حملناه على القحط الذي وقع في مكة استقام فإنه ~~نقل أن الأمر لما اشتد على أهل مكة مشى إليه أبو سفيان فناشده الله ~~والرحم وواعده إن دعا لهم وأزال الله عنهم تلك البلية أن يؤمنوا به، ~~فلما أزاله الله عنهم رجعوا إلى شركهم، أما إذا حملناه على أن المراد ~~منه ظهور علامة من علامات القيامة لم يصح ذلك؛ لأن عند ظهور علامات ~~القيامة لا يمكنهم أن يقولوا: ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون، ولم يصح ~~أيضا أن يقال لهم: { كاشفو العذاب قليلا إنكم عآئدون ~~}. # فصل # ظاهر الحال أنه دخان يغشى الناس أي يشملهم وهو في محل جر صفة ثانية أي ~~بدخان مبين غاش وقوله: { هذا عذاب أليم } في محل نصب ~~بالقول، وذلك القول حال أي قائلين ذلك. ويجوز أن لا يكون معمولا لقول ~~ألبتة، بل هو مجرد إخبار. قال الجرجاني صاحب النظم: هذا إشارة إليه، ~~وإخبار عن دنوه واقترابه كما يقال: هذا العدو فاستقبله، والغرض منه ms7791 ~~التنبيه على القرب. # قوله: { ربنا اكشف عنا العذاب } إن أضمرنا القول هناك (فالتقدير: يقولون ~~هذا عذاب أليم ربنا اكشف عنا العذاب، وإن لم يضمر القول هناك) أضمرناه ~~ههنا، و " العذاب " على القول الثاني الدخان المهلك " إنا مؤمنون " أي ~~بمحمد وبالقرآن والمراد منه الوعد بالإيمان إن كشف عنهم العذاب. # قوله: { أنى لهم الذكرى } يجوز أن يكون " إنى " خبرا ~~لذكرى، و " لهم " تبيين، ويجوز أن يكون " أنى " منصوبا على الظرف ~~بالاستقرار في لهم، فإن " لهم " وقع خبرا لذكرى. # قوله: " وقد جاءهم " حال من " لهم " والمعنى كيف يتعظون أي من ~~أين لهم التذكرة والاتعاظ وقد جاءهم ما هو أعظم وأدخل في وجوب الطاعة، ~~وهو " رسول مبين " ظاهر الصدق يعني محمدا صلى الله عليه وسلم وما ~~ظهر عليه من المعجزات، { ثم تولوا عنه } أعرضوا عنه، ولم ~~يلتفتوا إليه { وقالوا معلم مجنون } وذلك أن كفار مكة منهم ~~من كان يقول: إن محمدا يتعلم هذه الكلمات من بعض الناس، ولقولهم: # إنما يعلمه بشر # [النحل:103] وقوله: # وأعانه عليه قوم ءاخرون # [الفرقان:4] ومنهم من كان يقول: إنه مجنون، والجن يلقون عليه هذه ~~الكلمات حال ما يعرض له الغشي. وقرأ زيد بن علي معلم بكسر اللام قوله: ~~{ إنا كاشفوا العذاب قليلا } أي عذاب الجوع: " قليلا " نعت لزمان، أو ~~المصدر محذوف أي كشفوا قليلا، أو زمانا قليلا، يعني يسيرا " إنكم ~~عائدون " أي كما نكشف العذاب عنكم تعودون في الحال إلى ما كنتم عليه من ~~الشرك. # قوله: " يوم نبطش " قيل: هو بدل من " يوم تأتي ". وقيل: منصوب ~~بإضمار اذكر. وقيل: ب " منتقمون ". وقيل: بما دل عليه: " منتقمون ~~" وهو ينتقم. ورد هذان بأن ما بعد " لا " لا يعمل فيما قبلها، ولأنه ~~لا يفسر إلا ما يصح أن يعمل. وقرأ العامة بفتح نون " نبطش " وكسر ~~الطاء أي نبطش بهم. وقرأ الحسن, وأبو جعفر بضم الطاء وهي لغة في ~~مضارع " بطش ". والحسن أيضا، وأبو رجاء وطلحة بضم النون وكسر الطاء. ~~وهو منقول من " أبطش " أي نبطش بهم الملائكة والبطشة على هذا ~~يجوز أن تكون ms7792 منصوبة بنبطش على حذف الزائد: نحو: # أنبتكم من الأرض نباتا # [نوح:17] وأن تنتصب بفعل مقدر أي نبطش بهم الملائكة، فيبطشون ~~البطشة. والبطش الأخذ بالشدة وأكثر ما يكون يوقع الضرب المتتابع ثم ~~صار بحيث يشتمل في اتصال الآلام المتتابعة. # فصل # في المراد بهذا اليوم قولان: # الأول: أنه يوم بدر، وهو قول ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، ومقاتل، ~~وأبي العالية (وذلك) أن كفار مكة لما أزال الله تعالى عنهم القحط والجوع ~~عادوا إلى التكذيب، فانتقم الله منهم يوم بدر. # الثاني: أنه يوم القيامة. قال ابن الخطيب: وهذا القول أصح؛ لأن يوم بدر، ~~لا يبلغ هذا المبلغ الذي يوصف بهذا الوصف العظيم، ولأن الانتقام التام ~~إنما يحصل يوم القيامة، لقوله تعالى: # اليوم تجزى كل نفس بما كسبت # [غافر:17]. ### || [44.17-33] # قوله تعالى: { ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون... } لما ~~بين أن كفار مكة يصرون على كفرهم بين أن كثيرا من المتقدمين أيضا ~~كانوا كذلك، وبين حصول هذه الصفة في أكثر قوم فرعون. # قوله: " ولقد فتنا " بالتشديد على المبالغة، أو التكثير لكثرة ~~متعلقه. " وجاءهم رسول " يحتمل الاستئناف والحال. # فصل # قال ابن عباس (رضي الله عنهما) : ابتلينا. وقال الزجاج: بلونا ~~والمعنى: عاملناهم معاملة المختبر ببعث الرسول إليهم { وجآءهم ~~رسول كريم } أي موسى بن عمران. قال الكلبي: كريم على ربه بمعنى أنه ~~استحق على ربه أنواعا كثيرة من الإكرام. # قوله تعالى: { أن أدوا إلي عباد الله } يجوز أن تكون ~~المفسرة، لتقدم ما هو بمعنى القول، وأن تكون المخففة، ومعناه: وجاءهم ~~بأن الشأن والحديث: أدوا إلي عباد الله، وأن تكون الناصبة ~~للمضارع وهي توصل بالأمر وفي جعلها مخففة إشكال تقدم، وهو أن الخبر في ~~هذا الباب لا يقع طلبا وعلى جعلها مصدرية تكون على حذف حرف الجر، أي ~~جاءهم بأن أدوا و " عباد الله " يحتمل أن يكون مفعولا به وبذلك ~~أنه طلب منهم أن يؤدوا إليه بني إسرائيل، بدليل قوله: # فأرسل معي بني إسرائيل # [الأعراف:105] وأن يكون منادى، والمفعول محذوف أي أعطوني الطاعة يا ~~عباد الله. وعلل بأنه رسول ms7793 أمين قد ائتمنه اله على وحيه ورسالته. # قوله: " وأن لا تعلوا " عطلف على " أن " الأولى، والمعنى لا تتكبروا ~~على الله بإهانة وحيه ورسوله { إني آتيكم بسلطان مبين ~~} بحجة بينة يعرف بصحتها كل عاقل. # والعامة على كسر الهمزة من قوله " إني آتيكم " على الاستئناف. ~~وقرىء بالفتح على تقدير اللام أي وأن لا تعلوا لأني آتيكم. # قوله: { وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون } وقوله: ~~" إني عذت " مستأنف. وأدغم الذال في التاء أبو عمرو والأخوان. ~~وقد مضى توجيهه في " طه " عند قوله: " فنبذتها ". # فصل # قيل: إنه لما قال: { وأن لا تعلوا على الله... } توعدوه ~~بالقتل، فقال: وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون أي تقتلوني، وقال ابن عباس ~~ رضي الله عنهما أن ترجموني بالقول وهم الشتم وتقولوا: هو ساحر. وقال ~~قتادة: " ترجموني بالحجارة ". وإن لم تؤمنوا لي أي تصدقوني ولم ~~تؤمنوا بالله، لأجل ما آتيتكم به من الحجة، فاللام في " لي " لام الأجل ~~" فاعتزلون " أي اتركوني، لا معي، ولا علي. وقال ابن عباس ~~(رضي الله عنهما): فاعتزلوا أذاي باليد واللسان. # قوه: " فدعا ربه " الفاء في " فدعا " تدل على أنه متصل بمحذوف ~~قبله، وتأويله أنهم كفروا ولم يؤمنوا فدعا موسى ربه بأن هؤلاء قوم ~~مجرمون. # فإن قيل: الكفر أعظم حالا من الجرم فما السبب في أن جعل الكفار مجرمين ~~حال ما أراد المبالغة في ذمهم؟. # فالجواب: أن الكافر قد يكون عدلا في دينه (وقد يكون فاسقا في دينه) ~~والفاسق في دينه أخس الناس. # قوله: " أن هؤلاء " العامة على الفتح، بإضمار حرف الجر، أي ~~دعاه بأن هؤلاء. وابن أبي أسحاق وعيسى، والحسن، بالكسر، على إضمار ~~القول عند البصريين وعلى إجراء " دعى " مجرى القول عند الكوفيين. # قوله: " فأسر بعبادي " قد تقدم قراءتا الوصل والقطع. وقال ~~الزمخشري فيه وجهان: إضمار القول بعد الفاء. أي فقال: أسر بعبادي، ~~أو جواب شرط مقدر كأنه قال: إن الأمر كما تقول فأسر بعبادي. قال ~~أبو حيان: كثيرا ما يدعي حذف الشرط، ولا يجوز إلا لدليل واضح كأن يتقدمه ~~الأمر وما أشبهه. # فصل ms7794 # يقال: سرى، وأسرى لغتان، لما قال موسى: إن هؤلاء قوم ~~مجرمون أجاب الله تعالى دعاءه وأمره أن يسري فقال: " فأسر ~~بعبادي " أي بني إسرائيل { ليلا إنكم متبعون } أي ~~يتبعكم فرعون وقومه وذلك بسبب هلاكهم. # قوله: { واترك البحر رهوا } يجوز أن يكون " رهوا " مفعولا ~~ثانيا، على أن ترك بمعنى صير وأن يكون حالا على أنها ليست بمعناها. ~~والرهو: قيل: السكون، فالمعنى اتركه ساكنا، يقال رها، يرهو، ~~رهوا، ومنه: جاءت الخيل رهوا. قال النابغة: # 4424 والخيل تمرح رهوا في أعنتها # كالطير ينجو من الشؤبوب ذي البرد # ورها يرهو في سيره أي رفق، قال القطامي: # 4425 يمشين رهوا فلا الأعجاز خازلة # ولا الصدور على الأعجاز تتكل # وعن أبي عبيدة: رهوا أي اتركه منفتحا فرجا على ما تركته. # روي أنه لما انفلق البحر لموسى، وطلع منه خاف أن يتبعه فرعون فأراد أن ~~يضربه ليعود حتى لا يلحقوه، فأمر أن يتركه فرجا. وأصله من قولهم: رها ~~الرجل يرهو رهوا فتح ما بين رجليه (قال مقاتل: اترك البحر ~~رهوا أي راهيا يعني ساكنا. فأصل الرهو السكون، فسمي بالمصدر أي ذا ~~رهو. وقال كعب: اترك طريقا يابسا). والرهو والرهوة المكان ~~المرتفع أو المنخفض يجتمع فيه الماء فهو من الأضداد. والرهوة المرأة ~~الواسعة الهن. والرهو طائر يقال له الكركي. # وقد تقدم الكلام في الشعراء على نظير: { كم تركوا من جنات }. # قوله: " ومقام " العامة على فتح الميم، وهو اسم مكان القيام. وابن ~~هرمز، وقتادة، وابن السمقيع ونافع في رواية خارجة: بضمها اسم مكان ~~الإقامة. # والنعمة بالفتح نضارة العيش ولذاذته. (قال الزمخشري: ~~النعمة بالفتح من التنعم، والنعمة بالكسر الإنعام. وقيل: النعمة ~~بالفتح هي المال والزينة كهذه الآية، ومثله: # وذرني والمكذبين أولي النعمة # [المزمل:11]. وقوله # ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضرآء مسته ~~ليقولن هذا لي # [فصلت:50] أي مالا بعد فقر). والجمهور على جرها. ونصبها أبو رجاء ~~عطفا على " كم " أي تركوا كثيرا من كذا، وتركوا نعمة. # قوله: " فاكهين " العامة على الألف أي طيبي الأنفس، أو أصحاب ~~فاكهة كلابن وتامر وقيل: ms7795 فاكهين: لاهين. وقرأ الحسن وأبو رجاء: ~~فكهين، أي مستخفين مستهزئين بنعمة الله. # قال الجوهري: يقال: فكه الرجل بالكسر فهو فكه، إذا كان ~~مزاحا. والفكه أيضا الأشر البطر. # قوله: " كذلك " يجوز أن تكون الكاف مرفوعة المحل, خبرا لمبتدأ مضمر، ~~أي الأمر كذلك. وإليه نحا الزجاج، ويجوز أن تكون منصوبة المحل، فقدرها ~~الحوفي أهلكنا إهلاكا، وانتقمنا انتقاما كذلك. # وقال الكلبي: كذلك أفعل بمن عصا. وقيل: تقديره: يفعل فعلا ~~كذلك. # وقال أبو البقاء: تركا كذلك، فجعله نعتا للترك المحذوف، وعلى هذه ~~الأوجه كلها يوقف على " كذلك " ، ويبتدأ: " وأورثناها " (قوما ~~آخرين). (وقال الزمخشري: الكاف منصوبة على معنى مثل ذلك الإخراج ~~أخرجناهم منها، وأورثنا قوما آخرين)، ليسوا منها يعني بني إسرائيل، ~~فعلى هذا يكون: " وأورثناها " معطوفا على تلك الجملة الناصبة ~~للكاف فلا يجوز الوقف على " كذلك " حينئذ. # قوله: { فما بكت عليهم السمآء } يجوز أن يكون استعارة، ~~كقول الفرزدق: # 4426 والشمس طالعة ليست بكاسفة # تبكي عليك نجوم الليل والقمرا # وقال جرير: # 4427 لما أتى خبر الزبير تواضعت # سور المدينة والجبال الخشع # وقال النابغة: # 4428 بكى حارث الجولان من فقد ربه # وحوران منه خاشع متضائل # فصل # روى أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من عبد إلا وله في السماء بابان، باب يخرج ~~منه رزقه، وباب يدخل منه عمله. فإذا مات ~~وفقداه بكيا عليه " # ، وتلا هذه الآية، وذلك لأنهم لم يكونوا يعملون على الأرض عملا ~~صالحا فتبكي عليه، ولم يكن يصعد لهم إلى السماء كلام طيب، ولا عمل صالح ~~فتبكي عليهم. وقيل: التقدير: فما بكت عليهم أهل السماء والأرض، فحذف ~~المضاف والمعنى: فما بكت عليه الملائكة، ولا المؤمنون بل كانوا لهلاكهم ~~مسرورين. # وقيل: إن العادة جرت بأن يقولوا في هلاك الرجل العظيم الشأن إنه أظلمت ~~له الدنيا، وكسفت الشمس والقمر لأجله، وبكت السماء والريح والأرض. ~~يريدون المبالغة في تعظيم تلك المصيبة لا نفس هذا الكتاب. وقال ~~الزمخشري: ذكر هذا على سبيل السخرية بهم يعني أنهم كانوا يستعظمون أنفسهم ~~ويعتقدون أنهم ms7796 لو ماتوا لبكت عليهم السماء والأرض، ولم يكونوا بهذا ~~الحد، بل كانوا دون ذلك، فذكر هذا تهكما بهم. # وقال عطاء: بكاء السماء حمرة أطرافها. وقال السدي: لما قتل الحسين ~~بن علي رضي الله عنهما بكت عليه السماء وبكاؤها حمرتها { وما ~~كانوا منظرين } أي لما جاء وقت هلاكهم لم ينظروا إلى وقت آخر ~~لتوبة وتدارك تقصير. # قوله تعالى: { ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب ~~المهين } وهو قتل الأبناء واستحياء النساء والتعب في العمل. واعلم أن ~~رفع الضرر مقدم على إيصال النفع، فبدأ تعالى ببيان رفع الضرر عنهم فقال: ~~{ ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين ~~}. # قوله: " من فرعون " فيه وجهان: # أحدهما: أنه بدل من " العذاب " ، إما على حذف مضاف، أي من عذاب ~~فرعون، وإما على المبالغة جعل نفس العذاب، فأبدله منه. # والثاني: أنه حال من العذاب تقديره: صادرا من فرعون. وقرأ عبد ~~الله: من عذاب المهين، وهي من إضافة الموصوف لصفته، إذ الأصل: ~~العذاب المهين كالقراءة المشهورة. وقرأ ابن عباس (رضي الله عنهما) ~~من فرعون؟ بفتح الميم " من " ورفع فرعون على الابتداء والخبر، ~~وهو استفهام تحقير، كقولك: من أنت وزيدا؟ ثم بين حالة بالجملة ~~بعد قوله: { إنه كان عاليا من المسرفين }. والتقدير: ~~هل تعرفون من هو في عتوه وشيطنته؟ ثم عرف حاله بقوله: { إنه ~~كان عاليا من المسرفين } أي كان عالي الدرجة في طبقة ~~المسرفين، ويجوز أن يكون المراد إنه كان عاليا كقوله: # إن فرعون علا في الأرض # [القصص:4] وكان أيضا مسرفا ومن إسرافه أنه كان على حقارته وخسته ~~ادعى الإلهية. ولما بين الله تعالى (أنه) كيف دفع عن بني إسرائيل ~~الضرر، بين أنه كيف أوصل إليهم الخيرات فقال: { ولقد اخترناهم ~~على علم على العالمين } والمراد اخترنا مؤمني بني إسرائيل ~~على عالمي زمانهم. # قوله: " على علم " متعلقة بمحذوف، لأنها حال من الفاعل في " اخترناهم " ~~و " على العالمين " ، متعلقة باخترناهم. وفي عبارة أبي حيان: أنه لما ~~اختلف مدلولهما جاز تعلقهما باخترنا، وأنشد على ذلك (الشاعر) (رحمة ~~الله عليه): # 4429 ويوما على ظهر ms7797 الكثيب تعذرت # علي وآلت حلفة لم تحلل # ثم قال: ف " على علم " حال إما من الفاعل، أو من المفعول، و " على ظهر ~~" حال من الفاعل في " تعذرت " والعامل في الحال هو العامل في صاحبها. ~~(وفيه نظر، لأن قوله أولا: ولذلك تعلقا بفعل واحد لما اختلف المدلول ~~ينافي جعل الأولى حالا، لأنها لم تتعلق به، وقوله: والعامل في الحال هو ~~العامل في صاحبها) لا ينفع في ذلك. # فصل # قيل: هذه الآية تدل على كونهم أفضل من كل العالمين. وأجيب: بأن ~~المراد على عالمي زمانهم وقيل: هذا عام دخله التخصيص. كقوله: # كنتم خير أمة أخرجت للناس # [آل عمران:110]. # قوله: { وآتيناهم من الآيات } مثل فلق البحر، وتظليل ~~الغمام وإنزال المن والسلوى، والنعم التي أنعمها عليهم. وقال ابن ~~زيد: ابتلاهم بالرخاء والشدة، وقرأ: # ونبلوكم بالشر والخير فتنة # [الأنبياء:35]؛ لأنه تعالى كما يبلو بالمحنة فقد يبلو أيضا بالنعمة، ~~ليتميز به الصديق على الزنديق. وههنا آخر الكلام على قصة موسى عليه ~~الصلا ة والسلام. ### || [44.34-39] # قوله: { إن هؤلاء ليقولون } يعني مشركي مكة، ليقولون: { ~~إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين } ~~بمبعوثين بعد موتنا. واعلم أنه رجع إلى ذكر كفار مكة؛ لأن الكلام كان ~~فيهم حيث قال: # بل هم في شك يلعبون # [الدخان:9] أي بل هم في شك من البعث والقيامة. ثم بين كيفية إصرارهم على ~~كفرهم ثم بين أن قوم فرعون كانوا في الإصرار على الكفر مثلهم، وبين كيف ~~أهلكهم وكيف أنعم على بني إسرائيل ثم رجع إلى كفار مكة وإنكارهم للبعث ~~فقال: { إن هؤلاء ليقولون: إن هي إلا موتتنا ~~الأولى }. # فإن قيل: القوم كانوا ينكرون الحياة الثانية، فكان من حقهم أن يقولوا: ~~إن هي إلا حياتنا الأولى وما نحن بمنشرين. # فالجواب: قال الزمخشري: إنه قيل لهم: إنكم تموتون موتة يعقبها ~~حياة كما أنكم حال كونكم نطفا كنتم أمواتا وقد يعقبها حياة، كقوله: # وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم ~~يحييكم # [البقرة:28] فقالوا: إن هي إلا موتتنا الأولى يريدون: ما ~~الموتة التي من شأنها أن تعقبها ms7798 حياة إلا الموتة الأولى خاصة، ولا فرق ~~إذن بين هذا الكلام وبين قوله: " إن هي إلا حياتنا الأولى ". قال ~~ابن الخطيب: ويمكن وجه آخر وهو أن قوله: إن هي إلا موتننا الأولى، يعنى ~~أنه لا يأتينا من الأحوال الشديدة إلا الموتة الأولى وهذا الكلام (لا) ~~يدل على أنهم لا يأتيهم الحياة الثانية ألبتة، ثم صرحوا بهذا المرموز ~~فقالوا: { وما نحن بمنشرين }. ولا حاجة إلى التكليف الذي ذكره ~~الزمخشري. ثم إن الكفار احتجوا على نفي الحشر، والنشر بأن قالوا: إن ~~كان البعث والنشر ممكنا معقولا فعجلوا لنا إحياء من مات من آبائنا إن ~~كنتم صادقين في دعوى النبوة والبعث في القيامة. قيل: طلبوا من الرسول ~~صلى الله عليه وسلم أن يدعوا الله حتى ينشر قصي بن كلاب، ~~ليشاوروه في صحة نبوة محمد وفي صحة البعث. ولما حكى الله تعالى عنهم ذلك ~~قال: { أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم ~~أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين } وهذا استفهام على سبيل ~~الإنكار قال أبو عبيدة: (ملوك اليمن) كل واحد منهم يسمى تبعا؛ لأن ~~أهل المدينة كانوا يتبعونه، وموضع ( " تبع " ) في الجاهلية موضع الخليفة ~~في الإسلام وهم الأعاظم من ملوك العرب قالت عائشة رضي الله عنها ~~كان تبع رجلا صالحا. وقال كعب: ذم الله ولم يذمه ~~وقال الكلبي: هو أو كرب (أبو) أسعد. وعن النبي صلى الله عليه وسلم : # " لا تسبوا تبعا فإنه كان قد أسلم " # وعنه صلى الله عليه وسلم : # " ما أدري أكان تبع نبيا أم غير نبي " # وقال قتادة: هو تبع الحميري، وكان سار بالجيوش حتى حير الحيرة ~~وبنى سمرقند، وكان من ملوك اليمن يسمى تبعا لكثرة أتباعه، كل واحد ~~منهم يسمى تبعا، لأن يتبع صاحبه، وكان هذا يعبد النار، فأسلم ودعا قومه ~~إلى الإسلام، وهم حمير. فكذبوه. (قال ابن إسحاق: وكان اسمه بيان أسعد ~~أبو كرب وقصته مسرودة؛ لأنه كان يعبد الأوثان، وأنه أسلم على يد ~~حبرين عالمين، وأنه أتى البيت الحرام فطاف به، ونحر عنده، وحلق ~~رأسه، وأقام بمكة ستة أيام ms7799 ينحر بها للناس ويطعم أهلها ويسقيهم ~~العسل، وأري في المنام أن يكسو البيت، فكساه الخصف، ثم أري أن ~~يكسوه أحسن من ذلك فكساه المعافري، ثم أري أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه ~~الملا والوصائل. وكان تبع أول من كسا البيت وأوصى به ولاته من خزاعة ~~فأمرهم بتطهيره، وأن يقربوه دما ولا ميتة، ولا ميلاثا، وهي ~~المحايض وجعل له بابا ومفتاحا، وقصته مع الحبرين مشهورة وأيضا ~~وأنه رجع إلى اليمن وتبع الحبرين على دينهما ولذلك كان أصل دين ~~الهيودية باليمن). # فإن قيل: ما معنى قوله: { أهم خير أم قوم تبع } مع أنه ~~لا خير في الفريقين؟. # فالجواب: أن معناه أهم خير في القوة والشوكة كقوله تعالى: # أكفاركم خير من أولئكم # [القمر:43] بعد ذكر آل فرعون. # قوله: { والذين من قبلهم } يجوز فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون معطوفا على قوم " تبع ". # الثاني: أن يكون مبتدأ، وخبره ما بعده من: " أهلكناهم " وأما على ~~الأول: " فأهلكناهم " إما مستأنف وإما حال من الضمير المستكن ~~في الصلة. # الثالث: أن يكون منصوبا بفعل مقدر يفسره " أهلكناهم " ولا محل ~~ل " أهلكناهم " حينئذ. # قوله تعالى: { وما خلقنا السماوات والأرض وما ~~بينهما لاعبين } لما أنكر على كفار مكة قولهم ووبخهم بأنهم أضعف ~~ممن كان قبلهم ذكر الدليل القاطع على صحة القول بالبعث والقيامة، فقال: { ~~وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين } أي لو لم يحصل البعث لكان ~~هذا الخلق لعبا وعبثا وقد تقدم تقدير هذا الدليل في أول سورة يونس، وفي ~~آخر سورة المؤمنين عند قوله: # أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا # [المؤمنون:115] وفي " ص " عند قوله: # وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما باطلا # [ص:27] وتقدم أيضا استدلال المعتزلة بنظير هذه الآية على أنه تعالى لا ~~يخلق الكفر والشرك ولا يريدهما وتقدم جوابهما. # قوله: " لاعبين " حال. وقرأ عمرو بن عبيد: وما ~~بينهن، لأن السموات والأرض جمع. والعامة: " بينهما " باعتبار ~~النوعين. # قوله " إلا بالحق " حال إما من الفاعل وهو الظاهر وإما من المفعول ~~أي إلا محقين أو ملتبسين بالحق ثم قال: { ولكن ~~أكثرهم ms7800 لا يعلمون } (يعني أهل مكة). ### || [44.40-42] # قوله: { إن يوم الفصل ميقاتهم } العامة على رفع ميقاتهم ~~خبرا ل " إن ". وقرىء بنصبه على أنه اسم إن، و " يوم الفصل " ~~خبره. وأجمعوا على تأكيد الضمير المجرور. # (فصل # لما ذكر الدليل على إثبات البعث والقيامة ذكر عقيبه يوم الفصل قال ~~الحسن: سمي بذلك لأن الله تعالى يفصل فيه بين أهل الجنة، وأهل النار. ~~وقيل: إن الله يفصل فيه بين العباد في الحكم والقضاء. وقيل: يفصل بين ~~المؤمن وبين ما يكره, ويفصل بين الكافر وبين ما يريد. وقيل: يظهر حال كل ~~أحد كما هو فلا يبقى إلا الحقائق والبينات، ثم وصف ذلك اليوم فقال: ~~" يوم لا يغني " يجوز أن يكون بدلا من " يوم الفصل " أو ~~بيانا عند من لا يشترط المطابقة تعريفا وتنكيرا. أو أن يكون منصوبا ~~بإضمار أعني، وأن يكون صفة لميقاتهم ولكنه بني. قاله أبو البقاء. وهذا لا ~~يتأتى عنه البصريين لإضافته إلى معرب، وقد تقدم آخر المائدة، وأن ينتصب ~~بفعل يدل عليه " يوم الفصل " أي يفصل بينهم يوم لا يغني، ولا يجوز ~~أن ينتصب ب " الفصل " نفسه لما يلزم من الفصل بينهما بأجنبي وهو ~~" ميقاتهم " والفصل مصدر لا يجوز فيه ذلك. # وقال أبو البقاء: لأنه قد أخبر عنه، وفيه تجوز، فإن الإخبار عما ~~أضيف إلى الفصل لا عن الفصل). # قوله: { مولى عن مولى شيئا } لا ينفع قريب قريبه، ولا ~~يدفع عنه { ولا هم ينصرون } أي ليس لهم ناصر يمنعهم من عذاب ~~الله. واعلم أن القريب إما في الدين أو في النسب أو المعتق وكل هؤلاء ~~يسمون بالمولى فلما لم تحصل النصرة لهم فبأن لا تحصل ممن سواهم ~~أولى. ونظير هذه الآية قوله تعالى: # واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا # [البقرة:123] إلى قوله { ولا هم ينصرون } قال الواحدي: المراد ~~بقوله: مولى عن مولى الكفار، لأنه ذكر بعده المؤمن فقال: { إلا من ~~رحم الله } قال ابن عباس (رضي الله عنهما) يريد المؤمن فإنه ~~يشفع له الأنبياء والملائكة. # قوله: " ولا هم " جمع الضمير ms7801 عائدا به على " مولى " ، وإن كان ~~مفردا؛ لأنه قصد معناه، فجمع وهو نكرة في سياق النفي تعم. # قوله: { إلا من رحم الله } يجوز فيه أربعة أوجه: # أحدها: وهو قول الكسائي أنه منقطع. # الثاني: أنه متصل تقديره: لا يغني قريب عن قريب، إلا المؤمنين فإنهم ~~يؤذن لهم في الشفاعة فيشفعون في بعضهم كما تقدم عن ابن عباس. # الثالث: أن يكون مرفوعا على البديلة من " مولى " الأول، ويكون " ~~يغني " بمعنى ينفع قاله الحوفي. # الرابع: أنه مرفوع المحل أيضا على البدل من واو " ينصرون " أي لا ~~يمنع من العذاب إلا من رحمه الله. ### || [44.43-50] # قوله تعالى: { إن شجرة الزقوم طعام الأثيم } لما وصف ~~اليوم ذكر بعده وعيد الكفار. قال الزمخشري في " شجرة " ثلاث لغات، كسر ~~الشين، وضمها، وفتحها. وتقدم اشتقاق لفظ " الزقوم " في سورة ~~الصافات، و " الأثيم " صفة مبالغة ويقال: الأثوم كالصبور ~~والشكور. و " الأثيم " أي ذي الإثم. # قال المفسرون: هو أبو جهل. قالت المعتزلة: هذه الآية تدل على حصول هذا ~~الوعيد للأثيم، وهو الذي صدر عنه الإثم، فيكون حاصلا للفساق. # والجواب: أن اللفظ المفرد الذي دخل تحته حرف التعريف الأصل فيه أن ~~ينصرف إلى المذكور السابق، ولا يفيد العموم، والمذكور السابق هنا هو ~~الكفار فينصرف إليه. # فصل # مذهب أبي حنيفة (رضي الله عنه) أن قراءة القرآن بالمعنى جائز واحتج ~~عليه بأنه نقل عن ابن مسعود (رضي الله عنه) أنه يقرىء رجلا هذه ~~الآية فكان يقول: طعام اليثيم فقال: طعام الفاجر. وهذا ~~الدليل في غاية الضعف على ما بين في الفقه. # قوله: " كالمهل " يجوز أن يكون خبرا ثانيا، وأن يكون خبر مبتدأ ~~مضمر، أي هو كالمهل. ولا يجوز أن يكون حالا من: " طعام الأثيم ~~". قال أبو البقاء: لأنه لا عامل إذن. وفيه نظر؛ لأنه يجوز أن يكون ~~حالا والعامل في معنى التشبيه، كقولك: زيد أخوك شجاعا. # والمهل قيل: دردي الزيت. وقيل: عكر القطران. وقيل: ما أذيب من ~~ذهب أو فضة. وقيل: ما أذيب منهما ومن كل ما في معناهما من ~~المنطبعات كالحديد والنحاس ms7802 والرصاص. والمهل بالفتح ~~التؤدة والرفق، ومنه: # فمهل الكافرين أمهلهم رويدا # [الطارق:17]. وقرأ الحسن: كالمهل بفتح الميم فقط وهي لغة في ~~المهل بالضم. وتقدم تفسيره في الكهف. # قوله: " يغلي " قرأ ابن كثير وحفص بالياء من تحت الفاعل ضمير ~~يعود على " طعام ". وجوز أبو البقاء أن يعود على الزقوم. وقيل: على ~~المهل نفسه. و " يغلي " حال من الضمير المستتر في الجار أي منهما ~~المهل غاليا. وجوز أبو البقاء أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي هو ~~يغلي، أي الزقوم أو الطعام. والباقون تغلي بالتاء من فوق، على أن ~~الفاعل ضمير الشجرة، والجملة خبر ثان أو حال على رأي، أو خبر مبتدأ ~~مضمر، أي هي تغلي (واختار أبو عبيد الياء؛ لأن الاسم المذكور الذي ~~هو المهل هو الذي يلي الفعل نعتا، والتذكير به أولى). قوله: " كغلي ~~الحميم " نعت لمصدر محذوف أو حال من ضميره أي تغلي غليا مثل ~~غلي الحميم أو تغلية مشبها غلي الحميم. قال ابن الخطيب: ~~واعلم أنه لا يجوز أن يحمل الغلي على المهل؛ لأن المهل مشبه به، ~~وإنما يغلي ما يشبه بالمهل كغلي الحميم، وهو الماء إذا اشتدت حرارته. # قوله: " خذوه فاعتلوه " قرأ نافع وابن كثير وابن عامر بضم ~~تاء اعتلوه والباقون بكسرها وهما لغتان في مضارع " عتله " أي ساقه ~~بجفاء، وغلظة، كعرش، يعرش، ويعرش. والعتل: الجافي ~~الغليظ قالت الليث: العتل أن تأخذ تلبيب الرجل فتقتله، أي ~~تجره إليك، وتذهب به إلى حبس أو محنة. وأخذ فلان بزمام الناقة ~~يعتلها، وذلك إذا قبض على أصل الزمام عند الرأس، وقادها قودا ~~عنيفا (وقال ابن السكيت: عتلته إلى السجن وأعتلته ~~إذا دفعته دفعا عنيفا). # قوله: { إلى سوآء الجحيم } أي إلى وسط الجحيم، ومعنى ~~الآية: أنه يقال للزبانية: خذوه أي الأثيم فاعتلوه، أي سوقوه بعنف إلى ~~وسط الجحيم، { ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم ~~} ، كقوله تعالى: # يصب من فوق رءوسهم الحميم # [الحج:19] إلا أن هذه الاستعارة أكمل في المبالغة كأنه يقول: صبو عليه ~~عذاب ذلك الحميم ونظيره قوله: # ربنآ أفرغ علينا صبرا ms7803 # [الأعراف:126]. # قوله: { ذق إنك أنت } قرأ الكسائي بفتح همزة إنك، على معنى ~~العلة، أي لأنك. وقيل تقديره ذق عذاب الجحيم أنك أنت العزيز، والباقون ~~بالكسر، على الاستنئاف المفيد للعلة، فتتحد القراءتان معنى، وهذا ~~الكلام على سبيل التهكم وهو أغيظ للمستهزأ به. # ومثله قول جرير لشاعر يسمي نفسه زهرة اليمن: # 4430 ألم تكن في وسوم قد وسمت بها # من كل موعظة يا زهرة اليمن # وهذا الشاعر قد قال: # 4431 أبلغ كليبا وأبلغ عنك شاعرها # أني الأعز وأني زهرة اليمن # ومعنى الآية أنك بالضد منه. روي أن أبا جهل قال لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : ما بين جبليها أعز ولا أكرم مني، فوالله لا ~~تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئا. وروي أن ~~خزنة جهنم تقول للكافر هذا الكلام إشفاقا بهم وتوبيخا. # قوله: { إن هذا ما كنتم به تمترون } أي تشكون فيه ولا ~~تؤمنون به. ### || [44.51-59] # قوله تعالى: { إن المتقين في مقام أمين } لما ذكر وعيد ~~الكفار أردفه بآيات الوعد فقال: " إن المتقين " قال أهل السنة: ~~كل من اتقى الشرك صدق عليه أنه متق، فوجب أن يدخل الفساق هذا الوعد فقال: ~~في مقام أمين. وقرأ أهل المدينة والشام بضم ميم " مقام " على ~~المصدر، أي في إقامة وقرأ الباقون فتح الميم أي في مجلس أمنين آمنوا ~~فيه من الغير. قال الزمخشري (المقام) بفتح الميم هو موضع القيام ~~والمراد المكان وهو من الخاص الذي جعل مستعملا في المعنى العام وبالضم ~~هو موضع الإقامة، والأمين من قولك: أمن الرجل أمانة فهو ~~أمين وهو ضد الخائن. فوصف به المكان استعارة؛ لأن المكان المخيف كأنه ~~يخون صاحبه. # قوله: " في جنات " يجوز أن يكون بدلا من قوله: " في مقام " ~~بتكرير العامل، ويجوز أن يكون خبرا ثانيا وقوله: " يلبسون " يجوز ~~أن يكون حالا من الضمير المستكن في الجار، وأن يكون خبرا ل " إن " ~~فيتعلق الجار به، وأن يكون مستأنفا. # قوله: " متقابلين " حال من فاعل " يلبسون ". وتقدم تفسير ~~السندس والإستبرق والمقام. # قوله: " كذلك " في هذه الكاف وجهان: # أحدهما: ms7804 النصب نعتا لمصدر، أي نفعل بالمتقين فعلا كذلك أي مثل ذلك ~~الفعل. # والثاني: الرفع على خبر ابتداء مضمر أي الأمر كذلك. # وقدر أبو البقاء قبله جملة فقال: " تقديره: فعلنا ذلك، ~~والأمر كذلك " ، ولا حاجة إليه. والوقف على " كذلك " والابتداء ~~بقوله: وزوجناهم. # قوله: " بحور عين " العامة على تنوين " حور " موصوفا " بعين ~~". وعكرمة لم ينون، أضافهن لأ،هن ينقسمن إلى " عين " وغير " ~~عين ". وتقدم تفسير الحور العين. # فإن قيل: المراد بجلوسهم متقابلين استئناس بعضهم ببعض، والجلوس على هذه ~~الصفة موحش لأنه يكون كل واحد منهم مطلعا على ما يفعل الآخر، وأيضا ~~فالقليل الثواب إذا اطلع على حال من يكثر ثوابه ينغص عليه!. # فالجواب: أن أحوال الآخرة بخلاف أحوال الدنيا. # فصل # قال أبو عبيدة: معنى " وزوجناهم " أي جعلناهم أزواجا، كما يزوج ~~النعل بالنعل أي جعلناهم اثنين اثنين. واختلفوا في ~~هذا اللفظ هل يدل على حصول عقد التزويج أم لا؟ فقال يونس: قوله تعالى: { ~~وزوجناهم بحور عين } قرناهم بهن وليس من عقد ~~التزويج، والعرب لا تقول: تزوجت بها، وإنما تقول: ~~تزوجتها. وقال الواحدي: ( رحمه الله ): والتنزيل نزل على ما ~~قال يونس، وذلك قوله تعالى: # فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها # [الأحزاب:37] ولو كان المراد تزوجت بها لقال: زوجناك ~~بها. # فصل # قال الواحدي: وأصل الحور البياض، والتحوير التبييض، وقد تقدم في ~~تفسير الحواريين. وعين حوراء إذا اشتد بياض بياضها، ~~واشتد سواد سوادها، ولا تسمى المرأة حوراء حتى يكون ~~حور عينيها بيضاء في لون الجسد. وأما العين فجمع ~~عيناء، وهي التي تكون عظيمة العينين من النساء ~~واسعتهما. # قوله: " يدعون فيها " حال من مفعول " زوجناهم " ومفعوله ~~محذوف، أي يدعون الخدم بكل فاكهة وقوله: " آمنين " يجوز أن ~~تكون حالا ثانية، وأن تكون حالا من فاعل " يدعون " فتكون حالا ~~متداخلة ومعنى " آمنين " أي من نفارها ومن " م " ~~ضرتها. # وقال قتادة: آمنين من الموت، والأوصاب، والشيطان. # قوله: " لا يذوقون " يجوز أن يكون حالا من الضمير في " آمنين " ~~وأن يكون حالا ثالثة أو ثانية من مفعول " وزوجناهم " ، و " ~~آمنين " حال من فاعل ms7805 " يدعون " كما تقدم، أو صفة " لآمنين " أو ~~مستأنف. وقرأ عمرو بن عبيد: لا يذاقون مبنيا للمفعول. # قوله: " إلا الموتة الأولى " فيه أوجه: # أحدها: أنه استثناء منقطع، أي لكن الموتة الأولى، قد ذاقوها. # الثاني: أنه متصل، وتأولوه بأن المؤمن عند موته في الدنيا يرى منزلته ~~في الجنة لمعاينة ما يعطاه منها أو لما يتيقنه من نعيمها. # الثالث: أن " إلا " بمعنى سوى. نقله الطبري وضعفه. # قال ابن عطية: وليس تضعيفه بصحيح، بل هو كونها بمعنى سوى مستقيم منتسق. # الرابع: أن " إلا " بمعنى " بعد " ، واختاره الطبري. وأباه ~~الجمهور، لأن إلا بمعنى بعد لم يثبت. # وقال الزمخشري: فإن قلت: كيف استثنيت الموتة الأولى المذوقة قبل ~~دخول الجنة من الموت المنفي ذوقه منها؟. # قلت: أريد أن يقال: لا يذقون فيها الموت البتة، فوضع قوله: { ~~إلا الموتة الأولى } موضع " ذلك " ، لأن الموتة الماضية ~~محال ذوقها في المستقبل فهو من باب التعليق بالمحال كأنه قيل: إن كانت ~~الموتة الأولى يستقيم ذوقها في المستقبل؛ فإنهم يذوقونها في ~~الجنة. # قال شهاب الدين: وهذا عند علماء البيان يسمى نفي الشيء بدليله ومثله ~~قول النابغة: # 4432 ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم # بهن فلول من قراع الكتائب # يعني إن كان أحد يعد فلول السيوف من قراع الكتائب عيبا، فهذا عيبهم ~~لكن عده من العيوب محال فانتفى عنهم العيب بدليل تعليق الأمر على ~~المحال. # وقال ابن عطية بعد ما حكاه عن الطبري: فتبين أنه نفى عنهم ذوق الموت، ~~وأنه لا ينالهم من ذلك غير ما تقدم في الدنيا. يعني أنه كلام محمول على ~~معناه. # وقال ابن الخطيب: إن من جرب شيئا ووقف عليه وصح أن يقال: إنه ذاقه، ~~وإذا صح أن يسمى ذلك العلم بالذوق صح أن يسمى تذكره أيضا بالذوق. # فقوله: { لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ~~} يعني الذوق الحاصل بسبب تذكر الموتة الأولى. # فإن قيل: أليس أن أهل النار لا يذوقون الموت فلم بشر أهل الجنة ~~بهذا مع أن أهل النار يشاركونهم فيه؟. # فالجواب: أن البشارة ما وقعت بدوام ms7806 الحياة، (بل بدوام الحياة) مع سابقة ~~حصول تلك الخيرات والساعات فافترقا. # قوله: " ووقاهم " الجمهور على التخفيف، وقرأ أبو حيوة ~~ووقاهم بالتشديد على المبالغة ولا تكون للتعدية فإنه متعد إلى ~~اثنين. # قوله: " فضلا " مفعول من أجله، وهو مراد مكي بقوله: مصدر عمل ~~فيه " يدعون ". وقيل: العامل فيه: " ووقاهم ". وقيل: آمنين. ~~فهذا إنما يظهر على كونه مفعولا من أجله، على أنه يجوز أن يكون مصدرا، ~~لأن " يدعون " وما بعده من باب التفضل، فهو مصدر ملاق لعامله في ~~المعنى. وجعله أبو البقاء منصوبا بمقدر أي تفضلنا بذلك فضلا أي ~~تفضلا. # فصل # احتج أهل السنة بهذه الآية على أن الثواب يحصل من الله (تعالى) فضلا ~~وإحسانا وأن كل ما وصل إليه العبد من الخلاص عن النار والفوز ~~بالجنة، فإنما يحصل بفضل الله تعالى، ثم قال: { ذلك هو الفوز ~~العظيم } وهذا يدل على أن الفضل أعلى من درجات الثواب المستحق، لأنه ~~وصفه بكونه فوزا عظيما، وأيضا فإن الملك العظيم إذا أعطى الأجير ~~أجرته، ثم خلع على إنسان آخر، فإن تلك الخلعة أعلى حالا من إعطاء تلك ~~الأجرة. ولما بين الله تعالى الدلائل وشرح الوعد والوعيد قال: { ~~فإنما يسرناه } أي سهلنا القرآن، كناية عن غير مذكور " ~~بلسانك " أي بلغتك. والباء للمصاحبة { لعلهم يتذكرون } ~~يتعظون. قال القاضي: وهذا يدل علىأنه أراد من الكل الإيمان ولم يرد ~~من أحد الكفر. وأجيب: بأن الضمير في قوله: { لعلهم ~~يتذكرون } عائد إلى أقوام مخصوصين فيحمل ذلك على المؤمنين. # قوله: " فارتقب " أي فانتظر ما يحل بهم { إنهم ~~مرتقبون } لما يحل بك. فمفعولا الارتقاب محذوفان أي فارتقب ~~النصر من ربك إنهم مرتقبون بك ما يتمنونه من الدوائر والغوائل ولن يضرك ~~ذلك. # روى أبو هريرة: (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ # " من قرأ حم الدخان في ليله أصبح يستغفر له سبعون ألف ~~ملك " # رواه البغوي في تفسيره. وروى الثعلبي عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : # " من قرأ حم التي يذكر فيها الدخان في ليلة ms7807 جمعة أصبح مغفورا له " # ". وقال أبو أمامة رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه سلم ~~ (يقول): # " من قرأ حم الدخان ليلة الجمعة أو يوم الجمعة بنى الله له بيتا ~~في الجنة ". # (اللهم أسعدنا بعظيم فضلك، وأرحمنا برحمتك). (والله تعالى أعلم ~~بالصواب وإليه المرجع والمآب). ### | [45 - سورة الجاثية] ### || [45.1-6] # قوله تعالى: { حم تنزيل الكتاب من الله العزيز ~~الحكيم } قد تقدم مثله أول غافر. وقال أبو عبد الله الرازي: العزيز ~~الحكيم إن كانا صفة لله كانا حقيقة، وإن كانا صفة للكتاب كانا مجازا ~~له. # ورد عليه أبو حيان جعله إياهما صفة للكتاب. قال: إذ لو كان كذلك لوليت ~~الصفة موصوفها فكان يقال: تنزيل الكتاب العزيز الحكيم من الله. ~~قال: لأن " من الله " إن تعلق " بتنزيل " و " تنزيل " خبر ل " حم " أو ~~لمبتدأ محذوف، لزم الفصل به بين الصفة والموصوف، ولا يجوز، كما لا يجوز: ~~أعجبني ضرب زيد بسوط الفاضل، أو في موضع الخبر وتنزيل ~~مبتدأ، فلا يجوز الفصل به أيضا لا يجوز: ضرب زيد شديد ~~الفاضل. # قوله تعالى: { إن في السماوات والأرض لآيات ~~للمؤمنين } إن كان قوله " حم " قسما " فتنزيل الكتاب " نعت له، ~~وجواب القسم: { إن في السماوات والأرض } واعلم أن حصول ~~الآيات في السموات والأرض ظاهر دال على وجود الله تعالى، وقدرته مثل ~~مقاديرها وكيفياتها وحركاتها، وأيضا الشمس والقمر والنجوم والجبال ~~والبحار. وقد تقدم الكلام في كيفية دلالتها على وجود الإله القادر الفاعل ~~المختار. # وقوله: " لآيات للمؤمنين " يقتضي كون هذه مختصة بالمؤمنين. وقالت ~~المعتزلة: إنها آيات للمؤمن والكافر، إلا أنه لما انتفع بها المؤمن دون ~~الكافر أضيف كونها آيات للمؤمنين، ونظيره قوله تعالى: # هدى للمتقين # [البقرة:2] فإنه هدى لكل الناس، كما قال تعالى: # هدى للناس # [البقرة:185] إلا أنه لما نتفع به المؤمن خاصة قيل: هدى للمتقين. # قوله تعالى: { وفي خلقكم وما يبث من دآبة } فيه ~~وجهان: # أظهرهما: أن قوله: " وما يبث " معطوف على " خلقكم " المجرور ~~بفي والتقدير: وفيما يبث. # الثاني: أنه معطوف على الضمير المخفوض بالخلق وذلك على مذهب ms7808 من يرى ~~العطف على الضمير المجرور دون إعادة الجار. واستقبحه الزمخشري وإن ~~أكد، نحو: مررت بك أنت وزيد يشير بذلك إلى مذهب ~~الجرمي، فإنه يقول: إن أكد جاز، وإلا فلا. فقوله مذهب ثالث. # قوله: { آيات لقوم يوقنون } وآيات لقوم يعقلون. ~~وقرأ آيات بالكسر في الموضعين الأخوان والباقون برفعهما ولا خلاف في كسر ~~الأولى؛ لأنها اسم " إن " فأما آيات لقوم يوقنون بالكسر فيجوز فيها ~~وجهان: # أحدهما: أنها معطوفة على اسم " إن " والخبر قوله: { وفي خلقكم } ~~كأنه قيل: وإن في خلقكم وما يبث من دابة آيات. # والثاني: أن تكون كررت توكيدا " لآيات " الأولى، ويكون " في خلقكم ~~" معطوفا على " السموات " كرر معه حرف الجر توكيدا. ونظيره أن تقول: ~~إن في بيتك زيدا وفي السوق زيدا فزيد الثاني توكيد للأول ~~كأنك قلت: إن زيدا زيدا في بيتك وفي السوق. # وليس في هذا عطف على معمولي عاملين البتة وقد وهم أبو البقاء فجعلها من ~~ذلك فقال: آيات لقوم يوقنون بكسر الثانية وفيه وجهان: # أحدهما: أن " إن " مضمرة حذفت لدلالة " إن " الأولى عليها، وليست " آيات ~~" معطوفة على آيات الأولى، لما فيه من العطف على معمولي عاملين. # والثاني: أن تكمون كررت للتأكيد، لأنها من لفظ " آيات " الأولى، ~~وإعرابها كإعرابها كقولك: إن بثوبك دما وبثوب زيد دما، ~~فدم الثاني مكرر، لأنك مستغن عن ذكره انتهى. # فقوله: وليست معطوفة على " آيات " الأولى لما فيه من العطف على معمولي ~~عاملين وهم أين معمول العامل الآخر؟ وكأنه توهم أن " في " ساقطة من ~~قوله: { وفي خلقكم } أو اختلطت عليه { آيات لقوم يعقلون } بهذه، ~~لأن تيك فيها ما يوهم العطف على عاملين. وقد ذكره هو أيضا. وأما الرفع ~~فمن وجهين أيضا: # أحدهما: أن يكون " في خلقكم " خبرا مقدما، و " آيات " مبتدأ ~~مؤخرا، وهي جملة معطوفة على جملة مؤكدة بإن. # والثاني: أن تكون معطوفة على " آيات " الأولى اعتبارا بالمحل عند من ~~يجيز ذلك، لا سيما عند من يقول: إنه يجوز ذلك بعد الخبر بإجماع. وأما ~~قوله: { واختلاف الليل والنهار } فقد تقدم أن الأخوين ~~يقرآن ms7809 آيات بالكسر وهي تحتاج إلى إيضاح، فإن الناس تكلموا فيها كثيرا ~~وخرجوها على أوجه مختلفة، وبها استدل على جواز العطف على عاملين قال ~~شهاب الدين: والعطف على عاملين لا يختص بقراءة الأخوين، بل يجوز أن يستدل ~~عليه أيضا بقراءة الباقين كما سنقف عليه إن شاء الله تعالى فأما ~~قراءة الأخوين ففيها أوجه: # أحدها: أن يكون " اختلاف الليل " مجرورا ب " في " مضمرة، ~~وإنما حذفت لتقدم ذكرها مرتين وحرف الجر إذا دل عليه دليل (جاز حذفه ~~وأيضا عمله وأنشد الإمام الأستاذ سيبويه:) # 4433 ألآن قربت تهجونا وتشتمنا # فاذهب فما بك والأيام من عجب # تقديره: وبالأيام، لتقدم الباء في " بك ". ولا يجوز عطفه على الكاف ~~لأنه ليس من مذهبه العطف على الضمير المجرور، دون إعادة الجار، فالتقدير ~~في هذه الآية: " وفي اختلاف آيات " ، فآيات على ما تقدم من ~~الوجهين في آيات قبلها العطف أو التأكيد. قالوا: ويدل على ذلك قراءة عبد ~~الله (وفي اختلاف) تصريحا بفي. فهذان وجهان: # الثالث: أن يعطف " اختلاف " على المجرور بفي، وآيات على المنصوب بإن ~~وبهذا هو العطف على عاملين، وتحقيقه على معمولي عاملين، وذلك أنك عطفت " ~~اختلاف " على " خلق " وهو مجرور بفي فهو معمول عامل، وعطف " آيات ~~" على اسم إن وهو معمول عامل آخر. # فقد عطفت بحرف واحد وهو الواو معمولين وهما " اختلاف " و " آيات " ~~على معمولين قبلهما وهما " خلق وآيات ". # ويظاهرها استدل على من جوز ذلك كالأخفش. وفي المسألة أربعة مذاهب، ~~المنع مطلقا، وهو مذهب سيبويه، وجمهور البصريين، قالوا: لأنه يؤدي إلى ~~إقامة حرف العطف مقام عاملين وهو لا يجوز؛ لأنه لو جاز في عاملين لجاز ~~في ثلاثة، ولا قائل به، ولأن حرف العطف ضعيف، فلا يقوى أن ينوب عن ~~عاملين، ولأن القائل بجواز ذلك يستضعفه والأحسن عنده أن لا يجوز، فلا ~~ينبغي أن يحمل عليه كتاب الله، ولأنه بمنزلة التعديتين بمعد ~~واحد، وهو غير جائز. # قال ابن السراج: العطف على عاملين خطأ في القياس غير مسموع من العرب، ثم ~~حمل ما في هذه الآية على التكرار ms7810 والتأكيد. قال الرماني: هو كقولك: إن ~~في الدار زيدا والبيت زيدا، فهو جائز بالإجماع، وهذا الوجه ~~الذي ذكره ابن السراج حسن جدا لا يجوز أن يحمل كتاب الله إلا عليه ~~وقد ثبتت القراءة بالكسر، ولا يعيب فيها في القرآن على وجه. والعطف على ~~عاملين عيب عند من أجازه ومن لم يجزه فقد تناهى في العيب فلا يجوز حمل ~~هذه الآية على ما ذكره ابن السراج دون ما ذهب إليه غيره. قال شهاب الدين: ~~وهذا الحصر منه غير مسلم، فإن في الآية تخريجات أخر على ما ~~ذكره ابن السراج، يجوز الحمل عليها. وقال الزجاج ومثله في الشعر: # 4434 أكل امرىء تحسبين امرءا # ونار توقد بالليل نارا # وأنشد الفارسي للفرزدق: # 4435 وباشروا رعيها الصلا بلبانه # وجنبيه حر النار ما يتحرف # وقول الآخر: # 4436 اوصيت من برة قلبا حرا # بالكلب خيرا والحماة شرا # فأما البيت الأول فظاهره أنه عطف " ونار " على " امرىء " المخفوض " ~~بكل " و " نارا " الثانية على " امرءا " الثاني، والتقدير: ~~أتحسبين كل نار نارا، فقد عطف على معمولي عاملين. # والبيت الثاني: عطف عليه " وجنبيه " على " بلبانه " وعطف حر ~~النار " على الصلا " والتقدير: وباشر بجنبيه حر النار. # والبيت الثالث: عطف فيه " الحماة " على " الكلب " و " شرا " على " ~~خيرا " تقديره: وأوصيت بالحماة شرا. # وسيبويه في جميع ذلك يرى الجر بخافض مقدر، لكنه عورض بأن إعمال حرف الجر ~~مضمرا ضعيف جدا، ألا ترى أنه لا يجوز: مررت زيد بخفض " زيد ~~" إلا في ضرورة كقوله: # 4437 إذا قيل أي الناس شر قبيلة # أشارت كليب بالأكف الأصابع # يريد: إلى كليب، وقول الآخر: # 4438.............................. # تبذخ فارتقى الأعلام # أي إلى الأعلام. # فقد فر من شيء فوقع في أضعف منه، وأجيب عن ذلك: بأنه لما تقدم ذكر ~~الحرف في اللفظ قويت الدلالة عليه فكأنه ملفوظ به بخلاف ما أوردتموه في ~~المثال والشعر. # والمذهب الثاني: التفصيل، وهو مذهب الأخفش، وذكل أنه يجوز بشرطين: # أحدهما: أن يكون أحد العاملين جارا، والثاني: أن يتصل المعطوف بالعاطف ~~أو يفصل " بلا " مثال الأول: الآية الكريمة والأبيات ms7811 المتقدمة، ولذلك ~~استصوب المبرد اشتهاده بالآية ومثال الفصل " بلا " قولك: ما في ~~الدار زيد ولا الحجرة عمرو. فلو فقد الشرطان، نحو: إن ~~زيدا شتم بشرا، ووالله خالدا (هندا) أو فقد أحدهما، ~~نحو: إن زيدا ضرب بكرا، وخالدا بشرا، فقد نقل ابن مالك، ~~الامتناع عن الجميع. وفيه نظر، لما سيأتي من الخلاف. # الثالث: أنه يجوز بشرط أن يكون أحد العاملين جارا، وأن يكون متقدما ~~نحو الآية الكريمة، فلو لم يتقدم نحو: إن زيدا في الدار وعمرو ~~السوق، لم يجز، وكذا لو لم يكن حرف جر كما تقدم تمثيله. # الرابع: الجواز مطلقا، ويعزى للفراء. # الوجه الرابع من أوجه تخريج القراءة المذكورة: أن ينتصب " آيات " على ~~الاختصاص. قاله الزمخشري، كما سيأتي. وأما قراءة الرفع ففيها أوجه: # أحدها: أن يكون الأول. والثاني: ما تقدم في { آيات لقوم ~~يوقنون }. # الثالث: أن تكون المسألة من باب العطف على عاملين، وذلك أن " اختلاف ~~" عطف على " خلقكم " وهو معمول " لفي " و " آيات " قبلها، وهي معمولة ~~للابتداء فقد عطف على معمول عاملين في هذه القراءة أيضا. # قال الزمخشري: وقرىء: { آيات لقوم يوقنون } بالرفع والنصب ~~على قولك: إن زيدا في الدار وعمرو في السوق أو عمرا في ~~السوق. قال: وأما قوله: { آيات لقوم يعقلون } فمن العطف ~~على عاملين سواء نصبت أم رفعت، فالعاملان في النصب (إن) و (في)، أقيمت ~~الواو مقامهما فعملت الجر في " اختلاف الليل والنهار " والنصب في " ~~آيات " وإذا رفعت فالعاملان الابتداء و (في) عملت الرفع في " آيات " ~~والجر في " اختلاف ". ثم قال في توجيه النصب: والثاني: أن ينتصب على ~~الاختصاص بعد انقضاء المجرور. # والوجه الخامس: أن يرتفع " آيات " على خبر ابتداء مضمر أي هي آيات. ~~وناقشه أبو حيان فقال: ونسبة الجر والرفع والجر والنصب للواو ليس بصحيح؛ ~~لأن الصحيح من المذاهب أن حرف العطف لا يعمل، وأيضا ناقش أبو شامة ~~فقال: فمنهم من يقول هو على هذه القراءة أيضا يعني قراءة الرفع عطف ~~على عاملين. وهما حرف " في " والابتداء المقتضي للرفع. ومنهم من لا يطلق ~~هذه العبارة ms7812 في هذه القراءة؛ لأن الابتداء ليس بعامل لفظي. # وقرىء: واختلاف بالرفع آية بالرفع، والتوحيد على الابتداء ~~والخبر. وكذلك قرىء: وما يبيث من دابة آية بالتوحيد. # وقرأ زيد بن علي وطلحة وعيسى: وتصريف الريح كذا قال أبو ~~حيان. قال شهاب الدين: وقد قرأ بهذه القراءة حمزة والكسائي أيضا. وقد ~~تقدم ذلك في سورة البقرة. # فصل # اختلاف الليل والنهار فيه وجوه: # الأول: تبديل النهار بالليل وبالعكس. # الثاني: زيادة طول النهار على طول الليل والعكس. # الثالث: اختلاف مطالع الشمس في أيام السنة. # قوله: { ومآ أنزل الله من السمآء من رزق } يعني ~~الرزق الذي هو سبب أرزاق العباد { فأحيا به الأرض بعد ~~موتها } وهذا يدل على وجوب القول بوجود الفاعل المختار من وجوه: # أحدها: إنشاء السحاب وإنزال المطر فيه. # وثانيها: تولد النبات من تلك الحبة الواقعة في الأرض. # وثالثها: تولد الأنواع المختلفة وهي ساق الشجرة، وأغصانها، وأوراقها، ~~وثمارها، ثم تلك الثمرة منها ما يكون القشر محيطا باللب، كالجوز، ~~واللوز، ومنها ما يكون اللب محيطا بالقشر كالمشمش والخوخ، ومنها ~~ما يكون خاليا عن القشر كالتين. فتولد أقسام النبات على كثرة أقسامه ~~وتباينها يدل على وجوب القول بوجود الفاعل المختار الحكيم الرحيم. # قوله: { وتصريف الرياح } هي أقسام كثير منها الشرقية، والغربية ~~والشمالية، والجنوبية، ومنها الحارة، والباردة، آيات لقوم ~~يعقلون. واعلم أنه تعالى جمع هذه الدلائل في سورة البقرة فقال: # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل ~~والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع ~~الناس ومآ أنزل الله من السمآء من مآء فأحيا ~~به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دآبة ~~وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السمآء ~~والأرض لآيات لقوم يعقلون # [البقرة:164]. فذكر الله تعالى هذه الأقسام الثمانية من الدلائل، ~~والتفاوت بين الوصفين من وجوه: # الأول: أنه تعالى قال في سورة البقرة: { إن في خلق السموات والأرض } ~~وقال ههنا: { إن في السموات والأرض } والصحيح عند أهل السنة: إن الخلق ~~غير المخلوق، فذكر لفظ الخلق في سورة البقرة، ولم يذكره ههنا تنبيها ~~على أن لا تفاوت ms7813 بين أن يفصل السموات أو خلق السموات فيكون هذا دليلا ~~على أن الخلق غير المخلوق. # الثاني: أنه ذكر هناك ثمانية أنواع من الدلائل، وذكر ههنا سبعة أنواع ~~من الدلائل، وأهمل منها الفلك والسحاب، والسبب فيه أن مدار حركة ~~الفلك والسحاب على الرياح المختلفة، فذكر الرياح التي هي كالسبب يغني عن ~~ذكرهما. # الثالث: أنه جمع الكل وذكر لها مقطعا واحدا، وههنا رتبها على ~~ثلاثة أنواع، والغرض منه التنبيه على أنه لا بد من إفراد كل احد منها ~~بنظر تام سابق. # الرابع: أنه تعالى ذكر في هذا الموضع ثلاثة مقاطع: أحدها: للمؤمنين، ~~وثانيها: " يوقنون ". وثالثها: " يعقلون ". # قال ابن الخطيب: وأظن أن سبب هذا الترتيب أن قوله: إن كنتم من ~~المؤمنين فافهموا هذه الدلائل وإن كنتم لستم من المؤمنين (بل أنتم من ~~طلاب الجزم واليقين، فافهموا هذه الدلائل وإن كنتم لستم من المؤمنين) ~~ولا من الموقنين فلا أقل أن تكونوا من زمرة العقلاء فاجتهدوا ~~في معرفة هذه الدلائل. # قوله تعالى: { تلك آيات الله نتلوها } يجوز أن تكون " ~~نتلوها " خبرا " لتلك " و " آيات الله " ، بدل أو عطف بيان، ~~ويجوز أن تكون " تلك آيات " مبتدأ وخبرا, و " نتلوها " حال قال ~~الزمخشري: والعامل ما دل عليه " تلك " من معنى الإرشاد ونحوه: # وهذا بعلي شيخا # [هود:72]. قال أبو حيان: وليس نحوه لأن في " وهذا بعلي " حرف ~~تنبيه؛ فقيل: العامل في الحال ما دل عليه حرف التنبيه أي تنبه وأما ~~تلك فليس فيها حرف تنبيه، (فإذا كان حرف التنبيه عاملا) بما فيه من معنى ~~التنبيه لأن المعنى قد يعمل في الحال، فالمعنى تنبه لزيد في حال ~~شيخه أو في حال قيامه. # وقيل: العامل في مثل هذا التركيب فعل محذوف يدل عليه المعنى، أي انظر ~~إليه في حال شيخه فلا يكون اسم الإشارة عاملا ولا حرف التنبيه إن كان ~~هناك. قال شهاب الدين: بل الآية نحو: هذا بعلي شيخا من ~~حيثية نسبة العمل لاسم الإشارة غاية ما ثم أن في الآية الأخرى ~~ما يصلح أن يكون عاملا، وهذا لا ms7814 يقدح في التنظير إذا قصدت جهة ~~مشتركة، وأما إضمار الفعل فهو مشترك في الموضعين عند من يرى ذلك قال ~~ابن عطية: وفي " نتلوها " حذف مضاف، أي نتلو شأنها وشرح العبرة فيها ~~ويحتمل أن يريد بآيات الله القرآن المنزل في هذا المعنى، فلا يكون فيها ~~حذف مضاف. # وقرأ بعضهم: يتلوها بياء الغيبة، عائدا على الباري تعالى. # قوله: " بالحق " حال من الفاعل، أي ملتبسين بالحق، أو من المفعول، ~~أي ملتبسة بالحق. ويجوز أن تكون (الباء) للسببية فتتعلق بنفس " ~~نتلوها ". # قوله: { فبأي حديث بعد الله وآياته } قال الزمخشري: ~~أي بعد آيات الله، فهو كقولك: أعجبني زيد كرمه، يريدون: ~~كرم زيد. ورده عليه أبو حيان بأنه ليس مرادا، بل المراد ~~إعجابان، وبأن فيه إقحاما للأسماء من غير ضرورة، قال: وهذا قلب لحقائق ~~النحو. # وقرأ الحرميان وأبو عمرو وعاصم في رواية " يؤمنون " بياء ~~الغيبة والباقون بتاء الخطاب. و " فبأي " متعلق به، قدم لأن له صدر ~~الكلام. واختار أبو عبيد الياء، لأن فيه غيبة، وهو قوله: { لقوم ~~يؤمنون } ، و { لقوم يعقلون }. # فإن قيل: في أول الكلام خطاب، وهو قوله: { وفي خلقكم } قلنا: ~~الغيبة أقرب إلى الحرف المختلف فيه فكان أولى. # فصل # ومعنى الآية أن من لم ينتفع بهذه الآيات، فلا شيء بعده يجوز أن ينتفع ~~به. وهذه الآية تبطل القول بالتقليد، وتوجب على المكلف على التأمل في ~~دلائل دين الله. ### || [45.7-11] # قوله: { ويل لكل أفاك أثيم... } الآية لما بين الآيات ~~للكفار، وبين أنهم إذا لم يؤمنوا بها مع ظهورها فبأي حديث بعدها يؤمنون ~~أتبعه بوعيد عظيم لهم فقال: { ويل لكل أفاك أثيم } ~~والأفاك الكذاب، والأثيم المبالغ في اقتراف الإثم، وهو أن يبقى مصرا ~~على الإنكار، والاستكبار. قال المفسرون: يعني النضر بن الحارث، ~~والآية عامة في من كان موصوفا بهذه الصفة. # قوله: " يسمع " يجوز أن يكون مستأنفا، أي هو يسمع، أو دون إضمار " ~~هو " وأن يكون حالا من الضمير في " أثيم " وأن يكون صفة. # قوله: " تتلى عليه " حال من " آيات الله " ، ولا يجيء فيه ~~الخلاف وهو أنه ms7815 يجوز أن يكون في محل نصب مفعولا ثانيا؛ لأن شرط ذلك أن ~~يقع بعدها ما لا يسمع نحو " سمعت زيدا يقرأ " أما إذا وقع ~~بعدها ما يسمع، نحو: سمعت قراءة زيد يترنم بها فهي ~~متعدية لواحد فقط، و " الآيات " مما يسمع. # قوله: " ثم يصر " قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى " ثم " في ~~قوله: { ثم يصر مستكبرا }؟ قلت: كمعناه في قول القائل: # 4439........................... # يرى غمرات الموت ثم يزورها # وذلك أن غمرات الموت حقيقة بأن ينجو رائيها بنفسه، ويطلب الفرار منها، ~~وأما زورانها والإقدام على مزاولتها فأمر مستبعد، فمعنى ثم الإيذان بأن ~~فعل المقدم عليها بعدما رآها وعاينها شيء يستبعد في العادات والطباع ~~وكذلك آيات الله الواضحة الناطقة بالحق من تليت عليه وسمعها كان ~~مستبعدا في العقول إصراره على الضلالة عندها واستنكاره عن الإيمان بها. # قوله: { كأن لم يسمعها } هذه الجملة يجوز أن تكون مستأنفة، ~~وأن يتكون حالا، والأصل كأنه لم يسمعها، والضمير ضمير الشأن، ومحل ~~الجملة النصب على الحال أي يصير مثل غير السامع ثم قال: { ~~فبشره بعذاب أليم }. # قوله: { وإذا علم من آياتنا شيئا } العامة على فتح العين ~~وكسر اللام خفيفة مبنيا للفاعل. وقتادة ومطر الوراق علم مبنيا ~~للمفعول مشددا. # قوله: (اتخذها) الضمير المؤنث فيه وجهان: # أحدهما: أنه عائد على " آياتنا " يعني القرآن. # والثاني: أنه يعود على " شيء " وإن كان مذكرا، لأنه بمعنى الآية ~~كقول أبي العتاهية: # 4440 نفسي بشيء من الدنيا معلقة # الله والقائم المهدي يقضيها # لأنه أراد " بشيء " جارية يقال لها: عتبة. # فصل # المعنى ذلك الشيء هزؤ، إلا أنه تعالى قال: اتخذها للإشعار بأن ~~هذا الرجل إذا أحس بشيء من الكلام أنه من جملة الآيات المنزلة على ~~محمد صلى الله عليه وسلم خاض في الاستهزاء بجميع الآيات، ولم يقتصر ~~على الاستهزاء بذلك الواحد. # قوله: " أولئك " إشارة إلى معنى كل أفاك أثيم ليدخل فيه جميع ~~الأفاكين فحمل أولا على لفظها فأفرد، ثم على معناها فجمع، كقوله: # كل حزب بما لديهم فرحون # [المؤمنون:53]. # قوله: { من ورآئهم جهنم } لما قال: " أولئك لهم ms7816 ~~عذاب أليم " وصف كيفية ذلك العذاب فقال: من ورائهم جهنم أي أمامهم ~~جهنم لأنهم في الدنيا. قال الزمخشري هي اسم للجهة التي يواجه بها الشخص ~~من خلفه أو من قدامه. ثم بين أن ما ملكوه في الدنيا لا ينفعهم ~~فقال: { ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا } أي من الأموال. # قوله: { ولا ما اتخذوا } عطف على ما كسبوا و " ما " فيهما إما ~~مصدرية أو بمعنى الذي أي لا يغني كسبهم ولا اتخاذهم، أو الذي ~~كسبوه ولا الذي اتخذوه. # فإن قيل: إنه قال قبل هذه الآية: { لهم عذاب مهين } ثم قال ~~ههنا: { ولهم عذاب عظيم } فما الفرق بينهما؟. # فالجواب: كون العذاب مهينا يدل على حصول الإهانة مع العذاب ~~وكونه عظيما يدل على كونه بالغا إلى أقصى الغايات في الضرر. # قوله: " هذا هدى " يعني هذا القرآ هدى أي كامل في كونه هدى من ~~الضلالة { والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من ~~رجز أليم } وقد تقدم الكلام على الرجز الأليم في " سبأ " والرجز ~~أشد العذاب لقوله تعالى: # رجزا من السمآء # [البقرة:59] وقوله: # لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك # [الأعراف:134]. وقرىء " أليم " بالجر، والرفع، أما الرفع فتقديره لهم ~~عذاب أليم، ويكون (المراد) من الرجز النجس الذي هو النجاسة، ومعنى ~~النجاسة فيه قوله: # ويسقى من مآء صديد # [إبراهيم:16] وكأن المعنى لهم عذاب من تجرع رجس أو شرب رجس، فيكون ~~تنبيها للعذاب، وأما الجر فتقديره لهم عذاب من عذاب أليم، وإذا كان ~~عذابهم من عذاب أليم كان عذابهم أليما. ### || [45.12-15] # قوله تعالى: { الله الذي سخر لكم البحر لتجري ~~الفلك فيه بأمره... } الآية لما ذكر تعالى الاستدلال بكيفية ~~جريان الفلك على وجه البحر؛ وذلك لا يحصل إلا بتسخير ثلاثة أشياء: ~~أحدها: الرياح التي توافق المراد. وثانيها: خلق وجه الماء على ~~الملاسة التي تجري عليها الفلك. وثالثها: خلق الخشبة على وجه تبقى ~~طافية على وجه الماء ولا تغرق عنه. وهذه الأحوال لا يقدر عليها أحد من ~~البشر ولا بد من موجود قادر عليها وهو الله سبحانه وتعالى. وقوله { ~~ولتبتغوا ms7817 من فضله } إما بالتجارة وإما الغوص على اللؤلؤ ~~والمرجان، أو لاستخراج اللحم الطري. # قوله تعالى: { وسخر لكم ما في السماوات وما في ~~الأرض } أي خلقها مسخرة لنا. أي لنفعنا. # قوله: " جميعا " حال من { ما في السموات وما في الأرض } أو توكيد. وقد ~~عدها ابن مالك في ألفاظه و " منه " يجوز أن يتعلق بمحذوف صفة ل " ~~جميعا " وأن يتعلق " بسخر " أي هو صادر من جهته ومن عنده. وجوز ~~الزمخشري في " منه " أن يكون خبر ابتداء مضمر، أي هن جميعا منه، ~~وأن يكون { وما في الأرض } مبتدأ و " منه " خبره. قال أبو حيان: ~~وهذان لا يجوزان إلا على رأي الأخفش، من حيث إن الحال تقدمت يعني ~~" جميعا " فقدمت على عاملها المعنوي يعني الجار فهي نظير: زيد ~~قائما في الدار والعامة على " منه ". وابن عباس (رضي الله ~~عنهما) بكسر الميم وتشديد النون ونصب التاء. جعله مصدرا من: " من ~~يمن منة " فانتصبا به عنده على المصدر المؤكد، وإما بعامل مضمر، ~~وإما بسخر لأنه بمعناه. قال أبو حاتم: سند هذه القراءة إلى ابن عباس ~~مظلم. قال شهاب الدين: قد رويت أيضا عن جماعة جلة غير ابن عباس، ~~فنقلها بن خالويه عنه وعن عبيد بن عمير ونقلها صاحب اللوامح وابن ~~جني عن ابن عباس، وعبد الله بن عمرو والجحدري وعبد الله بن عبيد ~~بن عمير. وقرأ مسلمة بن محارب كذلك إلا أنه رفع التاء جعلها ~~خبر ابتداء مضمر، أي هي منة. وقرأ أيضا في رواية أخرى بفتح ~~الميم وتشديد النون و " ها " كناية مضمومة جعله مصدرا مضافا لضمير الله ~~تعالى. ورفعه من وجهين: # أحدهما: بالفاعلية بسخر، أي سخر لكم هذه الأشياء منه ~~عليكم. # والثاني: أن يكون خبر ابتداء مضمر، أي هو، أو ذلك منه عليكم ~~إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون. # قوله تعالى: { قل للذين آمنوا يغفروا } تقدم نظيره في ~~سورة إبراهيم، قال ابن عباس: رضي الله عنهما المراد بالذين ~~آمنوا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يغفروا لا يرجون ~~أيام الله يعني عبد الله بن ms7818 أبي، وذلك أنهم نزلوا في ~~غزاة بني المصطلق على بئر يقال لها: المريسيع فأرسل عبد الله ~~غلامه ليستقي الماء، فأبطأ عليه، فلما أتاه، قال له: ما حبسك؟ فقال: ~~غلام عمر قعد على طرف البئر، فما ترك أحدا يستقي حتى ملأ قرب ~~النبي، وقرب أبي بكر، فقال عبد الله بن أبي: ما مثلنا ومثل ~~هؤلاء إلا كما قيل: سمن كلبك يأكلك، فبلغ ذلك عمر، ~~فاشتمل بسيفه، يريد التوجه (له) فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وقال مقاتل: إن رجلا من بني غفار شتم عمر بن الخطاب ~~(رضي الله عنه) بمكة، فهم عمر أن يبطش به، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية، وأمره بالعفو والتجاوز، وروى ميمون بن مهران أن ~~فنحاص اليهودي لما نزل قوله تعالى: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا # [البقرة:245] قال: احتاج رب محمد، فسمع ذلك عمر، فاشتمل على ~~سيفه، وخرج في طلبه فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إليه فرده. وقال ~~القرظي والسدي: نزلت في ناس من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من أهل مكة كانوا في آذى كثير من المشركين قبل أن يؤمروا ~~بالقتال فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل ~~الله هذه الآية ثم نسختها آية القتال. # قال ابن الخطيب: وإنما قالوا بالنسخ، لأنه يدخل تحت الغفران أن لا ~~يقتلوا ولا يقاتلوا فلما أمروا بالمقاتلة كان نسخا. والأقرب أن ~~يقال: إنه محمول على ترك المنازعة، وعلى التجاوز عما يصدر عنهم من ~~الكلمات المؤذية وقوله: { لا يرجون أيام الله } قال ابن ~~عباس: لا يرجون ثواب الله ولا يخافون عقابه ولا يخشون مثل عذاب الأمم ~~الخالية وتقدير تفسير " أيام الله " عند قوله: # وذكرهم بأيام الله # [إبراهيم:5]. # قوله: { ليجزي قوما } قرأ ابن عامر والأخوان: لنجزي بنون ~~العظمة، أي لنجزي نحن. وباقي السبعة ليجزي بالياء من تحت مبنيا ~~للفاعل؛ أي ليجزي الله. وأبو جعفر بخلاف عنه وشيبة وعاصم في ~~رواية كذلك إلا أنه مبني للمفعول هذا مع نصب " قوما ". وفي القائم ~~مقام الفاعل ثلاثة أوجه: # أحدها: ms7819 ضمير المفعول الثاني، عاد الضمير عليه لدلالة السياق تقديره: ~~ليجزي هو أي الخير قوما والمفعول الثاني من باب أعطى، بقوم مقام الفاعل ~~بلا خلاف، ونظيره: الدرهم أعطي زيدا. # الثاني: أن القائم مقامه ضمير المصدر المدلول عليه بالفعل، أي ليجزى ~~الجزاء. وفيه نظر لأنه لا يترك المفعول به، ويقام المصدر، لا سيما مع ~~عدم التصريح به. # الثالث: أن القائم مقامه الجار والمجرور، وفيه حجة للأخفش والكوفيين حيث ~~يجيزون نيابة غير المفعول به مع وجوده وأنشدوا: # 4441............................ # لسب بذلك الجرو الكلابا # و: # 4442 لم يعن بالعلياء إلا سيدا # والبصريون لا يجيزونه. # فصل # المعنى لكي نجازي بالمغفرة قوما يعملون الخير. # فإن قيل: ما الفائدة من تنكير " قوما " مع أن المراد بهم المؤمنون ~~المذكورون في قوله: { قل للذين آمنوا يغفروا }؟. # فالجواب: أن التنكير بدل على تعظيم شأنهم، كأنه قيل: ليجزي قوما ~~وأي قوم قوما من شأنهم الصفح عن السيئات، والتجاوز عن المؤذيات، ~~وتجرع المكروه، كأنه قيل: لا تكافئوهم أنتم حتى نكافئهم نحن. ثم ~~ذكر الحكم العام فقال: { من عمل صالحا فلنفسه } وهو مثل ~~ضربه الله للذين يغفرون { ومن أسآء فعليها } مثل ضربه الله ~~للكفار الذين كانوا يؤذون الرسول والمؤمنين { ثم إلى ربكم ~~ترجعون }. ### || [45.16-19] # قوله تعالى: { ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب } يعني ~~التوراة { والحكم والنبوة } والمراد بهذه الآية أنه تعالى ~~بين أنه أنعم بنعم كثيرة على بني إسرائيل مع أنه حصل بينهم الاختلاف على ~~سبي البغي والحسد، والمقصود منه أن يبين أن طريقة قومه كطريقة من ~~تقدم. واعلم أن المراد بالكتاب التوراة أما الحكم، فقيل: المراد به ~~العلم والحكم. وقيل: المراد العلم بفصل الحكومات. وقيل: معرفة أحكام ~~الله وهو علم الفقه. وأما النبوة فمعلومة { ورزقناهم من ~~الطيبات } الحلالات، يعني المن والسلوى { ~~وفضلناهم على العالمين }. قال المفسرون: على عالمي ~~زمانهم, قال ابن عباس (رضي الله عنهما) لم يكن أحد من العالمين أكرم ~~على الله ولا أحب إليه منهم. # ثم قال: { وآتيناهم بينات من الأمر } قال ابن عباس ~~(رضي الله عنهما) يعني العلم بمبعث محمد صلى الله ms7820 عليه وسلم ~~وما بين لهم من أمره وأنه يهاجر من تهامة إلى يثرب، ويكون أنصاره من ~~أهل يثرب. وقيل: المراد بالبينات المعجزات القاهرة على صحة نبوتهم ~~والمراد معجزات موسى عليه الصلاة والسلام . # ثم قال تعالى: { فما اختلفوا إلا من بعد ما جآءهم ~~العلم بغيا بينهم } وتقدم تفسير هذا في سورة " حم عسق ". ~~والمراد من ذكر هذا الكلام التعجب من هذه الحالة؛ لأن حصول العلم يوجب ~~ارتفاع الخلاف، وههنا صار مجيء العلم سببا لحصول الاختلاف؛ وذلك لأنهم ~~لم يكن مقصودهم من العلم نفس العلم، وإنما مقصودهم طلب الرياسة ~~والتقدم، فيجوز أنه علموا ثم عاندوا. ويجوز أن يريد بالعلم الإدلة ~~التي توصل إلى العلم، والمعنى أنه تعالى وضع الدلائل والبينات التي لو ~~تأملوا فيها لعرفوا الحق، لكنهم اختلفوا وأظهروا النزاع على وجه الحسد، ~~ثم قال: { إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما ~~كانوا فيه يختلفون } والمعنى أنه لا ينبغي أن يغتر المبطل ~~بنعم الدنيا، فإنها وإن ساوت نعم المحق أو زادت عليها، فإنه سيرى ~~في الآخرة ما يسوؤه وذلك كالزجر لهم. ولما بين تعالى أنهم أعرضوا عن الحق ~~بغيا وحسدا، أمر رسوله بأن يعدل عن تلك الطريقة، وأن يتمسك ~~بالحق وأن لا يكون له غرض سوى إظهار الحق فقال: { ثم جعلناك ~~على شريعة من الأمر } أي جعلناك يا محمد على سنة وطريقة بعد ~~موسى " من الأمر " من الدين { فاتبعها ولا تتبع ~~أهوآء الذين لا يعلمون } يعني مراد الكافرين وأديانهم ~~الخبيثة. قال الكلبي: إن رؤساء قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ~~ وهو بمكة ارجع إلى دين آبائك فهم كانوا أفضل منك وأسن، فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية. # قوله: " على شريعة " هو المفعول الثاني لجعلناك والشريعة في ~~الأصل ما يرده الناس من الماء في الأنهار، ويقال لذلك الموضع شريعة، ~~والجمع شرائع قال: # 4443 وفي الشرائع من جيلان مقتنص # رث الثياب خفي الشخص منسرب # فاستعير ذلك للدين، لأن العباد يردون ما يحيى به نفوسهم. # قوله: { إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا } أي إن ms7821 ~~اتبعت أهواءهم { وإن الظالمين بعضهم أوليآء بعض } ~~والمعنى إنك لو ملت أديانهم الباطلة لصرت مستحقا للعذاب وهم لا يقدرون ~~على دفع عذاب الله عنك، وإن الظالمين يتولى بعضهم بعضا في الدنيا وأما ~~في الآخرة، فلا ولي لهم ينفعهم في إيصال الثوب، وإزالة العقاب، وأما ~~المتقون المهتدون فالله وليهم وناصرهم. ### || [45.20-26] # قوله تعالى: { هذا بصائر } أي هذا القرآن، جمع خبره باعتبار ~~ما فيه. وقرىء: " هذه " رجوعا إلى الآيات ولأن القرآن بمعناها كقوله: # 4444........................... # سائل بني أسد ما هذه الصوت؟ # لأنه بمعنى الصيحة، والمعنى بصائر للناس، أي معالم للناس في الحدود ~~والأحكام يبصرون بها. وتقدم تفسيره في سورة الأعراف { ورحمة ~~لقوم يوقنون } هدى من الضلالة، ورحمة من العذاب لمن اتقى وآمن. # قوله: " أم حسب " أم منقطعة فتقدر ببل والهمزة أو ببل وحدها، أو ~~بالهمزة وحدها وتقدم تحقيق هذا. # قوله: " كالذين آمنوا " هنو المفعول الثاني للجعل، أي أن ~~نجعلهم كائنين كالذين آمنوا أي لا يحسبون ذلك. وقد تقدم في سورة ~~الحج أن الأخوين وحفصا قرأوا هنا: سواء بالنصب والباقون ~~بالرفع. وتقدم الوعد عليه بالكلام هنا فنقول: أما قراءة النصب ففيها ~~ثلاثة أوجه: # أحدها: أن ينتصب على الحال من الضمير المستتر في الجار والمجرور وهما: " ~~كالذين آمنوا " ويكون المفعول الثاني للجعل " كالذين آمنوا " أي ~~أحسبوا أن نجعلهم مثلهم في حال استواء محياهم ومماتهم؟ ~~ليس الأمر كذلك. # الثاني: أن يكون " سواء " هو المفعول الثاني للجعل. و " كالذين ~~" في محل نصب على الحال، أي أن نجعلهم حال كونهم مثلهم سواء. وليس ~~معناه بذاك. # الثالث: أن يكون " سواه " مفعولا ثانيا " لحسب ". وهذا الوجه نحا إليه ~~أبو البقاء. # قال شهاب الدين: وأظنه غلطا؛ لما سيظهر لك، فإنه قال: ويقرأ بالنصب ~~وفيه وجهان: # أحدهما: هو حال من الضمير في " الكاف " أي نجعلهم مثل المؤمنين في هذه ~~الحال. # الثاني: أن يكون مفعولا ثانيا لحسب والكاف حال، وقد دخل استواء محياهم ~~ومماتهم في الحسبان وعلى هذا الوجه { محياهم ومماتهم } ~~مرفوعان (بسواء) لأنه قد قوي باعتماده انتهى. # فقد صرح بأنه مفعول ثاني للحسبان، ms7822 وهذا لا يصح ألبتة، لأن " حسب " ~~وأخواتها إذا وقع بعدها " أن " المشددة و " أن " المخففة أو الناصبة ~~سدت مسد المفعولين، وهنا قد وقع بعد الحسبان " أن " الناصبة، فهي ~~سادة مسد المفعولين فمن أين يكون " سواء " مفعولا ثانيا لحسب؟!. # فإن قلت: هذا الذي قلته رأي الجمهور، سيبويه وغيره، وأما غيرهم كالأخفش ~~فيدعي أنها تسد مسد واحد. وإذا تقرر هذا فقد يجوز أن أبا البقاء ذهب ~~المذهب فأعرب " أن نجعلهم " مفعولا أول (ل " حسب " ) و " ~~سواء " مفعولا ثانيا. # فالجواب: أن الأخفش صرح بأن المفعول الثاني حينئذ يكون محذوفا، ولئن ~~سلمنا أنه لا يحذف امتنع من وجه آخر وهو أنه قد رفع به (محياهم ~~ومماتهم) لأنه بمعنى مستو كما تقدم، ولا ضمير يرجع من مرفوعه إلى ~~المفعول الأول بل رفع أجنبيا من المفعول الأول وهو نظير: حسبت ~~قيامك مستويا ذهابك وعدمه. # ومن قرأ بالرفع فيحتمل قراءته وجهين: # أحدهما: أن يكون " سواء " خبرا مقدما، و " محياهم " مبتدأ مؤخرا، ~~ويكون " سواء " مبتدأ و " محياهم " خبره كذا أعربوه. وفيه نظر تقدم في ~~سورة الحج، وهو أنه نكرة لا مسوغ فيها وأنه متى اجتمع معرفة ونكرة جعلت ~~النكرة خبرا لا مبتدأ. # ثم في هذه الجملة ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها استئنافية. والثاني: أنها تبدل من الكاف الواقعة مفعولا ~~ثانيا. قال الزمخشري: لأن الجملة تقع مفعولا ثانيا فكانت في حكم ~~المفرد، ألا تراك لو قلت: أن نجعلهم سواء محياهم ومماتهم كان سديدا، ~~كما تقول: ظننت زيدا أبوه منطلق. # قال أبو حيان: وهذا أعني إبدال الجملة من المفرد أجازه ابن جني وابن ~~مالك ومنعه ابن العلج، ثم ذكر عنه كلاما كثيرا في تقريره ذلك. ثم ~~قال: " والذي يظهر أنه لا يجوز يعني ما جوزه الزمخشري قال: لأنها ~~بمعنى التصيير، ولا يجوز: صيرت زيدا أبوه قائم؛ لأن التصيير ~~انتقال من ذات إلى ذات أو من وصف في الذات إلى وصف فيها، وتلك الجملة ~~الواقعة بعد مفعول صيرت المقدرة مفعولا ثانيا ليس فيها انتقال مما ذكر ~~فلا يجوز. # قال شهاب الدين: ولقائل ms7823 أن يقول: بل فيها انتقال من وصف في الذات إلى ~~وصف فيها، لأن النحاة نصوا على جواز وقوع الحمل صفة وحالا، نحو: ~~مررت برجل أبوه قائم، وجاء زيد أبوه قائم، فالذي حكموا عليه ~~بالوصفية والحالية يجوز أن يقع في حيز التصيير؛ إذ لا فرق بين صفة وصفة ~~من هذه الحيثية. # الثالث: أن تكون الجملة حالا (و) التقدير: أم حسب الكفار أن نصيرهم مثل ~~المؤمنين في حال استواء محياهم ومماتهم؟! ليسوا كذلك بل هم ~~مقترفون. وهذا هو الظاهر عند أبي حيان وعلى الوجهين الأخيرين تكون الجملة ~~داخلة في حيز الحسبان، وإلى ذلك نحا ابن عطية فإنه قال: مقتضى هذا ~~الكلام أن لفظ الآية خبر، ويظهر أن قوله: سواء محياهم ومماتهم داخل في ~~الحسبة المنكرة السيئة، وهذا احتمال حسن، والأول جيد انتهى. ولم يبين ~~كيفية دخوله في الحسبان وكيفة أحد الوجهين الأخيرين إما البدل وإما ~~الحالية كما عرفته. وقرأ الأعمش " سواء " نصبا محياهم ومماتهم. # بالنصب أيضا، فأما سواء فمفعول ثان، أو حال كما تقدم. وأما نصب محياهم ~~ومماتهم ففيه وجهان: # أحدهما: أن يكونا ظرفي زمان، وانتصبا على البدل من مفعول (نجعلهم) بدل ~~اشتمال ويكون سواء على هذا هو المفعول الثاني، والتقدير: أن نجعل ~~محياهم ومماتهم (سواء). # والثاني: أن ينتصبا على الظرف الزماني، والعامل إما الجعل أو سواء، ~~والتقدير أن نجعلهم في هذين الوقتين سواء أو نجعلهم مستويين في ~~هذين الوقتين. # قال الزمخشري مقررا لهذه الوجه: ومن قرأ بالنصب جعل " محياهم ~~ومماتهم " ظرفين كمقدم الحاج وخفوق النجم. قال أبو حيان: ~~وتمثيله بخفوق النجم ليس بجيد، لأن خفوق مصدر ليس على مفعل فهو في ~~الحقيقة على حذف مضاف أي وقت خفوق (النجم) بخلاف (محيا) و(ممات) ~~و(مقدم) فإنها موضوعة على الاشتراك بين ثلاثة معان المصدرية والزمانية ~~والمكانية فإذا استعملت مصدرا كان ذلك بطريق الوضع، لا على حذف مضاف ~~كخفوق، فإنه لا بد من حذف مضاف، لكونه موضوعا للمصدرية وهذا أمر قريب، ~~لأنه إنما أراد أنه وقع هذا اللفظ مرادا به الزمان. أما كونه بطريق ~~الأصالة ms7824 أو الفرعية فلا يضر ذلك. والضمير في " محياهم ومماتهم " يجوز أن ~~يعود على القبيلين بمعنى أن محيا المؤمنين ومماتهم سواء عند الله في ~~الكرامة، ومحيا المجترحين ومماتهم سواء في الإهانة عنده. فلف الكلام ~~اتكالا على ذهن السامع وفهمه. ويجوز أن يعود على المجترحين فقط أخبر أن ~~حالهم في الزمانين سواء. وقال أبو البقاء: ويقرأ مماتهم بالنصب أي ~~محياهم ومماتهم. والعامل: نجعل أو سواء. وقيل: هو ظرف. قال شهاب الدين: ~~هو القول الأول بعينه. # (فصل) # لما بين الله تعالى الفرق بين الظالمين وبين المتقين من الوجه المتقدم ~~بين الفرق بينهما من وجه آخر فقال: { أم حسب الذين اجترحوا ~~السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات } (و) كلمة وضعت للاستفهام عن شيء حال كونه معطوفا على ~~شيء آخر سواء كان ذلك المعطوف مذكورا أو مضمرا. والتقدير: هنا: أفيعلم ~~المشركون هنا أم يحسبون أنا نتولاهم كما نتولى المتقين. والاجتراح: ~~الاكتساب أي اكتسبوا المعاصي والكفر، ومنه الجوارح، وفلان جارحة أهله، أي ~~كاسبهم. قال تعالى: # ويعلم ما جرحتم بالنهار # [الأنعام:60]. وقال الكلبي: نزلت هذه الآية في علي وحمزة، وأبي عبيدة ~~بن الجراح رضي الله عنهم وفي ثلاثة من المشركين عتبة، وشيبة، ~~والوليد بن عتبة قالوا للمؤمنين: والله ما أنتم على شيء فلو كان ما ~~تقولونه حقا لكان حالنا أفضل من حالكم في الآخرة كما كنا أفضل حالا ~~منكم في الدنيا. فأنكر الله عليهم هذا الكلام، وبين أنه لا يمكن أن يكون ~~حال المؤمن المطيع مساويا لحال الكافر العاصي في درجات الثواب ومنازل ~~السعادات. ثم قال: { سواء محياهم ومماتهم }. قال مجاهد عن ابن ~~عباس: معناه أحسبوا أن حياتهم ومماتهم كحياة المؤمنين؟! كلا فإنه ~~يعيشون كافرين ويموتون كافرين والمؤمنون يعيشون مؤمنين ويموتون مؤمنين، ~~فالمؤمن ما دام حيا في الدنيا فإن وليه هو الله وأنصاره المؤمنون ~~وحجة الله معه. الكافر بالضد منه، كما ذكره الله تعالى في قوله: { ~~وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض } { والله ولي ~~المتقين } والمؤمنون تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون: سلام عليكم ~~أدخلوا الجنة بما كنتم تعملون ms7825 وأما الكفار فتتوفاهم ~~الملائكة ظالمي أنفسهم. # وأما في القيامة فقال تعالى: # وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه ~~يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة أولئك هم ~~الكفرة الفجرة # [عبس:3842] وقيل: معنى الآية لا يستوون في الممات، كما استووا في ~~الحياة، لأن المؤمن والكافر قد يستويان في الصحة والرزق والكفاية، بل قد ~~يكون الكافر أرجح حالا من المؤمن، وإنما يظهر الفرق بينهم في الممات. ~~وقيل: إن قوله { سوآء محياهم ومماتهم } مستأنف والمعنى ~~أن محيا المؤمنين ومماتهم سواء وكذلك محيا الكفار ومماتهم سواء أي كل ~~يموت على حسب ما عاش عليه. ثم إنه تعالى صرح بإنكار التسوية فقال: { ~~سآء ما يحكمون } أي بئس ما يقضون. قال مسروق: قال لي رجل من أهل ~~مكة هذا مقام أخيك تميم الداري، لقد رأيته ذات ليلة حتى أصبح أو ~~قرب أن يصبح يقرأ آية من كتاب الله يركع بها ويسجد (بها) ويبكي { أم ~~حسب الذين اجترحوا السيئات... } الآية. # قوله تعالى: { وخلق الله السموات والأرض بالحق } لما بين أن المؤمن لا ~~يساوي الكافر في درجات السعادة أتبعه بالدلائل الظاهرة على صحة هذه ~~الفتوى فقال: { وخلق الله السماوات والأرض بالحق } ~~أي لو لم يوجد البعث لما كان ذلك بالحق بل كان بالباطل لأنه تعالى لو خلق ~~الظالم وسلطه على المظلوم الضعيف ولا ينتقم للمظلوم من الظالم كان ظالما ~~ولو كان ظالما لبطل أنه ما خلق السموات والأرض إلا بالحق. وتقدم تقريره ~~في سورة يونس. # قوله: " بالحق " فيه ثلاثة أوجه إما حال من الفاعل، أو من المفعول ~~أو الباء للسببية. # قوله: " ولتجزى " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون عطفا على " بالحق " في المعنى، لأن كلا منهما سبب ~~فعطف الصلة على مثلها. # الثاني: أنها معطوفة على معلل محذوف، والتقدير: خلق الله السموات ~~والأرض ليدل بها على قدرته ولتجزى كل نفس والمعنى أن المقصود من خلق ~~هذا العالم إظهار العدل والرحمة، وذلك لا يتم إلا إذا حصل البعث ~~والقيامة، وحصل التفاوت بين الدركات والدرجات بين المحقين والمبطلين. # الثالث: أن تكون لام الصيرورة أي ms7826 وصار الأمر منها من يث اهتدى بها قوم ~~وضل عنها آخرون. # قوله: " أفرأيت " بمعنى أخبرني وتقدم حكمها مشروحا، المفعول الأول ~~من اتخذ والثاني محذوف، تقديره: بعد غشاوة أيهتدي؟ ودل عليه قوله: " ~~فمن يهديه ". # وإنما قدرت بعد غشاوة، لأجل صلات الموصول. واعلم أنه تعالى عاد إلى شرح ~~أحوال الكفار، وقبائح طرائقهم فقال: { أفرأيت من اتخذ ~~إلهه هواه } قال ابن عباس والحسن وقتادة: وذلك الكافر اتخذ دينه ~~ما يهواه، فلا يهوى شيئا إلا ركبه، لأنه لا يؤمن بالله ولا يخافه. # وقرىء " آلهته " هواه، لأنه كلما مال طبعه إلى شيء اتبعه والمعنى ~~اتخذ معبوده هواه، فيعبد ما تهواه نفسه. قال سعيد بن جبير: كانت العرب ~~يعبدون الحجارة والذهب والفضة فإذا وجدوا شيئا أحسن من الأول رموه ~~وكسروه وعبدوا الآخر. قال الشعبي: إنما سمي الهوى لأنه يهوي بصاحبه في ~~النار. قوله: " على علم " حال من الجلالة أي كائنا على علم ~~منه بعاقبة أمره أنه أهل لذلك. # وقيل: حال من المفعول، أي أضله وهو عالم، وهذا أشنع له. وقرأ ~~الأعرج: آلهة على الجمع، وعنه كذلك مضافة لضميره آلهته هواه. # قوله: { وختم على سمعه وقلبه } يسمع الهوى وقلبه لم يعقل الهدى وهو ~~المراد من قوله: # ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى ~~أبصارهم غشاوة # [البقرة:7] وقد تقدم. # قوله: " غشاوة " قرأ الأخوان غشوة بفتح الغين، وسكون الشين. والأعمش ~~وابن مصرف كذلك إلا أنهما كسرا الغين. وباقي السبعة غشاوة بكسر الغين. ~~وابن مسعود والأعمش أيضا بفتحها وهي لغة ربيعة والحسن وعكرمة. وعبدالله ~~أيضا بضمها، وهي لغة محكية وتقدم الكلام في ذلك في أول سورة البقرة، ~~وأنه قرىء هناك بالعين المهملة. # قوله: { فمن يهديه من بعد الله } أي من بعد إضلال الله ~~إياه. قال الواحدي: ليس يبقى للقدرية مع هذه الآية عذر ولا حيلة؛ لأن ~~الله تعالى صرح منعه إياهم عن الهدى بعد أن أخبر أنه ختم على سمع هذا ~~الكافر وقلبه وبصره. ثم قال: { أفلا تذكرون } قرأ العامة ~~بالتشديد، والجحدري بتخفيفها والأعمش تتذكرون بتاءين. # قوله: { وقالوا ما هي ms7827 إلا حياتنا الدنيا } تقدم ~~نظيره. وقرأ زيد بن على نحيا بضم النون. # فإن قيل: الحياة متقدمة على الموت في الدنيا فمنكر القيامة كان يجب أن ~~يقول: نحيا ونموت، فما السبب في تقديم ذكر الموت على الحياة؟. # فالجواب: من وجوه: # الأول: المراد بقوله: " نموت " حال كونهم نطفا في أصلاب الآباء ~~وأرحام الأمهات وبقوله: " نحيا " ما حصل بعد ذلك في الدنيا. # الثاني: نموت نحن ونحيا بسبب بقاء أولادنا. # الثالث: قال الزجاج: الواو للاجتماع والمعنى: يموت بعض ويحيا بعض. # الرابع: قال ابن الخطيب: إنه تعالى قدم ذكر الحياة فقال: { ما هي ~~إلا حياتنا الدنيا } ثم قال بعده: { نموت ونحيا } يعني ~~أن تلك الحياة منها ما يطرأ عليها الموت وذلك في حق الذين ماتوا ومنها ما ~~لم يطرأ عليه الموت بعد، وذلك في حق الأحياء الذين لم يموتوا بعد. # قوله: { وما يهلكنآ إلا الدهر } أي وما يفنينا إلا مر ~~الزمان، وطول العمر، واختلاف الليل والنهار { وما لهم بذلك } ~~الذي قالوه { من علم } أي لم يقولوه عن علم علموه { إن هم ~~إلا يظنون }. # روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~: # " قال الله تعالى: " لا يقل ابن آدم يا خيبة الدهر ~~فإني أنا الدهر أرسل الليل والنهار فإذا شئت ~~قبضتها " " # وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا يسب أحدكم الدهر فإن الدهر هو الله، ولا ~~يقولن للعنب الكرم، فإن الكرم هو الرجل ~~المسلم " # ومعنى الحديث أن العرب كان من شأنها ذم الدهر وسبه عند النوازل، لأنهم ~~كانوا ينسبون إليه ما يصيبهم من المصائب والمكاره فيقولون: أصابتهم ~~قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، كما أخبر الله عنهم: { وما يهلكنآ ~~إلا الدهر } فإذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من الشدائد سبوا ~~فاعلها فكان يرجع سبهم إلى الله عز وجل ؛ إذ هو الفاعل في الحقيقة ~~للأمور التي يضيفونها إلى الدهر فنهوا عن سب الدهر. # قوله تعالى: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما ~~كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبآئنآ إن كنتم ms7828 ~~صادقين } قرأ العامة بنصب " حجتهم ". وزيد بن علي، وعمرو بن ~~عبيد، وعبيد ابن عمرو بالرفع وتقدم تأويل ذلك و " ما كان " جواب " ~~إذا " الشرطية. وجعله أبو حيان دليلا على عدم إعمال جواب " إذا " فيها ~~لأن " ما " لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. قال: وخالفت غيرها من أدوات ~~الشرط، حيث لم يقترن بالفاء جوابها إذا نفي بما. # فصل # سمى قولهم حجة لوجوه: # الاول: لزعمهم أنه حجة. # الثاني: أن من كانت حجته هذا فليس له ألبتة حجة كقوله: # 4445............................... # تحية بينهم ضرب وجيع # الثالث: أنهم ذكروها في معرض الاحتجاج بها. واعلم أنهم احتجوا على إنكار ~~البعث بهذه الشبهة وهي شبهة ضعيفة جدا، لأنه ليس كل ما لا يحصل في الحال ~~يجب أن يمتنع حصوله فإن كان حصول كل واحد منا كان معدوما من الأزل إلى ~~الوقت الذي خلقنا فيه، ولو كان عدم الحصول في وقت معين يدل على امتناع ~~الحصول لكان عدم حصولنا في الأزل إلى وقت خلقنا يدل على امتناع حصولنا ~~وذلك باطل. # قوله تعالى: { قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم ~~يجمعكم إلى يوم القيامة }. # فإن قيل: هذا الكلام مذكور لأجل جواب من يقول: { ما هي إلا حياتنا ~~الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر } وهذا القائل ينكر وجود الإله ~~ووجود القيامة فكيف يجوز إبطال كلامه بقوله: { قل الله يحييكم ~~}؟ وهل هذا إلا إثبات الشيء بنفسه، وهو باطل؟!. # فالجواب: أنه تعالى ذكر الاستدلال بحدوث الحيوان والإنسان على وجود ~~الإله القادر الفاعل الحكيم مرارا فقوله: ههنا: { قل الله ~~يحييكم } إشارة إلى تلك الدلائل التي بينها وأوضحها مرارا، وليس ~~المقصود من ذكر هذا الكلام إثبات الإله، بل المقصود منه التنبيه على ما ~~هو الدليل الحق القاطع في نفس الأمر. # ولما ثبت أن الإحياء من الله، وثبت أن الإعادة مثل الإحياء ألأول، وثبت ~~أن القادر على الشيء قادر على مثله ثبت أن الله تعالى قادر على الإعادة، ~~وثبت أن الإعادة ممكنة في نفسها وثبت أن القادر الحكيم أخبر عن وقت ~~وقوعها فوجب القطع بكونها حقا. ms7829 وقوله تعالى: { ثم يجمعكم ~~إلى يوم القيامة لا ريب فيه } إشارة إلى ما تقدم في ~~الآية المتقدمة، وهو أن كونه تعالى عادلا خالقا منزها عن الجوز ~~والظلم يقتضي صحة البعث والقيامة، ثم قال: { ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون } دلالة حدوث الإنسان والحيوان والنبات على ~~وجود الإله القادر الحكيم، ولا يعلمون أيضا أنه تعالى لما كان قادرا ~~على الإيجاد ابتداء، وجب أن يكون قادرا على الإعادة ثانيا. ### || [45.27-37] # قوله تعالى: { ولله ملك السماوات والأرض... } الآية ~~لما احتج بكونه قادرا على الإحياء في المرة الثانية في الآيات المتقدمة، ~~عمم الدليل فقال: { ولله ملك السماوات والأرض } أي ~~لله القدرة على جميع الكائنات سواء كانت في السموات أو في الأرض وإذا ثبت ~~كونه تعالى قادرا على كل الممكنات وثبت أن حصول الحياة في هذه الدار ~~ممكن إذ لو لم يكن ممكنا لما حصل في المرة الأولى، فيلزم من هاتين ~~المقدمتين كونه تعالى قادرا على الإحياء في المرة الثانية. ولما بين ~~تعالى إمكان القول بالحشر والنشر في هذين الطريقين، ذكر تفاصيل أحوال ~~القيامة فأولها: قوله: { ويوم تقوم الساعة } في عامله وجهان: # أحدهما: أنه " يخسر " و " يومئذ " بدل من " يوم تقوم ". والتنوين ~~على هذا تنوين عوض عن جملة مقدرة ولم يتقدم من الجمل إلا " تقوم الساعة " ~~فيصير التقدير: ويوم تقوم الساعة يومئذ تقوم الساعة. وهذا الذي قدروه ليس ~~فيه مزيد فائدة، فيكون بدلا توكيديا. # والثاني: أن العامل فيه مقدر، قالوا لأن يوم القيامة حالة ثالثة ليست ~~بالسماء ولا الأرض، لأنهما يتبدلان فكأنه قيل: ولله ملك السموات والأرض ~~والملك يوم تقوم. ويكون قوله: " يومئذ " معمولا ليخسر، والجملة ~~مستأنفة من حيث اللفظ، وإن كان لها تعلق بما قبلها من حيث ~~المعنى. # فصل # اعلم أن الحياة والعقل والصحة كأنها رأس مال، والتصرف فيها بطلب ~~السعادة الأخروية يجري مجرى تصرف التاجر في ماله لطلب الربح والكفار ~~قد أتعبوا أنفسهم في تصرفاتهم بالكفر والأباطيل فلم يجدوا في ذلك اليوم ~~إلا الحرمان والخذلان ودخول النار وذلك في الحقيقة نهاية الخسران. # وثانيها: قوله: ms7830 { وترى كل أمة جاثية } الظاهر أن الرؤية ~~بصرية فيكون " جاثية " حال, قال الليث: الجثو الجلوس على الركب ~~كالجثي بين يدي الحاكم، وذلك لأنها خائفة والمذنب مستوفز. ~~وقيل: مجتمعة، ومنه الجثوة للقبر لاجتماع الأحجار عليه، قال (الشاعر) ~~(رحمه الله): # 4446 ترى جثوتين من تراب عليهما # صفائح صم من صفيح منضد # قال ابن عباس (رضي الله عنهما) جاثية مجتمعة مرتقبة لما يعمل بها. ~~قال الزمخشري وقرىء: جاذية بالذال المعجمة قال: والجذو أشد من ~~الجثو، لأن الجاذي هو الذي يجلس على أطراف أصابعه، وهو أشد ~~استيفازا من الجاثي. # قوله: " كل أمة " العامة على الرفع بالابتداء، و " تدعى " خبرها. ~~ويعقوب بالنصب على البدل من " كل أمة " الأولى، بدل نكرة موصوفة من ~~مثلها. # قوله: " إلى كتابها " أي إلى صحائف أعمالها، فاكتفي باسم الجنس ~~كقوله تعالى بعد ذلك: { فأما الذين آمنوا }. قال سلمان ~~الفارسي: إن في القيامة ساعة هي عشر سنين، يخر الناس فيها جثاة ~~على ركبهم، حتى إبراهيم ينادي ربه لا أملك إلا نفسي. # قوله: " اليوم تجزون " هذه الجملة معمولة لقول مضمر، التقدير: ~~يقال لهم اليوم تجزون و " اليوم " معمول لما بعده و " ما ~~كنتم " هو المفعول الثاني. # فإن قيل: الجثو على الركب إنما يليق بالخائف، والمؤمنون لا خوف عليهم ~~يوم القيامة!. # فالجواب: أن الجاثي الآمن قد يشارك المبطل في مثل هذه الحالة (إلى) أن ~~يظهر كونه محقا. # فإن قيل: كيف أضيف الكتاب إليهم وإلى الله تعالى؟. # فالجواب: لا منافاة بين الأمرين، لأنه كتابهم، بمعنى أنه الكتاب المشتمل ~~على أعمالهم، وكتاب الله بمعنى أنه هو الذي أمر الملائكة بكتبه. # قوله: { ينطق عليكم بالحق } أي يشهد عليكم بأعمالكم من غير ~~زيادة ولا نقصان. وقيل: المراد بالكتاب اللوح المحفوظ. و " ينطق " يجوز ~~أن يكون حالا، وأن يكون خبرا ثانيا، وأن يكون " كتابنا " بدلا و " ~~ينطق " خبر وحده و " بالحق " حال. # قوله: { إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون } أي نأمر ~~الملائكة بنسخه أعمالكم أي بكتبها وإثباتها عليكم وقيل: نستنسخ أي نأخذ ~~نسخة، وذلك أن الملكين يرفعان عمل الإنسان ms7831 فيثبت الله منه ما كان إلا ~~ثواب أو عقاب، ويطرح منه اللغو، نحو قولهم: هلم، واذهب، فالاستنساخ من ~~اللوح المحفوظ تنسخ الملائكة كل عام ما يكون من أعمال بني آدم. ~~والاستنساخ لا يكون إلا من أصل كما ينسخ كتاب من كتاب. وقال الضحاك: ~~نستنسخ أي نثبت. وقال السدي: نكتب. وقال الحسن: نحفظ. ثم بين ~~أحوال المطيعين فقال: { فأما الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ذلك هو ~~الفوز المبين } فوصفهم بالعمل الصالح بعد وصفهم بالإيمان يدل على ~~أن العمل الصالح مغاير للإيمان زائد عليه. # فصل # قالت المعتزلة: علق الدخول في رحمة الله على كونه آتيا بالإيمان ~~والعمل الصالح والمعلق على مجموع أمرين يكون عدما عند عدم أحدهما، فعند ~~عدم الأعمال الصالحة يجب أن لا يحصل الفوز بالجنة!. # وأجيب: بأن تعليق الحكم على الوصف لا يدل على عدم الحكم عند عدم ~~الوصف. # فصل # سمى الثواب رحمة، والرحمة إنما يصح تسميتها بهذا الاسم إذا لم (تكن) ~~واجبة، فوجب أن لا يكون الثواب واجبا على الله تعالى. # قوله: { وأما الذين كفروا أفلم تكن } هذا على إضمار ~~القول أيضا، وقدر الزمخشري على عادته جملة بين الهمزة والفاء أي ألم ~~تأتكم رسلي فلم تكن آياتي؟. # فصل # ذكر الله المؤمنين والكافرين ولم يذكر قسما ثالثا، وهذا يدل على أن ~~مذهب المعتزلة في إثبات منزلة بين المنزلتين باطل، وفي الآية دليل على أن ~~استحقاق العقوبة، لا يحصل إلا بعد مجيء الشرع وعلى أن الواجبات لا تجب ~~إلا بالشرع خلافا للمعتزلة في قولهم: إن بعض الواجبات قد تجب بالعقل. # قوله: { وإذا قيل إن وعد الله حق } العامة على كسر ~~الهمزة لأنها محكية بالقول، والأعرج وعمرو بن فائد بفتحها. وذلك ~~مخرج على لغة سليم يجرون القولم مجرى الظن مطلقا ومنه ~~قوله: # 4447 إذا قلت أني آيب أهل بلدة # ........................... # قوله: " والساعة " قرأ حمزة بنصبها عطفا على " وعد الله " ~~الباقون برفعها، وفيه ثلاثة أوجه: # الأول: الابتداء، ما بعدها من الجملة المنفية خبرها. # الثاني: العطف على محل إن واسمها معا، لأن ms7832 بعضهم كالفارسي والزمخشري ~~يرون أن ل " إن " واسمها موضعا وهو الرفع بالابتداء. # قوله: " إلا ظنا " هذه الآية لا بد فيها من تأويل، وذلك أنه يجوز ~~تفريغ العامل لما بعده من جميع معمولاته مرفوعا كان أم غير مرفوع، إلا ~~المفعول المطلق، فإنه لا يفرغ له، لا يجوز: ما ضربت إلا ضربا ~~لأنه لا فائدة، وذلك أنه بمنزلة تكرير الفعل، فكأنه في قوة: ما ضربت ~~إلا ضربا لأنه لا فائدة فيه، وذلك أنه بمنزلة تكرير الفعل، فكأنه في ~~قوة: ما ضربت إلا ضربت. قاله مكي وأبو البقاء. وقال الزمخشري: ~~فإن قلت: ما معنى: إن نظن إلا ظنا؟ قلت: أصله نظن ظنا، ~~ومعناه إثبات الظن حسب، وأدخل حرف النفي والاستثناء ليفاد إثبات الظن ~~ونفي ما سواه ويزيد نفي ما سوى الظن توكيدا بقوله: { وما نحن ~~بمستيقنين }. فظاهر كلامه أنه لا يتأول الآية بل حملها على ~~ظاهرها. # قال أبو حيان: وهذا كلام من لا شعور له بالقاعدة النحوية من أن ~~التفريغ يكون في جميع المعمولات من فاعل أو مفعول وغيرهما إلا المصدر ~~المؤكد، فإنه لا يكون فيه. # وقد اختلف الناس في تأويلها على أوجه: # أحدها: ما قاله المبرد وهو أن الأصل: إن نحن إلا نظن ظنا ~~قال: ونظيره ما حكاه أبو عمرو: ليس الطيب إلا المسك. تقديره ليس ~~إلا الطيب المسك. قال شهاب الدين: يعني أن اسم " ليس " ضمير الشأن ~~مستتر فيها و " إلا الطيب المسك " في محل نصب خبرها. وكأنه خفي عليه أن ~~لغة تميم إبطال عمل ليس إذا انتقض نفيها " بإلا " قياسا على " ما ~~الحجازية ". والمسألة طويلة مذكورة في كتب النحو، وعليها حكاية جرت ~~بين أبي عمرو، وعيسى ببن عمر. # الثاني: أن " ظنا " له صفة محذوفة تقديره: إلا ظنا بينا، ~~فهو مختص لا مؤكد. # الثالث: أن يضمن (نظن) معنى " نعتقد " فينتصب " ظنا " مفعولا به لا ~~مصدرا. # الرابع: أن الأصل إن نظن إلا أنكم تظنون ظنا، فحذف ~~هذا كله وهو معزو للمبرد أيضا. وقد رده عليه من حيث إنه حذف إن ~~واسمها وخبرها ms7833 وأبقى المصدر. # وهذا لا يجوز. # الخامس: أن الظن يكون بمعنى العلم والشك، فاستثني الشك كأنه قيل: مالنا ~~اعتقاد إلا الشك. ومثل الآية قول الأعشى: # 4448 وحل به الشيب أثقاله # وما اغتره الشيب إلا اغترارا # يريد اغترارا بينا. # فصل # قال ابن الخطيب: القوم كانوا في هذه المسألة على قولين، منهم من كان ~~قاطعا ينفي البعث والقيامة وهم المذكورون في قوله تعالى: # وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا # [الجاثية:24] ومنهم من كان شاكا متحيرا فيه لأنهم من كثرة ما سمعوه ~~من الرسول عليه الصلاة والسلام ولكثرة ما سمعوه من دلائل القول ~~بصحته صاروا شاكين فيه، وهم المذكورون فيه هذه الآية، ويدل على ذلك أنه ~~تعالى حكى مذهب أولئك القاطعين، ثم أتبعه بحكاية قول هؤلاء، فوجب كون ~~هؤلاء مغايرين للفريق الأول. ثم قال: " وبدا لهم من الله " أي ~~الآخرة { سيئات ما عملوا } أي جزاؤها { وحاق بهم ما ~~كانوا به يستهزئون } وهذا كالدليل على أن هذه الفرقة لما ~~قالوا: إن نظن إلا ظنا إنما ذكروه استهزاء وسخرية، وعلى هذا الوجه ~~فصار ذلك أول خسرانهم، فهذا الفريق أسوأ من الفريق الأول، لأن الأولين ~~كانوا منكرين، وما كانوا مستهزئين وهؤلاء ضموا إلى الإصرار على ~~الإنكار الاستهزاء. # قوله: { وقيل اليوم ننساكم } أن نترككم في العذاب، كما تركتم ~~الإيمان والعمل ولقاء هذا اليوم. وقيل: نجعلكم بمنزلة الشيء المنسي غير ~~المبالى به، كما لم تبالوا أنتم بلقاء يومكم هذا ولم تلتفتوا إليه. # قوله: { لقآء يومكم } هذا من التوسع في الظرف، حيث أضاف إليه ما ~~هو واقع فيه، كقوله: # بل مكر الليل والنهار # [سبأ:33]. # قوله: { ومأواكم النار وما لكم من ناصرين } فجمع ~~الله عليهم من وجوه العذاب، ثلاثة أشياء، قطع الرحمة عنهم، وصير مأواهم ~~النار، وعدم الأنصار، ثم بين تعالى أن يقال لهم: إنما صرتم مستحقين لهذه ~~الوجوه الثلاثة من العذاب، لأنكم أتيتم ثلاثة أنواع من الأعمال القبيحة، ~~وهي الإصرار على إنكار الدين الحق والاستهزاء به، والسخرية والاستغراق في ~~حب الدنيا، وهو المراد بقوله تعالى: { ذلكم بأنكم اتخذتم ~~آيات الله ms7834 هزوا وغرتكم الحياة الدنيا }. # قوله: { فاليوم لا يخرجون منها ولا هم ~~يستعتبون } تقدم الخلاف في قوله: { لا يخرجون منها } في أول ~~الأعراف، وأن حمزة والكسائي قرءا بفتح الياء وضم الراء، والباقون بضم ~~الياء وفتح الراء. { ولا هم يستعتبون } لا يطلب منهم أن يرجعوا إلى طاعة ~~الله، لأنه لا يقبل في ذلك اليوم عذر ولا توبة قوله تعالى: { فلله ~~الحمد رب السماوت ورب الأرض رب العالمين } ~~قرأ العامة " رب " في الثلاثة بالجر تبعا للجلالة، بيانا، أو بدلا، ~~أو نعتا، وابن محيصن برفع الثلاثة على المدح بإضمار " هو ". # قوله: { وله الكبريآء في السماوات } يجوز أن يكون " في ~~السموات " متعلقا بمحذوف حالا من " الكبرياء " وأن يتعلق بما تعلق ~~به الظروف الأول، لوقوعه خبرا. # ويجوز أن يتعلق بنفس " الكبرياء " لأنها مصدر. وقال أبو البقاء: " وأن ~~يكون يعني في السموات ظرفا والعامل فيه الظرف الأول، والكبرياء، ~~لأنها بمعنى العظمة ". قال شهاب الدين: ولا حاجة إلى تأويل الكبرياء ~~بمعنى العظمة فإنها ثابتة المصدرية. # فصل # لما تم الكلام في المباحث الروحانية ختم السورة بتحميد الله تعالى ~~فقال: { فلله الحمد رب السماوت ورب الأرض رب ~~العالمين } أي فاحمدوا الله الذي هو خالق السموات والأرضين، بل خالق ~~كل العالمين من الأجسام والأرواح والذوات والصفات، فإن هذه الربوبية ~~توجب الحمد والثناء على كل من المخلوقين والمربوبين. # ثم قال: { وله الكبريآء في السماوات والأرض وهو ~~العزيز الحكيم } يعني بكمال قدرته، يقدر على خلق أي شيء أراد، ~~(و) (ه) بكمال حكمته يخص كل نوع من مخلوقاته بآثار الحكمة والرحمة. # وقوله: { وهو العزيز الحكيم } يفيد أن الكامل في القدرة وفي ~~الحكمة وفي الرحمة ليس إلا هو. روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يقول الله عز وجل: " الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري ~~فمن نازعني واحدا منهما أدخلته النار " ". # وروى أبي بن كعب (رضي الله عنه ) قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " من قرأ سورة حم الجاثية ستر الله عورته وسكن ~~روعته يوم الحساب ". ### | [46 - سورة ms7835 الأحقاف] ### || [46.1-8] # قوله تعالى: { حم تنزيل الكتاب من الله العزيز ~~الحكيم ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهمآ ~~إلا بالحق وأجل مسمى } تقدم الكلام على نظير ذلك. ~~والمراد ههنا بالأجل المسمى يوم القيامة، وهو الأجل الذي ينتهي إليه ~~السموات والأرض وهو إشارة إلى قيامها. # قوله: { والذين كفروا عمآ أنذروا } يجوز أن تكون " ما " ~~مصدرية أي عن إنذارهم أو بمعنى الذي أي عن الذي أنذروه و " عن " ~~متعلقة بالإعراض و " معرضون " خبر الموصول. # قوله: { قل أرأيتم } حكم " أرأيتم ". ووقع بعد هذه " أروني ~~" فاحتملت وجهين: # أحدهما: أن تكون توكيدا لها، ولأنهما بمعنى أخبروني، وعلى هذا يكون ~~المفعول الثاني (لأرأيتم) قوله " ماذا خلقوا " إلا أنه ~~استفهام، والمفعول الأول هو قوله: " ما تدعون ". # الوجه الثاني: أن لا تكون مؤكدة لها وعلى هذا تكون المسألة من باب ~~التنازع، لأن (أرأيتم) يطلب ثانيا و " أروني " كذلك، وقوله: " ~~ماذا خلقوا " هو المتنازع فيه، وتكون المسألة من إعمال الثاني، ~~والحذف من الأول. # وجوز ابن عطية في " أرأيتم " أن لا يتعدى، وجعل " ما تدعون " ~~استفهاما معناه التوبيخ. وقال: " وتدعون " معناه تبعدون. وهذا رأي ~~الأخفش، وقد قال بذلك في قوله: # قال أرءيت إذ أوينآ إلى الصخرة # [الكهف:63] وقد تقدم. # قوله: " من الأرض " هذا بيان للإبهام الذين في قوله: " ماذا ~~خلقوا ". # قوله: " أم لهم " هذه " أم " المنقطعة، والشرك المشاركة، ~~وقوله: " من قبل هذا " صفة لكتاب أي بكتاب منزل من قبل هذا، ~~كذا قدرها أبو البقاء، والأحسن أن يقدر كون مطلق أي كائن من قبل هذا. # قوله: " أو أثارة " العامة على أثارة، وهي مصدر على فعالة، ~~كالسماحة، والغواية والضلالة ومعناها البقية من قولهم: سمنت ~~الناقة على أثارة من لحم إذا كانت سمينة، ثم هزلت، وبقي بقية ~~من شحمها ثم سمنت. والأثارة غلب استعمالها في بقية الشرف، يقال: ~~لفلان أثارة أي بقية شرف، وتستعمل في غير ذلك قال الراعي: # 4449 وذات أثارة أكلت عليها # نباتا في أكمته قفارا # وقيل: اشتقاقها من أثر كذا أي أسنده. ومنه قوله عمر: " ما خلفت ~~به ذاكرا ولا آثرا ms7836 " أي مسندا له عن غيري. وقال الأعشى: # 4450 إن الذي فيه تماريتما # بين للسامع والآثر # وقيل: فيها غير ذلك. وقرأ علي وابن عباس وزيد بن علي ~~وعكرمة في آخرين: أثرة دون ألف. وهي الواحدة وتجمع على أثر، ~~كقترة، وقتر. وقرأ الكسائي: أثرة، وإثرة بضم الهمزة وكسرها ~~مع سكون الثاء. وقتادة والسلمي بالفتح والسكون. # والمعنى بما يؤثر ويروى، أي ائتوني بخبر واحد يشهد بصحة قولكم. ~~وهذا على سبيل التنزيل للعلم بكذب المدعي. و " من علم " صفة ~~لأثارة. # فصل # قال أبو عبيدة والفراء والزجاج أثارة من علم أي بقية. قال ~~المبرد أثارة ما يؤثر من علم كقولك: هذا الحديث يؤثر عن ~~فلان، ومن هذا المعنى سيمت الأخبار والآثار، يقال: جاء في الأثر ~~كذا وكذا. قال الواحدي: وكلام أهل اللغة في هذا الحرف يدور على ثلاثة ~~أقوال: # الأول: الأثارة واشتقاقها من أثرت الشيء أثيره إثارة، كأنها بقية ~~تستخرج فتثار. # والثاني: من الأثر الذي هو الرواية. # والثالث: من الأثر بمعنى العلامة. # قال الكلبي في تفسير الأثارة: أي بقية من علم يؤثر عن الأولين أي يسند ~~إليهم. وقال مجاهد وعكرمة ومقاتل: رواية عن الأنبياء. وقال مجاهد: خاصة ~~من علم. قال ابن الخطيب: وههنا قول آخر في تفسير (قوله) تعالى: { أو ~~أثارة من علم } هو علم الخط الذي يخط في الرمل والعرب كانوا ~~يخطونه وهو علم مشهور. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه ~~خطه علم علمه " # فعلى هذا الوجه معنى الآية ائتوني بعلم من قبل هذا الخط الذي تخطونه في ~~الرمل على صحة مذهبكم في عبادة الأصنام. فإن صح تفسير الآية بهذا الوجه ~~كان ذلك من باب التهكم بهم وأقوالهم ودلائلهم. # قوله: " ومن أضل " مبتدأ وخبر. وقوله " من لا يستجيب " ~~من نكرة موصوفة أو موصولة، وهي مفعولة بقوله: " يدعو ". # قوله: { وهم عن دعآئهم } يجوز أن يكون الضميران عائدين على ~~من في قوله: { من لا يستجيب له } وهم الأصنام ويوقع عليهم من ~~معاملتهم إياها معاملة العقلاء ولأنه ms7837 أراد جميع من عبد من دون ~~الله وغلب العقلاء، ويكون قد راعى معنى " من " فلذلك جمع في قوله: " وهم ~~" بعدما راعى لفظها فأفرد في قوله: " ويستجيب " وقيل: يعود على " ~~من " في قوله: " ومن أضل " وحمل أولا على لفظها، فأفرد في ~~قوله: " يدعو " ، وثانيا على معناها فجمع في قوله: { وهم عن ~~دعآئهم غافلون }. # فصل # " ومن أضل " استفهام على سبيل الإنكار والمعنى لا أحد أبعد عن الحق ~~وأقرب إلى الجهل ممن يدعو من دون الله الأصنام، فيتخذها آلهة ويعبدها، ~~وهي إذا دعيت لا تسمع، ولا تجيب لا في الحال ولا في المآل إلى يوم ~~القيامة. وإنما جعل ذلك غاية، لأن يوم القيامة قد قيل: إنه تعالى يحييها، ~~ويخاطب من يعبدها، فلذلك جعله الله تعالى حدا وإذا قامت القيامة وحشر ~~الناس فهذه الأصنام تعادي هؤلاء العابدين. # واختلفوا فيه فالأكثرون على أنه تعالى يحيي هذه الأصنام يوم القيامة ~~فتتبرأ من عبادتهم. وقيل: المراد عبدة الملائكة وعيسى، فإنهم في يوم ~~القيامة يظهرون عبادة هؤلاء العابدين وهو المراد بقوله: { وإذا حشر ~~الناس كانوا لهم أعدآء وكانوا بعبادتهم ~~كافرين } أي جاحدين كقوله: # تبرأنآ إليك ما كانوا إيانا يعبدون # [القصص:63]. # قوله تعالى: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال ~~الذين كفروا للحق لما جآءهم } هنا أقام ظاهرين مقام ~~مضمرين، إذ الأصل قالوا لها أي للآيات ولكنه أبرزهما ظاهرين لأجل الوصفين ~~المذكورين. واللام في للحق للصلة. # فصل # لما تكلم في تقرير التوحيد، ونفي الأضداد، والأنداد تكلم في النبوة ~~وبين أن محمدا صلى الله عليه وسلم كلما عرض عليهم نوعا من أنواع ~~المعجزات قالوا: هذا سحر أي يسمون القرآن سحرا. # قوله تعالى: { أم يقولون افتراه } أم للإنكار والتعجب كأنه ~~قيل: دع هذا واسمع القول المنكر العجيب ثم بين بطلان شبهتهم فقال: " قل " ~~يا محمد " إن افتريته " على سبيل الفرض، فإن الله يعاملني بعقوبة ~~بطلان ذلك لافتراء، وأنتم لا تقدرون على دفعه فكيف أقدر على هذه ~~الفرية؟ يعني لعقابه، وهو المراد بقوله: { فلا تملكون لي ~~من الله شيئا } أي لا تقدرون أن ms7838 تردوا عني عذابه، وإن ~~عذبني الله على افترائي، فكيف أفتري على الله من أجلكم؟! ونظيره: # فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك ~~المسيح ابن مريم # [المائدة:17] # ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله ~~شيئا # [المائدة:41]. ثم قال: { هو أعلم بما تفيضون فيه } أي ~~الله أعلم بما يخوضون فيه من التكذيب بالقرآن، والقول فيه بأنه سحر. { ~~كفى به شهيدا بيني وبينكم } أي القرآن جاء من عنده ~~فيشهد لي بالصدق ويشهد لكم بالكذب { وهو الغفور الرحيم } لمن ~~رجع عن الكفر وتاب. قال الزجاج: هذا دعاء إلى التوبة، ومعناه غفور لمن ~~تاب منكم رحيم به. ### || [46.9-12] # قوله تعالى: { قل ما كنت بدعا من الرسل... } لما حكى ~~طعنهم في كون القرآن معجزا بقولهم: إنه يختلقه من عند نفسه ثم ينسبه إلى ~~كلام الله تعالى على سبيل الفرية حكى عنهم شبهة أخرى وهي أنهم ~~كانوا يقترحون عليه معجزات عجيبة، ويطالبونه بأن يخبرهم عن المغيبات، ~~فأجاب الله تعالى عن ذلك بقوله: { قل ما كنت بدعا من ~~الرسل }. # قوله: " بدعا " فيه وجهان: # أحدهما: أنه على حذف مضاف تقديره: ذا بدع، قاله أبو البقاء: وهذا ~~على أن يكون البدع مصدرا. # والثاني: أن البدع نفسه صفة على فعل بمعنى بديع كالخف ~~والخفيف؛ والبدع والبديع ما لم ير له مثل، وهو من الابتداع ~~وهو الاختراع. أنشد قطرب: # 4451 فما أنا بدع من حوادث تعتري # رجالا عرت من بعد بؤس وأسعد # قال البغوي (رحمه الله) : (البدع) مثل نصف ونصيف، وجمع ~~البدع أبداع. وقرأ عكرمة وأبو حيوة وابن أبي عبلة: بدع ~~ بفتح الدال جمع بدعة، أي ما كنت ذا بدع. وجوز الزمخشري أن ~~يكون صفة على فعل، كدين قيم، ولحم زيم. قال أبو حيان: ولم ~~يثبت سيبويه صفة على " فعل " إلا قوما عدى. وقد استدرك ~~عليه لحم زيم. أي متفرق. وهو صحيح. وأما قيم فمقصور من قيام, ~~ولولا ذلك لصحت عينه كما صحت في حول وعوض وأما قول العرب: مكان ~~سوى، وماء روى، ورجل رضى، وماء صرى، وسبي ms7839 طيب، فمتأولة عند ~~التصريفيين. قال شهاب الدين: تأويلها إما بالمصدرية أو القصر، كقيم ~~في قيام. وقرأ أبو حيوة أيضا ومجاهد بدع بفتح الباء كسر الدال، وهو ~~وصف كحذر. # فصل # البدع والبديع من كل شيء المبدأ، والبدعة ما اخترع ما لم يكن موجودا ~~قبله. قال المفسرون معناه إني لست بأول مرسل، قد بعث قبلي كثير من ~~الأنبياء فكيف تنكرون نبوتي؟! وكيف تنكرون إخباري بأني رسول الله؟! ~~وقيل: إنهم طلبوا منه معجزة عظيمة وإخبارا عن الغيوب فقال: { قل ما ~~كنت بدعا من الرسل } والمعنى أن الإتيان بهذه المعجزات ~~القاهرة والأخبار عن الغيوب ليس في وسع البشر، وأما جنس الرسل فأنا ~~واحد منهم، فإذا لم يقدروا على ما تريدونه فكيف أقدر عليه؟! وقيل: ~~إنهم كانوا يعيبونه بأنه يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، وبأنه فقير، وأن ~~أتباعه فقراء فقال: { قل ما كنت بدعا من الرسل }. وهم ~~كلهم على هذه الصفة فهذه الأشياء لا تقدح في نبوتي كما لا تقدح في ~~نبوتهم. # قوله: { ومآ أدري ما يفعل بي } العامة على نيابة المفعول. ~~وابن أبي عبلة وزيد بن علي مبنيا للفاعل، أي الله تعالى. والظاهر أن ~~(ما) في قوله: " ما يفعل " استفهامية مرفوعة بالابتداء، وما بعدها ~~الخبر، وهي معلقة " لأدري " عن العمل، فتكون سادة مسد ~~مفعوليها. # وجوز الزمخشري أن تكون موصولة منصوبة، يعني أنها متعدية لواحد، أي ~~لا أعرف الذي يفعله الله. # فصل # في تفسير الآية وجهان: # أحدهما: أن يحمل ذلك على أحوال الدنيا. والثاني: أن يحمل ذلك على أحوال ~~الآخرة. أما الأول ففيه وجوه: # الأول: معناه لا أدري ما يصير إليه أمري وأمركم، ومن الغالب منا ~~ومن المغلوب؟. # الثاني: قال ابن عباس في رواية الكلبي : لما اشتد البلاء بأصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم بمكة رأى في المنام أنه يهاجر إلى أرض ذات ~~نخل وشجر وماء فقصها على الصحابة فاستبشروا بذلك ورأوا أن ذلك فرج ~~مما هم فيه من أذى المشركين. ثم إنهم مكثوا برهة من الدهر لا ~~يرون أثر ذلك فقالوا: يا رسول الله: ms7840 ما رأينا الذي قلت، متى نهاجر ~~إلى الأرض التي رأيتها في المنام؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأنزل الله تعالى: { قل ما كنت بدعا من الرسل ومآ ~~أدري ما يفعل بي ولا بكم } وهو شيء رأيته في المنام وأنا ~~لا أتبع إلا ما يوحيه الله إلي. # الثالث: قال الضحاك: لا أدري ما تؤمرون به، ولا ما أومر به من ~~التكاليف، والشرائع، ولا من الابتلاء والامتحان وإنما أنذكركم بما أعلمني ~~الله به من أحوال الآخرة من الثواب والعقاب، ثم أخبر أنه تعالى يظهر دينه ~~على الأديان فقال: # هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله # [الفتح:28] وقال في أمته: # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان ~~الله معذبهم وهم يستغفرون # [الأنفال:33] فأخبره الله ما يصنع به وبأمته قاله السدي. # الرابع: كأنه يقول: ما أدري ما يفعل بي في الدنيا، أموت أو أقتل، ~~كما قتل الأنبياء قبلي ولا أدري ما يفعل بكم أيها المكذبون ~~أترمون بالحجارة من السماء أو يخسف بكم أو يفعل بكم ما يفعل ~~بسائر الأمم، وأما من حمل الآية على أحوال الآخرة فروى عن ابن عباس أنه ~~قال: لما نزلت هذه الآية فرح المشركون والمنافقون واليهود وقالوا: كيف ~~نتبع نبيا لا يدري ما يفعل به ربه فأنزل الله تعالى: # إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما ~~تقدم من ذنبك وما تأخر # [الفتح:1-2] إلى قوله: # وكان ذلك عند الله فوزا عظيما # [الفتح:5] فقالت الصحابة: هنيئا لك يا نبي الله، قد علمنا ما يفعل بك ~~فما يفعل بنا؟ فأنزل الله عز وجل : # ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من ~~تحتها الأنهار # [الفتح:5] الآية وأنزل: # وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا ~~كبيرا # [الأحزاب:47] فبين الله ما يفعل به وبهم، وهذا قول أنس وقتادة والحسن ~~وعكرمة. # وقالوا: إنما قال هذا قبل أن يخبر بغفران ذنبه وإنما أخبر بغفران ~~ذنبه عام الحديبية فنسخ ذلك قال ابن الخطيب: وأكثر المحققين استبعدوا هذا ~~القول لوجهين: # الأول: أن النبي صلى ms7841 الله عليه وسلم لا بد وأن يعلم من نفسه ~~كونه نبيا، ومتى علم كونه نبيا، علم أنه لا يصدر عنه الكبائر ~~وأنه مغفور له، وإذا كان كذلك امتنع كونه شاكا في أنه هل هو مغفور له ~~أم لا؟. # الثاني: أن الأنبياء أرفع حالا من الأولياء وقد قال في حق هؤلاء: # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون # [الأحقاف:13] فكيف يعقل أن يبقى الرسول الذي هو رئيس الأنبياء وقدوة ~~الأولياء شاكا في أنه هل هو من المغفور لهم؟ فثبت ضعف هذا ~~القول. # قوله: { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } العامة على بناء " ~~يوحى " للمفعول، وقرأ ابن عمر بكسر الحاء على البناء للفاعل وهو الله ~~تعالى. والمعنى إني لا أقول قولا ولا أعمل عملا إلا بمقتضى ~~الوحي. واحتج نفاة القياس بهذه الآية فقالوا: النبي صلى الله عليه ~~وسلم ما قال قولا ولا عمل عملا إلا بالنص الذي أوحاه الله (إليه) ~~فوجب أن يكون حالنا كذلك. ثم قال الله تعالى: { ومآ أنا إلا ~~نذير مبين } لأنهم كانوا يطالبونه بالمعجزات العجيبة، وبالإخبار ~~عن الغيوب فقال: قل ما أنا إلا نذير مبين والقادر على تلك الأعمال ~~الخارجة عن قدرة (البشر والعالم بتلكم الغيوب ليس إلا الله ~~تعالى).. # قوله: { أرأيتم إن كان من عند الله } مفعولا " أرأيتم " ~~محذوفان تقديره أرأيتم حالكم إن كان كذا لستم ظالمين؟ وجواب الشرط ~~أيضا محذوف تقديره: فقد ظلمتم. ولهذا أتى بفعل الشرط ماضيا. وقدره ~~الزمخشري: ألستم ظالمين؟ ورد عليه أبو حيان بأنه لو كان كذلك لوجبت ~~الفاء، لأن الجملة الاستفهامية متى وقعت جوابا للشرط لزمت الفاء. ثم إن ~~كانت أداة الاستفهام همزة فقدمت على الفاء نحو: إن تزرنا أفلا ~~نكرمك؟ وإن كان غيرها تقدمت الفاء عليها نحو: إن تزرنا فهل ~~ترى إلا خيرا؟. # قال شهاب الدين: والزمخشري ذكر أمرا تقديريا فسر به المعنى لا ~~الإعراب. وقال ابن عطية و " أرأيتم " يحتمل أن تكون منبهة، فهي ~~لفظ موضوع للسؤال، لا يقتضي مفعولا. ويحتمل أن تكون الجملة ms7842 كان وما عملت ~~سادة مسد مفعوليها. قال أبو حيان: وهذا خلاف ما قرروه النحاة، وقد ~~تقدم تحقيق ما قرره. وقيل: جواب الشرط هو قوله: { فآمن ~~واستكبرتم }. وقيل: هو محذوف تقديره فمن المحق منا والمبطل؟ ~~وقيل: " فمن أضل ". قال ابن الخطيب: جواب الشرط محذوف، والتقدير أن يقال: ~~إن كان هذا الكتاب من عند الله ثم كفرتم به وشهد شاهد من ~~بني إسرائيل على صحته ثم استكبرتم لكنتم من الخاسرين. # ثم حذف هذا الجواب. ونظيره قوله: " إن أحسنت إليك وأسأت ~~إلي وأقبلت إليك وأعرضت عني فقد ظلمتني " وكذا ~~ههنا التقدير أخبروني إن ثبت أن القرآن من عند الله بسبب عجز الخلق عن ~~معارضته ثم كفرتم به وجعل أيضا شاهده أعلم بني إسرائيل بكونه معجزا من ~~عند الله فلو استكبرتم وكفرتم ألستم أضل الناس وأظلمهم؟ واعلم أن جواب ~~الشرط محذوف في بعض الآيات كما في هذه الآية وكما في قوله تعالى: # ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به ~~الأرض أو كلم به الموتى # [الرعد:13] وقد يذكر كما في قوله تعالى: # قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به ~~من أضل # [فصلت:52] وقوله: # قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا ~~إلى يوم القيامة من إله غير الله # [القصص:71]. # فصل # معنى الآية أخبروني ماذا تقولون " إن كان " يعني القرآن { من ~~عند الله وكفرتم به } أيها المشركون { وشهد شاهد ~~من بني إسرائيل على مثله }. المثل صلة يعني عليه أي ~~على أنه من عند الله فآمن يعني الشاهد " واستكبرتم " عن ~~الإيمان به. واختلفوا في هذا الشاهد فقال قتادة والضحاك وأكثر المفسرين: ~~هو عبدالله بن سلام شهد نبوة المصطفى صلى الله عليه وسلم فآمن به، ~~واستكبر اليهود، فلم يؤمنوا كما روى أنس (رضي الله عنه) قال: # " سمع عبد الله بن سلام بمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأتاه وهو يخترف في أرض، فنظر إلى وجهه، فعلم أنه ليس وجه كذاب، ~~وتأمله فتحقق أنه النبي المنتطر فقال له: إني سائلك عن ثلاثة لا ms7843 ~~يعلمهن إلا نبي، ما أول أشراط الساعة؟ وما أول ~~طعام أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه. فقال صلى ~~الله عليه وسلم أخبرني بهن جبريل آنفا قال: جبريل قال: نعم قال: ~~ذاك عدو اليهود من الملائكة فقرأ هذه الآية: { من كان عدوا ~~لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله ~~مصدقا لما بين يديه } [البقرة:97]. أما أول أشراط الساعة ~~فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب وأما أول طعام يأكله أهل الجنة ~~فزيادة كبد حوت، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل نزعه وإن سبق ماء ~~المرأة نزعته فقال: أشهد أنك رسول الله حقا. ثم قال يا رسول الله: إن ~~اليهود قوم بهت، وإن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني ~~عندك، فجاءت اليهود فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : أي رجل ~~عبد الله فيكم؟ فقالوا: خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا ~~وأعلمنا وابن أعلمنا قال: أفرأيتم (إن أسلم) عبد الله بن سلام؟ ~~فقالوا: أعاذه الله من ذلك. فخرج إليه عبد الله فقال: أشهد أن لا إله ~~إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله فقالوا: أشرنا وابن شرنا ~~وانتقصوه فقال: هذا ما كنت أخاف منه يا رسول الله " # فقال سعد بن أبي وقاص: ما كنا نقول وفي رواية ما سمعت النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد ~~الله بن سلام وفيه نزلت هذه الآية: { وشهد شاهد من بني ~~إسرائيل على مثله }. وقيل: الشاهد: هو موسى بن عمران ~~عليه الصلاة والسلام قال الشعبي: قال مسروق في هذه الآية: والله ~~ما نزلت في عبد الله بن سلام، لأن آل حم نزلت بمكة، وإنما أسلم عبد الله ~~بن سلام بالمدينة قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعامين، ~~فكيف يمكن حمل هذه الآية المكية على واقعة حدثت في عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالمدينة؟! وإنما نزلت الآية في محاجة كانت من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لقومه. وأجاب ms7844 الكلبي بأن السورة مكية إلا ~~هذه الآية فإنها مدنية وكانت الآية تنزل فيأمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يضعها في سورة كذا وكذا، وهذه الآية نزلت بالمدينة وأن ~~الله تعالى أمر رسوله بأن يضعها في السورة المكية في هذا الموضع المعين. ~~قال ابن الخطيب: ولقائل أن يقول: إن الحديث الذي رويتم عن عبد ~~الله بن سلام مشكل؛ لأن ظاهر الحديث يشعر بأنه لما سأل النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن المسائل الثلاث، فلما أجاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم بذلك الجواب آمن عبد الله بن سلام لأجل أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ذكر تلك الجوابات وهذا بعيد من وجهين: # الأول: أن الإخبار عن أول أشراط الساعة وعن أول طعام يأكله أهل الجنة ~~إخبار عن وقوع شيء من الممكنات، وما هذا سبيله فإنه لا يعرف ~~كون ذلك الخبر صدقا إلا إذا عرف أولا كون المخبر صادقا، فلو ~~عرفنا صدق المخبر يكون ذلك الخبر صادقا لزم الدور. وهو محال. # الثاني: أنا نعلم بالضرورة أن الجوابات المذكورة عن هذه المسائل لا يبلغ ~~العلم بها إلى حد الإعجاز ألبتة بل نقول: الجوابات الباهرة عن المسائل ~~الصعبة لما لم يبلغ إلى حد الإعجاز. # والجواب يحتمل أنه جاء في بعض كتب الأنبياء المتقدمين أن رسول آخر ~~الزمان يسأل عن هذه المسائل وهو يجيب عنها بهذه الجوابات وكان عبد ~~الله بن سلام عالما بهذا المعنى ولما سأل النبي صلى الله عليه وسلم ~~أجاب بتلك الأجوبة فلا حاجة بنا إلى أن نقول: العلم بهذه الجوابات ~~معجزة والله أعلم. # وقيل: المراد بالشاهد التوراة. ومثل القرآن هو التوراة فشهد موسى على ~~التوراة، ومحمد على الفرقان، وكل واحد يصدق الآخر، لأن التوراة ~~مشتملة على البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن مصدق التوراة ~~ثم قال: { فآمن واستكبرتم } فلم تؤمنوا { إن الله لا ~~يهدي القوم الظالمين } وهذا تهديد. وهو قائم مقام الجواب ~~المحذوف، والتقدير قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به فإنكم لا ~~تكونون مهتدين بل ms7845 تكونون ضالين. # قوله تعالى: { وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو ~~كان خيرا ما سبقونآ إليه... } في سبب النزول وجوه: # الأول: أن كفار مكمة قالوا: إن عامة من يتبع محمدا الفقراء ~~والأرذال مثل عمار، وصهيب، وابن مسعود ولو كان هذا الدين ~~خيرا ما سبقونا إليه هؤلاء. # والثاني: قيل: لما أسلمت جهينة ومزينة، وأسلم، وغفار، قالت ~~بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع: لو كان هذا خيرا ما سبقنا إليه رعاة ~~البهم. # الثالث: قيل: إن أمة لعمر أسلمت وكان عمر يضربها ويقول: لولا أني ~~فترت لزدتك ضربا فكان كفار قريش يقولون: لو كان ما يدعونا إليه ~~محمد خيرا ما سبقنا إليه. # الرابع: قيلأ: كان اليهود يقولون هذا الكلام حين أسلم عبدالله بن سلام ~~وأصحابه. # قوله: " للذين آمنوا " يجوز أن تكون لام الصلة، أي لأجلهم، يعني ~~أن الكفار قالوا: لأجل إيمان الذين آمنوا، وأن تكون للتبليغ ولو جروا على ~~مقتضى الخطاب لقالوا: ما سبقتمونا ولكنهم التفتوا فقالوا ما سبقونا. ~~والضمير في " كان " و " إليه " عائدان على القرآن، أو ما جاء به الرسول ~~أو الرسول. # قوله: { وإذ لم يهتدوا به } العامل في " إذ " مقدر أي ظهر ~~عنادهم، وتسبب عنه (قوله) " فسيقولون " ولا يعمل في " إذ " ~~فسيقولون، لتضاد الزمانين، أعني المضي والاستقبال ولأجل ~~الفاء أيضا. # فصل # المعنى وإذ لم يهتدوا بالقرآن كما اهتدى به أهل الإيمان فسيقولون هذا ~~إفك قديم كما قالوا: أساطير الأولين. # قوله (تعالى): { ومن قبله كتاب موسى } العامة على كسر ميم " ~~من " حرف جر، وهي مع مجرورها خبر مقدم. والجملة حالية، أو خبر مستأنف ~~وقرأ الكلبي بنصب الكتاب تقديره: وأنزل من قبله كتاب موسى ~~وقرىء: ومن قبله بفتح الميم كتاب موسى بالنصب، على أن " من " ~~موصولة، وهي مفعول أول لآتينا مقدرا، و " كتاب موسى " مفعوله ~~الثاني أي وآتينا الذي قبله كتاب موسى. # قوله: " إماما ورحمة " حالان من " كتاب موسى ". وقيل: منصوبان ~~بمقدر أي أنزلناه إماما ولا حاجة إليه. وعلى كونهما حالين هما ~~منصوبان بما نصب به " من قبل " من الاستقرار. # وقال أبو عبيدة: فيه ms7846 إضمار أي جعلناه إماما ورحمة من الله لمن آمن به. ~~ومعنى الآية: ومن قبل القرآن كتاب موسى يعني التوراة إماما يهتدى به، ~~ورحمة من الله وفي الكلام محذوف تقديره: وتقدمه كتاب موسى إماما ورحمة ~~ولم يهتدوا به كما قال في الآية الأخرى { وإذ لم يهتدوا ~~به }. # قوله: { وهذا كتاب مصدق } أي القرآن يصدق الكتب التي ~~قبله، في أن محمدا رسول من عند الله. # قوله: " لسانا " حال من الضمير في " مصدق " ويجوز أن يكون حالا ~~من " كتاب " والعامل التنبيه، أو معنى الإشادة. و " عربيا " صفة ل " ~~لسانا " وهو المسوغ لوقوع هذه الجامدة حالا، وجوز أبو البقاء أن يكون ~~مفعولا به ناصبه " مصدق " وعلى هذا تكون الإشارة إلى غير القرآن؛ لأن ~~المراد باللسان العربي القرآن. وهو خلاف الظاهر. وقيل: هو على حذف مضاف، ~~أي مصدق ذا لسان عربي وهو النبي صلى الله عليه وسلم وقيل: ~~هو على إسقاط حرف الجرف، أي بلسان وهو ضعيف. # قوله: " لتنذر " متعلق بمصدق، و " بشرى " عطف على محله تقديره: ~~للإنذار وللبشرى. ولما اختلف العلة والمعلول وصل العامل إليه باللام، ~~وهذا فيمن قرأ بتاء الخطاب. فأما من قرأ بياء الغيبة وقد تقدم ذلك في ~~يس فإنهما متحدان. وقيل: بشرى عطف على لفظ " لتنذر " أي ~~فيكون مجرورا فقط. وقيل: هي مرفوعة على خبر ابتداء مضمر تقديره: هي ~~بشرى. ونقل أبو حيان وجه النصب عطفا على محل " لتنذر " عن ~~الزمخشري وأبي البقاء ثم قال: " وهذا لايصح على الصحيح من مذاهب ~~النحويين، لأنهم يشترطون في الحمل على المحل أن يكون بحق الأصالة. وأن ~~يكون للموضع محرز. وهنا المحل ليس بحق الأصالة؛ إذ الأصل في المفعول ~~الجر (له)، والنصب ناشىء عنه، لكنه لما كثر بالشروط المذكورة وصل إليه ~~الفعل فنصبه ". انتهى. # قوله: الأصل في المفعول له الجر بالحرف ممنوع بدليل قول النحويين إنه ~~ينصب بشروط ذكروها ثم يقولون: ويجوز جره بلام فقولهم: ويجوز ظاهر في أنه ~~فرع لا أصل. قال الزجاج (رحمه الله) : الأجوز أن يكون " وبشرى " ~~في موضع رفع أي وهو ms7847 بشرى. قال و (لا) يجوز أن يكون في موضع نصب على ~~معنى لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين. وقوله للمحسنين متعلق ببشرى، أو ~~بمحذوف على أنه صفة لها. # فصل # المراد بالذين ظلموا مشركو مكة، والحاصل أن المقصود من إنزال هذا ~~الكتاب إنذار المعرضين وبشارة المطيعين. ### || [46.13-14] # قوله تعالى: { إن الذين قالوا ربنا الله ثم ~~استقاموا } لما قرر دلائل التوحيد والنبوة وذكر شبهات المنكرين ~~وأجاب عنها، ذكر بعد ذلك طريقة المحققين فقال: { إن الذين ~~قالوا ربنا الله ثم استقاموا } وقد تقدم تفسيره في ~~سورة السجدة. والفرق بين الموضعين أن في سورة السجدة ذكر أن الملائكة ~~ينزلون ويقولون: لا تخافوا ولا تحزنوا، وههنا رفع الواسطة ~~وذكر أنه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون؛ فإذا جمعنا بين الآيتين حصل من ~~مجموعهما أن الملائكة يتلقونهم بالبشارة من غير واسطة. # قوله: { فلا خوف } الفاء زائدة في خبر الموصول، لما فيه من معنى ~~الشرط. ولم تمنع " إن " من ذلك إبقاء معنى الابتداء بخلاف ليت، ~~ولعل، وكأن. # قوله تعالى: { أولئك أصحاب الجنة } قالت المعتزلة هذه ~~الآية تدل على مسائل: # أولها: أن قوله: { أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها ~~} يفيد الحصر وأن أصحاب الجنة ليسوا إلا الذين قالوا ربنا الله ثم ~~استقاموا وهذا يدل على أن صاحب الكبيرة قبل التوبة لا يدخل الجنة. # وثانيها: قوله { جزآء بما كانوا يعملون } يدل على فساد قول ~~من يقول: الثواب فضل لا جزاء. # وثالثها قوله: { جزآء بما كانوا يعملون } يدل على إثبات ~~العمل للعبد. # ورابعها: يدل على أن العبد يستحق على الله جزاء عمله وتقدم جواب ذلك. # قوله: { خالدين } منصوب على الحالية و " جزاء " منصوب إما بعامل ~~مضمر، أي يجزون جزاء أو بما تقدم، لأن معنى أولئك أصحاب الجنة ~~جازيناهم بذلك. ### || [46.15-16] # قوله تعالى: { ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا } تقدم ~~نظيره. قرأ الكوفيون: إحسانا، وباقي السبعة " حسنا " بضم الحاء ~~وسكون السين، فالقراءة الأولى يكون " إحسانا " فيها منصوبا بفعل مقدر ~~أي وصيناه أن يحسن إليهما إحسانا وقيل: بل هو مفعول به على تضمين ~~وصينا معنى " ألزمنا ms7848 " فيكون مفعولا ثانيا وقيل: بل هو منصوب على ~~المفعول له، أي وصينا بهما إحسانا منا إليهما. وقيل: هو منصوب على ~~المصدر، لأن معنى وصينا أحسنا، فهو مصدر صريح، والمفعول الثاني هو ~~المجرور بالباء. وقال ابن عطية: إنها تتعلق إما " بوصينا " وإما " ~~بإحسانا " ورد عليه أبو حيان هذا الثاني بأنه مصدر مؤول فلا يتقدم ~~معموله عليه، ولأن " أحسن " لا يتعدى بالباء، وإنما يتعدى باللام لا ~~تقول: أحسن بزيد على معنى وصول الإحسان إليه. ورد بعضهم هذا ~~بقوله: # أحسن بي إذ أخرجني # [يوسف:100]. وقيل: هو بغير هذا المعنى. وقدر بعضهم: ووصينا الإنسان ~~بوالديه ذا إحسان، يعني فيكون حالا. وأما " حسنا " فقيل فيها ما ~~تقدم في " إحسان ". وقرأ عيسى والسلمي بفتحهما. وقد تقدم معنى ~~القراءتين في البقرة وفي لقمان. قال ابن الخطيب: حجة من قرأ إحسانا قوله ~~تعالى في سورة بني إسرائيل: # وبالوالدين إحسانا # [الإسراء:23] ومعناه أمر بأن يوصل إليهما إحسانا. وحجة القراءة الأخرى ~~قوله تعالى في سورة العنكبوت: # ووصينا الإنسان بوالديه حسنا # [العنكبوت:8] ولم يختلفوا فيه. والمراد أنا أمرناه بأن يوصل إليهما ~~فعلا حسنا، كما يقال: هذا الرجل علم وكرم. قوله: { حملته ~~أمه كرها ووضعته كرها } قرأ أهل الحجاز وأبو عمرو بفتح ~~الكاف، والباقون بضمها، وقيل: هما لغتان بمعنى واحد، مثل الضعف ~~والضعف، والفقر والفقر، ومن غير المصادر الدف، والدف، ~~والشهد والشهد وقال الواحدي: الكره مصدر من كرهت الشيء ~~أكرهه والكره الاسم كأنه الشيء المكروه، قال تعالى: # كتب عليكم القتال وهو كره لكم # [البقرة:216] فهذا بالضم، وقال: # ترثوا النسآء كرها # [النساء:19] فهذا في موضع الحال، وما كان مصدرا في موضع الحال فالفتح ~~فيه أحسن. وقال أبو حاتم: الكره بالفتح لا يحسن، لأنه بالفتح الغصب ~~والغلبة. ولا يلتفت لما قاله لتواتر هذه القراءة. وانتصابهما إما على ~~الحال من الفاعل أي ذات كره، وإما على النعت لمصدر مقدر أي حملا ~~كرها. # فصل # قال المفسرون: حملته أمه مشقة على مشقة، ووضعته بمشقة وليس ~~المراد ابتداء الحمل فإن ذلك لا يكون مشقة، لقوله تعالى: # فلما تغشاها ms7849 حملت حملا خفيفا فمرت به ~~فلمآ أثقلت # [الأعراف:189] فحينئذ حملته كرها ووضعته كرها يريد شدة الطلق. # فصل # دلت الآية على أن حق الأم أعظم لأنه تعالى قال: { ووصينا ~~الإنسان بوالديه إحسانا } فذكرهما معا، ثم خص الأم ~~بالذكر فقال: { حملته أمه كرها ووضعته كرها } وذلك ~~يدل على أن حقها أعظم وأن وصول المشاق إليها بسبب الولد كثيرة ~~والأخبار كثيرة في هذا الباب. # قوله: { وحمله وفصاله } أي مدة حمله. وقرأ العامة وفصاله ~~مصدر " فاصل " كأن الأم فاصلته وهو فاصلها. ~~والجحدري والحسن وقتادة: وفصله. قيل: والفصل ~~والفصال بمعنى كالعظم والعظام والقطف والقطاف. ولو نصب " ~~ثلاثين " على الظرف الواقع موقع الخبر جاز وهو الأصل، هذا إذا لم نقدر ~~مضافا فإن قدرناه أي مدة حمله لم يجز ذلك وتعين الرفع لتصادق ~~الخبر والمخبر عنه. # فصل # دلت الآية على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، لأنه لما كان مجموع مدة الحمل ~~والرضاع ثلاثون شهرا وقال تعالى: # والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين # [البقرة:233] فإذا أسقطنا الحولين الكاملين وهي أربعة وعشرون شهرا من ~~ثلاثين بقي مدة الحمل ستة أشهر. وروى عكرمة عن ابن عباس (رضي الله عنهما) ~~قال: إذا حملت المرأة تسعة أشهر أرضعت واحدا وعشرين شهرا. وروي عن ~~أبي بكر (الصديق) رضي الله عنه أن امرأة رفعت إليه وقد ولدت لستة ~~أشهر فأمر برجمها. فقال عمر: لا رجم عليها وذكر الطريق المتقدمة. وعن ~~عقمان نحوه وأنه يعم بذلك فقرأ ابن عباس عليه الآية. وأما مدة أكثر الحمل ~~فليس في القرآن ما يدل عليه. # قوله: { حتى إذا بلغ أشده } لا بد من جملة محذوفة، تكون " ~~حتى " غاية لها، أي عاش واستمرت حياته حتى إذا بلغ أشده، قال ابن عباس ~~ في رواية عطاء الأشد ثماني عشرة سنة وقيل: نهاية قوته وغاية شبابه ~~واستوائه، وهو ما بين ثماني عشرة سنة إلى أربعين سنة، فذلك قوله: { ~~وبلغ أربعين سنة } وقال السدي والضحاك: نزلت في سعد بن أبي ~~وقاص، وقد مضت القصة. وقيل: نزلت في أبي بكر الصديق وأبيه أبي ~~قحافة عثمان ms7850 بن عمرو، وأمه أم الخير بنت صخر بن عمرو. وقال علي ~~بن أبي طالب: الآية في أبي بكر الصديق أسلم أبواه جميعا، ولم يجتمع لأحد ~~من المهاجرين أبواه غيره أوصاه الله بهما ولزم ذلك من بعده، وكان أبو بكر ~~صحب النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة، والنبي صلى ~~الله عليه وسلم ابن عشرين سنة في تجارته إلى الشام فلما بلغ أربعين ~~سنة، ونبىء النبي صلى الله عليه وسلم آمن به ودعا ربه فقال: { ~~رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي ~~وعلى والدي } بالهداية والإيمان. وأكثر المفسرين على أن الأشد ~~ثلاث وثلاثون سنة. # فصل # قال ابن الخطيب: مراتب سن الحيوان ثلاثة، لأن بدن الحيوان لا يتكون إلا ~~برطوبة غريزية وحرارة غريزية، والرطوبة الغريزية زائدة في أول العمر، ~~وناقصة في آخر العمر والانتقال من الزيادة إلى النقصان لا يعقل حصوله إلى ~~إذا حصل الاستواء في وسط هاتين المدتين فثبت أن مدة العمر منقسمة إلى ~~ثلاثة أقسام: # فأولها: أن تكون الرطوبة الغريزية زائدة على الحرارة الغريزية، وحينئذ ~~تكون الأعضاء عظيمة التمدد في ذواتها وزيادتها في الطول والعرض ~~والعمق وهذا هو سن النشو (والانتماء). # والثانية: وهي المرتبة المتوسطة أن تكون الرطوبة الغريزية وافية بحفظ ~~الحرارة الغريزية من غير زيادة ولا نقصان، وهذا هو سن الوقوف وهو ~~سن الشباب. # والمرتبة الثالثة: أن تكون الرطوبة الغريزية ناقصة عن الوفاء بحفظ ~~الحرارة الغريزية. ثم هذا النقصان على قسمين: # فالأول: هو النقصان الخفي وهو سن الكهولة. والثاني: هو النقصان الظاهر ~~وهو سن الشيخوخة. # قوله: " أربعين " أي تمامها، " فأربعين " مفعول به. قال المفسرون: ~~لم يبعث نبي قط إلا بعد أربعين سنة. قال ابن الخطيب: وهذا يشكل ~~بعيسى عليه الصلاة والسلام فإنه تعالى جعله نبيا من أول عمره إلا ~~أنه يجب أن يقال: الأغلب أن ما جاء(ه) الوحي إلا بعد الأربعين وهكذا كان ~~الأمر في حق نبينا صلى الله عليه وسلم . # قوله: " أوزعني " قال ابن عباس (رضي الله عنهما) معناه ~~ألهمني. قال الجوهري: أوزعته أغريته ms7851 به، فأوزع به ~~فهو موزع به أي مغرى به، واستوزعت الله فأوزعني أي ~~استلهمته فألهمني. # قوله: { وأن أعمل صالحا ترضاه } قال ابن عباس (رضي الله عنهما) ~~أجاب الله عز وجل دعاء أبي بكر، فأعتق تسعة من المؤمنين ~~يعذبون في الله، منهم بلال، وعامر بن فهيرة، فلم يرد شيئا ~~من الخير إلا أعانه الله عليه. ودعا أيضا فقال: " فأصلح لي في ~~ذريتي " فأجاب الله تعالى فلم يكن له ولد إلا آمنوا جميعا. فاجتمع ~~له إسلام أبويه وأولاده جميعا. فأدرك أبو قحافة النبي صلى الله ~~عليه وسلم وابنه أبو بكر، وابنه عبد الرحمن بن أبي بكر، وابن عبد ~~الرحمن أبو عتيق، كلهم أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن ذلك ~~لأحد من الصحابة. # قوله: { وأصلح لي في ذريتي } أصلح يتعدى بنفسه لقوله: # وأصلحنا له زوجه # [الأنبياء:90] وإنما تعدى ب " في " لتضمنه معنى: الطف بي في ذريتي ~~أو لأنه جعل الذرية طرفا للاصلاح كقوله: # 4452 يخرج في عراقيها نصلي # والمعنى هب لي الصلاح في ذريتي، وأوقعه فيهم. # قوله: { إني تبت إليك وإني من المسلمين } والمراد ~~أن الدعاء لا يصح إلا مع التوبة، ومع كونه من المسلمين. # قوله: { أولئك الذين نتقبل عنهم } قرأ الأخوان وحفص: نتقبل ~~بفتح النون مبنيا للفاعل ونصب " أحسن " على المفعول به، وكذلك " ~~نتجاوز " والباقون بنيابتهما للمفعول، ورفع " أحسن " لقيامه مقام ~~الفاعل، ومكان النون ياء مضمومة في الفعلين. # والحسن والأعمش وعيسى بالياء من تحت، والفاعل الله تعالى. # (فصل) # ومعنى أولئك أي أهل هذا القول الذي تقدم ذكره، فمن يدعو بهذا الدعاء ~~نتقبل عنهم، والتقبل من الله هو إيجاب الثواب له على عمله. وقوله: { ~~أحسن ما عملوا } يعني أعمالهم الصالحة التي عملوها في الدنيا ~~وكلها حسن. # فإن قيل: كيف قال: { أحسن ما عملوا } والله يتقبل ~~الأحسن وما دونه؟!. # فالجواب من وجهين: # الأول: المراد بالأحسن الحسن، كقوله تعالى: # واتبعوا أحسن مآ أنزل إليكم من ربكم # [الزمر:55] وكقولهم: الناقص والأشج أعدلا بني مروان أي عادلا بني ~~مروان. # الثاني: أن الحسن من الأعمال هو ms7852 المباح الذي لا يتعلق به ثواب، ولا ~~عقاب، والأحسن ما يغاير ذلك وهو المندوب أو الواجب. # وقوله: { ونتجاوز عن سيئاتهم } فلا يعاقبهم عليها. # قوله: { في أصحاب الجنة } فيه أوجه: # أظهرها: أنه في محل الحال أي كائنين في جملة أصحاب الجنة كقولك: " ~~أكرمني الأمير في أصحابه " أي في جملتهم. # والثاني: أن " في " معناها " مع ". # الثالث: أنها خبر ابتداء مضمر أي هم في أصحاب الجنة. # قوله: { وعد الصدق } مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة لأن قوله: ~~{ أولئك الذين نتقبل عنهم } في معنى الوعد، فيكون ~~قوله: " نتقبل ونتجاوز " وعدا من الله بالتقبل والتجاوز ~~والمعنى (أنه) يعامل من صفته ما قدمناه بهذا الجزاء، وذلك وعد من الله، ~~فبين أنه صدق لا شك فيه. ### || [46.17-19] # قوله تعالى: { والذي قال لوالديه أف لكمآ } لما وصف ~~الولد البار بوالديه، وصف الولد العاق بوالديه ههنا. واعلم أنه قد ~~تقدم الكلام على أف. و " لكما " بيان أي التأفيف لكما نحو: " هيت ~~لك " وهي كلمة كراهية. { أتعدانني أن أخرج } كم قبري ~~حيا { وقد خلت القرون من قبلي } ولم يبعث منهم أحد. قال ~~ابن عباس، والسدي، ومجاهد: نزلت في عبد الله. وقيل: في عبد الرحمن بن أبي ~~بكر قبل إسلامه كان أبواه يدعوانه إلى الإسلام، وهو يأبى، وهو قوله: ~~أف لكما أحيوا لي عبد الله بن جدعان، وعامر بن كعب ومشايخ ~~قريش حتى أسألهم عما تقولون. واحتجوا بهذا القول بأنه (لما) كاتب معاوية ~~إلى ابن مروان بأن يبايع الناس ليزيد قال عبد الرحمن بن أبي بكر: لقد ~~جئتم شيئا نكرا أتبايعون أبناءكم فقال: (مروان) يا أيها الناس هو الذي ~~قال الله فيه: { والذي قال لوالديه أف لكمآ } والصحيح ~~أنها نزلت في كل كافر عاق لوالديه. قاله الحسن وقتادة. قال الزجاج: قول ~~من قال: إنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه يبطله قوله: { ~~أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد ~~خلت من قبلهم } فأعلم الله تعالى أن هؤلاء قد حقت عليهم كلمة ~~العذاب، وعبد الرحمن مؤمن من أفاضل المؤمنين، ms7853 فلا يكون ممن حقت عليهم ~~كلمة العذاب. قال ابن الخطيب: وهذا القول هو الصحيح فإن قالوا: روى أنه ~~لما دعاه أبواه إلى الإسلام، وأخبراه بالبعث بعد الموت قال: أتعدانني ~~أن أخرج من القبر يعني أبعث بعد الموت " وقد خلت القرون من قبلي ~~" يعني الأمم الخالية، فلم يرجعوا منهم عبد الله بن جدعان، وفلان وفلان. ~~فنقول: قوله: أولئك الذي حق عليهم القول المراد هؤلاء الذين ذكرهم عبد ~~الرحمن من المشركين الذين ماتوا قبله هم الذين حق عليهم القول فالضمير ~~عائد إلى المشار إليهم بقوله: { وقد خلت القرون من قبلي ~~} لا إلى المشار إليه بقوله: { والذي قال لوالديه أف ~~لكمآ }. هذا جواب الكلبي في دفع ذلك الدليل، وهو حسن. وأيضا روي ~~أن مروان لما خاطب عبد الرحمن بن أبي بكر بذلك الكلام سمعت عائشة ~~رضي الله عنها ذلك فغضبت وقالت: والله ما هو به، ولكن الله كفر ~~أباك وأنت في صلبه. وإذا ثبت ذلك كان المراد كل ولد اتصف بالصفات ~~المذكورة. ولا حاجة إلى تخصيص اللفظ المطلق بشخص معين. # قوله: { أتعدانني } العامة على نوني مكسورتين، الأولى للرفع ~~والثانية للوقاية وهشام بالإدغام ونافع في رواية بنون واحدة. وهذه شبيهة ~~بقوله: " تأمروني أعبد ". وقرأ الحسن وشيبة وأبو جعفر وعبد ~~الوارث عن أبي عمرو بفتح النون الأولى، كأنهم فروا من توالي مثلين ~~مكسورين بعدهما ياء. # واقل أبو البقاء: وهي لغة شاذة في فتح نون الاثنين. قال شهاب الدين: إن ~~عنى نون الاثنين في الأسماء نحو قوله: # 4453 على أحوذيين استقلت.... # ............................ # فليس هذا منه، وإن عنى في الفعل فلم يثبت ذلك لغة، وإنما الفتح هنا ~~لما ذكرت. # قوله: { أن أخرج } هو الموعود به، فيجوز أن نقدر الباء قبل " أن " ~~وأن لا نقدرها. # قوله: { وقد خلت } جملة حالية، وكذلك { وهما يستغثيان ~~الله } أي يسألان الله، واستغاث يتعدى بنفسه تارة، وبالباء أخرى، ~~وإن كان ابن مالك زعم أنه متعد بنفسه، وعاب قول النحاة: مستغاث ~~به قال شهاب الدين: لكنه لم يرد في القرآن إلا متعديا بنفسه، (كقوله): # إذ ms7854 تستغيثون ربكم # [الأنفال:9] # فاستغاثه الذي من شيعته # [القصص:15] # وإن يستغيثوا يغاثوا # [الكهف:29]. قال ابن الخطيب: معناه يستغيثان الله من كفره وإنكاره، فلما ~~حذف الجار وصل للفعل، ويجوز أن يقال: حذف الباء، لأنه أريد بالاستغاثة ~~الدعاء، فحذف الجار، لأن الدعاء لا يقتضيه. # قوله: " ويلك " منصوب على المصدر بفعل ملاق له في المعنى دون ~~الاشتقاق، ومثله: ويحه وويسه، وويته. وإما على المفعول به ~~بتقدير ألزمك الله ويلك، وعلى كلا التقديرين الجملة معمولة لقول ~~مضمر، أي يقولان ويلك آمن، (والقول في محل نصب على الحال أي ~~يستغيثان الله قائلين ذلك، والمعنى يقولان له ويلك آمن) وصدق ~~بالبعث، وهو دعاء عليه بالثبور والمراد الحث والتحريض على الإيمان ~~لا حقيقة الهلاك. # قوله: { إن وعد الله حق } قرأ العامة بكسر إن، استئنافا، ~~أو تعليلا، وقرأ عمرو بن فائد والأعرج بفتحها على أنها معمولة " ~~لآمن " على حذف الباء أي آمن بأن وعد الله حق بالبعث " فيقول " ~~لهما { ما هذآ إلا أساطير الأولين }. # قوله: { أولئك الذين حق عليهم القول } أي وجب ~~عليهم العذاب { في أمم } أي مع أمم. وقد تقدم { قد خلت من ~~قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين }. # قوله: { ولكل درجات مما عملوا } قال ابن عباس ~~(رضي الله عنهما ) يريد من سبق إلى الإسلام فهو أفضل ممن ~~تخلف عنه ولو ساعة. وقال مقاتل: ولكل واحد من الفريقين يعني البار ~~بوالديه والعاق لهما " درجات " في الإيمان والكفر والطاعة ~~والمعصية. # فإن قيل: كيف يجوز إطلاق لفظ الدرجات في أهل النار، وقد روي: الجنة ~~درجات والنار دركات؟. # فالجواب من وجوه: # أحدها: أن ذلك على جهة التغليب. # وثانيها: قال ابن زيد: درج أهل الجنة تذهب علوا، ودرج أهل ~~النار تذهب هبوطا. # الثالث: المراد بالدرجات المراتب المتزايدة، فدرجات أهل الجنة في ~~الخيرات والطاعات ودرجات أهل النار في المعاصي والسيئات. # قوله: { وليوفيهم } معللة بمحذوف تقديره جاؤوهم بذلك. ~~وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم وهشام بالياء من تحت وباقي السبعة ~~بالنون. والسلمي بالتاء من فوق: أسند التوفية للدرجات مجازا. ~~قوله: { وهم لا يظلمون ms7855 } إما استئناف وإما حال مؤكدة. ### || [46.20] # قوله: { ويوم يعرض } اليوم منصوب بقول مضمر، أي يقال لهم: ~~أذهبتم في يوم عرضهم. وجعل الزمخشري هذا مثل قولهم: " عرضت ~~الناقة على الحوض " فيكون قلبا. ورده أبو حيان بأنه ضرورة ~~وأيضا العرض أمر نسبي فتصح نسبته إلى الناقة، وإلى الحوض. وقد تقدم ~~الكلام في القلب وأن فيه ثلاثة مذاهب. # قوله: { أذهبتم } قرأ ابن كثير: أأذهبتم بهمزتين الأولى ~~مخففة والثانية مسهلة بين بين ولم يدخل بينهما ألفا. وهذا ~~على قاعدته في: " أأنذرتهم " ونحوه. وابن عامر قرأ أيضا بهمزتين، لكن ~~اختلف راوياه عنه: فهشام سهل الثانية وخففها، وأدخل ألفا في الوجهين، ~~وليس على أصله فإنه من أهل التحقيق. وابن ذكوان بالتحقيق فقط، دون إدخال ~~ألف، والباقون بهمزة واحدة فيكون إما خبرا وإما استفهاما سقطت أداته ~~للدلالة عليها. # والاستفهام معناه التقريع وكلتا القراءتين فصيحتان لأن العرب ~~تستفهم وتترك الاستفهام فتقول: أذهبت ففعلت كذا؟ ~~وذهبت ففعلت كذا؟. # قوله: { في حياتكم } يجوز تعلقه " بأذهبتم " ويجوز تعلقه ~~بمحذوف على أنه حال من " طيباتكم ". # فصل # قيل: المعنى يعرض الذين كفروا على (النار) أي يدخلون النار. وقيل: ~~تدخل عليهم النار ليروا أهوالها، ويقال لهم: أذهبتم طيباتكم في ~~حياتكم الدنيا واستمعتم بها، والمعنى أن ما قدر لكم من الطيبات ~~والدرجات فقد استوفيتموه في الدنيا، فلم يبق لكم بعد استيفاء حظكم ~~شيء منها. وعن عمر رضي الله عنه : لو شئت لكنت أطيبكم ~~طعاما وأحسنكم لباسا، ولكني أستبقي طيباتي. قال ~~الواحدي: إن الصالحين يؤثرون التقشف والزهد في الدنيا رجاء أن يكون ~~ثوابهم في الآخرة أكمل، لأن هذه الآية لا تدل على المنع من التمتع، لأن ~~هذه الآية وردت في حق الكافر، وإنما وبخ الله الكافر، لأنه تمتع بالدنيا ~~ولم يؤد شكر المنعم بطاعته، والإيمان به، وأما المؤمن فإنه يؤدي بإيمانه ~~شكر المنعم، فلا يوبخ بتمتعه، ويدل على ذلك قوله تعالى: # قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق # [الأعراف:32] نعم لا ينكر أن الاحتراز عن التنعيم أولى؛ لأن النفس ~~إذا اعتادت التنعيم ms7856 صعب عليها الاحتراز والانقياد وحينئذ ربما حمله ~~الميل إلى تلك الطيبات على فعل ما لا ينبغي. # " روى عمر (رضي الله عنه) قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فإذا هو على زمال حصير قد أثر الزمال بجنبه فقلت يا رسول ~~الله: ادع الله أن يوسع على أمتك، فإن فارسا والروم قد وسع عليهم ~~وهم يعبدون غير الله فقال: أولئك قوم قد عجلت لهم طيباتهم في ~~الحياة الدنيا " # وروت عائشة (رضي الله عنها) قالت: ما شبع آل محمد صلى الله عليه ~~وسلم من خبز الشعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وعنها قالت: لقد كان يأتي علينا الشهر ما نوقد فيه ~~نارا ما هو إلا الماء والتمر. # وعن ابن عباس (رضي الله عنهما) قال: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يبيت الليالي المتتابعة طاويا وأهله لا يجدون شيئا، وكان ~~أكثر خبزهم خبز الشعير، والأحاديث فيه كثيرة. # قوله: { فاليوم تجزون عذاب الهون } أي العذاب الذي فيه ~~ذل وخزي. وقرىء: عذاب الهوان { بما كنتم تستكبرون ~~في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون } فعلل ~~تعالى ذلك العذاب بأمرين: # أحدهما: الاستكبار والترفع وهو ذنب القلب. # والثاني: الفسق، وهو ذنب الجوارح وقدم الأول على الثاني، لأن أحوال ~~القلب أعظم وقعا من أعمال الجوارح، ويمكن أن يكون المراد من الاستكبار ~~أنهم يتكبرون عن قبول الدين الحق، ويستكبرون عن الإيمان بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم والمراد بالفسق المعاصي. # فصل # دلت الآية على ان الكفار يخاطبون بفروع الإسلام، لأن الله تعالى علل ~~عذابهم بأمرين: # أولهما: الكفر، وثانيهما: الفسق وهذا الفسق لا بد وأن يكون مغايرا ~~لذلك الكفر لأن العطف يوجب المغايرة فثبت أن فسق الكافر يوجب العذاب ~~في حقهم، ولا معنى للفسق إلا ترك المأمورات وفعل المنهيات. ### || [46.21-28] # قوله تعالى: { واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه ~~بالأحقاف... } الآية لما ذكر دلائل النبوة والتوحيد وكان أهل مكة ~~بسبب استغراقهم في لذات الدنيا أعرضوا عنها ولم يلتفتوا إليها لهذا السبب ~~قال تعالى في حقهم: ms7857 # ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم ~~طيباتكم في حياتكم الدنيا # [الأحقاف:20] فلما كان الأمر كذلك بين أن قوم عاد كانوا أكثر أموالا ~~وقوة وجاها، ثم إن الله تعالى سلط عليهم العذاب بكفرهم وذكر قصتهم ~~ليعتبر بها أهل مكة فيتركوا الاغترار بما وجدوه في الدنيا ويقبلوا على ~~طلب الدين الحق فقال: " واذكر يا محمد لقومك أخا عاد " أي هودا ~~ عليه الصلاة والسلام . # قوله: { إذ أنذر } بدل من " أخا " بدل اشتمال وتقدم تحقيقه. وقوله ~~{ بالأحقاف } هي جمع حقف وهو الرمل المستطيل المعوج ومنه ~~احقوقف الهلال، قال امرؤ القيس: # 4454 فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى # بنا بطن حقف ذي حقاف عقنقل # قال ابن عباس (رضي الله عنهما) واد بين عمان ومهرة. وقال مقاتل: ~~كانت منازل عاد باليمن في حضرموت، بموضع يقال له: مهرة إليها تنسب ~~الإبل المهرية، وكانوا أهل عمد سيارة في الربيع فإذا العود ~~رجعوا إلى منازلهم وكانوا من قبيلة إرم، وقال قتادة: ذكر لنا أن ~~عادا كانوا حيا من اليمن كانوا أهل رمل مشرفين على البحر، بأرض يقال ~~لها الشحر. # قوله: { وقد خلت } يجوز أن يكون حالا من الفاعل، أو من المفعول ~~والرابط الواو، والنذر جمع نذير ويجوز أن يكون معترضة بين " ~~أنذر " وبين " أن لا تعبدوا " أي أنذرهم بأن لا. # وقوله: { من بين يديه ومن خلفه } أي مضت الرسل من قبل ~~هود ومن خلفه أي بعده. (والمعنى أعلمهم أن الرسل الذي بعثوا قبله والذين ~~يبعثون) بعده كلهم منذرون نحو إنذاره. # فصل # قال المفسرون: إن هودا عليه الصلاة والسلام كان قد أنذرهم وقال: ~~أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم العذاب قالوا جئتنا ~~لتأفكنا " أي لتصرفنا " عن آلهتنا أي عن عبادتها، والإفك ~~الصرف، يقال: أفكه عن رأيه إذا صرفه عنه. وقيل: المراد ~~لتلفتنا بالكذب. { فأتنا بما تعدنآ } من معاجلة العذاب على ~~الكفر { إن كنت من الصادقين } في وعدك أن العذاب نازل بنا قال ~~هود: إنما العلم عند الله وهو يعلم متى يأتيكم العذاب { ~~وأبلغكم مآ أرسلت به } من الوحي ms7858 والتحذير من العذاب، ~~فأما العلم بوقته فما أوحاه إلي { ولكني أراكم قوما ~~تجهلون } وهذا يحتمل أن المراد أنكم لا تعلمون أن الرسل لم يبعثوا ~~مقترحين ولا سائلين عن غير ما أذن لهم فيه وإنما بعثوا مبلغين. ويحتمل ~~أن يكون المراد قوما تجهلون من حيث إنكم بقيتم مصرين على كفركم ~~وجهلكم فيغلب على ظني أنه قرب الوقت الذي ينزل عليكم العذاب بسبب هذا ~~الجهل المفرط والوقاحة التامة. # ويحتمل أن يكون المراد قوما تجهلون حيث تصرون على طلب العذاب وهب ~~أنه لم يظهر لكم كوني صادقا ولكن لم يظهر لكم أيضا كوني كاذبا، ~~فالإقدام على الطلب الشديد لهذا العذاب جهل عظيم. # قوله: { فلما رأوه عارضا } في " هاء " " رأوه " قولان: # أحدهما: أنه عائد على " ما " في قوله " ما تعدنا ". # الثاني: أنه ضمير مبهم يفسره " عارضا " إما تمييزا، أو حالا. ~~قالهما الزمخشري. # ورده أبو حيان بأن التمييز المفسر للضمير محصور في باب رب، وفي ~~نعم وبئس، وبأن الحال لم يعهد فيها أن توضع الضمير قبلها، ~~وأن النحويين لا يعرفون ذلك. وذكر المبرد في الضمير ههنا قولين: # الاول: ما تقدم. والثاني: أنه يعود إلى غير مذكور وبينه قوله: " عارضا ~~" كقوله: # ما ترك على ظهرها من دآبة # [فاطر:45]. ولم يذكر الأرض لكونها معلومة فكذا الضمير ههنا، عائد إلى ~~السحاب، كأنه قيل: فلما رأوا السحاب عارضا. وهذا اختيار الزجاج. ~~ويكون من باب الإضمار لا على شريطة التفسير. # والعارض السحابة التي ترى في ناحية السماء ثم تطبق السماء. قال أهل ~~اللغة: العارض المعترض من السحاب في الجو، قال: # 4455 يامن رأى عارضا أرقت له # بين ذراعي وجبهة الأسد # قوله: { مستقبل أوديتهم } صفة ل " عارضا " ، وإضافة ~~غير محضة فمن ثم ساغ أن يكون نعتا لنكرة وكذلك " ممطرنا " وقع ~~نعتا " لعارض " ومثله: # 4456 يا رب غابطنا لو كان يطلبكم # لاقى مباعدة منكم وحرمانا # وقد تقدم أن أودية جمع واد، وأن أفعلة وردت جمعا لفاعل في ألفاظ ~~كواد وأودية وناد وأندية، وحائز وأحوزة. # فصل # قال المفسرون: كانت عاد قد حبس عنهم ms7859 المطر أيما فساق الله إليهم سحابة ~~سوداء فخرجت عليهم من واد لهم يقال له: المغيث، فلما رأوها استبشروا ~~وقالوا: هذا عارض ممطرنا فقال الله تعالى: { بل هو ما ~~استعجلتم به } من العذاب. ثم بين ماهيته فقال: { ريح فيها ~~عذاب أليم } ثم وصف تلك الريح فقال: { تدمر كل شيء ~~بأمر ربها } أي تهلك كل شيء من الحيوان والناس بأمر ربها. ومعناه ~~أن هذا ليس من باب تأثيرات الكواكب والقرانات بل هو أمر حدث ابتداء ~~بقدرة الله تعالى لأجل تعذيبكم. # قوله: { بل هو ما استعجلتم به } قرىء: " ما استعجلتم ~~" مبنيا للمفعول. وقوله: " ريح " يجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمر أي هو ~~ريح، ويجوز أن يكون بدلا من " هي " و " فيها عذاب " صفة ل " ~~ريح " وكذلك " تدمر ". # وقرىء: يدمر كل شيء، بالياء من تحت مفتوحة، وسكون الدال، وضم الميم ~~بالرفع على الفاعلية، أي تهلك كل شيء. وزيد بن علي كذلك إلا أنه بالتاء ~~من فوق ونصب كل والفاعل ضمير الريح؛ وعلى هذا فيكون (دمر) الثلاثي ~~لازما ومتعديا. # قوله: { فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم } قرأ حمزة ~~وعاصم لا يرى بضم الياء من تحت مبنيا للمفعول " مساكنهم " ~~بالرفع لقيامه مقام الفاعل، والباقون من السبعة بفتح تاء الخطاب ~~مساكنهم بالنصب مفعولا به. والجحدري والأعمش وابن أبي ~~إسحاق والسلمي وأبو رجاء بضم التاء من فوق مبنيا للمفعول ~~مساكنهم بالرفع لقيامه مقام الفاعل، إلا أن هذا عند الجمهور لا ~~يجوز، أعني إذا كان الفاصل " إلا " فإنه يمتنع لحاق علامة التأنيث (في ~~الفعل) إلا في ضرورة كقوله (رحمه الله) : # 4457 كأنه جمل وهم وما بقيت # إلا النحيزة والألواح والعصب # وعيسى الهمداني: لا يرى بالياء من تحت مبنيا للمفعول مسكنهم ~~بالتوحيد. ونصر بن عاصم بتاء الخطاب مسكنهم بالتوحيد أيضا ~~منصوبا. واجتزىء بالواحد عن الجمع. # فصل # روي أن الريح كانت تحمل الفسطاط فترفعها في الجو، وتحمل ~~الظعينة حتى ترى كأنها جرادة وقيل: إن أول من أبصر العذاب ~~امرأة بينهم قالت: (رأيت) ريحا فيها كشهب النار. # وروي أن أول ما عرفوا به ms7860 أنه عذاب أليم أنهم رأوا ما كان في الصحراء من ~~رجالهم ومواشيهم تطير بهم الريح بين السماء والأرض، فدخلوا بيوتهم ~~وأغلقوا أبوابهم فقلعت الريح الأبواب، وصرعتهم وأمال الله تعالى ~~عليهم الأحقاف فكانوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام، لهم ~~أنين، ثم أمر الله الريح فكشفت عنهم الرمال واحتملتهم، فرمت بهم في ~~البحر. وروي أن هودا لما أحس بالريح خط على نفسه وعلى المؤمنين خطا ~~إلى جنب عين تنبع، وكانت الريح التي تصيبهم ريحا طيبة هادية، ~~والريح التي تصيب قوم عاد ترفعهم من الأرض وتطير بهم إلى السماء، ~~وتضربهم على الأرض، وأثر المعجزة إنما ظهر في تلك الريح من هذا الوجه. ~~قال عليه الصلاة والسلام # " ما أمر الله خازن الرياح أن يرسل على عاد إلا ~~مثل مقدار الخاتم " # وذلك القدر أهلكهم بكليتهم وذلك إظهار قدرة الله ~~تعالى. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا رأى الريح فزع ~~وقال: # " اللهم إني أسألك خيرها وخير ما أرسلت به، ~~وأعوذ بك من شرها وشر ما أرسلت به " # قال تعالى: { كذلك نجزي القوم المجرمين } والمقصود به ~~تخويف كفار مكة فإن قيل: لما قال (تعالى): # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم # [الأنفال:33] فكيف يحصل التخويف؟. # فالجواب: أن ذلك قبل نزول الآية. # قوله تعالى: { ولقد مكناهم فيمآ إن مكناكم فيه } ~~ما موصولة، أو موصوفة. وفي " إن " ثلاثة أوجه: # أحدها: شرطية، وجوابها محذوف والجملة الشرطية صلة ما، والتقدير: في ~~الذي إن مكناكم فيه طغيتم. # والثاني: أنها مزيدة تشبيها للموصولة بما النافية والتوقيتية، وهو ~~كقوله: # 4458 يرجي المرء ما إن لا يراه # وتعرض دون أدناه الخطوب # والثالث: وهو الصحيح أنها نافية بمعنى مكناكم في الذي ما مكناهم ~~فيه من القوة والبسطة وسعة الأرزاق. ويدل له قوله في مواضع: # أشد منهم قوة # [الروم:9] وأمثاله. وإنما عدل عن لفظ " ما " النافية إلى " إن " كراهية ~~لاجتماع متماثلين لفظا. قال الزمخشري: وقد أغث أبو الطيب في قوله: # 4459 لعمرك ما ما بان منك لضارب # .............................. # وما ضره لو اقتدى بعذوبة لفظ التنزيل فقال: ms7861 " ما إن بان ". # فصل # معنى الآية مكناهم فيما لم نمكنكم فيه من قوة الأبدان وطول العمر، ~~وكثرة المال ثم إنهم مع زيادة القوة ما نجوا من عذاب الله تعالى ~~فكيف يكون حالكم؟ ثم قال: { وجعلنا لهم سمعا وأبصارا ~~وأفئدة } أي فتحنا عليهم أبواب النعم وأعطيناهم سمعا، فما ~~استعملوه في سماع الدلائل وأعطيناهم أبصارا فما استعملوها في دلائل ~~ملكوت السموات والأرض، وأعطيناهم أفئدة فما استعملوها في طلب معرفة الله ~~تعالى بل صرفوا كل هذه القوى إلى طلب الدنيا ولذاتها فلا جرم ما ~~أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من عذاب الله تعالى. # قوله: { فمآ أغنى } يجوز أن يكون " ما " نفيا وهو الظاهر. أو ~~استفهاما للتقرير. واستبعده أبو حيان لأجل قوله: { من شيء } قال: ~~إذ يصير التقدير أي شيء أعنى عنهم من شيء؟ فزاد " من " في الواجب، ~~وهو لا يجوز على الصحيح. # قال شهاب الدين: قالوا يجوز زيادتها في غير الموجب. وفسروا غير الموجب ~~بالنفي والنهي والاستفهام وهذا استفهام. # قوله: { إذ كانوا } معمول ل " أغنى " وهي مشربة معنى ~~التعليل، أي لأنهم كانوا يجحدون فهو كقوله ضربته إذ أساء، أي ~~ضربته لأنه أساء. وفي هذه الآية تخويف لأهل مكة. ثم قال: { وحاق بهم ~~ما كانوا به يستهزئون } يعني أنهم كانوا يطلبون نزول ~~العذاب على سبل الاستهزاء. # قوله تعالى: { ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى } ~~يا كفار مكة كحجر ثمود وعاد باليمن وأرض سدوم ونحوها بالشام { ~~وصرفنا الآيات } الحجج بيناها لهم لعل أهل القرى يرجعون. قال ~~الجبائي: قوله: { لعلهم يرجعون } معناه لكي يرجعوا عن كفرهم ~~وذلك يدل على أنه تعالى أراد رجوعهم ولم يرد إصرارهم وأجيب: بأنه فصل ما ~~لو فعله غيره لكان ذلك لأجل الإرادة المذكورة وإنما ذهبنا إلى هذا ~~التأويل للدلائل الدالة على أنه تعالى مريد لجميع الكائنات. # قوله تعالى: { فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون ~~الله قربانا آلهة } القربان ما تقرب به إلى الله. أي ~~اتخذوها شفعاء وقالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى # [الزمر:3]. ms7862 # قوله: { قربانا } فيه أربعة أوجه: # أظهرها: أن المفعول الأول ل " اتخذ " محذوف، هو عائد المصدر " ~~قربانا " نصب على الحال، و " آلهة " هو المفعول الثاني ~~للاتخاذ، والتقدير لهلا نصرهم الذين اتخذوهم ~~متقربا بهم آلهة. # والثاني: أن المفعول الأول محذوف كما تقدم و " قربانا " مفعولا ~~ثانيا و " آلهة " بدل منه. وإليه نحا أبن عطية والحوفي وأبو ~~البقاء، إلا أن الزمخشري منع هذه الوجه قال: " الفساد المعنى ". ولم يبين ~~جهة الفاسد. قال أبو حيان: ويظهر أن المعنى صحيح على ذلك الإعراب. قال ~~شهاب الدين: ووجه الفساد والله أعلم أن القربان اسم لما تقرب به ~~إلى الإله، فلو جعلناه مفعولا ثانيا و " آلهة " بدلا منه لزم أن يكون ~~الشيء المتقرب به آلهة والغرض أنه غير آلهة. بل هو شيء يتقرب به ~~إليها فهو غيرها فكيف تكون الآلهة بدلا منه؟ وهذا ما لا يجوز. # الثالث: أن " قربانا " مفعول من أجله. وعزاه أبو حيان للحوفي. وإليه ~~ذهب أبو البقاء أيضا. وعلى هذا ف " آلهة " مفعول ثان، والأول محذوف ~~كما تقدم. # الرابع: أن يكون مصدرا. نقله مكي. ولولا أنه ذكر وجها ثانيا وهو ~~المفعول من أجله لكان كلامه مؤولا بأنه أراد بالمصدر المفعول من أجله ~~لبعد معنى المصدر. # قوله: { بل ضلوا عنهم } قال مقاتل: بل ضلت الآلهة عنهم فلم ~~ينفعهم عد نزول العذاب لهم. # قوله: { وذلك إفكهم } العامة على كسر الهمزة، وسكون الفاء، ~~مصدر أفك يأفك إفكا، أي كذبهم وابن عباس بالفتح وهو مصدر له ~~أيضا. وابن عباس أيضا وعكرمة والصباح بن العلاء أفكهم ~~بثلاث فتحات فعلا ماضيا، أي صرفهم. وأبو عياض وعكرمة أيضا ~~كذلك، إلا أنه بتشديد الفاء للتكثير، وابن الزبير، وابن عباس أيضا ~~آفكهم بالمد فعلا ماضيا أيضا. وهو يحتمل أن يكون بزنة فاعل، ~~فالهمزة أصلية، وأن يكون بزنة أفعل فالهمزة زائدة والثانية بدل من ~~همزة. وإذا قلنا: إنه أفعل، فهمزته يحتمل أنت تكون للتعدية، وأن تكون ~~أفعل بمعنى المجرد وابن عباس أيضا آفكهم بالمد وكسر الفاء، ~~ورفع الكاف جعله اسم فاعل بمعنى صارفهم. وقرىء ms7863 أفكهم بفتحتين ~~ورفع الكاف على أنه مصدر لأفك أيضا فيكون له ثلاثة مصادر الإفك ~~والأفك بفتح الهمزة وكسرها مع سكون الفاء وفتح الهمزة والفاء، وزاد أبو ~~البقاء أنه قرىء: آفكهم بالمد وفتح الفاء، ورفع الكاف قال: بمعنى ~~أكذبهم. فجعله أفعل تفضيل. # قوله: { وما كانوا يفترون } يجوز أن تكون ما مصدرية، وهو ~~الأحسن، ليعطف على مثله، وأن تكون بمعنى الذي، والعائد محذوف أي ~~يفترونه والمصدر من قوله: " إفكهم " يجوز أن يكون مضافا إلى ~~الفاعل بمعنى كذبهم، وإلى المفعول بمعنى صرفهم. والمعنى: وذلك ~~إفكهم أي كذبهم الذي كانوا يقولون: إنها تقربهم إلى الله وتشفع لهم { ~~وما كانوا يفترون } يكذبون أنها آلهة. ### || [46.29-35] # قوله تعالى: { وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن... } ~~الآية لما بين أن في الإنس من آمن، ومنهم من كفر، بين أيضا أن في ~~الجن من آمن ومنهم من كفر، وأن مؤمنهم معرض للثواب، وأن كافرهم معرض ~~للعقاب. # قوله: { وإذ صرفنآ } منصوب باذكر مقدرا. وقرىء: صرفنا ~~بالتشديد للتكثير " من الجن " صفة ل " نفرا " ويجوز أن يتعلق ~~ب " صرفنا " و " من " لابتداء الغاية. # قوله: " يسمعون " صفة أيضا لنفرا، أو حال، لتخصصه بالصفة إن قلنا: إن ~~" من الجن " صفة له وراعى معنى النفر فأعاد عليه الضمير جمعا، ولو ~~راعى لفظه فقال: يستمع لجاز. # قوله: { فلما حضروه } يجوز أن تكون الهاء للقرآن وهو الظاهر، ~~وأن تكون للرسول صلى الله عليه وسلم وحينئذ يكون في الكلام التفات من ~~قوله: " إليك " إلى الغيبة في قوله " حضروه ". # قوله: { فلما قضي } العامة على بنائه للمفعول، أي فرغ من قراءة ~~القرآن وهو يؤيد عود " هاء " حضروه على القرآن. وأبو مجلز وحبيب بن ~~عبد الله قضى مبنيا للفاعل، أي أتم الرسول قراءته وهي تؤيد عودها على ~~الرسول عليه الصلاة والسلام . # فصل # ذكروا في كيفية هذه الواقعة قولين: # الأول: قال سعيد بن جبير: كانت الجن تستمع، فلما رجموا قالوا: هذا ~~الذي حدث في السماء إما حدث لشيء في الأرض؟ فذهبوا يطلبون السبب. وكان ~~قد اتفق أن النبي صلى الله عليه وسلم ms7864 لما أيس من أهله مكة أن ~~يجيبوه خرج إلى الطائف، ليدعوهم إلى الإسلام فلما انصرف إلى مكة ~~وكان ببطن مكة نخلة قام يقرأ القرآن، فمر به نفر من أشراف (جن) ~~نصيبين، كان إبليس بعثهم ليعرف السبب الذي أوجب حراسة السماء بالرجم ~~فسمعوا القرآن، فعرفوا أن ذلك هو السبب. # والقول الثاني: أن الله تعالى أمر رسوله أن ينذر الجن ويدعوهم إلى ~~الله تعالى ويقرأ عليهم القرآن فصرف إليه نفرا من الجن ليستمعوا ~~منه القرآن، وينذروا قومهم (انتهى). # فصل # نقل القاضي في تفسيره أن الجن كانوا يهودا؛ لأن في الجن مللا كما ~~في الإنس من اليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأوثان، وأطبق المحققون ~~على أن الجنة مكلفون. سئل ابن عباس: هل للجن ثواب؟. # قال: نعم: لهم ثواب وعليهم عقاب يلتقون في أبواب الجنة ويزدحمون على ~~أبوابها. # فصل # قال الزمخشري: النفر دون العشرة ويجمع على " أنفار " روى ~~الطبري عن ابن عباس أن أولئك الجن كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين، ~~فجعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلا إلى قومهم. # وعن زر بن حبيش كانوا تسعة، أحدهم زوبعة. وعن قتادة: ذكر لنا أنهم ~~صرفوا إليه من نينوى. واختلفت الروايات في أنه هل كان عبد الله بن ~~مسعود مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟. # فصل # روى القاضي في تفسيره # " عن أنس قال:كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو بظاهر المدينة ~~إذ أقبل شيخ يتوكأ علىعكازه فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنها لمشية جني، ثم أتى فسلم على النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنها لنغمة جني، فقال ~~الشيخ: أجل يا رسول الله فقال له النبي صلى الله عليه وسلم من ~~أي الجن أنت؟ قال يا رسول الله: أنا هام بن هيم بن لاقيس بن إبليس ~~فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : لا أدري بينك وبين إبليس إلا ~~أبوين قال: أجل يا رسول الله. قال كم أتى عليك من العمر. قال: أكلت ~~عمر الدنيا إلا القليل ms7865 كنت حين قتل قابيل هابيل غلاما ابن أعوام ~~فكنت أتشوف على الآكام، وأصطاد الهام وأورش بين الأنام. ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم بئس العمل قال يا رسول الله دعني من ~~العتب، فإني ممن آمن مع نوح عليه الصلاة والسلام وعاتبته في دعوته ~~فبكا وأبكاني وقال: إني والله لمن النادمين، وأعوذ بالله أن أكون من ~~الجاهلين. ولقيت إبراهيم وآمنت به، وكنت بينه وبين الأرض إذ رمي به ~~في المنجنيق، كنت معه في النار إذ ألقي فيها وكنت مع يوسف إذ ~~ألقي في الجب فسبقته إلى قصره ولقيت موسى بن عمران بالمكان ~~الأثير. وكنت مع عيسى ابن مريم فقال لي: إن لقيت محمدا فاقرأ ~~عليه السلام (ف) قال النبي صلى الله عليه وسلم وعليك يا هام ما ~~حاجتك؟ قال: إن موسى عليه الصلاة والسلام علمني التوراة وإن عيسى ~~علمني الإنجيل، فعلمني القرآن. قال أنس: فعلمه النبي صلى الله ~~عليه وسلم عشر سور، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ولم ينعه إلينا " # قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولا أراه إلا حيا. وروي أنه علمه ~~سورة الواقعة، و # عم يتسآءلون # [النبأ:1], و # إذا الشمس كورت # [التكوير:1] و # قل يأيها الكافرون # [الكافرون:1] وسورة الإخلاص والمعوذتين. # فصل # اختلفوا في عدد النفر، فقال ابن عباس (رضي الله عنهما) كانوا سبعة ~~وقد تقدم، وقيل: كانوا تسعة. وروى عاصم عن زر بن حبيش كان زوبعة ~~من التسعة الذين استمعوا القرآن، فلما حضروه قالوا أنصتوا أي قال بعضهم ~~لبعض أنصتوا أي اسكتوا مستمعين يقال: أنصت لكذا، واستنصت ~~له. # روي في الحديث أن الجنة ثلاثة أصناف، صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، ~~وصنف حيات وكلاب، وصنف يحلون ويظعنون. ثم إنهم لما استمعوا ~~القرآن حتى فرغ من تلاوته { ولوا إلى قومهم } انصرفوا إليهم ~~" منذرين " مخوفين داعين بأمر رسول الله صلى لله عليه وسلم وذلك ~~لا يكون إلا بعد إيمانهم، لأنهم لا يدعون غيرهم إلى سماع القرآن، ~~والتصديق به، إلا وقد آمنوا. وعند ذلك { قالوا يقومنآ إنا ~~سمعنا كتابا ms7866 أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين ~~يديه } أي لكتب الأنبياء، وذلك أن كتب سائر الأنبياء كانت مشتملة ~~على الدعوة إلى التوحيد والدعوة إلى النبوة والمعاد وتطهير الأخلاق، ~~وكذلك هذا الكتاب مشتمل على هذه المعاني وهو معنى قوله { يهدي إلى ~~الحق وإلى طريق مستقيم }. # فإن قيل: كيف قالوا: من بعد موسى، ولم يقولوا: من بعد عيسى؟. # فالجواب: أنه روي عن عطاء والحسن أنه كان دينهم اليهودية فلذلك قالوا: ~~إنا سمعنا كتابا أنزل بعد موسى. وعن ابن عباس (رضي الله عنهما) أن ~~الجن ما سمعت أمر عيسى فلذلك قالوا: من بعد موسى ثم إن الجن لما وصفوا ~~القرآن بهذه الصفات الفاضلة قالوا " يا قومنا أجيبوا داعي الله " يعني ~~محمدا صلى الله عليه وسلم . # فصل # دلت هذه الآية على أنه صلى الله عليه وسلم كان مبعوثا إلى الجن ~~كما كان مبعوثا إلى الإنس. # قال مقاتل: لم يبعث الله نبيا إلى الإنس وإلى الجن قبله. # فإن قيل: قوله { أجيبوا داعي الله } أمر بإجابته في كل ما أمر ~~به فيدخل فيه الأمر بالإيمان فكيف قال: " وآمنوا به "؟. # فالجواب: أفاد ذكر الإيمان على التعيين، لأنه أهم الأقسام وأشرفها وقد ~~جرت عادة القرآن الكريم بأنه يذكر اللفظ العام ثم يعطف عليه أشرف أنواعه، ~~كقوله: # وملائكته ورسله وجبريل وميكال # [البقرة:98] وقوله # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن ~~نوح # [الأحزاب:7] ولما أمر بالإيمان به ذكر فائدة ذلك الإيمان فقال: { ~~يغفر لكم من ذنوبكم } قال بعضهم: كلمة " من " هنا زائدة ~~والتقدير: يغفر لكم ذنوبكم، وقيل: بل فائدته أن كلمة " من " هنا ~~لابتداء الغاية والمعنى أنه يقع ابتداء الغفران بالذنوب ثم ينتهي إلى ~~عفو ما صدر عنكم من ترك الأولى والأكمل. ويجوز أن تكون تبعيضية. # قوله: { ويجركم من عذاب أليم } قال ابن عباس (رضي الله ~~عنهما) فاستجاب لهم من قومهم نحو سبعين بعلا من الجن فرجعوا ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوافقوه في البطحاء فقرأ عليهم ~~القرآن وأمرهم ونهاهم. # فصل # اختلفوا في أن الجن هل لهم ثواب ms7867 أم لا؟ فقيل: لا ثواب لهم إلا النجاة ~~من النار، ثم يقال لهم: كونوا ترابا مثل البهائم. # واحتجوا على ذلك بقوله: (ويجركم من عذاب أليم) وقو قول أبي ~~حنيفة والصحيح أن حكمهم حكم بني آدم يستحقون الثواب على الطاعة والعقاب ~~على المعصية. وهو قول ابن أبي ليلى ومالك وتقدم عن ابن عباس ~~أيضا نحو ذلك. قال الضحاك: يدخلون الجنة، ويأكلون ويشربون، لأن كل ~~دليل دل على أن البشر يستحقون الثواب على الطاعة فهو بعينه قائم في حق ~~الجن. والفرق بينهما بعيدا جدا، وذكر النقاش في تفسيره حديثا ~~أنهم يدخلون الجنة. فقيل: هل يصيبون من نعيمها؟ قال: يلهمهم الله ~~تسبيحه وذكره فيصيبهم من لذته ما يصيب بني آدم من نعيم الجنة. وقال ~~أرطأة بن المنذر: سألت ضمرة بن حبيب هل للجن ثواب؟ ققال: نعم ~~وقرأ: # لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن # [الرحمن:56]. وقال عمر بن العزيز: إن مؤمني الجن حول الجنة في ربض ~~ورحاب ولبس فيها. # قوله: ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض أي لا يعجز الله فيفوته ~~{ وليس له من دونه أوليآء } أنصار يمنعونه من الله { ~~أولئك في ضلال مبين }. # قوله تعالى: { أولم يروا أن الله الذي خلق ~~السماوات والأرض.. } اعلم أنه تعالى قرر من أول سورة إلى ههنا ~~أمر التوحيد والنبوة. ثم ذكر ههنا تقرير القادر من تأمل في ذلك علم أن ~~المقصود من القرآن كله تقرير هذه الأصول الثلاثة. واعلم أن المقصود من ~~هذه الآية الدلالة على كونه تعالى قادرا على البعث، لأنه تعالى أمام ~~الدليل على خلق السموات والأرض وخلقها أعظم من أعادة هذا الشخص حيا ~~بعد أن كان ميتا، والقادر على الأكمل لا بد وأن يكون قادرا على ما ~~دونه. # قوله: { ولم يعي بخلقهن } العامة على سكون العين وفتح ~~الياء مضارع " عيي " بالكسر يعيا بالفتح فلما دخل الجازم حذف ~~الألف. وقرأ الحسن يعي بكسر العين وسكون الياء. قالوا: وأصلها عيي ~~بالكسر فجعل الكسر فتحة، على لغة طيىء فصار " عيا " ، كما قالوا ~~في بقي: ms7868 بقا. ولما بنى الماضي على " فعل " بالفتح جاء مضارعه على ~~يفعل بالكسر فصار يعيي مثل يرمي، فلما دخل الجازم حذف الياء ~~الثانية فصار: لم يعي بعين ساكنة وياء مكسورة، ثم نقل حركة الياء ~~إلى العين فصار اللفظ كما ترى. وقد تقدم أن عيي وحيي فيها لغتان، ~~الفك والإدغام. فأما حيي فتقدم في الأنفال و (أما) عيي ~~فكقوله: # 4460 عيوا بأمرهم كما عي # يت ببيضتها الحمامه # والعي عدم الاهتداء إلى جهة. ومنه العي في الكلام، وعيي بالأمر ~~إذا لم يهتد لوجهه. # قوله: " بقادر " الباء زائدة وحسن زيادتها كون الكلام في ~~قوة " أليس الله بقادر ". قال أبو عبيدة، والأخفش: الباء زائدة ~~للتوكيد، كقوله: # تنبت بالدهن # [المؤمنون:20] وقاس الزجاج " ما ظننت أن أحدا بقائم " ~~عليها. والصحيح التوقف. وقال الكسائي والفراء العرب تدخل الباء في ~~الاستفهام فتقول: ما أظنك بقائم. وقرأ عيسى، وزيد بن علي " قادر ~~" بغير ياء. # قوله: " بلى " إيجاب لما تضمنه الكلام من النفي في قوله: { أولم ~~يروا }. # قوله تعالى: { ويوم يعرض الذين كفروا على النار } ~~فيقال لهم: أليس هذا بالحق قالوا بلى فقوله: أليس هذا معمول ~~لقول مضمر هو حال كما تقدم في نظيره. والمقصود من هذا الاستفهام التهكم ~~والتوبيخ على استهزائهم بوعد الله تعالى ووعيده. فيقال لهم { فذوقوا ~~العذاب بما كنتم تكفرون }. # قوله تعالى: { فاصبر كما صبر أولوا العزم من ~~الرسل } الفاء في قوله " فاصبر " عاطفة هذه الجملة على ما تقدم، ~~والسببية فيها ظاهرة. واعلم أنه تعالى لما قرر المطالب الثلاثة ~~وهي التوحيد والنبوة وأجاب عن الشبهات أردفه بما يجري مجرى الوعظ ~~والنصيحة للرسول صلى الله عليه وسلم وذلك لأن كانوا يؤذونه ~~ويوجسون صدره فقال تعالى: { فاصبر كما صبر أولوا ~~العزم } أي أولو الجد والصبر والثبات وقال ابن عباس (رضي ~~الله عنهما) أولو الحزم. # قوله: { من الرسل } يجوز أن تكون من تبعيضية، وعلى هذا فالرسل ~~أولو عزم وغير أولي عزم. ويجوز أن يكون للبيان فكلهم على هذا ~~أولو عزم. قال ابن زيد: كل الرسل كانوا أولى عزم ولم يبعث الله ms7869 ~~نبيا إلا كان ذا عزم وحزم، ورأي وكمال عقل. وإنما دخلت من ~~للتجنيس لا للتبعيض كما يقال اشتريت (أكسية) من الخز وأردية ~~من البز. وقيل: الأنبياء كلهم أولو العزم إلا يونس لعجلة كانت منه، ~~ألا ترى أنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : # ولا تكن كصاحب الحوت # [القلم:48] وقيل هم نجباء الرسل، وهم المذكورون في سورة الأنعام، وهم ~~ثمانية عشر لقوله بعد ذكرهم: # أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده # [الأنعام:90]. وقال الكلبي: هم الذين أمروا بالجهاد، وأظهروا المكاشفة ~~مع أعداء الدين وقيل: هم ستة: نوح, وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، ~~وموسى، وهم المذكورون على النسق في سورة الأعراف والشعراء. # وقال مقاتل: هم ستة، نوح صبر على أذى قومه، كانوا يضربونه حتى يغشى ~~عليه، وإبراهيم صبر على النار وذبح الولد، وإسحاق صبر على ~~الذبح، ويعقوب، صبر على فقد ولده، وذهاب بصره، ويوسف صبر في ~~الجب والسجن، وأيوب صبر على الضر. وقال ابن عباس وقتادة: هم ~~نوح، وإبراهيم، وموسى وعيسى أصحاب الشرائع، فهم مع محمد خمسة. قال ~~البغوي: ذكرهم الله على التخصيص في قوله: # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن ~~نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم # [الأحزاب:7] وفي قوله: # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا # [الشورى:13] الآية روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: يا ~~عائشة إن الله لم يرض لأولي العزم إلا بالصبر على مكروهها، والصبر على ~~محبوبها لم يرض إلا ان كلفني ما كلفهم قال: { فاصبر كما صبر أولو العزم ~~من الرسل } ، وإني والله لا بد لي من طاعة، والله لأصبرن كما صبروا ~~وأجهدن ولا قوة إلا بالله. # قوله: { ولا تستعجل لهم } العذاب فإنه نازل بهم. قيل: إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ضجر من قومه بعض الضجر، وأحب أن ينزل ~~الله العذاب بمن أبى من قومه، فأمر بالصبر، وترك الاستعجال. ثم أخبر أن ~~ذلك العذاب إذ أنزل بهم يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا حتى يحسبونها ساعة ~~من نهار فقال: { كأنهم يوم يرون ما يوعدون } من ms7870 العذاب ~~{ لم يلبثوا إلا ساعة من نهار } إذا عاينوا العذاب ~~صار طول لبثهم في الدنيا والبرزخ كأنه ساعة من النهار، أو كان لم ~~يكن لهول ما عاينوا، لأن ما مضى وإن كان طويلا صار كأنه لم يكن، قال ~~الشاعر: # 4461 كأن شيئا لم يكن إذا مضى # كأن شيئا لم يكن إذا أتى # واعلم أنه تم الكلام ههنا. # قوله: " بلاغ " العامة على رفعه. وفيه وجهان: # أحدهما: أنه خبر مبتدأ محذوف، فقدره بعضهم: تلك الساعة بلاغ، لدلالة ~~قوله: { إلا ساعة من نهار }. وقيل: تقديره هذا أي القرآن ~~والشرع بلاغ من الله إليكم. # والثاني: أنه مبتدأ والخبر قوله " لهم " الواقع بعد قوله { ولا ~~تستعجل } أي لهم بلاغ فيوقف على " ولا تستعجل ". وهو ضعيف جدا، ~~للفصل بالجملة التشبيهية، ولأن الظاهر تعلق " لهم " بالاستعجال ~~فهو يشبه الهيئة والقطع. # وقرأ زيد بن علي والحسن وعيسى " بلاغا " نصبا على المصدر أي بلغ ~~بلاغا. ويؤيده قراءة ابن مجلز " بلغ " أمرا. وقرأ أيضا " ~~بلغ " فعلا ماضيا. ويؤخذ من كلام مكي أنه يجوز نصبه نعتا " ~~لساعة " فإنه قال: " ولو قرىء بلاغا بالنصب على المصدر، أو على ~~النعت لساعة جاز ". وكأنه لم يطلع على ذلك قراءة. وقرأ الحسن أيضا: ~~بلاغ بالجر، ويخرج على الوصف ل " نهار " على حذف مضاف أي من ~~نهار ذي بلاغ، أو وصف الزمان بالبلاغ مبالغة. والبلاغ بمعنى ~~التبليغ. # قوله: " فهل يهلك " العام على بنائه للمفعول. وابن محيصن يهلك ~~بفتح الياء وكسر اللام مبنيا للفاعل. وعنه أيضا فتح اللام وهي لغة ~~والماضي هلك، بالكسر. قال ابن جني: " كل مرغوب عنها ". وزيد ~~بن ثابت: بضم الياء وكسر اللام، فالفاعل هو الله تعالى. " القوم ~~الفاسقين ". نصبا على المفعول به. وقرىء: " نهلك " بالنو وكسر ~~اللام ونصب " القوم ". # فصل # المعنى فهل يهلك بالعذاب إذا نزل إلا القوم الفاسقون الخارجون عن أمر ~~الله قال الزجاج: تأويله لا يهلك مع رحمة الله وفضله إلا ~~القوم الفاسقون، ولهذا قال قوم: ما في الرجاء لرحمة الله ~~أقوى من هذه الآية. روى أبي بن كعب ( رضي الله ms7871 عنه) قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : # " من قرأ سورة الأحقاف أعطي من الأجر بعدد ~~كل رمل في الدنيا عشر حسنات ومحي عنه عشر ~~سيئات ورفع له عشر درجات " # (اللهم توفنا مسلمين). ### | [47 - سورة محمد] ### || [47.1-3] # وقوله تعالى: { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله... ~~} أول هذه السورة مناسب لآخر السورة المتقدمة. والمراد بالذين كفروا قيل: ~~هم الذين كانوا يطعمون الجيش يوم بدر، منهم أبو جهل والحارث بن هشام، ~~وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وغيرهم. وقيل: كفار قريش. وقيل: أهل الكتاب. ~~وقيل: كل كافر. ومعنى صدهم عن سبيل الله، قيل: صدوا أنفسهم عن ~~السبيل، ومنعوا عقولهم من اتباع الدليل. وقيل: صدوا غيرهم ~~ومنعوهم. # قوله: { الذين كفروا } يجوز فيه الرفع على الابتداء والخبر ~~الجملة من قوله: { أضل أعمالهم } ويجوز نصبه على الاشتغال بفعل ~~مقدر يفسره " أضل " من حيث المعنى، أي خيب الذين كفروا. # قوله: { أضل أعمالهم } أي أبطلها فلم يقبلها وأراد بالأعمال ~~ما فعلوا من إطعام الطعام، وصلة الأرحام, قال الضحاك: أبطل كيدهم ومكرهم ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم وجعل الدائرة عليهم. # قوله: { والذين آمنوا } يجوز فيه الوجهان المتقدمان، وتقدير ~~الفعل: " رحم الذين آمنوا ". # قوله: { وآمنوا بما نزل على محمد } والعامة على بناء ~~الفعل نزل للمفعول مشددا، وزيد بن علي وابن مقسم نزل مبنيا ~~للفاعل وهو الله، والأعمش أنزل بهمزة التعدية مبنيا للمفعول. ~~وقرىء: نزل ثلاثيا مبنيا للفاعل. قال سفيان الثوري: لم يخالفوه في ~~شيء. قال ابن عباس: " الذين كفروا وصدوا " مشركوا مكة والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات الأنصار. # قوله: { وهو الحق } جملة معترضة بين المبتدأ والخبر المفسر ~~والمفسر. # قوله: { كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم } حالهم. ~~وتقدم تفسير " البال " في طه. قال ابن عباس (رضي الله عنه ): معنى: ~~أصلح، أي عصمهم أيام حياتهم يعني أن هذا الإصلاح يعود إلى ~~صلاح أعمالهم حتى لا يعصوا. # فصل # قالت المعتزلة: تكفير السيئات مرتب على الإيمان، والعمل الصالح، فمن ~~آمن ولم يعمل صالحا يبقى في العذاب خالدا. # والجواب: لو كان كما ذكرتم لكان الإضلال مرتبا على ms7872 الكفر والصد، فمن ~~يكفر لا ينبغي أن تضل أعماله. أو نقول: إن الله تعالى رتب أمرين فمن ~~آمن كفر سيئاته، ومن عمل صالحا أصلح باله. أو نقول: أي مؤمن يتصور غير ~~آت بالصالحات بحيث لا يصدر عنه صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا طعام، وعلى ~~هذا فقوله: " وعملوا " من عطف المسبب على السبب كقول القائل: أكلت ~~كثيرا وشبعت. # فإن قيل: ما الحكمة في قوله: " وآمنوا بما نزل على محمد " مع أن قوله: ~~" آمنوا وعملوا الصالحات " أفاد هذا المعنى؟. # فالجواب: من وجوه: # الأول: قوله: " الذين آمنوا " أي الله ورسوله، واليوم الآخر، وقوله: " ~~آمنوا بما نزل " أي بجميع الأشياء الواردة في كلام الله ورسوله ~~تعميما بعد أمور خاصة كقولنا: خلق الله السموات والأرض وكل شيء إما على ~~معنى وكل شيء غير ما ذكرنا، وإما على العموم بعد ذكر الخصوص. # والثاني: أن يكون المعنى آمنوا من قبل بما نزل على محمد " وهو الحق ~~" المعجز الفارق بين الكاذب والصادق يعني آمنوا أولا بالمعجز، وأيقنوا ~~أن القرآن لا يأتي به غير الله فآمنوا وعملوا الصالحات والواو للجمع ~~المطلق. (و) يجوز أن يكون المتأخر ذكرا متقدما وقوعا، وهذا كقول ~~القائل آمن به وكان الإيمان به واجبا ويكون بيانا لإيمانهم، كأنه قال: ~~آمنوا وآمنوا بما نزل على محمد أي آمنوا وآمنوا بالحق كقول القائل: خرجت ~~وخرجت مصيبا أي وكان خروجي جيدا، حيث نجوت من كذا أو ربحت كذا، فكذلك ~~لما قال آمنوا بين أن إيمانهم كان بما أمر الله وأنزل الله لا بما كان ~~باطلا من عند غير الله. # قوله: " ذلك " فيه وجهان: # أظهرهما: أنه مبتدأ والخبر الجار بعده. # الثاني: قال الزمخشري : أنه خبر مبتدأ مضمر، أي الأمر ذلك بسبب كذا. ~~فالجار في محل نصب قال أبو حيان: ولا حاجة إليه. # قوله: { بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل } أي ~~الشيطان. وقيل: قول كبرائهم، ودين آبائهم { الذين آمنوا ~~اتبعوا الحق من ربهم } يعني القرآن. وقيل: الحق هو الله ~~تعالى: وعلى هذا فلا يكون قوله: " من ربهم " متعلقا بالحق وإنما ms7873 يتعلق ~~بقوله تعالى: { اتبعوا } أي اتبعوا من ربهم، أو من فضل الله أو ~~هداية ربهم اتبعوا بالحق؛ وهو الله تعالى. ويحتمل أن يقال: قوله: { من ~~ربهم } عائد إلى الفريقين جميعا، أي من ربهم اتبع هؤلاء الباطل، ~~وهؤلاء الحق، وأي من حكم ربهم ومن عند ربهم. # قوله: " كذلك يضرب " خرجه الزمخشري على مثل ذلك الضرب يضرب الله للناس ~~أمثالهم (والضمير راجع إلى الفريقين أو إلى الناس على معنى أنه يضرب ~~أمثالهم) لأجل الناس ليعتبروا (انتهى). # فصل # قال الزجاج: معناه كذلك بين الله أمثال حسنات المؤمنين وإضلال أعمال ~~الكافرين. والمراد بالأمثال الأشكال. وقيل: بين كون الكافر متبعا للباطل ~~وكون المؤمن متبعا للحق. والضمير في قوله { أمثالهم } فيه وجهان: # أحدهما: أنه يعود إلى الناس، كأنه تعالى قال: يضرب للناس أمثال ~~أنفسهم. # والثاني: يعود إلى الفريقين السابقين، والمعنى يضرب الله للناس أمثال ~~الفريقين السابقين. ### || [47.4-6] # قوله: { فإذا لقيتم الذين كفروا } العامل في هذا الظرف ~~فعل مقدر هو العامل في " ضرب الرقاب " تقديره فاضربوا الرقاب وقت ~~ملاقاتكم العدو. ومنع أبو البقاء أن يكون المصدر نفسه عاملا، ~~قال: لأنه مؤكد وهذا أحد القولين في المصدر النائب عن الفعل، نحو: ~~ضربا زيدا، هل العمل منسوب إليه أم إلى عامله؟ ومنه (قول الشاعر): # 4462 على حين ألهى الناس جل أمورهم # فندلا زريق المال نذل الثعالب # فالمال منصوب إما ب " اندل " أو ب " ندلا " والمصدر هنا أضيف إلى ~~معموله. وبه استدل على أن العمل للمصدر، لإضافته إلى ما بعده ولو لم يكن ~~عاملا لما أضيف إلى ما بعده. # فصل # قال ابن الخطيب: الفاء في قوله: " فإذا لقيتم " يستدعي متعلقا ~~تعلق به وترتب عليه وفيه وجوه: # الأول: لما بين أن الذين كفروا أضل أعمالهم، وأن اعتبار الإنسان بالعمل ~~ومن لا عمل له فهو همج إعدامه خير من وجوده. { فإذا لقيتم الذين ~~كفروا } بعد ظهور أن لا حرمة لهم بعد إبطال عملهم فاضربوا أعناقهم قال ~~البغوي: فضرب الرقاب نصب على الإغراء. # الثاني: إذا تبين تباين الفريقين وتباعد الطريقين بأن أحدهما يتبع ms7874 ~~الباطل وهو حزب الشيطان والآخر يتبع الحق وهو حزب الرحمن حق القتال (عند ~~التحزب) فإذا لقيتموهم فاقتلوهم. # الثالث: أن من الناس من يقول لضعف قلبه وقصور نظره إيلام الحيوان ~~من الظلم والطغيان ولا سيما القتل الذي هو تخريب بنيان. فيقال ~~ردا عليهم: لما كان اعتبار الأعمال باتباع الحق والباطل فلمن يقتل ~~في سبيل الله لتعظيم الله وبأمره له (من) الأجر ما للمصلي والصائم فإذا ~~لقيتم الذين كفروا فاقتلوهم ولا تأخذكم بهم رأفة. فإن ذلك اتباع ~~للحق والاعتبار به لا بصورة الفعل. # فصل # والحكمة في اختيار ضرب الرقبة دون غيرها من الأعضاء، لأن المؤمن هنا ليس ~~بدافع، إنما هو مدافع وذلك لأن من يدفع الصائل لا ينبغي أن يقصد أولا ~~مقتله، بل يتدرج ويضرب غير المقتل فإن اندفع فذاك، ولا يرقى إلى ~~درجة الإهلاك، فأخبر تعالى أنه ليس المقصود دفعهم عنكم بل المقصود دفعهم ~~عن وجه الأرض بالكلية، وتطهير الأرض منهم وكيف لا والأرض لكم مسجد، ~~والمشركون نجس، والمسجد يطهر من النجاسة؟ فإذا ينبغي أن يكون ~~قصدكم أولا إلى قتلهم بخلاف دفع الصائل. والرقبة أظهر المقاتل، لأن ~~قطع الحلقوم والأوداج مستلزم للموت، بخلاف سائر المواضع ولا سيما في ~~الحرب. وفي قوله " لقيتم " ما ينبىء عن مخالفتهم الصائل، لأن قوله: ~~" لقيتم " يدل على أن القصد من جانبهم بخلاف قولنا " لقيكم " ، ولذلك قال ~~في غير هذا الموضع # واقتلوهم حيث ثقفتموهم # [النساء:91]. # فإن قيل: ما الفائدة في قوله ههنا: { فضرب الرقاب } بإضمار ~~الفعل وإظهار المصدر، وقال في الأنفال: # فاضربوا فوق الأعناق # [الأنفال:12] بإظهار الفعل وترك المصدر؟!. # فالجواب مبني على تقديم مقدمة، وهي أن المقصود في بعض الصور قد يكون ~~صدور الفعل من فاعل ويتبعه المصدر ضمنا؛ إذ لا يمكن أن يفعل فاعل إلا ~~ويقع منه المصدر, ويدخل في الوجود, وقد يكون المقصود أولا المصدر, ~~ولكنه لا يوجد إلا فاعل، فيطلب منه أن يفعل مثاله من قال: أني حلفت ~~أن أخرج من المدينة، فيقال له: فاخرج صار المقصود صدور الفعل منه ~~والخروج في نفسه غير ms7875 مقصود الابتعاد ولو أمكن أن يخرج من غير تحقق الخروج ~~منه لما كان عليه أن لا يخرج لكن في ضرورة الخروج أن يخرج. فإذا قال ~~قائل صادق: ضاق بي المكان بسبب الأعداء فيقال مثلا: الخروج يعني ~~الخروج فاخرج فإن الخروج هو المطلوب، حتى لو أمكن الخروج من غير فعل منه، ~~لحصل الغرض لكنه محال فيتبعه الفعل. وإذا عرف هذا فيقال: في الأنفال ~~الحكاية عن الحرب الكائنة، وهم كانوا فيها والملائكة أنزلوا للنصرة (و) ~~من حضر في صف القتال، فصدور الفعل منه مطلوب. وههنا الأمر وارد ليس في ~~وقت القتال، بدليل قوله تعالى: { فإذا لقيتم } والمقصود بيان ~~كون المصدر مطلوبا لتقدم المأمور على الفعل قال: { فضرب ~~الرقاب }. وفي ذلك بيان فائدة أخرى، وهي أن الله تعالى قال هناك # واضربوا منهم كل بنان # [الأنفال:12] وذلك لأن الوقت وقت القتال فأرشدهم إلى القتل وغيره إن ~~لم يصيبوا المقتل وههنا ليس وقت القتال. فبين أن المقصود القتل وغرض ~~المسلم ذلك. # قوله: { حتى إذآ أثخنتموهم } هذه غاية للأمر بضرب ~~الرقاب، لا لبيان غاية القتل. وقوله: { فشدوا الوثاق } قرأ ~~السلمي: فشدوا بكسر الشين وهي ضعيفة جدا,. والوثاق ~~بالفتح وفيه الكسر اسم ما يوثق به والمعنى حتى إذا أثخنتموهم ~~أي بالغتم في القتل وقهرتموهم فشدوا الوثاق يعني في الأسر حتى ~~لا يفلتوا. والأسر يكون بعد المبالغة في القتل كقوله تعالى: # ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في ~~الأرض # [الأنفال:67]. # قوله: { فإما منا بعد وإما فدآء }. فيهما وجهان: # أشهرهما: أنهما منصوبان على المصدر بفعل لا يجوز إظهاره؛ لأن المصدر ~~متى سبق تفصيلا لعاقبة جملة وجب نصبه بإضمار فعل لا يجوز إظهاره، ~~والتقدير: فإما أن تمنوا وإما أن تفادوا فداء ~~ومثله: # 4463 لأجهدن فإما درء واقعة # تخشى وإما بلوغ السؤل والأمل # والثاني: قال أبو البقاء: إنهما مفعولان بهما لعامل مقدر تقديره: ~~أولوهم منا واقبلوا منهم فداء. # قال أبو حيان: وليس بإعراب نحوي. # وقرأ ابن كثير: فدى بالقصر قال أبو حاتم: لا يجوز، لأنه مصدر ~~فاديته. ولا ms7876 يلتفت إليه؛ لأن الفراء حكى فيه أربع لغات المشهور ~~المد والإعراب: فداء لك، وفداء بالمد أيضا والبناء على الكسر، ~~والتنوين، وهو غريب جدا. # وهذا يشبه قول بعضهم: هؤلاء بالتنوين. وفدى بالكسر مع القصر، وفدا ~~بالفتح مع القصر أيضا. والأوزار هنا الأثقال. وهو مجاز. وقيل: هو من ~~مجاز الحذف أي أهل الحرب. والأوزار عبارة عن آلات الحرب قال (الشاعر في ~~معنى ذلك رحمه الله): # 4464 وأعددت للحرب أوزارها # رماحا طوالا وخيلا ذكورا # وحتى الأولى غاية لضرب الرقاب، والثانية ل " شدوا " ويجوز أن يكونا ~~غايتين لضرب الرقاب على أن الثانية توكيد وبدل. # قال ابن الخطيب: وفي تعلق " حتى " وجهان: # أحدهما: تعلقها بالقتل أي اقتلوهم حتى تضع. # وثانيهما: بالمن والفداء. ويحتمل أن يقال متعلقة بقوله: " فشدوا ~~الوثاق " وتعلقها بالقتل أظهر. # فصل # قدم المن على الفداء، لأن حرمة النفس راجحة على طلب المال. والفداء يجوز ~~أن يكون مالا ويجوز أن يكون غيره من الأشياء ويشرط بشرط عليهم، أوعليه ~~وحده. # فصل # قال ابن الخطيب: الوزر الإثم أو السلاح، والإثم إنما هو على المحارب ~~وكذلك السلاح ومعناه تضع الحرب الأوزار التي على المحاربين أو السلاح ~~الذي عليهم، كقوله تعالى: # وسأل القرية # [يوسف:82] فكأنه قال: حتى تضع أمة الحرب، أو فرقة الحرب أوزارها. ~~والمراد انقضاء الحرب بالكلية بحيث لا يبقى في الدنيا حزب من أحزاب الكفر ~~لا حزب من أحزاب الإسلام هذا إذا أمعنت النظر في المعنى. ولو قلنا: حتى ~~تضع أمة الحرب جاز أن يضعوا الأسلحة ويتركوا الحرب وهي باقية، كقول ~~القائل: خصومتي ما انفصلت، ولكني تركتها في هذه الأيام. وإذا أسندنا ~~الوضع إلى الحرب يكون معناه إن الحرب لم تبق. واختلفوا في وقت وضع ~~الأوزار على أقوال، يرجع حاصلها إلى الوقت الذي لا يبقى فيه حزب من ~~أحزاب الإسلام، ولا حزب من أحزاب الكفر. وقيل: ذلك عند قتال الدجال ~~ونزول عيسى عليه الصلاة والسلام . # فصل # اختلف العلماء في حكم هذه الآية، فقال قوم: هي منسوخة بقوله: # فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من ~~خلفهم # [الأنفال:57] ms7877 وبقوله: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة:5] وإليه ذهب قتادة والضحاك، والسدي وابن جريج، وهو ~~قول الأوزاعي وأصحاب الرأي وقالوا: لا يجوز المن على من وقع في الأسر من ~~الكفار ولا الفداء. وذهب آخرون إلى أن الآية محكمة، والإمام بالخيار في ~~الرجال العاقلين من الكفار إذا أوقعوا في الأسر بين أن يقتلهم، أو ~~يسترقهم أو يمن عليهم فيطلقهم بلا عوض أو يفاديهم بالمال ~~أو بأسارى المسلمين. وإليه ذهب ابن عمر. وبه قال الحسن وعطاء وأكثر ~~الصحابة والعلماء. وهو قول الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق. قال ابن ~~عباس (رضي الله عنهما) لما كثر المسلمون واشتد سلطانهم أنزل الله في ~~الأسارى { فإما منا بعد وإما فدآء } ، وهذا هو الأصح ~~والاختيار، لأنه عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء ~~بعده. # روى البخاري عن أبي هريرة قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلا ~~قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال (له) ثمامة بن أثال، ~~فربطوه في سارية من سواري المسجد فخرج إليه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي خير يا محمد، إن ~~تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر وإن ~~كنت تريد المال فلك ما شئت، حتى كان الغد لقال له: ما عندك يا ~~ثمامة؟ فقال: عندي ما قلت لك: إن تنعم تنعم على شكر. فتركه ~~حتى إذا كان بعد الغد قال: ما عند يا ثمامة؟ قال: عندي ما قلت لك قال: ~~أطلقوا ثمامة، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد ~~فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله والله ما كان على ~~الأرض وجه أبغض إلي من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، ~~والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك فأصبح دينك أحب الدين ~~إلي. والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك فقد أصبح بلدك ~~أحب البلاد إلي. وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فما ~~ترى؟ فبشره رسول الله صلى الله ms7878 عليه وسلم وأمره أن يعتمر فلما قدم ~~مكة قال له قائل: صبوت؟ قال: لا ولكن أسلمت مع محمد صلى الله عليه ~~وسلم ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن ~~فيها النبي صلى الله عليه وسلم . وعن عمران بن حصين قال: ~~أسر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من عقيل فأوثقوه، ~~وكانت ثقيف قد أسرت رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~ففداه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجلين اللذين ~~أسرتهما ثقيف. # قوله: " ذلك " يجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمر، أي الأمر ذلك وأن ينتصب ~~بإضمار " افعلوا ". قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يقال: واجب أو مقدم ~~كما يقول القائل: إن فعلت فذاك، أي فذاك مقصود ومطلوب. # فصل # قال المفسرون: معناه " ذلك " الذي ذكرت وبينت من حكم الكفار، { ولو ~~يشآء الله لانتصر منهم } فأهلكهم وكفاهم أمرهم بغير قتال، ~~" ولكن " أمركم بالقتال { ليبلو بعضكم ببعض } فيصير من ~~قتل من المؤمنين إلى الثواب، ومن قتل من الكافرين إلى العذاب. # فإن قيل: ما التحقيق في قولنا: التكليف ابتلاء وامتحان والله يعلم ~~السر وأخفى؟. # فالجواب من وجوه: # الأول: أن المراد منه يفعل ذلك فعل المسلمين أي كما يقول المبتلى ~~المختبر. # الثاني: أن الله تعالى يبلو ليظهر الأمر لغيره، إما للملائكة، أو ~~للناس والتحقيق هو أن الابتلاء والاختبار فعل يظهر بسببه أمر ظاهر. # فإن قيل: فائدة الابتلاء حصول العلم عند المبتلي، فإذا كان الله عالما ~~فأي فائدة فيه؟. # فالجواب: أن هذا السؤال كقول القائل لم عاقب الكافر وهو مستغن؟ ولم ~~خلق النار محرقة وهو قادر على أن يخلقها بحيث تنفع ولا تضر؟ وجوابه: ~~لا يسأل عما يفعل (وهم يسألون)؟. # قوله: { والذين قتلوا في سبيل الله } قرأ العامة ~~قاتلوا. وأبو عمرو وحفص قتلوا مبنيا للمفعول على معنى أنهم ~~قتلوا وماتوا؛ أصاب القتل بعضهم كقوله: # قاتل معه ربيون # [آل عمران:146]. وقرأ الجحدري: قتلوا بفتح القاف والتاء خفيفة ~~ومفعوله محذوف. وزيد بن ثابت والحسن وعيسى قتلوا، بتشديد التاء ~~مبنيا للمفعول. # قوله: { فلن يضل ms7879 أعمالهم } قرأ على رضي الله عنه يضل مبنيا ~~للمفعول أعمالهم بالرفع لقيامه مقام الفاعل. وقرىء: تضل بفتح ~~التاء أعمالهم بالرفع فاعلا. والفاء في قوله: " فلن يضل " ~~جزائية؛ لأن قوله تعالى: { والذين قتلوا } فيه معنى الشرط. ~~قال قتادة: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت يوم أحد، وقد فشت في ~~المسلمين الجراحات والقتل. # قوله: { سيهديهم } أيام حياتهم في الدنيا إلى أرشد الأمور وفي ~~الآخرة إلى الدرجات { ويصلح بالهم } برضى خصمائهم وتقبل ~~أعمالهم. وقد تقدم تفسيره في قوله تعالى: { أصلح بالهم } والماضي ~~والمستقبل راجح إلى أن هناك وعدهم ما وعدهم بسبب الإيمان، والعمل ~~الصالح، وكان قد وقع منهم فأخبر عن الجزاء أيضا بصيغة الوقوع. وههنا ~~وعدهم بسببه القتل والقتال وكان في اللفظ ما يدل على الاستقبال، لأن قوله ~~{ فإذا لقيتم } يدل على الاستقبال فقال: { يصلح بالهم ~~ويدخلهم الجنة }. # قوله: { عرفها لهم } يجوز فيها وجهان: # أحدهما: أن تكون مستأنفة. # والثاني: أن تكون حالا. # فيجوز أن تضمر " قد " ، وأن لا تضمر، و " عرفها " من التعريف الذي ~~هو ضد الجهل والمعنى أن كل أحد يعرف منزله في الجنة. وقيل: الملك ~~الموكل بأعماله يهديه. وعن ابن عباس (رضي الله عنهما) أنه من ~~العرف وهو الطيب أي طيبها لهم. وقال الزمخشري: يحتمل أن يقال: ~~عرفها لهم من عرف الدار وأورثها أي حددها، وتحديدها في ~~قوله تعالى: # وجنة عرضها السماوات والأرض # [آل عمران:133]، ويحتمل أن يقال: المراد هو قوله تعالى لهم: # وتلك الجنة التي أورثتموها # [الزخرف:72] فيشير إليه معرفا لهم بأنها هي تلك. وقيل: عرفها لهم وقت ~~القتل، فإن الشهيد وقت وفاته يعرض عليه منزله في الجنة فيشتاق إليه. ~~وقرأ أبو عمرو في رواية ويدخلهم بسكون اللام وكذا ميم ~~ويطعمهم وعين # ليجمعنكم # [النساء:87] كان يستثقل الحركات. وقد تقدم له قراءة بذلك في # يشعركم # [الأنعام:109] و # ينصركم # [محمد:7] وبابه. ### || [47.7-9] # قوله: { يأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ~~ينصركم } أي إن تنصروا دينه وتنصروا رسوله ينصركم على ~~عدوكم. وقيل: إن تنصروا حزب الله وفريقه. # قوله: " ويثبت أقدامكم " قرأ العامة ويثبت مشددا. ms7880 وروي عن ~~عاصم تخفيفه من أثبت. والمعنى: ويثبت أقدامكم عند القتال. # قوله: { والذين كفروا } يجوز أن يكون مبتدأ، والخبر محذوف ~~تقديره: فتعسوا وأتعسوا، بدليل قوله: { فتعسا لهم } ~~وقوله: " فتعسا " منصوب بالخبر. ودخلت الفاء تشبيها للمبتدأ بالشرط. ~~وقدر الزمخشري الفعل الناصب ل " تعسا " فقال: لأن المعنى يقال تعسا أي ~~فقضى تعسا لهم. قال أبو حيان: وإضمار ما هو من لفظ المصدر أولى. ~~والثاني: أنه منصوب بفعل مقدر يفسره " فتعسا لهم " ، كما تقول: ~~زيد جدعا له. كذا قال أبو حيان تابعا للزمخشري. وهذا لا يجوز ~~لأن " لهم " لا يتعلق ب " تعسا " ، إنما هو متعلق بمحذوف لأنه بيان ~~أي أعني عنهم. وتقدم تحقيق هذا. فإن عينا إضمارا من حيث مطلق ~~الدلالة لا من جهة الاشتغال فمسلم، ولكن تأباه عبارتهما وهي ~~قولهما: منصوب بفعل مضمر يفسره " فتعسا لهم ". و " أضل " عاطف على ~~ذلك الفعل المقدر أي أتعسهم وأضل أعمالهم والتعس ضد ~~السعد، يقال: تعس الرجل بالفتح تعسا، وأتعسه ~~الله، قال مجمع: # 4465 تقول وقد أفردتها عن خليلها # تعست كما أتعستني يا مجمع # وقيل: تعس بالكسر عن أبي الهيثم وشمر وغيرهما. وعن أبي عبيدة: ~~تعسه واتعسه متعديان، فهما مما اتفق فيهما فعل ~~وأفعل. # وقيل: التعس ضد الانتعاش، قال الزمخشري (رحمه الله تعالى): وتعسا له ~~نقيض لعا له يعني أن كلمة " لعا " بمعنى انتعش قال الأعشى: # 4466 بذات لوث عفرناة إذا عثرت # فالتعس أدنى لها من أن أقول لعا # وقيل: التعس الهلاك. وقيل التعس الجر على الوجه، والنكس الجر ~~على الرأس. # فصل # قال ابن عباس: صمتا لهم، أي بعدا لهم. وقال أبو العالية: سقوطا ~~لهم. وقال ابن زيد: شقاء لهم وقال الفراء: هو نصب على المصدر على سبيل ~~الدعاء. وقيل: في الدنيا العثرة، وفي الآخرة التردي في النار. ~~ويقال للعاثر: تعسا إذا لم يريدوا قيامه وضده لما إذا أرادوا قيامه. ~~وأضل أعمالهم؛ لأنها كانت في طاعة الشيطان، وهذا زيادة في تقوية ~~قلوبهم؛ لأنه تعالى قال: لكم الثبات ولهم الزوال والتعثر. # قوله: { ذلك بأنهم } يجوز أن يكون ms7881 " ذلك " مبتدأ، والخبر الجار ~~بعده، أو خبر مبتدأ مضمر، أي الأمر ذلك بسبب أنهم كرهوا. أو منصوب بإضمار ~~فعل أي فعل بهم ذلك بسبب أنهم كرهوا فالجار في الوجهين ~~الأخيرين منصوب المحل والمعنى: ذلك التعس والإضلال بأنهم كرهوا ما أنزل ~~الله فأحبط أعمالهم والمراد أنهم كرهوا القرآن، أو كرهوا ما أنزل الله من ~~بيان التوحيد فلم يعرفوا العمل الصالح بل أشركوا، والشرك يحبط ~~العمل، قال تعالى: # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر:65] وقيل: كرهوا ما أنزل الله من بيان أمر الآخرة فلم يعملوا لها ~~والدنيا وما فيها وما لها باطل، فأحبط الله أعمالهم. ### || [47.10-14] # ثم خوف الكفار فقال: { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا ~~كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله ~~عليهم } أي أهلكهم. # قوله: { دمر الله عليهم } يجوز أن يكون حذف مفعوله، أي أهلك ~~الله بيوتهم، وخربها عليهم أو يضمن معنى " دمر " معنى سخط اله ~~عليهم بالتدمير. وقوله: { أفلم يسيروا في الأرض } مناسب ~~للوجه الأخير، يعني فينظروا إلى حالهم، ويعلموا أن الدنيا فانية. # قوله: { وللكافرين أمثالها } أي أمثال العاقبة المتقدمة. ~~وقيل: أمثال العقوبة. وقيل: التدمير. وقيل: الهلكة. والأول أولى لتقدم ما ~~يعود عليه الضمير صريحا مع صحة معناه. # فإن قيل: إذا عاد الضمير إلى العاقبة فكيف يكون لها أمثال؟. # فالجواب: أن المراد هو العذاب الذي هو مدلول العاقبة، والألم الذي دلت ~~العاقبة عليه. # فصل # في المراد بقوله: { وللكافرين أمثالها } وجهان: # أحدهما: أن المراد الكافرون بمحمد عليه الصلاة والسلام . # والثاني: أن المراد لهم أمثالها في الآخرة، فيكون المراد من الكافرين ~~من تقدم، كأنه يقول: دمر الله عليهم في الدنيا ولهم في الآخرة ~~أمثالها. # فإن قيل: إذ كان المراد (من) الكافرين بمحمد عليه الصلاة والسلام ~~فإنهم أمثال ما كان لمن تقدمهم من العاقبة، فالأولون أهلكوا بأمور شديدة ~~كالزلازل والنيران والرياح والطوفان، ولا كذلك قوم محمد ~~عليه الصلاة والسلام . # فالجواب: يجوز أن يكون عذابهم أشد من عذاب الأولين، لكون دين محمد أظهر ~~بسبب تقدم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عليه، وأخبارهم عنه، ~~وإنذارهم على ms7882 أنهم قتلوا وأسروا بأيدي من كانوا يستخفونهم ~~ويستضعفونهم والقتل بيد المثل آلم من الهلاك بسبب عام. # قوله: { ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا } تقدم ~~الكلام على نظيره { وأن الكافرين لا مولى لهم } والمراد ~~بالمولى هنا الناصر. ثم ذكر ما للفريقين فقال: { إن الله يدخل ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من ~~تحتها الأنهار } لما بين حال المؤمنين والكافرين في الدنيا بين ~~حالهم في الآخرة وقال: إنه يدخل المؤمن الجنة، والكافر النار. وقد تقدم ~~أن من في قوله: " من تحتها " تحتمل أن تكون صلة معناه تجري ~~تحتها، ويحتمل أن يكون المراد (أن) ماءها منها لا يجري إليها من موضع ~~آخر، يقال: هذا نهر منبعه من أين؟ يقال: من عين كذا من تحت جبل ~~كذا. # قوله: { والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما ~~تأكل الأنعام } أي ليس لهم همة إلا بطونهم وفروجهم وهم لاهون ~~عما في غد. قيل: المؤمن في الدنيا يتزود، والكافر يتزين، والكافر يتمتع. # قوله: { كما تأكل الأنعام } إما حال من ضمير المصدر، أي ~~يأكلون الأكل مشبها أكل الأنعام وإما نعت لمصدر أي أكلا مثل أكل ~~الأنعام. # قوله: { والنار مثوى لهم } يجوز أن تكون هذه الجملة ~~استئنافا. ويجوز أن تكون حالا، ولكنها مقدرة أي يأكلون مقدار ثويتهم ~~في النار. وقال في حق المؤمن: { إن الله يدخل } بصيغة الوعد، ~~وقال في حق الكافر: { النار مثوى لهم } بصغية تنبىء عن الاستحقاق، لأن ~~الإحسان لا يستدعي استحقاقا، فالمحسن إلى من يوجد منه ما يوجب الإحسان ~~كريم. والمعذب من غير استحقاق ظالم. # قوله: { وكأين من قرية } يريد أهل، ولذلك راعى هذا المقدر في ~~قوله: { أهلكناهم فلا ناصر لهم } بعدما راعى المضاف في ~~قوله: { هي أشد } والجملة من هي ابتداء صفة لقرية. وقال ابن عطية: ~~نسب الإخراج للقرية حملا على اللفظ وقال: " أهلكناهم " حملا على ~~المعنى. قال أبو حيان: وظاهر هذا الكلام لا يصح لأن الضمير في " ~~أهلكناهم " ليس عائدا على المضاف إلى القرية التي أسند إليها الإخراج بل ~~على أهل القرية في قوله: { وكأين من قرية ms7883 } فإن كان أراد ~~بقوله: " حملا على المعنى " ، أي معنى القرية في قوله: { وكأين ~~من قرية } فهو صحيح، لكن ظاهر قوله: حملا على اللفظ، وحملا على ~~المعنى أن يكون في مدلول واحد. وكان على هذا يبقى كأين مفلتا غير محدث ~~عنه بشيء إلا أن يتخيل أن { هي أشد } خبر عنه والظاهر أنه صفة ~~لقرية. قال شهاب الدين: وابن عطية إنما أراد لفظ القرية من حيث الجملة ~~لا من حيث التفسير. # فصل # لما ضرب الله لهم مثلا بقوله: { أفلم يسيروا في الأرض } ، ~~ولم ينفعهم مع ما تقدم من الدلائل، ضرب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~مثلا تسلية له فقال: { وكأين من قرية هي أشد قوة ~~من قريتك التي أخرجتك } أي أخرجك أهلها، قال ابن عباس: ~~كان رجالهم أشد من أهل مكة، يدل عليه قوله: { أهلكناهم } ولم يقل: ~~" أهلكناها " فلا ناصر لهم كذلك يفعل بهم، فاصبر كما صبر رسلهم. # وقوله: { فلا ناصر لهم } قال الزمخشري (كيف) قال { فلا ناصر لهم ~~} (مع) أن الإهلاك ماض وقوله: { فلا ناصر لهم } للحال ~~والاستقبال محمول على الحكاية، والحكاية كالحال الحاضر، ويحتمل أن يقال: ~~قوله: { فلا ناصر لهم } عائد على أهل قرية محمد عليه الصلاة والسلام ~~كأنه قال: أهلكنا من تقدم من أهل دينك ولا ناصر لأهل قريتك ينصرهم ~~ويخلصهم من مثل ما جرى على الأولين. # فصل # قال ابن عباس (رضي الله عنهما): لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ من مكة إلى الغار التفت إلى مكة، وقال: أنت أحب بلاد الله إلى الله، ~~وأحب بلاد الله إلي، ولو أن المشركين لم يخرجوني لم أخرج منك. فأنزل ~~الله هذه الآية. # قوله: { أفمن كان على بينة من ربه } أفمن كان مبتدأ ~~والخبر { كمن زين له } وحمل على لفظ " من " فأفرد في قوله: " ~~سوء عمله " ، وعلى المعنى فجمع في قوله: { واتبعوا أهواءهم ~~}. (والجملة من " اتبعوا أهواءهم " عطف على " زين "؛ فهو صلة. # فصل # معنى قوله: " أفمن كان على بينة من ربه " أي يقين من دينه، يريد محمدا ~~والمؤمنين، كمن زين ms7884 له سوء عمله واتبعوا أهواءهم) يعني عبدة الأوثان، ~~يريد أبا جهل والمشركين. ### || [47.15-17] # قوله: { مثل الجنة التي وعد المتقون } لما بين ~~الفرق بين الفريقين في الاهتداء والإضلال بين الفرق بينهما في مرجعهما ~~ومآلهما. # قوله: " مثل الجنة " فيها أوجه: # أحدها: أنه مبتدأ وخبره مقدر، فقدره النضر بن شميل: مثل الجنة ما ~~يسمعون " فما يسمعون " خبر، و { فيهآ أنهار } مفسر له. وقدره ~~سيبويه: فيما يتلى عليكم مثل الجنة. والجملة بعدها أيضا مفسرة للمثل. ~~قال سيبويه: المثل هو الوصف ومعناه وصف الجنة، وذلك لا يقتضي مشابهة. # الثاني: أن مثل زائدة تقديره: الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار. ~~ونظير زيادة مثل هنا زيادة " اسم " في قوله: # 4467 إلى الحول ثم اسم السلام عليكما # ............................ # الثالث: أن مثل الجنة مبتدأ، والخبر قوله: " فيها أنهار " ، وهذا ينبغي ~~أن يمتنع؛ إذ لا عائد من الجملة إلى المبتدأ، ولا ينفع كون الضمير عائدا ~~على ما أضيف إليه المبتدأ. # الرابع: أن مثل الجنة مبتدأ خبره { كمن هو خالد في النار } ~~فقدره ابن عطية: أمثل أهل الجنة كمن هو خالد (في النار) (فقدر حرف ~~الإنكار ومضافا ليصح. # وقدره الزمخشري أمثل الجنة كمن جزاؤه من هو خالد) والجملة من قوله: { ~~فيهآ أنهار } على هذا فيها ثلاثة أوجه: # أحدها: هي حال من الجنة، أي مستقرة فيها أنهار. # الثاني: أنها خبر لمبتدأ مضمر، أي هي فيها أنهار، كأن قائلا قال: ما ~~فيها؟ فقيل: فيها أنهار. # الثالث: أن تكون تكريرا للصلة، لأنها في حكمها، ألا ترى إلى أنه يصح ~~قولك: التي فيها أنهار. # وإنما أعري قوله مثل الجنة تصوير المكابرة من أن يسوي بين المستمسك ~~بالبينة وبين التابع هواه، كمن يسوي بين الجنة التي صفتها كيت وكيت وبين ~~النار التي صفتها أن يسقي أهلها الحميم. ونظيره قوله القائل رحمه ~~الله : # 4468 أفرح أن أرزأ الكرام وأن # أورث ذودا شصائصا نبلا # هذا كلام منكر الفرح برزية الكرام ووراثة الذود مع تعريه من حرف ~~الإنكار. ذكر ذلك كله الزمخشري. وقرأ علي بن أبي طالب: مثال ~~الجنة. وعنه ms7885 أيضا وعن ابن عباس وابن مسعود: أمثال بالجمع. # قوله: { غير آسن } قرأ ابن كثير: أسن بزنة حذر، وهو اسم فاعل ~~من أسن بالكسر يأسن، فهو أسن كحذر يحذر فهو حذر. الباقون ~~آسن بزنة ضارب من: أسن بالفتح يأسن، يقال: أسن الماء بالفتح ~~يأسن ويأسن بالكسر والضم أسونا. وكذا ذكره ثعلب في فصيحة. ~~فهما لغتان يقال: أسن الماء يأسن أسنا وأجن يأجن، وأسن يأسن ~~ويأسن، وأجن يأجن أسونا وأجونا. وقال اليزيدي يقال: ~~أسن بالكسر يأسن بالفتح أسنا أي تغير طعمه، وأما أسن ~~الرجل إذا دخل بئرا فأصابه من ريحها ما جعل في رأسه دوارا فأسن ~~بالكسر فقط قال الشاعر: # 4469 قد أترك القرن مصفرا أنامله # يميد في الرمح ميد المائح الأسن # وقرىء يسن بالباء بدل من الهمزة. قال أبو علي: هو تخفيف أسن وهو ~~تخفيف غريب. # قوله: { لم يتغير طعمه } صفة ل " لبن ". # قوله: " لذة " يجوز أن يكون تأنيث " لذ " ولذ بمعنى لذيد، ~~ولا تأويل على هذا. ويجوز أن يكون مصدرا وصف به، ففيه التأويلات ~~المشهورة. قال ابن الخطيب: يحتمل أن يقال: ما ثبتت لذته يقال: ~~طعام لذ ولذيد، وأطعمة لذة ولذيدة، ويحتمل أن يكون ذلك ~~وصفا بنفس المعنى لا بالمشتق منه كما يقال للحكيم: هو حكيم كله، ~~وللعاقل: هو عاقل كله. والعامة على جر " لذة " صفة لخمر. وقرىء ~~بالنصب على المفعول له وهي تؤيد المصدرية في قراءة العامة. وبالرفع صفة " ~~لأنهار ". ولم تجمع، لأنها مصدر إن قيل به وإلا فلأنها صفة لجمع غير ~~عاقل، وهو يعامل معاملة المؤنثة الواحدة. # قوله: { من عسل } نقلوا في عسل التذكير والتأنيث، وجاء القرآن على ~~التذكير في قوله: " مصفى " والعسلان العدو، وأكثر استعماله في ~~الذئب، يقال: عسل الذئب والثعلب. وأصله من عسلان الرمح وهو ~~اهتزازه، فكأن العادي يهز أعضاءه ويحركها، قال الشاعر: # 4470 لدن بهز الكف يعسل متنه # فيه كما عسل الطريق الثعلب # وكنى بالعسيلة عن الجماع، لما بينهما. قال عليه الصلاة والسلام ~~: # " حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك ". # فصل # قال ابن الخطيب: اختار هذه الأنهار ms7886 من الأنهار الأربعة؛ لأن المشروب إما ~~أن يشرب لطعمه أو لغير طعمه، فإن كان للطعم فالمطعوم تسعة: ~~المر والمالح، والحريف، والحامض، والعفص والقابض والتفه، ~~والحلو، والدسم. وألذها الحلو والدسم، لكن أحلى الأشياء العسل ~~فذكره وأما أدسم الأشياء فالدهن لكن الدسومة إذا تمحضت لا ~~تطيب للأكل ولا للشرب، فإن الدهن لا يأكل ولا يشرب في الغالب وأما اللبن ~~ففيه الدسم الكائن في غيره وهو طيب للأكل وبه تغذية الحيوان أولا فذكره ~~الله تعالى؛ وأما ما يشرب لغير الطعم فالماء والخمر، فإن الخمر ~~كريهة الطعم، لحصول التواتر بذلك، وإنما تشرب لأمر آخر غير الطعام وأما ~~الماء فلأن به بقاء الحيوان فذكره. # فإن قيل: ما الحكمة في قوله في الخمر: { لذة للشاربين } ولم ~~يقل في اللبن: لم يخبر طعمه للطاعمين ولا قال في العسل مصفى للناظرين؟. # فالجواب: قال ابن الخطيب: لأن اللذة تختلف باختلاف الأشخاص فرب ~~طعام يلتذ به شخص ويعافه الآخر فقال: لذة للشاربين بأسرهم، ولأن ~~الخمر كريهة الطعم في الدنيا، فقال لذة، أي لا يكون في خمر الآخرة كراهة ~~طعم وأما الطعم واللون فلا يختلف باختلاف الناس، فإن الحلو والحامض ~~وغيرهما يدركه كل أحد قد يعافه بعض الناس ويلتذ به البعض مع اتفاقهم على ~~أن لهم طعما واحدا وكذلك اللون فلم يكن للتصريح بالتعميم حاجة. # قوله: { من كل الثمرات } فيه وجهان: # أحدهما: أن هذا الجار صفة لمقدر، وذلك المقدر مبتدأ وخبره الجار قبله ~~وهو " لهم " و " فيها " متعلق بما تعلق به، والتقدير: ولهم فيها ~~زوجان من كل الثمرات، كأنه انتزعه من قوله تعالى: # فيهما من كل فاكهة زوجان # [الرحمن:52] وقدر بعضهم صنف. والأول أليق. # والثاني: أن " من " مزيدة في المبتدأ. # قوله: { ومغفرة } فيه وجهان: # أحدهما: أنه عطف على ذلك المقدر لا بقيد كونه في الجنة، أي ولهم ~~مغفرة؛ لأن المغفرة تكون قبل دخول الجنة؛ أو بقيد ذلك. ولا بد من حذف ~~مضاف حينئذ أي وبنعيم مغفرة؛ لأنه ناشىء عن المغفرة وهو ~~الجنة. # والثاني: أن يجعل خبرها مقدرا على ولهم مغفرة. والجملة ms7887 مستأنفة، ~~والفرق بين الوجهين أن الوجه الذي قبل هذا فيه الإخبار ب " لهم " ~~الملفوظ به عن شيئين، ذلك المحذوف ومغفرة. وفي الوجه الآخر الخبر جار آخر ~~حذف للدلالة عليه. # قوله: { كمن هو } قد تقدم أنه يجوز أن يكون خبرا عن: { مثل ~~الجنة } ، بالتأويلين المذكورين عن ابن عطية والزمخشري وأما إذا ~~لم تجعله خبرا عن " مثل " ففيه أربعة أوجه: # أحدها: أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: حال هؤلاء المتقين كحال من هو ~~خالد. وهذا تأويل صحيح. وذكر فيه أبو البقاء الأوجه الباقية فقال: وهو ~~في موضع رفع أي حالهم كحال من هو خالد في النار. # وقيل: هو استهزاء بهم. وقيل: هو على معنى الاستفهام أي أكمن هو ~~خالد، وقيل: في موضع نصب أي يشبهون (حال) من هو خالد في ~~النار. انتهى. # ومعنى قوله: وقيل: هو استهزاء أي أن الإخبار بقولك: حالهم كحال من ~~(هو خالد) على سبيل الاستهزاء والتهكم. قال البغوي: معناه أمن كان ~~في هذا النعيم كمن هو خالد في النار؟. # قوله: { وسقوا } عطف على الصلة عطف فعلية على اسمية، لكنه راعى في ~~الأول لفظ " من " فأفرد وفي الثانية معناه فجمع. والأمعاء جمع معى ~~بالقصر وهو المصران التي في البطن. وقد وصف بالجمع في قوله: # 4471........................................ # ............. ومعى جياع # على إرادة الجنس. # فصل # الماء الحميم هو الشديد الحر تسعر عليه النار منذ خلقت إذا أدني ~~منهم شوى وجوههم، ووقعت فروة رؤوسهم، فإذا شربوه قطع ~~أمعاءهم فخرجت من أدبارهم جميع ما في البطن من الحوايا، واحدها معى. # قوله: { ومنهم من يستمع إليك } يعنى الكفار منهم من ~~يستمع إليك يعني المنافقون يستمعون إليك فلا يسمعونه، ولا يفهمونه ~~تهاونا. والضمير في قوله: " ومنهم " يحتمل أن يرجع إلى معنى قوله: ~~{ هو خالد في النار وسقوا مآء حميما } يعني ومن ~~الخالدين في النار قوم يستمعون إليك. # قوله { حتى إذا خرجوا من عندك } قال المفسرون: حتى ~~للعطف. قالوا: والعطف بحتى لا يحسن إلا إذا كان المعطوف جزءا من ~~المعطوف عليه إما أعلاه وإما أدونه، كقولك: أكرمني الناس ~~حتى الملك ms7888 وجاء الحجاج حتى المشاة. وفي الجملة ينبغي أن ~~يكون المعطوف متعلقا بالمعطوف عليه من حيث المعنى. ولا يشترط بالعطف ~~بالواو ذلك. فوجه التعلق ههنا هو أن قوله: { حتى إذا خرجوا ~~من عندك } يفيد معنى واحدا في الاستماع كأنه يقول: يستمعون ~~استماعا بالغا جيدا لأنهم يستمعون وإذا خرجوا يستعيدون من العلماء كما ~~يفعله المجتهد في التعلم الطالب للتفهم، يفعلون ذلك استهزاء كما قال ~~تعالى عنهم: # وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم ~~إنما نحن مستهزئون # [البقرة:14]. ويحتمل أن يكون فعلهم ذلك لعدم فهمهم. والأول يؤيده قوله ~~تعالى: # كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين # [الأعراف:101]، وقوله بعد ذلك { أولئك الذين طبع الله ~~على قلوبهم واتبعوا أهوآءهم } أي تركوا اتباع ~~الحق، إما لعدم الفهم أو لعدم الاستفادة. # قوله: " آنفا " فيه وجهان: # أحدهما: أنه منصوب على الحال فقدره أبو البقاء: ماذا قال موتنفا؟ ~~وقدره غيره مبتدئا أي ما القول الذي ائتنفه الآن قبل انفصاله ~~عنه؟. # والثاني: أنه منصوب على الظرف أي ماذا قال الساعة. قاله الزمخشري. ~~وأنكره أبو حيان قال: لأنا لم نعلم أحدا عده من الظروف. # واختلفت عبارتهم في معناه؛ فظاهر عبارة الزمخشري أنه ظرف حالي كالآن، ~~ولذلك فسره بالساعة. # وقال ابن عطية: والمفسرون يقولون: آنفا معناه الساعة الماضية القريبة ~~منا وهذا تفسير بالمعنى. وقرأ البزي بخلاف عنه أنفا بالقصر. ~~والباقون بالمد، وهما لغتان بمعنى واحد. وهما اسما فاعل كحذر ~~وحاذر وأسن وآسن؛ إلا أنه لم يستعمل لهما فعل مجرد، بل المستعمل ~~ائتنف يأتنف، واستأنف يستأنف والأئتناف والاسئتناف ~~الابتداء. قال الزجاج: هو من استأنفت الشيء أي ابتدأته أي ~~مذا قال في أول وقت يقرب منا؟. # فصل # روى مقاتل (رضي الله عنه) أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يخطب ويعيب المنافقين فإذا خرجوا من المسجد سألوا عبد الله بن مسعود ~~استهزاءا ماذا قال محمد آنفا؟ ثم قال تعالى: { أولئك الذين ~~طبع الله على قلوبهم } فلم يؤمنوا واتبعوا أهواءهم في ~~الكفر والنفاق. # قوله: { والذين اهتدوا } يجوز فيه الرفع بالابتداء والنصب ~~على الاشتغال و " تقواهم ms7889 " مصدر مضاف لفاعله. والضمير في " ~~وآتاهم " يعود على الله أو على (قول) المنافقين؛ لأن قولهم ذلك مما ~~يزيد المؤمنين تقوى. أو على الرسول والمعنى زادهم قول الرسول هدى ~~وآتاهم (تقواهم أي وفقهم للعمل بما آمر به، أو زادهم الله هدى وآتاهم ~~الله تقواهم أو زادهم استهزاء المنافقين وآتاهم) قول المنافقين تقواهم أي ~~ثواب تقواهم يوم القيامة. ### || [47.18-22] # قوله: { فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة ~~} يعني الكافرين والمنافقين، قال عليه الصلاة والسلام : # " ما ينتظر أحدكم إلا غنى مطغيا، أو فقرا ~~منسيا، أو مرضا مفسدا أو هرما مفندا، أو موتا ~~مجهزا أو الدجال، والدجال شر غائب ينتظر أو ~~الساعة، والساعة أدهى وأمر " # وسميت القيامة بالساعة لسرعة الأمور الواقعة فيها من البعث والحشر ~~والحساب. # قوله: { أن تأتيهم } بدل من الساعة بدل اشتمال. وقرأ أبو جعفر ~~الرؤاسي: إن تأتيهم بإن الشرطية وجز ما بعدها. وفي جوابها وجهان: # أحدهما: أنه قوله: { فأنى لهم } قال الزمخشري. ثم قال: فإن ~~قلت: بم يتصل قوله: { فقد جآء أشراطها } على القراءتين؟ قلت: ~~بإتيان الساعة اتصال العلة بالمعلول كقولك: إن أكرمني زيد ~~فأنا حقيق بالإكرام أكرمه. # والثاني: أن الجواب قوله: { فقد جآء أشراطها } وإتيان الساعة ~~وإن كان متحققا إلا أنهم عوملوا معاملة الشاك وحالهم كانت كذا. # قوله: { فقد جآء أشراطها } الأشراط جمع شرط بسكون ~~الراء وفتحها قال أبو الأسود: # 4472 فإن كنت قد أزمعت بالصرم بيننا # فقد جعلت أشراط أوله تبدو # والأشراط العلامات. ومنه أشراط الساعة. وأشرط الرجل نفسه أي ~~ألزمها أمورا. # قال أوس: # 4473 فأشرط فيها نفسه وهو معصم # فألقى بأسباب له وتوكلا # والشرط القطع أيضا مصدر شرط الجلد يشرطه شرطا. # فصل # قال سهل بن سعد: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم قال بإصبعه هكذا ~~بالوسطى والتي تلي الإبهام: بعثت والساعة كهاتين. وقال ~~عليه الصلاة السلام : # " إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويكثر ~~الجهل ويكثر الربا، ويكثر شرب الخمر، ويقل ~~الرجال، وتكثر النساء حتى يكون لخمسين امرأة ~~القيم الواحد " # وقال عليه الصلاة والسلام : # " إذا ضيعت الأمانة فانتظر ms7890 الساعة فقيل: كيف ~~إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله، ~~فانتظر الساعة " # واعلم أن قوله تعالى: { فقد جآء أشراطها } يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون بيانا لغاية عنادهم. ويحتمل أن يكون تسلية لقلب ~~المؤمنين كأنه تعالى لما قال: { فهل ينظرون إلا الساعة } ، فهم منه ~~تعذيبهم، قال المفسرون: أشراط الساعة مثل انشقاق القمر، ورسالة محمد ~~عليه الصلاة والسلام . # قوله: { فأنى لهم } " أنى " خبر مقدم، و " ذكراهم " ~~مبتدأ مؤخر، أي أنى لهم التذكير. وإذا وما بعدها معترض. وجوابها ~~محذوف أي كيف لهم التذكير إذا جاءتهم الساعة؟ فكيف تتذكرون؟ ويجوز أن ~~يكون المبتدأ محذوفا أي أنى لهم الخلاص؟ ويكون " ذكراهم " فاعلا ~~ب " جاءتهم ". وقرأ أبو عمرو في رواية " بغتة " بفتح ~~الغين وتشديد التاء. وهي صفة فنصبها على الحال، ولا نظير لها في الصفات ~~ولا في المصادر، وإنما هي في الأسماء نحو: الجربة للجماعة ~~والشربة للمكان. # قال الزمخشري: وما أخوفني أن تكون غلطة من الراوي على أبي عمرو، وأن ~~يكون الصواب: بغتة بفتح الغين من غير تشديد. # فصل # معنى الآية فمن أين لهم التذكر والاتعاظ والتوبة إذا جاءتهم ~~ذكراهم أي الساعة نظيره: # يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى # [الفجر:23]. # قوله: { فاعلم أنه لا إله إلأ الله } وجه مناسبته لما ~~قبله هو أنه تعالى لما قال فاعلم أنه لا إله إلا الله أي يأتي بالساعة ~~كما قال: # أزفت الآزفة ليس لها من دون الله كاشفة # [النجم:5758]. وقيل: فاعلم أنه لا إله إلا الله ينفعك، قيل الخطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره. وقيل: معناه فاثبت عليه. ~~وقال الحسين بن الفضل: فازدد علما إلى علمك. وقال أبو العالية ~~وابن عيينة: معناه إذا جاءتهم الساعة فاعلم أنه لا ملجأ ولا ~~مفزع عند قيامها إلا الله. ثم قال: " فاستغفر لذنبك " أمر ~~بالاستغفار من أنه مغفور له لتستن به أمته. وقيل: معنى قوله لذنبك ~~أي لذنب أهل بيتك الذين ليسوا منك بأهل بيت. وقيل: المراد النبي؛ ~~والذنب هو ترك الأفضل الذي هو بالنسبة إليه ذنب وحسناتنا دون ذلك. ms7891 قال ~~عليه الصلاة والسلام : # " إنه ليغان على قلب وإني لأستغفر الله في كل ~~يوم مائة مرة ". # قوله: { وللمؤمنين والمؤمنات } هذا إكرام من الله تعالى ~~لهذه الأمة حيث أمر نبيهم صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لذنوبهم { ~~والله يعلم متقلبكم ومثواكم } قال ابن عباس ~~والضحاك: متقلبكم: منصرفكم ومنشركم في أعمالكم في الدنيا " ~~ومثواكم " مصيركم في الآخرة إلى الجنة أو إلى النار. وقال مقاتل وابن ~~جرير: متقلبكم منصرفكم لأشغالكم بالنهار ومثواكم مأواكم إلى مضاجعكم ~~بالليل. وقال عكرمة: متقلبكم في أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات ومثواكم ~~ومقامكم في الأرض. وقال ابن كيسان: متقلبكم من ظهر إلى بطن ومثواكم ~~مقامكم في القبور، وقيل: معناه أنه عالم بجميع أحوالكم فلا يخفى عليه شيء ~~منها. # قوله: { ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة ~~فإذآ أنزلت سورة } أي هلا. ولا التفات إلى قول بعضهم إن " ~~لا " زائدة. والأصل لو نزلت. والعامة على رفع محكمة لقيامها مقام ~~الفاعل. وزيد بن علي بالنصب فيهما على الحال. والقائم مقام ~~الفاعل ضمير السورة المتقدمة وسوغ وقوع الحال كذا وصفها كقولك: ~~الرجل جاءني رجلا صالحا وقرى: فإذا نزلت سورة. ~~وقرأ زيد بن علي وابن عمير " وذكر " مبنيا للفاعل أي ~~الله تعالى " القتال " نصبا. # فصل # المعنى ويقول الذين آمنوا حرصا منهم على الجهاد هلا أنزلت سورة تأمرنا ~~بالجهاد. # واعلم أن المؤمن كان ينتظر نزول الأحكام والتكاليف ويطلب تنزيلها وإذا ~~تأخرت عنه التكليف كان يقول: هلا أمرت بشيء من العبادة خوفا من أن لا ~~يؤهل لها. # وأما المنافق فإذا أنزلت السورة أو الآية وفيها تكليف فيشق عليه ذلك ~~فحصل التباين بين الفريقين في العلم والعمل. والمراد بالسورة التي ~~فيها تكليف؟. وقوله: " محكمة " أي لم تنسخ، وقال قتادة: كل سورة ذكر ~~فيها الجهاد محكمة وهي أشد القرآن على المنافقين. # قوله: { رأيت الذين في قلوبهم مرض } يعني المنافقين { ~~ينظرون إليك } شزرا بتحديق شديد كراهية منهم للجهاد، ~~وجبنا عن لقاء العدو. # قوله: { نظر المغشي } الأصل نظرا مثل نظر المغشي ~~عليه من الموت كما ينظر الشاخص بصره عند الموت. ms7892 # قوله: { فأولى لهم طاعة }. اختلف اللغويون والمعربون ~~(رحمة الله عليهم) في هذه اللفظة فقال الأصمعي (رحمه ~~الله) : إنها فعل ماض بمعنى قاربه ما يهلكه، وأنشد (رحمه الله): # 4474 فعادى بين هاديتين منها # وأولى أن يزيد على الثلاث # أي قارب أن يزيد. # قال ثعلب: لم يقل أحد في أولى أحسن من الأصمعي. وقال البغوي: معناه ~~وليك وقاربك ما تكره ولكن الأكثرين على أنه اسم. ثم اختلف هؤلاء ~~فقيل هو مشتق من الولي وهو القريب كقوله: # 4475 تكلفني ليلى وقد شط وليها # وعادت عواد بيننا وخطوب # وقيل: هو مشتق من الويل والأصل فيه أوئل. فقلبت العين إلى ما بعد ~~اللام فصار وزنه أفلع. وإلى هذا نحا الجرجاني والأصل عدم القلب وأما ~~معناها فقيل: هي تهديد ووعيد كقوله: # 4476 فأولى ثم أولى ثم أولى # وهل للدر يحلب من مرد # وقال المبرد: يقال لمن هم بالغضب: أولى لك كقول أعرابي كان يوالي رمي ~~الصيد فيفلت منه فيقول: أولى لك. ثم رمى صيدا فقاربه فأفلت ~~منه فقال (رحمة الله عليه ورضاه) : # 4477 فلو كان أولى يطعم القوم صدتهم # ولكن أولى يترك القوم جوعا # هذا ما يتعلق باشتقاقه ومعناه. # وأما الإعراب فإن قلنا بقول الجمهور ففيه أوجه: # أحدهما: أن " أولى " مبتدأ (و) " لهم " خبره تقديره: فالهلاك لهم. وسوغ ~~الابتداء بالنكرة كونه دعاء نحو: # ويل لكل همزة لمزة # [الهمزة:1]. # الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر تقديره: العقاب أو الهلاك أولى لهم. ~~أي أقرب وأدنى. وقال ابن الخطيب: التقدير: فالموت أولى لهم؛ لأن ~~الموت سبق ذكره في قوله: { نظر المغشي عليه من الموت ~~} ، وذلك أن الحياة في طاعة الله ورسوله خير منها. ويجوز أن تكون اللام ~~بمعنى الباء أي أولى وأحق بهم. # الثالث: أنه مبتدأ و " لهم " متعلق به، واللام بمعنى الباء. و " طاعة " ~~خبره التقدير: أولى بهم طاعة دون غيرها. # وإن قلنا بقول الأصمعي فيكون فعلا ماضيا، وفاعله مضمر يدل عليه ~~السياق، كأنه قيل: فأولى هو أي الهلاك. وهذا ظاهر عبارة الزمخشري حيث ~~قال: ومعناه الدعاء عليهم بأن ms7893 يليهم المكروه. # وقال ابن عطية: المشهور من استعمال العرب أنك تقول: هذا أولى بك من هذا، ~~أي أحق. وقد تستعمل العرب " أولى لك " فقط على جهة الحذف والاختصار؛ ~~لما معها من القول فتقول: أولى لك يا فلان على جهة الزجر والوعيد. انتهى. # وقال أبو البقاء: أولى مؤنثة أولاة. وفيه نظر؛ لأن ذلك إنما يكون ~~في التذكير والتأنيث الحقيقيين؛ أما التأنيث اللفظي فلا يقال فيه ذلك. ~~وسيأتي له مزيد بيان في القيامة إن شاء الله تعالى. # قوله: { طاعة } فيه وجهان: # أحدهما: أنه خبر " أولى " على ما تقدم. # الثاني: أنها صفة " لسورة " أي فإذا أنزلت سورة محكمة " طاعة " أي ~~ذات طاعة أو مطاعة. ذكره مكي، وأبو البقاء. وفيه بعد لكثرة الفواصل. # الثالث: أنها مبتدأ و " قول " عطف عليها والخبر محذوف تقديره: ~~أمثل لكم من غيرهما. وقدر مكي منا طاعة فقدره ~~مقدما. # الرابع: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي أمرنا طاعة. # الخامس: أن لهم خبر مقدم وطاعة مبتدأ مؤخر. والوقف والابتداء ~~يعرفان مما تقدم. # فصل # قال المفسرون: قوله: طاعة وقول معروف ابتداء محذوف الخبر، تقديره طاعة ~~وقول معروف أمثل، أي لو أطاعوا وقالوا قولا معروفا كان أمثل وأحسن. ~~وساغ الابتداء بالنكرة، لأنها وصفت بدليل قوله: { وقول ~~معروف } فإنه موصوف فكأنه تعالى قال: طاعة مخلصة وقول معروف خير. ~~وقيل: يقول المنافقون قبل نزول السورة المحكمة طاعة رفع على الحكاية أي ~~أمرنا طاعة، أو منا طاعة وقول معروف: حسن. وقيل: " متصل ". واللام في ~~قوله: " لهم " بمعنى الباء أي فأولى بهم طاعة الله ورسوله وقول معروف ~~بالإجابة، أي لو أطاعوا الله كانت الطاعة والإجابة أولى بهم. وهذا معنى ~~قول ابن عباس في رواية عطاء. # قوله: { فإذا عزم الأمر } في جوابها ثلاثة أوجه: # أحدها: قوله: { فلو صدقوا } نحو: إذا جاءني طعام فلو ~~جئتني أطعمتك. # الثاني: أنه محذوف تقديره: فاصدق، كذا قدره أبو البقاء. # الثالث: أن تقديرنا ناقضوا. وقيل: تقديره كرهوا ذلك. وعزم الأمر على ~~سبيل الإسناد المجازي كقوله: # 4478 قد جدت الحرب بكم فجدوا # أو يكون على ms7894 حذف مضاف أي عزم أهل الأمر. قال المفسرون: معناه إذا ~~جد الأمر ولزم فرض القتال خالفوا وتخلفوا فلو صدقوا لله في إظهار ~~الإيمان والطاعة لكان خيرا لهم. وقيل: جواب إذا محذوف تقديره فإذا عزم ~~الأمر لكلوا أو كذبوا فيما وعدو ولو صدقوا لكان خيرا لهم. # قوله: { فهل عسيتم } أي فلعلكم إن توليتم أعرضتم عن القرآن ~~وفارقتم أحكامه { أن تفسدوا في الأرض } ، تعودوا إلى ما كنتم ~~عليه في الجاهلية تفسدوا في الأرض بالمعصية والبغي وسفك الدماء ~~وترجعون إلى الفرقة بعدما جمعكم الله بالإسلام!. # قوله: { أن تفسدوا } خبر عسى. والشرط معترض بينهما وجوابه ~~محذوف لدلالة: " فهل عسيتم " عليه أو هو يفسره " فهل ~~عسيتم " ، عند من يرى تقديمه. # وقرأ علي رضي الله عنه " إن تولتم " بضم التاء والواو وكسر ~~اللام مبنيا للمفعول من الولاية أي وليتم أمور الناس. وقال ابن ~~الخطيب: لولا تولاكم ولاة ظلمة، جفاة غشمة ومشيتم معهم لفسدتم ~~وقطعت الأرحام والنبي عليه الصلاة والسلام لا يأمركم إلا بصلة ~~الأرحام فلم تتقاعدون عن القتال؟!. والأول أظهر ومعناه إن كنتم تتركون ~~القتال وتقولون فيه الإفساد، وقطع الأرحام وكون الكفار أقاربنا فلا يقع ~~منكم إلا ذلك، حيث تتقاتلون على أدنى شيء كما كان عادة العرب ~~الأول. (وقرى: وليتم من الولاية أيضا). # فصل # قال ابن الخطيب: في استعمال " عسى " ثلاثة مذاهب: # أحدها الإتيان بها على صورة فعل ماض معه فاعل تقول: عس زيد، ~~وعسينا وعسوا، وعسيتما، وعسيت وعسيتن وعسينا ~~وعسيتن. # والثاني: أن يؤتى بها على صورة فعل ومفعول يقال: عساه، وعساهما، ~~وعساك، وعساكما وعساي وعسانا. # الثالث: الإتيان بها من غير أن يقرن بها شيء تقول: عسى زيد ~~يخرج، وعسى أنت تخرج، وعسى أنا أخرج، والكل متوجه ما ~~عليه كلام الله أوجه، لأن " عسى " من الأفعال الجامدة، واقتران الفاعل ~~بالفعل الأول من اقتران المفعول، لأن الفاعل كالجزء من الفعل ولهذا لم ~~يجوزوا فيه أربع متحركات في مثل قول القائل: بصرت وجوزوا في مثل ~~قولنا: بصرك. وقد تقدم الكلام في " عسى " مشبعا. # وفي قوله: " عسيتم " إلى آخره، ms7895 التفات من غيبة في قوله: { الذين ~~في قلوبهم مرض } إلى خطابهم بذلك زيادة في توبيخهم والاستفهام ~~للتقرير المؤكد فإنه لو قال على سبيل الإخبار: " عسيتم إن " لكان ~~للمخاطب أن ينكره فإذا قال بصيغة الاستفهام فإنه يقول: أنا أسألك عن هذا ~~وأنت لا تقدر (أن) تجيب إلا ب " لا " أو " نعم " ، فهو مقرر عندك ~~وعندي. # واعلم أن " عسى " للتوقع والله عالم بكل شيء والكلام فيه كالكلام في ~~" لعل " وفي قوله: # ليبلوكم # [المائدة:48] فقال بعضهم: يفعل بكم فعل المترجي والمبتلي والمتوقع. ~~وقيل: كل من ينظر إليهم يتوقع منهم ذلك. وقال ابن الخطيب: هو محمول على ~~الحقيقة؛ لأن الفعل إذا كان في نفسه متوقعا فالنظر إليه غير مستلزم ~~لأمر، وإنما الأمر يجوز أن يحصل منه تارة، ولا يحصل منه أخرى يكون الفعل ~~لذلك الأمر المطلوب على سبيل الترجي سواء كان الفاعل يعلم حصول الأمر ~~منه أو لم يعلم, مثاله من نصب شبكة لاصطياد الصيد يقال: هو متوقع ~~لذلك، فإن حصل له العلم بوقوعه فيه بإخبار صادق أنه سيقع أو بطريق أخرى ~~لا يخرج عن التوقع. غاية ما في الباب أن في الشاهد لم يحصل لنا العلم ~~فيما نتوقعه فظن أن عدم العلم لازم للتوقع فليس كذلك بل التوقع هو ~~المنتظر بأمر ليس بواجب الوقوع نظرا إلى ذلك الأمر حسب سواء كان له به ~~علم أو لم يكن. # قوله: { وتقطعوا } قرأ العامة بالتشديد على التكثير، وأبو عمرو ~~في رواية وسلام ويعقوب: بالتخفيف مضارع قطع. والحسن: بفتح التاء ~~والطاء مشددة، أصلها تتقطعوا بتاءين حذفت إحداهما. وانتصب " ~~أرحامكم " على هذا على إسقاط الخافض أي في أرحامكم. ### || [47.23-31] # قوله: " أولئك " مبتدأ، والموصول خبره والتقدير: أولئك المفسدون يدل ~~عليه ما تقدم. وقوله: " فأصمهم " ولم يقل: " فأصم آذانهم ~~" و " أعمى أبصارهم " ولم يقل أعمارهم، قيل: لأنه لا يلزم من ~~ذهاب الإذن ذهاب السمع فلم يتعرض لها، والأبصار وهي الأعين يلزم من ~~ذهابها ذهاب الإبصار ولا يرد عليك قوله: # وفي آذانهم وقرا # ونحوه [الأنعام:25] و [الإسراء:46] و [الكهف:57] لأنه دون ms7896 الصمم ~~والصمم أعظم منه فقال: أصمهم من غير ذكر الأذن، وقال: " أعمى ~~أبصارهم " مع ذكر العين؛ لأن البصر ههنا بمعنى العين ولهذا جمعه ~~بالأبصار ولو كان مصدرا لما جمع، فلم يذكر الأذن؛ إذ لا مدخل لها ~~في الإصمام وذكر العين، لأن لها مدخلا في الرؤية، بل هي الكل بدليل ~~أنه الآفة في غير هذا الموضع لما أضافها إلى الأذن سماها وقرا فقال ~~تعالى حاكيا عنهم: # وفي آذاننا وقر # [فصلت:5] والوقر دون الصمم. # فصل # { أولئك الذين لعنهم الله } إشارة إلى من سبق ذكرهم ~~من المنافقين، أبعدهم الله عنه أو عن الخير فأصمهم لا يسمعون الكلام ~~المبين وأعمى أبصارهم عن الحق. # قوله: { أفلا يتدبرون القرآن } فيه سؤال وهو أنه تعالى ~~قال: فأصمهم وأعمى أبصارهم فكيف يمكنهم التدبر في القرآن وهو كقول القائل ~~الأعمى أبصر وللأصم أسمع؟!. # فالجواب من ثلاثة أوجه مترتبة بعضها أحسن من بعض: # الأول: تكليفه ما لا يطاق جائز والله أمر من علم منه أنه لا يؤمن بأن ~~يؤمن فلذلك جاز أين يصمهم ويعميهم ويذمهم على ترك التدبر. # الثاني: أن قوله: { أفلا يتدبرون القرآن } المراد منه الناس. # الثالث: أن يقال: هذه الآية وردت محققة لمعنى الآية المتقدمة كأنه تعالى ~~قال: { أولئك الذين لعنهم الله } أي أبعدهم عنه أو عن ~~الصدق أو الخير أو غير ذلك من الأمور الحسنة فأصمهم لا يسمعون حقيقة ~~الكلام وأعماهم لا يتبعون طريقة الإسلام، فإذن هم بين أمرين إما لا ~~يتدبرون القرآن فيبعدون منه، لأن الله لعنهم وأبعدهم عن الخير والصدق ~~والقرآن منهما هو الصف الأعلى بل النوع الأشرف وإما يتدبرون لكن لا تدخل ~~معانيه في قلوبهم لكونها مقفلة تقديره: أفلا يتدبرون القرآن لكونهم ~~ملعونين مبعدين { أم على قلوب أقفالهآ } فيتدبرون ولا ~~يفهمون؛ وعلى هذا لا يحتاج إلى أن يقول: أم بمعنى " بل " بل هي على ~~حقيقتها للاستفهام واقعة والهمزة أخذت مكانها وهو الصدر. # وقيل: أم بمعنى بل. والمعنى بل على قلوب أقفالها فلا تفهم مواعظ القرآن ~~وأحكامه روى هشام بن عروة عن أبيه قال: " تلا ms7897 رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها فقال شاب من ~~أهل اليمن بل على قلوب أقفالها حتى يكون الله يفتحها أو يفرجها، فما زال ~~الشاب في نفس عمر حتى ولي فاستعان به ". # قوله: { أم على قلوب } أم منقطعة وتقدم الكلام على " أم " ~~منقطعة. وقرأ العامة: " أقفالها " بالجمع على أفعال. وقرىء ~~أقفلها (بالجمع) على أفعل. وقرىء إقفالها بكسر الهمزة مصدرا ~~كالإقبال. وهذا الكلام استعارة بليغة قيل: ذلك عبارة عن عدم وصول الحق ~~إليها. # فإن قيل: ما الفائدة في تنكير القلوب؟. # فقال الزمخشري: يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون للتنبيه على كون موصوفا لأن النكرة بالوصف أولى من ~~المعرفة فكأنه قال: أم على قلوب قاسية أو مظلمة. # الثاني: أن تكون للتبعيض كأنه قال: أم على نفس القلوب؛ لأن النكرة لا ~~تعم، تقول: جاءني رجال فيفهم البعض وجاءني الرجال فيفهم ~~الكل. والتنكير في القلوب للتنبيه على الإنكار الذي في القلوب وذلك لأن ~~القلب إذا كان عارفا كان معروفا، لأن القلب خلق للمعرفة فإذا لم يكن ~~فيه المعرفة فكأنه لا يعرف قلبا، فلا يكون قلبا يعرف، كما يقال للإنسان ~~المؤذي: هذا ليس بإنسان فكذلك يقال: هذا ليس بقلب هذا حجر. # وإذا علم هذا فالتعريف إما بالألف واللام وإما بالإضافة بأن يقال: على ~~قلوبهم أقفالها أو هي لعدم عود فائدة إليهم كأنها ليست لهم. # فإن قيل: قد قال تعالى: # ختم الله على قلوبهم # [البقرة:7] وقال: # فويل للقاسية قلوبهم # [الزمر:22]. # فالجواب: الإقفال أبلغ من الختم، فترك الإضافة لعدم انتفاعهم رأسا. # فإن قيل: ما الحكمة في قوله: " أقفالها " بالإضافة ولم يقل: أقفال ~~كما قال: قلوب؟. # فالجواب: لأن الأقفال كأنها ليست إلا لها ولم تضف القلوب إليهم لعدم ~~نفعها إياهم وإضافة الأقفال إليها لكونها مناسبة لها. أو يقال: أراد به ~~أقفالا مخصوصة هي أقفال الكفر والعناد. # قوله: { إن الذين ارتدوا على أدبارهم } رجعوا ~~كفارا { من بعد ما تبين لهم الهدى } قال قتادة: هم ~~كفار أهل الكتاب كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم بعدما ms7898 عرفوه ووجدوا ~~نعته في كتابهم. وقال ابن عباس والضحاك والسدي: هم المنافقون. # قوله: { الشيطان سول لهم } أي زين لهم القبيح. وهذه الجملة ~~خبر: { إن الذين ارتدوا على أدبارهم } وتقدم الكلام ~~على سول معنى واشتقاقا. وقال الزمخشري هنا: وقد اشتقه من السؤل ~~من لا علم له بالتصريف والاشتقاق جميعا. قال شهاب الدين: كأنه يشير ~~إلى ما قاله ابن بحر من أن المعنى أعطاهم سؤلهم. ووجه الغلط فيه ~~أن مادة السول من السؤال بالهمز ومادة هذا بالواو فافترقا، فلو كان ~~على ما قيل لقيل سأل بتشديد الهمزة لا بالواو. وفيما قال الزمخشري نظر؛ ~~لأن السؤال له مادتان سأل بالهمزة وسال بالألف المنقلبة من واو. وعليه ~~قراءة: " سال سائل " وقوله: # 4479 سألت هذيل رسول الله فاحشة # ضلت هذيل بما سالت ولم تصب # وقد تقدم هذا في البقرة مستوفى. # قوله: { وأملى لهم } العامة على أملي مبنيا للفاعل وهو ضمير ~~الشيطان. وقيل: هو للباري تعالى. قال أبو البقاء: على الأول: يكون ~~معطوفا على الخبر. وعلى الثاني: يكون مستأنفا. ولا يلزم ما قاله بل هو ~~معطوف على الخبر في كلا التقديرين أخبر عنهم بهذا وبهذا. # وقرأ أبو عمرو في آخرين أملي مبنيا للمفعول. والقائم مقام الفاعل ~~الجار. # وقيل: القائم مقامه ضمير الشيطان ذكره أبو البقاء. وقرأ يعقوب وسلام ~~ومجاهد وأملي بضم الهمزة وكسر اللام وسكون الياء فاحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون مضارعا مسندا لضمير المتكلم أي وأملي أنا لهم، وأن ~~يكون ماضيا كقراءة أبي عمرو سكنت ياؤه تخفيفا وقد مضى منه جملة. # فصل # قال المفسرون: سول لهم سهل لهم. وأملى لهم أي مد لهم في ~~الأمل يعني قالوا: نعيش أياما ثم نؤمن به وهو معنى قوله: { وأملى ~~لهم }. # فإن قيل: الإملاء والإمهال وحد الآجال لا يكون إلا من الله فكيف ~~يصح قراءة من قرأ: وأملى لهم فإن المملي حينئذ هو الشيطان؟. # قال الخطيب: فالجواب من وجهين: # أحدهما: يجوز أن يكون المراد " وأملى لهم الله " فيقف على: " سول لهم ~~". # وثانيهما: هو أن المسول أيضا ليس هو الشيطان ms7899 وإنما أسند إليه من حيث ~~إن الله قدر على يده ولسانه ذلك، فكذلك الشيطان يمسهم ويقول لهم: في ~~آجالكم فسحة فتمتعوا برئاستكم ثم في آخر العمل تؤمنون. # قوله: { ذلك بأنهم قالوا } يعني المنافقين أو اليهود قالوا: ~~{ للذين كرهوا ما نزل الله } وهم المشركون أي ذلك ~~الإملاء لا يسبب قولهم الذين كرهوا. قاله الواحدي. # وقيل: ذلك إشارة إلى التسويل. ويحتمل أن يقال: ذلك إشارة للارتداد بسبب ~~قولهم: سنطيعكم قاله ابن الخطيب. قال: لأنا نبين أن قوله: " قالوا ~~سنطيعكم في بعض الأمور " هو أنهم قالوا نوافقكم على أن محمدا ليس بمرسل ~~وإنما هو كذاب ولكن لا نوافقكم على إنكار الرسالة والحشر والإشراك بالله ~~من الأصنام ومن لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر وإن ~~آمن بغيره. لا بل نؤمن بمحمد عليه الصلاة والسلام ولا نؤمن بالله ولا ~~برسله ولا بالحشر، لأن الله تعالى كما أخبر عن الحشر وهو جائز أخبر عن ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهي جائزة. # وقال المفسرون: إن اليهود والمنافقين قالوا للذين كرهوا ما نزل الله ~~وهم المشركون سنطيعكم في بعض الأمور في التعاون على عداوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم والقعود عن الجهاد. وكانوا يقولونه سرا فقال الله ~~تعالى: { والله يعلم إسرارهم }. # وقوله: " إسرارهم " قرأ الأخوان وحفص بكسر الهمزة مصدرا. # والباقون بفتحها جمع سر. # قوله: " فكيف " إما خبر مقدم، أي فكيف عمله بأسرارهم إذا توفتهم ~~الملائكة. وإما منصوب بفعل محذوف أي فكيف تصنعون وإما خبر " لكان " مقدرة ~~أي فكيف يكونون؟ والظرف معمول لذلك المقدر وقرأ الأعمش: " توفاهم ~~" دون تاء، فاحتملت وجهين: أن يكون ماضيا كالعامة، وأن يكون مضارعا ~~حذفت إحدى تائيه. # قوله: " يضربون " حال إما من الفاعل وهو الأظهر أو من المفعول. # فصل # قال ابن الخطيب: الأظهر أن قوله: { والله يعلم إسرارهم } ~~أي ما في قلوبهم من العلم بصدق محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا ~~مكابرين معاندين وكانوا يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ~~يعرفون أبناءهم ويؤيده القراءة بكسر الهمزة فإنهم كانوا ms7900 يسرون نبوة ~~محمد عليه الصلاة والسلام وإن قلنا: المراد من الذين ارتدوا هم ~~المنافقون فكانوا يقولون للجاحدين من الكفار سنطيعكم في بعض الأمور كانوا ~~يرون أنهم إن غلبوا انقلبوا كما قال الله: # ولئن جآء نصر من ربك ليقولن إنا كنا ~~معكم # [العنكبوت:10] وقال تعالى: # فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد # [الأحزاب:19]. وقوله: { فكيف إذا توفتهم الملائكة ~~يضربون وجوههم وأدبارهم } كأنه تعالى قال: هب أنهم ~~يسرون والله لا يظهره اليوم فكيف يبقى مخفيا وقت وفاتهم؟! أو نقول: لما ~~قال الله تعالى: والله يعلم إسرارهم أنهم يختارون القتال لما فيه من ~~الضرب والطعن مع أنه مفيد على الوجهين جميعا إن غلبوا في الحال والثواب ~~في المآل، وإن غلبوا فالشهادة والسعادة، فكيف حالهم إذا ضرب وجوههم ~~وأدبارهم؟!. # وعلى هذا فيه لطيفة وهي أن القتال في الحال إن أقدم المبارز قد يهزم ~~الخصم ويسلم وجهه وقفاه وإن لم يهزمه فالضرب على وجهه إن ثبت ~~وصبر وإن لم يثبت وانهزم فإنه فاته بالهرب فقد سلم وجهه وقفاه وإن لم ~~يفته فالضرب على قفاه لا غير ويوم الوفاة لا نصرة له ولا مفر، فوجهه ~~وظهره مضروب مطعون فيكف يحترز عن الأذى ويختار العذاب الأكبر؟. # قوله: { ذلك بأنهم اتبعوا مآ أسخط الله } أي ذلك ~~الضرب بأنه اتبعوا ما أسخط الله. قال ابن عباس (رضي الله عنهما) بما ~~كتموا التوراة وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وكرهوا ما فيه رضوان ~~الله وهو الطاعة والإيمان. وقيل: المراد بما أسخط الله الكفر لأن الإيمان ~~يرضيه لقوله تعالى: # إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى ~~لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم # [الزمر:7]. وقيل: بما أسخط الله هو تسويل الشيطان. # فإن قيل: هم ما كانوا يكرهون رضوان الله بل كانوا يقولون: إن الذي هم ~~عليه رضوان الله ولا نطلب به إلا رضى الله وكيف (لا) والمشركون بإشراكهم ~~كانوا يقولون إنا نطلب رضى الله كما قالوا: # ليقربونآ إلى الله زلفى # [الزمر:3] وقالوا: # فيشفعوا لنآ # [الأعراف:53]. # فالجواب: معناه كرهوا ما فيه رضى الله. ms7901 وفيه قوله: { مآ أسخط ~~الله } ولم يقل: " ما أرضى الله " لطيفة وهي أن رحمة الله سابقة، فله ~~رحمة ثانية وهي منشأ الرضوان وغضب الله متأخر، فهو يكون على ذنب، فقال " ~~رضوانه " لأنه من وصف ثابت لله سابق. ولم يقل " سخط الله " بل قال " ~~أسخط " إشارة إلى أن السخط ليس ثبوته كثبوت الرضوان ولهذا المعنى قال ~~في اللعان في حق المرأة: # والخامسة أن غضب الله عليهآ إن كان من ~~الصادقين # [النور:9] يقال: غضب الله مضافا لأن لعانه قد سبق فظهر الزنا بقوله ~~وإيمانه وقبله لم يكن غضب فرضوان الله أمر يكون منه الفعل وغضب الله أمر ~~يكون من فعله. # قوله: " فأحبط الله أعمالهم " حيث لم يطلبوا رضا الله وإنما ~~طلبوا رضا الشيطان والأصنام. قوله: { أم حسب الذين في ~~قلوبهم مرض } يعني المنافقين و " أم " تستدعي جملة أخرى ~~استفهامية يقال: أزيد في الدار أم عمرو وإذا كانت منقطعة لا ~~تستدعي ذلك؛ يقال: إن هذا لزيد أم عمرو وكما يقال: بل عمرو. والمفسرون ~~على أنها منقطعة. ويحتمل أن يقال: إنها استفهامية والسابق مفهوم من قوله ~~تعالى: { والله يعلم إسرارهم }. وكأنه تعالى قال: (أم) حسب ~~الذين كفروا أن لم يعلم الله إسرارهم أم حسب المنافقون أن لن يظهرها. ~~والكل فاسد فإنما يعلمها ويظهرها. # قوله: { أن لن يخرج الله أضغانهم } الإخراد بمعنى ~~الإظهار، أي لن يظهر أحقادهم و " أن " هذه مخففة. و " لن " وما بعدها ~~خبرها واسمها ضمير الشأن. والأضغان جمع ضغن وهي الأحقاد ~~والضغينة كذلك. قال (رحمه الله): # 4480 وذي ضغن كففت الود عنه # وكنت على إساءته مقيتا # وقال عمرو بن كلثوم: # 4481 وإن الضغن بعد الضغن يعسو # عليك ويخرج الداء الدفينا # وقيل: الضغن العداوة وأنشد: # 4482 قل لابن هند ما أردت بمنطق # ساء الصديق وشيد الأضغانا # يقال: ضغن بالكسر يضغن بالفتح وقد ضغن عليه وأضغن ~~القوم وتضاغنوا. # وأصل المادة من الألتواء في قوائم الدابة والقناة، قال (رحمة الله ~~عليه): # 4483 إن قناتي من صليبات القنا # ما زادها التثقيف إلا ضغنا # وقال آخر: # 4484............................. # كذات ms7902 الضغن تمشي في الرقاق # والاضطغان الاحتواء على الشيء أيضا ومنه قولهم: اضطغنت ~~الصبي إذا احتضنته وأنشد: # 4485 كأنه مضطغن صبيا # وقال الآخر: # 4486 وما اضطغنت سلاحي عند معركها # ............................. # وفرس ضاغن لا يجري إلا بالضرب. # فصل # قال المفسرون: أضغانهم أحقادهم على المؤمنين فيبديها حتى تعرفوا ~~نفاقهم. وقال ابن عباس ( رضي الله عنهما) أضغانهم حسدهم. # قوله: { ولو نشآء لأريناكهم } من رؤية البصر؛ وجاء على ~~الأفصح من اتصال الضميرين ولو جاء على أريناك إياهم جاز. # وقال ابن الخطيب: الإراءة هنا بمعنى التعريف. # قوله: " فلعرفتهم " عطف على جواب " لو " وقوله: " ~~ولتعرفنهم " جواب قسم محذوف. # قال المفسرون: معنى الكلام: لأريناكهم أي لأعلمناكهم وعرفناكهم ~~فلتعرفنهم بسيماهم: بعلامتهم. قال الزجاج: المعنى لو نشاء ~~لجعلنا على المنافقين علامة تعرفهم بها. قال " أنس ": فأخفي على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية شيء من المنافقين كان ~~يعرفهم بسيماهم. # قوله: { ولتعرفنهم في لحن القول } أي في معناه ~~ومقصده. واللحن يقال باعتبارين: # أحدهما: الكناية بالكلام حتى لا يفهمه غير مخاطبك. ومنه قول القتال ~~الكلابي (رحمه الله) في حكاية له: # 4487 ولقد وحيت لكيما تفهموا # ولحنت لحنا ليس بالمرتاب # وقال آخر: # 4488 ومنطق صائب وتلحن أحيا # نا وخير الحديث ما كان لحنا # واللحن: صرف الكلام من الإعراب إلى الخطأ. وقيل يجمعه هو والأول صرف ~~الكلام عن وجهه. يقال من الأول: لحنت بفتح الحاء ألحن له فأنا ~~لاحن. وألحنت الكلام أفهمته إياه فلحنه بالكسر ~~أي فهمه فهو لاحن. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : # " ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ~~". # ويقال من الثاني: لحن بالكسر إذا لم يعرب لهو لحن. # فصل # معنى الآية أنك تعرفهم فيما يعرضون به من تهجين أمرك وأمر المسلمين ~~والاستهزاء بهم، فكان بعد هذا لا يتكلم منافق عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلا عرفه بقوله ويستدل بفحوى كلامه على فساد دخلته. قال ~~ابن الخطيب: معنى الآية لن يخرج الله أضغانهم أي يظهر ضمائرهم ~~ويبرز سرائرهم، وكأن قائلا قال: فلم لم يظهر؟ فقال: ms7903 أخرناه ~~لمحض المشيئة لا لخوف منهم ولو نشاء لأريناكم أي لا مانع لنا والإراءة ~~بمعنى التعريف. وقوله: " فلعرفتهم " لزيادة فائدة وهي أن التعريف قد ~~يطلق ولا يلزم منه المعرفة يقال: عرفته ولم يعرف وفهمته ~~ولم يفهم فقال ههنا: فلعرفتهم يعني عرفناهم ~~تعريفا تعرفهم به إشارة إلى قوة التعريف. واللام في قوله: " فلعرفتهم ~~" هي التي تقع في خبر " لو " كما في قوله: " لأريناكهم " أدخلت ~~على المعرفة إشارة إلى المعرفة المرتبة على المشيئة كأنه قال: ولو نشاء ~~لعرفتهم لتفهم أن المعرفة غير متأخرة عن التعريف فتفيد تأكيد التعريف ~~أي لو نشاء لعرفناك تعريفا معه المعرفة لا بعده. وقوله: { في لحن ~~القول } أي في معنى القول حيث يقولون ما معناه النفاق، كقولهم حين ~~مجيء النصر: # إنا كنا معكم # [العنكبوت:10] وقولهم: # لئن رجعنآ إلى المدينة # [المنافقون:8] وقولهم: # إن بيوتنا عورة # [الأحزاب:13] ويحتمل أن يكون المراد قولهم ما لم يعتقدوا فأمالوا كلامهم ~~كما قالوا: # نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك ~~لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون # [المنافقون:1]. # ويحتمل أن يكون المراد من لحن القول هو الوجه الخفي من القول الذي ~~يفهمه النبي عليه الصلاة والسلام ولا يفهمه (غيره. فالنبي عليه صلى ~~الله عليه وسلم كان يعرف) المنافقين ولم يظهر أمرهم، إلى أن أذن الله ~~له في إظهار أمرهم، ومنع من الصلاة على جنائزهم، والقيام على قبورهم. # " بسيماهم " الظاهر أن المراد أنه تعالى لو شاء لجعل على وجوههم ~~علامة أو يمسخهم كما قال: # ولو نشآء لمسخناهم # [يس:67]. وروي أن جماعة منهم أصبحوا وعلى جباههم مكتوب هذا منافق ثم ~~قال تعالى: { والله يعلم أعمالكم } وهذا وعد للمؤمنين ~~وبيان لكون حالهم بخلاف حال المنافقين. # قوله: { ولنبلونكم حتى نعلم...ونبلو ~~أخباركم } قرأ أبو بكر الثلاثة بالياء من أسفل يعني الله تعالى. ~~والأعمش كذلك وتسكين الواو (والباقون بنون العظمة. ورويس كذلك وتسكين ~~الواو والظاهر قطعة عن الأول في قراءة تسكين الواو) ويجوز أن يكون سكن ~~الواو تخفيفا كقراءة الحسن: { أو يعفو الذي } [البقرة:237] ~~بسكون الواو. # فصل # المعنى: لنعاملنكم معاملة المختبر ms7904 بأن نأمركم بالجهاد والقتال { ~~حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين } أي علم ~~الوجود والمشاهدة فإن تعالى قد علمه علم الغيب يريد نبين المجاهد الصابر ~~على دينه من غيره وقوله: { ونبلو أخباركم } أي يظهرها ويكشفها ~~بإباء من يأبى القتال ولا يصبر على الجهاد. ### || [47.32-38] # قوله: { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ~~وشآقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى } ~~قيل: هم أهل الكتاب قريظة والنضير لأن أهل الكتاب تبين لهم صدق ~~محمد صلى الله عليه وسلم وقيل: هم كفار قريش. { لن يضروا ~~الله شيئا } إنما يضرون أنفسهم وهذا تهديد { وسيحبط ~~أعمالهم } فلا يبقي لهم ثوابا في الآخرة. قال ابن عباس (رضي ~~الله عنهما) هم المطعمون يوم بدر. نظيرها قوله تعالى: # إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن ~~سبيل الله # [الأنفال:36] وقيل: الأعمال ههنا مكايدهم في القتال. # قوله: { يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم } قال عطاء: ~~بالشك والنفاق. وقال الكلبي: بالرياء والسمعة. وقال الحسن: بالمعاصي ~~والكبائر. وقال أبو العالية: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يرون أنه لا يضر مع الإخلاص ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل فنزلت هذه ~~الآية فخافو الكبائر أن تحبط الأعمال. وقال مقاتل: لا تمنوا على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فتبطلوا أعمالكم نزلت في بني أسد قال تعالى: # لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى # [البقرة:264] فإنه يقول: فعلته لأجل قلبك ولولا أرضاك به لما فعلت وهذا ~~مناف للإخلاص والله لا يقبل إلا العمل الخالص. # قوله: { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ~~ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم } قيل: هم ~~أصحاب القليب. وقيل: اللفظ عام. # قوله: { فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم } يجوز جزم " ~~تدعوا " عطفا على فعل النهي ونصبه بإضمار أن في جواب النهي. وقرأ أبو ~~عبد الرحمن: بتشديد الدال فقال الزمخشري: من ادعى القوم ~~وتداعوا مثل ارتموا الصيد، وتراموا. وقال غيره: بمعنى ~~تغتروا. وتقدم الخلاف في السلم. # فصل # لما بين أن عمل الكافر الذي له صورة الحسنات ms7905 يحبط وذنبه الذي هوأقبح ~~السيئات غير مغفور وأمر بطاعة الله وطاعة الرسول أمر بالقتال فقال: " ~~فلا تهنوا " أي لا تضعفوا بعدما وجد السبب وهو الأمر بالجد ~~والاجتهاد في القتال فقال: { فلا تهنوا وتدعوا إلى ~~السلم } أي إلى الصلح ابتداء فمنع الله المسلمين أن يدعوا الكفار إلى ~~الصلح وأمرهم بحربهم حتى يسلموا. # قوله: { وأنتم الأعلون } جملة حالية، وكذلك { والله ~~معكم } وأصل الأعلون الأعليون فأعل. # قال ابن الخطيب: أصله في الجمع الموافق أعليون ومصطفيون ~~فسكنت الياء لكونها حرف علة تحرك ما قبله والواو كانت ساكنة فالتقى ~~ساكنان فلم يكن بد من حذف أحدهما وتحريك الآخر والتحريك كان قد ثبت ~~في المحذور الذي اجتنب منه فوجب الحذف والواو فيه كانت لمعنى لا يستفاد ~~إلا منها وهو الجمع فأسقطت الياء وبقي أعلون. # وبهذا الدليل صار في الجر أعلين ومصطفين. ومعنى الأعلون ~~الغالبون قال الكلبي: أخر الأمر لكم وإن غلبوكم في بعض الأوقات { ~~والله معكم } بالعون والنصرة. # قوله: { ولن يتركم أعمالكم } أي ينقصكم أو يفردكم عنها، ~~فهو من وترت الرجل إذا قتلت له قتيلا أو نهبت ماله. أو ~~من الوتر وهو الانفراد. وقيل: كلا المعنيين يرجع إلى الإفراد، لأن من ~~قتل له قتيل، أو نهب له مال فقد أفرد عينه فمعنى: " لن يتركم أعمالكم ~~" لن ينقصكم شيئا من ثواب أعمالكم يقال: وتره يتره ~~وترا وترة إذا نقصه حقه. # قال ابن عباس: (رضي الله عنهما) وقتادة والضحاك: لن يظلمكم ~~أعمالكم الصالحة أن يؤتيكم أجورها. ثم حض على طلب الآخرة فقال: { ~~إنما الحياة الدنيا لعب ولهو } باطل وغرور { وإن ~~تؤمنوا وتتقوا } الفواحش { يؤتكم أجوركم } جزاء ~~أعمالكم في الآخرة { ولا يسألكم } ربكم { أموالكم } لإيتاء ~~الأجر بل يأمركم بالإيمان والطاعة ليثيبكم عليها الجنة. نظيره قوله: # مآ أريد منهم من رزق # [الذاريات:57]. وقيل: لا يسألكم محمد أموالكم نظيره: # قل مآ أسألكم عليه من أجر # [ص:86]. وقيل: معنى الآية لا يسألكم الله ورسوله أموالكم كلها في ~~الصدقات إنما يسألانكم غيضا من فيض ربع العشر فطيبوا بها نفسا. قاله ~~ابن عيينة. ويدل ms7906 عليه سياق الآية. # قوله: " فيحفكم " عطف على الشرط و " تبخلوا " جواب الشرط. قال ~~ابن الخطيب: الفاء في قوله: " فيحفكم " للإشارة إلى أن ~~الإحفاء يتبع السؤال لشح الأنفس، وذلك لأن العطف بالواو قد يكون ~~لمباينين وبالفاء لا يكون إلا للمتعاقبين، أو متعلقين أحدهما بالآخر ~~فكأنه تعالى يبين أن الإحفاء يقع عقيب السؤال لأن الإنسان بمجرد ~~السؤال لا يعطي شيئا. قال المفسرون: فيحفكم يجهدكم وبلحف عليكم ~~بمسألة جميعها يقال: أحفى فلان فلانا إذا جهده وألحف قلبه في ~~المسألة. # قوله: { تبخلوا ويخرج أضغانكم } العامة على إسناد " ~~يخرج " إلى ضمير فاعل إما الله تعالى أو الرسول أو السؤال؛ لأنه ~~سبب وهو مجزوم عطفا على جواب الشرط وروي عن أبي عمرو رفعه على ~~الاستئناف وقرأ أيضا بفتح الياء وضم الراء ورفع " أضغانكم " ~~فاعلا. # وابن عباس في آخرين وتخرج بالتاء من فوق وضم الراء أضغانكم ~~فاعل به. ويعقوب ونخرج بنون العظمة وكسر الراء أضغانكم نصبا. # وقرىء: ويخرج بالياء على البناء للمفعول أضغانكم رفعا به. ~~وعيسى كذلك إلا أنه نصبه بإضمار أن عطفا على مصدر متوهم أي بأن يكف ~~بخلكم وإخراج أضغانكم بغضكم وعداوتكم. # فصل # قال قتادة: علم الله أن في مسألة الأموال خروج الأضغان يعني ما طلبها ~~ولو طلبها وألح عليكم في الطلب لبخلتم كيف وأنتم تبخلون باليسير فكيف ~~لا تبخلون بالكثير فيخرج أضغانكم بسببه. فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~ وأصحابه إذا طلبوا منكم وأنتم لمحبة الأموال وشح الأنفس تمتنعون ~~فيفضي إلى القتال وتظهر به الضغائن. # ثم بين ذلك بقوله: { ها أنتم هؤلاء } قد طلبت منكم اليسير ~~فيحفكم فكيف لو طلبت منك الكل؟. # قوله: { ها أنتم هؤلاء } (قال الزمخشري: هؤلاء) موصول صلته " ~~تدعون " أي أنتم الذين تدعون أو أنتم يا مخاطبون هؤلاء المؤمنون. ثم ~~استأنف وصفهم كأنهم قالو: وما وصفنا؟ فقيل: تدعون. وقال ابن ~~الخطيب: " هؤلاء " تحتمل وجهين: # أحدهما: أن تكون موصولة كأنه قال: أنتم الذين تدعون لتنفقوا في ~~سبيل الله. # وثانيهما: هؤلاء وحدها خبر " أنتم " كما يقال::أنت (أنت و) أنت هذا ~~تحقيقا للشهرة والظهور ms7907 أي ظهور أثركم بحيث لا حاجة إلى الإخبار عنكم ~~بأمر مغاير. وقد تقدم الكلام على قوله: { ها أنتم هؤلاء } ~~مشبعا في آل عمران. # وقوله: " تدعون " أي إلى الإنفاق إما في سبيل الله بالجهاد وإما ~~صرفه إلى المستحقين من إخوانكم. قوله: { فمنكم من يبخل } بما ~~فرض عليه من الزكاة { ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه ~~} أي إن ضرر ذلك البخل عائد إليه فلا تظنوا أنهم ينفقون على غيرهم بل لا ~~ينفقونه إلا على أنفسهم فإن من يبخل بأجرة (الطبيب) وثمن الدواء وهو ~~مريض فلا يبخل إلا على نفسه ثم حقق ذلك بقوله: { والله الغني } ~~أي غير محتاج إلى مالكم وأتمه بقوله: { وأنتم الفقرآء } إليه ~~وإلى ما عنده من الخير حتى لا تقولوا بأنا أغنياء عن القتال ودفع حاجة ~~الفقراء. # قوله: { يبخل عن نفسه } بخل وضن يتعديان ب " على " ~~تارة وب " عن " أخرى. والأجود أن يكون حال تعديهما ب " عن " ~~مضمنين معنى الإمساك. # قوله: { وإن تتولوا } هذه (الجملة الشرطية عطف على) الشرطية ~~قبلها. و " ثم لا يكونوا " عطف على " يستبدل ". # فصل # ذكر بيان الاستغفار كما قال تعالى: # إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد # [فاطر:16] قال المفسرون: إن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا ~~يكونوا أمثالكم بل يكونوا أمثل منكم وأطوع لله منكم. قال الكلبي: هم ~~كندة والنخع. # وقال الحسن: هم العجم. وقال عكرمة: فارس (والروم) لما روى أبو هريرة # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا قوله تعالى: { وإن ~~تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا ~~أمثالكم } قال يا رسول الله: من هؤلاء الذين إن تولينا ~~استبدلوا بنا، ثم لا يكونوا أمثالنا؟ فضرب على فخد سلمان ~~الفارسي ثم قال: هذا وقومه ولو كان الدين عند الثريا لتناوله ~~رجال من الفرس. وقيل: هم قوم من الأنصار ". # فصل # قال ابن الخطيب: ههنا مسألة، وهي أن النحاة قالوا: يجوز في المعطوف ~~على جواب الشرط " بالواو والفاء وثم " الجزم والرفع، تقول: إن ~~تأتني آتك فأخبرك بالجزم والرفع جميعا، قال الله تعالى ههنا ~~{ وإن تتولوا يستبدل ms7908 قوما غيركم } وقال { ثم ~~لا يكونوا أمثالكم } بالجزم وقال في موضع آخر: # وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون # [آل عمران:111] بالرفع، لإثبات النون. وفيه تدقيق: وهو أن قوله: " لا ~~يكونوا " متعلق بالتوالي؛ لأنهم إن لم يتولوا يكونوا مثل من ~~يأتي بهم الله على الطاعة وإن تولوا لا يكونون مثلهم لكونهم عاصين وكون ~~من يأتي بهم مطيعين. وأما هناك سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا لا ينصرون، فلم ~~يكن التعلق هناك بما وقع بالابتداء وههنا جزم. وقوله: { يكونوا ~~أمثالكم } في الوصف لا في الجنس. # روى أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " من قرأ سورة محمد كان حقا على الله أن ~~يسقيه من أنهار الجنة " # (صدق رسول اله صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم). ### | [48 - سورة الفتح] ### || [48.1-3] # قوله تعالى: { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } اختلفوا في ~~هذا الفتح فروى أنس أنه فتح مكة وقال مجاهد: فتح خيبر. والأكثرون على أنه ~~فتح الحديبية، وقيل: فتح الروم. وقيل: فتح الإسلام بالحجة والبرهان ~~والسيف والسنان. وقيل: الفتح الحكم لقوله تعالى: # افتح بيننا وبين قومنا بالحق # [الأعراف:89] وقوله: # ثم يفتح بيننا بالحق # [سبأ:26]. فمن قال: هو فتح مكة قال: لأنه مناسب لآخر السورة التي قبلها ~~من وجوه: # أحدها: أنه تعالى لما قال: # ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله # [محمد:38] إلى أن قال: # ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه # [محمد:38] وبين تعالى أنه فتح لهم مكة، وغنموا ديارهم، وحصل لهم ~~أضعاف ما أنفقوا؛ ولو بخلوا لضاع عليهم ذلك فلا يكون بخلهم إلا على ~~أنفسهم. # وثانيها: لما قال: # والله معكم # [محمد:35] وقال: # وأنتم الأعلون # [محمد:35] بين برهانه بفتح مكة فإنهم كانوا هم الأعلون. # وثالثها: لما قال تعالى: # فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم # [محمد:35] وكان معناه لا تسألوا الفتح بل اصبروا فإنكم تسألون الصلح كما ~~كان يوم الحديبية فكان المراد فتح مكة حيث أتوا صناديد قريش ~~مستأمنين ومؤمنين ومسلمين ومستسلمين. # فإن قيل: إن كان المراد فتح مكة فمكة ms7909 لم تكن فتحت فكيف قال: فتحنا بلفظ ~~الماضي؟. # فالجواب من وجهين: # أحدهما: فتحنا في حكمنا وتقديرنا. # والثاني: ما قدره الله تعالى فهنو كائن فأخبر بصيغة الماضي إشارة إلى ~~أنه أمر واقع لا دافع له. # وأما حجة رأي الأكثرين على أنه صلح الحديبية فلما روى البراء ~~قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة وقد كان فتح مكة فتحا ونحن نعد ~~الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~أربع عشرة مائة والحديبية بئر فنزحناها فلم تنزل ~~قطرة فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأتاها فجلس على شفيرها ~~فدعا بإناء من ماء فتوضأ ثم تمضمض ودعا وصبه فيها فتركناها ~~غير بعيد. ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا. قال الشعبي في ~~قوله: إنا فتحنا لك فتحا مبينا قال: فتح الحديبية غفر له ~~ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأطعموا نخل خيبر، وبلغ الهدي محله ~~وظهرت الروم على الفرس ففرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس. ~~قال الزهري: ولم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية، وذلك أن ~~المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم فتمكن الإسلام في قلوبهم وأسلم ~~في ثلاث سنين خلق كثير وكثر سواد الإسلام، قال المفسرون: { إنا ~~فتحنا لك فتحا مبينا } أي قضينا لك قضاء بينا. # قوله: { ليغفر لك الله } متعلق " بفتحنا " وهي لام ~~العلة. وقال الزمخشري: # فإن قلت: كيف جعل فتح مكة علة للمغفرة؟. # قلت: لم تجعل علة للمغفرة ولكن لما عدد من الأمور الأربعة وهي ~~المغفرة، وإتمام النعمة وهداية الصراط المستقيم، والنصر العزيز كأنه ~~قال: يسرنا لك فتح مكة، ونصرناك على عدوك ليجمع لك بين ~~عز الدارين، وإعراض العاجل والآجل. # ويجوز أن (يكون) فتح مكة من حيث إنه جهاد للعدو سببا للغفران ~~والثواب. وهذا الذي قاله مخالف لظاهر الآية، فإن اللام داخلة على المغفرة ~~فتكون المغفرة علة للفتح والفتح معلل بها فكان ينبغي أن يقول: كيف جعل ~~فتح مكة معللا بالمغفرة؟ ثم يقول: لم يجعل معللا؟. # وقال ابن الخطيب في جواب هذا السؤال وجهين: آخرين؛ فقال ms7910 بعد أن حكى ~~الأول وقال: إن اجتماع الأربعة لم يثبت إلا بالفتح فإن النعمة به ~~تمت، والنصرة به عمت: الثاني: أن فتح مكة كان سببا لتظهير ~~بيت الله من رجز الأوثان وتطهير بيته صار سببا لتطهير عبده. الثالث: ~~أن الفتح سبب الحجج، وبالحج تحصل المغفرة كما قال عليه الصلاة ~~والسلام في الحج # " اللهم اجعله حجا مبرورا وسعيا مشكورا ~~وذنبا مغفورا " # الرابع: المراد منه التعريف تقديره: إنا فتحنا لك لتعرف أنك مغفور ~~لك معصوم. وقال ابن عطية: المراد هنا أن الله فتح لك لكي يجعل الفتح ~~علامة لغفرانه لك فكأنها لام صيرورة. وهذا كلام ماش على الظاهر، ~~وقال بعضهم: إن هذه اللام لام القسم والأصل: ليغفرن فكسرت ~~اللام تشبيها بلام " كي " ، وحذفت النون. ورد هذا بأن اللام لا ~~تكسر، وبأنها لا تنصب المضارع. # وقد يقال: إن هذا ليس بنصب وإنما هو بقاء الفتح الذي كان قبل نون ~~التوكيد بقي ليدل عليها ولكنه قول مردود. # فصل # لم يكن للنبي صلى لله عليه وسلم ذنب فماذا يغفر له؟ فقيل: المراد ~~ذنب المؤمنين. وقيل: المراد ترك الأفضل. وقيل: الصغائر فإنها جائزة على ~~الأنبياء بالسهو والعمد. قال ابن الخطيب: وهي تصونهم عن العجب. ~~وقيل: المراد بالمغفرة العصمة. ومعنى قوله: " وما تأخر " قيل: ~~إنه وعد النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لا يذنب بعد النبوة. ~~وقيل: ما تقدم على الفتح. # وقيل: هو للعموم، يقال: اضرب من لقيت ومن لا تلقاه مع ~~أن من لا تلقاه لا يمكن ضربه إشارة إلى العموم. وقيل: من قبل النبوة ~~وبعدها ومعناه ما قبل النبوة بالعفو وما بعدها بالعصمة. وفيه وجوه أخر ~~ساقطة. قال ابن الخطيب: منها قول بعضهم: ما تقدم من أمر " مارية " " ~~وما تأخر " من أمر " زينب " وهو أبعد الوجوه وأسقطها لعدم ~~التئام الكلام. # قوله: { ويتم نعمته عليك } قيل: إن التكاليف عند الفتح ~~تمت حيث وجب الحج وهو آخر التكاليف والتكاليف نعمة وقيل: يتم ~~نعمته عليك بإخلاء الأرض من معانديك، فإن من يوم الفتح لم يبق ~~للنبي صلى الله ms7911 عليه وسلم عدو، فإن بعضهم قتل يوم بدر، والباقون ~~آمنوا واستأمنوا يوم الفتح. # وقيل: ويتم نعمته عليك في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا باستجابة دعائك ~~في طلب الفتح، وفي الآخرة: بقبول شفاعتك. # فصل # قال الضحاك: إنا فتحنا لك فتحنا مبينا بغير قتال، كان الصلح من ~~الفتح. فإن كانت اللام في قوله: " ليغفر " لام كي فمعناه إنا ~~فتحنا لك فتحا مبينا لكي يجتمع لك مع المغفرة تمام النعمة في ~~الفتح. وقال الحسن بن الفضل: هو مردود إلى قوله: " واستغفر ~~لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ليغفر الله لك ما تقدم من ~~ذنبك، وما تأخر، وليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها ~~الأنهار ". # وقال محمد بن جرير: هو راجع إلى قوله: # إذا جآء نصر الله والفتح ورأيت الناس ~~يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك ~~واستغفره إنه كان توابا # [النصر:13] ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك في الجاهلية قبل الرسالة " ~~وما تأخر " إلى وقت نزول هذه السورة. وقيل: ما تأخر مما يكون. وهذا على ~~طريق من يجوز الصغائر على الأنبياء. وقال سفيان الثوري: " ما ~~تقدم " مما عملت في الجاهلية " وما تأخر " كل شيء لم تعمله كما تقدم. # وقال عطاء الخراساني: { ما تقدم من ذنبك } يعني ذنب أبويك ~~آدم وحواء ببركتك، " وما تأخر " ذنوب أمتك بدعوتك. { ويتم ~~نعمته عليك } بالنبوة والحكمة. # قوله: { ويهديك صراطا مستقيما } قيل: يهدي بك. وقيل: ~~يديمك على الصراط المستقيم، وقيل جعل الفتح سبب الهداية إلى الصراط ~~المستقيم لأنه سهل على المؤمنين الجهاد لعلمهم بفوائده (و) العادجلة ~~والآجلة. وقيل: المراد التعريف، أي لتعرف أنك على صراط مستقيم. ثم قال: { ~~وينصرك الله نصرا عزيزا } غالبا. وقيل: معزا؛ لأن ~~بالفتح ظهر النصر. # فإن قيل: إن الله تعالى وصف النصر بكونه عزيزا من له النصر!. # فالجواب من وجهين: # أحدهما: قال الزمخشري: إنه يحتمل وجوها ثلاثة: # الأول: معناه نصرا ذا عزة، كقوله: # في عيشة راضية # [الحاقة:21] أي ذات رضا. # الثاني: وصف النصر بما يوصف به المنصور إسنادا مجازيا يقال له ~~كلام صادق كما يقال له ms7912 متكلم صادق. # الثالث: المراد نصرا عزيزا صاحبه. # الوجه الثاني: أن يقال إنما يلزم ما ذكره الزمخشري إذا قلنا: العزة هي ~~الغلبة والعزيز الغالب. وأما إذا قلنا: العزيز هو النفيس القليل النظير، ~~أو المحتاج إليه القليل الوجود، يقال: عز الشيء في سوق كذا أي ~~قل وجوده مع أنه محتاح إليه، فالنصر كان محتاجا إليه ومثله ~~لم يوجد وهو أخذ بيت الله من الكفار المقيمين فيه من غير عدد ولا ~~عدد. # فصل في البحث المعنوي # وهو أن الله تعالى لما قال: { ليغفر لك الله ما تقدم ~~من ذنبك } أبرز الفاعل وهو الله، ثم عطف عليه بقوله: " ويتم " ~~وبقوله: " ويهديك " ولم يذكر لفظ الله على الوجه الحسن في الكلام وهو ~~أن الأفعال الكثيرة إذا صدرت من فاعل يظهر اسمه في الفعل، ولا يظهر فيما ~~بعد تقول: " جاء زيد وقعد وتكلم وراح وقام " ولا ~~تقول جاء زيد وقعد زيد، بل جاء زيد وقعد، اختصارا ~~للكلام بالاقتصار على الأول، وههنا لم يثقل: " وينصرك نصرا " ~~بل أعاد لفظ الله وجوابه هذا إرشاد إلى طريق النصر ولهذا قلما ~~ذكر الله النصر من غير إضافة فقال تعالى: # ولينصرن الله من ينصره # [الحج:40] ولم يقل: بالنصر ينصر وقال: # هو الذي أيدك بنصره # [الأنفال:62] ولم يقل: أيدك بالنصر، وقال: # إذا جآء نصر الله والفتح # [النصر:1] وقال: # نصر من الله وفتح قريب # [الصف:13]، وقال: # وما النصر إلا من عند الله # [آل عمران:126]، وهذا أدل الآيات على مطلوبها. وتحقيقه هو أن النصر ~~بالصبر والصبر بالله قال تعالى: # وما صبرك إلا بالله # [النحل:127] وذلك لأن الصبر سكون القلب واطمئنانه وذلك بذكر الله ~~(تعالى) كما قال تعالى: # ألا بذكر الله تطمئن القلوب # [الرعد:28] فلما قال ههنا: " وينصرك الله " أظهر لفظ الله، ~~ليعلم أن بذكر الله يحصل اطمئنان القلب وبه يحصل الصبر وبه يتحقق ~~النصر. # فصل # قال: { إنا فتحنا لك } ثم قال: { ليغفر لك الله } ، ~~ولم يقل: " إنا فتحنا ليغفر لك " تعظيما لأمر الفتح وذلك ~~لان المغفرة وإن كانت عظيمة لكنها عامة لقوله تعالى: # إن ms7913 الله يغفر الذنوب جميعا # [الزمر:53] وقال: # ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء # [النساء:116] فإن قلنا: المراد من المغفرة في حق النبي صلى الله عليه ~~سولم فكذلك لم يختص به نبينا، بل غيره من الرسل كان معصوما وإتمام ~~النعمة كذلك قال تعالى: # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي # [المائدة:3] وقال تعالى: # يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت ~~عليكم # [البقرة:47 و122] وكذلك الهداية قال تعالى: # يهدي الله # [النور:35] وكذلك النصر، قال الله تعالى: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم ~~لهم المنصورون # [الصافات:171172] وأما الفتح فلم يبق لأحد غير النبي صلى لله عليه ~~وسلم فعظمه بقوله: { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } وفيه ~~التعظيم من وجهين: # أحدهما: قوله: " إنا " # والثاني: قوله: " لك " أي لأجلك على وجه المنة. ### || [48.4-7] # قوله تعالى: { هو الذي أنزل السكينة في قلوب ~~المؤمنين } لما قال تعالى: # وينصرك الله نصرا عزيزا # [الفتح:3] بين وجه النصر، وذلك أن الله تعالى قد ينصر رسله بصيحة ~~يهلك بها أعداؤهم، أو رجفة يحكم فيها عليهم بالفناء، ~~أو بشيء يرسله من السماء، أو بصبر وقوة وثبات قلب يرزق ~~المؤمنين ليكون لهم بذلك الثواب الجزيل، فقال: { هو الذي أنزل ~~السكينة } أي تحقيقا للنصر. والمراد بالسكينة قيل: السكون، وقيل: ~~الوقار لله. وقيل: اليقين. قال أكثر المفسرين: هذه السكينة غير السكينة ~~المذكورة في قوله تعالى: # يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم # [البقرة:248]. ويحتمل أن تكون هي تلك؛ لأن المقصود منها على جميع الوجوه ~~اليقين وثبات القلب. # فصل # قال الله تعالى (في حق الكفار) # وقذف في قلوبهم الرعب # [الأحزاب:26] [الحشر:43] بلفظ القذف المزعج وقال في حق المؤمنين: { ~~أنزل السكينة في قلوب المؤمنين } بلفظ الإنزال المثبت. ~~وفيه معنى حكمي وهو أن من علم شيئا من قبل ويذكره استدام بذكره، فإذا ~~وقع لا يتغير ومن كان غافلا عن شيء فيقع رفعه فإنه يرجف فؤاده، ~~ألا ترى أن من أخبر بوقوع صيحة، وقيل (له) لا تنزعج منها فوقعت ~~الصيحة لا يرتجف ومن لم يخبر به أو أخبر وغفل عنه يرتجف إذا وقعت. ms7914 ~~كذلك الكافر أتاه الله من حيث لم يحتسب وقذف في قلبه الرعب، ~~فارتجف، والمؤمن أتي من حيث كان يذكر فسكن، فلا تزعج نفوسهم لما ~~يرد عليهم. قال ابن عباس: كل سكينة في القرآن فهي طمأنينة إلا التي ~~في سورة البقرة. # قوله: { ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم } ، قال ابن عباس ~~ (رضي الله عنهما) بعث الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم ~~بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدقوا زادهم الصلاة، ثم الزكاة، ثم ~~الصيام، ثم الحج، ثم الجهاد حتى أكمل لهم دينهم وكلما أمروا ~~بشيء فصدقوه ازدادوا تصديقا إلى تصديقهم. وقال الضحاك: يقينا مع ~~يقينهم، وقيل: أنزل السكينة عليهم فصبروا ورأوا عين القين ما ~~علموا النصر علم اليقين إيمانا بالغيب فازدادوا إيمانا مستفادا من ~~الغيب مع إيمانهم المستفاد من الشهادة. وقيل: ازدادوا إيمانا بالفروع ~~مع إيمانهم بالأصول فإنهم آمنوا بأن محمدا رسول الله، فإن الله واحد، ~~والحشر كائن فآمنوا بأن كل ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم ~~فهو صدق، وكل ما يأمر الله تعالى به فهو واجب. # وقيل: ازدادوا إيمانا استدلاليا مع إيمانهم الفطري. # فإن قيل: ما الحكمة في قوله في حق الكفار: # إنما نملي لهم ليزدادوا إثما # [آل عمران:178] ولم يقل مع كفرهم وقال في حق المؤمنين: { ~~ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم }؟ # فالجواب: أن كفر الكافر عنادي، وليس في الوجود كفر فطري، ولا ~~في الوجود كفر عنادي لينضم إلى الكفر الفطري بل الكفر ليس إلا ~~عنادا وكذلك الكفر بالفروع لا يقال: انضم إلى الكفر بالأصول، لأن من ~~ضرورة الكفر بالأصول الكفر بالفروع وليس من ضرورة الإيمان بالأصول ~~الإيمان بالفروع بمعنى الطاعة والانقياد، ولهذا قال: { ليزدادوا ~~إيمانا مع إيمانهم }. # قوله: { ولله جنود السماوات والأرض } فهو قادر على ~~إهلاك عدوهم بجنود، بل بصيحة ولم يفعل بل أنزل السكينة على المؤمنين ~~ليكون إهلاك أعدائه بأيديهم فيكون لهم الثواب. والمراد بجنود السموات ~~والأرض الملائكة، وقيل: جنود السموات الملائكة وجنود الأرض الجن ~~والحيوانات. وقيل: الأسباب السماوية. # { وكان الله عليما } لما قال: { ولله جنود ~~السماوات والأرض ms7915 } وعددهم غير محصور فقال " عليما " إشارة إلى ~~أنه لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض. وقيل: لما ذكر ~~القلوب بقوله: { أنزل السكينة في قلوب المؤمنين } ~~والإيمان الذي من عمل القلوب ذكر العلم إشارة إلى أنه يعلم ~~السر وأخفى. وقوله " حكيما " بعد " عليما " إشارة إلى أنه يفعل ~~على وفق العلم، فإن الحكيم من يعمل شيئا متقنا وبعلمه. # قوله تعالى: { ليدخل المؤمنين } في متعلق هذه اللام أربعة ~~أوجه: # أحدها: محذوف تقديره: يبتلي بتلك الجنود من شاء فيقبل الخبر ممن ~~أهله له والشر ممن قضى له به ليدخل ويعذب. # الثاني: أنها متعلقة بقوله: " إنا فتحنا " لأنه روي أن المؤمنين ~~قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم هنيئا لك إن الله غفر لك فما ~~بالنا؟ فنزلت الآية فكأنه تعالى قال: إنا فتحنا لك ليغفر لك وفتحنا ~~للمؤمنين ليدخلهم جنات. # الثالث: أنها متعلقة ب " ينصرك " كأنه تعالى قال: وينصرك الله ~~بالمؤمنين ليدخل المؤمنين جنات. # الرابع: أنها متعلقة ب " يزدادوا " واستشكل هذا بأن قوله: " ويعذب ~~" عطف عليه وازديادهم الإيمان ليس سببا عن تعذيب الله الكفار. وأجيب: ~~بأن اعتقادهم أن الله يعذب الكفار يزيد في إيمانهم لا محالة. # وقال أبو حيان: والازدياد لا يكون سببا لتعذيب الكفار. وأجيب: بأنه ~~ذكر لكونه مقصودا للمؤمن كأنه قيل: بسبب ازديادكم في الإيمان يدخلكم ~~الجنة ويعذب الكفار بأيديكم في الدنيا. وفيه نظر لأنه كان ينبغي أن يقول: ~~لا يكون مسببا عن تعذيب الكفار وهذا يشبه ما تقدم في قوله: " ~~ليغفر لك الله ". # وأجاب ابن الخطيب بوجهين آخرين: # أحدهما: (تقديره) ويعذب نقيض ما لكم من الازدياد، يقال: فعلت لأخبر ~~به العدو والصديق أي لأعرف بوجوده الصديق وبعدمه العدو، فكذا ههنا ~~ليزداد المؤمن إيمانا يدخله الجنة ويزداد الكافر كفرا فيعذبه ~~(به). # وثانيهما: أن بسبب زيادة إيمان المؤمن يكثر صبرهم وثباتهم ~~ويتعب المنافق والكافر معه ويتعذب. # ثم ذكر وجوها أخر في تعلق الجار منها: أن الجار يتعلق بقوله: " ~~حكيما " كأنه تعالى قال: ويتم نعمته عليك لأن الله حكيم ~~فعل ما فعل ليدخل ms7916 المؤمنين. # ومنها: أن يتعلق بقوله: { ويتم نعمته عليك } فيستجيب دعاءك في ~~الدنيا ويقبل شفاعتك في العقبى ليدخل المؤمنين جنات. ومنها: أن يتعلق ~~بأمر مفهوم من قرينة الحال وهو الأمر بالقتال لأنه لما ذكر الفتح والنصر ~~علم أن الحال حال القتال، فكأنه تعالى قال: إن الله تعالى أمر ~~بالقتال ليدخل المؤمنين، أو عرف من قرينة الحال أن الله اختار ~~المؤمنين (فكأنه تعالى قال: اختار المؤمنين) ليدخلهم جنات. # فإن قيل: ما الحكمة في أنه تعالى ذكر في بعض المواضع المؤمنين والمؤمنات ~~وفي بعضها اكتفى بذكر المؤمنين ودخلت المؤمنات فيهم كقوله تعالى: # قد أفلح المؤمنون # [المؤمنون:1] وقوله: وبشر المومنين بأن لهم (من الله ~~فضلا كبيرا)؟ # فالجواب: أنه في المواضع التي فيها ما يوهم اختصاص المؤمنين بالخير ~~الموعود به مع مشاركة المؤمنات لهم ذكرهن الله صريحا وفي ~~المواضع التي فيها ما يوهم ذلك اكتفى بدخولهن في المؤمنين كقوله: " وبشر ~~المؤمنين " مع أنه علم من قوله تعالى: # ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس بشيرا ونذيرا # [سبأ:28] العموم، فلا يوهم خروج المؤمنين عن البشارة. وأما ههنا فلما ~~كان قوله تعالى: { ليدخل المؤمنين } متعلقا بفعل سابق وهو ~~إما الأمر بالقتال أو الصبر فيه، أو النصرة (بالمؤمنين) أو الفتح بأيديهم ~~على ما تقدم. فإدخال المؤمنين كان للقتال والمرأة لا تقاتل فلا ~~تدخل الجنة الموعود بها فصرح الله بذكرهن، وكذا في قوله تعالى: # إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين ~~والمؤمنات # [الأحزاب:35]؛ لأن الموضع ذكر النساء وأحوالهن لقوله: # ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن... ~~وآتين... وأطعن... واذكرن ما يتلى في بيوتكن # [الأحزاب:3334] فكان ذكر النساء هنا (ك) أصلا لكن الرجال لما كان لهم ~~ما للنساء من الأمر العظيم ذكرهم وذكرهن بفلظ مفرد من غير تبعية لما بينا ~~(أن الأصل ذكرهن في ذلك الموضع). # قوله: { ويكفر عنهم سيئاتهم } فيه سؤال وهو أن تكفير ~~السيئات قبل الإدخال فكيف ذكره بعد ذكر الإدخال؟ والجواب من وجهين: # أحدهما: أن الواو لا تقتضي التريتب. # والثاني: أن تكفير السيئات والمغفرة من توابع كون المكلف من أهل الجنة ~~فقدم الإدخال ms7917 في الذكر بمعنى أنه من أهل الجنة. # قوله: { وكان ذلك عند الله فوزا عظيما } " عندا ~~الله " متعلق بمحذوف على أنه حال من " فوزا " لأنه صفته في الأصل. ~~وجوز أبو البقاء أن يكون ظرفا لمكان. وفيه خلاف. وأن يكون ظرفا ~~لمحذوف دل عليه الفوز، أي يفوزون عند الله ولا يتعلق " بفوزا "؛ لأنه ~~مصدر فلا يتقدم معموله عليه. من اغتفر ذلك في الظرف جوزه. قال ابن ~~الخطيب: معناه أن ذلك الإدخال والتكفير في علم الله فوز عظيم يقال: عندي ~~هذا الأمر على هذا الوجه أي في اعتقادي. # قوله تعالى: { ويعذب المنافقين والمنافقات ~~والمشركين والمشركات... } الآية. اعلم أنه قدم المنافقين ~~على المشركين في كثير من المواضع لأمور: # أحدها: أنهم كانوا أشد على المؤمنين من الكافر المجاهر؛ لأن المؤمن كان ~~يتوقى المشرك المجاهر ويخالط المنافق لظنه بإيمانه وكان يفشي أسراره. ~~وإلى هذا أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله # " أعدى عدوك نفسك الذي بين جنبيك " # ولهذا قال الشاعر: # 4489 احذر عدوك مرة # واحذر صديقك ألف مره # فلربما (انقلب) الصديق # عدوا وكان أعلم بالمضره # وثانيها: أن المنافق كان يظن أن يتخلص بالمخادعة والكافر لا يقطع بأن ~~المؤمن إن غلبه يعذبه فلهذا أول ما أخبر الله عن المنافق. # قوله: { الظآنين بالله } صفة للفريقين. وتقدم الخلاف في ~~السوء في التوبة. وقرأ الحسن السوء بالضم فيهما. # فصل # قال المفسرون: ظن السوء هو أن ينصر محمدا والمؤمنين. وقال ابن الخطيب: ~~هذا الظن يحتمل وجوها: # أحدها: هو الظن الذي ذكره الله بقوله: # بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول # [الفتح:12]. # وثانيها: ظن المشركين بالله في الإشراك كقوله تعالى: # إن هي إلا أسمآء سميتموهآ # إلى أن قال: # إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من ~~الحق شيئا # [النجم:23 28]. # وثالثها: ظننتم أن الله لا يرى ولا يعلم كما قال تعالى: # ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما ~~تعملون # [فصلت:22]. # قال: والأول أصح أو يقال: المراد جميع ظنونهم كما قال: # ذلك ظن الذين كفروا # [ص:27]. ويؤيد ذلك دخول الألف واللام في السوء. ms7918 وفي السوء وجوه: # أحدها: وهو اختيار المحققين من الأدباء : أن السوء عبارة عن الفساد ~~والصدق عبارة عن الصلاح، يقال: مررت برجل سوء أي فاسد، وسكنت عند رجل ~~صدق، أي صالح وهو قول الخليل، والزجاج واختاره الزمخشري. # (وتحقيق هذا أن السوء في المعاني كالفساد في الأجساد يقال: ساء ~~مزاجه (و) ساء خلقه (و) ساء ظنه، كما يقال: فسد اللحم وفسد ~~الهواء بل كل ما ساء فقد فسد، وكل ما فسد فقد ساء غير أن أحدهما ~~كثير الاستعمال في المعاني والآخر في الأجرام قال تعالى: # ظهر الفساد في البر والبحر # [الروم:30] وقال: # سآء ما كانوا يعملون # [التوبة:9] و [المجادلة:15] و [المنافقون:2]. # قوله: { عليهم دآئرة السوء } أي دائرة الفساد يعني حاق بهم ~~العذاب بحيث لا يخرجون منه { وغضب الله عليهم } زيادة على ~~التعذيب " ولعنهم " أي الغضب يكون شديدا { وأعد لهم ~~جهنم } في العقبى { وسآءت مصيرا } أي جهنم. # قوله تعالى: { ولله جنود السماوات والأرض } تقدم ~~تفسيره. وفائدة الإعادة أن لله جنود الرحمة وجنود العذاب، أو جنود الله ~~أنزلهم قد يكون إنزالهم للرحمة وقد يكون للعذاب فذكرهم أولا لبيان ~~الرحمة بالمؤمنين كما قال: # وكان بالمؤمنين رحيما # [الأحزاب:43] وثانيا: لبيان إنزال العذاب بالمنافقين والمشركين. # وفي الأول ذكر الجنود قبل إدخال الجنة وذكرهم هنا بعد تعذيب ~~الكفار وإعداد جهنم؛ لأن الله تعالى ينزل جنود الرحمة ليدخل المؤمن ~~معظما مكرما الجنة، ثم يلبسهم خلع الكرامة بقوله: { ويكفر ~~عنهم سيئاتهم } ثم يقربهم زلفى بقوله: { وكان ذلك عند ~~الله فوزا عظيما } وأما في حق الكفار فيغضب الله عليهم أولا ~~فيبعدهم ويطردهم إلى البلاد النائية عن الرحمة وهي جهنم، ثم يسلط عليهم ~~ملائكة العذاب وهم جنود الله كما قال تعالى: # عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله # [التحريم:6] فلذلك ذكر جنود الرحمة أولا هناك، وقال ههنا: { ~~وغضب الله عليهم ولعنهم } وهو الإبعاد إلى جهنم ثم ~~ذكر الجنود وهم (الملائكة) ملائكة العذاب آخرا. ### || [48.8-10] # قوله تعالى: { إنآ أرسلناك شاهدا } على أمتك بما يفعلون، ~~كما قال تعالى: # ويكون الرسول عليكم شهيدا # [البقرة:143] أنه ms7919 لا إله إلا الله وكما قال تعالى: # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولوا العلم # [آل عمران:18]. وهم الأنبياء " ومبشرا " من قبل شهادته ويحكم بها ~~" ونذيرا " لمن رد شهادته. # ثم بين فائدة الإرسال فقال: { لتؤمنوا بالله ورسوله ~~وتعزروه } أي تعينوه وتنصروه " وتوقروه " أي تعظموه ~~وتفخموه، هذه الكنايات راجعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وههنا ~~وقف. ثم قال وتسبحوه، أي تسبحوا الله، يريد يصلوا له بكرة وأصيلا ~~بالغداة والعشي. وقيل: الكنايات راجعة إلى الله تعالى، أي ليؤمنوا ~~بالله ورسوله ويعزروا الله بتقوية دينه، ويوقروه الله الذي يعظموه. # قوله: " لتؤمنوا " قرأ ابن كثير وأبو عمرو ليؤمنوا وما بعده ~~بالياء من تحت رجوعا إلى قوله المؤمنين والمؤمنات. والباقون بتاء الخطاب ~~(وقرأ الجحدري يعزروه بفتح الياء وضم الزاي وهو أيضا وجعفر بن ~~محمد كذلك إلا أنهما كسرا الزاي. وابن عباس واليماني ويعززوه ~~كالعامة إلا أنه بزايين من العزة. # فإن قيل: ما الحكمة في قوله في الأحزاب: # إنآ أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا ~~إلى الله بإذنه وسراجا منيرا # [الأحزاب:4546] وههنا اقتصر على الثلاثة الأول؟. # فالجواب من وجهين: # أحدهما: أن ذلك المقام كان مقام ذكر، لأن أكثر السورة ذكر الرسول ~~وأحواله وما تقدمه من المبايعة والوعد بالدخول ففصل هناك ولم يفصل هنا. # وثانيهما: أن قوله: " شاهدا " لما لم يقتض أن يكون داعيا لجواز أن ~~يقول مع نفسه أشهد أن لا إله إلا الله ولا يدعو الناس قال هناك: " ~~وداعيا " كذلك ههنا لما لم يكن كونه شاهدا ينبىء عن كونه داعيا ~~قال: ليؤمنوا بالله ويعزروه ويوقروه. وقوله: " بكرة وأصيلا " يحتمل أن ~~يكون إشارة إلى المداومة، ويحتمل أن يكون لمخالفة عمل المشركين، فإنهم ~~كانوا يعبدون الأصنام في الكعبة بكرة وعشية، فأمر الله بالتسبيح في ~~أوقات ذكرهم الفحشاء والمنكر. # قوله تعالى: { إن الذين يبايعونك } يا محمد بالحديبية ~~على أن لا يفروا { إنما يبايعون الله } لأنهم باعوا أنفسهم ~~من الله تعالى بالجنة، روى يزيد بن (أبي) عبيد قال: قلت لسلمة بن ~~الأكوع: على أي شيء بايعتم رسول ms7920 الله صلى الله عليه وسلم يوم ~~الحديبية؟ قال: على الموت. # قوله: { إنما يبايعون الله } خبر " إن الذين " و { ~~يد الله فوق أيديهم } جملة حالية، أو خبر ثان وهو ترشيح ~~للمجاز في مبايعة الله. وقرأ تمام بن العباس: يبايعون لله، والمفعول ~~محذوف أي إنما يبايعونك لأجل الله. # قوله: { يد الله فوق أيديهم } لما بين أنه مرسل ذكر أن من ~~بايعه فقد بايع الحق. # وقوله: { يد الله فوق أيديهم } يحتمل وجوها، وذلك أن اليد ~~في الموضعين إما أن تكون بمعنى واحد، وإما أن تكومن بمعنيين فإن كانا ~~بمعنى واحد ففيه وجهان: # أحدهما: قال الكلبي: نعمة الله عليه في الهداية فوق ما صنعوا من البيعة ~~كما قال تعالى: # بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان # [الحجرات:17]. # وثانيهما: قال ابن عباس ومجاهد: يد الله بالوفاء بما عاهدهم من النصر ~~والخير وأقوى وأعلى من نصرتهم إياه، ويقال: اليد لفلان أي الغلبة ~~والقوة. # وإن كانا بمعنيين ففي حق الله بمعنى الحفظ، وفي حق المبايعين بمعنى ~~الجارحة قال السدي: كانوا يأخذون بيد رسول صلى الله عليه وسلم ~~ويبايعونه ويد الله فوق أيديهم في المبايعة، وذلك أن المتبايعين إذا مد ~~أحدهما يده إلى الآخر في البيع، وبينهما ثالث فيضع يده على يديهما ويحفظ ~~أيديهما إلى أن يتم العقد ولا يترك أحدهما بترك يد الآخر لكي يلزم العقد ~~ولا يتفاسخان فصار وضع اليد فوق الأيدي سببا لحفظ البيعة، فقال تعالى: { ~~يد الله فوق أيديهم } يحفظهم على البيعة كما يحفظ المتوسط ~~أيدي المتبايعين. # قوله: " فمن نكث " أي نقص البيعة { فإنما ينكث على ~~نفسه } أي عليه و ما له { ومن أوفى بما عاهد عليه ~~الله } أي ثبت على البيعة { فسيؤتيه أجرا عظيما } قرأ أهل ~~العراق فسيؤتيه بالياء من تحت، وقرأ الآخرون بالنون. والمراد بالأجر ~~العظيم الجنة. وتقدم الكلام في معنى الأجر العظيم. ### || [48.11-14] # قوله تعالى: { سيقول لك المخلفون من الأعراب } قال ~~ابن عباس: ومجاهد: يعني أعراب غفار، ومزينة وجهينة، وأشجع ~~وأسلم، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد ms7921 المسير ~~إلى مكة عام الحديبية معتمرا استنفر من حول المدينة من الأعراب، ~~والبوادي ليخرجوا معه حذرا من قريش أن يعرضوا له بحرب، أو يصدوه عن ~~البيت فأحرم بالعمرة وساق معه الهدي، ليعلم الناس أنه لا يريد حربا ~~فتثاقل كثير من الأعراب وتخلفوا واعتلوا بالشغل لظنهم أنه يهزم، ~~فأنزل الله هذه الآية. # قوله: " شغلتنا " حكى الكسائي عن ابن مدح أنه قرأ: شغلتنا ~~بالتشديد { أموالنا وأهلونا } يعني النساء والذراري أن لم ~~يكن لنا من يخلفنا فيهم { فاستغفر لنا } تخلفنا عنك. ~~فكذبهم الله في اعتذارهم فقال: { يقولون بألسنتهم ما ~~ليس في قلوبهم } من الأمر بالاستغفار فإنهم لا يبالون أستغفر ~~لهم النبي أو لا. { قل فمن يملك لكم من الله شيئا ~~إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا } قرأ الأخوان ~~ضرا بضم الضاد والباقون بفتحها. فقيل: هما لغتان بمعنى كالفقر ~~والفقر والضعف والضعف، وقيل: بالفتح ضد النفع، وبالضم سوء ~~الحال فمن فتح قال: لأنه قابله بالنفع، والنفع ضد الضر، وذلك أنهم ظنوا ~~أن تخلفهم عن النبي صلى الله عليه وسلم يدفع عنهم الضر، ويجعل لهم ~~النفع بالسلامة في أموالهم وأنفسهم فأخبرهم أنه إن أراد بهم شيئا من ذلك ~~لم يقدر واحد على دفعه بل كان الله بما تعملون خبيرا أي ~~بما تعلنون من إظهار أمر وإضمار غيره. # قوله: { بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول ~~والمؤمنون إلى أهليهم أبدا } أي ظننتم أن العدو ~~يستأصلهم ولا يرجعون. قرأ عبدالله: إلى أهلهم دون ياء، بل أضاف الأهل ~~مفردا. # قوله: { وزين ذلك في قلوبكم }. قرىء: وزين مبنيا للفاعل ~~أي الشيطان أو فعلكم زين ذلك الظن في قلوبكم { وظننتم ظن ~~السوء } وذلك أنهم قالوا: إن محمدا وأصحابه أكلة رأس فلا يرجعون ~~فأين تذهبون معه؟ انتظروا ما يكون من أمرهم { وكنتم قوما بورا } ~~أي صرتم هلكى لا تصلحون لخير. وقيل: كنتم على بابها من الإخبار بكونهم ~~في الماضي كذا. والبور الهلاك. وهو يحتمل أن يكون هنا مصدرا أخبر به ~~عن الجمع كقوله: # 4490 يا رسول الإله إن لساني # راتق ms7922 ما فتقت إذ أنا بور # ولذا يستوي فيه المفرد والمذكر وضدهما. ويجوز أن يكون جمع بائر كحائل ~~وحول في المعتل وبازل وبزل في الصحيح. # قوله: { ومن لم يؤمن بالله } يجوز أن يكون (من) شرطية أو ~~موصولة. والظاهر قائم مقام العائد على كلا التقديرين أي فإنا أعتدنا لهم. ~~وفيه فائدة وهي التعميم كأنه قال: ومن لم يؤمن بالله ورسوله فهو من ~~الكافرين وإنا أعتدنا للكافرين سعيرا. # قوله تعالى: { ولله ملك السماوت والأرض يغفر لمن ~~يشآء ويعذب من يشآء وكان الله غفورا رحيما } ~~ذكر هذه بعد ذكر من له أجر عظيم من المبايعين ومن له في السعير عذاب أليم ~~من الظالمين الضالين. وذلك يفيد عظمة الأمرين جميعا، لأن من عظم ملكه ~~يكون أجره وهيبته في غاية العظمة وعذابه وعقوبته في غاية الألم. ### || [48.15-17] # (قوله تعالى): { سيقول المخلفون إذا انطلقتم } { ~~إلى مغانم لتأخذوها } يعني هؤلاء الذين تخلفواعن الحديبية { ~~إذا انطلقتم } سرتم وذهبتم أيها المؤمنون { إلى مغانم ~~لتأخذوها } يعني مغانم خيبر { ذرونا نتبعكم } إلى خيبر ~~لنشهد معكم قتال أهلها، وذلك أنهم لما انطلقوا انصرفوا من الحديبية وعدهم ~~الله فتح خيبر، وجعل عنائمها لمن شهد الحديبية خاصة عوضا من غنائم مكة ~~إذا انصرفوا من الحديبية (منهم على صلح) ولم يصيبوا منهم شيئا، (لأن ~~قوله: { سيقول المخلفون } وعد للمبايعين بالغنيمة وللمخلفين ~~الحالفين بالحرمان). # قوله: يريد(ون) يجوز أن يكون مستأنفا وأن يكون حالا من " المخلفون ~~" وأن يكون حالا من مفعول " ذرونا ". # قوله: { كلام الله } قرأ الأخوان كلم جمع كلمة والباقون كلام ~~قيل معناه: يريدون أن يغيروا تواعد الله تعالى لأهل الحديبية، بغنيمة ~~خيبر خاصة وقال مقاتل: يعني أمر الله لنبيه صلى الله عليه وسلم أن لا ~~يسير معه منهم أحدا. وقال ابن زيد: هو أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~ لما تخلف القوم أطلعه الله على ظنهم وأظهر له نفاقهم وقال للنبي صلى ~~الله عليه وسلم # فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ~~ولن تقاتلوا معي عدوا # [التوبة:83]. والأول أصوب وعليه أكثر المفسرين. # قوله: { قل لن تتبعونا ms7923 } إلى خيبر { كذلكم قال الله ~~من قبل } أي من قبل مرجعنا إليكم أن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية ليس ~~لغيرهم فيها نصيب. # قوله: { بل تحسدوننا } قرأ أبو حيوة تحسدوننا بكسر السين ~~" بل " للإضراب والمضروب عنه محذوف في الموضعين عنه محذوف في الموضعين ~~أما ههنا فتقديره ما قال الله كذلك من قبل بل تحسدوننا أي يمنعكم الحد من ~~أن نصيب منكم الغنائم { بل كانوا لا يفقهون } لا يعلمون عن ~~الله ما لهم وعليهم من الدين { إلا قليلا } منهم وهم من صدق الله ~~ورسوله. # (فإن قيل: بماذا كان الحسد في اعتقادهم؟. # قلنا: كأنهم قالوا: نحن (كنا) مصيبين في عدم الخروج (حيث) رجعوا من ~~الحديبية من غير عدو حاصل، ونحن استرحنا فإن خرجنا معهم ويكون فيه ~~غنيمة يقولون هم غنموا معنا ولم يتعبوا معنا. ثم قال الله تعالى ردا ~~عليهم كما ردوا عليه: { بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا } ~~أي لم يفقهوا من قولك: لا تخرجوا إلا ظاهر النهي، فلم يفهموا حكمه إلا ~~قليلا فحملوه على ما أرادوه وعللوه بالحسد..). # قوله تعالى: { قل للمخلفين من الأعراب ستدعون ~~إلى قوم أولي بأس شديد } لما قال للنبي عليه الصلاة ~~والسلام لهم لن تتبعونا، ولن تخرجوا معي أبدا وكان المخلفون جمعا ~~كثيرا من قبائل متشعبة دعت الحاجة إلى بيان قبول توبتهم، فإنهم لم يبقوا ~~على ذلك، ولم يكونوا من الذين مردوا على النفاق بل منهم من حسن حاله ~~فجعل لقبول توبتهم علامة (وهو أنهم يدعون إلى قوم أولي بأس شديد، ويطيعون ~~بخلاف حال ثعلبة، حيث امتنع من أداء الزكاة، ثم أتى بها ولم يقبل ~~منه النبي صلى الله عليه وسلم واستمر عليه الحال، ولم يقبل منه أحد ~~من الصحابة كذلك كان يستمر حال هؤلاء لولا أن الله تعالى بين أنهم يدعون, ~~فإن أطاعوا أعطوا الأجر الحسن. # والفرق بين حال هؤلاء وبين حال ثعلبة من وجهين: # أحدهما: أن ثعلبة يجوز أن يقال حاله لم يكن يتغير في علم الله فلم يبين ~~لتوبته علامة) وحال الأعراب تغيرت، فإن ms7924 بعد النبي صلى الله عليه وسلم ~~لم يبق من المنافقين على النفاق أحد. # الثاني: أن الحاجة إلى بيان حال الجمع الكثير، والجم الغفير، أمس؛ ~~لأنه لولا البيان لأفضى الأمر إلى قيام الفتنة بين فرق المسلمين. # ( " فصل " # قال ابن عباس ومجاهد: المراد بقوله { قوم أولي بأس }: هم أصحاب ~~فارس. وقال كعب: الروم وقال الحسن: فارس والروم. وقال سعيد بن جبير: ~~هوازن وثقيف. وقال قتادة: هوازن وغطفان قوم حنين. وقال الزهري ومقاتل ~~وجماعة: هم بنو حنيفة أهل اليمامة أصحاب مسيلمة الكذاب. وقال رافع بن ~~خديج: كنا نقرأ هذه الآية ولا نعلم من هم حتى دعا أبو بكر إلى قتال بني ~~حنيفة فعلمنا أنهم هم. وقال أبو هريرة: لم تأت هذه الآية بعد). # قوله: { أو يسلمون } العامة على رفعه بإثبات النون عطفا على " ~~تقاتلونهم " أو على الاستئناف أي أو هم يسلمون. وقرأ أبي ~~وزيد بن علي بحذف النون نصبا بحذفها. والنصب بإضمار " أن " عند جمهور ~~البصريين، وب " أو " نفسها عند الجرمي والكسائي، ويكون قد عطف ~~مصدرا مؤولا على مصدر متوهم كأنه قيل: يكون قتال أو إسلام. ومثله في ~~النصب قول امرىء القيس: # 4491 فقلت له لا تبك عينك إنما # نحاول ملكا أو نموت فنعذرا # وقال أبو البقاء: أو بمعنى إلا أن، أو حتى. # ( " فصل " # معنى قوله: تقاتلونهم أن يسلمون إشارة إلى أن أحدهما يقع؛ لأن " أو " ~~تبين المتغايرين وتنبىء عن الحصر، يقال: العدد زوج أو فرد، ولهذا ~~لا يصح قوله القائل: هذا زيد أو ابن عمرو؛ أذا كان زيد ابن عمرو؛ إذا ~~علم هذا فقول القائل: ألازمك أو تقضيني حقي معناه أن الزمان ~~انحصر في قسمين: قسم يكون فيه الملازمة، وقسم يكون فيه قضاء الحق فيكون ~~قوله: " ألازمك أو تقضيني " ، كقوله: ألازمك إلى أن تقضيني، لامتداد ~~زمان الملازمة إلى القضاء). # قوله: { فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا } يعني ~~الجنة { وإن تتولوا } تعرضوا { كما توليتم من ~~قبل } عام الحديبية { يعذبكم عذابا أليما } وهو النار، ~~فلما نزلت هذه الآية قال أهل الزمانة: كيف بنا يا ms7925 رسول الله؟ فأنزل الله ~~ عز وجل { ليس على الأعمى حرج } أي في التخلف عن ~~الجهاد { ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ~~}. # وذلك لأن الجهاد عبارة عن المقاتلة والكر والفر، وهؤلاء الثلاثة ~~لا يمكنهم الإقدام على العدو والطلب، ولا يمكنهم الاحتراز والهرب. وفي ~~معنى الأعرج الأقطع والمقعد بل أولى أن يعذر، ومن به عرج لا ~~يمكنه من الكر والفر لا يعذر، وكذلك المرض الذي لا يمنع من الكر ~~والفر كالطحال والسعال وبعض أوجاع المفاصل إذا لم يضعفه عن ~~الكر والفر، فهذه الأعذار في نفس المجاهد، وتبقى أعذار خارجة، كالفقر ~~الذي لا يمكن صاحبه من استصحاب ما يحتاج له وكذا الاشتغال بمن لولاه لضاع ~~كطفل أو مريض. والأعذار المبيحة مذكورة في كتب الفقه. وقدم الأعمى على ~~الأعرج، لأن عذر الأعمى يستمر ولو حضر القتال، والأعرج إن حضر راكبا أو ~~بطريق يقدر على القتال بالرمي وغيره. # قوله: { ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري ~~من تحتها الأنهار ومن يتول يعذبه عذابا ~~أليما } قرأ أهل المدينة والشام ندخله ونعذبه بالنون فيهما. وقرآ ~~الآخرون بالياء لقوله: { ومن يطع الله ورسوله }. ### || [48.18-23] # قوله تعالى: { لقد رضي الله عن المؤمنين... } الآية ~~لما بين حال المخلفين بعد قوله: # إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله # [الفتح:10] عاد إلى بيان حال المبايعين. # قوله: { إذ يبايعونك } منصوب ب " رضي " و " تحت ~~الشجرة " يجوز أن يكون متعلقا ب " يبايعونك " وأن يتعلق ~~بمحذوف على أنه حال من المفعول. # ( " فصل " # المعنى: يبايعونك بالحديبية على أن يناجزوا قريشا، ولا يفروا. وقوله: " ~~تحت الشجرة " وكانت سمرة قال سعيد بن المسيب: حدثني أبي أنه كان ~~فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة قال: فلما خرجنا ~~من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها. وروي أن عمر بن الخطاب مر ~~بذلك المكان بعد أن ذهبت الشجرة فقال: أين كانت؟ فجعل بعضهم يقول: ههنا، ~~وبعضهم ههنا، فلما كثر اختلافهم قال: سيروا قد ذهبت الشجرة. وروى جابر بن ~~عبدالله قال: قال لنا رسول الله صلى الله ms7926 عليه وسلم يوم الحديبية # " أنتم خير أهل الأرض، وكنا ألفا وأربعمائة ولو كنت أبصر اليوم ~~لأريتكم مكان الشجرة " # وروى سالم عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة ". # قوله: { فعلم ما في قلوبهم } من الصدق والوفاء { فأنزل ~~السكينة } الطمأنينة والرضا " عليهم " # فإن قيل: الفاء للتعقيب وعلم الله قبل الرضا؛ لأنه علم ما في قلوبهم من ~~الصدق فرضي عنهم فكيف يفهم التعقيب في العلم؟. # فالجواب: قال ابن الخطيب: إن قوله تعالى: { فعلم ما في ~~قلوبهم } متعلق بقوله: { إذ يبايعونك } كما تقول: " ~~فرحت أمس إذ كلمت زيدا فقام لي، وإذ دخلت عليه ~~فأكرمني " فيكون الفرح بعد الإكرام مرتبا كذلك ههنا قال تعالى: { ~~لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك... ~~فعلم ما في قلوبهم } من الصدق إشارة ألى أن الرضا لا يكون عند ~~المبايعة (حسب بل عند المبايعة) التي كان معها علم الله بصدقهم. والفاء ~~في قوله { فأنزل السكينة } للتعقيب المذكور، فإنه تعالى رضي ~~عنهم فأنزل السكينة عليهم. وفي قوله: " فعلم " لبيان وصف المبايعة ~~يكون (ها) معقبة بالعلم بالصدق الذي في قلوبهم. # قوله: { وأثابهم فتحا قريبا } يعني فتح خيبر. وقوله: { ~~ومغانم كثيرة } أي وآتاهم مغانم أو أثابهم مغانم. وإنما قدر ~~الخطاب والغيبة لأنه يقرأ: " يأخذونها " بالغيبة، وهي قراءة العامة، ~~و " تأخذونها " بالخطاب وهي قراءة الأعمش وطلحة ونافع في رواية ~~سقلاب. # فصل # قيل: المراد بالمغانم الكثيرة مغانم خيبر، وكانت خيبر ذات عقار ~~وأموال فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم. # وقيل: مغانم هجر. # { وكان الله عزيزا } كامل القدرة غنيا عن إعانتكم إياه " ~~حكيما " حيث جعل هلاك أعدائه على أيديهم ليثيبكم عليه، أو لأن في ذلك ~~كان إعزاز قوم وإذلال لآخرين فقال: يذل من يشاء بعزته، ~~ويعز من يشاء بحكمته. # قوله: { وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها } وهي ~~الفتوح التي تفتح لهم إلى يوم القيامة وليس المغانم كل الثواب، بل الجنة ~~قدامهم، وإنما هي عاجلة عجل بها لهم، ولهذا قال: { فعجل ~~لكم هذه } يعني خيبر ms7927 { وكف أيدي الناس عنكم } ~~وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قصد خيبر وحاصر أهلها ~~هم قبائل من أسد، وغطفان، أن يغيروا على عيال المسلمين ~~وذراريهم بالمدينة فكف الله أيديهم بإلقاء الرعب في قلوبهم. وقيل: ~~كف أيدي الناس عنكم يعني أهل مكة بالصلح، وليكون كفهم وسلامتكم آية ~~للمؤمنين على صدقك، ويعلموا أن الله هو المتولي حياطتهم وحراستهم ~~في مشهدهم ومغيبهم. # قوله: " ولتكون " يجوز فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يتعلق بفعل مقدر بعده تقديره: ولتكون (فعلك) فعل ذلك. # الثاني: أنه معطوف على علة محذوفة تقديره: وعد فعجل وكف ~~لينتفعوا وليكون أو لتشكروا ولتكون. # الثالث: أن الواو مزيدة. والتعليل لما قبله أي وكف لتكون. # قوله: { ويهديكم صراطا مستقيما } يثيبكم على الإسلام، ~~ويزيدكم بصيرة ويقينا بصلح الحديبية وفتح خيبر، وذلك أن رسول الله ~~ صلى الله عليه وسلم لما رجع من الحديبية أقام بالمدينة بقية ذي الحجة ~~وبعض المحرم، ثم خرج في سنة سبع إلى خيبر. روى أنس بن مالك ~~(رضي الله عنه) # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا بنا قوما لم يكن يغير ~~بنا حتى يصبح وينظر، فإن سمع أذانا كف عنهم، وإن لم يسمع ~~أذانا أغار عليهم، قال: فخرجنا إلى خيبر، فانتهينا إليهم، فلما أصبح ~~لم يسمع أذانا (ركب) وركبت خلف أبي طلحة، وإن قدمي لتمس قدم النبي ~~ صلى الله عليه وسلم قال: فخرجوا إلينا بمكاتلهم ومساحيهم فلما ~~رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا محمد, والله محمد والخميس ~~أي محمد والجيش, فلما رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الله ~~أكبر الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم ~~فساء صباح المنذرين ". # " وروى إياس بن سلمة قال حدثني أبي قال: خرجنا إلى خيبر مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: فجعل عمي يرتجز بالقوم: " # 4492 تالله لولا الله ما اهتدينا # ولا تصدقنا ولا صلينا # ونحن من فضلك ما استغنينا # فثبت الأقدام إن لاقينا # وأنزلن سكينة علينا # " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ms7928 من هذا؟ فقال: أنا عامر، ~~قال: غفر الله لك ربك. وما استغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لإنسان يخصه إلا استشهد. قال: فنادى عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه وهو على جمل له: يا نبي الله لولا متعتنا بعامر قال: ~~فلما قدمنا خيبر خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه يقول: " # 4493 قد علمت خيبر أني مرحب # شاكي السلاح يطل مجرب # إذا الحروب أقبلت تلهب # " فقال علي رضي الله عنه : " # 4494 أنا الذي سمتني أمي حيدره # كليث غابات كريه المنظره # أكيلكم بالصاع كيل السندره # " قال: فضرب رأس مرحب فقتله، ثم كان الفتح على يديه ". # (ومعنى أكيلكم بالسيف كيل السندرة أي أقتلكم قتلا واسعا ذريعا. ~~والسندرة مكيال واسع. قيل يحتمل أن يكون اتخذ من السندرة وهي شجرة يعمل ~~منها النبل، والقسي، والسندرة أيضا العجلة، والنون زائدة. قال ~~ابن الأثير: وذكرها الجوهري في هذا الباب ولم ينبه على زيادتها). # وروي فتح خيبر من طرق أخر في بعضها زيادات وفي بعضها نقصان عن بعض. # قوله: " وأخرى " يجوز فيها أوجه: # أحدها: أن تكون مرفوعة بالابتداء و { لم تقدروا عليها } ~~صفتها و { قد أحاط الله بها } خبرها. # الثاني: أن الخبر " منهم " محذوف مقدر قبلها، أي وثم أخرى لم ~~تقدروا عليها. # الثالث: أن تكون منصوبة بفعل مضمر على شريطة التفسير، فتقدر بالفعل من ~~معنى المتأخر وهو { قد أحاط الله بها } أي وقضى الله ~~أخرى. # (الرابع: أن تكمون منصوبة بفعل مضمر لا على شريطة التفسير، بل لدلالة ~~السياق، أي ووعد أخرى، أو وآتاكم أخرى. # الخامس: أن تكون مجرورة ب " رب " مقدرة، ويكون الواو واو " رب " ~~ذكره الزمخشري. وفي المجرور بعد الواو المذكورة خلاف مشهور أهو برب ~~مضمرة أم بنفس الواو؟ إلا أن أبا حيان قال: ولم تأت " رب " جارة في ~~القرآن على كثرة دورها، يعني جارة لفظا وإلا تقدر. قيل: إنها جارة ~~تقديرا هنا وفي قوله: # ربما # [الحجر:2] على قولنا: إن ما نكرة موصوفة). # قوله: { قد أحاط الله بها } يجوز أن يكون خبرا ل " أخرى ~~" كما تقدم، أو ms7929 صفة ثانية إذا قيل بأن أخرى مبتدأ وخبرها مضمر أو ~~حالا أيضا. # فصل # قال المفسرون: معناه أي وعدكم فتح بلدة أخرى لم تقدروا عليها قد أحاط ~~الله بها حتى يفتحها لكم كأنه حفظها لكم، ومنعها من غيركم حتى تأخذوها. ~~قال ابن عباس (رضي الله عنهما) علم الله أنه يفتحها لكم. قال ابن ~~الخطيب: تقديره: وعدكم الله مغانم تأخذونها، ومغانم لا تأخذونها أنتم ولا ~~تقدرون عليها، وإنما يأخذها من يجيء بعدكم من المؤمنين. # وهذا تفسير الفراء. قال: معنى قوله: { قد أحاط الله بها } أي ~~حفظها للمؤمنين، لا يجري عليها هلاك وفناء إلى أن يأخذها المسلمون كإحاطة ~~الحراس بالخزائن. # واختلفوا فيها فقال ابن عباس والحسن ومقاتل: هي فارس والروم، وما كانت ~~العرب تقدر على قتال فارس والروم، بل كانوا حولا لهم حتى قدروا عليها ~~الإسلام. وقال الضحاك وابن زيد: هي خيبر وعدها الله عز وجل ~~نبيه صلى الله عليه وسلم قبل أن يصيبها ولم يكونوا يرجونها. وقال ~~قتادة: هي مكة. وقال عكرمة: حنين. وقال مجاهد: وما فتحوا ~~حتى اليوم، { وكان الله على كل شيء قديرا }. # قوله تعالى: { ولو قاتلكم الذين كفروا } يعني أسدا ~~وغطفان وأهل خيبر { لولوا الأدبار } ، قال ابن ~~الخطيب: وهذا يصلح جوابا لمن يقول: كف الأيدي عنهم كان أمرا ~~اتفاقيا، ولو اجتمع عليهم العرب كما زعموا لمنعوهم من فتح خيبر واغتنام ~~غنائمها، فقال: ليس كذلك بل سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا لا ينصرون والغلبة ~~واقعة للمسلمين، فليس أمرهم أمرا اتفاقيا، بل هو أمر إلهي محكوم به ~~محتوم. ثم قال { لا يجدون وليا ولا نصيرا }. # قول: { سنة الله } مصدر مؤكد لمضمون الجملة المقدمة، أي سن ~~الله ذلك سنة. قال ابن الخطيب: وهذا جواب عن سؤال آخر يقوله قوم من ~~الجهال وهو: إن الطوالع والتأثيرات والاتصالات تأثيرات ~~وتغييرات فقال: ليس كذلك، بل سنة الله نصرة رسله، وإهلاك عدوه، والمعنى: ~~هذه سنة الله في نصرة أوليائه، وقهر أعدائه { ولن تجد لسنة ~~الله تبديلا }. ### || [48.24-26] # قوله تعالى: { وهو الذي كف أيديهم عنكم ~~وأيديكم عنهم ms7930 ببطن مكة من بعد أن أظفركم ~~عليهم } وهذا تبيين لما تقدم من قوله: # ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار # [الفتح:22] بتقدير الله، كما أنه كف أيديهم عنكم بالفرار، وأيديكم عنهم ~~بالرجوع عنهم وتركهم. # روى ثابت عن أنس بن مالك (رضي الله عنه) أن ثمانين رجلا من أهل ~~مكة هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من جبل التنعيم ~~متسلحين يريدون غرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فأخذهم ~~سلما فاستحياهم فأنزل الله: { وهو الذي كف أيديهم ~~عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن ~~أظفركم عليهم }. # قال عبدالله بن مغفل المزني: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~ بالحديبية في أصل الشجرة التي قال الله تعالى " في القرآن " ، وعلى ~~ظهره غصن من أغصان الشجرة فرفعته عن ظهره، وعلي بن أبي طالب (رضي ~~الله عنه) بين يديه يكتب كتاب الصلح فخرج علينا ثلاثون شابا عليهم ~~السلاح فنادوا في وجوهنا فدعى عليهم نبي الله صلى الله عليه وسلم ~~فأخذ الله بأبصارهم فقمنا إليهم فأخذناهم، فقال لهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم جئتم في عهد (أحد) أو هل جعل لكم أحد أمانا؟ قالوا: ~~اللهم لا فخلى سبيلهم. فأنزل الله هذه الآية. # قوله: { وكان الله بما تعملون بصيرا } قرأ أبو عمرو ~~يعلمون بالياء وقرأ الآخرون بالتاء من فوق فمن قرأ بالغيبة فهو رجوع ~~إلى قوله: " أيديهم " و " عنهم ". ومن قرأ بالخطاب فهو رجوع ~~إلى قوله: " أيديكم " و " عنكم " ، والمعنى أن الله يرى فيه من ~~المصلحة وإن كنتم لا ترون ذلك. # ثم بين ذلك بقوله تعالى: { هم الذين كفروا وصدوكم عن ~~المسجد الحرام } وهذا إشارة إلى أن الكف لم يكن الأمر (فيهم) ~~لأنهم كفروا وصدوكم وأحصروا وكل ذلك يقتضي قتالهم، فلا يقع لأحد أن ~~الفريقين اتفقوا واصطلحوا، ولم يكن بينهما خلاف ولا نزاع بل الاختلاف ~~والنزاع باق مستمر؛ لأنهم هم الذين كفروا وصدوكم ومنعوكم فازدادوا ~~كفرا وعداوة، وإنما ذلك للرجال المؤمنين والنساء المؤمنات. # قوله: " والهدي " العامة على نصبه، والمشهور أنه نسق على الضمير ms7931 ~~المنصوب في " صدوكم " وقيل: نصب على المعية. وفيه ضعف، لإمكان ~~العطف. وقرأ أبو عمرو في رواية بجره عطفا على " المسجد ~~الحرام ". ولا بد من حذف مضاف، أي وعن نحر الهدي، وقرىء برفعه ~~على أنه مرفوع بفعل مقدر لم يسم فاعله أي وصد الهدي. # والعامة على فتح الهاء وسكون الدال، وروي عن أبي عمرو وعاصم وغيرهما كسر ~~الدال وتشديد الياء. وحكى ابن خالويه ثلاث لغات الهدي وهي الشهيرة لغة ~~قريش، والهدي والهدا. # قوله: " معكوفا " حال من الهدى أي محبوسا، يقال: عكفت ~~الرجل عن حاجته. وأنكر الفارسي تعدية " عكف " بنفسه، وأثبتها ابن ~~سيده والأزهري وغيرهما. وهو ظاهر القرآن لبناء اسم مفعول منه. # قوله: { أن يبلغ } فيه أوجه: # أحدها: أنه على إسقاط الخافض، أي " عن " أو " من أن " وحينئذ يجوز ~~في هذا الجار المقدر أن يتعلق ب " صدوكم " وأن يتعلق ب " ~~معكوفا " أي محبوسا عن بلوغ محله. # الثاني: أنه مفعول من أجله، وحينئذ يجوز أن يكون علة للصد، والتقدير: ~~صدوا الهدي كراهة أن يبلغ محله وأن يكون علة ل " معكوفا " أي لأجل ~~أن يبلغ محله، ويكون الحبس من المسلمين. # الثالث: أنه بدل من " الهدي " بدل اشتمال أي صدوا بلوغ الهدي محله. # (فصل # معنى الآية { هم الذين كفروا } يعنى كفار مكة " وصدوكم ~~" منعوكم { عن المسجد الحرام } أن تطوفوا فيه " والهدي " ~~أي وصدوا الهدي وهي البدن التي ساقها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ وكانت سبعين بدنة " معكوفا " محبوسا، يقال: عكفه عكفا ~~إذا حبسه، وعكوفا، كما يقال: رجع رجعا ورجوعا { أن يبلغ ~~محله } منحره، وحيث يحل نحره يعني الحرم. ثم قال: { ~~ولولا رجال مؤمنون ونسآء مؤمنات } يعني ~~المستضعفين بمكة). # قوله: { لم تعلموهم } صفة للصنفين، وغلب الذكور، وقوله: { ~~أن تطئوهم } يجوز أن يكون بدلا من " رجال ونساء " ، وغلب الذكور ~~كما تقدم وأن يكون بدلا من مفعول تعلموهم، فالتقدير على الأول: ~~ولولا وطء رجال ونساء غير معلومين، وتقدير الثاني: لم تعلموا ~~وطأهم، والخبر محذوف تقديره: ولولا نساء ورجال موجودون أو ~~بالحضرة. # (وأما جواب " لولا " ففيه ثلاثة أوجه: ms7932 # أحدها: أنه محذوف، لدلالة جواب " لو " عليه. # والثاني: أنه مذكور وهو " لعذبنا " وجواب " لو " هو المحذوف فحذف ~~من الأول لدلالة الثاني، ومن الثاني لدلالة الأول. # والثالث: أن " لعذبنا " جوابهما معا. وهو بعيد إن أراد حقيقة ذلك. # وقال الزمخشرري قريبا من هذا فإنه قال: ويجوز أن يكون: " لو ~~تزيلوا " كالتكرير للولا رجال مؤمنون لمرجعهما إلى معنى ~~واحد، ويكون " لعذبنا " هو الجواب. # ومنع أبو حيان مرجعهما لمعنى واحد، قال: لأن ما تعلق به الأول غير ~~ما تعلق به الثاني). # فصل # المعنى " لم تعلموهم " لم تعرفوهم { أن تطئوهم } بالقتل ~~وتوقعوا بهم. { فتصيبكم منهم معرة }. قال ابن زيد إثم ~~وذلك لأنكم ربما تقتلوهم فيلزمكم الكفارة، وهي دليل الإثم، لأن الله ~~تعالى أوجب على قاتل المؤمن في دار الحرب إذا لم يعلم إيمانه الكفارة دون ~~الدية؛ قال تعالى: # فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير ~~رقبة مؤمنة # [النساء:92]. وقال ابن إسحاق: غرم الدية. وقيل: إن المشركين يعيبوكم ~~ويقولون قتلوا أهل دينهم وفعلوا بإخوانهم ما فعلوا بأعدائهم والمعرة ~~السبة يقول لولا أن تطئوا رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات لا تعلموهم ~~فيلزمكم به كفارة ويلحقكم به سبة لأذن لكم في دخولها ولكنه حال بينكم ~~وبين ذلك. # قوله: { فتصيبكم } نسق على { أن تطئوهم } وقوله { ~~بغير علم } يجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة ل " معرة " وأن ~~يكون حالا من مفعول " تصيبكم " وقال أبو البقاء: من الضمير ~~المجرور يعني في " منهم ". ولا يظهر معناه. أو أن يتعلق " بتصيبكم " أو ~~أن يتعلق " بتطئوهم "؛ أي تطئوهم بغير علم. # (فإن قيل: هذا تكرار، لأنه إن قلنا: هو بدل عن الضمير يكون التقدير: لم ~~تعلموا أن تطئوهم بغير علم فيلزم تكرار بغير علم لحصوله بقوله: ~~لم تعلموهم؟. # فالجواب: أن يقال: قوله: " بغير علم " هو في موضعه أي فتصيبكم ~~منهم معرة بغير علم من (الذي) يعركم ويعيب عليكم، يعني إن ~~وطأتموهم غير عالمين يعركم (مسبة) الكفار " بغير علم " أي بجهل ~~لأنهم لا يعلمون أنكم معذورون فيه. أو يقال تقديره: لم تعلموا أن تطئوهم ms7933 ~~فتصيبكم منهم معرة بغير علم فيكون الوطء الذي يحصل بغير علم معذورين فيه. ~~أو نقول: المعرة قسمان: # أحدهما: ما يحصل من القتل العمد والعدوان ممن هو غير عالم بحال المحل. # والثاني: ما حصل من القتل خطأ وهو عد عندم العلم فقال: تصيبكم منهم معرة ~~بغير علم لا التي تكون عند العلم). # والوطء هنا عبارة عن القتل والدوس، قال عليه الصلاة والسلام ~~: # " اللهم اشدد وطأتك على مضر " # وأنشدوا: # 4495 ووطئتنا وطأ على حنق # وطء المقيد ثابت الهرم # قوله: " ليدخل الله " متعلق بمقدر أي كان انتفاء التسليط على أهل ~~مكة وانتفاء العذاب ليدخل الله. وقال البغوي: اللام في ليدخل متعلق ~~بمحذوف دل عليه معنى الكلام يعني ليدخل الله في رحمته أي في دين الإسلام ~~من يشاء من أهل مكة بعد الصلح قبل أن يدخلوها. # قوله: " لو تزيلوا " قرأ ابن أبي عبلة وأبو حيوة وابن ~~عون تزيلوا على تفاعلوا. والضمير في تزايلوا يجوز أن يعود على ~~المؤمنين فقط، أو على الكافرين، أو على الفريقين. والمعنى لو تميز ~~هؤلاء من هؤلاء لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما بالسبي ~~والقتل بأيديكم. # قوله (تعالى): { إذ جعل الذين كفروا } العامل في " إذ " ~~إما " لعذبنا " أو " صدوكم " أو " اذكر " فيكون مفعولا ~~به. # قال ابن الخطيب في إذ: يحتمل أن يكون ظرفا، فلا بد من فعل يقع فيه ~~ويكون عاملا له، ويحتمل أن يكون مفعولا به، فإن قلنا: إنه ظرف فالفعل ~~الواقع فيه يحتمل أن يكون مذكورا ويحتمل أن يكون غير مذكور، فإن كان ~~مذكورا ففيه وجهان: # أحدهما: هو قوله تعالى: { وصدوكم } أي وصدوكم حين جعلوا في ~~قلوبهم الحمية فلا يرجعون إلى الإسلام. # وثانيهما: المؤمنون لما أنزل الله عليهم سكينته لا يتركون الاجتهاد في ~~الجهاد والله مع المؤمنين. # فإن قلنا: إنه غير مذكور ففيه وجهان: # أحدهما: حفظ الله المؤمنين عن أن يطئوهم إذ جعل الذين كفروا في ~~قلوبهم الحمية. # وثانيهما: أحسن الله إليكم إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية. وعلى ~~هذا فقوله: " فأنزل السكينة " تفسير لذلك الإحسان. وإن ms7934 قلنا: ~~إنه مفعول به فتقديره اذكر ذلك الوقت كقولك: اذكر إذ قام زيد ~~أي اذكر وقت قيامه. وعلى هذا يكون " إذ " ظرفا للفعل المضاف إليه. # قوله: " في قلوبهم " يجوز أن يتعلق ب " جعل " على أنها بمعنى ~~" ألقى " ، فتتعدى لواحد؛ أي إذ ألقى الكافرون في قلوبهم الحمية، ~~وأن يتعلق بمحذوف على أنه مفعول ثان قدم على أنها بمعنى صير. # قوله: " حمية الجاهلية " بدل من " الحمية " قبلها، والحمية ~~الأنفة من الشيء، وأنشدوا للمتلمس: # 4496 ألا إنني منهم وعرضي عرضهم # كذا الرأس يحمي أنفه أن يهشما # وهي المنع، ووزنها فعيلة، وهي مصدر، يقال: حميت عن كذا أحميه ~~(حمية). # (فصل # المعنى: إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حين صدوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه عن البيت، وأنكروا أن محمدا رسول الله. قال ~~مقاتل: قال أهل مكة قد قتلوا أبناءنا وإخواننا ثم يدخلون علينا فتتحدث ~~العرب أنهم دخلوا علينا على رغم أنفنا، واللات والعزى لا يدخلونها ~~علينا. فهذه حمية الجاهلية التي دخلت قلوبهم). # قله: { فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى ~~المؤمنين } حين لم يدخلهم ما دخلهم من الحمية فعصوا الله في ~~قتالهم. قال ابن الخطيب: دخول الفاء في قوله: { فأنزل الله } يدل ~~على تعلق الإنزال أو ترتيبه على ما ذكرنا من أن " إذ " ظرف لفعل مقدر ~~كأنه قال: أحسن الله إذ جعل الذين كفروا. " فأنزل " ~~تفسير لذلك الإحسان، كما يقال: " اكرمني فأعطاني لتفسير ~~الإكرام. ويحتمل أن تكون الفاء للدلالة على تعلق إنزال السكينة بجعلهم ~~الحمية في قلوبهم على معنى المقابلة تقول: أكرمني فأثنيت ~~عليه. # (قوله: { وألزمهم كلمة التقوى } قال ابن عباس ومجاهد ~~وقتادة والضحاك وعكرمة والسدي وابن زيد وأكثر المفسرين: كلمة التقوى لا ~~إله إلا الله. # وروي عن أبي بن كعب مرفوعا. وقال علي وابن عمر: كلمة التقوى لا إله ~~إلا الله والله أكبر. وقال عطاء بن أبي رباح: هي لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. وقال عطاء الخراساني: ~~هي لا ms7935 إله إلا الله محمد رسول الله وقال الزهري: هي بسم الله الرحمن ~~الرحيم. وقيل: هي الوفاء بالعهد). # قوله: { وكانوا أحق بها } الضمير في " كانوا " يجوز أن يعود ~~إلى المؤمنين وهو الظاهر، أي أحق بكلمة التقوى من الكفار، وقيل: يعود على ~~الكفار أي كانت قريش أحق بها لولا حرمانهم. # (فصل # قال البغوي: وكان المؤمنون أحق بها من كفار مكة وأهلها أي وكانوا ~~أهلها في علم الله تعالى، لأن الله تعالى اختار لدينه وصحبة نبيه أهل ~~الخير، قال ابن الخطيب: قوله: " أحق بها " يحتمل وجهين: # أحدهما: أنه يفهم من معنى الأحق أنه يثبت رجحانا (ما) على الكافرين ~~وإن لم يثبت الأهلية كما لو اختار الملك اثنين لشغل، وكل واحد منهما غير ~~صالح له ولكن أحدهما أبعد عن الاستحقاق يقال للأقرب إلى الاستحقاق إن كان ~~ولا بد فهذا أحق كما يقال: الحبس أهون من القتل، مع أنه لا هين هناك ~~فقال وأهلها دفعا لذلك. # الثاني: أن يكون لا للتفضيل كما في قوله # خير مستقرا # [الفرقان:24]، # وأحسن نديا # [مريم:73]؛ إذ لا خير في غيره { وكان الله بكل شيء ~~عليما } ). ### || [48.27] # قوله تعالى: { لقد صدق الله رسوله الرؤيا }. " صدق ~~" يتعدى لاثنين، ثانيهما بحرف الجر، يقال صدقك في كذا، وقد يحذف ~~كهذه الآية، وقوله: " بالحق " فيه أوجه: # أحدها: أن يتعلق ب " صدق ". # الثاني: أن يكون صفة لمصدر محذوف أي صدقا ملتبسا بالحق. # الثالث: أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من الرؤيا، أي ملتبسة بالحق. # الرابع: أنه قسم وجوابه: لتدخلن فعلى هذا يوقف على الرؤيا، ~~ويبتدأ بما بعدها. # (قال الزمخشري. وعلى تقديره قسما إما أن يكون قسما بالله فإن ~~الحق من أسمائه، وأما أن يكون قسما بالحق الذي هو نقيض الباطل. # وقال ابن الخطيب: ويحتمل وجهين آخرين: # أحدهما: فيه تقديم وتأخير تقديره صدق الله (و) رسوله الرؤيا بالحق ~~الرؤيا أي الرسول الذي هو رسول بالحق. # الثاني: أن يقال تقديره صدق الله (و) رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن فيكون ~~تفسيرا للرؤيا بالحق يعني أن الرؤيا هي والله لتدخلن. # فصل ms7936 # ذكر المفسرون أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في المنام قبل أن ~~يخرج إلى الحديبية أنه يدخل هو وأصحابه المسجد الحرام ويحلقون ~~رؤسهم ويقصرون، فأخبر أصحابه ففرحوا، وحسبوا أنهم دخلوا مكة ~~عامهم ذلك فلما انصرفوا ولم يدخلوا شق عليهم ذلك فأنزل الله هذه ~~الآية. وروى مجمع بن جارية الأنصاري قال: شهدنا الحديبية مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فلما انصرفنا عنها إذ الناس يهزون ~~الأباعر فقال بعضهم: ما بال الناس؟ قالوا: أوحي إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. قال: فخرجنا نزحف فوجدنا النبي صلى الله عليه وسلم ~~واقفا على راحلته على كراع الغميم، فلما اجتمع الناس قرأ: { إنا ~~فتحنا لك فتحا مبينا } فقال عمر: أو فتح هو يا رسول ~~الله؟ قال: نعم والذي نفسي بيده. ففيه دليل على أن المراد من الفتح صلح ~~الحديبية وتحقيق الرؤيا كان في العام المقبل فقال تعالى: { لقد ~~صدق الله رسوله الرؤيا بالحق } أراها إياه في ~~مخرجه إلى الحديبية أنه يدخل هو وأصحابه المسجد الحرام صدق ~~وحق). # قوله: " لتدخلن " جواب قسم مضمر أو لقوله: " بالحق " على ذلك ~~القول. وقال أبو البقاء: و " لتدخلن " تفسير الرؤيا أو مستأنف أي ~~والله لتدخلن، فجعل كونه جواب قسم قسما تفسيرا للرؤيا. وهذا لا يصح ~~البتة وهو أن يكون تفسيرا للرؤيا غير جواب القسم، إلا أن يريد أنه جواب ~~قسم ولكنه يجوز أن يكون هو مع القسم تفسيرا وأن يكون مستأنفا غير ~~تفسير، وهو تفسير من عبارته. # قوله: { إن شآء الله } فيه وجوه: # أحدها: أنه ذكره تعظيما للعبادة الأدب كقوله تعالى: # ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن ~~يشآء الله # [الكهف:23و24]. # الثاني: أن الدخول لما وقع عام الحديبية وكان المؤمنون يريدون الدخول، ~~ويأبون الصلح قال: لتدخلن ولكن لا بجلادتكم ولا بإرادتكم وإنما ~~تدخلن بمشيئة الله (تعالى. # الثالث:أن الله تعالى لما قال في الوحي المنزل على النبي صلى الله ~~عليه وسلم : " لتدخلن " ذكر أنه بمشيئة الله) تعالى، لأن ذلك من الله ~~وعد، ليس عليه دين ولا ms7937 حق واجب؛ لأن من وعد بشيء لا يحققه إلا ~~بمشيئة الله، وإلا فلا يلزمه به أحد. # (فصل # قال البغوي: معناه وقال لتدخلن. وقال ابن كيسان: لتدخلن من قوله ~~رسول الله صلى لله عليه وسلم لأصحابه حكاية عن رؤياه، فأخبر الله عن ~~رسوله أنه قال ذلك، وإنما استثنى مع علمه بدخولها بإخبار الله تعالى ~~تأدبا بأدب الله تعالى حيث قال: # ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن ~~يشآء الله # [الكهف:23و24]. وقال أبو عبيدة: " إلا " بمعنى إذ مجازه إذ شاء ~~الله كقوله: # إن كنتم مؤمنين # [البقرة:278] وقال الحسين بن الفضل: يجوز أن يكون الاستثناء من ~~الدخول لأن بين الرؤيا وتصديقها سنة ومات في السنة ناس فمجاز الآية ~~لتدخلن المسجد الحرام كلكم إذ شاء الله. وقيل: الاستثناء واقع على ~~الأمر لا على الدخول؛ لأن الدخول لم يكن فيهن شك كقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم عند دخول القبر: # " وإنا إن شاء الله بكم لاحقون " # فالاستثناء راجع إلى اللحوق لا إلى الموت). # قوله: " آمنين " حال من فاعل لتدخلن وكذا " محلقين ~~ومقصرين ". ويجوز أن تكون " محلقين " حالا من " آمنين " ~~فتكون متداخلة. # فصل. # قوله: { محلقين رءوسكم ومقصرين } إشارة إلى أنكم ~~تتمون الحج من أوله إلى آخره فقوله: " لتدخلون " إشارة إلى الأول ~~وقوله: " محلقين " إشارة إلى الآخر. # فإن قيل: محلقين حال الداخلين، والداخل لا يكون إلا محرما والمحرم ~~لا يكون محلقا. # (فالجواب: أن قوله: " آمنين " متمكنين من أن تتموا الحج ~~محلقين). # قوله: " لا تخافون " يجوز أن يكون مستأنفا، وأن يكون حالا ~~ثالثة، وأن يكون حالا (إما) من فاعل لتدخلن، أو من ضمير " آمنين " أو " ~~محلقين أو مقصرين " فإن كانت حالا من آمنين أو حالا من فاعل لتدخلن ~~فهي حال للتأكيد وآمنين حال مقارنة وما بعدها حال مقدرة إلا قوله: " لا ~~تخافون " إذا جعل حالا فإنها مقارنة أيضا. # فإن قيل: قوله: " لا تخافون " معناه غير خائفين، وذلك يحصل بقوله تعالى: ~~{ آمنين } فما الفائدة في إعادته؟. # فالجواب: أن فيه كمال الأمن؛ لأن بعد الحق يخرج الإنسان عن ms7938 الإحرام فلا ~~يحرم عليه القتال ولكن عند أهل مكة يحرم قتال من أحرم ومن دخل ~~الحرم فقال: تدخلون آمنين وتحلقون, ويبقى أمنكم بعد ~~إحلالكم من الإحرام. # قوله: { فعلم ما لم تعلموا } أي ما لم تعلموا من المصلحة، ~~وأن الصلاح كان في الصلح، وأن دخولكم في سنتكم سبب لوطء المؤمنين ~~والمؤمنات وهو قوله تعالى: # ولولا رجال مؤمنون... # [الفتح:25] الآية. # (فإن قيل: الفاء في قوله: " فعلم " فاء التعقيب، فقوله " فعلم " عقبت ~~ماذا؟. # فالجواب: إن قلنا: إن المراد من " فعلم " وقت الدخول فهو عقيب ~~صدق، وإن قلنا: المراد فعلم المصلحة فالمعنى علم الوقوع والشهادة لا ~~علم الغيب. والتقدير: لما حصلت المصلحة في العام القابل فعلم ما لم ~~تعلموا من المصلحة المتجددة. # { فجعل من دون ذلك } أي من قبل دخولهم المسجد الحرام " ~~فتحا قريبا " وهو فتح الحديبية عند الأكثرين. وقيل: فتح خيبر. ثم ~~قال: # وكان الله بكل شيء عليما # [الفتح:26] وهذا يدفع وهم حدوث علمه في قوله: " فعلم "؛ لأن ~~قوله: # وكان الله بكل شيء عليما # [الفتح:26] يفيد سبق علمه). ### || [48.28] # قوله تعالى: { هو الذي أرسل رسوله بالهدى } وهذا ~~تأكيد لبيان صدق في الرؤيا؛ لأنه لما كان مرسلا لرسوله ليهدي، لا يريد ~~ما لا يكون فيحدث الناس فيظهر خلافه فيكون ذلك سببا للضلال. ويحتمل أن ~~الرؤيا الموافقة للواقع قد تقع لغير المرسل، ولكن ذلك قليل لا يقع لكل ~~أحد فقال تعالى: { هو الذي أرسل رسوله بالهدى } وحكى ~~له ما سيكون في اليقظة فلا يبعد أن يريه في المنام ما سيقع ولا ~~استبعاد في صدق رؤياه وفيها بيان وقوع الفتح ودخول مكة بقوله تعالى: { ~~ليظهره على الدين كله } أي من يقويه على الأديان لا ~~يستبعد منه فتح مكة. والهدى يحتمل أن يكون هو القرآن كقوله تعالى: # أنزل فيه القرآن هدى للناس # [البقرة:185] وعلى هذا دين الحق هو ما فيه من الأصول والفروع. ويحتمل أن ~~يكون الهدى هو المعجزة أي أرسله بالمعجزة. فيكون قوله: " ودين الحق " ~~إشارة إلى ما شرع. ويحتمل أن يكون الهدى هو الأصول ودين ms7939 الحق هو ~~الأحكام. والألف واللام في " الهدى " يحتمل أن تكون للعهد وهو كقوله: # ذلك هدى الله يهدي به من يشآء # [الأنعام:88] وأن تكون للتعريف أي كل ما هو هدى. # قوله: " ودين الحق " يحتمل أن يكون المراد دين الله تعالى؛ لأن ~~الحق من أسماء الله، ويحتمل أن يكون الحق نقيض الباطل، فكأنه قال: دين ~~الأمر الحق، ويحتمل أن يكون المراد الانقياد للحق، وقوله: أرسله بالهدى ~~وهو المعجزة على أحد الوجوه { ليظهره على الدين كله } ~~أي جنس الدين { وكفى بالله شهيدا } على أنك صادق فيما تخبر ~~وفي أنك رسول الله. وهذا في تسلية قلب المؤمنين فإنهم تأذوا من رد ~~الكفار عليهم العهد المكتوب وقالوا: لا نعلم أنه رسول الله فلا تكتبوا ~~محمد رسول الله، بل اكتبوا محمد بن عبد الله، فقال تعالى: { كفى ~~بالله شهيدا } أي في أنه رسول الله. ### || [48.29] # قوله: { محمد رسول الله } يجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمر؛ ~~لأنه لما تقدم " هو الذي أرسل رسوله " دل على ذلك المقدر، أي ~~هو أي الرسول بالهدى محمد و " رسول الله " بدل أو بيان، أو نعت. وأن ~~يكون مبتدأ وخبرا، وأن يكون مبتدأ و " رسول الله " على ما تقدم من ~~البيان والبدل، والنعت " والذين معه " عطف على محمد والخبر " عنهم ". # قوله: { أشدآء على الكفار } (قال ابن الخطيب: كأنه قال: " ~~والذين معه " جميعهم { أشداء الكفار رحماء بينهم } لأن وصف الشدة والرحمة ~~وجد في جميعهم، أما في المؤمنين فقوله تعالى: # أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين # [المائدة:54] وأما في حق النبي عليه الصلاة والسلام فقوله تعالى: # واغلظ عليهم # [التوبة:73]. وقال في حقه: # بالمؤمنين رءوف رحيم # [التوبة:128]. # وعلى هذا فقوله: " تراهم " لا يكون خطابا مع النبي عليه الصلاة ~~والسلام بل يكون عاما خرج مخرج الخطاب تقديره تراهم أيها السامع ~~كائنا من كان). وقرأ ابن عامر في رواية: رسول الله بالنصب على ~~الاختصاص وهي تؤيد كونه تابعا لا خبرا حالة الرفع. # ويجوز أن يكون " والذين معه " على هذا الوجه مجرورا عطفا على ~~الجلالة أي ورسول الذين ms7940 آمنوا معه لأنه لما أرسل إليهم أضيف إليهم فهو ~~رسول الله بمعنى أن الله أرسله ورسول أمته بمعنى أنه مرسل إليهم ويكون " ~~أشداء " حينئذ خبر مبتدأ مضمرم أي هم أشداء. ويجوز أن يكون تم ~~الكلام على " رسول الله " و " الذين معه " و " أشداء " خبره. ~~وقرأ الحسن: أشداء رحماء بالنصب إما على المدح وإما على ~~الحال من الضمير المستكن في " معه "؛ لوقوعه صلة، والخبر حينئذ عن ~~المبتدأ قوله " تراهم ركعا " و " ركعا سجدا " حالان؛ لأن ~~الرؤية بصرية، وكذلك " يبتغون ". ويجوز أن يكون مستأنفا. وإذا كان ~~حالا فيجوز أن تكون حالا ثالثة من مفعول " تراهم " وأن تكون من ~~الضمير المستتر في " ركعا سجدا ". وجوز أبو البقاء أن يكون " ~~سجدا حالا من الضمير في " ركعا " حالا مقدرة. فعلى هذا يكون " ~~يبتغون " حالا من الضمير " سجدا " ، فيكون حالا من حال، وتلك ~~الحال الأولى حال من حال أخرى. وقرأ ابن يعمر أشدا بالقصر . ~~والقصر من ضرائر الأشعار كقوله: # 4497 لا بد من صنعا وإن طال السفر # .............................. # فلذلك كانت شاذة. وقال أبو حيان: وقرأ عمرو بن عبيد: ورضوانا بضم ~~الراء قال شهاب الدين: وهذه قراءة متواترة، قرأ بها عاصم في رواية أبي ~~بكر عنه، وتقدمت في سورة آل عمران واستثنيت له حرفا واحدا وهو ثاني ~~المائدة. # فصل # معنى الآية: { أشدآء على الكفار } أي غلاظ عليهم كالأسد ~~على فريسته، لا تأخذهم فيهم رأفة " رحماء بينهم " متعاطفون متوادون ~~بعضهم لبعض كالوالد مع الولد كقوله تعالى: # أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين # [المائدة:54] و { تراهم ركعا سجدا } خبر عن كثرة صلاتهم ~~ومداومتهم عليها { يبتغون فضلا من الله } ، أن يدخلهم ~~الجنة " ورضوانا " أي يرضى عنهم. وهذا تمييز لركوعهم وسجودهم عن ~~ركوع الكافر وسجوده وركوع المرائي وسجوده فإنه لا يبتغي به ذلك. # قوله: " سيماهم " قرىء سيمياؤهم بياء بعد الميم والمد. وهي لغة ~~فصيحة، وأنشد (رحمة الله عليه): # 4498 غلام رماه الله بالحسن يافعا # له سيمياء لا تشق على البصر # وتقدم الكلام عليها وعلى اشتاقها في آخر البقرة. # و " في وجوههم " خبر ms7941 " سيماهم " و { من أثر السجود ~~} حال من الضمير المستتر في الجار وهو " في وجوههم ". وقرأ العامة " ~~من أثر " بفتحتين. وابن هرمز بكسر وسكون. وقتادة " من آثار " ~~جمعا. # فصل # المعنى علامتهم في وجوههم من أثر السجود. قيل: المراد سيماهم نور ~~وبياض في وجوههم يوم القيامة كما قال تعالى: # يوم تبيض وجوه وتسود وجوه # [آل عمران:106]. رواه عطية العوفي عن ابن عباس: وقال عطاء بن أبي ~~رباح والربيع بن أنس: استنارة وجوههم من كثرة صلاتهم. وقال شهر بن ~~حوشب: تكون مواضع السجود من وجوههم كالقمر ليلة البدر. وروى الوالبي عن ~~ابن عباس: هو السمت الحسن والخشوع والتواضع وهو قول مجاهد. والمعنى ~~أن السجود أورثهم الخشوع والسمت الحسن الذي يعرفون به. وقال الضحاك: ~~صفرة الوجوه. وقال الحسن رضي الله عنه : إذا رأيتهم حسبتهم مرضى وما ~~هم بمرضى. وقال سعيد بن جبير وعكرمة: هو أثر التراب على الجباه. وقيل: ~~المراد ما يظهر في الجباه بكثرة السجود. # قوله: " ذلك مثلهم " ، " ذلك " إشارة إلى ما تقدم من وصفهم ~~بكونهم أشداء رحماء لهم سيما في وجوههم وهو مبتدأ خبره " ~~مثلهم " و " في التوراة " حال من " مثلهم " والعامل معنى ~~الإشارة. # قوله: { ومثلهم في الإنجيل } يجوز فيه وجهان: # أحدهما أنه مبتدأ وخبره " كزرع " فيوقف على قوله: " في ~~التوراة " فهما مثلان. وإليه ذهب أبن عباس (رضي الله عنهما) . # والثاني: أنه معطوف على " مثلهم " الأول فيكون مثلا واحدا في ~~الكتابين ويوقف حينئذ على: في الإنجيل وإليه نحا مجاهد، والفراء. # وعلى هذا يكون قوله " كزرع " فيه أوجه: # أحدها: أنه خبر مبتدأ مضمر أي مثلهم كزرع فسر بها المثل المذكور. # الثاني: أنه حال من الضمير في " مثلهم " أي مماثلين زرعا ~~هذه صفته. # الثالث: أنها نعت مصدر محذوف أي تمثيلا كزرع. ذكره أبو البقاء. # وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون " ذلك " إشارة مبهمة أوضحت بقوله: " كزرع ~~" ، كقوله تعالى: # وقضينآ إليه ذلك الأمر أن دابر # [الحجر:66]. # قوله: { أخرج شطأه } صفة ل " زرع ". وقرأ ابن ذكوان بفتح ~~الطاء والباقون بإسكانها. وهما لغتان كالنهر والنهر. وقرأ أبو ~~حيوة: ms7942 شطاءه بالمد. وزيد بن على: شطاه بألف صريحة بعد الطاء ~~فيحتمل أن تكون بدلا من الهمزة بعد نقل حركتها إلى الساكن قبلها على لغة ~~من يقول: المراة والكماة بعد النقل. وهو مقيس عند الكوفيين. ~~ويحتمل أن يكون مقصورا من الممدود. وأبو جعفر ونافع في رواية " ~~شطه " بالنقل والحذف. وهو القياس. والجحدري شطوه أبدل الهمزة ~~واوا، أو يكون لغة مستقلة. وهذه كلها لغات في فراخ الزرع، يقال: شطا ~~الزرع وأشطأ أي أخرج فراخه. وهل يختص ذلك بالحنطة فقط أو ~~بها وبالشعير فقط أو لا يختص؟ خلاف مشهور. قال الشاعر: # 4499 أخرج الشطء على وجه الثرى # ومن الأشجار أفنان الثمر # قوله: " فآزره " العامة على المد وهو على " أفعل ". وغلطوا ~~من قال: إنه فاعل كجاهر وغيره بأنه لم يسمع في مضارعه: يؤازر ~~على يؤزر. وقرأ ابن ذكوان: فأزره مقصورا، جعله ثلاثيا. وقرىء " ~~فأزره " بالتشديد. والمعنى في الكل: قواه. وقيل: ساواه، وأنشد: # 4500 بمحنية قد آزر الضال نبتها # مجر جيوش غانمين وخيب # قوله: " على سوقه " متعلق ب " استوى ". ويجوز أن يكون حالا أي ~~كائنا على سوقه أي قائما عليها. # وقد تقدم في النمل أن قنبلا يقرأ سؤقه بالهمزة الساكنة. كقوله: # 4501 أحب المؤقدين إلي مؤسى # ................................. # وبهمزة مضمومة بعدها واو كعروج وتوجيه ذلك. والسوق جمع ساق. # " فصل ". # قال المفسرون: يقال: أشطأ الزرع فهو مشطىء إذا خرج. قال مقاتل: هو ~~نبت واحد فإذا خرج بعده فهو شطء. وقال السدي: هو أن يخرج معه الطاقة ~~الأخرى " فآزره " قواه وأعانه وشد أزره " فاستغلظ " ~~غلظ ذلك الزرع " فاستوى " تم وتلاحق نباته على ~~سوقه أصوله: " يعجب الزراع " أي أعجب ذلك زراعه هذ مثل ~~ضربه الله لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الإنجيل أنهم يكونوا ~~قليلا ثم يزدادون ويكثرون. قال قتادة: مثل أصحاب محمد ~~صلى الله عليه وسلم في الإنجيل مكتوب له سيخرج قوم ينبتون نبات ~~الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. وقيل: الزرع محمد صلى ~~الله عليه وسلم والشطء أصحابه والمؤمنون. روى مبارك بن فضالة عن ~~الحسن قال: محمد ms7943 رسول الله والذين معه: أبو بكر الصديق { أشدآء ~~على الكفار } عمر بن الخطاب { رحمآء بينهم } عثمان بن ~~عفان { تراهم ركعا سجدا } علي ابن أبي طالب " يبتغون ~~فضلا من ربهم " العشرة المبشرن " كمثل زرع " محمد { ~~أخرج شطأه } أبو بكر { فآزره فاستغلظ } عثمان (بن ~~عفان) يعني استغلظ عثمان بالإسلام { فاستوى على سوقه } علي بن ~~أبي طالب استقام الإسلام بسيفه { يعجب الزراع } قال: المؤمنون { ~~ليغيظ بهم الكفار } فعل عمر لأهل مكة بعدما أسلم لا يعبد ~~الله سرا بعد اليوم. # روى أنس بن مالك: رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " أرحم (أصحاب) النبي أبو بكر، وأشدهم في ~~أمر الله عمر، وأصدقهم حبا عثمان وأفرضهم ~~زيد، وأقوأهم أبي، وأعلمهم بالحلال والحرام ~~معاذ بن جبل، ولكل أمة أمين وأمين هذه ~~الأمة أبو عبيدة بن الجراح " ، وفي رواية أخرى: " ~~وأقضاهم علي " # وروى بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من مات من أصحابي بأرض كان نورهم وقائدهم ~~يوم القيامة ". # قوله: { يعجب الزراع } حال أي معجبا. وهنا تم المثل. # قوله: " ليغيظ " فيه أوجه: # أحدها: أنه متعلق ب " وعد "؛ لأن الكفار إذا سمعوا بعز المؤمنين ~~في الدنيا وما أعد لهم في الآخرة غاظهم ذلك. # الثاني: أن يتعلق بمحذوف دل عليه تشبيههم بالزرع في نمائهم ~~وتقويتهم. قاله الزمخشري، أي شبههم الله بذلك ليغيظ. # الثالث: أن يتعلق بما دل عليه قوله: { أشدآء على الكفار.... ~~} إلى آخره أي جعلهم بهذه الصفات ليغيظ. # قال مالك ابن أنس (رضي الله عنه) " من أصبح في قلبه ~~غيظ على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد ~~أصابته هذه الآية ". وقال عليه الصلاة السلام : # " الله الله في أصحابي لا تتخذوهم عرضا بعدي، ~~فمن أحبهم فبحبي أحبهم, ومن أبغضهم ~~فببغضي أبغضهم ومن أذاهم فقد أذاني ومن ~~أذاني فقد أذى الله فيوشك أن يأخذه " # وقال عليه الصلاة والسلام : # " لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن ~~أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ~~ولا نصيفه ". # قوله: { وعد الله الذين آمنوا وعملوا ms7944 الصالحات ~~منهم } " من " هذه للبيان، لا للتبعيض؛ لأن كلهم كذلك فهي كقوله: # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # [الحج:30]. وقال الطبري: منهم يعني من الشطء الذي أخرج الزرع، وهم ~~الداخلون في الإسلام إلى يوم القيامة، فأعاد الضمير على معنى الشطء ~~لا على لفظه فقال: " منهم " ولم يقل: منه وهو معنى حسن. # فصل # قد تقدم الكلام على الأجر العظيم والمغفرة مرارا. # وقال ههنا في حق الراكعين الساجدين: إنهم يبتغون فضلا من الله ~~ورضوانا وقال: " لهم أجر " ولم يقل: لهم ما يطلبو (ن) ه من الفضل؛ ~~لأن المؤمن عند العمل لم يلتفت إلى عمله ولم يجعل له أجرا يعتد به ~~فقال: لا أبتغي إلا فضلك فإن عملي نزر لا يكون له أجر والله تعالى ~~آتاه من طلب الفضل، وسماه أجرا إشارة إلى قبوله عمله ووقوعه الموقع. # روى أنه من قرأ في أول ليلة من رمضان: إنا فتحنا لك فتحا ~~مبينا في التطوع حفظ في ذلك العام (انتهى).(اللهم إني ~~أسألك رضاك والجنة وأعوذ بك من سخطك والنار). ### | [49 - سورة الحجرات] ### || [49.1-3] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين ~~يدي الله ورسوله } قرأ العامة بضم التاء وفتح القاف وتشديد ~~الدال مكسورة. وفيها وجهان: # أحدهما: أنه معتمد، وحذف مفعوله إما اقتصارا كقوله: { يحيي ~~ويميت } وكقولهم: " هو يعطي ويمنع " ، و " كلوا ~~واشربوا " وإما اختصارا للدلالة عليه أي لا تقدموا ما لا يصلح. # والثاني: أنه لازم نحو: وجه وتوجه. ويعضده قراءة ابن عباس والضحاك: ~~لا تقدموا بالفتح في الثلاثة. والأصل لا تتقدموا فحذف إحدى ~~التاءين. وبعض المكيين لا تقدموا كذلك إلا أنه بتشديد التاء كتاءات ~~البزي والمتوصل إليه بحرف الجر في هاتين القراءتين أيضا محذوف أي لا ~~تتقدموا إلى أمر من الأمور. # وعلى هذا فهو مجاز ليس المراد نفس التقديم بل المراد لا تجعلوا لأنفسكم ~~تقدما عند النبي صلى الله عليه وسلم يقال: لفلان تقدم من بين الناس ~~إذا ارتفع أمره، وعلا شأنه. وقرىء: لا تقدموا بضم التاء ~~وكسر الدال من أقدم أي لا تقدموا على شيء. # فصل ms7945 # فصل في بيان حسن الترتيب وجوه: # أحدها: أنهم في السورة المتقدمة لما جرى منهم ميل إلى الامتناع مما ~~أجاز النبي صلى الله عليه وسلم من الصلح، وألزمهم الله كلمة التقوى ~~قال لهم على سبيل العموم: لا تقدموا بين يدي الله ورسوله أي لا تتجاوزوا ~~ما أتى من الله تعالى ورسوله. # الثاني: أنه تعالى لما بين علو درجة النبي صلى الله عليه وسلم بكونه ~~رسوله الذي يظهر دينه وأنه بالمؤمنين رحيم قال: لا تتركوا من احترامه ~~شيئا لا بالفعل ولا بالقول وانظروا إلى رفعة درجته. # الثالث: أنه تعالى وصف المؤمنين بأنهم أشداء ورحماء فيما بينهم وبكونهم ~~راكعين ساجدين وذكر أن لهم من الحرمة عند الله ما أورثهم حسن الثناء في ~~الكتب المتقدمة بقوله: # ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل # [الفتح:29]، فإن الملك العظيم لا يذكر أحدا في غيبته إلا إذا كان ~~عنده محترما ووعدهم بالأجر العظيم فقال في هذه السورة لا تفعلوا ما يوجب ~~انحطاط درجاتكم وإحباط حسناتكم (ولا تقدموا). # فصل في سبب النزول # روى الشعبي عن جابر أنه في الذبح يوم الأضحى قبل الصلاة وهو قول الحسن ~~أي لا يذبحوا قيل أن يذبح النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أن ناسا ~~ذبحوا قبل النبي صلى الله عليه وسلم فأمرهم أن يعيدوا الذبح، ~~وقال: # " من ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم عجله ~~لأهله ليس من النسك في شيء " # وروي عن مسروق عن عائشة أنه في النهي عن صوم الشك أي لا تصوموا قبل أن ~~يصوم نبيكم. # وروى ابن الزبير أنه قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد بن زرارة. وقال عمر: بل أمر ~~الأقرع بن حابس. قال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي، قال عمر: ما أردت ~~خلافك فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فنزلت: { يا أيها الذين آمنوا ~~لا تقدموا بين يدي الله ورسوله }؛ قال (ابن) الزبير: فكان عمر لا يسمع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم (بعد هذه الآية) ms7946 حتى يستفهمه. وقيل: ~~نزلت في جماعة أكثروا من السؤال. وقال مجاهد: لا تفتاتوا على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بشيء حتى يقضيه الله على لسانه. وقال ~~الضحاك: يعني في القتال وشرائع الدين، أي لا تقضوا أمرا دون الله ~~ورسوله. قال ابن الخطيب: والأصح أنه إرشاد عام يشتمل الكل ومنع مطلق ~~يدخل فيه كل افتيات وتقدم واستبداد بالأمر وإقدام على فعل غير ~~ضروري من غير مشاورة. # فصل # ومعنى بين يدي الله ورسوله أي بحضرتهما؛ لأن ما يحضره الإنسان فهو بين ~~يديه ناظر إليه. وفي قوله: { بين يدي الله ورسوله } فوائد: # إحداها: أن قول الإنسان فلان بين يدي فلان إشارة إلى أن كل واحد ~~منهما حاضر عند الآخر مع أن لأحدهما علو الشأن وللآخر درجة العبيد ~~والغلمان؛ لأن من يجلس بجنب الإنسان يكلفه تقليب الحدقة إليه ~~وتحريك الرأس إليه عند الكلام ومن يجلس بين يديه لا يكلفه ذلك ولأن ~~اليدين تنبىء عن القدرة لأن قول الإنسان: فلان بين يدي فلان أي ~~يقلبه كيف يشاء في أشغاله كما يفعل الإنسان بما يكون موضوعا بين ~~يديه وذلك يفيد وجوب الاجتناب من التقدم. # وثانيها: ذكر الله إشارة إلى وجوب احترام الرسول والانقياد لأوامره، لأن ~~احترام الرسول احترام للمرسل، لكن احترام الرسول قد يترك لأجل بعد ~~المرسل وعدم اطلاعه على ما يفعل برسوله فقوله: " بين يدي الله " أي أنتم ~~بحضرة من الله وهو ناظر إليكم. وفي مثل هذه الحال يجب احترام رسوله. # وثالثها: أن العبارة كما تقرر النهي المتقدم تقرر الأمر المتأخر، وهو ~~قوله: " واتقوا الله " لأن من يكون بين يدي الغير كالمتاع الموضوع بين ~~يديه يقلبه كيف يشاء يكون جديرا بأن يتقيه، وقوله: " واتقوا الله " ~~أي في تضييع حقه، ومخالفة أمره { إن الله سميع عليم } ~~لأقوالكم، " عليم " بأفعالكم. # قوله (تعالى): { يأيها الذين آمنوا لا ترفعوا ~~أصواتكم فوق صوت النبي } في إعادة النداء فوائد منها أن ~~في ذلك بيان زيادة الشفقة على المسترشد، كقول لقمان لابنه: # يبني لا تشرك بالله # [لقمان:13] # يبني إنهآ إن تك ms7947 مثقال حبة من خردل # [لقمان:16] # يبني أقم الصلاة # [لقمان:17]، لأن النداء تنبيه للمنادى ليقبل على استماع الكلام ويجعل ~~باله منه، فإعادته تفيد تجدد ذلك. # ومنها: أن لا يتوهم متوهم أن المخاطب ثانيا غير المخاطب الأول، فإن من ~~الجائز أن يقول القائل: يا زيد افعل كذا وكذا يا عمرو، فإذا أعاد مرة ~~أخرى وقال: يا زيد قل كذا (يا زيد قل كذا (وقل كذا)) يعلم أن المخاطب ~~أولا هو المخاطب ثانيا. ومنها أن يعلم أن كل واحد من الكلامين مقصود، ~~وليس الثاني تأكيدا للأول كقولك: يا زيد لا تنطق ولا تتكلم ~~إلا الحق فإنه لا يحسن أن تقول: يا زيد لا تنطق يا زيد لا ~~تتكلم كما يحسن عند اختلاف المطلوبين. # فصل # قوله: { لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي } ~~يحتمل أن يكون المراد حقيقة رفع الصوت، لأن ذلك يدل على قلة الاحتشام، ~~وترك الاحترام، وهو أن رفع الصوت يدل على عدم الخشية؛ لأن من خشي ~~قلبه ارتجف وضعفت حركته الدافعة فلا يخرج منه الصوت بقوة، ومن ~~لم يخف ثبت قلبه وقويت حركته الدافعة، وذلك دليل على عدم الخشية. ~~ويحتمل أن يكون المراد المنع من كثرة الكلام، لأن من كثر كلامه يكون ~~متكلما عند سكوت الغير فيبقى لصوته ارتفاع وإن كان خائفا فلا ينبغي أن ~~يكون لأحد عند النبي صلى الله عليه وسلم كلام كثير بالنسبة إلى كلام ~~النبي عليه الصلاة والسلام لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~مبلغ فالمتكلم عنده إن أراد الإخبار لا يجوز له، وإن سأل فإن النبي ~~ صلى الله عليه وسلم لما وجب عليه البيان فهو لا يسكت عما سئل، ~~وإن لم يسأل فربما يكون في الجواب تكليف لا يسهل على المكلف الإتيان ~~به فيبقى في ورطة العقاب كما قال تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشيآء إن ~~تبد لكم تسؤكم # [المائدة:101]. # ويحتمل أن يكون المراد رفع الكلام بالتعظيم، أي لا تجعلوا لكلامكم ~~ارتفاعا على كلام النبي عليه الصلاة والسلام في الخطاب. والأول أوضح ~~والكل يدخل في ms7948 المراد. قال المفسرون: معناه بجلوه وفخموه ولا ~~ترفعوا أصواتكم عنده ولا تنادوه كما ينادي بعضكم بعضا. روى أنس بن مالك ~~(رضي الله عنه) قال: # " لما نزل قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا ~~ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي } جلس ثابت بن ~~قيس في بيته، وقال: أنا من أهل النار واحتبس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم فسأل النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ فقال: يا ~~أبا عمرو ما شأن ثابت اشتكى؟ فقال سعد: إنه لجاري وما علمت له شكوى ~~قال: فأتاه سعد فذكر له قول النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~ثابت: أنزلت هذه الآية ولقد علمتم أني من أرفعكم ~~صوتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا من أهل النار فذكر ~~ذلك سعد للنبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بل هو من أهل الجنة ". # وروي # " لما نزلت هذه الآية قعد ثابت في الطريق يبكي فمر به عاصم بن ~~عدي فقال: ما يبكيك يا ثابت؟ قال: هذه الآية أتخوف أن تكون نزلت ~~وأنا رفيع الصوت أخاف أن يحبط عملي وأكون من أهل النار فمضى عاصم إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وغلب ثابتا البكاء فأتى امرأته ~~جميلة بنت عبد الله بن أبي ابن سلول فقال لها: إذا دخلت فرسي ~~فشدي على الضبة بمسمار، فضربت عليه بمسمار وقال: لا أخرج ~~حتى يتوفاني الله أو يرضى عني رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ فأتى عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبره ~~فقال: اذهب فادعه لي فجاء عاصم إلى المكان الذي رآه فيه فلم يجده، ~~فجاء إلى أهله فوجده في بيت الفرس فقال له إن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يدعوك فقال له: اكسر الضبة فأتى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يبكيك يا ~~ثابت؟ فقال: أنا صيت وأخاف أن تكون هذه الآية نزلت في، فقال له رسول ~~الله صلى الله عليه ms7949 وسلم أما ترضى أن تعيش حميدا وتقتل ~~شهيدا وتدخل الجنة؟ فقال: رضيت ببشرى الله ورسوله، لا أرفع ~~صوتي أبدا على صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم " # فأنزل الله { الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله ~~} الآية. قال أنس: فكنا ننظر إلى رجل من أهل الجنة يمشي بيننا فلما ~~كان يوم اليمامة في حرب مسيلمة رأى ثابت من المسلمين بعض ~~الانكسار فانهزت طائفة منهم فقال: أف لهؤلاء ثم قال ثابت لسالم ~~مولى أبي حذيفة: ما كنا نقاتل أعداء الله مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مثل هذا ثم ثبتا وقاتلا حتى قتلا واستشهد ثابت وعليه ~~درع فرآه رجل من الصحابة بعد موته في المنام قال له: اعلم أن فلانا ~~رجل من المسلمين نزع درعي فذهب بها وهي في ناحية من المعسكر عند فرس ~~يستن (به) في طوله، وقد وضع على درعي برمة؛ فأت خالد بن الوليد ~~وأخبره حتى يسترد درعي، وأت أبا بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقل له: إن علي دينا حتى يقضيه (عني)، وفلان (وفلان) ~~من رقيقي عتيق. فأخبر الرجل خالدا فوجد درعه والفرس على ما وصفه ~~فاسترد الدرع وأخبر خالد أبا بكر بتلك الرؤيا، وأجاز أبو بكر ~~وصيته. # قال مالك بن أنس (رضي الله عنه): لا أعلم وصية أجيزت بعد موت صاحبها ~~إلا هذه. # قوله: { ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم ~~لبعض } قال ابن الخطيب: إن قلنا: (إن) المراد من قوله: { لا ~~ترفعوا أصواتكم } أي لا تكثروا الكلام فقوله: " ولا ~~تجهروا " يكون مجازا عن الإتيان بالكلام عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم بقدر ما يؤتى به عند غيره أي لا تكثروا وقللوا غاية التقليل، وإن ~~قلنا: المراد بالرفع الخطاب فقوله: " لا تجهروا " أي لا تخاطبوه كما ~~تخاطبو(ن) غيره. # واعلم أن قوله تعالى: { لا ترفعوا أصواتكم } لما كان من ~~جنس لا تجهروا لم يستأنف النداء، ولما كان مخالفا للتقدم لكون أحدهما ~~فعلا والآخر قولا استأنف كقول لقمان لابنه: # يبني لا تشرك بالله # [لقمان:13]، وقوله: # يبني ms7950 أقم الصلاة # [لقمان:17] لكن الأول من عمل القلب والثاني من عمل الجوارح، فقوله: # يبني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن ~~المنكر # [لقمان:17] من غير استئناف النداء لكون الكل من عمل الجوارح. # فإن قيل: ما الفائدة من قوله: { ولا تجهروا له بالقول } ~~مع أن الجهر مستفاد من قوله: { لا ترفعوا أصواتكم }؟. # فالجواب: أن المنع من رفع الصوت هو أن لا يجعل كلامه أو صوته أعلى من ~~كلام النبي صلى الله عليه وسلم أو صوته، والنهي عن الجهر منع من ~~المساواة، أي لا تجهروا له بالقول كما تجهرو(ن) لنظرائكم بل اجعلوةا ~~كلمته عليا. # قوله: " أن تحبط " مفعول من أجله. والمسألة من التنازع لأن كلا ~~من قوله: " لا ترفعوا " و " لا تجهروا له " يطلبه من حيث ~~المعنى فيكون معمولا للثاني عند البصريين في اختيارهم، وللأول عند ~~الكوفيين. والأول أصح للحذف من الأول أي لأن تحبط. وقال أبو البقاء: ~~إنها لام الصيرورة و { أنتم لا تشعرون } حال. # فصل # معنى الكلام إنكم إن رفعتم أصواتكم وتقدمتم فذلك يؤدي إلى الاستحقار وهو ~~يفضي إلى الارتداد والارتداد محبط. وقوله: { وأنتم لا تشعرون ~~} إشارة إلى أن الردة تتمكن من النفس بحيث لا يشعر الإنسان فإن من ارتكب ~~ذنبا لم يرتكبه في عمره تراه نادما غاية الندامة خائفا غاية الخوف، ~~فإذا ارتكبه مرارا قل خوفه وندامته ويصير عادة من حيث لا يعلم متى ~~تمكن هذا كان في المرة الأولى أو الثانية أو الثالثة أو غيرها، وهذا كما ~~إذا بلغه خبر فإنه لا يقطع بالمخبر، فإذا تكرر عليه ذلك وبلغ إلى حد ~~التواتر حصل له اليقين وتمكن الاعتقاد، ولا يدري متى كان ذلك وفي أي ~~لمحة حصل هذا اليقين. فقوله: { وأنتم لا تشعرون } تأكيد ~~للمنع أي لا تقولوا بأن المرة الواحدة تغفر ولا توجب ردة؛ لأن الامر ~~غير معلوم بل احسموا الباب. # قوله: { إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول ~~الله } أي إجلالا له { أولئك الذين امتحن الله ~~قلوبهم للتقوى } اختبرها وأخلصها كما يمتحن الذهب بالنار ~~فتخرج خالصة. # قوله: { أولئك الذين ms7951 } يجوز أن يكون " أولئك " مبتدأ و " ~~الذين " خبره والجملة خبر " إن " ويكون " لهم مغفرة " جملة أخرى ~~إما مستأنفة وهو الظاهر وإما حالية. ويجوز أن يكون " الذين امتحن ~~(الله قلوبهم) " صفة " لأولئك " أو بدلا منه أو بيانا و " لهم ~~مغفرة " جملة خبرية. # ويجوز أن يكون " لهم " هو الخبر وحده و " مغفرة " فاعل به واللام ~~في قوله: " للتقوى " يحتمل أن يتعلق بمحذوف تقديره عرف الله قلوبهم ~~صالحة أي كائنة للتقوى كقولك: أنت لكذا أي صالح أي كائن ويحتمل ~~أن يكون للتعليل. وهو يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون تعليلا يجري مجرى بيان السبب المتقدم، كقولك: ~~جئتك لإكرامك ابني أمس أي صار ذلك السبب السابق سبب المجيء. # والثاني: أن يكون تعليلا يجري مجرى بيانه علية المقصود المتوقع الذي ~~يكون لاحقا لا سابقا، كقولك: جئتك لأداء الواجب، أي ليصير ~~مجيئي سببا لأداء الواجب. # فعلى الأول فمعناه أن الله علم في قلوبهم تقواه فامتحن قلوبهم للتقوى ~~التي كانت فيها، ولولا أن قلوبهم كانت مملوءة من التقوى لما أمرهم بتعظيم ~~رسوله وتقديم نبيه على أنفسهم. على الثاني فمعناه أن الله تعالى امتحن ~~قلوبهم بمعرفته معرفة رسوله بالتقوى أي ليرزقهم الله التقوى، ثم قال: { ~~لهم مغفرة وأجر عظيم } وقد تقدم الكلام عن ذلك. ### || [49.4-5] # قوله (تعالى): { إن الذين ينادونك من ورآء الحجرات ~~} هذا بيان لحال من كان في (مقابلة من تقدم، فإن الأول غض صوته، ~~والآخر رفعه، وفيه إشارة إلى ترك الأدب من وجوه:) # أحدها: النداء، فإن نداء الرجل الكبير قبيح بل الأدب الحضور بين يديه ~~وعرض الحاجة إليه. # الثاني: النداء من وراء الحجرات، فإن من ينادي غيره ولا حائل بينهما لا ~~يكلفه المشي والمجيء بل يجيئه من مكانه ويكلمه ومن ينادي غيره مع ~~الحائل يريد منه حضوره. # الثالث: قوله " الحجرات " يدل على كون النبي صلى الله عليه وسلم في ~~خلوته التي لا يمكن إتيان المحتاج إليه في حاجته (في) ذلك الوقت بل ~~الأحسن التأخير وإن كان في ورطة الحاجة. # قوله: " من وراء " " من " لابتداء الغاية. وفي كلام ms7952 الزمخشري ما ~~يمنع أن " من " يكون لابتداء الغاية وانتهائها قال: لأن الشيء الواحد ~~لا يكون مبدأ للفعل ومنتهى له. وهذا الذي أثبته بعض الناس وزعم أنها تدل ~~على ابتداء الفعل وانتهائه في جهة واحدة نحو: أخذت الدرهم من ~~الكيس. # والعامة على الحجرات بضمتين وأبو جعفر وشيبة بفتحها. وابن ~~أبي عبلة بإسكانها. وهي ثلاث لغات وتقدم تحقيقها في البقرة في قوله: " ~~في ظلمات ". والحجرة فعلة بمعنى مفعولة كغرفة بمعنى ~~مغروفة. قال البغوي: والحجرات جمع الحجرة فهي جمع ~~الجمع. # فصل # ذكروا في سبب النزول وجوها: # الأول: قال ابن عباس: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى ~~بني العنبر، وأمر عليهم عيينة بن حصن الفزاري، فلما علما ~~هربوا وتركوا عيالهم، فسباهم عيينة، وقدم (بهم) على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فجاء بعد ذلك رجالهم يفدون الذراري فقدموا وقت ~~الظهيرة ووافقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا في أهله فلما ~~رأتهم الذراري أجهشوا إلى آبائهم يبكون وكان لكل امرأة من نساء ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حجرة فعجلوا أن يخرج إليهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فجعلوا ينادون: يا محمد اخرج إلينا حتى ~~أيقظوه من نومه فخرج إليهم، فقالوا يا محمد: فادنا عيالنا، فنزل جبريل ~~(عليه الصلاة والسلام) فقال: إن الله يأمرك أن تجعل بينك وبينهم رجلا ~~فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أترضون أن يكون بيني ~~وبينكم سبرة بن عمرو وهو على دينكم؟ فقالوا: نعم؛ قال سبرة: أنا لا أحكم ~~وعمي شاهد وهو الأعور بن بشامة؛ فرضوا به فقال الأعور: أرى (أن) تفادي ~~نصفهم وأعتق نصفهم. فأنزل الله: إن الذين ينادونك من ورآء ~~الحجرات أكثرهم لا يعقلون وصفهم بالجهل وقلة العقل. # { ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان ~~خيرا لهم } لأنك كنت تعتقهم جميعا وتطلقهم بلا فداء { والله ~~غفور رحيم }. وقال قتادة: نزلت في ناس من أعراب بني تميم جاءوا ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنادوا على الباب: اخرج إلينا يا محمد ~~فإن مدحنا ms7953 زين وذمنا شين فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~يقول: إنما ذلكم الله الذي مدحه زين وذمه شين، فقالوا: ~~نحن ناس من بني تميم جئنا بشاعرنا وخطيبنا نشاعرك ونفاخرك، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما بالشعر بعثت، ولا بالفخر أمرت، ~~ولكن هاتوا فقام شاب منهم فذكر فضله وفضل قومه فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن شماس، وكان خطيب النبي صلى الله ~~عليه وسلم : قم فأجبه فأجابه. وقام شاعرهم فذكر أبياتا فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت: أجبه فأجابه، فقام ~~الأقرع بن حابس فقال: إن محمدا المؤتى له، تكلم خطيبنا، فكان خطيبهم ~~أحسن قولا، وتكلم شاعرنا فكان شاعرهم أشعر وأحسن قولا، ثم دنا من ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول ~~الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما يضرك ما كان من قبل هذا ~~ثم أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاهم فأزرى به بعضهم ~~وارتفعت الأصوات وكثر اللغظ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فنزل فيهم: # يأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق ~~صوت النبي... # [الحجرات:2] الآيات الأربع إلى قوله: { غفور رحيم }. وقال زيد بن ~~أرقم: جاء ناس من العرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم ~~لبعض: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل، فإن يكن نبيا فنحن أسعد الناس به، وإن ~~يكن ملكا نعيش في جناحه فجاءوا فجعلوا ينادون من وراء الحجرات: يا ~~محمد يا محمد، فأنزل الله: { إن الذين ينادونك... } الآية. # فصل # في قوله: " أكثرهم " وجوه: # أحدها: أن العرب تذكر الأكثر وتريد الكل، احترازا عن الكذب واحتياطا ~~في الكلام، لأن الكل مما لا يحيط به علم الإنسان في بعض الأشياء فيقول ~~الأكثر وفي اعتقاده الكل، ثم إن الله تعالى مع إحاطة علمه بالأمور أتى ~~بما يناسب كلامهم، وفيه إشارة لطيفة وهي أن الله تعالى يقول: أنا مع ~~إحاطة علمي بكل شيء جربت على عادتكم ms7954 استحسانا لتلك العادة، وهي الاحتراز ~~عن الكذب، فلا تتركوها واجعلوا اختياري ذلك في كلامي دليلا قاطعا على ~~رضائي بذلك منكم. # الثاني: أن يكون المراد أنهم في أكثر أحوالهم لا يعقلون، وذلك أن ~~الإنسان إذا اعتبر مع وصف ثم اعتبر مع وصف آخر يكون المجموع الأول غير ~~المجموع الثاني، مثاله: إذا كان الإنسان جاهلا أو فقيرا فيصير عالما ~~أو غنيا فيقال في العرف: زيد ليس هو الذي رأيت من ~~قبل بل الآن على أحسن حال فيجعله كأنه ليس ذلك إشارة إلى ما ذكرنا. ~~إذا علم هذا فهم في بعض الأحوال إذا اعتبرتهم مع تلك الحالة مغايرون ~~لأنفسهم إذا اعتبرتهم مع غيرها. فقوله تعالى: { أكثرهم لا ~~يعقلون } إشارة إلى ما ذكرنا. # الثالث: لعل فيهم من رجع عن ذلك الأمر، ومنهم من استمر على تلك العادة ~~الرديئة فقال: أكثرهم إخراجا لمن ندم منهم عنهم. # قوله: { ولو أنهم صبروا } تقدم مثله. وجعله الزمخشري فاعلا ~~بفعل مقدر أي ولو ثبت صبرهم. وجعل اسم أن ضميرا عائدا على هذا ~~الفاعل. وقد تقدم أن مذهب سيبويه أنها في محل رفع بالابتداء وحينئذ ~~يكون اسم " أن " ضميرا عائدا على صبرهم المفهوم من الفعل. # قوله: { والله غفور رحيم } يحتمل أمرين: # أحدهما: غفور لسوء صنعهم في التعجيل. # وثانيهما: لحسن الصبر يعني بسبب إتيانهم بما هو خير يغفر الله لهم ~~سيئاتهم. # ويحتمل أن يكون ذلك حث النبي صلى الله عليه وسلم على الصلح. وقوله: ~~{ أكثرهم لا يعقلون } كالصبر لهم. ### || [49.6-8] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إن جآءكم فاسق ~~بنبإ فتبينوا } قال المفسرون: نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي ~~معيط وهو أخو عثمان لأمه بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني ~~المصطلق بعد الموقعة واليا ومصدقا، وكان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية ~~فلما سمع به القوم تلقوه تعظيما لأمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فحثه الشيطان أنهم يريدون قتله فهابهم فرجع من الطريق إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقال: إنهم منعوا صدقاتهم وأراد قتلي، فغضب ~~رسول ms7955 الله صلى الله عليه وسلم وهم أن يغزوهم فبلغ القوم ~~رجوعه فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله: ~~سمعنا برسولك فخرجنا نتلقاه ونكرمه ونؤدي إليه ما قبلنا من حق الله ~~تعالى فأبطأ في الرجوع فخشينا أنه إنما رده من الطريق كتاب جاءه منك ~~لغضب غضبته علينا وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله. فاتهمهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وبعث خالد بن الوليد خفية في عسكره ~~وقال: انظر فإن رأيت منهم ما يدل على إيمانهم فخذ منهم زكاة أموالهم وإن ~~لم تر ذلك فاستعمل فيهم ما يستعمل في الكفار، ففعل ذلك خالد ووافاهم ~~فسمع منهم أذان صلاتي المغرب والعشاء فأخذ منهم صدقاتهم ولم ير منهم ~~إلا الطاعة والخير وانصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأخبره فنزل { يأيها الذين آمنوا إن جآءكم فاسق ~~بنبإ } يعني الوليد بن عقبة " بنبأ " بخبر، { فتبينوا أن ~~تصيببوا قوما بجهالة } كيلا تصيبوا بالقتل والقتال قوما ~~بجهالة { فتصبحوا على ما فعلتم } من إصابتكم بالخطأ، " ~~نادمين ". # قال ابن الخطيب: وهذا ضعيف، لأن الله تعالى لم يقل: إني أنزلتها لكذا ~~والنبي عليه الصلاة والسلام لم ينقل عنه أنه قال: وردت الآية لبيان ~~ذلك حسب، غاية ما في الباب أنها نزلت في ذلك الوقت وهو مثل تاريخ نزول ~~الآية، ومما يصدق ذلك ويؤكده أن إطلاق لفظ الفاسق على الوليد، بعيد ~~لأنه توهم وظن فأخطأ، والمخطىء لا يسمى فاسقا، وكيف والفاسق في أكثر ~~المواضع المراد به من خرج عن رتبة الإيمان، كقوله تعالى: # إن الله لا يهدي القوم الفسقين # [المنافقون:6] وقوله تعالى: # ففسق عن أمر ربه # [الكهف:50] وقوله: # وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلمآ ~~أرادوا أن يخرجوا منهآ أعيدوا فيها # [السجدة:20] إلى غير ذلك؟!. # فصل # دلت الآية على أن خبر الواحد حجة وشهادة الفاسق لا تقبل أما في المسألة ~~الأولى فلأنه علل الأمر بالتوقف بكونه فاسقا ولو كان خبر الواحد العدل ~~لا يقبل لما كان للترتيب على النسق فائدة وأما في المسألة الثانية ~~فلوجهين: ms7956 # أحدهما: أنه أمر بالتبين وقيل قوله كان الحاكم مأمورا بالتبين، فلم يفد ~~قوله الفاسق شيئا، ثم إن الله تعالى أمر بالتبين في الخبر والنبأ وباب ~~الشهادة أضيق من باب الخبر. # الثاني: أنه تعالى قال: { أن تصيببوا قوما بجهالة } ، ~~والجهل فوق الخطأ؛ لأن المجتهد إذا أخطأ لا يسمى جاهلا فالذي يبني الحكم ~~على قول الفاسق إن لم يصب جاهلا فلا يجوز البناء على قوله. # قوله: " أن تصيبوا " مفعول له كقوله: " أن تحبط ". قال ابن ~~الخطيب: معناه على مذهب الكوفيين لئلا تصيبوا، وعلى مذهب البصريين ~~كراهة أن تصيبوا. # قال: ويحتمل أن يكون المراد فتبينوا واتقوا أن تصيبوا قوما بجهالة ~~فتصبحوا على ما فعلتم نادمين، فقوله " بجهالة " في تقدير حال أي ~~تصيبوهم جاهلين، ثم حقق ذلك بقوله: { فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ~~}. وهذا بيان، لأن الجاهل لا بد وأن يندم على فعله. وقوله: " تصبحوا ~~" معناه تصيبوا. قال النحاة: أصبح يستعمل على ثلاثة أوجه: # أحدها: بمعنى دخول الإنسان في الصباح. # والثاني: بمعنى كان الأمر وقت الصباح كما يقال: أصبح المريض اليوم ~~خيرا مما كان يريد كونه في وقت الصبح على حالة خير. # الثالث: بمعنى صار كقوله: " أصبح زيد غنيا " أي صار من غير إرادة ~~وقت دون وقت. # وهذا هو المراد من الآية. وكذلك " أمسى وأضحى ". قال ابن الخطيب: ~~والصيرورة قد تكون من ابتداء أمر وتدوم وقد تكون في آخر الأمر بمعنى ~~آل الأمر إليه، وقد تكون متوسطة؛ فمثال الأول قولك: صار الطفل ~~فاهما حده. ومثال الثالث قولك: صار زيد عالما إذا لم ترد أخذه ~~فيه ولا بلوغه ونهايته بل كونه ملتبسا به. وإذا علم هذا فنقول: أصل ~~استعمال أصبح فيما يصير الشيء بالغا في الوصف نهايته وأصل أضحى التوسط، ~~لا يقال: أهل الاستعمال لا يفرقون بين الأمور ويستعملون الألفاظ الثلاثة ~~بمعنى واحدا، لأنا نقول: إذا تقاربت المعاني جاز الاستعمال، وجواز ~~الاستعمال لا ينافي الأصل، وكثير من الألفاظ أصله معنى واستعمل استعمالا ~~شائعا فيما يشاركه. وإذا علم هذا فقوله تعالى " فتصبحوا " أي ~~فتصيروا آخذين في ms7957 الندم ثم تستديمونه، وكذلك في قوله: # فأصبحتم بنعمته إخوانا # [آل عمران:103] أي أخذتم في الأخوة وأنتم فيها زائدون مستمرون. # قوله: " نادمين " الندم هم دائم، والنون والدال والميم في تقلبها ~~لا تنفك عن معنى الدوام كقول القائل: أدمن في الشرب ومدمن ~~أي أقام ومنه: المدينة. # قوله: { واعلموا أن فيكم رسول الله } فاتقوا الله أن ~~تقولوا باطلا أو تكذبوه فإن الله يخبره ويعرفه أحوالكم ~~فتفتضحوا. # قوله: { لو يطيعكم في كثير من الأمر } يجوز أن يكون ~~حالا إما من الضمير المجرور في قوله: " فيكم " وإما من المرفوع ~~المستتر في " فيكم " لوقوعه خبرا. # ويجوز أن يكون مستأنفا، إلا أن الزمخشري منع هذا، لأدائه إلى تنافر ~~النظم. ولا يظهر ما قاله بل الاستئناف واضح أيضا. وأتى بالمضارع بعد " ~~لو " دلالة على أنه كان في إرادتهم استمرار عمله على ما يستصوبون. # فصل # نقل ابن الخطيب أن الزمخشري قال: وجه التعليق هو أن قوله: " لو يطيعكم ~~" في تقدير حال الضمير المرفوع في قوله: فيكم، والتقدير: كائن فيكم أو ~~موجود فيكم على حال تريدون أن يطيعكم أو يفعل باستصوابكم فلا ينبغي ~~أن يكون على تلك الحال لو فعل ذلك لعنتم أي وقعتم في شدة أو ~~أثمتم وهلكتم والعنت الإثم والهلاك. # ثم قال: { ولكن الله حبب إليكم الأيمان }. وهذا ~~خطاب مع بعض المؤمنين غير المخاطبين بقوله: " لو يطيعكم ". قال ~~الزمخشري: اكتفى بالتغاير في الصفة واختصر، ولم يقل: حبب إلى بعضكم ~~الإيمان وقال أيضا بأن قوله تعالى: " لو يطيعكم " بدل " أطاعكم " ~~إشارة إلى أنهم كانوا يريدون استمرار تلك الحالة ودوام النبي صلى الله ~~عليه وسلم على العمل باستصوابهم لكن يكون ما بعدها على خلاف ما قبلها. ~~وههنا كذلك ,وإن لم يحصل المخالفة بصريح اللفظ؛ لأن اختلاف المخاطبين في ~~الوصف يدلنا على ذلك، لأن المخاطبين أولا بقوله: " لو يطيعكم " ~~هم الذي أرادوا أن يكون عملهم لمراد النبي صلى الله عليه وسلم هذا ما ~~قاله الزمخشري، واختاره وهو حسن قال: والذي يجوز أن يقال وكأنه هو ~~الأقوى أن الله تعالى قال: إن ms7958 جآءكم فاسق بنبإ فتبينوا ~~واكشفوا. (ثم) قال بعده: { واعلموا أن فيكم رسول الله ~~} أي الكشف سهل عليكم بالرجوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإنه ~~فيكم مبين مرشد، وهذا كما يقول القائل عند اختلاف تلاميذ الشيخ في ~~مسألة: هذا الشيخ قاعد، لا يريد به بيان قعوده وإنما يريد أمرهم ~~بمراجعته؛ لأن المراد لا يطيعكم في كثير من الأمر، وذلك لأن الشيخ إذا ~~كان يعتمد على قول التلاميذ لا يطمئن قلوبهم بالرجوع إليه وإن كان لا ~~يذكر إلا للنقل الصحيح وتقريره بالدليل القوي يراجعه كل أحد فكذلك ههنا ~~فاسترشدوه فإنه يعلم ولا يطيع أحدا فلا يوجد فيه حيف ولا يروج عليه زيف. ~~والذي يدل عليه أن المراد من قوله: لو يطيعكم في كثير من ~~الأمر لعنتم لبيان امتناع الشرط لامتناع الجزاء، كما في قوله ~~تعالى: # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا # [الأنبياء:22] وقوله: # ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا # [النساء:82] وذلك يدل على أنه ليس فيهما آلهة وأنه ليس من عند غير الله. # قوله: { ولكن الله حبب إليكم الأيمان } هذا ~~استدراك من حيث المعنى لا من حيث اللفظ لأن من حبب إليه الإيمان غايرت ~~صفته صفة من تقدم ذكره. # فصل # { حبب إليكم الإيمان } فجعله أحب الأديان إليكم " وزينه " حسنه " ~~في قلوبكم " حتى اخترتموه { وكره إليكم الكفر ~~والفسوق } قال ابن عباس (رضي الله عنهما) يريد الكذب " ~~والعصيان " جميع معاصي الله. ثم عاد من الخطاب إلى الخبر فقال: { ~~أولئك هم الراشدون }. # فصل # قال ابن الخطيب: بعد ذكره الكلام المتقدم: وهذا معنى الآية جملة ~~فلنذكره تفصيلا في مسائل: # المسألة الأولى: لو قال قائل: إذا كان المراد بقوله: { واعلموا أن فيكم ~~رسول الله } الرجوع إليه فلم لم يصرح بقوله: " فتبينوا " وراجعوا ~~النبي عليه الصلاة والسلام ؟ وما الفائدة في العدول إلى هذا ~~المجاز؟ نقول: فائدته زيادته التأكيد لأن قول القائل في المثال ~~المتقدم: هذا الشيخ قائد آكد في وجوب المراجعة من قوله: راجعوا ~~شيخكم؛ لأن القائل يجعل وجوب مراجعته متفقا عليه ms7959 ويجعل سبب عدم ~~الرجوع عدم علمهم بقعوده فكأنه يقول: إنكم لا تشكون في أن الكاشف هو ~~الشيخ وأن الواجب مراجعته، لكنكم لا تعلمون قعوده، فهو قاعد فيجعل ~~المراجعة أظهر من القعود، لأنه يقول خفي عنكم قعوده فتركتم مراجته ولا ~~يخفى عليكم حسن مراجعته فيجعل حسن المراجعة أظهر من الأمر الخفي بخلاف ~~ما لو قال: راجعوه، لأنه حينئذ يكون قائلا بأنكم ما علمتم أن مراجعته هو ~~الطريق. وبين الكلامين يون بعيد فكذلك قوله تعالى: { واعلموا ~~أن فيكم رسول الله } فجعل حسن مراجعته أظهر من كونه فيهم ~~حيث ترك بيانه وأخذ في بيان كونه فيهم. وهذا من المعاني العزيزة التي ~~توجد في المجازات ولا توجد في الصرائح. # فإن قيل: إذا كان المراد من قوله: " لو يطيعكم " بيان كونه غير ~~مطيع لأحد بل هو ممتنع للوحي فلم لم يصرح به؟. # نقول: بيان نفي الشيء مع بيان ذلك النفي أتم من بيانه من غير دليل، ~~والجملة الشرطية بيان للنفي مع بيان دليله وأن قوله: " ليس فيهما آلهة " ~~لو قال قائل: لم قلت إنه ليس فيهما آلهة بحيث أن يذكر الدليل فيقال: لو ~~كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فكذلك ههنا لو قال: لا يطيعكم لقائل ~~قائل: لما لا يطيع؟ فوجب أن يقال: لو أطاعكم لأطاعكم لأجل قلتكم ~~ومصلحة أبصاركم لكن لا مصلحة لكم فيه لأنكم تعنتون وتأثمون وهو ~~يشق عليه عنتكم كما قال: # عزيز عليه ما عنتم # [التوبة:128] فإذا أطاعكم لا يفيده شيئا فلا يطيعكم فهذا نفي الطاعة ~~بالدليل. وبين نفي الشيء بدليل ونفيه من غير دليل فرق عظيم. # واعلم أن في قوله: { في كثير من الأمر } ليعلم أنه قد يوافقهم ~~ويفعل بمقتضى مصلحتهم تحقيقا لقوله: # وشاورهم في الأمر # [آل عمران:159]. # فإن قيل: إذا كان المراد بقوله تعالى: { ولكن الله حبب ~~إليكم الإيمان } فلا تتوقفوا فلم لم يصرح به؟. # قلنا: لما بيناه من الإشارة إلى ظهور الأمر يعني أنتم تعلمون أن اليقين ~~لا يتوقف فيه، إذا ليس بعده مرتبة حتى يتوقف إلى بلوغ الأمر ms7960 إلى تلك ~~المرتبة، بخلاف الشك، فإنه يتوقف إلى بلوغ الأمر إلى درجة الظن، ثم الظن ~~يتوقف إلى اليقين فلما كان عدم التوقف في النفس معلوما متفقا عليه لم ~~يقل: فلا تتوقفوا بل قال: حبب إليكم الإيمان أي بينه وزينه ~~بالبرهان النقي. # فصل # قال ابن الخطيب: معنى حبب إليكم أن قربه إليكم وأدخله في قلوبكم، ثم ~~زينه فيها بحيث لا تفارقونه ولا يخرج من قلوبكم وذلك لأن من يحب ~~شيئا فقد يسأم منه لطول ملازمته والإيمان كل يوم يزداد حسنا لكل من ~~كانت عبادته أكثر وتحمله مشاق التكليف أتم تكون العبادة والتكاليف عنده ~~ألذ وأكمل ولهذا قال أولا: حبب إليكم الإيمان، وقال ثانيا: وزينه في ~~قلوبكم كأنه قرب إليهم ثم أقامه في قلوبهم. # قوله: { وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان } ~~قال ابن الخطيب: هذه الأمور الثلاث في مقابلة الإيمان الكامل؛ لأن ~~الإيمان المزين هو التصديق بالجنان. وأما الفسوق فقيل: هو الكذب كما ~~تقدم عن ابن عباس وقال تعالى: { إن جآءكم فاسق بنبإ } فسمى ~~الكاذب فاسقا وقال تعالى: # بئس الاسم الفسوق # [الحجرات:11], وقيل الفسوق الخروج عن الطاعة لقولهم: فسقت الرطبة ~~إذا خرجت. وأما العصيان فهو ترك المأمور به. وقال بعضهم: الكفر ~~ظاهر، والفسوق هو الكبيرة والعصيان هو الصغيرة. # قوله: " فضلا " يجوز أن ينتصب على المفعول من أجله. وفيما ينصبه ~~وجهان: # أحدهما: قوله: { ولكن الله حبب إليكم } وعلى هذا فما ~~بينهما اعتراض من قوله: { أولئك هم الراشدون }. # والثاني: أنه الفعل الذي فوي قوله " الراشدون ". وعلى هذا يقال: فكيف ~~جاز أن يكون فضل الله الذي هو فعل الله مفعولا له بالنسبة إلى الرشد ~~الذي هو فعل العبد فاختلف الفاعل، لأن فاعل الرشد غير فاعل ~~الفضل؟. وأجاب الزمخشري: بأن الرشد لما كان توفيقا من الله تعالى كان ~~فعل الله وكأنه تعالى أرشدهم فضلا أي يكون متفضلا عليه، منعما في ~~حقهم، لأن الرشد عبارة عن التحبب والتزيين والتكريه. وجوز أيضا أن ~~ينتصب بفعل مقدر، أي جرى ذلك وكان ذلك فضلا من الله. قال أبو حيان: وليس ~~من ms7961 مواضع إضمار كان، وجعل كلامه الأول اعتزالا. وليس كذلك لأنه أراد ~~الفعل المسند إلى فاعله لفظا وإلا فالتحقيق أن الأفعال كلها مخلوقة لله ~~تعالى وإن كان الزمخشري غير موافق عليه. # ويجوز أن ينتصب على المصدر المؤكد لمضمون الجملة السابقة، لأنها فضل ~~إيضا، إلا أن ابن عطية جعله من المصدر المؤكد لنفسه. وجوز الحوفي ~~أن ينتصب على الحال وليس بظاهر ويكون التقدير متفضلا منعما أو ذا فضل ~~ونعمة قال ابن الخطيب: ويجوز أن يكون فضلا مفعولا به والفعل مضمرا دل ~~عليه قوله تعالى: { أولئك هم الراشدون } وهم يبتغون فضلا ~~من الله ونعمة، قال: لأن قوله: فضلا من الله إشارة إلى ما هو من جانب ~~الله المغني. والنعمة إشارة إلى ما هو من جانب العبد من اندفاع الحاجة. ~~وهذا يؤكد قولنا: أن ينتصب " فضلا " بفعل مضمر وهو الابتغاء والطلب. # ثم قال: { والله عليم حكيم } وفيه مناسبات: # منها: أنه تعالى لما ذكر نبأ الفاسق قال: فلا يعتمد على ترويجه ~~عليكم الزور فإن الله عليم، ولا يقل كقوله المنافق: { لولا ~~يعذبنا الله بما نقول } فإن الله حكيم لا يفعل إلا على وفق ~~حكمته. # وثانيها: لما قال تعالى: { واعلموا أن فيكم رسول الله ~~لو يطيعكم } بمعنى لا يطيعكم بل يتبع الوحي " فإن الله عليم " ~~يعلم من يكذبه " حكيم " بأمره بما تقتضيه الحكمة. ### || [49.9-10] # قوله تعالى: { وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا... ~~} الآية. لما حذر المؤمنين من النبأ الصادر من الفاسق أشار إلى ما يلزم ~~استدراكا لما يفوت فقال: فإن اتفق أنكم تبنون على قول من يوقع بينكم من ~~الأمر المفضي إلى اقتتال طائفتين من المؤمنين { فأصلحوا ~~بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا ~~التي تبغي } أي الظالم يجب عليكم دفعه ثم إن الظالم إن كان هو ~~الرعية فالواجب على الأمير دفعهم وإن كان هو الأمير فالواجب على المسلمين ~~دفعه بالنصيحة فما فوقها وشرطه أن لا يثير فتنة مثل التي في اقتتال ~~الطائفتين أو أشد منهما. # فصل # الضمير في قوله: " اقتتلوا " عائد أفراد الطائفتين كقوله (تعالى): # هذان ms7962 خصمان اختصموا في ربهم # [الحج:19] والضمير في قوله: " بينهما " عائد على اللفظ. وقرأ ابن أبي ~~عبلة: اقتتلتا مراعيا للفظ. وزيد بن علي وعبيد بن عمرو ~~اقتتلا أيضا إلا أنه ذكر الفعل باعتبار الفريقين، أو لأنه تأنيث ~~مجازي. # فصل # روى أنس (رضي الله عنه) قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : ~~لو أتيت عبد الله بن أبي (ابن سلول) فانطلق إليه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وركب حمارا (وانطلق المسلمون يمشون معه) وهو ~~بأرض سبخة، فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إليك ~~عني والله لقد آذاني نتن حمارك فقال رجل من الأنصار ~~منهم: والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحا ~~منك، فغضب لعبد الله رجل من قومه فتشاتما فغضب لكل واحد منهم ~~أصحابه، فكان بينهما ضرب بالجريد والأيدي والنعال فنزلت: { وإن ~~طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا ~~بينهما } فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاصطلحوا وكف ~~بعضهم عن بعض. وقال قتادة: نزل في رجلين من الأنصار كان بينهما مداراة في ~~حق بينهما فقال أحدهما للآخر: لآخذن حقي منك عنوة لكثرة عشيرته ~~وإن الآخر دعاء ليحاكمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأبى أن ~~يتبعه فلم يزل الأمر بينهما حتى تدافعوا وتناول بعضم بعضا بالأيدي ~~والنعال و(وإن) لم يكن قتال بالسيوف. وقال سفيان عن السدي: كانت امرأة ~~من الأنصار يقال لها: أم زيد تحت رجل وكان بينها وبين زوجها شيء فرقي بها ~~إلى علية وحبسها فبلغ ذلك قومها فجاءوا وجاء قومه فاقتتلوا ~~بالأيدي والنعال فأنزل الله عز وجل : { وإن طآئفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما } أي بالدعاء إلى ~~حكم كتاب الله والرضا بما فيه لهما وعليهما. # فصل # قوله: " وإن طائفتان (من المؤمنين) " إشارة إلى ندرة وقوع ~~الاقتتال بين طوائف المسلمين. # فإن قيل: نحن نرى أكثر الاقتتال في طوائفهم؟. # فالجواب: أن قوله تعالى: { إن } إشارة إلى أنه لا ينبغي أن لا يقع إلا ~~نادرا، غاية ما في الباب أن الأمر على خلاف ما ينبغي كذلك: { إن ~~جاءكم ms7963 فاسق بنبأ } إشارة إلى أن مجيء الفاسق بالنبأ ينبغي أن ~~لا يقع إلا قليلا مع أن مجيء الفاسق كثير، وذلك لأن قول الفاسق صار عند ~~أول الأمر أشد قبولا من قول الصادق الصالح، وقال: " وإن ~~طائفتان " ولم يقل: " فرقتان " تحقيقا للمعنى الذي ذكرناه وهو ~~التقليل، لأن الطائفة دون الفرقة، قال تعالى: # فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة # [التوبة:122]. # فصل # قال: من المؤمنين ولم يقل: منكم مع أن الخطاب مع المؤمنين سبق في قوله ~~تعالى: # يأيها الذين آمنوا إن جآءكم فاسق بنبإ # [الحجرات:6] تنبيها على قبح ذلك وتبعيدا لهم عنه، كقول السيد لعبده: ~~إن رأيت أحدا من غلماني يفعل كذا فامنعه، فيصير بذلك مانعا ~~للمخاطب عن ذلك الفعل بالطريق الحسن كأنه يقول: أنت حاشاك أن تفعل ذلك ~~وإن فعل غيرك فامنعه، كذلك ههنا. # فصل # قال: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ولم يقل: فإن ~~اقتتل طائفتان من المؤمنين مع أن كلمة " إن " اتصالها بالفعل أولى، ~~وذلك ليكون الابتداء بما يمنع من القتال فيتأكد معنى النكرة، والمدلول ~~عليها بكلمة إن، وذلك لأن كونهما طائفتين (مؤمنتين) يقتضي أن لا يقع ~~القتال بينهما. # فإن قيل: فلم لم يقل: يا أيها الذين آمنوا إن فاسق " جاءكم " ~~أو إن أحد من الفساق جاءكم ليكون الابتداء بما يمنعهم من الإصغاء إلى ~~كلامه وهو كونه فاسقا؟ أو يزداد بسببه فسقه بالمجيء به بسبب الفسق؟. # فالجواب: أن الاقتتال لا يقع سببا للإيمان ولا للزيادة فقال: إن ~~جاءكم فاسق أي سواء كان فاسقا أولا أو جاءكم بالنبأ فصار فاسقا ~~به. ولو قال: إن أحد من الفساق جاءكم لا يتناول إلا مشهور ~~الفسق قبل المجيء إذا جاءهم بالنبأ. # فصل # قوله تعالى: { أقتتلوا } ولم يقل يقتتلوا (بصيغة الاستقبال }؛ ~~لأن صيغة الاستقبال تنبىء عن الدوام والاستمرار فيفهم منه أن طائفتين من ~~المؤمنين إن تمادى الاقتتال بينهما فأصلحوا، وهذا لأن صيغة المستقبل ~~تنبىء عن ذلك، يقال: فلان يتهجد ويصوم. # فصل # قال: " اقتتلوا " ولم يقل: اقتتلا وقال: " فأصلحوا ~~بينهما " ولم يقل: بينهم لأن الفتنة قائمة ms7964 عند الاقتتال، وكل ~~أحد برأسه يكون فاعلا فعلا فقال: اقتتلوا وعند الصلح تتفق كلمة ~~كل طائفة وإلا لم يتحقق (الصلح) فقال: " بينهما " لكون الطائفتين ~~حينئذ كنفسين. # قوله: { فإن بغت إحداهما على الأخرى } وأبت الإجابة ~~إلى حكم كتاب الله. وقيل: إلى طاعة الرسول وأولي الأمر. وقيل: إلى ~~الصلح. كقوله تعالى: # وأصلحوا ذات بينكم # [الأنفال:1] وقيل: إلى التقوى، لأن من خاف الله لا يبقى له عدو إلا ~~الشيطان، لقوله: # إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا # [فاطر:6]. # فإن قيل: كيف يصح في هذا الموضع كلمة " إن " مع أنها تستعمل في الشرط ~~الذي لا يتوقع وقوعه وبغي أحدهما عند الاقتتال متحقق الوقوع فيكون مثل ~~قول القائل: إن طلعت الشمس؟. # فالجواب: أن فيه معنى لطيفا وهو أن الله تعالى يقول: الاقتتال بين ~~طائفتين لا يكون إلا نادر الوقوع لأن كل طائفة تظن أن الأخرى فئة الكفر ~~والفساد كما يتحقق في الليالي المظلمة، أو يقع لكل طائفة أن القتال جائز ~~باجتهاد خطأ، فقال تعالى: الاقتتال لا يقع إلى كذا فإن بان لهما أو ~~لأحدهما الخطأ واستمر عليه فهو نادر وعند ذلك يكون قد بغى فقال: " فإن ~~بغت " يعني بعد انكشاف الأمر، وهذا يفيد الندرة وقلة الوقوع. # فإن قيل: لم قال: فإن بغت ولم يقل: فإن تبغ؟. # فالجواب: ما تقدم في قوله تعالى: { اقتتلوا } ولم يقل: ~~يقتتلوا. # قوله: " حتى تفيء " العامة على همزة من فاء يفيء أي رجع ~~كجاء يجيء. والزهري: بياء مفتوحة كمضارع وفا وهذا على لغة من يقصر ~~فيقال: " جا، يجي " دون همز؛ وحينئذ فتح الياء لأنها صارت حرف ~~الإعراب. # فصل # المعنى حتى تفيء إلى أمر الله في كتابه وهذا إشارة إلى أن القتال جزاء ~~الباغي كحد الشرب الذي يقام وإن ترك الشرب بل القتال إلى حد ~~الفيئة، فإن فاءت الفئة الباغية حرم قتالهم. وهذا يدل على جواز قتال ~~الصائل، لأن القتال لما كان للفيئة فإذا حصلت لم يوجد المعنى الذي ~~لأجله القتال. وفيه دليل أيضا على أن المؤمن لا يخرج عن الإيمان بفعل ~~الكبيرة؛ ms7965 لأن الباغي من أحدى الطائفتين وسماهما مؤمنين. # قوله: " فإن فاءت " أي رجعت إلى الحق. # فإن قيل: قد تقدم أن " إن " تدل على كون الشرط غير متوقع الوقوع وقلتم ~~بأن البغي من المؤمن نادر فإذن تكون الفئة متوقعة فكيف قال: " فإن ~~فاءت "؟. # فالجواب: هذا كقول القائل لعبده: إن مت فأنت حر، مع أن الموت ~~لا بد من وقوعه لكن لما كان وقوعه بحيث لا يكون العبد محلا للعتق ~~بأن يكون باقيا في ملكه حيا يعيش بعد وفاته غير معلوم. فكذلك ههنا لما ~~كان المتوقع فيئتهم من تلقاء أنفسهم لما لم يقع دل على تأكيد الأمر ~~بينهم فقال تعالى: { فإن فاءت } أي بعد اشتداد الأمر والتحام القتال ~~فأصلحوا، وفيه إشارة إلى أن من لم يخف الله وبغى يكون رجوعه ~~بعيدا. # قوله: { فأصلحوا بينهما بالعدل } بحملهما على الإنصاف ~~والرضا بحكم الله " وأقسطوا " اعدلوا { إن الله يحب ~~المقسطين }. # فإن قيل: لم قال ههنا: { فأصلحوا بينهما بالعدل } ولم ~~يذكر العدل في قوله: { وإن طآئفتان من المؤمنين ~~اقتتلوا فأصلحوا بينهما }؟. # فالجواب: أن الإصلاح هناك بإزالة الاقتتال نفسه وذلك يكون بالنصيحة ~~وبالتهديد والزجر والتعذيب والإصلاح ههنا بإزالة آثار الاقتتال بعد ~~ارتفاعه من ضمان المتلفات وهو حكم فقال: " بالعدل " فكأنه قال: ~~فاحكموا بينهما بعد تركهما القتال بالحق وأصلحوا بالعدل فيما ~~يكون بينهما لئلا يؤدي إلى ثوران الفتنة بينهما مرة أخرى. # فإن قيل: لما قال: فأصلحوا بينهما بالعدل فأية فائدة في ~~قوله: وأقسطوا؟. # فالجواب: أن قوله: " فأصلحوا بينهما " كأن فيه تخصيصا بحال ~~الاقتتال فعم الأمر بالعدل وقال: وأقسطوا أي في (كل) أمر فإنه مفض إلى ~~أشرف درجة وأرفع منزلة وهي محبة الله, والإقساط أزالة القسط وهو ~~الجور والقاسط هو الجائر. # قوله: { إنما المؤمنون إخوة } أي في الدين، والولاية. ~~وقال بعض أهل اللغة: الإخوة جمع الأخ، من النسب والإخوان جمع الأخ ~~من الصداقة، والله تعالى قال: { إنما المؤمنون إخوة } ~~تأكيدا للأمر وإشارة إلى أن ما بين الإخوة من الإسلام والنسب لهم ~~كالأب. قال قائلهم (رحمة الله عليه) : # 4502 أبي الإسلام ms7966 لا أب لي سواه # إذا افتخروا بقيس أو تميم # قوله: " بين أخويكم " العامة على التثنية. وزيد بن ثابت وعبد ~~الله وحماد بن سلمة وابن سيرين: إخوانكم جمعا على فعلان. ~~وقد تقدم أن الإخوان تغلب في الصداقة والإخوة في النسب، وقد تعكس كهذه ~~الآية. وروي عن أبي عمرو وجماعة: إخوتكم بالتاء من فوق. وقد ~~روي عن ابن عمرو أيضا القراءات الثلاث. # فصل # المعنى: فاتقوا الله ولا تعصوا ولا تخالفوا أمره " لعلكم ~~ترحمون " قال عليه الصلاة والسلام # " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يشتمه من ~~كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج ~~عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب ~~يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم ~~القيامة ". # فإن قيل: عند إصلاح الفريقين والطائفتين لم يقل: اتقوا وقال ههننا ~~اتقوا مع أن ذلك أهم؟. # فالجواب: أن الاقتتال بين طائفتين يفضي إلى أن تعم المفسدة ويلحق ~~كل من مؤمن منها شيء وكل يسعى في الإصلاح لأمر نفسه فلم يؤكد بالأمر ~~بالتقوى وأما عند تخاصم رجلين لا يخاف الناس ذلك وربما يريد بعضهم ~~تأكد الخصام بين الخصوم لغرض فاسد، فقال: { فأصلحوا بين أخويكم واتقوا ~~الله } أو يقال: قوله: وأصلحوا إشارة الإصلاح، وقوله: " واتقوا ~~الله " إشارة ما يصيبهم عن المشاجرة، وإيذاء قلب الأخ؛ لأن من اتقى ~~الله شغله تقواه عن الاشتغال بغيره، قال عليه الصلاة والسلام : # " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده " # فالمسلم يكون مقبلا على عبادة الله مشتغلا بعيبه عن عيوب الناس. # فصل # في هاتين الآيتين دليل على أن البغي لا يزيل اسم الإيمان، لأن الله ~~تعالى سماهم إخوة مؤمنين مع كونهم باغين، ويدل عليه ما روى الحارث ~~الأعور أن علي بن أبي طالب سئل وهو القدوة في قتال أهل البغي عن ~~أهل الجمل وصفين أمشركون هم؟ فقال: لا؛ من الشرك فروا فقيل: ~~أمنافقون؟ فقال: (لا) إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا. قيل: ~~فما حالهم؟ قال: إخواننا بغوا علينا والباغي في الشرع هو الخارج على ~~إمام ms7967 العدل، فإذا اجتمعت طائفة لهم قوة ومنعة فامتنعوا عن طاعة ~~إمام العدل بتأويل محتمل ونصبوا إماما بالحكم فيهم أن يبعث الإمام ~~إليهم ويدعوهم إلى طاعته فإن أظهروا مظلمة أزالها عنهم وإن لم يذكروا ~~مظلمة وأصروا على بغيهم قاتلهم الإمام حتى يفيئوا إلى طاعته. وحكم ~~قتالهم مذكور في كتب الفقه. # فصل # " إنما " للحصر أي الأخوة الآتين من المؤمنين. فلا أخوة بين ~~المؤمن والكافر ولهذا إذا مات المسلم وله أخ كافر يكون ماله للمسلمين، ~~ولا يكون لأخيه الكافر، وكذلك الكافر، لأن في النسب المعتبر الأب الشرعي ~~حتى إن ولدي الزنا من ولد رجل واحد لا يتوارثان، فكذلك الكفر لأن ~~الجامع الفاسد لا يفيد الأخوة ولهذا من مات من الكفار وله أخ مسلم ~~ولا وارث له من النسب لا يجعل ماله للكفار، ولو كان الدين يجمعهم يرثه ~~الكفار ومال المسلم للمسلمين عند عدم الوارث. # فإن قيل: إذا ثبت أن أخوة الإسلام أقوى من أخوة النسب بدليل ~~أن المسلم يرثه المسلمون إذا لم يكن له أخوة نسبية ولا يرث الأخ ~~الكافر من النسب فلم لا يقدمون الأخوة الإسلامية على الأخوة ~~النسبية مطلقا حتى يكون مال المسلم للمسلمين لا لأخوة النسب؟. # فالجواب: أن الأخ المسلم إذا كان أخا من النسب فقد اجتمع فيه ~~أخوتان فصار أقوى. # فصل # قال النحاة ههنا: إن " ما " كافة تكف إن عن العمل، ولولا ذلك ~~لقيل: إنما المؤمنين إخوة وفي قوله تعالى: # فبما رحمة من الله لنت لهم # [آل عمران:159] وقوله: # عما قليل # [المؤمنون:40] ليست كافة. قال ابن الخطيب والسؤال الأقوى: هو أن رب ~~من حروف الجر و " الباء " و " عن " كذلك. و " ما " في " رب " كافة، ~~في " عما " و " بما " ليست كافة. والتحقيق فيه هو أن الكلام بعد " ~~ربما " و " إنما " يكون تاما ويمكن جعله مستقلا، ولو حذفت " ~~ربما وإنما " لم يضر تقول: ربما قام الأمير، وربما ~~زيد في الدار. ولو حذفت " ربما " وقلت: زيد في الدار ~~وقام الأمير لصح، وكذلك في " إنما " و " لكنما " وأما " عما " ~~و " بما " فليس ms7968 كذلك، لأن قوله تعالى: # فبما رحمة من الله لنت لهم # [آل عمران:159] لو حذفت " بما " وقلت: رحمة من الله لنت ~~لهم، لما كان كلاما، فالباء تعد متعلقة بما يحتاج إليها فهي باقية ~~حقيقه وكذلك " عما " ، وأما " ربما " لما استغنى عنها، فكأنها لم ~~تبق حكما، ولا عمل للمعدوم. # فإن قيل: إن " إذا " لم تكف بما فما بعده كلام تام فوجب أن لا ~~يكون له عمل. تقول: إن زيدا قائم ولو قلت: زيد قائم لكفى ~~وتم!. # نقول: ليس كذلك لأن ما بعد إن يجوز أن يكون نكرة تقول: إن رجلا ~~جاءني وأخبرني بكذا. وتقول جاءني رجل وأخبرني. ولا ~~يحسن: إنما رجل جاءني كما لو لم يكن هناك إنما. وكذلك القول في ~~ليتما لو حذفتهما واقتصرت على ما بعدهما لا يكون تاما فلم يكف. ~~وتقدم الكلام في " لعل " مرارا. ### || [49.11-12] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من ~~قوم... } الآية تقدم الخلاف في " قوم " وجعله الزمخشري ههنا جمعا ~~لقائم قال: كصوم وزور جمع صائم وزائر. (و) فعل ليس من أبنية ~~التكسير إلا عند الأخفش نحو: ركب، وصحب. والسخرية هو أن لا ينظر ~~الإنسان إلى أخيه بعين الإجلال، ولا يلتفت إليه ويسقطه عن درجته، ~~وحينئذ لا يذكر ما فيه من المعايب. ومعنى الآية لا تحقروا إخواتكم ولا ~~تستصغروهم. # فصل # قال ابن عباس (رضي الله عنهما) نزلت في ثابت بن قيس بن شماس ~~كان في أذنه وقر، فكان إذا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقد سبقوه بالمجلس أوسعوا له حتى يجلس إلى جنبه فيستمع ما يقول، ~~فأقبل ذات يوم وقد فاتته ركعة من صلاة الفجر، فلما انصرف ~~النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة أخذ أصحابه مجالسهم فضن ~~كل رجل بمجلسه، فلا يكاد يوسع أحد لأحد وكان الرجل إذا جاء ولم يجد ~~مجلسا قام قائما فلما فرغ ثابت من الصلاة أقبل نحو رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يتخطى رقاب الناس (ويقول): تفسحوا تفسحوا ~~فجعلوا يتفسحون حتى انتهى إلى رسول الله صلى ms7969 الله عليه وسلم ~~وبينه وبينه رجل فقال له: تفسح فقال له الرجل: قد أصبت مجلسا ~~فاجلس فجلس ثابت خلفه مغضبا فلما انجلت الظلمة غمز ثابت ~~الرجل فقال: من هذا فقال: أنا فلان فقال له ثابت: ابن فلانة؟ ذكر أما ~~له كان يعير بها في الجاهلية، فنكس الرجل رأسه، فاستحيا. فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية. وقال الضحاك: نزلت في وفد تميم كانوا ~~يستهزئون بفقراء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مثل عمار، ~~وخباب وبلال، وصهيب، وسلمان، وسالم مولى حذيفة، لما رأو من ~~رثاثة حالهم. # قوله: { عسى أن يكونوا خيرا منهم } قرأ أبي وعبد ~~الله بن مسعود عسوا وعسين (جعلاها ناقصة). وهي لغة تميم ~~وقراءة العامة لغة الحجاز. # قوله: { ولا نسآء من نسآء عسى أن يكن خيرا ~~منهن } روي أنها نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وسلم عيرت ~~أم سلمة بالقصر، وروى عكرمة عن ابن عباس أيضا: نزلت في صفية بنت ~~حيي بن أخطب قال لها النساء: يهودية بنت يهوديين. # قوله: { ولا تلمزوا أنفسكم } أي لا يعب بعضكم على بعض. ~~قرأ الحسن والأعرج: ولا تلمزوا بالضم واللمز بالقول ~~وغيره والغمز باللسان فقط. # قوله: { ولا تنابزوا بالألقاب } التنابز تفاعل من النبز ~~وهو التداعي بالنبز والنزب، وهو مقلوب منه لقلة هذا، وكثرة ذاك. ~~ويقال؟: تنابزوا وتنازبوا إذا دعا بعضهم بعضا بلقب سوء. # وأصله من الرفع كأن النبز يرفع صاحبه فيشاهد. واللقب: ~~ما أشعر بضعة المسمى كقفة وبطة أو رفعته كالصديق ~~وعتيق والفاروق، وأسد الله، وأسد رسوله وله مع الكنية والاسم ~~إذا اجتمعن أحكام كثيرة مذكورة في كتب النحو. # وأصل: تنابزوا تتنابزوا أسقطت إحدى التاءين كما أسقط من ~~الاستفهام إحدى الهمزتين فقال: # سوآء عليهم أأنذرتهم # [البقرة:8] والحذف ههنا أولى؛ لأن تاء الخطاب وتاء التفاعل حرفان ~~من جنس واحد في كلمة وهمزة الاستفهام كلمة برأسها و " أنذرتهم " ~~أخرى، واحتمال حرفين في كلمتين أسهل من احتماله في كلمة واحدة. # فصل # ذكر في الآية أمورا ثلاثة مرتبة بعضها دون بعض، وهي السخرية ~~واللمز والنبز. والسخرية الاحتقار والاستصغار، ms7970 واللمز ذكر في ~~غيبته بعيب. وهذا دون الأول، لأنه لم يلتفت إليه وإنما جعله مثل ~~المسخرة الذي لا يغضب له ولا عليه، وهذا جعل فيه شيئا ما فعابه ~~به. والنبز دون الثاني لأنه يصفه بوصف ثابت فيه نقصه به، ويحط ~~منزلته والنبز مجرد التسمية وإن لم يكن فيه لأن اللقب الحسن والاسم ~~المستحسن إذا وضع لواحد وعلا عليه لا يكون معناه موجودا فإن من سمي ~~سعدا وسعيدا قد لا يكون كذلك وكذلك من لقب إمام الدين أو حسام ~~الدين لا يفهم منه أنه كذلك وإنما هو علامة، وكذلك النبز، فإن من سمي ~~مروان الحمار لم يكن كذلك فكأنه تعالى قال: لا تتكبروا ~~فتستحقروا إخوانكم بحيث لا تلتفوا إليهم أصلا، وإذا نزلتم عن هذا ~~فلا تعيبوهم طالبين حط درجتهم وإذا لم تعيبوهم ولم تصفوهم بما ~~يسوؤهم فلا تسموهم بما يكرهونه. # فصل # قال ابن الخطيب: القوم اسم يقع على جمع من الرجال ولا يقع على النساء ~~ولا على الأطفال لأنه جمع قائم والقائم بالأمور هو الرجال وعلى هذا ففي ~~إفراد الرجال والنساء فائدة وهي أن عدم الالتفات والاستحقار إنما يصدر في ~~أكثر الأمر من الرجال بالنسبة إلى الرجال؛ لأن المرأة في نفسها ضعيفة؛ ~~قال عليه الصلاة والسلام : # " النساء لحم على وضم " # فالمرأة لا يوجد منها استحقار الرجل لأنها مضطرة إليه في رفع ~~حوائجها وأما الرجال بالنسبة إلى الرجال والنساء بالنسبة إلى النساء ~~فإنه يوجد فيهم ذلك. # فصل # في قوله: { عسى أن يكونوا خيرا منهم } حكمة وهي أنهم ~~أذا وجد منهم التكبر المفضي إلى إحباط الأعمال وجعل نفسه خيرا ~~منهم، كما فعل إبليس حيث لم يلتفت إلى آدم وقال: " أنا خير منه " ~~فصار هو خيرا منه، ويحتمل أن يكون المراد بقوله: " يكونوا " أي يصيروا، ~~فإن من استحقر إنسانا لفقره أو ضعفه لا يأمن أن يفتقر هو ويستغني ~~الفقير ويضعف هو ويقوى الضعيف. # فصل # في قوله: { ولا تلمزوا أنفسكم } وجهان: # أحدهما: أن عيب الأخ عائد إلى الأخ فإذا أعابه فكأنه أعاب نفسه. # والثاني: أنه ms7971 إذا عابه وهو لا يخلو من عيب فيعيبه به المعاب فيكون هو ~~بمعيبه حاملا للغير على عيبه فكأنه هو العائب نفسه ونظيره قوله تعالى: # ولا تقتلوا أنفسكم # [النساء:29]. # ويحتمل أن يقال: لا تعيبوا أنفسكم أي كل واحد منكم معيب فإنكم إن ~~فعلتم فقد عبتم أنفسكم أي كل واحد عاب واحد فصرتم عائبين من وجه ~~معيبين من وجه. وهذا الوجه ههنا ظاهر ولا كذلك في قوله: " ولا ~~تقتلوا أنفسكم ". # فصل # قال: " ولا تنابزوا " ولم يقل: ولا تنبزوا لأن اللامز ~~إذا لمز فالملموز قد لا يجد فيه في الحال عيبا يلمزه به ~~وإنما يبحث ويتتبع ليطلع منه على عيب فيوجد اللمز في جانب. وأما ~~النبز فلا يعجز كل أحد عن الإتيان بنبز، فالظاهر أن النبز ~~يفضي في الحال إلى التنابز، ولا كذلك اللمز. # فصل # قال المفسرون: اللقب هو أن يدعى الإنسان بغير ما يسمى به، وقال ~~عكرمة: هو قول الرجل للرجل يا فاسق، يا منافق، يا كافر. وقال الحسن: ~~كان اليهودي والنصراني يسلم، فيقال له بعد إسلامه، يا يهودي يا نصراني ~~فنهوا عن ذلك، وقال عطاء: هو أن يقول الرجل لأخيه: يا حمار يا خنزير., ~~وعن ابن عباس (رضي الله عنهما): التنابز بالألقاب أن يكون الرجل عمل ~~السيئات ثم تاب عنها فنهي أن يعير بما سلف من عمل. # قوله: { بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان } أي بئس الاسم ~~أن يقول له: يا يهودي يا فاسق بعدما آمن. وقيل: معناه من فعل ما ~~نهي عنه من السخرية واللمز والنبز فهو فاسق وبئس الاسم الفسوق بعد ~~الإيمان فلا تفعلوا ذلك فتستحقوا اسم الفسوق. ثم قال: { ومن لم ~~يتب } أي من ذلك { فأولئك هم الظالمون }. # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا ~~من الظن... } الآية. قيل: نزلت في رجلين اعتابا رفيقهما، # " وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان غزا أو سافر ضم الرجل ~~المحتاج إلى رجلين موسرين يخدمهما ويتقدم لهما إلى المنزل ~~فيهييء لهما طعامهما وشرابهما فضم سلمان الفارسي إلى رجلين في بعض ~~أسفاره ms7972 فتقدم سلمان الفارسي إلى المنزل فغلبته عيناه فلم يهيىء ~~لهما فلما قدما قالا له ما صنعت شيئا؟ قال: لا غلبتني عيناي، ~~قالا له: انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واطلب لنا منه ~~طعاما، فجاء سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله طعاما، ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : انطلق إلى أسامة بن زيد وقل ~~له: إن كان عند فضل من طعام فليعطك؛ وكان أسامة خازن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وعلى رحله فأتاه فقال ما عندي شيء فرجع ~~سلمان إليهما فأخبرهما فقالا: كان عند أسامة ولكن بخل فبعثا ~~سلمان إلى طائفة من الصحابة فلم يجد عندهم شيئا فلما رجع ~~قالوا: بعثناه إلى بئر سميحة فغار ماؤها ثم انطلقا يتجسسان هل عند ~~أسامة ما أمر لهما به رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما جاءا إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما: ما لي أرى حضرة ~~اللحم في أفواهكما؟ قالا: والله يا رسول الله ما تناولنا ~~يومنا هذا لحما قال: (بل) ظللتم تأكلون لحم أسامة وسلمان " # فأنزل الله عز وجل : { يأيها الذين آمنوا ~~اجتنبوا كثيرا من الظن }. # فصل # قال سفيان الثوري: الظن ظنان: # أحدهما: إثم وهو أن يظن ويتكلم به. # والأخر: ليس بإثم وهو أن يظن، ولا يتكلم به، قال عليه الصلاة والسلام ~~: # " إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ". # قوله:: " إثم " جعل الزمخشري همزه بدلا من واو قال: لأنه يثم ~~الأعمال أي يكسرها وهذا غير مسلم بل تلك مادة أخرى. # قوله: " ولا تجسسوا " التجسس التتبع، ومنه الجاسوس، ~~والجساسة، وجواس الإنسان وحواسه ومشاعره، وقد قرأ هنا بالحاء ~~الحسن وأبو رجاء وابن سيرين. # فصل # التجسس هو البحث عن عيوب الناس فنهى الله تعالى عن البحث عن المستورين ~~من الناس وتتبع عوراتهم قال عليه الصلاة والسلام: # " لا تجسسوا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا ~~تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا " # وقال عليه الصلاة والسلام : # " يا معشر من آمن بلسانه ولم يفض الإيمان إلى ~~قلبه لا تغتابوا المسلمين ms7973 ولا تتبعوا عوراتهم ~~فإنه من تتبع عورات المسلمين تتبع الله عورته يفضحه ~~ولو في جوف رحله " # ونظر عمر يوما إلى الكعبة فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك ~~والمؤمن أعظم حرمة منك عند الله. وقيل لابن مسعود: هل ~~لك في الوليد بن عقبة تقطر لحيته خمرا؟ فقال: إنا قد نهينا عن ~~التجسس فإن يظهر لنا شيئا نأخذه به. # فصل # واعلم أن الظن تبنى عليه القبائح فالعاقل إذا وقف أموره على ~~اليقين قل ما يتيقن في أحد عيبا يلمزه به لأن الوعظ في الصورة قد ~~يكون قبيحا وفي نفس الأمر لا يكون كذلك؛ لأن الفعل قد يكون فاعله ساهيا ~~أو يكون الرأي مخطئا، وقوله تعالى: { كثيرا من الظن } إخراج ~~للظنون التي تبنى عليها الخيرات. # قال عليه الصلاة والسلام # " ظنوا بالمؤمن خيرا " # وقوله: { إن بعض الظن إثم } إشارة إلى الأخذ بالأحوط. ~~وقوله: " ولا تجسسوا " إتمام لذلك لأنه تعالى لما قال: { اجتنبوا ~~كثيرا من الظن } فهم منه أن المعتبر اليقين. # وقوله: { ولا يغتب بعضكم بعضا } أي لا يتناول بعضكم ~~بعضا في غيبته بما يسوؤه مما هو فيه. # " قال عليه الصلاة والسلام : " أتدرون ما الغيبة؟ " قالوا: ~~الله ورسوله أعلم قال: ذكرك أخاك بما يكره. قيل: أرأيت إن كان ~~في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد أغتبته وإن لم يكن فيه ~~ما تقول فقد بهته " # وفي هذا إشارة إلى وجوب حفظ عرض المؤمن. # قوله: { أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا } ~~نصب " ميتا " على الحال من " لحم " أو " أخيه " ، وتقدم الخلاف في ~~ميتا. # فإن قيل: اللحم ألا يكون ميتا؟. # فالجواب: بلى. قال عليه الصلاة والسلام : # " ما أبين من حي فهو ميت " # فسمى القطعة ميتا. # فإن قيل: إذا جعلناه حالا من الأخ لا يكون هيئة الفاعل ولا المفعول فلا ~~يجوز جعله حالا فهو كقول القائل: مررت بأخي زيد (قائما) ~~ويريد كون زيد قائما. وذلك لا يجوز. # قلنا: من أكل لحمه فقد أكل فصار الأخ مأكولا مفعولا بخلاف المرور ~~بأخي زيد. # فصل # في هذا التشبيه ms7974 إشارة إلى أن عرض الإنسان كدمه ولحمه لأن ~~الإنسان يتألم قلبه من قرض العرض كما يتألم جسمه من قطع اللحم. وهذا من ~~باب القياس الظاهر؟ لأن عرض الإنسان أشرف من لحمه ودمه فلما لم يحسن من ~~العاقل أكل لحوم الناس لم يحسن منه قرض عرضهم بالطريق الأولى، لأن ذلك ~~آلم. # وقوله: " لحم أخيه " آكد في المنع؛ لأن العدو يحمله الغضب على ~~مضغ لحم العدو، وفي قوله: " ميتا " إشارة إلى دفع وهم وهو أن ~~يقال: الشتم في الوجه يؤلم فيحرم وأما الاغتياب فلا اطلاع عليه للمغتاب ~~فلا يؤلم فقال: آكل لحم الأخ وهو ميت أيضا يؤلمه ومع هذا فهو في غاية ~~القبح لما أنه لو اطلع عليه لتألم فإن الميت لو أحس بأكل لحمه لآلمه، ~~وفيه معنى لطيف وهو أن الاغتياب بأكل لحم الآدمي ميتا ولا يحل أكله ~~إلا للمضطر بقدر الحاجة، والمضطر إذا وجد لحم الشاة الميتة ولحم الآدمي ~~فلا يأكل لحم الآدمي فكذلك المغتاب إن وجد لحاجته مدفعا غير الغيبة فلا ~~يباح له الاغتياب. # قوله: " فكرهتموه " قال الفراء: تقديره: فقد كرهتموه فلا ~~تفعلوه. وقال ابن الخطيب: الفاء في تقدير جواب كلام كأنه تعالى لما قال: ~~أيحب للإنكار فكأنه قال: لا يحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه فكرهتموه ~~إذن. وقال أبو البقاء: المعطوف عليه محذوف تقديره عرض عليكم ~~ذلك فكرهتموه. والمعنى يعرض عليكم فتكرهونه. # وقيل: إن صح ذلك عندكم فأنتم (أي) تكرهونه قال ابن الخطيب: هو كمتعلق ~~المسبب بالسبب وترقبه عليه كقولك: جاء فلان ماشيا ~~فتعب، فقيل: هو خبر بمعنى الأمر كقولهم: " اتقى الله امرؤ ~~فعل خيرا يثب عليه ". # وقرأ أبو حيوة والجحدري: فكرهتموه بضم الكاف وتشديد الراء ~~ عدي بالتضعيف إلى ثان بخلاف قوله أولا: " كره إليكم الكفر ~~" فإنه وإن كان مضعفا لم يتعد لواحد لتضمنه معنى بغض. # فصل # قال ابن الخطيب: الضمير في قوله: " فكرهتموه " فيه وجوه: # أظهرها: أن يعود إلى الآكل لأن قوله تعالى: { أيحب أحدكم } ~~معناه أيحب أحدكم الأكل لأن " أن " مع الفعل للمصدر أي فكرهتم ~~الأكل. ms7975 # وثانيها: أن يعود إلى اللحم أي فكرهتم اللحم. # وثالثها: أن يعود إلى الميت في قوله: " ميتا " تقديره: أيحب أحدكم ~~أن يأكل لحم أخيه ميتا متغيرا فكرهتموه فكأنه صفة لقوله: " ميتا " ~~ويكون فيه زيادة مبالغة في التحذير يعني الميتة أن أكلت في الندرة ~~لسبب كان نادرا ولكن إذا أنتن وأروح وتغير لا يؤكل أصلا فكذلك ~~ينبغي أن يكون الغيبة، وذلك يحقق الكراهة ويوجب النفرة إلى حد لا ~~يشتهي الإنسان أن يبيت في بيت فيه ميت فكيف يقربه بحيث يأكله ففيه إذن ~~كراهة شديدة فكذلك حال الغيبة. # فصل # قال مجاهد: لما قيل لهم: أيحب أحدكم أن يأكل لحم ~~أخيه ميتا؟ قالوا: لا، قيل: " فكرهتموه " أي كما كرهتم هذا ~~فاجتنبوا ذكره بالسوء غائبا. قال الزجاج: تأويله إن ذكرك من لم ~~يحضرك بسوء بمنزلة أكل لحمه وهو ميت لا يحس بذلك. # قال عليه الصلاة والسلام # " لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس ~~يخمشون وجوههم ولحومهم فقلت: من هؤلاء يا ~~جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في ~~أعراضهم ". # قوله: " وأتقوا الله " عطف على ما تقدم من الأوامر والنواهي أي ~~اجتنبوا واتقوا الله { إن الله تواب رحيم } واعلم أنه ~~تعالى ختم الآيتين بذكر التوبة فقال في الأولى: { ومن لم يتب ~~فأولئك هم الظالمون } وقال ههنا: { إن الله ~~تواب رحيم } لكن لما كان الابتداء في الآية الأولى بالنهي في ~~قوله: { لا يسخر قوم من قوم } ذكر النفي الذي هو قريب من ~~النهي وفي الثانية كان الابتداء بالأمر في قوله: " اجتنبوا كثيرا ~~" فذكر الإثبات الذي هو قريب من الأمر. ### || [49.13] # قوله (تعالى): { يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر ~~وأنثى... } الآية هذه الآية مبينة ومقررة لما تقدم لأن السخرية من ~~الغير والعيب إن كان بسبب التفاوت في الدين والإيمان فهو جائز، وكذلك ~~لمزه وغيبته وإن لم يكن بسبب الدين والإيمان فلا يجوز، لأن ~~الناس بعمومهم كافرهم ومؤمنهم يشتركون فيما يفتخر به ~~المفتخر، لأن التكبر والافتخار إن كان بسبب الغنى فالكافر قد يكون غنيا ~~المؤمن فقيرا ms7976 وبالعكس، وإن كان بسبب النسب فالكافشر قد يكون نسيبا ~~والمؤمن مولى لعبد أسود وبالعكس فالناس فيما ليس من الدين والتقوى ~~متساوون أو متقاربون ولا يؤثر شيء من ذلك مع عدم التقوى كما قال تعالى: { ~~إن أكرمكم عند الله أتقاكم } فقوله تعالى: { ~~يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى } يعنى ~~كآدم أي أنكم متساوون في النسب فلا تفاخر لبعض على بعض لكونهم أبناء رجل ~~واحد وامرأة واحدة. # فصل # قال ابن عباس (رضي الله عنهما) نزلت في ثابت بن قيس وقوله ~~للرجل الذي لم يتفسح له: ابن فلانة فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~من الذاكر فلانة؟ قال ثابت: أنا يا رسول الله فقال: انظر في وجوه القوم ~~فنظر، فقال: ما رأيت يا ثابت؟ قال: رأيت أبيض وأحمر وأسود، قال: ~~فإنك لا تفضلهم إلا في الدين والتقوى، فنزلت هذه الآية ونزل في ~~الذي لم يتفسح: # يأيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في ~~المجالس فافسحوا # [المجادلة:11]. # وقال مقاتل: لما كان فتح مكة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بلالا حتى علا ظهر الكعبة فأذن فقال عتاب بن أسيد بن أبي ~~العيص: الحمد لله الذي قبض أبي حتى لم ير هذا اليوم. وقال الحارث بن ~~هشام: أما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذنا؟ وقال ~~سهيل بن عمرو: إن يرد الله شيئا يغيره. وقال أبو سفيان: إني ~~لا أقول شيئا أخاف أن يخبر به رب السموات فأتى جبريل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأخبره بما قالوا: فدعاهم عما قالوا فأقروا فأنزل الله ~~ عز وجل هذه الآية وزجرهم عن التفاخر بالأنساب و التكاثر ~~بالأموال، والإزراء بالفقراء. # فإن قيل: هذه الآية تدل على عدم اعتبار النسب وليس كذلك فإن للنسب ~~اعتبارا عرفا وشرعا حق لا يجوز تزويج الشريفة بالنبطي!. # فالجواب: إذا جاء الأمر العظيم لا يبقى الأمر الحقير معتبرا، وذلك في ~~الجنس والشرع والعرف أما الجنس فلأن الكواكب لا ترى عند طلوع الشمس، ~~ولجناح الذباب دوي ولا يسمع عندما يكون رعد قوي. وأما ms7977 العرف فلأن من ~~جاءه غلام ملك أقبل عليه وأكرمه فإذا جاءه مع الملك لا يبقى له اعتبار ~~ولا يلتفت إليه. # وإذا علم هذه ففي الشرع كذلك إذا جاء الشرف الديني الإلهي لا يبقى هناك ~~اعتبار لا لنسب ولا لسبب، ألا ترى أن الكافر وإن كان من أعلى الناس ~~نسبا، والمؤمن وإن كان من أدونهم نسبا لا يقاس أحدهما بالآخر ~~وكذلك ما هو من الدين مع غيره، ولهذا تصلح المناصب الدينية كالقضاء ~~والشهادة لكل شريف ووضيع إذا كان دينا عالما، ولا يصلح لشيء منها فاسق ~~وإن كان قرشي النسب وقاروني النشب ولكن إذا اجتمع في ~~اثنين الدين المتين وأحدهما نسيب يرجح بالنسب عند الناس لا عند الله، ~~لقوله تعالى # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى # [النجم:39] وشرف النسب ليس مكتسبا و لايحصل بسعي. # فصل # الحكمة في اختيار النسب من جملة أسباب التفاخر، ولم يذكر المال، لأن ~~الأمور التي يفتخر بها في الدنيا وإن كانت كثيرة، لكن النسب أعلاها، لأن ~~المال قد يحصل للفقير فيبطل افتخار المفتخر به عليه والسن والحسن وغير ~~ذلك لا يدوم، والنسب ثابت مستمر غير مقدور التحصيل لمن ليس له ذلك ~~فاختاره الله للذكر وأبطل اعتباره بالنسبة إلى التقوى ليعلم منه بطلان ~~غيره بطريق الأولى. # فإن قيل: إذا كان ورود الآية لبيان عدم جواز الافتخار بغير التقوى فما ~~فائدة قوله تعالى: { إنا خلقناكم }؟. # فالجواب: بأن كل شيء يترجح علىغيره، فإما أن يرجح بأمر فيه يلحقه ويرتب ~~عليه بعد وجوده وإما أن يرجح عليه بأمر قبله، فالذي بعده كالحسن ~~والقوة وغيرهما من الأوصاف المطلوبة من ذلك الشيء وأما الذي قبله فإنما ~~راجع إلى أصله الذي وجد منه أو إلى الفاعل الذي أوجده فالأول كقولك: ~~هذا من النحاس، وهذا من فضة والثاني: كقولك: هذا عمل ~~فلان، وهذا عمل فلان، فقال تعالى: لا ترجيح بما خلقتم منه، لأنكم ~~كلكم من ذكر وأنثى، ولا تحصل لكم بعد وجودكم وأشرفها التقوى. # قوله: { جعلناكم شعوبا وقبآئل } الشعوب جمع شعب فتح ~~الشين، وهو أعلى طبقات ms7978 الأنساب مثل ربيعة، ومضر، والأوس، ~~والخزرج، وذلك أن طبقات النسب التي عليها العرب ست: الشعب، ~~والقبيلة، والعمارة، والبطن، والفخذ، والفصيلة، وكل واحد يدخل ~~فيما قبله فالفصيلة تدخل في الفخذ والفخذ في البطن وزاد بعض الناس بعد ~~الفخذ العشيرة فجعلها داخلة فيها، فتكون الفصائل داخلة في العشيرة ~~وتدخل العشيرة في الأفخاذ وتدخل الأفخاذ في البطون والبطون في ~~العمائر والعمائر في القبيلة والقبيلة في الشعب، وذكر الأعم لأنه ~~أذهب بالافتخار وسمي الشعب شعبا لتشعب القبائل منه، واجتماعهم ~~فيه كشعب أغصان الشجرة. والشعب من الأضداد، يقال: شعب أي جمع، ~~ومنه تشعيب القدح وشعب أي فرق، والقبائل هي دون الشعوب واحدتها ~~قبيلة وهي كبكر من ربيعة، وتميم من مضر سميت بذلك لتقابلها، ~~شبهت بقبائل الرأس، وهي قطع متقابلة، وقيل: الشعب النسب الأبعد والقبيلة ~~الأقرب وأنشد: # 4503 قبائل من شعوب ليس فيهم # كريم قد يعد ولا نجيب # والنسبة إلى الشعب شعوبية بفتح الشين وهم جيل يبغضون العرب ~~ودون القبائل العمائر واحدتها عمارة فتح العين وهم كشيبان من ~~بكر ودارم من تميم، ودون العمائر البطون واحدتها بطن وهم ~~كبني هاشم وأمية من بني لؤي. ثم الفصائل والعشائر واحدتها فصيلة ~~وعشيرة. # وقال أبو روق: الشعوب الذين لا يعتزون إلى أحد بل ينتسبون إلى ~~المدائن والقرى والقبائل العرب الذين ينتسبون إلى آبائهم. # قوله: " لتعارفوا " العامة على تخفيف التاء، والأصل: لتتعارفوا ~~فحذف إحدى التاءين. والبزي بتشديدها وقد تقدم ذلك في البقرة، واللام ~~متعلقة " بجعلناكم ". وقرأ الأعمش بتاءين وهو الأصل الذي أدغمه ~~البزي، وحذفه الجمهور، وابن عباس لتعرفوا مضارع عرف. # فصل # المعنى ليعرف بعضكم بعضا في قرب النسب وبعده لا لتفاخروا. ~~وقال في أول الآية: خلقناكم وقال ههنا: وجعلناكم شعوبا، لأن ~~الخلق أصل تفرع عليه الجعل والإيجاد لأجل العبادة، كما قال تعالى: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات:56]، والجعل شعوبا للتعارف، والأصل متقدم على الفرع ~~فتعتبر العبادة قبل اعتبار النسب، لأن اعتبار الجعل شعوبا إنما يتحقق ~~بعد تحقق الخلق، وفي هذا إشارة إلى أنه إن كان فيكم عبادة ~~فتعتبر، ms7979 وإلا فلا اعتبار لأنسابكم. # فإن قيل: الهداية والضلال كذلك كقوله تعالى: # إنا هديناه السبيل # [الإنسان:3] # يضل من يشآء ويهدي من يشآء # [النحل:93]. # فالجواب: أن الله تعالى أثبت لنا فيه كسبا مبنيا على فعل لقوله ~~تعالى: # فمن شآء اتخذ إلى ربه سبيلا # [الإنسان:29] ثم قال: # وما تشآءون إلا أن يشآء الله # [الإنسان:30] وأما في النسب فلا. # قوله: { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } أخبر تعالى أن ~~أرفعهم منزلة عند الله أتقاهم. وقال قتادة في هذه الآية: أكرم ~~الكرم التقوى وألأم اللؤم الفجور. وقال عليه الصلاة والسلام : # " الحسب المال والكرم التقوى " # وقال ابن عباس (رضي الله عنهما) : كرم الدنيا الغنى وكرم الآخرة ~~التقوى. وعن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: سئل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : # " أي الناس أكرم؟ قال: أكرمهم عند الله أتقاهم، قالوا: ~~ليس عن هذا نسألك قال: فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن ~~نبي الله ابن خليل الله قالوا: ليس عن هذا نسألك ~~قال: فعن معادن العرب تسألوني؟ قالوا: نعم قال: ~~خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا " # وقال عليه الصلاة والسلام : # " إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى ~~قلوبكم ". # فصل # قرأ العامة: إن أكرمكم بكسر " إن " وابن عباس بفتحها، فإن جعلت ~~اللام لام الأمر وفيه بعد صح أن يكون قوله: " أن ~~أكرمكم " بالفتح مفعول العرفان فإن أمرهم أن يعرفوا وإن جعلتها ~~للعلة لم يظهر أن يكون مفعولا، لأنه لم يجعلهم شعوبا وقبائل ليعرفوا ~~ذلك، فينبغي أن يكون المفعول محذوفا واللام للعلة أي لتعرفوا ~~الحق لأن أكرمكم. # فصل # قال ابن الخطيب: في المراد بالآية وجهان: # الأول: أن التقوى تفيد الإكرام. # والثاني: أن الإكرام يورث التقوى، كما يقال: المخلصون على خطر. والأول ~~أشهر، والثاني أظهر. # فإن قيل: التقوى من الأعمال والعلم أشرف لقوله عليه الصلاة والسلام : # " لفقيه أشد على الشيطان من ألف عابد ". # فالجواب: أن التقوى ثمرة العلم لقوله تعالى: # إنما يخشى الله من عباده العلماء # [فاطر:28] فلا تقوى إلا العالم فالمتقي العالم أتم علمه والعالم الذي ms7980 لا ~~يتقي كشجرة لا ثمر لها لكن الشجرة المثمرة أشرف من الشجرة التي ~~لا تثمر بل هي حطب وكذلك العالم الذي لا يتقي حصب جهنم، وأما ~~العابد الذي يفضل عليه الفقيه فهو الذي لا علم له وحينئذ لا يكون عنده من ~~خشية الله نصاب كامل، ولعلمه يعبده مخافة الإلقاء في النار فهو ~~كالمكره، أو لدخول الجنة، فهو يعمل كالفاعل له أجره ويرجع إلى نيته، ~~والمتقي هو العالم بالله المواظب لبابه. # فإن قيل: خطاب الناس بقوله: " أكرمكم " يقتضي اشتراك الكل في ~~الإكرام ولا كرامة للكافر فإنه أضل من الأنعام. # فالجواب: ذلك غير لازم أنه بدليل قوله تعالى: # ولقد كرمنا بني آدم # [الإسراء:70] لأن كل من خلق فقد اعترف بربه، ثم من استمر عليه وزاد ~~زيد في كرامته، ومن رجع عنه أزيل عن الكرامة. # ثم قال تعالى: { إن الله عليم خبير } أي عليم بظواهركم يعلم ~~أنسابكم خبير ببواطنكم لا يخفى عليه أسراركم فاجعلوا التقوى زادكم. ### || [49.14] # قوله تعالى: { قالت الأعراب آمنا } الآية. لما قال تعالى: # إن أكرمكم عند الله أتقاكم # [الحجرات:13] والاتقاء لا يكون إلا بعد حصول التقوى وأصله الإيمان ~~والاتقاء من الشرك قالت الأعراب يكون لنا النسب الشريف يكون لنا ~~الشرف قال الله تعالى: ليس الإيمان بالقول إنما بالقلب، فما آمنتم فإن ~~الله خبير بعلم ما في " الصدور " ولكن قولوا أسلمنا أي أنقدنا ~~وأسلمنا. قيل: نزلت في نفر من بني أسد بن خزيمة، قدموا على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في سنة مجدبة، فأظهروا الإسلام ولم ~~يكونوا مؤمنين في السر طالبين الصدقة فأفسدوا طرق المدينة بالقاذورات ~~وكانوا يغتدون ويرحون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون: ~~أتتك العرب بأنفسها على ظهور رواحلها، وجئناك بالأثقال والعيال ~~والذراري ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان يمنون على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ويريدون الصدقة، ويقولون أعطنا، فانزل ~~الله تعالى فيهم هذه الآية. وقال السدي: نزلت في الأعراب الذين ذكرهم ~~الله تعالى في سورة الفتح وهم جهينة ومزينة وأسلم، ~~وأشجع وغفار وكانوا ms7981 يقولون: آمنا ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم ~~فلما استنفروا إلى الحديبية تخلفوا فأنزل الله تعالى: { قالت ~~الأعراب آمنا } صدقنا { قل لم تؤمنوا ولكن ~~قولوا أسلمنا } أنقذنا واستسلمنا مخالفة القتل ~~والسبي. # قال ابن الخطيب: وقد بينا أن ذلك كالتاريخ للنزول لا للاختصاص بهم، فكل ~~من أظهر فعل التقوى أراد أن يصير له ما للمتقي من الإكرام ولا يحصل له ~~ذلك لأن التقوى من عمل القلب. # قوله: " ولما يدخل " هذه الجملة مستأنفة، أخبر تعالى بذلك. ~~وجعلها الزمخشري حالا مستقرة في: " قولوا " وقد تقدم الكلام في " لما ~~" وما تدل عليه، والفرق بينها وبين " لم " في البقرة عند قوله تعالى: # ولما يأتكم # [البقرة:214]. # وقال الزمخشري: فإن قلت: هو بعد قوله: " لم تؤمنوا " يشبه التكرير ~~من غير استقلال بفائدة متجددة!. # قلت: ليس كذلك، فإن فائدة قوله: لم تؤمنوا هو تكذيب دعواهم. وقوله: ~~" ولما يدخل " توقيت لما أمروا به أن يقولوه. ثم قال: " ولما في ~~" لما " من معنى التوقيع دليل على أن هؤلاء قد آمنوا فيما بعده " ، قال ~~أبو حيان: فلا أدري من أي وجه يكون النفي بلما يقع بعد؟!. قال شهاب ~~الدين: لأنها لنفي قد فعل، وقد للتوقع. # فصل # قال ابن الخطيب: لم ولما حرفا نفي، وما، وإن ولا كذلك من ~~حروف النفي ولم ولما يجزمان وغيرهما من حروف النفي لا يجزم فما ~~الفرق بينهما؟. # فالجواب: أن لم ولما يفعلان بالفعل ما لا يفعل به غيرهما، فإنهما ~~يصرفان معناه من الاستقبال إلى النفي تقول: لم يؤمن أمس، ~~وآمن اليوم، ولا تقول: لا يؤمن أمس، فلما فعلا بالفعل ما لم ~~يفعل به غيرهما جزم بهما. # فإن قيل مع هذا: لم جزم بهما؟ غاية ما في الباب أن الفرق حصل ولكن ما ~~الدليل على وجوب الجزم بهما؟ نقول: لأن الجزم والقطع يحصل في ~~الأفعال الماضية؛ لأن من قال فقد حصل القطع بقيامه ولا يجوز أن يكون ما ~~قام، والأفعال المستقبلة إما متوقعة الحصول وإما ممكنة من غير توقع، ~~فلا يمكن الجزم والقطع فيه، فإذا كان " لما ولم " يقلبان ms7982 ~~اللفظ من الاستقبال إلى المضي أفاد الجزم والقطع في المعنى فجعل ~~له مناسبا والقطع في المعنى فجعل له مناسبا لمعناه وهو الجزم لفظا، ~~وعلى هذا نقول: إذا كان السبب في الجزم ما ذكرنا فلهذا قيل: الأمر يجزم، ~~لأن الآمر كأنه جزم على المأمور أن يفعله ولا يتركه، فأتى بلفظ مجزوم ~~تنبيها على أن الفعل لا بد من إيقاعه و " إن " في الشرط ك " لم " ~~لأن " إن " تغير معنى الفعل من المضي إلى الاستقبال كما أن " لم " ~~تغيره من الاستقبال إلى المضي تقول: إن أكرمتني أكرمك، ~~فلما كان " إن " مثل " لم " في كونه حرفا، وفي لزوم الدخول على ~~الأفعال وتغييرها صار جازما للشبه اللفظي وأما الجزاء فجزم لما ~~ذكرنا من المعنى، فإن الجزاء يجزم لوقوعه عند وجود الشرط فجزمه ~~إذن إما للمعنى، أو للشبه اللفظي. # فصل # أخبر الله تعالى أن حقيقة الإيمان هو التصديق بالقلب، وأن الإقرار ~~باللسان وإظهار شرائعه بالإيمان لا يكون إيمانا دون التصديق بالقلب ~~والإخلاص والإسلام هو الدخول في السلم، وهو الانقياد والطاعة يقال: ~~أسلم الرجل إذا دخل في الإسلام والسلم، كما يقال أشتى إذا ~~دخل في الشتاء، وأصاف إذا دخل في الصيف، وأربع إذا ~~دخل في الربيع، فمن الإسلام ما هو طاعة على الحقيقة باللسان والأبدان ~~والجنان كقوله عز وجل لإبراهيم: # أسلم قال أسلمت لرب العالمين # [البقرة:131] ومنها: ما هو انقياد باللسان دون القلب وذلك قوله: { ~~ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في ~~قلوبكم }. # قال ابن الخطيب: المؤمن والمسلم واحد عند أهل السنة فيكون الفرق بين ~~العام والخاص أن الإيمان لا يحصل إلا بالقلب والانقياد قد يحصل بالقلب ~~وقد يحصل باللسان والإسلام أعم لكن العام في صورة الخاص متحد مع الخاص ~~ولا يكون أمرا آخر غيره. مثاله: الحيوان أعم من الإنسان، لكن ~~الحيوان في صورة الإنسان (ليس) أمرا ينفك عن الإنسان ويجوز أن يكون ~~ذلك الحيوان حيوانا ولا يكون إنسانا، فالعام والخاص مختلفان في العموم ~~متحدان في الوجود وكذلك المؤمن والمسلم. # وسيأتي بقية الكلام عن ذلك في ms7983 الذاريات عند قوله: # فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا ~~فيها غير بيت من المسلمين # [الذاريات:35و36] إن شاء الله تعالى. # قال ابن الخطيب: وفي الآية إشارة إلى بيان حال المؤلفة إذا أسلموا ~~ويكون إيمانهم ((بعد) ضعيفا) قال لهم: لم تؤمنوا لأن الإيمان أيقان ~~وذلك بعد لم يدخل في قلوبكم وسيدخل باطلاعكم على محاسن الإسلام. # قوله: { وإن تطيعوا الله ورسوله } أي ظاهرا وباطنا سرا ~~وعلانية. قال ابن عباس: تخلصوا الإيمان. # قوله: " لا يلتكم " قرأ أبو عمرو: " لا يألتكم " بالهمز من ألته ~~يألته بالفتح في الماض والكسر والضم في المضارع لقوله: # ومآ ألتناهم من عملهم من شيء # [الطور:21] والسوسي يبدل الهمزة ألفا على أصله. # والباقون: " يلتكم " من لاته يليته كباعه يبيعه. وهما ~~لغتان معناهما لا ينقصكم، فالأولى لغة غطفان وأسد والثانية لغة ~~الحجاز، يقال: ألت يألت ألتا، ولات يليت ليتا، وقيل: هي ~~من ولته يلته كوعده يعده، فالمحذوف على القول الأولى ~~عين الكلمة ووزنها: يفلكم وعلى الثاني فاؤها، ووزنها يعلكم ~~ويقال أيضا ألاته ليته كأباعه يبيعه وآلته يؤلته ~~كآمن يؤمن. وكلها لغات في معنى نقصه حقه، قال الحطيئة: # 4504 أبلغ سراة بني سعد مغلغلة # جهد الرسالة لا ألتا ولا كذبا # وقال رؤبة: # 4505 وليلة ذات ندى سريت # ولم يلتني عن سراها ليت # أي لم يمنعني ويحبسني. # فصل # قال ابن الخطيب: معنى قوله: ( " لا يلتكم " ) لا ينقصكم، ~~المراد منه أنكم إذا أتيتم بما يليق يضعفكم من الحسنة فهو يؤتيكم به ~~من الجزاء؛ لأن من حمل إلى ملك فاكهة طيبة يكون ثمنها في السوق درهما ~~فأعطاه الملك درهما انتسب الملك إلى البخل، وإنما معناه ألا يعطي ~~مثل ذلك من غير نقص أي يعطي ما تتوقعون بأعمالكم من غير نقص. # ثم قال: { إن الله غفور رحيم } أي يغفر لكم ما قد سلف ~~ويرحمكم بما أتيتم به. ### || [49.15-18] # قوله تعالى: { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ~~ورسوله } هذاإرشاد للذين قالوا آمنا؛ بين لهم حقيقة الإيمان فقال: ~~إن كنتم تريدون الإيمان فالمؤمن من آمن بالله ورسوله { ثم ms7984 لم ~~يرتابوا } أي لم يشكوا في دينهم وأيقنوا بأن الإيمان إيقان. و " ~~ثم " للتراخي في الحكاية كأنه يقول: آمنوا ثم أقول شيئا آخر لم ~~يرتابوا. # ويحتمل أن تكون للتراخي في الفعل، أي آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ~~فيما قال النبي صلى الله عليه وسلم من الحشر والنشر { ~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله } أي ~~أيقنوا أن بعده هذه الدار دار أخرى فجاهدوا طالبين العقبى { ~~أولئك هم الصادقون } في إيمانهم. # فإن قيل: كيف يجوز أن يكذبوا في الإسلام، والإسلام هو الانقياد وقد وجد ~~منهم قولا وفعلا، وإن لم يوجد اعتقادا أو علما، وذلك القدر كاف في ~~صدقهم في قولهم: إنا أسلمنا؟!. # فالجواب: إن التكذيب يقع على وجهين: # أحدهما: إن لا يوجد نفس المخبر عنه. # والثاني: إن لا يوجد كما أخبر في نفسك، فقد يقول له: ما جئتنا بل جئت ~~للحاجة، فالله تعالى كذبهم في قولهم: آمنا على الوجه الأول أي ما ~~آمنتم أصلا، ولم يصدقهم في الإسلام على الوجه الثاني فإنهم انقادوا ~~للحاجة وأخذ الصدقة. # فصل # لما نزلت هاتان الآيتان أتت الأعراب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يحلفون بالله أنهم مؤمنون صادقون وعرف الله غير ذلك منهم فنزل الله: ~~{ قل أتعلمون الله بدينكم } ، والتعليم ههنا بمعنى ~~الإعلام فلذلك قال: بدينكم، أدخل الباء فيه؛ لأنه منقول بالتضعيف من ~~علمت به بمعنى شعرت به فلذلك تعدت لواحد بنفسها، ولآخر بالباء. # والمعنى لا تعرفوا الله بدينكم فإنه عالم به لا يخفى عليه شيء، لأنه ~~يعلم ما في السموات وما في الأرض، { والله بكل شيء عليم } ~~لا يحتاج إلى إخباركم. # قوله (تعالى): { يمنون عليك أن أسلموا } يجوز في قوله: ~~أن أسلموا وجهان: # أحدهما: أنه مفعول به لأنه ضمن يمنون معنى يعيدون كأنه قيل: يعيدون ~~عليك إسلامهم مانين به عليك ولهذا صرح بالمفعول به في قوله: { قل لا ~~تمنوا علي إسلامكم } أي لا تعيدوا علي إسلامكم. كذا ~~استدل أبو حيان. # وفيه نظر، إذ لقائل أن يقول: لا نسلم انتصاب " إسلامكم " على ~~المفعول به، بل ms7985 يجوز فيه المفعول من أجله كما يجوز في محل " أن ~~أسلموا " وهو الوجه الثاني فيه أي يمنون عليك لأجل أن أسلموا ~~فكذلك في قوله: { لا تمنوا علي إسلامكم } ، وشروط النصب ~~موجودة والمفعول له متى كان مضافا استوى جره بالحرف ونصبه. # قوله: { بل الله يمن عليكم } يعني لا منة لكم ~~علينا أصلا، بل المنة عليكم حيث بينت لكم الطرق المستقيم. # قوله: { أن هداكم للإيمان } أعرابه كقوله: " أن أسلموا ". ~~وقرأ زيد بن علي: إذ هداكم بإذ مكان " أن " وهي في مصحف عبد ~~الله كذلك. وهي تفيد التعليل، وجواب الشرط مقدر أي فهو المان عليكم ~~لا أنتم عليه وعلي. # فإن قيل: كيف من عليهم بالهداية إلى الإيمان مع أنه تبين أنهم لم ~~يؤمنوا؟. # فالجواب من ثلاث أوجه: # أحدها: أنه تعالى لم يقل: بل الله يمن عليكم أن رزقكم الإيمان بل قال: ~~أن هداكم للإيمان. # وثانيها: أن إرسال الرسول بالآيات البينات هداية. # ثالثها: أنه تعالى يمن عليهم بما زعموا فكأنه قال: أنتم قلتم آمنا ~~فذلك نعمة في حقكم حيث تخلصتم من النار فقال: هداكم في زعمكم، ولهذا قال ~~تعالى: { إن كنتم صادقين }. # ثم قال تعالى: { إن الله يعلم... } الآية؛ وهذا تقرير لأول ~~السورة حيث قال: " إن الله سميع عليم " ، فأخبر ههنا عن علمه ~~وبصره. # قوله تعالى: { إن الله يعلم غيب السماوات والأرض ~~والله بصير بما تعملون } قرأ ابن كثير بالغيبة، نظرا ~~لقوله: يمنون وما بعده، والباقون بالخطاب، نظرا إلى قوله: لا ~~تمنوا علي إسلامكم إلى آخره، وفي هذه الآية إشارة أنه ~~يبصر أعمال جوارحكم الظاهرة والباطنة، لا يخفى عليه شيء. # قال عليه الصلاة والسلام : # " من قرأ سورة الحجرات أعطي من الأجر عشر ~~حسنات بعدد من أطاع الله وعصاه " # (انتهى). ### | [50 - سورة ق] ### || [50.1-5] # قوله تعالى: { ق } قال ابن عباس - (رضي الله عنهما) - هو قسم. وقيل: ~~اسم السورة. وقيل اسم من أسماء القرآن. وقال القرطبي: هو مفتاح اسمه ~~قدير، وقادر، وقاهر وقريب وقابض. وقال عكرمة والضحاك: هو جبل محيط بالأرض ~~من زمردة خضراء ومنه: خضرة ms7986 السماء. والسماء مقبية ~~عليه، وعليه كتفاها ويقال: هو وراء الحجاب الذي تغيب الشمس من ورائه ~~بمسيرة سنة. وقيل: معناه قضي الأمر وقضي ما هو كائن، كما قالوا في حم ~~(حم الأمر)، وفي ص: صدق الله، وقيل هو اسم فاعل من قفا يقفوه. # فصل # قال ابن الخطيب، لما حكى القول بأن " ق " اسم جبل محيط بالأرض عليه ~~أطواق السماء قال: وهذا ضعيف لوجوه: # أحدها: أن أكثر القراء يقف عليها، ولو كان اسم جبل لما جاز الوقف في ~~الإدراج لأن من قال ذلك قال بأن الله تعالى أقسم به. # وثانيها: لو كان كذلك لذكر بحرف القسم كقوله تعالى: # والطور # [الطور: 1]، ونحوه؛ لأن حرف القسم يحذف حيث يكون المقسم به مستحقا لأن ~~يقسم به، كقولنا: " الله لأفعلن كذا " فاستحقاقه له يغني ~~عن الدلالة عليه باللفظ ولا يحسن أن يقال: زيد لأفعلن كذا. # ثالثها: أنه لو كان كما ذكر لكان يكتب قاف مع الألف والفاء كما يكتب: # عين جارية # [الغاشية: 12]، ويكتب # أليس الله بكاف عبده # [الزمر: 36] وفي جميع المصاحف يكتب حرف " ق ". # رابعها: أن الظاهر كون الأمر فيه كالأمر في " ص " و " ن " و " حم " وهي ~~حروف لا كلمات فكذلك في " ق ". # فإن قيل: هو منقول عن ابن عباس - (رضي الله عنهما) -. # نقول: المنقول عنه: أن قاف اسم جبل، وأما أن المراد ههنا ذلك فلا. # فصل # قال ابن الخطيب: هذه السورة وسورة ص يشتركان في افتتاح أولهما بالحرف ~~المعجم والقسم بالقرآن بعده وقوله بعد القسم: بل والتعجب. ويشتركان أيضا ~~في أن أول السورتين وآخرهما متناسبات لأنه تعالى قال في أول السورة: # ص والقرآن ذي الذكر # [ص: 1] وفي آخرها: # إن هو إلا ذكر للعالمين # [ص: 87] وقال في أول ق: " والقرآن المجيد " ، وقال في آخرها: # فذكر بالقرآن من يخاف وعيد # [ق: 45]، فافتتح بما اختتم به. وأيضا في أول ص صرف العناية إلى تقرير ~~الأصل الأول وهو التوحيد لقوله تعالى: # أجعل الآلهة إلها واحدا # [ص: 5] وفي هذه السورة صرف العناية إلى تقرير الأصل الآخر وهو الحشر ~~فقال ms7987 تعالى: { أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد ~~} ، فلما كان افتتاح سورة " ص " في تقرير المبدأ قال في آخرها: # إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين # [ص: 71]. وختمه بحكاية بدء آدم، لأنه دليل الوحدانية، ولما كان ~~افتتاح " ق " لبيان الحشر قال في آخرها: # ذلك حشر علينا يسير # [ق: 44]. # فصل # قال ابن الخطيب: قد ذكرنا أن الحروف تنبيهات قدمت على القرآن ليكون ~~السامع بسببها يقبل على استماع ما يرد على الأسماع، فلا يفوته شيء من ~~الكلام الرائق والمعنى الفائق، وذكر أيضا أن العبادة منها قلبية ومنها ~~لسانية، ومنها خارجية ظاهرة ووجد في الخارجية ما عقل معناه ووجد فيها ما ~~لم يعقل معناه كأعمال الحج من الرمي والسعي وغيرهما، ووجد في القلبية ~~ما عقل بالدليل وعلم كالتوحيد وإمكان الحشر، وصفات الله تعالى، وصدق ~~الرسل، ووجد فيها ما لم يعقل ولا يمكن التصديق به لولا السمع ~~كالصراط الممدود الأحد حدا من السيف، الأرق من الشعر، والميزان ~~الذي توزن به الأعمال، فكذلك ينبغي أن يكون الأذكار التي هي العبادة ~~اللسانية فيها ما يعقل معناه، كجميع القرآن إلا قليلا منه، وفيها ما ~~لا يعقل ولا يفهم كحروف التهجي ليكون التلفظ به لمحض الانقياد والأمر، لا ~~لما يكون في الكلام من طيب الحكاية والقصد إلى غرض كقولنا: " ربنا ~~اغفر لنا وارحمنا " بل يكون النطق به تعبدا محضا. ويؤيد هذا وجه آخر، ~~وهو أن هذه الحروف مقسم بها لأن الله تعالى لما أقسم بالتين ~~والزيتون تشريفا لهما، فإذا أقسم بالحروف التي هي أصل الكلام الشريف ~~الذي هو دليل المعرفة وآلة التعريف كان أولى. # وإذا عرف هذا نقول: القسم من الله تعالى وقع بأمر واحد كما في قوله ~~تعالى: # والعصر # [العصر: 1] وقوله: # والنجم # [النجم: 1] وبحرف واحد كما في # ص # [ص: 1] و { ق } [ق: 1] ووقع بأمرين كما في قوله تعالى: # والضحى والليل # [الضحى: 1 و 2] وفي قوله: # والسمآء والطارق # [الطارق: 1] وبحرفين كما في قوله: # طه # [طه: 1] و # طس # [النمل: 1] و # حم # [غافر: 1]، ووقع بثلاثة أمور كما في ms7988 قوله تعالى: # والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا # [الصافات: 1 - 3]. وقوله: # والسمآء ذات البروج واليوم الموعود وشاهد ~~ومشهود # [البروج: 1 - 3] وبثلاثة أحرف كما في قوله: # الم # [البقرة: 1]، و # طسم # [الشعراء والقصص: 1] و # الر # [هود: 11] ووقع بأربعة أمور، كما في قوله تعالى: # والذاريات ذروا فالحاملات وقرا فالجاريات ~~يسرا فالمقسمات أمرا # [الذاريات: 1 - 4] وفي قوله: # والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد ~~الأمين # [التين: 1 - 3]، وبأربعة أحرف كما في قوله: # المص # [الأعراف: 1] و # المر # [الرعد: 1] ووقع بخمسة أمور كما في قوله تعالى: # والطور وكتاب مسطور في رق منشور والبيت ~~المعمور والسقف المرفوع والبحر المسجور # [الطور: 1 - 6] وفي قوله: # والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا والناشرات ~~نشرا فالفارقات فرقا فالملقيات ذكرا # [المرسلات: 1 - 5] وفي النازعات وفي الفجر، وبخمسة أحرف كما في: # كهيعص # [مريم: 1] و # حم عسق # [الشورى: 1 و 2]، ولم يقسم بأكثر من خمسة أشياء إلا في سورة واحدة وهي ~~الشمس: # والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها والنهار إذا ~~جلاها والليل إذا يغشاها والسمآء وما بناها ~~والأرض وما طحاها # [الشمس: 1 - 6]. ولما أقسم بالأشياء المعهودة ذكر حرف القسم وهو الواو ~~فقال: " والطور " " والنجم " " والشمس " وعند القسم بالحروف ~~لم يذكر حرف القسم فلم يقل: وق وحم؛ لأن القسم لما كان بنفس الحروف كان ~~الحرف مقسما فلم يورده في موضع كونه آلة القسم تسوية بين الحروف ولم ~~يدخل القسم بالحروف في أثناء السورة لأنه يخل بالنظم. # فصل # أقسم الله بالأشياء المركبة العناصر كالتين والطور، ولم يقسم ~~بأصولها وهي الجواهر المفردة كالماء والتراب، وأقسم بالحروف من غير ~~تركيب، لأن الأشياء عند تركيبها تكون على أحسن حالها، وأما الحروف إن ~~ركبت لمعنى يقع الحلف بمعناه لا باللفظ، كقولنا والسماء والأرض وإن ~~ركبت لا لمعنى فكأن المفرد أشرف فأقسم بمفردات الحرف. # فصل # هذه السورة تقرأ في صلاة العيد، لقوله تعالى فيها: # ذلك يوم الخروج # [ق: 42] وقوله: # كذلك الخروج # [ق: 11] وقوله: # ذلك حشر علينا يسير # [ق: 44]، فإن العيد يوم الزينة فينبغي أن لا ينسى الإنسان خروجه إلى ~~عرصات الحساب. ولا يكون في ذلك ms7989 اليوم فرحا فخورا ولا يرتكب ~~فسقا ولا فجورا. والعامة على سكون الفاء من قاف. وقد تقدم. وفتحها ~~عيسى، وكسرها الحسن، وابن أبي إسحاق، وضمها هارون وابن السميقع وقد مضى ~~توجيه ذلك، وهو أن الفتح يحتمل البناء على الفتح للتخفيف، أو يكون ~~منصوبا بفعل مقدر ومنع الصرف أو مجرورا بحرف قسم مقدر وإنما منع ~~الصرف أيضا. والضم على أنه مبتدأ وخبره منع الصرف أيضا. # قال ابن الخطيب: فأما القراءة فيها فإن قلنا: هي مبنية على ما بينا ~~فحقها الوقف؛ إذ لا عامل فيها ويجوز الكسر حذرا من التقاء الساكنين، ~~ويجوز الفتح اختيارا للأخف. # فإن قيل: كيف جاز اختيار الفتح ههنا ولم يجز عند التقاء الساكنين ~~إذا كان أحدهما آخر كلمة والآخر أول كلمة أخرى، كقوله: # لم يكن الذين كفروا # [البينة: 1] # ولا تطرد الذين يدعون # [الأنعام: 52]؟!. # نقول: لأن هناك إنما وجب التحريك لأن الكسرة في الفعل تشبه حركة ~~الإعراب، لأن الفعل إنما كان محلا للرفع والنصب ولا يوجد فيه الجر اختير ~~الكسرة التي لا يخفى على أحد أنها ليست بجر؛ لأن الفعل لا يجوز فيه الجر، ~~ولو فتح لاشتبه بالنصب، وأما في أواخر الأسماء فالاشتباه لازم، لأن الاسم ~~محل يرد عليه الحركات الثلاث فلم يمكن الاحتراز فاختاروا الأخف. # وإن قلنا: إنها حرف مقسم به فحقها الجر، ويجوز النصب على أنه مفعول به ~~ب " أقسم " على وجه الاتصال وتقدير الباء كأن لم يوجد. # وإن قلنا: هي اسم السورة، فإن قلنا: مقسم بها مع ذلك فحقها الفتح لأنها ~~لا تنصرف حينئذ فتفتح في موضع الجر كما تقول: " وإبراهيم وأحمد ~~" ، إذا أقسمت بهما وإن قلنا: (إنه) ليس مقسما بها فإن قلنا: هي اسم ~~السورة فحقها الرفع إذا جعلناها خبرا تقديره: " هذه ق " وإن قلنا: هو ~~من قفا يقفو فحقه التنوين كقولنا: هذا داع وراع. # وإن قلنا: اسم جبل فالجر والتنوين وإن كان قسما. # قوله: " والقرآن المجيد " قسم، وفي جوابه أوجه: # أحدها: أنه قوله: { قد علمنا ما تنقص الأرض }. # الثاني: # ما يبدل القول لدي # [ق: 29]. # الثالث: ms7990 # ما يلفظ من قول # [ق: 18]. # الرابع: # إن في ذلك لذكرى # [ق: 37]. # الخامس: " بل عجبوا ". وهو قول كوفي، قالوا: لأنه بمعنى قد ~~عجبوا. # السادس: أنه محذوف، فقدره الزجاج والأخفش والمبرد: لتبعثن، ~~وغيرهم: لقد جئتهم منذرا. # واعلم أن جوابات القسم سبعة، إن المشددة كقوله: # والعصر إن الإنسان لفى خسر # [العصر: 1 و 2]، و " ما " النافية كقوله: # والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما ~~قلى # [الضحى: 1 - 3] واللام المفتوحة كقوله: # فوربك لنسألنهم # [الحجر: 92] وإن الخفيفة كقوله: # تالله إن كنا لفي ضلال مبين # [الشعراء: 97] ولا النافية كقوله: # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من ~~يموت # [النحل: 38]، و " قد " كقوله: # والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها والنهار إذا ~~جلاها والليل إذا يغشاها والسمآء وما بناها ~~والأرض وما طحاها ونفس وما سواها فألهمها ~~فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها # [الشمس: 1 - 9]، وبل كقوله: { والقرآن المجيد بل ~~عجبوا }. والمجيد: العظيم. وقيل: المجيد: الكثير الكرم. # فإن قلنا: المجيد العظيم، فلأن القرآن عظيم الفائدة ولأنه ذكر الله ~~العظيم، وذكر العظيم عظيم ولأنه لم يقدر عليه أحد من الخلق، وقال تعالى: # ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم # [الحجر: 87]. ولا يبدل ولا يغير ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه، وإن قلنا: المجيد هو الكثير الكرم فالقرآن كريم كل من طلب منه ~~مقصودا وجده، ويغني كل من لاذ به وإغناء المحتاج غاية الكرم. # فإن قيل: القرآن مقسم به فما المقسم عليه؟. # فالجواب: أن المقسم عليه إما أن يفهم بقرينة حالية أو قرينة ~~مقالية، والمقالية إما أن تكون متقدمة على المقسم به أو متأخرة، فإن ~~فهم من قرينة مقالية متقدمة، فلا يتقدم هنا لفظا إلا " ق " فيكون ~~التقدير: هذا ق والقرآن، أو ق أنزلها الله تعالى والقرآن، كقولك: هذا ~~حاتم والله؛ أي هو المشهور بالسخاء، وتقول: الهلال والله أي ~~رأيته والله. وإن فهم من قرينة مقالية متأخرة فذلك أمران: # أحدهما: أن التقدير: والقرآن المجيد إنك المنذر، أو والقرآن المجيد إن ~~الرجع لكائن، لأن كلام الأمرين ورد طاهرا، أما ms7991 الأول فقوله تعالى: # يس والقرآن الحكيم # [يس: 1 - 2] إلى أن قال: # لتنذر قوما # [يس: 6]. # وأما الثاني: فقوله تعالى: # والطور وكتاب مسطور في رق منشور والبيت ~~المعمور والسقف المرفوع والبحر المسجور إن ~~عذاب ربك لواقع # [الطور: 1 - 7]. # قال ابن الخطيب: وهذا الوجه يظهر غاية الظهور على قال من قال: " ق " اسم ~~جبل فإن القسم يكون بالجبل والقرآن، وهناك أقسم بالطور والكتاب المسطور ~~وهو الجبل والقرآن وإن فهم بقرينة حالية فهو كون محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - على الحق فإن الكفار كانوا ينكرون ذلك. # قوله: " بل عجبوا " يقتضي أن يكون هناك أمر مضروب عنه فما ذلك؟ ~~أجاب الواحدي ووافقه الزمخشري أنه تقرير كأنه قال: ما الأمر كما تقولون. ~~قال ابن الخطيب: والتقدير والقرآن المجيد إنك لمنذر، وكأنه قال بعده: ~~إنهم شكوا فيه. ثم أضرب عنه وقال: بل عجبوا أي فلم يكتفوا بالشك ولا ~~بالرد حتى عجبوا بل جزموا بالخلاف حتى جعلوا ذلك من الأمور ~~العجيبة. # فإن قيل: فما الحكمة في هذا الاختصار العظيم في موضع واحد حذف المقسم ~~عليه والمضرب عنه، وأتى بأمر لا يفهم إلا بعد الفكر العظيم ولا يفهم ~~مع الفكر إلا بالتوثيق العزيز؟!. # قال ابن الخطيب: أما حذف المقسم عليه فلأن الترك في بعض المواضع يفهم ~~منه ظهور لا يفهم من الذكر، لأن من ذكر الملك العظيم في مجلس، وأثنى ~~عليه يكون قد عظمه، فإذا قال له غيره: هو لا يذكر في هذا المجلس ~~يكون بالإرشاد إلى ترك الذكر دالا على عظمة فوق ما استفيد بذكره فالله ~~(تعالى) ذكر المقسم عليه لبيان هو أظهر من أن يذكر. وأما حذف المضرب ~~عنه، فلأن المضرب عنه إذا ذكر وأضرب عنه بأمر آخر، وكان بين ~~المذكورين تفاوت ما، فإذا عظم التفاوت لا يحسن ذكرهما مع الإضراب، مثاله ~~يحسن أن يقال: الوزير يعظم، فلا يماثل الملك بعظمه، ولا يحسن أن يقال: ~~البواب يعظم فلا يماثل الملك بعظمه لكون البون بينهما بعيدا، إذ ~~الإضراب للتدريج، فإذا ترك المتكلم المضرب عنه صريحا وأتى بحرف ~~الإضراب ms7992 استفيد منه أمران: # أحدهما: الإشارة إلى أمر آخر قبله مضرب عنه. # والثاني: عظم التفاوت بينهما: وههنا كذلك لأن الشك بعد قيام البرهان ~~بعيد لكن القطع بخلافه في غاية ما يكون من البعد فالعجب منه أبعد. # قوله: " أن جاءهم " فيه سؤال، وهو: أن مع الفعل بتقدير المصدر... ~~تقول: " أمرت بأن أقوم وأمرت بالقيام " ، وإذا كان كذلك فلم ترك ~~الإتيان بما هو في معنى المصدر ما يجب ذكره عند الإتيان بالمصدر حيث جاز ~~(أن تقول): أمرت أن أقوم من غير باء، ولا يجوز أن تقول: أمرت ~~القيام بل لا بد من الباء ولذلك قال: عجبوا أن جاءهم، ولا ~~يجوز أن يقال: عجبوا مجيئه بل لا بد من قولك: عجبوا من ~~مجيئه!. # والجواب: أن قوله: أن جاءهم وإن كان في المعنى قائما مقام ~~المصدر، لكنه في الصورة تقدير، وحروف التقدير كلها حروف جارة، ~~والجار لا يدخل على الفعل فكان الواجب أن لا يدخل فلا أقل من أن ~~يجوز الدخول فجاز أن يقال: عجبوا أن جاءهم، ولا يجوز: عجبوا ~~مجيئهم؛ لعدم جواز إدخال الحرف عليه. # قوله: " منهم " أي يعرفون نسبه وصدقه وأمانته، وهذا يصلح ~~أن يكون مذكورا لتقرير تعجبهم ويصلح أن يكون مذكورا لإبطال ~~تعجبهم، أما وجه تقرير تعجبهم فلأنهم كانوا يقولون: # أبشرا منا واحدا نتبعه # [القمر: 24] و # قالوا مآ أنتم إلا بشر مثلنا # [يس: 15] وذلك إشارة إلى أنه كيف يجوز اختصاصه بهذه المنزلة الرفيعة مع ~~اشتراكنا في الحقيقة واللوازم؟ وأما تقدير الإبطال فلأنه إذا كان واحدا ~~منهم ويرى بين أظهرهم وظهر منه ما عجزوا عنه كلهم ومن بعدهم فكان يجب ~~عليهم أن يقولوا: هذا ليس من عنده ولا من عند أحد من جنسنا فهو من عند ~~الله بخلاف ما لو جاءهم واحد من خلاف جنسهم، وأتى بما يعجزون عنه فإنهم ~~كانوا يقولون: نحن لا نقدر على ذلك، لأن لكل نوع خاصية كما أن النعامة ~~تبلع النار، وابن آدم لا يقدر على ذلك. # قوله: { فقال الكافرون هذا شيء عجيب } قال الزمخشري: ~~هذا تعجب آخر ms7993 من أمر آخر، وهو الحشر الذي أشار إليه بقوله: { أإذا ~~متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد } فتعجبوا من كونه ~~منذرا ومن وقوع الحشر، ويدل عليه قوله في أول " ص ": # وعجبوا أن جآءهم منذر منهم # [ص: 4] وقال: # أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب # [ص: 5] فذكر تعجبهم من أمرين. قال ابن الخطيب: والظاهر أن قولهم هذا ~~إشارة إلى مجيء المنذر لا إلى الحشر، لأن هناك ذكر: إن هذا لشيء ~~عجاب بعد الاستفهام الإنكاري فقال: # أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب # [ص: 5] وقال ههنا: إن { هذا شيء عجيب } ، ولم يكن هناك ما ~~تقع الإشارة إليه إلا مجيء المنذر، ثم قالوا: " أئذا متنا " ، ~~وأيضا أن ههنا وجد بعد الاستبعاد بالاستفهام أمر يؤدي معنى التعجب، ~~وهو قولهم: { ذلك رجع بعيد }؛ فإنه استبعاد وهو كالتعجب فلو ~~كان التعجب أيضا عائدا إليه لكان كالتكرار. # فإن قيل: التكرار الصريح يلزم من قولك: { هذا شيء عجيب } يعود إلى مجيء ~~المنذر فإن تعجبهم منه علم من قوله: { وعجبوا أن جاءهم } فقوله: { هذا ~~شيء عجيب } ليس تكرارا!. # نقول: ذلك ليس بتكرار، بل هو تقرير؛ لأنه لما قال: بل عجبوا بصيغة الفعل ~~وجاز أن يتعجب الإنسان مما لا يكون عجبا كقوله (تعالى): # أتعجبين من أمر الله # [هود: 73] ويقال في العرف: لا وجه لتعجبك مما ليس بعجب، فكأنهم ~~لما عجبوا قيل لهم: لا معنى لتعجبكم، فقالوا: هذا شيء عجيب فكيف ~~لا نعجب منه؟! ويدل على ذلك قوله تعالى هههنا: { فقال الكافرون ~~هذا شيء عجيب } بحرف الفاء وقال في " ص ": { وقال الكافرون هذا ~~ساحر } بحرف الواو فكان نعتا غير مرتب على ما تقدم، وهذا شيء عجيب أمر ~~مرتب على ما تقدم، أي لما عجبوا أنكروا عليهم ذلك فقالوا: هذا شيء عجيب ~~كيف لا نعجب منه؟ ويدل عليه أيضا قوله تعالى: { ذلك رجع بعيد } بلفظ ~~الإشارة إلى البعيد. # قوله: " هذا ساحر " إشارة إلى الحاضر القريب فينبغي أن يكون المشار ~~إليه بذلك غير المشار إليه بهذا، وهذا لا يصح إلا على قولنا. ms7994 # قوله: " أئذا متنا " قرأ العامة بالاستفهام؛ وابن عامر - في ~~رواية - وأبو جعفر والأعمش والأعرج بهمزة واحدة فيحتمل الاستفهام ~~كالجمهور. وإنما حذف الأداة للدلالة، ويحتمل الإخبار بذلك، والناصب للظرف ~~في قراءة الجمهور مقدر أي أنبعث أو أنرجع إذا متنا. وجواب " ~~إذا " على قراءة الخبر محذوف أي رجعنا. وقيل قوله: " ذلك رجع " ~~على حذف الفاء، وهذا رأي بعضهم. والجمهور لا يجوز ذلك إلا في شعر (وقال ~~الزمخشري): ويجوز أن يكون الرجع بمعنى المرجوع وهو الجواب، ويكون من ~~كلام الله تعالى استبعادا لإنكارهم ما أنذروا به من البعث والوقف على " ~~ما " على هذا التفسير حسن. # فإن قيل: فما ناصب الظرف إذا كان الرجع بمعنى المرجوع؟. # فالجواب: ما دل عليه المنذر من المنذر به وهو البعث. # فصل # قال ابن الخطيب: " ذلك " إشارة إلى ما قاله وهو الإنذار، وقوله: هذا شيء ~~عجيب إشارة إلى المجيء فلما اختلفت الصفتان نقول: المجيء والجائي كل واحد ~~حاضرا وأما الإنذار وإن كان حاضرا لكن المنذر به كان جازما على ~~الحاضر، فقالوا فيه ذلك. والرجوع مصدر رجع إذا كان متعديا والرجوع ~~مصدر إذا كان لازما وكذلك الرجعى مصدر عند لزومه. والرجوع أيضا ~~يصح مصدرا للازم فيحتمل أن يكون المراد بقوله: { ذلك رجع ~~بعيد } أي رجوع بعيد، ويحتمل أن يكون المراد: الرجعى المتعدي، ~~ويدل على الأول قوله تعالى: # إن إلى ربك الرجعى # [العلق: 8] وعلى الثاني قوله تعالى: # أإنا لمردودون في الحافرة # [النازعات: 10] أي مرجوعون؛ فإنه من الرجوع المتعدي. # فإن قلنا: هو من المتعدي فقد أنكروا كونه مقدورا في نفسه. # فصل # قال المفسرون: تقديره: أئذا متنا وكنا ترابا نبعث، ترك ~~ذكر البعث لدلالة الكلام عليه: " ذلك رجع " أي رد إلى الحياة " ~~بعيد " غير كائن أي يبعد أن نبعث بعد الموت. # قوله تعالى: { قد علمنا ما تنقص الأرض منهم } أي تأكل ~~من لحومهم ودمائهم وعظامهم، لا يعزب عن علمه شيء. وقال السدي: هو ~~الموت يقول: قد علمنا من يموت منهم، ومن يبقى. # وهذه الآية تدل على جواز البعث وقدرته تعالى عليه، لأن الله ms7995 سبحانه ~~وتعالى عالم بأجزاء كل واحد من الموتى لا يشتبه عليه جزء واحد بجزء ~~الآخر، وقادر على الجمع والتأليف فليس الرجع منه ببعيد، وهذا كقوله ~~تعالى: # وهو الخلاق العليم # [يس: 81]. حيث جعل العلم مدخلا في الإعادة وهذا جواب لما كانوا ~~يقولون: # أإذا ضللنا في الأرض # [السجدة: 10] أي أنه تعالى كما يعلم أجزاءهم يعلم أعمالهم فيرجعهم ~~ويعذبهم بما كانوا يقولون وبما كانوا يعملون. # قوله تعالى: { وعندنا كتاب حفيظ } أي محفوظ من الشياطين ومن ~~أن يدرس أو يتغير. وهو اللوح المحفوظ. وقيل: معناه حافظ لعدتهم ~~وأسمائهم وأعمالهم: قال ابن الخطيب: وهذا هو الأصح؛ لأن الحفيظ بمعنى ~~الحافظ وارد في القرآن قال تعالى: # ومآ أنا عليكم بحفيظ # [هود 86] وقال: # الله حفيظ عليهم # [الشورى: 6] ولأن الكتاب للتمثيل ومعناه: العلم عندي كما يكون في ~~الكتاب، فهو يحفظ الأشياء وهو مستغن عن أن يحفظ. # قوله تعالى: { بل كذبوا } هذا إضراب ثان، قال الزمخشري: إضراب ~~أتبع للإضراب الأول للدلالة على أنهم جاؤوا بما هو أفظع من تعجبهم وهو ~~التكذيب بالحق. وقال أبو حيان: وكان هذا الإضراب الثاني بدلا من الأول. ~~قال شهاب الدين: وإطلاق مثل هذا في كتاب الله لا يجوز ألبتة. وقيل: قبل ~~هذه الآية جملة مضرب عنها تقديرها: ما أجازوا النظر بل كذبوا. وما ~~قاله الزمخشري أحسن. # فصل # في المضروب عنه وجهان: # أحدهما: أنه الشك تقديره: والقرآن المجيد إنك لمنذر، وإنهم شكوا ~~فيك بل عجبوا بل كذبوا. # والثاني: تقديره: لم يكذب المنذر بل كذبوا هم. # وفي المراد بالحق وجوه: # الأول: البرهان القائم على صدق الرسول - (عليه الصلاة والسلام -). # الثاني: الفرقان المنزل وهو قريب من الأول؛ لأنه برهان. # الثالث: السورة الثابتة بالمعجوة القاهرة فإنها حق. # الرابع: الحشر الذي لا بد من وقوعه فهو حق. # فإن قيل: ما معنى الباء في قوله تعالى: (بالحق)؟ وأية حاجة إليها؟ ~~يعني أن التكذيب متعد بنفسه فهل هي التعدية إلى مفعول ثان أو هي ~~زائدة كما هي قوله تعالى: # فستبصر ويبصرون بأييكم المفتون # [القلم: 5 و 6]. # فالجواب: أنها في هذا الموضع ms7996 لإظهار التعدية؛ لأن التكذيب (هو النسبة ~~إلى الكذب) لكن النسبة توجد تارة في القائل وأخرى في القول، تقول: ~~كذبني فلان وكنت صادقا ويقول: كذب فلان قولي، ويقال: ~~كذبه أي جعله كاذبا وتقول: قلت لفلان: زيد يجيء غدا، فتأخر عمدا ~~حتى كذبني أو كذب قولي. والتكذيب في القائل يستعمل بالباء وبدونها ~~قال تعالى: # كذبت ثمود المرسلين # [الشعراء: 141] وقال # كذبت ثمود بالنذر # [القمر: 23] وفي القول كذلك غير أن الاستعمال في القائل بدون الباء ~~أكثر قال تعالى: # فكذبوه # [الأعراف: 64] وقال: # وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك # [فاطر: 4]. وفي القول الاستعمال بالباء أكثر قال تعالى: # كذبوا بئاياتنا # [القمر: 42] وقال: # كذبوا بالحق # [ق: 5]. وقال: # وكذب بالصدق # [الزمر: 32]. # والتحقيق فيه أن الفعل المطلق هو المصدر، لأنه هو الذي يصدر من الفاعل، ~~فإن من ضرب لم يصدر منه غير الضرب، غير أن له محلا يقع فيه يسمى ~~مضروبا. # ثم إن كان ظاهرا لكونه محلا للفعل يستغني بظهوره عن الحرف فيعدى من ~~غير حرف يقال: ضربت عمرا وشربت ماء للعلم بأن الضرب لا بد ~~له من محل يقوم به وكذلك الشرب لا يستغني عن مشروب يتحقق فيه؛ فإذا قلت: ~~مررت يحتاج إلى الحرف ليظهر معنى التعدية، لعدم ظهوره في نفسه؛ لأن ~~قولك: مر السحاب يفهم منه مرور، (و) لا يفهم من مر به. # ثم إن الفعل قد يكون في الظهور دون الضرب والشرب وفي الخفاء فوق ~~المرور، فيجوز الإتيان فيه بدون الحرف للظهور الذي فوق ظهور المرور، ومع ~~الحرف لكون الظهور دون ظهور الضرب، ولهذا لا يجوز أن تقول: ضربت ~~بعمرو إلا إذا جعلته آلة الضرب، أما إذا ضربته بسوط أو غيره فلا ~~يجوز فيه زيادة الباء، ولا يجوز: مررته إلا مع الاشتراك وتقول: ~~مسحته ومسحت به، وشكرته وشكرت له لأن المسح إمرار ~~اليد بالشيء فصار كالمرور والشكر فعل جميل غير أنه يقع لمحسن فالأصل في ~~الشكر الفعل الجميل وكونه واقعا لغيره كالتبع بخلاف الضرب فإنه ~~إمساس جسم بجسم بعنف، فالمضروب داخل في مفهوم الضرب أولا، والمشكور ms7997 ~~داخل في مفهوم الشكر ثانيا، وإذا عرف هذا فالتكذيب في القائل طاهر، لأنه ~~هو الذي يصدق أو يكذب وفي القول غير ظاهر، فكان الاستعمال فيه بالباء ~~أكثر والباء فيه لظهور معنى التعدية، وقوله: " لما جاءهم " هو المكذب ~~تقديره: وكذبوا بالحق لما جاءهم الحق أي لم يؤخروه إلى التفكر ~~والتدبر. # قوله: لما جاءهم العامة على تشديد " لما " ، وهي إما حرف وجوب ~~لوجوب أو ظرف بمعنى حين كما تقدم. وقرأ الجحدري لما - بكسر اللام ~~وتخفيف الميم - على أنها لام الجر دخلت على ما المصدرية وهي نظير قولهم: ~~كتبته لخمس خلون أي عندها. # قوله: فهم في أمر مريج، أي مختلط، قال أبو واقد: # 4506- ومرج الدين فأعددت له # مشرف الأقطار محبوك الكتد # وقال آخر: # 4507- فجالت والتمست به حشاها # فخر كأنه خوط مريج # وأصله من الحركة والاضطراب، ومنه: مرج الخاتم في إصبعه وقال سعيد بن ~~جبير ومجاهد: ملتبس. # فصل # قال قتادة: معناه من ترك الحق مرج إليه أمره وألبس عليه دينه. وقال ~~الحسن: ما ترك قوم الحق إلا مرج أمرهم. وقال الزجاج: معنى اختلاط ~~أمرهم أنهم يقولون للنبي - صلى الله عليه وسلم - مرة شاعر، ومرة ساحر، ~~ومرة معلم، ومرة كاهن، ومرة معتر ومرة ينسبونه إلى الجنون فكان أمرهم ~~مختلطا ملتبسا عليهم. ### || [50.6-11] # ثم ذكر الدليل الذي يدفع قولهم: # ذلك رجع بعيد # [ق: 3] فقال: " أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف ~~بنيناها بغير عمد وزيناها " بالكواكب، وهو نظير قوله تعالى: # أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على ~~أن يخلق مثلهم # [يس: 81] وقوله تعالى: # أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات ~~والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي ~~الموتى # [الأحقاف: 33]. # قوله: " أفلم " الهمزة للاستفهام. واعلم أن همزة الاستفهام تارة ~~تدخل على الكلام بغير واو وتارة تدخل ومعها واو والفرق بينهما أن قولك: ~~أزيد في الدار؟ بعد: وقد طلعت الشمس (يذكره للإنكار. # فإن قلت: أو زيد في الدار بعد: وقد طلعت الشمس) يشير ~~بالواو إلى أن قبح فعله صار بمنزلة فعلين قبيحين، لأن الواو تنبىء عن ~~سبق أمر ms7998 مغاير لما بعدها وإن لم يكن هناك سابق لكن تأتي بالواو زيادة ~~في الإنكار. # فإن قيل: كيف أتى هنا بالفاء فقال: " أفلم " وفي موضع آخر بالواو؟!. # فالجواب: هنا سبق منهم إنكار الرجع فقال بحرف التعقيب لمخالفة ما قيل. # فإن قيل: ففي " يس " سبق ذلك بقوله: # قال من يحيي العظام # [يس: 78]؟. # فالجواب: بأن هناك الاستدلال بالسموات لم يعقب الإنكار بل استدل بدليل ~~آخر وهو قوله: # قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة # [يس: 79] ثم ذكر الدليل الآخر وههنا الدليل كان عقيب إنكارهم، فذكر ~~بالفاء. # فإن قيل: كيف قال ههنا بلفظ النظر وفي الأحقاف بلفظ الرؤية؟!. # فالجواب: أنهم ههنا لما استبعدوا أمر الرجع بقولهم: { ذلك رجع بعيد } ~~استبعد استبعادهم وقال: أفلم ينظروا؛ لأن النظر دون الرؤية فقال النظر ~~كاف في حصول العلم بإمكان الرجع، ولا حاجة إلى الرؤية، ليقع الاستبعاد في ~~مقابلة الاستبعاد وهناك لم يوجد منهم إنكار فأرشدهم إليه بالرؤية التي هي ~~أتم من النظر. # قوله: { إلى السمآء فوقهم } فقوله: " فوقهم " حال من ~~السماء وهي مؤكدة وكيف منصوبة بما بعدها وهي معلقة للنظر قبلها. # فإن قيل: كيف قال: إلى السماء ولم يقل: في السماء؟!. # فالجواب: لأن النظر في الشيء ينبىء عن التأمل والمبالغة والنظر إلى ~~الشيء لا ينبىء عنه؛ لأن " إلى " غاية منتهى النظر عنده وفي الدخول في ~~معنى الظرف فإذا انتهى النظر إليه ينبغي أن ينفذ فيه حتى يصح معنى النظر ~~فيه. # قوله: { وما لها من فروج } أي شقوق وفتوق وصدوع، واحدها ~~فرج. # " والأرض مددناها " بسطناها على وجه الماء { وألقينا ~~فيها رواسي } جبالا ثوابت { وأنبتنا فيها من كل ~~زوج بهيج } حسن كريم يبهج به أي يستر. # قوله: " تبصرة " العامة على نصيبها على المفعول من أجله أي تبصير ~~أمثالهم وتذكير أمثالهم. # وقيل: منصوبان بفعل من لفظهما مقدر أي بصرهم تبصرة وذكرهم ~~تذكرة. وقيل: حالان أي مبصرين مذكرين، وقيل: حال من المفعول ~~أي ذات تبصير وتذكير لمن يراها. وزيد بن علي بالرفع. وقرأ: وذكر أي ~~هي: تبصرة وذكر و " لكل " إما صفة وإما ms7999 متعلق بنفس المصدر. وقال ~~البغوي: تبصرا وتذكيرا. # فصل # قال ابن الخطيب: يحتمل أن يكون الأمران عائدين إلى السماء والأرض أي ~~خلق السماء تبصرة وخلق الأرض ذكرى. ويدل على ذلك أن السماء زينتها ~~مستمرة غير مستجدة في كل عام، فهي كالشيء المرئي على مرور الزمان. وأما ~~الأرض فهي كل سنة تأخذ زخرفها فتذكر، فالسماء تبصرة والأرض تذكرة، ~~ويحتمل أن يكون كل واحد من الأمرين موجودا في كل واحد من الأمرين ~~فالسماء تبصرة وتذكرة والأرض كذلك والفرق بين التبصرة والتذكرة هو أن ~~فيها آيات مستمرة منصوبة في مقابلة البصائر وآيات متجددة متذكرة عند ~~التناسي. # قوله: { لكل عبد منيب } أي لتبصر وتذكر كل عبد منيب: ~~أي راجع التفكر والتذكر والنظر في الدلائل. # قوله: { ونزلنا من السمآء مآء مباركا } كثير الخير، ~~وفيه حياة كل شيء وهو المطر { فأنبتنا به جنات وحب ~~الحصيد } ، يعني البر والشعير وسائر الحبوب التي تحصد، فقوله: " ~~وحب الحصيد " يجوز أن يكون من باب حذف الموصوف للعلم به، تقديره ~~وحب الزرع الحصيد، نحو: مسجد الجامع وبابه وهذا مذهب البصريين؛ ~~لئلا يلزم إضافة الشيء إلى نفسه. ويجوز أن يكون من إضافة الموصوف إلى ~~صفته؛ لأن الأصل والحب الحصيد أي المحصود. # فصل # هذا دليل آخر وهو ما بين السماء والأرض فيكون الاستدلال بالسماء والأرض ~~وما بينهما وهو إنزال الماء من فوق وإخراج النبات من تحت. # فإن قيل: هذا الاستدلال قد تقدم في قوله تعالى: { وأنبتنا فيها ~~من كل زوج بهيج } فما الفائدة من إعادة قوله: { فأنبتنا ~~به جنات وحب الحصيد }؟. # فالجواب: أن قوله: وأنبتنا إشارة إلى جعلها محلا للنبات، اللحم والشعر ~~وغيرهما، وقوله: " وأنبتنا " استدلال بنفس النبات أي الأشجار تنمو ~~وتزيد فكذلك بدن الإنسان بعد الموت ينمو ويزيد أي يرجع الله إليه ~~قوة النماء كما يعيدها إلى الأشجار بواسطة ماء السماء. # قوله تعالى: { والنخل باسقات } والنخل منصوب عطفا على مفعول ~~أنبتنا أي وأنبتنا النخل و " باسقات " حال، وهي حال مقدرة؛ لأنها وقت ~~الإنبات لم تكن طوالا. والبسوق الطول يقال: بسق فلان على ~~أصحابه ms8000 أي طال عليهم في الفضل، ومنه قول ابن نوفل في ابن ~~هبيرة: # 4508- يا ابن الذين بمجدهم # بسقت (على) قيس فزاره # وهو استعارة، والأصل استعماله في بسقت النخلة تبسق بسوقا أي طالت، ~~قال الشاعر: # 4509- لنا خمر وليست خمر كرم # ولكن من نتاج الباسقات # كرام في السماء ذهبن طولا # وفات ثمارها أيدي الجناة # وبسقت الشاة ولدت، وأبسقت الناقة وقع في ضرعها اللبأ ~~قبل النتاج، ونوق مباسق من ذلك. قال مجاهد وقتادة وعكرمة يعني ~~باسقات طوالا. وقال سعيد بن جبير: مستويات والعامة على السين في ~~باسقات، وقرأ قطبة بن مالك - ويرويها عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- باصقات. وهي لغة لبني العنبر يبدلون السين صادا قبل القاف ~~والغين والعين والخاء والطاء إذا وليتها أو فصلت منها بحرف أو حرفين. # قوله: " لها طلع " يجوز أن تكون الجملة حالا من النخل أو من ~~الضمير في " باسقات " ويجوز أن يكون الحال وحده " لها " وطلع فاعل ~~به. ونضيد بمعنى منضود بعضها فوق بعض في كمامها كما في سنبلة الزرع، ~~وهو عجيب، فإن الأشجار الطوال ثمارها بعضها على بعض، لكل واحد منها أصل ~~يخرج منه كالجوز واللوز وغيرهما، والطلع كالسنبلة الواحدة ~~يكون على أصل واحد. # قوله: " رزقا " يجوز أن يكون حالا أي مرزوقا للعباد أي ذا رزق، وإن ~~يكون مصدرا من معنى أنبتنا؛ لأن إنبات هذه رزق فكأنه قال: أنبتناها ~~إنباتا للعباد ويجوز أن تكون مفعولا له للعباد، إما صفة، وإما متعلق ~~بالمصدر، وإما مفعولا للمصدر، واللام زائدة، أي رزقا العباد. # فصل # قال ابن الخطيب: ما الحكمة في قوله عند خلق السماء والأرض: " تبصرة ~~وذكرى " وفي الثمار قال: " رزقا " والثمار أيضا فيها تبصرة وفي ~~السماء والأرض أيضا منفعة غير التبصرة والتذكرة؟ # نقول: فيه وجوه: # أحدها: أن الاستدلال وقع لوجود أمرين: أحدهما الإعادة، والثاني: البقاء ~~بعد الإعادة، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخبرهم بحشر وجمع ~~يكون بعده الثواب الدائم، والعقاب الدائم، وأنكروا ذلك، فقال أما الأول ~~فالله القادر على خلق السموات والأرض قادر على خلق الخلق بعد ms8001 الفناء، ~~وأما الثاني فلأن البقاء في الدنيا بالرزق والقادر على إخراج الأرزاق من ~~النخل والشجر قادر على أن يرزق بعد الحشر فكان الأول تبصرة وتذكرة ~~بالخلق، والثاني تذكرة بالبقاء بالرزق، ويدل على هذا الفصل بينهما بقوله ~~تعالى: { تبصرة وذكرى } حيث ذكر ذلك بعد الآيتين، ثم بدأ بذكر الماء ~~وإنزاله وإنبات النبات. # ثانيها: منفعة الثمار الظاهرة وهي الرزق فذكرها، ومنفعة السماء الظاهرة ~~ليست أمرا عائدا إلى انتفاع العباد لبعدها عن ذهنهم حتى أنهم لو توهموا ~~عدم الزرع والثمر لظنوا أن يهلكوا ولو توهموا عدم السماء فوقهم لقالوا: ~~لا يضرنا ذلك مع أن الأمر بالعكس أولى لأن السماء سبب الأرزاق بقدرة ~~الله تعالى، وفيها منافع غير ذلك والثمار وإن لم تكن كان العيش كما أنزل ~~الله على قوم المن والسلوى، وعلى قوم المائدة من السماء فذكر الأظهر ~~للناس في هذا المواضع. # ثالثها: قوله: رزقا إشارة إلى كونه منعما ليكون تكذيبهم في غاية ~~القبح فإنه يكون إشارة بالمنعم وهو أقبح ما يكون. # فصل # قال: { تبصرة وذكرى لكل عبد منيب } فقيد العبد بكونه منيبا، لأن ~~العبودية حصلت لكل أحد غير أن المنيب يأكل ذاكرا شاكرا للإنعام وغيره ~~يأكل كما تأكل الأنعام، فلم يخصص بقيد. # قوله: " فأحيينا به " أي بالماء و " ميتا " صفة ل " ~~بلدة " ولم يؤنث حملا على معنى المكان. والعامة على التخفيف. وأبو ~~جعفر وخالد بالتثقيل. # فإن قيل: ما الفرق بين هذا الموضع وبين قوله: # وآية لهم الأرض الميتة # [يس: 33] حيث أثبت (الهاء) هناك؟ # فالجواب: أن الأصل في الأرض الوصف فقال الميتة، لأن معنى الفاعلية ظاهر ~~هناك والبلدة الأصل فيها الحياة لأن الأرض إذا صارت حية صارت آهلة وأقام ~~بها القوم وعمروها فصارت بلدة فأسقط الهاء لأن معنى الفاعلية ظاهر ~~فيثبت فيه الهاء، وإذا كان بمعنى الفاعل لم يظهر لا يثبت فيه الهاء، ~~ويحقق هذا قوله: # بلدة طيبة # [سبأ: 15] حيث أثبت الهاء حيث ظهر معنى الفاعلية ولم يثبت حيث لم يظهر. # قوله: " كذلك الخروج " أي من القبور أي كالإحياء الخروج. # فإن قيل: الإحياء ms8002 يشبه به الإخراج لا الخروج؟ # فالجواب: تقديره أحيينا به بلدة ميتا فتشققت وخرج منها النبات كذلك ~~تتشقق ويخرج منها الأموات. # قال ابن الخطيب: وهذا يؤكد قولنا: إن الرجع بمعنى الرجوع في قوله: { ~~ذلك رجع بعيد }؛ لأنه تعالى بين لهم ما استبعدوه فلو استبعدوا الرجع الذي ~~هو من المتعدي لناسبه أن يقول: كذلك الإخراج فلما قال: كذلك الخروج فهم ~~أنهم أنكروا الرجوع فقال: كذلك الرجوع والخروج. ### || [50.12-14] # قوله تعالى: { كذبت قبلهم قوم نوح... } الآية ذكر ~~المكذبين تذكيرا لهم بحالهم وأنذرهم بإهلاكهم، وفيه تسلية للرسول، ~~وتنبيه بأن حاله كحال من تقدمه من الرسل كذبوا وصبروا فأهلك الله ~~مكذبيهم ونصرهم. والمراد بأصحاب الرس قيل: هم قوم شعيب، وقيل: الذين ~~جاءهم من أقصى المدينة رجل يسعى وهم من قوم عيسى - عليه الصلاة والسلام - ~~وقيل: هم أصحاب الأخدود والرس إما موضع نسبوا إليه، أو فعل وهو ~~حفر البئر، يقال رس إذا حفر بئرا. وقد تقدم في الفرقان. وقال ههنا: ~~" قوم نوح " ، وقال: " إخوان لوط "؛ لأن لوطا كان مرسلا إلى طائفة من ~~قوم إبراهيم هم معارف لوط، ونوح كان مرسلا إلى خلق عظيم، وقال: " ~~فرعون " ولم يقل: " قوم فرعون " ، وقال: " قوم تبع "؛ لأن فرعون كان هو ~~المعتبر، المستبد بأمره، وتبع كان معتضدا بقومه فجعل الاعتبار لفرعون ~~وخصه بالذكر. وتبع هو تبع الحميري، واسمه سعد أبو كرب. قال قتادة: ذم ~~الله قوم تبع ولم يذمه وتقدم ذكره في سورة الدخان. # قوله: " الأيكة " تقدم الكلام عليها في الشعراء. وقرأ ههنا ليكة ~~- بزنة ليلة - أبو جعفر وشيبة، وقال أبو حيان: وقرأ أبو جعفر وشيبة ~~وطلحة ونافع الأيكة - بلام التعريف - والجمهور ليكة. وهذا الذي نقله ~~غفلة منه بل الخلاف المشهور إنما هو في سورة الشعراء و " ص " كما تقدم ~~تحقيقه وأما هنا فالجمهور على لام التعريف. # قوله: " كل " التنوين عوض عن المضاف إليه. وكان بعض النحاة يجيز ~~(حذف) تنوينها وبناءها على الضم كالغاية نحو: قبل وبعد. واللام ~~في الرسل قيل لتعريف الجنس وهو أن كل واحد كذب جميع الرسل وذلك ms8003 على ~~وجهين: # أحدهما: أن المكذب للرسول مكذب لكل الرسل. # وثانيهما: أن المذكورين كانوا منكرين للرسالة والحشر بالكلية. # قوله: " فحق وعيد " أي وجب لهم عذابي أي ما أوعد الله تعالى من ~~نصرة الرسل عليهم وإهلاكهم. ### || [50.15-18] # قوله: " أفعيينا " العامة على ياء مكسورة بعدها ياء ساكنة. وقرأ ~~ابن أبي عبلة أفعينا بتشديد الياء من غير إشباع، وهذه القراءة ~~على إشكالها قرأ بها الوليد بن مسلم وأبو جعفر وشيبة ونافع في رواية. ~~وروى ابن خالويه عن ابن عبلة أفعيينا كذلك، لكنه أتى بعد الياء ~~المشددة بأخرى ساكنة وخرجها أبو حيان على لغة من يقول في عيي عي ~~وفي حيي حي بالإدغام. ثم لما أسند هذا الفعل وهو مدغم اعتبر لغة ~~بكر بن وائل وهو أنهم لا يفكون الإدغام في مثل هذا إذا أسندوا ذلك ~~الفعل المدغم لتاء المتكلم ولا إحدى أخواتها التي تسكن لها لام الفعل ~~فيقولون في رد ردت وردنا، قال: وعلى هذه اللغة تكون التاء مفتوحة. ~~ولم يذكر توجيه القراءة الأخرى. وتوجيهها أنها من عيا يعيي ~~كحلى يحلي. # فصل # ومعنى أفعيينا بالخلق الأول أي أعجزنا حين خلقناهم أولا فتعبنا ~~بالإعادة. وهذا تقريع لهم لأنهم اعترفوا بالخلق الأول وأنكروا البعث، ~~ويقال لكل من عجز عن شيء عيي به. # { بل هم في لبس } أي شك { من خلق جديد } وهو البعث. ~~والمراد بالخلق الأول قبل خلقهم ابتداء لقوله تعالى: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله # [الزخرف: 87]. وقيل: هو خلق السموات لأنه هو الخلق الأول فكأنه تعالى ~~قال: # أفلم ينظروا إلى السمآء # [ق: 6] ثم قال: " أفعيينا " بهذا، ويؤيده قوله تعالى: # أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات ~~والأرض ولم يعي بخلقهن # [الأحقاف: 33] وقال بعد هذه الآية: { ولقد خلقنا الإنسان } ~~وعطفه بحرف الواو على ما تقدم من الخلق، وهو بناء السموات، ومد الأرض، ~~وتنزيل الماء وإنبات الحب. # فصل # عطف دلائل الآفاق بعضها على بعض بحرف الواو فقال: { والأرض ~~مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا ونزلنا ~~من السماء ماء } ، ثم في الدليل النفسي ذكر حرف الاستفهام، ~~والفاء بعده ms8004 إشارة إلى أن تلك الدلائل من جنس، وهذا من جنس، فلم يجعل هذا ~~تبعا لذلك، ومثل هذا مراعى في سورة " يس " حيث قال: # أولم ير الإنسان أنا خلقناه # [يس: 77]. # فإن قيل: لم لم يعطف الدليل الآفاقي ههنا كما عطفه في سورة يس؟ # فالجواب - والله أعلم - أن ههنا وجد منهم استبعاد بقولهم: # ذلك رجع بعيد # [ق: 3] فاستدل بالأكبر وهو خلق السموات، ثم نزل كأنه قال: لا حاجة إلى ~~ذلك الاستدلال بل في أنفسهم دليل جواز إرشادهم لا ليدفع استبعادهم ~~فبدأ بالأدنى وارتقى إلى الأعلى. # فصل # في تعريف " الخلق الأول " وتنكير " خلق جديد " وجهان: # الأول: أن الأول عرفه كل أحد و " الخلق الجديد " لم يعرفه كل أحد ولم ~~يعلم كيفيته ولأن الكلام عنهم وهم لم يكونوا عالمين بالخلق الجديد. # الثاني: أن ذلك لبيان إنكارهم للخلق الثاني من كل وجه كأنهم قالوا: ~~أيكون لنا خلق على وجه إنكار الإله بالكلية. # قوله تعالى: { ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس ~~به نفسه }. # قوله: " ونعلم " خبر مبتدأ مضمر تقديره: ونحن نعلم، والجملة ~~الاسمية حينئذ حال. ولا يجوز أن يكون هو حالا بنفسه، لأنه مضارع مثبت ~~باشرته الواو، وكذلك قوله: " ونحن أقرب ". # فصل # إذا قلنا: بأن الخلق الأول هو خلق السموات فهذا ابتداء استدلال بخلق ~~الإنسان، وإذا قلنا: بأن الخلق الأول هو خلق الإنسان فهذا تتميم ~~للاستدلال بأن خلق الإنسان أول مرة، وقوله { ونعلم ما توسوس ~~به نفسه } أي يحدث به قلبه، ولا يخفى علينا سرائره وضمائره { ~~ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } لأن أبعاضه تحجب ~~بعضها بعضا ولا يحجب علم الله شيء، وهذا بيان لكمال علمه. # قوله: { من حبل الوريد } كقولهم: مسجد الجامع، أي حبل ~~العرق الوريد. أو لأن الحبل أعم فأضيف للبيان نحو: بعير ~~سانية أو يراد: حبل العاتق فأضيف إلى الوريد كما يضاف إلى العاتق ~~لأنهما في عضو واحد. قال البغوي: حبل الوريد عرق العنق وهو عرق بين ~~الحلقوم والعلباوين تتفرق في البدن، والحبل هو الوريد فأضيف إلى ~~نفسه لاختلاف اللفظين. والوريد إما بمعنى ms8005 الوارد وإما بمعنى الورود. ~~والوريد عرق كبير في العنق. فقال: إنهما وريدان. قال الزمخشري: عرقان ~~مكتنفان بصفحتي العنق في مقدمهما يتصلان بالوتين يردان من الرأس ~~إليه يسمى وريدا لأن الروح ترد إليه وأنشد: # 4510- كأن وريديه رشاءا خلب # وقال أبرم: هو نهر الجسد وفي القلب الوتين، وفي الظهر الأبهر، وفي ~~الذراع والفخذ الأكحل واللسان وفي الخنصر الأسلم. # قوله: " إذ يتلقى " ظرف ل " أقرب " ويجوز أن يكون منصوبا ~~باذكر. والمعنى إذ يتلقى ويأخذ الملكان الموكلان بالإنسان عمله ومنطقه ~~يحفظانه ويكتبانه. # قوله: { عن اليمين وعن الشمال } أي أحدهما عن يمينه ~~والآخر عن شماله فالذي عن اليمين يكتب الحسنات، والذي عن الشمال يكتب ~~السيئات. وقوله: " قعيد " أي قاعد، فيجوز أن يكون مفردا على بابه، ~~فيكون بمعنى مقاعد كخليط بمعنى مخالط. وفيه لطيفة، وهي أن الله ~~تعالى قال: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد المخالط لأجزائه الداخل في ~~أعضائه والملك متنح عنه فيكون علمنا به أكمل من علم الكاتب، أو يكون عدل ~~من فاعل إلى فعيل مبالغة كعليم. وجوز الكوفيون أن يكون فعيل واقعا موقع ~~الاثنين أراد قعودا كالرسوب يجعل للاثنين والجمع كما قال تعالى في ~~الاثنين: # فقولا إنا رسول رب العالمين # [الشعراء: 16]. وقال المبرد: الأصل: عن اليمين قعيد وعن الشمال، فأخر عن ~~موضعه، وهذا لا ينحي من وقوع المفرد موقع المثنى، والأجود أن يدعى ~~حذف إما من الأول أي عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد، وإما من الثاني ~~فيكون قعيد الملفوظ به للأول. # ومثله قوله: # 4511- رماني بأمر كنت منه ووالدي # بريئا ومن أجل الطوي رماني # قال المفسرون: أراد بالقعيد اللازم الذي لا يبرح لا القائم الذي هو عند ~~القائم. وقال مجاهد: القعيد: الرصيد. # قوله: { ما يلفظ من قول } أي ما يتكلم من كلام فيلقيه أي ~~يرميه من فيه { إلا لديه رقيب عتيد } حافظ حاضر. وقرأ ~~العامة " يلفظ " بكسر الفاء. ومحمد بن (أبي) معدان بفتحها. و " ~~رقيب عتيد " قيل: هو بمعنى رقيبان عتيدان أينما كان. قال الحسن ~~(رضي الله عنه) إن الملائكة يجتنبون الإنسان على ms8006 حالتين عند غائطه، ~~وعند جماعه. وقال مجاهد: يكتبان عليه حتى أنينه في مرضه، وقال عكرمة: ~~لا يكتبان إلا ما يؤجر عليه ويوزر فيه. وقال الضحاك: مجلسهما ~~تحت الشعر على الحنك ومثله عن الحسن يعجبه أن ينظف عنفقته. وروى ~~أبو أمامة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " كاتب الحسنات على يمين الرجل وكاتب السيئات على يسار الرجل ~~وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات، فإذا ~~عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا، وإذا عمل ~~سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: دعه سبع ~~ساعات لعله يسبح أو يستغفر ". ### || [50.19-22] # قوله: { وجآءت سكرة الموت } أي غمرته وشدته التي تغشى ~~الإنسان وتجلب على عقله. # قوله: " بالحق " يجوز أن تكون الباء للحال أي ملتبسة بالحق ~~والمعنى بحقيقة الموت، ويجوز أن تكون للتعدية والمراد منه الموت فإنه حق ~~كأن شدة الموت تحضر الموت، يقال: جاء فلان بكذا أي أحضره، وقيل: بالحق من ~~أمر الآخرة حتى يتبينه الإنسان ويراه بالعيان. وقيل: بما يؤول إليه ~~أمر الإنسان من السعادة والشقاوة. # وقرأ عبد الله: سكرات. # ويقال لمن جاءته سكرة الموت: ذلك ما كنت منه تحيد أي تميل، من ~~حاد عن الشيء يحيد حيودا وحيودة وحيدا. وقال الحسن: تهرب، ~~وقال ابن عباس - (رضي الله عنهما -) تكره وأصل الحيد: الميل، يقال: ~~حدت عن الشيء أحيد حيدا ومحيدا إذا ملت عنه، و " ذلك " ~~يحتمل أن يكون إشارة إلى الموت وأن يكون إشارة إلى الحق. والخطاب قيل مع ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال ابن الخطيب: وهو منكر، وقيل: مع ~~الكافر. وهو أقرب. والأقوى أن يقال: هو خطاب عام مع السامع. # قوله: { ونفخ في الصور } عطف على قوله: { وجآءت سكرة ~~الموت } يعني نفخة البعث { ذلك يوم الوعيد } الذي وعد ~~الكفار أن يعذبهم فيه. قال الزمخشري: " ذلك " إشارة إلى المصدر الذي هو ~~قوله: " ونفخ " أي وقت ذلك النفخ يوم الوعيد. قال ابن الخطيب: وهذا ~~ضعيف؛ لأن " يوم " لو كان منصوبا لكان ما ذكره ظاهرا، وأما رفع " يوم " ~~فيفيد أن ذلك نفس اليوم، والمصدر لا ms8007 يكون نفس الزمان وإنما يكون في ~~الزمان. # فالأولى أن يقال: " ذلك " إشارة إلى الزمان المفهوم من قوله: " ونفخ " ~~لأن الفعل كما يدل على المصدر يدل على الزمان فكأنه قال تعالى: ذلك ~~الزمان يوم الوعيد، والوعيد هو الذي أوعد به من الحشر، والمجازاة. # قوله: { وجآءت كل نفس معها سآئق وشهيد } قيل: ~~السائق هو الذي يسوقه إلى الموقف ومنه إلى مقعده، والشهيد هو الكاتب. ~~والسائق لازم للبر والفاجر، أما البر فيساق إلى الجنة وأما ~~الفاجر فإلى النار، قال تعالى: # وسيق الذين كفروا إلى جهنم... وسيق الذين ~~اتقوا ربهم إلى الجنة # [الزمر: 71 - 73]، والشهيد يشهد عليها بما عملت. قال الضحاك: السائق من ~~الملائكة والشاهد من أنفسهم الأيدي والأرجل، وهي رواية العوفي عن ابن ~~عباس. وقيل: هما جميعا من الملائكة. # قوله: " معها سائق " جملة في موضع جر صفة " لنفس " أو في موضع ~~رفع صفة " لكل " أو في موضع نصب حالا من " كل ". والعامة على عدم ~~الإدغام في " معها " وطلحة على الإدغام " محا " بحاء مشددة، وذلك أنه ~~أدغم العين في الهاء، ولا يمكن ذلك فقلبت الهاء حاء ثم أدغم فيها العين ~~فقلبها حاء. # وسمع: ذهب محم أي معهم. وقال الزمخشري: ومحل " معها سائق " ~~النصب على الحال من " كل "؛ لتعرفه بالإضافة إلى ما هو في حكم المعرفة. ~~وأنحى عليه أبو حيان وقال: لا يقول هذا مبتدىء في النحو، لأنه لو نعت ~~" كل نفس " ما نعت إلا بالنكرة. قال شهاب الدين: وهذا منه غير مرض ~~إذ يعلم أنه لم يرد حقيقة ما قاله. # قوله: " لقد كنت " أي يقال له: لقد كنت، والقول إما صفة أو ~~حال. والعامة على فتح التاء في " كنت " والكاف في " غطاءك " و " ~~بصرك " حملا على لفظ " كل " من التذكير. والجحدري: كنت ~~بالكسر مخاطبة للنفس. وهو وطلحة بن مصرف: { عنك غطاءك فبصرك } ~~بالكسر مراعاة للنفس أيضا. ولم ينقل صاحب اللوامح الكسر في الكاف عن ~~الجحدري، وعلى كل فيكون قد راعى اللفظ مرة والمعنى أخرى. # فصل # والمعنى { لقد كنت في غفلة من هذا } اليوم فكشفنا ms8008 عنك الذي كان في ~~الدنيا وعلى قلبك وسمعك وبصرك { فبصرك اليوم حديد } نفاذ ~~تبصر ما كنت تنكر في الدنيا. وقال مجاهد: يعني نظرك على لسان ميزانك حيث ~~توزن حسناتك وسيئاتك. والمعنى أزلنا غفلتك عنك فبصرك اليوم ~~حديد وكان من قبل كليلا. ### || [50.23-26] # قوله تعالى: { وقال قرينه هذا ما لدي عتيد } قيل: ~~المراد بالقرين: الملك الموكل به وهو القعيد والشهيد الذي سبق ذكره { ~~هذا ما لدي عتيد } يريد كتاب أعماله معد محضر. وقيل: ~~المراد بالقرين الشيطان الذي زين له الكفر والعصيان بدليل قوله: # وقيضنا لهم قرنآء فزينوا لهم ما بين ~~أيديهم # [فصلت: 25] وقال: # نقيض له شيطانا فهو له قرين # [الزخرف: 36] وقال تعالى: # فبئس القرين # [الزخرف: 38] فالإشارة بهذا السوق إلى المرتكب للفجور والفسوق. ~~والقعيد معناه المعتد الناد ومعناه أن الشيطان يقول: هذا العاصي شيء هو ~~عندي معتد لجهنم أعتدته لها بالإغواء والإضلال. # قوله: { هذا ما لدي عتيد } يجوز أن تكون " ما " نكرة موصوفة ~~و " عتيد " صفتها و " لدي " متعلق بعتيد أي هذا شيء عتيد لدي أي ~~حاضر عندي ويجوز على هذا أن يكون " لدي " وصفا ل " ما " و " عتيد " ~~صفة ثانية، أو خبر مبتدأ محذوف أي هو عتيد، ويجوز أن تكون موصولة بمعنى ~~الذي و " لدي " صلتها ولدي خبر الموصول والموصول وصلته خبر ~~الإشارة ويجوز أن تكون " ما " بدلا من هذا موصولة كانت أو موصوفة ب " ~~لدي " و " عتيد " خبر " هذا ". وجوز الزمخشري في " عتيد " أن يكون ~~بدلا أو خبرا بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف. والعامة على رفعه، وعبد ~~الله نصبه حالا. والأجود حينئذ أن تكون " ما " موصولة؛ لأنها معرفة ~~والمعرفة يكثر مجيء الحال منها. قال أبو البقاء: " ولو جاز ذلك في غير ~~القرآن لجاز نصبه على الحال " كأنه لم يطلع عليها قراءة. # قوله: { ألقيا في جهنم } اختلفوا هل المأمور واحد أو اثنان؟ ~~فقيل: واحد. وإنما أتى بضمير الاثنين دلالة على تكرير الفعل كأنه قيل: ~~ألق ألق. وقيل: أراد ألقين بالنون الخفيفة، فأبدلها ألفا ~~إجراء للوصل مجرى الوقف، ويؤيده قراءة الحسن ms8009 (- رضي الله عنه -) ~~ألقين بالنون. وقيل: العرب تخاطب الواحد مخاطبة الاثنين تأكيدا ~~كقوله: # 4512- فإن تزجراني يا ابن عفان أزدجر # وإن تدعاني أحم عرضا ممنعا # وقال آخر: # 4513- فقلت لصاحبي: لا تحبسانا # بنزع أصوله واجدز شيحا # وتقول العرب: ويحك ارجلاها وازجراها وخذاها للواحد. قال ~~الفراء: وأصل ذلك أن أدنى أعوان الرجل في إبله وغنمه وسفره اثنان فجرى ~~كلام الواحد على صاحبه، ومنه قولهم في الشعر: خليلي. وقال الزجاج: هذا ~~أمر السائق والشهيد. وقيل: للمتلقين. # قوله: { كل كفار عنيد } الكفار يحتمل أن يكون من الكفر ~~فيكون بمعنى شديد الكفر لأن الشديد في اللفظ بدل على شدة في المعنى، ~~ويحتمل أن يكون من الكفران فهو المنكر نعم الله مع كثرتها. # و " العنيد " فعيل بمعنى فاعل من عند عنودا، ومنه العناد. ~~والمعنى عاص معرض عن الحق. قال عكرمة ومجاهد: مجانب للحق ومعاند لله. # قوله: " مناع للخير " أي كثير المنع للمال والواجب من الزكاة وكل ~~حق واجب في ماله هذا إذا قلنا إن الكفار هو المنكر نعم الله تعالى. وإن ~~قلنا: هو من الكفر فهو الذي أنكر دلائل وحدانية الله تعالى مع قوتها ~~وظهورها، فكان شديد الكفر عنيدا حيث أنكر الحق الواضح فهو مناع شديد ~~المنع من الإيمان فهو مناع للخير وهو الإيمان الذي هو خير محض، كأنه ~~يقول: كفر بالله ولم يقتنع بكفره، حتى منع الخير من الغير. # قوله: " معتد " فإن فسرنا المناع بمناع الزكاة فمعناه لمن ~~يؤد الواجب وتعدى ذلك حتى أخذ الحرام أيضا بالربا كما كان عادة ~~المشركين، وإن كان المناع بمعنى منع الإيمان فكأنه يقول: منع الإيمان ~~ولم يقنع به حتى تعداه، وأهان من آمن، وآذاه، وأعان من كفر فآواه. ~~قال المفسرون: هو الظالم الذي لا يقر بتوحيد الله تعالى. # وقوله: " مريب " أي شاك في التوحيد. ومعناه دخل في الريب، وقيل: ~~موقع للغير في الريب بإلقاء الشبه. وإن قيل: بأن المناع مناع ~~الزكاة فمعناه لا يعطي الزكاة لأنه في ريب من الآخرة والثواب. قال ابن ~~الخطيب: وفيه ترتيب آخر وهو أن يقال: ms8010 هذا بيان أحوال الكافر بالنسبة ~~إلى الله تعالى وإلى الرسول وإلى اليوم الآخر. فقوله: " كفار عنيد ~~" إشارة إلى حاله مع الله يكفر به ويعاند آياته. وقوله: { ~~مناع للخير معتد } ، إشارة إلى حاله مع الرسول يمنع ~~الناس اتباعه ومن الإنفاق على من عنده وبتعدى بالإيذاء وقوله: " ~~مريب " إشارة إلى حاله بالنسبة إلى اليوم الآخر يرتاب فيه ولا يظن أن ~~الساعة قائمة. # فإن قيل: قوله تعالى: { ألقيا في جهنم كل كفار عنيد ~~مناع للخير } إلى غير ذلك يوجب أن يكون الإلقاء خاصا بمن ~~اجتمع فيه هذه الصفات بأسرها والكفر وحده كاف في إثبات الإلقاء في جهنم؟ # فالجواب: أن قوله: { كل كفار عنيد } ليس المراد منه الوصف ~~المميز كما يقال: أعط العالم الزاهد بل المراد الوصف المبين لكون ~~الموصوف موصوفا به إما على سبيل المدح أو على سبيل الذم كقولك: هذا ~~حاتم السخي. فقوله: { كل كفار عنيد } معناه أن الكافر عنيد ومناع ~~للخير؛ لأن آيات الوحدانية ظاهرة ونعم الله على عباده وافرة وهو مع ~~ذلك عنيد ومناع للخير، لأنه يمدح دينه ويذم دين الحق فهو يمنع، ~~ومريب لأنه يرتاب في الحشر، وكل كافر فهو موصوف بهذه الصفات. # قوله: " الذي جعل " يجوز أن يكون منصوبا على الذم، أو على ~~البدل من " كل " وأن يكون مجرورا بدلا من " كفار " ، أو مرفوعا ~~بالابتداء والخبر " فألقياه ". قيل: ودخلت الفاء لشبهه بالشرط، ~~ويجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمر، أي هو الذي جعل، ويكون " فألقياه " ~~تأكيدا. # وجوز ابن عطية أن يكون صفة " لكفار "؛ قال: من حيث يختص " كفار ~~" بالأوصاف المذكورة فجاز وصفه لهذه المعرفة. وهذا مردود. وقرىء بفتح ~~التنوين في " مريب " فرارا من توالي أربع متجانسات. ### || [50.27-29] # قوله: " قال قرينه " جاءت هذه بلا واو؛ لأنها قصد بها الاستئناف ~~كأن الكافر قال: رب هو أطغاني فقال قرينه: ما أطغيته بخلاف ~~التي قبلها فإنها عطفت على ما قبلها للدلالة على الجمع بين معناها ومعنى ~~ما قبلها في الحصول أعني مجيء كل نفس مع الملكين وقول قرينه ما قال. ~~قال ابن الخطيب: ms8011 جاءت هذه بلا واو وفي الأولى بالواو العاطفة لأن في ~~الأولى إشارة وقعت إلى معنيين مجتمعين، فإن كل نفس في ذلك الوقت يجيء ~~معها سائق وشهيد فيقول الشهيد ذلك القول، وفي الثاني لم يوجد هناك ~~معنيان مجتمعان حتى يذكر بالواو، فإن الفاء في قوله: # فألقياه في العذاب # [ق: 26] لا يناسب قوله: " قال ربنا ما أطغيته " فليس هناك ~~مناسبة مقتضية للعطف بالواو. # فصل # هذا جواب لكلام مقدر، كأن الكافر حين يلقى في النار يقول: ربنا أطغاني ~~شيطاني، فيقول الشيطان: ربنا ما أطغيته بدليل قوله تعالى: { لا ~~تختصموا لدي }؛ لأن المخاصمة تستدعي كلاما من الجانبين ~~ونظيره قوله تعالى في سورة " ص ": # قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم # [ص: 60] إلى قوله: # إن ذلك لحق تخاصم أهل النار # [ص: 64]. قال الزمخشري: وهذا يدل على أن المراد بالقرين في الآية ~~المتقدمة هو الشيطان لا الملك الذي هو شهيد وقعيد، وعلى هذا فيكون قوله: ~~{ ربنا مآ أطغيته } ، مناقضا لقوله: أعتدته. # قال ابن الخطيب: وللزمخشري أن يجيب بوجهين: # أحدهما: أن يقول (إن قول) الشيطان: أعتدته بمعنى زينت له. # والثاني: أن تكون الإشارة إلى حالين، ففي الحالة الأولى أنا فعلت به ذلك ~~إظهارا للانتقام من بني آدم وتصحيحا لقوله: # فبعزتك لأغوينهم أجمعين # [ص: 82] ثم إذا رأى العذاب وهو معه مشترك يقول: ربنا ما أطغيته ~~فيرجع عن مقاله عند ظهور العذاب. قال ابن عباس وسعيد بن جبير ومقاتل: ~~المراد بالقرين هنا: الملك أي يقول الكافر: رب إن الملك زاد علي في ~~الكتابة فيقول الملك: ربنا ما أطغيته يعني ما زدت عليه وما ~~كتبت إلا ما قال وعمل { ولكن كان في ضلال بعيد } أي طويل ~~لا يرجع عنه إلى الحق. # فإن قيل: القائل هنا واحد وقال: ربنا ما أطغيته ولم يقل: رب وفي ~~كثير من المواضع القائل واحد وقال: رب، كقوله: # رب أرني # [البقرة: 260] وقال نوح: # رب اغفر لي # [نوح: 28] # رب لا تذر على الأرض # [نوح: 26] # رب السجن أحب إلي # [يوسف: 33] # رب ابن لي عندك بيتا # [التحريم: 11] # رب فأنظرني # [الحجر:36] ms8012 و [ص:79]. # فالجواب: أن في جميع تلك المواضع القائل طالب، ولا يحسن أن يقول الطالب ~~يا رب أعطني وإنما يحسن أن يقول: أعطنا لأن كونه: " ربا " لا يناسب ~~تخصيص الغالب. وأما هنا فالموضع موضع هبة وعظمة وعرض حال فقال: ربنا ~~ما أطغيته. # فإن قيل: ما الوجه في اتصاف الضلال بالبعد؟ # فالجواب: أن الضلال يكون أكثر ضلالا من الطريق فإذا تمادى في الضلال ~~وبقي فيه مدة يبعد عن المقصد كثيرا، وإذا عدم الضلال قصرت الطريق عن ~~قريب فلا يبعد عن المقصد كثيرا فقوله: " ضلال بعيد " وصف للمصدر بما ~~يوصف به الفاعل، كما يقال: كلام صادق، وعيشة راضية أي (و) ضلال ذو ~~بعد والضلال إذا بعد مداه وامتد الضلال فيه فيصير بينا ويظهر ~~الضلال لأن من حاد عن الطريق (وبعد عنه يبعد عليه الصواب ولا يرى ~~للمقصد أثرا فبين له أنه ضل عن الطريق) وربما يقع في أودية ~~ومفاوز تظهر له أمارات الضلال بخلاف من حاد قليلا، فالضلال وصفه ~~الله بالوصفين في كثير من المواضع، فتارة قال: { في ضلال مبين } ، ~~وأخرى: { في ضلال بعيد }. # فإن قيل: كيف قال: ما أطغيته مع أنه قال: " لأغوينهم أجمعين ~~"؟ # فالجواب من ثلاثة أوجه تقدم منها وجهان في الاعتذار عما قاله الزمخشري. # والثالث: أن المراد من قوله: " لأغوينهم " أي لأديمنهم على الغواية ~~كما أن الضال إذا قال له شخص: أنت على الجادة فلا تتركها، يقال: ~~إنه يضله. كذا ههنا، فقوله: " ما أطغيته " أي ما كان ابتداء الإطغاء ~~مني. # قوله: " لا تختصموا " استئناف أيضا كأن قائلا قال: فماذا قال ~~الله له؟ فأجيب: يقال لا تختصموا وقوله: " لدي " يفيد مفهومه أن ~~الاختصام كان ينبغي أن يكون قبل الحضور، والوقوف بين يدي. # قوله: " وقد قدمت " جملة حالية، ولا بد من تأويلها، وذلك أن ~~النهي في الآخرة وتقدمه الوعد في الدنيا، فاختلف الزمنان فكيف يصح جعلها ~~حالية؟ وتأويلها هو أن المعنى وقد صح أني قدمت وزمان الصحة وزمان ~~النهي واحد. و " قدمت " يجوز أن يكون " قدمت " على حاله متعديا ~~والباء مزيدة ms8013 في المفعول أي قدمت إليكم الوعيد، كقوله تعالى: # تنبت بالدهن # [المؤمنون: 20] على قول من قال بزيادتها هناك. وقيل: الباء هنا ~~للمصاحبة، كقولك: اشتريت الفرس بلجامه وسرجه أي معه فكأنه ~~قال: قدمت إليكم ما يجب مع الوعيد علي تركه والإنذار. # قوله: { ما يبدل القول لدي } أي لا تبديل لقولي، وهو ~~قوله: # لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين # [السجدة: 13]. وقيل المعنى ما يبدل القول لدي أي ما يكذب عندي ولا ~~يغير القول عن وجهه لأني أعلم الغيب. وهذا قول الكلبي، ومقاتل، واختيار ~~الفراء؛ لأنه قال: { ما يبدل القول لدي } ولم يقل: " ما يبدل قولي ". ~~وقيل: معناه ما يبدل القول السابق أن هذا شقي وهذا سعيد حين خلقت ~~العباد، فذلك القول عندي لا تبديل له بسعي ساع. # وهذا رد على المرجئة حيث قالوا: ما ورد في القرآن من الوعيد ~~فهو تخويف ولا يحقق الله منه شيئا، وقالوا: الكريم إذا وعد بخير ~~وفى، وإذا أوعد أخلف وعفا. وقيل: المعنى ما يبدل الكفر ~~بالإيمان لدي، فإن القيام عند القيام بين يدي الله في القيامة غير ~~مقبول فقوله: { ما يبدل القول لدي } إشارة إلى نفي الحال، ~~كأنه قال: ما يبدل اليوم لدي القول؛ لأن " ما " إذا دخلت على الفعل ~~المضارع ينفى بها الحال، تقول: ماذا يفعل زيد في بيته؟ ~~فيقال: ما يفعل شيئا أي في الحال فإذا قلت: ماذا يفعل غدا؟ ~~قيل: لا يفعل شيئا إذا أريد زيادة بيان النفي. # قوله: { ومآ أنا بظلام للعبيد } أي فأعاقبهم بغير ~~جرم. واعلم أن الظلام مبالغة في الظالم ويلزم من إثباته إثبات أصل ~~الظلم فإذا قال القائل: هو كذاب يلزم أن يكون كثير الكذب، فلا يلزم من ~~نفيه نفي أصل الكذب لجواز أن يقال: ليس بكذاب كثير الكذب لكنه يكذب ~~أحيانا. فقوله: { مآ أنا بظلام } يفهم منه نفي أصل الظلم وأن ~~الله ليس بظالم. والوجه في ذلك من وجوه: # الأول: أن الظلام بمعنى الظالم كالتمار بمعنى التامر، فيكون اللام في ~~قوله: " للعبيد " لتحقيق النسبة لأن الفعال حينئذ بمعنى ذي ms8014 ظلم. # الثاني: قال الزمخشري: إن ذلك أمر تقديري كأنه تعالى يقول: لو ~~ظلمت عبدي الضعيف الذي هو محل الرحمة لكان ذلك غاية الظلم وما أنا ~~بذلك، فيلزم من نفي كونه ظلاما نفي كونه ظالما، ويحقق هذا الوجه إظهار ~~لفظ العبيد حيث قال: { ومآ أنا بظلام للعبيد } أي في ذلك ~~اليوم الذي أملأ فيه جهنم مع وسعها حتى تصيح وتقول: لم يبق لي ~~طاقة بهم، ولم يبق في موضع لهم، " فهل من مزيد " استفهام ~~إنكار. # الثاث: أنه لمقابلة الجمع بالجمع، والمعنى أن ذلك اليوم مع أني ألقي ~~في جهنم عددا لا حصر له لا أكون بسبب كثرة التعذيب كثير الظلم لأنه ~~قال: { وما أنا بظلام للعبيد، يوم نقول } ولم يقل: ما أنا ~~بظلام في جميع الأزمان. وخصص بالعبيد حيث قال: { ما أنا بظلام ~~للعبيد } ، ولم يطلق فكذلك خصص النفي بنوع من أنواع الظلم ولم يطلق، ولم ~~يلزم منه أن يكون ظالما في غير ذلك الوقت. # وبقية الأوجه مذكورة في آل عمران عند قوله: " بظلام للعبيد " # كدأب آل فرعون # [آل عمران: 11]. # فصل # هذه الآية تدل على أن التخصيص بالذكر لا يدل على نفي ما عداه؛ لأنه نفى ~~كونه ظلاما ولم يلزم منه كونه ظالما ولم يلزم منه كونه ظلاما ~~لغيرهم. # فصل # يحتمل أن يكون المراد الكفار كقوله تعالى: # يحسرة على العباد ما يأتيهم من رسول # [يس: 30]، المعنى أعذبهم وما أنا بظلام لهم، ويحتمل أن يكون المراد ~~المؤمنين. والمعنى أن الله تعالى يقول: لو بدلت قولي ورحمت الكافر لكنت ~~في تكليف العباد ظالما لعبادي المؤمنين لأني منعتهم من الشهواب لأجل هذا ~~اليوم فلو كان ينال من لم يأت بما أتى به المؤمن لكان إتيان المؤمن بما ~~أتى به من الإيمان والعبادة غير مفيد، وهذا معنى قوله تعالى: # لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة # [الحشر: 20] وقوله: # قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون # [الزمر: 9] ويحتمل أن يكون المراد التعميم. ### || [50.30-35] # قوله تعالى: { يوم نقول لجهنم } يوم منصوب إما " بظلام ~~" ولا مفهوم لهذا؛ لأنه ms8015 إذا لم يظلم في هذا اليوم فنفي الظلم عنه في غيره ~~أحرى. أو بقوله: # ونفخ في الصور # [ق: 20]. والإشارة بذلك إلى: يوم نقول. قاله الزمخشري. ~~واستبعده أبو حيان؛ لكثرة الفواصل أو باذكر مقدرا أو بأنذر. ~~وهو على هذين الأخيرين مفعول به لا ظرف. وقرأ نافع وأبو بكر: يقول ~~لجهنم بياء الغيبة، والفاعل: الله تعالى، لتقدم ذكره في قوله: # لدي وقد قدمت # [ق: 28] والأعمش: يقال مبنيا للمفعول. وقوله: " هل امتلأت " وذلك ~~لما سبق من وعده إياها أنه يملأها من الجنة والناس وهذا السؤال من ~~الله - عز وجل - لتصديق خبره وتحقيق وعده. # قوله: { هل من مزيد } سؤال تقرير وتوقيف. وقيل: معناه النفي. ~~وقيل: السؤال لخزنتها والجواب منهم، فلا بد من حذف مضاف أي نقول لخزنة ~~جهنم ويقولون ثم حذف. و " المزيد " يجوز أن يكون مصدرا أي من زيادة ~~وأن يكون اسم مفعول أي من شيء تزيدونه أحرقه. # فصل # قال المفسرون: معنى قوله: هل من مزيد أي قد امتلأت ولم يبق في موضع ~~لم يمتلىء، فهو استفهام إنكار بمعنى الاستزادة، رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس (رضي الله عنهم) وعلى هذا يكون السؤال وهو قوله: هل امتلأت قبل ~~دخول جميع أهلها فيها. روي عن ابن عباس: أن الله تعالى سبقت كلمته: ~~لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين، فلما سبق أعداء الله تعالى إليها ~~لا يلقى فيها فوج إلا ذهب فيها ولا يملأها فتقول: ألست قد أقسمت ~~لتملأني فيضع قدمه عليها ثم يقول: هل امتلأت؟ فتقول: قط قط ~~قد امتلأت وليس في مزيد. # قوله تعالى: { وأزلفت الجنة } قربت وأدنيت وقوله: " غير ~~بعيد " يجوز أن يكون حالا من " الجنة " ولم يؤنث؛ لأنها بمعنى ~~البستان، أو لأن " فعيلا " لا يؤنث؛ لأنه بزنة المصادر، قاله ~~الزمخشري ومنعه أبو حيان، وقد تقدم في قوله: # إن رحمت الله قريب # [الأعراف: 56] ويجوز أن يكون منصوبا على الظرف المكاني، أي مكانا غير ~~بعيد، ويجوز أن يكون نعتا لمصدر محذوف أي إزلافا غير بعيد، وهو ظاهر ~~عبارة الزمخشري، فإنه قال: أو شيئا ms8016 غير بعيد. # فإن قيل: ما وجه التقريب مع أن الجنة مكان، والأمكنة يقرب منها وهي لا ~~تقرب؟ # فالجواب من وجوه: # الأول: أن الجنة لا تزال ولا يؤمر المؤمن في ذلك اليوم بالانتقال ~~إليها مع بعدها لكن الله تعالى يطوي المسافة التي بين المؤمن والجنة فهو ~~التقريب. # فإن قيل: فعلى هذا ليس إزلاف الجنة من المؤمن بأولى من إزلاف ~~المؤمن من الجنة فما فائدة قوله: " أزلفت الجنة "؟ # فالجواب: أن ذلك إكرام للمؤمن وبيان لشرفه، وأنه ممن يمشى إليه. # الثاني: قربت من الحصول في الدخول لا بمعنى القرب المكاني. # الثالث: أن الله تعالى قادر على نقل الجنة من السماء إلى الأرض فيقربها ~~للمؤمن ويحتمل أنها أزلفت بمعنى جمعت محاسنها، لأنها مخلوقة، ~~وإما بمعنى قرب الحصول لها لأنها تنال بكلمة وحسنة وخص المتقين بذلك ~~لأنهم أحق بها. # قوله: { هذا ما توعدون } هذه الجملة يجوز فيها وجهان: # أحدهما: أن تكون معترضة بين البدل والمبدل منه، وذلك أن " ~~لكل أواب " بدل من " المتقين " بإعادة العامل. # والثاني: أن تكون منصوبة بقول مضمر، ذلك القول منصوب على الحال أي ~~مقولا لهم. وقد تقدم في (سورة) " ص " أنه قرىء: يوعدون بالياء ~~والتاء. # ونسب أبو حيان قراءة الياء من تحت هنا لابن كثير، وأبي عمرو، وإنما هي ~~عن ابن كثير وحده. # فصل # والأواب الرجاع، قيل: هو الذي يرجع عن الذنوب إلى الاستغفار ~~والطاعة، قال سعيد بن المسيب: هو الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ~~ثم يتوب. وقال الشعبي ومجاهد: هو الذي يذكر ذنوبه في الخلاء ~~فيستغفر منها. وقال عطاء، وابن عباس: هو المسبح من قوله: # يجبال أوبي معه # [سبأ: 10] وقال قتادة: هو المصلي. والحفيظ: هو الذي يحفظ توبته ~~من النقص. وقال ابن عباس -(رضي الله عنهما) - هو الذي يحفظ ذنوبه ~~حتى يرجع عنها ويستغفر منها. وقال ابن عباس أيضا: الحفيظ لأمر الله، ~~وقال قتادة الحفيظ لما استودعه الله من حقه. والأواب والحفيظ كلاهما ~~من باب المبالغة أي يكون كثير الأوب شديد الحفظ. # قوله: " من خشي " يجوز أن يكون مجرور ms8017 المحل بدلا، أو بيانا ل ~~" كل ". وقال الزمخشري: يجوز أن يكون بدلا بعد بدل تابعا لكل. انتهى. ~~يعني أنه بدل من كل بعد أن أبدلت " لكل " من " للمتقين ". ولم ~~يجعله بدلا آخر من نفس " للمتقين " لأنه لا يتكرر البدل والمبدل ~~منه واحد. ويجوز أن يكون بدلا من موصوف " أواب وحفيظ " قاله ~~الزمخشري. يعني أن الأصل لكل شخص أواب، فيكون " من خشي " بدلا من ~~" شخص " المقدر. قال: ولا يجوز أن يكون في حكم " أواب وحفيظ "؛ لأن " ~~من " لا يوصف بها، لا يقال: الرجل من جاءني جالس، كما يقال: الرجل ~~الذي جاءني جالس. والفرق بينهما يأتي في الفصل بعده. ولا يوصف من بين ~~الموصولات إلا بالذي يعني بقوله: " في حكم أواب " أن يجعل من صفة. ~~وهذا كما قال لا يجوز، إلا أن أبا حيان استدرك عليه الحصر وقال: ~~بل يوصف بغير الذي من الموصولات كوصفهم بما فيه أل الموصوفة، نحو: ~~الضارب والمضروب، وكوصفهم بذو وذات الطائيتين نحو قولهم: ~~" بالفضل ذو فضلكم الله به، والكرامة ذات ~~أكرمكم به ". # وقد جوز ابن عطية في: " من خشي " أن يكون نعتا لما تقدم. وهو ~~مردود بما تقدم. ويجوز أن يرتفع: من خشي على أنه خبر ابتداء مضمر ~~أو ينصب بفعل مضمر، وكلاهما على القطع المشعر بالمدح، وأن يكون ~~مبتدأ خبره قول مضمر ناصب لقوله: ادخلوها وحمل أولا على اللفظ ~~وفي الثاني على المعنى. # وقيل: من خشي منادى حذف منه حرف النداء أي يا من خشي ~~ادخلوها باعتبار الجملتين المتقدمتين وحذف حرف النداء سائغ. وأن ~~تكون شرطية وجوابها محذوف هو ذلك القول، ولكن رد معه فاء أي فيقال لهم. ~~و " بالغيب " حال أي غائبا عنه، فيحتمل أن يكون حالا من الفاعل أو ~~المفعول أو منهما، وقيل: الباء المسببة أي خشية بسبب الغيب الذي أوعد ~~به من عذابه. ويجوز أن يكون صفة لمصدر خشي أي خشيه خشية ~~ملتبسة بالغيب. # فصل # قال ابن الخطيب: إذا كان " من والذي " يشتركان في كونهما من ~~الموصولات فلماذا لا يشتركان في جواز الوصف ms8018 بهما؟ # فنقول: " ما " اسم مبهم يقع على كل شيء فمفهومه هو شيء، لكن الشيء هو ~~أعم الأشياء فإن الجوهر شيء، والعرض شيء، والواجب شيء، والممكن ~~شيء، والأعم قبل الأخص في الفهم لأنك إذا رأيت شيئا من البعد تقول ~~أولا: إنه شيء، ثم إذا ظهر لك منه ما يختص بالناس تقول: إنسان، فإذا ~~بان لك أنه ذكر قلت: إنه رجل، فإذا وجدته ذا قوة تقول: شجاع إلى غير ذلك ~~فالأعم أعرف، وهو قبل الأخص في الفهم، فلا يجوز أن يكون صفة، لأن ~~الصفة بعد الموصوف. هذا من حيث المعقول، وأما من حيث النحو، فلأن ~~الحقائق لا يوصف بها، فلا يقال: جسم رجل جاءني، كما يقال: ~~جسم ناطق جاءني؛ لأن الوصف يقوم بالموصوف والحقيقة تقوم ~~بنفسها لا بغيرها. فقولنا: عالم أي شيء له علم. # فصل # والخشية والخوف معناهما واحد عند أهل اللغة، لكن بينهما فرق، ~~وهو أن الخشية خوف من عظمة المخشي، لأن تركيب حروف " ش ي خ ~~" في تقاليبها يلزمه معنى الهيبة، يقال: شيخ للسيد وللرجل ~~الكبير السن، وهما جميعا مهيبان والخوف خشية من ضعف الخاشي، ~~لأن تركيب " خ و ف " في تقاليبها يدل على الضعف، ويدل على ذلك أنه ~~حيث كان الخوف من عظمة المخشي قال تعالى: # إنما يخشى الله من عباده العلماء # [فاطر: 28]، وقال: # لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته ~~خاشعا متصدعا من خشية الله # [الحشر:21] وقال: # هم من خشية ربهم مشفقون # [المؤمنون: 57] مع أن الملائكة والجبل أقوياء وحيث كان الخوف من ضعف ~~الخاشي سماه خوفا قال تعالى: # ألا تخافوا ولا تحزنوا # [فصلت: 30] أي بسبب مكروه يلحقكم في الآخرة. وقال تعالى: # خآئفا يترقب # [القصص: 18] وقال: " إني أخاف أن يقتلون " لوحدته وضعفه هذا ~~في أكثر الاستعمال وربما يتخلف (المدعى عنه لكن الكثرة كافية). # فصل # معنى الآية من خاف الرحمن فأطاعه بالغيب، ولم يره. وقال الضحاك ~~والسدي: يعني في الخلوة حيث لا يراه أحد. قال الحسن: إذا أرخى الستر ~~وأغلق الباب. # { وجآء بقلب منيب } هذه صفة مدح، لأن شأن الخائف ms8019 أن يهرب، ~~فأما المتقي فجاء ربه لعلمه أنه لا ينجي الفرار منه. # وقوله: " منيب " أي مخلص مقبل على طاعة الله تعالى. والباء في " ~~بقلب " إما للتعدية، وإما للمصاحبة، وإما للسببية. # والقلب المنيب كالقلب السليم في قوله تعالى: # إذ جآء ربه بقلب سليم # [الصافات: 84] أي سليم من الشرك. # قوله: " ادخلوها بسلام " الجار والمجرور حال من فاعل " ~~ادخلوها " أي سالمين من الآفات فهي حال مقارنة، أو مسلما عليكم فهي ~~حال مقدرة كقوله: # فادخلوها خالدين # [الزمر: 73]. كذا قيل وفيه نظر، إذ لا مانع من مقارنة وتسليم الملائكة ~~عليهم حال الدخول بخلاف فادخلوها خالدين فإنه لا يعقل الخلود إلا ~~بعد الدخول، والضمير في " ادخلوها " عائد إلى الجنة، أي ادخلوا الجنة ~~بسلامة من العذاب والهموم وقيل: بسلام من الله وملائكته عليهم. # قوله: { ذلك يوم الخلود } قال أبو البقاء: أي ومن ذلك ~~يوم الخلود كأنه جعل " ذلك " إشارة إلى ما تقدم من إنعام الله ~~عليهم بما ذكره، وقيل " ذلك " مشار به لما بعده من الزمان، كقولك: ~~هذا زيد. قال الزمخشري: في قوله: { ذلك يوم الخلود } ~~إضمار تقديره: ذلك يوم تقرير الخلود. ويحتمل أن يقال: اليوم ~~يذكر ويراد به الزمان المطلق سواء كان يوما أو ليلا، تقول: يوم ~~يولد لفلان يكون السرور العظيم، ولو ولد له بالليل لكان السرور ~~حاصلا فالمراد به الزمان فكأنه تعالى قال: ذلك زمان الإقامة ~~الدائمة. # فإن قيل: المؤمن قد علم أنه إذا دخل الجنة خلد فيها فما فائدة القول؟ # فالجواب من وجهين: # الأول: أن قوله: { ذلك يوم الخلود } قول قاله الله في ~~الدنيا، إعلاما وإخبارا، وليس ذلك قولا يقوله عند قوله: " ادخلوها " ~~، فكأنه تعالى أخبر في يومنا أن ذلك اليوم يوم الخلود. # الثاني: أن اطمئنان القلب بالقول أكثر. # قوله: { لهم ما يشآءون فيها } يجوز أن يتعلق " فيها " ب " ~~يشاؤون " ويجوز أن يكون حالا من الموصول، أو من عائده والأول أولى. # فصل # ما الحكمة في أنه تعالى قال: ادخلوها بسلام على المخاطبة، ثم ~~قال: " لهم " ولم يقل: لكم؟ # فالجواب من وجوه: # الأول: أن ms8020 قوله تعالى: " ادخلوها " فيه مقدر، أي فيقال لهم ~~ادخلوها. # فلا يكون التفاتا. # الثاني: أنه التفات، والحكمة الجمع بين الطرفين، كأنه تعالى يقول: غير ~~محل بهم في غيبتهم وحضورهم. # ففي حضورهم الحبور، وفي غيبتهم الحور والقصور. # الثالث: أنه يجوز أن يكون قوله تعالى: " لهم " كلاما مع الملائكة، ~~يقول للملائكة توكلوا بخدمتهم، واعلموا أن لهم ما يشاؤون فيها ~~فأحضروا بين أيديهم ما يشاؤون، وأما أنا فعندي ما لا يخطر ببالهم ولا ~~تقدرون أنتم عليه. # و " المزيد " يحتمل أن يكون معناه الزيادة، كقوله تعالى: # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # [يونس: 26] ويحتمل أن يكون بمعنى المفعول، أي عندنا ما نزيده على ما ~~يرجون ويأملون. # قال أنس وجابر: هو النظر إلى وجه الله الكريم. ### || [50.36-37] # قوله تعالى: { وكم أهلكنا } نصب بما بعده. وقدم إما لأنه ~~استفهام، وإما لأن " كم " الخبرية تجري مجرى الاستفهامية في ~~التصدير. و " من قرن " تمييز و " هم أشد " صفة إما " لكم " ~~وإما لقرن. # قوله: " فنقبوا " الفاء عاطفة على المعنى كأنه قيل: اشتد بطشهم ~~فنقبوا والضمير في (نقبوا) إما للقرون المتقدمة وهو الظاهر وإما ~~لقريش، ويؤيده قراءة ابن عباس - (رضي الله عنهما) - وابن يعمر، ~~وأبي العالية، ونصر بن يسار، وأبي حيوة، والأصمعي - عن أبي ~~عمرو - (رضي الله عنهم) فنقبوا - بكسر القاف - أمرا لهم بذلك. # والتنقيب التنقير والتفتيش، ومعناه التطواف في البلاد، ~~قال الحارث بن حلزة: # 4514- نقبوا في البلاد من حذر المو # ت وجالوا في الأرض كل مجال # وقال امرؤ القيس: # 4515- وقد نقبت في الآفاق حتى # رضيت من الغنيمة بالإياب # وقرأ ابن عباس وأبو عمرو أيضا في رواية: نقبوا بفتح القاف خفيفة. ~~ومعناها كما تقدم. وقرىء: نقبوا بكسرها خفيفة أي نقبت أقدامهم ~~وأقدام إبلهم ودميت فحذف المضاف، وذلك لكثرة تطوافهم. # قوله: { هل من محيص } مبتدأ أو خبر مضمر تقديره: هل لمن سلك ~~طريقهم. أو هل لهم من محيص. وهذه الجملة يحتمل أن تكون على إضمار قول ~~وأن لا تكون. # فصل # المعنى فنقبوا أي فضربوا وسافروا وتقلبوا، وأصله من النقب وهو ~~الطريق كأنهم سلكوا كل ms8021 طريق، فلم يجدوا محيصا من أمر الله. وعلى هذا ~~فالمراد بهم أهل مكة، أي ساروا في الأسفار ورأوا ما فيها من الآثار ولم ~~يجدوا ملجأ ومهربا. # وقيل: المعنى صاروا نقباء في الأرض أراد ما أفادهم بطشهم ~~وقوتهم؛ لأن الفاء تدل على ترتيب الأمر على مقتضاه تقول: كان ~~زيد أقوى من عمرو فغلبه. والمعنى كانوا أشد منهم بطشا ~~فصاروا نقباء في الأرض، وهم قوم ثمود الذين جابوا الصخر بالواد، ومن ~~قوتهم خرقوا الطرق ونقبوها وقطعوا الصخور. # وقيل: { هل من محيص } مفر من الموت، فلم يجدوا. وهذا جمع بين ~~الإنذار بالعذاب العاجل والعقاب الآجل؛ لأنه أنذرهم بما يعجل لهم من ~~العذاب المهلك، والإهلاك المدرك. وهذا إنذار لأهل مكة لأنهم على مثل ~~سبيلهم. # فإن قيل: إذا كان (ذلك للجمع) بين الإنذار بالعذاب العاجل والعقاب الآجل ~~فلم توسطهما قوله تعالى: # وأزلفت الجنة للمتقين # [ق: 31]؟ # فالجواب: ليكون ذلك ردعا بالخوف والطمع، فذكر حال الكفور (المعاند)، ~~وحال الشكور ترهيبا وترغيبا. # فإن قيل: لم لم يجمع بين الترهيب والترغيب في العاجلة كما جمع ~~بينهما في الآجلة ولم يذكر حال من أسلم من قبل وأنعم عليه كما ذكر حال ~~من أشرك به وأهلكه؟ # فالجواب: أن النعمة كانت قد وصلت إليهم، وكانوا متقلبين في النعم ~~فلم يذكرهم به، وإنما كانوا غافلين عن الهلاك فأنذرهم به وأما في ~~الآخرة فكانوا غافلين عن الأمرين جميعا فأخبرهم بها. # وقوله: { هل من محيص } استفهام بمعنى الإنكار أي لم يكن لهم ~~محيص. وقيل: هو كلام مستأنف كأنه تعالى يقول لقوم محمد - عليه الصلاة ~~والسلام - هم أهلكوا مع قوة بطشهم فهل من محيص لكم تعتمدون ~~عليه؟ # ومن قرأ بالتشديد فهو مفعول أي بحثوا عن المحيص { هل من محيص؟ }. # والمحيص كالمحيد غير أن المحيص معدل ومهرب عن الشدة بدليل ~~قولهم: " وقعوا في حيص بيص " أي في شدة وضيق، والمحيد ~~معدل وإن كان بالاختيار، فيقال: حاد عن الطريق بطرا. ولا يقال: ~~حاص عن الأمر بطرا. # قوله تعالى: { إن في ذلك لذكرى } ذلك إشارة إلى الإهلاك، ~~أو إلى ms8022 إزلاف الجنة. و " الذكرى " مصدر أي تذكرة وعظة { لمن كان ~~له قلب }. # قال ابن عباس - (رضي الله عنهما) -: أي عقل. قال الفراء: هذا جائز في ~~العربية تقول: ما لك قلب ولا قلبك معك، أي عقلك ~~معك. # وقيل: له قلب حاضر مع الله. وقيل: قلب واع؛ وذلك لأن من لا يتذكر ~~كأنه لا قلب له، ومنه قوله تعالى: # أولئك كالأنعام بل هم أضل # [الأعراف: 179] أي هم كالجماد، وقوله تعالى: # كأنهم خشب مسندة # [المنافقون: 4] أي لهم صور، وليس لهم قلب، ولا لسان للشكر. # قوله: { أو ألقى السمع } العامة على " ألقى " مبنيا ~~للفاعل، وطلحة والسلمي والسدي وأبو البرهسم: ألقي ~~مبنيا للمفعول " السمع " رفع به. وذكرت هذه القراءة لعاصم عن ~~السدي فمقته وقال: أليس يقول: يلقون السمع وإلقاء السمع كناية ~~عن الاستماع، لأن الذي لا يسمع كأنه حفظ سمعه فأمسكه والمعنى استمع ~~القرآن واستمع ما يقال له، لا يحدث نفسه بغيره، تقول العرب: ألق ~~إلي سمعك، أي استمع، أو يكون معناه: لمن كان له قلب فقصد ~~الاستماع، أو ألقى السمع بأن أرسله وإن لم يقصد السماع. # " وهو شهيد " حاضر الذهن. # ويحتمل أن يقال: الإشارة بذلك إلى القرآن في أول السورة أي في القرآن ~~الذي سبق ذكره ذكرى لمن كان له قلب، أو لمن استمع ويكون معنى " وهو ~~شهيد " أي المنذر الذي تعجبتم منه وهو شهيد عليكم كقوله: # إنآ أرسلناك شاهدا # [الأحزاب: 45]. ### || [50.38-42] # قوله تعالى: { ولقد خلقنا السماوات والأرض وما ~~بينهما في ستة أيام } أعاد الدليل مرة أخرى وقد مر تفسيره ~~في الم السجدة، فقيل: إن هذا رد على اليهود في قولهم: إن الله - سبحانه ~~وتعالى - استراح يوم السبت. والظاهر أنها رد على المشركين، أي لم ~~يعي عن الخلق الأول فكيف يعجز عن الإعادة؟ # قال ابن الخطيب: وأشار بقوله: في ستة أيام إلى ستة أطوار لأن ~~المراد من الأيام لا يمكن أن يكون هو المفهوم من وضع اللغة، لأن اليوم في ~~اللغة عبارة عن زمان مكث الشمس فوق الأرض من الطلوع إلى ~~الغروب. وقيل: خلق ms8023 السموات لم يكن شمس ولا قمر لكن اليوم يطلق ويراد ~~به الوقت، يقال: يوم يولد للملك ابن يكون سرور عظيم ~~ويوم يموت فلان يكون حزن شديد، وإن اتفقت الولادة أو ~~الموت لئلا لا يتعين ذلك. وقد يدخل في مراد القائل، لأنه أراد باليوم ~~مجرد الوقت. # قوله: { وما مسنا من لغوب } يجوز أن يكون حالا، وأن يكون ~~مستأنفا. والعامة على ضم لام اللغوب. وعلي وطلحة والسلمي ~~ويعقوب بفتحها. وهما مصدران (بمعنى). وينبغي أن يضم هذا إلى ما حكاه ~~سيبويه من المصادر الجائية على هذا الوزن وهي خمسة وإلى ما زاده الكسائي ~~وهو الوزوع فتصير سبعة، وقد تقدم هذا في البقرة عند قوله تعالى: # وقودها الناس والحجارة # [البقرة: 24] واللغوب العناء والتعب. # قوله تعالى: { فاصبر على ما يقولون } من كذبهم، وقولهم ~~بالاستراحة، أو على قولهم: إن هذا لشيء عجيب. وهذا قبل الأمر ~~بقتالهم. # { وسبح بحمد ربك } قيل: هذا أمر للنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بالصلاة كقوله تعالى: # وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل # [هود: 114] وقوله { قبل طلوع الشمس وقبل الغروب } ~~إشارة إلى طرفي النهار، وقوله: { ومن الليل فسبحه } إشارة ~~إلى # زلفا من الليل # [هود: 114]. # وتقريره أنه - عليه الصلاة والسلام - كان مشتغلا بأمرين: # أحدهما: عبادة الله. # والثاني: هداية الخلق، فإذا لم يهتدوا قيل له: أقبل على شغلك الآخر وهو ~~العبادة. # وقيل: معنى سبح بحمد ربك، أي نزهه عما يقولون ولا تسأم من ~~تذكيرهم بعظمة الله، بل نزهه عن الشرك والعجز عن الممكن وهو الحشر ~~قبل الطلوع وقبل الغروب؛ فإنهما وقت اجتماعهم ويكون المراد بقوله: { ~~ومن الليل فسبحه } أوله، لأنه أيضا وقت اجتماعهم. # وقيل: المعنى: قل سبحان الله، لأن ألفاظا جاءت بمعنى التلفظ ~~بكلامهم كقولهم: كبر لمن قال: الله أكبر وسلم لمن قال: ~~السلام عليكم، وحمد لمن قال: الحمد لله. وهلك لمن قال: ~~لا آله إلا الله، وسبح لمن قال: سبحان الله، وذلك أن هذه أمور ~~تتكرر من الإنسان في الكلام، [فدعت] الحاجة إلى استعمال لفظة واحدة ~~مفيدة للكلام وقالوا: هلل بخلاف قولهم: زيد ms8024 في السوق، فإن ~~من قال: زيد في السوق وأراد أن يخبر عنه بذلك لا يجد لفظا واحدا مفيدا ~~لذلك لعدم تكرره. # ومناسبة هذا الوجه: هو أن تكذيبهم وإنكارهم يقتضي مقابلتهم باللعن، ~~فقيل له: اصبر عليهم، واجعل بدل الدعاء عليهم التسبيح لله، ~~والحمد لله، # ولا تكن كصاحب الحوت # [القلم: 48] أو كنوح - عليهما الصلاة والسلام - حيث قال: # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا # [نوح: 26] # فصل # وقد استعمل التسبيح مع الباء ومع اللام وبدونهما. فإن قلنا: المراد ~~بالتسبيح الصلاة فيحتمل أن يكون المراد بحمد ربك: الأمر بقراءة الفاتحة، ~~كقولك: صلى فلان بسورة كذا. وهذا بعيد. # وإن قلنا المراد: قل سبحان الله، فالباء للمصاحبة. وكذلك إن ~~قلنا: معناه التنزيه أي نزهه واحمده وفقك لتسبيحه ~~فيكون المفعول محذوفا، للعلم به، أي نزه الله بحمد ربك، أي ملتبسا أو ~~مقترنا بحمد ربك. # وأما اللام فإما أن يكون من باب شكر ونصح، وإما أن يكون معناها ~~خالصا لله. # وأما تعديه بنفسه فهو الأصل. وأعاد الأمر للتسبيح، إما تأكيدا وإما أن ~~يكون الأول بمعنى الصلاة، والثاني بمعنى التسبيح والذكر. ودخلت ~~الفاء؛ لأن المعنى: وأما من الليل فسبحه. # ولما ذكر أوقات الصلوات ذكر أدبار السجود؛ ليعم الأوقات فيكون ~~كقوله: # فإذا فرغت فانصب # [الشرح: 7] و " من " إما لابتداء الغاية، أو من أول الليل، وإما ~~للتبعيض. # فصل # قال المفسرون: قبل طلوع الشمس يعني صلاة الصبح، وقبل الغروب يعني العصر، ~~وروي عن ابن عباس: قبل الغروب الظهر والعصر { ومن الليل ~~فسبحه } يعني صلاة المغرب، والعشاء. وقال مجاهد: ومن الليل ~~يعني صلاة الليل، أي وقت صلى. # قوله: " وأدبار السجود " قرأ نافع وابن كثير، وحمزة: إدبار بكسر الهمزة، ~~على أنه مصدر قام مقام ظرف الزمان كقولهم: آتيك خفوق النجم ~~وخلافة الحجاج. ومعنى وقت إدبار الصلاة أي انتصابها وتمامها. ~~والباقون بالفتح جمع (دبر) وهو آخر الصلاة وعقبها. ومنه قول أوس: # 4516- على دبر الشهر الحرام فأرضنا # وما حولها جدب سنون تلمع # ولم يختلفوا في: # وإدبار النجوم # [الطور: 49]. # وقوله: " وأدبار " معطوف إما على " قبل الغروب ms8025 " وإما على " ~~ومن الليل ". # فصل # قال عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، والحسن، والشعبي، والنخعي ~~والأوزاعي: أدبار السجود الركعتان قبل صلاة الفجر، وهي رواية العوفي عن ~~ابن عباس. وروي عنه مرفوعا. وهذا قول أكثر المفسرين. وقال مجاهد: أدبار ~~السجود هو التسبيح باللسان في أدبار الصلوات المكتوبات، قال - عليه ~~الصلاة والسلام -: # " " من سبح في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وكبر ~~ثلاثا وثلاثين وحمد ثلاثا وثلاثين " فذلك ~~تسعة وتسعون ثم قال: " تمام المائة لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو ~~على كل شيء قدير غفرت خطاياه وإن كانت مثل ~~زبد البحر " ". # قوله تعالى: { واستمع يوم يناد } هو استماع على بابه. وقيل: ~~بمعنى الانتظار. وهو بعيد. فعلى الأول يجوز أن يكون المفعول محذوفا، أي ~~استمع نداء المنادي، أو نداء الكافر بالويل والثبور، فعلى هذا يكون ~~" يوم ينادي " ظرفا ل " استمع " أي استمع ذلك في يوم. ~~وقيل: استمع ما أقول لك فعلى هذا يكون " يوم ينادي " مفعولا به أي ~~انتظر ذلك اليوم. # ووقف ابن كثير على " ينادي " بالياء. والباقون دون ياء. ووجه ~~إثباتها أنه لا مقتضي لحذفها. ووجه حذفها وقفا اتباع الرسم وكأن الوقف ~~محل تخفيف. # وأما " المنادي " فأثبت ابن كثير أيضا ياءه وصلا ووقفا. ونافع وأبو ~~عمرو بإثباتها وصلا وحذفها وقفا، وباقي السبعة بحذفهما وصلا ووقفا. ~~فمن أثبت، فلأنه الأصل، ومن حذف فلاتباع الرسم. ومن خص الوقف بالحذف ~~فلأنه محل راحة ومحل تغيير. # فصل # في " واستمع " وجوه: # الأول: أن يكون مفعوله محذوفا رأسا، والمقصود: كن مستمعا ولا تكن ~~مثل هؤلاء المعرضين الغافلين، يقال: هو رجل سميع مطيع، ولا يراد: ~~مسموع بعينه. # الثاني: استمع ما يوحى إليك. # الثالث: استمع نداء المنادي. # فإن قيل: " استمع " عطف على " فاصبر " و " سبح " وهو في ~~الدنيا، فالاستماع يكون في الدنيا وما يوحى (يكون) " يوم ينادي " لا يسمع ~~في الدنيا. # فالجواب: أنه لا يلزم ذلك، لجواز أن يقال: صل وادخل الجنة أي ~~صل في الدنيا وادخل الجنة في العقبى فكذا ms8026 ههنا. # ويحتمل أن يكون استمع بمعنى انتظر. ويحتمل أن يكون المراد: ~~تأهب لهذه الصيحة لئلا يفجأك فيزعجك. والمراد بالمنادي: إما ~~الله تعالى بقوله: # احشروا الذين ظلموا # [الصافات: 22] وبقوله: # ألقيا في جهنم # [ق: 24] أو بقوله: # أين شركآئي # [النحل: 27] ويحتمل أن يكون المراد بالمنادي: إسرافيل قال مقاتل: ينادي ~~إسرافيل بالحشر يا أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، ~~واللحوم المتمزقة، والشعور المتفرقة، إن الله يأمركم أن تجتمعوا ~~لفصل القضاء. أو يكون النداء للنفس فقال: # يأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك # [الفجر: 27 - 28] إذ ينادي المنادي هؤلاء للجنة، وهؤلاء للنار، ويحتمل ~~أن يكون المنادي: هو المكلف لقوله: # ونادوا يمالك # [الزخرف: 77]. والظاهر الأول؛ لأن اللام للعهد والتعريف. والمعهود ~~السابق قوله: # ألقيا في جهنم # [ق: 24]. # وقوله: { من مكان قريب } أي لا يخفى على أحد. وقيل: من صخرة ~~بيت المقدس وهي وسط الأرض. قال الكلبي: هي أقرب الأرض إلى السماء ~~بثمانية عشر ميلا. # قوله: " يوم يسمعون " بدل من " يوم ينادي " و " ~~بالحق " حال من " الصيحة " أي ملتبسة بالحق أو من الفاعل أي ~~يسمعون ملتبسين بسماع الحق. # قوله { ذلك يوم الخروج } يجوز أن يكون التقدير: ذلك الوقت - ~~أي وقت النداء والسماع - يوم الخروج. ويجوز أن يكون " ذلك " إشارة إلى ~~النداء، ويكون قد اتسع في الظرف فأخبر به عن المصدر، أو فقدر مضاف، أي ~~ذلك النداء والاستماع نداء يوم الخروج، واستماعه. واللام في " ~~الصيحة " للتعريف، لقوله: # إن كانت إلا صيحة واحدة # [يس: 29]. والمراد بالحق: الحشر أو اليقين، يقال: صاح فلان بيقين ~~لا بظن وتخمين أي وجد منه الصياح يقينا لا كالصدى وغيره، أو يكون ~~المراد المقترنة بالحق، يقال: اذهب بالسلامة وارجع بالسعادة ~~أي مقرونا ومصحوبا. # وقيل: " بالحق " قسم، أي يسمعون الصيحة بالله (و) الحق. وهو ~~ضعيف وقوله: { ذلك يوم الخروج } أي من القبور. ### || [50.43-45] # قوله: { إنا نحن نحيي ونميت } قد تقدم الكلام على قوله: " ~~إنا نحن " في سورة يس. وأما قوله " نحيي ونميت " فالمراد من ~~الإحياء الإحياء أولا، وقوله: " ونميت " إشارة إلى الموتة الأولى و ~~" إلينا المصير " بيان للحشر. وهذا ms8027 إشارة إلى قدرته على الحشر. # قوله: " يوم تشقق " يجوز أن يكون بدلا من " يوم " قبله. وقال ~~أبو البقاء: إنه بدل من " يوم " الأول. وفيه نظر من حيث تعدد البدل ~~والمبدل منه واحد. وقد تقدم أن الزمخشري منعه. # ويجوز أن يكون " اليوم " ظرفا للمصير أي يصيرون إلينا يوم ~~تشقق الأرض. وقيل ظرف للخروج. وقيل منصوب ب " يخرجون " مقدرا. # وتقدم الخلاف في " تشقق " في الفرقان. # وقرأ زيد بن علي: " تتشقق " بفك الإدغام. # قوله: " سراعا " حال من الضمير في " عنهم " والعامل فيها " ~~تشقق ". # وقيل: عاملها هو العاقل في " يوم تشقق " المقدر أي يخرجون ~~سراعا يوم تشقق؛ لأن قوله تعالى: { عنهم } يفيد كونهم مفعولين ~~بالتشقق، فكأن التشقق عدي بحرف الجر، كما يقال: " كشفت عنه ~~فهو مكشوف " ، فيصير " سراعا " هيئة المفعول كأنه قال: ~~مسرعين. # والسراع جمع سريع، كالكرام جمع كريم. وقوله: " ذلك " يحتمل أن ~~يكون إشارة إلى التشقق عنهم وإشارة إلى الإخراج المدلول عليه ~~بقوله: " سراعا " ، ويحتمل أن يكون معناه ذلك الحشر حشر يسير. ~~والحشر الجمع. # قوله: " علينا " متعلق ب " يسير " ففصل بمعمول الصفة بينها ~~وبين موصوفها. ولا يضر ذلك. ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال منه؛ ~~لأنه في الأصل يجوز أن يكون نعتا. # وقال الزمخشري: التقديم للاختصاص، أي لا يتيسر ذلك إلا على الله ~~وحده أي هو علينا هين لا على غيرنا وهو إعادة جواب لهم. # قوله تعالى: { نحن أعلم بما يقولون } يعني كفار مكة في ~~تكذيبك، وهذا تسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - ويحتمل أن يكون تهديدا ~~وتخويفا لأن قوله: " وإلينا المصير " ظاهر في التهديد، وبالعلم ~~يكمل. ونظيره قوله تعالى: # ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم ~~تعملون إنه عليم بذات الصدور # [الزمر: 7]. # ويحتمل أن يكون تقريرا لأمر الحشر بالعلم؛ لأنه لما بين أن الحشر يسير ~~لكمال قدرته ونفوذ إرادته، ولكن تمام ذلك بالعلم الشامل حتى يبين جزء زيد ~~وجزء بدن عمرو، فقال: { ذلك حشر علينا يسير } لكمال ~~قدرتنا، ولا يخفى علينا الأجزاء لكمال علمنا. # وقوله: " أعلم " إما ليست للمشاركة في أصل ms8028 الفعل كقوله: # وهو أهون عليه # [الروم: 27] أو معناه نحن أعلم به من كل عالم بما يعلمه. # قوله: { ومآ أنت عليهم بجبار } أي بمسلط تجبر على ~~الإسلام، وهذا تسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - أي أنك لست حفيظا ~~عليهم، ومكلفا بأن يؤمنوا، إنما أنت منذر، وقد فعلت ما أمرت به. # قال المفسرون: هي منسوخة بآية القتال. # قوله: { فذكر بالقرآن من يخاف وعيد } تقدم الخلاف في ~~ياء { وعيد } [ق: 14] إثباتا وحذفا. والمعنى دم على الإنذار ولا ~~تترك الهداية بالكلية، بل ذكر المؤمنين فإن الذكرى تنفع المؤمنين. # وقوله: " بالقرآن " أي اتل عليهم القرآن ليحصل لهم المنفعة بسبب ما ~~فيه أو فذكر بالقرآن بين به أنك رسول الله لكونه معجزا، أو يكون ~~المراد فذكر بمقتضى ما في القرآن من الأوامر الواردة بالتبليغ والتذكير. ~~وفي قوله: فذكر إشارة إلى أنه مرسل مأمور بالتذكير بالقرآن المنزل ~~عليه، وقوله " وعيد " إشارة إلى اليوم الآخر وقوله: (وعيد) إشارة ~~إلى الوحدانية، إذ لو قال: وعيد الله لذهب الوهم إلى كل صوب. وضمير ~~المتكلم أعرف المعارف، وأبعد عن الاشتراك. وقد تقدم أن أول السورة ~~وآخرها مشتركان في المعنى حيث قال في الأول: # ق والقرآن المجيد # [ق: 1]، وقال في آخرها: " فذكر بالقرآن ". # روى أبي بن كعب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # " من قرأ سورة ق هون الله عليه سكرات الموت ". ### | [51 - سورة الذاريات] ### || [51.1-6] # قوله تعالى: { والذاريات ذروا } أول هذه السورة مناسب لآخرها ~~قبلها، لأنه تعالى لما بين الحشر بدلائله، وقال: # ذلك حشر علينا يسير # [ق: 44] وقال: # ومآ أنت عليهم بجبار # [ق: 45] تجبرهم على الإيمان، إشارة إلى إصرارهم على الكفر بعد إقامة ~~البرهان، وتلاوة القرآن عليهم، لم يبق إلا اليمين فقال: { ~~والذاريات.. إنما توعدون لصادق } وقال في آخرها # فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون # [الذاريات: 60]. # فصل # وفي الحكمة في القسم ههنا وجوه: # أحدها: أن الكفار كانوا ينسبون النبي - صلى الله عليه وسلم - للجدال، ~~ومعرفة طرقه، وأنه عالم بفساد قولهم، وأنه يغلبهم بمعرفته بالجدال، ~~وحينئذ لا يمكن أن ms8029 يقابلهم بالأدلة، كما أن من أقام خصمه عليه الدليل ~~ولم يبق له حجة، يقول: إنه غلبني، لعلمه بالجدل وعجزي عن ذلك، وهو يعلم ~~في نفسه أن الحق تبعي ولا يبقى للمتكلم المبرهن غير اليمين، ليقول: والله ~~إن الأمر كما أقول ولا أجادلك بالباطل لأنه لو استدل بطريق آخر يقول خصمه ~~فيه كقوله الأول، فلا يبقى إلا السكوت، أو التمسك بالأيمان، وترك إقامة ~~البرهان. # الثاني: أن العرب كانت تحترز عن الأيمان الكاذبة، وتعتقد أنها تخرب ~~المنازل، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكثر الإقسام، دلالة على أنه ~~صادق ولذلك كان أمره يتزايد ويعلموا أنه لا يحلف بها كاذبا. # الثالث: أن الأيمان التي أقسم بها كلها دلائل أخرجت في صورة الأيمان ~~لينبه بها على كمال القدرة، كقول القائل للمنعم: وحق نعمتك ~~الكثيرة إني لا أزال أشكرك. فذكر النعم التي هي سبب مفيد لدوام ~~الشكر، وإنما أخرجها مخرج الأيمان، إيذانا بأنه يريد أن يتكلم بكلام ~~عظيم فيصغي إليه السامع أكثر ما يصغي إليه حيث يعلم أن الكلام ليس بمعتبر ~~فبدأ بالحلف. # فصل # أورد القسم على أمور منها الوحدانية، ولظهور أمرها واعترافهم بها حيث ~~يقولون: # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى # [الزمر: 3] وقولهم: # من خلق السماوات والأرض ليقولن الله # [لقمان: 25] لم يقسم عليها إلا في سورة الصافات ومنها الرسالة وهو في ~~سورتين " والنجم " " والضحى " ، وبالحروف في " يس " ومنها ~~الحشر، والجزاء وما يتعلق به، فلكثرة إنكارهم له كرر القسم عليه. # فصل # أقسم الله بجمع السلامة المؤنث في سور خمس، ولم يقسم بجمع السلامة ~~المذكر في سورة أصلا، فلم يقل: والصالحين من عبادي، ولا المقربين ~~إلى غير ذلك مع أن المذكر أشرف؛ لأن جموع السلامة بالواو والنون في ~~الغالب لمن يعقل. # فصل # روي عن علي - (رضي الله عنه) - في قوله تعالى: { والذاريات } قال ~~هي الرياح التي تذرو التراب يقال: ذرت الريح التراب ~~وأذرت " الحاملات وقرا " يعني السحاب تحمل ثقلا من الماء " ~~فالجاريات يسرا " هي السفن تجري في الماء جريا سهلا " ~~فالمقسمات أمرا " هي الملائكة يقسمون ms8030 الأمور بين الخلق على ما ~~أمروا به، أقسم بهذه الأشياء، لما فيها من الدلالة على صنعته وقدرته. # قال ابن الخطيب: والأقرب أن هذه صفات للرياح، فالذاريات هي التي تنشىء ~~السحاب أولا، والحاملات هي التي تحمل السحب التي هي بحار المياه التي ~~إذا سحت جرت السيول العظيمة، وهي أوقار أثقل من جبال. والجاريات هي ~~التي تجري السحب عند حملها، والمقسمات هي الرياح التي تقسم ~~الأمطار وتفرقها على الأقطار، ويحتمل أن يقال: هذه أمور أربعة ذكرت لأمور ~~أربعة بها تتم الإعادة، لأن الأجزاء المتفرقة بعضها في تخوم الأرض، ~~وبعضها في قعر البحار، وبعضها في جو الهواء، وفي الأجزاء البخارية ~~اللطيفة المنفصلة عن الأبدان فالذاريات هي التي تجمع الذرات من الأرض، ~~وتذرو التراب من وجه الأرض والحاملات هي التي تجمع الأجزاء من الجو ~~وتحمله حملا، فإن التراب لا ترفعه الرياح حملا مستقلا بل تنقله من ~~موضع إلى موضع، بخلاف السحاب فإنه يحمله في الجو حملا لا يقع منه شيء، ~~والجاريات هي الجامعة من الماء، فإن من يجري السفن الثقيلة في تيار ~~البحار قادر على نقل الأجزاء من البحر إلى البر، فإذن تبين أن الجمع من ~~الأرض وجو الهواء ووسط البحار ممكن، وإذا اجتمع ذلك كله بقي نفخ ~~الروح، وهي من أمر الله، فقال: " فالمقسمات أمرا " يعني الملائكة ~~التي تنفخ الروح في الجسد بأمر الله. # قوله: " ذروا " منصوب على المصدر المؤكد العامل فيه فرعه وهو اسم ~~الفاعل، والمفعول محذوف اختصارا إذ لا نظير لما تذروه هنا. # وأدغم أبو عمرو وحمزة تاء " الذاريات " في ذال " ذروا " وأما " ~~وقرا " فهو مفعول به بالحاملات، كما يقال: حمل فلان عدلا ~~ثقيلا. # قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يكون اسما أقيم مقام المصدر، كقوله: ~~ضربه سوطا. ويؤيده قراءة من قرأ بفتح الواو. # والوقر - بالكسر - اسم ما يوقر أي يحل. وقرىء بالفتح، وذلك على ~~تسمية المفعول بالمصدر. ويجوز أن يكون مصدرا على حاله والعامل فيه معنى ~~الفعل قبله، لأن الحمل والوقر بمعنى واحد، وإن كان بينهما عموم ~~وخصوص. # قوله: " يسرا " يجوز ms8031 أن يكون مصدرا من معنى ما قبله أي جريا ~~يسرا وأن يكون حالا، أي ذات يسر أو ميسرة أو جعلت نفس اليسر ~~مبالغة. # قوله: " أمرا " يجوز أن يكون مفعولا به، وهو الظاهر، كقولك: فلان ~~قسم الرزق أو المال، وأن تكون حالا أي مأمورة. وعلى هذا ~~فيحتاج إلى حذف مفعول " المقسمات ". وقد يقال: لا حاجة لتقديره كما ~~في الذاريات. # وهل هذه أشياء مختلفة فتكون الفاء على بابها من عطف المتغايرات، والفاء ~~للترتيب في القسم لا في المقسم به؟ # قال الزمخشري: ويجوز أن يراد الرياح وحدها، لأنها تنشىء السحاب ~~وتقله، وتصرفه، وتجري في الجو جريا سهلا وعلى هذا يكون من ~~عطف الصفات، والمراد واحد، كقوله (- رحمه الله -): # 4517- يا لهف زيابة للحارث # الصابح فالغانم فالآيب # وقوله: # 4518- إلى الملك القرم وابن الهمام # وليث الكتيبة في المزدحم # فتكون الفاء على هذا الترتيب الأمور في الوجود. # فإن قيل: إن كان " وقرا " مفعولا فلم لم يجمع وما قيل: ~~أوقارا؟. # فالجواب: لأن جماعة من الرياح قد تحمل وقرا واحدا، وكذا القول في ~~المقسمات أمرا إذا قيل: إنه مفعول به، لأنه قد تجمع جماعة من الملائكة ~~على أمر واحد. # قوله: " إنما توعدون " هذا جواب القسم، و " ما " يجوز أن تكون ~~اسمية، وعائدها محذوف، أي توعدونه وأن تكون مصدرية فلا عائد على ~~المشهور، وحينئذ يحتمل أن يكون توعدون مبنيا من الوعد، وأن يكون ~~مبنيا من الوعيد، لأنه يصلح أن يقال: أوعدته فهو يوعد، ~~ووعدته فهو يوعد لا يختلف، فالتقدير: إن وعدكم أو إن وعيدكم. ولا ~~حاجة إلى قول من قال: إنه قوله: " لصادق " وقع فيه اسم الفاعل موقع ~~المصدر أي لصدق لأن لفظ اسم الفاعل أبلغ إذا جعل الوعد أو الوعيد صادقا ~~مبالغة وإن كان الوصف إنما يقوم بمن يعد أو يوعد. # قال ابن الخطيب: وبناؤه من " أوعد " هو الحق؛ لأن اليمين مع المنكر ~~بوعيد لا بوعد، و " الصادق " معناه ذو صدق " كعيشة راضية " ~~، ووصف به الفاعل كوصف الفاعل بالمصدر في إفادة المبالغة. # قوله: { وإن الدين لواقع } أي الحشر والجزاء ms8032 كائن. ### || [51.7-9] # ثم ابتدأ قسما آخر وهو قوله: { والسمآء ذات الحبك } العامة ~~على الحبك - بضمتين - قال ابن عباس وقتادة وعكرمة: ذات الخلق الحسن ~~المستوي، يقال للنساج إذا نسج الثوب فأجاد: ما أحسن حبكه. ~~وقال سعيد بن جبير: ذات الزينة أي المزينة بزينة الكواكب. قال الحسن: ~~حبكت بالنجوم. وقال مجاهد: هي المتقنة المبنيات. وقال مقاتل ~~والكلبي والضحاك: ذات الطرائق كحبك الماء إذا ضربته الريح، ~~وحبك الرمل والشعر الجعد وهو آثار تثنيه وتكسره، قال ~~زهير: # 4519- مكلل بأصول النجم تنسجه # ريح خريق لضاحي مائه حبك # والحبك جمع يحتمل أن يكون مفرده حبيكة، كطريقة وطرق أو حباك ~~نحو: حمار وحمر قال: # 4520- كأنما جللها الحواك # طنفسة في وشيها حباك # وأصل الحبك إحكام الشيء وإتقانه، ومنه يقال للدروع: محبوكة. وقيل: ~~الحبك الشد والتوثق، قال امرؤ القيس: # 4521- قد غدا يحملني في أنفه # لاحق الإطلين محبوك ممر # وفي هذه اللفظة قراءات كثيرة، فعن الحسن - ( رضي الله عنه ) - ست ~~قراءات، الحبك - بالضم - كالعنق، وبضم الحاء وسكون الباء وتروى عن ابن ~~عباس، وأبي عمرو، وبكسر الحاء والباء، وبكسر الحاء وسكون الباء، وهو ~~تخفيف المكسور، وكسر الحاء وفتح الباء، وكسر الحاء وضم الباء، وهذه أقلها ~~لأن هذه الزنة مهملة في أبنية العرب. # قال ابن عطية وغيره: هو من التداخل، يعني أن فيها لغتين الكسر في الحاء ~~والباء والضم فيهما فأخذ هذا القارىء الكسر من لغة، والضم من أخرى. ~~واستبعدها الناس؛ لأن التداخل إنما يكون في كلمتين. وخرجها أبو حيان على ~~أن الحاء أتبعت لحركة التاء في ذات، قال: ولم يعتد باللام فاصلة لأنها ~~ساكنة فهي حاجز بين حصين. # وقد وافق الحسن على هذه القراءة أبو مالك الغفاري. # وقرأ عكرمة بالضم والفتح جمع حبكة نحو: غرفة وغرف، وابن عباس ~~وأبو مالك الحبك بفتحتين، جمع حبكة كعقبة وعقب. # وقوله: { إنكم لفي قول مختلف } جواب القسم. # فصل # المعنى: إنكم يا أهل مكة لفي قول مختلف في حق محمد - صلى الله عليه وسلم ~~- تارة تقولون: إنه أمين، وأخرى إنه كاذب، وتارة تنسبونه إلى الجنون، ~~وتارة ms8033 كاهن، وشاعر، وساحر، وهذا القول ضعيف؛ إذ لا حاجة إلى اليمين على ~~هذا، لأنهم كانوا يقولون ذلك من غير إنكار حتى يؤيد باليمين. وقيل: ~~يقولون: إنه مجنون ثم يقولون: غلبنا بقوة جداله. وقيل: لفي قول مختلف ~~في القرآن، يقولون فيه إنه سحر وكهانة وأساطير الأولين. # وقيل: قول مختلف أي مصدق ومكذب. وقيل: غير ثابتين على أمر. # وقيل: متناقض، تارة يقولون: لا حشر ولا حياة بعد الموت، ثم ~~يقولون: إنا وجدنا آباءنا على أمة. # قوله: " يؤفك عنه " صفة لقول، والضمير في " عنه " للقرآن، أو الرسول، ~~أو للدين، أو لما توعدون، أي يصرف عنه. # وقيل: عن السبب. والمأفوك عنه محذوف، والضمير في " عنه " على هذا القول ~~مختلف، أي يؤفك بسبب القول من أراد الإسلام بأن يقول: هو سحر ~~وكهانة. # والعامة على بناء الفعلين للمفعول. وقتادة وابن جبير: يؤفك عنه من ~~أفك، الأول للمفعول، والثاني للفاعل، أي يصرف عنه من صرف ~~الناس عنه. وزيد بن علي: يأفك مبنيا للفاعل من أفك مبنيا ~~للمفعول عكس ما قبله، أي يصرف الناس عنه من هو مأفوك في ~~نفسه. # وعنه أيضا: يؤفك عنه من أفك بالتشديد، أي من هو أفاك في نفسه. # وقرىء: يؤفن عنه من أفن بالنون فيهما أي يحرمه من حرمه من ~~أفن الضرع إذا نهكه حلبا. # فصل # قيل في تفسير قوله: { يؤفك عنه من أفك } وجوه: # أحدها: مدح المؤمنين، ومعناه يصرف عن القول المختلف من صرف عن ذلك ~~القول، ويرشد إلى القول المستوي. وقيل: إنه ذم ومعناه يؤفك عن الإيمان به ~~من صرف حتى يكذبه، يعني من حرمه الله الإيمان بمحمد وبالقرآن. وقيل " عن ~~" بمعنى " من أجل " ، أي يصرف من أجل هذا القول المختلف، أو بسببه عن ~~الإيمان من صرف، وذلك أنهم كانوا يتلقون الرجل إذا أراد الإيمان، ~~فيقولون: إنه ساحر، وكاهن، ومجنون، فيصرفونه عن الإيمان، قاله مجاهد. ### || [51.10-14] # قوله: " قتل الخراصون " لعن الكذابون. وقرىء: قتل ~~مبنيا للفاعل، وهو الله تعالى: { الخراصين } مفعوله، والمعنى لعن ~~الخراصون وهم الذين لا يجزمون بأمر ولا يثبتون عليه، ms8034 بل هم شاكون ~~متحيرون. وهذا دعاء عليهم، ثم يصفهم بأنهم في غمرة ساهون، فقوله: " ~~ساهون " يحتمل أن يكون خبرا بعد خبر والمبتدأ قوله " هم " ، ~~والتقدير: هم كائنون في غمرة ساهون، كقولك: زيد جاهل جائر، لا ~~تقصد به وصف الجاهل بالجائر. ويحتمل أن يقال: " ساهون " خبر، و " في غمرة ~~" ظرف له، كقولك: زيد في بيته قاعد فالخبر هو " قاعد " لا ~~غير، و " في بيته " بيان لطرف القعود، فكذا قوله: " في غمرة " ظرف ~~للسهوة. # واعلم إن وصف الخارص بالسهو دليل على أن الخراص صفة ذم يقال: تخرص ~~عليه الباطل. قال المفسرون: هم الذين اقتسموا عقاب مكة، فاقتسموا القول ~~في النبي - صلى الله عليه وسلم - ليصرفوا الناس عن دين الإسلام. وقال ~~مجاهد: الكهنة الذين هم في غمرة أي غفلة وعمى وجهالة " ~~ساهون " غافلون عن أمر الآخرة. والسهو الغفلة عن الشيء وهو ذهاب ~~القلب عنه. # قوله تعالى: { يسألون أيان يوم الدين } فقوله: { ~~أيان يوم الدين } مبتدأ أو خبر قيل: وهما ظرفان فكيف يقع أحد ~~الظرفين في الآخر؟. # وأجيب: بأنه على حذف حدث أي أيان وقوع يوم الدين " ~~فأيان " ظرف الوقوع، كما تقول: متى يكون يوم الجمعة، ~~وتقدم قراءة إيان - بالكسر - في الأعراف. # قيل: وأيان من المركبات، ركب من " أي " التي للاستفهام، و " آن " التي ~~بمعنى متى، أو من " أي " (و) أوان؛ فكأنه قال: أي أوان، فلما ~~ركبت بني. وهذا جواب قوله: # وإن الدين لواقع # [الذاريات: 6] فكأنه قال: أيان يقع؟ استهزاء. # وترك السؤال دلالة على أن الغرض ليس الجواب، وإنما يسألون استهزاء، ~~والمعنى يسألون أيان يوم الدين يقولون: يا محمد متى يكون يوم الجزاء؟ ~~يعني يوم القيامة تكذيبا واستهزاء قال الله - عز وجل -: { يوم هم } ~~أي يكون هذا الجزاء في يوم هم على النار يفتنون أي يعذبون ~~ويحرقون بها، كما يفتن الذهب بالنار. وعلى هذا فالأولى أن ~~يكون معنى يفتنون يعرضون عرض المجرب للذهب على النار، لأن كلمة " ~~على " تناسب ذلك ولو كان المراد يحرقون لقيل: بالنار، أي في النار. # قوله: " يوم هم " يجوز أن ms8035 يكون منصوبا بمضمر أي الجزاء كائن ~~يوم هم ويجوز أن يكون بدلا من " يوم الدين " ، والفتحة للبناء ~~على رأي من يجيز بناء الظرف، وإن أضيف إلى جملة اسمية وعلى هذا فيكون ~~حكاية لمعنى كلامهم، قالوه على سبيل الاستهزاء، ولو جاء على حكاية لفظهم ~~المتقدم لقيل: يوم نحن على النار نفتن. # و " يوم " منصوب بالدين، وقيل: بمضمر، أي يجازون. # وقيل: هو مفعول بأعني مقدرا وعدي يفتنون بعلى لأنه بمعنى ~~يختبرون. وقيل: على بمعنى في. وقيل: على بمعنى الباء. وقيل: " ~~يوم هم " خبر مبتدأ مضمر، أي هو يوم هم والفتح لما تقدم. ~~ويؤيد ذلك قراءة ابن أبي عبلة والزعفراني يوم هم بالرفع، وكذلك ~~يؤيد القول بالبدل. وتقدم الكلام في مثل هذا في غافر. # فصل # قوله: { يوم هم على النار يفتنون } قال ابن الخطيب: ~~يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون جوابا عن قولهم أيان يقع فكما أنهم لم يسألوا ~~سؤال مستفهم طالب لعلم، كذلك لم يجبهم جواب معلم مبين بل قال: يوم هم ~~على النار يفتنون فجهلهم بالثاني أقوى من جهلم بالأول، ولا يجوز أن يكون ~~الجواب بالأخفى، فلو قال قائل: متى يقدم زيد؟ فلو أجيب بقوله: ~~يوم يقدم رفيقه ولا يعلم يوم قدوم الرفيق لم يصح هذا الجواب إلا ~~إذا كان الكلام في صورة ولا يكون جوابا كقول القائل لمن يعد عداتا ~~ويخلفها: إلى متى هذا الإخلاف؟ فيغضب ويقول: إلى أشأم يوم عليك، ~~فالكلامان في صورة سؤال وجواب، ولا يريد بالأول السؤال، ولا الثاني يريد ~~به الجواب، فكذلك ههنا قال: { يوم هم على النار يفتنون } مقابلة ~~لاستهزائهم بالإيعاد لا على وجه الإتيان بالبيان. # الثاني: أن يكون " ذلك " ابتداء كلام تمامه (في قوله: " ذوقوا ~~فتنتكم " ). # فإن قيل: هذا يفضي إلى الإضمار!. # فالجواب: أن الإضمار لا بد منه؛ لأن قوله: ذوقوا فتنتكم غير ~~متصل بما قبله إلا بإضمار يقال. # قوله: " ذوقوا " أي يقال لهم ذوقوا و { هذا الذي كنتم } ~~مبتدأ وخبر " هذا " هو الظاهر. وجوز الزمخشري أن يكون " هذا " بدلا من ~~" فتنتكم "؛ لأنها بمعنى العذاب، ms8036 ومعنى فتنتكم عذابكم { هذا ~~الذي كنتم به تستعجلون } في الدنيا تكذيبا به، وهو ~~قولهم: # ربنا عجل لنا قطنا # [ص: 16] وقولهم: # فأتنا بما تعدنآ # [هود: 32] ونظائره، وقوله: { يسألون أيان يوم الدين } ~~فإنه نوع استعجال بالقول. ويحتمل أن يكون المراد الاستعجال بالفعل وهو ~~إصرارهم على العناد، وإظهار الفساد، فإنه يعجل العقوبة. ### || [51.15-19] # قوله تعالى: { إن المتقين في جنات وعيون } لما بين ~~حال المجرمين بين بعده حال المتقين، والمتقي له مقامات، أدناها أن يتقي ~~الشرك، وأدناها أن يتقي ما سوى الله، وأدنى درجات المتقي الجنة ~~فما من أحد اجتنب الكفر إلا ويدخل الجنة. # قوله: " آخذين " حال من الضمير في قوله: " جنات " و " ما ~~آتاهم " يعني مما في الجنة فيكون حالا حقيقية، وقيل: ما آتاهم من ~~أوامره ونواهيه فيكون في الدنيا فتكون حالا محكية، لاختلاف الزمانين. # وجعل الجار خبرا، والصفة فضلة، وعكس هذا في قوله تعالى: # إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون # [الزخرف: 74]، قيل: لأن الخبر مقصور الجملة، والغرض هناك الإخبار عن ~~تخليدهم، لأن المؤمن قد يدخل النار، ولكن لا بد من خروجه، وأما آية ~~المتقين، فجعل الظرف فيها خبرا لأمنهم الخروج منها، فجعل ذلك محط ~~الفائدة ليحصل لهم الطمأنينة فانتصبت الصفة حالا. # فصل # اعلم أنه تعالى وحد الجنة تارة، قال تعالى: # مثل الجنة التي وعد المتقون # [الرعد: 35] و [محمد: 15] وأخرى جمعها كقوله ههنا: { إن ~~المتقين في جنات } وتارة ثناها، قال تعالى: # ولمن خاف مقام ربه جنتان # [الرحمن: 46]، والحكمة فيه أن الجنة في توحيدها لاتصال المنازل والأشجار ~~والأنهار كجنة واحدة، وأما جمعها فلأنها بالنسبة إلى الدنيا وبالإضافة ~~إليها جنات لا يحصرها عدد، وأما تثنيتها فسيأتي في سورة الرحمن. # قال ابن الخطيب: غير أنا نقول ههنا: إن الله تعالى عند الوعد وحد ~~الجنة وعند الإعطاء جمعها إشارة إلى أن الزيادة في الوعد موجودة بخلاف ما ~~لو وعد بجنات ثم يقول إنه في جنة، لأنه دون الموعود، وقوله: " ~~وعيون " يقتضي أن يكون المتقي فيها ولا لذة في كون الإنسان في ~~ماء؛ فالمعنى في خلال العيون، أي ms8037 بين الأنهار كقوله: " في جنات " ~~معناه بين الجنات وفي خلالها؛ لأن الجنة هي الأحجار، ونكرها مع كونها ~~معرفة للتعظيم كقولك: فلان رجل أي عظيم في الرجولة. # ومعنى: " آخذين " أي قابضين ما آتاهم شيئا فشيئا ولا يستوفونه بكماله، ~~لامتناع استيفاء ما لا نهاية له. وقيل: معنى آخذين أي قابلين قبول راض ~~كقوله تعالى: # ويأخذ الصدقات # [التوبة: 104] أي يقبلها، قاله الزمخشري. وقال ابن الخطيب: وفيه وجه ~~ثالث، وهو أن قوله: في جنات يدل على السكنى حيث قال: آخذين ~~بلاد كذا، أو قلعة كذا، أي دخلها متملكا لها، وكذا يقال لمن اشترى ~~دارا أو بستانا أخذه بثمن قليل أي تملكه، وإن لم يكن هناك قبص حسا ~~ولا قبول برضى. # وحيئذ فائدته بيان أن دخولهم فيها ليس دخول مستعير أو من يسترد منه ذلك ~~بل هو ملكه الذي اشتراه بماله ونفسه من الله. # وقوله: " آتاهم " لبيان (أن) أخذهم ذلك لم يكن عنوة، وإنما نال ~~ذلك بإعطاء الله تعالى. وعلى هذا الوجه " ما " راجعة إلى الجنات ~~والعيون. # وقوله: { إنهم كانوا قبل ذلك محسنين } إشارة إلى ~~أنهم أخذوها بثمنها وملكوها بالإحسان في الدنيا، والإشارة بذلك إما ~~لدخول الجنة، وإما لإيتاء الله، وإما ليوم الدين، والإحسان هو قول لا إله ~~إلا الله؛ ولهذا قيل في معنى كلمة التقوى: إنها لا إله إلا الله، وفي ~~قوله تعالى: # ومن أحسن قولا ممن دعآ إلى الله # [فصلت: 33] وقوله: # هل جزآء الإحسان إلا الإحسان # [الرحمن: 60] هو الإتيان بكلمة لا إله إلا الله. # قوله: { كانوا قليلا من الليل ما يهجعون } وهذا ~~كالتفسير لكونهم محسنين، وفيه أوجه: # أحدها: أن الكلام تم على " قليلا " ولهذا وقف بعضهم على قليلا ~~ليؤاخي بها قوله تعالى: # وقليل ما هم # [ص: 24] # وقليل من عبادي الشكور # [سبأ: 13] ويبتدىء: { من الليل ما يهجعون } أي ما يهجعون ~~من الليل. والمعنى كانوا من الناس قليلا، ثم ابتدأ فقال: ما يهجعون ~~وجعله جحدا أي لا ينامون بالليل ألبتة يقومون للصلاة والعبادة. وهو ~~قول الضحاك ومقاتل. وهذا لا يظهر من حيث المعنى، ولا من ms8038 حيث الصناعة، أما ~~الأول فلا بد أن يهجعوا، ولا يتصور نفي هجوعهم، وأما الصناعة فلأن " ما " ~~في حيز النفي لا يتقدم عليه عند البصريين. هذا إن جعلتها نافية، وإن ~~جعلتها مصدرية صار التقدير من الليل هجوعهم. ولا فائدة فيه، لأن ~~غيره من سائر الناس بهذه المثابة. # الثاني: أن تجعل " ما " مصدرية في محل رفع " بقليلا " ، والتقدير: ~~كانوا قليلا هجوعهم. # الثالث: أن تجعل ما المصدرية بدلا من اسم كان بدل اشتمال أي كان ~~هجوعهم قليلا. و " من الليل " على هذين لا يتعلق ب " يهجعون ~~" لأن ما في حيز المصدر لا يتقدم عليه على المشهور. وبعض المانعين ~~اغتفروا في الظرف فيجوز هذا عنده والمانع يقدر فعلا يدل عليه: " ~~يهجعون من الليل ". # الرابع: أن " ما " مزيدة و " يهجعون " خبر كان، والتقدير: كانوا ~~يهجعون من الليل هجوعا قليلا، أو زمنا قليلا، ف " قليلا " ، ~~نعت لمصدر أو ظرف. # الخامس: أنها بمعنى الذي، وعائدها محذوف تقديره: كانوا قليلا من ~~الليل الوقت الذي يهجعونه. وهذا فيه تكلف. # فصل # قال ابن الخطيب: " قليلا " منصوب على الظرف تقديره يهجعون قليلا ~~يقال: قام بعض الليل، فنصب " بعض " على الظرف، وخبر كان هو قوله: " ~~يهجعون " و " ما " زائدة هذا هو المشهور، وفيه وجه آخر: وهو أن ~~يقال: كانوا قليلا معناه كانوا من الناس قليلا، فيكون " قليلا " خبر ~~كان. # و " ما يهجعون " معناه نفي النوم عنهم. وهذا منقول عن الضحاك ~~ومقاتل. # وأنكر الزمخشري كون " ما " نافية، وقال: لا يجوز أن تكون نافية؛ لأن ما ~~بعدها لا يعمل فيها قبلها لا تقول: زيدا ما ضربت ويجوز أن يعمل ما ~~بعد " لم " فيما قبلها، تقول: زيدا لم أضرب وذلك أن الفعل ~~المتعدي إنما يعمل في النفي حملا له على الإثبات لأنك إذا قلت: ضرب ~~زيد عمرا ثبت تعلق فعله بعمرو. فإذا قلت: ما ضربه لم يوجد منه فعل ~~حتى يتعلق به ويتعدى إليه، لكن النفي محمول على الإثبات، فإذا ثبت هذا ~~فالنفي بالنسبة إلى الإثبات كاسم الفاعل بالنسبة إلى الفعل فإنه يعمل ~~عمل الفعل ms8039 لكن اسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي لا يعمل فلا تقول: ~~زيدا ضارب عمرا أمس، وتقول: زيد ضارب عمرا غدا واليوم ~~والآن؛ لأن الماضي لم يبق موجودا ولا متوقع الوجود، فلا يتعلق ~~بالمفعول حقيقة، لكن الفعل لقوته يعمل واسم الفاعل لضعفه لم يعمل. # إذا عرف هذا فقوله: ما ضربت للنفي في الماضي، فاجتمع فيه النفي ~~والمضي فضعف. وأما: لم أضرب فإن كان يقلب المستقبل فوجد فيه ~~ما وجد في قول القائل: زيد ضارب عمرا غدا فأعمل. # قال ابن الخطيب: غير أن القائل بذلك القول يقول: قليلا ليس منصوبا ~~بقوله: يهجعون، وإنما ذلك خبر (كانوا؛ أي) كانوا قليلين. # فصل # تقديم قليلا في الذكر ليس لمجرد السجع حتى يقع يهجعون ويستغفرون في ~~آخر الآيات، بل لأن الهجوع راحة لهم والمقصود بيان اجتهادهم وتحملهم ~~السهر لله تعالى، فلا يناسبه تقديم (راحتهم)، وقد يغفل السامع عما ~~بعد الكلام فيعتقد كونهم محسنين بسبب هجوعهم، فقدم قوله: " قليلا " ~~ليسبق إلى الفهم أولا قلة الهجوع وقوله: " من الليل " إشارة إلى ~~أنه الزمن الذي يهجع الناس فيه ولا يسهر في الطاعة إلا متعبد. # فإن قيل: الهجوع لا يكون إلا بالليل والنوم نهارا لا يقال له: ~~هجوع!. # فالجواب: أن ذكر العام وإردافه بالتخصيص حسن، تقول: رأيت ~~حيوانا ناطقا فصيحا. وأما ذكر الخاص وإردافه بالعام فلا ~~يحسن إلا في بعض المواضع، فلا تقول: رأيت ناطقا فصيحا حيوانا. # وإذا عرف هذا فقوله تعالى: كانوا قليلا من الليل ذكر أمرا هو كالعام ~~يحتمل أن يكون بعده: كانوا من الليل يسبحون أو يستغفرون أو يسهرون، أو ~~غير ذلك، فلما قال: يهجعون فكأنه خصص ذلك بالأمر العام المحتمل له ~~ولغيره فأزال الاحتمال. # قوله: " وبالأسحار " متعلق ب " يستغفرون " ، والباء بمعنى ~~" في ". وقدم متعلق الخبر على المبتدأ لجواز تقديم العامل. # فصل # معنى قوله: { قليلا من الليل ما يهجعون } أي يصلون ~~أكثر الليل. # وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس: يعني كانوا قل ليلة تمر بهم إلا صلوا ~~فيها شيئا إما من أولها وإما من أوسطها. وقال ms8040 أنس بن مالك: كانوا يصلون ~~العتمة. وقال مطرف بن عبد الله بن الشخير: قل ليلة ~~أتت عليهم يهجعونها كلها. وقال مجاهد: كانوا لا ينامون من الليل إلا ~~أقله، وربما نشطوا فمدوا إلى السحر، ثم أخذوا بالأسحار في ~~الاستغفار. وقال الكلبي ومجاهد ومقاتل: وبالأسحار يصلون؛ وذلك لأن ~~صلاتهم بالأسحار لطلب المغفرة. # روى أبو هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: # " ينزل الله إلى السماء كل ليلة حين يبقى ثلث ~~الليل فيقول: أنا الملك أنا الملك، من الذي ~~يدعوني فأستجيب له؟ من الذي يسألني فاعطيه؟ ~~من الذي يستغفرني فأغفر له؟ ". # فصل في قوله: { وبالأسحار هم يستغفرون } إشارة إلى أنهم كانوا يتهجدون ~~ويجتهدون ثم يريدون أن يكون عملهم أكثر من ذلك وأخلص منه، فهم يستغفرون ~~من التقصير. وهذه سيرة الكريم يأتي بأبلغ وجوه الكرم ويستقله ~~ويعتذر من التقصير واللئيم يأتي بالقليل ويستكثره ويمن به. # وفي الآية لطائف: # الأولى: أنه تعالى لما ذكر قلة هجوعهم، والهجوع مقتضى الطبع قال: ~~يستغفرون أي من ذلك القدر من النوم القليل. # الثانية: أنه تعالى مدحهم بقلة الهجوع ولم يمدحهم بكثرة السهر فلم ~~يقل: كانوا قليلا من الليل ما يسهرون مع أن السهر هو الكلفة ~~والاجتهاد لا الهجوع، وهذا إشارة إلى أن نومهم عبادة حيث مدحهم الله ~~بكونهم هاجعين قليلا، وذلك الهجوع أورثهم الاشتغال بعبادة أخرى، ~~والاستغفار بالأسحار، ومنعهم من الإعجاب بأنفسهم. # فصل # الباء في قوله: " بالأسحار " استعملت للظرف هنا، وهي ليست للظرف. قال ~~بعض النحاة: إن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض يقال في ظرف الزمان: ~~خرجت لعشر بقين، وبالليل، وفي شهر رمضان. فتستعمل اللام ~~والباء، وفي، وكذلك في ظرف المكان تقول: قمت بمدينة كذا، وفيها، ~~ورأيته ببلدة كذا، وفيها. قال ابن الخطيب: والتحقيق فيه أن نقول: ~~الحروف لها معان مختلفة كما أن الأسماء والأفعال كذلك غير أن الحروف ~~مستقلة بإفادة المعنى والاسم والفعل مستقلان، لكن بين بعض الحروف ~~وبعضها تنافر (و) تباعد كما في الأسماء والأفعال، فإن البيت والسكن ~~متخالفان ومتقاربان، وكذلك مكث، وسكن (وألم)، ms8041 وكذلك كل اسمين ~~أو كل فعلين يوجد كان بينهما تقارب وتباعد، لأن الباء للإلصاق، واللام ~~للاختصاص، و " في " للظرف، والظرف مع المظروف ملتصق ومختص به. إذا عرف ~~هذا فنقول: بين " الباء " و " اللام " و " في " مشاركة، أما الباء فلأنها ~~للإلصاق، والمتمكن في مكان ملتصق به متصل، وكذلك الفعل بالنسبة إلى ~~الزمان فإذا قال: سار بالنهار معناه ذهب ذهابا متصلا ~~بالنهار. # فقوله: { وبالأسحار هم يستغفرون } أي متصلا بالأسحار، ~~أخبر عن الاقتراب، وذلك أدل على وجود الفعل مع أول جزء من أجزاء الوقت من ~~قوله: " في الليل "؛ لأنه يستدعي احتواء الزمان بالفعل وكذلك قول ~~القائل: أقمت ببلدة كذا، لا يفيد أنه كان مخالطا بالبلد. وقوله: ~~أقمت فيها يدل على إحاطتها به، فإذن قول القائل: أقمت بالبلد، ~~ودعوت بالأسحار أعم من قوله: أقمت فيه؛ لأن القائم فيه ~~قائم به والقائم به ليس قائما فيه. # وإذا علم هذا فقوله: { وبالأسحار هم يستغفرون } إشارة ~~إلى أنهم لا يخلون وقتا عن العبادة وأنهم بالليل لا يهجعون، ومع أول ~~جزء من السحر يتسغفرون فيكون فيه بيان كونهم مستغفرين من غير أن يسبق ~~منهم ذنب، لأنهم وقت الانتباه لم يخلوا الوقت للذنب. ولا يطرد استعمال ~~الباء بمعنى " في " ، فلا تقول: خرجت بيوم الجمعة لأن يوم ~~الجمعة مع أنه زمان فيه خصوصيات وتقييدات زائدة على الزمان، لأنك إذا ~~قلت: خرجت بنهارنا وبليلة الجمعة، لم يحسن. ولو قلت: ~~خرجت بيوم سعد وخرج (بيوم) نحس حسن فالنهار ~~والليل لما لم يكن فيهما خصوص وتقييد جاز استعمال الباء فيهما، ~~فإذا قيدتهما وخصصتهما زال الجواز، و " يوم الجمعة " لما كان فيه ~~خصوص لم يجز استعمال الباء فيه، والفعل حدث مقترن بزمان لا ناشئا عن ~~الزمان فإذا زال الخصوص وقلت: خرجت بيوم سعد جاز. وأما " في " ~~فيصح مطلقا؛ لأن ما حصل في العام حصل في الخاص، لأن العام جزء داخل في ~~الخاص، فتقول: في يوم الجمعة وفي هذه الساعة. وأما اللام ~~فتقدم الكلام عليها عند قوله: # والشمس تجري لمستقر لها # [يس: 38]. # فصل # وفائدة قوله: ms8042 " هم "؛ قال الزمخشري: فائدتها انحصار المستغفرين ~~أي هم الكاملون فيه لا غيرهم كقولك: زيد العالم، لكماله في العلم ~~كأنه تفرد به، وأيضا: فلو عطف بدون هم لأوهم أنهم يستغفرون قليلا. ~~والاستغفار إما طلب المغفرة، كقولهم: ربنا اغفر لنا، وإما ~~إتيانهم بعبارات يتقربون بها طلبا للمغفرة، وإما أن يكون من باب قولهم: ~~استحصد الزرع أي ذلك أوان المغفرة. # قوله: { وفي أموالهم حق للسآئل والمحروم } لما ~~تقدم التعظيم لأم الله ثنى بالشفقة على خلق الله، وأضاف الأموال ~~إليهم، لأنه مدح لهم، وقال في موضع آخر # وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه # [الحديد: 7]؛ لأن ذلك تحريض وحث على النفقة وذلك يناسبه. # فإن قيل: كون الحق في المال لا يوجب مدحا؛ لأن كون المسلم في ماله حق ~~وهو الزكاة ليس صفة مدح، لأن كل مسلم كذلك بل الكافر إذا قلنا: إنه مخاطب ~~بفروع الإسلام في ماله حق معلوم، غير أنه إذا أسلم سقط عنه، وإن مات ~~عوقب على ما تركه الأداء. وإن أدى من غير إسلام لا يقع الموقع فكيف ~~يفهم كونه مدحا؟ # فالجواب: أنا نفسر السائل بمن يطلب جزءا من المال وهو الزكاة ~~والمحروم من لا يطلب جزءا معينا وهو طالب صدقة التطوع كأنه قال: ~~في ماله زكاة وصدقة. # أو يقال: بأن " في " للظرفية، والمعنى أنهم لا يجمعون المال ولا ~~يجعلونه ظرفا للحقوق، والمطلوب من الظرف والمظروف إنما هو المظروف ~~وهذا مدح عظيم. # فإن قيل: لو قيل: مالهم للسائل كان أبلغ! # فالجواب: لا نسلم، فإن صرف جميع المال حتى يبقى فقيرا محتاجا منهي ~~عنه، وكذلك الصلاة والصوم الاقتصاد فيهما أبلغ لقوله:- عليه الصلاة ~~والسلام -: # " إن هذا الدين متين، فادخلوا فيه برفق؛ فإن ~~المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى ". # فصل # في السائل والمحروم وجوه: # أحدها: أن السائل هو الآدمي، والمحروم كل ذي روح غيره من الحيوانات ~~المحترمة، قال - عليه الصلاة والسلام -: # " في كل كبد حرى أجر " # وهذا ترتيب حسن؛ لأن الآدمي يقدم على البهائم. # الثاني: أن السائل هو الذي يسأل، والمحروم هو المتعفف يظن أنه ms8043 ~~غني فيحرم. وقدم السائل؛ لأن حاله يعرف بسؤاله، أو يكون إشارة ~~إلى كثرة العطاء فيعطي السؤال، فإذا لم يجدهم يسأل عن المحتاجين فيكون ~~سائلا ومسؤولا. # الثالث: قدم السائل؛ لتجانس رؤوس الآي. # فصل # قال ابن عباس وسعيد بن المسيب: السائل الذي يسأل الناس، والمحروم ~~الذي ليس له في الغنائم سهم ولا يجرى عليه من الفيء شيء. وقال ~~قتادة والزهري: المحروم المتعفف الذي لا يسأل. وقال زيد بن أسلم: هو ~~المصاب ثمره أو زرعه أو تشل ماشيته، وهو قول محمد بن كعب ~~القرظي. قال: المحروم صاحب الحاجة، ثم قرأ: # إنا لمغرمون بل نحن محرومون # [الواقعة: 66 - 67]. ### || [51.20-23] # قوله تعالى: { وفي الأرض آيات للموقنين } إذا ساروا فيها ~~من الجبال والبحار والثمار وأنواع النبات تدلهم على أن الحشر كائن ~~كقوله تعالى: # ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة # [فصلت: 39]، إلى أن قال: # إن الذي أحياها # [فصلت:39]، ويحتمل أن يكون المعنى: وفي الأرض آيات تدل على ~~مدبر قادر قاهر يجب أن يعبد ويحذر. # فإن قيل: كيف خصص الآيات بالموقنين، ولم يخصص في قوله: # وآية لهم الأرض الميتة أحييناها # [يس: 33]؟ # فالجواب: أن القسم إنما يكون مع المعاند في البرهان، فهو لا ينتفع ~~بالآيات وإنما ينتفع بها الموقنون فلذلك أقسم ههنا فقال: { فورب ~~السمآء والأرض إنه لحق } وفي سورة يس لم يؤكد ذلك بالقسم ~~الدال على المعاند. أو يقال: أطلقت هناك باعتبار حصولها وخصصت هنا ~~باعتبار المنفعة بها. وجمعت " الآيات " هنا، لأن الموقن يتنبه لأمور ~~كثيرة، وكذلك قوله: وفي أنفسكم آيات دالة على ذلك إذ كانت نطفة ~~ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظاما، إلى أن ينفخ فيها الروح. # وقال عطاء عن ابن عباس - (رضي الله عنهم -): يريد اختلاف ~~الألسنة والصور والألوان والطبائع. # وقال ابن الزبير: يريد سبيل البول والغائط يأكل ويشرب من ~~مدخل واحد ويخرج من سبيلين. # وقوله: " أفلا تبصرون " قال مقاتل: أفلا تبصرون كيف خلقكم فتعرفوا قدرته ~~على البعث؟ # قوله: " وفي أنفسكم " نسق على (ما) " في الأرض " فهو خبر عن " آيات ~~" أيضا، والتقدير: وفي الأرض وفي أنفسكم ms8044 آيات. # وقال أبو البقاء: ومن رفع بالظرف جعل ضمير " الآيات " في الظرف. ~~يعني من يرفع الفاعل بالظرف مطلقا أي وإن لم يعتمد يرفع بهذا الجار ~~فاعلا هو ضمير " آيات ". # وجوز بعضهم أن يتعلق ب " يبصرون ". وهو فاسد؛ لأن الاستفهام ~~والفاء يمنعان جوازه. # وقرأ قتادة: " آية " بالإفراد، وقوله: " في أنفسكم " يحتمل ~~أن يكون المراد فيكم، يقال: الحجارة في نفسها صلبة، ولا يراد بها ~~النفس التي هي منبع الحياة والحس والحركات. ويحتمل أن يكون ~~المراد وفي نفوسكم التي بها حياتكم آيات وقوله: " أفلا تبصرون " ~~بالاستفهام إشارة إلى ظهورها. # قوله: { وفي السمآء رزقكم } أي سبب رزقكم. وقرأ حميد ~~وابن محيصن: رازقكم اسم فاعل، والله تعالى متعال عن الجهة. ~~قال ابن عباس ومجاهد ومقاتل: يعني بالرزق: المطر؛ لأنه سبب الأرزاق. ~~وقيل: في السماء رزقكم مكتوب، وقيل: تقدير الأرزاق كلها من السماء، ~~ولولاه لما حصل في الأرض حبة قوت. # قوله: " وما توعدون " قال عطاء: من الثواب والعقاب، وقال ~~مجاهد: من الخير والشر. وقال الضحاك: وما توعدون من الجنة ~~والنار فيكون المعنى على هذا: وما توعدون لحق، كقوله: # إنما توعدون لصادق # [الذاريات: 5] فإن قلنا: المراد بقوله: " وما توعدون " الجنة فهو من ~~الوعد، وإن قيل: المراد العذاب فيكون الخطاب مع الكفار. # قوله: { فورب السمآء والأرض إنه لحق } الضمير إما ~~للقرآن، وإما " للدين " ، وإما " اليوم " في قوله: # وإن الدين لواقع # [الذاريات: 6] و " يوم هم " و " يوم الدين " ، وإما للنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ودخلت الفاء بمعنى إن ما توعدون لحق بالبرهان ~~المبين ثم بالقسم واليمين أو للعطف على قوله: " والذاريات " مع إعادة ~~المقسم عليه لوقوع الفصل. # وأقسم أولا بالمخلوقات وههنا بربها ترقيا من الأدنى إلى الأعلى. # قوله: " مثل ما " قرأ الأخوان وأبو بكر مثل بالرفع، وفيه ثلاثة ~~أوجه: # أحدها: أنه خبر ثان مستقل كالأول. # الثاني: أنه مع ما قبله خبر واحد، كقولك: هذا حلو حامض نقلهما ~~أبو البقاء. # والثالث: أنه نعت لحق و " ما " مزيدة على الأوجه الثلاثة و " ~~أنكم " مضاف إليه، أي لحق مثل نطقكم، ولا يضر ms8045 تقدير ~~إضافتها لمعرفة، لأنها لا تتعرف بذلك لإبهامها. # والباقون بالنصب، وفيه أوجه: # أشهرها: أنه نعت " لحق " أيضا كما في القراءة الأولى، وإنما بني ~~الاسم لإضافته إلى غير متمكن، كما بناه الآخر في قوله: # 4522- فتداعى منخراه بدم # مثل ما أثمر حماض الجبل # بفتح " مثل " مع أنها نعت ل " دم " وكما بنيت " غير " في قوله - ~~(رحمة الله عليه) -: # 4523- لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت # حمامة في غصون ذات أوقال # " غير " فاعل يمنع، فبناها على الفتح لإضافتها إلى " أن نطقت " ~~وقد تقدم في قراءة: # لقد تقطع بينكم # [الأنعام: 94] بالفتح ما يغني عن تقرير مثل هذا. # الثاني: أن " مثل " ركب مع " ما " حتى صارا شيئا واحدا، قال ~~المازني: ومثله: ويحما، وهيما وأينما، وأنشد لحميد بن ~~ثور - ( رحمة الله عليه رحمة واسعة -): # 4524- ألا هيما مما لقيت وهيما # وويحا لمن لم يدر ما هن ويحما # قال: فلولا البناء لكان منونا. # وأنشد أيضا: # 4525-............................ # فأكرم بنا أبا وأكرم بنا ابنما # وهو الذي ذهب إليه بعض النحويين وأنشد: # 4526- أثور ما أصيدكم أم ثورين # أم هذه الجماء ذات القرنين # وأما ما أنشده من قوله: " وأكرم بنا ابنما " فليس من هذا ~~الباب، لأن هذا " ابن " زيدت عليه الميم وإذا زدت عليه الميم جعلت ~~النون تابعة للميم في الحركات على الفصيح، فتقول: هذا ابنم، ورأيت ~~ابنما ومررت بابنم، فتجري حركات الإعراب على الميم ويتبعها النون. # وابنما في البيت منصوب على التمييز فالفتح لأجل النصب لا البناء، وليس ~~هذه " ما " الزائدة، بل الميم وحدها زائدة، والألف بدل من التنوين. # الثالث: أنه منصوب على الظرف، وهو قول الكوفيين. # ويجيزون: زيد مثلك بالفتح، ونقله أبو البقاء عن أبي الحسن ولكن ~~بعبارة مشكلة فقال: ويقرأ بالفتح، وفيه وجهان: # أحدهما: هو معرب، ثم في نصبه أوجه، ثم قال: أو على أنه مرفوع الموضع، ~~ولكنه فتح كما فتح الظرف في قوله: # لقد تقطع بينكم # [الأنعام: 94] على قول الأخفش، ثم قال: والوجه الثاني: هو مبني. # وقال أبو عبيد: بعض العرب يجعل " مثل " نصبا أبدا، فيقولون: ~~هذا رجل مثلك. ms8046 # الرابع: أنه منصوب على إسقاط الجار وهو كاف التشبيه. # وقال الفراء: العرب تنصبها إذا رفع بها الاسم يعني المبتدأ فيقولون: ~~مثل من عبد الله؟ وعبد الله مثلك وأنت مثله لأن الكاف ~~قد تكون داخلة عليها فتنصب إذا ألقيت الكاف. # قال شهاب الدين: وفي هذا نظر، أي حاجة إلى تقدير دخول الكاف و " مثل ~~" تفيد فائدتها؟ وكأنه لما رأى أن الكاف قد دخلت عليها في قوله: # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11] قال ذلك. # الخامس: أنه نعت لمصدر محذوف، أي لحق حقا مثل نطقكم. # السادس: أنه حال من الضمير في " لحق "؛ لأنه قد كثر الوصف بهذا ~~المصدر حتى جرى مجرى الأوصاف المشتقة، والعامل فيها " حق ". # السابع: أنه حال من نفس " حق " وإن كان نكرة. وقد نص سيبويه في ~~مواضع من كتابه على جوازه، وتابعه أبو عمرو على ذلك. # و " ما " هذه في مثل هذا التركيب نحو قولهم: " هذا حق " ، كما أنك ~~ههنا لا تجوز حذفها، فلا يقال: هذا حق كأنك ههنا. نص على ذلك الخليل - ~~رحمه الله -. # فإذا جعلت " مثل " معربة كانت " ما " مزيدة و " أنكم " في محل ~~خفض بالإضافة كما تقدم. وإذا جعلتها مبنية إما للتركيب، وإما لإضافتها ~~إلى غير متمكن جاز في " ما " هذه وجهان: الزيادة وأن تكون نكرة موصوفة، ~~(كذا) قال أبو البقاء. # وفيه نظر، لعدم الوصف هنا، فإن قال: هو محذوف فالأصل عدمه، وأيضا ~~فنصوا على أن هذه الصفة لا تحذف، لإبهام موصوفها. وأما " أنكم ~~تنطقون " فيجوز أن يكون مجرورا بالإضافة إن كانت ( " ما " ) مزيدة، ~~وإن كانت نكرة كان في موضع نصب بإضمار أعني، أو رفع بإضمار مبتدأ. # فصل # المعنى: { فورب السمآء والأرض إنه لحق } أي ما ~~ذكرت من أمر الرزق لحق كمثل ما أنكم تنطقون فتقولون: لا ~~إله إلا الله. # وقيل: شبه تحقيق ما أخبر عنه بتحقيق نطق الآدمي كقولك: إنه ~~لحق كما أنت ههنا وإنه لحق كما أنك تتكلم والمعنى أنه في صدقه ووجوده ~~كالذي تعرفه ضرورة. قال بعض الحكماء: كما أن كل إنسان ينطق بلسان نفسه ms8047 ~~لا يمكنه أن ينطق بلسان غيره فكذلك كل إنسان يأكل رزق نفسه الذي قسم ~~له، ولا يقدر أن يأكل رزق غيره. # وقيل: معناه إن القرآن لحق تكلم به الملك النازل من السماء مثل ما ~~تتكلمون. ### || [51.24-37] # قوله تعالى: { هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين ~~} هذا تسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - وتيسير له بالفرج، وسماهم ~~ضيفا، لأنه حسبهم كذلك، ويقع على الواحد والجمع، لأنه مصدر وسماهم ~~مكرمين أي عند الله أو لأن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - أكرمهم ~~بأن عجل قراهم، وأجلسهم في أكرم المواضع واختار إبراهيم لكونه شيخ ~~المرسلين، وكون النبي - عليه الصلاة والسلام - مأمورا بأن يتبع ملته، ~~كما قال تعالى: # ثم أوحينآ إليك أن اتبع ملة إبراهيم ~~حنيفا # [النحل: 123]. وقيل: سماهم مكرمين لأنهم كانوا ضيف إبراهيم - عليه ~~الصلاة والسلام - (وكان إبراهيم أكرم الخليقة، وضيف الكرام مكرمون. ~~وقال ابن أبي نجيح - عن مجاهد -: لأن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - ~~خدمهم بنفسه) وعن ابن عباس: سماهم مكرمين لأنهم جاءوا غير مدعوين، ~~وقال عليه الصلاة والسلام: # " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ~~ضيفه ". # فإن قيل: إذا كان المراد من الآية التسلية والإنذار، فأي فائدة في حكاية ~~الضيافة؟ # فالجواب: ليكون ذلك إشارة إلى أن الفرج في حق الأنبياء، والبلاء على ~~الجهلة يأتي من حيث لم يحتسبوا، كقوله تعالى: # فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون # [الزمر: 25]، فلم يكن عند إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - خبر من ~~إنزال العذاب مع ارتفاع منزلته وقد تقدم عددهم في سورة هود. # قوله تعالى: { إذ دخلوا عليه } العامل في " إذ " أوجه: # أحدها: أنه " حديث " أي هل أتاك حديثهم الواقع في وقت دخولهم عليه. # الثاني: أنه منصوب بما في " ضيف " من معنى الفعل، لأنه في الأصل مصدر، ~~ولذلك استوى فيه الواحد المذكور وغيره، كأنه قيل: الذين أضافهم ~~في وقت دخولهم عليه. # الثالث: أنه منصوب بالمكرمين إن أريد بإكرامهم أن إبراهيم أكرمهم ~~بخدمته لهم كأنه تعالى يقول: أكرموا إذ دخلوا. # الرابع: أنه منصوب بإضمار " اذكر " ولا يجوز نصبه ب " أتاك " ~~لاختلاف الزمانين. ms8048 # وقرأ العامة المكرمين - بتخفيف الراء - من أكرم، وعكرمة: ~~بالتشديد. # فإن قيل: أرسلوا بالعذاب بدليل قولهم: { إنآ أرسلنآ إلى ~~قوم مجرمين } [الذاريات: 32] فما الحكمة في مجيئهم إلى إبراهيم ~~- عليه الصلاة والسلام -؟ # فالجواب من وجهين: # الأول: أن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - شيخ المرسلين، ولوط من ~~قومه، ومن عادة الملك إذا أرسل رسولا لملك وفي طريقه من هو أكبر منه ~~يقول له: اعبر على فلان الملك، وأخبره برسالتك وخذ فيها رأيه. # الثاني: أن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - كان شديد الشفقة حليما ~~فكان يشق عليه إهلاك أمة عظيمة وكان ذلك مما يحزن إبراهيم - عليه ~~الصلاة والسلام - شفقة منه على العباد فقال (لهم) بشروه بغلام يخرج ~~من صلبه أضعاف من يهلك، ويكون من صلبه خروج الأنبياء - عليهم الصلاة ~~والسلام -. # قوله: { فقالوا سلاما قال سلام } العامة على نصب " سلاما " ~~الأول، ورفع الثاني. فأما نصب الأول فالمشهور أن السلام التحية أي ~~نسلم سلاما. ويحتمل أن " سلاما " معناه حسنا أي قالوا كلاما ~~حسنا؛ لأنه كلام سلم به المتكلم من أن يلغو أو يأثم فكأنهم قالوا ~~قولا حسنا سلموا به من الإثم فيكون مفعولا به لأنه في معنى القول، ~~كما قيل في قوله تعالى: # وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما # [الفرقان: 63]، أو هو مفعول بفعل محذوف، أي نبلغك سلاما. # ولم يقولوا من الله شفقة على قلب إبراهيم فأتوا به مجملا، ثم فسروه ~~بعد ذلك. # وأما رفع الثاني فالمشهور أنه التحية، فهو مبتدأ، وخبره محذوف أي ~~عليكم، ويحتمل أنه السلامة، أي أمري سلام لأني لا أعرفكم، أو ~~قولكم سلام، أي ينبىء عن السلامة وأنتم قوم منكرون فما خطبكم؟ # وأما الفرق بين النصب والرفع، فإن حملنا السلام على التحية، فإنه ~~مبتدأ مع أنه نكرة تنبيها على أصله، لأنه النصب، لأن المعنى أسلم ~~سلاما و " عليكم " لبيان المسلم عليه، لا حظ له في الإعراب. # وأصل الكلام أسلم سلاما، فالنصب أصل، فقدم على الرفع الذي هو فرع، ~~وأيضا فرد (إبراهيم) أبلع لأنه أتى بالجملة الاسمية الدالة على الثبات ~~بخلاف الفعلية، فإنها تدل على التجدد ms8049 والحدوث، ولهذا يستقيم قولنا: ~~الله موجود الآن، ولا يستقيم قولنا: الله وجد الآن. # وأما إن قلنا: معناه حسنا، أو ذا سلامة، فمعناه قلتم حسنا وأنتم ~~منكرون فالتبس الأمر علي. # وأما إن قلنا معناه المتاركة فمعناه سلمتم علي، وأنا أمري متاركة ~~لأني لا أعلم حالكم، ومنه: # وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما # [الفرقان: 63] وقال تعالى: # فاصفح عنهم وقل سلام # [الزخرف: 89] لأن سلامتهم عن الجاهلين لا يمنع التعرض لهم، بخلاف النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فمعناه سلم أمري متاركة إلى أن يأتي أمر الله. ~~وتقدم تحرير نظير هذه الآية في سورة هود. # وتقدم أيضا خلاف القراء في سلام بالنسبة إلى فتح سينه وكسرها، وإلى ~~سكون لامه وفتحها. # وقرئا مرفوعين. وقرىء سلاما قالوا سلما بكسر سين الثاني ~~ونصبه، ولا يخفى توجيه ذلك بما تقدم في هود ودخلت الفاء ههنا إشارة إلى ~~أنهم لم يخلوا بأدب الدخول، بل جعلوا السلام عقيب الدخول. # قوله: " قوم منكرون " خبر مبتدأ مضمر، فقدروه أنتم قوم، ~~ولم يستحسنه بعضهم؛ لأن فيه عدم أنس فمثله لا يقع من إبراهيم - ~~عليه الصلاة والسلام -، فالأولى أن يقدر هؤلاء قوم، أو هم قوم، ~~وتكون مقالته هذه مع أهل بيته وخاصته، لا لنفس الملائكة لأن ذلك يوحشهم. # وقال المفسرون: قوم منكرون أي غرباء ولا نعرفكم. # قال ابن عباس - (رضي الله عنهما -) قال في نفسه: هؤلاء قوم لا نعرفهم. ~~وقيل: إنما أنكر أمرهم، لأنهم دخلوا عليه من غير استئذان. وقال أبو ~~العالية: أنكر سلامهم في ذلك الزمان وفي تلك الأرض. # فإن قيل: قال في سورة هود: # فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم # [هود: 70] فدل على أن إنكاره حصل بعد تقريب العجل إليهم وههنا قال: { ~~فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون } ، ثم قال: { ~~فراغ إلى أهله } بفاء التعقيب، وذلك يدل على تقريب الطعام منهم ~~بعد حصول إنكاره فما وجهه؟ # فالجواب: أن يقال: لعلهم كانوا مخالفين لصفة الناس في الشكل والهيئة، ~~ولذلك قال: " قوم منكرون " ، (أي) عند كل أحد (منا)، ثم لما امتنعوا عن ~~الطعام تأكد الإنكار، ms8050 لأن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - تفرد ~~بمشاهدة إمساكهم فنكرهم فوق الإنكار الأول. # وحكاية الحال في سورة " هود " أبسط مما ذكره ههنا، فإن ههنا لم يبين ~~المبشر به، وهناك ذكره باسمه وهو إسحاق وههنا لم يقل إن القوم قوم ~~من، وهناك قال: قوم لوط. # فصل # ذكر ههنا من آداب الضيافة تسليم المضيف على الضيف، ولقاءه بالوجه ~~الحسن، والمبالغة في الإكرام بقوله: " سلام " ، وهو آكد، وسلامهم ~~بالمصدر، وفي قوله: سلام بالرفع زيادة على ذلك ولم يقل سلام عليكم؛ لأن ~~الامتناع من الطعام يدل على أن العداوة لا تليق بالأنبياء فقال: سلام أي ~~أمري مسالمة، ثم فيها من أدب الضيف تعجيل الضيافة، فإن الفاء في قوله: ~~" فراغ " يدل على التعقيب وإخفائها لأن الروغان يقتضي الإخفاء ~~وغيبة المضيف عن الضيف ليستريح، ويأتي بما يمنعه الحياء منه، ويخدم ~~الضيف بنفسه ويختار الأجود لقوله: " سمين " ويقدم الطعام للضيف في ~~مكانه لا ينقل الضيف للطعام لقوله: " فقربه إليهم " ويعرض ~~الأكل عليه لا يأمره لقوله: " ألا تأكلون " ولم يقل: كلوا. ~~وسروره بأكله كما يوجد في بعض البخلاء الذين يحضرون طعاما كثيرا، ويجعل ~~نظره ونظر أهل بيته إلى الطعام حتى يمسك الضيف يده عنه، لقوله: { ~~فأوجس منهم خيفة } بعدم أكلهم. # ومن آداب الضيف إذا حضره الطعام ولم يكن يصلح له لكونه مضرا به، أو ~~يكون ضعيف القوة عن هضم ذلك الطعام فلا يقول: هذا طعام غليظ لا يصلح ~~لي بل يأتي بعبارة حسنة، ويقول: بي مانع من أكل الطعام، لأنهم أجابوه ~~بقولهم: لا تخف، ولم يذكروا في الطعام شيئا، ولا أنه يضر بهم بل بشروه ~~بالولد إشعارا بأنهم ملائكة، وبشروه بالأشرف وهو الذكر حيث فهموه أنهم ~~ليسوا ممن يأكلون. # ثم وصفوه بالعلم دون المال والجمال، لأن العلم أشرف الصفات ثم أدب آخر ~~في البشارة وهو أن لا يخبر الإنسان بما يسره دفعة واحدة، لأنه يورث ~~رضاهم، لأنهم جلسوا، واستأنس بهم إبراهيم، ثم قالوا: نبشرك. # وتقدم الكلام على فائدة تقديم البشارة. # قوله: " فراغ " أي عدل ومال " إلى أهله " ، وقوله: " فجاء ms8051 " ~~عطف على " فراغ " وتسببه عنه واضح " بعجل سمين " أي مشوي ~~كقوله في مكان آخر: # بعجل حنيذ # [هود: 69]. " فقربه إليهم " ليأكلوا، فلم يأكلوا قال ألا ~~تأكلون والهمزة في " ألا تأكلون " للإنكار عليهم في عدم أكلهم، ~~أو للعرض، أو للتحضيض. # { فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه ~~بغلام عليم }. # قوله تعالى: { فأقبلت امرأته في صرة } قيل: لم يكن ذلك ~~إقبالا من مكان إلى مكان، وإنما هو كقول القائل: أقبل يشتمني بمعنى ~~أخذ في شتمي، أي أخذت تولول، لقوله: # قالت يويلتى # [هود: 72]، وذلك أنها كانت مع زوجها في خدمتهم، فلما تكلموا مع زوجها ~~بولادتها استحت وأعرضت عنهم، فذكر الله تعالى ذلك بلفظ الإقبال على ~~الأهل، ولم يقل بلفظ الإدبار عن الملائكة. # قوله: " في صرة " يجوز أن يكون حالا من الفاعل أي كائنة في ~~صرة. والصرة قيل: الصيحة، قال امرؤ القيس: # 4527- فألحقنا بالهاديات ودونه # جواحرها في صرة لم تزيل # قال الزمخشري: من صر الجندب والباب والقلم، أي فصاحت كما جرت ~~عادة النساء إذا سمعن شيئا من أحوالهن يصحن صيحة معتادة لهن عند ~~الاستحياء أو التعجب. # ويحتمل أن يقال: تلك الصيحة كانت بقولها: يا ويلتا، ومحلها النصب ~~على الحال أي فجاءت صارة. # ويجوز أن يتعلق ب " أقبلت " أي أقبلت في جماعة نسوة كن معها، ~~والصرة الجماعة من النساء. # قوله: " فصكت وجهها " قال ابن عباس - (رضي الله عنهما) -: ~~فلطمت وجهها. واختلف في صفته فقيل: هو الضرب باليد مبسوطة. وقيل: بل ~~ضرب الوجه بأطراف الأصابع فعل المتعجب، وهو عادة النساء إذا أنكرن ~~شيئا. وأصل الصك ضرب الشيء بالشيء العريض. # قوله: " عجوز " خبر مبتدأ مضمر أي أنا عجوز عقيم فكيف ألد؟ وتفسرها ~~الآية الأخرى، فاستبعدت ذلك ظنا منها أن ذلك منهم على سبيل الدعاء، ~~فكأنها قالت: يا ليتكم دعوتم دعاء قريبا من الإجابة، فأجابوها بأن ذلك ~~من الله تعالى، وأن هذا ليس بدعاء، وإنما هو قول الله { كذلك قال ~~ربك } ثم دفعوا استبعادها بقولهم: { إنه هو الحكيم ~~العليم }. # قوله: " كذلك " منصوب على المصدر ب " قال " الثانية أي مثل ms8052 ذلك ~~القول الذي أخبرناك به قال ربك، أي إنه من جهة الله فلا تعجبي منه. # قال ابن الخطيب: وقال ههنا: الحكيم العليم وفي سورة (هود): إنه ~~حميد مجيد؛ لأن الحكاية في هود أبسط فذكروا ما يدفع استبعادها ~~بقولهم: # أتعجبين من أمر الله # [هود: 73]، ثم أرشدوها إلى القيام بشكر نعم الله بقولهم: " حميد " ~~فإن الحميد هو الذي يفعل الأفعال الحسنة، والمجيد إشارة إلى أنه لا يحمد ~~لفعله وإنما يحمد لذاته. # وههنا لما لم يقولوا: أتعجبين من أمر الله أشاروا إلى ما ~~يدفع تعجبها بقولهم: " حكيم عليم ". فالحميد يتعلق بالفعل، والمجيد يتعلق ~~بالذات، وكذلك الحكيم هو الذي فعله قاصدا إليه، فإن من يتقلب في النوم ~~على حية فماتت لا يعد حكيما، وأما إذا قصد قتلها بحيث يسلم من نهشها، ~~يقال: إنه حكيم والعليم صفة راجعة إلى الذات، فقدم وصف الفعل وارتقى درجة ~~إلى وصف الذات إشارة إلى أنه يستحق الحمد وإن لم يفعل فعلا. # قوله تعالى: { قال فما خطبكم أيها المرسلون } هذا ~~أيضا من آداب المضيف، إذا بادر الضيف إلى الخروج قال له: ما هذه ~~العجلة؟ وما شأنك؟ لأن في سكوته ما يوهم باستثقالهم ثم إنهم ~~أتوا بما هو من أدب الصديق الذي لا يسر عن الصديق شيئا، وكان ذلك بإذن ~~الله لهم في إطلاع إبراهيم على إهلاكهم وجبر قلبه بتقديم البشارة بأبي ~~الأنبياء إسحاق - عليه الصلاة والسلام -. # فإن قيل: فما الذي اقتضى ذكره بالفاء ولم لا قال: ما هذا ~~الاستعجال؟ وما خطبكم المعجل لكم؟ # فالجواب: أنه لما أوجس منهم خيفة أو خرجوا من غير بشارة وإيناس ما كان ~~يقول شيئا فلما أنسوه قال: ما خطبكم أي بعد هذا الأنس العظيم ما ~~هذا الإيحاش الأليم! # فصل # والخطب يستعمل في الأمر العظيم، ولذلك قال: فما خطبكم أي ~~لعظمتكم لا ترسلون إلا في أمر عظيم، ولو قال بلفظ مركب بأن يقول: ما ~~شغلكم الخطير وأمركم العظيم للزم التطويل فالخطب أفاد التعظيم مع ~~الإيجاز وعرف أنهم مرسلون بقولهم: " إنا أرسلنا " أو بقولهم ~~لامرأته: { كذلك قال ms8053 ربك } لحكايتهم قول الله تعالى. # وقالوا في سورة هود: # إنا أرسلنا إلى قوم لوط # [هود: 70] وقالوا هنا: { إلى قوم مجرمين } ، لأن الحكاية عن ~~معنى قولهم. # ويحتمل أنهم قالوا الأمرين ولما حكى لفظهم في السلام أتى في الموضعين ~~بصفة واحدة. # والمجرم قال ابن عباس - ( رضي الله عنهما -): هو المشرك، لأن الشرك ~~أسرف الذنوب وأعظمها. # قال ابن الخطيب: المجرم هو الآتي بالذنب العظيم، لأن المجرم فيه دلالة ~~على العظيم ومنه جرم الشيء لعظمه ومقداره. # قوله: { لنرسل عليهم حجارة من طين } فيه دليل على ~~رجم اللائط. والفائدة في إرسال جماعة من الملائكة لهذا الأمر وإن كان ~~يكفي فيه الواحد منهم، أن الملك العظيم قد يهلك بالأمر الحقير كما هلك ~~النمرود بالبعوض، وكما أهلك بالقمل والجراد بل بالريح ~~التي بها الحياة إظهارا للقدرة، وقد تكثر الأسباب كما في يوم بدر أمر ~~خمسة آلاف من الملائكة بإهلاك أهل بدر مع قلتهم إظهارا لعظيم قدرته. # وقوله: " من طين " أي ليست من البرد والفاعل لذلك هو الله ~~تعالى لا كما يقول الحكماء فإنهم يقولون: إن البرد يسمى حجارة فقوله: " ~~من طين " يدفع ذلك التوهم. # قال ابن الخطيب: إن بعض من يدعي العقل (يقول): لا ينزل من السماء ~~إلا حجارة من طين مدورات على هيئة البرد وهيئة البنادق التي يتخذها ~~الرماة، قالوا: وسبب ذلك أن الإعصار يصعد الغبار من الفلوات العظيمة ~~التي لا عمارة فيها والرياح تسوقها إلى بعض البلاد ويتفق (وصول) ذلك ~~إلى هواء ندي فيصير طينا رطبا، والرطب إذا نزل وتفرق استدار بدليل ~~أنك إذا رميت الماء إلى فوق ثم نظرت إليه رأيته ينزل كرات مدورات ~~كاللآلىء الكبار ثم في النزول إذا اتفق أن تضربه النيران التي في الجو ~~جعلته حجارة كالآجر المطبوخ فينزل فيصيب من قدر الله هلاكه وقد ينزل ~~كثيرا في المواضع التي لا عمارة بها، فلا يرى ولا يدرى به فلهذا ~~قال: " من طين " لأ (ن) ما لا يكون من طين كالحجر الذي في الصواعق ~~لا يكون كثيرا بحيث يمطر، وهذا تعسف، لأن ms8054 ذلك الإعصار لما وقع فإن وقع ~~بحادث آخر لزم التسلسل، ولا بد من الانتهاء إلى محدث ليس بحادث فذلك ~~المحدث لا بد وأن يكون فاعلا مختارا، والمختار له أن يفعل وله أن ~~يخلق الحجارة من طين على وجه آخر من غير نار ولا غبار، لكن العقل ~~لا طريق له إلى الجزم بطريق إحداثه وما لا يصل العقل إليه فلا يؤخذ إلا ~~بالنقل والنص ومن المعلوم أن نزول حجارة من الطين من السماء أغرب وأعجب ~~من غيرها. # قوله: " مسومة " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه منصوب على النعت لحجارة. # الثاني: أنه حال من الضمير المستكن في الجار قبله. # الثالث: أنه حال من " حجارة " ، وحسن ذلك كون النكرة وصفت ~~بالجار بعدها. # ومعنى مسومة قيل: على كل حجر منها اسم صاحبه. وقيل: خلقت وأعدت ~~لتعذيبهم. وقيل: مرسلة للمجرمين؛ لأن الإرسال يقال في التسويم، يقال ~~أرسلها لترعى، كما قيل في الخيل المسومة أي مستغنى عنها. # قوله: " عند ربك " ظرف " لمسومة " أي معلمة عنده " ~~والمسرف " المتمادي ولو في الصغائر فهم مجرمون مسرفون. # وهنا لطيفة وهي أن الحجارة سومت للمسرف المصر الذي لا يترك ~~الذنب في المستقبل وذلك إنما يعلمه الله تعالى، فلذلك قال: { عند ~~ربك للمسرفين } ولما كان الإجرام ظاهرا قالوا: { إنآ ~~أرسلنآ إلى قوم مجرمين } واللام في " المسرفين " لتعريف ~~العهد، أي لهؤلاء المسرفين؛ إذ ليس لكل مسرف حجارة مسومة. # وإسرافهم بأنهم أتوا بما لم يسبقهم به أحد من العالمين. # قوله: { فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين } هذه ~~الآية تدل على بيان القدرة والاختيار، لأنه تعالى لما ميز المجرم عن ~~المحسن يدل على الاختيار وأيضا فيها بيان أن ببركة المحسن ينجو ~~المسيء، فإن القرية ما دام فيها المؤمنون لم تهلك. والضمير في " ~~فيها " عائد على القرية وهي معلومة وإن لم تكن مذكورة. # والمعنى: فأخرجنا من كان في قرى قوم لوط من المؤمنين، وذلك قوله: # فأسر بأهلك بقطع من الليل # [الحجر: 65]. # وقوله: { فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين } ~~يعني لوطا وابنتيه وصفهم الله تعالى بالإيمان والإسلام ms8055 جميعا، لأنه ما ~~من مؤمن إلا وهو مسلم، وفيه إشارة إلى أن الكفر إذا غلب، والفسق إذا ~~فشا لا ينفع معه عبادة المؤمنين، بخلاف ما لو كان أكثر الخلق على ~~الطريقة المستقيمة، وفيهم شرذمة يسيرة يسرقون ويزنون، ومثاله أن ~~العالم كالبدن، ووجود الصالحين كالأغذية الباردة والحارة والسموم ~~الواردة عليه الضارة ثم إن البدن إن خلا عن المنافع وفيه الضار هلك وإن ~~خلا عن الضار وفيه النافع طاب ونما، وإن وجدا فيه فالحكم للغالب. # وإذا علم أن إطلاق العام على الخاص لا مانع منه، لأن المسلم أعم ~~من المؤمن فإذا سمي المؤمن مسلما، لا يدل على اتحاد مفهوميهما فكأنه ~~تعالى قال: أخرجنا المؤمنين، فما وجدنا الأعم منهم إلا بيتا من ~~المسلمين، ويلزم من هذا أن لا يكون هناك غيرهم من المؤمنين. # قوله: { وتركنا فيهآ آية } يجوز أن يعود الضمير على القرية، ~~أي تركنا في القرية علامة أي عبرة كالحجارة أو الماء المنتن ويجوز أن ~~يعود على الإهلاكة المفهومة من السياق. # وقوله: " للذين يخافون " أي ما ينتفع بها إلا الخائف، كقوله ~~تعالى في سورة العنكبوت: # لقوم يعقلون # [العنكبوت: 35] ومعنى الآية: أن " الآية " تدلهم على أن الله تعالى ~~أهلكهم فيخافون مثل عذابهم. ### || [51.38-40] # قوله تعالى: { وفي موسى } فيه أوجه: # أظهرها: أنه عطف على قوله: " فيها " بإعادة الجار؛ لأن المعطوف ~~عليه ضمير مجرور فيتعلق ب " تركنا " من حيث المعنى ويكون ~~التقدير: وتركنا في قصة موسى آية. وهذا واضح. # والثاني: أنه معطوف على قوله: # في الأرض آيات # [الذاريات: 20] أي وفي الأرض وفي موسى آيات للموقنين. قاله الزمخشري ~~وابن عطية. # قال أبو حيان: وهذا بعيد جدا ينزه القرآن عن مثله. # قال شهاب الدين: وجه استبعاده له بعد ما بينهما، وقد فعل أهل العلم هذا ~~في أكثر من ذلك. # والثالث: أنه متعلق ب " جعلنا " مقدرة، لدلالة: " وتركنا " ~~عليه. # قال الزمخشري: أو على قوله - يعني أو يعطف على قوله -: # وتركنا فيهآ آية # [الذاريات: 37] على معنى وجعلنا في موسى آية كقوله: # 4528- علفتها تبنا وماء باردا # ......................... # قال أبو حيان: ولا ms8056 حاجة إلى إضمار: " وجعلنا " لأنه قد أمكن أن ~~يكون العامل في المجرور " وتركنا ". # قال شهاب الدين: والزمخشري إنما أراد الوجه الأول بدليل قوله: " وفي ~~موسى " معطوف على " وفي الأرض " ، أو على قوله: " وتركنا ~~فيها " وإنما قال: على جهة تفسير المعنى لا الإعراب. وإنما أظهر الفعل ~~تنبيها على مغايرة الفعلين يعني أن هذا الترك غير ذاك الترك، ولذلك ~~أبرزه بمادة الجعل دون مادة الترك ليظهر المخالفة. # الرابع: أن يعطف على # هل أتاك حديث ضيف إبراهيم # [الذاريات: 24] تقديره: وفي حديث موسى إذ أرسلناه: وهو مناسب، ~~لأن الله تعالى جمع كثيرا بين ذكر إبراهيم وموسى - عليهما الصلاة ~~والسلام - (كقوله تعالى): # أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي ~~وفى # [النجم: 36 - 37]، وقال: # صحف إبراهيم وموسى # [الأعلى: 19] قاله ابن الخطيب. # فصل # المعنى: لك في إبراهيم تسلية وفي موسى، أو لقومك في لوط وقومه عبرة، وفي ~~موسى وفرعون، أو تفكروا في إبراهيم ولوط وقومهما وفي موسى وفرعون. ~~هذا إن عطفناه على (معلوم، وإن عطفناه) على مذكور فقد تقدم آنفا. و " ~~السلطان المبين " الحجة الظاهرة. # قوله: " إذ أرسلناه " يجوز في هذا الظرف ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون منصوبا ب " آية " على الوجه الأول؛ أي تركنا في قصة ~~موسى علامة في وقت إرسالنا إياه. # الثاني: أنه يتعلق بمحذوف لأنه نعت لآية، أي آية كائنة في وقت ~~إرسالنا. # الثالث: أنه منصوب ب " تركنا ". # قوله: " بسلطان " يجوز أن يتعلق بنفس الإرسال، وأن يتعلق بمحذوف ~~على أنه حال إما من موسى وإما من ضميره أي ملتبسا بسلطان وهو الحجة. ~~و " المبين " الفارق بين سحر الساحرين وأمر المرسلين. # ويحتمل أن يكون المراد بالمبين أي البراهين القاطعة التي حاج بها ~~فرعون. # قوله: " فتولى بركنه " الجار والمجرور حال من فاعل " تولى ~~" ومعنى " تولى " أدبر عن الإيمان. والباء للمصاحبة. والمراد ~~بالركن أي بجمعه وجنوده الذين كان يتقوى بهم كالركن الذي ~~يتقوى به البنيان، كقوله تعالى: # أو آوي إلى ركن شديد # [هود: 80]. # وقيل: الباء للتعدية فتكون بمعنى تقوى بجنده. ويحتمل أن يكون المراد ~~تولى ms8057 أمر موسى بقوته، كأنه قال: أقتل موسى لئلا يبدل ~~دينكم، فتولى أمره بنفسه، فيكون المفعول غير مذكور وركنه هو نفسه القوية. ~~ويحتمل أن يكون المراد بركنه هامان فإنه كان وزيره. # قوله: " ساحر أو مجنون " " أو " هنا على بابها من الإبهام على ~~السامع أو للشك نزل نفسه مع أنه يعرفه بينا حقا منزلة الشاك في ~~أمره تمويها على قومه. وقال أبو عبيدة: " أو " بمعنى الواو، قال: لأنه ~~قد قالهما، قال تعالى: # إن هذا لساحر عليم # [الأعراف: 109]، وقال تعالى في موضع آخر: # إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون # [الشعراء: 27]، وتجيء " أو " بمعنى الواو، كقوله: # 4529- أثعلبة الفوارس أو رياحا # عدلت بهم طهية والخشابا # ورد الناس عليه هذا وقالوا: لا ضرورة تدعو إلى ذلك. وأما الآيتان فلا ~~يدلان على أنه قالهما معا، وإنما يفيد أنه قالهما أعم من أن يكونا ~~معا أو هذه في وقت وهذه في آخر. # قوله: " وجنوده " يجوز أن يكون معطوفا على مفعول " أخذناه " ~~وهو الظاهر، وأن يكون مفعولا معه. { فنبذناهم في اليم } ~~أغرقناهم في البحر. # قوله: " وهو مليم " جملة حالية، فإن كانت حالا من مفعول " ~~نبذناهم " فالواو لازمة؛ إذ ليس فيها ذكر يعود على صاحب الحال، ~~وإن كانت حالا من مفعول " أخذناه " فالواو ليست واجبة؛ إذ في ~~الجملة ذكر يعود عليه. وقد يقال: إن الضمير في " نبذناهم " ~~يعود على " فرعون " وعلى " جنوده " فصار في الحال ذكر يعود على ~~بعض ما شمله الضمير الأول. وفيه نظر، إذ يصير نظير قولك: جاء ~~السلطان وجنوده فأكرمتهم راكبا فرسه، فتجعل " راكبا " ~~حالا من بعض ما اشتمل عليه ضمير " أكرمتهم ". # فصل # ومعنى " مليم " أي أتى بما يلام عليه من دعوى الربوبية وتكذيب ~~الرسول. ### || [51.41-42] # قوله تعالى: { وفي عاد إذ أرسلنا } الكلام عليه قد تقدم ~~على نظيره. # واعلم أن المراد بهذه الحكايات تسلية قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وتذكيره بحال الأنبياء. # فإن قيل: لم لم يذكر في " عاد " و " ثمود " أنبياءهم كما ذكر ~~إبراهيم وموسى ولوطا - عليهم الصلاة والسلام -؟!. # فالجواب: أنه ذكر ست حكايات، حكاية ms8058 إبراهيم وبشارته وحكاية قوم لوط ~~ونجاة من كان فيها من المؤمنين وحكاية موسى، ففي هذه الحكايات الثلاثة ~~ذكر الرسل والمؤمنين لأن الناجين منهم كانوا كثيرين، فأما في حق إبراهيم ~~وموسى فظاهر وأما في حق لوط فلأن الناجين وإن كانوا أهل بيت واحد ~~لكن المهلكين أيضا كانوا أهل بقعة واحدة. وأما عاد وثمود وقوم نوح ~~فكان عدد المهلكين بالنسبة إلى الناجين أضعاف المهلكين من قوم لوط ~~عليه الصلاة والسلام؛ فذكر الحكايات الثلاث الأول للتسلية بإهلاك ~~العدو والكل مذكور للتسلية بدليل قوله تعالى في آخر هذه الآيات: # كذلك مآ أتى الذين من قبلهم من رسول إلا ~~قالوا ساحر أو مجنون # [الذاريات: 52] إلى أن قال: # فتول عنهم فمآ أنت بملوم # [الذاريات: 54] وقال في سورة هود بعد الحكايات: # ذلك من أنبآء القرى نقصه عليك # [هود: 100] إلى أن قال: # وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة ~~إن أخذه أليم شديد # [هود: 102]. # قوله: { إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم } وهي التي لا ~~خير فيها ولا بركة، ولا تلقح شجرا، ولا تحمل مطرا لأنها تكسر وتقلع ~~فكيف تلقح؟!. # واعلم أن الفعيل لا يلحق به تاء التأنيث (إن كان بمعنى مفعول وكذلك) ~~إذا كان بمعنى فاعل في بعض الصور. وقد تقدم ذكر سببه، وهو أن ~~فعيلا لما جاء للمفعول والفاعل جميعا ولم يتميز المفعول عن الفاعل ~~فأولى أن لا يتميز المؤنث عن المذكر فيه لأنه (لو تميز) لتميز ~~الفاعل عن المفعول قبل تمييز المؤنث والمذكر، لأن الفاعل جزء من الكلام ~~محتاج إليه، والمفعول فيه فائدة أكيدة وإن لم يكن جزءا من الكلام ~~محتاجا إليه، فأول ما يحصل في الفعل الفاعل ثم التذكير والتأنيث يصير ~~كالصفة للفاعل (والمفعول) تقول: فاعل وفاعلة، ومفعول ~~ومفعولة، ويدل على ذلك أيضا أن التمييز بين الفاعل والمفعول جعل ~~بحرف ممازج للكلمة فقيل: فاعل بألف فاصلة بين الفاء والعين التي هي من ~~أصل الكلمة، وقيل: مفعول بواو فاصلة بين العين واللام والتأنيث كان بحرف ~~في آخر الكلمة، فالمميز فيهما غير نظم الكلمة لشدة الحاجة (وفي ms8059 ~~التأنيث) لم يؤثر، ولأن التمييز في الفاعل والمفعول كان بأمرين يختص كل ~~واحد منهما بأحدهما فالألف بعد الفاء يختص بالفاعل، والميم والواو يختص ~~بالمفعول والتمييز في التذكير والتأنيث بحرف (واحد عند) وجوده يميز ~~المؤنث وعدمه يبقي اللفظ على أصل التذكير فإذا لم يكن " فعيل " يمتاز ~~فيه الفاعل عن المفعول إلا بأمر منفصل كذلك (المؤنث والمذكر لا يمتاز ~~أحدهما عن الآخر إلا بحرف غير متصل به. # قوله: { ما تذر من شيء } فيه وجهان): # أحدهما: أنه نصب على أنه صفة للريح بعد صفة " العقيم ". قاله الواحدي. # فإن قيل: كيف يكون وصفا والمعرف لا يوصف بالجمل؟ و " ما تذر " ~~جملة فلا يوصف بها النكرات؟!. # فالجواب من وجهين: # الأول: أن يكون بإعادة الريح تقديرا، كأنه يقول: وأرسلنا ~~عليهم الريح العقيم ريحا ما تذر. # الثاني: أنها لما لم تكن معهودة صارت منكرة كأنه يقول: لم تكن من ~~الرياح التي تقع ولا وقع مثلها، فهي لشدتها منكرة، ولهذا أكثر ما ذكرت ~~في القرآن منكرة، ووصفت بالجملة كقوله تعالى: # بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم # [الأحقاف: 24]، وقوله: # وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية سخرها ~~عليهم سبع ليال # [الحاقة: 6 و 7] إلى غير ذلك. # الوجه الثاني: أنه نصب على الحال، تقول: جاءني ما يفهم شيئا ~~فعلمته وفهمته أي حاله كذا. # فإن قيل: لم يكن حال الإرسال ما تذر والحال ينبغي أن يكون موجودا مع ~~ذي الحال وقت الفعل فلا يجوز أن يقال: جاءني زيد أمس راكبا غدا، ~~والريح بعد ما أرسلت بزمان صارت ما تذر شيئا! # فالجواب: أن المراد بيان الصلاحية أي التي أرسلناها على قوة وصلاحية ~~لا تذر، وتقول لمن جاء وأقام عندك أياما ثم سألك شيئا: جئتني سائلا ~~أي وقت السؤال بالصلاحية والإمكان. # هذا إن قيل: بأنه نصب على المشهور. # ويحتمل أنه رفع على خبر مبتدأ محذوف تقديره هي ما تذر. # فإن قيل: " ما تذر " لنفي حال المتكلم؛ يقال: ما خرج زيد إلى ~~الآن، وإذا أردت المستقبل تقول: لا يخرج أو لن يخرج. ms8060 وتقول ~~للماضي: ما خرج ولم يخرج، والريح حالة الكلام مع النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كانت ما تركت من شيء إلا جعلته كالرميم فكيف قال بلفظ ~~الحال: ما تذر؟! # فالجواب: أن الحكايات مقدرة على أنها محكية حال الوقوع، كقوله تعالى: # وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد # [الكهف: 18] مع أن اسم الفاعل بمعنى الماضي لا يعمل، وإنما يعمل ما كان ~~منه بمعنى الحال والاستقبال. # فإن قيل: هل في قوله تعالى: { ما تذر من شيء أتت عليه } ~~تخصيص كما في قوله تعالى: # تدمر كل شيء بأمر ربها # [الأحقاف: 25]. # فالجواب: أن المراد به المبالغة، لأن قوله: " أتت عليه " وصف ~~لقوله: " شيء " كأنه قال: كل شيء أتت عليه، أو كل شيء تأتي ~~عليه، ولا يدخل فيه السموات، لأنها ما أتت عليه، وإنما يدخل فيه الأجسام ~~التي تهب عليها الرياح. # فإن قيل: فالجبال والصخور أتت عليه وما جعلته كالرميم!. # فالجواب: أن المراد أتت عليه قاصدة له وهو عاد وأبنيتهم وعروشهم ~~لأنها كانت مأمورة بأمر من عند الله فكأنها كانت قاصدة لهم، فما تركت ~~شيئا من تلك الأشياء إلا جعلته كالرميم. # قوله: { إلا جعلته كالرميم } هذه الجملة في موضع المفعول ~~الثاني ل " تذر " كأنه قيل: ما تترك من شيء إلا مجعولا نحو: ~~ما تركت زيدا إلا عالما. وأعربها أبو حيان: حالا. وليس ~~بظاهر. # فصل # المعنى " ما تذر " ما تترك { من شيء أتت عليه } من ~~أنفسهم وأموالهم وأنعامهم { إلا جعلته كالرميم } أي كالشيء الهالك ~~البالي، وهو نبات الأرض إذا يبس وديس. قال مجاهد: كالتبن ~~اليابس. # وقال أبو العالية: كالتراب المدقوق. وقيل: أصله من العظم البالي. ### || [51.43-45] # قوله تعالى: { وفي ثمود } الكلام فيه كما تقدم في قوله: " وفي موسى ~~" ، وقوله: { إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين }. قال بعض ~~المفسرين: المراد منه هو ما أمهلهم الله بعد عقرهم الناقة وهو ثلاثة ~~أيام (كما) في قوله تعالى: # فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام # [هود: 65] وكان في تلك الأيام تغيير ألوانهم فتصفر وتحمر وتسود. ~~قال ابن الخطيب: وهذا ضعيف؛ لأن قوله تعالى: { فعتوا ms8061 عن أمر ~~ربهم } بحرف الفاء دليل على أن العتو كان بعد قوله: " تمتعوا " ~~، فإذن الظاهر أن المراد هو ما قدر الله للناس من الآجال فما من أحد إلا ~~وهو ممهل مدة الأجل. # قوله: { فعتوا عن أمر ربهم } " عتا " يتعدى تارة " ~~بعلى " ، كقوله تعالى: # أيهم أشد على الرحمن عتيا # [مريم: 69]، وههنا استعمل بعن؛ لأن فيه معنى الاستكبار كقوله: # لا يستكبرون عن عبادته # [الأنبياء: 19] وحيث استعمل بعلى، فهو كقولك: فلان يتكبر ~~علينا. # قوله: { فأخذتهم الصاعقة } وهذه قراءة العامة. وقرأ الكسائي ~~الصعقة. والحسن الصاقعة. وتقدم ذكره في البقرة. وقوله: " وهم ~~ينظرون " جملة حالية من المفعول. و " ينظرون " قيل: من ~~النظر. وقيل: من الانتظار أي ينتظرون ما وعدوه من العذاب. # قوله (تعالى): { فما استطاعوا من قيام } أي فما قاموا بعد ~~نزول العذاب ولا قدروا على دفعه. # قال قتادة: لم ينهضوا من تلك الصرعة. # وقوله: " من قيام " بدل قوله: من هرب؛ لأن العاجز عن القيام أحرى أن ~~يعجز عن الهرب. ويحتمل أن يكون المراد منه من القيام بالأمر أي ما ~~استطاعوا من قيام به. { وما كانوا منتصرين } أي منتقمين منا. قال قتادة: ~~كان عندهم قوة من الله. ### || [51.46] # قوله تعالى: { وقوم نوح } قرأ الأخوان وأبو عمرو بجر الميم، ~~والباقون بنصبها. وأبو السمال وابن مقسم وأبو عمرو في رواية ~~الأصمعي: وقوم نوح بالرفع. # فأما الخفض ففيه أربعة أوجه: # أحدها: أنه معطوف على " وفي الأرض ". # (الثاني: أنه معطوف على " وفي موسى ". # الثالث: أنه معطوف على: " وفي عاد " ). # الرابع: أنه معطوف على " وفي ثمود ". وهو الظاهر؛ لقربه، وبعد ~~غيره، ولم يذكر الزمخشري غيره، فإنه قال: قرىء بالجر على معنى ~~وقوم نوح وتقويه قراءة عبد الله: وفي قوم نوح؛ أي لكم عبرة. ولم ~~يذكر أبو البقاء غير الوجه الأخير لظهوره. # وأما النصب ففيه ستة أوجه: # أحدها: أنه منصوب بفعل مضمر أي وأهلكنا قوم نوح؛ لأن ما قبله ~~يدل عليه. # الثاني: أنه منصوب ب " اذكر " مقدرا، ولم يذكر الزمخشري غيره. # الثالث: أنه منصوب عطفا على مفعول " فأخذناه ". # الرابع: أنه معطوف ms8062 على مفعول فنبذناهم في اليم أي ~~أغرقناهم، وناسب ذلك أن قوم نوح مغرقون من قبل لكن يشكل أنهم لم ~~يغرقوا في اليم. وأصل العطف أن يقتضي التشريك في المتعلقات. # الخامس: أنه معطوف على مفعول " فأخذتهم الصاعقة ". وفيه ~~إشكال لأنه لم تأخذهم الصاعقة وإنما أهلكوا إلا أن يراد بالصاعقة ~~الداهية والنازلة العظيمة من أي نوع كانت فيقرب ذلك. # السادس: أنه معطوف على محل: " وفي موسى ". نقله أبو البقاء. وهو ضعيف. ~~وأما الرفع فعلى الابتداء والخبر مقدر أي أهلكناهم. وقال أبو ~~البقاء: والخبر ما بعده يعني من قوله: { إنهم كانوا قوما ~~فاسقين } ولا يجوز أن يكون مراده قوله " من قبل " إذ الظرف ~~ناقص فلا يخبر به. ### || [51.47-53] # قوله: { والسمآء بنيناها بأييد } العامة على النصب على ~~الاشتغال، وكذلك قوله: { والأرض فرشناها } والتقدير: ~~وبنينا السماء بنيناها. وقال أبو البقاء: أي ورفعنا ~~السماء بنيناها فقدر الناصب من غير لفظ الظاهر. وهذا إنما يصار ~~إليه عند تعذر التقدير الموافق لفظا نحو: زيد مررت به، وزيد ~~ضربت غلامه وأما في نحو: زيدا ضربته، فلا يقدر إلا ~~ضربت زيدا. # وقرأ أبو السمال وابن مقسم برفعهما؛ على الابتداء، والخبر ما ~~بعدهما. والنصب أرجح لعطف جملة الاشتغال على جملة فعلية قبلها. # قوله: " بأييد " يجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال وفيها وجهان: # أحدهما: أنها حال من فاعل " بنيناها " أي ملتبسين بأيد أي بقوة؛ ~~قال تعالى: # واذكر عبدنا داوود ذا الأيد # [ص: 17]. # الثاني: أنه حال من مفعوله أي ملتبسة بقوة. ويجوز أن تكون الباء للسبب ~~أي بسبب قدرتنا. ويجوز أن تكون الباء معدية مجازا على أن تجعل ~~الأيدي كالآلة المبني بها، كقولك: بنيت بيتك بالآجر. # قوله: " وإنا لموسعون " يجوز أن تكون الجملة حالا من فاعل " ~~بنيناها ". ويجوز أن تكون حالا من مفعوله ومفعول " موسعون " ~~محذوف أي موسعون بناءها. ويجوز أن لا يقدر له مفعول؛ لأن معناه: ~~لقادرون كقولك: ما في وسعي كذا أي ما في طاقتي وقوتي؛ كقوله ~~تعالى: # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # [البقرة: 286] قاله ابن عباس وعنه أيضا: ms8063 لموسعون الرزق على ~~خلقنا. # وقيل: ذو سعة. وقال الضحاك: أغنياء، دليله قوله تعالى: # على الموسع قدره # [البقرة: 236]. # قال ابن الخطيب: ويجوز أن يكون من السعة أي أوسعناها بحيث صارت ~~الأرض وما يحيط بها من الماء والهواء بالنسبة إلى سعتها داخل فيها ~~والبناء الواسع الفضاء عجيب، فإن القبة الواسعة لا يقدر عليها ~~البناؤون، لأنهم محتاجون إلى إقامة آلة يصح بها استدارتها، ويثبت ~~بها تماسك أجزائها إلى أن يتصل بعضها ببعض. فقوله: " وإنا لموسعون " ~~بيان للإعراب (في الفعل). # فصل # والحكمة في كثرة ذكر البناء في السموات كقوله تعالى: # والسمآء وما بناها # [الشمس: 5]، وقوله: # أم السمآء بناها # [النازعات: 27] أن بناء السماء باق إلى قيام الساعة، لم يسقط منها ~~شيء، ولم يعدم منها جزء. وأما الأرض فهي في التبدل والتغير كالفراش ~~الذي يبسط ويطوى وينقل، والسماء كالبناء المبني الثابت كما ~~أشار إليه بقوله: # سبعا شدادا # [النبأ: 12] وأما الأرض فكم صارت بحرا، وعادت أرضا من وقت حدوثها، ~~وأيضا فالسماء ترى كالقبة المبنية فوق الرؤوس، والأرض مبسوطة ~~مدحوة، وذكر البناء بالمرفوع أليق كقوله تعالى: # رفع سمكها # [النازعات: 28]. # وقال بعض الحكماء: السماء مسكن الأرواح، والأرض موضع الأعمال ~~والمسكن أليق بكونه بناء. والله أعلم. # فإن قيل: ما الحكمة في تقديم المفعول على الفعل ولو قال: وبنينا ~~السماء بأيد كان أوجز؟!. # فالجواب: قال ابن الخطيب: لأن الصنع قبل الصانع عند الناظر في ~~المعرفة، فلما كان المقصود إثبات العلم بالصانع قدم الدليل وقال: ~~والسماء المبنية التي لا تشكون في بنيانها، فاعرفونا بها إن ~~كنتم لا تعرفوننا. # فإن قيل: إذا كان إثبات التوحيد فكيف قال: بنيناها، ولم يقل: ~~بنيتها؟ ولا بناها الله؟! # فالجواب: أن قوله: بنيناها أدل على عدم الشريك، لأن الشركة ضعيفة؛ فإن ~~الشريك يمنع شريكه عن التصرف والاستبداد، وقوله: " بنيناها " يدل ~~على العظمة، وبين العظمة والضعف تنافر فبين قوله: " بنيناها " ~~وبين أن يكون شريك منافاة. وتقريره أن قوله تعالى: { بنيناها } لا ~~يورث إيهاما بأن الآلهة التي كانوا يعبدونها هي التي يرجع إليها الضمير، ~~لأن تلك إما أصنام منحوتة وإما ms8064 كواكب جعلوا الأصنام على صورها ~~وطبائعها، فأما الأصنام المنحوتة فلا يشكون أنها ما بنت من السماء ~~شيئا، وأما الكواكب فهي في السماء محتاجة إليها فلا تكون هي بانيتها؛ ~~وإنما يقال: بنيت لها وجعلت أماكنها، فلما لم يتوهم ما قالوا قال: ~~بنينا نحن ونحن غير ما يقولون ويدعونه فلا يصلحون لنا شركاء. ~~ثم لما بين أن قولهم لا يوهم شريكا أصلا، لأن كل ما هو غير السماء فهو ~~محتاج إلى السماء دون السماء في المرتبة فلا يكون خالقا للسماء ولا ~~بانيها، فعلم أن المراد جمع التعظيم، فأفاد النص عظمة، والعظمة أنفى ~~للشريك، فعلم أن قوله: " بنيناها " أدل على نفي الشريك من " ~~بنيتها " و " بناء الله ". # فإن قيل: لم لم يقل: بنيناها بأيدينا كما قال: # مما عملت أيدينآ # [يس: 71]. # فالجواب: أن ذلك لفائدة جليلة، وهي أن السماء لا يخطر ببال أحد أنها ~~مخلوقة غير الله والأنعام ليست كذلك. # فقال هناك: عملت أيدينا تصريحا بأن الحيوان مخلوق لله تعالى من غير ~~واسطة. وكذلك: # خلقت بيدي # [ص: 75] وفي السماء قال: بأيد من غير إضافة للاستغناء عنها. # وفيه لطيفة (أخرى) وهي: أن هناك لما أثبت الإضافة لم يعد الضمير العائد ~~إلى المفعول فلم يقل خلقته ولا عملته، وأما السماء: فبعض الجهال يزعم ~~أنها غير مجعولة، فقال: بنيناها بعود الضمير تصريحا بأنها ~~مخلوقة. # قوله: " والأرض فرشناها " أي بسطناها ومهدناها، وفيه دليل ~~على أن خلق الأرض بعد خلق السماء لأن بناء البيت يكون في العادة قبل ~~الفرش. # قوله: " فنعم الماهدون " المخصوص بالمدح محذوف لفهم المعنى، أي ~~نحن، كقوله: # نعم العبد # [ص: 30]، قال ابن عباس - (رضي الله عنهما -): معناه الباسطون أي نعم ما ~~وطأت لعبادي. # قوله تعالى: { ومن كل شيء } يجوز أن يتعلق " بخلقنا " أي ~~خلقنا من كل شيء زوجين، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من: " ~~زوجين " لأنه في الأصل صفة له، إذ التقدير خلقنا زوجين ~~كائنين من كل شيء. # والأول أقوى في المعنى. # فصل # المعنى " خلقنا زوجين " صنفين ونوعين مختلفين، كالسماء والأرض، ~~والشمس والقمر، والليل والنهار، ms8065 والبر والبحر، والسهل والجبل، ~~والشتاء والصيف، والجن والإنس، والذكر والأنثى، والنور ~~والظلمة، والإيمان والكفر، والسعادة (والشقاوة) والحق والباطل، ~~والحلو والمر " لعلكم تذكرون " فتعلمون أن خالق الأزواج ~~واحد لا شريك له، لا يعجز عن حشر الأجساد وجمع الأرواح. # قوله: { ففروا إلى الله } أي فاهربوا من عذاب الله إلى ~~ثوابه بالإيمان والطاعة. قال ابن عباس - (رضي الله عنهما -): فروا منه ~~إليه واعملوا بطاعته. وقال سهل بن عبد الله: فروا مما سوى الله إلى ~~الله { إني لكم منه نذير مبين } وهذا إشارة إلى ~~الرسالة. # قوله: { ولا تجعلوا مع الله إلها آخر } إتماما ~~للتوحيد، لأن التوحيد يباين التعطيل والتشريك، لأن المعطل يقول: لا ~~إله أصلا والمشرك يقول بوجود إله آخر، والموحد يقول: قول الاثنين ~~باطل، لأن نفي الواحد باطل والقول بالاثنين باطل، فلما قال تعالى: { ~~ففروا إلى الله } أثبت وجود الله، فلما قال: { ولا ~~تجعلوا مع الله إلها آخر } نفى الأكثر من واحد فصح ~~القول بالتوحيد بالآيتين. # ولهذا قال مرتين: { إني لكم منه نذير مبين } أي في ~~المقامين والموضعين. # قوله: " كذلك " فيه وجهان: # أظهرهما: أنه خبر مبتدأ محذوف أي الأمر مثل ذلك، (قال الزمخشري): ~~والإشارة بذلك إلى تكذيبهم الرسول وتسميته ساحرا ومجنونا. ثم فسر ما ~~أجمل بقوله: " ما أتى ". # والثاني: أن الكاف في محل نصب نعتا لمصدر محذوف. قاله مكي. ولم يبين ~~تقديره. ولا يصح أن ينتصب بما بعده لأجل ما النافية. وأما المعنى ~~فلا يمتنع، ولذلك قال الزمخشري: ولا يصح أن يكون الكاف منصوبة ب " أتى ~~" لأن ما النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها؛ ولو قيل: لم يأت لكان ~~صحيحا، يعني لو أتى في موضع " ما " ب " لم " لجاز أن ينتصب الكاف ب " ~~أتى " لأن المعنى يسوغ عليه، والتقدير: كذبت قريش تكذيبا ~~مثل تكذيب الأمم السابقة رسلهم. ويدل عليه قوله: { مآ ~~أتى الذين من قبلهم } الآية. # قوله: { إلا قالوا } الجملة القولية في محل نصب على الحال من: { ~~الذين من قبلهم } و " من رسول " فاعل: " أتى " كأنه قيل: ~~ما أتى الأولين رسول إلا ms8066 في حال قولهم: هو ساحر. # فإن قيل: إن من الأنبياء من قرر دين النبي الذي كان قبله وبقي القوم على ~~ما كانوا عليه كأنبياء بني إسرائيل وكيف وآدم لما أرسل لم يكذب؟!. # فالجواب: أنا لا نسلم أن المقرر رسول، بل هو نبي على دين رسول ومن ~~كذب رسوله فهو يكذبه أيضا ضرورة. # فإن قيل: قوله: { ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا } يدل على ~~أنهم كلهم قالوا: ساحر والأمر ليس كذلك لأن ما من رسول إلا وآمن به ~~قوم وهم ما قالوا ذلك!. # فالجواب: أن ذلك ليس بعام، فإنه لم يقل: إلا قال كلهم وإنما قال: " ~~إلا قالوا " ولما كان كثير منهم قابلين ذلك قال الله تعالى: إلا ~~قالوا. # فإن قيل: لم لم يذكر المصدقين كما ذكر المكذبين، وقال: إلا ~~قال بعضهم صدقت وبعضهم كذبت؟. # فالجواب: لأن المقصود التسلية وهي على التكذيب، فكأنه تعالى قال: لا ~~تأس على تكذيب قومك، فإن أقواما قبلك كذبوا ورسلا كذبوا. # قوله: " أتواصوا به " الاستفهام للتعجب والتوبيخ والضمير في " به ~~" يعود على القول المدلول عليه بقالوا، أي أتواصى الأولون والآخرون ~~بهذا القول المتضمن كساحر أو مجنون؟. والمعنى: كيف اتفقوا على قول واحد ~~كأنهم تواطؤوا عليه، وقال بعضهم لبعض: لا تقولوا إلا هذا وأوصى أولهم ~~آخرهم بالتكذيب. ثم قال: لم يكن ذلك لتواطؤ قول وإنما كان لمعنى جامع ~~وهو أن الكل أترفوا فاستغنوا فنسوا الله وطغوا فكذبوا رسله، قال ~~ابن عباس - ( رضي الله عنهما -) حملهم الطغيان فيما أعطيتهم ووسعت عليهم ~~على تكذيبك. ### || [51.54-55] # قوله " فتول عنهم " فأعرض عنهم، { فمآ أنت بملوم } لا ~~لوم عليك، قد أديت الرسالة، وما قصرت فيما أمرت به. وهذه تسلية أخرى. # قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية حزن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فاشتد ذلك على أصحابه وظنوا أن الوحي قد انقطع، وأن العذاب قد ~~حضر إذ أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتولى عنهم فأنزل الله: { ~~وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين } فطابت أنفسهم. ~~والمعنى: ليس التولي مطلقا، ms8067 بل تول وأقبل وأعرض وادع فلا ~~التولي يضرك إذا كان علهيم، ولا التذكير يضيع إذا كان مع المؤمنين. # قال مقاتل: معناه عظ بالقرآن كفار مكة، فإن الذكرى تنفع من علم الله ~~أنه يؤمن منهم. وقال الكلبي: عظ بالقرآن من آمن من قومك، فإن الذكرى ~~تنفعهم. ### || [51.56-60] # قوله تعالى: { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ~~}. هذا الجار متعلق " بخلقت ". # واختلف في الجن والإنس، قيل: المراد بهم العموم والمعنى إلا لآمرهم ~~بالعبادة وليقروا بها، وهذا منقول عن علي بن أبي طالب، ويؤيده: # ومآ أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا # [التوبة: 31] أو يكون المعنى: ليطيعوني وينقادوا لقضائي، فالمؤمن يفعل ~~ذلك طوعا والكافر كرها، فكل مخلوق من الجن والإنس خاضع لقضاء الله ~~متذلل لمشيئته، لا يملك أحد لنفسه خروجا عما خلق عليه. أو يكون المعنى: ~~إلا معدين للعبادة، ثم منهم من يتأتى منه ذلك، ومنهم من لا، كقولك: هذا ~~القلم بريته للكتابة، ثم قد يكتب به، وقد لا يكتب وقيل: ~~المراد به الخصوص، أي ما خلقت السعداء من الجن والإنس إلا لعبادتي، ~~والأشقياء منهم إلا لمعصيتي. قاله زيد بن أسلم. قال: هو ما جبلوا عليه ~~من السعادة والشقاوة، ويؤيده قوله: # ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس # [الأعراف: 179]. # وقال مجاهد: معناه إلا ليعرفون. قال البغوي: وهذا أحسن؛ لأنه لو ~~لم يخلقهم لم يعرف وجوده وتوحيده، بدليل قوله: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله # [الزخرف: 87]، وقيل: إلا ليعبدون أي إلا ليوحدون، فأما المؤمن ~~فيوحده في الشدة والرخاء، وأما الكافر فيوحده في الشدة والبلاء دون ~~النعمة والرخاء قال تعالى: # فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له ~~الدين # [العنكبوت: 65] وقيل: المراد وما خلقت الجن والإنس المؤمنين. ~~وقيل: الطائعين. قال شهاب الدين: والأول أحسن. # فصل # في تعلق الآية بما قبلها أن بعثة الأنبياء منحصرة في أمرين عبادة الله ~~وهداية الخلق، فلما قال تعالى: # فتول عنهم فمآ أنت بملوم # [الذاريات: 54] بين أن الهداية قد سقطت عند اليأس، وأما العبادة فهي ~~لازمة للخلق المطلق وليس الخلق المطلق للهداية، وقيل: إنه ms8068 لما بين حال من ~~قبله في التكذيب ذكر هذه ليتبين سوء صنيعهم، حيث تركوا عبادة الله ~~الذي خلقهم للعبادة. # فإن قيل: ما الحكمة في أنه لم يذكر الملائكة مع أنهم من أصناف ~~المكلفين وعبادتهم أكثر من عبادة غيرهم من المكلفين، قال تعالى: # بل عباد مكرمون # [الأنبياء: 26] وقال: # لا يستكبرون عن عبادته # [الأعراف: 206]. # فالجواب من وجوه: # أحدها: أنه تقدم أن الآية سيقت لبيان قبح ما يفعله الكفرة، من ترك ~~ما خلقوا له. وهذا مختص بالجن والإنس؛ لأن الكفر موجود في الجن ~~والإنس بخلاف الملائكة. # الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مبعوثا إلى الجن ~~والإنس، فلما قال: " وذكر " بين ما يذكر به وهو كون الخلق للعبادة، ~~وخصص أمته بالذكر أي ذكر الإنس والجن. # الثالث: أن عباد الأصنام كانوا يقولون: إن الله تعالى عظيم الشأن خلق ~~الملائكة وجعلهم مقربين، فهم يعبدون الله وخلقهم لعبادته ونحن لنزول ~~درجتنا لا نصلح لعبادة الله فنعبد الملائكة وهم يعبدون الله كما قالوا: # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى # [الزمر: 3] فقال تعالى: { وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون } ولم يذكر الملائكة لأن الأمر فيهم كان مسلما من القوم، ~~فذكر المتنازع فيه. # الرابع: فعل الجن يتناول الملائكة، لأن أصل الجن من الاستتار، وهم ~~مستترون عن الخلق فذكر الجن لدخول الملائكة فيهم. # قوله: { مآ أريد منهم من رزق } أي يرزقوا أحدا من ~~خلقي، ولا أن يرزقوا أنفسهم { ومآ أريد أن يطعمون } أي ~~يطعموا أحدا من خلقي. وإنما أسند الإطعام إلى نفسه لأن الخلق عيال ~~الله ومن أطعم عيال أحد فقد أطعمه، قال عليه الصلاة والسلام: # " استطعمتك فلم تطعمني " # ، أي لم تطعم عبدي. # فصل # استدل المعتزلة بقوله تعالى: { وما خلقت الجن والإنس ~~إلا ليعبدون } على أن أفعال الله تعالى معللة بالأغراض وأجيبوا ~~بوجوه تقدمت منها: أن اللام قد تثبت لغير الغرض كقوله تعالى: # أقم الصلاة لدلوك الشمس # [الإسراء: 78] وقوله: # فطلقوهن لعدتهن # [الطلاق: 1] ومعناه المقارنة فمعناه: قرنت الخلق بالعبادة أي خلقتهم، ~~وفرضت عليهم العبادة. # ومنها: قوله تعالى: # الله خالق ms8069 كل شيء # [الزمر: 62] و [الرعد: 16]. # ومنها: ما يدل على أن الإضلال بفعل الله كقوله تعالى: # يضل من يشآء ويهدي من يشآء # [النحل: 93] وأمثاله. # ومنها: قوله تعالى: # لا يسأل عما يفعل # [الأنبياء: 23] وقوله: # ويفعل الله ما يشآء # [إبراهيم: 27] و # يحكم ما يريد # [المائدة: 1]. # وقوله تعالى: { مآ أريد منهم من رزق ومآ أريد أن ~~يطعمون } معناه: أن النفع يعود إليهم لا لي. # فإن قيل: ما الفائدة في تكرير الإرادتين مع أن من لا يريد من أحد رزقا ~~لا يريد أن يطعمه؟!. # فالجواب: أن السيد قد يطلب من العبد المتكسب له، فيطلب منه الرزق، ~~وقد يكون للسيد مال وافر يستغني به عن التكسب لكنه يطلب من العبد ~~قضاء حوائجه وإحضار الطعام بين يديه، فقال: لا أريد ذلك ولا هذا. وقد ~~طلب الرزق على طلب الإطعام من باب الارتقاء من الأدنى إلى الأعلى. # فإن قيل: ما فائدة تخصيص الإطعام بالذكر مع أن المراد عدم طلب فعل منهم ~~غير التعظيم؟!. # فالجواب: أنه لما عمم النفي في الطلب الأول بقوله: " من رزق " وذلك ~~إشارة إلى التعميم بذكر الإطعام ونفي الأدنى يستتبعه نفي الأعلى بطريق ~~الأولى، فكأنه قال: ما أريد منهم من غنى ولا عمل. # فإن قيل: المطالب لا تنحصر فيما ذكره فإن السيد قد يشتري العبد لا ~~لطلب عمل منه، ولا لطلب رزق ولا للتعظيم، بل يشتريه للتجارة! # فالجواب: أن عموم قوله: { مآ أريد منهم من رزق } يتناول ~~ذلك. # قوله: " أن يطعمون " قيل: فيه حذف مضاف أي يطعموا خلقي كما ~~تقدم في التفسير. وقيل: المعنى أن ينفعون فعبر ببعض وجوه الانتفاعات ~~لأن عادة السادة أن ينتفعوا بعبيدهم، والله مستغن عن ذلك. # قوله تعالى: { إن الله هو الرزاق } يعني لجميع خلقه، وهذا ~~تقرير لعدم طلب الرزق، وقوله: " ذو القوة " تقرير لعدم طلب العمل لأن ~~من يطلب رزقا يكون فقيرا محتاجا، ومن يطلب عملا يكون عاجزا لا قوة ~~له فكأنه يقول: ما أريد منهم من رزق فإني أنا الرزاق، ولا العمل فإني ~~قوي. # وروي أن النبي - عليه الصلاة ms8070 والسلام - قرأ: إني أنا الرزاق، وقرأ ~~ابن محيصن: الرازق، كما تقدم في قراءته: { وفي السماء ~~رازقكم }. # قوله: " المتين " العامة على رفعه، وفيه أوجه: # إما النعت للرزاق، وإما النعت لذو، وإما النعت لاسم " إن " على ~~الموضع. وهو مذهب الجرمي والفراء، وغيرهما. وإما خبر بعد خبر، وإما ~~خبر مبتدأ مضمر. وعلى كل تقدير فهو تأكيد، لأن " ذو القوة " يفيد ~~فائدته. # وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش المتين - بالجر - فقيل: صفة " ~~القوة " ، وإنما ذكر وصفها لكون تأنيثها غير حقيقي. وقيل: لأنها ~~في معنى الأيد. # وقال ابن جني: هو خفض على الجوار كقولهم: " هذا جحر ضب خرب ~~" يعني أنه صفة للمرفوع، وإنما جر لما جاور مجرورا. وهذا مرجوح لإمكان ~~غيره، والجوار لا يصار إليه إلا عند الحاجة. # فصل # قال تعالى: " ما أريد " ولم يقل: إني رازق بل قال على الحكاية عن الغائب ~~إن الله هو الرزاق فما الحكمة فيه؟. # قال ابن الخطيب: نقول: قد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ: ~~إني أنا الرزاق. وأما على القراءة المشهورة فالمعنى: قل يا محمد ~~إن الله هو الرزاق، أو يكون من باب الالتفات من التكلم إلى الغيبة، أو ~~يكون قل مضمرا عند قوله: " ما أريد " أي قل يا محمد: ما أريد منهم ~~من رزق فيكون بمعنى قوله: # قل مآ أسألكم عليه من أجر # [ص: 86] ويكون على هذا قوله تعالى: { إن الله هو الرزاق } ~~، ولم يقل: القوي، بل قال: ذو القوة، لأن المقصود تقرير ما تقدم من عدم ~~إرادة الرزق، وعدم الاستعانة بالغير لكن في عدم طلب الرزق لا يكفي كون ~~المستغني بحيث يرزق واحدا، فإن كثيرا من الناس يرزق ولده وعبده ويسترزق ~~والملك يرزق الجند، ويسترزق، فإذا كثر منه الرزق قل منه الطلب لأن ~~المسترزق منه يكثر الرزق، لا يسترزق من رزقه فلم يكن ذلك المقصود يحصل ~~إلا بالمبالغة في وصف الرازق، فقال: الرزاق، وأما ما يغني عن ~~الاستعانة بالغير، فهو دون ذلك لأن القوي إذا كان في غاية القوة يعين ~~الغير، فإذا كان دون ذلك ms8071 لا يعين غيره ولا يستعين به استعانة قوية بل ~~استعانة ما وتتفاوت بعد ذلك، ولما قال: { ومآ أريد أن يطعمون ~~} كفاه بيان نفس القوة فقال: " ذو القوة " ، لأن قولنا: ذو القوة في ~~إفادة معنى القوي دون إفادة القوي، لأن ذلك لا يقال في الوصف اللازم ~~البين، يقال في الآدمي: ذو مال ومتمول، وذو جمال، وجميل، وذو خلق حسن ~~إلى غير ذلك مما (لا) يلزم لزوما بينا. # ولا يقال في الثلاثة: ذات فردية، ولا في الأربعة: ذات زوجية، وهذا لم ~~يرد في الأوصاف الحقيقية فلم يسمع ذو الوجود ولا ذو الحياة ولا ذو ~~العلم، ويقال في الإنسان: ذو علم، وذو حياة لأنها فيه عرض لا لازم بين. # وفي صفات الفعل يقال: الله تعالى ذو الفضل كثيرا (وذو الخلق قليلا)؛ ~~لأن " ذا كذا " بمعنى صاحب والصحبة لا يفهم منها اللزوم فضلا عن اللزوم ~~البين. ويؤيد هذا قوله تعالى: # وفوق كل ذي علم عليم # [يوسف: 76] فجعل غيره ذا علم ووصف نفسه بالفعل فبين ذي العلم والعليم ~~فرق وكذلك بين ذي القوة والقوي، ويؤيده أيضا قوله تعالى: # فأخذهم الله إنه قوي # [غافر: 22] وقوله: # الله لطيف بعباده يرزق من يشآء وهو القوي # [الشورى: 19] وقال: # لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز # [المجادلة: 21] لأن هذه الصور كان المراد بها بيان القيام بالأفعال ~~العظيمة وههنا المراد عدم الاحتياج ومن لا يحتاج إلى الغير يكفيه من ~~القوة قدر (ما). ومن يقوم مستبدا بالفعل لا بد له من قوة عظيمة، لأن عدم ~~الحاجة قد يكون بترك الفعل والاستغناء عنه. # فصل # قوله: " المتين " ، لأن ذا القوة كما تقدم لا يدل إلا على أن له قوة ~~ما، فزاد في الوصف المتانة وهو الذي له ثبات لا يتزلزل وهو مع المتين من ~~باب واحد لفظا ومعنى، فإن معنى متن الشيء هو أصله الذي عليه ثباته ~~والمتن هو الظهر الذي عليه أساس البدن والمتانة مع القوة كالعزة مع ~~القوي حيث قرن العزة مع القوة في قوله: " قوي عزيز " وقوله: " ~~القوي العزيز ". # قوله تعالى: ms8072 { فإن للذين ظلموا } قد تقدم الكلام على الفاء ~~في وجه التعلق. والمراد بالذين ظلموا: كفار مكة. ومعنى ذنوبا أي نصيبا ~~من العذاب { مثل ذنوب أصحابهم } أي مثل نصيب أصحابهم الذين ~~هلكوا من قوم نوح وعاد، وثمود. والذنوب: في الأصل الدلو العظيمة ~~المملوءة ماء، وفي الحديث الشريف: # " فأتي بذنوب من ماء " # فإن لم تكن ملأى فهو الدلو، ثم عبر به عن النصيب، قال علقمة: # 4530- وفي كل حي قد خبطت بنعمة # فحق لشأس من نداك ذنوب # ويجمع في القلة على أذنبة، وفي الكثرة على ذنائب. وقال الملك ~~لما أنشد هذا البيت نعم وأذنبة. # وقال الزمخشري: الذنوب الدلو العظيمة، وهذا تمثيل أصله في السقاة ~~يقتسمون الماء فيكون لهذا ذنوب ولهذا ذنوب قال الشاعر: # 4531- لنا ذنوب ولكم ذنوب # فإن أبيتم فلنا القليب # وقال الراغب: الذنوب الدلو الذي له ذنب انتهى. فراعى الاشتقاق. والذنوب ~~أيضا الفرس الطويل الذنب وهو صفة على فعول. والذنوب لحم أسفل ~~المتن. ويقال: يوم ذنوب أي طويل الشر استعارة من ذلك. # قوله: { فلا يستعجلون } أي بالعذاب. ووجه مناسبة الذنوب أن ~~العذاب منصب عليهم كما يصب الذنوب، قال تعالى: # يصب من فوق رءوسهم الحميم # [الحج: 19] وقال تعالى: # ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم # [الدخان: 48] والذنوب كذلك فكأنه قال: نصب فوق رؤوسهم ذنوبا من ~~العذاب كذنوب صب فوق رؤوس أولئك. ووجه آخر وهو أن العرب يستقون من ~~الآبار على النوبة ذنوبا فذنوبا وذلك وقت عيشهم الطيب، فكأنه ~~تعالى قال: { فإن للذين ظلموا } من الدنيا وطيباتها " ~~ذنوبا " إذا ملأوه ولا يكون لهم في الآخرة من نصيب كما كان عليه حال ~~أصحابهم استقوا ذنوبا وتركوها، وعلى هذا فالذنوب ليس بعذاب ولا هلاك ~~وإنما هو رغد العيش. # قال ابن الخطيب: وهو أليق بالعربية. # قوله تعالى: { فويل للذين كفروا من يومهم الذي ~~يوعدون } يعني يوم القيامة. وقيل: يوم بدر، وحذف العائد لاستكمال ~~شروطه، أي يوعدونه. # روى الثعلبي عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # " من قرأ سورة " والذاريات " أعطي من الأجر ms8073 ~~عشر حسنات بعدد كل ريح هبت وجرت في الدنيا " # (والله سبحانه وتعالى أعلم وأشفق وأرحم). ### | [52 - سورة الطور] ### || [52.1-8] # قوله تعالى: { والطور } وما بعده أقسام جوابها { إن عذاب ~~ربك لواقع } والواوات التي بعد الأولى عواطف لا حروف قسم كما ~~تقدم في أول هذا الكتاب عن الخليل. # ونكر الكتاب تفخيما وتعظيما. # فصل # مناسبة هذه السورة لما قبلها من حيث الافتتاح بالقسم وبيان الحشر فيهما، ~~وأول هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها، لأن في آخرها قوله تعالى: # فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون # [الذاريات: 60] وفي أول هذه السورة # فويل يومئذ للمكذبين # [الطور: 11] وفي آخر تلك السورة قوله: # فإن للذين ظلموا ذنوبا # [الذاريات: 59]؛ وذلك إشارة إلى العذاب، وقال ههنا: إن عذاب ~~ربك لواقع. # فصل # قيل: المراد بالطور الجبل الذي كلم الله عليه موسى - عليه الصلاة ~~والسلام - بالأرض المقدسة، أقسم الله به. وقيل: هو الجبل الذي قال الله ~~تعالى: # وطور سينين # [التين: 2]. وقيل: هو اسم جنس، والمراد بالكتاب المسطور كتاب موسى عليه ~~الصلاة والسلام، وهو التوراة. وقيل: الكتاب الذي في السماء، وقيل: صحائف ~~أعمال الخلق، وقال تعالى: # ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا # [الإسراء: 13]. وقيل: الفرقان. والمراد بالمسطور المكتوب. # قوله: في رق يجوز أن يتعلق " بمسطور "؛ أي مكتوب في رق. ~~وجوز أبو البقاء أن يكون نعتا آخر لكتاب وفيه نظر؛ لأنه يشبه ~~تهيئة العامل للعمل وقطعه منه. # والرق - بالفتح - الجلد الرقيق يكتب فيه. وقال الراغب: الرق ما ~~يكتب فيه شبه كاغد. انتهى فهو أعم من كونه جلدا أو غيره. ويقال فيه: ~~رق بالكسر. فأما ملك العبيد فلا يقال إلا رق بالكسر. وقال ~~الزمخشري: والرق الصحيفة. وقيل: الجلد الذي يكتب فيه. انتهى. وقد ~~غلط بعضهم من يقول: كتبت في الرق بالكسر؛ وليس بغلط لثبوته به ~~لغة. # وقد قرأ أبو السمال: في رق، بالكسر. # فإن قيل: ما الفائدة في قوله تعالى: { في رق منشور } وعظمة ~~الكتاب بلفظه ومعناه لا بخطه ورقه؟!. # فالجواب: أن هذا إشارة إلى الوضع لأن الكتاب المطوي لا يعلم ما فيه ms8074 ~~فقال: في رق منشور أي ليس كالكتب المطوية أي منشور لكم لا يمنعكم أحد ~~من مطالعته. # (قوله: " والبيت المعمور " قيل: هو بيت في السماء العليا تحت العرش ~~بحيال الكعبة يقال له: الصراح حرمته في السماء كحرمة ~~الكعبة في الأرض يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة يطوفون به ~~ويصلون فيه، ثم لا يعودون إليه أبدا. # ووصفه بالعمارة لكثرة الطائفين به من الملائكة. وقيل: هو بيت الله ~~الحرام وهو معمور بالحجاج الطائفين به. # وقيل: اللام في " البيت المعمور " لتعريف جنس كأنه يقسم بالبيوت ~~المعمورة والعمائر المشهورة). # قوله: " والسقف المرفوع " يعني السماء. ونظيره: # وجعلنا السمآء سقفا محفوظا # [الأنبياء: 32]. # قوله: " والبحر المسجور " قيل: هو من الأضداد، يقال: بحر ~~مسجور أي مملوء، وبحر مسجور أي فارغ. وروى ذو الرمة الشاعر ~~عن ابن عباس - (رضي الله عنهما) - أنه قال: خرجت أمة لتستقي ~~فقالت: إن الحوض مسجور؛ أي فارغ. ويؤيد هذا أن البحار يذهب ~~ماؤها يوم القيامة. # وقيل: المسجور الممسوك، ومنه ساجور الكلب لأنه يمسكه ويحبسه. وقال محمد ~~بن كعب القرظي والضحاك: يعني الموقد المحمى بمنزلة التنور ~~المحمى، وهو قول ابن عباس (- رضي الله عنهما -)؛ لما روى أن الله ~~تعالى يجعل البحار كلها يوم القيامة نارا فيزاد بها في نار جهنم كما قال ~~تعالى: # وإذا البحار سجرت # [التكوير: 6]. # وروى عبد الله بن عمر - (رضي الله عنهما) - قال: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # " لا يركبن رجل بحرا إلا غازيا أو معتمرا أو ~~حاجا، فإن تحت البحر نارا وتحت النار بحرا " # وقال الربيع بن أنس: المسجور المختلط العذب بالمالح. وروى الضحاك عن ~~النزال بن سبرة عن علي أنه قال: البحر المسجور: هو بحر تحت العرش، ~~كما بين سبع سموات إلى سبع أرضين فيه ماء غليظ، يقال له: بحر الحيوان ~~يمطر العباد منه بعد النفخة الأولى أربعين صباحا فينبتون في قبورهم. ~~وهذا قول مقاتل. # فصل # قيل: الحكمة في القسم بهذه الثلاثة أشياء أن هذه الأماكن الثلاثة وهي: ~~الطور، والبيت المعمور، والبحر المسجور كانت لثلاثة أنبياء للخلوة بربهم ms8075 ~~والخلاص من الخلق وخطابهم مع الله. أما الطور فانتقل إليه موسى - عليه ~~الصلاة والسلام - وخاطب الله تعالى هناك وأما البيت المعمور فانتقل إليه ~~محمد - عليه الصلاة والسلام - وقال لربه: " سلام علينا وعلى ~~عباد الله الصالحين، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على ~~نفسك ". وأما البحر المسجور فانتقل إليه يونس - عليه الصلاة والسلام -، ~~ونادى في الظلمات: { أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين } ~~فصارت هذه الأماكن شريفة بهذه الأسباب فأقسم الله تعالى بها. # وأما ذكر الكتاب فلأن الأنبياء كان لهم في هذه (الأماكن) مع الله تعالى ~~كلام والكلام في الكتاب (واقترانه بالطور أدل على ذلك؛ لأن موسى - عليه ~~السلام - كان له مكتوب ينزل عليه وهو بالطور). # فصل # أقسم في بعض السور بجموع كقوله: # والذاريات # [الذاريات: 1] # والمرسلات # [المرسلات: 1] # والنازعات # [النازعات: 1] وفي بعضها بأفراد كقوله: " والطور " ولم يقل: ~~والأطوار والبحار. # قال ابن الخطيب: والحكمة فيه: أن في أكثر الجموع أقسم عليها بالمتحركات ~~والريح الواحدة ليست بثابتة بل هي متبدلة بأفرادها مستمرة بأنواعها، ~~والمقصود منها لا يحصل إلا بالبدل والتغير، فقال: " والذاريات ~~" إشارة إلى النوع المستمر، لا الفرد المعين المستقر، وأما الجبل فهو ~~ثابت غير متغير عادة فالواحد من الجبال دائم زمانا ودهرا، فأقسم في ~~ذلك بالواحد، وكذلك في قوله: # والنجم # [النجم: 1]، ولو قال: " والريح " لما علم المقسم به، وفي الطور ~~علم. # قوله: { إن عذاب ربك لواقع } نازل وكائن. وقوله: " من ~~دافع " يجوز أن تكون الجملة خبرا ثانيا، وأن تكون صفة لواقع أي واقع ~~غير مدفوع. قال أبو البقاء. و " من دافع " يجوز أن يكون فاعلا، وأن ~~يكون مبتدأ و " من " مزيدة على الوجهين. # فصل # قال جبير بن مطعم: قدمت المدينة لأكلم رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في أسارى بدر فدفعت إليه وهي يصلي بأصحابه المغرب وصوته ~~يخرج من المسجد فسمعته يقرأ " والطور " إلى قوله: { إن عذاب ~~ربك لواقع ما له من دافع } فكأنما صدع قلبي حين سمعت ~~(ه) ولم أكن أسلم يومئذ قال: فأسلمت خوفا من نزول العذاب ms8076 وما ~~كنت أظن أن أقوم من مكاني حتى يقع بي العذاب. ### || [52.9-16] # قوله: { يوم تمور السمآء } يجوز أن يكون العامل فيه: " واقع " ~~أي يقع في ذلك اليوم. وعلى هذا فتكون الجملة المنفية معترضة بين العامل ~~ومعموله. ويجوز أن يكون العامل فيه " دافع ". قاله الحوفي، وأبو ~~البقاء. ومنعه مكي. # قال أبو حيان: ولم يذكر دليل المنع. قال شهاب الدين: وقد ذكر دليل المنع ~~في الكشف إلا أنه ربما يكون غلطا عليه فإنه وهم، وعبارته قال: العامل ~~فيه واقع أي إن عذاب ربك لواقع في يوم تمور السماء، ولا يعمل ~~فيه " دافع "؛ لأن المنفي لا يعمل فيما قبل النافي، لا يقول: طعامك ~~ما زيد آكلا، رفعت آكلا أو نصبته أو أدخلت عليه الباء. فإن رفعت ~~الطعام بالابتداء وأوقعت " آكلا " على " هاء " جاز وما بعد الطعام ~~خبرا. انتهى. # وهذا كلام صحيح في نفسه، إلا أنه ليس في الآية شيء من ذلك؛ لأن العامل ~~- وهو دافع - والمعمول - وهو يوم - كلاهما بعد النافي وفي حيزه. ~~وقوله: وأوقعت آكلا على هاء أي على ضمير يعود على الطعام فتقول: ~~طعامك ما زيد آكله. # وقد يقال: إن وجه المنع من ذلك خوف الوهم أنه يفهم أن أحدا يدفع ~~العذاب في غير ذلك اليوم. والغرض أن عذاب الله لا يدفع في كل وقت وهذا ~~أمر مناسب قد ذكر مثله كثير، ولذلك منع بعضهم أن ينتصب # يوم تجد كل نفس # [آل عمران: 30] بقوله: # والله على كل شيء قدير # [آل عمران: 29] لئلا يفهم منه ما لا يليق. وهذا أبعد من هذا في الوهم ~~كثير. # وقال أبو البقاء: وقيل: يجوز أن يكون ظرفا لما دل عليه " فويل " ~~انتهى. # وقال ابن الخطيب: والذي أظنه أن العامل هو الفعل المدلول عليه بقوله: # ما له من دافع # [الطور: 8]؛ لأن العذاب الواقع على هذا ينبغي أن يقع في ذلك اليوم، لأن ~~العذاب الذي به التخويف هو الذي بعد الحشر ومور السماء لأنه في ~~معنى قوله: # فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا # [غافر: 85]. # فصل # والمور الاضطراب ms8077 والحركة. يقال: مار الشيء أي ذهب وجاء. وقال ~~الأخفش وأبو عبيدة تكفأ وأنشد للأعشى: # 4532- كأن مشيتها من بيت جارتها # مور السحابة لا ريث ولا عجل # وقال الزمخشري: وقيل: هو تحرك في تموج. وهو الشيء يتردد في عرض كالداغصة ~~وهي الجلدة التي فوق قفل الركبة. وقال الراغب: المور: الجريان السريع ~~ومار الدم على وجهه والمور - أي بالضم - التراب المتردد به الريح. # وأكد بالمصدرية دفعا للمجاز أي هذان الجرمان العظيمان مع كثافتهما يقع ~~ذلك منهما حقيقة. # وقال ابن الخطيب: فيه فائدة جليلة، وهي أن قوله: " وتسير الجبال " ~~يحتمل أن يكون بيانا لكيفية مور السماء؛ لأن الجبال إذا سارت وسيرت معها ~~سكانها يظهر السماء كالسائرة إلى خلاف تلك الجهة، كما يشاهده راكب ~~السفينة، فإنه يرى الجبل الساكن متحركا فكان لقائل أن يقول: السماء ~~تمور في رأي العين بسبب سير الجبال كما يرى القمر سائرا راكب ~~السفينة، والسماء إذا كانت كذلك فلا يبقى مهرب ولا مفزع لا في ~~الأرض ولا في السماء. # فصل # لما ذكر أن العذاب واقع بين أنه متى يقع العذاب، فقال: يوم تمور السماء ~~مورا، قال المفسرون: أي تدور كما يدور الرحا وتتكفأ بأهلها ~~تكفؤ السفينة. # قال عطاء الخراساني: يختلف أجزاؤها بعضها في بعض. # وقيل: تضطرب. { وتسير الجبال سيرا } فتزول عن أماكنها، وتصير ~~هباء منثورا، وهذا إيذان وإعلام بأن لا عود إلى السماء لأن الأرض ~~والجبال والسماء والنجوم كلها لعمارة الدنيا والانتفاع لبني آدم فإذا ~~لم يبق فيها نفع فلذلك أعدمها الله تعالى. # قوله: { فويل يومئذ للمكذبين } يومئذ منصوب " بويل ~~" والخبر " للمكذبين ". والفاء في قوله " فويل " قال مكي: جواب ~~الجملة المتقدمة وحسن ذلك، لأن في الكلام معنى الشرط، لأن المعنى إذا كان ~~ما ذكر فويل. # قال ابن الخطيب: أي إذا علم أن عذاب الله واقع، وأنه ليس له دافع فويل ~~إذن للمكذبين؛ فالفاء لاتصال المعنى، ولمعنى آخر وهو الإيذان بأمان أهل ~~الإيمان، لأنه لما قال: إن عذاب ربك لواقع وأنه ليس له دافع لم يبين ~~موقعه بمن، فلما قال: { فويل يومئذ ms8078 للمكذبين } علم ~~المخصوص (به) وهو المكذب. # فإن قيل: إذا قلت بأن قوله: { فويل يومئذ للمكذبين } ~~بيان لمن يقع به العذاب فمن لا يكذب لا يعذب فأهل الكبائر لا يعذبون ~~لأنهم لا يكذبون. # فالجواب: أن ذلك العذاب لا يقع إلا على أهل الكبائر، وإنما هذا كقوله: # كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتهآ ألم ~~يأتكم نذير قالوا بلى قد جآءنا نذير فكذبنا # [الملك: 8 و 9] فالمؤمن لا يلقى فيها إلقاء بهوان، وإنما يدخل ~~فيها للتطهير إدخالا مع نوع إكرام، والويل إنما هو للمكذبين. # والويل ينبىء عن الشدة، لأن تركيب حروف الواو والياء واللام لا ينفك عن ~~وقوع شدة، ومنه لوى إذا دافع ولواه يلويه إذا فتله فتلا ~~قويا. # والولي فيه القوة على المولى عليه. وقد تقدم وجه جواز التنكير ~~في قوله: " ويل " مع كونه مبتدأ؛ لأنه في تقدير المنصوب لأنه دعاء في ~~تفسير قوله تعالى: # قال سلام # [الذاريات: 25]. # قوله: { الذين هم في خوض يلعبون } الخوض: هو الاندفاع ~~في الأباطيل، قال تعالى: # وخضتم كالذي خاضوا # [التوبة: 69] وقال تعالى: # وكنا نخوض مع الخآئضين # [المدثر: 45]. # وتنكير الخوض يحتمل وجهين: # الأول: أن يكون للتكثير أي في خوض عظيم. # الثاني: أن يكون التنوين عوضا عن المضاف إليه، كقوله تعالى: # وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم # [هود: 111] والأصل في خوضهم المعروف منهم. وقوله: يعلبون أي غافلون ~~لاهون. # واعلم أن قوله تعالى: { الذين هم في خوض } ليس وصفا للمكذبين ~~بما يميزهم، وإنما هو للذم كقولك: " الشيطان الرجيم " ولا تريد ~~فصله عن الشيطان الذي ليس برجيم بخلاف قولك: أكرم الرجل ~~العالم فالوصف بالرجيم للذم له لا للتعريف. # وتقول في المدح: الله الذي خلق، والله العظيم للمدح لا للتمييز، ولا ~~للتعريف عن إله لم يخلق أو إله ليس بعظيم، فإن الله واحد لا غير. # قوله: { يوم يدعون } يجوز أن يكون ظرفا " ليقال " المقدرة ~~مع قوله: { هذه النار } [الطور: 14] يوم يدعون المكذبين؛ لأن ~~معناه يوم يقع العذاب ذلك اليوم وهو يوم يدعون فيه إلى النار. # والعامة على فتح الدال وتشديد العين من ms8079 دعه يدعه أي دفعه في ~~صدره بعنف وشدة. قال الراغب: وأصله أن يقال للعاثر: دع كما يقال ~~له لعا. # وهذا بعيد من معنى هذه اللفظة. # وقرأ علي - رضي الله عنه - والسلمي وأبو رجاء وزيد بن علي بسكون الدال ~~وتخفيف العين مفتوحة من الدعاء أي يدعون إليها فيقال لهم: ~~هلموا فادخلوها. # قوله: دعا مصدر معناه تدفعهم الملائكة دفعا على وجوههم بعنف أي ~~يدفعون إلى النار، فإذا دنوا منها قال لهم خزنتها: هذه ~~النار التي كنتم بها تكذبون في الدنيا. # فإن قيل: قوله تعالى: { يدعون إلى نار جهنم } يدل على أن ~~خزنتها يقذفونهم في النار وهم بعيدا عنها وقوله تعالى: # يسحبون في النار على وجوههم # [القمر: 48] يدل على أنهم فيها. # فالجواب من وجوه: # الأول: أن الملائكة يسحبونهم في النار، ثم إذا قربوا من نار ~~مخصوصة وهي نار جهنم يقذفونهم فيها من بعيد فيكون السحب في نار، والدفع ~~في نار أشد وأقوى، بدليل قوله: # يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون # [غافر: 71 و 72]. أي يسحبون في حموة النار، ثم بعد ذلك يكون لهم ~~إدخال. # الثاني: يجوز أن يكون في كل زمان يتولى أمرهم ملائكة فإلى النار يدفعهم ~~ملك وفي النار يسحبهم آخر. # الثالث: أن يكون السحب بسلاسل أي يسحبون في النار، والساحب خارج ~~النار. # الرابع: أن يكون الملائكة يدفعونهم إلى النار إهانة لهم، واستخفافا ~~بهم ويدخلون معهم النار ويسحبونهم. # قوله: " أفسحر " خبر مقدم و " هذا " مبتدأ مؤخر. # ودخلت الفاء قال الزمخشري: بمعنى كنتم تقولون للوحي: هذا سحر فسحر ~~هذا يريد هذا المصداق أيضا سحر؛ ودخلت الفاء لهذا المعنى، وهذا تحقيق ~~للأمر؛ لأن من يرى شيئا ولا يكون الأمر على ما يراه فذلك الخطأ يكون ~~لأجل أحد أمرين: إما لأمر عائد إلى المرئي، وإما لأمر عائد إلى ~~الرائي، فقوله: " أفسحر هذا " أي هل في الموت شك أم هل في بصركم ~~خلل؟! فهو استفهام إنكار أي لا أمر منهما ثابت فالذي ترونه ~~حق وقد كنتم تقولون: إنه ليس بحق، وذلك أنهم كانوا ينسبون محمدا ms8080 - صلى ~~الله عليه وسلم - إلى السحر، وأنه يغطي الأبصار بالسحر، وانشقاق القمر ~~وأمثاله سحر، فوبخوا به، وقيل لهم: أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون. # قوله: اصلو(ها) أي إذ لم يمكنكم إنكارها، وتحقق أنه ليس بسحر ولا ~~خلل في أبصاركم فاصلوها؛ أي قاسوا شدتها. { فاصبروا أو لا ~~تصبروا } أي الصبر وعدمه سواء، وهذا بيان لعدم الخلاص. # قوله: " سواء " فيه وجهان: # أحدهما: أنه خبر مبتدأ محذوف أي صبركم وتركه سواء. قاله أبو البقاء. # والثاني: أنه مبتدأ والخبر محذوف أي سواء الصبر والجزع، قاله أبو ~~حيان. # قال شهاب الدين: والأول أحسن، لأن جعل النكرة خبرا أولى من جعلها ~~مبتدأ وجعل المعرفة خبرا. # ونحا الزمخشري منحى الوجه الثاني فقال: " سواء " خبره محذوف أي سواء ~~عليكم الصبرانه الصبر وعدمه. # قوله: { إنما تجزون ما كنتم تعملون } فيه لطيفة، وهي ~~أن المؤمن بإيمانه استفاد أن الخير الذي ينويه يثاب عليه، ~~والشر الذي يقصده ولا يقع منه لا يعاقب عليه ولا ظلم، فإن الله ~~تعالى أخبره به وهو اختار ذلك ودخل (فيه) باختياره، فإن الله تعالى قال ~~بأن من كفر ومات كافرا عذبته أبدا فاحذروا، ومن آمن أثبته ~~دائما فمن ارتكب الكفر ودام عليه بعدما سمع ذلك فإذا عوقب دائما فهو ~~تحقيق لما أوعد به فلا يكون ظلما. ### || [52.17-24] # قوله تعالى: { إن المتقين في جنات ونعيم } يجوز أن ~~يكون مستأنفا، أخبر الله تعالى بذلك بشارة، ويجوز أن يكون من جملة ~~المقول للكفار زيادة في غمهم وتحسرهم. والجنة هي موضع السرور ~~لكن الناطور قد يكون في البستان الذي هو في غاية الطيبة، فلما قال: " ~~ونعيم " أفاد أنهم فيها متنعمون كما يكون المتفرج لا كما يكون ~~الناطور والعمال. # وقوله: " فاكهين " يريد في ذلك، لأن المتنعم قد يكون آثار النعيم ~~عليه ظاهرة وقلبه مشغول، فلما قال: " فاكهين " دل على غاية الطيبة. # قوله: " فاكهين " هذه قراءة العامة نصب على الحال، والخبر الظرف، ~~وصاحب الحال الضمير المستتر في الظرف. # وقرأ خالد: " فاكهون " بالرفع، فيجوز أن يكون الظرف لغوا، ~~متعلقا بالخبر ويجوز أن يكون ms8081 خبرا آخر من عند من يجيز تعداد الخبر. # وقرىء فكهين مقصورا، وسيأتي أنه قرأ به في المطففين في ~~المتواتر حفص عن عاصم. # قوله: " بما آتاهم " يجوز أن تكون الباء على أصلها وتكون: " ما " ~~حينئذ واقعة على " الفواكه " التي هي في الجنة أي متلذذين بفاكهة ~~الجنة، ويجوز أن تكون بمعنى في أي فيما آتاهم من الثمار وغير ذلك. ويجوز ~~أن تكون " ما " مصدرية أيضا. # قوله: " ووقاهم " يجوز فيه أوجه: # أظهرها: أنه معطوف على الصلة أي فكهين بإيتائهم ربهم ~~وبوقايته لهم عذاب الجحيم. # والثاني: أن الجملة حال فتكون " قد " مقدرة عند من يشترط اقترانها ~~بالماضي الواقع حالا. # الثالث: أن يكون معطوفا على: " في جنات ". قاله الزمخشري يعني ~~فيكون مخبرا به عن المتقين أيضا فيكون المراد أنهم فاكهون بأمرين: ~~أحدهما: بما آتاهم، والثاني: بأنه وقاهم. # والعامة على تخفيف القاف من الوقاية. وأبو حيوة بتشديدها. # قوله: " كلوا واشربوا " أي يقال لهم كلوا واشربوا هنيئا. وقد تقدم ~~الكلام في: " هنيئا " في النساء. # قال الزمخشري: هنا يقال لهم كلوا واشربوا أكلا وشربا هنيئا أو ~~طعاما وشربا هنيئا. وهو الذي لا تنغيص فيه. # ويجوز أن يكون مثله في قوله: # 4533- هنيئا مريئا غير داء مخامر # لعزة من أعراضنا ما استحلت # أعني صفة استعملت استعمال المصدر القائم مقام الفعل، مرتفعا به " ما ~~استحلت " كما يرتفع بالفعل كأنه قيل هنأ عزة المستحل ~~من أعراضنا، فكذلك معنى " هنيئا " هنا هنأكم الأكل ~~والشرب، أو هنأكم ما كنتم تعملون والباء مزيدة كما في " ~~كفى بالله " والباء متعلقة بكلوا واشربوا إذا جعلت الفاعل ~~الأكل والشرب. وهذا من محاسن كلامه. # قال أبو حيان: أما تجويزه زيادة الباب فليست بمقيسة في الفاعل إلا في ~~فاعل " كفى " على خلاف فيها فتجويزها هنا لا يسوغ. # وأما قوله: إنها تتعلق ب " كلوا واشربوا " فلا يصح إلا على ~~الإعمال فهي تتعلق بأحدهما. انتهى. وهذا قريب. # قوله: " متكئين " فيه أوجه: # أحدها: أنه حال من فاعل: " كلوا ". # الثاني: أنه حال من فاعل: " أتاهم ". # الثالث: أنه حال من فاعل: " وقاهم ". # الرابع: أنه حال ms8082 من الضمير المستكن في الظرف. # الخامس: أنه حال من الضمير في: " فاكهين ". # وأحسنها أن يكون حالا من ضمير الظرف لكونه عمدة. # وقوله: " على سرر " متعلق ب " متكئين ". # وقراءة العامة بضم الراء الأولى. وأبو السمال بفتحها. وقد تقدم أنها ~~لغة لكلب في المضعف يفرون من توالي ضمتين في المضعف. # قوله: { وزوجناهم بحور عين } قرأ عكرمة بحور عين بإضافة ~~الموصوف إلى صفته على التأويل المشهور. # فصل # اعلم أنه تعالى بين أسباب التنعيم على الترتيب، فأول ما يكون المسكن ~~وهو الجنات ثم الأكل والشرب، ثم الفرش والبسط ثم الأزواج، فهذه أمور ~~أربعة ذكرها الله على الترتيب، وذكر في كل واحد منها ما يدل على كماله، ~~فقوله: " جنات " إشارة إلى المسكن وقال: " فاكهين " إشارة إلى عدم ~~التنغص وعلو المرتبة بكونه مما آتاهم الله، وقال: { كلوا ~~واشربوا هنيئا } أي مأمون العاقبة من التخم والسقم، وترك ~~ذكر المأكول والمشروب دلالة على تنوعهما وكثرتهما، وقوله: { بما ~~كنتم تعملون } إشارة إلى أنه تعالى يقول: إني مع كوني ربكم ~~وخالقكم وأدخلتكم الجنة بفضلي فلا منة لي عليكم اليوم وإنما ~~منتي عليكم كان في الدنيا هديتكم ووفقتكم للأعمال الصالحة كما قال: # بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان # [الحجرات: 17] وأما اليوم فلا منة عليكم لأن هذا إنجاز الوعد. # فإن قيل: قال في حق الكفار: # إنما تجزون ما كنتم تعملون # [الطور: 16] وقال في حق المؤمنين: { بما كنتم تعملون } فما ~~الفرق بينهما؟. # فالجواب من وجوه: # الأول: أن كلمة " إنما " للحصر، أي لا يجزون إلا ذلك، ولم يذكر هذا في ~~حق المؤمن، لأنه يجزيه أضعاف ما عمل، ويزيده من فضله. # الثاني: قال هنا: " بما كنتم " وقال هناك: # ما كنتم # [النمل: 90] أي تجزون عن أعمالكم. وهذا إشارة إلى المبالغة في المماثلة، ~~كأنه يقول: هذا عين ما عملت. وقوله في حق المؤمن: بما كنتم كأن ~~ذلك أمر ثابت مستمر يفيدكم هذا. # الثالث: أنه ذكر الجزاء هناك، وقال هنا: { بما كنتم تعملون } ~~لأن الجزاء ينبىء عن الانقطاع، فإن من أحسن إلى أحد فأتى بجزائه ~~لا يتوقع ms8083 المحسن منه شيئا آخر. # فإن قيل: فالله تعالى قال في موضع آخر: # بما كنتم تعملون # [المرسلات: 43] في الثواب. # فالجواب: أنه في تلك المواضع لما لم يخاطب المجزي ولم يقل: بما ~~كنت تفعل أتى بما يفيد العلم بالدوام وعدم الانقطاع. وأما في السرر ~~فذكر أمورا: # أحدها: الاتكاء فإنه هيئة مختصة بالمنعم والفارغ الذي لا كلفة ~~عليه. وجمع السرر لأمرين: # أظهرهما: أن يكون لكل واحد سرر؛ لأنه قوله: " مصفوفة " يدل على ~~أنه لواحد، لأن سرر الكل لا تكون في موضع واحد مصطفة، ولفظ السرير ~~فيه حروف السرور، بخلاف التخت وغيره، وقوله: " مصفوفة " أي ~~منتظمة بعضها إلى جنب بعض فإنها لو كانت متفرقة لقيل في كل موضع ~~واحد يتكىء عليه صاحبه إذا حضر هذا الموضع. وقوله تعالى: { ~~وزوجناهم } إشارة إلى النعمة الرابعة، وفيها ما يدل على كمال ~~الحال من وجوه: # الأول: أنه هو المزوج وهو الولي الذي يلي الطرفين يزوج عباده بإمائه ~~ومن يكون كذلك لا يفعل إلا ما فيه راحة العباد والإماء. # الثاني: قال: " وزوجناهم بحور " ولم يقل: وزوجناهم ~~حورا مع أن لفظ التزويج يتعدى فعله إلى مفعولين بغير حرف، تقول ~~زوجتكها، قال الله تعالى: # فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها # [الأحزاب: 37] وذلك إشارة إلى أن المنفعة في التزويج لهم، وإنما زوجوا ~~للذتهم بالحور لا للذة الحور بهم. # الثالث: عدم الاقتصار على الزوجات بل وصفهن بالحسن واختار الأحسن من ~~الأحسن، فإن أحسن ما في صورة الآدمي وجهه، وأحسن ما في ~~الوجه العين. # قوله: { والذين آمنوا } فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه مبتدأ، والخبر الجملة من قوله: { ألحقنا بهم ~~ذريتهم } ، والذريات هنا يصدق على الآباء، وعلى الأبناء، ~~أي أن المؤمن إذا كان عمله أكثر ألحق به من دونه في العمل ابنا ~~كان أو أبا. وهو منقول عن ابن عباس وغيره. # الثاني: أنه منصوب بفعل مقدر، قال أبو البقاء على تقدير: وأكرمنا ~~الذين آمنوا. قال شهاب الدين: فيجوز أن يريد أنه من باب الاشتغال، ~~وأن قوله: { ألحقنا بهم ذريتهم } مفسر لذلك الفعل من ~~حيث المعنى ms8084 وأن يريد أنه مضمر لدلالة السياق عليه، فلا تكون المسألة ~~من الاشتغال في شيء. # الثالث: قال ابن الخطيب: إنه معطوف على: { إن المتقين في ~~جنات } ثم قال: فإذا كان كذلك فلم أعاد لفظ " الذين آمنوا " ~~وكان المقصود يحصل بقوله تعالى: { ألحقنا بهم ذريتهم } ~~بعد قوله { وزوجناهم } كان يصير التقدير: وزوجناهم وألحقنا ~~بهم؟ نقول: فيه فائدة وهي أن المتقين هم الذين اتقوا الشرك والمعصية وهم ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فقال ههنا: الذين آمنوا بمجرد الإيمان يصير ~~ولده من أهل الجنة، ثم إن ارتكب الأب كبيرة أو صغيرة لا يعاقب به ولده ~~بل الوالد، وربما يدخل الجنة الابن قبل الأب، وقد ورد في الخبر أن ~~الولد الصغير يشفع لأبيه، وذلك إشارة إلى الجزاء. # وذكر الزمخشري أنه مجرور عطفا على " حور عين " قال الزمخشري: " ~~والذين آمنوا " معطوف على " حور عين " أي قرناهم بالحور ~~وبالذين آمنوا أي بالرفقاء والجلساء منهم كقوله: # إخوانا على سرر متقابلين # [الحجر: 47] فيتمتعون تارة بملاعبة الحور، وتارة بمؤانسة ~~الإخوان. # ثم قال الزمخشري: ثم قال: " بإيمان ألحقنا بهم ~~ذرياتهم " أي بسبب إيمان عظيم رفيع المحل وهو إيمان الآباء ~~ألحقنا بدرجتهم ذريتهم وإن كانوا لا يستأهلونها تفضلا عليهم. # قال أبو حيان: ولا يتخيل أحد أن " والذين آمنوا " معطوف على " ~~بحور عين " غير هذا الرجل. وهو تخيل أعجمي، مخالف لفهم العربي ~~القح ابن عباس وغيره. # قال شهاب الدين: أما ما ذكره أبو القاسم من المعنى فلا شك في حسنه ~~ونضارته، وليس في كلام العربي القح ما يدفعه بل لو عرض على ابن عباس ~~وغيره لأعجبهم، وأي مانع معنوي أو صناعي يمنعه؟!. # قوله: " وأتبعناهم " يجوز أن يكون عطفا على الصلة، ويكون " ~~والذين آمنوا " مبتدأ ويتعلق " بإيمان " بالاتباع، بمعنى أن الله تعالى ~~يلحق الأولاد الصغار وإن لم يبلغوا الإيمان بأحكام الآباء المؤمنين. ~~وهذا المعنى منقول عن ابن عباس والضحاك. ويجوز أن يكون معترضا بين ~~المبتدأ والخبر. قال الزمخشري ويجوز أن يتعلق " بإيمان " ب " ~~ألحقنا " كما تقدم. # فإن قيل: قوله: أتبعناهم ذرياتهم يفيد قوله: " ألحقنا ~~بهم ms8085 ذرياتهم ". # فالجواب: أن قوله: " ألحقنا بهم " أي في الدرجات والاتباع إنما ~~هو في حكم الإيمان وإن لم يبلغوه كما تقدم. # وقرأ أو عمرو: " وأتبعناهم " بإسناد الفعل إلى المتكلم نفسه. ~~والباقون واتبعتهم بإسناد الفعل إلى الذرية وإلحاق تاء التأنيث. ~~وقد تقدم الخلاف في إفراد ذرياتهم وجمعه في سورة الأعراف. # فصل # اختلفوا في معنى الآية، فقيل معناها: والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم ~~بإيمان يعني أولادهم الصغار والكبار فالكبار بإيمانهم بأنفسهم، والصغار ~~بإيمان آبائهم، فإن الولد الصغير يحكم بإسلامه تبعا لأحد الأبوين. # وقوله: ألحقنا بهم ذرياتهم، أي المؤمنين في الجنة ~~بدرجاتهم وإن لم يبلغوا بأعمالهم درجات آبائهم تكرمة لآبائهم، ~~لتقر بذلك أعينهم. وهي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس. وقيل: ~~معناه { والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم } البالغون { بإيمان ألحقنا بهم ~~ذريتهم } الصغار الذين لم يبلغوا الإيمان بإيمان آبائهم. وهو قول ~~الضحاك في رواية العوفي عن ابن عباس. أخبر الله عز وجل أنه يجمع ~~لعبده ذريته في الجنة كما كان يحب في الدنيا أن يجتمعوا إليه يدخلهم ~~الجنة بفضله ويلحقهم بدرجته بعمل أيديهم من غير أن ينقص الآباء من ~~أعمالهم شيئا فذلك قوله: { ومآ ألتناهم من عملهم من ~~شيء }. # روي عن علي - رضي الله عنه - قال: # " سألت خديجة النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ولدين لها ماتا في ~~الجاهلية فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هما في النار، فلما رأى ~~الكراهية في وجهها قال: لو رأيت مكانهما لأبغضتهما. قالت يا ~~رسول الله: فولدي منك قال: في الجنة. ثم قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: " إن المؤمنين وأولادهم في الجنة وإن ~~المشركين وأولادهم في النار " ثم قرأ رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: " والذين آمنوا وأتبعناهم ~~ذرياتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم " ". # قوله: " وما ألتناهم " قرأ ابن كثير ألتناهم بكسر ~~اللام. والباقون بفتحها. # فأما الأولى فمن ألت يألت بكسر العين في الماضي وفتحها في ~~المضارغ كعلم يعلم. وأما الثانية: فيحتمل أن تكون من ألت ~~يألت كضرب يضرب، وأن يكون من ألات يليت كأمات ~~يميت فألتناهم ms8086 كأمتناهم. # وقرأ ابن هرمز آلتناهم - بألف بعد الهمزة - على وزن ~~أفعلناهم، يقال: آلت يؤلت كآمن يؤمن. وعبد الله وأبي ~~والأعمش وطلحة - وتروى عن ابن كثير - لتناهم بكسر اللام. # قال سهل: لا يجوز فتح اللام من غير ألف بحال، ولذلك أنكر آلتناهم ~~بالمد وقال: لا يدل عليها لغة ولا تفسير. # وليس كما زعم، بل نقل أهل اللغة آلت يؤلت. # وقرىء:- ولتناهم - بالواو - كوعدناهم نقلها هارون. قال ابن ~~خالويه: فيكون هذا الحرف من لات يليت وولت يليت وألت ~~يألت وألت يألت وألات يليت، وكلها بمعنى نقص. # ويقال: ألت بمعنى غلظ وقام رجل إلى (أمير المؤمنين) عمر يعظه ~~فقال له رجل: لا تألت أمير المؤمنين، أي لا تغلظ عليه. # قال شهاب الدين: ويجوز أن يكون هذا الأثر على حاله والمعنى لا ~~تنقص أمير المؤمنين حقه؛ لأنه إذا أغلظ القول نقصه حقه. # وفي الضمير في " ألتناهم " وجهان: # أظهرهما: أنه عائد على " المؤمنين ". # الثاني: أنه عائد على " ألتناهم ". قيل: ويقويه قوله تعالى: { ~~كل امرىء بما كسب رهين }. # قوله: { من عملهم من شيء } من شيء مفعول ثان ل " ~~ألتناهم " و " من " مزيدة؛ والأولى في محل نصب على الحال من ~~(شيء)؛ لأنها في الأصل صفة له، فلما قدمت نصبت حالا. وجوز أبو ~~البقاء أن يتعلق بألتناهم. # فصل # في قوله: " وما ألتناهم " تطييب لقلبهم، وإزالة وهم ~~المتوهم أن ثواب عمل الأب يوزع على الوالد والولد بل للوالد ~~أجر عمله، ولأولاده مثل ذلك فضلا من الله ورحمة. وقال: " من ~~عملهم " ولم يقل: من أجرهم لأن قوله: وما ألتناهم من عملهم دليل على بقاء ~~عملهم كما كان، والأجر على العمل مع الزيادة فيكون فيه إشارة إلى بقاء ~~العمل الذي له الأجر الكبير الزائد عليه العظيم العائد إليه، ولو قال: ~~وما ألتناهم من أجرهم لكان ذلك حاصلا بأدنى شيء، لأن كل ما يعطي ~~الله عبده على عمله فهو أجر كامل، ولأنه لو قال: ما ألتناهم من ~~أجرهم كان مع ذلك يحتمل أن يقال: إن الله تعالى يفضل عليه بالأجر الكامل ~~على العمل ms8087 الناقص، وأعطاه الأجر الجزيل مع أن عمله كان له ولولده جميعا. # فإن قيل: ما الفائدة في تنكير الإيمان في قوله: " وأتبعناهم ~~ذرياتهم بإيمان ألحقنا "؟. # فالجواب: (هو) إما للتحقير أو للتكثير كأنه يقول أتبعناهم ذرياتهم ~~بإيمان مخلص كامل. أو نقول: أتبعناهم بإيمان ما أي شيء منه، فإن ~~الإيمان كاملا لا يوجد في الولد، بدليل أن من آمن له ولد صغير ~~حكم بإيمانه، فإذا بلغ وصرح بالكفر وأنكر التبعية قيل: بأنه لا ~~يكون مرتدا وتبيين بقوله أنه لم يتبع. وقيل: بأنه يكون مرتدا؛ لأنه ~~كفر بعدما حكم بإيمانه كولد المسلم الأصلي. فإذن تبين بهذا الخلاف أن ~~إيمانه ليس بقوي. ذكر هذين الوجهين الزمخشري. # ويحتمل أن يكون المراد أن يكون التنوين للتعويض عن المضاف إليه كقوله ~~تعالى: # بعضهم لبعض # [الإسراء: 88] و [الزخرف: 67] # وكلا وعد الله الحسنى # [الحديد: 10] لأن التقدير: أتبعناهم ذرياتهم بإيمان أي بسبب إيمانهم لأن ~~الإتباع ليس بإيمان كيف كان وممن كان وإنما هو إيمان الآباء، ~~لكن الإضافة تنبىء عن تقييد، وعدم كون الإيمان إيمانا على ~~الإطلاق، فإن قول القائل: ماء الشجر وماء الرمان فيصح، وإطلاق اسم " ~~ماء " من غير إضافة لا يصح، فقوله: " بإيمانهم " يوهم أنه إيمان مضاف ~~إليهم كقوله تعالى: # فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا # [غافر: 85] حيث أثبت الإيمان المضاف فلم يكن إيمانا فقطع الإضافة مع ~~إردتها ليعلم أنه إيمان صحيح وعوض التنوين ليعلم أنه مضاف لا يوجب ~~الإيمان في الدنيا إلا إيمان الآباء. قال ابن الخطيب: وهذا وجه حسن. # قوله: { كل امرىء بما كسب رهين } قال مقاتل: كل امرىء ~~كافر بما عمل من الشرك فهو مرتهن في النار والمؤمن لا يكون مرتهنا لقوله ~~تعالى: # كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين # [المدثر: 38 - 39]. قال الواحدي: هذا يعود إلى ذكر أهل النار. وهو قول ~~مجاهد أيضا. # وقال الزمخشري: هذا عام في كل واحد أنه يكون مرهونا عند الله بالكسب ~~فإن كسب خيرا فك رقبته وإلا أغلق الرهن. # قال ابن الخطيب: وفيه وجه آخر وهو أن يكون الرهين ms8088 فعيلا بمعنى ~~الفاعل فيكون المعنى: كل امرىء بما كسب راهن أي دائم إن أحسن ففي الجنة ~~مؤبدا، وإن أساء ففي النار مخلدا؛ لأن في الدنيا دوام الأعمال بدوام ~~الأعيان فإن العرض لا يبقى إلا في جوهر فلا يوجد إلا فيه، وفي الآخرة ~~دوام الأعيان بدوام الأعمال فإن الله يبقي أعمالهم لكونها عند الله تعالى ~~من الباقيات الصالحات، وما عند الله باق والباقي يبقى مع عمله. # قوله تعالى: { وأمددناهم بفاكهة } ، زيادة على ما كان لهم { ~~ولحم مما يشتهون } من أنواع اللحمان. والمعنى زدناهم ~~مأكولا ومشروبا فالمأكول الفاكهة واللحم، والمشروب الكأس. وفي هذا ~~لطيفة وهي أنه لما قال: ما ألتناهم ونفي النقصان يصدق بحصول ~~المساوىء، فقال: ليس عدم النقصان باقتصار على المساوىء؛ بل بالزيادة ~~والإمداد. # قوله: " يتنازعون " في موضع نصب على الحال من مفعول: " ~~أمددناهم " ويجوز أن يكون مستأنفا. # وتقدم الخلاف في قوله: { لا لغو فيها } في البقرة. والجملة في ~~موضع نصب صفة لكأس. وقوله: فيها أي في شرابها. وقيل: في الجنة. ~~ومعنى يتنازعون أي يتعاطون. ويحتمل أن يقال: التنازع التجاذب ويكون ~~تجاذبهم تجاذب ملاعبة لا تجاذب منازعة. وفيه نوع لذة، قال ~~الشاعر: # 4534- نازعته طيب الراح الشمول وقد # صاح الدجاج وحانت وقعة الساري # وقوله: { لا لغو فيها ولا تأثيم } قال قتادة: اللغو: ~~الباطل. وقال مقاتل بن حيان: لا فضول فيها. وقال سعيد بن المسيب: لا ~~رفث فيها. وقال ابن زيد: لا سباب ولا تخاصم فيها. # وقال القتيبي: لا يذهب عقولهم فيلغوا أو يرفثوا " ولا ~~تأثيم " أي لا يكون منهم ما يؤثمهم. قال ابن الخطيب: ويحتمل أن ~~يكون المراد من التأثيم السكر. وقال الزجاج: لا يجري منهم ما يلغى ~~ولا ما فيه إثم كما يجري في الدنيا لشربة الخمر. # وقيل: لا يأثمون في شربها. # قوله تعالى: { ويطوف عليهم غلمان لهم } أي يطوف عليهم ~~بالخدمة غلمان لهم " كأنهم " في الحسن والبياض والصفاء. # قوله: { كأنهم لؤلؤ مكنون } صفة ثانية " لغلمان ". ~~والمعنى يطوف عليهم بالكؤوس غلمان لهم. وهم الولدان المخلدون ~~{ كأنهم لؤلؤ مكنون } أي مخزون مصون ms8089 لم تمسه ~~الأيدي. # قال سعيد بن جبير: يعني في الصدق، وقال عبد الله بن عمر: ما من ~~أحد من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألف غلام وكل غلام على عمل ما عليه ~~صاحبه. # " وروي عن الحسن أنه لما تلا هذه الآية قال: قالوا يا رسول الله: ~~الخادم كاللؤلؤ المكنون فكيف المخدوم؟ قال: فضل المخدوم على ~~الخادم كفضل ليلة البدر على سائر الكواكب ". ### || [52.25-28] # قوله تعالى: { وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون } ~~يسأل بعضهم بعضا في الجنة. قال ابن عباس - (رضي الله عنهما) -: ~~يتذاكرون ما كانوا فيه من التعب والخوف في الدنيا؛ فقوله: " ~~يتساءلون " جملة حالية من " بعضهم ". # قوله: { قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين } ~~أي خائفين. والمعنى أنهم يسألون عن سبب ما وصلوا إليه فيقولون: خشية ~~الله أي كنا نخاف الله " فمن علينا ووقانا عذاب ~~السموم ". قال الكلبي: عذاب النار. وقال الحسن: (- رضي الله عنه -): ~~السموم اسم من أسماء جهنم. والسموم في الأصل الريح الحارة التي ~~تتخلل المسام، والجمع سمائم. وسم يومنا أي اشتد ~~حره. وقال ثعلب: السموم شدة الحر أو شدة البرد في النهار وقال أبو ~~عبيدة: السموم بالنهار وقد يكون بالليل والحرور بالليل وقد يكون ~~بالنهار وقد يستعمل السموم في لفح البرد وهو في لفح الحر والشمس ~~أكثر. وقد تقدم شيء من ذلك في سورة " فاطر ". # وقرأ العامة: ووقانا بالتخفيف، وأبو حيوة بالتشديد وقد تقدم. ~~قوله: " إنا كنا قبل " أي في الدنيا " ندعوه " نخلص له ~~العبادة. # وقوله: { إنه هو البر } قرأ نافع والكسائي بفتح الهمزة على ~~التعليل أي لأنه والباقون بالكسر على الاستئناف الذي فيه معنى العلة ~~فيتحد معنى القراءتين. # وقوله: " هو البر ". قال ابن عباس: اللطيف. وقال الضحاك: الصادق ~~فيما وعد الرحيم بعباده، (اللهم ارحمنا). ### || [52.29-44] # قوله تعالى: { فذكر فمآ أنت بنعمة ربك } لما بين ~~تعالى أن في الوجود قوما يخافون الله، ويشفقون في أهلهم والنبي - عليه ~~الصلاة والسلام - مأمور بتذكير من يخاف الله تعالى لقوله تعالى: # فذكر بالقرآن من يخاف وعيد # [ق: 45] فوجب التذكير فلذلك ذكره ms8090 بالفاء. # قوله: " بنعمة ربك " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه مقسم به متوسط بين اسم " ما " وخبرها. ويكون الجواب حينئذ ~~محذوفا لدلالة هذا المذكور عليه والتقدير: " ونعمة ربك ما ~~أنت بكاهن ولا مجنون ". # الثاني: أن الباء في موضع نصب على الحال، والعامل فيها: " بكاهن أو ~~مجنون " والتقدير: ما أنت كاهنا ولا مجنونا ملتبسا بنعمة ربك. قاله ~~أبو البقاء. وعلى هذا فهي حال لازمة؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - لم ~~يفارق هذه الحال. # الثالث: أن الباء متعلقة بما دل عليه الكلام وهو اعتراض بين اسم " ما " ~~وخبرها والتقدير: ما أنت في حال أذكارك بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون. ~~قاله الحوفي. قال شهاب الدين: ويظهر وجه رابع وهو أن تكون الباء سببية ~~وتتعلق حينئذ بمضمون الجملة المنفية. وهذا هو مقصود الآية الكريمة. ~~والمعنى انتفى عنك الكهانة والجنون بسبب نعمة الله عليك كما تقول: ~~ما أنت بمعسر بحمد الله وغنائه. # فصل # المعنى " فذكر " يا محمد أهل مكة بالقرآن { فمآ أنت ~~بنعمة ربك } أي برحمته وعصمته " بكاهن " مبتدع القول ومخبر ~~بما في غد من غير وحي " ولا مجنون " نزلت في الذين اقتسموا عقاب ~~مكة يرمون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالكهانة والسحر ~~والجنون والشعر. # قوله: " أم يقولون " قال الثعلبي: قال الخليل: كل ما في سورة ~~الطور من " أم " فاستفهام وليس بعطف. # وقال أبو البقاء: " أم " في هذه الآيات منقطعة. وتقدم الخلاف في ~~المنقطعة هل تقدر ببل وحدها أو ببل والهمزة أو بالهمزة وحدها. ~~والصحيح الثاني. # وقال مجاهد في قوله: " إن تأمرهم " تقديره بل تأمرهم. وقرأ: ~~{ بل هم قوم طاغون } يدل: أم هم قوم. # قوله: " نتربص " في موضع رفع صفة ل " شاعر " والعامة على " ~~نتربص " بإسناد الفعل لجماعة المتكلمين " ريب " بالنصب. # وزيد بن علي: يتربص - بالياء من تحت - على البناء للمفعول " ~~ريب " بالرفع. # و " ريب المنون ": حوادث الدهر، وتقلبات الزمان؛ ~~لأنها لا تدوم على حال كالريب وهو الشك فإنه لا يبقى بل هو متزلزل. قال ~~الشاعر: # 4535- تربص بها ريب المنون لعلها # تطلق يوما أو يموت خليلها ms8091 # وقال أبو ذؤيب: # 4536- أمن المنون وريبه تتوجع # والدهر ليس بمعتب من يجزع # والمنون في الأصل الدهر. وقال الراغب: المنون: المنية؛ لأنها ~~تنقص العدد، وتقطع المدد. وجعل من ذلك قوله: # أجر غير ممنون # [القلم:3] و [الانشقاق:25] و [التين:6] و [فصلت:8] أي غير منقطع. وقال ~~الزمخشري: وهو في الأصل: فعول من منه إذا قطعه لأن الموت قطوع، ولذلك ~~سميت شعوب. و " ريب " وريبة مفعول به أي ننتظر به حوادث الدهر أو ~~المنية. # فصل # المعنى: بل يقولون يعني هؤلاء المقتسمين الخراصين شاعر ~~نتربص به ريب المنون حوادث الدهر وصروفه وذلك أن العرب كانت ~~تحترز عن إيذاء الشعراء، فإن الشعر كان عندهم يحفظ ويدون فقالوا: لا ~~نعارضه في الحال مخافة أن يغلبنا بقوة شعره وإنما نصبر ونتربص ~~موته ويهلك كما هلك من قبله من الشعراء ويتفرق أصحابه وإن أباه مات ~~شابا ونحن نرجو أن يكون موته كموت أبيه. والمنون يكون بمعنى الدهر فيكون ~~بمعنى الموت سميا بذلك لأنهما يقطعان الأجل. أو يقال: إنه - عليه ~~الصلاة والسلام - كان يقول: إن الحق دين الله، وإن الشرع الذي أتيت ~~به يبقى أبد الدهر، وكتابي يملى إلى قيام الساعة فقالوا: ليس كذلك ~~إنما هو شاعر والذي يذكره شعر ولا ناصر له وسيصيبه من بعض آلهتنا ~~الهلاك فنتربص به ذلك. وريب المنون: هو اسم للموت فعول من ~~المن، وهو القطع. # ويحتمل وجها آخر وهو أن يكون المراد أنه إذا كان شاعرا فصروف الزمان ~~ربما تضعف ذهنه وتورث وهنه فيتبين لكل أحد فساد أمره وكساد ~~شعره. # قوله: " قل تربصوا " أي انتظروا بي الموت. # فإن قيل: هذا أمر للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولفظ الأمر يوجب المأمور ~~به أو يبيحه ويجوزه وتربصتم كان حراما. # فالجواب: ليس ذلك بأمر وإنما هو تهديد أي تربصوا فإني متربص الهلاك بكم ~~كقول الغضبان لعبده: افعل ما شئت فإني لست عنك بغافل. # فإن قيل: لو كان كذلك لقال: تربصوا أو لا تتربصوا كما قال: # اصبروا أو لا تصبروا # [الطور: 16]. # فالجواب: ليس كذلك، لأن ذلك يفيد عدم ms8092 الخوف أكثر. # قوله: { فإني معكم من المتربصين } أي أتربص ~~هلاككم، وقد أهلكوا يوم بدر وغيره من الأيام. قال ابن الخطيب: ~~ويحتمل أن يكون معناه إذا قلنا: (إن) ريب المنون صروف الدهر فمعناه ~~إنكار كون صروف الدهر مؤثرة فكأنه يقول: أنا من المتربصين حتى ~~أبصر ماذا يأتي به الذي تجعلونه مهلكا وماذا يصيبني منه. # قوله: { أم تأمرهم أحلامهم } عقولهم { بهذآ أم ~~هم قوم طاغون } والإشارة بقوله: " بهذا " إلى ما ظهر منهم ~~عقلا ونقلا. وهو عبادة الأوثان وقولهم الهذيان. وقيل: إشارة إلى ~~قولهم: كاهن وشاعر ومجنون. وقيل إشارة إلى التربص وذلك أن الأشياء ~~إما أن تثبت بعقل أو نقل فقال: هل ورد أمر سمعي أم عقولهم ~~تأمرهم بما كانوا يقولون أم هم قوم طاغون مفترون ويقولون ما لا ~~دليل عليه سمعا ولا مقتضى له عقلا؟ والطغيان مجاوزة الحد ~~في العصيان وكذلك كل شيء مكروه ظاهر، قال تعالى: # لما طغا المآء # [الحاقة: 11]. # واعلم أن قوله: " أم تأمرهم " متصل تقديره: أنزل عليهم ذكر أم ~~تأمرهم أحلامهم بهذا. وفي هذه الآية إشارة إلى أن كل ما لا يكون على ~~وفق العقل لا ينبغي أن يقال؛ وإنما ينبغي أن يقال ما يجب قوله عقلا. # والأحلام جمع حلم وهو العقل فهما من باب واحد من حيث المعنى لأن العقل ~~يضبط المرء فيكون كالبعير المعقول لا يتحرك عن مكانه والحلم من ~~الاحتلام، وهو أيضا سبب وقار المرء وثباته لأن الحلم في أصل اللغة هو ~~ما يراه النائم فينزل ويلزمه الغسل الذي هو سبب البلوغ وعنده يصير ~~الإنسان مكلفا، فالله تعالى من لطيف حكمته قرن الشهوة بالعقل وعند ~~ظهور الشهوة يكمل العقل ويكلف صاحبه فأشار تعالى إلى العقل بالإشارة إلى ~~ما يقارنه وهو الحلم ليعلم أنه يريد به كمال العقل. # قوله: { أم يقولون تقوله } أي يخلق القرآن من تلقاء ~~نفسه، والتقول تكلف القول ولا يستعمل إلا في الكذب وهذا أيضا ~~متصل بقوله تعالى: { أم يقولون شاعر } تقديره: كاهن أم يقولون ~~تقوله بالمعنى ليس الأمر كما زعموا بل لا يؤمنون ms8093 بالقرآن استكبارا. # ثم ألزمهم الحجة وأبطل جميع الأقسام فقال: { فليأتوا بحديث ~~مثله } أي القرآن ونظمه { إن كانوا صادقين } أن محمدا ~~تقوله من قبل نفسه، ولما امتنع ذلك كذبوا في الكل. # قوله: " فليأتوا " الفاء للتعقيب أي إذا كان كذلك فيجب عليهم أن ~~يأتوا بمثل ما أتى به ليصح كلامهم ويبطل كلامه. قال بعض العلماء: ~~وهذا أمر تعجيز قال ابن الخطيب: والظاهر أن الأمر ههنا على حقيقته لأنه ~~لم يقل: إيتوا مطلقا بل قال: إيتوا إن كنتم صادقين فهو أمر معلق على شرط ~~إذا وجد ذلك الشرط يجب الإتيان به وأمر التعجيز كقوله تعالى: # فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها ~~من المغرب فبهت الذي كفر # [البقرة: 258] وليس هذا بحثا يورث خللا في كلامهم. # قوله: " بحديث مثله " العامة على تنوين " حديث " ووصفه ~~ب " مثله ". والجحدري وأبو السمال " بحديث مثله " ~~بإضافة حديث إلى " المثل " على حذف موصوف أي بحديث رجل مثله من ~~جنسه. # فصل # قالت المعتزلة: الحديث محدث، والقرآن سماه حديثا فيكون محدثا. # وأجيبوا: بأن الحديث اسم مشترك يقال للمحدث والمنقول وهذا يصح أن ~~يقال: هذا حديث قديم أي متقادم العهد، لا بمعنى سبب الأزلية وذلك لا ~~نزاع فيه. # فإن قيل: الصفة تتبع الموصوف في التعريف والتنكير والموصوف هنا: " ~~حديث " وهو منكر، و " مثله " مضاف إلى " القرآن " والمضاف إلى ~~القرآن معرف فكيف هذا؟ # فالجواب: أن " مثلا " و " غيرا " لا يتعرفان بالإضافة، وكذلك كل ~~ما هو مثله كشبه، وذلك أن " غيرا ومثلا " وأمثالهما في غاية ~~التنكير؛ لأنك إذا قلت: " مثل زيد " يتناول كل شيء، فإن كل شيء مثل ~~زيد في شيء فالحمار مثله في الجسم والحجم والإمكان والنبات مثله في ~~النشوء والنماء والذبول والفناء، والحيوان مثله في الحركة ~~والإدراك وغيرها من الأوصاف. وأما " غير " فهو عند الإضافة ينكر ~~وعند قطع الإضافة ربما يتعرف؛ فإنك إذا قلت: غير زيد صار في ~~غاية الإبهام، فإنه يتناول أمورا لا حصر لها، وأما إذا قطعت " غير " عن ~~الإضافة فربما يكون الغير والمغايرة من باب واحد وكذلك ~~التغير ms8094 فتجعل الغير كأسماء الجنس وتجعله مبتدأ أو تريد به معنى ~~معينا. # قوله: " أم خلقوا " لا خلاف أن " أم " هنا ليست بمعنى بل لكن أكثر ~~المفسرين على أن المراد ما وقع في صدر الكلام من الاستفهام بالهمزة كأنه ~~يقول: " أخلقوا من غير شيء ". # قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يقال: هو على أصل الوضع للاستفهام الذي يقع ~~في أثناء الكلام وتقديره: أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون؟ # قوله: { من غير شيء } يجوز أن تكون " من " لابتداء الغاية ~~على معنى: أم خلقوا من غير شيء حي كالجماد فهم لا ~~يؤمرون ولا ينهون كما الجمادات، وقيل: هي للسببية على ~~معنى من غير علة، ولا لغاية ثواب ولا عقاب. # فصل # وجه تعلق الآية بما قبلها أنهم لما كذبوا النبي - عليه الصلاة والسلام - ~~ونسبوه إلى الكهانة والشعر والجنون وبرأه الله من ذلك ذكر ~~الدليل على صدقه إبطالا لتكذيبهم وبدأ بأنفسهم فكأنه يقول: كيف ~~تكذبونه وفي أنفسكم دليل صدقه، لأن قوله كان في ثلاثة أشياء، في ~~التوحيد، والحشر، والرسالة ففي أنفسهم ما يعلم صدقه وهو أنهم خلقوا ~~وذلك دليل التوحيد لما تقدم أن: # في كل شيء له آية # تدل على أنه الواحد؟ # وأما الحشر فلأن الخلق الأول دليل على جواز الخلق الثاني. # فصل # قال المفسرون: معنى الآية: أم خلقوا من غير شيء فوجدوا بلا خالق ~~وذلك مما لا يجوز أن يكون { أم هم الخالقون } لأنفسهم وذلك في ~~البطلان أشد؛ لأن ما لا وجود له كيف يخلق فإذا بطل الوجهان قامت ~~الحجة عليهم بأن لهم خالقا فليؤمنوا به. قال هذا المعنى أبو سليمان ~~الخطابي. وقال الزجاج: معناه أخلقوا باطلا لا يحاسبون ولا ~~يؤمنون وقال ابن كيسان: أخلقوا عبثا وتركوا سدى لا ~~يؤمرون ولا ينهون كقول القائل فعلت كذا وكذا (وقوله): { من غير ~~شيء } لغير شيء { أم هم الخالقون } لأنفسهم فلا يجب عليهم لله ~~أمر. # وقيل: معناه أخلقوا من غير أب وأم. # قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يقال: أم خلقوا من غير شيء أي ألم ~~يخلقوا من ms8095 تراب أو من ماء لقوله تعالى: # ألم نخلقكم من مآء مهين # [المرسلات: 20] ويحتمل أن يقال: الإستفهام ليس بنفي بل هو بمعنى الإثبات ~~كقوله تعالى: # أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون # [الواقعة: 59] و # أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون # [الواقعة: 64] و # أأنتم أنشأتم شجرتهآ أم نحن المنشئون # [الواقعة: 72] كل ذلك في الأول منفي وفي الثاني مثبت كذلك ههنا قال ~~تعالى: { أم خلقوا من غير شيء } أي إن الصادق هو الثاني ~~وهذا حينئذ كقوله تعالى: # هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا ~~مذكورا # [الإنسان: 1]. # فإن قيل: كيف يكون ذلك الإثبات والآدمي خلق من تراب؟ # نقول: والتراب خلق من غير شيء، فالإنسان إذا نظرت إلى خلقه ونظرت إلى ~~ابتداء أمره تجده مخلوقا من غير شيء. # أو نقول: المراد أم خلقوا من غير شيء مذكورا أو متغيرا وهو الماء ~~المهين؟ # قوله: { أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون } ~~قال الزمخشري: " لا يوقنون بأنهم خلقوا " وهو في معنى قوله: # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله # [لقمان: 25] أي هم معترفون بأنه خلق الله وليس خلق أنفسهم. # وقيل: بل لا يوقنون بأن الله خالق واحد أي ليس الأمر كذلك وما خلقوا ~~وإنما لا يوقنون بوحدة الله. وقيل المعنى لا يوقنون أصلا من غير ذكر ~~مفعول كقولك: فلان ليس بمؤمن وفلان كافر لبيان مذهبه ~~وإن لم ينو مفعولا. والمعنى أنهم ما خلقوا السموات والأرض ولا يوقنون ~~بهذه الدلائل، بل لا يوقنون أصلا وإن جئتهم بكل آية بدليل قوله تعالى ~~بعد ذلك: { وإن يروا كسفا من السمآء ساقطا يقولوا ~~سحاب مركوم }. وهذه الآية دليل الآفاق وقوله من قبل دليل ~~الأنفس. # قوله: { أم عندهم خزآئن ربك } قال عكرمة: يعني النبوة، ~~وقال مقاتل: أبأيديهم مفاتيح ربك بالرسالة فيضعونها حيث شاؤوا؟ وقال ~~الكلبي: خزائن المطر والرزق. وقيل: خزائن الرحمة. # قوله: { أم هم المصيطرون } وهذه تتمة الرد عليهم؛ ~~لأنه لما (قا) ل: { أم عندهم خزآئن ربك } أشار على أنهم ~~ليسوا بخزنة الله فعلموا خزائن الله لكن بمجرد انتفاء كونهم خزنة ms8096 (لا) ~~ينتفي العلم لجواز أن يكون مشرفا على الخزنة، فإن العلم بالخزائن ~~عند الخازن والكاتب بالخزانة فقال: لستم بخزنة ولا بكتبة ~~الخزانة المسلطين عليها. # قال ابن الخطيب: ولا يبعد تفسير: " المسيطرين " بكتبة الخزائن؛ ~~لأن التركيب يدل على السطر وهو يستعمل في الكتابة. # قال أهل اللغة: المسيطر الغالب القاهر من سيطر عليه إذا راقبه ~~وحفظه أو قهره. # قال المفسرون: المسيطرون المسلطون الجبارون. وقال عطاء: أرباب ~~قاهرون، فلا يكونوا تحت أمر أو نهي يفعلون ما شاؤوا. ويجوز بالسين ~~والصاد جميعا. # وقرأ العامة: المصيطرون بصاد خالصة من غير إشمامها زايا لأجل ~~الطاء كما تقدم في: " صراط " [الفاتحة: 7]. # وقرأ هشام وقنبل من غير خلاف عنهما بالسين الخالصة التي هي الأصل ~~وحفص بخلاف عنه. # وقرأ خلاد بصاد مشمة زايا من غير خلاف عنه. وقرأ خلاد بالوجهين ~~أعني كخلف والعامة. وتوجيه هذه القراءات واضح مما تقدم في أول ~~الفاتحة، ولم يأت على " مفيعل " إلا خمسة ألفاظ، أربعة صفة اسم ~~فاعل نحن مهيمن ومبيقر، ومسيطر ومبيطر وواحد اسم جبل - ~~وقيل: اسم أرض لبني فزارة - وهو المجيمر قال امرؤ القيس: # 4537- كأن ذرى رأس المجيمر غدوة # من السيل والغثاء فلكة مغزل # قوله: { أم لهم سلم } أي مرقاة ومصعد إلى السماء " ~~يستمعون فيه ". وهذا أيضا تتميم الدليل، فإن من لا يكون ~~خازنا ولا كاتبا قد يطلع على الأمر بالسماع من الخازن أو الكاتب فقال: ~~أنتم لستم بخزنة ولا كتبة ولا اجتمعتم بهم، لأنهم ملائكة ولا صعود ~~لكم. # قوله: " يستمعون فيه " صفة " لسلم " و " فيه " على بابه ~~من الظرفية. وقيل: هي بمعنى " على ". قاله الواحدي، كقوله تعالى: # ولأصلبنكم في جذوع النخل # [طه: 71]. ولا حاجة إليه. # وقدره الزمخشري متعلقا بحال محذوفة تقديرها: صاعدين فيه. ومفعول ~~" يستمعون " محذوف فقدره الزمخشري يستمعون ما يوحى إلى الملائكة من ~~علم الغيب. وقدره غيره يستمعون الخبر بصحة ما يدعون من أنه شاعر، وأن ~~لله شركاء. # والظاهر أنه لا يقدر له مفعول بل المعنى يوقعون الاستماع أي هل لهم قوة ~~الاستماع من السماء حتى يعلموا أنه ليس برسول. ms8097 # قوله: " فليأت مستمعهم " إن ادعوا ذلك " بسلطان مبين " ~~أي حجة وبينة. # فإن قيل كيف قال: " فليأت مستمعهم " ولم يقل: فليأتوا ~~كما قال تعالى: # فليأتوا بحديث مثله # [الطور: 34]؟ # فالجواب: أنه طلب منهم الأهون على تقدير صدقهم ليكون امتناعه عليهم ~~أدل على بطلان قولهم، وقال هناك: فليأتوا أي اجتمعوا عليه ~~وتعاونوا وأتوا بمثله، فإن ذلك عند الاجتماع أهون وأما الارتقاء في ~~السلم بالاجتماع فمتعذر، لأنه يرتقي واحد بعد واحد فلا يحصل في الدرجة ~~العليا إلا واحد فقال: فليأت ذلك الواحد بما سمعه. وفيه لطيفة ~~وهي أنه لو طلب منهم ما سمعوه لكان الواحد أن يفتري ويقول: سمعت كذا ~~فقال: لا بل الواجب أن يأتي بدليل يدل عليه. # قوله: { أم له البنات ولكم البنون } وهذا إنكار عليهم ~~حين جعلوا لله ما يكرهون كقوله تعالى: # فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون # [الصافات: 149]. # { أم تسألهم أجرا } جعلا على ما جئتهم به ودعوتهم إليه { ~~فهم من مغرم مثقلون } أي أثقلهم ذلك المغرم الذي ~~يسألهم، فيمنعهم ذلك عن الإسلام. # فإن قيل: ما الفائدة في سؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: ~~أم تسألهم ولم يقل: أم تسألون أجرا كما قال تعالى: { ~~أم يقولون } { أم يريدون كيدا } إلى غير ذلك؟ # فالجواب: أن فيه فائدتين: # إحداهما: تسلية قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنهم امتنعوا عن ~~الاستماع صعب على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له ربه: أنت ~~أتيت بما عليك فلا يضيق صدرك حيث لم يؤمنوا، فأنت غير ملزم، ~~وإنما كنت تلام إن كنت طلبت منهم أجرا فهل طلبت ذلك فأثقلتهم ~~فلا حرج عليك إذن. # الثانية: لو قال: أم تسألون ففي طلب الأجر مطلقا وليس كذلك ~~لأنهم كانوا مشركين مطالبين بالأجر من رؤسائهم وأما النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال: أنت لا تسألهم أجرا فهم لا يتبعونك وغيرهم ~~يسألهم وهم يسألون ويتبعون السائلين هذا غاية الضلال. # قوله: { أم عندهم الغيب } أي علم ما غاب عنهم حتى علموا أن ما ~~يخبرهم من أمر القيامة والبعث باطل. قال قتادة: هذا ms8098 جواب لقوله: { ~~نتربص به ريب المنون } يقول: أعندهم الغيب حتى علموا أن ~~محمدا يموت قبلهم فهم يكتبون. # قال ابن الخطيب: وهذا ضعيف لبعد ذكره، أو لأن قوله تعالى: { قل ~~تربصوا } متصل به وذلك يمنع اتصال هذا بذاك. # قال القتيبي: أي يحكمون والكتاب الحكم قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - للرجلين اللذين تخاصما إليه: أقضي بينكما بكتاب الله أي ~~بحكم الله. # وقال ابن عباس - ( رضي الله عنهما ) - معناه: أم عندهم اللوح ~~المحفوظ فهم يكتبون ما فيه ويخبرون الناس به. # والألف واللام في { الغيب } لا للعهد ولا لتعريف الجنس بل المراد ~~نوع الغيب، كما تقول: اشتر اللحم تريد بيان الحقيقة لا كل لحم ~~ولا لحما معينا. # قوله { أم يريدون كيدا } أي مكرا بك { فالذين كفروا ~~هم المكيدون } أي المخزيون بكيدهم، أي إن ضرر ذلك ~~يعود عليهم ويحيق مكرهم بهم لأنهم مكروا به في دار الندوة فقتلوا ~~يوم بدر. # فصل # وجه التعلق إذا قيل بأن قوله: { أم عندهم الغيب } متصل بقوله ~~تعالى: { نتربص به ريب المنون } فالمعنى أنهم لما قالوا: ~~نتربص به ريب المنون قيل لهم: أتعلمون الغيب فتعلمون أنه يموت قبلكم أم ~~تريدون كيدا فتقولون نقتله فيموت فقيل لهم: إن كنتم تدعون الغيب ~~فأنتم كاذبون وإن كنتم تظنون أنكم تقدرون عليه فأنتم غالطون فإن ~~الله يصونه وينصره عليكم. # وإن قيل بأن المراد أنه عليه الصلاة والسلام لا يسألكم عن الهداية مالا ~~وأنتم لا تعلمون ما جاء به لكونه من الغيوب ففي المراد بقوله: { أم ~~يريدون كيدا } وجهان: # الأول: أن المعنى أم يريدون أي من الشيطان فكأنه تعالى قال: أنت لا ~~تسألهم أجرا وهم لا يعلمون الغيب فهم محتاجون إليك وأعرضوا فقد ~~اختاروا كيد الشيطان، وارتضوا بإزاغته. # والإرادة بمعنى الاختيار كقوله تعالى: # من كان يريد حرث الآخرة # [الشورى: 20] وقوله: # أإفكا آلهة دون الله تريدون # [الصافات: 86] وقوله: # إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك # [المائدة: 29]. # الثاني: أن المراد أم يريدون كيدا، فهو واصل إليهم وهم عن قريب مكيدون ~~والمعنى أنه لم يبق لهم حجة في ms8099 الإعراض فهم يريدون نزول العذاب والله ~~أرسل إليهم رسولا لا يسألهم أجرا ويهديهم إلى ما لا علم لهم به ~~ولا كتاب عندهم وهم معرضون فهم يريدون إذن أن يهلكهم ويكيدهم، لأن ~~الاستدراج كيد، والإملاء لازدياد الإثم كذلك ولا يقال: هذا فاسد، لأن ~~الكيد والإساءة لا تطلق على فعل الله تعالى إلا بطريق المقابلة وكذلك ~~المكر فلا يقال: أساء الله إلى الكافر ولا اعتدى الله إلا إذا ذكر ~~أولا منهم شيء من ذلك، ثم يقال بعده مثله لفظا في حق الله تعالى، كقوله ~~تعالى: # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40]، # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما ~~اعتدى عليكم # [البقرة: 194] # ومكروا ومكر الله # [آل عمران: 54] # يكيدون كيدا وأكيد كيدا # [الطارق: 15 - 16]؛ لأنا نقول: الكيد (ما) يسوء من نزل به، وإن ~~حسن ممن وجد منه كقول إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - # لأكيدن أصنامكم # [الأنبياء: 57] من غير مقابلة. ونكر الكيد، إشارة إلى وقوع العذاب من ~~حيث لا يشعرون، فكأنه قال: يأتيهم بغتة ولا يكون لهم علم بعظمه. # قوله: " فالذين كفروا " هذا من وقوع الظاهر موقع المضمر تنبيها ~~على اتصافهم بهذه الصفة القبيحة، والأصل أم يريدون كيدا فهم ~~المكيدون، أو حكم على جنس هم نوع منه فيندرجون اندراجا أوليا ~~لتوغلهم في هذه الصفة. # قوله: { أم لهم إله غير الله } يرزقهم وينصرهم { ~~سبحان الله عما يشركون }. # قال الخليل: ما في هذه السورة من ذكر " أم " كلمة استفهام وليس بعطف. # فصل # قال أهل اللغة: " سبحان الله " اسم علم على التسبيح، و " ~~ما " في قوله " عما يشركون " يحتمل أن تكون مصدرية أي عن ~~إشراكهم، ويحتمل أن تكون خبرية أي عن الذين يشركون. وعلى هذا يحتمل أن ~~يكون عن الولد لأنهم كانوا يقولون: له البنات فقال: " سبحان ~~الله عن البنات والبنين ". ويحتمل أن يكون عن مثل الآلهة أي سبحانه ~~الله عن مثل ما يعبدونه. # قوله تعالى: { وإن يروا كسفا من السمآء ساقطا } " ~~إن " هذه شرطية على بابها. وقيل: هي بمعنى " لو ". وليس بشيء. # وقوله: " سحاب " خبر مبتدأ مضمر أي هذا ms8100 سحاب، والجملة نصب ~~بالقول. # فصل # لما بين فساد أقوالهم وسقوطها أشار إلى أنه لم يبق لهم عذر، فإن ~~الآيات والحجج قد ظهرت ولم يؤمنوا فبعد ذلك { وإن يروا كسفا } ~~أي قطعة { من السمآء ساقطا يقولوا سحاب } أي ينكرون ~~كونه آية. ومعنى الآية لو عذبناهم بسقوط بعض من السماء عليهم لم ~~ينتهوا عن كفرهم ويقولوا لمعاندتهم: هذا سحاب مركوم أي بعضه ~~على بعض. # قوله: " ساقطا " يحتمل أن يكون مفعولا ثانيا كقولك: رأيت زيدا ~~عالما، وأن يكون حالا كقولك: ضربته قائما. # والثاني أولى؛ لأن الرؤية عند التعدي إلى مفعولين في أكثر الأمر تكون ~~بمعنى العلم، تقول: رأيت هذا المذهب صحيحا وهذا الوجه ~~ظاهرا وعند التعدي إلى واحد تكون بمعنى " رأي العين " في الأكثر، تقول: ~~رأيت زيدا؛ قال تعالى: # فلما رأوا بأسنا # [غافر: 84] وقال: # فإما ترين من البشر أحدا # [مريم: 26]. # والمراد من الآية رؤية العين. # فصل # قولهم: " سحاب مركوم " إشارة إلى أنهم حين يعجزون عن التكذيب ولا ~~يمكنهم أن يعقلوا وقوع شيء على الأرض يرجعون إلى التأويل والتخييل، ~~وقالوا: سحاب ولم يقولوا: هذا سحاب إشارة إلى وضوح الأمر وظهور ~~العناد فأتوا بما لا شك فيه. وقالوا: " سحاب مركوم " وحذفوا المبتدأ ~~ليبقى للقائل فيه مجال فيقولون عند تكذيب الخلق إياهم: قلنا سحاب ~~مركوم شبهة أو مثلة. وإن مشى الأمر على عوامهم استمروا. وهذه طريق ~~من يخاف من كلام لا يعلم هل يقبل منه أم لا فيجعل كلامه ذا وجهين. ~~فإن رأى القبول صرح بمراده، وإن أنكر عليه أحدهما فسره بالآخر. ### || [52.45-49] # قوله: { فذرهم حتى يلاقوا يومهم } " يومهم " مفعول به ~~لا ظرف. وقرأ أبو حيوة: يلقوا مضارع لقي ويضعف أن يكون المفعول ~~محذوفا و " يومهم " ظرف أي يلاقوا أو يلقوا جزاء أعمالهم في ~~يومهم. # فصل # قوله: " فذرهم " كقوله: # فأعرض عنهم # [الأنعام: 68]، # وتول عنهم # [الصافات: 178] إلى غير ذلك. فقيل: كلها منسوخة بآيات القتال. وهو ضعيف. ~~وإنما المراد التهديد كقول السيد لعبده الجاني لمن ينصحه: دعه فإنه ~~سينال جنايته. # قوله: { الذي فيه يصعقون } قرأ ابن عامر وعاصم ms8101 بضم ياء ~~يصعقون مبنيا للمجهول. وباقي السبعة بفتحها مبنيا للفاعل. وقرأ أبو عبد ~~الرحمن: بضم الياء وكسر العين. # فأما الأولى: فيحتمل أن تكون من صعق فهو مصعوق مبنيا للمفعول. ~~وهو ثلاثي حكاه الأخفش، فيكون مثل سعدوا وأن يكون من أصعق ~~رباعيا، يقال: أصعق فهو مصعق. قاله الفارسي. والمعنى أن ~~غيرهم أصعقهم. # وقراءة السلمي تؤذن أن أفعل بمعنى فعل. ومعنى يصعقون أي يموتون أي ~~حتى يعاينوا الموت. # وقوله: { يوم لا يغني عنهم كيدهم } يوم بدل من " ~~يومهم ". # وقيل: ظرف " يلاقوا ". # فإن قيل: يلزم منه أن يكون اليوم في يوم فيكون اليوم ظرف اليوم؟ # فالجواب: هو على حد قولك: يأتي يوم قتل فلان يوم تبين ~~جرائمه. قاله ابن الخطيب. وقوله { ولا هم ينصرون } أي لا ~~ينفعهم كيدهم يوم الموت ولا يمنعهم من العذاب مانع. # قوله: { وإن للذين ظلموا } يجوز أن يكون من إتباع الظاهر ~~موقع المضمر وأن لا يكون كما تقدم. والمعنى وإن للذين ظلموا أي كفروا { ~~عذابا دون ذلك } أي عذابا في الدنيا قبل عذاب الآخرة. قال ابن ~~عباس - (رضي الله عنهما) - يعني القتل يوم بدر. # وقال الضحاك: هو الجوع والقحط سبع سنين. وقال البراء بن عازب: عذاب ~~القبر. # { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أن العذاب نازل بهم. # والمراد بالظلم هنا هو كيدهم نبيهم - عليه الصلاة والسلام - وهم أهل ~~مكة. وقيل: ظلموا بعبادة غير الله فيكون عاما في كل ظالم. والإشارة ~~بقوله: " ذلك " إلى اليوم الذي فيه يصعقون. # ومقعول " يعلمون " يجوز أن يكون ما تقدم، ويجوز أن يكون لا مفعول له ~~أي أكثرهم غافلون جاهلون. # قوله تعالى { واصبر لحكم ربك }. أي إلى أن يقع بهم العذاب ~~الذي حكمت عليهم " فإنك بأعيننا " قراءة العامة بالفك، وأبو ~~السمال بإدغام النون فيما بعدها. وناسب جمع الضمير هنا جمع العين ألا ~~تراه أفرد حيث أفردها في قوله: # ولتصنع على عيني # [طه: 39]. قاله الزمخشري. والمعنى: فإنك بمرأى منا. # قال ابن عباس: نرى ما يعمل بك. وقال الزجاج: إنك بحيث نراك ونحفظك ~~فلا يصلون إلى مكروهك. # قال ابن ms8102 الخطيب: اللام في قوله " لحكم ربك " تحتمل وجوها: # أحدها: هي بمعنى " إلى " أي اصبر إلى أن يحكم الله. # الثاني: أن الصبر فيه معنى الثبات أي تثبت لحكم ربك واحتمله. # الثالث: هي اللام التي للسبب، يقال: لم خرجت؟ فتقول: لحكم فلان علي ~~بالخروج، فقال: فاصبر واجعل سبب الصبر امتثال الأمر، أي فاصبر لهذا ~~الحكم عليك لا لشيء آخر. # قوله: { وسبح بحمد ربك } تقدم الكلام على نظيره وقوله: " ~~حين تقوم " قال سعيد بن جبير وعطاء: أي قل حين تقوم من مجلسك: ~~سبحانك اللهم وبحمدك، فإن كان المجلس خيرا ازددت إحسانا وإن كان ~~غير ذلك كان كفارة له. # وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # " من جلس مجلسا وكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم: ~~سبحانك الله وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ~~أستغفرك وأتوب إليك إلا كان كفارة لما ~~بينهما " # وقال ابن عباس (- رضي الله عنهما -): معناه: صل لله حين تقوم من ~~مقامك. وقال الضحاك والربيع: إذا قمت إلى الصلاة فقل: سبحانك اللهم ~~وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك. وقال الكلبي: هو ذكر ~~الله باللسان " حين تقوم " من الفراش إلى أن تدخل في الصلاة، لما ~~روى عاصم بن حميد قال: # " سألت عائشة بأي شيء كان يفتتح رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قيام الليل؟ فقالت: كان إذا قام كبر عشرا، وحمد الله ~~عشرا وهلل عشرا واستغفر عشرا وقال: اللهم اغفر لي ~~واهدني وارزقني وعافني ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة " # وقيل: حين تقوم لأمر ما ولا سيما إذا كنت تنتصب لمجاهدة قومك ~~ومعاداتهم والدعاء عليهم " فسبح بحمد ربك " وبدل قيامك بالمناداة، ~~وانتصابك للانتقام بقيامك بذكر الله وتسبيحه. # قوله: { ومن الليل فسبحه } أي صل له، قال مقاتل: حتى ~~صلاة المغرب والعشاء " وإدبار النجوم " يعني الركعتين قبل صلاة ~~الفجر وذلك حين تدبر النجوم أي تغيب بضوء الصبح. # هذا قول أكثر المفسرين. وقال الضحاك: هي فريضة صلاة الصبح. # قوله: " وإدبار النجوم " العامة على كسر الهمزة مصدرا، بخلاف ~~التي ms8103 في آخر " ق " كما تقدم، فإن الفتح هناك لائق لأنه يراد به الجمع ~~لدبر السجود أي أعقابه. # على أنه قرأ سالم الجعدي ويعقوب، والمنهال بن عمرو بفتحها هنا؛ ~~أي أعقاب النجوم وآثارها إذا غربت. # فصل # هذه الآية نظير قوله: # فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون # [الروم: 17] وقد تقدم الكلام عليها. # قال ابن الخطيب: قال ههنا: " وإدبار النجوم " وقال في " ق " " وأدبار ~~السجود " فيحتمل أن يكون المعنى واحدا، والمراد من السجود جمع ~~ساجد، والنجوم سجود قال تعالى: # والنجم والشجر يسجدان # [الرحمن: 6]. # وقيل: المراد من النجوم نجوم السماء. وقيل: النجم: ما لا ساق له من ~~النبات قال تعالى: # ولله يسجد من في السماوات والأرض.... # [الرعد: 15]. والمراد من النجوم الوظائف وكل وظيفة نجم في اللغة إذا ~~فرغت من وظائف الصلاة فقل: سبحان الله كما تقدم. # روى أبي بن كعب - (رضي الله عنه وأرضاه) - قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: # " من قرأ سورة " والطور " كان حقا على الله - عز ~~وجل - أن يؤمنه من عذاب القبر وأن يدخله ~~بنعمته في جنته ". # (والله - سبحانه وتعالى -) أعلم. ### | [53 - سورة النجم] ### || [53.1-12] # قوله تعالى: { والنجم إذا هوى } قال ابن عباس (رضي الله ~~عنهما) في رواية الوالبي العوفي يعني الثريا إذا سقطت ~~وغابت. وهويه مغيبه. والعرب تسمي " الثريا " نجما قال ~~قائلهم: # 4538- إذا طلع النجم عشاءا # ابتغى الراعي كساءا # وجاء في الحديث عن أبي هريرة مرفوعا: ما طلع النجم قط وفي ~~الأرض من العاهة شيء إلا رفع. # وأراد بالنجم الثريا. قال شهاب الدين: وهذا هو الصحيح لأن هذا صار علما ~~بالغلبة ومنه قول العرب: # 4539- طلع النجم غديه # فابتغى الراعي كسيه # وقال عمر بن أبي ربيعة: # 4540- أحسن النجم في السماء الثريا # والثريا في الأرض زين النساء # يقال: إنها سبعة أنجم ستة منها ظاهرة وواحد خفي يمتحن الناس به ~~أبصارهم. وروى القاضي عياض في " الشفا " أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يرى الثريا أحد عشر نجما. وقال مجاهد: هي نجوم السماء كلها ~~حين تغرب. لفظه واحد ومعناه الجمع. سمي ms8104 الكوكب نجما لطلوعه، وكل طالع ~~نجم، يقال: نجم السن والقرن والنبت إذا طلع. وروى عكرمة ~~عن ابن عباس - (رضي الله عنهما) - أنها ما يرمى به الشياطين عند استراقهم ~~السمع. وقال أبو حمزة الثمالي: هي النجوم إذا استترت يوم ~~القيامة. وقيل المراد بالنجم هنا الجنس. # قال الشاعر - (رحمة الله عليه -): # 4541- فباتت تعد النجم في مستحيرة # سريع بأيدي الآكلين جمودها # أي تعد النجوم. وهذا هو معنى قول مجاهد المتقدم. وقيل: المراد ~~بالنجم الشعرى؛ لقوله: # وأنه هو رب الشعرى # [النجم: 49]. وقيل: الزهرة؛ لأنها كانت تعبد. وقيل: أراد بالنجم ~~القرآن، لأنه نزل نجوما متفرقا في عشرين سنة. وسمي التفريق تنجيما ~~والمفرق منجما. قاله الكلبي ورواه عطاء عن ابن عباس. والهوي النزول من ~~أعلى إلى أسفل. وقال الأخفش: النجم هو النبت الذي لا ساق له ومنه قوله - ~~عز وجل - # والنجم والشجر يسجدان # [الرحمن: 6]. وهويه سقوطه على الأرض. وقال جعفر الصادق: يعني ~~محمدا - صلى الله عليه وسلم - إذ نزل من السماء ليلة المعراج. والهوي ~~النزول، يقال هوى يهوي هويا. والكلام في قوله: " والنجم " ~~كالكلام في قوله: " والطور " حيث لم يقل: والنجوم ولا الأطوار ~~وقال: # والذاريات # [الذاريات: 1] # والمرسلات # [المرسلات: 1] كما تقدم. # فصل # السور التي تقدمت وافتتاحها بالقسم بالأشياء دون الحروف هي " ~~الصافات " ، و " الذاريات " و " الطور " وهذه السورة بعدها ~~فالأولى أن يقسم لإثبات الوحدانية كما قال: # إن إلهكم لواحد # [الصافات: 4] وفي الثانية أقسم لوقوع الحشر والجزاء كما قال تعالى: # إنما توعدون لصادق وإن الدين لواقع # [الذاريات: 5 و 6] وفي الثالثة لدوام العذاب بعد وقوعه كما قال تعالى: # إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع # [الطور: 7 و 8] وفي هذه أقسم لإثبات النبوة لتكمل الأصول الثلاثة ~~الوحدانية، والحشر، والنبوة. # واعلم أنه تعالى لم يقسم على الوحدانية ولا على النبوة كثيرا، لأنه ~~أقسم على الوحدانية في سورة واحدة وهي " والصافات " ، وأما النبوة ~~فأقسم عليها بأمر واحد في هذه السورة وبأمرين في سورة (والضحى) وأكثر ~~من القسم على الحشر وما يتعلق به فقال: # والليل إذا يغشى # [الليل: 1] # والشمس وضحاها ms8105 # [الشمس: 1] # والسمآء ذات البروج # [البروج: 1] إلى غير ذلك وكلها في الحشر أو ما يتعلق به، وذلك لأن دلائل ~~الوحدانية كثيرة كلها عقلية كما قيل: # 4542- وفي كل شيء له آية # تدل على أنه الواحد # ودلائل النبوة أيضا كثيرة وهي المعجزات المشهورة وأما الحشر ووقوعه فلا ~~يمكن إثباته إلا بالسمع فأكثر فيه القسم ليقطع بها المكلف ويعتقده ~~اعتقادا جازما. # فصل # قال ابن الخطيب: والفائدة في تقييد القسم به بوقت هويه إذا كان في وسط ~~السماء بعيدا عن الأرض لا يهتدي إليه الساري لأنه لا يعلم به ~~المشرق من المغرب ولا الجنوب من الشمال. فإذا زال عن وسط السماء ~~تبين بزواله جانب المغرب من المشرق والجنوب عن الشمال. وخص الهوي دون ~~الطلوع لعموم الاهتداء به في الدين والدنيا كما قال الخليل - عليه الصلاة ~~والسلام - # لا أحب الآفلين # [الأنعام: 76]. وفيه لطيفة وهي أن القسم بالنجم يقتضي تعظيمه وقد كان ~~منهم من يعبده فنبه بهويه على عدم صلاحيته للإلهية بأفوله. # فصل # أول هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها لفظا ومعنى، أما لفظا فقوله: " ~~وإدبار النجوم " وافتتح هذه بالنجم مع واو القسم، وأما معنى ~~فلأنه تعالى لما قال لنبيه: # ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم # [الطور: 49] بين له أنه (جزأه في أجزاء مكابدة النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بالنجم) وبعده (عما لا يجوز له) فقال: { ما ضل صاحبكم ~~وما غوى }. # قوله: " إذا هوى " في العامل في هذا الظرف أوجه وعلى كل منها ~~إشكال. # أحدها: أنه منصوب بفعل القسم المحذوف تقديره: أقسم بالنجم وقت ~~هويه. قاله أبو البقاء. وهو مشكل؛ فإن فعل القسم إنشاء والإنشاء حال و ~~" إذا " لما يستقبل من الزمان فكيف يتلاقيان؟!. # الثاني: أن العامل فيه مقدر على أنه حال من (النجم) أقسم به حال ~~كونه مستقرا في زمان هويه. وهو مشكل من وجهين: # أحدهما: أن النجم جثة والزمان لا يكون حالا كما لا يكون خبرا. # والثاني: أن (إذا) للمستقبل فيكف يكون حالا؟!. # وقد أجيب عن الأول بأن المراد بالنجم القطعة من القرآن والقرآن قد نزل ms8106 ~~منجما في عشرين سنة. وهذا تفسير عن ابن عباس وعن غيره. # وعن الثاني بأنها حال مقدرة. # الثالث: أن العامل فيه نفس النجم إذا أريد به القرآن. # قاله أبو البقاء. وفيه نظر؛ لأن القرآن لا يعمل في الظرف إذا أريد ~~أنه اسم لهذا الكتاب المخصوص. وقد يقال: إن النجم بمعنى المنجم ~~كأنه قيل والقرآن المنجم في هذا الوقت. # وهذا البحث وارد في مواضع منها: # والشمس وضحاها # وما بعده [الشمس: 1 - 5] وقوله: # والليل إذا يغشى # [الليل: 1] # والضحى والليل إذا سجى # [الضحى: 1 و 2] وسيأتي في الشمس بحث أخص من هذا إن شاء الله ~~تعالى. والهوي قال الراغب: سقوط من علو ثم قال: " والهوي ~~ذهاب في انحدار والهوي ذهاب في ارتفاع " ، وأنشد: # 4543-......................... # يهوي مخارمها هوي الأجدل # وقيل: هوى في اللغة خرق الهواء، ومقصده السفل أو مصيره إليه وإن لم ~~يقصده قال - ( رحمة الله عليه -): # 4544-......................... # هوي الدلو أسلمها الرشاء # وقال أهل اللغة: هوى يهوي هويا أي سقط من علو، وهوي ~~يهوى هوى أي صبا. وقد تقدم الكلام في هذا مشبعا. # قوله: { ما ضل صاحبكم } هذا جواب القسم، والمعنى: ما ضل صاحبكم ~~يعني محمدا - صلى الله عليه وسلم - ما ضل عن طريق الهدى " وما غوى " ~~ذهب أكثر المفسرين إلى أن الضلال والغي بمعنى واحد. وفرق بعضهم بينهما ~~قال: الضلال في مقابلة الهدى والغي في مقابلة الرشد، قال تعالى: # وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن ~~يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا # [الأعراف: 146] وقال تعالى: # قد تبين الرشد من الغي # [البقرة: 256]. # قال ابن الخطيب: وتحقيق القول فيه أن الضلال أعم استعمالا في الوضع، ~~تقول: ضل بعيري ورحلي ولا تقول غي؛ فالمراد من الضلال أن لا ~~يجد السالك إلى مقصده طريقا أصلا، والغواية أن لا يكون له طريق إلى ~~القصد مسقيم، ومما يدل على هذا قولك للمؤمن الذي ليس على طريق السداد: ~~إنه سفيه غير رشيد ولا تقول: إنه ضال فالضال كالكافر والغاوي ~~كالفاسق كأنه تعالى قال: ما ضل أي ما كفر ولا أقل من ذلك فما ms8107 فسق أو ~~يقال: الضلال كالعدم والغواية كالوجود الفاسد في الدرجة والمرتبة. # قال: ويحتمل أن يكون المراد معنى قوله " ما ضل " أي ما جن فإن ~~المجنون ضال وعلى هذا فهو كقوله: # والقلم وما يسطرون مآ أنت بنعمة ربك ~~بمجنون # [القلم: 1 و 2]. ومعنى صاحبكم إما سيدكم أو وصاحبكم (ما غوى) أي ما ~~تكلم بالباطل. وقيل: ما خاب والغي الخيبة. # قوله: { وما ينطق عن الهوى } أي ما يصدر عن الهوى نطقه ~~(فعن) على بابها. وقيل: بمعنى الباء، أي ما ينطق بالهوى يريد لا يتكلم ~~بالباطل، وذلك أنهم قالوا: إن محمدا يقول القرآن من تلقاء ~~نفسه. # وفي فاعل (ينطق) وجهان: # أحدهما: هو ضمير النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو الظاهر. # والثاني: أنه ضمير القرآن كقوله تعالى: # هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق # [الجاثية: 29]. # واعلم أن في قوله تعالى: { ما ضل صاحبكم وما غوى } بصيغة ~~الماضي وفي قوله: " وما ينطق " بصيغة المستقبل ترتيب في غاية الحسن ~~أي ما ضل حين اعتزلكم وما تبعدون في صغره " وما غوى " حين اختلى ~~بنفسه ورأى في منامه ما رأى وما ينطق عن الهوى الآن يحث أرسل إليكم ~~وجعل رسولا شاهدا عليكم فلم يكن أولا ضالا ولا غاويا وصار الآن ~~منقذا من الضلالة مرشدا وهاديا. # قوله تعالى: { إن هو إلا وحي يوحى } إن هو أي إن الذي ينطق ~~به. وقيل: إن القرآن إلا وحي من الله. وقوله: " يوحى " صفة لوحي. ~~وفائدة المجيء بهذا الوصف أنه ينفي المجاز أي هو وحي حقيقة لا بمجرد ~~تسمية كقولك: هذا قول يقال. وقيل: تقديره يوحى إليه. ففيه ~~مزيد فائدة. # نقل القرطبي عن السجستاني أنه قال: إن شئت أبدلت { إن ~~هو إلا وحي يوحى } من { ما ضل صاحبكم }. قال ابن ~~الأنباري: وهذا غلط، لأن " إن " الحقيقية لا تكون مبدلة من " ما "؛ ~~بدليل أنك لا تقول والله ما قمت إن أنا لقاعد. # فصل # والوحي قد يكون اسما ومعناه الكتاب، وقد يكون مصدرا وله معان منها ~~الإرسال والإلهام والكتابة والكلام والإشارة والإفهام، وهذه الآية تدل ~~على أنه ms8108 عليه الصلاة والسلام لم يجتهد، وهو خلاف الظاهر فإنه اجتهد ~~في الحروب وأيضا حرم في قوله تعالى: # لم تحرم # [التحريم: 1] وأذن قال تعالى: # عفا الله عنك لم أذنت لهم # [التوبة: 43]. قوله " علمه " يجوز أن تكون هذه الهاء للرسول وهو ~~الظاهر فيكون المفعول الثاني محذوفا أي علم الرسول الوحي أي ~~الموحى، ويجوز أن يكون للقرآن والوحي فيكون المفعول الأول محذوفا أي ~~علمه الرسول، والوحي إن كان هو الكتاب فظاهر وإن كان الإلهام فهو كقوله ~~تعالى: # نزل به الروح الأمين على قلبك # [الشعراء: 193 و 194]. # وقوله: " شديد القوى " قيل: هو جبريل: وهو الظاهر. وقيل: الباري ~~تعالى لقوله: # الرحمن علم القرآن # [الرحمن: 1 و 2] و " شديد القوى " من إضافة الصفة المشبهة لمرفوعها ~~فهي غير حقيقية. والقوى جمع القوة. # قوله: " ذو مرة " المرة القوة والشدة. ومنه: أمررت الحبل أي ~~أحكمت فتله. والمرير: الحبل، وكذلك الممر كأنه كرر ~~فتله مرة بعد أخرى. # وقال قطرب - (رحمه الله) -: " العرب تقول لكل جزل الرأي حصيف ~~العقل: ذو مرة " وأنشد - (رحمه الله) -: # 4545- وإني لذو مرة مرة # إذا ركبت خالة خالها # وقال: # 4546- قد كنت قبل لقائكم ذو مرة # عندي لكل مخاصم ميزانه # وقال الجوهري: والمرة أحد الطبائع الأربع. والمرة: القوة وشدة العقل ~~أيضا. ورجل مرير أي قريب ذو مرة قال: # 4547- ترى الرجل النحيف فتزدريه # وحشو ثيابه أسد مرير # وقال لقيط: # 4548- حتى استمرت على شزر مريرته # مر العزيمة لا رتا ولا ضرعا # فصل # ذو مرة ذو قوة وشدة في خلقه يعني جبريل قال ابن عباس: ذو مرة أي ذو ~~منظر حسن. وقال مقاتل: وقيل: ذو كمال في العقل والدين ذو خلق طويل حسن. ~~وقيل: ذو كمال في العقل والدين جميعا. وقيل: ذو منظر وهيئة عظيمة. فإن ~~قيل: قد تبين كونه ذا قوة بقوله: " شديد القوى " فكيف قال بعده: ذو ~~مرة إذا فسرنا المرة بالقوة؟!. # قال ابن الخطيب: وقوله هنا: ذو قوة بدل من " شديد القوى " وليس ~~وصفا له تقديره: ذو قوة عظيمة. ووجه آخر وهو أن إفراد " قوى " بالذكر ~~ربما يكون ms8109 لبيان أن قواه المشهورة شديدة وله قوة أخرى خصه الله بها، ~~يقال فلان كثير المال وله مال لا يعرفه أحد أي أمواله الظاهرة كثيرة ~~وله مال باطن. ثم قال: على أنا نقول: المراد ذو شدة وهي غير القوة ~~وتقديره علمه من قواه شديدة وفي ذاته أيضا شدة فإن الإنسان ربما ~~تكون قواه شديدة وفي جسمه حقارة. ويحتمل أن يكون المراد بقوله: " شديد ~~القوى " قوته في العلم وبقوله: " ذو مرة " أي شدة في جسمه فقدم ~~العلمية على الجسمية كقوله تعالى: # وزاده بسطة في العلم والجسم # [البقرة: 247]. # وقوله: " فاستوى " يعني جبريل في خلقه. قال مكي: استوى يقع ~~للواحد وأكثر ما يقع من اثنين ولذلك جعل الفراء الضمير لاثنين. # قوله: { وهو بالأفق الأعلى } في الضمير وجهان: # أظهرهما: أنه مبتدأ و " بالأفق " خبره. والضمير لجبريل أو للنبي - ~~صلى الله عليه وسلم -. ثم في هذه الجملة وجهان: # أحدهما: أن هذه الجملة حال من فاعل " استوى ". قاله مكي. # والثاني: أنها مستأنفة. أخبر الله تعالى بذلك. # والثالث: أن " وهو " معطوف على الضمير المستتر في " استوى " وضمير ~~" استوى " و " هو " إما أن يكونا لله تعالى. وهو قول الحسن. وقيل: ~~ضمير استوى لجبريل و " هو " لمحمد - صلى الله عليه وسلم -. قال البغوي ~~في توجيه هذا القول: أكثر كلام العرب إذا أرادوا العطف في مثل هذا أن ~~يظهروا كناية المعطوف فيه فيقولون: استوى هو وفلان وقل ما ~~يقولون: استوى وفلان. ونظير هذا قوله عز وجل: # أإذا كنا ترابا وآبآؤنآ # [النمل: 67] عطف " الآباء " على المكني في " كنا " من غير إظهار " ~~نحن ". ومعنى الآية استوى جبريل ومحمد - عليهما الصلاة والسلام - ليلة ~~المعراج " بالأفق الأعلى " ، وهو أقصى الدنيا عند مطلع الشمس. # وقيل: ضمير " استوى " لمحمد و " هو " لجبريل. # وهذا الوجه الثاني يتمشى على قول الكوفيين لأن فيه العطف على الضمير ~~المرفوع المتصل من غير تأكيد، ولا فاصل. وهذا الوجه منقول عن الفراء ~~والطبري. # وإذا قيل: بأن الضميرين أعني " استوى " و " هو " لجبريل فمعناه ~~قام في صورته التي خلقه الله فيها { وهو بالأفق الأعلى ms8110 } ، وذلك أن جبريل ~~كان يأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صورة الآدميين كما كان ~~يأتي النبيين، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريه نفسه في ~~صورته التي جبل عليها فأراه نفسه مرتين مرة في الأرض ومرة في السماء ~~فأما في الأرض ففي الأفق الأعلى وهو جانب المشرق وذلك أن محمدا - صلى ~~الله عليه وسلم - كان بحراء فطلع له جبريل من المشرق فسد الأرض ~~من المغرب، فخر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مغشيا عليه ~~فنزل جبريل في صورة الآدميين فضمه إلى نفسه، وجعل يمسح التراب عن وجهه ~~وهو قوله: { ثم دنا فتدلى }. # وأما في السماء فعند سدرة المنتهى، ولم يره أحد من الأنبياء على تلك ~~الصورة إلا محمدا - صلى الله عليه وسلم -. # وقيل: معنى: " فاستوى " أي استوى القرآن في صدره. وعلى هذا فيه ~~وجهان: # أحدهما: فاستوى أي فاعتدل في قوته. # الثاني: في رسالته. نقله القرطبي عن الماوردي. قال: وعلى هذا يكون ~~تمام الكلام ذو مرة، وعلى الثاني شديد القوى. # وقيل: استوى أي ارتفع. وفيه على هذا وجهان: # أحدهما: أنه جبريل - عليه الصلاة والسلام - أي ارتفع إلى مكانه. # الثاني: أنه النبي - عليه الصلاة والسلام - أي ارتفع بالمعراج. # وقيل: معناه استوى أي الله عز وجل استوى على العرش. قاله الحسن. # قوله: { ثم دنا فتدلى } التدلي: الامتداد من علو إلى سفل، ~~فيستعمل في القرب من العلو قاله الفراء، وابن الأعرابي. # وقال الهذلي: # 4549- تدلى علينا وهو زرق حمامة # له طحلب في منتهى القيظ هامد # وقال الشاعر: # 4550-....................... # تدلى علينا بين سب وخبطة # ويقال: هو كالقرلى إن رأى خيرا تدلى وإن لم يره تولى. # فصل # في قوله: " دنا فتدلى " وجوه: # أشهرها: أن جبريل - صلى الله عليه وسلم - دنا من النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أي بعد ما مد جناحه " وهو بالأفق " عاد إلى الصورة التي كان ~~يعتاد النزول عليها وقرب من النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى هذا ففي ~~" تدلى " وجوه: # الأول: فيه تقديم وتأخير أي تدلى من الأفق الأعلى فدنا من ms8111 النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -. # الثاني: أن الدنو والتدلي بمعنى واحد فكأنه قال: دنا ~~فقرب. # وذهب الفراء إلى أن الفاء في قوله: (ف) تدلى بمعنى الواو، والتقدير: ~~ثم تدلى جبريل - عليه الصلاة والسلام - ودنا ولكنه جائز إذا كان معنى ~~الفعلين واحدا قدمت أيهما شئت، فقلت: فدنا فقرب، وقرب فدنا، ~~وشتمني فأساء، وأساء فشتمني؛ لأن الإساءة والشتم شيء واحد وكذلك ~~قوله: # اقتربت الساعة وانشق القمر # [القمر: 1] أي انشق القمر واقتربت الساعة. # الثالث: دنا أي قصد القرب من محمد - عليه الصلاة والسلام - وتحول عن ~~المكان الذي كان فيه فتدلى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. # الوجه الثاني: أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - دنا من الخلق والأمة ~~ولان لهم وصار كواحد منهم فتدلى أي تدلى إليهم بالقول اللين والدعاء ~~بالرفق فقال: # قل إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى إلي # [الكهف: 110]. # الوجه الثالث: دنا منه ربه فقرب منه منزلته كقوله - عليه الصلاة ~~والسلام - حكاية عن ربه تعالى: # " من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، ومن ~~تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ومن مشى ~~إلي أتيته هرولة " # وهذا إشارة إلى المنع المجازي. # قوله: " فكان قاب " ها هنا مضافان محذوفان يضطر لتقديرهما أي ~~فكان مقدار مسافة قربه منه مقدار مسافة قاب. # وقد فعل أبو علي هذا في قول الشاعر: # 4551-....................... # وقد جعلتني من خزيمة إصبعا # أي ذا مقدار مسافة إصبع. # والقاب القدر؛ يقول: هذا قاب هذا أي قدره. ومثله القيب ~~والقاد والقيد والقيس. قال الزمخشري: وقد جاء التقدير بالقوس ~~والرمح والسوط والذراع والباع والخطوة، والشبر، والفتر، ~~والإصبع ومنه: " لا صلاة إلى أن ترتفع الشمس مقدار ~~رمحين " وفي الحديث: # " مقدار قوس أحدكم من الجنة وموضع قده خير ~~من الدنيا وما فيها " # ، والقد السوط. وألف " قاب " عن واو. نص عليه أبو البقاء. وأما ~~قيب فلا دلالة فيه على كونها ياء لأن الواو إذا انكسر ما قبلها قلبت ~~ياء كديمة وقيمة. # وذكره الراغب أيضا في مادة " قوب " إلا أنه قال في تفسيره: هو ما بين ~~المقبض والسية من القوس. فعلى ms8112 هذا يكون مقدار نصف القوس، لأن ~~المقبض في نصفه والسية هي العرضة التي يحط فيها الوتر. وفيما قاله ~~نظر لا يخفى. # ويروى عن مجاهد أنه من الوتر إلى مقبض القوس في وسطه. وقيل: إن القوس ~~ذراع يقاس به. نقل ذلك عن ابن عباس (- رضي الله عنهما -) وأنه لغة ~~للحجازيين (والشنوئيين) والقوس معروفة وهي مؤنثة وشذوا في تصغيرها ~~فقالوا: قويس من غير تأنيث كعريب وحريب ويجمع على قسي. ~~وهو مقلوب من قووس. # والقوس برج في السماء، فأما القوس - بالضم - فصومعة ~~الراهب قال الشاعر: # 4552- لاستفتنتني وذا المسحين في القوس # قوله: " أو أدنى " هي كقوله: " أو يزيدون "؛ لأن المعنى فكان ~~يأخذ هذين المقدارين في رأي الرائي أي لتقارب ما بينهما يشك الرائي في ~~ذلك. # و " أدنى " أفعل تفضيل والمفضل عليه محذوف أي أو أدنى من قاب ~~قوسين. # فصل # روى الشيباني قال: سألت زرا عن قوله تعالى: { قاب قوسين أو ~~أدنى } قال: أخبرنا عبد الله يعني ابن مسعود أن محمدا رأى جبريل له ~~ستمائة جناح. فمعنى الآية: ثم دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى من ~~الأرض فتدلى فنزل إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - فكان منه قاب ~~قوسين أو أدنى بل أدنى؛ وبهذا قال ابن عباس، والحسن، وقتادة. وقال ~~آخرون: دنا الرب من محمد - صلى الله عليه وسلم - فتدلى فقرب منه حتى ~~كان قاب قوسين أو أدنى. # قال البغوي: وروينا في قصة المعراج عن شريك بن عبد الله عن أنس: ودنا ~~الجبار رب العزة فتدلى حتى كان قاب قوسي أو أدنى. وهذه رواية ابن ~~سلمة عن ابن عباس. # وقال مجاهد: دنا جبريل من ربه. وقال الضحاك: دنا محمد من ربه. فتدلى ~~فأهوى للسجود فكان منه قاب قوسين أو أدنى. وتقدم الكلام على القاب. ~~والقوس ما يرمى به في قول مجاهد، وعكرمة، وعطاء عن ابن عباس فأخبر أنه ~~كان بين جبريل وبين محمد - عليهما الصلاة والسلام - مقدار قوسين. ~~وقال مجاهد: معناه حيث الوتر من القوس وهذا إشارة إلى تأكيد القرب، ~~والأصل فيه أن الخليفتين من ms8113 العرب كانا إذا تعاقدا على الصفاء ~~والعهد خرجا بقوسهما فألصقاه بينهما يريدان بذلك أنهما متظاهران ~~يحامي كل واحد منهما عن صاحبه. وقال عبد الله بن مسعود: قاب قوسين ~~قدر ذراعين. وهو قول سعيد بن جبير، وشقيق بن سلمة، والقوس الذراع ~~يقاس بها كل شيء " أو أدنى " بل أقرب. # وإنما ضرب المثل بالقوس لأنها لا تختلف بالقاب. # قوله: " فاوحى " أي أوحى الله وإن لم يجر له ذكر لعدم اللبس " ~~إلى عبده " محمد. وقوله " ما أوحى " أبهم تعظيما له ورفعا من ~~شأنه. وبهذه الآية استدل ابن مالك على أنه لا يشترط في الصلة أن تكون ~~معهودة عند المخاطب. # ومثله: # فغشيهم من اليم ما غشيهم # [طه: 78] إلا أن هذا الشرط هو المشهور عند النحويين. والوحي هو إلقاء ~~الشيء بسرعة ومنه: الوحاء الوحاء. # فصل # في فاعل (أوحى) الأول وجهان: # أحدهما: أن الله تعالى أوحى. وعلى هذا ففي " عبده " وجهان: # أحدهما: أنه جبريل أي أوحى الله إلى جبريل، وعلى هذا (أيضا) ففي فاعل ~~أوحى " الأخير " وجهان: # أحدهما: أنه الله تعالى أيضا. والمعنى حينئذ فأوحى الله تعالى إلى ~~جبريل الذي أوحاه (الله) أبهمه تفخيما وتعظيما للموحي. # ثانيهما: فاعل (أوحى) الثاني جبريل أي أوحى إلى جبريل ما أوحى جبريل. # وعلى هذا فالمراد من الذي أوحى جبريل - عليه (الصلاة) والسلام - يحتمل ~~وجهين: # أحدهما: أن يكون مبنيا وهو الذي أوحى جبريل إلى محمد (صلى الله عليه ~~وسلم). # وثانيهما: أن يكون عاما أي أوحى الله إلى جبريل ما أوحى إلى كل رسول. # الوجه الثاني في (عبده) على قولنا: الموحي هو الله: أنه محمد عليه ~~الصلاة والسلام أي أوحى الله إلى محمد ما أوحى إليه (للتفخيم والتعظيم. # الوجه الثاني في فاعل أوحى الأول: هو أنه جبريل أوحى إلى عبده أي عبد ~~الله يعني محمدا ما أوحى إليه) ربه عز وجل؛ قاله ابن عباس في رواية عطاء ~~والكلبي والحسن والربيع وابن زيد. وعلى هذا ففي فاعل " أوحى " الثاني ~~وجهان: # أحدهما: أنه جبريل أي أوحى جبريل إلى عبد الله ما أوحى جبريل للتفخيم. ms8114 # وثانيهما: أن يكون هو الله تعالى أي أوحى جبريل إلى محمد ما أوحى الله ~~إليه. # فصل # وفي الذي أوحى وجوه: # الأول: قال سعيد بن جبير أوحى الله إليه: # ألم يجدك يتيما فآوى # [الضحى: 6] إلى قوله: # ورفعنا لك ذكرك # [الشرح: 4]. # الثاني: أوحى إليه الصلاة. # الثالث: أن أحدا من الأنبياء لا يدخل الجنة قبلك وأن أمة من الأمم لا ~~تدخلها قبل أمتك. # الرابع: أنه مبهم لا يطلع عليه أحد وتعبدنا به على الجملة. # الخامس: أن ما للعموم والمراد كل ما جاء به جبريل. # قوله: " ما كذب " قرأ هشام وأبو جعفر بتشديد الذال والباقون ~~بتخفيفها. # فأما الأولى فإن معناها أن ما رآه محمد بعينه صدقه قلبه ولم ينكره أي ~~لم يقل: لم أعرفك و(ما) مفعول به موصولة والعائد محذوف ففاعل (رأى) ~~ضمير يعود على النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وأما قراءة التخفيف فقيل كذلك. و " كذب " يتعدى بنفسه وقيل: هو على ~~إسقاط الخافض أي فيما رآه قاله مكي وغيره فأسقط حرف الصفة، قال حسان: # 4553- لو كنت صادقة الذي حدثتني # لنجوت منجى الحارث بن هشام # أي في الذي حدثتني. # وجوز في (ما) وجهين آخرين: # أحدهما: أن يكون بمعنى الذي. # والثاني: أن تكون مصدرية ويجوز أن يكون فاعل (رأى) ضميرا يعود على ~~الفؤاد أي لم يشك قلبه فيما رآه بعينه. # فصل # قال الزمخشري معناه: أن قلبه لم يكذب وما قال إن من يراه بصرك ليس بصحيح ~~ولو قال فؤاده ذلك لكان كاذبا فيما قاله فما كذب الفؤاد. هذا على قراءة ~~التخفيف، يقال: كذبه إذا قال له الكذب. # وأما قراءة التشديد فمعناه ما قال: إن المرئي خيال لا حقيقة. # وأما الرائي فقيل: هو الفؤاد كأنه تعالى قال: ما كذب الفؤاد ما رآه ~~الفؤاد أي لم يقل: إنه هاجس شيطان بل تيقن أن ما رآه بفؤاده صدق صحيح. # وقيل: الرائي هو البصر أي ما كذب الفؤاد ما رآه البصر خيال. وقيل: ما ~~كذب الفؤاد وما رأى محمد - عليه الصلاة والسلام - وعلى هذا فالمراد ~~بالفؤاد الجنس؛ أي القلوب ms8115 شهدت بصحة ما رآه محمد - صلى الله عليه وسلم -. # وأما المرئي فقيل: هو الرب تعالى. وقيل: جبريل - عليه الصلاة والسلام ~~- وقيل: الآيات العجيبة الإلهية. فالقائل بأن المرئي جبريل - عليه ~~الصلاة والسلام - هو ابن مسعود وعائشة - رضي الله عنهما - ومن قال بأن ~~المرئي هو الله تعالى اختلفوا في معنى الرؤية، فقال بعضهم: جعل بصره في ~~فؤاده فرآه بفؤاده. وهو قول ابن عباس، قال: رآه بفؤاده مرتين { ما ~~كذب الفؤاد ما رأى } # ولقد رآه نزلة أخرى # [النجم: 13]. وقال أنس والحسن وعكرمة: رأى محمد ربه بعينيه. وروى ~~عكرمة عن ابن عباس (رضي الله عنهما) قال: " إن الله اصطفى ~~إبراهيم بالخلة، واصطفى موسى بالكلام، واصطفى محمدا ~~بالرؤية - صلى الله عليه وسلم ". وكانت عائشة - رضي الله عنها - ~~تقول: لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم - ربه. وتحمل الرؤية على رؤية ~~جبريل. وقال مسروق: قلت لعائشة: يا أمتاه هل رأى محمد ربه؟ فقالت: ~~لقد قف شعري لما قلت أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب، ~~من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب، ثم قرأت: # لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو ~~اللطيف الخبير # [الأنعام: 103] # وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ~~ورآء حجاب # [الشورى: 51] ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب ثم قرأت: # وما تدري نفس ماذا تكسب غدا # [لقمان: 34] ومن حدثك أنه كتم شيئا مما أنزل الله فقد كذب ثم ~~قرأت: # يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك ~~وإن لم تفعل فما بلغت رسالته # الآية [المائدة: 67] ولكنه رأى جبريل في صورته مرتين. وروى أبو ذر قال: # " سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هل رأيت ربك قط؟ قال: نور ~~أنى أراه ". # قوله: " أفتمارونه " قرأ الأخوان أفتمرونه بفتح التاء وسكون ~~الميم، والباقون تمارونه. وعبد الله الشعبي أفتمرونه بضم التاء ~~وسكون الميم. فأما الأولى ففيها وجهان: # أحدهما: أنها من مريته حقه إذا علمته وجحدته إياه، وعدي ~~بعلى لتضمنه معنى الغلبة. وأنشد: # 4554- لئن هجوت أخا صدق ومكرمة # لقد مريت ms8116 أخا ما كان يمريكا # لأنه إذا جحده حقه فقد غلبه عليه. # وقال المبرد يقال: مراه عن حقه وعلى حقه إذا منعه ~~منه، قال: ومثل " على " بمعنى " عن " قول بني كعب بن ربيعة: " رضي ~~الله عليك "؛ أي: عنك. # والثاني: أنها من مرأه على كذا أي غلبه عليه، فهو من المراء وهو ~~الجدال. # وأما الثانية: فهي من ماراه يماريه مراء أي جادله. واشتقاقه ~~من مري الناقة لأن كل واحد من المتجادلين يمري ما عند صاحبه. ~~وكان من حقه أن يتعدى بفي كقولك: جادلته في كذا. وإنما ضمن معنى ~~الغلبة. وأما قراءة عبد الله فمن أمراه رباعيا. # فصل # المعنى أفتجادلونه أي كيف تجادلونه على ما يرى، وذلك أنهم جادلوه حين ~~أسري به فقالوا: صف لنا بيت المقدس وأخبرنا عن عيرنا في الطريق ~~وغير ذلك مما جادلوه والمعنى أفتجادلونه جدالا ترومون به دفعه عما رآه ~~وعلمه وتيقنه. # فإن قيل: هلا قيل: أفتمارونه على ما رأى بصيغة الماضي لأنهم إنما جادلوه ~~حين أسري به كما تقدم وما الحكمة في إبرازه بصيغة المضارع؟ فالجواب: أن ~~التقدير أفتمارونه على ما يرى فكيف وهو قد رآه في السماء فماذا ~~تقولون فيه؟. ### || [53.13-18] # قوله: { ولقد رآه نزلة أخرى } في نصب نزلة ثلاثة أوجه: # أحدها أنها منصوبة على الظرف؛ قال الزمخشري: نصب الظرف الذي هو " ~~مرة "؛ لأن الفعلة اسم للمرة من الفعل فكانت في حكمها. قال شهاب ~~الدين: وهذا ليس مذهب البصريين وإنما هو مذهب الفراء نقله عنه مكي. # الثاني: أنها منصوبة نصب المصدر الواقع موقع الحال، قال مكي: أي رآه ~~نازلا نزلة أخرى. وإليه ذهب الحوفي وابن عطية. # الثالث: أنه منصوب على المصدر المؤكد، فقدره أبو البقاء مرة أخرى أو ~~رؤية أخرى. # قال شهاب الدين: وفي تأويل نزلة " برؤية " نظر، و " أخرى " تدل على سبق ~~رؤية قبلها و " عند سدرة " ظرف ل " رآه " و " عندها جنة ~~" جملة ابتدائية في موضع الحال، والأحسن أن يكون الحال الظرف و " جنة ~~المأوى " فاعل به. والعامة على (جنة) اسم مرفوع. وقرأ أمير المؤمنين ms8117 ~~وأبو الدرداء وأبو هريرة وابن الزبير وأنس وزر بن حبيش ~~ومحمد بن كعب (جنة) فعلا ماضيا. والهاء ضمير المفعول يعود للنبي ~~صلى الله عليه وسلم. # والمأوى فاعل بمعنى ستره إيواء الله تعالى. وقيل: المعنى ضمه ~~المبيت والليل، وقيل: جنه بظلاله ودخل فيه. قال ابن الخطيب: ~~والضمير في قوله (عندها) على هذه القراءة عائد إلى النزلة أي عند النزلة ~~جن محمدا المأوى. # والصحيح أنه عائد إلى السدرة. وقد ردت عائشة - (رضي الله عنها) هذه ~~القراءة وتبعها جماعة وقالوا أجن الله من قرأها. وإذا ثبتت قراءة عن ~~مثل هؤلاء فلا سبيل إلى ردها ولكن المستعمل إنما هو أجنه رباعيا ~~فإن استعمل ثلاثيا تعدى بعلى كقوله تعالى: # فلما جن عليه الليل # [الأنعام: 76]. # وقال أبو البقاء: وهو شاذ والمستعمل أجنه. وقد تقدم الكلام على هذه ~~المادة في الأنعام. # فصل # والواو في (ولقد) يحتمل أن تكون عاطفة، ويحتمل أن تكون للحال أي كيف ~~تجادلونه فيما رآه وقد رآه على وجه لا شك فيه؟ # واعلم أن قوله: (نزلة) هي فعلة من النزول كجلسة من الجلوس ~~فلا بد من نزول. واختلفوا في ذلك النزول وفيه وجوه: # الأول: أن الضمير في (رآه) عائد إلى الله تعالى، أي رأى الله نزلة ~~أخرى. وهذا قول من قال في قوله # ما كذب الفؤاد ما رأى # [النجم: 11] هو الله تعالى. وقد قيل: بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~رأى ربه بقلبه مرتين. وعلى هذا ففي النزول وجهان: # أحدهما: قول من يجوز على الله الحركة. # وثانيهما: أن النزول بمعنى القرب بالرحمة والفضل. # الثاني: أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - رأى الله نزله أخرى، والمراد ~~من النزلة ضدها، وهي العرجة كأنه قال: رآه عرجة أخرى قال ابن عباس ~~- (رضي الله عنهما -) نزلة أخرى هو أنه كانت للنبي - صلى الله عليه وسلم ~~- عرجات في تلك الليلة لمسألة التخفيف من الصلوات فيكون لكل عرجة ~~نزلة فرأى ربه في بعضها. # وروي عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى ربه بفؤاده ~~مرتين. وعنه أنه رأى ms8118 ربه بعينيه. # القول الثاني: أن الضمير في (رآه) عائد إلى جبريل أي رأى جبريل نزلة ~~أخرى أي رأى جبريل في صورته التي خلق (عليها) نازلا من السماء مرة ~~أخرى وذلك أنه رآه في صورته مرتين مرة في الأرض ومرة في السماء { عند ~~سدرة المنتهى } قال ابن الخطيب: ويحتمل أن تكون النزلة ~~لمحمد - صلى الله عليه وسلم - كما تقدم في العرجان. # فصل # وقوله { عند سدرة المنتهى } المشهور أن السدرة شجرة في ~~السماء السابعة. وقيل: في السماء السادسة، كما ورد عنه - عليه الصلاة ~~والسلام - أنه قال: # " نبقها كقلال هجر، وورقها كآذان الفيلة ". # وقيل: سدرة المنتهى الحيرة القصوى من السدرة. والسدرة كالركبة من ~~الراكب. يعني عندها يحار العقل حيرة لا حيرة فوقها، وما حار النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وما غاب ورأى ما رأى. # وهل قوله: { عند سدرة المنتهى } ظرف مكان أو ظرف زمان في هذا ~~الموضع؟ # قال ابن الخطيب: المشهور أنه ظرف مكان أي رأى جبريل أو غيره بقرب سدرة ~~المنتهى. وقيل: ظرف زمان كما يقال: صليت عند طلوع الفجر، والتقدير ~~رآه عند الحيرة القصوى أي في الزمان الذي يحار فيه عقل العقلاء. ~~فهو عليه الصلاة والسلام ما حار مما من شأنه أن يحار العاقل فيه. # فإن قيل: هذا التأويل يبطل بقوله: { يغشى السدرة ما يغشى } فالجواب: أن ~~المراد من الغشيان غشيان حالة على حالة أي ورد على حالة الحيرة حال ~~الرؤية واليقين وأن محمدا عندما يحار العقل مما رآه وقت ما طرأ على تلك ~~الحالة ما طرأ من فضل الله ورحمته. # والصحيح الأول # فصل # إذا قيل بأن محمدا - عليه الصلاة والسلام - رأى الله فمعناه أنه ~~رآه عند سدرة المنتهى. والظرف قد يكون ظرفا للرائي كما إذا قال القائل: ~~رأيت الهلال فيقال (له) أين رأيته؟ فيقول على السطح وقد يقول ~~عند الشجرة الفلانية. وأما قول من قال: بأن الله تعالى في مكان فذلك ~~باطل. وإن قيل: بأن المرئي جبريل - عليه الصلاة والسلام - فظاهر. # فصل # إضافة السدرة إلى المنتهى يحتمل وجوها: # أحدها: إضافة ms8119 الشيء إلى مكانه كقولك: أشجار بلدة كذا، فالمنتهى حينئذ ~~موضع لا يتعداه ملك قال هلال بن يسار: سأل ابن عباس كعبا عن ~~سدرة المنتهى وأنا حاضر فقال كعب: إنها سدرة في أصل العرش على رؤوس حملة ~~العرش، وإليها ينتهي علم الخلائق وما خلقها غيب لا يعلمه إلا الله. # وقيل: ينتهي إليها ما يهبط من فوقها ويصعد من تحتها. وقال كعب: ينتهي ~~إليها الملائكة والأنبياء. وقال الربيع: ينتهي إليها أرواح الشهداء. ~~وقال قتادة: ينتهي إليها أرواح المؤمنين. # ثانيها: إضافة المحل إلى الحال فيه كقولك: كتاب الفقه، وعلى هذا ~~فالتقدير سدرة عندها منتهى العلوم. # ثالثها: إضافة الملك إلى مالكه كقولك: دار زيد، وشجرة ~~زيد، وحينئذ فالمنتهى إليه محذوف تقديره سدرة المنتهى إليه، قال ~~تعالى: # وأن إلى ربك المنتهى # [النجم: 42] فالمنتهى إليه هو الله تعالى وإضافة السدرة إليه حينئذ ~~كإضافة البيت إليه للتشريف والتعظيم، كما يقال في التسبيح: يا غاية ~~رغبتاه يا منتهى أملاه. # فصل # وجنة المأوى قيل: هي الجنة التي وعد بها المتقون، كقوله: # دار المقامة # [فاطر: 35]. وقيل: هي جنة أخرى عندها تكون أرواح الشهداء وقيل: هي جنة ~~الملائكة. # قوله: { إذ يغشى } منصوب ب (رآه) وقوله: " ما يغشى " كقوله: # مآ أوحى # [النجم: 10]. وقال ابن الخطيب العامل في (إذ) ما قبلها أو ما بعدها؟ ~~فيه وجهان: # فإن قلنا: ما قبلها ففيه احتمالان: # أظهرهما: " رآه " أي رآه وقت ما يغشى السدرة الذي يغشى. # والثاني: العامل فيه الفعل الذي في النزلة أي رآه نزلة أخرى تلك النزلة ~~وقت ما يغشى السدرة ما يغشى أي نزوله لم يكن إلا بعدما ظهرت العجائب ~~عند السدرة، وغشيها ما غشي. # وإن قلنا: العامل فيها ما بعدها فالعامل فيه { ما زاغ البصر } أي ~~ما زاغ بصره وقت غشيان السدرة ما غشيها. # فصل # اختلفوا فيما يغشى السدرة فقيل: فراش وجراد من ذهب. وهو ~~قول ابن عباس، وابن مسعود، والضحاك. قال القرطبي: وعن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: # " رأيت السدرة يغشاها فراش من ذهب، ورأيت على ~~كل وردة ملكا قائما يسبح ms8120 " # ؛ وذلك قوله تعالى: { إذ يغشى السدرة ما يغشى }. قال ~~ابن الخطيب: وهذا ضعيف لأن ذلك لا يثبت إلا بدليل سمعي فإن صح فيه ~~خبر وإلا فلا وجه له. # وقيل: ملائكة يغشونها كأنهم طيور يرتقون إليها متشرفين ~~متبركين بها زائرين كما يزور الناس الكعبة. # وقيل: يغشاها أنوار الله؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما وصل ~~إليها تجلى ربه لها كما تجلى للجبل فظهرت الأنوار لكن السدرة كانت أقوى ~~من الجبل وأثبت فجعل الجبل دكا ولم تتحرك الشجرة، وخر موسى صعقا ~~ولم يتزلزل محمد. وقيل: أبهمه تعظيما له. والغشيان يكون بمعنى ~~التغطية والستر ومنه الغواشي، ويكون بمعنى الإتيان، يقال: فلان ~~يغشاني كل وقت أي يأتيني. # فصل # قال الماوردي في معاني القرآن: قيل: لما اختيرت السدرة لهذا الأمر دون ~~غيرها من الشجر؟ قال: لأن السدرة تختص بثلاثة أوصاف: ظل مديد، وطعم ~~لذيذ، ورائحة زكية فشابهت الإيمان الذي يجمع قولا وعملا ونية، ~~فظلها من الإيمان بمنزلة العمل لتجاوزه وطعمها بمنزلة النية لكمونه، ~~ورائحتها بمنزلة القول لظهوره. # وروى أبو الدرداء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: # " من قطع سدرة صوب الله رأسه في النار " # وسئل أبو الدرداء عن معنى هذا الحديث فقال: هو مختصر بمعنى من قطع سدرة ~~في فلاة يستظل بها ابن السبيل والبهائم عبثا وظلما بغير حق يكون ~~له فيها صوب الله رأسه في النار. # قوله: { ما زاغ البصر وما طغى } اللام في البصر يحتمل ~~وجهين: # أحدهما: المعروف أي ما زاغ بصر محمد - عليه الصلاة والسلام - وعلى هذا ~~فقدم الزيغ لوجوه إن قيل: بأن الغاشي للسدرة هو الجراد والفراش ~~فمعناه لم يلتفت إليه ولم يشتغل به ولم يقطع نظره عن مقصوده فيكون ~~غشيان الجراد والفراش ابتلاء وامتحانا لمحمد - عليه الصلاة والسلام ~~- وإن قيل إن الغاشي أنوار الله تعالى ففيه وجهان: # أحدهما: معناه لم يلتفت يمنة ويسرة بل اشتغل بمطالعتها. # والثاني: ما زاغ البصر بصعقة، بخلاف موسى - " عليه الصلاة والسلام - ~~" فإنه قطع النظر وغشي عليه، ففي الأول بيان أدب محمد - صلى الله ms8121 ~~عليه وسلم - وفي الثاني بيان قوته. # الوجه الثاني: لتعريف الجنس أي ما زاغ بصره أصلا في ذلك الوضع ~~لعظم هيبته. # فإن قيل: لو كان كذلك لقال: ما زاغ بصر، فإنه أدل على العموم، لأن ~~النكرة في معرض النفي تعم. # فالجواب: هو كقوله: # لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار # [الأنعام: 103] ولم يقل: ولم يدرك له بصر. # قوله: { وما طغى } فيه وجهان: # الأول: أنه عطف جملة مستقلة على جملة أخرى. # والثاني: أنه عطف جملة مقدرة على جملة. فمثال المستقلة: خرج زيد ~~ودخل عمرو. ومثال المقدرة خرج زيد ودخل. والوجهان جائزان ~~هنا. # أما الأول: فكأنه تعالى قال عند ظهور النور: ما زاغ بصر محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - وما طغى محمد بسبب الالتفات ولو التفت لكان ~~طاغيا. # وأما الثاني: فظاهر. فإن قيل: بأن الغاشي للسدرة جراد فالمعنى لم ~~يلتفت إليه وما طغى أي لم يلتفت إلى غير الله ولم يلتفت إلى الجراد ولا ~~إلى غير الجراد بل إلى الله تعالى. # وإن قيل: غشيها نور فقوله: " ما زاغ " أي ما مال عن الأنوار " وما ~~طغى " أي ما طلب شيئا وراءه. وفيه لطيفة وهي أن تكون ذانك بيانا ~~لوصول محمد - عليه الصلاة والسلام - إلى سدرة اليقين الذي لا يقين فوقه ~~وذلك أن بصر محمد - عليه الصلاة والسلام - ما زاغ أي ما مال عن الطريق ~~فلم ير الشيء على خلاف ما هو عليه بخلاف من ينظر إلى عين الشمس مثلا ~~ثم ينظر إلى شيء أبيض فإنه يراه أصفر أو أخضر يزيغ بصره عن جادة ~~الإبصار، وقوله: " وما طغى " أي ما تخيل المعدوم موجودا. # وقيل: " وما طغى " أي ما جاوز ما أمر به. # قوله: { لقد رأى من آيات ربه الكبرى } في " الكبرى " ~~وجهان: # أظهرهما: أنها مفعول (رأى) و (من آيات ربه) حال مقدرة، والتقدير لقد ~~رأى الآيات الكبرى من آيات ربه. # والثاني: أن { من آيات ربه } هو مفعول الرؤية و " الكبرى " ~~صفة " لآيات ربه ". وهذا الجمع يجوز وصفه بوصف المؤنثة الواحدة، ~~وحسنه هنا كونها فاصلة. وقد تقدم ms8122 مثله في " طه " عند قوله # لنريك من آياتنا الكبرى # [طه: 23]. # قال ابن الخطيب: في " الكبرى " وجهان: # أحدهما: أنها صفة لمحذوف تقديره لقد رأى من آيات ربه الآية الكبرى. # ثانيهما: صفة لآيات ربه فيكون مفعول رأى محذوفا تقديره رأى من آيات ~~ربه الكبرى آية أو شيئا. # فصل # قال بعض المفسرين: آيات ربه الكبرى هي أنه رأى جبريل - عليه الصلاة ~~والسلام - في صورته. قال ابن الخطيب: والظاهر أن هذه الآيات غير تيك، ~~لأن جبريل - عليه الصلاة والسلام - وإن كان عظيما، لكن ورد في ~~الأخبار أن لله ملائكة أعظم منه. و " الكبرى " تأنيث الأكبر فكأنه ~~تعالى قال: رأى من آيات ربه آيات هي أكبر الآيات. # فصل # قال المفسرون: رأى رفرفا أخضر سد أفق السماء. قال ~~البيهقي: الرفرف جبريل - عليه الصلاة والسلام - في صورته على رفرف، ~~والرفرف البساط. وقيل: ثوب كان يلبسه. وقال القرطبي: وروى ~~ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله تعالى: # دنا فتدلى # [النجم: 8] أنه على التقديم والتأخير، أي تدلى الرفرف لمحمد - عليه ~~الصلاة والسلام - ليلة المعراج فجلس عليه ثم رفع فدنا من ربه قال: ~~فارقني جبريل وانقطعت عني الأصوات وسمعت كلام ~~ربي. فعلى هذا الرفرف ما يجلس عليه كالبساط ونحوه. # فصل # قال ابن الخطيب (هذه الآية) تدل على أن محمدا - عليه الصلاة والسلام - ~~لم ير الله ليلة المعراج وإنما رأى آيات الله. وفيه خلاف. ووجه الدلالة ~~أنه ختم قصة المعراج ههنا برؤية الآيات وقال: # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا # [الإسراء: 1] إلى أن قال: # لنريه من آياتنآ # [الإسراء: 1] ولو كان رأى ربه لكان ذلك أعظم ما يمكن فكان أكبر شيء هو ~~الرؤية، فكان الأمر للرؤية. ### || [53.19-25] # قوله: { أفرأيتم اللات والعزى } لما قرر الرسالة ذكر ما ~~ينبغي أن يبتدىء به الرسول وهو التوحيد ومنع الخلق عن الإشراك، فقوله: " ~~أفرايتم " إشارة إلى إبطال قولهم بنفس القول كما إذا ادعى ضعيف ~~الملك ثم رآه العقلاء في غاية البعد عما يدعيه يقولون: انظروا إلى ~~هذا الذي يدعي الملك منكرين عليه غير مستدلين بدليل لظهور أمره فكذلك ms8123 ~~قال: { أفرأيتم اللات والعزى } أي كما هما فكيف ~~تشركونهما بالله؟ # فصل # والألف واللام في (اللات) زائدة لازمة، فأما قوله: # 4555-....................... # إلى لاتها..................... # فحذفت للإضافة. # وقيل: هي والعزى علمان بالوضع، أو صفتان غالبتان؟ خلاف. ويترتب ~~على ذلك جواز صدق " أل " وعدمه. # فإن قلنا: إنهما ليسا وصفين في الأصل فلا تحذف منهما " أل ". وإن قلنا: ~~إنهما صفتان وإن " أل " للمح الصفة جاز، وبالتقديرين " فأل " ~~زائدة. وقال أبو البقاء: وقيل: هما صفتان غالبتان مثل الحارث ~~والعباس فلا تكون أل زائدة. انتهى. # قال شهاب الدين: وهو غلط، لأن التي للمح الصفة منصوص على زيادتها بمعنى ~~أنها لم تؤثر تعريفا. واختلف في تاء اللات، فقيل: أصل وأصله من ~~لات يليت فألفها عن ياء، فإن مادة " ل ي ت " موجودة. وقيل: زائدة ~~وهي من لوى يلوي، لأنهم كانوا يلوون أعناقهم إليها، أو يلتوون ~~أي يعتكفون عليها. وأصلها لوية فحذفت لامها، فألفها على هذا ~~(بدل) من واو. # قال الزمخشري: هي فعلة من لوى يلوي، وعلى هذا فأصلها لوية فسكنت ~~الياء وحذفت لالتقاء الساكنين، بقيت لوة فقلبت الواو ألفا لفتح ما ~~قبلها فصارت " لات ". واختلف القراء في الوقف على تائها فوقف ~~الكسائي عليها بالهاء. والباقون بالتاء. وهو مبني على القولين المتقدمين. # فمن اعتقد تاءها أصلية أقرها في الوقت كتاء بنت، ومن اعتقد زيادتها ~~وقف عليها هاء. # قال ابن الخطيب: والتاء في اللات تاء تأنيث كما في المناة لكنها تكتب ~~ممطوطة لئلا يوقف عليها فتصير هاء فتشبه باسم (الله) فإن الهاء في ~~(الله) أصلية ليست تاء تأنيث ووقف عليها فانقلبت هاء. # واللات اسم صنم. وقيل: كان لثقيف بالطائف. قاله قتادة. وقيل: ~~بعكاظ. وقال زيد: بيت بنخلة. وقيل: صنم. ورجح ابن عطية الأول لقول ~~الشاعر: # 4556- وفرت ثقيف إلى لاتها # بمنقلب الخائب الخاسر # والعامة على تخفيف تائها. # وقرأ ابن عباس، ومجاهد، ومنصور بن المعتمر، وأبو الجوزاء، وأبو ~~صالح وابن كثير - في رواية - بتشديد التاء. # فقيل: هو رجل كان يلت السويق، ويطعمه الحاج، فلما مات ~~عكفوا على قبره يعبدونه، فهو اسم فاعل في ms8124 الأصل غلب على هذا الرجل وكان ~~يجلس عند حجر، فلما مات سمي الحجر باسمه وعبد من دون الله. # وقال مجاهد: كان في رأس جبل له غنيمة يسلأ منها السمن ويأخذ منها ~~الأقط ويجمع رسلها ويتخذ منه حيسا فيطعم الحاج وكان ببطن النخلة فلما ~~مات عبدوه وهو اللات. وقال الكلبي: كان رجلا من ثقيف يقال له: صرمة ~~بن غنم وكان يسلأ السمن فيضعه على صخرة، ثم تأتيه العرب فتلت ~~به أسوقتهم، فلما مات الرجل حولتها ثقيف إلى منازلها ~~فعبدتها. وقال القرطبي: كانت صخرة مربعة وكان سدنتها من ثقيف ~~وكانوا قد بنوا عليها بناء، فكانت قريش وجميع العرب تعظمها وبها كانت ~~العرب تسمي زيد اللات وتيم اللات، وكانت في موضع مسجد الطائف ~~اليسرى، فلم تزل كذلك إلى أن أسلمت ثقيف. فبعث رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عليا فهدمها وحرقها بالنار، ثم اتخذ العرب العزى ~~وهي أحدث من اللات، اتخذها ظالم بن سعيد. # والعزى: فعلى من العز وهي تأنيث الأعز كالفضلى والأفضل. وهي اسم ~~صنم. وقيل: شجرة كانت تعبد. # قال مجاهد: هي شجرة كانت بغطفان كانوا يعبدونها، فبعث النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد فقطعها فجعل خالد يضربها بالفأس ~~ويقول: # 4557- يا عز كفرانك لا سبحانك # إني رأيت الله قد أهانك # فخرجت منها شيطانة مكشوفة الرأس، ناشرة شعرها، تضرب رأسها وتدعو ~~بالويل والثبور فقتلها خالد. # وروي أن خالدا لما قطع الشجرة رجع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: قد قطعتها، فقال: ما رأيت؟ قال: ما رأيت شيئا. فقال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: ما بلغت. فعاودها ومعه المعول فقلعها واجتث ~~أصلها فخرجت منها امرأة عريانة فقتلها، ثم رجع إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وأخبره بذلك فقال: تلك العزى، ولن تعبد أبدا. # وقال الضحاك: هو صنم لغطفان وضعها لهم سعد بن ظالم الغطفاني. ~~وذلك أنه قدم مكة فرأى الصفا والمروة، ورأى أهل مكة يطوفون ~~بينهما فعاد إلى بطن نخلة وقال لقومه: إن لأهل مكة الصفا والمروة ~~وليستا لكم ولهم إله ms8125 يعبدونه وليس لكم قالوا: فما تأمرنا؟ قال: أنا أصنع ~~لكم ذلك، فأخذ حجرا من الصفا وحجرا من المروة ونقلهما إلى نخلة فوضع ~~الذي أخذ من الصفا فقال: هذا الصفا ثم وضع الذي أخذ من المروة فقال: ~~هذا المروة ثم أخذ ثلاثة أحجار فأسندها إلى شجرة وقال: هذا ربكم فجعلوا ~~يطوفون بين الحجرين ويعبدون الحجارة حتى افتتح رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - مكة فأمر برفع الحجارة، وبعث خالد بن الوليد إلى العزى ~~فقطعها. وقال قتادة وابن زيد: هي بيت بالطائف كانت تعبده ثقيف. وقال ~~ابن جبير العزى حجر أبيض كانوا يعبدونه. # قوله: (ومناة) قرأ ابن كثير: منأة بهمزة مفتوحة بعد الألف، ~~والباقون بألف وحدها، وهي صخرة كانت تعبد من دون الله. # فأما قراءة ابن كثير فاشتقاقها من النوء، وهو المطر، لأنهم كانوا ~~يستمطرون عندها الأنواء ووزنها حينئذ " مفعلة " فألفها عن واو ~~وهمزتها أصلية وميمها زائدة وأنشدوا على ذلك: # 4558- ألا هل أتى تيم بن عبد مناءة # على النأي فيما بيننا ابن تميم # وقد أنكر أبو عبيدة قراءة ابن كثير، وقال: لم أسمع الهمز. # قال شهاب الدين: قد سمعه غيره، والبيت حجة عليه. وأما قراءة العامة ~~فاشتقاقها من منى يمني أي صب لأن دماء النسائك كانت تصب ~~عندها، وأنشدوا لجرير: # 4559- أزيد مناة توعد يا ابن تيم # تأمل أين تاه بك الوعيد # وقال أبو البقاء: وألفه عن ياء كقولك: منى يمني إذا قدر، ويجوز أن ~~تكون من الواو، ومنه منوان فوزنها على قراءة القصر فعلة. # فصل # قال قتادة: مناة صخرة كانت لخزاعة بقديد. وقالت عائشة (رضي الله ~~عنها) في الأنصار كانوا يصلون لمناة فكانت حذو قديد. وقال ابن زيد: ~~بيت كان بالمشلل تعبده بنو كعب. وقال الضحاك مناة صنم لهذيل وخزاعة ~~تعبده أهل مكة. وقيل: اللات والعزى ومناة أصنام من حجارة كانت ~~في جوف الكعبة يعبدونها. # قوله: (الأخرى) صفة لمناة. قال أبو البقاء: و " الأخرى " توكيد ~~لأن الثالثة لا تكون إلا أخرى. # وقال الزمخشري: والأخرى ذم وهي المتأخرة الوضيعة المقدار، كقوله: # قالت أخراهم ms8126 # [الأعراف: 38] أي وضعاؤهم لأشرافهم. ويجوز أن تكون الأولية ~~والتقدم عندهم للات والعزى. انتهى. # وفيه نظر، لأن " الأخرى " إنما تدل على الغيرية، وليس فيها تعريض لمدح ~~ولا ذم، فإن جاء شيء فلقرينة خارجية. # وقيل: الأخرى صفة للعزى؛ لأن الثانية أخرى بالنسبة إلى الأولى. وقال ~~الحسين بن الفضل: فيه تقديم وتأخير أي العزى الأخرى، ومناة ~~الثالثة. ولا حاجة إلى ذلك؛ لأن الأصل عدمه. # فصل # قال ابن الخطيب: فإن قيل: إنما يقال: أخروا " أخرى " إذا ~~(تقدم) أول مشارك للثاني فلا يقال جاءني رجل وامرأة أخرى ~~فيلزم أن تكون العزى ثالثة! # فالجواب: قد يستعمل الآخر والأخرى للذم، فالمراد بالأخرى المتأخرة ~~الذليلة. واللات على صورة آدمي. والعزى شجرة وهي نبات. وقيل: صخرة ~~جماد وهي متأخرة عنهما. أو في الكلام حذف أي اللات والعزى المعبودين ~~بالباطل ومناة الثالثة الأخرى. أو المعنى ومناة الأخرى الثالثة على ~~التقديم والتأخير. ومعنى الآية هل رأيتم هذه الأصنام حق الرؤية فإن ~~رأيتموها علمتم أنها لا تصلح للإلهية. والمقصود إبطال الشركاء ~~وإثبات التوحيد. # فصل # " أرأيت " بمعنى أخبرني فيتعدى لاثنين أولهما اللات وما عطف عليه، ~~والثاني: الجملة الاستفهامية من قوله: " ألكم الذكر ". # فإن قيل: لم يعد من هذه الجملة ضمير على المفعول الأول. # فالجواب: أن قوله " وله الأنثى " في قوة: له هذه الأصنام وإن كان ~~أصل التركيب ألكم الذكر وله هن أي تلك الأصنام. # وإنما أوثر هذا الاسم الظاهر لوقوعه رأس فاصلة. # وقد جعل الزجاج المفعول الثاني محذوفا، فإنه قال: وجه تلفيق هذه ~~الآية مع ما قبلها فيقول أخبروني عن آلهتكم هل لها شيء من القدرة والعظمة ~~التي وصف بها رب العزة في الآي السالفة. انتهى. # فعلى هذا يكون قوله (ألكم الذكر) متعلقا بما قبله من حيث ~~المعنى لا من حيث الإعراب. # وجعل ابن عطية الرؤية هنا بصرية فقال: وهي من رؤية العين، لأنه أحال على ~~أجرام مرئية، ولو كانت " أرأيت " التي هي استفتاء لم يتعد. وقد تقدم ~~الكلام على ذلك في الأنعام وغيرها. # فإن قيل: ما فائدة الفاء في قوله: " أفرأيتم " وقد ms8127 وردت في ~~مواضع بغير فاء، كقوله تعالى: # أفرأيتم ما تدعون من دون الله # [الزمر: 38] (و) # أرأيتم شركآءكم # [فاطر: 40]. # فالجواب: لما تقدم عظمة الله في ملكوته وأن رسوله إلى الرسل يسد الآفاق ~~ببعض أجنحته ويهلك المدائن بشدته وقوته ولا يمكنه مع هذا أن يتعدى السدرة ~~في مقام جلال الله وعزته قال: أفرأيتم هذه الأصنام مع ذلتها ~~وحقارتها شركاء لله مع ما تقدم فقال بالفاء أي عقيب ما سمعتم من عظمة ~~آيات الله الكبرى ونفاد أمره في الملأ الأعلى وما تحت الثرى ~~انظروا إلى اللات والعزى تعلموا فساد ما ذهبتم إليه. # قوله تعالى: { ألكم الذكر وله الأنثى } قال الكلبي: كان ~~المشركون بمكة يقولون للأصنام والملائكة بنات الله. # قال ابن الخطيب: معناه كيف جعلتم لله البنات وقد اعترفتم في أنفسكم أن ~~البنات ناقصات والبنون كاملون والله كامل العظمة فكيف نسبتم إليه ~~الناقص وهو في غاية الذلة والحقارة حيث عبدتم الجماد من الحجارة والشجر ~~ثم نسبتم إليكم الكامل فهذه قسمة جائرة على زعمكم وعادتكم لأنه كان ~~ينبغي أن تجعلوا الأعظم للعظيم والأنقص للحقير فخالفتم النقل والعقل ~~والعادة؟ # قوله: { تلك إذا قسمة ضيزى } ، " تلك " إشارة إلى محذوف ~~تقديره تلك القسمة قسمة غير عادلة. ويحتمل أن يقال: تلك النسبة؛ ~~أي التي نسبوها إلى الله بأن له البنات. وقوله (إذن) جواب نسبتهم ~~البنات إلى الله. # وقوله: " ضيزى " قرأ ابن كثير ضئزى بهمزة ساكنة والباقون بياء ~~ساكنة. وزيد بن علي ضيزى بفتح الضاد والياء الساكنة. فأما قراءة ~~العامة فيحتمل أن تكون من ضازه يضيزه إذا ضامه وجار عليه فمعنى ~~ضيزى أي جائرة. وقال مجاهد ومقاتل: قسمة عوجاء. # وقال الحسن: غير معتدلة، قال الشاعر: # 4560- ضازت بنو أسد بحكمهم # إذ يجعلون الرأس كالذنب # وعلى هذا فيحتمل وجهين: # أحدهما: أن تكون صفة على " فعلى " - بضم الفاء - وإنما كسرت الفاء ~~لتصح الياء " كبيض ". # فإن قيل: وأي ضرورة إلى أن يقدر أصلها ضم الفاء؟ ولم لا قيل: إنها ~~فعلى بالكسر؟. # فالجواب: أن سيبويه حكى أنه لم يرد في الصفات فعلى - بكسر الفاء - ~~إنما ms8128 ورد بضمها، نحو: حبلى وأنثى وربى وما أشبهه إلا أنه قد ~~حكى غيره في الصفات ذلك؛ حكى ثعلب: مشية حيكى. ورجل كيصى، ~~وحكى غيره: امرأة عزهى، وامرأة سعلى. وهذا لا ينقض، لأن سيبويه ~~يقول في حيكى وكيصى كقوله في ضيزى: لتصح الياء. # وأما عزهى وسعلى فالمشهور فهيما عزهاة وسعلاة. وقال ~~البغوي: ليس في كلام العرب فعلى بكسر الفاء في النعوت إنما يكون في ~~الإسماء مثل ذكرى، وشعرى. # والوجه الثاني: أن تكون مصدرا كذكرى. # قال الكسائي: يقال ضاز يضيز كذكر يذكر، ويحتمل أن يكون من ~~ضأزه بالهمز - كقراءة ابن كثير، إلا أنه خفف همزها وإن لم يكن من ~~أصول القراء كلهم إبدال مثل هذه الهمزة ياء لكنها لغة التزمت فقرأوا ~~بها. # ومعنى ضأزه يضأزه نقصه ظلما وجورا. # وممن جوز أن تكون الياء بدلا من همزة أبو عبيد وأن يكون أصلها ~~ضوزى بالواو، لأنه سمع ضازه يضوزه ضوزى وضازه يضيزه ~~ضيزى وضأزه يضأزه ضأزا، حكى ذلك كله الكسائي. وحكى أبو ~~عبيد: ضزته وضزته بكسر الفاء وضمها فكسرت الضاد من ضوزى، لأن ~~الضمة ثقيلة مع الواو. وفعلوا ذلك ليتوصلوا به إلى قلب الواو ياء ~~وأنشد الأخضر على لغة الهمزة: # 4561- فإن تنأ عنها تنتقصك وإن تغب # فسهمك مضئوز وأنفك راغم # وضيزى في قراءة ابن كثير مصدر وصف به، ولا يكون وصفا أصليا لما ~~تقدم عن سيبويه. فإن قيل: لم لا قيل في ضيزى بالكسر والهمز إن أصله ~~ضيزى بالضم فكسرت الفاء كما قيل فيها مع ألفها؟ # فالجواب: أنه لا موجب هنا للتغيير، إذ الضم مع الهمز لا يستثقل استثقاله ~~مع الياء الساكنة. # وسمع منهم: ضؤزى بضم الضاد مع الواو والهمز. # وأما قراءة زيد فيحتمل أن تكون مصدرا وصف به كدعوى وأن تكون ~~صفة كسكرى وعطشى وغضبى. # قوله: (إن هي) في (هي) وجهان: # أحدهما: أنها ضمير الأصنام أي وما هي إلا أسماء ليس تحتها في الحقيقة ~~مسميات لأنكم تدعون الإلهية لما هو أبعد شيء منها، وأشد منافاة لها. ~~وهذا على سبيل المبالغة والتجوز، كما يقال ms8129 لتحقير إنسان: ما زيد إلا اسم ~~إذا لم يكن مشتملا على صفة معتبرة كقوله: # ما تعبدون من دونه إلا أسمآء سميتموهآ # [يوسف: 40]. # الثاني: أن يكون ضمير الأسماء وهي اللات والعزى ومناة، وهم ~~يقصدون بها أسماء الآلهة يعني وما هذه الأسماء إلا سميتموها بهواكم ~~وشهوتكم ليس لكم على صحة تسميتها برهان تتعلقون به. # قال أبو البقاء: " أسماء " يجب أن يكون المعنى ذوات أسماء، ~~لقوله: " سميتموها "؛ لأن الاسم لا يسمى. # فإن قيل: كيف قال: سميتموها أنتم مع أن هذه الأسماء موضوعة قبلنا؟ # فالجواب: أن كل من نطق بهذه الألفاظ فهو كالمبتدىء الواضع؛ لأن ~~الواضع الأول لهذه الأسماء لما لم يكن واضعا بدليل نقلي أو عقلي لم يجب ~~اتباعه ولا يجوز فصار هو كالمبتدىء؛ إذ لا مقتدى له. # فإن قيل: الأسماء لا تسمى وإنما يسمى بها فكيف قال: أسماء سميتموها؟ # فالجواب من وجهين: # الأول: أن التسمية وضع الاسم فكأنه قال: أسماء وضعتموها، فاستعمل ~~سميتموها استعمال وضعتموها. # الثاني: لو قال: أسماء سميتم بها لكان هناك غير الاسم شيء يتعلق ~~به الباء في قولك بها؛ لأن قول القائل: سميت به يستدعي دخولا آخر، ~~تقول: سميت بزيد ابني أو عبدي أو غير ذلك فيكون قد جعل للأصنام ~~اعتبارا. # فإن قيل: هذا باطل بقوله تعالى: # وإني سميتها مريم # [آل عمران: 36] حيث لم يقل: وإني سميتها بمريم ولم يكن ما ~~ذكرت مقصودا وإلا لكانت مريم غير ملتفت إليها كما قلت في الأصنام. # فالجواب: بينهما بون عظيم؛ لأن هناك قال: سميتها مريم ~~فذكر المفعولين فاعتبر حقيقة مريم بقوله: سميتها واسمها بقوله: مريم، ~~وأما ههنا فقال: { إن هي إلا أسمآء } موضوعة فلم تعتبر ~~الحقيقة ههنا واعتبرها في مريم. # قوله: { مآ أنزل الله بها من سلطان } أي حجة بما ~~يقولون: إنها آلهة. واستعملت الباء في قوله (بها) كقولك: ارتحل ~~فلان بأهله ومتاعه أي ارتحل ومعه الأهل والمتاع. كذلك ههنا قوله: { ~~إن يتبعون إلا الظن } هذا رجوع إلى الخبر بعد المخاطبة ~~فقال: إن يتبعون إلا الظن في قولهم: إنها آلهة. # قرأها العامة ms8130 على الغيبة التفاتا من خطابهم إلى الغيبة عنهم تحقيرا ~~لهم، كأنه قطع الكلام معهم وقال لنبيه: إنهم لا يتبعون إلا الظن فلا ~~يلتفت إلى قولهم. # ويحتمل أن يكون المراد غيرهم، وفيه وجهان: # الأول: أن يكون المراد آباءهم كأنه تعالى قال: سميتموها أنتم ~~وآباؤكم فكأنهم قالوا: هذه الأسماء لم نضعها نحن، وإنما تلقيناها من ~~آبائنا فقال: وسماها آباؤكم وما يتبعون إلا الظن. # فإن قيل: كان ينبغي أن يكون بصيغة الماضي. # فالجواب: وبصيغة المستقبل أيضا كأنه يفرض الزمان (بعد) زمان الكلام ~~كقوله تعالى: # وكلبهم باسط ذراعيه # [الكهف: 18]. # الثاني: أن يكون المراد عامة الكفار. # وقرأ عبد الله وابن عباس وطلحة وعيسى بن عمر وابن وثاب: بالخطاب. ~~وهو حسن موافق. # فإن قيل: كيف ذمهم على اتباع الظن ونحن مأمورون باتباعه في الفقه، ~~وقال - عليه الصلاة والسلام - حكاية عن الله تعالى أنه قال: # " أنا عند ظن عبدي؟ " # فالجواب: أن الظن خلاف العلم وقد استعمل مجازا مكان العلم والعلم مكانه ~~وأصل العلم الظهور ومنه العالم. وحروف العلم في تقاليبها فيها معنى ~~الظهور منها لمع البرق إذا ظهر، ولمع الغزال إذا عدا، ~~وكذلك علمت. # والظن إذا كان في مقابلة العلم ففيه الخفاء ومنه بئر ظنون لا يدري ~~أفيه ماء أم لا؛ لخفاء الأمر فيه ودين ظنون. يخفى الأمر فيه فنقول: ~~يجوز بناء الأمر على الظن عند العجز عن درك اليقين، وأما الاعتقاد فليس ~~كذلك، لأن اليقين لم يتعذر علينا. وإلى هذا أشار بقوله: { ولقد ~~جآءهم من ربهم الهدى } أي اتبعوا الظن وقد أمكنهم الأخذ ~~باليقين. وفي العمل يمتنع ذلك أيضا. والله أعلم. # قوله: { وما تهوى الأنفس } نسق على (الظن) و " ما " مصدرية، أو ~~بمعنى الذي. والمراد بما تهوى الأنفس هو ما زين لهم الشيطان. # قوله: { ولقد جآءهم من ربهم الهدى } يجوز أن يكون ~~حالا من فاعل (يتبعون) أي يتبعون الظن وهوى النفس في حال ~~تنافي ذلك وهي مجيء الهدى من عند ربهم. ويجوز أن يكون اعتراضا فإن ~~قوله: " أم للإنسان " متصل بقوله: { وما تهوى الأنفس } ، ~~وهي أم ms8131 المنقطعة، فتقدر ببل والهمزة على الصحيح. # قال الزمخشري: ومعنى الهمزة فيها الإنكار أي ليس للإنسان ما تمنى. # فصل # المعنى ولقد جاءهم من ربهم البيان بالكتاب والرسول أنها ليست بآلهة وأن ~~العبادة لا تصلح إلا لله الواحد القهار. # { أم للإنسان ما تمنى } أيظن أن له ما يتمنى ويشتهي من ~~شفاعة الأصنام. ويحتمل أن يكون معناه: هل للإنسان أن يعبد بالتمني ~~والاشتهاء ما تهوى نفسه. # قوله { فلله الآخرة والأولى } أي ليس كما ظن وتمنى بل لله ~~الآخرة والأولى لا يملك فيها أحد شيئا إلا بإذنه. ### || [53.26-30] # قوله: { وكم من ملك } " كم " هنا خبرية تفيد التكثير، ومحلها ~~الرفع على الابتداء. و { لا تغني شفاعتهم } هو الخبر. والعامة ~~على إفراد الشفاعة. وجمع الضمير اعتبارا بمعنى " ملك " وبمعنى " كم ". ~~وزيد بن علي شفاعته بإفرادها اعتبر لفظ " كم وملك ". وابن مقسم ~~شفاعاتهم بجمعها. و " شيئا " مصدر أي شيئا من الإغناء. # فصل # المعنى وكم من ملك في السموات ممن يعبدهم هؤلاء الكفار ويرجون ~~شفاعتهم عند الله لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله ~~في الشفاعة { لمن يشآء ويرضى } أي من أهل التوحيد. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما - يريد لا تشفع الملائكة إلا لمن رضي ~~الله عنه. وجمع الكناية في قوله: " شفاعتهم " والملك واحد؛ لأن المراد من ~~قوله: { وكم من ملك } الكثرة، فهو كقوله تعالى: # فما منكم من أحد عنه حاجزين # [الحاقة: 47]. # قوله تعالى: { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~ليسمون الملائكة تسمية الأنثى } اعلم أن المراد ~~بالذين لا يؤمنون بالآخرة هم الذين لا يؤمنون بالرسل، لأن كل من آمن ~~بالرسل اعترف بالحشر، وذلك أنهم كانوا يقولون: الملائكة وجدوا من الله ~~فهم أولاده بمعنى الإيجاد، ثم رأوا في الملائكة تاء التأنيث، وصح عندهم ~~أن يقال: سجدت الملائكة، فقالوا: بنات الله فسموهم تسمية الإناث. # فإن قيل: كيف يصح أن يقال: إنهم لا يؤمنون بالآخرة مع أنهم كانوا ~~يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله وكان من عادتهم أن يربطوا مركوبا على ~~قبر من يموت، ويعتقدون أنه يحشر عليه؟ ms8132 # فالجواب من وجهين: # أحدهما: أنهم ما كانوا يجزمون به، بل كانوا يقولون: إنه لا حشر، فإن كان ~~فلنا شفعاء بدليل ما حكى الله عنهم # ومآ أظن الساعة قآئمة ولئن رجعت إلى ربي ~~إن لي عنده للحسنى # [فصلت: 50]. # الثاني: أنهم ما كانوا يعترفون بالآخرة على الوجه الذي ورد به الرسل. # فصل # وأما مناسبة هذه الآية لما قبلها فهي أنهم لما قيل لهم: إن الصنم ~~جماد لا يشفع، وبين لهم أن أعظم أجناس الخلق لا شفاعة لهم إلا بالإذن ~~قالوا: نحن لا نعبد الأصنام لأنها جمادات وإنما نعبد الملائكة ~~بعبادتها فإنها على صورها ونضعها بين أيدينا لنذكر بالشاهد الغائب فنعظم ~~الملك المقرب فرد الله عليهم بهذه الآية أي كيف تعظموهم وأنتم تسموهم ~~تسمية الإناث؟ # فإن قيل: كيف قال تسمية الأنثى ولم يقل: تسمية الإناث؟ # فالجواب: أن المراد بيان الجنس وهذا اللفظ أليق بهذا الموضع لمؤاخاة ~~رؤوس الآية. أو يقال: إنه لو قال الإناث لأوهم أعلام الإناث، كعائشة ~~وفاطمة. والمراد إنما هو البنات. وقد تقدمت شبهتهم. # قوله: { وما لهم به من علم } قال الزمخشري: الضمير في (به) ~~يعود إلى ما كانوا يقولون. وقيل يعود إلى ما تقدم من عدم قبول الشفاعة. # وقيل: يعود إلى الله أي ما لهم بالله من علم فيشركون. وقال مكي: ~~الهاء تعود على الاسم لأن التسمية والاسم بمعنى. وقرأ أبي: بها أي ~~بالآخرة أي ما لهم بالآخرة من علم. # وقيل: بالملائكة. وقيل: بالتسمية. وهذا يقوي قول مكي. فإن قلنا: ~~ما لهم بالآخرة فهو جواب كما قلنا: إنهم وإن كانوا يقولون: إن الأصنام ~~شفعاؤنا عند الله، وكانوا يربطون الإبل على قبور الموتى ليركبوها لكن ما ~~كانوا يقولون به عن علم. # وإن قلنا بالتسمية ففيه إشكال، وهو أن العلم بالتسمية حاصل لهم فإنهم ~~يعلمون أنهم " ليسوا في شك ". # والجواب: أن التسمية قد يكون واضعها الأول عالما بأنه وضع، وقد يكون ~~استعمالا معنويا يتطرق إليه الصدق والكذب والعلم. فمثال الصدق من ~~وضع أولا اسم السماء لموضوعها وقال: هذا سماء، ومثال الكذب إذا ms8133 قلنا ~~بعد ذلك للماء والحجر: هذا سماء، فإنه كذب ومن اعتقد فهو جاهل وكذلك ~~قولهم في الملائكة: إنهم بنات الله لم تكن تسمية وضعية، وإنما أرادوا ~~به أنهم موصوفون باسم يجب به استعمال لفظ البنات فيهم، وذلك كذب ومعتقده ~~جاهل، فالمراد التسمية التي هي عن وصف حقيقي لا التسمية الوضعية؛ ~~لأنهم عالمون بها فهذا هو المراد. قاله ابن الخطيب. # وقوله: { إن يتبعون إلا الظن } تقدم الكلام عليه. # وقوله: { إن الظن لا يغني من الحق شيئا } قيل: الحق ~~بمعنى العلم أي لا يقوم الظن مقام العلم. وقيل: الحق بمعنى العذاب، أي ~~إن ظنهم لا ينقذهم من العذاب. # قال ابن الخطيب: المراد منه أن الظن لا يغني في الاعتقادات شيئا وأما ~~الأفعال العرفية أو الشرعية فإنه يتبع عند عدم الوصول إلى اليقين. ~~ويحتمل أن يقال: المراد من الحق هو الله والمعنى أن الظن لا يفيد شيئا ~~من الله أي أن الأوصاف الإلهية لا تستخرج بالظنون بدليل قوله تعالى: # ذلك بأن الله هو الحق # [لقمان: 30]. # فإن قيل: أليس الظن قد يصيب فكيف يحكم عليه بأنه لا يغني أصلا؟ # فالجواب: أن المكلف لا يحتاج إلى مميز يميز الحق من الباطل؛ ليعتقد ~~الحق ويميز الخير من الشر ليفعل الخير لكن في الحق ينبغي أن يكون جازما ~~لاعتقاد مطابقته، والظان لا يكون جازما وفي الخير ربما يعتبر ~~الظن في مواضع. # فصل # اعلم أن الله تعالى منع من الظن في ثلاثة مواضع: # أحدها: قوله تعالى: # إن هي إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم مآ ~~أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن # [النجم: 23]. # وثانيها: هذه الآية. # ثالثها: في الحجرات وهي قوله تعالى: # ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد ~~الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون # [الحجرات: 11] إلى قوله: # اجتنبوا كثيرا من الظن # [الحجرات: 12] فالأول: كان المنع عقيب التسمية، والثاني: عقيب الدعاء ~~بالألقاب وكل ذلك دليل على أن حفظ اللسان أولى من حفظ غيره من الأركان ~~وأن الكذب أقبح من السيئات الظاهرة من الأيدي والأرجل. فهذه المواضع ms8134 ~~الثلاثة دلت على أن الظن فيها مذموم أحدها: مدح ما لا يستحق المدح ~~كاللات والعزى من العزة، وثانيها: ذم من لا يستحق الذم وهم ~~الملائكة الذين هم عباد الرحمن يسمونهم تسمية الأنثى، ~~وثالثها: ذم من لم يعلم حاله، وأما مدح من يعلم حاله فلم يقل فيه: ~~لا يتبعون الظن بل الظن معتبر فيه والأخذ بظاهر حال العاقل واجب. # قوله: { فأعرض عن من تولى عن ذكرنا } يعني القرآن. ~~وقيل: الإيمان؛ أي اترك مجادلتهم فقد بلغت وأتيت بما عليك. # قال ابن الخطيب: وأكثر المفسرين يقولون: كل ما في القرآن من قوله تعالى: ~~{ فأعرض } منسوخ بآية القتال، وهو باطل؛ لأن الأمر بالإعراض موافق ~~لآية القتال فكيف ينسخ به؟ وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~الأول كان مأمورا بالدعاء بالحكمة والموعظة الحسنة فلما عارضوه ~~بأباطيلهم أمر بإزالة شبههم والجواب عن أباطيلهم، وقيل له: # وجادلهم بالتي هي أحسن # [النحل: 125] ثم لما لم ينفع قال له ربه: أعرض عنهم ولا تقل لهم ~~بالدليل والبرهان فإنهم لا ينتفعون به ولا يتبعون الحق وقاتلهم، فالإعراض ~~عن المناظرة شرط لجواز المقاتلة فكيف يكون منسوخا بها؟ # قوله: { ولم يرد إلا الحياة الدنيا } إشارة إلى ~~إنكارهم الحشر كقوله تعالى عنهم: # إن هي إلا حياتنا الدنيا # [الأنعام: 29] وقوله: # أرضيتم بالحياة الدنيا # [التوبة: 38] وذلك أنه إذا ترك النظر في آلاء الله لا يعرفه فلا ~~يتبع رسوله فلا ينفعه كلامه، وإذا لم يقل بالحشر والحساب لا يخاف فلا ~~يرجع عما هو عليه فلا يبقى في الدعاء فائدة. # واعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان كالطبيب للقلوب، فأتى على ~~ترتيب الأطباء في أن المرض إذا أمكن إصلاحه بالغذاء لا يستعملون ~~الدواء القوي، ثم إذا عجز عن المداواة بالمشروبات وغيرها عدلوا إلى ~~الحديد والكي كما قيل: " آخر الدواء الكي " ، فالنبي - عليه ~~الصلاة والسلام - أولا أمر القلوب بذكر الله حسب، فإن بذكر الله ~~تطمئن القلوب، كما أن بالغذاء تطمئن النفوس فالذكر غذاء القلب ولهذا قال ~~- عليه الصلاة والسلام - أولا: " قولوا لا إله إلا الله ms8135 " أمر ~~بالذكر، فانتفع مثل أبي بكر - رضي الله عنه - ومن لم ينتفع ذكر لهم ~~الدليل وقال # أولم يتفكروا # [الأعراف: 184] # قل انظروا # [يونس: 101] # أفلا ينظرون # [الغاشية: 17] إلى غير ذلك فلما لم ينتفعوا أتى بالوعيد والتهديد فلما ~~لم ينتفعوا قال: أعرض عن المعالجة واقطع الفاسد لئلا يفسد الصالح. # قوله: " ذلك مبلغهم " قال الزمخشري: هو اعتراض (أي فأعرض عنه ~~ولا تعامله إن ربك هو أعلم. # قال أبو حيان: كأنه يقول: هو اعتراض) بين " فأعرض " وبين: " ~~إن ربك " ولا يظهر هذا الذي يقوله من الاعتراض. # قال شهاب الدين: كيف يقول: كأنه يقول: هو اعتراض وما معنى الشبيه وهو قد ~~نص عليه وصرح به فقال: أي فأعرض عنه ولا تعامله إن ربك. وقوله " ~~ولا يظهر " ما أدري عدم الظهر مع ظهور أن هذا علة لذاك أي قوله: " ~~إن ربك " علة لقوله " فأعرض " والاعتراض بين العلة والمعلول ~~ظاهر وإذا كانوا يقولون: هذا معترض فيما يجيء في أثناء قصة فكيف بما ~~بين علة ومعلول؟ # فصل # " ذلك " إشارة إلى نهاية علمهم وقدر عقولهم إن آثروا الدنيا على ~~الآخرة. وقيل: إشارة إلى الظن أي لم يبلغوا من العلم إلا ظنهم أن ~~الملائكة بنات الله وأنها تشفع لهم، واعتمدوا على ذلك وأعرضوا عن ~~القرآن. وقيل: إشارة إلى الإعراض أي فأعرض عمن تولى؛ وذلك لأن الإعراض ~~غاية ما بلغوه من العلم وعلى هذا يكون المراد من العلم المعلوم ~~وتكون الألف واللام للتعريف والعلم المعلوم هو ما في القرآن. # فإن قيل: إن الله تعالى بين أن غايتهم ذلك في العلم ولا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها والمجنون الذي لا علم له أو الصبي لا يؤمر بما فوق ~~احتماله فكيف يعاقبهم الله؟ # فالجواب: أنه ذكر قبل ذلك أنهم تولوا عن ذكر الله فكان عدم علمهم ~~لعدم قبولهم العلم وإنما قدر الله توليهم ليضاف الجهل إلى ذلك ~~فيتحقق العقاب. # قوله: { إن ربك هو أعلم بمن ضل } جوز مكي أن ~~يكون على بابه من التفضيل أي هو أعلم من كل أحد بهذين الوصفين وبغيرهما، ~~وأن ms8136 يكون بمعنى عالم، وتقدم ذلك مرارا. # فصل # المعنى أن الله عالم بالفريقين فيجازيهم. ووجه المناسبة أن الله تعالى ~~لما قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - أعرض وكان النبي - عليه الصلاة ~~والسلام - شديد الميل إلى إيمان قومه كأنه هجس في خاطره أن في ذكراهم ~~منفعة، وربما يؤمن من الكفار قوم آخرون من غير قتال، فقال له: " ربك ~~أعلم بمن ضل عن سبيله " أي لا يؤمن بمجرد الدعاء أحد المتخلفين وإنما ~~ينفع فيهم وقع السيف والقتال فأعرض عن الجدال، وأقبل على القتال. وعلى ~~هذا فقوله: " بمن اهتدى " أي علم في الأزل من ضل ومن اهتدى فلا ~~يشتبه عليه الأمر، ولا بأس في الإعراض. # فإن قيل: قال في الضلال عن سبيله ولم يقل في الاهتداء إلى سبيله. # فالجواب: أن الضلال عن السبيل هو الضلال وهو كاف في الضلال، لأن ~~الضلال لا يكون إلا في السبيل وأما بعد الوصول فلا ضلال، أو لأن من ~~ضل عن سبيله لا يصل إلى المقصود سواء سلك سبيلا أو لم يسلكه وأما ~~من اهتدى إلى سبيل فلا وصول له إن لم يسلكه فقال من اهتدى إلى السبيل ~~وسلوكه. ### || [53.31-32] # قوله تعالى: { ولله ما في السماوات وما في الأرض } ~~وهذا معترض بين الآية الأولى وبين قوله: { ليجزي الذين ~~أساءوا بما عملوا }. # واللام في قوله: " ليجزي " فيها أوجه: # أحدها: أن يتعلق بقوله: # لا تغني شفاعتهم # [النجم: 26] ذكره مكي. وهو بعيد من حيث اللفظ ومن حيث المعنى. # الثاني: أن يتعلق بما دل عليه قوله: { ولله ما في السماوات ~~} أي له ملكهما يضل من يشاء ويهدي من يشاء ليجزي المحسن ~~والمسيء. # الثالث: أن يتعلق بقوله: " بمن ضل، وبمن اهتدى " واللام ~~للصيرورة أي عاقبة أمرهم جميعا للجزاء بما عملوا. قال معناه الزمخشري. # الرابع: أن يتعلق بما دل عليه قوله: # أعلم بمن ضل # [النجم: 30] أي حفظ ذلك ليجزي. قاله أبو البقاء. # وقرأ زيد بن علي: لنجزي بنون العظمة والباقون بياء الغيبة. وقوله: " ~~الذين أحسنوا " وحدوا ربهم " بالحسنى " بالجنة. وإنما ~~يقدر على مجازاة المحسن والمسيء ms8137 إذا كان مالكا فلذلك قال تعالى: { ~~ولله ما في السماوات وما في الأرض }. # قوله: " الذين يجتنبون " يجوز أن يكون منصوبا بدلا أو ~~بيانا أو نعتا " للذين [(أحسنوا) ". # فإن قيل: إذا كان بدلا عن " الذين] أحسنوا " فلم خالف ما ~~بعده بالمضي والاستقبال حيث قال " الذين أحسنوا " وقال: " ~~الذين يجتنبون " ولم يقل: اجتنبوا؟ # فالجواب: هو كقول القائل: الذين سألوني أعطيتهم الذين ~~يترددون إلي سائلين أي الذين عادتهم الترداد للسؤال سألوني وأعطيتهم ~~فكذلك ههنا أي الذين عادتهم ودأبهم الاجتناب لا الذين اجتنبوا مرة واحدة. ~~ويجوز أن يكون الموصول منصوبا بإضمار " أعني " ، وأن يكون خبر مبتدأ ~~مضمر أي هم الذين، وهذا نعت للمحسنين. # وقد تقدم الكلام في كبائر وكبير الإثم. # قوله: " إلا اللمم " فيه أوجه: # أحدها: أنه استثناء منقطع؛ لأن اللمم الصغائر فلم يندرج فيما قبلها. ~~وهذا هو المشهور. # الثاني: أنه صفة، و " إلا " بمنزلة غير كقوله: # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا # [الأنبياء: 22] أي كبائر الإثم والفواحش غير اللمم. # الثالث: أنه متصل. وهذا عند من يفسر اللمم بغير الصغائر، قالوا: إن ~~اللمم من الكبائر والفواحش قالوا: معنى الآية إلا أن يلم بالفاحشة ~~مرة ثم يتوب وتقع الواقعة ثم ينتهي. وهو قول أبي هريرة ومجاهد ~~والحسن ورواية عطاء عن ابن عباس، قال عبد الله بن عمرو بن العاص: ~~اللمم ما دون الشرك. # قال السدي: قال أبو صالح: سئلت عن قول الله عز وجل: إلا اللمم ~~فقلت: هو الرجل يلم الذنب ثم لا يعاوده، فذكرت ذلك لابن عباس فقال: ~~أعانك عليها ملك كريم. # وروى ابن عباس -(رضي الله عنهما) في قوله: إلا اللمم قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: # 4562- إن تغفر اللهم تغفر جما # وأي عبد لك لا ألما؟ # وأصل اللمم ما قل وصغر، ومنه اللمم وهو المس من الجنون ~~وألم بالمكان قل لبثه فيه، وألم بالطعام أي قل أكله منه. # وقال أبو العباس: أصل اللمم أن يلم بالشيء من غير أن يركبه ~~فقال: ألم بكذا إذا قاربه، ولم يخالطه. وقال الأزهري: العرب ms8138 تستعمل ~~الإلمام في معنى الدنو والقرب، وقال جرير: (رضي الله عنه وأرضاه): # 4563- بنفسي من تجنيه عزيز # علي ومن زيارته لمام # وقال آخر: # 4564- متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا # تجد حطبا جزلا ونارا تأججا # وقال آخر: # 4565- لقاء أخلاء الصفا لمام # ....................... # ومنه أيضا لمة الشعر لما دون الوفرة. # فصل # قال ابن الخطيب: الكبائر إشارة لما فيها من مقدار السيئة. # والفواحش في اللغة مختصة بالقبح الخارج قبحه عن حد الخفاء وتركيب الحروف ~~في التأليف يدل عليه، فإنك إذا قلبتها وقلت: حشف كان فيه معنى الزيادة ~~الخارجة عن الحد، فإن الحشف أرذل التمر، وكذلك فشح يدل ~~على حالة رديئة، يقال: فشحت الناقة إذا وقفت على ~~هيئة مخصوصة للبول فالفحش يلازمه القبح، ولهذا لم يقل الفواحش من ~~الإثم، وقال في الكبائر من الإثم؛ لأن الكبائر إن لم يميزها بالإضافة في ~~قوله: كبائر الإثم لما حصل المقصود بخلاف الفواحش. # واختلفوا في الكبائر والفواحش؟ فقيل: الكبائر ما وعد الله عليه بالنار ~~صريحا وظاهرا والفواحش ما أوجب عليه حدا في الدنيا. وقيل: الكبائر: ~~ما يكفر مستحلها. وقيل: الكبائر ما لا يغفر الله لفاعله إلا بعد ~~التوبة وهو مذهب المعتزلة. # قال ابن الخطيب: كل هذه التعريفات تعريف للشيء بما هو مثله في الخفاء أو ~~فوقه. وقد ذكرنا أن الكبائر هي التي مقدارها عظيم والفواحش هي التي قبحها ~~واضح، فالكبيرة صفة عائدة إلى المقدار والفاحشة صفة عائدة إلى الكيفية. # فصل # اختلفوا في معنى الآية، فقال بعضهم: ما سلف في الجاهلية فلا يؤاخذهم ~~الله به وذلك أن المشركين قالوا للمسلمين: إنهم كانوا بالأمس يعملون معا ~~فأنزل الله هذه الآية. وهذا قول زيد بن ثابت وزيد بن أسلم. # وقيل: هو صغار الذنوب كالنظرة والغمزة، والقبلة وما كان دون ~~الزنا. وهذا قول ابن مسعود وأبي هريرة ومسروق، والشعبي ورواية طاوس ~~عن ابن عباس قال: ما رأيت أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - # " إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ~~ذلك لا محالة، فزنا العين ms8139 النظر، وزنا اللسان ~~النطق، والنفس تتمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك ~~ويكذبه " # وفي رواية: # " والأذنان زناهما الاستماع، واليد زناها البطش ~~والرجل زناها الخطى ". # وقال الكلبي: اللمم على وجهين: # [الأول]: كل ذنب لم يذكر الله عليه حدا في الدنيا ولا عذابا في ~~الآخرة فذلك الذي تكفره الصلوات الخمس ما لم يبلغ الكبائر والفواحش. # والوجه الآخر: هو الذنب العظيم يلم به المسلم المرة بعد المرة فيتوب ~~منه. # وقال سعيد بن المسيب: هو ما لم على القلب أي خطر. وقال الحسين ~~بن الفضل: اللمم النظرة عن غير تعمد فهو مغفور، فإن أعاد النظر ~~فليس بلمم بل هو ذنب. # قوله: { إن ربك واسع المغفرة } ، قال ابن عباس - (رضي ~~الله عنه) - لمن يفعل ذلك وتاب. وههنا تم الكلام. # قوله: { هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض } في ~~تعلق الآية وجوه: # أحدها: هو تصوير لما قال من قبل، فإنه لو قال: هو أعلم بمن فعل كان ~~القائل من الكفار يقول: نحن نعلم أمورا في جوف الليل المظلم، وفي ~~البيت الخالي فكيف يعلمه الله؟ قال: ليس علمكم أخفى من أحوالكم وأنتم ~~أجنة في بطون أمهاتكم، فإن الله عالم بتلك الأحوال. # الثاني: أنه إشارة إلى أن الضال والمهتدي حصلا على ما هما عليه بتقدير ~~الله فإنه علم الحق وأنتم في بطون الأمهات فكتب على البعض أنه ضال، ~~وكتب على البعض أنه مهتد. # الثالث: أنه تأكيد لبيان الجزاء، لأنه لما قال: { ليجزي الذين ~~أساءوا بما عملوا } قال الكافرون هذا الجزاء لا يستحق إلا ~~بالحشر وجمع الأجزاء بعد تفرقها وإعادة ما كان لزيد من الأجزاء في بدنه ~~من غير اختلاط، وذلك غير ممكن فقال تعالى هو عالم مماذا أنشأكم فيجمعها ~~بعد ذلك على وفق علمه كما أنشأكم. # فصل # العامل في (قوله): " إذ " يحتمل أن يكون " اذكر " فيكون هذا تقريرا ~~لكونه عالما ويكون تقديره هو أعلم بكم. وقد تم الكلام ثم يقول: إن كنتم ~~في شك من علمه بكم فاذكروا حال إنشائكم من التراب. وقد تقدم الكلام على ~~قوله: { خلقكم من تراب ms8140 } بأن كل أحد أصله من التراب، فإنه يصير غذاء، ~~ثم يصير دما ثم يصير نطفة. # فإن قيل: لا بد من صرف قوله { إذ أنشأكم من الأرض } إلى ~~آدم، لأن قوله: { وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم } ~~عائد إلى غيره، فإنه لم يكن جنينا. وإن قلت بأن قوله تعالى: { إذ ~~أنشأكم } عائد إلى جميع الناس فينبغي أن يكون جميع الناس أجنة في ~~بطون الأمهات وهو قول الفلاسفة؟ # فالجواب: ليس كذلك، لأنا نقول: الخطاب مع الموجودين حالة الخطاب، فقوله: ~~{ هو أعلم بكم } خطاب مع من حضر (وقت) الإنزال وهم كانوا ~~أجنة، وخلقوا من الأرض على ما قررناه. # قوله: " أجنة " جمع جنين وهو الحمل في البطن لاستتاره. # و " جنين، وأجنة " كسرير وأسرة. # فإن قيل: الأجنة هم الذين في بطون الأمهات وبعد الخروج لا يسمى إلا ~~ولدا أو سقطا، فما فائدة قوله تعالى: { في بطون أمهاتكم ~~}؟ # فالجواب: أن ذلك تنبيه على كمال العلم والقدرة، فإن بطون الأمهات في ~~غاية الظلمة ومن علم حال الجنين فيها لا يخفى عليه ما يظهر من حال ~~العباد. # قوله: { فلا تزكوا أنفسكم } قال ابن عباس - (رضي الله ~~عنهما) -: لا تمدحوها. وقال الحسن: علم الله من كل نفس ما هي صانعة، وإلى ~~ما هي صائرة { فلا تزكوا أنفسكم } تبرئوها عن الآثام ~~ولا تمدحوها بحسن أعمالها. وقال الكلبي ومقاتل: كان الناس يعملون أعمالا ~~حسنة ثم يقولون: صلاتنا وصيامنا وحجنا فأنزل الله هذه الآية. ثم ~~قال: { هو أعلم بمن اتقى } أي بر وأطاع وأخلص ~~العمل. # فصل # يحتمل أن يكون هذا خطابا مع الكفار، فإنهم قالوا: كيف يعلمنا الله؟ فرد ~~عليهم قولهم ويحتمل أن يكون خطابا مع كل من كان في زمن الخطاب وبعده من ~~المؤمنين والكفار، ويحتمل أن يكون خطابا مع المؤمنين وتقريره أن الله ~~تعالى لما قال فأعرض عمن تولى عن ذكرنا قال لنبيه - ~~عليه الصلاة والسلام - قد علم كونك ومن تبعك على الحق وكون الكفار على ~~الباطل فأعرض عنهم ولا تقولوا نحن على الحق وأنتم على الضلال؛ لأنهم ~~يقابلونكم بمثل ms8141 ذلك وفوض الأمر إلى الله، فهو أعلم بمن اتقى ومن طغى. # وعلى هذا قول من قال: " فأعرض " منسوخ أظهر، وهو كقوله تعالى: # وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين # [سبأ: 24] يعني الله أعلم بجملة الأمر. ### || [53.33-55] # قوله: { أفرأيت الذي تولى } لما بين جهل المشركين في ~~عبادة الأصنام ذكر واحدا منهم معينا بسوء فعله. # قال مجاهد وابن زيد ومقاتل: نزلت في الوليد بن المغيرة كان قد اتبع ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - على دينه فعيره بعض المشركين وقالوا له: ~~تركت دين الأشياخ وضللتهم فقال: إني خشيت عذاب الله فضمن الذي عاتبه ~~إن هو أعطاه كذا من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الله، فرجع ~~الوليد إلى الشرك وأعطى الذي عيره بعض ذلك المال الذي ضمن ومنعه تمامه، ~~فأنزل الله { أفرأيت الذي تولى } أي أدبر عن الإيمان " ~~وأعطى " صاحبه " قليلا وأكدى " بخل بالباقي. وقال السدي: نزلت في ~~العاص بن وائل السهمي، وذلك أنه ربما وافق النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- في بعض الأمور. وقال محمد بن كعب القرظي: نزلت في أبي جهل وذلك أنه ~~قال: والله ما يأمرنا محمد إلا بمكارم الأخلاق فذلك قوله { وأعطى ~~قليلا وأكدى } أي لم يؤمن به. ومعنى " أكدى " أي قطع. # قوله: " وأكدى " أصله من أكدى الحافر إذا حفر شيئا فصادف ~~كدية منعته من الحفر، ومثله: أجبل أي صادف جبلا منعه من ~~الحفر، وكديت أصابعه كلت من الحفر، ثم استعمل في كل من ~~طلب شيئا فلم يصل إليه أو لم يتممه ولمن طلب شيئا ولم يبلغ آخره. ~~قال الحطيئة: # 4560- فأعطى قليلا ثم أكدى عطاؤه # ومن يبذل المعروف في الناس يحمد # ويقال: كدى النبت إذا قل ريعه، وكدت الأرض تكدو كدوا ~~فهي كادية إذا أبطأ نباتها. عن أبي زيد. # وأكديت الرجل عن الشيء رددته. وأكدى الرجل إذا ~~قل خيره، فقوله: { وأعطى قليلا وأكدى } أي قطع ~~القليل. # و " أرأيت " بمعنى أخبرني. وقوله: " الذي " يعود إلى الوليد ~~(بن المغيرة) قال ابن الخطيب: والظاهر أنه يعود إلى المتولي ms8142 في قوله: # فأعرض عن من تولى # [النجم: 29]. # فإن قيل: كان ينبغي أن يقول: الذين تولوا لأن (من) للعموم؟. # فالجواب: إن العود إلى اللفظ كقوله تعالى: # من جآء بالحسنة فله # [الأنعام: 160] ولم يقل: فلهم. # قوله: " فهو يرى " هذه الجملة مترتبة على ما قبلها ترتبا ظاهرا. ~~وقال أبو البقاء: " فهو يرى " جملة اسمية واقعة موقع الفعلية، ~~والأصل: أعنده علم الغيب فيرى، ولو جاء على ذلك لكان نصبا على ~~جواب الاستفهام، انتهى. وهذا لا حاجة إليه مع ظهور الترتيب بالجملة ~~الاسمية. وقد تقدم له نظير هذا الكلام والرد عليه. # ومعنى الآية أعند هذا المكدي علم الغيب - أي علم ما غاب عنه - من ~~العذاب فهو يرى أي يعلم ما غاب عنه من أمر الآخرة وما يكون من أمره حتى ~~يضمن حمل العذاب عن غيره وكفى بهذا جهلا بأنه يرى ما غاب عنه ويعلم ~~أن صاحبه يتحمل عنه عذابه. # قوله: { أم لم ينبأ } أي لم يخبر { بما في صحف موسى } ~~يعني أسفار التوراة و " أم " منقطعة أي بل ألم ينبأ و " ما " في قوله " ~~بما " يحتمل أن يكون المراد جنس ما قبلها أي لم ينبأ بالتوحيد والحشر ~~وغيره. ويحتمل أن يكون عين ما في التوراة لا جنسه. وعلى هذا فالكلام مع ~~أهل الكتاب. # قوله: " وإبراهيم " عطف على " موسى " ، أي وصحف إبراهيم، لقوله في ~~سورة الأعلى: # صحف إبراهيم وموسى # [الأعلى: 19]. # وإنما خص هذين النبيين بالذكر، لأنه كان بين إبراهيم وموسى يؤخذ الرجل ~~بجريرة غيره فأول من خالفهم إبراهيم قاله الهذيل بن شرحبيل. والعامة ~~على وفى بالتشديد. وقرأ أبو أمامة الباهلي وسعيد بن جبير وابن ~~السميقع: وفى مخففا. وقد تقدم أن فيه ثلاث لغات. وأطلق التوفية ~~والوفاء ليتناولا كل ما وفى به والمعنى تم وأكمل ما أمر به. # قال الحسن وسعيد بن جبير وقتادة: عمل ما أمر به، وبلغ رسالة ربه إلى ~~خلقه. وقال مجاهد: وفى بما فرض عليه. وقال الربيع: وفى رؤياه وقام بذبح ~~ابنه. وقال عطاء الخراساني: استكمل الطاعة. وقال أبو العالية: هو ~~الإتمام في ms8143 قوله تعالى: # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن # [البقرة: 124] والتوفية الإتمام. وقال الضحاك: وفى المناسك. وروي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " إبراهيم الذي وفى أربع ركعات من أول ~~النهار ". # قوله: { ألا تزر وازرة وزر أخرى } " أن " مخففة من ~~الثقيلة واسمها محذوف هو ضمير الشأن و " لا تزر " هو الخبر. وجيء ~~بالنفي لكون الخبر جملة فعلية متصرفة غير مقرونة كما تقدم تحريره في ~~المائدة. و " أن " وما في حيزها فيها قولان: # أظهرهما: الجر بدلا من " ما " في قوله { بما في صحف }. # والثاني: الرفع خبرا لمبتدأ مضمر أي ذلك أن لا تزر أو هو أن لا ~~تزر. وهو جواب لسؤال مقدر؛ كأن قائلا قال: وما في صحفهما؟ فأجيب بذلك. # قال شهاب الدين: ويجوز أن يكون نصبا بإضمار " أعني " جوابا لذلك ~~السائل وكل موضع أضمر فيه هذا المبتدأ لهذا المعنى أضمر فيه هذا الفعل. # فصل # معنى الآية: أنه لا تحمل نفس حمل أخرى أي لا تؤخذ نفس بإثم ~~غيرها. وفي هذا إبطال قول من ضمن للوليد بن المغيرة أن يحمل عنه الإثم. # وروى عكرمة عن ابن عباس (رضي الله عنهما) قال: كانوا قبل إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام يأخذون الرجل بذنب غيره وكان الرجل يقتل بقتل أبيه ~~وابنه وأخواته حتى جاءهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام فنهاهم عن ذلك ~~وبلغهم عن الله عز وجل أن لا تزر وازرة وزر أخرى. # فإن قيل: الآية مذكورة لبيان أن وزر الرجل لا يحمل عنه وبهذا الكلام ~~لا تحصل هذه الفائدة، لأن الوازرة تكون مثقلة بوزرها وكل أحد ~~يعلم أنها لا تحمل شيئا فلو قال: لا تحمل فارغة وزر أخرى كان أبلغ. # فالجواب: أن المراد من الوازرة هي التي يتوقع منها الوزر والحمل لا ~~التي وزرت وحملت. # ونقل القرطبي عن أبي مالك الغفاري قال: قوله تعالى: { ألا تزر ~~وازرة وزر أخرى } إلى قوله: { فبأي آلاء ربك ~~تتمارى } في صحف إبراهيم وموسى. # قوله تعالى: { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } أن هي ~~المخففة أيضا ولم يفصل هنا ms8144 بينها وبين الفعل لأنه لا يتصرف. ومحلها الجر ~~أو الرفع، أو النصب لعطفها على (أن) قبلها، وكذلك محل: " وأن ~~سعيه ". و " يرى " مبني للمجهول، فيجوز أن تكون من البصرية أي ~~يبصر، وأن تكون من العلمية فيكون الثاني محذوفا أي يرى حاضرا. ~~والأول أوضح. # وقال مكي: وأجاز الزجاج: يرى بفتح الياء على إضمار الهاء؛ أي سوف ~~يراه ولم يجزه الكوفيون لأن " سعيه " يصير قد عمل فيه أن، و " ~~يرى ". وهو جائز عند المبرد وغيره؛ لأن دخول " أن " على " ~~سعيه " وعملها فيه، يدل على الهاء المحذوفة من " يرى "؛ وعلى هذا ~~جوز البصريون: إن زيدا ضربت بغير هاء. # قال شهاب الدين: وهو خلاف ضعيف توهموا أن الاسم توجه عليه عاملان ~~مختلفان في الجنسية، لأن رأي بعضهم أن يعمل فعلان في معمول واحد، ~~ومنه باب التنازع في بعض صوره، نحو: قام وقعد زيد وضربت ~~وأكرمت عمرا وأن يعمل عامل واحد في اسم وفي ضميره معا نحو: زيدا ~~ضربته في باب الاشتغال. وهذا توهم باطل؛ لأنا نقول: سعيه منصوب ~~" بأن " و " يرى " متسلط على ضميره المقدر فظاهر هذا أنه لم يقرأ ~~به. # وقد حكى أبو البقاء أنه قرىء به شاذا، ولكه ضعفه من جهة أخرى فقال: ~~وقرىء بفتح الياء، وهو ضعيف؛ لأنه ليس فيه ضمير يعود على اسم أن وهو ~~السعي والضمير الذي فيه الهاء فيبقى الاسم بغير خبر وهو كقولك: إن ~~غلام زيد قام وأنت تعني قام زيد، فلا خبر " لغلام ". # وقد وجه على أن التقدير سوف يراه فتعود الهاء على السعي. وفيه ~~بعد. انتهى. # قال شهاب الدين: وليت شعري كيف توهم المانع المذكور وكيف نظره بما ~~ذكر؟! ثم أي بعد في تقدير سوف يرى سعي نفسه؟! وكأنه اطلع على ~~مذهب الكوفيين في المنع إلا أن المدرك غير المدرك. # قوله: { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } أي عمل، ~~كقوله: # إن سعيكم لشتى # [الليل: 4]. وهذا أيضا في صحف إبراهيم وموسى. قال ابن عباس - ~~( رضي الله عنهما ) - هذا منسوخ الحكم في هذه الشريعة بقوله: # ألحقنا بهم ms8145 ذريتهم # [الطور: 21] فأدخل الأبناء الجنة بصلاح الآباء. # وقال عكرمة: كان ذلك لقوم إبراهيم وموسى أما هذه الأمة فلهم ما سعوا ~~وما سعى لهم غيرهم لما # " روي أن امرأة رفعت صبيا لها فقالت يا رسول الله: ألهذا ~~حج؟ قال: نعم، ولك أجر ". # " وقال رجل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إن أمي قتلت نفسها فهل ~~لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم ". # قال الشيخ تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية: من اعتقد أن الإنسان ~~لا ينتفع إلا بعمله فقد خرق الإجماع وذلك باطل من وجوه كثيرة: # أحدها: أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره وهو انتفاع بعمل الغير. # الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يشفع لأهل الموقف في الحساب ثم ~~لأهل الجنة في دخولها، ثم لأهل الكبائر في الإخراج من النار، وهذا انتفاع ~~بسعي الغير. # الثالث: أن كل نبي وصالح له شفاعة وذلك انتفاع بعمل الغير. # الرابع: أن الملائكة يدعون ويستغفرون لمن في الأرض وذلك منفعة بعمل ~~الغير. # الخامس: أن الله يخرج من النار من لم يعمل خيرا قط بمحض رحمته. ~~وهذا انتفاع بغير عملهم. # السادس: أن أولاد المؤمنين يدخلون الجنة بعمل آبائهم وذلك انتفاع ~~بمحض عمل الغير. # السابع: قال تعالى في قصة الغلامين اليتمين: # وكان أبوهما صالحا # [الكهف: 82]. فانتفعا بصلاح أبيهما وليس هو من سعيهما. # الثامن: أن الميت ينتفع بالصدقة عنه، وبالعتق بنص السنة والإجماع، ~~وهو من عمل غيره. # التاسع: أن الحج المفروض يسقط عن الميت بحج وليه بنص السنة ~~وهو انتفاع بعمل الغير. # العاشر: أن الصوم المنذور والحج المنذور يسقط عن الميت بعمل غيره ~~بنص السنة وهو انتفاع بعمل الغير الذي امتنع عليه الصلاة والسلام من ~~الصلاة عليه حتى قضى دينه أبو قتادة، وقضى دين الآخر علي بن ~~أبي طالب قد انتفع بصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وبردت جلدته ~~بقضاء دينه وهو من عمل الغير. # الحادي عشر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - # " قال لمن صلى وحده: ألا رجل يتصدق على هذا الرجل فيصلي معه فقد حصل ~~له فضل ms8146 الجماعة بفضل الغير ". # الثاني عشر: أن الإنسان تبرأ ذمته من ديوان الخلق إذا قضاها قاض عنه ~~وذلك انتفاع بعمل غيره. # الثالث عشر: أن من عليه تبعات ومظالم إذا حلل منها سقطت عنه وهذا ~~انتفاع بعمل غيره. # الرابع عشر: أن الجار الصالح ينفع في المحيا والممات كما جاء في الأثر، ~~وهذا انتفاع بعمل الغير. # الخامس عشر: أن جليس أهل الذكر يرحم بهم وهو لم يكن منهم، ولم يجلس ~~لذلك بل لحاجة عرضت له والأعمال بالنيات فقد انتفع بعمل غيره. # السادس عشر: الصلاة على الميت والدعاء له في الصلاة انتفاع للميت ~~بصلاة الحي عليه وهو عمل غيره. # السابع عشر: أن الجمعة تحصل باجتماع العدد، وكذلك الجماعة بكثرة العدد ~~وهو انتفاع للبعض بالبعض. # الثامن عشر: أن الله قال لنبيه - عليه الصلاة والسلام -: # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم # [الأنفال: 33] وقال: # ولولا رجال مؤمنون ونسآء مؤمنات # [الفتح: 25] وقال # ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض # [الحج: 40] فقد دفع الله العذاب عن بعض الناس بسبب بعض وذلك انتفاع بعمل ~~الغير. # التاسع عشر: أن صدقة الفطر تجب على الصغير وغيره ممن الرجل ينفع بذلك من ~~يخرج عنه ولا سعي له. # العشرون: أن الزكاة تجب في مال الصبي والمجنون ويثاب على ذلك ولا سعي ~~له، ومن تأمل العلم وجد من انتفاع الإنسان بما لم يعمله ما لا يكاد يحصى ~~فكيف يجوز أن يتناول الآية على خلاف صريح الكتاب والسنة وإجماع الأمة؟!. # والمراد بالإنسان العموم. # وقال الربيع بن أنس: ليس للإنسان - يعني الكافر - وأما المؤمن فله ما ~~سعى وما سعي له. وقيل: ليس للكافر من الخير إلا ما عمله يثاب عليه في ~~الدنيا حتى لا يبقى له في الآخرة خير. # ويروى: أن عبد الله بن أبي (ابن سلول) كان أعطى العباس قميصا ألبسه ~~إياه فلما مات أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قميصه ليكفن فيه ~~فلم يبق له حسنة في الآخرة يثاب عليها. # وقوله: { وأن سعيه سوف يرى } أي يرى في ميزانه يوم ~~القيامة من أريته الشيء أي ms8147 يعرض عليه ويكشف له. # فإن قيل: العمل كيف يرى بعد وجوده ومضيه؟!. # فالجواب من وجهين: # أحدهما: يرى على صورة جميلة إن كان العمل صالحا. # الثاني: قال ابن الخطيب: وذلك على مذهبنا غير بعيد، فإن كل موجود يرى ~~الله والله قادر على إعادة كل ما عدم فبعد الفعل فيرى. ووجه آخر وهو ~~أن ذلك مجاز عن الثواب كقولك: " سترى إحسانك " أي جزاءه. وفيه نظر؛ لقوله ~~بعد ذلك: { ثم يجزاه الجزآء الأوفى }. # قوله: " ثم يجزاه " يجوز في الضمير وجهان: # أظهرهما: أن الضمير المرفوع يعود على الإنسان والمنصوب يعود على " ~~سعيه " والجزاء مصدر مبين للنوع. # والثاني: قال الزمخشري: ويجوز أن يكون الضمير للجزاء، ثم فسره بقوله: " ~~الجزاء " ، أو أبدله منه كقوله: # وأسروا النجوى الذين ظلموا # [الأنبياء: 3]. # قال أبو حيان: وإذا كان تفسيرا للضمير المنصوب في " يجزاه " فعلى ~~ماذا ينتصب؟ وأما إذا كان بدلا فهو من بدل الظاهر من المضمر. # وهو مسألة خلاف. والصحيح المنع. # قال شهاب الدين: العجب كيف يقول: فعلى ماذا ينتصب؟ وانتصابه من وجهين: # أظهرهما: أن يكون عطف بيان وعطف البيان يصدق عليه أنه مفسر. وهي ~~عبارة شائعة. # الثاني: أن ينتصب بإضمار " أعني " وهي عبارة شائعة أيضا يسمون مثل ذلك ~~تفسيرا. # وقد منع أبو البقاء أن ينتصب " الجزاء الأوفى " على المصدر فقال: ~~" الجزاء الأوفى " هو مفعول " يجزاه " وليس بمصدر؛ لأنه وصفه ~~بالأوفى وذلك من صفة المجزي به لا من صفة الفعل. # قال شهاب الدين: وهذا لا يبعد عن الغلط؛ لأنه يلزم أن يتعدى " يجزى ~~" إلى ثلاثة مفاعيل؛ لأن الأول قام مقام الفاعل والثاني " الهاء " التي ~~هي ضمير السعي، والثالث " الجزاء الأوفى ". وأيضا فكيف ينتظم المعنى؟ ~~وقد يجاب عنه بأنه أراد أنه بدل من الهاء، كما تقدم عن الزمخشري. # ويصح أن يقال: هو مفعول " يجزاه " فلا يتعدى لثلاثة حينئذ إلا أنه ~~بعيد عن غرضه. ومثل هذا إلغاز. # وأما قوله: " والأوفى ليس من صفات الفعل " ممنوع، بل هو من صفاته ~~مجازا، كما يوصف المجزي به مجازا فإن الحقيقة في كليها منتفية وإنما ~~المتصف ms8148 به حقيقة المجازى. # وقال ابن الخطيب: والجزاء يتعدى إلى مفعولين، قال تعالى: # وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا # [الإنسان: 12] ويقال جزاك الله خيرا، ويتعدى إلى ثلاثة مفاعيل بحرف ~~الجر، فيقال: جزاه الخير على عمله الجنة، وقد يحذف الجار ~~ويوصل الفعل، فيقال: جزاه الخير عمله الجنة. # فصل # والمراد بالجزاء الأوفى: الأكمل والأتم أي يجزى الإنسان ~~سعيه؛ يقال: جزيت فلانا سعيه وبسعيه قال الشاعر: # 4567- إن أجز علقمة بن سعد سعيه # لم أجزه ببلاء يوم واحد # فجمع بين اللغتين. # قال ابن الخطيب: والجزاء الأوفى يليق بالمؤمنين الصالحين؛ لأن جزاء ~~الصالح وافر، قال تعالى: # فإن جهنم جزآؤكم جزاء موفورا # [الإسراء: 63] وذلك أن جهنم ضررها أكثر من نفع الآثام، فهي في نفسها ~~أوفى. فإن قيل: " ثم " لتراخي الجزاء أو لتراخي الكلام أي ثم نقول ~~يجزاه؟ فإن تكان لتراخي الجزاء فكيف يؤخر الجزاء عن الصالح وقد ~~قلت: إن الظاهر أن المراد منه الصالحون؟!. # نقول: الوجهان محتملان وجواب السؤال أن الوصف بالأوفى يدفع ما ذكرت؛ لأن ~~الله تعالى من أول زمان يتوب الصالح يجزيه خيرا ويؤخر له الجزاء ~~الأوفى وهي الجنة. # أو نقول: الأوفى إشارة إلى الزيادة فصار كقوله تعالى: # للذين أحسنوا الحسنى # [يونس: 26] وهي الجنة # وزيادة # [يونس: 26] وهي الرؤية، فكأنه تعالى قال: وأن سعيه سوف يرى ثم يرزق ~~الرؤية. وهذا الوجه يليق بتفسير اللفظ، فإن الأوفى مطلق غير مبين، فلم ~~يقل: أوفى من كذا فينبغي أن يكون أوفى من كل واف ولا يتصف به غير رؤية ~~الله تعالى. # فصل # قال في حق المسيء: لا تزر وازرة (وزر أخرى) وهو لا يدل إلا ~~على عدم الحمل عن الوازرة، ولا يلزم من ذلك بقاء الوزر عليها من ~~ضرورة اللفظ؛ لجواز أن يسقط عنها، ويمحو الله ذلك الوزر، فلا يبقى ~~عليها ولا يحمل عنها غيرها، ولو قال: لا تزر (وازرة) إلا وزر ~~نفسها لكان من ضرورة الاستثناء أنها تزر. وقال في حق المحسن: { ليس ~~للإنسان إلا ما سعى } ولم يقل: ليس له ما لم يسع؛ لأن ~~العبارة الثانية ليس فيها ms8149 أن له ما سعى وفي العبارة الأولى أن له ما سعى ~~نظرا إلى الاستثناء فقال في حق المسيء بعبارة لا تقطع رجاءه، وفي حق ~~المحسن بعبارة تقطع خوفه، وكل ذلك إشارة إلى سبق الرحمة الغضب. # قوله [تعالى:] { وأن إلى ربك المنتهى } العامة على ~~فتح همزة " أن " وما عطف عليها بمعنى أن الجميع في صحف موسى ~~وإبراهيم. # وقرأ أبو السمال بالكسر في الجميع على الابتداء ومعنى الآية: إن ~~منتهى الخلق ومصيرهم إليه فيجازيهم بأعمالهم. وقيل: منه ابتداء ~~المنة وإليه انتهاء الآمال. وروى أو هريرة مرفوعا: تفكروا في ~~الخلق ولا تفكروا في الخالق، فإن الله لا يحيط به ~~الفكر. # قال القرطبي: ومن هذا المعنى قوله عليه الصلاة والسلام: # " يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا؟ من ~~خلق كذا؟ حتى يقول له: من خلق ربك؟ فإذا بلغ ~~ذلك فليستعذ بالله ولينته " # ولهذا أحسن من قال (رحمة الله عليه ورضاه) (شعرا): # 4568- ولا تفكرن في ذا العلا عز وجهه # فإنك تردى إن فعلت وتخذل # ودونك مصنوعاته فاعتبر بها # وقل مثل ما قال الخليل المبجل # وقيل: المراد من هذه الآية التوحيد. # وفي المخاطب وجهان: # أحدهما: أنه عام تقديره إلى ربك أيها السامع أو العاقل. # والثاني: أنه خطاب مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلى الأولى يكون ~~تهديدا وعلى الثاني يكون تسلية لقلب النبي - صلى الله عليه وسلم -. # فعلى الأولى أيضا تكون اللام في " المنتهى " للعهد الموعود في ~~القرآن. # وعلى الثاني تكون للعموم أي إلى ربك كل منتهى. # فإن قيل: فعلى هذا الوجه يكون منتهى، وعلى الأول يكون " مبتدى ". # فالجواب: منتهى الإدراكات والمدركات فإن الإنسان أولا يدرك ~~الأشياء الظاهرة ثم يمعن النظر فينتهي إلى الله فيقف عنده. # قوله: { وأنه هو أضحك وأبكى } (أضحك وأبكى) ما بعده هذا ~~يسميه البيانيون الطباق والتضاد وهو نوع من البديع، وهو أن يذكر ضدان ~~أو نقيضان أو متنافيان بوجه من الوجوه. # و " أضحك وأبكى " لا مفعول لهما في هذا الموضع؛ لأنها مسوقة ~~لقدرة الله تعالى لا لبيان المقدور، فلا حاجة إلى المفعول ms8150 كقول القائل: ~~فلان بيده الأخذ والعطاء يعطي ويمنع ولا يريد ممنوعا ~~ومعطى. # فصل # اختار هذين الوصفين المذكورين لأنهما أمران لا يعللان، فلا يقدر أحد ~~من الطبيعيين أن يبدي في اختصاص الإنسان بالضحك والبكاء ~~وجها وسببا وإذا لم يعلل بأمر، فلا بد له من موجد فهو الله بخلاف ~~الصحة والسقم، فإنهم يقولون: سببهما اعتلال المزاج وخروجه عن ~~الاعتدال. # ومما يدل على ما ذكرنا أنهم عللوا الضحك قالوا: لقوة التعجب وهو باطل، ~~لأن الإنسان ربما يبهت عند رؤية الأمور العجيبة ولا يضحك. وقيل: لقوة ~~الفرح؛ وليس كذلك؛ لأن الإنسان قد يبكي لقوة الفرح كما قال بعضهم (شعرا) # 4569- هجم السرور علي حتى إنني # من عظم ما قد سرني أبكاني # وأيضا فالذي يحزن غاية الحزن قد يضحك وقد يخرج الدمع من العين عند ~~أمور مخصوصة لا يقدرون على تعليلها بتعليل صحيح. # وأيضا عند الخواص كالتي في المغناطيس وغيره ينقطع الطبيعي كما ~~ينقطع هو والمهندس الذي لا يفوض أمره إلى قدرة الله وإرادته عند ~~أوضاع الكواكب. # فصل # إذا قيل: بأن المراد بقوله تعالى: { إلى ربك المنتهى } ~~إثبات الوحدانية فهذه الآيات مبينات لمسائل يتوقف عليها الإسلام من ~~جملتها قدرة الله تعالى، فإن من الفلاسفة من يقول: بأن الله المنتهى ~~وأنه واحد لكن يقول: بأنه موجب لا قادر فقال تعالى: هو أوجد ضدين ~~الضحك والبكاء في محل واحد على التعاقب والتراخي، والموت ~~والحياة، والذكورة والأنوثة في مادة واحدة، وذلك لا يكون إلا من ~~قادر يعترف به كل عاقل. # وإن قيل: بأن المراد بالمنتهى بيان المعاد فهو إشارة إلى أن الإنسان ~~كما كان في الدنيا في بعض الأمور ضاحكا وفي بعضها باكيا محزونا كذلك ~~في الآخرة. # فصل # هذه الآية تدل على أن كل ما يعمله الإنسان فبقضاء الله وخلقه ~~حتى الضحك والبكاء قال مجاهد والكلبي: أضحك أهل الجنة في الجنة وأبكى ~~أهل النار في النار، وقال الضحاك: أضحك الأرض بالنبات، وأبكى السماء ~~بالمطر، وقال عطاء بن أبي مسلم: يعني أفرح وأحزن؛ لأن الفرح يجلب ~~الضحك والحزن يجلب البكاء. ms8151 # فصل # " روى مسلم عن عائشة - (رضي الله عنها) - قالت: والله ما قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - إن الميت ليعذب ببكاء أهله، ولكنه قال: إن ~~الكافر يزيده الله ببكاء أهله عذابا، وإن الله لهو أضحك وبكى، ~~وما تزر وازرة وزر أخرى ". # وعنها قالت: # " مر النبي - صلى الله عليه وسلم - على قوم من أصحابه وهم يضحكون فقال: ~~لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم ~~كثيرا، فنزل جبريل - عليه الصلاة والسلام - فقال يا محمد: إن الله ~~يقول لك: إنه هو أضحك وأبكى فرجع إليهم فقال: ما خطوت أربعين خطوة ~~حتى أتاني جبريل فقال: إيت هؤلاء فقل لهم إن الله يقول: هو أضحك وأبكى ~~" # أي قضى أسباب الضحك والبكاء. # وقال بسام بن عبد الله: أضحك أسنانهم وأبكى قلوبهم، وأنشد [رحمه ~~الله]: # 4570- السن تضحك والأحشاء تحترق # وإنما ضحكها زور ومختلق # يا رب باك بعين لا دموع لها # ورب ضاحك سن ما به رمق # قيل: إن الله تعالى خص الإنسان بالضحك والبكاء من بين سائر الحيوانات. ~~وقيل: إن القرد وحده يضحك ولا يبكي، وإن الإبل وحدها تبكي ولا ~~تضحك. وقال يوسف بن الحسين: سئل طاهر المقدسي: أتضحك ~~الملائكة؟ فقال: ما ضحكوا ولا كل من دون العرش. # قوله تعالى: { وأنه هو أمات وأحيا } أي أمات في ~~الدنيا، وأحيا للبعث. وقال القرطبي: قضى أسباب الموت والحياة. وقيل: ~~خلق الموت والحياة. قاله ابن بحر. وقيل: أمات النطفة وأحيا ~~النسمة، وقيل: أمات الآباء وأحيا الأبناء. وقيل: أمات الكافر بالكفر، ~~وأحيا المؤمن بالإيمان. # قال ابن الخطيب: فإن قيل: معنى أمات وأحيا حتى يعلم ذلك بل مشاهدة ~~الإحياء والإماتة بناء على الحياة والموت؟. # نقول: فيه وجوه: # أحدها: أنه على التقديم والتأخير كأنه قال: أحيا وأمات. # ثانيها: هو بمعنى المستقبل، فإن الأمر قريب المستقبل، يقال: كأن ~~فلانا وصل والليل دخل، إذا قرب مكانه وزمانه فكذلك الإحياء ~~والإماتة. # ثالثها: أنه خلق الموت والجمود في العناصر ثم ركبها و " أحيا " ~~أي خلق الحس والحركة فيها. # قوله: { وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى } أي من ms8152 ~~كل حيوان. ولم يرد آدم وحواء؛ لأنهما ما خلقا من نطفة. وهذا أيضا من ~~جملة المتضادات الواردة على النطفة، فبعضها يخلق ذكرا وبعضها يخلق أنثى، ~~ولا يصل إليه فهم الطبيعي، والذي يقولونه من البرد والرطوبة في ~~الأنثى فرب امرأة أحر وأيبس مزاجا من الرجل. # فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: { وأنه خلق } ولم يقل: " ~~وأنه هو خلق " كما قال: { وأنه هو أضحك وأبكى ~~}؟ # فالجواب: أن الضحك والبكاء ربما يتوهم أنه بفعل الإنسان، والإماتة ~~والإحياء وإن كان ذلك التوهم أبعد لكن ربما يقول به جاهل كما قال من ~~حاج إبراهيم عليه الصلاة والسلام # قال أنا أحيي وأميت # [البقرة: 258] فأكد ذلك بالفصل. وأما خلق الذكر والأنثى من النطفة فلا ~~يتوهم أحد أنه بفعل واحد من الناس، فلم يؤكد بالفصل، ألا ترى إلى قوله: ~~{ وأنه هو أغنى وأقنى } حيث كان الإغناء عندهم غير مسند ~~إلى الله، وكان في معتقدهم أن ذلك بفعلهم كما قال قارون: # إنمآ أوتيته على علم عندي # [القصص: 78] وكذلك قال: { وأنه هو رب الشعرى } فأكد في ~~مواضع استبعادهم إلى الإسناد ولم يؤكد في غيره. # واختلفوا في الذكر والأنثى هل هما اسمان وهما صفة؟ أو اسمان ليسا بصفة؟ ~~فالمشهور عند أهل اللغة أنهما اسمان ليسا بصفة. # قال ابن الخطيب: والظاهر أنهما من الأسماء التي هي صفات فالذكر ~~كالحسن، والأنثى كالحبلى والكبرى. # قوله: { من نطفة إذا تمنى } أي تصب في الرحم؛ ~~يقال: منى الرجل وأمنى. قاله الضحاك وعطاء بن أبي رباح. # وقيل: تقدر، يقال: منيت الشيء إذا قدرته. وهذا أيضا تنبيه ~~على كمال القدرة، لأن النطفة جسم متناسب الأجزاء يخلق الله منها أعضاء ~~مختلفة، وطباعا متباينة، وخلق الذكر والأنثى منها أعجب ما يكون، ولهذا ~~لم يقدر أحد على أن يدعيه كما لم يقدر على أن يدعي خلق ~~السموات، ولهذا قال تعالى: # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله # [لقمان: 25]. # قوله: { وأن عليه النشأة الأخرى } أي الخلق الثاني ~~للبعث يوم القيامة. قال ابن الخطيب: يحتمل أن يكون المراد من قوله: { ~~وأن ms8153 عليه النشأة الأخرى } هو نفخ الروح الإنسانية فيه ~~كما قال تعالى: # ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا ~~النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا ~~المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه ~~خلقا آخر # [المؤمنون: 13 و 14] أي غير خلق النطفة علقة، والعلقة مضغة، والمضغة ~~عظاما. وبهذا الخلق الآخر وهو نفخ الروح تميز الإنسان عن أنواع ~~الحيوانات فكما قال هناك: { أنشأناه خلقا آخر } بعد خلق النطفة قال ~~ههنا: { وأن عليه النشأة الأخرى } فجعل خلق الروح نشأة ~~أخرى كما جعله هناك إنشاء آخر. # فإن قيل: الإعادة لا تجب على الله، فما معنى قوله تعالى: " وأن ~~عليه "؟ # فالجواب على مذهب المعتزلة يجب عليه عقلا، فإن الجزاء واجب، وذلك لا ~~يتم إلا بالحشر فتجب الإعادة عليه عقلا، وأما على مذهب أهب السنة ففيه ~~وجهان: # الأول: " عليه " بحكم الوعد، فإنه قال: # إنا نحن نحيي الموتى # [يس: 12] " فعليه " بحكم الوعد لا بالعقل ولا بالشرع. # الثاني: " عليه " بحكم التعيين، فإن من حضر بين جمع وحاولوا أمرا ~~وعجزوا عنه، يقال له: وجب عليك إذن أن تفعله أي ~~تعينت له. # فصل # قرىء النشأة على أنه مصدر كالضربة على وزن فعلة وهي ~~المرة يقال: ضربة وضربتان يعني النشأة مرة أخرى عليه. وقرىء ~~النشاءة - بالمد - على أنه مصدر على وزن فعالة، كالكفالة. ~~وكيفما قرىء فهي من " نشأ " ، وهو لازم. # قوله: { وأنه هو أغنى وأقنى } قال أبو صالح: " أغنى " ~~الناس بالأموال " وأقنى " أعطى القنية وأصول الأموال وما ~~يدخرونه بعد الكفاية. # وقال الضحاك: " أغنى " بالذهب والفضة، وصنوف الأموال، " وأقنى " بالإبل ~~والبقر والغنم، وقال الحسن وقتادة: أخدم. وقال ابن عباس - (رضي الله ~~عنهما) أغنى وأقنى أعطى فأرضى. وقال مجاهد ومقاتل: أرضى بما ~~أعطى وقنع. وقال الراغب: وتحقيقه أنه جعل له قنية من الرضا. # وقال سليمان التيمي: أغنى نفسه وأفقر خلقه إليه. وقال ابن زيد: ~~" أغنى " أكثر " وأقنى " أقل، وقرأ: # يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر # [الإسراء: 30]. # وقال الأخفش: " أقنى ": أفقر. وقال ابن كيسان: أولد. قال الزمخشري: " ~~أقنى " أعطى القنية، وهي المال الذي تأثلته وعزمت ms8154 أن لا يخرج من ~~يدك. وقال الجوهري: " قني الرجل يقنى قنى " مثل " غني ~~يغنى غنى " ، ثم يتعدى بتغيير الحركة فيقال: قنيت مالا أي ~~كسبته، وهو نظير: شترت عينه - بالكسر - وشترها الله - ~~بالفتح - فإذا أدخلت عليه الهمزة أو التضعيف اكتسب مفعولا ثانيا فيقال: ~~أقناه الله مالا، وقناه إياه أي أكسبه إياه، قال الشاعر: # 4571- كم من غني أصاب الدهر ثروته # ومن فقير تقنى بعد إقلال # أي تقنى مالا، فحذف (المفعول الثاني). وحذف مفعولا " أغنى وأقنى "؛ لأن ~~المراد نسبة هذين الفعلين إليه وحده، وكذلك في باقيها، وألف " أقنى ~~" عن ياء، لأنه من القنية؛ قال: # 4572- ألا إن بعد العدم للمرء قنية # ويقال: قنيت كذا وأقنيته، قال: # 4573-.............................. # قنيت حيائي عفة وتكرما # قوله تعالى: { وأنه هو رب الشعرى } والشعرى في لسان ~~العرب كوكبان يسمى أحدهما الشعرى العبور وهو المراد في الآية الكريمة، ~~فإن خزاعة كانت تعبدها، وسن عبادتها أبو كبشة رجل من سادتهم ~~فعبدها وقال: لأن النجوم تقطع السماء عرضا والشعرى تقطعها طولا ~~فهي مخالفة لها فعبدتها خزاعة وحمير وأبو كبشة أحد أجداد النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - من قبل أمهاته، وبذلك كان مشركو قريش يسمون ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: ابن أبي كبشة حين دعا إلى الله، وخالف ~~أديانهم، فكانت قريش تقول لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~ابن أبي كبشة تشبيها بذلك الرجل في أنه أحدث دينا غير دينهم. # والشعرى العبور تطلع بعد الجوزاء في شدة الحر ويقال لها: مرزم ~~الجوزاء وتسمى كلب الجبار، ويسمى الشعرى اليمانية والثاني الشعرى ~~الغميصاء، وهي التي في الذراع والمجرة بينهما وتسمى الشامية، وسبب ~~تسميها بالغميصاء - على ما زعمت العرب في بعض خرافاتها - أنهما كانتا ~~أختين لسهيل فانحدر سهيل إلى اليمن فاتبعته الشعرى العبور ~~فعبرت المجرة فسميت العبور، وأقامت الغميصاء تبكي لفقده، حتى ~~غمصت عينها، ولذلك كانت أخفى من العبور. وقد كان من لا يعبد الشعرى من ~~العرب يعلمها ويعتقد تأثيرها في العالم قال: # 4574- مضى أيلول وارتفع الحرور # وأخبت نارها الشعرى العبور # فصل # وهذا الآية إشارة إلى فساده قول ms8155 قوم آخرين؛ لأن بعض الناس يذهب إلى أن ~~الفقر والغنى بكسب الإنسان واجتهاده، فمن كسب استغنى، ومن كسل ~~افتقر، وبعضهم يذهب إلى أن ذلك بسبب الطالع وذلك بالنجوم فقال: هو ~~أغنى وأقنى وإن قال قائل: إن الغنى بالنجوم فيقال: هو رب النجوم ~~ومحركها لقوله تعالى: { وأنه هو رب الشعرى } ~~لإنكارهم ذلك أكد بالفصل. # قوله: { وأنه أهلك عادا الأولى } اعلم أن هذه الآية ~~الكريمة من أشكل الآيات نقلا وتوجيها. # قال شهاب الدين (رحمه الله): وقد يسر الله تعالى تحرير ذلك ~~بحوله وقوته فأقول: إن القراء اختلفوا في ذلك على أربع رتب: # إحداها: قرأ ابن كثير وابن عامر والكوفيون " عاد الأولى " ~~بالتنوين مكسورا وسكون اللام وتحقيق الهمزة بعدها. هذا كله في الوصل، ~~فإذا وقفوا على " عاد " ابتدأوا ب " الأولى " فقياسهم أن يقولوا ~~الأولى بهمزة الوصل وسكون اللام وتحقيق الهمزة. # الثانية: قرأ قالون: عادا لؤلى بإدغام التنوين في اللام ونقل حركة ~~الهمزة إلى لام التعريف وهمز الواو هذا في الوصل، وأما في الابتداء ب " ~~الأولى " فله ثلاثة أوجه: # الأول: الؤلى - بهزة وصل ثم بلام مضمومة ثم بهمزة ساكنة. # الثاني: لؤلى - بلام مضمومة، ثم بهمزة ساكنة. # الثالث: كابتداء ابن كثير ومن معه. # الثالثة: قرأ ورش عادا لولى بإدغام التنوين في اللام ونقل حركة ~~الهمزة إليها كقالون، إلا أنه أبقى الواو على حالها غير مبدلة همزة. ~~هذا (كله) في الوصل وأما في الابتداء فله وجهان الؤلى بالهمزة والنقل، ~~ولولى بالنقل دون همزة وصل. والواو ساكنة على حالها في هذين الوجهين. # الرابعة: قرأ أبو عمرو كورش وصلا وابتداء سواء بسواء إلا أنه يزيد ~~عليه في الابتداء بوجه ثالث وهو وجه ابن كثير ومن معه. # فقد تحصل أن لكل من قالون وأبي عمرو في الابتداء ثلاثة أوجه وأن لورش ~~وجهين؛ فتأمل ذلك، فإن تحريره ضعيف المأخذ من كتب القراءات. # وأما توجيهها فيتوقف على معرفة ثلاثة أصول: # الأول: حكم التنوين إذا وقع بعده ساكن. # الثاني: حكم حركة النقل. # الثالث: أصل " أولى " ما هو. # أما الأول فحكم التنوين الملاقي ms8156 أن يكسر لالتقاء الساكنين نحو: { قل ~~هو الله أحد الله } [الإخلاص: 1 - 2] أو يحذف تشبيها بحرف ~~العلة كقراءة: { أحد الله الصمد } وكقوله: # 4574- ولا ذاكر الله إلا قليلا # وهو قليل جدا. وقد مضى تحقيقه. # وأما الثاني: فإن للعرب في الحركة المنقولة مذهبين الاعتداد بالحركة، ~~وعدم الاعتداد بها وهي اللغة الغالبة. # وأما الثالث: فأولى تأنيث " أول ". وقد تقدم الخلاف في أصله في: " ~~أول " فليلتفت إليه. # إذا تقررت هذه الأصول الثلاثة فأقول: # أما قراءة ابن كثير ومن معه فإنهم صرفوا " عادا " إما لأنه اسم للحي ~~أو الأب فليس فيه ما يمنعه، وإما لأنه وإن كان مؤنثا اسما للقبيلة أو ~~الأم إلا أنه مثل هند ودعد، فيجوز فيه الصرف وعدمه فيكون كقوله: # 4576- لم تتلفع بفضل مئزرها # دعد ولم تسق دعد في العلب # فصرفها أولا ومنعها ثانيا. # ولم ينقلوا حركة الهمزة إلى لام التعريف فالتقى ساكنان فكسروا التنوين ~~لالتقائهما على ما هو المعروف من اللغتين. وحذفوا همزة الوصل من الأولى ~~للاستغناء عنها بحركة التنوين وصلا، فإذا ابتدأوا بها احتاجوا إلى همزة ~~الوصل فأتوا بها، فقالوا " الاولى " كنظيرها من همزات الوصل، وهذه قراءة ~~واضحة لا إشكال فيها ومن ثم اختارها الجم الغفير. # وأما قراءة من أدغم التنوين في لام التعريف - وهما نافع وأبو عمرو - مع ~~اختلافهما في أشياء كما تقدم فوجهه الاعتداد بحركة النقل، وذلك أن من ~~العرب من إذا نقل حركة الهمزة إلى ساكن قبلها كلام التعريف عاملها ~~معاملتها ساكنة، ولا يعتد بحركة النقل فيكسر الساكن الواقع ~~قبلها، ولا يدغم فيها التنوين ويأتي قبلها بهمزة الوصل فيقول: لم ~~يذهب الحمر، ورأيت زيادا العجم من غير إدغام التنوين، والحمر ~~والعجم بهمزة الوصل؛ لأن اللام في حكم السكون، وهذه هي اللغة المشهورة. ~~ومنهم من يعتد بها فلا يكسر الساكن الأول ولا يأتي بهمزة الوصل ويدغم ~~التنوين في لام التعريف فيقول: لم يذهب لحمر - بسكون الباء - " ولحمر ~~ولعجم " من غير همز، وزياد لعجعم بتشديد اللام وعلى هذه اللغة جاءت ~~هذه القراءة. # هذا من حيث الإجمال وأما من حيث ms8157 التفصيل فأقول: # أما قالون فإنه نقل حركة الهمزة إلى لام التعريف وإن لم يكن من أصله ~~النقل لأجل قصده التخفيف بالإدغام ولما نقل الحركة اعتد بها؛ إذ لا ~~يمكن الإدغام في ساكن ولا ما هو في حكمه. # وأما همزة الواو ففيها وجهان منقولان: # أحدهما: أن يكون " أولى " أصلها عنده وؤلى من وأل أي نجا كما هو ~~قول الكوفيين، ثم أبدل الواو الأولى همزة، لأنها واو مضمومة وقد تقدم ~~أنها لغة مطردة. فاجتمع همزتان ثانيهما ساكنة فوجب قلبها واوا نحو: ~~أومن، فلما حذفت الهمزة الأولى بسبب نقل حركتها رجعت الثانية إلى أصلها ~~من الهمز؛ لأنها إنما قلبت واوا من أجل الأولى وقد زالت. وهذا تكلف لا ~~دليل عليه. # والثاني: أنه لما نقل الحركة إلى اللام صارت الضمة قبل الواو كأنها ~~عليهما؛ لأن حركة الحرف بين يديه فأبدل الواو همزة كقوله: # 4577- أحب المؤقدين إلي مؤسى # وكقراءة " يؤقنون " وهمزة { السؤق } [ص: 33] و { سؤقه } ~~[الفتح: 29] كما تقدم تحريره. وهذا بناء منه على الاعتداد بالحركة أيضا. ~~وليس في هذا الوجه دليل على أصل " أولى " عنده ما هو فيحتمل الخلاف ~~المذكور جميعه. # وأما ابتداؤه الكلمة من غير نقل، فإنه الأصل، ولأنه إنما ثقل في الوصل ~~لقصده التخفيف بالإدغام ولا إدغام في الابتداء فلا حاجة إلى النقل، ولأنه ~~إنما ثقل في الوصل وأما الابتداء بالنقل فلأنه محمول على الوصل ليجري ~~اللفظ فيهما على سنن واحد. # وعلة إثبات ألف الوصل مع النقل في أحد وجهين: # ترك الاعتداد بحركة اللام على ما هي عليه القراءة في نظائره مما وجد فيه ~~النقل؛ إذ الغرض إنما هو جري اللفظ في الابتداء والوصل على سنن واحد ~~وذلك يحصل بمجرد النقل وإن اختلفا في تقدير الاعتداد بالحركة وتركه. وعلة ~~ترك الإتيان بألف في الوجه الثاني حمل الابتداء على الوصل في النقل ~~والاعتداد بالحركة جميعا ويقوي هذا الوجه رسم (الأولى) في هذا الموضع ~~بغير ألف. والكلام في همز الواو مع النقل في الابتداء كالكلام عليه في ~~الوصل كما تقدم. # وأما ورش فإن أصله أن ms8158 ينقل حركة الهمزة على اللام في الوصل فنقل على ~~أصله إلا أنه اعتد بالحركة ليصح ما قصده من التخفيف بالإدغام وليس من ~~أصله الاعتداد بالحركة في نحو ذلك، ألا ترى أنه يحذف الألف في ~~(سيرتها الأولى) [و] { ويتجنبها الأشقى } [الأعلى:11] ولو ~~اعتد بالحركة لم يحذفها. # وأما ما جاز عنه في بعض الروايات: { قالوا لان جئت } [البقرة: 71]؛ ~~فإنه وجه نادر ومعلل باتباع الأثر والجمع بين اللغتين والابتداء ~~له بالنقل على أصله في ذلك أيضا والابتداء له بألف الوصل على ترك ~~الاعتداد بالحركة إذ لا حاجة إلى قصد ذلك في الابتداء وترك الإتيان له ~~بالألف على الاعتداد له بالحركة حملا للابتداء على الوصل وموافقة الرسم ~~أيضا ولا يبتدأ له بالأصل؛ إذ ليس من أصله ذلك، و " الأولى " في قراءته ~~تحتمل الخلاف المذكور في أصلها. # وأما قراءة أبي عمرو فالعلة له في قوله في الوصل والابتداء كالعلة ~~المتقدمة لقالون، إلا أنه يخالفه في همز الواو؛ لأنه لم يعطها حكم ما ~~جاورها، فليست عنده من " وأل " بل من غير هذا الوجه كما تقدم الخلاف ~~في أول هذا الكتاب، ويجوز أن يكون أصلها عنده من " وأل " أيضا، إلا ~~أنه أبدل في حال النقل مبالغة في التخفيف أو موافقة لحال ترك النقل. # وقد عاب هذه القراءة - أعني قراءة الإدغام - أبو عثمان وأبو العباس ~~ذهابا منهما إلى أن اللغة الفصيحة عدم الاعتداد بالعارض، ولكن لا التفات ~~إلى ردها لثبوت ذلك لغة وقراءة وإن كان غيرها أفصح منها وقد ثبت عن ~~العرب أنهم يقولون الحمر ولحمر بهمزة الوصل وعدمها مع النقل والله ~~أعلم. # وقرأ أبي - وهي في حرفه - " عاد الأولى " غير مصروف ذهابا به ~~إلى القبيلة أو الأم كما تقدم؛ ففيه العلمية والتأنيث، ويدل على التأنيث ~~قوله " الأولى " فوصفها بوصف المؤنث. # فصل # عاد الأولى هم قوم هود أهلكوا بريح صرصر، وكان لهم عقب فكانوا عادا ~~الأخرى. قال القرطبي: سماها الأولى، لأنهم كانوا قبل ثمود. # وقيل: إن ثمود من قبل عاد. وقال ابن زيد: قيل لها عاد الأولى لأنها ms8159 أول ~~أمة أهلكت بعد نوح - عليه الصلاة والسلام -. وقال ابن إسحاق: هما ~~عادان، فالأولى أهلكت بالريح الصرصر، ثم كانت الآخرة وأهلكت بصيحة. ~~وقيل: عاد الأولى هي عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح وعاد الثانية من ~~ولد عاد الأولى، والمعنى متقارب. وقيل: إن عادا الآخرة هم الجبارون. ~~وهم قوم هود. # قوله: { وثمود فمآ أبقى } قد تقدم الخلاف في " ثمود " ~~بالنسبة إلى الصرف وعدمه في سورة " هود ". وفي انتصابه هنا وجهان: # أحدهما: أنه معطوف على " عادا ". # والثاني: أنه منصوب بالفعل المقدر أي " وأهلك ". قاله أبو البقاء، ~~وبه بدأ. ولا يجوز أن ينتصب ب " أبقى " لأن ما بعد " ما " الثانية لا ~~يعمل فيها قبلها، والظاهر أن متعلق " أبقى " عائد على من تقدم من ~~عاد وثمود أي فما أبقى عليهم - أي على عاد وثمود - أو يكون التقدير: ~~فما أبقى منهم أحدا، ولا عينا تطرف. ويؤيد هذا قوله: # فهل ترى لهم من باقية # [الحاقة: 8]. # قوله: " وقوم نوح " كالذي قبله و " من قبل " أي من قبل عاد ~~وثمود. # وقوله: " إنهم " يحتمل أن يكون الضمير لقوم نوح خاصة، وأن يكون ~~لجميع من تقدم من الأمم الثلاثة. # قوله: " كانوا هم " يجوز في " هم " أن يكون تأكيدا، وأن يكون فصلا. ~~ويضعف أن يكون بدلا. والمفضل عليه محذوف تقديره: من عاد وثمود على ~~قولنا: إن الضمير لقوم نوح خاصة، وعلى القول بأن الضمير للكل يكون ~~التقدير: من غيرهم من مشركي العرب، وإن قلنا: إن الضمير لقوم نوح ~~خاصة والمعنى أهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود إنهم كانوا هم ~~أظلم وأطغى لطول دعوة نوح إياهم وعتوهم على الله بالمعصية ~~والتكذيب وهم الباقون بالظلم والمتقدمون فيه ومن سن سنة سيئة فعليه ~~وزرها ووزر من عمل بها والبادىء أظلم وأما أطغى فلأنهم سمعوا المواعظ ~~وطال عليهم الأمد ولم يرتدعوا حتى دعا عليهم نبيهم ولا يدعو نبي على قومه ~~إلا بعد الإصرار العظيم والظالم واضع الشيء في غير موضعه، والطاغي ~~المجاوز للحد. # فإن قيل: المراد من الآية تخويف الظالم بالهلاك، ms8160 فإذا قيل: إنهم كانوا ~~في غاية الظلم والطغيان فأهلكوا (ويقول الظالم: هم كانوا أظلم ~~فأهلكوا) لمبالغتهم في الظلم ونحن ما بالغنا، فلا نهلك، فلو قال: أهلكوا ~~لظلمهم لخاف كل ظالم فما الفائدة في قوله: أظلم؟ # فالجواب: أن المقصود بيان (شدتهم) وقوة أجسامهم، فإنهم لم يقدموا ~~على الظلم والطغيان الشديد إلا بتماديهم وطول أعمارهم ومع ذلك ما نجا ~~أحد منهم فما حال من هو دونهم في العمر. # روي أن الرجل منهم كان يأخذ بيد ابنه ينطلق به إلى قوم نوح - عليه ~~الصلاة والسلام - يقول: احذر هذا فإنه كذاب، وإن أبي قد مشى بي إلى هذا، ~~وقال لي ما قلت لك فيموت الكبير على الكفر وينشأ الصغير على وصية أبيه. # قوله: " والمؤتفكة " منصوب ب " أهوى "؛ وقدم لأجل الفواصل. ~~والمراد بالمؤتفكة قرى قوم لوط " أهوى " أسقط، أي أهواها جبريل - صلى ~~الله عليه وسلم - بعد ما رفعها إلى السماء. # قوله: " فغشاها " أي ألبسها الله " ما غشى " يعني الحجارة ~~المصورة المسومة. وقوله " ما غشى " كقوله " ما أوحى " في ~~الإبهام وهو المفعول الثاني إن قلنا: إن التضعيف للتعدية، وإن قلنا: إنه ~~للمبالغة والتكثير فتكون " ما " فاعله كقوله: # فغشيهم من اليم ما غشيهم # [طه: 78] والمؤتفكة المنقلبة. وقرىء: والمؤتفكات. # فإن قيل: إذا كان معنى " المؤتفكة " المنقلبة ومعنى " أهوى " قلبها ~~فيكون المعنى والمنقلبة قلبها وقلب المنقلبة تحصيل حاصل. # فالجواب: أن معناه المنقلبة ما انقلبت بنفسها بل الله قلبها ~~فانقلبت. # قوله: " فبأي " متعلق ب " تتمارى " والباء ظرفية بمعنى " في " ~~والآلاء النعم واحدها إلي وإلى وألا. # والمعنى فبأي نعم ربك تشك، وقرأ ابن محيصن ويعقوب: " تمارى " ~~بالحذف كقوله: " تذكرون ". # فصل # قيل: هذا أيضا مما في الصحف. وقيل: هو ابتداء لكلام، والخطاب عام، ~~والمعنى فبأي آلاء أي نعم ربك أيها الإنسان تتمارى تشك وتجادل. وقال ابن ~~عباس (رضي الله عنهما): تكذب. وقيل: هذا خطاب مع الكافر. # قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يقال: خطاب مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ولا يقال: كيف يجوز أن يقول للنبي - صلى الله عليه وسلم - تتمارى؟ لأنا ms8161 ~~نقول: هو من باب: # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر: 65] يعني لم يبق فيه إمكان الشك حتى أن فارضا لو فرض النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ممن يشك أو يجادل في بعض الأمور الخفية لما كان ~~يمكنه المراء في نعم الله تعالى. والصحيح العموم كقوله تعالى: # يأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم # [الانفطار: 6] وقوله: # وكان الإنسان أكثر شيء جدلا # [الكهف: 54]. ### || [53.56-58] # قوله: " هذا نذير " إشارة إلى ما تقدم من الآي، وأخبار المهلكين. ~~وقيل: أي القرآن. قال ابن الخطيب: وهذا بعيد لفظا ومعنى؛ أما معنى فلأن ~~القرآن ليس من جنس الصحف الأولى، لأنه معجزة، وتلك لم تكن معجزة، وأما ~~لفظا فلأن النذير إن كان كاملا فما ذكره من حكاية المهلكين أولى لأنه ~~أقرب ويكون هذا يبقى على حقيقة التبعيض، أي هذا الذي ذكرناه بعض ما جرى ~~أو يكون لابتداء الغاية أي هذا إنذار من المنذرين المتقدمين؛ يقال: هذا ~~الكتاب وهذا الكلام من فلان. # وقيل: إشارة إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - أي هذا النذير من جنس ~~النذر الأولى أي رسول من الرسل إليكم كما أرسلوا إلى أقوامهم. # وقوله: " نذير " يجوز أن يكون مصدرا، وأن يكون اسم فاعل وكلاهما لا ~~ينقاس، بل القياس في مصدره إنذار، وفي اسم فاعله منذر. والنذر يجوز ~~أن يكون جمعا لنذير بمعنييه المذكورين، و " الأولى " صفة حملا على ~~معنى الجماعة كقوله: # مآرب أخرى # [طه: 18]. # قوله: " أزفت الآزفة " دنت القيامة، واقتربت، والتقدير: ~~الساعة الآزفة، كقوله: # اقتربت الساعة # [القمر: 1] ويجوز أن تكون الآزفة على القيامة بالغلبة. # قال ابن الخطيب: قوله " أزفت الآزفة " كقوله تعالى: # وقعت الواقعة # [الواقعة: 1]. ويقال: كانت الكائنة. وهذا الاستعمال على وجهين: # الأول: إذا كان الفاعل صار فاعلا لمثل ذلك الفعل من قبل، ثم فعله مرة ~~أخرى، يقال: فعله الفاعل كقوله: حاكه الحائك أي من شغله ذلك من قبل ~~فعله. # الثاني: أن يصير الفاعل فاعلا بذلك الفعل، يقال: إذا مات الميت ~~انقطع عمله، وإذا غصب العين غاصب ضمنه، فقوله: أزفت ~~الآزفة يحتمل أن يكون من الأول أي قربت ms8162 الساعة التي كل يوم تزداد ~~قربا فهي كائنة قريبة وزادت في القرب، ويحتمل أن يكون من الثاني كقوله: ~~" وقعت الواقعة " أي قرب وقوعها. وفاعل أزفت في الحقيقة القيامة ~~أو الساعة فكأنه قال: أزفت القيامة الآزفة أو الساعة الآزفة. # قال أبو زيد: قلت لأعرابي: ما المحبنطىء؟ قال: ~~المتكأكىء، قلت: ما المتكأكىء؟ قال: المتآزف؟ قلت: ما ~~المتآزف؟ قال: أنت أحمق وتركني ومر. # قوله: { ليس لها من دون الله كاشفة } يجوز أن يكون " ~~كاشفة " وصفا وأن يكون مصدرا، فإن كانت وصفا احتمل أن يكون ~~التأنيث لأجل أنه صفة لمؤنث محذوف فقيل: تقديره: نفس كاشفة أو ~~حال كاشفة. # فإن قيل: إذا قدرتها نفس كاشفة، وقوله { من دون الله } استثناء ~~على المشهور فيكون الله نفسا كاشفة؟ # فالجواب من وجوه: # الأول: لا فساد في ذلك لقوله تعالى حكاية عن عيسى - عليه الصلاة ~~والسلام - # ولا أعلم ما في نفسك # [المائدة: 116]. # الثاني: ليس صريحا في الاستثناء فيجوز أن لا يكون نفسا. # الثالث: الاستثناء الكاشف المبالغ ويحتمل أن يكون التاء للمبالغة ~~كراوية، وعلامة ونسابة أي ليس لها إنسان كاشفة أي كثير الكشف. # وإن كانت مصدرا، فهي كالخائنة والعافية والعاقبة، والمعنى ~~ليس لها من دون الله كشف أي لا يكشف عنها، ولا يظهرها غيره، فيكون من ~~كشف الشيء أي عرف حقيقته، كقوله: # لا يجليها لوقتهآ إلا هو # [الأعراف: 187] وإما من كشف الضر أي أزاله. والمعنى ليس لها من يزيلها ~~ويردها إذا غشيت الخلق أهوالها وشدائدها لم يكشفها أحد عنهم ~~غيره. وهذا قول عطاء وقتادة والضحاك. وتقدم الكلام على مادة " أزف " ~~في غافر. # و " من " زائدة، تقديره ليس لها غير الله كاشفة، وهي تدخل على النفي ~~فتؤكد معناه تقول: ما جاءني أحد، وما جاءني من أحد، وعلى ~~هذا يحتمل أن يكون فيه تقديم وتأخير أي ليس لها من كاشفة دون الله فيكون ~~نفيا عاما بالنسبة إلى الكواشف، ويحتمل أن تكون غير زائدة، والمعنى ليس ~~لها في الوجود نفس تكشفها أي تخبر عنها كما هي من غير الله يعني من ~~يكشفها فإنما ms8163 يكشفها من الله لا من غير الله كقولك: كشفت الأمر ~~من زيد. و " دون " يكون بمعنى غير كقوله تعالى: # أإفكا آلهة دون الله تريدون # [الصافات: 86] أي غير الله. ### || [53.59-62] # قوله: { أفمن هذا الحديث } متعلق ب " تعجبون " ولا ~~يجيء فيه الإعمال، لأن من شرط الإعمال تأخير المعمول عن العوامل، وهنا هو ~~متقدم، وفيه خلاف بعيد. وعليه تتخرج الآية الكريمة فإن كلا من قوله: " ~~تعجبون " و " تضحكون " و " لا تبكون " يطلب هذا الجار من ~~حيث المعنى. # والعامة على فتح التاء والجيم من " تعجبون " و " تضحكون ". ~~والحسن بضم التاء وكسر الجيم والحاء من غير واو عاطفة بين الفعلين. وهي ~~أبلغ من حيث إنهم إذا أضحكوا غيرهم كان تجرؤهم أكثر. # وقرأ أبي وعبد الله كالجماعة، إلا أنهما بلا واو عاطفة كالحسن، ~~فيحتمل أن يكون يضحكون حالا، وأن يكون استثناء كالتي قبلها. # فصل # قال المفسرون: المراد بالحديث القرآن. قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يكون ~~إشارة إلى حديث أزفت الآزفة، فإنهم كانوا يتعجبون من حشر الأجساد، ~~والعظام البالية. وقوله: (وتضحكون) أي استهزاء من هذا الحديث كقوله ~~تعالى في حق موسى - عليه الصلاة والسلام -: # فلما جآءهم بآياتنآ إذا هم منها يضحكون # [الزخرف: 47]. # ويحتمل أن يكون إنكارا على مطلق الضحك مع سماع حديث القيامة أي أتضحكون ~~وقد سمعتم أن القيامة قربت فكان حقا أن لا تضحكوا حينئذ. # وقوله: " ولا تبكون " مما تسمعون من الوعيد، روي أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ما رؤي بعد هذه الآية ضاحكا إلا تبسما. وقال أبو ~~هريرة: # " لما نزل قوله { أفمن هذا الحديث تعجبون } الآية قال ~~أهل الصفة: " إنا لله وإنا إليه راجعون " ثم بكوا حتى ~~جرت دموعهم على خدودهم، فلما سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بكاءهم بكى معهم فبكينا لبكائه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا ~~يلج النار من بكى من خشية الله، ولا يدخل ~~الجنة مصر على معصية الله، ولو لم تذنبوا ~~لذهب الله بكم، وأتى بقوم يذنبون فيغفر لهم ~~ويرحمهم إنه هو الغفور الرحيم ". # قوله: " وأنتم سامدون ms8164 " أي غافلون لاهون. وهذه الجملة يحتمل أن ~~تكون مستأنفة، أخبر الله عنهم بذلك، ويحتمل أن تكون حالا أي انتفى عنكم ~~البكاء في حال كونكم سامدين. والسمود، قيل: الإعراض والغفلة عن الشيء، ~~وقيل: اللهو، يقال: دع عنا سمودك أي لهوك. رواه الوالبي ~~والعوفي عن ابن عباس - ( رضي الله عنهما ) - وقال الشاعر: # 4578- ألا أيها الإنسان إنك سامد # كأنك لا تفنى ولا أنت هالك # فهذا بمعنى لاه لاعب. وقيل: الخمود. وقيل: الاستنكار، قال (رحمه ~~الله): # 4579- رمى الحدثان نسوة آل سعد # بمقدار سمدن له سمودا # فرد شعورهن السود بيضا # ورد وجوههن البيض سودا # فهذا بمعنى الخمود والخشوع، وقال عكرمة وأبو هريرة: السمود القيامة بلغة ~~حمير، يقولون: يا جارية اسمدي لنا أي غني، فكانوا إذا سمعوا ~~القرآن تغنوا ولعبوا. وقال الضحاك: أشرون. وقال مجاهد غضاب ~~يتبرطعون. وقال الراغب: السامد اللاهي الرافع رأسه من قولهم: ~~بعير سامد في سيره. وقيل: سمد رأسه وسبده أي استأصل شعره. # وذكر باسم الفاعل لأن الغفلة دائمة وأما الضحك والعجب فهما أمران ~~يتجددان ويعدمان. وقال الحسن سامدون أي واقفون للصلاة قبل وقوف الإمام، ~~لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه خرج والناس ينتظرونه ~~قياما فقال: ما لي أراكم سامدين. حكاه الماوردي. وروى ~~المهدوي عن علي أنه خرج إلى الصلاة فرأى الناس قياما فقال: ما ~~لي أراكم سامدين. وروي عن علي أن معنى " سامدون " أن يجلسوا غير ~~مصلين ولا منتظرين الصلاة. وتسميد الأرض أن يجعل فيها السماد وهو ~~سرجين ورماد. واسمأد الرجال اسمئدادا أي ورم غضبا. # قوله: { فاسجدوا لله واعبدوا } هذا الأمر يحتمل أن يكون ~~عاما، ويحتمل أن يكون التفاتا أي اشتغلوا بالعبادة، ولم يقل: واعبدوا ~~الله إما لكونه معلوما من قوله: " فاسجدوا لله " وإما لأن ~~العبادة في الحقيقة لا تكون إلا لله. # وروى عكرمة عن (ابن عباس رضي الله عنهما) أن - النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - سجد بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس. وروي عن ~~عبد الله - (رضي الله عنه) - قال: أول سورة أنزلت فيها السجدة ~~النجم، فسجد ms8165 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسجد من خلفه إلا ~~رجلا رأيته أخذ كفا من تراب، فسجد عليه فرأيته بعد ذلك قتل كافرا ~~وهو أمية بن خلف. # وروى زيد بن ثابت - (رضي الله عنه) - قال: قرأت على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - والنجم فلم يسجد فيها، وهذا يدل على أن سجود التلاوة ~~غير واجب، قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: إن الله لم يكتبها علينا ~~إلا أن يشاء وهو قول الشافعي وأحمد. # وذهب قوم إلى أنه واجب على القارىء والمستمع جميعا. وهو قول سفيان ~~الثوري وأصحاب الرأي. # وروى الثعلبي في تفسيره عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - # " من قرأ سورة النجم أعطي من الأجر (عشر حسنات) بعدد من ~~صدق بمحمد وكذبه " # (انتهى). ### | [54 - سورة القمر] ### || [54.1-3] # قوله تعالى: { اقتربت الساعة وانشق القمر } أول هذه ~~السورة مناسب لآخر ما قبلها، وهو قوله تعالى: # أزفت الآزفة # [النجم: 57]، فكأنه أعاد ذلك مستدلا عليه بقوله تعالى: # أزفت الآزفة # [النجم: 57]، وهو حق؛ إذ القمر انشق بقوله: " وانشق القمر " ~~ماض على حقيقته، وهو قول عامة المسلمين إلا من لا يلتفت إلى قوله. وقد صح ~~في الأخبار أن القمر انشق على عهده - عليه الصلاة والسلام - مرتين. روى ~~أنس بن مالك - (رضي الله عنه) - أن أهل مكة سألوا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أن يريهم آية، فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء ~~بينهما، وقال سنان عن قتادة: فأراهم انشقاق القمر مرتين. وعن ابن مسعود - ~~(رضي الله عنه) - قال: انشق القمر على عهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فرقتين فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه، فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: " اشهدوا ". وقال أبو الضحى عن مسروق عن عبد الله: ~~لم ينشق بمكة. وقال مقاتل: انشق القمر، ثم التأم بعد ذلك. # وروى أبو الضحى عن مسروق عن عبد الله قال: انشق القمر على عهد رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فقالت قريش: سحركم ابن أبي كبشة فقدموا ~~السفار فسألوهم قالوا: ms8166 نعم قد رأينا، فأنزل الله عز وجل: { اقتربت ~~الساعة وانشق القمر }. وقيل: انشق بمعنى سينشق يوم القيامة، فأوقع الماضي ~~موقع المستقبل لتحققه وهو خلاف الإجماع. وقيل: انشق بمعنى انفلق عنه ~~الظلام عند طلوعه كما يسمى الصبح فلقا وأنشد للنابغة: # 4580- فلما أدبروا ولهم دوي # دعانا عند شق الصبح داعي # وإنما ذكرنا ذلك تنبيها على ضعفه. # قوله: { وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر ~~مستمر } ، أي ذاهب سوف يذهب ويبطل من قولهم: مر الشيء ~~واستمر إذا ذهب مثل قولهم: قر واستقر. قال مجاهد وقتادة: ~~منوا أنفسهم بذلك. وقيل: مستمر أي دائم؛ فإن محمدا - عليه الصلاة ~~والسلام - كان يأتي كل زمان ومكان بمعجزة فقالوا هذا سحر مستمر دائم، لا ~~يختلف بالنسبة إلى شيء بخلاف سحر السحرة، فإن بعضهم يقدر على أمر ~~وأمرين، وثلاثة، ويعجز عن غيرها وهو قادر على الكل. قاله الزمخشري. ومنه ~~قول الشاعر: # 4581- ألا إنما الدنيا ليال وأعصر # وليس على شيء قويم بمستمر # أي بدائم باق. وقيل: معناه شديد المرارة. قال الزمخشري: أي مستبشع ~~عندنا مر على لهواتنا لا نقدر أن نسيغه كما لا نسيغ المر. ~~انتهى. # يقال: مر الشيء بنفسه ومره غيره؛ فيكون متعديا ولازما، ~~ويقال: أمره أيضا. # وقال أبو العالية والضحاك: مستمر أي قوي شديد، من قولهم: مر الحبل ~~إذا صلب واشتد، وأمررته إذا أحكمت فتله، واستمر إذا قوي ~~واستحكم، قال لقيط - ( رحمة الله عليه -): # 4582- حتى استمرت على شزر مريرته # صدق العزيمة لا رتا ولا ضرعا # والمراد بقوله: " آية " هي اقتراب الساعة، فإن انشقاق القمر من آياته، ~~وقد رأوه وكذبوا فإن يروا غيرها أيضا يعرضون، أو آية النبوة فإنه معجزة. ~~أما كونه معجزة ففي غاية الظهور، وأما كونه آية فلأن منكر خراب العالم ~~ينكر انشقاق السماء، وانفطارها، وكل كوكب، فإذا انشق بعضها كان ذلك ~~مخالفا لقوله بجواز خراب العالم والمراد بهؤلاء القائلين المعرضين هم ~~الكفار. والتنكير في قوله (آية) للتعظيم أي آية قوية أو عظيمة ~~يعرضوا. # قال أبو حيان: ومعنى مستمر أي يشبه بعضه بعضا أي اشتهرت أفعاله على هذا ms8167 ~~الحال. وهذا راجع إلى الدوام المتقدم. وأتى بهذه الجملة الشرطية تنبيها ~~على أن حالهم في المستقبل كحالهم في الماضي. # وقرىء: يروا مبنيا للمفعول من أرى. # قوله: { وكذبوا واتبعوا أهوآءهم } أي كذبوا النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وما عاينوه من قدرة الله عز وجل، واتبعوا ما زين ~~لهم الشيطان من الباطل وكذبوا بالآية وهي انشقاق القمر، " واتبعوا ~~أهواءهم " في أنه سحر القمر، وأنه خسوف في القمر، وظهور شيء في جانب ~~آخر من الجو يشبه نصف القمر، وأنه سحر أعيننا والقمر لم يصبه شيء، فهذه ~~أهواؤهم. # قوله: { وكل أمر مستقر } العامة على كسر القاف، ورفع ~~الراء اسم فاعل، ورفعه خبرا " لكل " الواقع مبتدأ. وقرأ شيبة بفتح القاف ~~وتروى عن نافع. # قال أبو حاتم: لا وجه لها، وقد وجهها غيره على حذف مضاف أي وكل أمر ذو ~~استقرار، وزمان استقرار، أو مكان استقرار، فجاز أن يكون مصدرا، وأن يكون ~~ظرفا زمانيا أو مكانيا قال معناه الزمخشري. وقرأ أبو جعفر وزيد بن علي ~~بكسر القاف وجر الراء. وفيها أوجه: # أحدها - ولم يذكر الزمخشري غيره -: أن تكون صفة لأمر، ويرتفع " كل " ~~حينئذ بالعطف على " الساعة " فيكون فاعلا أي اقتربت الساعة وكل أمر ~~مستقر. # قال أبو حيان: وهذا بعيد لوجود الفصل بجمل ثلاث، وبعيد أن يوجد مثل هذا ~~التركيب في كلام العرب، نحو: " أكلت خبزا، وضربت خالدا " ~~وأن يجيء: زيدا أكرمه ورحل إلى بني فلان ولحما فيكون " ولحما " ~~معطوفا على " خبزا " بل لا يوجد مثله في كلام العرب. انتهى. # قال شهاب الدين: وإذا دل دليل على المعنى فلا يبالى بالفواصل، وأين ~~فصاحة القرآن من هذا التركيب الذي ركبه هو حتى يقيسه عليه في المنع؟ # الثاني: أن تكون " مستقرا " خبرا " لكل أمر ". وهو مرفوع، إلا ~~أنه خفض على الجوار. # قاله أبو الفضل الرازي. # وهذا لا يجوز، لأن الجوار إنما جاء في النعت أو العطف على خلاف في ~~إتيانه كما تقدم في سورة المائدة فكيف يقال به في خبر المبتدأ؟ هذا ما لا ~~يجوز. # الثالث: أن خبر المبتدأ ms8168 قوله: " حكمة بالغة " أخبر عن { كل ~~أمر مستقر } بأنه حكمة بالغة ويكون قوله: # ولقد جآءهم من الأنبآء ما فيه مزدجر # [القمر: 4] جملة اعتراض بين المبتدأ أو خبره. # الرابع: أن الخبر مقدر؛ فقدره أبو البقاء: معمول به أو أتى وقدره غيره: ~~بالغوه؛ لأن قبله { وكذبوا واتبعوا أهواءهم } أي وكل أمر مستقر، أي لكل ~~أمر حقيقة ما كان منه في الدنيا فسيظهر وما كان منه في الآخرة فسيعرف. ~~وقال قتادة: وكل أمر مستقر فالخير مستقر بأهل الخير، والشر بأهل الشر. ~~وقيل: كل أمر من خير أو شر مستقر قراره، فالخير مستقر بأهله في الجنة ~~والشر مستقر بأهله في النار. وقيل: مستقر قول المصدقين والمكذبين حتى ~~يعرفوا حقيقته بالثواب والعذاب، وقال مقاتل: لكل حديث منتهى. وقيل: ما ~~قدر كائن لا محالة وقيل كل أمر مستقر على سنن الحق يثبت، والباطل ~~يزهق فيكون ذلك تهديدا لهم وتسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو ~~كقوله تعالى: # ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم ~~تعملون # [الزمر: 7]. # وقيل: كل أمر مستقر في علم الله تعالى لا يخفى عليه شيء، فهم كذبوا ~~واتبعوا أهواءهم، والأنبياء صدقوا وبلغوا، كقوله تعالى: # لا يخفى على الله منهم شيء # [غافر: 16] وكقوله: # وكل شيء فعلوه في الزبر وكل صغير وكبير ~~مستطر # [القمر: 52 - 53]. # وقيل: هو جواب لقوله: " سحر مستمر " أي بل كل أمره مستقر. ### || [54.4-5] # قوله: { ولقد جآءهم من الأنبآء } يعني أهل مكة من أخبار ~~الأمم المكذبة والقرآن { ما فيه مزدجر } أي مناهي. # قوله: " مزدجر " يجوز أن يكون فاعلا ب " فيه " لأن " فيه " وقع صلة ~~وأن يكون مبتدأ، و " فيه " الخبر. و " الدال " بدل من تاء الافتعال، ~~وأصله مزتجر، فقلبت التاء دالا. # وقد تقدم أن تاء الافتعال تقلب دالا بعد الزاي، والدال، والذال؛ لأن ~~الزاي حرف مجهور والتاء حرف مهموس، فأبدلوها إلى حرف مجهور قريب من ~~التاء، وهو الدال. و " مزدجر " هنا اسم مصدر أي ازدجارا، أو اسم مكان أي ~~موضع ازدجار. ومعناه فيه نهي وعظة، يقال: زجرته وازدجرته إذا ~~نهيته عن السوء. ms8169 وقرىء: مزجر بقلب تاء الافتعال زايا ثم أدغم. وزيد ~~بن علي: مزجر اسم فاعل من أزجر صار ذا زجر، كأعشب أي صار ~~ذا عشب. # والأنباء هي الأخبار العظام التي لها وقع كقول الهدهد # وجئتك من سبإ بنبإ يقين # [النمل: 22]، لأنه كان خبرا عظيما له وقع وخبر، وقال تعالى: # إن جآءكم فاسق بنبإ # [الحجرات: 6] أي بأمر غريب. وإنما يجب التثبت فيما يتعلق به حكم ~~ويترتب عليه أمر ذو بال، وقال تعالى: # تلك من أنبآء الغيب نوحيهآ إليك # [هود: 49]. والمراد بالأنباء هنا أخبار المهلكين المكذبين. # وقيل: المراد القرآن. # قال ابن الخطيب: وفي (ما) وجهان: # الأول: أنها موصولة أي جاءكم الذي فيه مزدجر. # الثاني: أنها نكرة موصوفة أي جاءكم من الأنباء شيء موصوف بأن فيه مزدجر. # قوله: " حكمة " فيه وجهان: # أحدهما: أنه بدل من { ما فيه مزدجر } كأنه قيل: ولقد جاءهم حكمة ~~بالغة من الأنباء، وحينئذ يكون بدل كل من كل، أو بدل اشتمال. # الثاني: أن يكون خبر مبتدأ مضمر، أي هو حكمة بالغة، أي ذلك الذي جاءهم ~~من إرسال الرسل وإيضاح الدلائل، والإنذار لمن مضى، أو إشارة لما فيه ~~الأنباء أنه حكمة، أو إشارة إلى الساعة المقتربة. وقد تقدم أنه يجوز على ~~قراءة أبي جعفر وزيد أن يكون خبرا ل # وكل أمر مستقر # [القمر: 3]. وقرىء " حكمة " بالنصب حالا من " ما ". # قال الزمخشري: فإن قلت: إن كانت " ما " موصولة ساغ لك أن تنصب " حكمة " ~~حالا فكيف تعمل إن كانت موصوفة وهو الظاهر؟ # قلت: تخصصها بالصفة فيحسن نصب الحال عنها. انتهى. # وهو سؤال واضح؛ لأنه يصير التقدير: جاءهم من الأنباء شيء فيه ازدجار ~~فيكون منكرا، وتنكير ذي الحال قبيح. # قوله: { فما تغني النذر } يجوز في " ما " أن تكون استفهامية، ~~وتكون في محل نصب مفعولا مقدما أي أي شيء تغني النذر؟ وأن تكون ~~نافية أي لم تغن النذر شيئا. # والنذر جمع نذير؛ والمراد به المصدر أو اسم الفاعل كما تقدم في آخر ~~النجم. وكتب " تغن " إتباعا للفظ الوصل، فإنها ساقطة لالتقاء الساكنين. # قال بعض النحويين: ms8170 وإنما حذفت الياء من " تغني " حملا لها على " لم " ~~فجزمت كما تجزم " لم ". قال مكي، وهذا خطأ، لأن " لم " تنفي الماضي ~~وترد المستقبل ماضيا، و " ما " تنفي الحال، فلا يجوز أن يقع إحداهما ~~موقع الأخرى لاختلاف معنييهما. # فصل # المعنى أن القرآن حكمة بالغة تامة قد بلغت الغاية. وقوله: { فما ~~تغني النذر } إن كانت " ما " نافية فالمعنى أن النذر لم يبعثوا ~~ليغنوا ويلجئوا قومهم إلى الإيمان، وإنما أرسلوا مبلغين كقوله تعالى: # فإن أعرضوا فمآ أرسلناك عليهم حفيظا إن ~~عليك إلا البلاغ # [الشورى: 48] ويؤيد هذا قوله: " فتول عنهم " وإن كانت استفهامية ~~فالمعنى: وأي شيء تغني النذر إذا خالفوهم وكذبوهم؟ كقوله: # وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون # [يونس: 101] أي إنك أتيت بما عليك من الدعوى فكذبوا بها وأنذرتهم بما ~~جرى على المكذبين، فلم يفدهم فهذه حكمة بالغة وما الذي تغني النذر غير ~~هذا فلم يبق عليك شيء آخر؟ فتول عنهم. ### || [54.6-8] # قوله: " فتول عنهم " أي أعرض عنهم. قال أكثر المفسرين: نسختها آية ~~السيف. قال ابن الخطيب إن قول المفسرين في قوله: " فتول " منسوخ ليس ~~كذلك، بل المراد منه لا تناظرهم بالكلام. # قوله: { يوم يدع الداع } " يوم " منصوب إما ب " اذكر " مضمرة ~~وهو أقربها. وإليه ذهب الرماني، والزمخشري وإما ب " يخرجون " ~~بعده. وإليه ذهب الزمخشري أيضا، وإما بقوله: " فما تغن " ويكون ~~قوله: " فتول عنهم " اعتراضا، وإما منصوبا بقوله: " يقول ~~الكافرون ". وفيه بعد لبعده عنه. # وقيل: تم الكلام عند قوله: # فما تغن النذر # [القمر: 5] ويبتدأ بقوله: { فتول عنهم يوم يدع الداع ~~} فيكون منصوبا بقوله: " فتول عنهم ". وهو ضعيف جدا؛ لأن ~~المعنى ليس أمره بالتولية عنهم في يوم النفخ في الصور، وإما منصوب بحذف ~~الخافض أي فتول عنهم إلى يوم. قاله الحسين وضعف من حيث اللفظ ومن حيث ~~المعنى أما اللفظ، فلأن إسقاط الخافض غير منقاس، وأما المعنى فليس ~~توليه عنهم مغيا بذلك الزمان، وإما بانتظر مضمرا، فهذه سبعة ~~أوجه في ناصب " يوم ". قال القرطبي: أو منصوب ب " خشعا " أو على حذف ~~حرف الفاء ms8171 وما عملت فيه من جواب الأمر تقديره: فتول عنهم فإن لهم يوم يدع ~~الداع. وقيل: أي تول عنهم يا محمد فقد أقمت الحجة، وأبصرتهم يوم يدع ~~الداع. وقيل: أعرض عنهم يوم القيامة ولا تسأل عنهم وعن أحوالهم فإنهم ~~يدعون إلى شيء نكر وينالهم عذاب شديد كقولك: لا تسل ما جرى على فلان ~~إذا أخبرته بأمر عظيم. # وقيل: أي وكل أمر مستقر يوم يدع الداعي. وحذفت الواو من " يدع " ~~خطا اتباعا للفظ كما تقدم في " تغن " و # ويمح الله الباطل # [الشورى: 24] وشبهه. والياء من " الداع " مبالغة في التخفيف إجراء " ~~لأل " مجرى ما عاقبها وهو التنوين، فكما تحذف الياء مع التنوين كذلك ~~مع ما عاقبها. # قوله: " الداعي " معرف كالمنادي في قوله: # يوم يناد المناد # [ق: 41]؛ لأنه معلوم قد أخبر عنه فقيل: إن مناديا ينادي وداعيا يدعو. # قيل: الداعي: إسرافيل ينفخ قائما على صخرة بيت المقدس، قاله مقاتل. # وقيل: جبريل. # وقيل: ملك يوكل بذلك. والتعريف حينئذ لا يقطع حد العلمية ويكون ~~كقولنا: جاء رجل فقال الرجل. قاله ابن الخطيب. # قوله: { إلى شيء نكر } العامة على ضم الكاف، وهو صفة على ~~فعل، وفعل في الصفات عزيز منه: أمر نكر، ورجل شلل وناقة ~~أجد، وروضة أنف ومشية سجح. # وقرأ ابن كثير بسكون القاف، فيحتمل أن يكون أصلا، وأن يكون مخففا من ~~قراءة الجماعة. # وقد تقدم ذلك محررا في العسر واليسر في سورة المائدة. # وسمي الشديد نكرا، لأن النفوس تنكره، قال مالك بن عوف: # 4583- أقدم نجاح إنه يوم نكر # مثلي على مثلك يحمي ويكر # وقرأ زيد بن علي والجحدري وأبو قلابة: نكر فعلا ماضيا مبنيا ~~للمفعول، لأن " نكر " يتعدى؛ قال تعالى: # نكرهم وأوجس منهم خيفة # [هود: 70]. # فصل # المعنى إلى شيء منكر فظيع، لم ير مثله فينكرونه استعظاما، قال ابن ~~الخطيب: وهو يحتمل وجهين: # أحدهما: أن المعنى إلى شيء نكر في يومنا هذا، لأنهم أنكروه أي يوم يدع ~~الداعي إلى الشيء الذي أنكروه يخرجون. # الثاني: أن المعنى منكر أي يقول القائل كان ينبغي أن لا يقع ولا ms8172 يكون ~~لأن المنكر من شأنه أن لا يوجد يقال: فلان ينهى عن المنكر، وعلى هذا فهو ~~عندهم كان ينبغي أن لا يقع، لأنه يرديهم في الهاوية. # فإن قيل: ما ذلك الشيء النكر؟ # فأجيب: بأنه الحساب، أو الجمع له، أو النشر للجمع. # فإن قيل: النشر لا يكون منكرا، فإنه إحياء، لأن الكافر من أين يعرف وقت ~~النشر ما يجري عليه لينكره. # فالجواب: أنه يعلم ذلك لقوله تعالى عنهم: # يويلنا من بعثنا من مرقدنا # [يس: 52]. # قوله: " خاشعا أبصارهم " قرأ أبو عمرو والأخوان خاشعا، وباقي ~~السبعة خشعا، فالقراءة الأولى جارية على اللغة الفصحى من حيث إن ~~الفعل وما جرى مجراه إذا قدم على الفاعل وحد تقول: تخشع ~~أبصارهم، ولا تقول: يخشعن أبصارهم، وأنشد (- رحمة الله ~~عليه -): # 4585- وشباب حسن أوجههم # من إياد بن نزار بن معد # وقال آخر: # 4585- تلقى الفجاج بها الركبان معترضا # أعناق بزلها مرخى لها الجدل # وأما الثانية فجاءت على لغة طيىء، يقولون: أكلوني ~~البراغيث، وقد تقدم القول على ذلك في المائدة والأنبياء ومثله قوله: # 4586- بمطرد لدن صحاح كعوبه # وذي رونق عضب يقد القوانسا # قيل: وجمع التكسير في اللغة في مثل هذا أكثر من الإفراد. وقرأ أبي وعبد ~~الله: خاشعة على تخشع هي. # وقال الزمخشري: و " خشعا " على يخشعن أبصارهم. وهي لغة من ~~يقول: أكلوني البراغيث وهي طيىء. # قال أبو حيان: ولا يجري جمع التكسير مجرى جمع السلامة فيكون على تلك ~~اللغة النادرة القليلة. وقد نص سيبويه على أن جمع التكسير أكثر في كلام ~~العرب فكيف يكون أكثر ويكون على تلك اللغة القليلة؟ وكذا قال الفراء حين ~~ذكر الإفراد مذكرا ومؤنثا وجمع التكسير، قال: لأن الصفة متى تقدمت ~~على الجماعة جاز فيها ذلك، والجمع موافق للفظها فكان أشبه. # قال أبو حيان: وإنما يخرج على تلك اللغة إذا كان الجمع جمع سلامة نحو: ~~مررت بقوم كريمين آباؤهم والزمخشري قاس جمع التكسير على جمع ~~السلامة وهو قياس فاسد يرده النقل عن العرب أن جمع التكسير أجود من ~~الإفراد كما ذكره سيبويه ودل عليه كلام ms8173 الفراء. # قال شهاب الدين: وقد خرج الناس قول امرىء القيس: # 4587- وقوفا بها صحبي على مطيهم # يقولون: لا تهلك أسى وتجمل # على أن صحبي فاعل ب " وقوفا " وهو جمع " واقف " في أحد القولين في " ~~وقوفا ". # وفي انتصاب " خاشعا وخشعا وخاشعة " أوجه: # أحدها: أنه مفعول به وناصبه (يدع الداع). وهو في الحقيقة (صفة) ~~لموصوف محذوف تقديره فريقا خاشعا أو فوجا خاشعا. # والثاني: أنه حال من فاعل (يخرجون) المتأخر عنه، ولما كان العامل ~~متصرفا جاز تقدم الحال عليه، وهو رد على الجرمي، حيث زعم أنه لا يجوز، ~~ورد عليه أيضا بقول العرب: (شتى تؤوب الحلبة) " فشتى " حال من ~~الحلبة، وقال الشاعر: # 4588- سريعا يهون الصعب عند أولي النهى # إذا برجاء صادق قابلوا البأسا # الثالث: أنه حال من الضمير في (عنهم). ولم يذكر مكي غيره. # الرابع: أنه حال من مفعول (يدعو) المحذوف تقديره: يوم يدعوهم ~~الداعي خشعا؛ فالعامل فيها (يدعو). قاله أبو البقاء. وارتفع ~~أبصارهم على وجهين: # أظهرهما: الفاعلية بالصفة قبله. # الثاني: على البدل من الضمير المستتر في (خشعا)؛ لأن التقدير ~~خشعا هم، وهذا إنما يأتي على قراءة خشعا فقط. # وقرىء خشع أبصارهم على أن " خشعا " خبر مقدم، و " أبصارهم " ~~مبتدأ، والجملة في محل نصب على الحال وفيه الخلاف المذكور من قبل كقوله: # 4589-...................... # وجدته حاضراه الجود والكرم # فصل # قال ابن الخطيب، لما حكى نصب " خاشعا " ، قال: إنه منصوب على أنه مفعول ~~بقوله: " يدعو " أي يوم يدعو الداعي خشعا. # فإن قيل: هذا فاسد من وجوه: # أحدها: أن الشخص لا فائدة فيه؛ لأن الداعي يدعو كل أحد. # ثانيها: قوله: { يخرجون من الأجداث } بعد الدعاء فيكونون ~~خشعا قبل الخروج وهو باطل. # ثالثهما: قراءة خاشعة تبطل هذا! # نقول: أما الجواب عن الأول فإن قوله: { إلى شيء نكر } يدفع ~~ذلك، لأن كل أحد لا يدعى إلى شيء نكر، وعن الثاني المراد من الشيء النكر ~~الحساب العسير يوم يدع الداعي إلى الحساب العسير خشعا ولا يكون العامل ~~في (يوم) يدعو " يخرجون " بل " اذكروا " و # فما تغن النذر # [القمر: 5] كقوله تعالى: # فما ms8174 تنفعهم شفاعة الشافعين # [المدثر: 48] ويكون: " يخرجون " ابتداء كلام، وعن الثالث أنه لا ~~منافاة بين القراءتين وخاشعا نصب على الحال أو على أنه مفعول يدعو كأنه ~~يقول: يدعو الداعي قوما خاشعا أبصارهم. # (والخشوع) السكون كما قال تعالى: # وخشعت الأصوات # [طه: 108]، وخشوع الأبصار سكونها على حال لا تتلفت يمنة ولا يسرة كما ~~قال تعالى: # لا يرتد إليهم طرفهم # [إبراهيم: 43]. وقيل: خاشعة أي ذليلة خاضعة عند رؤية العذاب. # قوله: (يخرجون) يجوز أن يكون حالا من الضمير في: (أبصارهم) وأن ~~يكون مستأنفا. والأجداث القبور وقد تقدم في يس. # وقوله: (كأنهم جراد) هذه الجملة يجوز أن تكون حالا من فاعل " ~~يخرجون " أو مستأنفة. ومثلهم بالجراد المنتشر في الكثرة والتموج. ~~وقيل: معنى منتشر أي منبث حيارى. # ونظيره قوله تعالى: # كالفراش المبثوث # [القارعة: 4]. والمعنى: أنهم يخرجون فزعين لا جهة لأحد منهم يقصدها ~~كالجراد ولا جهة تكون مختلطة بعضها في بعض، وذكر المنتشر على لفظ ~~الجراد. # قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يقال: المنتشر مطاوع نشره إذا أحياه، قال ~~تعالى: # ثم إذآ أنتم بشر تنتشرون # [الروم: 20] فكأنهم جراد متحرك من الأرض (و) يدب إشارة إلى كيفية خروجهم ~~من الأجداث وضعفهم. # وقال القرطبي: قوله (تعالى): { كأنهم جراد منتشر ~~مهطعين إلى الداع } وقال في موضع آخر: # يوم يكون الناس كالفراش المبثوث # [القارعة: 4] فهما صفتان في وقتين مختلفين أحدهما عند الخروج من القبور ~~يخرجون فزعين لا يهتدون (إلى) أين يتجهون فيدخل بعضهم في بعض فهم حينئذ ~~كالفراش المبثوث بعضهم في بعض لا جهة له يقصدها فإذا سمعوا المنادي قصدوه ~~فصاروا كالجراد المنتشر، لأن الجراد المنتشر لها جهة يقصدها. # قوله: " مهطعين " حال أيضا من اسم كان، أو من فاعل " يخرجون ~~" عند من يرى تعدد الحال. قال أبو البقاء: و " مهطعين " حال من ~~الضمير في " منتشر " عند قوم، وهو بعيد؛ لأن الضمير في منتشر للجراد ~~وإنما هو حال من فاعل " يخرجون " أو من الضمير المحذوف. انتهى. # وهو اعتراض حسن على هذا القول. # والإهطاع الإسراع وأنشد: # 4590- بدجلة دارهم ولقد أراهم # بدجلة مهطعين إلى السماع # وقيل: ms8175 الإسراع مع مد العنق. وقيل: النظر. قاله ابن عباس وأنشدوا (- رحمة ~~الله على من قال -): # 4591- تعبدني نمر بن سعد وقد أرى # ونمر بن سعد لي مطيع ومهطع # وقد تقدم الكلام على هذه المادة في سورة إبراهيم. # قال الضحاك: مضلين. وقال قتادة: عامدين. وقال عكرمة: فاتحين آذانهم إلى ~~المصوت. # قوله: " يقول الكافرون " قال أبو البقاء: حال من الضمير في " ~~مهطعين ". # وفيه نظر من حيث خلو الجملة من رابط يربطها بذي الحال، وقد يجاب بأن ~~الكافرين هم الضمير في المعنى فيكون من باب الربط بالاسم الظاهر عند من ~~يرى ذلك كأنه قيل: يقولون هذا. وإنما أبرزهم تشنيعا عليهم بهذه الصفة ~~القبيحة. # وقولهم: { هذا يوم عسر } أي صعب شديد. ### || [54.9-17] # قوله: " كذبت قبلهم " مفعوله محذوف أي كذبت الرسل؛ لأنهم ~~لما كذبوا نوحا فقد كذبوا جميع الرسل. ولا يجوز أن تكون المسألة من باب ~~التنازع؛ إذ لو كانت منه لكان التقدير: كذبت قبلهم قوم نوح عبدنا ~~فكذبوه ولو لفظ بهذا لكان تأكيدا؛ إذ لم يفد غير الأول، وشرط التنازع أن ~~لا يكون الثاني تأكيدا، ولذلك منعوا أن يكون قوله: # 4592-....................... # أتاك أتاك اللاحقون احبس احبس # من ذلك. # وفي كلام الزمخشري ما يجوزه، فإنه أخرجه عن التأكيد، فقال: فإن قلت: ما ~~معنى قوله " فكذبوا " بعد قوله: " كذبت "؟ # قلت: معناه كذبوا فكذبوا عبدنا أي كذبوا تكذيبا عقب تكذيب كلما مضى ~~منهم قرن مكذب تبعه قرن مكذب. هذا معنى حسن يسوغ معه ~~التنازع. # فصل # لما فرغ من حكاية كلام الكافر، ومن ذكر علامات الساعة أعاد ذكر بعض ~~الأنبياء فقال: كذبت قبلهم قوم نوح أي قبل أهل مكة. واعلم أن إلحاق ضمير ~~المؤنث بالفعل قبل ذكر الفاعل جائز وحسن بالاتفاق وإلحاق ضمير الجمع ~~بالفعل قبيح عند أكثرهم، فلا يجوزون: كذبوا قوم نوح ويجوزون: ~~كذبت فما الفرق؟ # قال ابن الخطيب: لأن التأنيث قبل الجمع، لأن الأنوثة والذكورة للفاعل ~~أمر لا يتبدل، ولم تحصل الأنوثة للفاعل بسبب فعله بخلاف الجمع، لأن ~~الجمع للفاعلين بسبب فعلهم. # فإن قيل: ما الفائدة في قوله ms8176 تعالى: { فكذبوا عبدنا } بعد ~~قوله: " كذبت "؟ # قال ابن الخطيب: الجواب عنه من وجوه: # الأول: أن قوله " كذبت قوم نوح " أي بآياته فكذب هؤلاء عبدنا ~~بآية الانشقاق فكذبوك. # الثاني: كذبت قوم نوح المرسلين وقالوا لم يبعث الله رسولا وكذبوهم في ~~التوحيد فكذبوا عبدنا كما كذبوا غيره؛ وذلك لأن قوم نوح كانوا مشركين ~~يعبدون الأصنام ومن يعبد الأصنام يكذب كل رسول، وينكر الرسالة، لأنه ~~يقول: لا تعلق لله بالعالم السفلي، وإنما أمره إلى الكواكب فكان ~~مذهبهم التكذيب فكذبوك. # الثالث: أن قوله تعالى: { فكذبوا عبدنا } للتصديق والرد عليهم ~~تقديره: كذبت قوم نوح فكان تكذيبهم تكذيب عبدنا أي لم يكن تكذيبا بحق. # فإن قيل: لو قال: فكذبوا رسولنا كان أدل على قبح فعلهم فما الفائدة ~~في اختيار لفظ العبد؟ # فالجواب: أن قوله: عبدنا أدل في صدقه وقبح تكذيبهم من قوله: " ~~رسولنا "؛ لأن العبد أخوف وأقل تحريفا لكلام السيد من الرسول فيكون ~~كقوله: # ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه ~~باليمين # [الحاقة: 44 - 45]. # قوله: " وقالوا مجنون " مجنون خبر ابتداء مضمر أي هو مجنون، ~~وهذا إشارة إلى أنه أتى بالآيات الدالة على صدقه حيث رأوا ما عجزوا عنه، ~~وقالوا مصاب الجن أو زيادة بيان لقبح صنيعهم حيث لم يقنعوا ~~بتكذيبهم بل قالوا: مجنون أي تقول ما لا يقبله عاقل والكاذب العاقل ~~يقول ما يظن به صدقه، فيكون قولهم: مجنون مبالغة في التكذيب. # قوله: " وازدجر " الدال في " ازدجر " بدل من تاء لما تقدم. # وهل هو من مقولهم أي قالوا إنه ازدجر أي ازدجرته الجن وذهبت ~~بلبه - قاله مجاهد - أو هو من كلام الله تعالى أخبر عنه بأنه انتهز ~~وزجر بالسب وأنواع الأذى؟ وقالوا " لئن لم تنته ~~لتكونن من المرجومين ". قال ابن الخطيب: وهذا أصح؛ لأن ~~المقصود تقوية قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - بذكر من تقدمه، وأيضا ~~ترتب عليه قوله تعالى: { فدعا ربه } ، وهذا الترتب في غاية الحسن، ~~لأنهم لما زجروه وانزجر هو عن دعائهم دعا ربه أني ~~مغلوب. # قوله: " أني مغلوب " العامة على فتح الهمزة؛ أي ms8177 دعا بأني مغلوب، ~~وجاء بهذا على حكاية المعنى ولو جاء على حكاية اللفظ لقال: إني مغلوب ~~وهما جائزان. # وعن ابن أبي إسحاق والأعمش - ورويت عن عاصم - بالكسر إما على ~~إضمار القول، أي فقال فسر به الدعاء، وهو مذهب البصريين، وإما إجراء ~~للدعاء مجرى القول. وهو مذهب الكوفيين. # فصل # في معنى مغلوب وجوه: # أحدها: غلبني الكفار فانتصر لي منهم. # ثانيها: غلبتني نفسي وحملتني على الدعاء عليهم، ~~فانتصر لي من نفسي. قاله ابن عطية. وهو ضعيف. # ثالثها: أن يقال: إن النبي لا يدعو على قومه ما دام في نفسه ~~احتمال وحلم، واحتمال نفسه يمتد ما دام الإيمان منهم محتملا، ثم ~~إن يأسه يحصل والاحتمال والحلم يفر الناس مدة بدليل قوله لمحمد - صلى ~~الله عليه وسلم - # لعلك باخع نفسك # [الشعراء: 3] # فلا تذهب نفسك عليهم حسرات # [فاطر: 8] وقال لنوح - عليه الصلاة والسلام -: # ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون # [هود: 37] و [المؤمون: 27] فقال نوح: يا إلهي إن نفسي غلبتني وقد ~~أمرتني بالدعاء عليهم فأهلكتهم فيكون معناه مغلوب بحكم البشرية أي ~~غلبت وعيل صبري فانتصر لي منهم لا من نفسي. # قال ابن الخطيب: وهذا الوجه مركب من الوجهين. وهو أحسنهما. # وقوله: " فانتصر " أي فانتصر لي أو لنفسك، فإنهم كفروا بك، أو ~~انتصر للحق. # قوله: (ففتحنا) تقدم الخلاف في فتحنا في الأنعام. والمراد من الفتح ~~والأبواب والسماء حقائقها وأن للسماء أبواب تفتح وتغلق. # قال علي - رضي الله عنه -: هي المجرة وهي شرع السماء ومنها فتحت ~~بماء منهمر. وقيل: هذا على سبيل الاستعارة؛ فإن الظاهر أن الماء كان من ~~السحاب فهو كقول القائل في المطر الوابل: " جرت ميازيب السماء ~~". # وفي قوله: " ففتحنا " بيان بأن الله انتصر منهم، وانتقم بماء ~~لا بجند أنزله ومن العجب أنهم كانوا يطلبون المطر سنين، فأهلكهم الله ~~بمطلوبهم. # قوله: (بماء منهمر) في الباء وجهان: # أظهرهما: أنها للتعدية ويكون ذلك على المبالغة في أنه جعل الماء كالآلة ~~المفتتح بها، كما تقول فتحت بالمفاتيح. # والثاني: أنها للحال أي فتحناها ملتبسة بهذا الماء والمنهمر: ~~الغزير النازل ms8178 بقوة. وأنشد امرؤ القيس: # 4593- راح تمريه الصبا ثم انتحى # فيه شؤبوب جنوب منهمر # واستعير ذلك في قولهم: همر الرجل في كلامه إذا أكثر الكلام ~~وأسرع، وفلان يهامر الشيء أي يحرفه، وهمر له من ماله أعطاه ~~بكثرة. # والمنهمر الكثير قاله السدي (رحمة الله عليه) قال الشاعر: # 4594- أعيني جودا بالدموع الهوامر # على خير باد من معد وحاضر # قال المفسرون: معنى منهمر أي منصب انصبابا شديدا. قال ابن عباس: ~~منهمر من غير سحاب لم ينقطع أربعين يوما. وقيل: ثمان. # قوله: " وفجرنا الأرض " قرأ عبد الله وأبو حيوة وعاصم - في ~~رواية - وفجرنا مخففا. والباقون مثقلا. # وقوله: " عيونا " فيه أوجه: # أشهرها: أنه تمييز أي فجرنا عيون الأرض، فنقله من المفعولية ~~إلى التمييز كما نقل من الفاعلية. ومنعه بعضهم على ما سيأتي. # وقوله: { وفجرنا الأرض عيونا } أبلغ من فجرنا عيون ~~الأرض، لما ذكر في نظيره مرارا. # الثاني: أنه منصوب على البدل من الأرض، ويضعف هذا خلوه من الضمير، ~~فإنه بدل بعض من كل ويجاب عنه بأنه محذوف أي عيونا منها كقوله: " ~~الأخدود النار " ، فالنار بدل اشتمال ولا ضمير فهو مقدر. # الثالث: أنه مفعول ثان؛ لأنه ضمن فجرنا معنى صيرناها ~~بالتفجير عيونا. # الرابع: أنها حال، وفيه تجوز حذف مضاف أي ذات عيون، وكونها حالا ~~مقدرة لا مقارنة. قال ابن الخطيب: قوله { وفجرنا الأرض عيونا } فيه من ~~البلاغة ما ليس في قول القائل: وفجرنا من الأرض عيونا. # وقال: وفجرنا الأرض عيونا، ولم يقل: ففتحنا السماء أبوابا؛ ~~لأن السماء أعظم من الأرض وهي للمبالغة، وقال: أبواب السماء ولم يقل: ~~أنابيب ولا منافذ ولا مجاري. أما قوله تعالى: { فجرنا الأرض ~~عيونا } فلا غنى عنه لأن قول القائل: فجرنا من الأرض عيونا يكون ~~حقيقة لا مبالغة فيه ويكون في صحة ذلك القول أن يحصل في الأرض عيون ~~ثلاث ولا يصلح مع هذا في السماء ومياهها. # فصل # قال ابن الخطيب: العيون جمع عين وهي حقيقية في العين التي هي آلة ~~الإبصار ومجاز في غيرها أما في عيون الماء فلأنها تشبه العين الناظرة ms8179 ~~التي يخرج منها الدمع، لأن الماء الذي في العين كالدمع الذي في العين وهو ~~مجاز مشهور صار غالبا حتى لا يفتقر إلى قرينة عند الاستعمال فكما لا ~~يحمل اللفظ على العين الناظرة إلا بقرينة كذلك لا يحمل على الفوارة ~~إلا بقرينة، مثل شربت من العين واغتسلت منها ونحوه. # فإن قيل: من أين علمت أن العين حقيقة في الناظرة؟. # قلنا: لأن الأفعال أخذت منه، ولم تؤخذ من الينبوع، فيقال: عانه ~~يعينه إذا أصابه بالعين وعاينه معاينة وعيانا. # قال عبيد بن عمير: أوحى الله تعالى إلى الأرض أن تخرج ~~ماءها فتفجرت بالعيون وأي عين تأخرت غضب عليها فجعل ماءها مرا إلى يوم ~~القيامة. # قوله: " فالتقى الماء " لما كان المراد بالماء الجنس صح أن ~~يقال: فالتقى الماء كأنه قال: فالتقى ماء السماء وماء الأرض. وهذه ~~قراءة العامة. وقرأ الحسن والجحدري ومحمد بن كعب وتروى عن ~~أمير المؤمنين أيضا: " الماءان " تثنية والهمزة سالمة أي النوعان منه ~~ماء السماء وماء الأرض؛ لأن الالتقاء إنما يكون بين اثنين. وقرأ الحسن ~~أيضا: " الماوان " بقلبها واوا، وهي لغة طيىء. قال الزمخشري ~~كقولهم: علباوان، يعني أنه شبه الهمزة المنقلبة عن هاء بهمزة ~~الإلحاق. # وروي عنه أيضا المايان بقلبها ياء، وهي أشد مما قبلها. # قوله: " قد قدر " العامة على التخفيف. وقرأ ابن مقسم وأبو حيوة ~~بالتشديد. هما لغتان قرىء بهما في قوله: # قدر فهدى # [الأعلى: 3] # فقدر عليه رزقه # [الفجر: 16] كما سيأتي. # فصل # قيل: معنى قد قدر أي حال قدرها الله كما شاء قضى عليهم في أم الكتاب. ~~وقال مقاتل: قدر الله أن يكون الماءان سواء، فكانا على ما قدره. ~~وقيل: على مقادير؛ وذلك لأن المفسرين اختلفوا، فمنهم من قال كان ماء ~~السماء أكثر، ومنهم من قال: ماء الأرض. ومنهم من قال: كانا متساويين، ~~فقال على مقدار كان وقال قتادة: قدر لهم إذا كفروا أن يغرقوا. # قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يقال: التقى الماء أي اجتمع على أمر هلاكهم ~~وهو كأنه مقدور (مقدر). وفيه رد على المنجمين الذين يقولون: إن الطوفان ms8180 ~~كان بسبب اجتماع الكواكب السبعة في برج مائي والغرق لم يكن مقصودا ~~بالذات وإنما ذلك أمر لزم من الطوفان الواجب وقوعه، فرد الله عليهم بأنه ~~لم يكن ذلك إلا لأمر قد قدر، ويدل عليه أن الله تعالى أوحى إلى نوح ~~بأنهم مغرقون. # قوله: { وحملناه على ذات ألواح ودسر } أي سفينة ذات ~~ألواح. قال الزمخشري: وهي من الصفات التي تقوم مقام الموصوفات فتنوب ~~منابها وتؤدي مؤداها بحيث لا يفصل بينها وبينها ونحوه: # 4595-...................... # ولكن قميصي مسرودة من حديد # أراد ولكن قميصي درع، وكذلك: # 4596-...................... # ولو في عيون النازيات بأكرع # أراد ولو في عيون الجرار، ألا ترى أنك لو جمعت بين الصفة وبين هذه ~~الصفة، أو بين الجرار والدرع وهاتين الصفتين لم يصح. وهذا من فصيح الكلام ~~وبديعه. # والدسر، قيل: المسامير جمع دسار، نحو كتب في جمع كتاب وقال ~~الزمخشري: جمع دسارة، وهو المسمار فعالة من دسره إذا دفعه، لأنه ~~يدسر به منفذه. # وقال الراغب: الواحد دسر فيكون مثل سقف وسقف وقال البغوي: واحدها ~~دسار ودسير. # وأصل الدسر الدفع الشديد بقهر (و) دسره بالرمح. ومدسر مثل ~~مطعن وروي: ليس في العنبر زكاة إنما هو شيء دسره البحر ~~أي دفعه. # وقيل: إنها الخيوط التي تشد بها السفن. وقيل: هي عراض السفينة وقيل: ~~أضلاعها. وقال الحسن الدسر صدر السفينة، سميت بذلك لأنها تدسر الماء ~~بجؤجؤها أي تدفع. وقال الضحاك: الدسر ألواح جانبيها. # قوله: " تجري بأعيننا " أي بمرأى منا. وقال مقاتل: بأعيننا ~~أي بحفظنا، لقولك: اجعل هذا نصب عينك. وقيل: بالأعين النابعة من الأرض. ~~وقيل: بأعين أوليائنا من الملائكة. فقوله: بأعيننا أي ملتبسة بحفظنا، وهو ~~في المعنى كقوله تعالى: # ولتصنع على عيني # [طه: 39]. # وقرأ زيد (بن) علي وأبو السمال بأعينا بالإدغام. وقال سفيان: ~~معناه بأمرنا. # قوله: (جزاء) منصوب على المفعول له، ناصبه (ففتحنا) وما بعده. # وقيل: منصوب على المصدر إما بفعل مقدر أي جازيناهم جزاء، وإما ~~على التجوز بأن معنى الأفعال المتقدمة جازيناهم بها جزاء. # قوله: { لمن كان كفر } العامة على كفر مبنيا للمفعول، ~~والمراد بمن كفر: ms8181 نوح - عليه الصلاة والسلام - أو الباري تعالى. # وقرأ مسيلمة بن محارب كفر بإسكان الفاء، كقوله: # 4597- لو عصر منه المسك والبان انعصر # وقرأ يزيد بن رومان وعيسى وقتادة: كفر، مبنيا للفاعل. # والمراد ب " من " حينئذ قوم نوح. و " كفر " خبر كان. وفيه دليل ~~على وقوع خبر كان ماضيا من غير قد. وبعضهم يقول: لا بد من (قد) ظاهرة ~~أو مضمرة. # ويجوز أن تكون كان مزيدة، وأما كفرهم ففيه وجهان: # أحدهما: أن يكون " كفر " مثل شكر تعدى بحرف وبغير حرف، يقال: ~~شكرته وشكرت له، قال تعالى: # واشكروا لي ولا تكفرون # [البقرة: 152]. # وقال: # فمن يكفر بالطاغوت # [البقرة: 256]. # الثاني: أن يكون من الكفر لا من الكفران أي جزاء لمن ستر أمره وأنكر ~~شأنه، أو جزاء لمن كفر به. # فصل # المعنى فعلنا به من إنجاء نوح وإغراق قومه ثوابا لمن كفر به وجحد ~~أمره وهو نوح - عليه الصلاة والسلام -. وقيل: " من " بمعنى " ما " أي ~~جزاء لما كان كفر من أيادي ونقمة عند الذين غرقهم، وجزاء لما صنع بنوح ~~وأصحابه. # واللام في " لمن " لام المفعول له. والجزاء هنا بمعنى العقاب أي ~~عقابا لكفرهم. # قوله: { ولقد تركناها آية } ضمير تركناها إما للقصة أو ~~للفعلة التي فعلناها آية يعتبر بها، أو السفينة. وهو الظاهر. والمعنى ~~تركناها أي أبقاها الله بباقردى من أرض الجزيرة آية أي عبرة حتى نظرت ~~إليها أوائل هذه الأمة، وكانت على الجودي. وقيل: بأرض الهند، ~~ومعنى تركناها أي جعلناها، لأنها بعد الفراغ منها صارت متروكة ومجعولة. # قوله: { فهل من مدكر } أصله " مدتكر " فأبدلت التاء دالا ~~مهملة، ثم أبدلت المعجمة مهملة لمقارنتها وقد تقدم هذا في قوله: # وادكر بعد أمة # [يوسف: 45]. وقد قرىء " مدتكر " بهذا الأصل. # وقرأ قتادة فيما نقل عنه أبو الفضل - مدكر - بفتح الدال مخففة ~~وبتشديد الكاف، من دكر بالتشديد أي دكر نفسه أو غيره بما بمضى ~~من قصص الأولين. # ونقل عنه ابن عطية كالجماعة إلا أنه بالذال المعجمة، وهو شاذ لأن ~~الأول يقلب للثاني، لا الثاني للأول. # روى زهير عن أبي إسحاق أنه ms8182 سمع رجلا يسأل الأسود: فهل ~~من مدكر أو من مذكر، قال: سمعت عبد الله يقرأها: فهل ~~من مدكر دالا. # فصل # وهذه الآية إشارة إلى أن الأمر من جانب الرسل قد تم، ولم يبق إلا ~~جانب المرسل إليهم بأن يتفكروا ويهتدوا. وهذا الكلام يصلح أن يكون ~~حثا وأن يكون تخويفا وزجرا، وقال ابن الخطيب: مدكر مفتعل من ~~ذكر يذكر وأصله مذتكر. وقرأ بعضهم بهذا الأصل. ومنهم من يقلب ~~التاء دالا. وفي قوله: مدكر إشارة إلى قوله: # ألست بربكم قالوا بلى # [الأعراف: 172] أي هل ممن يتذكر تلك الحالة؟ وإما إلى وضوح الأمر كأنه ~~جعل للكل آيات الله فنسوها، فهل من متذكر يتذكر شيئا منها؟. # قوله: { فكيف كان عذابي ونذر } كان الظاهر فيها أنها ناقصة ~~(و) " فكيف " خبر مقدم. وقيل: يجوز أن تكون تامة، فتكون " كيف " ~~في محل نصب إما على الظرف وإما على الحال كما تقدم تحقيقه في البقرة. # فصل # وحذفت ياء الإضافة من " نذر " كما حذفت ياء " يسر " في قوله تعالى: # والليل إذا يسر # [الفجر: 4]؛ وذلك عند الوقف، ومثله كثير، كقوله: # فإياي فاعبدون # [العنكبوت: 56] # ولا ينقذون # [يس: 23] # يعباد فاتقون # [الزمر: 16] # ولا تكفرون # [البقرة: 152] وقرىء بإثبات الياء في: " عذابي ونذري ". # قوله: { ولقد يسرنا القرآن } هيأناه " للذكر " من ~~قولهم: " يسر فرسه " أي هيأه للركوب بإلجامه، قال: # 4598- فقمت إليه باللجام ميسرا # هنالك يجزيني الذي كنت أصنع # وقيل: سهلنا القرآن ليتذكر ويعتبر به. وقال سعيد بن جبير: يسرناه للحفظ ~~والقراءة، وليس شيء من كتب الله يقرأ كله ظاهرا إلا القرآن. # وقوله: { فهل من مدكر } متعظ بمواعظه. ### || [54.18-22] # ذكر ههنا: { فكيف كان عذابي ونذر } مرتين، فالأول سؤال، كقول المعلم ~~للمتعلم: كيف المسألة الفلانية؟ ثم بين فقال: " إنا ~~أرسلنا " ، والثاني بمعنى التعظيم والتهويل. # فإن قيل: قال في قوم نوح: كذبت قوم نوح ولم يقل في عاد: ~~كذبت قوم هود؛ لأن التعريف كلما أمكن أن يؤتى به على وجه أبلغ ~~فالأولى أن يؤتى به والتعريف بالاسم العلم أقوى من التعريف بالإضافة؛ ~~لأنك إذا قلت: " بيت الله " لا يفيد ms8183 ما يفيد قولك: الكعبة، ~~وكذلك إذا قلت: رسول الله وقلت: محمد " فعاد " اسم علم للقوم. # ولا يقال: قوم هود أعرف لوجهين: # أحدهما: أن الله تعالى وصف عادا بقوم هود في قوله: # ألا بعدا لعاد قوم هود # [هود: 60] ولا يوصف الأظهر بالأخفى، والأخص بالأعم. # ثانيهما: أن قوم هو (واحد وعاد قيل:) إنه لفظ يقع على أقوام، ولهذا ~~قال تعالى: # عادا الأولى # [النجم: 50] لأنا نقول: أما قوله تعالى: # لعاد قوم هود # [هود: 60] فليس ذلك صفة، وإنما هو بدل ويجوز في البدل أن يكون دون ~~المبدل (منه) في المعرفة، ويجوز أن يبدل من المعرفة بالنكرة. وأما ~~عادا الأولى فهو لبيان تقدمهم أي عادا الذين تقدموا، وليس ذلك للتمييز ~~والتعريف كما تقول: محمد النبي شفيعي والله الكريم ~~ربي ورب الكعبة المشرفة، لبيان الشرف، لا لبيانها ~~وتعريفها بالشرف كقولك: دخلت الدار المعمورة من الدارين، ~~وخدمت الرجل الزاهد من الرجلين؛ فتبين المقصود ~~بالوصف. # فإن قيل: لم لم يقل: فكذبوا هودا كما قال فكذبوا عبدنا؟. # فالجواب: إما لأن تكذيب قوم نوح أبلغ لطول مقامه فيهم وكثرة ~~عنادهم، وإما لأن قصة عاد ذكرت مختصرة. # قوله: { إنآ أرسلنا عليهم ريحا صرصرا } الصرصر ~~الشديدة الصوت من صرصر الباب أو القلم إذا صوت. # وقيل: الشديدة البرد من الصر وهو البرد وهو كله أصول عند الجمهور. # وقال مكي: أصله " صررا " من صر الشيء إذا صوت، لكن أبدلوا من ~~الراء المشددة صادا، وهذه أقوال الكوفيين. ومثله: كبكب ~~وكفكف. وتقدم هذا في فصلت وغيرها. # وقال ابن الخطيب: الصرصر هو الدائمة الهبوب من أصر على الشيء ~~إذا دام وثبت. # فصل # { يوم نحس مستمر } شديد دائم الشؤم استمر عليهم ~~بنحوسه، ولم يبق منهم أحدا إلا أهلكه. قيل: ذلك يوم الأربعاء في ~~آخر الشهر. # فإن قيل: إذا كان يوم الأربعاء يوم نحس مستمر فكيف يستجاب فيه ~~الدعاء؟! وقد جاء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استجيب له فيه فيما ~~بين الظهر والعصر. # فالجواب: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: # " أتاني جبريل فقال: " إن الله يأمرك أن ms8184 تقضي مع الشاهد " # وقال: يوم الأربعاء يوم نحس مستمر. ومعلوم أنه لم يرد أنه ~~نحس على المصلحين بل على المفسدين، كما كانت الأيام النحسات على الكفار، ~~لا على نبيهم والمؤمنين. # واعلم أنه تعالى قال ههنا: إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا وقال في ~~الذاريات: # إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم # [الذاريات: 41] فعرف الريح هناك، ونكرها ههنا؛ لأن العقم في الريح ~~أظهر من البرد الذي يضر النبات أو الشدة التي تعصف الأشجار، لأن ~~الريح العقيم هي التي لا تنشىء سحابا، ولا تلقح شجرا وهي كثيرة ~~الوقوع، وأما الريح المهلكة الباردة فقلما توجد فقال: الريح العقيم أي ~~هذا الجنس المعروف. # ثم زاده بيانا بقوله: # ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم # [الذاريات: 42] فتميزت عن الريح العقيم، وأما الصرصر فقليلة الوقوع فلا ~~تكون مشهورة فنكرها. # قوله: { في يوم نحس } العامة على إضافة يوم إلى نحس - بسكون ~~الحاء - وفيه وجهان: # أحدهما: أنه من إضافة الموصوف إلى صفته. # والثاني - وهو قول البصريين - أنه صفة لموصوف محذوف أي يوم عذاب نحس. # وقرأ الحسن - ( رضي الله عنه) بتنوينه ووصفه بنحس ولم ~~يقيده الزمخشري بكسر الحاء. وقيده أبو حيان. وقد قرىء قوله: { في ~~أيام نحسات } [فصلت:16]بسكون الحاء وكسرها، وتنوين " أيام " عند ~~الجميع ما تقدم تقريره، و " مستمر " صفة " ليوم " أو " نحس ". ~~ومعناه كما تقدم أي عليهم حتى أهلكهم، أو من المرارة. قال الضحاك: كان ~~مرا عليهم وكذا حكى الكسائي أن قوما قالوا هو من المرارة يقال: مر ~~الشيء، وأمر أي كان كالشيء المر تكرهه النفوس، وقد قال: # فذوقوا # [آل عمران: 106] والذي يذاق قد يكون مرا. # قوله: (تنزع الناس) في موضع نصب إما نعتا ل " ريحا " وإما ~~حالا منها لتخصصها بالصفة؛ ويجوز أن تكون مستأنفة. وقال: " الناس " ليعم ~~ذكرهم وأنثاهم، فأوقع الظاهر موقع المضمر لذلك فالأصل تنزعهم. # فصل # قال تعالى هنا: { في يوم نحس مستمر } وقال في السجدة: # في أيام نحسات # [فصلت:16] وقال في الحاقة: # سبع ليال وثمانية أيام حسوما # [الحاقة: 7]. والمراد من اليوم هنا الوقت والزمان كما في ms8185 قوله: # يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا # [مريم: 33]. وقوله " مستمر " يفيد ما يفيده الأيام؛ لأن الاستمرار ~~ينبىء عن امتداد الزمان كما تنبىء عنه الأيام. والحكاية هنا مذكورة ~~على سبيل الاختصار فذكر الزمان ولم يذكر مقداره على سبيل الإيجاز. # قوله: " كأنهم أعجاز " حال من الناس مقدرة، و " منقعر " ~~صفة للنخل باعتبار الجنس، ولو أنث لاعتبر معنى الجماعة كقوله: # نخل خاوية # [الحاقة: 7]. وقد مضى تحقيق اللغتين فيه. # وإنما ذكر هنا وأنث في الحاقة مراعاة للفواصل في الموضعين. وقرأ أبو ~~نهيك: " أعجز " على وزن أفعل نحو: ضبع وأضبع. # وقيل: الكاف في موضع نصب بفعل مقدر تقديره: تتركهم كأنهم ~~أعجاز. قاله مكي. # ولو جعل مفعولا ثانيا على التضمين أي تصيرهم بالنزع كأنهم لكان ~~أقرب. # والأعجاز جمع عجز وهو مؤخر الشيء، ومنه العجز، لأنه يؤدي إلى تأخر ~~الأمور. والمنقعر: المنقلع من أصله (يقال) قعرت النخلة ~~قلعتها من أصلها فانقعرت. وقعرت البئر: وصلت إلى ~~قعرها وقعرت الإناء شربت ما فيه حتى وصلت إلى قعره، ~~وأقعرت البئر أي جعلت له قعرا. # فصل # تنزع الناس تقلعهم ثم ترمي بهم على رؤوسهم فتدق ~~رقابهم. وروي: أنها كانت تنزع الناس من قبورهم كأنهم أعجاز نخل. قال ~~ابن عباس (رضي الله عنهما) أصولها. وقال الضحاك: أوراك نخل ~~منقعر منقلع من مكانه ساقط على الأرض وقال: أعجاز نخل وهي أصولها التي ~~قلعت فروعها، لأن الكفار تبين رؤوسهم من أجسادهم فتبقى أجسادهم بلا ~~رؤوس. قال ابن الخطيب: تنزعهم بعنف كأنهم أعجاز نخل منقعر ~~فينقعروا. # وهذا إشارة إلى قوتهم وثباتهم على الأرض، ويكون ذلك إشارة إلى عظم ~~أجسادهم أو إلى ثباتهم في الأرض فكأنهم كانوا يجعلون أرجلهم في الأرض ~~ويقصدون المنع به على الريح. # قال ابن إسحاق: لما هاجت الريح قام سبعة نفر من عاد من أقواهم ~~وأحسمهم منهم عمرو بن الحلي، والحارث بن شداد والهلقام ~~وابنا تقن وخلجان بن سعد فألجأوا العيال في شعب بين ~~جبلين ثم اصطفوا على جانبي الشعب ليردوا الريح عمن في الشعب ~~من العيال فجعلت الريح تجعفهم رجلا ms8186 بعد رجل، فقالت امرأة عاد: # 4599- ذهب الدهر بعمرو ب # ن حلي والهنيات # ثم بالحارث والهل # لقام طلاع الثنيات # والذي سد مهب الر # ريح أيام البليات # أو يكون إشارة إلى يبسهم وجفافهم بالريح، فهي كانت تقتلهم وتحرقهم ~~ببردها المفرط فيقعون كأنهم أخشاب يابسة. # فصل # (قال) المفسرون: ذكر النخل هنا، وقال: " منقعر " وأنثه في الحاقة، ~~وقال: أعجاز نخل خاوية لأجل الفواصل كقوله: مستمر، ومنهمر، ~~ومنتشر. # وقيل: إن النخل لفظه لفظ واحد، ومعناه الجمع، فيقال: نخل ~~منقعر، ومنقعرة ومنقعرات، ونخل خاو وخاوية ~~وخاويات ونخل باسق وباسقة وباسقات. # فإذا قيل: " منقعر أو خاو أو باسق " فبالنظر إلى اللفظ، وإذا قيل: ~~منقعرات أو خاويات أو باسقات فلأجل المعنى. # قال أبو بكر بن الأنباري: سئل المبرد بحضرة القاضي إسرفيل عن ~~ألف مسألة هذه من جملتها فقال: ما الفرق بين قوله تعالى: # ولسليمان الريح عاصفة # [الأنبياء: 81] وقال: # جآءتها ريح عاصف # [يونس: 22]، وقوله: # كأنهم أعجاز نخل خاوية # [الحاقة: 7] و { أعجاز نخل منقعر }؟ فقال: كل ما ورد عليك ~~من هذا القرآن، فإن شئت رددته إلى اللفظ تذكيرا أو إلى المعنى تأنيثا. # قال ابن الخطيب: ذكر الله لفظ النخل في مواضع ثلاثة ووصفها على الأوجه ~~الثلاثة، قال: # والنخل باسقات # [ق: 10] وذلك حال عنها وهي كالوصف وقال: " نخل خاوية " و " ~~نخل منقعر " فحيث قال: " منقعر " كان المختار ذلك، لأن ~~المنقعر في حقيقة الأمر كالمفعول؛ لأنه ورد عليه القعر، فهو ~~مقعور، و " الخاوي والباسق " فاعل وإخلاء المفعول من علامة التأنيث ~~أولى، تقول: امرأة قتيل. # وأما الباسقات فهي فاعلات حقيقة، لأن البسوق اسم قام بها، وأما ~~الخاوية فهو من باب " حسن الوجه "؛ لأن الخاوي موضعها فكأنه قال: ~~نخل خاوية المواضع، وهذا غاية الإعجاز حيث أتى بلفظ مناسب ~~للألفاظ السابقة واللاحقة من حيث اللفظ. # قوله: { فكيف كان عذابي ونذر } قال أكثر المفسرين: # إن " النذر " ههنا جمع " نذير " الذي هو مصدر بمعنى الإنذار فما ~~الحكمة في توحيد العذاب حيث لم يقال: فكيف أنواع عذابي وقال: ~~إنذاري؟!. # قال ابن الخطيب: هذا إشارة إلى غلبة الرحمة، لأن ms8187 الإنذار إشفاق ~~ورحمة فقال: الإنذارات التي هي نعم ورحمة تواترت، فلما لم ينفع ~~وقع العذاب دفعة واحدة فكانت النعم كثيرة والنقمة واحدة. ### || [54.23-32] # قوله: { كذبت ثمود بالنذر } اعلم أنه تعالى لم يقل في ~~قوم نوح: " كذبت قوم نوح) بالنذر " وكذلك في قصة عاد. لأن ~~المراد بقوله: { كذبت قبلهم قوم نوح } أن عادتهم إنكار الرسل وتكذيبهم ~~فكذبوا نوحا على مذهبهم وعادتهم. # وإنما صرح ههنا، لأن كل قوم يأتون بعد قوم، فالمكذب المتأخر يكذب ~~المرسلين جميعا حقيقة، والأولون يكذبون رسولا واحدا حقيقة ويلزم منه ~~تكذيب من بعده تبعا، ولهذا المعنى قال في قوم نوح: # كذبت قوم نوح المرسلين # [الشعراء: 105] وقال في عاد: # وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله # [هود: 59] فذكر بلفظ الجمع المستغرق ثم إنه تعالى قال عن نوح: # رب إن قومي كذبون # [الشعراء: 117] ولم يقل: كذبوا رسلك إشارة إلى ما صدر منهم ~~حقيقة لا إلى ما لزم منه، وقوله تعالى: { كذبت ثمود بالنذر ~~} إن قلنا: إن النذر هم الرسل فهو كما تقدم، وإن قلنا: إن النذر هي ~~الإنذارات فنقول: قوم نوح وعاد لم تستمر المعجزات التي ظهرت في زمانهم. # وأما ثمود فأنذروا وأخرج لهم ناقة من صخرة وكانت تدور بينهم ~~وكذبوا فكان تكذيبهم بإنذارات وآيات ظاهرة فصرح بها. # قوله: " أبشرا " منصوب على الاشتغال وهو الراجح، لتقدم أداة هي ~~بالفعل أولى. و " منا " نعت له. و " واحدا " فيه وجهان: # أظهرهما: أنه نعت " لبشرا " إلا أنه يشكل عليه تقديم الصفة المؤولة ~~على الصريحة. ويجاب: بأن " منا " حينئذ ليس وصفا بل حال من " ~~واحدا " قدم عليه. # والثاني: أنه نصب على الحال من هاء " نتبعه ". وهو يخلص من ~~الإعراب المتقدم، إلا أن المرجع لكونه صفة قراءتهما مرفوعين: { ~~أبشرا منا واحدا نتبعه } على ما سيأتي، فهذا يرجح كون ~~" واحدا " نعتا " لبشر " لا حالا. # وقرأ أبو السمال فيما نقل الهذلي والداني برفعهما على ~~الابتداء، و " واحد " صفته و " نتبعه " خبره. # وقرأ أبو السمال أيضا فيما نقل ابن خالويه، وأبو الفضل وابن عطية: ~~برفع " بشر " ونصب " واحدا ms8188 " وفيه أوجه: # أحدها: أن يكون " أبشر " مبتدأ وخبره مضمر تقديره: أبشر منا ~~يبعث إلينا أو يرسل. وأما انتصاب " واحدا " ففيه وجهان: # أحدهما: أنه حال من الضمير المستتر في (منا) لأنه وقع نعتا. # الثاني: أنه حال من هاء " نتبعه ". وهذا كله تخريج أبي الفضل ~~الرازي. # والثاني: أنه مرفوع بالابتداء أيضا، والخبر " نتبعه " و " واحدا ~~" حال على الوجهين المذكورين آنفا. # الثالث: أنه مرفوع بفعل مضمر مبني للمفعول تقديره: أينبأ بشر، و ~~(منا) نعت و (واحدا) حال أيضا على الوجهين المذكورين آنفا. # وإليه ذهب ابن عطية. # فصل # قال ابن الخطيب: والحكمة في تأخير الفعل في الظاهر أن البليغ يقدم ~~في الكلام ما يكون تعلق غرضه به أكثر والقوم كانوا يريدون بيان كونهم ~~محقين في ترك الاتباع، فلو قالوا: أنتبع بشرا أمكن أن يقال: ~~نعم اتبعوه، وماذا يمنعكم من اتباعه؟ فإذا قدمنا حاله وقالوا: هو من ~~نوعنا بشر من صفتنا رجل ليس غريبا نعتقد فيه أنه يعلم ما لا ~~نعلم أو يقدر على ما لا نقدر وهو واحد وليس له جند ولا ~~حشم ولا خدم ولا خيل وهو وحيد ونحن جماعة فكيف نتبعه؟! فيكونون قد ~~قدموا الموجب لجواز الامتناع عن اتباعه. وفي الآية إشارات إلى ذلك، منها ~~تنكيره حيث قالوا: أبشرا، ولم يقولوا: أرجلا، ومنها: قولهم: ~~منا وهو يحتمل أمرين: # أحدهما: من صنفنا ليس غريبا. # والثاني: " منا " أي تبعنا؛ لأن " من " للتبعيض والبعض يتبع ~~الكل، لا الكل يتبع البعض. # ومنها قولهم: " واحدا " ، وهو يحتمل أمرين أيضا: # أحدهما: وحيدا إشارة إلى ضعفه. # وثانيهما: واحدا أي هو من آحاد الناس أي هو ممن ليس بمشهور ~~بحسب ولا نسب، إذا حدث لا يعرف ولا يمكن أن يقال عنه: قال ~~فلان، بل يقال: قال واحد، وذلك غاية الخمول، أو لأن الأرذل لا ~~ينضم إليه أحد. # قوله: { إنآ إذا لفي ضلال } خطأ، وذهاب عن الصواب " ~~وسعر " (قال ابن عباس: عذاب. وقال الحسن: شدة العذاب. وقال قتادة: ~~عناء). " وسعر " يجوز أن يكون مفردا أي جنون يقال: ناقة ~~مسعورة أي كالمجنونة ms8189 في سيرها، قال الشاعر (- رحمة الله ~~عليه -): # 4600- كأن بها سعرا إذا السعر هزها # ذميل وإرخاء من السير متعب # وأن يكون جمع " سعير " وهو النار. قاله سفيان بن عيينة. ~~والاحتمالان منقولان عنه. # والمعنى: إنا إذن لفي عناء وعذاب مما يلزمنا من طاعته. وقال ~~وهب: معناه: بعد عن الحق. # قوله: { أألقي الذكر عليه من بيننا } معناه أأنزل ~~عليه الذكر، وهو الوحي " من بيننا " حال من هاء " عليه " ، أي ~~ألقي عليه منفردا من بيننا أي خصص بالرسالة من بين آل ثمود وفيهم من هو ~~أكثر مالا وأحسن حالا. وهو استفهام بمعنى الإنكار. # قوله: { بل هو كذاب أشر } الأشر البطر، يقال: أشر ~~يأشر أشرا فهو أشر كفرح، وآشر كضارب وأشران ~~كسكران، وأشارى كأسارى. # وقرأ أبو قلابة: { بل هو الكذاب الأشر } ، { من ~~الكذاب الأشر }؟ بفتح الشين وتشديد الراء، جعلهما أفعل ~~تفضيل. وهو شاذ، لأنه (لم) يحذف الهمزة من لفظ الخير والشر في ~~" أفعل " التفضيل، تقول: زيد خير من عمرو وشر من بكر، ~~ولا تقول: أخير ولا أشر إلا في نذور كهذه القراءة وكقول رؤبة: # 4601- بلال خير الناس وابن الأخير # وتثبت فيهما في التعجب نحو: ما أخيره وما أشره. ولا يحذف إلى ~~في ندور عكس أفعل التفضيل، قالوا: ما خير اللبن للصحيح، ~~وما شره للمبطون. وهذا من محاسن الصناعة. وقرأ أبو قيس ~~الأودي ومجاهد الحرف الثاني الأشر بثلاث ضمات، وتخريجها على أن ~~فيه لغة أشر بضم الشين كحذر وحذر، ثم ضمت الهمزة إتباعا لضم ~~الشين. ونقل الكسائي عن مجاهد ضم الشين وفتح الهمزة على أصل تيك اللغة ~~كحذر. # فصل # (الأشر) التحير والنشاط، يقال: فرس أشر إذا كان مرحا ~~نشطا. قال امرؤ القيس يصف كلبا: # 4602- فيدركنا فغم داجن # سميع بصير طلوب نكر # ألص الضروس حني الضلوع # تبوع أريب نشيط أشر # (و) قيل: إنه المتعدي إلى منزلة لا يستحقها. وقال ابن زيد وعبد الرحمن ~~بن حماد: الأشر الذي لا يبالي ما قال. # وفي قراءة أبي قلابة بفتح الشين وتشديد الراء فالمعنى أشرنا ~~وأخبثنا. # فإن قيل: قولهم: بل هو ms8190 كذاب يستدعي أمرا مضروبا عنه فما هو؟ # فالجواب: قولهم: أألقي للإنكار فكأنهم قالوا: ما ألقي، ثم إن قولهم: ~~أألقي عليه الذكر لا يقتضي إلا أنه ليس بنبي، وقول القائل: ليس بنبي ~~لا يلزم منه أنه كاذب فكأنهم قالوا ليس بنبي، ثم قالوا: بل هو ليس ~~بصادق. # قوله: " فسيعلمون " قرأ ابن عامر وحمزة بالخطاب. وفيه وجهان: # أحدهما: أنه حكاية قول صالح لقومه. # والثاني: أنه خطاب الله على جهة الالتفات. والباقون بياء الغيبة جريا ~~على الغيب قبله في قوله: " فقالوا أبشرا " ، واختارها مكي، ~~قال: لأن عليها الأكثر. # و " غدا " ليس المراد به الذي يلي يومك بل الزمان المستقبل، كقول ~~الطرماح (رحمة الله عليه ورضاه): # 4603- ألا عللاني قبل نوح النوائح # وقبل اضطراب النفس بين الجوانح # وقبل غد يا لهف نفسي على غد # إذا راح أصحابي ولست برائح # والمعنى " سيعلمون غدا " حين ينزل عليهم العذاب. قال الكلبي: ~~يعني يوم القيامة. وذكر الغد للتقريب على عادة الناس يقولون: إن مع ~~اليوم غدا. # فصل # الكذاب فعال صيغة مبالغة، لأن المنسوب إلى الشيء لا بد له من أن ~~يكثر من مزاولة الشيء، فإن من خاط يوما لا يقال له: خياط فالمبالغة ~~ههنا إما في الكثرة بأن يكون كثير الكذب، وإما في الشدة أي شديد الكذب، ~~يقول ما لا يقبله العقل. ويحتمل أن يكونوا وصفوه بذلك لاعتقادهم الأمرين ~~جميعا. وقولهم " أشر " إشارة إلى أنه كذب لا لضرورة وحاجة وإنما هو ~~استغنى فبطر وطلب الرئاسة. # قوله: { إنا مرسلوا الناقة } أي مخرجوها من الهضبة ~~التي سألوا. # وأتى باسم الفاعل والإضافة مبالغة في حقيقته كأنه وقع " فتنة " ~~مفعول به، أو مصدر من معنى الأول أو في موضع الحال. # روي أنهم تعنتوا على صالح فسألوه أن يخرج لهم من صخرة ناقة حمراء ~~عشراء، فقال الله: { إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم ~~} محنة واختبارا؛ فقوله: " فتنة " مفعول له؛ لأن المعجزة فتنة؛ لأن بها ~~يتميز المثاب من المعذب، فالمعجزة تصديق، وحينئذ يفترق المصدق من ~~المكذب. # أو يقال: إخراج الناقة من الصخرة معجزة، ودورانها بينهم، وقسمة ms8191 الماء ~~كان فتنة، ولهذا قال: " إنا مرسلوا " ولم يقل: مخرجو. # قوله: " فارتقبهم " أي انتظر ما يصنعون " واصطبر " أي اصبر ~~على أذاهم وأصل الطاء في " اصطبر " " تاء " فتحولت طاء، لتكون ~~موافقة للصاد في الإطباق. # قوله: " ونبئهم " أي أخبرهم { أن المآء قسمة ~~بينهم } أي بين آل ثمود وبين الناقة لها يوم ولهم يوم، كقوله تعالى: # لها شرب ولكم شرب يوم معلوم # [الشعراء: 155] فالضمير في (بينهم) لقوم صالح والناقة فغلب العاقل. # وقرأ العامة: قسمة بكسر القاف - وروي عن أبي عمرو فتحها - وهو ~~قياس المرة. والمعنى: أن الماء مقسوم بينهم فوصف بالمصدر مبالغة، ~~كقولك: فلان عين الكرم. # قوله: { كل شرب محتضر } أي يحضره من هو له، فالناقة تحضر ~~الماء يوم ورودها وتغيب عنهم يوم ورودهم. قاله مقاتل. وقال ~~مجاهد: إن ثمود يحضرون الماء يوم غبها عنهم فيشربون، ويحضرون اللبن ~~يوم ورودها فيحتلبون. والشرب - بالكسر - الحظ من الماء. وفي المثل: ~~آخرها أقلها شربا وأصله من سقي الإناء، لأن آخرها يرد وقد نزف ~~الحوض. # واعلم أن قسمة الماء إما لأن الناقة عظيمة الخلق ينفر منها حيواناتهم ~~فكان يوم للناقة ويوم لهم، وإما لقلة الماء فلا يحملهم، وإما لأن الماء ~~كان مقسوما بينهم لكل فريق منهم فيوم ورود الناقة على هؤلاء يرجعون ~~على الآخرين وكذلك الآخرون فيكون النقصان على الكل، ولا تختص الناقة ~~بجميع الماء. # روي أنهم كانوا يكتفون في يوم ورودها بلبنها، وليس في الآية إلا ~~القسمة دون كيفيتها، وظاهر قوله تعالى: { كل شرب محتضر } ~~يعضد الوجه الثالث، وحضر واحتضر بمعنى واحد. # قوله: " فنادوا صاحبهم " قبله محذوف أي فتمادوا على ذلك ثم ~~عزموا على عقرها فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر. و " تعاطى " مطاوع عاطى ~~كأنهم كانوا يتدافعون ذلك حتى تولاه أشقاها. والمعنى فنادوا صاحبهم نداء ~~المستغيث وهو قدار بن سالف وكان أشجعهم. وقيل: كان رئيسهم. فتعاطى ~~أي آلة العقر أو الناقة، أو هو عبارة عن الإقدام على الفعل العظيم. ~~وتحقيقه أن الفعل العظيم يتبرأ منه كل أحد ويعطيه صاحبه أو ~~جعلوا له جعلا فتعاطاه. # قال محمد بن ms8192 إسحاق: كمن لها في أصل شجرة على طريقها فرماها ~~فانتظم به عضلة ساقها ثم شد عليها بالسيف فكشف عرقوبها فخرت ورغت رغاة ~~واحدة، ثم نحرها. # قال ابن عباس: كان الذي عقرها أحمر أشقر أكشف أقعى يقال له: قدار بن ~~سالف. والعرب تسمي الجزار قدارا تشبيها بقدار بن سالف مشؤوم آل ~~ثمود، قال مهلهل: # 4604- إنا لنضرب بالسيوف رؤوسهم # ضرب القدار نقيعة القدام # قوله: { إنآ أرسلنا عليهم صيحة واحدة } يريد صيحة ~~جبريل كما تقدم { فكانوا كهشيم المحتظر } العامة على كسر ~~الظاء اسم فاعل وهو الذي يتخذه حظيرة من حطب وغيره. # وقرأ أبو السمال وأبو حيوة وأبو رجاء وعمرو بن عبيد بفتحها. ~~فقيل: هو مصدر أي كهشيم الاحتظار. # وقيل: هو اسم مكان. وقيل: هو اسم مفعول وهو الهشيم نفسه، ويكون من ~~باب إضافة الموصوف لصفته كمسجد الجامع. والحظر المنع، وقد ~~تقدم تحريره في " سبحان ". # فصل # " كان " في قوله " فكانوا " قيل: بمعنى صاروا كقوله: # 4605-............................. # كانت فراخا بيوضها # أي صارت. والهشيم: المهشوم المكسور، ومنه سمي هاشم لهشمه الثريد في ~~الجفان غير أن الهشيم يستعمل كثيرا في الحطب المتكسر اليابس. # قال المفسرون: كانوا كالخشب المنكسر الذي يخرج من الحظائر بدليل ~~قوله: # هشيما تذروه الرياح # [الكهف: 45] وهو من باب إقامة الصفة مقام الموصوف. # وتشبيههم بالهشيم إما لكونهم يابسين كالموتى الذين ماتوا من زمان، أو ~~لانضمام بعضهم إلى بعض، كما ينضم الرفقاء عند الخوف يدخل بعضهم في بعض، ~~فاجتمعوا بعضهم فوق بعض كما يجمع الحاطب الحطب يصف شيئا فوق شيء ~~منتظرا حضور من يشتري منه. # ويحتمل أن يكون ذلك لبيان كونهم في الجحيم أي كانوا كالحطب اليابس الذي ~~للوقيد كقوله تعالى: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [الأنبياء: 98] وقوله: # فكانوا لجهنم حطبا # [الجن: 15]. # فصل # ذكر في الآية مباحث: # منها: قوله تعالى: { فكيف كان عذابي ونذر }. اعلم أن هذه ~~الآية ذكرت في ثلاثة مواضع ذكرها في حكاية نوح بعد بيان العذاب، وذكرها ~~هنا قبل بيان العذاب، وذكرها في حكاية عاد قبل بيانه وبعد بيانه، فحيث ~~ذكر قبل ms8193 بيان العذاب فللبيان كقول العارف بحكايته لغير العارف: ~~هل تعلم كيف كان أمر فلان؟ وغرضه أن يقول: أخبرني عنه. ~~وحيث ذكرها بعد بيان العذاب ذكرها للتعظيم كقول القائل: ضرب فلان ~~أي ضرب وأيما ضرب، وتقول: ضربته وكيف ضربته أي ~~قويا. وفي حكاية عاد ذكرها مرتين للبيان والاستفهام ومنها في حكاية نوح ~~ذكر الذي للتعظيم، وفي حكاية ثمود ذكر الذي للبيان، لأن عذاب قوم نوح كان ~~بأمر عظيم عام وهو الطوفان الذي عم العالم ولا كذلك عذاب قوم (هود) فإنه ~~كان مختصا بهم. # فصل # اعلم أن الله تعالى ذكر في هذه السورة خمس قصص، وجعل القصة المتوسطة ~~مذكورة على أتم وجه؛ لأن حال صالح كان أكثر مشابهة بحال محمد - عليهما ~~الصلاة والسلام - لأنه أتى بأمر عجيب أرضي، وكان أعجب مما جاء به ~~للأنبياء، لأن عيسى عليه الصلاة والسلام، أحيا الميت لكن الميت كان ~~محلا للحياة فقامت الحياة بإذن الله في محل كان قابلا لها وموسى - عليه ~~الصلاة والسلام - انقلبت عصاه ثعبانا فأثبت الله له في الخشب الحياة ~~بإذن الله؛ لكن الخشبة نبات كان له قوة في النمو فأشبه الحيوان في النمو، ~~وصالح - عليه الصلاة والسلام - كان الظاهر في يده خروج الناقة من الحجر، ~~والحجر جماد، وليس محلا للحياة، ولا محلا للنمو والنبي - عليه الصلاة ~~والسلام - أتى بأعجب من الكل، وهو التصرف في الجرم السماوي الذي ~~يقول المشرك: لا وصول لأحد إلى السماء، وأما الأرضيات فقالوا: إنها أجسام ~~مشتركة المواد يقبل كل واحد منها صورة الأخرى، والسماوات لا تقبل ذلك ~~فلما أتى بما اعترفوا بأنه لا يقدر على مثله آدمي كان أتم وأبلغ من ~~معجزة صالح - عليه الصلاة والسلام - التي هي أتم من معجزة سائر ~~الأنبياء غير محمد - عليه الصلاة والسلام -. # فصل # من قرأ المحتظر - بفتح الظاء - أراد الحظيرة، ومن قرأ بالكسر أراد ~~صاحب الحظيرة. ونقل القرطبي عن صاحب الصحاح، قال: من كسر جعله الفاعل، ~~ومن فتح جعله المفعول، ويقال للرجل القليل الخير: إنه لنكد ~~الحظيرة. قال أبو عبيدة: أراه سمى أمواله ms8194 حظيرة، لأنه حظرها عنده ~~ومنعها، وهي فعيلة بمعنى مفعولة. وقال المهدوي: من فتح الظاء من ~~المحتظر فهو مصدر، والمعنى كهشيم الاحتظار. ويجوز أن يكون المحتظر هو ~~الشجر المتخذ منه الحظيرة، قال ابن عباس (- رضي الله عنهما -): المحتظر ~~هو الرجل يجعل لغنمه حظيرة بالشجر والشوك فما سقط من ذلك وداسته الغنم ~~فهو الهشيم قال: # 4606- أثرن عجاجة كدخان نار # تشب بغرقد بال هشيم # وعنه: الحشيش تأكله الغنم، وعنه أيضا: كالعظام النخرة المحترقة. وهو ~~قول قتادة. وقال سعيد بن جبير: هو التراب المتناثر من الحيطان في يوم ~~ريح. وقال سفيان الثوري: هو ما تناثر من الحظيرة إذا ضربتها بالعصا، ~~وهو فعيل من مفعول. وقال ابن زيد: العرب تسمي كل شيء كان رطبا ~~فيبس هشيما والحظر المنع. والمحتظر المفتعل يقال منه: ~~احتظر على إبله، وحظر أي جمع الشجر بعضه على بعض ليمنع برد ~~الريح والسباع عن إبله، قال الشاعر: # 4607- ترى جيف المطي بجانبيه # كأن عظامها خشب الهشيم # وعن ابن عباس -( رضي الله عنهما -) أيضا: أنهم كانوا مثل القمح الذي ~~ديس وهشم -. (والهشيم:) فتات السنبلة والتبن. # روى أبو الزبير عن جابر قال: # " لما نزلنا الحجر في مغزى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تبوك، ~~قال: أيها الناس لا تسألوني الآيات، هؤلاء قوم صالح سألوا نبيهم أن يبعث ~~لهم ناقة، فبعث الله عز وجل إليهم الناقة وكانت ترد من ذلك الفج ~~فتشرب ماءهم يوم وردها ويحلبون منها مثل الذي كانوا يشربون منها يوم ~~غبها ". ### || [54.33-40] # قوله تعالى: { كذبت قوم لوط بالنذر } أخبر عن قوم لوط ~~لما كذبوا لوطا. ثم قال: { إنآ أرسلنا عليهم حاصبا } ~~والحاصب فاعل من حصب إذا رمى بالحصا وهي الحجارة. وقال النضر: ~~الحاصب الحصباء في الريح. وقال أبو عبيدة: الحاصب الحجارة. وفي ~~الصحاح: الحاصب الريح الشديدة التي تثير الحصباء، وكذلك ~~الحصبة، قال لبيد: # 4608- جرت عليها أن خوت من أهلها # أذيالها كل عصوف حصبه # (يقال): عصفت الريح أي اشتدت فهي ريح عاصف وعصوف. وقال ~~الفرزدق: # 4609- مستقبلين شمال الشأم تضربنا # بحاصب كنديف القطن منثور # قوله: ms8195 { إلا آل لوط } فيه وجهان: # أحدهما: أنه متصل ويكون المعنى: أنه أرسل الحاصب على الجميع إلا أهله، ~~فإنه لم يرسل عليهم. # والثاني: أنه منقطع. قال شهاب الدين: ولا أدري ما وجهه؛ فإن ~~الانقطاع وعدمه عبارة عن عدم دخول المستثنى في المستثنى منه، وهذا داخل ~~ليس إلا. # وقال أبو البقاء: هو استثناء منقطع. وقيل: متصل؛ لأن الجميع أرسل عليهم ~~الحاصب فهلكوا إلا آل لوط. وعلى الوجه الأول يكون الحاصب لم يرسل على ~~آل لوط. انتهى. وهو كلام مشكل. # فصل # قال ابن الخطيب: الحاصب رامي الحصباء، وهي الحجارة؛ كقوله: # وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل # [الحجر: 74] وقول الملائكة: # لنرسل عليهم حجارة من طين # [الذاريات: 33] مع أن المرسل عليهم ليس بحاصب فيحتمل أن يكون المعنى: ~~لنرسل عليهم ريحا حاصبا بالحجارة. ويجوز تذكير الريح؛ لأن تأنيثها ~~غير حقيقي. ويحتمل أن يكون المراد عذاب حاصب لأن (أرسلنا) يدل على ~~مرسل وهو مرسل الحجارة وحاصبها، وأفرد للجنس. وقوله: " إنا ~~أرسلنا " كأنه جواب من قال: كيف كان أمرهم؟ والاستثناء في ~~قوله: { إلا آل لوط } من الضمير في " عليهم " وهو يعود على ~~قوم لوط فيقتضي أن آله كذبوا، لكن قد يكون أهله قليلا فعمهم ظاهر ~~اللفظ فبين بالاستثناء خروجهم لأن المقصود بيان هلاكهم ومن نجا أو يكون ~~الاستثناء من كلام مدلول عليه أي فما أنجينا من الحاصب إلا آل لوط، ~~ويكون الإرسال عليهم والإهلاك عاما، فكأن الحاصب أهلك من كان الإرسال ~~عليه مقصودا وغيرهم، كالأطفال والدواب. # والمراد بآل لوط: من تبع على دينه إلا بنتاه. # قوله: " نجيناهم " تفسير وجواب لقائل يقول: فما كان من شأن آل ~~لوط؟ كقوله تعالى: # أبى # [البقرة: 34] بعد قوله: " إلا إبليس ". وقد تقدم في البقرة. # قوله: " بسحر " الباء حالية أو ظرفية، وانصرف " سحر " لأنه نكرة، ~~ولو قصد به وقت بعينه لمنع (من) الصرف للتعريف والعدل عن أل هذا هو ~~المشهور. # وزعم صدر الافاضل أنه مبني على الفتح كأمس مبنيا على الكسر. # و " نعمة " إما مفعول له، وإما مصدر بفعل من لفظهما أو من معنى ~~" نجيناهم ms8196 "؛ لأن تنجيتهم إنعام، فالتأويل إما في العامل وإما في ~~المصدر. # و " من عندنا " إما متعلق بنعمة، وإما بمحذوف صفة لها. # والكاف في " كذلك " نعت مصدر محذوف أي مثل ذلك الجزاء ~~نجزي. # فصل # قال الأخفش: إنما جر سحر، لأنه نكرة، ولو أراد يوما بعينه لم ~~يجره. وكذا قال الزجاج: سحر إذا كان نكرة يراد به سحر من الأسحار ~~يصرف، نقول: سحرنا هذا، وأتيته بسحر، والسحر هو ما بين آخر ~~الليل وطلوع الفجر، وهو في كلام العرب اختلاط سواد الليل ببياض ~~النهار؛ لأن في هذا الوقت تكون مخاييل الليل ومخاييل النهار. # { نعمة من عندنا } إنعاما على لوط وابنتيه. # { كذلك نجزي من شكر } ، أي كما جازينا لوطا وأهله بالإنجاء، ~~فكذلك نجزي من شكر أي آمن بالله وأطاعه. # قال المفسرون: هو وعد لأمة محمد - عليه الصلاة والسلام - بأنه يصونهم عن ~~الهلاك العام. # قال ابن الخطيب: ويمكن أن يقال: هو وعد لهؤلاء بالثواب يوم القيامة، كما ~~أنجاكم في الدنيا من العذاب؛ لقوله تعالى: # ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي ~~الشاكرين # [آل عمران: 145]. # قوله تعالى: { ولقد أنذرهم بطشتنا } هي العذاب الذي ~~أصابهم، أو هي عذاب الآخرة، لقوله: # يوم نبطش البطشة الكبرى # [الدخان: 16]، وقوله: " فتماروا بالنذر " أي فشكوا فيما ~~أنذرهم به الرسول ولم يصدقوه، وهو تفاعلوا من المرية. وهذه الآية ~~تدل على أن المراد بالنذر الإنذارات. # قوله تعالى: { ولقد راودوه عن ضيفه } المراودة من ~~الرود، يقال: راودته على كذا مراودة، وروادا أي ~~أردته. وراد الكلأ يروده رودا وريادا، وارتاده ~~أيضا أي طلبه. وفي الحديث: # " إذا بال أحدكم فليرتد لبوله " # أي يطلب مكانا لينا أو منحدرا. قال ابن الخطيب: ومنه الإرادة وهي ~~المطالبة غير أن المطالبة تستعمل في العين، يقال: طالب زيد ~~عمرا بالدراهم، والمراودة لا تستعمل إلا في العمل، فيقال: ~~راوده عن المساعدة، ولهذا تعدى المراودة إلى مفعول ثان ~~والمطالبة بالباء وذلك لأن الشغل منوط باختيار الفاعل، والعين قد توجد ~~من غير اختيار منه فلهذا يفترق الحال بين قولك: أخبرني عن أمر ~~زيد وأخبرني بأمر زيد، ms8197 وكذا قوله: " أخبرني زيد ~~عن مجيء فلان " وقوله: " أخبرني بمجيئه "؛ فإن من قال عن ~~مجيئه ربما يكون الإخبار عن كيفية المجيء لا عن نفسه، وأخبرني بمجيئه، لا ~~يكون إلا عن نفس المجيء. # والضيف يقع على الواحد والجماعة، والمعنى أرادوا منه تمكينهم ممن أتاه ~~من الملائكة. # قوله: " فطمسنا أعينهم " قرأ العامة فطمسنا مخففا. وابن ~~مقسم مشددا على التكثير، لأجل المتعلق أو لشدة الفعل في نفسه. # والضمير في: " راودوه " عائد على قوم لوط. # وأسند إليهم لأن جميعهم راض بذلك، والمراد الذين دخلوا عليه. روي أن ~~جبريل - عليه الصلاة والسلام - ضربهم بجناحه فعموا. وقيل: صارت ~~أعينهم كسائر الوجه لا يرى لها شق، كما تطمس الريح الأثر والأعلام بما ~~تسفي عليهم من التراب، وقال الضحاك: بل أعماهم الله تعالى فلم يروا ~~الرسل. وقالوا: لقد رأيناهم حين دخلوا البيت فأين ذهبوا فرجعوا ولم ~~يروهم. وهذا قول ابن عباس. # فإن قيل: قال ههنا: فطمسنا أعينهم، وقال في يس: # ولو نشآء لطمسنا على أعينهم # [يس: 66] فما الفرق؟ # فالجواب: هذا يؤيد قول ابن عباس: بأن المراد من الطمس الحجب عن ~~الإدراك، ولم يجعل على بصرهم شيء. وفي " يس " أراد أنه لو شاء لجعل على ~~بصرهم غشاوة أو ألزق أحد الجفنين بالآخر فتكون العين جلدة. # وروي أنهم صارت أعينهم مع وجودهم كالصفحة الواحدة. # قوله: { فذوقوا عذابي ونذر } الخطاب لهم، أي قلنا على لسان ~~الملائكة فذوقوا، وهو خطاب كل مكذب، أي إن كنتم تكذبون ~~فذوقوا. # قال القرطبي: والمراد من هذا الأمر الخبر أي: فأذقتهم عذابي ~~الذي أنذرهم به لوط. # فإن قيل: إذا كان المراد بقوله: " عذابي " هو العذاب العاجل، وبقوله: " ~~ونذر " هو العذاب الآجل فهما لم يكونا في زمان واحد فكيف قال: ~~ذوقوا؟ # فالجواب: أن العذاب الآجل أوله متصل بآخر العذاب العاجل فهما كالواقع في ~~زمان واحد وهو كقوله تعالى: # أغرقوا فأدخلوا نارا # [نوح: 25]. # قوله تعالى: { ولقد صبحهم بكرة } انصرف " بكرة "؛ لأنه ~~نكرة ولو قصد به وقت بعينه امتنع الصرف للتأنيث والتعريف. وهذا كما تقدم ~~في " غدوة ". # ومنعها زيد بن ms8198 علي الصرف، ذهب بها إلى وقت بعينه. # قال صاحب المختصر: انتصب بكرة على الظرف أي بكرة من البكر كقوله: # أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى ~~المسجد الأقصى # [الإسراء: 1]. قال الزمخشري: والتنكير يدل على أنه كان في بعض الليل ~~وتمسك بقراءة من قرأ: من الليل. قال ابن الخطيب: وهو غير ظاهر، ~~والأظهر أن يقال: بأن الوقت المبهم يذكر لبيان أن تعيين الوقت ليس ~~بمقصود للمتكلم، كقوله: خرجنا في بعض الأوقات مع أن الخروج ~~لا بد وأن يكون في بعض الأوقات، وكذلك قوله: " صبحهم بكرة " ~~أي بكرة من البكر، و # أسرى بعبده ليلا # [الإسراء: 1] أي ليلا من الليالي. # ومعنى صبحهم قال لهم: عموا صباحا، كقوله: # فبشرهم بعذاب أليم # [آل عمران: 21]. والمراد بقوله: بكرة أول أزمنة الصبح. أو انتصب " ~~بكرة " على المصدر كقولك: ضربته سوطا؛ لأن الضرب يكون ~~بالسوط وغيره، وكذلك الصبح يكون بكرة وبعدها. # ومعنى " مستقر " أي ثابت عليهم لا يدفعه أحد عنهم، أو دائم لأنهم ~~انتقلوا منه إلى عذاب الجحيم، وهو دائم، أو بمعنى قدر الله عليهم وقوعه ~~ولم يصبهم بطريق الاتفاق وذلك العذاب قلب قريتهم عليهم، وجعل أعلاها ~~أسفلها. # وقوله: { فذوقوا عذابي ونذر } أي العذاب الذي نزل بهم من ~~طمس الأعين غير العذاب الذي أهلكوا به، فلذلك حسن التكرير. ### || [54.41-46] # قوله تعالى: { ولقد جآء آل فرعون النذر } المراد بآله ~~خواصه، والنذر موسى وهارون. ولقد يطلق لفظ الجمع على الاثنين. ~~وقيل: المراد بآل فرعون القبط. # فإن قيل: ما الفائدة في قوله: " آل فرعون " بدل " قوم ~~فرعون "؟ # فالجواب: أن القوم أعم من الآل فالقوم كل من يقوم الرئيس بأمرهم، أو ~~يقومون هم بأمره وقوم فرعون: كانوا تحت قهره بحيث لا يخالفونه في قليل ~~ولا كثير، فأرسل إليه الرسول وحده غير أنه كان عنده جماعة من المقربين ~~مثل قارون. مقدم عنده لماله العظيم، وهامان لدهائه، ~~فاعتبرهم الله في الإرسال، حيث قال في مواضع: # ولقد أرسلنا موسى بآياتنآ إلى فرعون وملئه # [الزخرف: 46] وقال: # إلى فرعون وهامان وقارون # [غافر: 24] وقال في العنكبوت: # وقارون وفرعون ms8199 وهامان ولقد جآءهم موسى # [العنكبوت: 39] لأنهم إن آمنوا آمن الكل، بخلاف الأقوام الذين كانوا ~~قبلهم وبعدهم، فقال: { ولقد جآء آل فرعون النذر } وقال: # أدخلوا آل فرعون أشد العذاب # [غافر: 46]. # فإن قيل: كيف قال: " ولقد جاءهم " ولم يقل في غيره: جاء؟ # فالجواب: لأن موسى - عليه الصلاة والسلام - لما جاءهم كان غائبا عن ~~القوم فقدم عليهم، كما قال: # فلما جآء آل لوط المرسلون # [الحجر: 61]، وقال تعالى: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم # [التوبة: 128] حقيقة أيضا، لأنه جاءهم من الله من السموات بعد المعراج، ~~كما جاء موسى قومه من الطور حقيقة. # والنذر: الرسل وقد جاءهم يوسف وبنوه إلى أن جاءهم موسى. وقيل: النذر ~~الإنذارات. # قوله: " كذبوا بآياتنا " فيه وجهان: # أحدهما: أن الكلام تم عند قوله: { ولقد جآء آل فرعون ~~النذر } وقوله: " كذبوا " كلام مستأنف، والضمير عائد إلى كل من ~~تقدم ذكرهم من قوم نوح إلى آل فرعون. # والثاني: أن الحكاية مسوقة على سياق ما تقدم فكأنه قيل: فكيف ~~كان؟ فقال: كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم. # فعلى الوجه الأولى آياتنا كلها ظاهر، وعلى الثاني المراد بالآيات التي ~~كانت مع موسى - عليه الصلاة والسلام - كالعصا، واليد، والسنين، ~~والطمس، والجراد، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع ~~والدم. # قوله: { فأخذناهم أخذ عزيز } هذا مصدر مضاف لفاعله، ~~والمعنى أخذناهم بالعذاب أخذ عزيز غالب في انتقامه ~~(مقتدر) قادر على إهلاكهم، لا يعجزه ما أراد. # ثم خوف أهل مكة فقال: { أكفاركم خير من أولئكم } أي ~~أشد وأقوى من الذين أحللت بهم نقمتي من قوم نوح وعاد وثمود، وقم لوط. ~~وهذا استفهام بمعنى الإنكار، أي ليسوا بأقوى منهم، فمعناه نفي أي ليس ~~كفاركم خيرا من كفار من تقدم من الأمم الذين أهلكوا بكفرهم. # وقوله: " خير " مع أنه لا خير فيهم إما أن يكون كقول حسان: # 4610-.......................... # فشركما لخيركما الفداء # أهو بحسب زعمهم، واعتقادهم، أو المراد بالخير شدة القوة، أو لأن كل ~~ممكن فلا بد وأن يكون فيه صفات محمودة، والمراد تلك الصفات. # { أم لكم برآءة في الزبر } أي في الكتب المنزلة على ~~الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام ms8200 - بالسلامة من العقوبة. وقال ابن عباس - ~~( رضي الله عنهما -) أم لكم في اللوح المحفوظ براءة من العذاب. # قوله: " أم يقولون " العامة على الغيبة، وأبو حيوة وأبو البرهسم ~~وموسى الأسواري بالخطاب، جريا على ما تقدم من قوله: " كفاركم ~~خير "... إلى آخره. والمعنى نحن جماعة لا نطاق لكثرة عددهم ~~وقوتهم، ولم يقل: منتصرين اتباعا لرؤوس الآي. # وقال ابن الخطيب: قولهم: " جميع " يحتمل الكثرة، والاتفاق، ويحتمل أن ~~يكون معناه نحن جميع الناس إشارة إلى أن من آمن لا عبرة به عندهم كقول ~~قوم نوح: # أنؤمن لك واتبعك الأرذلون # [الشعراء: 111] فيكون التنوين فيه عوضا من الإضافة. وأفرد منتصر ~~مراعاة للفظ " جميع " أو يكون مرادهم كل واحد منتصر كقولك: كلهم ~~عالم أي كل واحد فيكون المعنى أن كل واحد منا غالب؛ فرد الله تعالى ~~عليهم بأنهم يهزمون جميعهم. # قوله: " سيهزم الجمع " العامة على سيهزم مبنيا للمفعول و ~~" الجمع " مرفوع به. وقرىء: ستهزم بتاء الخطاب، خطابا للرسول - ~~عليه الصلاة والسلام - " الجمع " مفعول به. وأبو حيوة في رواية ~~يعقوب: سنهزم بنون العظمة، و " الجمع " منصوب أيضا. وابن ~~أبي عبلة: سيهزم بياء الغيبة مبنيا للفاعل (الجمع) منصوب ~~أي سيهزم الله. # و " يولون " العامة على الغيبة. وأبو حيوة وأبو عمرو - في رواية - ~~وتولون بتاء الخطاب، وهي واضحة والدبر هنا اسم جنس، وحسن هنا ~~لوقوعه فاصلة بخلاف: # ليولن الأدبار # [الحشر: 12]. # وقال الزمخشري: أي الأدبار، كما قال: # 4611- كلوا في بعض بطنكم تصحوا # ............................ # وقرىء الأدبار. # قال أبو حيان: وليس مثل بعض بطنكم؛ لأن الإفراد هنا له محسن، ولا ~~محسن لإفراد بطنكم. # قال ابن الخطيب: وأفرد " الدبر " هنا وجمع في غيره؛ لأن الجمع هو ~~الأصل، لأن الضمير ينوب مناب تكرار العاطف فكأنه قيل: تولى هذا وهذا. ~~وأفرد لمناسبة المقاطع. وفيه إشارة إلى أن جميعهم يكونون في الانهزام ~~كشخص واحد، وأما قوله: # فلا تولوهم الأدبار # [الأنفال: 15] فجمع لأن كل واحد برأسه منهي عن رأسه، وأما قوله: # ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون ~~الأدبار # [الأحزاب: 15] أي كل واحد قال: أنا أثبت ولا أولي ms8201 دبري. # فصل # قال مقاتل: ضرب أبو جهل فرسه يوم بدر فتقدم من الصف وقال: نحن نقتص ~~اليوم من محمد وأصحابه فأنزل الله تعالى: { نحن جميع ~~منتصر }. # وقال سعيد بن المسيب: # " سمعت عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) يقول: لما نزل: سيهزم ~~الجمع ويولون الدبر كنت لا أدري أي جمع يهزم فلما كان يوم ~~بدر رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يثب في درعه ويقول: { ~~سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم ~~والساعة أدهى وأمر } أعظم نائبة وأشد مرارة من الأسر ~~والقتل يوم بدر " # ، وفي رواية # " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يثب في درعه ويقول: " ~~اللهم إن قريشا حادتك وتحاد رسولك بفخرها ~~بخيلها فأخنهم العداوة " ، ثم قال: { سيهزم الجمع ~~ويولون الدبر } " # وقال عمر - (رضي الله عنه) -: فعرفت تأويلها. وهذا من ~~معجزات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنه أخبر عن غيب فكان كما أخبر ~~قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: كان بين نزول هذه الآية وبين بدر سبع ~~سنين، فالآية على هذا مكية. وفي البخاري عن عائشة أم المؤمنين - ~~(رضي الله عنهما) - قالت: لقد أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم ~~- بمكة، وإني لجارية ألعب: { بل الساعة موعدهم والساعة ~~أدهى وأمر }. # " وعن ابن عباس (- رضي الله عنهما -) أن النبي صلى الله عليه وسلم - قال ~~وهو في قبة له يوم بدر: " أنشدك عهدك ووعدك، اللهم ~~إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدا ". فأخذ أبو بكر بيده ~~وقال: حسبك يا رسول الله قد ألححت على ربك وهو في الدرع ~~فخرج وهو يقول: سيهزم الجمع ويولون الدبر بل ~~الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر ". # { بل الساعة موعدهم } يريد يوم القيامة { والساعة أدهى وأمر } مما ~~لحقهم. # فصل # " أدهى " من الداهية وهي الأمر العظيم يقال: أدهاه أمر كذا ~~أي أصابه دهوا ودهيا. وقال ابن السكيت: دهته داهية ~~دهواء ودهياء، وهي توكيد لها. ### || [54.47-48] # قوله: { إن المجرمين في ضلال وسعر } قيل: في ضلال بعد ~~عن الحق. قال الضحاك: وسعر أي نار تسعر عليهم. وقيل: ضلال ms8202 ذهب عن طريق ~~الجنة في الآخرة. وسعر جمع سعير: نار مستعرة. وقال الحسين بن الفضل: ~~إن المجرمين في ضلال في الدنيا ونار في الآخرة. قال قتادة: في عناء ~~وعذاب. # ثم بين عذابهم فقال: { يوم يسحبون في النار على ~~وجوههم } ويقال لهم: { ذوقوا مس سقر }. # فصل # أكثر المفسرين على أن هذه الآية في القدرية. وفي الحديث: أنها ~~نزلت في القدرية. وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " مجوس هذه الأمة القدرية فهم المجرمون ~~الذين سماهم الله تعالى في قوله: { إن المجرمين ~~في ضلال وسعر } ". # واعلم أن الجبري من يقول: القدري من يقول الطاعة والمعصية بفعلي ~~فهم ينكرون القدر. والفريقان متفقان على أن السني القائل بأن ~~الأفعال خلق الله وبسبب من العبد ليس بقدر. قال ابن الخطيب: والحق ~~أن القدري هو الذي ينكر القدر، وينسب الحوادث لاتصال ~~الكواكب لما روي أن قريشا خاصموا في القدر ومذهبهم أن الله ~~مكن العبد من الطاعة والمعصية، وهو قادر على خلق ذلك في العبد، وقادر ~~على أن يطعم الفقير، ولهذا قالوا: # أنطعم من لو يشآء الله أطعمه # [يس: 47] منكرين لقدرته تعالى على الإطعام. وأما قوله - عليه الصلاة ~~والسلام -: # " القدرية مجوس هذه الأمة " # فإن أريد بالأمة المرسل إليهم مطلقا كالقوم، فالقدرية في زمانه هم ~~المشركون المنكرون قدرته على الحوادث، فلا يدخل فيهم المعتزلة. وإن كان ~~المراد بالأمة من آمن به - عليه الصلاة والسلام - فمعناه أن نسبة القدرية ~~إليهم كنسبة المجوس إلى الأمة المتقدمة، فإن المجوس أضعف الكفرة ~~المتقدمين شبهة وأشدهم مخالفة للعقل، وكذا القدرية في هذه الأمة ~~وكونهم كذلك لا يقتضي الجزم بكونهم في النار. فالحق أن القدري هو ~~الذي ينكر قدرة الله تعالى. # فصل # روى مسلم عن أبي هريرة، قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - في القدر، فنزلت هذه الآية: { إن المجرمين ~~في ضلال وسعر } إلى قوله: # إنا كل شيء خلقناه بقدر # [القمر: 49]. وروى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول: # " كتب ms8203 الله مقادير الخلائق كلها من قبل أن ~~يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة قال: ~~وعرشه على الماء " # وعن طاوس اليماني قال: أدركت ما شاء الله من أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقولون: كل شيء بقدر الله. وسمعت من عبد الله بن عمرو ~~يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " كل شيء بقدر حتى العجز والكيس أو الكيس والعجز ~~". # وعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: # " قال رسول الله: لا يؤمن بالله عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله ~~إلا الله، وأني رسول الله بعثني بالحق ويؤمن بالبعث بعد ~~الموت ويؤمن بالقدر. وزاد عبيد الله: خيره وشره " # وهذه الأدلة تبطل مذاهب القدرية. # قوله: " ذوقوا " فيه إضمار القول. وقرأ أبو عمرو - في رواية محبوب عنه ~~- مسقر. # وخطأه ابن مجاهد، وهو معذور؛ لأن السين الأخيرة من " مس " ~~مدغم فيها فلا تدغم في غيرها لأنه متى أدغم فيها لزم تحريكها ومتى أدغمت ~~هي لزم سكونها فتنافى الجمع بينهما. # قال أبو حيان: والظن بأبي عمرو أنه لم يدغم حتى حذف أحد ~~الحرفين لاجتماع الأمثال ثم أدغم. # قال شهاب الدين: كلام ابن مجاهد إنما هو فيما قالوه أنه أدغم أما إذا ~~حذف وأدغم فلا إشكال. # و (سقر) علم لجهنم أعاذنا الله منها، مشتقة من سقرته ~~الشمس والنار أي لوحته. ويقال: صقر بالصاد، وهي مبدلة من ~~السين لأجل القاف. قال ذو الرمة: # 4612- إذا ذابت الشمس اتقى صقراتها # بأفنان مربوع الصريمة معبل # و " سقر " متحتم المنع من الصرف؛ لأن حركة الوسط تنزلت منزلة الحرف ~~الرابع، كعقرب وزينب. # قال القرطبي: و " سقر " اسم من أسماء جهنم مؤنث لا ينصرف، لأنه اسم مؤنث ~~معرفة وكذلك " لظى وجهنم ". وقال عطاء: " سقر " الطابق السادس من النار. ~~وقال قطرب: ويوم مسمقر ومصمقر: شديد الحر. # ومسها ما يوجد من الألم عند الوقوع فيها. # فصل # العامل في (يوم يسحبون) يحتمل أن يكون منصوبا بعامل مفهوم غير ~~مذكور. وهذا العالم يحتمل أن يكون سابقا وهو قوله: { إن ~~المجرمين في ضلال ms8204 }. والعامل في الحقيقة على هذا الوجه أيضا ~~مفهوم من (في) كأنه فيه بمعنى كائن غير أن ذلك صار نسيا منسيا. ~~ويحتمل أن يكون متأخرا وهو قوله: " ذوقوا " تقديره: " ذوقوا مس ~~سقر يوم يسحب المجرمون ". والخطاب حينئذ مع من خوطب بقوله: # أكفاركم خير من أولئكم أم لكم # [القمر: 43]. ويحتمل أن يكون منصوبا بالقول المقدر أي يقال لهم ~~يوم يسحبون ذوقوا. وهو المشهور. # والذوق استعارة للمبالغة لقوة الإدراك في الذوق؛ فإن الإنسان يشارك ~~غيره في اللمس، ويختص بإدراك المطعوم فيحصل الألم العظيم، ~~والمعنى ذوقوا أيها المكذبون بمحمد صلى الله عليه وسلم - مس ~~سقر يوم يسحب المجرمون المتقدمون في النار. ### || [54.49-55] # قوله: { إنا كل شيء خلقناه } العامة على نصب " كل " على ~~الاشتغال. وأبو السمال بالرفع وقد رجح الناس - بل بعضهم أوجب ~~- النصب، قال: لأن الرفع يوهم ما لا يجوز على قواعد أهل السنة، وذلك ~~أنه إذا رفع: " كل شيء " كان مبتدأ، و " خلقناه " صفة ل " كل " أو " ~~شيء " و " بقدر " خبره. # وحيئنذ يكون له مفهوم لا يخفى على متأمله، فيلزم أن يكون الشيء ~~الذي ليس مخلوقا لله تعالى لا بقدر كذا قدره بعضهم. وقال أبو البقاء: ~~وإنما كان النصب أولى لدلالته على عموم الخلق، والرفع لا يدل على عمومية ~~بل يفيد أن كل شيء مخلوق فهو بقدر. # وقال مكي بن أبي طالب: كان الاختيار على أصول البصريين رفع " كل " كما ~~أن الاختيار عندهم في قولك: " زيد ضربته " الرفع والاختيار عند ~~الكوفيين النصب فيه بخلاف قولنا: زيد أكرمته، لأنه قد تقدم في ~~الآية شيء عمل فيما بعده وهو " إن ". والاختيار عندهم النصب فيه. وقد ~~أجمع القراء على النصب في (كل) على الاختيار فيه عند الكوفيين ليدل ~~ذلك على عموم الأشياء المخلوقات أنها لله تعالى بخلاف ما قاله أهل ~~الزيغ من أن ثم مخلوقات لغير الله تعالى. وإنما دل النصب في " كل ~~" على العموم، لأن التقدير: إنا خلقنا كل شيء خلقناه ~~بقدر " فخلقناه " تأكيد وتفسير " لخلقنا " المضمر الناصب ل " ~~كل شيء " فهذا لفظ عام يعم ms8205 جميع المخلوقات. # ولا يجوز أن يكون " خلقناه " صفة ل " شيء "؛ لأن الصفة والصلة ~~لا يعملان قبل فيما قبل الموصوف ولا الموصول، ولا يكونان تفسيرا لما ~~يعمل فيما قبلهما، فإذا لم يبق " خلقناه " صفة لم يبق إلا أنه ~~تأكيد وتفسير للمضمر الناصب وذلك يدل على العموم. # وأيضا فإن النصب هو الاختيار؛ (لأن " إنا " عندهم تطلب الفعل، فهو ~~أولى به فالنصب عندهم في " كل " هو الاختيار) فإذا انضاف إليه معنى ~~العموم والخروج عن الشبه كان النصب أولى من الرفع. # وقال ابن عطيه وقوم من أهل السنة: بالرفع. قال أبو الفتح: هو الوجه في ~~العربية وقراءتنا بالنصب مع الجماعة. # وقال الزمخشري: كل شيء منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر. # وقرىء: كل شيء بالرفع. والقدر والقدر: التقدير. وقرىء بهما ~~أي خلقنا كل شيء مقدرا محكما مرتبا على حسب ما اقتضته الحكمة ~~أو مقدرا مكتوبا في اللوح المحفوظ معلوما قبل كونه قد علمنا حاله ~~وزمانه انتهى. # وهو هنا يتعصب للمعتزلة لضعف وجه الرفع. # وقال قوم: إذا كان الفعل يتوهم فيه الوصف، وأن ما بعده يصلح للخبر ~~وكان المعنى على أن يكون الفعل هو الخبر اختار النصب في الاسم الأول حتى ~~يتضح أن الفعل ليس بوصف. ومنه هذا الموضع، لأن قراءة الرفع تخيل أن النصب ~~وصف وأن الخبر: " بقدر ". # وقد تنازع أهل السنة والقدرية في الاستدلال بهذه الآية، فأهل السنة ~~يقولون: كل شيء مخلوق لله تعالى، ودليلهم قراءة النصب؛ لأنه لا يفسر في ~~هذا التركيب إلا ما يصح أن يكون خبرا لو رفع الأول على الابتداء. # وقال القدرية: القراءة برفع " كل " و " خلقناه " في موضع الصفة ~~ل " كل " أي أمرنا أو شأننا كل شيء خلقناه فهو بقدر أو ~~بمقدار. وعلى حد ما في هيئته وزمنه (وغير ذلك). # وقال بعض العلماء في القدر هنا وجوه: # أحدها: أنه المقدار في ذاته وفي صفاته. # الثاني: (أنه) التقدير لقوله: # فقدرنا فنعم القادرون # [المرسلات: 23] وقال الشاعر: # 4614-............................ # وقد قدر الرحمن ما هو قادر # أي ما هو مقدر. # الثالث: القدر الذي يقال مع القضاء، ms8206 كقولك: كان بقضاء الله ~~وقدره، فقوله: (بقدر) على قراءة الناصب متعلق بالفعل الناصب، وفي ~~قراءة الرفع في محل رفع، لأنه خبر ل " كل " و " كل " وخبرها في ~~محل رفع خبر " لإن ". وسيأتي قريبا أنه عكس هذه؛ أعني في اختيار ~~الرفع وهي قوله تعالى: # وكل شيء فعلوه في الزبر # [القمر: 52]، فإنه يختلف في رفعه، قالوا: لأن نصبه يؤدي إلى فساد ~~المعنى لأن الواقع خلافه، وذلك أنك لو نصبته لكان التقدير: فعلوا كل ~~شيء في الزبر. وهو خلاف الواقع، إذ في الزبر أشياء كثيرة جدا ~~لم يفعلوها. وأما قراءة الرفع فتؤدي إلى أن كل شيء فعلوه هو ثابت في ~~الزبر. وهو المقصود فلذلك اتفق على رفعه. # وهذان الموضعان من نكت المسائل الغريبة التي اتفق مجيئها في ~~سورة واحدة ومكانين متقاربين، ومما يدل على جلالة علم الإعراب ~~وإفهامه المعاني الغامضة. # فصل # قال أهل السنة: إن الله تعالى قدر الأشياء أي أي علم مقاديرها ~~وأحوالها وأزمانها قبل إيجادها ثم أوجد منها ما سبق في علمه فلا محدث في ~~العالم العلوي والسفلي إلا وهو صادر عن علمه تعالى وقدرته وإرادته ~~دون خلقه، وأن الخلق ليس لهم فيها إلا نوع اكتساب ومحاولة ونسبة ~~وإضافة، وأن ذلك كله إنما جعل لهم بتيسير الله وبقدرة الله وإلهامه ~~سبحانه وتعالى لا إله إلا هو ولا خالق غيره كما نص عليه القرآن والسنة. ~~لا كما قال القدرية وغيرهم من أن الأعمال إلينا، والآجال بيد ~~غيرنا. # قال أبو ذر: # " قدم وفد نجران على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: ~~الأعمال إلينا والآجال بيد غيرنا، فنزلت هذه الآيات إلى قوله: { إنا ~~كل شيء خلقناه بقدر } فقالوا يا محمد: يكتب علينا الذنب ~~ويعذبنا؟ فقال: أنتم خصماء الله يوم القيامة ". # فصل # روى أبو الزبير عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: # " إن مجوس هذه الأمة المكذبون لقدر الله، إن ~~مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم وإن ~~لقيتموهم فلا تسلموا عليهم " # أخرجه ابن ماجه في سننه. وخرج ms8207 أيضا عن ابن عباس وجابر قالا: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: # " صنفان من أمتي ليس لهم في الإسلام نصيب أهل ~~الإرجاء والقدر ". # قوله: { ومآ أمرنآ إلا واحدة } أي إلا كلمة واحدة وهو قوله ~~" كن ". " كلمح بالبصر " أي قضائي في خلقي أسرع من لمح البصر. ~~واللمح: النظر بالعجلة يقال: لمح البرق ببصره؛ وفي الصحاح: ~~لمحه وألمحه إذا أبصره بنظر خفيف، والاسم اللمحة، ولمح ~~البرق والنجم لمحا، أي لمع. # قال البغوي: قوله " واحدة " يرجع إلى المعنى دون اللفظ أي وما أمرنا ~~إلا واحدة. # وقيل: معناه وأما أمرنا للشيء إذا أردنا تكوينه إلا كلمة واحدة كما ~~تقدم، وهي رواية عطاء عن ابن عباس، وروى الكلبي عنه: وما أمرنا ~~بمجيء الساعة في السرعة إلا كطرف البصر. # فصل # قال ابن الخطيب: إن الله تعالى إذا أراد شيئا قال له: كن فهناك ~~شيئان الإرادة والقول، فالإرادة قدر، والقول قضاء، وقوله: " ~~واحدة " يحتمل أمرين: # أحدهما: بيان أنه لا حاجة إلى تكرير القول إشارة إلى نفاذ القول. # ثانيهما: بيان عدم اختلاف الحال فأمره عند خلق العرش العظيم كأمره عند ~~خلق النملة الصغيرة فأمره عند الكل واحد. وقوله: " كلمح ~~بالبصر " تشبيه للكون لا تشبيه الأمر، فكأنه قال: أمرنا واحدة، فإذا ~~المأمور كائن كلمح بالبصر، لأنه لو كان راجعا إلى الأمر لا يكون ذلك ~~صفة مدح يليق به، فإن كلمة " كن " شيء أيضا يوجد كلمح بالبصر. ومعنى " ~~كلمح بالبصر " أي كنظر العين. والباء للاستعانة مثل: كتبت ~~بالقلم، دخلت على الآلة ومثل بها؛ لأنها أسرع حركة في الإنسان؛ لأن ~~العين وجد فيها قرب المحرك منها، ولا يفضل عليه بخلاف العظام، ~~واستدارة شكلها، فإن دحرجة الكرة أسرع من دحرجة المثلث ~~والمربع، ولأنها في رطوبة مخلوقة في العضو الذي هو موضعها، وهو ~~الحكمة في كثرة المرئيات بخلاف المأكولات والمسموعات والمفاصل التي ~~تفصل بالأرجل والمذوقات فلولا سرعة حركة الآلة التي بها إدراك ~~المبصرات لما وصل إلى الكل إلا بعد طول بيان. # وقيل: معنى: " كلمح بالبصر " البرق يمر به سريعا، فالباء تكون للإلصاق، ms8208 ~~نحو: مررت به، وفي قوله: " كلمح بالبصر " ولم يقل: كلمح ~~البرق فائدة، وهي أن لمح البرق له مبدأ ونهاية فالذي يمر بالبصر منه ~~يكون أدل من جملته مبالغة في القلة، ونهاية السرعة. # قوله تعالى: { ولقد أهلكنآ أشياعكم } أي أشباهكم ~~ونظراءكم في الكفر من الأمم السابقة. # وقيل: أتباعكم وأعوانكم. # { فهل من مدكر } ، أي يتذكر ويعلم أن ذلك حق فيخاف ويعتبر. # (قوله) { وكل شيء فعلوه في الزبر } أي جميع ما ~~فعلته الأمم قبلهم من خير وشر فإنه مكتوب عليهم أي في كتب الحفظة. ~~وقيل: في اللوح المحفوظ. # وقيل: في أم الكتاب. قال القرطبي: وهذا بيان لقوله: { إنا كل ~~شيء خلقناه بقدر } أي " في الزبر " أي في اللوح المحفوظ. # قوله: { وكل صغير وكبير مستطر } أي كل صغير وكبير ~~مكتوب على عامله قبل أن يفعلوه. # وقرأ العامة مستطر بتخفيف الراء من السطر وهو الكتب أي ~~مكتتب يقال: سطرت واستطرت وكتبت واكتتبت وقرأ ~~الأعمش وعمران بن حدير - وتروى عن عاصم - بتشديدها، وفيه وجهان: # أحدهما: أنه مشتق من طر الشارب والنبات أي ظهر وثبت بمعنى أن ~~كل شيء قل أو كثر ظاهر في اللوح غير خفي، فوزنه مستفعل ~~كمستخرج. # والثاني: أنه من الاستطار كقراءة العامة، وإنما شددت الراء من أجل ~~الوقوف كقولهم: هذا جعفر ونفعل، ثم أجري الوصل مجرى الوقف فوزنه ~~مفتعل كقراءة الجمهور. # قوله تعالى: { إن المتقين في جنات ونهر } العامة ~~بالإفراد، وهو اسم جنس بدليل مقارنته للجمع والهاء مفتوحة كما هو الفصيح. # وسكنها مجاهد والأعرج وأبو السمال " والفياض ". وهي لغة تقدم ~~الكلام عليها أول البقرة. # قال ابن جريج: معنى (نهر) أنهار الماء والخمر والعسل. ووحد؛ ~~لأنه رأس آية. ثم الواحد قد ينبىء عن الجمع. وقال الضحاك ليس المراد هنا ~~نهر الماء، وإنما المراد سعة الأرزاق؛ لأن المادة تدل على ذلك كقول ~~قيس بن الخطيم: # 4615- ملكت بها كفي فأنهرت فتقها # يرى قائم من دونها ما وراءها # أي وسعته. ومنه: أنهرت الجرح. ومنه: النهار، لضيائه. # وقرأ أبو نهيك وأبو مجلز والأعمش وزهير الفرقبي - ونقله القرطبي ~~أيضا ms8209 عن طلحة بن مصرف والأعرج وقتادة -: " ونهر " بضم النون ~~والهاء وهي تحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون نهر بالتحريك وهو الأولى نحو: أسد في أسد. # والثاني: أن يكون جمع الساكن نحو: سقف في سقف، ورهن في رهن. ~~والجمع مناسب للجمع قبله في جنات. وقراءة العامة بإفراده أبلغ، وقد ~~تقدم كلام ابن عباس في قوله تعالى آخر البقرة { وملائكته وكتابه } ~~[البقرة: 285] بالإفراد أنه أكثر من الكتب، وتقدم أيضا تقرير ~~الزمخشري لذلك. قال القرطبي (رحمة الله عليه) كأنه جمع نهار لا ليل لهم ~~كسحاب وسحب. قال الفراء: أنشدني بعض العرب: # 4616- إن تك ليليا فإني نهر # متى أرى الصبح فلا أنتظر # أي صاحب النهار. وقال آخر: # 4617- لولا الثريد إن هلكنا بالضمر # ثريد ليل وثريد بالنهر # فصل # لما وصف الكفار وصف المؤمنين أيضا، فقال: { إن المتقين في ~~جنات } الجنات: اسم للأشجار أي هم خلالها وكذلك الأنهر، والمعنى: ~~جنات وعند عيون كقوله: # 4618- علفتها تبنا وماء باردا # ........................ # وجمعت الجنات إشارة إلى سعتها وتنوعها، وأفرد النهر؛ لأن المعنى ~~في خلاله، فاستغني عن جمعه، وجمع في قوله: { تجري من تحتها ~~الأنهار } لئلا يتوهم أنه ليس في الجنة إلا نهر فيه. والتنكير فيه ~~للتعظيم. # قوله: " في مقعد " يجوز أن يكون خبرا ثانيا وهو الظاهر، وأن يكون ~~حالا من الضمير في الجار لوقوعه خبرا، وجوز أبو البقاء: أن يكون بدلا ~~من قوله: " في جنات ". وحيئنذ يجوز أن يكون بدل بعض، لأن المقعد ~~بعضها، وأن يكون اشتمالا، لأنها مشتملة، والأول أظهر. والعامة على إفراد ~~مقعد مرادا به الجنس كما تقدم في: " نهر ". وقرأ عثمان ~~البتي: مقاعد. وهو مناسب للجمع قبله. # و " مقعد صدق " من باب رجل صدق في أنه يجوز أن يكون من ~~إضافة الموصوف لصفته والصدق يجوز أن يراد به ضد الكذب أي صدقوا في ~~الإخبار عنه. وأن يراد به الجودة والخيرية. ومليك مثال ~~مبالغة، وهو مناسب هنا ولا يتوهم أن أصله " ملك "؛ لأنه هو الوارد في ~~غير موضع وأن الكسرة أشبعت فتولد منها ياء؛ لأن الإشباع لم يرد إلا ~~ضرورة ms8210 أو قليلا وإن كان قد وقع في قراءة هشام: { أفئدة } [إبراهيم: 43] ~~في آخر إبراهيم. فليلتفت إليه. # فصل # قال: في مقعد صدق ولم يقل: في مجلس صدق؛ لأن القعود جلوس فيه مكث ومنه: ~~" قواعد البيت " [و] # والقواعد من النسآء # [النور: 60]، ولا يقال جوالس فأشار إلى دوامه وثباته، ولأن حروف ~~" ق ع د " كيف دارت تدل على ذلك والاستعمال في القعود يدل على ذلك ومنه: # لا يستوي القاعدون من المؤمنين # [النساء: 95]، وقوله # مقاعد للقتال # [آل عمران: 121] إشارة إلى الثبات وكذا قوله: # عن اليمين وعن الشمال قعيد # [ق: 17]، فذكر المقعد لدوامه أو لطوله وقال في المجلس: # تفسحوا في المجالس # [المجادلة: 11] إشارة إلى الحركة، وقال # انشزوا # [المجادلة: 11] إشارة إلى ترك الجلوس أي هو مجلس فلا يجب ملازمته بخلاف ~~المقعد. # فصل # قال المفسرون: في مقعد صدق أي حق لا لغو فيه ولا تأثيم { عند ~~مليك مقتدر } أي مالك قادر لا يعجزه شيء و " عند " ههنا عندية ~~القربة والزلفة والمكانة والرتبة والكرامة والمنزلة. قال ~~(جعفر) الصادق: مدح الله المكان بالصدق فلا يقع فيه إلا أهل ~~الصدق. # وروى الثعلبي في تفسيره عن أبي بن كعب (رضي الله عنه) قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: # " من قرأ سورة اقتربت الساعة في كل غب بعث ~~يوم القيامة ووجهه على صورة القمر ليلة ~~البدر. ومن قرأها كل ليلة كان أفضل وجاء ~~يوم القيامة ووجهه مسفر على وجوه الخلائق ". # (اللهم ارحمنا، وارزقنا واسترنا). (والله أعلم). ### | [55 - سورة الرحمن] ### || [55.1-13] # قال تعالى: " الرحمن " فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: " الله الرحمن ". # الثاني: أنه مبتدأ وخبره مضمر، أي: " الرحمن ربنا " وهذان الوجهان عند ~~من يرى أن " الرحمن " آية مع هذا المضمر معه، فإنهم عدوا الرحمن " آية ~~". # ولا يتصور ذلك إلا بانضمام خبر أو مخبر عنه إليه؛ إذ الآية لا بد أن ~~تكون مفيدة، وسيأتي ذلك في قوله: # مدهآمتان # [الآية: 64]. # الثالث: أنه ليس بآية، وأنه مع ما بعده كلام واحد، وهو مبتدأ، خبره " ~~علم القرآن ". # فصل في بيان مناسبة ms8211 السورة # افتتح السورة التي قبلها بذكر معجزة تدل على القهر [والغلبة] والجبروت، ~~وهو انشقاق القمر، فمن قدر عليه قدر على قطع الجبال وإهلاك الأمم، وافتتح ~~هذه السورة بذكر معجزة تدل على الرحمة، وهي القرآن، وأيضا فأولها مناسب ~~لآخر ما قبلها؛ لأن آخر تلك أنه # مليك مقتدر # [القمر: 55] وأول هذه أنه رحمن. # قال بعضهم: إن " الرحمن " اسم علم، واحتج بقوله تعالى: # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما ~~تدعوا فله الأسمآء الحسنى # [الإسراء: 110]. # وأجاز أن يقال: " يالرحمن " باللام، كما يقال: " يا الله " وهذا ضعيف، ~~وهو مختص بالله تعالى، فلا يقال لغيره. # قال سعيد بن جبير، وعامر الشعبي: " الرحمن " فاتحة ثلاثة سور إذا جمعن ~~كن اسما من أسماء الله تعالى: " الر " و " حم " و " نون " ، فيكون مجموع ~~هذه " الرحمن ". # ولله - تعالى - رحمتان: # رحمة سابقة بها خلق الخلق، ورحمة لاحقة بها أعطاهم الرزق والمنافع، فهو ~~رحمن باعتبار السابقة، رحيم باعتبار اللاحقة، ولما اختص بالإيجاد لم ~~يقل لغيره: رحمن، ولما تخلق بعض خلقه الصالحين ببعض أخلاقه بحسب الطاقة ~~البشرية، فأطعم ونفع، جاز أن يقال له: رحيم. # قوله: " علم القرآن " فيه وجهان: # أظهرهما: أنه " علم " المتعدية إلى اثنين أي عرف من التعليم، فعلى هذا ~~المفعول الأول محذوف. # قيل: تقديره: علم جبريل القرآن. # وقيل: علم محمدا. # وقيل: علم الانسان، وهذا أولى لعمومه، ولأن قوله: " خلق الإنسان " ~~دال عليه. # والثاني: أنها من العلامة، والمعنى: جعله علامة، وآية يعتبر بها، أي: هو ~~علامة النبوة ومعجزة، وهذا مناسب لقوله تعالى: # وانشق القمر # [القمر: 1]. على ما تقدم أنه ذكر في أول تلك السورة معجزة من باب ~~الهيبة، وذكر في هذه السورة معجزة من باب الرحمة، وهو أنه يسر من العلوم ~~ما لا يسره غيره، وهو ما في القرآن، أو يكون بمعنى أنه جعله بحيث يعلم ~~كقوله تعالى: # ولقد يسرنا القرآن للذكر # [القمر: 17]، فالتعليم على هذا الوجه مجاز كما يقال لمن أنفق على متعلم ~~وأعطى أجرة معلمه: علمته. # فإن قيل: لم ترك المفعول الثاني؟. # فالجواب: أن ذلك إشارة إلى أن ms8212 النعمة في التعليم لا تعليم شخص دون شخص؛ ~~فإن قيل: كيف يجمع بين هذه الآية، وبين قوله: # وما يعلم تأويله إلا الله # [آل عمران: 7]؟ فالجواب: إن قلنا بعطف الراسخين على " الله " فظاهر. # وإن قلنا بالوقف على الجلالة، ويبتدأ بقوله: " والراسخون " فلأن من ~~علم كتابا عظيما فيه مواضع مشكلة قليلة، وتأملها بقدر الإمكان، فإنه ~~يقال: فلان يعلم الكتاب الفلاني، وإن كان لم يعلم مراد صاحب الكتاب بيقين ~~في تلك المواضع القليلة، وكذا القول في تعليم القرآن، أو يقال: المراد لا ~~يعلمه من تلقاء نفسه، بخلاف الكتب التي تستخرج بقوة الذكاء. # فصل في نزول هذه الآية # قال المفسرون: نزلت هذه الآية حين قالوا: وما الرحمن؟. # وقيل: نزلت جوابا لأهل " مكة " حين قالوا: # إنما يعلمه بشر # [النحل: 103]، وهو رحمن " اليمامة " ، يعنون: مسيلمة الكتاب فأنزل الله ~~- تعالى - { الرحمن، علم القرآن } أي: سهله لأن يذكر ويقرأ. # كما قال: # ولقد يسرنا القرآن للذكر # [القمر: 22]. # قوله تعالى: " خلق الإنسان ". # قال ابن عباس وقتادة، والحسن: يعني آدم - عليه الصلاة والسلام -. # قوله: " علمه البيان " علمه أسماء كل شيء. # وقيل: علمه اللغات كلها، وكان آدم يتكلم بسبعمائة ألف لغة أفضلها ~~العربية. وعن ابن عباس أيضا، وابن كيسان: المراد بالإنسان هنا محمد - ~~عليه الصلاة والسلام - والمراد من البيان بيان الحلال من الحرام، والهدى ~~من الضلالة. # وقيل: ما كان وما يكون؛ لأنه ينبىء عن الأولين، والآخرين، ويوم الدين. # وقال الضحاك: " البيان ": الخير والشر وقال الربيع بن أنس: هو ما ينفعه ~~مما يضره. # وقيل: المراد ب " الإنسان " جميع الناس، فهو اسم للجنس، والبيان على ~~هذا الكلام: الفهم وهو مما فضل به الإنسان على سائر الحيوان. # قال السدي: علم كل قوم لسانهم الذي يتكلمون به. # وقال يمان: الكتابة والخط بالقلم نظيره # علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم # [العلق: 4، 5]. # فصل في كيفية النظم # إنه علم الملائكة أولا، ثم خلق الإنسان، وعلمه البيان، فيكون ابتدأ ~~بالعلوي، وقابله بالسفلي، وقدم العلويات على السفليات، فقال: " علم ~~القرآن " إشارة إلى تعليم العلويين. # ثم قال: { خلق الإنسان، علمه البيان ms8213 } إشارة إلى تعليم ~~السفليين، وقال: { الشمس والقمر بحسبان } [في العلويات] { والنجم والشجر ~~يسجدان } [في السفليات]. # ثم قال: { والسمآء رفعها } [الرحمن: 7]، وفي مقابلتها { ~~والأرض وضعها } [الرحمن: 10]. # فصل في وصل هذه الجمل # هذه الجمل من قوله: { علم القرآن، خلق الإنسان، علمه البيان } ~~جيء بها من غير عاطف؛ لأنها سيقت لتعديد نعمه، كقولك: " فلان أحسن إلى ~~فلان، أشاد بذكره، رفع من قدره " فلشدة الوصل ترك العاطف، والظاهر أنها ~~أخبار. # وقال أبو البقاء: و " خلق الإنسان " مستأنف، وكذلك " علمه " ، ~~ويجوز أن يكون حالا من الإنسان مقدرة، وقدر معها مرادة انتهى. # وهذا ليس بظاهر، بل الظاهر ما تقدم، ولم يذكر الزمخشري غيره. # فإن قيل: لم قدم تعليم القرآن للإنسان على خلقه، وهو متأخر عنه في ~~الوجود؟. # فالجواب: لأن التعليم هو السبب في إيجاده وخلقه. # فإن قيل: كيف صرح بذكر المفعولين في " علمه البيان " ، ولم يصرح ~~بهما في " علم القرآن "؟. # فالجواب: أن المراد من قوله " علمه البيان " تعديد النعم على ~~الإنسان، واستدعاء للشكر منه، ولم يذكر الملائكة؛ لأن المقصود ذكر ما ~~يرجع إلى الإنسان. # فإن قيل: بأنه علم الإنسان القرآن. # فيقال: بأن ذكر نعمة التعليم وعظمها على سبيل الإجمال، ثم بين كيفية ~~تعليمه القرآن، فقال: { خلق الإنسان علمه البيان }. # واستدل بعضهم بهذه الآية على أن الألفاظ توقيفية. # قوله: { والشمس والقمر بحسبان } فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن الشمس مبتدأ، و " بحسبان " خبره على حذف مضاف، تقديره: ~~جري الشمس والقمر بحسبان، أي كائن، أو مستقر، أو استقر بحسبان. # الثاني: أن الخبر محذوف يتعلق به هذا الجار، تقديره: يجريان بحسبان. # وعلى هذين القولين، فيجوز في الحسبان وجهان: # أحدهما: أنه مصدر مفرد بمعنى " الحسبان " ، فيكون ك " الشكران " و ~~" الكفران ". # والثاني: أنه جمع حساب، ك " شهاب " و " شهبان ". # والثالث: أن " بحسبان " خبره، و " الباء " ظرفية بمعنى " في " أي: ~~كائنان في حسبان. # وحسبان على هذا اسم مفرد، اسم للفلك المستدير، مشبهة بحسبان الرحى ~~الذي باستدارته تدور الرحى. # فصل # لما ذكر خلق الإنسان وإنعامه عليه لتعليمه البيان، ذكر نعمتين عظيمتين، ~~وهما: الشمس والقمر، ms8214 وأنهما على قانون واحد وحساب لا يتغيران، وبذلك تتم ~~منفعتهما للزراعات وغيرها، ولولا الشمس لما زالت الظلمة، ولولا القمر ~~لفات كثير من المنافع الظاهرة، بخلاف غيرهما من الكواكب، فإن نعمها لا ~~تظهر لكل أحد مثل ظهور نعمتهما، وأنهما بحساب لا يتغير أبدا، ولو كان ~~مسيرهما غير معلوم للخلق لما انتفعوا بالزراعات في أوقاتها، ومعرفة ~~فصول السنة. # ثم لما ذكر النعم السماوية وذكر في مقابلتها أيضا نعمتين ظاهرتين من ~~الأرض، وهما: النبات الذي لا ساق له، وما له ساق؛ لأن النبات أصل الرزق ~~من الحبوب والثمار، والحشيش للحيوان. # وقيل: إنما ذكر هاتين النعمتين بعد تعليم القرآن إشارة إلى أن من الناس ~~من لا تكون نفسه زكية، فيكتفي بأدلة القرآن، فذكر له آيات الآفاق، وخص ~~الشمس والقمر؛ لأن حركتهما بحسبان تدل على الفاعل المختار. # ولو اجتمع العالم ليبينوا سبب حركتهما على هذا التقدير المعين لعجزوا، ~~وقالوا: إن الله حركهما بالإرادة كما أراد. # وقيل: لما ذكر معجزة القرآن بإنزاله أنكروا نزول الجرم من السماء وصعوده ~~إليها، فأشار تعالى بحركتهما إلى أنها ليست بالطبيعة. # وهم يقولون بأن الحركة الدورية من أنواع الحركات لا يكون إلا ~~اختياريا، فقال تعالى: من حركهما على الاستدارة أنزل الملائكة على ~~الاستقامة، والثقيل على مذهبكم لا يصعد، وصعود النجم والشجر إنما هو ~~بقدرة الله تعالى، فحركة الملك كحركة الفلك جائزة. # فصل في جريان الشمس والقمر # قال المفسرون: [المعنى] يجريان بحسبان معلوم فأضمر الخبر. # قال ابن عباس وقتادة وأبو مالك: يجريان بحساب في منازل لا تعدوها ولا ~~يحيدان عنها. # وقال ابن زيد وابن كيسان: بهما تحسب الأوقات والأعمار، ولولا الليل ~~والنهار والشمس والقمر لم يدرك أحد كيف يجد شيئا إذا كان الدهر كله ~~ليلا أو نهارا. # وقال السدي: " بحسبان " تقدير آجالهما، أي: يجريان بآجال كآجال الناس، ~~فإذا جاء أجلهما هلكا، نظيره: # كل يجري لأجل مسمى # [الرعد: 2]. # وقال الضحاك: بقدر. # وقال مجاهد: " بحسبان " كحسبان الرحى يعني: قطعها، يدوران في مثل ~~القطب. # والحسبان: قد يكون مصدر " حسبته أحسبه بالضم حسبا وحسابا ~~وحسبانا " مثل ms8215 الغفران والكفران والرجحان. # وحسبته أيضا: أي عددته. # وقال الأخفش: ويكون جماعة الحساب، مثل " شهاب، وشهبان ". # والحسبان - بالضم - أيضا: العذاب والسهام القصار، الواحدة: ~~حسبانة. # والحسبانة أيضا: الوسادة الصغيرة تقول منه: " حسبته " إذا ~~وسدته. قال: [مجزوء الكامل] # 4619-.................... # لثويت غير محسب # أي غير موسد، يعني: غير مكرم ولا مكفن. # قوله تعالى: { والنجم والشجر يسجدان } [الرحمن: 6]. # قال ابن عباس وغيره: النجم: ما لا ساق له، والشجر: ما له ساق. # وأنشد ابن عباس قول صفوان التيمي: [الطويل] # 4620- لقد أنجم القاع الكبير عضاهه # وتم به حيا تميم ووائل # وقال زهير بن أبي سلمى: [البسيط] # 4621- مكلل بأصول النجم تنسجه # ريح الجنوب لضاحي مائه حبك # واشتقاق النجم من " نجم الشيء ينجم " - بالضم - نجوما: ظهر ~~وطلع. # ومنه: نجم ناب البعير، أي: طلع. وسجودهما: سجود ظلالهما؛ قاله ~~الضحاك. وقال الفراء: سجودهما أنهما يستقبلان إذا طلعت، ثم يميلان معهما ~~حتى ينكسر الفيء. # وقال الزجاج: سجودهما: دوران الظل معهما، كما قال: # يتفيؤا ظلاله # [النحل: 48]. # وقال الحسن ومجاهد: النجم نجم السماء، وسجوده في قول مجاهد: " دوران ظله ~~" وهو اختيار الطبري، حكاه المهدوي. # وقيل: سجود النجم: أفوله، وسجود الشجر: إمكان الاجتناء لثمارها، حكاه ~~الماوردي. # والأول أظهر. # وقيل: إن جميع ذلك مسخر لله تعالى، فلا تعبدوا النجم كما عبد قوم من ~~الصابئين النجوم، وعبد كثير من العجم الشجر. # والسجود: الخضوع، والمعني به آثار الحدوث، حكاه القشيري. # وقال النحاس: أصل السجود في اللغة: الاستسلام والانقياد لله - عز وجل - ~~فهو من السموات كلها استسلامها لأمر الله - عز وجل - وانقيادها له. # ومن الحيوان كذا، ويكون من سجود الصلاة. # وأنشد محمد بن يزيد في النجم بمعنى النجوم؛ قال: [الطويل] # 4622- فباتت تعد النجم في مستجيره # سريع بأيدي الآكلين جمودها # قوله تعالى: { والسمآء رفعها }. # العامة: على النصب على الاشتغال مراعاة لعجز الجملة التي يسميها النحاة ~~ذات وجهين، وفيها دليل لسيبويه الذي يجوز النصب، وإن لم يكن في جملة ~~الاشتغال ضمير عائد على المبتدأ الذي تضمنته الجملة ذات الوجهين. # والأخفش يقول: لا بد من ضمير، مثاله: " هند قامت وعمرا أكرمته لأجلها ~~". # قال: ms8216 " لأنك راعيت الخبر وعطفت عليه، والمعطوف على الخبر خبر، فيشترط ~~فيه ما يشترط فيه ". # ولم يشترط الجمهور ذلك، وهذا دليلهم. # فإن القراء كلهم نصبوا مع عدم الرابط إلا من شذ منهم وقد تقدم تحرير هذا ~~في سورة " يس " عند قوله: # والقمر قدرناه منازل # [يس: 39]. # وقرأ أبو السمال: برفع السماء على الابتداء، والعطف على الجملة ~~الابتدائية التي هي قوله " والشمس والقمر ". # قال القرطبي: " فجعل المعطوف مركبا من ابتداء وخبر كالمعطوف عليه ". # قوله: " ووضع الميزان ". # العامة على " وضع " فعلا ماضيا، و " الميزان " نصب على المفعول به. # وقرأ إبراهيم: " ووضع الميزان " - بسكون الضاد - وخفص " الميزان " ~~وتخريجها: على أنه معطوف على مفعول " رفعها " أي: " ورفع ووضع الميزان " ~~أي جعل له مكانة ورفعة لأخذ الحقوق به، وهو من بديع اللفظ حيث يصير ~~التقدير: " ورفع ووضع الميزان ". # قال الزمخشري: " فإن قيل: كيف أخل بالعاطف في الجمل الأول وجيء به ~~بعده؟. # قلت: بكت بالجمل: الأول، وأورده على سنن التعديد للذين أنكروا ~~الرحمن وآلاءه كما تبكت منكر أيادي المنعم من الناس بتعددها عليه في ~~المثال الذي قدمته، ثم رد الكلام إلى منهاجه بعد التبكيت في وصل ما يجب ~~وصله للتناسب والتقارب بالعاطف. # فإن قلت: أي تناسب بين هاتين الجملتين حتى وسط بينهما العاطف؟. # قلت: إن الشمس والقمر سماويان، والنجم والشجر أرضيان فبينهما تناسب ~~من حيث التقابل، وإن السماء والأرض لا يزالان يذكران قرينتين، وإن جري ~~الشمس والقمر بحسبان من جنس الانقياد لأمر الله، فهو مناسب لسجود النجم ~~والشجر ". # فصل في المراد بوضع الميزان # قال مجاهد وقتادة: وضع الميزان عبارة عن العدل. # قال السدي: " ووضع الميزان " وضع في الأرض العدل الذي أمر به، يقال: وضع ~~الله الشريعة، ووضع فلان كذا أي ألقاه. # وقيل: على هذا الميزان القرآن، لأن فيه بيان ما يحتاج إليه. # وهو من قول الحسين بن الفضل. # وقال الحسن وقتادة - أيضا - والضحاك: هو الميزان الذي يوزن به لينتصف ~~به الناس بعضهم من بعض، وهو خبر بمعنى الأمر بالعدل يدل عليه قوله تعالى: ~~{ وأقيموا الوزن بالقسط } [الرحمن: 9]. # والقسط ms8217 هو العدل، وقيل: هو الحكم. # وقيل: المراد وضع الميزان في الآخرة لوزن الأعمال. وأصل " ميزان " " ~~يوزان ". وقد مضى القول فيه في " الأعراف ". # قال ابن الخطيب: قوله: " ووضع الميزان " إشارة إلى العدل، كقوله: # وأنزلنا معهم الكتاب والميزان # [الحديد: 25] أي: ليعلموا بالكتاب، ويعملوا بالميزان، فكذا هنا " ~~علم القرآن " ووضع الميزان، فالمراد ب " الميزان ": العدل بوضعه ~~شرعة، كأنه قيل: شرع العدل لئلا تطغوا في الميزان الذي هو آلة العدل، ~~هذا هو المنقول، قال: والأولى العكس كالأول وهو الآلة، والثاني: بمعنى ~~الوزن، أو بمعنى العدل. # قوله: { ألا تطغوا } ، في " أن " هذه وجهان: # أحدهما: أنها الناصبة، و " لا " بعدها نافية، و " تطغوا " منصوب ب " أن ~~" ، و " أن " قبلها لام العلة مقدرة تتعلق بقوله: " ووضع الميزان " ~~، التقدير: " لئلا تطغوا " ، كقوله تعالى: # يبين الله لكم أن تضلوا # [النساء: 176]. # وأجاز الزمخشري وابن عطية: أن تكون المفسرة، وعلى هذا تكون " لا " ~~ناهية، والفعل مجزوم بها. # قال القرطبي: فلا يكون ل " أن " موضع من الإعراب، فتكون بمعنى " أي " ~~، و " تطغوا " مجزوم بها كقوله: # وانطلق الملأ منهم أن امشوا # [ص: 6]، أي: " امشوا ". # إلا أن أبا حيان رد هذا القول بأن شرط التفسيرية تقدم جملة متضمنة لمعنى ~~القول، وليست موجودة. # قال شهاب الدين: " وإلى كونها مفسرة ذهب مكي، وأبو البقاء، إلا أن أبا ~~البقاء كأنه تنبه للاعتراض، فقال: " وأن - بمعنى أي - والقول مقدر ". # فجعل الشيء المفسر ب " أن " مقدرا لا ملفوظا به، إلا أنه قد يقال إن ~~قوله " والقول مقدر " ليس بجيد؛ لأنها لا تفسر القول الصريح، فكيف يقدر ~~ما لا يصح تفسيره، فإصلاحه أن يقول: وما هو بمعنى القول مقدر ". # فصل في الطغيان في الميزان # والطغيان مجاوزة الحد، فمن قال: الميزان العدل، قال: الطغيان الجور ومن ~~قال: إنه الميزان الذي يوزن به، قال: طغيانه النجس. # قال ابن عباس: لا تخونوا من وزنتم له. # وعنه أيضا أنه قال: يا معشر الموالي وليتم أمرين بهما هلك الناس: ~~المكيال والميزان. # ومن قال: إنه طغيان الحكم، قال: طغيانه التحريف. # وقيل: فيه إضمار، أي: وضع الميزان ms8218 وأمركم ألا تطغوا فيه. # فإن قيل: العلم لا شك في كونه نعمة، وأما الميزان فأي نعمة عظيمة فيه ~~حتى يعد بسببها في الآلاء؟. # فالجواب: أن النفوس تأبى الغبن، ولا يرضى أحد بأن يغلبه غيره، ولو في ~~الشيء اليسير، ويرى أن ذلك استهانة به، فلا يترك خصمه يغلبه، ثم إن عند ~~عدم المعيار الذي به تؤخذ الحقوق، كل أحد يذهب إلى أن خصمه يغلبه، فوضع ~~الله - تعالى - معيارا بين به التساوي، ولا يقع به البغضاء بين الناس، ~~وهو الميزان، فهو نعمة كاملة، ولا ينظر إلى عدم ظهور نعمته وكثرته، ~~وسهولة الوصول إليه كالهواء والماء الذي لا يبين فضلهما إلا عند ~~فقدهما. # قوله: { وأقيموا الوزن بالقسط }. # أي: افعلوه مستقيما بالعدل. # وقال أبو الدرداء: أقيموا لسان الميزان بالقسط والعدل. # وقال ابن عيينة: الإقامة باليد، والقسط بالقلب. # وقال مجاهد: القسط: العدل بالرومية. # وقيل: هو كقولك: أقام الصلاة، أي: أتى بها في وقتها، وأقام الناس ~~أسواقهم، أي: أتوا بها لوقتها، أي: لا تدعوا التعامل بالوزن والعدل. # قوله: " ولا تخسروا ". # العامة على ضم التاء وكسر السين، من " أخسر " أي: نقص، كقوله: # وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون # [المطففين: 3]. # وقرأ زيد بن علي، وبلال بن أبي بردة: بفتح التاء وكسر السين، فيكون " ~~فعل، وأفعل " بمعنى، يقال: خسر الميزان، وأخسره " بمعنى واحد، ~~نحو: جبر وأجبر ". # ونقل أبو الفتح وأبو الفضل عن بلال: فتح التاء والسين، ونقلها أيضا ~~القرطبي عن أبان بن عثمان، قال: وهما لغتان، يقال: أخسرت الميزان، ~~وخسرته، ك " أجبرته " و " جبرته ". # قال شهاب الدين: وفيها وجهان: # أحدهما: أنه على حذف حرف الجر، تقديره: " ولا تخسروا في الميزان " ، ~~ذكره الزمخشري وأبو البقاء، إلا أن أبا حيان قال: لا حاجة إلى ذلك؛ لأن " ~~خسر " جاء متعديا، قال تعالى: # خسروا أنفسهم # [الأنعام: 12] و # خسر الدنيا والآخرة # [الحج: 11]. # قال شهاب الدين: " وهذا أليق من ذاك، ألا ترى أن " خسروا أنفسهم " و " ~~خسر الدنيا والآخرة " معناه: أن الخسران واقع بهما، وأنهما معدومان، وهذا ~~المعنى ليس مرادا في الآية قطعا، وإنما المراد: لا ms8219 تخسروا الموزون في ~~الميزان ". # وقرىء: " تخسروا " بفتح التاء وضم السين. # قال الزمخشري: " وقرىء: " ولا تخسروا " بفتح التاء وضم السين وكسرها ~~وفتحها، يقال: خسر الميزان يخسره ويخسره، وأما الفتح فعلى أن ~~الأصل: " في الميزان " فحذف الجار، وأوصل الفعل إليه ". # وكرر لفظ " الميزان " ولم يضمره في الجملتين بعده تقوية لشأنه. # وهذا كقول الآخر: [الخفيف] # 4623- لا أرى الموت يسبق الموت شيء # نغص الموت ذا الغنى والفقيرا # فصل في معنى الآية # المعنى: ولا تنقصوا ولا تبخسوا الوزن والكيل، كقوله: # ولا تنقصوا المكيال والميزان # [هود: 84]. # وقيل: لا تخسروا ميزان حسناتكم يوم القيامة، فيكون ذلك حسرة عليكم، ~~وكرر الميزان لحال رءوس الآي. # وقيل: التكرير للأمر بإيفاء الوزن، ورعاية العدل فيه. # وقال ابن الخطيب: { ولا تخسروا الميزان } أي: لا تنقصوا الموزون. # وذكر " الميزان " ثلاث مرات، فالأول: بمعنى الآلة، وهو قوله " وضع ~~الميزان ". # والثاني: بمعنى المصدر أي: لا تطغوا في الوزن. # والثالث: للمفعول، أي: لا تخسروا الموزون. # وبين القرآن و " الميزان " مناسبة، فإن القرآن فيه العلم الذي لا يوجد ~~في غيره من الكتب، والميزان به يقام العدل الذي لا يقام بغيره من الآلات. # قوله: { والأرض وضعها للأنام } ، كقوله: { والسمآء ~~رفعها }. # قرأ أبو السمال: بالرفع مبتدأ، و " الأنام " علة للوضع. # " الأنام ". قيل: كل الحيوان. # وقيل: بنو آدم خاصة، وهو مروي عن ابن عباس نقل النووي في " التهذيب " ~~عن الزبيدي: " الأنام ": الخلق، قال: ويجوز الأنيم. # وقال الواحدي: قال الليث: " الأنام " ما على ظهر الأرض من جميع الخلق. # وقيل: هم الإنس والجن. قاله الحسن، والأول قاله الضحاك. # ووزنه: " فعال " ك " قذال " فيجمع في القلة على " أنمة " بزنة: " ~~امرأة أنمة " ، وفي الكثرة على " أنم " ك " قذال وأقذلة وقذل ". # قوله: " فيها فاكهة " يجوز أن تكون هذه الجملة حالا من " الأرض " إلا ~~أنها حال مقدرة، والأحسن أن يكون الجار والمجرور هو الحال. # و " فاكهة " رفع بالفاعلية، ونكرت لأن الانتفاع بها دون الانتفاع بما ~~ذكر بعدها، وهو من باب الترقي من الأدنى إلى الأعلى. # قال ابن الخطيب: الأرض موضوعة لكل ما عليها، وإنما خص الإنسان ms8220 ~~بالذكر؛ لأن الانتفاع بها أكثر، فإنه ينتفع بها، وبما فيها، وبما ~~عليها، فقال: " للأنام " لكثرة انتفاع الأنام بها. # وقوله: " فيها فاكهة ". # أي: ما يتفكه به الإنسان من ألوان الثمار. # قوله: { والنخل ذات الأكمام } إشارة إلى الأشجار. # و " الأكمام " جمع " كم " - بالكسر - وهو وعاء الثمر. # قال الجوهري: و " الكم " - بالكسر - و " الكمامة ": وعاء الطلع، ~~وغطاء النور، والجمع: " كمام " و " أكمة " ، و " الأكاميم " ~~أيضا، و " كم " الغسيل إذا أشفق عليه، فستر حتى يقوى، قال العجاج: ~~[الرجز] # 4624- بل لو شهدت الناس إذ تكموا # غمة لو لم تفرج غموا # و " تكموا ": أي أعمى عليهم وغطوا. # وأكممت وكممت أي: أخرجت كمامها، والكمام - بالكسر - والكمامة ~~أيضا: ما يكم به فم البعير لئلا يعض، تقول منه بعير مكموم أي محجوم، ~~وكممت الشيء: غطيته، ومنه كم القميص - بالضم - والجمع: " أكمام ~~وكممة " مثل: جب وجببة. # و " الكمة ": القلنسوة [المدورة]؛ لأنها تغطي الرأس. # قال رحمه الله: [الطويل] # 4625- فقلت لهم: كيلوا بكمة بعضكم # دراهمكم، إني كذلك أكيل # قال الحسن: " ذات الأكمام " أي: ذات الليف، فإن النخلة قد تكمم بالليف ~~وأكمامها: ليفها الذي في أعناقها. # وقال ابن زيد: ذات الطلع قبل أن يتفتق. # وقال عكرمة: ذات الأحمال. # وقال الضحاك: " ذات الأكمام ": ذات الغلف. # والأكمام: الأوعية التي يكون فيها الثمر؛ لأن ثمر النخل يكون في غلاف ما ~~لم يتشقق، والمراد بالفاكهة: الفواكهة. # قال ابن كيسان: ما يتفكهون به من النعم التي لا تحصى، ونكر الفاكهة ~~للتكثير والتعظيم. # قوله: { والحب ذو العصف والريحان }. # قرأ ابن عامر: بنصب الثلاثة. وفيه ثلاثة أوجه: # النصب على الاختصاص، أي " وأخص الحب " قاله الزمخشري. # وفيه نظر، لأنه لم يدخل في مسمى الفاكهة والنخل حتى يخصه من بينها، ~~وإنما أراد إضمار فعل، وهو " أخص " فليس هو الاختصاص الصناعي. # الثاني: أنه معطوف على " الأرض ". # قال مكي: " لأن قوله " والأرض وضعها " أي: خلقها، فعطف " الحب " على ذلك ~~". # الثالث: أنه منصوب ب " خلق " مضمرا، أي " وخلق الحب ". # وقال مكي: " أو وخلق الحب " ، وقراءته موافقة لرسم مصاحف بلده، فإن ~~مصاحف " الشام " " ذا " بالألف. # وجوزوا ms8221 في " الريحان " أن يكون على حذف مضاف، أي " وذا الريحان " ~~فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، ك # وسئل القرية # [يوسف: 82]. # وقرأ الأخوان برفع الأولين وجر " الريحان " عطفا على " العصف " ~~وهي تؤيد قول من حذف المضاف في قراءة ابن عامر. # والباقون: برفع الثلاثة عطفا على " فاكهة " أي: وفيها أيضا هذه ~~الأشياء. # ذكر أولا ما يتلذذون به من الفواكهة. # وثانيا: الشيء الجامع بين التلذذ والتغذي، وهو ثمر النخل. # وثالثا: ما يتغذى به فقط، وهو أعظمها؛ لأنه قوت غالب الناس. # ويجوز في " الريحان " على هذه القراءة أن يكون معطوفا على ما قبله، ~~أي: " وفيها الريحان " أيضا، وأن يكون مجرورا بالإضافة في الأصل، أي: " ~~وذو الريحان " ففعل به ما تقدم. # و " العصف " قال مجاهد رضي الله عنه: ورق الشجر والزرع. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: تبن الزرع وورقه الذي تعصفه ~~الرياح. # قال الراغب: " أصله: من " العصف والعصيفة " ، وهو ما يعصف، أي: ~~يقطع من الزرع ". # وقال سعيد بن جبير: بقل الزرع أي ما ينبت منه، وهو قول الفراء. # والعرب تقول: خرجنا نعصف الزرع إذا قطعوا منه قبل أن يدرك، وكذا في " ~~الصحاح " وكذا نقله القرطبي. # وعصفت الزرع، أي: جزرته قبل أن يدرك. # وعن ابن عباس أيضا: العصف: ورق الزرع الأخضر إذا وقع رءوسه ويبس نظيره: # كعصف مأكول # [الفيل: 8]. # قال الجوهري: " وقد أعصف الزرع، ومكان معصف، أي: كثير ~~الزرع ". # قال أبو قيس بن الأسلت الأنصاري: [السريع] # 4626- إذا جمادى منعت قطرها # زان جنابي عطن معصف # وقيل: " العصف ": حطام النبات، والعصف أيضا: الكسب. # قال الراجز: [الرجز] # 4627- بغير ما عصف ولا اكتساب # وكذلك " الاعتصاف والعصيفة ": الورق المجتمع الذي يكون فيه السنبل. # وحكى الثعلبي: وقال ابن السكيت: " تقول العرب لورق الزرع: العصف ~~والعصيفة، والجل بكسر الجيم ". # قال علقمة بن عبدة: [البسيط] # 4628- تسقي مذانب قد مالت عصيفتها # حدورها من أتي الماء مطموم # في " الصحاح ": " والجل - بالكسر - قصب الزرع إذا حصد ". # والريحان في الأصل مصدر، ثم أطلق على الرزق. # قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: هو الرزق بلغة " حمير " ، كقولهم: " ~~سبحان الله ms8222 وريحانه " أي: استرزاقه. # وعن ابن عباس أيضا والضحاك وقتادة: أنه الريحان الذي يشم وهو قول ابن ~~زيد أيضا. # وعن ابن عباس أيضا: أنه خضرة الزرع. # وقال سعيد بن جبير: هو ما قام على ساق. # وقال الفراء: " العصف " المأكول من الزرع. # و " الريحان " ما لا يؤكل. # وقال الكلبي العصف: الورق الذي لا يؤكل. # و " الريحان ": هو الحب المأكول. # وقيل: كل فلة طيبة الريح سميت ريحانا؛ لأن الإنسان يراح لها رائحة ~~طيبة أي: يشم. وفي " الريحان " قولان: # أحدهما: أنه على " فعلان " وهو من ذوات " الواو " ، والأصل " روحان ~~" من الرائحة. # قال أبو علي: فأبدلت " الواو " ياء كما أبدلت الياء واوا في " أشاوى " ~~وإنما قلبت الواو ياء للفرق بينه وبين " الروحان " وهو كل شيء له ~~روح. # قال القرطبي: والثاني: أن يكون أصله " ريوحان " على وزن " فيعلان ~~" فأبدلت الواو ياء، وأدغمت فيها الياء، ثم خفف بحذف عين الكلمة، كما ~~قالوا: كينونة وبينونة والأصل تشديد الياء، فخفف كما خفف " هين ~~ولين ". # قال مكي: ولزم تخفيفه لطوله بلحوق الزيادتين، وهما الألف والنون. # ثم رد قول الفارسي بأنه: لا موجب لقلبها ياء. # ثم قال: " وقال بعض الناس " وذكر ما تقدم عن أبي علي. # قال القرطبي: " والأصل فيما يتركب من الراء والواو والحاء: الاهتزاز ~~والحركة ". # وفي الصحاح: " والريحان نبات معروف، والريحان: الرزق، تقول: خرجت ~~أبتغي ريحان الله ". # وفي الحديث: # " الولد من ريحان الله ". # وقولهم: سبحان الله وريحانه " نصبوهما على المصدر، يريدون: ~~تنزيها له واسترزاقا. # قوله: { والحب ذو العصف والريحان } فالعصف: ساق ~~الزرع، والريحان: ورقه قاله الفراء. # قوله: { فبأي آلاء ربكما تكذبان } [الرحمن: 13]، " ~~فبأي " متعلق ب " تكذبان ". # والعامة على إضافة " أي " إلى " الآلاء ". # وقرىء في جميع السورة بتنوين " أي ". # وتخريجها: على أنه قطع " أيا " عن الإضافة إلى شيء مقدر، ثم أبدل منه ~~" آلاء ربكما " بدل معرفة من نكرة، وتقدم الكلام في " الآلاء " ومفردها ~~في الأعراف ". # والخطاب في " ربكما " قيل: للثقلين من الإنس والجن؛ لأن الأنام تضمنهما، ~~وهو قول الجمهور، ويدل عليه حديث جابر. # وفيه: # " للجن أحسن منكم ردا ". # وقيل: لما ms8223 قال: # خلق الإنسان، وخلق الجآن # [الرحمن: 14، 15]. دل ذلك على ما تقدم وما تأخر لهما. # وكذا قوله: # سنفرغ لكم أيها الثقلان # [الرحمن: 31] خطاب للإنس والجن. # وقال أيضا: # يمعشر الجن والإنس # [الرحمن: 33]. # وقال الجرجاني: خاطب الجن مع الإنس، وإن لم يتقدم للجن ذكر. كقوله ~~تعالى: # حتى توارت بالحجاب # [ص: 32]. # فقد سبق ذكر الجن فيما سبق نزوله من القرآن، والقرآن كالسورة الواحدة، ~~فإذا ثبت أنهم مكلفون كالإنس، خوطب الجنسان بهذه الآيات. # وقيل: الخطاب للذكر والأنثى. # وقيل: هو مثنى مراد به الواحد، كقوله تعالى: # ألقيا في جهنم # [ق: 24]. # وكقول الحجاج بن يوسف: " يا حرسي اضربا عنقه " ، وكقول امرىء القيس: ~~[الطويل] # 4629- قفا نبك.... # .................... # و [الطويل] # 4630- خليلي مرا بي.... # ................... # وقيل: التثنية للتأكيد. # وقيل: التكذيب يكون بالقلب، أو باللسان، أو بهما، فالمراد هما. # فصل في آلاء الله تعالى # قال ابن زيد: المراد بالآلاء: القدرة، والمعنى: فبأي قدرة ربكما تكذبان، ~~وهو قول الكلبي. # واختار محمد بن علي الترمذي، وقال: هذه السورة من بين السور علم القرآن، ~~والعلم: إمام الجند، والجند تتبعه، وإنما صارت علما؛ لأنها سورة صفة ~~الملك والقدرة، فقال: { الرحمن علم القرآن } فافتتح ~~السورة باسم الرحمن من بين الأسماء ليعلم العباد أن جميع ما يصفه بعد هذا ~~من أفعاله ومن ملكه وقدرته خرج إليهم من الرحمة، فقال: { الرحمن ~~علم القرآن }. # ثم ذكر الإنسان فقال: " خلق الإنسان " ثم ذكر ما صنع به، وما من عليه ~~به، ثم ذكر حسبان الشمس والقمر، وسجود الأشياء من نجم وشجر، وذكر رفع ~~السماء، ووضع الميزان وهو العدل، ووضع الأرض للأنام، فخاطب هذين الثقلين: ~~الإنس والجن، حين رأوا ما خرج من القدرة والملك برحمانيته التي رحمهم بها ~~من غير منفعة، ولا حاجة إلى ذلك، فأشركوا به الأوثان، وكل معبود اتخذوه ~~من دونه، وجحدوا الرحمة التي خرجت هذه الأشياء بها إليهم. # فقال سائلا لهم: { فبأي آلاء ربكما تكذبان } أي: بأي قدرة ربكما ~~تكذبان، وإنما كان تكذيبهم أنهم جعلوا له في هذه الأشياء التي خرجت من ~~قدرته وملكه شريكا يملك معه، ويقدر معه، فذلك تكذيبهم، ms8224 ثم ذكر خلق ~~الإنسان من صلصال، وذكر خلق الجان من مارج من نار، ثم سألهم فقال: { ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان } أي: بأي قدرة ربكما تكذبان، ~~فإن له في كل خلق قدرة بعد قدرة، فالتكرير في هذه الآيات للتأكيد، ~~والمبالغة في التقرير، واتخاذ الحجة عليهم بما وقفهم على خلق بعد خلق. # وقال القتبي: إن الله - تعالى - عدد في هذه السورة نعماءه، وذكر خلقه ~~آلاءه، ثم أتبع كل خلة وصفها ونعمة وضعها في هذه الآية، وجعلها فاصلة ~~بين كل نعمتين ليبينهم على النعم، ويقررهم بها، كما يقول لمن تتابع فيه ~~إحسانك وهو يكفره وينكره: ألم تكن فقيرا فأغنيتك، أفتنكر هذا؟ ألم تكن ~~خاملا فعززتك، أفتنكر هذا؟ ألم تكن راجلا فحملتك، أفتنكر هذا؟ والتكرير ~~حسن في مثل هذا. # قال الشاعر: [مشطور الرجز] # 4631- كم نعمة كانت لكم كم كم وكم # وقال الشاعر رحمه الله: [البسيط] # 4632- لا تقتلي مسلما إن كنت مسلمة # إياك من دمه إياك إياك # وقال آخر: [المنسرح] # 4633- لا تقطعن الصديق ما طرفت # عيناك من قول كاشح أشر # ولا تملن من زيارته # زره وزره وزر وزر وزر # وقال الحسين بن الفضل: التكرير طرد للغفلة، وتأكيد للحجة. # قال شهاب الدين: والتكرير - هاهنا - كما تقدم في قوله: # ولقد يسرنا القرآن للذكر # [القمر: 17]، وكقوله فيما سيأتي: # ويل يومئذ للمكذبين # [المرسلات: 45]. # وذهب جماعة منهم ابن قتيبة: إلى أن التكرير لاختلاف النعم، فلذلك كرر ~~للتوقيف مع كل واحدة. # قال ابن الخطيب: وذكره بلفظ الخطاب على سبيل الالتفات، والمراد به ~~التقريع والزجر، وذكر لفظ الرب؛ لأنه يشعر بالرحمة. # قال: " وكررت هذه اللفظة في هذه السورة نيفا وثلاثين مرة إما للتأكيد، ~~ولا يعقل بخصوص العدد معنى. # وقيل: الخطاب مع الإنس والجن، والنعمة منحصرة في دفع المكروه، وتحصيل ~~المقصود، وأعظم المكروهات عذاب جهنم، و # لها سبعة أبواب # [الحجر: 44]، وأعظم المقاصد: نعيم الجنة، ولها ثمانية أبواب، فالمجموع ~~خمسة عشر، وذلك بالنسبة للجن والإنس ثلاثون، والزائد لبيان التأكيد ". # روى جابر بن عبد الله، قال: # " قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة ms8225 " الرحمن " حتى ختمها، ~~ثم قال: " ما لي أراكم سكوتا؟ للجن كانوا أحسن منكم ~~ردا؛ ما قرأت عليهم هذه الآية مرة: { فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان } إلا قالوا: ولا بشيء من رحمتك ربنا ~~نكذب، فلك الحمد ". ### || [55.14-25] # قوله: { خلق الإنسان من صلصال كالفخار }. لما ذكر الله ~~- تعالى - خلق العالم الكبير من السماء والأرض، وما فيها من الدلالات على ~~وحدانيته وقدرته، ذكر خلق العالم الصغير، فقال: { خلق الإنسان }. # قال المفسرون: يعني: آدم من صلصال وهو الطين اليابس الذي يسمع له صلصلة، ~~وشبهه بالفخار الذي طبخ. # وقيل: هو طين خلط برمل. # وقيل: هو الطين المنتن، من صل اللحم وأصل: إذا أنتن. # وقال هنا: { من صلصال كالفخار }. # وقال في " الحجر ": # من صلصال من حمإ مسنون # [الحجر: 26] وقال: # إنا خلقناهم من طين لازب # [الصافات: 11]. # وقال: # كمثل آدم خلقه من تراب # [آل عمران: 59]. # وكله متفق المعنى، وذلك أنه أخذ من تراب الأرض، فعجنه فصار طينا، ثم ~~انتقل فصار كالحمأ المسنون، ثم يبس فصار صلصالا كالفخار. # فقوله: " كالفخار " نعت ل " صلصال ". وتقدم تفسيره. # قوله: { وخلق الجآن }. # قيل هو اسم جنس كالإنسان. # وقيل: هو أبو الجن " إبليس ". # وقيل: هو أبوهم، وليس ب " إبليس ". # قوله: { من مارج من نار } " من " الأولى لابتداء الغاية. # وفي الثانية وجهان: # أحدهما: أنها للبيان. # والثاني: أنها للتبعيض. # و " المارج ": قيل: ما اختلط من أحمر وأصفر وأخضر، وهذا مشاهد في ~~النار ترى الألوان الثلاثة مختلطا بعضها ببعض. # وقيل: الخالص. # وقيل: الأحمر وقيل: الحمرة في طرف النار. # وقيل المختلط بسواد. # وقيل: اللهب المضطرب. # وقال الليث: " المارج ": الشعلة الساطعة ذات اللهب الشديد، وعن ابن عباس ~~رضي الله عنهما: أنه اللهب الذي يعلو النار، فيختلط بعضه ببعض أحمر ~~وأخضر وأصفر، ونحوه عن مجاهد. # وقيل: " المارج " المرسل غير ممنوع. # قال المبرد: " المارج ": النار المرسلة التي لا تمنع. # وقال أبو عبيدة والحسن: " المارج ": المختلط النار، وأصله من مرج إذا ~~اضطرب، واختلط. # قال القرطبي: يروى أن الله - تعالى - خلق نارين، فمرج إحداهما بالأخرى، ~~فأكلت إحداهما الأخرى، وهي نار السموم، فخلق منها " إبليس ms8226 ". # قال القشيري: " والمارج " في اللغة: المرسل أو المختلط، وهو فاعل بمعنى ~~مفعول كقوله: # مآء دافق # [الطارق: 6] و # عيشة راضية # [الحاقة: 21]، والمعنى: " ذو مرج ". # { من نار } نعت ل { مارج }. # وتقدم الكلام على قوله: " فبأي آلاء " إلى آخرها. # قوله تعالى: { رب المشرقين ورب المغربين }. # العامة على رفعه. # وفيه ثلاثة أوجه: # أحدهما: أنه مبتدأ، خبره { مرج البحرين } ، وما بينهما اعتراض. # الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: " هو رب " أي: ذلك الذي فعل هذه ~~الأشياء. # الثالث: أنه بدل من الضمير في " خلق ". # وابن أبي عبلة: " رب " بالجر، بدلا أو بيانا ل " ربكما ". # قال مكي: ويجوز في الكلام الخفض على البدل من " ربكما " ، كأنه لم يطلع ~~على أنها قراءة منقولة. # و " المشرقان ": قيل: مشرقا الشتاء والصيف ومغرباهما. # وقيل: مشرقا الشمس والقمر ومغرباهما، وذكر غاية ارتفاعهما، وغاية ~~انحطاطهما إشارة إلى أن الطرفين يتناول ما بينهما كقولك في وصف ملك عظيم: ~~(له المشرق والمغرب) فيفهم منه أن له ما بينهما. # ويؤيده قوله تعالى: # برب المشارق والمغارب # [المعارج: 40]. # قوله تعالى: { مرج البحرين } أي: خلى وأرسل وأهمل، يقال: مرج ~~الناس السلطان، أي: أهملهم، وأصل المرج الإهمال كما تمرج الدابة في ~~المرعى ويقال: مرج خلط. # وقال الأخفش: ويقول قوم: أمرج البحرين مثل " مرج " فيكون " فعل ~~وأفعل " بمعنى. # و " البحرين ": قال ابن عباس رضي الله عنهما: بحر السماء، وبحر الأرض. # قال سعيد بن جبير: يلتقيان في كل عام. # وقيل: يلتقي طرفاهما. # وقال الحسن وقتادة: بحر " فارس " و " الروم ". # وقال ابن جريج: البحر المالح، والأنهار العذبة. # وقيل: بحر المشرق، وبحر المغرب يلتقي طرفاهما. # وقيل: بحر اللؤلؤ والمرجان. # " بينهما برزخ " حاجز. # قوله: " يلتقيان " حال من " البحرين " وهي قريبة من الحال المقدرة، ~~ويجوز بتجوز أن تكون مقارنة. # و " بينهما برزخ " يجوز أن تكون جملة مستأنفة، وأن تكون حالا، وأن ~~يكون الظرف وحده هو الحال، و " البرزخ " فاعل به، وهو أحسن لقربه ~~من المفرد. # وفي صاحب الحال وجهان: # أحدهما: هو البحرين. # والثاني: هو فاعل " يلتقيان ". # و " لا يبغيان " حال أخرى كالتي قبلها، أي: مرجهما غير ms8227 باغيين أو ~~يلتقيان غير باغيين، أو بينهما برزخ في حال عدم بغيهما، وهذه الحال في ~~قوة التعليل، إذ المعنى: " لئلا يبغيان ". # وقد تمحل بعضهم، وقال: أصل ذلك لئلا يبغيا ثم حذف حرف العلة، وهو مطرد ~~مع " أن " و " إن " ، ثم حذفت " أن " أيضا، وهو حذف مطرد، كقوله: # ومن آياته يريكم # [الروم: 24]، فلما حذفت " أن " ارتفع الفعل، وهذا غير ممنوع، إلا أنه ~~تكرر فيه الحذف. # وله أن يقول: قد جاء الحذف أكثر من ذلك فيما هو أخفى من هذا، كما سيأتي ~~في قوله: # وتجعلون رزقكم # [الواقعة: 82]. # فصل في مناسبة هذه الآية لما قبلها # لما ذكر الشمس والقمر، وهما يجريان في الفلك كما يجري الفلك في البحر، ~~كقوله: # كل في فلك يسبحون # [الأنبياء: 33]، فذكر البحرين عقيب المشرقين والمغربين، أو لأن المشرقين ~~والمغربين يكونان في البر والبحر، فذكر البحر بعد ذكر البر؛ لانحصار البر ~~والبحر بين المشرق والغرب. # قوله: " بينهما برزخ " أي: حاجز، " لا يبغيان " ، فعلى القول ~~الأول بأنهما بحر السماء، وبحر الأرض، فالحاجز الذي بينهما هو ما بين ~~السماء والأرض. قاله الضحاك. # وعلى الأقوال الباقية: الحاجز: هو الأرض التي بينهما. قاله الحسن ~~وقتادة. # وقال بعضهم: الحاجز: هو القدرة الإلهية. # وقوله: " لا يبغيان ". قال قتادة: لا يبغيان على الناس فيغرقانهم، ~~جعل بينهم وبين الناس اليبس. # وقال مجاهد وقتادة أيضا: لا يبغي أحدهما على صاحبه فيغلبه. # وقال ابن زيد: " لا يبغيان " أي يلتقيان، تقديره: مرج البحرين يلتقيان ~~لولا البرزخ الذي بينهما لا يبغيان أن يلتقيا. # وقيل: البرزخ ما بين الدنيا والآخرة، أي: بينهما مدة قدرها الله تعالى، ~~وهي مدة الدنيا فهما لا يبغيان، فإذا أذن الله بانقضاء الدنيا صار ~~البحران شيئا واحدا، وهو كقوله تعالى: # وإذا البحار فجرت # [الانفطار: 3]. # وقال سهل بن عبد الله: البحران: طريق الخير والشر، والبرزخ الذي بينهما ~~التوفيق والعصمة. # فصل في إحاطة البحار بالأرض # قال ابن الخطيب: إن الله - تعالى - خلق في الأرض بحارا تحيط بها الأرض، ~~وخلق بحرا محيطا بالأرض أحاط به الهواء، كما قال به أهل الهيئة، وهذه ms8228 ~~البحار التي في الأرض لها اتصال بالبحر المحيط، ثم إنهما لا يبغيان على ~~الأرض، ولا يغطيانها بفضل الله لتكون الأرض بارزة يتخذها الإنسان مكانا، ~~وعند النظر إلى أمر الأرض يحار الطبيعي ويتلجلج في الكلام، فإن عندهم أن ~~طبع الأرض يكون في المركز مغمورا بالماء، ويكون الماء محيطا بجميع ~~جوانبه، فإذا سئلوا عن ظهور الأرض من الماء قالوا: جذب في الأرض. # فإذا قيل لهم: لماذا تجذب؟ وما سبب الجذب؟. # فالذي عنده قليل من الحق أسند ذلك إلى إرادة الله تعالى ومشيئته، والآخر ~~يقول: ذلك بحسب اتصالات الكواكب وأوضاعها. # فإن قيل له: لماذا اختلفت أوضاع الكواكب على الوجه الذي أوجب البرد في ~~بعض الأرض دون بعض؟ بهت كما بهت الذي كفر، ويرجع إلى الحق إن هداه الله ~~تعالى. # وقال ابن الخطيب: ومعنى الآية أن الله - تعالى - أرسل بعض البحرين إلى ~~بعض، ومن شأنهما الاختلاط فحجزهما ببرزخ من قدرته، فهما لا يبغيان، أي: ~~لا يجاوز كل واحد منهما ما حد له. # و " البغي ": مجاوزة الحد، أو من الابتغاء وهو الطلب، أي: لا يطلبان ~~غير ما قدر لهما. # قوله: { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } قرأ نافع، وأبو ~~عمرو: " يخرج " مبنيا للمفعول، والباقون: مبنيا للفاعل على ~~المجاز. # قالوا: ثم مضاف محذوف، أي " من أحدهما "؛ لأن ذلك لم يؤخذ من البحر ~~العذب حتى عابوا قول الشاعر: [الطويل] # 4634- فجاء بها ما شئت من لطمية # على وجهها ماء الفرات يموج # قال مكي: " كما قال: # على رجل من القريتين # [الزخرف: 31]، أي: من إحدى القريتين، فحذف المضاف كثير شائع ". # وقيل: هو كقوله: # نسيا حوتهما # [الكهف: 61] وإنما الناسي فتاه، ويعزى هذا لأبي عبيدة. # قال البغوي: وهذا جائز في كلام العرب أن يذكر شيئين، ثم يخص أحدهما ~~بفعل، كقوله: # يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم # [الأنعام: 130]، ثم كانت الرسل من الإنس. # وقيل: يخرج من أحدهما اللؤلؤ، ومن الآخر المرجان. # وقيل: بل يخرجان منهما جميعا. # ثم ذكروا أقاويل. # منها: أنهما يخرجان من الملح في المواضع الذي يقع فيه العذب، وهذا ~~مشاهد عند الغواصين، ms8229 وهو قول الجمهور، فناسب ذلك إسناده إليهما. # ومنها: قول ابن عباس رضي الله عنهما: تكون هذه الأشياء في البحر بنزول ~~المطر، والصدف تفتح أفواهها للمطر، وقد شاهده الناس، فيكون تولده من بحر ~~السماء، وبحر الأرض. وهذا قول الطبري. # ومنها: أن العذب في الملح كاللقاح، كما يقال: الولد يخرج من الذكر ~~والأنثى. # ومنها: أنه قيل: منهما من حيث هما نوع واحد، فخروج هذه الأشياء إنما هي ~~منهما، كما قال تعالى: # وجعل القمر فيهن نورا # [نوح: 16] وإنما هو في واحدة منهن. # وقال الزمخشري: " فإن قلت: لم قال: " منهما " ، وإنما يخرجان من الملح؟ # قلت: لما التقيا، وصارا كالشيء الواحد، جاز أن يقال: يخرجان منهما كما ~~يقال: يخرجان من البحر، ولا يخرجان من جميع البحر، وإنما يخرجان من بعضه، ~~وتقول: خرجت من البلد، وإنما خرجت من محلة واحدة من محاله، بل من دار ~~واحدة من دوره، وقيل: لا يخرجان إلا من ملتقى الملح والعذب ". انتهى. # وقال بعضهم: كلام الله أولى بالاعتبار من كلام بعض الناس، فمن الجائز ~~أن يسوقها من البحر العذب إلى الملح، واتفقوا أنهم لم يخرجوها إلا من ~~الملح، وإذا كان في البر أشياء تخفى على التجار المترددين القاطعين ~~المفاوز، فكيف بما هو في قعر البحر؟. # فالجواب عن هذا: أن الله لا يخاطب الناس، ولا يمنن عليهم إلا بما ~~يألفون، ويشاهدون. # و " اللؤلؤ ": قيل: كبار الجوهر، والمرجان: صغاره. قاله علي، وابن ~~عباس، والضحاك رضي الله عنهم. # وقيل بالعكس، وأنشدوا قول الأعشى رحمه الله: [البسيط] # 4635- من كل مرجانة في البحر أحرزها # تيارها ووقاها طينها الصدف # أراد اللؤلؤة الكبيرة. قاله علي، وابن عباس أيضا. # وقيل: " المرجان ": حجر أحمر. # وقيل: حجر شديد البياض، والمرجان أعجمي. # قال ابن دريد: لم أسمع فيه كلاما منصرفا. # و " اللؤلؤ " ، بناء غريب لم يرد على هذه الصيغة إلا خمسة ألفاظ: ~~اللؤلؤ، و " الجؤجؤ " وهو الصدر، و " الدردؤ " ، و " اليؤيؤ " - ~~لطائر - و " البؤبؤ " - بالموحدتين - وهو الأصل، و " اللؤلؤ " - ~~بضمتين - والهمز هو المشهور. # وإبدال الهمزة واوا شائع فصيح وقد تقدم ذلك. # وقرأ ms8230 طلحة: " اللؤلىء " - بكسر اللام الثالثة - وهي لغة محفوظة، ونقل ~~عنه أبو الفضل: " اللولي " بقلب الهمزة الأخيرة ياء ساكنة، كأنه لما ~~كسر ما قبل الهمزة قلبها ياء استثقالا. # وقرأ أبو عمرو في رواية: " يخرج " أي: الله تعالى، وروي عنه، وعن ~~ابن مقسم: " نخرج " بنون العظمة. # و " اللؤلؤ والمرجان " على هاتين القراءتين منصوبان. # فصل في مناسبة نعمة اللؤلؤ والمرجان للنعم السابقة # قال ابن الخطيب: فإن قيل: أي نعمة عظيمة في " اللولؤ والمرجان " حتى ~~ذكرهما مع نعمة تعليم القرآن وخلق الإنسان؟. # وأجاب بأن النعم منها خلق الضروريات كالأرض التي له مكانا، وكذا ~~الرزق الذي به بقاؤه. # ومنها ما يحتاج إليه، وإن لم يكن ضروريا كالحيوان، وإجراء الشمس ~~والقمر. # ومنها المنافع وإن لم يكن محتاجا إليها كالفاكهة، وخلق البحار، كقوله ~~تعالى: # والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس # [البقرة: 164]. # ومنها الزينة وإن لم يكن نافعا كاللؤلؤ والمرجان، كقوله تعالى: # وتستخرجوا منه حلية تلبسونها # [النحل: 14]، فالله تعالى ذكر أنواع النعم الأربعة، وصدرها بالنعمة ~~العظيمة التي هي الروح وهو العلم بقوله: # علم القرآن # [الرحمن: 2]، أو يقال: بأن المقصود منه عجائب الله لا بيان النعم؛ لأن ~~النعم سبق ذكرها فذكر خلق الإنسان من صلصال، وخلق الجان من مارج من نار، ~~وهذان من العجائب الدالة على القدرة، لا من النعم. # واعلم أن الأركان أربعة: التراب والماء والهواء والنار، فالله تعالى ~~بين بقوله: { خلق الإنسان من صلصال } ، أن التراب أصل لمخلوق ~~عجيب، وبين بقوله: { وخلق الجآن من مارج من نار } ، أن ~~النار أيضا أصل لمخلوق عجيب، وبين بقوله: { يخرج منهما ~~اللؤلؤ والمرجان } أن الماء أصل لمخلوق آخر كالحيوان عجيب، بقي ~~الهواء لكنه غير محسوس، فلم يذكر أنه أصل مخلوق، لكن بين كونه منشئا ~~للجواري التي في البحر كالأعلام. # فقال: " وله الجوار ". # العامة على كسر " الراء "؛ لأنه منقوص على " مفاعل " والياء محذوفة ~~لفظا لالتقاء الساكنين. # وقرأ عبد الله والحسن، ويروى عن أبي عمرو، " برفع الراء تناسيا للمحذوف ~~". ومنه: [الرجز] # 4636- لها بنات أربع حسان # وأربع فثغرها ثمان # وهذا كما قالوا: ms8231 هذا شاك وقد تقدم تقرير هذا في الأعراف عند قوله: # ومن فوقهم غواش # [الأعراف: 41]. # قوله: " المنشآت ". # قرأ حمزة، وأبو بكر بخلاف عنه بكسر الشين، بمعنى أنها تنشىء الموج ~~بجريها، أو تنشىء السير إقبالا وإدبارا، أو التي رفعت شراعها، ~~والشراع: القلاع. # وعن مجاهد: كل ما رفعت قلعها فهي من المنشآت، وإلا فليست منها ونسبة ~~الرفع إليها مجاز، كما يقال: أنشأت السحابة المطر. # والباقون: بالفتح، وهو اسم مفعول، أي أنشأها الله، أو الناس، أو رفعوا ~~شراعها. # وقرأ ابن أبي عبلة: " المنشآت " بتشديد الشين مبالغة. # والحسن: " المنشأة " بالإفراد وإبدال الهمزة ألفا وتاء محذوفة خطا، ~~فأفرد الصفة ثقة بإفهام الموصوف الجمعية، كقوله: # وأزواج مطهرة # [آل عمران: 15]. # وأما إبداله الهمزة ألفا وإن كان قياسها بين بين، فمبالغة في التخفيف. # كقوله: [البسيط] # 4637- إن السباع لتهدا في مرابضها # ........................... # أي: " لتهدأ " وأما كتابتها بإلقاء المحذوفة، فاتباعا للفظها في الوصل. # و " في البحر " متعلق ب " المنشآت " أو " المنشأة " ، ورسمه بالتاء ~~بعد الشين في مصاحف " العراق " يقوي قرءاة الكسر، ورسمه بدونها يقوي ~~قراءة الفتح، وحذفوا الألف كما تحذف في سائر جمع المؤنث السالم. # و " كالأعلام " حال، إما من الضمير المستكن في " المنشآت " ، وإما من " ~~الجواري " وكلاهما بمعنى واحد. # فصل في المراد بالجواري # " الجواري " جمع جارية. وهي اسم أو صفة للسفينة، وخصها بالذكر؛ لأن ~~جريها في البحر لا صنع للبشر فيه، وهم معترفون بذلك، فيقولون: " لك ~~الفلك، ولك الملك ". # وإذا خافوا الغرق دعوا الله خاصة، وسميت السفينة جارية؛ لأن شأنها ذلك ~~وإن كانت واقفة في الساحل كما سماها في موضع آخر ب " الجارية " ، ~~فقال تعالى: # إنا لما طغا المآء حملناكم في الجارية # [الحاقة: 11]. # وسماها بالفلك قبل أن تكون كذلك، فقال لنوح عليه الصلاة والسلام: # واصنع الفلك بأعيننا # [هود: 37] ثم بعد ما عملها سماها سفينة، فقال: # فأنجيناه وأصحاب السفينة # [العنكبوت: 15]. # واعلم أن المرأة المملوكة تسمى أيضا جارية؛ لأن شأنها الجري والسعي في ~~حوائج سيدها، بخلاف الزوجة، فهو من الصفات الغالبة. # و " السفينة ": " فعيلة " بمعنى " فاعلة " عند ابن دريد، أي: تسفن الماء ~~و ms8232 " فعيلة " بمعنى " مفعولة " عند غيره بمعنى منحوتة، قال ابن الخطيب: ~~فالفلك أولا، ثم السفينة، ثم الجارية. # والأعلام: الجبال، والعلم: الطويل، قال: [الرجز] # 4638- إذا قطعن علما بدا علم # وقالت الخنساء في صخر: [البسيط] # 4639- وإن صخرا لتأتم الهداة به # كأنه علم في رأسه نار # أي " جبل " ، فالسفن في البحر كالجبال في البر. # وجمع " الجواري " ووحد " البحر " ، وجمع " الأعلام " إشارة إلى عظمة ~~البحر. ### || [55.26-45] # قوله تعالى: { كل من عليها فان } غلب من يعقل على غيره، ~~وجميعهم مراد. # والضمير في " عليها " للأرض. # قال بعضهم: وإن لم يجر لها ذكر، كقوله: # حتى توارت بالحجاب # [ص: 32]. # ورد هذا بأنه قد تقدم ذكرها في قوله: # والأرض وضعها # [الرحمن: 10]. # وقيل: الضمير عائد إلى الجارية. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة: هلك ~~أهل الأرض. فنزلت # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص: 88] فأيقنت الملائكة بالهلاك. وقاله مقاتل. # ووجه النعمة في فناء الخلق: التسوية بينهم في الموت. # وقيل: وجه النعمة أن الموت سبب النقل إلى دار الجزاء والثواب. # قوله: { ويبقى وجه ربك } أي ويبقى الله، فالوجه عبارة عن ~~وجود ذاته سبحانه وتعالى. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: الوجه عبارة عنه، كما قال { ويبقى ~~وجه ربك ذو الجلال والإكرام }. # ويقال: هذا وجه الأمر، ووجه الصواب، وعين الصواب، ومعنى { ذو الجلال ~~والإكرام } أي: هو أهل لأن يكرم، وهذا خطاب مع كل سامع. # وقيل: خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. # فإن قيل: كيف خاطب الاثنين بقوله: { فبأي آلاء ربكما }. # وخاطب هاهنا الواحد فقال: { ويبقى وجه ربك } ، ولم يقل: " ~~وجه ربكما "؟. # فالجواب: أن الإشارة هاهنا وقعت إلى فناء كل أحد، فقال: { ويبقى وجه ربك ~~} أيها السامع ليعلم كل أحد أن غيره فان، فلو قال: ويبقى وجه ربكما، ~~لكان كل أحد يخرج نفسه، ورفيقه المخاطب عن الفناء. # فإن قيل: فلو قال: " ويبقى وجه الرب " من غير خطاب، كان أدل على ~~فناء الكل؟. # فالجواب: إن كان الخطاب في الرب إشارة إلى اللطف، والإبقاء إشارة إلى ~~القهر، والموضع موضع بيان اللطف، ms8233 وتعديد النعم، فلهذا قال: بلفظ الرب ~~وكاف الخطاب. # قوله تعالى: { ذو الجلال والإكرام }. # العامة على " ذو " بالواو صفة للوجه، وأبي، وعبد الله: " ذي " بالياء ~~صفة ل " ربك ". وسيأتي خلاف القراء في آخر السورة إن شاء الله تعالى. # و " الجلال ": العظمة والكبرياء. # و " الإكرام ": يكرم أنبياء وأولياءه بلطفه مع جلاله وعظمته. # قوله تعالى: { يسأله من في السماوات والأرض } فيه ~~وجهان: # أحدهما: أنه مستأنف. # والثاني: أنه حال من " وجه " ، والعامل فيه " يبقى " أي يبقى مسئولا من ~~أهل السموات والأرض. # وفيه إشكال؛ لأنه لما قال: { ويبقى وجه ربك } كان إشارة إلى ~~بقائه بعد فناء من على الأرض، فكيف يكون في ذلك الوقت مسئولا لمن في ~~الأرض؟. # قال ابن الخطيب: والجواب من وجوه. # الأول: أنهم يفنون بالنظر إليه، لكنهم يبقون بإبقاء الله، فيصح أن يكون ~~الله مسئولا. # الثاني: أن يكون مسئولا معنى لا حقيقة؛ لأنهم إذا فنوا فهم يسألونه ~~بلسان الحال. # الثالث: أن قوله: " ويبقى " للاستمرار فهو يبقى ويعيد من كان في الأرض، ~~ويكون مسئولا. # الرابع: أن السائلين هم الملائكة الذين هم في الأرض فأنهم فيها، ~~وليسوا عليها، ولا يضرهم زلزلتها، فعندما يفنى من عليها يبقى الله ~~تعالى، ولا يفنى في تلك الحال الملائكة، فيسألونه ماذا نفعل؟ فيأمرهم بما ~~يريد. # فصل في تحرير السؤال المقصود # وهذا السؤال إما استعطاف، وإما استعطاء، فيسأله كل أحد ما يحتاج إليه. # قال ابن عباس وأبو صالح: أهل السموات يسألونه المغفرة، ولا يسألونه ~~الرزق، وأهل الأرض يسألونهما جميعا. # قال ابن جريج: تسأله الملائكة الرزق لأهل الأرض، فكانت المسألتان جميعا ~~من أهل السماء، وأهل الأرض لأهل الأرض. # قال القرطبي: وفي الحديث: # " إن من الملائكة ملكا له أربعة أوجه، وجه كوجه الإنسان ~~وهو يسأل الله الرزق لبني آدم، ووجه كوجه الأسد وهو ~~يسأل الله الرزق للسباع، ووجه كوجه الثور وهو يسأل الله ~~الرزق للبهائم، ووجه كوجه النسر وهو يسأل الله الرزق ~~للطير " # وقال ابن عطاء: إنهم يسألونه القوة على العباد. # قوله تعالى: { كل يوم } منصوب بالاستقرار الذي تضمنه الخبر، وهو ~~قوله: ms8234 " في شأن ". # والشأن: الأمر. # فصل في تفسير هذه الآية # روى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " " كل يوم هو في شأن " قال: " من شأنه أن يغفر ذنبا، ~~ويفرج كربة، ويرفع أقواما، ويضع آخرين " ". # وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول ~~الله عز وجل: { كل يوم هو في شأن } قال: يغفر ذنبا، ~~ويكشف كربا ويجيب داعيا. # وقيل: من شأنه أنه يحيي ويميت، ويعز ويذل، ويرزق ويمنع. # وقال ابن بحر: الدهر كله يومان: # أحدهما: مدة أيام الدنيا. # والآخر: يوم القيامة، فشأنه - سبحانه وتعالى - في أيام الدنيا الابتلاء ~~والاختبار بالأمر والنهي والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع، وشأنه يوم ~~القيامة: الجزاء والحساب والثواب والعقاب. # والظاهر أن المراد بذلك الإخبار عن شأنه في كل يوم من أيام الدنيا. # وقال عمرو بن ميمون: في قوله تعالى: { كل يوم هو في شأن } ~~من شأنه أن يميت حيا، ويحيي ميتا ويقر في الأرحام، ويعز ذليلا، ~~ويذل عزيزا. # وقيل: من شأنه أن يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، ويخرج ~~الحي من الميت، ويشفي سقيما، ويسقم سليما، ويبتلي معافى ويعافي ~~مبتلى، ويعز ذليلا، ويذل عزيزا، ويفقر غنيا، ويغني فقيرا. # وقال الكلبي: هو سوق المقادير المواقيت. # وعن عبد الله بن طاهر أنه دعا الحسين بن الفضل، وقال له: أشكلت علي ~~ثلاث آيات، دعوتك لتكشفها لي قوله تعالى: # فأصبح من النادمين # [المائدة: 31] وقد صح أن الندم توبة. # وقوله تعالى: { كل يوم هو في شأن } وصح أن القلم جف بما هو ~~كائن إلى يوم القيامة، وقوله تعالى: # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى # [النجم: 39] فما بال الإضعاف؟. # فقال الحسين: يجوز ألا يكون الندم توبة في تلك الأمة، ويكون توبة في هذه ~~الأمة؛ لأن الله خص هذه الأمة بخصائص لم تشاركهم فيها الأمم. # وقيل: إن ندم " قابيل " لم يكن على قتل هابيل، ولكن على حمله. # وأما قوله تعالى: # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى # [النجم: 39]، فمعناه: ليس له إلا ما سعى عدلا، ولي ms8235 أن أجزيه بواحدة ~~ألفا. # وأما قوله تعالى: { كل يوم هو في شأن } فإنها شئون يبديها ~~ولا يبتديها، فقام عبد الله بن طاهر وقبل رأسه، وسوغ خراجه. # قوله تعالى: { سنفرغ }. # قرأ: " سيفرغ " - بالياء - الأخوان، أي سيفرغ الله تعالى. والباقون من ~~السبعة: بنون العظمة، والراء مضمومة في القراءتين، وهي اللغة الفصحى ~~لغة " الحجاز ". # وقرأها مفتوحة الراء مع النون الأعرج، ويحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون من " فرغ " بفتح الراء في الماضي، وفتحت في المضارع ~~لأجل حرف الحلق. # والثاني: أنه سمع فيه " فرغ " - بكسر العين - فيكون هذا مضارعه، وهذه ~~لغة " تميم " وقرأ عيسى بن عمر وأبو السمال: " سنفرغ " - بكسر حرف ~~المضارعة وفتح الراء. وتوجيهها واضح مما تقدم في " الفاتحة ". # قال أبو حاتم: هذه لغة سفلى " مضر ". # والأعمش وأبو حيوة وإبراهيم: " سيفرغ " - بضم الياء - من تحت ~~مبنيا للمفعول. # وعيسى - أيضا - بفتح نون العظمة، وكسر الراء. # والأعرج - أيضا - بفتح الياء، ويروى عن أبي عمرو. # فصل في الكلام على فرغ # قال القرطبي: " يقال: فرغت من الشغل أفرغ فروغا وفراغا، ~~وتفرغت لكذا، واستفرغت مجهودي في كذا، أي: بذلته، وليس لله - تعالى ~~- شغل يفرغ منه، وإنما المعنى: سنقصد لمجازاتكم أو محاسبتكم، فهو وعيد ~~لهم وتهديد قاله ابن عباس والضحاك، كقول القائل لمن يريد تهديده: إذن ~~أتفرغ لك، أي: أقصد قصدك ". # وأنشد ابن الأنباري لجرير: [الوافر] # 4640- ألان وقد فرغت إلى نمير # فهذا حين كنت لهم عذابا # وأنشد الزجاج والنحاس: [الطويل] # 4641- فرغت إلى العبد المقيد في الحجل # ويدل عليه قراءة أبي رضي الله عنه: " سنفرغ إليكم " أي سنقصد ~~إليكم. # وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم # " أنه لما بايع الأنصار ليلة " العقبة " ، صاح الشيطان: يا أهل الجباجب ~~هذا مذمم يبايع بني " قيلة " على حربكم، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " هذا أزب العقبة، أما والله لأتفرغن لك " # أي: أقصد إلى إبطال أمرك. # وهذا اختيار القتبي والكسائي وغيرهما. # قال ابن الأثير: الأزب في اللغة: الكثير الشعر، وهو هاهنا شيطان اسمه ~~" أزب العقبة " وهو الحية. # وقيل: إن الله - تعالى - وعد على التقوى، وأوعد ms8236 على الفجور، ثم قال: { ~~سنفرغ لكم } أي: مما وعدناكم، ونوصل كلا إلى ما وعدناه، أقسم ~~ذلك وأتفرغ منه. قاله الحسن، ومقاتل، وابن زيد. # قوله تعالى: { أيه الثقلان }. تقدم الكلام في قراءة " أيها ~~" في " النور " [النور: 31] وهو منادى، والحكمة في نداء المبهم هي ~~تنبيه كل سامع، ثم يخصص المقصود بعد ذلك، فيكون فيه اهتمام بالمنادى. # وأيضا يجعل المبهم وصلة لنداء المعرف باللام، وزيد معه هاء التي ~~للتنبيه عوضا عن الإضافة؛ لأن المبهم يضاف. # و " الثقلان " الجن والإنس، سميا بذلك لعظم شأنهما بالإضافة إلى ~~ما في الأرض من غيرهما بسبب التكليف. # وقيل: سموا بذلك؛ لأنهما ثقلا الأرض أحياء وأمواتا. # قال تعالى: # وأخرجت الأرض أثقالها # [الزلزلة: 2]. # ومنه قولهم: أعطه ثقله أي وزنه. # وقال بعض أهل المعاني: كل شيء له قدر ووزن ينافس فيه فهو ثقل، ومنه ~~قيل لبيض النعام: ثقل، لأن واجده وصائده يفرح به إذا ظفر به. # وقال جعفر الصادق: سميا ثقلين؛ لأنهم مثقلان بالذنوب. # وقيل: الثقل الإنس لشرفهم، وسمي الجن بذلك مجازا للمجاورة والتغليب ~~كالعمرين والقمرين والثقل: العظيم الشريف. # قال عليه الصلاة والسلام: # " إني تارك فيكم ثقلين: كتاب الله وعترتي ". # فصل في سبب التثنية بعد الجمع # جمع في قوله تعالى: { سنفرغ لكم } ثم قال: { أيه ~~الثقلان }؛ لأنهما فريقان، وكل فريق جمع، وهذا كقوله تعالى: { ~~يمعشر الجن والإنس إن استطعتم } ، ولم يقل " إن ~~استطعتما "؛ لأنهما فريقان في حال الجمع، كقوله تعالى: # فإذا هم فريقان يختصمون # [النمل: 45]. # وقوله تعالى: # هذان خصمان اختصموا في ربهم # [الحج: 19]، ولو قال: سنفرغ لكما، أو قال: استطعتما، لجاز. # وقرأ أهل " الشام ": " أيه الثقلان " بضم الهاء، والباقون: ~~بفتحها. # فصل في أن الجن مكلفون # هذه الآيات التي في " الأحقاف " ، و # قل أوحي # [الجن: 1] دليل على أن الجن مخاطبون مكلفون مأمورون منهيون مثابون ~~معاقبون كالإنس سواء، مؤمنهم كمؤمنهم، وكافرهم ككافرهم. # قوله تعالى: { يمعشر الجن والإنس إن استطعتم أن ~~تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا } ~~[الرحمن: 33] الآية. لما بين أن الله تعالى لا يشغله شأن عن شأن، كأن ~~قائلا قال: فلم أخر ms8237 عذابهم؟. # فأجيب: بأن الجميع في قبضته، وأن الذي يستعجل إنما يخاف الفوت، والجميع ~~في قبضة الله - تعالى - فلا يفوتونه. # و " المعشر ": الجماعة العظيمة؛ لأن المعشر هو العدد الكامل الكثير الذي ~~لا عدد بعده إلا بابتداء فيه حيث يعيد الآحاد، تقول: أحد عشر، واثنا ~~عشر وعشرون، وثلاثون، أي ثلاث عشرات، فالمعشر كأنه في محل العشر الذي هو ~~الكثرة الكاملة. # فإن قيل: ما الحكمة في تقديم الجن على الإنس هاهنا، وتقديم الإنس على ~~الجن في قوله تعالى: # قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرآن # [الإسراء: 88]؟. # فالجواب: أن النفوذ من أقطار السموات والأرض بالجن أليق إن أمكن، ~~والإتيان بمثل هذا القرآن بالإنس أليق إن أمكن الإتيان، فقدم في كل موضع ~~ما يليق به. # فصل في المراد بالآية # معنى الآية: إن استطعتم أن تنفذوا: تجوزوا وتخرجوا بسرعة. # والنفوذ: الخروج وقد تقدم في أول " البقرة " أن ما فاؤه نون وعينه فاء ~~يدل على الخروج كنفق ونفر، قال تعالى: { يمعشر الجن والإنس ~~إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات ~~والأرض فانفذوا } فاهربوا واخرجوا منها، وهذا أمر تعجيز، ~~والمعنى: حيث ما كنتم أدرككم الموت، كما قال تعالى: # أينما تكونوا يدرككم الموت # [النساء: 78] وهو قول الضحاك. # وروى جويبر عن الضحاك أيضا قال: يقال لهم هذا يوم القيامة، يعني: إن ~~استطعتم أن تجوزوا أقطار السموات والأرض، فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر ~~عليكم، فجوزوا يعني لا مهرب لكم ولا خروج لكم عن ملك الله سبحانه وتعالى، ~~وأينما تولوا فثم ملك الله. # وقال ابن عباس إن استطعتم أن تعلموا ما في السموات وما في الأرض فاعلموه ~~ولن تعلموه إلا بسلطان أي يبينه من الله عز وجل وعنه أيضا لا تنفذون إلا ~~بسلطان لا تخرجون من سلطاني وقدرتي عليكم وقال قتادة: لا تنفذون إلا بملك ~~وليس لكم ملك وقيل: الباء بمعنى إلى أي إلا إلى سلطان كقوله تعالى وقد ~~أحسن بي أي إلي. # وقيل معناه: لا تنفذوا إلا ومعكم سلطان الله وقيل معناه: لا تتخلصون من ~~عذاب الله ms8238 إلا بسلطان يجيركم وإلا فلا مجير لكم. # قوله تعالى: { إلا بسلطان }. حال أو متعلق بالفعل قبله. # والسلطان: القوة التي يتسلط بها على الأمر والملك والقدرة والحجة كلها ~~سلطان، يريد: حيث ما توجهتم كنتم في ملكي. # قوله تعالى: { يرسل عليكما شواظ من نار }. # قرأ ابن كثير: بكسر الشين والباقون: بضمها، وهما لغتان بمعنى واحد مثل: ~~" صوار " من البقر، و " صوار " وهو القطيع من البقر. # و " الشواظ ": قيل: اللهب معه دخان. # وقال ابن عباس وغيره: هو اللهب الخالص الذي لا دخان له. # وقيل: اللهب الأحمر. # وقيل: هو الدخان الخارج من اللهب. # وقال رؤبة رحمه الله: [الرجز] # 4642-..................... # ونار حرب تسعر الشواظا # وقال حسان رضي الله عنه: [الوافر] # 4643- هجوتك فاختضعت لها بذل # بقافية تأجج كالشواظ # وقال مجاهد: " الشواظ ": اللهب الأخضر المنقطع من النار. # وقال الضحاك: هو الدخان الذي يخرج من دخان اللهب ليس بدخان الحطب. # وقاله سعيد بن جبير. # وقيل: " الشواظ ": النار والدخان جميعا. قاله ابن عمر، وحكاه ~~الأخفش عن بعض العرب. # و " يرسل " مبني للمفعول وهي قراءة العامة، وزيد بن علي " نرسل " ~~بالنون شواظا ونحاسا بالنصب، و " من نار " صفة ل " شواظ " أو متعلق ~~ب " يرسل ". # قوله: " ونحاس ". # قرأ ابن كثير وأبو عمرو: بجره عطفا على " نار ". # والباقون: برفعه عطفا على " شواظ ". # و " النحاس ": قيل: هو الصفر المعروف يذيبه الله - تعالى - ويعذبهم ~~به. # وقيل: الدخان الذي لا لهب معه. # قال الخليل: وهو معروف في كلام العرب. # وأنشد للأعشى: [المتقارب] # 4644- يضيء كضوء السراج السلي # ط لم يجعل الله فيه نحاسا # قال المهدوي: من قال: إن الشواظ النار والدخان جميعا، فالجر في " ~~نحاس " على هذا بين. # فأما الجر على قول من قال: إن الشواظ اللهب الذي لا دخان فيه فبعيد لا ~~يسوغ إلا على تقدير حذف موصوف كأنه قال: " يرسل عليكما شواظ من نار، وشيء ~~من نحاس " ف " شيء " معطوف على شواظ، و " من نحاس " جملة هي صفة لشيء، ~~وحذف " شيء " وحذفت " من " لتقدم ذكرها في " من نار " كما حذفت " على " ~~من قولهم: على من ms8239 تنزل أنزل أي: وعليه، فيكون " نحاس " على هذا مجرورا ~~ب " من " المحذوفة، وتضم نونه وتكسر، وبالكسر قرأ مجاهد، وطلحة والكلبي، ~~ونقله القرطبي عن حميد أيضا، وعكرمة، وأبي العالية. # وقرأ ابن جندب: " ونحس " ، كقوله تعالى: # في يوم نحس # [القمر: 19] وابن أبي بكرة، وابن أبي إسحاق: " ونحس " بضم الحاء ~~والسين مشددة من قوله تعالى: # إذ تحسونهم # [آل عمران: 152] أي: ونقتل بالعذاب، وقرأ ابن أبي إسحاق أيضا: " ونحس ~~" بضم الحاء وفتحها وكسرها وجر السين، والحسن والقاضي: " ونحس " ~~بضمتين وجر السين. # وتقدمت قرأة زيد: " ونحاسا " بالنصب لعطفه على " شواظا " في ~~قراءته. # و " النحاس " أيضا بالكسر: الطبيعة والأصل. # يقال: فلان كريم النحاس و " النحاس " أيضا بالضم، أي: كريم النجار. # قال ابن مسعود: النحاس: المهل وقال الضحاك: هو دردي الزيت المغلي. # وقال الكسائي: هو النار التي لها ريح شديدة. # قوله تعالى: { فلا تنتصران } أي: لا ينصر بعضكم بعضا، يعني الجن ~~والإنس. # وثنى الضمير في " عليكما "؛ لأن المراد النوعان، وجمع في قوله: " ~~إن استطعتم "؛ لأنه خطاب للمعشر، وكذا قوله تعالى: { فلا ~~تنتصران } خطاب للحاضرين، وهم نوعان. # قوله تعالى: { فإذا انشقت السمآء } جوابه مقدر، أي: رأيت ~~هولا عظيما، أو كان ما كان. # وقوله: " فكانت وردة " أي: مثل وردة. # فقيل: هي الزهرة المعروفة التي تشم شبهها بها في الحمرة. # وأنشد قول الشاعر: [الطويل] # 4645- فلو كنت وردا لونه لعشقتني # ولكن ربي شانني بسواديا # وقيل: هي من لون الفرس الورد يكون في الربيع إلى الصفرة، وفي الشتاء ~~إلى الحمرة، وفي شدة البرد إلى الغبرة، فشبه تلون السماء بتلون الوردة ~~من الخيل. # وقرأ عمرو بن عبيد: " وردة " بالرفع. # قال الزمخشري: فحصلت سماء وردة، وهو من الكلام الذي يسمى التجريد؛ ~~كقوله: [الكامل] # 4646- فلئن بقيت لأرحلن بغزوة # تحوي الغنائم أو يموت كريم # قوله: " كالدهان " يجوز أن يكون خبرا ثانيا، وأن يكون نعتا ل " ~~وردة " ، وأن يكون حالا من اسم " كانت ". # وفي " الدهان " قولان: # أنه جمع " دهن " نحو: قرط وقراط، ورمح ورماح، وهو في معنى ~~قوله تعالى: # تكون السمآء كالمهل # [المعارج: 8] وهو: دردي الزيت. # والثاني: ms8240 أنه اسم مفرد. # فقال الزمخشري: " اسم ما يدهن به كالحزام والإدام "؛ وأنشد: [الطويل] # 4647- كأنهما مزادتا متعجل # فريان لما تدهنا بدهان # وقال غيره: هو الأديم الأحمر؛ وأنشد للأعشى: [الوافر] # 4648- وأجرد من كرام النخل طرف # كأن على شواكله دهانا # أي: أديما أحمر، وهذا يحتمل أن يكون جمعا، ويؤيده ما أنشده منذر بن ~~سعيد: [الطويل] # 4649- تبعن الدهان الحمر كل عشية # بموسم بدر أو بسوق عكاظ # فقوله: " الحمر " يحتمل أن يكون جمعا، وقد يقال: هو كقولهم: أهلك الناس ~~الدينار الحمر والدرهم البيض، إلا أنه خلاف الأصل. # وقيل: شبهت بالدهان وهو الزيت لذوبها ودورانها. # وقيل: لبريقها. # فصل في معنى الآية # قال المفسرون: قوله تعالى: { فإذا انشقت السمآء } انصدعت يوم ~~القيامة، { فكانت وردة كالدهان }. # قال مجاهد والضحاك، وغيرهما: " الدهان ": الدهن، والمعنى: صارت في صفاء ~~الدهن، والدهان على هذا جمع دهن. # وقال سعيد بن جبير وقتادة: المعنى تصير في حمرة الورد، وجريان الدهن، ~~أي: تذوب مع جريان الدهن حتى تصير حمراء من حرارة نار جهنم، وتصير مثل ~~الدهن لرقتها وذوبانها. # وقيل: الدهان: الجلد الأحمر الصرف. ذكره أبو عبيدة والفراء. أي: تصير ~~السماء كالأديم لشدة حر نار جهنم. # وعن ابن عباس: المعنى: فكانت كالفرس الورد في الربيع كميت أصفر، وفي ~~الشتاء كميت أحمر، فإذا اشتد الشتاء كان كميتا أغبر. # وقال الفراء: أراد الفرس الوردة، تكون في الربيع وردة إلى الصفرة، ~~فإذا اشتد البرد كانت وردة؛ فإذا كان بعد ذلك كانت وردة إلى الغبرة، ~~فشبه تلون السماء بتلون الورد من الخيل. # وقال الحسن: " كالدهان " أي: كصب الدهن، فإنك إذا صببته ترى فيه ~~ألوانا. # وقال زيد بن أسلم: المعنى: أنها تصير كعكر الزيت. # وقيل: المعنى أنها تمر وتجيء. # قال الزجاج: أصل الواو والراء والدال للمجيء والإتيان. # وهذا قريب مما تقدم من أن الفرس الوردة تتغير ألوانها، والورد أيضا: ~~يطلق على الأسد. # وقال قتادة: إنها اليوم خضراء، وسيكون لها لون أحمر. حكاه الثعلبي. # قال المارودي: وزعم المتقدمون أن أصل لون السماء الحمرة، وأنها لكثرة ~~الحوائل وبعد المسافة يرى لونها أزرق، وشبهوا ms8241 ذلك بعروق البدن، وهي حمراء ~~حمرة الدم، وترى بالحائل زرقاء، فإن كان هذا صحيحا، فإن السماء لقربها ~~من النواظر يوم القيامة، وارتفاع الحواجز ترى حمراء؛ لأنها أصل لونها. ~~والله أعلم. # قوله تعالى: { فيومئذ } التنوين عوض من الجملة، أي: فيومئذ ~~انشقت السماء، والفاء في " فيومئذ " جواب الشرط. # وقيل: هو محذوف، أي: فإذا انشقت السماء رأيت أمرا مهولا ونحو ذلك. # والهاء في " ذنبه " تعود على أحد المذكورين، وضمير الآخر مقدر، أي: ولا ~~يسأل عن ذنبه جان أيضا؛ وناصب الظرف " لا يسأل " و " لا " غير مانعة. # وقد تقدم الخلاف فيها في الفاتحة وتقدمت قراءة " جأن " بالهمزة فيها ~~أيضا. # فصل في الكلام على هذه الآية # قال المفسرون: هذه الآية مثل قوله تعالى: # ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون # [القصص: 78]. # وأن القيامة مواطن لطول ذلك اليوم، فيسأل في بعض، ولا يسأل في بعض. وهذا ~~قول عكرمة. # وقيل: المعنى لا يسألون إذا استقروا في النار. وقال الحسن وقتادة: ~~لا يسألون عن ذنوبهم؛ لأن الله - تعالى - حفظها عليهم، وكتبتها الملائكة. ~~رواه العوفي عن ابن عباس. # وعن الحسن ومجاهد أيضا: لا تسأل الملائكة عنهم؛ لأنهم يعرفونهم ~~بسيماهم. # دليله قوله تعالى: { يعرف المجرمون بسيماهم } ، رواه ~~مجاهد عنه أيضا في قوله تعالى: # فوربك لنسألنهم أجمعين # [الحجر: 92]، وهو قوله تعالى: { فيومئذ لا يسأل عن ذنبه ~~إنس ولا جآن }. # قال: لا يسألهم ليعرف ذلك منهم، ولكنهم يسألهم لم عملتموها؟ سؤال توبيخ. # وقال أبو العالية: لا يسأل غير المجرم عن ذنب المجرم. # وقال قتادة: يسألون قبل الختم على أفواههم، ثم يختم على أفواههم، وتتكلم ~~جوارحهم شاهدة عليهم. # قوله تعالى: { يعرف المجرمون بسيماهم }. # قرأ حماد بن أبي سليمان: " بسيمائهم " بالمد. # قوله تعالى: { فيؤخذ بالنواصي } الآية. # " يؤخذ " متعد، ومع ذلك تعدى بالباء؛ لأنه ضمن معنى " يسحب ". قاله ~~أبو حيان. # و " يسحب " إنما يتعدى ب " على " ، قال تعالى: # يسحبون في النار على وجوههم # [القمر: 48] فكان ينبغي أن يقول: ضمن معنى يتعدى " يدعون أو يدفعون ". # وقال مكي: " إنما يقال: أخذت الناصية، وأخذت بالناصية، ولو قلت: أخذت ~~الدابة بالناصية، ms8242 لم يجز. # وحكي عن العرب: أخذت الخطام، وأخذت بالخطام. # بمعنى. # وقد قيل: إن تقديره: فيؤخذ كل واحد بالنواصي، وليس بصواب؛ لأنه لا ~~يتعدى إلى مفعولين أحدهما: بالباء، لما ذكرنا، وقد يجوز أن يتعدى إلى ~~مفعولين: أحدهما بحرف جر غير الباء، نحو: أخذت ثوبا من زيد، فهذا المعنى ~~غير الأول، فلا يحسن مع الباء مفعول آخر إلا أن تجعلها بمعنى " من أجل ~~" ، فيجوز أن تقول: " أخذت زيدا ثوبا بعمرو " أي: من أجله وبذنبه ". ~~انتهى. # وفيما قاله نظر، لأنك تقول: " أخذت الثوب بدرهم " فقد تعدى بغير " من " ~~أيضا بغير المعنى الذي ذكره. # وقال ابن الخطيب: فإن قيل: كيف عدي الأخذ بالباء وهو متعد بنفسه قال ~~تعالى: # لا يؤخذ منكم فدية # [الحديد: 15] وقال: # خذها ولا تخف # [طه: 21]؟. # فالجواب أن الأخذ تعدى بنفسه كما تقدم، وبالباء كقوله تعالى: # لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي # [طه: 94] لكن التدقيق فيه أن المأخوذ إن كان مقصودا فكأنه ليس هو ~~المأخوذ، فكأن الفعل لم يتعد إليه بنفسه، فيذكر الخوف ويدل على هذا ~~استعمال القرآن، فقال تعالى: # خذها ولا تخف # [طه: 21]، وقال تعالى # وليأخذوا أسلحتهم # [النساء: 102] وأخذ الألواح إلى غير ذلك مما هو المقصود بالأخذ غيره، ~~وأسند الأخذ إلى النواصي دون ضمير المجرمين إشارة إلى استيلاء الآخذين ~~على المأخوذين وكثرتهم وكيفية الأخذ. # و " أل " في " النواصي والأقدام " ليست عوضا من ضمير عند البصريين، ~~فالتقدير: بالنواصي منهم، وهي عند الكوفيين عوض. # والناصية: مقدم الرأس، وقد تقدم هذا مستوفى في " هود " وفي حديث عائشة ~~رضي الله عنها: " ما لكم لا تنصون ميتكم " أي: لا تمدون ~~ناصيته. # و " النصي ": مرعى طيب، فقولهم: فلان ناصية القوم، يحتمل أن يكون من ~~هذا، يعنون أنه طيب منتفع، أو مثل قولهم: هو رأس القوم انتهى. # فصل في سيما المجرمين # قال الحسن: { يعرف المجرمون بسيماهم } أي بسواد الأوجه، ~~وزرقة الأعين قال تعالى: # ونحشر المجرمين يومئذ زرقا # [طه: 102]. # وقال تعالى: # يوم تبيض وجوه وتسود وجوه # [آل عمران: 106]. # فقوله: { فيؤخذ بالنواصي والأقدام } أي: يأخذ الملائكة ~~بنواصيهم، أي: بشعور مقدم رءوسهم ms8243 وأقدامهم فيقذفونهم في النار. # و " النواصي ": جمع ناصية. # وقال الضحاك: يجمع بين ناصيته وقدمه في سلسلة من وراء ظهره حتى يندق ~~ظهره، ثم يلقى في النار. # وقيل: يفعل به ذلك ليكون أشد لعذابه، وأكثر لتشويهه. # وقيل: تسحبهم الملائكة إلى النار، تارة تأخذ بناصيته، وتجره على ~~وجهه، وتارة تأخذ بقدميه وتسحبه على وجهه. # فإن قيل: ما وجه إفراد " يؤخذ " مع أن المجرمين جمع، وهم المأخوذون؟. # فالجواب من وجهين: الأول: أن قوله: " يؤخذ " متعلق " بالنواصي " ، ~~كقولك: ذهب يزيد. # والثاني: أن يتعلق بما يدل عليه " يؤخذ " ، فكأنه قال: يؤخذ المأخوذون ~~بالنواصي. # قوله تعالى: { هذه جهنم التي يكذب بها ~~المجرمون } أي يقال لهم: هذه جهنم. # قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يقال: معناه هذه صفة جهنم، فأقيم المضاف إليه ~~مقام المضاف، وقد يكون المشار إليه هو ما تقدم. # قال: والأقوى أن يقال: الكلام تم عند قوله تعالى: { بالنواصي ~~والأقدام } ، وقوله تعالى: { هذه جهنم } لقربها، كما ~~يقال: هذا زيد قد وصل إذا قرب مكانه، فكأنه قال: جهنم التي يكذب بها ~~المجرمون هذه قريبة غير بعيدة عنهم، ويؤيده قوله: " يكذب "؛ لأن ~~الكلام لو كان بإضمار يقال، لقال تعالى لهم: (هذه جهنم التي كذب بها ~~المجرمون)؛ لأن في ذلك اليوم لا يبقى تكذيب. # قوله تعالى: " يطوفون ". # قراءة العامة: " يطوفون " من " طاف " ، وعلي بن أبي طالب - رضي الله ~~عنه - وأبو عبد الرحمن: " يطافون " مبنيا للمفعول، من أطافهم ~~غيرهم. # والأعمش وطلحة وابن مقسم: " يطوفون " بضم الياء وفتح الطاء وكسر ~~الواو مشددة، أي يطوفون أنفسهم. # وقرأت فرقة: " يطوفون " بتشديد الطاء والواو، والأصل: " ~~يتطوفون ". # قوله تعالى: { حميم آن } أي: حار متناه في الحرارة، وهو منقوص ك ~~" قاض " يقال: " أتى يأتي فهو آت " ك " قضى يقضي فهو قاض ". ~~وقد تقدم في " الأحزاب ". # قال قتادة: يطوفون مرة بين الحميم، ومرة بين الحميم والجحيم. # و " الحميم ": الشراب. وفي قوله تعالى: " آن " ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه الذي انتهى حره وحميمه. قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، ~~والسدي، ومنه قول النابغة الذبياني: [الوافر] # 4650- وتخضب لحية غدرت وخانت ms8244 # بأحمر من نجيع الجوف آن # وقال قتادة: " آن " طبخ منذ خلق الله السموات والأرض، يقول: إذا ~~استغاثوا من النار جعل غياثهم ذلك. # وعن كعب: أنه الحاضر، وعنه أيضا: " آن " اسم واد من أودية جهنم. # وقال مجاهد: إنه الذي قد آن شربه، وبلغ غايته. # ثم قال: { فبأي آلاء ربكما تكذبان }. # فإن قيل: هذه الأمور ليست نعمة، فكيف قال: بأي آلاء؟. # فالجواب من وجهين. # أحدهما: أن ما وصف من هول القيامة، وعقاب المجرمين فيه زجر عن ~~المعاصي، وترغيب في الطاعات وهذا من أعظم النعم. # " روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى على شاب في الليل يقرأ: { ~~فإذا انشقت السمآء فكانت وردة كالدهان } فوقف ~~الشاب، وخنقته العبرة، وجعل يقول: ويحي من يوم تنشق فيه السماء ~~ويحي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ويحك يا فتى، يأتيني مثلها، ~~فوالذي نفسي بيده لقد بكت ملائكة السماء من بكائك " ". # الثاني: أن المعنى كذبتم بالنعم المتقدمة ما استحقيتم هذه العقوبات، وهي ~~دالة على الإيمان بالغيب، وهو من أعظم النعم. ### || [55.46-61] # قوله تعالى: { ولمن خاف مقام ربه جنتان }. # يجوز أن يكون " مقام " مصدرا، وأن يكون مكانا. # فإن كان مصدرا، فيحتمل أن يكون مضافا لفاعله، أي: قيام ربه عليه، ~~وحفظه لأعماله من قوله تعالى: # أفمن هو قآئم على كل نفس بما كسبت # [الرعد: 33]. ويروى عن مجاهد، قال مجاهد وإبراهيم النخعي: هو الرجل ~~يهم بالمعصية، فيذكر الله فيدعها من خوفه. # وأن يكون مضافا لمفعوله، والمعنى: القيام بحقوق الله فلا يضيعها. # وإن كان مكانا، فالإضافة بأدنى ملابسة لما كان الناس يقومون بين يدي ~~الله للحساب في عرصات القيامة. # قيل: فيه مقام الله، والمعنى: خاف مقامه بين يدي ربه للحساب، فنزلت ~~المعصية، ف " مقام ": مصدر بمعنى القيام. # فصل فيمن علق طلاق زوجته على دخوله الجنة # قال القرطبي: هذه الآية دليل على أن من قال لزوجته: إن لم أكن من أهل ~~الجنة فأنت طالق، أنه لا يحنث إن كان هم بالمعصية وتركها خوفا من الله ~~وحياء منه. وقاله سفيان الثوري وأفتى به. ms8245 # فصل في المراد بالجنتين # الظاهر أن الجنتين لخائف واحد. # قال محمد بن علي الترمذي: جنة لخوفه من ربه، وجنة لتركه شهوته. # قال ابن عباس: من خاف مقام ربه بعد أداء الفرائض. # قال القرطبي: ويجوز أن يكون المقام للعبد، ثم يضاف إلى الله، وهو كالأجل ~~في قوله تعالى: # فإذا جآء أجلهم # [الأعراف: 34] وقوله في موضع آخر: # إن أجل الله إذا جآء لا يؤخر # [نوح: 4]. # وقوله تعالى: { ولمن خاف } أي: كل خائف له جنتان على حدة. # وقيل: جنتان لجميع الخائفين. والأول أظهر. # وقيل: جنة لخائف الإنس، وأخرى لخائف الجن، فيكون من باب التوزيع. وقيل: ~~" مقام " هنا مقحم، والتقدير: " ولمن خاف ربه "؛ وأنشد: [الوافر] # 4651-............... ونفيت عنه # مقام الذئب كالرجل اللعين # أي: نفيت الذئب وليس بجيد، لأن زيادة الاسم ليست بالسهلة. # وقيل: المراد ب " الجنتين ": جنة للجزاء، وأخرى زيادة على الجزاء. # وقيل: إن الجنتين: جنته التي خلقت له، وجنة ورثها. # وقيل: إحدى الجنتين منزله، والأخرى منزل أزواجه كما يفعله رؤساء الدنيا. # وقيل: إحدى الجنتين مسكنه، والأخرى بستانه. # وقيل: إن إحدى الجنتين أسافل القصور، والأخرى أعاليها. # وقال مقاتل: هما جنة عدن وجنة النعيم. # وقال الفراء: إنها جنة واحدة، وإنما ثنى مراعاة لرءوس الآي. # وقيل: جنة واحدة، وإنما ثنى تأكيدا كقوله تعالى: # ألقيا في جهنم # [ق: 24]. # وأنكر القتبي هذا، وقال: لا يجوز أن يقال: خزنة النار عشرون، وإنما # تسعة عشر # [المدثر: 30] مراعاة لرءوس الآي. # وأيضا قال: { ذواتآ أفنان }. # وقال عطاء وابن شوذب: نزلت هذه الآية في أبي بكر - رضي الله عنه - حين ~~ذكر ذات يوم الجنة حين أزلفت، والنار حين برزت. # وقال الضحاك: بل شرب ذات يوم لبنا على ظمأ، فأعجبه فسأل عنه، فأخبر أنه ~~من غير حل فاستقاءه ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه، فقال: " ~~رحمك الله لقد أنزلت فيك آية " ، وتلا عليه هذه الآية. # قوله تعالى: " ذواتا ". صفة ل " جنتان " ، أو خبر مبتدأ محذوف، ~~أي: " هما ذواتا ". # وفي تثنية " ذات " لغتان: # الرد إلى الأصل، فإن أصلها " ذوية " ، فالعين واو، واللام ياء؛ لأنها ms8246 ~~مؤنثة " ذو ". # الثانية: التثنية على اللفظ. فيقال: " ذواتا ". # و " الأفنان ": فيه وجهان. # أحدهما: أنه جمع " فنن " ك " طلل " ، وهو الغصن. # قال النابغة الذبياني: [الوافر] # 4652- بكاء حمامة تدعو هديلا # مفجعة على فنن تغني # وقال آخر: [الرمل] # 4653- رب ورقاء هتوف بالضحى # ذات شجو صدحت في فنن # وقال آخر: [الطويل] # 4654-.................. # على كل أفنان العضاه تروق # و " الفنن ": جمعه أفنان ثم الأفانين. # قال الشاعر يصف رحى: [الرجز] # 4655- لها زمام من أفانين الشجر # وشجرة فناء: أي ذات أفنان، وفنواء أيضا على غير قياس. # وفي الحديث: # " أن أهل الجنة مرد مكحلون أولو أفانين ". # وهو جمع أفنان، وأفنان: جمع " فنن " من الشعر، شبه بالغصن. ذكره ~~الهروي. # وقيل: " ذواتا أفنان " أي: ذواتا سعة وفضل على ما سواهما. قاله قتادة. # وعن مجاهد أيضا وعكرمة: أن الأفنان ظل الأغصان على الحيطان. # وقال مجاهد: الفنن: هو الغصن المستقيم طولا. # الوجه الثاني: أنه جمع " فن " ك " دن " ، وإليه أشار ابن عباس. # والمعنى: ذواتا أنواع وأشكال؛ وأنشدوا: [الطويل] # 4656- ومن كل أفنان اللذاذة والصبا # لهوت به والعيش أخضر ناضر # قال سعيد بن جبير والضحاك: ألوان من الفاكهة، واحدها: " فن " ، من ~~قولهم: " افتن فلان في حديثه " إذا أخذ في فنون منه وضروب، إلا أن ~~الكثير في " فن " أن يجمع على " فنون " ، وجمع عطاء بين القولين فقال: ~~في كل غصن فنون من الفاكهة. # قوله تعالى: { فيهما عينان تجريان } أي: في كل واحدة منهما ~~عين جارية، كما قال تعالى: # فيها عين جارية # [الغاشية: 12] تجريان ماء بالزيادة، والكرامة من الله - تعالى - على أهل ~~الجنة. # وعن ابن عباس أيضا والحسن: تجريان بالماء الزلال، إحدى العينين: ~~التسنيم؛ والأخرى السلسبيل. # وقال ابن عطية: إحداهما من ماء غير آسن، والأخرى من خمر لذة ~~للشاربين. # وقيل: تجريان من جبل من مسك. # وقال أبو بكر الوراق: فيهما عينان تجريان، لمن كانت عيناه في الدنيا ~~تجريان من مخافة الله عز وجل. # قوله تعالى: { فيهما من كل فاكهة زوجان } ، أي: صنفان ~~ونوعان. # قيل: معناه: أن فيهما من كل ما يتفكه به ضربين رطبا ويابسا. # وقال ابن ms8247 عباس: ما في الدنيا ثمرة حلوة ولا مرة إلا وهي في الجنة حتى ~~الحنظل إلا أنه حلو. # فإن قيل: قوله تعالى: { ذواتآ أفنان } ، و { فيهما عينان ~~تجريان } ، و { فيهما من كل فاكهة زوجان }. أوصاف ~~للجنتين المذكورتين، فهو كالكلام الواحد، تقديره: " جنتان ذواتا أفنان، ~~وفيهما عينان تجريان، وفيهما من كل فاكهة زوجان " فما الفائدة في فصل ~~بعضها عن بعض بقوله: { فبأي آلاء ربكما تكذبان }؟ مع ~~أنه لم يفصل حين ذكر العذاب بين الصفات، بل قال: # يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران # [الرحمن: 35] مع أن إرسال النحاس غير إرسال الشواظ. وقوله: " ~~يطوفون " كلام آخر؟. # فالجواب: أنه جمع العذاب جملة، وفصل آيات الثواب ترجيحا لجانب الرحمة ~~على جانب العذاب، وتطييبا للقلب، وتهييجا للسامع؛ فإن إعادة ذكر ~~المحبوب محبوب، وتطويل الكلام في اللذات مستحسن. # فإن قيل: ما وجه توسيط آية العينين بين ذكر الأفنان، وآية الفاكهة ~~والفاكهة إنما تكون على الأغصان، فالمناسبة ألا يفصل بين آية الأغصان ~~والفاكهة؟. # فالجواب: أنه على عادة المتنعمين إذا خرجوا يتفرجون في البستان، فأول ~~قصدهم الفرجة بالخضرة والماء، ثم يكون الأكل تبعا. # قوله: " متكئين " يجوز أن يكون حالا من " من " في قوله { ولمن ~~خاف مقام ربه جنتان } وإنما جمع حملا على معنى " من " ~~بعد الإفراد حملا على لفظها. # وقيل: حال عاملها محذوف، أي: يتنعمون متكئين. # وقيل: منصوب على الاختصاص. # والعامة على: " فرش " بضمتين، وأبو حيوة: بضمة وسكون، وهي تخفيف منها. # قوله تعالى: { بطآئنها من إستبرق } هذه الجملة يجوز أن ~~تكون مستأنفة والظاهر أنها صفة ل " فرش ". وتقدم الكلام في " الاستبرق ~~" في سورة الكهف. # وقال أبو البقاء: أصل الكلمة فعل على " استفعل " ، فلما سمي به ~~قطعت همزته. # وقيل: هو أعجمي، وقرىء بحذف الهمزة، وكسر النون، وهو سهو؛ لأن ذلك لا ~~يكون في الأسماء، بل في المصادر والأفعال. انتهى. أما قوله: وهو سهو؛ لأن ~~ذلك لا يكون إلا في الأسماء... الخ. # يعني أن حذف الهمزة في الدرج لا يكون إلا في الأفعال والمصادر. # وأما الأسماء فلا تحذف همزاتها؛ لأنها ms8248 همزات قطع. # قال شهاب الدين: " وهذا الكلام أحق بأن يكون سهوا؛ لأنا أولا لا نسلم ~~أن هذه القراءة من حذف همزة القطع إجراء لها مجرى همزة الوصل، وإنما ذلك ~~من باب نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها، وحركة الهمزة كانت كسرة، فحركة ~~النون حركة نقل لا حركة التقاء الساكنين ". # ثم قوله: " إلا في الأفعال والمصادر " ليس هذا الحصر بصحيح اتفاقا ~~لوجود ذلك في أسماء عشرة ليست بمصادر تقدم ذكرها في أول الكتاب. # قال ابن الخطيب: قوله: " على فرش " متعلق بما في " متكئين " ، ~~كأنه يقول: يتكئون على فرش، كما يقال: فلان اتكأ على عصاه، أو على ~~فخذيه، وهذا لأن الفراش لا يتكأ عليه، وإن كان متعلقا بغيره فما هو؟. # فنقول: تقديره: يتفكه الكائنون على فرش متكئين، من غير بيان ما يتكئون ~~عليه. # فصل في تحرير معنى الاستبرق # " الإستبرق ": ما غلظ من الديباج. # قال ابن مسعود، وأبو هريرة: إذا كانت البطانة التي تلي الأرض هكذا فما ~~ظنك بالظهارة؟. # وقيل لسعيد بن جبير: البطائن من إستبرق فما الظواهر؟. # قال: هذا مما قال الله: # فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين # [السجدة: 17]. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إنما وصف لكم بطائنها لتهتدي إليه ~~قلوبكم، فأما الظواهر فلا يعلمها إلا الله. # قال القرطبي: وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ظواهرها نور يتلألأ " # وعن الحسن: البطائن هي الظواهر، وهو قول الفراء. # روي عن قتادة: والعرب تقول للبطن: ظهرا، فيقولون: هذا بطن السماء، وظهر ~~الأرض. # وقال الفراء: قد تكون البطانة: الظهارة، والظهارة: البطانة؛ لأن كل ~~واحد منهما يكون وجها، والعرب تقول: هذا ظهر السماء، وهذا بطن السماء ~~لظاهرها الذي تراه. # وأنكر ابن قتيبة وغيره هذا، وقالوا: لا يكون هذا إلا في الوجهين ~~المتساويين إذا ولي كل واحد منهما قوما كالحائط بينك وبين قوم، وعلى ذلك ~~أمر السماء. # وقال ابن عباس: وصف البطائن وترك الظواهر؛ لأنه ليس في الأرض أحد يعرف ~~ما الظواهر. # فصل في أن الإستبرق معرب # قال ابن الخطيب: ms8249 الإستبرق معرب، وهو الديباج الثخين، وكما أن ~~الديباج معرب بسبب أن العرب لم يكن عندهم ذلك إلا من العجم تصرفوا فيه، ~~وهو أن أصله بالفارسية " ستبرك " بمعنى: ثخين، فزادوا في أوله همزة، ~~وبدلوا الكاف قافا، أما الهمزة فلأن حركات أوائل الكلم في لسان العجم ~~غير مبنية في كثير من المواضع، فصارت كالسكون، فأثبتوا فيه همزة كما ~~يجلبون همزة الوصل عند سكون أول الكلمة، ثم إن البعض جعلوها همزة وصل، ~~وقالوا: " من استبرق ". والأكثرون جعلوها همزة قطع؛ لأن أول الكلمة ~~في الأصل متحرك، لكن بحركة فاسدة، فأتوا بهمزة تسقط عنهم الحركة الفاسدة، ~~وتمكنهم من تسكين الأول؛ لأن عند تساوي الحركة العود إلى السكون أقرب، ~~وأواخر الكلمات عند الوقف تسكن، ولا تبدل حركة بحركة. # وأما القاف فلأنهم أرادوا إظهار كونها فارسية أو أعجمية، فأسقطوا منها ~~الكاف التي هي حرف تشبيه، وعلى لسان العرب في أواخر الكلم للخطاب لو تركت ~~الكاف لاشتبه " ستبرك " ب " مسجدك " ، إذا لحقت كاف الخطاب بهما، فلو ~~تركت الكاف قافا أولا، ثم ألحقت الهمزة بأولها، وهذا ومثله لا يخرج ~~القرآن عن كونه عربيا؛ لأن العربي ما نطقت به العرب وضعا واستعمالا ~~من لغة غيرها، وذلك كله سهل عليهم، وبه يحصل الإعجاز، بخلاف ما لم ~~يستعملوه من كلام العجم لصعوبته عليهم، وذكر الاتكاء؛ لأنه حال الصحيح ~~الفارغ القلب المتنعم، بخلاف المريض والمهموم. # قوله تعالى: { وجنى الجنتين دان } مبتدأ وخبر، وأصله: " دان ~~" مثل " غاز " فأعل كإعلاله. # وقرأ عيسى بن عمر: " وجني " بكسر النون. # وتوجيهها: أن يكون أمال الفتحة لأجل الألف، ثم حذف لالتقاء الساكنين، ~~وأبقى إمالة النون نحو الكسرة وقرىء: " وجنى " بكسر الجيم، وهي لغة. # والجنى: ما يقطف من الثمار، وهو " فعل " بمعنى " مفعول " كالقبض ~~والقنص. # فصل في المراد بالجنى # قال القرطبي: " الجنى ": ما يجتنى من الشجر، تقول: أتانا الشجر بجناة ~~طيبة لكل ما يجتنى، وثمرة جني على " فعيل " حين جني. # قوله: " دان " أي: قريب. # قال ابن عباس: تدنو الشجرة حين يجتنيها ولي الله إن شاء قائما، وإن ~~شاء قاعدا، وإن ms8250 شاء مضطجعا. # وقال قتادة: لا يرد يده بعد، ولا شوك. # قال ابن الخطيب: جنة الآخرة مخالفة لجنة الدنيا من ثلاثة أوجه: # أحدها: أن الثمرة على رءوس الشجر في الدنيا بعيدة على الإنسان المتكىء، ~~وفي الجنة هو متكىء، والثمرة تتدلى إليه. # ثانيها: أن الإنسان في الدنيا يسعى إلى الثمرة، ويتحرك إليها، وفي ~~الآخرة هي تدنو إليهم، وتدور عليهم. # وثالثها: أن الإنسان في الدنيا إذا قرب من ثمر شجرة بعد عن غيرها، ~~وثمار الجنة كلها تدنو إليهم في وقت واحد، ومكان واحد. # قوله تعالى: { فيهن قاصرات الطرف }. # اختلف في هذا الضمير. # فقيل: يعود على الجنات. # فإن قيل: كيف تقدم تثنيته في قوله: { فيهما عينان } ، و { ~~فيهما من كل فاكهة } ثم أتى بضمير جمع؟. # فالجواب: أن أقل الجمع اثنان على قول، وله شواهد تقدم أكثرها، أو يقال: ~~عائد إلى الجنات المدلول عليها بالجنتين. # أو يقول: كل فرد فرد له جنتان فصح أنها جنان كثيرة، وإما أن الجنة تشتمل ~~على مجالس وقصور ومنازل، فأطلق على كل واحد منها جنة. # وقيل: يعود على الفرش. # قال الزمخشري: " فيهن " أي: في هذه الآلاء المعدودة من الجنتين ~~والعينين، والفاكهة والفرش والجنى. # قال أبو حيان: " وفيه بعد " وكأنه قد استحسن الوجه الأول وفيه نظر؛ ~~لأن الاستعمال أن يقال: على الفراش كذا، ولا يقال: في الفراش كذا إلا ~~بتكلف. # فلذلك جمع الزمخشري مع الفرش غيرها حتى صح له أن يقول: " فيهن " بحرف ~~الظرفية؛ ولأن الحقيقة أن يكون الإنسان على الفرش لأنه مستعمل عليها. # وأما كونها فيها فلا يقال إلا مجازا. # وقال الفراء: كل موضع في الجنة، فلذلك صح أن يقال: " فيهن ". # والقاصرات: الحابسات الطرف: أي يحبسن أعينهن عن غير أزواجهن. # ومعناه: قصرن ألحاظهن على أزواجهن. # قال امرؤ القيس: [الطويل] # 4657- من القاصرات الطرف لو دب محول # من الذر فوق الإتب منها لأثرا # و " قاصرات الطرف " من إضافة اسم الفاعل لمنصوبه تخفيفا، إذ يقال: قصر ~~طرفه على كذا، وحذف متعلق القصر للعلم به، أي: على أزواجهن. # وقيل: معناه: قاصرات طرف غيرهن عليهن ms8251 إذا رآهن أحد لم يتجاوز طرفه إلى ~~غيرهن. # ووحد الطرف مع الإضافة إلى الجمع؛ لأنه في معنى المصدر، من طرفت عيناه ~~تطرف طرفا، يقال: ما فيها عين تطرف، ثم سميت العين بذلك، فأدى عن الواحد ~~والجمع، كقولهم: " قوم عدل، وصوم ". قاله القرطبي. # واعلم أن هذا الترتيب في غاية الحسن؛ لأنه بين أولا المسكن وهو ~~الجنة، ثم بين ما يتنزه به وهو البستان، والأعين الجارية، ثم ذكر ~~المأكول، فقال: { فيهما من كل فاكهة زوجان } ، ثم ذكر ~~موضع الراحة بعد الأكل وهو الفرش، ثم ذكر ما يكون في الفراش معه. # قال ابن الخطيب: وقوله: { قاصرات الطرف }. # أي: نساء أو أزواج، فحذف الموصوف لنكتة وهو أنه - تعالى - لم يذكرهن ~~باسم الجنس، وهو النساء بل بالصفات، فقال: # وحور عين # [الواقعة: 22]، # وكواعب أترابا # [النبأ: 33] { قاصرات الطرف } ، # حور مقصورات # [الرحمن: 72] ولم يقل: نساء عربا، ولا نساء قاصرات، لوجهين: # إما على عادة العظماء كبنات الملوك إنما يذكر بأوصافهن، وإما لأنهن لما ~~كملن كأنهن خرجن من جنسهن. # وقوله تعالى: { قاصرات الطرف } يدل على عفتهن، وعلى حسن ~~المؤمنين في أعينهن، فيحببن أزواجهن حبا يشغلهن عن النظر إلى ~~غيرهم، ويدل أيضا على الحياء؛ لأن الطرف حركة الجفن، والحيية لا تحرك ~~جفنها، ولا ترفع رأسها. # قوله تعالى: { لم يطمثهن }. # هذه الجملة يجوز أن تكون نعتا ل " قاصرات " ، لأن إضافتها لفظية، ~~كقوله تعالى: # هذا عارض ممطرنا # [الأحقاف: 24]. # وقوله: [البسيط] # 4658- يا رب غابطنا لو كان يطلبكم # ................... # وأن يكون حالا لتخصيص النكرة بالإضافة. # واختلف في هذ الحرف والذي بعده عن الكسائي، فنقل عنه أنه يجيء في ضم ~~أيهما شاء. # ونقل عنه الدوري ضم الأول فقط. # ونقل عنه أبو الحارث: ضم الثاني فقط، وهما لغتان. # يقال: طمثها يطمثها ويطمثها إذا جامعها، لما روى أبو إسحاق ~~السبيعي قال: كنت أصلي خلف أصحاب علي فأسمعهم يقولون: " لم أطمثهن ~~" بالرفع، وكنت أصلي خلف أصحاب عبد الله فأسمعهم يقولون: بكسر الميم، ~~وكان الكسائي يضم إحداهما، ويكسر الأخرى لئلا يخرج عن هذين الأثرين. # وأصل " الطمث ": الجماع المؤدي إلى خروج دم ms8252 البكر، ثم أطلق على كل ~~جماع طمث، وإن لم يكن معه دم. # وقيل: " الطمث ": دم الحيض ودم الجماع، فيكون أصله من الدم. # ومنه قيل للحائض: طامث، كأنه قيل: لم يدمهن بالجماع إنس قبلهم ولا جان. # وقيل الطمث: المس الخالص. # وقال الجحدري، وطلحة بن مصرف: " يطمثهن " بفتح الميم في الحرفين، وهو ~~شاذ، إذ ليس عينه ولا لامه حرف حلق. # والضمير في " قبلهم " عائد على الأزواج الدال عليهم قوله: { قاصرات ~~الطرف } ، أو الدال عليه " متكئين ". # فصل في تحرير معنى الطمث # قال القرطبي: " لم يطمثهن " أي: لم يصبهن بالجماع قبل أزواجهن أحد. # قال الفراء: والطمث: الافتضاض والنكاح بالتدمية، طمثها يطمثها ~~طمثا إذا افتضها. # ومنه قيل: امرأة طامث أي: حائض. # وغير الفراء يخالفه في هذا ويقول: طمثها بمعنى وطىء على أي الوجوه كان، ~~إلا أن الفراء أعرف وأشهر. # قال الفرزدق: [الوافر] # 4659- وقعن إلي لم يطمثن قبلي # وهن أصح من بيض النعام # وقال أبو عمرو: الطمث والمس، وذلك في كل شيء يمس، ويقال للمرتع: ما ~~طمث ذلك المرتع قبله أحد، وما طمث هذه الناقة حبل أي ما مسها عقال وقال ~~المبرد: لم يذللهن إنس ولا جان، والطمث: التذليل. # وقرأ الحسن: " جأن " بالهمزة. # فصل في أن الجن يجامعون ويدخلون الجنة كالإنس # دلت هذه الآية على أن الجن تغشى كالإنس، وتدخل الجنة، ويكون لهم فيها ~~جنيات. # قال ضمرة: للمؤمنين منهم أزواج من الحور، فالإنسيات للإنس، ~~والجنيات للجن. # وقيل: معناه: لم يطمث ما وهب الله للمؤمنين من الجن في الجنة من ~~الحور العين من الإنسيات إنس، وذلك لأن الجن لا تطأ بنات آدم في الدنيا. ~~ذكره القشيري. # قال القرطبي: قد مضى القول في سورة " النمل " وفي " سبحان " وأنه جائز ~~أن تطأ بنات بني آدم. # وقد قال مجاهد: إنه إذا جامع الرجل، ولم يسم انطوى الجان على إحليله ~~فجامع معه، فذلك قوله: { لم يطمثهن إنس قبلهم ولا ~~جآن } يعلمك أن نساء الدنيا لم يطمثهن الجان. والحور العين قد برئن من ~~ذلك العيب. # قال مقاتل قوله: { لم يطمثهن إنس قبلهم ms8253 ولا جان }؛ لأنهن خلقن في الجنة، ~~فعلى قوله يكونون من حور الجنة. # وقال الشعبي: من نساء الدنيا لم يمسسهن منذ أنشئن خلق، وهو قول ~~الكلبي، أي لم يجامعهن في الخلق الذي فيه إنس ولا جان. # قوله تعالى: { كأنهن الياقوت والمرجان }. # هذه الجملة يجوز أن تكون نعتا ل " قاصرات " ، وأن تكون حالا منها. ~~ولم يذكر مكي غيره. # و " الياقوت ": جوهر نفيس، يقال: إن النار لم تؤثر فيه. # ولذلك قال الحريري: [البسيط] # 4660- وطالما أصلي الياقوت جمر غضى # ثم انطفى الجمر والياقوت ياقوت # أي حاله لم يؤثر بها، وجه التشبيه كما قال الحسن في صفاء الياقوت، وبياض ~~المرجان، وهذا على القول بأنه أبيض. # وقيل: الوجه في الصفة بهما لنفاستهما لا للونهما، ولذلك سموا بمرجانة ~~ودرة وشبه ذلك. # قوله تعالى: { هل جزآء الإحسان إلا الإحسان }. # قرأ ابن أبي إسحاق: " إلا الحسان " أي: الحور الحسان. # قال القرطبي: هل في الكلام على أربعة أوجه: تكون بمعنى " قد " ، كقوله ~~تعالى: # هل أتى على الإنسان # [الإنسان: 1]، # وهل أتاك # [طه: 9]، وبمعنى الاستفهام كقوله: # فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا # [الأعراف: 44]. # وبمعنى الأمر كقوله تعالى: # فهل أنتم منتهون # [المائدة: 91]. # وبمعنى " ما " في الجحد كقوله تعالى: # فهل على الرسل إلا البلاغ المبين # [النحل: 35]، و { هل جزآء الإحسان إلا الإحسان }. # قال ابن الخطيب: في هذه الآية وجوه كثيرة حتى قيل: إن في القرآن ثلاث ~~آيات في كل واحدة منها مائة قول: # أحدها: قوله تعالى: # فاذكروني أذكركم # [البقرة: 152]. # ثانيها: # وإن عدتم عدنا # [الإسراء: 8]. # ثالثها: { هل جزآء الإحسان إلا الإحسان } والمشهور منها ~~أقوال: # أحدها: قال عكرمة: أي: هل جزاء من قال: لا إله إلا الله، وعمل بما جاء ~~به محمد صلى الله عليه وسلم إلا الجنة. # وقيل: هل جزاء من أحسن في الدنيا إلا أن يحسن إليه في الآخرة. قاله ابن ~~زيد. # " وروى أنس - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ { هل ~~جزآء الإحسان إلا الإحسان } ثم قال: هل تدرون ماذا قال ~~ربكم؟ قال: هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا ms8254 الجنة ". # " وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية، فقال: " ~~يقول الله تعالى: هل جزاء من أنعمت عليه بمعرفتي وتوحيدي إلا أن أسكنه ~~جنتي وحظيرة قدسي برحمتي " ". # وقال الصادق: هل جزاء من أحسنت إليه في الأزل إلا حفظ الإحسان إليه في ~~الأبد. # قال ابن الخطيب: والأقرب أنه عام، فجزاء كل من أحسن إلى غيره أن يحسن هو ~~أيضا. ### || [55.62-78] # قوله تعالى: { ومن دونهما جنتان }. # أي: من دون تلك الجنتين المتقدمتين جنتان في المنزلة وحسن المنظر، ~~وهذا على الظاهر من أن الأوليين أفضل من الأخريين، وقيل: بالعكس، ورجحه ~~الزمخشري. # وقال: قوله: { مدهآمتان } مع قوله في الأوليين: # ذواتآ أفنان # [الرحمن: 48] يدل على أن مرتبة هاتين دونهما، وكذلك قوله في الأوليين: # فيهما عينان تجريان # [الرحمن: 50] مع قوله في هاتين: { فيهما عينان نضاختان }؛ ~~لأن النضخ دون الجري، وقوله في الأوليين: # فيهما من كل فاكهة # [الرحمن: 52] مع قوله في هاتين: { فيهما فاكهة } ، وقوله في ~~الأوليين: # فرش بطآئنها من إستبرق # [الرحمن: 54] حيث ترك ذكر الظهائر لعلوها ورفعتها، وعدم إدراك العقول ~~إياها، مع قوله في هاتين: " رفرف خضر " دليل عليه. # وقال القرطبي: لما وصف الجنتين أشار إلى الفرق بينهما، فقال في ~~الأوليين: # فيهما من كل فاكهة # [الرحمن: 52] وفي الأخريين: { فيهما فاكهة ونخل ورمان } ~~ولم يقل: من كل فاكهة. # وقال في الأوليين: # متكئين على فرش بطآئنها من إستبرق # [الرحمن: 54] وهو الديباج. # وفي الأخريين: { متكئين على رفرف خضر وعبقري ~~حسان } [الرحمن: 76] و " العبقري ": الوشي، والديباج أعلى من ~~الوشي. # والرفرف: كسر الخباء، والفرش المعدة للاتكاء عليها أفضل من كسر ~~الخباء. # وقال في الأوليين في صفة الحور: # كأنهن الياقوت والمرجان # [الرحمن: 58]. # وفي الأخريين: { فيهن خيرات } ، وليس كل حسن كحسن الياقوت ~~والمرجان. # وقال في الأوليين: # ذواتآ أفنان # [الرحمن: 48]. # وفي الأخريين: { مدهآمتان } أي: خضراوان كأنهما من شدة خضرتهما ~~سوداوان، وفي هذا كله بيان لتفاوت ما بينهما. # قال ابن الخطيب: ويمكن أن يجاب الزمخشري بأن الجنتين اللتين من دونهما ~~لذريتهم التي ألحقهم الله - تعالى - بهم ولأتباعهم لا لهم، وإنما جعلها ms8255 ~~لهم إنعاما عليهم، أي: هاتان الأخريان لكم، أسكنوا فيهما من تريدون. # وقيل: إن المراد بقوله: { ومن دونهما } أي: دونهما في المكان، ~~كأنهم في جنتين، ويطلعون من فوق على جنتين أخريين، بدليل قوله تعال: # لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من ~~تحتها الأنهار # [الزمر: 20]. # وقال ابن عباس: ومن دونهما في الدرج. # وقال ابن زيد: ومن دونهما في الفضل. # وقال ابن عباس: والجنات لمن خاف مقام ربه، فيكون في الأوليين: النخل ~~والشجر وفي الأخريين: الزرع والنبات. # وقيل: المراد من قوله: { ومن دونهما جنتان } لأتباعه لقصور ~~منزلتهم عن منزلة أحدهما للحور العين، والأخرى للولدان المخلدون ليتميز ~~بها الذكور من الإناث. # وقال ابن جريج: هي أربع جنات منها للسابقين المقربين فيها من كل فاكهة ~~زوجان، وعينان تجريان، وجنات لأصحاب اليمين فيها فاكهة ونخل ورمان. # وقال أبو موسى الأشعري: جنتان منها للسابقين، وجنتان من فضة ~~للتابعين. # وقال عليه الصلاة والسلام: # " جنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب ~~آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ~~ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن ". # وقال الكسائي: { ومن دونهما جنتان } أي: أمامهما وقبلهما. # قال البغوي: " يدل عليه قول الضحاك: الجنتان الأوليان من ذهب وفضة، ~~والأخريان من ياقوت وزمرد، وهما أفضل من الأوليين ". # وإلى هذا القول ذهب أبو عبد الله الترمذي الحكيم في " نوادر الأصول " ، ~~وقال: " ومعنى { ومن دونهما جنتان } أي: دون هذا إلى العرش، أي: أقرب ~~وأدنى إلى العرش ". # وقال مقاتل: الجنتان الأوليان: جنة عدن وجنة النعيم، والأخريان: جنة ~~الفردوس، وجنة المأوى. # قوله تعالى: { مدهآمتان } أي: خضراوان. قاله ابن عباس وغيره. # وقال مجاهد: مسودتان. # والإدهام في اللغة: السواد وشدة الخضرة، جعلتا مدهامتان لشدة ~~ريهما، وهذا مشاهد بالنظر، ولذلك قالوا: سواد " العراق " لكثرة شجره ~~وزرعه. # ويقال: فرس أدهم وبعير أدهم، وناقة دهماء، أي اشتدت زرقته حتى ذهب ~~البياض الذي فيه، فإن زاد على ذلك واشتد السواد فهو جون، وادهم الفرس ~~ادهماما أي صار أدهم. # وادهام الشيء ادهيماما: أي: اسودادا، والأرض إذا اخضرت ms8256 غاية ~~الخضرة تضرب إلى السواد، ويقال للأرض المعمورة: سواد يقال: سواد البلد. # وقال عليه الصلاة والسلام: # " عليكم بالسواد الأعظم، ومن كثر سواد قوم فهو ~~منهم ". # قال ابن الخطيب: والتحقيق فيه أن ابتداء الألوان هو البياض وانتهاؤها هو ~~السواد، فإن الأبيض يقبل كل لون، والأسود لا يقبل شيئا من الألوان. # قوله تعالى: { فيهما عينان نضاختان }. # قال ابن عباس: فوارتان بالماء والنضخ - بالخاء المعجمة - أكثر من ~~النضح - بالحاء المهملة - لأن النضح بالمهملة: الرش والرشح، ~~وبالمعجمة: فوران الماء. # وقال ابن عباس والحسن ومجاهد: المعنى نضاختان بالخير والبركة. # وعن ابن مسعود وابن عباس أيضا وأنس: تنضخ على أولياء الله بالمسك ~~والعنبر والكافور في دور أهل الجنة كما ينضخ رش المطر. # وقال سعيد بن جبير: بأنواع الفواكه والماء. # قوله تعالى: { فيهما فاكهة ونخل ورمان }. # قال بعض العلماء: ليس الرمان والنخل من الفاكهة؛ لأن الشيء لا يعطف على ~~نفسه إنما يعطف على غيره؛ لأن العطف يقتضي المغايرة، وهذا ظاهر الكلام، ~~فلو حلف لا يأكل فاكهة لم يحنث بأكلهما. # وقال الجمهور: هما من الفاكهة، وإنما أعاد ذكر النخل والرمان لفضلهما ~~على الفاكهة، فهو من باب ذكر الخاص بعد العام تفضيلا له كقوله تعالى: # من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل ~~وميكال # [البقرة: 98]. # وقوله تعالى: # حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى # [البقرة: 238]. # قال شهاب الدين: وهذا يجوز؛ لأن " فاكهة " عاما؛ لأنه نكرة في سياق ~~الإثبات، وإنما هو مطلق، ولكن لما كان صادقا على النخل والرمان قيل فيه ~~ذلك. # وقال القرطبي: إنما كررهما؛ لأن النخل والرمان كانا عندهم في ذلك الوقت ~~بمنزلة البر عندنا؛ لأن النخل عامة قوتهم، والرمان كالتمرات، فكان ~~يكثر غرسها عندهم لحاجتهم إليه، وكانت الفواكه عندهم من ألوان الثمار ~~التي يعجبون بها، فإنما ذكر الفاكهة، ثم ذكر النخل والرمان لعمومهما، ~~وكثرتهما عندهم في " المدينة " إلى " مكة " إلى ما والاها من أرض " ~~اليمن " ، فأخرجهما في الذكر من الفواكه، وأفرد الفواكه على حدتها. # وقيل: أفردا بالذكر؛ لأن النخل ثمرة: فاكهة وطعام. # والرمان: فاكهة ودواء، فلم يخلصا للتفكه. # ومنه قال ms8257 أبو حنيفة رحمه الله: من حلف ألا يأكل فاكهة فأكل رمانا، أو ~~رطبا لم يحنث. # فصل في مناسبة هذه الآية لما قبلها # قال ابن الخطيب: قوله: { فيهما فاكهة ونخل ورمان } ~~كقوله تعالى: # فيهما من كل فاكهة زوجان # [الرحمن: 52]؛ لأن الفاكهة أرضية وشجرية، والأرضية كالبطيخ وغيره من ~~الأرضيات المزروعة، والشجرية كالنخل والرمان وغيرهما من الشجريات، ~~فقال: { مدهآمتان } بأنواع الخضر التي منها الفواكه الأرضية ~~والفواكه الشجرية، وذكر منها نوعين وهما الرمان والرطب؛ لأنهما متقابلان. # أحدهما: حلو، والآخر: حامض. # وأحدهما: حار، والآخر: بارد. # وأحدهما: فاكهة وغذاء، والآخر: فاكهة ودواء. # وأحدهما: من فواكه البلاد الباردة، والآخر: من فواكه البلاد الحارة. # وأحدهما: أشجار في غاية الطول والكبر، والآخر: أشجاره بالضد. # وأحدهما: ما يؤكل منه بارز، وما لا يؤكل كامن، فهما كالضدين، والإشارة ~~إلى الطرفين تتناول الإشارة إلى ما بينهما كقوله تعالى: # رب المشرقين ورب المغربين # [الرحمن: 17]. # فصل في الكلام على نخل ورمان الجنة # قال ابن عباس: الرمانة في الجنة ملء جلد البعير المقتب. # وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: نخل الجنة: جذوعها زمرد أخضر، ~~وكرمها ذهب أحمر، وسعفها كسوة لأهل الجنة، فيها (مقطعاتهم) وحللهم، ~~وثمرها أمثال القلال والدلاء، أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، ~~وألين من الزبد، ليس له عجم. # وفي رواية: كلما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى، وإن ماءها ليجري في غير ~~أخدود، والعنقود: اثنا عشر ذراعا. # قوله تعالى: { فيهن خيرات حسان }. # في " خيرات " وجهان: # أحدهما: أنه جمع " خيرة " من الخير، بزنة " فعلة " - بسكون العين - ~~يقال: " امرأة خيرة وأخرى شرة ". # والثاني: أنه جمع " خيرة " المخفف من " خيرة " ، ويدل على ذلك قراءة ~~ابن مقسم والنهدي، وبكر بن حبيب: " خيرات " بتشديد الياء. # قال القرطبي: " وهي قراءة قتادة، وابن السميفع، وأبي رجاء العطاردي ". # وقرأ أبو عمرو: " خيرات " بفتح الياء، جمع " خيرة " ، وهي شاذة؛ ~~لأن العين معلة، إلا أن بني " هذيل " تعامله معاملة الصحيح، فيقولون: " ~~حورات وبيضات ". # وأنشد: [الطويل] # 4661- أخو بيضات رائح متأوب # رفيق بمسح المنكبين سبوح # فصل في تفسير الآية # قال المفسرون: " الخيرات الحسان ms8258 " يعني النساء، الواحدة " خيرة " على ~~معنى " ذوات خير ". # وقيل: " خيرات " بمعنى " خيرات " ، فخفف ك " هين ولين ". # روى الحسن عن أمه عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: # " قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبرني عن قوله: " خيرات ~~حسان " قال: " خيرات الأخلاق حسان الوجوه " ". # وقال أبو صالح: لأنهن عذارى أبكار. # وقال الحكيم الترمذي: ف " الخيرات " ، ما اختارهن الله فأبدع خلقهن ~~باختياره، فاختيار الله لا يشبه اختيار الآدميين، ثم قال: " حسان " ~~فوصفهن بالحسن؛ فإذا وصف الله خالق الحسن شبابا بالحسن، فانظر ما هناك. # وقال ابن الخطيب: " في باطنهن الخير، وفي ظاهرهن الحسن ". # قوله تعالى: { حور مقصورات في الخيام }. # معنى " مقصورات ": أي: محبوسات ومنه القصر؛ لأنه يحبس من فيه. # ومنه قول النحاة: " المقصور " ، لأنه حبس عن المد، وحبس عن الإعراب أو ~~حبس الإعراب فيه، والنساء تمدح بملازمتهن البيوت كما قال قيس بن الأسلت: ~~[الطويل] # 4662- وتكسل عن جيرانها فيزرنها # وتغفل عن أبياتهن فتعذر # ويقال: امرأة مقصورة وقصيرة، وقصورة بمعنى واحد. # قال كثير عزة فيه: [الطويل] # 4663- وأنت التي حببت كل قصيرة # إلي، ولم تعلم بذاك القصائر # عنيت قصارات الحجال ولم أرد # قصار الخطا، شر النساء البحاتر # و " الخيام ": جمع " خيمة " ، وهي تكون من ثمام وسائر الحشيش، فإن ~~كانت من شعر، فلا يقال لها: خيمة، بل بيت. # قال جرير: [الوافر] # 4664- متى كان الخيام بذي طلوح # سقيت الغيث أيتها الخيام # فصل في أن جمال الحور يفوق الآدميات # اختلفوا أيهما أكثر حسنا وأتم جمالا الحور أو الآدميات. # فقيل: الحور لما ذكر من صفتهن في القرآن والسنة، # " ولقوله صلى الله عليه وسلم في دعائه في صلاة الجنائز: " وأبدل له ~~دارا خيرا من داره، وأبدل له زوجا خيرا من زوجه " ~~". # وقيل: الآدميات أفضل من الحور العين بسبعين ألف ضعف، روي ذلك مرفوعا. # وقيل: إن الحور العين المذكورات في القرآن هن المؤمنات من أزواج ~~النبيين والمؤمنين يخلقن في الآخرة على أحسن صورة. قاله الحسن ~~البصري. # والمشهور أن الحور العين لسن من نساء أهل الدنيا، إنما هن مخلوقات في ~~الجنة؛ لأن ms8259 الله تعالى قال: { لم يطمثهن إنس قبلهم ولا ~~جآن } وأكثر نساء أهل الدنيا مطموثات. # فصل في جمال الحور العين # " الحور ": جمع حوراء وهي الشديدة بياض العين مع سوادها. # و " المقصورات ": المحبوسات المستورات في الخيام، وهي الحجال، لسن ~~بالطوافات في الطرق، قاله ابن عباس. # وقال عمر رضي الله عنه: " الخيمة ": درة مجوفة. وقاله ابن عباس. # وقال: وهي فرسخ في فرسخ لها أربعة آلاف مصراع من ذهب. # قال أبو عبد الله الحكيم الترمذي في قوله تعالى: { حور مقصورات ~~في الخيام }: بلغنا في الرواية أن سحابة أمطرت من العرش، فخلقن من ~~قطرات الرحمة، ثم ضرب على كل واحدة خيمة على شاطىء الأنهار سعتها أربعون ~~ميلا وليس لها باب، حتى إذا دخل ولي الله الجنة انصدعت الخيمة عن باب ~~ليعلم ولي الله أن أبصار المخلوقين من الملائكة والخدم لم تأخذها، فهي ~~مقصورة قد قصر بها عن أبصار المخلوقين. # وقال مجاهد: قصرن أطرافهن وأنفسهن على أزواجهن فلا يبتغين بدلا. # وقال عليه الصلاة والسلام: # " لو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت على أهل ~~الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأت ما بينهما ريحا ". # وتقدم الكلام على قوله تعالى: { لم يطمثهن إنس قبلهم ~~ولا جآن }. # قوله تعالى: { متكئين على رفرف خضر }. # " الرفرف ": جمع رفرفة فهو اسم جنس. # وقيل: بل هو اسم جمع. نقله مكي، وهو ما تدلى من الأسرة من عالي الثياب ~~وقال الجوهري: " والرفرف ": ثياب خضر تتخذ منها المحابس، الواحدة: ~~رفرفة. # واشتقاقه: من رف الطائر إذا ارتفع في الهواء، ورفرف بجناحيه إذا نشرهما ~~للطيران، ورفرف السحاب هبوبه. # ويدل على كونه جمعا وصفه بالجمع. # وقال الراغب: رفيف الشجر: انتشار أغصانه، ورفيف الطائر نشر جناحيه، ~~رف يرف - بالكسر - ورف فرخه يرفه - بالضم - يفقده، ثم استعير ~~للفقد، ومنه: " ما له حاف ولا راف " ، أي: من يحفه ويتفقده، والرفرف: ~~المنتشر من الأوراق. # وقوله: { على رفرف خضر } ضرب من الثياب مشبه بالرياض. # وقيل: الرفرف طرف الفسطاط والخباء الواقع على الأرض دون الأطناب ~~والأوتاد. # وذكر الحسن: أنه البسط. # وقال ابن جبير، وابن عباس ms8260 أيضا: رياض الجنة من رف النبت إذا نعم وحسن. # وقال ابن عيينة: هي الزرابي. # وقال ابن كيسان: هي المرافق. # وقال أبو عبيدة: هي حاشية الثوب. # وقيل: الفرش المرتفعة. # وقيل: كل ثوب عريض عند العرب، فهو رفرف. # قال القرطبي: " وفي الخبر في وفاة النبي صلى الله عليه وسلم: فرفع ~~الرفرف فرأينا وجهه كأنه ورقة تخشخش ". # أي: رفع طرف الفسطاط. # وقيل: أصل الرفرف من رف النبت يرف إذا صار غضا نضيرا. # قال القتبي: يقال للشيء إذا كثر ماؤه من النعمة والغضاضة حتى يكاد يهتز: ~~رف يرف رفيفا. حكاه الهروي. وقد قيل: إن الرفرف شيء إذا استوى عليه ~~صاحبه رفرف به، وأهوى به كالمرجاح يمينا وشمالا ورفعا وخفضا يتلذذ ~~به مع أنيسه، قاله الحكيم الترمذي في " نوادر الأصول ". # قال: فالرفرف أعظم خطرا من الفرش، فذكر في الأوليين # متكئين على فرش بطآئنها من إستبرق # [الرحمن: 54]. # وقال هنا: { متكئين على رفرف خضر }. # فالرفرف هو مستقر الولي على شيء إذا استوى عليه الولي رفرف به، أي طار ~~به حيثما يريد كالمرجاح. # ويروى في حديث المعراج أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغ سدرة ~~المنتهى، جاء الرفرف فتناوله من جبريل، وطار به إلى سند العرش، فذكر أنه ~~طار بي يخفضني ويرفعني حتى وقف بي على ربي، ثم لما كان الانصراف تناوله، ~~فطار به خفضا ورفعا يهوي به حتى آواه إلى جبريل - عليه السلام -. # ف " الرفرف ": خادم من الخدم بين يدي الله - تعالى - له خواص الأمور ~~في محل الدنو والقرب كما أن البراق دابة تركبها الأنبياء مخصوصة بذلك في ~~أرضه، فهذا الرفرف الذي سخره لأهل الجنتين الدانيتين هو متكأهما ~~وفرشهما، يرفرف بالولي على حافات تلك الأنهار وشطوطها حيث شاء إلى خيام ~~أزواجه. # فصل في الكلام على قوله: خضر # قوله تعالى: " خضر ". نعت هنا ب " خضر "؛ لأن اسم الجنس ينعت بالجمع ~~كقوله: # والنخل باسقات لها طلع نضيد # [ق: 10] وحسن جمعه هنا جمع " حسان ". # وقرأ العامة: " رفرف " وقرأ عثمان بن عفان ونصر بن عاصم والجحدري ~~والفرقبي وغيرهم: " رفارف ms8261 خضر " بالجمع وسكون الضاد. # وعنهم أيضا " خضر " بضم الضاد، وهي إتباع للخاء. # وقيل: هي لغة في جمع " أفعل " الصفة. # قال القرطبي: وروى أبو بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ: { ~~متكئين على رفارف خضر وعباقر حسان }. ذكره الثعلبي، وضم الضاد من " ~~خضر " قليل. # وأنشد ل " طرفة ": [الرمل] # 4665- أيها الفتيان في مجلسنا # جردوا منها ورادا وشقر # وقال آخر: [البسيط] # 4666- وما انتميت إلى خور ولا كشف # ولا لئام غداة الروع أوزاع # وقرءوا: " وعباقري " - بكسر القاف وتشديد الياء - مفتوحة على منع ~~الصرف، وهي مشكلة. # إذ لا مانع من تنوين ياء النسب، وكأن هذا القارىء توهم كونها في " ~~مفاعل " تمنع من الصرف. # وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم " عباقري " منونا ابن خالويه. # وروي عن عاصم: " رفارف " بالصرف. # وقد يقال في من منع " عباقري ": إنه لما جاور " رفارف " الممتنع ~~امتنع مشاكلة. # وفي من صرف " رفارف ": إنه لما جاور " عباقريا " المنصرف صرفه ~~للتناسب، كقوله: # سلاسلا وأغلالا # [الإنسان: 4]. كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. # وقرأ أبو محمد المروزي وكان نحويا: " خضار " ك " ضراب " ~~بالتشديد، و " أفعل، وفعال " لا يعرب. # قوله: " وعبقري حسان ". # الجمهور على أن " عبقري " منسوب إلى عبقر، تزعم العرب أنها بلد الجن. # قال ابن الأنباري: الأصل فيه أن " عبقر " قرية تسكنها الجن ينسب ~~إليها كل فائق جليل. # وقال الخليل: كل منافس فاضل فاخر من الرجال والنساء وغيرهم عند العرب ~~عبقري. # ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في عمر - رضي الله عنه -: # " فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه ". # وقال أبو عمرو بن العلاء، وقد سئل عن قوله صلى الله عليه وسلم: # " فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه " # ؛ فقال: رئيس قوم وجليلهم. # وقال زهير: [الطويل] # 4667- بخيل عليها جنة عبقرية # جديرون يوما أن ينالوا فيستعلوا # وقال الجوهري: " العبقري " موضع تزعم العرب أنه من أرض الجن؛ قال ~~لبيد: [الطويل] # 4668-.................. # كهول وشبان كجنة عبقر # ثم نسبوا إليها كل شيء تعجبوا من حذقه وجودة صنعته وقوته، فقالوا: " ~~عبقري " وهو واحد وجمع. # وفي الحديث: ms8262 # " أنه كان يسجد على عبقري " # وهو البسط التي فيها الأصباغ، والنقوش، والمراد به في الآية: قيل: ~~البسط التي فيها الصور والتماثيل وقيل: الزرابي. # وقيل: الطنافس. # وقيل: الديباج الثخين. # " عبقري " جمع عبقرية، فيكون اسم جنس كما تقدم في " رفرف ". # وقيل: هو واحد دال على الجمع، ولذلك وصف ب " حسان ". # قال القرطبي: وقرأ بعضهم: " عباقري حسان " وهو خطأ؛ لأن المنسوب ~~لا يجمع على نسبته. # وقال قطرب: ليس بمنسوب، وهو مثل: " كرسي وكراسي، وبختي وبخاتي ~~". # قوله: { تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام }. # قرأ ابن عامر: " ذو الجلال " بالواو، جعله تابعا للاسم، وكذا هي ~~مرسومة في مصاحف الشاميين. # قال القرطبي: " وذلك يقوي كون الاسم هو المسمى ". # والباقون: بالياء، صفة للرب، فإنه هو الموصوف بذلك، وأجمعوا على أن ~~الواو في الأولى إلا من استثنى فيما تقدم. # فصل في تحرير معنى تبارك # " تبارك " تفاعل من " البركة ". # قال ابن الخطيب: وأصل التبارك من التبرك، وهو الدوام والثبات، ومنه ~~برك البعير وبركة الماء، فإن الماء يكون فيها دائما. # والمعنى: دام اسمه وثبت، أو دام الخير عنده؛ لأن البركة وإن كانت من ~~الثبات، لكنها تستعمل في الخير، أو يكون معناه: علا وارتفع شأنه. # فصل في مناسبة هذه الآية لما قبلها # قال القرطبي: كأنه يريد به الاسم الذي افتتح به السورة، فقال: " ~~الرحمن " فافتتح بهذا الاسم، فوصف خلق الإنسان والجن، وخلق السموات ~~والأرض وصنعه، وأنه # كل يوم هو في شأن # [الرحمن: 29] ووصف تدبيره فيهم، ثم وصف يوم القيامة وأهوالها وصفة ~~النار، ثم ختمها بصفة الجنان، ثم قال في آخر السورة: { تبارك اسم ~~ربك ذي الجلال والإكرام } أي: هذا الاسم الذي افتتح به هذه ~~السورة، كأنه يعلمهم أن هذا كله فرج لكم من رحمتي، فمن رحمتي خلقتكم، ~~وخلقت لكم السماء والأرض، والخليقة، والخلق، والجنة والنار، فهذا كله ~~لكم من اسم الرحمن، فمدح اسمه فقال: { تبارك اسم ربك } ، ثم ~~قال: { ذي الجلال والإكرام } أي: جليل في ذاته كريم في أفعاله. # روى الثعلبي عن علي - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله صلى ms8263 الله عليه ~~وسلم يقول: # " لكل شيء عروس، وعروس القرآن سورة الرحمن، جل ذكره ". # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة الرحمن رحم الله ضعفه، وأدى شكر ما ~~أنعم الله - عز وجل - عليه ". # والله - سبحانه وتعالى - الموفق الهادي إلى الخيرات، اللهم ارحمنا ~~برحمتك. ### | [56 - سورة الواقعة] ### || [56.1-3] # قوله تعالى: { إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها ~~كاذبة }. # في " إذا " أوجه: # أحدها: أنها ظرف محض ليس فيها معنى الشرط، والعامل فيها " ليس ". # الثاني: أن العامل فيها " اذكر " مقدرا. # قال الزمخشري: فإن قلت: بم انتصب " إذا "؟. # قلت: ب " ليس " ، كقولك: يوم الجمعة ليس لي شغل. # ثم قال: أو بإضمار " اذكر ". # قال أبو حيان: " ولا يقول هذا نحوي ". # قال: لأن " ليس " مثل " ما " النافية فلا حدث فيها، فكيف تعمل في الظرف ~~من غير حدث، وتسميتها فعلا مجازا، فإن حد الفعل غير منطبق عليها. # ثم قال: وأما المثال الذي نظر به، فالظرف ليس معمولا ل " ليس " بل ~~للخبر، وتقدم معمول خبرها عليها، وهي مسألة خلاف. انتهى. # قال شهاب الدين: الظروف تعمل فيها روائح الأفعال، ومعنى كلام الزمخشري ~~أن النفي المفهوم من " ليس " هو العامل في " إذا " كأنه قيل: ينتفي كذب ~~وقوعها إذا وقعت، ويدل على هذا قول أبي البقاء رحمه الله. # والثاني: ظرف لما دل عليه { ليس لوقعتها كاذبة } ، أي: إذا ~~وقعت لم تكذب، فإن قيل: فليجر ذلك في " ما " النافية؟. # فالجواب: أن الفعل أقرب إلى الدلالة على الحدث من الحرف. # الثالث: أنها شرطية، وجوابها مقدر، أي: " إذا وقعت كان كيت وكيت " ، وهو ~~العامل فيها. # الرابع: أنها شرطية، والعامل فيها الفعل الذي بعدها ويليها، وهو اختيار ~~أبي حيان، وتبع في ذلك مكيا. # قال مكي: " والعامل فيه " وقعت "؛ لأنها قد يجازى بها، فعمل فيها الفعل ~~الذي بعدها كما يعمل في " ما " ، و " من " اللتين للشرط في قولك: ما ~~تفعل أفعل، ومن تكرم أكرم " ، ثم ذكر كلاما كثيرا. # الخامس: أنها مبتدأ، و " إذا رجت " خبرها، وهذا على قولنا: " إنها ~~تتصرف " وقد مضى ms8264 تحريره إلا أن هذا الوجه إنما جوزه ابن مالك، وابن جني، ~~وأبو الفضل الرازي على قراءة من نصب " خافضة رافعة " على الحال، ~~وحكاه بعضهم عن الأخفش. # قال شهاب الدين: " ولا أدري اختصاص ذلك بوجه النصب ". # السادس: أنه ظرف ل " خافضة " ، أو " رافعة ". قاله أبو البقاء. أي إذا ~~وقعت خفضت ورفعت. # السابع: أن تكون ظرفا ل " رجت " ، و " إذا " الثانية على هذا إما ~~بدل من الأولى، أو تكرير لها. # الثامن: أن العامل فيه ما دل عليه قوله: # فأصحاب الميمنة # [الواقعة: 8] أي: إذا وقعت بانت أحوال الناس فيها. # التاسع: أن جواب الشرط، قوله: # فأصحاب الميمنة # [الواقعة: 8] إلى آخره، و " لوقعتها " خبر مقدم، و " كاذبة " اسم ~~مؤخر. # و " كاذبة " يجوز أن تكون اسم فاعل، وهو الظاهر، وهو صفة لمحذوف، فقدر ~~الزمخشري: " نفس كاذبة ". # أي: أن ذلك اليوم لا يكذب على الله أحد، ولا يكذب بيوم القيامة أحد. # ثم قال: " و " اللام " مثلها في قوله: # قدمت لحياتي # [الفجر: 24]، أو ليس نفس تكذبها، وتقول لها: لم تكوني كما لها اليوم ~~نفوس كثيرة يكذبنها اليوم، يقلن لها: لن تكوني، أو هي من قولهم: كذبت ~~فلانا نفسه في الخطب العظيم إذا شجعته على مباشرته، وقالت له: إنك ~~تطيقه وما فوقه، فتعرض له ولا تبال به، على معنى أنها وقعة لا تطاق شدة ~~وفظاعة، وأن لا نفس حينئذ تحت صاحبها بما تحدثه به عند عظائم الأمور ~~وتزين له احتمالها وإطاقتها؛ لأنهم يومئذ أضعف من ذلك وأذل، ألا ترى إلى ~~قوله # كالفراش المبثوث # [القارعة: 4]، والفراش مثل في الضعف ". # وقدره ابن عطية: " حال كاذبة ". # قال: ويحتمل الكلام على هذا معنيين: # أحدهما: كاذبة أي: مكذوبة فيما أخبر به عنها، فسماها كاذبة لهذا، كما ~~تقول: هذه قصة كاذبة، أي: مكذوب فيها. # والثاني: حال كاذبة أي: لا يمضي وقوعها، كقولك: فلان إذا حمل لم يكذب. # والثالث: " كاذبة " مصدر بمعنى التكذيب. نحو # خآئنة الأعين # [غافر: 19]. # قال الزمخشري: وقيل: " كاذبة " مصدر ك " العاقبة " بمعنى التكذيب من ~~قولك: حمل فلان على قرنه فما كذب، أي فما ms8265 جبن ولا تثبط، وحقيقته فما ~~كذب نفسه فيما حدثته به من إطاقته له وإقدامه عليه وأنشد ل " زهير ": ~~[البسيط] # 4669-................... إذا # ما الليث كذب عن أقرانه صدقا # أي: إذا وقعت لم يكن لها رجعة ولا ارتداد انتهى. # وهو كلام حسن جدا. # ثم لك في هذه الجملة وجهان: # أحدهما: أنها لا محل لها من الإعراب، إما لأنها ابتدائية، ولا سيما على ~~رأي الزمخشري، حيث جعل الظرف متعلقا بها. # وإما لأنها اعتراضية بين الشرط وجوابه المحذوف. # الثاني: أن محلها النصب على الحال. قاله ابن عطية. # ولم يبين صاحب الحال، ماذا؟. # وهو واضح إذ لم يكن هنا إلا الواقعة، وقد صرح أبو الفضل بذلك. # وقرأ العامة: برفع " خافضة ورافعة " على أنها خبر ابتداء مضمر، ~~أي: هي خافضة قوما إلى النار، ورافعة آخرين إلى الجنة، فالمفعول محذوف ~~لفهم المعنى. # أو يكون المعنى أنها ذات خفض ورفع، كقوله: # يحيي ويميت # [البقرة: 258]، # وكلوا واشربوا # [البقرة: 187]. # وقرأ زيد بن علي وعيسى والحسن، وأبو حيوة، وابن مقسم واليزيدي: بنصبهما ~~على الحال. # ويروى عن الكسائي أنه قال: " لولا أن اليزيدي سبقني إليه لقرأت به " ~~انتهى. # قال شهاب الدين: " ولا أظن مثل هذا يصح عن مثل هذا ". # واختلف في ذي الحال: # فقال أبو البقاء: من الضمير في " كاذبة " ، أو في " وقعت ". # وإصلاحه أن نقول: أو فاعل " وقعت "؛ إذ لا ضمير في " وقعت ". # وقال ابن عطية وأبو الفضل: من " الواقعة ". # ثم قررا مجيء الحال متعددة من ذي حال واحدة، كما تجيء الأخبار متعددة. ~~وقد تقدم بيانه. # وقال أبو الفضل: " وإذا جعلت هذه كلها أحوالا، كان العامل في " إذا ~~وقعت " محذوفا يدل عليه الفحوى، أي: إذا وقعت يحاسبون ". # فصل في معنى الآية # قال المفسرون: { إذا وقعت الواقعة } أي: إذا قامت القيامة، والمراد: ~~النفخة الأخيرة، وسميت الواقعة لأنها تقع عن قرب. # وقيل: لكثرة ما يقع فيها من الشدائد. # قال الجرجاني: " إذا " صلة، أي: وقعت الواقعة، كقوله: # اقتربت الساعة # [القمر: 1] # أتى أمر الله # [النحل: 1] وهو كما يقال: جاء الصوم، أي: دنا واقترب. # وقال القرطبي: فيه ms8266 إضمار، أي: اذكر إذا وقعت، وعلى هذا " إذا " ~~للتوقيت، والجواب قوله: # فأصحاب الميمنة # [الواقعة: 8]. # وقال ابن الخطيب: أو يكون التقدير: إذا وقعت الزلزلة الواقعة يعترف بها ~~كل أحد، ولا يتمكن أحد من إنكارها. # و { ليس لوقعتها كاذبة }. # " الكاذبة ": مصدر بمعنى الكذب، والعرب قد تضع الفاعل والمفعول موضع ~~المصدر كقوله تعالى: # لا تسمع فيها لاغية # [الغاشية: 11] أي: لغو، والمعنى: ليس لها كذب. # قاله الكسائي. # ومنه قول العامة: عائذا بالله، أي: معاذ الله، وقم قائما، أي: قم ~~قياما. # وقيل: الكاذبة: صفة، والموصوف محذوف، أي: ليس لوقعتها حال كاذبة أو نفس ~~كاذبة، أي كل من يخبر عن وقعتها صادق. # وقال الزجاج: { ليس لوقعتها كاذبة } أي: لا يردها شيء. ~~ونحوه قول الحسن وقتادة. # وقال الثوري: ليس لوقعتها أحد يكذب بها. # وقيل: إن قيامها جد لا هزل فيه. # وقوله: { خافضة رافعة }. # قال عكرمة ومقاتل والسدي: خفضت الصوت فأسمعت من دنا، ورفعت من نأى، يعنى ~~أسمعت القريب والبعيد. # وعن السدي: خفضت المتكبرين ورفعت المستضعفين. # وقال قتادة: خفضت أقواما في عذاب الله، ورفعت أقواما إلى طاعة الله. # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: خفضت أعداء الله في النار، ورفعت ~~أولياء الله إلى الجنة. # وقال ابن عطاء: خفضت أقواما بالعدل، ورفعت أقواما بالفضل. # والرفع والخفض يستعملان عند العرب في المكان والمكانة والعز والمهانة، ~~ونسب سبحانه وتعالى الرفع والخفض إلى القيامة توسعا ومجازا على عادة ~~العرب في إضافتها الفعل إلى المحل والزمان وغيرهما مما لم يمكن منه ~~الفعل، يقولون: ليل قائم، ونهار صائم. # وفي التنزيل: # بل مكر الليل والنهار # [سبأ: 33]. # والرافع والخافض في الحقيقة هو الله تعالى. # و " اللام " في قوله " لوقعتها " إما للتعليل، أي لا تكذب نفس في ذلك ~~اليوم لشدة وقعتها. # وإما للتعدية، كقولك: " ليس لزيد ضارب " فيكون التقدير: إذا وقعت ~~الواقعة ليس لوقعتها امرؤ يوجد لها كاذب يكذب إذا أخبر عنه. # قال ابن الخطيب: وعلى هذا لا يكون " ليس " عاملا في " إذا " وهو بمعنى ~~" ليس " لها كاذب. ### || [56.4-26] # قوله: { إذا رجت الأرض }. # يجوز أن يكون ms8267 بدلا من " إذا " الأولى، أو تأكيدا لها، أو خبرا لها ~~على أنها مبتدأ. كما تقدم تحريره. # وأن يكون شرطا، والعامل فيه إما مقدر، وإما فعلها الذي يليها، كما ~~تقدم في نظيرتها. # وقال الزمخشري: " ويجوز أن ينتصب ب " خافضة رافعة " أي تخفض وترفع وقت ~~رج الأرض وبس الجبال؛ لأنه عند ذلك يخفض ما هو مرتفع، ويرفع ما هو ~~منخفض ". # قال أبو حيان: " ولا يجوز أن ينتصب بهما معا، بل بأحدهما، لأنه لا ~~يجوز أن يجتمع مؤثران على أثر واحد ". # قال شهاب الدين: معنى كلامه أن كلا منهما متسلط عليه من جهة ~~المعنى، وتكون المسألة من باب التنازع، وحينئذ تكون العبارة صحيحة، إذ ~~يصدق أن كلا منهما عامل فيه، وإن كان على التعاقب. # والرج: التحريك الشديد بمعنى زلزلت. # قال مجاهد وغيره: يقال: رجه يرجه رجا، أي: حركه وزلزله. # وناقة رجاء: أي عظيمة السنام. # والرجرجة: الاضطراب. # وارتج البحر وغيره: اضطرب. # وفي الحديث: # " من ركب البحر حين يرتج فلا ذمة له ". # يعني: إذا اضطربت أمواجه. # قال الكلبي: وذلك أن الله - تعالى - إذا أوحى إليها اضطربت فرقا من ~~الله تعالى. # قال المفسرون: ترتج كما يرتج الصبي في المهد حتى ينهدم ما عليها، ~~وينكسر كل شيء عليها من الجبال وغيرها. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما: الرجة: الحركة الشديدة يسمع لها صوت. # قوله: { وبست الجبال بسا }. # أي: سيرت، من قولهم: بس الغنم، أي: ساقها. # وأبسست الإبل أبسها بسا، وأبسست وبسست لغتان إذا ~~زجرتها وقلت: بس بس. قاله أبو زيد. # أو بمعنى " فتت " ، كقوله: # ينسفها ربي نسفا # [طه: 105]، ويدل عليه: { فكانت هبآء منبثا }. # قال ابن عباس ومجاهد: كما يبس الدقيق، أي: يلت. # والبسيسة: السويق أو الدقيق يلت بالسمن أو الزيت، ثم يؤكل ~~ولا يطبخ، وقد يتخذ زادا. # قال الراجز: [الرجز] # 4670- لا تخبزا خبزا وبسا بسا # ولا تطيلا بمناخ حبسا # وقال الحسن: " وبست " قلعت من أصلها فذهبت، ونظيرها: ينسفها ~~ربي نسفا وقال عطية: بسطت كالرمل والتراب. # وقال مجاهد: سالت سيلا. # وقال عكرمة: هدت. # وقرأ زيد بن علي: " رجت ms8268 " ، و " بست " مبنيين للفاعل. # على أن " رج " و " بس " يكونان لازمين ومتعديين، أي: ارتجت وذهبت. # قوله: { فكانت هبآء منبثا }. # قرأ النخعي ومسروق وأبو حيوة: " منبتا " بنقطتين من فوق، أي: ~~منقطعا من البت. # ومعنى الآية لا ينبو عنه. # قال علي رضي الله عنه: الهباء المنبث: الرهج الذي يسطع من حوافر ~~الخيل ثم يذهب، فجعل الله تعالى أعمالهم كذلك. # وقال مجاهد: " الهباء ": الشعاع الذي يكون في الكوة كهيئة الغبار، ~~وروي نحوه عن ابن عباس. # وعنه أيضا: أنه ما تطاير من النار إذا اضطربت يطير منها شرر فإذا وقع ~~لم يكن شيئا. # وقال عطية: " المنبث ": المتفرق، قال تعالى: # وبث فيها من كل دآبة # [البقرة: 164] أي: فرق ونشر. # قوله: { وكنتم أزواجا ثلاثة }. # أي: أصنافا ثلاثة، كل صنف يشاكل كل ما هو منه كما يشاكل الزوج الزوجة، ~~ثم بين من هم، فقال: { فأصحاب الميمنة } ، { وأصحاب ~~المشأمة } ، { والسابقون }. # قوله: { فأصحاب الميمنة مآ أصحاب الميمنة }. # " أصحاب " الأول مبتدأ، و " ما " استفهامية - فيه تعظيم - مبتدأ ثاني، و ~~" أصحاب " الثاني خبره، والجملة خبر الأول، وتكرار المبتدأ الأول هنا ~~بلفظه مغن عن الضمير، ومثله: # الحاقة ما الحآقة # [الحاقة: 1، 2]، # القارعة ما القارعة # [القارعة: 1، 2] ولا يكون ذلك إلا في مواضع التعظيم. # فإن قيل: إن " ما " نكرة وما بعدها معرفة، فكان ينبغي أن يقال: " ما " ~~خبر مقدم، و " أصحاب " الثاني وشبهه مبتدأ؛ لأن المعرفة أحق بالابتداء من ~~النكرة؟ وهذا السؤال وارد على سيبويه في مثل هذا. # وفي قولك: " كم مالك، ومررت برجل خير منه أبوه " فإنه ~~يعرب " ما " الاستفهامية، و " كم " و " أفعل " مبتدأ وما بعدها خبرها. # والجواب: أنه كثر وقوع النكرة خبرا عن هذه الأشياء كثرة متزايدة، ~~فاطرد الباب، ليجري على سنن واحدة، هكذا أجابوا. # وهذا لا ينهض مانعا من جواز أن يكون " ما " و " كم " و " أفعل " ~~خبرا مقدما ولو قيل به لم يكن خطأ، بل أقرب إلى الصواب. # و " الميمنة " " مفعلة " من لفظ اليمين، وكذلك " المشأمة " من اليد ~~الشؤمى وهي الشمال لتشاؤم العرب بها، أو من الشؤم. # فصل في تحرير ms8269 معنى الآية # قال السدي: " أصحاب الميمنة " هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، ~~و " أصحاب المشأمة " هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. # و " المشأمة ": الميسرة، وكذلك الشأمة، يقال: قعد فلان شأمة. # ويقال: شائم بأصحابك أي: خذ بهم شأمة أي: ذات الشمال والعرب تقول لليد ~~الشمال: الشؤمى، وللجانب الشمال: الأشأم. # وكذلك يقال لما جاء عن اليمين: اليمن، ولما جاء عن الشمال: الشؤم. # قال البغوي: " ومنه سمي " الشام واليمن "؛ لأن " اليمن " عن يمين ~~الكعبة، و " الشام " عن شمالها ". # قال ابن عباس والسدي: " أصحاب الميمنة " هم الذين كانوا عن يمين ~~آدم حين أخرجت الذرية من صلبه، فقال الله لهم: هؤلاء في الجنة ولا ~~أبالي. # وقال زيد بن أسلم: هم الذين أخذوا من شق آدم الأيمن يومئذ، وأصحاب ~~المشأمة الذين أخذوا من شق آدم الأيسر. # وقال عطاء ومحمد بن كعب: " أصحاب الميمنة من أوتي كتابه بيمينه، ~~وأصحاب المشأمة من أوتي كتابه بشماله ". # وقال ابن جريج: " أصحاب الميمنة " هم أصحاب الحسنات، وأصحاب المشأمة؛ هم ~~أهل السيئات. # وقال الحسن والربيع: " أصحاب الميمنة " الميامين على أنفسهم بالأعمال ~~الصالحة، وأصحاب المشأمة: المشائيم على أنفهسم بالأعمال السيئة. # وفي صحيح مسلم من حديث " الإسراء " عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " فلما علونا السماء الدنيا، فإذا رجل عن يمينه أسودة، ~~وعن يساره أسودة، قال فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر ~~قبل شماله بكى، قال: فقال: مرحبا بالنبي الصالح والابن ~~الصالح، قال: فقلت: يا جبريل من هذا؟. # قال: هذا آدم - عليه الصلاة والسلام - وهذه الأسودة عن يمينه وعن ~~شماله بنوه فأهل اليمين أهل الجنة، والأسودة التي عن ~~شماله أهل النار " # وذكر الحديث. # وقال المبرد: " أصحاب الميمنة " أصحاب التقدم، وأصحاب المشأمة أصحاب ~~التأخر والعرب تقول: اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك أي: اجعلني ~~من المتقدمين ولا تجعلني من المتأخرين. # ثم عجب نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: { مآ أصحاب الميمنة } ~~وهذا كما يقال: " زيد ما زيد " ، يريد " زيد شديد " فالتكرير في { ~~مآ أصحاب الميمنة ms8270 } ، و { مآ أصحاب المشأمة } ~~للتفخيم والتعجب، كقوله: # الحاقة ما الحآقة # [الحاقة: 1، 2]، و # القارعة ما القارعة # [القارعة: 1، 2] كما يقال: " زيد ما زيد ". # وفي حديث أم زرع رضي الله عنها: " مالك، وما مالك؟ ". # والمقصود: تكثير ما لأصحاب الميمنة في الثواب، وأصحاب المشأمة من ~~العقاب. # والفاء في قوله: " فأصحاب " تدل على التقسيم، وبيان ما ورد عليه ~~التقسيم، كأنه قال: أزواجا ثلاثة: أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة، ~~والسابقون، وبين حال كل قسم فقال: { مآ أصحاب الميمنة } وترك ~~التقسيم أولا، واكتفى بما يدل عليه بأن تذكر الأقسام الثلاثة مع ~~أحوالها. # فإن قيل: ما الحكمة في اختيار لفظ " المشأمة " في مقابلة " الميمنة " مع ~~أنه قال في بيان أحوالهم # وأصحاب الشمال مآ أصحاب الشمال # ؟ [الواقعة: 41]. # فالجواب: أن اليمين وضع للجانب المعروف، واستعملوا منها ألفاظا في ~~مواضع فقالوا: " هذا ميمون " تيمنا به، ووضعوا مقابلة اليمين اليسار من ~~الشيء اليسير إشارة إلى ضعفه، ولفظ الشمال في مقابلته، واستعملوا منه ~~ألفاظا تشاؤما به، فذكر " المشأمة " [في] مقابلة [ " الميمنة " ] [وذكر ~~الشمال في مقابلة اليمين] فاستعمل كل لفظ مع ما يقابله. # قوله: { والسابقون السابقون }. فيه أوجه: # أحدها: أنها مبتدأ وخبر، وفي ذلك تأويلان: # أحدهما: أنه بمعنى: السابقون هم الذين اشتهرت حالتهم بذلك. # كقولهم: " أنت أنت، والناس الناس ". # وقوله: [الرجز] # 4671- أنا أبو النجم وشعري شعري # وهذا يقال في تعظيم الأمر وتفخيمه، وهو مذهب سيبويه. # التأويل الثاني: أن متعلق السابقين مختلف؛ إذ التقدير: والسابقون إلى ~~الإيمان السابقون إلى الجنة، أو السابقون إلى طاعة الله السابقون إلى ~~رحمته، أو السابقون إلى الخير السابقون إلى الجنة. # الوجه الثاني: أن يكون السابقون الثاني تأكيدا للأول تأكيدا ~~لفظيا، و " أولئك المقربون " جملة ابتدائية في موضع خبر الأول، ~~والرابط: اسم الإشارة، كقوله تعالى: # ولباس التقوى ذلك خير # [الأعراف: 26]، في قراءة برفع " لباس " في أحد الأوجه. # الثالث: أن يكون " السابقون " الثاني نعتا للأول، والخبر الجملة ~~المذكورة. # وهذا ينبغي ألا يعرج عليه، كيف يوصف الشيء بلفظه، وأي فائدة في ذلك؟. # قال شهاب الدين: والأقرب عندي إن وردت هذه العبارة ممن يعتبر أن ms8271 يكون ~~سمى التأكيد صفة، وقد فعل سيبويه قريبا من هذا. # الرابع: أن يكون الوقف [على قوله] " والسابقون " ، ويكون قوله { ~~السابقون، أولئك المقربون } ابتداء وخبرا. # وهذا يقتضي أن يعطف " والسابقون " على ما قبله، لكن لا يليق عطفه على ~~ما قبله، وإنما يليق عطفه على أصحاب الميمنة، كأنه قيل: وأصحاب الميمنة ~~ما أصحاب الميمنة والسابقون، أي: وما السابقون؟ تعظيما لهم، فيكونون ~~شركاء أصحاب الميمنة في التعظيم، ويكون قوله على هذا: { وأصحاب المشأمة ~~ما أصحاب المشأمة } اعتراضا بين المتعاطفين، وفي هذا الوجه تكلف كثير ~~جدا. # فصل في المراد بالسابقين # قال عليه الصلاة والسلام: # " السابقون الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوه ~~بذلوه، وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم ". # ذكره المهدوي. # وقال محمد بن كعب القرظي: هم الأنبياء. # وقال الحسن وقتادة: هم السابقون إلى الإيمان من كل أمة. # وقال محمد بن سيرين: هم الذين صلوا إلى القبلتين، قال تعالى: # والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار # [التوبة: 100]. # وقال مجاهد والضحاك: هم السابقون إلى الجهاد، وأول الناس رواحا إلى ~~صلاة الفرائض في الجماعة وقال علي رضي الله عنه: هم السابقون إلى ~~الصلوات الخمس. # وقال سعيد بن جبير: إلى التوبة، وأعمال البر، قال تعالى: # وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها ~~السماوات والأرض # [آل عمران: 133] ثم أثنى عليهم فقال: # أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون # [المؤمنون: 61]. # وقيل: إنهم أربعة: منهم سابق أمة موسى، وهو حزقيل مؤمن آل فرعون، وسابق ~~أمة عيسى، وهو حبيب النجار صاحب " أنطاكية " ، وسابقان في أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم، وهما أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - قاله ابن ~~عباس. # حكاه الماوردي. # وقال شميط بن العجلان: الناس ثلاثة: فرجل ابتكر للخير في حداثة سنه، ~~ثم داوم عليه حتى خرج من الدنيا، فهذا هو السابق المقرب ثم طول الغفلة ~~ثم رجع بتوبته حتى ختم له بها، فهذا من أصحاب اليمين، ورجل ابتكر عمره ~~بالذنوب، ثم لم يزل عليها حتى ختم له بها، فهذا من أصحاب الشمال. # وروي عن كعب قال: هم أهل القرآن المتوجون يوم القيامة. ms8272 # وقيل: هم أول الناس رواحا إلى المسجد، وأولهم خروجا في سبيل الله { ~~أولئك المقربون في جنات النعيم }. # قوله: { في جنات النعيم }. # يجوز أن يكون خبرا ثانيا، وأن يكون حالا من الضمير في " ~~المقربون " ، وأن يكون متعلقا به، أي: قربوا إلى رحمة الله في جنات ~~النعيم. # ويبعد أن تكون " في " بمعنى " إلى ". # وقرأ طلحة: " في جنة " بالإفراد. # وإضافة الجنة إلى النعيم من إضافة المكان إلى ما يكون فيه، كما يقال: " ~~دار الضيافة، ودار الدعوة، ودار العدل ". # وذكر النعيم هنا معرفا، وفي آخر السورة منكرا؛ لأن السابقين ~~معلومون، فعرفهم باللام المستغرقة لجنسهم، وأما هنا فإنهم غير معروفين ~~لقوله: # إن كان من المقربين # [الواقعة: 88] فجعل موضعه غير معروف، أو يقال: إن المذكور هنا جميع ~~السابقين، ومنزلتهم أعلى المنازل، فهي معروفة، لأنها لا حد فوقها. # وأما باقي المقربين فلكل واحد مرتبة ودرجة، فمنازلهم متفاوتة، فهم في ~~جنات متباينة في المنزلة، لا يجمعها صفة، فلم يعرفها. # قوله: { ثلة من الأولين }. # " ثلة " خبر مبتدأ مضمر، أي " هم ". # ويجوز أن يكون مبتدأ خبره مضمر، أي منهم ثلة. # أي: من السابقين، يعني أن التقسيم وقع [بينهم]. # وأن يكون مبتدأ خبره { في جنات النعيم }. # أو قوله: { على سرر }. # فهذه أربعة أوجه. # و " الثلة ": الجماعة من الناس، وقيدها الزمخشري بالكثيرة. # وأنشد: [الطويل] # 4672- وجاءت إليهم ثلة خندفية # بجيش كتيار من البحر مزبد # ولم يقيدها غيره، بل صرح بأنها الجماعة قلت أو كثرت. # وقال الراغب: الثلة: قطعة مجتمعة من الصوف؛ ولذلك قيل للمقيم: " ~~ثلة " يعني بفتح الثاء. # ومنه قوله: [الرجز] # 4673- أمرعت الأرض لو ان مالا # لو أن نوقا لك أو جمالا # أو ثلة من غنم إما لا # انتهى. # ثم قال: " ولاعتبار الاجتماع، قيل: { ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين ~~} أي جماعة، وثللت كذا: تناولت ثلة منه، وثل عرشه: أسقط ثلة منه ~~والثلل: قصر الأسنان لسقوط ثلة منها، وأثل فمه: سقطت، وتثللت ~~الركبة: تهدمت " انتهى. # فقد أطلق أنها الجماعة من غير قيد بقلة ولا بكثرة. والكثرة التي فهمها ~~الزمخشري قد تكون من السياق. ms8273 # وقال الزجاج: الثلة: الفرقة. # و " من الأولين " صفة ل " ثلة " ، وكذلك " من الآخرين " صفة ~~ل " قليل ". # فصل في المراد بقوله: ثلة من الأولين # قوله تعالى: { ثلة من الأولين }. أي جماعة من الأمم ~~الماضية. # { وقليل من الآخرين } أي: ممن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~قال الحسن: " ثلة " ممن قد مضى قبل هذه الأمة، " وقليل " من أصحاب ~~محمد صلى الله عليه وسلم اللهم اجعلنا منهم بكرمك. # وسموا قليلا بالإضافة إلى من كان قبلهم؛ لأن الأنبياء المتقدمين كثروا، ~~فكثر السابقون إلى الإيمان بهم، فزادوا على عدد من سبق إلى التصديق من ~~أمتنا. # (قيل: لما نزلت هذه الآية شق على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم) ~~فنزلت { ثلة من الأولين وقليل من الآخرين } فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، بل نصف أهل ~~الجنة، وتقاسمونهم في النصف الثاني " # رواه أبو هريرة ذكره الماوردي وغيره، ومعناه ثابت في " صحيح مسلم " ، من ~~حديث عبد الله بن مسعود، وكأنه أراد أنها منسوخة. # قال ابن الخطيب: وهذا في غاية الضعف من وجوه: # أحدها: أن عدد أمة محمد صلى الله عليه وسلم كان في ذلك الزمان، بل إلى ~~آخر الزمان بالنسبة إلى ما مضى في غاية القلة، فالمراد بالأولين: ~~الأنبياء وكبار أصحابهم، وهم إذا جمعوا أكثر من السابقين من هذه الأمة. # الثاني: أن هذا خبر، والخبر لا ينسخ. # الثالث: أن هذه الآية في السابقين، والتي بعدها في أصحاب اليمين. # الرابع: أنه إذا جعل قليل منهم مع الأنبياء والرسل المتقدمين كانوا في ~~درجة واحدة، وذلك يوجب الفرح؛ لأنه إنعام عظيم، ولعل الإشارة إليه بقوله ~~عليه الصلاة والسلام: # " علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل ". # قال القرطبي: " والأشبه أنها محكمة؛ لأنها خبر، والخبر لا ينسخ؛ لأن ذلك ~~في جماعتين مختلفتين ". # قال الحسن: سابقو من مضى أكثر من سابقينا، فلذلك قال: { وقليل من ~~الآخرين } ، وقال في أصحاب اليمين، وهم سوى السابقين: { ثلة من ~~الأولين وثلة من الآخرين }. # ولذلك [قال عليه الصلاة والسلام: # " إني لأرجو أن تكون أمتي ms8274 شطر أهل الجنة " # ، ثم تلا: { ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين } ]. # وقال أبو بكر رضي الله عنه: كلا الثلتين من أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم فمنهم من هو في أول أمته، ومنهم من هو في آخرها. # وهو مثل قوله تعالى: # فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم ~~سابق بالخيرات بإذن الله # [فاطر: 32]. # وقيل: المراد { ثلة من الأولين } هم السابقون الأولون من ~~المهاجرين والأنصار، فإن أكثرهم لهم الدرجة العليا، كما قال تعالى: # لا يستوي منكم من # [الحديد: 10]. # { وقليل من الآخرين } لحقوهم، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: # " خيركم قرني ثم الذين يلونهم " # ثم سوى في أصحاب اليمين بين الأولين والآخرين. # قال ابن الخطيب: وعلى هذا فقوله: { وكنتم أزواجا ثلاثة } ~~يكون خطابا مع الموجودين وقت التنزيل، ولا يكون فيه بيان الأولين الذين ~~كانوا قبل نبينا - عليه الصلاة والسلام - وهذا ظاهر؛ لأن الخطاب لا يتعلق ~~إلا بالموجودين من حيث اللفظ، ويدخل فيه غيره بالدليل. # ووجه آخر: أن المراد بالأولين الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وبالآخرين، ~~أي: ذرياتهم الملحقون بهم في قوله تعالى: # واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ~~ذريتهم # [الطور: 21]. # وقال الزجاج: الذين عاينوا جميع النبيين من لدن آدم وصدقوهم أكثر ~~مما عاين النبي صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: { على سرر موضونة }. # أي: السابقون في الجنة على سرر، أي: مجالسهم على سرر، جمع سرير. # وقرأ زيد بن علي، وأبو السمال: " سرر " بفتح الراء الأولى وقد تقدم ~~أنها لغة لبعض بني " كلب " و " تميم ". # و " الموضونة ": قال ابن عباس: منسوجة بالذهب. # وقال عكرمة: مشبكة بالدر والياقوت. # وعن ابن عباس أيضا: " موضونة " أي: مصفوفة، لقوله تعالى في موضع: # على سرر مصفوفة # [الطور: 20]. # وعنه، وعن مجاهد أيضا: مرمولة بالذهب. # وقيل: " موضونة ": منسوجة بقضبان الذهب مشبكة بالدر والياقوت. # و " الموضونة ": المنسوجة، وأصله من وضنت الشيء، أي ركبته بعضه على ~~بعض. # ومنه قيل للدرع: " موضونة "؛ لتراكب حلقها. # قال الأعشى: المتقارب] # 4674- ومن نسج داود موضونة # تسير مع الحي عيرا فعيرا # وعنه أيضا: وضين الناقة، وهو حزامها لتراكب طاقاته؛ قال: [الرجز] # 4675- إليك ms8275 تعدو قلقا وضينها # معترضا في بطنها جنينها # مخالفا دين النصارى دينها # وقال الراغب: " الوضن: نسج الدرع، ويستعار لكل نسج محكم ". # فجعله أصلا في نسيج الدروع. # وقال الآخر: [الوافر] # 4676- أقول وقد درأت لها وضيني # أهذا دينه أبدا وديني؟ # أي حزامي. # و " الوضين ": هو الحبل العريض الذي يكون منه الحزم لقوة سداه ~~ولحمته، والسرير الموضون الذي سطحه بمنزلة المنسوج. # قال القرطبي " ومنه الوضين بطان من سيور ينسج، فيدخل بعضه في بعض ". # قوله: { متكئين عليها متقابلين }. # حالان من الضمير في " على سرر ". # ويجوز أن تكون حالا متداخلة، فيكون " متقابلين " حالا من ضمير " ~~متكئين ". # فصل في معنى الآية # " متكئين " على السرر، " متقابلين " لا يرى بعضهم قفا بعض، بل ~~تدور بهم الأسرة. # والمعنى: أنهم كائنون على سرر متكئين على غيرها كحال من يكون على كرسي، ~~فيوضع تحته شيء آخر للاتكاء عليه. # قال مجاهد وغيره: هذا في المؤمن وزوجته وأهله، أي: يتكئون متقابلين. # قال الكلبي: طول كل سرير ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد العبد أن يجلس عليها ~~تواضعت، فإذا جلس عليها ارتفعت. # قوله: { يطوف }. # يجوز أن يكون حالا، وأن يكون استئنافا. # { ولدان مخلدون } أي: غلمان لا يموتون. قاله مجاهد. # والمعنى: لا موت لهم ولا فناء، أو بمعنى لا يتغير حالهم، ويبقون صغارا ~~دائما. # وقال الحسن والكلبي: لا يهرمون ولا يتغيرون. # ومنه قول امرىء القيس: [الطويل] # 4677- وهل ينعمن إلا سعيد مخلد # قليل الهموم ما يبيت بأوجال # وقال سعيد بن جبير: " مخلدون " مقرطون. # يقال للقرط: الخلدة، ولجماعة الحلي: الخلدة. # وقيل: مسورون، ونحوه عن الفراء. # قال الشاعر: [الكامل] # 4678- ومخلدات باللجين كأنما # أعجازهن أقاوز الكثبان # وقيل: مقرطون، يعني: ممنطقون من المناطق. # وقال عكرمة: " مخلدون " منعمون. # وقيل: على سن واحدة، أنشأهم الله لأهل الجنة يطوفون عليهم، كما شاء من ~~غير ولادة؛ لأن الجنة لا ولادة فيها. # وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - والحسن البصري: " الولدان " ~~هاهنا ولدان المسلمين الذين يموتون صغارا، ولا حسنة لهم ولا سيئة. # وقال سلمان الفارسي: أطفال المشركين هم خدم أهل الجنة. # قال الحسن: لم يكن لهم ms8276 حسنات يجازون بها، ولا سيئات يعاقبون عليها، ~~فوضعوا هذا الموضع، والمقصود أن أهل الجنة على أتم السرور والنعمة. # قوله: " بأكواب " متعلق ب " يطوف ". # و " الأكواب ": جمع كوب، وهي الآنية التي لا عرى لها ولا خراطيم، وقد ~~مضت في " الزخرف " و " الأباريق ": جمع إبريق، وهي التي لها عرى ~~وخراطيم، واحدها: إبريق، وهو من آنية الخمر، سمي بذلك لبريق لونه ~~من صفائه. # قال الشاعر: [البسيط] # 4679- أفنى تلادي وما جمعت من نشب # قرع القوارير أفواه الأباريق # وقال عدي بن زيد: [الخفيف] # 4680- وتداعوا إلى الصبوح فقامت # قينة في يمينها إبريق # وقال آخر: [البسيط] # 4681- كأن إبريقهم ظبي على شرف # مقدم بسبا الكتان ملثوم # ووزنه " إفعيل " لاشتقاقه من البريق. # قوله: { وكأس من معين } تقدم في " الصافات ". # و " المعين ": الجاري من ماء أو خمر، غير أن المراد هنا الخمر الجارية ~~من العيون. # وقيل: الظاهرة، فيكون " معين " مفعول من المعاينة. # وقيل: هو " فعيل " من المعن، وهو الكثرة. # قال ابن الخطيب: هو مأخوذ من معن الماء إذا جرى. # وقيل: بمعنى " مفعول " ، فيكون من " عانه " إذا شخصه بعينه وميزه. # قال: والأول أظهر؛ لأن المعيون يوهم بأنه معيوب. # يقال: ضربني بعينه أي: أصابني بعينه؛ ولأن الوصف [بالمفعول] لا فائدة ~~فيه. # وأما الجريان في المشروب فإن كان في الماء فهو صفة مدح، وإن كان في ~~غيره، فهو أمر عجيب لا يوجد في الدنيا، فيكون كقوله تعالى: # وأنهار من خمر لذة للشاربين # [محمد: 15] وبين أنها ليست كخمر الدنيا يستخرج بتكلف ومعالجة. # فإن قيل: كيف جمع الأكواب والأباريق، وأفرد الكأس؟. # فالجواب: أن ذلك على عادة أهل الشرب فإنهم يعدون الخمر في أوان كبيرة، ~~ويشربون بكأس واحدة، وفيها مباهاتهم لأهل الدنيا من حيث إنهم يطوفون ~~بالأكواب والأباريق، ولا ينتقل عليهم، بخلاف الدنيا، أو يقال: إنما أفردت ~~الكأس لأنها إنما تسمى كأسا إذا كانت مملوءة، فالمراد اتخاذ المشروب ~~الذي فيها، وأخر الكأس مناسبة لاتصاله بالشرب. # قوله: { لا يصدعون }. # يجوز أن تكون مستأنفة، أخبر عنهم بذلك. # وأن تكون حالا من الضمير في " عليهم ". # ومعنى { لا يصدعون عنها ms8277 } أي: بسببها. # قال الزمخشري: وحقيقته لا يصدر صداعهم عنها. # والصداع؛ هو الداء المعروف الذي يلحق الإنسان في رأسه، والخمر تؤثر ~~فيه. # قال علقمة بن عبدة في وصف الخمر: [البسيط] # 4682- تشفي الصداع ولا يؤذيك حالبها # ولا يخالطها في الرأس تدويم # قال أبو حيان: هذه صفة خمر أهل الجنة، كذا قال الشيخ أبو جعفر بن الزبير ~~لما قرأت هذا الديوان عليه. # والمعنى لا يتصدع رءوسهم من شربها، أي: أنها لذة بلا أذى، بخلاف شراب ~~الدنيا. # وقيل: " لا يصدعون " لا يتفرقون كما يتفرق الشرب من الشراب ~~للعوارض الدنيوية، ومن مجيء " تصدع " بمعنى: تفرق، قوله: فتصدع السحاب عن ~~المدينة، أي: تفرق. # ويرجحه قراءة مجاهد: " لا يصدعون " بفتح الياء وتشديد الصاد. # والأصل: " لا يتصدعون " أي: لا يتفرقون، كقوله تعالى: # يومئذ يصدعون # [الروم: 43]. # وحكى الزمخشري قراءة، وهي: " لا يصدعون " بضم الياء، وتخفيف ~~الصاد، وكسر الدال مشددة. # قال: " أي لا يصدع بعضهم بعضا، لا يفرقونهم ". # قوله: { ولا ينزفون }. # تقدم الخلاف بين السبعة في " ينزفون " ، وتفسيره في " والصافات ". # وقرأ ابن إسحاق: بفتح الياء وكسر الزاي من نزف البئر، إذا استقى ما ~~فيها. # والمعنى لا ينفد خمرهم. # ومنه قول الشاعر: [الطويل] # 4683- لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم # لبئس الندامى كنتم آل أبجرا # وقال أبو حيان: " وابن أبي إسحاق وعبد الله والجحدري والأعمش وطلحة ~~وعيسى: بضم الياء وكسر الزاي، أي: لا يقيء شرابهم ". # قال شهاب الدين: وهذا عجيب منه فإنه قد تقدم في " الصافات " أن ~~الكوفيين يقرءون في " الواقعة " بكسر الزاي، وقد نقل هو هذه القراءة في ~~قصيدته. # وروى الضحاك عن ابن عباس قال: في الخمر أربع خصال: السكر، والصداع، ~~والقيء، والبول، وقد نزه الله - تعالى - خمر الجنة عن هذه الخصال. # قوله: { وفاكهة }. # العامة على جر " فاكهة ولحم " عطفا على " أكواب ". # أي: يطوفون عليهم بهذه الأشياء المأكول والمشروب والمتفكه به، وهذا ~~كقوله: # عيشة راضية # [الحاقة: 21]. # فإن قيل: الفاكهة لا يطوف بها الولدان، والعطف يقتضي ذلك؟. # فالجواب: أن الفاكهة واللحم في الدنيا يطلبان في حال الشرب فجاز أن يطوف ~~بهما الولدان [هنا] ms8278 فيناولونهم الفواكه الغريبة، واللحوم العجيبة لا ~~للأكل، بل للإكرام، كما يصنع المكرم للضيف أنواع الفواكه بيده، أو يكون ~~معطوفا على المعنى في قوله: { جنات النعيم } أي: مقربون في ~~جنات، وفاكهة، ولحم، وحور، أي: في هذه النعم يتقلبون [عليهم بهذه ~~الأشياء: المأكول، والمشروب، والمتفكه]. # وقرأ زيد بن علي، وأبو عبد الرحمن - رضي الله عنهم -، برفعهما على ~~الابتداء، والخبر مقدر، أي: ولهم كذا. # والمعنى يتخيرون ما شاءوا من الفواكه لكثرتها. # وقيل: المعنى: وفاكهة متخيرة مرضية، والتخير: الاختيار. # وقوله: { ولحم طير مما يشتهون }. # قال ابن عباس: يخطر على قلبه لحم الطير، فيصير ممتثلا بين يديه على ~~ما اشتهى، ثم يطير فيذهب. # قوله: { وحور عين }. # قرأ الأخوان: بجر " حور عين ". # والباقون: برفعهما. # والنخعي: " وحير عين " بقلب الواو ياء وجرهما. # وأبي وعبد الله قال القرطبي والأشهب العقيلي وعيسى بن عمر الثقفي، وهو ~~كذلك في مصحف أبي: " وحورا عينا " بنصبهما. # فأما الجر فمن أوجه: # أحدها: أنه عطف على " جنات النعيم " كأنه قيل: هم في جنات وفاكهة ~~ولحم وحور؛ قاله الزمخشري. # قال أبو حيان: " وهذا فيه بعد وتفكيك كلام مرتبط بعضه ببعض، وهو فهم ~~أعجمي ". # قال شهاب الدين: " والذي ذهب إليه الزمخشري معنى حسن جدا، وهو على حذف ~~مضاف أي: وفي مقارنة حور، وهو الذي عناه الزمخشري، وقد صرح غيره بتقدير ~~هذا المضاف ". # وقال الفراء: الجر على الإتباع في اللفظ، وإن اختلفا في المعنى؛ لأن ~~الحور لا يطاف بهن. # قال الشاعر: [الوافر] # 4684- إذا ما الغانيات برزن يوما # وزججن الحواجب والعيونا # والعين لا تزجج، وإنما تكحل. # وقال آخر: [مجزوء الكامل] # 4685- ورأيت زوجك في الوغى # متقلدا سيفا ورمحا # الثاني: أنه معطوف على " بأكواب " ، وذلك بتجوز في قوله: " يطوف ~~"؛ إذ معناه ينعمون فيها بأكواب، وبكذا، وبحور. قاله الزمخشري. # الثالث: أنه معطوف عليه حقيقة، وأن الولدان يطوفون عليهم بالحور أيضا ~~فإن فيه لذة لهم إذا طافوا عليهم بالمأكول؛ والمشروب، والمتفكه به، ~~والمنكوح، وإلى هذا ذهب أبو عمرو بن العلاء وقطرب. # ولا التفات إلى قول أبي البقاء: عطفا على " أكواب " في اللفظ ms8279 دون ~~المعنى؛ لأن الحور لا يطاف بها. # وأما الرفع فمن أوجه: # أحدها: عطفا على " ولدان ". # أي: أن الحور يطفن عليهم بذلك كالولائد في الدنيا. # وقال أبو البقاء: " أي يطفن عليهم للتنعيم لا للخدمة ". # قال شهاب الدين: " وهو للخدمة أبلغ؛ لأنهم إذا خدمهم مثل أولئك، فما ~~الظن بالموطوءات ". # الثاني: أن يعطف على الضمير المستكن في " متكئين " ، وسوغ ذلك الفصل ~~بما بينهما. # الثالث: أن يعطف على مبتدأ وخبر حذفا معا، تقديره: " لهم هذا كله وحور ~~عين " قاله أبو حيان. # وفيه نظر؛ لأنه إنما يعطف على المبتدأ وحده، وذلك الخبر له، ولما عطف هو ~~عليه. # الرابع: أن يكون مبتدأ خبره مضمر، تقديره: ولهم، أو فيها، أو ثم حور. # وقال الزمخشري: " عطف على وفيها حور عين، كبيت الكتاب ". # يريد: كتاب سيبويه، والمراد بالبيت قوله: [الكامل] # 4686- بادت وغير آيهن مع البلى # إلا رواكد جمرهن هباء # ومشجج أما سواء قذاله # فبدا وغير ساره المعزاء # عطف " مشجج " وهو مرفوع على " رواكد " ، وهو منصوب. # الخامس: أن يكون خبرا لمبتدأ مضمر، أي: نساؤهم حور. قاله أبو البقاء. # قال الكسائي: ومن قال: " وحور عين " بالرفع، وعلل بأنه لا يطاف بهن ~~يلزمه ذلك في " فاكهة ولحم "؛ لأن ذلك لا يطاف به، وليس يطاف إلا ~~بالخمر وحدها. # وأما النصب ففيه وجهان: # أحدهما: أنه منصوب بإضمار فعل، أي: يعطون، أو يؤتون حورا. # والثاني: أن يكون محمولا على معنى " يطوف عليهم "؛ لأن معناه: ~~يعطون كذا وكذا، فعطف هذا عليه. # وقال مكي: " ويجوز النصب على أن يحمل أيضا على المعنى؛ لأن معنى " ~~يطوف عليهم ولدان " بكذا وكذا، أي: يعطون كذا وكذا، ثم عطف " حورا " على ~~معناه " ، فكأنه لم يطلع [على أنها] قراءة. # وأما قراءة: " وحير " فلمجاورتها " عين " ، ولأن الياء أخف من ~~الواو، ونظيره في التعبير للمجاورة قولهم: " أخذه ما قدم وما حدث " - ~~بضم دال - " حدث " لأجل " قدم " ، وإذا أفرد منه فتحت داله فقط. # وقوله عليه الصلاة والسلام: # " ورب السموات وما أظللن، ورب الشياطين ومن أضللن ". # [وقوله: # " أيتكن صاحبة الجمل الأدبب، ينبحها كلاب الحوأب " # ، فك الأدبب ms8280 لأجل الحوأب]. # وقرأ قتادة: " وحور عين " بالرفع والإضافة ل " عين ". # وابن مقسم: بالنصب والإضافة. # وقد تقدم توجيه الرفع والنصب. # وأما بالإضافة: فمن إضافة الموصوف لصفته مؤولا. # وقرأ عكرمة: [ " وحوراء عيناء " بإفرادهما على إرادة الجنس]. # وهذه القراءة تحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون نصبا كقراءة عبد الله وأبي. # وأن يكون جرا كقراءة الأخوين؛ لأن هذين الاسمين لا يتصرفان، فهما ~~محتملان للوجهين. # وتقدم الكلام في اشتقاق العين. # " كأمثال ": صفة، أو حال. # و " جزاء ": مفعول من أجله، أو مصدر، أي: يحزون جزاء. # فصل في تفسير الآية # قال المفسرون: " حور " بيض، " عين " ضخام الأعين، { كأمثال ~~اللؤلؤ المكنون } أي المخزون في الصدف لم تمسه الأيدي، ولم ~~يقع عليه الغبار، فهو أشد ما يكون صفاء. # وقوله: { جزآء بما كانوا يعملون }. # قالت المعتزلة: هذا يدل على أن يقال: الثواب واجب على الله - تعالى - ~~لأن الجزاء لا يجوز الإخلال به. # وأجيبوا بأنه لو صح ما ذكروا لما كان في الوعد بهذه الأشياء فائدة؛ لأن ~~العقل إذا حكم بأن ترك الجزاء قبيح، وعلم بالعقل أن القبيح من الله تعالى ~~لا يوجد، علم أن الله تعالى يعطي هذه الأشياء، لأنها أجزية، وإيصال ~~الثواب واجب، وأيضا فكان لا يصح التمدح به. # قوله: { لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما }. # قال ابن عباس: باطلا وكذبا. # و " اللغو ": ما يلغى من الكلام. # و " التأثيم ": مصدر أثمته، أي: قلت له: أثمت. # قال محمد بن كعب: " ولا تأثيما " ، أي: لا يؤثم بعضهم بعضا. # وقال مجاهد: { لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما }: شتما ولا مأثما. # قوله: " إلا قيلا " ، فيه قولان: # أحدهما: أنه استثناء منقطع، وهذا واضح؛ لأنه لم يندرج تحت اللغو ~~والتأثيم. # والثاني: أنه متصل. # وفيه بعد، وكأن هذا رأى أن الأصل: لا يسمعون فيها كلاما، فاندرج عنده ~~فيه. # وقال مكي: وقيل: منصوب ب " يسمعون ". وكأنه أراد هذا القول. # قوله: { سلاما سلاما }. فيه أوجه: # أحدها: أنه بدل من " قيلا " أي: لا يسمعون فيها إلا سلاما سلاما. # الثاني: أنه نعت ل " قيلا ". # الثالث: أنه منصوب بنفس " قيلا " ، أي: إلا ms8281 أن يقولوا: سلاما ~~سلاما، وهو قول الزجاج. # الرابع: أن يكون منصوبا بفعل مقدر، ذلك الفعل محكي ب " قيلا " ~~تقديره: إلا قيلا سلموا سلاما. # وقرىء: " سلام " بالرفع. # قال الزمخشري: " على الحكاية ". # قال مكي: " ويجوز أن يكون في الكلام الرفع على معنى " سلام عليكم " ~~ابتداء وخبر " وكأنه لم يعرفها قراءة. # فصل في معنى الآية # معنى " قيلا سلاما " أي: قولا سلاما. # وقال عطاء: يحيي بعضهم بعضا بالسلام. # قال القرطبي: " والسلام الثاني بدل من الأول، والمعنى: إلا قيلا يسلم ~~فيه من اللغو، وقيل: تحييهم الملائكة، أو يحييهم ربهم عز وجل ". # وكرر السلام إشارة إلى كثرة السلام عليهم، ولهذا لم يكرر قوله: # سلام قولا من رب رحيم # [يس: 58]. # و " القيل " مصدر كالقول. # قال ابن الخطيب: فيكون " قيلا " مصدرا، لكن لا نظير له في " باب " فعل ~~يفعل من الأجوف. # وقيل: إنه اسم، والقول مصدر. ### || [56.27-40] # قوله تعالى: { وأصحاب اليمين مآ أصحاب اليمين }. # رجع إلى ذكر أصحاب الميمنة، والتكرير لتعظيم شأن النعيم. # فإن قيل: ما الحكمة في ذكرهم بلفظ " أصحاب الميمنة " عند تقسيم الأزواج ~~الثلاثة؟ فلفظ " أصحاب الميمنة " " مفعلة " إما بمعنى موضع اليمين ~~[كالحكمة موضع الحكم، أي: الأرض التي فيها " اليمن " ، وإما بمعنى موضع ~~اليمين] كالمنارة موضع النار، والمجمرة موضع الجمرة، وكيفما كان، ~~فالميمنة فيها دلالة على الموضع، لكن الأزواج الثلاثة في أول الأمر ~~يتميزون بعضهم عن بعض ويتفرقون، لقوله تعالى: # يومئذ يتفرقون # [الروم: 14]، وقال: # يومئذ يصدعون # [الروم: 43] فيتفرقون بالمكان، فأشار إليهم في الأول بلفظ يدل على ~~المكان، ثم عند الثواب وقع تفريقهم بأمر منهم لا بأمر هم فيه وهو المكان، ~~فقال: " وأصحاب اليمين " أي الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم. # وقيل: أصحاب القوة. # وقيل: أصحاب النور. # قوله: { في سدر مخضود }. # قال ابن عباس وغيره: { في سدر مخضود } أي: في نبق قد ~~خضد شوكه. # وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا صفوان عن سليم بن عامر عن أبي أمامة، قال: ~~كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: إنه لينفعنا الأعراب ~~ومسائلهم، قال: # " أقبل أعرابي يوما، فقال: يا رسول الله: لقد ms8282 ذكر الله شجرة في القرآن ~~مؤذية، وما كنت أرى في الجنة شجرة تؤذي صاحبها؟. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما هي؟. # قال: السدر، فإن له شوكا مؤذيا، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " أو ليس يقول: " سدر مخضود " خضد الله شوكه، فجعل مكان ~~كل شوكة ثمرة، فإنها تنبت ثمرا، يفتق الثمر منها عن اثنين وسبعين لونا ~~من الطعام، ما فيه لون يشبه الآخر " ". # وقال أبو العالية والضحاك: نظر المسلمون إلى " وج " - وهو واد ب " ~~الطائف " مخصب - فأعجبهم سدره، فقالوا: يا ليت لنا مثل هذه، فنزلت. # قال أمية بن أبي الصلت رضي الله عنه يصف الجنة: [الكامل] # 4687- إن الحدائق في الجنان ظليلة # فيها الكواعب سدرها مخضود # وقال الضحاك ومجاهد ومقاتل بن حيان: " في سدر مخضود " هو الموقر حملا. # وقال سعيد بن جبير: ثمرها أعظم من القلال. # قوله: { وطلح منضود }. # و " الطلح ": جمع الطلحة. قال علي وابن عباس وأكثر المفسرين: ~~الطلح: شجر الموز، واحده طلحة. # وقال الحسن: ليس موزا، ولكنه شجر له ظل بارد رطب. # وقال الفراء وأبو عبيدة: شجر عظام له شوك. # قال الجعدي: [الرجز] # 4688- بشرها دليلها وقالا # غدا ترين الطلح والحبالا # ف " الطلح ": كل شجر عظيم كثير الشوك. # وقال الزجاج: هو شجر أم غيلان. # وقال مجاهد: ولكن ثمرها أحلى من العسل. # وقال الزجاج: لها نور طيب جدا فخوطبوا ووعدوا بما يحبون مثله إلا أن ~~فضله على ما في الدنيا كفضل سائر ما في الجنة على ما في الدنيا. # وقال السدي: طلح الجنة يشبه طلح الدنيا، لكن له ثمر أحلى من العسل. # وقوله: " منضود ". أي متراكب. # قال المفسرون: موقور من الحمل حتى لا يبين ساقه من كثرة ثمره، وتثني ~~أغصانه. # وقرأ علي - رضي الله عنه - وعبد الله، وجعفر بن محمد: " وطلع " ~~بالعين، لقوله تعالى: # طلعها هضيم # [الشعراء: 148]. # ولما قرأ علي - رضي الله عنه - قال: " وما شأن الطلح " واستدل ~~بقوله # لها طلع نضيد # [ق: 10]، فقيل: أنحولها؟ فقال: لا ينبغي أن يهاج القرآن اليوم ولا ~~يحول. # فقد اختار هذه القراءة، ms8283 ويروى عن ابن عباس مثله. # قال القرطبي: " فلم ير إثباتها في المصحف لمخالفة ما رسمه مجمع عليه، ~~قاله القشيري وأسنده أبو بكر بن الأنباري بسنده إلى علي رضي الله عنه ~~". # فصل في المراد بالآية # قال ابن الخطيب: المخضود: المأخوذ الشوك. # وقيل: المتعطف إلى أسفل، فإن رءوس أغصان السدر في الدنيا تميل إلى فوق ~~لعدم ما يثقله بخلاف أشجار الجنة فإن رءوسها تتدلى. # والظاهر: أن الطلح شجر الموز، وذكر طرفين ليندرج ما بينهما، فإن ورق ~~السدر صغير، وورق الطلح وهو الموز كبير، وبينهما أنواع من الأوراق ~~متوسطة كما ذكر في النخل والرمان، كقولهم: فلان يرضي الصغير والكبير، ~~فيدخل ما بينهما. # و " المنضود ": المتراكب الذي قد نضد أوله وآخره بالحمل، ليست له ~~سوق بارزة، بل هو مرصوص. # و " النضد ": هو الرص، و " المنضود ": المرصوص. # قال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أفنانها نضيدة، ثمر كله كلما أكلت ~~ثمرة عاد مكانها أحسن منها. # قوله: { وظل ممدود }. # أي: دائم باق لا يزول، ولا تنسخه الشمس، كقوله تعالى: # ألم تر إلى ربك كيف مد الظل # [الفرقان: 45]. # وذلك بالغداة، وهي ما بين الإسفار إلى طلوع الشمس، والجنة كلها ظل لا ~~شمس معه. # قال ابن الخطيب: إن الشمس إذا كانت تحت الأرض يقع ظلها في الجو، ~~فيتراكم الظل فيسود وجه الأرض، وإذا كانت الشمس في أحد جانبي الأرض من ~~الأفق، فينبسط الظل على وجه الأرض، فيضيء الجو ولا يسود وجه الأرض، فيكون ~~في غاية الطيبة، فقوله: { وظل ممدود } أي: كالظل بالليل، وعلى ~~هذا فالظل ليس ظل الأشجار، بل ظل يخلقه الله تعالى. # وقال الربيع بن أنس: يعني ظل العرش. # وقال عمرو بن ميمون: مسيرة سبعين ألف سنة. # وقال أبو عبيدة: تقول العرب للدهر الطويل [والعمر الطويل] والشيء الذي ~~لا ينقطع: ممدود. # قال الشاعر: [الكامل] # 4689- غلب العزاء وكنت غير مغلب # دهر طويل دائم ممدود # وفي " صحيح الترمذي " وغيره عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # " في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام، ms8284 لا ~~يقطعها، اقرءوا إن شئتم: { وظل ممدود } ". # وهذا الحديث يرد قول ابن الخطيب من أنه ليس ظل الأشجار. # قوله: { ومآء مسكوب }. # أي: مصبوب بكثرة. # وقيل: جار لا ينقطع. # وأصل السكب: الصب، يقال: سكبه سكبا، والسكوب: انصبابه، ~~يقال: سكب سكوبا. # وانصب انسكب انسكابا. # ومعنى الآية: وماء مصبوب يجري في غير أخدود لا ينقطع عنهم. # قال ابن الخطيب: معناه: مسكوب من فوق؛ لأن أكثر ماء العرب من الآبار ~~والبرك فلا ينسكب. # وقيل: جار في غير أخدود [بأبحر] الهواء. # وكانت العرب أصحاب بادية، [وبلادها] حارة، وكانت الأنهار في بلادهم ~~عزيزة لا يصلون إلى الماء إلا بالدلو والرشاء، فوعدوا في الجنة خلاف ~~ذلك. # قوله: { وفاكهة كثيرة }. # قرىء: برفع " فاكهة ". # أي: وهناك، أو ولهم، أو فيها، أو وثم فاكهة. # قال ابن الخطيب: لما ذكر الأشجار التي يطلب منها ورقها، وذكر بعدها ~~الأشجار التي يقصد بها ثمرها، ذكر الفاكهة بعد ذكر الأشجار انتقالا من ~~نعمة إلى نعمة، ووصفت بالكثرة دون الطيب واللذة؛ لأن الفاكهة تدل عليها. # قوله: " لا مقطوعة ". فيه وجهان: # أظهرهما: أنه نعت ل " فاكهة " ، و " لا " للنفي، كقولك: " مررت برجل ~~لا طويل ولا قصير " ولذلك لزم تكرارها. # والثاني: هو معطوف على " فاكهة " ، و " لا " عاطفة. قاله أبو البقاء. # وحينئذ لا بد من حذف موصوف، أي: لا فاكهة مقطوعة، لئلا تعطف الصفة على ~~موصوفها. # والمعنى: ليست كفواكه الدنيا تنقطع في أوقات كثيرة، وفي كثير من ~~المواضع، " ولا ممنوعة " أي: لا تمنع من الناس لغلو أثمانها. # وقيل: لا يحظر عليها كثمار الدنيا. # وقيل: لا تمنع من أرادها بشوك، ولا بعد ولا حائط، بل إذا اشتهاها العبد ~~دنت منه حتى يأخذها، قال تعالى: # وذللت قطوفها تذليلا # [الإنسان: 14]. # قوله: { وفرش مرفوعة }. # العامة: على ضم الراء، جمع: " فراش ". # وأبو حيوة: بسكونها، وهي مخففة من المشهورة. # و " الفرش ": قيل: هي الفراش المعهودة، مرفوعة على الأسرة. # وقيل: هي كناية عن النساء كما كنى عنهن باللباس، أي: ونساء مرتفعات ~~الأقدار في حسنهن وكمالهن، والعرب تسمي المرأة فراشا ولباسا وإزارا، ~~قاله أبو عبيدة ms8285 وغيره. # قالوا: ولذلك أعاد الضمير عليهن [في قوله]: " إنا أنشأناهن ". # وأجاب غيرهم بأنه عائد على النساء الدال عليهن الفراش. # وقيل: يعود على الحور المتقدمة. # وعن الأخفش: " هن " ضمير لمن لم يجر له ذكر، بل يدل عليه السياق. # وقيل: مرفوعة القدر، يقال: ثوب رفيع أي: [عزيز] مرتفع القدر والثمن، ~~بدليل قوله تعالى: # متكئين على فرش بطآئنها من إستبرق # [الرحمن: 54] فكيف ظهائرها؟ وقيل: مرفوعة بعضها فوق بعض. # " وروى الترمذي عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله ~~تعالى: { وفرش مرفوعة } قال: " ارتفاعها كما بين ~~السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام " قال: حديث غريب ". # قوله: { إنآ أنشأناهن }. # قيل: الضمير يعود (على) الحور العين، أي: خلقناهن من غير ولادة. # وقيل: المراد نساء بني آدم خلقناهن خلقا جديدا، وهو الإعادة، أي ~~أعدناهن إلى حال الشباب، وكمال الجمال، ويرجحه قوله: { ~~فجعلناهن أبكارا } لأن المخلوقة ابتداء معلوم أنها بكر. # والمعنى أنشأنا العجوز والصبية إنشاء، وأخرن، ولم يتقدم ذكرهن؛ ~~لأنهن قد دخلن في أصحاب اليمين، ولأن الفرش كناية عن النساء كما تقدم. # " وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: { إنآ ~~أنشأناهن إنشآء } قال: " منهن البكر والثيب " ". # " وروى النحاس بإسناده عن أم سلمة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~قوله تعالى: { إنآ أنشأناهن إنشآء فجعلناهن ~~أبكارا عربا أترابا } ، فقال: " يا أم سلمة، هن ~~اللواتي قبضن في الدنيا عجائز، شمطا، عمشا، رمصا، ~~جعلهن الله بعد الكبر أترابا على ميلاد واحد في الاستواء " ~~". # وروى أنس بن مالك، يرفعه في قوله: { إنآ أنشأناهن إنشآء } ~~قال: " هن العجائز العمش، الرمص، كن في الدنيا عمشا ~~رمصا ". # وعن المسيب بن شريك: # " قال النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: { إنآ ~~أنشأناهن إنشآء فجعلناهن أبكارا عربا ~~أترابا } ، قال: " هن عجائز الدنيا، أنشأهن الله تعالى ~~خلقا جديدا، كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا " فلما ~~سمعت عائشة بذلك قالت: واوجعاه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ليس ~~هناك وجع " ". # وعن الحسن قال: # " أتت عجوز النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول ms8286 الله ادع الله أن ~~يدخلني الجنة، فقال: " يا أم فلان، الجنة لا يدخلها عجوز " ، ~~قال: فولت تبكي، فقال: أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، ~~إن الله تعالى يقول: { إنآ أنشأناهن إنشآء ~~فجعلناهن أبكارا } ". # قوله: " عربا ". # جمع " عروب " ك " صبور، وصبر " ، والعروب: المحببة إلى بعلها، ~~واشتقاقه من " أعرب " إذا بين. # فالعروب: تبين محبتها لزوجها بشكل وغنج وحسن كلام. قاله عكرمة وقتادة. # وقيل: الحسناء. # وقيل: المحسنة لكلامها. # وقرأ حمزة، وأبو بكر: بسكون الراء. وهذا ك " رسل ورسل، وفرش ~~وفرش ". وقال ابن عباس رضي الله عنهما: هن العواشق. # وأنشد للبيد: [البسيط] # 4690- وفي الخدور عروب غير فاحشة # ريا الروادف يغشى دونها البصر # ويروى: [البسيط] # 4691- وفي الجنان عروب غير فاحشة # ريا الروادف يغشى ضوؤها البصرا # وعن ابن عباس ومجاهد وغيرهما: العرب، العواشق لأزواجهن. # وعن عكرمة: العروبة: الغنجة. # قال ابن زيد: بلغة أهل " المدينة " ، وأنشد بيت لبيد، وهي الشكلة ~~بلغة أهل " مكة ". # " وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في قوله تعالى: " عربا " قال: " كلامهن عربي " ". # وعن ابن عباس رضي الله عنهما: " العروب " الملقة. # قوله: " أترابا " جمع " ترب " ، وهو المساوي لك في سنك لأنه يمس ~~جلدها التراب في وقت واحد، وهو آكد في الائتلاف، وهو من الأسماء التي لا ~~تتعرف بالإضافة؛ لأنه في معنى الصفة؛ إذ معناه " مساويك " ، ومثله: " ~~خدنك " لأنه في معنى صاحبك. # قال القرطبي: " سن واحد، وهو ثلاث وثلاثون سنة، يقال في النساء: ~~أتراب، وفي الرجال: أقران، وكانت العرب تميل إلى من جاوزت حد ~~الصبا من النساء، وانحطت عن الكبر ". # وقال مجاهد: الأتراب: الأمثال والأشكال. # وقال السدي: أتراب في الأخلاق لا تباغض بينهن ولا تحاسد. # وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يدخل أهل الجنة الجنة جردا مردا، جعادا، مكحلين، ~~أبناء ثلاثين على خلق آدم طوله ستون ذراعا في سبعة ~~أذرع ". # وعنه - عليه الصلاة والسلام - قال: # " من مات من أهل الجنة من صغير وكبير دون بني ثلاثين ~~سنة في الجنة، لا يزيدون ms8287 عليها أبدا، وكذلك أهل النار ". # قوله: { لأصحاب اليمين }. # في هذه " اللام " وجهان: # أحدهما: أنها متعلقة ب " أنشأناهن " أي لأجل أصحاب اليمين. # والثاني: أنها متعلقة ب " أترابا " كقولك: هذا ترب لهذا، أي: ~~مساو له. # وقيل: الحور العين: للسابقين، والأتراب العرب: لأصحاب اليمين. # قوله: { ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين }. # رجع الكلام إلى قوله تعالى: # وأصحاب اليمين مآ أصحاب اليمين # [الواقعة: 27] أي هم ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين، وقد مضى الكلام ~~في معناه. # وقال أبو العالية، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح والضحاك: { ثلة من ~~الأولين } يعني: من سابقي هذه الأمة، { وثلة من الآخرين ~~} من هذه الأمة من آخرها. # بدليل ما # " روي عن ابن عباس في هذه الآية: { ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين } ، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " جميعا من أمتي " ". # وقال الواحدي: " أصحاب الجنة نصفان: نصف من الأمم الماضية، ونصف من هذه ~~الأمة ". ويرد هذا ما روى ابن ماجه في " سننه " والترمذي في " جامعه " عن ~~بريدة بن الحصيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أهل الجنة عشرون ومائة صنف، ثمانون منها من هذه ~~الأمة، وأربعون من سائر الأمم ". # قال الترمذي: هذا حديث حسن. # و " ثلة " رفع على الابتداء، أو على حذف خبر حرف الصفة، ومجازه: ~~لأصحاب اليمين ثلتان: ثلة من هؤلاء، وثلة من هؤلاء. # فالأولون: الأمم الماضية، والآخرون: هذه الأمة على قول الواحدي. ### || [56.41-56] # قوله: { وأصحاب الشمال مآ أصحاب الشمال }. # لما ذكر منازل أهل الجنة وسماهم أصحاب اليمين، ذكر منازل أهل النار، ~~وسماهم أصحاب الشمال؛ لأنهم يأخذون كتبهم بشمائلهم، ثم عظم ذكرهم في ~~البلاء والعذاب، فقال: { مآ أصحاب الشمال في سموم } وهي ~~الريح الحارة التي تدخل في مسام البدن، والمراد بها حر النار ولهيبها. # وقيل: ريح حارة تهب فتمرض أو تقتل، وأصله من السم كسم الحية والعقرب ~~وغيرهما. # قال ابن الخطيب: " ويحتمل أن يكون هو السم، والسم يقال في خرم الإبرة، ~~قال تعالى: # حتى يلج الجمل في سم الخياط # [الأعراف: 40]؛ لأن سم الأفعى ينفذ في مسام البدن ms8288 ". # وقيل: السموم يختص بما يهب ليلا، وعلى هذا فقوله: " سموم " إشارة ~~إلى ظلمة ما هم فيه. # و " الحميم ": هو الماء الحار الذي قد انتهى حره، فهو " فعيل " ~~بمعنى " فاعل " من حمم الماء، أو بمعنى " مفعول " من حم الماء إذا ~~سخنه. # وقوله: { وظل من يحموم }. # " اليحموم " وزنه " يفعول ". # قال أبو البقاء: " من الحمم، أو الحميم ". # قال القرطبي: " هو " يفعول، من الحم، وهو الشحم المسود باحتراق ~~النار، وقيل: مأخوذ من الحمم وهو الفحم. # و " اليحموم ": قيل: هو الدخان الأسود البهيم. # وقيل: هو واد في جهنم. # وقيل: اسم من أسمائها. والأول أظهر. # وقيل: إنه الظلمة، وأصله من الحمم، وهو الفحم، فكأنه لسواده فحم، ~~فسمي باسم مشتق منه، وزيادة الحرف فيه لزيادة ذلك المعنى فيه، وربما تكون ~~الزيادة فيه جامعة بين الزيادة في سواده، والزيادة في حرارته. # قال ابن الخطيب: وفي الأمور الثلاثة إشارة إلى كونهم في العذاب دائما؛ ~~لأنهم إن تعرضوا لمهب الهواء أصابهم السموم، وإن استكنوا كما ~~يفعله الذي يدفع عن نفسه السموم بالاستكنان في الكن يكون في ظل من ~~يحموم، وإن أراد التبرد بالماء من حر السموم يكون الماء من حميم، فلا ~~انفكاك له من العذاب، أو يقال: إن السموم يعذبه فيعطش، وتلتهب نار ~~السموم في أحشائه، فيشرب الماء، فيقطع أمعاءه، فيريد الاستظلال بظل، ~~فيكون ذلك الظل ظل اليحموم. # وذكر السموم دون الحميم دون النار تنبيها بالأدنى على الأعلى، كأنه ~~قيل: أبرد الأشياء في الدنيا حار عندهم فكيف أحرها. # قال الضحاك: النار سوداء، وأهلها سود، وكل ما فيها أسود. # قوله: { لا بارد ولا كريم } صفتان للظل، كقوله: " من ~~يحموم ". # وفيه أنه قدم غير الصريحة على الصريحة، فالأولى أن تجعل صفة ل " يحموم ~~" ، وإن كان السياق يرشد إلى الأول. # وقرأ ابن أبي عبلة: { لا بارد ولا كريم } برفعهما: أي: " هو لا ~~بارد ". # كقوله: [الكامل] # 4692-....................... # فأبيت لا حرج ولا محروم # قال الضحاك: " لا بارد " بل حار؛ لأنه من دخان سعير جهنم، " ولا ~~كريم " عذب. # وقال سعيد بن المسيب: ولا حسن منظره، وكل ما ms8289 لا خير فيه، فليس بكريم. # وقيل: { وظل من يحموم } أي: من النار يعذبون بها كقوله ~~تعالى: # لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل # [الزمر: 16]. # قال الزمخشري: " كرم الظل نفع الملهوف، ودفع أذى الحر عنه ". # قال ابن الخطيب: ولو كان كذلك لكان البارد والكريم بمعنى واحد، والأقوى ~~أن يقال: فائدة الظل أمران: # أحدهما: دفع الحر. # والآخر: كون الإنسان فيه مكرما؛ لأن الإنسان في البرد يقصد الشمس ليدفأ ~~بحرها إذا كان قليل الثياب، وفي الحر يطلب الظل لبرده، فإذا كان من ~~المكرمين يكون أبدا في مكان يدفع الحر والبرد عن نفسه، فيحتمل أن يكون ~~المراد هذا. # ويحتمل أن يقال: الظل يطلب لأمر حسي، وهو يرده، ولأمر عقلي وهو ~~التكرمة، وهذا معنى ما نقله الواحدي عن الفراء بنفي كل شيء مستحسن، ~~فيقولون: " الدار لا واسعة ولا كريمة ". # قوله: { إنهم كانوا قبل ذلك مترفين }. # أي: إنما استحسنوا هذه العقوبة؛ لأنهم كانوا في الدنيا متنعمين ~~بالحرام. # و " المترف ": المنعم. # قاله ابن عباس وغيره. # وقال السدي: " مترفين " أي: مشركين. # قوله: { وكانوا يصرون على الحنث العظيم }. # الحنث في أصل كلامهم: العدل الثقيل، وسمي به الذنب والإثم لثقلهما، ~~قاله الخطابي. # وفلان حنث في يمينه، أي لم يف به؛ لأنه يأثم غالبا، ويعبر ~~بالحنث عن البلوغ، ومنه قوله: " لم يبلغوا الحنث ". # وإنما قيل ذلك؛ لأن الإنسان عند بلوغه إياه يؤاخذ بالحنث، أي: بالذنب، ~~وتحنث فلان، أي جانب الحنث. # وفي الحديث: # " كان يتحنث بغار حراء " # ، أي: يتعبد لمجانبته الإثم، نحو: " تحرج " فتفعل في هذه ~~كلها للسلب. # فصل في تفسير الآية # قال الحسن، والضحاك، وابن زيد: { يصرون على الحنث العظيم ~~} أي: يقيمون على الشرك. # وقال قتادة ومجاهد: الذنب العظيم الذي لا يتوبون منه. # وقال الشعبي: هو اليمين الغموس، وهي من الكبائر، يقال: حنث في ~~يمينه، أي: لم يبرها ورجع فيها، وكانوا يقسمون أن لا بعث، وأن الأصنام ~~أنداد الله فذلك حنثهم. # فصل في الحكمة من ذكر عذاب هذه الطائفة # قال ابن الخطيب: والحكمة في ذكره سبب عذابهم، ولم يذكر ms8290 في أصحاب اليمين ~~سبب ثوابهم، فلم يقل: إنهم كانوا قبل ذلك شاكرين مذعنين، وذلك تنبيه على ~~أن ذلك الثواب منه فضل، والعقاب منه عدل، والفضل سواء ذكر سببه، أو لم ~~يذكره لا يتوهم بالمتفضل نقص وظلم. # وأما العدل إن لم يعلم سبب العقاب، يظن أن هناك ظلما، ويدل على أنه ~~تعالى لم يقل في أصحاب اليمين: # جزآء بما كانوا يعملون # [الواقعة: 24] كما قاله في السابقين؛ لأن أصحاب اليمين نجوا بالفضل ~~العظيم لا بالعمل، بخلاف من كثرت حسناته يحسن إطلاق الجزاء في حقه. # واعلم أن المترف هو المنعم، وذلك لا يوجب ذما، وإنما حصل لهم الذم ~~بقوله: { وكانوا يصرون على الحنث العظيم } ، فإن صدور ~~المعاصي ممن كثرت النعم عليه [من] أقبح القبائح، فقال: { إنهم ~~كانوا قبل ذلك مترفين } ، ولم يشكروا نعم الله، بل أصروا ~~على الذنب العظيم. # وفي الآية مبالغة؛ لأن قوله: { وكانوا يصرون } يقتضي أن ذلك ~~عادتهم، والإصرار على مداومة المعصية والحنث أبلغ من الذنب؛ لأن الذنب ~~يطلق على الصغيرة، ويدل على ذلك قولهم: " بلغ الحنث " أي: بلغ ~~مبلغا تلحقه فيه الكبيرة. # وأما الصغيرة فتلحق الصغير، فإن وليه يعاقبه على إساءة الأدب، ~~وترك الصلاة، ولأن وصفه بالعظيم مبالغة. قاله ابن الخطيب. # قوله تعالى: { وكانوا يقولون أإذا متنا } الآية. # هذا استبعاد منهم للبعث وتكذيب له، وقد تقدم الكلام على ذلك في " ~~والصافات " ، وتقدم الكلام على الاستفهامين في سورة " الرعد ". # فإن قيل: كيف أتى ب " اللام " المؤكدة في قوله تعالى: { لمبعوثون ~~} ، مع أن المراد هو النفي، وفي النفي لا تدخل " اللام " في خبر " إن " ~~، تقول: " إن زيدا ليجيء، وإن زيدا لا يجيء " فلا تذكر " اللام " ، ~~ومرادهم بالاستفهام: الإنكار، بمعنى إنا لا نبعث؟. # فالجواب من وجهين: # أحدهما: عند التصريح بالنفي وصيغته، يجب التصريح بالنفي وصيغته. # والثاني: أنهم أرادوا تكذيب من يخبر عن البعث، فذكروا أن المخبر عنه ~~يبالغ في الإخبار، ونحن ننكر مبالغته وتأكيده، فحكوا كلام المخبر على ~~طريقة الاستفهام والإنكار، ثم إنهم أشاروا في الإنكار إلى أمور اعتقدوها ~~مقررة لصحة إنكارهم، فقالوا: ms8291 " أئذا متنا " ثم لم يقتصروا عليه، بل ~~قالوا بعده: { وكنا ترابا وعظاما } أي: وطال عهدنا بعد كوننا ~~أمواتا حتى صارت اللحوم ترابا، والعظام رفاتا ثم زادوا وقالوا: مع ~~هذا يقال لنا: إنكم لمبعوثون بطريق التأكيد من ثلاثة أوجه: # أحدها: استعمال " إن ". # ثانيها: إثبات " اللام " في خبرها. # ثالثها: ترك صيغة الاستقبال، والإتيان بالمفعول كأنه كائن، ثم زادوا ~~وقالوا: { أو آبآؤنا الأولون } فقال الله تعالى لهم: " قل " ~~يا محمد { إن الأولين } من آبائكم، و { والآخرين } منكم { ~~لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم } يعني: يوم القيامة. # ومعنى الكلام: القسم ودخول " اللام " في قوله تعالى: { لمجموعون } ~~هو دليل القسم في المعنى، أي: إنكم لمجموعون قسما حقا، بخلاف قسمكم ~~الباطل. # قوله: { ثم إنكم أيها الضآلون } عن الهدى { ~~المكذبون } بالبعث { لآكلون من شجر من زقوم } ، وهو ~~شجر كريه المنظر كريه الطعم، وهو المذكور في سورة " والصافات ". # وهذا الخطاب عام، وقيل: لأهل " مكة " ، وهو من تمام كلام النبي صلى ~~الله عليه وسلم وقدم هنا الضالين على المكذبين في آخر السورة، قال: # وأمآ إن كان من المكذبين الضآلين # [الواقعة: 92]، فقدم المكذبين على الضالين؛ لأنهم هنا أصروا على ~~الحنث العظيم فضلوا عن السبيل، ثم كذبوا الرسول، وقالوا: " أئذا متنا ~~". # وفي آخر السورة قدم المكذبين بالحشر على الضالين عن طريق الخلاص، أو ~~يقال: إن الكلام هنا مع الكفار وهم ضلوا أولا، وكذبوا ثانيا، وفي ~~آخر السورة الكلام مع النبي صلى الله عليه وسلم فقدم التكذيب به إظهارا ~~للعناية به صلى الله عليه وسلم. # قوله: { من شجر من زقوم }. فيه أوجه: # أحدها: أن تكون " من " الأولى لابتداء الغاية، والثانية للبيان، أي: ~~مبتدئون الأكل من شجر هو زقوم. # الثاني: أن تكون " من " الثانية صفة ل " شجر " فيتعلق بمحذوف أي: ~~مستقر. # الثالث: أن تكون الأولى مزيدة، أي: لآكلون شجرا، و " من " الثانية على ~~ما تقدم من الوجهين. # الرابع: عكس هذا، وهو أن تكون الثانية مزيدة، أي: لآكلون زقوما، و " ~~من " الأولى للابتداء في محل نصب على الحال من " زقوم " أي: كائنا من ~~شجر، ولو ms8292 تأخر لكان صفة. # الخامس: أن " من شجر " صفة لمفعول محذوف، أي: لآكلون شيئا من شجر و " ~~من زقوم " على هذا نعت ل " شجر " أو لشيء محذوف. # السادس: أن الأولى للتبعيض، والثانية بدل منها. # قوله: { فمالئون منها البطون }. # الضمير في " منها " عائد على الشجر، وفي " عليه " للشجر أيضا. # وأنه يجوز تذكير اسم الجنس وتأنيثه، وأنهما لغتان. # وقيل: الضمير في " عليه " عائد على " الزقوم ". # وقال أبو البقاء: للمأكول. # وقال ابن عطية: " للمأكول أو الأكل " انتهى. # وفي قوله: " الأكل " بعد. # وقال الزمخشري: " وأنث ضمير الشجر على المعنى، وذكره على اللفظ في " ~~منها " و " عليه " ، ومن قرأ: { من شجرة من زقوم } فقد جعل ~~الضميرين للشجرة، وإنما ذكر الثاني على تأويل الزقوم؛ لأنه تفسيرها ". # فصل في تحرير معنى الزقوم # قال ابن الخطيب: " اختلفت أقوال الناس في " الزقوم " ، وحاصل الأقوال ~~يرجع إلى كون ذلك في الطعم مرا، وفي اللمس حارا، وفي الرائحة ~~منتنا، وفي المنظر أسود لا يكاد آكله يسيغه. # والتحقيق اللغوي فيه أن الزقوم لغة عربية، ودلنا تركيبه على قبحه؛ لأن ~~" ز ق م " لم يجتمع إلا في مهمل، أو في مكروه. # يقال منه: مزق يمزق، ومنه: زمق شعره إذا نتفه، ومنه " القزم ~~" للدناءة واللؤم. # وأقوى من هذا أن " القاف " مع كل حرف من الحرفين الباقيين يدل في أكثر ~~الأمر على مكروه، فالقاف مع " الميم " ك " القمامة والتقمقم ~~والقمقمة " ، وبالعكس " المقامق " لتغليظ الصوت، و " المقمقة " هو ~~الشق. # وأما القاف مع الزاي ف " الزق " رمي الطائر بذرقه، والزقزقة: للخفة، ~~وبالعكس - القزنوب - فينفر الطبع من تركيب الكلمة من حروف اجتماعها ~~دليل الكراهة والقبح، ثم قرن بالأكل، فدل على أنه طعام ذو غصة. # وأما ما يقال: بأن العرب تقول: " زقمتني " بمعنى: أطعمتني الزبد ~~والعسل واللبن، فذلك للمجانة، كما يقال: ارشقني بثوب حسن، وارجمني بكيس ~~من ذهب ". # وقد تقدم الكلام على الزقوم في " والصافات ". # وقوله: { فمالئون منها البطون }. # بيان لزيادة العذاب، أي: لا يكتفى منكم بنفس الأكل، كما يكتفى ممن يأكل ~~الشيء لتحلة القسم، بل يلزمون منها بأن يملئوا ms8293 منها البطون. # وقوله: " البطون " إما مقابلة الجمع بالجمع، أي: يملأ كل واحد منكم ~~بطنه. # وإما أن يكون لكل واحد بطون، ويكون المراد منه ما في بطن الإنسان، وهم ~~سبعة أمعاء فيملئون بطون الأمعاء، والأول أظهر، والثاني أدخل في التعذيب. # قوله: { فشاربون عليه } أي: على الأكل، أو على الزقوم لأجل ~~مرارته وحرارته يحتاجون إلى شرب الماء فيشربون من الماء الحار. # قوله: { فشاربون شرب الهيم }. # وهذا أيضا بيان لزيادة العذاب، أي: لا يكون شربكم كمن شرب ماء حارا ~~منتنا، فيمسك عنه، بل يلزمون أن يشربوا منه مثل ما يشرب الأهيم، وهو ~~الجمل العطشان، فيشرب ولا يروى. # وقرأ نافع وعاصم وحمزة: بضم الشين من " شرب ". # وباقي السبعة بفتحها. # ومجاهد وأبو عثمان النهدي: بكسرها. # فقيل: الثلاث لغات في مصدر " شرب " ، والمقيس منها إنما هو المفتوح، ~~والمضموم والمكسور اسمان لما يشرب ك " الرعي " و " الطحن ". # قال القرطبي: " تقول العرب: " شربت شربا وشربا وشربا ~~وشربا " بضمتين ". # قال أبو زيد: سمعت العرب تقول: بضم الشين وفتحها وكسرها. # والفتح هو المصدر الصحيح؛ لأن كل مصدر من ذوات الثلاثة فأصله " فعل "؛ ~~ألا ترى أنك ترده إلى المرة الواحدة، فتقول: " فعلة " نحو " شربة ~~". # وقال الكسائي يقال: " شربت شربا وشربا ". # ويروى قول جعفر: " أيام منى أيام أكل وشرب ". # ويقال: بفتح الشين، والشرب في غير هذا اسم للجماعة الشاربين. # قال: [البسيط] # 4693- كأنه خارجا من جنب صفحته # سفود شرب نسوه عند مفتأد # و " الهيم " فيه أوجه: # أحدها: أنه جمع " أهيم أو هيماء " ، وهو الجمل والناقة التي ~~أصابها الهيام، وهو داء معطش تشرب الإبل منه إلى أن تموت، أو تسقم سقما ~~شديدا. والأصل: " هيم " - بضم " الهاء " - ك " أحمر وحمر، ~~وحمراء وحمر " فقلبت الضمة كسرة لتصح " الياء " ، وذلك نحو " بيض " ~~في " أبيض ". # وأنشد لذي الرمة: [الطويل] # 4694- فأصبحت كالهيماء، لا الماء مبرد # صداها، ولا يقضي عليها هيامها # الثاني: أنه جمع " هائم وهائمة " من " الهيام " أيضا، إلا أن جمع ~~" فاعل وفاعلة " على " فعل " قليل، نحو: " نازل ونزل، وعائذ ~~وعوذ ". # ومنه: [الطويل] # 4695-....................... # عوذ مطافل # وقوله: " العوذ المطافيل ". # وقيل: ms8294 هو من " الهيام " وهو الذهاب؛ لأن الجمل إذا أصابه ذلك هام على ~~وجهه. # الثالث: أنه جمع " هيام " بفتح الهاء، وهو الرمل غير المتماسك الذي لا ~~يروى من الماء أصلا، فيكون مثل " سحاب وسحب " - بضمتين - ثم خفف ~~بإسكان عينه ثم كسرت فاؤه لتصح " الياء " كما فعل بالذي قبله. # [الرابع: أنه جمع " هيام " - بضم الهاء - وهو الرمل المتماسك، مبالغة ~~في " الهيام " بالفتح. حكاها ثعلب. # إلا أن المشهور الفتح، ثم جمع على " فعل " نحو: " قراد وقرد " ، ~~ثم خفف وكسرت فاؤه] [لتصح " الياء " ]. # وفي " الصحاح ": " والهيام - بالضم - أشد العطش، و " الهيام " ~~كالجنون من العشق، و " الهيماء " أيضا: المفازة لا ماء بها، و " ~~الهيام " - بالكسر - العطاش ". # والمعنى: أنهم يصيبهم من الجوع ما يلجئهم إلى أكل الزقوم، ومن ~~العطش ما يضطرهم إلى شرب الهيم. # وقال الزمخشري: " فإن قلت: كيف صح عطف الشاربين على الشاربين، وهما ~~لذوات واحدة، وصفتان متفقتان، فكان عطفا للشيء على نفسه؟. # قلت: ليستا متفقتين من حيث إن كونهم شاربين على ما هو عليه من تناهي ~~الحرارة وقطع الأمعاء أمر عجيب، وشربهم له على ذلك كما تشرب الماء أمر ~~عجيب أيضا، فكانتا صفتين مختلفتين ". انتهى. # يعني قوله: { فشاربون عليه من الحميم فشاربون }. # وهو سؤال حسن، وجوابه مثله. # وأجاب بعضهم عنه بجواب آخر، وهو أن قوله: { فشاربون شرب ~~الهيم } تفسير للشرب قبله. # ألا ترى أن ما قبله يصلح أن يكون [مثل] شرب الهيم، ومثل شرب غيرها، ~~ففسره بأنه مثل شرب هؤلاء البهائم أو الرمال، وفي ذلك فائدتان: # إحداهما: التنبيه على كثرة شربهم منه. # والثانية: عدم جدوى الشرب، وأن المشروب لا ينجع فيهم كما لا ينجع في ~~الهيم على التفسيرين. # وقال أبو حيان: " " والفاء " تقتضي التعقيب في الشربين، وأنهم أولا ~~لما عطشوا شربوا من الحميم ظنا منهم أنه ليسكن عطشهم، فازدادوا عطشا ~~بحرارة الحميم، فشربوا بعده شربا لا يقع بعده ري أبدا، وهو مثل شرب ~~الهيم، فهما شربان من الحميم لا شرب واحد اختلفت صفتاه فعطف، والمقصود: ~~الصفة، والمشروب منه في { فشاربون شرب الهيم } محذوف لفهم ms8295 ~~المعنى، تقديره: فشاربون منه " انتهى. # قال شهاب الدين: " والظاهر أنه شرب واحد، بل الذي يعتقد هذا فقط، وكيف ~~يناسب أن يكون زيادتهم العطش بشربة مقتضية لشربهم منه ثانيا ". # قوله: { ذا نزلهم يوم الدين }. # قرأ العامة: " نزلهم " بضمتين. # وروي عن أبي عمرو من طرق. # وعن نافع وابن محيصن: بضمة وسكون، وهو تخفيف. # و " النزل ": ما يعد للضيف. # وقيل: هو أول ما يأكله، فسمي به هذا تهكما بمن أعد له. # وهو في المعنى كقول أبي الشعر الضبي: [الطويل] # 4696- وكنا إذا الجبار أنزل جيشه # جعلنا القنا والمرهفات له نزلا # ومعنى الآية: هذا أول ما يلقونه من العذاب يوم القيامة كالنزل الذي ~~يعد للأضياف تكرمة لهم، [وفيه] تهكم، كقوله تعالى: # فبشرهم بعذاب أليم # [التوبة: 34]. ### || [56.57-62] # قوله: { نحن خلقناكم فلولا تصدقون }. # تحضيض، أي: فهلا تصدقون بالبعث؛ لأن الإعادة كالابتداء. وقيل: المعنى ~~نحن خلقنا رزقكم، فهلا تصدقون أن هذا طعامكم إن لم تؤمنوا، أو متعلق ~~التصديق محذوف، تقديره: فلولا تصدقون بخلقنا. # قوله: " أفرأيتم ". # [هي] بمعنى: " أخبروني " ومفعولها الأول " ما تمنون ". # والثاني الجملة الاستفهامية. وقد تقدم تقريره. # والمعنى: ما تصبونه من المني في أرحام النساء. # وقرأ العامة: " تمنون " بضم التاء، من " أمنى يمني ". # وابن عباس وأبو السمال: بفتحها من " منى يمني ". # قال الزمخشري: يقال: أمنى النطفة ومناها، قال الله تعالى: # من نطفة إذا تمنى # [النجم: 46]. # فظاهر هذا أنه استشهاد للثلاثي، وليس فيه دليل له، إذ يقال من الرباعي ~~أيضا: تمني، كقولك: " أنت تكرم " وهو من " أكرم ". # وقال القرطبي: ويحتمل أن يختلف معناهما عندي، فيكون " أمنى " إذا أنزل ~~عند جماع، و " منى " إذا أنزل عند احتلام، وفي تسمية المني منيا ~~وجهان: # أحدهما: لإمنائه، وهو إراقته. # الثاني: لتقديره، وهو المن الذي يوزن به؛ لأنه مقدار لذلك، فكذلك ~~المني مقدار صحيح لتصوير الخلقة. # قوله: { أأنتم تخلقونه }. يجوز فيه وجهان: # أحدهما: أنه فاعل فعل مقدر، أي: " أتخلقونه " فلما حذف الفعل ~~لدلالة ما بعده عليه انفصل الضمير، وهذا من باب الاشتغال. # والثاني: أن " أنتم " مبتدأ، والجملة بعده خبر. # والأول أرجح لأجل أداة ms8296 الاستفهام. # وقوله: " أم " يجوز فيها وجهان: # أحدهما: أنها منقطعة؛ لأن ما بعدها جملة، وهي إنما تعطف المفردات. # والثاني: أنها متصلة. # وأجابوا عن وقوع الجملة بعدها بأن مجيء الخبر بعد " نحن " أتي به على ~~سبيل التوكيد؛ إذ لو قال: " أم نحن " لاكتفي به دون الخبر، ونظير ~~ذلك جواب من قال: " من في الدار "؟ زيد في الدار، " أو زيد فيها " ، ~~ولو اقتصر على " زيد " لكان كافيا. # ويؤيد كونها متصلة أن الكلام يقتضي تأويله، أي: الأمرين واقع، وإذا صلح ~~كانت متصلة، إذ الجملة بتأويل المفرد. # ومفعول " الخالقون " محذوف لفهم المعنى أي: " الخالقوه ". # فصل في تحرير معنى الآية # والمعنى: أنتم تصورون منه الإنسان { أم نحن الخالقون } المقدرون ~~المصورون، وهذا احتجاج عليهم، وبيان للآية الأولى، أي: إذا أقررتم بأنا ~~خالقوه لا غير، فاعترفوا بالبعث. # قال مقاتل: نحن خلقناكم ولم تكونوا شيئا، وأنتم تعلمون ذلك، فهلا ~~تصدقون بالبعث. # قوله: { نحن قدرنا }. # قرأ ابن كثير: " قدرنا " بتخفيف الدال. # والباقون: بتشديدها. # وهما لغتان بمعنى واحد في التقدير الذي هو القضاء، وهذا أيضا احتجاج، ~~أي: الذي يقدر على الإماتة يقدر على الخلق وإذا قدر على الخلق قدر ~~على البعث. # قال الضحاك: معناه أي: سوينا بين أهل السماء وأهل الأرض. # وقيل: قضينا. # وقيل: كتبنا. # قال مقاتل: فمنكم من يبلغ الهرم، ومنكم من يموت صبيا وشابا. # { وما نحن بمسبوقين } أي: مغلوبين عاجزين. # قوله: { على أن نبدل }. # يجوز أن يتعلق { بمسبوقين } ، وهو الظاهر، أي: لم يسبقنا أحد ~~على تبديلنا أمثالكم، أي: يعجزنا، يقال: سبقه إلى كذا، أي: أعجزه عنه، ~~وغلبه عليه. # الثاني: أنه متعلق بقوله: " قدرنا " أي: قدرنا بينكم الموت، { على ~~أن نبدل } أي: تموت طائفة، وتخلفها طائفة أخرى. قال معناه الطبري. # وعلى هذا يكون قوله: { وما نحن بمسبوقين } معترضا، وهو ~~اعتراض حسن. # ويجوز في " أمثالكم " وجهان: # أحدهما: أنه جمع " مثل " - بكسر الميم وسكون الثاء - أي: نحن قادرون ~~على أن نعدمكم، ونخلق قوما آخرين أمثالكم، ويؤيده: # إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين # [النساء: 133]. # والثاني: أنه جمع " مثل " - بفتحتين - وهو الصفة، أي: ms8297 نغير صفاتكم ~~التي أنتم عليها خلقا وخلقا، و " ننشئكم " في صفات غيرها. # وتقدم قراءتا النشأة في " العنكبوت ". # فصل في تفسير معنى الآية # قال الطبري: معنى الآية: نحن قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم ~~بعد موتكم بآخرين من جنسكم، { وما نحن بمسبوقين } في آجالكم، أي: لا ~~يتقدم متأخر، ولا يتأخر متقدم، { وننشئكم فيما لا تعلمون } من الصور ~~والهيئات. # قال الحسن: أي: نجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بأقوام قبلكم. # وقيل: المعنى ننشئكم في البعث على غير صوركم في الدنيا، فيجمل المؤمن ~~ببياض وجهه، ويقبح الكافر بسواد وجهه. # وقال سعيد بن المسيب: قوله: { في ما لا تعلمون } يعني في حواصل ~~طير سود تكون ببرهوت كأنها الخطاطيف، و " برهوت ": واد في " اليمن ~~". # وقال مجاهد: { فيما لا تعلمون } أي: في أي خلق شئنا. # وقيل: ننشئكم في عالم فيما لا تعلمون، وفي مكان لا تعلمون. # قال ها هنا: { قدرنا بينكم الموت }. # وقال في سورة " الملك ": # خلق الموت والحياة # [الملك: 2] بلفظ الخلق؛ لأن المراد هناك بيان كون الموت والحياة ~~مخلوقين، وهاهنا ذكر حياتهم ومماتهم. # قوله: { ولقد علمتم النشأة الأولى }. # أي: إذ خلقتم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ولم تكونوا شيئا. قاله ~~مجاهد وغيره. # وهذا تقرير للنشأة الثانية. # وقال قتادة والضحاك: يعني خلق آدم عليه الصلاة والسلام. # { فلولا تذكرون }. أي: فهلا تذكرون. # قرأ طلحة: " تذكرون " بسكون " الذال " ، وضم " الكاف ". # وفي الخبر: # " عجبا كل العجب للمكذب بالنشأة الآخرة، وهو يرى ~~النشأة الأولى، وعجبا للمصدق بالنشأة الآخرة، وهو ~~يسعى لدار الغرور ". ### || [56.63-67] # قوله: { أفرأيتم } وما بعده تقدم نظيره، وهذه حجة أخرى، أي: ~~أخبروني عما تحرثون من أرضكم، فتطرحون فيها البذر، أأنتم تنشئونه، ~~وتجعلونه زرعا، فيكون فيه السنبل والحب، أم نحن نفعل ذلك وإنما منكم ~~البذر وشق الأرض؟ فإذا أقررتم بأن إخراج السنبلة من الحبة ليس ~~إليكم، فكيف تنكرون إخراج الأموات من الأرض وإعادتهم؟. # وأضاف الحرث إليهم، والزرع إليه تعالى؛ لأن الحرث فعلهم، ويجري ~~على اختيارهم، والزرع من فعل الله - تعالى - وينبت على اختياره لا على ~~اختيارهم. ms8298 # وكذلك ما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا يقولن أحدكم: زرعت، وليقل حرثت، فإن الزارع هو ~~الله ". # قال أبو هريرة: ألم تسمعوا قول الله تعالى: { أأنتم تزرعونه ~~أم نحن الزارعون }. # قال القرطبي: " والمستحب لكل من زرع أن يقرأ بعد الاستعاذة: { ~~أفرأيتم ما تحرثون } الآية، ثم تقول: بل الله هو الزارع، ~~والمنبت والمبلغ، اللهم صل على محمد، وارزقنا ثمره، وجنبنا ضرره، ~~واجعلنا لأنعمك من الشاكرين، ويقال: إن هذا القول أمان لذلك الزرع ~~من جميع الآفات: الدود والجراد وغير ذلك، سمعناه من ثقة وجربناه ~~فوجدناه كذلك ". # فإن قيل: إذا كان الزارع هو الله، فكيف قال تعالى: # يعجب الزراع # [الفتح: 29]. # وقال عليه الصلاة والسلام: # " الزرع للزراع " # فالجواب: أن الحرث أوائل الزرع، والزرع أواخر الحرث، فيجوز إطلاق ~~أحدهما على الآخر لاتصاله به. # ومعنى: " أأنتم تزرعونه " ، تجعلونه، وقد يقال: فلان زراع كما ~~يقال: حراث أي: يفعل ما يؤول إلى أن يصير زرعا، وقد يطلق لفظ ~~الزرع على بذر الأرض وتكريبها تجوزا. # قال القرطبي: " وهذا نهي إرشاد وأدب، لا حظر وإيجاب ". # ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: # " لا يقولن أحدكم: عبدي وأمتي، وليقل: غلامي وجاريتي ~~وفتاي وفتاتي ". # قوله: { لو نشآء لجعلناه حطاما }. # أتى هنا بجواب " لو " مقرونا ب " اللام " ، وهو الأكثر؛ لأنه مثبت، ~~وحذف في قوله: # جعلناه أجاجا # [الواقعة: 70]؛ لأن المنة بالمأكول أعظم منها بالمشروب. قاله الزمخشري. # وهذا منقوض بقوله: # ولو نشآء لطمسنا # [يس: 66] و # ولو نشآء لمسخناهم # [يس: 67]، وذلك أن أمر الطمس أهون من أمر المسخ، وأدخل فيهما " اللام ~~". # وأجاب الزمخشري بجواب آخر فقال: { ولو نشاء لجعلناه حطاما } كان أقرب ~~الذكر، فاستغنى باللام فيه عن ذكرها ثانيا. # قال ابن الخطيب: وهذا ضعيف؛ لأن قوله تعالى: # ولو نشآء لطمسنا على أعينهم # [يس: 66] مع قوله: # ولو نشآء لمسخناهم # [يس: 67] أقرب من قوله: { لجعلناه حطاما } ، و # جعلناه أجاجا # [الواقعة: 70] اللهم إلا أن تقول هناك: أحدهما قريب من الآخر ذكرا ~~لا معنى؛ لأن الطمس لا يلزمه المسخ ولا بالعكس، وأما المأكول يكون ~~معه المشروب ms8299 في الدهر فالأمران متقاربان لفظا ومعنى. # فصل في الكلام على هذه الآية # قال الماوردي: هذه الآية تتضمن أمرين: # أحدهما: الامتنان عليهم بأن أنبت زرعهم حتى عاشوا به ليشكروه على نعمته ~~عليهم. # الثاني: البرهان الموجب للاعتبار؛ لأنه لما أنبت زرعهم بعد تلاشي بذره، ~~وانتقاله إلى استواء حاله من العفن والتتريب حتى صار زرعا أخضر، ثم ~~قوي مشتدا أضعاف ما كان عليه، فهو بإعادة من أمات أحق عليه وأقدر، وفي ~~هذا البرهان مقنع لذوي الفطر السليمة، ثم قال: { لو نشآء ~~لجعلناه حطاما } أي: متكسرا، يعني: الزرع والحطام الهشيم ~~الهالك الذي لا ينتفع به في مطعم ولا غذاء، فنبه بذلك على أمرين: # أحدهما: ما أولاهم به من النعم في زرعهم إذ لم يجعله حطاما ليشكروه. # الثاني: ليعتبروا بذلك في أنفسهم كما أنه يجعل الزرع حطاما إذا شاء، ~~وكذلك يهلكهم إذا شاء ليتعظوا فينزجروا. # قوله: { فظلتم تفكهون }. # قرأ العامة: بفتح الظاء، بلام واحدة وقد تقدم الكلام عليها مستوفى في ~~" طه ". # وأبو حيوة وأبو بكر في رواية: بكسر الظاء. # وعبد الله الجحدري: " فظللتم " على الأصل بلامين، أولاهما مكسورة. # وروي عن الجحدري: فتحها، وهي لغة أيضا. # والعامة: " تفكهون " بالهاء. # ومعناه: تندمون، وحقيقته: تلقون الفكاهة من أنفسكم، (ولا تلقى) ~~الفكاهة إلا من الحزن، فهو من باب " تحرج وتأثم وتحوب ". # وقيل: " تفكهون ". تتعجبون بذهابها ما نزل بكم في زرعكم. قاله عطاء ~~والكلبي ومقاتل. # وقيل: تتندمون مما حل بكم. قاله الحسن وقتادة وغيرهما. # وقيل: تلاومون. # وقيل: تتفجعون، وهذا تفسير باللازم. # وقرأ أبو حزام العكلي: " تفكنون " بالنون، أي: تندمون. # قال ابن خالويه: " تفكه " تعجب، و " تفكن " تندم. # وفي الحديث: # " مثل العالم كمثل الحمة، يأتيها البعداء ويتركها القرباء، ~~فبينا هم إذ غار ماؤها فانتفع به قوم، وبقي قوم يتفكنون " # ، أي: يتندمون. # قال الفراء: والنون، لغة عكل. # وفي الصحاح: " التفكن " التندم على ما فات. # وقيل: التفكه: التكلم فيما لا يعنيك. # ومنه قيل للمزاح: فكاهة بالضم. # فأما الفكاهة - بالفتح - فمصدر " فكه الرجل " بالكسر، فهو فكه ~~إذا كان طيب النفس مزاحا. # قوله: " إنا لمغرمون ms8300 ". # قرأ أبو بكر: " أئنا " بالاستفهام، وهو على أصله في تحقيق الهمزتين، ~~وعدم إدخال ألف بينهما. # والباقون: بهمزة واحدة على الخبر. # وقيل: هذه الجملة قول مقدر على كلتا القراءتين، وذلك في محل نصب على ~~الحال، تقديره: فظلتم تفكهون قائلين، أو تقولون: إنا لمغرمون؛ أي: ~~لملزمون غرامة ما أنفقنا، أو مهلكون لهلاك رزقنا من الغرام وهو ~~الهلاك. قاله الزمخشري. # ومن مجيء الغرام بمعنى الهلاك قوله: [الخفيف] # 4697- إن يعذب يكن غراما وإن يع # ط جزيلا فإنه لا يبالي # قال ابن عباس وقتادة: الغرام: العذاب. # ومنه قول ابن المحلم: [الطويل] # 4698- وثقت بأن الحلم مني سجية # وأن فؤادي مبتل بك مغرم # وقال مجاهد وعكرمة: لمولع بنا. # يقال: أغرم فلان بفلانة أي أولع بها، ومنه الغرام، وهو الشر اللازم. # وقال مجاهد أيضا: لملقون شرا. # وقال النحاس: " لمغرمون " مأخوذون من الغرام، وهو الهلاك. # وقال الضحاك وابن كيسان: هو من الغرم. # و " المغرم ": الذي ذهب ماله بغير عوض، أي: غرمنا الحب الذي ~~بذرناه. # وقال مرة الهمداني: محاسبون. # قوله: { بل نحن محرومون }. # أي: حرمنا ما طلبنا من الريع، والمحروم المحدود الممنوع من الرزق، ~~والمحروم ضد المرزوق. قاله قتادة. # وعن أنس # " أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بأرض الأنصار، فقال: " ما ~~يمنعكم الحرث "؟ قالوا: الجدوبة، فقال: " لا تفعلوا، فإن ~~الله - تعالى - يقول: أنا الزارع، إن شئت زرعت بالماء، وإن ~~شئت زرعت بالريح، وإن شئت زرعت بالبذر " ، ثم تلا: { ~~أفرأيتم ما تحرثون، أأنتم تزرعونه أم نحن ~~الزارعون } ". # قال القرطبي: " وفي هذا الحديث والذي قبله ما يصحح قول من أدخل الزارع ~~في أسماء الله - تعالى - " وأباه جمهور العلماء. ### || [56.68-70] # قوله: { أفرأيتم المآء الذي تشربون }. # لتحيوا به أنفسكم، وتسكنوا به عطشكم. # { أأنتم أنزلتموه من المزن }. # أي: السحاب، وهو اسم جنس، واحده: مزنة. # قال: [المتقارب] # 4699- فلا مزنة ودقت ودقها # ولا أرض أبقل إبقالها # وعن ابن عباس ومجاهد وغيرهما أيضا والثوري: المزن: السماء ~~والسحاب. # وقال أبو زيد: المزنة: السحابة البيضاء، والجمع مزن. # والمزنة: المطرة. # قال: [الطويل] # 4700- ألم تر أن الله أنزل مزنة # وعفر الظباء ms8301 في الكناس تقمع # وقوله: { أم نحن المنزلون }. # أي: إذا عرفتم بأني أنزلته فلم لا تشكروني بإخلاص العبادة لي، ولم ~~تنكروا قدرتي على الإعادة؟. # وقوله: { لو نشآء جعلناه أجاجا }. # وقد تقدم عدم دخول " اللام " في جواب " لو " هذه. # وقال الزمخشري: " فإن قلت: لم دخلت " اللام " في جواب " لو " في قوله: " ~~لجعلناه حطاما " ، ونزعت منه هاهنا؟. # قلت: إن " لو " لما كانت داخلة على جملتين معلقة ثانيتهما بالأولى تعلق ~~الجزاء بالشرط، ولم تكن مخلصة للشرط ك " إن " و " لا " عاملة مثلها، ~~وإنما سرى فيها معنى الشرط اتفاقا من حيث إفادتها في مضمون جملتين أن ~~الثاني امتنع لامتناع الأول افتقرت في جوابها إلى ما ينصب علما على ~~هذا التعلق فزيدت هذه " اللام " لتكون علما على ذلك، فإذا حذفت بعد ما ~~صارت علما مشهورا مكانه، فلأن الشيء إذا علم وشهر موقعه، وصار مألوفا ~~ومأنوسا به لم يبال بإسقاطه عن اللفظ استغناء بمعرفة السامع. # ألا ترى ما يحكى عن رؤبة، أنه كان يقول: خير، لمن قال له: كيف أصبحت؟ # فحذف الجار لعلم كل أحد بمكانه، وتساوي حال إثباته وحذفه لشهرة أمره، ~~وناهيك بقول أوس: [السريع] # 4701- حتى إذا الكلاب قال لها # كاليوم مطلوبا ولا طلبا # وحذفه: " لم أر " فإذا حذفها اختصار لفظي، وهي ثابتة في المعنى، ~~فاستوى الموضعان بلا فرق بينهما، على أن تقدم ذكرها والمسافة قصيرة، ~~مغن عن ذكرها ثانيا، ويجوز أن يقال: إن هذه " اللام " مفيدة معنى ~~التوكيد لا محالة، فأدخلت في آية المطعوم دون آية المشروب للدلالة على ~~أن أمر المطعوم مقدم على أمر المشروب، وأن الوعيد بفقده أشد وأصعب من ~~قبل أن المشروب إنما يحتاج إليه تبعا للمطعوم. # ألا ترى أنك إنما تسقي ضيفك بعدما تطعمه، ولو عكست قعدت تحت قول أبي ~~العلاء: [الوافر] # 4702- إذا سقيت ضيوف الناس محضا # سقوا أضيافهم شبما زلالا # وسقي بعض العرب فقال: أنا لا أشرب إلا على ثميلة ولهذا قدمت آية المطعوم ~~على آية المشروب ". انتهى. # وقد تقدم جواب ابن الخطيب له عن ذلك. # فصل في تفسير الآية ms8302 # قال ابن عباس: " الأجاج ": المالح الشديد الملوحة. # وقال الحسن: مرا لا تنتفعون به في شرب ولا زرع ولا غيرهما. # " فلولا " أي: فهلا " تشكرون " الذي صنع ذلك بكم. ### || [56.71-74] # قوله: { أفرأيتم النار التي تورون }. # أي: أخبروني عن النار التي تظهرونها بالقدح من الشجر الرطب. # و " تورون ": من أوريت الزند، أي: قدحته فاستخرجت ناره، وورى الزند ~~يري أي: خرجت ناره، وأصل " تورون " توريون. # والشجرة التي يكون منها الزناد هي المرخ والعفار. # ومنه قولهم: " في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار ". # أي: استكثروا منها، كأنهما أخذا من النار ما حسبهما. # وقيل: إنهما يسرعان الوري. # قوله تعالى: { أم نحن المنشئون }. # أي: المخترعون الخالقون، أي: فإذا عرفتم قدرتي، فاشكروني ولا تنكروا ~~قدرتي على البعث. # قوله: { نحن جعلناها تذكرة }. # يعني: نار الدنيا موعظة للنار الكبرى. قاله قتادة. # وقال مجاهد: تبصرة للناس من الظلام. # قال عليه الصلاة والسلام: # " " إن ناركم هذه التي توقدونها يا بني آدم جزء من سبعين ~~جزءا من نار جهنم " ، فقالوا: يا رسول الله إن كانت لكافية، قال: ~~" فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا، كلهن مثل ~~حرها " ". # قوله: { ومتاعا للمقوين }. # يقال: أقوى الرجل إذا حل في الأرض القواء، وهي القفر، ك " أصحر ": ~~دخل في الصحراء، وأقوت الدار: خلت من ذلك؛ لأنها تصير قفرا. # قال النابغة: [البسيط] # 4703- يا دار مية بالعلياء فالسند # أقوت، فطال عليها سالف الأمد # قال الضحاك: " متاعا للمقوين " أي منفعة للمسافرين، سموا بذلك لنزولهم ~~القوى، وهي القفر التي لا شيء فيها، وكذلك القوى والقواء - بالمد والقصر ~~-. # ومنزل قواء: لا أنيس به، يقال: أقوت الدار، وقويت أيضا، أي خلت من ~~سكانها. قال: [الكامل] # 4704- حييت من طلل تقادم عهده # أقوى وأقفر بعد أم الهيثم # وقال مجاهد: " للمقوين " أي المنتفعين بها من الناس أجمعين في الطبخ ~~والخبز والاصطلاء والاستضاءة، ويتذكر بها نار جهنم فيستجار بالله منها. # وقال ابن زيد: للجائعين في إصلاح طعامهم. # يقال: أقويت منذ كذا وكذا، أي ما أكلت شيئا، وبات فلان القواء وبات ~~القفر، إذا بات جائعا على غير طعم. # قال الشاعر: ms8303 [الطويل] # 4705- وإني لأختار القوى، طاوي الحشا # محافظة من أن يقال: لئيم # وقال قطرب: المقوي من الأضداد، يكون بمعنى الفقير، ويكون بمعنى الغني. # يقال: أقوى الرجل إذا لم يكن معه زاد، ويقال للفقير: مقو إذا لم ~~[يكن] معه مال. # وتقول العرب: أقويت منذ كذا، أي: ما أكلت شيئا، وأقوى: إذا قويت ~~دوابه، وكثر ماله ليقويه على ما يريد. # وقال المهدوي: والآية تصلح للجميع؛ لأن النار يحتاج إليها المسافر ~~والمقيم والغني والفقير. # وقال القشيري: وخص المسافر بالانتفاع بها؛ لأن انتفاعه أكثر من ~~انتفاع المقيم؛ لأن أهل البادية لا بد لهم من النار يوقدونها ~~ليلا لتهرب منهم السباع، وفي كثير من حوائجهم. # قوله: { فسبح باسم ربك العظيم }. # أي: فنزه الله عما أضافه إليه المشركون من الأنداد والعجز عن البعث. # قال ابن الخطيب: والمشهور أن الاسم مقحم، والأحسن أنه من باب الأولى، ~~وأن تعظيم المسمى آكد، وقد تقدم أن تعلق الفعل إن كان ظاهرا استغنى ~~عن الحرف ك " ضرب " ، وإن كان خفيا قوي بالحرف ك " ذهب " ، وإن كان ~~بينهما جاز الوجهان ك " شكر ونصح ". # و " سبح " متعد بنفسه إلا أنه لما دخل على الاسم - والمراد ~~الذات - خفي التعليق من هذا الوجه، فأتي بالحرف. # وأما قوله # سبح اسم ربك # [من سورة الأعلى:1]. فيحتمل أن ذلك لأنهم كانوا يعترفون بالله، ويقولون: ~~" نحن لا نشرك " في المعنى، وإنما سمي الأصنام آلهة باللفظ، فقيل لهم: ~~نزهوا الاسم كما نزهتم الحقيقة، وعلى هذا فالخطاب ليس للنبي صلى الله ~~عليه وسلم بل هو كقول الواعظ: يا مسكين، أفنيت عمرك وما أصلحت عملك، ~~ويريد السامع. # والمعنى مع الباء: فسبح مبتدئا باسم ربك، فلا تكون " الباء " زائدة. # ومعنى العظيم: القريب من الكل، فإن الصغير إذا قرب من شيء بعد عن ~~غيره. ### || [56.75-82] # قوله: { فلا أقسم }. # قرأ العامة: " فلا " لام ألف. # وفيه أوجه: # أحدها: أنها حرف نفي، وأن النفي بها محذوف، وهو كلام الكافر الجاحد، ~~تقديره: فلا حجة لما يقول الكفار، ثم ذكر ابتداء قسما بما ذكر. # وإليه ذهب كثير من المفسرين والنحويين. ms8304 # قال الفراء: " هي نفي، والمعنى: ليس الأمر كما تقولون، ثم استأنف ~~[القسم]، كما تقول: " لا والله ما كان كذا " ولا يريد به نفي اليمين، بل ~~يريد به نفي كلام تقدم، أي: ليس الأمر كما ذكر، بل هو كذا ". # وضعف هذا بأن فيه حذف اسم " لا " وخبرها. # قال أبو حيان: " ولا يجوز ولا ينبغي، فإن القائل بذلك مثل سعيد بن ~~جبير تلميذ خبر القرآن وبحره عبد الله بن عباس. # ويبعد أن يقوله إلا بتوقيف ". # الثاني: أنها زائدة للتأكيد. والمعنى: فأقسم، بدليل قوله: وإنه لقسم، ~~ومثله في قوله تعالى: # لئلا يعلم # [الحديد: 29]، والتقدير: ليعلم. # وكقوله: [الطويل] # 4706- فلا وأبي أعدائها لا أخونها # الثالث: أنها لام الابتداء، والأصل: فلأقسم، فأشبعت الفتحة، فتولد منها ~~ألف. # كقوله: [الرجز] # 4707- أعوذ بالله من العقراب # قاله أبو حيان. # واستشهد بقراءة هشام: " أفئيدة ". # قال شهاب الدين: " وهذا ضعيف جدا ". # واستند أيضا لقراءة الحسن وعيسى: " فلأقسم " بلام واحدة. # وفي هذه القراءة تخريجان: # أحدهما: أن " اللام " لام الابتداء، وبعدها مبتدأ محذوف، والفعل خبره، ~~فلما حذف المبتدأ اتصلت " اللام " بخبره، وتقديره: " فلأنا أقسم " نحو: " ~~لزيد منطلق ". # قاله الزمخشري وابن جني. # والثاني: أنها لام القسم دخلت على الفعل الحالي، ويجوز أن يكون القسم ~~جوابا للقسم، كقوله: # وليحلفن إن أردنآ # [التوبة: 107]، وهو جواب لقسم مقدر ويجوز أن يكون القسم كذلك وهذا هو ~~قول الكوفيين، يجيزون أن يقسم على فعل الحال. والبصريون يأبونه، ويخرجون ~~ما يوهم ذلك على إضمار مبتدأ، فيعود القسم على جملة اسمية. # ومنع الزمخشري أن تكون لام القسم. # قال: لأمرين: # أحدهما: أن حقها أن تقرن بالنون المؤكدة، والإخلال بها ضعيف قبيح. # والثاني: أن " لأفعلن " في جواب القسم للاستقبال، وفعل القسم يجب أن ~~يكون للحال. # يعني أن فعل القسم إنشاء، والإنشاء حال. # وأما قوله: " إن حقها أن تقرن بها النون " ، هذا مذهب البصريين ~~أيضا. وأما الكوفيون فيجيزون التعاقب بين اللام والنون، نحو: " ~~والله لأضرب زيدا " كقوله: [الطويل] # 4708- لئن تك قد ضاقت عليكم بيوتكم # ليعلم ربي أن بيتي واسع # و " الله اضربن زيدا ". # كقوله: [الكامل] ms8305 # 4709- وقتيل مرة أثأرن... # ........................ # وقد تقدم قريب من هذه الآية في قوله تعالى: # فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك # [النساء: 65]، ولكن هناك ما لا يمكن القول به هنا، كما أن هنا ما لا ~~يمكن القول به هناك، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - قريب منه في " القيامة ~~" في قراءة ابن كثير: { لأقسم بيوم القيامة } [القيامة: 1]. # قال القرطبي: وقيل: " لا " بمعنى " ألا " للتنبيه، كقوله: [الطويل] # 4710- ألا عم صباحا أيها الطلل البالي # ....................... # ونبه بهذا على فضيلة القرآن ليتدبروه، فإنه ليس بشعر، ولا سحر، ولا ~~كهانة كما زعموا. # وقرأ العامة: " بمواقع " جمعا. # والأخوان: " بموقع " مفردا بمعنى الجمع؛ لأنه مصدر فوحد. # ومواقعها: مساقطها ومغاربها. قاله قتادة وغيره. # وقال الحسن: انكدارها وانتثارها يوم القيامة. # وقيل: المراد نجوم القرآن. قاله ابن عباس والسدي، ويؤيده: " وإنه لقسم " ~~و " إنه لقرآن كريم ". # وقال عطاء بن أبي رباح: منازلها. # وقال الضحاك: هي الأنواء التي كانت أهل الجاهلية، تقول إذا مطروا: مطرنا ~~بنوء كذا. # وقال الماوردي: ويكون قوله تعالى: { فلا أقسم } مستعملا على ~~الحقيقة من نفي القسم. # وقال القشيري: هو قسم، ولله أن يقسم بما يريد، وليس لنا أن نقسم بغير ~~الله - تعالى - وصفاته القديمة. # قال القرطبي: " ويدل على هذا قراءة الحسن: فلأقسم ". # قوله: " وإنه قسم - لو تعلمون - عظيم ". # الضمير عائد على القسم الذي تضمنه قوله: { فلا أقسم }؛ لأن " أقسم ~~" يتضمن ذكر المصدر، ولهذا توصف المصادر التي لم تظهر بعد الفعل فيقال: " ~~ضربته قويا ". # فإن قيل: جواب " لو تعلمون " ماذا؟. # قال ابن الخطيب: ربما يقول بعض من لا يعلم بأن جوابه ما تقدم، وهو فاسد ~~في جميع المواضع؛ لأن جواب الشرط لا يتقدم؛ لأن عمل الحروف في معمولاتها ~~لا يكون قبل وجودها، فلا يقال: زيدا إن قام. # فالجواب يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يقال: الجواب محذوف بالكلية بحيث لا يقصد لذلك جواب، وإنما ~~يراد نفي ما دخلت " لو " فكأنه قال: وإنه لقسم عظيم لو تعلمون. # وتحقيقه: أن " لو " تذكر لامتناع الشيء لامتناع غيره، فلا بد فيه من ~~انتفاء الأول، فإدخال " لو " على " تعلمون ms8306 " أفاد أن علمهم منتف، سواء ~~علمنا الجزاء أم لم نعلم. # وهذا كقولهم في الفعل المتعدي: فلان يعطي ويمنع، حيث لا يقصد منه ~~مفعولا، وإنما يراد إثبات القدرة. # الثاني: أن جوابه مقدر، تقديره: لو تعلمون لعظمتموه، لكنكم ما ~~عظمتموه، فعلم أنكم لا تعلمون، إذ لو تعلمون لعظم في أعينكم، ولا تعظيم ~~فلا تعلمون. # قوله: { إنه لقرآن كريم }. # هذا هو القسم عليه، وعلى هذا فيكون في هذا الكلام اعتراضان: # أحدهما: الاعتراض بقوله: " وإنه لقسم " بين القسم والمقسم عليه. # والثاني: الاعتراض بقوله: " لو تعلمون " بين الصفة والموصوف. # ومنع ابن عطية أن يجعل قوله: " وإنه لقسم " اعتراضا. # فقال: " وإنه لقسم " تأكيد للأمر، وتنبيه من المقسم به، وليس هذا ~~باعتراض بين الكلامين، بل هذا معنى قصد التهكم به، وإنما الاعتراض ~~قوله: { لو تعلمون }. # قال شهاب الدين: " وكونه تأكيدا ومنبها على تعظيم المقسم به لا ينافي ~~الاعتراض، بل هذا معنى الاعتراض وفائدته ". # " والهاء " في " إنه لقرآن " تعود على القرآن، أي: إن القرآن لقسم عظيم. # قاله ابن عباس وغيره. # وقيل: أي ما أقسم الله به عظيم { إنه لقرآن كريم } ذكر المقسم عليه، أي: ~~أقسم بمواقع النجوم أن هذا القرآن قرآن ليس بسحر ولا كهانة ولا بمفترى، ~~بل هو قرآن كريم، محمود جعله الله معجزة نبيه، وهو كريم على المؤمنين؛ ~~لأنه كلام ربهم وشفاء صدورهم، كريم على أهل السماء والأرض؛ لأنه تنزيل ~~ربهم ووحيه. # وقيل: " كريم " أي: غير مخلوق. # وقيل: " كريم " لما فيه من كرم الأخلاق، ومعالي الأمور. # وقيل: لأنه يكرم حافظه، ويعظم قدره. # فصل في تحرير معنى الآية # قال ابن الخطيب: " كريم " أي: لا يهون بكثرة التلاوة؛ لأن الكلام متى ~~أعيد وكرر استهين به، والقرآن يكون إلى آخر الدهر، ولا يزداد إلا عزا. ~~والقرآن إما ك " الغفران " ، والمراد به المفعول، وهو المقروء كقوله: ~~[هذا خلق الله] وإما اسم لما يقرأ ك " القربان " لما يتقرب به، ~~والحلوان لما يحلى به فم الكاهن، وعلى هذا يظهر فساد قول من رد على ~~الفقهاء قولهم في باب الزكاة: يعطي شيئا أعلى ms8307 مما وجب ويأخذ الجبران ~~أو شيئا دونه، ويعطي الجبران لأن الجبران مصدر لا يؤخذ ولا يعطى، فيقال ~~له: هو كالقرآن بمعنى المقروء. # فمعنى " كريم " أي: مقروء، قرىء: ويقرأ بالفتح، فإن معنى " كريم " أي: ~~لا يهون بكثرة التلاوة، ويبقى أبد الدهر كالكلام الغض، والحديث ~~الطري. # وهو هنا يقع في وصف القرآن بالحديث، مع أنه قديم يستمد من هذا مددا، ~~فهو قديم يسمعه السامعون كأنه كلام [الساعة]. # فصل # قوله: { في كتاب مكنون }. مصون عند الله. # وقيل: " مكنون " محفوظ عن الباطل، والكتاب هنا: كتاب في السماء. # قاله ابن عباس. # وقال جابر بن زيد وابن عباس أيضا: هو اللوح المحفوظ. # وقال عكرمة: التوراة والإنجيل فيهما ذكر القرآن. # وقال السدي: الزبور. # وقال قتادة ومجاهد: هو المصحف الذي في أيدينا. # فصل في تفسير معنى الآية # قال ابن الخطيب: قوله تعالى: { في كتاب } يستدعي شيئا مظروفا ~~للكتاب وفيه وجهان: # أحدهما: أنه القرآن، أي: هو قرآن في كتاب، كقولك: " فلان رجل كريم في ~~نفسه " لا يشك السامع بأن المراد منه أن في الدار قاعد، وأنه لا يريد ~~به أنه رجل إذا كان في الدار غير رجل إذا كان خارجا، ولا يشك أيضا ~~أنه لا يريد أنه كريم وهو في البيت، فكذلك هاهنا معناه: أنه كريم في ~~كتاب. # فإذا قيل: " فلان رجل كريم في نفسه " يعلم كل أحد أن القائل لم يجعله ~~رجلا مظروفا، وأن القائل لم يرد أنه رجل في نفسه قاعد أو قائم، وإنما ~~أراد أن كرمه في نفسه، وكذا قوله: " قرآن كريم، في لوح " أي: أنه لم يكن ~~كريما عند الكفار. # الثاني: أن المظروف هو مجموع قوله تعالى: { لقرآن كريم } أي: هو ~~كذا في كتاب كقوله تعالى # ومآ أدراك ما عليون # [المطففين: 19]، كتاب أي: في كتاب الله تعالى. # والمعنى: أن في اللوح المحفوظ مكتوب: إنه قرآن كريم. # فصل في معنى الكتاب # قال ابن الخطيب: فإن قيل: كيف سمي الكتاب كتابا، والكتاب " فعال " ~~وهو إما مصدر كالحساب والقيام ونحوهما، أو لما يكتب كاللباس ونحوه، ~~وكيفما كان، فالقرآن ms8308 لا يكون في القرطاس؛ لأنه بمعنى المصدر، ولا يكون ~~في مكتوب، وإنما يكون مكتوبا في لوح، أو ورق، فالمكتوب لا يكون في ~~الكتاب، وإنما يكون في القرطاس؟. # وأجاب بأن اللوح لما لم يكن إلا لأن يكتب فيه صح تسميته كتابا. # وقوله: { في كتاب } إما خبر بعد خبر، وإما صفة ل " كريم " ، وإما ~~معمول ل " كريم ". # والأصح أن الكتاب المكنون هو اللوح المحفوظ، لقوله تعالى: # بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ # [البروج: 21، 22]. # قوله: { لا يمسه }. # في " لا " هذه وجهان: # أحدهما: أنها نافية، فالضمة في " لا يمسه " ضمة إعراب. # وعلى هذا القول ففي الجملة وجهان: # أحدهما: أن محلها الجر صفة ل " كتاب " ، والمراد به: إما اللوح ~~المحفوظ، و " المطهرون " حينئذ: الملائكة، أو المراد به المصاحف، ~~والمراد ب " المطهرين ": المكلفون كلهم. # والثاني: أن محلها الرفع صفة ل " قرآن ". والمراد ب " المطهرين ": ~~الملائكة فقط، أي: لا يطلع عليه، أو لا يمس لوحه، لا بد من هذين ~~التجوزين؛ لأن نسبة المس إلى المعاني حقيقة متعذر. # ويؤيد كون هذه نفيا قراءة عبد الله: " ما يمسه " ب " ما " النافية. # الوجه الثاني: أنها ناهية، والفعل بعدها مجزوم؛ لأنه لو فك عن الإدغام ~~لظهر ذلك فيه، كقوله تعالى: # لم يمسسهم سوء # [آل عمران: 174] ولكنه أدغم، ولما أدغم حرك آخره بالضم لأجل هاء ضمير ~~المذكر الغائب. # ولم يحفظ سيبويه في نحو هذا إلا الضم. # وفي الحديث: # " إنا لم نرده عليك إلا أننا حرم ". # وإن كان القياس يقتضي جواز فتحه تخفيفا، وبهذا يظهر فساد من رد بأن ~~هذا لو كان نهيا لكان يقال: " لا يمسه " بالفتح؛ لأنه خفي عليه جواز ضم ~~ما قبل " الهاء " في هذا النحو، لا سيما على رأي سيبويه، فإنه لا يجيز ~~غيره. # وقد ضعف ابن عطية كونها نهيا بأنه إذا كان خبرا فهو في موضع الصفة، ~~وقوله بعد ذلك: " تنزيل " صفة، فإذا جعلناه نهيا كان أجنبيا ~~معترضا بين الصفات، وذلك لا يحسن في وصف الكلام فتدبره، وفي حرف ابن ~~مسعود: " ما يمسه ". انتهى. # وليس فيما ذكره ms8309 ما يقتضي تضعيف هذا القول؛ لأنا لا نسلم أن " تنزيل " ~~صفة، بل هو خبر مبتدأ محذوف، أي: " هو تنزيل " فلا يلزم ما ذكره من ~~الاعتراض. # ولئن سلمنا أنه صفة ف " لا يمسه " صفة أيضا، فإن اعترض علينا بأنه ~~طلب فيجاب بأنه على إضمار القول، أي: نقول فيه: " لا يمسه " كما قالوا ~~ذلك في قوله: # فتنة لا تصيبن # [الأنفال: 25] على أن " لا تصيبن " نهي. # وهو كقوله: [مشطور الرجز] # 4711- جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط؟ # وقد تقدم تحقيقه في " الأنفال ". # وهذه الآية يتعلق بها خلاف العلماء في مس المحدث المصحف، وهو مبني على ~~هذا. # وقرأ العامة: " المطهرون " بتخفيف الطاء، وتشديد الهاء مفتوحة ~~اسم مفعول. # وعن سلمان الفارسي كذلك إلا أنه يكسر الهاء، اسم فاعل، أي: المطهرون ~~أنفسهم، فحذف مفعوله. # ونافع وأبو عمرو في رواية عنهما، وعيسى بسكون الطاء، وفتح الهاء خفيفة ~~اسم مفعول من " أطهر زيد ". # والحسن وعبد الله بن عوف وسلمان أيضا: " المطهرون " بتشديد الطاء ~~والهاء المكسورة، وأصله: " المتطهرون " فأدغم. # وقد قرىء بهذا على الأصل أيضا. # فصل في تحرير المس المذكور في الآية # اختلفوا في المس المذكور في الآية، هل هو حقيقة في المس بالجارحة أو ~~معنى؟ وكذلك اختلفوا في المطهرون من هم؟. # فقال أنس وسعيد بن جبير: لا يمس ذلك إلا المطهرون من الذنوب وهم ~~الملائكة. # وقال أبو العالية وابن زيد: هم الذين طهروا من الذنوب كالرسل من ~~الملائكة، والرسل من بني آدم. # وقال الكلبي: هم السفرة، الكرام البررة، وهذا كله قول واحد، وهو ~~اختيار مالك. # وقال الحسن: هم الملائكة الموصوفون في سورة " عبس " في قوله تعالى: # في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة ~~كرام بررة # [عبس: 13 - 16]. # وقيل: معنى " لا يمسه " لا ينزل به إلا المطهرون، يعني: الرسل من ~~الملائكة على الرسل من الأنبياء، ولا يمس اللوح المحفوظ الذي هو الكتاب ~~المكنون إلا الملائكة المطهرون. # ولو كان المراد طهر الحدث لقال: المتطهرون أو المطهرون بتشديد " الطاء ~~". # والصحيح أن المراد بالكتاب: المصحف الذي بأيدينا؛ لما روى مالك وغيره: ~~أن في ms8310 كتاب عمرو بن حزم: " لا يمس القرآن إلا طاهر ". # وقال ابن عمر: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر ". # وقالت أخت عمر لعمر عند إسلامه، وقد دخل عليها ودعا بالصحيفة: { لا ~~يمسه إلا المطهرون } فقام واغتسل، وأسلم. # وعلى هذا قال قتادة وغيره: معناه: لا يمسه إلا المطهرون من الأحداث ~~والأنجاس. # وقال الكلبي: من الشرك. # وقال الربيع بن أنس: من الذنوب والخطايا. # وقال محمد بن فضيل وعبدة: لا يقرؤه إلا المطهرون، أي: إلا الموحدون. # قال عكرمة: وكان ابن عباس ينهى أن يمكن اليهود والنصارى من قراءته. # وقال الفراء: لا يجد نفعه وطعمه وبركته إلا المطهرون، أي: المؤمنون ~~بالقرآن، وقال الحسين بن الفضل: معناه: لا يعرف تفسيره وتأويله إلا من ~~طهره الله من الشرك والنفاق. # وقال أبو بكر الوراق: لا يوفق للعمل به إلا السعداء. # وروى معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المعنى: لا يمس ثوابه ~~إلا المؤمنون. # فصل في مس المصحف لغير المتوضىء # اختلف العلماء في مس المصحف على غير وضوء. # فالجمهور على المنع من مسه على غير طهارة لحديث عمرو بن حزم، وهو ~~مذهب علي، وابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعطاء، والزهري، ~~والنخعي والحكم وحماد، وجماعة من الفقهاء منهم مالك والشافعي. # واختلفت الرواية عن أبي حنيفة. # فروي عنه أنه يمسه المحدث، وهذا مروي عن ابن عباس والشعبي وغيرهما، ~~وروي عنه أنه يمس ظاهره وحواشيه، وما ليس بمكتوب. # وأما [الكتاب] فلا يمسه إلا طاهر. # قال ابن العربي: وهذا يقوي الحجة عليه؛ لأن جرم الممنوع ممنوع، وكتاب ~~عمرو بن حزم أقوى دليل عليه. # وقال مالك: لا يحمله غير طاهر بعلامة، ولا على وسادة. # وقال أبو حنيفة: لا بأس بذلك. # وروي عن الحكم وحماد وداود بن علي: أنه لا بأس بحمله ومسه للمسلم ~~والكافر طاهرا أو محدثا، إلا أن داود قال: لا يجوز للمشرك حمله، ~~واحتجوا في إباحة ذلك بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى " قيصر " ، ولا ~~حجة فيه ms8311 لأنه موضع ضرورة. # والمراد بالقرآن: المصحف، سمي قرآنا لقرب الجوار على الاتساع، ولأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو. أراد به ~~المصحف. # قوله: { تنزيل }. # قرأ العامة: بالرفع. # وقرأ بعضهم: " تنزيلا " بالنصب، على أنه حال من النكرة، وجاز ذلك ~~لتخصصها بالصفة. # وأن يكون مصدرا لعامل مقدر، أي: نزل تنزيلا. # وغلب التنزيل على القرآن. # وقوله: " من رب " يجوز أن يتعلق به على الأول لا الثاني؛ لأن المؤكد لا ~~يعمل، فيتعلق بمحذوف؛ لأنه صفة له. # وأما على قراءة " تنزيل " بالرفع، فيجوز الوجهان. # قال القرطبي: " تنزيل " أي: منزل، كقولهم: " ضرب الأمير، ونسج اليمن ~~". # وقيل: " تنزيل " صفة لقوله تعالى: { إنه لقرآن كريم }. # وقيل: خبر مبتدأ محذوف، أي: هو " تنزيل ". # قال ابن الخطيب: قوله " تنزيل " مصدر، والقرآن الذي في كتاب ليس بتنزيل، ~~إنما هو منزل لقوله تعالى: # نزل به الروح الأمين # [الشعراء: 193]، فنقول: ذكر المصدر، وإرادة المفعول كثير، كقوله تعالى: # هذا خلق الله # [لقمان: 11] وأوثر المصدر؛ لأن تعلق المصدر بالفاعل أكثر. # قوله: { أفبهذا الحديث } متعلق بالخبر، وجاز تقديمه على ~~المبتدأ؛ لأن عامله يجوز فيه ذلك، والأصل: أفأنتم مدهنون بهذا الحديث، ~~وهو القرآن. # ومعنى " مدهنون " أي: متهاونون كمن يدهن في الأمر، أي: يلين جانبه، ~~ولا يتصلب فيه تهاونا به، يقال: أدهن فلان، أي: لاين وهاود فيما لا يجمل ~~عنه المدهن. # قال أبو قيس بن الأسلت: [السريع] # 4712- الحزم والقوة خير من ال # إدهان والفهة والهاع # وقال الراغب: والإدهان في الأصل مثل التدهين، لكن جعل عبارة عن المداراة ~~والملاينة وترك الجد، كما جعل التقريد وهو نزع القراد عبارة عن ذلك. # قال القرطبي: " وأدهن وداهن واحد، وقال قوم: داهنت بمعنى واريت، وأدهنت ~~بمعنى غششت ". # قال ابن عباس: " مدهنون " أي: مكذبون. وهو قول عطاء وغيره. # والمدهن: الذي ظاهره خلاف باطنه، كأنه شبه بالدهن في سهولة ظاهره. # وقال مقاتل بن سليمان وقتادة: " مدهنون " كافرون، نظيره: # ودوا لو تدهن فيدهنون # [القلم: 9]. # وقال المؤرج: المدهن: المنافق الذي يلين جانبه ليخفي كفره. # والإدهان والمداهنة: التكذيب والكفر والنفاق. # وقال الضحاك: ms8312 " مدهنون " معرضون. # وقال مجاهد: ممالئون الكفار على الكفر به. # وقال ابن كيسان: المدهن: الذي لا يعقل ما حق الله عليه، ويدفعه بالعلل. # وقال بعض اللغويين: " مدهنون ": تاركون للجزم في قبول القرآن. # قوله: { وتجعلون رزقكم }. # فيه أوجه: # أحدها: أنه على التهكم بهم، لأنهم وضعوا الشيء غير موضعه، كقولك: شتمني ~~حيث أحسنت إليه، أي: عكس قضية الإحسان. # ومنه: [الرجز] # 4713- كأن شكر القوم عند المنن # كي الصحيحات، وفقء الأعين # أي: شكر رزقكم تكذيبكم. # الثاني: أن ثم مضافين محذوفين، أي: بدل شكر رزقكم، ليصح المعنى. # قاله ابن مالك. # وقد تقدم في قوله تعالى: # فكان قاب قوسين # [النجم: 9] أكثر من هذا. # الثالث: أن الرزق هو الشكر في لغة " أزد شنوءة " يقولون: ما رزق فلان ~~فلانا، أي: ما شكره، فعلى هذا لا حذف ألبتة. # ويؤيده قراءة علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وتلميذه عبد الله بن ~~عباس - رضي الله عنهما -: " وتجعلون شكركم " مكان رزقكم. # قال القرطبي: " وإنما صلح أن يوضع اسم الرزق مكان الشكر لأن شكر ~~الرزق يقتضي الزيادة فيه، فيكون الشكر رزقا لهذا المعنى ". # قوله: { أنكم تكذبون }. # قرأ العامة: " تكذبون " من التكذيب. # وعلي - رضي الله عنه - وعاصم في رواية المفضل عنه: " تكذبون " مخففا ~~من الكذب. # ومعنى الآية: أنكم مكذبون بالرزق، أي؛ تضعون الكذب مكان الشكر، ~~كقوله تعالى: # وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكآء وتصدية # [الأنفال: 35]، أي: لم يكونوا يصلون، ولكنهم كانوا يصفرون ويصفقون مكان ~~الصلاة. # قال القرطبي: وفيه بيان أن ما أصاب العباد من خير، فلا ينبغي أن يروه من ~~قبل الوسائط التي جرت العادة بأن تكون أسبابا، بل ينبغي أن يروه من قبل ~~الله - تعالى - ثم يقابلونه بشكر إن كان نعمة، أو صبر إن كان مكروها ~~تعبدا له وتذللا. # وروى علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قرأ: { وتجعلون شكركم أنكم تكذبون } خفيفة. # وعن ابن عباس أيضا: أن المراد به الاستسقاء بالأنواء، وهو قول العرب: ~~مطرنا بنوء كذا، رواه علي بن أبي طالب عن النبي صلى ms8313 الله عليه وسلم. # وفي " صحيح مسلم " عن ابن عباس قال: # " مطر الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر ". # فقال بعضهم: هذه رحمة الله؛ وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا، قال: ~~فنزلت هذه الآية: { فلا أقسم بمواقع النجوم } حتى بلغ { ~~وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } ". # وعنه أيضا: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في سفر فعطشوا، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " أرأيتم إن دعوت الله لكم فسقيتم لعلكم ~~تقولون: هذا المطر بنوء كذا " ، فقالوا: يا رسول الله ما هذا بحين ~~الأنواء. فصلى ركعتين، ودعا ربه، فهاجت ريح، ثم هاجت سحابة فمطروا، فمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم ومعه عصابة من أصحابه برجل يغترف بقدح له، وهو ~~يقول: سقينا بنوء كذا، ولم يقل هذا من رزق الله، فنزلت: { وتجعلون ~~رزقكم أنكم تكذبون } ". # أي: شكركم لله على رزقه إياكم أنكم تكذبون بالنعمة، وتقولون: سقينا بنوء ~~كذا، كقولك: جعلت إحساني إليك إساءة منك إلي، وجعلت إنعامي إليك أن ~~اتخذتني عدوا. # قال الشافعي: لا أحب لأحد أن يقول: مطرنا بنوء كذا، وإن كان ~~النوء عندنا الوقت المخلوق لا يضر، ولا ينفع، ولا يمطر، ولا يحبس ~~شيئا من المطر، والذي أحب أن يقول: مطرنا وقت كذا، كما تقول: مطرنا شهر ~~كذا، ومن قال: مطرنا بنوء كذا، وهو يريد أن النوء أنزل الماء كما يقول ~~بعض أهل الشرك فهو كافر، حلال دمه إن لم يتب. # وقيل: معنى قوله: { وتجعلون رزقكم } أي: معاشكم وتكسبكم ~~تكذيب محمد، كما يقال: فلان جعل قطع الطريق معاشه، فعلى هذا التكذيب ~~عام، وعلى الأول التكذيب خاص والرزق في الأصل مصدر سمي به ما يرزق، كما ~~يقال للمأكول: رزق، وللمقدور: قدرة وللمخلوق: خلق. ### || [56.83-96] # قوله: { فلولا إذا بلغت الحلقوم }. # ترتيب الآية الكريمة: فلولا ترجعونها - أي النفس - إذا بلغت الحلقوم ~~إن كنتم غير مدينين. # و " لولا " الثانية مكررة للتوكيد قاله الزمخشري. # قال شهاب الدين: فيكون التقدير: فلولا فلولا ترجعونها ms8314 من باب التوكيد ~~اللفظي، ويكون " إذا بلغت " ظرفا ل " ترجعونها " مقدما عليه؛ إذ لا ~~مانع منه، أي فلولا ترجعون النفس في وقت بلوغها الحلقوم. # وقوله: { وأنتم حينئذ تنظرون }. # جملة حالية من فاعل " بلغت ". # والتنوين في " حينئذ " عوض من الجملة المضاف إليها أي: إذا بلغت ~~الحلقوم، خلافا للأخفش، حيث زعم أن التنوين للصرف، والكسر للإعراب. ~~وقد مضى تحقيقه. # وقرأ العامة: بفتح نون " حينئذ " لأنه منصوب على الظرف، ناصبه " تنظرون ~~" وعيسى: بكسرها. # وهي مشكلة لا تبعد عن الغلط عليه، وخرجت على الإتباع لحركة الهمزة. # ولا عرف في ذلك، فليس بأبعد من قرأ: " الحمد لله " بكسر الدال لتلازم ~~المتضايفين، ولكثرة دروهما على الخصوص. # فصل في تحرير معنى الآية # قال المفسرون: معنى الآية فهلا إذا بلغت النفس، أو الروح الحلقوم، ولم ~~يتقدم لها ذكر؛ لأن ذلك معروف. # قال حاتم: [الطويل] # 4714- أماوي ما يغني الثراء عن الفتى # إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # وفي الحديث: # " إن ملك الموت له أعوان يقطعون العروق، ويجمعون ~~الروح شيئا فشيئا حتى ينتهي بها إلى الحلقوم، فيتوفاها ~~ملك الموت ". # { وأنتم حينئذ تنظرون } أمري وسلطاني. # وقيل: تنظرون إلى الميت لا تقدرون له على شيء. # قال ابن عباس: يريد من حضر من أهل الميت ينتظرون متى تخرج نفسه. # ثم قيل: هو رد عليهم في قولهم لإخوانهم: # لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا # [آل عمران: 156]، فهلا ردوا روح الواحد منهم إذا بلغت الحلقوم. # وقيل: المعنى فهلا إذا بلغت نفس أحدكم الحلقوم عند النزع، وأنتم ~~حضور أمسكتم روحه في جسده مع حرصكم على امتداد عمره، وحبكم لبقائه، وهذا ~~رد لقولهم: # نموت ونحيا وما يهلكنآ إلا الدهر # [الجاثية: 24]. # قوله: { ونحن أقرب }. # يجوز أن يكون حالا، أي: تنظرون في هذه الحال التي تخفى عنكم. # وأن تكون مستأنفة، فيكون اعتراضا، والاستدراك ظاهر. # والبصر يجوز أن يكون من البصيرة، والمعنى: ونحن أقرب إليه منكم ~~بالقدرة والعلم والرؤية. # قال عامر بن عبد قيس: ما نظرت إلى شيء إلا رأيت الله - تعالى - أقرب ~~إلي منه. # وأن يكون من البصر، ms8315 أي لا تنظرون أعوان ملك الموت، والمعنى: أن رسلنا ~~الذين يتولون قبض روحه أقرب إليه منكم لكن لا ترونهم. # قوله: { فلولا إن كنتم غير مدينين }. # " إن كنتم " شرط، جوابه محذوف عند البصريين لدلالة " فلولا " عليه، أو ~~مقدم عند من يرى ذلك كما تقدم تقريره. # والمعنى: فهلا كنتم غير محاسبين، ولا مجزيين بأعمالكم، ومنه قوله تعالى: # أإنا لمدينون # [الصافات: 53]، أي: مجزيون أو محاسبون. وقد تقدم. # وقيل: غير مملوكين، ولا مقهورين. # قال الفراء وغيره: دنته، ملكته. # قال الحطيئة: [الوافر] # 4715- لقد دينت أمر بنيك حتى # تركتهم أدق من الطحين # يعني: ملكت. # ودانه: أي أذله واستعبده، يقال: دنته فدان. # ومنه دانت له البلاد والعباد، وقد تقدم في " الفاتحة " عند قوله " يوم ~~الدين ". # قوله: { ترجعونهآ }. # قال أبو البقاء: " ترجعونها " جواب " لولا " الأولى، وأغنى ذلك عن ~~جواب الثانية. # وقيل: بعكس ذلك. # وقال الزمخشري: " إن " لولا " الثانية تكرير ". انتهى. # قال شهاب الدين: وتسمية مثل هذا جوابا ليس بصحيح ألبتة؛ لأن هذه ~~تحضيضية لا جواب لها، إنما الجواب للامتناعية لوجود، نحو: # ولولا فضل الله عليكم # [النور: 21]. # وقال ابن عطية: وقوله: " ترجعونها " سد مسد الأجوبة والبيانات التي ~~تقتضيها التحضيضيات، وإذا في قوله " فلولا إذا " ، وإن المتكررة، ~~وحمل بعض القول بعضا إيجازا واختصارا. انتهى. # فجعل " إذا " شرطية، وقوله بالأجوبة يعني ل " إذا " ، ول " إن " في ~~قوله: { إن كنتم غير مدينين } ، { إن كنتم صادقين }. # والبيانات: يعني الأفعال التي حضض عليها، وهي عبارة قلقة. # قال أبو حيان: " و " إذا " ليست شرطا، بل ظرفا يعمل فيها " ترجعونها " ~~المحذوف بعد " فلولا " لدلالة " ترجعونها " في التحضيض الثاني عليه، فجاء ~~التحضيض الأول مقيدا بوقت بلوغ الحلقوم، وجاء التحضيض الثاني معلقا ~~على انتفاء مربوبيتهم، وهم لا يقدرون على رجوعها، إذ مربوبيتهم موجودة ~~فهم مقهورون، لا قدرة لهم ". انتهى. # فجعل " ترجعونها " المذكور ل " لولا " الثانية، وهو دال على محذوف بعد ~~الأولى، وهو أحد الأقوال التي نقلها أبو البقاء فيما تقدم. # وقوله: { إن كنتم صادقين }. # شرط آخر، وليس هذا من اعتراض الشرط على الشرط نحو: " إن ركبت إن لبست ms8316 ~~فأنت طالق " حتى يجيء فيه ما تقدم في هذه المسألة؛ لأن المراد هنا: إن ~~وجد الشرطان كيف كانا فهل رجعتم بنفس الميت؟. # [وقال القرطبي: { ترجعونها إن كنتم صادقين } يرجع الروح إلى الجسد إن ~~كنتم صادقين، أي: ولن ترجعونها فبطل] زعمكم أنكم غير مملوكين، ولا ~~محاسبين، و " ترجعونها " جواب لقوله تعالى: { فلولا إذا ~~بلغت الحلقوم } ، ولقوله: { فلولا إن كنتم غير ~~مدينين } وأجيبا بجواب واحد. قاله الفراء، وربما أعادت العرب ~~الحرفين ومعناهما واحد، ومنه قوله تعالى: # فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون # [البقرة: 38]، أجيبا بجواب واحد، وهما شرطان. # والمعنى: إن كان الأمر كما تقولون: إنه لا بعث، ولا حساب، ولا إله ~~يجازي، فهلا تردون نفس من يعز عليكم إذا بلغت الحلقوم؟ وإذا لم يمكنكم ~~ذلك فاعلموا أن الأمر إلى غيركم وهو الله عز وجل. قاله البغوي. # وقيل: حذف أحدهما لدلالة الآخر عليه. # وقيل: فيها تقديم وتأخير، مجازها: " فلولا وهلا إن كنتم غير مدينين ~~ترجعونها تردون نفس الميت إلى جسده إذا بلغت الحلقوم ". # ثم ذكر طبقات الخلق عند الموت وبين درجاتهم، فقال: { فأمآ إن كان ~~}. # قد تقدم الكلام في " أما " أول الكتاب. # وهنا أمر زائد، وهو وقوع شرط آخر بعدها. # واختلف النحاة في الجواب المذكور بعدها، هل هو ل " أما " أو ل " أن " ~~وجواب الأخرى محذوف لدلالة المنطوق عليه والجواب لهما معا؟ ثلاثة أقوال: # الأول: لسيبويه. # والثاني: للفارسي في أحد قوليه، وله قول آخر لسيبويه. # والثالث: للأخفش. # وهذا كما تقدم في الجواب بعد الشرطين المتواردين. # وقال مكي: " ومعنى " أما " عند أبي إسحاق الخروج من شيء إلى شيء، أي: دع ~~ما كنا فيه، وخذ في غيره ". # وعلى هذا فيكون الجواب ل " إن " فقط، لأن " أما " ليست شرطا، ورجح ~~بعضهم أن الجواب ل " أما " لأن " إن " كثر حذف جوابها منفردة فادعاء ~~ذلك مع شرط آخر أولى. # قوله: { فأمآ إن كان }. # الضمير في " كان " و " كان " و " كان " للمتوفى، لدلالة " فلولا ~~ترجعونها " ، والمراد بالمقربين: السابقين لقوله تعالى # والسابقون السابقون ms8317 أولئك المقربون # [الواقعة: 10]. # قوله: { فروح وريحان }. # قرأ العامة: " فروح " بفتح الراء. # وقرأ ابن عباس، وعائشة، والحسن، وقتادة، ونصر بن عاصم، والجحدري ورويس ~~وزيد عن يعقوب وجماعة: بضم الراء. # وتروى عن النبي صلى الله عليه وسلم. # فمن قرأ بالفتح، فمعناه: فله روح، وهو الراحة. وهو قول مجاهد. # وقال سعيد بن جبير: فرج. # وقال الضحاك: مغفرة ورحمة " وريحان ": استراحة. # وقال مجاهد وسعيد بن جبير: رزق. # قال مقاتل: [هو الرزق بلغة] " حمير ". يقال: خرجنا نطلب ريحان الله، ~~أي: رزقه. # وقيل: هو الريحان الذي يشم. # قال أبو العالية: لا يفارق أحد من المقربين الدنيا حتى يؤتى بغصن من ~~ريحان الجنة فيشمه ثم تقبض روحه. # وقال أبو بكر الوراق: الروح: النجاة من النار والريحان: دخول ~~دار القرار. # وقد تقدم الكلام على " ريحان " وكيفية تعريفه في السورة قبلها. # وقوله: " فروح " مبتدأ، خبره مقدر قبله، أي: فله روح، ويجوز أن يقدر ~~بعده لاعتماده على فاء الجزاء. # قوله: { وأما إن كان من أصحاب اليمين، فسلام لك من أصحاب اليمين }. # " فسلام لك " مبتدأ وخبر. # و " من أصحاب ". قال الزمخشري: " فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك ~~أصحاب اليمين، أي: يسلمون عليك ". # وقال ابن جرير: " فسلام لك أنت من أصحاب اليمين ". # وهذا يحتمل أن يكون كقول الزمخشري، ويكون " أنت " تأكيدا للكاف في لك، ~~ويحتمل أن يكون أراد أن " أنت " مبتدأ، و " من أصحاب " خبره، ويؤيد هذا ~~ما حكاه قوم من أن المعنى فيقال لهم: سلام عليكم لك إنك من أصحاب اليمين. # وأول هذه الأقوال هو الواضح البين؛ ولذلك لم يعرج أبو القاسم على غيره. # فصل في المقصود بهذا السلام # قال القرطبي: { فسلام لك من أصحاب اليمين } أي: لست ~~ترى منهم إلا ما تحب من السلامة فلا تهتم، فإنهم يسلمون من عذاب الله. # وقيل: المعنى: سلام لك منهم، أي: أنت سالم من الاهتمام لهم، والمعنى ~~واحد. # وقيل: إن أصحاب اليمين يدعون لك يا محمد بأن يصلي الله عليك ويسلم. # وقيل: معناه: سلمت أيها العبد مما تكره، فإنك من أصحاب اليمين فحذف ms8318 ~~إنك. # وقيل: إنه يحيا بالسلام إكراما. # فعلى هذا في محل السلام ثلاثة أقاويل: # أحدها: عند قبض روحه في الدنيا يسلم عليه ملك الموت. قاله الضحاك. # قال ابن مسعود: إذا جاء ملك الموت لقبض روح المؤمن، قال: ربك يقرئك ~~السلام. # الثاني: عند مساءلته في القبر يسلم عليه منكر ونكير. # الثالث: عند بعثه في القيامة يسلم عليه الملك قبل وصوله إليها. # قال القرطبي: " ويحتمل أن يسلم عليه في المواطن الثلاثة، ويكون ذلك ~~إكراما بعد إكرام ". # قوله: { وأمآ إن كان من المكذبين } بالبعث " الضالين ~~" عن الهدى، وطريق الحق { فنزل من حميم } كما قال: # ثم إنكم أيها الضآلون المكذبون لآكلون # [الواقعة: 51 - 52] إلى أن قال: # ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم # [الصافات: 67]. # قوله: { وتصلية }. # قرأ أبو عمرو في رواية اللؤلؤي عنه، وأحمد بن موسى، والمنقري: بجر التاء ~~عطفا على " حميم " ، أي: ونزل من تصلية جحيم. # والمعنى: إدخال في النار. # وقيل: إقامة في الجحيم، ومقاساة لأنواع عذابها. # يقال: أصلاه النار وصلاه، أي: جعله يصلاها. # والمصدر هنا أضيف إلى المفعول، كما يقال: لفلان إعطاء مال، أي: يعطي ~~المال. # قوله: { إن هذا لهو حق اليقين }. # أي: هذا الذي قصصناه محض اليقين وخالصه. # وجاز إضافة الحق إلى اليقين، وهما واحد لاختلاف لفظهما، وذلك من باب ~~إضافة المترادفين على سبيل المبالغة. # قال المبرد: هو كقولك: عين اليقين وحق اليقين. # فهو من باب إضافة الشيء إلى نفسه عند الكوفيين، وإن كانوا فعلوا ذلك في ~~اللفظ الواحد، فقالوا: صواب الصواب، ونفس النفس مبالغة، فلأن يفعلوا عند ~~اختلاف اللفظ أولى. # وعند البصريين بمعنى: حق الأمر اليقين، أو الخبر اليقين. # وقيل: هو توكيد، كقولك: حق الحق، وصواب الصواب. قاله ابن عطية. # وقيل: أصل اليقين أن يكون نعتا للحق فأضيف المنعوت إلى النعت على ~~الاتساع والمجاز، كقوله تعالى: # ولدار الآخرة خير # [النحل: 30]. # قال ابن الخطيب: " هذه الإضافة كقولك: ثوب كتان، وباب ساج بمعنى ثوب من ~~كتان، وباب من ساج، أي: لهو الحق من اليقين ". # ويحتمل أن يكون المعنى: أنه الحق الذي يستحقه اليقين، ms8319 كقوله عليه الصلاة ~~والسلام: # " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ~~فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ". # فالضمير يرجع إلى الكلمة، أي: إلا بحق الكلمة، ومن حق الكلمة أداء ~~الزكاة والصلاة، فكذلك حق اليقين، بالاعتراف، أي: بحق اليقين. # والمعنى: أنه يعترف بما قال الله - تعالى - في سورة " الواقعة " ، وفي ~~حق الأزواج الثلاثة، وعلى هذا المعنى إن اليقين لا يحق إلا إذا صدق بما ~~قاله، فالتصديق حق اليقين الذي يستحقه. # قوله: { فسبح باسم ربك العظيم }. # أي: نزه الله - تعالى - عن السوء. # و " الباء " يجوز أن تكون للحال، أي: فسبح ملتبسا باسم ربك على ~~سبيل التبرك كقوله: # ونحن نسبح بحمدك # [البقرة: 30]، وأن تكون للتعدية على أن " سبح " يتعدى بنفسه تارة، ~~كقوله: # سبح اسم ربك # [من سورة الأعلى: 1] وبحرف الجر تارة كهذه الآية. # وقال القرطبي: " والباء زائدة، أي: سبح اسم ربك ". # وادعاء زيادتها خلاف الأصل. # و " العظيم " يجوز أن يكون صفة للاسم، وأن يكون صفة ل " ربك "؛ لأن ~~كلا منهما مجرور، وقد وصف كل منهما في قوله: # تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام # [الرحمن: 78] و " ذي الجلال ". # ولتقارب المتضايفين ظهر الفرق في الوصف. # فصل في تحرير معنى الآية # قيل: معنى " فسبح " أي فصل بذكر ربك وبأمره. # وقيل: فاذكر اسم ربك العظيم وسبحه. # " وعن عقبة بن عامر قال: لما نزلت: { فسبح باسم ربك ~~العظيم } قال النبي عليه الصلاة والسلام: " اجعلوها في ~~ركوعكم ". ولما نزلت: { سبح اسم ربك الأعلى } قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " اجعلوها في سجودكم " ". # أخرجه أبو داود. # وروى أبو طيبة عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم [يقول]: # " من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا " # وكان أبو هريرة لا يدعها أبدا. # وعن مسروق قال: " من أراد أن يتعلم نبأ الأولين والآخرين، ونبأ أهل ~~الجنة، ونبأ الدنيا، ونبأ الآخرة، فليقرأ سورة الواقعة ". # والله تعالى أعلم. ### | [57 - سورة الحديد] ### || [57.1-8] # قوله تعالى: { سبح لله ما في السماوات والأرض ms8320 }. # أي: مجد الله ونزهه عن السوء. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: صلى لله ما في السموات من خلق من ~~الملائكة والأرض من شيء فيه روح، أو لا روح فيه. # وقيل: هو تسبيح الدلالة. # وأنكر الزجاج هذا وقال: لو كان هذا تسبيح الدلالة، وظهور آثار الصنعة ~~لكانت مفهومة، فلم قال: # ولكن لا تفقهون تسبيحهم # [الإسراء: 44]. # وإنما التسبيح مقال، واستدل بقوله تعالى: # وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن # [الأنبياء: 79]، ولو كان هذا التسبيح تسبيح دلالة، فأي تخصيص لداود؟. # وقال القرطبي: هذا هو الصحيح. # فصل في الكلام على الفعل سبح # هذا الفعل عدي باللام تارة كهذه السورة، وأخرى بنفسه كقوله تعالى: # وسبحوه # [الأحزاب: 42]، وأصله التعدي بنفسه، لأن معنى " سبحته ": بعدته عن ~~السوء، فاللام إما أن تكون مزيدة كهي في نصحت لزيد، ونصحته، وشكرته، ~~وشكرت له؛ إذ يقال: سبحت الله تعالى، قال: # ويسبحونه وله يسجدون # [الأعراف: 206]. وإما أن تكون للتعليل، أي: أحدث التسبيح لأجل الله ~~تعالى. # وجاء في بعض الفواتح " سبح " بلفظ الماضي، وفي [بعضها] بلفظ المضارع، ~~وذلك إشارة إلى أن هذه الأشياء مسبحة في كل الأوقات، لا يختص بوقت دون ~~وقت، بل هي مسبحة أبدا في الماضي، وستكون مسبحة أبدا في المستقبل. # قوله: { وهو العزيز الحكيم }. # " العزيز ": الغالب القادر الذي لا ينازعه شيء، وذلك إشارة إلى كمال ~~القدرة. # " الحكيم ": الذي يفعل أفعاله على وفق الحكمة والصواب. # قوله تعالى: { له ملك السماوات والأرض }. # جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب. # وحقيقة " الملك " عبارة عن نفوذ الأمر، فهو سبحانه وتعالى المالك ~~القادر القاهر. # وقيل: أراد خزائن المطر والنبات والرزق. # قوله: { يحيي ويميت }. # يجوز في هذه الجملة ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها لا محل [لها] كالتي قبلها. # والثاني: أنها خبر مبتدأ مضمر، أي: هو له ملك. # الثالث: أنه الحال من الضمير في " له " فالعامل فيها الاستقرار. # ولم يذكر مفعول الإحياء والإماتة؛ إذ الغرض ذكر الفعلين [فقط، والمعنى ~~ليميت] الأحياء في الدنيا، ويحيي الأموات للبعث. # وقيل: هو يحيي النطف، وهي أموات، ويميت الأحياء. # قال ابن الخطيب: " وعندي فيه ms8321 وجه ثالث، وهو أنه ليس المراد منه تخصيص ~~الإحياء والإماتة بزمان معين، وبأشخاص معينين، بل معناه: أنه القادر ~~على خلق الحياة والموت، كقوله تعالى: # الذي خلق الموت والحياة # [الملك: 2]، [والمقصود منه] كونه - تعالى - هو المنفرد بإيجاد هاتين ~~الماهيتين على الإطلاق لا يمنعه عنهما مانع. # قوله: { وهو على كل شيء قدير } لا يعجزه شيء. # قوله تعالى: { هو الأول والآخر } الآية. # قال الزمخشري: فإن قلت: [فما معنى " الواو "؟]. # قلت: " الواو " الأولى معناها الدلالة على [أنه الجامع بين الصفتين ~~الأولية]، والآخرية. # والثالثة على الجامع بين الظهور والخفاء. # وأما الوسطى فعلى أنه الجامع بين مجموع الصفتين الأوليين، ومجموع ~~الصفتين الأخريين. # فصل في تفسير الآية # قال القرطبي رحمه الله: اختلف في معاني هذه الأسماء وقد شرحها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم شرحا يغني عن قول كل قائل. # روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس ~~بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس ~~دونك شيء، اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر " # ، عنى بالظاهر الغالب، وبالباطن العالم، والله أعلم. # قوله: { وهو بكل شيء عليم }. # مما كان أو يكون لا يخفى عليه شيء، وهذا معنى قول ابن عباس. # قال ابن الخطيب: الظاهر بحسب الدلائل، والباطن بحسب الحواس. # والقول بأن الباطن هو العالم ضعيف؛ لأنه يلزم منه التكرار في قوله: " ~~وهو بكل شيء عليم بما كان أو يكون ". # فصل في إثبات وحدانية الله # قال ابن الخطيب: احتج كثير من العلماء في إثبات أن الإله واحد بقوله: ~~" هو الأول " ، قالوا: الأول هو الفرد السابق، ولهذا لو قال: أول مملوك ~~اشتريته فهو حر، ثم اشترى عبدين لم يعتقا؛ لأن شرط كونه أولا حصول ~~الفردية، وهنا لم تحصل، فلو اشترى بعد ذلك عبدا واحدا لم يعتق؛ لأن شرط ~~الأولية كونه سابقا، وهاهنا لم يحصل، فثبت أن الشرط في كونه أولا أن ~~يكون فردا، فكانت الآية دالة على أن صانع ms8322 العالم فرد. # قوله تعالى: { هو الذي خلق السماوات والأرض في ~~ستة أيام ثم استوى على العرش }. # تقدم [في " الأعراف " ]، والمقصود منه دلائل القدرة. # { يعلم ما يلج في الأرض } أي: يدخل فيها من مطر وغيره. # { وما يخرج منها } من نبات وغيره. # { وما ينزل من السمآء } من رزق ومطر وملك. # { وما يعرج فيها } يصعد فيها من الملائكة، وأعمال العباد { ~~وهو معكم } يعني: بقدرته وسلطانه وعلمه. # { أين ما كنتم والله بما تعملون بصير } ينظر ~~أعمالكم ويراها، ولا يخفى عليه شيء منها. # فصل في الكلام على الآية # قال القرطبي: وقد جمع في هذه الآية بين { استوى على العرش } وبين " ~~وهو معكم " ، والأخذ بالظاهر تناقض فدل على أنه لا بد من التأويل، ~~والإعراض عن التأويل اعتراف بالتناقض. # وقد قال أبو المعالي: إن محمدا صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء لم يكن ~~بأقرب إلى الله - عز وجل - من يونس بن متى حين كان في بطن الحوت. وقد ~~تقدم. # فصل في تفسير المعية # ذكر ابن الخطيب عن المتكلمين أنهم قالوا: هذه المعية إما بالعلم، وإما ~~بالحفظ والحراسة، وعلى التقديرين فالإجماع منعقد على أنه - سبحانه ~~وتعالى - ليس معنا بالمكان والحيز والجهة، فإذن قوله: { وهو ~~معكم } لا بد فيه من التأويل، فإذا جوزنا التأويل في موضع وجب ~~تأويله في سائر المواضع. # قوله تعالى: { له ملك السماوات والأرض }. # هذا التكرير للتأكيد، أي: هو المعبود على الحقيقة. # { وإلى الله ترجع الأمور } أي: أمور الخلائق في الآخرة. # وقد تقدم في البقرة ": أن الأخوين وابن عامر يقرءون: " ترجع " بفتح ~~التاء وكسر الجيم مبنيا للفاعل، والباقون: مبنيا للمفعول في جميع ~~القرآن. # وقال أبو حيان هنا: وقرأ الجمهور: " ترجع " مبنيا للمفعول، والحسن ~~وابن أبي إسحاق والأعرج مبنيا للفاعل. # وهذا عجيب منه وقد وقع له مثل ذلك كما تقدم. # قوله: { يولج الليل في النهار ويولج النهار في ~~الليل }. # أي: ما ينتقص من النهار فيزيد في الليل، وما ينتقص من الليل فيزيد في ~~النهار. # { وهو عليم بذات الصدور }. أي: لا تخفى عليه الضمائر، ومن ~~كان بهذه الصفة، ms8323 فلا يجوز أن يعبد سواه. # قوله تعالى: { آمنوا بالله ورسوله }. # أي: صدقوا أن الله واحد، وأن محمدا عبده ورسوله. # " وأنفقوا ": تصدقوا وقيل: أنفقوا في سبيل الله. # وقيل: المراد: الزكاة المفروضة. # وقيل: غيرها من وجوه الطاعات، وما يتقرب به. # وقوله تعالى: { مما جعلكم مستخلفين فيه } دليل على أن ~~أصل الملك لله سبحانه وتعالى، وأن العبد ليس له فيه إلا التصرف الذي ~~يرضي الله تعالى، فيثيبه على ذلك بالجنة، فمن أنفق منها في حقوق الله، ~~وهان عليه الإنفاق منها كما يهون على الرجل النفقة من مال غيره، إذا أذن ~~له فيه، كان له الثواب الجزيل. # وقال الحسن: " مستخلفين فيه " بوراثتكم إياه عمن كان قبلكم، وهذا يدل ~~على أنها ليست بأموالكم في الحقيقة، وما أنتم فيها إلا بمنزلة النواب ~~والوكلاء، فاغتنموا الفوز، فإنها بإقامة الحق قبل أن تزال عنكم إلى من ~~بعدكم. # { فالذين آمنوا وعملوا الصالحات منكم، وأنفقوا في سبيل الله لهم أجر ~~كبير } وهو الجنة. # فصل في الكلام على الآية # قال القاضي: هذه الآية تدل على أن هذا الأجر لا يحصل بالمال وحده حتى ~~يضاف إليه هذا الإنفاق، فمن أخل بالواجب من زكاة وغيرها فلا أجر له. # قال ابن الخطيب: وهذا استدلال ضعيف؛ لأنه لا يلزم من نفي الأجر الكبير ~~نفي أصل الأجر، فلم قلتم: إنها [تدل على أنه] لا أجر له أصلا؟. # فإن قيل: قوله " آمنوا بالله " خطاب مع من عرف الله أو مع من لم يعرف ~~الله، فإن كان الأول كان ذلك أمرا بأن يعرف من عرفه، وذلك أمر بتحصيل ~~الحاصل، وهو محال. # وإن كان الثاني كذلك كان ذلك الخطاب متوجها على من لم يكن عارفا به، ~~ومن لم يكن عارفا يستحيل أن يكون عارفا بأمره، فيكون الأمر متوجها ~~على من يستحيل أن يعرف كونه مأمورا بذلك الأمر، وهو تكليف ما لا يطاق. # قال ابن الخطيب: والجواب من الناس من قال: معرفة وجود الصانع حاصلة ~~للكل، وإنما المقصود من هذا الأمر معرفة الصفات. # قوله تعالى: { وما لكم لا تؤمنون }. # مبتدأ ms8324 وخبر وحال: أي: أي شيء استقر لكم غير مؤمنين. # قال القرطبي: " هذا استفهام يراد به التوبيخ، أي: أي عذر لكم في ألا ~~تؤمنوا وقد أزيحت العلل ". { والرسول يدعوكم }. # فقوله: { والرسول يدعوكم } جملة حالية من ضمير " تؤمنون ". # قال الزمخشري: " فهما حالان متداخلان ". # و " لتؤمنوا " متعلق ب " يدعو " أي: يدعوكم للإيمان، كقولك: " دعوته ~~لكذا ". # ويجوز أن تكون " اللام " للعلة، أي: يدعوكم إلى الجنة وغفران الله لأجل ~~الإيمان. # وفيه بعد. # وهذه الآية تدل على أنه لا حكم قبل ورود الشرع. # قوله: { وقد أخذ }. حال أيضا. # وقرأ العامة: " أخذ " مبنيا للفاعل، وهو الله - تعالى - لتقدم ذكره. # وقرأ أبو عمرو " أخذ " مبنيا للمفعول، حذف الفاعل للعلم به. # و " ميثاقكم " منصوب في قراءة العامة، ومرفوع في قراءة أبي عمرو. # و " إن كنتم " جوابه محذوف، تقديره: فما يمنعكم من الإيمان. # وقيل: تقديره: إن كنتم مؤمنين لموجب ما رتبه، فهذا هو الموجب. # وقدره ابن عطية: إن كنتم مؤمنين فأنتم في رتبة شريفة. # فصل في المراد بهذا الميثاق # قال مجاهد: المراد بالميثاق هو المأخوذ عليهم حين أخرجهم من ظهر آدم، ~~وقال: # ألست بربكم قالوا بلى # [الأعراف: 172]. # قال ابن الخطيب: وهذا ضعيف؛ لأنه - تعالى - إنما ذكر أخذ الميثاق ليكون ~~ذلك سببا في أنه لم يبق لهم عذر في ترك الإيمان بعد ذلك، وأخذ الميثاق ~~وقت إخراجهم من ظهر آدم غير معلوم للقوم إلا بقول الرسول. # فقبل معرفة تصديق الرسول لا يكون ذلك سببا في وجوب تصديق الرسول بل ~~المراد بأخذ الميثاق نصب الدلائل والبينات، بأن ركب فيهم العقول، وأقام ~~عليهم الحجج والدلائل التي تدعو إلى متابعة الرسول، وهذا معلوم لكل ~~أحد، فيكون سببا لوجوب الإيمان بالرسول. # فصل في حصول الإيمان بالعبد. # قال القاضي: قوله: { وما لكم لا تؤمنون } يدل على قدرتهم على ~~الإيمان، إذ لا يجوز أن يقال ذلك لمن لا يتمكن من الفعل كما لا يقال: ما ~~لك لا تطول ولا تبيض، فيدل هذا على أن الاستطاعة قبل الفعل، وعلى أن ~~القدرة صالحة للضدين، وعلى أن الإيمان حصل بالعبد ms8325 لا بخلق الله. # قوله: { إن كنتم مؤمنين } أي: إذ كنتم مؤمنين. # وقيل: إن كنتم مؤمنين بالحجج والدليل. # وقيل: إن كنتم مؤمنين بحق يوما من الأيام، فالآن فقد صحت براهينه. # وقيل: إن كنتم مؤمنين بأن الله خلقكم كانوا يعترفون بهذا. # وقيل: هذا خطاب لقوم آمنوا، وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم ميثاقهم ~~فارتدوا. # وقوله: { إن كنتم مؤمنين } أي: كنتم تقرون بشرائط الإيمان. ### || [57.9-10] # قوله تعالى: { هو الذي ينزل على عبده }. # تقدمت قراءتا " ينزل " تخفيفا وتشديدا في " البقرة ". # وزيد بن علي: " أنزل " ماضيا. # وقوله: { آيات بينات } يعني القرآن. # وقيل: المعجزات، أي: لزمكم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم لما معه من ~~المعجزات والقرآن أكبرها وأعظمها. # { ليخرجكم } أي: بالقرآن. # وقيل: بالرسول. # وقيل: بالدعوة، { من الظلمات } ، وهو الشرك والكفر. # { إلى النور } وهو الإيمان { وإن الله بكم لرءوف ~~رحيم }. # فصل في إرادة الله للإيمان # قال القاضي: هذه الآية تدل على إرادته للإيمان، أكد ذلك بقوله: { ~~وإن الله بكم لرءوف رحيم }. # فإن قيل: أليس يدل ظاهرها على أنه يخرج من الظلمات إلى النور، فيجب أن ~~يكون الإيمان من فعله؟. # قلنا: إذا كان الإيمان بخلقه لا يبقى لقوله: { هو الذي ينزل ~~على عبده آيات بينات ليخرجكم } [الحديد: 9] معنى؛ ~~لأن ما يخلقه لا يتغير، بل المراد أنه يلطف بهم. # قال ابن الخطيب: وهذا على حسنه معارض بالعلم؛ لأنه علم أن إيمانهم لا ~~يوجد فقد كلفهم بما لا يوجد، فكيف يعقل مع هذا أنه أراد منهم الخير ~~والإحسان، وحمل بعضهم قوله: { وإن الله بكم لرءوف رحيم ~~} على بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ولا وجه لهذا التخصيص. # قوله تعالى: { وما لكم ألا تنفقوا }. # الكلام فيه كالكلام في قوله: # وما لنآ ألا نقاتل # [البقرة: 246]، فالأصل: " في ألا تنفقوا ". # فلما حذف حرف الجر جرى الخلاف المشهور، وأبو الحسن يرى زيادتها كما تقدم ~~تقريره في البقرة. # قوله: { ولله ميراث } جملة حالية من فاعل الاستقرار أو مفعوله، ~~أي: وأي شيء يمنعكم من الإنفاق في سبيل الله، والحال أن ميراث السموات ~~والأرض له، فهذه ms8326 حال منافية. # فصل في الكلام على الإنفاق # لما أمر أولا بالإيمان وبالإنفاق، ثم أكده في الآية المتقدمة بإيجاب ~~الإيمان بالله أتبعه في هذه الآية بتأكيد إيجاد الإنفاق، والمعنى: أنكم ~~ستموتون فتورثون، فهلا قدمتموه في الإنفاق على طاعة الله؟. # وتحقيقه: أن المال لا بد وأن يخرج من اليد، إما بالموت وإما بالإنفاق في ~~سبيل الله، فإن خرج بالموت كان أثره اللعن والمقت والطرد والعقاب، ~~وإن خرج بالإنفاق في سبيل الله كان أثره المدح والثواب وإذا كان لا بد من ~~خروجه من اليد، فكل عاقل يعلم أن خروجه عن اليد بحيث يستعقب المدح ~~والثواب أولى منه مما يستعقب اللعن والعقاب، ثم لما بين تعالى أن الإنفاق ~~في سبيل الله فضيلة بين أن المسابقة في الإنفاق تمام الفضيلة، فقال: { ~~لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل }. # قوله: { لا يستوي منكم من أنفق }. # في فاعل " يستوي " وجهان: # أظهرهما: أنه " من أنفق " وعلى هذا فلا بد من حذف معطوف يتم به ~~الكلام، فقدره الزمخشري: لا يستوي منكم من أنفق قبل فتح " مكة " وقوة ~~الإسلام، ومن أنفق من بعد الفتح، [فحذف لوضوح الدلالة]. # [وقدره أبو البقاء: " ومن لم ينفق ". # قال: ودل على المحذوف قوله: { من أنفق من قبل الفتح } ]. # والأول أحسن؛ لأن السياق إنما جيء بالآية ليفرق بين النفقتين في ~~زمانين. # والثاني: أن فاعله ضمير يعود على الإنفاق، أي: لا يستوي جنس الإنفاق إذ ~~منه ما وقع قبل الفتح، ومنه ما وقع بعده. # فهذان النوعان متفاوتان، وعلى هذا فيكون " من " مبتدأ، و " أولئك " ~~مبتدأ ثاني، و " أعظم " خبره، والجملة خبر " من ". وهذا ينبغي ألا يجوز ~~ألبتة. # وكأن هذا المعرب غفل عن قوله: " منكم " ، فلو أعرب هذا القائل " منكم " ~~خبرا مقدما، و " من " مبتدأ مؤخرا، والتقدير: منكم من أنفق من قبل ~~الفتح، ومنكم من لم ينفق قبله ولم يقاتل، وحذف هذا لدلالة الكلام عليه ~~لكان سديدا، ولكنه سها عن لفظة " منكم ". # فصل في المراد بالفتح # أكثر المفسرين على أن المراد بالفتح فتح " مكة ". # وقال الشعبي ms8327 والزهري: فتح " الحديبية ". # قال قتادة: كان قتالان، أحدهما أفضل من الآخر، ونفقتان إحداهما أفضل من ~~الأخرى؛ لأن القتال والنفقة قبل فتح " مكة " أفضل من القتال والنفقة بعد ~~ذلك، وإنما كانت النفقة قبل الفتح أعظم، لأن حاجة الناس كانت أكثر لضعف ~~الإسلام، وفعل ذلك كان على المنفقين حينئذ أشق، والأجر على قدر النصب. # قال مالك رضي الله عنه: ينبغي أن يقدم أهل الفضل والعزم لقوله تعالى: { ~~لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل }. # قال الكلبي: نزلت في أبي بكر وفيها دليل واضح على تفضيل أبي بكر ~~وتقديمه؛ لأنه أول من أسلم، وأول من أنفق في سبيل الله. # وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أول من أظهر الإسلام بسيفه ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر. # وعن ابن عمر قال: # " كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو بكر، وعليه عباءة قد ~~خللها في صدره بخلال، فنزل جبريل عليه الصلاة والسلام فقال: يا نبي ~~الله، ما لي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خللها في صدره بخلال؟ قال: " ~~أنفق ماله علي قبل الفتح " ، قال: فإن الله تعالى يقول لك: ~~اقرأ على أبي بكر السلام، وقل له: أنت راض في فقرك أم ساخط؟ فقال أبو ~~بكر: إني عن ربي لراض، قال: فإن الله - تعالى - يقول لك قد رضيت عنك ~~كما أنت عني راض، فبكى أبو بكر، فقال جبريل: والذي بعثك يا محمد بالحق ~~لقد تخللت حملة العرش بالعبى منذ تخلل صاحبك هذا بالعباءة ". # ولهذا قدمه الصحابة على أنفسهم وأقروا له بالتقدم والسبق. # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: سبق النبي صلى الله عليه وسلم وثنى ~~أبو بكر وثلث عمر، فلا أوتى برجل فضلني على أبي بكر إلا جلدته حد ~~[المفتري] ثمانين جلدة وطرح الشهادة. # فصل في التقدم والتأخر في أحكام الدين # فإن قلت: التقدم والتأخر قد يكون في أحكام الدنيا، فأما في أحكام الدين ~~فقالت عائشة رضي الله عنها: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ms8328 أن ننزل ~~الناس منازلهم. وأعظم المنازل مرتبة الصلاة. # وقد قال صلى الله عليه وسلم في مرضه: # " مروا أبا بكر فليصل بالناس ". # وقال: # " يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ". # وقال: # " وليؤمكما أكبركما ". # وفهم منه العلماء أنه أراد كبر المنزلة، كما قال عليه الصلاة والسلام: # " الولاء للكبر " # ولم يعن كبر السن. # وقد قال مالك وغيره: إن للسن حقا، وراعاه الشافعي وأبو حنيفة، وهو ~~أحق بالمراعاة. # وأما أحكام الدنيا فهي مرتبة على أحكام الدين، فمن قدم في الدين قدم في ~~الدنيا. # وفي الحديث: # " ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا ~~ويعرف لعالمنا حقه ". # وفي الحديث أيضا: # " ما أكرم شاب شيخا لسنه إلا قيض الله له عند ~~سنه من يكرمه ". # قوله: { وكلا وعد الله الحسنى }. # قراءة العامة: بالنصب على أنه مفعول مقدم، وهي مرسومة في مصاحفهم " ~~وكلا " بألف. # وابن عامر: برفعه. # وفيه وجهان: # أظهرهما: أنه ارتفع على الابتداء، والجملة بعده خبره، والعائد محذوف أي: ~~وعده الله. # ومثله: [الرجز] # 4716- قد أصبحت أم الخيار تدعي # علي ذنبا كله لم أصنع # برفع " كله " أي: لم أصنعه. # والبصريون [رحمة الله عليهم] لا يجيزون هذا إلا في شعر، كقوله: ~~[السريع] # 4717- وخالد يحمد ساداتنا # بالحق لا يحمد بالباطل # ونقل ابن مالك الإجماع من البصريين والكوفيين على جواز ذلك إن كان ~~المبتدأ " كلا " وما أشبهها في الافتقار والعموم. # قال شهاب الدين لم أره لغيره وقد تقدم نحو من ذلك في سورة " المائدة " ، ~~عند قوله تعالى: # أفحكم الجاهلية يبغون # [المائدة: 50] ولم يرو قوله: " كله لم أصنع " إلا بالرفع مع إمكان أن ~~تنصبه، فتقول: " كله لم أصنع " مفعولا مقدما. # قال أهل البيان: لأنه قصد عموم السلب لا سلب العموم، فإن الأول أبلغ، ~~وجعلوا من ذلك قوله عليه الصلاة والسلام # " كل ذلك لم يكن ". # ولو قال: لم يكن كل ذلك، لكان سلبا للعموم، والمقصود عموم السلب. # قال الشيخ عبد القاهر: المعنى يتفاوت بالرفع والنصب، فمع الرفع يفيد أنه ~~لم يفعل شيئا من الأشياء، ومع النصب يفيد أنه يفعل المجموع، ولا يلزم ~~أنه لم يفعل ms8329 البعض، بل إن قلنا بدليل الخطاب دل على أنه فعل البعض. # والثاني: أن يكون " كل " خبر مبتدأ محذوف، و { وعد الله الحسنى } صفة ~~لما قبله، والعائد محذوف، أي: " وأولئك كل وعد الله الحسنى ". # فإن قيل: الحذف موجود أيضا فقد عدتم لما فررتم منه؟. # فالجواب: أن حذف العائد من الصفة كثير بخلاف حذفه من الخبر. # ومن حذفه من الصفة قوله: [الوافر] # 4718- وما أدري أغيرهم تناء # وطول العهد أم مال أصابوا # أي: أصابوه، ومثله كثير، وهي في مصاحف " الشام " مرسومة: " وكل " دون ~~ألف فقد وافق كل مصحفه، و " الحسنى " مفعول ثان، والأول محذوف على قراءة ~~الرفع. # وأما النصب فالأول مقدم على عامله. # ومعنى الآية: أن المتقدمين السابقين والمتأخرين اللاحقين وعدهم الله ~~جميعا الجنة مع تفاوت الدرجات. # { والله بما تعملون خبير } أي: أنه لما وعد السابقين ~~والمحسنين بالثواب فلا بد وأن يكون عالما بالخيرات، وبجميع المعلومات ~~حتى يمكنه إيصال الثواب إلى المستحقين، إذ لو لم يكن عالما بهم، ~~وبأفعالهم على سبيل التفصيل لما أمكن الخروج من عهدة الوعد بالتمام، ~~فلهذا السبب أتبع هذا الوعد بقوله: { والله بما تعملون ~~خبير }. ### || [57.11-13] # قوله تعالى: { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا }. ~~وقد تقدم في " البقرة ". # ندب إلى الإنفاق في سبيل الله. # وقال ابن عطية: هنا بالرفع على العطف، أو القطع والاستئناف. # وقرأ عاصم: " فيضاعفه " بالنصب بالفاء على جواب الاستفهام، وفي ذلك ~~قلق. # قال أبو علي: لأن السؤال لم يقع على القرض، وإنما وقع عن فاعل القرض، ~~وإنما تنصب الفاء فعلا مردودا على فعل مستفهم عنه، لكن هذه الفرقة حملت ~~ذلك على المعنى، كأن قوله: { من ذا الذي يقرض } بمنزلة قوله: " ~~أيقرض الله أحد ". انتهى. # وهذا الذي قاله أبو علي ممنوع، ألا ترى أنه ينصب بعد " الفاء " في جواب ~~الاستفهام بالأسماء، وإن لم يتقدم فعل نحو: أين بيتك فأزورك ومثل ذلك: من ~~يدعوني فأستجيب له، ومتى تسير فأرافقك، وكيف تكون فأصحبك، فالاستفهام ~~إنما وقع عن ذات الداعي، وعن ظرف الزمان، وعن الحال لا عن الفعل. # وقد ms8330 حكى ابن كيسان عن العرب: " أين ذهب زيد فنتبعه، ومن أبوك فنكرمه ". # فصل في المقصود بالقرض # ندب الله تعالى إلى الإنفاق في سبيل الله، والعرب تقول لكل من فعل فعلا ~~حسنا: " قد أقرض ". # كما قال بعضهم رحمة الله عليه: [الرمل] # 4719- وإذا جوزيت قرضا فاجزه # إنما يجزي الفتى ليس الجمل # وسماه قرضا؛ لأن القرض أخرج لاسترداد البدل، أي: من ذا الذي ينفق في ~~سبيل الله حتى يبدله الله بالأضعاف الكثيرة. # قال الكلبي: " قرضا " أي: صدقة. # " حسنا " أي: محتسبا من قلبه بلا من ولا أدى. # { فيضاعفه له }: ما بين سبع إلى سبعمائة إلى ما شاء الله من ~~الأضعاف. # وقيل القرض الحسن هو أن يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا ~~الله، والله أكبر. # وقال زيد بن أسلم: هو النفقة على الأهل. # وقال الحسن: التطوع بالعبادات. # وقيل: عمل الخير. # وقال القشيري: لا يكون حسنا حتى يجمع أوصافا عشرة: # الأول: أن يكون من الحلال، لقوله صلى الله عليه وسلم: # " لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول ~~". # الثاني: أن يكون من أكرم ما يمكنه؛ ولا يخرج الرديء كقوله تعالى: # ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون # [البقرة: 267]. # الثالث: أن يتصدق به وهو يحبه، ويحتاج إليه لقوله تعالى: # لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون # [آل عمران: 92] وقوله: # وآتى المال على حبه # [البقرة: 177]. # وقال عليه الصلاة والسلام # " أفضل الصدقة أن تعطيه وأنت صحيح شحيح تأمل ~~العيش ولا تمهل حتى إذا بلغت التراقي قلت: لفلان كذا، ~~ولفلان كذا ". # الرابع: أن تصرف صدقته إلى الأحوج فالأحوج، ولذلك خص تعالى أقواما ~~بأخذها، وهم أهل المبهمات. # الخامس: أن تخفي الصدقة لقوله تعالى: # وإن تخفوها وتؤتوها الفقرآء فهو خير لكم # [البقرة: 271]. # السادس: ألا يتبعها منا ولا أذى، لقوله تعالى: # لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى # [البقرة: 264]. # السابع: أن يقصد بها وجه الله تعالى، ولا يرائي لقوله تعالى: # إلا ابتغآء وجه ربه الأعلى # [الليل: 20]. # الثامن: أن يستحقر ما يعطي وإن كثر؛ لأن الدنيا كلها قليلة، قال ~~تعالى: # ولا تمنن تستكثر # [المدثر: ms8331 6] في أحد التأويلات. # التاسع: أن يكون من أحب الأموال إليه، وأن يكون كثيرا لقوله عليه ~~الصلاة والسلام # " أفضل الرقاب أغلاها وأنفسها عند أهلها ". # العاشر: ألا يرى عز نفسه، وذل الفقير، بل يكون الأمر بالعكس. # { فيضاعفه له وله أجر كريم } يعني الجنة. # قوله تعالى: { يوم ترى المؤمنين }. # فيه أوجه: # أحدها: أنه معمول للاستقرار العامل في " له أجر " أي: استقر له أجر في ~~ذلك اليوم. # الثاني: أنه مضمر، أي: اذكر، فيكون مفعولا به. # الثالث: أنهم يؤجرون " يوم ترى " فهو ظرف على أصله. # الرابع: أن العامل فيه " يسعى " أي: يسعى نور المؤمنين والمؤمنات يوم ~~تراهم هذا أصله. # الخامس: أن العامل فيه " فيضاعفه ". قالهما أبو البقاء. # قوله: " يسعى " حال؛ لأن الرؤية بصرية، وهذا إذا لم تجعله عاملا ~~في " يوم " ، و " بين أيديهم " ظرف للسعي، ويجوز أن يكون حالا من " ~~نورهم ". # قوله: " وبأيمانهم " ، أي: وفي جهة أيمانهم. # وهذه قراءة العامة، أعني بفتح الهمزة جمع يمين. # وقيل: الباء بمعنى " عن " أي: عن جميع جهاتهم، وإنما خص الأيمان لأنها ~~أشرف الجهات. # وقرأ أبو حيوة وسهل بن شعيب: بكسرها. # وهذا المصدر معطوف على الظرف قبله، والباء سببية، أي: يسعى كائنا ~~وثابتا بسبب أيمانهم. # وقال أبو البقاء: تقديره: وبأيمانهم استحقوه، أو بأيمانهم يقال لهم: ~~بشراكم. # فصل في المراد بهذا اليوم # المراد من هذا يوم المحاسبة. # واختلفوا في هذا النور. # فقال الحسن: هو الضياء الذي يمرون فيه " بين أيديهم " أي: قدامهم. # " وبأيمانهم " ، قال الفراء: " الباء " بمعنى " في " أي: في أيمانهم، ~~أو بمعنى: " عن أيمانهم ". # وقال الضحاك: النور هداهم، وبأيمانهم كتبهم، واختاره الطبري. # أي: يسعى إيمانهم وعملهم الصالح بين أيديهم، وفي أيمانهم كتب أعمالهم، ~~ف " الباء " على هذا بمعنى " في " ، ويجوز على هذا أن يوقف على " بين ~~أيديهم " ولا يوقف إذا كانت بمعنى " عن ". # وعلى قراءة سهل بن شعيب وأبي حيوة: " وبإيمانهم " بكسر الألف، أراد ~~الإيمان الذي هو ضد الكفر، وعطف ما ليس بظرف على الظرف لأن معنى الظرف ~~الحال، وهو متعلق بمحذوف. # والمعنى: يسعى كائنا بين أيديهم، وكائنا بأيمانهم. # وقيل: ms8332 أراد بالنور: القرآن. # وعن ابن مسعود: " يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يؤتى نوره ~~كالنخلة ومنهم من يؤتى نوره كالرجل القائم، وأدناهم نورا من نوره على ~~إبهام رجله، فيطفأ مرة ويوقد أخرى ". # قال الحسن: ليستضيئوا به على الصراط. # وقال مقاتل: ليكون لهم دليلا إلى الجنة. # قوله: { بشراكم اليوم جنات }. # " بشراكم " مبتدأ، و " اليوم " ظرف، و " جنات " خبره على حذف مضاف ~~أي: دخول جنات وهذه الجملة في محل نصب بقول مقدر، وهو العامل في ~~الظرف، يقال لهم: بشراكم اليوم دخول جنات. # قال القرطبي: " ولا بد من تقدير حذف المضاف؛ لأن البشرى حدث، ~~والجنة عين، فلا تكون هي هي ". # وقال مكي: وأجاز الفراء نصب " جنات " على الحال، ويكون " اليوم " خبر ~~" بشراكم " قال: " وكون " جنات " حالا لا معنى له؛ إذ ليس فيها معنى ~~فعل، وأجاز أن يكون " بشراكم " في موضع نصب على " يبشرونهم بالبشرى ~~" ، وينصب " جنات " بالبشرى وكله بعيد، لأنه يفصل بين الصلة والموصول ~~باليوم ". انتهى. # وعجيب من الفراء كيف يصدر عنه ما لا يتعقل، ولا يجوز صناعة، كيف تكون ~~جنات حالا، وماذا صاحب الحال؟. # وقوله: { خالدين فيها } حال من الدخول المحذوف، التقدير: بشراكم ~~اليوم دخول الجنة جنات تجري من تحتها الأنهار مقدرين الخلود فيها. # قال القرطبي: " ولا تكون الحال من " بشراكم " لأن فيه فصلا بين الصلة ~~والموصول، ويجوز أن تكون مما دل عليه البشرى كأنه قال: يبشرون خالدين ~~فيها، ويجوز أن يكون الظرف الذي هو " اليوم " خبرا عن " بشراكم " ، و ~~" جنات " بدلا من البشرى على تقدير حذف المضاف كما تقدم، و " خالدين " ~~حال حسب ما تقدم ". # فصل في العامل في قوله: " خالدين " # قال شهاب الدين: " خالدين " نصب على الحال، والعامل فيها المضاف ~~محذوف، إذ التقدير: بشراكم دخولكم جنات خالدين فيها، فحذف الفاعل وهو ~~ضمير المخاطب، [وأضيف المصدر لمفعوله، فصار دخول جنات]، ثم حذف المضاف ~~وأقيم المضاف فيه مقامه في الإعراب، ولا يجوز أن يكون " بشراكم " هو ~~العامل فيها؛ لأنه مصدر، وقد أخبر عنه قبل ذكر متعلقاته، فيلزم الفصل ~~بأجنبي، وظاهر كلام ms8333 مكي أنه عامل في الحال، فإنه قال: " خالدين " نصب على ~~الحال من الكاف والميم، والعامل في الحال هو العامل في صاحبها فيلزم أن ~~يكون " بشراكم " هو العامل، وفيه ما تقدم من الفصل بين المصدر ومعموله. # فصل في كون الفاسق مؤمنا أم لا # قال ابن الخطيب: تقدم في الكلام البشارة عند قوله: # وبشر الذين آمنوا # [البقرة: 25]. وهذه الآية تدل على أن المؤمنين لا ينالهم أهوال يوم ~~القيامة؛ لأنه تعالى بين أن هذه صفتهم يوم القيامة من غير تخصيص. # قال الكعبي: هذه الآية تدل على أن الفاسق ليس بمؤمن؛ لأنه لو كان ~~مؤمنا لدخل تحت هذه البشارة، ولو كان كذلك لقطع بأنه من أهل الجنة؛ ~~[ولما لم يكن كذلك ثبت أنه ليس بمؤمن]. # أجاب ابن الخطيب: [بأنا نقطع بأن الفاسق من أهل الجنة]، لأنه إما أن ~~يدخل النار، أو أنه ممن دخلها، لكنه سيخرج منها، وسيدخل الجنة، ويبقى ~~فيها أبد الآباد، فإذن يقطع بأنه من أهل الجنة، فسقط الاستدلال. # قوله: " ذلك الفوز " هذه الإشارة عائدة إلى جميع ما تقدم من النور ~~والبشرى بالجنات المخلدة. # قوله: { يوم يقول المنافقون والمنافقات }. # العامل في " يوم " " ذلك الفوز العظيم ". # وقيل: " هو بدل من اليوم الأول ". # وقال ابن الخطيب منصوب ب " اذكر " مقدرا. # واعلم أنه لما شرح حال المؤمنين في موقف القيامة أتبع ذلك بشرح حال ~~المنافقين، فقال: يوم يقول. # قوله: { للذين آمنوا }. " اللام " للتبليغ. # و { انظرونا نقتبس من نوركم } قراءة العامة: " انظرونا أمر من ~~النظر ". # وحمزة: " أنظرونا " بقطع الهمزة، وكسر الظاء من الإنظار بمعنى ~~الانتظار. # وبها قرأ الأعمش، ويحيى بن وثاب، أي: انتظرونا لنلحق بكم، فنستضيء ~~بنوركم. # والقراءة الأولى يجوز أن تكون بمعنى هذه، إذ يقال: نظره بمعنى انتظره، ~~وذلك أنه يسرع بالخواص على نجب إلى الجنة، فيقول المنافقون: انتظرونا ~~لأنا مشاة لا نستطيع لحوقكم، ويجوز أن يكون من النظر وهو الإبصار؛ ~~لأنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم، فيضيء لهم المكان، وهذا أليق ~~بقوله: { نقتبس من نوركم }. قال معناه الزمخشري. # إلا أن أبا حيان قال: إن ms8334 النظر بمعنى الإبصار لا يتعدى بنفسه إلا في ~~الشعر، إنما يتعدى ب " إلى ". # قوله: { نقتبس من نوركم } أي: نستضيء من نوركم. # و " القبس ": الشعلة من النار أو السراج. # قال ابن عباس وأبو أمامة: يغشى الناس يوم القيامة ظلمة. # قال الماوردي: أظنها بعد فصل القضاء، ثم يعطون نورا يمشون فيه. # قال المفسرون: يعطي الله كل أحد يوم القيامة نورا على قدر أعمالهم ~~يمشون به على الصراط، ويعطي المنافقين [نورا خديعة لهم، بدليل قوله ~~تعالى: # وهو خادعهم # [النساء: 142]. # وقيل: إنما يعطون النور؛ لأن جميعهم أهل دعوة] دون الكافر، ثم يسلب ~~المنافق نوره لنفاقه. قاله ابن عباس. # وقال أبو أمامة: يعطى المؤمن النور، ويترك الكافر والمنافق بلا نور. # وقال الكلبي: بل يستضيء المنافق بنور المؤمنين، [فبينما هم يمشون إذ بعث ~~الله ريحا وظلمة فأطفأ بذلك نور المنافقين، فذلك قول المؤمنين]: # ربنآ أتمم لنا نورنا # [التحريم: 8] خشية أن يسلبوه كما سلبه المنافقون، فإذا بقي المنافقون في ~~الظلمة، فإنهم لا يبصرون مواضع أقدامهم، قالوا للمؤمنين: { انظرونا ~~نقتبس من نوركم }. قيل: ارجعوا " وراءكم " ، أي: إلى المواضع ~~التي أخذنا منها النور، فاطلبوا هناك نورا لأنفسكم، فإنكم لا تقتبسون من ~~نورنا، فلما رجعوا وانعزلوا في طلب النور " ضرب بينهم بسور ~~". # وقيل: معناه هلا طلبتم النور من الدنيا بأن تؤمنوا؟. # قوله: " وراءكم " فيه وجهان: # أظهرهما: أنه منصوب ب " ارجعوا " على معنى ارجعوا إلى الموقف إلى حيث ~~أعطينا هذا النور، فالتمسوا هناك ممن يقتبس، أو ارجعوا إلى الدنيا ~~فالتمسوا نورا بتحصيل سببه، وهو الإيمان، أو يكون معناه: فارجعوا خائبين ~~وتنحوا عنا فالتمسوا نورا آخر، فلا سبيل لكم إلى هذا النور. # والثاني: أن " وراءكم " اسم للفعل فيه ضمير فاعل، أي: ارجعوا " ~~رجوعا " قاله أبو البقاء. # ومنع أن يكون ظرفا ل " ارجعوا ". # قال: لقلة فائدته؛ لأن الرجوع لا يكون إلا إلى وراء. # قال شهاب الدين: " وهذا فاسد؛ لأن الفائدة جليلة كما تقدم شرحها ". # قوله: { فضرب بينهم بسور }. # العامة على بنائه للمفعول، والقائم مقام الفاعل يجوز أن يكون " بسور ~~" وهو الظاهر، وأن يكون ms8335 الظرف. # وقال مكي: " الباء " مزيدة، أي: ضرب سور. ثم قال: " والباء متعلقة ~~بالمصدر أي: ضربا بسور ". # وهذا متناقض، إلا أن يكون قد غلط عليه من النساخ، والأصل: والباء ~~متعلقة بالمصدر، والقائم مقام الفاعل الظرف، وعلى الجملة هو ضعيف، ~~والسور: البناء المحيط وتقدم اشتقاقه في أول البقرة. # قوله: " له باب ". مبتدأ وخبر في موضع جر صفة ل " سور ". # وقوله: { باطنه فيه الرحمة } هذه الجملة يجوز أن تكون في ~~موضع جر صفة ثانية ل " سور " ، ويجوز أن تكون في موضع رفع صفة ل " باب ~~" ، وهو أولى لقربه، والضمير إنما يعود إلى الأقرب إلا بقرينة. # وقرأ زيد بن علي، وعمرو بن عبيد: " فضرب " مبنيا للفاعل، وهو الله أو ~~الملك. # فصل في المراد بالسور # " السور ": حاجز بين الجنة والنار. # قال القرطبي: " روي أن ذلك السور ب " بيت المقدس " عند موضع يعرف ب ~~" وادي جهنم " فيه الرحمة يعني: ما يلي منه المؤمنين، وظاهره من ~~قبله العذاب يعني: ما يلي المنافقين ". # قال كعب الأحبار رضي الله عنه: هو الباب الذي ب " بيت المقدس " المعروف ~~ب " باب الرحمة ". # وقال عبد الله بن عمرو: إنه سور ب " بيت المقدس " الشرقي، باطنه فيه ~~المسجد، وظاهره من قبله العذاب، يعني: جهنم ونحوه عن ابن عباس. # وقال زياد بن أبي سوادة: قام عبادة بن الصامت على سور ب " بيت ~~المقدس " الشرقي فبكى، وقال: من هاهنا أخبرنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه رأى جهنم. # وقال قتادة: هو حائط بين الجنة والنار، { باطنه فيه الرحمة } يعني: ~~الجنة، { وظاهره من قبله العذاب } يعني: جهنم. # وقال مجاهد: إنه حجاب. كما في " الأعراف " وقد مضى القول فيه. # وقد قيل: إن الرحمة التي في باطنه نور المؤمنين، والعذاب الذي هو في ~~ظاهره ظلمة المنافقين. # وقيل: السور عبارة عن منع المنافقين عن طلب المؤمنين. ### || [57.14-17] # قوله: { ينادونهم } يجوز أن يكون حالا من الضمير في " بينهم ". ~~قاله أبو البقاء. # وهو ضعيف لمجيء الحال من المضاف إليه في غير المواضع المستثناة. # وأن تكون مستأنفة، وهو الظاهر. # وقوله: { ألم ms8336 نكن معكم } يجوز أن يكون تفسيرا للنداء، وأن ~~يكون منصوبا بقول مقدر. # فصل في معنى الآية # والمعنى: ينادي المنافقون المؤمنين { ألم نكن معكم } يعني: في الدنيا ~~نصلي مثل ما تصلون، ونغزو مثل ما تغزون، ونفعل مثل ما تفعلون؟. # " قالوا: بلى " ، أي: يقول المؤمنون: بلى، قد كنتم معنا في الظاهر، ~~{ ولكنكم فتنتم أنفسكم } أي: استعملتموها في الفتنة. # وقال مجاهد: أهلكتموها بالنفاق. # وقيل: بالمعاصي. قاله أبو سنان. وقال أبو نمير الهمداني: بالشهوات ~~واللذات. # وقوله: " وتربصتم " أي: بالنبي صلى الله عليه وسلم الموت، وبالمؤمنين ~~الدوائر. # وقيل: تربصتم بالتوبة. # " وارتبتم " أي: شككتم في التوحيد، أو النبوة، أو البعث. # " وغرتكم الأماني " أي: الأباطيل. # وقيل: طول الأمل، وهو ما كانوا يتمنونه من ضعف المؤمنين، ونزول ~~الدوائر بهم. # وقال قتادة: الأماني هنا خدع الشيطان. # وقيل: الدنيا، قاله عبد الله بن عباس. # وقال أبو سنان: هو قولهم: " سيغفر لنا ". # وقال بلال بن سعد: ذكرك حسناتك، [ونسيانك] سيئاتك غرة { حتى ~~جاء أمر الله } يعني: الموت. # وقيل: نصرة نبيه صلى الله عليه وسلم. # وقال قتادة: إلقاؤهم في النار. # قوله: { وغركم بالله الغرور }. # قرأ العامة: " الغرور " بفتح الغين، وهو صفة على " فعول " ، والمراد ~~به: الشيطان، أي: خدعكم بالله الشيطان. # وقرأ أبو حيوة، ومحمد بن السميفع، وسماك بن حرب: " الغرور " بالضم، ~~وهو مصدر، والمراد به الأباطيل. # " عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم خط لنا خطوطا، وخط منها ~~خطا ناحية، فقال: " أتدرون ما هذا؟ هذا مثل ابن آدم ~~ومثل التمني، وتلك الخطوط الآمال، بينما يتمنى إذ ~~جاءه الموت " ". # وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: # " خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا مربعا وخط في وسطه ~~خطا، وجعله خارجا منه، وخط عن يمينه ويساره خطوطا صغارا، فقال: " ~~هذا ابن آدم وهذا أجله يحيط به، وهذا أمله قد ~~جاوز أجله، وهذه الخطوط الصغار الأعراض فإن أخطأه ~~هذا نهشه هذا " ". # قوله: " فاليوم " منصوب ب " يؤخذ " ، ولا يبالي ب " لا " النافية، ~~وهو قول الجمهور وقد تقدم آخر " الفاتحة " ثلاثة أقوال. وقرأ ms8337 ابن عامر: " ~~تؤخذ " بالتأنيث للفظ الفدية. # والباقون: بالياء من تحت؛ لأن التأنيث مجازي. # فصل في المراد بالفدية # قوله: { فاليوم لا يؤخذ منكم فدية } أيها المنافقون، { ولا من الذين ~~كفروا } أي: أيأسهم من النجاة. والمراد بالفدية قيل: لا يقبل منكم ~~إيمان، ولا توبة؛ لأن التكليف قد زال وحصل الإلحاد. # وقيل: لا يقبل منكم فدية تدفعون بها العذاب عن أنفسكم كقوله تعالى: # ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة # [البقرة: 123]، والفدية: ما يفتدى به، فهو يتناول الإيمان والتوبة ~~والمال. # قال ابن الخطيب: وهذا يدل على أن قبول التوبة غير واجب عقلا على ~~ما يقوله المعتزلة؛ لأنه - تعالى - بين أنه لا يقبل الفدية أصلا، ~~والتوبة فدية، فتكون الآية دالة على أن التوبة غير مقبولة أصلا، وإذا ~~كان كذلك لم تكن التوبة واجبة القبول عقلا. # قوله: { ولا من الذين كفروا }. # عطف الكافر على المنافق، والعطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف ~~عليه، فيقتضي أن يكون المنافق كافرا؟. # وأجيب بأن المراد منه الذين أظهروا الكفر، وإلا فالمنافق كافر. # قوله: { مأواكم النار } أي: هي مصيركم. # وقوله: { هي مولاكم } يجوز أن يكون مصدرا أي: ولايتكم، أي: ذات ~~ولايتكم. # قال القرطبي: " تملك أمرهم، بمعنى أن الله - تعالى - يركب فيها الحياة ~~والعقل، فهي تتميز غيظا على الكفار، ولهذا خوطبت في قوله تعالى: # يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من ~~مزيد # [ق: 30]. # ويجوز أن يكون مكانا، أي: مكان ولايتكم، وأن يكون بمعنى أولى بكم، ~~كقوله تعالى: { هي مولاكم } قاله الكلبي، وهو قول الزجاج والفراء ~~وأبي عبيدة ". # قال ابن الخطيب: وهذا الذي قالوه معنى، وليس تفسيرا للفظ، لأنه لو كان ~~" مولى وأولى " بمعنى واحد في اللغة لصح استعمال كل واحد منهما مكان ~~الآخر، وكان يجب أن يصح أن يقال: هذا أولى فلان، كما يقال: مولى فلان، ~~ولما بطل ذلك علمنا أن الذي قالوه معنى، وليس بتفسير، وإنما نبهنا على ~~هذه الدقيقة؛ لأن الشريف المرتضى لما تمسك في إمامة علي - رضي الله عنه - ~~بقوله صلى الله عليه وسلم: # " من كنت مولاه فعلي ms8338 مولاه " # قال: أحد معاني " مولى " أنه أولى. واحتج في ذلك بأقوال أئمة اللغة في ~~تفسير هذه الآية، بأن " مولى " معناه " أولى " إذا ثبت أن اللفظ محتمل له ~~وجب حمله عليه؛ لأن ما عداه إما بين الثبوت ككونه ابن العم ~~والناصر، أو بين الانتفاء كالمعتق، والمعتق، فيكون على التقدير ~~الأول عبثا، وعلى الثاني كذبا. # قال ابن الخطيب رحمه الله: وأما نحن فقد بينا بالدليل أن قول هؤلاء في ~~هذا الموضع معنى لا تفسير، وحينئذ يسقط الاستدلال به. # وفي الآية وجه آخر، وهو أن معنى قوله: " هي مولاكم " أي: لا مولى لكم؛ ~~لأن من كانت النار مولاه، فلا مولى له، كما يقال: ناصره الخذلان ومعينه ~~البكاء، أي: لا ناصر له ولا معين، وهذا متأكد بقوله تعالى: # وأن الكافرين لا مولى لهم # [محمد: 11]، ومنه قوله تعالى: # يغاثوا بمآء كالمهل # [الكهف: 29]. # وقوله: { وبئس المصير } أي: هي، ومعناه: ساءت مرجعا ومصيرا. # قوله: { ألم يأن }. # قرأ العامة: " ألم ". وقرأ الحسن وأبو السمال: " ألما ". # وأصلها " ألم " زيدت عليها " ما " ، فهي نفي كقول القائل: قد كان كذا، و ~~" لم " نفي، كقوله: قد كان كذا. # وقوله: { أن تخشع }. فاعل " يأن " ، أي: ألم يقرب خشوع قلوبهم ~~ويحين؛ قال الشاعر: [الطويل] # 4720- ألم يأن لي يا قلب أن أترك الجهلا # وأن يحدث الشيب المبين لنا عقلا # وماضيه " أنى " بالقصر " يأني ". # ويقال: " آن لك - بالمد - أن تفعل كذا يئين أينا " أي: مثل " أنى ~~لك " وهو مقلوب منه. # وأنشد ابن السكيت: [الطويل] # 4721- ألما يئن لي أن تجلى عمايتي # وأقصر عن ليلى بلى قد أنى ليا # فجمع بين اللغتين. # وقرأ العامة: " يأن " مضارع " أنى " أي: حان وقرب، مثل رمى يرمي. # والحسن: " يئن " مضارع " آن " بمعنى " حان " أيضا، مثل: " باع يبيع ". # و " اللام " للتبيين. قاله أبو البقاء، فعلى هذا يتعلق بمحذوف، أي: أعني ~~للذين. # فصل في نزول هذه الآية # في " صحيح مسلم " ، عن ابن مسعود قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن ~~عاتبنا الله بهذه الآية { ألم يأن للذين آمنوا أن ~~تخشع قلوبهم لذكر الله وما ms8339 نزل من الحق } إلا ~~أربع سنين. # قال الخليل: العتاب مخاطبة الإذلال، ومذاكرة الموجدة. تقول: عاتبت ~~معاتبة. # " أن تخشع " ، أي: تذل وتلين { قلوبهم لذكر الله وما ~~نزل من الحق }. # " وروي أن المزاح والضحك كثر في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ~~ترفهوا ب " المدينة " فنزلت الآية، ولما نزلت هذه الآية قال عليه الصلاة ~~والسلام: " إن الله يستبطئكم بالخشوع " فقالوا عند ذلك: ~~خشعنا ". # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إن الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم ~~على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن. # وقيل: نزلت في المنافقين بعد الهجرة، وذلك لما سألوا سلمان أن يحدثهم ~~بعجائب التوراة، فنزلت: # الر تلك آيات الكتاب المبين # [يوسف: 1] إلى قوله: # نحن نقص عليك أحسن القصص # [يوسف: 3] فأخبرهم أن القصص أحسن من غيره، وأنفع لهم، فكفوا عن سلمان، ~~ثم سألوه مثل الأول، فنزلت: { ألم يأن للذين آمنوا } ~~[الآية، فعلى هذا التأويل يكون { فالذين ءامنوا } في العلانية ~~باللسان]. # وقال السدي وغيره: { ألم يأن للذين آمنوا } بالظاهر ~~وأسروا الكفر { أن تخشع قلوبهم لذكر الله }. # وقيل: نزلت في المؤمنين. # قال سعد: قيل: يا رسول الله، لو قصصت علينا؟ فنزل: # نحن نقص عليك أحسن القصص # [يوسف: 3] فقالوا بعد زمان: لو حدثتنا، فنزل قوله: # الله نزل أحسن الحديث # [الزمر: 23] فقالوا بعد مدة: لو ذكرتنا، فأنزل الله تعالى: { ألم ~~يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ~~} الآية. # وقيل: هذا خطاب لمن آمن بموسى وعيسى دون محمد - عليهم الصلاة والسلام - ~~لأنه قال عقيبه: # والذين آمنوا بالله ورسله # [الحديد: 19] أي: ألم يأن للذين آمنوا بالتوراة والإنجيل أن تلين قلوبهم ~~للقرآن، وألا يكونوا كمتقدمي قوم موسى وقوم عيسى؛ إذ طال عليهم الأمد ~~بينهم وبين نبيهم، فقست قلوبهم. # قوله: { وما نزل }. # قرأ نافع وحفص: " نزل " مخففا مبنيا للفاعل. # وباقي السبعة كذلك إلا أنها مشددة. # والجحدري وأبو جعفر والأعمش وأبو عمرو في رواية: " ما نزل " مشددا ~~مبنيا للمفعول. # وعبد الله: " أنزل " مبنيا للفاعل، وهو الله تعالى. # و " ما " في قراءة " ما نزل " مخففا، يتعين أن ms8340 تكون اسمية، ولا يجوز أن ~~تكون مصدرية لئلا يخلو الفعل من الفاعل، وما عداها يجوز أن تكون مصدرية، ~~وأن تكون بمعنى " الذي ". # فإن قلت: فقراءة الجحدري ومن معه ينبغي أن تكون فيها اسمية لئلا يخلو ~~الفعل من مرفوع؟ فالجواب: أن الجار وهو قوله: " من الحق " يقوم مقام ~~الفاعل. # فصل في معنى الآية # قال ابن الخطيب: يحتمل أن يكون المراد بذكر الله، وما نزل من الحق هو ~~القرآن؛ لأنه جامع للوصفين الذكر والموعظة، وأنه حق نازل من السماء، ~~ويحتمل أن يكون المراد هو ذكر الله مطلقا، و { ما نزل من الحق } هو ~~القرآن، وإنما قدم الخشوع بالذكر على الخشوع بما نزل من القرآن؛ لأن ~~الخشوع والخوف والخشية لا تحصل إلا عند ذكر الله تعالى، فأما حصولها عند ~~سماع القرآن، فذلك لأجل اشتمال القرآن على ذكر الله. # قوله: { ولا يكونوا }. # قرأ العامة: بالغيبة جريا على ما تقدم. # وأبو حيوة، وابن أبي عبلة: ب " التاء " من فوق على سبيل الالتفات. # قال القرطبي: وهي رواية رويس عن يعقوب، وهي قراءة عيسى، وابن إسحاق. # ثم هذا يحتمل أن يكون منصوبا عطفا على " يخشع " كما في قراءة الغيبة، ~~وأن يكون نهيا، فتكون " لا " ناهية والفعل مجزوم بها. # ويجوز أن يكون نهيا في قراءة الغيبة أيضا، ويكون ذلك انتقالا إلى نهي ~~أولئك المؤمنين عن كونهم مشبهين لمن تقدمهم نحو " لا يقم زيد ". # قوله: { فطال عليهم الأمد }. # قرأ العامة: بتخفيف الدال بمعنى الغاية، كقولك: أمد فلان، أي: غايته. # وقرأ ابن كثير في رواية بتشديدها؛ وهو الزمن الطويل. # فصل في معنى الآية # معنى الآية لا تسلكوا سبيل اليهود والنصارى أعطوا التوراة والإنجيل، ~~فطالت الأزمان لهم. # قال ابن مسعود رضي الله عنه: إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد قست ~~قلوبهم، فاخترعوا كتابا من عند أنفسهم استحلته أنفسهم، وكان الحق يحول ~~بينهم وبين كثير من شهواتهم حتى نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، كأنهم لا ~~يعلمون، ثم اصطلحوا على أن يرسلوه إلى عالم من علمائهم، وقالوا: إن هو ~~تابعنا لم يخالفنا ms8341 أحد، فإن أبى قتلناه، فلا يختلف علينا بعده أحد، ~~فأرسلوا إليه، فكتب كتاب الله في ورقة، وجعلها في عنقه، ثم لبس عليه ~~ثيابا وأتاهم، فعرضوا عليه كتابهم، وقالوا: أتؤمن بهذا؟ فضرب بيده على ~~صدره وقال: آمنت بهذا - يعني المعلق على صدره - فافترقت بنو إسرائيل على ~~بضع وسبعين [ملة]، وخير مللهم أصحاب ذي القرن؛ قال عبد الله: ومن يعش ~~منكم فسيرى منكرا، ويجب على أحدكم إذا رأى المنكر لا يستطيع أن يغيره أن ~~يعلم الله من قلبه أنه له كاره. # وقال مقاتل: يعني مؤمني أهل الكتاب طال عليهم الأمد، واستبطئوا بعث ~~النبي صلى الله عليه وسلم { فقست قلوبهم، وكثير منهم ~~فاسقون } يعني: الذين ابتدعوا الرهبانية أصحاب الصوامع. # وقيل: من لا يعلم ما يتدين به من الفقه، ويخالف من يعلم. # [وقيل: هم من لا يؤمن في علم الله تعالى، وقال ابن عباس: مالوا إلى ~~الدنيا، وأعرضوا عن مواعط الله. # وقيل:] طالت أعمارهم في الغفلة، فحصلت القسوة في قلوبهم بذلك السبب. # [وقيل غير ذلك. # وقوله: { وكثير منهم فاسقون } أي: خارجون عن دينهم رافضون ~~لما في الكتابين،] وكأنه أشار إلى أن عدم الخشوع في أول الأمر يفضي إلى ~~الفسق في آخر الأمر. # قوله تعالى: { اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد ~~موتها }. # أي: يحييها بالمطر. # وقال صالح المري: يلين القلوب بعد قسوتها. # وقال جعفر بن محمد: يحييها بالعدل بعد الجور. # وقيل: المعنى: وكذلك يحيي الكافر بالهدى إلى الإيمان بعد الكفر ~~والضلالة. # وقيل: كذلك يحيي الموتى من الأمم، ويميز بين الخاشع قلبه، وبين الفاسق ~~قلبه. # { قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون } أي: إحياء ~~الله الأرض بعد موتها دليل على قدرة الله، وأنه يحيي الموتى. ### || [57.18-21] # قوله تعالى: { إن المصدقين والمصدقات }. # خفف الصاد منهما ابن كثير، وثقلها باقي السبعة. # فقراءة ابن كثير من التصديق، أي: صدقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيما جاء به، كقوله: # والذي جآء بالصدق وصدق به # [الزمر: 33]، وقراءة الباقين من الصدقة وهو مناسب لقوله: " وأقرضوا " ~~والأصل: المتصدقين والمتصدقات، فأدغم، وبها قرأ أبي. ms8342 # وقد يرجح الأول بأن الإقراض مغن عن ذكر الصدقة. # قوله: " وأقرضوا " فيه ثلاثة أوجه: # [أحدها]: أنه معطوف على اسم الفاعل في " المصدقين "؛ لأنه لما وقع صلة ~~ل " ال " حل محل الفعل، كأنه قيل: إن الذين صدقوا وأقرضوا، وعليه جمهور ~~المعربين، وإليه ذهب الفارسي، والزمخشري، وأبو البقاء. # وهو فاسد؛ لأنه يلزم الفصل بين أبعاض الصلة بأجنبي، ألا ترى أن " ~~المصدقات " عطف على " المصدقين " قبل تمام الصلة، ولا يجوز أن يكون ~~عطفا على " المصدقات " لتغاير الضمائر تذكيرا وتأنيثا. # الثاني: أنه معترض بين اسم " إن " وخبرها، وهو " يضاعف ". # قال أبو البقاء: " وإنما قيل ذلك لئلا يعطف الماضي على اسم الفاعل ". # قال شهاب الدين: " ولا أدري ما هذا المانع؛ لأن اسم الفاعل متى وقع صلة ~~ل " ال " صلح للأزمنة الثلاثة، ولو منع بما ذكرته من الفصل بأجنبي ~~لأصاب، ولكن خفي عليه كما خفي على الفارسي والزمخشري ". # الثالث: أنه صلة لموصول محذوف لدلالة الأول عليه، كأنه قيل: " الذين ~~أقرضوا "؛ كقوله: [الوافر] # 4722- أمن يهجو رسول الله منكم # وينصره ويمدحه سواء؟ # أي: ومن ينصره، واختاره أبو حيان. # قال ابن الخطيب: وفي الآية إشكال، وهو أن عطفه الفعل على الاسم قبيح، ~~فما فائدة التزامه هنا؟. # وأجاب بأن الزمخشري قال: " وأقرضوا " معطوف على معنى الفعل في التصديق؛ ~~لأن " اللام " بمعنى " الذين " ، واسم الفاعل بمعنى " صدقوا وأقرضوا ". # قال: وهذا لا يزيل الإشكال، فإنه ليس فيه بيان أنه لم عدل عن ذلك اللفظ ~~[إلى هذا اللفظ]. # والذي عندي فيه أن الألف واللام في " المصدقين والمصدقات " للمعهود، ~~فكأنه ذكر جماعة معينين بهذ الموصف، ثم قبل ذكر الخبر أخبر عنهم بأنهم ~~أتوا بأحسن أنواع الصدقة، وهو القرض، ثم ذكر الخبر بعد ذلك فقال: " ~~يضاعف لهم ". # فقوله: " وأقرضوا "؛ كقوله: [السريع] # 4723- إن الثمانين وبلغتها # ................... # قوله: { يضاعف لهم } في القائم مقام الفاعل وجهان: # أظهرهما: أنه الجار بعده. # والثاني: أنه ضمير التصديق، ولا بد من حذف مضاف، أي: ثواب التصديق. # وقرأ الأعمش؛ " يضاعفه " بكسر العين، وزيادة هاء. # وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب: " يضعف " بتشديد العين وفتحها. ms8343 # { ولهم أجر كريم } يعني: الجنة. # قوله: { والذين آمنوا } مبتدأ، و " أولئك " مبتدأ ثان، و " هم ~~" يجوز أن يكون مبتدأ ثالثا، و " الصديقون " خبره، وهو مع خبره خبر ~~الثاني، والثاني وخبره خبر الأول، ويجوز أن يكون " هم " فصلا، و " أولئك ~~" وخبره خبر الأول. # " والصديق ": هو الكثير الصدق. # وقال مجاهد: من آمن بالله ورسوله فهو صديق، وتلا هذه الآية. # وقال الضحاك: هم ثمانية نفر من هذه الأمة سبقوا أهل الأرض في زمانهم إلى ~~الإسلام: أبو بكر، وعلي، وزيد، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وحمزة، ~~وتاسعهم عمر بن الخطاب، ألحقه بهم لما عرف من صدق نيته. # قوله: { والشهدآء }. يجوز فيه وجهان: # أحدهما: أنه معطوف على ما قبله، ويكون الوقف على " الشهداء " تاما، ~~أخبر عن " الذين آمنوا " أنهم صديقون شهداء. # فإن قيل: الشهداء مخصوصون بأوصاف أخر زائدة على ذلك كالتسعة المذكورين. # أجيب: بأن تخصيصهم بالذكر لشرفهم على غيرهم لا للحصر. # والثاني: أنه مبتدأ، وفي خبره وجهان: # أحدهما: أنه الظرف بعده. # والثاني: أنه قوله " ولهم أجرهم " ، إما الجملة، وإما الجار وحده، ~~والمرفوع فاعل به، والوقف لا يخفى على ما ذكرناه من الإعراب. # والصديق: مثال مبالغة، ولا يجيء إلا من ثلاثي غالبا. # قال بعضهم: وقد جاء " مسيك " من " أمسك " ، وهو غلط؛ لأنه يقال: " ~~مسك " ثلاثيا، ف " مسيك " منه. # فصل في المراد بالصديقين والشهداء # قال مجاهد وزيد بن أسلم: إن الشهداء والصديقين هم المؤمنون، وأنه متصل، ~~وروي معناه عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا قول ابن مسعود في تأويل ~~الآية. # قال القشيري: قال الله تعالى: { فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين }. # ف " الصديقون " هم الذين يلون الأنبياء. # و " الشهداء " هم الذين يلون الصديقين و " الصالحون " يلون الشهداء، ~~فيجوز أن تكون هذه الآية في جملة من صدق بالرسل. # والمعنى: والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء، ويكون ~~المعني بالشهداء من شهد لله بالوحدانية، أنهم شهداء عند ربهم على العباد ~~في أعمالهم، والمراد أنهم عدول في الآخرة الذين تقبل شهاداتهم. # وقال الحسن: كل ms8344 مؤمن فإنه شهيد كرامة. # وقال الفراء والزجاج: هم الأنبياء؛ لقوله تعالى: # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا # [النساء: 41]. # وقال ابن جرير: " الشهداء " هم الذين استشهدوا في سبيل الله. # " وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما تعدون الشهداء ~~فيكم "؟ قالوا: المقتول، فقال: " إن شهداء أمتي إذا لقليل ~~" ". # وعلى هذا يكون منقطعا عما قبله، وتكون " الواو " في " والشهداء " واو ~~الاستئناف، وهذا مروي عن ابن عباس ومسروق. # وقوله: { لهم أجرهم } مما عملوا من العمل الصالح. و " نورهم " ~~على الصراط. # ثم لما ذكر حال المؤمنين أتبعه بذكر حال الكافرين، فقال: { والذين كفروا ~~وكذبوا بآياتنا، أولئك أصحاب الجحيم }. ولما ذكر أحوال المؤمنين ~~والكافرين ذكر بعده ما يدل على حقارة الدنيا، وكمال حال الآخرة، فقال: # { اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو }. # " ما " صلة، أي: حياة هذه الدار لعب باطل لا حاصل له، وهو فرح ثم ~~ينقضي، وزينة ومنظر تتزينون به. # قوله: { وتفاخر بينكم }. # العامة على تنوين " تفاخر " موصوف بالظرف، أو عامل فيه. # والسلمي أضافه إليه، أي: يفخر به بعضكم على بعض. # قال المفسرون: " اللعب ": الباطل، " واللهو ": الفرح. # وقال قتادة: " لعب ولهو ": أكل وشرب. # وقال مجاهد: كل لعب لهو. # وقيل: " اللعب ": ما رغب في الدنيا، " واللهو ": ما ألهى على الآخرة. # قوله: { وتكاثر في الأموال والأولاد }. # قال ابن عباس: يجمع المال في سخط الله، ويباهي به على أولياء الله، ~~ويصرفه في مساخط الله، فهي ظلمات بعضها فوق بعض، وكان من عادة الجاهلية ~~أن يتكاثروا بالأموال والأولاد. # قال بعض المتأخرين: " لعب " كلعب الصبيان، " ولهو " كلهو الفتيان " ~~وزينة " كزينة النسوان " وتفاخر " كتفاخر الأقران " وتكاثر " ~~كتكاثر الدهقان. # وقال علي - رضي الله عنه ل " عمار ": لا تحزن على الدنيا، فإن الدنيا ~~ستة أشياء: مأكول، ومشروب، وملبوس، ومشموم، ومركوب، ومنكوح، فأحسن ~~طعامها العسل، وهو بزقة ذبابة، وأكثر شرابها الماء، ويستوي فيه جميع ~~الحيوان، وأفضل ملبوسها الديباج وهو نسج دودة، وأفضل المشموم المسك ~~وهو دم فأرة، وأفضل مركوبها الفرس، وعليها يقتل الرجال، وأما المنكوح ~~فهو النساء ms8345 وهو مبال في مبال، والله إن المرأة لتزين أحسنها يراد به ~~أقبحها. # ثم ذكر تعالى لهذه الحياة مثلا، فقال: " كمثل غيث " أي: مطر { ~~أعجب الكفار نباته }. # قال ابن مسعود: المراد ب " الكفار " هنا: الزراع. # وقال الأزهري: والعرب تقول للزارع: كافر؛ لأنه يكفر البذر [المبذور ~~في الأرض] بتراب الأرض، أي: يغطيه. # والمعنى: أن الحياة الدنيا كالزرع يعجب الناظرين إليه لخضرته ~~بكثرة الأمطار، ثم لا يلبث أن يصير هشيما كأن لم يكن. # وقيل: المراد بالكفار هنا هم الكفار بالله، وهم أشد إعجابا بزينة ~~الدنيا من المؤمنين. # وقوله: " نباته " أي: ما ينبت من ذلك الغيث. # قوله: { كمثل غيث }. # يجوز أن يكون في موضع نصب حالا من الضمير في " لعب "؛ لأنه بمعنى ~~الوصف، وأن يكون خبرا لمبتدأ محذوف، أي: ذلك كمثل. # وجوز ابن عطية: أن يكون في موضع رفع صفة لما تقدم، ولم يبينه، وقد بينه ~~مكي، فقال: نعت ل " تفاخر ". وفيه نظر لتخصيصه له من بين ما تقدم، وجوز ~~أن يكون خبرا بعد خبر للحياة الدنيا. # وقوله: { ثم يهيج } أي: يجف بعد خضرته { فتراه مصفرا } ~~أي: متغيرا عما كان عليه من النضارة. # وقرىء: " مصفارا " من " اصفار " وهو أبلغ من " اصفر ". # قوله: " وفي الآخرة " خبر مقدم، وما بعده مبتدأ مؤخر، أخبر بأن في ~~الآخرة عذابا شديدا، ومغفرة منه ورضوانا، وهذا معنى حسن، وهو أنه قابل ~~العذاب بشيئين: بالمغفرة والرضوان، فهو من باب لن يغلب عسر يسرين. # قال القرطبي: { وفي الآخرة عذاب شديد } ، أي: للكافر، والوقف ~~عليه حسن، ويبتدأ { ومغفرة من الله ورضوان } أي: ~~للمؤمنين. # وقال الفراء: { وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة } تقديره: إما عذاب شديد، ~~وإما مغفرة، فلا يوقف على " شديد ". # قوله: { وما الحياة الدنيآ إلا متاع الغرور }. # وهذا تأكيد لما سبق، أي: تغر الكافر، فأما المؤمن فإن الدنيا له متاع ~~بلاغ إلى الجنة. # وقيل: العمل للحياة الدنيا متاع الغرور تزهيدا في العمل للدنيا، ~~وترغيبا للعمل في الآخرة. # وقال سعيد بن جبير: الدنيا متاع الغرور إذا ألهتك عن طلب الآخرة، ~~فأما إذا دعتك إلى ms8346 طلب رضوان الله وطلب الآخرة، فنعم المتاع ونعم ~~الوسيلة. # قوله تعالى: { سابقوا إلى مغفرة من ربكم } الآية. # أي: سارعوا بالأعمال الصالحة التي توجب المغفرة لكم من ربكم. # وقيل: سارعوا بالتوبة؛ لأنها تؤدي إلى المغفرة. قاله الكلبي. # وقال مكحول: هي التكبيرة الأولى مع الإمام. # وقيل: الصف الأول. # فصل فيمن استدل بالآية على أن الأمر على الفور # احتج القائلون بأن الأمر على الفور بهذه الآية؛ لأنها دلت على وجوب ~~المسارعة، فوجب أن يكون التراخي محظورا. # قوله: { وجنة عرضها كعرض السمآء والأرض }. # { عرضها كعرض }: مبتدأ وخبر، والجملة صفة، وكذلك " أعدت " ، ~~ويجوز أن تكون " أعدت " مستأنفة. # فصل في عرض الجنة # قال مقاتل: إن السموات السبع والأرضين السبع لو جعلت صفائح، وألزق ~~بعضها إلى بعض لكانت عرض جنة واحدة من الجنات، والعرض أقل من الطول، ~~ومن عادة العرب أنها تعبر عن الشيء بعرضه دون طوله؛ قال: [الطويل] # 4724- كأن بلاد الله وهي عريضة # على الخائف المطلوب كفة حابل # وقال عطاء عن ابن عباس: يريد أن لكل واحد من المطيعين جنة بهذه ~~الصفة. # وقال السدي: إنه - تعالى - شبه عرض الجنة بعرض السموات السبع ~~والأرضين السبع، ولا شك أن طوله أزيد من عرضه. # وقيل: هذا تمثيل للعباد بما يعقلونه، وأكبر ما في أنفسهم مقدار السموات ~~والأرض. # قاله الزجاج، وهو اختيار ابن عباس. # وقال طارق بن شهاب: قال قوم من أهل " الحيرة " لعمر رضي الله عنه: أرأيت ~~قول الله عز وجل: { عرضها كعرض السمآء والأرض } فأين ~~النار؟ قال لهم عمر: أرأيتم الليل إذا ولى وجاء النهار، فأين يكون ~~الليل؟ فقالوا: لقد نزعت بما في التوراة مثله. # قوله: { أعدت للذين آمنوا بالله ورسله } شرط ~~الإيمان لا غير، والمعتزلة وإن زعموا أن لفظ الإيمان يفيد جملة ~~الطاعات، لكنهم اعترفوا بأن لفظ الإيمان إذا عدي بالباء، فإنه باق على ~~مفهومه الأصلي وهو التصديق، فالآية حجة عليهم، ومما يؤكد ذلك قوله تعالى ~~بعده: { ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء } فبين أن الجنة ~~فضل الله يؤتيها من يشاء، سواء أطاع أم عصى. # فإن قيل: ms8347 فيلزمكم أن تقطعوا بحصول الجنة لجميع العصاة، وأن تقطعوا بأنه ~~لا عقاب لهم؟ فالجواب: قلنا: نقطع بحصول الجنة، ولا نقطع بنفي العقاب ~~عنهم؛ لأنهم إذا عذبوا مدة، ثم نقلوا إلى الجنة، وبقوا فيها أبد الآباد، ~~فقد كانت الجنة معدة لهم. # فإن قيل: فالمرتد قد آمن بالله، فوجب إلا يدخل تحت هذه الآية. # قلنا: فالجواب خص من العموم، فبقي العموم حجة فيما عداه. # فصل في أن الجنة مخلوقة أم لا؟ # احتجوا بهذه الآية على أن الجنة مخلوقة. # قالت المعتزلة: هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها لوجهين: # الأول: أن قوله تعالى # أكلها دآئم وظلها # [الرعد: 35] يدل على أن من صفتها بعد وجودها ألا تفتى، لكنها لو كانت ~~الآن موجودة لفنيت بدليل قوله تعالى # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص: 88]. # الثاني: أن المخلوقة الآن في السماء السابعة، ولا يجوز إذا كانت في ~~واحدة منها أن يكون عرضها كعرض كل السموات والأرض، فثبت بهذين الوجهين ~~أنه لا بد من التأويل، وذلك من وجهين: # أحدهما: أنه - تعالى - لما كان قادرا لا يصح المنع عليه، وإذا كان ~~حكيما لا يصح الخلف في وعده، ثم إنه - تعالى - وعد على الطاعة ~~بالجنة، فكانت الجنة كالمعدة المهيأة لهم تشبيها لما سيقع قطعا ~~بالواقع، كما يقول المرء لصاحبه: أعددت لك المكافأة إذا عزم عليها وإن لم ~~يوجدها. # والثاني: أن المراد إذا كانت الآخرة أعدها الله لهم، كقوله: # ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة # [الأعراف: 50] أي: إذا كان يوم القيامة نادى. # والجواب: أن قوله: # كل شيء هالك # [القصص: 88] عام. # وقوله: # أعدت للمتقين # [آل عمران: 133] مع قوله: # أكلها دآئم # [الرعد: 35] خاص، والخاص مقدم على العام. # وأما قولهم: إن الجنة مخلوقة في السماء السابعة كما قال - عليه ~~الصلاة والسلام - في صفة الجنة: # " سقفها عرش الرحمن " # فأي استبعاد في أن يكون المخلوق فوق الشيء أعظم منه، أليس أن العرش أعظم ~~المخلوقات، مع أنه مخلوق فوق السماء السابعة. # قوله: { ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء } أي: أن الجنة لا ~~تنال إلا بفضل الله ورحمته، { والله ms8348 ذو الفضل العظيم }. ### || [57.22-26] # قوله: { من مصيبة } فاعل " أصاب " ، و " من " مزيدة لوجود ~~الشرطين، وذكر فعلها؛ لأن التأنيث مجازي # قوله: { في الأرض } يجوز أن يتعلق ب " أصاب " ، وأن يتعلق بنفس " ~~مصيبة " ، وأن يتعلق بمحذوف على أنه صفة ل " مصيبة " ، وعلى هذا فيصلح ~~أن يحكم على موضعه بالجر نظرا إلى لفظ موصوفه، وبالرفع نظرا إلى محله، ~~إذ هو فاعل. # والمصيبة غلبت في الشر. # وقيل: المراد بها جميع الحوادث من خير وشر، وعلى الأول يقال: لم ذكرت ~~دون الخير؟ # وأجيب: بأنه إنما خصها بالذكر؛ لأنها أهم على البشر. # قوله: { إلا في كتاب } حال من " مصيبة " ، وجاز ذلك وإن كانت ~~نكرة لتخصصها إما بالعمل، أو بالصفة، أي: إلا مكتوبة. # قوله: " من قبل " نعت ل " كتاب " ، ويجوز أن يتعلق به. قاله أبو ~~البقاء. لأنه هنا اسم للمكتوب، وليس بمصدر. # والضمير في " نبرأها " الظاهر عوده على المصيبة. # وقيل: على الأنفس. # وقيل: على الأرض، أي على جميع ذلك. قاله المهدوي، وهو حسن. # فصل في مناسبة الآية لما قبلها # قال الزجاج: إنه - تعالى - لما قال: # سابقوا إلى مغفرة من ربكم # [الحديد: 21] وبين أن المؤدي إلى الجنة لا يكون إلا بقضاء الله تعالى ~~وقدره، فقال: { مآ أصاب من مصيبة }. # والمعنى لا توجد مصيبة من هذه المصائب إلا وهي مكتوبة عند الله، ~~والمصيبة في الأرض قحط المطر، وقلة النبات، ونقص الثمار، وغلاء ~~الأسعار، وتتابع الجوائح. # وأما المصيبة في الأنفس فقيل: هي الأمراض، والفقر، وذهاب الأولاد، ~~وإقامة الحدود عليها. # وقيل: ضيق المعاش وقيل: الخير والشر أجمع، لقوله بعد ذلك: { ~~لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بمآ ~~آتاكم }. # وقوله: { إلا في كتاب } يعني: مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ. # وقوله: { من قبل أن نبرأها }. # قال ابن عباس: من قبل أن نخلق المصيبة. # وقال سعيد بن جبير: من قبل أن نخلق الأرض والنفس. # { إن ذلك على الله يسير } أي: خلق ذلك، وحفظه على الله ~~يسير أي: هين. # قال الربيع بن صالح: لما أخذ سعيد بن جبير - رضي الله عنه - بكيت، ~~قال: ms8349 ما يبكيك؟ قلت: أبكي لما أرى بك ولما تذهب إليه، قال: فلا تبك، ~~فإنه كان في علم الله - تعالى - أن يكون، ألم تسمع قوله تعالى: { مآ ~~أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم } الآية. # قال ابن عباس: لما خلق الله القلم، قال له: اكتب، فكتب ما هو كائن إلى ~~يوم القيامة. # وقد ترك جماعة من السلف الدواء في أمراضهم، فلم يستعملوه ثقة بربهم ~~وتوكلا عليه، وقالوا: قد علم الله أيام المرض وأيام الصحة، فلم حرص ~~الخلق على تقليل ذلك أو زيادته ما قدروا، قال الله تعالى: { مآ أصاب ~~من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم } الآية، ويؤيد هذا ~~قوله عليه الصلاة والسلام: # " من عرف يسر الله في القدر هانت عليه المصائب ". # فصل في اتصال الآية بسياق الآيات قبلها # قيل: إن هذه الآية نزلت متصلة بما قبلها، وهو أن الله - تعالى - هون ~~عليهم ما يصيبهم في الجهاد من قتل وجرح، وبين أن ما يخلفهم عن الجهاد من ~~المحافظة على الأموال، وما يقع فيها من خسران، فالكل مكتوب مقدر لا مدفع ~~له، وإنما على المرء امتثال الأمر، ثم أدبهم فقال: { لكيلا ~~تأسوا على ما فاتكم } أي: حتى لا تحزنوا على ما فاتكم من ~~الرزق، وذلك أنهم إذا علموا أن الرزق قد فرغ منه لم ييأسوا على ما فاتهم ~~منه. # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يجد أحدكم طعم الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه ~~لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه " # ، ثم قرأ: { لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا ~~تفرحوا بمآ آتاكم } أي من الدنيا. قاله ابن عباس رضي الله ~~عنهما. # فصل في أن ما كان وما يكون مكتوب في اللوح المحفوظ # قال ابن الخطيب: هذه الآية تدل على أن جميع الحوادث الأرضية قبل دخولها ~~في الوجود مكتوبة في اللوح المحفوظ. # قال المتكلمون: وإنما كتب ذلك لوجوه: # أحدها: ليستدل الملائكة بذلك المكتوب على كونه - تعالى - على علم بجميع ~~الأشياء قبل وقوعها. ms8350 # وثانيها: ليعرفوا حكمة الله، فإنه - تعالى - مع علمه بأنهم يقدمون على ~~المعاصي خلقهم ورزقهم. # وثالثها: ليحذروا من أمثال تلك المعاصي. # ورابعها: ليشكروا الله - تعالى - على توفيقه إياهم للطاعات، وعصمته ~~إياهم عن المعاصي. # فصل في كيفية حدوث الأحداث # قال ابن الخطيب: إن الحكماء قالوا: إن الملائكة الذين وصفهم الله بأنهم ~~هم المدبرات أمرا، والمقسمات أمرا، إنما هي المبادىء لحدوث الحوادث ~~في العالم السفلي بواسطة الحركات الفلكية، والاتصالات الكوكبية، ~~وتغيراتها هي الأسباب لتلك المسببات، وهذا هو المراد من قوله: # إلا في كتاب مبين # [سبأ: 3]. # فصل في مصائب الأنفس # قوله تعالى: { ولا في أنفسكم } يتناول جميع مصائب الأنفس، ~~فيدخل فيها كفرهم ومعاصيهم، فالآية دالة على أن جميع أعمالهم بتفاصيلها ~~مكتوبة في اللوح المحفوظ مثبتة في علم الله تعالى، فكان الامتناع من تلك ~~الأعمال محال؛ لأن علم الله بوجودها مناف لعدمها والجمع بين ~~المتنافيين محال، وخصص مصائب الأرض والأنفس لتعلقها بنا، ولم يقل: جميع ~~الحوادث لشمولها حركات أهل الجنة والنار؛ لأنها غير متناهية، فإثباتها في ~~الكتاب محال. # قال ابن الخطيب: وفي الآية دليل على أن الله - تعالى - يعلم الأشياء ~~قبل وقوعها خلافا ل " هشام بن الحكم ". # قوله تعالى: { لكيلا }. هذه " اللام " متعلقة بقوله " ما أصاب " ~~، أي: أخبرناكم بذلك لكيلا يحصل لكم الحزن المقنط والمفرح المطغي فأما ما ~~دون ذلك فالإنسان غير مؤاخذ به، و " كي " هنا ناصبة بنفسها، فهي مصدرية ~~فقط لدخول لام الجر عليها. # وقرأ أبو عمرو: " بما أتاكم " مقصورا من الإتيان، أي: بما جاءكم. # قال أبو علي الفارسي: لأن " أتاكم " معادل لقوله " فاتكم " ، فكما ~~أن الفعل للفائت في قوله: " فاتكم " ، فكذلك الفعل الثاني في قوله: " ~~بما أتاكم ". # وقرأ باقي السبعة: " آتاكم " ممدودا من " الإيتاء " ، أي: بما أعطاكم ~~الله إياه. # والعائد إلى الموصول في الكلمتين في الذكر المرفوع بأنه فاعل، و " الهاء ~~" محذوفة من الصلة، أي: بما آتاكموه. # وقرأ عبد الله: " بما أوتيتم ". # فصل في أن حزن المؤمن صبر وفرحه شكر # قال ابن عباس: ليس من أحد إلا وهو يحزن ويفرح، ولكن المؤمن ms8351 يجعل ~~مصيبته صبرا وغنيمته شكرا، والحزن والفرح المنهي عنهما هما اللذان ~~يتعدى فيهما إلى ما لا يجوز. # وقال جعفر بن محمد: يا ابن آدم ما لك تأسف على مقدر لا يرده عليك ~~الفوت، وما لك تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت. # وقيل ل " بزرجمهر ": أيها الحكيم، ما لك لا تحزن على ما فات، ولا تفرح ~~بما هو آت؟ قال: لأن الفائت لا يتلافى بالعبرة، والآتي لا يستدام ~~بالحبرة. # وقوله: { والله لا يحب كل مختال فخور } أي: متكبر ~~بما أوتي من الدنيا. # " فخور " به على الناس، قيل: الفخور الذي ينظر الناس بعين الاحتقار. # فصل فيمن قالوا بالإرادة والجبر # قال ابن الخطيب: المعتزلة وإن نازعوا في القدرة والإرادة، فهم مسلمون في ~~العلم والجبر، فيلزمهم الجبر باعتبارهما. # والفلاسفة مذهبهم الجبر؛ لأن سبب الحوادث عندهم الاتصالات الفلكية. # والقدرية قالوا: بأن الحوادث اتفاقية، فجميع فرق العقلاء يلزمهم الجبر، ~~سواء أقروا به أو أنكروه. # فصل في إرادة العبد الحزن والفرح # قالت المعتزلة: قوله: { لكيلا تأسوا } يدل على أنه إنما ~~أخبرهم بكتبها ليحترزوا عن الحزن والفرح، ولولا قدرتهم عليه لم يكن لذلك ~~فائدة، ويدل على أنه لا يريد أن يقع منهم الفرح والحزن، وهو خلاف قول ~~المجبرة؛ لأنه قال: { والله لا يحب كل مختال فخور } ~~والمحبة هي الإرادة. # وأجيبوا بأن المحبة هي إرادة خاصة وهي إرادة الثواب، ولا يلزم من نفيها ~~نفي الإرادة. # قوله: { الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل }. ~~تقدم نظيره في سورة " النساء ". # قال القرطبي: " الذين " في موضع خفض نعتا للمختال. # وقال ابن الخطيب: بدل من قوله: " كل مختال ". # وقيل: رفع بالابتداء، فهو كلام مستأنف لا تعلق له بما قبله. # والمعنى: الذين يبخلون فالله غني عنهم. # قيل: أراد رؤساء اليهود الذين بخلوا ببيان صفة محمد صلى الله عليه وسلم ~~في كتبهم لئلا يؤمن به الناس، فتذهب مأكلتهم. # قاله السدي والكلبي. # فيكون " الذين " مبتدأ، وخبره محذوف يدل عليه قوله تعالى: { ومن ~~يتول فإن الله هو الغني الحميد }. # وقال سعيد بن جبير: " الذين يبخلون " يعني بالعلم { ويأمرون ms8352 ~~الناس بالبخل } بألا يعلموا الناس شيئا. # وقال زيد بن أسلم: إنه البخل بأداء حق الله تعالى. # وقال عبد الله بن عامر الأشعري: هو البخل بالصدقة والحقوق. # وقال طاوس: وهو البخل بما في يديه. # فصل في قراءات البخل # " بالبخل ". قرأ العامة: " بالبخل " بضم الباء وسكون الخاء. # وقرأ أنس وعبيد بن عمير ويحيى بن يعمر ومجاهد وابن محيصن وحمزة والكسائي ~~" بالبخل " بفتحتين، وهي لغة الأنصار. # وقرأ أبو العالية وابن السميفع: " بالبخل " بفتح الباء وإسكان ~~الخاء. # وعن نصر بن عاصم: " البخل " - بضمتين - وكلها لغات مشهورة. # وقال قوم: الفرق بين البخل والسخاء من وجهين: # أحدهما: أن البخيل الذي لا يعطي عند السؤال، والسخي الذي يعطي بغير ~~سؤال. # وتقدم الفرق بين البخل والشح في آخر آل عمران. # قوله: { ومن يتول } أي: عن الإيمان { فإن الله هو ~~الغني الحميد }. # قرأ نافع وابن عامر: { فإن الله الغني الحميد } بإسقاط " هو " ، وهو ~~ساقط في مصاحف " المدينة " و " الشام " ، والباقون: بإثباته، وهو ثابت في ~~مصاحفهم، فقد وافق كل مصحفه. # قال أبو علي الفارسي: من أثبت " هو " يحسن أن يكون فصلا، ولا يحسن أن ~~يكون ابتداء؛ لأن الابتداء لا يسوغ حذفه. # يعني أنه رجح فصليته بحذفه في القراءة الأخرى، إذ لو كان مبتدأ لضعف ~~حذفه لا سيما إذا صلح ما بعده أن يكون خبرا لما قبله. # ألا ترى أنك لو قلت: إن زيدا هو القائم يحسن حذف " هو " لصلاحية " ~~القائم " خبرا، وهذا كما قالوا في الصلة: إنه يحذف العائد المرفوع ~~بالابتداء بشروط: # منها: ألا يكون ما بعده صالحا للصلة نحو: " جاء الذي هو في ~~الدار، وهو قائم أبوه " لعدم الدلالة. # إلا أن للمنازع أن ينازع أبا علي ويقول: لا ألتزم تركيب إحدى ~~القراءتين على الأخرى، وكم من قراءتين تغاير معناهما، كقراءتي: # والله أعلم بما وضعت # [آل عمران: 36] إلا أن توافق القراءتين في معنى واحد أولى، هذا مما لا ~~نزاع فيه. # ومن أثبت " هو " فعلى أن يكون فصلا، ويجوز أن يكون مبتدأ، و " الغني ~~" خبره والجملة خبر " إن ". # قال ابن الخطيب: ms8353 وقوله " الحميد " كأنه جواب من يقول: إذا كان الله ~~عالما بأنه يبخل، فلم أعطاه المال؟. # فأجاب: بأنه محمود حيث فتح أبواب الرحمة مع تقصير العبد في الطاعة. # قوله تعالى: { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات }. # يعني المعجزات البينة، والشرائع الظاهرة. # وقيل: الإخلاص لله - تعالى - في العبادة. # { وأنزلنا معهم الكتاب } أي الكتب التي أوحينا إليهم فيها ~~خبر من كان قبلهم. # " والميزان " ، قال ابن زيد: هو ما يوزن به، ويتعامل. # روي أن جبريل - عليه السلام - نزل بالميزان فدفعه إلى نوح - عليه الصلاة ~~والسلام - وقال: مر قومك يزنوا به ليقوم الناس بالقسط، ~~أي: بالعدل في معاملاتهم. # وقيل: أراد به العدل. # قال القشيري: وإذا حملناه على الميزان المعروف، فالمعنى أنزلنا الكتاب ~~ووضعنا الميزان وهو من باب: [الرجز] # 4725- علفتها تبنا وماء باردا # ويدل على هذا قوله تعالى: # والسمآء رفعها ووضع الميزان # [الرحمن: 7]. # قوله: " معهم " حال مقدرة، أي: صائرا معهم، وإنما احتجنا إلى ذلك؛ ~~لأن الرسل لم ينزلوا، ومقتضى الكلام أن يصحبوا الكتاب في النزول. # وأما الزمخشري فإنه فسر الرسل بالملائكة الذين يجيئون بالوحي إلى ~~الأنبياء، فالمعية متحققة. # قوله: { وأنزلنا الحديد }. # روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله تعالى أنزل أربع بركات من السماء إلى ~~الأرض: الحديد والماء والنار والثلج ". # وروى عكرمة عن ابن عباس قال: أنزل ثلاثة أشياء مع آدم - عليه الصلاة ~~والسلام - الحجر الأسود وكان أشد بياضا من الثلج، وعصا موسى، وكانت ~~من آس الجنة، طولها عشرة أذرع مع طول موسى، والحديد أنزل معه ثلاثة ~~أشياء: السندان، والكلبتان، والميقعة، وهي المطرقة ذكره ~~الماوردي. # وروى الثعلبي عن ابن عباس قال: نزل آدم من الجنة، ومعه من الحديد ~~خمسة أشياء من آلة الحدادين: السندان، والكلبتان، والميقعة، ~~والمطرقة والإبرة. # وحكاه القشيري قال: والميقعة: [ما يحدد به، يقال: وقعت الحديدة ~~أقعها، أي حددتها. # وفي " الصحاح " ]: " الميقعة " الموضع الذي يألفه البازي فيقع عليه، ~~وخشبة القصار التي يدق عليها، والمطرقة، والمسن الطويل. # وروي أن الحديد أنزل يوم الثلاثاء. # { فيه بأس شديد } أي: لإهراق الدماء، ولذلك نهي ms8354 عن الفصد ~~والحجامة يوم الثلاثاء؛ لأنه يوم جرى فيه الدم. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن في يوم الثلاثاء ساعة لا يراق فيها الدم ". # وقيل: " أنزلنا الحديد " أي: أنشأناه وخلقناه، كقوله تعالى: # وأنزل لكم من الأنعام # [الزمر: 6] وهذا قول الحسن. فيكون من الأرض غير منزل من السماء. # وقال أهل المعاني: أي أخرج الحديد من المعادن، وعلمهم صنعته بوحيه. # وقوله: { فيه بأس شديد } جملة حالة من " الحديد " ، والمراد ~~بالحديد يعني: السلاج والجنة. # وقيل: إن فيه من خشية القتل خوفا شديدا. # { ومنافع للناس } قال مجاهد: يعني جنة. # وقيل: انتفاع الناس بالماعون: الحديد كالسكين والفأس ونحوه. # قوله: { وليعلم الله }. عطف على قوله: { ليقوم الناس } ~~، أي: لقد أرسلنا رسلنا، وفعلنا كيت وكيت ليقوم الناس، وليعلم الله. # وقال أبو حيان: علة لإنزال الكتاب والميزان والحديد. # والأول أظهر؛ لأن نصرة الله ورسوله مناسبة للإرسال. # قوله: " ورسله " عطف على مفعول " ينصره " ، أي: وينصر رسله. # قال أبو البقاء: ولا يجوز أن يكون معطوفا على " من " لئلا يفصل به بين ~~الجار، وهو " بالغيب " ، وبين ما يتعلق به وهو " ينصر ". # قال شهاب الدين: وجعله العلة ما ذكره من الفصل بين الجار، وبين ما يتعلق ~~به يوهم أن معناه صحيح لولا هذا المانع، وليس كذلك؛ إذ يصير التقدير: ~~وليعلم الله من ينصره بالغيب، وليعلم رسله، وهذا معنى لا يصح ألبتة، فلا ~~حاجة إلى ذكر ذلك، و " بالغيب " حال وقد تقدم مثله أول " البقرة ". # فصل في معنى الآية # المعنى: وليعلم الله من ينصره، أي: أنزل الحديد ليعلم من ينصره، أو ~~ليقوم الناس بالقسط؛ أي: أرسلنا رسلنا. # { وأنزلنا معهم الكتاب } وهذه الأشياء ليتعامل الناس بالحق، وليرى الله ~~من ينصر دينه وينصر رسله بالغيب، أي: وهم لا يرونهم. # { إن الله قوي عزيز } قوي في أخذه عزيز أي: منيع غالب. # وقيل: بالغيب أي: بالإخلاص. # فصل في الرد على من قال بحدوث علم الله # احتج من قال بحدوث علم الله بقوله: " وليعلم الله ". # وأجيب: بأنه - تعالى - أراد بالعلم المعلوم، فكأنه - تعالى - قال: ولتقع ms8355 ~~نصرة الرسول ممن ينصره. # فصل في الرد على الجبرية # قال الجبائي: قوله: { ليقوم الناس بالقسط } يدل على أنه - ~~تعالى - أنزل الميزان والحديد، ومراده من العباد أن يقوموا بالقسط، وأن ~~ينصروا رسله، وإذا أراد هذا من الكل بطل قول المجبرة أنه أراد من بعضهم ~~خلاف ذلك. # وأجيب: بأنه كيف يمكن أن يريد من الكل ذلك مع علمه بأن ضده موجود، ~~والجمع بين الضدين محال، والمحال غير المراد. # قوله تعالى: { ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم } الآية. # لما أجمل الرسل في قوله: { لقد أرسلنا رسلنا } فصل ها هنا ~~ما أجمل من إرسال الرسل بالكتب، وأخبر أنه أرسل نوحا وإبراهيم، وجعل ~~النبوة في نسلهما، لقوله: { وجعلنا في ذريتهما ~~النبوة والكتاب } ، أي: جعلنا بعض ذريتهما الأنبياء، وبعضهم ~~أمما يتلون الكتب المنزلة من السماء كالتوراة والإنجيل والزبور ~~والفرقان. # وقال ابن عباس: الخط بالقلم. # قوله: { فمنهم مهتد }. # والضمير يجوز عوده على الذرية، وهو أولى لتقدم ذكره لفظا. # وقيل: يعود على المرسل إليهم لدلالة رسلنا والمرسلين إليهم. # والمعنى: منهم مهتد ومنهم فاسق، والمراد بالفاسق هاهنا، قيل: الذي ارتكب ~~الكبيرة سواء كان كافرا أو لم يكن لإطلاق هذا الاسم، وهو يشمل الكافر ~~وغيره. # وقيل: المراد بالفاسق ها هنا الكافر؛ لأنه جعل الفساق ضد المهتدين. ### || [57.27-29] # قوله: { ثم قفينا على آثارهم } ، أي: أتبعنا على آثارهم، ~~أي: على آثار الذرية. # وقيل: على آثار نوح وإبراهيم برسلنا موسى وإلياس وداود ويونس، وغيرهم، { ~~وقفينا بعيسى ابن مريم } ، فهو من ذرية إبراهيم من جهة أمه. # { وآتيناه الإنجيل }: وهو الكتاب المنزل عليه وقد تقدم اشتقاقه ~~في أول آل عمران. # وقراءة الحسن: بفتح الهمزة. # قال الزمخشري: أمره أهون من أمر البرطيل والسكينة فيمن رواها بفتح ~~" الفاء "؛ لأن الكلمة أعجمية لا يلزم فيها حفظ أبنية العرب. # وقال ابن جني: قراءة الحسن - بفتح الهمزة - مثال مبالغة، لا نظير له؛ ~~لأنه " أفعيل " وهو عندهم من نجلت الشيء إذا استخرجته لأنه يستخرج به ~~الأحكام. # وقال ابن الخطيب: وغالب الظن أنه ما قرأه إلا عن سماع؛ وله وجهان: # أحدهما: أنه شاذ، كما ms8356 حكي عن بعضهم في البرطيل. # والثاني: أنه ظن الإنجيل أعجميا، فحرف مثاله؛ تنبيها على كونه ~~أعجميا. # قوله: { وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه } على دينه ~~يعني: الحواريين وأتباعهم { رأفة ورحمة }. # قرأ الحسن: " رآفة " بزنة " فعالة ". # قال مقاتل: المراد من الرأفة والرحمة: المودة فكان يواد بعضهم ~~بعضا كما وصف الله - تعالى - أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: # رحمآء بينهم # [الفتح: 29]. # وقيل: هذا إشارة إلى أنهم أمروا في الإنجيل بالصفح، وترك إيذاء ~~الناس وألان الله قلوبهم لذلك، بخلاف اليهود الذين قست قلوبهم، وحرفوا ~~الكلم عن مواضعه. # والرأفة: [اللين. # والرحمة:] الشفقة. # وقيل: الرأفة تخفيف الكل، والرحمة تحمل الثقل. # وقيل: الرأفة: أشد من الرحمة وتم الكلام. # فصل في أن أفعال العبد خلق لله تعالى # دلت هذه الآية على أن فعل العبد خلق الله تعالى؛ لأنه حكم بأن هذه ~~مجعولة، وحكم بأنهم ابتدعوا تلك الرهبانية. # قال القاضي: المراد بذلك أنه - تعالى - لطف بهم حتى قويت دواعيهم في ~~الرهبانية التي هي تحمل الكلفة الزائدة على ما يجب. # والجواب: أن هذا ترك للظاهر من غير دليل، وإن سلمنا ذلك فهو يحصل ~~مقصودنا؛ لأن الحال الاستواء بمنع حصول الرجحان؛ لأن حصول الرجحان ~~عند الاستواء ممتنع، فعند المرجوحية أولى بأن يصير ممتنعا، وإذا امتنع ~~المرجوح وجب الراجح ضرورة أنه لا خروج عن طرفي النقيض. # قوله: { ورهبانية ابتدعوها }. في انتصابها وجهان: # أحدهما: أنها معطوفة على " رأفة ورحمة ". # و " جعل " إما بمعنى " خلق " ، وإما بمعنى " صير " ، و " ابتدعوها " ~~على هذا صفة ل " رهبانية " ، وإنما خصت بذكر الابتداع؛ لأن الرأفة ~~والرحمة في القلب أمر غريزة لا تكسب للإنسان فيها، بخلاف الرهبانية، ~~فإنها أفعال البدن، وللإنسان فيها تكسب، إلا أن أبا البقاء منع هذا ~~الوجه، بأن ما جعله الله لا يبتدعونه. # وجوابه: ما تقدم من أنه لما كانت مكتسبة صح ذلك منها. # وقال أيضا: وقيل: هو معطوف عليها، و " ابتدعوها " نعت له، والمعنى: ~~فرض عليهم لزوم رهبانية ابتدعوها، ولهذا قال: { ما كتبناها ~~عليهم إلا ابتغآء رضوان الله }. # والوجه الثاني: أنها منصوبة بفعل مقدر ms8357 يفسره الظاهر. # وقال أبو علي: " ابتدعوها رهبانية " ، وتكون المسألة من باب الاشتغال، ~~وإليه نحا الفارسي والزمخشري، وأبو البقاء وجماعة. # إلا أن هذا يقال: إنه إعراب المعتزلة، وذلك أنهم يقولون: ما كان من ~~فعل الإنسان فهو مخلوق له، فالرأفة والرحمة لما كانت من فعل الله نسب ~~خلقهما إليه، والرهبانية لما لم تكن من فعل الله - تعالى - بل من فعل ~~العبد يستقل بفعلها نسب ابتداعها إليه. # ورد عليهم أبو حيان هذا الإعراب من حيث الصناعة، وذلك أن من حق الاسم ~~المشتغل عنه ألا يصلح للرفع بالابتداء، و " رهبانية " نكرة لا مسوغ ~~للابتداء بها، فلا يصلح نصبها على الاشتغال. # قال شهاب الدين: وفيه نظر لأنا لا نسلم أولا اشتراط ذلك، ويدل عليه ~~قراءة من قرأ: { سورة أنزلناها } [النور: 1] بالنصب على ~~الاشتغال، كما تقدم تحقيقه، ولئن سلمنا ذلك فثم مسوغ وهو العطف، ومن ~~ذلك قول الشاعر: [البسيط] # 4726- عندي اصطبار وشكوى عند قاتلتي # فهل بأعجب من هذا امرؤ سمعا؟ # وقول الآخر: [الطويل] # 4727- تغشى ونجم قد أضاء فمذ بدا # محياك، أخفى ضوءه كل شارق # ذكر ذلك ابن مالك. # و " الرهبانية ": منسوبة إلى " الرهبان " ، وهو " فعلان " من ~~رهب، كقولهم: الخشيان من خشي، وقد تقدم معنى هذه المادة في سورة " ~~المائدة ". # وقرىء بضم الراء. # قال الزمخشري: كأنها نسبة إلى " الرهبان " ، وهو جمع: راهب، ك " ~~راكب، وركبان ". # قال أبو حيان: والأولى أن يكون منسوبا إلى " رهبان " - يعني بالفتح ~~- وغير؛ لأن النسب باب تغيير، ولو كان منسوبا ل " رهبان " ~~الجمع لرد إلى مفرده إلا إن قد صار كالعلم، فإنه ينسب إليه ك " ~~الأنصار ". # فصل في المراد بالرهبانية # والمراد من الرهبانية: ترهبهم في الجبال فارين من الفتنة في الدين ~~متحملين كلفا زائدة على العبادات التي كانت واجبة عليهم من الخلوة، ~~واللباس الخشن، والاعتزال عن النساء، والتعبد في الغيران والكهوف. # روى ابن عباس أن في أيام الفترة بين عيسى ومحمد - عليهما الصلاة ~~والسلام - غير الملوك التوراة والإنجيل، فراح نفر، وبقي نفر قليل، ~~فترهبوا وتبتلوا. # قال الضحاك: إن ملوكا بعد عيسى - عليه الصلاة ms8358 والسلام - ارتكبوا ~~المحارم ثلاثمائة سنة، فأنكرها عليهم من كان بقي على منهاج عيسى ~~فقتلوهم، فقال قوم بقوا بعدهم: نحن إذا نهيناهم قتلونا، فليس يسعنا ~~المقام بينهم، فاعتزلوا الناس واتخذوا الصوامع. # وقال قتادة: الرهبانية التي ابتدعوها رفض النساء، واتخاذ الصوامع. # وفي خبر مرفوع: هي لحوقهم بالبراري والجبال. # قوله تعالى: { ما كتبناها عليهم }. # صفة ل " رهبانية " ، ويجوز أن يكون استئناف إخبار بذلك. # قال ابن زيد: معناه ما فرضناها عليهم، ولا أمرناهم بها. # وقوله: { إلا ابتغآء رضوان الله }. فيه أوجه: # أحدها: أنه استثناء متصل مما هو مفعول من أجله، والمعنى: ما كتبناها ~~عليهم لشيء من الأشياء إلا ابتغاء مرضات الله، فيكون " كتب " بمعنى " قضى ~~" ، فصار المعنى: كتبناها عليهم ابتغاء مرضات الله، وهذا قول مجاهد. # والثاني: أنه منقطع. # قال الزمخشري ولم يذكر غيره: " أي: ولكنهم ابتدعوها ". # وإلى هذا ذهب قتادة وجماعة، قالوا: معناه لم يفرضها عليهم، ولكنهم ~~ابتدعوها. # الثالث: أنه بدل من الضمير المنصوب في " كتبناها " قاله مكي. # وهو مشكل، كيف يكون بدلا وليس هو الأول لا بعضه، ولا مشتملا عليه. # وقد يقال: إنه بدل اشتمال؛ لأن الرهبانية الخالصة المرعية حق الرعاية قد ~~يكون فيها ابتغاء رضوان الله، ويصير نظير قولك: الجارية ما أحببتها إلا ~~أدبها فأدبها بدل من الضمير في " أحببتها " بدل اشتمال، وهذا نهاية ~~التمحل لصحة هذا القول. # والضمير المرفوع في " رعوها " عائد على من تقدم. # والمعنى: أنهم لم يدوموا كلهم على رعايتها، وإن كان قد وجد هذا في ~~بعضهم. # وقيل: يعود على الملوك الذين حاربوهم. # وقيل على أخلافهم و " حق " نصبه على المصدر. # قال القرطبي فيها: وقيل: " إلا ابتغاء " استثناء منقطع، والتقدير: " ~~ما كتبناها عليهم، ولكن ابتدعوها ابتغاء رضوان الله ". # { فما رعوها حق رعايتها }. # أي: ما قاموا بها حق القيام، بل ضموا إليها التثليث والاتحاد، وأقام ~~الناس منهم على دين عيسى - عليه الصلاة والسلام - حتى أدركوا نبينا ~~محمدا - عليه الصلاة والسلام - فآمنوا به، فهو قوله تعالى: { فآتينا ~~الذين آمنوا منهم أجرهم، وكثير منهم فاسقون }. # وقيل: إنا ما كتبنا عليهم تلك الرهبانية ms8359 إلا ليتوسلوا بها إلى مرضاة ~~الله تعالى، ثم إنهم أتوا بتلك الأفعال لغير هذا الوجه، وهو طلب الدنيا ~~والرياسة والسمعة. # وقيل: معناه أنا كتبناها عليهم فتركوها، فيكون ذلك ذما لهم لتركهم ~~الواجب. # وقيل: إن الذين لم يرعوها حق رعايتها هم الذين أدركوا محمدا صلى الله ~~عليه وسلم ولم يؤمنوا به. # فصل فيمن أحدث بدعة # دلت هذه الآية أن كل محدثة بدعة، فينبغي لمن ابتدع خيرا أن يدوم عليه، ~~ولا يعدل عنه إلى ضده فيدخل في الآية. # وعن أبي أمامة الباهلي واسمه صدي بن عجلان أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " أحدثتم قيام رمضان ولم يكتب عليكم، إنما كتب ~~عليكم الصيام، فدوموا على القيام إذ فعلتموه ولا ~~تتركوه، فإن ناسا من بني إسرائيل ابتدعوا بدعا ~~ولم يكتبها الله عليهم ابتغوا بها رضوان الله فما ~~رعوها حق رعايتها فعاتبهم الله عليها بتركها " # ، فقال: { ورهبانية ابتدعوها } الآية. # فصل # دلت الآية على العزلة عن الناس وذلك مندوب إليه عند فساد الزمان، ~~وتغير الأحوال والإخوان. # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وآمنوا برسوله }. # أي: آمنوا بموسى وعيسى { اتقوا الله وآمنوا } بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم { يؤتكم كفلين من رحمته } ، أي: مثلين من ~~الأجر على إيمانهم بعيسى وبمحمد صلى الله عليه وسلم؛ وهذا نظير قوله ~~تعالى: # أولئك يؤتون أجرهم مرتين # [القصص: 54]. # و " الكفل ": الحظ والنصيب. # وقد تقدم، وهو في الأصل كساء يكتفل به الراكب يحفظه من السقوط. قاله ~~ابن جرير. # وقال الأزهري: اشتقاقه من الكساء الذي يحويه راكب البعير على سنامه لئلا ~~يسقط، والمعنى: يؤتكم نصيبين يحفظانكم من هلكة المعاصي كما يحفظ ~~الكفل الراكب. # وقال أبو موسى الأشعري: " كفلين " ضعفين، بلسان " الحبشة ". # وقال ابن زيد: " كفلين " أجر الدنيا والآخرة. # وقيل: لما نزلت: # أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا # [القصص: 54] افتخر مؤمنو أهل الكتاب على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~فنزلت هذه الآية. # فإن قيل: إنه - تعالى - لما أعطاهم كفلين، وأعطى المؤمن كفلا ~~واحدا كان حالهم أعظم. # فالجواب: أنه لا يبعد أن يكون النصيب ms8360 الواحد أزيد قدرا من النصيبين. # روى أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل كانت له جارية ~~فأدبها وأحسن أدبها، ثم أعتقها وتزوجها، ورجل من ~~أهل الكتاب آمن بكتابه، وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~وعبد أحسن عبادة الله ونصح سيده ". # قوله: { ويجعل لكم نورا }. # قال مجاهد: أي: بيانا وهدى. # وقال ابن عباس: هو القرآن. # وقيل: ضياء يمشون به في الآخرة على الصراط، وفي القيامة إلى الجنة، وهو ~~النور المذكور في قوله تعالى # يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم # [الحديد: 12]. # وقيل: تمشون به في الناس تدعونهم إلى الإسلام، فتكونون رؤساء في دين ~~الإسلام لا تزول عنكم رياسة كنتم فيها، وذلك أنهم خافوا أن تزول رياستهم ~~لو آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وإنما كان يفوتهم أخذ رشوة يسيرة من ~~الضعفة بتحريف أحكام الله تعالى، لا الرياسة الحقيقية في الدين ثم قال: ~~{ ويغفر لكم ذنوبكم } ، أي: ما أسلفتم من المعاصي، { ~~والله غفور رحيم }. # قوله تعالى: { لئلا يعلم أهل الكتاب }. # هذه " اللام " متعلقة بمعنى الجملة الطلبية المتضمنة لمعنى الشرط، إذ ~~التقدير: إن تتقوا الله، وتؤمنوا برسوله يؤتكم كذا وكذا لئلا يعلم. # وفي الآية هذه وجهان: # أشهرهما عند النحاة والمفسرين: أنها مزيدة كهي في # ما منعك ألا تسجد # [الأعراف: 12] و # أنهم إليهم لا يرجعون # [يس: 31]. على خلاف في هاتين الآيتين. # والتقدير: أعلمكم الله بذلك ليعلم أهل الكتاب عدم قدرتهم على شيء من ~~فضل الله، وثبوت أن الفضل بيد الله، وهذا واضح بين، وليس فيه إلا ~~زيادة ما ثبتت زيادته شائعا ذائعا. # والثاني: أنها غير مزيدة، والمعنى: لئلا يعلم أهل الكتاب [عجز المؤمنين. ~~نقل ذلك أبو البقاء، وهذا لفظه. # وكان قال قبل ذلك: " لا " زائدة، والمعنى: ليعلم أهل الكتاب] عجزهم. # وهذا غير مستقيم؛ لأن المؤمنين عاجزون أيضا عن شيء من فضل الله، وكيف ~~يعمل هذا القائل بقوله: { وأن الفضل بيد الله } ، فإنه ~~معطوف على مفعول العلم المنفي، فيصير التقدير: لئلا يعلم أهل الكتاب أن ~~الفضل بيد الله، وهذا ms8361 لا يستقيم نفي العلم به ألبتة، فلا جرم كان قولا ~~مطرحا. # وقرأ العامة: " لئلا " بكسر لام كي، وبعدها همزة مفتوحة مخففة. # وورش يبدلها ياء محضة. وهو تخفيف قياسي نحو: " مية وفية " في " ~~مئة وفئة " ويدل على زيادتها قراءة عبد الله، وابن عباس، وعكرمة، ~~والجحدري، وعبد الله بن سلمة: " ليعلم " بإسقاطها. # وقراءة حطان بن عبد الله: " لأن يعلم " بإظهار " أن ". # والجحدري أيضا والحسن: " ليعلم ". # وأصلها كالتي قبلها " لأن يعلم " فأبدل الهمزة ياء لانفتاحها بعد كسرة؛ ~~وقد تقدم أنه قياسي كقراءة ورش " ليلا " ثم أدغم النون في الياء. # قال أبو حيان: " بغير غنة كقراءة خلف " أن يضرب " بغير غنة ". ~~انتهى. # فصار اللفظ " ليعلم ". وقوله " بغير غنة " ، ليس عدم الغنة شرطا في صحة ~~هذه المسألة بل جاء على سبيل الاتفاق، ولو أدغم بغنة لجاز ذلك فسقوطها في ~~هذه القراءات يؤيد زيادتها في المشهورة. # وقرأ الحسن أيضا فيما روى عنه أبو بكر بن مجاهد: " ليلا يعلم " بلام ~~مفتوحة وياء ساكنة كاسم المرأة، ورفع الفعل بعدها. # وتخريجها: على أن أصلها " لأن لا " على أنها لام الجر ولكن فتحت على لغة ~~مشهورة معروفة؛ وأنشدوا: # 4728- أريد لأنسى ذكرها.... # ................... # بفتح " اللام " ، وحذف الهمزة اعتباطا، وأدغمت النون في " اللام " ~~فاجتمع ثلاثة أمثال فثقل النطق به، وأبدل الوسط ياء تخفيفا، فصار اللفظ ~~" ليلا " كما ترى، ورفع الفعل؛ لأن " أن " هي المخففة لا الناصبة، ~~واسمها على ما تقرر ضمير الشأن، وفصل بينهما وبين الفعل الذي هو خبرها ~~بحرف النفي. # وقرأ الحسن أيضا فيما روى عنه قطرب: " ليلا " بلام مكسورة، وياء ساكنة، ~~ورفع الفعل بعدها، وهي كالتي قبلها في التخريج، غاية ما في الباب أنه ~~جاء بلام الجر كما هي في اللغة الشهيرة. # وروي عن ابن عباس: " لكي يعلم " و " كي يعلم ". # وعن عبد الله: " لكيلا ". # وهذه كلها مخالفة للسواد الأعظم، ولسواد المصحف. # وقراءة العامة: { أن لا يقدرون } بثبوت النون، على أن " أن " هي ~~المخففة. # وعبد الله: بحذفها على أن " أن " هي الناصبة. # وهذا شاذ جدا؛ لأن العلم لا يقع بعده الناصبة. ms8362 # وقوله: { يؤتيه من يشآء } الظاهر أنه مستأنف. # وقيل: هو خبر ثان عن الفضل. # وقيل: هو الخبر وحده، والجار قبله حال، وهي حال لازمة؛ لأن كونه بيد ~~الله لا ينتقل ألبتة. # فصل في اتصال الآية بما قبلها # نقل ابن الخطيب عن الواحدي أنه قال: هذه الآية مشكلة، وليس للمفسرين ~~فيها قول واضح في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها. # واعلم أن أكثر المفسرين على أن " لا " هاهنا صلة زائدة، والتقدير: ليعلم ~~أهل الكتاب. # وقال أبو مسلم وجماعة: على أن " لا " ليست زائدة، ونحن نفسر الآية على ~~القولين بعون الله وتوفيقه. # أما على القول بزيادتها، فاعلم أنه لا بد هاهنا من تقديم مقدمة، وهي ~~أن أهل الكتاب كانوا يقولون: إن الوحي والرسالة فينا، والكتاب والشرع ~~ليس إلا لنا، وإن الله خصنا بهذه الفضيلة العظيمة من بين العالمين. # إذا عرفت هذا، فنقول: إن الله - تعالى - لما أمر أهل الكتاب بالإيمان ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم ووعدهم الأجر العظيم في ذلك الإيمان أتبعه بهذه ~~الآية، والغرض منها أن يزيل عن قلبهم اعتقادهم بأن النبوة مختصة بهم، ~~فقال: إنما بالغنا في هذا البيان ليعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء ~~من فضل الله لقوم معينين، ولا يمكنهم حصر الرسالة والنبوة في قوم ~~مخصوصين، وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، ولا اعتراض عليه في ذلك ~~أصلا. # وأما القول بأن " لا " غير زائدة، فاعلم أن الضمير في قوله: " لا ~~يقدرون " عائد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى أصحابه - رضي الله ~~عنهم - والتقدير: لئلا يعلم أهل الكتاب أن النبي والمؤمنين لا يقدرون على ~~شيء من فضل الله، فإنهم إذا لم يعلموا أنهم لا يقدرون عليه، فقد علموا ~~أنهم يقدرون عليه ثم قال: { وأن الفضل بيد الله } فيصير ~~التقدير: إنا جعلنا كذا وكذا لئلا يعتقد أهل الكتاب أنهم يقدرون على حصر ~~فضل الله في قوم معينين، وليعتقدوا أن الفضل بيد الله. # واعلم أن هذا القول ليس فيه إلا أنا أضمرنا فيه زيادة، فقلنا في ~~قوله: { وأن الفضل ms8363 بيد الله } تقديره: وليعتقدوا أن ~~الفضل بيد الله وأما القول الأول فقد افتقرنا فيه إلى حذف شيء موجود، ومن ~~المعلوم أن الإضمار أولى من الحذف؛ لأن الكلام إذا افتقر إلى الإضمار ~~لم يوهم ظاهره باطلا أصلا. # وأما إذا افتقرنا إلى الحذف كان ظاهره موهما للباطل، فعلمنا أن هذا ~~القول أولى. # فصل في نزول هذه الآية # قال قتادة: حسد أهل الكتاب المسلمين فنزلت: لئلا يعلم أهل الكتاب أنهم ~~لا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله. # وقال مجاهد: قالت اليهود: يوشك أن يخرج منا نبي يقطع الأيدي والأرجل، ~~فلما خرج من العرب كفروا فنزلت: " لئلا يعلم " ، أي: ليعلم أهل الكتاب ~~ألا يقدرون يعني: أنهم لا يقدرون، كقوله: # ألا يرجع إليهم قولا # [طه: 89] والمراد من فضل الله. # قيل: الإسلام وقيل: الثواب. # وقال الكلبي: من رزق الله. # وقيل: نعم الله التي لا تحصى. # { وأن الفضل بيد الله } ليس بأيديهم، فيصرفوا النبوة ~~عن محمد صلى الله عليه وسلم إلى من يحبون. # وقيل: إن الفضل بيد الله، أي: بقوله: { يؤتيه من يشآء }. # روى البخاري عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~قائم على المنبر يقول: # " إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين ~~صلاة العصر إلى غروب الشمس، أعطي أهل التوراة ~~التوراة فعملوا بها حتى انتصف النهار، ثم عجزوا ~~فأعطوا قيراطا قيراطا، ثم أعطي أهل الإنجيل الإنجيل ~~فعملوا به حتى صلاة العصر، ثم عجزوا فأعطوا قيراطا ~~قيراطا، ثم أعطيتم القرآن فعملتم به حتى غربت ~~الشمس فأعطيتم قيراطين قيراطين، قال أهل التوراة: ~~ربنا هؤلاء أقل عملا وأكثر أجرا، قال: هل ظلمتم ~~من أجركم شيئا؟ قالوا: لا، قال: فذلك فضل الله أوتيه ~~من أشاء ". # وفي رواية: # " فغضبت اليهود والنصارى وقالوا: ربنا " # الحديث. ### | [58 - سورة المجادلة] ### || [58.1-2] # قوله تعالى: { قد سمع الله قول التي تجادلك في ~~زوجها } الآية. # " قد " هنا للتوقع. # قال الزمخشري: " لأنه - عليه الصلاة والسلام - والمجادلة كانا يتوقعان ~~أن يسمع الله مجادلتهما وشكواها، وينزل في ذلك ما ms8364 يفرج عنهما ". # وإظهار الدال عند السين قراءة الجماعة إلا أبا عمرو والأخوين. # ونقل عن الكسائي أنه قال: من بين الدال عند السين فلسانه أعجمي، وليس ~~بعربي. وهذا غير معرج عليه. # و " في زوجها " في شأنه من ظهاره إياها. # فصل فيمن جادلت الرسول صلى الله عليه وسلم # التي اشتكت هي خولة بنت ثعلبة. # وقيل: بنت حكيم. # وقيل: بنت خويلد. # قال الماوردي: وليس هذا بمختلف؛ لأن أحدهما: أبوها، والآخر: جدها، فنسبت ~~إلى كل منهما. # قيل: كانت أمة. # وقيل: هي ابنة صامت. # وقيل: أمة لعبد الله بن أبي. وهي التي أنزل الله فيها: # ولا تكرهوا فتياتكم على البغآء إن أردن ~~تحصنا # [النور: 33] أي لا يكرهها على الزنا. # وقيل: هي ابنة حكيم. # قال النحاس: وهذا ليس بمتناقض، يجوز مرة أن تنسب إلى أبيها، ومرة ~~إلى أمها، ومرة إلى جدها، ويجوز أن تكون أمة كانت لعبد الله بن أبي، ~~فقيل لها: أنصارية بالولاء؛ لأنه كان في عداد الأنصاريين وأنه كان من ~~المنافقين. نقله القرطبي. # وقيل: اسمها جميلة، وخولة أصح، وزوجها أوس بن الصامت أخو عبادة بن ~~الصامت. # وروي أن عمر بن الخطاب مر بها في خلافته، وهو على حمار والناس معه، ~~فاستوقفته طويلا ووعظته، وقالت: يا عمر، قد كنت تدعى عميرا ثم قيل ~~لك: عمر، ثم قيل: أمير المؤمنين، فاتق الله يا عمر، فإنه من أيقن ~~بالموت خاف الفوت، ومن أيقن بالحساب خاف العذاب، وهو واقف يسمع كلامها، ~~فقيل له: يا أمير المؤمنين أتقف لهذه العجوز هذا الوقوف. # فقال: والله لو حبستني من أول النهار إلى آخره لا زلت إلا ~~للصلاة المكتوبة، أتدرون من هذه العجوز؟ هذه خولة بنت ثعلبة، سمع الله ~~قولها من فوق سبع سموات، أيسمع رب العالمين قولها ولا يسمعه عمر؟!. # وقالت عائشة: تبارك الذي وسع سمعه كل شيء إني لأسمع كلام خولة بنت ~~ثعلبة ويخفى علي بعضه، وهي تشتكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي ~~تقول: يا رسول الله أكل شبابي، ونثرت له بطني حتى إذا كبرت ~~سني، وانقطع ms8365 ولدي ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك فما برحت حتى نزل ~~جبريل بهذه الآيات: { قد سمع الله قول التي تجادلك ~~في زوجها } الآية. # " روي أنها كانت حسنة الجسم، فرآها زوجها ساجدة فنظر عجيزتها، ~~فأعجبه أمرها، فلما انصرفت أرادها فأبت فغضب عليها، قال عروة: وكان ~~امرأ به لمم فأصابه بعض لممه، فقال لها: أنت علي كظهر أمي وكان ~~الإيلاء والظهار من الطلاق في الجاهلية، فسألت النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال لها: " حرمت عليه " ، فقالت: والله ما ذكر طلاقا، وإنه ~~أبو ولدي وأحب الناس إلي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~حرمت عليه " ، فقالت: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي، فقد طالت ~~له صحبتي ونفضت له بطني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~ما أراك إلا قد حرمت عليه ولم أومر في شأنك بشيء " ، ~~فجعلت تراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا قال لها رسول الله: " ~~حرمت عليه " هتفت وقالت: أشكو إلى الله فاقتي وشدة حالي، وإن لي ~~صبية صغارا إن ضممتهم إلي جاعوا، وإن ضممتهم إليه ضاعوا، ~~وجعلت ترفع رأسها إلى السماء وتقول: اللهم إني أشكو إليك فأنزل على لسان ~~نبيك، وكان هذا أول ظهار في الإسلام فأنزل الله تعالى: { قد سمع ~~الله قول التي تجادلك في زوجها } الآية. فأرسل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى زوجها، وقال: " ما حملك على ما ~~صنعت "؟ فقال: الشيطان، فهل من رخصة؟ فقال: " نعم " ، وقرأ ~~عليه الأربع آيات، فقال: " هل تستطيع الصوم "؟ فقال: لا ~~والله، فقال: " هل تستطيع العتق "؟ فقال: لا والله، إني أن أخطأ ~~في أن آكل في اليوم مرة أو مرتين لكل بصري وظننت أني أموت، قال: " ~~فأطعم ستين مسكينا " ، فقال: ما أجد إلا أن تعينني منك بعون ~~وصلة، فأعانه رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمسة عشر صاعا، وأخرج أوس ~~من عنده مثله، فتصدق به على ستين مسكينا ". # فصل في اللمم الذي كان بأوس بن الصامت # قال أبو سليمان الخطابي: ليس المراد من قوله في هذا الخبر: وكان ms8366 بن ~~لمم الخبل والجنون، إذ لو كان به ثم ظاهر في تلك الحال لم يكن يلزمه ~~شيء، بل معنى اللمم هاهنا: الإلمام بالنساء وشدة الحرص ~~والتوقان إليهن. # فصل في الظهار # اعلم أن الظهار كان من أشد طلاق الجاهلية؛ لأنه في التحريم أوكد ما ~~يمكن، فإن كان الحكم صار مقررا في الشرع كانت الآية ناسخة له، وإلا لم ~~يفد نسخا؛ لأن النسخ إنما يدخل في الشرائع لا في عادة الجاهلية، لكن ~~الذي روي أنه - عليه الصلاة والسلام - قال لها: " حرمت " أو " ما ~~أراك إلا قد حرمت " كالدلالة على أنه كان شرعا. # فأما ما روي أنه توقف في الحكم فلا يدل على ذلك. # وفي الآية دليل على أن من انقطع رجاؤه عن الخلق ولم يبق له في مهمه ~~أحد سوى الخالق كفاه الله ذلك المهم. # فصل فيما حكاه الله عن هذه المرأة # اعلم أن الله - تعالى - حكى عن هذه المرأة أمرين: # أحدهما: المجادلة وهو قوله تعالى: { تجادلك في زوجها } أي: في ~~شأن زوجها، وتلك المجادلة هي أنه - عليه الصلاة والسلام - كلما قال لها: ~~" حرمت عليه " ، قالت: والله ما ذكر طلاقا. # والثاني: شكواها إلى الله فاقتها ووحدتها، وقولها: إن لي صبية ~~صغارا. # فصل في سمع الله تعالى # قال القرطبي: الأصل في السماع إدراك المسموعات وهو اختيار أبي الحسن، ~~وقال ابن فورك: الصحيح أنه إدراك المسموع. # وقال الحاكم أبو عبد الله: " السميع " هو المدرك للأصوات التي يدركها ~~المخلوقون بآذانهم من غير أن يكون له أذن، وذلك راجع إلى أن الأصوات لا ~~تخفى عليه، وإن كان غير موصوف بالحس المركب في الأذن كالأصم من الناس ~~لما لم يكن له هذه الحاسة لم يكن أهلا لإدراك الصوت، والسمع والبصر ~~صفتان كالعلم والقدرة، والحياة والإرادة، فهما من صفات الذات لم يزل ~~الخالق سبحانه متصفا بهما. # وقرىء: " تحاورك " أي: تراجعك الكلام. # قوله: { وتشتكي إلى الله } يجوز فيه وجهان: # أظهرهما: أنه عطف على " تجادلك " فهي صلة أيضا. # والثاني: أنها في موضع نصب على الحال، أي: تجادلك شاكية حالها إلى ms8367 ~~الله. # وكذا الجملة من قوله: { والله يسمع تحاوركمآ } والحالية ~~فيها أبعد. # و " شكا " و " اشتكى " بمعنى واحد. # و " المحاورة ": المراجعة في الكلام، حار الشيء يحور حورا، أي: ~~رجع يرجع رجوعا. # ومنه: " نعوذ بالله من الحور بعد الكور " ، وكلمته فما أحار بكلمة، أي: ~~فما أجاب. # { إن الله سميع بصير }. أي: يسمع كلام من يناديه، ويبصر من ~~يتضرع إليه. # قوله: { الذين يظاهرون } تقدم الخلاف في " تظاهرون " في سورة ~~" الأحزاب " ، وكذا في { اللائي } [الأحزاب: 4]. # وقرأ أبي هنا: " يتظاهرون ". # وعنه أيضا: " يتظهرون ". # وفي " الذين " وجهان: # أحدهما: أنه مبتدأ، وخبره: قوله { ما هن أمهاتهم }. # الثاني: أنه منصوب ب " بصير " على مذهب سيبويه في جواز إعمال " فعيل " ~~قاله مكي. # يعني: أن سيبويه يعمل " فعيلا " من أمثلة المبالغة، وهو مذهب مطعون ~~فيه على سيبويه؛ لأنه استدل على إعماله بقول الشاعر: [البسيط] # 4729- حتى شآها كليل موهنا عمل # باتت طرابا وبات الليل لم ينم # ورد عليه بأن " موهنا " ظرف زمان، والظروف يعمل فيها روائح الأفعال، ~~والمعنى: يأتي " ما " قاله مكي. # وقرأ العامة: " أمهاتهم " بالنصب على اللغة الحجازية الفصحى، كقوله # ما هذا بشرا # [يوسف: 31]. # وعاصم في رواية بالرفع على اللغة التميمية، وإن كانت هي القياس لعدم ~~اختصاص الحرف، وقرأ عبد الله: " بأمهاتهم " بزيادة الباء وهي تحتمل ~~اللغتين. # وقال الزمخشري: " وزيادة الباء في لغة من ينصب ". # قال شهاب الدين: هذا هو مذهب أبي علي، يرى أن " الباء " لا تزاد إلا ~~إذا كانت عاملة، فلا تزاد في التميمية، ولا في الحجازية إذا منع من عملها ~~مانع، نحو: " ما إن زيد بقائم " ، وهذا مردود بقول الفرزدق وهو تميمي: ~~[الطويل] # 4730- لعمرك ما معن بتارك حقه # ولا منسىء معن ولا متيسر # وبقول الآخر: [المتقارب] # 4731- لعمرك ما إن أبو مالك # بواه ولا بضعيف قواه # فزادها مع " ما " الواقع بعدها " إن ". # فصل في التعبير بلفظ الظهار # ذكر الظهر كناية عن معنى الركوب، والآدمية إنما يركب بطنها، ولكن ~~كنى عنه بالظهر؛ لأن ما يركب من غير الآدميات فإنما يركب ظهره فكنى ~~بالظهر على الركوب، ويقال: نزل عن امرأته ms8368 أي: طلقها كأنه نزل عن مركوبه، ~~ومعنى: أنت علي كظهر أمي، أي: أنت علي محرمة لا يحل لي ركوبك نقله ~~القرطبي. # ونقل ابن الخطيب عن صاحب " النظم ": أنه ليس مأخوذا من الظهر الذي هو ~~عضو من الجسد؛ لأنه ليس الظهر بأولى بالذكر في هذا الوضع من سائر ~~الأعضاء التي هي مواضع المباضعة والتلذذ، بل الظهر هاهنا مأخوذ من ~~العلو، ومنه قوله تعالى: # فما اسطاعوا أن يظهروه # [الكهف: 97] أي: يعلوه وكذلك امرأة الرجل ظهره؛ لأنه يعلوها بملك البضع ~~وإن لم يكن ناحية الظهر، فكأن امرأة الرجل مركب للرجل وظهر له. # ويدل على صحة هذا المعنى ما نقل عن العرب أنهم يقولون في الطلاق: نزلت ~~عن امرأتي، أي: طلقتها، وفي قولهم: أنت علي كظهر أمي حذف وإضمار؛ لأن ~~تقديره: ظهرك علي، أي ملكي إياك، وعلوي عليك حرام كما علوي على أمي ~~وملكها علي. # فصل في حقيقة الظهار # حقيقة الظهار: تشبيه ظهر بظهر، والموجب للحكم منه تشبيه ظهر محلل ~~بظهر محرم، ولهذا أجمع الفقهاء على أن من قال لزوجته: أنت علي كظهر ~~أمي، أنه مظاهر. # وقال أكثرهم، إذا قال لها: أنت علي كظهر ابنتي، أو أختي، أو من تحرم ~~عليه على التأبيد من ذوات المحارم أنه مظاهر. # فصل في ألفاظ الظهار # وألفاظ الظهار: صريح وكناية: # فالصريح: أنت علي كظهر أمي، وأنت عندي، وأنت مني، وأنت معي كظهر أمي، ~~وكذلك أنت علي كبطن أمي، أو كرأسها أو فرجها ونحوه، وكذلك فرجك، أو ~~رأسك، أو ظهرك، أو بطنك، أو رجلك علي كظهر أمي، فهو مظاهر مثل قوله: ~~يدك، أو رجلك، أو رأسك، أو فرجك طالق تطلق عليه، ومتى شبهها بأمه، أو ~~بإحدى جداته من قبل أبيه، أو أمه فهو ظهار بلا خلاف، وإن شبهها بغيرهن من ~~ذوات المحارم التي لا تحل له بحال كالبنت، والأخت، والعمة، والخالة كان ~~مظاهرا عند أكثر الفقهاء. # والكناية: أن يقول: أنت علي كأمي، أو مثل أمي، فإنه يعتبر فيه النية، ~~فإن أراد الظهار كان ظهارا، وإن لم ينو الظهار لم ms8369 يكن مظاهرا على خلاف ~~في ذلك، فإن شبه امرأته بأجنبية، فإن ذكر الظهر كان ظهارا، وإن لم يذكر ~~الظهر، فقيل: يكون ظهارا. # وقيل: طلاقا. # وقال: أبو حنيفة والشافعي: لا يكون شيئا. # وقيل: وهذا فاسد؛ لأنه شبه محللا من المرأة بمحرم، فأشبه الظهر. نقله ~~القرطبي. # فإن قال: أنت علي حرام كظهر أمي، كان ظهارا ولم يكن طلاقا؛ لأن ~~قوله: أنت علي حرام يحتمل التحريم بالطلاق، فيكون طلقة، ويحتمل التحريم ~~بالظهار، فلما صرح به كان تفسيرا لأحد الاحتمالين، فقضي به فيه. # فصل # والظهار لازم في كل زوجة مدخول بها، أو غير مدخول بها من كل زوج ~~يجوز طلاقه. # وقال مالك: يجوز الظهار من كل من يجوز له وطؤها من إمائه إذا ظاهر ~~منهن لزمه الظهار فيهن، وقال غيره: لا يلزم. # قال ابن العربي: وهي مسألة عسيرة جدا؛ لأن مالكا يقول: إذا قال ~~لأمته: أنت علي حرام لا يلزم، فكيف يبطل فيها صريح التحريم، وتصح ~~كنايته. # قوله: { منكرا من القول وزورا } نعتان لمصدر محذوف أي ~~قولا منكرا وزورا أي: كذبا وبهتانا. # قاله مكي. وفيه نظر؛ إذ يصير التقدير: ليقولون قولا منكرا من القول، ~~فيصير قوله: " من القول " لا فائدة فيه، والأولى أن يقال: نعتان ~~لمفعول محذوف، لفهم المعنى، أي: ليقولن شيئا منكرا من القول لتفيد ~~الصفة غير ما أفاده الموصوف. # والمنكر من القول: ما لا يعرف في الشرع، والزور: الكذب. # { وإن الله لعفو غفور } إذ جعل الكفارة عليهم مخلصة ~~لهم من هذا القول المنكر. # وقيل: " لعفو غفور " إما من قبل التوبة لمن يشاء، كما قال تعالى: # ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء # [النساء: 116]. # أو بعد التوبة. # فإن قيل: المظاهر إنما قال: أنت علي كظهر أمي، فشبه بأمه، ولم ~~يقل: إنها أمه، فما معنى أنه جعله منكرا من القول وزورا. والزور: ~~الكذب، وهذا ليس بكذب؟. # فالجواب: أن قوله إن كان خبرا فهو كذب، وإن كان إنشاء فكذلك؛ ~~لأنه جعله سببا للتحريم، والشرع لم يجعله سببا لذلك. # وأيضا فإنما وصف بذلك، لأن الأم مؤبدة التحريم، ms8370 والزوجة لا يتأبد ~~تحريمها بالظهار، وهذا ضعيف؛ لأن المشبه لا يلزم أن يساوي المشبه به ~~من كل وجه. # فإن قيل: قوله: { إلا اللائي ولدنهم } يقتضي أن لا أم إلا ~~الوالدة، وهذا مشكل لقوله تعالى: # وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم # [النساء: 23]. # وقوله تعالى: # وأزواجه أمهاتهم # [الأحزاب: 6]. # والحمل على حرمة النكاح لا يفيد؛ إذ لا يلزم من عدم كون الزوجة ~~أما عدم الحرمة، فظاهر الآية الاستدلال بعدم الأمومة على عدم ~~الحرمة؟. # فالجواب: أنا نقول: هذه الزوجة ليست بأم حتى تحصل الحرمة بسبب ~~الأمومة، ولم يرد الشرع بجعل هذه اللفظة سببا للحرمة، فإذن لا تحصل ~~الحرمة هناك ألبتة فكان وصفهم لها بالحرمة كذبا وزورا. ### || [58.3-6] # قوله: { والذين يظاهرون } مبتدأ. # وقوله: { فتحرير رقبة } مبتدأ ثان وخبره مقدم، أي: فعليهم، أو ~~فاعل بفعل مقدر، أي: فيلزمهم تحرير، أو خبر مبتدأ مضمر، أي: فالواجب ~~عليهم تحرير. # فصل # ويلزم الظهار قبل النكاح إذا نكح التي ظاهر منها عند مالك، ولا يلزم عند ~~غيره لقوله تعالى: { من نسآئهم }. # وإذا ظاهر صح ظهاره كما يصح طلاقه. وقال مالك: لا يلزم ظهاره؛ لأنه لا ~~يصح تكفيره بالصيام، وهذا منقوض بظهار العبد، وهو لا يكفر بالعتق ~~والإطعام. # فصل في عدم صحة ظهار المرأة من زوجها # لا يصح ظهار المرأة من زوجها، وعليها كفارة يمين، إنما الظهار على ~~الرجال؛ لأن الحل والعقد في النكاح بيد الرجال ليس بيد المرأة منه شيء. # وقال الحسن بن زياد: هي مظاهرة. # وقال الزهري: أرى أن تكفر كفارة الظهار. # وقال محمد بن الحسن: لا شيء عليها. # فصل في المظاهرة حال الغضب والسكر # وإذا ظاهر حال غضبه لزمه حكم الظهار، للحديث، ويصح ظهار السكران ~~وطلاقه، وإذا ظاهر من نسائه بكلمة واحدة فكفارة واحدة، وإن ظاهر منهن ~~بكلمات فعليه لكل واحدة كفارة ظهار، وإذا قال لأربع نسوة: إن تزوجتكن ~~فأنتن علي كظهر أمي، فتزوج إحداهن لم يقربها حتى يكفر، ثم قد سقط ~~اليمين فيه في سائرهن. # وقيل: لا يطأ البواقي منهن حتى يكفر فإن قال لامرأته: أنت علي ~~كظهر أمي، وأنت ms8371 طالق ألبتة، لزمه الطلاق والظهار معا، ولم يكفر حتى ~~ينكحها بعد زوج ولا يطؤها إذا نكحها حتى يكفر، فإن قال لها: أنت طالق ~~ألبتة، وأنت علي كظهر أمي لزمه الطلاق، ولم يلزمه الظهار؛ لأن ~~المبتوتة لا يلحقها طلاق ولا ظهار، ويصح الظهار المؤقت كما لو قال: ~~أنت اليوم علي كظهر أمي فإنه يصح ويبطل بمضي اليوم. # وقال مالك: يتأبد. # قوله: " منكم " توبيخ للعرب، وتهجين لعادتهم في الظهار؛ لأنه كان من ~~أيمان الجاهلية خاصة، دون سائر الأمم. # وقوله: # ما هن أمهاتهم # [المجادلة: 2] أي: ما نساؤهم بأمهاتهم، # إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم # [المجادلة: 2] أي إلا الوالدات. # وعلى التقادير الثلاثة، فالجملة خبر المبتدأ، ودخلت " الفاء " لما تضمنه ~~المبتدأ من معنى الشرط. # قوله: { ثم يعودون لما قالوا }. في هذه " اللام " أوجه: # أحدها: أنها متعلقة ب " يعودون ". # وفيه معان: # أحدها: والذين من عادتهم أنهم كانوا يقولون هذا القول في الجاهلية، ثم ~~يعودون لمثله في الإسلام. # الثاني: ثم يتداركون ما قالوا؛ لأن المتدارك للأمر عائد إليه، ومنه: " ~~عاد غيث على ما أفسد " أي تداركه بالإصلاح، والمعنى: أن تدارك ~~هذا القول وتلافيه بأن يكفر حتى ترجع حالهما كما كانت قبل الظهار. # الثالث: أن يراد بما قالوا ما حرموه على أنفسهم بلفظ الظهار تنزيلا ~~للقول منزلة المقول فيه نحو ما ذكر في قوله تعالى: # ونرثه ما يقول # [مريم: 80]، والمعنى: ثم يريد العود للتماس. قاله الزمخشري. # وهذا الثالث هو معنى ما روي عن مالك، والحسن، والزهري: ثم يعودون ~~للوطء، أي: يعودون لما قالوا: إنهم لا يعودون إليه، فإذا ظاهر ثم ~~وطىء لزمت الكفارة عند هؤلاء. # الرابع: " لما قالوا " ، أي: يقولونه ثانيا، فلو قال: أنت علي كظهر ~~أمي مرة واحدة لم يلزمه كفارة؛ لأنه لم يعد لما قال، وهذا منقول عن ~~بكير بن عبد الله الأشج، وأبي حنيفة، وأبي العالية، والفراء في آخرين، ~~وهو مذهب أهل الظاهر. # قال ابن العربي: وهذا القول باطل قطعا؛ لأن قصص المتظاهرين قد رويت، ~~وليس في ذكر الكفارة عليهم ذكر لعود القول منهم، والمعنى أيضا ms8372 بنقضه؛ ~~لأن الله - تعالى - وصفه بأنه منكر من القول وزور، فكيف يقال: إذا ~~أعدت القول المحرم، والسبب المحظور وجبت عليك الكفارة، وهذا لا يعقل ~~ألا ترى أن كل سبب يوجب الكفارة لا يشترط فيه الإعادة من قتل ووطء ~~في صوم؟. # الخامس: أن المعنى أن يعزم على إمساكها فلا يطلقها بعد الظهار حتى ~~يمضي زمن يمكن أن يطلقها فيه، فهذا هو العود لما قال، وهو مذهب الشافعي، ~~ومالك، وأبي حنيفة أيضا. # وقال: العود هنا ليس بتكرير القول، بل بمعنى العزم على الوطء. # قال القرطبي: وهذا ينتقض بثلاثة أمور: # أحدها: أنه قال: " ثم " وهي للتراخي. # الثاني: قوله: " ثم يعودون " يقتضي وجود فعل من جهته، ومرور الزمان ~~ليس بفعل منه. # الثالث: أن الطلاق الرجعي لا ينافي البقاء على الملك، فلم يسقط حكم ~~الظهار كالإيلاء. # وقال مكي: " واللام متعلقة ب " يعودون " أي: يعودون لوطء المقول ~~فيه الظهار، وهن الأزواج ف " ما " والفعل مصدر، أي: لقولهم، والمصدر في ~~موضع المفعول به، نحو: " هذا درهم ضرب الأمير " أي: مضروبه، فيصير ~~المعنى، كقولهم للمقول فيه الظهار، أي: لوطئه ". # وهذا معنى قول الزمخشري في الوجه الثالث الذي تقدم تقريره عن الحسن، ~~والزهري، ومالك إلا أن مكيا قيد ذلك بكون " ما " مصدرية حتى يقع ~~المصدر المؤول موضع اسم المفعول، وفيه نظر؛ إذ يجوز ذلك وإن كانت " ما " ~~غير مصدرية لكونها بمعنى " الذي " ونكرة موصوفة، بل جعلها غير مصدرية ~~أولى؛ لأن المصدر المؤول فرع المصدر الصريح، إذ الصريح أصل للمؤول به، ~~ووضع المصدر موضع اسم المفعول خلاف الأصل، فيلزم الخروج عن الأصل بشيئين: ~~بالمصدر المؤول، ثم وقوعه موقع اسم المفعول، والمحفوظ من لسانهم إنما هو ~~وضع المصدر الصريح موضع المفعول لا المصدر المؤول فاعرفه. # لا يقال: إن جعلها غير مصدرية يحوج إلى تقدير حذف مضاف ليصح المعنى، ~~أي: يعودون لوطء الذي ظاهر منها، أو امرأة ظاهر منها، أو يعودون ~~لإمساكها. # والأصل: عدم الحذف؛ لأن هذا مشترك الإلزام لنا ولكم، فإنكم تقولون ~~أيضا: لا بد من تقدير مضاف، أي: يعودون لوطء ms8373 أو لإمساك المقول فيه ~~الظهار، ويدل على جواز كون " ما " في هذا الوجه غير مصدرية ما أشار إليه ~~أبو البقاء، فإنه قال: يتعلق ب " يعودون " بمعنى يعودون للقول فيه، هذا ~~إن جعلت " ما " مصدرية، ويجوز أن تجعلها بمعنى " الذي " ونكرة موصوفة. # الثاني: أن " اللام " تتعلق ب " تحرير " ، وفي الكلام تقديم وتأخير، ~~والتقدير: والذين يظاهرون من نسائهم فعليهم تحرير رقبة لما نطقوا به من ~~الظهار، ثم يعودون للوطء بعد ذلك. وهذ ما نقله مكي وغيره عن الأخفش. # قال أبو حيان: " وليس بشيء؛ لأنه يفسد نظم الآية ". # وفيه نظر؛ لأنا لا نسلم فساد النظم مع دلالة المعنى على التقديم ~~والتأخير، ولكن نسلم أن ادعاء التقديم والتأخير لا حاجة إليه؛ لأنه ~~خلاف الأصل. # الثالث: أن " اللام " بمعنى " إلى " ، و " اللام " و " إلى " يتعاقبان، ~~قال تعالى: # هدانا لهذا # [الأعراف: 43]، وقال: # فاهدوهم إلى صراط الجحيم # [الصافات: 23] وقال: # بأن ربك أوحى لها # [الزلزلة: 5] وقال: # وأوحي إلى نوح # [هود: 36] قاله الأخفش. # الرابع: أنها بمعنى " في " ، نقلها أبو البقاء، ومع ذلك فهي متعلقة ب " ~~يعودون ". # الخامس: أنها متعلقة ب " يقولون ". # [قال مكي: وقال قتادة: ثم يعودون لما قالوا من التحريم فيحلونه، فاللام ~~على هذا تتعلق ب " يقولون " ]. # قال شهاب الدين: " ولا أدري ما هذا الذي قاله مكي، وكيف فهم تعلقها ب " ~~يقولون " على تفسير قتادة، بل تفسير قتادة نص في تعلقها ب " يعودون " ، ~~وليس لتعلقها ب " يقولون " وجه ". # ونقل القرطبي عن الفراء قال: اللام بمعنى " عن " والمعنى: ثم يرجعون ~~عما قالوا، ويريدون الوطء. # وقال أبو مسلم: العود هو أن يحلف أولا على ما قال من لفظ الظهار، فلو ~~لم يحلف لم تلزمه كفارة كما لو قال في المأكول: هو علي حرام كلحم ~~الآدمي فلا كفارة عليه، فإذا حلف عليه لزمته كفارة يمين. # وهذا ضعيف؛ لأن الكفارة قد تجب بالجماع في الحج، وفي رمضان، وفي قتل ~~الخطأ، ولا يمين هناك. # قوله: { فتحرير رقبة } أي: فعلية إعتاق رقبة، يقال: حررته، ~~أي: جعلته حرا، ثم هذه الرقبة يجب أن تكون كاملة ms8374 سالمة من كل عيب، ومن ~~كمالها إسلامها كالرقبة في كفارة القتل، فإذا أعتق نصفي عبدين لم ~~يجزه. # وقال الشافعي: يجزيه لأن النصفين في معنى العبد الواحد؛ ولأن ~~الكفارة في العتق طريقها المال، فجاز أن يدخلها التبعيض كالإطعام، ~~ودليل الأول قوله: { فتحرير رقبة } وهذا الاسم عبارة عن شخص ~~واحد، وبعض الرقبة ليس رقبة؛ ولأنه لو أوصى رجلين أن يحجا عنه حجة لم يجز ~~أن يحج واحد منهما نصفها، ولو أوصى أن يشتري رقبة فيعتق عنه لم يجز أن ~~يعتق نصف عبدين، كذا ها هنا. # وروي عن أحمد - رضي الله عنه - إن كان باقيهما حرا صح وأجزأ، وإلا ~~فلا؛ لأن المقصود تكميل الحرية وقد كملت، ولقوله عليه الصلاة والسلام: # " ليس لله شريك فإن أعتق مكاتب عن الكفارة لم ~~يجزه ". # وقال أبو حنيفة: إن أعتقه قبل أن يؤدي شيئا أجزأه، وإن أعتق بعد أن أدى ~~شيئا لم يجزه، فإن أعتق ذا رحمه المحرم عن كفارته عتق، ولم يجزه عن ~~الكفارة. # قوله: { من قبل أن يتمآسا } ، أي: من قبل أن يجامعها، فلا ~~يجوز للمظاهر الوطء قبل التكفير فإن جامعها قبل التكفير عصى، ولا يسقط ~~عنه التكفير. # وحكي عن مجاهد: أنه إذا وطىء قبل أن يشرع في التكفير لزمه كفارة أخرى، ~~وعن غيره أن الكفارة الواجبة بالظهار تسقط عنه، ولا يلزمه شيء أصلا؛ ~~لأن الله - تعالى - أوجب الكفارة، وأمر بها قبل المسيس، فإذا أخرها ~~حتى مس فقد فات وقتها، والصحيح ثبوت الكفارة؛ لأنه بوطئه ارتكب ~~إثما، وذلك ليس بمسقط للكفارة، ويأتي بها قضاء كما لو أخر الصلاة عن ~~وقتها، وسواء كانت الكفارة بالعتق، أو الصوم، أو الإطعام. # وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: إن كانت بالإطعام جاز أن يطأ ثم يطعم، ~~فأما غير الوطء من القبلة والمباشرة والتلذذ فلا يحرم في قول أكثر ~~العلماء. # فصل فيمن ظاهر من امرأته مرارا # إذا ظاهر مرارا من امرأته ولم يكفر، فكفارة واحدة إلا أن يكون قد ~~كفر عن الأول، فعليه للثاني كفارة. # قال: وينبغي للمرأة ألا تدعه يقربها ms8375 حتى يكفر، فإن تهاون بالتكفير حال ~~الإمام بينها وبينه، ويجبره على التكفير وإن كان بالضرب حتى يوفيها حقها ~~من الجماع. # قال الفقهاء: ولا شيء من الكفارة يجبر عليه ويحبس إلا كفارة الظهار ~~وحدها؛ لأن ترك التكفير إضرار بالمرأة، وامتناع من إيفاء حقها. # قوله تعالى: { ذلكم توعظون به } أي: تؤمرون به. # { والله بما تعملون خبير } من التكفير وغيره. # قوله تعالى: { فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ~~}. # وقوله تعالى: { فإطعام } كقوله في الأوجه الثلاثة المتقدمة من ~~قبل، متعلق بالفعل أو الاستقرار المتقدم، أي: فيلزم تحرير، أو صيام، أو ~~فعليه كذا من قبل تماسهما. والضمير في " يتماسا " للمظاهر والمظاهر ~~منها لدلالة ما تقدم عليها. # فصل إذا لم يجد الرقبة # من لم يجد الرقبة ولا ثمنها، وكان مالكا لها إلا أنه شديد الحاجة ~~إليها لخدمته، أو كان مالكا لثمنها إلا أنه يحتاج إليه لنفقته، أو كان ~~له مسكين ليس له غيره، ولا يجد شيئا سواه فله أن يصوم. # وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: لا يصوم وعليه العتق، ولو كان محتاجا إلى ~~ذلك. # والصيام الواجب في هذه الكفارة أن يصوم شهرين متتابعين، فإن أفطر في ~~أثنائها بغير عذر استأنفهما وإن أفطر بعذر من سفر أو مرض، فقال ابن ~~المسيب والحسن وعطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار والشعبي: يبني على ما ~~مضى، وهو الصحيح من مذهب الشافعي. # فإن ابتدأ الصيام، ثم وجد الرقبة لم يلزمه الانتقال عنه؛ لأنه أمر به ~~حين دخل فيه. # وقال أبو حنيفة رضي الله عنه يعتق قياسا على الصغيرة المعتدة بالشهور ~~إذا رأت الدم قبل انقضاء عدتها، فإنها تستأنف الحيض إجماعا، فإن ~~وطىء المظاهر في خلال الشهرين نهارا بطل التتابع، وإن وطىء ليلا لم ~~يبطل؛ لأنه ليس محلا للصوم. # وقال أبو حنيفة - رضي الله عنه - ومالك: يبطل بكل حال، ويجب عليه ابتداء ~~الكفارة لقوله تعالى: { من قبل أن يتمآسا } وهذا شرط عائد ~~إلى جملة الشهرين. # ومن طال مرضه طولا لا يرجى برؤه، وكان بمنزلة العاجز من كبر، فيجوز ~~له العدول ms8376 عن الصيام إلى الإطعام. # فإن كان يرجى برؤه، واشتدت حاجته إلى وطء امرأته فالاختيار له أن ~~ينتظر البرء حتى يقدر على الصيام، فإذا كفر بالإطعام، ولم ينتظر ~~القدرة على الصيام أجزأه. # فإن ظاهر وهو موسر، ثم أعسر قبل أن يكفر صام، وإنما ينظر إلى حاله يوم ~~يكفر، ولو جامعها في عدمه وعسره، فلم يكفر حتى أيسر لزمه العتق. # ولو ابتدأ بالصوم ثم أيسر، قال القرطبي رحمه الله: فإن كان مضى من صومه ~~صدر صالح كالجمعة وشبهها تمادى، وإن كان يوما أو يومين ترك الصوم، وعاد ~~إلى العتق، وليس ذلك بواجب عليه. # ولو ظاهر عن امرأتين له فأعتق رقبة عن إحداهما لا بعينها لم يجز له وطء ~~واحدة منهما حتى يكفر الكفارة الأخرى، ولو عين الكفارة عن إحداهما ~~جاز له أن يطأها قبل أن يكفر الكفارة عن الأخرى. # قال القرطبي: " ولو ظاهر من أربع نسوة، فأعتق عنهن ثلاث رقاب، وصام ~~شهرين لم يجزه العتق ولا الصيام؛ لأنه إنما صام عن كل واحدة خمسة عشر ~~يوما، فإن كفر عنهن بالإطعام جاز أن يطعم عنهن مائتين مسكين، فإن لم ~~يقدر فرق بخلاف العتق والصيام؛ لأن صيام الشهرين لا يفرق والإطعام يفرق ~~". # [قوله تعالى: { فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ~~} الآية كقوله تعالى: { فتحرير رقبة } في الأوجه الثلاثة ~~المتقدمة، و " من قبل " متعلق بالفعل، أو الاستقرار المتقدم، أي: ~~فيلزمه تحرير، أو صيام أو فعليه كذا من قبل تماسهما، والضمير في " ~~يتماسا " للمظاهر والمظاهر منها لدلالة ما تقدم]. # فصل في الترتيب في كفارة الظهار # اعلم أن الله - تعالى - أمر بكفارة الظهار مرتبة، فلا سبيل إلى الصيام ~~إلا عند العجز عن الإعتاق، وكذلك لا سبيل إلى الإطعام إلا عند عدم ~~الاستطاعة على الصيام، فمن لم يطق الصيام وجب عليه إطعام ستين مسكينا ~~لكل مسكين مد من طعام بمد النبي صلى الله عليه وسلم. # قال ابن عبد البر: والأفضل مدان بمد النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولا يجزىء عند مالك، والشافعي - رضي الله عنهما - أن يطعم أقل ms8377 من ستين ~~مسكينا. # وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: لو أطعم مسكينا واحدا كل يوم نصف صاع ~~حتى يكمل العدد أجزأه. # وعن أحمد - رضي الله عنه - إذا لم يجد إلا مسكينا واحدا ردد عليه ~~بعدد الأيام. # فصل في نسخ الظهار لما كانوا عليه # حكم الظهار ناسخ لما كانوا عليه من كون الظهار طلاقا في الجاهلية، ~~روي ذلك عن ابن عباس وأبي قلابة وغيرهما. # قوله: { ذلك لتؤمنوا }. # قال الزجاج: " ذلك " فيه وجهان: # الأول: أنه في محل رفع، أي: الغرض ذلك الذي وصفنا من التغليظ في ~~الكفارة، " لتؤمنوا " أي: لتصدقوا أن الله أمر به. # الثاني: فعلنا ذلك للبيان والتعظيم للأحكام لتصدقوا بالله ورسوله صلى ~~الله عليه وسلم والعمل بشرائعه، ولا تستمروا على أحكام الجاهلية من جعل ~~الظهار أقوى أنواع الطلاق. # فصل في أن الكفارة إيمان بالله تعالى # استدل بعض العلماء على أن هذه الكفارة إيمان بالله تعالى؛ لأنه لما ~~ذكرها وأوجبها، قال جل ذكره: { لتؤمنوا بالله ورسوله } ، ~~أي: ذلك لتكونوا مطيعين لله تعالى واقفين عند حدوده لا تتعدوها، فسمى ~~التكفير إيمانا؛ لأنه طاعة، ومراعاة للحد، فثبت أن كل ما أشبهه فهو ~~إيمان. # فصل في معنى الآية # معنى قوله تعالى: { ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله } أي: ~~لئلا تعودوا للظهار الذي هو منكر من القول وزور. # قيل له: قد يجوز أن يكون كلاهما مقصودا، فيكون المعنى: ذلك لئلا ~~تعودوا، فتقولوا المنكر والزور، بل تدعونهما طاعة لله - سبحانه وتعالى - ~~إذ كان قد حرمهما، ولتجتنبوا المظاهر منها إلى أن تكفروا إذا كان الله ~~منع من مسيسها وتكفروا إذا كان الله - عز وجل - أمر بالكفارة، ~~وألزم إخراجها منكم، فتكونوا بهذا كله مؤمنين بالله ورسوله صلى الله عليه ~~وسلم لأنها حدود تحفظونها وطاعات تؤدونها، والطاعة لله ورسوله صلى ~~الله عليه وسلم إيمان بالله ورسوله. # فصل في إدخال العمل تحت مسمى الإيمان # قال ابن الخطيب: استدل من أدخل العمل في مسمى الإيمان بهذه الآية، فقال: ~~إن الله - تعالى - أمرهم بها ليصيروا بعملها مؤمنين، فدل على أن العمل من ~~الإيمان، ومن ms8378 أنكر ذلك قال: إنه - تعالى - لم يقل: ذلك لتؤمنوا بالله ~~بعمل هذه الأشياء، ونحن نقول: المعنى " ذلك لتؤمنوا بالله " والإقرار ~~بهذه الأحكام. # فصل فيمن استدل بهذه الآية على أن أفعال الله معللة بالأغراض # استدلت المعتزلة في قوله تعالى " لتؤمنوا " على أن فعل الله معلل ~~بالغرض، وعلى أن غرضه أن تؤمنوا، ولا تستمروا على ما كانوا عليه من ~~الكفر، وهذا يدل على أنه - تعالى - أراد منهم الإيمان وعدم الكفر. # قوله: { وتلك حدود الله } أي بين معصيته وطاعته، فمعصيته ~~الظهار، وطاعته الكفارة. # { وللكافرين عذاب أليم } أي: لمن جحد هذا وكذاب به، ولم ~~يصدق بأحكام الله تعالى له عذاب جهنم. # قوله تعالى: { إن الذين يحآدون الله ورسوله } ~~الآية. # قال المبرد: أصل " المحادة " الممانعة، ومنه يقال للبواب: حداد، ~~وللممنوع الرزق: محدود. # وقال أبو مسلم الأصفهاني: " المحادة ": مفاعلة من لفظ الحديد، والمراد ~~المقاتلة بالحديد، سواء كان ذلك في الحقيقة، أو كان منازعة شديدة شبيهة ~~للخصومة بالحديد. # فصل في مناسبة الآية لما قبلها # لما ذكر المؤمنين الواقفين عند حدوده ذكر المحادين المخالفين لها، قال ~~المفسرون: المحادة: المعاداة والمخالفة في الحدود، وهو كقوله تعالى: # ذلك بأنهم شآقوا الله ورسوله # [الأنفال: 13]. # وقيل: يحادون الله، أي: أولياء الله كما جاء في الخبر، # " من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة ". # قال الزجاج: المحادة: أن تكون في حد يخالف حد صاحبك. # والضمير في قوله " يحادون " يمكن أن يرجع إلى المنافقين، فإنهم كانوا ~~يوادون الكافرين، ويظاهرونهم على النبي صلى الله عليه وسلم فأذلهم الله ~~سبحانه وتعالى، ويحتمل أن يرجع لجميع الكفار، فأعلم الله تعالى رسوله ~~صلى الله عليه وسلم أنهم كبتوا، أي خذلوا. # قال المبرد رحمه الله تعالى: كبت الله فلانا، أي: أذله، والمردود ~~بالذل يقال له مكبوت. # وقال أبو عبيدة والأخفش: أهلكوا. # وقال قتادة: خزوا كما خزي الذين من قبلهم. # وقال ابن زيد: عذبوا. # وقال السدي: لعنوا، وقال الفراء: غيظوا يوم الخندق. # وقيل: يوم " بدر ". # وقيل معنى كبتوا: أي سيكبتون، وهو بشارة من الله للمؤمنين بالنصر، وأخرج ~~الكلام بلفظ الماضي تقريبا ms8379 للمخبر عنه. # وقيل: لغة مذحج. # ويحتمل أن يكون لتحقق وقوعه، والمراد بالذين من قبلهم أعداء الرسل - ~~صلوات الله وسلامه عليهم - { وقد أنزلنآ آيات بينات } فيمن ~~حاد الله ورسوله من الذين من قبلهم فيما فعلنا بهم { وللكافرين } ~~بهذه الآيات { عذاب مهين } يذهب بعزهم وكبرهم، فبين تعالى أن ~~عذاب المحاربين في الدنيا الذل والهوان، وفي الآخرة العذاب الشديد. # قوله تعالى: { يوم يبعثهم الله جميعا }. # فيه أوجه: # أحدها: أنه منصوب ب " عذاب مهين ". # الثاني: أنه منصوب بفعل مقدر، فقدره أبو البقاء: يهانون أو يعذبون، أو ~~استقر ذلك يوم يبعثهم، وقدره الزمخشري ب " اذكر " قال: تعظيما لليوم. # الثالث: أنه منصوب ب " لهم ". قاله الزمخشري، أي: بالاستقرار الذي ~~تضمنه لوقوعه خبرا. # الرابع: أنه منصوب ب " أحصاه " ، قاله أبو البقاء، وفيه قلق؛ لأن ~~الضمير في " أحصاه " يعود على " ما عملوا ". قوله: " جميعا " أي: ~~الرجال والنساء، أي: كلهم لا يترك منهم واحدا. # وقيل: مجتمعين في حال واحدة { فينبئهم } أي: يخبرهم بما عملوا في ~~الدنيا تخجيلا لهم وتوبيخا. # { أحصاه الله } عليهم في صحائف أعمالهم " ونسوه " حتى ذكرهم ~~به في صحائفهم ليكون أبلغ في الحجة عليهم. # { والله على كل شيء شهيد } أي شاهد مطلع وناظر لا يخفى ~~عليه شيء. ### || [58.7-9] # ثم إنه - تعالى - أكد بيان كونه عالما بكل المعلومات، فقال جل ذكره: { ~~ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في ~~الأرض } فلا يخفى عليه سر ولا علانية. # قوله تعالى: { ما يكون من نجوى }. # " يكون " تامة، و " من نجوى " فاعلها، و " من " مزيدة فيه، و " نجوى " ~~في الأصل مصدر، فيجوز أن يكون باقيا على أصله، ويكون مضافا لفاعله، أي: ~~ما يوجد من تناجي ثلاثة، ويجوز أن يكون على حذف، أي: من ذي نجوى، ~~ويجوز أن يكون أطلق على الأشخاص المتناجين مبالغة. # فعلى هذين الوجهين ينخفض " ثلاثة " على أحد وجهين: # إما البدل من " ذوي " المحذوفة، وإما الوصف لها على التقدير الثاني، ~~وإما البدل، أو الصفة ل " نجوى " على التقدير الثالث. # وقرأ ابن أبي عبلة: " ثلاثة " ، و " خمسة " نصبا على ms8380 الحال، وفي صاحبها ~~وجهان: # أحدهما: أنه محذوف مع رافعه تقديره: يتناجون ثلاثة، وحذف لدلالة " نجوى ~~". # والثاني: أنه الضمير المستكن في " نجوى " إذا جعلناها بمعنى المتناجين ~~[قاله الزمخشري، رحمه الله. # قال مكي: " ويجوز في الكلام رفع " ثلاثة " على البدل من موضع " نجوى "؛ ~~لأن موضعها رفع و " من " زائدة، ولو نصبت " ثلاثة " على الحال من الضمير ~~المرفوع إذا جعلت " نجوى " بمعنى المتناجين جاز في الكلام " ]. # قال شهاب الدين: " ولا يقرأ به فيما علمت، وهو جائز في غير القرآن كما ~~قال، وأما النصب فقد قرىء به، وكأنه لم يطلع عليه ". # قوله: { إلا هو رابعهم } ، { إلا هو خامسهم } ، { إلا هو معهم } كل هذه ~~الجمل بعد " إلا " في موضع نصب على الحال أي: ما يوجد شيء من هذه الأشياء ~~إلا في حال من هذه الأحوال، فالاستثناء مفرغ من الأحوال العامة. # وقرأ أبو جعفر: " ما تكون " بتاء التأنيث لتأنيث النجوى. # قال أبو الفضل: إلا أن الأكثر في هذا الباب التذكير على ما في قراءة ~~العامة؛ لأنه مسند إلى " من نجوى " وهو اسم جنس مذكر. # قال ابن جني: التذكير الذي عليه العامة هو الوجه؛ لوقوع الفاصل بين ~~الفعل والفاعل، وهو كلمة " من " ، ولأن تأنيث النجوى غير حقيقي. # قوله: " ولا أكثر ". # العامة على الجر عطفا على لفظ " نجوى ". # وقرأ الحسن، والأعمش، وابن أبي إسحاق، وأبو حيوة ويعقوب: " ولا أكثر " ~~بالرفع، وفيه وجهان: # أحدهما: أنه معطوف على موضع " نجوى " لأنه مرفوع، و " من " مزيدة، فإن ~~كان مصدرا كان على حذف مضاف كما تقدم، أي: من ذوي نجوى، وإن كان بمعنى ~~متناجين، فلا حاجة إلى ذلك. # الثاني: " أدنى " مبتدأ، و { إلا هو معهم } خبره، فيكون " ولا أكثر " ~~عطفا على المبتدأ، وحينئذ يكون " ولا أدنى " من باب عطف الجمل لا ~~المفردات. # وقرأ الحسن ويعقوب أيضا ومجاهد والخليل: " ولا أكبر " بالباء الموحدة ~~والرفع على ما تقدم. # وزيد بن علي: " ينبيهم " - بسكون النون - من أنبأ إلا أنه حذف الهمزة ~~وكسر الهاء. # وقرىء كذلك إلا أنه بإثبات الهمزة وضم الهاء، والعامة بالتشديد من " نبأ ms8381 ~~". # فصل في النجوى # " النجوى ": التناجي، وهو السرار وهو مصدر يوصف به، يقال: قوم نجوى، ~~وذوو نجوى. # قال تعالى: # وإذ هم نجوى # [الإسراء: 47]. # قال الزجاج: " النجوى " مشتقة من النجوة وهي ما ارتفع وتنجى، فالكلام ~~المذكور سرا، لما خلا عن استماع الغير صار كالأرض المرتفعة، فإنها ~~لارتفاعها خلت عن اتصال الغير، والسرار ما كان بين اثنين. # قوله: { إلا هو رابعهم } أي: يعلم، ويسمع نجواهم بدليل افتتاح ~~الآية بالعلم. # فإن قلت: ما الحكمة في ذكره - سبحانه وتعالى - الثلاثة والخمسة، وأهمل ~~الأربعة؟. # فالجواب من وجوه: # الأول: أن ذلك إشارة إلى كمال الرحمة؛ لأن الثلاثة إذا اجتمعوا، فإذا ~~تناجى اثنان منهم بقي الثالث ضائعا وحيدا، فيضيق عليه، ولهذا قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا ~~بإذنه فإن ذلك يحزنه ". # فكأنه - تعالى - يقول: أنا جليسك وأنيسك، وكذا الخمسة إذا اجتمعوا بقي ~~الخامس وحيدا فريدا. # الثاني: أن العدد الفرد أشرف من الزوج؛ لأن الله - تبارك وتعالى - وتر ~~يحب الوتر، فخص أعداد الفرد بالذكر تنبيها على أنه لا بد من رعاية ~~الأمور الإلهية في جميع الأمور. # الثالث: أن أقل ما لا بد منه في المشاورة التي يكون الغرض منها تمهيد ~~مصلحة ثلاثة حتى يكون الاثنان كالمتنازعين في النفي والإثبات، والثالث ~~كالحاكم بينهما، فحينئذ تكمل المشورة، ويتم ذلك الغرض، فلهذا السبب لا بد ~~وأن يكون أرباب المشورة عددهم فردا، فذكر الله - تعالى - الفردين ~~الأولين، واكتفى بذكرهما تنبيها على الباقي. # الرابع: أن الآية نزلت في قوم منافقين اجتمعوا على التناجي، وكانوا على ~~هذين العددين. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت هذه الآية في ربيعة، وحبيب بن أبي ~~عمرو، وصفوان بن أمية كانوا يتحدثون، فقال أحدهم: هل يعلم الله ما نقول؟ ~~وقال الثالث: يعلم البعض. # الخامس: أنه في مصحف عبد الله بن مسعود: { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا ~~الله رابعهم، ولا أربعة إلا الله خامسهم، ولا خمسة إلا الله سادسهم، ولا ~~أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم إذا أخذوا ms8382 في التناجي }. # قوله: { ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة } أي: ~~يحاسب على ذلك، ويجازي عليه. # { إن الله بكل شيء عليم } وهذا تحذير من المعاصي، ~~وترغيب في الطاعات. # قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى } ~~الآية. # قيل: هم اليهود. # وقيل: هم المنافقون. # وقيل: فريق من الكفار. # وقيل: فريق من المسلمين، لما روى أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: # " كنا ذات ليلة نتحدث إذ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: " ما هذه النجوى "؟ فقلنا: تبنا إلى الله يا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إنا كنا في ذكر المسيخ، يعني: الدجال فرقا منه، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا أخبركم بما هو ~~أخوف عندي منه؟ " قلنا: بلى، يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~قال: " الشرك الخفي أن يقوم الرجل يعمل لمكان رجل " # ذكره الماوردي. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت في اليهود والمنافقين كانوا يتناجون ~~فيما بينهم، وينظرون للمؤمنين، ويتغامزون بأعينهم، فقال المؤمنون: لعلهم ~~بلغهم عن إخواننا وقرابتنا من المهاجرين والأنصار قتل، أو مصيبة، أو ~~هزيمة؛ ويسوؤهم ذلك، وكثرت شكواهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فنهاهم عن النجوى فلم ينتهوا، فنزلت الآية. # وقال مقاتل: كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين اليهود موادعة، فإذا ~~مر بهم رجل من المؤمنين تناجوا بينهم حتى يظن المؤمن شرا، فيعرج عن ~~طريقه فنهاهم الله - سبحانه - فلم ينتهوا فنزلت. # وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان الرجل يأتي النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيسأله الحاجة ويناجيه، والأرض يومئذ خرب فيتوهموا أنه يناجيه في ~~حرب أو بلية أو أمر فيفزعون لذلك فنزلت. # قال ابن الخطيب رحمه الله: والأولى أن تكون نزلت في اليهود؛ لأنه - عز ~~وجل - حكى عنهم، فقال: { وإذا جآءوك حيوك بما لم ~~يحيك به الله } وهذا إنما وقع من اليهود، كانوا إذا سلموا على ~~الرسول صلى الله عليه وسلم قالوا: السام عليكم، يعنون الموت. # قوله: { ثم يعودون لما نهوا عنه } أي: يرجعون ms8383 إلى ~~المناجاة التي نهوا عنها. # قوله: " ويتناجون ". قرأ حمزة: " وينتجون " بغير ألف من " ~~الانتجاء " من " النجوى " على وزن " يفتعلون ". # والباقون: " ويتناجون " من " التناجي " من " النجوى " أيضا. # قال أبو علي: والافتعال، والتفاعل يجريان مجرى واحدا، ومن ثم صححوا " ~~ازدوجوا واعتوروا " لما كانا في معنى تزاوجوا وتعاوروا، وجاء # حتى إذا اداركوا # [الأعراف: 28] وادركوا. # قال شهاب الدين: ويؤيد قراءة العامة الإجماع على تناجيهم، و " فلا ~~تتناجوا " و " تناجوا " ، فهذا من " التفاعل " لا غير، إلا ما روي عن ~~عبد الله، أنه قرأ { إذا انتجيتم فلا تنتجوا }. # ونقل أبو حيان عن الكوفيين والأعمش: " فلا تنتجوا " كقراءة عبد الله. # وأصل: " تنتجون " " تنتجيون " و " تناجون " فاستثقلت ~~الضمة على الياء، فحذفت فالتقى ساكنان فحذفت لالتقائهما، أو تقول: ~~تحرك حرف العلة وانفتح ما قبله، فقلبت ألفا فالتقى ساكنان، فحذف أولهما ~~وبقيت الفتحة دالة على الألف. # قوله: { بالإثم والعدوان }. # قرأ أبو حيوة: " بالعدوان " بكسر العين. # والمراد " بالإثم والعدوان ": الكذب والظلم، { ومعصيت الرسول ~~} صلى الله عليه وسلم مخالفته. # وقرأ الضحاك: " ومعصيات الرسول " صلى الله عليه وسلم. # قوله: { وإذا جآءوك حيوك بما لم يحيك به الله ~~}. # قال القرطبي: لا خلاف بين أهل النقل أن المراد به اليهود، وكانوا إذا ~~سلموا على النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: السام عليك يعنون الموت. ~~كما روت عائشة - رضي الله عنها - # " أن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: السام عليك، قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " عليكم " فقالت عائشة رضي الله عنها: ~~السام عليكم، ولعنة الله، وغضبه عليكم، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " مهلا يا عائشة، عليك بالرفق وإياك والعنف ~~والفحش " ، قالت: أو لم تسمع ما قالوا يا رسول الله؟، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عند ذلك " أو لم تسمعي ما قلت ورددت ~~عليهم فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم في؟ ". # وقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: " إذا سلم عليكم أهل ~~الكتاب، فقولوا: عليك ما قلت " ، فأنزل الله تعالى: { وإذا ~~جآءوك حيوك بما لم يحيك به الله } ". # وروى ms8384 أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم " # بالواو. # فقال بعض العلماء رضي الله عنهم: إن الواو العاطفة تقتضي التشريك، فيلزم ~~منه أن يدخل معهم فيما دعوا به علينا من الموت، أو من سآمة ديننا وهو ~~الهلاك، يقال: سئم يسأم سآمة وسآما. # وقال بعضهم " الواو " زائدة كما زيدت في قول الشاعر: [الطويل] # 4732- فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى # ........................... # أي: لما أجزنا انتحى، فزاد " الواو ". # وقال آخرون: هي للاستئناف، كأنه قال: والسام عليكم، وقال آخرون: هي على ~~بابها من العطف ولا يضرنا ذلك؛ لأنا نجاب عليهم ولا يجابون علينا كما ~~تقدم في قوله صلى الله عليه وسلم ل " عائشة " رضي الله عنها. # فصل في رد السلام على أهل الذمة # اختلفوا في رد السلام على أهل الذمة، فقال ابن عباس والشعبي ~~وقتادة: هو واجب لظاهر الأمر بذلك. # وقال مالك رضي الله عنه: ليس بواجب، فإن رددت فقل: عليك. # وقال بعضهم: نقول في الرد: علاك السلام، أي: ارتفع عنك. # وقال بعض المالكية: تقول في الرد: السلام عليك - بكسر السين - يعني ~~الحجارة. # قوله تعالى: { ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا }. # هذه الجملة التحضيضية في موضع نصب بالقول، ومعنى الآية: أن اليهود - ~~لعنهم الله - لما كانوا يقولون: السام عليك، ويوهمون أنهم يسلمون، وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يرد عليهم بقوله: " عليكم " فإذا خرجوا قالوا: ~~" لولا يعذبنا الله " أي: هلا يعذبنا بما نقول، أي: لو كان نبيا لعذبنا ~~الله بما نقول. # وقيل: قالوا: إنه يرد علينا، ويقول: وعليكم السام، فلو كان نبيا ~~لاستجيب له فينا ومتنا، وهذا موضع تعجب منهم، فإنهم كانوا أهل الكتاب، ~~وكانوا يعلمون أن الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - قد يغضبون، فلا ~~يعاجل من يغضبهم بالعذاب. # قوله: { حسبهم جهنم } أي: كافيهم جهنم عقابا غدا { ~~يصلونها فبئس المصير }. # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إذا تناجيتم ~~فلا تتناجوا بالإثم والعدوان }. # أي: كفعل المنافقين واليهود. # قال مقاتل: أراد بقوله: " آمنوا " المنافقين آمنوا بلسانهم. # وقال عطاء: يريد ms8385 الذين آمنوا بزعمهم قال لهم: لا تتناجوا بالإثم ~~والعدوان، ومعصية الرسول صلى الله عليه وسلم. # وقيل: يا أيها الذين آمنوا بموسى صلوات الله وسلامه عليه. # قوله: { وتناجوا بالبر والتقوى } والمراد بالبر: ~~الطاعة، وبالتقوى: العفاف عما نهى الله عنه. # { واتقوا الله الذي إليه تحشرون } [أي]: تجمعون في ~~الآخرة. ### || [58.10-15] # قوله تعالى: { إنما النجوى من الشيطان ليحزن ~~الذين آمنوا }. تقدم قراءتنا " ليحزن " بالضم والفتح في " آل ~~عمران " [آل عمران 176]. # وقرىء: " بفتح الياء والزاي " على أنه مسند إلى الموصول بعده، فيكون ~~فاعلا. # فصل في تحرير معنى الآية # قال ابن الخطيب: الألف واللام في لفظ " النجوى " لا يمكن أن يكون ~~للاستغراق؛ لأن في " النجوى " ما يكون من الله ولله، بل المراد منه: ~~المعهود السابق، وهو النجوى بالإثم ليحزن المؤمنين إذا رأوهم متناجين. # قال المفسرون: معنى قوله تعالى: { إنما النجوى من ~~الشيطان ليحزن الذين آمنوا } وتوهموا أن المسلمين ~~أصيبوا في السرايا، أو إذا رأو اجتماعهم على مكايدة المسلمين، وربما ~~كانوا يناجون النبي صلى الله عليه وسلم فيظن المسلمون أنهم ينتقصونهم عند ~~النبي صلى الله عليه وسلم { وليس بضآرهم } أي: التناجي { ~~شيئا إلا بإذن الله } أي: بمشيئته. # وقيل: بعلمه. # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - بأمره. # { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } أي: يكلون أمرهم ~~إليه، ويفوضون [جميع] شئونهم إلى عونه. # فصل في النهي عن التناجي # روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا كان ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الواحد ". # وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا كان ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى ~~يختلطوا بالناس من أجل أن يحزنه ". # فبين في هذا الحديث غاية المنع، وهو أن يجد الثالث من يتحدث معه كما فعل ~~ابن عمر، وذلك أنه كان يتحدث مع رجل، فجاء آخر يريد أن يناجيه فلم ~~يناجه حتى دعا رابعا، فقال له وللأول: تأخرا وناجى الرجل الطالب ~~للمناجاة. خرجه في " الموطأ " ونبه فيه على العلة بقوله: " من أجل أن ~~يحزنه " أي: يقع ms8386 في نفسه ما يحزن لأجله، وذلك بأن يقدر في نفسه أن ~~الحديث عنه بما يكره، أو أنهم لم يروه أهلا بأن يشركوه في حديثهم، إلى ~~غير ذلك من ألقيات الشيطان، وأحاديث النفس، ويحصل ذلك كله من بقائه وحده، ~~فإذا كان معه غيره أمن ذلك، وعلى هذا يستوي في ذلك كل الأعداد، فلا ~~يتناجى أربعة دون واحد، ولا عشرة ولا ألف مثلا، لوجود ذلك المعنى في ~~حقه، بل وجوده في العدد الكثير أمكن وأوقع، فيكون بالمنع أولى، وإنما خص ~~الثلاثة بالذكر؛ لأنه أول عدد يتأتى ذلك فيه. # قال القرطبي: " وظاهر الحديث يعم جميع الأزمان والأحوال ". # وذهب إليه ابن عمر ومالك والجمهور وسواء كان التناجي في مندوب، أو مباح، ~~أو واجب فإن الحزن يقع به. # وقد ذهب بعض الناس إلى أن ذلك في أول الإسلام؛ لأن ذلك كان حال ~~المنافقين، فيتناجى المنافقون دون المؤمنين، فلما فشا الإسلام سقط ذلك. # وقال بعضهم: ذلك خاص بالسفر، وفي المواضع التي لا يأمن الرجل فيها ~~صاحبه، فأما في الحضر وبين العمارة فلا؛ لأنه يجد من يعينه، بخلاف السفر ~~فإنه مظنة الاغتيال وعدم الغوث. والله أعلم. # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إذا قيل لكم ~~تفسحوا في المجالس } الآية. # وجه التعلق، لما نهى المؤمنين عما يكون سببا للتباغض والتنافر، أمرهم ~~الآن بما يصير سببا لزيادة المحبة والمودة. # وقال القرطبي: لما بين أن اليهود يحيوه بما لم يحيه الله، وذمهم على ~~ذلك وصل به الأمر بتحسين الأدب في مجالسة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حتى لا يضيقوا عليه المجلس، وأمر المسلمين بالتعاطف والتآلف حتى يفسح ~~بعضهم لبعض حتى يتمكنوا من الاستماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والنظر إليه. # فصل في نزول الآية # قال قتادة ومجاهد والضحاك رضي الله عنهم: كانوا يتنافسون في مجلس رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأمرهم أن يفسح بعضهم لبعض. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: المراد بذلك مجالس القتال إذا اصطفوا ~~للحرب. # وقال الحسن ويزيد بن أبي حبيب: كان النبي صلى ms8387 الله عليه وسلم إذا قاتل ~~المشركين تشاح أصحابه - رضي الله عنهم - على الصف الأول فلا يوسع بعضهم ~~لبعض رغبة في القتال والشهادة، فنزلت، فيكون كقوله تعالى: # مقاعد للقتال # [آل عمران: 121]. # وقال مقاتل: كان النبي صلى الله عليه وسلم في " الصفة " وكان في المكان ~~ضيق، وكان يكرم أهل " بدر " من المهاجرين والأنصار فجاءنا أناس من أهل " ~~بدر " وقد سبقوا إلى المجلس فقاموا قبالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~يحملهم على القيام، وشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى ~~الله عليه وسلم لمن حوله من غير أهل " بدر ": " قم يا فلان " بعدد ~~القائمين من أهل " بدر " فشق ذلك على من قام، وعرف النبي صلى الله عليه ~~وسلم الكراهة في وجوههم. فقال المنافقون: والله ما عدل على هؤلاء أن ~~قوما أخذوا مجالسهم، وأحبوا القرب منه، فأقامهم وأجلس من أبطأ، فنزلت ~~الآية يوم الجمعة. # وروي عن ابن عباس قال نزلت الآية في ثابت بن قيس بن شماس، وذلك أنه ~~دخل المسجد، وقد أخذ القوم مجالسهم، وكان يريد القرب من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم للوقر الذي كان في أذنيه، فوسعوا له حتى قرب من النبي ~~صلى الله عليه وسلم ثم ضايقه بعضهم وجرى بينهم وبينه كلام ووصف الرسول ~~صلى الله عليه وسلم محبته للقرب منه ليسمع كلامه، وإن فلانا لم يفسح له، ~~فنزلت هذه الآية. # قوله تعالى: { تفسحوا في المجالس }. # قرأ الحسن، وداود بن أبي هند، وعيسى، وقتادة: " تفاسحوا " ، ~~والباقون: " تفسحوا " أي: توسعوا والفسحة: السعة، وفسح له: أي ~~وسع له، ومنه قولهم: " بلد فسيح " ولك في كذا فسحة، وفسح يفسح، مثل: ~~" منع يمنع " أي: وسع في المجلس، و " فسح يفسح فساحة " ~~مثل: " كرم يكرم كرامة " أي: صار واسعا، ومنه مكان فسيح. # وقرأ عاصم: " في المجالس " جمعا اعتبارا بأن لكل واحد منهم مجلسا. # والباقون: بالإفراد إذ المراد مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم وهو أحسن ms8388 ~~من كونه واحدا أريد به الجمع، وقرىء: " في المجلس " - بفتح اللام - ~~وهو المصدر، أي: تفسحوا في جلوسكم، ولا تتضايقوا. # فصل في أن الآية عامة في كل مجلس خير # قال القرطبي: الصحيح في الآية أنها عامة في كل مجلس اجتمع المسلمون فيه ~~للخير، والأجر، سواء كان مجلس حرب أو ذكر، أو مجلس يوم الجمعة، وإن كل ~~واحد أحق بمكانه الذي سبق إليه. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من سبق إلى ما سبق إليه فهو أحق به ولكن يوسع ~~لأخيه ما لم يتأذى بذلك فيخرجه الضيق من موضعه ". # روى البخاري ومسلم عن ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ~~". # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يقام الرجل من مجلسه، ويجلس ~~فيه آخر، ولكن تفسحوا وتوسعوا. # وكان ابن عمر رضي الله عنهما يكره أن يقيم الرجل من مجلسه، ثم يجلس ~~مكانه. # وروى أبو هريرة عن جابر - رضي الله عنهما - عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة ثم يخالف إلى ~~مقعده، فيقعد فيه، ولكن يقول: أفسحوا ". # فصل # إذا قام من مكانه، فقعد غيره نظرنا، فإن كان الموضع الذي قام إليه مثل ~~الأول في سماع كلام الإمام، لم يكره له ذلك، وإن كان أبعد من الإمام كره ~~له ذلك؛ لأن فيه تفويت حظه. # فصل # إذا أمر رجل إنسانا أن يبكر إلى الجامع، فيأخذ له مكانا يقعد فيه لا ~~يكره، فإذا جاء الآمر يقوم من الموضع؛ لأن ابن سيرين كان يرسل غلامه إلى ~~مجلس له في يوم الجمعة، فيجلس فيه، فإذا جاء قام له منه، وعلى هذا من ~~أرسل بساطا أو سجادة، فيبسط له في موضع من المسجد أنه لا يزعج منه. # وروى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا قام أحدكم " # - وفي حديث أبي عوانة: # " من قام من مجلسه - ثم رجع إليه فهو أحق ms8389 به " # ذكره القرطبي في " تفسيره ". # قوله: { يفسح الله لكم }. # قال ابن الخطيب: هذا مطلق فيما يطلب الناس الفسحة فيه من المكان ~~والرزق والصدر والقبر والجنة، قال: ولا ينبغي للعاقل أن يقيد الآية ~~بالتفسح في المجلس بل المراد منه إيصال الخير إلى المسلم وإدخال السرور ~~في قلبه. # قوله: { وإذا قيل انشزوا فانشزوا }. # قرأ نافع، وابن عامر، وأبو بكر بخلاف عنه بضم شين " انشزوا " في ~~الحرفين، والباقون: بكسرهما، وهما لغتان بمعنى واحد، يقال: نشز أي: ~~ارتفع، ينشز وينشز ك " عرش يعرش ويعرش؛ وعكف ~~يعكف ويعكف " وتقدم الكلام على هذا في " المائدة ". # فصل في معنى انشزوا # قال ابن عباس: معناه إذا قيل لكم: ارتفعوا فارتفعوا. # قال مجاهد والضحاك: إذا نودي للصلاة فقوموا إليها، وذلك أن رجالا ~~تثاقلوا عن الصلاة، فنزلت. # وقال الحسن ومجاهد أيضا: انهضوا إلى الحرب. # وقال ابن زيد والزجاج: هذا في بيت النبي صلى الله عليه وسلم كان كل ~~رجل منهم يحب أن يكون آخر عهده بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال الله ~~تعالى: { وإذا قيل انشزوا } عن النبي صلى الله عليه وسلم " ~~فانشزوا " أي ارتفعوا عنه فإن له حوائج فلا تمكثوا. # وقال قتادة: معناه: أجيبوا إذا دعيتم إلى أمر بالمعروف. # قال القرطبي: " وهذا هو الصحيح لأنه يعم، والنشز: الارتفاع، مأخوذ من ~~نشز الأرض، وهو ارتفاعها ". # قوله: { يرفع الله الذين آمنوا } بطاعاتهم لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقيامهم في مجالسهم، وتوسعهم لإخوانهم. # وقوله تعالى: { والذين أوتوا العلم } يجوز أن يكون معطوفا ~~على " الذين آمنوا " ، فهو من عطف الخاص على العام؛ لأن الذين أوتوا ~~العلم بعض المؤمنين منهم، ويجوز أن يكون " الذين أوتوا " من عطف ~~الصفات، أي: تكون الصفتان لذات واحدة، كأنه قيل: يرفع الله المؤمنين ~~العلماء، و " درجات " مفعول ثان. وقد تقدم الكلام على نحو ذلك في " ~~الأنعام ". # وقال ابن عباس رضي الله عنه: تم الكلام عند قوله تعالى: " منكم " ، ~~وينصب " الذين أوتوا " بفعل مضمر، أي: ويخص الذين أوتوا العلم بدرجات، ~~أو يرفعهم درجات. # فصل في تحرير معنى الآية # قال ms8390 المفسرون في هذه الآية: إن الله - تعالى - رفع المؤمن على من ليس ~~بمؤمن، والعالم على من ليس بعالم. # قال ابن مسعود رضي الله عنه: مدح الله العلماء في هذه الآية والمعنى: أن ~~الله - تعالى - يرفع الذين أوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم ~~درجات في دينهم إذا فعلوا ما أمروا به. # وقيل: كان أهل الغنى يكرهون أن يزاحمهم من يلبس الصوف، فيسبقون إلى مجلس ~~النبي صلى الله عليه وسلم فالخطاب لهم. # " ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من الأغنياء يقبض ثوبه ~~نفورا من بعض الفقراء أراد أن يجلس إليه، فقال: " يا فلان أخشيت ~~أن يتعدا غناك إليه أو فقره إليك " ". # وبين في هذه الآية أن الرفعة عند الله - تعالى - بالعلم والإيمان لا ~~بالسبق إلى صدور المجالس. # وقيل: أراد بالذين أوتوا العلم الذين قرأوا القرآن. # وروى يحيى بن يحيى عن مالك - رضي الله عنه - { يرفع الله ~~الذين آمنوا منكم } الصحابة، { والذين أوتوا العلم ~~درجات } يرفع الله - تعالى - بها العالم والطالب. # قال القرطبي: ثبت في الصحيح أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان يقدم ~~عبد الله بن عباس على الصحابة فكلموه في ذلك، فدعاهم ودعاه، وسألهم عن ~~تفسير: # إذا جآء نصر الله والفتح # [النصر: 1] فسكتوا فقال ابن عباس: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أعلمه الله إياه، فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " بين العالم والعابد مائة درجة، بين كل درجتين ~~حضر الجواد المضمر سبعين سنة ". # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر ~~على سائر الكواكب ". # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء ~~ثم الشهداء ". # فأعظم بمنزلة هي واسطة بين النبوة والشهادة بشهادة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # وعن ابن عباس رضي الله عنه: " خير سليمان - صلوات الله وسلامه عليه ~~- بين العلم والمال والملك، فاختار العلم فأعطي المال والملك معه ". # " ومر ms8391 النبي صلى الله عليه وسلم بمجلسين في مسجده، أحد المجلسين يدعون ~~الله عز وجل ويرغبون إليه، والآخر يتعلمون الفقه ويعلمونه، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " كلا المجلسين على خير، ~~وأحدهما أفضل من صاحبه، أما هؤلاء فيدعون الله - ~~عز وجل - ويرغبون إليه، وأما هؤلاء فيتعلمون الفقه ~~ويعلمون الجاهل، فهؤلاء أفضل، وإنما بعثت معلما " ~~ثم جلس فيهم ". # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إذا ناجيتم ~~الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة } الآية. # قال ابن عباس في سبب النزول: إن المسلمين كانوا يكثرون المسائل على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حتى شقوا عليه فأنزل الله - تعالى - هذه الآية ~~فكف كثير من الناس. # وقال الحسن: إن قوما من المسلمين كانوا يستخلون بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم يناجونه، فظن بهم قوم من المسلمين أنهم ينتقصونهم في النجوى، فشق ~~ذلك عليهم، فأمرهم الله - تعالى - بالصدقة عند النجوى ليقطعهم عن ~~استخلائه. # وقال زيد بن أسلم: إن المنافقين واليهود كانوا يناجون النبي صلى الله ~~عليه وسلم ويقولون: إنه أذن يسمع كل ما قيل له، وكان لا يمنع أحدا ~~مناجاته، فكان ذلك يشق على المسلمين؛ لأن الشيطان كان يلقي في أنفسهم ~~أنهم ناجوه بأن جموعا اجتمعت لقتاله، فأنزل الله تعالى: # يأيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا ~~تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول # [المجادلة: 9] الآية، فلم ينتهوا فأنزل الله هذه الآية فانتهى أهل ~~الباطل عن النجوى؛ لأنهم لم يقدموا بين يدي نجواهم صدقة، وشق ذلك على ~~أهل الإيمان، وامتنعوا عن النجوى لضعف مقدرة كثير منهم عن الصدقة، فخفف ~~الله - تعالى - عنهم بما بعد الآية. # قال ابن العربي: وهذا الخبر يدل على أن الأحكام لا تترتب بحسب المصالح، ~~فإن الله - تعالى - قال: { ذلك خير لكم وأطهر } ثم نسخه ~~مع أنه كونه خيرا وأطهر، وهذا يرد على المعتزلة في التزام المصالح. # فصل فيمن اعتبر الصدقة واجبة أو مندوبة # ظاهر الآية يدل على أن تقديم الصدقة كان واجبا؛ لأن الأمر للوجوب، ~~ويؤكد ذلك بعده قوله تعالى: { فإن لم تجدوا فإن الله ~~غفور ms8392 رحيم } وهذا لا يقال إلا فيما بفقده يزول وجوبه. # وقيل: كان مندوبا بقوله تعالى: { ذلك خير لكم وأطهر } ~~وهذا إنما يستعمل في التطوع لا في الواجب، ولأنه لو كان واجبا لما أزيل ~~وجوبه لكلام متصل به وهو قوله تعالى: { أأشفقتم أن تقدموا ~~} [إلى آخر الآية]. # وأجيب عن الأول: أن المندوب كما يوصف بأنه خير وأطهر، فكذلك أيضا يوصف ~~به الواجب. # وعن الثاني: أنه لا يلزم من اتصال الآيتين في التلاوة كونهما متصلتين ~~في النزول كما قيل في الآية الدالة على وجوب الاعتداد أربعة أشهر ~~وعشرا أنها ناسخة للاعتداد بحول، وإن كان الناسخ متقدما في التلاوة على ~~المنسوخ. انتهى. # فصل # اختلفوا في مقدار تأخر الناسخ عن المنسوخ في هذه الآية، فقال الكلبي ~~رحمه الله: ما بقي ذلك التكليف إلا ساعة من النهار ثم نسخ. # وقال مقاتل بن حيان: بقي ذلك التكليف عشرة أيام، ثم نسخ لما روي عن علي ~~- رضي الله عنه - أنه قال: إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي، ~~ولا عمل بها أحد بعدي كان لي دينار، فاشتريت به عشرة دراهم، وكلما ناجيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم قدمت بين يدي نجواي درهما، ثم نسخت فلم يعمل ~~بها. # وروي عن ابن جريج، والكلبي، وعطاء عن ابن عباس - رضي الله عنهم - أنهم ~~نهوا عن المناجاة حتى يتصدقوا، فلم يناج أحد إلا علي تصدق بدينار، ~~ثم نزلت الرخصة. # وقال ابن عمر: لقد كانت لعلي - رضي الله عنه - ثلاثة، لو كانت لي واحدة ~~منهن كانت أحب إلي من حمر النعم: تزويجه فاطمة - رضي الله عنها - ~~وإعطاؤه الراية يوم " خيبر " ، وآية النجوى. # { ذلك خير لكم } من إمساكها، " وأطهر " لقلوبكم من المعاصي ~~{ فإن لم تجدوا } يعني: الفقراء { فإن الله غفور ~~رحيم }. # روى الترمذي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: # " لما نزلت { يأيها الذين آمنوا إذا ناجيتم ~~الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة } سألت ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما ترى ~~دينارا؟ " قلت: ms8393 لا يطيقونه، قال: " نصف دينار " ، قلت: لا ~~يطيقونه، قال: " فكم "؟ قلت: شعيرة، قال: " إنك لزهيد " فنزلت { ~~أأشفقتم أن تقدموا } الآية ". # ومعنى قوله: " شعيرة " من ذهب، ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: " إنك ~~لزهيد " أي: لقليل المال فقدرت على حسب حالك. # قال ابن العربي: " وهذا يدل على نسخ العبادة قبل فعلها، وعلى النظر ~~في المقدرات بالقياس ". # قال القرطبي: " والظاهر أن النسخ إنما وقع بعد فعل الصدقة كما ~~تقدم ". # فصل فيمن استدل بالآية على عدم وقوع النسخ # أنكر أبو مسلم وقوع النسخ، وقال: إن المنافقين كانوا يمتنعون عن بذل ~~الصدقات، وإن قوما من المنافقين تركوا النفاق وآمنوا ظاهرا وباطنا ~~إيمانا حقيقيا، فأراد الله أن يميزهم عن المنافقين، فأمر بتقديم ~~الصدقة على النجوى ليتميز هؤلاء الذين آمنوا على من بقي على نفاقه ~~الأصلي، فلما كان هذا التكليف لأجل هذه المصلحة المقدرة لذلك الوقت، لا ~~جرم يقدر هذا التكليف بذلك الوقت. # قال ابن الخطيب: وحاصل قول أبي مسلم: أن ذلك التكليف مقدر بغاية مخصوصة، ~~ووجب انتهاؤه عند الانتهاء إلى تلك الغاية المخصوصة، ولا يكون هذا نسخا، ~~وهذا كلام حسن، والمشهور عند الجمهور أنه منسوخ بقوله: { أأشفقتم ~~}. # وقيل: منسوخ بوجوب الزكاة. # قوله تعالى: { أأشفقتم أن تقدموا بين يدي ~~نجواكم صدقات }. # هذا استفهام معناه التقرير. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: " أأشفقتم " أي: أبخلتم بالصدقة. # وقيل: خفتم. # و " الإشفاق ": الخوف من المكروه، أي: خفتم بالصدقة، وشق عليكم أن ~~تقدموا بين يدي نجواكم صدقات. # قوله تعالى: { فإذ لم تفعلوا }. في " إذ " هذه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها على بابها من المعنى: أنكم تركتم ذلك فيما مضى، فتداركوه ~~بإقامة الصلاة. قاله أبو البقاء. # الثاني: أنها بمعنى " إذا " كقوله تعالى: # إذ الأغلال في أعناقهم # [غافر: 71] وتقدم الكلام فيه. # الثالث: أنها بمعنى " إن " الشرطية، وهو قريب مما قبله؛ إلا أن الفرق ~~بين " إن " ، و " إذا " معروف. # فصل في معنى الآية # المعنى: فإن لم تفعلوا ما أمرتم به، { وتاب الله عليكم } أي: ~~ونسخ الله ذلك الحكم، ورخص بكم في ألا تفرطوا في ms8394 الصلاة والزكاة، ~~وسائر الطاعات، وهذا خطاب لمن وجد ما يتصدق به، وهذا يدل على جواز النسخ ~~قبل الفعل. # قال القرطبي: وما روي عن علي - رضي الله عنه - ضعيف؛ لأن الله - تعالى - ~~قال: { فإذ لم تفعلوا } وهذا يدل على أن أحدا لم يتصدق بشيء. # فصل في أن الآية لا تدل على تقصير المؤمنين # فإن قيل: ظاهر الآية يدل على تقصير المؤمنين في ذلك التكليف، وبيانه من ~~وجوه: # الأول: قوله تعالى: { أأشفقتم أن تقدموا } يدل على ~~تقصيرهم. # الثاني: قوله تعالى: { فإذ لم تفعلوا }. # الثالث: قوله عز وجل: { وتاب الله عليكم }. # فالجواب: قال ابن الخطيب: ليس الأمر كما قلتم؛ لأن القوم لم يكلفوا بأن ~~يقدموا على الصدقة، ويشتغلوا بالمناجاة، بل أمروا أنهم لو أرادوا ~~المناجاة، فلا بد من تقديم الصدقة فمن ترك المناجاة، فلا يمكن أن يكون ~~مقصرا، فأما لو قيل بأنهم ناجوا من غير تقديم الصدقة، فهذا أيضا غير ~~جائز؛ لأن المناجاة لا تمكن إلا إذا مكن الرسول صلى الله عليه وسلم من ~~المناجاة فإذا لم يمكنهم من ذلك لم يقدروا على المناجاة، فعلمنا أن الآية ~~لا تدل على صدور التقصير منهم. # فأما قوله تعالى: { أأشفقتم } فلا يمنع من أنه - تعالى - علم ضيق ~~صدور كثير منهم عن إعطاء الصدقة في المستقبل لو دام الوجوب. فقال هذا ~~القول. # وأما قوله عز وجل: { وتاب الله عليكم } فليس في الآية أنه ~~تاب عليهم من هذا التقصير، بل يحتمل أنكم إن كنتم تائبين راجعين إلى الله ~~تعالى، وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة، فقد [كفاكم] هذا التكليف. # قوله تعالى { والله خبير بما تعملون }. # روي عن أبي عمرو: { خبير بما يعملون } بالياء من تحت، والمشهور عنه ~~كالجماعة بتاء الخطاب. # والمعنى: يحيط بأعمالكم ونياتكم. # قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب ~~الله عليهم }. # قال قتادة: هم المنافقون تولوا اليهود. # وقال السدي ومقاتل: هم اليهود. { ما هم منكم ولا منهم } ~~يعني: المنافقين ليسوا من المؤمنين في الدين والولاء، ولا من اليهود ~~والكافرين، كما قال جل ذكره: # مذبذبين بين ذلك ms8395 لا إلى هؤلاء ولا إلى ~~هؤلاء # [النساء: 143]. # { ويحلفون على الكذب وهم يعلمون }. # قال السدي ومقاتل رضي الله عنهما: # " نزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول، وعبد الله بن نبتل المنافقين، كان ~~أحدهما يجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يرفع حديثه إلى اليهود، ~~فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجرة من حجره، إذ قال: " ~~يدخل الآن عليكم رجل قلبه قلب جبار، وينظر بعيني ~~شيطان " ، فدخل عبد الله بن نبتل، وكان أزرق، أسمر قصيرا، خفيف ~~اللحية، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " علام تشتمني أنت ~~وأصحابك "؟ فحلف بالله ما فعل، وجاء بأصحابه، فحلفوا بالله ما شتموه، ~~فأنزل الله - تعالى - هذه الآية " # فقال عز وجل: { ويحلفون على الكذب وهم يعلمون } ~~أنهم كذبة. # قال ابن الخطيب رحمه الله: والمراد من هذا الكذب، إما ادعاؤهم كونهم ~~مسلمين، وإما أنهم كانوا يسبون الله - تعالى - ورسوله صلى الله عليه ~~وسلم ويكيدون المسلمين، وإذا قيل: إنكم فعلتم ذلك خافوا على أنفسهم من ~~القتل، فيحلفون أنهم ما قالوا ذلك وما فعلوه، فهذا هو الكذب الذي يحلفون ~~عليه، وهذه الآية تدل على فساد قول الجاحظ: إن الكذب هو الخبر المخالف ~~لاعتقاد المخبر. # قوله: { ما هم منكم ولا منهم } يجوز في هذه الجملة ثلاثة ~~أوجه: # أحدها: أنها مستأنفة، لا موضع لها من الإعراب، أخبر عنهم بأنهم ليسوا من ~~المؤمنين الخلص، بل كقوله تعالى: # مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى ~~هؤلاء # [النساء: 143] فالضمير في " ما هم " عائد على { الذين تولوا } ~~، وهم المنافقون، وفي " منهم " عائد على اليهود، وهم الكافرون الخلص. # والثاني: أنها حال من فاعل " تولوا " والمعنى على ما تقدم أيضا. # والثالث: أنها صفة ثانية ل " قوما " فعلى هذا يكون الضمير في " ما هم ~~" عائدا على " قوما " وهم اليهود، والضمير في " منهم " عائد على " ~~الذين تولوا " يعني اليهود ليسوا منكم أيها المؤمنون، ولا من المنافقين، ~~ومع ذلك تولاهم المنافقون. قاله ابن عطية. # إلا أن فيه تنافر الضمائر، فالضمير في " ويحلفون " عائد على " ~~الذين تولوا ms8396 " فعلى الوجهين الأولين تتحد الضمائر لعودها على " ~~الذين تولوا " وعلى الثالث: تختلف كما عرفت. # وقوله: { وهم يعلمون } جملة حالية، أي: يعلمون أنه كذب، فيمينهم ~~يمين غموس ولا عذر لهم فيها. # قوله: { أعد الله لهم عذابا شديدا } أي: لهؤلاء ~~المنافقين عذابا شديدا في جهنم، وهو الدرك الأسفل من النار. # وقيل: عذاب القبر. # قال ابن الخطيب: لأنا إذا حملنا هذا على عذاب القبر، وحملنا قوله جل ~~ذكره: # فلهم عذاب مهين # [المجادلة: 16] على عذاب الآخرة لا يلزم منه تكرار. { إنهم سآء ~~ما كانوا يعملون } أي: بئست الأعمال أعمالهم. ### || [58.16-22] # قوله تعالى: { اتخذوا أيمانهم جنة }. # قرأ العامة: " أيمانهم " - بفتح الهمزة - جمع " يمين ". # والحسن وأبو العالية - بكسرها - مصدرا هنا، وفي " المنافقين " ، أي: ~~إقرارهم اتخذوه جنة يستجنون بها من القتل. # قال ابن جني: " هذا على حذف مضاف، أي: اتخذوا إظهار أيمانهم جنة من ~~ظهور نفاقهم ". # وقوله تعالى: { أيمانهم جنة } مفعولان ل " اتخذوا ". # قوله: { لهم عذاب مهين } في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالنار. # وقيل: المراد من الكل عذاب الآخرة، كقوله عز وجل: # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم ~~عذابا فوق العذاب # [النحل: 88]. الصد عن سبيل الله: المنع عن الإسلام. # وقيل: إلقاء الأراجيف وتثبيط المسلمين عن الجهاد. # قوله تعالى: { لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم ~~من الله شيئا } تقدم الكلام عليه في آل عمران. # قال مقاتل رحمه الله: قال المنافقون: إن محمدا يزعم أنه ينصر يوم ~~القيامة لقد شقينا إذا، فوالله لننصرن يوم القيامة بأنفسنا وأموالنا ~~وأولادنا إن كانت قيامة، فنزلت الآية. # قوله تعالى: { يوم يبعثهم الله جميعا } أي: لهم عذاب ~~مهين يوم يبعثهم الله، فيحلفون له كما يحلفون لكم اليوم. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: يحلفون لله - تعالى - يوم القيامة كذبا ~~كما حلفوا لأوليائه في الدنيا، وهو قولهم: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23] ويحسبون أنهم على شيء، بإنكارهم وحلفهم. # قال ابن زيد: ظنوا أنه ينفعهم في الآخرة. # وقيل: يحسبون في الدنيا أنهم على شيء؛ لأنهم في الآخرة يعلمون الحق ~~باضطرار، والأول أظهر. # والمعنى: أنهم ms8397 لشدة توغلهم في النفاق ظنوا يوم القيامة أنهم يمكنهم ~~ترويج كذبهم بالأيمان الكاذبة على علام الغيوب، وإليه الإشارة بقوله ~~تعالى: # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه # [الأنعام: 28]. # قال القاضي والجبائي: إن أهل الآخرة لا يكذبون، فالمراد من الآية ~~أنهم يحلفون في الآخرة: إنا ما كنا كافرين عند أنفسنا، وعلى هذا الوجه لا ~~يكون الحلف كذبا، وقوله تعالى: { ألا إنهم هم الكاذبون } ~~أي: في الدنيا. # قال ابن الخطيب: " وتفسير هذه الآية على هذا الوجه يقتضي ركاكة عظيمة في ~~النظم ". # روى ابن عباس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ينادي مناد يوم القيامة: أين خصماء الله تعالى؟ ~~فتقوم القدرية مسودة وجوههم، مزرقة أعينهم، ~~مائل شدقهم يسيل لعابهم، فيقولون: والله ما ~~عبدنا من دونك شمسا ولا قمرا ولا صنما، ولا ~~اتخذنا من دونك إلها ". # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: صدقوا ولله، أتاهم الشرك من حيث لا ~~يعلمون، ثم تلا: { ويحسبون أنهم على شيء ألا ~~إنهم هم الكاذبون } ، هم والله القدرية ثلاثا. # قوله تعالى: { استحوذ }. جاء به على الأصل، وهو فصيح استعمالا، ~~وإن شذ قياسا. # وقد أخرجه عمر - رضي الله عنه - على القياس، فقرأ: " استحاذ " ك " ~~استبان ". وتقدم هذه المادة في " النساء " في قوله تعالى: # ألم نستحوذ عليكم # [النساء: 141]. # قال الزجاج: " استحوذ " في اللغة استولى، يقال: حذت الإبل، إذا ~~استوليت عليها وجمعتها. # وقال المبرد: " استحوذ على الشيء: حواه وأحاط به ". # قيل: المعنى غلب عليهم الشيطان بوسوسته في الدنيا. # وقيل: قوي عليهم فأنساهم ذكر الله، أي: أوامره في العمل بطاعته. # وقيل: زواجره في النهي عن معصيته، والنسيان قد يكون بمعنى الغفلة، ~~ويكون بمعنى الترك، والوجهان محتملان هاهنا، { أولئك حزب ~~الشيطان }: طائفته ورهطه { ألا إن حزب الشيطان هم ~~الخاسرون } في بيعهم؛ لأنهم باعوا الجنة بجهنم، وباعوا الهدى ~~بالضلالة. # فصل فيمن استدل بالآية على خلق الأعمال # احتج القاضي بهذه الآية في خلق الأعمال من وجهين: # الأول: أن ذلك النسيان لو حصل بخلق الله - تعالى - لكان إضافتها إلى ~~الشيطان كذبا. # الثاني: لو ms8398 حصل ذلك بخلق الله لكانوا كالمؤمنين في كونهم حزب الله لا ~~حزب الشيطان. # قوله تعالى: { إن الذين يحآدون الله ورسوله } تقدم ~~أول السورة. # { أولئك في الأذلين }. أي: من جملة الأذلاء لا أذل منهم؛ ~~لأن ذل أحد الخصمين يدل على عز الخصم الثاني، فلما كانت عزة الله - ~~تعالى - غير متناهية كانت ذلة من ينازعه غير متناهية أيضا. # قوله تعالى: { كتب الله لأغلبن أنا ورسلي }. # يجوز أن يكون " كتب " جرى مجرى القسم، فأجيب بما يجاب به. # وقال أبو البقاء: وقيل: هي جواب " كتب "؛ لأنه بمعنى " قال ". # وهذا ليس بشيء؛ لأن " قال " لا يقتضي جوابا، فصوابه ما تقدم. # ويجوز أن يكون " لأغلبن " جواب قسم مقدر، وليس بظاهر. # فصل في تفسير الآية # قال المفسرون: { كتب الله لأغلبن } أي: قضى الله ذلك. # وقيل: كتب في اللوح المحفوظ قاله قتادة. # وقال الفراء: " كتب " بمعنى " قال ". # وقوله: " أنا " توكيد، " ورسلي " من بعث منهم بالحرب، فإن الرسول بالحرب ~~غالب، ومن بعث منهم بالحجة غالب أيضا، فإذا انضم إلى الغلبة بالحجة ~~الغلبة بالحرب كان أغلب وأقوى. # قال مقاتل: قال المؤمنون: لئن فتح الله لنا " مكة " و " الطائف " و " ~~خيبر " وما حولهن رجونا أن يظهرنا الله - تعالى - على " فارس " و " ~~الروم " ، فقال عبد الله بن أبي ابن سلول: أتظنون " الروم " و " فارس " ~~كبعض القرى التي غلبتم عليها، والله إنهم لأكثر عددا وأشد بطشا من أن ~~تظنوا فيهم ذلك، فنزلت: { لأغلبن أنا ورسلي }. # ونظيره: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم ~~لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 171 - 173]. # قوله: { ورسلي }. # قرأ نافع وابن عامر بفتح " الياء ". # والباقون: لا يحركون. # قال أبو علي: " التحريك والإسكان جميعا حسنان ". # وقوله تعالى: { إن الله قوي عزيز } قوي على نصرة أنبيائه ~~" عزيز " غالب لا يدفعه أحد عن مراده. # قوله تعالى: { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر يوآدون من حآد الله ورسوله }. # " يوادون " هو المفعول الثاني ل " تجد " ، ويجوز أن تكون المتعدية ~~لواحد بمعنى " صادق ولقي " ، فيكون " يوادون " حالا، أو صفة ل " قوما ~~". # ومعنى " يوادون " أي: ms8399 يحبون ويوالون { من حآد الله ~~ورسوله }. وقد تقدم الكلام على المحادة. # والمعنى: أنه لا يجتمع الإيمان مع ودادة أعداء الله. # فصل في المراد بهذه الموادة # فإن قيل: أجمعت الأمة على أنه تجوز مخالطتهم ومعاملتهم ومعاشرتهم فما ~~هذه الموادة المحرمة؟. # فالجواب أن الموادة المحرمة هي إرادة منافعه دينا ودنيا مع كونه ~~كافرا، فأما سوى ذلك فلا حظر فيه. # قوله تعالى: " ولو كانوا " هذه " واو " الحال. # وقدم أولا الآباء؛ لأنهم تجب طاعتهم على أبنائهم، ثم ثنى بالأبناء؛ ~~لأنهم أعلق بالقلوب وهم حياتها، قال الحماسي في معنى ذلك، رحمة الله ~~عليه رحمة واسعة: [السريع] # 4733- وإنما أولادنا بيننا # أكبادنا تمشي على الأرض # ثم ثلث بالإخوان؛ لأنهم هم الناصرون بمنزلة العضد من الذراع. # قال رحمه الله: [الطويل] # 4734- أخاك أخاك إن من لا أخا له # كساع إلى الهيجا بغير سلاح # وإن ابن عم المرء - فاعلم - جناحه # وهل ينهض البازي بغير جناح # ثم ربع بالعشيرة؛ لأن بها يستعان وعليها يعتمد. # قال بعضهم، رحمة الله عليه: [البسيط] # 4734- لا يسألون أخاهم حين يندبهم # في النائبات على ما قال برهانا # وقرأ أبو رجاء: " عشيراتهم " ، بالجمع، كما قرأها أبو بكر في " ~~التوبة " كذلك. # فصل في مناسبة الآية # لما بالغ في المنع من هذه الموادة في الآية الأولى من حيث أن الموادة مع ~~الإيمان لا يجتمعان، بالغ هاهنا أيضا من وجوه، وهي قوله تعالى: { ولو ~~كانوا آبآءهم أو أبنآءهم أو إخوانهم أو ~~عشيرتهم } والمعنى: أن الميل إلى هؤلاء أعظم أنواع المحبة، ومع هذا ~~فيجب أن يكون هذا الميل مطرحا بسبب الدين. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت هذه الآية في أبي عبيدة بن الجراح ~~قتل أباه عبد الله بن الجراح يوم " أحد " ، وعمر بن الخطاب - رضي الله ~~عنه - قتل خاله العاص بن هشام بن المغيرة يوم " بدر " ، وأبي بكر - رضي ~~الله عنه - قال ابن جريح: # " حدثت أن أبا قحافة سب النبي صلى الله عليه وسلم فصكه أبو بكر - رضي ~~الله عنه - صكة سقط منها على وجهه ثم أتى النبي صلى الله ms8400 عليه وسلم ~~فذكر ذلك له، فقال: " أو فعلته لا تعد إليه " ، فقال: والذي ~~بعثك بالحق نبيا لو كان السيف مني قريبا لقتلته " # ، ومصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير، وعلي بن أبي طالب وحمزة وعبيدة ~~- رضي الله عنهم - قتلوا عتبة وشيبة والوليد بن عتبة يوم " بدر " أخبر أن ~~هؤلاء لم يوادوا أقاربهم وعشائرهم غضبا لله تعالى ودينه. # فصل في الاستدلال بالآية على معاداة القدرية # قال القرطبي: استدل مالك - رحمه الله - بهذه الآية على معاداة القدرية، ~~وترك مجالستهم. # قال أشهب عن مالك: لا تجالسوا القدرية، وعادوهم في الله، لقول الله عز ~~وجل: { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوآدون من حآد الله ورسوله }. # قال القرطبي: وفي معنى أهل القدر جميع أهل الظلم والعدوان. # وعن الثوري - رضي الله عنه - أنه قال: كانوا يرون أنها نزلت فيمن يصحب ~~السلطان. # وعن عبد العزيز بن أبي رواد: أنه لقي المنصور في الطواف فلما عرفه هرب ~~منه، وتلا هذه الآية. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: # " اللهم لا تجعل لفاجر عندي نعمة، فإني وجدت ~~فيما أوحيت إلي: { لا تجد قوما يؤمنون بالله ~~واليوم الآخر } " # الآية # . قوله: { أولئك كتب }. # قرأ العامة: " كتب " مبنيا للفاعل، وهو الله - سبحانه وتعالى - " ~~الإيمان " نصبا، وأبو حيوة في رواية المفضل: " كتب " مبنيا للمفعول ~~" الإيمان " رفع به. # والضمير في " منه " لله تعالى. # وقيل: يعود على " الإيمان "؛ لأنه روح يحيا به المؤمنون في الدارين. ~~قاله السدي، أي: أيدهم بروح من الإيمان، يدل عليه قوله تعالى: # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا # [الشورى: 52]. # فصل في معنى كتب الإيمان # معنى " كتب الإيمان " أي: خلق في قلوبهم التصديق، يعني من لم يوال من ~~حاد الله. # وقيل: " كتب ": أثبت. قاله الربيع بن أنس. # وقيل: جعل كقوله تعالى: # فاكتبنا مع الشاهدين # [آل عمران: 53] أي: اجعلنا، وقوله تعالى: # فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة # [الأعراف: 156]. # وقيل " كتب " أي: جمع، ومنه الكتيبة، أي: لم يكونوا ممن يقول: نؤمن ~~ببعض، ونكفر ببعض. # وقيل: { كتب في قلوبهم الإيمان } أي: ms8401 على قلوبهم الإيمان، كقوله تعالى: # في جذوع النخل # [طه: 71]. # وخص القلوب بالذكر، لأنها موضع الإيمان. # قوله: " وأيدهم " ، أي: قواهم ونصرهم بروح منه. # قال الحسن: بنصر منه. # قال ابن عباس: نصرهم على عدوهم، وسمى تلك النصرة روحا؛ لأنه به يحيا ~~أمرهم. # وقال الربيع بن أنس رضي الله عنه: بالقرآن وحججه. # وقال ابن جريح: بنور وبرهان وهدى. # وقيل: برحمة من الله. # وقيل: أيدهم بجبريل صلوات الله وسلامه عليه. # قوله: { ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها رضي الله عنهم } أي: قبل أعمالهم { ~~ورضوا عنه } فرحوا بما أعطاهم { أولئك حزب الله ~~ألا إن حزب الله هم المفلحون }. # وهذه في مقابلة قوله تعالى: { أولئك حزب الشيطان ألا ~~إن حزب الشيطان هم الخاسرون } ، وهذه الآية زجر عن ~~التودد إلى الكفار والفساق، والله - سبحانه وتعالى - أعلم ~~بالصواب. # روى الثعلبي في تفسيره عن أبي بن كعب - رضي الله عنه - قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة المجادلة كتب من حزب الله - تعالى - ~~يوم القيامة ". ### | [59 - سورة الحشر] ### || [59.1-4] # قوله تعالى: { سبح لله ما في السماوات وما في ~~الأرض وهو العزيز الحكيم } تقدم نظيره. # قوله تعالى: { هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل ~~الكتاب من ديارهم لأول الحشر }. # قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: سورة الحشر؟ قال: قل: سورة النضير، ~~وهم رهط من اليهود من ذرية هارون - صلوات الله وسلامه عليه - نزلوا ب " ~~المدينة " في فتن بني إسرائيل انتظارا لمحمد صلى الله عليه وسلم فكان ~~من أمرهم ما نص عليه. # قوله: { من أهل الكتاب }. # يجوز أن تكون " من " للبيان، فتتعلق بمحذوف، أي: أعني من أهل الكتاب. # والثاني: أنها حال من " الذين كفروا ". # وقوله تعالى: { من ديارهم } متعلق ب " أخرج " ، ومعناها: ابتداء ~~الغاية، وصحت إضافة الديار إليهم؛ لأنهم أنشئوها. # قوله: { لأول الحشر }. # هذه اللام متعلقة ب " أخرج " وهي لام التوقيت، كقوله تعالى: # لدلوك الشمس # [الإسراء: 78] أي: عند أول الحشر. # وقال الزمخشري: وهي كاللام في قوله تعالى: # يليتني قدمت لحياتي # [الفجر: 24]، وقوله: " جئت لوقت ms8402 كذا " وسيأتي الكلام على هذه " اللام " ~~في سورة " الفجر " إن شاء الله تعالى. # فصل في الكلام على الحشر # قال القرطبي: " الحشر ": الجمع، وهو على أربعة أضرب: # حشران في الدنيا وحشران في الآخرة. # أما اللذان في الدنيا فقوله تعالى: { هو الذي أخرج الذين ~~كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر }. # قال الزهري: كانوا من سبط لم يصبهم جلاء، وكان الله - عز وجل - قد ~~كتب عليهم الجلاء، فلولا ذلك لعذبهم في الدنيا، وكان أول حشر حشروا في ~~الدنيا إلى " الشام ". # قال ابن عباس وعكرمة: من شك أن المحشر في " الشام " فليقرأ هذه الآية. # وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: " اخرجوا " قالوا: إلى أين؟ ~~قال: " إلى أرض المحشر ". # قال قتادة رضي الله عنه: هذا أول المحشر. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: هم أول من حشر من أهل الكتاب، وأخرج من ~~دياره. # وقيل: إنهم أخرجوا إلى " خيبر " ، وإن معنى " لأول الحشر ": إخراجهم من ~~حصونهم إلى " خيبر " ، وآخرهم بإخراج عمر إياهم من " خيبر " إلى " نجد " ~~و " أذرعات ". # وقيل: " تيماء " و " أريحاء " ، وذلك بكفرهم ونقض عهدهم. # وأما الحشر الثاني: فحشرهم قرب القيامة. # قال قتادة: تأتي نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، تبيت معهم حيث ~~باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، وتأكل من تخلف منهم، وهذا ثابت في الصحيح. # وذكروا أن تلك النار ترى بالليل، ولا ترى بالنهار. # قال ابن العربي: للحشر أول ووسط، وآخر. # فالأول: إجلاء بن النضير. # والأوسط: إجلاء خيبر. # والآخر: حشر يوم القيامة. # وعن الحسن: هم بنو قريظة، وخالفه بقية المفسرين، وقالوا: بنو قريظة ما ~~حشروا، ولكنهم قتلوا حكاه الثعلبي. # فصل في نسخ مصالحة أهل الحرب على الجلاء من ديارهم # قال إلكيا الطبري: ومصالحة أهل الحرب على الجلاء من ديارهم من غير ~~شيء لا يجوز الآن، وإنما كان ذلك في دار الإسلام ثم نسخ، والآن فلا بد ~~من قتالهم، أو سبيهم، أو ضرب الجزية عليهم. # قوله تعالى: { ما ظننتم أن يخرجوا } أي: لعظم أمر اليهود ~~لعنهم الله ومنعتهم وقوتهم في ms8403 صدور المسلمين واجتماع كلمتهم. # وقوله تعالى: { وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من ~~الله }. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن المسلمين ظنوا أنهم لعزتهم وقوتهم لا ~~يحتاجون إلى أن يخرجوا من ديارهم. # قيل: المراد بالحصون: الوطيح والنطاة والسلالم والكتيبة. # قوله: { مانعتهم حصونهم }. فيه وجهان: # أحدهما: أن تكون " حصونهم " مبتدأ، و " مانعتهم " خبر مقدم، والجملة ~~خبر " أنهم ". لا يقال: لم لا يقال: " مانعتهم " مبتدأ، لأنه معرفة، ~~و " حصونهم " خبره، ولا حاجة إلى تقديم ولا تأخير؟ لأن القصد الإخبار عن ~~الحصون، ولأن الإضافة غير محضة فهي نكرة. # الثاني: أن تكون " مانعتهم " خبر " أنهم " و " حصونهم " فاعل به، نحو: ~~إن زيدا قائم أبوه، وإن عمرا قائمة جاريته. وجعله أبو حيان أولى؛ لأن ~~في نحو: " قائم زيد " على أن يكون خبرا مقدما ومبتدأ مؤخرا، خلافا، ~~الكوفيون يمنعونه، فمحل الوفاق أولى. # قال الزمخشري: " فإن قلت: فأي فرق بين قولك: وظنوا أن حصونهم تمنعهم، أو ~~" مانعتهم " ، وبين النظم الذي جاء عليه؟. # قلت: بتقديم الخبر على المبتدأ دليل على فرط وثوقهم، ومنعها إياهم، ~~وفي تغيير ضميرهم اسما ل " أن " ، وإسناد الجملة إليه دليل على ~~اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة لا يبالى معها بأحد يتعرض إليهم، ~~وليس ذلك في قولك: حصونهم تمنعهم ". انتهى. # وهذا الذي ذكره إنما يتأتى على الإعراب الأول، وقد تقدم أنه مرجوح. # وتسلط الظن هنا على " أن " المشددة، والقاعدة أنه لا يعمل فيها ولا في ~~المخففة منها إلا فعل " علم " وتعين إجراؤه مجرى اليقين لشدته وقوته، ~~وأنه بمنزلة العلم. # وقوله: { من الله } أي: من أمره. # قوله تعالى: { فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا }. # قال الزمخشري: قرىء " فأتاهم الهلاك " أي: أتاهم أمره وعذابه { من حيث ~~لم يحتسبوا } ، أي: لم يظنوا، وقيل: من حيث لم يعلموا. # وقال ابن جريج والسدي وأبو صالح: " من حيث لم يحتسبوا: بقتل كعب بن ~~الأشرف، وكانوا أهل خلعة وسلاح وقصور منيعة فلم يمنعهم شيء منها ". # وقيل: الضمير في " فأتاهم الله " يعود إلى المؤمنين، أي: فأتاهم نصر ~~الله وتقويته [لا] يمنعهم شيء ms8404 منها. # قوله: { وقذف في قلوبهم الرعب } بقتل سيدهم كعب بن ~~الأشرف، وكان الذي قتله محمد بن مسلمة، وأبو نائلة سلكان بن سلامة بن وقش ~~- وكان أخا كعب بن الأشرف من الرضاعة - وخبره مشهور في السيرة. # قال أهل اللغة: " الرعب ": الخوف الذي يرعب الصدور، أي: يملؤه، ~~وقذفه: إثباته فيه، ومنه قالوا في صفة الأسد: مقذف، كأنه قذف اللحم قذفا ~~لاكتنازه وتداخل أجزائه. # وهذه الآية تدل على أن الأمور كلها من الله تعالى، لأن الآية دلت على ~~أن وقوع ذلك بالرعب صار سببا في إقدامهم على بعض الأفعال، وبالجملة ~~فالفعل لا يحصل إلا عند حصول داعية متأكدة في القلب، وحصول تلك الداعية ~~لا يكون إلا من الله تعالى، فكانت الأفعال بأسرها مستندة إلى الله - ~~تعالى - بهذا الطريق. # قوله: { يخربون بيوتهم } يجوز أن يكون مستأنفا للإخبار به، ~~وأن يكون حالا من ضمير " قلوبهم " ، وليس بذاك. # وقرأ أبو عمرو: " يخربون " بالتشديد، وباقيهم: بالتخفيف. # وهما بمعنى؛ لأن " خرب " عداه أبو عمرو بالتضعيف، وهم بالهمزة. # وعن أبي عمرو: أنه فرق بمعنى آخر، فقال: " خرب " - بالتشديد - هدم ~~وأفسد، و " أخرب " - بالهمزة - ترك الموضع خرابا، وذهب عنه، وهو قول ~~الفراء. # قال المبرد: ولا أعلم لهذا وجها. # و " يخربون " من خرب المنزل وأخربه صاحبه، كقوله: " علم ~~وأعلم، وقام وأقام ". # وإذا قلت: " يخربون بيوتهم " من التخريب فإنما هو تكثير؛ لأن ذكر " ~~بيوتا " تصلح للتقليل والتكثير. # وزعم سيبويه أنهما يتعاقبان في بعض الكلام، فيجري كل واحد مجرى الآخر، ~~نحو: " فرحته وأفرحته ". # قال الأعشى: [المتقارب] # 4736-..................... # وأخربت من أرض قوم ديارا # واختار الهذلي قراءة أبي عمرو لأجل التكثير. # ويجوز أن يكون " يخربون " تفسيرا للرعب فلا محل له أيضا. # قال أبو عمرو: وإنما اخترت التشديد؛ لأن الإخراب ترك الشيء خرابا بغير ~~ساكن، وبنو النضير لم يتركوها خرابا، وإنما خربوها بالهدم، ويؤيده ~~قوله تعالى: { بأيديهم وأيدي المؤمنين }. # فصل في تفسير الآية # قال قتادة والضحاك رحمهما الله تعالى: كان المؤمنون يخربون من خارج ~~ليدخلوا، واليهود يخربون من داخل ليبنوا به ما خرب من حصنهم. # وقال مقاتل: ms8405 إن المنافقين أرسلوا إليهم ألا يخرجوا وتدربوا على ~~الأزقة، وكان المسلمون يخربون سائر الجوانب. # وقيل: إن المسلمين كانوا إذا ظهروا على درب من دروبهم خربوه، وكان ~~اليهود يتأخرون إلى ما وراء بيوتهم وينقبونها من وراء أدبارهم. # وقيل: إن المسلمين كانوا يخربون ظواهر البلد، واليهود لما أيقنوا ~~بالجلاء، فكانوا ينظرون إلى الخشبة في منازلهم مما يستحسنونه، أو الباب ~~فيهدمون بيوتهم، وينزعونها، ويحملونها على الإبل. # فإن قيل: ما معنى تخريبهم لها بأيدي المؤمنين؟. # قلت: لما عرضوهم لذلك، وكانوا السبب فيه، فكأنهم أمروهم به وكلفوه ~~إياهم. # وقال الزهري: " يخربون بيوتهم " بنقض المواعدة، " وأيدي المؤمنين " ~~بالمقاتلة. # وقال أبو عمرو بن العلاء: " بأيديهم " في تركهم لها، " وأيدي المؤمنين " ~~في إجلائهم عنها. # قوله تعالى: { فاعتبروا يأولي الأبصار }. # والاعتبار: مأخوذ هنا من العبور والمجاوزة من شيء إلى شيء، وبهذا سميت ~~العبرة عبرة؛ لأنها تنتقل من العين إلى الخد، وسمي علم التعبير؛ لأن ~~صاحبه ينتقل من المتخيل إلى المعقول، وسميت الألفاظ عبارات؛ لأنها تنقل ~~المعاني عن لسان القائل إلى عقل المستمع. # ويقال: السعيد من اعتبر بغيره؛ لأنه ينتقل عقله من حال ذلك الغير إلى ~~حال نفسه. # ولهذا قال المفسرون: الاعتبار هو النظر في حقائق الأشياء وجهات دلالتها ~~ليعرف بالنظر فيها شيء آخر من جنسها. # وقوله عز وجل: { يا أولي الأبصار }. # قال ابن عباس رضي الله عنهما يريد أهل اللب والعقل والبصائر. # قال الفراء: أي من عاين تلك الوقائع والأبصار جمع البصر. # ومن جملة الاعتبار هنا أنهم اعتصموا بالحصون من الله، فأنزلهم الله - ~~تعالى - منها، وسلط عليهم من كان ينصرهم، وأنهم هدموا أموالهم بأيديهم، ~~ومن لم يعتبر بغيره اعتبر في نفسه. # واستدل الأصوليون بهذه الآية على وجوب العمل بالقياس. # وقوله تعالى: { ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء }. # العامة: على مده وهو الإخراج. # يقال: أجليت القوم، وجلا هو جلاء. # وقال الماوردي: الجلاء أخص من الخروج؛ لأنه لا يقال إلا لجماعة، ~~والإخراج يكون للجماعة والواحد. # وقال غيره: الفرق بينهما أن الجلاء كان مع الأهل والولد، بخلاف ~~الإخراج فإنه لا يستلزم ذلك. ms8406 # وقرأ الحسن وعلي ابنا صالح: " الجلا " بألف فقط. # وطلحة: مهموزا من غير ألف ك " النبأ ". # والمعنى: أنه لولا أنه قضى أنه سيجليهم عن ديارهم، وأنه يبقون مدة، ~~فيؤمن بعضهم ويولد لهم من يؤمن { لعذبهم في الدنيا } أي: ~~بالقتل كما فعل بإخوانهم " بني قريظة " ، والجلاء مفارقة الوطن يقال: جلا ~~بنفسه جلاء، وأجلاه غيره إجلاء. # وأما قوله: { ولهم في الآخرة عذاب النار } ، فهو كلام ~~مبتدأ غير معطوف على ما قبله، إذ لو كان معطوفا على ما قبله لزم ألا ~~يوجد؛ لأن " لولا " تقتضي انتفاء الجزاء لحصول الشرط. # قوله تعالى: { ذلك بأنهم شآقوا الله ورسوله }. # أي: عادوه وخالفوا أمره. # { ومن يشآق الله }. # قرأ طلحة بن مصرف، ومحمد بن السميفع: بالفك، كالمتفق عليه في الأفعال، ~~وأدغم الباقون. # والمقصود من الآية الزجر. ### || [59.5-7] # قوله: { ما قطعتم من لينة }. # " ما " شرطية في موضع نصب ب " قطعتم " ، و " من لينة " بيان له، و " ~~فبإذن الله " جزاء الشرط، فلا بد من حذف، أي: فقطعها بإذن الله، فيكون " ~~بإذن الله " الخبر لذلك المبتدأ. # واللينة: فيها خلاف كبير. # قيل: هي النخلة مطلقا. # وأنشد الشاعر في ذلك: [الطويل] # 4737- كأن قتودي فوقها عش طائر # على لينة سوقاء تهفو جنوبها # وقال ذو الرمة: [الطويل] # 4738- طراق الخوافي واقع فوق لينة # ندى ليله في ريشه يترقرق # وقيل: هي النخلة ما لم تكن عجوة. قاله الزهري، ومالك، وسعيد بن جبير ~~وعكرمة، والخليل. # وقيل: ما لم تكن عجوة ولا برنية، وهو قول أبي عبيدة. # قال جعفر بن محمد: هي العجوة خاصة، وذكر أن العتيق والعجوة كانتا مع نوح ~~في السفينة والعتيق: الفحل، وكانت العجوة أصل الإناث كلها، فلذلك شق ~~على اليهود قطعها حكاه الماوردي. # وقيل: هي النخلة الكريمة، أي: القريبة من الأرض. # وأنشد الأخفش رحمة الله عليه: [الخفيف] # 4739- قد شجاني الحمام حين تغنى # بفراق الأحباب من فوق لينه # وقال سفيان بن عيينة: هي ضرب من النخل، يقال لثمره: اللون. تمره أجود ~~التمر، وهو شديد الصفرة يرى نواه من خارجه، ويغيب فيه الضرس، ~~النخلة منها أحب إليهم من ms8407 وصيف. # وقيل: هي الفسيلة؛ لأنها ألين من النخلة. # وأنشد: [الخفيف] # 4740- غرسوا لينة بمجرى معين # ثم حفوا النخيل بالآجام # وقيل: اللينة هي الأشجار كلها للينها بالحياة، وأنشد بيت ذي الرمة ~~المتقدم. # وقال الأصمعي: إنها الدقل. قال: وأهل " المدينة " يقولون: لا تنتفخ ~~الموائد حتى توجد الألوان يعنون الدقل. # قال ابن العربي: " والصحيح ما قاله الزهري ومالك ". # وفي عين " لينة " قولان: # أحدهما: أنها " واو "؛ لأنها من اللون، وإنما قلبت ياء لسكونها، وانكسار ~~ما قبلها ك " ديمة " و " قيمة ". # الثاني: أنها " ياء "؛ لأنها من اللين. # وجمع اللينة " لين "؛ لأنه من باب اسم الجنس ك " تمرة، وتمر ". # وقد كسر على " ليان " وهو شاذ؛ لأن تكسير ما يفرق بتاء التأنيث شاذ ك ~~" رطبة ورطب وأرطاب ". # وأنشد: [المتقارب] # 4741- وسالفة كسحوق الليا # ن أضرم فيها الغوي الشعر # والضمير في قوله " تركتموها " عائد على معنى " ما ". # قوله: " قائمة ". # قرأ عبد الله والأعمش وزيد بن علي: " قوما " على وزن " ضربا " ~~جمع " قائم " مراعاة لمعنى " ما " فإنه جمع. # وقرأ عبد الله، { ما قطعتم من لينة ولا تركتموها على أصولها } أي: لم ~~تقطعوها. # وقرىء: " قائما " مفردا مذكرا. # وقوله: { أصولها }. # قرىء: " أصلها " بغير " واو " ، وفيه وجهان: # أحدهما: أنه جمع " أصل " نحو: " رهن ورهن ". # والثاني: أن يكون حذف الواو استثقالا لها، واكتفى بالضمة عن " الواو ". # فصل في نزول الآية # روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بنو النضير، وتحصنوا ~~بحصونهم أمر بقطع نخيلهم وإحراقها فجزع أعداء الله عند ذلك، وقالوا: يا ~~محمد زعمت أنك تريد الصلاح، أفمن الصلاح قطع الشجر وعقر النخل؟ وهل ~~وجدت فيما زعمت أنه أنزل عليك الفساد في الأرض؟ فوجد المسلمون في أنفسهم ~~وخشوا أن ذلك فسادا، واختلفوا في ذلك. # فقال بعضهم: لا تقطعوا فإنها مما أفاء الله علينا. # وقال بعضهم: بل نغيظهم بقطعها، وأنزل الله هذه الآية بتصديق من نهى عن ~~قطعه، وتحليل من قطعه من الإثم. # وروي عن عمر - رضي الله عنه - قال: حرق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نخل بني النضير وقطع وهي " البويرة ms8408 " ، فنزل: { ما قطعتم من ~~لينة أو تركتموها قآئمة على أصولها فبإذن ~~الله } أخبر في هذه الآية أن ما قطعوه وما تركوه " فبإذن الله " أي: ~~بأمره { وليخزي الفاسقين }. # و " اللام " في " ليخزي " متعلقة بمحذوف أي: أذن في قطعها ليسر ~~المؤمنين ويعزهم ويخزي الفاسقين. # فصل في هدم حصون الكفار # احتجوا بهذه الآية على أن حصون الكفرة وديارهم يجوز هدمها ~~وتحريقها وتغريقها وأن ترمى بالمجانيق وكذلك أشجارهم. # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنهم قطعوا منها ما كان موضعا للقتال. # وروي أن رجلين كانا يقطعان أحدهما العجوة والآخر اللون، فسألهما رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال هذا: تركتها لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وقال الآخر: قطعتها غيظا على الكفار. # واستدلوا به على جواز الاجتهاد بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم. # قال الماوردي رحمه الله: في هذه الآية دليل على أن كل مجتهد مصيب. # وقال إلكيا الطبري: وإن كان الاجتهاد يبعد في مثله مع وجود النبي صلى ~~الله عليه وسلم بين أظهرهم، ولا شك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رأى ذلك وسكت، فتلقوا الحكم من تقريره فقط. # قال ابن العربي: وهذا باطل لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معهم، ~~ولا اجتهاد مع حضور النبي صلى الله عليه وسلم وإنما يدل على اجتهاد النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيما لم ينزل عليه أخذا بعموم الأذية للكفار، ~~ودخولا في الإذن للكل فيما يقضي عليهم بالبوار، وذلك قوله - عز وجل ~~-: { وليخزي الفاسقين }. # قوله تعالى: { ومآ أفآء الله على رسوله } الآية. # قال المبرد: " يقال: أفاء يفيء، إذا رجع، وأفاء الله، إذا رده ". # وقال الأزهري: " الفيء: ما رده الله على أهل دينه من أموال بلا قتال ~~إما بأن يجلوا عن أوطانهم ويخلوها للمسلمين، أو يصالحون على جزية ~~يؤدونها عن رءوسهم، أو مال غير الجزية يفتدون به من سفك دمائهم، كما ~~فعله بنو النضير حين صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لكل ~~ثلاثة منهم حمل بعير مما شاءوا سوى السلاح، ويتركوا ms8409 الباقي، فهذا المال ~~هو الفيء، وهو ما أفاء الله على المسلمين، أي: رده من الكفار على ~~المسلمين ". # وقوله: " منهم " أي: من يهود بني النضير. # قوله: { فمآ أوجفتم }. # الفاء جواب الشرط، أو زائدة، على أنها موصولة متضمنة معنى الشرط، و " ~~ما " نافية. # والإيجاف: حمل البعير على السير السريع، يقال: وجف البعير والفرس ~~إذا أسرع، يجف وجفا ووجيفا ووجفانا، وأوجفته أنا إيجافا، أي: ~~أتعبته وحركته. # قال العجاج: [الرجز] # 4742- ناج طواه الأين مما وجفا # وقال نصيب: [الطويل] # 4743- ألا رب ركب قد قطعت وجيفهم # إليك ولولا أنت لم يوجف الركب # قوله تعالى: { من خيل }. # " من " زائدة، أي: خيلا، والركاب: الإبل، واحدها: راحلة، ولا واحد ~~لها من لفظها. # قال ابن الخطيب: والعرب لا يطلقون لفظ الراكب إلا على راكب البعير، ~~ويسمون راكب الفرس فارسا. # والمعنى: لم تقطعوا إليها شقة، ولا لقيتم بها حربا ولا مشقة، وإنما ~~كانت من " المدينة " على ميلين قاله الفراء. فمشوا إليها مشيا ولم ~~يركبوا خيلا، ولا إبلا إلا النبي صلى الله عليه وسلم فقيل: إنه ركب ~~جملا. # وقيل: حمارا مخطوما بليف، فافتتحها صلحا. # قال ابن الخطيب: إن الصحابة طلبوا من الرسول - عليه الصلاة والسلام - أن ~~يقسم الفيء بينهم كما يقسم الغنيمة بينهم، فذكر الله - تعالى - الفرق ~~بين الأمرين، وأن الغنيمة هي التي أتعبتم أنفسكم في تحصيلها، وأما الفيء ~~فلم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، فكان الأمر فيه مفوضا إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم يضعه حيث يشاء. # وها هنا سؤال، وهو أن أموال بني النضير أخذت بعد القتال؛ لأنهم حوصروا ~~أياما، وقاتلوا وقتلوا، ثم صالحوا على الجلاء، فوجب أن تكون تلك الأموال ~~من جملة الغنائم لا من جملة الفيء؟ فلهذا السؤال ذكر المفسرون ها هنا ~~وجهين: # الأول: أن هذه الآية ما نزلت في قرى بني النضير؛ لأنهم أوجفوا عليه ~~بالخيل والركاب، وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، بل ~~هي فيء " فدك "؛ لأن أهله انجلوا عنه، فصارت تلك القرى والأموال التي ~~في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ms8410 غير حرب، فكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يأخذ من غلة " فدك " نفقته ونفقة من يعوله، ويجعل ~~الباقي للسلاح والكراع، فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ادعت ~~فاطمة - رضي الله عنها - أنه كان نحلها " فدكا " ، فقال أبو بكر رضي ~~الله عنه: أنت أعز الناس علي فقرا، وأحبهم إلي غنى، لكني لا أعرف صحة ~~قولك، ولا يجوز لي أن أحكم بذلك، فشهدت لها أم أيمن ومولى للرسول صلى ~~الله عليه وسلم فطلب منها أبو بكر الشاهد الذي يجوز شهادته في الشرع ~~فلم يكن فأجرى أبو بكر ذلك على ما كان يجريه الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ينفق منه على من كان ينفق عليه الرسول، ويجعل ما يبقى في السلاح ~~والكراع. # وكذلك عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - جعله في يد علي - رضي الله عنه - ~~يجريه على هذا المجرى، ورد هذا في آخر عهد عمر - رضي الله عنه - وقال: إن ~~بنا غنى وبالمسلمين إليه حاجة. # وكان عثمان - رضي الله عنه - يجريه كذلك، ثم عاد إلى علي - رضي الله عنه ~~- فكان يجريه هذا المجرى، والأئمة الأربعة - رضي الله عنهم - اتفقوا ~~على ذلك. # والقول الثاني: أن هذه الآية نزلت في بني النضير وقراهم، وليس للمسلمين ~~يومئذ كثير خيل ولا ركاب، ولم يقطعوا إليها مسافة كبيرة، وإنما كانوا على ~~ميلين من " المدينة " ، فمشوا إليها مشاة، ولم يركب إلا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلما كانت المقاتلة قليلة، والخيل والركاب غير حاصل أجراه ~~الله - تعالى - مجراه ما لم يحصل فيه المقاتلة أصلا، فخص رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بتلك الأموال فروي أنه صلى الله عليه وسلم قسمها بين ~~المهاجرين، ولم يعط الأنصار شيئا منها إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة: ~~أبو دجانة، وسهل بن حنيف، والحرث بن الصمة. # قال بعض العلماء: لما ترك بنو النضير ديارهم وأموالهم طلب المسلمون أن ~~يكون لهم منها حظ كالغنائم، فبين الله - تعالى - أنها فيء، وكان قد جرى ~~بعض القتال؛ لأنهم حوصروا أياما، وقاتلوا وقتلوا، ثم ms8411 صالحوا على الجلاء، ~~ولم يكن قتال على التحقيق، بل جرى مبادىء القتال، وجرى الحصار، فخص الله ~~- تعالى - تلك الأموال برسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقال مجاهد رضي الله عنه: علمهم الله - تعالى - وذكرهم أنه إنما نصر ~~رسوله صلى الله عليه وسلم ونصرهم بغير كراع ولا عدة. # { ولكن الله يسلط رسله على من يشاء من عباده } من أعدائه. # وفي هذا بيان أن تلك الأموال كانت خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~دون أصحابه - رضي الله عنهم -. # قوله تعالى: { ومآ أفآء الله }. # قال الزمخشري: " لم يدخل العاطف على هذه الجملة؛ لأنها بيان للأولى، فهي ~~منها غير أجنبية عنها ". # قال ابن عباس رضي الله عنهما: هي " قريظة " و " النضير " ، وهما ب " ~~المدينة " و " فدك " وهي على ثلاثة أميال من " المدينة " و " خيبر " ، ~~وقرى " عرينة " و " ينبع " جعلها الله - تعالى - لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم وبين أن في ذلك المال الذي خصه الله - تعالى - لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم سهمانا لغير الرسول صلى الله عليه وسلم تطييبا منه لعباده. # فصل في المراد بذي القربى # قال ابن الخطيب: أجمعوا على أن المراد بذي القربى بنو هاشم، وبنو ~~المطلب. # وقال القرطبي: وقد تكلم العلماء في هذه الآية والتي قبلها على معناهما ~~هل معناهما واحد أو مختلف، والآية التي في الأنفال؟. # فقال بعضهم: إن قوله تعالى: { مآ أفآء الله على رسوله ~~من أهل القرى } منسوخ بآية " الأنفال " من كون الخمس لمن سمي ~~له، والأخماس الأربعة لمن قاتل، وكان في أول الإسلام تقسم الغنيمة على ~~هذه الأصناف، ولا يكون لمن قاتل عليها شيء، وهذا قول يزيد بن رومان، ~~وقتادة وغيرهما، ونحوه عن مالك رضي الله عنه. # وقال بعضهم: ما غنمتم بصلح من غير إيجاف خيل، ولا ركاب، فيكون لمن سمى ~~الله تعالى فيه فيئا، الأول للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة إذا أخذ منه ~~حاجته كان الباقي في مصالح المسلمين. # وقال معمر رضي الله عنه: الأولى: للنبي صلى الله عليه وسلم. والثانية: ~~هي الجزية والخراج للأصناف ms8412 المذكورة فيه. والثالثة: الغنيمة في سورة " ~~الأنفال " للغانمين. # وقال الشافعي رضي الله عنه وبعض العلماء: إن معنى الآيتين واحد، أي: ~~ما حصل من أموال الكفار بغير قتال قسم على خمسة أسهم، أربعة منها لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ويقسم الخمس الباقي على خمسة أسهم؛ سهم لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أيضا، وسهم لذوي القربى، وهم بنو هاشم، وبنو ~~المطلب؛ لأنهم منعوا الصدقة، فجعل لهم حق في الفيء. وسهم لليتامى، وسهم ~~للمساكين، وسهم لأبناء السبيل. # وأما بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم فالذي كان من الفيء لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يصرف عند الشافعي - رضي الله عنه - في قول إلى ~~المجاهدين المترصدين للقتال في الثغور؛ لأنهم القائمون مقام الرسول ~~صلى الله عليه وسلم. # وفي قول آخر: يصرف إلى مصالح المسلمين من سد الثغور، وحفر الأنهار، ~~وبناء القناطر، يقدم الأهم فالأهم، وهذا في أربعة أخماس الفيء. # فأما السهم الذي كان له من خمس الفيء والغنيمة فهي لمصالح المسلمين بعد ~~موته صلى الله عليه وسلم بلا خوف، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " ليس لي من غنائمكم إلا الخمس، والخمس مردود فيكم ". # وكذلك ما خلفه من المال غير موروث، بل هو صدقة عنه يصرف في مصالح ~~المسلمين، لقوله صلى الله عليه وسلم: # " إنا لا نورث ما تركناه صدقة ". # وقيل: كان مال الفيء لنبيه صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: { ومآ ~~أفآء الله على رسوله } فأضافه إليه، غير أنه كان لا يتأثل ~~مالا، إنما كان يأخذ بقدر حاجة عياله، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين. # قال ابن العربي رحمه الله: لا إشكال أنها ثلاثة معان في ثلاث آيات: # فالآية الأولى وهي قوله تعالى: # هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ~~ديارهم لأول الحشر # [الحشر: 2]، ثم قال تعالى: { ومآ أفآء الله على رسوله } ~~يعني: من أهل الكتاب معطوفا عليهم { فمآ أوجفتم عليه من ~~خيل ولا ركاب } يريد - كما بينا - فلا حق لكم فيه، ولذلك قال ~~عمر: كانت خالصة لرسول الله ms8413 صلى الله عليه وسلم يعني بني النضير، وما كان ~~مثلها فهذه آية واحدة، ومعنى متحد. # الآية الثانية: قوله تعالى: { مآ أفآء الله على رسوله ~~من أهل القرى فلله وللرسول } ، وهذا كلام مبتدأ غير ~~الأول لمستحق غير الأول وسمى الآية الثانية آية الغنيمة، ولا شك في أنه ~~معنى آخر باستحقاق آخر لمستحق آخر، بيد أن الآية الأولى والثانية ~~مشتركتان في أن كل واحدة منهما تضمنت شيئا أفاء الله على رسوله، واقتضت ~~الآية الأولى أنه حاصل بغير قتال، واقتضت آية " الأنفال " أنه حاصل ~~بقتال، وعريت الآية الثالثة وهي قوله تعالى: { مآ أفآء الله ~~على رسوله من أهل القرى } ، عن ذكر حصوله بقتال، أو بغير ~~قتال، فمن ها هنا نشأ الخلاف. # فقالت طائفة: هي ملحقة بالأولى، وهو مال الصلح كله ونحوه. # وقالت طائفة: هي ملحقة بآية " الأنفال " ، واختلفوا هل هي منسوخة كما ~~تقدم أو محكمة؟. # قال القرطبي: " وإلحاقها بالتي قبلها؛ لأن فيه تجديد فائدة ومعنى ". # وقد قيل: إن سورة " الحشر " نزلت بعد " الأنفال " ، ومن المحال أن ~~ينسخ المتقدم المتأخر. # فصل في أموال الأئمة والولاة # الأموال التي للأئمة والولاة فيها مدخل ثلاثة أضرب: # الأول: ما أخذ من المسلمين على طريق التطهير لهم كالصدقات والزكوات. # والثاني: الغنائم، وهو ما يحصل في أيدي المسلمين من أموال الكفار بالحرب ~~والقهر والغلبة. # والثالث: الفيء، وهو ما رجع للمسلمين من أموال الكفار عفوا صفوا من ~~غير قتال، ولا إيجاف كالصلح والجزية والخراج والعشور والمأخوذ من تجار ~~الكفار. # ومثله أن يهرب المشركون، ويتركون أموالهم، أو يموت منهم أحد في دار ~~الإسلام ولا وارث له. # فأما الصدقة فمصرفها الفقراء والمساكين والعاملون عليها حسب ما ذكره ~~تعالى في سورة التوبة. # وأما الغنائم فكانت في صدر الإسلام للنبي صلى الله عليه وسلم يصنع فيها ~~ما شاء كما قال في " الأنفال ": # قل الأنفال لله والرسول # [الأنفال: 1] ثم نسخ بقوله تعالى: # واعلموا أنما غنمتم من شيء # [الأنفال: 41] الآية وقد مضى وأما الفيء وقسمته وقسمة الخمس سواء. # قال القرطبي: " والأمر فيهما عند مالك إلى الإمام، فإن ms8414 رأى حبسهما ~~لنوازل تنزل بالمسلمين فعل، وإن رأى قسمتهما، أو قسمة أحدهما، قسمها ~~كلها، أو قسم أحدهما بين الناس، ويستوي فيه غريبهم ومولاهم، ويبدأ ~~بالفقراء من رجال ونساء حتى يغنوا، ويعطي ذوي القربى من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من الفيء سهمهم على ما يراه الإمام، وليس لهم حد معلوم ~~". # وهل يعطي الغني منهم؟. # فأكثر الناس على إعطائه؛ لأنه حق لهم. # وقال مالك رضي الله عنه: لا يعطي منهم غير فقرائهم؛ لأنه جعل لهم عوضا ~~من الصدقة. # وقال الشافعي رضي الله عنه: إن ما حصل من أموال الكفار بغير قتال كان ~~يقسم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم على خمسة وعشرين سهما للنبي صلى ~~الله عليه وسلم عشرون سهما يفعل فيها ما يشاء، والخمس يقسم على ما يقسم ~~عليه خمس الغنيمة. # قال أبو جعفر أحمد بن نصر الداودي: وهذا القول ما سبقه به أحد علمناه، ~~بل كان ذلك خالصا له كما ثبت في الصحيح عن عمر مبينا للآية، ولو كان ~~هذا لكان قوله: # خالصة يوم القيامة # [الأعراف: 32] يجوز أن يشركهم فيها غيرهم. # فصل في تقسيم هذه الأموال # وتقسم هذه الأموال المتقدم ذكرها في البلد الذي جبي فيه، ولا ينقل عن ~~ذلك البلد الذي جبي فيه حتى يغنوا، ثم ينقل إلى الأقرب من غيرهم، إلا ~~أن ينزل بغير البلد الذي جبي فيه فاقة شديدة، فينتقل إلى أهل الفاقة حيث ~~كانوا كما فعل عمر - رضي الله عنه - في أعوام " الرمادة " وكانت خمسة ~~أعوام أو ستة. # وقيل: عامين. # وقيل: عام اشتد فيه الطاعون مع الجوع، وإن لم يكن ما وصفناه. ورأى ~~الإمام إيقاف الفيء أوقفه لنوائب المسلمين، ويبدأ بمن أبوه فقير، والفيء ~~حلال للأغنياء، ويساوي فيه بين الناس، إلا أنه يؤثر أهل الحاجة والفاقة، ~~والتفضيل فيه إنما يكون فيه على قدر الحاجة، ويعطي منه الغرماء ما يؤدون ~~به ديونهم، ويعطي منه الجائزة والصلة إن كان ذلك أهلا، ويرزق القضاة ~~والحكام، ومن فيه مصلحة للمسلمين، وأولاهم بتوفير الحظ منهم أعظمهم ~~للمسلمين نفعا، ms8415 ومن أخذ من الفيء شيئا في الديوان كان عليه أن يغزو إذا ~~وقع الغزو. # قوله تعالى: { كي لا يكون دولة }. # قرأ هشام: " تكون " بالتاء والياء، " دولة " بالرفع فقط، والباقون: ~~بالياء - من تحت - ونصب " دولة " فأما الرفع فعلى أن " كان " تامة، ~~وأما التذكير والتأنيث فواضحتان؛ لأنه تأنيث مجازي. # وأما النصب فعلى أنها الناقصة، واسمها ضمير عائد على الفيء، والتذكير ~~واجب لتذكير المرفوع، و " دولة " خبرها. وقيل " دولة " عائد على " ما " ~~اعتبارا بلفظها. # وقرأ العامة: " دولة " بضم الدال. # وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - والسلمي: بفتحها. # فقيل: هما بمعنى، وهو قول عيسى بن عمر، ويونس، والأصمعي، وهو ما يدول ~~للإنسان، أي: ما يدور من الجد والغنى والغلبة. # وقال الحذاق من البصريين والكسائي: " الدولة " - بالفتح - من ~~الملك - بضم الميم -، وبالضم من " الملك " - بكسرها - أو بالضم في ~~المال، وبالفتح في النصرة. # وهذا يرده القراءة المروية عن علي والسلمي، فإن النصرة غير مرادة قطعا، ~~و " كي لا " علة لقوله تعالى: { فلله وللرسول } أي: استقراره ~~لكذا لهذه العلة. # قال المبرد: الدولة اسم للشيء الذي يتداوله القوم بينهم. # والدولة - بالفتح - انتقال حال سارة من قوم إلى قوم، فالدولة - بالضم ~~- اسم لما يتداول، وبالفتح مصدر من هذا، ويستعمل في الحالة السارة التي ~~تحدث للإنسان، فيقال: هذه دولة فلان، أي قد أقبل، والمعنى: كي لا يكون ~~الفيء الذي حقه أن يعطى للفقراء ليكون لهم بلغة يعيشون بها واقعا في ~~يد الأغنياء ودولة لهم. # والمعنى: فعلنا ذلك في هذا الفيء، كي لا يقسمه الرؤساء والأغنياء ~~والأقوياء بينهم دون الفقراء والضعفاء منها أيضا بعد المرباع ما شاء. # وفيها يقول شاعرهم: [الوافر] # 4744- لك المرباع منها والصفايا # ............................ # يقول: لئلا يعمل فيه كما كان يعمل في الجاهلية. # قال الكلبي: إنها نزلت في رؤساء المسلمين، قالوا فيما ظهر عليه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من أموال المشركين: يا رسول الله، خذ صفيك ~~والربح، ودعنا والباقي، فهكذا كنا نفعل في الجاهلية؛ وأنشد: [الوافر] # 4745- لك المرباع منها والصفايا # وحكمك والنشيطة والفضول # فأنزل الله - تعالى - هذه ms8416 الآية. # قوله تعالى: { ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم ~~عنه } [من الأخذ والغلول " فانتهوا " ]. # قاله الحسن وغيره. # وقال السدي: ما أعطاكم من مال الفيء فاقبلوه، وما منعكم عنه فلا تطلبوه، ~~قال ابن جريج: ما آتاكم من طاعتي فافعلوه، وما نهاكم عنه من معصيتي ~~فاجتنبوه. # فصل في أن أوامر النبي صلى الله عليه وسلم من أوامر الله تعالى # هذه الآية تدل على أن كل ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أمر من ~~الله - تعالى - لأن الآية وإن كانت في الغنائم، فجميع أوامره صلى الله ~~عليه وسلم ونواهيه داخل فيها. # قال عبد الرحمن بن زيد: لقي ابن مسعود رجلا محرما وعليه ثيابه، فقال: ~~انزع عنك هذا. # فقال الرجل: اتقرأ علي بهذه آية من كتاب الله تعالى؟ قال نعم: { ومآ ~~آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا }. # وقال عبد الله بن محمد بن هارون الفريابي: سمعت الشافعي - رضي الله عنه ~~- يقول: سلوني عما شئتم أخبركم من كتاب الله - تعالى - وسنة نبيكم ~~صلى الله عليه وسلم قال: فقلت له: أصلحك الله، ما تقول في المحرم يقتل ~~الزنبور؟ قال: فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: { ~~ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ~~}. وحدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن خراش عن حذيفة ~~بن اليمان - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر رضي الله ~~عنهما ". # حدثنا سفيان بن عيينة بن مسعر بن كدام، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب ~~عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه أمر بقتل الزنبور. # وهذا الجواب في غاية الحسن أفتى بجواز قتل الزنبور في الإحرام، وبين ~~أنه يقتدي فيه ب " عمر " ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالاقتداء ~~به، وأن الله - تعالى - أمر بقبول ما يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم ~~فجواز قتله مستنبط من الكتاب والسنة. # وسئل عكرمة عن أمهات الأولاد، فقال: هل هن أحرار؟ ms8417 فقال: في سورة ~~النساء في قوله تعالى: # أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم # [النساء: 59]. # وفي " صحيح مسلم " وغيره عن علقمة عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات ~~والمتفلجات للحسن، المغيرات لخلق الله " # فبلغ ذلك امرأة من " بني أسد " يقال لها: أم يعقوب، فجاءت فقالت: إنه ~~بلغني أنك لعنت كيت وكيت، فقال: وما لي لا ألعن من لعنه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو في كتاب الله تعالى، فقالت: لقد قرأت ما بين الدفتين ~~فما وجدت فيه ما تقول، فقال: إن كنت قرأتيه فقد وجدتيه، أما قرأت: [ { ~~ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ~~}. # قالت: بلى، قال: فإنه قد نهى الله عنه. الحديث. # فصل في الكلام على الآية # قوله تعالى: { ومآ آتاكم الرسول فخذوه }. # وإن جاء بلفظ الإيتاء وهو المناولة، فإن معناه الأمر بدليل قوله تعالى]: ~~{ وما نهاكم عنه فانتهوا }. # فقابله بالنهي، ولا يقابل النهي إلا بالأمر، بدليل ما تقدم، مع قوله صلى ~~الله عليه وسلم # " إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا ~~نهيتكم عن شيء فانتهوا ". # قوله: { واتقوا الله } أي: عذاب الله، إنه شديد لمن عصاه. # وقيل: اتقوا الله في أوامره ونواهيه، فلا تضيعوها، { فإن الله ~~شديد العقاب }. ### || [59.8-9] # قوله تعالى: { للفقرآء } فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه بدل من " لذي القربى ". قاله أبو البقاء والزمخشري. # قال أبو البقاء: " قيل: هو بدل من " لذي القربى " وما بعده ". # [وقال الزمخشري: بدل من " لذي القربى " وما عطف عليه]، والذي منع ~~الإبدال من " لله وللرسول " والمعطوف عليهما، وإن كان المعنى لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن الله - عز وجل - أخرج رسوله صلى الله عليه وسلم من ~~الفقراء في قوله: { وينصرون الله ورسوله } وأن الله - ~~تعالى - يترفع برسوله صلى الله عليه وسلم عن تسميته بالفقير، وأن ~~الإبدال على ظاهر اللفظ من خلاف الواجب في تعظيم الله عز وجل. # يعني أنه لو قيل: بأنه بدل من " الله ورسوله " صلى ms8418 الله عليه وسلم وهو ~~قبيح لفظا، وإن كان المعنى على خلاف هذا الظاهر كما قيل: إن معناه لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وإنما ذكر الله - عز وجل - تفخيما، وإلا فالله ~~- تعالى - غني عن الفيء وغيره، وإنما جعله بدلا من " لذي القربى "؛ ~~لأنه حنفي، والحنفية يشترطون الفقر في إعطاء ذوي القربى من الفيء. # الثاني: أنه بيان لقوله تعالى: # والمساكين وابن السبيل # [الحشر: 7]، وكررت لام الجر لما كانت الأولى مجرورة ب " اللام " ليبين ~~أن البدل إنما هو منها. قاله ابن عطية. # وهي عبارة قلقة جدا. # الثالث: أن " للفقراء " خبر لمبتدأ محذوف، أي: ولكن الفيء للفقراء. # وقيل: تقديره: ولكن يكون للفقراء، وقيل: اعجبوا للفقراء. # قوله " يبتغون " يجوز أن يكون حالا، وفي صاحبها وجهان: # أحدهما: للفقراء. # والثاني: " واو " أخرجوا. قالهما مكي. # فصل في معنى الآية # ومعنى الآية أن الفيء والغنائم للفقراء والمهاجرين. # وقيل: { كي لا يكون دولة بين الأغنياء } ولكن يكون " للفقراء " وهو مبني ~~على الإعراب المتقدم، وعلى القول بأنه بيان لذوي القربى، " واليتامى ~~والمساكين " أي: المال لهؤلاء؛ لأنهم فقراء ومهاجرون، وقد أخرجوا من ~~ديارهم فهم أحق الناس به. # وقيل: # ولكن الله يسلط رسله على من يشآء # [الحشر: 6] للفقراء المهاجرين كي لا يكون المال دولة بين الأغنياء ~~مهاجرين من بني الدنيا. # وقيل: والله شديد العقاب للفقراء المهاجرين، أي: شديد العقاب للكافر ~~بسبب الفقراء المهاجرين ومن أجلهم، ودخل في هؤلاء الفقراء المتقدم ذكرهم ~~في قوله تعالى: # ولذي القربى واليتامى # [الحشر: 7]. # قال القرطبي: " وقيل: هو عطف على ما مضى، ولم يأت بواو العطف كقولك: هذا ~~المال لزيد لبكر لفلان. # و " المهاجرون ": من هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم حبا فيه ~~ونصرة له ". # وقال قتادة: هؤلاء المهاجرين الذين تركوا الديار والأموال والأهلين ~~والأوطان حبا لله - عز وجل - ولرسوله صلى الله عليه وسلم حتى إن ~~الرجل منهم كان يعصب على بطنه ليقيم به صلبه من الجوع، وكان الرجل ~~يتخذ الحفيرة في الشتاء ما له دثار غيرها. # قوله تعالى: { الذين أخرجوا من ديارهم } أي: أخرجهم كفار ~~" مكة ms8419 " ، أي: أحوجوهم إلى الخروج، وكانوا مائة رجل " يبتغون " أي: ~~يطلبون { فضلا من الله }: أي غنيمة في الدنيا " ورضوانا " في ~~الآخرة أي: مرضاة ربهم { وينصرون الله ورسوله } في الجهاد { ~~أولئك هم الصادقون } في فعلهم ذلك. # وروي أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - خطب ب " الجابية " ، فقال: من ~~أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبي بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض ~~فليأت زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقه، فليأت معاذ بن جبل، ~~ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فإن الله - تعالى - جعلني له خازنا ~~وقاسما، ألا وإني باد بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم فمعطيهن، ثم ~~بالمهاجرين الأولين أنا وأصحابي، أخرجنا من " مكة " من ديارنا وأموالنا. # قوله: { أولئك هم الصادقون }. # يعني: أنهم لما هجروا لذات الدنيا، وتحملوا شدائدها لأجل الدين ظهر ~~صدقهم في دينهم. # قوله تعالى: { والذين تبوءو الدار والإيمان من ~~قبلهم }. # يجوز في قوله: { والذين تبوءوا الدار } وجهان: # أحدهما: أنه عطف على " الفقراء " فيكون مجرورا، ويكون من عطف المفردات، ~~ويكون " يحبون " حالا. # والثاني: أن يكون مبتدأ، خبره " يحبون " ويكون حينئذ من عطف الجمل. # وفي قوله: " والإيمان ". ستة أوجه: # أحدها: أنه ضمن " تبوءوا " معنى لزموا، فيصح عطف الإيمان عليه، إذ ~~الإيمان لا يتبوأ. # الثاني: أنه منصوب بمقدر، أي: واعتقدوا، أو وألفوا، أو وأحبوا، أو ~~وأخلصوا، كقوله: [الرجز] # 4746- علفتها تبنا وماء باردا # ....................... # وقوله: [مجزوء الكامل] # 4747-..................... # متقلدا سيفا ورمحا # الثالث: أنه يتجوز في الإيمان، فيجعل اختلاطه بهم وثباتهم عليه كالمكان ~~المحيط بهم، فكأنهم نزلوه، وعلى هذا فيكون جمع بين الحقيقة والمجاز في ~~كلمة واحدة. وفيه خلاف مشهور. # الرابع: أن يكون الأصل: دار الهجرة، ودار الإيمان، فأقام " لام " ~~التعريف في " الدار " مقام المضاف إليه، وحذف المضاف من دار الإيمان، ~~ووضع المضاف إليه مقامه. # الخامس: أن يكون سمى " المدينة "؛ لأنها دار الهجرة، ومكان ظهور ~~الإيمان. # قال بهذين الوجهين الزمخشري. # وليس فيه إلا قيام " ال " مقام المضاف إليه، وهو محل نظر، وإنما يعرف ~~الخلاف، هل يقوم " ال " مقام الضمير المضاف ms8420 إليه؟. # فالكوفيون يجيزونه، كقوله: # فإن الجنة هي المأوى # [النازعات: 41] أي: مأواه. # [والبصريون: يمنعونه، ويقولون: الضمير محذوف، أي: المأوى له]. # وقد تقدم تحرير هذا وأما كونها عوضا من المضاف إليه فلا نعرف فيه ~~خلافا. # السادس: أنه منصوب على المفعول معه أي: مع الإيمان معا. قاله ابن عطية. # وقال: وبهذا الاقتران يصح معنى قوله " من قبلهم " فتأمله. # قال شهاب الدين: " وقد شرطوا في المفعول معه أن يجوز عطفه على ما قبله ~~حتى جعلوا قوله تعالى: # فأجمعوا أمركم وشركآءكم # [يونس: 71] من باب إضمار الفعل؛ لأنه لا يقال: أجمعت شركائي، إنما يقال: ~~جمعت ". # فصل في المراد بهذا التبوء # " التبوء ": التمكن والاستقرار، وليس يريد أن الأنصار آمنوا قبل ~~المهاجرين، بل أراد آمنوا قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، ولا ~~خلاف أن الذين تبوءوا الدار هم الأنصار الذين استوطنوا " المدينة " ~~قبل المهاجرين إليها، والمراد بالدار: " المدينة ". # والتقدير: والذين تبوءوا الدار من قبلهم. # فصل # قيل هذه الآية معطوفة على قوله: " للفقراء المهاجرين " وأن الآيات في " ~~الحشر " كلها معطوفة بعضها على بعض. # قال القرطبي: ولو تأملوا ذلك، وأنصفوا لوجدوه على خلاف ما ذهبوا إليه؛ ~~لأن الله - تعالى - يقول: # هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ~~ديارهم # [الحشر: 2] - إلى قوله - " الفاسقين " فأخبر عن بني النضير وبني قينقاع، ~~ثم قال تعالى: # ومآ أفآء الله على رسوله منهم فمآ أوجفتم ~~عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط ~~رسله على من يشآء # [الحشر: 6] فأخبر أن ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم لأنه لم يوجف عليه ~~حين خلوه، وما تقدم فيهم من القتال، وقطع شجرهم فقد كانوا رجعوا عنه ~~وانقطع ذلك الأمر، ثم قال تعالى: # مآ أفآء الله على رسوله من أهل القرى فلله ~~وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين ~~وابن السبيل # [الحشر: 7]، وهذا كلام غير معطوف على الأول، وكذا { والذين تبوءوا ~~الدار والإيمان } ابتداء كلام في مدح الأنصار والثناء عليهم، فإنهم ~~سلموا ذلك الفيء للمهاجرين، وكأنه قال: الفيء للفقراء المهاجرين، ~~والأنصار يحبون لهم لم يحسدوهم على ما صفا ms8421 لهم من الفيء، وكذا # والذين جآءو من بعدهم # [الحشر: 10] ابتداء كلام، والخبر # يقولون ربنا اغفر لنا # [الحشر: 10]. # وقال إسماعيل بن إسحاق: إن قوله تعالى: { والذين تبوءو ~~الدار } ، # والذين جآءو من بعدهم # [الحشر: 10] معطوف على ما قبله، وأنهم شركاء في هذا الفيء، أي: هذا ~~المال للمهاجرين، والذين تبوءوا الدار والإيمان. # وقال مالك بن أوس: قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه: # إنما الصدقات للفقرآء والمساكين # [التوبة: 60]. # ثم قال: هذه لهؤلاء، ثم قرأ: # واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه # [الأنفال: 41]، فقال: هذه لهؤلاء، ثم قرأ: # ومآ أفآء الله على رسوله # [الحشر: 6] حتى بلغ { للفقرآء المهاجرين } ، { والذين ~~تبوءو الدار والإيمان } ، # والذين جآءو من بعدهم # [الحشر: 10] ثم قال: لئن عشت ليأتين الراعي ب " سرو حمير " نصيبه ~~منها لم يعرق جبينه. # وقيل: إنه دعا للمهاجرين والأنصار واستبشارهم بما فتح الله عليه من ذلك، ~~وقال لهم: تبينوا الأمر وتدبروه ثم اغدوا علي ففكر في ليلته، فتبين له ~~أن هذه الآيات في ذلك أنزلت فلما غدوا عليه، قال: قد مررت البارحة ~~بالآيات التي في سورة " الحشر " وتلا: # مآ أفآء الله على رسوله من أهل القرى # [الحشر: 7] إلى قوله تعالى: { للفقرآء المهاجرين } فلما بلغ ~~قوله: { أولئك هم الصادقون } قال: ما هي لهؤلاء فقط، وتلا ~~قوله: { والذين جآءو من بعدهم } [الحشر: 10] إلى قوله # رءوف رحيم # [الحشر: 10] ثم قال: ما بقي أحد من أهل الإسلام إلا وقد دخل في ذلك. # فصل # روى مالك بن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر - رضي الله عنه - قال: لولا من ~~يأتي من آخر الناس ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خيبر. # وصح عن عمر أنه أبقى سواد " العراق " و " مصر " وما ظهر عليه من الغنائم ~~ليكون في أعطيات المقاتلة، وأرزاق الجيش والذراري، وأن الزبير وبلالا ~~وغير واحد من الصحابة أرادوه على قسم ما فتح عليهم، فكره ذلك منهم. # واختلف فيما فعل من ذلك: فقيل: إنه استطاب أنفس أهل الجيش فمن رضي له ~~بترك حظه ms8422 بغير ثمن ليبقيه للمسلمين فله، ومن أبى أعطاه ثمن حظه فمن قال: ~~إنما أبقى الأرض بعد استطابة أنفس القوم جعل فعله كفعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأنه قسم " خيبر " ، لأن اشتراءه إياها وترك من ترك عن طيب ~~نفسه بمنزلة قسمها. # وقيل: إنه أبقاها بغير شيء أعطاه أهل الجيوش. # وقيل: إنه تأول في ذلك قول الله تعالى: { للفقرآء المهاجرين ~~} إلى قوله: # ربنآ إنك رءوف رحيم # [الحشر: 10] على ما تقدم أيضا. # فصل في اختلاف الفقهاء في قسمة العقار # اختلفوا في قسمة العقار، فقال مالك - رضي الله عنه - للإمام أن يوقفها ~~لمصالح المسلمين. # وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: الإمام مخير بين قسمتها، أو وقفها لمصالح ~~المسلمين. # وقال الشافعي - رضي الله عنه - ليس للإمام حبسها عنهم بغير رضاهم، بل ~~يقسمها عليهم كسائر الأموال، فمن طاب نفسا عن حقه للإمام أن يجعلها ~~وقفا عليهم فله، ومن لم تطب نفسه فهو أحق بماله. # وعمر - رضي الله عنه - استطاب نفوس القائمين واشتراها منهم، وعلى هذا ~~يكون قوله تعالى: # والذين جآءو من بعدهم # [الحشر: 10] مقطوعا مما قبله، وأنهم ندبوا بالدعاء للأولين والثناء ~~عليهم. # فصل في فضل المدينة # قال القرطبي: " روى ابن وهب قال: سمعت مالكا يذكر فضل " المدينة " على ~~غيرها من الآفاق، فقال: إن " المدينة " تبوئت بالإيمان والهجرة، وإن ~~غيرها من القرى افتتحت بالسيف، ثم قرأ: { والذين تبوءو ~~الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر ~~إليهم } الآية ". # قوله تعالى: { ولا يجدون في صدورهم حاجة ممآ ~~أوتوا }. فيه وجهان: # أحدهما: أن الحاجة هنا على بابها من الاحتياج إلا أنها واقعة موقع ~~المحتاج إليه، والمعنى: لا يجدون طلب محتاج إليه مما أوتي المهاجرون من ~~الفيء وغيره، والمحتاج إليه يسمى حاجة تقول: خذ منه حاجتك، وأعطاه من ~~ماله حاجته. قاله الزمخشري. # فعلى هذا يكون الضمير الأول للجائين بعد المهاجرين، وفي " أوتوا " ~~للمهاجرين. # والثاني: أن الحاجة هنا من الحسد. # قال الحسن: حسدا وحزازة مما أوتوا المهاجرين دونهم، وأطلق لفظ الحاجة ~~على الحسد والغيظ والحزازة؛ لأن هذه الأشياء لا تنفك عن ms8423 الحاجة فأطلق اسم ~~اللازم على الملزوم على سبيل الكناية. # والضميران على ما تقدم قبل. # وقال أبو البقاء: " الحاجة مس حاجة ". أي: أنه حذف المضاف للعلم به، ~~وعلى هذا، فالضميران ل { الذين تبوءو الدار والإيمان }. # وقال القرطبي: " يعني لا يحسدون المهاجرين على ما خصوا به من مال ~~الفيء وغيره، كذلك قال الناس. وفيه تقدير حذف مضافين، والمعنى: مس حاجة ~~من فقد ما أوتوا، وكل ما يجد الإنسان في صدره مما يحتاج إلى إزالته فهو ~~حاجة ". # فصل في سبب نزول الآية # قال القرطبي: # " كان المهاجرون في دور الأنصار، فلما غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أموال بني النضير، دعا الأنصار وشكرهم فيما صنعوا مع المهاجرين في ~~إنزالهم إياهم في منازلهم وإشراكهم في الأموال، ثم قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " إن أحببتم قسمت ما أفاء الله علي ~~من بني النضير بينكم وبينهم، وكان المهاجرون على ما ~~هم عليه من السكنى في مساكنكم وأموالكم، وإن ~~أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دياركم " ، فقال سعد بن ~~عبادة وسعد بن معاذ - رضي الله عنهما - بل نقسمه بين ~~المهاجرين، ويكونون في دورنا كما كانوا، ونادت الأنصار: ~~رضينا وسلمنا يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار " وأعطى رسول ~~الله للمهاجرين، ولم يعط الأنصار إلا الثلاثة الذين ذكرناهم ". # ويحتمل أن يريد به { ولا يجدون في صدورهم حاجة ممآ ~~أوتوا } إذا كانوا قليلا يقنعون به، ويرضون عنه، وقد كانوا على هذه ~~الحال حين حياة النبي صلى الله عليه وسلم دنيا، ثم كانوا عليه بعد موته ~~صلى الله عليه بحكم الدنيا، وقد أنذرهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: # " سترون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض ~~". # قوله: { ويؤثرون على أنفسهم }. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: # " قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم بني النضير: " إن شئتم قسمتم ~~للمهاجرين من أموالكم ودياركم وشاركتموهم في هذه ~~الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم نقسم ~~لكم من الغنيمة شيئا ". فقالت الأنصار: بل ms8424 نقسم لإخواننا من ~~ديارنا وأموالنا ونؤثرهم بالغنيمة " # ، فنزل: { ويؤثرون على أنفسهم } الآية. # قال ابن الخطيب: " وذكر المفسرون أنواعا من إيثار الأنصار للضيف ~~بالطعام، وتعللهم عنه حتى يشبع الضيف، ثم ذكروا أن هذه الآية نزلت في ذلك ~~الإيثار، والصحيح أنها نزلت بسبب إيثارهم المهاجرين بالفيء، ثم لا يمتنع ~~أن يدخل فيها سائر الإيثارات. # فذكر القرطبي: أن الترمذي روى عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رجلا ~~بات به ضيف، ولم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه، فقال لامرأته: نومي ~~الصبية، وأطفئي السراج، وقربي للضيف ما عندك، فنزلت هذه الآية ". # وخرجه مسلم أيضا: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: # " جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني مجهود، فأرسل ~~إلى بعض نسائه، فقالت: والذي بعثك بالحق نبيا ما عندي إلا ماء، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من يضيف هذا الليلة رحمه الله؟ " ~~فقام رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله أنا، فانطلق به إلى رحله، فقال ~~لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا، إلا قوت صبياني، قال: فعلليهم بشيء، ~~فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج " # ، وذكر نحو الحديث الأول. # وفي رواية: فقام رجل من الأنصار يقال له: أبو طلحة، فانطلق به إلى رحله. # وذكر المهدوي: أنها نزلت في ثابت بن قيس، ورجل من الأنصار يقال له: أبو ~~المتوكل، ولم يكن عند أبي المتوكل إلا قوته. # وذكر القشيري قال: أهدي لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس ~~شاة فقال: إن أخي فلانا وعياله أحوج إلى هذا منا، فبعثه إليه ولم يزل ~~يبعث به واحد إلى آخر حتى تداولها سبعة أبيات حتى رجعت إلى أولئك، فنزلت: ~~{ ويؤثرون على أنفسهم } الآية. # وذكر الثعلبي عن أنس، قال: أهدي لرجل من الصحابة رأس شاة، وكان مجهودا ~~فوجه به إلى جار له، فتداوله سبعة أنفس في سبعة أبيات، ثم عاد إلى الأول، ~~فنزلت الآية. # فصل في معنى الإيثار # الإيثار هو تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنيوية رغبة في الحظوظ ~~الأخروية، وذلك ms8425 ينشأ عن قوة اليقين وتوكيد المحبة، والصبر على المشقة، ~~يقال: آثرته بكذا، أي: خصصته به وفضلته، ومفعول الإيثار محذوف، أي: ~~يؤثرونهم على أنفسهم بأموالهم ومنازلهم، لا عن غنى بل مع احتياجهم ~~إليها. # فإن قيل: قد صح في الخبر النهي عن التصدق بجميع ما يملكه المرء؟. # فالجواب: إنما كره ذلك في حق من لا يوثق به بالصبر على الفقر، وخاف أن ~~يتعرض للمسألة إذا فقد ما ينفقه، فأما الأنصار الذين أثنى الله - تعالى ~~- عليهم بالإيثار على أنفسهم، فكانوا كما قال الله تعالى: # والصابرين في البأسآء والضراء وحين البأس # [البقرة: 177]. # فكان الإيثار فيهم أفضل من الإمساك، والإمساك لمن لا يصبر ويتعرض ~~للمسألة أولى من الإيثار. # " كما روي أن رجلا جاء إلى النبي بمثل البيضة من الذهب، فقال هذه ~~صدقة، فرماه بها، وقال: " يأتي أحدكم بجميع ما يملكه ~~فيتصدق به، ثم يقعد فيتكفف الناس " # انتهى. # فصل في الإيثار بالنفس # الإيثار بالنفس فوق الإيثار بالمال وإن عاد إلى النفس. # ومن الأمثال: [البسيط] # 4748- الجود بالمال جود ومكرمة # والجود بالنفس أقصى غاية الجود # وأفضل من الجود بالنفس الجود على حماية رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ففي الصحيح: أن أبا طلحة ترس على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، ~~وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتطلع ليرى القوم، فيقول له أبو طلحة: لا ~~تشرف يا رسول الله، لا يصيبونك، نحري دون نحرك يا رسول الله ووقى بيده ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فشلت. # وقال حذيفة العدوي: انطلقت يوم " اليرموك " أطلب ابن عم لي [ومعي شيء ~~من الماء وأنا أقول: إن كان به رمق سقيته، فإذا أنا به، فقلت له: أسقيك، ~~فأشار برأسه أن نعم]، فإذا أنا برجل يقول: آه آه فأشار إلي ابن عمي أن ~~انطلق إليه، فجئت إليه، فإذا هو هشام بن العاص، فقلت: أسقيك؟ فأشار أن ~~نعم، فسمعت آخر يقول: آه آه فأشار هشام أن انطلق إليه، فجئت إليه، فإذا ~~هو قد مات، فرجعت إلى هشام، فإذا هو قد مات، فرجعت إلى ms8426 ابن عمي فإذا هو ~~قد مات. # وقال أبو اليزيد البسطامي رحمه الله: ما غلبني أحد سوى شاب من أهل " بلخ ~~" قدم علينا حاجا، وقال: يا أبا اليزيد، ما حد الزهد عندكم؟. # فقلت له: إذا وجدنا أكلنا وإذا فقدنا صبرنا. # فقال: هكذا كلاب " بلخ " عندنا. # فقلت: وما حد الزهد عندكم؟. # قال: إذا فقدنا شكرنا، وإذا وجدنا آثرنا. # وسئل ذو النون المصري: ما حد الزهد؟ قال: ثلاث، تفريق المجموع، وترك ~~طلب المفقود، والإيثار عند الفوت. # وحكي عن أبي الحسن الأنطاكي: أنه اجتمع عنده نيف وثلاثون رجلا بقرية من ~~قرى " الري " ومعهم أرغفة معدودة لا تشبح جميعهم، فكسروا الرغفان وأطفئوا ~~السراج، وجلسوا للطعام، فلما فرغوا فإذا الطعام بحاله لم يأكل أحد منهم ~~شيئا إيثارا لصاحبه على نفسه. # قوله تعالى: { ولو كان بهم خصاصة }. # هذه واو الحال، والخصاصة: الحاجة، وأصلها من خصاص البيت، وهي فروجه، ~~وحال الفقير يتخللها النقص، فاستعير لها ذلك. # وقال القرطبي: " أصلها من الاختصاص، وهو الانفراد بالأمر، فالخصاصة: ~~انفراد بالحاجة، أي: ولو كانت بهم فاقة وحاجة ". # ومنه قول الشاعر: [الكامل] # 4749- أما الربيع إذا تكون خصاصة # عاش السقيم به وأثرى المقتر # قوله تعالى: { ومن يوق شح نفسه }. # العامة على سكون الواو، وتخفيف القاف من الوقاية، وابن أبي عبلة وأبو ~~حيوة: بفتح الواو وتشديد القاف. # والعامة - بضم الشين - من " شح " ، [وابن أبي عبلة] وابن عمر - رضي الله ~~عنهما - بكسرها. # قال القرطبي: الشح والبخل سواء، يقال: رجل شحيح بين الشح ~~والشح والشحاحة. # قال عمرو بن كلثوم: [الوافر] # 4750- ترى اللحز الشحيح إذا أمرت # عليه لماله فيها مهينا # وجعل بعض أهل اللغة الشح أشد من البخل. # وفي " الصحاح ": الشح: البخل مع حرص، شححت - بالكسر - تشح، ~~وشححت أيضا تشح وتشح، ورجل شحيح، وقوم شحاح وأشحة. # والمراد بالآية: الشح بالزكاة، وما ليس بفرض من صلة ذوي الأرحام ~~والضيافة، وما شاكل ذلك، فليس بشحيح ولا بخيل من أنفق في ذلك وإن أمسك ~~عن نفسه، ومن وسع على نفسه ولم ينفق فيما ذكرنا من الزكوات والطاعات ~~فلم يوق شح نفسه. ms8427 # روى الأسود عن ابن مسعود رضي الله عنه: أن رجلا أتاه فقال: إني أخاف ~~أن أكون قد هلكت، قال: وما ذاك؟ قال: سمعت الله يقول: { ومن يوق ~~شح نفسه فأولئك هم المفلحون } وأنا رجل شحيح لا ~~أكاد أخرج من يدي شيئا، فقال ابن مسعود: ليس ذلك الذي ذكر الله - تعالى ~~-، إنما الشح أن تأكل مال أخيك ظلما، ولكن ذلك هو البخل، وبئس ~~الشيء البخل، ففرق رضي الله عنه بين الشح والبخل. # وقال طاوس: البخل أن يبخل الإنسان بما في يده، والشح أن يشح بما في ~~أيدي الناس، يجب أن يكون له ما في أيديهم بالحل والحرام فلا يقنع. # قال ابن زيد: ليس الشح أن يمنع الرجل ماله، إنما الشح أن تطمح عين ~~الرجل فيما ليس له. # وقال ابن جريج: الشح: منع الزكاة وادخار الحرام. # وقال ابن عيينة: الشح: الظلم. # وقال الليث: ترك الفرائض وانتهاك المحارم. # وقال ابن عباس: من اتبع هواه، ولم يقبل الإيمان، فذلك هو الشحيح. # وقال ابن زيد: من لم يأخذ شيئا نهاه الله عنه، ولم يمنع شيئا أمره ~~الله بإعطائه، فقد وقاه الله شح نفسه. # وقال أنس رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " برىء من الشح من أدى الزكاة وأقرى الضيف، ~~وأعطى في النائبة ". # وعنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو # " اللهم إني أعوذ بك من شح نفسي، وإسرافها ~~وسوآتها ". # وقال أبو الهياج الأسدي: رأيت رجلا في الطواف يدعو: اللهم قني شح ~~نفسي، لا يزيد على ذلك، فقلت له، فقال: إذا وقيت شح نفسي لم أسرق ولم ~~أزن ولم أفعل، فإذا الرجل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه. # قال القرطبي: ويدل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم: # " اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، ~~واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم ~~على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم ". # وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " لا يجتمع غبار في سبيل الله ms8428 ودخان جهنم في جوف ~~عبد أبدا، ولا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد ~~أبدا ". # وقال كسرى لأصحابه: أي شيء أضر بابن آدم؟ قالوا: الفقر، فقال: الشح ~~أضر من الفقر، لأن الفقير إذا وجد شبع، والشحيح إذا وجد لم يشبع أبدا. ### || [59.10-16] # قوله تعالى: { والذين جآءو }. يحتمل الوجهين المتقدمين في " ~~الذين " قبله، فإن كان معطوفا على " المهاجرين " ، ف " يقولون " حال ل ~~" يحبون " أي: قائلين أو مستأنف، وإن كان مبتدأ ف " يقولون " خبره. # فصل # هذه الآيات قد استوعبت جميع المؤمنين؛ لأنهم إما المهاجرون أو الأنصار. ~~{ والذين جآءو من بعدهم }. قال بعض المفسرين: هذا عطف على " ~~المهاجرين " وهم الذين هاجروا من بعد. # وقيل: التابعون لهم بإحسان، ومن دخل في الإسلام إلى يوم القيامة. # قال ابن أبي ليلى: الناس على ثلاثة منازل: الأولى منازل المهاجرين، ~~والثانية هي: الذين تبوءوا الدار والإيمان، والثالثة: والذين جاءوا من ~~بعدهم، فاجتهد ألا تخرج من هذه المنازل. # وقال بعضهم: كن مهاجرا، فإن قلت: لا أجد، فكن أنصاريا، فإن لم تجد ~~فاعمل كأعمالهم، فإن لم تستطع فأحبهم، واستغفر لهم كما أمرك الله. # وقال مصعب بن سعد: الناس على ثلاثة منازل، فمضت منزلتان، وبقيت منزلة، ~~فأحسن ما أنتم عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت. # وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده، أنه جاءه رجل فقال: يا ابن بنت رسول ~~الله ما تقول في عثمان؟ فقال له: يا ابن أخي أنت من قوم قال الله فيهم # للفقرآء المهاجرين # ؟ [الحشر: 8] الآية، قال: لا، قال: فأنت من قوم قال الله فيهم: # والذين تبوءو الدار والإيمان # ؟ [الحشر: 9] الآية، قال: لا، قال: فوالله لئن لم تكن من أهل الآية ~~الثالثة لتخرجن من الإسلام، وهي قوله تعالى: { والذين جآءو من ~~بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين ~~سبقونا بالإيمان }. # وروي أن نفرا من أهل " العراق " جاءوا إلى محمد بن علي بن الحسين ~~فسبوا أبا بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم - فأكثروا، فقال لهم: أمن ~~المهاجرين الأولين أنتم؟ قالوا: لا، قال: أفمن الذين تبوءوا الدار ~~والإيمان ms8429 من قبلهم؟، قالوا: لا، قال: فقد تبرأتم من هذين الفريقين، أنا ~~أشهد أنكم لستم من الذين قال الله فيهم: { والذين جآءو من ~~بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين ~~سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا ~~للذين آمنوا } ، قوموا قد فعل الله بكم وفعل. ذكره النحاس. # فصل في وجوب محبة الصحابة # هذه الآية دليل على وجوب محبة الصحابة - رضي الله عنهم - لأنه جعل لمن ~~بعدهم حظا في الفيء ما أقاموا على محبتهم وموالاتهم، والاستغفار لهم، ~~ومن أبغضهم أو واحدا منهم، أو اعتقد فيه شرا أنه لا حق له في الفيء. # قال مالك: من كان يبغض أحدا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وكان في ~~قلبه لهم غل فليس له حق في فيء المسلمين، ثم قرأ: { والذين جآءو ~~من بعدهم }. # فصل # قال القرطبي: دلت هذه الآية على أن الصحيح من أقوال العلماء قسمة ~~المنقول وإبقاء العقار والأرض بين المسلمين أجمعين كما فعل عمر - رضي ~~الله عنه - إلا أن يجتهد الوالي فينفذ أمرا فيمضي عمله فيه لاختلاف ~~الناس فيه، وإن هذه الآية قاضية بذلك، لأن الله - تعالى - أخبر عن الفيء ~~وجعله لثلاث طوائف: المهاجرين والأنصار - وهم معلومون - { والذين ~~جآءو من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ~~ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان } فهي عامة في جميع ~~التابعين والآتين من بعدهم إلى يوم [الدين]. # " يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقبرة، فقال: " السلام ~~[عليكم] دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ~~وددت لو رأيت إخواننا " قالوا: يا رسول الله، ألسنا ~~إخوانك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بل أنتم ~~أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد، وأنا فرطهم على ~~الحوض " ". # فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن إخوانهم كل من يأتي بعدهم، لا كما ~~قال السدي والكلبي: إنهم الذين هاجروا بعد ذلك. # وعن الحسن أيضا: أن الذين جاءوا من بعدهم من قصد إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى " المدينة " بعد انقطاع الهجرة. # قوله: { يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين ms8430 ~~سبقونا بالإيمان }. # قيل: أمروا أن يستغفروا لمن سبق هذه الأمة من مؤمني أهل الكتاب، قالت ~~عائشة - رضي الله عنها -: أمرهم أن يستغفروا لهم فسبوهم. # وقيل: أمروا أن يستغفروا للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: أمر الله سبحانه بالاستغفار لأصحاب ~~محمد صلى الله عليه وسلم وهو يعلم أنهم سيفتنون. # وقالت عائشة - رضي الله عنها -: أمرهم بالاستغفار لأصحاب محمد صلى الله ~~عليه وسلم فسبوهم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " لا تذهب هذه الأمة حتى يلعن آخرها أولها ". # وقال ابن عمر - رضي الله عنهما -: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " إذا رأيتم الذين يسبون أصحابي فقولوا: لعن الله ~~شركم ". # وقال العوام بن حوشب: أدركت هذه الأمة يقولون: اذكروا محاسن أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حتى تتآلف عليهم القلوب، ولا تذكروا ما شجر ~~بينهم فتجسروا الناس عليهم. # وقال الشعبي: تفاضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلة، سئلت اليهود: ~~من خير أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب موسى - صلوات الله وسلامه عليه -، وسئلت ~~النصارى: من خير أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب عيسى - صلوات الله وسلامه عليه ~~-، وسئلت الرافضة، من شر أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب محمد صلى الله عليه ~~وسلم أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم، فالسيف عليهم مسلول إلى يوم القيامة ~~لا تقوم لهم راية، ولا يثبت لهم قدم، ولا تجتمع لهم كلمة، كلما أوقدوا ~~نارا للحرب أطفأها الله بسفك دمائهم وإدحاض حجتهم، أعاذنا الله وإياكم ~~من الأهواء المضلة. # { ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا } أي: ~~حسدا وبغضا، { ربنآ إنك رءوف رحيم } قوله تعالى: { ~~ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم }. ~~للتبليغ فقط بخلاف قوله عز وجل: # وقال الذين كفروا للذين آمنوا # [العنكبوت: 12] فإنها تحتمل ذلك وتحتمل العلة. # فصل # قال القرطبي رحمه الله: هذه الآية سبب التعجب من اغترار اليهود لما ~~وعدهم المنافقون من النصر معهم مع علمهم بأنهم لا يعتقدون دينا ولا ~~كتابا. # قال المقاتلان: يعني عبد الله بن أبي ابن سلول، وعبد الله بن نبتل، ~~ورفاعة بن ms8431 زيد، وقيل: رفاعة بن تابوت، وأوس بن قيظي، كانوا من الأنصار ~~ولكنهم نافقوا، ومالوا ليهود قريظة والنضير. # والإخوان: هم الإخوة، وهي هنا تحتمل وجوها: # أحدها: الأخوة في الكفر؛ لأن اليهود والمنافقين اشتركوا في عموم الكفر ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم. # وثانيها: الأخوة بسبب المصادقة والموالاة والمعاونة. # وثالثها: الأخوة بسبب اشتراكهم في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم. # فقالوا لليهود: { لئن أخرجتم } من المدينة { لنخرجن ~~معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم ~~لننصرنكم }. # وقيل: هذا من قول بني النضير لقريظة، وقولهم: { ولا نطيع فيكم ~~أحدا أبدا } يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم قالوا: لا نطيعه في ~~قتالكم. # وفيه دليل على صحة نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من جهة الغيب؛ ~~لأنهم أخرجوا فلم يخرجوا معهم، وقوتلوا فلم ينصروهم كما قال سبحانه ~~وتعالى: { والله يشهد إنهم لكاذبون } في قولهم وفعلهم. # فقولهم: { ولا نطيع فيكم أحدا أبدا } أي: في قتالكم أو في ~~خذلانكم. # قوله تعالى: { وإن قوتلتم لننصرنكم }. # أجيب القسم المقدر، لأن قبل " إن " لام موطئة حذفت للعلم بمكانها، فإن ~~الأكثر الإتيان بها، ومثله قوله: # وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن # [المائدة: 73] وقد تقدم. # قوله تعالى: { لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن ~~قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن ~~الأدبار ثم لا ينصرون }. # أجيب القسم لسبقه، ولذلك رفعت الأفعال ولم تجزم، وحذف جواب الشرط لدلالة ~~جواب القسم عليه، ولذلك كان فعل الشرط ماضيا. # وقال أبو البقاء رحمه الله: قوله تعالى: { لا ينصرونهم } لما كان ~~الشرط ماضيا ترك جزم الجواب انتهى. وهو غلط؛ لأن { لا ينصرونهم } ~~ليس جوابا للشرط بل جواب القسم، وجواب الشرط محذوف كما تقدم وكأنه توهم ~~أنه من باب قوله: [البسيط] # 4751- وإن أتاه خليل يوم مسألة # يقول: لا غائب مالي ولا حرم # وقد سبق أبا البقاء ابن عطية إلى ما يوهم شيئا من ذلك، ولكنه صرح بأنه ~~جواب القسم، فقال: " جاءت الأفعال غير مجزومة في " لا يخرجون ولا ينصرون ~~"؛ لأنها راجعة على حكم القسم لا على حكم الشرط، وفي هذا ms8432 نظر ". # فقوله: " وفي هذا نظر " يوهم أنه جاء على خلاف ما يقتضيه القياس وليس ~~كذلك، بل جاء على ما يقتضيه القياس. # وفي هذه الضمائر قولان: # أحدهما: أنها كلها للمنافقين. # والثاني: أنها مختلفة بعضها لهؤلاء، وبعضها لهؤلاء. # فصل # اعلم أنه - تعالى - عالم بجميع المعلومات التي لا نهاية لها، وقد أخبر ~~تعالى أن هؤلاء اليهود لئن أخرجوا، فهؤلاء المنافقون لا يخرجون معهم، ~~وكان الأمر كذلك؛ لأن بني النضير لما خرجوا لم يخرج معهم المنافقون، ~~وقاتلوا أيضا فما نصروهم، وهذا كما يقول المعترض الطاعن في كلام الغير: ~~لا نسلم أن الأمر كما تقول، ولئن سلمنا أن الأمر كما تقول إلا أنه لا ~~يفيد ذلك فائدة فكذا هاهنا ذكر تعالى أنهم لا يخرجون معهم، وبتقدير أن ~~ينصروهم إلا أنهم لا بد وأن يتركوا النصرة وينهزموا، ويتركوا أولئك ~~المنصورين في أيدي أعدائهم، ونظير هذه الآية قوله تعالى: # ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو ~~أسمعهم لتولوا وهم معرضون # [الأنفال: 23]. # [وقيل: معنى لا ينصرونهم: لا يدومون على نصرهم، هذا على أن الضميرين ~~متفقان على اختلاف الضميرين، فالمعنى: لئن أخرج اليهود لا يخرج معهم ~~المنافقون، ولئن قوتلوا لا ينصرونهم { ولئن نصروهم } أي: ولئن ~~نصر اليهود المنافقين ليولن الأدبار]. # قوله تعالى: { لأنتم أشد رهبة }. # مصدر من " رهب " المبني للمفعول، فالرهبة واقعة من المنافقين لا من ~~المخاطبين، كأنه قيل: لأنتم أشد رهوبية في صدورهم من الله، فالمخاطبون ~~مرهبون وهو قول كعب بن زهير - رضي الله عنه - في مدح رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: [البسيط] # 4752- فلهو أخوف عندي إذ أكلمه # وقيل إنك محبوس ومقتول # من ضيغم بثراء الأرض مخدره # ببطن عثر غيل دونه غيل # و " رهبة " تمييز. # فصل في معنى الآية # المعنى: لأنتم يا معشر المسلمين { أشد رهبة } أي خوفا وخشية في ~~صدورهم من الله، يعني صدور بني النضير. # وقيل: صدور المنافقين، ويحتمل أن يرجع إلى الفريقين، أي: يخافون منكم ~~أكثر مما يخافون من ربهم، " ذلك " إشارة إلى الخوف أي ذلك الخوف { ~~بأنهم قوم لا يفقهون } قدر عظمة الله ms8433 وقدرته حتى يخشوه ~~حق خشيته. # قوله تعالى: { لا يقاتلونكم جميعا } يعني اليهود والمنافقين ~~لا يقدرون على مقاتلتكم مجتمعين " إلا " إذا كانوا { في قرى ~~محصنة } بالخنادق والدروب والحيطان [يظنون] أنها تمنعهم منكم، ~~{ أو من ورآء جدر } أي: من خلف حيطان يستترون بها لجبنهم ~~ورهبتهم. # قوله: " جميعا " حال، و { إلا في قرى } متعلق ب " ~~يقاتلونكم ". # وقوله: " جدر ". # قرأ ابن كثير وأبو عمرو: " جدار " بالإفراد. وفيه أوجه: # أحدها: أنه السور، والسور الواحد يعم الجميع من المقاتلة ويسترهم. # والثاني: أنه واحد في معنى الجمع لدلالة السياق عليه. # والثالث: أن كل فرقة منهم وراء جدار لا أنهم كلهم وراء جدار. # والباقون قرأوا: " جدر " - بضمتين - اعتبارا بأن كل فرقة وراء جدار، ~~فجمع لذلك. # وقرأ الحسن وأبو رجاء وابن وثاب والأعمش، ويروى عن ابن كثير وعاصم: بضمة ~~وسكون؛ وهي تخفيف الأولى، وقرأ ابن كثير - أيضا - في رواية هارون عنه، ~~وهي قراءة كثير من المكيين: " جدر " بفتحة وسكون. # فقيل: هي لغة في الجدار. # وقال ابن عطية: معناه أصل بنيات كالسور ونحوه: قال: ويحتمل أن يكون من ~~جدر النخيل أي من وراء نخيلهم. يقال: أجدر النخل إذا طلعت رءوسه أول ~~الربيع. والجدر: نبت، واحده جدرة. # وقرىء: " جدر " - بفتحتين - حكاها الزمخشري. # وهي لغة في الجدار أيضا. # وقرىء: " جدر " - بضم الجيم وإسكان الدال - جمع الجدار. # قال القرطبي: ويجوز أن تكون الألف في الواحد كألف " كتاب " وفي الجمع ~~كألف " ظراف " ومثله " ناقة هجان، ونوق هجان " لأنك تقول في التثنية " ~~هجانان " ، فصار لفظ الواحد والجمع مشتبهين في اللفظ مختلفين في المعنى. # قاله ابن جني. # قوله: { بأسهم بينهم شديد }. # " بينهم " متعلق ب " شديد " و " جميعا " مفعول ثان، أي: ~~مجتمعين. # وقوله: { وقلوبهم شتى }. جملة حالية، أو مستأنفة للإخبار ~~بذلك. # والعامة على " شتى " بلا تنوين، لأنها ألف تأنيث. # ومن كلامهم: " شتى تئوب الحلبة " أي متفرقين. # وقال آخر: [الطويل] # 4753- إلى الله أشكو نية شقت العصا # هي اليوم شتى، وهي أمس جميع # وقرأ مبشر بن عبيد: " شتى " منونة، كأنه جعلها ألف الإلحاق. # وفي قراءة ابن مسعود: " وقلوبهم أشت ms8434 " يعني أشد تشتيتا أي أشد ~~اختلافا. # فصل في معنى الآية # معنى { بأسهم بينهم شديد } أي: عداوة بعضهم لبعض. قاله ابن ~~عباس. # وقال مجاهد: { بأسهم بينهم شديد } بالكلام والوعيد لنفعلن ~~كذا. # وقال السدي: المراد اختلاف قلوبهم حتى لا يتفقوا على أمر واحد. # وقيل: { بأسهم بينهم شديد } إذا لم يلقوا عدوا نسبوا ~~أنفسهم إلى الشدة والبأس، وإذا لقوا العدو انهزموا. # { تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى }. # يعني اليهود والمنافقين. قاله مجاهد. وعنه أيضا: يعني المنافقين. # وقال الثوري: هم المشركون وأهل الكتاب. # وقال قتادة: { تحسبهم جميعا } أي: مجتمعين على أمر ورأي. { ~~وقلوبهم شتى }: أي: متفرقة فأهل الباطل مختلفة آراؤهم وهم ~~مجتمعون في عداوة أهل الحق. # وعن مجاهد أيضا: أراد أن دين المنافقين مخالف لدين اليهود، وهذا يقوي ~~أنفس المؤمنين عليهم { ذلك بأنهم قوم لا يعقلون } أي: ~~ذلك التشتيت والكفر بأنهم قوم لا يعقلون أمر الله. # وقيل: لا يعقلون ما فيه الحظ لهم. # وقيل: لا يعقلون أن تشتيت القلوب مما يوهن قواهم. # قوله تعالى: { كمثل الذين من قبلهم }. # خبر مبتدأ مضمر، أي: مثلهم مثل هؤلاء. # و " قريبا " فيه وجهان: # أحدهما: أنه منصوب بالتشبيه المتقدم، أي: يشبهونهم في زمن قريب سيقع لا ~~يتأخر، ثم بين ذلك بقوله: { ذاقوا وبال أمرهم }. # والثاني: أنه منصوب ب " ذاقوا " أي: ذاقوا في زمن قريب. # أي: ذاقوه في زمن قريب سيقع ولم يتأخر. # وانتصابه في وجهيه على ظرف الزمان. # فصل في معنى الآية # يعني مثل هؤلاء اليهود كمثل الذين من قبلهم. # قال ابن عباس: يعني به بني قينقاع أمكن الله منهم قبل بني النضير. # وقال قتادة: يعني بني النضير أمكن الله منهم قبل قريظة، وكان بينهما ~~سنتان. # وقال مجاهد رضي الله عنه: يعني كفار قريش يوم بدر، وكان ذلك قبل غزوة ~~بني النضير قاله مجاهد. # وكانت غزوة بدر قبل غزوة بني النضير بستة أشهر، فلذلك قال: " قريبا ~~". # وقيل: هو عام في كل من انتقم منه على كفره قبل بني النضير من نوح إلى ~~محمد صلى الله عليه وسلم. # " وبال أمرهم " أي: جزاء ms8435 كفرهم. ومن قال: هم بنو قريظة جعل " وبال ~~أمرهم " نزولهم على حكم سعد بن معاذ، فحكم فيهم بقتل المقاتلة وسبي ~~[الذرية]. وهو قول الضحاك. ومن قال: المراد بنو النضير، قال: " وبال ~~أمرهم " الجلاء والنفي، { ولهم عذاب أليم } في الآخرة. # قوله تعالى: { كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر }. # هذا مثل ضربه الله للمنافقين واليهود في تخاذلهم وعدم الرجاء في نصرتهم، ~~وحذف حرف العطف ولم يقل: وكمثل الشيطان، لأن حذف حرف العطف كثير، كقولك: ~~أنت عاقل، أنت كريم، أنت عالم. # وقوله: { كمثل الشيطان } كالبيان لقوله { كمثل الذين ~~من قبلهم }. # فصل # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن الإنسان الذي قال له الشيطان: ~~اكفر؛ راهب، نزلت عنده امرأة أصابها لمم ليدعو لها فزين له الشيطان ~~فوطئها فحملت، ثم قتلها خوفا أن يفتضح، فدل الشيطان قومها على موضعها، ~~فجاءوا فاستنزلوا الراهب ليقتلوه، فجاء الشيطان فوعده إن سجد له أنجاه من ~~هذه الورطة منهم فسجد فتبرأ منه فأسلمه، ذكره القاضي إسماعيل، وعلي بن ~~المديني، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عروة بن عامر، عن عبيد ~~بن رفاعة الزرقي، عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكر خبره طويلا. # وذكر ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: { كمثل الشيطان } أنه ~~كان راهب في الفترة يقال له: برصيصا، قد تعبد في صومعته سبعين سنة لم يعص ~~الله فيها طرفة عين حتى أعيا إبليس، وذكر خبر برصيصا بتمامه. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: فضرب الله ذلك مثلا للمنافقين مع اليهود، ~~وذلك أن الله - تعالى - أمر نبيه أن يجلي بني النضير من " المدينة " ، ~~فدس إليهم المنافقون ألا تخرجوا من دياركم، فإن قاتلوكم قاتلنا معكم، ~~وإن أخرجوكم كنا معكم، فحاربوا النبي صلى الله عليه وسلم فخذلهم ~~المنافقون وتبرءوا منهم كما تبرأ الشيطان من برصيصا العابد. # وقيل: المعنى مثل المنافقين في غدرهم لبني النضير كمثل إبليس إذ قال ~~لكفار قريش: # لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم # [الأنفال: 48] الآية. # وقال مجاهد: المراد بالإنسان ها هنا ms8436 جميع الناس في غرور الشيطان إياهم. # ومعنى قوله تعالى: { إذ قال للإنسان اكفر }. # أي: أغواه حتى قال: إني كافر، وليس قول الشيطان: { إني أخاف ~~الله رب العالمين } حقيقة، إنما هو على وجه التبرؤ من ~~الإنسان، فهو تأكيد لقوله تعالى: { إني بريء منك }. # وفتح الياء من " إني " نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأسكن الباقون. ### || [59.17-24] # قوله تعالى: { فكان عاقبتهمآ أنهما في النار }. # العامة على نصب " عاقبتهما " والاسم " أن " وما في حيزها، لأن ~~الاسم أعرف من { عاقبتهما أنهما في النار }. وقد تقدم تحرير هذا في " آل ~~عمران " و " الأنعام ". # وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد وابن أرقم: برفعها، على جعلها اسما، و " أن " ~~وما في حيزها خبر كقراءة: # ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا # [الأنعام: 23]. # قوله: { خالدين فيها }. # العامة على نصبه، حالا من الضمير المستكن في الجار لوقوعه خبرا. # والتثنية ظاهرة فيمن جعل الآية مخصوصة في الراهب والشيطان، ومن جعلها في ~~الجنس فالمعنى فكان عاقبة الفريقين أو الصنفين. # قال مقاتل: يعني المنافقين واليهود. # ونصب " عاقبتهما " على أنه خبر " كان " والاسم { أنهما في ~~النار }. # وقرأ عبد الله، وزيد بن علي، والأعمش، وابن أبي عبلة: برفعه خبرا، ~~والظرف ملغى، فيتعلق بالخبر، وعلى هذا فيكون تأكيدا لفظيا للحرف، ~~وأعيد معه ضمير ما دخل عليه كقوله: # ففي الجنة خالدين فيها # [هود: 108]. # وهذا على مذهب سيبويه، فإنه يجيز إلغاء الظرف وإن أكد. # والكوفيون يمنعونه، وهذا حجة عليهم، وقد يجيبون بأنا لا نسلم أن الظرف ~~في هذه القراءة ملغى بل نجعله خبرا ل " أن " و " خالدان " خبر ثان، وهو ~~محتمل لما قالوا إلا أن الظاهر خلافه. # قال القرطبي: وهذه القراءة خلاف المرسوم. # وقوله: { وذلك جزآء الظالمين } أي: المشركين، كقوله: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]. # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله } في ~~أوامره ونواهيه، وأداء فرائضه واجتناب معاصيه. { ولتنظر نفس ما ~~قدمت لغد } يعني يوم القيامة، والعرب تكني عن المستقبل بالغد. # وقيل: ذكر الغد تنبيها على أن الساعة قريبة؛ كقوله: [الطويل] # 4754- وإن غدا للناظرين قريب # وقال الحسن وقتادة: ms8437 قرب الساعة حتى جعلت كغد؛ لأن كل آت قريب، والموت لا ~~محالة آت. ومعنى " ما قدمت " أي: من خير أو شر. # ونكر النفس لاستقلال النفس التي تنظر فيما قدمت للآخرة، كأنه قال: ~~فلتنظر نفس واحدة في ذلك، ونكر الغد، لتعظيمه وإبهام أمره، كأنه قيل: ~~الغد لا يعرف كنهه لعظمه. # وقرأ العامة بسكون لام الأمر في قوله: " ولتنظر ". # وأبو حيوة ويحيى بن الحارث بكسرها على الأصل. # والحسن: بكسرها ونصب الفعل، جعلها لام " كي " ، ويكون المعلل مقدرا، ~~أي: ولتنظر نفس حذركم وأعمالكم. # قوله تعالى: { واتقوا الله } تأكيد. # وقيل: كرر لتغاير متعلق التقويين فمتعلق الأولى: أداء الفرائض لاقترانه ~~بالعمل، والثانية: ترك المعاصي لاقترانه بالتهديد والوعيد، قال معناه ~~الزمخشري. # ثم قال: { إن الله خبير بما تعملون }. # قال سعيد بن جبير: { بما تعملون } أي: بما يكون منكم. # قوله تعالى: { ولا تكونوا }. # العامة: على الخطاب، وأبو حيوة: على الغيبة، على الالتفات. # { نسوا الله } أي: تركوه { فأنساهم أنفسهم } أن يعملوا ~~لها خيرا. قاله المقاتلان. # وقيل: نسوا حق الله، فأنساهم حق أنفسهم. قاله سفيان. # وقيل: " نسوا الله " بترك ذكره وتعظيمه " فأنساهم أنفسهم " ~~بالعذاب أن يذكر بعضهم بعضا. حكاه ابن عيسى. # وقيل: قال سهل بن عبد الله: " نسوا الله " عند الذنوب " فأنساهم ~~أنفسهم " عند التوبة. # وقيل: " أنساهم أنفسهم " أي: أراهم يوم القيامة من الأحوال ما ~~نسوا فيه أنفسهم، كقوله تعالى: # لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هوآء # [إبراهيم: 43]، # وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب ~~الله شديد # [الحج: 2]. # ونسب تعالى الفعل إلى نفسه في " أنساهم " إذ كان ذلك بسبب أمره ~~ونهيه، كقولك: أحمدت الرجل إذا وجدته محمودا. # وقيل: " نسوا الله " في الرخاء " فأنساهم أنفسهم " في ~~الشدائد. # { أولئك هم الفاسقون }. قال ابن جبير: العاصون. # وقال ابن زيد: الكاذبون، وأصل الفسق الخروج، أي: الذين خرجوا عن طاعة ~~الله. # قوله تعالى: { لا يستوي أصحاب النار وأصحاب ~~الجنة } أي: في الفضل والرتبة، لما أرشد المؤمنين إلى ما هو مصلحتهم ~~يوم القيامة، بقوله: { ولتنظر نفس ما قدمت لغد } وهدد ~~الكافرين بقوله: { كالذين نسوا الله ms8438 فأنساهم أنفسهم ~~} بين بهذه الآية الفرق بين الفريقين. واعلم أن الفرق بينهما معلوم ~~بالضرورة، وإنما ذكر الفرق في هذا الموضع للتنبيه على عظم ذلك الفرق، ثم ~~[قال: { أصحاب الجنة هم الفآئزون }. # وهذا كالتفسير لنفي تساويهما. # و " هم " يجوز أن يكون فصلا، وأن يكون مبتدأ، فعلى الأول: الإخبار ~~بمفرد، وعلى الثاني: بجملة. # ومعنى " الفائزون " المقربون المكرمون. # وقيل: الناجون من النار، ونظير هذه الآية قوله: # لا يستوي الخبيث والطيب # [المائدة: 100]، وقوله: # أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون # [السجدة: 18]، وقوله: # أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين ~~كالفجار] # [ص: 28]. # فصل # احتجت المعتزلة بهذه الآية على أن صاحب الكبيرة لا يدخل الجنة بهذه ~~الآية، قالوا: لأن الآية دلت على أن أصحاب النار وأصحاب الجنة لا ~~يستويان، [فلو دخل صاحب الكبيرة الجنة لكان أصحاب الجنة وأصحاب النار ~~يستويان]، وهو غير جائز وجوابه معلوم. # فصل في أن المسلم لا يقتل بالذمي # دلت هذه الآية على أن المسلم لا يقتل بالذمي كما هو مذكور في كتب ~~الفقه. قوله تعالى: { لو أنزلنا هذا القرآن على جبل ~~لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله }. # وهذا حث على تأمل مواعظ القرآن، وبين أنه لا عذر في ترك التدبر، فإنه ~~لو خوطب بهذا القرآن الجبال مع تركيب العقل فيها لانقادت لمواعظه، ~~ورأيتها على صلابتها ورزانتها خاشعة متصدعة، أي: متشققة من خشية الله. # والخاشع: الذليل. والمتصدع: المتشقق. # وقيل: " خاشعا " لله بما كلفه من طاعته، " متصدعا " من خشية الله أن ~~يعصيه فيعاقبه. # وقيل: هو على وجه المثل للكفار. # قوله تعالى: { وتلك الأمثال نضربها للناس }. # أي: أنه لو أنزل القرآن على الجبل لخشع لوعده، وتصدع لوعيده، وأنتم أيها ~~المقهورون بإعجازه لا ترغبون في وعده، ولا ترهبون من وعيده. # والغرض من هذا الكلام التنبيه على فساد قلوب هؤلاء الكفار وغلظ طباعهم، ~~ونظيره قوله: # ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو ~~أشد قسوة # [البقرة: 74]. # وقيل: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي: لو أنزلنا هذا القرآن يا ~~محمد ms8439 على جبل لما ثبت وتصدع من نزوله عليه، وقد أنزلناه عليك وثبتناك له، ~~فيكون ذلك امتنانا عليه أن ثبته لما لم يثبت عليه الجبال. # وقيل: إنه خطاب للأمة، وأن الله - تعالى - لو أنذر بهذا القرآن الجبال ~~لتصدعت من خشية الله، والإنسان أقل قوة وأكثر ثباتا، فهو يقوم بحقه إن ~~أطاع، ويقدر على رده إن عصى؛ لأنه موعود بالثواب، ومزجور بالعقاب. # قوله: " خاشعا " حال؛ لأن الرؤية بصرية. # وقرأ طلحة: " مصدعا " بإدغام التاء في الصاد. # قوله تعالى: { هو الله الذي لا إله إلا هو }. # لما وصف القرآن بالعظم، ومعلوم أن عظم الصفة تابع لعظم الموصوف، أتبع ~~ذلك بشرح عظمة الله تعالى، فقال: { هو الله الذي لا إله ~~إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن ~~الرحيم }. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: معناه: عالم السر والعلانية. # وقيل: ما كان وما يكون. # وقال سهل: عالم بالآخرة والدنيا. # وقيل: " الغيب " ما لم يعلمه العباد ولا عاينوه، و " الشهادة " ما ~~علموا وشهدوا. # وقوله: { الرحمن الرحيم }. تقدم مثله. # قوله تعالى: { هو الله الذي لا إله إلا هو الملك ~~القدوس }. # قرأ أبو دينار وأبو السمال: " القدوس " بفتح القاف. # [قال الحسن: هو الذي كثرت بركاته]. # والعامة: بضمها، وهو المنزه عن كل نقص، والطاهر عن كل عيب. # والقدس - بالتحريك - السطل بلغة أهل الحجاز، لأنه يتطهر منه. # ومنه " القادوس " لواحد الأواني الذي يستخرج به الماء من البئر ~~بالسانية. # وكان سيبويه يقول: " قدوس، وسبوح " بفتح أولهما. # وحكى أبو حاتم عن يعقوب أنه سمع عند الكسائي أعرابيا فصيحا يكنى أبا ~~الدينار يقرأ: " القدوس " بفتح القاف. # قال ثعلب: كل اسم على " فعول " فهو مفتوح الأول، مثل: سفود، ~~وكلوب، وتنور، وسمور، وشبوط، إلا السبوح والقدوس، ~~فإن الضم فيهما أكثر، وقد يفتحان، وكذلك: الذروح بالضم. # قوله: " السلام ". أي: ذو السلامة من النقائص. # قال ابن العربي: اتفق العلماء على أن قوله: " السلام " النسبة، ~~تقديره: ذو السلامة، ثم اختلفوا في ترجمة النسبة. # فقيل: معناه الذي سلم من كل عيب، وبرىء من كل نقص. # وقيل: المسلم على عباده في ms8440 الجنة، كما قال: # سلام قولا من رب رحيم # [يس: 58]. # وقيل: معناه الذي سلم الخلق من ظلمه. وهذا قول الخطابي. # قال القرطبي: وعلى هذا والذي قبله يكون صفة فعل، وعلى الأول يكون صفة ~~ذات. # وقيل: معناه: المسلم لعباده. # قوله: " المؤمن ". # أي: الذي أمن أولياؤه عذابه، يقال: أمنه يؤمنه فهو مؤمن. # وقيل: المصدق لرسله بإظهار معجزاته عليهم، ومصدق المؤمنين ما وعدهم به ~~من الثواب، ومصدق الكافرين ما أوعدهم من العقاب. # وقال مجاهد: المؤمن الذي وحد نفسه بقوله: # شهد الله أنه لا إله إلا هو # [آل عمران: 18]. # وقرأ العامة: " المؤمن - بكسر الميم - اسم فاعل من آمن بمعنى أمن ". # وأبو جعفر محمد بن علي بن الحسين، وقيل ابن القعقاع: بفتحها. # فقال الزمخشري: بمعنى المؤمن به، على حذف حرف الجر، كقوله: # واختار موسى قومه # [الأعراف: 155] المختارون. # وقال أبو حاتم: لا يجوز ذلك، أي: هذه القراءة؛ لأنه لو كان كذلك لكان ~~المؤمن به، وكان جائزا، لكن المؤمن المطلق بلا حرف جر يكون من كان ~~خائفا فأمن، فقد رد ما قاله الزمخشري. # فصل # قال ابن عباس: إذا كان يوم القيامة أخرج أهل التوحيد من النار، وأول من ~~يخرج من وافقه اسمه اسم نبي حتى إذا لم يبق فيها من يوافق اسمه اسم نبي، ~~قال الله تعالى لباقيهم: أنتم المسلمون وأنا السلام، وأنتم المؤمنون وأنا ~~المؤمن، فيخرجهم من النار ببركة هذين الاسمين. # قوله: { المهيمن العزيز }. # قيل: معنى المهيمن " الشاهد " الذي لا يغيب عنه شيء. وهو قول ابن عباس ~~ومجاهد وقتادة والسدي ومقاتل. # قال الخليل وأبو عبيدة: هيمن يهيمن فهو مهيمن، وقد تقدم ~~الكلام عليه عند قوله: # ومهيمنا عليه # [المائدة: 48]. # وقال ابن الأنباري: " المهيمن ": القائم على خلقه بقدرته. # وأنشد: [الطويل] # 4755- ألا إن خير الناس بعد نبيه # مهيمنه التاليه في العرف والنكر # وقيل هو في الأصل: مؤيمن فقلبت الهمزة هاء، كقوله: " أرقت وهرقت " ~~ومعناه: المؤمن. نقله البغوي. # وتقدم الكلام على " العزيز ". # قوله: " الجبار ". # استدل به من يقول: إن أمثلة المبالغة تأتي من المزيد على الثلاثة، فإنه ~~من " أجبره على كذا ms8441 " ، أي قهره. # قال الفراء: ولم أسمع " فعالا " من " أفعل " إلا في " جبار ~~ودراك " من أدرك انتهى واستدرك عليه: أسأر، فهو سئار. # وقيل: هو من الجبر، وهو الإصلاح. # وقيل: هو من قولهم: نخلة جبارة إذا لم ينلها الجناة. # قال امرؤ القيس: [الطويل] # 4756- سوامق جبار أثيث فروعه # وعالين قنوانا من البسر أحمرا # يعني النخل التي فاتت اليد. # قال ابن الخطيب: فيه وجوه: # أحدها: أنه " فعال " من جبر، إذا أغنى الفقير وأصلح الكسير. # قال الأزهري: " هو لعمري جابر لكل كسير وفقير، وهو جابر دينه الذي ~~ارتضاه ". # قال العجاج - رحمه الله -: [الرجز] # 4757- قد جبر الدين الإله فجبر # الثاني: أن يكون من جبره إذا أكرهه على ما أراده. # قال السدي: إنه هو الذي يقهر الناس، ويجبرهم على ما أراده. # قال الأزهري: " هي لغة " تميم " ، وكثير من الحجازيين يقولونها ". # وكان الشافعي - رحمه الله - يقول: جبره السلطان على كذا، بغير ألف. # الثالث: قال ابن عباس رضي الله عنهما: الجبار هو الملك العظيم. # وقيل: الجبار الذي لا تطاق سطوته. # قال الواحدي: هذا الذي ذكرنا من معاني الجبار في صفة الله تعالى، وأما ~~معاني الجبار في صفة الخلق فلها معان: # أحدها: المسلط، كقوله: # ومآ أنت عليهم بجبار # [ق: 45]. # الثاني: العظيم الجسم، كقوله تعالى: # إن فيها قوما جبارين # [المائدة: 22]. # والثالث: المتمرد عن عبادة الله كقوله: # ولم يجعلني جبارا # [مريم: 32]. # الرابع: القتال كقوله: # بطشتم جبارين # [الشعراء: 130] وقوله: # إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض # [القصص: 19]. # قوله: { المتكبر }. # قال ابن عباس: الذي تكبر بربوبيته فلا شيء مثله. # وقيل: المتكبر عن كل سوء، المتعظم عما لا يليق به من صفات الحدوث والذم. # وأصل الكبر والكبرياء الامتناع وقلة الانقياد. # قال حميد بن ثور: [الطويل] # 4758- عفت مثل ما يعفو الفصيل فأصبحت # بها كبرياء الصعب وهي ذلول # قال الزجاج: وهو الذي تعظم عن ظلم عباده. # وقال ابن الأنباري: " المتكبر " ذو الكبرياء. # والكبرياء عند العرب الملك، قال تعالى: # وتكون لكما الكبريآء في الأرض # [يونس: 78] واعلم أن المتكبر في صفات الله مدح، وفي صفات المخلوقين ذم. # قال ms8442 - عليه الصلاة والسلام - يرويه عن ربه - تبارك وتعالى - أنه قال: # " الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما قصمته ثم ~~قذفته في النار ". # وقيل: المتكبر معناه العالي. # وقيل: الكبير، لأنه أجل من أن يتكلف كبرا. # وقد يقال: تظلم بمعنى ظلم، وتشتم بمعنى شتم، واستقر بمعنى قر، كذلك ~~المتكبر بمعنى الكبير، وليس كما يوصف به المخلوق إذا وصف ب " تفعل " إذا ~~نسب إلى ما لم يكن منه، ثم نزه نفسه فقال: { سبحان الله عما ~~يشركون }. # كأنه قال: إن المخلوقين قد يتكبرون، ويدعون مشاركة الله في هذا الوصف، ~~لكنه سبحانه منزه عن التكبر الذي هو حاصل للخلق؛ لأنهم ناقصون بحسب ~~ذواتهم، فادعاؤهم الكبر يكون ضم نقصان الكذب إلى النقصان الذاتي، وأما ~~الله - سبحانه وتعالى - فله العلو والعز، فإذا أظهره كان ذلك ضم كمال ~~إلى كمال، فسبحان الله عما يشركون في إثبات صفة المتكبرية ~~للخلق. # قوله: { هو الله الخالق البارىء }. # " الخالق " هنا المقدر، و " البارىء " المنشىء المخترع، وقدم ذكر ~~الخالق على البارىء؛ لأن الإرادة مقدمة على تأثير القدرة. # قوله: " المصور ". # العامة: على كسر الواو ورفع الراء، إما صفة وإما خبر. # وقرأ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - والحسن بن ~~السميفع، وحاطب بن أبي بلتعة: بفتح الواو ونصب الراء. وتخريجها على أن ~~يكون منصوبا ب " البارىء ". # و " المصور " هو الإنسان إما آدم، وإما هو وبنوه. # وعلى هذه القراءة يحرم الوقف على المصور، بل يجب الوصل ليظهر النصب ~~في الراء، وإلا فقد يتوهم منه في الوقف ما لا يجوز. # وروي عن أمير المؤمنين أيضا: فتح الواو وجر الراء، وهي كالأولى في ~~المعنى إلا أنه أضاف اسم الفاعل لمعموله مخففا نحو: " الضارب الرجل ". # والوقف على " المصور " في هذه القراءة أيضا حرام، وقد نبه عليه ~~بعضهم. # وقال مكي: " ويجوز نصبه في الكلام، ولا بد من فتح الواو فتنصبه ب " ~~البارىء " ، أي: هو الله الخالق المصور، يعني: آدم - عليه الصلاة والسلام ~~- وبنيه ". انتهى. وكأنه لم يطلع على هذه القراءة. # وقال أيضا: " ولا يجوز نصبه مع ms8443 كسر الواو، ويروى عن علي رضي الله عنه ~~". # يعني أنه إذا كسرت الواو، وكان من صفات الله تعالى، وحينئذ لا يستقيم ~~نصبه عنده؛ لأن نصبه باسم الفاعل قبله. # وقوله: " ويروى " أي: كسر الواو ونصب الراء، وإذا صح هذا عن أمير ~~المؤمنين، فيتخرج على أنه من القطع، كأنه قال: أمدح المصور، كقولهم: " ~~الحمد لله أهل الحمد " بنصب أهل؛ وقراءة من قرأ: { الله رب ~~العالمين } بنصب " رب ". # قال مكي: و " المصور " مفعل " من " صور يصور " ، ولا يحسن أن ~~يكون من " صار يصير " ، لأنه يلزم منه أن يقال: المصير، بالياء ". # وقيل: هذا من الواضحات ولا يقبله المعنى أيضا. # وقدم " البارىء " على " المصور " لأن إيجاد الذوات مقدم على إيجاد ~~الصفات، فالتصوير مرتب على الخلق والبراية وتابع لهما، ومعنى التصوير: ~~التخطيط والتشكيل، وخلق الله الإنسان في بطن أمه ثلاث خلق، جعله علقة ثم ~~مضغة ثم جعله صورة، وهو التشكيل الذي يكون به ذا صورة يعرف بها ويتميز عن ~~غيره، فتبارك الله أحسن الخالقين. # قوله: { له الأسمآء الحسنى يسبح له ما في ~~السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم } تقدم نظيره. # روى أبو هريرة - رضي الله عنه -: قال: # " سألت خليلي أبا القاسم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اسم الله ~~الأعظم، فقال: " عليك بأواخر سورة الحشر، فأكثر قراءتها " ~~فأعدت عليه فأعاد علي ". # وقال جابر بن زيد: إن اسم الله الأعظم هو الله لمكان هذه الآية. # وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من قرأ سورة الحشر غفر الله له ما تقدم من ذنبه ~~وما تأخر ". # وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ خواتيم سورة الحشر في ليل أو نهار، فقبضه ~~الله في تلك الليلة أو ذلك اليوم فقد أوجب الله ~~له الجنة ". ### | [60 - سورة الممتحنة] ### || [60.1] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~عدوي وعدوكم أوليآء } الآية. # وجه تعلق أول هذه السورة بآخر ما قبلها، هو أن آخر تلك السورة تشتمل على ~~الصفات الجميلة [اللائقة بحضرة الله - تعالى ms8444 - من الوحدانية وغيرها]، ~~وأول هذه السورة يشتمل على حرمة الاختلاط مع من لم يعترف بتلك الصفات. # قوله: { عدوي وعدوكم أوليآء }. # هذان مفعولا الاتخاذ. # و " العدو " لما كان بزنة المصادر وقع على الواحد فما فوق. # وأضاف العدو لنفسه تغليظا في جرمهم. # روى مسلم عن علي - رضي الله عنه - قال: # " بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد، فقال: " ~~ائتوا روضة " خاخ " فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها " ~~فانطلقنا تعادي بنا خيلنا، فإذا نحن بالمرأة، وهي امرأة عبد الرحمن ابن ~~عوف ولدت إبراهيم بن عبد الرحمن، فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي ~~كتاب، فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب فأخرجته من عقاصها، ~~فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة ~~إلى ناس من المشركين من أهل " مكة " يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا حاطب ما هذا؟ فقال: لا ~~تعجل علي يا رسول الله، إني كنت أمرأ ملصقا في قريش - قال سفيان: ~~يقول: كنت حليفا - ولم أكن من أنفسها، وكان ممن معك من المهاجرين من له ~~قرابات يحمون أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب أن أتخذ ~~عندهم يدا يحمون قرابتي، ولم أفعله كفرا ولا ارتدادا عن ديني، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما إنه قد صدقكم " ، فقال ~~عمر: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال: إنه شهد ~~بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرا، فقال: ~~اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " # فأنزل الله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~عدوي وعدوكم أوليآء } إلى قوله: { سوآء السبيل }. # قيل: اسم المرأة سارة من موالي قريش، وكان في الكتاب: " أما بعد، فإن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه إليكم بجيش كالليل يسير كالسيل، ~~وأقسم بالله لو لم يسر إليكم إلا وحده لأظفره الله بكم، وأنجز له وعده ~~فيكم، فإن الله وليه وناصره ". # وقيل: # " إن ms8445 سارة مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هاشم بن عبد مناف أتت [المدينة من ~~مكة ورسول الله] يتجهز لفتح مكة. قيل: كان هذا زمن الحديبية، فقال لها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهاجرة جئت يا سارة؟ قالت: لا، قال: ~~أمسلمة جئت؟ قالت: لا، قال: فما جاء بك؟ قالت: كنتم الأهل والموالي ~~والأصل والعشيرة، وقد ذهبت الموالي - تعني قتلوا يوم بدر - وقد احتجت ~~حاجة شديدة فقدمت عليكم لتعطوني وتكسوني، فقال عليه الصلاة والسلام: ~~فأين أنت عن شباب أهل مكة؟ - وكانت مغنية نائحة قالت: ما طلب ~~مني شيء بعد وقعة بدر، فحث رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب ~~وبني المطلب على إعطائها، فكسوها وحملوها وأعطوها، فخرجت إلى مكة، وأتاها ~~حاطب بن أبي بلتعة حليف بني أسد بن عبد العزى، وقال: أعطيك عشرة دنانير، ~~وبردا على أن تبلغي هذا الكتاب إلى أهل " مكة " ، وكتب في الكتاب: إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدكم، فخذوا حذركم، فخرجت سارة، ونزل ~~جبريل عليه السلام فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فبعث عليا ~~والزبير والمقداد وأبا مرثد الغنوي، وفي رواية: عليا وعمار بن ياسر، ~~وفي رواية: عليا وعمارا وعمرا والزبير وطلحة والمقداد وأبا مرثد، ~~وكانوا كلهم فرسانا، وقال لهم: انطلقوا حتى تأتوا روضة " خاخ " ، فإن ~~بها ظعينة، ومعها كتاب من حاطب إلى المشركين، فخذوه منها وخلوا سبيلها، ~~فإن لم تدفعه إليكم فاضربوا عنقها، فأدركوها في ذلك المكان، فقالوا: أين ~~الكتاب؟ فحلفت بالله ما معها كتاب، ففتشوا أمتعتها فلم يجدوا معها ~~كتابا فهموا بالرجوع، فقال علي: والله ما كذبنا ولا كذبنا وسل سيفه، ~~وقال أخرجي الكتاب وإلا والله لأجردنك ولأضربن عنقك، فلما رأت الجد ~~أخرجته من ذؤابتها قد خبأته في شعرها - وفي رواية في حجزتها - فخلوا ~~سبيلها، ورجعوا بالكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إلى ~~حاطب، فقال: هل تعرف هذا الكتاب؟ قال: نعم، وذكر الحديث " # فصل في النهي عن موالاة الكفار # هذه السورة أصل في النهي عن موالاة الكفار، ms8446 وقد تقدم نظيره، كقوله: # لا يتخذ المؤمنون الكافرين أوليآء # [آل عمران: 28]. وقوله: # يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من ~~دونكم # [آل عمران: 118] # يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود ~~والنصارى أوليآء # [المائدة: 51]. # روي أن حاطبا لما سمع { يأيها الذين آمنوا } غشي من الفرح ~~بخطاب الإيمان. # قوله: " تلقون ". فيه أربعة أوجه: # أحدها: أنه تفسير لموالاتهم إياها. # الثاني: أنه استئناف إخبار بذلك، فلا يكون للجملة على هذين الوجهين محل ~~من الإعراب. # الثالث: أنها حال من فاعل " تتخذوا " أي: لا تتخذوا ملقين المودة. # الرابع: أنها صفة لأولياء. # قال الزمخشري: " فإن قلت: إذا جعلته صفة وقد جرى على غير من هو له، فأين ~~الضمير البارز، وهو قولك: تلقون إليهم أنتم بالمودة؟. # قلت: ذاك إنما اشترطوه في الأسماء دون الأفعال ولو قيل: أولياء ملقين ~~إليهم بالمودة على الوصف لما كان بد من الضمير البارز ". # وقد تقدمت هذه المسألة مستوفاة، وفيها كلام مكي وغيره. # إلا أن أبا حيان اعترض على كونها صفة أو حالا، بأنهم نهوا عن اتخاذهم ~~أولياء مطلقا في قوله: # لا تتخذوا اليهود والنصارى أوليآء # [المائدة: 51]، والتقييد بالحال والوصف يوهم جواز اتخاذهم أولياء إذا ~~انتفى الحال أو الوصف. # قال شهاب الدين: " ولا يلزم ما قال، لأنه معلوم من القواعد الشرعية، فلا ~~مفهوم لها ألبتة ". # وقال الفراء: " تلقون " من صلة " أولياء ". # وهذا على أصولهم من أن النكرة توصل لغيرها من الموصولات. # قوله: " بالمودة ". في الباء ثلاثة أوجه: # أحدها: أن الباء مزيدة في المفعول به، كقوله: # ولا تلقوا بأيديكم # [البقرة: 195]، وقوله: # ومن يرد فيه بإلحاد # [الحج: 25]. # والثاني: أنها غير مزيدة، والمفعول محذوف، ويكون معنى الباء: السببية، ~~كأنه قيل: تلقون إليهم أسرار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخباره بسبب ~~المودة التي بينكم وبينهم. قاله الزجاج. # الثالث: أنها متعلقة بالمصدر الدال عليه " تلقون " أي: إلقاؤهم ~~بالمودة. # نقله الحوفي عن البصريين [وجعل القول بزيادة الباء قول الكوفيين. # إلا أن هذا الذي نقله عن البصريين] لا يوافق أصولهم، إذ يلزم منه حذف ~~المصدر وإبقاء معموله، وهو لا يجوز عندهم، وأيضا ms8447 فإن فيه حذف الجملة ~~برأسها، فإن " إلقاءهم " مبتدأ، و " بالمودة " متعلق به، والخبر ~~أيضا محذوف، وهذا إجحاف. # فصل في الكلام على الآية # قال ابن الخطيب: في الآية مباحث. # الأول: اتخاذ العدو أولياء، كيف يمكن، والعداوة منافية للمحبة؟. # والجواب: لا يبعد أن تكون العداوة بالنسبة إلى أمر آخر، ألا ترى إلى ~~قوله تعالى: # أنمآ أموالكم وأولادكم فتنة # [الأنفال: 28]. # وقال عليه الصلاة والسلام: # " أولادنا أكبادنا " # الثاني: لم قال: { عدوي وعدوكم } ولم يقل بالعكس؟. # والجواب: أن العداوة بين المؤمن والكافر بسبب محبة الله ومحبة ~~رسوله - عليه الصلاة والسلام - فتكون محبة العبد من أصل الإيمان بحضرة ~~الله تعالى لعلة، ومحبة حضرة الله - تعالى - للعبد لا لعلة، والذي لا ~~لعلة مقدم على الذي لعلة؛ ولأن الشيء إذا كانت له نسبة إلى الطرفين، ~~فالطرف الأعلى مقدم على الأدنى. # الثالث: قال: " أولياء " ، ولم يقل: ولي العدو أو العدو معرفا؟. # فالجواب: أن المعرف بحرف التعريف يتناول كل فرد، فكذلك المعرف بالإضافة. # فصل # قال القرطبي: قوله: { تلقون إليهم بالمودة } يعني ~~بالظاهر، لأن قلب حاطب كان سليما بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال لهم: # " أما صاحبكم فقد صدق " # وهذا نص في سلامة فؤاده، وخلوص اعتقاده. # فصل فيمن تطلع على عورات المسلمين # قال القرطبي: من كثر تطلعه على عورات المسلمين، وينبه عليهم، ويعرف ~~عدوهم بأخبارهم لم يكن بذلك كافرا إذا كان فعله ذلك لغرض دنيوي، ~~واعتقاده على ذلك سليم، كما فعل حاطب حين قصد بذلك اتخاذ اليد، ولم ينو ~~الردة عن الدين. # وإذا قيل: بأنه لا يكون كافرا بذلك فهل يقتل حدا أم لا؟ فقال مالك ~~وابن القاسم وأشهب: يجتهد الحاكم الإمام في ذلك. # وقال عبد الملك: إذا كانت عادته تلك قتل لأنه جاسوس، وقد قال مالك: ~~يقتل الجاسوس لإضراره بالمسلمين، وسعيه بالفساد في الأرض، ولعل ابن ~~الماجشون إنما أخذ التكرار في هذا؛ لأن حاطبا أخذ في أول فعله، فإن كان ~~الجاسوس كافرا، فقال الأوزاعي: يكون نقضا لعهده، وقال: الجاسوس الحربي ~~يقتل، والجاسوس المسلم والذمي يعاقبان إلا أن يظاهرا ms8448 على الإسلام ~~فيقتلان. # وقد روي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - # " أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بعين للمشركين اسمه: فرات بن ~~حيان، فأمر به أن يقتل، فصاح: يا معشر الأنصار، أقتل وأنا أشهد أن لا ~~إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله؟ فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم ~~فخلي سبيله، ثم قال: " إن منكم من أكله إلى إيمانه، منهم ~~فرات بن حيان " # قوله: " وقد كفروا ". فيه أوجه: # أحدها: الاستئناف. # الثاني: حال من فاعل " تتخذوا ". # الثالث: حال من فاعل " تلقون " ، أي: لا تتولوهم أو لا توادوهم وهذه ~~حالهم. # وقرأ العامة: " بما " - بالباء -، والجحدري وعاصم في رواية: " لما " - ~~باللام - أي: لأجل ما جاءكم من الحق، فعلى هذا الشيء المكفور به غير ~~مذكور، وتقديره: كفروا بالله ورسوله. # قوله: { يخرجون الرسول وإياكم }. # يجوز أن يكون مستأنفا، وأن يكون تفسيرا لكفرهم، فلا محل لها على ~~هذين، وأن يكون حالا من فاعل " كفروا ". # قوله: " وإياكم ". عطف على " الرسول " وقدم عليهم تشريفا له. # وقد استدل به من يجوز انفصال الضمير مع القدرة على اتصاله، إذ كان يجوز ~~أن يقال: يخرجونكم والرسول، فيجوز: يخرجون إياكم والرسول في غير القرآن. # وهو ضعيف، لأن حالة تقديم الرسول دلالة على شرفه، لا نسلم أنه يقدر على ~~اتصاله. # وقد تقدم الكلام على هذه الآية عند قوله تعالى: # ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ~~وإياكم أن اتقوا الله # في سورة النساء [131]. # قوله: { أن تؤمنوا } مفعول له، وناصبة " يخرجون " أي: يخرجونكم ~~لإيمانكم أو كراهة إيمانكم. # فصل # قال القرطبي: { أن تؤمنوا بالله } تعليل ل " يخرجون " والمعنى: يخرجون ~~الرسول، ويخرجونكم من " مكة " لأن تؤمنوا بالله، أي: لأجل إيمانكم بالله. # قال ابن عباس: وكان حاطب ممن أخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم. # وقيل: إن الكلام فيه تقديم وتأخير، والتقدير: لا تتخذوا عدوي وعدوكم ~~أولياء إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي. # وقيل: في الكلام حذف، والمعنى: إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي، وابتغاء ~~مرضاتي [فلا تلقوا إليهم بالمودة. # وقيل: { إن كنتم ms8449 خرجتم جهادا في سبيلي وابتغآء ~~مرضاتي } ] شرط وجوابه مقدم، والمعنى: إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي ~~فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء. # قال أبو حيان: { إن كنتم خرجتم } جوابه محذوف عند الجمهور لتقدم ~~" لا تتخذوا " وتقدم، وهو " لا تتخذوا " عند الكوفيين ومن تابعهم. # قال الزمخشري: و { إن كنتم خرجتم } متعلق ب " لا تتخذوا " ~~يعني: لا تتولوا أعدائي إن كنتم أوليائي، وقول النحويين في مثله: هو جواب ~~شرط، جوابه محذوف لدلالة ما قبله عليه انتهى. # يريد: أنه متعلق به من حيث المعنى، وأما من حيث الإعراب، فكما قال جمهور ~~النحويين. # قوله: { جهادا في سبيلي } { وابتغآء مرضاتي } يجوز أن ~~ينتصبا على المفعول له، أي: خرجتم لأجل هذين، أو على المصدر بفعل مقدر ~~أي: تجاهدون وتبتغون، أو على أنهما في موضع الحال. # قوله: " تسرون ". # يجوز أن يكون مستأنفا، ولم يذكر الزمخشري غيره. # ويجوز أن يكون حالا ثانية مما انتصب عنه " تلقون " حالا. # ويجوز أن يكون بدلا من " تلقون ". قاله ابن عطية. # والأشبه أن يكون بدل اشتمال، لأن إلقاء المودة يكون سرا وجهرا، فأبدل ~~منه هذا للبيان بأي نوع وقع الإلقاء. # قال القرطبي: " تسرون " بدل من " تلقون " ومبين عنه، والأفعال ~~تبدل من الأفعال كما قال تعالى: # ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب # [الفرقان: 68، 69]. # وأنشد سيبويه: [الطويل] # 4759 - متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا # تجد حطبا جزلا ونارا تضرما # ويجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمر، أي: أنتم تسرون. قاله ابن عطية. # ولا يخرج عن معنى الاستئناف. # وقال أبو البقاء: " هو توكيد ل " تلقون " بتكرير معناه ". # قال شهاب الدين: " وفيه نظر، لأن الإلقاء أعم من أن يكون سرا وجهرا ~~". # وتقدم الكلام على الباء في قوله: " بالمودة ". # قوله: { وأنا أعلم }. # هذه الجملة حال من فاعل " تسرون " ، أي: وأي طائل لكم في ~~إسراركم، وقد علمتم أن الإسرار والإعلان سيان في علمي. # و " أعلم " ، يجوز أن يكون أفعل تفضيل، وهو الظاهر، أي: أنا أعلم من ~~كل أحد بما يخفون، وما يعلنون. # وأن يكون فعلا مضارعا. # قاله ابن عطية، ms8450 وعدي بالباء، لأنك تقول: علمت بكذا، وعلمت كذا فتكون ~~زائدة. # وقيل: وأنا أعلم من كل أحد كما يقال: فلان أعلم وأفضل من غيره. # [فإن قيل: لم قدم العلم بالإخفاء على العلم بالإعلان مع أن ذلك مستلزم ~~لهذا من غير عكس؟. # فالجواب هذا بالنسبة إلى علمنا، لا بالنسبة إلى علمه - تعالى - إذ هما ~~سيان في علمه تعالى؛ لأن المقصود بيان ما هو الإخفاء، وهو الكفر، فيكون ~~مقدما. # فإن قيل: لم لم يقل: بما أسررتم، ثم وما أعلنتم، مع أنه أليق بما سبق في ~~قوله: " تسرون؟ " فالجواب: أن فيه من المبالغة ما ليس في ذلك، فإن ~~الإخفاء أبلغ من الإسرار بدليل قوله: # يعلم السر وأخفى # [طه: 7]، أي: أخفى من السر]. # فصل في معاتبة حاطب # قال القرطبي: وهذا كله معاتبة لحاطب، وهو يدل على فضله وكرامته، ونصيحته ~~للرسول صلى الله عليه وسلم وصدق إيمانه؛ فإن المعاتبة لا تكون إلا من ~~محب لحبيب؛ كما قال: [الوافر] # 4760 - إذا ذهب العتاب فليس ود # ويبقى الود ما بقي العتاب # فصل في المراد بالمودة # والمراد بالمودة في الآية النصيحة. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: وأنا أعلم بما أخفيتم في صدوركم، وما ~~أظهرتم بألسنتكم من الإقرار والتوحيد. # { ومن يفعله منكم } أي: من يسر إليهم ويكاتبهم { فقد ضل ~~سوآء السبيل } أي: أخطأ طريق الهدى. # قوله: " ومن يفعله ". في الضمير وجهان: # أظهرهما: أنه يعود على الإسرار؛ لأنه أقرب مذكور. # والثاني: يعود على الاتخاذ. قاله ابن عطية. # قوله: { سوآء السبيل }. # يجوز أن يكون منصوبا على الظرف، إن قلنا: ضل قاصر. # وأن يكون مفعولا به، إن قلنا: هو متعد. # [فإن قيل: ما الفائدة في قوله " منكم " ، ومن المعلوم أن من فعل هذا، ~~فقد ضل سواء السبيل؟ # فالجواب: إن كان المراد من قوله: " منكم " هم المؤمنون فظاهر، لأن ~~من يفعل ذلك لا يلزم أن يكون مؤمنا]. ### || [60.2] # قوله: { إن يثقفوكم } يلقونكم ويصادفونكم، ومنه المثاقفة، أي: ~~طلب مصادفة [الغرة] في المسايفة وشبهها. # وقيل: " يثقفوكم ": يظفروا بكم ويتمكنوا منكم { يكونوا لكم ~~أعدآء ويبسطوا إليكم ms8451 أيديهم وألسنتهم ~~بالسوء } أي: بالضرب والشتم. # قوله: { وودوا لو تكفرون }. # في " ودوا " وجهان: # أحدهما: أنه معطوف على جواب الشرط، وهو قوله: " يكونوا " و " ~~يبسطوا " قاله الزمخشري. # ثم رتب عليه سؤالا وجوابا، فقال: " فإن قلت: كيف أورد جواب الشرط ~~مضارعا مثله، ثم قال: " ودوا " بلفظ الماضي؟. # قلت: الماضي وإن كان يجري في باب الشرط مجرى المضارع في علم الإعراب، ~~فإن فيه نكتة، كأنه قيل: ودوا قبل كل شيء كفركم وارتدادكم، يعني أنهم ~~يريدون أن يلحقوا مضار الدنيا والآخرة جميعا ". # والثاني: أنه معطوف على جملة الشرط والجزاء، ويكون تعالى قد أخبر ~~بخبرين بما تضمنته الجملة الشرطية، وموادتهم كفر المؤمنين. # ورجح أبو حيان هذا، وأسقط به سؤال الزمخشري وجوابه، فقال: " وكأن ~~الزمخشري فهم من قوله: " وودوا " أنه معطوف على جواب الشرط، والذي ~~يظهر أنه ليس معطوفا عليه؛ لأن ودادتهم كفرهم ليست مرتبة على الظفر بهم ~~والتسليط عليهم، بل هم وادون كفرهم على كل حال سواء ظفروا بهم أم لم ~~يظفروا " انتهى. # قال شهاب الدين: " والظاهر أنه عطف على الجواب، وقوله: هم وادون ذلك ~~مطلقا مسلم، لكن ودادتهم له عند الظفر والتسليط أقرب وأطمع لهم ~~فيهم ". # وقوله: { لو تكفرون }. # يجوز أن يكون لما سيقع لوقوع، وأن تكون المصدرية عند من يرى ذلك. # وتقدم تحريرهما في البقرة. # فصل في معنى الآية # والمعنى: ودوا لو تكفرون بمحمد صلى الله عليه وسلم فلا تناصحوهم، فإنهم ~~لا يناصحونكم. ### || [60.3] # قوله: { لن تنفعكم أرحامكم }. # لما اعتذر حاطب بأن له أرحاما وأولادا فيما بينهم بين الله - تعالى ~~- أن الأهل والأولاد لا ينفعون شيئا يوم القيامة إن عصى من أجل ذلك. # { يفصل بينكم } فيدخل المؤمنين الجنة، ويدخل الكافرين النار { ~~والله بما تعملون بصير }. # قوله: { يوم القيامة } يجوز فيه وجهان. # أحدهما: أن يتعلق بما قبله، أي: لن ينفعكم يوم القيامة، فيوقف عليه، ~~ويبتدأ { يفصل بينكم }. # والثاني: أن يتعلق بما بعده، أي: يفصل بينكم يوم القيامة، فيوقف على " ~~أولادكم " ويبتدأ { يوم القيامة }. # والقراء في { يفصل بينكم } على أربع مراتب: # الأولى: لابن عامر: بضم ms8452 الياء وفتح الفاء والصاد مثقلة. # الثانية: مثقلة إلا أنه بكسر الصاد للأخوين. # الثالثة: بفتح الياء وسكون الفاء وكسر الصاد مخففة لعاصم. # الرابعة: بضم الياء وسكون الفاء وفتح الصاد مخففة للباقين، وهم نافع ~~وابن كثير، وأبو عمرو، وهذا في السبعة. # وقرأ ابن أبي عبلة وأبو حيوة: بضم الياء وكسر الصاد مخففة وسكون الفاء ~~مخففة من " أفصل ". # وأبو حيوة أيضا: " نفصل " بضم النون، من " أفصل ". # والنخعي وطلحة: " نفصل " بضم النون وفتح الفاء وكسر الصاد مشددة. # وقرأ أيضا وزيد بن علي: " نفصل " بفتح النون وسكون الفاء وكسر ~~الصاد مخففة فهذه أربع، فصارت ثماني قراءات. # فمن بناه للمفعول، فالقائم مقام الفاعل إما ضمير المصدر، أي: يفصل ~~الفصل، أو الظرف، وبني على الفتح لإضافته إلى غير متمكن، كقوله: # لقد تقطع بينكم # [الأنعام: 94] في أحد الأوجه، أو الظرف وهو باق على نصبه كقولك: جلس ~~عندك. ثم قال: { والله بما تعملون بصير } ، وفيه سؤال، وهو ~~أنه لم لم يقل: خبير مع أنه أبلغ في العلم بالشيء؟ # والجواب: أن الخبير أبلغ في العلم، والبصير أشهر منه فيه، فإنه يجعله ~~كالمحسوس بحس البصر. ### || [60.4-7] # قوله تعالى: { قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم ~~} الآية. # لما نهى عن موالاة الكفار ذكر قصة إبراهيم، وأن من سيرته التبرؤ ~~من الكفار، أي: فاقتدوا به إلا في الاستغفار لأبيه. # والأسوة والإسوة ما يتأسى به مثل القدوة والقدوة، ويقال: هو ~~أسوتك أي مثلك وأنت مثله وتقدم قراءة " أسوة " في سورة " الأحزاب " ~~والكلام على مادتها. # قوله: { في إبراهيم }. في أوجه: # أحدها: أنه متعلق ب " أسوة " ، تقول: لي أسوة في فلان، ومنع أبو البقاء ~~أن يتعلق بها لأنها قد وصفت. # وهذا لا يبالى به لأنه يغتفر في الظرف ما لا يغتفر في غيره. # الثاني: أنه متعلق ب " حسنة " تعلق الظرف بالعامل. # الثالث: أنه نعت ثان ل " أسوة ". # الرابع: أنه حال من الضمير المستتر في " حسنة ". # الخامس: أن يكون خبر " كان " و " لكم " تبيين. # قوله: { والذين معه } يعني أصحاب إبراهيم من المؤمنين. # وقال ابن زيد: هم الأنبياء. ms8453 # قوله: { إذ قالوا }. فيه وجهان: # أحدهما: أنه خبر " كان ". # والثاني: أنه متعلق بخبرها. # قالهما أبو البقاء. # ومن جوز في " كان " أن تعمل في الظرف علقه بها، والمراد بقومهم: الكفار. # قوله: { إنا برءآؤ }. # هذه قراءة العامة - بضم الباء وفتح الراء وألف بين همزتين - جمع " بريء ~~" ، نحو " كرماء " في نحو " كريم ". # وعيسى أيضا وأبو جعفر بضم الباء وهمزة بعد ألف. # وفيه أوجه: # أحدها: أنه جمع بريء أيضا، والأصل كسر الباء، وإنما أبدل من الكسرة ~~ضمة ك " رخال، ورباب " قاله الزمخشري. # الثاني: أنه جمع " بريء " أيضا وأصله: " برآء " كالقراءة المشهورة ~~إلا أنه حذف الهمزة الأولى تخفيفا. قاله أبو البقاء. # الثالث: أنه اسم جمع ل " بريء " نحو: " تؤام، وظؤار " اسمي جمع ل " ~~توأم، وظئر ". # وقرأ عيسى أيضا بفتح الباء وهمزة بعد ألف، كالتي في " الزخرف " ، وصح ~~ذلك لأنه مصدر، والمصدر يقع على الجمع كوقوعه على الواحد. # قال الزمخشري: " والبراء والبراءة كالظماء والظماءة ". # وقال مكي: وأجاز أبو عمرو وعيسى بن عمر: " براء " - بكسر الباء - جعلاه ~~ك " كريم وكرام ". # قال القرطبي: هو على وزن " فعال " مثل: " قصار وقصير " ، و " طوال ~~وطويل " و " ظراف وظريف " ويجوز ترك الهمزة حتى تقول برآ وتنون. # وأجاز الفراء: بفتح الباء، ثم قال: " وبراء " في الأصل مصدر. # كأنه لم يطلع على أنها قراءة منقولة. # فصل في الاقتداء بسيدنا إبراهيم. # قال القرطبي: " الآية نص في الأمر بالاقتداء بإبراهيم - عليه الصلاة ~~والسلام - في فعله، وذلك يدل على أن شرع من قبلنا شرع لنا فيما أخبر ~~الله ورسوله ". # قوله: { كفرنا بكم } ، أي بما آمنتم به من الأوثان. # وقيل: بأفعالكم وكذبناها وأنكرنا أن يكونوا على حق، { وبدا بيننا ~~وبينكم العداوة والبغضآء أبدا } أي: هذا دأبنا معكم ~~ما دمتم على كفركم حتى تؤمنوا بالله وحده، فحينئذ تنقلب المعاداة ~~موالاة. # فإن قيل: ما الفائدة في قوله: { تؤمنوا بالله وحده } ، ~~والإيمان إنما هو بالله وبغيره كقوله: # كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله # [البقرة: 285]. # فالجواب: أن الإيمان بالله وحده مستلزم للإيمان بالملائكة والكتب ~~والرسل. # قوله: { إلا قول إبراهيم } فيه أوجه: ms8454 # أحدها: أنه استثناء متصل من قوله: " في إبراهيم " ولكن لا بد من حذف ~~مضاف ليصح الكلام، تقديره: في مقالات إبراهيم إلا قوله كيت وكيت. # الثاني: أنه مستثنى من { أسوة حسنة } وجاز ذلك؛ لأن القول أيضا ~~من جملة الأسوة؛ لأن الأسوة الاقتداء بالشخص في أقواله وأفعاله، فكأنه ~~قيل: لكم فيه أسوة في جميع أحواله من قول وفعل إلا قوله كذا. # وهذا واضح؛ لأنه غير محوج إلى تقدير مضاف وغير مخرج للاستثناء من ~~الاتصال الذي هو أصله إلى الانقطاع، ولذلك لم يذكر الزمخشري غيره. # قال: فإن قلت: مم استثني قوله: { إلا قول إبراهيم } # قلت: من قوله " أسوة حسنة "؛ لأنه أراد بالأسوة الحسنة قولهم الذي ~~حق عليهم أن يتأسوا به، ويتخذوه سنة يستنون بها. # فإن قلت: فإن كان قوله " لأستغفرن لك " مستثنى من القول الذي هو " ~~أسوة حسنة " فما بال قوله: { ومآ أملك لك من الله من ~~شيء } وهو غير حقيق بالاستثناء، ألا ترى إلى قوله: # قل فمن يملك لكم من الله شيئا # [الفتح: 11]. # قلت: أراد استثناء جملة قوله: " لأبيه " والقصد إلى موعد الاستغفار له، ~~وما بعده مبني عليه وتابع له، كأنه قال: أنا أستغفر لك، وما في طاقتي ~~إلا الاستغفار. # الثالث: قال ابن عطية: " ويحتمل أن يكون الاستثناء من التبري والقطيعة ~~التي ذكرت أي: لم تبق صلة إلا كذا، والله أعلم ". # الرابع: أنه استثناء منقطع، أي: لكن قول إبراهيم. # وهذا بناء من قائليه على أن القول لم يندرج تحت قوله: " أسوة " ، ~~وهو ممنوع. # فصل # قال القرطبي: معنى قوله: { إلا قول إبراهيم لأبيه ~~لأستغفرن لك } أي: فلا تتأسوا به في الاستغفار، فتستغفرون ~~للمشركين، فإنه كان عن موعدة منه له. # قاله قتادة ومجاهد وغيرهما. # وقيل: معنى الاستثناء أن إبراهيم هجر قومه وباعدهم إلا في الاستغفار ~~لأبيه، ثم بين عذره في سورة " التوبة " ، وفي هذا دلالة على تفضيل ~~نبينا صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء؛ لأنا حين أمرنا بالاقتداء ~~به أمرنا أمرا مطلقا في قوله: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # [الحشر: ms8455 7]، وحين أمرنا بالاقتداء بإبراهيم عليه السلام استثني بعض ~~أفعاله، وذلك إنما جرى؛ لأنه ظن أنه أسلم، فلما بان أنه لم يسلم تبرأ ~~منه، وعلى هذا يجوز الاستغفار لمن يظن أنه أسلم، وأنتم لم تجدوا مثل هذا ~~الظن فلم توالوهم؟. # قوله: { ومآ أملك لك من الله من شيء } هذا من قول ~~إبراهيم لأبيه، أي: ما أدفع عنك من عذاب الله شيئا إن أشركت به. # قوله: { ربنا عليك توكلنا }. # يجوز أن يكون من مقول إبراهيم والذين معه، فهو من جملة الأسوة الحسنة، ~~وفصل بينهما بالاستثناء، ويجوز أن يكون منقطعا مما قبله على إضمار قول، ~~وهو تعليم من الله تعالى لعباده، كأنه قال لهم: قولوا: { ربنا ~~عليك توكلنا } أي: اعتمدنا { وإليك أنبنا } أي: رجعنا ~~{ وإليك المصير } أي: الرجوع في الآخرة. # { ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا }. أي: ولا ~~تظهر عدونا علينا، فيظنوا أنهم على حق. فيفتنوا بذلك وقيل: لا تسلطهم ~~علينا، فيقتلوننا ويعذبوننا. # وقال مجاهد: لا تعذبنا بأيديهم، ولا بعذاب من عندك، فيقولوا لو كان ~~هؤلاء على الحق لما أصابهم ذلك. # وقيل: لا تبسط [عليهم] الرزق دوننا، فإن ذلك فتنة لهم. # وقيل: { لا تجعلنا فتنة } أي: عذابا أي: سببا يعذب به ~~الكفرة، وعلى هذا ليست الآية من قول إبراهيم - عليه الصلاة والسلام: { ~~واغفر لنا ربنآ إنك أنت العزيز الحكيم }. # قوله تعالى: { لقد كان لكم فيهم } أي: في إبراهيم ومن معه من ~~الأنبياء والأولياء " أسوة حسنة " أي: في التبري من الكفار. # وقيل: كرر للتأكيد. # وقيل: نزل الثاني بعد الأول بمدة. # قال القرطبي: وما أكثر المكررات في القرآن على هذا الوجه. # قوله: { لمن كان يرجو الله }. # بدل من الضمير في " لكم " بدل بعض من كل، وقد تقدم مثله في " ~~الأحزاب ". # والضمير في " فيهم " عائد على " إبراهيم " ومن معه، وكررت " الأسوة " ~~تأكيدا. # وفيه بيان أن هذه الأسوة لمن يخاف الله، ويخاف عذاب الآخرة، { ومن ~~يتول } أي: يعرض عن الإيمان ويتول الكفار { فإن الله هو ~~الغني } عن خلقه، أي: لم يتعبدهم لحاجته إليهم { الحميد } إلى ~~أوليائه وأهل ms8456 طاعته. # وقيل: الحميد في نفسه وصفاته. # قوله تعالى: { عسى الله أن يجعل بينكم وبين ~~الذين عاديتم منهم مودة }. # قال المفسرون: لما نزلت الآية الأولى عادى المسلمين أقرباؤهم من ~~المشركين، فعلم الله شدة وجد المسلمين في ذلك فنزلت: { عسى الله ~~أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم ~~مودة } أي: من كفار " مكة " ، وقد فعل الله ذلك؛ لأن " عسى " من ~~الله وعد، ولا يخلف الله وعده، وهذا بأن يسلم الكافر، وقد أسلم قوم منهم ~~بعد فتح " مكة " ، وخالطهم المسلمون كأبي سفيان بن حرب، والحارث بن هشام، ~~وسهيل بن عمرو، وحكيم بن حزام. # وقيل: المودة تزويج النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان ~~فلانت عندئذ عريكة أبي سفيان. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: كانت المودة بعد الفتح تزويج النبي صلى ~~الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان قال ابن عباس: وكانت تحت عبد ~~الله بن جحش، وكانت هي وزوجها من مهاجرة الحبشة، فأما زوجها فتنصر، ~~وسألها أن تتابعه على دينه، فأبت وصبرت على دينها، ومات زوجها على ~~النصرانية، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي فخطبها، فقال ~~النجاشي لأصحابه: من أولاكم بها؟ قالوا: خالد بن سعيد بن العاص، قال: ~~فزوجها من نبيكم ففعل وأمهرها النجاشي من عنده أربعمائة دينار. # وقيل: خطبها النبي صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن عفان، فلما زوجه ~~إياها بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي فيها، فساق عنه المهر، ~~وبعث بها إليه، فقال أبو سفيان وهو مشرك لما بلغه تزويج النبي صلى الله ~~عليه وسلم ابنته: وذلك الفحل لا يقدع أنفه. # قال ابن الأثير: " يقال: قدعت الفحل وهو أن يكون غير كريم، فإذا أراد ~~ركوب الناقة الكريمة ضرب أنفه بالرمح وغيره حتى يرتدع وينكب، ويروق ~~بالراء ". ### || [60.8] # قوله تعالى: { لا ينهاكم الله عن الذين لم ~~يقاتلوكم في الدين } الآية. # هذه الآية رخصة من الله - تعالى - في صلة الذين لم يعادوا المؤمنين ولم ~~يقاتلوهم. # قال ابن زيد: كان هذا في أول الإسلام ms8457 عند الموادعة وترك الأمر بالقتال ~~ثم نسخ. # قال قتادة: نسختها: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5]. # وقيل: كان هذا الحكم لعلة، وهي الصلح فلما زال الصلح بفتح " مكة " نسخ ~~الحكم، وبقي الرسم يتلى. # وقيل: هي مخصوصة في خلفاء النبي صلى الله عليه وسلم ومن بينه وبينه عهد ~~لم ينقضه. قاله الحسن. # قال الكلبي: هم خزاعة وبنو الحارث بن عبد مناف، وهو قول أبي صالح. # وقال مجاهد: هي مخصوصة في الذين آمنوا، ولم يهاجروا. # وقيل: يعني به النساء والصبيان؛ لأنهم ممن لا يقاتل، فأذن الله في برهم. # وقال أكثر أهل التأويل: هي محكمة، # " واحتجوا بأن أسماء بنت أبي بكر سألت النبي صلى الله عليه وسلم: هل ~~تصل أمها حين قدمت عليها مشركة؟ قال: " نعم " " # خرجه البخاري ومسلم. # وقيل: إن الآية نزلت فيها. # وروى عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه: أن أبا بكر الصديق - رضي الله ~~عنه - طلق امرأته قتيلة في الجاهلية، وهي أم أسماء بنت أبي بكر، فقدمت ~~عليهم في المدة التي كانت فيها المهادنة بين رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وبين كفار قريش، فأهدت إلى أسماء بنت أبي بكر قرطا وأشياء، فكرهت ~~أن تقبل منها حتى أتت رسول الله فذكرت ذلك له، فأنزل الله تعالى: { لا ~~ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين } ~~ذكر هذا الخبر الماوردي وغيره، وخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده. # قوله: { أن تبروهم } وقوله: { أن تولوهم } بدلان من ~~الذين قبلهما بدل اشتمال، فيكون في موضع جر. # والمعنى: لا ينهاكم الله عن أن تبروا هؤلاء الذين لم يقاتلوكم، إنما ~~ينهاكم عن تولي هؤلاء وهم خزاعة، صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم على ~~ألا يقاتلوه ولا يعينوا عليه أحدا، فأمر ببرهم والوفاء لهم إلى أجلهم. ~~حكاه الفراء. # وقوله: { وتقسطوا إليهم }. أي: تعطوهم قسطا من أموالكم على ~~وجه الصلة، وليس يريد به من العدل، فإن العدل واجب فيمن قاتل وفيمن لم ~~يقاتل، قاله ابن العربي. # فصل في نفقة الابن المسلم على أبيه الكافر. # نقل القرطبي عن ms8458 القاضي أبي بكر في كتاب " الأحكام " له: أن بعض العلماء ~~استدل بهذه الآية على وجوب نفقة الابن المسلم على أبيه الكافر، قال: ~~وهذه وهلة عظيمة، إذ الإذن في الشيء، أو ترك النهي عنه لا يدل على وجوب، ~~وإنما يعطي الإباحة خاصة؛ وقد بينا أن القاضي إسماعيل بن إسحاق دخل ~~عليه ذمي فأكرمه، فأخذ عليه الحاضرون في ذلك، فتلا هذه الآية عليهم ". ### || [60.9] # قوله تعالى: { إنما ينهاكم الله عن الذين ~~قاتلوكم في الدين } أي: جاهدوكم على الدين { وأخرجوكم ~~من دياركم } وهم عتاة أهل " مكة " ، { وظاهروا } أي: عاونوا ~~{ على إخراجكم } وهم مشركوا مكة { أن تولوهم ومن ~~يتولهم } أي: يتخذهم أولياء وأنصارا وأحبابا { فأولئك ~~هم الظالمون }. ### || [60.10-11] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إذا جآءكم ~~المؤمنات مهاجرات } الآية لما أمر المسلمين بترك موالاة ~~[المشركين] اقتضى ذلك مهاجرة المسلمين من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام، ~~وكان التناكح من أوكد أسباب الموالاة، فبين أحكام مهاجرة النساء. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: جرى الصلح مع مشركي قريش عام الحديبية ~~على أن من أتاه من أهل " مكة " رده إليهم، فجاءت سبيعة بنت الحارث ~~الأسلمية بعد الفراغ من الكتاب، والنبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية ~~بعد، فأقبل زوجها - وكان كافرا - وهو صيفي بن راهب. # وقيل: مسافر المخزومي، فقال: يا محمد، اردد علي امرأتي فإنك شرطت ذلك، ~~وهذه طينة الكتاب لم تجف بعد، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية. # وقيل: # " جاءت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، فجاء أهلها يسألون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يردها. # وقيل: هربت من زوجها عمرو بن العاص، ومعها أخواها عمارة والوليد، فرد ~~رسول الله إخوتها، وحبسها فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ردها علينا ~~للشرط، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كان الشرط في الرجال لا في ~~النساء " # ، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية. # وعن عروة قال: كان مما اشترط سهيل بن عمرو على النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الحديبية ألا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، ms8459 ~~وخليت بيننا وبينه فكره المؤمنون ذلك، وأبى سهيل إلا ذلك، فكاتبه النبي ~~صلى الله عليه وسلم على ذلك، فرد يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو، ~~ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة وإن كان مسلما، حتى أنزل ~~الله في المؤمنات ما أنزل، يومىء إلى أن الشرط في رد النساء نسخ بذلك. # وقيل: إن التي جاءت أميمة بنت بشر كانت عند ثابت بن الشمراخ، ففرت منه، ~~وهو يومئذ كافر، فتزوجها سهيل بن حنيف، فولدت له عبد الله. قاله زيد ~~بن حبيب، نقله الماوردي. # وأكثر أهل العلم أنها أم كلثوم بنت عقبة. # قوله: { المؤمنات }. تسمية للشيء بما يدلي إليه ويقاربه ويشارفه؛ ~~أو في الظاهر. # وقرىء " مهاجرات " - بالرفع - وخرجت على البدل. # فصل في دخول النساء عقد المهادنة لفظا أو عموما # اختلفوا هل دخل النساء في عقد المهادنة لفظا أو عموما؟ # فقالت طائفة: كان شرط ردهن في عقد الهدنة صريحا، فنسخ الله ردهن من ~~العقد ومنع منه، وبقاه في الرجال على ما كان، وهذا يدل على أن للنبي صلى ~~الله عليه وسلم أن يجتهد رأيه في الأحكام، ولكن لا يقره الله على خطأ. # وقالت طائفة: لم يشترط ردهن في العقد لفظا، وإنما أطلق العقد في ~~ردهن أسلم، فكان ظاهر العموم اشتماله عليهن مع الرجال، فبين الله تعالى ~~خروجهن عن عمومه، وفرق بينهن وبين الرجال لأمرين: # أحدهما: أنهن ذوات فروج يحرمن عليهم. # الثاني: أنهن أرق قلوبا، وأسرع تقلبا منهم، فأما المقيمة منهن على ~~شركها فمردودة عليهم. ومن أسلمت فلا تردوها. # قوله: { فامتحنوهن }. # قيل: إنه كان من أرادت منهن إضرار زوجها، قالت: سأهاجر إلى محمد صلى ~~الله عليه وسلم فلذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بامتحانهن، واختلفوا ~~فيما كان يمتحنهن به. # فقال ابن عباس: كان يمتحنهن بأن يستخلفن بالله أنها ما خرجت من ~~بغض زوجها، ولا رغبة من أرض إلى أرض، ولا التماس دنيا، ولا عشقا لرجل من ~~المسلمين، ولا لحدث أحدثته، وما خرجت إلا رغبة في الإسلام، وحب الله ms8460 ~~ورسوله، فإذا حلفت بالله الذي لا إله إلا هو على ذلك أعطى النبي صلى الله ~~عليه وسلم زوجها مهرها، وما أنفق عليها، ولم يردها، فذلك قوله تعالى: { ~~فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى ~~الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن }. # وروي عن ابن عباس أيضا: أن المحنة كانت أن تشهد أن لا إله إلا الله، ~~وأن محمدا رسول الله. # وروى معمر عن الزهري عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ما كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يمتحنهن إلا بالآية التي قال الله تعالى: { إذا ~~جآءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن ~~بالله شيئا }. # خرجه الترمذي. وقال حديث حسن صحيح. # فصل # قال أكثر العلماء على أن هذا ناسخ لما كان عليه الصلاة والسلام عاهد ~~عليه قريشا من أنه يرد عليهم من جاءه منهم مسلما، فنسخ من ذلك النساء. ~~وهذا مذهب من يرى نسخ السنة بالقرآن. # فصل # قال القرطبي: ولا يجوز أن يهادن الإمام العدو على أن يرد عليهم من جاءه ~~مسلما؛ لأن إقامة المسلم بأرض الشرك لا تجوز، وهذا مذهب الكوفيين، وأجاز ~~مالك عقد الصلح على ذلك. # واحتج الكوفيون # " بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد إلى قوم خثعم، ~~فاعتصموا بالسجود فقتلهم، فوداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم [بنصف ~~الدية] وقال: " أنا بريء من كل مسلم أقام مع مشرك بدار ~~الحرب لا تراءى ناراهما " # قالوا: فهذا ناسخ لرد المسلمين إلى المشركين، إذ كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قد برىء ممن أقام معهم في دار الحرب. ومذهب مالك والشافعي أن ~~هذا الحكم غير منسوخ. # قال الشافعي: وليس لأحد هذا العقد إلا الخليفة أو [رجل] يأمره، فمن عقد ~~غير الخليفة هذا العقد فهو مردود. # قوله: { الله أعلم بإيمانهن }. # هذه الجملة فائدتها بيان أنه لا سبيل لكم إلى ما تطمئن به النفس ويثلج ~~الصدر من الإحاطة بحقيقة إيمانهن، فإن ذلك مما استأثر الله به. # قاله الزمخشري. # أي: هذا الامتحان لكم، والله أعلم بإيمانهن، لأنه ms8461 متولي السرائر، وسمى ~~الظن الغالب في قوله: { علمتموهن } علما لما بينهما من القرب ~~كما يقع الظن موقعه، وتقدم ذلك في البقرة. # قوله: { فإن علمتموهن مؤمنات }. # أي: بما يظهرن من الإيمان. # وقيل: أي: علمتموهن مؤمنات قبل الامتحان { فلا ترجعوهن إلى ~~الكفار لا هن حل لهم } وقوله: { ولا هم يحلون ~~لهن } تأكيد للأول لتلازمهما. # وقيل: أراد استمرار الحكم بينهم فيما يستقبل كما هو في الحال ما داموا ~~مشركين وهن مؤمنات. # فصل في معنى الآية # معنى الآية: لم يحل الله مؤمنة لكافر، وهذا أول دليل على أن الذي أوجب ~~فرقة المسلمة من زوجها الكافر إسلامها لا هجرتها. # وقال أبو حنيفة: الذي فرق بينهما هو اختلاف الدارين. # والصحيح الأول؛ لأن الله - تعالى - بين العلة، وهو عدم الحل بالإسلام ~~لا باختلاف الدار. # قوله: { وآتوهم مآ أنفقوا }. # أمر الله - تعالى - إذا أمسكت المرأة المسلمة أن يرد على زوجها ما ~~أنفق، وذلك من الوفاء بالعهد؛ لأنه لما منع من أهله بحرمة الإسلام أمر ~~برد المال حتى لا يقع عليهم خسران من الوجهين: الزوجة والمال. # فصل في استحقاق الغرم بالمنع # ولا غرم إلا إذا طالب الزوج الكافر، فإذا حضر وطالب منعناها وغرمنا، فإن ~~كانت ماتت قبل حضور الزوج لم نغرم المهر إذ لم يتحقق المنع، وإن كان ~~المسمى خمرا وخنزيرا لم نغرم شيئا؛ لانه لا قيمة له. # وللشافعي في هذه الآية قولان: # أحدهما: أن هذا منسوخ. # قال الشافعي: وإذا جاءتنا المرأة الحرة من أهل الهدنة مسلمة مهاجرة من ~~الحرب إلى الإمام في دار الإسلام أو دار الحرب، فمن طلبها من ولي سوى ~~زوجها منع منها بلا عوض، وإذا طلبها زوجها لنفسه أو غيره بوكالة، ففيه ~~[قولان]: # أحدهما: أن يعطى [زوجها] العوض لهذه الآية. # والثاني: لا يعطى الزوج المشرك الذي جاءت امرأته مسلمة العوض، فإن شرط ~~الإمام رد النساء كان الشرط باطلا منسوخا، وليس عليه عوض، لأنه لا عوض ~~للباطل. # فصل # أمر الله تعالى برد مثل ما أنفقوا إلى الأزواج، وأن المخاطب بهذا ~~الإمام، ينفذ من بيت المال الذي ms8462 لا يتعين له مصرف. # وقال مقاتل: يرد المهر الذي يتزوجها من المسلمين، وليس لزوجها الكافر ~~شيء. # وقال قتادة: الحكم في رد الصداق إنما هو في نساء أهل العهد فأما [من] لا ~~عهد بينه وبين المسلمين، فلا يرد عليهم الصداق. # قال القرطبي: " والأمر كما قال ". # قوله: { ولا جناح عليكم أن تنكحوهن }. أي: في أن ~~تنكحوهن. # وقوله: { إذآ آتيتموهن }. # يدوز أن يكون ظرفا محضا، وأن يكون شرطا، جوابه مقدر، أي: فلا جناح ~~عليكم. # فصل # ومعنى الآية: ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن أي: ~~مهورهن، فأباح الله نكاحهن للمسلمين؛ وإن كان لهن أزواج في دار الكفر؛ ~~لأن الإسلام فرق بينهن وبين أزواجهن الكفار. # قال القرطبي: أباح نكاحهن إذا أسلمن، وانقضت عدتهن لما ثبت في تحريم ~~نكاح المشركة المعتدة، فإن أسلمت قبل الدخول ثبت النكاح في الحال. # قوله: { ولا تمسكوا بعصم الكوافر }. # قرأ أبو عمرو في آخرين بضم التاء وفتح الميم وتشديد السين، وباقي السبعة ~~- بتخفيفها - من " مسك، وأمسك " بمعنى واحد. # يقال: أمسكت الحبل إمساكا، ومسكته تمسيكا، وفي التشديد مبالغة، ~~والمخفف صالح لها أيضا. # وقرأ الحسن، وابن أبي ليلى، وأبو عمرو، وابن عامر في رواية عنهما: " ~~تمسكوا " - بالفتح في الجميع وتشديد السين - والأصل: " تتمسكوا ~~" - بتاءين - فحذفت إحداهما. # وعن الحسن أيضا: " تمسكوا " مضارع " مسك " ثلاثيا. # والعصم: جمع عصمة، والعصمة هاهنا: النكاح، يقول: من كانت له ~~كافرة بمكة فلا يعقد بها فقد انقطعت عصمتها. # و " الكوافر " جمع " كافرة " ، ك " ضوارب " في " ضاربة " و " صواحب ". # ويحكى عن الكرخي الفقيه المعتزلي أنه قال: " الكوافر " يشمل الرجال ~~والنساء. # قال الفارسي: فقلت له: النحويون لا يرون هذا إلا في النساء جمع كافرة. # فقال أبو علي: أليس يقال: طائفة كافرة وفرقة كافرة؟. # قال أبو علي: فبهت، وقلت: هذا تأييد إلهي. # قال شهاب الدين: وإنما أعجب بقوله لكونه معتزليا، والحق أنه لا يجوز ~~كافرة وصفا للرجال إلا أن يكون الموصوف مذكورا، نحو: هذه طائفة كافرة، ~~أو في قوة المذكور، أما أن يقال: طائفة باعتبار الطائفة غير المذكورة، ~~ولا في قوة ms8463 المذكورة بل لمجرد الاحتمال، ويجتمع جمع " فاعلة " فهذا لا ~~يجوز، وقول الفارسي: " لا يرون هذا إلا في النساء " فهذ يصح ولكنه ~~الغالب، وقد يجمع " فاعل " وصف المذكر العاقل على " فواعل " وهو محفوظ ~~نحو: " فوارس ونواكس ". # فصل في المراد بالآية # قال النخعي: المراد بالآية: المرأة المسلمة تلحق بدار الحرب، فتكفر، ~~وكان الكفار يتزوجون المسلمات، والمسلمون يتزوجون المشركات، ثم نسخ ذلك ~~بهذه الآية، فطلق عمر بن الخطاب حينئذ امرأتين ب " مكة " مشركتين: قريبة ~~بنت أبي أمية، فتزوجها معاوية بن أبي سفيان، وهما على شركهما ب " مكة " ~~، وأم كلثوم بنت عمرو الخزاعية أم عبد الله بن المغيرة، فتزوجها أبو جهم ~~بن حذافة، وهما على شركهما، فلما ولي عمر، قال أبو سفيان لمعاوية: طلق ~~قريبة، لئلا يرى عمر صلبه في بيتك، فأبى معاوية، وكانت عند طلحة بن عبيد ~~الله أروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، ففرق الإسلام بينهما، ثم ~~تزوجها في الإسلام خالد بن سعيد بن العاص، وكانت ممن فرت إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم من نساء الكفار فحبسها، وتزوجها خالد بن سعيد بن العاص بن ~~أمية. # وقال الشعبي: كانت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، امرأة أبي ~~العاص بن الربيع، أسلمت ولحقت بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأقام أبو ~~العاص ب " مكة " مشركا، ثم أتى " المدينة " ، فأسلم، فردها عليه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # وروى أبو داود عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: رد رسول الله ~~ابنته زينب على أبي العاص بالنكاح الأول، لم يحدث شيئا. # قال محمد بن عمر في حديثه: بعد ست سنين. # وقال الحسن بن علي: بعد سنتين. # قال أبو عمر: فإن صح هذا، فلا يخلو من وجهين: # إما أنها لم تحضر حتى أسلم زوجها، وإما أن الأمر فيها منسوخ بقوله ~~تعالى: # وبعولتهن أحق بردهن في ذلك # [البقرة: 228]، يعني عدتهن، وهذا مما لا خلاف فيه، إن عنى به العدة. # قال الزهري في قصة زينب هذه: كانت قبل أن تنزل الفرائض. # وقال قتادة: ms8464 كان هذا قبل أن تنزل سورة براءة، بقطع العهود بينهم وبين ~~المشركين. # فصل في المراد بالكوافر # المراد بالكوافر هنا: عبدة الأوثان، ومن لا يجوز ابتداء نكاحها. # وقيل: هي عامة، نسخ منها نساء أهل الكتاب، فعلى الأول إذا أسلم ~~وثني، أو مجوسي ولم تسلم امرأته فرق بينهما، وهو قول بعض أهل ~~العلم، منهم مالك والحسن وطاووس ومجاهد وعطاء وعكرمة وقتادة والحكم، ~~لقوله تعالى: { ولا تمسكوا بعصم الكوافر }. # وقال بعضهم: ينتظر بها تمام العدة، وهو قول الزهري والشافعي وأحمد، ~~واحتجوا بأن أبا سفيان بن حرب، أسلم قبل هند بنت عتبة امرأته، وكان ~~إسلامه ب " مر الظهران " ، ثم رجع إلى " مكة " وهند بها كافرة مقيمة على ~~كفرها، فأخذت بلحيته، وقالت: [اقتلوا] الشيخ الضال، ثم أسلمت بعده ~~بأيام، فاستقر على نكاحها، لأن عدتها لم تكن انقضت. # قالوا: ومثله حكيم بن حزام أسلم قبل امرأته، ثم أسلمت بعده، فكانا على ~~نكاحها. # قال الشافعي رحمه الله: ولا حجة لمن احتج بقوله تعالى: { ولا ~~تمسكوا بعصم الكوافر }؛ لأن نساء المسلمين محرمات على ~~الكفار، كما أن المسلمين، لا تحل لهم الكوافر والوثنيات والمجوسيات لقوله ~~تعالى: { لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن } ، ثم ~~بينت السنة أن مراد الله من قوله هذا: أنه لا يحل بعضهم لبعض إلا أن ~~يسلم الثاني منهما في العدة. # وقال أبو حنيفة وأصحابه في الكافر من الذميين: إذا أسلمت المرأة، عرض ~~على الزوج الإسلام، فإن أسلم وإلا فرق بينهما. # قالوا: ولو كانا حربيين، فهي امرأته، حتى تحيض ثلاث حيض، إذا كانا ~~جميعا في دار الحرب، أو في دار الإسلام، وإن كان أحدهما في دار الحرب، ~~والآخر في دار الإسلام انقطعت العصمة بينهما. # وقد تقدم أن اعتبار الدار ليس بشيء، وهذ الخلاف إنما هو في المدخول بها. # وأما غير المدخول بها، فلا نعلم خلافا في انقطاع العصمة بينهما، ولا ~~عدة عليها، هكذا يقول مالك رحمه الله في المرأة ترتد وزوجها مسلم: تنقطع ~~العصمة بينهما لقوله تعالى: { ولا تمسكوا بعصم الكوافر } ~~، وهو قول الحسن البصري ms8465 والحسن بن صالح. # وقال الشافعي وأحمد: [ينظر إلى تمام] العدة. # [فإن كان الزوجان نصرانيين فأسلمت الزوجة، فمذهب مالك والشافعي، وأحمد ~~توقف إلى تمام العدة، وهو قول مجاهد]. # وكذلك الوثني تسلم زوجته، إن أسلم في عدتها، فهو أحق بها، كما كان ~~صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل أحق بزوجتيهما لما أسلما في عدتيهما، ~~لما ذكر مالك في " الموطأ ". # [قال ابن شهاب: كان بين إسلام صفوان وبين إسلام امرأته نحو شهر]. # قال ابن شهاب: ولم يبلغنا أن امرأة هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وزوجها كافر مقيم بدار الحرب، إلا فرقت هجرتها بينها وبين ~~زوجها إلى أن يقدم زوجها مهاجرا قبل أن تنقضي عدتها، وقال بعضهم: ينفسخ ~~النكاح بينهما، لما روى يزيد بن علقمة قال: أسلم جدي، ولم تسلم جدتي، ~~ففرق بينهما عمر - رضي الله عنه - وهو قول طاوس والحسن وعطاء وعكرمة، ~~قالوا: لا سبيل له عليها إلا بخطبة. # قوله: { واسألوا مآ أنفقتم وليسألوا مآ أنفقوا ~~}. # قال المفسرون: كان من ذهب من المسلمات مرتدات إلى الكفار من أهل العهد، ~~يقال للكفار: هاتوا مهرها، ويقال للمسلمين، إذا جاء أحد من الكافرات ~~معلمة مهاجرة: ردوا إلى الكفار مهرها، وكان ذلك إنصافا وعدلا بين ~~الحالتين. # قال ابن العربي رحمه الله: كان هذا حكم الله، مخصوصا بذلك الزمان في ~~تلك النازلة خاصة. # قال الزهري: ولولا هذه الهدنة، والعهد الذي كان بين رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وبين قريش يوم الحديبية، لأمسك النساء، ولم يرد الصداق، ~~وكذلك يفعل بمن جاءه من المسلمات قبل العهد، فلما نزلت هذه الآية أخطر ~~المؤمنون بحكم الله عز وجل وأدوا ما أمروا به من نفقات المشركين على ~~نسائهم، وأبى المشركون أن يقروا بحكم الله، فيما أمروا به من أداء نفقات ~~المسلمين، فأنزل الله - عز وجل - { وإن فاتكم شيء } أيها المؤمنون. # قوله: { ذلكم حكم الله يحكم بينكم } أي بما ذكر في ~~هذه الآية، { والله عليم حكيم }. # قوله: { يحكم بينكم }. فيه وجهان: # أحدهما: أنه مستأنف لا محل له من الإعراب. ms8466 # والثاني: أنه حال من: " حكم الله " ، والراجع إما مستتر أي: يحكم هو، ~~أي: الحكم على المبالغة، وإما محذوف، أي: يحكمه، وهو الظاهر. # قوله: { من أزواجكم }. # يجوز أن يتعلق ب " فاتكم " أي: من جهة أزواجكم، يراد بالشيء المهر الذي ~~غرمه الزوج، كما تقدم. # ويجوز أن يتعلق بمحذوف، على أنه صفة ل " شيء ". # ثم يجوز في " شيء " ، أن يراد به: المهر، ولكن على هذا، فلا بد من حذف ~~مضاف، أي: من مهور أزواجكم ليتطابق الموصوف وصفته. # ويجوز أن يراد ب " شيء " [النساء، أي: بشيء من النساء، أي: نوع وصف ~~منهن، وهو ظاهر وصفه بقوله: { من أزواجكم }. # وقد صرح الزمخشري بذلك، فإنه قال: وإن سبقكم وانفلت منكم شيء من ~~أزواجكم أحد منهن إلى الكفار، وفي قراء أبي مسعود: " أحد ". # فهذا تصريح بأن المراد ب " شيء ": النساء الفارات]، ثم قال: فإن قلت: ~~هل لإيقاع شيء في هذا الموضع فائدة؟ قلت: نعم، الفائدة فيه ألا يغادر شيء ~~من هذا الجنس، وإن قل وحقر غير معوض عنه، تغليظا في هذا الحكم ~~وتشديدا فيه، ولولا نصه على أن المراد ب " شيء ": أحد، كما تقدم، ~~لكان قوله: " إلا أن يغادر شيء من هذا الجنس وإن قل وحقر " ، ظاهرا في ~~أن المراد ب " شيء ": المهر؛ لأنه يوصف بالقلة والحقارة وصفا سائغا ~~وقوله: " تغليظا " فيه نظر؛ لأن المسلمين ليس لهم تسبب في فرار النساء ~~إلى الكفار، حتى يغلظ عليهم الحكم بذلك. # وعدي: " فات " ب " إلى "؛ لأنه ضمن معنى الفرار والذهاب والسبق ونحو ~~ذلك. # قوله: { فعاقبتم } ، عطف على " فاتكم ". # وقرأ العامة: " عاقبتم ". وفيه وجهان: # أحدهما: أنه من العقوبة، قال الزجاج: " فعاقبتم " فأصبتموهم في ~~القتال بعقوبة حتى غنمتم. # والثاني: أنه من العقبة، وهي التوبة، شبه ما حكم به على المسلمين، ~~والكافرين من أداء هؤلاء مهور النساء أولئك تارة، وأولئك مهور نساء هؤلاء ~~أخرى، بأمر يتعاقبون فيه، كما يتعاقب في الركوب وغيره، ومعناه: فجاءت ~~عقبتكم من أداء المهر. انتهى. # وقرأ مجاهد والأعرج والزهري وأبو حيوة وعكرمة وحميد: بتشديد القاف دون ~~ألف. # ففسرها الزمخشري ms8467 على أصله يعقبه: إذا قفاه؛ لأن كل واحد من المتعاقبين، ~~يقفي صاحبه، وكذلك عقبتم - بالتخفيف - يقال: عقبه يعقبه انتهى. # والذي قرأه بالتخفيف وفتح القاف: النخعي، وابن وثاب، والزهري، والأعرج ~~أيضا. وبالتخفيف، وكسر القاف: مسروق، والزهري، والنخعي أيضا. # وعن مجاهد: أعقبتم. # قال الزمخشري: معناه: دخلتم في العقبة. # قال البغوي: " معناه: أي: صنعتم بهم، كما صنعوا بكم ". # وفسر الزجاج القراءات الباقية: فكانت العقبى: أي: كانت الغلبة لكم حتى ~~غنمتم. # والظاهر أنه كما قال الزمخشري: من المعاقبة بمعنى المناوبة. # يقال: عاقب الرجل صاحبه في كذا، أي: جاء فعل كل واحد منهما يعقب فعل ~~الآخر، ويقال: أعقب - أيضا. وأنشد بعضهم رحمه الله: [الطويل] # 4761 - وحاردت النكد الجلاد ولم يكن # لعقبة قدر المستعيرين معقب # قال البغوي: " وكلها لغات بمعنى واحد، يقال: عاقب وأعقب وتعقب ~~وتعاقب واعتقب، إذا غنم ". # وقيل: التعقيب: غزوة بعد غزوة. # فصل # روي أن المسلمين قالوا: رضينا بما حكم الله، وكتبوا إلى المشركين ~~فامتنعوا، فنزل قوله تعالى: { وإن فاتكم شيء من ~~أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ~~ذهبت أزواجهم مثل مآ أنفقوا }. # روى الزهري عن عروة عن عائشة - رضي الله عنها وعنهم - قالت: حكم الله ~~عز وجل بينهم، فقال - جل ثناؤه -: { واسألوا مآ أنفقتم ~~وليسألوا مآ أنفقوا } ، فكتب إليهم المسلمون: قد حكم الله - ~~عز وجل - بيننا بأنه إذا جاءتكم امرأة منا، أن توجهوا إلينا بصداقها، وإن ~~جاءتنا امرأة منكم، وجهنا إليكم بصداقها، فكتبوا إليهم: أما نحن، فلا ~~نعلم لكم عندنا شيئا، فإن كان لنا عندكم شيء، فوجهوا به، فأنزل الله ~~تعالى: { وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار ~~فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل مآ ~~أنفقوا }. الآية. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: { ذلكم حكم ~~الله يحكم بينكم } أي: بين المسلمين والكفار من أهل العهد من ~~أهل مكة، يرد بعضهم على بعض. # قال الزهري: ولولا العهد، لأمسك النساء، ولم يرد إليهم صداقا. # وقال قتادة ومجاهد: إنما أمروا أن يعطوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما ~~أنفقوا من الفيء والغنيمة، وقالا: هي ms8468 فيما بيننا وبينه عهد وليس بيننا ~~وبينه عهد، وقالا: ومعنى { فعاقبتم } فاقتصصتم. # { فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا } يعني: الصفات، فهي عامة في ~~جميع الكفار. # وقيل: فعاقبتم المرتدة بالقتل. # وقال قتادة أيضا: وإن فاتكم شيء من أزواجكم، إلى الكفار، الذين ليس ~~بينكم وبينهم عهد، فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا، ثم نسخ هذا ~~في سورة براءة. # وقال الزهري: انقطع هذا يوم الفتح. # وقال سفيان الثوري: لا يعمل به اليوم. # وقال قوم: هو ثابت الحكم الآن أيضا. حكاه القشيري. # فصل # قال القرطبي: الآية نزلت في أم الحكم بنت أبي سفيان، ارتدت وتركت زوجها ~~عياض بن غنم الفهري، ولم ترتد امرأة من قريش غيرها، ثم عادت إلى الإسلام. # وقال البغوي: روي عن ابن عباس قال: لحق بالمشركين من نساء المؤمنين ~~المهاجرات، ست نسوة: أم الحكم بنت أبي سفيان، وكانت تحت عياض بن شداد ~~الفهري، وفاطمة بنت أبي أمية بن المغيرة، كانت تحت عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه، فلما أراد عمر أن يهاجر أبت وارتدت، وبروع بنت عقبة، وكانت ~~تحت شماس بن عثمان، وغرة بنت عبد العزيز بن نضلة، وزوجها عمرو بن عبد ~~ود، وهند بنت أبي جهل بن هشام كانت تحت هشام بن العاص بن وائل، وأم ~~كلثوم بنت جرول، وكانت تحت عمر بن الخطاب، فلما رجعن إلى الإسلام، أعطى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أزواجهن مهور نسائهم من الغنيمة. # فصل في رد مهر من أسلمت # اختلفوا في رد مهر من أسلمت من النساء إلى أزواجهن، هل كان واجبا، أو ~~مندوبا؟ وأصله أن الصلح هل كان قد وقع على رد النساء؟ على قولين: # أحدهما: أنه وقع على رد الرجال، والنساء جميعا، لما روي من قولهم: لا ~~يأتيك منا أحد، إلا رددته، ثم صار الحكم في رد النساء منسوخا بقوله: { ~~فلا ترجعوهن إلى الكفار } ، فعلى هذا كان رد المهر ~~واجبا. # والثاني: أن الصلح لم يقع على رد النساء؛ لأنه روي أنه لا يأتيك منا ~~رجل، وإن كان على دينك ms8469 إلا رددته، وذلك؛ لأن الرجل لا يخشى عليه من ~~الفتنة في الرد ما يخشى على المرأة من إصابة المشرك إياها، وأنه لا يؤمن ~~عليها الردة إذا خوفت، وأكرهت عليها؛ لضعف قلبها، وقلة هدايتها إلى ~~المخرج منه، بإظهار كلمة الكفر مع التورية، وإضمار الإيمان، ولا يخشى ذلك ~~على الرجل لقوته، وهدايته إلى التقية، فعلى هذا كان رد المهر مندوبا. # واختلفوا في أنه يجب به العمل اليوم في رد المال إذا اشترط في معاقدة ~~الكفار فقال عطاء ومجاهد وقتادة: لا يجب، وزعموا أن الآية منسوخة. # وقيل: هي غير منسوخة، ويرد إليهم ما أنفقوا. # فصل في معنى الآية. # معنى الآية: إن لحقت امرأة مؤمنة بكفار أهل " مكة " ، وليس بينكم وبينهم ~~عهد، ولها زوج مسلم قبلكم، فغنمتم فأعطوا هذا الزوج المسلم مهره من ~~الغنيمة قبل أن تخمس، [وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما]. # وقال الزهري: يعطى من الفيء. # وعنه: يعطى من صداق من لحق منا. # وقيل: إن امتنعوا من أن يغرموا مهر هذه المرأة التي ذهبت إليهم، فانبذوا ~~العهد إليهم حتى إذا ظفرتم، فخذوا ذلك منهم { واتقوا الله } ، ~~أي: احذروا أن تتعدوا ما أمرتم به. ### || [60.12] # قوله تعالى: { يأيها النبي إذا جآءك المؤمنات ~~يبايعنك } الآية. # لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم " مكة " ، جاءه نساء أهل " مكة " ~~يبايعنه، فأمر أن يأخذ عليهن أن لا يشركن. # قالت عائشة رضي الله عنها: # " والله ما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قط إلا بما أمر الله - عز ~~وجل - وما مست كف رسول الله صلى الله عليه وسلم كف امرأة قط، وكان يقول ~~إذا أخذ عليهن: " قد بايعتكن " كلاما " # وروي أنه - عليه الصلاة والسلام -، بايع النساء، وبين يديه وأيديهن ثوب، ~~وكان يشترط عليهن. # وقيل: لما فرغ من بيعة الرجال جلس على الصفا، ومعه عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه أسفل منه، فجعل يشترط على النساء البيعة، وعمر يصافحهن. # وروي أنه كلف امرأة وقفت على الصفا، وكلفها أن تبايعهن، ففعلت. # قال ابن العربي: وذلك ضعيف، وإنما ms8470 التعويل على ما في صحيح مسلم من حديث ~~عائشة رضي الله عنه المتقدم. قالت: كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يمتحنهن بقول الله تعالى: { يأيها ~~النبي إذا جآءك المؤمنات يبايعنك على أن لا ~~يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين } إلى ~~آخر الآية، قالت عائشة: # " فمن أقر بهذا من المؤمنات، فقد أقر بالمحنة، وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا أقررن بذلك من قولهن، قال لهن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " انطلقن فقد بايعتكن " ، لا والله ما مست يد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط، غير أنه بايعهن بالكلام " # وقالت أم عطية رضي الله عنها: # " لما قدم رسول الله المدينة جمع نساء الأنصار في بيت، ثم أرسل إلينا ~~عمر بن الخطاب، فقام على الباب فسلم فرددن عليه السلام فقال: أنا رسول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكن: " ألا تشركن بالله شيئا " الآية، ~~فقلن: نعم، فمد يده من خارج البيت، ومددنا أيدينا من داخل البيت، ثم قال: ~~اللهم اشهد " # وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ~~بايع النساء دعا بقدح من ماء فغمس يده فيه، ثم أمر النساء فغمسن أيديهن ~~فيه. # فصل # روي # " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ من بيعة الرجال يوم فتح " مكة " ~~، وهو على الصفا، وعمر بن الخطاب أسفل منه يبايع النساء بأمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يبلغهن عنه، على ألا يشركن بالله شيئا، وهند بنت ~~عتبة امرأة أبي سفيان منتقبة متنكرة مع النساء خوفا من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يعرفها لما صنعته بحمزة يوم أحد، فقالت: والله إنك ~~لتأخذ علينا أمرا ما رأيتك أخذته على الرجال، وكان بايع الرجال يومئذ ~~على الإسلام، والجهاد فقط، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ولا ~~يسرقن " ، فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح وإني أصبت من ماله ~~قوتنا، فلا أدري أيحل لي أم لا؟. ms8471 # فقال أبو سفيان: ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما غبر، فهو لك حلال، فضحك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لها: وإنك لهند بنت عتبة؟ ~~قالت: نعم، فاعف عني ما سلف، فقال عفا الله عنك، ثم قال: { ولا ~~يزنين } فقالت هند: أو تزني الحرة؟ فقال: { ولا يقتلن ~~أولادهن } ، أي: لا يئدن الموءودات ولا يسقطن الأجنة، فقالت هند: ~~ربيناهم صغارا وقتلتهم كبارا يوم بدر، وأنت أعلم وهم أعلم، وكان ~~ابنها حنظلة بن أبي سفيان - وهو بكرها - قتل يوم بدر، فضحك عمر حتى ~~استلقى، وتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: { ولا ~~يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن ~~وأرجلهن } " # قال أكثر المفسرين: معناه لا يلحقن بأزواجهن ولدا من غيرهم، وكانت ~~المرأة تلتقط ولدا، فتلحقه بزوجها وتقول: هذا ولدي منك، فكان هذا من ~~البهتان والافتراء؛ لأن النهي عن الزنا قد تقدم. # وقال بعض المفسرين: المرأة إذا التقطت ولدا، كأنما التقطت بيدها ومشت ~~برجلها إلى أخذه، فإذا أضافته إلى زوجها، فقد أتت ببهتان تفتريه بين ~~يديها ورجليها. # وقيل: يفترينه على أنفسهن حيث يقلن: هذا ولدنا، وليس كذلك، إذ الولد ولد ~~الزنا. # وقيل: ما بين يديها ورجليها كناية عن الولد؛ لأن البطن التي تحمل فيه ~~الولد بين يديها، وفرجها الذي تلد منه بين رجليها، وهذا عام في الإتيان ~~بولد، وإلحاقه بالزوج، وإن سبق النهي عن الزنا. # وقيل: معنى " بين أيديهن ": ألسنتهن بالنميمة، و " بين أرجلهن ": ~~فروجهن. # وقيل: ما بين أيديهن من قبلة أو جسة، وبين أرجلهن الجماع. # وروي أن هندا لما سمعت ذلك قالت: والله إن البهتان لأمر قبيح ما تأمر ~~إلا بالأرشد، ومكارم الأخلاق، ثم قال: { ولا يعصينك في معروف ~~} أي: في كل أمر وافق طاعة الله. # قال بكر بن عبد الله المزني: في كل أمر فيه رشدهن. # وقال مجاهد: لا تخلو المرأة بالرجال. # وقال سعيد بن المسيب والكلبي وعبد الرحمن بن زيد: هو النهي عن ~~النوح، والدعاء بالويل، وتمزيق الثوب، وحلق الشعر، ونتفه، وخمش الوجه، ~~ولا تحدث المرأة الرجال إلا ms8472 ذا محرم، ولا تخلو برجل غير ذي محرم، ولا ~~تسافر إلا مع ذي محرم. # وروت أم عطية عن النبي صلى الله عليه وسلم إن ذلك في النوح، وهو قول ~~ابن عباس. # وروى شهر بن حوشب عن أم سلمة # " عن النبي صلى الله عليه وسلم: { ولا يعصينك في معروف } ، ~~قال: " هو النوح " # وفي صحيح مسلم عن أم عطية: # " لما نزل قوله: " يبايعنك " ، إلى قوله: { ولا يعصينك في ~~معروف } ، قالت: كان منه النياحة، قالت: فقلت: يا رسول الله، إلا آل ~~بني فلان، فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية، فلا بد لي من أن أسعدهم، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إلا آل بني فلان " # قوله: " يبايعنك ": حال، و " شيئا ": مصدر، أي شيئا من الإشراك. # وقرأ علي والسلمي والحسن: " يقتلن " بالتشديد. # و " يفترينه ": صفة ل " بهتان " ، أو حال من فاعل: " يأتين ". # فصل # ذكر الله - عز وجل - في هذه الآية لرسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة ~~البيعة خصالا شتى، صرح فيهن بأركان النهي في الدين، ولم يذكر أركان ~~الأمر، وهي ستة أيضا: الشهادة، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، ~~والاغتسال من الجنابة، وذلك لأن النهي دائم في كل الأزمان، وكل الأحوال، ~~فكان التنبيه على اشتراط الدائم آكد. # وقيل: إن هذه المناهي كان في النساء كثير من يرتكبها، ولا يحجزهن [عنها] ~~شرف النسب، فخصت بالذكر لهذا، ونحو منه قوله - عليه الصلاة والسلام - ~~لوفد عبد القيس: # " " وأنهاكم عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت " # فنبههم على ترك المعصية في شرب الخمر دون سائر المعاصي؛ لأنها كانت ~~شهوتهم وعادتهم، وإذا ترك المرء شهوته من المعاصي، هان عليه ترك سائرها ~~مما لا شهوة له فيها. # فصل # " لما قال النبي صلى الله عليه وسلم في البيعة: " { ولا يسرقن } ~~{ ولا يزنين } ، قالت هند: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل ~~مسيك، فهل علي حرج إن أخذت ما يكفيني وولدي؟ فقال: " لا، إلا ~~بالمعروف " ، فخشيت هند أن تقتصر على ما يعطيها، فتضيع، أو تأخذ أكثر ~~من ذلك، فتكون سارقة ناكثة للبيعة المذكورة، فقال ms8473 لها النبي صلى الله ~~عليه وسلم ذلك " # ، أي: لا حرج عليك فيما أخذت بالمعروف، يعني: من غير استطالة إلى أكثر ~~من الحاجة. # قال ابن العربي رحمه الله: " وهذا إنما هو فيما لا يخزنه عنها في حجاب، ~~ولا يضبط عليه بقفل، فإنه إذا هتكته الزوجة وأخذت منه [كانت] سارقة تعصي ~~بها، وتقطع يدها ". # فصل في الكلام على الآية # فإن قيل: هلا قيل: إذا جاءك المؤمنات فامتحنوهن، كما قال في ~~المهاجرات؟. # فالجواب من وجهين: أحدهما: أن الامتحان حاصل بقوله تعالى: { على أن ~~لا يشركن } إلى آخره. # وثانيهما: أن المهاجرات يأتين من دار الحرب فلا اطلاع للمبايع على ما في ~~قلبها، فلا بد من الامتحان، وأما المؤمنات، فهن في دار الإسلام، وعلمن ~~الشرائع، فلا حاجة إلى الامتحان مع ظاهر حالها. # فإن قيل: ما الفائدة في تقديم البعض في الآية على البعض وترتيبها؟. # فالجواب: قدم الأقبح على ما هو الأدنى منه في القبح، ثم كذلك إلى آخره، ~~وقدم في الأشياء المذكورة على ما هو الأظهر فيما بينهم. # فصل # قال عبادة بن الصامت: " أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ~~أخذ على النساء: أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا ~~تزنوا ولا تقتلوا أولادكم، ولا يعضه بعضكم بعضا، ولا تعصوا ~~في معروف آمركم به ". # معنى " يعضه ": يسحر، والعضه: السحر. # ولهذا قال ابن بحر وغيره في قوله تعالى: { ولا يأتين ببهتان ~~} إنه: السحر. # وقال الضحاك: هذا نهي عن البهتان، أن لا يعضه رجل ولا امرأة " ~~ببهتان " أي: بسحر، والجمهور على أن معنى " ببهتان ": بولد، يفترينه ~~" بين أيديهن ": ما أخذته لقيطا، " وأرجلهن ": ما ولدته من زنا كما ~~تقدم. # فصل في هذا الأمر # قال المهدوي: أجمع المسلمون على أنه ليس للإمام أن يشترط عليهن هذا، ~~والأمر بذلك ندب لا إلزام. # وقال بعض العلماء: إذا احتيج إلى المحنة من أجل تباعد الدار كان ~~على إمام المسلمين إقامة المحنة. # قوله: { فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله ~~غفور رحيم }. # قالت عائشة رضي الله عنها: كان النبي صلى الله ms8474 عليه وسلم يبايع النساء ~~بالكلام بهذه الآية: { أن لا يشركن بالله شيئا } قالت: ~~وما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا يد امرأة يملكها. # وقالت [أميمة] بنت رقيقة: # " بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسوة، فقالت: " فيما ~~استطعتن وأطعتن " ، فقلت: يا رسول الله صافحنا، فقال: " إني ~~لا أصافح النساء، إنما قولي لامرأة كقولي لمائة امرأة " ### || [60.13] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما ~~غضب الله عليهم } ، وهم اليهود. # فقوله: { غضب الله عليهم } صفة ل " قوما " ، وكذلك: " قد يئسوا " ~~وقوله: { من الآخرة }. # " من " لابتداء الغاية، أيضا كالأولى أي: أنهم لا يوقنون [بالآخرة ~~ألبتة]. # و { من أصحاب القبور }. فيه وجهان: # [أحدهما: أنها لابتداء الغاية أيضا كالأولى، والمعنى: أنهم لا يوقنون ~~ببعث الموتى ألبتة، فيأسهم من الآخرة من موتاهم] لاعتقادهم عدم بعثهم. # والثاني: أنها لبيان الجنس، يعني: أن الكفار هم أصحاب القبور. # والمعنى: أن هؤلاء يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار الذين هم أصحاب ~~القبور من خير الآخرة، فيكون متعلق " يئس " الثاني محذوفا. # وقرأ ابن أبي الزناد: " الكافر " ب " الإفراد ". # فصل في نزول الآية # قال ابن زيد: إن ناسا من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود ~~بأخبار المؤمنين، ويواصلونهم، فيصيبون بذلك من ثمارهم، فنهوا عن ذلك، { ~~قد يئسوا من الآخرة } يعني: اليهود قد يئسوا من الآخرة بأن ~~يكون لهم فيها ثواب وخير، { كما يئس الكفار من أصحاب ~~القبور } أي: يئس الكفار الذين ماتوا وصاروا إلى القبور من أن يكون ~~لهم ثواب وحظ في الآخرة. # وقال مجاهد: الكفار حين دخلوا قبورهم يئسوا من رحمة الله. # وقيل: هم المنافقون. # وقال الحسن وقتادة: هم اليهود والنصارى. # وقال ابن مسعود: معناه: أنهم تركوا العمل للآخرة، وآثروا الدنيا. # وقال الحسن وقتادة: معناه: أن الكفار الذين هم أحياء، يئسوا من ~~الكفار ومن أصحاب القبور أن يرجعوا إليهم. # وقيل: إن الله - تعالى - ختم السورة بما بدأها من ترك موالاة الكفار، ~~وهي خطاب لحاطب بن أبي بلتعة وغيره. # قال ابن عباس: قوله: { لا تتولوا } أي: لا توالوهم، ms8475 ولا ~~تناصحوهم، رجع تعالى بطوله وفضله على حاطب بن أبي بلتعة، يريد أن كفار ~~قريش يئسوا من خير الدنيا، كما يئس الكفار المقبورون من حظ يكون لهم في ~~الآخرة من رحمة الله تعالى. # روى الثعلبي في تفسيره عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من قرأ سورة الممتحنة كان المؤمنون والمؤمنات له ~~شفعاء يوم القيامة " # والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [61 - سورة الصف] ### || [61.1] # قال ابن الخطيب: وجه تعلق هذه السورة بما قبلها، هو أن في السورة التي ~~قبلها، بين الخروج إلى الجهاد في سبيل الله، وابتغاء مرضاته بقوله: # إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغآء مرضاتي # [الممتحنة: 1]، وفي هذه السورة بين ما يحمل المؤمن، ويحثه على الجهاد، ~~فقال: # إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا ~~كأنهم بنيان مرصوص # [الصف: 3]. # فإن قيل: ما الحكمة في أنه - تعالى - قال في بعض السور: " سبح لله ~~" بلفظ الماضي، وفي بعضها: " يسبح " بلفظ المضارع، وفي بعضها بلفظ ~~الأمر؟. # فالجواب: أن الحكم في ذلك تعليم العبد، أن تسبيح الله تعالى دائم لا ~~ينقطع، كما أن الماضي يدل عليه في الماضي من الزمان، والمستقبل يدل عليه ~~في المستقبل من الزمان والأمر يدل عليه في الحال. # و " العزيز ": هو الغالب على غيره أي شيء كان ذلك الغير، ولا يمكن ~~أن [يحكم] عليه غيره، و " الحكيم ": هو الذي يحكم على غيره، أي شيء ~~كان ذلك الغير. # فإن قيل: هلا قيل: سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وما فيهما وهو ~~أكثر مبالغة؟ فالجواب: إنما يكون كذلك، إذا كان المراد التسبيح بلسان ~~الحال، أما إذا كان المراد من التسبيح المخصوص باللسان فالبعض بوصف معين، ~~فلا يكون كذلك. ### || [61.2-3] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا ~~تفعلون }. # روى الدارمي في مسنده قال: أنبأنا محمد بن كثير عن ~~الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عبد الله ~~بن سلام، قال: قعدنا مع نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ms8476 ~~فتذاكرنا فقلنا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملنا؟ فأنزل الله - ~~تعالى -: { سبح لله ما في السماوات وما في الأرض ~~وهو العزيز الحكيم يأيها الذين آمنوا لم ~~تقولون ما لا تفعلون } حتى ختمها، قال عبد الله: قرأها علينا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ختمها، قال أبو سلمة: فقرأها علينا عبد ~~الله بن سلام حتى ختمها، قال يحيى: فقرأها علينا أبو سلمة، فقرأها علينا ~~يحيى، فقرأها علينا الأوزاعي، فقرأها علينا محمد، فقرأها علينا الدارمي. # وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: قال عبد الله بن رواحة: لو علمنا ~~أحب الأعمال إلى الله لعملناه، [فلما نزل الجهاد كرهوه]. # [وقال الكلبي: قال المؤمنون: يا رسول الله لو نعلم أحب الأعمال إلى الله ~~لسارعنا إليها]، فنزلت: # هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم # [الصف: 10]، فمكثوا زمانا يقولون: لو نعلمها لاشتريناها بالأموال ~~والأنفس والأهلين؟ فدلهم الله عليها بقوله: # تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله ~~بأموالكم وأنفسكم # [الصف: 11] الآية، فابتلوا يوم أحد، ففروا، فنزلت هذه الآية تعبيرا لهم ~~بترك الوفاء. # وقال محمد بن كعب: لما أخبر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه ~~وسلم بثواب شهداء " بدر " ، قالت الصحابة رضي الله عنهم اللهم اشهد لئن ~~لقينا قتالا لنفرغن فيه وسعنا ففروا يوم أحد، فعيرهم الله بذلك. # وقال قتادة والضحاك: نزلت في قوم كانوا يقولون: نحن جاهدنا وابتلينا، ~~ولم يفعلوا. # وقال صهيب: كان رجل قد آذى المسلمين يوم بدر، وأنكاهم، فقتله، فقال رجل: ~~يا نبي الله، إني قتلت فلانا ففرح النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال ~~عمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف: يا صهيب، أما أخبرت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنك قتلت فلانا، فإن فلانا انتحل قتله، فأخبره، فقال: ~~أكذلك يا أبا يحيى؟ قال: نعم، والله يا رسول الله، فنزلت الآية في ~~المنتحل. # وقال ابن زيد: نزلت في المنافقين، كانوا يقولون " للنبي " صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه: إن خرجتم وقاتلتم خرجنا معكم، وقاتلنا، فلما خرجوا نكثوا ~~عنهم وتخلفوا. ms8477 # فصل # قال القرطبي: " هذه الآية توجب على كل من ألزم نفسه عملا فيه طاعة أن ~~يفي بها ". # وفي صحيح مسلم عن أبي موسى: أنه بعث قراء إلى أهل " البصرة " ، فدخل ~~عليه ثلاثمائة رجل، قد قرأوا القرآن، فقال أنتم خيار أهل " البصرة " ~~وقراؤهم، فاتلوه ولا يطولن عليكم الأمد، فتقسوا قلوبكم، كما قست قلوب من ~~قبلكم، وإنا كنا نقرأ سورة تشبهها في الطول والشدة ب " براءة " ، ~~فأنسيتها غير أني قد حفظت منها " لو كان لابن آدم واديان من ~~مال لابتغى واديا ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا ~~التراب " ، وكنا نقرأ سورة تشبهها بإحدى المسبحات، ~~فأنسيتها غير أني قد حفظت منها: " يا أيها الذين آمنوا لم ~~تقولون ما لا تفعلون، فتكتب شهادة في أعناقكم، فتسألون عنها يوم ~~القيامة ". # قال ابن العربي: وهذا كله ثابت في الدين، أما قوله تعالى: { يأيها ~~الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون } فثابت في ~~الدين لفظا ومعنى في هذه السورة، وأما قوله: شهادة في أعناقكم عنها يوم ~~القيامة، فمعنى ثابت في الدين، فإن من التزم شيئا لزمه شرعا، والملتزم ~~على قسمين: # [أحدهما: النذر، وهو] على قسمين: # نذر تقرب مبتدأ، كقوله: لله علي صلاة أو صوم أو صدقة، ونحوه من القرب، ~~فهذا يلزم الوفاء به إجماعا. # ونذر مباح، وهو ما علق به شرط رغبة، كقوله: إن قدم غائبي فعلي صدقة، أو ~~علق بشرط رهبة، كقوله: إن كفاني الله شر كذا فعلي صدقة، ففيه خلاف: ~~فقال مالك وأبو حنيفة: يلزم الوفاء به. # وقال الشافعي في قول: لا يلزم الوفاء به. # وعموم الآية حجة لنا؛ لأنها بمطلقها تتناول ذم من قال ما لا يفعله على ~~أي وجه كان من مطلق، أو مقيد بشرط. # وقد قال أصحابه: إن النذر إنما يكون بما يقصد منه القربة مما هو من ~~جنس القربة، وهذا وإن كان من جنس القربة، لكنه لم يقصد منه القربة، وإنما ~~قصد منه منع نفسه عن فعل، أو من الإقدام على فعل. # قلنا: القرب الشرعية مقتضيات وكلف وإن كانت قربات، ms8478 وهذا تكلف التزام هذه ~~القربة بمشقة كجلب نفع أو دفع ضرر، فلم يخرج عن سنن التكليف، ولا زال عن ~~قصد التقرب. # قال ابن العربي: " فإن كان المقول منه وعدا فلا يخلو أن يكون منوطا ~~بسبب كقوله: إن تزوجت أعنتك بدينار، أو ابتعت جارية كذا أعطيتك، فهذا ~~لازم إجماعا من الفقهاء، وإن كان وعدا مجردا. # فقيل: يلزم بتعلقه، واستدلوا بسبب الآية، فإن روي أنهم كانوا يقولون: لو ~~نعلم أي الأعمال أفضل وأحب إلى الله لعملناه، فأنزل الله هذه الآية، وهو ~~حديث لا بأس به. # وروي عن مجاهد أن عبد الله [بن رواحة] لما سمعها قال: " لا أزال حبيسا ~~في الله حتى أقتل ". # والصحيح عندي أن الوعد يجب الوفاء به على كل حال ". # قال القرطبي: " قال مالك: فأما العدد مثل أن يسأل الرجل الرجل أن يهب له ~~هبة، فيقول: نعم، ثم يبدو له ألا يفعل، فلا أرى ذلك يلزمه ". # فصل # قال القرطبي: ثلاث آيات منعتني أن أقضي على الناس: # أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم # [البقرة: 44] # ومآ أريد أن أخالفكم إلى مآ أنهاكم عنه # [هود: 88]، # يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون # [الصف: 3]. # وخرج أبو نعيم الحافظ من حديث مالك بن دينار عن ثمامة عن أنس ~~بن مالك، قال: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتيت ليلة أسري بي على ~~قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، كلما قرضت عادت، ~~قلت: من هؤلاء يا جبريل؟. # قال: هؤلاء خطباء أمتك الذين يقولون ولا يفعلون ~~ويقرءون كتاب الله ولا يعملون به " # فصل # قوله: { لم تقولون ما لا تفعلون }. # استفهام على جهة الإنكار والتوبيخ، على أن يقول الإنسان عن نفسه من ~~الخير ما لا يفعله، أما في الماضي، فيكون كذبا، وفي المستقبل، يكون ~~خلفا، وكلاهما مفهوم. # قال الزمخشري: هي لام الإضافة، دخلت على " ما " الاستفهامية، كما دخل ~~عليها غيرها من حروف الجر في قولك: " بم، وفيم، وعم " ، وإنما حذفت ~~الألف؛ لأن " ما " والحرف كشيء واحد، ووقع استعمالها في كلام المستفهم " ~~، ولو كان كذلك لكان معنى ms8479 الاستفهام واقعا في قوله تعالى: { لم ~~تقولون } ، والاستفهام من الله تعالى محال؛ لأنه عالم بجميع ~~الأشياء، والجواب هذا إذا كان المراد حقيقة الاستفهام، وأما إذا كان أراد ~~إلزام من أعرض عن الوفاء مما وعد أو أنكر الحق وأصر على الباطل فلا. # وتأول سفيان بن عيينة قوله: { لم تقولون ما لا تفعلون } ~~أي: لم تقولون [ما ليس الأمر فيه] إليكم، فلا تدرون هل تفعلون، أو لا ~~تفعلون، فعلى هذا يكون الكلام محمولا على ظاهره في إنكار القول. # قوله: { كبر مقتا }. فيه أوجه: # أحدها: أن يكون من باب: " نعم وبئس " ، فيكون في " كبر " ضمير مبهم ~~مفسر بالنكرة بعده، و " أن تقولوا " هو المخصوص بالذم، فيجيء فيه ~~الخلاف المشهور: هل رفعه بالابتداء وخبره الجملة مقدمه عليه؟ أو خبره ~~محذوف، أو هو خبر مبتدأ محذوف، كما تقدم تحريره؟. # وهذه قاعدة مطردة: كل فعل يجوز التعجب منه، يجوز أن يبنى على " فعل " ~~- بضم العين - ويجري مجرى " نعم وبئس " في جميع الأحكام. # والثاني: أنه من أمثلة التعجب. # وقد عده ابن عصفور في " التعجب " المبوب له في النحو، فقال: " صيغة: ~~ما أفعله، وأفعل به، ولفعل، نحو: لرمو الرجل ". # وإليه نحا الزمخشري فقال: هذا من أفصح كلام وأبلغه في معناه، قصد في " ~~كبر ": التعجب من غير لفظه؛ كقوله: [الطويل] # 4762 -........................... # غلت ناب كليب بواؤها # ثم قال: وأسند إلى: " أن تقولوا " ، ونصب: " مقتا " ، على تفسيره، ~~دلالة على أن قوله: { ما لا تفعلون }: مقت خالص لا شوب فيه. # الثالث: أن " كبر " ليس للتعجب ولا للذم، بل هو مسند إلى " أن ~~تقولوا " و " مقتا ": تمييز محول من الفاعلية والأصل: كبر مقتا أن ~~تقولوا أي: مقت قولكم. # ويجوز أن يكون الفاعل مضمرا عائدا على المصدر المفهوم من قوله: " لم ~~تقولون " أي: " كبر أي القول مقتا " ، و " أن تقولوا " على هذا إما ~~بدل من ذلك الضمير، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هو أن تقولوا. # قال القرطبي: و " مقتا " نصب بالتمييز، المعنى: كبر قولهم ما لا تفعلون ~~مقتا. # وقيل: هو حال، والمقت والمقاتة: مصدران، ms8480 يقال: رجل مقيت وممقوت إذا لم ~~يحبه الناس. # فصل # قال القرطبي: قد يحتج بهذه الآية في وجوب الوفاء في اللجاج والغضب ~~على أحد قولي الشافعي. ### || [61.4] # قرأ زيد بن علي: " يقاتلون " - بفتح التاء - على ما لم يسم فاعله. # وقرىء: " يقتلون " بالتشديد. # و " صفا ": نصب على الحال، أي: صافين أو مصفوفين. # قل القرطبي: " والمفعول مضمر، أي: يصفون أنفسهم صفا ". # وقوله: " كأنهم " يجوز أن يكون حالا ثانية من فاعل: " يقاتلون " ، ~~وأن يكون حالا من الضمير في " صفا " ، فتكون حالا متداخلة قاله ~~الزمخشري. # وأن يكون نعتا ل " صفا " ، قاله الحوفي. # وعاد الضمير على " صفا " ، فيكون جمعا في المعنى، كقوله: # وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا # [الحجرات: 9]. # فصل # فإن قيل: وجه تعلق هذه الآية بما قبلها، أن قوله تعالى: { كبر ~~مقتا عند الله } في ذم المخالفين في القتال، وهم الذين وعدوا ~~بالقتال ولم يقاتلوا، وهذه الآية مدح [للموافقين] في القتال. واعلم أن ~~المحبة على وجهين. # أحدهما: الرضا عن الخلق. # وثانيهما: الثناء عليهم. # والمرصوص، قيل: المتلائم الأجزاء المستويها. # وقيل: المعقود بالرصاص. قاله الفراء. # وقيل: هو من التضام من تراص الأسنان. # وقال الراعي: [الرجز] # 4763 - ما لقي البيض من الحرقوص # يفتح باب المغلق المرصوص # الحرقوص: دويبة تولع بالنساء الأبكار. # وقال القرطبي: والتراص: التلاصق، ومنه قوله: وتراصوا في الصف، ومعنى ~~الآية: إن الله - تعالى - يحب من يثبت في الجهاد، وفي سبيله، ويلزم ~~مكانه، كثبوت البناء. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يوضع الحجر على الحجر، ثم يرص بأحجار ~~صغار، ثم يوضع اللبن عليه، فيسمونه أهل مكة المرصوص. # قال ابن الخطيب: ويجوز أن يكون المعنى على أن يكون ثباتهم في حرب عدوهم ~~حتى يكونوا في اجتماع الكلمة، وموالاة بعضهم بعضا، كالبنيان [المرصوص]. # وقال سعيد بن جبير: هذا تعليم من الله للمؤمنين، كيف يكونون عند قتال ~~عدوهم. # فصل في أن قتال الراجل أفضل من الفارس # قال القرطبي: استدل بهذه الآية بعضهم على أن قتال الراجل أفضل من قتال ~~الفارس؛ لأن الفرسان لا يصطفون على هذه الصفة. # قال المهدوي: وذلك غير ms8481 مستقيم لما جاء في فضل الفارس من الأجر ~~والغنيمة، ولا يخرج الفرسان من معنى الآية؛ لأن معناه الثبات. # فصل في الخروج من الصف # لا يجوز الخروج من الصف إلا لحاجة تعرض للإنسان، أو في رسالة يرسلها ~~الإمام، أو منفعة تظهر في المقام ك " فرصة " تنتهز ولا خلاف فيها. # وفي الخروج عن الصف للمبارزة [خلاف]. # فقيل: إنه لا بأس بذلك إرهابا للعدو، وطلبا للشهادة، وتحريضا على ~~القتال. # وقيل: لا يبرز أحد طلبا لذلك؛ لأن فيه رياء وخروجا إلى ما نهى الله ~~عنه من لقاء العدو، وإنما تكون المبارزة إذا طلبها الكافر، كما كانت في ~~حروب النبي صلى الله عليه وسلم يوم " بدر " ، وفي غزوة " خيبر " ، وعليه ~~درج السلف. # وقد تقدم الكلام في ذلك في سورة " البقرة " عند قوله: # ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة # [الآية: 195]. ### || [61.5-8] # قوله تعالى: { وإذ قال موسى لقومه } الآية. # لما ذكر الجهاد، بين أن موسى وعيسى أمرا بالتوحيد، وجاهدا في سبيل الله، ~~وحل العقاب بمن خالفهما، أي: واذكر لقومك يا محمد هذه القصة. # قوله: { لم تؤذونني }. # وذلك حين رموه بالأدرة، كما تقدم في سورة الأحزاب. # ومن الأذى: ما ذكر في قصة قارون أنه دس إلى امرأة تدعي على موسى ~~الفجور، ومن الأذى قولهم: # اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة # [الأعراف: 138]، وقولهم: # فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون # [المائدة: 124]، وقولهم: أنت قتلت هارون. # قوله: { وقد تعلمون أني رسول الله إليكم }. جملة ~~حالية. # قال ابن الخطيب: و " قد " معناه: التوكيد، كأنه قال: وتعلمون علما ~~يقينا، لا شبهة [لكم] فيه. # قوله: { أني رسول الله إليكم }. # والمعنى: أن لرسول الله يحترم يقينا. # قوله: { فلما زاغوا } ، أي: مالوا عن الحق، { أزاغ الله ~~قلوبهم } أي: أمالهم عن الهدى. # وقيل: { فلما زاغوا } عن الطاعة، { أزاغ الله قلوبهم ~~} عن الهداية. # وقيل: { فلما زاغوا } عن الإيمان، { أزاغ الله قلوبهم } عن ~~الثواب. # وقيل: لما تركوا ما أمروا به من احترام الرسول - عليه الصلاة ~~والسلام - وطاعة الرب، " خلق " الله في قلوبهم الضلالة عقوبة لهم على ~~فعلهم. # { والله لا ms8482 يهدي القوم الفاسقين }. # قال الزجاج: " يعني من سبق في علمه أنه فاسق ". # قال ابن الخطيب: " وهذه الآية تدل على عظم إيذاء الرسول، حتى إنه ~~يؤدي إلى الكفر، وزيغ القلوب عن الهدى ". # قوله: { وإذ قال عيسى ابن مريم }. # أي اذكر لهم هذه القصة أيضا، وقال: { يبني إسرائيل } ولم يقل: ~~" يا قوم " كما قال موسى؛ لأنه لأنه لا نسب له فيهم، فيكونون قومه، ~~وقوله: { إني رسول الله إليكم } أي: بالإنجيل. # قوله: " مصدقا " حال، وكذلك: " مبشرا " والعامل فيه: " رسول "؛ ~~لأنه بمعنى المرسل. # قال الزمخشري: فإن قلت: بم انتصب: " مصدقا، ومبشرا " أبما في الرسول ~~من معنى الإرسال أم بإليكم؟ قلت: بمعنى: الإرسال؛ لأن " إليكم " صلة ~~للرسول، فلا يجوز أن تعمل شيئا لأن حروف الجر لا تعمل بأنفسها، ولكن بما ~~فيها من معنى الفعل، فإذا وقعت صلات لم تتضمن معنى فعل فمن أين تعمل؟ ~~انتهى. # يعني بقوله: صلات، أنها متعلقة ب " رسول " صلة له، أي: متصل معناها به ~~لا الصلة الصناعية. # قوله: { يأتي من بعدي } ، وقوله: " اسمه أحمد " ، جملتان في موضع جر ~~نعتا لرسول. # أو " اسمه أحمد " في موضع نصب على الحال من فاعل " يأتي ". # أو تكون الأولى نعتا، والثانية حالا، وكونهما حالين ضعيف، لإتيانهما ~~من النكرة وإن كان سيبويه يجوزه. # وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: " من بعدي " - بفتح الياء - وهي ~~قراءة السلمي، وزر بن حبيش، وأبو بكر عن عاصم، واختاره أبو حاتم؛ لأنه ~~اسم، مثل الكاف من " بعدك " ، والتاء من " قمت ". # والباقون: قرءوا بالإسكان. # وقرىء: { من بعد اسمه أحمد } ، فحذف الياء من اللفظ. # و " أحمد " اسم نبينا صلى الله عليه وسلم هو اسم علم. # يحتمل أن يكون من صفة، وهي: " أفعل " التفضيل، وهو الظاهر، فمعنى " ~~أحمد " أي: أحمد الحامدين لربه. # والأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - كلهم حمادون لله، ونبينا " ~~أحمد " أكثرهم حمدا. # قال البغوي: والألف في " أحمد " ، للمبالغة في الحمد، وله وجهان: # أحدهما: أنه مبالغة من الفاعل، أي: الأنبياء كلهم حمادون لله - عز وجل ~~-، وهو أكثر حمدا لله من غيره. # والثاني: أنه مبالغة ms8483 في المفعول، أي: الأنبياء كلهم محمودون، لما فيهم ~~من الخصال الحميدة، وهو أكثر مبالغة، وأجمع للفضائل والمحاسن التي يحمد ~~بها، انتهى. # وعلى كلا الوجهين، فمنعه من الصرف للعلمية والوزن الغالب، إلا أنه ~~على الاحتمال الأول يمتنع معرفة وينصرف نكرة. وعلى الثاني يمتنع تعريفا ~~وتنكيرا؛ لأنه يخلف العلمية للصفة. # وإذا أنكر بعد كونه علما جرى فيه خلاف سيبويه والأخفش، وهي مسألة ~~مشهورة بين النحاة. # وأنشد حسان - رضي الله عنه - يمدحه - عليه الصلاة والسلام - ويصرفه: ~~[الكامل] # 4764 - صلى الإله ومن يحف بعرشه # والطيبون على المبارك أحمد # " أحمد ": بدل أو بيان " للمبارك ". # وأما " محمد " فمنقول من صفة أيضا، وهو في معنى " محمود " ولكن فيه ~~معنى المبالغة والتكرار، ف " محمد " هو الذي حمد مرة بعد أخرى. # قال القرطبي: " كما أن المكرم من الكرم مرة بعد أخرى، وكذلك المدح ~~ونحو ذلك، فاسم " محمد " مطابق لمعناه، فالله - سبحانه وتعالى - سماه قبل ~~أن يسمي به نفسه، فهذا علم من أعلام نبوته، إذ كان اسمه صادقا عليه، فهو ~~محمود في الدنيا لما هدي إليه، ونفع به من العلم والحكمة، وهو محمود في ~~الآخرة بالشفاعة، فقد تكرر معنى الحمد، كما يقتضي اللفظ، ثم إنه لم يكن ~~محمدا حتى كان: " أحمد " حمد ربه فنبأه وشرفه، فلذلك تقدم اسم: " أحمد " ~~على الاسم الذي هو محمد، فذكره عيسى فقال: " اسمه أحمد " ، وذكره موسى - ~~عليه الصلاة والسلام - حين قال له ربه: تلك أمة أحمد، فقال: اللهم اجعلني ~~من أمة محمد، فبأحمد ذكره قبل أن يذكره بمحمد؛ لأن حمده لربه كان قبل ~~حمد الناس له، فلما وجد وبعث، كان محمدا بالفعل، وكذلك في الشفاعة يحمد ~~ربه بالمحامد التي يفتحها عليه، فيكون أحمد الناس لربه، ثم يشفع فيحمد ~~على شفاعته ". # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " اسمي في التوراة أحيد؛ لأني أحيد أمتي عن النار، ~~واسمي في الزبور: الماحي، محا الله بي عبدة الأوثان، ~~واسمي في الإنجيل: أحمد، وفي القرآن: محمد؛ لأني محمود ~~في أهل السماء والأرض ". # وفي الصحيح: # " لي خمسة أسماء: أنا ms8484 محمد وأحمد، وأنا الماحي الذي ~~يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على ~~قدمي، وأنا العاقب " # وقد تقدم. # قوله: { فلما جاءهم بالبينات }. # قيل: عيسى. # وقيل: محمد صلى الله عليه وسلم. # { قالوا هذا سحر مبين }. # قرأ حمزة والكسائي: " ساحر " نعتا للرجل. # وروي أنها قراءة ابن مسعود. # والباقون: " سحر " نعتا لما جاء به الرسول. # قال أبو حيان هنا: وقرأ الجمهور: " سحر " ، وعبد الله، وطلحة والأعمش، ~~وابن وثاب: " ساحر " ، وترك ذكر الأخوين. # قوله: { ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب } ~~أي: لا أحد أظلم ممن افترى على الله الكذب. # قوله: { وهو يدعى إلى الإسلام }. # جملة حالية من فاعل: " افترى " ، وهذه قراءة العامة. # وقرأ طلحة: " يدعي " - بفتح الياء والدال مشددة - مبنيا للفاعل. # وفيها تأويلان: # أحدهما: قاله الزمخشري، وهو أن يكون " يفتعل " بمعنى: " يفعل " نحو: " ~~لمسه والتمسه ". # والضميران، أعني: " هو " ، والمستتر في: " يدعى " لله تعالى، وحينئذ ~~تكون القراءتان بمعنى واحد، كأنه قيل: والله يدعو إلى الإسلام. # وفي القراءة الأولى يكون الضميران عائدين على " من ". # والثاني: أنه من ادعى كذا دعوى، ولكنه لما ضمن يدعي معنى ينتمي وينتسب ~~عدي باللام؛ وإلا فهو متعد بنفسه. # وعلى هذا الوجه فالضميران ل " من " أيضا، كما هما في القراءة ~~المشهورة. # وعن طلحة: " يدعى " - مشدد الدال - مبنيا للمفعول. # وخرجها الزمخشري على ما تقدم من: ادعاه ودعاه بمعنى: لمسه والتمسه. # والضميران عائدان على " من " عكس ما تقدم عنده في تخريج القراءة الأولى، ~~فإن الضميران لله، كما تقدم تحريره. # وهذا تعجب ممن كفر بعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم بعد المعجزات التي ~~ظهرت لهما، ثم قال: { والله لا يهدي القوم الظالمين } ~~أي: من كان في حكمه أن يختم له بالضلالة والغي. # قوله: { يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم }. # الإطفاء هو الإخماد، يستعملان في النار، وفيما يجري مجراها من الضياء ~~والظهور، ويفترق الإخماد والإطفاء من حيث إن الإطفاء يستعمل في القليل، ~~فيقال: أطفأت السراج، ولا يقال: أخمدت السراج. # وفي هذا اللام أوجه: # أحدها: أنها مزيدة في مفعول الإرادة. # قال الزمخشري: أصله # يريدون أن ms8485 يطفئوا # كما في سورة التوبة [32]، وكأن هذه اللام، زيدت مع فعل الإرادة ~~توكيدا له لما فيها من معنى الإرادة في قولك: جئت لإكرامك وفي قولك: " ~~جئت لأكرمك " ، كما زيدت اللام في: " لا أبا لك " توكيدا لمعنى الإضافة ~~في: " لا أباك ". # وقال ابن عطية: " واللام في: " ليطفئوا " لام العلة مؤكدة، ودخلت على ~~المفعول؛ لأن التقدير: " يريدون أن يطفئوا نور الله " ، وأكثر ما تلزم ~~هذه اللام إذا تقدم المفعول، تقول: لزيد ضربت، ولرؤيتك قصدت انتهى. # وهذا ليس مذهب سيبويه، وجمهور الناس، ثم قول أبي محمد: " وأكثر ما ~~يلزم " ليس بظاهر؛ لأنه لا قول بلزومها ألبتة، بل هي جائزة للزيادة، وليس ~~الأكثر أيضا زيادتها جوازا، بل الأكثر عدمها. # الثاني: أنها لام العلة والمفعول محذوف، أي: يريدون إبطال القرآن، أو ~~دفع الإسلام، أو هلاك الرسول صلى الله عليه وسلم ليطفئوا. # الثالث: أنها بمعنى: " أن " الناصبة، وأنها ناصبة للفعل بنفسها. # قال الفراء: العرب تجعل " لام كي " في موضع: " أن " ، في " أراد وأمر ~~" ، وإليه ذهب الكسائي أيضا. # وقد تقدم نحو من هذا في قوله: # يريد الله ليبين لكم # في سورة النساء: [الآية: 26]. # فصل # قال ابن عباس وابن زيد رضي الله عنهما: المراد بنور الله - هاهنا - ~~القرآن، يريدون إبطاله، وتكذيبه بالقول. # وقال السدي: الإسلام، أي: يريدون دفعه بالكلام. # وقال الضحاك: إنه محمد صلى الله عليه وسلم يريدون إهلاكه بالأراجيف. # وقال ابن جريج: حجج الله ودلائله، يريدون إبطالها بإنكارهم وتكذيبهم، ~~وقيل: إنه مثل مضروب، أي: من أراد إطفاء نور الشمس بفيه، وجده مستحيلا ~~ممتنعا، كذلك من أراد إبطال الحق، حكاه ابن عيسى. # فصل في سبب نزول هذه الآية # قال الماوردي: سبب نزول هذه الآية، ما حكاه عطاء عن ابن عباس - رضي ~~الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم أبطأ عليه الوحي أربعين ~~يوما، فقال كعب بن الأشرف: يا معشر اليهود، أبشروا فقد أطفأ الله نور ~~محمد، فما كان ينزل عليه، وما كان ليتم أمره، فحزن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية واتصل الوحي ms8486 بعدها. # قوله: { والله متم نوره }. # قرأ الأخوان وحفص وابن كثير: بإضافة: " متم " ، ل: " نوره ". # والباقون: بتنوينه ونصب: " نوره ". # فالإضافة تخفيف، والتنوين هو الأصل. # وأبو حيان ينازع في كونه الأصل. # وقوله: " والله متم " ، جملة حالية من فاعل: " يريدون " ، أو " ليطفئوا ~~". # والمعنى: والله متم نوره، أي: بإظهاره في الآفاق. # فإن قيل: الإتمام لا يكون إلا عند النقصان، فما معنى نقصان هذا ~~النور؟. # فالجواب: إتمامه بحسب نقصان الأثر وهو الظهور في سائر البلاد من ~~المشارق إلى المغارب، إذ الظهور لا يظهر إلا بالإظهار، وهو الإتمام، ~~يؤيده قوله تعالى: # اليوم أكملت لكم دينكم # [المائدة: 3]. # وعن أبي هريرة: إن ذلك عند نزول عيسى - عليه الصلاة والسلام - قاله ~~مجاهد. # قوله: { ولو كره }. # حال من هذه الحال فهما متداخلان، وجواب: " لو " محذوف، أي: أتمه وأظهره، ~~وكذا { ولو كره المشركون } ، والمعنى: ولو كره الكافرون من ~~سائر الأصناف، فإن قيل: قال أولا: { ولو كره الكافرون } ، ~~وقال ثانيا: { ولو كره المشركون } فما الفائدة؟. # فالجواب: إذا أنكروا الرسول صلى الله عليه وسلم وما أوحي إليه من ~~الكتاب، وذلك من نعمة الله تعالى، والكافرون كلهم في كفران النعم سواء ~~فلهذا قال: { ولو كره الكافرون } ، ولأن لفظ الكافر أعم من لفظ المشرك، ~~فالمراد من الكافرين هنا: اليهود والنصارى والمشركون، فلفظ الكافر أليق ~~به، وأما قوله: { ولو كره المشركون } ، فذلك عند إنكارهم ~~[التوحيد] وإصرارهم عليه، فالنبي صلى الله عليه وسلم دعاهم في ابتداء ~~الدعوة إلى التوحيد ب " لا إله إلا الله " ، فلم يقولوا: " لا إله إلا ~~الله " ، فلهذا قال: { ولو كره المشركون }. ### || [61.9] # قوله تعالى: { هو الذي أرسل رسوله } يعني: محمدا " ~~بالهدى " أي: بالحق والرشاد، { ليظهره على الدين كله ~~} بالحجج، ومن الظهور الغلبة باليد في القتال، وليس المراد بالظهور: أن ~~لا يبقى دين [آخر] من الأديان، بل المراد: أن يكون أهل الإسلام عالين ~~غالبين، ومن الإظهار ألا يبقى دين آخر سوى الإسلام في آخر الزمان. # قال مجاهد: ذلك إذا أنزل الله عيسى، لم يكن في الأرض دين إلا دين ~~الإسلام. # قال أبو هريرة: { ليظهره ms8487 على الدين كله } بخروج عيسى، ~~وحينئذ لا يبقى كافر إلا أسلم. # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لينزلن ابن مريم حكما ~~عادلا، فليكسرن الصليب وليقتلن الخنزير، وليضعن ~~الجزية، ولتتركن القلاص فلا يسعى إليها، ولتذهبن الشحناء ~~والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد ". # وقيل: ليظهره، أي: ليطلع محمدا صلى الله عليه وسلم على سائر الأديان ~~حتى يكون عالما بها عارفا بوجوه بطلانها، وبما حرفوا وغيروا منها " ~~على الدين " أي: على الأديان؛ لأن الدين مصدر يعبر به عن الجميع. ### || [61.10-13] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على ~~تجارة تنجيكم من عذاب أليم } الآية. # قال مقاتل: # " نزلت في عثمان بن مظعون، قال: يا رسول الله، لو أذنت لي فطلقت خولة، ~~وترهبت واختصيت، وحرمت اللحم، ولا أنام بليل أبدا، ولا أفطر بنهار ~~أبدا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن من سنتي النكاح فلا ~~رهبانية في الإسلام وإنما رهبانية أمتي الجهاد في سبيل ~~الله، وخصاء أمتي الصوم، فلا تحرموا طيبات ما أحل ~~الله لكم، ومن سنتي أنام وأقوم وأفطر وأصوم، فمن ~~رغب عن سنتي فليس مني " ، فقال عثمان: لوددت يا نبي الله، ~~أي التجارات أحب إلى الله فأتجر فيها " # ، فنزلت. # وقيل: " أدلكم " أي: سأدلكم، والتجارة: الجهاد، قال الله تعالى: # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة # [التوبة: 111]: الآية، وهذا خطاب لجميع المؤمنين. # وقيل: لأهل الكتاب. # وقيل: نزل هذا حين قالوا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملنا. # قال البغوي: وجعل ذلك بمنزلة التجارة؛ لأنهم يرجون بها رضا الله عز ~~وجل، ونيل جنته والنجاة من النار. # والتجارة عبارة عن معاوضة الشيء بالشيء، كما أن التجارة تنجي التاجر من ~~الفقر فكذا هذه التجارة، وكما أن في التجارة الربح والخسران، فكذلك هذه ~~التجارة، فمن آمن وعمل صالحا، فله الأجر الوافر، ومن أعرض عن الإيمان ~~والعمل الصالح، فله الخسران المبين. # قوله: { تنجيكم }. هذه الجملة صفة ل " تجارة ". # وقرأ ابن عامر: { تنجيكم ms8488 من عذاب أليم } بالتشديد. # والباقون: بالتخفيف، من " أنجى " ، وهما بمعنى واحد؛ لأن التضعيف ~~والهمزة متعديان. # والمعنى: يخلصكم من عذاب أليم، أي مؤلم. # قوله: { تؤمنون }. # لا محل له لأنه تفسير ل " تجارة ". # ويجوز أن يكون محلها الرفع خبرا لمبتدأ مضمر، أي تلك التجارة تؤمنون، ~~والخبر نفس المبتدأ، فلا حاجة إلى رابط. # وأن تكون منصوبة المحل بإضمار فعل، أي " أعني تؤمنون " ، وجاز ذلك على ~~تقدير " أن " وفيه تعسف. # والعامة على: " تؤمنون " خبرا لفظيا ثابت النون. # وعبد الله: " آمنوا، وجاهدوا " أمرين. # وزيد بن علي: " تؤمنوا، وتجاهدوا " بحذف نون الرفع. # فأما قراءة العامة، فالخبر بمعنى الأمر، يدل عليه القراءتان الشاذتان ~~فإن قراءة زيد: على حذف لام الأمر، أي: " لتؤمنوا، ولتجاهدوا ". # كقوله: [الوافر] # 4765 - محمد تفد نفسك كل نفس # .................................. # وقوله تعالى: # قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة # [إبراهيم: 31] في وجه، أي: لتفد ولتقيموا، ولذلك جزم الفعل في محل ~~جوابه في قوله: " يتقي ". # وكذلك قولهم: " اتقى الله امرؤ فعل خيرا يثب عليه " ، تقديره: ليتق ~~الله. # وقال الأخفش: أن " تؤمنون ": عطف بيان ل " تجارة ". # وهذا لا يتخيل إلا بتأويل أن يكون الأصل: أن تؤمنوا، فلما حذفت ارتفع ~~الفعل كقوله: [الطويل] # 4766 - ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى # الأصل: أن أحضر الوغى. # وكأنه قيل: هل أدلكم على تجارة منجية: إيمان وجهاد، وهو معنى حسن، لولا ~~ما فيه من التأويل، وعلى هذا يجوز أن يكون بدلا من " تجارة ". # وقال الفراء: هو مجزوم على جواب الاستفهام، وهو قوله: " هل أدلكم ". # واختلف الناس في تصحيح هذا القول. # فبعضهم غلطه. قال الزجاج: ليسوا إذا دلهم على ما ينفعهم يغفر لهم، إنما ~~يغفر لهم إذا آمنوا وجاهدوا. # يعني: أنه ليس مرتبا على مجرد الاستفهام ولا على مجرد الدلالة. # قال القرطبي: و " تؤمنون " عند المبرد والزجاج في معنى " آمنوا " ~~ولذلك جاء " يغفر لكم " مجزوما على أنه جواب الأمر. # قال ابن الخطيب: " هل أدلكم " في معنى الأمر عند الفراء، يقال: هل ~~أنت ساكت أي: اسكت، وبيانه أن " هل " بمعنى الاستفهام ثم يندرج إلى أن ~~يصير عرضا ms8489 وحثا، والحث كالإغراء، والإغراء أمر. # وقال المهدوي: إنما يصح حمله على المعنى، وهو أن يكون " تؤمنون، ~~وتجاهدون ": عطف بيان على قوله: " هل أدلكم ". # كأن التجارة لم يدر ما هي فبينت بالإيمان والجهاد، فهي هما في المعنى، ~~فكأنه قيل: هل تؤمنون وتجاهدون؟. # قال: فإن لم يقدر هذا التقدير لم يصح، لأنه يصير إن دللتم يغفر لكم ~~والغفران إنما يجب بالقبول والإيمان لا بالدلالة. # وقال الزمشخري قريبا منه أيضا. # وقال أيضا: إن " تؤمنون " استئناف كأنهم قالوا: كيف نعمل؟ فقال: ~~تؤمنون. # وقال ابن عطية: " تؤمنون ": فعل مرفوع، تقديره: ذلك أنه تؤمنون. # فجعله خبرا، وهي وما في حيزها خبر لمبتدأ محذوف، وهذا محمول على تفسير ~~المعنى لا تفسير الإعراب فإنه لا حاجة إليه. # فصل # قال ابن الخطيب: فإن قيل: كيف أمرهم بالإيمان بعد قوله: { يأيها ~~الذين آمنوا }؟. # فالجواب: يمكن أن يكون المراد من هذه الآية المنافقين وهم الذين آمنوا ~~في الظاهر، ويمكن أن يكون أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى فإنهم آمنوا ~~بالكتب المتقدمة. # فكأنه قال: يا أيها الذين آمنوا بالكتب المتقدمة آمنوا بالله وبمحمد، ~~ويمكن أن يكون أهل الإيمان كقوله تعالى: # فزادتهم إيمانا # [التوبة: 124]، أو يكون المراد الأمر بالثبات على الإيمان، كقوله: # يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت # [إبراهيم: 27]. فإن قيل: كيف ترجى النجاة إذا آمن بالله ورسوله ولم ~~يجاهد في سبيل الله وقد علق بالمجموع؟. # فالجواب: أن هذا المجموع هو الإيمان بالله ورسوله والجهاد بالنفس والمال ~~في سبيل الله خير في نفس الأمر. # قوله: { بأموالكم وأنفسكم }. # قال القرطبي: ذكر الأموال أولا، لأنها التي يبدأ بها في الإنفاق، " ~~ذلكم " أي: هذا الفعل { خير لكم } من أموالكم وأنفسكم، { إن ~~كنتم تعلمون } أنه خير لكم. # قوله: { يغفر لكم } فيه أوجه: # أحدها: أنه مجزوم على جواب الخبر بمعنى الأمر، كما تقدم. # والثاني: أنه مجزوم على جواب الاستفهام، كما قاله الفراء. # الثالث: أنه مجزوم بشرط مقدر، أي: إن تؤمنوا يغفر لكم. # قال القرطبي: " وأدغم بعضهم، فقرأ: " يغفر لكم " ، والأحسن ترك ~~الإدغام لأن الراء حرف متكرر قوي فلا يحسن ms8490 الإدغام في اللام؛ لأن الأقوى ~~لا يدغم في الأضعف ". # قوله: { ومساكن طيبة }. # روى الحسن قال: # " سألت عمران بن حصين وأبا هريرة عن قوله تعالى: { ومساكن ~~طيبة } ، فقالا: على الخبير [سقطت]، سألنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عنها فقال: " قصر من لؤلؤة في الجنة، في ذلك القصر ~~سبعون دارا من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتا ~~من زبرجدة خضراء، في كل بيت سبعون سريرا، على كل ~~سرير سبعون فراشا من كل لون على كل فراش سبعون ~~امرأة، من الحور العين، في كل بيت سبعون مائدة، على ~~كل مائدة سبعون لونا من الطعام، في كل بيت سبعون ~~وصيفا ووصيفة، فيعطي الله تعالى المؤمن القوة في غداة ~~واحدة ما يأتي ذلك كله ". # قوله: { في جنات عدن }. # أي دار إقامة. { ذلك الفوز العظيم } أي: السعادة الدائمة الكبيرة، ~~وأصل الفوز الظفر بالمطلوب. # قوله: { وأخرى تحبونها }. فيها أوجه: # أحدها: أنها في موضع رفع على الابتداء وخبرها مقدر، أي: ولكم أو وثم ~~أو عنده خصلة أخرى أو مثوبة أخرى، و " تحبونها ": نعت له. # الثاني: أن الخبر جملة حذف مبتدؤها، تقديره: هي نصر، والجملة خبر " أخرى ~~". قاله أبو البقاء. # الثالث: أنها منصوبة بفعل محذوف للدلالة عليه بالسياق، أي: ويعطكم، أو ~~يمنحكم مثوبة أخرى، و " تحبونها " نعت لها أيضا. # الرابع: أنها منصوبة بفعل مضمر يفسره " تحبونها " فيكون من ~~الاشتغال، وحينئذ لا يكون " تحبونها " نعتا لأنه مفسر للعامل فيه. # الخامس: أنها مجرورة عطفا على " تجارة ". # وضعف هذا بأنها ليست مما دل عليه إنما هي ثواب من عند الله. # قال القرطبي: " هذا الوجه منقول عن الأخفش والفراء ". # قوله: { نصر من الله }. # خبر مبتدأ مضمر، أي: تلك النعمة، أو الخلة الأخرى نصر، " من الله " نعت ~~له أو متعلق به، أي: ابتداؤه منه. # ورفع " نصر، وفتح " قراءة العامة. # ونصب ابن أبي عبلة الثلاثة. وفيه أوجه ذكرها الزمخشري. # أحدها: أنها منصوبة على الاختصاص. # الثاني: أن ينتصبن على المصدرية، أي: ينصرون نصرا، ويفتح لهم فتحا ~~قريبا. # الثالث: أن ينتصبن على البدل من " أخرى ms8491 " ، و " أخرى " منصوبة بمقدر ~~كما تقدم، أي يغفر لكم ويدخلكم جنات ويؤتكم أخرى، ثم أبدل منها نصرا ~~وفتحا قريبا. # فصل في معنى الآية # ومعنى الآية أي: ولكم نصر من الله { وفتح قريب } ، أي: غنيمة في ~~عاجل الدنيا قبل فتح مكة. وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - يريد فتح ~~فارس والروم { وبشر المؤمنين } برضا الله عنهم. # وقال البغوي: " وبشر المؤمنين " يا محمد بالنصر في الدنيا والجنة في ~~الآخرة. # ثم حضهم على نصر المؤمنين وجهاد المخالفين، فقال: { يأيها ~~الذين آمنوا كونوا أنصار الله.... } ### || [61.14] # أي: كونوا حواريي نبيكم ليظهركم الله على من خالفكم كما أظهر حواريي ~~عيسى على من خالفهم. # قوله: { أنصار الله }. # قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: " أنصارا " ، منونا " لله " جارا ~~ومجرورا. # والباقون: " أنصار " غير منون، بل مضافا للجلالة الكريمة. # والرسم يحتمل القراءتين معا، واللام يحتمل أن تكون مزيدة في المفعول ~~للتقوية لكون العامل فرعا، إذ الأصل " أنصار الله " وأن تكون غير ~~مزيدة، ويكون الجار والمجرور نعتا ل " أنصار ". والأول أظهر. # وأما القراءة على الإضافة ففرع الأصل المذكور، ويؤيد قراءة الإضافة ~~الإجماع عليها في قوله تعالى: { نحن أنصار الله } ولم يتصور ~~جريان الخلاف هنا، لأنه مرسوم بالألف. # قال القرطبي: قيل: في الكلام إضمار، أي: قل لهم يا محمد: كونوا أنصار ~~الله. # وقيل: هو ابتداء خطاب من الله، أي: كونوا أنصار الله كما فعل أنصار ~~عيسى، فكانوا بحمد الله أنصارا وكانوا حواريين. # فصل في الحواريين # قال القرطبي: " الحواريون: خواص الرسل. # قال معمر: كان ذلك بحمد الله تعالى، أي نصروه سبعون رجلا، وهم الذين ~~بايعوه ليلة العقبة، وقيل هم من قريش، وسماهم قتادة: أبو بكر، وعمر، ~~وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة واسمه عامر، وعثمان ~~بن مظعون، وحمزة بن عبد المطلب، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، ولم ~~يذكر سعيدا فيهم، وذكر جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنهم - أجمعين ". # قوله: { كما قال عيسى ابن مريم للحواريين }. # وهم أصفياؤه اثنا عشر رجلا، وقد مضت أسماؤهم في " آل عمران ms8492 ". # وهم أول من آمن به من بني إسرائيل. قاله ابن عباس. # وقال مقاتل: قال الله لعيسى: إذا دخلت القرية فأت النهر الذي عليه ~~القصارون فاسألهم النصرة؛ فأتاهم عيسى وقال لهم: من أنصاري إلى الله؟ ~~فقالوا: نحن ننصرك، فصدقوه ونصروه. # قوله: " كما ". فيه أوجه: # أحدها: أن الكاف في موضع نصب على إضمار القول، أي: قلنا لهم ذلك كما قال ~~عيسى. # الثاني: أنه نعت لمصدر محذوف تقدير: كونوا كونا. قاله مكي. وفيه نظر؛ ~~إذ لا يؤمروا بأن يكونوا كونا. # الثالث: أنه كلام محمول على معناه دون لفظه. # وإليه نحا الزمخشري، قال: " فإن قلت: ما وجه صحة التشبيه وظاهره تشبيه ~~كونهم أنصارا بقول عيسى صلى الله عليه وسلم من أنصاري؟ # قلت: التشبيه محمول على المعنى، وعليه يصح، والمراد: كونوا أنصار الله ~~كما كان الحواريون أنصار عيسى حين قال لهم: من أنصاري إلى الله "؟. # وتقدم في " آل عمران " تعدي أنصار ب " إلى " واختلاف الناس في ذلك. # وقال الزمخشري هنا: " فإن قيل: ما معنى قوله: { من أنصاري إلى ~~الله }؟ فالجواب: يجب أن يكون معناه مطابقا لجواب الحواريين { نحن ~~أنصار الله } والذي يطابقه أن يكون المعنى من جندي متوجها إلى ~~نصرة الله، وإضافة أنصاري خلاف إضافة " أنصار الله " فإن معنى { ~~نحن أنصار الله } نحن الذين ينصرون الله، ومعنى " من أنصاري ~~" من الأنصار الذين يختصون بي ويكونون معي في نصرة الله، ولا يصح أن يكون ~~معناه: من ينصرني مع الله لأنه لا يطابق الجواب، والدليل عليه قراءة من ~~قرأ: من أنصار الله ". انتهى. # يعني: أن بعضهم يدعى أن " إلى " بمعنى " مع " أي من أنصاري مع الله؟!. # وقوله: قراءة من قرأ " أنصار الله " ، أي: لو كانت بمعنى " مع " لما ~~صح سقوطها في هذه القراءة. # قال شهاب الدين: " وهذا غير لازم، لأن كل قراءة لها معنى يخصها إلا أن ~~الأولى توافق القراءتين ". # قوله: { فآمنت طآئفة من بني إسرائيل وكفرت ~~طآئفة }. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: يعني في زمن عيسى - عليه الصلاة ~~والسلام - وذلك أنه لما رفع تفرق قومه ms8493 ثلاث فرق: فرقة قالوا كان الله ~~فارتفع، وفرقة قالوا: كان ابن الله فرفعه الله إليه، وفرقة قالوا: كان ~~عبد الله ورسوله فرفعه إليه، وهم المؤمنون، واتبع كل فرقة طائفة من الناس ~~فاقتتلوا فظهرت الفرقتان الكافرتان على المؤمنين حتى بعث الله محمدا صلى ~~الله عليه وسلم فظهرت فرقة المؤمنين على الكافرين، فذلك قوله تعالى: { ~~فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ~~ظاهرين } ، غالبين. # وقال مجاهد: أيدوا في زمانهم على من كفر بعيسى؛ والأول أظهر؛ لأن عيسى ~~لم يقاتل أحدا، ولم يكن في دين أصحابه بعده قتال. # وقال زيد بن علي، وقتادة: " فأصبحوا ظاهرين " غالبين بالحجة، ~~والبرهان، لأنهم قالوا فيما روي: ألستم تعلمون أن عيسى كان ينام، والله ~~لا ينام، وأن عيسى كان يأكل، والله تعالى لا يأكل. # وقيل: نزلت هذه الآية، في رسل عيسى - عليه الصلاة والسلام - قال ابن ~~إسحاق: وكان الذي بعثهم عيسى من الحواريين والأتباع بطريس وبولس إلى " ~~رومية " ، واندراييس ومتى إلى الأرض التي يأكل أهلها الناس، وتوماس إلى ~~أرض بابل من أرض المشرق، وفيلبس إلى " قرطاجنة " ، وهي " إفريقية " ، ~~ويحنس إلى دقسوس قرية أهل " الكهف " ، ويعقوبس إلى أورشليم، وهي " بيت ~~المقدس " ، وابن تلما إلى العرابية، وهي أرض الحجاز، وسيمن إلى أرض ~~البربر، ويهودا وبروس إلى " الإسكندرية " وما حولها فأيدهم الله تعالى ~~بالحجة فأصبحوا " ظاهرين " أي: عالين، من قولك: ظهرت على الحائط أي علوت ~~عليه. # قوله: { فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم ~~فأصبحوا ظاهرين }. # من إيقاع الظاهر موقع المضمر مبهما تنبيها على عداوة الكافر للمؤمن، ~~إذ الأصل فأيدناهم عليهم، أي: أيدنا المؤمنين على الكافرين من الطائفتين ~~المذكورتين. # روى الثعلبي في تفسيره عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من قرأ سورة الصف كان عيسى مستغفرا له ما دام في ~~الدنيا، ويوم القيامة هو رفيقه ". ### | [62 - سورة الجمعة] ### || [62.1-4] # قوله تعالى: { يسبح لله ما في السماوات وما في ~~الأرض } تقدم الكلام فيه. # وقوله: { الملك القدوس العزيز الحكيم }. # وجه تعلق هذه السورة بما قبلها، هو أنه تعالى قال في ms8494 أول تلك السورة: " ~~سبح لله " بلفظ الماضي وذلك لا يدل على التسبيح في المستقبل، فقال ~~في أول هذه السورة بلفظ [المستقبل] ليدل على التسبيح في الزمن الحاضر ~~والمستقبل. # وأما تعلق الأول بالآخر، فلأنه تعالى ذكر في آخر تلك السورة أنه كان ~~يؤيد أهل الإيمان حتى صاروا غالبين على الكفار وذلك على وفق الحكمة لا ~~للحاجة إليه إذ هو غني على الإطلاق ومنزه عما يخطر ببال الجهلة، وفي أول ~~هذه السورة ذكر على ما يدل على كونه مقدسا، ومنزها عما لا يليق بحضرته ~~العلية ثم إذا كان خلق السماوات والأرض بأجمعهم في تسبيح حضرة الله ~~تعالى فله الملك، ولا ملك أعظم من هذا على الإطلاق، ولما كان الملك كله ~~له تعالى فهو الملك على الإطلاق، ولما كان الكل خلقه فهو المالك على ~~الإطلاق. # قوله: { الملك القدوس }. # قرأ العامة: بجر " الملك " وما بعده نعتا لله، والبدل ضعيف ~~لاشتقاقهما. # وقرأ أبو وائل وسلمة بن محارب ورؤبة بالرفع على إضمار مبتدأ مقتض ~~للمدح. # وقال الزمخشري: " ولو قرىء بالنصب على حد قولهم: الحمد لله أهل الحمد، ~~لكان وجها ". # وقرأ زيد بن علي: " القدوس " بفتح القاف، وقد تقدم ذلك. و " ~~يسبح " من جملة ما يجري فيه اللفظان، ك " شكره وشكر له ونصحه ونصح ~~له وسبحه وسبح له ". # فإن قيل: " الحكيم " يطلق أيضا على الغير كما يقال في لقمان: إنه ~~حكيم. # فالجواب: أن الحكيم عند أهل التحقيق هو الذي يضع الأشياء مواضعها، والله ~~تعالى حكيم بهذا المعنى. # قوله: { هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم }. # تقدم الكلام في " الأمي والأميين " جمعه. # و " يتلو " وما بعده صفة ل " رسول " صلى الله عليه وسلم. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: " الأميون " العرب كلهم من كتب ~~منهم ومن لم يكتب؛ لأنهم لم يكونوا أهل كتاب. # وقيل: الأميون الذين لا يكتبون، وكذلك كانت قريش. # وروى منصور عن إبراهيم قال: " الأمي " الذي لا يقرأ ولا يكتب. # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - الأميون الذين ليس لهم كتاب ولا نبي ~~بعث فيهم، وقيل: ms8495 الأميون الذين هم على ما خلقوا عليه. # وقرىء: " الأمين " بحذف ياء النسب. # قوله: { رسولا منهم }. # يعني محمدا صلى الله عليه وسلم وما من حي من العرب إلا ولرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فيهم قرابة وقد ولدوه. # وقال ابن إسحاق: إلا بني تغلب، فإن الله طهر نبيه صلى الله عليه وسلم ~~منهم لنصرانيتهم، فلم يجعل لهم عليه ولادة، وكان أميا لم يقرأ من كتاب ~~ولم يتعلم صلى الله عليه وسلم. # قال الماوردي: فإن قيل: فما وجه الامتنان بأن بعث الله نبيا ~~أميا؟. # فالجواب من ثلاثة أوجه: # أحدها: لموافقته ما تقدم من بشارة الأنبياء. # الثاني: لمشاكلة حاله لأحوالهم فيكون أقرب لموافقتهم. # الثالث: لينفي عنه سوء الظن في تعليمه ما دعى إليه من الكتب التي قرأها ~~والحكم التي تلاها. # قال القرطبي: " وهذا كله دليل معجزته وصدق نبوته ". # قوله: { يتلوا عليهم آياته } يعني القرآن " ويزكيهم " ~~أي: يجعلهم أزكياء القلوب بالإيمان. قاله ابن عباس. # وقيل: يطهرهم من دنس الكفر والذنوب. قاله ابن جريج ومقاتل. # وقال السدي: يأخذ زكاة أموالهم، " ويعلمهم الكتاب " يعني: ~~القرآن، " والحكمة " يعني السنة. قاله الحسن. # وقال ابن عباس: " الكتاب " الخط بالقلم، لأن الخط إنما نشأ في العرب ~~بالشرع لما أمروا بتقييده بالخط. # وقال مالك بن أنس: " الحكمة " الفقه في الدين. # وقد تقدم في البقرة. # { وإن كانوا من قبل } أي: من قبله وقبل أن يرسل إليهم { لفي ~~ضلال مبين } أي: في ذهاب عن الحق. # فصل في الرد على بعض الشبه # قال ابن الخطيب: احتج أهل الكتاب بهذه الآية، فقالوا: قوله تعالى: { ~~بعث في الأميين رسولا منهم } يدل على أنه - عليه ~~الصلاة والسلام كان رسولا إلى الأميين وهم العرب خاصة، قال: وهذا ~~ضعيف، فإنه [لا] يلزم من تخصيص الشيء بالذكر نفي ما عداه، ألا ترى قوله ~~تعالى: # ولا تخطه بيمينك # [العنكبوت: 48] أنه لا يفهم منه أنه لا يخطه بشماله، ولأنه لو كان ~~رسولا إلى العرب خاصة، كان قوله تعالى # كآفة للناس بشيرا ونذيرا # [سبأ: 28] لا يناسب ذلك، وقد اتفقوا على صدق الرسالة المخصوصة ms8496 فيكون ~~قوله: { كآفة للناس } دليلا على أنه - عليه الصلاة والسلام - ~~كان رسولا إلى الكل. # قوله: { وآخرين منهم } فيه وجهان: # أحدهما: أنه مجرور عطفا على " الأميين " ، أي: وبعث في آخرين من ~~الأميين و { لما يلحقوا بهم } صفة ل " آخرين ". # والثاني: أنه منصوب عطفا على الضمير المنصوب في " يعلمهم ". # أي: ويعلم آخرين لم يلحقوا بهم وسيلحقون، فكل من تعلم شريعة محمد صلى ~~الله عليه وسلم إلى آخر الزمان فرسول الله صلى الله عليه وسلم معلمه ~~بالقوة؛ لأنه أصل ذلك الخير العظيم والفضل الجسيم. # قوله: { لما يلحقوا بهم }. # أي: لم يكونوا في زمانهم وسيجيئون بعدهم. # قال ابن عمر وسعيد بن جبير: هم العجم. # وفي " صحيح البخاري " ومسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: # " كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزلت عليه سورة الجمعة، ~~فلما قرأ: { وآخرين منهم لما يلحقوا بهم } قال رجل: ~~من هؤلاء يا رسول الله؟ فلم يراجعه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~سأله مرة أو مرتين أو ثلاثا قال: وفينا سلمان الفارسي قال: فوضع النبي ~~صلى الله عليه وسلم يده على سلمان ثم قال: " لو كان الإيمان عند ~~الثريا لناله رجال من هؤلاء " # ، وفي رواية: # " لو كان الدين عند الثريا لذهب به رجل من فارس، أو ~~قال: من أبناء فارس حتى يتناوله " # لفظ مسلم. # وقال عكرمة: هم التابعون. # وقال مجاهد: هم الناس كلهم، يعني من بعد العرب الذين بعث فيهم محمد صلى ~~الله عليه وسلم. # وقاله ابن زيد ومقاتل بن حيان، قالا: هم من دخل الإسلام بعد النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى يوم القيامة. # قال سهل بن سعد الساعدي: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " " إن في أصلاب أمتي رجالا ونساء يدخلون الجنة بغير ~~حساب " ثم تلا: { وآخرين منهم لما يلحقوا بهم } " # والقول الأول أثبت. # " وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " رأيتني أسقي غنما ~~سودا ثم أتبعتها غنما عفرا أولها يا أبا بكر " ، قال: ~~يا نبي الله، أما السود فالعرب، وأما ms8497 العفر فالعجم تتبعك ~~بعد العرب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " كذلك أولها الملك يا ~~أبا بكر " " # يعني: جبريل عليه السلام، رواه ابن أبي ليلى عن رجل من أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم وهو علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -. # قوله تعالى: { ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء }. # قال ابن عباس: حيث ألحق العجم بقريش. # وقيل: يعني: الإسلام فضل الله يؤتيه من يشاء. قاله الكلبي. # وقال مقاتل: يعني الوحي والنبوة. # وقيل: إنه المال ينفق في الطاعة، لما روى أبو صالح عن أبي هريرة: # " أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ذهب ~~أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم، فقال: " وما ذاك " ، ~~فقالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ~~ولا نعتق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أفلا أعلمكم ~~شيئا تدركون به من سبقكم وتسبقون من بعدكم ولا ~~يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم " قالوا ~~بلى يا رسول الله، قال: " تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر ~~كل صلاة ثلاثا وثلاثين مرة " ، قال أبو صالح: فرجع فقراء ~~المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: سمع إخواننا من أهل ~~الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم { ~~ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء } " # وقيل: إنه انقياد الناس إلى تصديق النبي صلى الله عليه وسلم ودخولهم في ~~دينه ونصرته. ### || [62.5] # قوله: { مثل الذين حملوا التوراة }. # هذه قراءة العامة. # وقرأ زيد بن علي ويحيى بن يعمر: " حملوا " مخففا مبنيا للفاعل. # قوله: { كمثل الحمار }. # هذه قراءة العامة. # وقرأ عبد الله: " حمار " منكرا، وهو في قوة قراءة الباقين، لأن ~~المراد بالحمار: الجنس ولهذا وصف بالجملة بعده، كما سيأتي. # وقرأ المأمون بن هارون الرشيد: " يحمل " مشددا مبنيا للمفعول. # والجملة من " يحمل أو يحمل " فيها وجهان: # أشهرهما: أنه في موضع الحال من " الحمار ". # والثاني: أنها في موضع الصفة للحمار، لجريانه مجرى النكرة، إذ المراد به ~~الجنس. # قال الزمخشري: أو الجر على ms8498 الوصف لأن الحمار كاللئيم، في قوله: [الكامل] # 4767 - ولقد أمر على اللئيم يسبني # ........................... # وتقدم تحرير ذلك وأن منه عند بعضهم: # وآية لهم الليل نسلخ # [يس: 37]، وأن " نسلخ " نعت لليل، والجمهور يجعلونه حالا للتعريف ~~اللفظي. # وأما على قراءة عبد الله: فالجملة وصف فقط، ولا يمتنع أن تكون حالا عند ~~سيبويه. والأسفار: جمع سفر، وهو الكتاب المجتمع الأوراق. # فصل في تفسير هذا المثل # هذا مثل ضرب لليهود لما تركوا العمل بالتوراة، ولم يؤمنوا بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم " حملوا التوراة " أي: كلفوا العمل بها. قاله ابن ~~عباس. # وقال الجرجاني: هو من الحمالة بمعنى الكفالة، أي: ضمنوا أحكام التوراة. # وقوله: { ثم لم يحملوها }. # لم يعملوا بما فيها ولم يؤدوا حقها { كمثل الحمار يحمل ~~أسفارا } أي: كتبا من العلم، واحدها سفر. # قال الفراء: هي الكتب العظام، لأنها تسفر عما فيها من المعاني إذا ~~قرئت، ونظيره: شبر وأشبار. # يعني كما أن الحمار يحملها ولا يدري ما فيها ولا ينتفع بها كذلك اليهود ~~يقرأون التوراة ولا ينتفعون بها، لأنهم خالفوا ما فيها. # قال ميمون بن مهران: الحمار لا يدري أسفر على ظهره أم زبيل، كذلك ~~اليهود، وفي هذا تنبيه من الله تعالى لمن حمل الكتاب أن يتعلم معانيه ~~ويعلم ما فيه ويعمل به لئلا يلحقه من الذم ما لحق هؤلاء. # قال الشاعر: [الطويل] # 4768 - لعمرك ما يدري البعير إذا غدا # بأوساقه أو راح ما في الغرائر # قوله: { بئس مثل القوم } فيه أوجه: # أحدها: وهو المشهور أن " مثل القوم " فاعل " بئس " والمخصوص ~~[بالذم الموصول بعده، وهذا مشكل؛ لأنه لا بد من تصادق فاعل " نعم وبئس " ~~والمخصوص هنا: " المثل " ليس بالقوم المكذبين] # والجواب: أنه على حذف مضاف، أي: بئس مثل القوم مثل الذين كذبوا. # الثاني: أن " الذين " صفة للقوم فيكون مجرور المحل، والمخصوص ~~بالذم محذوف لفهم المعنى، تقديره: بئس مثل القوم المكذبين مثل هؤلاء، ~~وهو قريب من الأول. # الثالث: أن الفاعل محذوف، وأن " مثل القوم " هو المخصوص بالذم، ~~وتقديره: بئس المثل مثل القوم، ويكون الموصول نعتا للقوم أيضا، ms8499 وإليه ~~ينحو كلام ابن عطية فإنه قال: والتقدير { بئس المثل مثل القوم }. # وهذا فاسد: لأنه لا يحذف الفاعل عند البصريين إلا في مواضع ثلاثة ليس ~~هذا منها، اللهم إلا أن يقول بقول الكوفيين. # الرابع: أن يكون التمييز محذوفا، والفاعل المفسر به مستتر، تقديره: " ~~بئس مثلا مثل القوم " وإليه ينحو كلام الزمخشري فإنه قال: " بئس مثلا ~~مثل القوم ". # فيكون الفاعل مستترا مفسرا ب " مثلا " ، و " مثل القوم " هو ~~المخصوص بالذم، والموصول صفة له، وحذف التمييز، وهذا لا يجيزه سيبويه ~~وأصحابه ألبتة. # نصوا على امتناع حذف التمييز، وكيف يحذف وهو مبين. # فصل # قال ابن الخطيب: فإن قيل: ما الحكمة في تعيين الحمار من دون سائر ~~الحيوانات؟. # فالجواب من وجوه: # أحدها: أنه تعالى خلق الخيل والبغال والحمير للركوب والزينة، كما قال ~~تعالى: # والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة # [النحل: 87]، والزينة في الخيل أظهر وأكثر بالنسبة إلى الركوب والحمل ~~عليه، وفي البغال دون الخيل، وفي الحمير دون البغال، فالحمار كالمتوسط في ~~المعاني الثلاثة، وحينئذ يكون الحمار في معنى الحمل أظهر وأغلب بالنسبة ~~إلى الخيل والبغال وغيرهما من الحيوانات. # وثانيها: أن هذا التمثيل لإظهار الجهل والبلادة لأولئك القوم، والحمار ~~يمثل به في الجهل والبلادة. # وثالثها: أن في الحمار من الحقارة ما ليس في غيره من الحيوانات. والغرض ~~من الكلام هاهنا تحقير القوم وتعييرهم، فيكون تعيين الحمار أليق. # ورابعها: أن حمل الأسفار على الحمار أسهل وأعم وأسهل لسرعة انقياده، ~~فإنه ينقاد للصبي الصغير من غير كلفة، وهذا من جملة ما يوجب حسن الذكر ~~بالنسبة إلى غيره. # وخامسها: أن رعاية الألفاظ والمناسبة من لوازم الكلام [وبين] لفظ ~~الأسفار والحمار مناسبة لفظة [لا توجد] في غيره من الحيوانات فيكون ذكره ~~أولى. # فصل # قال القرطبي: " معنى الكلام: بئس مثل القوم المثل الذي ضربناه لهم فحذف ~~المضاف { والله لا يهدي القوم الظالمين } الذين ظلموا ~~أنفسهم بتكذيب الأنبياء يعني من سبق في علمه أنه يكون كافرا ". ### || [62.6-7] # قوله: { قل يأيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم ~~أوليآء لله من دون الناس }. أي: من ms8500 دون محمد وأصحابه. ~~لما ادعت اليهود الفضيلة، وقالوا: # نحن أبناء الله وأحباؤه # [المائدة: 18]، قال الله تعالى: { إن زعمتم أنكم أوليآء ~~لله من دون الناس } فللأولياء عند الله الكرامة { ~~فتمنوا الموت } لتصيروا إلى ما يصير إليه أولياء الله. # قوله: { أنكم أوليآء }. # ساد مسد المفعولين أو المفعول على الخلاف، و " لله " متعلق ب " أولياء ~~" أو بمحذوف نعتا ل " أولياء " ، و { من دون الناس } كذلك. # قوله: { فتمنوا الموت }. جواب الشرط. # والعامة: بضم الواو وهو في الأصل واو الضمير. # وابن السميفع وابن يعمر وابن إسحاق: بكسرها، وهو أصل التقاء الساكنين. # وابن السميفع أيضا: بفتحها وهذا طلب للتخفيف. # وتقدم نحوه في: # اشتروا الضلالة # [البقرة: 16]. # وحكى الكسائي إبدال الواو همزة. # قوله: { ولا يتمنونه } ، وقال في البقرة: # ولن يتمنوه # [البقرة: 95]. # قال الزمخشري: لا فرق بين " لا " و " لن " في أن كل واحد منهما نفي ~~للمستقبل إلا أن في " لن " تأكيدا وتشديدا ليس في " لا " فأتي مرة بلفظ ~~التأكيد " ولن يتمنوه " ومرة بغير لفظه " ولا يتمنونه ". # قال أبو حيان: " وهذا رجوع عن مذهبه وهو أن " لن " تقتضي النفي على ~~التأبيد إلى مذهب الجماعة وهو أنها لا تقتضيه ". # قال شهاب الدين: وليس فيه رجوع، غاية ما فيه أنه سكت عنه، وتشريكه بين " ~~لا " و " لن " في نفي المستقبل لا ينفي اختصاص " لن " بمعنى آخر. # وتقدم الكلام على هذا مشبعا في " البقرة ". # فصل # المعنى: " ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم " أي: أسلفوه من تكذيب ~~محمد صلى الله عليه وسلم فلو تمنوه لماتوا، فكان ذلك بطلان قولهم وما ~~ادعوه من الولاية. # " قال عليه الصلاة والسلام لما نزلت هذه الآية: " والذي نفسي بيده لو ~~تمنوا الموت ما بقي على ظهرها يهودي إلا مات " ". # وفي هذا إخبار عن الغيب ومعجزة للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد مضى ~~الكلام على هذه الآية في " البقرة " عند قوله: # فتمنوا الموت # [البقرة: 94]. ### || [62.8] # قوله: { قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ~~ملاقيكم }. # في هذه الفاء وجهان: # أحدهما: أنها داخلة لما تضمنه الاسم من معنى الشرط، وحكم الموصوف ms8501 ~~بالموصول حكم الموصول في ذلك. # قال الزجاج: ولا يقال: إن زيدا فمنطلق، وهاهنا قال: " فإنه ~~ملاقيكم " لما في معنى " الذي " من الشرط والجزاء، أي: فررتم منه ~~فإنه ملاقيكم، وتكون مبالغة في الدلالة على أنه لا ينفع الفرار منه. # الثاني: أنها مزيدة محضة لا للتضمين المذكور. # وأفسد هؤلاء القول الأول بوجهين: # أحدهما: أن ذلك إنما يجوز إذا كان المبتدأ أو اسم إن موصولا، واسم " إن ~~" هنا ليس بموصول، بل موصوفا بالموصول. # والثاني: أن الفرار من الموت لا ينجي منه فلم يشبه الشرط يعني أنه متحقق ~~فلم يشبه الشرط الذي هو من شأنه الاحتمال. # وأجيب عن الأول: بأن الموصوف مع صفته كالشيء الواحد؛ ولأن " الذي " لا ~~يكون إلا صفة، فإذا لم يذكر الموصوف دخلت الفاء، والموصوف مراد، فكذلك ~~إذا صرح بها. # وعن الثاني: بأن خلقا كثيرا يظنون أن الفرار من أسباب الموت ينجيهم ~~إلى وقت آخر. # وجوز مكي: أن يكون الخبر قوله: { الذي تفرون منه } وتكون ~~الفاء جواب الجملة قال: كما تقول: " زيد منطلق فقم إليه ". # وفيه نظر؛ لأنها لا ترتب بين قوله: { إن الموت الذي ~~تفرون منه } وبين قوله { فإنه ملاقيكم } فليس نظيرا ~~لما مثله. # قال القرطبي: ويجوز أن يتم الكلام عند قوله: { الذي تفرون } ثم ~~يبدأ بقوله { فإنه ملاقيكم }. # وقرأ زيد بن علي: " إنه " بغير فاء. # وفيها أوجه: # أحدها: أنه مستأنف، وحينئذ يكون الخبر نفس الموصول، كأنه قيل: فإن الموت ~~هو الشيء الذي تفرون منه. قاله الزمخشري. # الثاني: أن الخبر الجملة من قوله: { فإنه ملاقيكم } وحينئذ ~~يكون الموصول نعتا للموت. # الثالث: أن يكون " إنه " تأكيد، لأن الموت لما طال الكلام أكد الحرف ~~تأكيد لفظيا، وقد عرف أنه لا يؤكد كذلك إلا بإعادة ما دخل عليه أو ~~بإعادة ضميره، فأكد بإعادة ضمير ما دخلت عليه " إن ". # وحينئذ يكون الموصول نعتا للموت، و " ملاقيكم " خبره، كأنه قيل: إن ~~الموت إنه ملاقيكم. # وقرأ ابن مسعود: " ملاقيكم " من غير " فإنه ". # فإن قيل: الموت ملاقيهم على كل حال فروا أو لم يفروا، فما معنى الشرط ms8502 ~~والجزاء؟. # فالجواب: أن هذا على جهة الرد عليهم إذ ظنوا أن الفرار ينجيهم، { ~~ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة ~~فينبئكم بما كنتم تعملون } وهذا وعيد بليغ وتهديد شديد. ### || [62.9-11] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إذا نودي ~~للصلاة من يوم الجمعة } الآية. # قرأ العامة: " الجمعة " بضمتين. # وقرأ عبد الله بن الزبير وزيد بن علي والأعمش وأبو حيوة وأبو عمرو في ~~رواية بسكون الميم. # فقيل: هي لغة في الأولى وسكنت تخفيفا وهي لغة تميم. # وقيل: هو مصدر بمعنى الاجتماع. # وقيل: لما كان فيه معنى الفعل صار " كرجل هزأة " أي: يهزأ به، فلما ~~كان في " الجمعة " معنى التجمع أسكن؛ لأنه مفعول به في المعنى أو يشبهه، ~~فصار ك " هزأة " الذي يهزأ به. قاله مكي. # وكذا قال أبو البقاء: هو بمعنى المجتمع فيه، مثل: رجل ضحكة، أي يضحك ~~منه. # وقال مكي: يجوز إسكان الميم إستخفافا، وقيل: هي لغة. # وقد تقدم أنها قراءة وأنها لغة تميم. # وقال أبو حيان: " ولغة بفتحها لم يقرأ بها ". # قال شهاب الدين: " قد نقلها أبو البقاء قراءة، فقال: ويقرأ - بفتح الميم ~~- بمعنى الفاعل، أي: يوم المكان الجامع، مثل: رجل ضحكة، أي: كثير الضحك ~~". # وقال مكي: " وفيه لغة ثالثة - بفتح الميم - على نسبة الفعل إليها كأنها ~~تجمع الناس، كما يقال: " رجل لحنة " إذا كان يلحن الناس، وقرأة إذا كان ~~يقرىء الناس " ، ونقلها قراءة أيضا الزمخشري، إلا أن الزمخشري جعل " ~~الجمعة " - بالسكون - هو الأصل، وبالمضموم مخففا منه يقال: يوم الجمعة، ~~يوم الفوج المجموع، كقولهم: " ضحكة " للمضحوك منه، ويوم الجمعة - بفتح ~~الميم - يوم الوقت الجامع، كقولهم: ضحكة ولعبة، ويوم الجمعة، كما قيل: ~~عسرة في عسرة، وقرىء بهن جميعا. # وتقديره: يوم الوقت الجامع أحسن [من تقدير أبي البقاء يوم] المكان ~~الجامع؛ لأن نسبة الجمع إلى الطرفين مجاز، فالأولى إبقاؤه زمانا على ~~حاله. # قال القرطبي: " وجمعها جمع وجمعان ". # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: نزل القرآن بالتثقيل والتفخيم، ~~فاقرأوها " جمعة " يعني بضم الميم. # وقال الفراء وأبو عبيد: والتخفيف أحسن وأقيس، نحو: غرفة وغرف، ~~وطرفة وطرف ms8503 وحجرة وحجر وفتح الميم لغة بني عقيل. وقيل: إنها لغة ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # فصل في الكلام على الآية # فإن قيل: قال ابن الخطيب: قوله: " للصلاة " ، أي: لوقت الصلاة، بدليل ~~قوله: { من يوم الجمعة } ولا تكون الصلاة من اليوم وإنما يكون ~~وقتها من اليوم. # فالجواب: روى سلمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إنما سميت جمعة لأن الله جمع فيها خلق آدم " # وقيل: لأن الله - تعالى - فرغ فيها من خلق كل شيء فاجتمع فيها جميع ~~المخلوقات. # وقيل: لتجتمع الجماعات فيها. وقيل: لاجتماع الناس فيها للصلاة. # قوله: { من يوم }. # " من " هذه بيان ل " إذا " وتفسير لها. قاله الزمخشري. # وقال أبو البقاء: إنها بمعنى " في " أي: في يوم، كقوله تعالى: # أروني ماذا خلقوا من الأرض # [فاطر: 40]، أي: في الأرض. # فصل في أول من قال أما بعد وسمى الجمعة # قال القرطبي رحمه الله تعالى: قال أبو سلمة: أول من قال: أما بعد، كعب ~~بن لؤي وكان أول من سمى الجمعة جمعة لاجتماع قريش فيه إلى كعب، وكان يقال ~~ليوم الجمعة: العروبة. # وقيل: أول من سماها جمعة: الأنصار. # قال ابن سيرين: جمع أهل " المدينة " من قبل أن يقدم النبي صلى الله ~~عليه وسلم المدينة، وقبل أن ننزل الجمعة، وهم الذين سموها الجمعة، وذلك ~~أنهم قالوا: إن اليهود يجتمعون فيه في كل سبعة أيام وهو يوم السبت، ~~وللنصارى يوم مثل ذلك وهو الأحد، فتعالوا فلنجتمع حتى نجعل يوما لنا ~~نذكر الله فيه ونصلي فيه ونستذكر، فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد ~~للنصارى، فاجعلوه يوم العروبة، فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم ~~يومئذ ركعتين وذكرهم، فسموه يوم الجمعة حين اجتمعوا، فذبح لهم أسعد شاة ~~فتعشوا وتغدوا منها لقلتهم فهذه أول جمعة في الإسلام. # وروي أنهم كانوا اثني عشر رجلا. # وقال البيهقي: وروينا عن موسى بن عقبة عن الزهري أن مصعب بن عمير كان ~~أول من جمع الجمعة للمسلمين بالمدينة قبل أن يقدمها النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال البيهقي: يحتمل أن يكون مصعب ms8504 جمع بهم بمعونة أسعد بن زرارة، ~~فأضافه كعب إليه. # وروي عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه كعب: أنه كان إذا سمع النداء ~~يوم الجمعة ترحم لأسعد بن زرارة، فقلت له: إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد ~~بن زرارة قال: لأنه أول من جمع بنا في هزم النبيت من حرة بني بياضة ~~في بقيع يقال له: بقيع الخضمات، قلت له: كم كنتم يومئذ؟ قال: أربعين. # ذكره البغوي. # وأما أول جمعة جمعها النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه، [فقال أهل ~~السير: # " قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم] مهاجرا حتى نزل ب " قباء " على ~~بني عمرو بن عوف يوم الاثنين لاثنين عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول حين ~~اشتد الضحى، ومن تلك السنة يعد التاريخ فأقام بها إلى يوم الخميس ~~وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة إلى المدينة فأدركته في بني سالم ابن عوف ~~في بطن واد لهم اتخذ القوم في ذلك الموضع مسجدا، فجمع بهم وخطب، وهي أول ~~جمعة خطبها بالمدينة، وقال فيها: " الحمد لله، أحمده، ~~وأستعينه، وأستغفره، وأستهدي به، وأومن به، ولا ~~أكفره، وأعادي من يكفر به، وأشهد ألا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ~~أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ~~والنور والموعظة والحكمة، على فترة من الرسل، ~~وقلة العلم وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ~~ودنو من الساعة، وقرب من الأجل؛ من يطع الرسول ~~فقد رشد ومن يعصي الله ورسوله فقد غوى وفرط ~~وضل ضلالا بعيدا. وأوصيكم بتقوى الله فإنه خير ما ~~أوصيكم وخير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على ~~الآخرة وأن يأمره بتقوى الله، واحذروا ما حذركم ~~الله من نفسه، فإن تقوى الله من عمل به على وجل ~~ومخافة من ربه عنوان صدق على ما تبغون من الآخرة ~~ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمره في السر ~~والعلانية لا ينوي به إلا وجه الله يكن له ذكرا ~~في عاجل أمره وذخرا فيما بعد ms8505 الموت حين يفتقر ~~المرء إلى ما قدم وما كان مما سوى ذلك { تود لو أن ~~بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله ~~نفسه والله رؤوف بالعباد } [آل عمران: 30]. # هو الذي صدق قوله، وأنجز وعده، لا خلف لذلك فإنه ~~يقول: { ما يبدل القول لدي ومآ أنا بظلام ~~للعبيد } [سورة ق: 29]. # فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله، في السر والعلانية، ~~فإنه { ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ~~ويعظم له أجرا } [الطلاق: 5]. # ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما. # وإن تقوى الله توقي مقته وتوقي عقوبته وتوقي ~~سخطه، وإن تقوى الله تبيض الوجوه وترضي الرب، ~~وترفع الدرجة، فخذوا حذركم ولا تفرطوا في جنب الله ~~فقد علمكم في كتابه ونهج لكم سبيله، ليعلم الذين ~~صدقوا وليعلم الكاذبين، فأحسنوا كما أحسن الله ~~إليكم، وعادوا أعداءه، وجاهدوا في الله حق جهاده هو ~~اجتباكم وسماكم المسلمين، { ليهلك من هلك عن ~~بينة ويحيى من حي عن بينة } [الأنفال: 42]، ولا ~~حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فأكثروا من ذكر ~~الله تعالى واعملوا لما بعد الموت، فإنه من يصلح ما ~~بينه وبين الله يكفه الله ما بينه وبين الناس، ~~ذلك بأن الله يقضي بين الناس ولا يقضون عليه، ~~ويملك من الناس ولا يملكون منه، الله أكبر، ولا ~~حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ". # فصل في خطاب الله للمؤمنين # خاطب الله المؤمنين بالجمعة دون الكافرين تشريفا لهم وتكريما، ~~فقال: { يأيها الذين آمنوا } ، ثم خصه بالنداء وإن كان ~~قد دخل في عموم قوله تعالى: # وإذا ناديتم إلى الصلاة # [المائدة: 58] ليدل على وجوبه وتأكيد فرضه. # وقال بعض العلماء: كون الصلاة الجمعة ها هنا معلوم بالإجماع لا من ~~نفس اللفظ. # وقال ابن العربي: " وعندي أنه معلوم من نفس اللفظ بنكتة، وهي قوله: { ~~من يوم الجمعة } وذلك يفيده لأن النداء الذي يختص بذلك اليوم ~~هو نداء تلك الصلاة، وأما غيرها فهو عام في سائر الأيام، ولو لم يكن ~~المراد به نداء الجمعة لما كان لتخصيصه بها وإضافته إليها معنى ولا فائدة ~~". # فصل # كان الأذان ms8506 على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في سائر الصلوات ~~مؤذن واحد إذا جلس النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر أذن مؤذن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك فعل أبو بكر وعمر وعلي ب " الكوفة " ثم ~~زاد عثمان أذانا ثانيا على داره التي تسمى الزوراء حين كثر الناس ~~بالمدينة، فإذا سمعوا أقبلوا حتى إذا جلس عثمان على المنبر أذن مؤذن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يخطب عثمان. أخرجه ابن ماجه في سننه. # وقال الماوردي: فأما الأذان الأول فمحدث، فعله عثمان بن عفان ليتأهب ~~الناس لحضور الخطبة عند اتساع " المدينة " وكثرة أهلها، وقد كان عمر - ~~رضي الله عنه - أمر أن يؤذن في السوق قبل المسجد ليقوم الناس عن بيوعهم، ~~فإذا اجتمعوا أذن في المسجد فجعله عثمان - رضي الله عنه - أذانين في ~~المسجد. # قال ابن العربي: وفي الحديث الصحيح: أن الأذان كان على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم واحدا، فلما كان زمن عثمان زاد النداء الثالث على ~~الزوراء، وسماه في الحديث: ثالثا، لأنه إضافة إلى الإقامة، لقوله - عليه ~~الصلاة والسلام -: # " بين كل أذانين صلاة لمن شاء " # يعني الأذان والإقامة. # وتوهم بعض الناس أنه أذان أصلي، فجعلوا المؤذنين ثلاثة، فكان وهما، ~~ثم جمعوهم في وقت واحد فكان وهما على وهم. # قوله: { فاسعوا إلى ذكر الله }. # قيل: المراد بالسعي هنا القصد. قال الحسن: والله ما هو بسعي على الأقدام ~~ولكنه سعي بالقلوب والنية. # وقال الجمهور: السعي العمل كقوله تعالى: # ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن # [الإسراء: 19]، وقوله: # إن سعيكم لشتى # [من سورة الليل: 4]، وقوله: # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى # [النجم: 39]. # والمعنى: فاعملوا على المضي إلى ذكر الله واشتغلوا بأسبابه من الغسل ~~والطهر والتوجه إليه. # وقيل: المراد به السعي على الأقدام، وذلك فضل، وليس بشرط، لقوله - عليه ~~الصلاة والسلام -: # " من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على ~~النار ". # قال القرطبي: " ويحتمل ظاهره وجها رابعا، وهو الجري والاشتداد ". # قال ابن العربي: وهو الذي أنكره ms8507 الصحابة والفقهاء الأقدمون، فقرأها ~~عمر - رضي الله عنه -: { فامضوا إلى ذكر الله } فرارا عن طريق ~~الجري والاشتداد الذي يدل عليه الظاهر. # وقرأ ابن مسعود كذلك، وقال: لو قرأت: " فاسعوا " لسعيت حتى يسقط ~~ردائي. # وقال ابن شهاب: [فامضوا] إلى ذكر الله، سالكا تلك السبيل، وهو كله ~~تفسير منهم لا قراءة قرآن منزل، وجائز قراءة القرآن بالتفسير في معرض ~~التفسير. # قال أبو بكر بن الأنباري: وقد احتج من خالف المصحف بقراءة عمر وابن ~~مسعود، وأن خرشة بن الحر قال: رآني عمر - رضي الله عنه - ومعي قطعة فيها: ~~{ فاسعوا إلى ذكر الله } فقال عمر: من أقرأك هذا؟ قلت: ~~أبي، فقال: إن أبيا أقرؤنا للمنسوخ ثم قرأ عمر: { فامضوا إلى ذكر ~~الله }. # وقال الفراء وأبو عبيدة: معنى السعي في الآية المضي للجمعة. # واحتج الفراء بقولهم: هو يسعى في البلاد يطلب فضل الله. # واحتج أبو عبيدة بقول الشاعر: [السريع] # 4769 - أسعى على جد بني مالك # كل امرىء في شأنه ساع # فهل يحتمل السعي في هذا البيت المضي والانكماش، ومحال أن يخفى هذا ~~المعنى على ابن مسعود وعلى فصاحته وإتقان عربيته. # قال القرطبي: وما يدل على أن المراد هنا العدو، قوله - عليه الصلاة ~~والسلام -: # " إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون ولكن ~~ائتوها وعليكم السكينة ". # قال الحسن رضي الله عنه: أما والله ما هو بالسعي على الأقدام، ولقد ~~نهوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار، ولكن بالقلوب والنية ~~والخشوع. # وقال قتادة: السعي أن تسعى بقلبك وعملك. # فصل في أن الآية خطاب للمكلفين # هذه الآية خطاب للمكلفين [بالإجماع] ويخرج منه المرضى والزمنى ~~والمسافرون والعبيد والنساء بالدليل والعميان والشيخ الذي لا يمشي إلا ~~بقائد عند أبي حنيفة. # لما روى الدارقطني عن أبي الزبير عن جابر # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من كان يؤمن بالله ~~واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة إلا مريض أو ~~مسافر أو امرأة أو صبي أو مملوك، فمن استغنى بلهو ~~أو تجارة استغنى الله - عز وجل - عنه، والله غني ~~حميد ". # قال ms8508 العلماء رضي الله عنهم: لا يتخلف أحد عن الجمعة ممن عليه إتيانها ~~إلا بعذر لا يمكنه معه الإتيان إليها كالمرض الحابس أو خوف الزيادة في ~~المرض أو خوف جور السلطان عليه في مال أو ولد دون القضاء عليه بحق. ~~والمطر الوابل مع الوحل عذر إن لم ينقطع. # وروى المهدوي عن مالك أنهما ليسا بعذر. # ومن له ولي حميم قد حضرته الوفاة، ولم يكن عنده من يقوم بأمره فهو ~~معذور، وقد فعل ذلك ابن عمر رضي الله عنه، ومن تخلف عنها لغير عذر فصلى ~~قبل الإمام أعاده ولا يجزيه أن يصلي قبله وهو عاص في تخلفه ذلك مع ~~إمكانه. # فصل في وجوب السعي # وجوب السعي يختص بالقريب الذي يسمع النداء، فأما البعيد الذي لا يسمع ~~النداء فلا يجب عليه السعي. # واختلف الناس في القريب والبعيد. # فقال ابن عمرو وأبو هريرة رضي الله عنهما وأنس: تجب الجمعة على من كان ~~في المصر على ستة أميال. # وقال ربيعة: أربعة أميال. # وقال مالك والليث: ثلاثة أميال. # وقال الشافعي: اعتبار سماع الأذان أن يكون المؤذن صيتا، والأصوات ~~هادئة، والريح ساكنة، وموقف المؤذن عند سور البلد. # " وروت عائشة - رضي الله عنها - أن الناس كانوا ينتابون الجمعة من ~~منازلهم من العوالي فيأتون في الغبار ويصيبهم الغبار فيخرج منهم الريح، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم " لو اغتسلتم ليومكم هذا ". # قال العلماء: والصوت إذا كان رفيعا والناس في هدوء وسكون، فأقصى سماع ~~الصوت ثلاثة أميال، والعوالي من " المدينة " أقربها على ثلاثة أميال. # وقال أحمد بن حنبل وإسحاق: تجب الجمعة على من سمع النداء لقوله - عليه ~~الصلاة والسلام -: # " إنما الجمعة على من سمع النداء ". # وقال أبو حنيفة وأصحابه: تجب الجمعة على من في المصر سمع النداء أو لم ~~يسمعه ولا تجب على من هو خارج المصر ولو سمع النداء، حتى سئل: وهل تجب ~~الجمعة على أهل " زبارة " وهي بينها وبين الكوفة مجرى نهر؟ فقال: لا. # وروي عن ربيعة أيضا: أنها تجب على من إذا سمع النداء وخرج من بيته ms8509 ~~ماشيا أدرك الصلاة. # فصل في وجوب الجمعة بالنداء. # دلت هذه الآية على أن الجمعة لا تجب إلا بالنداء، والنداء لا يكون إلا ~~بدخول الوقت لقوله - عليه الصلاة والسلام -: # " إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكما وليؤمكما أكبركما ~~". # وروى أنس بن مالك # " أن النبي صلى الله عليه وسلم " كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس " ". # وروي عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وأحمد بن حنبل: أنها تصلى قبل ~~الزوال، واستدل أحمد بحديث سلمة بن الأكوع: " كنا نصلي مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم ثم ننصرف وليس للحيطان ظل ". # وحديث ابن عمر: " ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة ". # وأخرج مسلم مثله عن سهل. # قال القرطبي: وحديث سلمة محمول على التكبير، لقول سلمة: " كنا نجمع ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس ثم نرجع ونتتبع الفيء ~~". # فصل # نقل عن بعض الشافعية أن الجمعة فرض على الكفاية، وجمهور الأمة على أنها ~~فرض عين لقوله تعالى: { إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع }. # وقال - عليه الصلاة والسلام -: # " لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن ~~الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين ". # وروى ابن ماجه في " سننه " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من ترك الجمعة ثلاث مرات طبع الله على قلبه " # إسناده صحيح. # وقال ابن العربي: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الرواح إلى الجمعة واجب على كل مسلم ". # فصل في العدد الذي تنعقد به الجمعة # اختلفوا في العدد الذي تنعقد به الجمعة. # فذهب قوم إلى أن كل قرية اجتمع فيها أربعون رجلا أحرارا عاقلين مقيمين ~~لا يظعنون عنها شتاء ولا صيفا إلا ظعن حاجة تجب عليهم إقامة الجمعة ~~فيها، وهو قول عبيد الله بن عبد الله وعمر بن عبد العزيز، وبه قال ~~الشافعي وأحمد وإسحاق، قالوا: لا تنعقد الجمعة بأقل من أربعين رجلا على ~~هذه الصفة، وشرط عمر بن عبد العزيز مع الأربعين أن يكون فيهم وال، وعند ~~أبي حنيفة تنعقد ms8510 بأربعة والوالي شرط. # وقال الأوزاعي وأبو يوسف: تنعقد بثلاث إذا كان فيهم وال. # وقال الحسن وأبو ثور: تنعقد باثنين كسائر الصلوات. # وقال ربيعة: تنعقد باثني عشر رجلا. # فصل في اجتماع العيد والجمعة. # إذا اجتمع العيد والجمعة سقط فرض الجمعة عند أحمد لتقدم العيد عليها ~~واشتغال الناس به عنها، ولما روي أن عثمان أذن في [يوم] عيد لأهل العوالي ~~أن يتخلفوا عن الجمعة. # وقال غيره: لا يسقط فرض الجمعة لأن الأمر بالسعي متوجه يوم العيد كتوجهه ~~في سائر الأيام، وقول الصحابي ليس بحجة إذا خولف فيه ولم يجمع معه عليه. # وفي صحيح مسلم عن النعمان بن بشير قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة: { ~~سبح اسم ربك الأعلى } [الأعلى: 1] و { هل أتاك ~~حديث الغاشية } [الغاشية: 1] قال وإذا اجتمع العيد والجمعة في ~~يوم واحد يقرأ بهما أيضا في الصلاتين " # أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه. # قوله: { إلى ذكر الله }. # أي: الصلاة. # وقيل: الخطبة والمواعظ. قاله سعيد بن جبير. # قال ابن العربي: والصحيح أنه واجب في الجميع؛ لأنها تحرم البيع، ولولا ~~وجوبها ما حرمته؛ لأن المستحب لا يحرم المباح. # قال القرطبي: وإذا قلنا: إن المراد بالذكر الصلاة فالخطبة من ~~الصلاة، والعبد يكون ذاكرا لله بقلبه كما يكون مسبحا لله بفعله. # قال الزمخشري: " فإن قلت: كيف يفسر ذكر الله بالخطبة وفيها غير ذلك؟. # قلت: ما كان من ذكر رسول الله والثناء عليه وعلى خلفائه الراشدين ~~وأتقياء المؤمنين والموعظة والتذكير، فهو في حكم ذكر الله، فأما ما عدا ~~ذلك من ذكر الظلمة وألقابهم والثناء عليهم والدعاء لهم وهم أحقاء بعكس ~~ذلك ". # فصل في السفر يوم الجمعة # ذهب بعضهم إلى أنه إذا أصبح يوم الجمعة مقيما فلا يسافر حتى يصلي ~~الجمعة، وذهب بعضهم إلى الجواز، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: # " بعث النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة في سرية فوافق ذلك ~~يوم الجمعة، فغدا أصحابه وقال أتخلف فأصلي مع رسول الله صلى الله ms8511 عليه ~~وسلم ثم ألحقهم، فلما صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم رآه فقال: " ما ~~منعك أن تغدو مع أصحابك " ، قال: أردت أن أصلي معك ثم ~~ألحقهم، فقال: " لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت ". فصلى ~~غدوتهم ". # وسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا عليه أهبة السفر، يقول: لولا أن ~~اليوم الجمعة لخرجت، فقال له عمر: اخرج فإن الجمعة لا تحبس عن سفر. # قوله: { وذروا البيع }. # يدل على تحريم البيع في وقت الجمعة على من كان مخاطبا بفرضها، والبيع ~~لا يخلو عن شراء فاكتفى بذكر أحدهما، كقوله: # سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم # [النحل: 81] وخص البيع لأنه أكثر ما يشتغل به أصحاب الأسواق، ومن لا يجب ~~عليه حضور الجمعة، فلا ينهى عن البيع والشراء. # وفي وقت التحريم قولان: # أحدهما: أنه من بعد الزوال إلى الفراغ منها. قاله الضحاك، والحسن، ~~وعطاء. # الثاني: أنه من وقت أذان الخطبة إلى وقت الصلاة. قاله الشافعي. # قال القرطبي: " ومذهب مالك أن البيع يفسخ إذا نودي للصلاة، ولا يفسخ ~~العتق والنكاح والطلاق وغيره، إذ ليس من عادة الناس اشتغالهم به ~~كاشتغالهم بالبيع، قال: وكذلك الشرك والهبة والصدقة نادر لا يفسخ ". # قال ابن العربي: " والصحيح فسخ الجميع؛ لأن البيع إنما منع منه للاشتغال ~~به فكل أمر يشغل عن الجمعة من العقود كلها فهو حرام شرعا مفسوخ ". # وحمل بعضهم النهي على الندب لقوله تعالى: { ذلكم خير لكم } ، ~~وهو مذهب الشافعي؛ فإن البيع عنده ينعقد ولا يفسخ. # وقال الزمخشري: إن عامة العلماء على أن ذلك النهي لا يؤدي إلى فساد ~~البيع، قالوا: لأن البيع لم يحرم لعينه، ولكن لما فيه عن الذهول عن ~~الواجب، فهو كالصلاة في الدار والثوب والمغضوب، والوضوء بماء مغصوب. # قال القرطبي: " والصحيح فساده وفسخه لقوله - عليه الصلاة والسلام - # " كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد " # أي: مردود. # ثم قال: " ذلكم " أي: ذلك الذي ذكرت من حضور الجمعة وترك البيع { ~~خير لكم } من المبايعة { إن كنتم تعلمون } مصالح أنفسكم. # قوله: { فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في ms8512 الأرض }. # هذا أمر إباحة كقوله: # وإذا حللتم فاصطادوا # [المائدة: 2]، والمعنى: إذا فرغتم من الصلاة { فانتشروا في ~~الأرض } للتجارة والتصرف في حوائجكم { وابتغوا من فضل ~~الله } أي: من رزقه. # وكان عراك بن مالك إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال: ~~اللهم إني أجبت دعوتك، وصليت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من ~~فضلك رزقا حلالا وأنت خير الرازقين. # وقال جعفر بن محمد في قوله تعالى: { وابتغوا من فضل الله }: ~~إنه العمل في يوم السبت. # وقال سعيد بن المسيب: طلب العلم. # وقيل: صلاة التطوع. # وقال ابن عباس: لم يؤمروا بطلب شيء من الدنيا، إنما هي عيادة المرضى ~~وحضور الجنائز وزيادة الأخ في الله تعالى. # فصل # في فضل يوم الجمعة أحاديث كثيرة. # منها ما روي عن أبي هريرة قال: # " خرجت إلى الطور فلقيت كعب الأحبار، فجلست معه، فحدثني عن التوراة ~~وحدثته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان فيما حدثته أن قلت له: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خير يوم طلعت فيه الشمس ~~يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه هبط من الجنة، وفيه مات، ~~وفيه تيب عليه، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة ~~إلا وهي مسبحة في يوم الجمعة من حين تصبح حتى ~~تطلع الشمس شفقا من الساعة إلا الجن والإنس وفيها ~~ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي فيسأل الله ~~شيئا إلا أعطاه إياه ". # قال كعب: ذلك في كل سنة يوم؟ فقلت: بل في كل جمعة، قال: فقرأ كعب ~~التوراة فقال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أبو هريرة: ثم لقيت ~~عبد الله بن سلام فحدثته بمجلسي مع كعب الأحبار وما حدثته في يوم الجمعة، ~~قال عبد الله بن سلام: قد علمت أية ساعة هي؟ هي في آخر ساعة من يوم ~~الجمعة. # قال أبو هريرة: وكيف تكون آخر ساعة من يوم الجمعة، وقد قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " لا يصادفها عبد مسلم، وهو يصلي " ~~وتلك الساعة لا يصلى فيها؟ فقال عبد الله بن سلام: ms8513 ألم يقل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من جلس مجلسا ينتظر الصلاة ~~فهو في صلاة حتى يصليها "؟. # قال أبو هريرة: بلى. قال: " فهو ذاك " ". # وقال - عليه الصلاة والسلام -: # " من اغتسل يوم الجمعة واستن ومس طيبا إن كان عنده ~~ولبس من أحسن ثيابه ثم خرج حتى يأتي المسجد ولم ~~يتخط رقاب الناس ثم ركع ما شاء الله أن يركع ~~وأنصت إذا خرج الإمام، كانت كفارة لما بينهما وبين ~~الجمعة الأخرى التي كانت قبلها ". # وقال أبو هريرة: وزيادة ثلاثة أيام؛ لأن الله تعالى يقول: # من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها # [الأنعام: 160]. # وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب ~~المسجد ملائكة يكتبون [الناس على منازلهم]، الأول ~~فالأول، فإذا خرج الإمام طويت الصحف واستمعوا الخطبة ". # وقال: # " من اغتسل يوم الجمعة، ثم راح في الساعة الأولى، ~~فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما ~~قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا، ~~ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة [ومن راح في ~~الساعة الخامسة، فكأنما قرب عصفورا]، ومن راح في الساعة السادسة، ~~فكأنما قرب بيضة فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة ~~يستمعون الذكر ". # قوله: { واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون } أي: ~~بالطاعة واللسان، وبالشكر على ما أنعم به عليكم من التوفيق لأداء فرائضه ~~{ لعلكم تفلحون } [كي تفلحوا]. # وقال سعيد بن جبير: الذكر طاعة الله، فمن أطاع الله فقد ذكره؛ ومن لم ~~يطعه فليس بذاكر وإن كان كثير التسبيح. # قال ابن الخطيب: فإن قيل: ما الفرق بين ذكر الله أولا وذكر الله ~~ثانيا؟. # فالجواب: أن الأول من جملة ما لا يجتمع مع التجارة أصلا إذ المراد منه ~~الخطبة والصلاة والثاني من جملة ما يجتمع مع التجارة كما في قوله تعالى: # رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله # [النور: 37]. # قوله: { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ~~}. # روى مسلم عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله ms8514 عليه وسلم كان يخطب ~~قائما يوم الجمعة فجاءت عير من " الشام " فانفتل الناس إليها حتى لم يبق ~~إلا اثني عشر رجلا، وفي رواية: أنا فيهم، فنزلت هذه الآية: { وإذا ~~رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك ~~قآئما }. # وذكر الكلبي: أن الذي قدم بها دحية بن خليفة الكلبي من " الشام " في ~~مجاعة وغلاء سعر وكان معه جميع ما يحتاج إليه الناس من بر ودقيق وغيره ~~فنزلت عند أحجار الزيت وضرب بالطبل ليعلم الناس بقدومه فخرج الناس إلا ~~اثني عشر رجلا وقيل إلا أحد عشر رجلا وحكى البغوي قال: فلما رأوه قاموا ~~إليه خشية أن يسبقوا إليه قال الكلبي وكانوا في خطبة الجمعة فانفضوا إليه ~~وبقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية رجال حكاه الثعلبي عن ابن ~~عباس وذكر الدارقطني من حديث جابر قال: بينما رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يخطب يوم الجمعة إذ أقبلت عير تحمل الطعام حتى نزلت بالبقيع ~~فالتفتوا إليها وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس معه إلا أربعين ~~رجلا أنا منهم قال: وأنزل الله تعالى على النبي صلى الله عليه وسلم { ~~وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما } قال الدارقطني لم ~~يقل في هذا الآثار إلا أربعين رجلا غير علي بن عاصم بن حصين وخالفه ~~أصحاب حصين فقالوا لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا اثني عشر ~~رجلا. واحتج بهذا الحديث من يرى أن الجمعة تنعقد باثني عشر رجلا وليس ~~فيه بيان أنه أقام بهم الجمعة وذكر الزمخشري أن النبي صلى الله عيله وسلم ~~قال: # " والذي نفسي بيده لو خرجوا جميعا لأضرم الله عليهم الوادي نارا ". # وروي في حديث مرسل عن أسد بن عمرو والد أسد بن موسى بن أسد وفيه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لم يبق معه إلا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة ~~والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة عامر بن الجراح ~~وسعيد بن زيد وبلال وعبد الله بن ms8515 مسعود في إحدى الروايتين وفي الرواية ~~الأخرى عمار بن ياسر قال القرطبي ولم يذكر جابرا وذكر مسلم أنه كان فيهم ~~والدارقطني أيضا فيكونون ثلاثة عشر وإن كان عبد الله بن مسعود بينهم فهم ~~أربعة عشر. # وروى البغوي قال: # " وكان ذلك قبل أن يسلم دحية، قال: فخرج الناس إليه، ولم يبق في المسجد ~~إلا اثنا عشر رجلا وامرأة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لو قام ~~هؤلاء لقد سومت لهم الحجارة من السماء " " # فأنزل الله هذه الآية. # فصل # وذكر أبو داود في مراسيله: السبب الذي ترخصوا لأنفسهم في ترك سماع ~~الخطبة، وقد كانوا خليقا بفضلهم ألا يفعلوا، فقال: حدثنا محمود بن ~~خالد، قال: حدثنا الوليد، قال: أخبرني أبو معاذ بكير بن معروف أنه سمع ~~مقاتل بن حيان قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب وقد صلى ~~الجمعة، فدخل رجل فقال: إن دحية بن خليفة قدم بتجارته، وكان دحية إذا قدم ~~تلقاه أهله بالدفوف، فخرج الناس فلم يظنوا إلا أنه ليس في ترك الخطبة ~~شيء، فأنزل الله - عز وجل - { وإذا رأوا تجارة أو لهوا ~~انفضوا إليها وتركوك قآئما } فقدم النبي صلى الله عليه ~~وسلم الخطبة يوم الجمعة وأخر الصلاة فكان لا يخرج أحد لرعاف أو إحداث بعد ~~النهي حتى يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم يشير إليه بأصبعه التي تلي ~~الإبهام، فيأذن له النبي صلى الله عيله وسلم ثم يشير إليه بيده، فكان في ~~المنافقين من يثقل عليه الخطبة والجلوس في المسجد، فكان إذا استأذن رجل ~~من المسلمين قام المنافق في جنبه مستترا به حتى يخرج، فأنزل الله تعالى: # قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا # [النور: 63] الآية. # قال السهيلي: وهذا الخبر وإن لم ينقل من وجه ثابت فالظن الجميل بأصحاب ~~النبي صلى الله عيله وسلم يوجب أن يكون صحيحا. والله أعلم. # وقال قتادة: وقد بلغنا أنهم فعلوه ثلاث مرات، كل مرة عير تقدم من " ~~الشام " وكل ذلك يوافق يوم الجمعة. # وقيل: إن خروجهم لقدوم دحية الكلبي بتجارة ونظرهم إلى ms8516 العير تمر لهو لا ~~فائدة فيه، إلا أنه كان مما لا إثم فيه لو وقع على ذلك الوجه، ولكنه لما ~~اتصل به الإعراض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والانفضاض عن حضرته غلظ ~~وكبر، ونزل فيه من القرآن وتهجينه باسم اللهو ما نزل. # وكان معه جميع ما يحتاج إليه الناس من بر ودقيق وغيره، فنزل عند أحجار ~~الزيت، وضرب بالطبل [ليؤذن] الناس بقدومه، فخرج الناس إلا اثنا عشر ~~رجلا. # وقيل: أحد عشر رجلا. # وحكى البغوي قال: " فلما رأوه قام خشية أن يسبقوا إليه ". # قال الكلبي: كانوا في خطبة الجمعة فانفضوا إليه وبقي مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثمانية رجال، وحكاه الثعلبي عن ابن عباس. # وذكر الدارقطني من حديث جابر قال: " بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يخطب يوم الجمعة إذ أقبلت عير تحمل الطعام حتى نزلت بالبقيع فالتفتوا ~~إليها، وانفضوا إليها، وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس معه إلا ~~أربعين رجلا أنا فيهم " ، قال: وأنزل الله على النبي صلى الله عليه ~~وسلم: { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ~~وتركوك قآئما }. # قال الدارقطني: لم يقل في هذا الاسناد: " إلا أربعين رجلا " غير ~~علي بن عاصم عن حصين، وخالفه أصحاب حصين، فقالوا: لم يبق مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلا. # واحتج بهذا الحديث من يرى أن الجمعة تنعقد باثني عشر رجلا، وليس فيه ~~بيان أنه أقام بهم الجمعة. وذكر الزمخشري أن النبي - عليه الصلاة والسلام ~~- قال: # " والذي نفسي بيده لو خرجوا جميعا لأضرم الله ~~عليهم الوادي نارا ". # وروي في حديث مرسل عن أسد بن عمرو والد أسد بن موسى بن أسد، وفيه: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق معه إلا أبو بكر، وعمر، وعثمان، ~~وعلي، وطلحة والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة ~~بن الجراح، وسعيد بن زيد، وبلال وعبد الله بن مسعود في إحدى الروايتين، ~~وفي الرواية الأخرى عمار بن ياسر. # قال القرطبي: ms8517 " لم يذكر جابرا. # وذكر مسلم: أنه كان فيهم. # والدارقطني أيضا فيكونون ثلاثة عشر، وإن كان عبد الله بن مسعود فيهم ~~فهم أربعة عشر ". # قوله: { انفضوا إليها }. # أعاد الضمير على التجارة دون اللهو لأنها الأهم في السبب. # قال ابن عطية: " وقال: إليها، ولم يقل: إليهما، تهمما بالأهم، إذ ~~كانت هي سبب اللهو، ولم يكن اللهو سببها، وتأمل أن قدمت التجارة على ~~اللهو في الرؤية؛ لأنها أهم، وأخرت مع التفضيل لتقع النفس أولا على ~~الأبين " انتهى. # وفي قوله: " لم يقل: إليهما " ثم أجاب بما ذكر نظر، لأن العطف " بأو " ~~لا يثنى معه الضمير ولا الخبر ولا الحال، ولا الوصف؛ لأنها لأحد الشيئين، ~~ولذلك تأول الناس: # إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما # [النساء: 135] كما تقدم في موضعه. # وإنما الجواب عنه: أنه وحد الضمير؛ لأن العطف ب " أو " ، وإنما جيء ~~بضمير التجارة دون ضمير اللهو، وإن كان جائزا للأهتمام كما قاله ابن ~~عطية وغيره. # وقال الزمخشري قريبا من ذلك فإنه قال: فإن قلت: كيف قال: إليها، وقد ~~ذكر شيئين؟ فالجواب: تقديره: إذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهوا ~~انفضوا إليه، فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه، وكذلك قراءة من قرأ: ~~انفضوا إليه. انتهى. # فقوله: " قلت: تقديره " إلى آخره، يشعر بأنه كان حق الكلام أن يثنى ~~الضمير ولكنه حذف، وفيه ما تقدم من المانع من ذلك أمر صناعي وهو العطف ب ~~" أو ". # وقرأ ابن أبي عبلة: " إليه ". # أعاد الضمير إلى اللهو، وقد نص على جواز ذلك الأخفش سماعا من العرب، ~~نحو: إذا جاءك زيد أو هند فأكرمه، وإن شئت فأكرمها. # وقرأ بعضهم: " إليهما " بالتثنية. # وتخريجها كتخريج: " إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما " ~~كما تقدم تحريره. # والمراد باللهو الطبل. # وقيل: كانت العير إذا قدمت " المدينة " استقبلوها بالتصفيق والصفير. # قوله: " وتركوك ". # جملة حالية من فاعل " انفضوا " و " قد " مقدرة عند بعضهم. # فصل في أن الخطبة فريضة في صلاة الجمعة. # الخطبة فريضة في صلاة الجمعة، ويجب أن يخطب قائما فإن هذه الآية تدل ~~على أن ms8518 القيام شرط، ويخطب متوكئا على قوس أو عصا، لما روى ابن ماجه في ~~سننه # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب في الحرب خطب على قوس، وإذا ~~خطب في الجمعة خطب على عصا ". # وأن يخطب على منبر؛ لأنه أبلغ في إعلام الحاضرين، ويسلم إذا صعد المنبر ~~على الناس. لما روى ابن ماجه عن جابر بن عبد الله: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صعد المنبر سلم ". # ولم ير ذلك مالك. # وهل تشترط الطهارة في الخطبة؟ # فيه قولان مبنيان على أن الجمعة ظهر مقصورة، أو فريضة مستقلة. # فإن قيل: بأنها ظهر مقصورة. # فقيل: الخطبتان عوض عن الركعتين الأخريين، وعلى هذا فيشترط لهما ~~الطهارة. # وإن قيل: بأنها فريضة مستقلة فالخطبتان وعظ وتذكير، وذلك لا يشترط لها ~~طهارة، وأقل ما يجزىء في الخطبة أن يحمد الله - تعالى - ويصلي على نبيه ~~صلى الله عليه وسلم ويوصي بتقوى الله، ويقرأ آية من القرآن، وكذلك في ~~الخطبة الثانية إلا أن الواجب بدلا من قراءة الآية الدعاء في قول أكثر ~~الفقهاء. # وقال أبو حنيفة: لو اقتصر على التحميد، أو التسبيح، أو التكبير أجزأه. # وقال أبو يوسف ومحمد: الواجب ما تناوله اسم الخطبة. # وقال ابن عبد البر: وهذا أصح ما قيل في ذلك. # قال القرطبي: " والسكوت للخطبة واجب على من سمعها وجوب سنة ". # قوله: { ما عند الله خير }. # " ما " موصولة مبتدأ، و " خير " خبرها. # والمعنى: ما عند الله من ثواب صلاتكم خير من لذة لهوكم، وفائدة ~~تجارتكم. # وقيل: ما عندكم من رزقكم الذي قسمه لكم خير مما أصبتموه من لهوكم ~~وتجارتكم. # وقرأ أبو رجاء العطاردي: { قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة ~~للذين آمنوا }. # { والله خير الرازقين }. # أي: خير من رزق وأعطى، فمنه فاطلبوا واستعينوا بطاعته على نيل ما ~~عنده من خيري الدنيا والآخرة. # قال ابن الخطيب: قوله { والله خير الرازقين } من قبيل أحكم ~~الحاكمين وأحسن الخالقين، والمعنى: إن أمكن وجود الرازقين فهو خير ~~الرازقين. # وقيل: لفظ الرازق لا يطلق على غيره ms8519 إلا بطريق المجاز. # فإن قيل: التجارة واللهو من قبيل ما لا يرى غالبا، فكيف يصح ~~قوله: { وإذا رأوا تجارة أو لهوا }؟. # فالجواب: ليس المراد إلا ما يقرب منه اللهو والتجارة، كقوله: # حتى يسمع كلام الله # [التوبة: 6] إذ الكلام غير مسموع. # وروى الثعلبي عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة الجمعة كتب له عشر حسنات بعدد ~~من ذهب إلى الجمعة من مصر من أمصار المسلمين ومن لم ~~يذهب ". ### | [63 - سورة المنافقون] ### || [63.1-6] # قوله تعالى: { إذا جآءك المنافقون }. # " إذا ": شرط، قيل: جوابه " قالوا ". # وقيل: محذوف، و " قالوا ": حال أي إذا جاءوك قائلين كيت وكيت فلا تقبل ~~منهم. # وقيل: الجواب { اتخذوا أيمانهم جنة } ، وهو بعيد، و " ~~قالوا " أيضا: حال. # فصل في تعلق هذه السورة بالتي قبلها # قال ابن الخطيب: وجه تعلق هذه السورة بما قبلها هو أن تلك السورة ~~مشتملة على ذكر بعثة الرسول، وذكر من كان يكذبه قلبا ولسانا فضرب ~~لهم المثل بقوله: # مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها ~~كمثل الحمار يحمل أسفارا # [الجمعة: 5]. # وهذه السورة مشتملة على ذكر من كان يكذب قلبا دون اللسان، ويصدقه ~~لسانا دون القلب. # وأما تعلق الأول بالآخر، فلأن في آخر تلك السورة تنبيه للمؤمنين على ~~تعظيم الرسول - عليه الصلاة والسلام - ورعاية حقه بعد النداء لصلاة ~~الجمعة، وتقديم متابعته على غيره، فإن ترك التعظيم والمتابعة من شيم ~~المنافقين، والمنافقون هم الكاذبون. # فصل في نزول السورة. # روى البخاري عن زيد ابن أرقم، قال: # " كنت مع عمي فسمعت عبد الله بن أبي ابن سلول يقول: { لا ~~تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا } ، ~~وقال: { لئن رجعنآ إلى المدينة ليخرجن الأعز ~~منها الأذل } ، فذكرت ذلك لعمي، فذكر عمي لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن أبي ~~وأصحابه، فحلفوا ما قالوا، فصدقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وكذبني فأصابني هم لم يصبني مثله، فجلست في بيتي، فأنزل الله ~~- عز وجل ms8520 -: { إذا جآءك المنافقون } إلى قوله: { هم ~~الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله ~~حتى ينفضوا } ، وقوله: { ليخرجن الأعز منها ~~الأذل } ، فأرسل إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال " إن ~~الله قد صدقك ". # وروى الترمذي عن زيد بن أرقم، قال: " غزونا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وكان معنا أناس من الأعراب، فكنا نبدر الماء، أي: نقسمه، ~~وكان الأعراب يسبقوننا إلى الماء، فيسبق الأعرابي أصحابه، فيملأ الحوض، ~~ويجعل حوله حجارة، ويجعل النطع عليه حتى يجيء أصحابه، قال: فأتى رجل ~~من الأنصار أعرابيا فأرخى زمام ناقته لتشرب، فأبى أن يدعه، فانتزع ~~حجرا ففاض الماء، فرفع الأعرابي خشبة، فضرب بها رأس الأنصاري ~~فشجه، فأتى عبد الله بن أبي رأس المنافقين فأخبره - وكان من أصحابه - ~~فغضب عبد الله بن أبي، ثم قال: # لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا # [المنافقون: 7] من حوله، يعني: الأعراب، وكانوا يحضرون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عند الطعام، فقال عبد الله: فإذا انفضوا من عند محمد ~~فأتوا محمدا بالطعام فليأكل هو ومن عنده، ثم قال لأصحابه: { لئن ~~رجعنآ إلى المدينة ليخرجن الأعز منها ~~الأذل }. # قال زيد: وأنا ردف عمي، فسمعت عبد الله بن أبي، فأخبرت عمي، فانطلق، ~~فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فحلف وجحد قال: فصدقه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وكذبني، قال: فجاء عمي إلي فقال: ما أردت إلى أن مقتك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وكذبك، والمنافقون. # قال: فوقع علي من جرأتهم ما لم يقع على أحد. # قال: فبينما أسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خفقت برأسي من ~~الهم إذ أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرك في أذني وضحك في ~~وجهي، فما كان يسرني أن لي بها الخلد في الدنيا، ثم إن أبا بكر ~~لحقني فقال: ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟. # قلت: ما قال لي شيئا إلا أنه ms8521 عرك أذني، وضحك في وجهي، فقال: أبشر ثم ~~لحقني عمر، فقلت له مثل قولي لأبي بكر، فلما أصبحنا قرأ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سورة المنافقين ". # قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. # فصل في المنافق # سئل حذيفة بن اليمان عن المنافق، فقال: الذي يصف الإسلام ولا ~~يعمل به. # وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ~~ائتمن خان ". # وروى عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه ~~خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ~~ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا ~~خاصم فجر ". # وروي عن الحسن أنه ذكر له هذا الحديث، فقال: إن بني يعقوب حدثوا ~~فكذبوا، ووعدوا فأخلفوا وائتمنوا فخانوا. إنما هذا القول من النبي صلى ~~الله عليه وسلم على سبيل الإنذار للمسلمين، والتحذير لهم أن يعتادوا هذه ~~الخصال شفقا أن تفضي بهم إلى النفاق. # وليس المعنى: أن من بدرت منه هذه الخصال من غير اختيار واعتياد أنه ~~منافق وقال - عليه الصلاة والسلام - # " المؤمن إذا حدث صدق، وإذا وعد نجز، وإذا ائتمن ~~وفى ". # والمعنى: أن المؤمن الكامل إذا حدث صدق. # قوله: " نشهد ". # يجري مجرى القسم كفعل العلم واليقين، ولذلك تلقي بما يتلقى به القسم في ~~قوله: { إنك لرسول الله }. # وفي قوله: [الكامل] # 4770 - ولقد علمت لتأتين منيتي # إن المنايا لا تطيش سهامها # وقد تقدم [الخلاف] في الصدق والكذب، واستدلالهم بهذه الآية، والجواب ~~عنها في أول البقرة. # وقال القرطبي هنا: معنى " نشهد " نحلف، فعبر عن الحلف بالشهادة؛ ~~لأن كل واحد من الحلف والشهادة إثبات لأمر مغيب، ومنه قول قيس بن ~~ذريح: [الطويل] # 4771 - وأشهد عند الله أني أحبها # فهذا لها عندي، فما عندها ليا؟ # ونظيره قول الملاعن: أشهد بالله. # قال الزمخشري: " والشهادة تجري مجرى الحلف في التوكيد. يقول الرجل: ~~أشهد، وأشهد بالله، وأعزم، وأعزم بالله ms8522 في موضع " أقسم وأولي " ، ~~وبه استشهد أبو حنيفة على أن " أشهد " يمين ". # ويحتمل أن يكون ذلك محمولا على ظاهره أنهم يشهدون أن محمدا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم اعترافا بالإيمان ونفيا للنفاق عن أنفسهم وهو ~~الأشبه. # قوله: { والله يعلم }. # جملة معترضة بين قوله: { نشهد إنك لرسول الله } وبين ~~قوله: { والله يشهد } [لفائدة. # قال الزمخشري: " ولو قال: " قالوا: نشهد إنك لرسول الله، والله يشهد ~~إنهم لكاذبون " لكان يوهم أن قولهم هذا كذب، فوسط بينهما قوله: " ~~والله يعلم إنك لرسوله " ليميط هذا الإبهام ". # قال القرطبي: { والله يعلم إنك لرسوله } كما قالوه بألسنتهم]، { ~~والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } بضمائرهم، ~~فالتكذيب راجع إلى الضمائر وهذا يدل على أن الإيمان تصديق القلب، ~~وعلى أن الكلام الحقيقي كلام القلب، ومن قال شيئا واعتقد خلافه فهو ~~كاذب، وقيل: أكذبهم الله في أيمانهم، وهو قوله: # ويحلفون بالله إنهم لمنكم # [التوبة: 56]. # قال ابن الخطيب: فإن قيل: لو قالوا: نعلم إنك لرسول الله مكان قولهم: ~~نشهد إنك لرسول الله، تفيد ما أفاد قولهم: نشهد؟. # فالجواب: لا؛ لأن قولهم: { نشهد إنك لرسول الله } صريح ~~في الشهادة على إثبات الرسالة، وقولهم: نعلم ليس بصريح في ذلك. # قوله: { اتخذوا أيمانهم جنة }. # قد تقدم الكلام أنه يجوز أن يكون جوابا للشرط. # ويجوز أن يكون مستأنفا جيء به لبيان كذبهم وحلفهم عليه، أي أن الحامل ~~لهم على الأيمان اتقاؤهم بها عن أنفسهم. # والعامة: على فتح الهمزة، جمع يمين. # والحسن: بكسرها مصدرا. # وتقدم مثله في " المجادلة " ، والجنة: الترس ونحوه، وكل ما يقيك ~~سوءا. ومن كلام الفصحاء: [جبة البرد] جنة البرد. # قال أعشى همدان الشاعر: [الطويل] # 4772 - إذا أنت لم تجعل لعرضك جنة # من المال سار الذم كل مسير # فصل # قال القرطبي وغيره: اتخذوا أيمانهم جنة، أي: سترة، وليس يرجع ~~إلى قوله: { نشهد إنك لرسول الله } وإنما يرجع إلى سبب ~~الآية التي نزلت عليه حسب ما ذكره البخاري والترمذي عن أبي أنه حلف ما ~~قال، وقد قال، وقال الضحاك: يعني: حلفهم بالله " إنهم لمنكم ". # وقيل: يعني ms8523 بأيمانهم ما أخبر الرب عنهم في سورة " براءة " في قوله: # يحلفون بالله ما قالوا # [التوبة: 74]. # فصل في نص اليمين # قال القرطبي: " من قال: أقسم بالله، وأشهد بالله، أو أعزم بالله، أو ~~أحلف بالله، أو أقسمت بالله، أو شهدت، أو عزمت، أو حلفت، وقال في ذلك ~~كله: " بالله " فلا خلاف أنها يمين، وكذلك عند مالك وأصحابه أن من قال: ~~أقسم، أو أشهد، أو أعزم، أو أحلف، ولم يقل " بالله " إذا أراد " بالله " ~~، وإن لم يرد " بالله " فليس بيمين ". # وقال أبو حنيفة وأصحابه: لو قال: أشهد بالله لقد كان كذا كان يمينا، ~~ولو قال: أشهد لقد كان كذا - دون النية - كان يمينا لهذه الآية؛ لأن ~~الله تعالى ذكر منهم الشهادة ثم قال: { اتخذوا أيمانهم ~~جنة }. # وعند الشافعي: لا يكون ذلك يمينا وإن نوى اليمين؛ لأن قوله تعالى: { ~~اتخذوا أيمانهم جنة } ليس يرجع إلى قوله: " قالوا: ~~نشهد " ، وإنما يرجع إلى ما في براءة من قوله تعالى: { يحلفون ~~بالله ما قالوا }. # قوله: { فصدوا عن سبيل الله }. # أي: أعرضوا، وهو من الصدود، أو صرفوا المؤمنين عن إقامة حدود الله ~~عليهم من القتل، والسبي، وأخذ الأموال، فهو من الصد، أو منعوا ~~الناس عن الجهاد بأن يتخلفوا أو يقتدي بهم غيرهم. # وقيل: فصدوا اليهود والمشركين عن الدخول في الإسلام بأن يقولوا: ها ~~نحن كافرون بهم، ولو كان ما جاء به محمد حقا لعرف هذا منا، ولجعلنا ~~نكالا، فبين الله أن حالهم لا يخفى عليه، ولكن حكمه أن من أشهر ~~[الإيمان] أجري عليه في الظاهر حكم الإيمان. # قوله: { إنهم سآء ما كانوا يعملون }. # أي: سيئت أعمالهم الخبيثة في نفاقهم، وأيمانهم الكاذبة، وصدهم عن ~~سبيل الله. و " ساء " يجوز أن تكون الجارية مجرى " بئس " ، وأن تكون ~~على بابها، والأول أظهر وقد تقدم حكم كل منهما. # فإن قيل: إنه تعالى ذكر أفعال الكفرة من قبل، ولم يقل: إنهم ساء ما ~~كانوا يعملون؟. # قال ابن الخطيب: والجواب أن أفعالهم مقرونة بالأيمان الكاذبة التي ~~جعلوها جنة أي: سترة لأموالهم ودمائهم عن أن ms8524 يستبيحها المسلمون. # قوله: { ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا }. # هذا إعلام من الله بأن المنافقين كفار، إذ أقروا باللسان ثم كفروا ~~بالقلب. # وقيل: نزلت الآية في قوم آمنوا ثم ارتدوا { فطبع على قلوبهم ~~} أي ختم عليها بالكفر { فهم لا يفقهون } الإيمان ولا الخير. # وقرأ العامة: " فطبع " مبنيا للمفعول، والقائم مقام الفاعل ~~الجار بعده. # وزيد بن علي: " فطبع " مبنيا للفاعل. # وفي الفاعل وجهان: # أحدهما: أنه ضمير عائد على الله تعالى، ويدل عليه قراءة الأعمش، ~~وقراءته في رواية عنه: " فطبع الله " مصرحا بالجلالة الكريمة. # وكذلك نقله القرطبي عن زيد بن علي. # فإن قيل: إذا كان الطبع بفعل الله - تعالى - كان ذلك حجة لهم على ~~الله تعالى فيقولون: إعراضنا عن الحق لغفلتنا بسبب أنه - تعالى - طبع على ~~قلوبنا؟. # فأجاب ابن الخطيب: بأن هذا الطبع من الله - تعالى - لسوء أفعالهم، ~~وقصدهم الإعراض عن الحق فكأنه تعالى تركهم في أنفسهم الجاهلة وغوايتهم ~~الباطلة. # والثاني: أن الفاعل ضمير يعود على المصدر المفهوم مما قبله، أي: فطبع ~~هو أي بلعبهم بالدين. # قوله: { وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم }. # أي: هيئاتهم، ومناظرهم، { وإن يقولوا تسمع لقولهم } ~~يعني: عبد الله بن أبي وقال ابن عباس: كان عبد الله بن أبي وسيما جسيما ~~صحيحا صبيحا ذلق اللسان، فإذا قال، سمع النبي صلى الله عليه وسلم ~~مقالته، وصفه الله بتمام الصورة وحسن الإبانة. # وقال الكلبي: المراد ابن أبي وجد بن قيس ومعتب بن قشير، كانت لهم ~~أجسام ومنظر وفصاحة. # وفي صحيح مسلم: وقوله: { كأنهم خشب مسندة }. كانوا ~~رجالا [أجمل] شيء كأنهم خشب مسندة شبههم بخشب مسندة إلى الحائط لا ~~يسمعون ولا يعقلون أشباح بلا أرواح، وأجسام بلا أحلام. # وقيل: شبههم بالخشب التي قد تآكلت فهي مسندة بغيرها لا يعلم ما في ~~بطنها. # قال الزمخشري: شبهوا في استنادهم بالخشب المسندة إلى حائط؛ لأنهم أجرام ~~خالية عن الإيمان والخير بالخشب المسندة إلى الحائط، لأن الخشب إذا ~~انتفع به كان في سقف أو جدار، أو غيرهما من مظان الانتفاع، وما دام ~~متروكا فارغا غير منتفع به فأسند ms8525 إلى الحائط، فشبهوا به في عدم ~~الانتفاع، ويجوز أن يراد بها الأصنام المنحوتة من الخشب المسندة إلى ~~الحيطان. # فصل في قراءة خشب # قرأ قنبل وأبو عمرو والكسائي: " خشب " بإسكان الشين. وهي قراءة ~~البراء بن عازب، واختيار عبيد. # لأن واحدتها خشبة كما تقول: بدنة وبدن. قاله الزمخشري. # وقال أبو البقاء: و " خشب " - بالإسكان والضم - جمع خشب، مثل: أسد ~~وأسد. # قال القرطبي: وليس في اللغة: " فعلة " يجمع على " فعل " ، ويلزم من ~~ثقلها أن تقول: " البدن " فتقرأ: " والبدن " ، وذكر اليزيدي أنه جمع ~~الخشباء، كقوله تعالى: # وحدآئق غلبا # [عبس: 30] واحدتها: حديقة غلباء. # وقرأ الباقون من السبعة: بضمتين. # وقرأ سعيد بن جبير، وابن المسيب: بفتحتين. # ونسبها الزمخشري لابن عباس، ولم يذكر غيره. # فأما القراءة - بضمتين - فقيل: يجوز أن تكون جمع خشبة، نحو: ثمرة ~~وثمر. قاله الزمخشري. # وفيه نظر؛ لأن هذه الصيغة محفوظة في " فعلة " لا ينقاس نحو: ثمرة ~~وثمر. # ونقل الفارسي عن الزبيدي: " أنه جمع: خشباء، وأخشبة " غلط عليه؛ ~~لأنه قد يكون قال: " خشب " - بالسكون - جمع " خشباء " نحو: " ~~حمراء وحمر " لأن " فعلاء " الصفة لا تجمع على " فعل " بضمتين، ~~بل بضمة وسكون. # وقوله: الزبيدي، تصحيف، إما منه، وإما من الناسخ، إنما هو اليزيدي تلميذ ~~أبي عمرو بن العلاء، ونقل ذلك الزمخشري. # وأما القراءة بضمة وسكون. # فقيل: هي تخفيف الأولى. # وقيل: هي جمع خشباء، كما تقدم. # وهي الخشبة التي نخر جوفها، أي: فرغ، شبهوا بها لفراغ بواطنهم مما ~~ينتفع به. # وأما القراءة - بفتحتين - فهو اسم جنس، وأنثت صفته، كقوله: # نخل خاوية # [الحاقة: 7] وهو أحد الجائزين. # وقول: " مسندة ". # تنبيه على أنه لا ينتفع بها كما ينتفع بالخشب في سقف وغيره، أو شبهوا ~~بالأصنام؛ لأنهم كانوا يسندونها إلى الحيطان شبهوا بها في حسن صورهم وقلة ~~جدواهم. # وقيل: شبهوا بالخشب المسندة إلى الحائط، لأن الخشبة المسندة ~~إلى الحائط أحد طرفيها إلى جهة، والآخر إلى جهة أخرى. # والمنافق كذلك لأن أحد طرفيه وهو الباطن إلى جهة أهل الكفر، والطرف ~~الآخر وهو الظاهر إلى جهة أهل الإسلام. # ونقل القرطبي عن سيبويه أنه ms8526 يقال: " خشبة وخشاب وخشب " مثل: ~~ثمرة وثمار وثمر، والإسناد: الإمالة، تقول: أسندت الشيء أي: ~~أملته، و " مسندة " للتكثير، أي: استندوا إلى الإيمان لحقن دمائهم. # قوله: { يحسبون كل صيحة عليهم }. # فيه وجهان: # أظهرهما: أن " عليهم " هو المفعول الثاني للحسبان، أي واقعة وكائنة ~~عليهم ويكون قوله: { هم العدو } جملة مستأنفة، أخبر الله عنهم ~~بذلك. # والثاني: أن يكون " عليهم " متعلقا ب " صيحة " و " هم العدو " ~~جملة في موضع المفعول الثاني للحسبان. # قال الزمخشري: " ويجوز أن يكون " هم العدو " هو المفعول الثاني ~~كما لو طرحت الضمير. # فإن قلت: فحقه أن يقال: هي العدو، قلت: منظور فيه إلى الخبر كما في ~~قوله: # هذا ربي # [الأنعام: 77]، وأن يقدر مضاف محذوف أي: يحسبون كل أهل صيحة " ~~انتهى. # وفي الثاني بعد بعيد. # فصل # وصفهم الله تعالى بالجبن والخور. # قال مقاتل والسدي: إذا نادى مناد في العسكر أن أنفلتت دابة، أو أنشدت ~~ضالة ظنوا أنهم هم المرادون، لما في قلوبهم من الرعب. # كما قال الأخطل: [الكامل] # 4773 - ما زلت تحسب كل شيء بعدهم # خيلا تكر عليهم ورجالا # وقيل: { يحسبون كل صيحة } ، أنهم قد فطن بهم وعلم بنفاقهم؛ ~~لأن للريبة خوفا، استأنف الله خطاب نبيه - عليه الصلاة والسلام - فقال: ~~" هم العدو " وهذا معنى قول الضحاك. # وقيل: يحسبون كل صيحة يسمعونها في المسجد أنها عليهم، وأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر فيها بقتلهم، فهم أبدا وجلون من أن ~~ينزل الله فيهم أمرا يبيح به دماءهم، ويهتك به أستارهم، ثم وصفهم ~~الله بقوله { هم العدو فاحذرهم } حكاه عبد الرحمن بن أبي ~~حاتم. # قوله: { فاحذرهم }. فيه وجهان: # أحدهما: فاحذر أن تثق بقولهم، أو تميل إلى كلامهم. # الثاني: فاحذر ممايلتهم لأعدائك، وتخذيلهم لأصحابك. # { قاتلهم الله }. # قال ابن عباس: أي: لعنهم الله. # قال أبو مالك: هي كلمة ذم وتوبيخ. # وقد تقول العرب: قاتله الله ما أشعره، فيضعونه موضع التعجب. # وقيل: معنى { قاتلهم الله } أي: أحلهم محل من قاتله عدو ~~قاهر، لأن الله تعالى قاهر لكل معاند. حكاه ابن عيسى. # قوله: { أنى يؤفكون }. # " أنى ms8527 " بمعنى: كيف. # قال ابن عطية: ويحتمل أن يكون " أنى " ظرفا ل " قاتلهم " ، كأنه قال: ~~قاتلهم الله كيف انصرفوا، أو صرفوا، فلا يكون في القول استفهام على هذا. ~~انتهى. # قال شهاب الدين: وهذا لا يجوز؛ لأن " أنى " إنما تستعمل بمعنى " كيف " ~~، أو بمعنى " أين " الشرطية أو الاستفهامية، وعلى التقادير الثلاثة فلا ~~تتمحض للظرف، فلا يعمل فيها ما قبلها ألبتة كما لا يعمل في أسماء ~~الشرط والاستفهام. # فصل # قال ابن عباس: " أنى يؤفكون " أي: يكذبون. # وقال قتادة: أي يعدلون عن الحق. # وقال الحسن: يصرفون عن الرشد. # وقيل: معناه كيف تضل عقولهم على هذا مع وضوح الدلائل، وهو من الإفك. # قوله: " أنى " بمعنى: " كيف " ، وقد تقدم. # قوله: { وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول ~~الله لووا رءوسهم }. # هذه المسألة عدها النحاة من الإعمال، وذلك أن " تعالوا " يطلب " رسول ~~الله " مجرورا ب " إلى " أي: تعالوا إلى رسول الله. # و " يستغفر " يطلبه فاعلا، فأعمل الثاني، ولذلك رفعه، وحذف من ~~الأول، إذ التقدير: تعالوا إليه. ولو أعمل الأول لقيل: تعالوا إلى ~~رسول الله يستغفر، فيضمر في " يستغفر " فاعل. # ويمكن أن يقال: ليست هذه من الإعمال في شيء؛ لأن قوله " تعالوا " أمر ~~بالإقبال من حيث هو، لا بالنظر إلى مقبل عليه. # قوله: { لووا رءوسهم } هذا جواب " إذا ". # وقرأ نافع: " لووا " مخففا، والباقون مشددا على التكثير. # و " يصدون " حال؛ لأن الرؤية بصرية، وكذا قوله: " وهم ~~يستكبرون " حال أيضا، إما من أصحاب الحال الأولى، وإما من فاعل " ~~يصدون " فتكون متداخلة. # وأتي ب " يصدون " مضارعا دلالة على التجدد والاستمرار. # وقرىء: " يصدون " بالكسر. # وقد تقدمتا في " الزخرف ". # فصل في نزول الآية # لما نزل القرآن بصفتهم مشى إليهم عشائرهم وقالوا: افتضحتم بالنفاق ~~فتوبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النفاق، واطلبوا أن يستغفر ~~لكم، فلوو رءوسهم أي: حركوها استهزاء وإباء. # قاله ابن عباس. # وعنه أنه كان لعبد الله موقف في كل سبب يحض على طاعة الله، وطاعة ~~رسوله، فقيل له: وما ينفعك ذلك ورسول الله صلى الله عيله وسلم عليك ms8528 ~~غضبان، فأته يستغفر لك فأبى، وقال: لا أذهب إليه. # قال المفسرون: # " وسبب نزول هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم غزا بني المصطلق على ~~ماء يقال له: " المريسيع " من ناحية " قديد " إلى الساحل فازدهم ~~أجير لعمر يقال له: " جهجاه بن سعيد الغفاري " يقود له فرسه بحليف لعبد ~~الله بن أبي، يقال له: " سنان بن وبرة الجهني " حليف بني عوف ~~من الخزرج على ماء " بالمشلل " فصرخ جهجاه بالمهاجرين، وصرخ سنان ~~بالأنصار فلطم جهجاه سنانا وأعان عليه جهجاه فأعان جهجاه رجل من ~~المهاجرين يقال له: حقال، وكان فقيرا، فقال عبد الله بن أبي: أوقد ~~فعلوها؟ والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال الأول: " سمن ~~كلبك يأكلك " أما - والله - لئن رجعنا إلى " المدينة " ~~ليخرجن الأعز منها الأذل، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ثم قال ~~لقومه: كفوا طعامكم عن هذا الرجل، لا تنفقوا على من عنده حتى ينفضوا ~~ويتركوه، فقال زيد بن أرقم - وهو من رهط عبد الله - أنت - والله - ~~الذليل المنتقص في قومك، ومحمد صلى الله عليه وسلم في عز من الرحمن، ~~ومودة من المسلمين، والله لا أحبك بعد كلامك هذا أبدا، فقال عبد الله: ~~اسكت إنما كنت ألعب، فأخبر زيد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله، فأقسم ~~بالله ما فعل ولا قال، قال: فعذره النبي صلى الله عليه وسلم قال زيد بن ~~أرقم: فوجدت في نفسي ولامني الناس، فنزلت سورة المنافقين في تصديق زيد ~~وتكذيب عبد الله، فقيل لعبد الله: قد نزلت فيك آيات شديدة، فاذهب إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستغفر لك، فألوى رأسه " # فنزلت الآيات. خرجه البخاري والترمذي بمعناه. # وقيل: معنى قوله: { يستغفر لكم } يستتبكم من النفاق، لأن ~~التوبة استغفار { ورأيتهم يصدون } أي يعرضون عن الرسول { ~~وهم مستكبرون } أي متكبرون عن الإيمان. # قيل: قال ابن أبي لما لوى رأسه: أمرتموني أن أومن فقد آمنت، وأن أعطي ~~الزكاة من مالي فقد أعطيت، فما بقي إلا أن أسجد لمحمد. # قوله: { سوآء عليهم أستغفرت لهم }. # قرأ العامة: " أستغفرت " بهمزة ms8529 مفتوحة من غير مد، وهي همزة ~~التسوية التي أصلها الاستفهام. # وقرأ يزيد بن القعقاع: " آستغفرت " بهمزة ثم ألف. # فاختلف الناس في تأويلها: # فقال الزمخشري: إشباعا لهمزة الاستفهام للإظهار والبيان لا قلبا ~~لهمزة الوصل كما في { آلسحر } [يونس: 81] و { آلله } [يونس: 59]. # يعني إنما أشبع همزة التسوية فتولد منها ألف. # وقصده بذلك إظهار الهمزة وبيانها، إلا أنه قلب الوصل ألفا كما قلبها في ~~قوله: { آلسحر، آلله أذن لكم } لأن هذه الهمزة للوصل، فهي تسقط في ~~الدرج، وأيضا فهي مكسورة فلا يلتبس معها الاستفهام بالخبر بخلاف " ~~آلسحر " ، { آلله أذن لكم }. # وقال آخرون: هي عوض عن همزة الوصل، كما في # ءآلذكرين # [الأنعام: 143]. # وهذا ليس بشيء؛ لأن هذه مكسورة فكيف تبدل ألفا. # وأيضا فإنما قلبناها هناك ألفا ولم نحذفها وإن كان حذفها مستحقا لئلا ~~يلتبس الاستفهام بالخبر، وهنا لا لبس. # وقال ابن عطية: وقرأ أبو جعفر يعني يزيد بن القعقاع: " آستغفرت " ~~بمدة على الهمزة وهي ألف التسوية. وقرأ أيضا: بوصل الألف دون همزة ~~على الخبر، وفي هذا كله ضعف، لأنه في الأولى أثبت همزة الوصل وقد أغنت ~~عنها همزة الاستفهام، وفي الثانية حذف همزة الاستفهام، وهو يريدها، وهذا ~~مما لا يستعمل إلا في الشعر. # قال شهاب الدين: أما قراءته " استغفرت " بوصل الهمزة فرويت أيضا عن أبي ~~عمرو، إلا أنه يضم ميم " عليهم " عند وصله الهمزة لأن أصلها الضم، ~~وأبو عمرو يكسرها على أصل التقاء الساكنين. # وأما قوله: وهذا مما لا يستعمل إلا في الشعر، فإن أراد بهذا مد هذه ~~الهمزة في هذا المكان فصحيح، بل لا تجده أيضا، وإن أراد حذف همزة ~~الاستفهام، فليس بصحيح؛ لأنه يجوز حذفها إجماعا قبل " أم " نثرا ~~ونظما، فأما دون " أم " ففيه خلاف: # والأخفش رحمه الله يجوزه، ويجعل منه # وتلك نعمة # [الشعراء: 22]. # وقول الآخر: [الطويل] # 4774 - [طربت وما شوقا إلى البيض أطرب # ولا لعبا مني وذو الشيب يلعب] # وقول الآخر: [المنسرح] # 4775 - أفرح أن أرزأ الكرام وأن # أورث ذودا شصائصا نبلا # وأما قبل " أم " فكثير، كقوله: [الطويل] # 4776 - لعمرك ما ms8530 أدري وإن كنت داريا # بسبع رمين الجمر أم بثمان # وقد تقدمت هذه المسألة مستوفاة. # فصل في نزول هذه الآية. # قال قتادة: # " هذه الآية نزلت بعد قوله: { استغفر لهم أو لا تستغفر ~~لهم } ، وذلك أنها لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~أخبرني رب فلأزيدنهم على السبعين " ، فأنزل الله تعالى: { فلن يغفر ~~الله لهم } [التوبة: 80] الآية ". # قال ابن عباس رضي الله عنهما: المراد بالفاسقين المنافقون. # فصل في تفسير الآية # معنى قوله: { سوآء عليهم أستغفرت لهم أم لم ~~تستغفر لهم }. # أي: كل ذلك سواء لا ينفع استغفارك شيئا؛ لأن الله تعالى لا يغفر لهم، ~~نظيره: # سوآء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا ~~يؤمنون # [البقرة: 6]، # سوآء علينآ أوعظت أم لم تكن من الواعظين # [الشعراء: 136]، { إن الله لا يهدي القوم الفسقين ~~}. # قال ابن الخطيب: قال قوم: فيه بيان أن الله - تعالى - يملك هداية وراء ~~هداية البيان، وهي خلق فعل الاهتداء فيمن علم منه ذلك. # وقيل: معناه لا يهديهم لفسقهم، وقالت المعتزلة: لا يسميهم المهتدين ~~إذا فسقوا وضلوا. # فإن قيل: لم ذكر الفاسقين ولم يقل: الكافرين أو المنافقين أو المستكبرين ~~مع أن كلا منهم تقدم ذكره؟. # فالجواب: أن كل واحد منهم دخل تحت الفاسقين. ### || [63.7-8] # قوله: { هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند ~~رسول الله حتى ينفضوا }. # قد تقدم سبب النزول، وأن ابن أبي قال: لا تنفقوا على من عند محمد " حتى ~~ينفضوا " أي يتفرقوا عنه، فأعلمهم الله سبحانه وتعالى أن خزائن السماوات ~~والأرض له ينفق كيف يشاء. # قال رجل لحاتم الأصم: من أين تأكل؟ فقال: { ولله خزآئن ~~السماوات والأرض }. # وقال الحسن: " خزائن السماوات " الغيوب، وخزائن الأرض القلوب، فهو ~~علام الغيوب ومقلب القلوب. # قوله: { ينفضوا }. # قرأ العامة: " ينفضوا " من الانفضاض وهو التفرق. # وقرأ الفضل بن عيسى الرقاشي: " ينفضوا " من أنفض القوم، فني زادهم. # ويقال: نفض الرجل وعاءه من الزاد فانفض. # فيتعدى دون الهمزة ولا يتعدى معها، فهو من باب " كببته فانكب ". # قال الزمخشري: وحقيقته جاز لهم أن ينفضوا مزاودهم. # ثم قال تعالى: ms8531 { ولكن المنافقين لا يفقهون } أنه إذا ~~أراد أمرا يسره. # قوله: { يقولون لئن رجعنآ إلى المدينة ليخرجن ~~الأعز منها الأذل }. # القائل ابن أبي، كما تقدم. # وقيل: إنه لما قال: { ليخرجن الأعز منها الأذل } ورجع ~~إلى المدينة لم يلبث إلا أياما يسيرة حتى مات، فاستغفر له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وألبسه قميصه، فنزل قوله: { لن يغفر الله لهم ~~}. # وروي أن عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول قال لأبيه: والله الذي ~~لا إله إلا هو لا تدخل المدينة حتى تقول: إن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هو الأعز وأنا الأذل، فقاله. # توهموا أن العزة لكثرة الأموال والأتباع فبين الله - تعالى - ~~أن العزة والمنعة والقوة لله. # قوله: { ليخرجن الأعز منها الأذل }. # قرأ العامة: بضم الياء وكسر الراء مسندا إلى " الأعز " و " الأذل ~~" مفعول به، والأعز بعض المنافقين على زعمه. # وقرأ الحسن وابن أبي عبلة والمسيبي: " لنخرجن " بنون العظمة، ~~وبنصب " الأعز " على المفعول به، ونصب " الأذل " على الحال. # وبه استشهد من جوز تعريفها. # والجمهور جعلوا " أل " مزيدة على حد " أرسلها العراك " و " ادخلوا ~~الأول فالأول ". # وجوز أبو البقاء: أن يكون منصوبا على المفعول، وناصبه حال محذوفة، ~~أي: مشبها الأذل. # وقد خرجه الزمخشري على حذف مضاف، أي: خروج الأول أو إخراج الأول. # يعني بحسب القراءتين من " خرج وأخرج " فعلى هذا ينتصب على المصدر لا على ~~الحال. # ونقل الداني عن الحسن أيضا: " لنخرجن " بفتح نون العظمة وضم ~~الراء، ونصب " الأعز " على الاختصاص كقولهم: " نحن العرب أقرى الناس ~~للضيف " و " الأذل " نصب على الحال أيضا. # قاله أبو حيان. # وفيه نظر، كيف يخبرون عن أنفسهم أنهم يخرجون في حال الذل مع قولهم: " ~~الأعز " أي: " أخص الأعز " ويعنون ب " الأعز " أنفسهم. # وقد حكى هذه القراءة أيضا أبو حاتم. # وحكى الكسائي والفراء: أن قوما قرأوا: " ليخرجن " - بفتح الياء ~~وضم الراء - ورفع " الأعز " فاعلا ونصب " الأذل " حالا. # وهي واضحة. # وقرىء: " ليخرجن " - بضم الياء - مبنيا للمفعول، " الأعز " قائم ~~مقام الفاعل " الأذل " حال أيضا. # فصل في ختم الآية ms8532 ب " لا يفقهون " # قال ابن الخطيب: فإن قيل: ما الحكمة في أنه تعالى ختم الآية الأولى ~~بقوله: " لا يفقهون " وختم الثانية بقوله: " لا يعلمون "؟. # فالجواب: ليعلم بالأولى قلة كياستهم وفهمهم، وبالثانية حماقتهم وجهلهم، ~~ولا يفقهون من فقه يفقه، كعلم يعلم، أو من فقه يفقه، ~~كعظم يعظم، فالأول لحصول الفقه بالتكلف، والثاني لا ~~بالتكلف، فالأول علاجي، والثاني مزاجي. ### || [63.9-11] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تلهكم ~~أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله }. # حذر المؤمنين أخلاق المنافقين، أي: لا تشتغلوا بأموالكم كما فعل ~~المنافقون إذ قالوا - لأجل الشح بأموالهم -: { لا تنفقوا ~~على من عند رسول الله حتى ينفضوا }. # وقوله: { عن ذكر الله }. # أي: عن الحج والزكاة. # وقيل: عن قراءة القرآن. # وقيل: عن إدامة الذكر. # وقال الضحاك: عن الصلوات الخمس. # وقال الحسن: عن جميع الفرائض، كأنه قال: عن طاعة الله. # وقيل: هذا خطاب للمنافقين، أي: آمنتم بالقول فآمنوا بالقلب، { ومن ~~يفعل ذلك } يشتغل بالمال والولد عن طاعة ربه { فأولئك ~~هم الخاسرون }. # قوله: { وأنفقوا من ما رزقناكم }. # قال ابن عباس: يريد زكاة الأموال. # { من قبل أن يأتي أحدكم الموت }. # قال القرطبي: " هذا يدل على وجوب تعجيل إخراج الزكاة ولا يجوز ~~تأخيرها أصلا وكذلك سائر العبادات إذا دخل وقتها ". # قال ابن الخطيب: وبالجملة فقوله: { لا تلهكم أموالكم ولا ~~أولادكم عن ذكر الله } تنبيه على المحافظة على الذكر قبل ~~الموت. وقوله: { وأنفقوا من ما رزقناكم }: تنبيه على ~~الشكر كذلك. # قوله: { فيقول رب لولا أخرتني }. # أي: هلا أخرتني. # وقيل: " لا " صلة، فيكون الكلام بمعنى التمني. # أي لو أخرتني إلى أجل قريب فنسأل الرجعة إلى الدنيا لنعمل صالحا. # روى الترمذي عن الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس قال: " من كان له ~~مال يبلغه حج بيت ربه أو يجب عليه فيه زكاة فلم ~~يفعل، سأل الرجعة عند الموت، فقال رجل: يا ابن ~~عباس، اتق الله، إنما سأل الرجعة الكفار، فقال: سأتلو ~~عليك بذلك قرآنا { يأيها الذين آمنوا لا تلهكم ~~أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله } إلى قوله { ~~والله خبير ms8533 بما تعملون } قال: فما يوجب الزكاة؟ قال: ~~إذا بلغ المال مائتين فصاعدا، قال: فما يوجب الحج؟ قال: الزاد ~~والراحلة ". # قال القرطبي: ذكره الحليمي في كتاب " منهاج الدين " مرفوعا، فقال: ~~وقال ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من كان عنده مال يبلغه الحج " # الحديث. # قال ابن العربي: " أخذ ابن عباس بعموم الآية في إنفاق الواجب خاصة ~~دون النفل، فأما تفسيره بالزكاة فصحيح كله عموما وتقديرا ~~بالمائتين. # وأما القول بالحج ففيه إشكال؛ لأننا إن قلنا: الحج على التراخي ففي ~~المعصية بالموت قبل الحج خلاف بين العلماء، فلا تخرج الآية عليه. # وإن قلنا: الحج على الفور فالعموم في الآية صحيح لأن من وجب عليه ~~الحج فلم يؤده لقي من الله ما يود لو أنه رجع ليأتي بما ترك من ~~العبادات. # وأما تقدير الأمر بالزاد والراحلة ففي ذلك خلاف مشهور بين العلماء، وليس ~~لكلام ابن عباس فيه مدخل، لأجل أن الرجعة والوعيد لا يدخل في المسائل ~~المجتهد فيها ولا المختلف عليها، وإنما تدخل في المتفق عليه. # والصحيح تناوله للواجب من الإنفاق بالإجماع أو بنص القرآن؛ لأن ما عدا ~~ذلك لا يتحقق فيه الوعيد ". # قوله: { فأصدق }. # نصب على جواب [التمني] في قوله: { لولا أخرتني }. # وقرأ أبي وعبد الله وابن جبير: " فأتصدق " ، وهي أصل قراءة العامة ~~ولكن أدغمت الفاء في الصاد. # قوله: " وأكن ". # قرأ أبو عمرو: " وأكون " بنصب الفعل عطفا على " فأصدق ". # والباقون: " وأكن " مجزوما، وحذفت الواو لالتقاء الساكنين. # واختلف عبارات الناس في ذلك. # فقال الزمخشري: " عطفا على محل " فأصدق " كأنه قيل: إن ~~أخرتني أصدق وأكن ". # وقال ابن عطية: " عطفا على الموضع: لأن التقدير: إن أخرتني أصدق ~~وأكن، وهذا مذهب أبي علي الفارسي ". # وقال القرطبي: " عطلف على موضع الفاء، لأن قوله: " فأصدق " لو لم تكن ~~الفاء لكان مجزوما، أي " أصدق " ، ومثله: # من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم # [الأعراف: 186] فيمن جزم. # فأما ما حكاه سيبويه عن الخليل فهو غير هذا، وهو أنه جزم على توهم ~~الشرط الذي يدل عليه التمني، ولا موضع له ms8534 هنا لأن الشرط ليس بظاهر، ~~وإنما يعطف على الموضع بحيث يظهر الشرط، كقوله: # من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في ~~طغيانهم يعمهون # [الأعراف: 186] فمن جزم عطفه على موضع { فلا هادي له }؛ لأنه لو وقع ~~موقعه فعل لانجزم " انتهى. # وهذا الذي نقله سيبويه هو المشهور عند النحويين. # ونظر ذلك سيبويه بقول زهير رحم الله المؤمنين: [الطويل] # 4777 - بدا لي أني لست مدرك ما مضى # ولا سابق شيئا إذا كان جائيا # فخفض " ولا سابق " عطفا على " مدرك " الذي هو خبر " ليس " على توهم ~~زيادة الباء فيه قد كثر جر خبرها بالباء المزيدة، وهو عكس الآية ~~الكريمة؛ لأنه في الآية جزم على توهم سقوط الفاء، وهنا خفض على ~~توهم وجود الباء، ولكن الجامع توهم ما يقتضي جواز ذلك. # قال شهاب الدين: " ولكني لا أحب هذا اللفظ مستعملا في القرآن الكريم، ~~فلا يقال: جزم على التوهم لقبحه لفظا ". # وقال أبو عبيد: رأيت في مصحف عثمان " أكن " بغير واو. # وقد فرق أبو حيان بين العطف على الموضع والعطف على التوهم فقال: " ~~الفرق بينهما أن العامل في العطف على الموضع موجود، وأثره مفقود، ~~والعامل في العطف على التوهم مفقود، وأثره موجود ". انتهى. # قال شهاب الدين: " مثال الأول " هذا ضارب زيد وعمرا " فهذا من العطف ~~على الموضع فالعامل وهو " ضارب " موجود، وأثره وهو النصب مفقود، ومثال ~~الثاني ما نحن فيه، فإن العامل للجزم مفقود وأثره موجود، وأصرح منه بيت ~~زهير، فإن الباء مفقودة وأثرها موجود، ولكن أثرها إنما ظهر في ~~المعطوف لا في المعطوف عليه، وكذلك في الآية الكريمة، ومن ذلك أيضا ~~بيت امرىء القيس: [الطويل] # 4778 - فظل طهاة اللحم من بين منضج # صفيف شواء أو قديد معجل # فإنهم جعلوه من العطف على التوهم، وذلك أنه توهم أنه أضاف " منضج " ~~إلى " صفيف " وهو لو أضافه إليه فجره فعطف " قديد " على " ضعيف " بالجر ~~توهما لجره بالإضافة ". # وقرأ عبيد بن عمير: " وأكون " برفع الفعل على الاستئناف، أي: " وأنا ~~أكون " ، وهذا عدة منه بالصلاح. # فصل فيما تدل عليه الآية ms8535 # قال ابن عباس رضي الله عنهما: هذه الآية تدل على أن القوم لم يكونوا من ~~أهل التوحيد؛ لأنه لا يتمنى الرجوع إلى الدنيا أو التأخير فيها أحد له ~~عند الله خير في الآخرة. # قال القرطبي: " إلا الشهيد فإنه يتمنى الرجوع حتى يقتل لما يرى من ~~الكرامة ". # وقال الضحاك: لم ينزل بأحد لم يحج ولم يؤد الزكاة الموت إلا طلب الرجعة ~~وقرأ هذه الآية { ولن يؤخر الله نفسا إذا جآء أجلهآ ~~والله خبير بما تعملون } من خير وشر. # قرأ أبو بكر عن عاصم والسلمي: بالياء من تحت على الخبر على من مات، وقال ~~هذه المقالة. # والباقون: بالخطاب، وهما واضحتان. # روى الثعلبي في تفسيره عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من قرأ سورة المنافقين برىء من النفاق " # والله أعلم. ### | [64 - سورة التغابن] ### || [64.1-4] # قوله تعالى: { يسبح لله ما في السماوات وما في ~~الأرض }. تقدم نظيره. # قال ابن الخطيب: وجه تعلق هذه السورة بما قبلها، هو أن تلك السورة ~~للمنافقين الكاذبين، وهذه السورة للموافقين الصادقين، وأيضا فإن تلك ~~السورة مشتملة على ذكر النفاق سرا وعلانية، وهذه السورة مشتملة على ~~التهديد البالغ لهم عن ذلك، وهو قوله تعالى: { ويعلم ما تسرون ~~وما تعلنون والله عليم بذات الصدور } ، وأما تعلق ~~هذه السورة بآخر التي قبلها فلأن في آخر تلك السورة التنبيه على الذكر ~~والشكر كما تقدم، وفي أول هذه السورة أشارة إلى أن في الناس أقواما ~~يواظبون على الذكر والشكر دائما وهم الذين يسبحون، كما قال ~~تعالى: { يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض }. # قوله: { له الملك }. # مبتدأ وخبر، وقدم الخبر ليفيد اختصاص الملك والحمد لله تعالى، إذ الملك ~~والحمد له - تعالى - حقيقة { وهو على كل شيء قدير }. # قوله: { هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن ~~}. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن الله خلق بني آدم مؤمنا وكافرا، ~~ويعيدهم في يوم القيامة مؤمنا وكافرا. # وروى أبو سعيد الخدري قال: # " خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية ms8536 فذكر شيئا مما يكون، فقال: ~~" يولد الناس على طبقات شتى: يولد الرجل مؤمنا ~~ويعيش مؤمنا ويموت مؤمنا ويولد الرجل كافرا ويعيش ~~كافرا ويموت كافرا، ويولد الرجل مؤمنا ويعيش ~~مؤمنا ويموت كافرا، ويولد الرجل كافرا ويعيش ~~كافرا ويموت مؤمنا " ". # وقال ابن مسعود: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " خلق الله فرعون في بطن أمه كافرا، وخلق يحيى بن ~~زكريا في بطن أمه مؤمنا ". # وفي الصحيح من حديث ابن مسعود: # " وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون ~~بينه وبينها إلا ذراع أو باع فيسبق عليه الكتاب ~~فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن كان أحدكم ~~ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها ~~إلا ذراع أو باع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل ~~أهل الجنة فيدخلها ". # وفي صحيح مسلم عن سهل بن سعد الساعدي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو ~~للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل ~~أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة ". # قال القرطبي رحمه الله: قال علماؤنا: والمعنى تعلق العلم الأزلي بكل ~~معلوم، فيجري ما علم وأراد وحكم، فقد يريد إيمان شخص على عموم الأحوال، ~~وقد يريده إلى وقت معلوم، وكذلك الكفر. وقيل: في الكلام محذوف تقديره: ~~فمنكم كافر ومنكم مؤمن ومنكم فاسق، فحذف لما في الكلام من الدلالة عليه. # قاله الحسن. # وقال غيره: لا حذف فيه؛ لأن المقصود ذكر الطرفين. # وقيل: إنه خلق الخلق ثم كفروا وآمنوا، والتقدير: " هو الذي خلقكم ~~" ، ثم وصفهم فقال: { فمنكم كافر ومنكم مؤمن } كقوله ~~تعالى: # والله خلق كل دآبة من مآء فمنهم من يمشي ~~على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم ~~من يمشي على أربع # [النور: 45] الآية، قالوا: فالله خلقهم مؤمنين وكافرين لما وصفهم بفعلهم ~~في قوله { فمنكم كافر ومنكم مؤمن } ، واحتجوا بقوله عليه ~~الصلاة والسلام: # " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه ~~وينصرانه ويمجسانه ". # قال البغوي: وروينا عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال: قال ms8537 رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا ". # وقال تعالى: # ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا # [نوح: 27]. # وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " وكل الله بالرحم ملكا، فيقول: أي: رب نطفة، أي رب ~~علقة، أي: رب مضغة، فإذا أراد الله أن يقضي خلقها، ~~قال: رب أذكر أم أنثى؟ أشقي أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ ~~فيكتب ذلك في بطن أمه ". # وقال الضحاك: فمنكم كافر في السر، مؤمن في العلانية كالمنافق، ومنكم ~~مؤمن في السر، كافر في العلانية كعمار وذويه. # وقال عطاء بن أبي رباح: فمنكم كافر بالله مؤمن بالكوكب، ومنكم مؤمن ~~بالله كافر بالكوكب يعني في شأن الأنواء، كما جاء في الحديث. # قال القرطبي: وقال الزجاج - وهو أحسن الأقوال -: والذي عليه الأئمة أن ~~الله خلق الكافر، وكفره فعل له وكسب، مع أن الله خالق الكفر، وخلق ~~المؤمن، وإيمانه فعل له وكسب، مع أن الله خالق الإيمان، والكافر ~~يكفر، ويختار الكفر بعد خلق الله تعالى إياه؛ لأن الله - تعالى - ~~قدر ذلك عليه وعلمه منه؛ لأن وجود خلاف المقدور عجز، ووجود خلاف المعلوم ~~جهل، ولا يليقان بالله تعالى، وفي هذا سلامة من الجبر والقدر. وروي ~~عن أبي سعيد الخدري أنه قال: فمنكم كافر حياته مؤمن في العاقبة، ومنكم ~~مؤمن حياته كافر في العاقبة. # وقيل: فمنكم كافر بأن الله خلقه، وهو مذهب الدهرية، ومنكم مؤمن بأن ~~الله خلقه. # قال ابن الخطيب: فإن قيل: إنه - تعالى - حكيم وقد سبق في علمه أنه إذا ~~[خلقهم لم يفعلوا إلا الكفر، فأي حكمة دعته إلى خلقهم؟]. # فالجواب إذا علمنا أنه تعالى حكيم، علمنا أن أفعاله كلها على وفق ~~الحكمة، ولا يلزم من عدم علمنا بذلك أن لا يكون كذلك، بل اللازم أن يكون ~~خلقهم على وفق الحكمة. # قوله: { خلق السماوات والأرض بالحق }. # أي: خلقها يقينا لا ريب فيه. # وقيل: الباء بمعنى اللام، أي: خلقها للحق، وهو أن يجزي الذي أساءوا بما ~~عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى. # قوله: { وصوركم فأحسن صوركم ms8538 }. # قرأ العامة: بضم صاد " صوركم " ، وهو القياس في فعله. # وقرأ زيد بن علي والأعمش، وأبو رزين: بكسرها، وليس بقياس وهو عكس لحى ~~- بالضم - والقياس " لحى " بالكسر. # فصل # معنى " وصوركم " يعني آدم - عليه الصلاة والسلام - خلقه بيده ~~كرامة له. قاله مقاتل. # وقيل: جميع الخلائق، وقد مضى معنى التصوير، وأنه التخطيط والتشكيل. # فإن قيل: كيف أحسن صوركم؟. # قيل: بأن جعلهم أحسن الحيوان كله وأبهاه صورة، بدليل أن الإنسان لا ~~يتمنى أن تكون صورته على خلاف ما يرى من سائر الصور، ومن حسن صورته أنه ~~خلق منتصبا غير منكب كما قال - عز وجل -: # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم # [التين: 4] كما يأتي إن شاء الله تعالى. # قال ابن الخطيب: فإن قيل: قد كان من أفراد هذا النوع من كان مشوه ~~الخلقة سمج الصورة؟. # فالجواب: لا سماجة لأن الحسن في المعاني، وهو على طبقات ومراتب، فانحطاط ~~بعض الصور عن مراتب ما فوقه لا يمنع حسنه، فهو داخل في خير الحسن غير ~~خارج عن حده. قوله { وإليه المصير }. أي: المرجع، فيجازي كلا ~~بعمله. # قال ابن الخطيب: فإن قيل: قوله تعالى: { وإليه المصير } يوهم ~~الانتقال من جانب إلى جانب، وذلك على الله تعالى محال؟. # فالجواب: أن ذلك الوهم بالنسبة إلينا وإلى زماننا لا بالنسبة إلى ما ~~يكون في نفسه بمعزل عن حقيقة الانتقال إذا كان المنتقل منزها عن الجانب ~~والجهة. # قوله: { يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما ~~تسرون وما تعلنون }. تقدم نظيره. # قال ابن الخطيب: إنه - تعالى - نبه بعلمه ما في السماوات وما في ~~الأرض، ثم بعلمه ما يسرونه وما يعلنونه ثم بعلمه ما في الصدور من الكليات ~~والجزئيات على أنه لا يخفى عليه شيء في السماوات والأرض ألبتة. # ونظيره قوله: # لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في ~~الأرض # [سبأ: 3]. # وقرأ العامة: بتاء الخطاب في الحرفين. # وروي عن أبي عمرو وعاصم: بياء الغيبة، فيحتمل الالتفات وتحمل الإخبار عن ~~الغائبين. # { والله عليم بذات الصدور } فهو عالم الغيب والشهادة لا ~~يخفى عليه شيء. ### || [64.5-10] # قوله: ms8539 { ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل }. # الخطاب لقريش، أي: ألم يأتكم خبر كفار الأمم السالفة { فذاقوا ~~وبال أمرهم } أي: عوقبوا { ولهم } في الآخرة { عذاب ~~أليم } أي: مؤلم. # قوله: { ذلك بأنه } # الهاء للشأن والحديث، و { كانت تأتيهم رسلهم }: خبرها، ومعنى ~~الإشارة أي: هذا العذاب لهم بكفرهم بالرسل تأتيهم بالبينات، أي: بالدلائل ~~الواضحة. # قوله: { أبشر يهدوننا }. # يجوز أن يرتفع " بشر " على الفاعلية، ويكون من الاشتغال، وهو الأرجح، ~~لأن الأداة تطلب الفعل، وأن يكون مبتدأ وخبرا. # وجمع الضمير في " يهدوننا " إذ البشر اسم جنس. # أنكروا أن يكون الرسول من البشر. # وقد يأتي الواحد بمعنى الجمع، فيكون اسما للجنس، وقد يأتي الجمع بمعنى ~~الواحد كقوله تعالى: # ما هذا بشرا # [يوسف: 31]. # قوله: " فكفروا " أي: بهذا القول إذ قالوه استصغارا، ولم يعلموا أن ~~الله يبعث من يشاء إلى عباده. # فصل # فإن قيل: قوله " فكفروا " يفهم منه التولي، فما الحاجة إلى ذكره؟ ~~فالجواب: قال ابن الخطيب: إنهم كفروا وقالوا: { أبشر يهدوننا } ~~وهذا في معنى الإنكار والإعراض بالكلية، وهذا هو التولي، فكأنهم كفروا ~~وقالوا قولا يدل على التولي، فلهذا قال: { فكفروا وتولوا }. # وقيل: كفروا بالرسل وتولوا عن البرهان وأعرضوا عن الإيمان والموعظة. # قوله: { واستغنى الله } استغنى بمعنى المجرد. # وقال الزمخشري: " ظهر غناه " ، فالسين ليست للطلب. # قال مقاتل: استغنى الله، أي: بسلطانه عن طاعة عباده. # وقيل: استغنى الله، أي: بما أظهره لهم من البرهان، وأوضحه لهم من البيان ~~عن زيادة تدعو إلى الرشد، وتعود إلى الهداية { والله غني حميد ~~} غني عن خلقه حميد في أفعاله. # فإن قيل: قوله: { وتولوا واستغنى الله } يوهم وجود ~~التولى والاستغناء معا، والله تعالى لم يزل غنيا؟. # فأجاب الزمخشري: بأن معناه أنه ظهر استغناء الله حيث لم يلجئهم إلى ~~الإيمان ولم يضطرهم إليه مع قدرته على ذلك. # ثم أخبر عن إنكارهم للبعث فقال - عز وجل -: # { زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا } أي: ظنوا، والزعم ~~هو القول بالظن. # وقال الزمخشري: الزعم ادعاء العلم، ومنه قوله - عليه الصلاة والسلام ~~-: # " زعموا مطية الكذب ". # وقال شريح: لكل شيء ms8540 كنية وكنية الكاذب زعموا. # وقيل: نزلت في العاص بن وائل السهمي مع خباب كما تقدم في آخر سورة " ~~مريم " ثم عمت كل كافر. # قوله: { أن لن يبعثوا }. # " أن " مخففة لا ناصبة لئلا يدخل ناصب على مثله، و " أن " وما في خبرها ~~سادة مسد المفعولين للزعم أو المفعول. # قوله: " بلى " إيجاب للنفي، و " لتبعثن " جواب قسم مقدر، أي: ~~لتخرجن من قبوركم أحياء، " ثم لتنبؤن " لتخبرن " بما ~~عملتم " أي: بأعمالكم، { وذلك على الله يسير } إذ ~~الإعادة أسهل من الابتداء. # فإن قيل: كيف يفيد القسم في إخباره عن البعث وهم قد أنكروا الرسالة؟. # قال ابن الخطيب: والجواب: أنهم أنكروا الرسالة لكنهم يعتقدون أنه يعتقد ~~ربه اعتقادا جازما لا مزيد عليه فيعلمون أنه لا يقدم على القسم بربه ~~إلا وأن يكون صدق هذا الإخبار عنده أظهر من الشمس في اعتقاده ثم إنه أكد ~~الخبر باللام والنون فكأنه قسم بعد قسم. # ثم إنه تعالى لما أخبر عن البعث، والاعتراف بالبعث من لوازم الإيمان، ~~قال: { فآمنوا بالله ورسوله } وهذا يجوز أن يكون صلة لما تقدم؛ لأنه ~~تعالى ذكر ما نزل من العقوبة بالأمم الماضية، وذلك لكفرهم بالله، ~~وتكذيبهم للرسل فقال " فآمنوا " أنتم " بالله ورسوله " لئلا ينزل ~~بكم ما نزل بهم من العقوبة. # وقال القرطبي: قوله: { فآمنوا بالله ورسوله } أمرهم بالإيمان بعد أن ~~عرفهم قيام الساعة { والنور الذي أنزلنا } وهو القرآن لأنه نور يهتدى به ~~من ظلمة الضلال كما يهتدى بالنور في الظلمات. # فإن قيل: هلا قيل: ونوره بالإضافة كما قال: ورسوله؟. # فالجواب: إن الألف واللام في النور بمعنى الإضافة، فكأنه قال: ورسوله ~~ونوره، ثم قال: { والله بما تعملون خبير } أي: بما تسرون ~~وما تعلنون فراقبوه في السر والعلانية. # قوله: { يوم يجمعكم }. منصوب بقوله: " لتنبؤن " عند ~~النحاس، وب " خبير " عند الحوفي، لما فيه من معنى الوعيد، كأنه قال: ~~والله يعاقبكم يوم يجمعكم. # وب " اذكر " مضمرا عند الزمخشري، فيكون مفعولا به. # أو بما دل عليه الكلام، أي يتفاوتون يوم يجمعكم. قاله أبو البقاء. # وقرأ العامة: " يجمعكم " بفتح الياء ms8541 وضم العين. # وروي سكونها وإشمامها عن أبي عمرو، وهذا منقول عنه في الراء نحو " ~~ينصركم " وبابه كما تقدم في البقرة. # وقرأ يعقوب وسلام وزيد بن علي والشعبي ونصر وابن أبي إسحاق والجحدري: " ~~نجمعكم " بنون العظمة، اعتبارا بقوله: { والنور الذي ~~أنزلنا }. والمراد ب " يوم الجمع " أي: يوم القيامة، يوم يجمع ~~الله الأولين والآخرين والإنس والجن وأهل السماء وأهل الأرض. # وقيل: يوم يجمع الله بين كل عبد وعمله. # وقيل: يجمع فيه بين الظالم والمظلوم. # وقيل: يجمع فيه بين كل نبي وأمته. # وقيل: يجمع فيه ثواب أهل الطاعات وعقاب أهل المعاصي. # قوله: { ذلك يوم التغابن }. # " التغابن " تفاعل من الغبن في البيع والشراء على الاستعارة، وهو ~~أخذ الشيء بدون قيمته. # وقيل: الغبن: الإخفاء، ومنه غبن البيع لاستخفائه، والتفاعل هنا من واحد ~~لا من اثنين. # ويقال: غبنت الثوب وخبنته، أي: أخذت ما طال منه من مقدارك: فهو نقص ~~وإخفاء. # وفي التفسير: هو أن يكتسب الرجل مالا من غير وجهه فيرثه غيره، فيعمل ~~فيه بطاعة الله، فيدخل الأول النار، والثاني الجنة بذلك المال، فذلك هو ~~الغبن البين والمغابن: ما انثنى من البدن نحو الإبطين والفخذين. # والمغبون: من غبن في أهله ومنازله في الجنة، ويظهر يؤمئذ غبن كل ~~كافر بتركه الإيمان، وغبن كل مؤمن بتقصيره في الإحسان وتضييعه الأيام. # قال الزجاج: ويغبن من ارتفعت منزلته في الجنة بالنسبة إلى من هو أعلى ~~منزلة منه. # فإن قيل: فأي معاملة وقعت بينهما حى يقع الغبن فيها؟. # فالجواب: هو تمثيل للغبن في الشراء والبيع كقوله: # أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ~~ربحت تجارتهم # [البقرة: 16]، فلما ذكر أن الكفار اشتروا الضلالة بالهدى وما ربحوا في ~~تجارتهم بل خسروا، ذكر أيضا أنهم غبنوا، وذلك أن أهل الجنة اشتروا ~~الآخرة بترك الدنيا، واشترى أهل النار الدنيا بترك الآخرة، وهذا نوع ~~مبادلة اتساعا ومجازا، وقد فرق الله الخلق فريقين: فريقا للجنة ~~وفريقا في السعير. # وقال الحسن وقتادة: بلغنا أن التغابن على ثلاثة أصناف: # رجل علم علما فضيعه ولم يعمل به فشقي به، ورجل علم ms8542 علما وعمل به فنجا ~~به، ورجل اكتسب مالا من وجوه يسأل عنها وشح عليه وفرط في طاعة ربه ~~بسببه، ولم يعمل فيه خيرا وتركه لوارث لا حساب عليه، فعمل ذلك الوارث في ~~بطاعة ربه، ورجل كان له عبد، فعمل العبد بطاعة ربه فسعد، وعمل السيد ~~بمعصية ربه فشقي. # وروى القرطبي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن الله تعالى يقيم الرجل والمرأة يوم القيامة ~~بين يديه، فيقول الله تعالى لهما: قولا ما أنتما ~~بقائلين، فيقول الرجل: يا رب أوجبت نفقتها علي ~~فتعسفتها من حلال أو من حرام، وهؤلاء الخصوم يطلبون ~~ذلك، ولم يبق لي ما أوفي فتقول المرأة: يا رب، وما عسى ~~أن أقول، اكتسبه حراما وأكلته حلالا، وعصاك في ~~مرضاتي ولم أرض له بذلك، فبعدا له ومحقا، فيقول ~~الله تعالى: قد صدقت فيؤمر به إلى النار، ويؤمر ~~بها إلى الجنة فتطلع عليه من طبقات الجنة، فتقول له: ~~غبناك غبناك، سعدنا بما شقيت أنت؛ فذلك يوم ~~التغابن ". # فصل # استدل بعض العلماء بقوله تعالى: { ذلك يوم التغابن } على ~~أنه لا يجوز الغبن في المعاملات الدنيوية، لأن الله تعالى خص التغابن ~~بيوم القيامة فقال: { ذلك يوم التغابن } ، وهذا الاختصاص يفيد ~~أنه لا غبن في الدنيا، فكل من اطلع على غبن في بيع فإنه مردود إذا زاد ~~على الثلث. واختاره البغداديون، واحتجوا عليه بقوله - عليه الصلاة ~~والسلام - لحبان بن منقد: # " إذا بعت فقل: لا خلابة ولك الخيار ثلاثا ". # ولأن الغبن في الدنيا ممنوع منه بالإجماع في حكم الدين إذ هو من باب ~~الخداع المحرم شرعا في كل ملة، لكن اليسير منه لا يمكن الاحتراز عنه ~~فمضى في البيوع، إذ لو حكمنا برده ما نفذ بيع أبدا؛ لأنه لا يخلو منه، ~~فإذا كان كثيرا أمكن الاحتراز منه فوجب الرد به، والفرق بين القليل ~~والكثير في الشريعة معلوم فقدرناه بالثلث، وهذا الحد اعتبر الشارع في ~~الوصية وغيرها. # ويكون معنى الآية على هذا: يوم التغابن الجائز مطلقا من غير تفصيل، ~~وذلك يوم التغابن الذي ms8543 لا يستدرك أبدا. # قال بعض علماء الصوفية: إن الله - تعالى - كتب الغبن على ~~الخلق أجمعين، فلا يلقى أحد ربه إلا مغبونا؛ لأنه لا يمكنه الاستيفاء ~~للعمل حتى يحصل له استيفاء الثواب. # قال - عليه الصلاة والسلام -: # " لا يلقى الله أحد إلا نادما إن كان مسيئا أن لم ~~يحسن، وإن كان محسنا أن لم يزدد ". # قوله: { ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه ~~سيئاته ويدخله }. # قرأ نافع وابن عامر: بالنون، والباقون: بالياء. # قوله: { والذين كفروا وكذبوا بآياتنآ } يعني القرآن ~~{ أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس ~~المصير }. # قال ابن الخطيب: فإن قيل: قال الله تعالى في حق المؤمنين: { ومن ~~يؤمن بالله } بلفظ المستقبل، وفي حق الكفار قال: " والذين ~~كفروا " بلفظ الماضي؟. # فالجواب: أن تقدير الكلام: ومن يؤمن بالله من الذين كفروا وكذبوا ~~بآياتنا ندخله جنات ومن لم يؤمن منهم أولئك أصحاب النار. # فإن قيل: قال تعالى: { ومن يؤمن } بلفظ الواحد و " خالدين " ~~بلفظ الجمع؟. # فالجواب: ذلك بحسب اللفظ وهذا بحسب المعنى. # فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: { وبئس المصير } بعد قوله: { ~~خالدين فيهآ } وذلك بئس المصير؟. # والجواب: أن ذلك وإن كان في معناه فلا بد من التصريح [بما] يؤكده. ### || [64.11-13] # فصل # لما ذكر ما للمؤمنين ذكر ما للكفار فقال: # { مآ أصاب من مصيبة إلا بإذن الله } أي: بإرادته ~~وقضائه. # وقال الفراء: يريد إلا بأمر الله. # وقيل: إلا بعلم الله. # وقيل: سبب نزول هذه الآية: أن الكفار قالوا: لو كان ما عليه ~~المسلمون حقا لصانهم الله عن المصائب في الدنيا فبين الرب تعالى أن ما ~~أصاب من مصيبة في نفس أو مال أو قول أو فعل يقتضي هما أو يوجب عقابا ~~آجلا أو عاجلا فبعلم الله وقضائه. # فإن قيل: بم يتصل قوله: { مآ أصاب من مصيبة إلا بإذن ~~الله }؟. # فالجواب: يتعلق بقوله: # فآمنوا بالله ورسوله # [التغابن: 8] كما أن من يؤمن بالله يصدق بأنه لا تصيبه مصيبة إلا بإذن ~~الله. # قوله: { ومن يؤمن بالله } يصدق ويعلم أنه لا تصيبه مصيبة إلا ~~بإذن الله { يهد ms8544 قلبه } للصبر والرضا. # وقيل: يثبته على الإيمان. # وقال أبو عثمان الجيزي: من صح إيمانه يهد الله قلبه لاتباع السنة. # وقيل: { ومن يؤمن بالله يهد قلبه } عند المصيبة فيقول: # إنا لله وإنآ إليه راجعون # [البقرة: 156]. قال ابن جبير. # وقال ابن عباس: هو أن يجعل في قلبه اليقين ليعلم أن ما أصابه لم يكن ~~ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه. # وقال الكلبي: هو إذا ابتلي صبر وإذا أنعم عليه شكر وإذا ظلم غفر. # وقيل: { يهد قلبه } إلى نيل الثواب في الجنة. # قوله: { يهد قلبه }. # قراءة العامة: بالياء مجزوما جوابا للشرط لتقدم ذكر الله. # وابن جبير وابن هرمز طلحة والأزرق: بالنون على التعظيم. # والضحاك وأبو حفص وأبو عبد الرحمن وقتادة: " يهد " مبنيا للمفعول " ~~قلبه " قائم مقام الفاعل. # ومالك بن دينار، وعمرو بن دينار، وعكرمة: " يهدأ " بهمزة ساكنة " ~~قلبه " فاعل به، بمعنى يطمئن ويسكن. # وعمرو بن فائد: " يهدا " بألف مبدلة من الهمزة كالتي قبلها، ولم ~~يحذفها نظرا إلى الأصل، وهي أفصح اللغتين. # وعكرمة ومالك بن دينار أيضا: " يهد " بحذف هذه الألف إجراء لها ~~مجرى الألف الأصلية، كقول زهير: [الطويل] # 4779 - جريء متى يظلم يعاقب بظلمه # سريعا، وإلا يبد بالظلم يظلم # وقد تقدم إعراب ما قبل هذه الآية وما بعدها. # { والله بكل شيء عليم }. لا يخفى عليه تسليم من انقاد ~~لأمره، ولا كراهة من كرهه. # قوله: { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول }. أي: هونوا على ~~أنفسكم المصائب واشتغلوا بطاعة الله واعملوا بكتابه، وأطيعوا الرسول في ~~العمل بسنته { فإن توليتم } عن الطاعة فليس على الرسول إلا ~~البلاغ المبين. # قوله: { الله لا إله إلا هو }. أي: لا معبود سواه، ولا ~~خالق غيره. # قال ابن الخطيب: " قوله { لا إله إلا هو } يحتمل أن يكون من ~~جملة ما تقدم من الأوصاف الجميلة بحضرة الله تعالى من قوله: # له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير # [التغابن: 1]، فإن من كان موصوفا بهذه الأوصاف هو الذي لا إله إلا هو ~~". # قوله: { وعلى الله فليتوكل المؤمنون }. # قال الزمخشري: هذا بعث لرسول الله ms8545 صلى الله عليه وسلم على التوكل عليه ~~حتى ينصره على من كذبه وتولى عنه. ### || [64.14-18] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إن من أزواجكم ~~وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم }. # قال ابن عباس: نزلت هذه الآية بالمدينة في عوف بن مالك الأشجعي شكى ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم جفاء أهله وولده، فنزلت، ذكره النحاس. # وحكاه الطبري عن عطاء بن يسار قال: نزلت سورة التغابن كلها ب " ~~مكة " إلا هؤلاء الآيات: { يأيها الذين آمنوا إن من ~~أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم } نزلت ~~في عوف بن مالك الأشجعي، كان ذا أهل وولد وكان إذا أراد الغزو بكوه ~~ورققوه، فقالوا: إلى من تدعنا فيرق فيقيم فنزلت هذه الآية إلى آخر ~~السورة بالمدينة. # روى الترمذي عن ابن عباس، وسئل عن هذه الآية قال: هؤلاء رجال أسلموا من ~~أهل مكة وأرادوا أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأبى أزواجهم ~~وأولادهم أن يدعوهم يأتوا للنبي صلى الله عليه وسلم فلما أتوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم وإذا الناس قد تفقهوا في الدين فهموا أن يعاقبوهم، فأنزل ~~الله - تعالى - هذه الآية. # حديث حسن صحيح. # فصل # قال ابن العربي: هذا يبين وجه العداوة، فإن العدو لم يكن عدوا لذاته، ~~وإنما كان عدوا بفعله، فإذا فعل الزوج والولد فعل العدو كان عدوا ولا ~~فعل أقبح من الحيلولة بين العبد والطاعة. # وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الشيطان قعد لابن آدم في طريق الإيمان، فقال ~~له: أتؤمن وتذر دينك ودين أهلك ومالك فخالفه فآمن، ثم قعد ~~له على طريق الهجرة، فقال له: أتهاجر وتترك أهلك فخالفه وهاجر، ~~ثم قعد له على طريق الجهاد، فقال له: أتجاهد فتقتل ~~نفسك فتنكح نساؤك ويقسم مالك فخالفه فجاهد فقتل ~~فحق على الله أن يدخله الجنة ". # وقعود الشيطان يكون بوجهين: # أحدهما: أن يكون بالوسوسة. # والثاني: أن يحمل على ما يريد من ذلك الزوج والولد والصاحب، فقال تعالى: # وقيضنا لهم قرنآء فزينوا لهم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم # [فصلت: ms8546 25]، وفي حكمة عيسى - عليه الصلاة والسلام -: من اتخذ أهلا ~~ومالا وولدا كان في الدنيا عبدا. # وقال - عليه الصلاة والسلام -: # " تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد ~~الخميصة، تعس عبد القطيفة " # ولا دناءة أعظم من عبادة الدينار والدرهم، ولا همة ~~أخس من همة ترتفع بثوب جديد. # واعلم أن قوله: { إن من أزواجكم } يدخل فيه الذكر والأنثى، ~~فكما أن الرجل تكون زوجته وولده عدوا له، كذلك المرأة يكون زوجها ~~عدوا لها بهذا المعنى. # قوله: { فاحذروهم }. أي: فاحذروهم على أنفسكم، والحذر على النفس ~~يكون بوجهين: إما لضرر في البدن، أو لضرر في الدين، وضرر البدن يتعلق ~~بالدنيا، وضرر الدين يتعلق بالآخرة، فحذر الله تعالى العبد من ذلك. # قال ابن الخطيب: وقيل: أعلم الله تعالى أن الأموال والأولاد من جملة ما ~~تقع به الفتنة، وهذا عام يعم جميع الأولاد، فإن الإنسان مفتون بولده، ~~فإنه ربما عصى الله تعالى بسببه وباشر الفعل الحرام لأجله كغصب مال الغير ~~وغيره. # قوله: { وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله ~~غفور رحيم }. # روى الطبري عن عكرمة في قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا ~~إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم ~~فاحذروهم }. قال: كان الرجل يريد أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيقول أهله: أين تذهب وتدعنا؟. # قال: فإذا أسلم وفقه قال: لأرجعن إلى الذين كانوا ينهون عن هذا الأمر ~~فلأفعلن ولأفعلن. قال: فأنزل الله - عز وجل - { وإن تعفوا ~~وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم }. # وقال مجاهد في هذه الآية: ما عادوهم في الدنيا، ولكن حملتهم مودتهم لهم ~~على أن اتخذوا لهم الحرام فأعطوه إياهم. # والآية عامة في كل معصية يرتكبها الإنسان بسبب الأهل والولد، وخصوص ~~السبب لا يمنع عموم الحكم. # قوله: { إنمآ أموالكم وأولادكم فتنة }. # أي: بلاء واختبار يحملكم على كسب الحرام ومنع حق الله تعالى فلا تطيعوهم ~~في معصية الله. # وفي الحديث: # " يؤتى برجل يوم القيامة، فيقال: أكل عياله حسناته ". # وقال بعض السلف: العيال سوس الطاعات. # وقال ابن مسعود: لا يقولن أحدكم، اللهم اعصمني من الفتنة، فإنه ليس أحد ms8547 ~~منكم يرجع إلى مال ولا ولد إلا وهو مشتمل على فتنة، ولكن ليقل: اللهم ~~إني أعوذ بك من مضلات الفتن. # وقال الحسن في قوله تعالى: { إن من أزواجكم } ، أدخل " من " ~~للتبعيض؛ لأن كلهم ليسوا بأعداء، ولم يذكر من في قوله تعالى: { إنمآ ~~أموالكم وأولادكم فتنة }؛ لأنهما لا يخلوان من الفتنة، ~~واشتغال القلب بهما. # روى الترمذي وغيره عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: # " رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فجاء الحسن والحسين - رضي الله ~~عنهما - وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فحملهما ووضعهما بين يديه، ثم قال: صدق الله - عز وجل -: { ~~إنمآ أموالكم وأولادكم فتنة } نظرت إلى هذين ~~الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ~~ورفعتهما ثم أخذا في خطبته ". # { والله عنده أجر عظيم }. يعني: الجنة، فلا أعظم أجرا ~~منها. # قوله: { فاتقوا الله ما استطعتم }. # قال قتادة، والربيع بن أنس، والسدي، وابن زيد: هذه الآية ناسخة لقوله # اتقوا الله حق تقاته # [آل عمران: 102]. # ذكر الطبري عن ابن زيد في قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته # [آل عمران: 102] قال: جاء أمر شديد، قال: ومن يعرف هذا ويبلغه، فلما عرف ~~الله أنه اشتد ذلك عليهم نسخها عنهم، وجاء بهذه الآية الأخرى فقال: { ~~فاتقوا الله ما استطعتم }. # وقال ابن عباس: هي محكمة لا نسخ فيها، ولكن حق تقاته أن تجاهد لله حق ~~جهاده ولا تأخذهم في الله لومة لائم ويقوموا لله بالقسط ولو على أنفسهم ~~وآبائهم وأبنائهم. # فإن قيل: إذا كانت الآية غير منسوخة، فكيف الجمع بين الآيتين، وما وجه ~~الأمر باتقائه حق تقاته مطلقا من غير تخصيص، ولا مشروط بشرط، والأمر ~~باتقائه بشرط الاستطاعة؟. # فالجواب: أن قوله تعالى: { فاتقوا الله ما استطعتم } ~~معناه فاتقوا الله أيها الناس وراقبوه فيما جعله فتنة لكم من أموالكم ~~وأولادكم أن تغلبكم فتنتهم وتصدكم عن الواجب لله عليكم من الهجرة من أرض ~~الكفر إلى أرض الإسلام فتتركوا الهجرة وأنتم مستطيعون، وذلك أن الله - ~~تعالى - قد ms8548 كان عذر من لم يقدر على الهجرة بتركها، لقوله تعالى: # إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم # [النساء: 97] إلى قوله: # فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم # [النساء: 99]، فأخبر أنه قد عفا عمن لا يستطيعون حيلة، ولا يهتدون ~~سبيلا بالإقامة في دار الشرك، فكذلك معنى قوله: { ما استطعتم } ~~في الهجرة من دار الشرك إلى دار الإسلام أن تتركوها بفتنة أموالكم ~~وأولادكم. # ويدل على صحة هذا قوله تعالى: { فاتقوا الله ما استطعتم ~~} عقيب قوله: { يأيها الذين آمنوا إن من أزواجكم ~~وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم } ، ولا خلاف بين علماء ~~التأويل أن هذه الآيات نزلت بسبب قوم كانوا تأخروا عن الهجرة من دار ~~الشرك إلى دار الإسلام بتثبيط أولادهم إياهم عن ذلك كما تقدم، وهذا ~~اختيار الطبري. # وقال ابن جبير: قوله: { فاتقوا الله ما استطعتم } فيما ~~تطوع به من نافلة أو صدقة، فإنه لما نزل قوله تعالى: # اتقوا الله حق تقاته # [آل عمران: 102] اشتدت على القوم فقاموا حتى ورمت عراقيبهم وتقرحت ~~جباههم، فأنزل الله تخفيفا عنهم: { فاتقوا الله ما ~~استطعتم } فنسخت الأولى. # قال الماوردي: ويحتمل أن يثبت هذا النقل، لأن المكره على المعصية غير ~~مؤاخذ بها، لأنه لا يستطيع اتقاءها. # قوله: { واسمعوا وأطيعوا }. # أي: اسمعوا ما توعظون به، وأطيعوا ما تؤمرون به، وتنهون عنه. # وقال مقاتل: " اسمعوا " أي: أصغوا إلى ما ينزل عليكم من كتاب الله، ~~وهو الأصل في السماع " وأطيعوا " الرسول فيما يأمركم أو ينهاكم. # وقيل: معنى " واسمعوا " أي: اقبلوا ما تسمعون وعبر عنه بالسماع؛ لأنه ~~فائدته. # قوله: { وأنفقوا }. # قال ابن عباس: هي الزكاة. # وقيل: هي النفقة في النفل. # وقال الضحاك: هي النفقة في الجهاد. # وقال الحسن: هي نفقة الرجل لنفسه. # وقال ابن العربي: وإنما أوقع قائل هذا، قوله: " لأنفسكم " وخفي عليه ~~قوله: إن نفقة الفرض والنفل في الصدقة على نفسه، قال الله تعالى: # إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم ~~فلها # [الإسراء: 7]. فكل ما يفعله الرجل من خير فإنما هو لنفسه، والصحيح أنها ~~عامة. # قوله: { خيرا لأنفسكم }. # في نصبه أوجه: # أحدها: قال سيبويه: إنه ms8549 مفعول بفعل مقدر، دل عليه " وأنفقوا " ، ~~تقديره: ايتوا في الإنفاق خيرا لأنفسكم وقدموا لأنفسكم كقوله: # انتهوا خيرا لكم # [النساء: 171]. # الثاني: تقديره: يكن الإنفاق خيرا، فهو خبر كان المضمرة، وهو قول أبي ~~عبيدة. # الثالث: أنه نعت مصدر محذوف، وهو قول الكسائي والفراء، أي: إنفاقا ~~خيرا. # الرابع: أنه حال، وهو قول الكوفيين. # الخامس: أنه مفعول بقوله " أنفقوا " ، أي: أنفقوا مالا خيرا. # قوله: { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ~~}. # تقدم نظيره. # وكذا { إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم }. # تقدم في سورة البقرة والحديد. # { ويغفر لكم والله شكور حليم }. # تقدم معنى الشكر في " البقرة ". والحليم: الذي لا يعجل. # قال بعضهم القرض الحسن: هو التصدق من الحلال. # وقيل: التصدق بطيب النفس، والقرض هو الذي يرجى بدله. # قوله: { عالم الغيب والشهادة }. # أي: ما غاب وحضر، " وهو العزيز " الغالب القاهر، فهو من صفات ~~الأفعال، ومنه قوله - عز وجل -: # تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم # [الزمر: 1] أي: من الله القاهر المحكم خالق الأشياء. # وقال الخطابي: وقد يكون بمعنى نفاسة القدر، يقال منه: " عز يعز " ~~- بكسر العين - فيكون معنى العزيز على هذا أنه لا يعادله شيء وأنه لا ~~مثل له " الحكيم " في تدبير خلقه. # وقال ابن الأنباري: " الحكيم " هو المحكم الخلق للأشياء، صرف عن " ~~مفعل " إلى " فعيل " ومنه قوله - عز وجل -: # الم تلك آيات الكتاب الحكيم # [لقمان: 1، 2]. # فصرف عن " مفعل " إلى " فعيل " والله أعلم. # روى الثعلبي عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما من مولود يولد إلا وهو على الفطرة في تشابيك ~~رأسه مكتوب خمس آيات من فاتحة سورة التغابن ". # وعن زر بن حبيش قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة التغابن رفع الله عنه موت ~~الفجاءة " # والله أعلم. ### | [65 - سورة الطلاق] ### || [65.1] # قوله تعالى: { يأيها النبي إذا طلقتم النسآء }. # قال ابن الخطيب: وجه تعلق هذه السورة بآخر ما قبلها، هو أنه تعالى أشار ~~في آخر التي قبلها إلى كمال علمه بقوله: # عالم الغيب والشهادة # [التغابن: ms8550 18]، وفي أول هذه السورة أشار إلى كمال علمه بمصالح النساء، ~~والأحكام المخصوصة بطلاقهن، فكأنه بين ذلك الكلي بهذه الجزئيات. # فصل في هذا الخطاب. # وهذا الخطاب فيه أوجه: # أحدهما: أنه خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم خوطب بلفظ الجمع ~~تعظيما له؛ كقوله: [الطويل] # 4780 - فإن شئت حرمت النساء سواكم # وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا # الثاني: أنه خطاب له ولأمته، والتقدير: يا أيها النبي وأمته إذا طلقتم ~~فحذف المعطوف لدلالة ما بعده عليه، كقوله: [الطويل] # 4781 -............................. # إذا أنجلته رجلها................... # أي: ويدها. # كقوله: # سرابيل تقيكم الحر # [النحل: 81]، أي: والبرد. # الثالث: أنه خطاب لأمته فقط بعد ندائه - عليه الصلاة والسلام - وهو من ~~تلوين الخطاب، خاطب أمته بعد أن خاطبه. # الرابع: أنه على إضمار قول، أي: يا أيها النبي قل لأمتك إذا طلقتم ~~النساء. # قال القرطبي: قيل: إنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته، ~~وغاير بين اللفظين من حاضر وغائب، وذلك لغة فصيحة، كقوله: # إذا كنتم في الفلك وجرين بهم # [يونس: 22]، والتقدير: يا أيها النبي قل لهم: إذا طلقتم النساء، فطلقوهن ~~لعدتهن، وهذا هو قولهم: إن الخطاب له وحده، والمعنى له وللمؤمنين، وإذا ~~أراد الله بالخطاب المؤمنين لاطفه بقوله: { يأيها النبي } ، ~~وإذا كان الخطاب باللفظ والمعنى جميعا له قال: { يا أيها الرسول }. # قال القرطبي: ويدل على صحة هذا القول نزول العدة في أسماء بنت يزيد بن ~~السكن الأنصارية. # روى أبو داود: أنها طلقت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن ~~للمطلقة عدة، فأنزل الله - تعالى - العدة للطلاق حين طلقت أسماء، ~~فكانت أول من أنزل فيها العدة للطلاق. # الخامس: قال الزمخشري: " خص النبي صلى الله عليه وسلم بالنداء وعم ~~بالخطاب؛ لأن النبي إمام أمته وقدوتهم كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا ~~فلان افعلوا كيت وكيت اعتبارا لتقدمه وإظهارا لترؤسه " في كلام حسن. # وهذا هو معنى القول الثالث المتقدم. # قال القرطبي: وقيل: المراد به نداء النبي صلى الله عليه وسلم تعظيما ~~له، ثم ابتدأ: { إذا طلقتم النساء } ، كقوله تعالى: # يأيها ms8551 الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام # [المائدة: 90] الآية فذكر المؤمنين تكريما لهم، ثم افتتح فقال: # إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام # [المائدة: 90] الآية. # وقوله: { إذا طلقتم } أي: إذا أردتم، كقوله: # إذا قمتم إلى الصلاة # [المائدة: 6] # فإذا قرأت القرآن # [النحل: 98]. وتقدم تحقيقه. # فصل في طلاق النبي صلى الله عليه وسلم # روى ابن ماجة عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم طلق حفصة ثم راجعها. # وعن أنس قال: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة - رضي الله عنها - ~~فأتت أهلها، فأنزل الله تعالى عليه: { يأيها النبي إذا ~~طلقتم النسآء فطلقوهن لعدتهن } ، وقيل له: ~~راجعها فإنها صوامة قوامة، وهي من أزواجك في الجنة. ذكره القشيري ~~والماوردي والثعلبي. # زاد القشيري: ونزل في خروجها إلى أهلها قوله تعالى: { لا ~~تخرجوهن من بيوتهن }. # وقال الكلبي: سبب نزول هذه الآية غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~حفصة لما أسر إليها حديثا فأظهرته لعائشة، فطلقها تطليقة، فنزلت الآية. # وقال السدي: نزلت في عبد الله بن عمر، طلق امرأته حائضا تطليقة ~~واحدة، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بأن يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ~~ثم تحيض ثم تطهر، فإن أراد أن يطلقها فليطلقها حين تطهر من قبل أن ~~يجامعها فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء. # وقد قيل: إن رجالا فعلوا مثل ما فعل عبد الله بن عمر، منهم عبد الله بن ~~عمرو بن العاص، وعمرو بن سعيد بن العاص، وعتبة بن غزوان، فنزلت الآية ~~فيهم. # قال ابن العربي: وهذا كله وإن لم يكن صحيحا فالقول الأول أمثل وأصح، ~~والأصح فيه أنه بيان لشرع مبتدأ. # فصل في الطلاق # روى الثعلبي من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن من أبغض الحلال إلى الله الطلاق ". # وعن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " تزوجوا ولا تطلقوا، فإن الطلاق يهتز منه ~~العرش ". # وعن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ms8552 # " لا تطلقوا النساء إلا من ريبة فإن الله - عز وجل - ~~لا يحب الذواقين ولا الذواقات ". # وعن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما حلف بالطلاق ولا استحلف به إلا منافق " # أسنده الثعلبي. # وروى الدارقطني عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يا معاذ ما يخلق الله تعالى شيئا على وجه ~~الأرض أحب إليه من العتاق، ولا خلق الله تعالى ~~شيئا أبغض إليه من الطلاق، فإذا قال الرجل ~~لمملوكه: أنت حر - إن شاء الله - فهو حر ولا ~~استثناء له، وإذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق إن ~~شاء الله فله استثناؤه، ولا طلاق عليه ". # وعن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما أحل الله شيئا أبغض إليه من الطلاق، فمن ~~طلق واستثنى فله ثنياه ". # قال ابن المنذر: واختلفوا في الاستثناء في الطلاق والعتق: فقالت طائفة ~~بجوازه، وهو مروي عن طاووس. # قال حماد الكوفي: والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي. # وقال مالك والأوزاعي: لا يجوز الاستثناء في الطلاق خاصة. # قال ابن المنذر: وبالقول الأول أقول. # فصل في وجوه الطلاق # روى الدارقطني عن ابن عباس أنه قال: الطلاق على أربعة وجوه وجهان ~~حلالان، ووجهان حرامان. # فأما الحلال، فأن يطلقها [طاهرا] من غير جماع، وأن يطلقها حاملا ~~متبينا حملها، وأما الحرام فأن يطلقها حائضا، وأن يطلقها حين يجامعها ~~لا يدري أشتمل الرحم على ولد أم لا. # واعلم أن الطلاق في حال الحيض والنفاس بدعة، وكذلك في الطهر الذي ~~جامعها فيه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " وإن شاء طلق قبل أن يمضي ". # وطلاق السنة: أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه، وهذا في حق ~~المرأة يلزمها العدة بالأقراء. # وأما طلاق غير المدخول بها في حيضها، أو الصغيرة التي لم تحض، والآيسة ~~بعدما جامعها، أو طلق الحامل بعد ما جامعها، أو في حال رؤية الدم لا يكون ~~بدعيا ولا سنيا لقوله - عليه الصلاة والسلام -: # " ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا ". # والخلع في حال الحيض ms8553 أو في طهر جامعها فيه فلا يكون بدعيا، لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أذن لثابت بن قيس في مخالعة زوجته من غير أن يعرف ~~حالها، ولولا جوازه في جميع الأحوال لاستفسره. # قوله: { لعدتهن }. # قال الزمخشري: " مستقبلات لعدتهن " ، كقولك: أتيته لليلة بقيت من المحرم ~~أي: مستقبلا لها، وفي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم: { من قبل ~~عدتهن } انتهى. # وناقشه أبو حيان في تقدير الحال التي تعلق بها الجار كونا خاصا. # وقال: " الجار إذا وقع حالا إنما يتعلق بكون مطلق ". # وفي مناقشته نظر، لأن الزمخشري لم يجعل الجار حالا، بل جعله متعلقا ~~بمحذوف دل عليه معنى الكلام. # وقال أبو البقاء: " لعدتهن " أي: عندما يعتد لهن به، وهن في قبل ~~الطهر. وهذا تفسير معنى لا تفسير إعراب. # وقال أبو حيان: " هو على حذف مضاف، أي: لاستقبال عدتهن، واللام للتوقيت، ~~نحو: لقيته لليلة بقيت من شهر كذا " انتهى. # فعلى هذا تتعلق اللام ب " طلقوهن ". # وقال الجرجاني: { فطلقوهن لعدتهن } صفة للطلاق. # كيف يكون، وهذه اللام تجيء لمعان مختلفة؟ # للإضافة، وهي أصلها، أو لبيان السبب والعلة، كقوله تعالى: # إنما نطعمكم لوجه الله # [الإنسان: 9]. # أو بمعنى " عند " كقوله تعالى: # أقم الصلاة لدلوك الشمس # [الإسراء: 78] أي: عنده. # وبمنزلة " في " كقوله تعالى: # أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم ~~لأول الحشر # [الحشر: 2]، أي: في أول الحشر. # وهي في هذه الآية بهذا المعنى، لأن المعنى: فطلقوهن في عدتهن، أي: في ~~الزمان الذي يصلح لعدتهن. # فصل في قوله: لعدتهن # قال القرطبي: قوله: " لعدتهن " يقتضي أنهن اللاتي دخل بهن ~~الأزواج، لأن غير المدخول بهن خرجن بقوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم ~~عليهن من عدة تعتدونها # [الأحزاب: 49] وحصل الإجماع على أن الطلاق في الحيض ممنوع منه، وفي ~~الطهر مأذون فيه، وهذا يدل على أن القرء هو الطهر. # فإن قيل: معنى قوله: " فطلقوهن لعدتهن " أي: في قبل ~~عدتهن، أو لقبل عدتهن وهي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم كما قال ابن ms8554 ~~عمر، فقبول العدة آخر الطهر حتى يكون القرء الحيض؟. # قيل: هذا هو الدليل الواضح لمن قال: بأن الأقراء هي الأطهار، ولو ~~كان كما قال الحنفي، ومن تابعه لوجب أن يقال: إن من طلق في أول الطهر لا ~~يكون مطلقا لقبل الحيض لأن الحيض لم يقبل بعد، وأيضا إقبال الحيض ~~يكون بدخول الحيض، وبانقضاء الطهر لا يتحقق إقبال الحيض، ولو كان إقبال ~~الشيء إدبار ضده لكان الصائم مفطرا قبل انقضاء النهار ثم إذا طلق في ~~آخر الطهر فبقية الطهر قرء، ولأن بعض القرء يسمى قرءا، كقوله تعالى: # الحج أشهر معلومات # [البقرة: 197]، يعني شوال وذو القعدة وذو الحجة، وكقوله: # فمن تعجل في يومين # [البقرة: 203] وهو ينفر في بعض اليوم الثاني. # وقال البغوي: معنى قوله " لعدتهن " أي: لطهرهن الذي يحضنه من ~~عدتهن، وكان ابن عباس وابن عمر يقرآن: (فطلقوهن في قبل عدتهن)، والآية ~~نزلت في عبد الله بن عمر. # فصل في الطلاق في الحيض # من طلق في طهر جامع فيه أو حائضا نفذ طلاقه، وأخطأ السنة. # وقال سعيد بن المسيب في آخرين: لا يقع الطلاق في الحيض لأنه خلاف السنة، ~~وإليه ذهبت الشيعة. # فصل في طلاق السنة # قال عبد الله بن مسعود: طلاق السنة أن يطلقها في كل طهر تطليقة، فإذا ~~كان آخر ذلك، فتلك العدة التي أمر الله بها. # قال القرطبي: قال علماؤنا: طلاق السنة ما جمع شروطا سبعة: وهو أن ~~يطلقها واحدة، وهي ممن تحيض طاهرا، لم يمسها في ذلك الطهر، ولا تقدمه ~~طلاق في حيض ولا تبعه طلاق في طهر يتلوه، وخلا عن العوض، وهذه الشروط ~~السبعة من حديث ابن عمرو. وقال الشافعي: طلاق السنة: أن يطلقها في كل ~~طهر خاصة، ولو طلقها ثلاثا في طهر لم يكن بدعة. # قال ابن العربي: " وهذه غفلة عن الحديث الصحيح، فإنه قال فيه: # " مرة فليراجعها " # وهذا يدفع الثلاث ". # وفي الحديث أنه قال: # " " أرأيت لو طلقها ثلاثا "؟ قال: " حرمت عليك، ~~وكانت منك بمعصية " ". # وقال أبو حنيفة: ظاهر الآية يدل على أن الطلاق الثلاث والواحد ms8555 سواء. # وهو مذهب الشافعي. لولا قوله بعد ذلك: { لا تدرى لعل الله ~~يحدث بعد ذلك أمرا } [الطلاق: 1]، وهذا يبطل دخول الثلاث ~~تحت الآية، وبذلك قال أكثر العلماء. # قال القرطبي: وأما مالك فلم يخف عليه إطلاق الآية، ولكن الحديث فسرها، ~~وأما قول الشعبي فمردود بحديث ابن عمر. # واحتج الشافعي بأن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته تماضر بنت الأصبغ ~~الكلبية وهي أم أبي سلمة ثلاث تطليقات في كلمة واحدة، ولم يبلغنا أن ~~أحدا من الصحابة عاب ذلك عليه. # وأن حفص بن المغيرة طلق امرأته فاطمة بنت قيس على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثلاث تطليقات في كلمة واحدة، فأبانها منه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ولم يبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاب ذلك ~~عليه. # وبحديث عويمر العجلاني، لما لاعن، قال: يا رسول الله، هي طالق ثلاثة، ~~فلم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم. # فصل في نزول العدة للطلاق # روى أبو داود عن أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية، أنها طلقت على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن للمطلقة عدة فأنزل الله - تعالى - ~~حين طلقت أسماء العدة للطلاق، فكانت أول من أنزل فيها العدة للطلاق. # قوله: { وأحصوا العدة }. # يعني في المدخول بها، أي: احفظوا الوقت الذي وقع فيه الطلاق. # قيل: أمر بإحصاء العدة لتفريق الطلاق على الأقراء إذا أراد أن يطلق ~~ثلاثا، وقيل: للعلم ببقاء زمان الرجعة ومراعة أمر النفقة والسكن. # وفي المخاطب الإحصاء أقوال. # أحدها: أنهم الأزواج. # والثاني: هم الزوجات. # والثالث: هم المسلمون. # قال ابن العربي: والصحيح أنهم الأزواج؛ لأن الضمائر كلها من " ~~طلقتم " ، و " أحصوا العدة " و " لا تخرجوهن " على نظام ~~واحد، فرجع إلى الأزواج، ولكن الزوجات داخلة فيه بالإلحاق، لأن الزوج ~~يحصي ليراجع، وينفق أو يقطع، وليسكن أو يخرج، وليلحق نسبه أو يقطع، ~~وهذه أمور كلها مشتركة بينه وبين المرأة، وتنفرد المرأة دونه بغير ذلك ~~وكذلك الحاكم يفتقر إلى إحصاء العدة للفتوى عليها، وفصل الخصومة عند ~~المنازعة، وهذه فوائد ms8556 الأمر بإحصاء العدة. # قوله: { واتقوا الله ربكم }. أي: لا تعصوه. # { لا تخرجوهن من بيوتهن }. أي: ليس للزوج أن يخرجها من مسكن ~~النكاح ما دامت في العدة، ولا يجوز لها الخروج أيضا لحق الزوج إلا ~~لضرورة ظاهرة، فإن خرجت أثمت، ولا تنقطع العدة. # فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: { واتقوا الله ربكم } ~~ولم يقتصر على قوله { واتقوا الله }؟. # فالجواب: إن في هذا من المبالغة ما ليس في ذاك، فإن لفظ الرب يفهم ~~منه التربية، وينبه على كثرة الإنعام بوجوه كثيرة، فيبالغون في التقوى ~~حينئذ خوفا من فوت تلك التربية. # فصل في الرجعية والمبتوتة. # والرجعية والمبتوتة في هذا سواء، وذلك لصيانة ماء الرجل، وهذا معنى ~~إضافة البيوت إليهن، كقوله تعالى: # واذكرن ما يتلى في بيوتكن # [الأحزاب: 24]، وقوله تعالى: # وقرن في بيوتكن # [الأحزاب: 33] فهو إضافة إسكان لا إضافة تمليك، وقوله { لا ~~تخرجوهن } يقتضي أن يكون حقا على الأزواج، وقوله: { ولا يخرجن } ~~يقتضي أنه حق على الزوجات، فلا يجوز لها أن تخرج ما لم تنقض عدتها، فإن ~~خرجت لغير ضرورة أو حاجة أثمت، فإن وقعت ضرورة أو خافت هدما أو غرقا، ~~فلها أن تخرج إلى منزل آخر، وكذلك إن كانت لها حاجة من بيع غزل أو شراء ~~قطن، فيجوز لها الخروج نهارا ولا يجوز ليلا؛ فإن رجالا استشهدوا ب " ~~أحد " ، فقالت نساؤهم: نستوحش في بيوتنا فإذن لهن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يتحدثن عند إحداهن، فإذا كان وقت الليل تأوي كل امرأة إلى بيتها. # وأذن النبي صلى الله عليه وسلم لخالة جابر لما طلقها زوجها أن تخرج ~~لجداد نخلها. # وإذا لزمتها العدة في السفر تعتد ذاهبة وجائية، والبدوية تنتوي حيث ~~ينتوي أهلها في العدة، لأن الانتقال في حقهم كالإقامة في حق المقيم. # وقال أبو حنيفة: ذلك في المتوفى عنها زوجها، وأما المطلقة فلا تخرج ~~ليلا ولا نهارا. وهذا مردود بحديث فاطمة بنت قيس # " لما قدمت أرسل زوجها أبو حفص بن عمرو بتطليقة كانت بقيت من طلاقها، ~~وأرسل إليها وكيله بشير فسخطته، فقال ms8557 لها الحارث بن هشام وعياش بن أبي ~~ربيعة: والله ما لك من نفقة إلا أن تكوني حاملا، فأتت النبي صلى الله ~~عليه وسلم فذكرت له قولهما، فقال: لا نفقة لك " # وفي رواية: # " ولا سكن " # فاستأذنت في الانتقال، فأذن لها أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم، فلما ~~انقضت عدتها أنكحها النبي صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد، فأرسل إليها ~~مروان قبيصة بن ذؤيب يسألها عن الحديث، فحدثته، فقال مروان: لم نسمع بهذا ~~الحديث إلا من امرأة سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها، فقالت ~~فاطمة حين بلغها قول مروان: فبيني وبينكم القرآن، قال الله عز وجل: { لا ~~تخرجوهن من بيوتهن } ، قالت: هذا لما كانت له رجعة، لقوله: ~~{ لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } ، فأي أمر يحدث بعد الثلاث؟ فكيف ~~تقولون: " لا نفقة إذا لم تكن حاملا، فعلام تحبسونها " لفظ ~~مسلم. # فبين أن الآية في تحريم الإخراج، والخروج إنما هو في الرجعية. # فاستدلت فاطمة أن الآية إنما تضمنت النهي عن خروج المطلقة الرجعية ~~لأنها بصدد أن يحدث لمطلقها رأي في ارتجاعها ما دامت في عدتها فكانت تحت ~~تصرف الزوج في كل وقت. # وأما البائن فليس له شيء في ذلك، فيجوز أن تخرج إذا دعتها لذلك حاجة. # قوله: { إلا أن يأتين بفاحشة }. # قال ابن عباس، وابن عمر، والحسن، والشعبي، ومجاهد: هو الزنا، فتخرج ~~ويقام عليها الحد. # وعن ابن عباس أيضا: أنه البذاء على أحمائها، فيحل لهم إخراجها. # وعن سعيد بن المسيب أنه قال في فاطمة: تلك امرأة استطالت على أحمائها ~~بلسانها فأمرها النبي - عليه الصلاة والسلام - أن تنتقل. # وفي كتاب أبي داود، قال سعيد: تلك امرأة فتنت الناس، إنها كانت لسنة ~~فوضعت على يدي أم مكتوم الأعمى. # قال عكرمة: في مصحف أبي (إلا أن يفحشن عليكم). # ويقوي هذا أن محمد بن إبراهيم بن الحارث روي أن عائشة قالت لفاطمة بنت ~~قيس: اتقي الله، فإنك تعلمين لم أخرجت. # وعن ابن عباس أيضا: أن الفاحشة كل معصية كالزنا والسرقة والبذاء ~~على الأهل، وهو اختيار ms8558 الطبري. # وعن ابن عباس أيضا والسدي: " الفاحشة خروجها من بيتها في العدة ". # وتقدير الآية: إلا أن يأتين بفاحشة لخروجهن من بيوتهن بغير حق، أي: لو ~~خرجت كانت عاصية. # وقال قتادة: " الفاحشة " النشوز، وذلك أن يطلقها على النشوز، فتتحول ~~عن بيته. # وقال ابن العربي: أما من قال: إنه الخروج للزنا، فلا وجه له؛ لأن ذلك ~~الخروج هو خروج القتل والإعدام، وليس ذلك بمستثنى في حلال ولا حرام، ~~وأما من قال: إنه البذاء، فهو معتبر في حديث فاطمة بنت قيس، وأما من قال: ~~إنه كل معصية فوهم، لأن الغيبة ونحوها من المعاصي لا تبيح الإخراج ولا ~~الخروج، وأما من قال: إنه الخروج بغير حق فهو صحيح، وتقدير الكلام: لا ~~تخرجوهن من بيوتهن، ولا يخرجن شرعا إلا أن يخرجن تعديا. # قوله: { مبينة }. # قرىء: بكسر الياء. # ومعناه: أن الفاحشة إذا تفكرت فيها تبين أنها فاحشة. # وقرىء: بفتح الياء المشددة. # والمعنى: أنها مبرهنة بالبراهين، ومبينة بالحجج. # قوله: { وتلك حدود الله }. # أي: هذه الأحكام المبينة أحكام الله على العباد، وقد منع التجاوز عنها، ~~فمن تجاوزها فقد ظلم نفسه وأوردها مورد الهلاك. # قوله: { لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا }. # الأمر الذي يحدث الله أن يقلب قلبه من بغضها إلى محبتها، ومن الرغبة ~~عنها إلى الرغبة فيها، ومن عزيمة الطلاق إلى الندم عليها فيراجعها. # وقال جميع المفسرين: أراد بالأمر هنا الرغبة في الرجعة، ومعنى الكلام: ~~التحريض على طلاق الواحدة والنهي عن الثلاث، فإنه إذا طلق ثلاثا أضر ~~بنفسه عند الندم على الفراق والرغبة في الارتجاع فلا يجد للرجعة سبيلا. # وقال مقاتل: " بعد ذلك " أي بعد طلقة أو طلقتين " أمرا " أي: المراجعة ~~من غير خلاف. # قوله: { لعل الله }. # هذه الجملة مستأنفة، لا تعلق لها بما قبلها، لأن النحاة لم يعدوها في ~~المعلقات. # وقد جعلها أبو حيان مما ينبغي أن يعد فيهن، وقرر ذلك في قوله: # وإن أدري لعله فتنة لكم # [الأنبياء: 111]. # فهناك يطلب تحريره. ### || [65.2-3] # قوله: { فإذا بلغن أجلهن }. # قرأ العامة: " أجلهن "؛ لأن الأجل من حيث هو ms8559 واحد، وإن اختلفت ~~أنواعه بالنسبة إلى المعتدات. # والضحاك وابن سيرين: " آجالهن " جمع تكسير. # اعتبارا بأن أجل هذه غير أجل تلك. # فصل في معنى الآية # معنى قوله: { فإذا بلغن أجلهن } أي: قاربن انقضاء العدة، ~~كقوله تعالى: # وإذا طلقتم النسآء فبلغن أجلهن ~~فأمسكوهن # [البقرة: 131] أي: قربن من انقضاء الأجل { فأمسكوهن بمعروف ~~} يعني المراجعة بالمعروف أي: بالرغبة من غير قصد المضارة في المراجعة ~~تطويلا لعدتها كما تقدم في البقرة { أو فارقوهن بمعروف } ~~أي: اتركوهن حتى تنقضي عدتهن، فيملكن أنفسهن. # وفي قوله: { فإذا بلغن أجلهن } ما يوجب أن يكون القول قول ~~المرأة في انقضاء عدتها إذا ادعت ذلك على ما تقدم في " البقرة " عند قوله ~~تعالى: # ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في ~~أرحامهن # [البقرة: 228] الآية. # فصل # قال بعض العلماء في قوله تعالى: # فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف # [البقرة: 231] وقوله: # فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان # [البقرة: 229] أن الزوج له حق في بدنه وذمته، فكل من له دين في ذمة ~~غيره سواء كان مالا، أو منفعة من ثمن، أو مثمن، أو أجرة، أو منفعة، أو ~~صداق، أو نفقة، أو بدل متلف، أو ضمان مغصوب، فعليه أن يؤدي ذلك الحق ~~الواجب بإحسان، وعلى صاحب الحق أن يتبع بإحسان كما قال تعالى في آية ~~القصاص: # فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف ~~وأدآء إليه بإحسان # [البقرة: 178]. # وكذلك الحق الثابت في بدنه مثل حق الاستمتاع والإجارة على عينه ونحو ~~ذلك، فالطالب يطلب بمعروف والمطلوب يؤدى بإحسان. # قوله: { وأشهدوا ذوي عدل منكم }. # أمر بالإشهاد على الطلاق، وقيل على الرجعة. # قال القرطبي: " والظاهر رجوعه إلى الرجعة لا إلى الطلاق، فإن راجع من ~~غير إشهاد ففي صحة الرجعة قولان. # وقيل: المعنى وأشهدوا عند الرجعة والفرقه جميعا وهذا الإشهاد مندوب ~~إليه عند أبي حنيفة، كقوله تعالى: # وأشهدوا إذا تبايعتم # [البقرة: 282]، وعند الشافعي واجب في الرجعة مندوب إليه في الفرقة، ~~وفائدة الإشهاد ألا يقع بينهما التجاحد، وألا يتهم في إمساكها، ولئلا ~~يموت أحدهما فيدعي الباقي بثبوت الزوجية فيرث ". # فصل في ms8560 الإشهاد على الرجعية # الإشهاد على الرجعية ندب عند الجمهور، وإذا جامع أو قبل أو باشر يريد ~~بذلك الرجعة، فليس بمراجع. # وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا قبل أو باشر أو لمس بشهوة، فهو رجعة وكذلك ~~النظر إلى الفرج رجعة. # وقال الشافعي وأبو ثور: إذا تكلم بالرجعة، فهي رجعة. # وقيل: وطؤه مراجعة على كل حال، نواها أو لم ينوها، وهو مذهب أحمد ~~وإليه ذهب الليث وبعض المالكية. # قال القرطبي رضي الله عنه: وكان مالك يقول: إذا وطىء ولم ينو الرجعة، ~~فهو وطء فاسد، ولا يعود إلى وطئها حتى يستبرئها من مائه الفاسد، وله ~~الرجعة في بقية العدة الأولى، وليست له رجعة في هذا الاستبراء. # فصل فيمن أوجب الإشهاد في الرجعة # أوجب الإشهاد في الرجعة الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، والشافعي ~~كذلك لظاهر الأمر. # وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد والشافعي في القول الآخر: إن الرجعة لا ~~تفتقر إلى القبول فلم تفتقر إلى الإشهاد كسائر الحقوق، وخصوصا حل الظهار ~~بالكفارة. # فصل # إذا ادعى بعد انقضاء العدة أنه راجع امرأته في العدة، فإن صدقته جاز، ~~وإن أنكرت حلفت، فإن أقام بينة أنه ارتجعها في العدة، ولم تعلم بذلك لم ~~يضره جهلها، وكانت زوجته وإن كانت قد تزوجت ولم يدخل بها، ثم أقام الأول ~~البينة على رجعتها، فعن مالك - رحمه الله - في ذلك روايتان: # إحداهما: أن الأول أحق بها. # والأخرى: أن الثاني أحق بها، فإن كان الثاني قد دخل بها فلا سبيل للأول ~~إليها. # قوله: { ذوي عدل منكم }. # قال الحسن: من المسلمين. # وعن قتادة: من أحراركم، وذلك يوجب اختصاص الشهادة على الرجعة بالذكور ~~دون الإناث؛ لأن " ذوي " للمذكر. # قال القرطبي: " ولذلك قال علماؤنا: ولا مدخل للنساء فيما عدا الأموال ". # قوله: { وأقيموا الشهادة لله } كما تقدم في " البقرة ". # أي: تقربا إلى الله في إقامة الشهادة على وجهها إذا مست الحاجة إليها ~~من غير تبديل ولا تغيير. # قوله: { ذلكم يوعظ به } أي: يرضى به { من كان يؤمن ~~بالله واليوم الآخر } فأما غير المؤمن فلا ينتفع بهذه ~~المواعظ. ms8561 # قوله: { ومن يتق الله يجعل له مخرجا }. # قال الزمخشري: " قوله: { ومن يتق الله } جملة اعتراضية مؤكدة ~~لما سبق من أمر الطلاق على السنة " كما مر. # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عمن طلق زوجته ثلاثا أو ألفا هل ~~له من مخرج؟ [فتلاها]. # وقال ابن عباس والشعبي والضحاك: هذا في الطلاق خاصة، أي: من طلق كما ~~أمره الله يكن له مخرج في الرجعة في العدة، وأن يكون كأحد الخطاب بعد ~~العدة. # وعن ابن عباس أيضا: يجعل له محرجا ينجيه من كل كرب في الرجعة في ~~الدنيا والآخرة. # وقيل: المخرج هو أن يقنعه الله بما رزقه. قاله علي بن صالح. # وقال الكلبي: { ومن يتق الله } بالصبر عند المصيبة { يجعل له ~~مخرجا } من النار إلى الجنة. # وقال الحسن: مخرجا مما نهى الله عنه. # وقال أبو العالية: مخرجا من كل شدة. # وقال الربيع بن خيثم: مخرجا من كل شيء ضاق على الناس. # وقال الحسين بن الفضل: { ومن يتق الله } في أداء الفرائض { ~~يجعل له مخرجا } من العقوبة { ويرزقه } الثواب { من ~~حيث لا يحتسب } أن يبارك له فيما آتاه. # وقال سهل بن عبد الله: { ومن يتق الله } في اتباع السنة { ~~يجعل له مخرجا } من عقوبة أهل البدع { من حيث لا ~~يحتسب }. # وقال أبو سعيد الخدري: ومن تبرأ من حوله وقوته بالرجوع إلى الله { ~~يجعل له مخرجا } مما كلفه الله بالمعونة. # وقال ابن مسعود ومسروق: الآية على العموم. # وقال أبو ذر: # " قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إني لأعلم آية لو أخذ ~~الناس بها لكفتهم " وتلا: { ومن يتق الله يجعل ~~له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب } [فما زال ~~يكررها ويعيدها ". # وقال ابن عباس: # " قرأ النبي صلى الله عليه وسلم { ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويزرقه ~~من حيث لا يحتسب } ] قال: " مخرجا من شبهات الدنيا، ومن غمرات الموت، ~~ومن شدائد يوم القيامة " ". # وقال أكثر المفسرين: # " نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، أسر المشركون ابنا له يسمى سالما، ~~فأتى رسول الله صلى الله عليه ms8562 وسلم يشتكي إليه الفاقة، وقال: إن العدو ~~أسر ابني وجزعت الأم، فما تأمرني؟ قال - عليه الصلاة والسلام -: " اتق ~~الله واصبر، وآمرك وإياها أن تستكثرا من قول لا حول ~~ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " ، فعاد إلى بيته، وقال لامرأته: إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني وإياك أن نستكثر من قول " لا حول ولا ~~قوة إلا بالله العلي العظيم " فقالت: نعم ما أمرنا به، فجعلا يقولان، ~~فغفل العدو عن ابنه فساق غنمهم، وجاء بها إلى أبيه، وهي أربعة آلاف شاة، ~~فنزلت الآية، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم تلك الأغنام له ". # وروي أنه جاء وقد أصاب إبلا من العدو، وكان فقيرا. فقال الكلبي: إنه ~~أصاب خمسين بعيرا. # وفي رواية: فانفلت ابنه من الأسر وركب ناقة للقوم ومر في طريقه بسرح لهم ~~فاستاقه. # وقال مقاتل: # " أصاب غنما ومتاعا، فقال أبوه للنبي صلى الله عليه وسلم أيحل لي أن ~~آكل مما أتى به ابني؟ قال: نعم " # ونزلت: { ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه ~~من حيث لا يحتسب }. # وروى الحسن عن عمران بن الحصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤونة ورزقه ~~من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكلها الله إليه ~~". # وقال الزجاج: أي: إذا اتقى وآثر الحلال والصبر على أهله فتح الله عليه ~~إن كان ذا ضيق ورزقه من حيث لا يحتسب. # وعن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من أكثر الاستغفار جعل الله له من كل هم ~~فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب ~~". # قوله: { ومن يتوكل على الله فهو حسبه }. # أن من فوض إليه أمره كفاه ما أهمه. # وقيل: من اتقى الله وجانب المعاصي وتوكل عليه فله فيما يعطيه في الآخرة ~~من ثوابه كفاية، ولم يرد الدنيا؛ لأن المتوكل قد يصاب في الدنيا وقد ~~يقتل. # وقال - عليه الصلاة والسلام -: # " لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم ~~كما يرزق الطير تغدو ms8563 خماصا وتروح بطانا ". # قوله: { إن الله بالغ أمره }. # قرأ حفص: " بالغ " من غير تنوين " أمره " مضاف إليه على التخفيف. # والباقون: بالتنوين والنصب، وهو الأصل، خلافا لأبي حيان. # وقرأ ابن أبي عبلة وداود بن أبي هند، وأبو عمرو في رواية: " بالغ ~~أمره " بتنوين " بالغ " ورفع " أمره ". # وفيه وجهان: # أحدهما: أن يكون " بالغ " خبرا مقدما، و " أمره " مبتدأ مؤخر، والجملة ~~خبر " إن ". # والثاني: أن يكون " بالغ " خبر " إن " و " أمره " فاعل به. # قال الفراء: أي: أمره بالغ. # وقيل: " أمره " مرتفع ب " بالغ " والمفعول محذوف، والتقدير: بالغ أمره ~~ما أراد. # وقرأ المفضل: " بالغا " بالنصب، " أمره " بالرفع. وفيه وجهان: # أظهرهما: وهو تخريج الزمخشري: أن يكون " بالغا " نصبا على الحال، و { ~~قد جعل الله } هو خبر " إن " تقديره: إن الله قد جعل لكل شيء ~~قدرا بالغا أمره. # والثاني: أن يكون على لغة من ينصب الاسم والخبر بها، كقوله: [الطويل] # 4782 -......................... # ............... إن حراسنا أسدا # ويكون " قد جعل " مستأنفا كما في القراءة الشهيرة. # ومن رفع " أمره " فمفعول " بالغ " محذوف، تقديره: ما شاء، كما تقدم في ~~القرطبي. # فصل في معنى الآية # قال مسروق: يعني قاض أمره فيمن توكل عليه وفيمن لم يتوكل عليه إلا أن ~~من توكل عليه يكفر عنه سيئاته، ويعظم له أجرا. # قوله: { قد جعل الله لكل شيء قدرا }. # قيل: إن من قوله تعالى: { فإذا بلغن أجلهن } إلى قوله: { ~~مخرجا } آية، ومنه إلى قوله تعالى: { قدرا } آية أخرى، وعند ~~الكوفي والمدني المجموع آية واحدة. # وقرأ جناح بن حبيش: " قدرا " بفتح الدال. # والمعنى: لكل شيء من الشدة والرخاء أجلا ينتهي إليه. # وقيل: تقديرا. # وقال السدي: هو قدر الحيض في الأجل والعدة. # وقال عبد الله بن رافع: لما نزل قوله تعالى: { ومن يتوكل على ~~الله فهو حسبه } فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~فنحن إذا توكلنا عليه يرسل ما كان لنا ولا نحفظه ~~" ، فنزلت: { إن الله بالغ أمره } فيكم وعليكم. # وقال الربيع بن خيثم: إن الله قضى على نفسه أن من توكل عليه كفاه، ومن ~~آمن به ms8564 هداه، ومن أقرضه جازاه، ومن وثق به نجاه، ومن دعاه أجاب له. # وتصديق ذلك في كتاب الله: # ومن يؤمن بالله يهد قلبه # [التغابن: 11]، { ومن يتوكل على الله فهو حسبه } ، # إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم # [التغابن: 17]، # ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم # [آل عمران: 101]، # وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة ~~الداع إذا دعان # [البقرة: 186]. ### || [65.4-5] # قوله: { واللائي يئسن }. # تقدم الخلاف فيه. # وأبو عمرو يقرأ هنا: " واللائي يئسن " بالإظهار. # وقاعدته في [مثله] الإدغام، إلا أن الياء لما كانت عنده عارضة لكونها ~~بدلا من همزة، فكأنه لم يجتمع مثلان، وأيضا فإن سكونها عارض، فكأن ياء ~~" اللائي " متحركة، والحرف ما دام متحركا لا يدغم في غيره، وقرىء: " ~~يئسن " فعلا ماضيا. # وقرىء: " ييئسن " مضارع. # و { من المحيض من نسآئكم }. # " من " الأولى لابتداء الغاية، وهي متعلقة بالفعل قبلها، والثانية ~~للبيان متعلقة بمحذوف. # و " اللائي " مبتدأ، و " فعدتهن " مبتدأ ثان، و " ثلاثة ~~أشهر " خبره، والجملة خبر الأول، والشرط معترض، وجوابه محذوف. # ويجوز أن يكون " إن ارتبتم " جوابه { فعدتهن ثلاثة ~~أشهر } ، والجملة الشرطية خبر المبتدأ، ومتعلق الارتياب محذوف، ~~تقديره: إن ارتبتم في أنها يئست أم لا لإمكان ظهور حمل وإن كان انقطع ~~دمها. # وقيل: إن ارتبتم في دم البالغات مبلغ اليأس أهو دم حيض، أو استحاضة، ~~وإذا كان هذا عدة المرتاب فيها فغير المرتاب فيها أولى. # وأغرب ما قيل: إن " إن ارتبتم " بمعنى: تيقنتم، فهو من ~~الأضداد. # قوله: { واللاتي لم يحضن }. # مبتدأ، خبره محذوف، فقدره جملة كالأولى، أي: فعدتهن ثلاثة أشهر أيضا، ~~والأولى أن يقدر مفردا، أي: فكذلك أو مثلهن. # ولو قيل: بأنه معطوف على " اللائي يئسن " عطف المفردات، وأخبر عن ~~الجمع بقوله: " فعدتهن " لكان وجها حسنا، وأكثر ما فيه توسط ~~الخبر بين المبتدأ وما عطف عليه. وهذا ظاهر قول أبي حيان: و { ~~واللائي لم يحضن } معطوف على قوله " واللائي يئسن " ، ~~فإعرابه مبتدأ كإعراب " واللائي ". # قوله: { وأولات الأحمال } مبتدأ، و " أجلهن " مبتدأ ثان، ~~و " أن يضعن " خبر المبتدأ الثاني وهو وخبره خبر ms8565 الأول. # والعامة: على إفراد " حملهن ". # والضحاك: " أحمالهن ". # فصل في عدة التي لا ترى الدم # لما بين أمر الطلاق والرجعة في التي تحيض، وكانوا قد عرفوا عدة ذوات ~~الأقراء عرفهم في هذه السورة عدة التي لا ترى الدم. # قال أبو عثمان عمير بن سليمان: لما نزل عدة النساء في سورة البقرة في ~~المطلقة والمتوفى عنها زوجها، قال أبي بن كعب: يا رسول الله، إن ناسا ~~يقولون: قد بقي من النساء من لم يذكر فيهن شيء، الصغار والكبار وذوات ~~الحمل، فنزلت: { واللائي يئسن } الآية. # وقال مقاتل: لما ذكر قوله تعالى: # والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء # [البقرة: 228] قال خلاد بن النعمان: يا رسول الله، فما عدة التي لم ~~تحض، وعدة التي انقطع حيضها وعدة الحبلى؟ فنزلت: { واللائي ~~يئسن من المحيض من نسآئكم } ، يعني: قعدن عن الحيض. # وقيل: إن معاذ بن جبل سأل عن عدة الكبيرة التي يئست، فنزلت الآية. # وقال مجاهد: الآية واردة في المستحاضة لا تدري دم حيض هو أو دم علة؟. # فصل في تفسير الآية # قال المفسرون: { واللائي يئسن من المحيض من نسآئكم ~~} ، فلا يرجون أن يحضن " إن ارتبتم " أي: شككتم. # وقيل: تيقنتم، وهو من الأضداد، يكون شكا ويقينا كالظن. # واختيار الطبري: أن يكون المعنى إن شككتم، فلم تدروا ما الحكم فيهن. # وقال الزجاج: إن ارتبتم في حيضها وقد انقطع عنها الحيض وكانت ممن يحيض ~~مثلها. # قال القشيري: وفي هذا نظر، لأنا إذا شككنا، هل بلغت سن اليأس لم نقل: ~~عدتها ثلاثة أشهر. # والمعتبر في سن اليأس أقصى عادة امرأة في العالم. # وقيل: غالب نساء عشيرة المرأة. # وقال مجاهد: قوله: " إن ارتبتم " للمخاطبين، يعني إن لم تعلموا كم ~~عدة الآيسة، والتي لم تحض فالعدة هذه. # وقيل: المعنى إن ارتبتم أن الدم الذي يظهر منها من أجل كبر أو من الحيض ~~المعهود أو من الاستحاضة فالعدة ثلاثة أشهر. # وقال عكرمة وقتادة: من الريبة المرأة المستحاضة التي لا يستقيم لها ~~الحيض تحيض في أول الشهر مرارا، وفي الأشهر مرة. # وقيل: إنه متصل بأول ms8566 السورة، والمعنى لا تخرجوهن من بيوتهن إن ارتبتم في ~~انقضاء العدة. # قال القرطبي: " وهو أصح ما قيل فيه ". # فصل في المرتابة في عدتها # المرتابة في عدتها لم تنكح حتى تستبرىء نفسها من ريبتها، ولا تخرج من ~~العدة إلا بارتفاع الريبة، وقد قيل في المرتابة التي ارتفع حيضها، لا ~~تدري ما رفعه إنها تنتظر سنة من يوم طلقها زوجها، منها تسعة أشهر ~~استبراء، وثلاثة عدة، فإن طلقها فحاضت حيضة، أو حيضتين، ثم ارتفع حيضها ~~بغير يأس منها انتظرت تسعة أشهر ثم ثلاثة من يوم طهرت من حيضها ثم حلت ~~[للأزواج]. وهذا قول الشافعي بالعراق. # فعلى قياس هذا القول تقيم الحرة المتوفى عنها زوجها المستبرأة بعد ~~التسعة أشهر [أربعة أشهر وعشرا، والأمة شهرين وخمس ليال بعد التسعة ~~أشهر]. # وروي عن الشافعي أيضا: أن أقراءها على ما كانت حتى تبلغ سن اليائسات. # وهو قول النخعي والثوري وغيرهما، وحكاه أبو عبيدة عن أهل العراق. # فصل في ارتياب المرأة الشابة # إذا ارتابت المرأة الشابة هل هي حامل أم لا؟. # فإن استبان حملها فأجلها وضعه، وإن لم يستبن، فقال مالك: عدة التي ارتفع ~~حيضها وهي شابة سنة، وبه قال أحمد وإسحاق وروي عن عمر بن الخطاب وغيره. # وأهل " العراق " يرون أن عدتها ثلاث حيض بعد ما كانت حاضت مرة واحدة في ~~عمرها وإن مكثت عشرين سنة، إلا أن تبلغ من الكبر سنا تيأس فيه من ~~الحيض فتكون عدتها بعد الإياس ثلاثة أشهر. # قال الثعلبي: وهذا الأصح من مذهب الشافعي وعليه جمهور العلماء، وروي ذلك ~~عن ابن مسعود وأصحابه. # قال إلكيا: وهو الحق، لأن الله تعالى جعل عدة الآيسة ثلاثة أشهر. ~~والمرتابة ليست آيسة. # فصل فيمن تأخر حيضها لمرض # فأما من تأخر حيضها لمرض، فقال مالك وبعض أصحابه: تعتد تسعة أشهر ثم ~~ثلاثة كما تقدم. # وقال أشهب: هي كالمرضع بعد الفطام بالحيض أو بالسنة. # وقد طلق حبان بن منقذ امرأته وهي ترضع، فمكثت سنة لا تحيض لأجل الرضاع ~~ثم مرض حبان فخاف أن ترثه فخاصمها إلى عثمان ms8567 وعنده علي وزيد فقالا: نرى ~~أن ترثه، لأنها ليست من القواعد ولا من الصغار، فمات حبان فورثته واعتدت ~~عدة الوفاة. # فصل # لو تأخر الحيض بغير مرض ولا رضاع فإنها تنتظر سنة لا حيض فيها، تسعة ~~أشهر ثم ثلاثة على ما تقدم، فتحل ما لم ترتب بحمل، فإن ارتابت بحمل أقامت ~~أربعة أعوام أو خمسة أو سبعة على الاختلاف. # قال القرطبي: " وأشهر الأقوال خمسة أعوام، فإن تجاوزتها حلت ". # وقال أشهب: لا تحل أبدا حتى تنقطع عنها الريبة. # قال ابن العربي: " وهو الصحيح، إذا جاز أن يبقى الولد في بطنها خمسة ~~أعوام جاز أن يبقى عشرة أو أكثر من ذلك " ، وروي مثله عن مالك. # فصل فيمن جهل حيضها بالاستحاضة # وأما التي جهل حيضها بالاستحاضة ففيها أقوال: # قال ابن المسيب: تعتد سنة. وهو قول الليث. # قال الليث: عدة المطلقة والمتوفى عنها زوجها إذا كانت مستحاضة " سنة ". # قال القرطبي: " وهو مشهور قول علمائنا، سواء علمت دم حيضها من دم ~~استحاضتها، وميزت ذلك أو لم تميزه، عدتها في مذهب مالك سنة، منها تسعة ~~أشهر استبراء، وثلاثة عدة ". # وقال الشافعي في أحد أقواله: عدتها ثلاثة أشهر، وهو قول جماعة من ~~التابعين والمتأخرين. # قال ابن العربي: " وهو الصحيح عندي ". # وقال أبو عمر: المستحاضة إذا علمت إقبال حيضتها وإدبارها اعتدت بثلاثة ~~قروء. # قال القرطبي: " وهذا أصح في النظر، وأثبت في القياس والأثر ". # قوله: { واللائي لم يحضن }. # يعني: الصغيرة، فعدتهن ثلاثة، فأضمر الخبر، وإنما كانت عدتها الأشهر ~~لعدم الأقراء في حقها عادة، والأحكام إنما أجراها الله تعالى على ~~العادات، فتعتد بالأشهر، فإن رأت الدم في زمن احتماله عند النساء ~~انتقلت إلى الدم لوجود الأصل، فإذا وجد الأصل لم يبق للبدل حكم، كما أن ~~المسنة إذا اعتدت بالدم، ثم ارتفع عادت إلى الأشهر، وهذا إجماع. # فصل # قوله: { وأولات الأحمال أجلهن } وضع الحمل، وإن كان ~~ظاهرا في المطلقة؛ لأنه عليها عطف وإليها رجع عقب الكلام، فإنه في ~~المتوفى عنها زوجها كذلك، لعموم الآية، وحديث سبيعة، كما مضى في سورة " ~~البقرة ". # فإذا ms8568 وضعت المرأة ما في بطنها من علقة أو مضغة حلت عند مالك. # وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا تحل إلا بوضع ما يتبين فيه شيء من خلق ~~الإنسان، فإن كانت حاملا بتوءمين لم تنقض عدتها حتى تضع الثاني منهما. # قوله: { ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا }. # أي: من يتقه في طلاق السنة { يجعل له من أمره يسرا } في ~~الرجعة. # وقال مقاتل: ومن يتق الله في اجتناب معاصيه يجعل له من أمره يسرا في ~~توفيقه للطاعة. # { ذلك أمر الله } أي: الذي ذكر من الأحكام أمر الله أنزله ~~إليكم وبينه لكم، { ومن يتق الله } أي: يعمل بطاعته { ~~يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا } أي: في الآخرة. # قوله: { ويعظم له أجرا }. # هذه قراءة العامة مضارع " أعظم ". # وابن مقسم: " يعظم " بالتشديد، مضارع عظم مشددا. # والأعمش: " نعظم " بالنون، مضارع " أعظم " وهو التفات من غيبة إلى تكلم. ### || [65.6] # قوله: { أسكنوهن }. # قال ابن الخطيب: { أسكنوهن } وما بعده بيان لما شرط من التقوى في ~~قوله { ومن يتق الله } كأنه قيل: كيف يعمل بالتقوى في جنس ~~المعتدات؟ فقيل: " أسكنوهن ". # قوله: { من حيث سكنتم }. فيه وجهان: # أحدهما: أن " من " للتبعيض. # قال الزمخشري: " مبعضها محذوف معناه: أسكنوهن مكانا من حيث سكنتم، أي: ~~بعض مكان سكناكم، كقوله تعالى: # يغضوا من أبصارهم # [النور: 30] أي: بعض أبصارهم ". # قال قتادة: إن لم يكن إلا بيت واحد، فأسكنها في بعض جوانبه. # قال ابن الخطيب: وقال في الكشاف: " من " صلة، والمعنى أسكنوهن من حيث ~~سكنتم. # والثاني: أنها لابتداء الغاية. قاله الحوفي، وأبو البقاء. # قال أبو البقاء: والمعنى تسببوا إلى إسكانهن من الوجه الذي تسكنون ~~أنفسكم ودل عليه قوله " من وجدكم " ، والوجد: الغنى. # قوله: " من وجدكم ". فيه وجهان: # أظهرهما: أنه بدل من قوله: { من حيث سكنتم } بتكرار العامل، ~~وإليه ذهب أبو البقاء. # كأنه قيل: أسكنوهن من سعتكم. # والثاني: أنه عطف بيان لقوله: { من حيث سكنتم } ، وإليه ذهب ~~الزمخشري، فإنه قال بعد أن أعرب " من حيث " تبعيضية، قال: " فإن ~~قلت: فقوله " من وجدكم " قلت: هو عطف بيان لقوله ms8569 { من حيث ~~سكنتم } ومفسر له، كأنه قيل: أسكنوهن مكانا من مسكنكم مما تطيقونه، ~~والوجد: الوسع والطاقة ". # وناقشه أبو حيان بأنه لم يعهد في عطف البيان إعادة العامل. إنما عهد هذا ~~في البدل، ولذلك أعربه أبو البقاء بدلا. # وقرأ العامة: " وجدكم " بضم الواو. # والحسن، والأعرج، وأبو حيوة: بفتحها. # والفياض بن غزوان وعمرو بن ميمون ويعقوب: بكسرها. # وهي لغات بمعنى واحد. # يقال: وجدت في المال أجد وجدا وجدة، والوجد: الغنى والقدرة، ~~والوجد بفتح الواو: الحزن أيضا والحب والغضب. # فصل في تفسير الآية # قال القرطبي: روى أشهب عن مالك: يخرج عنها إذا طلقها ويتركها في المنزل ~~لقوله تعالى: { أسكنوهن } ، فلو كان معها ما قال أسكنوهن. # وقال ابن نافع: قال مالك في قوله تعالى { أسكنوهن من حيث ~~سكنتم } يعني المطلقات اللاتي بن من أزواجهن فلا رجعة لهم عليهن، ~~وليست حاملا، فلها السكنى، ولا نفقة لها ولا كسوة؛ لأنها بائن منه، ~~ولا يتوارثان ولا رجعة له عليها، وإن كانت حاملا فلها الكسوة والنفقة ~~والمسكن حتى تنقضي عدتها. # قال البغوي: ونعني بالكسوة مؤونة السكن، فإن كانت الدار التي طلقها فيها ~~ملكا للزوج وجب على الزوج أن يخرج ويترك الدار لها مدة عدتها، وإن كانت ~~بإجارة فعلى الزوج الأجرة، وإن كانت عارية فرجع المعير فيها فعليه أن ~~يكتري لها دارا تسكنها، فأما من لم تبن منه، فإنها امرأته يتوارثان، ~~ولا تخرج إلا بإذن زوجها ما دامت في العدة ولم يؤمر بالسكن لهما لأن ذلك ~~لازم للزوج مع النفقة والكسوة حاملا كانت أو غير حامل، وإنما أمر الله ~~بالسكن للبائن، قال تعالى: { وإن كن أولات حمل فأنفقوا ~~عليهن حتى يضعن حملهن } فجعل الله - عز وجل - ~~للحوامل البائنات من أزواجهن السكنى والنفقة. # قال ابن العربي: " إن الله - تعالى - لما ذكر السكنى أطلقها لكل مطلقة، ~~فلما ذكر النفقة قيدها بالحمل، فدل على أن المطلقة البائن لا نفقة لها ". # قال القرطبي: اختلف العلماء في المطلقة ثلاثا على ثلاثة أقوال: فمذهب ~~مالك والشافعي: أن لها السكنى ولا نفقة لها. # ومذهب أبي حنيفة ms8570 وأصحابه: أن لها السكنى والنفقة. # ومذهب أحمد وإسحاق وأبي ثور: لا نفقة لها ولا سكنى، لحديث فاطمة بنت ~~قيس قالت: # " دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعي أخو زوجي، فقلت: إن زوجي ~~طلقني، وإن هذا يزعم أنه ليس لي سكنى ولا نفقة، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: بل لك السكنى والنفقة، قال: إن زوجها طلقها ثلاثا، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما السكنى والنفقة على من ~~له عليها رجعة، فلما قدمت " الكوفة " طلبني الأسود بن يزيد ~~ليسألني عن ذلك، وإن أصحاب عبد الله يقولون: إن لها السكنى والنفقة ". # وعن الشعبي قال: لقيني الأسود بن يزيد، فقال: يا شعبي، اتق الله وارجع ~~عن حديث فاطمة بنت قيس، فإن عمر كان يجعل لها السكنى والنفقة، قلت: لا ~~أرجع عن شيء حدثتني به فاطمة بنت قيس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ولأنه لو كان لها سكنى لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تعتد في ~~بيت ابن أم مكتوم. # وأجيب عن ذلك بما روت عائشة أنها قالت: كانت فاطمة في مكان وحش، فخيف ~~على ناحيتها. # وقال سعيد بن المسيب: إنما نقلت فاطمة لطول لسانها على أحمائها. # وقال قتادة وابن أبي ليلى: لا سكنى إلا للرجعية، لقوله تعالى: # لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا # [الطلاق: 1]، وقوله تعالى: { أسكنوهن } راجع إلى ما قبله، وهي ~~المطلقة الرجعية. # فصل في المعتدة عن وطء الشبهة # قال البغوي: " وأما المعتدة عن وطء الشبهة والمفسوخ نكاحها بعيب ~~أو خيار عتق، فلا سكنى لها ولا نفقة، وإن كانت حاملا، والمعتدة من ~~وفاة زوج لا نفقة لها حاملا كانت أو حائلا عند أكثر العلماء، وروي عن ~~علي أن لها النفقة إن كانت حاملا من التركة حتى تضع، وهو قول شريح ~~والشعبي والنخعي والثوري. واختلفوا في سكناها: # فللشافعي قولان: # أحدهما: لا سكنى لها بل تعتد حيث شاءت، وهو قول علي وابن عباس ~~وعائشة، وبه قال عطاء والحسن، وهو مذهب أبي حنيفة. # والثاني: لها ms8571 السكنى، وهو قول عمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وعبد الله ~~بن عمر وبه قال مالك، وسفيان الثوري، وأحمد، وإسحاق، لما روى كعب بن عجرة ~~عن عمته زينب بنت كعب أن الفريعة بنت مالك ابن سنان - وهي أخت أبي سعيد ~~الخدري - # " أخبرتها أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله أن ترجع ~~إلى أهلها في بني خدرة، فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا حتى إذا ~~كانوا بطرف " القدوم " لحقهم فقتلوه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن أرجع إلى أهلي، فإن زوجي لم يتركني في منزل يملكه ولا نفقة، فقالت: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " نعم " ، فانصرفت حتى إذا كنت في ~~الحجرة أو في المسجد دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بي فدعيت ~~له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كيف قلت؟ " قالت: فرددت ~~عليه القصة التي ذكرت من شأن زوجي، فقال: " امكثي حتى يبلغ ~~الكتاب أجله " ، قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا، قالت: ~~فلما كان عثمان أرسل إلي فسألني عن ذلك، فأخبرته، فاتبعه وقضى به ". # فمن قضى بهذا القول قال: إذنه لفريعة أولا بالرجوع إلى أهلها صار ~~منسوخا بقوله: # " امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله " # ومن لم يوجب السكنى قال: أمرها بالمكث آخرا استحبابا لا وجوبا. # قوله: { ولا تضآروهن لتضيقوا عليهن }. # قال مجاهد: في المسكن. # وقال مقاتل: في النفقة. وهو قول أبي حنيفة. # وعن أبي الضحى: أن يطلقها فإذا بقي يومان من عدتها راجعها، ثم طلقها. # قوله: { وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى ~~يضعن حملهن }. # هذا في وجوب النفقة والسكنى للحامل المطلقة ثلاثا أو أقل حتى تضع ~~حملها، فأما الحامل المتوفى عنها زوجها، فقال علي، وابن عمر وابن مسعود، ~~وشريح، والنخعي، والشعبي، وحماد، وابن أبي ليلى، وسفيان، وأصحابه: ينفق ~~عليها من جميع المال حتى تضع. # وقال ابن عباس، وابن الزبير، وجابر بن عبد الله، ومالك، والشافعي، وأبو ~~حنيفة، وأصحابه: لا ينفق عليها، إلا من نصيبها، وقد مضى ms8572 في " البقرة ". # قوله: { فإن أرضعن لكم }. # يعني المطلقات، أولادكم منهن فعلى الآباء أن يعطوهن أجرة إرضاعهن ~~وللرجل أن يستأجر امرأته للرضاع كما يستأجر أجنبية، ولا يجوز عند أبي ~~حنيفة وأصحابه الاستئجار إذا كان الولد منهن ما لم يبن، ويجوز عند ~~الشافعي. وتقدم القول في الرضاع في " البقرة ". # قوله: { وأتمروا }. # افتعلوا من الأمر، يقال: ائتمر القوم وتأمروا، أي: أمر بعضهم بعضا. # وقال الكسائي: " ائتمروا " تشاوروا؛ وتلا قوله تعالى: # إن الملأ يأتمرون بك # [القصص: 20] وأنشد قول امرىء القيس: [الطويل] # 4782ب -....................... # ويعدو على المرء ما يأتمر # فصل في هذا الخطاب # الخطاب في قوله: " وائتمروا " للأزواج والزوجات، أي: وليقبل بعضكم من ~~بعض ما أمره به من المعروف الجميل، والجميل منه توفير الأجرة عليها ~~للإرضاع. # وقيل: ائتمروا في إرضاع الولد فيما بينكم بمعروف حتى لا يلحق الولد ~~إضرار. # وقيل: هو الكسوة والدثار. # وقيل: معناه لا تضار والدة بولدها، ولا مولود له بولده. # قوله: { فسترضع }. # قيل: هو خبر في معنى الأمر، والضمير في " له " للأب، لقوله تعالى: { ~~فإن أرضعن لكم } والمفعول محذوف للعلم به، أي: فسترضع الولد ~~لوالده امرأة أخرى، والظاهر أنه خبر على بابه. # فصل في تفسير الآية # قوله: { وإن تعاسرتم } في أجرة الرضاع فأبى الزوج أن يعطي الأم ~~أجرة رضاعها، وأبت الأم أن ترضعه فليس له إكراهها وليستأجر غير أمه. # وقيل: معناه إن تضايقتكم وتشاكستم فليسترضع لولده غيرها. # وقال الضحاك: إن أبت الأم أن ترضع استأجر لولده أخرى، فإن لم يقبل أجبرت ~~أمه على الرضاع بالأجرة. # واختلفوا فيمن يجب عليه رضاع الولد. # فقال مالك: إرضاع الولد على الزوجة ما دامت الزوجية، إلا لشرفها ~~وموضعها، فعلى الأب رضاعه يومئذ في ماله. # وقال أبو حنيفة: لا يجب على الأم بحال. # وقيل: يجب عليها بكل حال. # فإن طلقها فلا يجب عليها إرضاعه إلا أن لا يقبل ثدي غيرها فيلزمها حينئذ ~~الإرضاع، فإن اختلفا في الأجرة، فإن دعت إلى أجرة المثل وامتنع الأب إلا ~~تبرعا فالأم أولى بأجر المثل إذا لم يجد الأب متبرعة، وإن دعا الأب إلى ms8573 ~~أجر المثل، وامتنعت الأم لتطلب شططا، فالأب أولى به، فإن أعسر الأب ~~بأجرتها أجبرت على رضاع ولدها. ### || [65.7] # قوله: { لينفق }. # هذه قراءة العامة: أعني كسر اللام، وجزم المضارع بها. # وحكى أبو معاذ القارىء: " لينفق " بنصب الفعل على أنها لام " كي " ~~نصب الفعل بعدها بإضمار " أن " ويتعلق الحرف حينئذ بمحذوف، أي: شرعنا ذلك ~~لينفق. # وقرأ العامة: " قدر " مخففا. # وابن أبي عبلة: " قدر " مشددا. # فصل في وجوب النفقة للولد على الوالد # قال القرطبي: هذه الآية أصل وجوب النفقة للولد على الوالد دون الأم، ~~خلافا لمحمد بن المواز إذ يقول: إنها على الأبوين على قدر الميراث. # قال ابن العربي: ولعل محمدا أراد أنها على الأم عند عدم الأب، وفي ~~البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " تقول لك المرأة: أنفق علي وإلا طلقني، ويقول لك ~~العبد: أنفق علي واستعملني، ويقول لك ابنك: أنفق ~~علي إلى من تكلني؟ " # فقد تعارض القرآن [والسنة] وتواردا في شرعة واحدة. # قوله: { لا يكلف الله نفسا إلا مآ آتاها } من المال، ~~والمعنى لا يكلف الله الفقير مثل ما يكلف الغني { سيجعل الله ~~بعد عسر يسرا } أي: بعد الضيق غنى وبعد الشدة سعة. # فصل في اختلاف الزوجين في قبض النفقة # قال ابن تيمية: إذا ختلف الزوجان في قبض النفقة والكسوة، فقال القاضي ~~أبو يعلى وأتباعه: إن القول قول الزوجة، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي ~~كما لو اختلف اثنان في قبض سائر الحقوق مثل الصداق، وثمن المبيع ونحو ~~ذلك، ومذهب مالك بخلاف ذلك. # وقال الغزالي: فيها وجهان: وحسنوا قول الزوج. # قال ابن تيمية: وكذلك يجيء لأصحاب أحمد وجهان كما لو كان الصداق منفعة ~~حصلت لها، فقالت: حصلت من غيرك وقال: بل حصلت مني مثل أن يصدقها تعليم ~~قصيدة أو غيرها مما يجوز جعله صداقا فإنها إذا تعلمت من غيره كان عليه ~~الأجرة، فإن قال: أنا علمتها وقالت: بل غيره، ففيها وجهان، فهكذا في ~~النفقة، فإنها لا بد أن تكون قد ارتزقت في الزمن الماضي، وهو يقول: ~~أنا رزقتها، وهي تقول: بل ms8574 غيره. # والصواب المقطوع به أنه لا يقبل قولها في ذلك مطلقا؛ فإن هذا فيه ~~فساد عظيم على هذا القول في مذهب الشافعي، وقول أحمد الموافق له ولا ~~يجيء ذلك على مذهب مالك، ولا على مذهب أبي حنيفة، وقول أحمد الموافق له؛ ~~فإنا إذا قلنا: إن نفقة الزوجة تسقط بمضي الزمان لم يقبل دعواها بالنفقة ~~الماضية، وإنما يجيء على قولنا إن نفقة الزوجة لا تسقط بمضي الزمان، كما ~~هو المشهور من مذهب أحمد، وهو قول الشافعي. # والعمدة في ذلك الأمر المعروف عن عمر بن الخطاب؛ قال ابن المنذر: ~~إن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غلبوا ~~عن نسائهم فأمرهم أن ينفقوا، أو يطلقوا؛ فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما مضى، ~~وليس قبول الزوجة في ذلك مأثورا عن أحمد، ولا ملائما لأصوله، فإنه في ~~تداعي الزوجين وغيرهما يرجح من تشهد له اليد الحكمية العرفية دون اليد ~~الحسية، ومعلوم أن المدعى عليه يترجح تارة باليد في الأعيان وببراءة ~~الذمة في الحقوق، فكما أن في اليد لم يلتفت إلى مجرد الحس، بل يرجع ~~إلى اليد الحكمية التي يستدل عليها بالأفعال والتصرفات؛ إذ الأصل في ~~الدعاوى ترجيح من الظاهر معه. # والظهور يستدل عليه بالأفعال والتصرفات والأمور العادية، كما يستدل ~~عليها بمجرد اليد الحسية، فإذا كانت العادة الغالبة والعرف المعروف يقتضي ~~وجود فعل لم يكن الظاهر عدمه حتى يرجح قول من يدعي عدمه. # وهذا ينبني على أصول: # أحدها: أنه قد وجد كسوة ونفقة وإنما تنازعا في المنفق، فقال هو: مني، ~~وقالت هي: من غيرك، فهنا الأصل عدم غيره، ثم إنها تطالب بتعيين ذلك ~~الغير، فإن ادعت ممتنعا لم يقبل بحال، وإن ادعت ممكنا فهو محل ~~التردد، فإن إنفاقه واجب، والأمر الحادث يضاف إلى السبب القوي دون ~~الضعيف. # والأصل الثاني: أن العادة والعرف إذا قضي بوجود أمر فهل القول قول ~~نافيه، أو قول مثبته. # والأصل الثالث: أن ما يتعذر إقامة البينة عليه لا يكلف إقامة البينة ~~عليه كالوطء، ومن المعلوم أن المعاشرة ms8575 بالمعروف التي أمر الله بها ورسوله ~~ليس فيها شهادة على المرأة بذلك؛ لأن ذلك ليس من الأمر بالمعروف، ولهذا ~~لم يفعله أحد على عهد سلف الأمة ولا يفعله جماهير بني آدم، وفعله إما ~~متعذر أو متعسر، فإنه إن أطعمها مما يأكل فليس عنده من يشهد على إطعامها ~~وإن ناولها طعاما كل يوم فمن المتعسر شهود في كل وقت، وقد يكونان ~~ساكنين حيث لا شهود، وهذا ظاهر بين. # الأصل الرابع: أن المرأة مفرطة بترك أخذ نفقتها منه بالمعروف، ومطالبته ~~بها إذا كان لا ينفق، بخلاف ما إذا كان غائبا، وهي الصورة التي روي عن ~~عمر أنه أمر فيها بنفقة الماضي، بل قد يقال: إن ذلك رضا منها بترك ~~النفقة، وليس هذا قولا بسقوط النفقة في الماضي، بل بأن هذا دليل من جهة ~~العرف على أنها إما أن تكون قد أنفق عليها، أو تكون راضية بترك النفقة. # وهذا أصل خامس: وهو أن العادة المعروفة تدل على أن المرأة إذا سكتت مدة ~~طويلة عن المطالبة بالنفقة مع القدرة على الطلب كانت راضية بسقوطها. # فصل في النفقة والكسوة بالمعروف # وأما النفقة والكسوة بالمعروف وهي الواجبة بنص القرآن، فهو ما كان في ~~عرف الناس في حالهما نوعا وقدرا وصفة، وإن كان ذلك يتنوع بتنوع ~~حالهما من اليسار والإعسار والزمان كالشتاء والصيف والليل والنهار، ~~والمكان فيطعمها في كل بلد مما هو عادة أهل البلد والعرف عندهم. # وقال بعضهم: هي مقدرة بالشرع نوعا وقدرا مدا من حنطة، أو مدا ~~ونصفا أو مدين قياسا على الإطعام الواجب في الكفارة. والصواب المقطوع ~~به ما عليه الأمة علما وعملا قديما وحديثا لقول الله تعالى: # رزقهن وكسوتهن بالمعروف # [البقرة: 233]، وقوله - عليه الصلاة والسلام - لهند: # " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " # ولم يقدر لها نوعا ولا قدرا، ولو كان ذلك مقدرا بشرع لبينه لها ~~قدرا ونوعا كما بين فرائض الزكوات والديات. # وقال - عليه الصلاة والسلام - في خطبته ب " عرفات ": # " ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ". # ومن المعلوم أن الكفاية بالمعروف تتنوع بحال الزوجة في ms8576 حاجتها، وبتنوع ~~الزمان والمكان وبتنوع حال الزوج في يساره وإعساره، فليست كسوة القصيرة ~~الضئيلة ككسوة الطويلة الجسيمة، ولا كسوة الشتاء ككسوة الصيف ولا كفاية ~~طعام الشتاء مثل طعام الصيف ولا طعام البلاد الحارة كالباردة، ولا ~~المعروف في بلاد التمر والشعير كالمعروف في بلاد الفاكهة والخبز. # " وقال - عليه الصلاة والسلام - للذي سأله: ما حق زوجة أحدنا ~~عليه؟. # قال " تطعمها إذا أكلت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا ~~تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت " ". # وهكذا قال في نفقة المماليك: # " هم إخوانكم وخولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن ~~كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه ~~مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم ~~فأعينوهم ". # ففي الزوجة والمملوك أمر واحد، فالواجب على هذا هو الرزق والكسوة ~~بالمعروف في النوع، والقدرة، وصفة الإنفاق. # فأما النوع فلا يتعين أن يعطيها مكيلا كالبر، ولا موزونا كالخبز، ~~ولا ثمن ذلك كالدراهم، بل يرجع في ذلك إلى العرف، فإذا أعطاها كفايتها ~~بالمعروف مثل أن تكون عادتهم أكل التمر والشعير فيعطيها ذلك، أو تكون ~~عادتهم أكل الخبز والأدم، فيعطيها ذلك والطبيخ، فيعطيها ذلك، وإن كان ~~عادتهم أن يعطيها حبا فتطحنه في البيت فعل ذلك، وإن كان يطحن في ~~الطاحون ويخبز في البيت فعل ذلك، وإن كان يخبز في غير البيت فعل ذلك، ~~وإن كان يشتري مخبوزا من السوق فعل ذلك، وكذلك الطبيخ ونحوه، فذلك ~~هو المعروف فلا يتعين عليه دراهم ولا حب أصلا، فإن تعيين ذلك من ~~المنكر ليس من المعروف، وهو مصر بها تارة، وبه تارة، وبهما أخرى، وكذلك ~~القدر لا يتعين مقدرا مطردا، بل تتنوع المقادير بتنوع الأوقات. # وأما الإنفاق، فقد قيل: إن الواجب تمليكها النفقة والكسوة. # وقيل: لا يجب التمليك، وهو الصواب، فإن ذلك ليس من المعروف، بل عرف ~~النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون إلى يومنا هذا أن الرجل يأتي بالطعام ~~إلى منزلة فيأكل هو وزوجته ومملوكه جميعا تارة، وتارة أفرادا، ويفضل ~~منه فضل تارة فيدخرونه، ولا يعرف المسلمون أنه يملكها كل يوم تتصرف ms8577 فيها ~~تصرف الملاك، بل من عاشر امرأته بمثل هذا كان عند المسلمين قد تعاشرا ~~بغير المعروف، وتضارا في العشرة، وإنما يفعل أحدهما ذلك بصاحبه عند ~~الضرار لا عند العشرة بالمعروف. # وأيضا فالنبي صلى الله عليه وسلم أوجب للزوجة مثل ما أوجب للمملوك كما ~~تقدم. # وقد اتفق المسلمون على أنه لا يجب تمليك المملوك نفقته، فدل على عدم ~~وجوب التمليك في حق الزوجة. # وإذا تنازع الزوجان فمتى اعترفت الزوجة أنه يطعمها إذا أكل، ويكسوها إذا ~~اكتسى، وكان ذلك هو المعروف لمثلها في بلدها، فلا حق لها سوى ذلك، وإن ~~أنكرت ذلك فعلى الحاكم أن يجبره أن ينفق بالمعروف، ليس على الحاكم بل ولا ~~له أن يأمر بدراهم مقدرة مطلقا أو حب مقدر مطلقا، لكن يذكر المعروف ~~الذي يليق بهما. # فصل في تفسير الآية # قال القرطبي في قوله تعالى: { لينفق ذو سعة } أي: " لينفق الزوج ~~على زوجته وعلى ولده الصغير على قدر وسعه، فيوسع إذا كان موسعا عليه، ~~ومن كان فقيرا فعلى قدر ذلك، فتقدر النفقة بحسب حال المنفق والحاجة من ~~المنفق عليه بالاجتهاد على مجرى العادة ". # وقال الشافعي رحمه الله: النفقة محدودة، ولا اجتهاد للحاكم ولا المفتي ~~فيها وتقديرها هو بحال الزوج وحده من يسره وعسره، ولا اعتبار ~~بحالها، فيجب لابنة الخليفة ما يجب لابنة الحارس، فيلزم الزوج الموسر ~~مدان، والمتوسط مد ونصف والمعسر مد؛ لظاهر قوله تعالى: { لينفق ~~ذو سعة من سعته }. # فجعل الاعتبار بحال الزوج في اليسر والعسر؛ ولأن الاعتبار بحالها ~~يؤدي إلى الخصومة؛ لأن الزوج يدعي أنها تطلب فوق كفايتها، وهي تزعم أنها ~~تطلب قدر كفايتها، فقدرت قطعا للخصومة لهذه الآية، ولقوله تعالى: # على الموسع قدره وعلى المقتر قدره # [البقرة: 236]. # وأجاب القرطبي: بأن هذه الآية لا تعطي أكثر من الفرق بين الغني والفقير، ~~وأنها تختلف بعسر الزوج ويسره، فأما أنه لا اعتبار بحال الزوجة فليس ~~فيها، وقد قال تعالى: # وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف # [البقرة: 233]، وذلك يقتضي تعلق المعروف في حقها؛ لأنه لم يخص في ذلك ~~واحدا ms8578 منهما، وليس من المعروف أن يكون كفاية الغنيمة مثل نفقة الفقيرة، ~~وقد قال عليه الصلاة والسلام لهند: # " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " # فأحالها على الكفاية حين علم السعة من حال أبي سفيان. ### || [65.8-11] # قوله: { وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ~~ورسله }. # لما ذكر الأحكام ذكر وحذر مخالفة الأمر، وذكر عتو وحلول العذاب ~~بهم، وتقدم الكلام في " كأين " في " آل عمران ". # قوله: { عتت عن أمر ربها }. # ضمن " عتت " معنى أعرض، كأنه قيل: أعرضت بسبب عتوها، أي: عتت يعني ~~القرية والمراد أهلها. # وقوله: { فحاسبناها } إلى آخره. يعني في الآخرة، وأتى به بلفظ ~~الماضي لتحققه. # وقيل: العذاب في الدنيا، فيكون على حقيقته، أي جازيناها بالعذاب في ~~الدنيا { وعذبناها عذابا نكرا } في الآخرة وقيل: في ~~الكلام تقديم وتأخير، أي: فعذبناها عذابا نكرا في الدنيا بالجوع ~~والقحط والسيف والخسف والمسخ وسائر المصائب، وحاسبناها في الآخرة ~~حسابا شديدا. # والنكر: المنكر، وقرىء مخففا ومثقلا، وقد مضى في سورة الكهف. # قوله: { فذاقت وبال أمرها }. أي: عاقبة كفرها { وكان ~~عاقبة أمرها خسرا } أي: هلاكا في الدنيا بما ذكرنا وفي ~~الآخرة بجهنم. # قوله: { أعد الله لهم }. # تكرير للوعيد توكيدا. # وجوز الزمخشري أن يكون " عتت " وما عطف عليه صفة ل " قرية " ، ~~ويكون الخبر ل " كأي " في الجملة من قوله: { أعد الله لهم ~~}. # وعلى الأول يكون الخبر " عتت " وما عطف عليه. # قوله: { الذين آمنوا }. # منصوب بإضمار أعني، بيانا للمنادى في قوله: { يأولي الألباب } ~~أي: العقول، ويكون عطف بيان للمنادى أو نعتا له، ويضعف كونه بدلا ~~لعدم حلوله محل المبدل منه. # قوله: { قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا }. # في نصب " رسولا " أوجه: # أحدها: قال الزجاج والفارسي: إنه منصوب بالمصدر المنون قبله؛ لأنه ينحل ~~لحرف مصدري وفعل، كأنه قيل: أن ذكر رسولا، ويكون ذكره الرسول قوله # محمد رسول الله # [الفتح: 29]، والمصدر المنون عامل كقوله تعالى: # أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما # [البلد: 14، 15]. # وقول الآخر: [الوافر] # 4783 - بضرب بالسيوف رءوس قوم # أزلنا هامهن عن المقيل # الثاني: أنه جعل نفس الذكر مبالغة، ويكون محمولا ms8579 على المعنى، كأنه قال: ~~قد أظهر لكم ذكرا رسولا، فيكون من باب بدل الشيء من الشيء وهو هو. # الثالث: أنه بدل منه على حذف مضاف من الأول، تقديره: أنزل ذا ذكر ~~رسولا. # الرابع: كذلك، إلا أن " رسولا " نعت لذلك المحذوف. # الخامس: أنه بدل منه على حذف مضاف، أي ذكرا ذا رسول. # السادس: أن يكون " رسولا " نعتا ل " ذكرا " أو على حذف مضاف، ~~أي: ذكرا ذا رسول، و " ذا " رسول نعتا ل " ذكرا ". # السابع: أن يكون " رسولا " بمعنى رسالة، فيكون " رسولا " بدلا صريحا ~~من غير تأويل، أو بينا عند من يرى جريانه في النكرات كالفارسي، إلا أن ~~هذا يبعده قوله " يتلو عليكم " لأن الرسالة لا تتلو إلا بمجاز. # الثامن: أن يكون " رسولا " منصوب بفعل مقدر، أي: أرسل رسولا، لدلالة ~~ما تقدم عليه. # قال البغوي: كأنه قيل: أنزل إليكم قرآنا وأرسل رسولا. # وقيل: مع رسول. # التاسع: أن يكون منصوبا على الإغراء: أي: اتبعوا والزموا رسولا هذه ~~صفته. # فصل في قوله: رسولا # اختلف الناس في " رسولا " ، هل هو النبي صلى الله عليه وسلم أو القرآن ~~نفسه أو جبريل. # قال الزمخشري: " هو جبريل أبدل من " ذكرا " لأنه وصف بتلاوة آيات الله، ~~فكان إنزاله في معنى إنزال الذكر، فصح إبداله منه ". # قال أبو حيان: " ولا يصح هذا لتباين المدلولين بالحقيقة، ولكونه لا ~~يكون بدل بعض، ولا بدل اشتمال ". انتهى. # قال شهاب الدين: " وهذا الذي قاله الزمخشري سبقه إليه الكلبي، وأما ~~اعتراضه عليه، فغير لازم؛ لأنه بولغ فيه حتى جعل نفس الذكر كما تقدم ~~بيانه ". # وقرىء: " رسول " بالرفع على إضمار مبتدأ، أي: هو رسول. # وقيل: الذكر هنا الشرف كقوله تعالى: # لقد أنزلنآ إليكم كتابا فيه ذكركم # [الأنبياء: 10] وقوله تعالى: # وإنه لذكر لك ولقومك # [الزخرف: 44] ثم بين الشرف فقال: " رسولا " ، والأكثر على أن المراد ~~بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم. # وقال الكلبي: هو جبريل، فيكونان جميعا منزلين. # قوله: { يتلو عليكم آيات الله }. نعت ل " الرسول " ، و " ~~آيات الله " القرآن. و " مبينات " قرأ العامة: بفتح الياء، أي: ~~يبينها ms8580 الله، وبها قرأ ابن عباس، وهي اختيار أبي عبيد، وأبي حاتم، لقوله ~~تعالى: # قد بينا لكم الآيات # [آل عمران: 118]. # وقرأ ابن عامر، وحفص، وحمزة، والكسائي: بكسرها، أي: يبين لكم ما تحتاجون ~~إليه من الأحكام. # قوله: { ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من ~~الظلمات إلى النور }. الجار متعلق إما ب " أنزل " وإما ب " ~~يتلو ". # وفاعل " يخرج " إما ضمير الباري - تعالى - المنزل، أو ضمير الرسول، أو ~~الذكر. # والمراد بالذين آمنوا من سبق له ذلك في علم الله. # وقوله: { من الظلمات إلى النور }. أي: من الكفر إلى الهدى ~~والإيمان. # قال ابن عباس: نزلت في مؤمني أهل الكتاب، وأضاف الإخراج إلى الرسول؛ ~~لأن الإيمان إنما حصل بطاعته. # قوله: { ومن يؤمن }. هذا أحد المواضع التي روعي فيها اللفظ أولا ~~ثم المعنى ثانيا، ثم اللفظ آخرا. # قوله: { يدخله جنات } قرأ نافع وابن عامر: بالنون، والباقون: ~~بالياء. # وقوله: " خالدين ". قال بعضهم: ليس قوله " خالدين " فيه ضمير عائد ~~على " من " إنما يعود على مفعول " يدخله " و " خالدين " حال منه ~~والعامل فيه " يدخله " لا فعل الشرط. # هذه عبارة أبي حيان. # وفيها نظر، لأن " خالدين " حال من مفعول " يدخله " عند القائلين ~~بالقول الأول، وكان إصلاح العبارة أن يقال: حال من مفعول " يدخله " ~~الثاني وهو " جنات ". والخلود في الحقيقة لأصحابها، وكان ينبغي على ~~رأي البصريين أن يقال: " خالدين هم فيها " لجريان الوصف على غير من هو ~~له. # قوله: { قد أحسن الله }. حال ثانية، أو حال من الضمير في " ~~خالدين " ، فتكون متداخلة. ومعنى قوله: { قد أحسن الله له ~~رزقا } ، أي: وسع له في الجنات. ### || [65.12] # قوله: { الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض ~~مثلهن }. # يدل على كمال قدرته وأنه يقدر على البعث والمحاسبة، ولا خلاف في أن ~~السماوات سبع بعضها فوق بعض بدليل حديث الإسراء وغيره، وقوله: { ومن ~~الأرض مثلهن } يعني سبعا، واختلف فيهن. # فقال الجمهور: إنها سبع أرضين مطبقا بعضها فوق بعض بين كل أرض وأرض ~~مسافة كما بين السماء والأرض وفي كل مكان من خلق الله. # وقال الضحاك: { ومن الأرض مثلهن ms8581 } أي: سبعا من الأرضين، ~~ولكنها مطبقة بعضها فوق بعض من غير فتوق بخلاف السماوات. # قال القرطبي: والأول أصح؛ لأن الأخبار دالة عليه كما روى البخاري ~~وغيره، روى أبو مروان عن أبيه: # " أن كعبا حلف له بالله الذي فلق البحر لموسى أن صهيبا حدثه أن محمدا ~~صلى الله عليه وسلم لم ير قرية يريد دخولها إلا قال حين يراها: " ~~اللهم رب السموات السبع وما أظللن، ورب الأرضين ~~السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح ~~وما أذررن، إنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها، ~~ونعوذ بك من شرها وشر أهلها، ومن شر من فيها " ". # وروى مسلم عن سعيد بن زيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه يوم القيامة من ~~سبع أرضين ". # قال الماوردي: وعلى أنها سبع أرضين تختص دعوة أهل الإسلام بإهل الأرض ~~العليا ولا يلزم فيمن غيرها من الأرضين وإن كان فيها من يعقل من خلق ~~مميز، وفي مشاهدتهم السماء واستمدادهم الضوء منها قولان: # أحدهما: أنهم يشاهدون من كل جانب من أرضهم، ويستمدون الضياء منها، وهذا ~~قول من جعل الأرض مبسوطة. والثاني: أنهم لا يشاهدون السماء، وأن الله ~~تعالى خلق لهم ضياء يشاهدونه، وهذا قول من جعل الأرض كرة. # وحكى الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس: أنها سبع أرضين منبسطة ليس ~~بعضها فوق بعض يفرق بينها البحار، وتظل جميعهم السماء، فعلى هذا إن لم ~~يكن لأحد من أهل الأرض وصول إلى أرض أخرى اختصت دعوة الإسلام بأهل هذه ~~الأرض، وإن كان لقوم منهم وصول إلى أرض أخرى، احتمل أن يلزمهم دعوة ~~الإسلام لإمكان الوصول إليهم لأن فصل البحار إذا أمكن سلوكها لا يمنع من ~~لزوم ما عم حكمه، واحتمل ألا يلزمهم دعوة الإسلام؛ لأنها لو لزمتهم لكان ~~النص بها واردا، ولكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مأمورا بها. # قال بعض العلماء: السماء في اللغة عبارة عما علاك، ففلك القمر بالنسبة ~~إلى السماء الثانية أرض، وكذلك السماء الثانية ms8582 بالنسبة إلى الثالثة أرض ~~وكذلك البقية بالنسبة إلى ما تحته سماء وبالنسبة إلى ما فوقه أرض، فعلى ~~هذا تكون السماوات السبع وهذه سبع سماوات وسبع أرضين. # قوله: { مثلهن }. قرأ العامة: بالنصب، وفيه وجهان: # أحدهما: أنه عطف على سبع سموات. قاله الزمخشري. # واعترض عليه أبو حيان بلزوم الفصل بين حرف العطف، وهو على حرف واحد ~~وبين المعطوف بالجار والمجرور، وهو مختص بالضرورة عند أبي علي. # قال شهاب الدين: وهذا نظير قوله: # آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة # [البقرة: 201] عند ابن مالك، وتقدم تحريره في سورة البقرة والنساء، وهو ~~عند قوله: # وإذا حكمتم بين الناس # [النساء: 58]، # ومن ورآء إسحاق يعقوب # [هود: 71]. # والثاني: أنه منصوب بمقدر بعد الواو، أي: خلق مثلهن من الأرض. # واختلف الناس في المثلية. # فقيل: مثلها في العدد. # وقيل: في بعض الأوصاف؛ فإن المثلية تصدق بذلك، والأول المشهور. # وقرأ عاصم في رواية: " مثلهن " بالرفع على الابتداء، والجار قبله ~~خبره. # قوله: { يتنزل الأمر بينهن }. # يجوز أن يكون مستأنفا وأن يكون نعتا لم قبله. قاله أبو البقاء. # وقرأ أبو عمرو في رواية، وعيسى: " ينزل " بالتشديد، أي: الله، " ~~الأمر " مفعول به. والضمير في " بينهن " عائد على " السماوات ~~والأرضين " عند الجمهور، أو على السموات والأرض عند من يقول: إنها أرض ~~واحدة. # وقوله: { لتعلموا }: متعلق ب " خلق " أو ب " يتنزل ". # والعامة: " لتعلموا " بتاء الخطاب، وبعضهم بياء الغيبة. # فصل في تفسير الآية # قال مجاهد: يتنزل الأمر من السماوات السبع إلى الأرضين السبع. # وقال الحسن: بين كل سماءين أرض وأمر. # والأمر هنا الوحي في قول مقاتل وغيره، وعلى هذا يكون " بينهن " ~~إشارة إلى بين هذه الأرض العليا التي هي أدناها، وبين السابعة التي هي ~~أعلاها. # وقيل: الأمر هنا القضاء والقدر، وهو قول الأكثرين، فعلى هذا يكون المراد ~~بقوله تعالى: { بينهن } إشارة إلى ما بين الأرض السفلى التي هي ~~أقصاها وبين السماء السابعة التي هي أعلاها. # وقيل: { يتنزل الأمر بينهن } بحياة بعض، وموت بعض، غنى ~~قوم، وفقر قوم. # وقيل: ما يدبر فيهن من عجيب تدبيره، فينزل المطر، ms8583 ويخرج النبات، ~~ويأتي بالليل والنهار والصيف والشتاء، ويخلق الحيوانات على اختلاف ~~أنواعها وهيئاتها فينقلهم من حال إلى حال. # قال ابن كيسان: وهذا على اتساع اللغة، كما يقال للموت: أمر الله، ~~وللريح والسحاب ونحوهما. # قال قتادة: في كل أرض من أرضه، وسماء من سمائه خلق من خلقه، وأمر من ~~أمره وقضاء من قضائه. # { لتعلموا أن الله على كل شيء قدير } ، أي: من ~~قدر على هذا الملك العظيم، فهو على ما بينهما من خلقه أقدر من العفو، ~~والانتقام أمكن، وإن استوى كل ذلك في مقدوره ومكنته، { وأن الله ~~قد أحاط بكل شيء علما } ، فلا يخرج شيء عن علمه وقدرته. # ونصب " علما " على المصدر المؤكد؛ لأن " أحاط " بمعنى " علم ". # وقيل: بمعنى: وأن الله أحاط إحاطة. # روى الثعلبي عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله: صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة { يأيها النبي إذا طلقتم ~~النسآء } مات على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ". ### | [66 - سورة التحريم] ### || [66.1-2] # قوله تعالى: { يأيها النبي لم تحرم مآ أحل ~~الله لك }؟. # قال ابن الخطيب: وجه تعلق هذه السورة بما قبلها، وذلك لاشتراكهما في ~~الأحكام المخصوصة بالنساء، واشتراك الخطاب في الطلاق في أول تلك السورة ~~يشترك مع الخطاب بالتحريم في أول هذه السورة؛ لأن الطلاق في أكثر الصور ~~يشتمل على تحريم ما أحل الله. # وأما تعلق أول هذه السورة بآخر السورة فلأن المذكور في آخر تلك السورة ~~يدل على عظمة حضرة الله تعالى وعلى كمال قدرته وعلمه، ولما كان خلق ~~السماوات والأرض، وما بينهما من العجائب والغرائب مما ينافي القدرة على ~~تحريم ما أحل الله، فلهذا قال: { لم تحرم مآ أحل الله ~~لك }. # فصل في سبب نزول الآية # ثبت في صحيح مسلم عن عائشة - رضي الله عنها - # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش، فيشرب عندها ~~عسلا، قالت: فتواطأت أنا وحفصة أن أيتنا دخل النبي صلى الله عليه ~~وسلم عليها فلتقل: إني أجد ريح مغافير، فدخل على إحداهما، فقالت له ms8584 ذلك، ~~فقال: بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش، ولن أعود له، فنزل: { لم ~~تحرم مآ أحل الله لك } إلى قوله: { إن تتوبآ } لعائشة ~~وحفصة ". # وعنها أيضا قالت: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء والعسل، فكان إذا صلى ~~العصر دار على نسائه، فدخل على حفصة، فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس ~~فسألت عن ذلك، فقيل لي: أهدت لها امرأة من قومها عكة عسل، فسقت منه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم شربة، فقلت: أما - والله - لنحتالن له، فذكرت ~~ذلك لسودة، وقلت إذا دخل عليك فإنه سيدنو منك، فقولي له: يا رسول ~~الله، أكلت مغافير؟ فإنه سيقول لك: لا، فقولي له: ما هذه الريح، وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتد عليه أن يوجد منه الريح؛ فإنه سيقول ~~لك: سقتني حفصة شربة عسل، فقولي: جرست نحله العرفط، وسأقول ~~ذلك له، وقوليه أنت يا صفية، فلما دخل على سودة قالت سودة: والذي لا إله ~~إلا هو، لقد كدت أن أبادئه بالذي قالت لي، وإنه لعلى الباب، فرقا منك، ~~فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: يا رسول الله، أكلت مغافير؟ ~~قال: لا، قلت: فما هذه الريح؟ قال: سقتني حفصة شربة عسل، قالت: جرست ~~نحله العرفط، فلما دخل علي قلت له مثل ذلك، ثم دخل على صفية، ~~فقالت مثل ذلك، فلما دخل على حفصة، قالت له: يا رسول الله، ألا أسقيك ~~منه؟ قال: لا حاجة لي به، قالت: تقول سودة: سبحان الله، لقد حرمناه، ~~قالت: قلت لها: اسكتي ". # ففي هذه الرواية أن التي شرب عندها النبي صلى الله عليه وسلم العسل ~~حفصة، وفي الأولى زينب. # وروى ابن أبي مليكة عن ابن عباس: أنه شربه عند سودة. # وقد قيل: إنما هي أم سلمة، رواه أسباط عن السدي. # وقال عطاء بن أبي مسلم. # قال ابن العربي: " وهذا كله جهل، أو تصور بغير علم ". # فقال باقي نساه حسدا وغيرة لمن شرب ذلك عندها: إنا لنجد منك ريح ~~المغافير. # والمغافير: بقلة ms8585 أو صمغة متغيرة الرائحة، فيها حلاوة، واحدها: مغفور. # وجرست: أكلت، والعرفط: نبت له ريح كريح الخمر. # وكان - عليه الصلاة والسلام - يعجبه أن يوجد منه الريح الطيبة، ويكره ~~الريح الخبيثة لمناجاة الملك. # وقال ابن عباس: أراد بذلك المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه ~~وسلم فلم يقبلها، والمرأة أم شريك، قاله عكرمة. # وقيل: إن التي حرم مارية القبطية، وكان قد أهداها له المقوقس ملك " ~~الإسكندرية ". # قال ابن إسحاق: هي من كورة " أنصنا " من بلد يقال له: " حفن " ، ~~فواقعها في بيت حفصة. # روى الدارقطني عن ابن عباس عن عمر رضي الله عنهم قال: # " دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم ولده، مارية في بيت حفصة، ~~فوجدته حفصة معها، فقالت له: تدخلها بيتي؟ ما صنعت بي هذا من بين نسائك ~~إلا من هواني عليك، فقال لها: لا تذكري هذا لعائشة، فهي علي حرام إن ~~قربتها، قالت حفصة: فكيف تحرم عليك وهي جاريتك؟ فحلف لها ألا يقربها، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تذكريه لأحد " ، فذكرته ~~لعائشة، فآلى لا يدخل على نسائه شهرا، فاعتزلهن تسعا وعشرين ليلة، ~~فأنزل الله تعالى: { يأيها النبي لم تحرم مآ أحل ~~الله لك } " # الآية. # قال القرطبي: أصح هذه الأقوال أولها، وأضعفها أوسطها. # قال ابن العربي: " أما ضعفه في السند، فلعدم عدالة رواته، وأما ضعفه في ~~معناه فلأن رد النبي صلى الله عليه وسلم الموهوبة ليس تحريما لها؛ لأن ~~من رد ما وهب له لم يحرم عليه، إنما حقيقة التحريم بعد التحليل، ~~وأما ما روي أنه حرم مارية القبطية، فهو أمثل في السند، وأقرب إلى ~~المعنى، لكنه لم يدون في الصحيح بل روي مرسلا، وإنما الصحيح أنه كان في ~~العسل، وأنه شربه عند زينب، وتظاهرت عليه عائشة وحفصة، فحلف أن لا يشربه، ~~وأسر ذلك، ونزلت الآية في الجميع ". # فصل في هل التحريم يمين؟ # قوله تعالى: { لم تحرم } إن كان النبي صلى الله عليه وسلم حرم ولم ~~يحلف، فليس ذلك بيمين، ولا يحرم قول الرجل: " هذا علي حرام ms8586 " شيئا، ~~حاشا الزوجة. # وقال أبو حنيفة: أذا أطلق حمل على المأكول والمشروب، دون الملبوس، وكانت ~~يمينا توجب الكفارة. # وقال زفر: هو يمين في الكل، حتى في الحركة والسكون، واستدل المخالف بأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم حرم العسل، فلزمته الكفارة، وقد قال تعالى: ~~{ قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } فسماه يمينا. # قال القرطبي: ودليلنا قول الله تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل ~~الله لكم ولا تعتدوا # [المائدة: 87]. وقوله تعالى: # قل أرأيتم مآ أنزل الله لكم من رزق ~~فجعلتم منه حراما وحلالا قل ءآلله أذن لكم ~~أم على الله تفترون # [يونس: 59]. # فذم الله المحرم للحلال، ولم يوجب عليه كفارة. # قال الزجاج: ليس لأحد أن يحرم ما أحل الله، ولم يجعل لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم أن يحرم إلا ما حرم الله عليه. # فمن قال لزوجته أو أمته، أنت علي حرام، فإن لم ينو طلاقا، ولا ~~ظهارا فهذا اللفظ يوجب عليه كفارة يمين، ولو خاطب بهذا اللفظ جمعا من ~~الزوجات والإماء، فعليه كفارة واحدة. # ولو حرم على نفسه طعاما، أو شيئا آخر لم يلزمه بذلك كفارة عند الشافعي ~~ومالك، ويجب بذلك كفارة عند ابن مسعود والثوري وأبي حنيفة. # فصل في اختلافهم هل التحريم طلاق؟ # إذا قال الرجل لزوجته: " أنت علي حرام ". # قال القرطبي: " فيه ثمانية عشر قولا: # أحدها: لا شيء عليه، وبه قال الشعبي، ومسروق، وربيعة، وأبو سلمة، وأصبغ، ~~وهو عندهم كتحريم الماء، والطعام، قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل ~~الله لكم # [المائدة: 87]. والزوجة من الطيبات، ومما أحل الله. # وقوله تعالى: # ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا ~~حلال وهذا حرام # [النحل: 116]. # فما لم يحرمه الله، فليس لأحد أن يحرمه، ولا أن يصير بتحريمه حراما، ~~ولم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لما أحله الله: هو ~~حرام علي، وإنما امتنع من مارية ليمين تقدمت منه، وهو قوله: # " والله لا أقربها بعد اليوم ". # وروى البغوي في تفسيره: أن حفصة لما أخبرت عائشة، ms8587 غضبت عائشة، ولم ~~تزل بنبي الله حتى حلف ألا يقربها، فقيل له: { لم تحرم مآ ~~أحل الله لك }؟ أي: لم تمتنع منه بسبب اليمين، يعني: أقدم عليه، ~~وكفر. # وثانيها: أنه يمين يكفرها، قاله أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعبد ~~الله بن مسعود، وابن عباس، وعائشة - رضي الله عنهم - والأوزاعي، وهو ~~مقتضى الآية. # قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: إذا حرم الرجل عليه امرأته، فإنما ~~هي يمين بكفرها. # وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: لقد كان لكم في رسول الله ~~أسوة حسنة. # يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حرم جاريته، فقال تعالى: { لم ~~تحرم مآ أحل الله لك } إلى قوله: { قد فرض الله ~~لكم تحلة أيمانكم } فكفر عن يمينه، وصير الحرام ~~يمينا، خرجه الدارقطني. # وثالثها: أنه يجب فيها كفارة، وليست بيمين، قاله ابن مسعود؛ لأن معنى ~~اليمين عنده التحريم، فوقعت الكفارة على المعنى، والآية ترده. # ورابعها: هي ظهار، ففيها كفارة الظهار، قاله عثمان وأحمد بن حنبل ~~وإسحاق، ولأنه إنما حرم وطؤها، والظهار أقل درجات التحريم. # وخامسها: أنه إن نوى الظهار كان ظهارا، وإن نوى تحريم عينها عليه بغير ~~طلاق تحريما مطلقا وجبت كفارة يمين، وإن لم ينو فعليه كفارة يمين، ~~قاله الشافعي. # وسادسها: أنها طلقة رجعية، قاله عمر بن الخطاب، والزهري، وعبد العزيز بن ~~أبي سلمة وابن الماجشون. # وسابعها: أنها طلقة بائنة، قاله حماد بن أبي سليمان، وزيد بن ثابت، ~~ورواه ابن خويزمنداد عن مالك؛ ولأن الطلاق الرجعي لا يحرم المطلقة. # وثامنها: أنها ثلاث تطليقات. قاله علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وزيد ~~بن ثابت أيضا، وأبو هريرة؛ لأنه التحريم المتيقن. # وتاسعها: هي في المدخول بها ثلاث، وينوي في المدخول بها. قاله علي ابن ~~زيد والحسن والحكم، وهو مشهور مذهب مالك؛ لأن غير المدخول بها تبينها ~~الطلقة، وتحرمها. # وعاشرها: هي ثلاث، ولا ينوي بحال، ولا في محل، وإن لم يدخل بها، قاله ~~عبد الملك في " المبسوطة " ، وبه قال ابن أبي ليلى؛ لأنه أخذ بالحكم ~~الأعظم لهما؛ ms8588 لأنه لو صرح بالثلاث لغير المدخول بها لنفذ. # وحادي عشرها: هي في التي لم يدخل بها واحدة، وفي المدخول بها ثلاث، قاله ~~أبو مصعب، ومحمد بن الحكم. # وثاني عشرها: أنه إن نوى الطلاق، والظهار كان ما نوى، وإن نوى الطلاق ~~فواحدة بائنة إلا أن ينوي ثلاثا، فإن نوى اثنتين ألزمناه. # وثالث عشرها: أنه لا ينعقد نية الظهار، وإنما يكون طلاقا. قاله ابن ~~القاسم. # ورابع عشرها: قال يحيى بن عمر: يكون طلاقا، فإن ارتجعها لم يجز له ~~وطؤها، حتى يكفر كفارة الظهار. # وخامس عشرها: إن نوى الطلاق، فما أراد من أعداده، وإن نوى واحدة فهي ~~رجعية، وهو قول الشافعي - رضي الله عنه - وروي مثله عن أبي بكر وعمر ~~وغيرهم من الصحابة والتابعين. # وساس عشرها: إن نوى ثلاثا، فثلاثا، وإن نوى واحدة، فواحدة، وإن نوى ~~يمينا، فهي يمين، وإن لم ينو شيئا، فلا شيء عليه، وهو قول سفيان، وبه ~~قال الأوزاعي وأبو ثور، إلا أنهما قالا: لم ينو شيئا فهي واحدة. # وسابع عشرها: له نيته ولا يكون أقل من واحدة، قاله ابن شهاب، وإن لم ~~ينو شيئا لم يكن شيئا. # قال ابن العربي: " ورأيت لسعيد بن جبير، وهو: # الثامن عشر: أن عليه عتق رقبة وإن لم يجعلها ظهارا، ولست أعلم لها ~~وجها، ولا يبعد في المقالات عندي ". # قال القرطبي: وقد روى الدارقطني عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أنه أتاه ~~رجل فقال: إني جعلت امرأتي علي حراما، فقال: كذبت، ليست عليك بحرام، ~~ثم تلا: { يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله ~~لك }؟ عليك أغلظ الكفارات عتق رقبة، وقد قال جماعة من المفسرين: إنه ~~لما نزلت هذه الآية كفر عن يمينه بعتق رقبة، وعاد إلى مارية صلى الله ~~عليه وسلم قاله زيد بن أسلم وغيره ". # هذا كله في الزوجة، وأما الأمة [فليس] فيها شيء من ذلك إلا أن ينوي ~~العتق عند مالك، وذهب عامة العلماء إلى أن عليهن كفارة يمين. # قال ابن العربي: " والصحيح أنها طلقة واحدة؛ لأنه لو ذكر الطلاق لكان ms8589 ~~أقله، وهو الواحدة إلا أن يعدده، فكذلك إذا ذكر التحريم يكون أقله إلا أن ~~يقيده بالأكثر، مثل أن يقول: أنت علي حرام إلا بعد زوج، فهذا نصف في ~~المراد ". # فصل في هذا الاستفهام # قال ابن الخطيب: قال صاحب " النظم ": قوله: " لم تحرم " استفهام ~~بمعنى الإنكار، وذلك من الله نهي، وتحريم الحلال مكروه؛ لأن الحلال لا ~~يحرم إلا بتحريم الله تعالى. # فإن قيل: قوله: { لم تحرم مآ أحل الله لك } يوهم أن ~~هذا الخطاب بطريق العتاب، وخطاب النبي صلى الله عليه وسلم ينافي ذلك لما ~~فيه من التشريف والتعظيم؟. # فالجواب: أن هذا الخطاب ليس بطريق العتاب، بل بطريق التنبيه على أن ما ~~صدر منه لم يكن على ما ينبغي. # فإن قيل: تحريم ما أحل الله غير ممكن، فكيف قال: لم تحرم ما أحل ~~الله؟ فالجواب: أن المراد بهذا التحريم هو الامتناع من الانتفاع ~~بالأزواج؛ لاعتقاد كونه حراما بعدما أحله الله تعالى، فالنبي صلى الله ~~عليه وسلم امتنع عن الانتفاع بها مع اعتقاد كونها حلالا؛ فإن من اعتقد ~~أن هذا التحريم هو تحريم ما أحله الله - تعالى - فقد كفر، فكيف يضاف إلى ~~الرسول - عليه الصلاة والسلام - مثل هذا؟. # قوله: { تبتغي }. # يجوز أن يكون حالا من فاعل " تحرم " ، أي: لم تحرم مبتغيا به ~~مرضات أزواجك. # ويجوز أن يكون تفسيرا ل " تحرم ". # ويجوز أن يكون مستأنفا، فهو جواب للسؤال. # و " مرضات " اسم مصدر، وهو الرضا، وأصله " مرضوة ". # والمصدر هنا مضاف إما للمفعول، أو للفاعل، أي: ترضي أنت أزواجك أو أن ~~ترضين. # والمعنى: يفعل ذلك طلبا لرضاهن { والله غفور } أي: لما أوجب ~~المعاتبة { رحيم } برفع المؤاخذة. # قال القرطبي: " وقد قيل: إن ذلك كان ذنبا من الصغائر، والصحيح أنه ~~معاتبة على ترك الأولى، وأنه لم تكن له صغيرة، ولا كبيرة ". # قوله: { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم }. # { فرض الله لكم } أي: بين لكم، كقوله تعالى: # سورة أنزلناها وفرضناها # [النور: 1] وقيل: قد أوجب الله. # وقال صاحب " النظم ": إذا وصل " فرض " ب " على " لم تحتمل غير ~~الإيجاب كقوله: ms8590 # قد علمنا ما فرضنا عليهم # [الأحزاب: 50]، وإذا وصل باللام احتمل الوجهين. # قوله: { تحلة أيمانكم }. # تحليل اليمين كفارتها، أي: إذا أحللتم استباحة المحلوف عليه، وهو قوله ~~تعالى في سورة " المائدة ": # فكفارته إطعام عشرة مساكين # [الآية: 89]. # قال القرطبي: وتحصل من هذا أن من حرم شيئا من المأكول، أو المشروب لم ~~يحرم عليه؛ لأن الكفارة لليمين لا للتحريم، وأبو حنيفة يراه يمينا في كل ~~شيء، ويعتبر الانتفاع المقصود فيما يحرم، فإذا حرم طعاما فقد حلف على ~~أكله، أو أمة فعلى وطئها، أو زوجة فعلى الإيلاء منها إذا لم يكن له نية، ~~وإن نوى الظهار فظهار، وإن نوى الطلاق فطلاق بائن، وكذلك إن نوى ثنتين ~~أو ثلاثا، وإن قال: نويت الكذب دين فيما بينه وبين الله تعالى، ولا ~~يدين في القضاء بإبطال الإيلاء، وإن قال: كل حلال عليه حرام، فعلى الطعام ~~والشراب إذا لم ينو، وإلا فعلى ما نوى، ولا يراه الشافعي يمينا، ويكون ~~في الكفارة وجهان: # قوله: { تحلة }. # مصدر " حلل " مضعفا، نحو " تكرمة " ، وهذان ليسا [مقيسين]، فإن قياس ~~مصدر " فعل " " التفعيل " إذا كان صحيحا غير مهموز. # فأما المعتل اللام نحو " زكى " ومهموزها نحو: " نبأ " فمصدرهما " ~~تفعلة " نحو: " تزكية، وتنبئة ". # على أنه قد جاء " التفعيل " كاملا في المعتل، نحو: [الرجز] # 4784 - باتت تنزي دلوها تنزيا # وأصلها: " تحللة " ك " تكرمة " فأدغمت، وانتصابها على المفعول ~~به. # فصل في تكفير النبي عن هذه اليمين # قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم كفر عن يمينه. # وقال الحسن: لم يكفر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم ~~من ذنبه، وما تأخر. # وكفارة اليمين في هذه السورة إنما أمر بها الأمة، والأول أصح، وأن ~~المراد بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إن الأمة تقتدي به في ذلك، وقد ~~تقدم عن زيد بن أسلم أنه - عليه الصلاة والسلام - كفر بعتق رقبة. # وعن مقاتل: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتق رقبة في تحريم مارية. ~~والله أعلم. # فصل في الاستثناء في المين # قبل: قد فرض الله ms8591 لكم تحليل ملك اليمين، فبين في قوله تعالى: # ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله # [الأحزاب: 38]، أي: فيما شرعه له في النساء المحللات، أي: حلل لكم ملك ~~اليمين، فلم تحرم مارية في نفسك مع تحليل الله إياها لك. # وقيل: تحلة اليمين الاستثناء، أي: فرض الله لكم الاستثناء المخرج عن ~~اليمين، ثم عند قوم يجوز الاستثناء من الأيمان متى شاء، وإن تخلل ~~مدة. # وعند الجمهور لا يجوز إلا متصلا، فكأنه قال: " استثن بعد هذا فيما تحلف ~~عليه " وتحلة اليمين تحليلها بالكفارة. # قال القرطبي: " والأصل " تحللة " ، فأدغمت، و " تفعلة " من مصادر ~~" فعل " كالتوصية والتسمية، فالتحلية تحليل اليمين، فكأن اليمين عقد، ~~والكفارة حل وقيل: التحلة الكفارة، أي: أنها تحل للحالف ما حرم على ~~نفسه، أي إذا كفر صار كمن لم يحلف ". # فصل # قال ابن الخطيب: وتحلة القسم على وجهين: # أحدهما: تحليله بالكفارة كما في هذه الآية. # وثانيهما: أن يستعمل بمعنى الشيء القليل وهذا هو الأكثر، كما روي من ~~قوله - عليه الصلاة والسلام -: # " لن تلج النار إلا تحلة القسم " # أي: زمانا يسيرا. # وقرىء: " كفارة أيمانكم ". # قوله: { والله مولاكم }. # أي: وليكم وناصركم في إزالة الحظر، فيما تحرمونه على أنفسكم، وبالترخيص ~~لكم في تحليل أيمانكم بالكفارة، وبالثواب على ما تخرجونه في الكفارة { ~~وهو العليم الحكيم }. ### || [66.3-5] # قوله: { وإذ أسر }. # العامل فيه " اذكر " فهو مفعول به لا ظرف. # والمعنى: اذكر إذ أسر النبي إلى بعض أزواجه، يعني حفصة " حديثا " ~~يعني تحريم مارية على نفسه واستكتامه إياها ذلك. # وقال الكلبي: أسر إليها أن أباك عائشة يكونان [خليفتين] من بعدي على ~~أمتي. # وقال ابن عباس: أسر أمر الخلافة بعده إلى حفصة، فذكرته حفصة. # روى الدارقطني في سننه عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، في قوله ~~تعالى: { وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا ~~} ، قال: # " اطلعت حفصة على النبي صلى الله عليه وسلم مع أم إبراهيم، فقال: " لا ~~تخبري عائشة " ، قال: فانطلقت حفصة فأخبرت عائشة فأظهره الله عليه، ~~" فعرف بعضه، وأعرض عن بعض " ، قال: أعرض عن ms8592 قولها: " إن أباك ~~وأباها يكونان خليفتين من بعدي " " # كره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينشر ذلك بين الناس. # { فلما نبأت به } أخبرت عائشة لمصافاة كانت بينهما، وكانتا ~~متظاهرتين على زوجات النبي صلى الله عليه وسلم { وأظهره الله ~~عليه } أي: أطلعه الله على أنها قد نبأت به. # قوله: { فلما نبأت به }. # أصل " نبأ وأنبأ، وأخبر وخبر، وحدث " أن يتعدى لاثنين [إلى] ~~الأول بنفسها، وإلى الثاني بحرف الجر، وقد يحذف الجار تخفيفا، وقد يحذف ~~الأول للدلالة عليه، وقد جاءت الاستعمالات الثلاثة في هذه الآية فقوله: { ~~فلما نبأت به } تعدى لاثنين، حذف أولهما، والثاني مجرور ~~بالباء، أي: " نبأت به غيرها " ، وقوله: { فلما نبأها ~~به } ذكرهما، وقوله: { من أنبأك هذا } ذكرهما، وحذف الجار. # وقرأ طلحة بن مصرف: " فلما أنبأت " ، وهما لغتان " نبأ وأنبأ ~~". # قوله: { عرف بعضه }. # قرأ الكسائي: بتخفيف الراء. # قال القرطبي: " وبها قرأ علي، وطلحة بن مصرف، وأبو عبد الرحمن السلمي ~~وقتادة والكلبي والأعمش عن أبي بكر ". # قال عطاء: كان أبو عبد الرحم السلمي إذا قرأ عليه الرجل " عرف " ~~مشددة حصبه بالحجارة. # وقرأ الباقون: بتشديد الراء. # فالتثقيل يكون المفعول الأول معه محذوفا، أي " عرفها بعضه " ، ~~أي: وقفها عليه على سبيل العتب. # { وأعرض عن بعض } ، تكرما منه وحلما، واختاره أبو عبيد وأبو ~~حاتم يدل عليه قوله تعالى: { وأعرض عن بعض } ، أي: لم يعرفها ~~إياه، ولو كانت مخففة لقال في ضده: وأنكر بعضا. # وأما التخفيف: فمعناه جازى على بعضه، وأعرض عن بعض. # قال الفراء: وتأويل قوله - عز وجل -: " عرف " بالتخفيف، أي: غضب ~~فيه، وجازى عليه، كقولك لمن أساء إليك: " لأعرفن لك ما فعلت " أي: ~~لأجازينك عليه. # فصل في نزول الآية # قال المفسرون: إنه أسر إلى حفصة شيئا فحدثت به غيرها، فطلقها مجازاة ~~على بعضه، ولم يؤاخذها بالباقي، وهو من قبيل قوله تعالى: # وما تفعلوا من خير يعلمه الله # [البقرة: 197] أي: يجازيكم عليه، وقوله: # أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم # [النساء: 63]، وإنما اضطررنا إلى هذا التأويل؛ لأن الله - تعالى - أطلعه ~~على جميع ما ms8593 أنبأت به غيرها؛ لقوله تعالى: { وأظهره الله ~~عليه }. # وقرأ عكرمة: " عراف " بألف بعد الراء. # وخرجت على الإشباع، كقوله: [الرجز] # 4785 - أعوذ بالله من العقراب # وقيل: هي لغة يمانية، يقولون: " عراف زيد عمرا ". # وإذا ضمنت هذه الأفعال الخمسة معنى " أعلم " تعدت لثلاثة. # وقال الفارسي: " تعدت بالهمزة أو التضعيف ". # وهو غلط، إذا يقتضي ذلك أنها قبل التضعيف، والهمزة كانت متعدية لاثنين، ~~فاكتسبت بالهمزة، أو التضعيف ثالثا، والأمر ليس كذلك اتفاقا. # فصل في تفسير الآية # قال السدي: عرف بعضه، وأعرض عن بعض تكرما. # وقال الحسن: ما استقصى كريم قط، قال الله تعالى: { عرف بعضه ~~وأعرض عن بعض }. # وقال مقاتل: يعني أخبرها ببعض ما قالت لعائشة، وهو قول حفصة لعائشة: إن ~~أبا بكر وعمر سيملكان بعده. # قال المفسرون: إن النبي صلى الله عليه وسلم جازى حفصة، بأن طلقها طلقة ~~واحدة، فلما بلغ ذلك عمر، فقال عمر: لو كان في آل الخطاب خير لما كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم طلقك، فأمره جبريل بمراجعتها، وشفع فيها، ~~واعتزل النبي صلى الله عليه وسلم نساءه شهرا، وقعد في مشربة مارية أم ~~إبراهيم، حتى نزلت آية التخيير كما تقدم. # وقيل: هم بطلاقها، حتى قال له جبريل: لا تطلقها، فإنها صوامة ~~قوامة، وإنها من نسائك في الجنة، فلم يطلقها. # قوله: { فلما نبأها به } ، أي: أخبر حفصة بما أظهره الله ~~عليه، قالت: { من أنبأك هذا } يا رسول الله عني، فظنت أن عائشة ~~أخبرته، فقال - عليه السلام -: { نبأني العليم الخبير } ~~الذي لا يخفى عليه شيء. وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى ~~الكراهية في وجه حفصة حين رأته مع مارية أراد أن يتراضاها فأسر إليها ~~شيئين: تحريم الأمة على نفسه، وتبشيرها بأن الخلافة بعده في أبي بكر وفي ~~أبيها عمر، فأخبرت حفصة بذلك عائشة، وأطلع الله نبيه عليه فعرف حفصة، ~~وأخبرها بما أخبرت به عائشة، وهو تحريم الأمة { وأعرض عن بعض } ~~يعني عن ذكر الخلافة، كره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينشر ذلك بين ~~الناس، { فلما ms8594 نبأها به } أي: أخبر حفصة بما أظهره الله ~~عليه، قالت حفصة: { من أنبأك هذا } أي: من أخبرك بأني أفشيت ~~السر؟ " قال: { نبأني العليم الخبير } ". # قال ابن الخطيب: وصفه بكونه خبيرا بعدما وصفه بكونه عليما لما أن في ~~الخبير من المبالغة ما ليس في العليم. # قوله: { إن تتوبآ إلى الله }. # شرط في جوابه وجهان: # أحدهما: هو قوله: { فقد صغت }. # والمعنى: إن تتوبا فقد وجد منكما ما يوجب التوبة، وهو ميل قلوبكما عن ~~الواجب في مخالصة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حب ما يحبه، وكراهة ما ~~يكرهه. # و " صغت " مالت وزاغت عن الحق. # ويدل له قراءة ابن مسعود: " فقد زاغت ". # قال القرطبي: " وليس قوله { فقد صغت قلوبكما } جزاء للشرط؛ ~~لأن هذا الصغو كان سابقا، فجواب الشرط محذوف للعلم به، أي: إن تتوبا كان ~~خيرا لكما؛ إذ قد صغت قلوبكما ". # والثاني: أن الجواب محذوف، وتقديره: فذلك واجب عليكما، أو فتاب الله ~~عليكما قاله أبو البقاء، ودل على المحذوف { فقد صغت }؛ لأن إصغاء ~~القلب إلى ذلك ذنب. # قال شهاب الدين: " وكأنه زعم أن ميل القلب ذنب، وكيف يحسن أن يكون ~~جوابا وقد غفل عن المعنى المصحح لكونه جوابا ". # وقوله: { قلوبكما } من أفصح الكلام حيث أوقع الجمع موقع المثنى ~~استثقالا لمجيء تثنيتين لو قيل: " قلباكما " ، ومن شأن العرب إذا ~~ذكروا الشيئين من اثنين جمعوهما؛ لأنه لا يشكل. وقد تقدم هذا في آية ~~السرقة في المائدة. # ومن مجيء التثنية قوله: [الكامل] # 4786 - فتخالسا نفسيهما بنوافذ # كنوافذ العبط التي لا ترقع # والأحسن في هذا الباب الجمع، ثم الإفراد، ثم التثنية. # وقال ابن عصفور، لا يجوز الإفراد إلا في ضرورة؛ كقوله: [الطويل] # 4787 - حمامة بطن الواديين ترنمي # سقاك من الغر الغوادي مطيرها # وتبعه أبو حيان، وغلط ابن مالك في كونه جعله أحسن من التثنية. # وليس بغلط لكراهة توالي تثنيتين مع أمن اللبس. # وقوله: " إن تتوبا " فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب. # فصل في المراد بهذا الخطاب. # المراد بهذا الخطاب أما المؤمنين بنتا الشيخين الكريمين: عائشة وحفصة ms8595 ~~- رضي الله عنهما - حثهما على التوبة على ما كان منهما من الميل إلى ~~خلاف محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، { فقد صغت قلوبكما } ~~أي: زاغت ومالت عن الحق، وهو أنهما أحبتا ما كره رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من اجتناب جاريته واجتناب العسل، وكان صلى الله عليه وسلم يحب ~~العسل والنساء. # قال ابن زيد رضي الله عنه مالت قلوبكما بأن سرهما أن يحتبس عن أم ولده، ~~فسرهما ما كرهه رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقيل: فقد مالت قلوبكما إلى التوبة. # قوله: { وإن تظاهرا }. # أصله: " تتظاهرا " فأدغم، وهذه قراءة العامة. # وقرأ عكرمة: " تتظاهرا " على الأصل. # والحسن وأبو رجاء، ونافع، وعاصم في رواية عنهما: بتشديد الظاء والهاء ~~دون ألف، وكلها بمعنى المعاونة من الظهر؛ لأنه أقوى الأعضاء وأجلها. # فصل في معنى تتظاهرا # معنى تتظاهرا، أي: تتعاونا على النبي صلى الله عليه وسلم بالمعصية ~~والإيذاء. # روى مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مكثت سنة، وأنا أريد أن أسأل ~~عمر بن الخطاب عن آية، فما أستطيع أن أسأله هيبة له حتى خرج حاجا فخرجت ~~معه، فلما رجع وكنا ببعض الطريق عدل إلى الأراك لحاجة له، فوقفت، حتى فرغ ~~ثم سرت معه بإداوة ثم جاء فسكبت على يديه منها فتوضأ، فلما رجع قلت: يا ~~أمير المؤمنين، من اللتان تظاهرتا على النبي صلى الله عليه وسلم؟. # فقال: تلك حفصة وعائشة، قال: فقلت له: والله إن كنت لأريد أن أسألك عن ~~هذا منذ سنة، فما أستطيع هيبة لك، قال: فلا تفعل، ما ظننت أن عندي من ~~علم فسلني عنه فإن كنت أعلمه أخبرتك. وذكر الحديث. # قوله: { فإن الله هو مولاه }. # يجوز أن يكون " هو " فصلا، و " مولاه " خبره والمبتدأ جملة " إن ". # والمعنى: الله وليه وناصره، فلا يضره ذلك التظاهر منهما. # قوله: { وجبريل }. # يجوز أن يكون عطفا على اسم الله تعالى. # والمعنى: الله وليه، وجبريل وليه، فلا يوقف على " مولاه " ويوقف على ~~جبريل. # ويكون { وصالح المؤمنين } مبتدأ، " والملائكة " معطوفا عليه، ~~والخبر " ظهير " ورفع ms8596 " جبريل " نظرا إلى محل اسم " إن " وذلك بعد ~~استكمال خبرها وقد تقدم مذاهب الناس في ذلك. # ويكون " جبريل " وما بعده داخلين في الولاية لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ويكون " جبريل " ظهيرا له بدخوله في عموم الملائكة. # ويكون " الملائكة " مبتدأ، و " ظهير " خبره، وأفرد لأنه بزنة " فعيل ~~". # قال القرطبي: " هو بمعنى الجمع ". # قال أبو علي: قد جاء " فعيل " للكثرة، قال تعالى: # ولا يسأل حميم حميما # [المعارج: 11]. ومعنى: " ظهير " أي: أعوان، وهو في معنى ظهراء كقوله ~~تعالى: # وحسن أولئك رفيقا # [النساء: 69]. # ويجوز أن يكون الكلام تم عند قوله " مولاه " ، ويكون " جبريل " ~~مبتدأ، وما بعده عطف عليه، و " ظهير " خبر الجميع، فتختص الولاية بالله، ~~ويكون جبريل قد ذكر في المعاونة مرتين، مرة بالتنصيص عليه، ومرة بدخوله ~~في عموم الملائكة. # وهذا عكس ما في " البقرة " في قوله تعالى: # من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل # [البقرة: 98]، فإنه ذكر الخاص بعد العام تشريفا له، وهناك ذكر العام ~~بعد الخاص، ولم يذكر الناس إلا القسم الأول. # وفي " جبريل " لغات تقدم ذكرها في " البقرة ". # قوله: { وصالح المؤمنين }. # قال المسيب ابن شريك: { وصالح المؤمنين } أبو بكر. # وقال سعيد بن جبير: هو عمر. # وقال عكرمة: أبو بكر وعمر. # وروى شقيق عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " { وصالح المؤمنين }: أبو بكر وعمر ". # وعن أسماء بنت عميس قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " { وصالح المؤمنين }: علي بن أبي طالب ". # وقيل: خيار المؤمنين، و " صالح ": اسم جنس، كقوله تعالى: # والعصر إن الإنسان لفى خسر # [العصر: 1، 2]. قاله الطبري. # وقال العلاء بن زياد، وقتادة، وسفيان: هم الأنبياء. # وقال ابن زيد: هم الملائكة. # وقال السدي: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. # وقيل: { وصالح المؤمنين } ليس لفظ الواحد، وإنما هم " ~~صالحو المؤمنين " فأضاف الصالحين إلى المؤمنين، وسيأتي له مزيد ~~بيان إن شاء الله تعالى. # فصل في هذا التظاهر # قيل: كان التظاهر منهما في التحكيم على النبي صلى الله عليه وسلم في ~~النفقة، ولهذا آلى منهن شهرا واعتزلهن. ms8597 # وروى مسلم عن جابر بن عبد الله قال: # " دخل أبو بكر يستأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فوجد الناس ~~جلوسا ببابه لم يؤذن لأحد منهم، قال: فأذن لأبي بكر فدخل، ثم أقبل ~~عمر، فاستأذن، فأذن له، فوجد النبي صلى الله عليه وسلم جالسا حوله ~~نساؤه، واجما ساكتا، قال: فلأقولن شيئا أضحك النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت بنت خارجة تسألني النفقة، فقمت إليها، ~~فوجأت عنقها فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " هن حولي كما ~~ترى يسألنني النفقة " فقام أبو بكر إلى عائشة رضي الله عنها يجأ ~~عنقها، وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها، كلاهما يقول: تسألن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ما ليس عنده، فقلن: والله لا نسأل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم شيئا أبدا ليس عنده، ثم اعتزلهن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم شهرا، أو تسعا وعشرين، ثم نزلت عليه: { يأيها النبي قل ~~لأزواجك وبناتك } [الأحزاب: 28] حتى بلغ { للمحسنات ~~منكن أجرا عظيما } [الأحزاب: 29] " # الحديث. # قوله: { وصالح المؤمنين }. # الظاهر أنه مفرد، ولذلك كتب بالحاء دون واو الجمع. # وجوزوا أن يكون جمعا - بالواو والنون - حذفت النون للإضافة، وكتب دون ~~واو اعتبارا بلفظه، لأن الواو ساقطة لالتقاء الساكنين، نحو: # ويمح الله الباطل # [الشورى: 24]. و # يدع الداع # [القمر: 6]، و # سندع الزبانية # [العلق: 18]، إلى غير ذلك. # ومثل هذا ما جاء في الحديث: # " أهل القرآن أهل الله وخاصته ". # قالوا: يجوز أن يكون مفردا، وأن يكون جمعا، كقوله: # شغلتنآ أموالنا وأهلونا # [الفتح: 11] وحذفت الواو لالتقاء الساكنين لفظا. # فإذا كتب هذا، فالأحسن أن يكتب بالواو لهذا الغرض، وليس ثم ضرورة ~~لحذفها كما في مرسوم الخط. # وجوز أبو البقاء في " جبريل " أن يكون معطوفا على الضمير في " مولاه " ~~، يعني المستتر، وحينئذ يكون الفصل بالضمير المجرور كافيا في تجويز ~~العطف عليه. # وجوز أيضا: أن يكون " جبريل " مبتدأ، و " صالح " عطف عليه، فالخبر ~~محذوف، أي: مواليه. # فصل في المراد بصالح المؤمنين # قال ابن عباس رضي الله عنهما: أراد بقوله " وصالح ms8598 المؤمنين " يعني أبا ~~بكر وعمر مواليين للنبي صلى الله عليه وسلم على من عاداه، وناصرين له: ~~وهو قول المقاتلين. # وقال الضحاك: خيار المؤمنين. # وقيل: كل من آمن وعمل صالحا. # وقيل: كل من برىء من النفاق. # وقيل: الأنبياء. # وقيل: الخلفاء. # وقيل: الصحابة. # قوله: { عسى ربه إن طلقكن }. # قيل: كل " عسى " في القرآن واجب إلا هذا. # وقيل: واجب، ولكن الله - عز وجل - علقه بشرط، وهو التطليق ولم ~~يطلقهن. # قال النحويون: " إن طلقكن " شرط معترض بين اسم " عسى " وخبرها، ~~وجوابه محذوف، أو متقدم، أي " إن طلقكن فعسى ". # وأدغم أبو عمرو القاف في الكاف على رأي بعضهم. # قال: وهو أولى من # يرزقكم # [يونس: 31]، ونحوه لثقل التأنيث. # قوله: { أن يبدله أزواجا }. # قرىء: مخففا ومشددا، كما تقدم في " الكهف ". # والتبديل والإبدال بمعنى كالتنزيل والإنزال. # وقوله: { أزواجا خيرا منكن }. # لأنكن لو كنتن خيرا منهن ما طلقكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~معناه السدي. # وقيل: هذا وعد من الله تعالى لرسوله لو طلقهن في الدنيا أن يزوجه في ~~الآخرة نساء خيرا منهن، وكان الله عالما بأنه لا يطلقهن، ولكن أخبر عن ~~قدرته على أنه إن طلقهن أبدله خيرا منهن تخويفا لهن، كقوله تعالى: # وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم # [محمد: 38] وهو إخبار عن القدرة وتخويف لهم، لا أن في الوجود من هو خير ~~من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم # فصل في الكلام على لفظ مسلمات # قوله: { مسلمات } إلى آخره. إما نعت أو حال أو منصوب على الاختصاص. # قال سعيد بن جبير: يعني مخلصات. # وقيل: مسلمات لأمر الله تعالى وأمر رسوله خاضعات لله بالطاعة { ~~مؤمنات } أي: مصدقات بتوحيد الله. # وقيل: مصدقات بما أمرن به: ونهين عنه { قانتات } مطيعات، والقنوت: ~~الطاعة. # وقيل: داعيات بتوحيد الله. # وقيل: مصليات " تائبات " أي: من ذنوبهن، قاله السدي. # وقيل: راجعات إلى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم تاركات لمحاب ~~أنفسهن، { عابدات } أي: كثيرات العبادة لله تعالى. # وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: كل عبادة في القرآن فهو التوحيد { ~~سائحات } أي: صائمات، قاله ms8599 ابن عباس والحسن وابن جبير. # وقال زيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن ويمان: مهاجرات. # قال زيد: وليس في أمة محمد صلى الله عليه وسلم سياحة إلا الهجرة. ~~والسياحة الجولان في الأرض. # وقال الفراء والقتبي وغيرهما: سمي الصائم سائحا؛ لأن السائح لا زاد ~~معه، وإنما يأكل من حيث وجد الطعام. # وقيل: يسحن معه حيثما ساح. # وقيل: ذاهبات في طاعة الله تعالى، من ساح الماء إذا ذهب. وقد مضى في ~~سورة براءة. # وقرأ عمرو بن فائد: " سيحات ". # فصل في الكلام على الآية. # قال ابن الخطيب: فإن قيل: كيف تكون المبدلات خيرا منهن، ولم يكن على ~~وجه الأرض نساء خيرا من أمهات المؤمنين؟. # فالجواب: إذا طلقهن الرسول - عليه الصلاة والسلام - لعصيانهن له، ~~وإيذائهن إياه كان غيرهن من الموصوف بهذه الصفات مع الطاعة للرسول صلى ~~الله عليه وسلم خيرا منهن. # فإن قيل: قوله: { مسلمات مؤمنات } يوهم التكرار؛ لأن ~~المسلمات والمؤمنات سواء؟ فالجواب: الإسلام هو التصديق باللسان، والإيمان ~~التصديق بالقلب، وقد لا يجتمعان فقوله { مسلمات مؤمنات } ~~تحقيقا لاجتماعهما. # قوله: { ثيبات وأبكارا }. # إنما توسطت الواو بين ثيبات وأبكارا لتنافي الوصف دون سائر الصفات. # و " ثيبات " ونحوه لا ينقاس؛ لأنه اسم جنس مؤنث، فلا يقال: نساء ~~حورات، ولا رأيت عينات. # و " الثيب " وزنها " فيعل " من " ثاب يثوب " أي: رجع، كأنها ثابت ~~بعد زوال عذرتها. # وأصله: " ثيوب " ك " سيد وميت " أصلهما: " سيود وميوت " على ~~الإعلال المشهور. # والمعنى: منهن ثيب، ومنهن بكر. # قيل: إنما سميت ثيبا؛ لأنها راجعة إلى زوجها إن أقام معها، وإلى غيره ~~إن فارقها. # وقيل: لأنها ثابت إلى بيت أبويها. # قال القرطبي: " والأول أصح؛ لأن ليس كل ثيبت تعود إلى زوج، وأما البكر: ~~فهي العذراء، سميت بكرا؛ لأنها على أول حالتها التي خلقت بها ". # قال ابن الخطيب: فإن قيل: ذكر الثيبات في مقام المدح، وهي من جملة ما ~~يقل رغبة الرجال فيهن؟. # فالجواب: يمكن أن يكون بعض الثيبات خيرا بالنسبة إلى البعض من الأبكار ~~عند الرسول - عليه الصلاة والسلام - لاختصاصهن بالمال، والجمال، أو ~~النسب، أو المجموع، ms8600 وإذا كان كذلك، فلا يقدح ذكر الثيب في المدح، ~~لجواز ذلك. # وقال الكلبي: أراد بالثيب مثل: آسية امرأة فرعون، وبالبكر مثل: مريم ~~ابنة عمران. # قال القرطبي: " وهذا إنما يمشي على قول من قال: إن التبديل وعد من ~~الله لنبيه لو طلقهن في الدنيا زوجه في الآخرة خيرا منهن، والله أعلم ". ### || [66.6] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم ~~وأهليكم نارا }. # " قوا " أمر من الوقاية، فوزنه " عو "؛ لأن الفاء حذفت لوقوعها في ~~المضارع بين ياء وكسرة، وهذا محمول عليه، واللام حذفت حملا له على ~~المجزوم؛ لأن أصله " أوقيوا " ك " اضربوا " فحذفت الواو التي هي فاء لما ~~تقدم، واستثقلت الضمة على الياء، فالتقى ساكنان، فحذفت الياء؛ وضم ما ~~قبل الواو لتصح. # وهذا تعليل البصريين. # ونقل مكي عن الكوفيين: أن الحذف عندهم فرقا بين المتعدي، والقاصر، ~~فحذفت الواو التي هي فاء في " يقي، ويعد " لتعديهما، ولم يحذف من " ~~يوجل " لقصوره. # قال: " ويرد عليهم نحو: يرم، فإنه قاصر، ومع ذلك فقد حذفوا فاءه ". # قال شهاب الدين: وفي هذا نظر؛ لأن " يوجل " لم تقع فيه الواو بين ~~ياء وكسرة لا ظاهرة ولا مضمرة. # وقلت: ولا مضمرة، تحرزا من " تضع، ويسع، ويهب ". # وقرأ بعضهم: " وأهلوكم ". # وخرجت على العطف على الضمير المرفوع ب " قوا " ، وجوز ذلك الفصل ~~بالمفعول قال الزمخشري بعد ذكره القراءة وتخريجها: فإن قلت: أليس ~~التقدير: " قوا أنفسكم وليق أهلوكم أنفسهم "؟. # قلت: لا، ولكن المعطوف في التقدير مقارن للواو، و " أنفسكم " واقع ~~بعده، كأنه قيل: قوا أنتم، وأهلوكم أنفسكم، لما جمعت مع المخاطب الغائب ~~غلبته عليه، فجعلت ضميرهما معا على لفظ المخاطب. # قوله: " نارا " مفعول ثان، " وقودها الناس " صفة ل " نارا " ~~وكذلك " عليها ملائكة " ، ويجوز أن يكون الوصف وحده " عليها " ، ~~و " ملائكة " فاعل به، ويجوز أن يكون حالا لتخصيصها بالصفة الأولى، ~~وكذلك { لا يعصون الله }. # وتقدم الخلاف في واو # وقودها # [البقرة: 24] ضما وفتحا في " البقرة ". # فصل في معنى الآية # قال الضحاك: المعنى: قو أنفسكم؛ وأهلوكم، فليقوا أنفسهم نارا. # وروي عن علي بن أبي طلحة، عن ms8601 ابن عباس - رضي الله عنهما -: قوا أنفسكم ~~وأمروا أهليكم بالذكر، والدعاء، حتى يقيهم الله بكم. # وقال علي - رضي الله عنه - وقتادة ومجاهد: قوا أنفسكم بأفعالكم، وقوا ~~أهليكم بوصيتكم. # قال ابن العربي: وهو الصحيح، والفقه الذي يعطيه العطف الذي يقتضي ~~التشريك بين المعطوف؛ والمعطوف عليه في معنى الفعل. # كقوله: [الرجز] # 4788 - علفتها تبنا وماء باردا # ........................ # وكقوله: [مجزوء الكامل] # 4789 - ورأيت زوجك في الوغى # متقلدا سيفا ورمحا # فعلى الرجل أن يصلح نفسه بالطاعة، ويصلح أهله صلاح الراعي للرعية. # قال - عليه الصلاة والسلام -: # " كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام الذي ~~على الناس راع وهو مسئول عنهم، والرجل راع على أهل ~~بيته وهو مسئول عنهم ". # قال الحسن في هذه الآية: يأمرهم، وينهاهم. # وقال بعض العلماء لما قال: " قو أنفسكم ": دخل فيه الأولاد؛ لأن ~~الولد بعض منه كما دخلوا في قوله تعالى: # ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم # [النور: 61]، وقوله - عليه الصلاة والسلام -: # " إن أحل ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه " # فلم يفرد بالذكر إفراد سائر القرابات، فيعلمه الحلال والحرام، ويجنبه ~~المعاصي والآثام إلى غير ذلك من الأحكام. # وقال - عليه الصلاة والسلام -: # " حق الولد على الوالد، أن يحسن اسمه، ويعلمه ~~الكتابة، ويزوجه إذا بلغ ". # وقال - عليه الصلاة والسلام -: # " ما نحل والد ولدا أفضل من أدب حسن ". # وقال - عليه الصلاة والسلام -: # " مروا أبناءكم بالصلاة لسبع؛ واضربوهم على تركها ~~لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع ". # قال بعض العلماء: ويخبر أهله بوقت الصلاة، ووجوب الصيام. # وقال - عليه الصلاة والسلام -: # " رحم الله امرءا قام من الليل يصلي، فأيقظ أهله، ~~فإن لم تقم رش على وجهها الماء، ورحم الله امرأة ~~قامت في الليل تصلي، وأيقظت زوجها، فإن لم يقم ~~رشت على وجهه الماء ". # وذكر القشيري قال: # " فلما نزلت هذه الآية، قال رجل: يا رسول الله، نقي أنفسنا، فكيف لنا ~~بأهلينا؟. # فقال: " تنهونهم عما نهاكم الله، وتأمرونهم بما أمر الله " ". # وقال مقاتل: ذلك حق عليه في نفسه، وولده، وأهله، وعبيده، وإمائه. # قال إلكيا: فعلينا تعليم أولادنا، وأهلينا ms8602 الدين، والخير، وما لا يستغنى ~~عنه من الأدب. # وهو قوله تعالى: # وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها # [طه: 132]، وقوله للنبي صلى الله عليه وسلم: # وأنذر عشيرتك الأقربين # [الشعراء: 14]. # وتقدم الكلام على قوله: { وقودها الناس والحجارة } في " ~~البقرة ". # فصل في مخاطبة الله تعالى للمؤمنين # قال ابن الخطيب: فإن قيل: إنه - تعالى - خاطب المشركين في قوله تعالى: # فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار ~~التي وقودها الناس والحجارة # [البقرة: 24]، ثم قال: { أعدت للكافرين } فما معنى مخاطبته ~~للمؤمنين بذلك؟. # فالجواب: أن الفساق، وإن كانت دركاتهم فوق دركات الكفار، فإنهم مع ~~الكفار في دار واحدة، فقيل للذين آمنوا: " قوا أنفسكم " باجتناب ~~الفسوق ومجاورة الذين أعدت لهم هذه النار، ولا يبعد أن يأمرهم بالتوقي ~~عن الارتداد. # قوله: { عليها ملائكة غلاظ شداد }. # يعني الزبانية، غلاظ القلوب لا يرحمون إذا استرحموا، خلقوا من الغضب، ~~وحبب إليهم عذاب الخلق، كما حبب لبني آدم الطعام، والشراب " شداد " ، ~~أي: شداد الأبدان وقيل: غلاظ الأقوال شداد الأفعال. # وقيل: " غلاظ " في أخذهم أهل النار " شداد " عليهم، يقال: فلان شديد ~~على فلان، أي: قوي عليه يعذبه بأنواع العذاب. # وقيل: أغلاظ أجسامهم ضخمة " شداد " أي: أقوياء. # قال ابن عباس: ما بين منكبي الواحد منهم مسيرة سنة. # وقال - عليه الصلاة والسلام - في خزنة جهنم: # " ما بين منكبي أحدهم كما بين المشرق والمغرب ". # قوله: { لا يعصون الله مآ أمرهم }. # يجوز أن تكون " ما " بمعنى " الذي " ، والعائد محذوف، أي: " ما ~~أمرهموه " ، والأصل: " به " ، لا يقال: كيف حذف العائد المجرور، ~~ولم يجر الموصول بمثله؟ لأنه يطرد حذف هذا الحرف فلم يحذف إلا منصوبا. # وأن تكون مصدرية، ويكون محلها بدلا من اسم الله بدل اشتمال، كأنه قيل: ~~لا يعصون أمره. # وقوله: { ويفعلون }. # قال الزمخشري: " فإن قلت: أليست الجملتان في معنى واحد؟. # قلت: لا؛ لأن الأولى معناها: أنهم يقبلون أوامره ويلتزمونها. # والثانية: معناها أنهم يؤدون ما يؤمرون به لا يتثاقلون عنه، ولا ~~يتوانون فيه ". # وقال القرطبي: { لا يعصون الله مآ أمرهم } أي: لا ~~يخالفونه في أمر من زيادة، أو نقصان { ويفعلون ms8603 ما يؤمرون } ~~في وقته لا يقدمونه، ولا يؤخرونه. # وقيل: أي: لذتهم في امتثال أمر الله، كما أن سرور أهل الجنة في الكون ~~في الجنة، ذكره بعض المعتزلة، وعندهم أنه يستحيل التكليف غدا، ولا يخفى ~~معتقد أهل الحق في أن الله يكلف العبد اليوم وغدا، ولا ينكر التكليف ~~غدا في حق الملائكة، ولله أن يفعل ما يشاء. ### || [66.7] # أي: فإن عذركم لا ينفع، وهذا النهي لتحقيق اليأس { إنما تجزون ~~ما كنتم تعملون } في الدنيا، ونظيره: # فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم # [الروم: 57]. ### || [66.8] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله ~~توبة نصوحا }. # فرأ الجمهور: بفتح نون " نصوحا ". # فهي صيغة مبالغة أسند النصح إليها مجازا، وهي من: نصح الثوب، أي: خاطه ~~فكأنه التائب يرقع ما حرقه بالمعصية. # وقيل: هي من قولهم: عسل ناصح، أي: خالص. # وقرأ أبو بكر: بضم النون. # وهو مصدر " نصح " ، يقال: نصح نصحا ونصوحا، نحو: كفر كفرا ~~وكفورا، وشكر شكرا وشكورا. # وفي انتصابه أوجه: # أحدها: أنه مفعول له، أي: لأجل النصح الحاصل نفعه عليكم. # والثاني: أنه مصدر مؤكد لفعل محذوف، أي: ينصحهم نصحا. # الثالث: أنه صفة لها، إما على المبالغة على أنها نفس المصدر، أو على حذف ~~مضاف، أي: ذات نصوح. # وقرأ زيد بن علي: " توبا " دون تاء. # فصل في تعلق هذه الآية بقوله يا أيها الذين كفروا # قال ابن الخطيب: وجه تعلق هذه الآية بقوله: { يأيها الذين ~~كفروا } أنه - تعالى - نبههم على رفع العذاب في ذلك اليوم، بالتوبة ~~في الدنيا، إذ في ذلك اليوم لا تفيد التوبة. # فصل # أمر بالتوبة، وهي فرض على الأعيان في كل الأحوال، وكل الأزمان ~~واختلفوا في التوبة النصوح: # فقيل: هي التي لا عودة بعدها، كما لا يعود اللبن إلى الضرع. # روي عن عمر، وابن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، ورفعه معاذ إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # وقال قتادة: " النصوح " الصادقة الخالصة. # وقيل: الخالصة. يقال: نصح له، أي: أخلص له القول. # وقال الحسن: " النصوح " أن يبغض الذنب الذي أحبه، ويستغفر ms8604 منه إذا ~~ذكره. # وقيل:هي التي لا يثق بقبولها، ويكون على وجل منها. # وقال الكلبي: التوبة النصوح، الندم بالقلب، والاستغفار باللسان، ~~والإقلاع عن الذنب، والعزم على ألا يعود. # وقيل غير ذلك. # فصل في الأشياء التي يتاب منها # قال بعض العلماء: الذنب الذي لا يكون منه التوبة لا يخلو، إما أن ~~يكون حقا لله أو للآدميين، فإن كان حقا لله عز وجل كترك صلاة، أو صوم ~~أو تفريط في زكاة؛ فإن التوبة لا تصح منه حتى ينضم إلى الندم قضاء ما فات ~~منها. # وإن كان قتل نفسا بغير حق، فإن تمكن من القصاص منه إن طلب به، فإن ~~عفي عنه كفاه الندم، والعزم على ترك العود بالإخلاص، وكذلك إن ~~عفي عنه في القتل بمال فعليه أن يؤديه إن كان واجدا له، قال تعالى: # فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف ~~وأدآء إليه بإحسان # [البقرة: 178]. # وإن كان ذلك من حدود الله - ما كان - فإنه إذا تاب إلى الله - تعالى - ~~بالندم الصحيح سقط منه، وقد نص الله - تعالى - على سقوط الحد عن ~~المحاربين إذا تابوا قبل القدرة عليهم، كما تقدم. # وكذلك الشراب، والسراق، والزناة إذا صلحوا، وتابوا، وعرف ذلك ~~منهم، ثم رفعوا إلى الإمام فلا ينبغي له أن يحدهم، وإن رفعوا إليه ~~فقالوا: تبنا لم يتركهم في هذه الحال كالمحاربين إذا غلبوا، هذا مذهب ~~الشافعي. # فإن كان الذنب من مظالم العباد، فلا تصح التوبة منه إلا برده إلى ~~صاحبه، والخروج عنه - عينا كان أو غيره - إن كان قادرا عليه، فإن لم ~~يكن قادرا، فالعزم أن يؤديه إذا قدر في أعجل وقت، وأسرعه. # وإن كان لواحد من المسلمين، وذلك الواحد لا يشعر به، ولا يدري من أين ~~أتى، فإنه يزيل ذلك الضرر عنه، ثم يسأله أن يعفو عنه، ويستغفر له، فإذا ~~عفى، فقد سقط الذنب عنه، وإن أرسل من يسأل ذلك له، فعفى ذلك المظلوم عن ~~ظلمه عرفه بعينه، أو لم يعرفه، فذلك صحيح. # وإن أساء رجل إلى رجل، بأن فزعه بغير حق، أو ms8605 غمه، أو لطمه، أو صفعه بغير ~~حق، أو ضربه بسوط وآلمه، ثم جاءه مستعفيا نادما على ما كان منه عازما ~~على ألا يعود فلم يزل يتذلل له، حتى طابت نفسه فعفا عنه، سقط الذنب ~~عنه، وهكذا إن شتمه بشتم لا حد فيه. # قوله: { عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم }. # " عسى " من الله واجبة، وهو معنى قوله - عليه الصلاة والسلام -: # " التائب من الذنب كمن لا ذنب له ". # و " أن " في موضع نصب. # قوله: " ويدخلكم ". معطوف على " يكفر ". # قرأ العامة: بالنصب. # وابن أبي عبلة: بسكون اللام. # فاحتمل أن يكون من إجراء المنفصل مجرى المتصل، فسلبت الحركة؛ لأنه ~~يتحلل من مجموع " يكفر عنكم " مثل " نطع وقمع " فيقال: فيهما: ~~نطع وقمع. # ويحتمل أن يكون عطفا على محل " عسى أن يكفر " كأنه قيل: توبوا ~~يوجب تكفير سيئاتكم، ويدخلكم، قاله الزمخشري. # يعني أن " عسى " في محل جزم جوابا للأمر؛ لأنه لو وقع موقعها مضارع ~~لانجزم كما مثل به الزمخشري. # وفيه نظر؛ لأنا لا نسلم أن " عسى " جواب ولا تقع جوابا؛ لأنها ~~للإنشاء. # قوله: { يوم لا يخزى الله النبي }. # " يوم " منصوب ب " يدخلكم " ، أو بإضمار " اذكر ". # ومعنى " يخزي " هنا: يعذب، أي: لا يعذبه، ولا يعاقب الذين آمنوا معه. # قالت المعتزلة: قوله تعالى: { يوم لا يخزى الله النبي ~~والذين آمنوا معه } يدل على أنه لا يعذب الذين آمنوا؛ لأن ~~الإخزاء يقع بالعذاب، ولو كان أصحاب الكبائر من أهل الإيمان لم يخفف ~~عليهم العذاب. # قال ابن الخطيب: وأجاب أهل السنة بأنه - تعالى - وعد أهل الإيمان ~~بألا يخزيهم. # من أهل السنة من يقف على قوله: { يوم لا يخزى الله ~~النبي } ، ومعناه لا يخزيه في رد الشفاعة، والإخزاء: الفضيحة، أي: ~~لا يفضحهم بين يدي الكفار، ويجوز أن يعذبهم على وجه لا تقف الكفرة عليه. # قوله: { والذين آمنوا } يجوز فيه وجهان: # أحدهما: أن يكون منسوقا على " النبي " ، أي: ولا يخزي الذين آمنوا، ~~فعلى هذا يكون " نورهم يسعى " مستأنفا، أو حالا. # والثاني: أن يكون مبتدأ، وخبره " نورهم يسعى " ، و " يقولون " ~~خبر ثاني أو ms8606 حال. # وتقدم إعراب مثل هذه الجمل في " الحديد " وإعراب ما بعدها في " براءة ". # وقرأ أبو حيوة، وأبو نهل الفهمي: " وبإيمانهم " بكسر الهمزة. # ومعنى قوله: { نورهم يسعى بين أيديهم } أي: في الدنيا ~~وبأيمانهم عند الحساب، لأنهم يؤتون الكتاب بأيمانهم، وفيه نور، وخير. # وقيل: يسعى النور بين أيديهم في موضع وضع أقدامهم " وبأيمانهم " لأن ~~خلفهم وشمالهم طرق الكفرة، وقولهم: { ربنآ أتمم لنا نورنا } ~~قال ابن عباس: يقولون ذلك عند إطفاء نور المنافقين إشفاقا. # وقال الحسن: إنه - تعالى - يتمم لهم نورهم، ولكنهم يدعون تقربا إلى ~~حضرة الله تعالى، كقوله: # واستغفر لذنبك # [غافر: 55] وهو مغفور. # وقيل: أدناهم منزلة من نوره بقدر ما يبصر موضع قدمه، فيسألون إتمامه. # وقال الزمخشري: السابقون إلى الجنة يمرون كالبرق على الصراط، ~~وبعضهم كالريح، وبعضهم كالجواد المسرع، وبعضهم حبوا، وهم الذين ~~يقولون: ربنا أتمم لنا نورنا. # فإن قيل: إنه - تعالى - لا يخزي النبي في ذلك اليوم، ولا الذين آمنوا ~~معه؟. # فالجواب: لأن فيه إفادة الاجتماع، بمعنى لا يخزي الله المجموع، أي: ~~الذين يسعى نورهم، وفيه فائدة عظيمة، إذ الاجتماع بين الذين آمنوا، وبين ~~نبيهم تشريف في حقهم وتعظيم. ### || [66.9] # أمره أن يجاهد الكفار بالسيف، والمواعظ الحسنة، والدعاء إلى الله، ~~والمنافقين بالغلظة، وإقامة الحجة أن يعرفهم أحوالهم في الآخرة، وأنه ~~لا نور لهم يجوزون به على الصراط مع المؤمنين. # وقال الحسن: أي: جاهدهم بإقامة الحدود عليهم، فإنهم كانوا يرتكبون ~~موجبات الحدود وكانت الحدود تقام عليهم { ومأواهم جهنم } ~~يرجع إلى الصنفين { وبئس المصير } أي: المرجع. # قال ابن الخطيب: وفي مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: { ~~يأيها النبي } في أول السورة وفي هذه الآية ووصفه بالنبي لا ~~باسمه، كقوله لآدم: # يآدم # [البقرة: 35]، وموسى # يموسى # [طه: 11]، ولعيسى # يعيسى # [المائدة: 116] دليل على فضيلته عليهم. # فإن قيل: قوله: { ومأواهم جهنم } يدل على أن مصيرهم بئس ~~المصير، فما فائدة ذلك؟ فالجواب: أن مصيرهم بئس المصير مطلقا، والمطلق ~~يدل على الدوام، وغير المطلق لا يدل على الدوام. ### || [66.10-12] # ثم ضرب الله مثلا للصالحات، من النساء، فقال: # { ضرب ms8607 الله مثلا } إلى آخره، تقدم الكلام على " ضرب " مع " ~~المثل " ، وهل هو بمعنى " صير " أم لا؟ وكيف ينتصب ما بعدها في سورة " ~~النحل ". # فصل في ضرب الله لهذا المثل # ضرب الله هذا المثل تنبيها على أنه لا يغني أحد عن قريب، ولا نسب في ~~الآخرة إذا فرق بينهما الدين، وكان اسم امرأة نوح " والهة " ، وامرأة ~~لوط " والغة " ، قاله مقاتل. # وقال الضحاك عن عائشة - رضي الله عنها -: إن جبريل نزل على النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأخبره أن اسم امرأة نوح " واغلة " وامرأة لوط " والهة ~~" ، { كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين } يعني ~~نوحا ولوطا. # ويجوز أن يكون " امرأة نوح " بدلا من قوله " مثلا " على تقدير حذف ~~المضاف، أي: ضرب الله مثلا مثل امرأة نوح. # ويجوزأن يكونا مفعولين. # قوله: { كانتا تحت عبدين }. # جملة مستأنفة كأنها مفسرة ل " ضرب المثل " ، ولم يأت بضميرهما، ~~فيقال: تحتهما أي: تحت نوح ولوط، لما قصد من تشريفهما بهذه الإضافة ~~الشريفة، وليصفهما بأجل الصفات، وهو الصلاح. # قوله: { فخانتاهما }. # قال عكرمة، والضحاك: بالكفر. # وقال سليمان بن رقية، عن ابن عباس: كانت امرأة تقول للناس: إنه مجنون ~~وامرأة لوط كانت تخبر بأضيافه. # وعن ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط، وإنما كانت خيانتهما أنهما كانا ~~على غير دينهما. # قال القشيري: وهذا إجماع من المفسرين إنما كانت خيانتهما في الدين، ~~وكانتا مشركتين وقيل: كانتا منافقتين. # وقيل: خيانتهما النميمة إذا أوحى الله إليهما شيئا أفشتاه إلى ~~المشركين، قاله الضحاك. # وقيل: كانت امرأة لوط إذا نزل به ضيف دخنت لتعلم قومها أنه قد نزل به ~~ضيف لما كانوا عليه من إتيان الرجال. # قوله: { فلم يغنيا }. # العامة: بالياء من تحت، أي: لم يغن نوح ولوط عن امرأتيهما شيئا من ~~الإغناء من عذاب الله. # وقرأ مبشر بن عبيد: تغنيا - بالتاء من فوق -، أي: فلم تغن المرأتان عن ~~أنفسهما. # وفيها إشكال إذ يلزم من ذلك تعدي فعل المضمر المتصل إلى ضميره المتصل في ~~غير المواضع المستثناة. # وجوابه: أن " عن " هنا اسم كهي في قوله: [الكامل] # 4790 ms8608 - دع عنك نهبا صيح في حجراته # ..................................... # وقد تقدم هذا والاعتراض عليه بقوله: # وهزى إليك بجذع النخلة # [مريم: 25] # واضمم إليك جناحك # [القصص: 32]، والجواب هناك. # فصل في معنى الآية # معنى الآية: لم يدفع نوح، ولوط مع كرامتهما على الله تعالى عن زوجتيهما ~~لما عصيا شيئا من عذاب الله تنبيها بذلك على أن العذاب يدفع ~~بالطاعة، لا بالوسيلة. # وقيل: إن كفار مكة استهزءوا وقالوا: إن محمدا يشفع لنا، فبين تعالى ~~أن الشفاعة لا تنفع كفار " مكة " ، وإن كانوا أقرباء كما لا ينفع شفاعة ~~نوح امرأته، وشفاعة لوط لامرأته مع قربهما له لكفرهما. # { وقيل ادخلا النار مع الداخلين } في الآخرة كما يقال ~~لكفار مكة وغيرهم. قطع الله بهذه الآية طمع من يرتكب المعصية أن ينفعه ~~صلاح غيره، ثم أخبر أن معصية غيره لا تضره إذا كان مطيعا. # قوله: { وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة ~~فرعون }. # واسمها آسية بنت مزاحم. # قال يحيى بن سلام: قوله: { ضرب الله مثلا للذين ~~كفروا } مثل ضربه الله يحذر به عائشة، وحفصة في المخالفة حين تظاهرتا ~~عليه صلى الله عليه وسلم ثم ضرب الله لهما مثلا بامرأة فرعون ومريم ابنة ~~عمران ترغيبا في التمسك بالطاعة، والثبات على الدين. # وقيل: هذا حث للمؤمنين على الصبر في الشدة، أي: لا تكونوا في الصبر عند ~~الشدة أضعف من امرأة فرعون حين صبرت على أذى فرعون. # قال المفسرون: لما غلب موسى السحرة آمنت امرأة فرعون. # وقيل: هي عمة موسى آمنت به، فلما تبين لفرعون إسلامها أوتد يديها ~~ورجليها بأربعة أوتاد، وألقاها في الشمس، وألقى عليها صخرة عظيمة، فقالت: ~~" رب نجني من فرعون وعمله ". فرمى بروحها في الجنة، فوقعت ~~الصخرة على جسد لا روح فيه. # وقال الحسن: رفعها تأكل في الجنة، وتشرب. # قال سلمان الفارسي: كانت امرأة فرعون تعذب في الشمس، فإذا انصرفوا عنها ~~أظلتها الملائكة. # قوله: { إذ قالت رب }. # منصوب ب " ضرب " ، وإن تأخر ظهور الضرب. # ويجوز أن ينتصب بالمثل. # قوله: { عندك }. # يجوز تعلقه ب " ابن " ، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من " بيتا ms8609 " ~~كان نعته فلما قدم نصب حالا. # و { في الجنة }. # إما متعلق ب " ابن " وإما بمحذوف على أنه نعت ل " بيتا ". # فصل في قصة امرأة فرعون. # قال المفسرون: لما كانت تعذب في الشمس، وأذاها حر الشمس { قالت: ~~رب ابن لي عندك بيتا في الجنة } فوافق ذلك حضور فرعون، ~~فضحكت حين رأت بيتها في الجنة، فقال فرعون: لا تعجبوا من جنونها ~~أنا أعذبها وهي تضحك، فقبض روحها. # وروي أنه وضع على ظهرها رحى فأطلعها الله، حتى رأت مكانها في ~~الجنة، وانتزع روحها، فألقيت عليها صخرة بعد خروج روحها فلم تجد ألما. # وقال الحسن وابن كيسان: رفع الله امرأة فرعون إلى الجنة، فهي فيها تأكل، ~~وتشرب، وتتنعم. # قوله: { ونجني من فرعون وعمله }. # تعني بالعمل: الكفر. # وقيل: " من عمله " ، أي: من عذابه وظلمه. # وقال ابن عباس: الجماع. # { ونجني من القوم الظالمين } ، أي: الكافرين. # قال الكلبي: أهل " مصر ". # وقال مقاتل:القبط. # قوله: { ومريم ابنة عمران }. # عطف على { امرأة فرعون }. # ضرب الله المثل للكافرين بامرأتين، وللمؤمنين بامرأتين. # وقال أبو البقاء: " ومريم " أي: " واذكر مريم ". # وقيل: أو " ومثل مريم ". # وقرأ العامة: " ابنة " بنصب التاء. # وأيوب السختياني: بسكون الهاء، وصلا، أجرى الوصل مجرى الوقف. # والعامة أيضا: " فنفخنا فيه " أي: في الفرج. # وعبد الله: " فيها " أي: في الجملة. وقد تقدم في " الأنبياء " مثله. # والعامة أيضا: " وصدقت " بتشديد الدال. # ويعقوب وقتادة وأبو مجلز، وعاصم في رواية: بتخفيفها، أي: صدقت فيما ~~أخبرت به من أمر عيسى. # والعامة على: " بكلمات " جمعا. # والحسن ومجاهد والجحدري: " بكلمة " بالإفراد. # فقيل: المراد بها عيسى؛ لأنه كلمة الله. # فصل في مريم ابنة عمران # ضرب الله مثلا بمريم ابنة عمران وصبرها على أذى اليهود. # وقوله: { التي أحصنت فرجها } عن الفواحش. # وقال المفسرون هنا: أراد بالفرج الجيب، لقوله { فنفخنا فيه من ~~روحنا } وجبريل - عليه السلام - إنما نفخ في جيبها ولم ينفخ في ~~فرجها. # وهي في قراءة أبي: { فنفخنا في جيبها من روحنا } ، وكل خرق في الثوب ~~يسمى فرجا، ومنه قوله تعالى: # وما لها من فروج # [ق: 6]. # ويحتمل أن يكون أحصنت ms8610 فرجها ونفخ الروح في جيبها. # ومعنى " فنفخنا " أرسلنا جبريل فنفخ في جيبها " من روحنا " ~~أي: روحا من أرواحنا وهي روح عيسى، وقوله: { وصدقت بكلمات ~~ربها } أي: قول جبريل لها: # إنمآ أنا رسول ربك # [مريم: 19] الآية. # وقال مقاتل: يعني بالكلمات عيسى، وأنه نبي وعيسى كلمة الله كما تقدم. # وقيل: { بكلمات ربها } يعني الشرائع التي شرعها الله للعباد ~~بكلماته المنزلة. # قوله: { وكتبه }. # قرأ أهل " البصرة " وحفص: " وكتبه " على الجمع. # وقرأ الأخرون: " وكتابه " على التوحيد. # والمراد منه الكثرة، فالمراد به الجنس، فيكون في معنى كل كتاب أنزله ~~الله تعالى. # وقرأ أبو رجاء: " وكتبه " بسكون التاء، وهو تخفيف حسن. # وروي عنه: " وكتبه " بفتح الكاف. # قال أبو الفضل: مصدر وضع موضع الاسم، يعني ومكتوبه. # فصل في المراد بالكتب # أراد الكتب التي أنزلت على إبراهيم، وموسى، وداود، وعيسى. # وقوله: { وكانت من القانتين }. # يجوز في " من " وجهان: # أحدهما: أنها لابتداء الغاية. # والثاني: أنها للتبعيض، وقد ذكرهما الزمخشري، فقال: و " من " ~~للتبعيض، ويجوز أن تكون لابتداء الغاية، على أنها ولدت من القانتين؛ ~~لأنها من أعقاب هارون أخي موسى صلوات الله على نبينا وعليهما وعلى سائر ~~الأنبياء وآلهم. # قال الزمخشري: فإن قلت: لم قيل: { من القانتين } على التذكير؟. # قلت: القنوت صفة تشمل من قنت من القبيلين فغلب ذكوره على إناثه. # ويجوز أن يرجع إلى أهل بيتها، فإنهم كانوا مطيعين لله، والقنوت: الطاعة. # وقال عطاء: من المصلين بين المغرب والعشاء. # وعن معاذ بن جبل: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لخديجة وهي تجود بنفسها: أتكرهين ما ~~قد نزل بك، وقد جعل الله في الكره خيرا، فإذا قدمت على ضراتك ~~فأقرئيهن مني السلام مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم وكليمة - أو ~~قال: حليمة - بنت عمران أخت موسى بن عمران، فقالت: بالرفاء والبنين يا ~~رسول الله ". # [قال ابن الأثير: الرفاء والبنين: الالتئام والاتفاق والبركة والنماء، ~~وهو مهموز. # وذكره الهروي في " المعتل " قال: " وهو على معنيين: # أحدهما: الاتفاق وحسن الاجتماع، والآخر: من الهدوء والسكون، وأما ~~المهموز فمن قولهم: رفأت الثوب رفاء، ورفوته ms8611 رفوا " انتهى]. # وروى قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " حسبك من نساء العالمين أربع: مريم ابنة عمران، ~~وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية بنت ~~مزاحم امرأة فرعون ". # روى الثعلبي عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة { يأيها النبي لم تحرم مآ ~~أحل الله لك } أعطاه الله توبة نصوحا ". ### | [67 - سورة الملك] ### || [67.1-4] # قوله تعالى: { تبارك الذي بيده الملك }. # " تبارك " تفاعل من البركة وقد تقدم. # وقال الحسن: تقدس. # وقيل: دام، فهو الدائم الذي لا أول لوجوده، ولا آخر لدوامه { الذي ~~بيده الملك } أي: ملك السموات والأرض في الدنيا والآخرة. # وقال ابن عباس: { بيده الملك }: يعز من يشاء، ويذل من يشاء، ~~ويحيي ويميت، ويغني ويفقر، ويعطي ويمنع. # قال ابن الخطيب: هذه اللفظة تستعمل لتأكيد كونه - تعالى - ملكا ومالكا ~~كما يقال: بيد فلان الأمر، والنهي، والحل والعقد، ولا مدخل للجارحة. # قال الزمخشري: { بيده الملك } كل موجود، وهو على كل ما لم ~~يوجد قدير: # قوله: { وهو على كل شيء قدير }. يدل على أن المعدوم شيء؛ ~~لأن قدرة الله لا تتعلق بالموجود؛ لأن القدرة مؤثرة، والعدم نفي محض، فلا ~~يكون أثرا لها، فوجب أن يكون المعدوم شيئا. # فصل في أنه لا مؤثر إلا قدرة الله # احتج أهل السنة بهذه الآية على أنه لا مؤثر إلا قدرة الله، وأبطلوا ~~القول بالطبائع كقول الفلاسفة، وأبطلوا القول بالمتولدات كقول ~~المعتزلة، وأبطلوا القول بكون العبد موجودا لأفعال نفسية، لقوله: { ~~وهو على كل شيء قدير }. # فصل في وحدانية الله # دلت هذه الآية على الوحدانية؛ لأنا لو قدرنا إلها ثانيا، فإما أن ~~يقدر على إيجاد الشيء أولا، فإن لم يقدر على إيجاد شيء لم يكن إلها، ~~وإن قدر كان مقدور ذلك الإله الثاني شيئا، فيلزم كون ذلك للإله الأول ~~لقوله { وهو على كل شيء قدير } فيلزم وقوع مخلوق من ~~خالقين، وهو محال؛ لأنه إذا كان كل واحد منهما مستقلا بالإيجاد، ويلزم ~~أن يستغنى بكل واحد منهما عن ms8612 كل واحد منهما، فيكون محتاجا إليهما ~~وغنيا عنهما وذلك محال. # فصل في الرد على جهم # احتج جهم بهذه الآية على أنه تعالى ليس بشيء، فقال: لوكان شيئا لكان ~~قادرا على نفسه لقوله تعالى: { وهو على كل شيء قدير } ~~لكن كونه قادرا على نفسه محال، فيمتنع كونه شيئا. # والجواب: لما دل قوله تعالى: # قل أي شيء أكبر شهادة قل الله # [الأنعام: 109] على أنه - تعالى - شيء وجب تخصيص هذا العموم، فإذن دلت ~~هذه الآية على أن العام المخصوص وارد في كتاب الله تعالى، ودلت على ~~أن تخصيص العام بدليل العقل جائز، بل واقع. # قوله: { الذي خلق الموت والحياة }. # قيل: خلق الموت في الدنيا، والحياة في الآخرة، وقدم الموت على الحياة، ~~لأن الموت إلى القهر أقرب، كما قدم البنات على البنين فقال: # يهب لمن يشآء إناثا # [الشورى: 49]. # وقيل: قدمه؛ لأنه أقدم، لأن الأشياء في الابتداء كانت في حكم الموت ~~كالنطف والتراب ونحوه. # وقال قتادة:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن الله تعالى أذل بني آدم بالموت، وجعل الدنيا دار ~~حياة ثم دار موت، وجعل الآخرة دار جزاء، ثم دار ~~بقاء ". # وعن أبي الدرداء أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لولا ثلاث ما طأطأ ابن آدم رأسه: الفقر، والمرض ~~والموت ". # وقيل: إنما قدم الموت على الحياة؛ لأن من نصب الموت بين عينيه، كان أقوى ~~الدواعي له إلى العمل الصالح. # قال ابن الخطيب: قالوا: الحياة هي الصفة التي يكون الموصوف بها بحيث يصح ~~أن يعلم ويقدر، واختلفوا في الموت. # فقيل: إنه عبارة عن عدم هذه الصفة، وقال أصحابنا: إنه صفة وجودية مضادة ~~للحياة، واحتجوا بقوله تعالى: { الذي خلق الموت } والعدم لا ~~يكون مخلوقا، وهذا هو التحقيق. # وروى الكلبي عن ابن عباس: أن الله - تعالى - خلق الموت في صورة كبش ~~أملح لا يمر بشيء، ولا يجد رائحته شيء إلا مات، وخلق الحياة في صورة ~~فرس بلقاء فوق الحمار ودون البغل لا تمر بشيء، ولا يجد رائحتها شيء إلا ~~حيي على ما سيأتي. ms8613 # قال ابن الخطيب: وهذا لا بد وأن يكون مقولا على سبيل التمثيل، ~~والتصوير، وإلا فالتحقيق ما ذكرنا. # فصل في الموت والحياة # حكى ابن عباس، والكلبي ومقاتل: أن الموت والحياة يجسمان، فالموت في ~~هيئة كبش لا يمر بشيء، ولا يجد ريحه إلا مات، وخلق الحياة على صورة فرس ~~أنثى بلقاء وهي التي كان جبريل والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ~~يركبونها، خطوتها أمد البصر فوق الحمار ودون البغل، لا تمر بشيء يجد ~~ريحا إلا يحيى، ولا تطأ على شيء إلا حيي، وهي التي أخذ السامري من ~~أثرها، فألقاها على العجل فحيي. حكاه الثعلبي والقشيري عن ابن عباس، ~~والماوردي معناه عن مقاتل والكلبي. # وعن مقاتل: " خلق الموت " يعني: النطفة والعلقة والمضغة، وخلق ~~الحياة، يعني خلق إنسانا، ونفخ فيه الروح، فصار إنسانا. # قال القرطبي: وهذا حسن، يدل عليه قوله تعالى: { ليبلوكم ~~أيكم أحسن عملا }. # قوله: { ليبلوكم }. متعلق ب " خلق ". # وقوله: { أيكم أحسن عملا } تقدم مثله في أول " هود " [الآية ~~7]. # وقال الزمخشري هنا: " فإن قلت: من أين تعلق قوله { أيكم أحسن ~~عملا } ، بفعل البلوى؟ قلت: من حيث إنه تضمن معنى العلم، فكأنه قيل: ~~ليعلمكم أيكم أحسن عملا، وإذا قلت: علمته أزيد أحسن عملا أم هو؟ كانت ~~هذه الجملة واقعة موقع الثاني من مفعوليه كما تقول: علمته هو أحسن ~~عملا، فإن قلت: أتسمي هذا تعليقا؟. # قلت: لا، إنما التعليق أن يقع بعده ما يسد مسد المفعولين جميعا، ~~كقولك: علمت أيهما عمرو، وعلمت أزيد منطلق، ألا ترى أنه لا فرق بعد سبق ~~أحد المفعولين بين أن يقع ما بعده مصدرا بحرف الاستفهام وغير مصدر به، ~~ولو كان تعليقا لافترقت الحالتان كما افترقتا في قولك: علمت أزيد ~~منطلق، وعلمت زيدا منطلقا ". # قال شهاب الدين: " وهذا الذي منع تسميته تعليقا سماه به غيره ويجعلون ~~تلك الجملة في محل ذلك الاسم الذي يتعدى إليه ذلك الفعل، فيقولون في: " ~~عرفت أيهم منطلق ": إن الجملة الاستفهامية في محل نصب على إسقاط ~~الخافض؛ لأن " نظر " يتعدى به ". # فصل في اللام في قوله: ليبلوكم # قال ms8614 الزجاج: اللام في " ليبلوكم " تتعلق بخلق الحياة، لا ~~بخلق الموت. # وقال الفراء والزجاج أيضا: لم تقع البلوى على " أي " لأن فيما بين ~~البلوى و " أي " إضمار فعل كما تقول: " بلوتكم لأنظر أيكم أطوع " ، ~~ومثله قوله تعالى: # سلهم أيهم بذلك زعيم # [القلم: 40]، أي: سلهم، ثم انظر أيهم فأيهم، رفع بالابتداء، والمعنى: ~~ليبلوكم ليعلم، أو فينظر أيكم أحسن عملا. # قال ابن الخطيب: " أيكم " مبتدأ، لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما ~~قبله. # فصل في الابتلاء # الابتلاء: هو التجربة، والامتحان، حتى يعلم أنه هل يطيع، أو يعصي، وذلك ~~في حق العالم بجميع المعلومات محال، وقد تقدم تحقيق هذه المسألة في ~~قوله تعالى: # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات # [البقرة: 124]. # والحاصل أن الابتلاء من الله هو أن يعامل عبده معاملة تشبه المختبر. # فصل في تفسير الآية # قال السدي في قوله تعالى: { ليبلوكم أيكم أحسن ~~عملا } أي: أكثر للموت ذكرا وأحسن استعدادا وأشد خوفا وحذرا. # وقال ابن عمر: # " تلا النبي صلى الله عليه وسلم: { تبارك الذي بيده ~~الملك } حتى بلغ { أيكم أحسن عملا } فقال: " أورع عن ~~محارم الله، وأسرع في طاعة الله " ". # وقيل: يعاملكم معاملة المختبر، فيبلو العبد بموت من يعز عليه ليبين ~~صبره، وبالحياة ليبين شكره. # وقيل: خلق الله الموت للبعث، والجزاء، وخلق الحياة للابتلاء " وهو ~~العزيز " في انتقامه ممن عصاه " الغفور " لمن تاب. # فصل فيمن قالوا: إن فعل الله يكون لغرض # احتج القائلون بأنه تعالى يفعل الفعل لغرض بقوله: " ليبلوكم " ~~قالوا: وهذه اللام للغرض كقوله تعالى { إلا ليعبدون } ، ~~والجواب: أن الفعل في نفسه ليس بالابتلاء، إلا أنه لما أشبه الابتلاء سمي ~~به مجازا، فكذلك هاهنا، إنه يشبه الغرض، وإن لم يكن في نفسه غرضا فقدم ~~حرف الغرض. # قوله: { الذي خلق سبع سماوات طباقا }. # يجوز أن يكون الموصول تابعا للعزيز الغفور، نعتا، أو بيانا أو ~~بدلا. # وأن يكون منقطعا عنه خبر مبتدأ، أو مفعول فعل مقدر. # وقوله: " طباقا " صفة ل " سبع " ، وفيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه جمع طبق، نحو: جبل وجبال. # والثاني: أنه جمع طبقة، نحو: ms8615 رحبة ورحاب. # والثالث: أنه مصدر طابق، يقال: طابق مطابقة وطباقا. # ثم إما أن تجعل نفس المصدر مبالغة، وإما على حذف مضاف، أي: ذات طباق، ~~وإما أن ينتصب على المصدر بفعل مقدر، أي: طوبقت طباقا. من قولهم: طابق ~~الفعل، أي: جعله طبقة فوق أخرى. # روي عن ابن عباس: " طباقا " ، أي: بعضها فوق بعض، والملتصق منها ~~أطرافها. # قال القرطبي: وقيل: مصدر بمعنى المطابقة، أي: خلق سبع سموات، ويطبقها ~~تطبيقا أو مطابقة على طوبقت طباقا؛ لأنه مفعول ثان، فيكون " خلق " ~~بمعنى جعل وصير. # وقال أبان بن تغلب: سمعت بعض الأعراب يذم رجلا، فقال: شره طباق، وخيره ~~غير باق. ويجوز في غير القرآن " سبع سماوات طباق " بالخفض على ~~النعت ل " سماوات " نظيره: # وسبع سنبلات خضر # [يوسف: 42]. # فصل في الدلالة على القدرة # قال ابن الخطيب: دلت هذه الآية على القدرة من وجوه. # أحدها: من حيث بقاؤها في جو الهواء متعلقة بلا عماد ولا سلسلة. # وثانيها: من حيث إن كل واحد منها اختص بمقدار معين مع جواز ما هو أزيد ~~منه وأنقص. # وثالثها: أنه اختص كل واحد منها بحركة خاصة مقدرة بقدر معين من السرعة، ~~والبطء إلى جهة معينة. # ورابعها: كونها في ذواتها محدثة، وكل ذلك يدل على إسنادها إلى قادر تام ~~القدرة. # قوله { ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت }. " ~~تفاوت " هو مفعول " ترى " و " من " مزيدة فيه. وقرأ الأخوان: " ~~تفوت " بتشديد الواو دون ألف. # قال القرطبي: " وهي قراءة ابن مسعود وأصحابه ". # والباقون: بتخفيفها بعد ألف، وهما لغتان بمعنى واحد، كالتعهد ~~والتعاهد والتظاهر والتظهر والتصغر والتصاغر والتحمل ~~والتحامل والتضاعف والتضعف والتباعد والتبعد، قاله الفراء. # وقال الأخفش: " تفاوت " أجود؛ لأنهم يقولون: تفاوت الأمر، ولا ~~يكادون يقولون: " تفوت ". # واختيار أبي عبيد: " تفوت " ، يقال: تفاوت الشيء إذا فات. # واحتج بما روي في الحديث: أن رجلا تفوت على أبيه في ماله. # وقال عبد الرحمن بن أبي بكر: " أمثلي يتفوت عليه في ماله ". # قال النحاس: وهذا مردود على أبي عبيد، لأن " يتفوت " أي: يضاف في ~~الحديث، " تفاوت " في الآية أشبه، ms8616 كما يقال: تباين، تفاوت الأمر إذا ~~تباين، أو تباعد، أي: فات بعضها بعضا نقله القرطبي. # وحكى أبو زيد: تفاوت الشيء تفاوتا بضم الواو وفتحها وكسرها. # [والقياس]: الضم كالتقابل، والفتح والكسر شاذان. # والتفاوت: عدم التناسب؛ لأن بعض الأجزاء يفوت الآخر، وهذ الجملة المنفية ~~صفة لقوله: " طباقا " وأصلها: ما ترى فيهن، فوضع مكان الضمير. # قوله: { ما ترى في خلق الرحمن } تعظيما لخلقهن، وتنبيها على سببب ~~سلامتهن، وهو أنه خلق الرحمن، قاله الزمخشري. # وظاهر هذا أنها صفة ل " طباقا " ، وقام الظاهر فيها مقام المضمر، ~~وهذا إنما يعرف في خبر المبتدأ، وفي الصلة على خلاف فيهما وتفصيل. # وقال أبو حيان: الظاهر أنه مستأنف، وليس بظاهر لانفلات الكلام بعضه ~~من بعض، و " خلق " مصدر مضاف لفاعله والمفعول محذوف، أي: في خلق الرحمن ~~السماوات، أو كل مخلوق، وهو أولى ليعم، وإن كان السياق مرشدا للأول. # فصل في معنى الآية # والمعنى ما ترى في خلق الرحمن من اعوجاج، ولا تناقض، ولا تباين، بل هي ~~مستقيمة مستوية دالة على خالقها، وإن اختلفت صوره وقيل: المراد بذلك ~~السماوات خاصة، أي: ما ترى في خلق السماوات من عيب، وأصله من الفوت، وهو ~~أن يفوت شيء شيئا، فيقع الخلل لعدم استوائها يدل عليه قول ابن عباس: ~~من تفرق. # وقال السدي: " من تفاوت " أي: من اختلاف، وعيب بقول الناظر: لو ~~كان كذا كان أحسن. # وقيل: " التفاوت " الفطور، لقوله بعد ذلك: { فارجع البصر هل ~~ترى من فطور } ، ونظيره قوله تعالى: # وما لها من فروج # [ق: 65]. # قال القفال - رحمه الله -: ويحتمل أن يكون المعنى: { ما ترى في ~~خلق الرحمن من تفاوت } في الدلالة على حكم الصانع، وأنه ~~لم يخلقها عبثا. # فصل في الخطاب في الآية لمن؟ # الخطاب في قوله تعالى: { ما ترى في خلق الرحمن من ~~تفاوت } إما للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل مخاطب، وكذا القول في ~~قوله { فارجع البصر } ، { ثم ارجع البصر كرتين ~~ينقلب إليك البصر }. # فصل فيما تدل عليه الآية # دلت هذه الآية على كمال علم الله، وذلك أن الحس ms8617 دل على أن هذه ~~السماوت السبع أجسام مخلوقة على وجه الإحكام والإتقان، وكل فاعل كان ~~فعله محكما متقنا، فلا بد وأن يكون عالما، فدلت الآية على كونه - ~~تعالى - عالما بالمعلومات بقوله: { ما ترى في خلق ~~الرحمن من تفاوت } إشارة إلى كونها محكمة متقنة. # فصل فيمن اعتبر المعاصي ليست من خلق الله # احتج الكعبي بهذه الآية على أن المعاصي ليست من خلق الله، قال: - لأنه ~~تعالى - نفى التفاوت عن خلقه، وليس المراد نفي التفاوت في الصغر ~~والكبر والنقص، والعيب، فوجب حمله على نفي التفاوت بين خلقه من حيث ~~الحكمة، فدل من هذا الوجه على أن أفعال العباد ليست من خلقه لما فيها ~~من التفاوت الذي بعضه جهل، وبعضه سفه. والجواب: أنا نحمله على أن لا ~~تفاوت فيها بالنسبة إليه من حيث إن الكل يصح عنه بحسب القدرة ~~والإرادة والداعية، وأنه لا يقبح منه شيء أصلا. # فصل في السموات السبع # روى البغوي عن كعب - رضي الله عنه - أنه قال: السماء الدنيا موج ~~مكفوف، والثانية: مرمرة بيضاء، والثالثة: حديد، والرابعة، صفر، وقال: ~~نحاس، والخامسة: فضة، والسادسة: ذهب، والسابعة: ياقوتة حمراء، وبين ~~السماء السابعة إلى الحجب السبعة صحارى من نور. # قوله { فارجع البصر }. مسبب عن قوله { ما ترى }. # و " كرتين " نصب على المصدر كمرتين، وهو مثنى لا يراد به حقيقته، بل ~~التكثير بدليل قوله: { ينقلب إليك البصر خاسئا وهو ~~حسير } أي: مزدجرا وهو كليل، وهذان الوصفان لا يأتيان بنظرتين، ولا ~~ثلاث، وإنما المعنى كرات، وهذا كقولهم: " لبيك وسعديك وحنانيك، ~~ودواليك، وهذاذيك " لا يريدون بهذه التثنية تشفيع الواحد، إنما ~~يريدون التكثير أي: إجابة لك بعد أخرى. وإلا تناقض الغرض، والتثنية تفيد ~~التكثير لقرينة كما يفيده أصلها وهو العطف لقرينة؛ كقوله: [البسيط] # 4791 - لو عد قبر وقبر كان أكرمهم # ...................... # أي: قبور كثيرة ليتم المدح. # وقال ابن عطية: " كرتين " معناه: مرتين، ونصبها على المصدر. # وقيل: الأولى ليرى حسنها، واستواءها، والثانية لينظر كواكبها في سيرها، ~~وانتهائها وهذا بظاهره يفهم التثنية فقط. # قوله: { هل ترى من فطور }. # هذه الجملة ms8618 يجوز أن تكون متعلقة لفعل محذوف يدل عليه " فارجع البصر ~~" مضمنا معنى " انظر "؛ لأنه بمعناه، فيكون هو المعلق. # وأدغم أبو عمرو: لام " هل " في التاء هنا وفي " الحاقة " ، ~~وأظهرهما الباقون، وهو المشهور في اللغة. # والفطور: جمع فطر، وهو الشق، يقال: فطره فانفطر، ومنه: فطر ناب ~~البعير، كما يقال: شق، ومعناه: شق اللحم وطلع. # قال المفسرون: " الفطور " الصدوع والشقوق؛ قال الشاعر: [الوافر] # 4792 - شققت القلب ثم ذررت فيه # هواك فليط فالتأم الفطور # قوله: " ينقلب ". # العامة: على جزمه على جواب الأمر. # والكسائي في رواية برفعه. وفيه وجهان: # أحدهما: أن يكون حالا مقدرة. # والثاني: أنه على حذف الفاء، أي: فينقلب. # و " خاسئا " حال وقوله: " وهو حسير " حال، إما من صاحب الأولى، ~~وإما من الضمير المستتر في الحال قبلها، فتكون متداخلة. وقد تقدمتا " ~~خاسئا " و " حسير " في " المؤمنين " و " الأنبياء ". # فصل في تفسير الآية # لما قال: { ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت } كأنه ~~قال بعده: ولعلك لا تحكم بمقتضى ذلك البصر الواحد، ولا يعتمد عليه ~~لاحتمال وقوع الغلط في النظرة الواحدة، ولكن ارجع البصر، واردد النظر ~~مرة أخرى، حتى يتيقن لك أنه ليس في خلق الرحمن من تفاوت ألبتة. # قال القرطبي: أمر أن ينظر في خلقه ليعتبروا به، ويتفكروا في قدرته، ~~فقال: { فارجع البصر هل ترى من فطور } أي: اردد طرفك ~~إلى السماء، ويقال: قلب بصره في السماء، ويقال: اجتهد بالنظر إلى ~~السماء، والمعنى متقارب، وإنما قال: " فارجع " - بالفاء - وليس قبله ~~فعل مذكور؛ لأنه قال: " ما ترى " والمعنى: انظر، ثم ارجع البصر هل ~~ترى من فطور، قاله قتادة. # قال مجاهد والضحاك: و " الفطور " الشقوق. # وقال قتادة: من خلل. # وقال السدي: من خروق. # وقال ابن عباس: من وهن. # وقوله: { ثم ارجع البصر كرتين } في موضع المصدر؛ لأن ~~معناه: رجعتين. # لأن الإنسان إذا نظر في الشيء مرتين ترى عينه ما لم تنظره مرة أخرى، ~~فأخبر تعالى أنه وإن نظر إلى السماء مرتين لا يرى فيها عيبا، بل ~~يتحير بالنظر إليها. # وقال ابن الخطيب: " معناه أنك ms8619 إذا كررت نظرك لم يرجع إليك بصرك بما ~~طلبته من وجدان الخلل، والعيب، بل يرجع إليك " خاسئا " أي: مبعدا ~~صاغرا عن أن يرى شيئا من ذلك من قولك: خسأت الكلب إذا باعدته، وطردته ~~". # وخسأ الكلب بنفسه، يتعدى ولا يتعدى، وانخسأ الكلب أيضا، وخسأ بصره ~~أيضا خسأ وخسوءا، أي: ستر. # قال ابن عباس: الخاسىء الذي لم ير ما يهوى. # وقال المبرد هاهنا: الخاسىء المبعد المصغر. # وقوله: " وهو حسير " أي: قد بلغ الغاية في الإعياء، فهو بمعنى " ~~فاعل " من الحسور الذي هو الإعياء، ويجوز أن يكون مفعولا من حسره بعد ~~الشيء وهو معنى قول ابن عباس؛ ومنه قول الشاعر: [البسيط] # 4793 - من مد طرفا إلى ما فوق غايته # إرتد خسآن منه الطرف قد حسرا # يقال: حسر بصره يحسر حسورا، أي: كل وانقطع نظره من طول مدى، وما أشبه ~~ذلك، فهو حسير ومحسور أيضا. # قال الشاعر: [الطويل] # 4794 - نظرت إليها بالمحصب من منى # فعاد إلي الطرف وهو حسير # وقيل هو النادم؛ قال: [الرمل] # 4795 - ما أنا اليوم على شيء خلا # يا بنة القين تولى بحسر ### || [67.5-11] # قوله تعالى: { ولقد زينا السمآء الدنيا بمصابيح } ~~، أي: السماء القربى؛ لأنها أقرب السماوات إلى الناس، والمعنى: ~~السماء الدنيا من الناس أي: الدنيا منكم لأنها " فعلى " تأنيث " ~~أفعل " التفضيل، " بمصابيح " جمع مصباح وهو السراج، وسمى الكواكب ~~مصابيح لإضاءتها وسماها زينة لأن الناس يزينون مساجدهم ودورهم بالمصابيح، ~~فكأنه قال: ولقد زينا سقف الدار التي اجتمعتم فيها بمصابيح الأنوار. # قوله: { وجعلناها رجوما للشياطين }. # الضمير في " وجعلناها " يجوز فيه وجهان: # أظهرهما: أنه يعود على " مصابيح ". # قيل: وكيفية الرجم أن توجد نار من ضوء الكواكب يرمي بها الشيطان، ~~والكوكب في مكانه لا يرجم به. قاله أبو علي جوابا لمن قال: كيف تكون ~~زينة وهي رجوم لا تبقى؟. # قال المهدوي: وهذا على أن يكون الاستراق من موضع الكوكب. # والثاني: أن الضمير يعود على السماء، والمعنى: وجعلنا منها؛ لأن ذات ~~السماء ليست للرجوم. # قاله أبو حيان. وفيه نظر لعدم عود الضمير على السماء. # قال ms8620 القرطبي: والمعنى جعلنا شهبا، فحذف المضاف، بدليل قوله # إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب # [الصافات: 10]، قال: وعلى هذا فالمصابيح لا تزول ولا يرجم بها. # قال المهدوي: وهذا على أن يكون الاستراق دون موضع الكوكب. # وقال القشيري: وأحسن من قول أبي علي أن نقول: هي زينة قبل أن ترجم بها ~~الشياطين. # والرجوم: جمع رجم، وهو مصدر في الأصل أطلق على المرجوم به كضرب الأمير. # ويجوز أن يكون باقيا على مصدريته، ويقدر مضاف، أي: ذات رجوم. # وجمع المصدر باعتبار أنواعه، فعلى الأول يتعلق قوله: " للشياطين " ~~بمحذوف على أنه صفة ل " رجوما ". # وعلى الثاني: لا تعلق له؛ لأن اللام مزيدة في المفعول به، وفيه دلالة ~~حينئذ على إعمال المصدر منونا مجموعا. # ويجوز أن تكون صفة له أيضا كالأول، فيتعلق بمحذوف. # وقيل: الرجوم هنا الظنون، والشياطين: شياطين الإنس. # كما قال: [الطويل] # 4796 -.......................... # وما هو عنها بالحديث المرجم # فيكون المعنى: جعلناها ظنونا ورجوما بالغيب، لشياطين الإنس، وهم ~~الأحكاميون من المنجمين. # فصل في خلق النجوم # قال قتادة: خلق الله النجوم لثلاث: زينة السماء ورجوما ~~للشياطين، وعلامات يهتدى بها في البر والبحر والأوقات، فمن تأول ~~فيها غير ذلك فقد تكلف ما لا علم له به، وتعدى، وظلم. # وقال محمد بن كعب: والله ما لأحد من أهل الأرض في السماء نجم، ولكنهم ~~يتخذون الكهانة، ويتخذون النجوم علة. # فصل # قال ابن الخطيب: ظاهر الآية لا يدل على أن هذه الكواكب مركوزة في ~~السماء الدنيا؛ لأن السماوات إذا كانت شفافة، فالكواكب سواء كانت في ~~السماء الدنيا، أو في سماوات أخرى فوقها، فهي ولا بد أن تظهر في ~~السماء الدنيا، ولتلوح منها، فعلى التقدير تكون السماء الدنيا متزينة، ~~واعلم أن أصحاب الهيئة اتفقوا على أن هذه الكواكب مركوزة في الفلك ~~الثامن الذي فوق كرات السيارات، واحتجوا أن بعض الثوابت في الفلك ~~الثامن، فيجب أن تكون كلها هناك. # وإنما قلنا: إن بعضها في الفلك الثامن، لأن الكواكب القريبة من المنطقة ~~تنكسف بهذه السيارات، فوجب أن تكون الثوابت المنكسفة فوق السيارات ~~الكاسفة ms8621 وإنما قلنا: إن الثوابت لما كانت في الفلك الثامن وجب أن تكون ~~كلها هناك؛ لأنها بأسرها متحركة حركة واحدة بطيئة في كل مائة سنة درجة ~~واحدة، فلا بد وأن تكون مركوزة في كرة واحدة. # قال ابن الخطيب: وهذه استدلالات ضعيفة؛ فإنه لا يلزم من كون بعض ~~الثوابت فوق السيارة كون كلها هناك؛ لأنه لا يبعد وجود كرة تحت كرة ~~القمر، وتكون في النظر مساوية لكرة الثوابت، وتكون الكواكب المركوزة فيها ~~مقارب القطبين مركوزة في هذه الكرة السفلية؛ إذ لا يبعد وجود كرتين ~~مختلفتين بالصغر والكبر مع كونهما متشابهتين في الحركة، وعلى هذا التقدير ~~لا يمتنع أن تكون المصابيح مركوزة في سماء الدنيا، فثبت بهذا ضعف مذاهب ~~الفلاسفة. # فصل في سبب الرجوم # قال ابن الخطيب: يروى أن السبب في الرجوم أن الجن كانت تسمع خبر السماء ~~فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم حرست السماء ورجمت الشياطين، فمن جاء ~~منهم مسترقا للسمع رمي بشهاب، فأحرقه لئلا ينزل به إلى الأرض، فيلقيه ~~إلى الناس، فيختلط على النبي أمره، ويرتاب الناس بخبره. ومن الناس ~~من طعن في هذا من وجوه: # أحدها: أن انقضاض الكواكب مذكور في كتب قدماء الفلاسفة، قالوا: إن الأرض ~~إذا سخنت بالشمس ارتفع منها بخار يابس إذا بلغ النار التي دون الفلك ~~احترق بها، فتلك الشعلة هي الشهاب. # وثانيها: أن الجن إذا شاهدوا جماعة منهم يسترقون، فيحرقون إن امتنع أن ~~يعودوا لذلك. # وثالثها: أن ثخن السماء مسيرة خمسمائة سنة، فالجن لا يقدرون على ~~خرقها؛ لأنه تعالى نفى أن يكون فيها فطور، وثخنها يمنعهم من السمع لأسرار ~~الملائكة من ذلك البعد العظيم، وإذا سمعوه من ذلك البعد، فهم لا يسمعون ~~كلام الملائكة حال كونهم في الأرض. # ورابعها: أن الملائكة إنما اطلعوا على الأحوال المستقبلة، إما لأنهم ~~طالعوها من اللوح المحفوظ، أو لأنهم نقلوها من وحي الله إليهم، وعلى ~~التقديرين، فلم لم يسكتوا عن ذكرها حتى لا يمكنوا الجن من معرفتها. # وخامسها: أن الشياطين مخلوقون من النار، والنار لا تحرق النار، بل ms8622 ~~تقويها. # وسادسها: إن كان هذا القذف لأجل النبوة فلم بقي بعدها؟. # وسابعها: أن هذ الرجوم إنما تحدث بالقرب من الأرض، لأنا نشاهدها بالعين، ~~ومع البعد لا نشاهدها كما لا نشاهد حركات الكواكب. # وثامنها: إن كانت الشياطين ينقلون أخبار الملائكة عن المغيبات إلى ~~الكهنة، فلم لا ينقلون أسرار المؤمنين إلى الكفار، حتى يتوصل الكفار بذلك ~~إلى إلحاق الضرر بالمؤمنين؟. # وتاسعها: لم لم يمنعهم الله ابتداء من الصعود إلى السماء؟. # والجواب عن الأول: أنا لا ننكر أن هذه الشهب كانت موجودة قبل مبعث ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # وعن الثاني: أنه إذا جاء القدر عمي البصر، فإذا قضى الله على طائفة منها ~~بالحرق لطغيانها قيض الله لها من الدواعي ما يقدمها على العمل المفضي ~~إلى هلاكها. # وعن الثالث: أن نمنع كون ثخن الفلك ما ذكروه، بأن البعد بين السماء ~~والأرض مسيرة خمسمائة عام. # وعن الرابع: ما روى الزهري عن علي ابن الحسين، عن علي بن أبي طالب قال: # " بينما النبي صلى الله عليه وسلم جالسا في نفر من أصحابه، إذ رمي ~~بنجم فاستنار، فقال: ما كنتم تقولون في الجاهلية إذا حدث؟ ~~قال: كنا نقول: يولد عظيم أو يموت عظيم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~فإنها لا ترمى لموت أحد، ولا لحياته، ولكن الله - تعالى ~~- إذا قضى الأمر في السماء سبحت حملة العرش، ثم يسبح ~~أهل كل سماء، وتسبح كل سماء، حتى ينتهي التسبيح إلى هذه ~~السماء، ويستخبر أهل السماء حملة العرش ماذا قال ربكم؟ ~~فيخبرونهم، ولا يزال ينتهي ذلك الخبر من سماء إلى سماء ~~إلى أن ينتهي الخبر إلى هذه السماء فتخطفه الجن ~~فيرمون، فما جاءوا به فهو حق، ولكنهم يزيدون فيه " ". # وعن الخامس: أن نار النجوم قد تكون أقوى من نار الجن. # وعن السادس: أنه - عليه الصلاة والسلام - أخبر ببطلان الكهانة، فلو لم ~~ينقطعوا لعادت الكهانة، وذلك يقدح في خبر الرسول عليه الصلاة والسلام. # وعن السابع: أن البعد غير مانع من السماء عندنا. # وعن الثامن: لعله تعالى أقدرهم على استماع ms8623 الغيوب عن الملائكة، وأعجزهم ~~عن إيصال أسرار المؤمنين إلى الكافرين. # وعن التاسع: أن الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. # قوله: { وأعتدنا لهم عذاب السعير }. لما ذكر منافع ~~الكواكب، وذكر من جملة تلك المنافع أنها رجوم للشياطين قال بعد ذلك: { ~~وأعتدنا لهم عذاب السعير } ، أي: وأعتدنا للشياطين بعد ~~الإحراق بالشهب في الدنيا عذاب السعير في الآخرة، وهو أشد الحريق. # قال المبرد: سعرت النار فهي مسعورة وسعير، مثل قوله: مقتولة وقتيل. # وهذه الآية تدل على أن النار مخلوقة؛ لأن قوله: { وأعتدنا ~~لهم } خبر عن الماضي. # قوله: { وللذين كفروا } خبر مقدم في قراءة العامة، و " عذاب ~~جهنم " مبتدؤه. # وفي قراءة الحسن والأعرج والضحاك: بنصب " عذاب " فيتعلق ب " ~~أعتدنا " عطفا على " لهم " و " عذاب السعير " ، فعطف ~~منصوبا على منصوب، ومجرورا على مجرور، وأعاد الخافض، لأن المعطوف عليه ~~ضمير. # والمخصوص بالذم محذوف، أي: وبئس المصير مصيرهم، أو عذاب جهنم، أو ~~عذاب السعير. # فصل في معنى الآية # والمعنى لكل من كفر بالله من الشياطين وغيرهم عذاب جهنم؛ ليبين أن ~~الشياطين المرجومين مخصوصون بذلك، ثم إنه - تعالى - وصف ذلك العذاب ~~بصفات، أولها قوله تعالى: { إذآ ألقوا فيها سمعوا لها ~~شهيقا } يعني الكفار { إذآ ألقوا } طرحوا كما يطرح الحطب في ~~النار العظيمة { سمعوا لها شهيقا } أي: صوتا. # قال ابن عباس: الشهيق لجهنم عند إلقاء الكفار فيها كشهيق البغلة ~~للشعير. # وقال عطاء: الشهيق من الكفار عند إلقائهم في النار. # وقال مقاتل: سمعوا لجهنم شهيقا. # قال ابن الخطيب: ولعل المراد تشبيه صوت لهب النار بالشهيق، وهو كصوت ~~الحمار. # وقال المبرد: هو - والله أعلم - تنفس كتنفس التغيظ. # قال الزجاج: سمع الكفار للنار شهيقا، وهو أقبح الأصوات. # وقيل: سمعوا من أنفسهم شهيقا كقوله تعالى: # لهم فيها زفير وشهيق # [هود: 106]. # قوله: " لها " متعلق بمحذوف على أنه حال من " شهيقا " لأنه في الأصل ~~صفته، ويجوز أن يكون على حذف مضاف، أي: سمعوا لأهلها، وهي تفور: جملة ~~حالية. # فصل في معنى الشهيق والزفير # قال القرطبي: " والشهيق في الصدر، والزفير في الحلق، وقد مضى في ms8624 سورة ~~" هود " ". # وقوله: { وهي تفور }. أي: تغلي؛ ومنه قول حسان: [الوافر] # تركتم قدركم لا شيء فيها # وقدر القوم حامية تفور # قال مجاهد: تفور كما يفور الحب القليل في الماء الكثير. # وقال ابن عباس: تغلي بهم على المراجل، وهذا من شدة لهب النار من شدة ~~الغضب كما تقول: فلان يفور غيظا. # قوله: { تكاد تميز من الغيظ }. # قرأ العامة: " تميز " بتاء واحدة مخففة، والأصل " تتميز " بتاءين، ~~وهي قراءة طلحة. # والبزي عن ابن كثير: بتشديدها، أدغم إحدى التاءين في الأخرى. # وهي قراءة حسنة لعدم التقاء الساكنين بخلاف قراءته # إذ تلقونه # [النور: 15]، و # نارا تلظى # [الليل: 14] وبابه. # وأبو عمرو: يدغم الدال في التاء على أصله في المتقاربين. # وقرأ الضحاك: " تمايز " والأصل: " تتمايز " بتاءين، فحذف إحداهما. # وزيد بن علي: " تميز " من " ماز ". # وهذا كله استعارة من قولهم: تميز فلان من الغيظ، أي: انفصل بعضه من بعض ~~من الغيظ، فمن سببية، أي: بسبب الغيظ، ومثله في وصف كلب، أنشد عروة: ~~[الرجز] # 4798 -......................... # يكاد أن يخرج من إهابه # قال ابن الخطيب: ولعل سبب هذا المجاز أن دم القلب يغلي عند الغضب، فيعظم ~~مقداره، فيزداد امتلاء العروق، حتى تكاد تتمزق. # فإن قيل: النار ليست من الأحياء، فكيف توصف بالغيظ؟. # قال ابن الخطيب: والجواب: أن البنية عندنا ليست شرطا للحياة، فلعل الله ~~- تعالى - يخلق فيها وهي نار حياة، أو يكون هذا استعارة يشبه صوت لهبها ~~وسرعة مبادرتها بالغضبان وحركته، أو يكون المراد الزبانية. # فصل في تفسير الآية # قال سعيد بن جبير { تكاد تميز من الغيظ } يعني تنقطع، ~~وينفصل بعضها من بعض. # وابن عباس والضحاك وابن زيد: تتفرق من الغيظ من شدة الغيظ على أعداء ~~الله تعالى. # قوله: { كلما ألقي فيها فوج }. تقدم الكلام على " كلما ~~". وهذه الجملة يجوز أن تكون حالا من ضمير جهنم. # والفوج: الجماعة من الناس، والأفواج: الجماعات في تفرقة، ومنه قوله ~~تعالى: # فتأتون أفواجا # [النبأ: 18] والمراد هنا بالفوج جماعة من الكفار { سألهم ~~خزنتهآ } وهم مالك، وأعوانه سؤال توبيخ وتقريع { ألم يأتكم ~~نذير } ، أي: رسول في الدنيا ms8625 ينذركم هذا اليوم، حتى تحذروا. # قال الزجاج: وهذا التوبيخ زيادة لهم في العذاب. # قوله: { بلى قد جآءنا نذير }. فيه دليل على جواز الجميع بين ~~حرف الجواب، ونفس الجملة المجاب بها إذ لو قالوا: بلى، لفهم المعنى، ~~ولكنهم أظهروه تحسرا وزيادة في تغميمهم على تفريطهم في قبول قول ~~النذير؛ فعطفوا عليه: " فكذبنا " إلى آخره. # قوله: { إن أنتم إلا في ضلال كبير } ظاهره أنه من مقول ~~الكفار للنذير، أي: قلنا: " ما أنزل الله من شيء " أي: على ~~ألسنتكم إن أنتم يا معشر الرسل { إلا في ضلال كبير } اعترفوا ~~بتكذيب الرسل، ثم اعترفوا بجهلهم، فقالوا وهم في النار: { لو كنا ~~نسمع } من النذر يعني: الرسل ما جاءوا به " أو نعقل " عنهم. # وجوز الزمخشري أن يكون من كلام الرسل للكفرة، وحكاه الكفرة ~~للخزنة، أي: قالوا لنا هذا فلم نقبله. # قال ابن الخطيب: يجوز أن يكون من كلام الخزنة للكفار، أي: لما قالوا ذلك ~~الكلام قالت الخزنة لهم: { إن أنتم إلا في ضلال كبير }. # قوله: { وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في ~~أصحاب السعير }. # قال ابن الخطيب: احتج بهذه الآية من قال: إن الدين لا يتم إلا ~~بالتعليم؛ لأنه قدم السمع على العقل، فدل على أنه لا بد أولا من إرشاد ~~المرشد غلب عليه تأمل السامع فيما ندب العلم. # وأجيب: بأنه إنما قدم السمع؛ لأن الرسول إذا دعا، فأول المراتب أنه يسمع ~~كلامه، ثم يتفكر فيه فلما كان السمع مقدما على التعقل لا جرم قدم عليه ~~في الذكر. # فصل فيمن فضل السمع على البصر # واحتج بهذه الآية من قدم السمع على البصر، قالوا: لأنه جعل للسمع ~~مدخلا في الخلاص من النار، والفوز بالجنة، والبصر ليس كذلك، فوجب أن ~~يكون السمع أفضل من البصر. # قوله " بذنبهم " وحده؛ لأنه مصدر في الأصل، ولم يقصد التنويع ~~بخلاف " بذنوبهم " في موضع؛ ولأنه في معنى الجمع؛ ولأن اسم الجنس ~~إذا أضيف عم. # فصل في المراد بالضلال الكبير # قال ابن الخطيب: يحتمل أن يكون المراد من الضلال الكبير ما ms8626 كانوا عليه ~~في الدنيا من ضلالهم، ويحتمل أن يكون المراد بالضلال الهلاك، ويحتمل أن ~~يكون قد سمى عقاب الضلال باسمه. # فصل في الرد على المرجئة # احتجت المرجئة بهذه الآية على أنه لا يدخل النار إلا الكفار قالوا: ~~لأنه تعالى حكى عن كل من ألقي في النار أنهم قالوا: فكذبنا النذير، وهذا ~~يدل على أن من لم يكذب الله ورسوله لا يلقى في النار، وظاهر هذه الآية ~~يقتضي القطع بأن الفاسق المصر لا يدخل النار، وأجاب القاضي عنه: بأن ~~النذير قد يطلق على ما في العقول من الأدلة المخوفة، وكل من يدخل النار ~~مخالف للدليل. # فصل في معرفة الله بعد ورود السمع # واحتج بهذه الآية من قال: إن معرفة الله، وشكره لا يجبان إلا بعد ورود ~~السمع، قالوا: لأنه تعالى إنما عذبهم؛ لأنه أتاهم النذير، فدل على أنه لو ~~لم يأتهم النذير لم يعذبوا. # قوله: { فسحقا }. فيه وجهان: # أحدهما: أنه منصوب على المفعول به، أي: ألزمهم الله سحقا. # والثاني: أنه منصوب على المصدر، تقديره: " أسحقهم الله سحقا " فناب ~~المصدر عن عامله في الدعاء نحو " جدعا له، وغفرا " فلا يجوز إظهار ~~عامله. # واختلف النحاة: هل هو مصدر لفعل ثلاثي، أم لفعل رباعي، فجاء على حذف ~~الزوائد. # فذهب الفارسي والزجاج إلى أنه مصدر " أسحقه الله " أي: أبعده. # قال الفارسي: فكان القياس إسحاقا، فجاء المصدر على الحذف، كقوله: ~~[الوافر] # 4799 -......................... # وإن يهلك فذلك كان قدري # أي: تقديري. # والظاهر أن لا يحتاج إلى ذلك؛ لأنه سمع " سحقه الله " ثلاثيا؛ ~~ومنه قول الشاعر: [الطويل] # 4800 - يجول بأطراف البلاد مغربا # وتسحقه ريح الصبا كل مسحق # والذي يظهر أن الزجاج والفارسي إنما قالا ذلك فيمن يقول من العرب: أسحقه ~~الله سحقا. # وقرأ العامة: بضم وسكون. # والكسائي وآخرون: بضمتين. # وهما لغتان، والأحسن أن يكون المثقل أصلا للمخفف، و " لأصحاب " بيان ~~ك # هيت لك # [يوسف: 23]، وسقيا لك. # وقال مكي: " والرفع يجوز في الكلام على الابتداء ". # أي: لو قيل: " فسحق " جاز، لا على أنه تلاوة، بل من حيث الصناعة، إلا ~~أن ms8627 ابن عطية قال ما يضعفه، فإنه قال: " فسحقا، نصبا على جهة الدعاء ~~عليهم، وجاز ذلك فيه وهو من قبل الله - تعالى - من حيث إن هذا القول فيهم ~~مستقر أزلا، ووجوده لم يقع ولا يقع إلا في الآخرة، فكأنه لذلك في حيز ~~المتوقع الذي يدعى فيه كما تقول: سحقا لزيد، وبعدا له، والنصب في ~~هذا كله بإضمار فعل، فأما ما وقع وثبت، فالوجه الرفع، كما قال تعالى # ويل للمطففين # [المطففين: 1] و # سلام عليكم # [الأنعام: 54]، وغير هذا من الأمثلة " ، انتهى. # فضعف الرفع كما ترى؛ لأنه لم يقع، بل هو متوقع في الآخرة. # فصل # قال المفسرون: { فسحقا لأصحاب السعير } ، أي: فبعدا ~~لهم من رحمة الله. # وقال سعيد بن جبير، وأبو صالح: هو واد في جهنم يقال له: السحق. ### || [67.12-18] # قوله: { إن الذين يخشون ربهم بالغيب } ، نظيره: # من خشي الرحمن بالغيب # [ق: 33] وقد مضى الكلام فيه. أي: يخافون الله ويخافون عذابه الذي هو " ~~بالغيب " وهو عذاب يوم القيامة " ويخشونه " في دار التكليف، أي: ~~يتقون جميع المعاصي. # قال ابن الخطيب: وفي الآية دليل على انقطاع وعيد الفساق، لأن من جاء يوم ~~القيامة مع هذه الخشية بفسق، فله الأمران، وانقطاع الثواب بالعقاب ~~باطل بالإجماع، فتعين العكس. # { لهم مغفرة } لذنوبهم { وأجر كبير } وهو الجنة. # قوله: { لهم مغفرة } الأحسن أن يكون الخبر " لهم " و " ~~مغفرة " فاعل به، لأن الخبر المفرد أصل، والجار من قبيل المفردات، أو ~~أقرب إليها. # قوله: { وأسروا قولكم أو اجهروا به }. # اللفظ لفظ الأمر، والمراد به الخبر، يعني: إن أخفيتم كلامكم في أمر ~~محمد صلى الله عليه وسلم أو جهرتم به، فإن الله عليم بذات الصدور، ~~يعني بما في القلوب من الخير والشر. # قال ابن عباس: نزلت في المشركين كانوا ينالون من النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيخبره جبريل فقال بعضهم لبعض: أسروا قولكم كي لا يسمع رب ~~محمد، فنزلت: { وأسروا قولكم أو اجهروا به } يعني ~~وأسروا قولكم في أمر محمد. # وقيل: إنه خطاب عام لجميع الخلق في جميع الأعمال، والمراد أن قولكم ~~وعملكم على ms8628 أي سبيل وجد، فالحال واحدة في علمه تعالى بها، فاحذروا من ~~المعاصي سرا كما تحترزون عنها جهرا، فإن ذلك لا يتفاوت بالنسبة إلى ~~علم الله تعالى: { إنه عليم بذات الصدور }. ما فيها كما ~~يسمى ولد المرأة جنينا في بطنها. # قوله: { ألا يعلم من خلق }. في " من خلق " وجهان: # أحدهما: أنه فاعل " يعلم " والمفعول محذوف، تقديره: ألا يعلم الخالق ~~خلقه، وهذا هو الذي عليه جمهور الناس، وبه بدأ الزمخشري. # والثاني: أن الفاعل مضمر يعود على الباري تعالى، و " من " مفعول به، ~~أي: لا يعلم الله من خلقه. # قال أبو حيان: والظاهر أن " من " مفعول، والمعنى أينتفي علمه بمن ~~خلقه، وهو الذي لطف علمه ودق، ثم قال: وأجاز بعض النحويين أن يكون " ~~من " فاعلا والمفعول محذوف، كأنه قال: ألا يعلم الخالق سركم، ~~وجهركم، وهو استفهام معناه الإنكار. # قال شهاب الدين: " وهذا الوجه الذي جعله هو الظاهر يعزيه الناس لأهل ~~الزيغ والبدع الدافعين لعموم الخلق لله تعالى، وقد أطنب مكي في ذلك، ~~وأنكر على القائل به، ونسبه إلى ما ذكرت، فقال: وقد قال بعض أهل الزيغ: ~~إن " من " في موضع نصب اسم للمسرين والمجاهرين ليخرج الكلام عن عمومه، ~~ويدفع عموم الخلق عن الله تعالى، ولو كان كما زعم لقال: ألا يعلم ما خلق؛ ~~لأنه إنما يقدم ذكر ما تكن الصدور فهو في موضع ما، ولو أتت " ما " في ~~موضع " من " لكان فيه أيضا بيان العموم أن الله خالق كل شيء من ~~أقوال الخلق وأفعالهم أسروها، أو أظهروها خيرا كانت، أو شرا، ويقوي ذلك ~~{ إنه عليم بذات الصدور } ولم يقل: عليم بالمسرين ~~والجاهرين، ويكون " ما " في موضع نصب، وإنما تخرج الآية من هذا العموم ~~إذا جعلت " ما " في موضع نصب اسما للأناس المخاطبين قبل هذه الآية، ~~وقوله: { بذات الصدور } يمنع من ذلك " انتهى. # قال شهاب الدين: ولا أدري كيف يلزم ما قاله مكي بالإعراب الذي ذكره، ~~والمعنى الذي أبداه، وقد قال بهذا القول أعني الإعراب الثاني جماعة من ~~المحققين، ولم يبالوا بما ذكره لعدم ms8629 إفهام الآية إياه. # قال الزمخشري بعد كلام ذكره: ثم أنكر أن يحيط علما بالمضمر والمسر ~~والمجهر " من خلق " الأشياء، وحاله أنه اللطيف الخبير المتصل علمه ~~إلى ما ظهر من خلقه وما بطن، ويجوز أن يكون " من خلق " منصوبا بمعنى ~~ألا يعلم مخلوقه وهذه حاله، ثم قال: فإن قلت: قدرت في " ألا يعلم " ~~مفعولا على معنى ألا يعلم ذلك المذكور ما أضمر في القلب، وأظهر باللسان ~~من خلق، فهلا جعلته مثل قولهم: هو يعطي ويمنع؟ وهلا كان المعنى: ألا ~~يكون عالما من هو خالق؛ لأن الخلق لا يصلح إلا مع العلم؟ قلت: أبت ذلك ~~الحال التي هي قوله: { وهو اللطيف الخبير } لأنك لو قلت: ألا ~~يكون عالما من هو خالق وهو اللطيف الخبير لم يكن معنى صحيحا؛ لأن " ~~ألا يعلم " معتمد على الحال، والشيء لا يوقف بنفسه، فلا يقال: ألا ~~يعلم وهو عالم، ولكن ألا يعلم كذا وهو عالم بكل شيء. # فصل في معنى الآية # معنى الآية: ألا يعلم السر من خلق السر، يقول: أنا خلقت السر في القلب، ~~أفلا أكون عالما بما في قلوب العباد؟. # قال أهل المعاني: إن شئت جعلته من أسماء الخالق - عز وجل - ويكون ~~المعنى: ألا يعلم الخالق خلقه، وإن شئت جعلته من أسماء المخلوق، والمعنى: ~~ألا يعلم الله من خلق، ولا بد أن يكون الخالق عالما بمن خلقه، وما ~~يخلقه. # قال ابن المسيب: بينما رجل واقف بالليل في شجر كثير، وقد عصفت الريح، ~~فوقع في نفس الرجل، أترى الله يعلم ما يسقط من هذا الورق؟ فنودي من جانب ~~الغيضة بصوت عظيم: { ألا يعلم من خلق وهو اللطيف ~~الخبير }؟. # وقال أبو إسحاق الإسفراييني: من أسماء صفات الذات ما هو للعلم، منها " ~~العليم " ، ومعناه: تعميم جميع المعلومات، ومنها " الخبير " ويختص ~~بأن يعلم ما يكون قبل أن يكون ومنها " الحكيم " ويختص بأن يعلم دقائق ~~الأوصاف، ومنها " الشهيد " ، ويختص بأن يعلم الغائب والحاضر، ~~ومعناه: ألا يغيب عنه شيء، ومنها " الحافظ " ويختص بأنه لا ينسى شيئا، ~~ومنها " المحصي " ويختص بأنه لا ms8630 يشغله الكثرة عن العلم مثل ضوء النور، ~~واشتداد الريح، وتساقط الأوراق، فيعلم عند ذلك أجزاء الحركات في كل ورقة، ~~وكيف لا يعلم وهو الذي يخلق؟ وقد قال: { ألا يعلم من خلق ~~وهو اللطيف الخبير }. # فصل # لما قال تعالى: { إنه عليم بذات الصدور } ذكر الدليل على ~~أنه عالم، فقال: { ألا يعلم من خلق } الآية، والمعنى: أن من ~~خلق لا بد وأن يكون عالما بما يخلقه، لأن الخلق هو الإيجاد والتكوين ~~على سبيل القصد، والقاصد إلى الشيء، لا بد وأن يكون عالما بحقيقة ذلك ~~المخلوق كيفية وكمية. # قال ابن الخطيب: فنقول: لو كان العبد موجدا لأفعال نفسه لكان عالما ~~بتفاصيلها، وهو غير عالم لأن التفاوت بين الحركة السريعة، والبطيئة ~~إنما هو لتحلل السكنات، فالفاعل للحركة البطيئة قد يفعل حركة، ~~وسكونا، ولم يخطر بباله ذلك فضلا عن كميته، ولأن المتحرك لا يعرف عدد ~~أجزاء الحركات إلا إذا عرف عدد الأحياز التي هي بين مبدأ المسافة ~~ومنتهاها وذلك يتوقف على علمه بالجواهر المفردة التي تنتقل في تلك ~~المسافة وعددها، وذلك غير معلوم، ولأن النائم يتحرك مع عدم علمه؛ ولأن ~~قوله: { ألا يعلم من خلق } إنما يتصل بما قبله لو كان خالقا ~~لكل ما يفعلونه سرا وجهرا، وبما في الصدور. # فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد ألا يعلم من خلق الأجساد؟. # فالجواب: أنه لا يجوز أن يكون المراد أن من فعل شيئا يكون عالما بشيء ~~آخر. # قوله: { وهو اللطيف الخبير }. # قيل: اللطيف: العالم. # وقيل: هو فاعل الأشياء اللطيفة التي يخفى علمها على أكثر الفاعلين، ~~ولهذا يقال: إن لطف الله تعالى بعباده عجيب، والمراد به دقائق تدبيره ~~لهم، وهذا أقرب وإلا لكان ذكر الخبير بعد تكرارا. # قوله: { هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا } لما بين الدليل ~~كونه عالما بما يسرون وما يعلنون ذكر بعده هذه الآية على سبيل التهديد ~~كقول السيد لعبده الذي أساء إليه سرا: يا فلان أنا أعلم سرك وعلانيتك، ~~فاجلس في هذه الدار التي وهبتها منك، وكل هذا الخير الذي هيأته ms8631 لك، ولا ~~تأمن تأديبي، فكأنه تعالى يقول: يا أيها الكفار أنا عالم بسركم وجهركم ~~وضمائركم، فخافوني؛ فإن الأرض التي هي قراركم أنا ذللتها لكم، ولو شئت ~~خسفت بكم. # والذلول: المنقاد الذي يذل لك، والمصدر الذل وهو اللين والانقياد، ~~أي: لم يجعل الأرض بحيث يمتنع المشي فيها بالحزونة والغلظة. # وقيل: يثبتها بالجبال لئلا تزول بأهلها، ولو كانت تتكفأ متمايلة لما ~~كانت منقادة لنا. # وقيل: إشارة إلى التمكن من الزرع، والغرس، وشق العيون، والأنهار، وحفر ~~الآبار، وبناء الأبنية، ولو كانت صلبة لتعذر ذلك. # وقيل: لو كانت مثل الذهب والحديد لكانت تسخن جدا في الصيف، وكانت ~~تبرد جدا في الشتاء. # قوله: { فامشوا في مناكبها }. هذه استعارة حسنة جدا. # وقال الزمخشري: مثل لفرط التذليل، ومجاوزته الغاية؛ لأن المنكبين ~~وملتقاهما من الغارب أرق شيء من البعير، وأنهاه عن أن يطأه الراكب بقدمه، ~~ويعتمد عليه، فإذا جعلها في الذل بحيث يمشي في مناكبها لم يترك. # فصل في هذا الأمر # هذا أمر إباحة، وفيه إظهار الامتنان. # وقيل: هو خبر بلفظ الأمر، أي: لكي تمشوا في أطرافها، ونواحيها، وآكامها ~~وجبالها. # وقال ابن عباس وقتادة وبشير بن كعب: " في مناكبها " في جبالها. # وروي أن بشير بن كعب كانت له سرية فقال لها: إن أخبرتيني ما مناكب الأرض ~~فأنت حرة. فقالت: مناكبها: جبالها، فصارت حرة، فأراد أن يتزوجها، فسأل ~~أبا الدرداء، فقال: " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ". # وقال مجاهد: في أطرافها، وعنه أيضا: في طرفها وفجاجها، وهو قول السدي ~~والحسن. # وقال الكلبي: في جوانبها. ومنكبا الرجل: جانباه، وأصل الكلمة: الجانب، ~~ومنه منكب الرجل والريح النكباء، وتنكب فلان عن فلان. # يقول: امشوا حيث أردتم، فقد جعلتها لكم ذلولا لا تمتنع. # وحكى قتادة عن أبي الجلد: أن الأرض من أربعة وعشرون ألف فرسخ، فللسودان ~~اثنا عشر ألفا، وللروم ثمانية آلاف، وللفرس ثلاثة آلاف، وللعرب ألف. # قوله: { وكلوا من رزقه }. # قال الحسن: ما أحله لكم. # وقيل: مما أنبته لكم. # وقيل: مما خلقه الله لكم رزقا من الأرض " وإليه النشور " ~~المرجع. # وقيل: ms8632 معناه أن الذي خلق السماوات ولا تفاوت فيها، والأرض ذلولا قادر ~~على أن ينشركم، وإليه تبعثون من قبوركم. # قوله: { أأمنتم من في السمآء }. # تقدم اختلاف القراء في الهمزتين المفتوحتين نحو # أأنذرتهم # [البقرة: 6] تخفيفا وتحقيقا وإدخال ألف بينهما وعدمه في سورة " البقرة ~~". # وأن قنبلا يقرأ هنا: بإبدال الهمزة الأولى واوا في الوصل " وإليه ~~النشور وأمنتم " ، وهو على أصله من تسهيل الثانية بين بين، وعدم ألف ~~بينهما، وأما إذا ابتدأ، فيحقق الأولى، ويسهل الثانية بين بين على ما ~~تقدم، ولم تبدل الأولى واوا، لزوال موجبه وهو انضمام ما قبلها، وهي ~~مفتوحة نحو " موجل، ويؤاخذكم " ، وقد مضى في سورة " الأعراف " عند ~~قوله تعالى: # قال فرعون آمنتم # [الأعراف: 123]، وإنما عددناه تذكيرا، وبيانا. # قوله: { من في السمآء }. مفعول " أأمنتم " وفي الكلام حذف ~~مضاف، أي: أمنتم خالق السماوات. # وقيل: " في " بمعنى " على " ، أي: على السماء، كقوله: # ولأصلبنكم في جذوع النخل # [طه: 71]، أي: على جذوع النخل. # وإنما احتاج القائل بهذين إلى ذلك؛ لأنه اعتقد أن " من " واقعة على ~~الباري، وهو الظاهر وثبت بالدليل القطعي أنه ليس بمتحيز لئلا يلزم ~~التجسيم، ولا حاجة إلى ذلك؛ فإن " من " هنا المراد بها: الملائكة سكان ~~السماء، وهم الذين يتولون الرحمة والنقمة. # وقيل: خوطبوا بذلك على اعتقادهم؛ فإن القوم كانوا مجسمة مشبهة، والذي ~~تقدم أحسن. # قال ابن الخطيب: هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها باتفاق المسلمين؛ ~~لأن ذلك يقتضي إحاطة السماء به من جميع الجوانب، فيكون أصغر منها، ~~والعرش أكبر من السماء بكثير، فيكون حقيرا بالنسبة إلى العرش، وهو باطل ~~بالاتفاق، ولأنه قال: # قل لمن ما في السماوات والأرض # [الأنعام: 12] فلو كان فيهما لكان مالكا لنفسه، فالمعنى: إما من في ~~السموات عذابه، وإما أن ذلك ما كانت العرب تعتقد، وإما من في السماء ~~سلطانه وملكه وقدرته، كما قال تعالى: # وهو الله في السماوات وفي الأرض # [الأنعام: 3] فإن الشيء الواحد لا يكون دفعة واحدة في مكانين، والغرض ~~من ذكر السماء تفخيم سلطان الله، وتعظيم قدرته، والمراد الملك الموكل ~~بالعذاب، وهو جبريل يخسفها ms8633 بإذن الله. # قوله: { أن يخسف بكم الأرض } و { أن يرسل } فيه وجهان: # أحدهما: أنهما بدلان من { من في السماء } بدل اشتمال، أي: أمنتم ~~خسفه، وإرساله. # قاله أبو البقاء. # والثاني: أن يكون على حذف " من " ، أي: أمنتم من الخسف والإرسال، ~~والأول أظهر. # فصل # قال القرطبي: ويحتمل أن يكون المعنى: أمنتم خالق من في السماء أن يخسف ~~بكم الأرض كما خسفها بقارون { فإذا هي تمور } أي: تذهب وتجيء، ~~والمور: الاضطراب بالذهاب والمجيء. قال الشاعر: [الطويل] # 4801 - رمين فأقصدن القلوب ولن ترى # دما مائرا إلا جرى في الحيازم # جمع " حيزوم " وهو وسط الصدر. # وإذا خسف بإنسان دارت به الأرض، فهو المور. # قال ابن الخطيب: إن الله - تعالى - يحرك الأرض عند الخسف بهم حتى تضطرب ~~وتتحرك، فتعلو عليهم وهم يخسفون فيها، فيذهبون والأرض فوقهم تمور، ~~فتقلبهم إلى أسفل السافلين. # قال القرطبي: قال المحققون: أمنتم من فوق السماء، كقوله: # فسيحوا في الأرض # [التوبة: 2] أي: فوقها لا بالمماسة والتحيز، لكن بالقهر والتدبير. # وقيل: معناه: أمنتم من على السماء كقوله: # ولأصلبنكم في جذوع النخل # [طه: 71]، أي: عليها، ومعناه أنه مدبرها، ومالكها كما يقال: فلان على " ~~العراق " ، أي: وليها وأميرها، والأخبار في هذا صحيحة، وكثيرة منتشرة ~~مشيرة إلى العلو، لا يدفعها إلا ملحد، أو جاهل أو معاند، والمراد بها ~~توقيره وتنزيهه عن السفل والتحت، ووصفه بالعلو والعظمة، لا بالأماكن ~~والجهات والحدود؛ لأنها صفات الأجسام، وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى ~~السماء؛ لأن السماء مهبط الوحي، ومنزل القطر، ومحل القدس، ومعدن ~~المطهرين من الملائكة، وإليها ترفع أعمال العباد، وفوقها عرشه وجنته كما ~~جعل الله الكعبة قبلة للصلاة، فإنه خلق الملائكة وهو غير محتاج ~~إليها، وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان، ولا مكان له ولا زمان وهو ~~الآن على ما عليه كان. # قوله { أم أمنتم من في السمآء أن يرسل عليكم ~~حاصبا }. # قال ابن عباس: أي: حجارة من السماء كما أرسلها على قوم لوط وأصحاب ~~الفيل. # وقيل: ريح فيها حجارة وحصباء كأنها تقلع الحصباء، لشدتها وقوتها. # وقيل: سحاب فيه حجارة. ms8634 # قوله { فستعلمون كيف نذير }. # قيل: هاهنا النذير: المنذر، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم وهو قول ~~عطاء عن ابن عباس والضحاك، والمعنى: فستعلمون رسولي، وصدقه ولكن حين لا ~~ينفعكم ذلك. # وقيل: إنه بمعنى الإنذار، والمعنى فستعلمون عاقبة إنذاري إياكم بالكتاب ~~والرسول، وكيف في قوله { كيف نذير } [ينبىء] عن ما ذكرنا من صدق ~~الرسول، وعقوبة الإنذار. # وقد تقدم أن " نذير، ونكير " مصدران بمعنى الإنذار؛ والإنكار. # وأثبت ورش ياء " نذيري " وقفا، وحذفها وصلا، وحذفها الباقون في ~~الحالين. # قوله: { ولقد كذب الذين من قبلهم }. يعني كفار الأمم ~~كقوم نوح، وعاد، وثمود، وغيرهم { فكيف كان نكير } أي: إنكاري ~~وتغييري: قاله الواحدي. # وقال أبو مسلم: النكير عقاب المنكر، ثم قال: سقطت الياء من " نذيري " ~~ومن " نكيري " حتى تشابه رءوس الآي المتقدمة عليها، والمتأخرة عنها. ### || [67.19-24] # قوله تعالى: { أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ~~}. # لما ذكر ما تقدم من الوعيد ذكر البرهان على كمال قدرته، وعلى إيصال جميع ~~أنواع العذاب إليهم، ومعناه كما ذلل الأرض للآدمي ذلل الهواء للطيور، ~~وصافات: أي: باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانهن. # قال شهاب الدين: " صافات " يجوز أن يكون حالا من " الطير " ، وأن ~~يكون حالا من " فوقهم " إذا جعلناه حالا، فتكون متداخلة، و " ~~فوقهم " ظرف ل " صافات " أو ل " يروا ". # قوله: " ويقبضن " عطف الفعل على الاسم؛ لأنه بمعناه، أي: وقابضات، ~~فالفعل هنا مؤول بالاسم عكس قوله: # إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا # [الحديد: 18] فإن الاسم هناك مؤول بالفعل وقد تقدم الاعتراض على ذلك. # وقول أبي البقاء: معطوف على اسم الفاعل حملا على المعنى، أي: يصففن ~~ويقبضن، أي " صافات وقابضات " لا حاجة إلى تقديره: يصففن ويقبضن؛ ~~لأن الموضع للاسم فلا نؤوله بالفعل. # قال أبو حيان: " وعطف الفعل على الاسم لما كان في معناه، ومثله قوله ~~تعالى: # فالمغيرات صبحا فأثرن # [العاديات: 3 - 4]، ومثل هذا العطف فصيح وكذا عكسه إلا عند ~~السهيلي؛ فإنه قبيح؛ نحو قوله: [الرجز] # 4802 - بات يغشيها بعضب باتر # يقصد في أسوقها وجائر # أي: قاصد في أسواقها وجائر ". # وكذا قال القرطبي: هو معطوف ms8635 على " صافات " عطف المضارع على اسم ~~الفاعل كما عطف اسم الفاعل على المضارع في قول الشاعر: " بات يغشيها ~~" البيت. # قال شهاب الدين: هو مثله في عطف الفعل على اسم الفاعل إلا أن الاسم فيه ~~مؤول بالفعل عكس هذه الآية، ومفعول " يقبضن " محذوف، أي: ويقبضن ~~أجنحتهن. # قاله أبو البقاء، ولم يقدر ل " صافات " مفعولا كأنه زعم أن ~~الاصطفاف في أنفسها، والظاهر أن المعنى: صافات أجنحتها وقابضات، فالصف ~~والقبض منها لأجنحتها. # ولذلك قال الزمخشري: " صافات " باسطات أجنحتهن، ثم قال: فإن قلت: لم ~~قال: ويقبضن، ولم يقل: " قابضات "؟. # قلت: لأن الطيران هو صف الأجنحة؛ لأن الطيران في الهواء كالسباحة في ~~الماء، والأصل في السباحة مد الأطراف وبسطها، وأما القبض فطارىء على ~~البسط للاستظهار به على التحرك، فجيء بما هو طارىء غير أصل بلفظ الفعل ~~على معنى أنهن صافات، يكون منهن القبض تارة بعد تارة كما يكون من السابح. # قوله " ما يمسكهن ". يجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفة، وأن تكون ~~حالا من الضمير في " يقبضن " قاله أبو البقاء. والأول أظهر. # وقرأ الزهري: بتشديد السين. # فصل في معنى: يقبضن # قوله: " ويقبضن ". # أي: يضربن بها لجنوبهن. # قال أبو جعفر النحاس: يقال للطائر إذا بسط جناحية: صاف، وإذا ضمها فأصاب ~~جنبه قابض، لأنه يقبضهما. # قال أبو خراش الشاعر: [الطويل] # 4803 - يبادر جنح الليل فهو موائل # يحث الجناح بالتبسط والقبض # وقيل: ويقبضن أجنحتهن بعد بسطها إذا وقفن من الطيران. # وقوله " ما يمسكهن " أي: ما يمسك الطير في الجو وهي تطير إلا الله ~~عز وجل { إنه بكل شيء بصير }. # قال ابن الخطيب: وفيه وجهان: # الأول: المراد من " البصير " كونه عالما بالأشياء الدقيقة، كما يقال: ~~فلان له بصر في هذا الأمر، أي: حذق. # والثاني: أن يجري اللفظ على ظاهره، فتقول: { إنه بكل شيء ~~بصير } فيكون رائيا لنفسه، ولجميع الموجودات وهذا الذي يقوله ~~أصحابنا: إنه تعالى شيء يصح أن يكون مرئيا، وأن كل الموجودات كذلك، فإن ~~قيل: البصير إذا عدي بالباء يكون بمعنى العالم، يقال: فلان بصير بكذا إذا ~~كان عالما ms8636 قلنا: لا نسلم، فإنه يقال: إن الله سميع بالمسموعات بصير ~~بالمبصرات. # فصل # في قوله تعالى { ما يمسكهن إلا الرحمن } دليل على أن ~~الأفعال الاختيارية للعبد مخلوقة لله تعالى، لأن استمساك الطير في الهواء ~~فعل اختياري له، وقد نسبه للرحمن. # قوله: { أمن هذا الذي }. # قرأ العامة: بتشديد الميم على إدغام ميم " أم " في ميم " من " و " ~~أم " بمعنى " بل " لأن بعدها اسم استفهام، وهو مبتدأ، خبره اسم ~~الإشارة. # وقرأ طلحة: بتخفيف الأول وتثقيل الثاني. # قال أبو الفضل: معناه: أهذا الذي هو جند لكم، أم الذي يرزقكم. و " ~~ينصركم " صفة لجند. # فصل في لفظ جند # قال ابن عباس: " جند لكم " أي: حزب ومنعه لكم { ينصركم من ~~دون الرحمن } ، فيدفع عنكم ما أراد بكم إن عصيتموه. ولفظ الجند ~~يوحد، ولهذا قال: هذا الذي هو جند لكم، وهو استفهام إنكاري، أي لا جند ~~لكم يدفع عذاب الله من دون الرحمن، أي: من سوى الرحمن { إن ~~الكافرون إلا في غرور } من الشيطان يغرهم بأن لا عذاب، ولا ~~حساب. # قال بعض المفسرين: كان الكفار يمتنعون عن الإيمان، ويعاندون الرسول - ~~عليه الصلاة والسلام - معتمدين على شيئين: # أحدهما: قوتهم بعددهم ومالهم. # والثاني: اعتقادهم أن الأوثان توصل إليهم جميع الخيرات، وتدفع عنهم جميع ~~الآفات فأبطل الله عليهم الأول بقوله { أمن هذا الذي هو ~~جند لكم ينصركم } الآية، ورد عليهم الثاني بقوله: { أمن ~~هذا الذي يرزقكم } الآية. # قوله { إن أمسك رزقه } شرط، جوابه محذوف للدلالة عليه، أي: ~~أفمن يرزقكم غيره. # وقدر الزمخشري شرطا بعد قوله: { أمن هذا الذي هو جند ~~لكم } تقديره: " إن أرسل عليكم عذابه " ولا حاجة له صناعة. # فصل في معنى الآية # المعنى { أمن هذا الذي يرزقكم } أي: يعطيكم منافع ~~الدنيا. # وقيل: من آلهتكم " إن أمسك " يعني الله تعالى رزقه وهذا مما لا ينكره ~~ذو عقل، وهو أنه تعالى إن أمسك أسباب الرزق كالمطر، والنبات وغيرهما لما ~~وجد رازق سواه فعند وضوح هذا الأمر قال تعالى: { بل لجوا } ، أي: ~~تمادوا وأصروا " في عتو " طغيان " ونفور " عن الحق، أو ms8637 تباعد أو ~~إعراض عن الحق. # قوله: { أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى }. " ~~مكبا " حال من فاعل " يمشي ". # قال الواحدي: " أكب " ، مطاوع كبه، يقال: كببته فأكب. # قال الزمخشري: هو من الغرائب والشواذ، ونحوه قشعت الريح السحاب فأقشع، ~~وما هو كذلك ولا شيء من بناء " أفعل " مطاوع، بل قولك: أكب، من باب " ~~أنفض، وألأم " ومعناه: دخل في الكب، وصار ذا كب وكذلك أقشع السحاب دخل في ~~القشع. # ومطاوع " كب، وقشع " انكب وانقشع. # قال أبو حيان: " ومكبا " حال من " أكب " وهو لا يتعدى، و " كب " ~~متعد، قال تعالى # فكبت وجوههم في النار # [النمل: 90] والهمزة فيه للدخول في الشيء، أو للصيرورة، ومطاوع كب انكب، ~~تقول: كببته فانكب. قال الزمخشري: " ولا شيء من بناء " أفعل " مطاوعا ~~ولا يتقن نحو هذا إلا حملة كتاب سيبويه " انتهى. # وهذا الرجل يتبجح بكتاب سيبويه، وكم من نص في كتاب سيبويه عمي بصره ~~وبصيرته عنه حتى إن الإمام أبا الحجاج يوسف بن معزوز صنف كتابا يذكر فيه ~~ما غلط الزمخشري فيه، وما جهله من كتاب سيبويه. انتهى. # قال شهاب الدين: انظر إلى هذا الرجل كيف أخذ كلام الزمخشري الذي أسلفته ~~عنه طرز به عبارته حرفا بحرف ثم أخذ ينحي عليه بإساءة الأدب جزاء ما ~~لقنه تلك الكلمات الرائقة، وجعل يقول: إن مطاوع " كب " " انكب " لا " ~~أكب " وأن الهمزة للصيرورة، أو للدخول في الشيء، وبالله لو بقي دهره غير ~~ملقن إياها لما قالها أبدا، ثم أخذ يذكر عن إنسان مع أبي القاسم ~~كالسها مع القمر أنه غلطه في نصوص من كتاب سيبويه، والله أعلم بصحتها: ~~[الوافر] # 4804 - وكم من عائب قولا صحيحا # وآفته من الفهم السقيم # وعلى تقدير التسليم، فالفاضل من عدت سقطاته. # قال القرطبي: يقال: أكب الرجل على وجهه فيما لا يتعدى بالألف، فإذا ~~تعدى قيل: كبه الله على وجهه بغير ألف، وقوله: " أفمن يمشي " هو ~~المعادل ل { أفمن يمشي مكبا }. # وقال أبو البقاء: " وأهدى " خبر " من يمشي " وخبر " من " الثانية ~~محذوف. # يعني أن الأصل: أم من يمشي سويا أهدى، ms8638 ولا حاجة إلى ذلك؛ لأن قولك: ~~أزيد قائم، أم عمرو لا يحتاج فيه من حيث الصناعة إلى حذف الخبر، نقول: هو ~~معطوف على " زيد " عطف المفردات، ووحد الخبر لأن " أم " لأحد الشيئين. # فصل # قال المفسرون: { أفمن يمشي مكبا } منكسا رأسه لا ينظر أمامه، ~~ولا يمينه، ولا شماله، فهو لا يأمن من العثور والانكباب على وجهه { كمن ~~يمشي سويا } معتدلا ناظرا ما بين يديه، وعن يمينه وعن شماله. # قال ابن عباس: هذا في الدنيا، ويجوز أن يريد به الأعمى الذي لا يهتدي ~~إلى طريق، فلا يزال ينكسه على وجهه، وأنه ليس كالرجل السوي الصحيح البصير ~~الماشي في الطريق المهتدي له. # قال قتادة: هو الكافر أكب على معاصي الله في الدنيا، يحشره الله يوم ~~القيامة على وجهه. # وقال ابن عباس والكلبي: عنى بالذي يمشي على وجهه أبا جهل، وبالذي يمشي ~~سويا رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقيل: أبو بكر. # وقيل: حمزة. # وقيل: عمار بن ياسر. # قال عكرمة: وقيل: هو عام في الكافر والمؤمن، أي: إن الكافر لا يدري أعلى ~~حق هو، أم على باطل، أي: هذا الكافر أهدى، أم المسلم الذي يمشي سويا ~~معتدلا يبصر الطريق، وهو على صراط مستقيم وهو الإسلام. # قوله { قل هو الذي أنشأكم }. أمر نبيه أن يعرفهم قبح شركهم ~~مع اعترافهم أن الله خلقهم { وجعل لكم السمع والأبصار ~~والأفئدة } يعني القلوب. # قوله " قليلا ". نعت مصدر محذوف، أو حال من ضمير المصدر كما هو رأي ~~سيبويه و " ما " مزيدة أي: تشكرون قليلا، والجملة من " تشكرون " إما ~~مستأنفة، وهو الظاهر، وإما حال مقدرة؛ لأنهم حال الجعل غير شاكرين. # والمراد بالقلة العدم، أو حقيقتها، أي: لا تشكرون هذه النعم، ولا توحدون ~~الله تعالى، تقول: قلما أفعل كذا، أي: لا أفعله. # قال ابن الخطيب: وذكر السمع والبصر والفؤاد هاهنا تنبيها على دقيقه ~~لطيفة، كأنه تعالى قال: أعطيتم هذه الأعضاء الثلاثة مع ما فيها من القوى ~~الشريفة، فضيعتموها ولم تقبلوا ما سمعتموه ولا اعتبرتم بما أبصرتموه ولا ~~تأملتم في عاقبة ما عقلتموه، ms8639 فكأنكم ضيعتم هذه النعم، وأفسدتم هذه ~~المواهب، فلهذا قال: { قليلا ما تشكرون }. # قوله: { قل هو الذي ذرأكم في الأرض وإليه ~~تحشرون }. # قال ابن الخطيب: اعلم أنه تعالى استدل بأحوال الحيوان أولا، ثم بصفات ~~الإنسان ثانيا، وهي السمع والبصر والعقل، ثم بحدوث ذاته ثالثا، وهو ~~قوله { قل هو الذي ذرأكم في الأرض } واعلم أن الشروع في ~~هذه الدلائل إنما كان لبيان صحة الحشر ليثبت ما ادعاه في قوله { ~~ليبلوكم أيكم أحسن عملا } ولهذا ختم الآية بقوله { ~~وإليه تحشرون } لأنه لما كانت القدرة على الخلق ابتداء توجب ~~القدرة على الإعادة، فلهذا ختمها بقوله { وإليه تحشرون }. # فصل في معنى " ذرأكم " # قال ابن عباس: خلقكم في الأرض. # وقال ابن بحر: نشركم فيها، وفرقكم فيها على ظهرها { وإليه ~~تحشرون } فيجازي كلا بعمله. ### || [67.25-30] # { ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } ، ~~أي: متى يوم القيامة ومتى هذا العذاب الذي تعدوننا به؟. # قال أبو مسلم: إنه تعالى قال: { ويقولون متى هذا الوعد ~~إن كنتم صادقين } بلفظ المستقبل، وهذا يحتمل ما يوجد من الكفار ~~من هذا القول في المستقبل، ويحتمل الماضي، والتقدير: وكانوا يقولون: متى ~~هذا الوعد، ولعلهم كانوا يقولون ذلك سخرية، واستهزاء، وكانوا يقولونه ~~إيهاما للضعفة، ثم إنه تعالى أجاب عن هذا السؤال، فقال { إنما ~~العلم عند الله } ، أي: قل لهم يا محمد: علم وقت قيام الساعة ~~عند الله فلا يعلمه غيره، نظيره: # قل إنما علمها عند ربي # [الأعراف: 187] الآية { وإنمآ أنا نذير مبين } أي: مخوف ~~ومعلم لكم، ثم إنه تعالى بين حالهم عند ذلك الوعد وهو قوله: { فلما ~~رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا } ، أي: الموعود، ~~أو العذاب زلفة، أي: قريبا، فهو حال. # وقال القرطبي: " مصدر، بمعنى مزدلفا، أي: قريبا، قاله مجاهد ". # ولا بد من حذف مضاف، أي: ذا زلفة، وجعل الزلفة مبالغة. # وقيل: " زلفة " تقديره: مكانا ذا زلفة، فينتصب انتصاب المصدر. # فصل في المراد بالعذاب. # قال الحسن: عيانا. وأكثر المفسرين على أن المراد عذاب الآخرة. # وقال مجاهد: عذاب يوم بدر. # وقيل: رأوا ما يوعدون من ms8640 الحشر قريبا منهم، لقوله { وإليه ~~تحشرون }. # وقال ابن عباس: يعني علمهم الشيء قريبا. # قوله: " سيئت " ، الأصل: " ساء " أحزن وجوههم العذاب، ورؤيته، ثم بني ~~للمفعول، وساء هنا ليست المرادفة ل " بئس " كما تقدم مرارا. # وأشم كسرة السين الضم: نافع وابن عامر والكسائي، كما فعلوا ذلك في # سيء بهم # [هود: 87] في " هود " كما تقدم. والباقون: بإخلاص الكسر، وتقدم تحقيق ~~هذا وتصريفه في أول " البقرة " ، وأن فيه لغات عند قوله # وإذا قيل لهم # [البقرة: 11]. # فصل في معنى الآية # قال ابن عباس: " سيئت " أي: اسودت وعليها الكآبة والغبرة. # يقال: ساء الشيء يسوء، فهو مسيء إذا قبح، وساء يساء إذا قبح، وهو فعل ~~لازم ومتعد ومعنى { سيئت وجوه } ، أي: قبحت، بان عليها الكآبة، ~~وغشيها الكسوف والقترة وكلحوا. # قال الزجاج: تبين فيها السوء، أي: ساءهم ذلك العذاب وظهر على وجوههم سمة ~~تدل على كفرهم، كقوله تعالى # يوم تبيض وجوه وتسود وجوه # [آل عمران: 106]. # قوله: { وقيل هذا الذي كنتم به تدعون } ، أي: قال ~~لهم الخزنة. # قال الفراء: " تفتعلون " من الدعاء. وهو قول أكثر العلماء، أي: تتمنون، ~~وتسألون. # وقال ابن عباس: تكذبون، وتأويله: هذا الذي كنتم من أجله تدعون الأباطيل ~~والأحاديث قاله الزجاج. # وقرأ العامة: بتشديد الدال مفتوحة. # فقيل: من الدعوى، أي: تدعون أنه لا جنة ولا نار، قاله الحسن. # وقيل: من الدعاء، أي: تطلبونه وتستعجلونه. # وقرأ الحسن وقتادة وأبو رجاء والضحاك، ويعقوب وأبو زيد وأبو بكر وابن ~~أبي عبلة ونافع في رواية الأصمعي: بسكون الدال، وهي مؤيدة للقول بأنها ~~من الدعاء في قراءة العامة. # وقال قتادة: هو قولهم: # ربنا عجل لنا قطنا # [ص: 16]. # وقال الضحاك: هو قولهم: # إن كان هذا هو الحق من عندك # [الأنفال: 32] الآية. # وقال النحاس: تدعون، وتدعون، بمعنى واحد، كما يقال: قدر واقتدر، وعدى ~~واعتدى إلا أن في " افتعل " معنى شيء بعد شيء، و " فعل " يصح للقيل ~~والكثير. # قوله: { قل أرأيتم إن أهلكني الله }. أي: قل لهم يا ~~محمد، يعني مشركي مكة وكانوا يتمنون موت محمد صلى الله عليه وسلم كما ~~قال: # أم يقولون ms8641 شاعر نتربص به ريب المنون # [الطور: 30] أرأيتم إن متنا، أو رحمنا، فأخرت آجالنا، يعني أنا ومن معي ~~من المؤمنين فمن يجيركم من عذاب الله؟ فلا حاجة لكم إلى التربص بنا ولا ~~إلى استعجال قيام الساعة. # وأسكن الياء في " أهلكني " ابن محيصن والمسيبي وشيبة والأعمش وحمزة ~~وفتحها الباقون. # وكلهم فتح الياء في " ومن معي " إلا أهل الكوفة فإنهم سكنوها، ~~وفتحها حفص، كالجماعة. # قوله: { قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا ~~}. قد تقدم لم أخر متعلق الإيمان وقدم متعلق التوكل، وأن التقديم يفيد ~~الاختصاص. # قال القرطبي: إنما قدم لوقوع " آمنا " تعريضا بالكافرين، حين ورد ~~عقب ذكرهم، كأنه قيل: آمنا ولم نكفر كما كفرتم، ثم قال: " وعليه ~~توكلنا " خصوصا لم نتكل على ما أنتم متكلون عليه من رجالكم ~~وأموالكم، قاله الزمخشري. # وقرأ الكسائي: " فسيعلمون " بياء الغيبة نظرا إلى قوله " ~~الكافرين ". # والباقون: على الخطاب، إما على الوعيد وإما على الالتفات من الغيبة ~~المرادة في قراءة الكسائي وهو تهديد لهم، أي: فستعملون عند معاينة العذاب ~~من الضال نحن، أم أنتم. # قوله: { قل أرأيتم } يا معشر قريش { إن أصبح مآؤكم ~~غورا } أي: غائرا ذاهبا في الأرض لا تناله الدلاء، و " غورا " ~~خبر " أصبح " ، وجوز أبو البقاء: أن يكون حالا على تمام " أصبح " ~~، لكنه استبعده. # وحكى أنه قرىء: " غؤورا " - بضم الغين، وهمزة مضمومة، ثم واو ساكنة - ~~على " فعول " وجعل الهمزة منقلبة عن واو مضمومة. # فصل في المراد بالماء # كان ماؤهم من بئرين: بئر زمزم وبئر ميمون { فمن يأتيكم بمآء ~~معين } أي: جار، قاله قتادة والضحاك. # فلا بد لهم أن يقولوا: لا يأتينا به إلا الله تعالى، فقل لهم: فلم ~~تشركون به من لا يقدر على أن يأتيكم به. # يقال: غار الماء يغور غورا: نضب، والغور: الغائر، وصف بالمصدر للمبالغة ~~كما تقول: رجل عدل، ورضى. # كما تقدم في سورة الكهف. # قال ابن عباس: " بماء معين " أي: ظاهر تراه العيون، فهو مفعول. # وقيل: هو من معن الماء، أي: كثر، فهو على هذا " فعيل ". # وعن ابن عباس أيضا: " فمن يأتيكم ms8642 بمآء عذب ". # روى أبو هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن سورة من كتاب الله ما هي إلا ثلاثون آية شفعت ~~لرجل فأخرجته يوم القيامة من النار وأدخلته الجنة ~~هي سورة تبارك ". # وعن عبد الله بن مسعود قال: إذا وضع الميت في قبره يؤت من قبل رجليه ~~فيقال: ليس لكم عليه سبيل لأنه قد كان يقوم بي سورة " الملك " ثم يؤتى ~~من قبل رأسه فيقول لسانه: ليس لكم عليه سبيل كان يقرأ بي سورة " الملك " ~~، ثم قال: هي المانعة من عذاب الله وهي في التوراة سورة الملك، من قرأها ~~في ليلة فقد أكثر وأطنب. # وعن ابن عباس قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " وددت أن { تبارك الذي بيده الملك } في قلب كل ~~مؤمن ". ### | [68 - سورة القلم] ### || [68.1-7] # قوله تعالى " ن " كقوله # ص والقرآن # [ص: 1]، وجواب القسم الجملة المنفية بعدها. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما - هو الحوت الذي على ظهره الأرض، وهو قول ~~مجاهد ومقاتل والسدي والكلبي. # وروى أبو ظبيان عن ابن عباس قال: أول ما خلق الله القلم، فجرى بما هو ~~كائن إلى يوم القيامة ثم خلق النون فبسط الأرض على ظهره فتحرك النون، ~~فمارت الأرض فأثبتت بالجبال وإن الجبال لتفخر على الأرض، ثم قرأ ابن ~~عباس: { ن والقلم وما يسطرون }. # قال الواقدي: اسم النون ليوثا. # وقال كعب الأحبار: لوثوثا. # وعن علي: اسمه تلهوت. # وقيل: إنه أقسم بالحوت الذي ابتلع يونس - عليه الصلاة والسلام -. # وقيل: الحوت الذي لطخ سهم نمروذ بدمه. # وقال الكلبي ومقاتل: اسم الحوت الذي على ظهر الأرض: البهموت. # قال الراجز: [الرجز] # 4805 - ما لي أراكم كلكم سكوتا # والله ربي خلق البهموتا # وروى عكرمة عن ابن عباس: أن نون آخر حروف الرحمن. # وقيل: إنه اسم للدواة، وهو أيضا مروي عن ابن عباس. # قال القرطبي: وروى أبو هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " أول ما خلق الله القلم، ثم خلق النون، وهي الدواة، ~~وذلك قوله تعالى " ن " والقلم " # ومنه قول ms8643 الشاعر: [الوافر] # 4806 - إذا ما الشوق يبرح بي إليهم # وألفى النون بالدمع السجام # ويكون على هذا قسما بالدواة والقلم، فإن المنفعة بهما عظيمة بسبب ~~الكتابة. فإن التفاهم يحصل تارة بالنطق، وتارة بالكتابة. # وقيل: النون لوح من نون تكتب فيه الملائكة ما يؤمرون به، رواه معاوية ~~بن قرة مرفوعا. # وقيل: النون هو المداد الذي تكتب به الملائكة. # وقال عطاء وأبو العالية: هو افتتاح اسمه تعالى ناصر ونور ونصير، وقال ~~محمد بن كعب: أقسم الله - تعالى - بنصره للمؤمنين. # وقال جعفر الصادق: هو نهر من أنهار الجنة يقال له: نون. # وقيل: هو الحرف المعروف من حروف المعجم، قاله القشيري. # قال: لأنه حرف لم يعرب فلو كان كلمة تامة أعرب به القلم، فهو إذن حرف ~~هجاء، كما في أوائل السور. # قال الزمخشري: " وأما قولهم: هو الدواة فما أدري أهو وضع لغوي، أو ~~شرعي، ولا يخلو إذا كان اسما للدواة من أن يكون جنسا، أو علما، فإن ~~كان جنسا فأين الإعراب والتنوين وإن كان علما فأين الإعراب؟ وأيهما ~~كان فلا بد له من موقع في تأليف الكلام؛ لأنك إذا جعلته مقسما به وجب إن ~~كان جنسا أن تجره وتنونه، ويكون القسم بدواة منكرة مجهولة، كأنه قيل: ~~ودواة والقلم، وإن كان علما أن تصرفه وتجره أو لا تصرفه وتفتحه للعلمية ~~والتأنيث، وكذلك التفسير بالحوت إما أن يراد نون من النينان، أو يجعل ~~علما للبهموت الذي يزعمون، والتفسير باللوح من نور أو ذهب والنهر في ~~الجنة نحو ذلك ". # قال شهاب الدين: " وهذا الذي أورده أبو القاسم من محاسن علم الإعراب، ~~وقل من يتقنه ". # وقال ابن الخطيب بعد ذكر القول بأنه آخر حروف اسم الرحمن: وهذا ضعيف، ~~لأن تجويزه يفتح باب ترهات الباطنية بل الحق هاهنا أنه اسم للسورة، أو ~~يكون الغرض منه التحدي، وسائر الوجوه المذكورة في أول سورة البقرة. # فصل في قراءات " ن " # قرأ العامة: " نون " ساكن النون كنظائره. # وأدغم ابن عامر والكسائي وأبو بكر عن عاصم بلا خلاف، وورش بخلاف عنه ~~النون في الواو، وأظهرها ms8644 الباقون. # قال الفراء: " وإظهارها أعجب إلي، لأنها هجاء، والهجاء كالموقوف عليه ~~وإن اتصل " ونقل عمن أدغم الغنة، وعدمها. # وقرأ ابن عباس والحسن وأبو السمال وابن أبي إسحاق: بكسر النون. # وسعيد بن جبير وعيسى بخلاف عنه: بفتحها. # فالأولى على التقاء الساكنين، ولا يجوز أن يكون مجرورا على القسم حذف ~~حرف الجر وبقي عمله، كقولهم " الله لأفعلن " ، لوجهين: # أحدهما: أنه مختص بالجلالة المعظمة نادر فيما عداها. # والثاني: أنه كان ينبغي أن ينون، ولا يحسن أن يقال: هو ممنوع الصرف ~~اعتبارا بتأنيث السورة، لأنه كان ينبغي ألا يظهر فيه الجر بالكسر ~~ألبتة. # وأما الفتح، فيحتمل ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون بناء، وأوثر على الأصل للخفة ك " أين وكيف ". # الثاني: أن يكون مجرورا بحرف القسم المقدر على لغة ضعيفة، وقد تقدم ذلك ~~في قراءة " فالحق والحق " [ص: 84]، بجر " الحق " ، ومنعت الصرف ~~اعتبارا بالسورة. # والثالث: أن يكون منصوبا بفعل محذوف، أي:، اقرأوا نونا ثم ابتدأ قسما ~~بقوله: " والقلم " أو يكون منصوبا بعد حذف حرف القسم؛ كقوله: [الوافر] # -4807......................... # فذاك أمانة الله الثريد # ومنع الصرف لما تقدم، وهذا أحسن لعطف العلم على محله. # قوله: { وما يسطرون }. # " ما " موصولة، اسمية أو حرفية، أي: والذي يسطرونه من الكتب، وهم ~~الكتاب والحفظة من الملائكة وسطرهم. # والضمير عائد على من يسطر لدلالة السياق عليه ولذكر الآلة المكتتب بها. # وقال الزمخشري يجوز أن يراد بالقلم أصحابه فيكون الضمير في " يسطرون ~~" لهم. # يعني فيصير كقوله: # أو كظلمات في بحر لجي يغشاه # [النور: 40] تقديره: أو كذي ظلمات فالضمير في " يغشاه " يعود على " ذي ~~" المحذوف. # فصل في المراد بالقلم # في " القلم " المقسم به قولان: # أحدهما: أن المراد به الجنس، وهو واقع على كل قلم يكتب به في السماء ~~والأرض، قال تعالى: # وربك الأكرم الذى علم بالقلم علم الإنسان ~~ما لم يعلم # [العلق: 3، 4، 5]، ولأنه ينتفع به كما ينتفع بالنطق كما قال تعالى: # خلق الإنسان علمه البيان # [الرحمن: 3، 4]، فالقلم يبين كما يبين اللسان في المخاطبة بالكتابة ~~للغائب والحاضر. # والثاني: أنه القلم الذي جاء في الخبر، عن ابن ms8645 عباس: أول ما خلق الله ~~القلم ثم قال له: اكتب قال: ما أكتب؟ قال: ما كان وما هو كائن إلى يوم ~~القيامة من عمل، أو أجل، أو رزق، أو أثر، فجرى القلم بما هو كائن ~~إلى يوم القيامة، قال: ثم ختم في القلم فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم ~~القيامة، قال: وهو قلم من نور طوله كما بين السماء والأرض. # وروى مجاهد، قال: أول ما خلق الله القلم، فقال: اكتب القدر، فكتب ما هو ~~كائن إلى يوم القيامة، وإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه. # قال القاضي: هذا الخبر يجب حمله على المجاز؛ لأن القلم آلة مخصوصة ~~للكتابة، ولا يجوز أن يكون حيا عاقلا فيؤمر وينهى؛ فإن الجمع بين كونه ~~حيوانا مكلفا وبين كونه آلة للكتابة محال بل المراد منه أنه تعالى ~~أجراه بكل ما يكون وهو كقوله تعالى # إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون # [آل عمران: 47] فإنه ليس هناك أمر، ولا تكليف، وهو مجرد نفاذ القدرة في ~~المقدور من غير منازعة، ولا مدافعة. # وقيل: القلم المذكور هو العقل وأنه شيء هو كالأصل لجميع المخلوقات، ~~قالوا: والدليل عليه أنه قد روي في الأخبار: أن أول ما خلق الله القلم. # وفي خبر آخر: أول ما خلق الله العقل، فقال الجبار: ما خلقت خلقا أعجب ~~إلي منك، وعزتي وجلالي لأكلمنك فيمن أحببت ولأبغضنك فيمن أبغضت، قال: ثم ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكمل الناس عقلا أطوعهم لله ~~وأعلمهم بطاعته. # وفي خبر آخر: أول ما خلق الله جوهرة، فنظر إليها بعين الهيبة فذابت، ~~وسخنت، فارتفع منها دخان وزبد، فخلق من الدخان السموات، ومن الزبد الأرض. # قالوا: فهذه الأخبار بمجموعها تدل على أن القلم والعقل وتلك الجوهرة ~~التي هي أصل المخلوقات شيء واحد، وإلا حصل التناقض. # قوله: { وما يسطرون } ، أي: وما يكتبون، يريد: الملائكة يكتبون ~~أعمال بني آدم. # قال ابن عباس. # وقيل: وما يكتبون الناس ويتفاهمون به. # وقال ابن عباس: معنى { وما يسطرون } وما يعملون. # ؟؟؟؟قال ابن الخطيب: { وما ms8646 يسطرون } مع ما بعدهما في تقدير ~~المصدر فيحتمل أن يكون المراد وسطرهم، فيكون القسم واقعا بنفس الكتابة، ~~ويحتمل أن يكون المراد به المسطور والمكتوب، فإن حمل القلم على كل قلم ~~في مخلوقات الله تعالى، فكأنه تعالى أقسم بكل قلم، وبكل ما يكتب بكل قلم ~~وقيل: المراد ما يسطره الحفظة الكرام، ويجوز أن يراد بالقلم أصحابه، ~~فيكون الضمير في " يسطرون " لهم، كأنه قيل: وأصحاب القلم، وسطرهم، أو ~~مسطوراتهم، وإن حمل على القلم المعين، فيحتمل أن يكون المراد بقوله " ~~وما يسطرون " ، أي: وما يسطرون فيه، وهو اللوح المحفوظ ولفظ الجمع ~~في قوله " يسطرون " ليس المراد منه الجمع بل التعظيم، ويكون المراد ~~تلك الأشياء التي سطرت فيه من جميع الأمور الكائنة إلى يوم القيامة. # قوله { مآ أنت بنعمة ربك بمجنون }. # قد تقدم الكلام على نظيره في " الطور " في قوله # فمآ أنت بنعمة ربك بكاهن # [الطور: 29]. # إلا أن الزمخشري قال هنا: " فإن قلت: بم تتعلق الباء في " بنعمة ~~ربك " وما محله؟ قلت: متعلق بمجنون منفيا كما يتعلق بعاقل مثبتا ~~كقولك: أنت بنعمة ربك عاقل، مستويا في ذلك الإثبات والنفي استواءهما ~~في قولك: ضرب زيد عمرا، وما ضرب زيد عمرا، فعمل الفعل منفيا ومثبتا ~~إعمالا واحدا، ومحله النصب على الحال كأنه قال: ما أنت مجنونا منعما ~~عليك بذلك، ولم تمنع الباء أن يعمل " مجنون " فيما قبله، لأنها زائدة ~~لتأكيد النفي ". # قال أبو حيان: " وما ذهب إليه الزمخشري، من أن الباء يتعلق ~~بمجنون، وأنه في موضع الحال يحتاج إلى تأمل، وذلك أنه إذا تسلط النفي في ~~محكوم به، وذلك له معمول، ففي ذلك طريقان: # أحدهما: أن النفي يسلط على المعمول فقط. # والآخر: أن يسلط النفي على المحكوم به فينتفي معموله لانتفائه، ببيان ~~ذلك أن تقول: ما زيد قائم مسرعا، فالمتبادر إلى الذهن أنه منتف إسراعه ~~دون قيامه، فيكون قد قام غير مسرع، والوجه الآخر: أنه انتفى قيامه فانتفى ~~إسراعه، أي: لا قيام، فلا إسراع، وهذا الذي قررناه لا يتأتى معه قول ~~الزمخشري، بل يؤدي إلى ما ms8647 لا يجوز النطق به في حق المعصوم " انتهى. # واختار أبو حيان أن يكون " بنعمة " قسما معترضا به بين المحكوم ~~عليه والحكم على سبيل التأكيد والتشديد والمبالغة في انتفاء الوصف ~~الذميم. # وقال ابن عطية: " بنعمة ربك " اعتراض، كما تقول للإنسان: أنت بحمد ~~الله فاضل، قال: ولم يبين ما تتعلق به الباء في " بنعمة ". # قال شهاب الدين: والذي تتعلق به الباء في هذا النحو معنى مضمون الجملة ~~نفيا وإثباتا كأنه قيل: انتفى عنك ذلك بحمد الله، والباء سببية، وثبت ~~ذلك الفضل بحمد الله تعالى، وأما المثال الذي ذكره، فالباء تتعلق فيه ~~بلفظ " فاضل " وقد نحا صاحب " المنتخب " إلى هذا فقال: المعنى انتفى ~~عنك الجنون بنعمة ربك. # وقيل: معناه ما أنت مجنون والنعمة لربك، كقولهم: سبحانك اللهم ~~وبحمدك، أي: والحمد لله؛ وقول لبيد: [الطويل] # 4808 - وأفردت في الدنيا بفقد عشيرتي # وفارقني جار بأربد نافع # أي وهو أربد، وهذا ليس بتفسير إعراب بل تفسير معنى. # فصل في إعراب الآية # قوله تعالى: { مآ أنت بنعمة ربك بمجنون }. هذا جواب ~~القسم، وهو نفي. # قال الزجاج: " أنت " هو اسم " ما " و " مجنون " الخبر، وقوله: { ~~بنعمة ربك } كلام وقع في الوسط، أي: انتفى عنك الجنون بنعمة ~~ربك، كما يقال: أنت بحمد الله عاقل. # روى ابن عباس: أنه صلى الله عليه وسلم غاب عن خديجة إلى حراء، وطلبته، ~~فلم تجده، فإذا به ووجهه متغير بلا غبار، فقالت: ما لك؟. # فذكر جبريل - عليه السلام - وأنه قال له: # اقرأ باسم ربك # [العلق: 1]، فهو أول من نزل من القرآن، قال: ثم نزل بي إلى قرار الأرض، ~~فتوضأ، وتوضأت، ثم صلى، وصليت معه ركعتين، وقال: هكذا الصلاة - يا محمد - ~~فذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لخديجة، فذهبت خديجة إلى ورقة بن نوفل ~~- وهو ابن عمها - وكان قد خالف دين قومه ودخل في النصرانية، فسألته فقال: ~~أرسلي إلي محمدا، فأرسلته فقال: هل أمرك جبريل - عليه السلام - أن تدعو ~~أحدا؟ فقال: لا فقال: والله لئن بقيت إلى دعوتك لأنصرنك نصرا عزيزا، ~~ثم مات قبل ms8648 دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم ووقعت تلك الواقعة في ألسنة ~~كفار قريش، فقالوا: إنه مجنون، فأقسم الله تعالى على أنه ليس بمجنون، وهو ~~خمس آيات من أول هذه السورة، قال ابن عباس: أول ما نزل قوله تعالى: # سبح اسم ربك # [الأعلى: 1]، وهذه الآية هي الثانية، نقله ابن الخطيب. # وذكر القرطبي: أن المشركين كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: ~~مجنون به شيطان وهو قوله # يأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون # [الحجر: 6] فأنزل الله تعالى ردا عليهم وتكذيبا لقولهم # فمآ أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون # [الطور: 29] أي: برحمة ربك، والنعمة هاهنا الرحمة. وقال عطاء وابن عباس: ~~يريد بنعمة ربك عليك بالإيمان والنبوة. # قال القرطبي: " ويحتمل أن النعمة - هاهنا - قسم، تقديره: ما أنت، ونعمة ~~ربك بمجنون لأن الواو والباء من حروف القسم " وقد تقدم. # فصل # قال ابن الخطيب: اعلم أنه تعالى وصفه - هاهنا - بصفات ثلاث: # الأولى: نفي الجنون عنه ثم قرن بهذه الدعوى ما يكون كالدلالة القاطعة ~~على صحتها، لأن قوله: { بنعمة ربك } يدل على أن نعم الله ~~تعالى ظاهرة في حقه من الفصاحة التامة، والعقل الكامل، والسيرة المرضية، ~~والبراء من كل عيب، والاتصاف بكل مكرمة، وإذا كانت هذه النعم ظاهرة ~~محسوسة ووجودها ينافي حصول الجنون، فالله تعالى نبه على أن هذه الحقيقة ~~جارية مجرى الدلالة اليقينية على كذبهم في قولهم: " إنه مجنون ". # الصفة الثانية: قوله: { وإن لك لأجرا غير ممنون } أي: ~~ثوابا على ما تحملت غير منقوص ولا مقطوع منه، يقال: من الشيء إذا ضعف، ~~ويقال: مننت الحبل إذا قطعته، وحبل منين إذا كان غير متين. # قال لبيد: [الكامل] # 4809 -...................... # غبس كواسب ما يمن طعامها # أي: لا يقطع، يصف كلابا ضارية، ونظيره قوله تعالى # غير مجذوذ # [هود: 108]، وقال مجاهد ومقاتل والكلبي: " غير ممنون " أي: غير ~~محسوب عليك، قالت المعتزلة: لأنك تستوجبه على [عملك]، وجوابهم: إن حملهم ~~على هذا يقتضي التكرار، لأن قوله " أجرا " يفيده، وقال الحسن: غير مكدر ~~بالمن. # وقال الضحاك: أجرا بغير عمل، واختلفوا في هذا الأجر ms8649 على أي شيء حصل؟ ~~فقيل: معناه إن لك على احتمال هذا الطعن، والقول القبيح أجرا عظيما ~~دائما. # وقيل: إن لك في إظهار النبوة، والمعجزات في دعاء الخلق إلى الله تعالى ~~وفي بيان الشرع لهم هذا الأجر الخالص الدائم فلا يمنعك نسبتهم إياك إلى ~~الجنون عن الاشتغال بهذا المهم العظيم فإن لك بسببه المنزلة العالية. # الصفة الثالثة: قوله: { وإنك لعلى خلق عظيم }. # قال ابن عباس ومجاهد: " على خلق " على دين عظيم من الأديان، ليس دين ~~أحب إلى الله، ولا أرضى عنده منه. # وروى مسلم عن عائشة: أن خلقه كان القرآن. # وقال علي - رضي الله عنه -: هو أدب القرآن. # وقيل: رفقه بأمته، وإكرامه إياهم. # وقال قتادة: هو ما كان يأتمر به من أمر الله، وينتهي عنه مما نهى ~~الله عنه. # وقيل: إنك على طبع كريم. # وقال الماوردي: حقيقة الخلق في اللغة ما يأخذ به الإنسان في ~~نفسه من الأدب يسمى خلقا، لأنه يصير كالخلقة فيه فأما ما ~~طبع عليه من الأدب فهو الخيم، فيكون الخلق: الطبع المتكلف، والخيم: ~~الطبع الغريزي. # قال القرطبي: " ما ذكره مسلم في صحيحه عن عائشة أصح الأقوال، وسئلت ~~أيضا عن خلقه - عليه الصلاة والسلام - فقرأت # قد أفلح المؤمنون # [المؤمنون: 1] إلى عشر آيات ". # قال ابن الخطيب: وهذا إشارة إلى أن نفسه القدسية كانت بالطبع منجذبة إلى ~~عالم الغيب وإلى كل ما يتعلق بها، وكانت شديدة النفرة من اللذات ~~البدنية، والسعادات الدنيوية بالطبع، ومقتضى الفطرة، وقالت: ما كان ~~أحد أحسن خلقا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما دعاه أحد من ~~الصحابة ولا من أهل بيته إلا قال: لبيك، ولذلك قال الله تعالى { ~~وإنك لعلى خلق عظيم } ولم يذكر خلق محمود إلا وكان للنبي ~~الحظ الأوفر. # وقال الجنيد: سمى خلقه عظيما لاجتماع مكارم الأخلاق فيه، بدليل قوله - ~~عليه الصلاة والسلام -: # " إن الله بعثني لأتمم مكارم الأخلاق ". # فصل # قال ابن الخطيب: قوله: { وإنك لعلى خلق عظيم } كالتفسير ~~لما تقدم من قوله تعالى: { بنعمة ربك } وتعريف لمن رماه بالجنون ~~بأن ذلك ms8650 كذب وخطأ؛ لأن الأخلاق الحميدة والأفعال المرضية كانت ظاهرة منه، ~~وإذا كان موصوفا بتلك الأخلاق والأفعال، لم يجز إضافة الجنون إليه؛ لأن ~~أخلاق المجانين سيئة، ولما كانت أخلاقه الحميدة صلى الله عليه وسلم كاملة ~~لا جرم وصفها الله بأنها عظيمة، ولهذا قال: # مآ أسألكم عليه من أجر ومآ أنآ من ~~المتكلفين # [ص: 86] أي: لست مكلفا فيما يظهر لكم من الأخلاق، لأنه تعالى قال: # أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده # [الأنعام: 90] فهذا الهدي الذي أمر الله محمدا صلى الله عليه وسلم ~~بالاقتداء به ليس هو معرفة الله تعالى؛ لأن ذلك تقليدا، وهو غير لائق ~~بالرسول صلى الله عليه وسلم وليس هو الشرائع؛ لأن شريعته كشرائعهم، فتعين ~~أن يكون المراد منه أمره صلى الله عليه وسلم بأن يقتدي بكل واحد من ~~الأنبياء فيما اختص به من الخلق الكريم، وكان كل واحد منهم مختصا بنوع ~~واحد، فلما أمر محمدا صلى الله عليه وسلم بأن يقتدي بالكل، فكأنه أمر ~~بمجموع ما كان متفرقا فيهم، ولما كان ذلك درجة عالية لم تتيسر لأحد من ~~الأنبياء قبله - لا جرم - وصف الله خلقه بأنه عظيم، وكلمة " على " ~~للاستعلاء فدل اللفظ على أنه مستعل على هذه الأخلاق، ومستول عليها، ~~وأنه بالنسبة إلى هذه الأخلاق الحميدة كالمولى بالنسبة إلى العبد، ~~وكالأمير بالنسبة إلى المأمور. # وقد ورد أحاديث كثيرة صحيحة في مدح الخلق الحسن، وذم الخلق السيىء. # قوله: { فستبصر ويبصرون }. # قال ابن عباس: معناه فستعلم ويعلمون يوم القيامة. # وقيل: فسترى وترون يوم القيامة حتى يتبين الحق والباطل. # وقيل: { فستبصر ويبصرون } في الدنيا كيف تكون عاقبة أمرك ~~وأمرهم فإنك تصير معظما في القلوب، ويصيرون ذليلين ملعونين ويستولى ~~عليهم بالقتل والنهب. # قال مقاتل بن حيان: هذا وعيد العذاب ببدر. # قوله { بأيكم المفتون } فيه أربعة أوجه: # أحدها: أن الباء مزيدة في المبتدأ، والتقدير: أيكم المفتون، فزيدت ~~كزيادتها في نحو " بحسبك زيد " ، وإلى هذا ذهب قتادة وأبو عبيدة معمر بن ~~المثنى. # إلا أنه ضعيف من حيث إن الباء لا تزاد في المبتدأ إلا في ms8651 " حسبك " ~~فقط. # الثاني: أن الباء بمعنى " في " فهي ظرفية، كقولك: " زيد بالبصرة " ~~أي: فيها، والمعنى: في أي فرقة، وطائفة منكم المفتون: أي المجنون في فرقة ~~الإسلام أم في فرقة الكفار؟ وإليه ذهب مجاهد والفراء. # ويؤيده قراءة ابن أبي عبلة: " في أيكم ". # والثالث: أنه على حذف مضاف، أي " بأيكم فتن المفتون " فحذف المضاف، ~~وأقيم المضاف إليه مقامه، وإليه ذهب الأخفش. وتكون الباء سببية. # والرابع: أن المفتون مصدر جاء على " مفعول " ك " المعقول " و " الميسور ~~" ، والتقدير: " بأيكم المفتون ". # فعلى القول الأول يكون الكلام تاما عند قوله: " ويبصرون " ، ويبتدأ ~~بقوله " بأيكم المفتون ". # وعلى الأوجه بعده تكون الباء متعلقة بما قبلها، ولا يوقف على " ~~يبصرون ". # وعلى الأوجه الأول الثلاثة يكون " المفتون " اسم مفعول على أصله، ~~وعلى الوجه الرابع يكون مصدرا، وينبغي أن يقال: إن الكلام إنما يتم على ~~قوله " المفتون " سواء قيل: بأن الباء مزيدة أم لا، لأن قوله { ~~فستبصر ويبصرون } معلق بالاستفهام بعده، لأنه فعل بمعنى ~~الرؤية البصرية تعلق على الصحيح، بدليل قولهم: أما ترى أن برق هاهنا، ~~فكذلك الإبصار، لأنه هو الرؤية بالعين، فعلى القول بزيادة الباء، تكون ~~الجملة الاستفهامية في محل نصب؛ لأنها واقعة موضع مفعول الإبصار. # فصل # قال القرطبي: { فستبصر ويبصرون } بأيكم المفتون، الذي فتن ~~بالجنون، كقوله تعالى: # تنبت بالدهن # [المؤمنون: 20] و # يشرب بها عباد الله # [الإنسان: 6]، وهو قول قتادة وأبي عبيدة كما تقدم وقيل: الباء ليست ~~مزيدة، والمعنى " بأيكم المفتون " أي: الفتنة، وهو مصدر على وزن المفعول ~~ويكون المعنى: المفتون، كقولهم: ما لفلان مجلود ولا معقول، أي: عقل ولا ~~جلادة، قاله الحسن والضحاك وابن عباس. # قال الراعي: [الكامل] # 4810 - حتى إذا لم يتركوا لعظامه # لحما ولا لفؤاده معقولا # أي عقلا، والمفتون المجنون الذي فتنه الشيطان. # وقيل: المفتون المعذب من قول العرب فتنت الذهب بالنار، إذا حميته، قال ~~تعالى # يوم هم على النار يفتنون # [الذاريات: 13] أي: يعذبون وقيل: المفتون: الشيطان؛ لانه مفتون في دينه، ~~وكانوا يقولون: إن به شيطانا، وعنوا بالمجنون هذا فقال الله تعالى لهم: ~~فسيعلمون غدا بأيهم [المجنون] ms8652 أي: الشيطان الذي يحصل من مسه الجنون ~~واختلاط العقل. # قوله: { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله }. أي: ~~إن الله هو العالم بمن حاد عن دينه { وهو أعلم بالمهتدين } ~~، أي: الذين هم على الهدى، فيجازي كلا غدا. ### || [68.8-16] # قوله: { فلا تطع المكذبين } نهاه عن ممايلة المشركين وكانوا ~~يدعونه إلى أن يكف عنهم ليكفوا عنه، فبين الله تعالى أن ممايلتهم كفر، ~~وقال تعالى: # ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا ~~قليلا # [الإسراء: 74] وقيل: فلا تطع المكذبين فيما دعوك إليه من دينهم الخبيث، ~~نزلت في مشركي قريش حين دعوه إلى دين آبائه. # قوله: { ودوا لو تدهن فيدهنون }. # المشهور في قراءة الناس ومصاحفهم: " فيدهنون " بثبوت نون الرفع ~~وفيه وجهان: أحدهما: أنه عطف على " تدهن " فيكون داخلا في حيز " لو ~~". # والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: فهم يدهنون. # وقال الزمخشري: " فإن قلت: لم رفع " فيدهنون " ولم ينصب بإضمار " ~~أن " وهو جواب التمني؟. # قلت: قد عدل به إلى طريق آخر وهو أن جعل خبر مبتدأ محذوف، أي فهم ~~يدهنون، كقوله: # فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا # [الجن: 13] على معنى ودوا لو تدهن فهم يدهنون حينئذ، أو ودوا إدهانك، ~~فهم الآن يدهنون لطمعهم في إدهانك قال سيبويه: وزعم هارون أنها في بعض ~~المصاحف: ودوا لو تدهن فيدهنوا " انتهى. # وفي نصبه على ما وجد في بعض المصاحف وجهان: # أحدهما: أنه عطف على التوهم، كأنه توهم أن نطق ب " أن " فنصب الفعل ~~على هذا التوهم وهذا إنما يجيء على القول بمصدرية " لو " ، وفيه خلاف ~~تقدم تحقيقه في " البقرة ". # والثاني: أنه نصب على جواب التمني المفهوم من " ود ". # والظاهر أن " لو " حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، وأن جوابها محذوف ~~ومفعول الودادة أيضا محذوف، تقديره: ودوا إدهانك، فحذف إدهانك، لدلالة " ~~لو " وما بعدها عليه وتقدير الجواب: لسروا بذلك. # فصل في معنى الآية # قال ابن عباس وعطية والضحاك والسدي: ودوا لو تكفر فيتمادون على كفرهم، ~~وعن ابن عباس أيضا: ودوا لو ترخص لهم فيرخصون لك. # وقال ms8653 الفراء والكلبي: لو تلين فيلينون لك. والإدهان: التليين لمن لا ~~ينبغي له التليين. قاله الفراء والليث. # وقال مجاهد: ودوا لو ركنت إليهم وتركت الحق فيمالئونك. # وقال الربيع بن أنس: ودوا لو تكذب، فيكذبون. # وقال قتادة: ودوا لو تذهب عن هذا الأمر فيذهبوا. # وقال الحسن: ودوا لو تصانعهم في دينك فيصانعونك في دينهم، وعنه أيضا: ~~ودوا لو ترفض بعض أمرك فيرفضون بعض أمرهم. # وقال زيد بن أسلم: ودوا لو تنافق وترائي، فينافقون ويراءون. # وقيل: ودوا لو تضعف فيضعفون. قاله أبو جعفر. # وقال القتيبي: ودوا لو تداهن في دينك فيداهنون في أديانهم، وعنه: طلبوا ~~منه أن يعبد آلهتهم مدة ويعبدوا إلهه مدة. # وهذان القولان الأخيران هما المتقدمان في معنى # لو تكفرون # [النساء: 89] ومعنى: لو تصانعهم وقال ابن العربي: ذكر المفسرون فيها نحو ~~عشرة أقوال، كلها دعاوى على اللغة والمعنى، وأمثلها قولهم " ودوا لو ~~تكذب فيكذبون، ودوا لو تكفر فيكفرون ". # وقال القرطبي: كلها إن شاء الله تعالى صحيحة على مقتضى اللغة والمعنى، ~~فإن الإدهان اللين والمصانعة. # وقيل: المقاربة في الكلام والتليين في القول، وقال المفضل: النفاق وترك ~~المناصحة، فهي على هذا الوجه مذمومة، وعلى الوجه الأول غير مذمومة وكل ~~شيء منها لم يكن. # وقال المبرد: أدهن في دينه، وداهن في أمره أي: خان فيه وأظهر خلاف ما ~~يضمر. # وقال قوم: داهنت بمعنى واريت، وأدهنت بمعنى غششت، قاله الجوهري، وقوله " ~~فيدهنون " ساقه على العطف، ولو جاء به جوابا للنهي لقال: " ~~فيدهنوا " ، وإنما أراد أنهم تمنوا لو فعلت فيفعلون مثل فعلك عطفا ~~لا جزاء عليه ولا مكافأة، وإنما هو تمثيل وتنظير. # قوله: { ولا تطع كل حلاف مهين }. # قال السدي والشعبي وابن إسحاق: يعني الأخنس بن شريق. # وقال مجاهد: يعني الأسود بن عبد يغوث، أو عبد الرحمن بن الأسود. # وقال مقاتل: يعني الوليد بن المغيرة عرض على النبي صلى الله عليه وسلم ~~مالا، وحلف أنه يعطيه إن رجع عن دينه. # وقال ابن عباس: هو أبو جهل بن هشام. # والحلاف: الكثير الحلف. و " المهين " قال مجاهد: هو ms8654 الضعيف القلب. # وقال ابن عباس: هو الكذاب، والكذاب مهين. # وقال الحسن وقتادة: هو المكثار في الشر. # وقال الكلبي: المهين: الفاجر. # وقال عبد الله: هو الحقير. # وقال ابن بحر: هو الذليل. # وقال الرماني: هو الوضيع لإكثاره من القبيح. # وهو " فعيل " من المهانة بمعنى القلة، وهي هنا القلة في الرأي والتمييز، ~~أو هو " فعيل " بمعنى " مفعل " والمعنى " مهان ". # قوله { هماز } ، الهماز: مثال مبالغة من الهمز، وهو في اللغة الضرب ~~طعنا باليد والعصا، واستعير للمغتاب الذي يغتاب الناس كأنه يضربهم ~~بإيذائه. # قال ابن زيد: الهماز: الذي يهمز الناس بيده ويضربهم، واللماز: ~~باللسان. # وقيل الهماز الذي يذكر الناس في وجوههم، واللماز: الذي يذكرهم في ~~مغيبهم. # وقال مقاتل بالعكس، وقال مرة: هما سواء، ونحوه عن ابن عباس وقتادة. # قال الشاعر: [البسيط] # 4811 - تدلي بود إذا لاقيتني كذبا # وإن تغيبت كنت الهامز اللمزه # والنميم: قيل: هو مصدر النميمة. # وقيل: هو جمعها أي اسم جنس ك " تمرة وتمر " ، وهو نقل الكلام الذي ~~يسوء سامعه، ويحرش بين الناس. # وقال الزمخشري: والنميم والنميمة: السعاية، وأنشدني بعض العرب: [الرجز] # 4812 - تشببي تشبب النميمه # تمشي بها زهرا إلى تميمه # والمشاء: مثال مبالغة من المشي، أي: يكثر السعاية بين الناس ليفسد ~~بينهم، يقال: نم ينم نميما ونميمة، أي: يمشي ويسعى بالفساد. # وقال عليه الصلاة والسلام: # " لا يدخل الجنة نمام ". # والعتل: الذي يعتل الناس، أي: يحملهم، ويجرهم إلى ما يكرهون من حبس ~~وضرب ومنه: # خذوه فاعتلوه # [الدخان: 47]. # وقيل: العتل: الشديد الخصومة. # وقال أبو عبيدة: هو الفاحش اللئيم. # وأنشد: # 4813 - بعتل من الرجال زنيم # غير ذي نجدة وغير كريم # وقيل: الغليظ الجافي. # ويقال: عتلته وعتنته باللام والنون. نقله يعقوب. # وقيل: العتل: الجافي الشديد في كفره. # وقال الكلبي والفراء: هو الشديد الخصومة بالباطل. # قال الجوهري: ويقال: عتلت الرجل أعتله وأعتله إذا جذبته ~~جذبا عنيفا. ورجل معتل - بالكسر -، والعتل أيضا: الرمح الغليظ، ~~ورجل عتل - بالكسر - بين العتل، أي سريع إلى الشر ويقال: لا أنعتل ~~معك، أي: لا أبرح مكاني. # وقال عبيد بن عمير: العتل: الأكول الشروب ms8655 القوي الشديد يوضع في الميزان ~~فلا يزن شعيرة، يدفع الملك من أولئك في جهنم بالدفعة الواحدة سبعين ~~ألفا. # والزنيم: الدعي بنسب إلى قوم ليس منهم. # قال حسان رضي الله عنه: [الطويل] # 4814 أ- زنيم تداعاه الرجال زيادة # كما زيد في عرض الأديم الأكارع # وقال أيضا: [الوافر] # 4814 ب - زنيم ليس يعرف من أبوه # بغي الأم ذو حسب لئيم # وقال أيضا: [الطويل] # 4815 - وأنت زنيم نيط في آل هاشم # كما نيط خلف الراكب القدح الفرد # وأصله: من الزنمة، وهي ما بقي من جلد الماعز معلقا في حلقها يترك عند ~~القطع، فاستعير للدعي، لأنه كالمعلق بما ليس منه. # فصل فيمن هو الحلاف المهين # تقدم القول في " الحلاف المهين " ، عن الشعبي والسدي وابن إسحاق: ~~أنه الأخنس بن شريق، وعلى قول غيرهم: أنه الأسود بن عبد يغوث، أو عبد ~~الرحمن بن الأسود، أو الوليد بن المغيرة، أو أبو جهل بن هشام، وتقدم ~~تفسير " الهماز والمشاء بنميم ". # وأما قوله " مناع للخير " أي: للمال أن ينفق في وجوهه. # وقال ابن عباس: يمنع عن الإسلام ولده وعشيرته. # قيل: كان للوليد بن المغيرة عشرة من الولد، وكان يقول لهم ولأقاربه: من ~~تبع منكم محمدا منعته رفدي. # وقال الحسن: يقول لهم: من دخل منكم في دين محمد لا أنفعه بشيء أبدا. # وقوله " معتد " أي: على الناس في الظلم، متجاوز للحد، صاحب باطل، ~~وقوله " أثيم " أي: ذا إثم، ومعناه " أثوم " ، فهو " فعيل " بمعنى " ~~فعول ". # قال البغوي: " أثيم فاجر ". وأما العتل فتقدم الكلام عليه في اللغة. # وقال - عليه الصلاة والسلام -: # " ألا أخبركم بأهل الجنة؟ قالوا: بلى، قال: كل ضعيف ~~متضعف، لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل ~~النار؟ قالوا: بلى، قال: كل عتل جواظ مستكبر " # وفي رواية: # " كل جواظ زنيم مستكبر ". # " الجواظ " الجموع المنوع. # وقيل: الكثير اللحم، المختال في مشيته. # وقيل: القصير البطين. # وذكر الماوردي عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يدخل الجنة جواظ ولا جعظري ولا العتل الزنيم ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " الجواظ: الذي ms8656 جمع ومنع، والجعظري: الفظ الغليظ المتكبر ". # قال ابن الأثير: " وقيل: هو الذي ينتفخ بما ليس عنده، وفيه قصر ". # قال القرطبي: وقال - عليه الصلاة والسلام -: # " الشديد الخلق، الرحيب الجوف، المصح الأكول، الشروب، ~~الواجد للطعام، الظلوم للناس ". # وعن زيد بن أسلم في قوله تعالى { عتل بعد ذلك زنيم } قال: ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " تبكي السماء على رجل أصح الله جسمه ورحب جوفه، ~~وأعطاه من الدنيا بعضا، فكان للناس ظلوما، فذلك العتل ~~الزنيم ". # وقوله " بعد ذلك " أي مع ذلك، يريد ما وصفناه به " زنيم " وتقدم ~~معنى الزنيم. وعن ابن عباس: أنه رجل من قريش كانت له زنمة كزنمة الشاة. # وروى عنه ابن جبير: أنه الذي يعرف بالشر، كما تعرف الشاة بزنمتها. # وقال عكرمة: هو الذي يعرف بلؤمه، كما تعرف الشاة بزنمتها. # وقيل: إنه الذي يعرف بالأبنة، وهو مروي عن ابن عباس، وعنه: إنه الظلوم. # وقال مجاهد: " زنيم " كانت له ستة أصابع في يده في كل إبهام له أصبع ~~زائدة. # وعنه أيضا وسعيد بن المسيب وعكرمة: هو ولد الزنا الملحق في النسب ~~بالقوم. # وكان الوليد دعيا في قريش ليس من سنخهم، ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة من ~~مولده. # قال الشاعر: [الوافر] # 4816 - زنيم ليس يعرف من أبوه # بغي الأم ذو حسب لئيم # قيل: بغت أمه ولم يعرف حتى نزلت الآية، وهذا لأن الغالب أن المنطقة إذا ~~خبثت خبث الولد، كا روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يدخل الجنة ولد زنا، ولا ولد ولده ". # وقال عبد الله بن عمر: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن أولاد الزنا يحشرون يوم القيامة في صورة القردة ~~والخنازير ". # وقالت ميمونة: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " لا تزال أمتي بخير، ما لم يفش فيهم ولد الزنا، ~~فإذا فشى فيهم ولد الزنا أوشك أن يعمهم الله بعذاب ~~". # وقال عكرمة: إذا كثر ولد الزنا قحط المطر. # قال القرطبي: ومعظم المفسرين على أن هذه الآية نزلت في الوليد بن ~~المغيرة وكان يطعم أهل منى ms8657 حيسا ثلاثة أيام، وينادي ألا لا يوقدن أحدكم ~~تحت برمة، ألا لا يدخلن أحد بكراع، ألا ومن أراد الحيس فليأت الوليد ~~بن المغيرة، وكان ينفق في الحجة الواحدة عشرين ألفا، أو أكثر، ولا يعطي ~~المسكين درهما واحدا؛ فقيل: " مناع للخير " ، وفيه نزل: # وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة # [فصلت: 6، 7]. # وقال محمد بن إسحاق: نزلت في الأخنس بن شريق؛ لأنه حليف ملحق في بني ~~زهرة، فلذلك سمي زنيما. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: في هذه الآية ~~نعت، فلم يعرف، حتى قتل زنيم فعرف، وكانت له زنمة في عنقه يعرف بها. # قال ابن قتيبة: لا نعلم أن الله وصف أحدا، ولا ذكر من عيوبه ما ذكر من ~~عيوب الوليد بن المغيرة وألحق به عارا لا يفارقه في الدنيا والآخرة. # فصل # قرأ الحسن: " عتل " بالرفع، أي هو عتل. # وحقه أن يقرأ ما بعده بالرفع أيضا، لأنهم قالوا في القطع: إنه يبدأ ~~بالإتباع، ثم بالقطع من غير عكس، وقوله: " بعد ذلك " أي: بعدما ~~وصفناه به. # قال ابن عطية: فهذا الترتيب إنما هو في قول الواصف لا في حصول تلك ~~الصفات في الموصوف، وإلا فكونه عتلا هو قبل كونه صاحب خير يمنعه. # وقال الزمخشري: " بعد ذلك " أي: بعدما عد له من المثالب، ~~والنقائص، ثم قال: جعل جفاءه ودعوته أشد معايبه، لأنه إذا غلظ وجفا طبعه ~~قسا قلبه واجترأ على كل معصية. # ونظير قوله: { بعد ذلك زنيم } # ثم كان من الذين # [البلد: 17]. # قوله: { أن كان ذا مال وبنين }. # العامة: على فتح همزة " أن " ثم اختلفوا بعد، فقرأ ابن عامر وحمزة وأبو ~~بكر وأضاف القرطبي معهم أبا جعفر وأبا حيوة والمغيرة والأعرج: ~~بالاستفهام. # وباقي السبعة بالخبر. # والقارئون بالاستفهام على أصولهم من تحقيق، وتسهيل، وإدخال ألف بين ~~الهمزتين وعدمه، ولا بد من بيان ذلك فنقول: قرأ حمزة وأبو بكر وذكر ~~القرطبي معهم المفضل: بتحقيق الهمزتين، وعدم إدخال ألف بينهما، وهذا هو ~~أصلهما. # وقرأ ابن ذكوان: بتسهيل الثانية، وعدم إدخال ألف. # وهشام بالتسهيل المذكور إلا أنه أدخل ms8658 ألفا بينهما. # فقد خالف كل منهما أصله، أما ابن ذكوان فإنه يحقق الهمزتين فقد سهل ~~الثانية هنا، وأما هشام فإن أصله أن يجري في الثانية من هذا النحو وجهين ~~من التحقيق كرفيقه، والتسهيل وقد التزم التسهيل هنا، وأما إدخال الألف ~~فإنه فيه على أصله، كما تقدم أول البقرة. # وقرأ نافع في رواية اليزيدي عنه: " إن " بكسر الهمزة على الشرط. # فأما قراءة " أن " - بالفتح - على الخبر، ففيه أربعة أوجه: # أحدها: أنها " أن " المصدرية في موضع المفعول به مجرورة بلام مقدرة، ~~واللام متعلقة بفعل النهي، أي: ولا تطع من هذه صفاته، لأن كان متمولا ~~وصاحب بنين. # الثاني: أنها متعلقة ب " عتل " وإن كان قد وصف. # قاله الفارسي. # وهذا لا يجوز عند البصريين، وكأن الفارسي اغتفره في الجار. # الثالث: أن يتعلق ب " زنيم " ، ولا سيما عند من يفسره بقبيح ~~الأفعال. # الرابع: أن يتعلق بمحذوف يدل عليه ما بعده من الجملة الشرطية تقديره ~~لكونه متمولا، مستظهرا بالبنين كذب بآياتنا، قاله الزمخشري. # قال: ولا يعمل فيه، قال: الذي هو جواب " إذا " لأن ما بعد الشرط لا يعمل ~~فيما قبله، ولكن ما دلت عليه الجملة من معنى التكذيب. # وقال مكي، وتبعه أبو البقاء: " لا يجوز أن يكون العامل " تتلى " ~~لأن ما بعد " إذا " لا يعمل فيما قبلها، لأن " إذا " تضاف إلى الجمل، ~~ولا يعمل المضاف إليه فيما قبل المضاف " انتهى. # وهذا يوهم أن المانع من ذلك ما ذكره فقط، والمانع أمر معنوي، حتى لو ~~فقد هذا المانع الذي ذكره لامتنع من جهة المعنى، وهو لا يصلح أن يعلل ~~تلاوة آيات الله عليه بكونه ذا مال وبنين. # وأما قراءة " آن كان " على الاستفهام، ففيها وجهان: # أحدهما: أن يتعلق بمقدر يدل عليه ما قبله، أي: أتطيعه لأن كان، أو الكون ~~طواعية لأن كان. # والثاني: أن يتعلق بمقدر يدل عليه ما بعده، أي: لأن كان كذب وجحد. # وأما قراءة " إن كان " - بالكسر - فعلى الشرط، وجوابه مقدر، تقديره: ~~إن كان كذا يكفر ويجحد، دل عليه ما بعده. # وقال الزمخشري: والشرط ms8659 للمخاطب، أي: لا تطع كل حلاف شارطا يساره، ~~لأنه إن أطاع الكافر لغنائه فكأنه اشترط في الطاعة الغنى، ونحو صرف الشرط ~~للمخاطب صرف الترجي إليه في قوله # لعله يتذكر أو يخشى # [طه: 44]. # وجعله أبو حيان من دخول شرط على شرط، يعني " إن، وإذا " إلا أنه قال: ~~ليسا من الشروط المترتبة الوقوع. وجعل نظير ذلك قول ابن دريد: [الرجز] # 4817 - فإن عثرت بعدها إن وألت # نفسي من هاتا فقولا لا لعا # قال: " لأن الحامل على تدبر آيات الله كونه ذا مال وبنين، وهو ~~مشغول القلب بذلك غافل عن النظر قد استولت عليه الدنيا وأنظرته ". # وقرأ الحسن بن أبزى: بالاستفهام، وهو استفهام تقريع وتوبيخ، على قوله ~~حين تليت عليه آيات الله: { أساطير الأولين }. # فصل في توجيه قراءة الآية # قال القرطبي: فمن قرأ بهمزة مطولة، أو بهمزتين محققتين، فهو ~~استفهام والمراد به التوبيخ، ويحسن له أن يقف على " زنيم " ، ويبتدىء ~~" أن كان " على معنى: لأن كان ذا مال وبنين تطيعه، ويجوز أن يكون ~~التقدير: لأن كان ذا مال وبنين يكفر ويستكبر، ودل عليه ما تقدم من ~~الكلام، فصار كالمذكور بعد الاستفهام، ومن قرأ " أن كان " بغير ~~استفهام، فهو مفعول من أجله، والعامل فيه فعل مضمر والتقدير: يكفر لأن ~~كان ذا مال وبنين، ودل على هذا الفعل: { إذا تتلى عليه ~~آياتنا قال أساطير الأولين } ولا يعمل في " أن ": " ~~تتلى " ولا " قال " ، لأن ما بعد " إذا " لا يعمل فيما قبلها؛ لأن ~~" إذا " تضاف إلى الجمل التي بعدها، ولا يعمل المضاف إليه فيما قبل ~~المضاف و " قال " جواب الجزاء، ولا يعمل فيما قبل الجزاء، إذ حكم العامل ~~أن يكون قبل المعمول فيه، وحكم الجواب أن يكون بعد الشرط، فيكون مقدما ~~مؤخرا في حالة واحدة، ويجوز أن يكون المعنى: لا تطعه لأن كان ذا يسار ~~وعدد. # قال ابن الأنباري: ومن قرأ بلا استفهام لم يحسن أن يقف على " زنيم " ~~لأن المعنى: لأن كان ذا مال كان، ف " أن " متعلقة بما قبلها. # وقال غيره: يجوز أن يتعلق بقوله ms8660 " مشاء بنميم " ، والتقدير: يمشي ~~بنميم، لأن كان ذا مال وبنين، وأجاز أبو علي أن يتعلق ب " عتل " ~~ومعنى " أساطير الأولين " أباطيلهم، وترهاتهم. # قوله: " سنسمه ". أي: نجعل له سمة، أي: علامة يعرف بها. # قال جرير: [الكامل] # 4818 - لما وضعت على الفرزدق ميسمي # وعلى البعيث جدعت أنف الأخطل # والخرطوم: الأنف، وهو هنا عبارة عن الوجه كله من التعبير عن الكل ~~بالجزء؛ لأنه أظهر ما فيه وأعلاه، والخرطوم أيضا: الخمر، وكأنه استعاره ~~لها لأن الشنتمري قال: هي الخمر أول ما يخرج من الدن؛ فجعلت كالأنف ~~لأنه أول ما يبدو من الوجه فليست الخرطوم الوجه مطلقا، ومن مجيء ~~الخرطوم بمعنى الخمر، قول علقمة بن عبدة: [البسيط] # 4819 - قد أشهد الشرب فيهم مزهر رنم # والقوم تصرعهم صهباء خرطوم # وأنشد نضر بن شميل: [البسيط] # 4820 - تظل يومك في لهو وفي طرب # وأنت بالليل شراب الخراطيم # فصل في تفسير " سنسمه " # قال ابن عباس: " سنسمه " سنحطمه بالسيف، قال: وقد حطم الذي نزلت ~~فيه يوم بدر بالسيف، فلم يزل محطوما إلى أن مات. # وقال قتادة: سنسمه يوم القيامة على أنفه سمة يعرف بها، يقال: وسمه ~~وسما وسمة إذا أثرت فيه بسمة وكي. # قال الضحاك: سنكويه على وجهه، وقد قال الله تعالى: # يوم تبيض وجوه وتسود وجوه # [آل عمران: 106] فهي علامة ظاهرة، وقال تعالى: # ونحشر المجرمين يومئذ زرقا # [طه: 102] وهذه علامة أخرى ظاهرة. وأفادت هذه الآية علامة ثالثة، وهي ~~الوسم على الأنف بالنار، وهذا كقوله: # يعرف المجرمون بسيماهم # [الرحمن: 41]. # قاله الكلبي وغيره وقال أبو العالية ومجاهد: { سنسمه على ~~الخرطوم } أي على أنفه، ويسود وجهه في الآخرة، فعرف بسواد وجهه. # قال القرطبي: " والخرطوم: الأنف من الإنسان، ومن السباع موضع الشفة، ~~وخراطيم القوم: سادتهم ". # قال الفراء: وإن كان الخرطوم قد خص بالسمة فإنه في الوجه لأن ~~بعض الشيء يعبر به عن الكل. # وقال الطبري: نبين أمره تبيانا واضحا، فلا يخفى عليهم كما لا تخفى ~~السمة على الخراطيم. # وقال: المعنى: سنلحق به عارا وسبة حتى يكون كمن وسم على أنفه. # قال القتيبي: تقول ms8661 العرب للرجل يسب سبة سوء قبيحة باقية قد وسم ~~ميسم سوء، أي: ألصق به عار لا يفارقه، كما أن السمة لا يمحى أثرها. # وهذا كله نزل في الوليد بن المغيرة، ولا شك أن المبالغة العظيمة في ~~ذمه بقيت على وجه الأرض الدهر، ولا يعلم أن الله تعالى بلغ من ذكر عيوب ~~أحد ما بلغ منه، فألحق به عارا لا يفارقه في الدنيا والآخرة كالوسم على ~~الخرطوم. # وقيل: ما ابتلاه الله به في الدنيا في نفسه؛ وأهله وماله من سوء، وذل ~~وصغار، قاله ابن بحر. # وقال النضر بن شميل: المعنى سنحده على شرب الخمر، والخرطوم: الخمر، ~~وجمعه: خراطيم، وأنشد البيت المتقدم. # قال ابن الخطيب: " وهذا تعسف ". ### || [68.17-33] # قوله { إنا بلوناهم كما بلونآ أصحاب الجنة }. ~~يريد أهل مكة، والابتلاء: الاختبار. والمعنى: أعطيناهم الأموال ليشكروا ~~لا ليبطروا، فلما بطروا وعادوا محمدا صلى الله عليه وسلم ابتليناهم ~~بالجوع والقحط كما بلونا أصحاب الجنة المعروف خبرها عندهم، وذلك أنها ~~كانت بأرض اليمن بالقرب منهم على فراسخ من " صنعاء " ، ويقال: بفرسخين، ~~كانت لرجل يؤدي حق الله منهما، فلما مات صارت إلى ولده، فمعنوا الناس ~~خيرها، وبخلوا بحق الله فيها؛ فأهلكها الله من حيث لم يمكنهم دفع ما حل ~~بها. # قال الكلبي: كان بينهم وبين " صنعاء " فرسخان ابتلاهم الله بأن ~~أحرق جنتهم. # وقيل: جنة بصوران على فراسخ من صنعاء، وكان أصحاب هذه الجنة بعد رفع ~~عيسى - عليه الصلاة والسلام - بيسير. # وقيل: كانوا من بني إسرائيل. # وقيل: وكانوا من ثقيف، وكانوا بخلاء، وكانوا يجذون النخل ليلا من أجل ~~المساكين، فأرادوا حصاد زرعها، وقالوا: { لا يدخلنها اليوم ~~عليكم مسكين } فغدوا عليها فإذا هي قد اقتلعت من أصلها { ~~فأصبحت كالصريم } أي: الليل، ويقال أيضا للنهار: صريم، فإن ~~كان أراد الليل، فلاسوداد مواضعها وكأنهم وجدوا مواضعها حمأة، وإن كان ~~أراد بالصريم النهار، فلذهاب الشجر والزرع وخلو الأرض منه، وكان ~~الطائف الذي طاف عليها جبريل - عليه السلام - فاقتلعها. # فقيل: إنه طاف بها حول البيت ثم وضعها حيث مدينة الطائف اليوم، ولذلك ~~سميت ms8662 الطائف، وليس في أرض الحجاز بلدة فيها الماء، والشجر [والزرع] ~~والأعناب غيرها. # وقال البكري في المعجم: سميت الطائف، لأن رجلا من العرب يقال له: ~~الدمون، بنى حائطا، وقال: إني قد بنيت لكم حائطا حول بلدكم، فسميت ~~الطائف. والله أعلم. # قوله " إذ أقسموا " ، أي: حلفوا فيما بينهم " ليصرمنها " أي: ~~ليجذنها " مصبحين " أي: وقت الصباح قبل أن يخرج المساكين " ولا ~~يستثنون " ، أي: لم يقولوا: إن شاء الله. # قوله: " مصبحين " حال من فاعل " ليصرمنها " وهو من " أصبح " ~~التامة، أي داخلين في الصباح، كقوله تعالى: # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين # [الصافات: 137] وقوله: إذا سمعت بسرى القين فاعلم بأنه مصبح والكاف ~~في " كما " في موضع نصب نعتا لمصدر محذوف، أي: بلوناهم ابتلاء كما ~~بلونا، و " ما " مصدرية، أو بمعنى " الذي " و " إذا " منصوبة ب " ~~بلونا " و " ليصرمنها " جواب للقسم، وجاء على خلاف منطوقهم، ~~ولو جاء لقيل: " لنصرمنها " بنون المتكلم. # قوله: { ولا يستثنون }. # هذه مستأنفة، ويضعف كونها حالا من حيث إن المضارع المنفي ب " لا " ~~كالمثبت في عدم دخول الواو عليه وإضمار مبتدأ قبله، كقولهم: " قمت وأصك ~~عينه " مستغنى عنه. # ومعنى: " لا يستثنون " لا يستثنون للمساكين من جملة ذلك القدر الذي ~~كان يدفعه أبوهم للمساكين، من الثني، وهو الكف والرد؛ لأن الحالف إذا ~~قال: والله لأفعلن كذا إلا أن يشاء الله غيره فقد رد انعقاد تلك ~~اليمين. # وقيل: المعنى: لا يستثنون عزمهم عن الحرمات. # وقيل: لا يقولون، إن شاء الله. # قال الزمخشري: وسمي استثناء وهو شرط؛ لأن معنى: لأخرجن إن شاء الله، ~~ولا أخرج إلا أن يشاء الله واحد. # قوله { فطاف عليها طآئف }. أي هلاك، أو بلاء طائف، والطائف ~~غلب في الشر. # قال الفراء: هو الأمر الذي يأتي ليلا. # ورد عليه بقوله # إذا مسهم طائف من الشيطان # [الأعراف: 201] وذلك لا يختص بليل، ولا نهار. # وقرأ النخعي: " طيف ". # قوله " من ربك ". يجوز أن يتعلق ب " طاف " وأن يتعلق بمحذوف صفة ل ~~" طائف ". # قوله: { فأصبحت كالصريم }. والصرام: جذاذ النخل، وأصل ~~المادة الدلالة على القطع، ومنه الصرم، والصرم - بالضم والفتح ms8663 - وهو ~~القطيعة؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] # 4821 - أفاطم مهلا بعض هذا التدلل # وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي # ومنه الصريمة، وهي قطعة منصرمة عن الرمل لا تنبت شيئا؛ قال: [البسيط] # 4822 - وبالصريمة منهم منزل خلق # عاف تغير، إلا النؤي والوتد # والصارم: القاطع الماضي، وناقة مصرمة: انقطع لبنها، وانصرم الشهر ~~والسنة، أي: قرب انفصالهما، وأصرم زيد: ساءت حاله، كأنه انقطع سعده. # فقوله " كالصريم ". قيل: هي الأشجار المنصرم حملها. # وقال ابن عباس: كالليل؛ لأنه يقال له: الصريم، لسواده، والصريم أيضا: ~~النهار وقيل: الصبح؛ لأنه انصرم من الليلة، قاله الأخفش. فهو من ~~الأضداد. # وقال شمر: الصريم الليل، والصريم النهار. # وقيل: الصريم: رملة معروفة باليمن لا تنبت شيئا. # وقال الثوري: كالزرع المحصود، فالصريم بمعنى المصروم، أي: المقطوع ما ~~فيه. # وقال الحسن: صرم عنها الخير، أي: قطع، فالصريم مفعول أيضا. # وقال المؤرج: كالرملة انصرمت من معظم الرمل، يقال: صريمة وصرائم، ~~فالرملة لا تنبت شيئا ينتفع به. # وقيل: سمي الليل صريما؛ لأنه يقطع بظلمته عن التصرف، ولهذا يكون " ~~فعيل " ، بمعنى " فاعل ". # قال القشيري: وفي هذا نظر؛ لأن النهار يسمى صريما، ولا يقطع عن ~~التصرف. # وقيل: سمي الليل صريما؛ لأنه يصر نور البصر ويقطعه. # فصل في بيان أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان. # قال القرطبي: في الآية دليل على أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان. لأنهم ~~عزموا على أن يفعلوا، فعوقبوا على فعلهم؛ ونظيره قوله تعالى: # ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب ~~أليم # [الحج: 25]. # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في ~~النار، قيل: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه ~~كان حريصا على قتل صاحبه " # وقد مضى في آل عمران عند قوله: # ولم يصروا على ما فعلوا # [آل عمران: 135]. # قوله: { فتنادوا مصبحين }. # قال مقاتل: لما أصبحوا قال بعضهم لبعض: { اغدوا على حرثكم } ~~يعني بالحرث الثمار والزروع والأعناب، ولذلك قال: " صارمين " ، ~~لأنهم أرادوا قطع الثمار من الأشجار. # " أن اغدوا " يجوز أن تكون المصدرية، أي: تنادوا ms8664 بهذا الكلام، وأن ~~تكون المفسرة، لأنه تقدمها ما هو بمعنى القول. # قال الزمخشري: " فإن قلت: هلا قيل: اغدوا إلى حرثكم، وما معنى على؟. # قلت: لما كان الغدو إليه ليصرموه، ويقطعوه كان غدوا عليه كما تقول: غدا ~~عليهم العدو ويجوز أن يضمن الغدو معنى الإقبال كقولهم: يغدى عليهم ~~بالجفنة ويراح " انتهى. # فجعل " غدا " متعديا في الأصل ب " إلى " فاحتاج إلى تأويل تعديه ب ~~" على " ، وفيه نظر؛ لورود تعديه ب " على " في غير موضع؛ كقوله: ~~[الوافر] # 4823 - وقد أغدو على ثبة كرام # نشاوى واجدين لما نشاء # وإذا كانوا قد عدوا مرادفه ب " على " فليعدوه بها، ومرادفه " بكر " ~~تقول: بكرت عليه و " غدوت عليه " بمعنى واحد؛ قال: [الطويل] # 4824 - بكرت عليه غدوة فرأيته # قعودا إليه بالصريم عواذله # قوله { إن كنتم صارمين }. جوابه محذوف، أي فاغدوا و " صارمين ": ~~قاطعين حادين. # وقيل: ماضين العزم من قولك: سيف صارم. # قوله { فانطلقوا وهم يتخافتون }. أي: يتشاورون فيما ~~بينهم، والمعنى يخفون كلامهم، ويسرونه لئلا يعلم بهم أحد، قاله عطاء ~~وقتادة. # وهو من خفت يخفت إذا سكت، ولم يبين. # قال ابن الخطيب: " وخفى وخفت، كلاهما في معنى الكتم، ومنه الخمود ~~والخفاء ". # وقيل: يخفون أنفسهم من الناس، حتى لا يروهم، وكان أبوهم يخبر الفقراء ~~والمساكين فيحضروا وقت الحصاد والصرام. # وقوله: { وهم يتخافتون } جملة حالية من فاعل " انطلقوا ". # قوله: { أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين }. # " أن " مفسرة، ويجوز أن تكون مصدرية، أي: يتخافتون بهذا الكلام، أي: ~~يقوله بعضهم لبعض: { لا يدخلنها اليوم عليكم ~~مسكين }. # قال ابن الخطيب: والنهي للمسكين عن الدخول نهي لهم عن تمكينه منه، أي: ~~لا تمكنوه من الدخول. # وقرأ عبد الله وابن أبي عبلة: " لا يدخلنها " بإسقاط " أن " إما ~~على إضمار القول كمذهب البصريين، وإما على إجراء " يتخافتون " مجراه ~~كقول الكوفيين. # قوله: { وغدوا على حرد قادرين }. # يجوز أن يكون " قادرين " حالا من فاعل " غدوا " و " على حرد ~~" متعلق به وأن يكون " على حرد " هو الحال و " قادرين " إما حال ~~ثانية، وإما حال من ضمير الحال الأول. # والحرد: قيل: ms8665 الغضب والحنق. قاله السدي وسفيان. # وأنشد للأشهب بن رميلة: [الطويل] # 4825 - أسود شرى لاقت أسود خفية # تساقوا على حرد دماء الأساود # قيل: ومثله: [الرجز] # 4826 - إذا جياد الخيل جاءت تردي # مملوءة من غضب وحرد # عطف لما تغاير اللفظان؛ كقوله: [الوافر] # 4827 -........................... # وألفى قولها كذبا ومينا # قال أبو عبيدة والقتيبي: " على حرد " على منع من حاردت الناقة ~~حرادا، أي: قل لبنها. # والحرود من النوق القليلة الدر، وحاردت السنة: قل مطرها، وخيرها. # ويقال: حرد - بالكسر - يحرد حردا، وقد تفتح فيقال: حرد فهو حردان ~~وحارد، وليوث حوارد. # وقيل: الحرد، والحرود: الانفراد، يقال: حرد - بالفتح - يحرد - ~~بالضم - حرودا وحردا، أي: انعزل. ومنه كوكب حارد، أي: منفرد. # قال الأصمعي: هي لغة هذيل. # وقال القرطبي: يقال: حرد يحرد حرودا، أي: تنحى عن قومه، ولم يخالطهم. # وقال أبو زيد: رجل حريد من قوم حرداء، وقد حرد يحرد حرودا ~~إذا ترك قومه، وتحول عنهم. # قال الأصمعي: رجل حريد، أي: فريد وحيد، قال: والمنفرد والمنحرد في لغة ~~هذيل وأنشد لأبي ذؤيب: [البسيط] # 4828 -........................... # كأنه كوكب في الجو منحرد # ورواه أبو عمرو: بالجيم، قال: وهو سهيل. # وقيل: الحرد القصد، يقال: حرد يحرد - بالكسر - حردا، قصدا، ~~تقول: حردت حردك، أي: قصدت قصدك؛ قال الراجز: [الرجز] # 4829 - أقبل سيل جاء من عند الله # يحرد حرد الجنة المغله # وقال قتادة ومجاهد: " على حرد " ، أي: على جد وجهد. # وقال القرطبي ومجاهد وعكرمة: أي: على أمر مجتمع قد أسموه بينهم. # قال البغوي: " وهذا معنى القصد ". # وقال الحسن: على حاجة وفاقة. # وقيل: الحرد اسم جنتهم بعينها، قاله السدي. # وقال الأزهري: حرد اسم قريتهم. وفيهما بعد. و " قادرين " إما من ~~القدرة وهو الظاهر، وإما من التقدير، وهو التضييق، أي: مضيقين على ~~المساكين. # وقرأ العامة: بالإسكان. # وقرأ أبو العالية وابن السميفع: بالفتح، وهما لغتان. # فصل في تفسير " قادرين " # قال الفراء: ومعنى " قادرين " قد قدروا أمرم، وبنوا عليه. # وقال قتادة: قادرين على جنتهم عند أنفسهم. # وقال الشعبي: قادرين على المساكين. # وقيل: معناه من الوجود، أي: منعوا وهم واجدون. # ومعنى ms8666 الآية: وغدوا، وكانوا عند أنفسهم، وفي ظنهم أنهم قادرون على منع ~~المساكين. # قوله { فلما رأوها }. يعني الجنة محترقة، لا شيء فيها قد صارت ~~كالليل الأسود ينظرون إليها كالرماد أنكروها، وشكوا فيها، وقال بعضهم ~~لبعض: " إنا لضالون " أي: ضللنا الطريق إلى جنتنا، ثم لما تأملوا ~~وعرفوا أنها هي، قالوا: { بل نحن محرومون } حرمنا خيرها بشؤم ~~عزمنا على البخل ومنعنا الفقراء، قاله قتادة. # وقيل: " إنا لضالون " عن الصواب في غدونا على نية منع المساكين، ~~فلذلك عوقبنا { بل نحن محرومون } أي: حرمنا جنتنا بما صنعنا. # روى ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " إياكم والمعاصي إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به ~~رزقا كان هيىء له " ثم تلا: { فطاف عليها طآئف من ~~ربك وهم نآئمون } " # الآيتين. # قوله: { قال أوسطهم } ، يعني أعدلهم، وأفضلهم وأعقلهم { ألم ~~أقل لكم: لولا تسبحون } أي: هلا تستثنون، وكان استثناؤهم ~~تسبيحا. قاله مجاهد وغيره، وهذا يدل على أن هذا الأوسط كان يأمرهم ~~بالاستثناء، فلم يطيعوه. # قال أبو صالح: كان استثناؤهم سبحان الله، فقال لهم: " هلا ~~تسبحون الله " ، أي تقولون: سبحان الله وتشكرونه على ما أعطاكم. # وقال النحاس: أصل التسبيح التنزيه لله - عز وجل -، فجعل مجاهد التسبيح ~~في موضع إن شاء الله؛ لأن المعنى تنزيه الله أن يكون شيء إلا بمشيئته. # وقال ابن الخطيب: التسبيح عبارة عن تنزيهه عن كل سوء فلو دخل شيء في ~~الوجود على خلاف إرادة الله تعالى، لوجب عود النقص إلى قدرة الله تعالى، ~~فقولك: " إن شاء الله " مزيل هذا النقص، فكان ذلك تسبيحا. # وقيل: المعنى: هلا تستغفرونه من فعلكم، وتتوبون إليه من خبث ~~نيتكم. # قيل: إن القوم لما عزموا على منع الزكاة واغتروا بالمال والقوة، ~~قال لهم أوسطهم: توبوا عن هذه المعصية قبل نزول العذاب، فلما رأوا ~~العذاب ذكرهم أوسطهم كلامه الأول، وقال: { ألم أقل لكم ~~لولا تسبحون } فحينئذ اشتغلوا بالتوبة وقالوا: { سبحان ~~ربنآ إنا كنا ظالمين } قال ابن عباس في قولهم سبحان ربنا ~~أي نستغفر ربنا من ذنوبنا لأنا كنا ظالمين لأنفسنا في ms8667 منعنا المساكين. # وقال الحسن: هذا التسبيح هو الصلاة كأنهم كانوا يتكاسلون في ~~الصلاة، وإلا لكانت ناهية لهم [عن الفحشاء والمنكر، ولكانت داعية لهم] ~~إلى أن يواظبوا على ذكر الله، وعلى قول إن شاء الله. # قوله { فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون }. أي: يلوم ~~بعضهم بعضا، يقول هذا لهذا: أنت أشرت علينا بهذا الرأي، ويقول ذلك لهذا: ~~أنت خوفتنا بالفقر، ويقول الثالث لغيره: أنت رغبتني في جمع المال، ثم ~~نادوا على أنفسهم بالويل فقالوا: { يويلنا إنا كنا ~~طاغين } أي: عاصين بمنع حق الفقراء، وترك الاستثناء. # وقال ابن كيسان: طغينا نعم الله، فلم نشكرها كما شكرها آباؤنا من ~~قبل { عسى ربنآ أن يبدلنا خيرا منهآ } تعاقدوا ~~وقالوا: إن أبدلنا الله خيرا منها لنصنعن كما صنع آباؤنا فدعوا الله ~~وتضرعوا فأبدلهم الله من ليلتهم ما هو خير منها. # قرىء: " يبدلنا " بالتخفيف والتشديد، وهما لغتان. # وقيل: التبديل تغير الشيء، أو تغير حاله وعين الشيء قائم، والإبدال رفع ~~الشيء ووضع آخر مكانه، ثم قال: { إنآ إلى ربنا راغبون } ~~أي: طالبون منه الخير راجعون لعفوه. # قال المفسرون: إن الله أمر جبريل عليه السلام أن يقتلع تلك الجنة، بزغر ~~من أرض الشام، ويأخذ من أرض الشام جنة، فيجعلها مكانها. # وقال ابن مسعود: إن القوم لما أخلصوا وعرف الله منهم صدقهم أبدلهم ~~الله جنة يقال لها: الخيوان فيها عنب يحمل البغل منها عنقودا واحدا. # وقال أبو خالد اليماني: دخلت تلك الجنة، فرأيت كل عنقود منها ~~كالرجل الأسود القائم. # وقال الحسن: قول أهل الجنة: { إنآ إلى ربنا راغبون } لا ~~أدري إيمانا كان ذلك منهم، أو على حد ما يكون من المشركين إذا أصابهم ~~الشدة. فتوقف في كونهم مؤمنين. # وسئل قتادة عن أهل الجنة، أهم من أهل الجنة أم من أهل النار؟. # قال: لقد كلفتني تعبا. # والأكثرون يقولون: إنهم تابوا وأخلصوا. حكاه القشيري. # قوله: { كذلك العذاب }. مبتدأ وخيره مقدم، أي: مثل ذلك العذاب ~~عذاب الدنيا وأما عذاب الآخرة فأكبر منه { لو كانوا يعلمون }. # قال ابن زيد: " كذلك العذاب " أي: عذاب الدنيا ms8668 وهلاك الأموال. # وقيل: هذا وعظ لأهل مكة بالرجوع إلى الله لما ابتلاهم بالجدب لدعاء ~~النبي صلى الله عليه وسلم أي: كفعلنا بهم نفعل بمن تعدى حدودنا في الدنيا ~~{ ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون }. # قال ابن عباس: هذا مثل لأهل مكة حين خرجوا إلى بدر، وحلفوا ليقتلن ~~محمدا، وأصحابه، وليرجعوا إلى أهل مكة، حتى يطوفوا بالبيت، ويشربوا ~~الخمر، وتضرب القيان على رءوسهم، فأخلف الله ظنهم، وقتلوا وأسروا ~~وانهزموا كأهل هذه الجنة لما خرجوا عازمين على الصرم، فخابوا. # فصل في العبرة من هذه الآية بضرب المثل # قال ابن الخطيب: قوله تعالى # أن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال ~~أساطير الأولين # [القلم: 14 - 15]، والمعنى: لأجل أن أعطاه الله المال والبنين كفر ~~بالله، كلا، بل الله تعالى إنما أعطاه ذلك للابتلاء، فإذا صرفه إلى الكفر ~~دمر الله عليه، بدليل أن أصحاب الجنة لما أتوا بهذه المعصية اليسيرة ~~دمر الله جنتهم، فكيف حال من عاند الرسول صلى الله عليه وسلم، وأصر على ~~الكفر والمعصية. # فصل في بيان هل كان الحق واجبا عليهم أم لا؟ # قيل: إن الحق الذي منعه أهل الجنة المساكين كان واجبا عليهم، ويحتمل ~~أنه كان تطوعا، والأول أظهر. # وقيل: السورة مكية، فبعد حمل الآية على ما أصاب أهل مكة من القحط، وعلى ~~قتال بدر. ### || [68.34-41] # قوله: { إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم } ~~، أي: جنات ليس فيها إلا النعيم الخالص لا يشوبه ما ينغصه كما يشوب ~~جنات الدنيا. # قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية، قال كفار مكة للمسلمين: إن الله ~~تعالى فضلنا عليكم في الدنيا فلا بد وأن يفضلنا عليكم في الآخرة، ~~فإن لم يحصل التفضيل، فلا أقل من المساواة. فأجاب الله عن هذا الكلام ~~بقوله: { أفنجعل المسلمين كالمجرمين } ، أي: إن ~~التسوية بين المطيع والعاصي غير جائزة ثم وبخهم فقال: { ما لكم ~~كيف تحكمون } هذا الحكم الأعوج كأن أمر الجزاء مفوض إليكم حتى ~~تحكموا فيه. # قوله: " عند ربهم ". يجوز أن يكون منصوبا بالاستقرار، وأن يكون ~~حالا من " جنات ". # فصل ms8669 في رد كلام القاضي # قال القاضي: في الآية دليل واضح على أن وصف الإنسان بأنه مسلم ومجرم ~~كالمتنافي، والفاسق لما كان مجرما، وجب أن لا يكون مسلما. # وأجيب بأنه تعالى أنكر جعل المسلم مثلا للمجرم، ولا شك أنه ليس المراد ~~إنكار المماثلة في جميع الأمور، فإنهما متماثلان في الجوهرية، والجسمية، ~~والحدوث، والحيوانية، وغيرها من الأمور الكثيرة، بل المراد: إنكار ~~استوائهما في الإسلام والجرم، أو في آثار هذين الأمرين، فالمراد: أن ~~يكون إنكار أثر الإسلام مساويا لأثر جرم المجرم عند الله، وهذا لا نزاع ~~فيه، فمن أين يدل على أن الشخص الواحد يمتنع فيه كونه مسلما ومجرما؟. # فصل في رد كلام الجبائي # قال الجبائي: دلت الآية على أن المجرم لا يكون ألبتة في الجنة؛ لأنه ~~تعالى أنكر حصول التسوية بينهما في الثواب، بل لعله يكون ثواب المجرم ~~أزيد من ثواب المسلم، إذا كان المجرم أطول عمرا من المسلم، وكانت طاعته ~~غير محبطة. والجواب: هذا ضعيف، لأنا بينا التسوية في درجة الثواب، ~~ولعلهما لا يستويان فيه بل يكون ثواب المسلم الذي لم يعص أكثر من ثواب ~~من عصى، على أنا نقول: لم لا يجوز أن يكون المراد من المجرمين هم الكفار ~~الذين حكى الله عنهم هذه الواقعة، لأن حمل الجمع المحلى بالألف واللام ~~على المعهود السابق مشهور في اللغة والعرف. # قوله: { أم لكم كتاب }. أي: ألكم كتاب تجدون فيه المطيع ~~كالعاصي. وهذا كقوله # أم لكم سلطان مبين فأتوا بكتابكم # [الصافات: 156 - 157]. # قوله: { إن لكم فيه }. # العامة على كسر الهمزة، وفيها ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها معمولة ل " تدرسون " ، أي: تدرسون في الكتاب أن لكم ~~ما تحتاجونه، فلما دخلت اللام كسرت الهمزة، كقولك: علمت أنك عاقل - ~~بالفتح - وعلمت إنك لعاقل - بالكسر -. # والثاني: أن تكون على الحكاية للمدروس كما هو، كقوله: # وتركنا عليه في الآخرين سلام على نوح في ~~العالمين # [الصافات: 78، 79]، قالهما الزمخشري. # وفي الفرق بين الوجهين عسر، قال: " وتخير الشيء واختاره، أخذ خيره، ~~كتنخله وانتخله، أخذ منخوله ". # الثالث: أنها على الاستئناف على معنى " إن ms8670 كان لكم كتاب فلكم ~~متخير ". # قال القرطبي: تم الكلام عند قوله " تدرسون " ثم ابتدأ فقال: { إن ~~لكم فيه لما تخيرون } أي: إن لكم في هذا الكتاب إذن ما ~~تخيرون، أي: ليس لكم ذلك، والكناية في " فيه " الأولى والثانية راجعة ~~إلى الكتاب. # وقرأ طلحة والضحاك: " أن لكم " بفتح الهمزة. وهو منصوب ب " ~~تدرسون " إلا أن فيه زيادة لام التأكيد، وهي نظير قراءة # إلا إنهم ليأكلون الطعام # [الفرقان: 20] بالفتح. # وقرأ الأعرج وابن هرمز: " أإن لكم " في الموضعين، يعني " أإن ~~لكم فيه لما تخيرون " " أإن لكم لما تحكمون " ~~بالاستفهام فيهما جميعا. # ثم إنه تعالى زاد في التوبيخ فقال: { أم لكم أيمان } ، أي: ~~عهود ومواثيق { علينا بالغة } مؤكدة والبالغة المؤكدة بالله ~~تعالى، أي: أم لكم عهود على الله تعالى استوثقتم بها في أن يدخلكم الجنة. # قال ابن الخطيب: والمعنى: أم ضمنا لكم، وأقسمنا لكم بأيمان مغلطة ~~متناهية في التوكيد. # قوله: " بالغة ". # العامة على رفعها نعتا ل " أيمان " و { إلى يوم القيامة ~~} متعلق بما تعلق به " لكم " زمن الاستقرار أي كائنة لكم إلى يوم، أو ~~" ببالغة " ، أي: تبلغ إلى ذلك اليوم، وتنتهي إليه. # وقرأ زيد بن علي والحسن: بنصبها. # فقيل: على الحال من " أيمان " لأنها تخصصت بالعمل، أو بالوصف. # وقال القرطبي: " على الحال من الضمير في " لكم " لأنه خبر عن " ~~أيمان " ففيه ضمير منه، وإما من الضمير في " علينا " إن قدرت " علينا ~~" وصفا للأيمان لا متعلقا بنفس الأيمان؛ لأن فيه ضميرا منه كما يكون ~~إذا كان خبرا عنه. # وقيل: من الضمير في " علينا إن قدرت علينا " وصفا للأيمان ". # وقوله: { إن لكم لما تحكمون }. أي: لأنفسكم من الخير ~~والكرامة. # قوله: { إن لكم لما تحكمون } ، جواب القسم في قوله: " ~~أيمان " لأنها بمعنى أقسام. # قوله: { سلهم أيهم بذلك زعيم }. أي: سل - يا محمد - ~~هؤلاء المتقولين علي: أيهم كفيل بما تقدم ذكره، والزعيم: الكفيل ~~والضمين، قاله ابن عباس وقتادة، لقوله تعالى: # وأنا به زعيم # [يوسف: 72]. # وقال ابن كيسان: الزعيم هنا: القائم بالحجة والدعوى. # وقال الحسن: الزعيم: الرسول. # قوله: " أيهم ms8671 " متعلق ب " سلهم " و " بذلك " متعلق ب " زعيم " ~~، أي: ضمين وكفيل وقد تقدم أن " سأل " تعلق لكونه سببا في العلم، ~~وأصله أن يتعدى ب " عن " ، أو الباء كقوله: # فاسأل به خبيرا # [الفرقان: 59]، وقوله: [الطويل] # 4830 - فإن تسألوني بالنساء... # ............................. # والجملة في موضع نصب بعد إسقاط الخافض كما تقدم تقريره. # قوله: { أم لهم شركآء }. هذه قراءة العامة. # وقرأ عبد الله: { أم لهم شرك فليأتوا بشركهم } بلفظ المصدر. # قال القرطبي: { أم لهم شركآء } ، أي: ألهم، والميم صلة، ~~ومعنى: شركاء، أي: شهداء { فليأتوا بشركآئهم } يشهدون على ~~ما زعموا { إن كانوا صادقين } في دعواهم. # وقيل: فليأتوا بشركائهم إن أمكنهم، فهو أمر تعجيز. # وقال ابن الخطيب: " في تفسيره وجهان: # الأول: أن المعنى أم لهم أشياء يعتقدون أنها شركاء لله ويعتقدون أن ~~أولئك شركاء يجعلونهم في الآخرة مثل المؤمنين في الثواب، والخلاص من ~~العقاب، وإنما إضاف الشركاء إليهم؛ لأنهم جعلوها شركاء لله، كقوله: # هل من شركآئكم من يفعل من ذلكم من شيء # [الروم: 40]. # الثاني: أم لهم أناس يشاركونهم في هذا المذهب، وهو التسوية بين ~~المسلمين والمجرمين فليأتوا بهم إن كانوا صادقين في دعواهم، والمراد ~~بيان أنه كما ليس لهم دليل عقلي، ولا دليل من كتاب يدرسونه، فليس لهم من ~~يوافقهم من العقلاء على هذا القول، فدل ذلك على بطلانه ". ### || [68.42-47] # ثم إنه تعالى لما أبطل قولهم شرح بعده عظمة يوم القيامة، وهو قوله: # { يوم يكشف عن ساق } " يوم " منصوب بقوله " فليأتوا " ~~أي: فليأتوا بشركائهم يوم يكشف عن ساق ليشفع الشركاء لهم وحينئذ لا يوقف ~~على " صادقين ". # أو بإضمار " اذكر " فيكون مفعولا به، أو بمحذوف وهو ظرف، أي: يوم ~~يكشف يكون كيت وكيت. أو ب " خاشعة ". قاله أبو البقاء. # و " عن ساق " قائم مقام الفاعل. # وقرأ ابن مسعود وابن أبي عبلة: " تكشف " بالتاء من فوق مبنيا للفاعل، ~~أي: الشدة والساعة. وعنه أيضا كذلك: مبنيا للمفعول. # وهي مشكلة، لأن التأنيث لا معنى له هاهنا إلا أن يقال: إن المفعول ~~مستتر، أي: تكشف هي، أي: الشدة، ويتعلق " عن ساق " بمحذوف، ms8672 أي: تكشف ~~عن ساقها. # ولذلك قال الزمخشري: " وتكشف " بالتاء مبنيا للفاعل والمفعول جميعا، ~~والفعل للساعة، أو الحال: أي يشتد الحال، أو الساعة. # وقرىء: " ويكشف " - بضم التاء أو الياء وكسر الشين - من " أكشف " إذا ~~دخل في الكشف، وأكشف الرجل إذا انقلبت شفته العليا لانكشاف ما تحتها. ~~ويقال له أيضا: أخلع وكشف الساق كناية عن الشدة. # قال الراجز: [الرجز] # 4831 - عجبت من نفسي ومن إشفاقها # ومن طرادي الطير عن أرزاقها # في سنة قد كشفت عن ساقها # حمراء بري اللحم عن عراقها # وقال حاتم الطائي: [الطويل] # 4832 - أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها # وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا # وقال الآخر: [مجزوء الكامل] # 4833 - كشفت لهم عن ساقها # وبدا من الشر البواح # وقال الراجز: [الرجز] # 4834 أ - قد شمرت عن ساقها فشدوا # وجدت الحرب بكم فجدوا # وقال الآخر: [السريع، أو الرجز] # 4834 ب - صبرا أمام إنه شر باق # وقامت الحرب بنا على ساق # قال الزمخشري: الكشف عن الساق والإبداء عن الخدام مثل في شدة الأمر ~~وصعوبة الخطب، وأصله في الروع والهزيمة وتشمير المخدرات عن سوقهن في ~~الهرب وإبداء خدامهن عند ذلك؛ قال حاتم: # 4835أ - أخو الحرب......... # .............................. # وقال ابن قيس الرقيات: [الخفيف] # 4835 ب - تذهل الشيخ عن بنيه وتبدي # عن خدام العقيلة العذراء # انتهى. # فصل في " الساق " # قال ابن عباس في قوله تعالى: { يوم يكشف عن ساق } ، قال: كرب ~~وشدة. # وعن مجاهد: شدة الأمر وحده. # وروى مجاهد عن ابن عباس قال: أشد ساعة في القيامة. # وقال أبو عبيدة: إذا اشتد الأمر، أو الحرب قيل كشف الأمر عن ساقه. # والأصل فيه: أن من وقع في شيء يحتاج فيه إلى الجد، شمر عن ساقه، فاستعير ~~الساق والكشف عنها في موضع الشدة. # وقيل: ساق الشيء: أصله الذي به قوامه كساق الشجرة، وساق الإنسان، أي: ~~يوم يكشف عن أصل الأمر، فتظهر حقائق الأمور، وأصلها. # وقيل: يكشف عن ساق جهنم. # وقيل: عن ساق العرش. # وقيل: يريد وقت اقتراب الأجل وضعف البدن، أي: يكشف المريض عن ساقه ليبصر ~~ضعفه، ms8673 ويدعوه المؤذنون إلى الصلاة، فلا يمكنه أن يقوم، ويخرج. # فصل في تأويل " الساق " # قال القرطبي: فأما ما روي الله تعالى يكشف عن ساقه، فإنه - عز وجل - ~~يتعالى عن الأعضاء، والأبعاض، وأن ينكشف، ويتغطى، ومعناه أن يكشف عن ~~العظيم من أمره وقيل: " يكشف عن نوره عز وجل ". # ؟؟؟وروى أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى { عن ~~ساق } قال: يكشف عن نور عظيم يخرون له سجدا. # وروى أبو بردة عن أبي موسى قال: حدثني أبي قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # " إذا كان يوم القيامة مثل لكل قوم ما كانوا ~~يعبدون في الدنيا فيذهب كل قوم إلى ما كانوا ~~يعبدون ويبقى أهل التوحيد، فيقال لهم: ما تنتظرون، وقد ~~ذهب الناس، فيقولون: لنا رب كنا نعبده في الدنيا، ~~ولم نره، قال: وتعرفونه إذا رأيتموه؟ فيقولون: نعم، ~~فيقال لهم: فكيف تعرفونه، ولم تروه؟ قالوا: إنه لا شبيه ~~له، فيكشف لهم الحجاب، فينظرون إلى الله تعالى، فيخرون ~~له سجدا، ويبقى أقوام ظهورهم كصياصي البقر، فينظرون ~~إلى الله تعالى فيريدون السجود، فلا يستطيعون، فذلك قوله ~~تعالى: { يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا ~~يستطيعون } فيقول الله تعالى: عبادي ارفعوا رءوسكم، فقد جعلت بدل ~~كل رجل منكم رجلا من اليهود والنصارى في النار " # قال أبو بردة: فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز فقال: الله الذي لا ~~إله إلا هو لقد حدثك أبوك بهذا الحديث؟ فحلف له ثلاثة أيمان، فقال عمر: ~~سمعت في أهل التوحيد حديثا هو أحب إلي من هذا. # قوله { خاشعة }. حال من مرفوع " يدعون " و " أبصارهم " فاعل ~~به، ونسب الخشوع للأبصار وإن كانت الأعضاء كلها كذلك لظهور أثره فيها. # وقوله: " وهم سالمون ". حال من مرفوع " يدعون " الثانية. # ومعنى { خاشعة أبصارهم } ، أي: متواضعة " ترهقهم ذلة ~~" وذلك أن المؤمنين يرفعون رءوسهم، ووجوههم أشد بياضا من الثلج، وتسود ~~وجوه الكافرين والمنافقين حتى ترجع أشد سوادا من القار. # فصل في تقرير كلام أهل اللغة في الساق # قال ابن الخطيب بعد ms8674 أن حكى أقوال أهل اللغة في الكشف عن الساق: واعلم ~~أن هذا اعتراف من أهل اللغة بأن استعماله في الشدة مجاز، وأجمع العلماء ~~على أنه لا يجوز صرف الكلام إلى المجاز إلا بعد تعذر حمله على الحقيقة، ~~فإذا أقمنا الدلائل القاطعة على أنه تعالى يستحيل أن يكون جسما، فيجب ~~حينئذ صرف هذا اللفظ إلى المجاز. # واعلم أن صاحب الكشاف أورد هذا التأويل في معرض آخر، فقال: الكشف عن ~~الساق مثل في شدة الأمر، فمعنى { يوم يكشف عن ساق } يوم ~~يشتد، ويتعاظم، ولا كشف ثم ولا ساق، كما تقول: الشحيح يده مغلولة، ولا ~~يد ثم، ولا غل، وإنما هو مثل في البخل، ثم أخذ يعظم علم البيان ~~ويقول: لولاه ما وقفنا على هذه الأسرار، وأقول: إما أن يدعي أنه يجوز ~~صرف اللفظ عن ظاهره بغير دليل، أو تقول: لا يجوز ذلك إلا بعد امتناع حمله ~~على الحقيقة، والأول باطل بالإجماع، ولأنا إن جوزنا ذلك انفتحت أبواب ~~تأويلات الفلاسفة في أمر المعاد، فإنهم يقولون في قوله: # جنات تجري من تحتها الأنهار # [الحج: 23] ليس هناك أنهار ولا أشجار، وإنما هو مثل للذة والسعادة ~~ويقولون في قوله تعالى: # اركعوا واسجدوا # [الحج: 77] وليس هناك ركوع ولا سجود وإنما هو مثل للتعظيم، ومعلوم أن ~~ذلك يفضي إلى رفع الشرائع، وفساد الدين، وأما من قال: إنه لا يصار إلى ~~التأويل، إلا عند قيام الدليل على أنه لا يجوز حمله على ظاهره، فهذا قول ~~كل أحد من المتكلمين، فأين الدقائق التي استند هو بمعرفتها والاطلاع ~~عليها بواسطة علم البيان، ثم إن قال بعد أن حكى القول بأن المراد بالساق ~~جهنم، أو ساق العرش، أو ساق ملك عظيم إن اللفظ لا يدل إلا على ساق، وأما ~~أي شيء هو فليس في اللفظ ما يدل عليه، ثم ذكر حديث ابن مسعود عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم # " أنه تعالى يتمثل للخلق يوم القيامة حين يمر ~~المسلمون فيقول: من تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله ~~فيشهدهم مرتين، أو ثلاثا، ثم يقول: هل تعرفون ms8675 ~~ربكم؟ فيقولون: لو عرفنا نفسه عرفناه، فعند ذلك ~~يكشف عن ساق فلا يبقى مؤمن إلا خر لله ساجدا، ~~ويبقى المنافقون ظهورهم كالطبق الواحد، كأنما فيها ~~السفافيد ". # قال: واعلم أن هذا القول باطل لوجوه: # أحدها: أن الدلائل دلت على أن كل جسم متناهي وكل متناه محدث، وأن كل ~~جسم ممكن وكل ممكن محدث. # وثانيها: أنه لو كان المراد ذلك لكان من حق الساق أن يعرف أنها ساق ~~مخصوصة معهودة عنده، وهي ساق الرحمن، أما إذا أجملت ففائدة التنكير: ~~الدلالة على التعظيم، كأنه قال: يوم يكشف عن شدة، وأي شدة لا يمكن وصفها. # وثالثها: أن التعريف لا يحصل بالكشف عن الساق، وإنما يحصل بكشف الوجه، ~~ثم حكى قول أبي مسلم: بأنه لا يمكن حمله على يوم القيامة؛ لأنه تعالى قال ~~في وصفه: { ويدعون إلى السجود } ويوم القيامة ليس فيها ~~تعبد، ولا تكليف، بل المراد منه إما آخر أيام الرجل في دنياه، كقوله ~~تعالى: # يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ ~~للمجرمين # [الفرقان: 22]، وقوله: # يوم يأتي بعض آيات ربك # [الأنعام: 158] الآية لأنه الوقت الذي لا تنفع نفسا إيمانها، وإما حال ~~المرض والهرم والعجز، ثم إنه يرى الناس يدعون إلى الصلاة إذا حضرت ~~أوقاتها، وهو لا يستطيع الصلاة { وقد كانوا يدعون إلى ~~السجود وهم سالمون } مما بهم الآن من الشدة النازلة بهم من ~~هول ما عاينوا عند الموت، أو من العجز والهرم، ونظير هذه الآية # فلولا إذا بلغت الحلقوم # [الواقعة: 83]. ثم قال: واعلم أنه لا نزاع في أنه يمكن حمل اللفظ على ما ~~قال أبو مسلم، ثم قال: فأما قوله: " إنه لا يمكن حمله على يوم القيامة ~~بسبب أن الأمر بالسجود حاصل في الدنيا والتكاليف زائلة يوم القيامة ". # فجوابه: أن ذلك لا يكون على سبيل التكليف بل على سبيل التقريع والتخجيل ~~فلم قلت: إن ذلك غير جائز. # قوله { وقد كانوا يدعون إلى السجود } في الدنيا { ~~وهم سالمون } معافون أصحاء. # قال إبراهيم التيمي: أي: يدعون بالأذان، والإقامة، فيأبون. # وقال سعيد بن جبير: كانوا يسمعون حي على ms8676 الفلاح، فلا يجيبون، وهم ~~سالمون أصحاء. # وقال كعب الأحبار: والله ما نزلت هذه الآية إلا في الذين يتخلفون عن ~~الجماعات. # وقيل: أي: بالتكليف الموجه عليهم في الشرع. # قوله: { فذرني ومن يكذب بهذا الحديث } ، أي: فدعني ~~والمكذبين بالقرآن وخل بيني وبينهم. # وقال الزجاج: لا تشغل بالك به كله إلي، فإني أكفيك أمره. # و " من " منصوب إما نسقا على ضمير المتكلم، أو مفعول معه، وهو مرجوح؛ ~~لإمكان النسق من غير ضعف، وتقدم إعراب ما بعده. # فصل في مناسبة الآية لما قبلها # لما خوف الكفار بعظمة يوم القيامة زاد في التخويف مما عنده، وفي قدرته ~~من القهر، يقال: ذرني وإياه أي كله إلي، فأنا أكفيكه. # قال السدي: والمراد بالحديث القرآن. # وقيل: يوم القيامة، وهذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم. # قوله: { سنستدرجهم من حيث لا يعلمون } ، أي: ~~سنأخذهم على غفلة، وهم لا يعرفون، فعذبوا يوم بدر. # وقال سفيان الثوري: نسبغ عليهم النعم، وننسيهم الشكر. # وقال الحسن: كم مستدرج بالإحسان إليه، وكم مفتون بالثناء عليه، وكم ~~مغرور بالستر عليه. # وقال أبو روق: كلما أحدثوا الخطيئة جددنا لهم نعمة، وأنسيناهم ~~الاستغفار. # قال ابن عباس: سنمكر بهم، وروي أن رجلا من بني إسرائيل قال: يا رب، ~~كم أعصيك وأنت لا تعاقبني، فأوحى الله إلى نبي زمانهم أن قل له: ~~كم من عقوبة لي عليك وأنت لا تشعر أن جمود عينك، ~~وقساوة قلبك استدراج مني، وعقوبة لو عقلت. # والاستدراج: ترك المعالجة، وأصله النقل من حال إلى حال كالتدريج. # ومنه قيل: درجات، وهي منزلة واستدرج فلان فلانا، أي: استخرج ما عنده ~~قليلا قليلا، ويقال: درجه إلى كذا، واستدرجه بمعنى أدناه على التدريج، ~~فتدرج. # ومعنى الآية: إنا لما أنعمنا عليهم اعتقدوا أن ذلك الإنعام تفضيل لهم ~~على المؤمنين، وهو في الحقيقة يسبب هلاكهم. # قوله: { وأملي لهم } أي: أمهلهم، وأطيل لهم المدة، كقوله # إنما نملي لهم ليزدادوا إثما # [آل عمران: 178] والملاوة: المدة من الدهر، وأملى الله له، أي: أطال له، ~~والملوان: الليل والنهار. # وقيل: { وأملي لهم } ، أي: لا أعاجلهم بالموت، ms8677 والمعنى واحد، ~~والملا مقصور: الأرض الواسعة سميت بها لامتدادها { إن كيدي ~~متين } أي: إن عذابي لقوي شديد؛ فلا يفوتني أحد، وسمى إحسانه كيدا ~~كما سماه استدراجا في صورة الكيد ووصفه بالمتانة لقوة أثر استحسانه في ~~السبب للهلاك. # فصل في إرادة الكائنات # قال ابن الخطيب: تمسك الأصحاب بهذه الآية في مسألة إرادة الكائنات، لأن ~~هذا الاستدراج والكيد إن لم يكن لهما أثر في الطغيان، فليسا بكيد، ولا ~~استدراج، وإن كان لهما أثر فيه لزم أن يكون الحق سبحانه مريدا له، لأن ~~من فعل شيئا لحصول شيء وأكده وقواه لا بد وأن يكون مريدا لحصول ذلك ~~الشيء. # أجاب الكعبي: بأن المراد استدراجهم إلى الموت، أي: يخفى عنهم زمن ~~الموت من حيث لا يعلمون، وهو مقتضى الحكمة، وإلا لكان فيه إغراء ~~بالمعاصي، لأنهم لو عرفوا الوقت الذي يموتون فيه أقدموا على المعاصي، ثم ~~صاروا مفتنين. # وأجاب الجبائي: بأن معنى قوله: { سنستدرجهم } أي: إلى العذاب ~~{ من حيث لا يعلمون } في الآخرة، { وأملي لهم } في ~~الدنيا توكيدا للحجة عليهم { إن كيدي متين } فأمهله، وأزيح ~~الأعذار عنه # ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن ~~بينة # [الأنفال: 42]، ويدل على هذا قوله قبل ذلك: { فذرني ومن يكذب ~~بهذا الحديث } ولا شك أن هذا التهديد إنما هو بعذاب الآخرة، ~~فوجب أن يكون الاستدراج والكيد المذكور عقيبه هو عذاب الآخرة وأجاب ~~الأصحاب: أن هنا الإمهال إذا كان مؤديا إلى الطغيان كان الراضي بالإمهال ~~العالم بتأديه إلى الطغيان لا بد وأن يكون راضيا بذلك الطغيان. # قوله: { أم تسألهم أجرا }. عاد الكلام إلى ما تقدم من قوله ~~تعالى: { أم لهم شركآء } أي: أم تلتمس منهم ثوابا على ما ~~تدعوهم إليه من الإيمان بالله، والمغرم: الغرامة فهم من غرامة ذلك ~~مثقلون، أي: يثقل حمل الغرامات عليهم في بذل المال، فيثبطهم ذلك عن ~~الإيمان. # والمعنى: ليس عليهم كلفة في متابعتك، بل يستولون بالإيمان على خزائن ~~الأرض ويصلون إلى جنات النعيم. # قوله: { أم عندهم الغيب } ، أي: علم ما غاب عنهم { فهم ~~يكتبون }. # وقيل: ms8678 أينزل عليهم الوحي بهذا الذي يقولون، وعن ابن عباس: الغيب هنا هو ~~اللوح المحفوظ، فهم يكتبون منه ثواب ما هم عليه من الكفر، ويخاصمونك ~~به، ويكتبون أنهم أفضل، وأنهم لا يعاقبون. # وقيل: " يكتبون " أي: يحكمون ما يريدون، وهذا استفهام على سبيل ~~الإنكار. ### || [68.48-52] # قوله { فاصبر لحكم ربك } أي: لقضاء ربك، والحكم هنا ~~القضاء. # وقيل: اصبر على ما حكم به عليك ربك من تبليغ الرسالة. # وقال ابن بحر: فاصبر لنصر ربك. # وقيل: منسوخ بآية السيف { ولا تكن كصاحب الحوت } يعني يونس - ~~عليه السلام - أي: لا تكن مثله في الغضب، والضجر، والعجلة. # وقال قتادة: إن الله تعالى يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم ويأمره بالصبر، ~~ولا يعجل كما عجل يونس - عليه الصلاة والسلام -. وقد مضى الفرق بين " ذي ~~" و " صاحب " في " يونس ". # قوله: { إذ نادى وهو مكظوم }. # " إذ " منصوب بمضاف محذوف، أي: ولا يكن حالك كحاله، أو قصتك كقصته في ~~وقت ندائه، ويدل على المحذوف أن الذوات لا ينصب عليها النهي على ~~أحوالها، وصفاتها. # وقوله: { وهو مكظوم }. جملة حالية من الضمير في " نادى ". # والمكظوم: الممتلىء حزنا وغيظا، ومنه كظم السقاء إذا ملأه. # قال ذو الرمة: [البسيط] # 4836 - وأنت من حب مي مضمر حزنا # عاني الفؤاد قريح القلب مكظوم # فصل في دعاء يونس # " إذ نادى " ، أي: حين دعا من بطن الحوت، فقال: # لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين # [الأنبياء: 87]. # قال القرطبي: ومعنى { وهو مكظوم } أي: مملوء غما. # وقيل: كربا، فالأول قول ابن عباس ومجاهد، والثاني: قول عطاء وأبي مالك، ~~قال الماوردي: والفرق بينهما أن الغم في القلب، والكرب في الأنفاس. # وقيل: " مكظوم " محبوس، والكظم: الحبس ومنه قولهم: كظم غيظه، ~~أي: حبس غضبه، قاله ابن بحر. # وقيل: " إنه المأخوذ بكظمه وهو مجرى النفس، قاله المبرد ". # والمعنى: لا يوجد منك ما وجد منه من الضجر، والمغاضبة، فتبتلى ببلائه. # قوله: { لولا أن تداركه }. # قال ابن الخطيب: لم لم يقل: تداركته نعمة؟ وأجاب: بأنه إنما حسن ~~تذكير الفعل لفصل الضمير في " تداركه ". ولأن التأنيث ms8679 غير حقيقي. # وقرأ أبي وعبد الله بن عباس: " تداركته " بتاء التأنيث لأجل ~~اللفظ. # والحسن وابن هرمز والأعمش: " تداركه " - بتشديد الدال -. # وخرجت على الأصل: تتداركه - بتاءين - مضارعا، فأدغم، وهو شاذ؛ لأن ~~الساكن الأول غير حرف لين؛ وهي كقراءة البزي { إذ تلقونه } ~~[النور: 15]، و { نارا تلظى } [الليل: 14]، وهذا على حكاية الحال، ~~لأن المقصد ماضيه، فإيقاع المضارع هنا للحكاية، كأنه قال: لولا أن كان ~~يقال فيه: تتداركه نعمة. # قوله: { نعمة من ربه }. # قال الضحاك: النعمة هنا: النبوة. # وقال ابن جبير: عبادته التي سلفت. # وقال ابن زيد: نداؤه بقوله # لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين # [الأنبياء: 87]. # وقال ابن بحر: إخراجه من بطن الحوت. # وقيل: رحمة من ربه، فرحمه وتاب عليه. # قوله: { لنبذ بالعرآء } ، هذا جواب " لولا " ، أي: لنبذ ~~مذموما لكنه نبذ سقيما غير مذموم. # وقيل: جواب " لولا " مقدر، أي: لولا هذه النعمة لبقي في بطن الحوت. # ومعنى: " مذموم " ، قال ابن عباس: مليم. # وقال بكر بن عبد الله: مذنب. # وقيل: مبعد من كل خير. والعراء: الأرض الواسعة الفضاء التي ليس فيها ~~جبل، ولا شجر يستر. # وقيل: لولا فضل الله عليه لبقي في بطن الحوت إلى يوم القيامة، ثم نبذ ~~بعراء القيامة مذموما، يدل عليه قوله تعالى # فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه ~~إلى يوم يبعثون # [الصافات: 143، 144]. # فصل في عصمة الأنبياء # قال ابن الخطيب: هل يدل قوله " وهو مذموم " على كونه فاعلا للذنب؟ ~~قال: والجواب من ثلاثة أوجه: # الأول: أن كلمة " لولا " دلت على أن هذه المذمومية لم تحصل. # الثاني: لعل المراد من المذمومية ترك الأفضل، فإن حسنات الأبرار ~~سيئات المقربين. # الثالث: لعل هذه الواقعة كانت قبل النبوة، لقوله " فاجتباه ربه " ~~والفاء للتعقيب. # قيل: إن هذه الآية نزلت بأحد حين حل برسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~حل فأراد أن يدعو على الذين انهزموا. # وقيل: حين أراد أن يدعو على ثقيف. # قوله: { فاجتباه ربه } ، أي: فاصطفاه واختاره. { فجعله ~~من الصالحين }. # قال ابن عباس: رد الله إليه الوحي، وشفعه في نفسه، ms8680 وفي قومه، وقبل توبته ~~وجعله من الصالحين بأن أرسله إلى مائة ألف، أو يزيدون. # فصل فيمن قال: إن يونس لم يكن نبيا قبل واقعة الحوت # قال ابن الخطيب: قال قوم: لعل صاحب الحوت ما كان رسولا قبل هذه ~~الواقعة، ثم بعد هذه الواقعة جعله الله رسولا، وهو المراد من قوله { ~~فاجتباه ربه } والذين أنكروا الكرامات والإرهاص لا بد وأن ~~يختاروا هذا القول، لأن الاحتباس في بطن الحوت، وعدم موته هناك لما لم ~~يكن هناك إرهاص، ولا كرامة، فلا بد وأن تكون معجزة، وذلك يقتضي أنه كان ~~رسولا في تلك الحال. # فصل في خلق أفعال العباد # قال ابن الخطيب: احتج الأصحاب على أن فعل العبد خلق الله تعالى بقوله: { ~~فجعله من الصالحين } وهذا يدل على أن الصلاح إنما حصل بجعل ~~الله وخلقه. # قال الجبائي: يحتمل أن يكون معنى " جعله " أنه أخبر بذلك، ويحتمل أن ~~يكون لطف به حتى صلح، إذ الجعل يستعمل في اللغة في هذه المعاني. # والجواب: أن ذلك مجاز، والأصل في الكلام الحقيقة. # قوله: { وإن يكاد الذين كفروا } " إن " المخففة من ~~الثقيلة: " ليزلقونك " ، أي: يغتالونك بأبصارهم، قرأها نافع: بفتح ~~الياء، والباقون: بضمها. # فأما قراءة الجماعة: فمن أزلقه، أي: أزال رجله، فالتعدية بالهمزة من ~~أزلق يزلق. # وأما قراءة نافع، فالتعدية بالحركة، يقال: زلق - بالكسر - وزلقته - ~~بالفتح، ونظيره: شترت عينه - بالكسر - وشترها الله - بالفتح. [وقد تقدم ~~لذلك أخوات]. # وقيل: زلقه وأزلقه - بمعنى واحد - إزلاقا، إذا نحاه وأبعده، وأزلق ~~برأسه يزلقه زلقا، إذا حلقه. # قال القرطبي: " وكذلك أزلقه، وزلقه تزليقا، ورجل زلق وزملق - مثال ~~هدبد - وزمالق وزملق - بتشديد الميم - وهو الذي ينزل قبل أن يجامع، ~~حكاه الجوهري وغيره ". # والباء في " بأبصارهم " إما للتعدية كالداخلة على الآلة، أي: جعلوا ~~أبصارهم كالآلة المزلقة لك ك " عملت بالقدوم " ، وإما للسببية، أي: بسبب ~~عيونهم. # وقرىء: " ليزهقونك " من زهقت نفسه، وأزهقها. # ثم فيه وجوه: # أحدها: أنهم من شدة تحديقهم، ونظرهم إليك شزرا بعيون العداوة، والبغضاء ~~يكادون يزلقون قدمك من قولهم: نظر إلي نظرا يكاد يصرعني ويكاد يأكلني، ms8681 ~~أنشد ابن عباس لما مر بأقوام حددوا النظر فيه: [الكامل] # 4837 - نظروا إلي بأعين محمرة # نظر التيوس إلى شفار الجازر # فصل في المراد بالنظر # أخبر الله تعالى بشدة عداوتهم للنبي صلى الله عليهم وسلم وأرادوا أن ~~يصيبوه بالعين، فنظر إليه قوم من قريش وقالوا: ما رأينا مثله، ولا مثل ~~حججه. # وقيل: كانت العين في بني أسد، حتى إن البقرة السمينة، أو الناقة السمينة ~~تمر بأحدهم فيعاينها ثم يقول: يا جارية، خذي المكتل والدرهم، فأتنا بلحم ~~هذه الناقة فما تبرح حتى تقع الناقة للموت فتنحر. # وقال الكلبي: كان رجل من العرب يمكث لا يأكل شيئا يومين أو ثلاثة ثم ~~يرجع جانب الخباء، فتمر به الإبل والغنم، فيقول: لم أر كاليوم إبلا ولا ~~غنما أحسن من هذه فلا تذهب قليلا حتى تسقط منها طائفة هالكة، فسأل ~~الكفار هذا الرجل أن يصيب لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالعين، فأجابهم، ~~فلما مر النبي صلى الله عليه وسلم أنشد: [الكامل] # 4838 - قد كان قومك يحسبونك سيدا # وإخال أنك سيد معيون # فعصم الله نبيه صلى الله عليه وسلم ونزلت هذه الآية. # وذكر الماوردي: أن العرب كانوا إذا أراد أحدهم أن يصيب أحدا يعني في ~~ماله ونفسه يجوع ثلاثة أيام ثم يتعرض لنفسه وماله، فيقول: بالله ما رأيت ~~أقوى منه، ولا أشجع، ولا أكبر منه، ولا أحسن فيصيبه بعينه فيهلك هو ~~وماله، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية. # قال القشيري: وفي هذا نظر؛ لأن الإصابة بالعين إنما تكون مع ~~الاستحسان والإعجاب لا مع الكراهية والبغض، ولهذا قال: " ويقولون: إنه ~~لمجنون " أي: ينسبونك إلى الجنون إذا رأوك تقرأ القرآن. # قال القرطبي: أقوال المفسرين واللغويين تدل على ما ذكرنا، وأن مرادهم ~~بالنظر إليه قتله، ولا يمنع كراهة الشيء من أن يصاب بالعين عداوة حتى ~~يهلك. # فمعنى الكلمة إذا التنحية والإزالة، وذلك لا يكون في حق النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلا بهلاكه وموته. # قال الهروي: أراد ليغتالونك بعيونهم، فيزيلونك عن مقامك الذي أقامك ~~الله فيه عداوة لك. # وقال ابن ms8682 عباس: ينفذونك بأبصارهم، يقال: زلق السهم، وزهق إذا نفذ، وهو ~~قول مجاهد أي: ينفذونك من شدة نظرهم. # وقال الكلبي: يصرعونك، وعنه أيضا والسدي وسعيد بن جبير: يصرفونك عما ~~أنت عليه من تبليغ الرسالة. # وقال العوفي: يرمونك. # وقال المؤرج: يزيلونك. # وقال النضر بن شميل والأخفش: يفتنونك. # وقال الحسن وابن كيسان: ليقتلونك كما يقال: صرعني بطرفه، وقتلني بعينه. # قوله: { لما سمعوا الذكر } من جعلها ظرفية جعلها منصوبة ب " ~~يزلقونك " ، ومن جعلها حرفا جعل جوابها محذوفا للدلالة، أي: لما ~~سمعوا الذكر كادوا يزلقونك، ومن جوز تقديم الجواب، قال: هو هنا متقدم. # والمراد بالذكر القرآن، ثم قال: { ويقولون إنه لمجنون } ~~وهو على ما افتتح به السورة، ثم قال: " وما هو " يعني: القرآن. # { إلا ذكر للعالمين } أي: الذين يزعمون أنه دلالة جنونه إلا ~~ذكر للعالمين تذكير لهم، وبيان لهم على ما في عقولهم من أدلة التوحيد. # وقال الحسن: دواء إصابة العين أن يقرأ الإنسان هذه الآية. # وقيل: وما محمد إلا ذكر للعالمين يتذكرون به. # وقيل: معناه شرف، أي: القرآن، كقوله: # وإنه لذكر لك ولقومك # [الزخرف: 44] والنبي صلى الله عليه وسلم شرف للعالمين أيضا شرفوا ~~باتباعه والإيمان به. # عن أبي ابن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة القلم أعطاه الله - عز وجل - ثواب ~~الذين حسن الله أخلاقهم ". ### | [69 - سورة الحاقة] ### || [69.1-8] # قوله تعالى: { الحاقة ما الحآقة }. # " الحاقة " مبتدأ، و " ما " مبتدأ ثان، و " الحاقة " خبره، والجملة خبر ~~الأول؛ لأن معناها " ما هي " واللفظ استفهام، ومعناها التفخيم والتعظيم ~~لشأنها. # قال ابن الخطيب: وضع الظاهر موضع المضمر؛ لأنه أهول لها، ومثله # القارعة ما القارعة # [القارعة: 1، 2] وقد تقدم تحرير هذا في " الواقعة ". # و " الحاقة " فيها وجهان: # أحدهما: انه وصف اسم فاعل بمعنى أنها تبدي حقائق الأشياء. # وقيل: إن الأمر يحق فيها فهي من باب " ليل نائم، ونهار صائم " قاله ~~الطبري. # وقيل: سميت حاقة؛ لأنها تكون من غير شك لأنها حقت فلا كاذبة لها. # وقيل: سميت القيامة بذلك؛ لأنها أحقت لأقوام الجنة، وأحقت لأقوام ms8683 ~~النار. # وقيل: من حق الشيء: ثبت فهي ثابتة كائنة. # وقيل: لأنها تحق كل محاق في دين الله أي: تغلبه، من حاققته، فحققته أحقه ~~أي: غلبته. # وفي " الصحاح ": وحاقه، أي: خاصمه، وادعى كل واحد منهما الحق، فإذا ~~غلبه قيل: حقه، ويقال: ما له فيه حق، ولا حقاق أي: خصومة، والتحاق: ~~والتخاصم، والاحتقاق: الاختصام، والحاقة والحق والحقة ثلاث لغات ~~بمعنى. # وقال الكسائي والمؤرج: الحاقة: يوم الحق. # والثاني: أنه مصدر ك " العاقبة " و " العافية ". # قوله " ما الحاقة " في موضع نصب على إسقاط الخافض، لأن " أدرى " ~~بالهمزة يتعدى لاثنين، للأول: بنفسه، والثني: ب " الباء " ، قال تعالى: # ولا أدراكم به # [يونس: 16]، فلما وقعت جملة الاستفهام معلقة لها كانت في موضع المفعول ~~الثاني، ودون الهمزة تتعدى لواحد ب " الباء " نحو: " دريت بكذا " أو ~~يكون بمعنى " علم " فيتعدى لاثنين. # فصل في معنى " ما أدراك ". # معنى " ما أدراك " ، أي شيء أعلمك ما ذاك اليوم، والنبي صلى الله عليه ~~وسلم كان عالما بالقيامة، ولكن لا علم له بكونها وصفتها، فقيل ذلك ~~تفخيما لشأنها، كأنك لست تعلمها، ولم تعاينها. # وقال يحيى بن سلام: بلغني أن كل شيء في القرآن " وما أدراك " فقد ~~أدراه وعلمه، وكل شيء قال: " وما يدريك " فهو مما لم يعلمه. # وقال سفيان بن عيينة: كل شيء قال فيه: " وما أدراك " فإنه أخبر به، ~~وكل شيء قال فيه: " وما يدريك " ، فإنه لم يخبر به. # قوله: { كذبت ثمود وعاد بالقارعة }. # " القارعة " القيامة، سميت بذلك [لأنها] تقرع قلوب العباد بالمخافة. # وقيل: لأنها تقرع الناس بأهوالها يقال: أصابتهم قوارع الدهر، أي: ~~أهواله وشدائده وقوارض لسانه؛ جمع قارضة، وهي الكلمة المؤذية، وقوارع ~~القرآن: الآيات التي يقرؤها الإنسان إذا قرع من الجن والإنس نحو آية " ~~الكرسي " كأنه يقرع الشيطان. # وقال المبرد: القارعة مأخوذة من القرعة من رفع قوم وحط آخرين. # وقوارع القيامة: انشقاق السماء، وانفطارها، والأرض والجبال بالدك ~~والنسف، والنجوم بالطمس والانكدار. # وإنما قال: { كذبت ثمود وعاد بالقارعة } ، ولم يقل: ~~بها ليدل على أن معنى القرع حاصل في الحاقة، فيكون ذلك زيادة على ms8684 ~~وصف شدتها، ولما ذكرها وفخمها أتبع ذلك بذكر من كذب بها، وما حل بهم بسبب ~~التكذيب تذكيرا لأهل " مكة " وتخويفا لهم من عاقبة تكذيبهم. # وقيل: عنى بالقارعة: العذاب الذي نزل بهم في الدنيا، وكان نبيهم ~~يخوفهم بذلك، فيكذبونه وثمود قوم صالح، وكانت منازلهم ب " الحجر " فيما ~~بين " الشام " و " الحجاز ". # قال ابن إسحاق: هو وادي " القرى " ، وكانوا عربا، وأما عاد فقوم هود، ~~وكانت منازلهم ب " الأحقاف " ، و " الأحقاف ": الرمل بين " عمان " إلى " ~~حضرموت " و " اليمن " كله، وكانوا عربا ذوي بسطة في الخلق وقد ~~تقدم ذلك في " الأحقاف ". # قوله: { فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية }. هذه قراءة ~~العامة. # وقرأ زيد بن علي: " فهلكوا " مبنيا للفاعل. # وقوله: " بالطاغية " فيه إضمار أي: بالفعلة الطاغية. # وقال قتادة: بالصيحة الطاغية المتجاوزة للحد، أي: لحد الصيحات ~~من الهول، كما قال: # إنآ أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم ~~المحتظر # [القمر: 31]. # و " الطغيان ": مجاوزة الحد، ومنه # إنا لما طغا المآء حملناكم # [الحاقة: 11]، أي: جاوز الحد. # وقال ابن زيد: بالرجل الطاغية، وهو عاقر الناقة، و " الهاء " فيه ~~للمبالغة على هذه الأوجه صفة. # والمعنى: أهلكوا بما أقدم عليه طاغيهم من عقر الناقة وكان واحدا، وإنما ~~هلك الجميع؛ لأنهم رضوا بفعله، ومالئوه. # وقيل له: طاغية كما يقال: فلان راوية وداهية وعلامة ونسابة. # ويحتمل أن يقال: بسبب الفرقة الطاغية، وهم: التسعة رهط، الذين كانوا ~~يفسدون في الأرض، ولا يصلحون، وأحدهم عاقر الناقة. # وقال الكلبي: " بالطاغية ": بالصاعقة. # وقال مجاهد: بالذنوب. # وقال الحسن: بالطغيان فهي مصدر ك " العاقبة " و " الكاذبة " ، أي: ~~أهلكوا بطغيانهم وكفرهم، وبوضحه: # كذبت ثمود بطغواهآ # [الشمس: 11]. # قال ابن الخطيب: وهذا منقول عن ابن عباس، قال: وقد طعنوا فيه ~~بوجهين: # الأول: قال الزجاج: إنه لما ذكر في الجملة الثانية نوع الشيء الذي وقع ~~به العذاب، وهو قوله تعالى: { بريح صرصر عاتية } وجب أن يكون ~~الحال في الجملة الأولى كذلك حتى تحصل المناسبة. # والثاني: قال القاضي: لو كان المراد ما قالوه لكان من حق الكلام أن ~~يقال: أهلكوا لها ولأجلها. # ف " الباء " للسببية على الأقوال ms8685 إلا على قول قتادة، فإنها فيه ~~للاستعانة ك " عملت بالقدوم ". # قوله: { وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية }. ~~أي: باردة تحرق ببردها كإحراق النار مأخوذ من الصرصر وهو البرد. قاله ~~الضحاك. # وقيل: إنها لشديدة الصوت. # وقال مجاهد: إنها لشديدة السموم، و " عاتية " عتت على خزانها ~~فلم تطعهم، ولم يطيقوها من شدة هبوبها غضبت لغضب الله. # وقال عطاء عن ابن عباس: عتت على عاد فقهرتهم، فلم يقدروا على ردها ~~بحيلة من استناد إلى جبل، بل كانت تنزعهم من مكانهم وتهلكهم. # وروى سفيان الثوري عن موسى بن المسيب عن شهر بن حوشب عن ابن عباس ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما أرسل الله من نسمة من ريح بمكيال ولا قطرة من ماء ~~إلا بمكيال إلا يوم عاد ويوم قوم نوح فإن الماء يوم ~~قوم نوح طغى على الخزان فلم يكن لهم عليه سبيل " # ، [ { إنا لما طغا المآء حملناكم في الجارية } ~~الآية والرياح لما كان يوم عاد غشت على الخزائن ولم يكن ~~لهم عليها سبيل]، ثم قرأ: { بريح صرصر عاتية }. # وقيل: إن هذا ليس من العتو الذي هو عصيان، إنما هو بلوغ الشيء ~~وانتهاؤه، ومنه قولهم: عتا النبت، أي: بلغ منتهاه وجف، قال تعالى: # وقد بلغت من الكبر عتيا # [مريم: 8]، أي: بالغة منتهاها في القوة والشدة. # قوله: { سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام } ~~، أي: أرسلها وسلطها عليهم، والتسخير استعمال الشيء بالاقتدار. # وقال الزجاج: أقامها عليهم. # والجملة من قوله: " سخرها " يجوز أن تكون صفة ل " ريح " ، وأن تكون ~~حالا منها لتخصيصها بالصفة، أو من الضمير في " عاتية " ، وأن تكون ~~مستأنفة. # قال ابن الخطيب: وعندي أن فيه لطيفة، وذلك أن في الناس من قال: إن ~~تلك الرياح إنما اشتدت؛ لاتصال فلكي نجومي اقتضى ذلك، فقوله: " سخرها ~~" فيه إشارة إلى نفي ذلك المذهب، وأن ذلك إنما حصل بتقدير الله وقدرته، ~~فإنه لولا هذه الدقيقة لما حصل منه التخويف، والتحذير عن العقاب. # وقوله: { سبع ليال وثمانية أيام } الفائدة فيه أنه - ~~تعالى - لو لم يذكر ذلك ms8686 لما كان مقدار زمان ذلك العذاب معلوما، فلما ~~قال: { سبع ليال وثمانية أيام حسوما } احتمل أن يكون ~~متفرقا في هذه المدة، فأزال هذا الظن بقوله: " حسوما " أي: ~~متتابعة متوالية. # فصل في تعيين الأيام المذكورة في الآية # قال وهب: هي الأيام التي تسميها العرب أيام العجوز، ذات برد ورياح ~~شديدة. # وقيل: سميت عجوزا لأنها في عجز الشتاء. # وقيل: لأن عجوزا من قوم عاد دخلت سربا، فتبعتها الريح فقتلتها في ~~اليوم الثامن من نزول العذاب، وانقطع العذاب. # قوله: " حسوما ". فيه أوجه: # أحدها: أن ينتصب نعتا لما قبلها. # الثاني: أن ينتصب على الحال، أي: ذات حسوم. # وقرأ السدي: " حسوما " - بالفتح - حالا من الريح، أي: سخرها عليهم ~~مستأصلة. # الثالث: أن ينتصب على المصدر بفعل من لفظها، أي: تحسمهم حسوما. # الرابع: أن يكون مفعولا له. # ويتضح ذلك بقول الزمخشري: " الحسوم ": لا يخلو من أن يكون جمع " ~~حاسم " ك " شاهد " و " شهود " ، أو مصدرا " كالشكور " ، " والكفور " ~~، فإن كانت جمعا، فمعنى قوله: " حسوما " أي: نحسات حسمت كل ~~خير، واستأصلت كل بركة، أو متتابعة هبوب الريح ما خفضت ساعة تمثيلا ~~لتتابعها بتتابع فعل الحاسم في إعادة الكي على الداء كرة بعد ~~اخرى حتى ينحسم. # وإن كان مصدرا فإما أن ينتصب بفعله مضمرا، أي: تحسمهم حسوما بمعنى ~~استأصل استئصالا، أو تكون صفة كقولك: ذات حسوم، أو يكون مفعولا له، ~~أي: سخرها عليهم للاستئصال. # قال عبد العزيز بن زرارة الكلابي الشاعر: [الوافر] # 4839 - ففرق بين بينهم زمان # تتابع فيه أعوام حسوم # انتهى. وقال المبرد: الحسوم: الفصل، حسمت الشيء من الشيء ~~فصلته منه. # ومنه الحسام. # قال الشاعر: [المتقارب] # 4840 - فأرسلت ريحا دبورا عقيما # فدارت عليهم فكانت حسوما # وقال الليث: هي الشؤم، يقال: هذه ليالي الحسوم، أي: تحسم الخير عن ~~أهلها: لقوله تعالى: # في أيام نحسات # [فصلت: 16]، وهذان القولان يرجعان إلى القول الأول؛ لأن الفصل قطع ~~وكذلك الشؤم لأنه يقطع الخير. # قال ابن زيد: حسمتهم فلم تبق منهم أحدا، وعنه أيضا: أنها ~~حسمت الليالي والأيام حتى استوفتها؛ لأنها بدأ طلوع الشمس أول ms8687 يوم، ~~وانقطعت غروب الشمس من آخر يوم. # واختلف في أولها: فقال السدي: غداة يوم الأحد. # وقال الربيع بن أنس: غداة يوم الجمعة وقال يحيى بن سلام: غداة يوم ~~الأربعاء، وهو يوم النحس المستمر. # قيل: كان آخر أربعاء في السنة، وآخرها يوم الأربعاء، وهي في " آذار " ~~من أشهر السريانيين، ولها أسماء مشهورة، قال فيها ابن أحمر: [الكامل] # 4841 - كسع الشتاء بسبعة غبر # أيام شهلتنا مع الشهر # فإذا انقضت أيامها ومضت # صن وصنبر مع الوبر # وبآمر وأخيه مؤتمر # ومعلل وبمطفىء الجمر # ذهب الشتاء موليا عجلا # وأتتك واقدة من النجر # وقال آخر: [الكامل] # 4842 - كسي الشتاء بسبعة غبر # بالصن والصنبر والوبر # وبآمر وأخيه مؤتمر # ومجلل وبمطفىء الجمر # قوله: { فترى القوم فيها صرعى } أي: في تلك الليالي ~~والأيام " صرعى " جمع صريع، وهي حال نحو: " قتيل وقتلى، وجريح وجرحى ". # والضمير في " فيها " للأيام والليالي كما تقدم، أو للبيوت أو للريح، ~~والأول أظهر لقربه؛ ولأنه مذكور. # قوله: { كأنهم أعجاز نخل }. أي: أصول نخل، و " كأنهم ~~أعجاز " حال من القوم، أو مستأنفة. # وقرأ أبو نهيك: " أعجز " على وزن " أفعل " نحو: " ضبع وأضبع ". # وقرىء: " نخيل " حكاه الأخفش. # وقد تقدم أن اسم الجنس يذكر ويؤنث، واختير هنا تأنيثه للفواصل، ~~كما اختير تذكيره لها في سورة " القمر ". # وقال أبو الطفيل: أصول نخل خاوية، أي: بالية. # وقيل: خالية الأجواف لا شيء فيها. # قال القرطبي: وقد قال تعالى في سورة " القمر ": # أعجاز نخل منقعر # [القمر: 20] فيحتمل أنهم شبهوا بالنخل التي صرعت من أصلها وهو ~~أخبار عن عظم أجسامهم، ويحتمل أن يكون المراد به الأصول دون الجذوع، أي: ~~أن الريح قطعتهم حتى صاروا كأصول النخل خاوية، أي: أن الريح كانت ~~تدخل أجوافهم فتصرعهم كالنخل الخاوية الجوف. # وقال ابن شجرة: كانت الريح تدخل في أفواههم فتخرج ما في أجوافهم من ~~الحشو من أدبارهم، فصاروا كالنخل الخاوية. # وقال يحيى بن سلام: إنما قال: الخاوية، لأن أبدانهم خوت من أرواحهم مثل ~~النخل الخاوية. # قوله: { فهل ترى لهم من باقية }. # أدغم اللام في التاء أبو عمرو وحده، ms8688 وتقدم في " الملك ". # و " من باقية " مفعوله، و " من " مزيدة، والهاء في " باقية " ~~قيل: للمبالغة، فيكون المراد ب " الباقية ": البقاء، ك " الطاغية " ~~بمعنى الطغيان، أي: من باق. # والأحسن أن يكون صفة لفرقة، أو طائفة، أو نفس، أو بقية ونحو ذلك. # وقيل: فاعلة بمعنى المصدر ك " العافية " و " العاقبة ". # قال المفسرون: والمعنى هل ترى لهم أحدا باقيا. # قال ابن جريج: كانوا سبع ليال وثمانية أيام أحياء في عذاب الله من ~~الريح، فلما أمسوا في اليوم الثامن ماتوا فاحتملتهم الريح، فألقتهم في ~~البحر، فذلك قوله: { فهل ترى لهم من باقية } وقوله: # فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم # [الأحقاف: 25]. ### || [69.9-29] # قوله: { وجآء فرعون ومن قبله }. # قرأ أبو عمرو والكسائي: بكسر القاف، وفتح الباء، أي: ومن هو في جهته، ~~ويؤيده قراءة أبي موسى: " ومن تلقاه ". # وقرأ أبي وعبد الله: " ومن معه ". # والباقون: بالفتح والسكون على أنه ظرف، أي: ومن تقدمه. # والقراءة الأولى اختارها أبو عبيدة، وأبو حاتم اعتبارا بقراءة أبي، ~~وعبد الله. # قوله: { والمؤتفكات بالخاطئة }. # " المؤتفكات ": أهل قرى لوط. # وقراءة العامة: بالألف. # وقرأ الحسن والجحدري: " والمؤتفكة " على التوحيد. # قال قتادة: إنما سميت قرى لوط " مؤتفكات " لأنها ائتفكت بهم، ~~أي: انقلبت. # وذكر الطبري عن محمد بن كعب القرظي قال: خمس قريات: " صبعة، وصعرة ~~وعمرة، ودوما، وسدوم " ، وهي القرية العظمى. # وقوله: " بالخاطئة ". إما أن تكون صفة، أي: بالفعلة، أو الفعلات ~~الخاطئة، وهي المعصية والكفر. # وقال مجاهد: بالخطايا كانوا يفعلونها. # وقال الجرجاني: بالخطأ العظيم، فيكون مصدرا ك " العاقبة " و " ~~الكاذبة ". # قوله: { فعصوا رسول ربهم } إن عاد الضمير إلى فرعون، ومن ~~قبله، فرسول ربهم موسى - عليه الصلاة والسلام -. # وإن كان عائدا إلى أهل المؤتفكات، فرسول ربهم لوط عليه الصلاة ~~والسلام. # قال الواحدي: والوجه أن يقال: المراد بالرسول كلاهما للخبر عن الأمتين ~~بعد ذكرهما بقوله: " فعصوا " فيكون كقوله: # إنا رسول رب العالمين # [الشعراء: 16] # قال القرطبي: وقيل: " رسول " بمعنى رسالة، وقد يعبر عن الرسالة بالرسول، ~~كقوله: [الطويل] # 4843 - لقد كذب الواشون ما بحت عندهم # بسر ولا أرسلتهم برسول # قوله: { فأخذهم أخذة ms8689 رابية } ، أي: عالية زائدة على ~~الأخذات، وعلى عذاب الأمم، يقال: ربا الشيء يربوا إذا زاد، ومنه الربا ~~إذا أخذ في الذهب والفضة أكثر مما أعطي. # والمعنى: أنها كانت زائدة في الشدة على عقوبات سائر الكفار، كما أن ~~أفعالهم كانت زائدة في القبح على أفعال سائر الكفار. # وقيل: إن عقوبة آل فرعون في الدنيا متعلقة بعذاب الآخرة، لقوله: # أغرقوا فأدخلوا نارا # [نوح: 25] وعقوبة الآخرة أشد من عقوبة الدنيا، فتلك العقوبة كأنها ~~كانت تنمو وتربو. ثم ذكر قصة قوم نوح، وهي قوله: # { إنا لما طغا المآء حملناكم في الجارية } ، أي: ~~ارتفع وعلا. # وقال علي رضي الله عنه: طغى على خزانه من الملائكة غضبا لربه، ~~فلم يقدروا على حبسه. # قال المفسرون: زاد على كل شيء خمسة عشر ذراعا. # وقال ابن عباس رضي الله عنه: طغى الماء زمن نوح على خزانه، فكثر ~~عليهم فلم يدروا كم خرج، وليس من الماء قطرة تنزل قبله، ولا بعده إلا ~~بكيل معلوم غير ذلك اليوم، وقد تقدم مرفوعا أول السورة، والمقصود من ~~ذكر قصص هذه الأمم، وذكر ما حل بهم من العذاب، زجر هذه الأمة عن ~~الاقتداء بهم في معصية الرسول، ثم من عليهم بأن جعلهم ذرية من نجا من ~~الغرق بقوله: " حملناكم " أي: حملنا آباءكم، وأنتم في أصلابهم، " في ~~الجارية " أي: في السفن الجارية، والمحمول في الجارية إنما هو ~~نوح وأولاده، وكل من على وجه الأرض من نسل أولئك. # والجارية من أسماء السفينة، ومنه قوله تعالى: # وله الجوار المنشئات في البحر كالأعلام # [الرحمن: 24]، وغلب استعمال الجارية في السفينة؛ كقوله في بعض ~~الألغاز: [البسيط] # 4844 - رأيت جارية في بطن جارية # في بطنها رجل في بطنه جمل # قوله: { لنجعلها لكم تذكرة } ، أي: سفينة نوح - عليه ~~الصلاة والسلام - جعلها الله تذكرة وعظة لهذه الأمة حتى أدركها ~~أوائلهم. في قول قتادة. # قال ابن جريج: كانت ألواحها على الجودي، والمعنى: أبقيت لكم ~~الخشبات حتى تذكروا ما حل بقوم نوح، وأنجى الله أباكم، وكم من سفينة ~~هلكت وصارت ترابا، ولم يبق منها شيء، ms8690 وهذا قول الفراء. # قال ابن الخطيب: وهذا ضعيف، بل الصواب ما قاله الزجاج: أن الضمير في ~~قوله: " لنجعلها " يعود إلى " الواقعة " التي هي معلومة، وإن كانت هنا ~~غير مذكورة، والتقدير: لنجعل نجاة المؤمنين وإغراق الكافرين عظة، ~~وعبرة، ويدل على صحته قوله: { وتعيهآ أذن واعية } فالضمير ~~في قوله: " وتعيها " لا يمكن عوده إلى السفينة، فكذا الضمير الأول. # قوله: " وتعيها " العامة: على كسر العين وتخفيف التاء، وهو مضارع " ~~وعى " منصوب عطفا على " لنجعلها ". # وابن مصرف وأبو عمرو في رواية هارون عنه وقنبل، قال القرطبي: وحميد ~~والأعرج بإسكانها تشبيها له ب " رحم، وشهد " وإن لم يكن منه، ولكن صار ~~في اللفظ بمنزلة الفعل الحلقي العين. # قال ابن الخطيب: وروى عن ابن كثير إسكان العين، جعل حرف المضارعة مع ما ~~بعده بمنزلة واحدة، فحذف وأسكن كما أسكن الحرف المتوسط من " فخذ ~~وكبد وكتف " ، وإنما فعل ذلك؛ لأن حرف المضارعة لا ينفصل من الفعل، ~~فأشبه ما هو من نفس الكلمة، وصار كقول من قال: وهو وهي، ومثل ذلك # ويتقه # [النور: 52] في قراءة من سكن القاف. # وروي عن حمزة: إخفاء الكسرة. # وروي عن عاصم وحمزة: بتشديد " الياء ". # وهو غلط عليهما، وإنما سمعهما الراوي يثبتان حركة الياء، فظنها شدة. # وقيل: أجريا الوصل مجرى الوقف فضعف الحرف، وهذا لا ينبغي أن يلتفت ~~إليه. # وروي عن حمزة أيضا، وموسى بن عبد الله العبسي: " وتعيها " بسكون " ~~الياء ". # وفيه وجهان: الاستئناف، والعطف على المنصوب، وإنما سكنا " الياء " ~~استثقالا للحركة على حرف العلة، كقراءة: # تطعمون أهليكم # [المائدة: 89]. # فصل في " وعى " # قال الزجاج: يقال: وعيت كذا، أي: حفظته في نفسي، أعيه وعيا ~~ووعيت العلم، ووعيت ما قلته كله بمعنى، وأوعيت المتاع في الوعاء. # قال الزجاج: يقال لكل ما حفظته في غير نفسك: أوعيته - بالألف - ولما ~~حفظته في نفسك: وعيته، بغير ألف. # قال ابن الخطيب: واعلم أن وجه التذكير في هذا أن نجاة قوم من الغرق في ~~السفينة، وتغريق من سواهم يدل على قدرة مدبر العالم، ونفاذ مشيئته، ~~ونهاية حكمته، ورحمته، وشدة قهره. # " روي ms8691 أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عند نزول هذه الآية: " سألت ~~الله أن يجعلها أذنك يا علي " ، قال علي رضي الله عنه: " فما ~~نسيت شيئا بعد ذلك " ". # فإن قيل: لم قال: " أذن واعية " على التوحيد والتنكير؟. # فالجواب: للإيذان بأن الوعاة فيهم قلة، ولتوبيخ الناس بقلة من يعي ~~منهم، والدلالة على أن الأذن الواحدة إذا وعيت وعقلت عن الله، فهي ~~السواد الأعظم عند الله، وأن سواها لا يلتفت إليهم، وإن امتلأ العالم ~~منهم. # ونظير هذه الآية قوله تعالى: # إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب # [ق: 37]. # قال قتادة: الأذن الواعية أذن عقلت عن الله تعالى، وانتفعت بما ~~سمعت من كتاب الله عز وجل. # قوله: { فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة }. # لما حكى هذه القصص الثلاثة ونبه بها على ثبوت القدرة والحكمة للصانع، ~~فحينئذ ثبت بثبوت القدرة إمكان القيامة، ويثبت القدرة إمكان وقوع الحشر، ~~ولما ثبت ذلك شرع سبحانه في تفاصيل أحوال القيامة، فذكر أولا مقدماتها، ~~فقال: { فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة }. # قوله: " واحدة " تأكيد، و " نفخة " مصدر قام مقام الفاعل. # وقال ابن عطية: " لما نعت صح رفعه " انتهى. # ولو لم ينعت لصح رفعه؛ لأنه مصدر مختص لدلالته على الوحدة، والممنوع ~~عند البصريين إنما هو إقامة المبهم، نحو: " ضرب ". # والعامة على الرفع فيهما. # وقرأ أبو السمال: بنصبهما، كأنه أقام الجار مقام الفاعل، فترك ~~المصدر على أصله، ولم يؤنث الفعل وهو: " نفخ "؛ لأن التأنيث مجازي ~~وحسنه الفصل انتهى. # فصل في النفخة الأولى # قال ابن عباس: هي النفخة الأولى لقيام الساعة، فلا يبقى أحد إلا مات. # قال ابن الخطيب: لأن عندها يحصل خراب العالم. # فإن قيل: لم قال بعد ذلك { يومئذ تعرضون } والعرض إنما يكون ~~عند النفخة الثانية؟. # قلت: جعل اليوم اسما للحين الواسع الذي تقع فيه النفختان، والصعقة ~~والنشور، والوقوف، والحساب، فكذلك { يومئذ تعرضون } كقوله: " ~~جئته عام كذا " وإنما كان مجيئك في وقت واحد من أوقاته. # وقيل: إن هذه النفخة هي الأخيرة. # وقال: { نفخة واحدة } ، أي: لا تثنى. # قال الأخفش: ms8692 ووقع الفعل على النفخة، إذ لم يكن قبلها اسم مرفوع، ~~فقيل: نفخة. # قوله: { وحملت الأرض } ، قرأ العامة: بتخفيف " الميم ". # أي: وحملتها الريح، أو الملائكة، أو القدرة، أي: رفعت من أماكنها، " ~~فدكتا " ، أي: فتتا وكسرتا، { دكة واحدة } أي: الأرض ~~والجبال؛ لأن المراد الشيئان المتقدمان، كقوله: # وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا # [الحجرات: 9]. # ولا يجوز في " دكة " إلا النصب؛ لارتفاع الضمير في " دكتا ". # وقال الفراء: لم يقل: " فدككن "؛ لأنه جعل الجبال كلها ~~كالجملة الواحدة [والأرض كالجملة الواحدة] ومثله: # أن السماوات والأرض كانتا رتقا # [الأنبياء: 30]، ولم يقل: " كن ". # وهذا الدك، كالزلزلة لقوله تعالى: # إذا زلزلت الأرض زلزالها # [الزلزلة: 1]. # وإما بريح بلغت من قوة عصفها أنها تحمل الأرض والجبال، أو بملك من ~~الملائكة، أو بقدرة الله، " فدكتا " ، أي: جملة الأرض، وجملة الجبال ~~تضرب بعضها في بعض حتى تندق وتصير # كثيبا مهيلا # [المزمل: 14]، و # هبآء منبثا # [الواقعة: 6]. # والدك أبلغ من الدق وقيل: " دكتا " أي: بسطتا بسطة واحدة، ~~ومنه اندك سنام البعير، إذا انفرش في ظهره. # وقرأ ابن عامر في رواية، والأعمش، وابن أبي عبلة وابن مقسم: " وحملت ~~" - بتشديد الميم -. # فجاز أن يكون التشديد للتكثير، فلم يكسب الفعل مفعولا آخر. # وجاز أن يكون للتعدية فيكسبه مفعولا آخر، فيحتمل أن يكون الثاني ~~محذوفا، والأول هو القائم مقام الفاعل تقديره: وحملت الأرض والجبال ~~ريحا تفتتها، لقوله: # فقل ينسفها ربي نسفا # [طه: 105]. # وقيل: التقدير: حملنا ملائكة، ويحتمل أن يكون الأول هو المحذوف، والثاني ~~هو القائم مقام الفاعل. # قوله: " فيومئذ " منصوب ب " وقعت " ، و " وقعت الواقعة " لا ~~بد فيه من تأويل، وهو أن تكون " الواقعة " صارت علما بالغلبة على ~~القيامة، أو الواقعة العظيمة، وإلا فقام القائم لا يجوز، إذ لا فائدة ~~فيه، وتقدم هذا في قوله: # إذا وقعت الواقعة # [الواقعة: 1] # والتنوين في " يومئذ " للعوض من الجملة، تقديره: يومئذ نفخ في ~~الصور. # فصل في معنى الآية # المعنى قامت القيامة الكبرى { وانشقت السمآء } أي: انصدعت ~~وتفطرت. # وقيل: انشقت لنزول الملائكة بدليل قوله تعالى: # ويوم تشقق السمآء بالغمام ونزل الملائكة ~~تنزيلا # [الفرقان: 25] { فهي يومئذ ms8693 واهية } ، أي: ضعيفة مسترخية ~~ساقطة # كالعهن المنفوش # [القارعة: 5] بعد ما كانت محكمة. # يقال: وهى البناء يهي وهيا، فهو واه إذا ضعف جدا. # ويقال: كلام واه أي: ضعيف. # فقيل: إنها تصير بعد صلابتها بمنزلة الصوف في الوهي، ويكون ذلك ~~لنزول الملائكة. # وقيل: لهول يوم القيامة. # وقال ابن شجرة: " واهية " أي: متخرقة، مأخوذ من قولهم: وهى السقاء، ~~إذا انخرق. # ومن أمثالهم: [الرجز] # 4845 - خل سبيل من وهى سقاؤه # ومن هريق بالفلاة ماؤه # أي: من كان ضعيف العقل لا يحفظ نفسه. # { والملك على أرجآئهآ }. لم يرد به ملكا واحدا، بل ~~المراد الجنس والجمع. " على أرجائها " " الأرجاء " في اللغة: النواحي ~~والأقطار بلغة " هذيل " ، واحدها: " رجا " مقصور وتثنيته " رجوان " ، ~~مثل " عصا، وعصوان " ، قال الشاعر: [الوافر] # 4846 - فلا يرمى بي الرجوان أني # أقل القوم من يغني مكاني # وقال آخر: [الطويل] # 4847 - كأن لم تري قبلي أسيرا مقيدا # ولا رجلا يرمى به الرجوان # و " رجاء " هذا يكتب بالألف عكس " رجا "؛ لأنه من ذوات الواو، ويقال: ~~" رجا " ، ورجوان، والجمع: " الأرجاء " ، ويقال ذلك لحرفي البئر وحرف ~~القبر وما أشبهه. # فصل في تفسير الآية # قاب ابن عباس: على أطرافها حين تنشق. # قال الماوردي: ولعله قول مجاهد وقتادة، وحكاه الثعلبي عن الضحاك، قال: ~~على أطرافها مما لم تنشق منها. # وقال سعيد بن جبير: المعنى والملك على حافات الدنيا، أي: ينزلون إلى ~~الأرض، ويحرسون أطرافها. # وقال: إذا صارت السماء قطعا، تقف الملائكة على تلك القطع التي ليست ~~متشققة في أنفسها. # فإن قيل: الملائكة يموتون في الصعقة الأولى، لقوله تعالى: # فصعق من في السماوات ومن في الأرض # [الزمر: 68] فكيف يقال: إنهم يقفون على أرجاء السماء؟. # فالجواب من وجهين: # الأول: أنهم يقفون لحظة على أرجاء السماء، ثم يموتون. # والثاني: المراد الذين استثناهم في قوله: # إلا من شآء الله # [الزمر: 68] [النمل: 87]. # فإن قيل: إن الناس إذا رأوا جهنم هالتهم، فندوا كما تند الإبل، ~~فلا يأتون قطرا من أقطار الأرض إلا رأوا ملائكة، فيرجعون من حيث ~~جاءوا. # وقيل: { على أرجآئهآ } ينتظرون ما يؤمرون به في أهل ms8694 النار من ~~السوق إليها، وفي أهل الجنة من التحية والكرامة، وهذا كله راجع إلى ~~قول ابن جبير، ويدل عليه قوله تعالى: # ونزل الملائكة تنزيلا # [الفرقان: 25]. # قوله: { على أرجآئهآ } ، خبر المبتدأ، والضمير للسماء، وقيل: ~~للأرض، على ما تقدم. # قال الزمخشري: فإن قلت: ما الفرق بين قوله: " والملك " وبين أن ~~يقال: " والملائكة "؟ # قلت: الملك أعم من الملائكة، ألا ترى إلى قولك: " ما من ملك إلا ~~وهو ساجد " أعم من قولك: " ما من ملائكة " انتهى. # قال أبو حيان: ولا يظهر أن الملك أعم من الملائكة، لأن المفرد ~~المحلى بالألف واللام، قصاراه أن يكون مرادا به الجمع المحلى، ~~ولذلك صح الاستثناء منه، فقصاراه أن يكون كالجمع المحلى بهما، وأما ~~دعواه أنه أعم منه، بقوله: " ألا ترى " إلى آخره، فليس دليلا على دعواه؛ ~~لأن " من ملك " نكرة مفردة في سياق النفي قد دخلت عليها " من " ~~المخلصة للاستغراق، فشملت كل ملك فاندرج تحتها الجمع لوجود الفرد فيه، ~~فانتفى كل فرد فرد، بخلاف " من ملائكة " ، فإن " من " دخلت على ~~جمع منكر، فعم في كل جمع جمع من الملائكة، ولا يلزم من ذلك انتفاء ~~كل فرد فرد من الملائكة، لو قلت: " ما في الدار من رجال " جاز أن ~~يكون فيها واحد، لأن النفي إنما انسحب على جمع، ولا يلزم من انتفاء ~~الجمع أن ينتفي المفرد، والملك في الآية ليس في سياق نفي دخلت عليه " ~~من " وإنما جيء به مفردا؛ لأنه أخف، ولأن قوله: { على ~~أرجآئهآ } يدل على الجمع؛ لأن الواحد بما هو واحد لا يمكن أن يكون ~~" على أرجائها " في وقت واحد بل أوقات، والمراد - والله أعلم - أن ~~الملائكة على أرجائها إلا أنه ملك واحد ينتقل على أرجائها في أوقات. # وقال شهاب الدين: إن الزمخشري منزعه في هذا ما تقدم عنه في أواخر ~~سورة " البقرة " عند قوله: # وكتبه ورسله # [البقرة: 285] فليرجع ثمة. # وأما قول أبي حيان: " ما من رجال " أن النفي منسحب على رتب الجمع، ~~ففيه خلاف، والتحقيق ما ذكره. # قوله: { ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ~~}. # الضمير ms8695 في " فوقهم " يجوز أن يعود على " الملائكة " بمعنى كما تقدم، ~~وأن يعود على الحاملين الثمانية. # وقيل: إن حملة العرش فوق الملائكة الذين في السماء على أرجائها. # وقيل: يعود على جميع العالم، أي: أن الملائكة تحمل عرش الله فوق العالم ~~كله. # فصل في هؤلاء الثمانية # قال ابن عباس: ثمانية صنوف من الملائكة لا يعلم عددهم إلا الله. # وقال ابن زيد: هم ثمانية أملاك. # وعن الحسن: الله أعلم كم هم ثمانية، أم ثمانية آلاف، أو ثمانية صفوف. ~~وعن النبي صلى الله عليه وسلم # " أن حملة العرش اليوم أربعة أوعال، فإذا كان يوم ~~القيامة أيدهم الله بأربعة آخرين، فكانوا ثمانية " # خرجه الماوردي مرفوعا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. ورواه العباس بن عبد المطلب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " هم ثمانية أملاك على صورة الأوعال، لكل ملك منهم أربعة ~~أوجه: وجه رجل، ووجه أسد، ووجه ثور، ووجه نسر، وكل وجه ~~منها يسأل الله الرزق لذلك الجنس ". # فإن قيل: إذا لم يكن فيهم صورة وعل، فكيف سموا أوعالا؟. # فالجواب: أن وجه الثور إذا كانت له قرون الوعل أشبه الوعل. # وفي الخبر: # " أن فوق السماء السابعة ثمانية أوعال بين أظلافهن ~~وركبهن مثل ما بين سماء إلى سماء، وفوق ظهورهن العرش " # ذكره القشيري، وخرجه الترمذي من حديث العباس بن عبد المطلب. # وفي حديث مرفوع: # " أن حملة العرش ثمانية أملاك؛ على صور الأوعال، ما ~~بين أظلافها إلى ركبها مسيرة سبعين عاما للطائر المسرع ~~". # وروي أن أرجلهن في السماء السابعة. # فصل في إضافة العرش إلى الله # إضافة العرش إلى الله - تعالى - كإضافة البيت إليه، وليس البيت للسكن، ~~فكذلك العرش، ومعنى " فوقهم " أي: فوق رءوسهم. # قال ابن الخطيب: قالت المشبهة: لو لم يكن الله في العرش لكان ~~حمل العرش عبثا لا فائدة فيه، لا سيما قد أكد ذلك بقوله: { ~~يومئذ تعرضون } ، والعرش إنما يكون لو كان الإله حاضرا في ~~العرش. # وأجاب: بأنه لا يمكن أن يكون المراد أن الله - تعالى - جالس في العرش؛ ~~لأن ms8696 كل من كان حاملا للعرش؛ كان حاملا لكل ما كان في العرش فلو كان ~~الإله على العرش لزم أن يكون الملائكة حاملين لله تعالى، وذلك محال؛ ~~لأنه يقتضي احتياج الله إليهم، وأن يكونوا أعظم قدرا من الله، وكل ذلك ~~كفر، فعلمنا أنه لا بد فيه من التأويل، فنقول: السبب في هذا الكلام هو ~~أنه - تعالى - خاطبهم بما يتعارفونه، فخلق لنفسه بيتا يزورونه ليس أنه ~~يسكنه - تعالى الله عن ذلك - وجعل في ركن البيت حجرا، هو يمينه في الأرض ~~إذ كان من شأنهم أن يعظموا رؤساءهم بتقبيل أيمانهم، وجعل على العباد ~~حفظة لا لأن النسيان يجوز عليه سبحانه، وكذلك أن الملك إذا أراد ~~محاسبة عماله جلس على سريره، ووقفت الأعوان حوله، فسمى الله يوم القيامة ~~عرشا، وحفت به الملائكة لا لأنه يقعد عليه، أو يحتاج إليه، بل كما ~~قلنا في البيت والطواف. # قوله: { يومئذ تعرضون } هو جواب " إذا " من قوله: " فإذا ~~نفخ ". قاله أبو حيان. # وفيه نظر، بل جوابها ما تقدم من قوله: " وقعت الواقعة " و " ~~تعرضون " على هذا مستأنفة. # قوله: { لا تخفى }. # قرأ الأخوان: بالياء من تحت؛ لأن التأنيث مجازي، كقوله: # وأخذ الذين ظلموا الصيحة # [هود: 67]. # واختاره أبو عبيد؛ لأنه قد حال بين الفعل والاسم المؤنث الجار والمجرور. # والأخوان: على أصلهما في إمالة الألف. # وقرأ الباقون: " لا تخفى " بالتاء من فوق للتأنيث اللفظي والفتح وهو ~~الأصل، واختاره أبو حاتم. # فصل في العرض على الله # قال القرطبي: هذا هو العرض على الله، ودليله: # وعرضوا على ربك صفا # [الكهف: 48] وليس ذلك عرضا ليعلم ما لم يكن عالما، بل ذلك العرض ~~عبارة عن المحاسبة والمساءلة وتقدير الأعمال عليهم للمجازاة. # قال صلى الله عليه وسلم: # " يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأما عرضتان ~~فجدال، ومعاذير وأما الثالثة فعند ذلك تطير الصحف في ~~الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله ". # وقوله: { لا تخفى منكم خافية }. # قال ابن شجرة: أي: هو عالم بكل شيء من أعمالكم، ف " خافية " على هذا ~~بمعنى " خفية " كانوا يخفونها من أعمالهم، ونظيره قوله ms8697 تعالى: # لا يخفى على الله منهم شيء # [غافر: 16]. # قال ابن الخطيب: فيكون الغرض المبالغة في التهديد، يعني: " تعرضون ~~على من لا يخفى عليه شيء ". # وقيل: لا يخفى عليه إنسان لا يحاسب. # وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: لا يخفى المؤمن من الكافر، ولا ~~البر من الفاجر. # وقيل: لا يتسر منكم عورة، لقوله عليه الصلاة والسلام: # " يحشر الناس حفاة عراة ". # قوله: { فأما من أوتي كتابه بيمينه } ، وهذا دليل ~~على النجاة. # قال ابن عباس: أول من يعطى كتابه بيمينه من هذه الأمة عمر بن ~~الخطاب، وله شعاع كشعاع الشمس، وقيل له: فأين أبو بكر، فقال: هيهات، ~~زفته الملائكة إلى الجنة. # قال القرطبي: وقد ذكرناه مرفوعا من حديث زيد بن ثابت بلفظه، ومعناه في ~~كتاب " التذكرة ". # قوله: " هاؤم " ، أي: خذوا { اقرؤا كتابيه } يقول ذلك ثقة ~~بالإسلام وسرورا بنجاته؛ لأن اليمين عند العرب من دلائل الفرح. # قال الشاعر: [الوافر] # 4848 - إذا ما راية رفعت لمجد # لقاها عرابة باليمين # وقال: [الطويل] # 4849 - أبيني أفي يمنى يديك جعلتني # فأفرح أم صيدتني بشمالك # وقال ابن زيد: معنى: " هاؤم ": تعالوا، فتتعدى ب " إلى ". # وقال مقاتل: " هلم ". # وقيل: خذوا، ومنه الحديث في الربا: # " إلا هاء وهاء " # أي: يقول كل واحد لصاحبه: خذ، وهذا هو المشهور. # وقيل: هي كلمة وضعت لأجابة الداعي عند الفرح، والنشاط. # وفي الحديث: # " أنه ناداه أعرابي بصوت عال، فأجابه النبي صلى الله ~~عليه وسلم " هاؤم " يطول صوته. ". # وقيل: معناها " اقصدوا ". # وزعم هؤلاء أنها مركبة من هاء التنبيه، وأموا، من الأم، وهو القصد، ~~فصيره التخفيف والاستعمال إلى " هاؤم ". # وقيل: " الميم " ضمير جماعة الذكور. # وزعم القتيبي: أن " الهمزة " بدل من " الكاف ". # فإن عنى أنها تحل محلها فصحيح، وإن عنى البدل الصناعي فليس بصحيح. # فقوله: " هاؤم " يطلب مفعولا يتعدى إليه بنفسه إن كان بمعنى: " خذ " ~~أو " اقصد إلي " إن كان بمعنى: " تعالوا " ، و " اقرأوا " يطلبه ~~أيضا، فقد تنازعا في: " كتابيه " وأعمل الثاني للحذف من الأول. # وقد تقدم تحقيق هذا في سورة " الكهف ". # وفيها لغات: وذلك أنها تكون فعلا ms8698 صريحا، وتكون اسم فعل، ومعناها في ~~الحالين: " خذ " فإن كانت اسم فعل، وهي المذكورة في الآية الكريمة، ~~ففيها لغتان: المد والقصر تقول: " ها درهما يا زيد، وهاء درهما " ، ~~ويكونان كذلك في الأحوال كلها من إفراد وتثنية وجمع وتذكير وتأنيث، ~~ويتصل بهما كاف الخطاب، اتصالها بإسم الإشارة، فتطابق مخاطبك بحسب ~~الواقع مطابقتها وهي ضميره، نحو: " هاك، هاك، هاءك " إلى آخره. # وتخلف كاف الخطاب همزة " هاء " مصرفة تصرف كاف الخطاب، فتقول: " ~~هاء يا زيد، هاء يا هند، هاؤم، هاؤن " وهي لغة القرآن. # وإذا كانت فعلا صريحا؛ لاتصال الضمائر البارزة المرفوعة بها كان فيها ~~ثلاثة لغات: # إحداها: أن يكون مثل " عاطى يعاطي " ، فيقال: " هاء يا زيد، هائي ~~يا هند، هائيا يا زيدان أو يا هندات، هاءوا يا زيدون، هائين يا هندات ~~". # الثانية: أن تكون مثل: " هب " فيقال: " هأ، هىء، هاءا، هئوا، ~~هئن " ، مثل: " هب، هبي، هبا، هبوا، هبن ". # الثالثة: أن تكون مثل: " خف " أمرا من الخوف، فيقال: " هأ، هائي، ~~هاءا، هاءوا، هأن " ، مثل: " خف، خافي، خافا، خافوا، خفن ~~". # قوله: " كتابيه ". منصوب ب " هاؤم " عند الكوفيين، وعند البصريين ب " ~~اقرأوا "؛ لأنه أقرب العاملين، والأصل " كتابي " فأدخل " الهاء " لتبين ~~فتحة " الياء " و " الهاء " في " كتابيه " و " حسابيه " و " سلطانيه " و ~~" ماليه " للسكت، وكان حقها أن تحذف وصلا وتثبت وقفا، وإنما أجري ~~الوصل مجرى الوقف، أو وصل بنية الوقف في " كتابيه " و " حسابيه " ~~اتفاقا، فأثبت " الهاء ". # وكذلك في " ماليه " و " سلطانيه " و # ما هيه # [القارعة: 10] في القارعة، عند القراء كلهم إلا حمزة، فإنه حذف الهاء ~~من هذه الكلم الثلاث وصلا، وأثبتها وقفا؛ لأنها في الوقف يحتاج إليها؛ ~~لتحصين حركة الموقوف عليه، وفي الوصل يستغنى عنها. # فإن قيل: فلم لم يفعل ذلك في " كتابيه " و " حسابيه "؟. # فالجواب: أنه جمع بين اللغتين، هذا في القراءات السبع. # وقرأ ابن محيصن: بحذفها في الكلم كلها وصلا ووقفا إلا في " القارعة ~~" ، فإنه لم يتحقق عنه فيها نقل. # وقرأ الأعمش، وابن أبي إسحاق: بحذفها فيهن وصلا، وإثباتها وقفا. # وابن محيصن: يسكن الهاء ms8699 في الكلم المذكورة بغيرها. # والحق أنها قراءة صحيحة، أعني ثبوت هاء السكت وصلا؛ لثبوتها في خط ~~المصحف الكريم، ولا يلتفت إلى قول الزهراوي إن إثباتها في الوصل لحن لا ~~أعلم أحدا يجيزه. وقد تقدم الكلام على هاء السكت في البقرة والأنعام. # قوله: { إني ظننت }. # قال ابن عباس: أي: أيقنت وعلمت. # وقيل: ظننت أن يؤاخذني الله بسيئاتي إن عذبني فقد تفضل علي بعفوه، ~~ولم يؤاخذني بها. # قال الضحاك: كل ظن من المؤمن في القرآن فهو يقين، ومن الكافر فهو شك. # وقال مجاهد: ظن الآخرة يقين وظن الدنيا شك. # وقال الحسن في هذه الآية: إن المؤمن من أحسن الظن بربه فأحسن العمل، ~~وإن المنافق أساء الظن بربه، فأساء العمل. # وقوله: { أني ملاق حسابيه } ، أي: في الآخرة، ولم أنكر ~~البعث، يعني أنه ما نجا إلا بخوفه من يوم الحساب؛ لأنه تيقن أن الله ~~يحاسبه، فعمل للآخرة. # قوله: { راضية } ، فيها ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه على المجاز جعلت العيشة راضية؛ لمحلها في مستحقيها، وأنها لا ~~حال أكمل من حالها، والمعنى في عيش يرضاه لا مكروه فيه. # الثاني: أنه على النسب، أي: ذات رضا، نحو: " لابن وتامر " لصاحب ~~اللبن والتمر والمعنى: ذات رضا يرضى بها صاحبها. # الثالث: قال أبو عبيدة والفراء: إنه مما جاء فيه " فاعل " بمعنى مفعول ~~نحو: { مآء دافق } [الطارق: 6]، أي: مدفوق، كما جاء مفعول بمعنى ~~فاعل، كقوله: { حجابا مستورا } [الإسراء: 45]، أي: ساترا. # فصل في تنعم أهل الجنة. # قال عليه الصلاة والسلام: # " إنهم يعيشون فلا يموتون أبدا، ويصحون فلا يمرضون ~~أبدا، وينعمون فلا يرون بأسا أبدا ويشبون فلا يهرمون ~~أبدا ". # قوله: { في جنة عالية } ، أي: عظيمة في النفوس، { قطوفها ~~دانية } ، القطوف جمع: قطف، وهو فعل بمعنى مفعول، ك " الدعي " و ~~" الذبح " ، وهو ما يجتنيه الجاني من الثمار، و " دانية " ، ~~أي: قريبة التناول يتناولها القائم، والقاعد، والمضطجع. # والقطف - بكسر القاف - وهو ما يقطف من الثمار، والقطف - بالفتح ~~- المصدر، والقطاف - بالفتح والكسر - وقت القطف. # { كلوا } ، أي: يقال لهم: كلوا واشربوا، وهذا أمر امتنان، لا أمر ~~تكليف. ms8700 # وقوله: " هنيئا " قد تقدم في أول النساء وجوز الزمخشري فيه هنا أن ~~ينتصب نعتا لمصدر محذوف، أي: " أكلا هنيئا وشربا هنيئا " ، وأن ~~ينتصب على المصدر بعامل من لفظه مقدر، أي: " هنئتم بذلك هنيئا ". ~~و " الباء " في " بما أسلفتم " سببية، و " ما " مصدرية أو اسمية، ~~ومعنى " هنيئا " ، لا تكدير فيه ولا تنغيص، " بما أسلفتم " قدمتم ~~من الأعمال { في الأيام الخالية } ، أي: في الدنيا. # قالت المعتزلة: وهذا يدل على أن العمل يوجب الثواب، وأن الفعل ~~للعبد، وقال: " كلوا " بعد قوله: { عيشة راضية } لقوله: { ~~فأما من أوتي كتابه } ، و " من " تتضمن معنى الجمع. # فصل فيمن نزلت فيه الآية # ذكر الضحاك: أن هذه الآية نزلت في أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد ~~المخزومي. # وقال مقاتل: والآية التي قبلها في أخيه الأسود بن عبد الأسد في قول ابن ~~عباس والضحاك. # قال الثعلبي: ويكون هذا الرجل، وأخوه سبب نزول هذه الآيات، ويعم المعنى ~~جميع أهل الشقاوة، والسعادة، بدليل قوله تعالى: { كلوا واشربوا ~~}. # وقيل: إن المراد بذلك كل من كان متبوعا في الخير والشر يدعو إليه، ~~ويأمر به. # قوله: { وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول ~~يليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه } لما ~~نظر في كتابه وتذكر قبائح أفعاله يخجل منها ويقول: { يليتني لم ~~أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه } ثم يتمنى الموت، ~~ويقول: { يليتها كانت القاضية }. # فالضمير في " ليتها " قيل: يعود إلى الموتة الأولى، وإن لم تكن ~~مذكورة، إلا أنها لظهورها كانت كالمذكورة. # و " القاضية ": القاطعة من الحياة، قال تعالى: # فإذا قضيت الصلاة # [الجمعة: 10]، ويقال: قضي على فلان، إذا مات، والمعنى: يا ليتها ~~الموتة التي كانت القاطعة لأمري، ولم أبعث بعدها، ولم ألق ما وصلت ~~إليه. # قال قتادة: يتمنى الموت، ولم يكن في الدنيا عنده شيء أكره من الموت، ~~وشر من الموت ما يطلب منه الموت؛ قال الشاعر: [الطويل] # 4850 - وشر من الموت الذي إن لقيته # تمنيت منه الموت، والموت أعظم # وقيل: يعود إلى الحالة التي شاهدها عند مطالعة الكتاب، والمعنى: يا ليت ~~هذه ms8701 الحالة كانت الموتة التي قضت علي. # قوله: { مآ أغنى عني } ، يجوز أن يكون نفيا، وأن يكون استفهام ~~توبيخ لنفسه، أي: أي شيء أغنى عني ما كان لي من اليسار. # { هلك عني سلطانيه } قال ابن عباس: هلكت عني حجتي، ~~والسلطان: الحجة التي كنت أحتج بها، وهو قول مجاهد وعكرمة والسدي ~~والضحاك. # وقال مقاتل: ضلت عني حجتي حين شهدت عليه الجوارح. # وقال ابن زيد: يعني ملكي وتسلطي على الناس، وبقيت ذليلا فقيرا، وكان ~~مطاعا في أصحابه. ### || [69.30-37] # قوله: { خذوه فغلوه } ، كقوله: # كلوا واشربوا # [الحاقة: 24] في إضمار القول، يقال ذلك لخزنة جهنم، والغل: جمع ~~اليدين إلى العنق، أي: شدوه بالأغلال. # { ثم الجحيم صلوه } ، أي: اجعلوه يصلى الجحيم، وهي النار ~~العظمى؛ لأنه كان يتعاظم في الدنيا. # وتقديم المفعول يفيد الاختصاص عند بعضهم. # ولذلك قال الزمخشري: " ثم لا تصلوه إلا الجحيم " قال أبو حيان: " ~~وليس ما قاله مذهبا لسيبويه ولا لحذاق النحاة " ، وقد تقدمت هذه ~~المسألة متقنة، وأن كلام النحاة لا يأبى ما قاله. # قوله: { ذرعها سبعون ذراعا } ، في محل جر صفة ل " سلسلة ~~" و " في سلسلة " متعلق ب " اسلكوه " ، و " الفاء " لا تمنع من ~~ذلك. # و " الذراع " مؤنث، ولذلك يجمع على " أفعل " وسقطت " التاء " من ~~عدده. # قال الشاعر: [الرجز] # 4851 - أرمي عليها وهي فرع أجمع # وهي ثلاث أذرع وإصبع # وذكر السبعين دون غيرها من العدد، قيل: المراد به التكثير، كقوله: # إن تستغفر لهم سبعين مرة # [التوبة: 10]. # وقيل: المراد حقيقة العدد. # قال ابن عباس: سبعون ذراعا بذراع الملك. # وقال نوف البكالي: سبعون ذراعا، كل ذراع سبعون باعا، كل باع كما بينك ~~وبين " مكة " وكان في رحبة " الكوفة ". # وقال الحسن: الله أعلم أي ذراع. # وزعم بعضهم أن في قوله: " في سلسلة " " فاسلكوه " قلبا، قال: ~~لأنه نقل في التفسير أن السلسلة تدخل من فيه، وتخرج من دبره، فهي ~~المسلوك فيه لا هو المسلوك فيها، والظاهر أنه لا يحتاج إلى ذلك؛ لأنه ~~روي أنها لطولها، تجعل في عنقه، وتلتوي عليه، حتى تحيط به من جميع جهاته، ~~فهو المسلوك ms8702 فيها لإحاطتها به. # وقال الزمخشري: والمعنى في تقديم السلسلة على السلك مثله في تقديم ~~الجحيم على التصلية، أي: لا تسلكوه إلا في هذه السلسة، وثم للدلالة على ~~التفاوت لما بين الغل والتصلية بالجحيم وما بينها، وبين السلك في ~~السلسلة، لا على تراخي المدة. # وناعه أبو حيان في إفادة تقديم الاختصاص كعادته، وجوابه ما تقدم. # ونازعه أيضا في أن " ثم " للدلالة على تراخي الرتبة. # وقال مكي: التراخي الزماني بأن يصلى بعد أن يسلك، ويسلك بعد أن يؤخذ ~~ويغلي بمهله بين هذه الأشياء. انتهى. # وفيه نظر من حيث إن التوعد بتوالي العذاب آكد، وأقطع من التوعد ~~بتغريقه. # قوله: { إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض ~~على طعام المسكين }. # " الحض ": الحث على الفعل والحرص على وقوعه، ومنه حروف التحضيض ~~المبوب لها في النحو؛ لأنه يطلب بها وقوع الفعل وإيجاده، فبين تعالى ~~أنه عذب على ترك الإطعام، وعلى الأمر بالبخل كما عذب بسبب ~~الكفر. # قال ابن الخطيب: وفي الآية دليل على أن الكفار مخاطبون بالفروع. # كان أبو الدرداء يحض امرأته على الإطعام ويقول: خلعنا نصف السلسلة ~~بالإيمان، أفلا نخلع نصفها الثاني بالإطعام. # وقيل: المراد قول الكفار: # أنطعم من لو يشآء الله أطعمه # [يس: 47]. # وأصل " طعام " أن يكون منصوبا بالمصدر المقدر، والطعام عبارة عن ~~العين، وأضيف للمسكين للملابسة التي بينهما، ومن أعمل الطعام كما يعمل ~~الإطعام، فموضع " المسكين " نصب، والتقدير: على إطعام المطعم المسكين، ~~فحذف الفاعل، وأضيف المصدر إلى المفعول. # قوله: { فليس له اليوم ها هنا حميم } في خبر " ليس " ~~وجهان: # أحدهما: " له ". # والثاني: هاهنا، وأيهما كان خبرا تعلق به الآخر، أو كان حالا من " ~~حميم " ، ولا يجوز أن يكون " اليوم " خبرا ألبتة؛ لأنه زمان والمخبر عنه ~~جثة. # ومنع المهدوي أن يكون " هاهنا " خبرا، ولم يذكر المانع. # وقد ذكره القرطبي فقال: " لأنه يصير المعنى: ليس هاهنا طعام إلا من ~~غسلين، ولا يصح ذلك؛ لأن ثم طعاما غيره ". انتهى وفي هذا نظر؛ لأنا لا ~~نسلم أولا أن ثم طعاما غيره، فإن أورد قوله: # ليس لهم ms8703 طعام إلا من ضريع # [الغاشية: 6] فهذا طعام آخر غير الغسلين. # فالجواب: أن بعضهم ذهب إلى أن الغسلين هو الضريع بعينه، فسماه في آية ~~" غسلينا " وفي أخرى " ضريعا ". # ولئن سلمنا أنهما طعامان، فالحصر باعتبار الآكلين، يعني: أن هذا الآكل ~~انحصر طعامه في الغسلين، فلا ينافي أن يكون في النار طعام آخر. # وإذا قلنا: إن " له " الخبر، وأن " اليوم " ، و " هاهنا " متعلقان بما ~~تعلق هو به، فلا إشكال، وكذلك إذا جعلنا " هاهنا " هو الخبر، وعلقنا به ~~الجار والظرف، ولا يضر كون العامل معنويا للاتساع في الظروف وحروف ~~الجر. # وقوله: { إلا من غسلين } ، صفة ل " طعام " ، دخل الحصر على ~~الصفة، كقولك: " ليس عندي إلا رجل من بني تميم ". # والمراد ب " الحميم ": الصديق، فعلى هذا الصفة مختصة بالطعام، أي: ~~ليس له صديق ينفعه، ولا طعام إلا من كذا. # وقيل: التقدير: ليس له حميم إلا من غسلين ولا طعام. قاله أبو البقاء. # فجعل " من غسلين " صفة ل " الحميم " ، كأنه أراد الشيء الذي يحم ~~به البدن من صديد النار. # وقيل: من الطعام والشراب؛ لأن الجميع يطعم، بدليل قوله: # ومن لم يطعمه فإنه مني # [البقرة: 249]. # فعلى هذا يكون { إلا من غسلين } صفة ل " حميم " ول " طعام " ، ~~والمراد بالحميم: ما يشرب، أي: ليس له طعام، ولا شراب إلا غسلينا. # أما إذا أريد بالحميم: الصديد فلا يتأتى ذلك. # وعلى هذا الذي ذكرنا، فيه سؤال، وهو أن يقال: بأي شيء تعلق الجار ~~والظرفان؟ والجواب: إنها تتعلق بما تعلق به الخبر، أو يجعل " له " أو ~~" هاهنا " حالا من " حميم " ويتعلق " اليوم " بما تعلق به الحال، ولا ~~يجوز أن يكون " اليوم " حالا من " حميم " ، و " له " و " هاهنا " ~~متعلقان بما تعلق به الحال؛ لأنه ظرف زمان، وصاحب الحال جثة، وهذا موضع ~~حسن مفيد. # و " الغسلين ": " فعلين " من الغسالة، فنونه وياؤه زائدتان. # قال أهل اللغة: هو ما يجري من الجراح إذا غسلت. # قال المفسرون: هو صديد أهل النار. # وقيل: شجر يأكلونه. # وعن ابن عباس: لا أدري ما الغسلين. # وسمي طعاما؛ لقيامه مقامه فسمي ms8704 طعاما؛ كقوله: [الوافر] # 4852 -......................... # تحية بينهم ضرب وجيع # قوله: { لا يأكله إلا الخاطئون }. صفة ل " غسلين ". # والعامة: يهمزون " الخاطئون " ، وهم اسم فاعل من " خطأ يخطأ " إذا ~~فعل غير الصواب متعمدا، والمخطىء من يفعله غير متعمد. # وقرأ الحسن والزهري والعتكي وطلحة: " الخاطيون " بياء مضمومة بدل ~~الهمزة. # وقرأ ناقع في رواية وشيبة: بطاء مضمومة دون همزة. # وفيها وجهان: # أحدهما: أنه كقراءة الجماعة إلا أنه خفف بالحذف. # والثاني: أنه اسم فاعل من " خطا يخطوا " إذا اتبع خطوات غيره، ~~فيكون من قوله تعالى: # ولا تتبعوا خطوات الشيطان # [البقرة: 168]، قاله الزمخشري. # وقد تقدم أول الكتاب أن نافعا يقرأ: " الصابيون " بدون همز، وكلام ~~الناس فيها. # وعن ابن عباس: ما الخاطون، كلنا نخطو. # وروى عنه أبو الأسود الدؤلي: ما الخاطون إنما هو الخاطئون، وما ~~الصابون إنما هو الصابئون، ويجوز أن يراد الذين يتخطون الحق إلى ~~الباطل ويتحدون حدود الله. ### || [69.38-43] # قوله: { فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون }. # قد تقدم مثله في آخر الواقعة، إلا أنه قيل هاهنا: إن " لا " نافية لفعل ~~القسم، وكأنه قيل: لا احتياج أن أقسم على هذا؛ لأنه حق ظاهر مستغن ~~عن القسم، ولو قيل به في الواقعة لكان حسنا. # واعلم أنه - تعالى - لما أقام الدلالة على إمكان القيامة، ثم على ~~وقوعها، ثم ذكر أحوال السعداء، وأحوال الأشقياء، ختم الكلام بتعظيم ~~القرآن، فقال: { فلا أقسم بما تبصرون }. # وقيل: المراد: أقسم، و " لا " صلة، والمعنى أقسم بالأشياء كلها ما ترون ~~منها وما لا ترون، فعم جميع الأشياء على الشمول؛ لأنها لا تخرج عن ~~قسمين: مبصر وغير مبصر، فقيل: الخالق والخلق، والدنيا والآخرة، ~~والأجسام والأرواح، والإنس والجن، والنعم الظاهرة، والباطنة. # وإن لم تكن " لا " زائدة، فالتقدير: لا أقسم على أن هذا القرآن قول ~~رسول كريم - يعني " جبريل " ، قاله الحسن والكلبي ومقاتل - لأنه يستغنى ~~عن القسم لوضوحه. # وقال مقاتل: سبب نزول هذه الآية أن الوليد بن المغيرة قال: إن ~~محمدا ساحر. # وقال أبو جهل: شاعر وليس القرآن من قول النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ~~عقبة: ms8705 كاهن، فقال الله تعالى: { فلا أقسم } أي: أقسم. # وإن قيل: " لا " نافية للقسم، فجوابه كجواب القسم. # " إنه " يعني القرآن { لقول رسول كريم } يعني جبريل. قاله الحسن والكلبي ~~ومقاتل، لقوله: # لقول رسول كريم ذي قوة # [التكوير: 19، 20]. # وقال الكلبي أيضا والقتبي: الرسول هنا محمد صلى الله عليه وسلم لقوله: ~~{ وما هو بقول شاعر } ، وليس القرآن من قول الرسول صلى الله ~~عليه وسلم إنما هو من قول الله - عز وجل - ونسب القول إلى الرسول، لأنه ~~تاليه ومبلغه والعامل به، كقولنا: هذا قول مالك. # فإن قيل: كيف يكون كلاما لله تعالى، ولجبريل، ولمحمد عليهما الصلاة ~~والسلام؟ # فالجواب: أن الإضافة يكفي فيها أدنى ملابسة، فالله سبحانه أظهره في ~~اللوح المحفوظ، وجبريل بلغه لمحمد - عليهما الصلاة والسلام - ومحمد صلى ~~الله عليه وسلم بلغه للأمة. # قوله: { إنه لقول } هو جواب القسم، وقوله: { وما هو ~~بقول } معطوف على الجواب، فهو جواب. أقسم على شيئين: أحدهما: مثبت، ~~والآخر: منفي، وهو من البلاغة الرائعة. # قوله: { قليلا ما تؤمنون } ، { قليلا ما تذكرون }. # انتصب " قليلا " في الموضعين نعتا لمصدر، أو زمان محذوف، أي: إيمانا ~~أو زمانا قليلا، والناصب: " يؤمنون " و " تذكرون " و " ما " مزيدة ~~للتوكيد. # وقال ابن عطية: ونصب " قليلا " بفعل مضمر يدل عليه: " تؤمنون " ، و " ~~ما " يحتمل أن تكون نافية، فينتفى إيمانهم ألبتة، ويحتمل أن تكون ~~مصدرية، وتتصف بالقلة، فهو الإيمان اللغوي؛ لأنهم قد صدقوا بأشياء يسيرة ~~لا تغني عنهم شيئا، إذ كانوا يصدقون أن الخير والصلة والعفاف الذي ~~يأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم هو حق وصواب. # قال أبو حيان: أما قوله: " قليلا نصب بفعل " إلى آخره، فلا يصح؛ لأن ~~ذلك الفعل الدال عليه " تؤمنون " إما أن تكون " ما " نافية - كما ذهب ~~إليه - أو مصدرية، فإن كانت نافية فذلك الفعل المضمر الدال عليه " ~~تؤمنون " المنفي ب " ما " يكون منفيا، فيكون التقدير: ما تؤمنون ~~قليلا ما تؤمنون، والفعل المنفي ب " ما " لا يجوز حذفه، ولا حذف ~~ما، لا يجوز " زيدا ما أضربه " على تقدير: " ما أضرب زيدا ما أضربه ms8706 ~~" ، وإن كانت مصدرية كانت إما في موضع رفع ب " قليلا " على الفاعلية، ~~أي: قليلا إيمانكم، ويبقى " قليلا " لا يتقدمه ما يعتمد عليه حتى يعمل ~~ولا ناصب له، وإما في موضع رفع على الابتداء؛ فيكون مبتدأ لا خبر له، ~~لأن ما قبله منصوب. # قال شهاب الدين: لا يريد ابن عطية بدلالة " تؤمنون " على الفعل ~~المحذوف الدلالة في باب الاشتغال، حتى يكون العامل الظاهر مفسرا للعامل ~~المضمر، بل يريد مجرد الدلالة اللفظية، فليس ما أورده أبو حيان عليه من ~~تمثيله بقوله: " زيدا ما أضربه " أي: " ما أضرب زيدا ما أضربه " وأما ~~الرد الثاني فظاهر، وقد تقدم لابن عطية هذا القول في أول سورة " ~~الأعراف " فليلتفت إليه. # وقال الزمخشري: " والقلة في معنى العدم، أي: لا تؤمنون ولا تذكرون ~~ألبتة ". # قال أبو حيان: ولا يراد ب " قليلا " هنا النفي المحض كما زعم، ~~وذلك لا يكون إلا في " أقل رجل يقول ذلك إلا زيد " ، وفي " قل " نحو ~~" قل رجل ذلك إلا زيد " وقد يستعمل في " قليلة " ، و " قليلة " إذا ~~كانا مرفوعين، نحو ما جوزوا في قول الشاعر: [الطويل] # 4853 -........................ # قليل بها الأصوات إلا بغامها # أما إذا كان منصوبا نحو: " قليلا ضربت، أو قليلا ما ضربت " على أن ~~تكون " ما " مصدرية، فإن ذلك لا يجوز؛ لأنه في " قليلا ضربت " منصوب ب ~~" ضربت " ، ولم تستعمل العرب " قليلا " ، إذا انتصب بالفعل نفيا، بل ~~مقابلا لكثير، وأما في " قليلا ما ضربت " على أن تكون " ما " مصدرية، ~~فتحتاج إلى رفع " قليل "؛ لأن " ما " المصدرية في موضع رفع على الابتداء. # انتهى ما رد به عليه. # قال شهاب الدين: " وهذا مجرد دعوى ". # وقرأ ابن كثير وابن عامر بخلاف عن ابن ذكوان: " يؤمنون، يذكرون " ~~بالغيبة حملا على " الخاطئون " والباقون: بالخطاب، حملا على " بما ~~تبصرون ". # وأبي: وتتذكرون " بتاءين ". # فصل في القرآن الكريم # قوله: { وما هو بقول شاعر }؛ لأنه مباين لصنوف الشعر كلها، { ولا ~~بقول كاهن }؛ لأنه ورد بسب الشياطين وشتمهم فلا ينزلون شيئا على من ~~سبهم. # وقوله: { قليلا ما تؤمنون } ، المراد بالقليل من إيمانهم ms8707 هو ~~أنهم إذا سئلوا من خلقهم قالوا: الله. # وقيل: إنهم قد يؤمنون في قلوبهم إلا أنهم يرجعون عنه سريعا، ولا يتممون ~~الاستدلال، ألا ترى إلى قوله تعالى: # إنه فكر وقدر # [المدثر: 18] إلا أنه في آخر الأمر قال: # إن هذآ إلا سحر يؤثر # [المدثر: 24]. # وقال مقاتل: يعني بالقليل أنهم لا يصدقون بأن القرآن من الله تعالى، ~~والمعنى لا يؤمنون أصلا، والعرب يقولون: قل ما تأتينا، يريدون لا ~~تأتينا. # قوله: { تنزيل من رب العالمين } ، هذه قراءة العامة، ~~أعني الرفع على إضمار مبتدأ، أي: هو تنزيل وتقدم مثله. # وأبو السمال: " تنزيلا " بالنصب على إضمار فعل، أي: نزل تنزيلا. # قال القرطبي: وهو عطف على قوله: { إنه لقول رسول كريم } ~~أي: إنه لقول رسول كريم، وهو تنزيل من رب العالمين. ### || [69.44-52] # قوله: { ولو تقول } ، هذه قراءة العامة، " تفعل " من ~~القول مبنيا للفاعل. # قال الزمخشري: " التقول، افتعال القول؛ لأن فيه تكلفا من ~~المفتعل ". # وقرأ بعضهم: " تقول " مبنيا للمفعول. # فإن كان هذا القارىء رفع ب " بعض الأقاويل " فذاك، وإلا فالقائم ~~مقام الفاعل الجار، وهذا عند من يرى قيام غير المفعول به مع وجوده. # وقرأ ذكوان وابنه محمد: " يقول " مضارع " قال ". # و " الأقاويل " جمع: " أقوال " ، و " أقوال " جمع: " قول " ، فهو نظير: ~~" أباييت " جمع: " أبيات " جمع " بيت ". # وقال الزمخشري: وسمى الأقوال المنقولة أقاويل تصغيرا لها وتحقيرا، ~~كقولك: " الأعاجيب " و " الأضاحيك " ، كأنها جمع " أفعولة " من القول. # والمعنى: لو نسب إلينا قولا لم نقله " لأخذنا منه باليمين " ~~أي: لأخذناه بالقوة، و " الباء " يجوز أن تكون على أصلها غير مزيدة، ~~والمعنى لأخذناه بقوة منا ف " الباء " حالية، والحال من الفاعل، وتكون ~~" من " في حكم الزائدة، واليمين هنا مجاز عن القوة والغلبة؛ لأن قوة كل ~~شيء في ميامنه. # قال القتبي: وهو معنى قول ابن عباس ومجاهد. # ومنه قول الشماخ: [الوافر] # 4854 - إذا ما راية رفعت لمجد # تلقاها عرابة باليمين # قال أبو جعفر الطبري: هذا الكلام مخرج مخرج الإذلال، على عادة الناس في ~~الأخذ بيد من يعاقب. # ويجوز أن تكون الباء مزيدة، والمعنى: لأخذنا ms8708 يمينه، والمراد باليمين ~~الجارحة كما يفعل بالمقتول صبرا يؤخذ بيمينه، ويضرب بالسيف، في جيده ~~موجهة، وهو أشد عليه. # قال الحسن: لقطعنا يده اليمنى. # وقال نفطويه: المعنى لقبضنا بيمينه عن التصرف. # وقال السدي ومقاتل: والمعنى: انتقمنا منه بالحق؛ واليمين على هذا ~~بمعنى الحق، كقوله تعالى: # إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين # [الصافات: 28] أي: من قبل الحق. # قوله: { ثم لقطعنا منه الوتين }. وهو العرق المتصل من ~~القلب بالرأس الذي إذا قطع مات صاحبه. # قاب أبو زيد: وجمعه الوتن، وثلاثة أوتنة، والموتون الذي قطع ~~وتينه. # وقال الكلبي: هو عرق بين العلباء والحلقوم، وهما علباوان، وإن ~~بينهما العرق. # والعلباء: عصب العنق. # وقيل: عرق غليظ تصادفه شفرة الناحر. # قال الشماخ: [الوافر] # 4855 - إذا بلغتني وحملت رحلي # عرابة فاشرقي بدم الوتين # وقال مجاهد: هو حبل القلب الذي في الظهر، وهو النخاع، فإذا انقطع بطلت ~~القوى، ومات صاحبه. # وقال محمد بن كعب: إنه القلب ومراقه، وما يليه. # وقال عكرمة: إن الوتين إذا قطع لا إن جاع عرف ولا إن شبع عرف. # قال ابن قتيبة: ولم يرد أنا نقطعه بعينه، بل المراد أنه لو كذب لأمتناه ~~فكان كمن قطع وتينه. # ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم: # " ما زالت أكلة خيبر تعاودني، فهذا أوان انقطاع ~~أبهري " # " والأبهر ": عرق متصل بالقلب فإذا انقطع مات صاحبه، فكأنه قال: ~~هذا أوان يقتلني السم، وحينئذ صرت كمن انقطع أبهره. # قوله: { فما منكم من أحد عنه حاجزين }. # في " حاجزين " وجهان: # أحدهما: أنه نعت ل " أحد " على اللفظ، وإنما جمع المعنى، لأن " أحدا " ~~يعم في سياق النفي كسائر النكرات الواقعة في سياق النفي، قاله ~~الزمخشري والحوفي. # وعلى هذا فيكون " منكم " خبرا للمبتدأ، والمبتدأ في " أحد " زيدت ~~فيه " من " لوجود شرطها. # وضعفه أبو حيان: بأن النفي يتسلط على كينونته " منكم " ، والمعنى ~~إنما هو على نفي الحجز عما يراد به. # والثاني: أن يكون خبرا ل " ما " الحجازية، و " من أحد " اسمها، وإنما ~~جمع الخبر لما تقدم و " منكم " على هذا حال، لأنه في الأصل صفة ل " ~~أحد " أو ms8709 يتعلق ب " حاجزين " ولا يضر ذلك لكون معمول الخبر جارا، ولو ~~كان مفعولا صريحا لامتنع، لا يجوز: " ما طعامك زيدا آكلا " ، أو ~~متعلق بمحذوف على سبيل البيان، و " عنه " يتعلق ب " حاجزين " على ~~القولين، والضمير للمقتول، أو للقتل المدلول عليه بقوله: " لأخذنا، ~~لقطعنا ". # قال القرطبي: المعنى فما منكم قوم يحجزون عنه لقوله تعالى # لا نفرق بين أحد من رسله # [البقرة: 285] هذا جمع لأن " بين " لا تقع إلا على اثنين فما زاد، قال ~~عليه الصلاة والسلام: # " لم تحل الغنائم لأحد سود الرءوس قبلكم ". # لفظه واحد، ومعناه الجمع، و " من " زائدة. # والحجز: المنع، و " حاجزين " يجوز أن يكون صفة ل " أحد " ، على ~~المعنى كما تقدم، فيكون في موضع جر، والخبر " منكم " ، ويجوز أن يكون ~~منصوبا، على أنه خبر، و " منكم " ملغى، ويكون متعلقا ب " حاجزين " ، ~~ولا يمنع الفصل به من انتصاب الخبر في هذا، كما لم يمتنع الفصل به في " ~~إن فيك زيدا راغب ". # قوله: { وإنه }. يعني: القرآن { لتذكرة للمتقين } ، ~~أي: الخائفين الذين يخشون الله، ونظيره # فيه هدى للمتقين # [البقرة: 2]. # وقيل: المراد محيمد صلى الله عليه وسلم أي: هو تذكرة ورحمة ونجاة. # { وإنا لنعلم أن منكم مكذبين }. # قال الربيع: بالقرآن، { وإنه لحسرة } يعني: القرآن { على ~~الكافرين } إما يوم القيامة إذا رأوا ثواب المصدقين به، أو في ~~الدنيا إذا رأوا دولة المؤمنين به، أو حين لم يقدروا على معارضته حين ~~تحداهم أن يأتوا بسورة مثله. # والحسرة: الندامة. # وقيل: " إنه لحسرة " يعني: التكذيب به، لدلالة مكذبين على المصدر دلالة ~~" السفيه " فيه في قوله: [الوافر] # 4856 - إذا نهي السفيه جرى إليه # وخالف، والسفيه إلى خلاف # أي: إلى السفه. # فصل فيمن استدل بالآية على أن الكفر ليس من الله # قال ابن الخطيب: وللمعتزلة أن يتمسكوا بهذه الآية، على أن الكفر ليس ~~من الله؛ لأنه وصف القرآن بأنه تذكرة للمتقين، ولم يقل: إنه ضلال ~~للمكذبين؛ بل نسب الضلال إليهم بقوله: { وإنا لنعلم أن ~~منكم مكذبين }. # والجواب: ما تقدم. # قوله: { وإنه لحق اليقين } يعني: القرآن العظيم، تنزيل من ms8710 ~~الله - عز وجل - فهو كحق اليقين. # وقيل: حقا يقينا لا بطلان فيه، ويقينا لا ريب فيه، ثم أضيف أحد ~~الوصفين إلى الآخرة للتأكيد، قاله ابن الخطيب. # وقال القرطبي: قال ابن عباس: إنما هو كقولك: عين اليقين ومحض ~~اليقين، ولو كان اليقين نعتا لم يجز أن يضاف إليه، كما لا تقول: هذا ~~رجل الظريف. # وقيل: أضافه إلى نفسه لاختلاف اللفظين. # وقوله: { فسبح باسم ربك العظيم }. # قال ابن عباس: أي: فصل لربك وقيل: نزه الله عن السوء ~~والنقائص، إما شكرا على ما جعلك أهلا لإيحائه إليك، وإما تنزيها ~~له عن الرضا بأن ينسب إليه الكذب من الوحي. # روى الثعلبي عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة الحاقة حاسبه الله - عز وجل - ~~حسابا يسيرا ". # وعن فضالة بن شريك، عن أبي الزاهرية قال: سمعته يقول: # " من قرأ إحدى عشرة آية من سورة الحاقة، أجير من ~~فتنة الدجال؛ ومن قرأها، كان له نورا من فوق ~~رأسه إلى قدميه ". ### | [70 - سورة المعارج] ### || [70.1-4] # قوله تعالى: { سأل سآئل بعذاب واقع }. # قرأ نافع وابن عامر: " سال سائل " بغير همز. # والباقون: بالهمز، فمن همز، فهو من السؤال، وهي اللغة الفاشية. # ثم لك في " سأل " وجهان: # أحدهما: أن يكون قد ضمن معنى " دعا " فلذلك تعدى بالباء، كما تقول: ~~دعوت بكذا، والمعنى: دعا داع بعذاب. # والثاني: أن يكون على أصله، والباء بمعنى " عن " ، كقوله: [الطويل] # 4856 م - فإن تسألوني بالنساء... # ....................... # فاسأل به خبيرا # [الفرقان: 59] وقد تقدم تحقيقه. # والأول أولى لأن التجوز في الفعل أولى منه في الحرف لقوته. # وأما القراءة بالألف ففيها ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها بمعنى قراءة الهمزة، وإنما خففت بقلبها ألفا، وليس بقياس ~~تخفيف مثلها، بل قياس تخفيفها، جعلها بين بين، والباء على هذا ~~الوجه كما في الوجه الذي تقدم. # الثاني: أنها من " سال يسال " مثل: خاف يخاف، وعين الكلمة واو. # قال الزمخشري: " وهي لغة قريش، يقولون: سلت تسال، وهما يتسايلان ". # قال أبو حيان: وينبغي أن يتثبت في قوله: " إنها لغة ms8711 قريش "؛ لأن ما ~~جاء في القرآن من باب السؤال هو مهموز، أو أصله الهمز، كقراءة من قرأ { ~~وسلوا } [النساء: 32]، إذ لا يجوز أن يكون من " سال " التي يكون ~~عينها واوا، إذ كان يكون " وسالوا الله " مثل " خافوا " فيبعد أن يجيء ~~ذلك كله على لغة غير قريش، وهم الذين نزل القرآن بلغتهم إلا يسيرا ~~فيه لغة غيرهم، ثم جاء في كلام الزمخشري: وهما " يتسايلان " بالياء، وهو ~~وهم من النساخ، إنما الصواب: يتساولان - بالواو - لأنه صرح أولا أنه ~~من السؤال، يعني بالواو الصريحة. # وقد حكى أبو زيد عن العرب: إنهما يتساولان. # الثالث: إنها من السيلان، والمعنى: " سال " واد في جهنم، يقال له: ~~سايل، وهو قول زيد بن ثابت. # فالعين ياء، ويؤيده قراءة ابن عباس: " سال سيل ". # قال الزمخشري: " والسيل مصدر في معنى السائل، كالغور بمعنى ~~الغائر، والمعنى: اندفع عليهم وادي عذاب " ، انتهى. # والظاهر الوجه الأول لثبوت ذلك لغة مشهورة، قال: [البسيط] # 4857 - سالت هذيل رسول الله فاحشة # ضلت هذيل بما سالت ولم تصب # وقرأ أبي بن كعب وعبد الله: " سال سال " مثل " مال ". # وتخريجها: أن الأصل: " سائل " فحذفت عين الكلمة، وهي الهمزة، واللام ~~محل الإعراب، وهذا كما قيل: هذا شاك في شائك السلاح. وقد تقدم الكلام ~~على مادة السؤال أول سورة " البقرة " فليلتفت إليه. # و " الباء " تتعلق ب " سال " من السيلان تعلقها ب " سأل " لما يزيد. # وجعل بعضهم الباء متعلقة بمصدر دل عليه فعل السؤال، كأنه قيل: ما ~~سؤالهم؟. # فقيل: سؤالهم بعذاب، كذا حكاه أبو حيان عن ابن الخطيب. # ولم يعترضه، وهذا عجيب، فإن قوله أولا: إنه متعلق بمصدر دل عليه فعل ~~السؤال ينافي تقديره بقوله: " سؤالهم بعذاب "؛ لأن الباء في هذا التركيب ~~المقدر تتعلق بمحذوف؛ لأنها خبر المبتدأ بالسؤال. # وقال الزمخشري: " وعن قتادة سأل سائل عن عذاب الله بمن ينزل وعلى من ~~يقع فنزلت، و " سأل " على هذا الوجه مضمن معنى عني واهتم، كأنه قيل: اهتم ~~مهتم بعذاب واقع ". # فصل في تفسير السؤال # قال القرطبي: الباء يجوز أن تكون بمعنى " عن ms8712 " والسؤال بمعنى الدعاء، ~~أي دعا داع بالعذاب، عن ابن عباس وغيره، يقال: دعا على فلان بالويل ودعا ~~عليه بالعذاب. # ويقال: دعوت زيدا، أي التمست إحضاره، والمعنى التمس ملتمس عذابا ~~للكافرين، وهو واقع بهم لا محالة يوم القيامة، وعلى هذا فالباء زائدة ~~كقوله تعالى: # تنبت بالدهن # [المؤمنون: 20]، وقوله تعالى: # وهزى إليك بجذع النخلة # [مريم: 23]، فهي تأكيد، أي: سأل سائل عذابا واقعا. # " للكافرين " أي: على الكافرين. # قيل: هو النضر بن الحارث حيث قال: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال: 32]، فنزل سؤاله، وقتل يوم " بدر " صبرا هو وعقبة بن أبي ~~معيط، لم يقتل صبرا غيرهما، قاله ابن عباس ومجاهد. # وقيل: # " إن السائل هنا هو الحارث بن النعمان الفهري، وذلك أنه لما بلغه قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم في علي رضي الله عنه: " من كنت مولاه ~~فعلي مولاه " ركب ناقته فجاء حتى أناخ راحلته بالأبطح، ثم قال: يا ~~محمد، أمرتنا عن الله، أن نشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، ~~فقبلناه منك، وأن نصلي خمسا، ونزكي أموالنا، فقبلناه منك، وأن نصوم شهر ~~رمضان في كل عام، فقبلناه منك، وأن نحج، فقبلناه منك، ثم لم ترض بهذا، ~~حتى فضلت ابن عمك علينا، أفهذا شيء منك أم من الله؟. # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " والله الذي لا إله إلا هو، ~~ما هو إلا من الله " فولى الحارث وهو يقول: اللهم إن كان ما يقول ~~محمد حقا، فأمطر علينا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب أليم، فوالله ~~ما وصل إلى ناقته، حتى رماه الله بحجر فوقع على دماغه، فخرج من دبره ~~فقتله، فنزلت { سأل سآئل بعذاب واقع } ". # وقال الربيع: السائل هنا أبو جهل وهو القائل ذلك. # وقيل: إنه قول جماعة من كفار قريش، وقيل: هو نوح - عليه الصلاة والسلام ~~- سأل العذاب على الكافرين. # وقيل: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عليهم بالعقاب، وطلب أن ~~يوقعه بالكفار، وهو واقع بهم ms8713 لا محالة، وامتد الكلام إلى قوله تعالى # فاصبر صبرا جميلا # [المعارج: 5]، أي: لا تستعجل فإنه قريب، وهذا يدل على أن ذلك السائل هو ~~الذي أمره الله بالصبر الجميل. # وقال قتادة: الباء بمعنى " عن " ، فكأن سائلا سأل عن العذاب بمن ~~وقع، أو متى يقع، قال الله تعالى: { فاسأل به خبيرا } ، أي: ~~فاسأل عنه، وقال علقمة: [الطويل] # 4858 - فإن تسألوني بالنساء... # .......................... # أي: عن النساء، فالمعنى: سلوني بمن وقع العذاب، ولمن يكون، فقال الله ~~تعالى: { للكافرين } وقال أبو علي وغيره: وإذا كان من السؤال، ~~فأصله أن يتعدى إلى مفعولين، ويجوز الاقتصار على أحدهما وإذا اقتصر على ~~أحدهما، جاز أن يتعدى إليه بحرف الجر، فيكون التقدير: سأل سائل النبي صلى ~~الله عليه وسلم أو المسلمين بعذاب أو عن عذاب. # قوله: { للكافرين }. فيه أوجه: # أحدها: أن يتعلق ب " سأل " مضمنا معنى " دعا " كما تقدم، أي: دعا لهم ~~بعذاب واقع. # الثاني: أن يتعلق ب " واقع " واللام للعلة، أي نازل لأجلهم. # الثالث: أن يتعلق بمحذوف، صفة ثانية ل " عذاب " أي كائن للكافرين. # الرابع: أن يكون جوابا للسائل، فيكون خبر مبتدأ مضمر، أي: هو للكافرين. # الخامس: أن تكون " اللام " بمعنى " على " ، أي: واقع على الكافرين. # ويؤيده قراءة أبي: " على الكافرين " ، وعلى هذا فهي متعلقة ب " واقع " ~~لا على الوجه الذي تقدم قبله. # قال الزمخشري: فإن قلت: بم يتصل قوله: " للكافرين "؟. # قلت: هو على القول الأول متصل ب " عذاب " صفة له أي بعذاب واقع كائن ~~للكافرين، أو بالفعل أي دعا للكافرين بعذاب واقع أو بواقع، أي: بعذاب ~~نازل لأجلهم. # وعلى الثاني: هو كلام مبتدأ جواب للسائل، أي: هو للكافرين انتهى. # قال أبو حيان: وقال الزمخشري: أو بالفعل، أي: دعا للكافرين، ثم قال: ~~وعلى الثاني، وهو ثاني ما ذكر في توجيهه للكافرين، قال: هو كلام مبتدأ، ~~وقع جوابا للسائل، أي: هو للكافرين، وكان قد قرر أن " سأل " في معنى " ~~دعا " فعدي تعديته، كأنه قال: دعا داع بعذاب، من قولك: دعا بكذا إذا ~~استدعاه وطلبه، ومنه قوله تعالى: # يدعون فيها بكل ms8714 فاكهة آمنين # [الدخان: 55] انتهى، فعلى ما قرره، أنه متعلق ب " دعا " يعني " بسأل ~~" ، فكيف يكون كلاما مبتدأ جوابا للسائل، أي: هو للكافرين، هذا لا يصح. # قال شهاب الدين: وقد غلط أبو حيان في فهمه عن أبي القاسم قوله: وعلى ~~الثاني إلى آخره، فمن ثم جاء التخليط الذي ذكره الزمخشري، إنما عنى ~~بالثاني قوله عن قتادة: سأل سائل عن عذاب الله على من ينزل وبمن يقع، ~~فنزلت، و " سأل " على هذا الوجه مضمن معنى " عني واهتم " ، فهذا هو الوجه ~~الثاني المقابل للوجه الأول، وهو أن " سأل " يتضمن معنى " دعا " ، ولا ~~أدري كيف تخبط حتى وقع، ونسب الزمخشري إلى الغلط، وأنه أخذ قول قتادة ~~والحسن وأفسده، والترتيب الذي رتبه الزمخشري، في تعلق " اللام " من أحسن ~~ما يكون صناعة ومعنى. # قال القرطبي: وقال الحسن: أنزل الله تعالى: { سأل سآئل ~~بعذاب واقع } ، وقال: لمن هو؟ فقال: " للكافرين " ، فاللام في " ~~للكافرين " متعلقة ب " واقع ". # وقال الفراء: التقدير: بعذاب للكافرين واقع، فالواقع من نعت العذاب، ~~فاللام دخلت للعذاب لا للواقع. # أي: هذا العذاب للكافرين في الآخرة، لا يدفعه عنهم أحد. # وقيل: إن اللام بمعنى " على " أي: واقع على الكافرين كما في قراءة ~~أبي المتقدمة. # وقيل: بمعنى " عن " أي: ليس له دافع عن الكافرين. # قوله: { ليس له دافع }. # يجوز أن يكون نعتا آخر ل " عذاب " ، وأن يكون مستأنفا، والأول أظهر. # وأن يكون حالا من " عذاب " لتخصصه، إما بالعمل وإما بالصفة، وأن يكون ~~حالا من الضمير في " للكافرين " إن جعلناه نعتا ل " عذاب ". # قوله: { من الله } يجوز أن يتعلق ب " دافع " بمعنى ليس له ~~دافع من جهته، إذا جاء وقته، وأن يتعلق ب " واقع " ، وبه بدأ الزمخشري، ~~أي: واقع من عنده. # وقال أبو البقاء: ولم يمنع النفي من ذلك؛ لأن " ليس " فعل. # كأنه استشعر أن ما قبل النفي لا يعمل فيما بعده. # وأجاب: بأن النفي لما كان فعلا ساغ ذلك. # قال أبو حيان: والأجود أن يكون " من الله " متعلقا ب " واقع " ~~، و { ليس له دافع } جملة اعتراض بين ms8715 العامل ومعموله. انتهى. # وهذا إنما يأتي على البدل، بأن الجملة مستأنفة، لا صفة ل " عذاب " ، ~~وهو غير الظاهر كما تقدم لأخذ الكلام بعضه بحجزة بعض. # قوله: " ذي " صفة لله، ومعنى: " ذي المعارج " ، أي: ذي العلو ~~والدرجات الفواضل والنعم؛ لأنها تصل إلى الناس على مراتب مختلفة، قاله ~~ابن عباس وقتادة. # " فالمعارج " ، مراتب إنعامه على الخلق. # وقيل: ذي العظمة والعلو. # وقال مجاهد: هي معارج السماء. # وقيل: هي السموات. # قال ابن عباس: أي: ذي السموات، سماها معارج الملائكة، لأن الملائكة ~~تعرج إلى السماء، فوصف نفسه بذلك. # وقيل: " المعارج " الغرف، أي: أنه ذو الغرف، أي: جعل لأوليائه في الجنة ~~غرفا. # وقرأ عبد الله: " ذي المعاريج " بالياء. # يقال: معرج، ومعراج، ومعارج، ومعاريج مثل مفتاح ومفاتيح. # والمعارج: الدرجات ومنه: # ومعارج عليها يظهرون # [الزخرف: 33] وتقدم الكلام على المعارج في " الزخرف ". # قوله: { تعرج }. العامة: بالتاء من فوق. # وقرأ ابن مسعود، وأصحابه، والسلمي، والكسائي: بالياء من تحت. # وهما كقراءتي: " فناداه الملائكة ونادته " [آل عمران: 39]، ~~" توفاه وتوفته " [الأنعام: 61]. # وأدغم أبو عمرو: الجيم في التاء. # واستضعفها بعضهم من حيث إن مخرج الجيم بعيد من مخرج التاء. # وأجيب عن ذلك بأنها قريبة من الشين؛ لأن النقص الذي في الشين يقربها ~~من مخرج التاء، والجيم تدغم في الشين لما بينهما من التقارب، في المخرج ~~والصفة، كما تقدم في # أخرج شطأه # [الفتح: 29] فحمل الإدغام في التاء، على الإدغام في الشين، لما بين ~~الشين والتاء من التقارب. # وأجيب أيضا: بأن الإدغام يكون لمجرد الصفات، وإن لم يتقاربا في ~~المخرج، والجيم تشارك التاء في الاستفال والانفتاح والشدة. # والجملة من " تعرج " مستأنفة. # قوله: " والروح " من باب عطف الخاص على العام، إن أريد بالروح جبريل، ~~أو ملك آخر من جنسهم، وأخر هنا وقدم في قوله: # يوم يقوم الروح والملائكة صفا # [النبأ: 38]؛ لأن المقام هنا يقتضي تقدم الجمع على الواحد، من حيث إنه ~~مقام تخويف، وتهويل. # فصل في تحرير معنى الآية # { تعرج الملائكة والروح إليه } ، أي: تصعد في المعارج ~~التي جعلها الله لهم. # قال ابن عباس: الروح: جبريل - عليه ms8716 السلام - لقوله تعالى: # نزل به الروح الأمين # [الشعراء: 193]. # وقيل: هو ملك آخر، عظيم الخلقة. # وقال أبو صالح: إنه خلق من خلق الله، كهيئة الناس وليس بالناس. # وقال قبيصة بن ذؤيب: إنه روح الميت حين تقبض. # قوله: " إليه " ، أي: إلى المكان الذي هو محلهم، وهو في السماء؛ لأنه ~~محل بره وكرامته وقيل: هو كقول إبراهيم # إني ذاهب إلى ربي # [الصافات: 99]، أي: إلى الموضع الذي أمرني به. # وقيل: " إليه " إلى عرشه. # قال شهاب الدين: الضمير في " إليه " ، الظاهر عوده على الله تعالى. # وقيل: يعود على المكان لدلالة الحال والسياق عليه. # قوله: " في يوم " ، فيه وجهان: # أظهرهما: تعلقه ب " تعرج ". # والثاني: أنه يتعلق ب " دافع ". # وعلى هذا فالجملة من قوله: " تعرج الملائكة " معترضة، و " كان ~~مقداره " صفة ل " يوم ". # قال ابن الخطيب: الأكثرون على أن قوله: " في يوم " صلة قوله: " ~~تعرج " ، أي: يحصل العروج في مثل هذا اليوم. # وقال مقاتل: بل هذا من صلة قوله: " بعذاب واقع " [وعلى هذا القول يكون ~~في الآية تقديم وتأخير، والتقدير: سأل سائل بعذاب واقع]، في يوم كان ~~مقداره خمسين ألف سنة. # وعلى التقدير الأول، فذلك اليوم، إما أن يكون في الآخرة، أو في الدنيا. ~~وعلى تقدير أن يكون في الآخرة، فذلك الطول إما أن يكون واقعا، وإما أن ~~يكون مقدرا، فإن كان معنى الآية: إن ذلك العروج يقع في يوم من أيام ~~الآخرة طوله خمسون ألف سنة، وهو يوم القيامة، وهذا قول الحسن، قال: وليس ~~يعني أن مقدار طوله هذا فقط؛ إذ لو كان كذلك لحصلت له غاية، ولنفيت الجنة ~~والنار عند انتهاء تلك الغاية، وهذا غير جائز، بل المراد: أن موقفهم ~~للحساب حين يفصل بين الناس خمسون ألف سنة من سني الدنيا بعد ذلك يستقر ~~أهل النار في النار، نعوذ بالله منها. # فصل في الاحتجاج لهذا القول # قال القرطبي: واستدل النحاس على صحة هذا القول بما روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " ما من رجل لم يؤد زكاة ماله إلا جعل له شجاعا ms8717 ~~من نار تكوى به جبهته وظهره وجنباه يوم ~~القيامة في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي ~~الله بين الناس " # وهذا يدل على أنه يوم القيامة. # وقال إبراهيم التيمي: ما قدر ذلك اليوم على المؤمن إلا ما قدر ما بين ~~ظهر يومنا وعصره. # وروي هذا المعنى مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " يحاسبكم الله تعالى بمقدار ما بين الصلاتين " # ولذلك سمى نفسه # سريع الحساب # [المائدة: 40]، و # أسرع الحاسبين # [الأنعام: 62]، وإنما خاطبهم على قدر فهم الخلائق، وإلا فلا يشغله شأن ~~عن شأن، وكما يرزقهم في ساعة يحاسبهم في لحظة، قال تعالى: # ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة # [لقمان: 28]. # والمعنى: لو ولي محاسبة العباد في ذلك اليوم غير الله، لم يفرغ منه في ~~خمسين ألف سنة. # قال البغوي: هذا معنى قول عطاء عن ابن عباس ومقاتل. # قال عطاء: ويفرغ الله منه في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا. # واعلم أن هذا الطول، إنما يكون في حق الكافر، وأما في حق المؤمن ~~فلا، لما روى أبو سعيد الخدري أنه قال: # " قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أطول هذا اليوم؟ فقال: " ~~والذي نفسي بيده إنه ليخف على المؤمن حتى إنه يكون ~~أخف من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا " ". # وقال بعضهم: إن ذلك، وإن طال، فيكون سببا لمزيد السرور والراحة لأهل ~~الجنة، ويكون سببا لمزيد الحزن والغم لأهل النار. # وأجيب: بأن الآخرة دار جزاء، فلا بد وأن يحصل للمثابين ثوابهم، ~~ودار الثواب هي الجنة لا الموقف، فإذا لا بد من تخصيص طول الموقف ~~بالكفار. # وقيل: هذه المدة على سبيل التقدير لا على التحقيق، أي: تعرج الملائكة ~~في ساعة قليلة، لو أراد أهل الدنيا العروج إليها كان مقدار مدتهم خمسين ~~ألف سنة. # وعن مجاهد والحسن وعكرمة: هي مدة إقامة عمر الدنيا من أول ما خلقت إلى ~~آخر ما بقي خمسون ألف سنة، وهو قول أبي مسلم. # فإن قيل: كيف الجمع بين هذه، وبين قوله في سورة " السجدة ": # في يوم ms8718 كان مقداره ألف سنة # [السجدة: 5] وقد قال ابن عباس: هي أيام سماها الله تعالى هو أعلم بها، ~~وأنا أكره أن أقول فيها ما لا أعلم؟. # فالجواب: يحتمل أن من أسفل العالم إلى أعلى العرش خمسين ألف سنة، ومن ~~أعلى سماء الدنيا إلى الأرض ألف سنة؛ لأن عرض كل سماء خمسمائة، وما ~~بين أسفل السماء إلى قرار الأرض خمسمائة، فقوله: { في يوم } يريد: في ~~يوم من أيام الدنيا، وهو مقدار ألف سنة لو صعدوا فيه إلى سماء الدنيا، ~~ومقدار خمسين ألف سنة لو صعدوا إلى أعلى العرش. ### || [70.5-14] # قوله: { فاصبر صبرا جميلا } قال ابن الخطيب: هذا متعلق ب " ~~سأل سائل "؛ لأن استعجالهم بالعذاب كان على وجه الاستهزاء برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والتعنت فأمر بالصبر. # ومن قرأ: " سال سائل " ، وسيل فالمعنى جاء العذاب لقرب وقوعه ~~فاصبر على أذى قومك، والصبر الجميل هو الذي لا جزع فيه، ولا شكوى ~~لغير الله. # وقيل: أن يكون صاحب مصيبة في القوم لا يدرى من هو. # قال ابن زيد والكلبي: هذه الآية منسوخة بالأمر بالقتال. # قوله: { إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا }. # الضمير في " إنهم " لأهل " مكة " ، وفي " يرونهم، ونراه " ~~لليوم إن أريد به يوم القيامة. # قال القرطبي: أي: نعلمه؛ لأن الرؤية إنما تتعلق بالموجود، كقولك: ~~الشافعي يرى في هذه المسألة كذا. # وقال الأعمش: يرون البعث بعيدا؛ لأنهم لا يؤمنون به، كأنهم ~~يستبعدونه على جهة الإحالة كمن يقول لمن يناظره: هذا بعيد لا يكون. # وقيل: الضمير يعود إلى العذاب بالنار، أي: غير كائن، " ونراه قريبا " ~~لأن ما هو آت، فهو قريب. # قوله: { يوم تكون } ، فيه أوجه: # أحدها: أنه متعلق ب " قريبا " وهذا إذا كان الضمير في " نراه " للعذاب ~~ظاهرا. # الثاني: أنه يتعلق بمحذوف يدل عليه " واقع " ، أي: يقع يوم يكون. # الثالث: أنه يتعلق بمحذوف مقدر بعده، أي: يوم يكون كان وكيت وكيت. # الرابع: أنه بدل من الضمير في " نراه " إذا كان عائدا على يوم ~~القيامة. # الخامس: أنه بدل عن " في يوم " ، فيمن علقه ب " واقع ". قاله ms8719 ~~الزمخشري. # وإنما قال: فيمن علقه " بواقع " لأنه إذا علق ب " تعرج " في ~~أحد الوجهين استحال أن يبدل عنه هذا لأن عروج الملائكة ليس هو في هذا ~~اليوم الذي تكون السماء كالمهل، والجبال كالعهن، ويشغل كل حميم عن ~~حميمه. # قال أبو حيان: " ولا يجوز هذا " يعني: إبداله من " في يوم " قال: لأن " ~~في يوم " وإن كان في موضع نصب لا يبدل منه منصوب؛ لأن مثل هذا ليس ~~بزائد، ولا محكوم له بحكم الزائد، ك " رب " وإنما يجوز مراعاة ~~الموضع في حرف الجر الزائد؛ كقوله: [الكامل] # 4859 - أبني لبينى لستما بيد # إلا يدا ليست لها عضد # ولذلك لا يجوز " مررت بزيد الخياط " على موضع " بزيد " ولا " مررت ~~بزيد وعمرا " ، ولا " غضب على زيد وجعفرا " ولا " مررت بزيد وأخاك " ~~على مراعاة الموضع. # قال شهاب الدين: قد تقدم أن قراءة # وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم # [المائدة: 6] من هذا الباب فمن نصب الأرجل فليكن هذا مثله. # ثم قال أبو حيان: فإن قلت: الحركة في " يوم " تكون حركة بناء لا حركة ~~إعراب، فهو مجرور مثل " في يوم ". # قلت: لا يجوز بناؤه على مذهب البصريين؛ لأنه أضيف إلى معرب، لكنه يجوز ~~على مذهب الكوفيين فيتمشى كلام الزمخشري على مذهبهم إن كان استحضره ~~وقصده انتهى. # قال شهاب الدين: إن كان استحضره فيه تحامل على الرجل، وأي كبير أمر في ~~هذا حتى لا ييستحضر مثل هذا. وتقدم الكلام على المهل في " الدخان ". # قوله: { وتكون الجبال كالعهن }. # قيل: " العهن " هو الصوف مطلقا، وقيل: يقدر كونه أحمر وهو أضعف ~~الصوف، ومنه قول زهير: [الطويل] # 4860 - كأن فتات العهن في كل منزل # يزال به حب الفنا لم يحطم # الفتات: القطع، والعهن: الصوف الأحمر، واحده عهنة. # وقيل: يقيد كونه مصبوغا ألوانا، وهذا أليق بالتشبيه؛ لأن الجبال ~~متلونة، كما قال تعالى: # جدد بيض وحمر # [فاطر: 27]. # والمعنى: أنها تلين بعد شدة، وتتفرق بعد الاجتماع. # وقيل: أول ما تتفرق الجبال تصير رمالا ثم عهنا منفوشا، ثم هباء ~~منثورا. # قوله: { ولا يسأل حميم حميما }. # قرأ العامة: " يسأل " مبنيا للفاعل، ms8720 والمفعول الثاني محذوف، فقيل: ~~تقديره: لا يسأله نصره، ولا شفاعته لعلمه أن ذلك مفقود. # وقيل: لا يسأله شيئا من حمل أو زاد. # وقيل: " حميما " منصوب على إسقاط الخافض، أي: عن حميم، لشغله عنه. ~~قاله قتادة. لقوله تعالى: # لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه # [عبس: 37]. # وقرأ أبو جعفر، وأبو حيوة، وشيبة، وابن كثير في رواية قال القرطبي: ~~والبزي عن عاصم: " يسأل " مبنيا للمفعول. # فقيل: " حميما " مفعول ثان لا على إسقاط حرف، والمعنى: لا يسأل إحضاره. # وقيل: بل هو على إسقاط " عن " ، أي: عن حميم، ولا ذو قرابة عن قرابته، ~~بل كل إنسان يسأل عن عمله، نظيره: # كل نفس بما كسبت رهينة # [المدثر: 38]. # قوله: { يبصرونهم } عدي بالتضعيف إلى ثان، وقام الأول مقام ~~الفاعل، وفي محل هذه الجملة وجهان: # أحدهما: أنها في موضع الصفة ل " حميم ". # والثاني: أنها مستأنفة. # قال الزمخشري: فإن قلت: ما موقع " يبصرونهم "؟ # قلت: هو كلام مستأنف، كأنه لما قال: { لا يسأل حميم حميما ~~} قيل: لعله لا يبصره، فقال: " يبصرونهم " ، ثم قال: ويجوز أن يكون ~~" يبصرونهم " صفة، أي: حميما مبصرين معرفين إياهم انتهى. # وإنما اجتمع الضميران في " يبصرونهم " وهما للحميمين حملا على معنى ~~العموم؛ لأنهما نكرتان في سياق النفي. # وقرأ قتادة: " يبصرونهم " مبنيا للفاعل، من " أبصر " ، أي: ~~يبصر المؤمن الكافر في النار. # فصل في قوله تعالى يبصرونهم # " يبصرونهم " ، أي: يرونهم، يقال: بصرت به أبصر، قال تعالى: # بصرت بما لم يبصروا به # [طه: 96]، ويقال: " بصرني زيد بكذا " فإذا حذفت الجار قلت: بصرني ~~زيد، فإذا بنيت الفعل للمفعول، وقد حذفت الجار، قلت: بصرت زيدا، فهذا ~~معنى: " يبصرونهم " أي: يعرف الحميم الحميم حين يعرفه، وهو مع ~~ذلك، لا يسأله عن شأنه لشغله بنفسه، فيبصر الرجل أباه، وأخاه، وقرابته، ~~وعشيرته، فلا يسأله، ولا يكلمه؛ لاشتغالهم بأنفسهم. # وقال ابن عباس: يتعارفون ساعة، ثم لا يتعارفون بعد ذلك. # وقال ابن عباس أيضا: يبصر بعضهم بعضا، فيتعارفون ثم يفر بعضهم ~~من بعض، فالضمير في " يبصرونهم " على هذا للكافر، والهاء والميم ~~للأقرباء. # وقال مجاهد: المعنى: يبصر الله المؤمنين ms8721 الكفار في يوم ~~القيامة، فالضمير في " يبصرونهم " للمؤمنين، والهاء والميم ~~للكفار. # وقال ابن زيد: المعنى: يبصر الله الكفار في النار الذين أضلوهم في ~~الدنيا، فالضمير في " يبصرونهم " للتابعين، والهاء والميم ~~للمتبوعين. # وقيل: إنه يبصر المظلوم ظالمه، والمقتول قاتله. # وقيل: إن الضمير في " يبصرونهم " يرجع إلى الملائكة، أي: يعرفون ~~أحوال الناس، فيسوقون كل فريق إلى ما يليق بهم، وتم الكلام عند ~~قوله: " يبصرونهم ". قوله: " يود المجرم " ، أي: يتمنى ~~الكافر { لو يفتدي من عذاب يومئذ } ، أي: من عذاب جهنم، ~~وقيل: المراد بالمجرم كل مذنب، وتقدم الكلام على قراءتي " يومئذ " ~~فتحا وجرا في " هود " والعامة: على إضافة " عذاب " ل " يومئذ ". # وأبو حيوة: بتنوين " عذاب " ، ونصب " يومئذ " ، على الظرف. # قال ابن الخطيب: وانتصابه بعذاب؛ لأن فيه معنى تعذيب. # وقال أبو حيان هنا: " والجمهور يكسرها - أي: ميم يومئذ - والأعرج وأبو ~~حيوة: يفتحها " انتهى. # وقد تقدم أن الفتح قراءة نافع، والكسائي. # قوله: { وفصيلته التي تؤويه }. # قال ثعلب: الفصيلة: الآباء الأدنون. # وقال أبو عبيدة: الفخذ. # وقال مجاهد وابن زيد: عشيرته الأقربون. # وقد تقدم ذكر ذلك عند قوله: " شعوبا وقبائل ". # وقال المبرد: الفصيلة: القطعة من أعضاء الجسد، وهي دون القبيلة، ~~وسميت عترة الرجل فصيلته تشبيها بالبعض منه. # قال ابن الخطيب: فصيلة الرجل: أقرباؤه الأقربون الذين فصل عنهم، ~~وينتمي إليهم؛ لأن المراد من الفصيلة المفصولة؛ لأن الولد يكون مفصولا ~~من الأبوين، قال عليه الصلاة والسلام: # " فاطمة قطعة مني " # فلما كان مفصولا منهما، كانا أيضا مفصولين منه، فسميا فصيلة لهذا ~~السبب. # وكان يقال للعباس رضي الله عنه: فصيلة النبي صلى الله عليه وسلم لأن ~~العم قائم مقام الأب. # وقوله: " التي تؤويه " ، أي: ينصرونه. # وقال مالك: أمه التي تربيه، حكاه الماوردي، ورواه عنه أشهب. # قال شهاب الدين: ولم يبدله السوسي عن أبي عمرو، قالوا: لأنه يؤدي إلى ~~لفظ هو أثقل منه، والإبدال للتخفيف. # وقرأ الزهري: " تؤويه، وتنجيه " بضم هاء الكناية، على الأصل. # و " ثم ننجيه " عطف على " يفتدي " فهو داخل في خبر " لو " ~~وتقدم الكلام فيها، هل هي مصدرية أم شرطية ms8722 في الماضي، ومفعول " ~~يود " محذوف، أي: يود النجاة. # وقيل: إنها هنا بمعنى " أن " وليس بشيء، وفاعل " ينجيه " إما ضمير ~~الافتداء الدال عليه " يفتدي " ، أو ضمير من تقدم ذكرهم، وهو قوله: ~~{ ومن في الأرض }. # و { من في الأرض } مجرور عطفا على " بنيه " وما بعده، أي: ~~يود الافتداء بمن في الأرض أيضا و " حميما " إما حال، وإما تأكيد، ~~ووحد باعتبار اللفظ. # فصل فيما يترتب على معنى " فصيلته " من أحكام # إذا وقف على فصيلته، أو أوصى لها فمن ادعى العموم حمله على عشيرته، ومن ~~ادعى الخصوص حمله على الآباء الأدنى فالأدنى، والأول أكثر في النطق، ~~قاله القرطبي و " تؤويه " تضمه وتؤمنه من خوف إن كان به، { ومن في ~~الأرض جميعا } ، أي: ويود لو فدي بهم لافتدى " ثم ينجيه " ~~أي: ويخلصه ذلك الفداء، فلا بد من هذا الإضمار، كقوله: # وإنه لفسق # [الأنعام: 121] أي: وإن أكله لفسق. # وقيل: " يود المجرم " يقتضي جوابا بالفاء كقوله: # ودوا لو تدهن فيدهنون # [القلم: 9]. # والجواب في هذه الآية " ثم ينجيه " لأنها من حروف العطف، أي ~~يود المجرم لو يفتدي، وينجيه الافتداء. ### || [70.15-18] # قوله: " كلا ". ردع وزجر. # قال القرطبي: " وإنما تكون بمعنى " حقا " ، وبمعنى " لا " وهي هنا ~~تحتمل الأمرين، فإذا كانت بمعنى " حقا " فإن تمام الكلام " ينجيه " ~~وإذا كانت بمعنى " لا " كان تمام الكلام عليها. إذ ليس ينجيه من عذاب ~~الله إلا الافتداء ". # قوله: { إنها لظى نزاعة } في الضمير ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه ضمير النار، وإن لم يجر لها ذكر لدلالة لفظ عذاب عليها. # والثاني: أنه ضمير القصة. # الثالث: أنه ضمير مبهم يترجم عنه الخبر، قاله الزمخشري. وقد تقدم ~~تحقيق ذلك في قوله تعالى: # إن هي إلا حياتنا الدنيا # [الأنعام: 29]. # فعلى الأول يجوز في " لظى، نزاعة " أوجه: # أحدها: أن يكون " لظى " خبر " إن " أي إن النار لظى، و " نزاعة للشوى ~~" خبر ثان، أو خبر مبتدأ مضمر، أي هي نزاعة، أو تكون " لظى " بدلا من ~~الضمير المنصوب و " نزاعة " خبر " إن ". # وعلى الثاني: تكون " لظى نزاعة " جملة من مبتدأ وخبر في محل ms8723 رفع ~~خبرا ل " إن " ، مفسرة لضمير القصة، وكذا على الوجه الثالث. # ويجوز أن تكون " نزاعة " صفة ل " لظى " إذا لم نجعلها علما، بل ~~بمعنى اللهب، وإنما أنث النعت، فقيل: " نزاعة " لأن اللهب بمعنى ~~النار، قاله الزمخشري. # وفيه نظر؛ لأن " لظى " ممنوعة من الصرف اتفاقا. # قال أبو حيان بعد حكايته الثالث عن الزمخشري: " ولا أدري ما هذا المضمر ~~الذي ترجم عنه الخبر، وليس هذا من المواضع التي يفسر فيها المفرد ~~الضمير، ولولا أنه ذكر بعد هذا أو ضمير القصة لحملت كلامه عليه ". # قال شهاب الدين: متى جعله ضميرا مبهما، لزم أن يكون مفسرا بمفرد، ~~وهو إما " لظى " على أن تكون " نزاعة " خبر مبتدأ مضمر، وإما " ~~نزاعة " على أن تكون " لظى " بدلا من الضمير وهذا أقرب، ولا يجوز ~~أن تكون " لظى، نزاعة " مبتدأ وخبر، والجملة خبر ل " إن " على أن ~~يكون الضمير مبهما، لئلا يتحد القولان، أعني هذا القول، وقول: إنها ~~ضمير القصة ولم يعهد ضمير مفسر بجملة إلا ضمير الشأن والقصة. # وقرأ العامة: " نزاعة " بالرفع. # وقرأ حفص، وأبو حيوة والزعفراني، واليزيدي، وابن مقسم: " ~~نزاعة " بالنصب. وفيها وجهان: # أحدهما: أن ينتصب على الحال، واعترض عليه أبو علي الفارسي، وقال: حمله ~~على الحال بعيد، لأنه ليس في الكلام ما يعمل في الحال. # قال القرطبي: " ويجوز أن يكون حالا على أنه حال للمكذبين بخبرها ". # وفي صاحبها أوجه: # أحدها: أنه الضمير المستكن في " لظى "؛ وإن كانت علما فهي جارية ~~مجرى المشتقات ك " الحارث والعباس " ، وذلك لأنها بمعنى التلظي، وإذا ~~عمل العلم الصريح والكنية في الظرف، فلأن يعمل العلم الجاري مجرى ~~المشتقات في الأحوال أولى، ومن مجيء ذلك قوله: [السريع أو الرجز] # 4861 - أنا أبو المنهال بعض الأحيان # ضمنه بمعنى أنا المشهور في بعض الأحيان. # الثاني: أنه فاعل " تدعو " وقدمت حاله عليه، أي: تدعو حال كونها ~~نزاعة. # ويجوز أن تكون هذه الحال مؤكدة، لأن " لظى " هذا شأنها، وهو معروف ~~من أمرها، وأن تكون مبنية؛ لأنه أمر توقيفي. # الثالث: أنه محذوف هو والعامل تقديره: تتلظى نزاعة، ودل ms8724 عليه " لظى ~~". # الثاني من الوجهين الأولين: أنها منصوبة على الاختصاص، وعبر عنه ~~الزمخشري بالتهويل. كما عبر عن وجه رفعها على خبر ابتداء مضمر، ~~والتقدير: أعني نزاعة وأخصها. # وقد منع المبرد نصب " نزاعة " ، قال: لأن الحال إنما يكون فيما يجوز ~~أن يكون وألا يكون و " لظى " لا تكون إلا نزاعة، قاله عنه مكي. # ورد عليه بقوله تعالى: # وهو الحق مصدقا # [البقرة:91]، # وهذا صراط ربك مستقيما # [الأنعام: 126] قال: فالحق لا يكون إلا مصدقا، وصراط ربك لا يكون ~~إلا مستقيما. # قال شهاب الدين: المبرد بني الأمر على الحال المبنية، وليس ذلك ~~بلازم؛ إذ قد وردت الحال مؤكدة كما أورده مكي، وإن كان خلاف الأصل، ~~واللظى في الأصل: اللهب، ونقل علما لجهنم، ولذلك منع من الصرف. # وقيل: هو اسم للدركة الثانية من النار، والشوى: الأطراف جمع شواة، ~~ك " نوى، ونواة "؛ قال الشاعر: [الوافر] # 4862 - إذا نظرت عرفت النحر منها # وعينيها ولم تعرف شواها # يعني: أطرافها. # وقيل: الشوى: الأعضاء التي ليست بمقتل، ومنه: رماه فأشواه، أي لم ~~يصب مقتله، وشوى الفرس: قوائمه، لأنه يقال: عبل الشوى. # وقيل: الشوى: جمع شواة وهي جلدة الرأس؛ وأنشد الأصمعي: [مجزوء الكامل] # 4863 - قالت قتيلة: ما له # قد جللت شيبا شواته # وقيل: هو جلد الإنسان، والشوى أيضا: رذال المال، والشيء اليسير. # فصل في معنى الآية # قال ثابت البناني والحسن: " نزاعة للشوى ": أي لمكارم وجهه. وعن ~~الحسن أيضا: إنه الهام. # وقال أبو العالية: لمحاسن وجهه. # وقال قتادة: لمكارم خلقته وأطرافه. # وقال الضحاك: تفري اللحم والجلد عن العظم حتى لا تترك منه شيئا. # وقال الكسائي: هي المفاصل. # وقيل: هي القوائم والجلود. # قال امرؤ القيس: [الطويل] # 4864 - سليم الشظى، عبل الشوى، شنج النسا # له حجبات مشرفات على الفال # قوله: { تدعو من أدبر }. # يجوز أن يكون خبرا ل " إن " أو خبرا لمبتدأ محذوف، أو حال من " ~~لظى " أو من " نزاعة " على القراءتين فيها؛ لأنها تتحمل ضميرا. # فصل في المراد بالآية # المعنى: تدعو " لظى " من أدبر في الدنيا عن الطاعة لله " وتولى " ~~عن الإيمان ودعاؤها ms8725 أن تقول: يا مشرك إلي يا كافر إلي. # وقال ابن عباس: تدعو الكافرين والمنافقين بأسمائهم بلسان فصيح: إلي ~~يا كافر، إلي يا منافق، ثم تلتقطهم كما تلتقط الطير الحب. # وقال ثعلب: " تدعو " ، أي: تهلك، تقول العرب: دعاك الله، أي: أهلكك ~~الله. # وقال الخليل: إنه ليس كالدعاء " تعالوا " ولكن دعوتها إياهم تمكنها ~~منهم، ومن تعذيبهم. # وقيل: الداعي: خزنة جهنم أضيف دعاؤهم إليها. # وقيل: هو ضرب مثل، أي: أنها تدعوهم بلسان الحال، أي: إن مصير من أدبر، ~~وتولى إليها، فكأنها الداعية لهم. # ومثله قول الشاعر: [الكامل] # 4865 - ولقد هبطنا الواديين فواديا # يدعو الأنيس به الغضيض الأبكم # الغضيض الأبكم: الذباب، وهو لا يدعو، وإنما طنينه نبه عليه فدعا ~~له. # قال القرطبي: " والقول الأول هو الحقيقة لظاهر القرآن، والأخبار ~~الصحيحة ". # قال القشيري: ودعا لظى بخلق الحياة فيها حين تدعو، وخوارق ~~العادة غدا كثيرة. # قوله: { وجمع فأوعى }. أي: جمع المال فجعله في وعاء، ومنع منه ~~حق الله تعالى، فكان جموعا منوعا. # قال ابن الخطيب: " جمع " إشارة إلى حب الدنيا، والحرص عليها، " ~~وأوعى " إشارة إلى الأمل، ولا شك أن مجامع آفات الدين ليست إلا ~~هذه. # وقيل: " جمع " المعاصي " فأوعى " أي: أكثر منها حتى أثقلته، ~~وأصر عليها، ولم يتب منها. ### || [70.19-35] # قوله: { إن الإنسان خلق هلوعا }. # قال الضحاك: المراد بالإنسان هنا الكافر. # وقيل: عام لأنه استثنى منه المصلين، فدل على أن المراد به الجنس، فهو ~~كقوله: # إن الإنسان لفى خسر إلا الذين آمنوا # [العصر: 2، 3]. و " هلوعا " حال مقدرة. # والهلع مفسر بما بعده، وهو قوله " إذا، وإذا ". # قال ثعلب: سألني محمد بن عبد الله بن طاهر: ما الهلع؟. # فقلت: قد فسره الله، ولا يكون أبين من تفسيره، وهو الذي إذا ناله ~~شر أظهر شدة الجزع، وإذا ناله خير بخل به ومنعه. انتهى. # وأصله في اللغة على ما قال أبو عبيد: أشد الحرص وأسوأ الجزع، وهو قول ~~مجاهد وقتادة وغيرهما. # وقد هلع - بالكسر - يهلع هلعا وهلاعا فهو هلع وهالع وهلوع، على ~~التكثير. # وقيل: هو الجزع والاضطراب السريع عند مس ms8726 المكروه، والمنع السريع ~~عند مس الخير من قولهم: " ناقة هلواع " ، أي: سريعة السير، قال ~~المفسرون: معناه: أنه لا يصبر في خير ولا شر، حتى يفعل فيهما ما لا ~~ينبغي. # روى السدي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: الهلواع، الحريص على ما لا ~~يحل له. # وقال عكرمة: هو الضجور. # وقال الضحاك: هو الذي لا يشبع. # والمنوع: هو الذي إذا أصاب حق المال منع منه حق الله تعالى. # وقال ابن كيسان: خلق الله الإنسان يحب ما يسره، ويرضيه، ويهرب ~~مما يكرهه، ثم تعبده الله بإنفاق ما يحب والصبر على ما يكره. # وقال أبو عبيدة: الهلواع الذي إذا مسه الخير لم يشكر، وإذا مسه ~~الضر لم يصبر. # وقال عليه الصلاة والسلام: # " شر ما أعطي العبد شح هالع، وجبن خالع ". # والعرب تقول: ناقة هلواعة، وهلواع إذا كانت سريعة السير خفيفة؛ قال: ~~[الكامل] # 4866 - صكاء ذعلبة إذا استدبرتها # حرج إذا استقبلتها هلواع # الذعلب والذعلبة: الناقة السريعة. # فصل في إعراب الآية # " جزوعا، ومنوعا " فيهما ثلاثة أوجه: # أحدها: أنهما منصوبان على الحال من الضمير في " هلوعا " ، وهو ~~العامل فيهما، والتقدير: هلوعا حال كونه جزوعا، وقت مس ~~الشر، ومنوعا وقت مس الخير، والظرفان معمولان لهاتين الحالتين. # وعبر أبو البقاء عن هذا الوجه بعبارة أخرى فقال: " جزوعا " حال ~~أخرى، والعامل فيها " هلوعا ". # فقوله: " أخرى " يوهم أنها حال ثانية وليست متداخلة لولا قوله: ~~والعامل فيها هلوعا. # والثاني: أن يكونا خبرين ل " كان " ، أو " صار " مضمرة، أي: إذا مسه ~~الشر كان، أو صار جزوعا، وإذا مسه الخير كان أو صار منوعا، ~~قاله مكي. # وعلى هذا ف " إذا " شرطية، وعلى الأول ظرف محض، العامل فيه ما بعده كما ~~تقدم. # الثالث: أنهما نعت ل " هلوعا " ، قاله مكي، إلا أنه قال: ~~وفيه بعد؛ لأنك تنوي به التقديم بعد " إذا " انتهى. # وهذ الاستبعاد ليس بشيء، فإنه غاية ما فيه تقديم الظرف على عامله. # وإنما المحذور تقديمه معمول النعت على المنعوت. # فصل في كلام القاضي # قال القاضي: قوله تعالى { إن الإنسان خلق هلوعا } نظير ~~قوله: ms8727 # خلق الإنسان من عجل # [الأنبياء: 37]، وليس المراد أنه مخلوق على هذه الصفة؛ لأن الله - ~~تعالى - ذمه عليها، والله - تعالى - لا يذم فعله، ولأنه استثنى ~~المؤمنين الذين جاهدوا أنفسهم في ترك الخصلة المذمومة، ولو كانت هذه ~~الخصلة ضرورية حاصلة بخلق الله تعالى، لما قدروا على تركها. # قال ابن الخطيب: واعلم أن الهلع لفظ واقع على أمرين: # أحدهما: الحالة النفسانية التي لأجلها يقدم الإنسان على إظهار الجزع ~~والفزع. # والثاني: تلك الأفعال الظاهرة من القول والفعل الدالة على تلك الحالة ~~النفسانية، فلا شك أنها تحدث بخلق الله - تعالى - لأن من خلقت ~~نفسه على تلك الحالة لا يمكنه إزالة تلك الحالة من نفسه، بل ~~الأفعال الظاهرة من القول والفعل يمكنه تركها والإقدام عليها فهي ~~أمور اختيارية. # وأما الحالة النفسانية التي هي الهلع في الحقيقة، فهي مخلوقة على ~~سبيل الاضطرار. # فصل في المراد بالشر والخير في الآية # قوله: { إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير ~~منوعا }. # قيل: المراد بالخير والشر: الغنى والفقر، أو الصحة والمرض، ~~والمعنى: أنه إذا صار فقيرا أو مريضا أخذ في الجزع والشكاية، وإذا ~~صار غنيا، أو صحيحا أخذ في منع المعروف، وشح بماله. # فإن قيل: حاصل هذا الكلام أنه نفور عن المضار لطلب الراحة، وهذا ~~هو اللائق بالعقل، فلم ذمه الله عليه. # فالجواب: إنما ذمه الله عليه لقصور نظره على الأمور ~~العاجلة، والواجب عليه أن يكون شاكرا راضيا في كل حال. # قوله: { إلا المصلين }. # قال النخعي: المراد ب " المصلين ": الذين يؤدون الصلاة المكتوبة. # وقال ابن مسعود: هم الذين يصلونها لوقتها، فأما تركها فكفر. # وقيل: هم الصحابة وقيل: هم المؤمنون عامة. # قوله: { الذين هم على صلاتهم دآئمون } أي: على ~~مواقيتها. # وقال عقبة بن عامر: الذين إذا صلوا لم يلتفتوا يمينا ولا شمالا. # و " الدائم " الساكن، ومنه: " نهى عن البول في الماء الدائم " ، أي: ~~الساكن. # وقال ابن جريج والحسن: هم الذين يكثرون فعل التطوع منها. # فإن قيل: كيف قال: { على صلاتهم دآئمون } وقال في موضع آخر: # على صلواتهم يحافظون # [المؤمنون: 9]. # قال ابن الخطيب: ms8728 دوامهم عليها ألا يتركوها في وقت من الأوقات، ~~ومحافظتهم عليها ترجع إلى الاهتمام بحالها، حتى يأتي بها على أكمل الوجوه ~~من المحافظة على شرائطها، والإتيان بها في الجماعة وفي المساجد الشريفة ~~والاجتهاد في تفريغ القلب عن الوسواس والرياء والسمعة، وألا يلتفت ~~يمينا ولا شمالا، وأن يكون حاضر القلب فاهما للأذكار، مطلعا على حكم ~~الصلاة متعلق القلب بدخول أوقات الصلوات. # قوله: { والذين في أموالهم حق معلوم }. # قال قتادة وابن سيرين: يريد الزكاة المفروضة. # وقال مجاهد: سوى الزكاة، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: صلة ~~الرحم وحمل الكل. # والأول أصح؛ لأنه وصف الحق بأنه معلوم، والمعلوم هو المقدر، وسوى الزكاة ~~ليس بمعلوم إنما هو قدر الحاجة، وذلك يقل ويكثر. # وقال ابن عباس: من أدى زكاة ماله فلا جناح عليه أن لا يتصدق، ~~وأيضا فالله - تعالى - استثناه ممن ذمه، فدل على أن الذي لا ~~يعطي هذا الحق يكون مذموما، ولا حق على هذه الصفة إلا الزكاة. # وقوله: { للسآئل والمحروم }. تقدم في الذاريات. # قوله: # والذين يصدقون بيوم الدين # [المعارج: 26]، أي: بيوم الجزاء، وهو يوم القيامة، أي: يؤمنون بالبعث، ~~والنشور. # { والذين هم من عذاب ربهم مشفقون } ، أي: خائفون، ~~والإشفاق: الخوف إما من ترك واجب، وإما من فعل محظور، ثم أكد ذلك ~~الخوف بقوله: # { إن عذاب ربهم غير مأمون }. # قال ابن عباس: لمن أشرك أو كذب أنبياءه. # وقيل: لا يأمنه أحد، بل الواجب على كل أحد أن يخافه ويشفق منه. # { والذين هم لفروجهم حافظون إلا على ~~أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ~~ملومين فمن ابتغى ورآء ذلك فأولئك هم ~~العادون } تقدم تفسيره في سورة " المؤمنون " [المؤمنين: 5، 6، 7]. # { والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون } تقدم ~~أيضا [المؤمنين: 8]. # وقرىء: " لأمانتهم " على التوحيد، وهي قراءة ابن كثير وابن محيصن. # ف " الأمانة " اسم جنس تدخل فيها أمانات الدين، فإن الشرائع ~~أمانات ائتمن الله عليها عباده، ويدخل فيها أمانات الناس من ~~الودائع، وقد مضى ذلك. # قوله: { والذين هم بشهاداتهم قائمون }. # قرأ حفص: " بشهاداتهم " جمعا،اعتبارا بتعدد الأنواع، والباقون: ~~بالإفراد، أو المراد ms8729 الجنس. # قال الواحدي: والإفراد أولى؛ لأنه مصدر، فيفرد كما تفرد المصادر، ~~وإن أضيف إلى الجمع ك # لصوت الحمير # [لقمان: 19] ومن جمع ذهب إلى اختلاف الشهادات. # قال أكثر المفسرين: يقومون بالشهادة على من كانت عليه من قريب وبعيد ~~يقومون بها عند الحكام، ولا يكتمونها. # وقال ابن عباس: بشهادتهم: أن الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ~~ورسوله. # قوله: { والذين هم على صلاتهم يحافظون }. # قال قتادة: على وضوئها وركوعها وسجودها، فالدوام خلاف المحافظة فدوامهم ~~عليها محافظتهم على أدائها لا يخلون بها، ولا يشتغلون عنها بشيء من ~~الشواغل، ومحافظتهم عليها أن يراعو إسباغ الوضوء لها، ومواقيتها، ~~ويقيموا أركانها، ويكملوها بسننها، وآدابها، ويحفظونها من الإحباط ~~باقتراف المآثم، فالدوام يرجع إلى نفس الصلوات، والمحافظة على أحوالها، ~~ذكره القرطبي. # ثم قال: { أولئك في جنات مكرمون } ، أي: أكرمهم الله ~~فيها، بأنواع الكرامات. ### || [70.36-39] # قوله: { فمال الذين كفروا قبلك مهطعين }. # روي أن المشركين كانوا يجتمعون حول النبي صلى الله عليه وسلم يستمعون ~~كلامه، ويستهزئون به ويكذبونه، ويقولون: إن دخل هؤلاء الجنة كما يقول ~~محمد صلى الله عليه وسلم فلندخلنها قبلهم، فنزلت هذه الآية إلى قوله: { ~~أيطمع كل امرىء منهم أن يدخل جنة نعيم ~~كلا }. # وقال أبو مسلم: ظاهر الآية يدل على أنهم هم المنافقون، فهم الذين كانوا ~~عنده، وإسراعهم المذكور هو الإسراع في الكفر، لقوله تعالى: # ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر # [آل عمران: 176]. # و " الإهطاع ": الإسراع. # قال الأخفش: " مهطعين " ، أي: مسرعين، قال: [الوافر] # 4867 - بمكة أهلها ولقد أراهم # إليه مهطعين إلى السماع # والمعنى: ما بالهم يسرعون إليك، ويجلسون حولك، ويعملون بما ~~تأمرهم. # وقيل: ما بالهم يسرعون في التكذيب لك. # وقيل: ما بال الذين كفروا يسرعون إلى السماع منك ليعيبوك ويستهزئوا ~~بك. # وقال عطية: " مهطعين ": معرضين. # وقال الكلبي: ناظرين إليك تعجبا. # وقال قتادة: مادين أعناقهم مديمي النظر إليك، وذلك من نظر العدو، وهو ~~منصوب على الحال. # قال القرطبي: نزلت في جميع المنافقين المستهزئين، كانوا يحضرونه - ~~عليه الصلاة والسلام - ولا يؤمنون به، و " قبلك " ، أي: نحوك. # قوله: { عن ms8730 اليمين وعن الشمال عزين }. # أي: عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم وشماله حلقا حلقا وجماعات. # قوله: " عزين " ، حال من " الذين كفروا ". # وقيل: حال من الضمير في " مهطعين " فيكون حالا متداخلة، و " عن ~~اليمين " ، يجوز أن يتعلق ب " عزين "؛ لأنه بمعنى متفرقين. قاله ~~أبو البقاء. # وأن يتعلق ب " مهطعين " أي: مسرعين عن هاتين الجهتين، وأن يتعلق ~~بمحذوف على أنه حال، أي: كائنين عن اليمين. قاله أبو البقاء. # و " عزين " جمع عزة، والعزة: الجماعة. قال مكي. # قال مكي: " وإنما جمع بالواو والنون؛ لأنه مؤنث لا يعقل؛ ليكون ذلك ~~عوضا مما حذف منه ". # قيل: إن أصله: عزهة، كما أن أصل سنة: سنهة، ثم حذفت الهاء، انتهى. # قال شهاب الدين: قوله: لا يعقل سهو، لأن الاعتبار بالمدلول، ومدلوله ~~- بلا شك - عقلاء. واختلفوا في لام " عزة " على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها " واو " من: " عزوته أعزوه " ، أي: نسبته، وذلك أن ~~المنسوب مضموم إلى المنسوب إليه، كما أن كل جماعة مضموم بعضها إلى ~~بعض. # الثاني: أنها " ياء " ، إذ يقال " عزيته " - بالياء - أعزيه بمعنى ~~عزوته، فعلى هذا في لامها لغتان. # الثالث: أنها هاء، وتجمع تكسيرا على " عزه " نحو كسرة وكسر، ~~واستغني بهذا التكسير عن جمعها بالألف والتاء، فلم يقولوا: " عزات " كما ~~لم يقولوا في " شفة وأمة: شفات ولا أمات " استغناء ب " شفاه وإماء ". # وقد كثر وروده مجموعا ب " الواو " والنون؛ قال الراعي: [الكامل] # 4868 - أخليفة الرحمن إن عشيرتي # أمسى سراتهم عزين فلولا # وقال الكميت: [الوافر] # 4869 - ونحن وجندل باغ تركنا # كتائب جندل شتى عزينا # وقال عنترة: [الوافر] # 4870 - وقرن قد تركت لذي ولي # عليه الطير كالعصب العزين # وقال آخر: [الوافر] # 4871 - ترانا عنده والليل داج # على أبوابه حلقا عزينا # وقال الشاعر: [الوافر] # 4872 - فلما أن أتين على أضاخ # تركن حصاه أشتاتا عزينا # والعزة لغة: الجماعة في تفرقة، قاله أبو عبيدة. # ومنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم # " أنه خرج إلى أصحابه فرآهم حلقا، فقال: " ما لي أراكم عزين، ~~ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها " ، قالوا: وكيف ms8731 تصف ~~الملائكة؟ قال: " يتمون الصف الأول فيتراصون في الصف " ". # وقال الأصمعي: العزون: الأصناف، يقال: في الدار عزون، أي: ~~أصناف. # وفي " الصحاح ": " العزة " الفرقة من الناس. # وقيل: العزة: الجماعة اليسيرة كالثلاثة والأربعة. # وقال الراغب: " وقيل: هو من قولهم: عزا عزاء فهو عز إذا صبر، ~~وتعزى: تصبر، فكأنها اسم للجماعة التي يتأسى بعضها ببعض ". # قال القرطبي: ويقال: عزون، وعزون - بالضم - ولم يقولوا: عزات، ~~كما قالوا: ثبات، قيل: كان المستهزئون خمسة أرهط. # وقال الأزهري: وأصلها من قولهم: عزا فلان نفسه إلى بني فلان ~~يعزوها عزوا إذا انتمى إليهم، والاسم: " العزوة " ، كل جماعة ~~اعتزوها إلى آخر واحد. # قوله: { أن يدخل }. # العامة: على بنائه للمفعول. # وزيد بن علي، والحسن، وابن يعمر، وأبو رجاء، وعاصم في رواية، قال ~~القرطبي: وطلحة بن مصرف، والأعرج على بنائه للفاعل. # فصل في تعلق الآية بما بعدها # لما قال المستهزئون: إن دخل هؤلاء الجنة كما يقول محمد فلندخلنها ~~قبلهم، أجابهم الله - تعالى - بقوله: { كلا } لا يدخلونها، ثم ابتدأ ~~فقال: { إنا خلقناهم مما يعلمون } أي: أنهم يعلمون أنهم ~~مخلوقون من نطفة، ثم من علقة، ثم كما خلق سائر جنسهم، فليس لهم فضل ~~يستوجبون به الجنة، وإنما يستوجب بالإيمان، والعمل الصالح، ورحمة الله ~~تعالى. # وقيل: كانوا يستهزئون بفقراء المسلمين ويتكبرون عليهم، فقال: { إنا ~~خلقناهم مما يعلمون } ، أي: من القذر، فلا يليق بهم هذا ~~التكبر. # وقال قتادة في هذه الآية: إنما خلقت يا ابن آدم من قذر فاتق ~~الله. # وروي أن مطرف بن عبد الله بن الشخير، رأى المهلب بن أبي صفرة ~~يتبختر في مطرف خز وجبة خز، فقال له: يا عبد الله، ما هذه المشية ~~التي يبغضها الله؟. # فقال له: أتعرفني، قال: نعم، أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، ~~وأنت تحمل العذرة، فمضى المهلب وترك مشيته. # قال ابن الخطيب: ذكروا في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوها: # أحدها: لما احتج على صحة البعث دل على أنهم كانوا منكرين للبعث، فكأنه ~~قيل لهم: كلا إنكم منكرون للبعث فمن أين تطمعون بدخول الجنة. # وثانيها: أن ms8732 المستهزئين كانوا يستحقرون المؤمنين - كما تقدم - فقال ~~تعالى: إن هؤلاء المستهزئين مخلوقون مما خلقوا، فكيف يليق بهم هذا ~~الاحتقار؟. # وثالثها: أنهم مخلوقون من هذه الأشياء المستقذرة، ولم يتصفوا ~~بالإيمان، والمعرفة، فكيف يليق بالحكمة إدخالهم الجنة؟. # وقيل: معنى قوله: { خلقناهم مما يعلمون } ، أي: مراحل ما ~~يعلمون وهو الأمر والنهي والثواب والعقاب. # كقول الأعشى: [المتقارب] # 4873 - أأزمعت من آل ليلى ابتكارا # وشطت على ذي هوى أن تزارا # أي: من أجل ليلى. ### || [70.40-44] # قوله: { فلا أقسم }. قد تقدم. # وقرأ جماعة: " فلأقسم " دون ألف. # { برب المشارق والمغارب } ، قرأ العامة: بجمع " ~~المشارق، والمغارب ". # والجحدري وابن محيصن وأبو حيوة، وحميد: بإفرادهما، وهي مشارق الشمس ~~ومغاربها. # وقوله: " إنا لقادرون " ، جواب القسم: { على أن نبدل ~~خيرا منهم } أي: نقدر على إهلاكهم، وإذهابهم، والإتيان بخير ~~منهم، { وما نحن بمسبوقين } ، أي: لا يفوتنا شيء، ولا يعجزنا ~~أمر نريده. # قوله: { فذرهم يخوضوا ويلعبوا } ، أي: اتركهم يخوضوا في ~~أباطيلهم، ويلعبوا في دنياهم على جهة الوعيد، واشتغل أنت بما أمرت به. ~~وقد تقدم تفسيره في سورة " الطور ". # واختلفوا فيما وصف الله به نفسه بالقدرة عليه، هل خرج إلى الفعل أم لا؟. # فقيل: بدل بهم الأنصار والمهاجرين. # وقيل: بدل الله كفر بعضهم بالإيمان. # وقيل: لم يقع هذا التبديل، وإنما ذكر الله ذلك تهديدا لهم لكي يؤمنوا. # قوله: { حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون }. # قرأ ابن محيصن ومجاهد وأبو جعفر: " يلقوا " مضارع " لقى " ، ~~والمعنى: أن لهم يوما يلقون فيه ما وعدوا، وهذه الآية منسوخة بآية ~~السيف، ثم ذكر ذلك اليوم فقال: # { يوم يخرجون من الأجداث } ، يجوز أن يكون بدلا من " ~~يومهم " أو منصوب بإضمار " أعني ". # ويجوز على رأي الكوفيين أن يكون خبر ابتداء مضمر، وبني على الفتح، وإن ~~أضيف إلى معرب، أي: هو يوم يخرجون، كقوله: # هذا يوم ينفع # [المائدة: 119]. وتقدم الكلام عنه مشبعا. # والعامة: على بناء " يخرجون " للفاعل. # وقرأ السلمي والمغيرة، وروي عن عاصم: بناؤه للمفعول. # قوله: " سراعا " ، حال من فاعل " يخرجون " ، جمع سراع ك " ~~ظراف " في " ظريف " ، و " كأنهم " حال ثانية منه، أو حال ms8733 من ضمير ~~الحال، فتكون متداخلة. # والأجداث: القبور، ونظيره: # فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون # [يس: 51]، أي: سراعا إلى إجابة الداعي. # قوله: { إلى نصب يوفضون }. متعلق بالخبر. # والعامة: على " نصب " بالفتح، وإسكان الصاد. # وابن عامر وحفص: بضمتين. # وأبو عمران [الجوني] ومجاهد: بفتحتين. # والحسن وقتادة وعمرو بن ميمون وأبو رجاء وغيرهم: بضم النون، وإسكان ~~الصاد. # فالأولى: هو اسم مفرد بمعنى العلم المنصوب الذي يسرع الشخص نحوه. # وقال أبو عمرو: هو شبكة الصائد، يسرع إليها عند وقوع الصيد فيها ~~مخافة انفلاته. # وأما الثانية، فتحتمل ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه اسم مفرد بمعنى الصنم المنصوب للعبادة. # وأنشد للأعشى: [الطويل] # 4874 - وذا النصب المنصوب لا تعبدنه # لعاقبة والله ربك فاعبدا # يعني: إياك وذا النصب. # الثاني: إنه جمع " نصاب " ك " كتب " و " كتاب ". # الثالث: أنه جمع " نصب " نحو: " رهن ورهن، وسقف وسقف " وهذا ~~قول أبي الحسن. # وجمع الجمع: أنصاب. # وقال النحاس: وقيل: نصب ونصب، بمعنى واحد، كما قيل: عمر وعمر ~~وأسد وأسد جمع أسد. # وأما الثالثة: ففعل بمعنى مفعول، أي: منصوب كالقبض والنقض. # والرابعة: تخفيف من الثانية، والنصب أيضا: الشر والبلاء، ومنه قوله ~~تعالى: # أني مسني الشيطان بنصب وعذاب # [ص: 41]. # فصل في معنى قوله: نصب # قال ابن عباس: " إلى نصب " ، أي إلى غاية، وهي التي ينتهي إليها بصرك. # وقال الكلبي: هو شيء منصوب علم أو راية. # وقال الحسن: كانوا يبتدرون إذا طلعت الشمس إلى نصبهم التي كانوا ~~يعبدونها من دون الله لا يلوي أولهم على آخرهم. # و " يوفضون ": يسرعون. # وقيل: يستبقون. # وقيل: يسعون. # وقيل: ينطلقون، وهي متقاربة، والإيفاض: الإسراع؛ قال الشاعر: [المتقارب] # 4875 - فوارس ذبيان تحت الحدي # د كالجن يوفضن من عبقر # وعبقر: موضع تزعم العرب أنه من أرض الجن؛ قال لبيد: [الطويل] # 4876 -.................. # كهول وشبان كجنة عبقر # وقال الآخر: [الرجز] # 4877 - لأنعتن نعامة ميفاضا # وقال الليث: وفضت الإبل تفضي وفضا، وأوفضها صاحبها، فالإيفاض ~~متعد، والذي في الآية لازم يقال: وفض وأوفض، واستوفض بمعنى: أسرع. # قوله: { خاشعة }. حال إما من فاعل " يوفضون " وهو أقرب، أو من ms8734 ~~فاعل " يخرجون " وفيه بعد منه، وفيه تعدد الحال لذي حال واحدة، ~~وفيه الخلاف المشهور. # و " أبصارهم " فاعل، والمعنى: ذليلة خاضعة لا يعرفونها لما ~~يتوقعونه من عذاب الله. # قوله: { ترهقهم ذلة } ، قرأ العامة، بتنوين " ذلة " ، ~~والابتداء ب " ذلك اليوم " ، وخبره " الذي كانوا ". # وقرأ يعقوب والتمار: بإضافة " ذلة " إلى " ذلك " وجر " اليوم "؛ ~~لأنه صفة، و " الذي " نعت لليوم. # و " ترهقهم " يجوز أن يكون استئنافا وأن يكون حالا من فاعل " ~~يوفضون " أو " يخرجون " ، ولم يذكر مكي غيره. # ومعنى: " ترهقهم " ، أي: يغشاهم الهوان والذلة. # قال قتادة: هو سواد الوجوه. # والرهق: الغشيان: ومنه غلام مراهق إذا غشي الاحتلام، يقال: رهقه - ~~بالكسر - يرهقه رهقا، أي: غشيه. # ومنه قوله تعالى: # ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة # [يونس: 26]. # { ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون } ، أي: يوعدونه في ~~الدنيا أن لهم فيه العذاب، وأخرج الخبر بلفظ الماضي؛ لأن ما وعد الله ~~به، فهو حق كائن لا محالة. # روى الثعلبي عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من قرأ سورة سأل سائل، أعطاه الله ثواب الذين ~~لأماناتهم وعهدهم راعون، والذين هم على صلأتهم ~~يحافظون ". ### | [71 - سورة نوح] ### || [71.1-20] # قوله تعالى: { إنآ أرسلنا نوحا إلى قومه }. # روى قتادة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أول نبي أرسل نوح عليه الصلاة والسلام، وأرسل إلى جميع ~~أهل الأرض ". # ولذلك لما كفروا، أغرق الله أهل الأرض جميعا، وهو نوح بن لامك بن ~~متوشلخ بن أخنوخ، وهو إدريس بن يرد بن مهلاييل بن أنوش بن قينان بن شيث ~~بن آدم عليه الصلاة والسلام. # قال وهب: وكلهم مؤمنون، أرسل إلى قومه وهو ابن خمسين سنة. # وقال ابن عباس: أربعين سنة. # وقال عبد الله بن شداد: بعث وهو ابن ثلاثمائة وخمسين سنة. # قوله: { أن أنذر }. # يجوز أن تكون المفسرة، فلا يكون لها موضع من الإعراب؛ لأن في الإرسال ~~معنى الأمر فلا حاجة إلى إضمار الباء، ويجوز أن تكون المصدرية، أي: ~~أرسلناه بالإنذار. # قال الزمخشري: والمعنى: أرسلناه بأن قلنا له: ms8735 أنذر، أي: أرسلناه ~~بالأمر بالإنذار. انتهى. # وهذا الذي قدره حسن جدا، وهو جواب عن سؤال تقدم في هذا الكتاب، وهو ~~قولهم: فإن " أن " المصدرية يجوز أن توصل بالأمر مشكل؛ لأنه ينسبك ~~منها وما بعدها مصدر، وحينئذ فتفوت الدلالة على الأمر؛ ألا ترى أنك إذا ~~قدرت " كتبت إليهم بأن قم كتبت إليه القيام " تفوت بالدلالة على الأمر ~~حال التصريح بالمصدر، فينبغي أن يقدر كما قاله الزمخشري، أي: كتبت إليه ~~بأن قلت له: قم، أي: كتبت إليه بالأمر بالقيام. # وقال القرطبي: " أي: بأن أنذر قومك، فموضع " أن " نصب بإسقاط الخافض ". # وقرأ عبد الله: " أنذر قومك " بغير " أن " بمعنى: " قلنا له: أنذر قومك ~~". وقد تقدم معنى الإنذار في سورة " البقرة ". # وقوله: { من قبل أن يأتيهم عذاب أليم }. # قال ابن عباس: يعني عذاب النار في الآخرة. # وقال الكلبي: هو الطوفان. # وقيل: أنذرهم بالعذاب على الجملة إن لم يؤمنوا، فكان يدعو قومه وينذرهم، ~~فلا يجيبونه كما تقدم. # { قال يقوم إني لكم نذير مبين } ، أي: مخوف مظهر لكم ~~بلسانكم الذي تعرفونه. # قوله: { أن اعبدوا الله } ، إما أن تكون تفسيرية ل " نذير " ~~أو مصدرية، والكلام فيها كالكلام في أختها كما تقدم، والمعنى: وحدوا ~~الله واتقوه، أي: خافوه " وأطيعون " فيما آمركم به؛ فإني رسول ~~الله إليكم. # { يغفر لكم } جزم " يغفر " لجواب الأمر. # قوله: { من ذنوبكم }. في " من " هذه أوجه: # أحدها: أنها تبعيضية. # الثاني: أنها لابتداء الغاية. # الثالث: أنها لبيان الجنس، وهو مردود لعدم تقدم ما تبينه. # الرابع: أنها مزيدة. قال ابن عطية: وهو مذهب كوفي. # قال شهاب الدين: ليس مذهبهم ذلك؛ لأنهم يشترطون تنكير مجرورها، ولا ~~يشترطون غيره. والأخفش لا يشترط شيئا، فزيادتها هنا ماش على قوله لا ~~على قولهم. # قال القرطبي: وقيل: لا يصح كونها زائدة؛ لأن " من " لا تزاد في ~~الواجب، وإنما هي هنا للتبعيض، وهو بعض الذنوب، وهو ما لا يتعلق بحقوق ~~المخلوقين. # وقال زيد بن أسلم: المعنى يخرجكم من ذنوبكم. # وقال ابن شجرة: المعنى يغفر لكم من ذنوبكم ما استغفرتموه منها. # قوله: { ويؤخركم إلى ms8736 أجل }. # قال الزمخشري: فإن قلت: كيف قال: " يؤخركم " مع إخباره بامتناع ~~تأخيره؟. # قلت: قضى الله أن قوم نوح إن آمنوا عمرهم ألف سنة، وإن بقوا ~~على كفرهم أهلكهم على رأس تسعمائة، قيل لهم: إن آمنتم أخرتم إلى ~~الأجل الأطول، ثم أخبرهم أنه إذا جاء ذلك الأجل الأمد لا يؤخر ~~انتهى. # وقد تعلق بهذه الآية من يقول بالأجلين وتقدم جوابه. # وقال ابن عباس: أي: ينسىء في أعماركم، ومعناه: أن الله - تعالى - ~~كان قضى قبل خلقهم، إن هم آمنوا بارك في أعمارهم وإن لم يؤمنوا عوجلوا ~~بالعذاب. # وقال مقاتل: يؤخركم إلى منتهى أعماركم في عافية فلا يعاقبكم بالقحط ~~وغيره، فالمعنى على هذا: يؤخركم من العقوبات والشدائد إلى آجالكم. # وقال الزجاج: " أي يؤخركم عن العذاب، فتموتوا غير موتة المستأصلين ~~بالعذاب ". # وعلى هذا قيل: أجل مسمى عندكم تعرفونه لا يميتكم غرقا ولا حرقا ~~ولا قتلا، ذكره الفراء. وعلى القول الأول أجل مسمى عند الله. # قوله: { إن أجل الله إذا جآء لا يؤخر } ، أي: إذا ~~جاء الموت لا يؤخر بعذاب كان، أو بغير عذاب، وأضاف الأجل إليه ~~سبحانه؛ لأنه الذي أثبته، وقد يضاف إلى القوم كقوله تعالى: # إذا جآء أجلهم # [يونس: 49]؛ لأنه مضروب لهم، و " لو " بمعنى " إن " أي: إن كنتم ~~تعلمون. # وقال الحسن: معناه: لو كنتم تعلمون لعلمتم أن أجل الله إذا جاء لا ~~يؤخر. # وعلى هذا يكون جواب " لو " محذوفا تقديره: لبادرتم إلى ما أمركم به ~~أو لعلمتم كما قال الحسن. # قوله: { قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا } ، ~~وهذان ظرفان ل " دعوت " ، والمراد: الإخبار باتصال الدعاء وأنه لا ~~يفتر عن ذلك وقيل: معناه سرا وجهرا { فلم يزدهم دعآئي ~~إلا فرارا } ، أي: تباعدا من الإيمان، وهذا استثناء مفرغ وهو ~~مفعول ثان. # وقراءة العامة: بفتح الياء من " دعائي ". # وأسكنها الكوفيون، ويعقوب والدوري عن أبي عمرو. # قوله: { وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم } ، أي: إلى ~~سبب المغفرة، وهي الإيمان بك والطاعة لك { جعلوا أصابعهم ~~في آذانهم } لئلا يسمعوا دعائي { واستغشوا ثيابهم ~~} أي: غطوا بها وجوههم لئلا ms8737 يرون. # قال ابن عباس: جعلوا ثيابهم على رءوسهم لئلا يسمعوا كلامي، ~~فاستغشاء الثياب إذن زيادة في سد الآذان حتى لا يسمعوا، أو لتنكيرهم ~~أنفسهم حتى يسكت، أو ليعرفوه إعراضهم عنه. # وقيل: هو كناية عن العداوة، يقال: لبس فلان ثياب العداوة " ~~وأصروا " على الكفر فلم يتوبوا، " واستكبروا " عن قبول الحق، وهو ~~قولهم: # أنؤمن لك واتبعك الأرذلون # [الشعراء: 111]. # قوله: " لتغفر " ، يجوز أن تكون للتعليل، والمدعو إليه محذوف، أي: ~~دعوتهم للإيمان بك لأجل مغفرتك لهم، وأن تكون لام التعدية، ويكون قد ~~عبر عن السبب بالمسبب، الذي هو حظهم، والأصل دعوتهم للتوبة التي هي ~~سبب في الغفران. # و " جعلوا " ، هو العامل في " كلما " وهو خبر " إني ". # قوله: " جهارا " ، يجوز أن تكون مصدرا من المعنى؛ لأن المعنى يكون ~~جهارا وغيره، فهو من باب " قعد القرفصاء " ، وأن يكون المراد ب " ~~دعوتهم ": جاهرتهم. وأن يكون نعت مصدر محذوف أي: دعاء جهارا. # وأن يكون مصدرا في موضع الحال، أي: مجاهرا، أو ذا جهار، أو جعل نفس ~~المصدر مبالغة. # قال الزمخشري: " فإن قلت: ذكر أنه دعاهم ليلا ونهارا، ثم دعاهم ~~جهارا، ثم دعاهم في السر والعلن فيجب أن يكون ثلاث دعوات ~~مختلفات، حتى يصح العطف. # قلت: قد فعل - عليه السلام - كما يفعل الذي يأمر بالمعروف، وينهى عن ~~المنكر في الابتداء بالأهون، والترقي إلى الأشد فالأشد، فافتتح في ~~المناصحة بالسر فلما لم يقبلوا ثنى بالمجاهرة، فلما لم يقبلوا ~~ثلث بالجمع بين السر والإعلان، ومعنى " ثم " للدلالة على تباعد ~~الأحوال؛ لأن الجهاد إذا غلظ من الإسرار، والجمع بين الأمرين، أغلظ من ~~إفراد أحدهما ". # وقال أبو حيان: " وتكرر كثيرا له أن " ثم " للاستبعاد، ولا نعلمه ~~لغيره ". # وقوله: " استكبارا ". قال القرطبي: تفخيم. # فصل في معنى الآية # معنى: " جهارا " ، أي: مظهرا لهم الدعوة، وهو منصوب ب " دعوتهم ~~" بنصب المصدر. # { ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا }. # أي: لم أبق مجهودا. # وقال مجاهد - رضي الله عنه -: معنى " أعلنت " صحت، { ~~وأسررت لهم إسرارا } بالدعاء عن بعضهم من بعض. # وقيل: " أسررت لهم " أتيتهم في منازلهم وكل هذا ms8738 من نوح - عليه ~~الصلاة والسلام - مبالغة في الدعاء، وتلطف في الاستدعاء. # وفتح الياء من " إني أعلنت " ، الحرميون وأبو عمرو، وأسكنها ~~الباقون. # قوله: { فقلت استغفروا ربكم } ، أي سلوه المغفرة لذنوبكم ~~بإخلاص الإيمان { إنه كان غفارا } وهذا منه - تعالى - ترغيب ~~في التوبة، لقوله عليه الصلاة والسلام: # " الاستغفار ممحاة للذنوب ". # قوله: { يرسل السمآء عليكم مدرارا }. أي: يرسل ماء ~~السماء، ففيه إضمار. # وقيل: السماء: المطر، أي يرسل المطر؛ قال الشاعر: [الوافر]. # 4878 - إذا نزل السماء بأرض قوم # رعيناه وإن كانوا غضابا # و " مدرارا " يجوز أن يكون حالا من " السماء ". ولم يؤنث؛ لأن " ~~مفعالا " لا يؤنث، تقول: " امرأة مئناث، ومذكار " ولا يؤنث بالتاء ~~إلا نادرا، وحينئذ يستوي فيه المذكر والمؤنث، فتقول رجل مخدامة، ~~ومطرابة، وامرأة مخدامة ومطرابة، وأن يكون نعتا لمصدر محذوف، أي: ~~إرسالا مدرارا. وتقدم الكلام عليه في الأنعام. # وجزم " يرسل " جوابا للأمر، و " مدرارا " ذا غيث كثير. # فصل في حكاية قوم نوح # قال مقاتل: لما كذبوا نوحا - عليه الصلاة والسلام - زمانا طويلا ~~حبس الله عنهم المطر، وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة، فهلكت مواشيهم ~~وزروعهم فصاروا إلى نوح - عليه الصلاة والسلام - واستغاثوا به، فقال: { ~~استغفروا ربكم إنه كان غفارا } ، أي: لمن أناب ~~إليه، ثم رغبهم في الإيمان فقال: { يرسل السمآء عليكم ~~مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم ~~جنات ويجعل لكم أنهارا }. # قال قتادة: علم نبي الله صلى الله عليه وسلم أنهم أهل حرص على ~~الدنيا، فقال: هلموا إلى طاعة الله، فإن في طاعة الله درك الدنيا ~~والآخرة. # فصل في استنزال الرزق بالاستغفار. # في هذه الآية والتي قبلها في " هود " دليل على أن الاستغفار يستنزل ~~به الرزق والأمطار قال الشعبي: خرج عمر يستسقي فلم يزد على الاستغفار ~~حتى رجع فأمطروا فقالوا: ما رأيناك استسقيت فقال: لقد استسقيت بمجاديح ~~السماء التي يستنزل بها المطر، ثم قرأ: { استغفروا ربكم ~~إنه كان غفارا يرسل السمآء عليكم مدرارا }. # قال ابن الأثير: المجاديح واحدها " مجدح " والياء زائدة للإشباع، ~~والقياس أن يكون واحدها مجداح، فأما مجدح فجمعه " مجادح " ، والمجدح: ~~نجم من ms8739 النجوم. # قيل: هو الدبران. # وقيل: هو ثلاثة كواكب، كالأثافي تشبيها له بالمجدح، الذي له ثلاث ~~شعب، وهو عند العرب من الأنواء الدالة على المطر، فجعل الاستغفار مشبها ~~بالأنواء، مخاطبة لهم بما يعرفونه لا قولا بالأنواء، وجاء بلفظ الجمع؛ ~~لأنه أراد الأنواء جميعها التي يزعمون أن من شأنها المطر. # وشكى رجل إلى الحسن الجدوبة، فقال له: استغفر الله، وشكى آخر إليه ~~الفقر، فقال له: استغفر الله، وقال له آخر: ادع الله أن يرزقني ولدا، ~~فقال له: استغفر الله، وشكى إليه آخر جفاف بساتينه فقال له: استغفر ~~الله، فقلنا له في ذلك، فقال ما قلت من عندي شيئا، إن الله تعالى يقول ~~في سورة " نوح ": { استغفروا ربكم إنه كان غفارا ~~يرسل السمآء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال ~~وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا }. # فإن قيل: إن نوحا - عليه الصلاة والسلام - أمر الكفار أولا ~~بالعبادة، والطاعة، فأي فائدة في أن أمرهم بعد ذلك بالاستغفار. # فالجواب: لما أمرهم بالعبادة قالوا له: إن كان الدين الذي كنا ~~عليه حقا، فلم تأمرنا بتركه، وإن كان باطلا، فكيف يقبلنا بعد أن ~~عصيناه، فقال نوح - عليه الصلاة والسلام -: إنكم وإن كنتم قد عصيتموه ~~ولكن استغفروا من تلك الذنوب فإنه سبحانه كان غفارا. # فإن قيل: فلم قيل: إنه كان غفارا، ولم يقل: إنه غفار؟. # فالجواب: كأنه يقول: لا تظنوا أن غفرانه إنما حدث الآن بل هو أبدا ~~هكذا عادته أنه غفار في حق من استغفر. # قوله: { ما لكم لا ترجون لله وقارا }. # قيل: الرجاء هنا بمعنى الخوف، أي: ما لكم لا تخافون لله عظمة، وقدرة على ~~أحدكم بالعقوبة، أي: أي عذر لكم في ترك الخوف من الله؛ قال الهذلي: ~~[الطويل] # 4879 - إذا لسعته النخل لم يرج لسعها # .......................... # وقال سعيد بن جبير وأبو العالية وعطاء بن أبي رباح: ما لكم لا ترجون ~~لله ثوابا، ولا تخافون له عقابا. # وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: { ما لكم لا ترجون } ، لا ~~تخشون لله عقابا وترجون منه ثوابا. # وقال الوالبي و العوفي ms8740 عنه: ما لكم لا تعلمون لله عظمة. # وقيل: ما لكم لا تعتقدون لله عظمة. # وقال ابن عباس ومجاهد: ما لكم لا ترون لله عظمة. # قال قطرب: هذه لغة حجازية، وهذيل وخزاعة ومضر يقولون: لم أرج، أي: لم ~~أبال. # قوله: " وقارا " ، يجوز أن يكون مفعولا به على معان، منها: ما لكم لا ~~تأملون له توقيرا، أي: تعظيما. # قال الزمخشري: والمعنى ما لكم لا تكونون على حال، تأملون فيها تعظيم ~~الله إياكم في دار الثواب " ولله " بيان للموقر، ولو تأخر لكان صلته. ~~انتهى. # أي: لو تأخر " لله " عن " وقارا " لكان متعلقا به، فيكون التوقير ~~منهم لله تعالى وهو عكس المعنى الذي قصده، ومنها: لا تخافون لله حلما ~~وترك معاجلة بالعقاب فتؤمنوا. # ومنها: لا تخافون لله عظمة، وعلى الأول يكون الرجاء على بابه، وقد تقدم ~~أن استعماله بمعنى الخوف مجاز ومشترك. # وأن يكون حالا من فاعل " ترجون " ، أي: موقرين الله تعالى، أي: ~~تعظمونه ف " لله " على هذا متعلق بمحذوف على أنه حال من " وقارا ~~" أو تكون اللام زائدة في المفعول به، وحسنه هنا أمران: كون العامل ~~فرعا، وكون المعمول مقدما، و " لا ترجون " حال. # وقد تقدم نظيره في المائدة. # والوقار: العظمة، والتوقير التعظيم، ومنه قوله تعالى: # وتوقروه # [الفتح: 9]. # وقال قتادة: ما لكم لا ترجون لله عاقبة كأن المعنى: ما لكم لا ترجون ~~لله عاقبة الإيمان. # وقال ابن كيسان: ما لكم لا ترجون في عبادة الله، وطاعته أن يثيبكم على ~~توقيركم خيرا. # وقال ابن زيد: ما لكم لا تؤتون لله تعالى طاعة. # وقال الحسن: ما لكم لا تعرفون لله حقا، ولا تشكرون له نعمة. # وقيل: ما لكم لا توحدون الله لأن من عظمه فقد وحده. # وقيل: إن الوقار هو: الثبات لله عز وجل، ومنه قوله تعالى: # وقرن في بيوتكن # [الأحزاب: 33] أي: اثبتن، والمعنى: ما لكم لا تثبتون وحدانية الله ~~تعالى، وأنه إلهكم، لا إله لكم غيره، قاله ابن بحر، ثم دلهم على ذلك ~~فقال: { وقد خلقكم أطوارا }. # يعني نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم ms8741 عظاما، ولحما، ثم أنشأناه خلقا آخر. # وقيل: " أطوارا " صبيانا، ثم شبانا، ثم شيوخا، وضعفاء، ثم أقوياء. # وقيل: " أطوارا " ، أي: أنواعا، صحيحا، وسقيما، وبصيرا، وضريرا، ~~وغنيا، وفقيرا. # وقيل: الأطوار: اختلافهم في الأخلاق، والأفعال. # قوله: { وقد خلقكم أطوارا } ، جملة حالية من فاعل " ~~ترجون ". # والأطوار: الأحوال المختلفة. # قال الشاعر: [البسيط] # 4880 - فإن أفاق فقد طارت عمايته # والمرء يخلق طورا بعد أطوار # وانتصابه على الحال، أي: منتقلين من حال إلى حال، أو مختلفين من بين ~~مسيء، ومحسن، وصالح، وطالح. # قوله: { ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات ~~طباقا }. # لما ذكر لهم دليل التوحيد من أنفسهم، أتبعه بدليل الآفاق فقال: { ألم ~~تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا } ، أي: ألم ~~تعلموا أن الذي قدر على هذا، فهو الذي يجب أن يعبد، ومعنى: " طباقا " ~~قال ابن عباس والسدي: أي: بعضها فوق بعض كل سماء منها وطبقة على الأخرى ~~كالقباب. # فإن قيل: هذا يقتضي ألا يكون بينهما فرج، وإذا كان كذلك فكيف تسلكها ~~الملائكة؟. # فالجواب: أن الملائكة أرواح. # وأيضا قال المبرد: معنى طباقا، أي: متوازية لا أنها متماسة. # وقرا الحسن: " خلق الله سبع سماوات طباقا " على سبع أرضين بين كل ~~أرض وأرض وسماء خلق وأمر. # وقوله: { ألم تروا } ، على جهة الإخبار، لا المعاينة كما تقول: ~~ألم ترني كيف صنعت بفلان كذا، و " طباقا " نصب على أنه مصدر طابقه ~~طباقا، أو حال بمعنى: " ذات طباق " ، فحذف " ذات " وأقام " طباقا " ~~مقامه، وتقدم الكلام عليه في سورة " الملك ". # وقال مكي: وأجاز الفراء في غير القرآن جر " طباق " على النعت ل " ~~سماوات ". # يعني أنه يجوز أن يكون صفة للعدد تارة وللمعدود أخرى. # قوله: { وجعل القمر فيهن نورا } ، أي: في السماوات، ~~والقمر إنما هو في سماء واحدة منهن قيل: هو في السماء الدنيا، ~~وإنما جاز ذلك لأن بين السماوات ملابسة فصح ذلك، وتقول: زيد في ~~المدينة، وإنما هو في زاوية من زواياها. # وقال ابن كيسان: إذا كان في إحداهن فهو فيهن. # وقال قطرب: " فيهن " بمعنى: " معهن ". # وقال الكلبي: أي: خلق الشمس والقمر ms8742 مع خلق السماوات والأرض. # وقال جل أهل اللغة في قول امرىء القيس: [الطويل] # 4881 - وهل ينعمن من كان آخر عهده # ثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال # " في " بمعنى: " مع ". # وقال النحاس: سألت أبا الحسن بن كيسان عن هذه الآية. فقال: جواب ~~النحويين: أنه إذا جعله في إحداهن، فقد جعله فيهن، كما تقول: أعطني ~~الثياب المعلمة، وإن كنت إنما أعلمت أحدها. # وجواب آخر: أنه يروى أنه وجه القمر إلى داخل السماء، وإذا كان إلى ~~داخلها فهو متصل بالسماوات، ومعنى: " نورا " ، أي: لأهل الأرض، قاله ~~السدي. # وقال عطاء: نور لأهل السماوات والأرض. # وقال ابن عباس وابن عمر: وجهه يضيء لأهل الأرض، وظهره يضيء لأهل السماء. # قوله: { وجعل الشمس سراجا }. # يحتمل ان يكون التقدير: وجعل الشمس فيهن - كما تقدم - والشمس، قيل: في ~~الرابعة، وقيل: في الخامسة، وقيل: في الشتاء في الرابعة وفي الصيف في ~~السابعة والله أعلم. # وقوله: " سراجا ". يعني مصباحا لأهل الأرض، ليتوصلوا إلى التصرف ~~لمعايشهم، وفي إضاءتها لأهل السماء، القولان الأولان، حكاه الماوردي. # وحكى القشيري عن ابن عباس: أن الشمس وجهه في السماوات وقفاه في ~~الأرض. # وقيل: على العكس. # وقيل لعبد الله بن عمر: ما بال الشمس تقلينا أحيانا وتبرد علينا ~~أحيانا؟. # فقال: إنها في الصيف في السماء الرابعة، وفي الشتاء في السماء السابعة ~~عند عرش الرحمن، ولو كانت في السماء الدنيا، لما قام لها شيء. # ولما كانت الشمس سببا لزوال الليل وهو ظل الأرض أشبهت السراج، ~~وأيضا فالسراج له ضوء والقمر له نور، والضوء أقوى من النور، فجعل ~~للشمس كما قال # هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نورا # [يونس: 5]. # قوله: { والله أنبتكم من الأرض نباتا }. يعني آدم - ~~عليه الصلاة والسلام - خلقه من أديم الأرض كلها، قاله ابن جريج. وقد ~~تقدم بيانه. # و " نباتا ". إما مصدر ل " أنبت " على حذف الزوائد، ويسمى اسم مصدر، ~~لأن مصدر " أنبت " " إنباتا " فجعل الاسم الذي هو النبات في موضع ~~المصدر وإما ب " نبتم " مقدرا، أي: " فنبتم نباتا " ، ~~فيكون منصوبا بالمضارع المقدر. # قال الزمشخري: أو نصب ب ms8743 " أنبتكم " لتضمنه معنى: " نبتم ~~". # قال أبو حيان: ولا أعقل معنى هذا الوجه بالثاني. # قال شهاب الدين: هذا الوجه المتقدم، وهو أنه منصوب ب " أنبتكم " ~~على حذف الزوائد ومعنى قوله: لتضمنه معنى " نبتم " ، أي: مشتمل ~~عليه، غاية ما فيه أنه حذفت زوائده. # قال القرطبي: " وقال الخليل والزجاج: إنه محمول على المعنى، لأن ~~معنى " أنبتكم " جعلكم تنبتون نباتا. # وقيل: معناه أنبت لكم من الأرض النبات، ف " نباتا " على هذا نصب على ~~المفعول الصريح، والأول أظهر ". # قال ابن بحر: أنبتكم في الأرض بالكبر بعد الصغر، وبالطول بعد القصر، ثم ~~يعيدكم فيها، أي عند موتكم بالدفن { ويخرجكم إخراجا } بالنشور ~~والبعث يوم القيامة. # والإنبات: استعارة بليغة، قيل: المراد أنبت أباكم. # وقيل: المراد أنبت الكل لأنهم من النطف، وهي من الأغذية التي أصلها ~~الأرض، وهذا كالتفسير لقوله: { خلقكم أطوارا } ، ثم قال: { ~~ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا } ، وهذا إشارة إلى ~~الطريقة المعهودة في القرآن، من أنه تعالى لما كان قادرا على الابتداء، ~~فهو قادر على الإعادة، وقوله: { ويخرجكم إخراجا } ، أكده ~~بالمصدر فإنه قال: يخرجكم حتما لا محالة. # قوله: { والله جعل لكم الأرض بساطا } ، أي: مبسوطة. # { لتسلكوا منها سبلا فجاجا } أي: طرقا واسعة، ~~والسبل:الطرق، والفجاج: جمع فج، وهو الطريق الواسعة، قاله ~~الفراء. # وقيل: الفج: المسلك بين الجبلين، وفي " الأنبياء " ، قدم الفجاج ~~لتناسب الفواصل. وقد تقدم الكلام على ذلك. ### || [71.21-28] # قوله: { قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من ~~لم يزده ماله وولده إلا خسارا }. # ذكر أولا أنهم عصوا ثم ذكر أنهم ضموا إلى عصيانه طاعة رؤسائهم الذين ~~يدعونهم إلى الكفر، إنما زادهم أموالهم، وأولادهم خسارا؛ لأنهم سبب ~~لخسارة الآخرة، والدنيا في جنب الآخرة كالعدم، فإذا خسرت الآخرة بسببها ~~كانت كاللقمة من الحلوى مسمومة؛ ولذلك قال جماعة: ليس لله على الكافر ~~نعمة، وإنما هي استدراج للعذاب. # قال المفسرون: لبث فيهم نوح - عليه السلام - كما أخبر الله تعالى ألف ~~سنة إلا خمسين عاما داعيا لهم وهم على كفرهم وعصيانهم. # قال ابن عباس: دعا نوح الأبناء بعد الآباء، فكان الآباء يأتون ~~بأولادهم ms8744 إلى نوح - عليه الصلاة والسلام - ويقولون لأبنائهم: إياكم وأن ~~تطيعوا هذا الشيخ؛ فيما يأمركم به، حتى بلغوا سبع قرون، ثم دعا عليهم ~~بعد الإياس منهم، ولبث بعد الطوفان ستين عاما، حتى كثر الناس وفشوا. # قال الحسن: كان قوم نوح يزرعون في الشهر مرتين، حكاه الماوردي. # قوله " وولده " قرأ أهل " المدينة " و " الشام " وعاصم: " وولده " ~~بفتح اللام والواو. # والباقون: " وولده " بضم الواو وسكون اللام، وقد تقدم أنهما لغتان ~~ك " بخل وبخل ". # قال أبو حاتم: ويمكن أن يكون المضموم جمع المفتوح ك " خشب وخشب ". # وأنشد لحسان:[الكامل] # 4882 - يا بكر آمنة المبارك ولدها # من ولد محضنة بسعد الأسعد # قوله: { ومكروا } ، عطف على صلة " من " لأن المتبوعين هم الذين ~~مكروا. # { وقالوا } للإتباع: { لا تذرن آلهتكم } ، وإنما جمع ~~الضمير حملا على المعنى، بعد حملها على لفظها في { لم يزده ~~ماله وولده } ، يجوز أن يكون مستأنفا إخبارا عن الكفار. # قوله " كبارا " ، العامة: على ضم الكاف وتشديد الباء، وهو بناء ~~مبالغة أبلغ من " كبار " بالضم والتخفيف. # قال عيسى: وهي لغة يمانية؛ وأنشد: [الكامل] # 4883 - والمرء يلحقه بفتيان الندى # خلق الكريم وليس بالوضاء # وقول الآخر: [الكامل] # 4884 - بيضاء تصطاد الغوي وتستبي # بالحسن قلب المسلم القراء # ويقال: رجل طوال، وجميل، وحسان، وعظيم، وعظام. # وقرأ ابن عيسى وابن محيصن وأبو السمال وحميد ومجاهد: بالضم والتخفيف، ~~وهو بناء مبالغة أيضا دون الأول. # وقرأ زيد بن علي وابن محيصن أيضا: بكسر الكاف وتخفيف الباء. # قال أبو بكر: هو جمع كبير، كأنه جعل " مكرا " ، مكان " ذنوب " ، أو ~~" أفاعيل " يعني فلذلك وصفه بالجمع. # فصل في المقصود بالمكر في الآية # قيل مكرهم: هو تحريشهم سفلتهم على قتل نوح. # وقيل: هو تعزيزهم الناس بما أوتوا من الدنيا، والولد، حتى قالت الضعفة: ~~لولا أنهم على الحق لما أوتوا هذه النعم. # وقال الكلبي: هو ما جعلوه لله من الصاحبة والولد، وهذا بعيد، لأن هذا ~~إنما قاله النصارى وهم بعد قوم نوح عليه السلام بأزمان متطاولة. # وقال مقاتل: هو قول كبرائهم لأتباعهم: { لا تذرن آلهتكم ~~ولا تذرن ودا ولا ms8745 سواعا ولا يغوث ويعوق ~~ونسرا } ، فمنعوا القوم عن التوحيد وأمروهم بالشرك، واعلم أنه لما ~~كان التوحيد أعظم المراتب، لا جرم كان المنع منه أعظم الكبائر، فلهذا ~~وصفه الله تعالى بأنه كبار. # قال ابن الخطيب: وإنما سماه مكرا لوجهين: # الأول: لما في إضافة الآلهة إليهم من الحيل الموجبة، لاستمرارهم على ~~عبادتها؛ لأنها معبود آبائهم، فلو قبلتم قول نوح لاعترفتم على أنفسكم ~~بأنكم كنتم جاهلين ضالين، وعلى آبائكم بأنهم كانوا كذلك، ولما كان اعتراف ~~الإنسان على نفسه وعلى أسلافه بالقصور والنقص والجهل بهذه الكلمة وهي ~~لفظة " آلهتكم " وصدفكم عن الدين؛ فلهذه الحجة الخفية سمى الله كلامهم ~~مكرا. # الثاني: أنه تعالى حكى عن المتبوعين أنهم كان لهم مال وولد، فلعلهم ~~قالوا لأتباعهم: إن آلهتكم خير من إله نوح؛ لأن آلهتكم يعطونكم المال ~~والولد، وإله نوح [لا يعطيه شيئا لأنه فقير] فصرفوهم بهذا المكر عن طاعة ~~نوح، وهو مثل مكر فرعون إذ قال: # أليس لي ملك مصر # [الزخرف: 51]، وقوله # أم أنآ خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد ~~يبين فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب # [الزخرف: 52، 53]. # قوله: { ولا تذرن ودا ولا سواعا } [نوح: 23] يجوز أن ~~يكون من عطف الخاص على العام، إن قيل: إن هذه الأسماء لأصنام، وألا يكون ~~إن قيل: إنها أسماء رجال صالحين على ما ذكر المفسرون. # وقرأ نافع: " ودا " بضم الواو، والباقون: بفتحها. # وأنشد بالوجهين قول الشاعر: [البسيط] # 4885 - حياك ود فإنا لا يحل لنا # لهو النساء، وإن الدين قد عزما # وقول الآخر: [الطويل] # 4886 - فحياك ود من هداك لعسه # وخوص بأعلى ذي فضالة هجه # قال القرطبي: قال الليث: " ود " - بفتح الواو - صنم كان لقوم نوح، و ~~" ود " - بالضم - صنم لقريش، وبه سمي عمرو بن عبد ود. # وفي الصحاح: " والود " بالفتح: الوتد في لغة أهل نجد، كأنهم سكنوا ~~التاء وأدغموها في الدال. والود في قول امرىء القيس: [الرمل] # 4887 - تظهر الود إذا ما أشجذت # وتواريه إذا ما تشتكر # قال ابن دريد: هو اسم جبل. # و " ود ": صنم كان لقوم نوح ms8746 - عليه الصلاة والسلام - ثم صار لكلب، وكان ~~بدومة الجندل، ومنه سموا بعبد ود. # قوله: { ولا يغوث ويعوق }. قرأهما العامة بغير تنوين، فإن كانا ~~عربيين: فالمنع من الصرف للعلمية والوزن، وإن كانا أعجميين: فالعجمة ~~والعلمية. # وقرأ الأعمش: " ولا يغوثا ويعوقا " مصروفين. # قال ابن عطية: " وذلك وهم، لأن التعريف لازم ووزن الفعل ". انتهى. # قال شهاب الدين: وليس بوهم لأمرين: # أحدهما: أنه صرفهما للتناسب إذ قبلهما اسمان مصروفان وبعده اسم مصروف ~~كما صرف " سلاسل ". # والثاني: أنه جاء على لغة من يصرف غير المنصرف مطلقا، وهي لغة حكاها ~~الكسائي، ونقل أبو الفضل: الصرف فيهما عن الأشهب العقيلي، ثم قال: جعلهما ~~" فعولا " ، فلذلك صرفهما، فأما في العامة: فإنهما صفتان من الغوث ~~والعوق. # قال شهاب الدين: " وهذا كلام مشكل، أما قوله: " فعولا " فليس بصحيح، ~~إذ مادة يغث ويعق مفقودة، وأما قوله: صفتان من الغوث والعوق، فليس في ~~الصفات ولا في الأسماء " يفعل " والصحيح ما قدمته ". # وقال الزمخشري: وهذه قراءة مشكلة لأنهما إن كانا عربيين أو أعجميين، ~~ففيهما المنع من الصرف، ولعله وجد الازدواج، فصرفهما لمصادفته أخواتهما ~~منصرفات: ودا وسواعا ونسرا، كما قرىء # وضحاها # [الشمس: 1] بالإمالة لوقوعه مع الممالات للازدواج. # قال أبو حيان: كأنه لم يطلع على أن صرف ما لا ينصرف لغة. # فصل في بيان هذه الأسماء. # قال ابن عباس وغيره: وهي أصنام، وصور كان قوم نوح يعبدونها، ثم ~~عبدتها العرب، وهذا قول الجمهور. # وقيل: إنها للعرب لم يعبدها غيرهم، وكانت أكبر أصنامهم وأعظمها ~~عندهم، فلذلك خصوا بالذكر بعد قوله: { لا تذرن آلهتكم ولا ~~تذرن ودا ولا سواعا }. # وقال عروة بن الزبير: اشتكى آدم - عليه الصلاة والسلام - وعند بنوه: ~~ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، وكان ود أكبرهم، وأبرهم به. # قال محمد بن كعب، كان لآدم خمس بنين: ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، ~~وكانوا عبادا، فمات رجل منهم فحزنوا عليه، فقال الشيطان: أنا أصور ~~لكم مثله، إذا نظرتم إليه ذكرتموه، قالوا: افعل، فصوره في المسجد، من ~~صفر ورصاص، ثم مات آخر، فصوره حتى ماتوا كلهم، وصوروهم وتناقصت ms8747 ~~الأشياء كما ينقص اليوم إلى أن تركوا عبادة الله تعالى بعد حين، فقال ~~لهم الشيطان: ما لكم لا تعبدون شيئا؟. # قالوا: وما نعبد؟ # قال آلهتكم وآلهة آبائكم، ألا ترونها في مصلاكم؟ فعبدوها من دون الله، ~~حتى بعث الله نوحا، فقالوا: { لا تذرن آلهتكم ولا ~~تذرن ودا ولا سواعا } الآية. # وقال محمد بن كعب أيضا ومحمد بن قيس: بل كانوا قوما صالحين، بين آدم ~~ونوح وكان لهم أتباع يقتدون بهم فلما ماتوا زين لهم إبليس أن يصوروا ~~صورهم؛ ليتذكروا بها اجتهادهم، وليتسلوا بالنظر إليها فصوروهم، فلما ~~ماتوا هم وجاء آخرون قالوا: ليت شعرنا، وما هذه الصور التي كان يعبدها ~~آباؤنا؟ فجاءهم الشيطان فقال: كان آباؤكم يعبدونها فترحمهم وتسقيهم ~~المطر، فعبدوها فابتدىء عبادة الأوثان من ذلك الوقت. # وبهذا المعنى فسر ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة: # " أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بأرض الحبشة، تسمى مارية ~~فيها تصاوير لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " إن أولئك كان إذا مات فيهم الرجل الصالح، بنوا ~~على قبره مسجدا، ثم صوروا فيه تلك الصور أولئك ~~شرار الخلق عند الله يوم القيامة " # وذكر الثعلبي عن ابن عباس قال: هذه الأصنام أسماء رجال صالحين، من قوم ~~نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن ينصبوا في مجالسهم أنصابا، ~~ويسمونها بأسمائهم # وهذا بعيد، لأن نوحا - عليه الصلاة والسلام - هو الآمر لهم بتركها ~~وذلك يدل على أنهم كانوا قبل نوح، حتى أرسل نوح إليهم. # وروي عن ابن عباس: أن نوحا - عليه الصلاة والسلام - كان يحرس جسد ~~آدم - عليه الصلاة والسلام - على جبل الهند فيمنع الكافرين أن يطوفوا ~~بقبره، فقال لهم الشيطان: إن هؤلاء، يفخرون عليكم ويزعمون أنهم بنو آدم ~~دونكم، وإنما هو جسد، وأنا أصور لكم مثله تطوفون به، فصور لهم هذه ~~الأصنام الخمسة، وحملهم على عبادتها، فلما كان أيام الطوفان دفنها ~~الطين، والتراب، والماء، فلم تزل مدفونة حتى أخرجها الشيطان لمشركي ~~العرب وكانت للعرب أصنام أخر، فاللات كانت ms8748 لقديد، وأساف ونائلة وهبل، ~~لأهل مكة. # قال الماوردي: فما " ود " فهو أول صنم معبود سمي " ودا " لودهم له، ~~وكان بعد قوم نوح لكلب بدومة الجندل، على قول ابن عباس وعطاء ومقاتل؛ ~~وفيه يقول شاعرهم: [البسيط] # 4888 - حياك ود فإنا لا يحل لنا # لهو النساء وإن الدين قد عزما # وأما " سواع " فكان لهذيل بساحل البحر في قولهم. # وقال ابن الخطيب: " وسواع لهمدان ". # وأما " يغوث " فكان لقطيف من مراد بالجوف من سبأ، في قول قتادة. # وقال المهدوي: لمراد ثم لغطفان. # وقال الثعلبي: واتخذت - أعلى وأنعم - وهما من طيىء، وأهل جرش من مذحج ~~يغوث، فذهبوا به إلى مراد، فعبدوه زمانا، ثم بني ناجية، أرادوا ~~نزعه من " أنعم " ففروا به إلى الحصين أخي بني الحارث بن كعب بن خزاعة.؟ # وقال أبو عثمان المهدوي: رأيت " يغوث " وكان من رصاص، وكانوا يحملونه ~~على جمل أجرد، ويسيرون معه ولا يهيجونه، حتى يبرك بنفسه، فإذا برك نزلوا، ~~وقالوا: قد رضي لكم المنزل فيه فيضربون عليه بناء، وينزلون حوله. # وأما " يعوق " فكان لهمدان ببلخ، في قول عكرمة وقتادة وعطاء، ذكره ~~الماوردي. # وقال الثعلبي: وأما " يعوق " فكان لكهلان من سبأ، ثم توارثه بنوه ~~الأكبر فالأكبر، حتى صار في الهمداني. # وفيه يقول غط الهمداني: [الوافر] # 4889 - يريش الله في الدنيا ويبري # ولا يبري يعوق ولا يريش # وقيل: كان " يعوق " لمراد؛ وأما " نسر " ، فكان لذي الكلاع من حمير، ~~في قول قتادة ومقاتل. # وقال الواقدي: كان " ود " على صورة رجل، و " سواع " على صورة امرأة، ~~و " يغوث " على صورة أسد، و " يعوق " على سورة فرس، و " نسر " على ~~سورة نسر من الطير، والله أعلم. قوله: { وقد أضلوا كثيرا } ، ~~أي: الرؤساء فهو عطف على قوله: { ومكروا مكرا كبارا } ، أو ~~الأصنام، وجمعهم جمع العقلاء، معاملة لهم معاملة العقلاء لقوله تعالى: # رب إنهن أضللن كثيرا من الناس # [إبراهيم: 36]. # قوله: { ولا تزد الظالمين }. عطف على قوله: { رب ~~إنهم عصوني } [على حكاية كلام نوح بعد " قال " وبعد الواو ~~النائبة عنه، أي قال: إنهم عصوني]، وقال: " لا تزد " ، أي: ms8749 قال هذين ~~القولين، فهما في محل نصب، قاله الزمخشري. قال: " كقولك: قال زيد نودي ~~للصلاة، وصل في المسجد يحكي قوليه، معطوفا أحدهما على صاحبه ". # وقال أبو حيان: " ولا تزد " معطوف على " قد أضلوا " لأنها محكية ~~ب " قال " مضمرة، ولا يشترط التناسب في الجمل المتعاطفة، بل تعطف ~~خبرا على طلب، وبالعكس خلافا لمن اشترط ذلك. # فصل في معنى " إلا ضلالا " # معنى قوله: { إلا ضلالا }. # قال ابن بحر: أي إلا عذابا، لقوله تعالى: # إن المجرمين في ضلال وسعر # [القمر: 47]. # وقيل: إلا خسرانا. # وقيل: إلا فتنة بالمال. # قوله: { مما خطيئاتهم }. " ما " مزيدة بين الجار والمجرور ~~للتوكيد، ومن لم ير زيادتها جعلها نكرة، وجعل " خطيئاتهم " بدلا ~~وفيه تعسف. # وتقدم الخلاف في قراءة " خطيئاتهم " في " الأعراف ". # وقرأ أبو رجاء: " خطياتهم " جمع سلامة إلا أنه أدغم الياء في الياء ~~المنقلبة عن الهمزة. # وقال أبو عمرو: قوم كفروا ألف سنة فلم يكن لهم إلا خطيات، يريد ~~أن الخطايا أكثر من الخطيات. # وقال قوم: خطايا وخطيات، جمعان مستعملان في القلة، والكثرة، واستدلوا ~~بقول الله تعالى: # ما نفدت كلمات الله # [لقمان: 27]. # وقال الشاعر: [الطويل] # 4890 - لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى # وأسيافنا يقطرن من نجدة دما # وقرأ الجحدري وتروى عن أبي " خطيئتهم " بالإفراد، والهمز. # وقرأ عبد الله " من خطيئاتهم ما أغرقوا " ، فجعل " ما " المزيدة ~~بين الفعل وما يتعلق به. # و " من " للسببية تتعلق ب " أغرقوا ". # وقال ابن عطية: لابتداء الغاية، وليس بواضح. # وقرأ العامة: " أغرقوا " من " أغرق ". # وزيد بن علي: " غرقوا " بالتشديد. # وكلاهما للنقل، تقول: " أغرقت زيدا في الماء، وغرقته به ". # فصل في صحة " عذاب القبر " # قال ابن الخطيب: دل قوله: { أغرقوا فأدخلوا نارا } ، على ~~إثبات عذاب القبر لأنه يدل على أنه حصلت تلك الحالة عقيب الإغراق، ولا ~~يمكن حمل الآية على عذاب الآخرة وإلا بطلت دلالة هذه الفاء، وأيضا ~~فقوله " فأدخلوا " يدل على الإخبار عن الماضي، وهذا إنما يصدق لو ~~وقع ذلك، وقال مقاتل، والكلبي: معناه أنهم سيدخلون في الآخرة نارا، ثم ~~عبر عن المستقبل بلفظ الماضي؛ لصدق وقوع ms8750 وعده كقوله: # ونادى أصحاب الجنة # [الأعراف: 44]. # قال ابن الخطيب: وهذا ترك للظاهر، من غير دليل، فإن قيل: إنما تركنا ~~الظاهر لدليل، وهو أن من مات في الماء، فإنا نشاهده هناك، فكيف يمكن أن ~~يقال: إنهم في تلك الساعة أدخلوا نارا؟ فالجواب: إن هذا الإشكال، إنما ~~جاء لاعتقاد أن الإنسان هو مجموع هذا الهيكل، وهذا خطأ لأن الإنسان هو ~~الذي كان موجودا من أول عمره، مع أنه كان صغير الجثة في أول عمره، ~~ثم إن أجزاءه دائما في التحلل والذوبان، ومعلوم أن الباقي غير المتبدل، ~~فهذا الإنسان عبارة عن ذلك الشيء الذي هو باق، من أول عمره إلى الآن، ~~فلم لا يجوز أن يقال: نقل الأجزاء الباقية الأصلية التي في الإنسان ~~عبارة عنها إلى النار وإلى العذاب. # ونقل القرطبي عن القشيري أنه قال: هذه الآية تدل على عذاب القبر، ~~ومنكروه يقولون: صاروا مستحقين دخول النار، أو عرض عليهم أماكنهم من ~~النار، كقوله تعالى: # النار يعرضون عليها غدوا وعشيا # [غافر: 46]. # وقيل: أشار إلى ما في الخبر من قوله: " البحر نار في نار ". # وروى أبو روق عن الضحاك في قوله تعالى: { أغرقوا فأدخلوا ~~نارا } ، قال: يعني عذبوا بالنار في الدنيا في حالة واحدة، كانوا ~~يغرقون في جانب ويحترقون في الماء من جانب. ذكره الثعلبي. # وأنشد ابن الأنباري: [البسيط] # 4891 - الخلق مجتمع طورا ومفترق # والحادثات فنون ذات أطوار # لا تعجبن لأضداد قد اجتمعت # فالله يجمع بين الماء والنار # قال المعربون: " فأدخلوا " يجوز أن يكون من التعببير عن المستقبل ~~بالماضي، لتحقق وقوعه كقوله: # أتى أمر الله # [النحل: 1]، وأن يكون على بابه، والمراد عرضهم على النار في قبورهم ~~كقوله في آل فرعون: # النار يعرضون عليها غدوا وعشيا # [غافر: 46]. # قوله: { فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا } ، أي: ~~من يدفع عنهم العذاب، وهذا يدل على أنهم إنما عبدوا تلك الأصنام لتدفع ~~عنهم الآفات، وتجلب المنافع إليهم فلما جاءهم العذاب لم ينتفعوا بتلك ~~الأصنام، ولم يدفعوا عنهم العذاب وهو كقوله تعالى: # أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا # [الأنبياء: ms8751 43]. # { وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ~~ديارا }. # قال الزمخشري: " ديارا " من الأسماء المستعملة في النفي العام، ~~يقال: ما بالدار ديار وديور، كقيام وقيوم، وهو " فيعال " من ~~الدارة أصله: " ديوار " ففعل به ما فعل بأصل " سيد وميت " ولو كان ~~" فعالا " لكان " دوارا " انتهى. # يعني أنه كان ينبغي أن تصح واوه ولا تقلب ياء، وهذا نظير ما تقدم له من ~~البحث في " متحيز " وأن أصله: " متحيوز " لا " متفعل " إذ ~~كان يلزم أن يكون " متحوزا " لأنه من " الحوز " ويقال فيه أيضا: " ~~دوار " نحو " قيام وقوام ". # وقال مكي: وأصله " ديوار " ثم أدغموا الواو في الياء مثل " ميت " ~~أصله " ميوت " ثم أدغموا الثاني في الأول، ويجوز أن يكون أبدلوا من ~~الواو ياء، ثم أدغموا الياء الأولى في الثانية. # قال شهاب الدين: قوله أدغموا الثاني في الأول، هذا لا يجوز؛ إذ القاعدة ~~المستقرة في المتقاربين قلب الأول لا الثاني، ولا يجوز العكس إلا شذوذا ~~أو لضرورة صناعية، أما الشذوذ فكقوله: { واذكر } [يوسف: 45] بالذال ~~المعجمة، و { فهل من مذكر } [القمر: 15] بالذال المعجمة أيضا وأما ~~الضرورة الصناعية فنحو: امدح هذا، لا تقلب الهاء حاء، لئلا يدغم الأقوى ~~في الأضعف وهذا يعرفه من عانى التصريف، والديار: نازل الدار، يقال: ما ~~بالدار ديار، وقيل: الديار صاحب الدار. # وقال البغوي: " الديار يعني أحدا يدور في الأرض، فيذهب ويجيء " ~~فعال " من الدوران ". # فصل في دعاء نوح على قومه # لما أيس نوح - عليه الصلاة والسلام - من أتباعهم إياه دعا عليهم. # قالت قتادة: دعا عليهم بعد أن أوحى الله إليه # أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن # [هود: 36]، فأجاب الله دعوته وأغرق أمته، وهذا كقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " اللهم منزل الكتاب هازم الأحزاب، اهزمهم وزلزلهم ". # وقيل: سبب دعائه أن رجلا من قومه حمل ولدا صغيرا على كتفه فمر ~~بنوح، فقال: احذر هذا فإنه يضلك، فقال: يا أبت، أنزلني فأنزله فرماه ~~فشجه، فحينئذ غضب ودعا عليهم. # وقال محمد بن كعب ومقاتل والربيع وعطية وابن زيد: إنما قال هذا، ms8752 حين ~~أخرج الله كل مؤمن من أصلابهم وأرحام نسائهم، وأعقم أرحام أمهاتهم ~~وأيبس أصلاب رجالهم قبل العذاب بأربعين سنة، وقيل: بسبعين سنة، فأخبر ~~الله نوحا أنهم لا يؤمنون، ولا يلدون مؤمنا كما قال تعالى: # أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن # [هود: 36]، فحنيئذ دعا عليهم نوح، فأجاب الله دعاء فأهلكهم كلهم، ~~ولم يكن فيهم صبي وقت العذاب، لأن الله تعالى قال: # وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم # [الفرقان: 37]. ولم يوجد التكذيب من الأطفال. # فصل في بيان أنه لا يدعى على كافر معين # قال ابن العربي: دعا نوح على الكافرين أجمعين ودعا النبي صلى الله عليه ~~وسلم على من تحزب على المؤمنين وألب عليهم، وكان هذا أصلا في الدعاء ~~على الكافرين في الجملة فأما كافر معين لم تعلم خاتمته فلا يدعى عليه؛ ~~لأن مآله عندنا مجهول، وربما كان عند الله معلوم الخاتمة بالسعادة وإنما ~~خص النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء على عتبة وشيبة وأصحابه لعلمه ~~بمآلهم وما كشف له من الغطاء عن حالهم. والله أعلم. # قوله: { رب اغفر لي ولوالدي }. # العامة: على فتح الدال على أنه تثنية والد؛ يريد: أبويه. # واسم أبيه: لملك بن متوشلخ، واسمه أمه: شمخى بنت أنوش، وكانا مؤمنين. # وحكى الماوردي: اسم أمه: منجل. # وقرأ الحسن بن علي - رضي الله عنهما - ويحيى بن يعمر والنخعي: ولولدي، ~~تثنية ولد يعني: ابنيه ساما وحاما. # وقرأ ابن جبير والجحدري: " ولوالدي " - بكسر الدال - يعني أباه. # فيجوز أن يكون أراد أباه الأقرب الذي ولده، وخصه بالذكر لأنه أشرف ~~من الأم، وأن يريد جميع من ولده من لدن آدم إلى زمن من ولده. # قال الكلبي: كان بينه وبين آدم عشرة آباء كلهم مؤمن. # وذكر القرطبي عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لم يكفر لنوح والد فيما ~~بينه وبين آدم عليهما الصلاة والسلام. # قوله { ولمن دخل بيتي مؤمنا }. # قال ابن عباس رضي الله عنه: أي: مسجدي ومصلاي، " مؤمنا " ، أي: ~~مصدقا بالله، ف " مؤمنا " حال، وكان إنما يدخل بيوت الأنبياء من ~~آمن ms8753 بهم، فجعل المسجد سببا للدعاء بالمغفرة. # وقيل: المراد بقوله " بيتي " ، أي: سفينتي. # وقال ابن عباس: أي: دخل في ديني. # فإن قيل: فعلى هذا يصير قوله: " مؤمنا " مكررا. # فالجواب: إن من دخل في دينه ظاهرا قد يكون مؤمنا، وقد لا يكون ~~مؤمنا، فالمعنى: ولمن دخل دخولا مع تصديق القلب. # قوله: { وللمؤمنين والمؤمنات } ، خص نفسه أولا بالذكر ~~والدعاء، ثم المتصلين به لأنهم أولى، وأحق بدعائه، ثم عم المؤمنين، ~~والمؤمنات إلى يوم القيامة، قاله الضحاك. # وقال الكلبي: من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. # وقيل: من قومه، والأول أظهر، ثم ختم الكلام مرة أخرى بالدعاء على ~~الكافرين [فقال: { ولا تزد الظالمين إلا تبارا } ، أي: ~~هلاكا، ودمارا، والمراد بالظالمين: الكافرين] فهي عامة في كل كافر ~~ومشرك. # وقيل: أراد مشركي قومه، و " تبارا " مفعول ثاني، والاستثناء مفرغ، ~~والتبار: كل شيء أهلك فقد تبر، ومنه قوله تعالى: # إن هؤلاء متبر ما هم فيه # [الأعراف: 139]. # وقيل: التبار الخسران. # قال المفسرون: فاستجاب الله دعاءه فأهلكهم. # روى الثعلبي عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة نوح، كان من المؤمنين الذين تدركهم ~~دعوة نوح عليه السلام ". ### | [72 - سورة الجن] ### || [72.1-19] # قوله: { قل أوحي إلي أنه } ، هذه قراءة العامة، أعني ~~كونها من " أوحى " رباعيا. # وقرأ العتكي عن أبي عمرو وابن أبي عبلة وأبو إياس: " وحى " ثلاثيا. # وهما لغتان، يقال: وحى إليه كذا وأوحى إليه بمعنى واحد، فقلبت الواو ~~همزة، ومنه قوله تعالى: # وإذا الرسل أقتت # [المرسلات: 11]؛ وأنشد العجاج: [الرجز] # 4892 - وحى لها القرار فاستقرت # وقرأ زيد بن علي والكسائي في رواية وابن أبي عبلة أيضا: " أحي " بهمزة ~~مضمومة لا واو بعدها، وخرجت على أن الهمزة بدل من الواو المضمومة، نحو " ~~أعد " في " وعد " فهذا فرع قراءة " وحى " ثلاثيا. # قال الزمخشري: وهو من القلب المطلق جوابا في كل واو مضومة، وقد أطلقه ~~المازني في المكسورة أيضا: ك " إشاح، وإسادة " ، و " إعاء أخيه " ~~[يوسف: 76]. # قال أبو حيان: وليس كما ذكر بل في ذلك تفصيل، وذلك ms8754 أن الواو المضمومة ~~قد تكون أولا، وحشوا، وآخرا، ولكل منها أحكام، وفي بعض ذلك خلاف، ~~وتفصيل مذكور في كتب النحو. وتقدم الكلام في ذلك مشبعا في أول الكتاب. # ثم قال أبو حيان بعدما تقدم عن المازني: وهذا تكثير وتبجح. # قوله: { أنه استمع } ، هذا هو القائم مقام الفاعل لأنه هو ~~المفعول الصريح، وعند الكوفيين والأخفش يجوز أن يكون القائم مقامه ~~الجار، والمجرور، فيكون هذا باقيا على نصبه، والتقدير: أوحي إلي ~~استماع نفر " من الجن " صفة ل " نفر ". # فصل في تفسير الآية # قال ابن عباس وغيره: قل يا محمد لأمتك أوحي إلي على لسان جبريل، ~~أنه استمع نفر من الجن، والنفر: الجماعة ما بين الثلاثة إلى ~~العشرة، واختلفوا، هل رآهم النبي صلى الله عليه وسلم أم لا؟. # فظاهر القرآن يدل على أنه لم يرهم لقوله تعالى: { أنه استمع ~~} ، وقوله: # وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن يستمعون ~~القرآن # [الأحقاف: 29]. # وفي صحيح مسلم، والترمذي عن ابن عباس قال: انطلق رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشيطان، ~~وبين خبر السماء، وأرسل عليهم الشهب فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ~~ما لكم؟. # فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب قالوا: ما ~~ذلك إلا من شيء حدث، فاضربوا في مشارق الأرض ومغاربها، فمر النفر ~~الذين أخذوا نحو " تهامة " وهو وأصحابه بنخلة قاصدين إلى سوق عكاظ، وهو ~~يصلي بأصحابه الفجر فلما سمعوا القرآن قالوا: هذا الذي حال بيننا وبين ~~خبر السماء، فرجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا { إنا سمعنا ~~قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن ~~نشرك بربنآ أحدا } فأنزل الله على نبيه المصطفى صلى الله ~~عليه وسلم { قل أوحي إلي أنه استمع نفر من ~~الجن } الآية. # قال القرطبي: وفي هذا الحديث دليل على أنه صلى الله عليه وسلم لم ير ~~الجن ولكن حضروه وسمعوا قرآنه. # فإن قيل: الذين رموا بالشهب هم الشياطين والذين سمعوا القرآن هم ~~الجن، فما وجه الجمع؟ فالجواب من وجهين: # الأول: ms8755 أن الجن كانوا مع الشياطين، فلما رمي الشياطين أخذوا الجن ~~الذين كانوا منهم في تجسس الخبر. # الثاني: أن الذين رموا بالشهب كانوا من الجن، إلا أنهم قيل لهم: شياطين ~~كما قيل: شياطين الإنس والجن، فإن الشيطان كل متمرد، وبعيد من طاعة ~~الله تعالى. # قال ابن الخطيب رحمه الله: واختلف في أولئك الجن الذين سمعوا القرآن ~~من هم؟. # فروى عاصم عن ذر قال: قدم رهط زوبعة وأصحابه على النبي صلى الله عليه ~~وسلم ثم انصرفوا، فذلك قوله تعالى: { وإذ صرفنآ إليك نفرا ~~من الجن يستمعون القرآن }. # وقيل: كانوا من الشيصبان وهم أكثر الجن عددا وعامة جنود إبليس منهم. # وقيل: كانوا سبعة، ثلاثة من أرض " حران " وأربعة من أرض " نصيبين " ~~،: قرية من قرى اليمن غير التي بالعراق رواه أيضا عنهم عاصم عن ذر. # وقيل: إن الجن الذين أتوه بمكة جن نصيبين، والذين أتوه بنخلة ~~جن نينوى. # وقال عكرمة: كانوا اثني عشر ألفا من جزيرة الموصل. # ومذهب ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالمسير إليهم ليقرأ ~~القرآن عليهم ويدعوهم إلى الإسلام، روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " أمرت أن أتلو القرآن على الجن فمن يذهب معي؟ ~~فسكتوا، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم الثانية: ثم ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم الثالثة، فقلت: أنا أذهب معك يا ~~رسول الله، فانطلق، حتى أتى الحجون عند شعب ابن أبي دب خط علي ~~خطا فقال: لا تجاوزه، ثم مضى إلى الحجون فاتخذوا عليه ~~أمثال الحجل كأنهم رجال الزط، قال ابن الأثير في " النهاية ~~": " الزط: قوم من السودان والهنود " يقرعون في دفوفهم، كما ~~تقرع النسوة في دفوفها، حتى غشاه، فغاب عن بصري، ~~فقمت، فأومأ بيده إلي أن اجلس ثم تلا القرآن صلى الله عليه ~~وسلم فلم يزل صوته يرتفع، ولصقوا في الأرض، حتى صرت لا ~~أراهم ". # وفي رواية أخرى، # " قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: من أنت؟. # قال صلى الله عليه وسلم: أنا نبي، قالوا: فمن يشهد لك ms8756 على ~~ذلك؟. # فقال الحبيب المجتبى صلى الله عليه وسلم: هذه الشجرة، تعالي يا شجرة ~~فجاءت تجر عروقها لها قعاقع، حتى انتصبت بين يديه صلى الله عليه ~~وسلم فقال لها صلى الله عليه وسلم: على ماذا تشهدين في؟. # فقالت أشهد أنك رسول الله قال صلى الله عليه وسلم لها: اذهبي، ~~فرجعت فذهبت مكانها كما جاءت، حتى صارت كما كانت. # وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: فلما عاد إلي قال: أردت أن ~~تأتيني، قلت: نعم يا رسول الله قال: ما كان ذلك لك، قال: هؤلاء ~~الجن أتوا يستمعون القرآن ثم ولوا إلى قومهم ~~منذرين، فسألوني الزاد، فزودتهم العظم والبعر، فلا ~~يستطيبن أحدكم بعظم، ولا بعر ". # وفي رواية: # " أنه صلى الله عليه وسلم لما فرغ وضع رأسه صلى الله عليه وسلم على ~~حجر ابن مسعود - رضي الله عنه - فرقد، ثم استيقظ صلى الله عليه ~~وسلم فقال: هل من وضوء؟ # قال: لا، إلا أن معي إداوة نبيذ، فقال صلى الله عليه وسلم: هل ~~هو إلا تمر وماء " فتوضأ منه ". # قال ابن الخطيب: وطريق الجمع بين المذهبين مذهب ابن عباس ومذهب ابن ~~مسعود من وجوه: # أحدها: لعل ما ذكره ابن عباس وقع أولا فأوحى الله تعالى إليه بهذه ~~السورة، ثم أمر بالخروج إليهم بعد ذلك كما روى ابن مسعود رضي الله ~~عنهما. # وثانيها: أن بتقدير أن تكون واقعة الجن مرة واحدة إلا أنه صلى الله عليه ~~وسلم ما رآهم، وما عرف أنهم ماذا قالوا، وأي شيء فعلوا، فالله تعالى ~~أوحى إليه أنه كان كذا وكذا، وقالوا كذا. # وثالثها: أن الواقعة كانت مرة واحدة، وهو صلى الله عليه وسلم رآهم، وسمع ~~كلامهم، وهم آمنوا به، ثم رجعوا إلى قومهم، قالوا لقومهم على سبيل ~~الحكاية: { إنا سمعنا قرآنا عجبا } وكان كذا وكذا فأوحى ~~الله تعالى إلى محمد صلى الله عليه وسلم ما قالوه لأقوامهم. # قال ابن العربي: " ابن مسعود أعرف من ابن عباس، لأنه شاهده، وابن عباس ~~سمعه، وليس الخبر كالمعاينة ". # قال القرطبي: وقيل: إن الجن أتوا ms8757 النبي صلى الله عليه وسلم دفعتين. # أحدهما: بمكة وهي التي ذكرها ابن مسعود. # والثانية: بنخلة وهي التي ذكرها ابن عباس. # قال البيهقي: الذي حكاه عبد الله إنما هو في أول ما سمعت الجن قراءة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلمت بحاله، وفي ذلك الوقت لم يقرأ عليهم ~~ولم يرهم كما حكاه عبد الله بن عباس ثم أتاه داعي الجن مرة أخرى فذهب ~~معه وقرأ عليهم القرآن كما حكاه عبد الله بن مسعود. # فصل في لفظ " قل " # قال ابن الخطيب: اعلم أن قوله تعالى: قل " أمر لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن يظهر لأصحابه - رضي الله عنهم - ما أوحى إليه تعالى في ~~واقعة الجن، وفيه فوائد. # أحدها: أن يعرفوا بذلك أنه صلى الله عليه وسلم بعث إلى الجن، كما بعث ~~إلى الإنس. # وثانيها: أن تعلم قريش أن الجن مع تمردهم لما سمعوا القرآن عرفوا ~~إعجازه فآمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم. # وثالثها: أن يعلم القوم أن الجن مكلفون كالإنس. # ورابعها: أن تعلم أن الجن يستمعون كلاما تفهمه من لغتنا. # وخامسها: أن يظهر المؤمن منهم بدعوى غيره من الجن إلى الإيمان، وفي ~~هذه الوجوه مصالح كثيرة إذا عرفها الناس. # فصل في بيان أصل الجن # اختلف العلماء في أصل الجن، فروى الحسن البصري أن الجن ولد ~~إبليس، والإنس ولد آدم - صلوات الله وسلامه عليه - ومن هؤلاء وهؤلاء ~~مؤمنون وكافرون، وهم شركاء في الثواب والعقاب، فمن كان من هؤلاء وهؤلاء ~~كافر فهو شيطان، روى الضحاك عن ابن عباس أن: الجن هم ولد الجان، وليسوا ~~شياطين ومنهم المؤمن ومنهم الكافر، والشياطين ولد إبليس، لا يموتون إلا ~~مع إبليس، وروي أن ذلك النفر كانوا يهودا. # وذكر الحسن أن منهم يهودا ونصارى ومجوسا ومشركين. # فصل في دخول الجنة الجنة # اختلفوا في دخول الجن الجنة على حسب الاختلاف في أصلهم، فمن زعم أنهم ~~من الجان لا من ذرية إبليس قال: يدخلون الجنة بإيمانهم، ومن قال: ~~إنهم من ذرية إبليس فله فيهم قولان: # أحدهما: وهو قول الحسن: ms8758 يدخلونها. # الثاني: وهو قول مجاهد: لا يدخلونها # فصل فيمن أنكر الجن # قال القرطبي: وقد أنكر جماعة من كفرة الأطباء والفلاسفة: الجن، ~~وقالوا: إنهم بسائط، ولا يصح طعامهم، اجتراء على الله والقرآن والسنة ترد ~~عليهم، وليس في المخلوقات بسائط مركب من زوج، إنما الواحد سبحانه وتعالى، ~~وغيره مركب، ليس بواحد كيفما تصرف حاله، وليس يمتنع أن يراهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم في صورهم كما يرى الملائكة وأكثر ما يتصورون هنا في صور ~~الحيات. # ففي الحديث: # " أن رجلا حديث عهد بعرس استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنصاف ~~النهار أن يرجع إلى أهله " # الحديث. # وفيه: # " فإذا حية عظيمة مطوية على الفراش فأهوى إليها بالرمح فانتظمها " # وذكر الحديث. # وفي الحديث: # " أنه صلى الله عليه وسلم قال: " إن لهذه البيوت عوامر فإذا رأيتم ~~منها شيئا فحرجوا عليها ثلاثا، فإن ذهب وإلا فاقتلوه فإنه كافر ~~" # وقال: " اذهبوا فادفنوا صاحبكم " ". # وذهب قوم إلى أن ذلك مخصوص بالمدينة كقوله في الصحيح: # " إن بالمدينة جنا قد أسلموا " # وهذه لفظ مختص بها فتختص بحكمها. # قال القرطبي: قلنا: هذا يدل على أن غيرها من البيوت مثلها؛ لأنه لم ~~يعلل بحرمة " المدينة "؛ فيكون ذلك الحكم مخصوصا بها وإنما علل ~~بالإسلام وذلك عام في غيرها، ألا ترى قوله في الحديث مخبرا عن الجن ~~الذين لقي وكانوا من جن الجزيرة وعضد هذا قوله: " ونهى عن عوامر ~~البيوت " وهذا عام وقد مضى في سورة البقرة. # قوله تعالى: { إنا سمعنا قرآنا عجبا } ، أي: قالوا لقومهم ~~حين رجعوا إليهم كقوله تعالى # فلما قضى زيد # [الأحزاب: 37]، # فلما قضى موسى الأجل # [القصص: 29] # فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين # [الأحقاف: 29]، ووصف القرآن ب " عجبا " إما على المبالغة، أي: ~~خارجا عن حد أشكاله إما في فصاحة كلامه، وإما في بلاغة مواعظه، أو عجبا ~~من عظم بركته، أو عزيزا لا يوجد مثله وإما على حذف مضاف أي ذا عجب، ~~وإما بمعنى اسم الفاعل، أي: معجب. قوله " يهدي " صفة أخرى، أي: ~~هاديا. # { إلى الرشد }. قرأ العامة: " الرشد " بضمة وسكون، وابن ms8759 عمر: ~~بضمها وعنه أيضا: فتحهما. وتقدم هذا في الأعراف. والمعنى: يهدي إلى ~~الصواب. # وقيل: إلى التوحيد. # قوله تعالى: { فآمنا به } ، أي: بالقرآن، أي: فاهتدينا به، وصدقنا ~~أنه من عند الله، { ولن نشرك بربنآ أحدا } ، أي: لا نرجع ~~إلى إبليس، ولا نطيعه، ولا نعود إلى ما كنا عليه من الإشراك، وهذا يدل ~~على أن أولئك الجن كانوا مشركين. # قوله: { وأنه تعالى }. قرأ الأخوان وابن عامر وحفص: بفتح " ~~أن " ، وما عطف عليها بالواو في اثنتي عشرة كلمة، والباقون: بالكسر. # وقرأ أبو بكر وابن عامر: " وإنه لما قام عبد الله يدعوه " ~~بالكسر، والباقون: بالفتح. # واتفقوا على الفتح في قوله تعالى: { وأن المساجد لله }. # وتلخيص هذه أن " أن " المشددة في هذه السورة على ثلاثة أقسام: # قسم: ليس معه واو العطف، فهذا لا خلاف بين القراء في فتحه أو كسره على ~~حسب ما جاءت به التلاوة واقتضته العربية، كقوله { قل أوحي إلي ~~أنه استمع نفر من الجن } ، لا خلاف في فتحه لوقوعه ~~موقع المصدر، وكقوله { إنا سمعنا قرآنا عجبا } ، لا خلاف في ~~كسره لأنه محكي بالقول. # القسم الثاني: أن يقترن بالواو، وهوأربع عشرة كلمة، إحداها: لا خلاف في ~~فتحها وهو قوله: { وأن المساجد لله } وهذا هو القسم ~~الثاني. # والثالث: " وأنه لما قام " يكسرها ابن عامر وأبو بكر، وفتحها الباقون. ~~كما تقدم تحرير ذلك كله. # والاثنتا عشرة: وهي قوله { وأنه تعالى جد } [الجن: 3]، { ~~وأنه كان يقول } [الجن: 4] { وأنا ظننآ } [الجن: 5]، { ~~وأنه كان رجال } [الجن: 6]، { وأنهم ظنوا } [الجن: ~~7]، { وأنا لمسنا } [الجن: 8]، { وأنأ كنا } [الجن: 9]، { ~~وأنا لا ندري } [الجن: 10]، { وأنا منا الصالحون } ~~[الجن: 11]، { وأنا ظننآ } [الجن: 12]، { وأنا لما ~~سمعنا } [الجن: 13]، { وأنا منا المسلمون } [الجن: 14]. # فهذا ضبطها من حيث القراءات، وأما توجيه ذلك فاختلف الناس فيه. # فقال أبو حاتم في الفتح: هو معطوف على مرفوع " أوحي " ، فتكون كلها في ~~موضع رفع لما لم يسم فاعله. # ورد ذلك من حيث أن أكثرها لا يصح دخولها تحت معمول " أوحي " ، ألا ~~ترى أنه لو قيل " أوحي إلينا أنا لمسنا السماء، وأنا كنا، ms8760 وأنا لا ندري ~~وأنا منا الصالحون، وأنا لما سمعنا الهدى، وأنا منا المسلمون " لم يستقم ~~معناه. # وقال مكي: وعطف " أن " على " آمنا به " أتم في المعنى من العطف ~~على " أنه استمع " لأنك لو عطفت " وأنا ظننا، وأنا لما سمعنا، ~~وأنه كان رجال من الإنس، وأنا لمسنا " وشبه ذلك على " أنه استمع " ~~لم يجز؛ لأنه ليس مما أوحي إليه إنما هو أمر أخبروا به عن أنفسهم، ~~والكسر في هذا أبين وعليه جماعة من القراء. # الثاني: أن الفتح في ذلك عطف على محل " به " من " آمنا به ". # قال الزمخشري: " كأنه قال: صدقناه وصدقنا أنه تعالى جد ربنا، وأنه ~~يقول سفيهنا، وكذلك البواقي ". # إلا أن مكيا ضعف هذا الوجه فقال: " والفتح في ذلك على الجمل على معنى: ~~" آمنا به " ، فيه بعد في المعنى؛ لأنهم لم يخبروا أنهم آمنوا، ~~بأنهم لما سمعوا الهدى آمنوا به، ولم يخبروا أنهم آمنوا أنه كان رجال، ~~إنما حكى الله عنهم أنهم قالوا ذلك مخبرين به عن أنفسهم لأصحابهم، فالكسر ~~أولى بذلك " # وهذا الذي قاله غير لازم، فإن المعنى على ذلك صحيح، وقد سبق الزمخشري ~~إلى هذا التخريج الفراء والزجاج، إلا أن الفراء استشعر إشكالا وانفصل ~~عنه، فإنه قال: فتحت " أن " لوقوع الإيمان عليها، وأنت تجد الإيمان يحسن ~~في بعض ما فتح دون بعض فلا يمنع من إمضائهن على الفتح، فإنه يحسن فيه ما ~~يوجب فتح " أن " نحو: صدقنا، وشهدنا، كما قالت العرب: [الوافر] # 4893 - وزججن الحواجب والعيونا # فنصب " العيون " لإتباعها " الحواجب " ، وهي لا تزجج إنما تكحل، فأضمر ~~لها الكحل. انتهى فأشار إلى شيء مما ذكره وأجاب عنه. # وقال الزجاج: " لكن وجهه أن يكون محمولا على " آمنا به " وصدقناه ~~وعلمناه، فيكون المعنى: صدقنا أنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ". # الثالث: أنه معطوف على الهاء في " به " ، أي: آمنا به وبأنه تعالى جد ~~ربنا، وبأنه كان يقول - إلى آخره - وهو مذهب الكوفيين. # وهو، وإن كان قويا من حيث المعنى، إلا أنه ممنوع من حيث الصناعة لأنه ~~لا يعطف على ms8761 الضمير المجرور، إلا بإعادة الجار. # وتقدم تحرير هذين القولين في سورة " البقرة " عند قوله: # وكفر به والمسجد الحرام # [البقرة: 217] على أن مكيا قد قوى هذا المدرك، وهو حسن جدا، فقال: هو ~~يعني العطف على الضمير المجرور دون إعادة الجار في " أن " أجود منه في ~~غيرها لكثرة حذف حرف الجر " إلى " مع " أن ". # ووجه الكسر: العطف على " إن " في قوله: " إنا سمعنا " فيكون الجميع ~~معمولا للقول فقالوا: " إنا سمعنا " ، وقالوا: " إنه تعالى ~~جد ربنا " إلى آخرها. # وقال بعضهم: الجملتان من قوله تعالى: { وأنه كان رجال من ~~الإنس } ، { وأنهم ظنوا } معترضتان بين قول الجن، وهما من ~~كلام الباري تعالى. # والظاهر أنه من كلامهم قاله بعضهم لبعض. # ووجه الكسر والفتح في قوله: { وأنه لما قام عبد الله } ~~ما تقدم. # ووجه إجماعهم على فتح { وأن المساجد لله } وجهان: # أحدهما: أنه معطوف على " أنه استمع " فيكون موحى أيضا. # والثاني: أنه على حذف حرف الجر، وذلك الحرف متعلق بفعل النهي، أي: فلا ~~تدعوا مع الله احدا، لأن المساجد لله. ذكرهما أبو البقاء. # وقال الزمخشري: " أنه استمع " - بالفتح - لأنه فاعل " أوحي " ~~، و " إنا سمعنا " بالكسر لأنه مبتدأ، محكي بعد القول، ثم يحمل ~~عليهما البواقي، فما كان من الوحي فتح، وما كان من قول الجن كسر، وكلهم ~~من قولهم الثنتين الأخريين وهما: " وأن المساجد، وأنه لما قام عبد الله ~~يدعوه " ، ومن فتح كلهن، فعطفا على محل الجار والمجرور في " آمنا ~~به " ، أي: صدقناه وصدقنا به. # والهاء في { أنه استمع نفر } ، وأنه تعالى وما بعد ذلك ضمير ~~الأمر والشأن، وما بعده خبر " أن ". # قوله: { جد ربنا }. قرأ العامة: { جد ربنا } بالفتح ل " ~~ربنا ". # والمراد به هنا العظمة. # وقيل: قدرته وأمره. # وقيل: ذكره. # والجد أيضا: الحظ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: # " ولا ينفع ذا الجد منك الجد " # والجد أيضا: أبو الأب، والجد أيضا - بالكسر - ضد التواني في ~~الأمر. # وقرأ عكرمة: بضم ياء " ربنا " وتنوين " جد " على أن يكون " ربنا " ~~بدلا من " جد ". # والجد: العظيم. كأنه قيل: وأنه تعالى عظم ms8762 ربنا، فأبدل المعرفة من ~~النكرة. # وعنه أيضا: " جدا " على التمييز و " ربنا " فاعل ب " تعالى " ، وهو ~~منقول من الفاعلية؛ إذ التقدير: " جد ربنا " ثم صار تعالى ربنا جدا أي ~~عظمة نحو تصبب زيدا عرقا أي عرق زيد، وعنه أيضا وعن قتادة كذلك إلا ~~انه بكسر الجيم، وفيه وجهان: # أحدهما: أنه نعت لمصدر محذوف، وربنا فاعل ب " تعالى " ، والتقدير: ~~تعالى ربنا تعاليا جدا، أي: حقا لا باطلا. # والجد - بكسر الجيم - ضد الهزل. # والثاني: أنه منصوب على الحال، أي: تعالى ربنا حقيقة وتمكنا، قاله ابن ~~عطية. # وقرأ حميد بن قيس: " جد ربنا " - بضم الجيم - مضافا ل " ربنا " ~~، وهو بمعنى العظيم حكاه سيبويه. # وهو في الأصل من إضافة الصفة لموصوفها؛ إذ الأصل: ربنا العظيم، نحو: " ~~جرد قطيفة " الأصل: قطيفة جرد، وهو مؤول عن البصريين. # وقرأ ابن السميقع: " جدا ربنا " بألف بعد الدال مضافا ل " ربنا ". # والجدا والجدوى: النفع والعطاء، أي: تعالى عطاء ربنا ونفعه. # فصل في معنى " الجد " # قال القرطبي: الجد في اللغة: العظمة والجلال، ومنه قول أنس - رضي ~~الله عليه -: " كان الرجل إذا حفظ البقرة وآل عمران جد في عيوننا " أي: ~~عظم وجل فمعنى " جد ربنا " أي: عظمته وجلاله، قاله عكرمة ومجاهد ~~وقتادة، وعن مجاهد أيضا: ذكره. # وقال أنس بن مالك والحسن وعكرمة أيضا: غناه. # ومنه قيل للحظ جد ورجل مجدود: أي: محظوظ، وفي الحديث: # " ولا ينفع ذا الجد منك الجد " # قال أبو عبيد والخليل، أي ذا الغنى منك الغنى، إنما تنفعه الطاعة. # وقال ابن عباس رضي الله عنه: قدرته وقال الضحاك: فعله. # وقال القرظي والضحاك: آلاؤه ونعماؤه على خلقه. # وقال أبو عبيد والأخفش: ملكه وسلطانه. # وقال السدي: أمره. # وقال سعيد بن جبير: { وأنه تعالى جد ربنا } ، أي: تعالى ~~ربنا. # وقيل: إنهم عنوا بذلك الجد الذي هو أبو الأب، ويكون هذا من الجن. # وقال محمد بن علي بن الحسين وابنه جعفر الصادق والربيع: ليس لله تعالى ~~جد وإنما قالته العرب للجهالة فلا يوحدونه. # قال القشيري: ويجوز إطلاق لفظ الجد في حق الله ms8763 تعالى إذ لو لم يجز ~~لما ذكر في القرآن، غير أنه لفظ موهم، فتجنبه أولى. # قال القرطبي: " ومعنى الآية: وأنه تعالى جد ربنا أن يتخذ ولدا أو ~~صاحبة للاستئناس بهما، أو الحاجة إليهما، والرب يتعالى عن ذلك كما ~~يتعالى عن الأنداد والنظراء ". # وقوله عز وجل: { ما اتخذ صاحبة ولا ولدا } ، مستأنف، فيه ~~تقرير لتعالي جده. # قوله: { وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا }. # الهاء في " أنه " للأمر أو الحديث، و " سفيهنا " يجوز أن يكون اسم " ~~كان " و " يقول " الخبر، ولو كان مثل هذه الجملة غير واقعة خبرا ل ~~" كان " لامتنع تقديم الخبر حينئذ، نحو " سفيهنا يقول " ، لو ~~قلت: " يقول سفيهنا " على التقديم والتأخير، لم يجز فيه والفرق ~~أنه في غير باب " كان " يلتبس بالفعل والفاعل، وفي باب " كان " يؤمن ~~ذلك. # ويجوز أن يكون " سفيهنا " فاعل " يقول " والجملة خبر " كان " ~~واسمها ضمير الأمر مستتر فيها، وقد تقدم هذا في قوله: # ما كان يصنع فرعون وقومه # [الأعراف: 137] وقوله تعالى: { شططا } تقدم في سورة الكهف مثله. # قال القرطبي: " ويجوز أن يكون " كان " زائدة، والسفيه: هو إبليس، في ~~قول مجاهد وابن جريج وقتادة. ورواه أبو بردة عن أبي موسى عن أبيه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقيل: المشركون من الجن. # قال قتادة: عصاه سفيه الجن كما عصاه سفيه الإنس والشطط والإشطاط: ~~الغلو في الكفر. # قال أبو مالك: هو الجور وقال الكلبي: هو الكذب وأصله البعد ويعبر به عن ~~الجور لبعده عن العدل وعن الكذب لبعده عن الصدق؛ قال الشاعر: [الطويل] # 4894 - بأية حال حكموا فيك فاشتطوا # وما ذاك إلا حيث يممك الوخط # قوله: { وأنا ظننآ } أي: حسبنا { أن لن تقول الإنس ~~والجن على الله كذبا }. # " أن " مخففة، واسمها مضمر والجملة المنفية خبرها، والفاعل بينهما هنا ~~حرف النفي، و " كذبا " مفعول به، أو نعت مصدر محذوف، أي: قولا كذبا. # وقرأ الحسن والجحدري وأبو عبد الرحمن ويعقوب: " تقول " - بفتح القاف ~~والواو المشددة - وهو مضارع " تقول " أي: كذب، والأصل: تتقول، فحذف ~~إحدى التاءين، نحو " تذكرون ". وانتصب ms8764 " كذبا " في هذه القراءة على ~~المصدر؛ لأن التقول كذب، فهو نحو قولهم: " قعدت جلوسا ". # ومعنى الآية: وأنا حسبنا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا، ~~فلذلك صدقناهم في أن لله صاحبة وولدا حتى سمعنا القرآن وتبينا به الحق. # وقيل: انقطع الإخبار عن الجن - هاهنا - فقال الله تعالى جل ذكره لا ~~إله إلا هو-: # { وأنه كان رجال من الإنس } فمن فتح، وجعله من قول ~~الجن ردها إلى قوله: { أنه استمع } ، ومن كسرها جعلها من قول ~~الله تعالى. # والمراد به ما كانوا يفعلونه، من قول الرجل إذا نزل بواد: أعوذ بسيد هذا ~~الوادي من شر سفهاء قومه، فيبيت في جواره حتى يصبح، قاله الحسن وابن زيد ~~وغيرهما. # وقيل: كانوا في الجاهلية إذ أقحطوا، بعثوا رائدهم، فإذا وجد مكانا فيه ~~كلأ وماء رجع إلى أهله فسار بهم حتى إذا انتهوا إلى تلك الأرض نادوا ~~نعوذ بك برب هذا الوادي أن تصيبنا فيه آفة، يعنون من الجن، فإن لم ~~يفزعهم أحد نزلوا، وإن أفزعهم الجن رجعوا. # قال مقاتل: أول من تعوذ بالجن قوم من أهل اليمن، ثم من بني حنيفة، ثم ~~فشا ذلك في العرب، فلما جاء الإسلام عاذوا بالله وتركوهم. # وقال كردم بن أبي السائب: خرجت مع أبي إلى المدينة أول ما ذكر النبي صلى ~~الله عليه وسلم فآواني المبيت إلى راعي غنم، فلما انتصف الليل جاء ~~الذئب، فحمل حملا من الغنم، فقال الراعي: يا عامر الوادي جارك الله، ~~فنادى مناد: يا سرحان أرسله، فأتى الحمل يشتد حتى دخل في الغنم لم تصبه ~~كدمة، فأنزل الله تعالى على رسوله السيد الكامل المكمل سيدنا محمد صلى ~~الله عليه وسلم بمكة: { وأنه كان رجال من الإنس ~~يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا } ، أي: زاد ~~الجن الإنس رهقا، أي: خطيئة، وإنما قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة رضي ~~الله عنهم. # والرهق: الإثم في كلام العرب وغشيان المحارم، ورجل رهق إذا كان كذلك، ~~ومنه قوله: # وترهقهم ذلة # [يونس: 27]؛ وقال الأعشى: [البسيط] # 4895 - لا شيء ينفعني من دون ms8765 رؤيتها # هل يشتفي عاشق ما لم يصب رهقا # يعني إثما، ورجل مرهق، أي: يغشاه السائلون. # قال الواحدي: الرهق: غشيان الشيء، ومنه قوله تعالى: { ترهقها ~~قترة }. # وأضيفت الزيادة إلى الجن إذ كانوا سببا لها. # وقال مجاهد أيضا: " فزادوهم " أي: أن الإنس زادوا الجن طغيانا ~~بهذا التعوذ، حتى قالت الجن: " سدنا الإنس والجن ". # وقال قتادة أيضا، وأبو العالية والربيع وابن زيد: ازداد الإنس بهذا ~~فرقا وخوفا من الجن. # وقال سعيد بن جبير: كفرا. # ولا يخفى أن الاستعاذة بالجن دون الاستعاذة بالله شرك وكفر. # وقيل: لا يطلق لفظ الرجال على الجن، فالمعنى: وأنه كان رجال من الإنس ~~يعوذون من شر الجن برجال من الإنس وكان الرجل من الإنس يقول مثلا: ~~أعوذ بحذيفة بن بدر من جن هذا الوادي. # قال القشيري: وفي هذا تحكم إذ لا يبعد إطلاق الرجال على الجن. # وقوله: " من الإنس " صفة ل " رجال " وكذلك قوله " من الجن ". # قوله تعالى: { وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث ~~الله أحدا }. # الكلام في " أن لن " كالكلام في الأول، و " أن " وما في خبرها، سادة ~~مسد مفعولي الظن والمسألة من باب الإعمال، لأن " ظنوا " يطلب ~~مفعولين، و " ظننتم " كذلك، وهو من إعمال الثاني للحذف من الأول. # والضمير في " أنهم ظنوا " للإنس، وفي " ظننتم " ، للجن، ويجوز ~~العكس # فصل في الخطاب في الآية # هذا من قول الله تعالى للإنس، أي: وإن الجن ظنوا أن لن يبعث الله الخلق ~~كما ظننتم. # قال الكلبي: ظنت الجن كما ظنت الإنس أن لن يبعث الله رسولا من خلقه ~~يقيم به الحجة عليهم وكل هذا توكيد للحجة على قريش، أي: إذا آمن هؤلاء ~~الجن بمحمد صلى الله عليه وسلم فأنتم أحق بذلك. # قوله: { وأنا لمسنا السمآء }. هذا من قول الجن، أي: طلبنا ~~خبرها كما جرت عادتنا { فوجدناها ملئت حرسا شديدا ~~وشهبا } ، أي ملئت حفظا يعني: الملائكة. # فاللمس: المس، فاستعير للطلب، لأن الماس متقرب، يقال: لمسه والتمسه ~~ونحوه الجس يقال: جسوه بأعينهم وتجسسوه. # والمعنى: طلبنا بلوغ السماء واستماع كلام أهلها. # قوله: { فوجدناها ms8766 } ، فيها وجهان: # أظهرهما: أنها متعدية لواحد؛ لأن معناها: أصبنا وصادفنا، وعلى هذا ~~فالجملة من قوله " ملئت " في موضع نصب على الحال على إضمار " قد ". # والثاني: أنها متعدية لاثنين، فتكون الجملة في موضع المفعول الثاني. # و " حرسا " نصب على التمييز نحو " امتلأ الإناء ماء ". # والحرس: اسم جمع ل " حارس " نحو " خدم " ل " خادم " و " غيب " ~~لغائب، ويجمع تكسيرا على " أحراس "؛ كقول امرىء القيس: [الطويل] # 4896 - تجاوزت أحراسا وأهوال معشر # حراص علي لو يسرون مقتلي # والحارس: الحافظ الرقيب، والمصدر الحراسة، و " شديدا " صفة ل " ~~حرس " على اللفظ؛ كقوله: [الرجز] # 4897 - أخشى رجيلا أو ركيبا عاديا # ولو جاء على المعنى لقيل: " شداد " بالجمع، لأن المعنى: ملئت ملائكة ~~شداد، كقولك السلف الصالح، يعني: الصالحين. # قال القرطبي: " ويجوز أن يكون حرسا مصدرا على معنى: حرست حراسة ~~شديدة ". # قوله: " وشهبا ". جمع " شهاب " ك " كتاب وكتب ". # وقيل: المراد النجوم، أو الحرس أنفسهم، وهو انقضاض الكواكب المحرقة لهم ~~عن استراقة السمع، وقد تقدم في سورة " الحجر، والصافات ". # وإنما عطف بعض الصفات على بعض عند تغاير اللفظ، كقوله: [الطويل] # 4898 -.......................... # وهند أتى من دونها النأي والبعد # وقرأ الأعرج: " مليت " بياء صريحة دون همزة. # قوله: { وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع } ، ~~المقاعد: جمع " مقعد " اسم مكان، والضمير في " منها " ، أي: من السماء، ~~والمقاعد مواضع يقعد في مثلها لاستماع الأخبار من السماء، وذلك أن مردة ~~الجن كانوا يفعلون ذلك ليستمعوا من الملائكة أخبار السماء فيلقوها إلى ~~الكهنة فحرسها الله - تعالى - حين بعث رسوله بالشهب المحرقة، فقالت الجن ~~حينئذ: { فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا } يعني ~~بالشهاب الكواكب المحرقة. # قوله " الآن ". هو ظرف حالي، واستعير هنا للاستقبال، كقوله الشاعر: ~~[الوافر] # 4899 -..................... # سأسعى الآن إذ بلغت إناها # فاقترن بحرف التنفيس، وقد تقدم هذا في البقرة عند قوله: " فالآن باشروهن ~~". # و " رصدا " إما مفعول له، وإما صفة له " شهابا " أي " ذا رصد " وجعل ~~الزمخشري: " الرصد " اسم جمع ك " حرس " ، فقال: والرصد: اسم جمع للراصد ~~ك " حرس " على معنى: ذوي شهاب راصدين بالرجم وهم ms8767 الملائكة ويجوز أن يكون ~~صفة ل " شهاب " بمعنى الراصد، أو كقوله: [الوافر] # 4900 -....................... # ............ ومعى جياعا # فصل في بيان متى كان قذف الشياطين # اختلفوا: هل كانت الشياطين تقذف قبل البعث أو كان ذلك أمرا حدث لمبعث ~~النبي صلى الله عليه وسلم؟ # فقال قوم: لم تحرس السماء في زمن الفترة فيما بين عيسى ومحمد - عليهما ~~الصلاة والسلام - خمسمائة عام، وإنما كان من أجل بعثة النبي فلما بعث ~~محمد صلى الله عليه وسلم منعوا من السموات كلها وحرست بالملائكة ~~والشهب، قاله الكلبي، ورواه عطية عن ابن عباس، ذكره البيهقي. # وقال عبد الله بن عمرو: لما كان اليوم الذي نبىء رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم منعت الشياطين ورموا بالشهب. # وقال عبد الملك بن سابور: لم تكن السماء تحرس في الفترة بين عيسى، ومحمد ~~- عليهما الصلاة والسلام - فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم حرست ~~السماء ورميت الشياطين بالشهب، ومنعت من الدنو من السماء. # قال نافع بن جبير: كانت الشياطين في الفترة تستمع فلا ترى، فلما بعث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم رميت بالشهب، ونحوه عن أبي بن كعب قال: لم ~~يرم بنجم، منذ رفع عيسى - عليه الصلاة والسلام - حتى نبىء رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فرمي بها. # وقيل: كان ذلك قبل البعث، وإنما زادت بمبعث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إنذارا بحاله. # وهو معنى قوله: " قد ملئت " ، أي: زيد في حرسها. # وقال أوس بن حجر - وهو جاهلي -: [الكامل] # 4901 - فانقض كالدري يتبعه # نقع يثور تخاله طنبا # قال الجاحظ: " هذا البيت مصنوع، لأن الرمي لم يكن قبل البعث ". # والقول بالرمي أصح لهذه الآية، لأنها تخبر عن الجن، أنها أخبرت ~~بالزيادة في الحرس وأنها امتلأت من الحرس، والشهب. # وقال بشر ابن أبي خازم: [الكامل] # 4902 - والعير يرهقها الغبار وجحشها # ينقض خلفهما انقضاض الكوكب # وروى الزهري عن علي بن الحسين عن ابن عباس - رضي الله عنهم - قال: ~~بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في نفر من الأنصار إذ رمي بنجم ~~فاستنار ms8768 فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما كنتم تقولون في مثل هذا في الجاهلية "؟. # قالوا: كنا نقول: يموت عظيم ابن عظيم، أو يولد عظيم [فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنها لا ترمى لموت أحد ولا لحياته، ~~ولكن ربنا - تبارك وتعالى - إذا قضى أمرا في السماء، ~~سبح حملة العرش، ثم سبح أهل كل سماء، حتى ينتهي ~~التسبيح إلى هذه السماء، ويستخبر أهل السماء: ماذا قال ~~ربكم، فيخبرون، ويخبر أهل كل سماء، حتى ينتهي ~~الخبر إلى هذه السماء فتخطفه الجن، فيروونه كما جاءوا به ~~فهو حق ولكنهم يزيدون فيه " # وهذا يدل على أن هذه الشهب كانت موجودة قبل البعث، وهو قول الأكثرين. # قال الجاحظ: فلو قال قائل: كيف تتعرض الجن لإحراق نفسها بسماع خبر ~~بعد أن صار ذلك معلوما عندهم؟. # فالجواب: أن الله تعالى ينسيهم ذلك، حتى تعظم المحنة كما ينسى إبليس ~~في كل وقت أنه لا يسلم، وأن الله - تعالى - قال له: # وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين # [الحجر: 35]، ولولا هذا لما تحقق التكليف. # قال القرطبي: " والرصد " ، قيل: من الملائكة، أي: ورصدا من ~~الملائكة، وقيل: الرصد هو الشهب، والرصد: الحافظ للشيء، والجمع أرصاد، ~~وفي غير هذا الموضع يجوز أن يكون جمعا كالحرس، والواحد: راصد. # وقيل: الرصد هو الشهاب، أي: شهاب قد أرصد له ليرجم به فهو " فعل " ~~بمعنى " مفعول " ك " الخبط والنفض ". # قوله: { وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض } ، ~~في { أشر أريد } وجهان: # أحسنهما: الرفع بفعل مضمر على الاشتغال، وإنما كان أحسن لتقدم طالب ~~الفعل وهو أداة الاستفهام. # والثاني: أن الرفع على الابتداء. # ولقائل أن يقول: يتعين هذا الرفع بإضمار فعل لمدرك آخر، وهو أنه قد عطف ~~ب " أم " فعل، فإذا أضمرنا فعلا رافعا، كنا قد عطفنا جملة فعلية على ~~مثلها، بخلاف رفعه بالابتداء فإنه - حينئذ - يخرج " أم " عن كونها ~~عاطفة إلى كونها منقطعة إلا بتأويل بعيد، وهو أن الأصل: أشر أريد ~~بهم، أم خير، فوضع لقوله: " أم أراد بهم " موضع خير. # وقوله: " أشر " ساد مسد ms8769 مفعول " ندري " ، بمعنى أنه معلق به، وراعى ~~معنى " من " في قوله: " بهم ربهم " فجمع. # فصل في معنى الآية # قال ابن زيد: معنى الآية: أن إبليس قال: لا ندري هل أراد بهذا المنع ~~أن ينزل على أهل الأرض عذابا، أو يرسل إليهم رسولا. # وقيل: هو من قول الجن فيما بينهم من قبل أن يسمعوا قراءة النبي صلى ~~الله عليه وسلم أي: لا ندري أشر أريد بمن في الأرض بإرسال محمد صلى ~~الله عليه وسلم إليهم يكذبونه ويهلكون بتكذيبه كما هلك من كذب من الأمم، ~~أم أراد أن يؤمنوا فيهتدوا، فالشر والرشد على هذا الكفر والإيمان، وعلى ~~هذا كان عندهم علم بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم ولما سمعوا قراءته ~~علموا أنهم منعوا من السماء حراسة للوحي. # وقيل: لا، بل هذا قول قالوه لقومهم بعد أن انصرفوا إليهم منذرين، أي: ~~لما آمنوا أشفقوا أن لا يؤمن كثير من أهل الأرض فقالوا: إنا لا ندري، ~~أيكفر أهل الأرض بما آمنا به أم يؤمنون؟. # قوله: { وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك }. # هذا من قول الجن، أي: قال بعضهم لبعض لما دعوا أصحابهم إلى الإيمان ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم: وإنا كنا قبل استماع القرآن منا الصالحون. # قوله: { ومنا دون ذلك } ، يحتمل وجهين: # أحدهما: يحتمل أن " دون " بمعنى " غير " ، أي: ومنا غير الصالحين، أي: ~~كافرون، وهو مبتدأ، وإنما فتح لإضافته إلى غير متمكن كقوله: # لقد تقطع بينكم # [الأنعام: 94] فيمن نصب على أحد الأقوال، وإلى هذا نحا الأخفش. # والثاني: أن " دون " على بابها من الظرف، وأنها صفة لمحذوف، تقديره: ~~ومنا فريق أو فوج دون ذلك، وحذف الموصوف مع " من " التبعيضية يكثر، ~~كقولهم: منا ظعن ومنا أقام، أي: منا فريق ظعن، ومنا فريق أقام. # ومعنى الآية: ومنا صالحون دون أولئك في الصلاح. # قوله: { كنا طرآئق } ، فيه أوجه: # أحدها: أن التقدير: كنا ذوي طرائق، أي: ذوي مذاهب مختلفة. # الثاني: أن التقدير: كنا في اختلاف أحوالنا مثل الطرائق المختلفة. # الثالث: أن التقدير: كنا ذوي طرائق مختلفة؛ كقوله: [الكامل] # 4903 ms8770 -............................. # كما عسل الطريق الثعلب # الرابع: أن التقدير: كانت طريقتنا طرائق قددا، على حذف المضاف الذي هو ~~الطرائق، وإقامة الضمير المضاف إليه مقامه، قاله الزمخشري. # فقد جعل في ثلاثة أوجه مضافا محذوفا. # وقال: إنه قدر في الأول: " ذوي ". # وفي الثاني: مثل. # وفي الثالث: طرائق. # ورد عليه ابو حيان قوله: { كنا طرآئق }؛ كقوله: [الكامل] # 4904 -............................ # كما عسل الطريق الثعلب # بأن هذا لا يجوز إلا في ضرورة أو ندور، فلا يخرج القرآن عليه، يعني ~~تعدى الفعل بنفسه إلى ظرف المكان المختص. # والقدد: جمع قددة، والمراد بها الطريقة، وأصلها السيرة، يقال: قدة ~~فلان حسنة، أي: سيرته، وهو من قد السير، أي: قطعه على استواء، فاستعير ~~للسيرة المعتدلة. # قال الشاعر: [البسيط] # 4905 - ألقابض الباسط الهادي بطاعته # في فتنة الناس إذ أهواؤهم قدد # وقال آخر: [البسيط] # 4906 - جمعت بالرأي منهم كل رافضة # إذ هم طرائق في أهوائهم قدد # وقال لبيد في أخيه: [المنسرح] # 4907 - لم تبلغ العين كل نهمتها # ليلة تمسي الجياد كالقدد # والقد - بالكسر - سير يقد من جلد غير مدبوغ، ويقال: ما له قد ولا ~~قحف، فالقد: إناء من جلد، والقحف: إناء من خشب. # فصل في معنى الآية # قال سعيد بن المسيب: معنى الآية " كنا مسلمين، ويهود ونصارى ومجوسا ~~". # وقال السدي: في الجن مثلكم قدرية، ومرجئة وخوارج، ورافضة، وشيعة، وسنية. # وقال قوم: إنا بعد استماع القرآن مختلفون منا المؤمنون، ومنا الكافرون. # وقيل: أي: ومنا الصالحون ومنا المؤمنون لم يتناهوا في الصلاح. # قال القرطبي رحمه الله: " والأول أحسن، لأنه كان في الجن من آمن ~~بموسى، وعيسى، وقد أخبر الله عنهم أنهم قالوا: # إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا ~~لما بين يديه # [الأحقاف: 30]، وهذا يدل على إيمان قوم منهم في دعاء من دعاهم إلى ~~الإيمان، وأيضا لا فائدة في قولهم: نحن الآن منقسمون إلى مؤمن وإلى ~~كافر، والطرائق: جمع طريقة، وهي مذهب الرجل، أي: كنا فرقا، ويقال: القوم ~~طرائق أي: على مذاهب شتى، والقدد: نحو من الطرائق وهو توكيد لها ~~واحده: قدة، يقال: لكل طريقة ms8771 قدة ". # قوله: { وأنا ظننآ أن لن نعجز الله في الأرض ~~ولن نعجزه هربا }. # والظن هنا بمعنى العلم، واليقين، وهو خلاف الظن في قوله تعالى: { ~~وأنا ظننآ أن لن تقول الإنس والجن على الله ~~كذبا } ، " وأنهم ظنوا " ، أي: علما بالاستدلال والتفكر في آيات ~~الله تعالى، أنا في قبضته، وسلطانه لن نفوته بهرب، ولا غيره. # وقوله: " في الأرض " ، حال، وكذلك " هربا " مصدر في موضع الحال، ~~تقديره: لن نعجزه كائنين في الأرض أينما كنا فيها، ولن نعجزه هاربين منها ~~إلى السماء. # قوله: { وأنا لما سمعنا الهدى } ، يعني القرآن " آمنا ~~به " ، وبالله، وصدقنا محمدا صلى الله عليه وسلم على رسالته، وكان ~~صلى الله عليه وسلم مبعوثا إلى الإنس والجن. # قال الحسن - رضي الله عنه - بعث محمد صلى الله عليه وسلم إلى الإنس ~~والجن ولم يبعث الله قط رسولا من الجن ولا من أهل البادية ولا من ~~النساء، وذلك قوله تعالى: # ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ~~من أهل القرى # [يوسف: 109]. # وفي الحديث: # " بعثت إلى الأحمر والأسود " # أي: الإنس والجن. وقد تقدم هذا الكلام في سورة الأنعام في قوله تعالى: # يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم # [الآية: 130]. # قوله: { فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا ~~}. # قال ابن عباس: لا يخاف أن ينقص من حسناته، ولا أن يزاد في سيئاته؛ لأن ~~البخس: النقصان، والرهق: العدوان، وغشيان المحارم، وقد تقدم في بيت ~~الأعشى. # قوله: " فلا يخاف " ، أي: فهو لا يخاف، أي فهو غير خائف؛ ولأن ~~الكلام في تقدير مبتدأ وخبر فلذلك دخلت الفاء، ولولا ذلك لقيل: لا يخف، ~~قاله الزمشخري. # ثم قال: " فإن قلت: أي فائدة في رفع الفعل، وتقدير مبتدأ قبله حتى يقع ~~خبرا له ووجوب إدخال الفاء، وكان كل ذلك مستغنى عنه بأن يقال: لا يخف؟. # قلت: الفائدة أنه إذا فعل ذلك فكأنه قيل: " فهو لا يخاف " ، فكان ~~دالا على تحقيق أن المؤمن ناج لا محالة وأنه هو المختص بذلك دون ~~غيره ". # قال شهاب الدين: " وسبب ذلك أن الجملة تكون اسمية ms8772 حينئذ، والاسمية ~~أدل على التحقيق والثبوت من الفعلية ". # وقرأ ابن وثاب والأعمش: بالجزم، وفيها وجهان: # أحدهما: ولم يذكر الزمخشري غيره، أن " لا " نافية، والفاء حينئذ ~~واجبة. # والثاني: أنها نافية، والفاء حينئذ زائدة، وهذا ضعيف. # وقوله " بخسا " ، فيه حذف مضاف، أي: جزاء بخس، كذا قرره الزمخشري. # وهو مستغنى عنه. # وقرأ ابن وثاب: " بخسا " بفتح الخاء. # قال القرطبي: وقرأ الأعمش ويحيى وإبراهيم: " فلا يخف " جزما على ~~جواب الشرط، وإلغاء الفاء أيضا. # قوله: { وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون }. أي: ~~وأنا بعد استماع القرآن مختلفون، فمنا من أسلم ومنا من كفر، والقاسط: ~~الجائر لأنه عادل عن الحق، والمقسط: العادل لأنه عادل إلى الحق، قسط: إذا ~~جار، وأقسط: إذا عدل؛ قال: [الكامل] # 4908 - قوم هم قتلوا ابن هند عنوة # عمرا وهم قسطوا على النعمان # وقد تقدم في أول " النساء " أن " قسط ": ثلاثيا بمعنى " جار " ، و ~~" أقسط " الرباعي بمعنى " عدل ". وأن الحجاج قال لسعيد بن جبير: ما ~~تقول في؟. # قال: إنك قاسط عادل، فقال الحاضرون: ما أحسن ما قال، فقال: يا جهلة، ~~جعلني كافرا جائرا، وتلا قوله تعالى: { وأما القاسطون ~~فكانوا لجهنم حطبا }. وقرأ # ثم الذين كفروا بربهم يعدلون # [الأنعام: 1]. # قوله: { فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا }. # أي: قصدوا طريق الحق، وتوخوه، وطلبوه باجتهاد، ومنه التحري في الشيء. # قال الراغب: " حرى الشيء يحري، أي: قصد حراه، أي: جانبه، وتحراه كذلك، ~~وحرى الشيء يحري، نقص، كأنه لزم حراه، ولم يمتد؛ قال الشاعر: ~~[الكامل] # 4909 -.............................. # والمرء بعد تمامه يحري # ويقال: رماه الله بأفعى حارية، أي: شديدة " انتهى. # وكأن أصله من قولهم: هو حري بكذا، أي حقيق به. و " رشدا " مفعول ~~به. # والعامة قرأوا: " رشدا " - بفتحتين - والأعرج: بضمة وسكون. # قوله: { وأما القاسطون }. أي: الجائرون عن طريق الحق والإيمان ~~{ فكانوا لجهنم حطبا } أي: وقودا، وقوله " فكانوا " أي: ~~في علم الله تبارك وتعالى. # فإن قيل: ذكر عقاب القاسطين ولم يذكر ثواب المسلمين. # فالجواب: بل ذكر ثواب المؤمنين بقوله { تحروا رشدا } أي: ~~تحروا رشدا عظيما لا يعلم كنهه إلا الله تعالى، ومثل هذا ms8773 لا ~~يتحقق إلا بالثواب. # فإن قيل: فإن الجن مخلوقون من النار، فكيف يكونون حطبا للنار؟. # فالجواب: أنهم وإن خلقوا من النار لكنهم تغيروا عن تلك الكيفية فيصيرون ~~لحما، ودما هكذا قيل. # وهذا آخر كلام الجن. # قوله { وألو استقاموا على الطريقة } ، " أن " هي ~~المخففة من الثقيلة، وتقدم أنه يكتفي ب " لو " ، فأصله بين " أن " ~~المخففة، وخبرها إذا كان جملة فعلية في سورة " سبأ ". # وقال أبو البقاء هنا: " ولو " عوض كالسين، وسوف، وقيل: " لو " بمعنى ~~" إن " و " إن " بمعنى اللام، وليست بلازمة كقوله # لئن لم تنته # [مريم: 46]، وقال في موضع آخر: # وإن لم ينتهوا عما يقولون # [المائدة: 37] ذكره ابن فضالة في البرهان. # قال شهاب الدين: " وهذا شاذ لا يلتفت إليه ألبتة لأنه خلاف النحويين ~~". # وقرأ العامة: بكسر " وأن لو " على الأصل. # وابن وثاب والأعمش: بضمها، تشبيها بواو الضمير. وقد تقدم تحقيقه في ~~البقرة. # فصل في بيان أن الله أوحى إليهم أن الإيمان سبب البسطة في الرزق # هذا من كلام الله تعالى، أي لو آمن هؤلاء الكفار لوسعنا عليهم في الدنيا ~~وبسطنا لهم في الرزق، وهذا محمول على الوحي، أي أوحي إلي أن لو ~~استقاموا. # قال ابن بحر كل ما كان في هذه السروة من " أن " المثقلة فهي حكاية ~~لقول الجن الذين سمعوا القرآن، فرجعوا إلى قومهم منذرين، وكل ما فيها من ~~" أن " المفتوحة المخففة فهي وحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقال ابن الأنباري: ومن كسر الحروف، وفتح { وأن لو استقاموا } ~~أضمر يمينا تأويلها: والله أن لو استقاموا على الطريقة، كما يقال في ~~الكلام: والله إن قمت لقمت، والله لو قمت قمت. # قال الشاعر: [الوافر] # 4910 - أما - والله - أن لو كنت حرا # وما بالحر أنت ولا العتيق # ومن فتح ما قبل المخففة نسقها على تقدير: { أوحي إلي أنه } ، ~~{ وألو استقاموا } أو " على آمنا به " ويستغنى عن إضمار ~~اليمين. # والضمير في قوله { وألو استقاموا } ، قيل: يرجع إلى الجن ~~الذين تقدم ذكرهم ووصفهم أي: هؤلاء القاسطون لو أسلموا لفعلنا بهم كذا ~~وكذا. ms8774 # وقيل: بل المراد الإنس لأن الترغيب في الانتفاع بالماء الغدق، إنما ~~يليق بالإنس، لا بالجن وأيضا أن هذه الآية إنما نزلت بعد ما حبس الله ~~المطر عن أهل مكة سنين، أقصى ما في الباب أنه لم يتقدم ذكر الإنس، ~~ولكنه لما كان ذلك معلوما جرى مجرى قوله: # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر: 1]. # وقال القاضي: الأقرب أن الكل يدخلون فيه. # قال ابن الخطيب: " ويدل على صحة قول القاضي، أنه تعالى أثبت حكما ~~معللا بعلة، وهي الاستقامة فوجب أن يعم الحكم لعموم العلة ". # والغدق - بفتح الدال وكسرها -: لغتان في الماء الغزير، ومنه الغداق: ~~للماء الكثير وللرجل الكثير الغدق، والكثير النطق. # ويقال: غدقت عينه تغدق أي: هطل دمعها غدقا. # وقرأ العامة: " غدقا " بفتحتين. # وعاصم فيما يروي عنه الأعشى، بفتح الغين وكسر الدال، وقد تقدم أنهما ~~لغتان. # قوله: { وألو استقاموا }. # قال ابن الخطيب: إن قلنا: إن الضمير راجع إلى الجن ففيه قولان: # أحدهما: أن المعنى لو ثبت أبوهم على عبادته وسجد لآدم، ولم يكفر وتبعه ~~ولده على الإسلام لأنعمنا عليهم كقوله تعالى: # ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركات من السمآء والأرض # [الأعراف: 96] الآية، # ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ومآ أنزل ~~إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم # [المائدة: 66] الآية، وقوله: # ومن يتق الله يجعل له مخرجا # [الطلاق: 2]. وقوله: # فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل ~~السمآء عليكم # [نوح: 10 - 11]، إلى قوله: # ويمددكم بأموال وبنين # [نوح: 12] الآية. # وإنما ذكر الماء كناية عن طيب العيش وكثرة المنافع وهذا هو اللائق ~~بالجن لا الماء المشروب. # الثاني: أن المعنى لو استقام الجن أي الذين سمعوا القرآن على طريقتهم ~~التي كانوا عليها، ولم ينتقلوا عن الإسلام لوسعنا عليهم الدنيا كقوله: # ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن ~~يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة # [الزخرف: 33] الآية. # والقول الأول: اختيار الزجاج، قال: لأنه تعالى ذكر الطريقة معرفة ~~بالألف واللام فيرجع إلى الطريقة المعروفة، وهي طريقة الهدى. # ومعنى: { لنفتنهم فيه } أي: لنختبرهم هل يقومون بشكرها أم لا، ~~وإن ms8775 قلنا: إن الضمير يعود على الإنس فالاحتمالان كما هما. # قوله: { لنفتنهم فيه } ، دليل على أنه تبارك وتعالى يضل ~~عباده. وأجاب المعتزلة، بأن الفتنة هي الاختبار، كما يقال: فتنت الذهب ~~بالنار لا خلق الضلالة. # واستدلت المعتزلة بقوله تعالى { لنفتنهم فيه } على أنه تعالى ~~إنما يفعل لغرض. # وأجيبوا: بأن الفتنة بالاتفاق ليست مقصودة فدلت هذه الآية على أن ~~اللام ليست للغرض في حق الله تبارك وتعالى. # فصل في التحذير من الدنيا # روى مسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " " أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة ~~الدنيا " قالوا: وما زهرة الدنيا؟. # قال: " بركات الأرض ". وذكر الحديث " # وقال - عليه الصلاة والسلام -: # " فوالله ما الفقر أخشى عليكم، وإنما أخشى عليكم أن ~~يبسط الله عليكم الدنيا فتنافسوا فيها كما تنافس ~~فيها من كان قبلكم، فيهلككم كما أهلكهم " # قوله: { ومن يعرض عن ذكر ربه } ، أي: عن عبادته، أو عن ~~موعظته، أو عن وحيه. # وقال ابن زيد: يعني القرآن، وفي إعراضه وجهان: # الأول: عن القبول إن قيل إنها في الكفار والثاني عن العمل، إن قيل ~~إنها في أهل الإيمان. # وقيل: { ومن يعرض عن ذكر ربه } ، أي: لم يشكره. # قوله: { يسلكه عذابا صعدا }. # قرأ الكوفيون: " يسلكه " - بياء الغيبة - لإعادة الضمير على الله ~~تعالى، وباقي السبعة: بنون العظمة على الالتفات. # وهذا كما تقدم في قوله تعالى: # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا # [الإسراء: 1]، ثم قال: # باركنا حوله لنريه من آياتنآ # [الإسراء: 1]. # وقرأ مسلم بن جندب: " نسلكه " بنون العظمة مضمومة من " أسلكه ". وبعضهم: ~~بالياء من تحت مضمومة، وهما لغتان، يقال: سلكه وأسلكه. # وأنشد: [البسيط] # 4911 - حتى إذا أسلكوهم في قتائدة # و " سلك، وأسلك " يجوز أن يكونا فيهما ضمنا معنى الإدخال، فلذلك ~~يتعديان لاثنين ويجوز أن يقال: يتعديان إلى أحد المفعولين، بإسقاط ~~الخافض، كقوله تعالى: # واختار موسى قومه سبعين # [الأعراف: 155]. # فالمعنى: ندخله عذابا، أو نسلكه في عذاب، هذا إذا قلنا: إن " صعدا ~~" مصدر. # قال الزمخشري: يقال: صعدا وصعودا، فوصف به العذاب لأنه يتصعد ms8776 ~~للمعذب، أي: يعلوه، ويغلبه، فلا يطيقه، ومنه قول عمر - رضي الله عنه -: ~~ما تصعد شيء ما تصعدتني خطبة النكاح يقول: ما شق علي، ولا غلبني. # وأما إذا جعلناه اسما لصخرة في جهنم، كما قاله ابن عباس - رضي الله ~~عنهما - وغيره، فيجوز فيه وجهان: # أحدهما: أن يكون " صعدا " مفعولا به أي " يسلكه " في هذا الموضع ويكون ~~" عذابا " مفعولا من أجله. # الثاني: أن يكون " عذابا " مفعولا ثانيا كما تقدم، و " صعدا " بدلا ~~من عذابا، ولكن على حذف مضاف أي: عذاب صعد، وقرأ العامة بفتحتين، وقرأ ~~ابن عباس والحسن بضم الصاد وفتح العين، وهو صفة تقتضي المبالغة كحطم ~~ولبد، وقرىء بضمتين وهو وصف أيضا ك " جنب " و " شلل ". # فصل # ومعنى عذابا صعدا: أي شاقا شديدا. # [وقيل عن ابن عباس:]هو جبل في جهنم، قال الخدري: كلما جعلوا أيديهم ~~عليه ذابت. # وعن ابن عباس: إن المعنى مشقة من العذاب، لأن الصعد في اللغة هو ~~المشقة، تقول: تصعدني الأمر إذا شق عليك، ومنه قول عمر المتقدم، والمشي ~~في الصعود يشق، وصعود العقبة الكئود. # وقال عكرمة: هي صخرة في جهنم ملساء يكلف صعودها، فإذا انتهى إلى أعلاها ~~حدر إلى جهنم. # وقال: يكلف الوليد بن المغيرة أن يصعد جبلا في النار من صخرة ~~ملساء يجذب من أمامه بسلاسل، ويضرب من خلفه بمقامع، حتى يبلغ أعلاها ~~ولا يبلغ في أربعين سنة فإذا بلغ أعلاها أحدر إلى أسفلها، ثم يكلف ~~صعودها، فذلك دأبه أبدا، وهو قوله: # سأرهقه صعودا # [المدثر: 17]. # قوله: { وأن المساجد لله }. قد تقدم أن السبعة أجمعت على ~~الفتح، بتقدير: وأوحي إلي أن المساجد لله. # وقال الخليل: أي ولأن المساجد، فحذف الجار، ويتعلق بقوله " فلا تدعوا ~~". # وجعلوه كقوله تعالى: # لإيلاف قريش # [قريش: 1] فإنه متعلق بقوله { فليعبدوا } كقوله: # إن هذه أمتكم # [الأنبياء: 92]. # وقرأ طلحة وابن هرمز: " وإن المساجد " - بالكسر..، وهو يحتمل ~~الاستئناف والتعليل، فيكون في المعنى كتقدير الخليل # فصل في المراد ب " المساجد " # المساجد: قيل هي جمع " مسجد " - بالكسر - وهو موضع السجود، وقد تقدم أن ~~قياسه الفتح. # وقيل: هو " مسجد ms8777 " - بالفتح - مرادا بها الأعضاء الواردة في الحديث: " ~~الجبهة والأنف والركبتان واليدان والقدمان " ، وهو قول سعيد بن المسيب. # والمعنى: إن هذه الأعضاء أنعم الله بها عليكم فلا تسجد لغيره فتجحد نعمة ~~الله، وقال عطاء: مساجدك أعضاؤك التي أمرت بالسجود عليها لا تذللها لغير ~~خالقها. # قال - عليه الصلاة والسلام - # " أمرت أن أسجد على سبعة أعظم " # وذكر الحديث، وقال عليه الصلاة والسلام: # " إذا سجد العبد سجد معه سبعة أعضاء " # وقيل: بل جمع مسجد، وهو مصدر بمعنى السجود، ويكون الجمع لاختلاف ~~الأنواع. # وقال القرطبي: " المراد بها البيوت التي تبنيها أهل الملل للعبادة ". # قال سعيد بن جبير رضي الله عنه: قالت الجن: كيف لنا ان نأتي المساجد ~~ونشهد معك الصلاة ونحن ناؤون عنك؟ فنزلت: { وأن المساجد لله ~~} ، أي: بنيت لذكر الله ولطاعته. # وقال ابن عباس: المساجد هنا مكة التي هي القبلة، وسميت مكة مساجد، ~~لأن كل أحد يسجد إليها. # قال القرطبي: " والقول بأنها البيوت المبنية للعبادة، وهذا أظهر ~~الأقوال، وهو مروي عن ابن عباس ". # قال ابن الخطيب: " قال الواحدي: وواحد المساجد - على الأقوال كلها - ~~" مسجد " - بفتح الجيم - إلا على قول من يقول: إنها المواضع التي بنيت ~~للصلاة؛ فإن واحدها " مسجد " - بكسر الجيم - لأن المواضع، والمصادر ~~كلها من هذا الباب - بفتح العين - إلا في أحرف معدودة وهي: المسجد، ~~والمطلع، والمنسك، والمسكن، والمنبت، والمفرق، والمسقط، والمجزر، ~~والمحشر، والمشرق، والمغرب وقد جاء في بعضها الفتح، وهي: المنسك ~~والمطلع والمسكن والمفرق، وهو جائز في كلها وإن لم يسمع ". # قوله: " لله ". إضافة تشريف وتكريم، ثم خص بالذكر منها البيت ~~العتيق، فقال تعالى: # وطهر بيتي للطآئفين # [الحج: 26] وقال - عليه الصلاة والسلام -: # " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد " # وقال - عليه الصلاة والسلام -: # " صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا ~~المسجد الحرام " # وقد روي من طريق آخر لا بأس بها # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " صلاة في مسجدي هذا خير من ~~ألف صلاة فيما سواه إلا في المسجد الحرام، فإن صلاة ~~فيه خير من مائة ألف ms8778 صلاة في مسجدي هذا " # قال القرطبي: " وهذا حديث صحيح ". # فصل في نسبة المساجد إلى غير الله # فإن قيل: المساجد وإن كانت لله ملكا وتشريفا فإنها قد تنسب إلى غيره ~~تعالى تعريفا كما قيل في الحديث: # " سابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق ". # ويقال: مسجد فلان، لأنه حبسه، ولا خلاف بين الأمة في تحبيس المساجد ~~والقناطر والمقابر، وإن اختلفوا في تحبيس غير ذلك. # فصل في معنى الآية # معنى: { وأن المساجد لله } لا يذكر فيها إلا الله ~~تعالى فإنه يجوز قسمة الأموال فيها، ويجوز وضع الصدقات فيها، على ~~رسم الاشتراك بين المساكين، والأكل فيها، ويجوز حبس الغريم فيها ~~والنوم، وسكن المريض فيه، وفتح الباب للجار إليها وإنشاد الشعر فيه إذا ~~عري عن الباطل. # قوله: { فلا تدعوا مع الله أحدا }. وهذا توبيخ للمشركين، ~~في دعواهم مع الله غيره في المسجد الحرام. # وقال مجاهد: كانت اليهود، والنصارى إذا دخلوا كنائسهم، وبيعهم أشركوا ~~بالله تعالى، فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أن ~~يخلصوا لله الدعوة الحق إذا دخلوا المساجد كلها، فلا تشركوا فيها صنما ~~وغيره مما يعبد. # وقيل: المعنى أفردوا المساجد لذكر الله، ولا تجعلوا لغير الله فيها ~~نصيبا، وفي الحديث: # " من نشد ضالة في المسجد فقولوا: لا ردها الله عليك، فإن ~~المساجد لم تبن لهذا " # وقال الحسن: من السنة إذا دخل رجل المسجد أن يقول: لا إله إلا الله، لأن ~~قوله تعالى { فلا تدعوا مع الله أحدا } في ضمنه أمر بذكر ~~الله ودعائه. # وروى الضحاك عن ابن عباس - رضي الله عنه - # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل المسجد قدم رجله اليمنى ~~وقال: " وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا، ~~اللهم إني عبدك وزائرك وعلى كل مزور حق لزائره، وأنت ~~خير مزور، فأسألك برحمتك أن تفك رقبتي من النار " ~~فإذا خرج من المسجد قدم رجله اليسرى وقال: " اللهم صب علي ~~الخير صبا ولا تنزع عني صالح ما أعطيتني أبدا، ولا ~~تجعل معيشتي كدا، ms8779 واجعل لي في الأرض جدا " ". # قوله: { وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا ~~يكونون عليه لبدا }. # يجوز الفتح، أي: أوحى الله إليه أنه، ويجوز الكسر على الاستئناف، و " ~~عبد الله " هو محمد صلى الله عليه وسلم حين كان يصلي ببطن نخلة ~~ويقرأ القرآن حسب ما تقدم أول اسورة. " يدعوه " ، أي: يعبده. # وقال ابن جريج: " يدعوه " ، أي: قام إليهم داعيا إلى الله تعالى، ~~فهو في موضع الحال، أي: يوحد الله. # { كادوا يكونون عليه لبدا }. # قال الزبير بن العوام: هم الجن حين استمعوا القرآن من النبي صلى ~~الله عليه وسلم أي: كاد يركب بعضهم بعضا ازدحاما عليه ويسقطون حرصا ~~على سماع القرآن العظيم. # وقيل: كادوا يركبونه حرصا، قاله الضحاك. # وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: رغبة في سماع القرآن. # يروى عن مكحول: أن الجن بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه ~~الليلة، وكانوا سبعين ألفا، وفرغوا من بيعته عند الفجر. # وعن ابن عباس أيضا: أن هذا من قول الجن لما رجعوا إلى قومهم أخبروهم ~~بما رأوا من طاعة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وائتمامهم به في الركوع ~~والسجود. # وقيل: كاد الجن يركب بعضهم بعضا حرصا على النبي صلى الله عليه وسلم. # وقال الحسن وقتادة وابن زيد: " لما قام عبد الله " محمد بالدعوة ~~تلبدت الإنس، والجن على هذا الأمر ليطفئوه فأبى الله تعالى إلا أن ~~ينصره ويتم نوره، واختار الطبري أن يكون المعنى كادت العرب يجتمعون ~~على النبي صلى الله عليه وسلم ويتظاهرون على إطفاء النور الذي جاء به. # قال مجاهد: اللبد: الجماعات. # قوله " لبدا ": قرأ هشام: بضم اللام، والباقون: بكسرها. # فالأولى: جمع " لبدة " - بضم اللام - نحو " غرفة وغرف ". # وقيل: بل هو اسم مفرد صفة من الصفات نحو " حطم " وعليه قوله تعالى # مالا لبدا # [البلد: 6]. # وأما الثانية: فجمع " لبدة " - بالكسر - نحو " قربة وقرب ". # واللبدة: الشيء المتلبد، أي: المتراكب بعضه على بعض، ومنه قولهم " لبدة ~~الأسد ". كقول زهير: [الطويل] # 4912 - لدى أسد شاك السلاح مقذف # له لبد أظفاره لم تقلم # ومنه: ms8780 اللبد؛ لتلبد بعضه فوق بعض، ولبد: اسم نسر لقمان بن عاد، عاش ~~مائتي سنة، حتى قالوا: أطال الله الأمد على لبد. # والمعنى: كادت الجن يكونون عليه جماعات متراكمة متزاحمين عليه كاللبد. # وقرأ الحسن والجحدري: " لبدا " - بضمتين - ورواها جماعة عن أبي ~~عمرو. # وهي تحتمل وجهين: # أحدهما: أنه جمع " لبد " نحو " رهن " جمع " رهن ". # والثاني: أنه جمع " لبود " نحو " صبور، وصبر " وهو بناء مبالغة ~~أيضا. # وقرأ ابن محيصن: بضمة وسكون، فيجوز أن تكون هذه مخففة من القراءة التي ~~قبلها ويجوز أن يكون وصفا برأسه. # وقرأ الحسن والجحدري أيضا: " لبدا " - بضم اللام وتشديد الباء، ~~وهي غريبة جدا. # وقيل: وهو جمع " لابد " ك " ساجد وسجد، وراكع وركع ". # وقرأ أبو رجاء: بكسر اللام، وكسر الباء، وهي غريبة أيضا. # وقيل: اللبد - بضم اللام وفتح الباء -: الشيء الدائم، واللبد أيضا: ~~الذي لا يسافر ولا يبرح؛ قال الشاعر: [البسيط] # 4913 - من امرىء ذي سماح لا تزال له # بزلاء يعيا بها الجثامة اللبد # ويروى: اللبد، قال أبو عبيد: وهو أشبه، ويقال: ألبدت القربة جعلتها في ~~لبيد. # ولبيد: اسم شاعر من بني عامر. ### || [72.20-24] # قوله: { إنمآ أدعوا } ، قرأ عاصم وحمزة: بلفظ الأمر التفاتا، ~~أي: قل يا محمد، والباقون: " قال " إخبارا عن " عبد الله " وهو محمد صلى ~~الله عليه وسلم. # قال الجحدري: وهي في المصحف كذلك. وقد تقدم لذلك نظائر في " قل سبحان ~~ربي " آخر " الإسراء " ، وكذا في أول " الأنبياء " وآخرها، وآخر " ~~المؤمنون ". # قال المفسرون: سبب نزول هذه الآية أن كفار قريش قالوا له: إنك جئت ~~بأمر عظيم، وقد عاديت الناس كلهم، فارجع عن هذا ونحن نجيرك، فنزلت. # قوله: { قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا }. # قرأ الأعرج: " رشدا " - بضمتين -. وجعل الضر عبارة عن الغي؛ لأن ~~الضرر سبب عن الغي وثمرته، فأقام المسبب مقام السبب، والأصل: لا أملك ~~غيا، ولا رشدا، فذكر الأهم. # وقيل: بل في الكلام حذف، والأصل: لا أملك لكم ضرا ولا نفعا ولا ~~غيا ولا رشدا فحذف من كل واحد ما يدل مقابله عليه. # فصل في معنى ms8781 الآية # المعنى لا أقدر أن أدفع عنكم ضرا ولا أسوق لكم خيرا. # وقيل: { لا أملك لكم ضرا } ، أي: كفرا " ولا رشدا " أي: هدى، أي: ~~إنما علي التبليغ. # وقيل: الضر: العذاب، والرشد: النعيم، وهو الأول بعينه. # وقيل: الضر: الموت، والرشد الحياة. # قوله: { قل إني لن يجيرني من الله أحد } ، أي: لن ~~يدفع عني عذابه أحد إن استحفظته وذلك أنهم قالوا: اترك ما تدعو إليه، ~~ونحن نجيرك. # وروى أبو الجوزاء عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: انطلقت مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن حتى أتى الحجون فخط علينا خطا، ~~ثم تقدم إليهم فازدحموا عليه فقال سيد يقال له وردان: أنا أزجلهم عنك، ~~فقال: { إني لن يجيرني من الله أحد } ، ذكره الماوردي ~~رحمة الله عليه، قال: ويحتمل معنيين: # أحدهما: لن يجيرني مع إجارة الله لي أحد. # الثاني: لن يجيرني مما قدره الله تعالى علي أحد، { ولن أجد من ~~دونه ملتحدا } أي: ملجأ الجأ إليه، قاله قتادة، وعنه نصيرا ~~ومولى. # وقال السدي: حرزا، وقال الكلبي: مدخلا في الأرض مثل السرب، ~~وقيل: مذهبا ولا مسلكا، حكاه ابن شجرة؛ قال الشاعر: [البسيط] # 4914 - يا لهف نفسي ولهفي غير مجزية # عني وما من قضاء الله ملتحد # و " ملتحدا " مفعول " أحد " لأنها بمعنى " أصيب " # قوله { إلا بلاغا } ، فيه وجوه: # أحدها: أنه استثناء منقطع، أي: لكن إن بلغت عن الله رحمتي، لأن البلاغ ~~من الله - تبارك وتعالى - لا يكون داخلا تحت قوله: { ولن أجد من ~~دونه ملتحدا }. # لأنه لا يكون من دون الله - عز وجل - وبعنايته وتوفيقه. # والثاني: أنه متصل، وتأويله، أن الإجارة مستعارة للبلاغ، أو هو سببها ~~أو بسبب رحمته تعالى، والمعنى لن أجد شيئا أميل إليه وأعتصم به إلا ~~أن أبلغ وأطيع فيجيرني، وإذا كان متصلا جاز نصبه من وجهين: # أحدهما: أن يكون بدلا من " ملتحدا " لأن الكلام غير موجب، وهذا ~~اختيار الزجاج. # والثاني: أنه منصوب على الاستثناء. # الثالث: أنه مستثنى منقطع من قوله { لا أملك لكم ضرا }. # قال قتادة: أي: لا أملك ms8782 إلا بلاغا إليكم، وقرره الزمخشري، فقال: أي: لا ~~أملك لكم إلا بلاغا من الله، وقيل: { إني لن يجيرني من ~~الله } جملة معترضة اعترض بها لتأكيد نفي الاسطاعة وعلى هذا ~~فالاستثناء منقطع. # الرابع: أن الكلام ليس استثناء، بل شرطا، والأصل: " إن لا " ف " إن ~~" شرطية وفعلها محذوف، لدلالة مصدره، والكلام الأول عليه، و " لا " ~~نافية، والتقدير: " إن لا أبلغ بلاغا من الله فلن يجيرني من الله أحد ~~". # وجعلوا هذا كقول الآخر: [الوافر] # 4915 - فطلقها فلست لها بكفء # وإلا يعل مفرقك الحسام # أي: وإن لا تطلقها يعل، فحذف الشرط ونفى الجواب، وفي هذا الوجه ضعف من ~~وجهين: # أحدهما: أن حذف الشرط دون أدلته قليل جدا. # والثاني: أنه حذف الجزءان هنا، أعني الشرط والجزاء. # فيكون كقول الشاعر: [الرجز] # 4916 - قالت بنات العم: يا سلمى وإن # كان فقيرا معدما، قالت: وإن # أي قالت: وإن كان فقيرا معدما فقد رضيته. # وقد يقال: إن الجواب مذكور عند من يرى جواز تقديمه، وإما في قوة المنطوق ~~به لدلالة ما قبله عليه. # وقال الحسن: { إلا بلاغا من الله ورسالاته }. فإن ~~فيه النجاة والأمان. # قوله { من الله }. فيه وجهان: # أحدهما: أن " من " بمعنى " عن " لأن " بلغ " يتعدى بها، ومنه قوله - ~~عليه الصلاة والسلام -: # " ألا بلغوا عني ". # والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه صفة ل " بلاغ ". # قال الزمخشري: " من " ليست للتبليغ وإنما هي بمنزلة " من " في قوله ~~تعالى # برآءة من الله ورسوله # [التوبة: 1]، بمعنى: " بلاغا كائنا من الله ". # قوله { ورسالاته }. فيه وجهان: # أحدهما: أنها منصوبة نسقا على " بلاغا " ، كأنه قيل: لا أملك لكم إلا ~~التبليغ، والرسالات ولم يقل الزمخشري غيره. # والثاني: أنها مجرورة نسقا على الجلالة، أي: إلا بلاغا عن الله وعن ~~رسالاته، قدره أبو حيان وجعله هو الظاهر، ويجوز في جعله " من " بمعنى ~~" عن " ، والتجوز في الحروف رأي الكوفيين ومع ذلك فغير متعارف عندهم. # قوله: { ومن يعص الله ورسوله } ، في التوحيد، والعبادة { ~~فإن له نار جهنم } ، العامة: على كسر " إن " جعلوها جملة ~~مستأنفة بعد فاء الجزاء. # قال الواحدي: " إن ms8783 " مكسورة الهمزة لأن ما بعد فاء الجزاء موضع ~~ابتداء. # ولذلك حمل سيبويه قوله: # ومن عاد فينتقم الله منه # [المائدة: 95]، # ومن كفر فأمتعه قليلا # [البقرة: 126] { فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا ~~رهقا } على أن المبتدأ فيها مضمر تقديره: فجزاؤه أن له نار جهنم، ~~أو فحكمه أن له نار جهنم. # قال ابن خالويه: " سمعت ابن مجاهد يقول: لم يقرأ به أحد، وهو لحن، ~~لأنه بعد فاء الشرط، قال: سمعت ابن الأنباري يقول: هو صواب، ومعناه: ~~فجزاؤه أن له نار جهنم ". # قال شهاب الدين: ابن مجاهد، وإن كان إماما في القراءات إلا أنه خفي ~~عليه وجهها، وهو عجيب جدا كيف غفل عن قراءتي # فأنه غفور رحيم # [الأنعام: 54] في " الأنعام " ، لا جرم أن ابن الأنباري استصوب القراءة ~~لطول باعه في العربية. # قول " خالدين ". حال من الهاء في " له " ، والعامل الاستقرار الذي ~~تعلق به هذا الجار وحمل على معنى " من " فلذلك جمع؛ لأن المعنى لكل من ~~فعل ذلك فوحد أولا اللفظ، ثم جمع المعنى. # فصل في رد كلام المعتزلة # استدل جمهور المعتزلة بهذه الآية الكريمة على أن فساق أهل الصراة ~~يخلدون في النار؛ لأن هذا العموم أقوى في الدلالة على المطلوب من سائر ~~العمومات، وأيضا: فقوله " أبدا " ينفي قول المخالف بأن المراد بالخلود ~~المكث الطويل. # والجواب: أن السياق في التبليغ عن الله، والرسالة، ثم قال تعالى: { ~~ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم } وإذا ~~كان هنا محتملا سقط الاستدلال، أو نقول: هذه الصورة لا بد وأن تندرج في ~~العموم، وترك التبليغ عن الله تعالى أعظم، فلا يجوز أن تساويه الذنوب ~~التي ليست مثله في العقوبة، فلا يتعدى هذا الحكم إلى غيره من الذنوب، أو ~~نقول: إن الله تعالى لم يقيد في سائر عمومات الوعيد في القرآن بالتأبيد ~~إلا في هذه الآية الكريمة فلا بد وأن يكون لهذا التخصيص فائدة، ومعنى، ~~وليس المعنى إلا أن يكون هذا الذنب أعظم الذنوب، وإذا كان السبب في ~~هذا التخصيص هذا المعنى، علمنا أن هذا الوعيد مختص بهذا ms8784 الذنب، فلا ~~يتعدى إلى غيره من الذنوب فدلت هذه الآية على أن حال سائر المذنبين ~~مخالف لذلك، أو نقول: { ومن يعص الله } إلا في الكفر وإلا في ~~الزنا وإلا في شرب الخمر، فإن مذهب القائلين بالوعيد أن الاستثناء ~~إخراج ما لولاه كان داخلا تحت اللفظ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون قوله ~~تعالى { ومن يعص الله } متناولا لكل من أتى بكل المعاصي. # فإن قيل: يستحيل العموم هنا لأن من جملة المعاصي التجسيم والتعطيل، ~~والقائل بالتجسيم يمتنع أن يكون مع ذلك قائلا بالتعطيل. # قلنا: يخص هذا بدليل الفعل فيحمل على جميع ما لا يستحيل اجتماعه. # فصل في أن الأمر للوجوب # دلت هذه الآية على أن الأمر مقيد بالوجوب لأن تارك المأمورية عاص لقوله # أفعصيت أمري # [طه: 93]، # لا يعصون الله مآ أمرهم # [التحريم: 6]، # ولا أعصي لك أمرا # [الكهف: 69]. # والعاصي مستحق للعقاب لقوله تعالى { ومن يعص الله ورسوله ~~فإن له نار جهنم }. # قوله: { حتى إذا رأوا ما يوعدون }. # قال الزمخشري: فإن قلت: بم تعلق حتى، وجعل ما بعده غاية له؟. # قلت: بقوله: # يكونون عليه لبدا # [الجن: 19] على أنهم يتظاهرون عليه بالعداوة، ويستضعفون أنصاره، ~~ويستقلون عددهم { حتى إذا رأوا ما يوعدون } من بوم بدر، ~~وإظهار الله عليهم، أو من يوم القيامة { فسيعلمون } حينئذ { من ~~أضعف ناصرا }. # قال: ويجوز أن يتعلق بمحذوف دلت عليه الحال من استضعاف الكفار، ~~واستقلالهم لعددهم، كأنه قال لا يزالون على ما هم عليه، حتى إذا رأوا ما ~~يوعدون، قال المشركون: متى هذا الوعد؟ إنكارا له. # فقال: " قل ": إنه كائن لا ريب فيه. # قال أبو حيان: قوله: بم تعلق، إن عنى تعلق حرف الجر فليس بصحيح لأنها ~~حرف ابتداء، فما بعدها ليس في موضع جر خلافا للزجاج، وابن درستويه، ~~فإنهما زعما أنها إذا كان حرف ابتداء فالجملة الابتدائية بعدها في موضع ~~جر، وإن عنى بالتعلق اتصال ما بعدها بما قبلها وكون ما بعدها غاية لما ~~قبلها، فهو صحيح، وأما تقديره: أنها تتعلق بقوله: { يكونون عليه ~~لبدا } فهو بعيد جدا لطول الفصل ms8785 بينهما بالجمل الكثيرة وقدر بعضهم ~~ذلك المحذوف، فقال: تقديره: دعهم حتى إذا رأوا. # وقال التبريزي: جاز أن يكون غاية لمحذوف، ولم يبين ما هو. # وقال أبو حيان: " والذي يظهر لي أنها غاية لما تضمنته الجملة التي قبلها ~~من الحكم لكينونة النار لهم كأنه قيل: إن العاصي يحكم له بكينونة النار، ~~والحكم بذلك هو وعيد حتى إذا رأوا ما حكم بكينونته لهم فيسعلمون ". # قوله: { من أضعف }. يجوز في " من " أن تكون استفهامية فترفع ~~بالابتداء، و " أضعف " خبره، والجملة في موضع نصب سادة مسد ~~المفعولين لأنها معلقة للعلم قبلها. # وأن تكون موصولة، و " أضعف " خبر مبتدأ مضمر، أي: هو أضعف، والجملة صلة ~~وعائد وحسن الحذف طول الصلة بالتمييز، والموصول مفعول للعلم بمعنى ~~العرفان. # قال القرطبي: " حتى " هنا مبتدأ، أي " حتى أذا رأوا ما يوعدون " من عذاب ~~الآخرة أو ما يوعدون من عذاب الدنيا، وهو القتل يوم بدر { ~~فسيعلمون من أضعف ناصرا }. و " من " يظهر أنها غاية ~~لما تضمنته الجملة التي قبلها من الحكم، بكينونة النار لهم، كأنه قيل: إن ~~العاصي أهم أم المؤمنون؟ و " أقل عدادا " معطوف. ### || [72.25-28] # قوله: { قل إن أدري أقريب ما توعدون } ، يعني: قيام ~~الساعة لا يعلمه إلا الله فهو غيب لا أعلم منه إلا ما يعلمنيه الله ~~تعالى جلت قدرته. # قوله: { أقريب } ، خبر مقدم، و { ما توعدون } مبتدأ مؤخر، ~~ويجوز أن يكون " قريب " مبتدأ لاعتماده على الاستفهام و " ما ~~توعدون " فاعل به، أي: أقريب الذي توعدون، نحو " أقائم أبواك " ، و ~~" ما " يجوز أن تكون موصولة فالعائد محذوف، وأن تكون مصدرية فلا عائد، و ~~" أم " الظاهر أنها متصلة. # وقال الزمخشري: " فإن قلت: ما معنى قوله: { أم يجعل له ~~ربي أمدا } ، والأمد يكون قريبا وبعيدا، ألا ترى إلى قوله تعالى # تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا # [آل عمران: 30]، قلت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يستقرب الموعد، ~~فكأنه قال: ما أدري أهو حال متوقع في كل ساعة، أم مؤجل ضربت له ~~غاية؟ ". # وقرأ العامة: بإسكان الياء من " ربي ". # وقرأ ms8786 الحرميان وأبو عمرو: بالفتح. # فصل في تعلق الآية بما قبلها # قال مقاتل: لما سمعوا قوله تعالى: { حتى إذا رأوا ما ~~يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا }. ~~قال النضر بن الحارث: متى يكون هذا الذي توعدنا به؟. # فقال الله تعالى: { قل إن أدري أقريب ما توعدون } إلى ~~آخره، والمعنى أن وقوعه متيقن، وأما وقت وقوعه فغير معلوم. # وقوله تعالى: { أم يجعل له ربي أمدا } ، أي: غاية ~~وبعدا، وهذا كقوله تعالى: { إن أدري أقريب ما توعدون }. # فإن قيل: أليس # " أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: " بعثت أنا والساعة ~~كهاتين " # فكان عالما بقرب وقوع القيامة، فكيف قال - هاهنا -: لا أردي أقريب ~~أم بعيد؟. # فالجواب: أن المراد بقرب وقوعه، هو أن ما بقي من الدنيا أقل مما انقضى ~~فهذا القدر من القرب معلوم، فأما معرفة القرب المرتب وعدم ذلك فغير ~~معلوم. # قوله: { عالم الغيب } ، العامة: على رفعه، إما بدلا من " ربي ~~" وإما بيانا له وإما خبرا لمبتدأ مضمر، أي هو عالم. # وقرىء: بالنصب على المدح. # وقرأ السدي: علم الغيب، فعلا ماضيا ناصبا للغيب. # قوله: " فلا يظهر ". العامة: على كونه من " أظهر " ، و " أحدا " ~~مفعول به. # وقرأ الحسن: " يظهر " بفتح الياء والهاء من " ظهر " ثلاثيا، و " ~~أحد " فاعل به. # فصل في تفسير الغيب # الغيب ما غاب عن العباد. # وقد تقدم الكلام عليه أول البقرة. # قوله: { إلا من ارتضى من رسول }. يجوز أن يكون استثناء ~~منقطعا، أي لكن من ارتضاه فإنه يظهره على ما يشاء من غيبه بالوحي و " ~~من " في قوله: " من رسول " لبيان المرتضين وقوله: { فإنه ~~يسلك من بين يديه } بيان لذلك. # وقيل: هو متصل، و " رصدا " تقدم الكلام عليه. # ويجوز أن تكون " من " ، شرطية، أو موصولة مضمنة معنى الشرط، وقوله " ~~فإنه " خبر المبتدأ على القولين؛ وهو من الاستثناء المنقطع أيضا، أي: ~~لكن، والمعنى: لكن من ارتضاه من الرسل، فإنه يجعل له ملائكة رصدا ~~يحفظونه. # فصل في الكرامات # قال الزمخشري: " في إهذه الآية إبطال الكرامات؛ لأن الذين تضاف إليهم ~~الكرامات، وإن كانوا أولياء مرتضين ms8787 فليسوا برسل، وقد خص الله الرسل من ~~بين المرتضين بالاطلاع على الغيب وفيها أيضا إبطال الكهانة والتنجيم لأن ~~أصحابهما أبعد شيء من الارتضاء، وأدخل في السخط ". # قال الواحدي: وفيها دليل على أن من ادعى أن النجوم تدل على ما يكون ~~من حياة، أو موت، أو غير ذلك فقد كفر بما في القرآن. # قال ابن الخطيب: واعلم أن الواحدي يجوز الكرامات، وأن يلهم الله ~~أولياءه وقوع بعد الوقائع في المستقبل ونسبة الآية في الصورتين واحدة فإن ~~جعل الآية دالة على المنع من أحكام النجوم، فينبغي أن يجعلها دالة على ~~المنع من الكرامات على ما قاله الزمخشري، فإن جوز الكرامات لزمه ~~تجويز علم النجوم وتفريقه بينهما تحكم محض. # قال ابن الخطيب: وعندي لا دلالة في الآية على شيء مما قالوه، إذ لا صيغة ~~عموم في عينه لأنه لفظ مفرد مضاف فيحمل على غيب واحد، وهو وقت القيامة ~~لأنه واقع بعد قوله { أقريب ما توعدون } الآية. # فإن قيل: فما معنى الاستثناء حينئذ؟. # قلنا: لعله إذا قربت القيامة يظهر، وكيف لا، وقد قال: # ويوم تشقق السمآء بالغمام ونزل الملائكة ~~تنزيلا # [الفرقان: 25] فتعلم الملائكة حنيئذ قيام القيامة، أو هو استثناء منقطع ~~أي: من ارتضاه من رسول يجعل من بين يديه، ومن خلفه حفظة يحفظونه بأمر ~~الله من شر مردة الجن والإنس، ويدل على أنه ليس المراد منه ألا يطلع ~~أحد على شيء من المغيبات أنه ثبت بما يقارب التواتر أن " شقا وسطيحا " ~~كانا كاهنين وقد عرفا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم قبل ظهوره وكانا ~~مشهورين بهذا العلم عند العرب حتى يرجع إليهما كسرى، وربيعة بن مضر، ~~فثبت أن الله تعالى قد يطلع غير الرسل على شيء من المغيبات، وأيضا هل ~~الملل على أن معبر الرؤيا، يخبر عن أمور مستقبلة، ويكون صادقا فيه، ~~وأيضا: قد نقل السلطان سنجر بن ملك شاه كاهنة من بغداد إلى خراسان ~~وسألها عن أمور مستقبلة فأخبرته بها فوقعت على وفق كلامها. # قال ابن الخطيب: وأخبرني أناس محققون في علم الكلام ms8788 والحكمة أنها أخبرت ~~عن أمور غائبة بالتفصيل فكانت على وفق خبرها. # وبالغ أبو البركات في كتاب " المعتبر " في شرح حالها وقالت: تفحصت عن ~~حالها ثلاثين سنة، فتحققت أنها كانت تخبر عن المغيبات إخبارا مطابقا، ~~وأيضا فإنا نشاهد ذلك في أصحاب الإلهامات الصادقة، وقد يوجد ذلك في ~~السحرة أيضا، وقد ترى الأحكام النجومية مطابقة وإن كانت قد تتخلف، فإن ~~قلنا: إن القرآن يدل على خلاف هذه الأمور المحسوسة لتطرق الطعن إلى ~~القرآن فيكون التأويل ما ذكرناه. # فصل في معنى الآية # قال القرطبي: المعنى { فلا يظهر على غيبه أحدا إلا ~~من ارتضى من رسول } فإنه يظهره على ما يشاء من غيبه، لأن ~~الرسل مؤيدون بالمعجزات، ومنها الإخبار عن بعض الغائبات كما ورد في ~~التنزيل في قوله: # وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم # [آل عمران: 49]. # وقال ابن جبير: { إلا من ارتضى من رسول } هو جبريل - عليه ~~السلام - وفيه بعد، والأولى أن يكون المعنى لا يظهر على غيبه إلا من ~~ارتضى، أي: اصطفاه للنبوة فإنه يطلعه على ما يشاء من غيبه ليكون ذلك ~~دالا على نبوته. # فصل في استئثار الله بعلم الغيب # ذكر القرطبي أن العلماء قالوا: لما تمدح الله سبحانه وتعالى بعلم ~~الغيب واستأثره دون خلقه، كان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحد سواه، ~~ثم استثنى من ارتضاه من الرسل، فأعلمهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي ~~إليهم، وجعله معجزة لهم، ودلالة صادقة على نبوتهم، وليس المنجم ومن ضاهاه ~~ومن يضرب بالحصى وينظر في الكواكب ويزجر بالطير من ارتضاه من رسول فيطلعه ~~على ما يشاء من غيبه بل هو كافر بالله مفتر عليه بحدسه وبتخمينه وكذبه. # قال بعض العلماء: وليت شعري ما يقول المنجم في سفينة ركب فيها ألف إنسان ~~مختلفو الأحوال والرتب فيهم الملك، والسوقة، والظالم، والجاهل، والعالم ~~والغني، والفقير، والكبير مع اختلاف طوالعهم، وتباين مواليدهم، ودرجات ~~نجومهم، فعمهم حكم الغرق في ساعة واحدة، فإن قال: إنما أغرقهم الطالع ~~الفلاني الذي ركبوا فيه، فيكون على مقتضى ذلك أن هذا ms8789 الطالع أبطل أحكام ~~هذه الطوالع كلها على اختلافها عند ولادة كل واحد منهم، وما يقتضيه ~~طالعه المخصوص به، فلا فائدة إذ ذاك في عمل المواليد، ولا دلالة فيها على ~~شقي، ولا سعيد، ولم يبق إلا معاندة القرآن الكريم؛ ولقد أحسن القائل: ~~[الكامل] # 4917 - حكم المنجم أن طالع مولدي # يقضي علي بميتة الغرق # قل للمنجم صبحة الطوفان هل # ولد الجميع بكوكب الغرق؟ # وقيل لعلي - رضي الله عنه - لما أراد لقاء الخوارج: أتلقاهم والقمر لفي ~~العقرب؟ فقال: فأين قمرهم؟ وكان ذلك في آخر الشهر. فانظر إلى هذه الكلمة ~~التي أجاب بها، وما فيها من البلاغة في الرد على من يقول بالتنجيم، وقال ~~له مسافر بن عوف: يا أمير المؤمنين، لا تسر في هذه الساعة وسر بعد ~~ثلاث ساعاة يمضين من النهار، فقال له علي - رضي الله عنه -: ولم؟. # قال: إنك إن سرت في هذه الساعة أصابك، وأصاب أصحابك بلاء، وضر شديد، ~~وإن سرت في الساعة التي أمرتك بها ظفرت، وظهرت وأصبت ما طلبت، فقال علي - ~~رضي الله عنه -: ما كان لمحمد صلى الله عليه وسلم ولا لأصحابه منجم، ولا ~~لنا من بعده. ثم قال: فمن صدقك في هذا القول لن آمن عليه أن يكون كمن ~~اتخذ من دون الله ندا، وضدا، اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا ~~خيرك ثم قال للمتكلم: نكذبك، ونخالفك، ونسير في الساعة التي تنهاها عنها، ~~ثم أقبل على الناس فقال: أيها الناس، إياكم وتعلم النجوم إلا ما تهتدوا ~~به في ظلمات البر والبحر، إنما المنجم كافر، والكافر في النار، والمنجم ~~كالساحر، والساحر في النار، والله لئن بلغني أنك تنظر في النجوم، أو تعمل ~~بها لأخلدنك في الحبس ما بقيت، ولأحرمنك العطاء، ما كان لي سلطان، ثم ~~سافر في الساعة التي نهاه عنها فلقي القوم فقتلهم، وهو وقعة " النهروان ~~" الثابتة في " صحيح مسلم " ، ثم قال: لو سرنا في الساعة التي أمرنا بها، ~~وظفرنا، وظهرنا لقال: إنما كان ذلك تنجيمي وما كان لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم منجم، ms8790 ولا لنا من بعده، وقد فتح الله علينا بلاد كسرى وقيصر وسائر ~~البلدان، ثم قال: يا أيها الناس، توكلوا على الله وثقوا به، فإنه يكفي ~~ممن سواه. # قوله: { فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه ~~رصدا } ، يعني: ملائكة يحفظونه من أن يقرب منه شيطان، فيحفظ الوحي من ~~استراق الشياطين والإلقاء إلى الكهنة. # قال الضحاك: ما بعث الله نبيا إلى ومعه ملائكة يحرسونه من الشياطين، أن ~~يتشبهوا له بصورة الملك فإذا جاءه شيطان في صورة الملك، قالوا: هذا شيطان ~~فاحذره، وإن جاء الملك قالوا: هذا رسول ربك. # وقال ابن عباس وابن زيد: " رصدا " ، أي: حفظة يحفظون النبي صلى الله ~~عليه وسلم من أمامه، وورائه من الجن، والشياطين. # وقال قتادة وسعيد بن المسيب: هم أربعة من الملائكة حفظة يحفظون الوحي ~~بما جاء من عند الله. # وقال الفراء: فالمراد جبريل كان إذا نزل بالرسالة نزل معه ملائكة ~~يحفظونه من أن يستمع الجن الوحي، فيلقونه إلى كهنتهم، فيسبقوا به الرسول. # وقال السدي: " رصدا " أي: حفظة يحفظون الوحي، مما جاء من عند الله، ~~وما ألقاه الشيطان قالوا: إنه من الشيطان، و " رصدا " نصب على ~~المفعول. # قال الجوهري: " والرصد: القوم يرصدون كالحرس، يستوي فيه الواحد ~~والجمع والمذكور والمؤنث وربما قالوا: أرصاد، والراصد للشيء: الراقب له، ~~يقال: رصده يرصده رصدا ورصدا، والترصد: الترقب، والمرصد: موضع ~~الرصد ". # قوله: { ليعلم }. متعلق ب " يسلك ". # والعامة: على بنائه للفاعل، وفيه خلاف. أي: ليعلم محمد صلى الله عليه ~~وسلم أن الرسل قبله قد أبلغوا الرسالة، قاله مقاتل وقتادة. # قال القرطبي: " وفيه حذف تتعلق به اللام، أي: أخبرناه بحفظنا الوحي، ~~ليعلم أن الرسل قبله كانوا على مثل حاله من التبليغ بالحق والصدق ". # وقيل: ليعلم محمد أن قد أبلغ جبريل ومن معه إليه رسالة ربه. # قاله ابن جبير، قال: ولم ينزل الوحي إلا ومعه أربعة حفظة من الملائكة - ~~عليهم السلام -. # وقيل: ليعلم الرسول أن الرسل سواه بلغوا. # وقيل: ليعلم الله، [أي: ليظهر علمه للناس أن الملائكة بلغوا رسالات ~~ربهم. # وقيل: ليعلم الرسول، أي رسول ms8791 كان أن الرسل سواه بلغوا]. # وقيل: ليعلم إبليس أن الرسل قد بلغوا رسالات ربهم سليمة من تخليطه ~~واستراق أصحابه. # وقال ابن قتيبة: أي: ليعلم الجن أن الرسل قد بلغوا ما أنزل إليهم، ولم ~~يكونوا هم المبلغين باستراق السمع عليهم. # وقال مجاهد: ليعلم من كذب الرسل أن المرسلين، قد بلغوا رسالات ربهم. # وقيل: ليعلم الملائكة. وهذان ضعيفان، لإفراد الضمير. # والضمير في " أبلغوا " عائد على " من " في قوله: " من ارتضى " راعى ~~لفظها أولا، فأفرد في قوله { من بين يديه ومن خلفه } ، ~~ومعناها ثانيا، فجمع في قوله " أبلغوا " إلى آخره. # وقرأ ابن عباس ومجاهد وزيد بن علي وحميد ويعقوب ليعلم مبنيا للمفعول أي ~~ليعلم الناس أن الرسل قد بلغوا رسالاته. # وقرأ ابن أبي عبلة والزهري: ليعلم " - بضم الياء وكسر اللام - أي: ~~ليعلم الله رسوله بذلك. # وقرأ أبو حيوة: " رسالة " بالإفراد، والمراد الجمع. # وقرأ ابن أبي عبلة: " وأحيط، وأحصي " مبنيين للمفعول، " كل " رفع ب " ~~أحصي ". قوله: " عددا " ، يجوز أن يكون تمييزا منقولا من المفعول ~~به، والأصل: أحصى عدد كل شيء، كقوله تعالى: # وفجرنا الأرض عيونا # [القمر: 12]، أي: عيون الأرض على خلاف سبق. # ويجوز أن يكون منصوبا على المصدر من المعنى، لأن " أحصى " بمعنى " ~~عد " ، فكأنه قيل: وعد كل شيء عددا. # أو يكون التقدير: وأحصى كل شيء إحصاء، فيرد المصدر إلى الفعل، أو ~~الفعل إلى المصدر. # ومنع مكي كونه مصدرا للإظهار، فقال: " عددا " نصب على البيان، ولو ~~كان مصدرا لأدغم. # يعني: أن قياسه أن يكون على " فعل " بسكون العين؛ لكنه غير لازم، فجاء ~~مصدره بفتح العين. # ولما كان " ليعلم " مضمنا معنى " قد علم ذلك " جاز عطف " ~~وأحاط " على ذلك المقدر. # قال القرطبي: " عددا " ، نصب على الحال، أي: أحصى كل شيء. # فصل في معنى الإحاطة في الآية. # المعنى: أحاط علمه بما عند الرسل، وما عند الملائكة. # وقال ابن جبير: المعنى ليعلم الرسل أن ربهم قد أحاط بما لديهم، فيبلغوا ~~رسالاته { وأحصى كل شيء عددا } أي: علم كل شيء وعرفه فلم ~~يخف عليه منه شيء، وهذه الآية ms8792 تدل على أنه تعالى عالم بالجزئيات، وبجميع ~~الموجودات. # روى الثعلبي عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة الجن أعطي بعدد كل جني وشيطان ~~صدق بمحمد صلى الله عليه وسلم وكذب به عتق رقبة " # والله تعالى أعلم بالصواب. ### | [73 - سورة المزمل] ### || [73.1-4] # قوله تعالى: { يأيها المزمل } ، أصله " المتزمل " ~~فأدغمت التاء في الزاي، يقال: تزمل يتزمل تزملا، فإذا أريد الإدغام: ~~اجتلبت همزة الوصل، وبهذا الأصل قرأ أبي بن كعب. # وقرأ عكرمة: " المزمل " - بتخفيف الزاي وتشديد الميم - اسم فاعل، ~~وعلى هذا فيكون فيه وجهان: # أحدهما: أن أصله " المزتمل " بوزن " مفتعل " فأبدلت التاء ميما ~~وأدغمت، قاله أبو البقاء، وهو ضعيف. # والثاني: أنه اسم فاعل من " زمل " مشددا، وعلى هذا، فيكون المفعول ~~محذوفا، أي: المزمل جسمه. وقرىء كذلك إلا أنه بفتح الميم اسم مفعول منه ~~أي: " الملفف، والتزمل: التلفف، يقال: تزمل زيد بكساء، أي: الفت به؛ ~~وقال ذو الرمة: [الطويل] # 4918 - وكائن تخطت ناقتي من مفازة # ومن نائم عن ليلها متزمل # وقال امرؤ القيس: [الطويل] # 4919 - كأن ثبيرا في أفانين ودقه # كبير أناس في بجاد مزمل # وهو كقراءة بعضهم المتقدمة # فصل في بيان لمن الخطاب في الآية # هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وفيه ثلاثة أقوال: # الأول: قال عكرمة: { يأيها المزمل } بالنبوة المتزمل ~~بالرسالة، وعنه: يا أيها الذي زمل هذا الأمر، أي: حمله ثم فتر، وكان ~~يقرأ: { يأيها المزمل } - بتخفيف الزاي وفتح الميم وتشديدها، ~~على حذف المفعول، وكذلك: " المدثر " ، والمعنى: المزمل نفسه والمدثر ~~نفسه، والذي زمله غيره. # الثاني: قال ابن عباس: يا أيها المزمل بالقرآن. # الثالث: قال قتادة: يا أيها المزمل بثيابه. # قال النخعي: كان متزملا بقطيفة عائشة رضي الله عنها بمرط طوله أربعة ~~عشر ذراعا نصفه علي، وأنا نائمة ونصفه على النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهو يصلي، والله ما كان خزا ولا قزا ولا مرعزاء ولا إبريسم ولا صوفا، ~~كان سداه شعرا ولحمته وبرا، ذكره الثعلبي. # قال القرطبي: " وهذا القول من عائشة يدل على ms8793 أن السورة مدنية، فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يبن بها إلا بالمدينة، والقول بأنها مكية ~~لا يصح ". # وقال الضحاك: تزمل لمنامه. # وقيل: بلغه من المشركين سوء قول فيه، فاشتد عليه فتزمل، وتدثر، فنزل: { ~~يأيها المزمل } { يأيها المدثر }. # وقيل: كان هذا في ابتداء أمر ما أوحي إليه فإنه لما سمع صوت الملك، ونظر ~~إليه أخذته الرعدة، فأتى أهله، وقال: زملوني، دثروني. # روي معناه عن ابن عباس، قال: أول ما جاءه جبريل خافه، وظن أن به مسا من ~~الجن، فناداه، فرجل من الجبل مرتعدا وقال: زملوني، زملوني. # وقال الكلبي: إنما تزمل النبي بثيابه ليتهيأ للصلاة، وهو اختيار ~~الفراء. # وقيل: إنه - عليه الصلاة والسلام - كان نائما بالليل متزملا في قطيفة ~~فنودي بما يهجر تلك الحالة، فقيل له: { يأيها المزمل } قم ~~واشتغل بالعبودية. # وقيل: معناه يا من تحمل أمرا عظيما، والزمل: الحمل. # قال البغوي: قال الحكماء: كان هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم في ~~أول الوحي قبل تبليغ الرسالة، ثم خوطب بعد بالنبي، والرسول. # فصل في نفي كون " المزمل " اسما للنبي صلى الله عليه وسلم # قال السهيلي: ليس المزمل باسم من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم كما ~~ذهب إليه بعض الناس، وعدوه في أسمائه صلى الله عليه وسلم وإنما " ~~المزمل " اسم مشتق من حالته التي كان عليها حين الخطاب، وكذلك كان ~~المدثر. # وفي خطابه بهذا الاسم فائدتان: إحداهما: الملاطفة، فإن العرب إذا قصدت ~~ملاطفة المخاطب وترك المعاتبة، سموه باسم مشتق من حالته التي هو عليها # " لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي - رضي الله عنه - حين غاضب فاطمة ~~- رضي الله عنها - فأتاه وهو نائم وقد لصق جنبه بالتراب، فقال له: " قم ~~أبا تراب " # إشعارا له بأنه غير عاتب عليه، وملاطفة له وإشعارا بترك العتب، ~~[وملاطفا له وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام لحذيفة: قم يا نومان ملاطفة ~~له، وإشعارا بترك العتب والتأنيب] - وكان نائما - فقول الله تعالى ~~لمحمد - عليه الصلاة والسلام -: { يأيها المزمل قم } فيه ~~تأنيس له، وملاطفة ليستشعر أنه غير ms8794 عاتب عليه. # والفائدة الثانية: التنبيه لكل متزمل راقد ليله ليتنبه إلى قيام الليل، ~~وذكر الله تعالى فيه لأن الاسم المشتق من الفعل يشترك فيه مع المخاطب كل ~~من عمل ذلك العمل، واتصف بتلك الصفة. # قوله: { قم الليل }. العامة: على كسر الميم لالتقاء الساكنين. # وأبو السمال: بضمها، إتباعا لحركة القاف. # وقرىء: بفتحها طلبا للخفة. # قال أبو الفتح: الغرض: الهرب من التقاء الساكنين، فبأي حركة تحرك ~~الأول حصل الغرض. # قال شهاب الدين: " إلا أن الأصل: الكسر، لدليل ذكره النحويون، و " الليل ~~" ظرف للقيام وإن استغرقه الحدث الواقع فيه، هذا قول البصريين، وأما ~~الكوفيون فيجعلون هذا النوع مفعولا به ". # قال القرطبي: " وهو من الأفعال القاصرة الغير متعدية إلى مفعول، فأما ~~ظرف المكان والزمان فسائغ فيه، إلا أن ظرف المكان لا يتعدى إليه إلا ~~بواسطة، لا تقول: " قمت الدار " حتى تقول: " قمت وسط الدار، وخارج ~~الدار " ، وقد قيل هنا: إن " قم " معناه: صل، عبر به هنا واستعير له حتى ~~صار عرفا بكثرة الاستعمال ". # فصل في حد الليل # الليل: حده من غروب الشمس إلى طلوع الفجر وقد تقدم بيانه في البقرة. # قال القرطبي: " واختلف هل كان قيامه فرضا أو نفلا؟ والدلائل تقوي أن ~~قيامه كان فرضا لأن الندب لا يقع على بعض الليل دون بعض لأن قيامه ليس ~~مخصوصا بوقت دون وقت ". # واختلف هل كان فرضا على النبي صلى الله عليه وسلم وحده، أو عليه وعلى ~~من كان قبله من الأنبياء، أو عليه وعلى أمته، ثلاثة أقوال: # الأول: قول سعيد بن جبير لتوجه الخطاب إليه. # الثاني: قول ابن عباس، قال: كان قيام الليل فريضة على النبي صلى الله ~~عليه وسلم والأنبياء قبله. # الثالث: قول عائشة وابن عباس أيضا وهو الصحيح أنه كان فرضا عليه وعلى ~~أمته، لما روى " مسلم ": # " أن سعد بن هشام بن عامر قال لعائشة رضي الله عنها: أنبئيني عن قيام ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ألست تقرأ: { يأيها ~~المزمل } قلت: بلى، قالت: فإن الله - عز وجل - افترض قيام الليل ~~في ms8795 أول هذه السورة، فقام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولا، وأمسك ~~الله - عز وجل - خاتمتها اثني عشر شهرا في السماء، حتى أنزل الله - عز ~~وجل - في آخر السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعا بعد أن كان فريضة ~~". # وروى وكيع، ويعلى ابن عباس قال: لما نزلت: { يأيها المزمل } ~~كانوا يقومون نحوا من قيامهم في شهر رمضان حتى نزل آخرها، وكان بين نزول ~~أولها وآخرها نحو من سنة. # وقال سعيد بن جبير: مكث النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عشر سنين ~~يقومون الليل، فنزلت بعد عشر سنين # إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي ~~الليل ونصفه # [المزمل: 20] فخفف الله عنهم. # وقيل: كان قيام الليل واجبا، ثم نسخ بالصلوات الخمس. # وقيل: عسر عليهم تمييز القدر الواجب فقاموا الليل كله فشق ذلك عليهم ~~فنسخ بقوله في آخرها # فاقرءوا ما تيسر من القرآن # [المزمل: 20] وكان بين الوجوب ونسخه سنة. # وقيل: نسخ التقدير بمكة وبقي التهجد، حتى نسخ بالمدينة. # وقيل: لم يجب التهجد قط لقوله # ومن الليل فتهجد به نافلة لك # [الإسراء: 79]، ولأنه لو وجب عليه صلى الله عليه وسلم لوجب على أمته ~~لقوله تعالى # واتبعوه # [الأعراف: 158]، والنسخ على خلاف الأصل، ولأنه فرض تعيين المقدار أي ~~المكلف وذلك ينافي الوجوب. # قوله: { إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا }. ~~للناس في هذا كلام كثير، واستدلال على جواز استثناء الأكثر، والنصف، ~~واعتراضات وأجوبة. # قال شهاب الدين: وها أنا أكذر ذلك محررا له بعون الله تعالى: اعلم أن ~~في هذه الآية ثمانية أوجه: # أحدها: أن " نصفه " بدل من " الليل " بدل بعض من كل، و " إلا ~~قليلا " استثناء من النصف، كأنه قيل: [قم أقل من نصف الليل، والضمير ~~في " منه " و " عليه " عائد على النصف، والمعنى: التخيير بين أمرين: ~~بين أن يقوم أقل من نصف الليل على البت]، وبين أن يختار أحد الأمرين وهما ~~النقصان من النصف، والزيادة عليه، قاله الزمخشري. # وناقشه أبو حيان: " بأنه يلزم منه تكرار اللفظ، ويصير التقدير: قم نصف ~~الليل إلا قليلا من نصف ms8796 الليل، قال: وهذا تركيب ينزه القرآن عنه ". # قال شهاب الدين: والوجه في إشكال، لكن لا من هذه الحيثية، فإن الأمر ~~فيها سهل بل لمعنى آخر - سأذكره إن شاء الله تعالى قريبا -، وجعل أبو ~~البقاء هذا الوجه مرجوحا فإنه قال: والثاني: هو بدل من " قليلا " - ~~يعني النصف - قال: وهو أشبه بظاهر الآية لأنه قال: " أو انقص منه " ~~، " أو زد عليه " ، والهاء فيهما للنصف، فلو كان الاستثناء من النصف ~~لصار التقدير: قم نصف الليل إلا قليلا، أو انقص منه قليلا، والقليل ~~المستثنى غير مقدر فالنقصان منه لا يعقل. # قال شهاب الدين: " والجواب عنه: أن بعضهم قد عين هذا القليل، فعن ~~الكلبي، ومقاتل: هو الثلث فلم يكن القليل غير مقدر، ثم إن في قوله ~~تناقضا فإنه قال: " والقليل المستثنى غير مقدر فالنقصان منه لا يعقل " ، ~~فأعاد الضمير على القليل، وفي الأول أعاده على النصف، ولقائل أن يقول: قد ~~ينقدح هذا الوجه بإشكال قوي، وهو أنه يلزم منه تكرار المعنى الواحد، وذلك ~~أن قوله: قم نصف الليل إلا قليلا، بمعنى أنقص من نصف الليل، لأن ذلك ~~القليل، هو بمعنى النقصان وأنت إذا قلت: " قم نصف الليل إلا القليل من ~~النصف، وقم نصف الليل، أو انقص من النصف " وجدتهما بمعنى واحد، وفيه دقة ~~فتأمله، ولم يذكر الحوفي غير هذا الوجه المتقدم، وقد عرف ما فيه، وممن ~~ذهب إليه أيضا الزجاج فإنه قال: " نصفه " بدل من " الليل " و " ~~إلا قليلا " استثناء من النصف، والضمير في " منه " و " عليه " ~~عائد للنصف، والمعنى: قم نصف الليل، أو انقص من النصف قليلا إلى الثلث، ~~أو زد عليه إلى الثلثين، فكأنه قال: قم ثلثي الليل، أو نصفه، أو ثلثه ". # قال شهاب الدين: " والتقديرات التي يبرزونها ظاهرة حسنة إلا أن التركيب ~~لا يساعد عليها لما عرفت من الإشكال المذكور آنفا ". # الثاني: أن يكون " نصفه " بدلا من " قليلا " وإليه ذهب الزمخشري ~~وأبو البقاء، وابن عطية. # قال الزمخشري: " وإن شئت جعلت " نصفه " بدلا من " قليلا " ~~وكان تخييرا بين ثلاث: بين قيام النصف بتمامه، ms8797 وبين قيام الناقص منه، ~~وبين قيام الزائد عليه، وإنما وصف النصف بالقلة بالنسبة إلى الكل ". # وهذا هو الذي جعله أبو البقاء أشبه من جعله بدلا من " الليل " كما ~~تقدم. # إلا أن أبا حيان اعترض هذا، فقال: " وإذا كان " نصفه " بدلا من " ~~إلا قليلا " ، فالضمير في " نصفه " إما أن يعود على المبدل منه، أو ~~على المستثنى منه، وهو " الليل " لا جائز أن يعود على المبدل منه؛ لأنه ~~يصير استثناء مجهول من مجهول، إذ التقدير: إلا قليلا نصف القليل، وهذا ~~لا يصح له معنى ألبتة، وإن عاد الضمير إلى " الليل " فلا فائدة في ~~الاستثناء من " الليل " ،إذ كان يكون أخصر، وأفصح، وأبعد عن الإلباس: ~~قم الليل نصفه، وقد أبطلنا قول من قال: " إلا قليلا " استثناء من ~~البدل، وهو " نصفه " وأن التقدير: قم الليل نصفه إلا قليلا منه، ~~أي من النصف، وأيضا ففي دعوى أن " نصفه " بدل من " إلا قليلا " ~~، والضمير في " نصفه " عائد على " الليل " ، إطلاق القليل على ~~النصف، ويلزم أيضا أن يصير التقدير: إلا نصفه فلا تقمه، أو انقص من ~~النصف الذي لا تقومه، وهذا معنى لا يصلح، وليس المراد من الآية قطعا ". # قال شهاب الدين: يقول بجواز عوده على كل منهما، ولا يلزم محذور، أما ما ~~ذكره من أنه يكون استثناء مجهول من مجهول فممنوع، بل هو استثناء معلوم من ~~معلوم، لأنا بينا أن القليل قدر معين وهو الثلث، والليل ليس بمجهول، ~~وأيضا فاستثناء المبهم قد ورد، قال الله تعالى: # ما فعلوه إلا قليل منهم # [النساء: 66]، وقال تعالى: # فشربوا منه إلا قليلا منهم # [البقرة: 249]، وكان حقه أن يقول: لأنه بدل مجهول من مجهول، وأما ما ~~ذكره من أنه " أخصر منه، وأوضح " كيت وكيت، أما الأخصر، فمسلم وأما أنه ~~يلبس، فممنوع، وإنما عدل عن اللفظ الذي ذكره لأنه أبلغ، وبهذا الوجه ~~استدل من قال: يجوز استثناء النصف، والأكثر، [ووجه الدلالة على الأول ~~أنه جعل قليلا مستثنى من الليل ثم فسر ذلك القليل بالنصف، فكأنه قيل ~~قم الليل إلا نصفه] ووجه الدلالة ms8798 على الثاني: أنه عطف " أو زد عليه ~~" على " انقص منه " ، فيكون قد استثنى الزائد على النصف، لأن ~~الضمير في " منه " وفي " عليه " عائد على النصف وهو استدلال ضعيف ~~لأن الكثرة إنما جاءت بالعطف، وهو نظير أن يقول: له عندي عشرة إلا ~~خمسة درهما درهما، فالزيادة على النصف بطريق العطف، لا بطريق أن ~~الاستثناء أخرج الأكبر بنفسه. # الثالث: إن " نصفه " بدل من " الليل " [أيضا كما تقدم في الوجه ~~الأول، إلا أن الضمير في " منه " و " عليه " عائد على الأقل من ~~النصف،] وإليه ذهب الزمشخري، فإنه قال: " وإن شئت قلت: لما كان معنى { ~~قم الليل إلا قليلا نصفه } إذا أبدلت النصف من الليل ~~يكون المعنى: قم أقل من نصف الليل، فيرجع الضمير في " منه " و " ~~عليه " ، إلى الأقل من النصف، فكأنه قيل: قم أقل من نصف الليل، أو قم ~~أنقص من ذلك الأقل، أو أزيد منه قليلا، فيكون التخيير فيما وراء النصف ~~بينه وبين الثلث ". # الرابع: أن يكون " نصفه " بدلا من " قليلا " كما تقدم؛ إلا أنك ~~تجعل القليل الثاني ربع الليل، وقد أوضح الزمخشري هذا أيضا، فقال: " ~~ويجوز إذا أبدلت " نصفه " من " قليلا " وفسرته به أن تجعل " ~~قليلا " الثاني بمعنى نصف النصف بمعنى الربع، كأنه قيل: أو انقص منه ~~قليلا نصفه، وتجعل المزيد على هذا القليل أعني الربع نصف الربع، كأنه ~~قيل: أو زد عليه قليلا نصفه، ويجوز أن تجعل الزيادة لكونها مطلقة تتمة ~~الثلث، فيكون تخييرا بين النصف، والثلث، والربع " انتهى. # واختار ابن الخطيب هذا الوجه مع الوجه الثاني: فقال: وقد أكثر الناس في ~~هذه الآية، وفيها وجهان ملخصان: # أحدهما: أن القليل في قوله: " إلا قليلا " ، هو الثلث، لأن قوله ~~تعالى في آخر السورة: { إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى ~~من ثلثي الليل ونصفه } ، يقتضي أن أكثر المقادير الواجبة ~~هو الثلثان، فيكون قيام الثلث جائزا، وهو قوله: { إلا قليلا } ~~فكأنه قيل: قم ثلثي الليل، ثم قال: " نصفه " فمعناه: أو قم نصفه، من ~~باب قولهم: " جالس الحسن، أو ابن سيرين " على الإباحة، ms8799 فحذف العاطف، ~~فالتقدير: قم الثلثين، أو قم النصف، أو انقص من النصف، أو زد عليه، فعلى ~~هذا يكون الثلثان أقصى الزيادة، والثلث أقصى النقصان، فيكون الواجب هو ~~الثلث، والزائد عليه مندوبا، فإن قيل: فيلزم على قراءة الخفض في " نصفه ~~" و " ثلثه " أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم ترك من الواجب الأدنى، ~~لأنه تعالى قال: { إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ~~ثلثي الليل ونصفه وثلثه } فيكون المعنى أنك تقوم أقل ~~من الثلثين، وأقل من النصف وأقل من الثلث، فإذا كان الثلث واجبا كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم تاركا للواجب؟ # قلنا: المقدر للشيء قد ينقص منه لعدم انضباطه لأنه باجتهاد فربما أخطأ، ~~فهو كقوله تعالى: # علم أن لن تحصوه # [المزمل: 20]. # الثاني: أن " نصفه " تفسير ل " قليلا " لأن النصف قليل بالنسبة ~~إلى الكل لأن المكلف بالنصف لا يخرج عن العهدة بيقين، إلا بزيادة شيء ~~قليل عليه فيصير في الحقيقة نصفا وشيئا، فيكون الباقي بعد ذلك أقل من ~~النصف، فالمعنى: قم نصف الليل، أو انقص منه نصفه، وهو الربع، أو زد عليه ~~نصفه، وهو الربع، فيصير المجموع ثلاثة أرباع، فيكون مخيرا بين أن يقوم ~~تمام النصف، أو ربع الليل، أوثلاثة أرباعه، وحينئذ يزول الإشكال بالكلية، ~~لأن الربع أقل من الثلث، وذلك أن قوله تعالى: { إن ربك يعلم ~~أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه ~~} يدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يقم ثلثي الليل، ولا نصفه ولا ثلثه، ~~لأن الواجب لما كان هو الربع فقط، لم يلزم ترك قيام الثلث. # الوجه الخامس: أن يكون { إلا قليلا } استثناء من القيام، فيجعل " ~~الليل " اسم جنس، ثم قال: { إلا قليلا } ، أي: إلا الليالي التي ~~تخل فيها، أي تترك في قيامها القدر البين ونحوه، وهذا النظر يحسن مع ~~القول بالندب، قاله ابن عطية، احتمالا من عنده وهذا خلاف الظاهر، وهو ~~تأويل بعيد. # السادس: قال الأخفش: الأصل قم الليل إلا قليلا أو نصفه، قال: كقولك: " ~~أعطه درهما درهمين ثلاثة ". # وهذا ضعيف جدا، لأن فيه ms8800 حذف حرف العطف، وهو ممنوع، لم يرد منه إلا ~~شيء شاذ ممكن تأويله، كقولهم: " أكلت لحما سمكا تمرا ". # وقول الآخر: [الخفيف] # 4920 - كيف أصبحت كيف أمسيت مما # ينزع الود في فؤاد الكريم # أي: " لحما وسمكا وتمرا " ، وكذا: كيف أصبحت، وكيف أمسيت، وقد خرج ~~الناس هذا على بدل النداء. # السابع: قال التبريزي: الأمر بالقيام، والتخيير في الزيادة، والنقصان ~~وقع على الثلثين في آخر الليل، لأن الثلث الأول وقت العتمة، والاسثتناء ~~وارد على المأمورية، فكأنه قال: قم ثلثي الليل إلا قليلا أي ما دون نصفه ~~" أو زد عليه " ، أي على الثلثين، فكان التخيير في الزيادة، والنقصان ~~واقعا على الثلثين، وهذا كلام غريب لا يظهر من هذا التركيب. # الثامن: أن " نصفه " منصوب على إضمار فعل، أي: قم نصفه، حكاه مكي عن ~~غيره، فإنه قال: " نصفه " بدل من " الليل ". # وقيل: " انتصب على إضمار: قم نصفه ". # قال شهاب الدين: " وهذا في التحقيق، وهو وجه البدل الذي ذكره أولا، لأن ~~البدل على نية تكرار العامل ". # فصل في نسخ الأمر بقيام الليل # اختلفوا في الناسخ للأمر بقيام الليل، فعن ابن عباس وعائشة: أن الناسخ ~~قوله تعالى: { إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ~~ثلثي الليل } إلى آخرها، وقيل: قوله تعالى: { علم أن لن ~~تحصوه } وعن ابن عباس أيضا: أنه منسوخ بقوله { علم أن سيكون ~~منكم مرضى } ، وعن عائشة أيضا، والشافعي وابن كيسان: هو منسوخ ~~بالصلوات الخمس، وقيل: الناسخ قوله تعالى: { فاقرءوا ما تيسر ~~منه }. # قال أبو عبد الرحمن السلمي: لما نزلت { يأيها المزمل } ~~قاموا حتى ورمت أقدامهم وسوقهم ثم نزل قوله تعالى: { فاقرءوا ما ~~تيسر منه }. # قال بعض العلماء: وهو فرض نسخ به فرض كان على النبي صلى الله عليه وسلم ~~خاصة لفضله كما قال تعالى: { ومن الليل فتهجد به ~~نافلة لك }. # قال القرطبي: " والقول الأول يعم جميع هذه الأقوال، وقد قال تعالى: # وأقيموا الصلاة # [البقرة: 43]. فدخل فيها قول من قال: إن الناسخ الصلوات الخمس، وذهب ~~الحسن وابن سيرين إلى أن صلاة الليل كانت فريضة على كل ms8801 مسلم، ولو على ~~قدر حلب شاة، وعن الحسن أيضا أنه قال في هذه الآية: الحمد لله تطوع بعد ~~الفريضة، وهو الصحيح - إن شاء الله تعالى - لما جاء في قيامه من الترغيب، ~~والفضل في القرآن، والسنة ". # قالت عائشة رضي الله عنها: # " كنت أجعل للنبي صلى الله عليه وسلم حصيرا يصلي عليه من الليل، فتسامع ~~الناس به فلما رأى جماعتهم كره ذلك، وخشي أن يكتب عليهم قيام الليل، فدخل ~~البيت كالمغضب، فجعلوا يتحنحون، ويتفلون، فخرج إليهم فقال: " أيها ~~الناس تكلفوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل من ~~الثواب حتى تملوا من العمل، وإن خير العمل أدومه، وإن ~~قل " # ، فنزلت { يأيها المزمل } ، فكتب عليهم، وأنزل بمنزلة ~~الفريضة حتى إن كان أحدهم ليربط الحبل، فيتعلق به، فمكثوا ثمانية أشهر، ~~فنزل قوله: { إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ~~ثلثي الليل } ، فردهم الله إلى الفريضة، ووضع عنهم قيام الليل، ~~إلا ما تطوعوا به. # قال القرطبي: ومعنى حديث عائشة رضي الله عنها ثابت في الصحيح، إلى ~~قوله: " وإن قل " وباقيه يدل على أن قوله تعالى { يأيها ~~المزمل } نزل بالمدينة، وأنهم مكثوا ثمانية أشهر يقومون، وقد ~~تقدم عنها في " صحيح مسلم " حولا. # وحكى الماوردي عنها قولا ثالثا: وهو ستة عشر شهرا لم يذكر غيره ~~عنها، وذكر عن ابن عباس رضي الله عنه: أنه كان بين أول " المزمل " ~~وآخرها سنة، قال: فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان فرضا عليه، ~~وقيل في نسخه عنه قولان: # أحدهما: أنه كان فرضا عليه إلى أن مات. # والثاني: أنه نسخ عنه كما نسخ عن أمته، وفي مدة فرضه إلى أن نسخ قولان: # أحدهما: المدة المفروضة على أمته في القولين الماضيين، يريد قول ابن ~~عباس حولا، وقول عائشة ستة عشر شهرا. # الثاني: " أنها عشر سنين إلى أن خفف عنه بالنسخ ". # قوله: { ورتل القرآن ترتيلا } ، أي: لا تعجل في قراءة ~~القرآن بل اقرأه على مهل وهينة، وبينه تبيينا مع تدبر المعاني. # قال المبرد: أصله من قولهم: " ثغر رتل ورتل " بفتح ms8802 العين وكسرها إذا كان ~~حسن التنضيد، ورتلت الكلام ترتيلا، إذا جملت فيه، ويقال: ثغر رتل إذا ~~كان بين الثنايا افتراق قليل. # فقوله تعالى: { ترتيلا } تأكيد في إيجاب الأمر به، وأنه مما لا بد ~~منه للقارىء. # روى الحسن: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم مر برجل يقرأ آية ويبكي، فقال: " أم ~~تسمعوا إلى قول الله تعالى: { ورتل القرآن ترتيلا } ، ~~هذا الترتيل ". # وروى " أبو داود " عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " يؤتى بقارىء القرآن يوم القيامة، فيوقف في أول درج ~~الجنة، ويقال له: اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في ~~الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها ". ### || [73.5-9] # قوله: { إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا } ، الجملة من ~~قوله: " إنا سنلقي " مستأنفة. # وقال الزمخشري: " وهذه الآية اعتراض " ثم قال: " وأراد بهذا الاعتراض ~~أن ما كلفه من قيام الليل من جملة التكاليف الثقيلة الصعبة التي ورد بها ~~القرآن، لأن الليل وقت السبات، والراحة، والهدوء فلا بد لمن أحياه من ~~مضادة لطيفة، ومجاهدة لنفسه " انتهى. # يعني بالاعتراض من حيث المعنى، لا من حيث الصناعة، وذلك أن قوله: { ~~إن ناشئة الليل هي أشد وطأ } مطابق لقوله: " قم ~~الليل " ، فكأنه شابه الاعتراض من حيث دخوله بين هذين المناسبتين. # فصل في معنى الآية # المعنى: سنلقي عليك بافتراض صلاة الليل " قولا ثقيلا " يثقل حمله، ~~لأن الليل للمنام فمن أجر بقيام أكثره، لم يتهيأ له ذلك إلا بحمل مشقة ~~شديدة على النفس، ومجاهدة الشيطان فهو أمر يثقل على العبد. # وقيل: المعنى سنوحي إليك القرآن وهو ثقيل يثقل العمل بشرائعه قال قتادة: ~~ثقيل - والله - فرائضه وحدوده. وقال مجاهد: حلاله وحرامه. # وقال الحسن: العمل به. # وقال أبو العالية: ثقيل بالوعد، والوعيد، والحلال والحرام. # وقال محمد بن كعب: " ثقيل على المنافقين لأنه يهتك أسرارهم، ويبطل ~~أديانهم ". # وقيل: على الكفار لما فيه من الاحتجاج عليهم، والبيان لضلالتهم وسب ~~آلهتهم. # وقال السدي: ثقيل بمعنى كريم، مأخوذ من قولهم: فلان ثقيل علي، أي ~~يكرم علي. # وقال الفراء: " ثقيلا " أي: رزينا. ms8803 # وقال الحسن بن الفضل: ثقيل لا يحمله إلا قلب مؤيد بالتوفيق ونفس مزينة ~~بالتوحيد. # وقال ابن زيد: هو ثقيل مبارك في الدنيا يثقل في الميزان يوم القيامة. # وقيل: ثقيل: أي ثابت كثبوت الثقيل في محله، ومعناه أنه ثابت الإعجاز لا ~~يزول إعجازه أبدا. # [وقيل: ثقيل: بمعنى أن العقل الواحد لا يفي بإدراك فوائده، ومعانيه ~~بالكلية، فالمتكلمون غاصوا في بحار معقولاته، والفقهاء بحثوا في أحكامه، ~~وكذا أهل اللغة، والنحو، وأرباب المعاني، ثم لا يزال كل متأخر يفوز منه ~~بفوائد ما وصل إليها المتقدمون فعلمنا أن الإنسان الواحد لا يقوى على ~~الاشتغال بحمله، فصار كالجبل الثقيل الذي يعجز الخلق عن حمله]. # وقيل: هو الوحي، كما جاء في الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ~~أوحي إليه وهو على ناقته، وضعت جرانها - يعني صدرها - على الأرض فما ~~تستطيع أن تتحرك، حتى يسرى عنه ". # وقال القشيري: القول الثقيل هنا: هو قول: " لا إله إلا الله " ، ~~لأنه ورد في الخبر: # " لا إله إلا الله خفيفة على اللسان ثقيلة في الميزان ~~". # قوله: { إن ناشئة الليل }. # في الناشئة أوجه: # أحدها: أنها صفة لمحذوف، أي: النفس الناشئة بالليل التي تنشأ من مضجعها ~~للعبادة، أي تنهض وترفع من " نشأت السحابة " إذا ارتفعت، ونشأ من مكانه ~~ونشر إذا نهض، قال: [الطويل] # 4921 - نشأنا إلى خوص برى نيها السرى # وألصق منها مشرفات القماحد # الثاني: أنها مصدر بمعنى قيام الليل، على أنها مصدر من " نشأ " إذا قام ~~ونهض، فيكون كالعافية والعاقبة، قالهما الزمخشري. # الثالث: أنها بلغة الحبشة نشأ الرجل، أي: قام من الليل. # قال أبو حيان: فعلى هذا هي جمع ناشىء، أي: قائم، يعني: أنها صفة لشيء ~~يفهم الجمع، أي: طائفة، أو فرقة نائشة، وإلا ف " فاعل " لا يجمع على " ~~فاعلة ". # قال القرطبي: " قال ابن مسعود: " الحبشة " [يقولون: نشأ، أي قام. فلعله ~~أراد أن الكلمة عربية، ولكنها شائعة في كلام الحبشة] غالبة عليهم، وإلا ~~فليس في القرآن ما ليس من لغة العرب ". # الرابع: { إن ناشئة الليل }: ساعاته، وأوقاته؛ لأنها تنشأ ms8804 ~~شيئا بعد شيء. # قال القرطبي: " لأنها تنشأ أولا فأولا، يقال: نشأ الشيء ينشأ إذا ~~ابتدأ، وأقبل شيئا بعد شيء فهو ناشىء، وأنشأه الله فنشىء، فالمعنى: ~~ساعات الليل الناشئة، فاكتفى بالوصف عن الاسم فالتأنيث للفظ الساعة، لأن ~~كل ساعة تحدث ". # وقيدها الحسن وابن عباس: بما كان بعد العشاء، إن كان قبلها فليس ~~بناشئة، وخصصتها عائشة رضي الله عنها بأن تكون بعد النوم، فلو لم ~~يتقدمها نوم لم تكن ناشئة. # قوله: { هي أشد وطأ }. # قرأ أبو عمرو وابن عامر: بكسر الواو، وفتح الطاء بعدها ألف، والباقون: ~~بفتح الواو وسكون الطاء. # وقرأ قتادة وشبل عن أهل مكة: " وطأ " ، بكسر الواو وسكون الطاء. # وظاهر كلام أبي البقاء أنه قرىء بفتح الواو مع المد، فإنه قال: " وطأ ~~" بكسر الواو بمعنى مواطأة " ، وبفتحها اسم للمصدر، ووطأ على " فعل " وهو ~~مصدر وطىء، والوطاء: مصدره " وطاء " ك " قتال " مصدر " قاتل " ، ~~والمعنى: أنها أشد مواطأة، أي: يواطىء قلبها لسانها إن أردت النفس، ~~ويواطىء قلب النائم فيها لسانه إن أردت القيام، أو العبادة، أو الساعات، ~~أو أشد موافقة لما يراد من الخشوع والإخلاص. # والوطء - بالفتح والكسر -: على معنى أشد ثبات قدم، وأبعد من الزلل وأثقل ~~وأغلظ من صلاة النهار على المصلي من قوله - عليه الصلاة والسلام -: # " اللهم اشدد وطأتك على مضر " # وعلى كل تقدير: فانتصابه على التمييز. # قوله: { وأقوم قيلا }. # حكى الزمخشري: أن أنسا قرأ: " وأصوب قيلا " فقيل: له: يا أبا حمزة ~~إنما هي " وأقوم " ، فقال: إن أقوم، وأصوب وأهيأ، واحد، وأن أبا ~~السرار الغنوي كان يقرأ: { فحاسوا خلال الديار } [الإسراء: 25] ~~- بالحاء المهملة - فقيل له: هي بالجيم فقال: جاسوا وحاسوا واحد. # قال شهاب الدين: " وغرضه من هاتين الحكايتين، جواز قراءة القرآن ~~بالمعنى، وليس في هذا دليل؛ لأنه تفسير معنى، وأيضا، فالذي بين أيدينا ~~قرآن متواتر، وهذه الحكاية آحاد، وقد تقدم أن أبا الدرداء كان يقرىء ~~رجلا، # إن شجرة الزقوم طعام الأثيم # [الدخان: 43-44]، فجعل الرجل يقول: طعام اليتيم، فلما تبرم منه قال: ~~طعام الفاجر يا هذا، فاستدل به على ذلك ms8805 من يرى جوازه، وليس فيه دليل، لأن ~~مقصود أبي الدرداء بيان المعنى فجاء بلفط مبين ". # قال الأنباري: وذهب بعض الزائغين إلى أن من قال: إن من قرأ بحرف يوافق ~~معنى حرف من القرآن، فهو مصيب إذا لم يخالف ولم يأت بغير ما أراد الله، ~~واحتجوا بقول أنس هذا، وهذا قول لا يعرج عليه، ولا يلتفت إلى قائله، لأنه ~~لو قرىء بألفاظ القرآن إذا قاربت معانيها، واشتملت على غايتها لجازأن ~~يقرأ في موضع # الحمد لله رب العالمين # الشكر للباري ملك المخلوقين، ويتسع الأمر في هذا، حتى يبطل لفظ جميع ~~القرآن، ويكون التالي له مفتريا على الله - تعالى - كاذبا على رسوله ~~صلى الله عليه وسلم ولا حجة لهم في قول ابن مسعود: " نزل القرآن على ~~سبعة أحرف، إنما هو كقول أحدكم: تعلم، وتعال، وأقبل "؛ لأن هذا ~~الحديث يوجب أن القراءات المنقولة بالأسانيد الصحاح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذا اختلفت ألفاظها، واتفقت معانيها، كان ذلك فيها بمنزلة ~~الخلاف في " هلم " ، وتعال، وأقبل " ، فأما ما لم يقرأ به النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه، وتابعوهم، فإن من أورد حرفا منه في القرآن بهت، ~~ومال، وخرج عن مذهب الصواب، وحديثهم الذي جعلوه قاعدتهم في هذه الضلالة ~~لا يصححه أهل العلم. انتهى. # فصل في فضل صلاة الليل # بين تعالى في هذه الآية فضل صلاة الليل على صلاة النهار، وأن ~~الاستكثار من صلاة الليل بالقراءة فيها ما أمكن أعظم للأجر، وأجلب ~~للثواب، كان علي بن الحسين يصلي بين المغرب، والعشاء، ويقول: هذه ناشئة ~~الليل. # وقال عطاء وعكرمة: هو بدوام الليل. قال في الصحاح: " ناشئة الليل " أول ~~ساعاته. # وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: هي الليل كله، لأنه ينشأ بعد النهار، ~~وهو اختيار مالك. # قال ابن العربي: " وهو الذي يعطيه اللفظ ويقتضيه اللغة ". # وقالت عائشة رضي الله عنها وابن عباس - أيضا - ومجاهد: إنما الناشئة ~~القيام بالليل بعد النوم، ومن قال قبل النوم فما قام ناشئة. # وقال يمان وابن كيسان: هو القيام من آخر الليل. # وأما قوله: { أشد ms8806 وطأ } ، أي: أثقل على المصلي من ساعات النهار، ~~لأن الليل وقت منام وراحة فإذا قام إلى صلاة الليل، فقد تحمل المشقة ~~العظيمة، هذا على قراءة كسر الواو، وفتح الطاء، وأما على قراءة المد: فهو ~~مصدر " واطأت وطاء ومواطأة " ، أي: وافقت على الأمر من الوفاق، ~~تقول: فلان مواطىء اسمه اسمي، أي: موافقه، فالمعنى أشد موافقة بين القلب، ~~والبصر، والسمع واللسان لانقطاع الأصوات، والحركات، قاله مجاهد وابن ~~مليكة وغيرهما، قال تعالى: # ليواطؤوا عدة ما حرم الله # [التوبة: 37]، أي: ليوافقوا، وقيل: أشد مهادا للتصرف في التفكر ~~والتدبر. # وقيل: أشد ثباتا من النهار، فإن الليل يخلو فيه الإنسان بما يعمله ~~فيكون ذلك أثبت للعمل، والوطء: الثبات، تقول: وطئت الأرض بقدمي. # وقوله: { وأقوم قيلا } أي: القراءة بالليل أقوم منها بالنهار، ~~أي: أشد استقامة واستمرارا على الصواب، لأن الأصوات هادئة، والدنيا ~~ساكنة، فلا يضطرب على المصلي ما يقرأه. # وقال قتادة ومجاهد: أصوب للقراءة وأثبت للقول؛ لأنه زمان التفهم. # وقيل: أشد استقامة لفراغ البال بالليل. # وقيل: أعجل إجابة للدعاء، حكاه ابن شجرة. # وقال عكرمة: عبادة الليل أتم نشاطا وأتم إخلاصا، وأكثر بركة. # قوله: { إن لك في النهار سبحا طويلا }. # قرأ العامة: بالحاء المهملة، وهو مصدر " سبح " ، وهو استعارة للتصرف في ~~الحوائج من السباحة في الماء، وهي البعد فيه. # وقال القرطبي: السبح " الجري، والدوران، ومنه السباحة في الماء ~~لتقلبه بيديه ورجليه، وفرس سابح " شديد الجري ". قال امرؤ القيس: ~~[الطويل] # 4922 - مسح إذا السابحات على الونى # أثرن غبارا بالكديد المركل # وقيل: السبح: الفراغ، أي: إن لك فراغا للحاجات بالنهار. # وعن ابن عباس وعطاء: " سبحا طويلا " يعني فراغا طويلا يعني ~~لنومك، وراحتك فاجعل ناشئة الليل لعبادتك. وقرأ يحيى بن يعمر، وعكرمة ~~وابن أبي عبلة: " سبخا " بالخاء المعجمة. # واختلفوا في تفسيرها: فقال الزمخشري: " استعارة من سبخ الصوف، وهو ~~نفشه، ونشر أجزائه لانتشار الهم، وتفريق القلب بالشواغل ". # وقيل: التسبيخ، التخفيف، حكى الأصمعي: " سبخ الله عنك الحمى، أي: ~~خففها عنك ". # قال الشاعر: [الطويل] # 4923 - فسبخ عليك الهم واعلم بأنه # إذا قدر الرحمن شيئا ms8807 فكائن # أي: خفف، ومنه # " قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة، وقد دعت على سارق ردائها: " لا ~~تسبخي بدعائك عليه " # أي: لا تخففي إثمه. # وقيل: التسبيخ: المد، يقال: سبخي قطنك، أي: مديه، والسبيخة: قطعة من ~~القطن، والجمع: سبائخ؛ قال الأخطل يصف صائدا وكلابا: [البسيط] # 4924- فأرسلوهن يذرين التراب كما # يذري سبائخ قطن ندف أوتار # وقال أبو الفضل الرازي: " قرأ ابن يعمر وعكرمة: " سبخا " - بالخاء ~~المعجمة - وقالا: معناه نوما، أي: ينام بالنهار؛ ليستعين به على قيام ~~الليل، وقد تحتمل هذه القراءة غير هذا المعنى، لكنهما فسراها: فلا تجاوز ~~عنه ". # قال شهاب الدين: " في هذا نظر، لأنهما غاية ما في الباب انهما نقلا هذه ~~القراءة، وظهر لهما تفسيرها بما ذكر، ولا يلزم من ذلك أنه لا يجوز غير ما ~~ذكر من تفسير اللفظة ". # وقال ثعلب: السبخ - بالخاء المعجمة - التردد والاضطراب، والسبح: ~~السكون ". # ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " الحمى من فيح جهنم فسبحوها بالماء " # أي فسكنوها بالماء. # وقال أبو عمرو: السبخ: النوم والفراغ، فعلى هذا يكون من الأضداد، ~~ويكون بمعنى السبح بالحاء المهملة. # قوله: { واذكر اسم ربك } ، أي: ادعه بأسمائه الحسنى ليحصل لك ~~مع الصلاة محمود العاقبة. # وقيل: اقصد بعملك وجه ربك. # وقال سهل: اقرأ باسم الله الرحمن الرحيم في ابتداء صلاتك توصلك بركة ~~قراءتها إلى ربك وتقطعك عما سواه. # وقيل: اذكر اسم ربك في وعده، ووعيده؛ لتتوفر على طاعته وتعدل عن ~~معصيته. # وقال الكلبي: صل لربك، أي: بالنهار. # قال القرطبي: وهذا حسن، لأنه لما ذكر الليل ذكر النهار، إذ هو قسيمه، ~~وقد قال تعالى: # وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد ~~أن يذكر # [الفرقان: 62]. # قوله: { وتبتل إليه تبتيلا } ، هذا مصدر على غير المصدر، ~~وهو واقع موقع التبتل، لأن مصدر " تفعل " " تفعل " نحو " تصرف ~~تصرفا، وتكرم تكرما " ، وأما " التفعيل " فمصدر " فعل " نحو " ~~صرف تصريفا؛ كقول الآخر: [الرجز] # 4925 - وقد تطويت انطواء الحضب # فأوقع " الانفعال " موقع " التفعل ". # قال الزمخشري: لأن معنى " تبتل " بتل نفسه، فجيء به على معناه ~~مراعاة لحق الفواصل. # والبتل: ms8808 الانقطاع، ومنه امرأة بتول، أي: انقطعت من النكاح، وبتلت ~~الحبل: قطعته. # قال الليث: التبتل: تمييز الشيء من الشيء، وقالوا: طلقة بتلة، ~~يعنون انقطاعها عن صاحبها، فالتبتل: ترك النكاح والزهد فيه، ومنه سمي ~~الراهب متبتلا لانقطاعه عن النكاح؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] # 4926 - تضيء الظلام بالعشاء كأنها # منارة ممسى راهب متبتل # ومنه الحديث: أنه نهى عن التبتل، وقال: # " يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة ~~فليتزوج " # والمراد به في الآية الكريمة: الانقطاع إلى عبادة الله تعالى دون ترك ~~النكاح. # والتبتل في الأصل: الانقطاع عن الناس، والجماعات، وقيل: إن أصله عند ~~العرب التفرد. قاله ابن عرفة. # قال ابن العربي: " هذا فيما مضي، وأما اليوم، وقد مرجت عهود الناس، وخفت ~~أماناتهم، واستولى الحرام على الحطام، فالعزلة خير من الخلطة، والعزبة ~~أفضل من التأهل، ولكن معنى الآية: وانقطع عن الأوثان، والأصنام، وعن ~~عبادة غير الله. # وكذلك قال مجاهد: معناه: أخلص له العبادة، ولم يرد التبتل، فصار ~~التبتل مأمورا به في القرآن، منهيا عنه في السنة، ومتعلق ~~الأمر غير متعلق النهي فلا يتناقضان، وإنما بعث ليبين للناس ما نزل ~~إليهم، والتبتل المأمور به: الانقطاع إلى الله بإخلاص كما قال تعالى: # ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين # [البينة: 5]، والتبتل المنهي عنه: سلوك مسلك النصارى في ترك النكاح، ~~والترهب في الصوامع، لكن عند فساد الزمان يكون خير مال المسلم غنما ~~يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن ". # قوله: { رب المشرق والمغرب }. # قرأ الأخوان وأبو بكر وابن عامر: بجر " رب " على النعت ل " ربك " ~~، أو البدل منه، أو البيان له. # وقال الزمخشري: وعن ابن عباس: على القسم بإضمار حرف القسم، كقولك: " ~~والله لأفعلن " وجوابه " لا إله إلا هو " ، كما تقول: " والله لا ~~أحد في الدار سوى زيد ". # قال أبو حيان: لعل هذا التخريج لا يصح عن ابن عباس، لأن فيه إضمار ~~الجار، ولا يجيزه البصريون إلا مع لفظ الجلالة المعظمة خاصة، ولأن ~~الجملة المنفية في جواب القسم إذا كانت اسمية فإنما تنفى ب ms8809 " ما " ، ~~وحدها، فلا تنفى ب " لا " إلا الجملة المصدرة بمضارع كثيرا، أو بماض في ~~معناه قليلا. # نحو قول الشاعر: [البسيط] # 4927 - ردوا فوالله لا زرناكم أبدا # ما دام في مائنا ورد لوراد # والزمخشري أورد ذلك على سبيل التجويز، والتسليم، والذي ذكره النحويون ~~هو نفيها ب " ما "؛ كقوله: [الطويل] # 4928 - لعمرك ما سعد بخلة آثم # ولا نأنإ يوم الحفاظ ولا حصر # قال شهاب الدين: " قد أطلق ابن مالك أن الجملة المنفية سواء كانت اسمية، ~~أم فعليه تنفى ب " ما " ، أو " لا " ، أو " إن " بمعنى: " ما " ، وهذا ~~هو الظاهر ". # وباقي السبعة: ترفعه، على الابتداء وخبره الجملة من قوله " لا إله إلا ~~الله " ، أو على خبر ابتداء مضمر، أي: " هو رب " ، وهذا أحسن لارتباط ~~الكلام بعضه ببعض. # وقرأ زيد بن علي: " رب " بالنصب على المدح. # وقرأ العامة: " المشرق والمغرب " موحدين. # وعبد الله وابن عباس: " المشارق والمغارب ". # ويجوز أن ينصب " رب " في قراءة زيد من وجهين: # أحدهما: أنه بدل من " اسم ربك " ، أو بيان له، أو نعت له، قاله أبو ~~البقاء، وهذا يجيء على أن الاسم هو المسمى. # والثاني: أنه منصوب على الاشتغال بفعل مقدر، أي: فاتخذ رب المشرق ~~فاتخذه، وما بينهما اعتراض. # والمعنى: أن من علم أنه رب المشارق، والمغارب انقطع بعمله إليه " ~~واتخذه وكيلا " ، أي: قائما وقيل: كفيلا بما وعدك. ### || [73.10-14] # قوله: { واصبر على ما يقولون } ، أي: من الأذى، والسب، ~~والاستهزاء، ولا تجزع من قولهم، ولا تمتنع من دعائهم، وفوض الأمر إلي، ~~فإني إذا كنت وكيلا لك، أقوم بإصلاح أمرك أحسن من قيامك بأمور نفسك { ~~واهجرهم هجرا جميلا } ، الهجر: ترك المخالطة، أي: لا تتعرض ~~لهم، ولا تشتغل بمكافأتهم فإن ذلك ترك للدعاء إلى الله تعالى، وكان هذا ~~قبل الأمر بالقتال، ثم أمر بعد ذلك بقتالهم. # قال قتادة وغيره، نسختها آية القتال. # وقال أبو الدرداء: إنا لنكشر في وجوه [أقوام] ونضحك إليهم وإن قلوبنا ~~لتلعنهم. # قال ابن الخطيب: وقيل وهو الأصح إنها محكمة. # قوله: { وذرني والمكذبين }. يجوز نصب " المكذبين " ~~على المعية، وهو الظاهر، ms8810 ويجوز على النسق وهو أوفق للصناعة. # والمعنى: ارض بي لعقابهم، نزلت في صناديد قريش ورؤساء مكة من ~~المستهزئين. # وقال مقاتل: نزلت في المطعمين يوم بدر، وهم عشرة تقدم ذكرهم في الأنفال. # وقال يحيى بن سلام: إنهم بنو المغيرة. # وقال سعيد بن جبير: أخبرت أنهم اثنا عشرة رجلا، " أولي النعمة " أي: ~~أولي الغنى، والترفه واللذة في الدنيا { ومهلهم قليلا } يعني ~~إلى مدة آجالهم، قالت عائشة - رضي الله عنها -: لما نزلت هذه الآية لم ~~يكن إلا يسيرا حتى وقعت وقعة بدر. # وقيل: " ومهلهم قليلا " مدة الدنيا. # قوله: " أولي النعمة " ، نعت للمكذبين. و " النعمة " - بالفتح -: ~~التنعم، وبالكسر، الإنعام، وبالضم: المسرة، يقال: نعمة ونعمة عين. # وقوله: " قليلا " ، نعت لمصدر، أي: تمهيلا، أو لظرف زمان محذوف، أي: ~~زمانا قليلا. # قوله: { إن لدينآ أنكالا } ، جمع نكل، وفيه قولان: # أشهرهما: أنه القيد. # وقيل: الغل؛ وقالت الخنساء: [المتقارب]. # 4929 - دعاك فقطعت أنكاله # وقد كن من قبل لا تقطع # قال الحسن ومجاهد وغيرهما: الأنكال: القيود، واحدها: نكل، وهو ما منع ~~الإنسان من الحركة، وقيل: سمي نكلا، لأنه ينكل به. # قال الشعبي: أترون أن الله جعل الأنكال في أرجل أهل النار خشية أن ~~يهربوا - لا والله - ولكنهم إذا أراد أن يرتفعوا اشتعلت بهم. # وقال الكلبي: الأنكال: الأغلال. # وقال مقاتل: الأنكال: أنواع العذاب الشديد. # وقال عليه الصلاة والسلام: # " إن الله يحب النكل على النكل " - قال الجوهري: ~~بالتحريك - قيل: وما النكل؟ قال: " الرجل القوي المجرب على الفرس القوي ~~المجرب " # - ذكره الماوردي، قال: ومن ذلك سمي القيد نكلا لقوته وكذلك ~~الغل وكل عذاب قوي. # قال ابن الأثير: " النكل - بالتحريك - من التنكيل، وهو المنع، ~~والتنحية عما يريد يقال: رجل نكل ونكل، كشبه وشبه، أي: ينكل به ~~أعداؤه، وقد نكل الأمر ينكل، ونكل ينكل: إذا امتنع، ومنه النكول في ~~اليمين وهو الامتناع منها وترك الإقدام عليها ". # والجحيم: النار المؤججة. # { وطعاما ذا غصة }. " الغصة ": الشجى، وهو ما ينشب في ~~الحلق فلا ينساغ، ويقال: " غصصت " - بالكسر - فأتت غاص وغصان، ~~قال: [الرمل] # 4930 - لو بغير الماء حلقي شرق ms8811 # كنت كالغصان بالماء اعتصاري # والمعنى: طعاما غير سائغ يأخذ بالحلق، لا هو نازل، ولا هو خارج وهو ~~كالغسلين، والزقوم والضريع. قاله ابن عباس. وعنه أيضا: أنه شوك يدخل ~~الحلق فلا ينزل ولا يخرج. # وقال الزجاج: أي: طعامهم الضريع، وهو شوك كالعوسج. # وقال مجاهد: هو كالزقوم. # والغصة: الشجى، وهو ما ينشب في الحلق من عظم، أو غيره، وجمعها: غصص، ~~والغصص - بالفتح - مصدر قولك " غصصت " يا رجل تغص، فأنت غاص ~~بالطعام وغصان وأغصصته أنا، والمنزل غاص بالقوم أي ممتلىء بهم ". # ومعنى الآية: أن لدينا في الآخرة ما يضاد تنعمهم في الدنيا، وهذه هي ~~الأمور الأربعة: الأنكال، والجحيم، والطعام الذي يغص به، والعذاب الأليم، ~~والمراد به: سائر أنواع العذاب. # قوله: { يوم ترجف الأرض والجبال }. أي: تتحرك، وفي نصب " ~~يوم " أوجه: # أحدها: أنه منصوب ب " ذرني " ، وفيه بعد. # والثاني: أنه منصوب بنزع الخافض أي: هذه العقوبة في يوم ترجف. # الثالث: أنه منصوب بالاستقرار المتعلق به " لدينا ". # والرابع: أنه صفة ل " عذابا " فيتعلق بمحذوف، أي عذابا واقعا يوم ~~ترجف. # الخامس: أنه منصوب ب " أليم ". # والعامة: " ترجف " - بفتح التاء، وضم الجيم - مبنيا للفاعل. # وزيد بن علي: مبنيا للمفعول، من أرجفها: والرجفة: الزلزلة والزعزعة ~~الشديدة. # قوله: { وكانت الجبال } ، أي: وتكون الجبال { كثيبا ~~مهيلا } ، الكثيب: الرمل المجتمع. # قال حسان: [الوافر] # 4931 - عرفت ديار زينب بالكثيب # كخط الوحي في الورق القشيب # والجمع في القلة: " أكثبة " ، وفي الكثرة: " كثبان " و " كثب " ك ~~" رغيف وأرغفة، ورغفان ورغف ". # قال ذو الرمة: [الطويل] # 4932 - فقلت لها: لا إن أهلي لجيرة # لأكثبة الدهنا جميعا وماليا # قال الزمخشري: من كثبت الشيء إذا جمعته، ومنه الكثبة من اللبن؛ قالت ~~الضائنة: أجز جفالا، وأحلب كثبا عجالا. # [والمهيل: أصله " مهيول " ك " مضروب " استثقلت الضمة على الياء] فنقلت ~~إلى الساكن قبلها، وهو الهاء فالتقى ساكنان، فاختلف النحاة في العمل في ~~ذلك: فسيبويه، وأتباعه حذفوا الواو، وكانت أولى بالحذف، لأنها زائدة، وإن ~~كانت القاعدة إنما تحذف لالتقاء الساكنين الأول، ثم كسروا الهاء لتصح ~~الياء، ووزنه حينئذ " مفعل ". # والكسائي والفراء والأخفش: ms8812 حذفوا الياء، لأن القاعدة في التقاء ~~الساكنين: إذا احتيج إلى حذف أحدهما حذف الأول، وكان ينبغي على قولهم أن ~~يقال فيه: " مهول " إلا أنهم كسروا الهاء لأجل الياء التي كانت فقلبت ~~الواو ياء، ووزنه حينئذ " مفعول " على الأصل، و " مفيل " بعد القلب. # قال مكي: " وقد أجازوا كلهم أن يأتي على أصله في الكلام، فتقول: ~~مهيول ومبيوع " ، وما أشبه ذلك من ذوات الياء، فإن كان من ذوات الواو لم ~~يجز أن يأتي على أصله عند البصريين، وأجازه الكوفيون، نحو: مقوول، ~~ومصووغ. # وأجازوا كلهم: مهول ومبوع، على لغة من قال: بوع المتاع، وقول القول، ~~ويكون الاختلاف في المحذوف منه على ما تقدم. # قال شهاب الدين: " التمام في " مبيوع، ومهيول " وبابه، لغة تميم، والحذف ~~لغة سائر العرب ". # ويقال: هلت التراب أهيله هيلا، فهو مهيل فيه. # وفيه لغة: أهلته - رباعيا - إهالة فهو مهال، نحو أبعته إباعة فهو ~~مباع. والمهيل من هال تحته القدم أي انصب أي هلت التراب أي طرحته. # وقال القرطبي: والمهيل: الذي يمر تحت الأرجل، قال الضحاك والكلبي: ~~المهيل: الذي إذا وطئته بالقدم زل من تحتها، فإذا أخذت أسفله انهال. # وقال ابن عباس: " مهيلا " أي: رملا سائلا متناثرا. # قال القرطبي: وأصله مهيول، وهو " مفعول " من قولك: هلت التراب ~~عليه أهيلة إهالة وهيلا، إذا صببته. # يقال: مهيل ومهيول، ومكيل ومكيول، ومدين ومديون ومعين ~~ومعيون. # قال الشاعر: [الكامل] # 4933 - قد كان قومك يحسبونك سيدا # وإخال أنك سيد معيون # وقال - عليه الصلاة والسلام - حين شكوا إليه الجدوبة: # " " أتكيلون أم تهيلون "؟ قالوا: نهيل. قال: " كيلوا ~~طعامكم يبارك لكم الله فيه " ". ### || [73.15-19] # واعلم أنه تعالى لما خوف المكذبين أولي النعمة بأهوال يوم القيامة ~~خوفهم بعد ذلك بأهوال الدنيا، فقال: # { إنآ أرسلنآ إليكم رسولا } يريد النبي صلى الله عليه ~~وسلم أرسله إلى قريش { كمآ أرسلنآ إلى فرعون رسولا } ~~وهو موسى - عليه الصلاة والسلام - وهذا تهديد لأهل مكة بالأخذ الوبيل. # قال مقاتل: وإنما ذكر موسى وفرعون دون سائر الرسل لأن أهل " مكة " ~~ازدروا محمدا صلى الله عليه وسلم واستخفوا ms8813 به؛ لأنه ولد فيهم كما أن ~~فرعون ازدرى بموسى؛ لأنه رباه، ونشأ فيما بينهم كما قال تعالى: # ألم نربك فينا # [الشعراء: 18]. # وذكر ابن الخطيب هذا السؤال والجواب وليس بالقوي لأن إبراهيم - عليه ~~الصلاة والسلام - ولد، ونشأ فيما بين قوم نمرود، وكان " آزر " وزير ~~نمرود على ما ذكره المفسرون، وكذلك القول في نوح وهود وصالح ولوط، لقوله ~~تعالى في قصة كل واحد منهم لفظة " أخاهم " لأنه من القبيلة التي بعث ~~إليها. # قوله: { فعصى فرعون الرسول } ، إنما عرفه لتقدم ذكره، وهذه ~~" أل " العهدية، والعرب إذا قدمت اسما ثم حكت عنه ثانيا، أتوا به ~~معرفا ب " أل " ، أو أتوا بضميره لئلا يلتبس بغيره نحو " رأيت رجلا ~~فأكرمت الرجل، أو فأكرمته " ، ولو قلت: " فأكرمت رجلا " لتوهم أنه غير ~~الأول وسيأتي تحقيق هذا عند قوله تعالى: # فإن مع العسر يسرا # [الشرح: 6] وقوله - عليه الصلاة والسلام -: # " لن يغلب عسر يسرين ". # قال المهدوي هنا: ودخلت الألف واللام في " الرسول " لتقدم ذكره، ولذلك ~~اختير في أول الكتب " سلام عليكم " ، وفي آخرها " السلام عليكم ~~". # قوله: { فأخذناه أخذا وبيلا } ، أي: شديدا، وضرب وبيل، ~~وعذاب وبيل، أي: شديد. # قاله ابن عباس ومجاهد، ومنه: " مطر وابل " ، أي: شديد، قاله الأخفش. # وقال الزجاج: أي: ثقيلا غليظا، ومنه قيل للمطر وابل. وقيل: مهلكا، ~~قال: [الكامل] # 4934 - أكلت بنيك أكل الضب حتى # وجدت مرارة الكلأ الوبيل # واستوبل فلان كذا: أي: لم يحمد عاقبته، وماء وبيل، أي: وخيم غير مريء ~~وكلأ مستوبل، وطعام وبيل ومستوبل إذا لم يمرأ ولم يستمرأ؛ قال زهير: ~~[الطويل] # 4935 - فقضوا منايا بينهم ثم أصدروا # إلى كلأ مستوبل متوخم # وقالت الخنساء: [الوافر] # 4936 - لقد أكلت بجيلة يوم لاقت # فوارس مالك أكلا وبيلا # والوبيل أيضا: العصا الضخمة؛ قال: [الطويل] # 4937 - لو أصبح في يمنى يدي رقامها # وفي كفي الأخرى وبيلا نحاذره # وكذلك: " الوبل " بكسر الباء، و " الوبل " أيضا: الحزمة من الحطب وكذلك ~~" الوبيل ". # قال طرفة: [الطويل] # 4938 -.............................. # عقيلة شيخ كالوبيل يلندد # فصل في الاستدلال بالآية على " القياس " # قال ابن الخطيب: هذه الآية يمكن ms8814 الاستدلال بها على إثبات القياس، لأن ~~الكلام إنما ينتظم لو قسنا إحدى الصورتين على الأخرى. # فإن قيل هنا: هب أن القياس في هذه الصورة حجة، فلم قلتم: إنه في سائر ~~الصور حجة، حينئذ يحتاج إلى سائر القياسات على هذا القياس، فيكون ذلك ~~إثباتا للقياس بالقياس؟. # قلنا: لا نثبت سائر القياسات بالقياس على هذه الصورة، وإلا لزم المحذور ~~الذي ذكرتم بل وجه التمسك أن نقول: لولا أنه تمهد عندهم أن الشيئين ~~اللذين يشتركان في مناط الحكم ظنا يجب اشتراكهما في الحكم، وإلا لما ~~أورد هذا الكلام في هذه الصورة وذلك لأن احتمال الفرق المرجوح قائم هنا، ~~فإن لقائل أن يقول: لعلهم إنما استوجبوا الأخذ الوبيل بخصوصية حال ~~العصيان في تلك الصورة وتلك الخصوصية غير موجودة - هاهنا -، ثم إنه تعالى ~~مع قيام هذا الاحتمال جزم بالتسوية في الحكم [فهذا الجزم لا بد وأن يقال ~~إنه كان مسبوقا بتقدير أنه متى وقع اشتراك في المناط الظاهر وجزم ~~الاشتراك في الحكم]، وإن الفرق المرجوح من أن ذلك المرجوح لخصوص تلك ~~الواقعة لا عبرة به لم يكن لهذا الكلام كثير فائدة، ولا معنى لقولنا ~~القياس حجة إلا لهذا. # فصل في معنى شهادة الرسول عليهم # قال ابن الخطيب: ومعنى كون الرسول شاهدا عليهم من وجهين: # الأول: أنه شاهد عليهم يوم القيامة بكفرهم، وتكذيبهم. # الثاني: أن المراد بكونه شاهدا كونه مبينا للحق في الدنيا ومبينا ~~لبطلان ما هم عليه من الفكر، لأن الشاهد بشهادته يبين الحق، ولذلك وصفت ~~بأنها بينة، ولا يمتنع أن يوصف صلى الله عليه وسلم بذلك من حيث إنه يبين ~~الحق. # قال ابن الخطيب: وهذا بعيد، لأن الله تعالى قال: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء ~~على الناس # [البقرة: 143] أي: عدولا خيارا، ويكون الرسول عليكم شهيدا، فبين ~~أنه شاهد عليهم في المستقبل لأن حمله الشهادة في الآخرة حقيقة، وحمله على ~~البيان مجاز، والحقيقة أولى من المجاز. # قوله: { فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل ~~الولدان شيبا }. # " يوما " إما منصوب ب " تتقون " على سبيل المفعول به ms8815 تجوزا. # وقال الزمخشري: " يوما مفعول به، أي: فكيف تتقون أنفسكم يوم القيامة ~~وهوله إن بقيتم على الكفر ". # وناقشه أبو حيان فقال: " وتتقون مضارع " اتقى " و " اتقى " ليس بمعنى " ~~وقى " حتى يفسره به و " اتقى " يتعدى إلى واحد و " وقى " يتعدى إلى ~~اثنين، قال تعالى: # ووقاهم عذاب الجحيم # [الطور: 18] ولذلك قدره الزمخشري: تقون أنفسكم لكنه ليس " تتقون " ~~بمعنى " تقون " ، فلا يعدى تعديته " انتهى. # ويجوز أن ينتصب على الظرف، أي: فكيف لكم بالتقوى يوم القيامة، إن كفرتم ~~في الدنيا. قاله الزمخشري. # ويجوز أن ينتصب مفعولا ب " كفرتم " إن جعل " كفرتم " بمعنى " ~~جحدتم " أي: فكيف تتقون الله وتخشونه إن جحدتم يوم القيامة. # ولا يجوز أن ينتصب ظرفا لأنهم لا يكفرون ذلك اليوم بل يؤمنون لا محالة. # ويجوز أن ينتصب على إسقاط الجار، أي: كفرتم بيوم القيامة. # فصل في المراد بالآية # قال القرطبي: وهذا تقريع وتوبيخ، أي: كيف تتقون العذاب إن كفرتم، وفيه ~~تقديم وتأخير، أي: كيف تتقون يوما يجعل الولدان شيبا إن كفرتم، وكذا ~~قراءة عبد الله وعطية. # قال الحسن: بأي صلاة تتقون العذاب؟ بأي صوم تتقون العذاب؟ وفيه إضمار، ~~أي: كيف تتقون عذاب يوم القيامة. # وقال قتادة: والله ما يتقى من كفر ذلك اليوم بشيء، و " يوما " مفعول ~~ب " تتقون " على هذه القراءة وليس بظرف، وإن قدر الكفر بمعنى الجحود كان ~~اليوم مفعول " كفرتم " ، وقال بعض المفسرين: وقف التمام على قوله " ~~كفرتم " والابتداء " يوما " يذهب إلى أن " اليوم " مفعول " ~~يجعل " والفعل لله - عز وجل - كأنه قال: يجعل الله الولدان شيبا في ~~يوم. # قال ابن الأنباري: وهذا لا يصح؛ لأن اليوم هو الذي يفعل هذا من شدة ~~هوله. # وقال المهدوي: والضمير في " يجعل " يجوز أن يكون لله - عز وجل - ~~ويجوز أن يكون لليوم، وإذا كان لليوم، صلح أن تكون صفة له، ولا يصلح ذلك ~~إذا كان الضمير لله - عز وجل - إلا مع تقدير حذف، كأنه قيل: يوما يجعل ~~الله الولدان فيه شيبا ". # وقال ابن الأنباري: ومنهم من نصب " اليوم " ب " كفرتم " ، وهذا ~~قبيح؛ ms8816 لأن اليوم إذا علق ب " كفرتم " احتاج إلى صفة، أي: كفرتم بيوم، ~~فإن احتج محتج بأن الصفة قد تحذف، وينصب ما بعدها، احتججنا عليه بقراءة ~~عبد الله: { فكيف تتقون يوما }. # قال القرطبي: " هذه القراءة ليست بمتواترة، وإنما جاءت على وجه ~~التفسير، وإذا كان الكفر بمعنى الجحود ف " يوم " مفعول صريح من غير صفة، ~~ولا حذفها، أي: فكيف تتقون الله، وتخشونه إن جحدتم يوم القيامة، والجزاء ~~". # والعامة: على تنوين " يوما " ، وجعل الجملة بعده نعتا له، والعائد ~~محذوف، أي: جعل الولدان فيه. قاله أب البقاء، ولم يتعرض للفاعل في " ~~يجعل " ، وهو على هذا ضمير الباري تعالى، أي: يوما يجعل الله فيه، ~~وأحسن من هذا أن يجعل العائد مضمرا في " يجعل " هو فاعله، وتكون ~~نسبة الجعل إلى اليوم من باب المبالغة، أي: نفس اليوم يجعل الولدان ~~شيبا. # وقرأ زيد ابن علي: " يوم يجعل " بإضافة الظرف للجملة، والفاعل ~~على هذا هو ضمير الباري - تعالى - والجعل - هنا - بمعنى التصيير، ف " ~~شيبا " مفعول ثان. # وقرأ أبو السمال: " فكيف تتقون " بكسر النون على الإضافة. # والولدان: الصبيان. # وقال السدي: هم أولاد الزنا. # وقيل: أولاد المشركين، والعموم أصح أي يوم يشيب فيه الصغير من غير كبر، ~~وذلك حين يقال لآدم: يا آدم قم فابعث بعثا للنار. قال ~~القشيري: هم أهل الجنة، يغير الله أحوالهم، وأوصافهم على ما ~~يريد. # وقيل: هذا ضرب مثل لشدة ذلك اليوم، وهو مجاز لأن يوم القيامة لا يكون ~~فيه ولدان، لكن معناه: أن هيبة ذلك اليوم بحال لو كان فيه هناك صبي لشاب ~~رأسه من الهيبة، ويقال: هذا وقت الفزع قبل أن ينفخ في الصور نفخة الصعق. ~~والله أعلم. # و " شيبا ": جمع " أشيب " ، وأصل الشين الضم فكسرت لتصح الياء، نحو: ~~أحمر حمر؛ قال الشاعر: [البسيط] # 4939 - منا الذي هو ما إن طر شاربه # والعانسون ومنا المرد والشيب # وقال آخر: [الطويل] # 4940 -........................... # لعبن بنا شيبا، وشيبننا مردا # قال الزمخشري: وفي بعض الكتب أن رجلا أمسى فاحم الشعر كحنك الغراب، ~~فأصبح وهو أبيض الرأس واللحية كالثغامة، فقال: ms8817 رأيت القيامة والجنة ~~والنار في المنام، ورأيت الناس يقادون في السلاسل إلى النار، فمن هول ذلك ~~أصبحت كما ترون. # ويجوز أن يوصف اليوم بالطول فإن الأطفال يبلغون فيه أوان الشيخوخة ~~والشيب. # قال ابن الخطيب: إن الله تعالى ذكر من هول ذلك اليوم أمرين: # الأول: جعل الولدان شيبا وفيه وجهان: # الأول: أنه مثل في الشدة، يقال في اليوم الشديد: يوم يشيب نواصي ~~الأطفال، والأصل فيه أن الهموم، والأحزان إذا تفاقمت على الإنسان، أسرع ~~فيه الشيب لأن كثرة الهموم؛ توجب انكسار الروح إلى داخل القلب، وذلك ~~الانكسار يوجب انطفاء الحرارة الغريزية، وضعفها يوجب بقاء الأجزاء ~~الغذائية غير تامة النضج، وذلك يوجب استيلاء البلغم على الأخلاط، وذلك ~~يوجب ابيضاض الشعر، فلما رأوا أن حصول الشيب من لوازم كثرة الهموم جعلوا ~~الشيب كناية عن الشدة والهموم، وليس المراد أن هول ذلك اليوم يجعل ~~الولدان شيبا حقيقة لأن إيصال الألم أو الخوف إلى الأطفال غير جائز يوم ~~القيامة. # الثاني: ما تقدم من طول اليوم وأن الأطفال يبلغون فيه أوان الشيخوخة، ~~والشيب. # قوله: { السمآء منفطر به }. صفة أخرى، أي: متشققة بسبب هوله ~~وشدته، فتكون الباء سببية، وجوز الزمخشري أن تكون للاستعانة، فإنه قال: ~~والباء في " به " مثلها في قولك: " فطرت العود بالقدوم فانفطر به ~~". # وقال القرطبي: ومعنى " به " ، أي: فيه، أي: في ذلك اليوم لهوله، هذا ~~أحسن ما قيل فيه، ويقال: مثقلة به إثقالا يؤدي إلى انفطارها لعظمته ~~عليها، وخشيته من وقوعها، كقوله تعالى: # ثقلت في السماوات والأرض # [الأعراف: 187]، وقيل: " به "؛ أي: له، أي: لذلك اليوم، يقال: فعلت كذا ~~بحرمتك، أو لحرمتك، والباء واللام وفي متقاربه في مثل هذا الموضع، قال ~~الله تعالى: # ونضع الموازين القسط ليوم القيامة # [الأنبياء: 47]، أي: في يوم القيامة، وقيل: " به " أي بالأمر، أي: ~~السماء منفطر بما يجعل الولدان شيبا. # وقيل: السماء منفطر بالله، أي: بأمره. وإنما لم تؤنث الصفة لوجوه ~~منها: # قال أبو عمرو بن العلاء: لأنها بمعنى السقف تقول: هذا سماء البيت، قال ~~تعالى: # وجعلنا السمآء سقفا محفوظا # [الأنبياء: 32]. # ومنها: ms8818 أنها على النسب، أي: ذات انفطار، نحو: امرأة مرضع وحائض، أي: ذات ~~إرضاع، وذات حيض. # ومنها أنها تذكر، وتؤنث؛ أنشد الفراء: [الوافر] # 4941 - فلو رفع السماء إليه قوما # لخضنا بالسماء وبالسحاب # ومنها: اسم الجنس، يفرق بينه وبين واحده بالتاء، فيقال: سماة، وقد تقدم ~~أن اسم الجنس يذكر ويؤنث. # ولهذا قال أبو علي الفارسي: هو كقوله: # جراد منتشر # [القمر: 7] و # الشجر الأخضر # [يس: 80] و # أعجاز نخل منقعر # [القمر: 20] يعني: فجاء على أحد الجائزين. # وقيل: لأن تأنيثها ليس بحقيقي، وما كان كذلك جاز تذكيره وتأنيثه؛ قال ~~الشاعر: [البسيط] # 4942 -......................... # والعين بالإثمد الحاري مكحول # قوله: { كان وعده مفعولا } ، يجوز أن يكون الضمير لله تعالى، ~~وإن لم يجر له ذكر للعلم به، فيكون المصدر مضافا لفاعله، ويجوز أن يكون ~~لليوم، فيكون مضافا لمفعوله والفاعل وهو " الله " مقدر. # فصل في المراد بالوعد # قال المفسرون: كان وعده بالقيامة والحساب والجزاء مفعولا كائنا لا ~~محالة ولا شك فيه ولا خلاف، وقال مقاتل: كان وعده بأن يظهره دينه على ~~الدين كله. # قوله: { إن هذه تذكرة } ، أي: هذه السورة والآيات عظة، ~~وقيل: آيات القرآن إذ هو كالسورة الواحدة { فمن شآء اتخذ إلى ~~ربه سبيلا }؛ لأن هذه الآيات مشتملة على أنواع الهداية، والإرشاد، ~~فمن شاء أن يؤمن، ويتخذ بذلك إلى ربه سبيلا، أي: طريقا إلى رضاه، ~~ورحمته فليرغب، فقد أمكن له؛ لأنه أظهر له الحجج، والدلائل. # قيل: نسخت بآية السيف، وكذلك قوله تعالى: { فمن شآء ذكره }. # قال الكلبي: والأشبه أنه غير منسوخ. ### || [73.20] # قوله: { إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي ~~الليل }. # العامة: على ضم " اللام " من " ثلثي " وهو الأصل، كالربع والسدس. # وقرأ هشام: بإسكانها تخفيفا. # قوله: { ونصفه وثلثه } ، قرأ الكوفيون وابن كثير: بنصبهما، ~~والباقون، بجرهما. # وفي الجر إشكال يأتي إن شاء الله تعالى. # فالنصب: نسق على " أدنى "؛ لأنه بمعنى وقت أدنى، أي: أقرب، استعير ~~الدنو لقرب المسافة في الزمان، وهذا مطابق لما في أول السورة من التقسيم، ~~وذلك أنه إذا قام أدنى من ثلثي الليل، فقد صدق عليه ms8819 أنه قام الليل إلا ~~قليلا، لأن الزمان لم يقم فيه، فيكون الثلث، وشيئا من الثلثين، فيصدق ~~عليه قوله: " إلا قليلا ". # وأما قوله: " ونصفه " فهو مطابق لقوله: " ولا نصفه " ، وأما قوله: " ~~وثلثه " فإن قوله: { أو انقص منه قليلا } قد ينتهى النقص ~~في القليل إلى أن يكون الوقت ثلثي الليل، وأما قوله: { أو زد عليه ~~} فإنه إذا زاد على النصف قليلا كان الوقت أقل من الثلثين. فيكون قد ~~طابق أدنى من ثلثي الليل، ويكون قوله تعالى: { نصفه أو انقص ~~منه قليلا } شرطا لمبهم ما دل عليه قوله: { قم الليل ~~إلا قليلا } ، وعلى قراءة النصب: فسر الحسن " تحصوه " بمعنى ~~تطيقوه، وأما قراءة الجر: فمعناها أنه قيام مختلف مرة أدنى من الثلثين، ~~ومرة أدنى من الثلث وذلك لتعذر معرفة البشر بمقدار الزمان مع عذر النوم، ~~وقد أوضح هذا كله الزمخشري، فقال: وقرىء: " نصفه وثلثه " بالنصب، على أنك ~~تقوم أقل من الثلثين، وتقوم النصف والثلث، وهو مطابق لما مر فيه أول ~~السورة في التخيير بين قيام النصف بتمامه، وبين قيام الناقص وهو الثلث، ~~وبين قيام الزائد عليه وهو الأدنى من الثلثين. # وقرىء بالجر أي تقوم أقل من الثلثين وأقل من النصف والثلث، وهو مطابق ~~للتخيير بين النصف، وهو أدنى من الثلثين، والثلث، وهو أدنى من النصف، ~~والربع وهو أدنى من الثلث، وهو الوجه الأخير، انتهى. # يعني بالوجه الأخير ما قدمه أول السورة من التأويلات. وقال أبو عبد الله ~~الفارسي: وفي قراءة النصب إشكال إلا أن يقدر نصفه تارة، وثلثه تارة، وأقل ~~من النصف، والثلث تارة، فيصح المعنى. # فصل في بيان أن هذه الآية تفسير للقيام في أول السورة # قال القرطبي: هذه الآية تفسير لقوله تعالى: { إلا قليلا نصفه ~~أو انقص منه قليلا } أو زد عليه - كما تقدم - وهي الناسخة ~~لفريضة قيام الليل كما تقدم، ومعنى قوله تعالى: " تقوم " أي: تصلي، و ~~" أدنى " ، أي: أقل. # وقرأ ابن السميقع وأبو حيوة وهشام عن أهل الشام: " ثلثي " بإسكان اللام، ~~و " نصفه وثلثه " بالخفض: قراءة العامة - كما تقدم -، عطفا ms8820 على " ثلثي " ~~والمعنى: تقوم أدنى من ثلثي الليل، ومن نصفه، وثلثه، وهي اختيار أبي عبيد ~~وأبي حاتم، لقوله تعالى: { علم أن لن تحصوه } فكيف تقيمون نصفه ~~أو ثلثيه، وهو لا تحصونه؟! وأما قراءة النصف عطفا على " أدنى " ، ~~والتقدير: تقوم أدنى من ثلثيه وتقوم نصفه وثلثه. قال الفراء: وهو أشبه ~~بالصواب؛ لأنه قال: أقل من الثلثين، ثم ذكر نفس القلة لا أقل من القلة. # قال القشيري: وعلى هذه القراءة يحتمل أنهم كانوا يصيبون الثلث والنصف ~~لخفة القيام عليهم بذلك القدر، وكانوا يزيدون، وفي الزيادة إصابة ~~المقصود، فأما الثلثان فكان يثقل عليهم قيامه فلا يصيبونه، وينقصون منه، ~~ويحتمل أنهم أمروا بالقيام نصف الليل، ورخص لهم في الزيادة والنقصان، ~~وكانوا ينتهون في الزيادة إلى قريب من الثلثين، وفي النصف إلى قريب من ~~الثلث، ويحتمل أنهم قدر لهم النصف وأنقص إلى الثلث، والزيادة إلى ~~الثلثين، وكان فيهم من يفي بذلك، وفيهم من يترك ذلك إلى أن نسخ عنهم، ~~وقيل: إنما فرض عليهم الربع، وكانوا ينقصون من الربع. # قال القرطبي: " وهذا تحكم ". # قوله: { وطآئفة من الذين معك }. رفع بالعطف على الضمير ~~في " تقوم " ، وجوز ذلك الفصل بالظرف، وما عطف عليه. # قوله: { والله يقدر الليل }. # قال الزمخشري: " تقديم اسم الله - عز وجل - مبتدأ مبنيا عليه " يقدر ~~" هو الدال على معنى الاختصاص بالتقدير ". # ونازعه أبو حيان في ذلك، وقال: " لو قيل: زيد يحفظ القرآن، لم يدل ~~ذلك على اختصاصه ". # وقيل: الاختصاص في الآية مفهوم من السياق، والمعنى: ليعلم مقادير الليل، ~~والنهار على حقائقها، وأنتم تعلمون بالتحري، والاجتهاد الذي يقع فيه ~~الخطأ. # قوله: { علم أن لن تحصوه } ، " أن لن " و " أن سيكون " ~~كلاهما مخففة من الثقيلة والفاصل للنفي، وحرف التنفيس. # والمعنى: علم أن لن تطيقوا معرفة حقائق ذلك، والقيام به، أي: أن الله ~~هو الذي يعلم مقادير الليل والنهار على حقيقته. # وقيل: المعنى: لن تطيقوا قيام الليل، والأصح الأول، لأن قيام الليل ما ~~فرض كله قط. # قال مقاتل وغيره: لما نزل # قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص ms8821 منه قليلا ~~أو زد عليه # [المزمل: 2-4] شق ذلك عليهم، وكان الرجل لا يدري متى نصف الليل، من ~~ثلثه، فيقوم حتى يصبح مخافة أن يخطىء، وانتفخت أقدامهم، وانتقعت ألوانهم، ~~فخفف الله عليهم، وقال: { علم أن لن تحصوه } ، أي: علم أنكم إن ~~زدتم ثقل عليكم، واحتجتم إلى تكليف ما ليس فرضا، وإن نقصتم شق معرفة ذلك ~~عليكم. # قوله: { فتاب عليكم } ، أي: فعاد عليكم بالعفو، وهذا يدل على ~~أنه كان فيهم من ترك بعض ما أمر به. # وقيل: " فتاب عليكم " من فرض القيام أو عن عجزكم، وأصل التوبة ~~الرجوع - كما تقدم - فالمعنى: رجع لكم من تثقيل إلى تخفيف، ومن عسر إلى ~~إيسار، وإنما أمروا بحفظ الأوقات بالتحري، فخفف عنهم ذلك التحري. # وقيل: معنى قوله: { والله يقدر الليل والنهار } ، ~~أي: يخلقهما مقدرين، كقوله تعالى: # وخلق كل شيء فقدره تقديرا # [الفرقان: 2]. # قال ابن العربي: تقدير الخلقة لا يتعلق به حكم وإنما يربط الله به ما ~~يشاء من وظائف التكليف. قوله: { فاقرءوا ما تيسر من ~~القرآن }. # قيل: المراد نفس القراءة، أي: فاقرأوا فيما تصلون به بالليل ما خف ~~عليكم. # قال السدي: مائة آية. # وقال الحسن: من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن. # وقال كعب: من قرأ في ليلة مائة آية كتب من القانتين. # وقال سعيد بن جبير: خمسون آية. # قال القرطبي: قول كعب أصح، # " لقوله - عليه الصلاة والسلام-: " من قام بعشر آيات لم ~~يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من ~~القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين " # خرجه أبو داود الطيالسي. # وروى أنس بن مالك قال: # " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من قرأ خمسين آية ~~في يوم أو في ليلة لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ ~~مائة آية كتب من القانتين، ومن قرأ مائتي آية لم ~~يحاجه القرآن إلى يوم القيامة، ومن قرأ خمسمائة آية كتب ~~له قنطار من الأجر ". # فقوله: " من المقنطرين " ، أي: أعطي قنطارا من الأجر. # وجاء في الحديث: # " أن القنطار: ألف ومائتا أوقية، والأوقية ms8822 خير مما بين السماء والأرض ". # وقال أبو عبيدة: القناطير، واحدها قنطار، ولا تجد العرب تعرف وزنه، ولا ~~واحد للقنطار من لفظه. # وقال ثعلب: المعمول عليه عند العرب أنه أربعة آلاف دينار، فإذا ~~قالوا: قناطير مقنطرة فهي اثنا عشر ألف دينار. # وقيل: إن القنطار: ملء جلد ثور ذهبا. # وقيل: ثمانون ألفا. # وقيل: هي جملة كثيرة مجهولة من المال، نقله ابن الأثير. # وقيل: المعنى: { فاقرءوا ما تيسر من القرآن } ، أي: ~~فصلوا ما تيسر عليكم، والصلاة تسمى قرآنا، قال تعالى: # وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا # [الإسراء: 78]، أي: صلاة الفجر. # قال ابن العربي: " والأول أصح، لأنه أخبر عن الصلاة وإليها يرجع القول ~~". # قال القرطبي: " الأول أصح حملا للخطاب على ظاهر اللفظ، والقول الثاني ~~مجاز لأنه من تسمية الشيء ببعض ما هو من أعماله ". # فصل في بيان أن الآية ناسخة # قال بعض العلماء: قوله تعالى { فاقرءوا ما تيسر من ~~القرآن } نسخ قيام الليل ونصفه، والنقصان من النصف، والزيادة عليه، ~~ثم يحتمل قول الله - عز وجل - { فاقرءوا ما تيسر منه } ~~معنيين: # أحدهما: أن يكون فرضا ثانيا لأنه أزيل به فرض غيره. # والآخر: أن يكون فرضا منسوخا أزيل بغيره كما أزيل به غيره، وذلك بقول ~~الله - تعالى -: # ومن الليل فتهجد به نافلة لك # [الإسراء: 79]، فاحتمل قوله تعالى: # ومن الليل فتهجد به نافلة لك # [الإسراء:79] أي: تتهجد بغير الذي فرض عليك مما تيسر منه. # قال الشافعي: فكان الواجب طلب الاستدلال بالسنة على أحد المعنيين ~~فوجدنا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تدل على أن لا واجب من الصلاة ~~إلا الخمس. # فصل في أن النسخ هنا خاص بالأمة # قال القشيري: والمشهور أن نسخ قيام الليل كان في حق الأمة، وبقيت ~~الفريضة في حق النبي صلى الله عليه وسلم. # وقيل: إنما النسخ: التقدير بمقدار، وبقي أصل الوجوب كقوله تعالى: # فما استيسر من الهدي # [البقرة: 196]، فالهدي لا بد منه، كذلك لا بد من الصلاة في الليل ولكن ~~فوض تقديره إلى اختيار المصلي، وعلىهذا فقال قوم: فرض قيام الليل ms8823 بالقليل ~~باق، وهو مذهب الحسن. # قال الشافعي: بل نسخ بالكلية، فلا تجب صلاة الليل أصلا، ولعل الفريضة ~~التي بقيت في حق النبي صلى الله عليه وسلم هي هذه، وهو قيامه، ومقداره ~~مفوض إلى خيرته، وإذا ثبت أن القيام ليس فرضا، فقوله تعالى: { ~~فاقرءوا ما تيسر منه } ، معناه: اقرأوا إن تيسر عليكم ذلك ~~وصلوا إن شئتم. # وقال قوم: إن النسخ بالكلية تقرر في حق النبي صلى الله عليه وسلم ~~أيضا، فما كانت صلاة الليل واجبة عليه، وقوله: { نافلة لك } محمول ~~على حقيقة النفل، ومن قال: نسخ المقدار وبقي أصل وجوب قيام الليل لم ~~ينسخ، فهذا النسخ الثاني وقع ببيان مواقيت الصلاة كقوله تعالى: # أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل # [الإسراء: 78] الآية، وقوله تعالى: # فسبحان الله حين تمسون # [الروم: 17] الآية، ما في الخبر من أن الزيادة على الصلوات الخمس تطوع. # وقيل: وقع النسخ بقوله تعالى: { ومن الليل فتهجد به ~~نافلة لك } ، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وللأمة كما أن ~~فرضية الصلاة، وإن خوطب بها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: # يأيها المزمل قم الليل # [المزمل: 1-2] فهي عامة له ولغيره. # وقد قيل: إن فريضة قيام الليل امتدت إلى ما بعد الهجرة، ونسخت بالمدينة ~~لقوله تعالى: { علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون ~~يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون ~~يقاتلون في سبيل الله } ، وإنما فرض القتال بالمدينة، فعلى ~~هذا بيان المواقيت جرى بمكة، فقيام الليل نسخ بقوله: # ومن الليل فتهجد به نافلة لك # [الإسراء: 79]. # وقال ابن عباس: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة نسخ قول ~~الله - عز وجل -: { إن ربك يعلم أنك تقوم } ، وجوب ~~قيام الليل # فصل في علة تخفيف قيام الليل # قوله: { علم أن سيكون منكم مرضى } بين سبحانه علة ~~تخفيف قيام الليل، فإن الخلق منهم المريض، ويشق عليه قيام الليل، ويشق ~~عليه أن تفوته الصلاة، والمسافر في التجارات قد لا يطيق قيام الليل، ~~والمجاهد كذلك، فخفف الله عن الكل لأجل هؤلاء. # وقال ابن الخطيب: ms8824 لما علم الله تعالى أعذار هؤلاء، يعني المريض، ~~والمسافر، والمجاهد، فلو لم يناموا بالليل لتوالت عليهم أسباب المشقة، ~~وهذا السبب ما كان موجودا في حق النبي صلى الله عليه وسلم كما قال ~~تعالى: # إن لك في النهار سبحا طويلا # [المزمل: 7] فلا جرم لم ينسخ وجوب التهجد في حقه عليه الصلاة والسلام. # و " أن " في قوله: " أن سيكون " مخففة من الثقيلة، أي: علم أنه ~~سيكون. # قوله: " وآخرون " عطف على " مرضى " ، أي: علم أن سيوجد منكم قوم ~~مرضى، وقوم آخرون مسافرون، ف " يضربون " نعت ل " آخرون " وكذلك ~~" يبتغون " ، ويجوز أن يكون " يبتغون " حالا من فاعل " يضربون ~~" ، و " آخرون " عطف على " آخرون " و " يقاتلون " صفته. # فصل في بيان أن الكسب الحلال كالجهاد # سوى الله تعالى في هذه الآية بين درجة المجاهدين، والملتمسين للمال ~~الحلال للنفقة على نفسه، وعياله، والإحسان، فكان هذا دليلا على أن كسب ~~المال بمنزلة الجهاد؛ لأن جمعه من الجهاد في سبيل الله. # قال - عليه الصلاة والسلام -: # " " ما من جالب يجلب طعاما من بلد إلى بلد، فيبيعه ~~بسعر يومه إلا كانت منزلته عند الله تعالى منزلة ~~الشهداء " ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: { وآخرون ~~يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون ~~يقاتلون في سبيل الله } ". # وقال ابن مسعود: أيما رجل جلب شيئا إلى مدينة من مدائن المسلمين صابرا ~~محتسبا، فباعه بسعر يومه كان له عند الله منزلة الشهداء، وقرأ: { ~~وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله ~~وآخرون يقاتلون في سبيل الله }. # وقال ابن عمر: ما خلق الله موتة أموتها بعد الموت في سبيل الله أحب ~~إلي من الموت بين شعبتي رحلي، أبتغي من فضل الله، ضاربا في الأرض. # وقال طاووس: الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله. # قوله: { فاقرءوا ما تيسر منه } ، أي: صلوا ما أمكن ~~فأوجب الله تعالى من صلاة الليل، ما تيسر، ثم نسخ ذلك بإيجاب الصلوات ~~الخمس على ما تقدم. # وقال عبد الله بن عمرو: # " قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ms8825 " يا عبد الله، لا تكن ~~مثل فلان كان يقوم الليل، فترك قيام الليل " # ولو كان فرضا ما أقره النبي صلى الله عليه وسلم ولا أخبر بمثل هذا ~~الخبر عنه، بل كان يذمه غاية الذم. # فصل في القدر الذي يقرأ به في صلاته # إذا ثبت أن قيام الليل ليس بفرض، وأن قوله { فاقرءوا ما ~~تيسر من القرآن } ، { فاقرءوا ما تيسر منه } ~~محمول على ظاهره من القراءة في الصلاة، فاختلف العلماء في قدر ما يلزمه ~~أن يقرأ به في الصلاة. # فقال مالك والشافعي: فاتحة الكتاب لا يجوز العدول عنها ولا الاقتصار ~~على بعضها، وقدره أبو حنيفة بآية واحدة من أي القرآن كانت، وعنه ثلاث ~~آيات لأنها أقل سورة، وقيل المراد به قراءة القرآن في غير الصلاة. # قال الماوردي: فعلى هذا القول يكون مطلق الأمر محمولا على الوجوب ~~ليقف بقراءته على إعجازه وما فيه من دلائل التوحيد، وبعث الرسل، ولا ~~يلزمه إذا قرأه وعرف إعجازه، ودلائل التوحيد أن يحفظه؛ لأن حفظ القرآن من ~~القرب المستحبة دون الواجبة والأكثرون على أنه للاستحباب، لأنه لو وجب ~~علينا قراءته لوجب حفظه. وفي قدر الواجب أقوال: # الأول: قال الضحاك: جميع القرآن، لأن الله تعالى يسره على عباده. # الثاني: قال جويبر: ثلث القرآن. # الثالث: قال السدي: مائتا آية. # الرابع: قال ابن عباس: مائة آية. # الخامس: قال أبو خالد الكناني: ثلاث آيات كأقصر سورة. # قوله { وأقيموا الصلاة } ، يعني الخمس المفروضة، وهي الخمس ~~لوقتها، { وآتوا الزكاة } الواجبة في أموالكم. # قاله عكرمة وقتادة، وقال الحارث العكلي: صدقة الفطر، لأن زكاة الأموال ~~وجبت بعد ذلك، وقيل: صدقة التطوع. # وقيل: كل فعل خير. # وقال ابن عباس: طاعة الله الإخلاص. # قوله: { وأقرضوا الله قرضا حسنا }. القرض الحسن ما أريد ~~به وجه الله تعالى خالصا من المال الطيب وقال زيد بن أسلم: القرض الحسن، ~~النفقة على الأهل، وقيل: صلة الرحم، وقرى الضيف، وقال عمر بن الخطاب: ~~هو النفقة في سبيل الله. # قوله: { وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند ~~الله } تقدم بيانه في سورة " البقرة ms8826 ". # قوله: { هو خيرا } ، العامة على نصب الخير مفعولا ثانيا، و " ~~هو " إما تأكيد للمفعول الأول، أو فصل. # وجوز أبو البقاء: أن يكون بدلا، وهو غلط، لأنه كان يلزم أن يطابق ما ~~قبله في الإعراب فيقال: إياه. # وقرأ أبو السمال وابن السميقع: " خير " على أن يكون " هو " مبتدأ، و " ~~خير " خبره، والجملة مفعول ثان ل " تجدوه ". # قال أبو زيد: هي لغة تميم، يرفعون ما بعد الفصل. # وأنشد سيبويه: [الطويل] # 4943 - تحن إلى ليلى وأنت تركتها # وكنت عليها بالملا أنت أقدر # والقوافي مرفوعة، ويروى: " أقدرا " بالنصب. # [وقال الزمخشري: وهو فصل]، وجاز، وإن لم يقع بين معرفتين، لأن " أفعل ~~من " أشبه في امتناعه من حرف التعريف، المعرفة. # قال شهاب الدين: " هذا هو المشهور، وبعضهم يجوزه في غير أفعل من ~~النكرات ". # وقال القرطبي: " ونصب " خيرا، وأعظم " على المفعول الثاني: ل " ~~تجدوه " و " هو " فصل عند البصريين، وعماد عند الكوفيين، لا محل ~~له من الإعراب، و " أجرا " تمييز ". # فصل في معنى الآية # المعنى: { وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه ~~عند الله هو خيرا } من الذي تؤخرونه إلى الوصية عند الموت. ~~قاله ابن عباس. # وقال الزجاج: (خير لكم من متاع الدنيا). # قوله: { وأعظم أجرا } ، قال أبو هريرة: يعني الجنة، ويحتمل أن ~~يكون " أعظم أجرا " لإعطائه بالحسنة عشرا { واستغفروا الله ~~} أي سلوه المغفرة لذنوبكم { إن الله غفور رحيم } لما كان ~~عل التوبة رحيم لكم بعدها، قاله سعيد بن جبير وقيل: غفور لمن لم يصر على ~~الذنوب. # وقال مقاتل: غفور لجميع الذنوب لأن قوله " غفور " يتناول التائب ~~والمصر، بدليل أنه يصح استثناء كل واحد منهما وحده، والاستثناء حكمه ~~إخراج ما لولاه لدخل. # وأيضا: غفران التائب واجب عند الخصم فلا يحصل المدح بأداء الواجب، ~~والغرض من الآية تقرير المدح فوجب حمله على الكل تحقيقا للمدح. # روى الثعلبي عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة يا أيها المزمل رفع عنه العسر في ~~الدنيا والآخرة " # والله أعلم. ### | [74 - سورة المدثر] ### || [74.1-7] # قوله تعالى: ms8827 { يأيها المدثر }؛ يا أيها الذي قد دثر ثيابه، ~~أي: تغشى بها ونام. # وقرأ العامة: بتشديد الدال وكسر الثاء، اسم فاعل من " تدثر " وأصله: ~~المتدثر فأدغم ك " المزمل ". وفي حرف أبي: " المتدثر " على الأصل ~~المشار إليه. # وقرأ عكرمة: بتخفيف الدال، اسم فاعل من " دثر " - بالتشديد - ويكون ~~المفعول محذوفا أي: المدثر نفسه، كما تقدم. # وعنه أيضا: فتح الثاء. # ومعنى " تدثر " لبس الدثار، وهو الثوب الذي فوق الشعار، " ~~والشعار ": ما يلي الحسد، وفي الحديث: # " الأنصار شعار والناس دثار ". # و " سيف داثر ": بعيد العهد الصقال. # ومنه قيل للمنزل الدارس: داثر لذهاب أعلامه وفلان داثر المال، أي: حسن ~~القيام به. # قوله: " قم " إما أن يكون من القيام المعهود، فيكون المعنى: قم من ~~مضجعك، وإما من " قام " بمعنى الأخذ في القيام، كقوله: [الطويل] # 4944 - فقام يذود الناس عنها بسيفه # ..................... # وقوله: [الوافر] # 4945 - على ما قام يشتمني لئيم # ....................... # في أحد القولين، فيكون المعنى: قيام عزم وتصميم، والقول الآخر: أن " قام ~~" مزيدة، وفي جعلها بمعنى الأخذ في القيام نظر؛ لأنه حينئذ يصير من أخوات ~~" عسى " فلا بد له من خبر يكون فعلا مضارعا مجردا. # قوله: { فأنذر } ، مفعوله محذوف، أي: أنذر قومك عذاب الله، والأحسن ~~أن لا يقدر له، أي: أوقع الإنذار. # فصل في معنى الآية # المعنى: يا أيها الذي قد دثر ثيابه، أي: تغشى بها ونام. # وقيل: ليس المراد التدثر بالثوب، فإن قلنا التدثر، ففيه وجوه: # أحدها: أن هذا من أوائل ما نزل من القرآن. # روى جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " كنت على جبل حراء، فنوديت يا محمد، إنك لرسول، ~~فنظرت عن يميني، ويساري، فلم أر أحدا فنظرت فوقي ~~فرأيت الملك الذي جاءني بحراء جالسا على كرسي بين ~~السماء والأرض، فخفت فرجعت إلى خديجة، فقلت: ~~دثروني، وصبوا علي ماءا باردا " # فأنزل الله تعالى: { يأيها المدثر }. # وثانيها: أن أبا جهل، وأبا لهب، وأبا سفيان، والوليد بن المغيرة، والنضر ~~بن الحارث، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل والمطعم بن عدي، اجتمعوا ms8828 ~~وقالوا: إن وفود العرب مجتمعون في أيام الحج، وهم يسألون عن أمر محمد ~~صلى الله عليه وسلم وقد اختلفتم في الإخبار عنه، فمن قائل هو مجنون. ~~وقائل: كاهن. وقائل: ساحر، وتعلم العرب أن هذا كله لا يجتمع في رجل واحد، ~~فيستدلون باختلاف الأجوبة على أنها أجوبة باطلة، فسموا محمدا باسم ~~واحد يجتمعون عليه، وتسميه العرب به فقدم رجل منهم فقال: إنه شاعر، فقال ~~الوليد: سمعت كلام عبيدة بن الأبرص [وكلام أمية بن أبي الصلت، وكلامه ما ~~يشبه كلامهما، فقالوا: كاهن: فقال:] الكاهن يصدق ويكذب، وما كذب محمد صلى ~~الله عليه وسلم قط، فقال آخر: إنه مجنون، فقال الوليد: الجنون يخنق الناس ~~وما خنق محمد قط، ثم قام الوليد فانصرف إلى بيته، فقال الناس: صبأ الوليد ~~بن المغيرة، فدخل عليه أبو جهل فقال: ما لك يا أبا عبد شمس، هذه قريش ~~تجمع لك شيئا يعطونكه، زعموا أنك قد احتجت وصبأت، فقال الوليد: ما لي ~~إليه حاجة، ولكني فكرت في محمد، فقلت: إنه ساحر لأن الساحر هو الذي يفرق ~~بين الأب وابنه، وبين الأخ وأخيه، وبين المرأة وزوجها، فشاع ذلك في ~~الناس، فصاحوا يقولون: محمد ساحر والناس مجتمعون، فوقعت الصيحة في الناس ~~فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك اشتد عليه ورجع إلى بيته ~~محزونا، فتدثر بقطيفة فأنزل الله تعالى: { يأيها المدثر }. # وثالثها: أنه صلى الله عليه وسلم كان نائما، متدثرا بثيابه، فجاءه ~~جبريل - عليه السلام - وأيقظه - عليه الصلاة والسلام -، وقال: { ~~يأيها المدثر قم فأنذر } كأنه قال: اترك التدثر ~~بالثياب، واشتغل بهذا المنصب الذي نصبك الله تعالى له. # وإن قلنا: ليس المراد منه التدثر بالثياب ففيه وجوه: # الأول: قال عكرمة: يا أيها المدثر بالنبوة، والرسالة انقلها، من ~~قولهم: ألبسه الله لباس التقوى وزينه برداء العلم. # قال ابن العربي: " وهذا مجاز بعيد، لأنه لم يكن تنبأ بعد، وإن قلنا: ~~إنها أول القرآن لم يكن نبيا بعد إلا إن قلنا: إنها ثاني ما نزل ". # الثاني: أن المدثر بالثوب يكون كالمتخفي فيه، فإنه ms8829 صلى الله عليه وسلم ~~كان في جبل حراء كالمتخفي من الناس، فكأنه قال: يا أيها المدثر بدثار ~~الاختفاء قم بهذا الأبر واخرج من زاوية الخمول، واشتغل بإنذار الخلق، ~~والدعوة إلى معرفة الحق. # الثالث: أنه تعالى جعله رحمة للعالمين، فكأنه قيل له: يا أيها المدثر ~~بأثواب العلم العظيم، والخلق الكريم، والرحمة الكاملة: " قم فأنذر " ~~عذاب ربك. # فصل في لطف الخطاب في الآية # قوله تعالى: { يأيها المدثر } ملاطفة في الخطاب من الكريم ~~إلى الحبيب إذ ناداه بحاله وعبر عنه بصفته، ولم يقل: يا محمد، كما تقدم ~~في المزمل. # فصل في معنى " فأنذر " # ومعنى قوله تعالى: { فأنذر } ، أي: خوف أهل مكة، وحذرهم العذاب إن ~~لم يسلموا. # وقيل: الإنذار هنا: إعلامهم بنوته - عليه السلام - لأنها مقدمة الرسالة. # وقيل: هو دعاؤهم إلى التوحيد لأنه المقصود. # وقال الفراء: قم فصل ومر بالصلاة. # قوله: { وربك فكبر } ، قدم المفعول، وكذا ما بعد، إيذانا ~~بالاختصاص عند من يرى ذلك، أو للاهتمام به. # قال الزمخشري: " واختص ربك بالتكبير ". # ثم قال: " ودخلت الفاء لمعنى الشرط كأنه قيل: ومهما تكن فلا تدع تكبيره ~~" وقد تقدم الكلام في مثل هذه الفاء في البقرة عند قوله تعالى: # وإياي فارهبون # [البقرة: 40]. # قال أبو حيان: " وهو قريب مما قدره النحاة في قولك: " زيدا فاضرب " ، ~~قالوا: تقديره: " تنبه فاضرب زيدا " فالفاء هي جواب الأمر، وهذا ~~الأمر إما مضمن معنى الشرط، وإما الشرط محذوف على الخلاف الذي فيه عند ~~النحاة ". # قال أبو الفتح الموصلي: يقال: " زيدا اضرب، وعمرا اشكر " وعنده أن ~~الفاء زائدة. # وقال الزجاج: ودخلت الفاء لإفادة معنى الجزائية، والمعنى: قم فكبر ~~ربك، وكذلك ما بعده. # فصل في معنى الآية # معنى قوله: { وربك فكبر } ، أي سيدك ومالكك ومصلح أمرك فعظمه، ~~وصفه بأنه أكبر من أن يكون له صاحبة، أو ولد، وفي الحديث: أنهم قالوا: بم ~~تفتتح الصلاة؟ فنزلت: { وربك فكبر }. أي: صفه بأنه أكبر. # قال ابن العربي: وهذا القول وإن كان يقتضي بعمومه تكبير الصلاة فإنه ~~مراد به تكبيره بالتقديس، والتنزيه بخلع الأنداد، والأصنام دونه، ولا ~~تتخذ ms8830 وليا غيره، ولا تعبد سواه، وروي # " أن أبا سفيان قال يوم أحد: " أعل هبل " ، فقال: صلى الله عليه ~~وسلم " قولوا الله أعلى وأجل " # وقد صار هذا القول بعرف الشرع في تكثير العبادات كلها أذانا، وصلاة ~~بقوله " الله أكبر " وحمل عليه لفظ النبي صلى الله عليه وسلم الوارد ~~على الإطلاق في موارد منها قوله: # " تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم " # ، والشرع يقتضي معرفة ما يقتضي بعمومه، ومن موارده أوقات الإهلال ~~بالذبائح تخليصا له من الشرك، وإعلانا باسمه بالنسك، وإفرادا لما شرع ~~من أمره بالسفك. # والمنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم في التكبير في الصلاة هو لفظ " ~~الله أكبر ". # وقال المفسرون: لما نزل قوله تعالى: { وربك فكبر } قام النبي ~~صلى الله عليه وسلم وقال: الله أكبر، فكبرت خديجة - رضي الله عنها - ~~وعلمت أنه وحي من الله تعالى ذكره القشيري. # وقال الكلبي: فعظم ربك عما يقوله عبدة الأوثان. # قال مقاتل: هو أن يقال: الله أكبر. # وقيل: المراد منه التكبير في الصلاة. # فإن قيل: هذه السورة نزلت في أول البعث، ولم تكن الصلاة واجبة. # فالجواب: لا يبعد أنه كانت له - عليه الصلاة والسلام - صلوات تطوع فأمر ~~أن يكبر ربه فيها قال ابن الخطيب: وعندي أنه لما قيل له: { قم ~~فأنذر } قيل بعد ذلك { وربك فكبر } عن اللغو والرفث. # قوله: { وثيابك فطهر }. # قيل: المراد الثياب الملبوسة، فعلى الأول يكون المعنى: وعملك فأصلح، ~~قاله مجاهد وابن زيد والسدي، وروى منصور عن أبي رزين، قال: يقول: وعملك ~~فأصلح. # وإذا كان الرجل خبيث العمل، قالوا: إن فلانا خبيث الثياب، وإذ كان ~~الرجل حسن العمل، قالوا: إن فلانا طاهر الثياب، ومنه قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " يحشر المرء في ثوبيه الذي مات فيهما " # يعني: عمله الصالح والطالح، ذكره الماوردي. # ومن قال المراد به القلب، قلبك فطهر، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير رضي ~~الله عنهما؛ ومنه قول امرىء القيس: [الطويل] # 4946 -................... # فسلي ثيابي من ثيابك تنسل # أي: قلبي من قلبك. # قال الماوردي: ولهم في تأويل الآية وجهان: # أحدهما: المعنى: ms8831 وقلبك فطهر من الإثم والمعاصي قاله ابن عباس وقتادة. # الثاني: وقلبك فطهر من القذر، أي: لا تقذر فتكون دنس الثياب وهو ما يروى ~~عن ابن عباس أيضا، واستشهدوا بقوله غيلان بن سلمة الثقفي: [الطويل] # 4947 - فإني بحمد الله لا ثوب غادر # لبست ولا من غدرة أتقنع # ومن قال: المراد به النفس، قال: معناه ونفسك فطهر، أي: من الذنوب، ~~والعرب تكني عن النفس بالثياب. قاله ابن عباس - رضي الله عنه -؛ ومنه قول ~~عنترة: [الكامل] # 4948 - فشككت بالرمح الطويل ثيابه # ليس الكريم على القنا بمحرم # وقول امرىء القيس المتقدم. ومن قال: بأنه الجسم قال: المعنى وجسمك فطهر ~~من المعاصي الظاهرة، ومنه قول ليلى تصف إبلا: [الطويل] # 4949 - رموها بأثواب خفاف فلا ترى # لها شبها إلا النعام المنفرا # أي: ركبوها فرموها بأنفسهم. # ومن قال: المراد به الأهل، قال: معناه: وأهلك طهرهم من الخطايا بالموعظة ~~والتأديب، والعرب تسمي الأهل ثوبا وإزارا ولباسا، قال تعالى: # هن لباس لكم وأنتم لباس لهن # [البقرة: 187]. # قال الماوردي: ولهم في تأويل الآية وجهان: # الأول: معناه: ونساءك فطهر باختيار المؤمنات العفائف. # الثاني: الاستمتاع بهن في القبل دون الدبر في الطهر إلا في الحيض حكاه ~~ابن بحر. # قال ابن الخطيب: " وحمل الآية على هذا التأويل يعسر لأنه على هذا الوجه ~~لا يحسن اتصال الآية بما قبلها ". # ومن قال المراد به الخلق قال معناه: وخلقك فحسن قاله الحسن والقرظي؛ ~~لأن خلق الإنسان مشتمل على أحواله اشتمال ثيابه على نفسه؛ قال الشاعر: ~~[الطويل] # 4950 - فلا أب وابنا مثل مروان وابنه # إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا # والسبب في حسن هذه الكناية وجهان: # الأول: أن الثوب كالشيء الملازم للإنسان فلهذا جعلوا الأثواب كناية عن ~~الإنسان، فيقال: المجد في ثوبه والعفة في إزاره. # الثاني: أنه من طهر باطنه غالبا طهر ظاهره، ومن قال: المراد به الدين ~~فمعناه: ودينك فطهر. # جاء في الصحيح: أنه صلى الله عليه وسلم قال: # " ورأيت الناس وعليهم ثياب منها ما يبلغ الثدي، ~~ومنها دون ذلك، ورأيت عمر بن الخطاب، وعليه إزار ~~يجره، ms8832 قالوا: يا رسول الله فما أولت ذلك؟ قال: الدين ~~". # وروي عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - في قوله تعالى: { وثيابك ~~فطهر } قال: معناه لا تلبس ثيابك على عذرة؛ قال ابن أبي كبشة: ~~[الطويل] # 4951 - ثياب بني عوف طهارى نقية # وأوجههم عند المشاهد غران # يعني بطهارة ثيابهم: سلامتهم عن الدناءات ويعني بعزة وجوههم: تنزيههم عن ~~المحرمات، أو جمالهم في الخلقة، أو كليهما. قاله ابن العربي. # وقال سفيان بن عيينة: لا تلبس ثيابك على كذب ولا جور ولا غدر ولا إثم، ~~قاله عكرمة. # ومن قال: إن المراد به الثياب الملبوسة، فلهم أربعة أوجه: # الأول: وثيابك فأنق. # الثاني: وثيابك فشمر، أي قصر، فإن تقصير الثياب أبعد من النجاسة ~~فإذا جرت على الأرض لم يؤمن أن يصيبها نجاسة، قاله الزجاج وطاووس. # الثالث: وثيابك فطهر من النجاسة بالماء، قاله محمد ابن سيرين وابن زيد ~~والفقهاء. # الرابع: لا تلبس ثيابك إلا من كسب الحلال ليكون مطهرة من الحرام. # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - لا يكون ثيابك التي تلبس من ملبس غير ~~طاهر. # قال ابن العربي: وليس بممتنع أن تحمل الآية على عمومها، من أن المراد ~~بها الحقيقة، والمجاز، وإذا حملناها على الثياب الطاهرة المعلومة، فهي ~~تتناول معنيين: # أحدهما: تقصير الأذيال، فإنها إذا أرسلت تدنست، ولهذا قال عمر بن الخطاب ~~- رضي الله عنه - لغلام من الأنصار، وقد رأى ذيله مسترخيا: ارفع إزارك، ~~فإنه أتقى، وأبقى، وأنقى. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه، لا جناح عليه فيما ~~بينه وبين الكعبين وما كان أسفل من ذلك ففي النار " # فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الغاية في لباس الإزار الكعب، وتوعد ~~ما تحته بالنار، فما بال رجال يرسلون أيذالهم، ويطيلون ثيابهم، ثم ~~يتكلفون رفعها بأيديهم وهذه حالة الكبر، وقال صلى الله عليه وسلم: # " " لا ينظر الله تعالى إلى من جر ثوبه خيلاء " ، وفي ~~رواية: " من جر إزاره خيلاء لم ينظر الله إليه يوم ~~القيامة " قال أبو بكر - رضي الله عنه -: يا رسول الله ms8833 إني أجد شق ~~إزاري يسترخي إلا أني أتعاهد ذلك منه، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " لست ممن يصنعه خيلاء " ". # والمعنى الثاني: غسلها بالماء من النجاسة، وهو الظاهر. # قال المهدوي: واستدل به بعض العلماء على وجوب طهارة الثوب، وليس ذلك ~~يفرض عند مالك وأهل المدينة، وكذلك طهارة البدن، للإجماع على جواز الصلاة ~~بالاستجمار غير غسل. # قال ابن الخطيب: إذا حملنا لفظ التطهير على حقيقته، فنقول: المراد منه ~~أنه صلى الله عليه وسلم أمر بتطهير ثيابه من الأنجاس والأقذار، وعلى هذا ~~التقدير ففي الآية ثلاثة احتمالات: # الأول: قال الشافعي - رضي الله عنه -: المقصود من الآية الإعلام بأن ~~الصلاة لا تجوز إلا في ثياب طاهرة من الأنجاس. # وثانيها: قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان المشركون لا يصونون ثيابهم ~~عن النجاسات، فأمره الله تعالى بأن يصون ثيابه عن النجاسات. # وثالثها: روي أنهم ألقوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم سلى شاة، ~~فشق عليه فرجع إلى بيته حزينا وتدثر في ثيابه، فقال: { يأيها ~~المدثر قم فأنذر } ولا تمنعك تلك السفاهة عن الإنذار { ~~وربك فكبر } على أن لا ينتقم منهم { وثيابك فطهر } ~~عن تلك النجاسات والقاذورات. # قوله: { والرجز }. قرأ حفص ومجاهد وعكرمة وابن محيصن: بضم الراء، ~~والباقون: بكسرها. # فقيل: لغتان بمعنى، وعن أبي عبيدة: الضم أقيس اللغتين، وأكثرهما. # وقال مجاهد: هو بالضم اسم صنم، ويعزى للحسن البصري أيضا، وبالكسر ~~ويذكر: اسم للعذاب، وعلى تقدير كونه العذاب، فلا بد من حذف مضاف، أي: ~~اهجر أسباب العذاب المؤدية إليه، أقام السبب مقام المسبب، وهو مجاز شائع ~~بليغ. # وقال السدي: " الرجز " ، بنصب الراء: الوعيد. # وقال مجاهد وعكرمة: المراد بالرجز: الأوثان، لقوله تعالى: # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # [الحج: 10]، وقال ابن عباس أيضا: والمأثم فاهجر، أي فاترك، وكذلك روى ~~مغيرة عن إبراهيم النخعي، قال: الرجز: الإثم. # وقال قتادة: الرجز إساف، ونائلة. # وأصل " الرجز ": العذاب، قال تعالى: # لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك # [الأعراف: 134]. # وقال تعالى: # فأرسلنا عليهم رجزا من السمآء # [الأعراف: 163]. # قوله: { ولا تمنن } ، العامة: على ms8834 فك الإدغام والحسن وأبو السمال ~~والأشهب العقيلي: بالإدغام. # وقد تقدم أن المجزوم، والموقوف من هذا النوع يجوز فيهما الوجهان، وتقدم ~~تحقيقه في " المائدة " ، عند قوله تعالى: # من يرتد منكم عن دينه # [المائدة: 54]. # والمشهور أنه من المن، وهو الاعتداد على المعطى بما أعطاه، وقيل: معناه ~~" ولا تضعف " من قولهم: حبل متين، أي: ضعيف. # قوله: { تستكثر } ، العامة على رفعه، وفيه وجهان: # أحدهما: أنه في موضع الحال، أي: لا تمنن مستكثرا ما أعطيت. # وقيل: معناه لا تأخذ أكثر مما أعطيت. # الثاني: على حذف " أن " يعني أن الأصل ولا تمنن أن تستكثر، فلما حذفت " ~~أن " ارتفع الفعل، كقوله: [الطويل] # 4952 - ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى # ....................... # في إحدى الروايتين. قاله الزمخشري. # ولم يبين ما محل " أن " وما في خبرها. وفيه وجهان: # أظهرهما - وهو الذي يريده - هو أنها إما في محل نصب، أو جر على الخلاف ~~فيها؛ حذف حرف الجر وهو هنا لام العلة، تقديره: ولا تمنن لأن تستكثر. # والثاني: أنها في محل نصب فقط مفعولا بها، أي: لا تضعف أن تستكثر من ~~الخير، قاله مكي. # وقد تقدم أن " تمنن " بمعنى تضعف، وهو قول مجاهد. # إلا إن أبا حيان قال - بعد كلام الزمخشري -: " وهذا لا يجوز أن يحمل ~~القرآن عليه لأنه لا يجوز ذلك إلا في الشعر، ولنا مندوحة عنه مع صحته ~~معنى ". # والكوفيون يجيزون ذلك، وأيضا: فقد قرأ الحسن والأعمش: " تستكثر " ~~أيضا على إضمار " أن " ، كقولهم: " مره يحفرها ". # وأبلغ من ذلك التصريح بأن في قراء عبد الله: " ولا تمنن أن تستكثر ". # وقرأ الحسن - أيضا - وابن أبي عبلة تستكثر جزما، وفيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون بدلا من الفعل قبله. كقوله: # يلق أثاما يضاعف # [الفرقان: 68 - 69] ف " يضاعف " بدلا من " يلق "؛ وكقوله: ~~[الطويل] # 4953 - متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا # تجد حطبا جزلا ونارا تأججا # ويكون من المن الذي في قوله تعالى: # لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى # [البقرة: 264]. # الثاني: أن يشبه " ثرو " بعضد فيسكن تخفيفا. قاله الزمخشري. # يعني: أنه يأخذ من مجموع " تستكثر " [ومن الكلمة التي ms8835 بعده وهو الواو ما ~~يكون فيه شبها بعضد، ألا ترى أنه قال: أن يشبه ثرو، فأخذ بعض " تستكثر " ~~] وهو الثاء، والراء وحرف العطف من قوله: { ولربك فاصبر }؛ ~~وهذا كما قالوا في قول امرىء القيس: [السريع] # 4954 - فاليوم أشرب غير مستحقب # إثما من الله ولا واغل # بتسكين " أشرب " - أنهم أخذوا من الكلمتين ربغ ك " عضد " ثم سكن. # وقد تقدم في سورة " يوسف " في قراءة قنبل: " من يتقي " ، بثبوت ~~الياء، أن " من " موصولة، فاعترض بجزم " يصبر "؟. # فأجيب بأنه شبه ب " رف " ، أخذوا الباء والراء من " يصبر " والفاء ~~من " فإنه " ، وهذه نظير تيك سواء. # الوجه الثالث: أن يعتبر حال الوقف، ويجرى الوصل مجراه، قاله الزمخشري، ~~أيضا. # يعني أنه مرفوع، وإنما سكن تخفيفا، أو أجري الوصل مجرى الوقف. # قال أبو حيان: " وهذان لا يجوز أن يحمل عليهما مع وجود أرجح منهما، وهو ~~البدل معنى وصناعة ". # فصل في تعلق الآية بما قبلها # في اتصال هذه الآية بما قبلها أنه تعالى أمره قبل هذه الآية بأربعة ~~أشياء: إنذار القوم، وتكبير الرب، وتطهير الثياب، وهجر الرجز، ثم قال - ~~جل ذكره -: { ولا تمنن تستكثر } ، أي: لا تمن على ربك ~~بهذه الأعمال الشاقة كالمستكثر لما يفعله بل اصبر على ذلك كله لوجه ربك ~~متقربا بذلك إليه غير ممتن به عليه. # قال الحسن - رحمه الله -: بحسناتك، فتستكثرها. # وقال ابن عباس وقتادة وعكرمة: ولا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها. # وقيل: لا تمنن على الناس بما تعلمهم من أمر الدين والوحي مستكثرا بذلك ~~الإنعام، فإنما فعلت ذلك بأمر الله تبارك وتعالى، فلا منة لك عليهم، ~~ولهذا قال تعالى: { ولربك فاصبر }. # وقيل: لا تمنن عليهم بنبوتك، أي: لتستكثر، أي: لتأخذ منهم على ذلك أجرا ~~تستكثر به مالك. # وقال مجاهد: لا تضعف أن تستكثر من الخير، من قولك: حبل منين، إذا كان ~~ضعيفا، ودليله قراءة ابن مسعود: ولا تمنن تستكثر من الخير وعن مجاهد ~~أيضا، والربيع: لا تعظم عملك في عينك أن تستكثر من الخير فإنه مما أنعم ~~الله عليك. # وقال ابن كيسان: ms8836 لا تستكثر عملك فتراه من نفسك، إنما عملك منه من الله ~~عليك، إذ جعل الله لك سبيلا إلى عبادته. # وقال زيد بن أسلم إذا أعطيت عطية فأعطها لربك، لا تقل: دعوت فلم يستجب ~~لي. # وقيل: لا تفعل الخير لترائي به الناس. # فإن قيل هذا النهي مختص بالرسول صلى الله عليه وسلم أو يتناول الأمة؟. # فالجواب: أن ظاهر اللفظ قرينة الحال لا تفيد العموم؛ لأنه صلى الله ~~عليه وسلم إنما نهي عن ذلك تنزيها لمنصب النبوة، وهذا المعنى غير موجود ~~في الأمة. # وقيل: المعنى في حق الأمة هو الرياء، والله تعالى منع الكل من ~~ذلك. # فإن قيل: هل هذا نهي تحريم أو تنزيه؟ # فالجواب: أن ظاهر النهي التحريم. # فصل في المقصود من الآية # قال القفال: يحتمل أن يكون المقصود من الآية أن يحرم على النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن يعطي أحدا شيئا لطلب عوض سواء كان العوض زائدا أو ~~ناقصا، أو مساويا، ويكون معنى قوله تعالى { تستكثر } ، أي: ~~طالبا للكثرة كارها أن ينتقص المال بسبب العطاء، فيكون الاستكثار - ~~هاهنا - عبارة عن طلب العوض كيف كان، وإنما حسنت هذه العبارة، لأن ~~الغالب أن الثواب زائد على العطاء، فسمى طلب الثواب استكثارا، حملا ~~للشيء على أغلب أحواله، كما أن الأغلب أن المرأة إنما تتزوج، ولها ولد ~~للحاجة إلى من يربي أغلب أن المرأة إنما تتزوج، ولها ولد للحاجة إلى من ~~يربي ولدها، فسمي الولد ربيبا، ثم اتسع الأمر، وإن كان حين تتزوج أمه ~~كبيرا، ومن ذهب إلى هذا القول قال: السبب فيه أن يصير عطاء النبي صلى ~~الله عليه وسلم خاليا عن انتظار العوض، والتفات النفس إليه فيكون ذلك ~~خالصا مخلصا لوجه الله تعالى. # قال القرطبي - رحمه الله -: " أظهر الأقوال قول ابن عباس " لا تعط لتأخذ ~~أكثر مما أعطيت من المال " يقال: مننت فلانا كذا، أي: أعطيته، ويقال ~~للعطية: المنة فكأنه أمر بأن تكون عطاياه لله، لا لارتقاب ثواب من الخلق ~~عليها، لأنه صلى الله عليه وسلم ما كان يجمع للدنيا، ولهذا ms8837 قال: # " ما لي مما أفاء الله علي إلا الخمس، والخمس مردود ~~عليكم " # وكان ما يفضل عن نفقة عياله مصروفا إلى مصالح المسلمين، ولهذا لم يورث ~~". # قوله: { ولربك فاصبر } التقديم على ما تقدم. وحسنه كونه رأس ~~فاصلة موافيا لما تقدم. # { ولربك } يجوز فيه وجهان: # أحدهما: أن تكون لام العلة، أي: لوجه ربك فاصبر، أي: على أذى الكفار ~~وعلى عبادة ربك، وعلى كل شيء مما لا يليق فترك المصبور عليه، والمصبور ~~عنه للعلم بهما. # والأحسن أن لا يقدر شيء خاص بل شيء عام. # والثاني: ان يضمن " صبر " معنى: " أذعن " ، أي: أذعن لربك، وسلم له ~~أمرك صابرا، لقوله تعالى: # فاصبر لحكم ربك # [القلم: 48]. ### || [74.8-10] # قوله: { فإذا نقر في الناقور }. # قال الزمخشري: " الفاء " في قوله: { فإذا نقر في الناقور } ~~لتسبيب، كأنه قال: اصبر على أذاهم، فبين أيديهم يوم عسير يلقون فيه عاقبة ~~أذاهم وتلقى فيه عاقبة صبرك عليه. والفاء في " فإذا " متعلقة ب " أنذر " ~~، أي: فأنذرهم إذا نقر في الناقور. قاله الحوفي. # وفيه نظر من حيث أن الفاء تمنع من ذلك، ولو أراد تفسير المعنى لكان ~~سهلا، لكنه في معرض تفسير الإعراب لا تفسير المعنى. # الثاني: أن ينتصب بما دل عليه قوله تعالى: { فذلك يومئذ يوم ~~عسير }. # قال الزمخشري: فإن قلت: بم انتصب " إذا " ، وكيف صح أن يقع " يومئذ " ~~ظرفا ل " يوم عسير "؟. # قلت: انتصب " إذا بما دل عليه الجزاء؛ لأن المعنى: فإذا نقر في الناقور ~~عسر الأمر على الكافرين والذي أجاز وقوع " يومئذ " ظرفا ل { يوم ~~عسير } ، إذ المعنى فذلك يوم النقر وقوع يوم عسير لأن يوم القيامة ~~يقع، ويأتي حين ينقر في الناقور، انتهى. # ولا يجوز أن يعمل فيه نفس " عسير "؛ لأن الصفة لا تعمل فيما قبل موصوفها ~~عند البصريين، ولذلك رد على الزمخشري قوله: أن " في أنفسهم " متعلق ب " ~~بليغا " في سورة " النساء " في قوله تعالى # وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا # [النساء: 63] والكوفيون يجوزون ذلك وتقدم تحريره. # الثالث: أن ينتصب بما دل عليه " فذلك "؛ لأنه إشارة إلى النقر، قاله أبو ms8838 ~~البقاء، ثم قال: " و " يومئذ " بدل من " إذا " ، و " ذلك " مبتدأ، والخبر ~~{ يوم عسير } ، أي: نقر يوم ". # الرابع: أن يكون " إذا " مبتدأ، و " فذلك " خبره، والفاء مزيدة فيه، وهو ~~رأي الأخفش. # وأما " يومئذ " ففيه أوجه: # أحدها: أن يكون بدلا من " إذا " ، وقد تقدم ذلك في الوجه الثالث. # الثاني: أن يكون ظرفا ل { يوم عسير } كما تقدم في الوجه الثاني. # الثالث: أن يكون ظرفا ل " ذلك " ، لأنه أشار به إلى النقر. # الرابع: أنه بدل من " فذلك " ولكنه مبني لإضافته إلى غير متمكن. # الخامس: أن يكون " فذلك " مبتدأ، و { يوم عسير } خبره، والجملة ~~خبر " فذلك ". # قوله: " نقر " ، أي: صوت، يقال: نقرت الرجل إذا صوت له بلسانك، وذلك ~~بأن تلصق لسانك بنقرة حنكك، ونقرت الرجل: إذا خصصته بالدعوة كأنك نقرت ~~له بلسانك مشيرا إليه، وتلك الدعوة يقال لها: النقرى، وهي ضد الدعوة ~~الجفلى؛ قال الشاعر: [الرمل] # 4955 - نحن في المشتاة ندعو الجفلى # لا ترى الآدب فينا ينتقر # وقال امرؤ القيس: [الرجز] # 4956 - أنا ابن ماوية إذ جد النقر # يريد: النقر، أي الصوت، والنقر في كلام العرب: الصوت؛ قال امرؤ القيس: ~~[الطويل] # 4957 - أخفضه بالنقر لما علوته # ويرفع طرفا غير جاف غضيض # والناقور: " فاعول " منه كالجاسوس من التجسس، وهو الشيء المصوت فيه. # قال مجاهد وغيره: وهو كهيئة البوق، وهو الصور الذي ينفخ فيه الملك. # والنقير: فرع الشيء الصلب، والمنقار: الحديدة التي ينقر بها، ونقرت ~~عينه: بحثت على أخباره استعارة من ذلك، ونقرته: أعبته. # ومنه قول امرأة لزوجها: مر بي على بني نظر، ولا تمر بي على بنات نقر، ~~أرادت: ببني نظر الرجال لأنهم ينظرون إليها، وبينات نقر: النساء، لأنهن ~~يعبنها وينقرن عن أحوالها. # قوله: { على الكافرين }. فيه خمسة أوجه: # أحدها: أن يتعلق ب " عسير ". # الثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه نعت ل " عسير ". # الثالث: أنه في موضع نصب على الحال من الضمير المستكن في " عسير ". # الرابع: أن يتعلق ب " يسير " ، أي: غير يسير على الكافرين قاله أبو ~~البقاء. # إلا أن فيه تقديم معمول المضاف ms8839 إليه على المضاف، وهو ممنوع، وقد جوزه ~~بعضهم إذ كان المضاف " غير " بمعنى النفي، كقوله: [البسيط] # 4958 - إن امرأ خصني يوما مودته # على التنائي لعندي غير مكفور # وتقدم تحرير هذا آخر الفاتحة. # الخامس: أن يتعلق بما دل عليه " غير يسير " ، أي: لا يسهل على ~~الكافرين. # قال الزمخشري: فإن قلت: فما فائدة قوله: " غير يسير " ، و " عسير " ~~مغن عنه؟. # قلت: لما قال - سبحانه وتعالى -: " على الكافرين " فقصر العسر عليهم، ~~قال: " غير يسير " ليؤذن بأنه لا يكون عليهم كما يكون على المؤمنين ~~يسيرا هينا، ليجمع بين وعيد الكافرين، وزيادة غيظهم، وتيسيرا ~~للمؤمنين، وتسليتهم، ويجوز أن يراد أنه عسير لا يرجى أن يرجع يسيرا كما ~~يرجى تيسير العسير من أمور الدنيا. # فصل في تعلق الآية بما بعدها # لما ذكر ما يتعلق بإرشاد النبي صلى الله عليه وسلم ذكر بعده وعيد ~~الأشقياء قيل: المراد بهذه الآية هو النفخة الثانية. # وقيل: الأولى، قال الحليمي في كتاب " المنهاج ": إنه تعالى سمى الصور ~~اسمين، وإن كان هو الذي ينفخ فيه النفختان معا، فإن نفخة الإصعاق غير ~~نفخة الإحياء، وجاء في الأخبار أن في الصور ثقبا بعدد الأرواح كلها، ~~وأنها تجمع في ذلك الثقب في النفخة الثانية، فيخرج عن النفخ من كل ثقبة ~~روح إلى الجسد الذي نزع منه، فيعود الجسد حيا بإذن الله تعالى. # قال ابن الخطيب: وهذا مردود، لأن الناقور اسم لما ينقر فيه لا لما ينقر ~~فيه، ويحتمل أن يكون الصور محتويا على ثقبين: ينقر في إحداهما، وينفخ في ~~الأخرى، فإذا نفخ فيه للإصعاق جمع بين النقر، والنفخ، لتكون الصيحة أشد، ~~وأعظم، وإذا نفخ فيه للإحياء، لم ينقر فيه بل يقتصر على النفخ لأن المراد ~~إرسال الأرواح من ثقب الصور إلى أجسادها بنقرها من أجسادها بالنفخة ~~الأولى للنقير، وهو نظير صوت الرعد؛ فإنه إذا اشتد فربما مات بسماعه، ~~والصيحة الشديدة التي يصيحها رجل بصبي فيفزع منه فيموت. # قال ابن الخطيب: وفيه إشكال، وهو أن هذا يقتضي أن يكون النقر إنما يحصل ~~عند صيحة الإصعاق وذلك ms8840 اليوم غير شديد على الكافرين؛ لأنهم يموتون في تلك ~~الساعة، إنما اليوم الشديد على الكافرين صيحة الإحياء، ولذلك يقول: # يليتها كانت القاضية # [الحاقة: 27]، أي: يا ليتنا بقينا على الموتة الأولى. # وقوله: " فذلك " ، أي: فذلك اليوم يوم شديد على الكافرين " غير ~~يسير " أي: غير سهل، ولا هين وذلك أن عقدهم لا تنحل، إلا إلى عقد أشد ~~منها، فإنهم يناقشون الحساب ويعطون كتبهم بشمائلهم، وتسود وجوههم، ~~ويحشرون زرقا، وتتكلم جوارحهم، ويفضحون على رؤوس الأشهاد بخلاف المؤمنين ~~الموحدين المذنبين فإنها تنحل إلى ما هو أخف، حتى يدخلوا الجنة برحمة ~~الله تعالى فإنهم لا يناقشون الحساب، ويحشرون بيض الوجوه، ثقال ~~الموازين. # قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يكون عسيرا على المؤمنين، والكافرين، على ما ~~روي أن الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - يفزعون يومئذ، وأن الولدان ~~يشيبون، إلا أنه يكون على الكفار أشد فعلى الأول: لا يحسن الوقف على قوله ~~{ يوم عسير } ، فإن المعنى: إنه على الكافرين عسير وغير يسير. # وعلى الثاني: يحسن الوقف، لأنه في المعنى: أنه في نفسه عسير على الكل ثم ~~الكافر فيه مخصوص بزيادة تخصه، وهي أنه عليه عسير. # فصل في دليل الخطاب # قال ابن الخطيب: استدل بهذه الآية القائلون بدليل الخطاب، قالوا: لولا ~~أن دليل الخطاب حجة وإلا فما فهم ابن عباس من كونه غير يسير على الكافرين ~~كونه يسيرا على المؤمنين. ### || [74.11-30] # قوله تعالى: { ذرني ومن خلقت وحيدا } ، الواو في قوله: { ~~ومن خلقت وحيدا } ، كقوله: " والمكذبين " في الوجهين ~~المتقدمين في السورة قبلها. # وقوله تعالى: { وحيدا } فيه أوجه: # أحدها: أنه حال من الياء في " ذرني " ، أي: ذرني وحدي معه فأنا أكفيك ~~في الانتقام منه. # الثاني: أنه حال من التاء في " خلقت " ، أي خلقته وحدي لم يشركني في ~~خلقه أحد فأنا أهلكه. # الثالث: أنه حال من " من ". # الرابع: أنه حال من عائده المحذوف، أي خلقته وحيدا، ف " وحيدا " ~~على هذا حال من ضمير المفعول المحذوف، أي: خلقته وحده لا مال له ولا ولد، ~~ثم أعطيته بعد ذلك ما أعطيته؛ قاله مجاهد. # الخامس: ms8841 أن ينتصب على الذم، لأنه يقال: إن وحيدا كان لقبا للوليد ~~بن المغيرة، ومعنى " وحيدا " ذليلا. # قيل: كان يزعم أنه وحيد في فضله، وماله، وليس في ذلك ما يقتضي صدق ~~مقالته لأن هذا لقب له شهر به، وقد يلقب الإنسان بما لا يتصف به، وإذا ~~كان لقبا تعين نصبه على الذم. # فصل في معنى " ذرني " # معنى " ذرني " أي: دعني، وهي كلمة وعيد وتهديد، " ومن خلقت " هذه ~~واو المعية، أي: دعني والذي خلقته وحيدا. # قال المفسرون: هو الوليد بن المغيرة المخزومي، وإن كان الناس خلقوا مثل ~~خلقه فإنما خص بالذكر لاختصاصه بكفر النعمة، وأذى الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وكان يسمى الوحيد في قومه. # قال ابن عباس: كان الوليد يقول: أنا الوحيد ابن الوحيد، ليس لي في العرب ~~نظير، ولا لأبي المغيرة نظير، فقال الله تعالى: { ذرني ومن ~~خلقت } بزعمه " وحيدا " لأن الله تعالى صدقه، بأنه وحيد. # قال ابن الخطيب: ورد هذا القول بعضهم بأنه تعالى لا يصدقه في دعواه بأنه ~~وحيد لا نظير له، ذكره الواحدي، والزمخشري، وهو ضعيف من وجوه: # الأول: لأنه قد يكون الوحيد علما فيزول السؤال، لأن اسم العلم لا يفيد ~~في المسمى صفة، بل هو قائم مقام الإرشاد. # الثاني: أن يكون ذلك بحسب ظنه، واعتقاده، كقوله - عز وجل -: # ذق إنك أنت العزيز الكريم # [الدخان: 49]. # الثالث: أنه وحيد في كفره، وعناده وخبثه؛ لأن لفظ الوحيد ليس فيه أنه ~~وحيد في العلو والشرف. # الرابع: أنه إشارة إلى وحدته عن نفسه. # قال أبو سعيد الضرير: الوحيد الذي لا أب له كما تقدم في " زنيم ". # قوله تعالى: { وجعلت له مالا ممدودا } ، أي: خولته، ~~وأعطيته مالا ممدودا. # قال ابن عباس: هو ما كان للوليد بين مكة والطائف من الإبل والنعم ~~والخيول والعبيد والجواري. # وقال مجاهد وسعيد بن جبير وابن عباس - أيضا -: ألف دينار. # وقال قتادة: ستة آلاف دينار. # وقال سفيان الثوري: أربعة آلاف دينار. # وقال الثوري - أيضا -: ألف ألف دينار. # وقال ابن الخطيب: المال الممدود: هو الذي يكون له مدد يأتي ms8842 منه الجزء ~~بعد الجزء دائما، ولذلك فسره عمر - رضي الله عنه - غلة شهر بشهر وقال ~~النعمان: الممدود بالزيادة كالزرع والضرع، وأنواع التجارات. # قال مقاتل: كان له بستان لا ينقطع شتاء ولا صيفا، كما في قوله - عز وجل ~~-: # وظل ممدود # [الواقعة: 30]، أي: لا ينقطع والذي يظهر أنه المال الكثير، والتقديرات ~~تحكم. # قوله: { وبنين شهودا } ، أي: حضورا لا يغيبون، ولا يفارقونه - ~~ألبتة - طيب القلب بحضورهم. # وقيل: معنى كونهم شهودا، أي: يشهدون معه المجامع والمحافل. # وقيل: " شهودا " أي: صاروا مثله في شهود ما كان يشهد، والقيام بما ~~كان يباشره. # قال مجاهد وقتادة: كانوا عشرة. # وقال السدي والضحاك: كانوا اثني عشر رجلا، وعن الضحاك: سبعة ولدوا ~~بمكة، وخمسة بالطائف. # وقال مقاتل: كانوا سبعة أسلم منهم ثلاثة: خالد، وهشام، والوليد بن ~~الوليد، قال: فما زال الوليد بعد نزول هذه الآية في نقصان من ماله وولده ~~حتى هلك قال ابن الخطيب كانوا سبعة الوليد بن الوليد وخالد وعمارة وهشام ~~والعاص، وعبد القيس، وعبد شمس أسلم منهم ثلاثة: خالد، وعمارة، وهشام. # قوله: { ومهدت له تمهيدا } ، أي: بسطت له في العيش بسطا ~~في الجاه العريض والرياسة في قومه. # والتميهد عند العرب: التوطئة والتهيئة. # ومنه: مهد الصبي. # وقال ابن عباس: { ومهدت له تمهيدا } أي: وسعت له ما بين " ~~اليمن " إلى " الشام " ، وهو قول مجاهد وعن مجاهد أيضا: أنه المال بعضه ~~فوق بعض كما يمهد الفراش. # قوله تعالى: { ثم يطمع أن أزيد كلا }. لفظة " ثم " - ~~هاهنا - معناها: التعجب كقولك لصاحبك: أنزلتك داري وأطعمتك وأسقيتك ثم ~~أنت تشتمني، ونظيره: قوله تعالى: # ثم الذين كفروا بربهم يعدلون # [الأنعام: 1]، فمعنى " ثم - هاهنا - الإنكار والتعجب، أي: ثم ~~الوليد يطمع بعد هذا كله أن أزيده في المال والولد، وقد كفر بي! ~~قاله الكلبي ومقاتل، ثم قال: " كلا " ليس يكون ذلك مع كفره بالنعم. # قال الحسن وغيره: أي: ثم يطمع أن أدخله الجنة، وكان الوليد يقول: ~~إن كان محمد صادقا فما خلقت الجنة إلا لي، فقال الله عز وجل ~~ردا عليه وتكذيبا له: " كلا " لست أزيده، ms8843 فلم يزل في نقصان بعد ~~قوله: " كلا " حتى افتقر ومات فقيرا. # وقيل: أي: ثم يطمع أن أنصره على كفره، " كلا " قطع للرجاء عما كان يطمع ~~فيه من الزيادة، فيكون متصلا بالكلام الأول. # وقيل: " كلا " بمعنى " حقا " ، ويبتدىء بقوله " إنه " يعني ~~الوليد { كان لآياتنا عنيدا } ، أي: معاندا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم وما جاء به. # قال الزمخشري: { إنه كان لآياتنا } استئناف جواب لسائل سأل: لم ~~لا يزداد مالا، وما باله ردع عن طبعه؟. # فأجيب بقوله: { إنه كان لآياتنا عنيدا } ، انتهى. # فيكون كقوله صلى الله عليه وسلم في الهرة: # " إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم ". # والعنيد: المعاند. # يقال: عاند فهو عنيد وعاند، والمعاند: البعير الذي يجور عن الطريق ~~ويعدل عن القصد، والجمع: عند مثل: " راكع وركع " ، قاله أبو عبيدة؛ وأنشد ~~قول الحازمي: [الرجز] # 4959 - إذا ركبت فاجعلاني وسطا # إني كبير لا أطيق العندا # وقال أبو صالح: " عنيدا " معناه: مباعدا؛ قال الشاعر: [الطويل] # 4960 - أرانا على حال تفرق بيننا # نوى غربة إن الفراق عنود # وقال قتادة: جاحدا. # وقال مقاتل: معرضا. # وقيل: إنه المجاهر بعداوته. # وعن مجاهد: أنه المجانب للحق. # قال الجوهري: ورجل عنود: إذا كان لا يخالط الناس، والعنيد من التجبر، ~~وعرق عاند: إذا لم يرقأ دمه، وجمع العنيد عند مثل رغيف ورغف، والعنود ~~من الإبل: الذي لا يخالط الإبل إنما هو في ناحية، والعنيد في معنى ~~المعاند كالجليس والأكيل والعشير. # فصل في بيان فيما كانت المعاندة # في الآية إشارة إلى أنه كان يعاند في أمور كثيرة: # منها أنه كان يعاند في دلائل التوحيد، والعدل، والقدرة، وصحة النبوة ~~وصحة البعث. # ومنها: أن كفره كان عنادا لأنه كان يعرف هذه الأشياء بقلبه وينكرها ~~بلسانه. وكفر المعاند أفحش أنواع الكفر. # ومنها: أن قوله " كان " يدل على أن هذه حرفته من قديم الزمان. # ومنها: أن هذه المعاندة، كانت مختصة منه بآيات الله تعالى. # قوله: { سأرهقه صعودا } ، أي: سأكلفه، وكان ابن عباس رضي الله ~~عنهما يقول: سألجئه، والإرهاق في كلام العرب: أن يحمل الإنسان الشيء. # والصعود: ms8844 جبل من نار يتصعد فيه سبعين خريفا، ثم يهوي به كذلك فيه ~~أبدا. رواه الترمذي. # وفي رواية: صخرة في جهنم، إذا وضعوا أيديهم عليها ذابت، فإذا رفعوها ~~عادت. # وقيل: هذا مثل لشدة العذاب الشاق الذي لا يطاق، كقوله: عقبة صعود وكؤود، ~~أي: شاقة المصعد. # ثم إنه تعالى حكى كيفية عناده، وهو قوله تعالى: # { إنه فكر وقدر }: يجوز أن يكون استئناف تعليل لقوله ~~تعالى: { سأرهقه صعودا } ، ويجوز أن يكون بدلا من { إنه ~~كان لآياتنا عنيدا }. # يقال: فكر في الأمر، وتفكر إذا نظر فيه وتدبر، ثم لما تفكر رتب في قلبه ~~كلاما وهيأه، وهو المراد من قوله " وقدر ". # والعرب تقول: قدرت الشيء إذا هيأته. # فصل في معنى الآية # معنى الآية: أن الوليد فكر في شأن النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن لما ~~نزل: # حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر ~~الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا ~~إله إلا هو إليه المصير # [غافر: 1 - 3]، سمعه الوليد يقرأها، فقال: والله لقد سمعت منه كلاما ما ~~هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه ~~لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق وإنه ليعلو، وما يعلى ~~عليه، وما يقول هذا بشر، فقالت قريش: صبأ الوليد لتصبون قريش كلها، ~~وكان يقال للوليد: ريحانة قريش، فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه فانطلق إليه ~~حزينا، فقال له: ما لي أراك حزينا، فقال: وما لي لا أحزن، وهذه قريش ~~يجمعون لك نفقة يعينوك بها، ويزعمون أنك زينت كلام محمد، وتدخل على ابن ~~أبي كبشة، وابن أبي قحافة لتنال من فضل طعامهما، فغضب الوليد - لعنه ~~الله - وتكبر، وقال: أنا أحتاج إلى كسر محمد وصاحبه، وأنتم تعلمون ~~قدر مالي، واللات والعزى ما بي حاجة إلى ذلك وأنتم تزعمون أن ~~محمدا مجنون، فهل رأيتموه قط يخنق؟. # قالوا: لا والله، قال: وتزعمون أنه كاهن، فهل رأيتموه تكهن قط؟ ولقد ~~رأينا للكهنة أسجاعا وتخالجا، فهل رأيتموه كذلك؟. # قالوا: لا والله. وقال: تزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه نطق بشعر ms8845 قط؟ ~~قالوا: لا والله. # قال: وتزعمون أنه كذاب، فهل جريتم عليه كذبا قط؟. # قالوا: لا والله. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسمى الصادق والأمين ~~من كثرة صدقه، فقالت قريش للوليد: فما هو؟ ففكر في نفسه ثم نظر ثم عبس، ~~فقال: ما هذا إلا سحر أما رأيتموه يفرق بين الرجل وولده فذلك قوله ~~تعالى: { إنه فكر } أي في أمر محمد والقرآن " وقدر " في نفسه ~~ماذا يمكنه أن يقول فيهما. # قوله: { فقتل } ، أي: لعن. # وقيل: قهر وغلب. # وقال الزهري: عذب، وهو من باب الدعاء. # قال ابن الخطيب: وهذا إنما يذكر عند التعجب والاستعظام. # ومثله قولهم: قتله الله ما أشجعه، وأخزاه الله ما أفجره، ومعناه: ~~أنه قد بلغ المبلغ الذي هو حقيق بأن يحسد ويدعو عليه حاسده بذلك، وإذا ~~عرف ذلك، فنقول: هنا يحتمل وجهين: # الأول: أنه تعجب من قوة خاطره، يعني أنه لا يمكن القدح في أمر محمد ~~صلى الله عليه وسلم بشبهة أعظم ولا أقوى مما ذكره هذا القائل. # الثاني: الثناء عليه على طريقة الاستهزاء، يعني أن هذا الذي ذكره في ~~غاية الركاكة والسقوط. # قوله: { كيف قدر } ، أي: كيف فعل هذا، كقوله تعالى: # انظر كيف ضربوا لك الأمثال # [الإسراء: 48] ثم قيل: بضرب آخر من العقوبة. " كيف قدر " على أي حال ~~قدر. " ثم نظر " بأي شيء يرد الحق ويدفعه. # قال ابن الخطيب: والمعنى أنه أولا فكر. # وثانيا: قدر. وثالثا: نظر في ذلك المقدر، فالنظر السابق للاستخراج، ~~والنظر اللاحق لتمام الاحتياط، فهذه المرات الثلاث متعلقة بأحوال ثلاث. # قوله تعالى: { ثم عبس } ، يقال: عبس يعبس عبسا، وعبوسا: أي: قطب ~~وجهه. # وقال الليث: عبس يعبس فهو عبس إذا قطب ما بين عينيه، فإذا أبدى عن ~~أسنانه في عبوسه قيل: كلح، فإن اهتم لذلك، وفكر فيه قيل: بسر، فإن غضب مع ~~ذلك قيل بسل. واعلم أنه ذكر صفات جسمه بعد صفات قلبه، وهذا يدل على ~~عناده، لأن من فكر في أمر حسن يظهر عليه الفرح لا العبوس، والعبس أيضا: ~~ما يبس في أذناب الإبل من ms8846 البعر، والبول؛ قال أبو النجم: [الرجز] # 4961 - كأن في أذنابهن الشول # من عبس الصيف قرون الأيل # فصل في معنى الآية # معنى الآية: قطب وجهه في وجوه المؤمنين، وذلك أنه لما قال لقريش محمدا ~~ساحر مر على جماعة من المسلمين، فدعوه إلى الإسلام، فعبس في وجوههم. # وقيل: عبس على النبي صلى الله عليه وسلم حين دعاه، والعبس: مصدر " عبس " ~~مخففا " ، كما تقدم. # قوله: " وبسر " ، يقال: بسر يبسر بسرا وبسورا " إذا قبض ما ~~بين عينيه كراهة للشيء واسود وجهه منه، يقال: وجه باسر، أي منقبض مسود ~~كالح متغير اللون، قاله قتادة والسدي؛ ومنه قول بشير بن الحارث: ~~[المتقارب] # 4962 - صبحنا تميما غداة الجفار # بشهباء ملمومة باسره # وأهل اليمن يقولون: بسر المركب بسرا، أي: وقف لا يتقدم، ولا يتأخر، وقد ~~أبسرنا: أي صرنا إلى البسور. # وقال الراغب: البسر استعجال الشيء قبل أوانه، نحو: بسر الرجل حاجته ~~طلبها في غير أوانها، وماء بسر متناول من غديره قبل سكونه، ومنه قيل للذي ~~لم يدرك من التمر: بسر، وقوله تعالى: { عبس وبسر } ، أي: أظهر ~~العبوس قبل أوانه، وقبل وقته. # قال: فإن قيل: فقوله تعالى: # ووجوه يومئذ باسرة # [القيامة: 24]، ليس يفعلون ذلك قبل الموت، وقد قلت: إن ذلك يكون فيما ~~يقع قبل وقته. # قيل: أشير بذلك إلى حالهم قبل الانتهاء بهم إلى النار، فخص لفظ البسر ~~تنبيها على أن ذلك مع ما ينالهم من بعد، يجري مجرى التكلف، ومجرى ما ~~يفعل قبل وقته، ويدل على ذلك # تظن أن يفعل بها فاقرة # [القيامة: 25]. # وقد عطف في هذه الجمل بحروف مختلفة، ولكل منها مناسبة، أما ما عطف ب " ~~ثم " فلأن بين الأفعال مهلة، وثانيا: لأن بين النظر، والعبوس، وبين ~~العبوس، والإدبار تراخيا. # قال الزمخشري: و " ثم نظر " عطف على " فكر " و " قدر " ، والدعاء ~~اعتراض بينهما، يعني بالدعاء قوله: " فقتل " ، ثم قال: فإن قلت: ما ~~معنى " ثم " الداخلة على تكرير الدعاء؟. # قلت: الدلالة على أن الكرة الثانية أبلغ من الأولى؛ ونحوه قوله: ~~[الطويل] # 4963 - ألا يا اسلمي ثم اسلمي ثمت ms8847 اسلمي # ..................... # فإن قلت: ما معنى المتوسطة بين الأفعال التي بعدها؟. # قلت: للدلالة على أنه تأنى في التأمل، والتمهل، وكأن بين الأفعال ~~المتناسقة تراخ، وتباعد، فإن قلت: فلم قال: " فقال " - بالفاء - بعد ~~عطف ما قبله ب " ثم "؟. # قلت: لأن الكلمة لما خطرت بباله بعد التطلب لم يتمالك أن نطق بها من غير ~~تلبث، فإن قلت: فلم لم يتوسط حرف العطف بين الجملتين؟. # قلت: لأن الأخرى جرت من الأولى مجرى التأكيد من المؤكد. # قوله تعالى: { ثم أدبر } ، أي: ولى وأعرض ذاهبا عن سائر الناس ~~إلى أهله. # { واستكبر } حين دعي إلى الإيمان، أي: تعظم. # { إن هذا } أي: ما هذا الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم { إلا ~~سحر يؤثر } ، أي: تأثره عن غيره. # والسحر: الخديعة. # وقيل: السحر إظهار الباطل في صورة الحق. # والأثر: مصدر قولك: أثرت الحديث آثره، إذا ذكرته عن غيرك؛ ومنه قيل: ~~حديث مأثور، أي: ينقله خلف عن سلف؛ قال الأعشى: [السريع] # 4964 - إن الذي فيه تماريتما # بين للسامع والآثر # قال ابن الخطيب: فيه وجهان: # الأول: أنه من قولهم: أثرت الحديث آثره، أثرا، إذا حدثت به عن قوم في ~~آثارهم، أي: بعدما ماتوا، هذا هو الأصل، ثم صار بمعنى الرواية عما كان. # والثاني: يؤثر على جميع السحر، وهذا يكون من الإيثار. # وقال أبو سعيد الضرير: يؤثر، أي: يورث. # قوله تعالى: { إن هذآ إلا قول البشر } ، أي: هذا إلا ~~كلام المخلوقين تختدع به القلوب كما يخدع بالسحر. # قال ابن الخطيب: ولو كان الأمر كذلك لتمكنوا من معارضته إذا طريقتهم في ~~معرفة اللغة متقاربة. # قال السدي: يعني أنه من قول سيار عبد لبني الحضرمي، كان يجالس النبي ~~صلى الله عليه وسلم فنسبوه إلى أنه تعلم منه ذلك. # وقيل: إنه أراد أنه تلقنه ممن ادعى النبوة قبله، فنسج على منوالهم. # قال ابن الخطيب وهذا الكلام يدل على أن الوليد كان يقول هذا الكلام ~~عنادا، لما روي في الحديث المتقدم: # " أنه لما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم " حم " ثم خرج من ms8848 عند ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لقد سمعت من محمد كلاما، ليس من كلام ~~الجن، ولا من كلام الإنس " # الحديث، فلما أقر بذلك في أول الأمر علمنا أن قوله - هاهنا -: { إن ~~هذآ إلا قول البشر } ، إنما ذكره عنادا، أو تمردا لا ~~اعتقادا. # قوله تعالى: { سأصليه سقر } هذا بدل من قوله تعالى: { ~~سأرهقه صعودا }. قاله الزمخشري. # فإن كان المراد بالصعود: المشقة، فالبدل واضح، وإن كان المراد: صخرة في ~~جهنم - كما جاء في التفسير - فيعسر البدل، ويكون فيه شبه من بدل ~~الاشتمال، لأن جهنم مشتملة على تلك الصخرة. # فصل في معنى الآية # المعنى: سأدخله سقر كي يصلى حرها، وإنما سميت " سقر " من سقرته ~~الشمس: إذا أذابته ولوحته، وأحرقت جلدة وجهه، ولا ينصرف للتعريف والتأنيث ~~قال ابن عباس: " سقر " اسم للطبقة السادسة من " جهنم ". # { ومآ أدراك ما سقر }. هذا مبالغة في وصفها، أي: وما أعلمك أي ~~شيء هي؟. وهي كلمة تعظيم، وتهويل، ثم فسر حالها، فقال - جل ذكره -: { لا ~~تبقي ولا تذر } أي: لا تترك لهم لحما، ولا عظما، ولا دما إلا ~~أحرقته. # قوله: { لا تبقي } ، فيها وجهان: # أحدهما: أنها في محل نصب على الحال، والعامل فيها معنى التعظيم، قاله ~~أبو البقاء. # يعني أن الاستفهام في قوله: " ما سقر " للتعظيم، والمعنى: استعظموا ~~سقر في هذه الحال. # ومفعول " تبقي " ، وتذر " محذوف أي لا تبقي ما ألقي فيها، ولا ~~تذره، بل تهلكه. # وقيل: تقديره لا تبقي على من ألقي فيها، ولا تذر غاية العذاب إلا ~~وصلته إليه. # والثاني: أنها مستأنفة. # قال ابن الخطيب: واختلفوا في قوله: { لا تبقي ولا تذر }. # فقيل: هما لفظان مترادفان بمعنى واحد، كرر للتأكيد والمبالغة، كقولك ~~صد عني وأعرض عني، بل بينهما فرق، وفيه وجوه: # الأول: لا تبقي من اللحم، والعظم، والدم شيئا، ثم يعادون خالقا ~~جديدا، " ولا تذر " أن تعاود إحراقهم بأشد مما كانت، وهكذا أبدا، ~~رواه عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما. # وقال مجاهد: لا تبقي فيها حيا ولا تذره ميتا بل تحرقهم كلما جددوا. ~~وقال السدي: ms8849 لا تبقي لهم لحما ولا تذر لهم عظما. وقيل: لا تبقي من ~~المعذبين، ولا تذر من فوقها شيئا، إلا تستعمل تلك القوة في تعذيبهم. # قوله تعالى: { لواحة للبشر } ، قرأ العامة: بالرفع، خبر ~~مبتدأ مضمر، أي هي لواحة، وهذه مقوية للاستئناف في " لا تبقي ". # وقرأ الحسن، وابن أبي عبلة وزيد بن علي وعطية العوفي ونصر بن عاصم وعيسى ~~بن عمر: بنصبهما على الحال، وفيها ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها حال من " سقر " ، والعامل معنى التعظيم كما تقدم. # والثاني: أنها حال من " لا تبقي ". # والثالث: من " لا تذر ". # وجعل الزمخشري: نصبها على الاختصاص للتهويل. # وجعلها أبو حيان حالا مؤكدة. # قال: " لأن النار التي لا تبقي ولا تذر، لا تكون إلا مغيرة للأبشار ~~". # و " لواحة " هنا مبالغة، وفيها معنيان: # أحدهما: من لاح يلوح،أي: ظهر، أي: أنها تظهر للبشر، [وهم الناس، وإليه ~~ذهب الحسن وابن كيسان، فقال: " لواحة " أي: تلوح للبشر] من مسيرة ~~خمسمائة عام، وقال الحسن: تلوح لهم جهنم حتى يرونها عيانا، ونظيره: # وبرزت الجحيم لمن يرى # [النازعات: 36]. # والثاني: وإليه ذهب جمهور الناس، أنها من لوحه أي: غيره، وسوده. # قال الشاعر: [الرجز] # 4965 - تقول: ما لاحك يا مسافر # يا بنة عمي لاحني الهواجر # وقال رؤبة بن العجاج: [الرجز] # 4966 - لوح منه بعد بدن وسنق # تلويحك الضامر يطوى للسبق # وقال آخر: [الطويل] # 4967 - وتعجب هند إن رأتني شاحبا # تقول لشيء لوحته السمائم # ويقال: لاحه يلوحه: إذا غير حليته. # قال أبو رزين: تلفح وجوههم لفحة تدعهم أشد سوادا من الليل، قال تعالى: # تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون # [المؤمنون: 104]. # وطعن القائلون بالأول في هذا القول، فقالوا: لا يجوز أن يصفهم بتسويد ~~الوجوه، مع قوله: { لا تبقي ولا تذر }. # وقيل: اللوح شدة العطش، يقال: لاحه العطش ولوحه: أي غيره، قال الأخفش: ~~والمعنى أنها معطشة للبشر، أي: لأهلها؛ وأنشد: [الطويل] # 4968 - سقتني على لوح من الماء شربة # سقاها به الله الرهام الغواديا # يعني باللوح: شدة العطش. والرهام جمع رهمة - بالكسر - وهي المطرة ~~الضعيفة وأرهمت السحابة: أتت بالرهام. # واللوح ms8850 - بالضم - الهواء بين السماء والأرض، والبشر: إما جمع بشرة، ~~أي: مغيرة للجلود. قاله مجاهد وقتادة، وجمع البشر: أبشار، وإما المراد به ~~الإنس من أهل النار، وهو قول الجمهور. # واللام في " البشر ": مقوية، كهي في # للرءيا تعبرون # [يوسف:43]. # وقراءة النصب في " لواحة " مقوية، لكون " لا تبقي " في محل ~~الحال. # قوله تعالى: { عليها تسعة عشر } ، هذه الجملة فيها الوجهان: # أعني: الحالية، والاستئناف وفي هذه الكلمة قراءات شاذة، وتوجيهات مشكلة. # فقرأ أبو جعفر وطلحة: " تسعة عشر " - بسكون العين من " عشر "؛ ~~تخفيفا؛ لتوالي خمس حركات من جنس واحد، وهذه كقراءة { أحد عشر ~~كوكبا } [يوسف: 4] وقد تقدمت. وقرأ أنس وابن عباس رضي الله عنهما " ~~تسعة عشر " بضم التاء، " عشر " بالفتح. # وهذه حركة بناء، لا يجوز أن يتوهم كونها إعرابا، إذ لو كانت للإعراب ~~لجعلت في الاسم الأخير لتنزل الكلمتين منزلة الكلمة الواحدة، وإنما عدل ~~إلى التسكين كراهة توالي خمس حركات. # وعن المهدوي: " من قرأ: " تسعة عشر " فكأنه من التداخل، كأنه ~~أراد العطف، فترك التركيب، ورفع هاء التأنيث، ثم راجع البناء، وأسكن " ~~انتهى. # فجعل الحركة للإعراب، ويعني بقوله: أسكن راء " عشر " فإنه في هذه ~~القراءة كذلك. # وعن أنس - رضي الله عنه - أيضا: " تسعة أعشر " بضم " تسعة " ~~و " أعشر " بهمزة مفتوحة، ثم عين ساكنة، ثم شين مضمومة، وفيها وجهان: # قال أبو الفضل: يجوز أن يكون جمع " العشيرة " على " أعشر " ، ثم أجراه ~~مجرى " تسعة عشر ". # وقال الزمخشري: جمع " عشير " مثل: يمين وأيمن. # وعن أنس - أيضا -: " تسعة وعشر " بضم التاء وسكون العين وضم ~~الشين وواو مفتوحة بدل الهمزة. # وتخريجها كتخريج ما قبلها، إلا أنه قلب الهمزة واوا مبالغة في التخفيف، ~~والضمة - كما تقدم - للبناء لا للإعراب. # ونقل المهدوي: أنه قرىء: " تسعة وعشر " ، قال: " فجاء به على ~~الأصل قبل التركيب وعطف " عشر " على " تسعة " ، وحذف التنوين، لكثرة ~~الاستعمال، وسكون الراء من " عشر " على نية الوقف ". # وقرأ سليمان بن قتة: بضم التاء وهمزة مفتوحة، وسكون العين، وضم الشين ~~وجر الراء من " أعشر ". # والضمة على هذا ضمة إعراب، لأنه أضاف الاسم لها ms8851 بعده فأعربهما إعراب ~~المتضايفين وهي لغة لبعض العرب يفكون تركيب الأعداد، ويعربونها ~~كالمتضايفين؛ كقوله: [الرجز] # 4969 - كلف من عنائه وشقوته # بنت ثماني عشرة من حجته # قال أبوالفضل: ويجيء على هذه القراءة، وهي قراءة من قرأ: " أعشر " ~~مبنيا، أو معربا من حيث هو جمع، أن الملائكة الذي هم على " سقر " ~~تسعون ملكا. # فصل في معنى الآية # معنى الآية: أنه يلي أمر تلك النار تسعة عشر من الملائكة يلقون فيها ~~أهلها. # قيل: هم خزنة النار، مالك وثمانية عشر ملكا. # وقيل: التسعة عشر نقيبا، وقال أكثر المفسرين: تسعة عشر ملكا بأعيانهم. # قال القرطبي: وذكر ابن المبارك عن رجل من بني تميم، قال كنا عند أبي ~~العوام. # فقرأ هذه الآية، فقال: ما تسعة عشر تسعة عشر ألف ملك أو تسعة عشر ملكا؟ ~~قال: قلت: لا بل تسعة عشر ملكا، قال: وأنى تعلم ذلك؟ # فقلت: لقول الله - عز وجل -: # وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا # [المدثر: 31] # قال: صدقت، هم تسعة عشر ملكا. # قال ابن جريج: نعت النبي صلى الله عليه وسلم خزنة جهنم، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " أعينهم كالبرق، وأنيابهم كالصياصي، وأشعارهم تمس ~~أقدامهم يخرج لهب النار من أفواههم " # ، الحديث. # قال ابن الأثير: " الصياصي: قرون البقر ". # وروى الترمذي عن عبد الله قال: # " قال ناس من اليهود لأناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: هل يعلم ~~نبيكم عدد خزنة جهنم؟ # قالوا: لا ندري حتى نسأله فجاء رجل الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~يا محمد غلب أصحابك اليوم، فقال: وبماذا غلبوا؟. # قال: سألهم يهود، هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم؟. # قال: فماذا قالوا؟ قال: فقالوا: لا ندري حتى نسأل نبينا صلى الله عليه ~~وسلم قال صلى الله عليه وسلم: أيغلب قوم سئلوا عما لا يعلمون، فقالوا: ~~لا نعلم حتى نسأل نبينا صلى الله عليه وسلم؟ لكنهم قد سألوا نبيهم، ~~فقالوا: أرنا الله جهرة، علي بأعداء الله، إني سائلهم عن تربة الجنة، ~~وهي الدرمك، فلما جاءوا، قالوا: يا أبا القاسم، كم ms8852 عدد خزنة جهنم؟. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هكذا، وهكذا " ، في مرة عشرة، ~~وفي مرة تسعة، قالوا: نعم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما ~~تربة الجنة "؟ فسكتوا، ثم قالوا: أخبرنا يا أبا القاسم، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " الخبز من الدرمك ". # قال ابن الأثير: الدرمك: هو الدقيق الحوارى. # قال القرطبي: الصحيح - إن شاء الله - أن هؤلاء التسعة عشر، هم ~~الرؤساء، والنقباء، وأما جملتهم فكما قال تعالى: # وما يعلم جنود ربك إلا هو # [المدثر: 31]، وقد ثبت في الصحيح عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يؤتى بجهنم يومئذ، لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ~~ألف ملك يجرونها ". # وقال ابن عباس وقتادة والضحاك: لما نزل قوله - عز وجل - { عليها ~~تسعة عشر } قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أمهاتكم، أسمع ابن أبي ~~كبشة يخبركم أن خزنة جهنم: " تسعة عشر " وأنتم الدهماء - أي العدد العظيم ~~- والشجعان، فيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم. # قال السدي: فقال أبو الأسود بن كلدة الجمحي: لا يهولنكم التسعة عشر، أنا ~~أدفع بمنكبي الأيمن عشرة من الملائكة وبمنكبي الأيسر التسعة، ثم تمرون ~~إلى الجنة، يقولها مستهزءا. # وفي رواية: أن الحارث بن كلدة قال: أنا أكفيكم سبعة عشر، واكفوني أنتم ~~اثنين، فلما قال أبو الأسود ذلك، قال المسلمون: ويحكم، لا يقاس الملائكة ~~بالحدادين، فجرى هذا مثلا في كل شيئين لا تساوي بينهما، ومعناه: لا يقاس ~~الملائكة بالسجانين، والحداد: السجان. # فصل في تقدير عدد الملائكة # ذكر أرباب المعاني في تقدير هذا العدد وجوها: # منها ما قاله أرباب الحكمة: أن سبب فساد النفس الإنسانية في قوتها ~~النظرية والعملية، هو القوى الحيوانية والطبيعية، فالقوى الحيوانية: فهي ~~الخمسة الظاهرة، والخمسة الباطنة، والشهوة، والغضب فهذه اثنا عشر، وأما ~~القوى الطبيعية: فهي الجاذبة، والماسكة، والهاضمة، والدافعة والعادية، ~~والنافية، والمولدة، فالجموع تسعة عشر، فلما كانت هذه منشآت الآفات لا ~~جرم كان عدد الزبانية هكذا. # ومنها: أن أبو جهنم سبعة، ms8853 فستة منها للكفار وواحد للفساق، ثم إن ~~الكفار يدخلون النار لأمور ثلاثة: ترك الاعتقاد، وترك الإقرار، وترك ~~العمل، فيكون لكل باب من تلك الأبواب الستة ثلاثة، فالمجموع: ثمانية عشر. # وأما باب الفساق: فليس هناك إلا ترك العمل، فالمجموع: تسعة عشر مشغولة ~~بغير العبادة، فلا جرم صار عدد الزبانية تسعة عشر. ### || [74.31] # قوله: { وما جعلنآ أصحاب النار إلا ملائكة }. # روي أن أبا جهل لما نزل قول الله تعالى: # عليها تسعة عشر # [المدثر: 30] قال: أيعجز كل مائة ان يبطشوا بواحد منهم ثم يخرجون من ~~النار؛ فنزل قوله عز وجل: { وما جعلنآ أصحاب النار إلا ~~ملائكة } أي: لم نجعلهم رجالا فتغالبوهم. # وقيل: جعلهم ملائكة لأنهم خلاف المعذبين من الجن والإنس، فلا تأخذهم ~~مآخذ المجانس من الرقة والرأفة، ولا يستريحون إليهم، ولأنهم أشد الخلق ~~بأسا، وأقواهم بطشا، ولذلك جعل - تعالى - الرسول إلى البشر من جنسهم ~~ليكون رأفة ورحمة بنا. # وقيل: لأن قوتهم أعظم من قوة الإنس والجن. # فإن قيل: ثبت في الأخبار أن الملائكة مخلوقون من النور، والمخلوق من ~~النور كيف يطيق المكث في النار؟. # فالجواب: أن الله - تعالى - قادر على كل الممكنات، فكما أنه لا استبعاد ~~في [إبقاء الحي في مثل ذلك العذاب أبد الآباد ولا يموت، فكذا لا استبعاد] ~~في بقاء الملائكة هناك من غير ألم. # قوله { وما جعلنآ عدتهم إلا فتنة للذين ~~كفروا }. أي: بلية. # روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: المعنى: ضلالة للذين كفروا. # وقوله تعالى { فتنة } مفعول ثان على حذف مضاف، أي إلا سبب فتنة، و ~~" الذين " صفة ل " فتنة " ، وليست " فتنة " مفعولا له. # فصل في علة ذكر العدد. # قال ابن الخطيب: هذا العدد إنما صار سببا لفتنة الكفار من وجهين: # الأول: أن الكفار يستهزئون ويقولون: لم لم يكونوا عشرين، وما المقتضي ~~لتخصيص هذا العدد؟. # والثاني: أن الكفار يقولون: هذا العدد القليل، كيف يكونون وافين بتعذيب ~~أكثر خلق العالم من الجن والإنس من أول ما خلقهم الله إلى قيام القيامة؟. # والجواب عن الأول: أن هذا السؤال لازم ms8854 على كل عدد يفرض. # وعن الثاني: أنه لا يبعد أن الله يزرق ذلك العدد القليل قوة تفي بذلك، ~~فقد اقتلع جبريل - صلوات الله وسلامه عليه - مدائن قوم لوط على أحد ~~جناحيه، ورفعها إلى السماء حتى سمع أهل السماء صياح ديكتهم، ثم قلبها ~~وجعل عاليها سافلها. # وأيضا: فأحوال القيامة لا تقاس بأحوال الدنيا، ولا للعقل فيها مجال. # فصل في أن الله تعالى يريد الفتنة. # دلت هذه الآية على أن الله - تعالى - يريد الفتنة. # وأجاب الجبائي: بأن المراد من الفتنة تشديد التعبد ليستدلوا على أنه - ~~تعالى - قادر على تقوية هؤلاء التسعة عشر على ما لا يقوى عليه مائة ~~ألف ملك أقوياء. # وأجاب الكعبي: بأن المراد من الفتنة الامتحان حتى يفوض المؤمنون ~~حكمة التخصيص بالعدد المعين إلى علم الله تعالى، وهذا من المتشابه الذي ~~أمروا بالإيمان به، أو يكون المراد من الفتنة ما وقعوا فيه من الكفر بسبب ~~تكذيبهم بعدد الخزنة، وحاصله ترك الألطاف. # والجواب: أن نقول: هل لا يزال لهذه المتشابهات أثر في تقوية داعية ~~الكفر أم لا؟ فإن لم يكن له أثر في تقوية داعية الكفر لم يكن إنزال هذه ~~المتشابهات فتنة للذين كفروا ألبتة وإن كان له أثر في تقوية داعية ~~الكفر، فقد حصل المقصود؛ لأنه إذا ترجحت داعية الفعل صارت داعية الترك ~~مرجوحة، والمرجوح يمتنع تأثيره، فيكون الترك ممتنع الوقوع، فيصير الفعل ~~واجب الوقوع. والله أعلم. # قوله تعالى: { ليستيقن الذين }. متعلق ب " جعلنا " لا ب " ~~فتنة ". # وقيل: بفعل مضمر، أي: فعلنا ذلك ليستيقن. # فصل في المراد بالآية # معنى الكلام: ليوقن الذين أعطوا التوراة والإنجيل أن عدة خزنة ~~جهنم موافقة لما عندهم. قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وغيرهم. ~~ثم يحتمل أن يريد الذين آمنوا منهم كعبد الله بن سلام، ويحتمل أن يريد ~~الكل، { ويزداد الذين آمنوا إيمانا } لتصديقهم بعدد ~~خزنة النار. # قال ابن الخطيب: فإن قيل: حقيقة الإيمان عندكم لا تقبل الزيادة ~~والنقصان، فما قولكم في هذه الآية؟. # فالجواب: نحمله على ثمرات الإيمان، وعلى آثاره ولوازمه. # قوله تعالى: { ولا ms8855 يرتاب } ، أي: ولا يشك { الذين أوتوا } ~~أي: أعطوا { الكتاب والمؤمنون } أي: المصدقون من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن خزنة جهنم تسعة عشر. # فإن قيل: لما أثبت الاستيقان لأهل الكتاب، وأثبت زيادة الإيمان ~~للمؤمنين، فما الفائدة في قوله تعالى بعد ذلك: { ولا يرتاب ~~الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون }؟. # فالجواب: أن الإنسان إذا اجتهد في أمر غامض دقيق الحجة كثير ~~الشبه، فحصل له اليقين، فربما غفل عن مقدمة من مقدمات ذلك الدليل ~~الدقيق، فيعود الشرك، فإثبات اليقين في بعض الأحوال لا ينافي طريان ~~الارتياب بعد ذلك، ففائدة هذه الإعادة نفي ذلك الشك، وأنه حصل له يقين ~~جازم، لا يحصل عقيبه شك ألبتة. # قوله تعالى: { وليقول الذين في قلوبهم مرض } ، أي: في ~~صدورهم شك ونفاق من منافقي أهل " المدينة " الذين يجيئون في مستقبل ~~الزمان بعد الهجرة، وهذا إخبار عما سيكون، ففيه معجزة { والكافرون ~~} أي: اليهود والنصارى { ماذآ أراد الله بهذا مثلا } ~~يعني: بعدد خزنة جهنم، وهذا قول أكثر المفسرين. # وقال الحسن بن الفضل: السورة مكية، ولم يكن ب " مكة " نفاق، فالمرض ~~في هذه الآية الخلاف، والمراد بالكافرين: مشركو العرب، ويجوز أن يراد ~~بالمرض الشك والارتياب لأن أهل " مكة " كان أكثرهم مشركين، وبعضهم ~~قاطعين بالكذب، وقوله تعالى إخبارا عنهم: { ماذآ أراد الله ~~بهذا مثلا }؟ أي: هذا العدد الذي ذكره حديثا، أي ما هذا من ~~الحديث. # قال الليث رحمه الله: المثل الحديث، ومنه: # مثل الجنة التي وعد المتقون # [محمد: 15]، أي حديثها والخبر عنها. # وقال ابن الخطيب: إنما سموه مثلا؛ لأنه لما كان هذا العدد عددا ~~عجيبا ظن القوم أنه ربما لم يكن مرادا لله منه ما أشعر به ظاهره بل ~~جعله مثلا لشيء آخر تنبيها على مقصود آخر - لا جرم سموه مثلا - ~~لأنهم لما اسغربوه ظنوا أنه ضرب مثلا لغيره، و " مثلا " تمييز ~~أو حال، وتسمية هذا مثلا على سبيل الاستعارة لغرابته. # فصل في لام: " وليقول " # " اللام " في قوله تعالى: { وليقول الذين في قلوبهم ~~مرض } جار على أصول أهل السنة؛ لأن ذلك ms8856 مراد، وعند المعتزلة: هي ~~لام العاقبة، ونسبوه إلى الله - عز وجل - مع أنهم ينكرون ذلك، إما على ~~سبيل التهكم، وإما على ما يقولونه. # قوله: { كذلك }: نعت لمصدر، أو حال منه على ما عرف، وذلك إشارة ~~إلى ما تقدم من الإضلال والهدي أي: مثل ذلك الإضلال والهدى { يضل ~~الله من يشآء } كإضلال الله أبا جهل وأصحابه المنكرين لخزنة جهنم ~~" يضل " أي: يعمي ويخزي من يشاء، ويهدي من يشاء أي ويرشد من يشاء ~~كإرشاد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه الآية تدل على مذهب أهل ~~السنة؛ لأنه - تعالى - قال في أول هذه الآية: { وما جعلنا ~~عدتهم إلا فتنة للذين كفروا } وقال - جل ذكره - ~~في آخر الآية: { وليقول الذين في قلوبهم مرض ~~والكافرون ماذآ أراد الله بهذا مثلا } ، ثم قال ~~سبحانه: { كذلك يضل الله من يشآء }. # وأما المعتزلة فذكروا تأويلاتهم المشهورة، وتقدم أجوبتها. # قوله: { وما يعلم جنود ربك إلا هو } ، " جنود ربك ~~": مفعول واجب التقديم لحصر فاعله ولعود الضمير على ما اتصل بالمفعول. # فصل في تفسير الآية # أي: وما يدري عدد ملائكة ربك الذين خلقهم لتعذيب أهل النار " إلا هو ~~" أي: الله عز وجل، وهذا جواب لأبي جهل حين قال: ما لإله محمد صلى الله ~~عليه وسلم من الجنود إلا تسعة عشر إلا أن لكل واحد منهم من ~~الأعوان والجنود ما لا يعلم عددهم إلا هو، ويحتمل أن يكون المعنى { وما ~~يعلم جنود ربك } لفرط كثرتها { إلا هو } فلا يعز عليه ~~تتميم الخزنة عشرين، ولكن له في هذا العدد حكمة لا يعلمها الخلق، وهو جل ~~جلاله يعلمها. # ويكون المعنى: أنه لا حاجة بالله - سبحانه - في تعذيب الكفار والفساق ~~إلى هؤلاء الخزنة، بل هو الذي يعذبهم في الحقيقة، وهو الذي يخلق الألم ~~فيهم، ولو أنه - تعالى - قلب شعرة في عين ابن آدم أو سلط الألم على عرق ~~واحد من عروق بدنه لكفاه ذلك بلاء ومحنة، فلا يلزم من تقليل عدد الخزنة ~~قلة العذاب فجنود الله تعالى غير متناهية لأن مقدوراته غير متناهية ms8857 # قال صلى الله عليه وسلم: # " أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع ~~أصابع إلا وفيها ملك ساجد ". # قوله جل ذكره: { وما هي } ، يجوز أن يعود الضمير على " سقر " أي: ~~وما سقر إلا تذكرة أي عظة للبشر، وأن يعود على الآيات المذكورة فيها، ~~أو النار لتقدمها، أو الجنود لأنه أقرب مذكور، أو نار الدنيا، وإن لم ~~يجر لها ذكر تذكرة لنا بالآخرة، قاله الزجاج أو ما هذه العدة { إلا ~~ذكرى للبشر } أي ليتذكروا ويعلموا كمال قدرة الله تعالى، وأنه ~~سبحانه لا يحتاج إلى أعوان وأنصار. # والبشر: مفعول ب " ذكرى " و " اللام " فيه مزيدة. ### || [74.32-37] # قوله: { كلا والقمر }. # قال الفراء: " كلا " أصله للقسم، التقدير: أي: والقمر. # وقيل: المعنى حقا والقمر، فلا يوقف على هذين التقديرين على " كلا ". # وأجاز الطبري الوقف عليها، وجعلها ردا على الذين زعموا أنهم يقاومون ~~خزنة جهنم أي: ليس الأمر كما يقول من زعم أنه يقاوم خزنة النار، ثم أقسم ~~على ذلك بالقمر، وبما بعده. # وقيل: هذا إنكار بعد أن جعلها ذكرى أن يكون لهم ذكرى؛ لأنهم لا يتذكرون. # وقيل: هو ردع لمن ينكر أن يكون الكبر نذيرا. # وقيل: ردع عن الاستهزاء بالعدة المخصوصة. # قوله تعالى: { والليل إذ أدبر }. # قرأ نافع وحمزة وحفص: " إذ " ظرفا لما مضى من الزمان " أدبر " بزنة " ~~أكرم ". # والباقون: " إذا " ظرفا لما يستقبل " دبر " بزنة " ضرب ". # والرسم محتمل لكلتيهما، فالصورة الخطية لا تختلف. # واختار أبو عبيد قراءة " إذا " ، قال: لأن بعده " إذا أسفر " ، قال: ~~" وكذلك هي في حرف عبد الله " ، يعني: أنه مكتوب بألفين بعد الذال؛ ~~أحدهما: ألف " إذا " والأخرى همزة " أدبر ". # قال: وليس في القرآن قسم يعقبه " إذ " ، وإنما يعقبه " إذا ". # واختار ابن عباس - رضي الله عنه -: " إذا ". # ويحكى عنه: أنه لما سمع " دبر " قال: " إنما يدبر ظهر البعير ". # واختلفوا: هل " دبر، وأدبر " بمعنى أم لا؟. # فقيل: هما بمعنى واحد، يقال: دبر الليل والنهار وأدبر، وقبل وأقبل؛ ومنه ~~قولهم: " أمس الدابر " فهذا من " دبر " ، و " أمس المدبر "؛ قال ~~صخر بن عمرو ms8858 بن الشريد السلمي: [الكامل] # 4970 - ولقد قتلتكم ثناء وموحدا # وتركت مرة مثل أمس الدابر # ويروى: " المدبر " ، وهذا قول الفراء والأخفش والزجاج. # وأما: " أدبر الراكب " وأقبل فرباعي لا غير. # وقال يونس: " دبر " انقضى، و " أدبر " تولى، ففرق بينهما. # وقال الزمخشري: " ودبر: بمعنى أدبر " ك " قبل بمعنى أقبل ". # وقيل منه: صاروا كأمس الدابر. # وقيل: هو من دبر الليل بالنهار، إذا خلفه. # وذكر القرطبي عن بعض أهل اللغة: " دبر الليل: إذا مضى، وأدبر: أخذ في ~~الإدبار ". # وقرأ محمد بن السميفع: " والليل إذا أدبر " بألفين، وكذلك هي في مصحف ~~عبد الله وأبي. # وقال قطرب: من قرأ " دبر " فيعني أقبل، من قول العرب: دبر فلان، إذا جاء ~~من خلفي. # قال أبو عمرو: وهي لغة قريش. # قوله تعالى: { والصبح إذآ أسفر }. أي أضاء، وفي الحديث: # " أسفروا بالفجر ". # ومنه قوله تعالى: # وجوه يومئذ مسفرة # [عبس: 38]. # وقرأ العامة: " أسفر " بالألف وعيسى بن الفضل وابن السميفع: " سفر ~~" ثلاثيا. # والمعنى: طرح الظلمة عن وجهه على وجه الاستعارة، وهما لغتان. # ويقال: سفر وجه فلان إذا أضاء، وأسفر وجهه حسنا: أي أشرق، وسفرت ~~المرأة، أي كشفت عن وجهها، فهي سافرة. # قال القرطبي: ويجوز أن يكون سفر الظلام، أي كنسه، كما يسفر البيت أي: ~~يكنس، ومنه السفير، لما يسقط من ورق الشجر ويتحات، يقال: إنما سمي ~~سفيرا لأن الريح تسفره، أي: تكنسه، والمسفرة: المكنسة ". # قوله: { إنها }. أي: إن النار. # وقيل: إن قيام الساعة كذا حكاه أبو حيان. وفيه شيئان: عوده على غير ~~مذكور، وكون المضاف اكتسب تأنيثا. # وقيل: إنه النذارة، وقيل: هي ضمير القصة، وهذا جواب القسم وتعليل ل " ~~كلا " والقسم معترض للتوكيد. قاله الزمخشري. # قال شهاب الدين: " وحينئذ يحتاج إلى تقدير جوازه، وفيه تكلف وخروج عن ~~الظاهر ". # قوله: { لإحدى الكبر }. قرأ العامة: " لإحدى الكبر " ~~بهمزة، وأصلها واو من الوحدة. # وقرأ نصر بن عاصم، وابن محيصن، ويروى عن ابن كثير: " لحدى " بحذف ~~الهمزة. # وهذا من الشذوذ بحيث لا يقاس عليه. # وتوجيهه: أن يكون أبدالها ألفا ثم حذف الألف لالتقاء الساكنين، ~~وقياس تخفيف مثل ms8859 هذه الهمزة أن تجعل بين بين. # قال الواحدي: ألف إحدى مقطوع لا تذهب في الوصل و " الكبر ": جمع " ~~كبرى " ك " الفضل " جمع " فضلى ". # قال الزمخشري: " الكبر: جمع الكبرى ". جعلت ألف التأنيث كتاء ~~التأنيث، فكما جمعت " فعلة " على " فعل " جمعت " فعلى " عليها، ~~ونظير ذلك: " السوافي " في جمع " السافياء " وهو التراب التي ~~تسفه الريح، و " القواصع " في جمع " القاصعاء " كأنها جمع " فاعلة " ~~قاله ابن الخطيب # فصل في معنى الآية # معنى " إحدى الكبر " أي إحدى الدواهي، قال: [الرجز] # 4971 - يا ابن المعلى نزلت إحدى الكبر # داهية الدهر وصماء الغير # ومثله: هو أحد الرجال، وهي إحدى النساء، لمن يستعظمونه. والمراد من " ~~الكبر " دركات جهنم، وهي سبعة: جهنم، ولظى، والحطمة، والسعير، ~~والجحيم، والهاوية، وسقر. أعاذنا الله منها. # وفي تفسير مقاتل: " الكبر " اسم من أسماء النار. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما " إنها " أي إن تكذيبهم بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم " لإحدى الكبر " أي: الكبيرة من الكبائر. # قوله: { نذيرا }. فيه أوجه: # أحدها: أنه تمييز من " إحدى " لما ضمنت معنى التعظيم، كأنه قيل: أعظم ~~الكبر إنذارا، ف " نذير " بمعنى " الإنذار " كالنكير بمعنى الإنكار، ~~كأنه قيل: إنها لإحدى الدواهي إنذارا، ومثله: هي إحدى النساء عفافا. # الثاني: أنه مصدر بمعنى الإنذار أيضا ولكنه نصب بفعل مقدر، قاله ~~الفراء. # الثالث: أنه " فعيل " بمعنى " مفعل " وهو حال من الضمير في " إنها ". ~~قاله الزجاج، وذكر لأن معناه معنى العذاب أو أراد أنها " ذات ~~إنذار " على معنى النسب، كقولهم: امرأة طالق وطاهر. # قال الحسن رضي الله عنه: والله ما أنذر الخلائق بشيء أدهى منها. # الرابع: أنه حال من الضمير في " إحدى " لتأويلها بمعنى العظم. # الخامس: أنه حال من فاعل " قم " أول السورة، والمراد بالنذير: محمد ~~صلى الله عليه وسلم أي: قم نذيرا للبشر، أي: مخوفا لهم. قاله أبو علي ~~الفارسي. # وروي عن ابن عباس، وأنكره الفراء. # قال ابن الأنباري: قال بعض المفسرين: معناه يا أيها المدثر، قم ~~نذيرا للبشر، وهذا قبيح لطول ما بينهما. # السادس: أنه مصدر منصوب ب " أنذر " أول السورة، كأنه ms8860 قال: إنذارا ~~للبشر. # قال الفراء: يجوز أن يكون النذير بمعنى الإنذار، أي: أنذر إنذارا، فهو ~~كقوله تعالى: # كيف نذير # [الملك: 17]. أي: إنذاري، فعلى هذا يكون راجعا إلى أول السورة. # السابع: هو حال من " الكبر ". # الثامن: حال من ضمير " الكبر ". # التاسع: أنه منصوب بإضمار " أعني ". # العاشر: أنه حال من " لإحدى ". قاله ابن عطية. # الحادي عشر: أنه منصوب ب " ادع " مقدرا، إذ المراد به الله تبارك ~~وتعالى. # روى أبو معاوية الضرير: حدثنا إسماعيل بن سميع عن أبي رزين: " نذيرا ~~للبشر " ، قال: يقول الله عز وجل: أنا لكم منها نذير فاتقوها. # و " نذيرا " على هذا نصب على الحال، أي ب { وما جعلنآ أصحاب ~~النار إلا ملائكة } منذرا بذلك البشر. # الثاني عشر: أنه منصوب ب " نادى، أو ببلغ " إذ المراد به الرسول ~~صلى الله عليه وسلم. # الثالث عشر: أنه منصوب بما دلت عليه الجملة، تقديره: عظمت نذيرا. # الرابع عشر: هو حال من الضمير في " الكبر ". # الخامس عشر: أنها حال من " هو " في قوله { وما يعلم جنود ~~ربك إلا هو }. # السادس عشر: أنها مفعول من أجله، الناصب لها ما في " الكبر " من ~~معنى الفعل. # قال أبو البقاء: " إنها لإحدى الكبر لإنذار البشر ". فظاهر هذا أنه ~~مفعول من أجله. واعلم أن النصب: قراءة العامة. # وقرأ أبي بن كعب، وابن أبي عبلة: بالرفع. # فإن كان المراد النار جاز فيه وجهان: # أن يكون خبرا بعد خبر، وأن يكون خبر مبتدإ مضمر، أي: هي نذير، ~~والتذكر - لما تقدم - من معنى النسب. وإن كان الباري تعالى أو رسوله ~~صلى الله عليه وسلم كان على خبر مبتدإ مضمر، أي: هو نذير. # و " للبشر ": إما صفة، وإما مفعول ل " نذير " واللام مزيدة لتقوية ~~العامل. # قوله: { لمن شآء } ، فيه وجهان: # أحدهما: أنه بدل من البشر بإعادة العامل كقوله: # لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم # [الزخرف: 33]، و # للذين استضعفوا لمن ءامن # [الأعراف: 75]، وأن يتقدم مفعول " شاء " أي: نذيرا لمن شاء التقدم أو ~~التأخر، وفيه ذكر مفعول " شاء " وقد تقدم أنه لا يذكر إلا إذا كان فيه ms8861 ~~غرابة. # الثاني: وبه بدأ الزمخشري: أن يكون " لمن شاء " خبرا مقدما، و " أن ~~يتقدم " مبتدأ مؤخر. # قال: كقولك: لمن توضأ أن يصلي، ومعناه: مطلق لمن شاء التقدم أو التأخر ~~أن يتقدم، أو يتأخر انتهى. # فقوله: " التقدم أو التأخر " وهو مفعول " شاء " المقدر. # قال أبو حيان رحمه الله: قوله: " أن يتقدم " هو المبتدأ معنى لا ~~يتبادر إلى الذهن، وفيه حذف. # قال القرطبي: اللام في " لمن شاء " متعلقة ب " النذير " ، أي: نذيرا ~~لمن شاء منكم أن يتقدم إلى الخير والطاعة أو يتأخر إلى الشر والمعصية، ~~نظيره: { ولقد علمنا المستقدمين منكم } ، أي: في الخير # ولقد علمناالمستأخرين # [الحجر: 24] عنه، قال الحسن: هذا وعيد وتهديد وإن خرج مخرج الخبر، كقوله ~~تعالى: # فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر # [الكهف: 27]. # وقيل: المعنى لمن شاء الله أن يتقدم أو يتأخر، فالمشيئة متصلة بالله - ~~عز وجل - والتقديم بالإيمان والتأخير بالكفر. # وكان ابن عباس يقول: هذا تهديد وإعلام أن من تقدم إلى الطاعة والإيمان ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا جوزي بثواب لا ينقطع، ومن تأخر ~~عن الطاعة، وكذب محمدا صلى الله عليه وسلم عوقب عقابا لا ينقطع. # وقال السدي: " لمن شاء منكم أن يتقدم إلى النار المتقدم ذكرها، أو ~~يتأخر عنها إلى الجنة ". # فصل فيمن استدل بالآية على كون العبد متمكنا من الفعل # احتج المعتزلة بهذه الآية على كون العبد متمكنا من الفعل غير مجبور ~~عليه. # وجوابه: أن هذه الآية دلت على أن فعل العبد معلق على مشيئته، لكن ~~مشيئة العبد معلقة على مشيئة الله - تعالى جل ذكره - كقوله تعالى: # وما تشآءون إلا أن يشآء الله # [الإنسان: 30]. # وحينئذ تصير الآية حجة عليهم. # قال ابن الخطيب: وذكر الأصحاب جوابين آخرين: # الأول: معنى إضافة المشيئة إلى المخاطبين، التهديد، كقوله عز وجل: { ~~فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر }. # الثاني: أن هذه المشيئة لله - تبارك وتعالى - على معنى: لمن شاء الله ~~منكم أن يتقدم، أو يتأخر. ### || [74.38-48] # قوله: { كل نفس بما كسبت رهينة }. فيه أوجه: # أحدها: أن " رهينة " بمعنى " رهن " ك " الشتيمة ms8862 " بمعنى " ~~الشتم ". # قال الزمخشري: ليس كتأنيث " رهين " في قوله: # كل امرىء بما كسب رهين # [الطور: 21] لتأنيث النفس، لأنه لو قصدت الصفة لقيل: رهين؛ لأن " فعيلا ~~" بمعنى " مفعول " يستوي فيه المذكر والمؤنث، وإنما هي اسم بمعنى " ~~الرهن " كالشتيمة بمعنى " الشتم " كأنه قيل: كل نفس بما كسبت رهن، ومنه ~~بيت الحماسة: [الطويل] # 4972 - أبعد الذي بالنعف نعف كويكب # رهينة رمس ذي تراب وجندل # كأنه قال: " رهن رمس ". # الثاني: أن الهاء للمبالغة. # الثالث: أن التأنيث لأجل اللفظ. # واختار أبو حيان: أنها بمعنى " مفعول " وأنها كالنطيحة، وقال: ويدل ~~على ذلك أنه لما كان خبرا عن المذكر كان بغير هاء، وقال تعالى: { ~~كل امرىء بما كسب رهين } فأنث حيث كان خبرا عن المذكر ~~أتى بغير تاء، وحيث كان خبرا عن مؤنث أتى بالتاء كما في هذه الآية ~~فأما التي في البيت فأنث على معنى النفس. # فصل في معنى رهينة # ومعنى " رهينة " أي: مرتهنة بكسبها، مأخوذة بعملها، إما خلصها ~~وإما أوبقها. # قوله: { إلا أصحاب اليمين }. فيه وجهان: # أحدهما: أنه استثناء متصل إذا المراد بهم المسلمون الخالصون الصالحون، ~~فإنهم فكوا رقاب أنفسهم بأعمالهم الحسنة كما يخلص الراهن رهنه ~~بإيفاء الحق. # والثاني: أنه منقطع، إذا المراد به الأطفال والملائكة. # قال ابن عباس: المراد بهم الملائكة. # وقال علي بن أبي طالب وابن عمر - رضي الله عنهما - هم أولاد المسلمين ~~لم يكتسبوا فيرتهنوا. # وقال الضحاك: هم الذين سبقت لهم منا الحسنى، ونحوه عن ابن جريج قال: كل ~~نفس بعملها محاسبة إلا أصحاب اليمين، وهم أهل الجنة فإنهم لا يحاسبون. # وكذا قال مقاتل والكلبي أيضا: هم أصحاب الجنة الذين كانوا عن يمين آدم ~~- عليه الصلاة والسلام - يوم الميثاق حين قال الله تعالى لهم: # " هؤلاء في الجنة ولا أبالي ". # قال الحسن وابن كيسان: هم المسلمون المخلصون ليسوا بمرتهنين، لأنهم ~~أدوا ما كان عليهم. # وعن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: هم المسلمون. # وقيل: إلا أصحاب الحق وأهل الإيمان. # وقيل: هم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم. # وقال أبو جعفر الباقر: نحن وشيعتنا أصحاب اليمين، ms8863 وكل من أبغضنا أهل ~~البيت فهم المرتهنون. # قوله تعالى: { في جنات }. يجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمر، أي: هم في ~~جنات، وأن يكون حالا من " أصحاب اليمين " ، وأن يكون حالا من فاعل " ~~يتساءلون ". # ذكرهما أبو البقاء. ويجوز أن يكون ظرفا ل " يتساءلون " ، وهو أظهر من ~~الحالية من فاعله. # و " يتساءلون " يجوز أن يكون على بابه، أي: يسأل بعضهم بعضا، ويجوز أن ~~يكون بمعنى " يسألون " أي يسألون غيرهم، نحو " دعوته وتداعيته ". # قوله: { عن المجرمين } فيه وجهان: # الأول: أن تكون كلمة " عن " صلة زائدة، والتقدير: يتساءلون المجرمين، ~~فيقولون لهم: { ما سلككم في سقر } ، فإنه يقال: سألته كذا، ~~وسألته عن كذا. # الثاني: أن يكون المعنى: أن أصحاب اليمين يسأل بعضهم بعضا عن أحوال ~~المجرمين. # فإن قيل: فعلى هذا يجب أن يقولوا: { ما سلككم في سقر }؟. # فأجاب الزمخشري عنه فقال: " المراد من هذا أن المشركين يلقون ما جرى ~~بينهم وبين المؤمنين، فيقولون: قلنا لهم: ما سلككم في سقر ". # وفيه وجه آخر وهو: أن المراد أن أصحاب اليمين كانوا يتساءلون عن ~~المجرمين أين هم؟ فلما رأوهم، قالوا لهم: ما سلككم في سقر؟ والإضمارات ~~كثيرة في القرآن. # قوله: { ما سلككم }: يجوز أن يكون على إضمار القول، وذلك في موضع ~~الحال أي: يتساءلون عنهم قائلين لهم: ما سلككم؟ قال الزمخشري: فإن قلت: ~~كيف طابق بعد قوله: " ما سلككم " وهو سؤال المجرمين، قوله: { ~~يتسآءلون عن المجرمين } ، وهو سؤال عنهم، وإنما كان يتطابق ~~ذلك لو قيل: يتساءلون المجرمين: ما سلككم؟. # قلت: قوله تعالى: { ما سلككم } ليس ببيان للتساؤل عنهم وإنما هو ~~حكاية قول المسئولين عنهم؛ لأن المشركين يلقون إلى السائلين ما جرى بينهم ~~وبين المجرمين، فيقولون: قلنا لهم: ما سلككم في سقر؟ أي: أدخلكم في سقر، ~~كما تقول: سلكت الخيط في كذا إذا أدخلته فيه، والمقصود من هذا: ~~زيادة التوبيخ والتخجيل، والمعنى: ما أدخلكم في هذه الدركة من النار؟ ~~فأجابوا: أن العذاب لأمور أربعة، ثم ذكروها وهي قولهم: { لم نك من ~~المصلين }. # قال الكلبي رحمه الله: يسأل الرجل من ms8864 أهل الجنة الرجل من أهل النار ~~باسمه فيقول له: يا فلان. # وفي قراءة عبد الله بن الزبير: يا فلان، ما سلككم في سقر؟ وهي قراءة على ~~التفسير؛ لا أنها قرآن كما زعم من طعن في القرآن. قاله ابن الأنباري. # وقيل: إن المؤمنين يسألون الملائكة عن أقربائهم، فتسأل الملائكة ~~المشركين، فيقولون لهم: ما سلككم في سقر؟. # قال الفراء: في هذا ما يقوي أن أصحاب اليمين هم الولدان؛ لأنهم لا ~~يعرفون الذنوب. # قوله: { لم نك من المصلين } ، هذا هو الدال على فاعل " ~~سلكنا كذا " الواقع جوابا لقول المؤمنين لهم: " ما سلككم " [والتقدير: ~~سلكنا عدم صلاتنا كذا وكذا. # قال أبو البقاء: هذه الجملة سدت مسد الفاعل، وهو جواب: ما سلككم، وهو ~~نظير " مناسككم " ، وقد تقدم في " البقرة " ] # فصل في تفسير الآية # قال القرطبي: معنى قولهم: { لم نك من المصلين } أي: ~~المؤمنين الذين يصلون { ولم نك نطعم المسكين } أي: لم نكن ~~نتصدق. # قال ابن الخطيب: " وهذان يجب أن يكونا محمولين على الصلاة الواجبة، ~~والزكاة؛ لأن ما ليس بواجب لا يجوز أن يعذبوا على تركه ". # { وكنا نخوض مع الخآئضين } ، أي: في الأباطيل. # وقال ابن زيد: { نخوض مع الخآئضين } في أمر محمد صلى الله ~~عليه وسلم وهو قولهم - لعنهم الله -: إنه ساحر، كاهن، مجنون، شاعر كذبوا ~~- والله - لم يكن فيه شيء من ذلك صلى الله عليه وسلم. # وقال قتادة: كلما غوى غاو غوينا معه. # وقيل: معناه: كنا أتباعا ولم نكن متبوعين، وقولهم: { وكنا ~~نكذب بيوم الدين } أي: نكذب بيوم القيامة، يوم الجزاء ~~والحكم. # { حتى أتانا اليقين } أي: جائنا الموت، قال الله تعالى: # حتى يأتيك اليقين # [الحجر: 99]. # وهذه الآية تدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة. # فإن قيل: لم أخر التكذيب وهو أفحش تلك الخصال الأربع؟. # فالجواب: أريد أنهم بعد اتصافهم بتلك الأمور الثلاثة كانوا مكذبين ~~بيوم الدين، والغرض تعظيم هذا الذنب كقوله تعالى: # ثم كان من الذين ءامنوا # [البلد: 17]. # قوله: { فما تنفعهم شفاعة الشافعين }؛ كقوله: [الطويل] # 4973 - على لاحب لا يهتدى بمناره # ........................ # في أحد وجهيه، أي: ms8865 لا شفاعة لهم فلا انتفاع بها، وليس المراد أن ثم ~~شفاعة غير نافعة كقوله تعالى: # ولا يشفعون إلا لمن ارتضى # [الأنبياء: 28] الآية. # وهذه الآية تدل على صحة الشفاعة للمذنبين من هذه الأمة بمفهومها؛ لأن ~~تخصيص هؤلاء بأنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين يدل على أن غيرهم تنفعهم ~~شفاعة الشافعين. # قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: يشفع نبيكم صلى الله عليه وسلم ~~رابع أربعة: جبريل، ثم إبراهيم، ثم موسى، أو عيسى، ثم نبيكم صلى الله ~~عليه وسلم ثم الملائكة، ثم النبيون، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ويبقى قوم ~~في جهنم، فيقال لهم: { ما سلككم في سقر }؟ قالوا: لم نك من ~~المصلين، إلى قوله: { فما تنفعهم شفاعة الشافعين }. # قال عبد الله بن مسعود: فهؤلاء الذين في جهنم. ### || [74.49-56] # قوله: { فما لهم عن التذكرة معرضين } عن القرآن، أي: ~~فما لأهل " مكة " قد أعرضوا وولوا. # قال مقاتل: معرضين عن القرآن من وجهين: # أحدهما: الجحود والإنكار. # والثاني: ترك العمل بما فيه. # وقيل: المراد بالتذكرة: العظة بالقرآن، وغيره من المواعظ. # و " معرضين " حال من الضمير في الجار الواقع خبرا عن " ما " ~~الاستفهامية، وقد تقدم أن مثل هذه الحال تسمى حالا لازمة وقد تقدم بحث ~~حسن. # و " عن التذكرة " متعلق به. # قال القرطبي: " وفي " اللام " معنى الفعل، فانتصاب الحال على معنى الفعل ~~". # قال ابن الخطيب: " هو كقولك: ما لك قائما ". # قوله: { كأنهم حمر } ، هذه الجملة يجوز أن تكون حالا من ~~الضمير في الجار، وتكون بدلا من " معرضين ". قاله أبو البقاء. يعني: ~~أنها كالمشتملة عليها، وأن تكون حالا من الضمير في " معرضين " فيكون ~~حالا متداخلة. # وقرأ العامة: حمر - بضم الميم -، والأعمش: بإسكانها. # وقرأ نافع وابن عامر: " مستنفرة " - بفتح الفاء - على أنه اسم ~~مفعول، أي: نفرها القناص. # والباقون: بالكسر، بمعنى نافرة. # يقال: استنفر ونفر بمعنى نحو عجب واستعجب، وسخر واستسخر؛ قال الشاعر: ~~[الكامل]. # 4974 - إمسك حمارك إنه مستنفر # في إثر أحمرة عمدن لغرب # وقال الزمخشري: " وكأنها تطلب النفار في نفوسها، في جمعها له وحملها ~~عليه ". # فأبقى السين على بابها ms8866 من الطلب، وهو معنى حسن. # قال أبو علي الفارسي: " الكسر في " مستنفرة " أولى لقوله: " فرت " ~~للتناسب، لأنه يدل على أنها استنفرت، ويدل على صحة ذلك ماروى محمد بن ~~سلام قال: سألت أبا سوار الغنوي - وكان عربيا فصيحا - فقلت: كأنهم حمر ~~ماذا؟ فقال: مستنفرة طردها قسورة، فقلت: إنما هي فرت من قسورة، فقال: ~~أفرت؟ قلت: نعم، قال: فمستنفرة إذا " انتهى. # يعني: أنها مع قوله طرد، تناسب الفتح، لأنها اسم مفعول، فلما أخبر بأن ~~التلاوة " فرت من قسورة " رجع إلى الكسر للتناسب إلا أن بمثل هذه ~~الحكاية لا ترد القراءة المتواترة. # والقسورة: قيل: الصائد، أي: نفرت وهربت من قسورة، أي: من الصائد. # وقيل: الرماة يرمونها. # وقيل: هو اسم جمع لا واحد له. # وقال بعض أهل اللغة: إن " القسورة ": الرامي، وجمعه: القساورة. # ولذا قال سعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك وابن كيسان: " ~~القسورة " وهم الرماة والصيادون، ورواه عطاء عن ابن عباس وأبو ظبيان عن ~~أبي موسى الأشعري، وأنشدوا للبيد بن ربيعة: [الطويل] # 4975 - إذا ما هتفنا هتفة في ندينا # أتانا الرجال العائدون القساور # وقيل: " القسورة ": الأسد. قاله أبو هريرة، وابن عباس أيضا رضي الله ~~عنه. # قال ابن عرفة: من القسر بمعنى القهر، أي: أنه يقهر السباع والحمر ~~الوحشية تهرب من السباع؛ ومنه قول الشاعر: [الرجز] # 4876 - مضمر يحذره الأبطال # كأنه القسورة الرئبال # أي: الأسد، إلا أن ابن عباس أنكره، وقال لا أعرف القسورة أسد في لغة أحد ~~من العرب، وإنما القسورة: عصب الرجال؛ وأنشد: [الرجز] # 4977 - يا بنت كوني خيرة لخيره # أخوالها الجن وأهل القسوره # وقيل: القسورة: ظلمة الليل، قال ابن الأعرابي: وهو قول عكرمة. # وعن ابن عباس: ركز الناس؛ أي حسهم وأصواتهم. # وعنه أيضا: { فرت من قسورة } أي: من حبال الصيادين، وعنه ~~أيضا: القسورة بلسان " الحبشة " الأسد، وخالفه عكرمة فقال: الأسد ~~بلسان " الحبشة ": عنبسة، وبلسان " الحبشة ": الرماة، وبلسان " فارس ~~": شير، وبلسان " النبط ": أريا. # وقيل: هو أول سواد الليل، ولا يقال لآخر سواد الليل: قسورة. # فصل في المراد بالحمر المستنفرة # قال ابن ms8867 عباس: كأن هؤلاء الكفار في فرارهم من محمد صلى الله عليه وسلم ~~حمر مستنفرة، قال ابن عباس: أراد الحمر الوحشية. # قال الزمخشري: وفي تشبيههم بالحمر شهادة عليهم بالبله، ولا يرى مثل ~~نفار حمر الوحش، واطرادها في العدو إذا خافت من شيء. # قوله تعالى: { بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى ~~صحفا منشرة } ، أي: يعطى كتبا مفتوحة، وذلك أن أبا جهل ~~وجماعة من قريش قالوا: يا محمد، لا نؤمن بك حتى تأتي كل واحد منا ~~بكتاب من السماء عنوانه: " من رب العالمين " ، إلى فلان ابن فلان، ونؤمر ~~فيه باتباعك، ونظيره: # ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا ~~نقرؤه # [الإسراء: 93]. # وقال ابن عباس: كانوا يقولون: إن كان محمد صادقا فليصبح عند رأس كل ~~واحد منا صحيفة فيها براءة من النار. # وقال مطر الوراق: أرادوا أن يعطوا بغير عمل. # وقال الكلبي: قال المشركون: بلغنا أن الرجل من بني إسرائيل كان يصبح عند ~~رأسه مكتوبا ذنبه وكفارته فأتنا بمثل ذلك. # قال ابن الخطيب: وهذا من الصحف المنشرة بمعزل. # وقيل المعنى: أن يذكر بذكر جميل، فجعلت الصحف موضع الذكر ~~مجازا، فقالوا: إذا كانت ذنوب الإنسان تكتب عليه فما بالنا لا نرى ~~ذلك؟! # قوله: " منشرة ". # العامة: على التشديد، من " نشره " بالتضعيف. # وابن جبير: " منشرة " بالتخفيف، و " نشر، وأنشر " بمنزلة " نزل ~~وأنزل ": والعامة أيضا على ضم الحاء من " صحف ". # وابن جبير: على تسكينها. # قال أبو حيان: " والمحفوظ في الصحيفة والثوب: " نشر " مخففا ثلاثيا، ~~وهذا مردود بالقرآن المتواتر ". # وقال أبو البقاء في قراءة ابن جبير: " من أنشرت، إما بمعنى أمر بنشرها ~~مثل ألحمت عرض فلان، أو بمعنى منشورة، مثل: أحمدت الرجل، أو بمعنى: أنشر ~~الله الميت أي: أحياه: فكأنه أحياها فيها بذكره ". # قوله: { كلا } ، أي: ليس يكون ذلك. # وقيل: حقا، والأول أجود، لأنه رد لقولهم. ثم قال: { بل لا ~~يخافون الآخرة } أي: لا أعطيهم ما يتمنون لأنهم لا يخافون ~~الآخرة فلذلك أعرضوا عن التأمل اغترارا بالدنيا؛ فإنه لما حصلت ~~المعجزات الكثيرة في الدلالة على صحة النبوة فطلب الزيادة ms8868 يكون ~~عبثا. # قوله: { كلا إنه تذكرة }. أي: حقا أن القرآن عظة. # وقيل: هذا ردع لهم عن إعراضهم عن التذكرة { إنه تذكرة } بليغة ~~{ فمن شاء ذكره } أي: اتعظ به، وجعله نصب عينه. # والضمير في " إنه، وذكره " للتذكرة في قوله تعالى: { فما لهم عن ~~التذكرة معرضين } وإنما ذكرا؛ لأنهما في معنى الذكر ~~والقرآن. # وقيل: الضمير في " إنه " للقرآن أو الوعيد. # قوله: { وما يذكرون }. # قرأ نافع: بالخطاب، وهو التفات من الغيبة إلى الخطاب والباقون: بالغيبة ~~حملا على ما تقدم من قوله: " كل امرىء " ولم يؤثروا الالتفات. # وقراءة الخطاب، وهي اختيار أبي حاتم لأنه أعم. # وأما قراءة الغيبة فهي اختبار أبي عبيد لقوله تعالى: { كلا بل لا ~~يخافون } واتفقواعلى تخفيفها. # قوله: { إلا أن يشآء الله } ، بمعنى إلا وقت مشيئته، لا أن ~~ينوب عن الزمان، بل على حذف مضاف. # قالت المعتزلة: بل معناه: إلا أن يقدرهم الله - تعالى - على الذكر ~~ويهمهم إليه. # وأجيبوا: بأنه تعالى أبقى الذكر مطلقا، واستثنى منه حال المشيئة ~~المطلقة، فيلزم أنه متى حصلت المشيئة أن يحصل الذكر مطلقا، فحيث لم ~~يحصل الذكر علمنا أنه لم تحصل المشيئة وتخصيص المشيئة بالمشيئة ~~القهرية ترك للظاهر. # قوله تعالى: { هو أهل التقوى وأهل المغفرة } ، أي: ~~حقيق بأن يتقيه عباده ويخافوا عقابه فيؤمنوا ويطيعوا، وحقيق ~~بأن يغفر لهم ما سلف من كفرهم إذا آمنوا وأطاعوا. # روى الترمذي وابن ماجة عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال في قوله تعالى: { هو أهل التقوى ~~وأهل المغفرة } قال: قال الله تعالى: # " أنا أهل أن أتقى فمن اتقى فلم يجعل معي إلها ~~فأنا أهل أن أغفر له ". # وقال بعض المفسرين: أهل المغفرة لمن تاب إليه من الذنوب الكبائر، وأهل ~~المغفرة أيضا للذنوب الصغائر. # روى الثعلبي عن أبي بن كعب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " من قرأ { يأيها المدثر } أعطي من الأجر عشر ~~حسنات بعدد من صدق بمحمد صلى الله عليه وسلم وكذبه ب " ~~مكة " " # والله ms8869 أعلم. ### | [75 - سورة القيامة] ### || [75.1-6] # قوله تعالى: { لا أقسم بيوم القيامة }. # العامة: على " لا " نافية، واختلفوا حينئذ فيها على أوجه: # أحدها: أنها نافية لكلام تقدم، كأن الكفار ذكروا شيئا، فقيل ~~لهم: " لا " ثم ابتدأ الله قسما. # قال القرطبي رحمه الله: " إن القرآن جاء بالرد على الذين أنكروا البعث ~~والجنة والنار، فجاء الإقسام بالرد عليهم كقوله: " والله لا أفعل " ف ~~" لا " رد لكلام قد مضى، وذلك كقولك: لا والله إن القيامة. لحق، كأنك ~~أكذبت قوما أنكروه ". # والثاني: أنها مزيدة. قال الزمشخري: قالوا: إنها مزيدة، مثلها في # لئلا يعلم أهل الكتاب # [الحديد: 29]، وفي قوله - عز وجل -: # قال ما منعك ألا تسجد # [الأعراف: 12]؛ وقوله: [الرجز] # 4978 - في بئر لا حور سرى وما شعر # قال ابن الخطيب: وهذا القول عندي ضعيف من وجوه: # أحدها: أن تجويز هذا يفضي إلى الطعن في القرآن، لأن على هذا التقدير ~~يجوز جعل النفي إثباتا، والإثبات نفيا، وذلك ينفي الاعتماد على الكلام ~~نفيا وإثباتا. # وثانيها: أن الحرف إنما يزاد في وسط الكلام، فإن امرأ القيس زادها في ~~مستهل قصيدته؛ وهي قوله: [المتقارب] # 4979 - فلا - وأبيك - ابنة العامري # ي لا يدعي القوم أني أفر # وأيضا: هب أن هذا الحرف في أول الكلام إلا أن القرآن كله ~~كالسورة الواحدة لاتصال بعضه ببعض بدليل أنه قد يذكر الشيء في سورة ثم ~~يجيء جوابه في سورة أخرى كقوله تعالى # وقالوا يأيها الذي نزل عليه الذكر إنك ~~لمجنون # [الحجر: 6] ثم جاء جوابه في سورة أخرى وهو قوله # مآ أنت بنعمة ربك بمجنون # [القلم: 2]، وإذا كان كذلك، كان أول هذه السورة جاريا مجرى وسط ~~الكلام. # والجواب عن الأول: أن قوله: لا وأبيك، قسم عن النفي، وقوله: " لا ~~أقسم " نفي للقسم، لأنه على وزان قولنا: " لا أقبل، لا أضرب، لا أنصر ~~" وذلك يفيد النفي، بدليل أنه لو حلف لا يقسم كان البر بترك القسم، ~~والحنث بفعل القسم، فظهر أن البيت المذكور ليس من هذا الباب. # وعن الثاني: أن القرآن الكريم كالسورة الواحدة في عدم التناقض، فإما ms8870 ~~أن يقرن في كل آية ما أقرن في الأخرى، فذلك غير جائز؛ لأنه يلزم جوازه أن ~~يقرن بكل إثبات حرف النفي الوارد في سائر الآيات، وذلك يقتضي انقلاب كل ~~إثبات نفيا وانقلاب كل نفي إثباتا، وأنه لا يجوز. # وثالثها: أن المراد من قولنا: " لا " صلة أنه لغو باطل يجب طرحه ~~وإسقاطه حتى ينتظم الكلام ووصف كلام الله - تعالى - بذلك لا يجوز. # الوجه الثالث: قال الزمشخري: " إدخال لا النافية على فعل القسم مستفيض ~~في كلامهم وأشعارهم؛ قال امرؤ القيس: [المتقارب] # 4980 - فلا - وأبيك - ابنة العامري # البيت المتقدم. # وقال غوية بن سلمى: [الوافر] # 4981 - ألا نادت أمامة باحتمال # لتحزنني فلا بك ما أبالي # وفائدتها: توكيد القسم في الرد ". ثم قال بعد أن حكى وجه الزيادة ~~والاعتراض والجواب كما تقدم: والوجه أن يقال: هي للنفي، والمعنى في ~~ذلك: أنه لا يقسم بالشيء إلا إعظاما له، يدلك عليه قوله تعالى: # فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو ~~تعلمون عظيم # [الواقعة: 75 - 76] فكأنه بإدخال حرف النفي يقول: إن إعظامي له ~~بإقسامي به كلا إعظام، يعني أنه يستأهل فوق ذلك. # وقيل: إن " لا " نفي لكلام ورد قبل ذلك انتهى. # قال ابن الخطيب: كأنهم أنكروا البعث فقيل: " لا " ليس الأمر على ما ~~ذكرتم، ثم قيل: أقسم بيوم القيامة. # قال: وهذا فيه إشكال؛ لأن إعادة حرف النفي أحرى في قوله تعالى: { ولا ~~أقسم بالنفس اللوامة } مع أن المراد ما ذكروه يقدح في ~~فصاحة الكلام. # قال شهاب الدين رحمه الله: " فقول الزمخشري ": والوجه أن يقال إلى قوله: ~~يعني أنه يستأهل فوق ذلك، تقرير لقوله: إدخال " لا " النافية على فعل ~~القسم مستفيض إلى آخره وحاصل الكلام يرجع إلى أنها نافية، وأن النفي ~~متسلط على فعل القسم بالمعنى الذي شرحه، وليس فيه منع لفظا ولا معنى ". # ثم قال: فإن قلت: قوله تعالى: # فلا وربك لا يؤمنون # [النساء: 65] والأبيات التي أنشدتها المقسم عليه فيها منفي، فهلا زعمت ~~أن " لا " التي قبل القسم زيدت موطئة للنفي بعده، ومؤكدة له، ~~وقدرت المقسم عليه المحذوف ms8871 - هاهنا - منفيا كقولك: لا أقسم بيوم ~~القيامة لا تتركون سدى؟. # قلت: لو قصروا الأمر على النفي دون الإثبات لكان لهذا القول مساغ، ~~ولكنه لم يقصر، ألا ترى كيف نفى # لا أقسم بهذا البلد # [البلد: 1] بقوله: # لقد خلقنا الإنسان # [البلد: 4] وكذلك قوله: # فلا أقسم بمواقع النجوم # [الواقعة: 75] بقوله: # إنه لقرآن كريم # [الواقعة: 77]، وهذا من محاسن كلامه تعالى. # وقرأ قنبل والبزي - بخلاف عنه -: " لأقسم " بلام بعدها همزة دون ألف، ~~وفيها أوجه: # أحدها: أنها جواب لقسم مقدر، تقديره: " والله لأقسم " والفعل للحال، ~~فلذلك لم تأت نون التوكيد، وهذا مذهب الكوفيين. # وأما البصريون: فلا يجيزون أن يقع فعل الحال جوابا للقسم فإن ورد ما ~~ظاهره ذلك جعل الفعل خبرا لمبتدإ مضمر، فيعود الجواب جملة اسمية قدر أحد ~~جزأيها وهذا عند بعضهم، من ذلك التقدير: والله لأنا أقسم. # الثاني: أنه فعل مستقبل، وإنما لم يأت بنون التوكيد؛ لأن أفعال ~~الله - تعالى - حق وصدق فهي غنية عن التأكيد بخلاف أفعال غيره، على ~~أن سيبويه حكى حذف النون، إلا أنه قليل، والكوفيون: يجيزون ذلك من غير ~~قلة، إذ من مذهبهم جواز تعاقب اللام والنون فمن حذف اللام قوله: ~~[الكامل] # 4982 - وقتيل مرة أثأرن فإنه # فرغ وإن أخاكم لم يثأر # أي لأثأرن، ومن حذف النون وهو نظير الآية الكريمة قول الآخر: [الطويل] # 4983 - لئن تك قد ضاقت عليكم بيوتكم # ليعلم ربي أن بيتي واسع # الثالث: أنها لام الابتداء، وليست بلام القسم. # قال أبو البقاء: كقوله: # وإن ربك ليحكم # [النحل: 164]. والمعروف أن لام الابتداء لا تدخل على المضارع إلا في ~~خبر " إن " نحو: # وإن ربك ليحكم # [النحل: 164] وهذه الآية نظير الآية التي في سورة يونس: # ولا أدراكم به # [يونس: 16] فإنهما قرآها بغير الألف. والكلام فيها قد تقدم. # ولم يختلف في قوله: " ولا أقسم " أنه بالألف بعد " لا "؛ لأنه لم يرسم ~~إلا كذا بخلاف الأول، فإنه رسم بدون ألف بعد " لا " ، وكذلك في قوله ~~تعالى # لا أقسم بهذا البلد # [البلد: 1] لم يختلف فيه أنه بألف بعد " لا " ، وجواب القسم محذوف، ms8872 ~~تقديره: لتبعثن، دل عليه قوله { أيحسب الإنسان } [القيامة: 3]. # وقيل: الجواب: " أيحسب ". # وقيل: هو { بلى قادرين } [القيامة: 4]، ويروى عن الحسن البصري. # وقيل: المعنى على نفي القسم، والمعنى: إني لا أقسم على شيء، ولكن ~~أسألك أيحسب الإنسان. # وهذه الأقوال شاذة منكرة، ولا تصح عن قائلها لخروجها عن لسان العرب، ~~وإنما ذكرناها تنبيها على ضعفها. # فصل في معنى الآية # قال ابن عباس وابن جبير: معنى الكلام: أقسم بيوم القيامة، وهو قول أبي ~~عبيدة، ومثله قوله: [الطويل] # 4984 - تذكرت ليلى فاعترتني صبابة # فكاد صميم القلب لا يتقطع # قوله: { بيوم القيامة } ، أي: بيوم يقوم الناس فيه لربهم، ~~والله - عز وجل - أن يقسم بما شاء، { ولا أقسم بالنفس ~~اللوامة } ، لا خلاف في هذا بين القراء، وأنه سبحانه - جل ذكره - ~~إنما أقسم بيوم القيامة تعظيما لشأنه، وعلى قراءة ابن كثير أقسم ~~بالأولى ولم يقسم بالثانية. # وقيل: { ولا أقسم بالنفس اللوامة } رد آخر وابتداء ~~قسم بالنفس اللوامة. # قال الثعلبي: والصحيح أنه أقسم بهما جميعا، ومعنى " بالنفس ~~اللوامة ": أي: نفس المؤمن الذي لا تراه يلوم إلا نفسه، يقول: [ما ~~أردت بكذا؟ ولا تراه إلا وهو يعاتب نفسه قاله ابن عباس ومجاهد والحسن ~~وغيرهم. # قال الحسن: هي والله نفس المؤمن ما يرى المؤمن إلا يلوم نفسه]، ما ~~أردت بكلامي هذا؟ ما أردت بأكلي ما أردت بحديثي؟ والفاجر لا يحاسب نفسه. # وقال مجاهد: هي التي تلوم على ما فات وتندم، فتلوم نفسها على الشر ~~لم فعلته، وعلى الخير لم لم تستكثر منه. # وقيل: تلوم نفسها بما تلوم عليه غيرها. # وقيل: المراد آدم - صلوات الله وسلامه عليه - لم يزل لائما لنفسه على ~~معصيته التي أخرج بها من الجنة. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أنها الملومة، فتكون صفة ذم، وهو قول ~~من نفى أن يكون قسما وعلى الأول: صفة مدح فيكون القسم بها سائغا. # وقال مقاتل: هي نفس الكافر يلوم نفسه ويتحسر في الآخرة على ما فرط في ~~جنب الله تعالى. # قوله: { أيحسب الإنسان ألن }. هذه " أن " المخففة وتقدم ~~حكمها في " المائدة ms8873 " و " أن " وما في حيزها في موضع الجر، والفاصل ~~هنا حرف النفي، وهي وما في حيزها سادة مسد مفعولي " حسب " أو ~~مفعوله على الخلاف. # والعامة: على " نجمع " بنون العظمة، و " عظامه " نصب مفعولا ~~به. # وقتادة: " تجمع " بتاء من فوق مضومة على ما لم يسم فاعله؛ " عظامه ~~" رفع لقيامه مقام الفاعل. # فصل في جواب هذا القسم # قال الزجاج: أقسم بيوم القيامة وبالنفس اللوامة ليجمعن العظام للبعث، ~~فهذا جواب [القسم. # وقال النحاس: جواب] القسم محذوف، أي: لنبعثن. # والمراد بالإنسان: الكافر المكذب بالبعث. # قيل: # " نزلت في عدي بن ربيعة قال للبني صلى الله عليه وسلم حدثني عن ~~يوم القيامة متى تكون، وكيف أمرها وحالها؟ فأخبره ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: لو عاينت ذلك اليوم لم ~~أصدقك يا محمد ولم أومن به، أو يجمع الله العظام؟ ~~ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " اللهم اكفني جاري ~~السوء عدي بن ربيعة، والأخنس بن شريق ". # وقيل: نزلت في عدو الله أبي جهل حين أنكر البعث بعد الموت، وذكر العظام، ~~والمراد نفسه كلها؛ لأن العظام قالب الخلق. # وقيل: المراد بالإنسان: كل من أنكر البعث مطلقا. # قوله: { بلى } إيجاب لما بعد النفي المنسحب عليه الاستفهام، وهو وقف ~~حسن، ثم يبتدىء " قادرين " ، ف " قادرين " حال من الفاعل المضمر في ~~الفعل المحذوف على ما ذكرنا من التقدير. # وقيل: المعنى بل نجمعها نقدر قادرين. # قال الفراء: " قادرين " نصب على الخروج من " نجمع " أي نقدر ونقوى " ~~قادرين " على أكثر من ذلك. # وقال أيضا: يصلح نصبه على التكرير، أي: بلى فليحسبنا قادرين. # وقيل: المضمر " كنا " أي: كنا قادرين في الابتداء، وقد اعترف به ~~المشركون. # وقرأ ابن أبي عبلة وابن السميفع: " قادرون " رفعا على خبر ابتداء مضمر، ~~أي " بلى " نحن " قادرون " { على أن نسوي بنانه } والبنان ~~عند العرب: الأصابع، واحدها بنانة؛ قال عنترة: [الوافر] # 4985 - وأن الموت طوع يدي إذا ما # وصلت بنانها بالهندواني # فنبه بالبنان على بقية الأعضاء. # وأيضا: فإنها أضعف العظام فخصها الله - عز وجل - بالذكر لذلك. # قال القتبي والزجاج: ms8874 وزعموا أن الله تعالى لا يبعث الموتى، ولا يقدرعلى ~~جمع العظام، فقال الله تعالى: بلى قادرين على أن نعيد السلاميات على ~~صغرها، ونؤلف بينها حتى تستوي، ومن قدر على هذا فهو على جميع الكبار ~~أقدر. # وقال ابن عباس وعامة المفسرين: { على أن نسوي بنانه } أن ~~نجعل أصابع يديه ورجليه شيئا واحدا كخف البعير، أو كحافر الحمار، أو ~~كظلف الخنزير، ولا يمكنه أن يعمل به شيئا ولكنا فرقنا أصابعه حتى يفعل ~~بها ما يشاء. # وقيل: نقدر أن نعيد الإنسان في هيئة البهائم، فكيف في صورته التي كان ~~عليها، وهو كقوله تعالى: # وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم ~~وننشئكم في ما لا تعلمون # [الواقعة: 60، 61]. # والقول الأول أشبه بمساق الآية. # فصل في الكلام على الآية # قال ابن الخطيب رحمه الله: وفي الآية إشكالات: # أحدها: ما المناسبة بين القيامة والنفس اللوامة حتى جمع الله بينهما ~~في القسم؟. # وثانيها: على وقوع القيامة # وثالثها: قال جل ذكره: أقسم بيوم القيامة ولم يقل: والقيامة، كما قال - ~~عز وجل - في سائر السور: # والطور # [الطور: 1] # والذاريات # [الذاريات: 1]، # والضحى # [الضحى: 1]. # والجواب عن الأول من وجوه: # أحدها: أن أحوال القيامة عجيبة جدا، ثم المقصود من إقامة القيامة ~~إظهار أحوال النفوس على ما قال صلى الله عليه وسلم: # " من عرف نفسه عرف ربه " # ومن أحوالها العجيبة قوله تعالى: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56]، وقوله تعالى: # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان # [الأحزاب: 72]. # وقيل: القسم وقع بالنفس اللوامة على معنى التعظيم من حيث إنها أبدا ~~يستحقر فعلها وجدها واجتهادها في طاعة الله تعالى. # وقيل: إنه - تعالى - أقسم بيوم القيامة، ولم يقسم بالنفس اللوامة ~~تحقيرا لها؛ لأن النفس اللوامة إما أن تكون كافرة بالقيامة مع عظم ~~أمرها، وإما أن تكون فاسقة مقصرة في العمل، وعلى التقديرين فإنها تكون ~~مستحقرة. # والجواب عن الثاني: أن المحققين قالوا: القسم بهذه الأشياء قسم ~~بربها وخالقها في الحقيقة، فكأنه قيل: أقسم برب القيامة على وقوع ~~القيامة. # والجواب عن ms8875 الثالث: أنه حيث أقسم، قال جل ذكره: " والذاريات " ، وأما ~~هنا فإنه سبحانه نفى كونه مقسما بهذه الأشياء، فزال السؤال. # قوله تعالى: { بل يريد الإنسان ليفجر أمامه }. فيه ~~وجهان: # أحدهما: أن تكون " بل " لمجرد الإضراب والانتقال من غير عطف، أضرب عن ~~الكلام الأول وأخذ في آخر. # الثاني: أنها عاطفة. قال الزمخشري: " بل يريد " عطف على " أيحسب " ، ~~فيجوز أن يكون مثله استفهاما، وأن يكون إيجابا على أن يضرب عن مستفهم ~~عنه إلى آخر، أو يضرب عن مستفهم عنه إلى موجب. # قال أبو حيان بعد ما حكى عن الزمخشري ما تقدم: " وهذه التقادير ~~الثلاثة متكلفة لا تظهر ". # وقال شهاب الدين: " وليس هنا إلا تقديران، ومفعول " يريد " محذوف يدل ~~عليه التعليل في قوله تعالى: { ليفجر أمامه } والتقدير: يريد ~~شهواته ومعاصيه فيمضي فيها دائما أبدا و " أمامه " منصوب على الظرف، ~~وأصله مكان فاستعير هنا للزمان ". # والضمير في " أمامه " الظاهر عوده على الإنسان. # وقال ابن عباس: يعود على يوم القيامة بمعنى أنه يريد شهواته ليفجر في ~~تكذيبه بالبعث بين يدي يوم القيامة. # فصل في تفسير الآية # قال مجاهد والحسن وعكرمة والسدي وسعيد بن جبير رضي الله عنهم: يقول: سوف ~~أتوب حتى يأتيه الموت على أسوأ أحواله. # وعن ابن عباس: { بل يريد الإنسان ليفجر أمامه } ، قال: ~~يعجل المعصية ويسوف بالتوبة وجاء في الحديث: # " قال يقول: سوف أتوب، ولا يتوب، فهو قد أخلف فكذب ". # وقال عبد الرحمن بن زيد: { بل يريد الإنسان ليفجر ~~أمامه } من البعث والحساب ودليله: يسأل أيان يوم القيامة أي يسأل متى ~~يكون؟ على وجه الإنكار والتكذيب. # وقال الضحاك: هو الأمل، يقول: سوف أعيش وأصيب من الدنيا، ولا يذكر ~~الموت. # وقيل: يعزم على المعصية أبدا وإن كان لا يعيش إلا مدة قليلة، فالهاء ~~على هذه الأقوال الثلاثة للإنسان. # وإذا قلنا: بأن الهاء ليوم القيامة، فالمعنى: بل يريد الإنسان ليكفر ~~بالحق بين يدي القيامة. والفجور: أصله الميل عن الحق. # قوله: { يسأل أيان } هذه جملة مستأنفة. # وقال أبو البقاء رحمه الله: تفسير ل " يفجر " فيحتمل أن يكون ms8876 مستأنفا ~~مفسرا، وأن يكون بدلا من الجملة قبلها؛ لأن التفسير يكون بالاستئناف ~~وبالبدل إلا أن الثاني منه رفع الفعل، ولو كان بدلا لنصب، وقد يقال: ~~إنه أبدل الجملة من الجملة لا خصوصية الفعل من الفعل وحده، وفيه بحث ~~قد تقدم نظيره في " الذاريات " وغيره. والمعنى: يسأل متى يوم القيامة. # فصل فيمن أنكروا البعث # قال ابن الخطيب: اعلم أن إنكار البعث يتولد تارة من الشبهة، وأخرى ~~من الشهوة، فأما تولده من الشبهة فهو ما حكاه الله - عز وجل - بقوله: { ~~أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه } ، وتقديره: أن ~~الإنسان هو هذا البدن، فإذا مات وتفرقت أجزاؤه، واختلطت بأجزاء التراب، ~~وتفرقت بالرياح في مشارق الأرض ومغاربها، فيكون تمييزها بعد ذلك ~~محالا. # وهذه الشبهة ساقطة من وجهين: # الأول: لا نسلم أن الإنسان هو هذا البدن، بل هو شيء مدبر لهذا ~~البدن، فإذا فسد هذا البدن بقي هو حيا كما كان، وحينئذ يعيد الله - ~~تبارك وتعالى - أي بدن أراد، فيسقط السؤال وفي الآية إشارة إلى هذا، لأنه ~~سبحانه أقسم بالنفس اللوامة، ثم قال تعالى جل ذكره: { أيحسب ~~الإنسان ألن نجمع عظامه } ، وهو تصريح بالفرق بين النفس ~~والبدن. # الثاني: سلمنا أن الإنسان هو هذا البدن، لكنه سبحانه عالم ~~بالجزئيات، فيكون عالما بالجزء الذي هو بدن زيد، وبالجزء الذي هو بدن ~~عمرو، وهو - تعالى - قادر على كل الممكنات، فيلزم أن يكون قادرا على ~~تركيبها ثانيا، فزال الإشكال وأما إنكار البعث بناء على الشهوة فهو ~~قوله تعالى: { بل يريد الإنسان ليفجر أمامه }. # ومعناه أن الإنسان الذي يميل طبعه للشهوات واللذات والفكرة في ~~البعث تنغصها عليه فلا جرم ينكره. ### || [75.7-15] # قوله تعالى: { فإذا برق البصر }. قرأ نافع وأبان عن عاصم: ~~برق بفتح الراء. # والباقون: بالكسر. # فقيل: لغتان في التحير والدهشة، ومعناه لمع بصره من شدة شخوصه، ~~فتراه لا يطرف. # وقيل: برق - بالكسر - تحير فزعا. # قال الزمخشري: " وأصله من برق الرجل إذا نظر إلى البرق فدهش بصره ~~". # قال غيره: كما يقال: أسد وبقر، إذا رأى أسدا وبقرا كثيرا فتحير من ~~ذلك. ms8877 # قال ذو الرمة: [الطويل] # 4986 - وكنت أرى في وجه مية لمحعة # فأبرق مغشيا علي مكانيا # وأنشد الفراء رحمه الله: [المتقارب] # 4987 - فنفسك فانع ولا تنعني # وداو الكلوم ولا تبرق # أي: لا تفزع من كثرة الكلوم التي بك. # و " برق " بالفتح: من البريق، أي: لمع من شدة شخوصه. # وقال مجاهد وغيره: وهذا عند الموت. # وقال الحسن: يوم القيامة، قال: وفيه معنى الجواب عما سأل عنه الإنسان، ~~كأنه قال: يوم القيامة إذا برق البصر، وخسف القمر. # وقيل: عند رؤية جهنم. # قال الفراء والخليل: " برق " - بالكسر -: فزع وبهت وتحير، والعرب ~~تقول للإنسان المتحير المبهوت: قد برق فهو برق. # وقيل: " برق، يبرق " بالفتح: شق عينيه وفتحهما. قاله أبو عبيدة، ~~وأنشد قول الكلابي: [الرجز] # 4988 - لما أتاني ابن عمير راغبا # أعطيته عيسا صهابا فبرق # أي: فتح عينيه. قرأ أبو السمال: " بلق " باللام. # قال أهل اللغة إلا الفراء: معناه " فتح " ، يقال: بلقت الباب ~~وأبلقته: أي: فتحته وفرجته. # وقال الفراء: هو بمعنى أغلقته. # قال ثعلب: أخطأ الفراء في ذلك. # ثم يجوز أن يكون مادة " بلق " غير مادة " برق " ، ويجوز أن تكون ~~مادة واحدة بدل فيها حرف من آخر، وقد جاء إبدال " اللام " من الراء ~~في أحرف، قالوا: " نثر كنانته ونثلها " وقالوا: " وجل ووجر " فيمكن أن ~~يكون هذا منه، ويؤيده أن " برق " قد أتى بمعنى شق عينيه وفتحهما، قاله ~~أبو عبيدة، وأنشد [الرجز] # 4989 - لما أتاني ابن عمير # البيت المتقدم. # أي: ففتح عينيه فهذا مناسب ل " بلق ". # قوله: { وخسف القمر }. # العامة: على بنائه للفاعل. # وأبو حيوة، وابن أبي عبلة، ويزيد بن قطيب قال القرطبي: وابن أبي إسحاق ~~وعيسى: " خسف " مبنيا للمفعول. # وهذا لأن " خسف " يستعمل لازما ومتعديا، يقال: خسف القمر، وخسف ~~الله القمر. # وقد اشتهر أن الخسوف للقمر والكسوف للشمس. # وقال بعضهم: يكونان فيهما، يقال: خسفت الشمس وكسفت، وخسف القمر وكسف، ~~وتأيد بعضهم بقوله صلى الله عليه وسلم: # " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان ~~لموت أحد " # ، فاستعمل الخسوف فيهما، وفي هذا نظر لاحتمال التغليب، وهل ms8878 هما بمعنى ~~واحد أم لا؟ فقال أبو عبيد وجماعة: هما بمعنى واحد. # وقال ابن أبي أويس: الخسوف ذهاب كل ضوئهما والكسوف ذهاب بعضه. # قال القرطبي: الخسوف في الدنيا إلى انجلاء، بخلاف الآخرة فإنه لا يعود ~~ضوؤه، ويحتمل أن يكون بمعنى " غاب " ، ومنه قوله تعالى: # فخسفنا به وبداره الأرض # [القصص: 81]. # قوله تعالى: { وجمع الشمس والقمر } لم تلحقه علامة تأنيث؛ ~~لأن التأنيث مجازي. # وقيل: لتغليب التذكير. وفيه نظر، لو قلت: " قام هند وزيد " لم يجز عند ~~الجمهور من العرب. # وقال الكسائي: " جمع " حمل على معنى جرح النيران. # وقال الفراء والزجاج: جمع بينهما في ذهاب ضوئيهما فلا ضوء للشمس كما لا ~~ضوء للقمر بعد خسوفه. # وقال ابن عباس وابن مسعود: جمع بينهما، أي قرن بينهما في طلوعهما من ~~المغرب أسودين مكورين مظلمين مقرنين كأنهما ثوران عقيران. # وقال عطاء بن يسار: يجمع بينهما يوم القيامة ثم يقذفان في البحر فيكونان ~~نار الله الكبرى. # وقال علي وابن عباس رضي الله عنهما: يجعلان في الحجب وقد يجمعان في ~~نار جنهم لأنهما قد عبدا من دون الله ولا تكون النار عذابا لهما ~~لأنهما جماد وإنما يفعل ذلك بهما زيادة في تبكيت الكفار وحسرتهم. # وقيل: هذا الجمع إنما يجمعان ويقربان من الناس فيلحقهم العرق لشدة ~~الحر فيكون المعنى: يجمع حرهما عليهم. # وقيل: يجمع الشمس والقمر، فلا يكون ثم تعاقب ليل ولا نهار. # قال ابن الخطيب: وقيل: جمع بينهما في حكم ذهاب الضوء كما يقال: يجمع بين ~~كذا وكذا في حكم كذا، أي: كل منهما يذهب ضوؤه. # فصل في الرد على من طعن في الآية # قال ابن الخطيب: طعنت الملاحدة في الآية فقالوا: خسوف القمر لا يحصل حال ~~اجتماع الشمس والقمر. # والجواب: أن الله - تعالى - قادر على أن يخسف القمر سواء كانت الأرض ~~متوسطة بينه وبين الشمس، أو لم تكن؛ لأن الله - تعالى - قادر على كل ~~الممكنات فيقدر على إزالة الضوء عن القمر في جميع الأحوال. # قوله: { يقول الإنسان }. جواب " إذا " من قوله: " فإذا برق " ، و ~~" أين المفر " منصوب ms8879 المحل بالقول، و " المفر " مصدر بمعنى " ~~الفرار " وهذه هي القراءة المشهورة. # وقرأ الحسنان ابنا علي وابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة: بفتح الميم وكسر ~~الفاء، وهو اسم مكان الفرار، أي أين مكان الفرار. # وجوز الزمخشري أن يكون مصدرا، قال: " كالمرجع " وقرأ الحسن عكس هكذا: ~~أي بكسر الميم وفتح الفاء، وهو الرجل الكثير الفرار؛ كقول امرىء القيس ~~يصف جواده: [الطويل] # 4990 - مكر مفر مقبل مدبر معا # كجلمود صخر حطه السيل من عل # وأكثر استعمال هذا الوزن في الآلات. # فصل في بيان ما يقوله الإنسان يوم القيامة # يقول الإنسان يومئذ: أين المفر، أي: يقول ابن آدم، وقيل: أبو جهل: أين ~~المفر، أين المهرب؟. # قال الماوردي: ويحتمل وجهين: # أحدهما: أين المفر من الله استحياء منه. # والثاني: أين المفر من جهنم حذرا منها. ويحتمل هذا القول من الإنسان ~~وجهين: # أحدهما: أن يكون من الكافر خاصة في عرصة القيامة دون المؤمن لثقة المؤمن ~~ببشرى ربه. # والثاني: أن يكون من قول المؤمن والكافر عند قيام الساعة لهول ما شاهدوا ~~منها. # قوله: { كلا لا وزر }. تقدم الكلام ي " كلا " ، وخبر " لا " ~~محذوف، أي لا وزر له. # أي لا ملجأ من النار. # وقال ابن مسعود رضي الله عنه: لا حصن. # وقال ابن عباس: لا ملجأ وقال الحسن: لا جبل. # وقال ابن جبير: لا محيص. # وهل هذه الجملة محكية بقول الإنسان، فتكون منصوبة المحل، أو هي مستأنفة ~~من الله - تعالى - بذلك. # و " الوزر ": الملجأ من حصن أو جبل أو سلاح؛ قال الشاعر: [المتقارب] # 4991 - لعمرك ما للفتى من وزر # من الموت يدركه والكبر # قال السدي: كانوا في الدنيا إذا فزعوا تحصنوا في الجبال، فقال الله ~~لهم: لا وزر يعصمكم يومئذ مني. # قوله تعالى: { إلى ربك يومئذ المستقر }. أي: ~~المنتهى. [قاله قتادة، نظيره: " وأن إلى ربك المنتهى " ]. # وقال ابن مسعود: إلى ربك المصير والمرجع، أي: المستقر في الآخرة حيث ~~يقره الله. # و " المستقر " مبتدأ، خبره الجار قبله، ويجوز أن يكون مصدرا بمعنى ~~الاستقرار، وأن يكون مكان الاستقرار، و " يومئذ " منصوب بفعل ms8880 مقدر، ~~ولا ينصب ب " مستقر " لأنه إن كان مصدرا فلتقدمه عليه، وإن كان مكانا ~~فلا عمل له ألبتة. # قوله: { ينبأ الإنسان }. أي: يخبر ابن آدم برا كان أو ~~فاجرا يوم القيامة { بما قدم وأخر } أي: بما أسلف من عمل ~~خيرا أو شرا، أو أخر من سيئة أو صالحة يعمل بها بعده قاله ابن ~~عباس وابن مسعود. # وقال ابن عباس أيضا: بما قدم من المعصية، وأخر من الطاعة، وهو قول ~~قتادة. # وقال ابن زيد: " بما قدم " مرة من أمواله لنفسه " وأخر " خلف ~~للورثة. # وقال الضحاك: " بما قدم " من فرض " وأخر " من فرض. # وقال مجاهد والنخعي: ينبأ بأول عمل وآخره. # قال القشيري: وهذا الإيتاء يكون في القيامة عند وزن الأعمال، ويجوز أن ~~يكون عند الموت. # قوله: { بل الإنسان على نفسه بصيرة }. يجوز في " ~~بصيرة " أوجه: # أحدها: أنها خبر عن الإنسان، و " على نفسه " متعلق ب " بصيرة " ، ~~والمعنى: بل الإنسان بصيرة على نفسه. # وعلى هذا فلأي شيء أنث الخبر. # وقد اختلف النحويون في ذلك، فقال بعضهم: الهاء فيه للمبالغة. # وقال الأخفش: هو كقولك: " فلان عبرة وحجة ". # وقيل: المراد بالإنسان الجوارح، فكأنه قال: بل جوارحه بصيرة، أي شاهدة. # والثاني: أنها مبتدأ، و " على نفسه " خبرها، والجملة خبر عن الإنسان. # وعلى هذا ففيها تأويلان: # أحدهما: أن تكون " بصيرة " صفة لمحذوف، أي عين بصيرة. قاله الفراء؛ ~~وأنشد: [الطويل] # 4992 - كأن على ذي العقل عينا بصيرة # بمقعده أو منظر هو ناظره # يحاذر حتى يحسب الناس كلهم # من الخوف لا تخفى عليهم سرائره # الثاني: أن المعنى جوارح بصيرة. # الثالث: أن المعنى ملائكة بصيرة، وهم الكاتبون، والتاء على هذا ~~للتأنيث. # وقال الزمخشري: " بصيرة ": حجة " بينة وصفت بالبصارة على المجاز كما ~~وصفت الآيات بالإبصار في قوله تعالى: # فلما جآءتهم آياتنا مبصرة # [النمل: 13]. # قال شهاب الدين: " هذا إذا لم تجعل الحجة عبارة عن الإنسان، أو تجعل ~~دخول التاء للمبالغة أما إذا كانت للمبالغة فنسبة الإبصار إليها حقيقة ~~". # الوجه الثالث: يكون الخبر الجار والمجرور و " بصيرة " فاعل به، وهو أرجح ~~مما قبله؛ ms8881 لأن الأصل في الأخبار الإفراد. # فصل في تفسير الآية # قال ابن عباس رضي الله عنهما: " بصيرة ": أي: شاهد، وهو شهود جوارحه ~~عليه: يداه بما يبطش بهما، ورجلاه بما يمشي عليهما، وعيناه بما أبصر بهما ~~والبصيرة: الشاهد، كما أنشد الفراء، ويدل عليه قوله تعالى: # يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون # [النور: 24]. # قال الواحدي: هذا يكون من صفات الكفار، فإنهم ينكرون ما عملوا، فيختم ~~على أفواههم، وتنطق جوارحهم. # قوله: { ولو ألقى معاذيره }. هذه الجملة حالية، وقد تقدم ~~نظيرها مرارا. # والمعاذير: جمع معذرة على غير قياس ك " ملاقيح ومذاكير " جمع لقحة ~~وذكر. # وللنحويين في مثل هذا قولان: # أحدهما: أنه جمع لملفوظ به وهو لقحة وذكر. # والثاني: أنه جمع لغير ملفوظ به بل لمقدر، أي ملقحة ومذكار. # وقال الزمخشري: " فإن قلت: أليس قياس " المعذرة " أن تجمع على معاذر ~~لا معاذير؟. # قلت: " المعاذير " ليست جمع " معذرة " بل اسم جمع لها، ونحوه: " ~~المناكير " في المنكر ". # قال أبو حيان: " وليس هذا البناء من أبنية أسماء الجموع، وإنما هو من ~~أبنية جموع التكسير " انتهى. # وقيل: " معاذير " جمع معذار، وهو الستر، والمعنى: ولو أرخى ستوره، ~~والمعاذير: الستور بلغة " اليمن " ، قاله الضحاك والسدي، ~~وأنشد:[الطويل] # 4993 - ولكنها ضنت بمنزل ساعة # علينا وأطت فوقها بالمعاذر # قال الزجاج: المعاذير: الستور، والواحد: معذار. # أي وإن أرخى ستوره يريد أن يخفى عمله فنفسه شاهدة عليه، وقد حذف الياء ~~من " المعاذر " ضرورة. # وقال الزمخشري: " فإن صح - يعني أن المعاذير: الستور - فلأنه يمنع رؤية ~~المحتجب كما تمنع المعذرة عقوبة المذنب ". وهذا القول منه يحتمل أن يكون ~~بيانا للمعنى الجامع بين كون المعاذير: الستور والاعتذارات، وأن يكون ~~بيانا للعلاقة المسوغة في التجويز. # فصل في معنى الآية # قال مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير وعبد الرحمن بن زيد وأبو العالية وعطاء ~~والفراء والسدي: المعنى: ولو اعتذر وقال: لم أفعل شيئا لكان عليه من ~~نفسه من يشهد عليه من جوارحه، فهو وإن اعتذر وجادل عن نفسه فعليه شاهد ~~يكذب عذره ". # وقال مقاتل: ولو أدلى بعذر أو حجة لم ms8882 ينفعه ذلك، نظيره قوله تعالى: # ولا يؤذن لهم فيعتذرون # [المرسلات: 36] فالمعاذير على هذا مأخوذة من العذر. ### || [75.16-19] # قوله: { لا تحرك به لسانك لتعجل به }. # قال بعض الرافضة: عدم مناسبتها لما قبلها يدل على تغيير القرآن. # قال ابن الخطيب: وفي مناسبتها وجوه: # الأول: لعل استعجال الرسول إنما كان عند نزول هذه الآيات. # الثاني: أنه تقدم أن الإنسان يستعجل بقوله: { ليفجر أمامه } ثم ~~بين أن العجلة مذمومة في أمر الدين، فقال تعالى: { لا تحرك به ~~لسانك لتعجل به } ، وقال تعالى بعدها: # بل تحبون العاجلة # [القيامة: 20]. # الثالث: أنه قدم { بل الإنسان على نفسه بصيرة } وكان ~~صلى الله عليه وسلم إنما يستعجل خشية النسيان، فقيل له صلى الله عليه ~~وسلم إن الأمور لا تحصل إلا بتوفيق الله - تعالى - وإعانته، فاعتمد على ~~الله - تعالى - واترك التعجيل. # الرابع: كأنه قيل: غرضك من هذا التعجيل أن تحفظه، وتبلغه إليهم ليظهر ~~صدقك، وقبح عنادهم، لكنهم يعلمون ذلك بقلوبهم، فلا فائدة في هذا التعجيل. # الخامس: أن الكافر لما قال: " أين المفر "؟ كأنه يطلب الفرار من الله ~~تعالى، فكن أنت يا محمد على مضادة الكافر، وفر من غير الله إلى الله. # السادس: قال القفال: الخطاب مع الإنسان المذكور في قوله { ينبأ ~~الإنسان } فإذا قيل له: اقرأ كتابك تلجلج لسانه، فيقال له: لا تعجل، ~~فإنه يجب علينا بحكم الوعد، أو بحكم الحكمة أن نجمع أعمالك ونقرأها عليك، ~~فإذا قرآناه فاتبع قرآنه بالإقرار { ثم إن علينا بيانه ~~} ، وهذا فيه وعيد شديد وتهويل. # روى الترمذي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه القرآن يحرك لسانه يريد أن يحفظه، ~~فأنزل الله تعالى: { لا تحرك به لسانك لتعجل به }. # قال: وكان يحرك شفتيه، فقال لي ابن عباس: أنا أحركهما كما كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يحركهما، فحرك شفتيه، فأنزل الله تعالى: { لا ~~تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه ~~وقرآنه } قال: جمعه في صدرك ثم نقرؤه { فإذا قرأناه ~~فاتبع ms8883 قرآنه } فاستمع وأنصت، ثم علينا أن نقرأه، فيقال: # " فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه جبريل - عليه السلام - ~~استمع، وإذا نطق جبريل - عليه السلام - قرأه النبي صلى الله عليه وسلم ~~كما أقرأه " # خرجه البخاري أيضا. # ونظير هذه الآية: # ولا تعجل بالقرؤان من قبل أن يقضى إليك ~~وحيه # [طه: 114]. وقد تقدم. # وقال عامر الشعبي: إنما كان يعجل بذكره صلى الله عليه وسلم إذا نزل ~~عليه الوحي من حبه له وحلاوته في لسانه مع الوحي مخافة أن ينساه صلى ~~الله عليه وسلم فنزلت: { ولا تعجل بالقرآن } الآية. # ونزل: # سنقرئك فلا تنسى # [الأعلى: 6]، ونزل: { لا تحرك به لسانك }. قاله ابن عباس: و ~~" قرآنه " أي وقراءته عليك، والقراءة والقرآن في قول الفراء: مصدران. # وقال قتادة: " فاتبع قرآنه " فاتبع شرائعه وأحكامه. # قوله: { وقرآنه } ، أي: قراءته، فهو مصدر مضاف للمفعول، وأما ~~الفاعل فمحذوف، والأصل: وقراءتك إياه، والقرآن: مصدر بمعنى القراءة. # وقال حسان رضي الله عنه: [البسيط] # 4994 - ضحوا بأشمط عنوان السجود به # يقطع الليل تسبيحا وقرآنا # وقال ابن عطية: قرأ أبو العالية: " إن علينا جمعه وقرته، ~~فإذا قرأناه فاتبع قرته ". بفتح القاف والراء والتاء من غير ~~همز ولا ألف. ولم يذكر توجيهها. # فأما توجيه قوله: " جمعه وقرآنه " وقوله: " فاتبع قرآنه " ~~فواضح - كما تقدم - في قراءة ابن كثير في " البقرة " ، وأنه هل هو نقل أو ~~من مادة " قرن " ، وتحقيق القولين مذكور ثمة فليلتفت إليه. # وأما قوله: بفتح القاف والراء والتاء، فيعني في قوله: " فإذا قرته " ~~يشير إلى أنه قرىء شاذا هكذا. # وتوجيهها: أن الأصل: " قرأته " فعلا ماضيا مسندا لضمير المخاطب، ~~أي: فإذا أردت قراءته، ثم أبدل الهمزة ألفا لسكونها بعد فتحة، ثم حذف ~~الألف تخفيفا، كقولهم: ولو ترى ما لصبيان، و " ما " مزيدة، فصار اللفظ " ~~قرته ". # فصل في لفظ الآية # قوله: { إن علينا جمعه } أي بمقتضى الوعد عند أهل السنة، ~~وبمقتضى الحكمة عند المعتزلة. " جمعه " في صدرك " وقرآنه " أي: يعيده ~~جبريل عليك حتى تحفظه وتقرأه بحيث لا تنساه، فعلى الأول: القارىء جبريل ~~عليك، وعلى الثاني ms8884 محمد صلى الله عليه وسلم والمراد بقراءته: جمعه كقوله: ~~[الوافر] # 4995 -.................. # ...........لم تقرأ جنينا # فيحمل الجمع على جمعه في الخارج، والقرآن على جمعه في ذهنه وحفظه لئلا ~~يلزم التكرار، وأسند القراءة لله لأنها بأمره. # وقوله: " فاتبع قرآنه " قيل: حلاله وحرامه أو لا تقارئه بل اسكت حتى ~~يسكت جبريل فاقرأ أنت، وهو أظهر؛ لأن الآية تدل على أنه صلى الله عليه ~~وسلم كان يقرأ مع جبريل، وكان يسأله في أثناء قراءته عن المشكلات فنهي عن ~~الأول بقوله " فاتبع قرآنه " ، وعن الثاني بقوله: { ثم إن علينا بيانه }. # قوله: { ثم إن علينا بيانه } أي: تفسير ما فيه من الحدود ~~والحلال، والحرام. قاله قتادة. وقيل: { ثم إن علينا بيانه ~~} ما فيه من الوعد والوعيد. # وقيل: إن علينا أن نبينه بلسانك. والضمائر تعود على القرآن، وإن لم ~~يجر له ذكر. # وقوله: { ثم إن علينا بيانه } يدل على أن بيان المجمل ~~واجب على الله - تعالى - أما عند أهل السنة فبالوعد والتفضل، وإما عند ~~المعتزلة فبالحكمة. والله أعلم. # فصل في الرد على من جوز تأخير البيان عن وقت الخطاب # احتج من جوز تأخير البيان عن وقت الخطاب بهذه الآية. # وأجاب أبو الحسين عند بوجهين: # الأول: أن ظاهر الآية يقتضي وجوب تأخير البيان عن وقت الخطاب، وأنتم لا ~~تقولون به. # الثاني: أن عندنا الواجب أن يقرن باللفظ إشعارا بأنه ليس المراد في ~~اللفظ ما يقتضيه ظاهره. فأما البيان التفصيلي فيجوز تأخيره فتحمل الآية ~~على تأخير البيان التفصيلي. # وذكر القفال وجها ثالثا، وهو قوله تعالى: { ثم إن علينا ~~بيانه } ثم إنا نخبرك بأن علينا بيانه فيحمل على الترتيب، ونظيره ~~قوله تعالى: # فك رقبة # [البلد: 13] إلى قوله # ثم كان من الذين آمنوا # [البلد: 17]. # قال ابن الخطيب: والجواب عن الأول: أن اللفظ لا يقتضي وجوب تأخير ~~البيان، بل يقتضي تأخير وجوب البيان، فيكون الجواب بالمنع لأن وجوب ~~البيان لا يتحقق إلا عند الحاجة، وعن الثاني: أن كلمة " ثم " دخلت ~~على مطلق البيان المجمل والمفصل، فالتخصيص بأحدهما تحكم بغير دليل. # وجواب القفال: ms8885 بأنه ترك للظاهر بغير دليل. # فصل فيمن جوز الذنوب على الأنبياء # أورد من جوز الذنوب على الأنبياء، بأن هذا الاستعجال إن كان بإذن، فكيف ~~نهي عنه وإن كان بغير إذن فهو ذنب. # قال ابن الخطيب: والجواب: لعله كان مأذونا فيه إلى وقت النهي. ### || [75.20-25] # قوله: { كلا }. قال الزمخشري: " كلا " ردع للنبي صلى الله عليه ~~وسلم عن عادة العجلة وحث على الأناة. # وقال جماعة من المفسرين: " كلا " معناه " حقا " أي: حقا تحبون ~~العاجلة، وهو اختيار أبي حاتم؛ لأن الإنسان بمعنى الناس. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: " كلا " أي: أن أبا جهل لا يؤمن ~~بتفسير القرآن وبيانه. # وقيل: " كلا " لا يصلون ولا يزكون، يريد كفار " مكة ". # " بل تحبون ". قرأ ابن كثير وأبو عمرو: " يحبون، ويذرون ~~" بيان الغيبة حملا على لفظة الإنسان المذكور أولا لأن المراد به ~~الجنس، وهو اختيار أبي حاتم؛ لأن " الإنسان " بمعنى الناس والباقون: ~~بالخطاب فيهما، إما خطابا لكفار قريش أي: بل تحبون يا كفار قريش ~~العاجلة، أي: الدار الدنيا والحياة فيها { وتذرون الآخرة } أي ~~تدعون الآخرة والعمل لها، وإما التفاتا عن الإخبار عن الجنس المتقدم ~~والإقبال عليه بالخطاب. # واختار الخطاب أبو عبيد، قال: ولولا الكراهة لخلاف هؤلاء القراء لقرأتها ~~بالياء، لذكر الإنسان قبل ذلك. # قوله تعالى: { وجوه يومئذ ناضرة } فيه أوجه: # أحدها: أن يكون " وجوه " مبتدأ، و " ناضرة " نعت له، و " يومئذ " ~~منصوب ب " ناضرة " و " ناظرة " خبره، و " إلى ربها " متعلق ~~بالخبر. والمعنى: أن الوجوه الحسنة يوم القيامة ناظرة إلى الله تعالى، ~~وهذا معنى صحيح، والناضرة: من النضرة وهي التنعم، ومنه غصن ناضر. # الثاني: أن تكون " وجوه " مبتدأ أيضا، و " ناضرة " خبره، و " ~~يومئذ " منصوب الخبر - كما تقدم - وسوغ الابتداء هنا بالنكرة كون ~~الموضع موضع تفصيل، كقوله: [المتقارب] # 4996 -.................. # فثوب لبست وثوب أجر # وتكون " ناضرة " نعتا ل " وجوه " أو خبرا ثانيا او خبرا ~~لمبتدأ محذوف، و " إلى ربها " متعلق ب " ناظرة " كما تقدم. # وقال ابن عطية: وابتدأ بالنكرة؛ لأنها تخصصت بقوله: " يومئذ ". # وقال أبو البقاء: وجاز الابتداء ms8886 هنا بالنكرة لحصول الفائدة. # وفي كلا قوليهما نظر أما قول ابن عطية: فلأن قوله " تخصصت " بقوله: " ~~يومئذ " هو التخصيص إما لكونها عاملة فيه، وهو محال؛ لأنها جامدة، ~~وإما لأنها موصوفة به، وهو محال أيضا؛ لأن الجثة لا توصف بالزمان كما لا ~~يخبر به عنها. # وأما قول أبي البقاء: فإن أراد بحصول الفائدة ما تقدم من التفصيل فصحيح، ~~وإن عنى ما عناه ابن عطية فليس بصحيح لما تقدم. # الثالث: أن يكون " وجوه " مبتدأ، و " يومئذ " خبره. # قاله أبو البقاء. # وهذا غلط من حيث المعنى ومن حيث الصناعة. # أما المعنى: فلا فائدة في الإخبار عنها بذلك، وأما الصناعة: فلأنه لا ~~يخبر بالزمان عن الجثة، فإن ورد ما ظاهره ذلك يؤول نحو " الليلة الهلال ~~". # الرابع: أن يكون " وجوه " مبتدأ و " ناضرة " خبره، و { إلى ~~ربها ناظرة } جملة مستأنفة في موضع خبر ثان، قاله ابن عطية. # وفيه نظر؛ لأنه لا ينعقد منهما كلام؛ إذ الظاهر تعلق " إلى " ب " ~~ناظرة " اللهم إلا أن يعني أن " ناظرة " خبر لمبتدأ مضمر، أي: هي ~~ناظرة إلى ربها، وهذه الجملة خبر ثان وفيه تعسف. # الخامس: أن يكون الخبر ل " وجوه " مقدرا، أي: وجوه يومئذ ثم، و ~~" ناضرة " صفة وكذلك " ناظرة ". # قاله أبو البقاء: وهو بعيد لعدم الحاجة إلى ذلك. # والوجه: الأولى لخلوصه من هذه التعسفات. وكون " إلى " حرف جر، و " ربها ~~" مجرورا بها هو المتبادر إلى الذهن، وقد خرجه بعض المعتزلة على أن يكون ~~" إلى " اسما مفردا بمعنى النعمة مضافا إلى " الرب " ويجمع على " آلاء ~~" نحو # فبأي آلاء ربكما # [الرحمن: 13] - وقد تقدم أن فيها لغات أربعا - و " ربها " خفض ~~بالإضافة والمفعول مقدم ناصبه " ناظرة " بمعنى منتظرة والتقدير: وجوه ~~منتظرة نعمة ربها. # وهذا فرار من إثبات النظر لله - تعالى - على معتقدهم. # وتمحل الزمخشري لمذهب المعتزلة بطريق أخرى من جهة الصناعة، فقال - ~~بعد أن جعل التقديم في " إلى ربها " مؤذنا بالاختصاص -: والذي يصح معه ~~أن يكون من قول الناس: إنا إلى فلان ناظر ما يصنع بي، يريد معنى التوقع ~~والرجاء؛ ومنه ms8887 قول القائل: [الكامل] # 4997 - وإذا نظرت إليك من ملك # والبحر دونك زدتني نعما # وسمعت سرية مستجدية ب " مكة " وقت الظهر حين يغلق الناس أبوابهم، ~~ويأوون إلى مقايلهم تقول: " عيينتي نويظرة " إلى الله وإليكم، ~~والمعنى: أنهم لا يتوقعون النعمة والكرامة إلا من ربهم. # قال شهاب الدين: وهذا كالحوم على من يقول إن " ناظرة " بمعنى منتظرة، ~~إلا أن مكيا قد رد هذا القول، فقال: ودخول " إلى " مع النظر يدل على ~~أنه نظر العين، وليس من الانتظار ولو كان من الانتظار لم تدخل معه " إلى ~~"؛ ألا ترى أنك لا تقول: انتظرت إلى زيد، وتقول: نظرت إلى زيد تعني نظر ~~العين، ف " إلى " تصحب نظر العين، ولا تصحب نظر الانتظار، فمن قال: إن " ~~ناظرة " بمعنى " منتظرة " فقد أخطأ في المعنى وفي الإعراب ووضع الكلام في ~~غير موضعه. # وقال القرطبي: " إن العرب إذا أرادت بالنظر الانتظار قالوا: نظرته، كما ~~قال تعالى # هل ينظرون إلا الساعة # [الزخرف: 66]، # هل ينظرون إلا تأويله # [الأعراف: 53]، # ما ينظرون إلا صيحة واحدة # [يس: 49]، وإذا أرادت به التفكر والتدبر قالوا: نظرت فيه، فأما إذا كان ~~النظر مقرونا بذكر " إلى " وذكر الوجه فلا يكون إلا بمعنى الرؤية ~~والعيان ". # وقال الأزهري: " إن قول مجاهد: تنتظر ثواب ربها خطأ؛ لأنه لا يقال: نظر ~~إلى كذا بمعنى الانتظار، وإن قول القائل: نظرت إلى فلان ليس إلا رؤية ~~عين، كذا تقوله العرب؛ لأنهم يقولون: نظرت إليه إذا أرادوا نظر العين، ~~فإذا أرادوا الانتظار قالوا: نظرته "؛ قال: [الطويل] # 4998 - فإنكما إن تنظرا لي ساعة # من الدهر تنفعني لدى أم جندب # لما أرادوا الانتظار قال: تنظراني، وإذا أرادوا نظر العين قالوا: نظرت ~~إليه. # قال الشاعر: [الطويل] # 4999 - نظرت إليها والنجوم كأنها # مصابيح رهبان تشب لقفال # وقال آخر: [الطويل] # 5000 - نظرت إليها بالمحصب من منى # ..................... # والنضرة: طرواة البشرة وجمالها، وذلك من أثر النعمة، يقال: نضر وجهه ~~فهو ناضر. # وقال بعضهم: نسلم أنه من نظر العين إلا أن ذلك على حذف مضاف، أي ثواب ~~ربها ونحوه. # قال مكي: " لو جاء هذا ms8888 لجاز: نظرت إلى زيد، بمعنى: نظرت إلى عطاء زيد، ~~وفي هذا نقض لكلام العرب وتخليط في المعاني ". # ونضره الله ونضره، مخففا ومثقلا، أي: حسنه ونعمه. # قال صلى الله عليه وسلم: # " نضر الله أمرأ سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما ~~سمعها " # يروى بالوجهين. # ويقال للذهب: نضار من ذلك، ويقال له: النضر أيضا. # ويقال: أخضر ناضر كأسود حالك، وقدح نضار: يروى بالإتباع والإضافة. # والعامة: " ناضرة " بألف، وقرأ زيد بن علي: " نضرة " بدونها، ك " فرح " ~~فهو فرح. # فصل في الرؤية. # روى مسلم في قوله تعالى # للذين أحسنوا الحسنى # [يونس: 26] كان ابن عمر يقول: أكرم أهل الجنة على الله من ينظر إلى وجهه ~~غدوة وعشية، ثم تلى: { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ~~ناظرة }. # وقال عكرمة: تنظر إلى ربها نظرا، وحكى الماوردي عن ابن عمر وعكرمة ~~ومجاهد: تنظر أمر ربها، وليس معروفا إلا عن مجاهد وحده. # وجمهور أهل السنة تمسك بهذه الآية لإثبات أن المؤمنين يرون الله - ~~سبحانه وتعالى - يوم القيامة وأما المعتزلة فاحتجوا بقوله تعالى: # لا تدركه الأبصار # [الأنعام: 103]، ويقولون: النظر المقرون ب " إلى " ليس اسما للرؤية، ~~بل لمقدمة الرؤية، وهي تقليب الحدقة نحو المرئي التماسا لرؤيته، ونظر ~~العين بالنسبة إلى الرؤية كنظر القلب بالنسبة إلى المعرفة، وكالإصغاء ~~بالنسبة إلى السمع ويدل على ذلك قوله تعالى: # وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون # [الأعراف: 198] فأثبت النظر حال عدم الرؤية، ويقال: نظر إليه شزرا، ~~ونظر إليه غضبان ونظر راضيا، ولا يقال ذلك في الرؤية، ويقال: وجوه ~~متناظرة، أي: متقابلة ويقال: انظر إليه حتى تراه، فتكون الرؤية غاية ~~للنظر، وأن النظر يحصل والرؤية غير حاصلة وقال: [الوافر] # 5001 - وجوه ناظرات يوم بدر # إلى الرحمن تنتظر الخلاصا # ولا رؤية مع النظر المقرون ب " إلى " ، وقال تعالى: # ولا ينظر إليهم يوم القيامة # [آل عمران: 77] ومن قال: لا يراهم، كفر، قالوا: ويمكن أن يكون معنى قوله ~~تعالى: { ناظرة } أي: منتظرة كقولك: أنا أنظر إليك في حاجتي، أو يكون ~~" إلى " مفرد " آلاء " وهي النعم - كما تقدم - والمراد: إلى ثواب ربها؛ ~~لأن الأدلة ms8889 العقلية والسمعية لما منعت الرؤية وجب التأويل، أو يكون ~~المعنى أنها لا تسأل، ولا ترغب إلا إلى الله عز وجل، كقوله: # " اعبد الله كأنك تراه ". # قال ابن الخطيب: والجواب: لنا مقامان: # أحدهما: أن نقول: النظر هو الرؤية كقول موسى عليه الصلاة والسلام: # رب أرني أنظر إليك # [الأعراف: 143]، فلو كان المراد تقليب الحدقة نحو المرئي لاقتضت الآية ~~إثبات الجهة والمكان، ولأنه أخر النظر عن الإرادة فلا يكون تقليب. # المقام الثاني: سلمنا ما ذكرتموه من أن النظر تقليب الحدقة للرؤية، لكن ~~يقدر حمله على الحقيقة، فيجب الحمل على الرؤية إطلاقا لاسم السبب على ~~المسبب، وهو أولى من حمله على الانتظار لعدم الملازمة؛ لأن تقليب الحدقة ~~كالسبب للرؤية، ولا تعلق بينه وبين الانتظار. # وأم قولهم: نحمله على الانتظار قلنا: الذي هو بمعنى الانتظار، وفي ~~القرآن غير مقرون، كقوله تعالى: # انظرونا نقتبس # [الحديد: 13]، # هل ينظرون إلا تأويله # [الأعراف: 53]، والذي ندعيه أن النظر المقرون ب " إلى " ليس بمعنى ~~الرؤية؛ لأن وروده بمعنى الرؤية، أو بالمعنى الذي يستعقب الرؤية ظاهر، ~~فلا يكون بمعنى الانتظار دفعا للاشتراك وقوله: " وجوه ناظرات يوم بدر ". ~~شعر موضوع، والرواية الصحيحة: [الوافر] # 5002 - وجوه ناظرات يوم بكر # إلى الرحمن تنتظر الخلاصا # والمراد من هذا الرحمن: مسيلمة الكذاب؛ لأنهم كانوا يسمونه رحمن ~~اليمامة، وأصحابه كانوا ينظرون إليه ويتوقعون منه الخلاص من الأعداء. # وقولهم: هو مفرد " آلاء " أي: نعمة ربها. # قلنا: فيصدق على أي نعمة كانت. # وإن قلنا: لأنه إنما كان للماهية التي يصدق عليها أنها نعمة، فعلى هذا ~~يكفي في تحقيق مسمى هذه اللفظة أي جزء فرض من أجزاء النعمة، وإن كانت ~~غاية في القلة والحقارة، وكيف يمكن أن تكون من حاله الثواب يومئذ في ~~النعم العظيمة، فكيف ينتظرون نعمة قليلة، وكيف يمكن أن يكون من حاله كذلك ~~أن يبشر بأنه يتوقع الشيء الذي يطلق عليه اسم النعمة، ومثال هذا: أن يبشر ~~سلطان الأرض بأنه سيصير حاله في العظمة والقوة بعد سنة بحيث يكون متوقعا ~~لحصول نعمة واحدة فكما أن ذلك فاسد، فكذا ms8890 هاهنا سلمنا أن النظر المتعدي ~~ب " إلى " المقرون بالوجوه جاء في اللغة بمعنى الانتظار، ولكن لا يمكن ~~حمل هذه الآية عليه؛ لأن لذة الانتظار مع تعين الوقوع كانت حاصلة في ~~الدنيا، فلا بد وأن تحصل في الآخرة زيادة حتى يحصل الترغيب في الآخرة، ~~ولا يجوز أن يكون ذلك هو قرب الحصول. # قال القشيري: وهذا باطل؛ لأن واحد " الآلاء " يكتب بالألف لا بالياء. # وقرب الحصول معلوم بالعقل فبطل التأويل. # وأما قولهم: المراد ثواب ربها، فهو خلاف الظاهر، هذا ما ذكره ابن ~~الخطيب. # وروى القرطبي في " تفسيره " قال: خرج " مسلم " عن جرير بن عبد الله قال: # " كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر، ~~فقال صلى الله عليه وسلم: " إنكم سترون ربكم عيانا كما ~~ترون القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا ~~تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها ~~فافعلوا " ثم قرأ: { وسبح بحمد ربك قبل طلوع ~~الشمس وقبل الغروب } [ق: 39] " # متفق عليه. # وفي كتاب " النسائي " عن صهيب - رضي الله عنه - قال: " فيكشف ~~الحجاب فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم شيئا أحب ~~إليهم من النظر، ولا أقر لأعينهم ". # وروى أبو إسحاق الثعلبي عن الزبير عن جابر قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " يتجلى ربنا - سبحانه وتعالى - حتى ينظر إلى ~~وجهه فيخرون له سجدا، فيقول الله تعالى: ارفعوا ~~رءوسكم فليس هذا بيوم عبادة ". # وقال القرطبي: وقيل: أضاف النظر إلى العين؛ لأن العين في الوجه فهو ~~كقوله تعالى: # تجري من تحتها الأنهار # [البقرة: 25] والماء يجري في النهر لا النهر ثم قد يكون الوجه بمعنى ~~العين، قال تعالى: # فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا # [يوسف: 93]، أي على عينيه، ثم لا يبعد قلب العادة غدا حتى يخلق النظر ~~في الوجه وهو كقوله تعالى # أفمن يمشي مكبا على وجهه # [الملك: 22]. # " فقيل: يا رسول الله، كيف يمشون في النار على وجوههم؟ قال: ~~" الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على ~~وجوههم ". # قوله: { ووجوه يومئذ باسرة } ، أي: وجوه الكفار ms8891 يوم ~~القيامة شديدة كالحة. # والباسر: الشديد العبوس، والباسل: أشد منه ولكنه غلب في الشجاع إذا ~~اشتد كلوحة. # وفي " الصحاح ": وبسر الفحل الناقة وابتسرها: إذا ضربها، وبسر الرجل ~~وجهه بسورا أي: كلح، يقال: " عبس وبسر ". # وقال السدي: " باسرة " متغيرة، والمعنى: أنها عابسة كالحة قد ~~أظلمت ألوانها. # قوله تعالى: { تظن أن يفعل بها فاقرة }. # أي: توقن وتعلم. # قال ابن الخطيب: هكذا قاله المفسرون، وعندي أن الظن هنا إنما ذكر على ~~سبيل التهكم، كأنه قيل لما شاهدوا تلك الأحوال حصل فيهم ظن أن القيامة ~~حق. # والفاقرة هي الداهية العظيمة، قاله أبو عبيدة. # سميت بذلك لأنها تكسر فقار الظهر. # قال النابغة: [الطويل] # 5003 - أبى لي قبر لا يزال مقابلي # وضربة فأس فوق رأسي فاقره # أي: داهية مؤثرة، يقال: فقرته الفاقرة، أي: كسرت فقار ظهره. قال معناه ~~مجاهد وغيره، ومنه سمي الفقير لانكسار فقاره من القل وقد تقدم في ~~البقرة. # وقال قتادة: " الفاقرة ": الشر، وقال السدي: الهلاك. # وقال ابن عباس وزيد: دخول النار، وأصلها الوسم على أنفس البعير بحديدة ~~أو نار حتى يخلص إلى العظم. قاله الأصمعي. # يقال: فقرت أنف البعير: إذا حززته بحديدة، ثم جعلت على موضع الحز ~~الجرير وعليه وتر ملوي لتذلله وتروضه. ### || [75.26-35] # قوله تعالى: { كلا إذا بلغت التراقي } " كلا " ردع ~~وزجر، أي بعيد أن يؤمن الكافر بيوم القيامة، ثم استأنف فقال: { إذا ~~بلغت التراقي } أي: بلغت النفس والروح التراقي فأخبر بما لم يجر ~~له ذكر لعلم المخاطب به كقوله تعالى: # حتى توارت بالحجاب # [ص: 32] وقوله: # فلولا إذا بلغت الحلقوم # [الواقعة: 83]. # وقيل: " كلا " معناه " حقا " إن المساق إلى الله تعالى إذا بلغت ~~التراقي، أي إذا ارتفعت النفس إلى التراقي. # وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: إذا بلغت نفس الكافر التراقي. و " ~~التراقي ": مفعول " بلغت " والفاعل مضمر، أي: النفس وإن لم يجر لها ذكر، ~~كقول حاتم: [الطويل] # 5004 - أماوي ما يغني الثراء عن الفتى # إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # أي: حشرجت النفس. # وقيل: في البيت: إن الدال على النفس ذكر جملة ms8892 ما اشتمل عليها وهو الفتى ~~فكذلك هنا ذكر الإنسان دال على النفس، والعامل في " إذا بلغت " معنى ~~قوله تعالى: { إلى ربك يومئذ المساق } [القيامة: 30]، ~~أي: إذ بلغت الحلقوم رفعت إلى الله تعالى، ويكون قوله: { وقيل من ~~راق } [القيامة: 27] معطوف على " بلغت ". # و " التراقي ": جمع " ترقوة " ، أصلها: " تراقو " قلبت واوها ياء ~~لانكسار ما قبلها. # والترقوة: أحد عظام الصدر. قاله أبو حيان، والمعروف غير ذلك. # قال الزمخشري: ولكل إنسان ترقوتان، فعلى هذا يكون من باب: غليظ الحواجب ~~وعريض المناكب. # وقال القرطبي: " هي العظام المكتنفة لنقرة النحر، وهو مقدم الدلق من ~~أعلى الصدر، وهو موضع الحشرجة ". # قال دريد بن الصمة: [الوافر] # 5005 - ورب عظيمة دافعت عنها # وقد بلغت نفوسهم التراقي # وقال الراغب: " الترقوة ":عظم وصل ما بين نقرة النحر والعاتق ~~انتهى. # وقال الزمخشري: العظام المكتنفة لنقرة النحر عن يمين وشمال. ووزنها: " ~~فعلوة " فالتاء أصل والواو زائدة، يدل عليه إدخال أهل اللغة إياها في ~~مادة " ترق ". # وقال أبو البقاء والفراء: جمع ترقوة،وهي " فعلوة " ، وليست ب " ~~تفعلة " ، إذ ليس في الكلام " رقو ". # وقرىء: " التراقي " بسكون، وهي كقراءة زيد: # تطعمون أهليكم # [المائدة: 89] وقد تقدم توجيهها. # وقد يكنى ببلوغ النفس التراقي عن الإشفاء على الموت والمقصود تذكيرهم ~~شدة الحال عند نزول الموت. # فصل في الرد على من طعن في الآية # قال ابن الخطيب: قال بعض الطاعنين: إن النفس إنما تصل إلى التراقي بعد ~~مفارقتها للقلب ومتى فارقت النفس القلب حصل الموت لا محالة، والآية تدل ~~على أن عند بلوغها التراقي تبقى الحياة حتى يقال فيه: من راق وحتى تلتف ~~الساق بالساق، والجواب: أن المراد من قوله: { حتى إذا بلغت ~~التراقي } ، أي: إذا حصل بالقرب من تلك الحالة. # قوله: { من راق } مبتدأ وخبر، وهذه الجملة هي القائمة مقام الفاعل، ~~وأصول البصريين تقتضي ألا يكون؛ لأن الفاعل عندهم لا يكون جملة، بل ~~القائم مقامه ضمير المصدر وقد تقدم تحقيق هذا في البقرة. # وهذا الاستفهام يجوز أن يكون على بابه، وأن يكون استبعادا وإنكارا. # فالأولى مروي عن ابن عباس وعكرمة ms8893 وغيرهما، قالوا: هو من الرقية. # وروى سماك عن عكرمة قال: " من راق " يرقي ويشفي. # والثاني رواه ميمون بن مهران عن ابن عباس أيضا: هل من طبيب يشفيه، وهو ~~قول أبي قلابة وقتادة. وقال الشاعر: [البسيط] # 5006 - هل للفتى من بنات الدهر من واق؟ # أم هل له من حمام الموت من راق؟ # وكان هذا على وجه الاستبعاد واليأس، أي من يقدر أن يرقي من الموت. # وعن ابن عباس أيضا وأبي الجوزاء: أنه من رقي يرقى: إذا صعد. # والمعنى: من يرقى بروحه إلى السماء؟ أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ # وقيل: إن ملك الموت يقول: " من راق " أي: من يرقى بهذه النفس. # قال شهاب الدين: و " راق " اسم فاعل إما من " رقى يرقي " من الرقية، ~~وهو كلام معد للاستشفاء يرقى به المريض ليشفى، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " وما أدراك أنها رقية " # يعني الفاتحة، وهو اسم من أسمائها، وإما من " رقي يرقى " من ~~الرقي وهو الصعود أي أن الملائكة لكراهتها في روحه تقول: من يصعد بهذه ~~الروح يقال: " رقى - بالفتح - من الرقية، وبالكسر من الرقي " ، ~~ووقف حفص على نون " من " سكتة لطيفة، وقد تقدم تحقيق هذا في أول الكهف. # وذكر سيبويه أن النون تدغم في الراء وجوبا بغنة وبغيرها نحو " من راشد ~~". # قال الواحدي: إن إظهار النون عند حروف الفم لحن فلا يجوز إظهار نون " من ~~" في قوله: " من راق ". # وروى حفص عن عاصم: إظهار النون واللام في قوله: " من راق " و " بل ران ~~". قال أبو علي الفارسي: " ولا أعرف وجه ذلك ". # قال الواحدي: والوجه أن يقال: قصدوا الوقف على " من " و " بل " ، ~~فأظهروهما ثم ابتدأوا بما بعدهما، وهذا غير مرضي من القراءة. # قوله: { وظن أنه الفراق } ، أي: أيقن الإنسان أنه الفراق، ~~أي: فراق الدنيا، والأهل والمال والولد، وذلك حين يعاين الملائكة، وسمي ~~اليقين هنا بالظن؛ لأن الإنسان ما دامت روحه متعلقة ببدنه فإنه يطمع في ~~الحياة لشدة حبه لهذه الحياة العاجلة، ولا ينقطع رجاؤه عنها، فلا يحصل له ~~يقين الموت، ms8894 بل الظن الغالب مع رجاء الحياة، أو لعله سماه بالظن الغالب ~~تهكما. # قال ابن الخطيب: وهذه الآية تدل على أن الروح جوهر قائم بنفسه باق بعد ~~موت البدن؛ لأن الله - تعالى - سمى الموت فراقا، والفراق إنما يكون إذا ~~كانت الروح باقية، فإن الفراق والوصال صفة، والصفة تستدعي وجود الموصوف. # قوله تعالى: { والتفت الساق بالساق }. الالتفاف هو ~~الاجتماع، قال تعالى: # جئنا بكم لفيفا # [الإسراء: 104] ومعنى الكلام: اتصلت الشدة بالشدة، شدة آخر الدنيا بشدة ~~أول الآخرة. قاله ابن عباس والحسن وغيرهما. # وقال الشعبي وغيره: التفت ساقا الإنسان عند الموت من شدة الكرب. # قال قتادة: أما رأيته إذا أشرف على الموت يضرب برجله على الأخرى. # وقال سعيد بن المسيب والحسن أيضا: هما ساقا الإنسان إذا التفتا في ~~الكفن. # وقال زيد بن أسلم: التفت ساق الكفن بساق الميت. # قال النحاس: القول الأول أحسنها، لقول ابن عباس: هو آخر يوم من الدنيا ~~وأول يوم من الآخرة فتلتقي الشدة بالشدة إلا من رحم الله، والعرب لا تذكر ~~الساق إلا في الشدائد والمحن العظام، ومنه قولهم: قامت الحرب على ساق. # قال أهل المعاني: إن الإنسان إذا دهمته شدة شمر لها عن ساقيه، فقيل ~~للأمر الشديد: ساق، قال الجعدي: [الطويل] # 5007 - أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها # وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا # قوله تعالى: { إلى ربك يومئذ المساق }. أي: إلى خالقك ~~يومئذ، أي: يوم الساق، أي: المرجع، و " المساق " " مفعل " من السوق وهو ~~اسم مصدر. # قال القرطبي: " المساق ": مصدر ساق يسوق، كالمقال من قال يقول. # قوله: { فلا صدق ولا صلى } " لا " هنا دخلت على الماضي، وهو ~~مستفيض في كلامهم بمعنى: لم يصدق ولم يصل. # قال: [الرجز] # 5008 - إن تغفر اللهم تغفر جما # وأي عبد لك لا ألما # وقال آخر: [الطويل] # 5009 - وأي خميس، لا أتانا نهابه # وأسيافنا من كبشه تقطر الدما # وقال مكي: " لا " الثانية نفي، وليست بعاطفة، ومعناه: فلم يصدق ولم ~~يصل. قال شهاب الدين: " وكيف يتوهم العطف حتى ينفيه ". # وجعل الزمخشري { فلا صدق وصلى ms8895 } عطفا على الجملة من قوله: { يسأل ~~أيان يوم القيامة } قال: وهو معطوف على قوله: " يسأل أيان " ~~أي لا يؤمن بالبعث فلا صدق بالرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن الكريم. # واستبعده أبو حيان. # وقال الكسائي: " لا " بمعنى " لم " ولكنه يقرن بغيره، تقول العرب: لا ~~عبد الله خارج ولا فلان، ولا تقول: مررت برجل لا محسن حتى يقال ولا مجمل، ~~وقوله: # فلا اقتحم العقبة # [البلد: 11] ليس من هذا القبيل؛ لأن معناه: فهلا اقتحم، بحذف حرف ~~الاستفهام. # وقال الأخفش: " فلا صدق " أي: لم يصدق، كقوله تعالى: " فلا اقتحم ~~" أي: لم يقتحم، ولم يشترط أن يعقبه بشيء آخر، والعرب تقول: لا ذهب، أي: ~~لم يذهب، فحرف النفي ينفي الماضي كما ينفي المستقبل، ومنه قول زهير: ~~[الطويل] # 5010 -................... # فلا هو أبداها ولم يتقدم # فصل في معنى الآية # قال ابن عباس رضي الله عنهما: معناه لم يصدق بالرسالة، " ولا صلى " أي: ~~دعا لربه - عز وجل - وصلى على رسوله عليه الصلاة والسلام. # وقال قتادة: " فلا صدق " بكتاب الله " ولا صلى " لله تعالى. # [وقيل: لا صدق بمال ذخرا له عند الله تعالى " ولا صلى " الصلوات التي ~~أمر الله بها. # وقيل: فلا آمن بقلبه] ولا عمل ببدنه. # قيل: المراد أبو جهل. # وقيل: الإنسان المذكور في قوله: # أيحسب الإنسان # [القيامة: 3]. # قوله: { ولكن كذب وتولى } الاستدراك هنا واضح؛ لأنه لا ~~يلزم من نفي التصدق والصلاة، التكذيب والتولي لأن كثيرا من المسلمين ~~كذلك فاستدرك ذلك بأن سببه التكذيب والتولي، ولهذا يضعف أن يحمل نفي ~~التصديق على نفي تصديق الرسول - عليه الصلاة والسلام - لئلا يلزم التكرار ~~فتقع " لكن " بين متوافقين، وهو لا يجوز. # قال القرطبي: ومعناه كذب بالقرآن، وتولى عن الإيمان. # قوله تعالى: { ثم ذهب إلى أهله يتمطى }. أي: يتبختر ~~افتخارا بذلك. قاله مجاهد وغيره. # " يتمطى " جملة حالية من فاعل " ذهب " ، ويجوز أن يكون بمعنى شرع في ~~التمطي، كقوله: [الطويل] # 5011 - فقام يذود الناس عنها بسيفه # وتمطى - هنا - فيه قولان: # أحدهما: أنه من " المطا " وهو الظهر، ومعناه: يتبختر أي يمد مطاه ~~ويلويه تبخترا ms8896 في مشيته. # الثاني: أن أصله " يتمطط " أي يتمدد، ومعناه: أنه يتمدد في مشيته ~~تبخترا، ومن لازم التبختر ذلك فهو يقرب من معنى الأول، ويفارقه في ~~مادته، إذ مادة " المطا ": " م ط و " ، ومادة الثاني: " م ط ط " ، وإنما ~~أبدلت الطاء الثانية ياء كراهية اجتماع الأمثال نحو: تطيبت، وقصيت ~~أظفاري، وقوله: [الراجز] # 5012 - تقضي البازي إذا البازي كسر # والمطيطاء: التبختر ومد اليدين في المشي، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " المطيطاء وخدمتهم من فارس والروم كان بأسهم ~~بينهم ". # و " المطيط ": الماء الخاثر أسفل الحوض؛ لأنه يتمطط، أي: يمتد فيه. # وقال القرطبي: التمطط: هو التمدد من التكسل، والتثاقل فهو متثاقل عن ~~الداعي إلى الحق، والتمطي يدل على قلة الاكتراث. # قوله: { أولى لك فأولى } تقدم الكلام عليه في أول سورة ~~القتال، وإنما كررها هنا مبالغة في التهديد والوعيد، فهو تهديد بعد تهديد ~~ووعيد بعد وعيد؛ قالت الخنساء: [المتقارب] # 5013 - هممت بنفسي كل الهموم # فأولى لنفسي أولى لها # وقال أبو البقاء هنا: " وزن " أولى فيه قولان: # أحدهما: " فعلى " والألف فيه للإلحاق لا للتأنيث. # والثاني: هو " أفعل " ، وهو على القولين هنا " علم " ، ولذلك لم ينون، ~~ويدل عليه ما حكى أبو زيد في " النوادر ": هو أولاة - بالتاء - غير ~~مصروف، لأنه صار علما للوعيد، فصار كرجل اسمه أحمد، فعلى هذا يكون أولى ~~مبتدأ، و " لك " الخبر. # والثاني: أن يكون اسما للفعل مبنيا، ومعناه: وليك شر بعد شر، و " لك " ~~تبيين. # فصل في نزول الآية # قال قتادة ومقاتل والكلبي: # " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد ذات ليلة ~~فاستقبله أبو جهل على باب المسجد مما يلي باب بني مخزوم، ~~فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، فهزه مرة أو مرتين ثم قال له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أولى لك فأولى، ثم أولى لك ~~فأولى " فقال أبو جهل: أتهددني؟ فوالله إني لأعز أهل هذا ~~الوادي وأكرمه، ولا تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي ~~شيئا ثم انسل ذاهبا " # ، فأنزل الله - تعالى - كما قال ms8897 الرسول الله عليه الصلاة والسلام. # ومعنى أولى لك يعني ويل لك؛ قال الشاعر: [الوافر] # 5014 - فأولى ثم أولى ثم أولى # وهل للدر يحلب من مرد؟ # وقيل: هو من المقلوب، كأنه قيل: " ويل " ثم أخر الحرف المعتل، والمعنى: ~~الويل لك يوم تدخل النار؛ وهذا التكرير كقوله: [الطويل] # 5015 -........................ # لك الويلات إنك مرجلي # أي لك الويل ثم الويل. # وقيل: معناه الذم لك أولى من تركه. # وقيل: المعنى أنت أولى وأجدر بهذا العذاب. # وقال أبو العباس أحمد بن يحيى: قال الأصمعي " أولى " في كلام العرب ~~معناه مقاربة الهلاك كما تقول: قد وليت الهلاك، أي دانيت الهلاك، وأصله ~~من " الولي " وهو القرب، قال تعالى: # قاتلوا الذين يلونكم # [التوبة: 123] أي: يقربون منكم. # قال القرطبي: " وقيل: التكرير فيه على معنى من ألزم لك على عملك السيىء ~~الأول ثم الثاني والثالث والرابع ". ### || [75.36-40] # قوله: { أيحسب الإنسان } ، أي: أيظن ابن آدم " أن يترك سدى " ~~أي: أن يخلى مهملا، فلا يؤمر ولا ينهى. قاله ابن زيد ومجاهد. # وقيل: أن يترك في قبره أبدا كذلك لا يبعث، و " سدى " حال من فاعل " ~~يترك " ومعناه: مهملا، يقال: إبل سدى، أي: مهملة. # وقال الشاعر: [المتقارب] # 5016 - وأقسم بالله جهد اليمي # ن ما خلق الله شيئا سدى # أي: مهملا، وأسديت حاجتي، أو ضيعتها، ومعنى أسدى إليه معروفا، أي: ~~جعله بمنزلة الضائع عند المسدى إليه لا يذكره ولا يمن به عليه. # قوله: { ألم يك نطفة }. العامة: على الياء من تحت في " يك " ~~رجوعا إلى الإنسان. # والحسن: بتاء الخطاب، على الالتفات إليه توبيخا له. # وقوله: { من مني يمنى }. قرأ حفص: " يمنى " بالياء من ~~تحت. # وفيه وجهان: # أحدهما: أن الضمير عائد على المني - أي يصب - فتكون الجملة في محل جر. # والثاني: أنه يعود للنطفة، لأن تأنيثها مجازي؛ ولأنها في معنى الماء. ~~قاله أبو البقاء. # وهذا إنما يتمشى على قول ابن كيسان. # وأما النحاة فيجعلونه ضرورة؛ كقوله: [المتقارب] # 5017 -................. # ولا أرض أبقل إبقالها # وقرأ الباقون: " تمنى " بالتاء من فوق على أن الضمير للنطفة، فعلى ~~هذه القراءة وعلى ms8898 الوجه المذكور قبلها تكون الجملة في محل نصب؛ لأنها صفة ~~المنصوب. # فصل في معنى الآية # والمعنى من قطرة ما تمنى في الرحم، أي تراق فيه، ولذلك سميت " منى " ~~لإراقة الدماء، والنطفة: الماء القليل، ويقال: نطف الماء، أي: قطر، أي ~~ألم يك ماء قليلا في صلب الرجل وترائب المرأة، فنبه تعالى بهذا على خسة ~~قدره. ثم قال تعالى: { فخلق فسوى } أي: فسواه تسوية، وعدله ~~تعديلا بجعل الروح فيه. # وقيل: فخلق فقد فسوى فعدل. # وقيل: " فخلق " أي: نفخ فيه " فسوى " فكمل أعضاءه. قاله ابن عباس ~~ومقاتل. # { فجعل منه } أي: من الإنسان. # وقيل: من المني " الزوجين، الذكر والأنثى " أي: الرجل والمرأة. # فقوله تعالى { الذكر والأنثى } يجوز أن يكونا بدلين من الزوجين ~~على لغة من يرى إجراء المثنى إجراء المقصور، وقد تقدم تحقيقه في " طه " ~~ومن ينسب إليه هذه اللغة والاستشهاد على ذلك [طه: 63]. # فصل فيمن احتج بالآية على إسقاط الخنثى # قال القرطبي: وقد احتج بهذه الآية من رأى إسقاط الخنثى وقد مضى في سورة ~~" الشورى " أن هذه الآية وقرينتها إنما خرجت مخرج الغالب. # فإن قيل: ما فائدة قوله: " يمنى " في قوله تعالى { من مني يمنى }؟ ~~فالجواب فيه إشارة إلى حقارة حاله، كأنه قيل: إنه مخلوق من المني الذي ~~يجري مجرى النجاسة، فلا يليق بمثل هذا أن يتمرد عن طاعة الله - تعالى - ~~إلا أنه عبر عن هذا المعنى على سبيل الرمز، كما في قوله تعالى في " عيسى ~~ومريم " - عليهما الصلاة والسلام - # كانا يأكلان الطعام # [المائدة: 75] والمراد منه قضاء الحاجة. # قوله تعالى: { أليس ذلك بقادر } أي: أليس الذي قدر على خلق ~~هذه النسمة من قطرة ماء. # وقوله: " بقادر " اسم فاعل مجرور ب " باء " زائدة في خبر " ليس " ~~وهذه قراءة العامة. # وقرأ زيد بن علي: " يقدر " فعلا مضارعا. # والعامة: على نصب " يحيى " ب " أن " لأن الفتحة خفيفة على حرف العلة. # وقرأ طلحة بن سليمان والفياض بن غزوان: بسكونها، فإما أن يكون خفف حرف ~~العلة بحذف حرف الإعراب. وإما أن يكون أجرى الوصل مجرى الوقف، وجمهور ~~الناس ms8899 على وجوب فك الإدغام. # قال أبو البقاء: لئلا يجمع بين ساكنين لفظا وتقديرا. # يعني أن الحاء ساكنة، فلو أدغمنا لسكنا الياء الأولى أيضا للإدغام، ~~فيلتقي ساكنان لفظا، وهو متعذر النطق، فهذان ساكنان لفظا. # وأما قوله: تقديرا؛ فإن بعض الناس جوز الإدغام في ذلك، وقراءته أن ~~يحي، وذلك أنه لما أراد الإدغام نقل حركة الياء الأولى إلى الحاء ~~فأدغمها فالتقى ساكنان، الحاء لأنها ساكنة في الأصل قبل النقل إليها ~~والياء؛ لأن حركتها نقلت من عليها إلى الحاء؛ واستشهد الفراء لهذه ~~القراءة بقول الشاعر: [الكامل] # 5018 - تمشي بسدة بيتها فتعي # وأما أهل " البصرة " فلا يدغمونه ألبتة قالوا: لأن حركة الياء عارضة إذ ~~هي للإعراب. # وقال مكي: وقد أجمعوا على عدم الإدغام في حال الرفع، وأما في حال النصب ~~فقد أجازه الفراء لأجل تحرك الياء الثانية، وهو لا يجوز عند البصريين، ~~لأن الحركة عارضة. # قال شهاب الدين: ادعاؤه الإجماع مردود بالبيت الذي تقدم إنشاده عن ~~الفراء، وهو قوله: " فتعي " فهذا مرفوع وقد أدغم، ولا يبعد ذلك لأنه لما ~~أدغم ظهرت تلك الحركة لسكون ما قبل الياء بالإدغام ". # فصل في معنى الآية # المعنى الذي قدر على خلق هذه النسمة من قطرة ماء قادر على أن يحيي ~~الموتى أي: أن يعيد هذه الأجسام كهيئتها للبعث بعد البلى. # روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أنه كان إذا قرأها، قال: " سبحانك اللهم وبلى " ". # وقال ابن عباس: من قرأ { سبح اسم ربك الأعلى } إماما كان ~~أو غيره فليقل: " سبحان ربي الأعلى " ومن قرأ: # لا أقسم بيوم القيامة # [القيامة:1] إلى آخرها فليقل: سبحانك اللهم بلى، إماما كان أو غير. # روى الثعلبي عن أبي بن كعب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة القيامة شهدت أنا وجبريل له يوم ~~القيامة أنه كان مؤمنا بيوم القيامة وجاء ووجهه ~~يسفر عن وجوه الخلائق يوم القيامة " # والله أعلم وأحكم. ### | [76 - سورة الانسان] ### || [76.1-3] # قوله تعالى: { هل أتى على الإنسان } في " هل " هذه وجهان: # أحدهما: ms8900 أنها على بابها من الاستفهام المحض، أي: هو ممن يسال لغرابته ~~أأتى عليه حين من الدهر لم يكن كذا فإنه يكون الجواب: أتى عليه ذلك وهو ~~بالحال المذكورة. كذا قاله أبو حيان. # وقال مكي في تقرير كونها على بابها من الاستفهام: والأحسن أن تكون على ~~بابها للاستفهام الذي معناه التقرير, وإنما هو تقرير لمن أنكر البعث فلا ~~بد أن يقول: نعم قد مضى دهر طويل لا إنسان فيه، فيقال له: من أحدثه بعد ~~أن لم يكن وكونه بعد عدمه، كيف يمتنع عليه بعثه، وإحياؤه بعد موته، وهو ~~معنى قوله: # ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون # [الواقعة: 62] أي: فهلا تذكرون، فتعلمون أن من أنشأ شيئا بعد أن لم يكن ~~قادرا على إعادته بعد موته وعدمه انتهى. # فقد جعلها لاستفهام التقرير لا للاستفهام المحض، وهذا هو الذي يجب أن ~~يكون؛ لأن الاستفهام لا يرد من الباري - تعالى - على هذا النحو وما ~~أشبهه. # والثاني: قال الكسائي والفراء وأبو عبيدة وحكي أيضا عن سيبويه: أنها ~~بمعنى " قد " قال الفراء: " هل " تكون جحدا وتكون خبرا، فهذا من ~~الخبر؛ لأنك تقول: هل أعطيتك؟ تقرره: بأنك أعطيته، والجحد أن تقول: هل ~~يقدر أحد على مثل هذا؟. # وقال الزمخشري: " هل " بمعنى " قد " في الاستفهام خاصة، والأصل: " أهل ~~"؛ بدليل قوله: [البسيط] # 5019- سائل فوارس يربوع لشدتنا # أهل رأونا بوادي القف ذي الأكم؟ # فالمعنى: أقد أتى، على التقرير والتقريب جميعا، أي أتى على الإنسان قبل ~~زمان قريب " حين من الدهر لم يكن " فيه { شيئا مذكورا } أي: ~~شيئا منسيا غير مذكور انتهى. # فقوله " على التقرير " يعني المفهوم من الاستفهام، وهو الذي فهمه مكي من ~~نفس " هل " لا تكون بمعنى " قد " إلا ومعها استفهام لفظا كالبيت ~~المتقدم، أو تقريرا كالآية الكريمة. # فلو قلت: هل جاء زيد، يعني: قد قام، من غير استفهام لم يجز. وغيره قد ~~جعلها بمعنى " قد " من غير هذا القيد. # وبعضهم لا يجيز ذلك ألبتة ويتأول البيت المتقدم على أنه مما جمع فيه بين ~~حرفي معنى للتأكيد، وحسن ذلك اختلاف ms8901 لفظهما؛ كقوله: [الطويل] # 5020- فأصبحن لا يسألنني عن بما به # فالباء بمعنى " عن " وهي مؤكدة لها، وإذا كانوا قد أكدوا مع اتفاق ~~اللفظ؛ كقوله: [الوافر] # 5021- فلا - والله - لا يلفى لما بي # ولا للما بهم أبدا دواء # فلأن يؤكد مع اختلافه أحرى، ولم يذكر الزمخشري غير كونها بمعنى " قد " ، ~~وبقي على الزمخشري قيد آخر، وهو أن يقول: في الجمل الفعلية، لأنه متى ~~دخلت " هل " على جملة اسمية استحال كونها بمعنى " قد " لأن " قد " مختصة ~~بالأفعال. # قال شهاب الدين: وعندي أن هذا لا يرد لأنه تقرر أن " قد " لا تباشر ~~الأسماء. # فصل في المراد بالإنسان المذكور في الآية # قال قتادة والثوري وعكرمة والشعبي: إن المراد بالإنسان هنا آدم - عليه ~~الصلاة والسلام - وهو مروي عن ابن عباس. # وقيل: المراد بالإنسان: بنو آدم لقوله تعالى: { إنا خلقنا ~~الإنسان من نطفة }. # فالإنسان في الموضعين واحد وعلى هذا فيكون نظم الآية أحسن. # وقوله: { حين من الدهر } # قال ابن عباس في رواية الضحاك أنه خلق من طين فأقام أربعين سنة، ثم من ~~حمإ مسنون أربعين سنة، ثم من صلصال أربعين سنة، فتم خلقه في مائة وعشرين ~~سنة، ثم نفخ فيه الروح. # وحكى الماوردي عن ابن عباس - رضي الله عنه -: أن الحين المذكور هاهنا هو ~~الزمن الطويل الممتد الذي لا يعرف مقداره. # وقال الحسن: خلق الله تبارك وتعالى كل الأشياء ما يرى وما لا يرى من ~~دواب البر والبحر في الأيام الست التي خلق الله - تعالى - فيها السماوات ~~والأرض، وآخر ما خلق آدم - عليه الصلاة والسلام - فهو كقوله تعالى: { ~~لم يكن شيئا مذكورا }. # فإن قيل: إن الطين والصلصال والحمأ المسنون قبل نفخ الروح فيه ما كان ~~إنسانا، والآية تقتضي أنه مضى على الإنسان حال كونه إنسانا { حين من ~~الدهر } مع أنه في ذلك الحين ما كان شيئا مذكورا. # فالجواب: أن الطين والصلصال إذا كان مصورا بصورة الإنسان، ويكون ~~محكوما عليه بأنه سينفخ فيه الروح، ويصير إنسانا صح تسميته بأنه إنسان، ~~ومن قال: إن الإنسان هوالنفس الناطقة، وأنها موجودة قبل ms8902 وجود الأبدان ~~فالإشكال عنهم زائل، واعلم أن الغرض من هذا التنبيه على أن الإنسان ~~محدث، وإذا كان كذلك فلا بد من محدث قادر. # قوله: " لم يكن " في هذه الجملة وجهان: # أحدهما: أنها في موضع نصب على الحال من الإنسان, أي هل أتى عليه حين في ~~هذه الحال. # والثاني: أنها في موضع رفع نعتا ل " حين " بعد نعت، وعلى هذا فالعائد ~~محذوف، تقديره: حين لم يكن فيه شيئا مذكورا. والأول أظهر لفظا ومعنى. # فصل في تفسير الآية # روى الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: { لم يكن شيئا ~~مذكورا }: لا في السماء ولا في الأرض. # وقيل: كان جسدا مصورا ترابا وطينا لا يعرف ولا يذكر، ولا يدري ما ~~اسمه ولا ما يراد به ثم نفخ فيه الروح فصار مذكورا. قاله الفراء وقطرب ~~وثعلب. # وقال يحيى بن سلام: { لم يكن شيئا مذكورا } لأنه خلقه بعد ~~خلق الحيوان كله، ولم يخلق حيوانا بعده، ومن قال: إن المراد من ~~الإنسان الجنس من ذرية آدم - عليه الصلاة والسلام - فالمراد بالحين تسعة ~~أشهر مدة الحمل في بطن أمه { لم يكن شيئا مذكورا } إذ كان ~~مضغة وعلقة؛ لأنه في هذه الحالة جماد لا خطر له. # وقال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - لما قرأ هذه الآية: ليتها تمت ~~فلا نبتلى، أي ليت المدة التي أتت على آدم لم يكن شيئا مذكورا تمت على ~~ذلك فلا يلد ولا يبتلى، أولاده، وسمع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ~~رجلا يقرأ: { هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم ~~يكن شيئا مذكورا } فقال: ليتها تمت. # قوله: { إنا خلقنا الإنسان }. يعني ابن آدم من غير خلاف " من ~~نطفة " أي: من ماء يقطر وهو المني، وكل ماء قليل في وعاء، فهو نطفة؛ ~~كقول عبد الله بن رواحة يعاتب نفسه: [الرجز] # 5022- ما لي أراك تكرهين الجنه # هل أنت إلا نطفة في شنه؟ # وجمعها: نطف ونطاف. # قوله: " أمشاج ": نعت ل " نطفة " ووقع الجمع نعتا لمفرد؛ لأنه ~~في معنى الجمع كقوله تعالى: # رفرف خضر # [الرحمن: ms8903 76] أو جعل جزء من النطفة نطفة، فاعتبر ذلك فوصفت بالجمع. # وقال الزمخشري: " نطفة أمشاج " كبرمة أعشار وبر أكباش وثوب ~~أخلاق وأرض يباب وهي الفاظ مفردة غير جموع ولذلك وقعت صفات للأفراد، ~~ويقال: نطفة مشج؛ قال الشماخ: [الوافر] # 5023- طوت أحشاء مرتجة لوقت # على مشج سلالته مهين # ولا يصح في " أمشاج " أن يكون تكسيرا له بل هما مثلان في الإفراد ~~لوصف المفرد بهما. # فقد منع أن يكون " أمشاج " جمع " مشج " بالكسر. # قال أبو حيان: وقوله مخالف لنص سيبويه والنحويين على أن " أفعالا " لا ~~يكون مفردا. # قال سيبويه: وليس في الكلام " أفعال " إلا أن يكسر عيله اسما للجميع، ~~وما ورد من وصف المفرد ب " أفعال " تأولوه انتهى. # قال شهاب الدين: هو لم يجعل " أفعالا " مفردا، إنما قال: يوصف به ~~المفرد، يعني التأويل ذكرته من أنهم جعلوا كل قطعة من البرمة برمة، ~~وكل قطعة من البرد بردا، فوصفوهما بالجمع. # وقال أبو حيان: " الأمشاج ": الأخلاط، وأحدها " مشج " بفتحتين أو مشج ~~كعدل وأعدال، أو مشيج كشريف وأشراف. قاله ابن العربي؛ وقال رؤبة [الرجز] # 5024- يطرحن كل معجل مشاج # لم يكس جلدا من دم أمشاج # وقال الهذلي يصف السهم لهم بأنه قد نفذ في الرمية فالتطخ ريشه وفوقاه ~~بدم يسير: [الوافر] # 5025- كأن الريش والفوقين منه # خلاف النصل سيط به مشيج # ويقال: مشج يمشج مشجا إذا خلط، فمشيج ك " خليط " ، وممشوج ك " ~~مخلوط " انتهى. # فجوز أن يكون جمعا ل " مشيج " كعدل، وقد تقدم أن الزمخشري منع من ذلك. # وقال الزمخشري: " ومشجه ومزجه بمعنى، من نطفة قد امتزج فيها الماءان ~~". # وقال القرطبي: ويقال: مشجت هذا بهذا أي: خلطته، فهو ممشوج ومشيج، مثل ~~مخلواط وخليط، وهو هنا اختلاط النطفة بالدم، وهو دم الحيض، وذلك أن ~~المرأة إذا بلغت ماء الرجل وحبلت أمسك حيضها، فاختلطت النطفة بالدم. # وقال الفراء: أمشاج: اختلاط ماء الرجل وماء المرأة، والدم والعلقة. # روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: الأمشاج في الحمرة، والبياض في ~~الحمرة، وعنه أيضا قال: يختلط ماء الرجل وهو أبيض غليظ بماء المرأة ms8904 وهو ~~أصفر رقيق، فيخلق الولد فما كان من عصب وعظم وقوة فهو من ماء الرجل، وما ~~كان من لحم وشعر فهو من ماء المرأة. # قال القرطبي: " وقد روي هذا مرفوعا؛ ذكره البزار ". # وعن ابن مسعود: أمشاجها عروق المضغة. # وقال مجاهد: نطفة الرجل بيضاء وحمراء، ونطفة المرأة خضراء وصفراء. # وقال ابن عباس: خلق من ألوان، خلق من تراب ثم من ماء الفرج والرحم وهي ~~نطفة ثم علقة، ثم مضغة ثم عظم ثم لحم، ونحوه. # قال قتادة: هي أطوار الخلق: طورا نطفة، وطورا علقة، وطورا مضغة، ~~وطورا عظاما، ثم يكسو العظام لحما. # قال ابن الخطيب: وقيل: إن الله - تعالى - جعل في النطفة أخلاطا من ~~الطبائع التي تكون في الإنسان من الحرارة والبرودة، والرطوبة واليبوسة، ~~والتقدير: من نطفة ذات أمشاج، فحذف المضاف وتم الكلام. # قوله: " نبتليه ". يجوز في هذه الجملة وجهان: # أحدهما: أنها حال من فاعل خلقنا، أي: خلقناه حال كوننا مبتلين له. # والثاني: أنها حال من الإنسان، وصح ذلك لأن في الجملة ضميرين كل منهما ~~يعود على ذي الحال، ثم هذه الحال أن تكون مقارنة إن كان معنى " نبتليه " ~~نصرفه في بطن أمه نطفة ثم علقة كما قال ابن عباس وأن تكون مقدرة إن كان ~~المعنى نبتليه نختبره بالتكليف؛ لأنه وقت خلقه غير مكلف. # وقال الزمخشري: " ويجوز أن يكون ناقلين له من حال إلى حال، فسمي بذلك ~~ابتلاء على طريق الاستعارة ". # قال شهاب الدين: " وهذا معنى قول ابن عباس المتقدم ". # وقال بعضهم: في الكلام تقديم وتأخير، والأصل: إننا جعلناه سميعا بصيرا ~~لنبتليه، أي: جعلنا له ذلك للابتلاء، وهذا لا حاجة إليه. # فصل في تفسير قوله تعالى نبتليه # قوله: " نبتليه ": لنبتليه، كقولك: " جئتك أقضي حقك، أي لأقضي حقك وآتيك ~~أستمنحك كذا " ونظيره قوله تعالى: # ولا تمنن تستكثر # [المدثر: 6] أي: لتستكثر. # ومعنى: " نبتليه " نختبره، وقيل: نقدر فيه الابتلاء وهو الاختبار، وفيما ~~يختبر به وجهان: # أحدهما: قال الكلبي: نختبره بالخير والشر. # والثاني: قال الحسن: نختبر شكره في السراء وصبره في الضراء. # وقيل: " نبتليه " نكلفه بالعمل ms8905 بعد الخلق. قاله مقاتل رحمه الله. ~~وقيل: نكلفه؛ ليكون مأمورا بالطاعة، ومنهيا عن المعاصي. # وقوله: { فجعلناه سميعا بصيرا }. # والمعنى: إنا خلقناه في هذه الأمشاج لا للعبث بل للابتلاء والامتحان، ثم ~~ذكر أنه أعطاه ما يصح معه الابتلاء وهو السمع والبصر، وهما كنايتان عن ~~الفهم والتمييز، لأن الابتلاء لا يقع إلا بعد تمام الخلقة، والمعنى: ~~جعلنا له سمعا يسمع به الهدى وبصرا يبصر به الهدى كما قال تعالى حاكيا ~~عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام: # لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر # [مريم: 42] وقد يراد بالسميع المطيع، كقوله: " سمعا وطاعة " ، ~~وبالبصير: العالم، يقال: لفلان بصر في هذا الأمر. # وقيل: المراد بالسمع والبصر: الحاستان المعروفتان، والله - تعالى - ~~خصهما بالذكر؛ لأنهما أعظم الحواس وأشرفهما. # قوله: { إنا هديناه السبيل } أي: بينا له وعرفناه بطريق ~~الهدى والضلال والخير والشر ببعث الرسل فآمن أو كفر. # وقال مجاهد: السبيل هنا خروجه من الرحم. # وقيل: منافعه ومضاره التي يهتدي إليها بطبعه وكمال عقله. # فصل في ان العقل متأخر عن الحواس # قال ابن الخطيب: أخبر الله - تعالى - أنه بعد أن ركبه وأعطاه الحواس ~~الظاهرة والباطنة بين له سبيل الهدى والضلال، قال: والآية تدل على أن ~~العقل متأخر عن الحواس، وهو كذلك ثم ينشأ عنها عقائد صادقة أولية كعلمنا ~~بان النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان، وأن الكل أعظم من الجزء وهذه ~~العلوم الأولية هي العقل. # قال الفراء: هذا يتعدى بنفسه وباللام. # قوله: { إما شاكرا }. نصب على الحال، وفيه وجهان: # أحدهما: أنه حال من مفعول " هديناه " أي: هديناه مبينا له كلتا ~~حالتيه. # قال أبو البقاء: وقيل: وهي حال مقدرة. # قال شهاب الدين: لأنه حمل الهداية على أول البيان له وفي ذلك الوقت غير ~~متصف بإحدى الصفتين. # والثاني: أنه حال من " السبيل " على المجاز. # قال الزمخشري: " ويجوز أن يكونا حالين من السبيل أي عرفناه السبيل، إما ~~سبيلا شاكرا، وإما سبيلا كفورا، كقوله تعالى: # وهديناه النجدين # [البلد: 10]، فوصف السبيل بالشكر والكفر مجازا ". # والعامة على كسر همزة " إما " وهي المرادفة ل " أو " وقد تقدم ms8906 خلاف ~~النحويين فيها. # ونقل مكي عن الكوفيين أن هاهنا: " إن " الشرطية زيدت بعدها " ما " ثم ~~قال: " وهذا لا يجيزه البصريون؛ لأن " إن " الشرطية لا تدخل على الأسماء ~~إلا أن يضمر فعل نحو: # وإن أحد من المشركين # [التوبة: 6]، ولا يصح إضمار الفعل، ويمكن أن يضمر فعل ينصب " شاكر " ، ~~وأيضا لا دليل على الفعل " انتهى. # قال شهاب الدين: لا نسلم أنه يلزم رفع " شاكرا " مع إضمار الفعل، ويمكن ~~أن يضمر فعل ينصب " شاكرا " تقديره: إنا خلقناه شاكرا فشكورا، وإنا ~~حلقناه كافرا فكفورا. # وقرأ أبو السمال، وأبو العجاج: بفتحها، وفيه وجهان: # أحدهما: أنها العاطفة وأنها لغة، وبعضهم فتح الهمزة؛ وأنشدوا على ذلك: ~~[الطويل] # 5026- تنفخها أما شمال عرية # وأما صبا جنح العشي هبوب # بفتح الهمزة. # ويجوز مع فتح الهمزة إبدال ميمها الأولى ياء؛ قال [البسيط] # 5027- أيما إلى جنة أيما إلى نار # وحذف الواو بينهما. # والثاني: أنها " إما " التفصيلية وجوابها مقدر. # قال الزمخشري: وهي قراءة حسنة، والمعنى: إما شاكرا فبتوفيقنا، وإما ~~كفورا فبسوء اختياره انتهى، ولم يذكر غيره. # فصل في الكلام على الآية # قال ابن الخطيب بعد حكايته أن " شاكرا وكفورا " حالان: إن المعنى: ~~كلما يتعلق بهداية الله تعالى وإرشاده فقد تم حالتي الكفر والإيمان. # وقيل: وانتصب " شاكرا وكفورا " بإضمار " كان " والتقدير: سواء كان ~~شاكرا أو كان كفورا. # وقيل: معناه إن هديناه السبيل ليكون إما شاكرا وإما كفورا، أي يتميز ~~شكره من كفره، وطاعته من معصيته كقوله تعالى: # ليبلوكم أيكم أحسن عملا # [الملك: 2] قال القفال: ومجاز هذه الكلمة على هذا التأويل كقولك: " قد ~~نصحت لك إن شئت فاقبل، وإن شئت قاترك " فتحذف الفاء، وقد يحتمل أن يكون ~~ذلك على جهة الوعيد، أي: إنا هديناه السبيل، فإن شاء فليشكر، وإن شاء ~~فليكفر فإنا قد أعتدنا للكافرين كذا قوله # وقل الحق من ربكم فمن شآء فليؤمن ومن شآء ~~فليكفر # [الكهف: 29]. # وقيل: حالان من السبيل، فإن شاء فليشكر، وإن شاء فليكفر. # وقيل: حالان من السبيل، أي عرفناه السبيل إما سبيلا شاكرا وإما سبيلا ~~كفورا، ووصف السبيل بالشكر والكفر ms8907 مجاز. # قال ابن الخطيب: وهذه الأقوال لائقة بمذهب المعتزلة. # وقيل قول الخامس مطابق لمذهب أهل السنة واختاره الفراء وهو أن تكون " ~~إما " في هذه الآية كما في قوله تعالى: # إما يعذبهم وإما يتوب عليهم # [التوبة: 106] والتقدير: إنا هديناه السبيل، ثم جعلناه تارة شاكرا، ~~وتارة كفورا ويؤيده قراءة أبي السمال المتقدمة، قالت المعتزلة: هذا ~~التأويل باطل لتهديده الكفار بعد هذه الآية بقوله تعالى # إنآ أعتدنا للكافرين سلاسلا وأغلالا وسعيرا # [الإنسان: 4] ولو كان كفر الكافر من الله وبخلقه لما جاز منه أن يهدده ~~عليه، ولما بطل هذا التأويل الأول، وهو أنه - تعالى - هدى جميع المكلفين، ~~سواء آمن أو كفر، وبهذا بطل قول المجبرة. # وأجيب: بأنه - تعالى - لما علم من الكافر أنه لا يؤمن، ثم كلفه بأن يؤمن ~~فقد كلفه بالجمع بين العلم بعدم الإيمان ووجود الإيمان، وهذا تكليف ~~بالجمع بين متنافيين، فإن لم يصر هذا عذرا في سقوط التهديد والوعيد جاز ~~ايضا أن يخلق الكفر فيه، ولا يصير ذلك عذرا في سقوط التهديد والوعيد، ~~فإذا ثبت هذا ظهر أن هنا التأويل هوالحق، وبطل تأويل المعتزلة. # فصل في جمعه تعالى بين الشاكر والكفور # قال القرطبي: " جمع بين الشاكر والكفور ولم يجمع بين الشكور والكفور مع ~~اجتماعهما في معنى المبالغة نفيا للمبالغة في الشكر، وإثباتا لها في ~~الكفر؛ لأن شكر الله - تعالى - لا يؤدى فانتفت عنه المبالغة، ولم ينتف ~~عن الكفر المبالغة فقل شكره لكثرة النعم عليه وكثرة كفره وإن قل مع ~~الإحسان إليه، حكاه الماوردي ". ### || [76.4-22] # قوله تعالى: { إنآ أعتدنا للكافرين سلاسلا }. # قرأ نافع والكسائي، وهاشم وأبو بكر، " سلاسلا " والباقون: بغير ~~تنوين. # ووقف هؤلاء، وحمزة، وقنبل عليه بالألف بلا خلاف. # وابن ذكوان والبزي وحفص: بالألف وبدونها - يعني بلا ألف - والباقون: ~~وقفوا بالألف بلا خلاف. # فقد تحصل من هذا أن القراء على أربع مراتب، منهم من ينون وصلا ويقف ~~بالألف وقفا بلا خلاف وهما حمزة وقنبل، ومنهم من لم ينون ويقف بالألف ~~بلا خلاف، وهو أبو عمرو وحده، ومنهم من لم ينون ويقف بالألف ms8908 تارة وبدونها ~~أخرى، وهم ابن ذكوان وحفص والبزي، فهذا ضبط ذلك. # فأما التنوين في " سلاسل " فذكروا له أوجها: # منها: أنه قصد بذلك التناسب؛ لأن ما قبله وما بعده منون منصوب. # ومنها: أن الكسائي وغيره من أهل " الكوفة " حكوا عن بعض العرب أنهم ~~يصرفون جميع ما لا ينصرف إلا " أفعل منك ". # قال الأخفش: سمعنا من العرب من يصرف كل ما لا ينصرف؛ لأن الأصل في ~~الأسماء الصرف، وترك الصرف لعارض فيها، وأن هذا الجمع قد جمع وإن كان ~~قليلا قالوا: " صواحب وصواحبات " ، وفي الحديث: # " إنكن لصواحبات يوسف " # ؛ وقال: [الرجز] # 5028- قد جرت الطير أيامنينا # فجمع " أيامن " جمع تصحيح المذكر. # وأنشدوا: [الكامل] # 5029- وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم # خضع الرقاب نواكس الأبصار # بكسر السين من " نواكس " وبعدها ياء تظهر خطا لا لفظا لالتقاء ~~الساكنين، وهذا على رواية كسر السين، والأشهر فيها نصب السين، فلما جمع ~~شابه المفردات فانصرف. # ومنها: أنه مرسوم في إمام " الحجاز " و " الكوفة " بالألف، رواه أبو ~~عبيد، ورواه قالون عن نافع، وروى بعضهم ذلك عن مصاحف " البصرة " أيضا. # وقال الزمخشري: فيه وجهان: # أحدهما: أن تكون هذه النون بدلا من حرف الإطلاق، ويجري الوصل مجرى ~~الوقف. # والثاني: أن يكون صاحب هذه القراءة ممن ضري برواية الشعر ومرن لسانه على ~~صرف ما لا ينصرف. # قال شهاب الدين: " وفي هذه العبارة فظاظة وغلظة، لا سيما على مشيخة ~~الإسلام، وأئمة العلماء الأعلام، ووقف هؤلاء بالألف ظاهر ". # وأما لمن لم ينونه فظاهر، لأنه على صيغة منتهى الجموع. # وقولهم: قد جمع نحو " صواحبات، وأيامنين " لا يقدح؛ لأن المحذور جمع ~~التكسير، وهذا جمع تصحيح، وعدم وقوفهم بالألف واضح أيضا. وأما من لم ~~ينون ووقف بالألف فاتباعا للرسم الكريم كما تقدم. # وأيضا: فإن الروم في المفتوح لا يجوزه القراء، والقارئ قد يبين الحركة ~~في وقفه فأتوا بالألف ليبين منها الفتحة. # وروي عن بعضهم أنه يقول: " رأيت عمرا " بالألف، يعني عمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه - والسلاسل: جمع سلسلة وهي القيود في جهنم، وقد ~~تقدم الكلام عنها في سورة " الحاقة ms8909 ". # فصل # اعلم أنه بين -هاهنا- حال الفريقين، وأنه تعبد العقلاء، وكلفهم ~~ومكنهم مما أمرهم فمن كفر فله العقاب، ومن وحد وشكر فله الثواب، ~~والاعتداد هو اعتداد الشيء حتى يكون عتيدا حاضرا متى احتيج إليه، ~~كقوله تعالى: # هذا ما لدي عتيد # [ق: 23]، والأغلال: جمع غل، تغل بها أيديهم إلى أعناقهم. وقد تقدم ~~الكلام في السعير أيضا. # قوله تعالى: { إن الأبرار يشربون من كأس } الآية. لما ~~ذكر ما أعد للكافرين ذكر ما أعد للشاكرين، والأبرار أهل الصدق، واحدهم: ~~بر، وهو من امتثل أمر الله تعالى. # وقيل: البر: الموحد، والأبرار: جمع " بار " مثل: " شاهد وأشهاد ". # وقيل: هو جمع " بر " مثل: " نهر وأنهار ". # وفي " الصحاح ": وجمع البر: الأبرار، وجمع البار: البررة، وفلان يبر ~~خالقه ويتبرره أي يطيعه، والأم برة بولدها. # وروى ابن عمر - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إنما سماهم الله - تعالى - الأبرار؛ لأنهم بروا ~~الآباء والأبناء، كما أن لوالديك عليك حقا، كذلك لولدك ~~عليك حقا ". # وقال الحسن: البر الذي لا يؤذي الذر. # وقال قتادة: الأبرار الذين يؤدون حق الله، ويوفون بالنذر، وفي الحديث: # " الأبرار الذين لا يؤذون أحدا ". # { يشربون من كأس }. أي: من إناء فيه الشراب. # قال ابن عباس: يريد الخمر. # والكأس في اللغة: الإناء فيه الشراب، وإذا لم يسم كأسا. # قوله تعالى: { كان مزاجها كافورا } المزاج: ما يمزج به أي: ~~يخلط، يقال: مزجه يمزجه مزجا أي: خلطه يخلطه خلطا. # قال حسان: [الوافر] # 5030- كأن سبيئة من بيت رأس # يكون مزاجها عسل وماء # فالمزاج كالقوام اسم لما يقاوم به الشيء، ومنه مزاج البدن: وهو ما ~~يمازجه من الصفراء والسوداء والحرارة والبرودة. # و " الكافور ": طيب معروف، وكأن اشتقاقه من الكفر، وهو الستر لأنه يغطي ~~الأشياء برائحته، والكافور أيضا: كمائم الشجر الذي يغطي ثمرتها. # قال بعضهم: الكافور: " فاعول " من الكفر كالناقور من النقر، ~~والغاموس من الغمس، تقول: غامسته في الماء أي: غمسته، والكفر: القرية ~~والجبل العظيم؛ قال: [الطويل] # 5031-............................... # تطلع رياه من الكفرات # والكافور:البحر، والكافر: الليل، والكافر: الساتر لنعم الله تعالى، ~~والكافر: الزارع ms8910 لتوريته الحب في الأرض؛ قال الشاعر: [السريع] # 5032- وكافر مات على كفره # وجنة الفردوس للكافر # والكفارة: تغطية الإثم في اليمين الفاجرة والنذور الكاذبة بالمغفرة، ~~والكافور: ماء جوف شجر مكنون، فيغرزونه بالحديد، فيخرج إلى ظاهر الشجر، ~~فيضربه الهواء فيجمد وينعقد كالصمغ الجامد على الأشجار. # ويقال: كفر الرجل يكفر إذا وضع يده على صدره. # فصل في الآية # قال ابن الخطيب: مزج الكافور بالمشروب لا يكون لذيذا، فما السبب في ~~ذكره؟. # والجواب من وجوه: # أحدها: قال ابن عباس: اسم عين ماء في الجنة يقال له: عين الكافور أي: ~~يمازجه ماء هذا العين التي تسمى كافورا في بياض الكافور ورائحته وبرده ~~ولكن لا يكون فيه طعمه ولا مضرته. # وثانيها: أن رائحة الكافور عرض، والعرض لا يكون إلا في جسم، فخلق الله ~~تلك الرائحة في جرم ذلك التراب فسمي ذلك الجسم كافورا وإن كان طعمه ~~طيبا فيكون ريحها لا طعمها. # وثالثها: أن الله تبارك وتعالى يخلق الكافور في الجنة مع طعم لذيذ ويسلب ~~عنه ما فيه من المضرة، ثم إنه - تعالى - يمزجه بذلك الشراب كما أنه ~~تعالى يسلب عن جميع المأكولات والمشروبات ما معها من المضرات في الدنيا. # قال سعيد عن قتادة: يمزج لهم بالكافور ويختم بالمسك. # وقيل: أراد بالكافور في بياضه وطيب رائحته وبرده، لأن الكافور لا يشرب، ~~كقوله تعالى: # حتى إذا جعله نارا # [الكهف: 96]، أي: كنار. # وقيل: كان في علم الله تعالى، و " كان " زائدة، أي: من كأس مزاجها. # قال القرطبي: ويقال: " كافور وقافور " وهي قراءة عبد الله بالقاف بدل ~~الكاف، وهذا من التعاقب بين الحرفين كقولهم: " عربي فج وكج ". # ومفعول " يشربون " إما محذوف، أي: يشربون ماء أو خمرا من كأس، وإما ~~مذكور وهو " عينا " ، وإما " من كأس " و " من " مزيدة فيه، وهذا يتمشى ~~عند الكوفيين والأخفش. # وقال الزمخشري: " فإن قلت: لم وصل فعل الشرب بحرف الابتداء أولا، وبحرف ~~الإلصاق آخرا؟ قلت: لأن الكأس مبدأ شربهم، وأول غايته، وأما العين فبها ~~يمزجون شرابهم، فكأن المعنى: يشرب عباد الله بها الخمر كما تقول: شربت ~~الماء ms8911 بالعسل ". # قوله: { عينا }. في نصبها أوجه: # أحدها: بدل من " كافورا "؛ لأن ماءها في بياض الكافور وفي رائحته وفي ~~برده. # الثاني: أنها بدل من محل " من كأس ". قاله مكي. ولم يقدر حذف مضاف. # وقدر الزمخشري على هذا الوجه حذف مضاف، قال: كأنه قيل: يشربون خمرا، ~~خمر عين. وأما أبو البقاء فجعل المضاف مقدرا على وجه البدل من " كافور ~~". # قال: " والثاني: بدل من كافور، أي: من ماء عين، أو خمر عين ". وهو معنى ~~حسن. # والثالث: أنها مفعول ب " يشربون " يفسره ما بعده، أي يشربون عينا من ~~كأس. # الرابع: أن ينتصب على الاختصاص. # الخامس: بإضمار " يشربون " يفسره ما بعده، قاله أبو البقاء. وفيه نظر؛ ~~لأن الظاهر أنه صفة ل " عين " فلا يصح أن يفسر. # السادس: بإضمار " يعطون ". # السابع: على الحال من الضمير في " مزاجها ". قاله مكي. # وقال القرطبي: " نصب بإضمار أعني ". # قوله: " يشرب بها ". في الباء أوجه: # أحدها: أنها مزيدة، أي: يشربها، ويدل له قراءة ابن أبي عبلة: يشربها ~~معدى إلى الضمير بنفسه. # الثاني: أنها بمعنى " من ". # الثالث: أنها حالية، أي: يشرب ممزوجة بها. # الرابع: أنها متعلقة ب " يشرب " والضمير يعود على الكأس، أي: يشربون ~~العين بذلك الكأس، والباء للإلصاق كما تقدم في قول الزمخشري. # الخامس: أنه على تضمين " يشربون " معنى يلتذون بها شاربين. # السادس: على تضمينه معنى يروى، أي: يروى بها عباد الله، وكهذه الآية ~~الكريمة في بعض الأوجه قول الهذلي: [الطويل] # 5033- شربن بماء البحر ثم ترفعت # متى لجج خضر لهن نئيج # فهذه يحتمل الزيادة ويحتمل أن تكون بمعنى " من ". # وقال الفراء: " يشربها ويشرب بها سواء في المعنى، وكأن يشرب بها: يروى ~~بها, وينفع بها، وأما يشربونها فبين، وأنشد قول الهذلي، قال: ومثله: ~~يتكلم بكلام حسن، ويتكلم كلاما حسنا ". # والجملة من قوله " يشرب بها " في محل نصب صفة ل " عينا " إن جعلنا ~~الضمير في " بها " عائدا على " عينا " ولم نجعله مفسرا لناصب كما قاله ~~أبو البقاء، و " يفجرونها " في موضع الحال. # فصل في المراد بعباد الله هاهنا # قال ابن الخطيب: قوله: { يشرب ms8912 بها عباد الله } يفيد أن كل ~~عباد الله يشربون منها، والكفار بالاتفاق لا يشربون على أن لفظ عباد الله ~~مختص بأهل الإيمان، وإذا ثبت هذا فقوله تعالى: # ولا يرضى لعباده الكفر # [الزمر: 7] لا يتناول الكفار، بل يختص بالمؤمنين، فيصير تقدير الآية: لا ~~يرضى لعباده المؤمنين الكفر، ولا تدل الآية على أنه - تعالى - لا يريد ~~الكفر للكفار. # قوله: { يفجرونها تفجيرا }. أي: يشققونها شقا كما يفجر ~~الرجل النهر هاهنا وهاهنا إلى حيث شاءوا، ويتبعهم حيث مالوا مالت معهم. # روى القرطبي عن الحسن - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " أربع عيون في الجنة اثنان يجريان من تحت العرش؛ ~~إحداهما التي ذكر الله تعالى يفجرونها تفجيرا وعينان يجريان ~~من فوق العرش نضاختان: إحداهما التي ذكر الله تعالى سبيلا، ~~والأخرى: التسنيم " # ذكره الحكيم الترمذي في " نوادر الأصول ". # وقال: فالتسنيم للمقربين خاصة، شرابا لهم، والكافور للأبرار شرابا ~~لهم، يمزج للأبرار من التسنيم شرابهم، وأما الزنجبيل والسلسبيل ~~فللأبرار [منها مزاج هكذا ذكره في التنزيل وسكت عن ذكر ذلك لمن هي شرب ~~فما كان للأبرار مزاج] للمقربين صرف، وما كان للأبرار صرف فهو لسائر أهل ~~الجنة مزاج، والأبرار هم الصادقون والمقربون: هم الصديقون. # قوله تعالى: { يوفون بالنذر } يجوز أن يكون مستأنفا لا محل ~~له ألبتة، ويجوز أن يكون خبرا ل " كان " مضمرة. # قال الفراء: التقدير " كانوا يوفون بالنذر في الدنيا، وكانوا يخافون ~~" انتهى. وهذا لا حاجة إليه. # الثالث: جواب لمن قال: ما لهم يرزقون ذلك؟. # قال الزمخشري: " يوفون " جواب من عيسى يقول: ما لهم يرزقون ذلك؟. # قال أبو حيان: " واستعمل " عسى " صلة ل " من " وهو لا يجوز، وأتى ~~بالمضارع بعد " عسى " غير مقرون ب " أن " وهو قليل أو في الشعر ". # فصل في معنى الآية # معناه: لا يخلفون إذا نذروا، وقال معمر عن قتادة: يأتون بما فرض الله ~~عليهم من الصلاة والزكاة والصوم والحج والعمرة وغيره من الواجبات. # وقال مجاهد وعكرمة: يوفون إذا نذروا في حق الله تعالى. # وقال الفراء والجرجاني: وفي الكلام إضمار، ms8913 أي: كانوا يوفون بالنذر في ~~الدنيا والعرب قد تزيد مرة " كان " وتحذف أخرى. # وقال الكلبي: " يوفون بالنذر " أي: يتممون العهود لقوله تعالى # وأوفوا بعهد الله # [النحل: 91] و # أوفوا بالعقود # [المادة: 1] أمر بالوفاء بها؛ لأنهم عقدوها على أنفسهم باعتقادهم ~~الإيمان. # قال القرطبي: " والنذر: حقيقته ما أوجبه المكلف على نفسه [من شيء يفعله، ~~وإن شئت قلت في حد النذر هو إيجاب المكلف على نفسه] من الطاعات ما لو لم ~~يوجبه لم يلزمه ". # وقال ابن الخطيب: الإيفاء بالشيء هو الإتيان به وافيا. # وقال أبو مسلم: النذر كالوعد، إلا أنه إذا كان من العباد فهو نذر، وإن ~~كان من الله فهو وعد، واختص هذا اللفظ في عرف الشرع بأن تقول: لله علي ~~كذا وكذا من الصدقة، أو يسلم بأمر يلتمسه من الله - تعالى - مثل أن تقول: ~~إن شفى الله مريضي، أو رد غائبي فعلي كذا وكذا، واختلفوا فيما إذا ~~علق ذلك بما ليس من وجوه البر كقوله: إن أتى فلان الدار فعلى هذا، ~~فمنهم من جعله كاليمين، ومنهم من جعله من باب النذور. # فصل في المراد بالإيفاء بالنذر # قال القشيري: روى أشهب عن مالك - رضي الله عنه - أنه قال " يوفون ~~بالنذر " هو نذر العتق، والصيام والصلاة. # وروى عنه أبو بكر بن عبد العزيز قال: قال مالك: " يوفون بالنذر " ~~قال: النذر هو اليمين. # قال ابن الخطيب: هذه الآية تدل على وجوب الوفاء بالنذر؛ لأنه تعالى قال ~~عقيبه: " ويخافون يوما " وهذا يقتضي أنهم إنما وفوا بالنذر خوفا ~~من شر ذلك اليوم، والخوف من شر ذلك اليوم لا يتحقق إلا إذا كان الوفاء به ~~واجبا ويؤكده قوله تعالى: # ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها # [النحل: 91] وقوله تعالى: # ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم # [الحج: 29] وهذا محتمل ليوفوا أعمال نسكهم التي ألزموها أنفسهم. # فصل في زيادة كان # قال الفراء وجماعة من أهل المعاني: " كان " في قوله تعالى: { كان ~~مزاجها كافورا } زائدة وأما هاهنا فكان محذوفة، والتقدير: كانوا ~~يوفون بالنذر. # قال ابن الخطيب: ولقائل أن يقول: إنا بينا أن " كان " في ms8914 قوله تعالى: { ~~كان مزاجها كافورا } ليست بزائدة، وأما في هذه الآية فلا حاجة ~~إلى إضمارها؛ لأنه - تعالى - ذكر في الدنيا أن الأبرار يشربون أي: ~~سيشربون، فإن لفظ المضارع مشترك ين الحال والاستقبال، ثم قال السبب في ~~ذلك الثواب الذي سيجدونه أنه الآن يوفون بالنذر. # قوله: { ويخافون يوما كان شره مستطيرا } ، أي: ~~يخافون يوم القيامة، و " كان شره " في موضع نصب صفة ل " يوم ". # و " المستطير ": المنتشر، يقال: استطار يستطير استيطارا، ~~فهو مستطير، وهو " استفعل " من الطيران. # قال الأعشى: [المتقارب] # 5034- فبانت وقد أسأرت في الفؤا # د صدعا على نأيها مستطيرا # والعرب تقول: استطار الصدع في القارورة والزجاجة، أو استطال إذا امتد، ~~ويقال: استطار الحريق إذا انتشر. # وقال الفراء: المستطير: المستطيل، كأنه يريد أن مثله في المعنى، لأنه ~~أبدل من اللام راء، والفجر: فجران، مستطيل كذنب السرحان وهو الكاذب، ~~ومستطير، وهو الصادق لانتشاره في الأفق. # قال قتادة: استطار والله شر ذلك اليوم حتى ملأ السماوات والأرض. # وقال مقاتل: كان شره فاشيا في السموات، فانشقت وتناثرت بالكواكب وفزعت ~~الملائكة في الأرض، ونسفت الجبال وغارت المياه. # فإن قيل: أحوال القيامة وأهوالها كلها فعل الله تعالى، وكل ما كان فعلا ~~لله، فهو حكمه وصواب، وما كان كذلك لا يكون شرا، فكيف وصفها الله بأنها ~~شر؟. # والجواب: إنما سميت شرا لكونها مضرة بمن تنزل عليه، وصعبة عليه كما ~~سميت الأمراض، وسائر الأمور المكروهة شرورا. # قال ابن الخطيب: وقيل: المستطير هو الذي يكون سريع الوصول إلى أهله، ~~وكأن هذا القائل ذهب إلى أن الطيران إسراع. # فإن قيل: لم قال: كان شره، ولم يفل: سيكون شره مستطيرا؟. # فالجواب: أن اللفظ وإن كان للماضي إلا أن معناه كان شره في علم الله ~~وحكمته. # قوله: { ويطعمون الطعام على حبه } وهذا الجار والمجرور ~~حال إما من " الطعام " أي: كائنين على حبهم الطعام كقوله تعالى: # وءاتى المال على حبه # [البقرة: 177]. # قال ابن عباس ومجاهد: على قلة حبهم إياه وشهوتهم له، وإما من الفاعل. # والضمير في " حبه " لله تعالى، أي: على حب الله، ms8915 وعلى التقدير: فهو مصدر ~~مضاف للمفعول. # قال الفضيل بن عياض: على حب إطعام الطعام. # قوله " مسكينا ". أي: ذا مسكنة، " ويتيما " أي: من يتامى المسلمين " ~~وأسيرا " أي: الذي يؤسر فيحبس، وذلك أن المسكين عاجز عن الاكتساب ~~بنفسه، واليتيم: هو الذي مات من يكتسب له، وبقي عاجزا عن الكسب لصغره، ~~والأسير: هو المأخوذ من قومه المملوك رقبة، الذي لا يملك لنفسه نصرا ولا ~~حيلة. # قال ابن عباس والحسن وقتادة: الأسير من أهل الشرك يكون في أيديهم. # فإن قيل: لما وجب قتله، فكيف يجب إطعامه؟. # فالجواب: أن القتل في حال لا يمنع من الإطعام في حال أخرى، ولا يجب إذا ~~عوقب بوجه أن يعاقب بوجه آخر، وكذلك لا يحسن فيمن عليه قصاص أن يفعل به ~~ما هو دون القتل، ويجب على الإمام أن يطعمه, فإن لم يفعله الإمام وجب على ~~المسلمين. # وقال مجاهد وسعيد بن جبير: الأسير: المحبوس. # وقال السدي: الأسير: المملوك، وقيل: الأسير: الغريم، قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " أسيرك غريمك " # وقال عطاء: الأسير من أهل القبلة وغيرهم. # قال القرطبي: " هذا يعم جميع الأقوال، ويكون إطعام الأسير المشرك قربة ~~إلى الله تعالى، غير أنه من صدقة التطوع، فأما المفروضة فلا ". # وقيل: الأسير: الزوجة، قال صلى الله عليه وسلم: # " اتقوا الله في النساء، فإنهن عوان عندكم ". # قال القفال: واللفظ يحتمل كل ذلك؛ لأن أصل الأسر هو الشك بالقدر، وكان ~~الأسير يفعل به ذلك حبسا له. # فصل في الكلام على الآية # قال القرطبي: قيل نسخ آية المسكين آية الصدقات، وإطعام الأسير بالسيف ~~قاله سعيد بن جبير. # وقال غيره: بل هو ثابت الحكم، وإطعام اليتيم والمسكين على التطوع، ~~وإطعام الأسير لحفظ نفسه إلى أن يتخير فيه الإمام. # وقال الماوردي: ويحتمل أن يريد بالأسير الناقص العقل؛ لأنه في أسر ~~خبله وجنونه، وأسر المشرك انتقام يقف على رأي الإمام، وهذا بر وإحسان. # قوله { إنما نطعمكم لوجه الله } على إضمار القول، أي: ~~يقولون بألسنتهم لليتيم والمسكين والأسير إنما نطعمكم في الله - جل ثناؤه ~~- فزعا من عذابه ms8916 وطمعا في ثوابه { لا نريد منكم جزآء ولا ~~شكورا } أي: ولا تثنوا علينا بذلك. # قال ابن عباس: كذلك كانت نياتهم في الدنيا حين أطعموا. # وعن مجاهد: أما إنهم ما تكلموا به، ولكن علمه الله منهم، فأثنى به عليهم ~~ليرغب في ذلك راغب. # قيل: هذه الآيات نزلت في مطعم بن ورقاء الأنصاري نذر نذرا فوفى به. # وقيل: نزلت فيمن تكفل بأسرى بدر، وهم سبعة من المهاجرين: أبو بكر، وعمر، ~~وعلي، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعيد، وأبو عبيدة - رضي الله عنهم - ~~ذكره الماوردي. # وقال مقاتل: نزلت في رجل من الأنصار أطعم في يوم واحد مسكينا، ويتيما، ~~وأسيرا. # وقيل: نزلت في علي وفاطمة - رضي الله عنهما - وجارية لهما اسمها فضة. # قال القرطبي: نزلت في جميع الأبرار، ومن فعل فعلا حسنا، فهي عامة، وما ~~ذكر عن علي، وفاطمة لا يصح. # وروى جابر الجعفي في قوله تعالى: { يوفون بالنذر } ، عن قنبر ~~مولى علي - رضي الله عنه - قال: مرض الحسن والحسين حتى عادهما أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر - رضي الله عنه -: يا أبا الحسن لو ~~نذرت عن ولديك نذرا، فقال علي - رضي الله عنه - إن برأ ولدي صمت ثلاثة ~~أيام شكرا. # وقالت فاطمة - رضي الله عنها - مثل ذلك، وقال الحسن والحسين مثل ذلك ~~وذكر الحديث. قال أهل الحديث: جابر الجعفي كذاب. # فصل في الإحسان إلى الغير # قال ابن الخطيب: اعلم أن الإحسان إلى الغير تارة يكون لأجل الله، وتارة ~~يكون لغير الله، إما طلبا لمكافأة أو طلبا لحمد وثناء، وتارة يكون ~~لهما، وهذا هو الشرك، والأول هو المقبول عند الله، وأما القسمان الباقيان ~~فمردودان، قال تعالى: # لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ~~ماله رئآء الناس # [البقرة: 264]. # وقال تعالى: # ومآ ءاتيتم من ربا ليربو في أموال الناس ~~فلا يربو عند الله ومآ ءاتيتم من زكاة تريدون ~~وجه الله فأولئك هم المضعفون # [الروم: 39]، ولا شك أن التماس الشكر من جنس المن والأذى، إذا عرفت ذلك ~~فنقول: القوم لما قالوا: " إنما نطعمكم ms8917 لوجه الله " بقي فيه ~~احتمال، أنه أطعمه لوجه الله ولسائر الأغراض على سبيل التشريك، فلا جرم ~~نفى هذا الاحتمال بقوله تعالى: { لا نريد منكم جزآء ولا ~~شكورا }. # فصل في الشكر والكفور # الشكور والكفور: مصدران ك " الشكر والكفر " وهو على وزن " الدخول ~~والخروج " هذا قول جمهور أهل اللغة. # وقال الأخفش: إن شئت جعلت الشكور، جماعة الشكر، وجعلت الكفور في قوله ~~تعالى: # فأبى الظالمون إلا كفورا # مثل " برد وبرود " وإن شئت جعلته مصدرا واحدا في معنى جمع مثل: قعد ~~قعودا، وخرج خروجا. # قوله: { إنا نخاف من ربنا } يحتمل وجهين: # أحدهما: إن إحساننا إليكم للخوف من شدة ذلك اليوم لإرادة مكافأتهم. # والثاني: لا نريد منكم المكافأة لخوف عقاب الله تعالى علل المكافأة ~~بخوف عقاب الله على طلب المكافأة بالصدقة. # فإن قيل: إنه - تعالى - لما حكى عنهم الإيفاء بالنذر، علل ذلك بخوف ~~القيامة فقط، ولما حكى عنهم الإطعام علل ذلك بأمرين: بطلب رضا الله ~~تعالى، وبالخوف، فما الحكمة في ذلك؟. # فالجواب: أن النذر هو الذي أوجبه على نفسه لأجل الله، فلما كان كذلك، لا ~~جرم علله بخوف القيامة فقط، وإما الإطعام فالله - تعالى - هو الذي شرعه، ~~فلا جرم ضم إليه خوف القيامة. # قوله: { يوما عبوسا قمطريرا }. القمطرير: الشديد، ~~وأصله كما قال الزجاج: " مشتق من اقمطرت الناقة إذا رفعت ذنبها، وجمعت ~~قطريها وزمت بأنفها ". # قال الزمخشري: اشتقاقه من القطر، وجعلت الميم زائدة؛ قال أسد بن ناعصة: ~~[الخفيف] # 5035- واصطليت الحروب في كل يوم # باسل الشر قمطرير الصباح # قال أبو حيان: واختلف النحاة في هذا الوزن، والأكثر على أنه لا يثبت " ~~افمعل " في أوزان الأفعال ويقال: اقمطر يقمطر فهو مقمطر؛ قال ~~الشاعر: [الرجز] # 5036- قد جعلت شبوة تزبئر # تكسو استها لحما وتقمطر # ويوم قمطرير وقماطر: بمعنى شديد؛ قال الشاعر: [الطويل] # 5037- ففروا إذا ما الحرب ثار غبارها # ولج بها اليوم العبوس القماطر # وقال الزجاج: القمطرير: الذي يعبس حتى يجتمع ما بين عينيه. انتهى. # فعلى هذا استعماله في اليوم مجاز، وفي بعض كلام الزمخشري، أنه جعله من " ~~القمط " فعلى هذا ms8918 تكون الراءان فيه مزيدتين. # وقال القرطبي: " القمطرير: الطويل "؛ قال الشاعر: # 5038- شديدا عبوسا قمطريرا # تقول العرب: يوم قمطرير، وقماطر، وعصيب بمعنى؛ وأنشد الفراء: [الطويل] # 5039- بني عمنا هل تذكرون بلاءنا # عليكم إذا ما كان يوم قماطر # بضم القاف، واقمطر: إذا اشتد، وقال الأخفش: القمطرير: أشد ما يكون من ~~الأيام وأطوله في البلاء؛ وأنشد: [الطويل] # 5040- ففروا إذا ما الحرب # البيت المتقدم. # وقال الكسائي: يقال: اقمطر اليوم وازمهر اقمطرارا وازمهرارا، وهو ~~القمطرير والزمهرير، ويوم مقمطر، إذا كان صعبا شديدا؛ قال ~~الهذلي: [الطويل] # 5041- بنو الحرب ارضعنا لهم مقمطرة # ومن يلق منا ذلك اليوم يهرب # و " العبوس " أيضا صفة ل " اليوم " ، " يوما " تعبس فيه الوجوه من ~~هوله وشدته، والمعنى: نخاف يوما ذا عبوس. # وقال ابن عباس: يعبس الكافر يومئذ حتى يسيل منه عرق كالقطران. # وقال مجاهد: إن العبوس بالشفتين، والقمطرير بالجبهة والحاجبين ~~فجعلهما من صفات الوجه المتغير من شدائد ذلك اليوم. # قوله: { فوقاهم الله شر ذلك اليوم }. أي: دفع عنهم بأس ~~ذلك اليوم وشدته وعذابه. # وقرأ أبو جعفر: " فوقاهم الله " بتشديد القاف على المبالغة. # واعلم أنه - تعالى - لما حكى عنهم أنهم أتوا بالطاعات لغرضين: لأجل رضا ~~الله تعالى والخوف من القيامة، بين هنا أنه أعطاهم هذين الغرضين وهو أنه ~~حفظهم من أهوال القيامة، وهو قوله جل ثنائه { فوقاهم الله شر ~~ذلك اليوم } وأما طلبهم رضا الله فاعطاهم الله بسببه " نضرة " ~~في الوجه، أي: حسنا، حين رأوه، " وسرورا " في القلب قال الضحاك: ~~النضرة: البياض والنقاء. # وقال ابن جبير: الحسن والبهاء. # وقال ابن زيد: أثر النعمة. # قوله تعالى: { وجزاهم بما صبروا }. " ما " مصدرية، و " جنة ~~" مفعول ثان، أي: جزاهم جنة بصبرهم وقدر مكي مضافا، فقال: تقديره دخول ~~الجنة، ولبس حرير، والمعنى: وجزاهم بصبرهم على الفقر. # وقال القرظي: على الصوم. # وقال عطاء: على الجوع ثلاثة أيام، وهي أيام نذر. # وقيل: بصبرهم على طاعة الله، وصبرهم عن معصية الله ومحارمه، وهذا يدل ~~على أن الآيات نزلت في جميع الأبرار، ومن فعل فعلا حسنا. # وروى ابن عمر - رضي الله عنه - أن ms8919 رسول الله صلى الله عن الصبر، فقال: # " الصبر عند الصدمة الأولى، والصبر على أداء الفرائض، ~~والصبر على اجتناب محارم الله تعالى، والصبر على المصائب ". # قوله تعالى: { جنة وحريرا }. أي: أدخلهم الجنة وألبسهم الحرير. # قوله: { متكئين }. حال من مفعول " جزاهم " والعامل فيها " جزى " ~~ولا يعمل فيها " صبروا "؛ لأن الصبر إنما كان في الدنيا والاتكاء في ~~الآخرة. # وقرأ علي - رضي الله عنه - " وجازاهم ". # وجوز أبو البقاء: أن يكون صفة ل " جنة ". # وهذا لا يجوز عند البصريين؛ لأنه كان يلزم بروز الضمير، فيقال: " ~~متكئين هم فيها " لجريان الصفة على غير من هي له. # وقد منع مكي أن يكون " متكئين " صفة ل " جنة " لما ذكرنا من عدم بروز ~~الضمير. # وممن ذهب إلى كون " متكئين " صفة ل " جنة " ، الزمخشري، فإنه قال: " ~~ويجوز أن يكون متكين، ولا يرون، ودانية، كلها صفات الجنة ". وهو ~~مردود بما تقدم. # ولا يجوز أن يكون " متكئين " حالا من فاعل " صبروا "؛ لأن الصبر كان في ~~الدنيا، واتكاؤهم إنما هو في الآخرة. قال معناه مكي. # ولقائل أن يقول: إن لم يكن المانع إلا هذا فاجعلها حالا مقدرة، لا ما ~~لهم بسبب صبرهم إلى هذه الحالة، وله نظائر. # قال ابن الخطيب: وقال الأخفش: وقد ينصب على المدح والضمير في " فيها " ~~أي في الجنة وقال الفراء: وإن شئت جعلت " متكئين " تابعا، كأنه قال: ~~جزاؤهم جنة متكئين فيها. # والأرائك: السرر في الحجال، وجاءت عن العرب أسماء تحتوي على صفات: ~~إحداها الأريكة لا تكون إلا حجلة على سرير. وثانيها: السجل، وهو ~~الدلو الممتلئ ماء، فإذا صفرت لم تسم سجلا، وكذلك الذنوب لا تسمى ~~ذنوبا حتى تملأ، قاله القرطبي. # وهذا فيه نظر، لأنه قد ورد في شعر العرب يصف البازي؛ قال: [الكامل] # 5042-................................ # يغشى المهجهج كالذنوب المرسل # يعني الدلو إذا ألقي في البئر، وهو لا يلقى في البئر إلا إذا كان ~~فارغا. # قال: والكأس لا تسمى كأسا حتى تترع من الخمر، قال: وكذلك الطبق الذي ~~تهدى فيه الهدية إذا كانت فيه يسمى مهدى، فإذا كان فارغا يسمى ~~طبقا أو ms8920 خوانا. # قال ابن الأعرابي: مهدى - بكسر الميم -، ولا يسمى الطبق مهدى إلا وفيه ~~ما يهدى، والمهداء - بالمد - الذي من عادته أن يهدى. # وقيل: الأرائك: الفرش على السرر؛ قال ذو الرمة: [الطويل] # 5043- خدود جفت في السير حتى كأنما # يباشرن بالمعزاء مس الأرائك # أي: الفرش على السرر. # قوله: { لا يرون فيها شمسا }. فيها أوجه: # أحدها: أنها حال ثانية من مفعول " جزاءهم ". # الثاني: أنها حال من الضمير المرفوع المستكن في " متكئين " فتكون ~~حالا متداخلة. # الثالث: أن تكون صفة ل " جنة " ك " متكئين " عند من يرى ذلك - كما ~~تقدم - عن الزمخشري. # والزمهرير: أشد البرد، وهذا هو المعروف؛ وقيل: هو القمر بلغة طييء، ~~وأنشد: [الرجز] # 5044- في ليلة ظلامها قد اعتكر # قطعتها والزمهرير ما نهر # ويروى: ما ظهر، أي: لم يطلع القمر، والمعنى: لا يرون فيها شمسا كشمس ~~الدنيا، ولا قمرا كقمر الدنيا، أي: أنهم في ضياء مستديم، لا ليل فيه ولا ~~نهار, لأن ضوء النهار بالشمس، وضوء الليل بالقمر، والمعنى: أن الجنة لا ~~يحتاج فيها إلى شمس ولا إلى قمر، ووزنه " فعلليل " ، وقيل: المعنى: لا ~~يرون في الجنة شدة حر كحر الشمس، ولا زمهريرا، أي: ولا بردا ~~مفرطا. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " اشتكت النار إلى ربها سبحانه، قالت: يا رب، أكل ~~بعضي بعضا، فجعل لها نفسين: نفسا في الشتاء، ونفسا في ~~الصيف, فشدة ما تجدون من البرد من زمهريرها، وشدة ~~ما تجدون من الحر في الصيف من سمومها ". # قال مرة الهمداني: الزمهرير: البرد القاطع. # وقال مقاتل بن حيان: هو شيء مثل رؤوس الإبر ينزل من السماء في غاية ~~البرد. # وقال ابن مسعود رضي الله عنه: هو لون من العذاب، وهو البرد الشديد، حتى ~~إن أهل النار أذا ألقوا فيه سألوا الله أن يعذبهم في النار ألف سنة أهون ~~عليهم من عذاب الزمهرير يوما واحد. # قوله: { ودانية عليهم } العامة على نصبها، وفيها أوجه: # أحدها: أنها عطف على محل " لا يرون ". # الثاني: أنها معطوفة على " متكئين " فيكون فيها ما فيها. # قال الزمخشري: " فإن قلت: ms8921 " ودانية عليها ظلالها " علام عطفت؟. # قلت: على الجملة التي قبلها؛ لأنها في موضع الحال من المجزيين، وهذه حال ~~مثلها عنهم لرجوع الضمير منها إليهم في " عليهم " ، إلا أنها اسم مفرد، ~~وتلك جماعة في حكم مفرد، تقديره: غير رائين فيها شمسا، ولا زمهريرا ~~ودانية عليهم ظلالها، ودخلت الواو للدلالة على أن الأمرين مجتمعان لهم، ~~كأنه قيل: وجزاهم جنة جامعين فيها بين البعد عن الحر والقمر ودنو الظلال ~~عليهم ". # الثالث: أنها صفة لمحذوف، أي: وجنة دانية. # قال أبو البقاء: كأنه قيل: " وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا " أي: أخرى ~~دانية عليهم ظلالها، لأنهم قد وعدوا جنتين، لأنهم خافوا مقام ربهم, ~~بقولهم: " إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا ". # الرابع: أنها صفة ل " جنة " الملفوظ بها. قاله الزجاج. # وقال الفراء: نصب على المدح، أي: دانية عليهم، لقوله تعالى: # ولمن خاف مقام ربه جنتان # [الرحمن: 46]. # وقرأ أبو حيوة: " ودانية " بالرفع، وفيها وجهان: # أظهرهما: أن يكون " ظلالها " مبتدأ، و " دانية " خبر مقدم، والجملة في ~~موضع الحال. # قال الزمخشري: " والمعنى: لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا، والحال أن ~~ظلالها دانية ". # والثاني: أن ترتفع " دانية " بالابتداء، و " ظلالها " فاعل به، وبها ~~استدل الأخفش على جواز إعمال اسم الفاعل، وإن لم يعتمد، نحو " قائم ~~الزيدون " ، فإن " دانية " لم تعتمد على شيء مما ذكره النحويون، ومع ذلك ~~فقد رفعت " ظلالها ". # وهذا لا حجة فيه لجواز أن يكون مبتدأ وخبرا مقدما كما تقدم. # وقال أبو البقاء: وحكي بالجر، أي: في جنة دانية، وهو ضعيف، لأنه عطف على ~~الضمير المجرور من غير إعادة الجار. يعني أنه قرئ شاذا: " ودانية " ~~بالجر على أنها صفة لمحذوف، ويكون حينئذ نسقا على الضمير المجرور من ~~قوله تعالى: { لا يرون فيها } أي: ولا في جنة دانية، وهو رأي ~~الكوفيين حيث يجوزون العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، ولذلك ~~ضعفه، وتقدم الكلام على ذلك في البقرة. # وأما رفع " ظلالها " فيجوز أن يكون مبتدأ، و " عليهم " خبر مقدم، ولا ~~يرتفع ب " دانية " ، لأن " دنا " يتعدى ب " إلى ms8922 " لا ب " على " ، ~~ويجوز أن ير فع ب " دانية " على أن يضمن معنى مشرفة؛ لأن " دنا " و " ~~أشرف " متقاربان، قال معناه أبو البقاء، وهذان الوجهان جاريان في قراءة ~~من نصب " دانية ". # وقرأ الأعمش: " ودانيا " بالتذكير, للفصل بين الوصف وبين مرفوعه ب " ~~عليهم " , أو لأن الجمع مذكر. # وقرأ أبي: " ودان عليهم " بالتذكير مرفوعا، وهي شاذة. فمذهب ~~الأخفش حيث يرفع باسم الفاعل وإن لم يعتمد، ولا جائز أن يعربا مبتدأ ~~وخبرا لعدم المطابقة. # وقال مكي: " وقرئ " ودانيا " بالتذكير " ثم قال: " ويجوز: " ودانية " ~~بالرفع، ويجوز " دان " بالرفع والتذكير " ، فلم يصرح بأنهما قرئا، وقد ~~تقدم أنهما مقروء بهما، فكأنه لم يطلع على ذلك. # فصل في معنى الآية # قال المفسرون: معناه: أن ظل الأشجار في الجنة قريب من الأبرار فهي مظلة ~~عليهم زيادة على نعيمهم. # قال ابن الخطيب: فإن قيل: الظل إنما يوجد حيث توجد الشمس، وهناك لا شمس ~~في الجنة، فكيف يحصل الظل؟. # فالجواب: أن أشجار الجنة تكون بحيث لو كان هناك شمس لكانت الأشجار ~~مظلة منها وإن كان لا شمس ولا قمر كما أن أمشاطهم الذهب والفضة، وإن كان ~~لا وسخ ولا شعث. ثم قوله: { وذللت } يجوز أن يكون في موضع نصب على ~~الحال عطفا على دانية فيمن نصبها، أي: ومذللة? ويجوز أن يكون حالا من ~~الضمير في " عليهم " سواء نصبت " دانية " أو رفعتها، أو جررتها، ويجوز أن ~~تكون مستأنفة. # وأما على قراءة رفع " ودانية " فتكون جملة فعلية عطفت على اسمية، ويجوز ~~أن تكون حالا كما تقدم. # فصل في تذليل قطوف الجنة # والمعنى: وسخرت لهم قطوفها، أي: ثمارها " تذليلا " أي: تسخيرا، ~~فيتناولها القائم والقاعد والمضطجع لا يرد أيديهم عنها بعد ولا شوك. # قال ابن قتيبة: " ذللت " أدنيت منهم، من قولهم: حائط ذليل إذا كان قصير ~~السمك. # وقيل: " ذللت " أي: جعلت منقادة لا تمتنع على قطافها كيف شاءوا. # قال البراء بن عازب رضي الله عنه: ذللت لهم، فهم يتناولون منها كيف ~~شاءوا، فمن أكل قائما لم يؤذه، ومن أكل جالسا لم يؤذه, ومن أكل ms8923 مضطجعا ~~لم يؤذه. # وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: إذا هم يتناول من ثمارها تدلت ~~إليه حتى يتناول منها ما يريد. # وتذليل القطوف: تسهيل التناول، والقطوف: الثمار، الواحد: قطف - بكسر ~~القاف - سمي به؛ لأنه يقطف، كما سمي الجنى لأنه يجنى. # قوله: { تذليلا } تأكيد لما وصف به من الذل، كقوله تعالى: # ونزلناه تنزيلا # [الإسراء: 106] # وكلم الله موسى تكليما # [النساء: 164]. # قال الماوردي: ويحتمل أن تكون تذليل قطوفها أن تبرز لهم من أكمامها، ~~وتخلص لهم من نواها وقال النحاس: ويقال: المذلل الذي قد ذلله الماء، أي: ~~أرواه. # ويقال: المذلل: الذي يفيئه أدنى ريح لنعمته، ويقال: المسوى؛ لأن أهل ~~الحجاز يقولون: ذلل نخلك، أي: سوه. # قوله: { ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب } لما ~~وصف طعامهم ولباسهم ومسكنهم وصف شرابهم، وقد وصف الأواني التي يشرب بها، ~~ومعنى " يطاف " أي: يدور على هؤلاء الأبرار والخدم إذا أرادوا الشراب ~~بآنية من فضة. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا ~~الأسماء، أي: الذي في الجنة أشرف وأعلا، ثم لم تنف الأواني الذهبية بل ~~المعنى: يسقون في أواني الفضة، وقد يسقون في أواني الذهب، كما قال ~~تعالى: # سرابيل تقيكم الحر # [النحل: 81]، أي والبرد، فنبه بذكر أحدهما على الأخرى. قوله: " بآنية " ~~هذا هو القائم مقام الفاعل؛ لأنه هو المفعول به في المعنى، ويجوز أن يكون ~~" عليهم ". # و " آنية " جمع إناء، والأصل: " أأنية " بهمزتين، الأولى مزيدة للجمع، ~~والثانية فاء الكلمة، فقلبت الثانية ألفا وجوبا، وهذا نظير: كساء ~~وأكسية، وغطاه وأغطية, ونظيره في صحيح اللام: حمار وأحمرة. # وقوله: { من فضة } نعت ل " آنية ". # قوله: { وأكواب }. الأكواب هي الكيزان العظام التي لا آذان لها ولا ~~عرى، الواحد منها كوب؛ وقال عدي: [السريع] # 5045- متكئا تقرع أبوابه # يسعى عليه العبد بالكوب # قوله: { كانت قواريرا }. اختلف القراء في هذين الحرفين بالنسبة ~~إلى التنوين وعدمه، وفي الوقوف بالألف وعدمها، كما تقدم خلافهم في " ~~سلاسل ". # واعلم أن القراء فيهما على خمس مراتب: # إحداها: تنوينهما معا والوقف عليهما بالألف لنافع والكسائي وأبي ms8924 بكر. # الثانية: مقابلة هذه، وهي عدم تنوينهما، وعدم الوقف عليهما بالأف، لحمزة ~~وحده. # الثالثة: عدم تنوينهما والوقف عليهما بالألف وعلى الثاني بدونها لهشام ~~وحده. # والرابعة: تنوين الأول دون الثاني، والوقف على الأول بالألف، وعلى ~~الثاني بدونها لابن كثير وحده. # الخامسة: عدم تنوينهما معا، والوقف على الأول بالألف، وعلى الثاني ~~بدونها، لأبي عمرو، وابن ذكوان، وحفص. # فأما من نونهما فكما مر في تنوين " سلاسل "؛ لأنها صيغة منتهى الجموع، ~~ذاك على " مفاعل " وذا على " مفاعيل " ، والوقف بالألف التي هي بدل من ~~التنوين، وفيه موافقة للمصاحف المرسومة، فإنهما مرسومان فيهما بالألف على ~~ما نقل أبو عبيد. # وأما عدم تنوينهما وعدم الوقف بالألف عليهما فظاهر جدا. # وأما من نون الأول دون الثاني، فإنه ناسب بين الأول وبين رءوس الآي ولم ~~يناسب بين الثاني والأول والوجه في وقفه على الأول بالألف وعلى الثاني ~~بغير ألف ظاهر. # وقد روى أبو عبيد أنه كذلك في مصاحف أهل " البصرة ". # وأما من لم ينونهما، ووقف على الأول بالألف, وعلى الثاني بدونها, فلأن ~~الأول رأس آية, فناسب بينه وبين رءوس الآي في الوقف بالألف, وفرق بينه ~~وبين الثاني؛ لأنه ليس برأس آية. # وأما من لم ينونهما، ووقف عليهما بالألف، فلأنه ناسب بين الأول وبين ~~رءوس الآي، وناسب بين الثاني وبين الأول. # وحصل مما تقدم في " سلاسلا " وفي هذين الحرفين، أن القراء منهم من ~~وافق مصحفه، ومنهم من خالفه لاتباع الأثر. وتقدم الكلام على " قوارير " ~~في سورة " النمل " , ولله الحمد. # وقال الزمخشري: " وهذا التنوين بدل من حرف الإطلاق لأنه فاصلة، وفي ~~الثاني لإتباعه الأول ". يعني أنهم يأتون بالتنوين بدلا من حرف الإطلاق ~~الذي للترنم؛ كقوله: [الرجز] # 5046- يا صاح، ما هاج الدموع الذرفن # وفي انتصاب " قوارير " وجهان: # أظهرهما: أنه خبر " كان ". # والثاني: أنها حال و " كان " تامة، أي كونت فكانت. # قال أبو البقاء: " وحسن التكرير لما اتصل به من بيان أصلها، ولو كان ~~التكرير لم يحسن أن يكون الأول رأس آية لشدة اتصال الصفة بالموصوف ". # وقرأ الأعمش: " قوارير " بالرفع، على إضمار مبتدأ، ms8925 أي: هي قوارير، و ~~" من فضة " صفة ل " قوارير " ، والمعنى: في صفاء القوارير، وبياض ~~الفضة، فصفاؤها صفاء الزجاج وهي من فضة. # فصل في وصف تربة الجنة # روي أن أرض الجنة من فضة، والأواني تتخذ من تربة الأرض التي منها، ذكره ~~ابن عباس رضي الله عنهما، وقال: ليس في الجنة شيء إلا وقد أعطيتم في ~~الدنيا شبهه إلا قوارير من فضة. # قال ابن الخطيب: ومعنى " كانت " هو من يكون، من قوله: # فيكون # [النحل: 40] أي: فتكونت قوارير بتكوين الله - تعالى - تفخيما لتلك ~~الخلقة العظيمة العجيبة الشأن، الجامعة بين صفتي الجوهرين المتباينين، ~~ثم قال: فإن قيل: كيف تكون هذه الأكواب من فضة ومن قوارير؟. # فالجواب من وجوه: # أحدها: أن أصل القوارير في الدنيا الرمل، وأصل قوارير الجنة هو فضة ~~الجنة، فكما أن الله - تعالى - قادر على أن يقلب الرمل الكثيف زجاجة ~~صافية، فكذلك قادر على أن يقلب فضة الجنة قارورة لطيفة، فالغرض من ذكر ~~هذه الآية التنبيه على أن نسبة قارورة الجنة إلى قارورة الدنيا كنسبة ~~الفضة إلى الرمل, فكما أنه لا نسبة بين هذين الأصلين فكذا بين ~~القارورتين. # وثانيها: ما تقدم من قول ابن عباس - رضي الله عنهما- أنه ليس في الدنيا ~~شيء مما في الجنة إلا الأسماء، أي: أنها جامعة بين صفاء الزجاج وشفافيته ~~وبين نقاء الفضة وشرفها. # وثالثها: أنه ليس المراد بالقوارير الزجاج، بل العرب تسمي ما استدار من ~~الأواني التي تجعل فيها الأشربة مما رق وصفا قارورة، فالمعنى: وأكواب من ~~فضة مستديرة صافية. # قوله: { تقديرا } صفة ل " قوارير " ، والواو في " قدروها " ~~فيها وجهان: # أحدهما: أنها عطف عليهم، ومعنى تقديرهم إياها أنهم قدروها في أنفسهم أن ~~تكون على مقادير وأشكال على حسب شهواتهم، فجاءت كما قدروا. # والثاني: أن الواو للطائفين للدلالة عليهم في قوله تعالى: " ويطاف " ~~، والمعنى: أنهم قدروا شرابها على قدر ري الشارب، وهذا ألذ الشراب ~~لكونه على مقدار حاجته لا يفضل عنها، ولا يعجز. قاله الزمخشري. # وجوز أبو البقاء: أن تكون الجملة مستأنفة. # قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: أتوا ms8926 بها على قدر ريهم بغير زيادة ولا ~~نقصان، قال الكلبي: وذلك ألذ وأشهى، والمعنى: قدرتها الملائكة التي تطوف ~~عليهم، وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قدروها على ملء الكف لا يزيد ولا ~~ينقص حتى لا تؤذيهم بثقل، أو بإفراط صغر. # وقرأ علي، وابن عباس، والسلمي، والشعبي، وزيد بن علي، وعبيد بن عمير، ~~وأبو عمرو في رواية الأصمعي: " قدروها " بضم القاف وكسر الدال مبنيا ~~للمفعول أي: جعلت لهم على قدر إرادتهم. # وجعله الفارسي من باب المقلوب، قال: كان اللفظ قدروها عليها، وفي ~~المعنى قلب؛ لأن حقيقة المعنى أن يقال: قدرت عليهم، فهي مثل قوله تعالى: # لتنوء بالعصبة أولي القوة # [القصص: 76]، ومثل قول العرب: إذا طلعت الجوزاء، ألقى العود على ~~الحرباء. # قال الزمخشري: ووجهه أن يكون من قدر منقولا، تقول: قدرت الشيء ~~وقدرنيه فلان: إذات جعلك قادرا له، ومعناه: جعلوا قادرين لها كما ~~شاءوا, وأطلق لهم أن يقدروا على حسب ما اشتهوا. # وقال أبو حاتم: قدرت الأواني على قدر ريهم ما لم يسم فاعله فحذف الري ~~فصارت الواو مكان الهاء والميم, لما حذف المضاف مما قبلها، وصارت الواو ~~مفعول ما لم يسم فاعله، واتصل ضمير المفعول الثاني في تقدير النصب بالفعل ~~بعد الواو التي تحولت من الهاء والميم حتى أقيمت مقام الفاعل. # وفي هذا التخريج تكلف مع عجرفة ألفاظه. # وقال أبو حيان: والأقرب في تخريج هذه القراءة الشاذة أن يكون الأصل: قدر ~~ريهم منها تقديرا، فحذف المضاف وهو الري، وأقيم الضمير بنفسه، فصار ~~قدروها، فلم يكن فيه إلا حذف مضاف، واتساع في الفعل. # قال شهاب الدين: وهذا منتزع من تفسير كلام أبي حاتم. # وقال القرطبي: وقال المهدوي: من قرأها " قدروها " فهو راجع إلى معنى ~~القراءة الأخرى، وكأن الأصل: قدروا عليها، فحذف حرف الجر، والمعنى: قدرت ~~عليهم؛ وأنشد سيبويه البيت [البسيط] # 5047- آليت حب العراق الدهر آكله # والحب يأكله في القرية السوس # وذهب إلى أن المعنى: على حب العراق، وقيل: هذا التقدير: هو أن الأقداح ~~تطير فتغرف بمقدار شهوة الشارب، وذلك قوله تعالى: { قدروها ms8927 ~~تقديرا }. # أي: لا يفضل عن الري ولا ينقص منه، فقد ألهمت الأقداح معرفة مقدار ري ~~المشتهي حتى تغترف بذلك المقدار. ذكر الحكيم الترمذي في " نوادر الأصول ~~". # قوله: { ويسقون فيها كأسا }. وهي الخمر في الإناء { كان ~~مزاجها زنجبيلا } ، " كان " صلة، أي: مزاجها زنجبيل، أو كان في ~~حكم الله زنجبيلا، وكانت العرب يستلذون من الشراب ما يمزج بالزنجبيل ~~لطيب رائحته؛ لأنه يحذو اللسان، ويهضم المأكول، ويحدث في المشروب ضربا ~~من اللذع، فرغبوا في نعيم الآخرة بما اعتقدوه نهاية النعمة والطيب. # والزنجبيل: نبث معروف؛ وسميت الكأس بذلك؛ لوجود طعم الزنجبيل فيها؛ ~~وأنشد الزمخشري للأعشى: [المتقارب] # 5048- كأن القرنفل والزنجبي # ل باتا بفيها وأريا مشورا # وأنشد للمسيب بن علس يصف ثغر امرأة: [الكامل] # 5049أ- وكأن طعم الزنجبيل به # إذ ذقته وسلافة الخمر # ويروى: وسلافة الكرم. # وقال مجاهد: " الزنجبيل " اسم للعين التي منها مزاج شراب الأبرار، وكذا ~~قال قتادة: وقيل: هي عين في الجنة يوجد فيها طعم الزنجبيل. # والمعنى: كأن فيها، وتكون قد عطفت " رأيت " الثاني على الأول، ويكون فعل ~~الجواب محذوفا، ويكون فعل الجواب المحذوف هو الناصب لقوله تعالى: { ~~نعيما } , والتقدير: إذا صدر منك رؤية؛ ثم صدر منك رؤية أخرى رأيت ~~نعيما وملكا فرأيت هذا هو الجواب. # فصل في بيان الخطاب لمن؟! # هذا الخطاب قيل: للنبي صلى الله عليه وسلم. # وقيل: عام، والنعيم: ما يتنعم به. # والملك الكبير: قال سفيان الثوري: بلغنا أن الملك الكبير، تسليم ~~الملائكة عليهم. # وقيل: كون التيجان على رءوسهم كما يكون على رءوس الملوك. # وقال السدي ومقاتل: هو استئذان الملائكة عليهم. # وقال الحكيم والترمذي: هو ملك التكوين إذا أراد شيئا قال له: كن. # وفي الخبر: أن الملك الكبير هو أن أدناهم منزلة ينظر في ملكه مسيرة ألفي ~~عام، يرى أقصاه كما يرى أدناه، وأن أفضلهم منزلة من ينظر في وجه ربه - ~~تعالى - كل يوم مرتين. # و " عينا " فيها من الوجوه ما تقدم، قوله " سلسبيلا " السلسبيل: ما ~~سهل انحداره في الحلق، قال الزجاج: هو في اللغة صفة لما كان في غاية ~~السلاسة، وقال ms8928 الزمخشري: يقال: شراب سلسل وسلسال وسلسبيل، وقد زيدت الباء ~~في التركيب حتى صارت الكلمة خماسية، ودلت على غاية السلاسة. # قال أبو حيان: فإن كان عنى أنه زيدت حقيقة فليس بجيد؛ لأن الباء ليست من ~~حروف الزيادة المعهودة في علم النحو، وإن عنى أنها حرف جاء في سنخ ~~الكلمة، وليس في سلسل ولا سلسال؛ فيصح، ويكون مما اتفق معناه وكان ~~مختلفا في المادة. # وقال ابن الأعرابي: لم أسمع السلسبيل إلا في القرآن. # وقال مكي: هو اسم أعجمي نكرة فلذلك صرف. ووزن سلسبيل فعلليل مثل دردبيس. # وقيل: فعفليل؛ لأن الفاء مكررة. # وقرأ طلحة سلسبيل دون تنوين ومنعت من الصرف للعلمية والتأنيث؛ لأنها اسم ~~لعين بعينها، وعلى هذا فكيف صرف في قراءة العامة؟ فيجاب أنها سميت بذلك ~~لا على جهة العلمية بل على جهة الإطلاق المجرد، أو يكون من باب تنوين " ~~سلاسل " و " قوارير " وقد تقدم. # وأغرب ما قيل في هذا الحرف: أنه مركب من كلمتين من فعل أمر وفاعل مستتر ~~ومفعول، والتقدير سل أنت سبيلا إليها. # قال الزمخشري: وقد عزوا إلى علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أن معناه ~~سل سبيلا إليها، قال: وهذا غير مستقيم على ظاهره إلا أن يراد أن جملة ~~قول القائل: سل سبيلا جعلت علما للعين؛ كما قيل: تأبط شرا، وذرى ~~حبا، وسميت بذلك؛ لأنه لا يشرب منها إلا من سأل سبيلا إليها بالعمل ~~الصالح، وهو مع استقامته في العربية تكلف وابتداع وعزوه إلى مثل علي أبدع ~~وفي شعر بعض المحدثين # 5049ب- سل سبيلا فيها إلى راحة النف # س كأنها سلسبيل # قال أبو حيان بعد تعجبه من هذا القول: وأعجب من ذلك توجيه الزمخشري له ~~واشتغاله بحكايته. # قال شهاب الدين: ولو تأمل ما قاله الزمخشري لم يلمه ولم يتعجب مه؛ لأن ~~الزمخشري هو الذي شنع على هذا القول غاية التشنيع. # وقال أبو البقاء: والسلسبيل كلمة واحدة. وفي قوله كلمة واحدة تلويح ~~وإيماء إلى هذا الوجه المذكور. # قوله: " ثم " هذا ظرف مكان، وهو مختص بالبعد، وفي انتصابه وجهان: # أظهرهما: ms8929 أنه منصوب على الظرف ومفعول الرؤية غير مذكور؛ لأن القصد: ~~وإذا صدرت منك رؤية في ذلك المكان رأيت كيت وكيت، ف " رأيت " الثاني ~~جواب ل " إذا ". # وقال الفراء: " ثم " مفعولة به ل " رأيت " ، والمعنى: وإذا رأيت ما ~~ثم، وصلح إضمار " ما " ، كما قال # لقد تقطع بينكم # [الأنعام: 94]، يريد: ما بينكم. # قال الزجاج: لا يجوز إضمار " ما ". # وقال الفراء: " وإذا رأيت " تقديره: ما ثم، ف " ما " مفعول، ~~وحذفت " ما " ، وقامت " ثم " مقام " ما ". # وقال الزمخشري تابعا لأبي إسحاق: ومن قال: معناه: ما ثم، فقد أخطأ؛ ~~لأن " ثم " صلة ل " ما " ولا يجوز إسقاط الموصول، وترك الصلة. # وفي هذا نظر؛ لأن الكوفيين يجوزون مثل هذا، واستدلوا عليه بأبيات وآيات ~~تقدم الكلام عليها مستوفى في أوائل هذا الموضوع. # وقال ابن عطية: و " ثم " ظرف والعامل فيه " رأيت " أو معناه، والتقدير: ~~رأيت ما ثم فحذفت ما. # قال أبو حيان: وهذا فاسد؛ لأنه من حيث جعله معمولا ل " رأيت " لا يكون ~~صلة ل " ما "؛ لأن العامل فبه إذا ذاك محذوف: أي ما استقر ثم. # قال شهاب الدين: ويمكن أن يجاب عنه، بأن قوله أو معناه هو القول بأنه ~~صلة لموصول فيكونان وجهين لا وجها واحدا حتى يلزمه الفساد، ولولا ذلك ~~لكان قوله أو معناه لا معنى له، ويعني بمعناه أي معنى الفعل من حيث ~~الجملة، وهو الاستقرار المقدر. # والعامة على فتح الثاء من " ثم " كما تقدم. # وقرأ حميد الأعرج بضمها، على أنها العاطفة، وتكون قد عطفت " رأيت " ~~الثاني على الأول ويكون فعل الجواب محذوفا، ويكون فعل الجواب المحذوف هو ~~الناصب لقوله " نعيما " والتقدير: وإذا صدرت منك رؤية ثم صدرت رؤية أخرى ~~رأيت نعيما وملكا؛ فرأيت هذا هو الجواب. # فصل # واعلم أنه تعالى ذكر بعد ذلك من يكون خادما في تلك المجالس. # فقال { ويطوف عليهم ولدان مخلدون } وقد تقدم تفسير ~~هذين الوصفين في سورة الوقعة والأقرب أن المراد به دوام حياتهم وحسنهم ~~ومواظبتهم على الخدمة الحسنة الموافقة، قال الفراء يقال مخلدون مسورون ~~ويقال مقرطون وروى نفطويه ms8930 عن ابن الأعرابي مخلدون محلون. # والصفة الثالثة: قوله تعالى { إذا رأيتهم حسبتهم ~~لؤلؤا منثورا } وفي كيفية التشبيه وجوه: # أحدها: شبهوا في حسنهم وصفاء ألوانهم وانتشارهم في مجالسهم ومنازلهم عند ~~اشتغالهم بأنواع الخدمة باللؤلؤ المنثور ولو كان صفا لشبهوا باللؤلؤ ~~المنظوم؛ ألا ترى أنه تعالى قال { ويطوف عليهم } فإذا كانوا ~~يطوفون كانوا متناثرين. # وثانيها: أنهم شبهوا باللؤلؤ الرطب إذا انتثر من صدفه لأنه أحسن وأكثر ~~ماء. # وثالثها: قال القاضي هذا من التشبيه العجيب لأن اللؤلؤ إذا كان متفرقا ~~يكون أحسن في المنظر لوقوع شعاع بعضه على البعض فيكون مخالفا للمجتمع ~~منه. # واعلم أنه تعالى لما ذكر تفصيل أحوال أهل الجنة، أتبعه بما يدل على أن ~~هناك أمورا أعلى وأعظم من هذا القدر المذكور فقال { وإذا رأيت ~~ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا }. # فصل # اعلم أن اللذات الدنيوية محصورة في أمور ثلاثة: قضاء الشهوة، وإمضاء ~~الغضب، واللذة الخيالية التي يعبر عنها بحب المال والجاه، وكل ذلك مستحقر ~~فإن الحيوانات الخسيسة قد تشارك الإنسان في واحد منها، فالملك الكبير ~~الذي ذكره الله ههنا لا بد وأن يكون مغايرا لتلك اللذات الحقيرة، وما هو ~~إلا أن تصير نفسه منتقشة بقدس الملكوت متحلية بجلال حضرة اللاهوت، وأما ~~ما هو على أصول المتكلمين، فالوجه فيه أيضا أنه الثواب والمنفعة ~~المقرونة بالتعظيم فبين الله تعالى في الآيات المتقدمة تفصيل تلك المنافع ~~وبين في هذه الآية حصول التعظيم وهو أن كل واحد منهم يكون كالملك العظيم، ~~وأما المفسرون فمنهم من حمل هذا الملك الكبير على أن هناك منافع أزيد مما ~~تقدم ذكره، قال ابن عباس لا يقدر واصف يصف حسنه ولا طيبه. ويقال إن أدنى ~~أهل الجنة منزلة ينظر في ملكه مسيرة ألف عام ويرى أقصاه كما يرى أدناه, ~~وقيل لا زوال له وقيل إذ أرادوا شيئا حصل، ومنهم من حمله على التعظيم، ~~فقال الكلبي هو أن يأتي الرسول من عند الله بكرامة من الكسوة والطعام ~~والشراب والتحف إلى ولي الله وهو في منزله فيستأذن عليه، ولا يدخل عليه ms8931 ~~رسول رب العزة من الملائكة المقربين المطهرين إلا بعد الاستئذان. # فصل # قال بعضهم قوله { وإذا رأيت } خطاب لمحمد خاصة، والدليل عليه أن ~~رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت إن دخلت الجنة أترى ~~عيناي ما ترى عيناك؟ فقال نعم، فبكى حتى مات، وقال آخرون بل هو خطاب لكل ~~أحد. # قوله: { عاليهم }. قرأ نافع وحمزة: بسكون الياء وكسر الهاء، ~~والباقون: بفتح الياء وضم الهاء، لما سكنت الياء كسر الهاء، ولما تحركت ~~ضمت على ما تقدم في أول الكتاب. # فأما قراءة نافع وحمزة، ففيها أوجه: # أظهرها: أن يكون خبرا مقدما، و " ثياب " مبتدأ مؤخر. # والثاني: أن " عاليهم " مبتدأ، و " ثياب " مرفوع على جهة الفاعلية، وإن ~~لم يعتمد الوصف، وهذا قول الأخفش. # والثالث: أن " عاليهم " منصوب، وإنما سكن تخفيفا. قاله أبو البقاء. # وإذا كان منصوبا فسيأتي فيه أوجه، وهي واردة هنا، إلا أن تقدير الفتحة ~~من المنقوص لا يجوز إلا في ضرورة أو شذوذ، وهذه القراءة متواترة، فلا ~~ينبغي أن يقال به فيها، وأما قراءة من نصب، ففيه أوجه: # أحدها: أنه ظرف خبر مقدم، و " ثياب " مبتدأ مؤخر، كأنه قيل: فوقهم ثياب. # قال أبو البقاء: لأن عاليهم بمعنى فوقهم. # قال ابن عطية: يجوز في النصب أن يكون على الظرف؛ لأنه بمعنى فوقهم. # قال أبو حيان: وعال وعالية اسم فاعل فيحتاج في إثبات كونهما ظرفين إلى ~~أن يكون منقولا من كلام العرب: " عاليك أو عاليتك ثوب ". # قال شهاب الدين: قد وردت ألفاظه من صيغة أسماء الفاعلين ظروفا، نحو ~~خارج الدار، وداخلها وظاهرها، وباطنها، تقول: جلست خارج الدار، وكذلك ~~البواقي، فكذلك هنا. # الثاني: أنه حال من الضمير في " عليهم ". # الثالث: أنه حال من مفعول " حسبتهم ". # الرابع: أنه حال من مضاف مقدر، أي: رأيت أهل نعيم وملك كبير عاليهم، ف ~~" عاليهم " حال من " أهل " المقدر، ذكر هذه الأوجه الثلاثة: الزمخشري، ~~فإنه قال: " وعاليهم " بالنصب على أنه حال من الضمير في " يطوف عليهم " ~~أو في " حسبتهم " أي: يطوف عليهم ولدان عاليا للمطوف عليهم ثياب، أو ms8932 ~~حسبتهم لؤلؤا عاليا لهم ثياب، ويجوز أن يراد: رأيت أهل نعيم وملك ~~عاليهم ثياب. # قال أبو حيان: أما أن يكون حالا من الضمير في " حسبتهم " ، فإنه ~~لا يعني إلا ضمير المفعول، وهو لا يعود إلا على " ولدان " ، وهذا لا يصح؛ ~~لأن الضمائر الآتية بعد ذلك تدل على أنها للمعطوف عليهم من قوله تعالى { ~~وحلوا } ، { وسقاهم } و { إن هذا كان لكم جزآء ~~} وفك الضمائر يجعل كذا وذلك كذا مع عدم الاحتياج إلى ذلك، والاضطرار إلى ~~ذلك لا يجوز، وأما جعله حالا من محذوف، وتقديره: أهل نعيم، فلا حاجة إلى ~~ادعاء الحذف مع صحة الكلام وبراعته دون تقدير ذلك المحذوف. # قال شهاب الدين: جعل أحد الضمائر لشيء، والآخر لشيء آخر لا يمنع صحة ذلك ~~مع ما يميز عود كل واحد إلى ما يليق به، وكذلك تقدير المحذوف غير ممنوع ~~أيضا, وإن كان الأحسن أن تتفق الضمائر وألا يقدر محذوف، والزمخشري ~~إنما ذكر ذلك على سبيل التجويز لا على سبيل أنه مساو أو أولى، فيرد عليه ~~ما ذكره. # الخامس: أنه حال من مفعول " لقاهم ". # السادس: أنه حال من مفعول " جزاهم ". ذكرهما مكي. # وعلى هذه الأوجه: التي انتصب فيها على الحال يرتفع به " ثياب " على ~~الفاعلية، ولا يضر إضافته إلى معرفة في وقوعه حالا؛ لأن الإضافة لفظية ~~كقوله تعالى: # عارض ممطرنا # [الأحقاف: 24] فأنث " عارضا " ولم يؤنث عاليا لأن مرفوعه غير حقيقي ~~التأنيث. # السابع: أن ينتصب " عاليهم " على الظرف، ويرتفع " ثياب " به على جهة ~~الفاعلية، وهذا ماش على قول الأخفش والكوفيين حيث يعملون الظرف وعديله، ~~وإن لم يعتمد, كما تقدم ذلك في الصف. # وإذا رفع " عاليهم " بالابتداء، و " ثياب " على أنه فاعل به، كان مفردا ~~على بابه لوقوعه موقع الفعل، وإذا جعل خبرا مقدما كان مفردا لا يراد ~~به الجمع، فيكون كقوله تعالى: # فقطع دابر القوم # [الأنعام: 45] أي أدبار. قاله مكي. # وقرأ ابن مسعود وزيد بن علي: " عاليتهم " مؤنثا بالتاء مرفوعا. # والأعمش وأبان عن عاصم كذلك، إلا أنه منصوب. # وقد عرف الرفع والنصب مما تقدم. ms8933 # وقرأت عائشة - رضي الله عنها - " عليتهم " فعلا ماضيا متصلا بتاء ~~التأنيث الساكنة، و " ثياب " فاعل به، وهي مقوية للأوجه المذكورة في رفع ~~" ثياب " بالصفة في قراءة الباقين كما تقدم تفصيله. # وقرأ ابن سيرين ومجاهد، وأبو حيوة، وابن أبي عبلة وخلائق: جارا ~~ومجرورا. # وإعرابه كإعراب " عاليهم " ظرفا في جواز كونه خبرا مقدما، أو حالا ~~مما تقدم وارتفاع " ثياب " به على التفصيل المذكور. # فصل في الضمير في عاليهم # قال ابن الخطيب: والضمير في " عاليهم " إما للولدان أو للأبرار. # فكأنهم يلبسون عدة من الثياب، فيكون الذي يعلوها أفضلها، ولهذا قال ~~تعالى " عاليهم " أي فوق حجالهم المضروبة عليهم ثياب سندس، والمعنى: أن ~~حجالهم من الحرير والديباج. # قوله تعالى: { ثياب سندس }. قرأ العامة: بإضافة الثياب لما بعدها. # وأبو حيوة وابن أبي عبلة: " ثياب " منونة، { سندس خضر ~~وإستبرق } برفع الجميع ف " سندس " نعت ل " ثياب "؛ لأن " ~~السندس " نوع، و " خضر " نعت ل " سندس " يكون أخضر وغير أخضر، ~~كما أن الثياب تكون سندسا وغيره، و " إستبرق " نسق على ما قبله، ~~أي: وثياب إستبرق. # واعلم أن القراءة السبعة في " خضر " ، و " إستبرق " على أربع ~~مراتب. # الأولى: رفعهما، لنافع وحفص فقط. # الثانية: خفضهما، الأخوين فقط. # الثالثة: رفع الأول، وخفض الثاني، لأبي عمرو وابن عامر فقط. # الرابعة: عكسه، لابن كثير وأبي بكر فقط. # فأما القراءة الأولى: فإن رفع " خضر " على النعت ل " ثياب " , ورفع " ~~إستبرق " نسق على " الثياب " ولكن على حذف مضاف, أي: وثياب إستبرق, ~~ومثله: على زيد ثوب خز وكتان, أي: وثوب كتان. # وأما القراءة الثانية: فيكون جر " خضر " على النعت ل " سندس ". # ثم استشكل على هذا وصف المفرد بالجمع، فقال مكي: هو اسم جمع. # وقيل: هو جمع " سندسة " ك " تمر وتمرة " ووصف اسم الجنس بالجمع يصح، ~~قال تعالى # وينشىء السحاب الثقال # [الرعد: 12]، و # أعجاز نخل منقعر # [القمر: 20]، و # من الشجر الأخضر # [يس: 80] وإذا كانوا قد وصفوا المحل لكونه مرادا به الجنس بالجمع في ~~قولهم: " أهلك الناس الدينار الحمر والدرهم البيض " ، وفي ~~التنزيل: # أو الطفل الذين # [النور: 31] فلأن يوجد ms8934 ذلك في أسماء الجموع أو أسماء الأجناس الفارق ~~بينها وبين واحدها تاء التأنيث بطريق الأولى، وجر " إستبرق " نسقا على " ~~سندس " ، لأن المعنى ثياب من سندس، وثياب من إستبرق. # وما القراءة الثالثة: فرفع " خضر " نعتا ل " ثياب " وجر " إستبرق " ~~نسقا على سندس أي: ثياب خضر من سندس، ومن إستبرق، فعلى هذا يكون ~~الإستبرق أيضا أخضر. # وأما القراءة الرابعة: فجر " خضر " على أنه نعت ل " سندس " ورفع " ~~إستبرق " على النسق على " ثياب " بحذف مضاف، أي: وثياب استبرق. وتقدم ~~الكلام على مادة السندس والإستبرق في سورة الكهف. # وقرأ ابن محيصن: " وإستبرق " بفتح القاف، ثم اضطرب النقل عنه في الهمزة، ~~فبعضهم ينقل عنه أنه قطعها، وبعضهم ينقل أنه وصلها. # قال الزمخشري: " وقرئ: " وإستبرق " نصبا في موضع الجر على منع الصرف، ~~لأنه أعجمي، وهو غلط؛ لأنه نكرة يدخله حرف التعريف، تقول الإستبرق، إلا ~~أنه يزعم ابن محيصن أنه قد جعل علما لهذا الضرب من الثياب، وقرأ: " ~~واستبرق " بوصل الهمزة والفتح على أنه مسمى ب " استفعل " من البريق، ~~وهو ليس بصحيح - أيضا - لأنه معرب مشهور تعريبه وأصله استبره ". # وقال أبو حيان: ودل قوله: إلا أن يزعم ابن محيصن، وقوله بعد: وقرئ " ~~واستبرق " بوصل الألف والفتح، أن قراءة ابن محيصن هي بقطع الهمزة مع فتح ~~القاف, والمنقول عنه في كتب القراءات: أنه قرأ بوصل الألف وفتح القاف. # قال شهاب الدين: قد سبق الزمخشري إلى هذا مكي، فإنه قال: وقد قرأ ابن ~~محيصن بغير صرف, وهو وهم إن جعله اسما؛ لأنه نكرة منصرفة. # وقيل: بل جعله فعلا ماضيا من " برق " فهو جائز في اللفظ بعيد في ~~المعنى. # وقيل: إنه في الأصل فعل ماض على " استفعل " من " برق " ، فهو عربي من ~~البريق، فلما سمي به قطعت ألفه؛ لأنه ليس من أصل الأسماء أن يدخلها ألف ~~الوصل، وإنما دخلت معتلة مغيرة عن أصلها، معدودة، لا يقاس عليها؛ انتهى، ~~فدل قوله " قطعت ألفه " إلى آخره، أنه قرأ بقطع الهمزة وفتح القاف، ودل ~~قوله أولا: وقيل: بل جعله فعلا ماضيا من " برق ms8935 " ، أنه قرأ بوصل ~~الألف، لأنه لا يتصور أن يحكم عليه بالفعلية غير منقول إلى الأسماء، ~~ويترك ألفه ألف قطع ألبتة، وهذا جهل باللغة، فيكون قد روي عنه قراءتا ~~قطع الألف ووصلها، فظهر أن الزمخشري لم ينفرد بالنقل عن ابن محيصن بقطع ~~الهمزة. # وقال أبو حاتم في قراءة ابن محيصن: لا يجوز، والصواب: أنه اسم جنس لا ~~ينبغي أن يحمل ضميرا ويؤيد ذلك دخول لام المعرفة عليه، والصواب قطع ~~الألف, وإجراؤه على قراءة الجماعة. # قال أبو حيان: نقول: إن ابن محيصن قارئ جليل مشهور بمعرفة العربية، ~~وقد أخذ عن أكابر العلماء، فيتطلب لقراءته وجه، وذلك أنه يجعل " استفعل " ~~من البريق, تقول: برق واستبرق، ك " عجب واستعجب " ، ولما كان قوله: " ~~خضر " يدل على الخضرة، وهي لون ذلك السندس، وكانت الخضرة مما يكون ~~فيها لشدتها دهمة وغبش، أخبر أن في ذلك بريقا وحسنا يزيل غبشيته، ف " ~~استبرق " فعل ماض، والضمير فيه عائد على السندس، أو على الأخضر الدال ~~عليه خضر، وهذا التخريج أولى من تلحين من يعرف بالعربية، وتوهيم ضابط ~~ثقة. وهذا هو الذي ذكره مكي. وهذه القراءة قد تقدمت في سورة الكهف. # قوله تعالى: { وحلوا أساور من فضة } عطف على " ويطوف ~~" عطف ماضيا لفظا مستقبلا معنى، وأبرزه بلفظ الماضي لتحققه. # وقال الزمخشري بعد سؤال وجواب من حيث المعنى: وما أحسن بالمعصم أن يكون ~~فيه سواران: سوار من ذهب وسوار من فضة. # وناقشه أبو حيان في قوله: " بالمعصم " ، فقال: قوله: " بالمعصم " إما ~~أن يكون مفعول " أحسن " وإما أن يكون بدلا منه، وقد فصل بينهما بالجار ~~والمجرورن فإن كان الأول فلا يجوز؛ لأنه لم يعهد زيادة الباء في مفعول " ~~أفعل " التعجب، لا تقول: ما أحسن بزيد، تريد: ما أحسن زيدا، وإن كان ~~الثاني ففي هذا الفصل خلاف، والمنقول عن بعضهم أنه لا يجوز، والمولد منا ~~إذا تكلم ينبغي أن يتحرز في كلامه فيما فيه خلاف. # قال شهاب الدين: وأي غرض له في تتبع كلام هذا الرجل حتى في الشيء اليسير ~~على أن الصحيح جوازه، ms8936 وهو المسموع من العرب نثرا، قال عمرو بن معديكرب: ~~لله در بني مجاشع ما أكثر في الهيجاء لقاءها، وأثبت في المكرمات ~~بقاءها، وأحسن في اللزبات عطاءها، والتشاغل بغير هذا أولى. # فصل في المراد بالأساور # قال هنا: " أساور من فضة " وفي سورة " فاطر ": # يحلون فيها من أساور من ذهب # [فاطر: 33]، وفي سورة " الحج ": # يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا # [الحج: 23] فقيل: حلي الرجل الفضة. # وقيل: يجمع في يد أحدهم سواران من ذهب، وسواران من فضة، وسواران من ~~لؤلؤ، ليجتمع محاسن أهل الجنة. قاله سعيد بن المسيب رضي الله عنه. # وقيل: يعطى كل أحد ما يرغب فيه وتميل نفسه إليه. # وقيل: أسورة الفضة إنما تكون للولدان وأسورة الذهب للنساء. # وقيل: هذا للنساء والصبيان. # وقيل: هذا بحسب الأوقات. # قوله تعالى: { وسقاهم ربهم شرابا طهورا } [قال علي رضي ~~الله عنه في قوله تعالى: { وسقاهم ربهم شرابا طهورا } ]، ~~قال: إذا توجه أهل الجنة إلى الجنة مروا بشجرة تخرج من تحت ساقها ~~عينان، فيشربون من إحداها، فيجري عليهم بنضرة النعيم، فلا تتغير أبشارهم، ~~ولا تشعث أشعارهم أبدا، ثم يشربون من الأخرى، فيخرج ما في بطونهم من ~~الأذى، ثم تستقبلهم خزنة الجنة، فيقولون لهم: # سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين # [الزمر: 73]. # وقال النخعي وأبو قلابة، هو إذا شربوه بعد أكلهم طهرهم، وصار ما أكلوه ~~وما شربوه رشح مسك وضمرت بطونهم. # وقال مقاتل: هو من عين ماء على باب الجنة ينبع من ساق شجرة من شرب منها ~~نزع الله ما كان في قلبه من غش وغل وحسد، وما كان في جوفه من أذى، ~~وعلى هذا فيكون " فعولا " للمبالغة، ولا يكون فيه حجة للحنفي أنه بمعنى ~~الطاهر. قاله القرطبي. # قال ابن الخطيب: قوله تعالى: { طهورا } فيه قولان: # الأول: المبالغة في كونه طاهرا ثم على التفسير احتمالان: # أحدهما: ألا يكون نجسا كخمر الدنيا. # وثانيهما: المبالغة في البعد عن الأمور المستقذرة، يعني ما مسته الأيدي ~~الوضيعة والأرجل الدنسة. # وثانيهما: أنه لا يؤول إلى النجاسة، لأنها ترشح عرقا من أبدانهم له ريح ms8937 ~~كريح المسك، وعلى هذين الوجهين يكون الطهور مطهرا؛ لأنه يطهر باطنهم ~~عن الأخلاق الذميمة والأشياء المؤذية. # فإن قيل: قوله تعالى: { وسقاهم ربهم شرابا طهورا } هو ~~نوع ما ذكره قبل ذلك من أنهم يشربون من عين الكافور والزنجبيل والسلسبيل، ~~أو هذا نوع آخر؟. # قلنا: بل هذا نوع آخر، لوجوه: # أحدها: التكرار. # والثاني " أنه تعالى أضاف هذا الشراب إلى نفسه تبارك وتعالى، بقوله ~~تعالى: { وسقاهم ربهم شرابا طهورا } ، وذلك يدل على فضل ~~هذا على غيره. # والثالث: ما روي من أنه يقدم إليهم الأطعمة والأشربة، فإذا فرغوا منها ~~أتوا بالشراب الطهور فيشربون فيطهر ذلك بطونهم ويفيض عرقا من جلودهم ~~مثل ريح المسك، وهذا يدل على أن الشراب مغاير لتلك الأشربة، ولأن هذا ~~الشراب يهضم سائر الأشربة ثم له مع هذا الهضم تأثير عجيب وهو أنه يجعل ~~سار الأطعمة والأشربة عرقا يفوح منه كريح المسك وكل ذلك يدل على ~~المغايرة. # قوله تعالى: { إن هذا كان لكم جزآء } ، أي: يقال لهم: إن ~~هذا كان حزاؤكم، أي: ثواب أعمالكم، فيزداد بذلك القول فرحهم وسرورهم، كما ~~أن المعاقب يزداد غمه، إذا قيل له: هذا جزاء عملك الرديء " وكان ~~سعيكم " أي: عملكم " مشكورا " أي: من قبل الله وشكره للعبد قبول ~~طاعته وثناؤه عليه وإثابته. # وقال قتادة: غفر لهم الذنب وشكر لهم الحسنى. # وقيل: هذا إخبار من الله - تعالى - لعباده في الدنيا كأنه - تعالى - شرح ~~لهم ثواب أهل الجنة، أي أن هذا كان في علمي وحكمي جزاء لكم يا معاشر ~~عبيدي لكم خلقتها ولأجلكم أعددتها. # فصل في الكلام على الآية # قال ابن الخطيب: وفي الآية سؤالان: # الأول: إذا كان فعل العبد خلقا لله - تعالى - فكيف يعقل أن يكون فعل ~~الله - تعالى - جزاء على فعل الله؟. # والجواب: أن الجزاء هو الكافي وذلك لا ينافي كونه فعلا لله. # السؤال الثاني: كون سعي العبد مشكورا يقتضي كون الله شاكرا له؟. # والجواب: كون الله - تعالى - شاكرا للعبد محال إلى على وجه المجاز، وهو ~~من ثلاثة أوجه: # الأول: قال القاضي: إن الثواب مقابل لعملهم ms8938 كما أن الشكر مقابل للنعم. # والثاني: قال القفال: إنه مشهور في كلام الناس أن يقولوا للراضي بالقليل ~~والمثنى به أنه مشكور، فيحتمل أن يكون شكر الله لعباده، وهو رضاه عنهم ~~بالقليل من الطاعات وإعطائه إياهم عليهم ثوابا كبيرا. # الثالث: أن منتهى درجة العبد راضيا من ربه مرضيا لربه، كما قال ~~تعالى: # يأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك ~~راضية مرضية # [الفجر: 27- 28]، وكونها راضية من ربه أقل درجة من كونها مرضية لربه، ~~فقوله تعالى: { إن هذا كان لكم جزآء } إشارة إلى الأمر ~~الذي تصير به النفس راضية مرضية، وقوله: { وكان سعيكم مشكورا ~~} إشارة إلى كونها مرضية لربها لما كانت الحالة أعلى المقامات وآخر ~~الدرجات لا جرم وقع الختم عليها في ذكر مراتب أحوال الأبرار والصديقين. ### || [76.23-26] # قوله: { إنا نحن نزلنا }. يجوز أن يكون توكيدا لاسم " إن " ~~وأن يكون فصلا و " نزلنا " على هذين الوجهين هو خبر " إن " ، ويجوز ~~أن يكون " نحن " مبتدأ، و " نزلنا " خبره والجملة خبر " إن ". # وقال مكي: " نحن " في موضع نصب على الصفة لاسم " إن " لأن الضمير ~~يوصف بالمضمر؛ إذ هو بمعنى التأكيد لا بمعنى الغلبة، ولا يوصف بالمظهر؛ ~~لأنه بمعنى التحلية والمضمر مستغن عن التحلية، لأنه لم يضمر إلا بعد ~~أن عرف تحليته وعينه، وهو محتاج إلى التأكيد لتأكيد الخبر عنه. # قال شهاب الدين: وهذه عبارة غريبة جدا، كيف يجعل المضمر موصوفا ~~بمثله، ولا نعلم خلافا في عدم جواز وصف المضمر إلا ما نقل عن الكسائي ~~أنه جوز وصف ضمير الغائب بضمير آخر، فلا خرف في عدم جوازه، ثم كلامه ~~يؤول إلى التأكيد فلا حاجة إلى العدول عنه. # فصل في مناسبة اتصال الآية بما قبلها # وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنه تعالى لما ذكر الوعد والوعيد بين أن ~~هذا الكتاب يتضمن ما بالناس حاجة إليه، فليس بسحر ولا كهانة ولا شعر ~~وأنه حق. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما - أنزل القرآن متفرقا آية بعد آية، ولم ~~ينزل جملة واحدة فلذلك قال: " نزلنا ". # قال ابن الخطيب: المقصود من ms8939 هذه الآية تثبيت الرسول وشرح صدره فيما ~~نسبوه إليه من كهانة وسحر، فذكر تعالى أن ذلك وحي من الله تعالى ولا جرم ~~بالغ في تكرار الضمير بعد إيقاعه تأكيدا على تأكيد فكأنه تعالى يقول: إن ~~كان هؤلاء الكفار يقولون: إن ذلك كهانة فأنا الله الملك الحق، أقول على ~~سبيل التأكيد: إن ذلك وحي حق وتنزيل صدق من عندي، وفي ذلك فائدتان: # إحداهما: إزالة الوحشة الحاصلة بسبب طعن الكفار؛ لأن الله - تعالى - ~~عظمه وصدقه. # والثانية: تقويته على تحمل مشاق التكليف، فكأنه - تعالى - يقول: إني ~~ما نزلت عليك القرآن متفرقا إلا لحكمة بالغة تقتضي تخصيص كل شيء بوقت ~~معين، وقد اقتضت تلك الحكمة تأخير الإذن في القتال. # { فاصبر لحكم ربك } أي: لقضاء ربك. # وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: اصبر على أذى المشركين، ثم نسخ بآية ~~القتال. # وقيل: اصبر لما حكم به عليك من الطاعات، أو انتظر حكم الله إذ وعدك ~~بالنصر عليهم ولا تستعجل فإنه كائن لا محالة، { ولا تطع منهم ~~آثما } أي: ذا إثم { أو كفورا } أي: لا تطع الكفار. # روى معمر عن قتادة، قال: قال أبو جهل: إن رأيت محمدا لأطأن على ~~عنقه، فأنزل الله تعالى: { ولا تطع منهم آثما أو كفورا ~~}. # وقيل: نزلت في عتبة بن أبي ربيعة والوليد بن المغيرة، وكانا أتيا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يعرضان عليه الأموال والتزويج على أن يترك ذكر ~~النبوة ففيهما نزلت، وعرض عليه عتبة ابنته وكانت من أجمل النساء، وعرض ~~عليه الوليد أن يعطيه من الأموال حتى يرضى، ويترك ما هو عليه، فقرأ عليهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر آيات من أول " حم " السجدة، إلى قوله: # فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة ~~عاد وثمود # [فصلت: 1-13]، فانصرنا عنه وقال أحدهما: ظننت أن الكعبة ستقع علي. # قوله: { أو كفورا }. في " أو " هذه أوجه: # أحدها: أنها على بابها، وهو قول سيبويه. # قال أبو البقاء: وتفيد في النهي عن الجميع، لأنك إذا قلت في الإباحة: ~~جالس الحسن أو ابن ms8940 سيرين كان التقدير: جالس أحدهما، فأيهما كلمه كان ~~أحدهما فيكون ممنوعا منه، فكذلك في الآية، ويؤول المعنى إلى تقدير: ولا ~~تطع منهما آثما ولا كفورا. # قال الزمخشري رحمه الله: فإن قلت: معنى " أو " ولا تطع أحدهما، فهلا جيء ~~بالواو لتكون نهيا عن طاعتهما جميعا؟. # قلت: لو قال: لا تطعهما لجاز أن يطيع أحدهما، وإذا قيل: لا تطع أحدهما ~~علم أن الناهي عن طاعة أحدهما هو عن طاعتهما جميعا أنهى، كما إذا نهي أن ~~يقول لأبويه: " أف " علم أنه منهي عن ضربهما على طريق الأولى. # الثاني: أنها بمعنى " لا " أي: لا تطع من أثم ولا من كفر. # قال مكي: " وهو قول الفراء، وهو بمعنى الإباحة التي ذكرنا ". # الثالث: أنها بمعنى الواو، وقد تقدم أن ذلك قول الكوفيين. # والكفور وإن كان يستلزم الإثم إلا أنه عطف لأحد أمرين: # إما أن يكونا شخصين بعينهما كما تقدم فالآثم عتبة، والكفور الوليد. # وإما لما قاله الزمخشري: " فإن قلت: كانوا كلهم كفرة، فما معنى القسمة ~~في قوله " آثما او كفورا "؟. # قلت: معنا لا تطع منهم راكبا لما هو إثم داعيا إليه أو فاعلا لما هو ~~كفر داعيا لك إليه، لأنهم إما أن يدعوه إلى مساعدتهم على فعل هو إثم ~~أو كفر، أو غير إثم ولا كفر، فنهي أن يساعدهم على الاثنين دون الثالث ". # فصل # قال ابن الخطيب: قوله تعالى: { فاصبر لحكم ربك } يدخل فيه ~~ألا تطع فيه آثما أو كفورا، فكأن ذكره بعد ذلك تكرار؟. # والجواب أن الأول أمر بالمأمورات، والثاني: نهي عن المنهيات، ودلالة ~~أحدهما على الآخر بالالتزام لا بالتصريح، فيكون التصريح، فيكون التصريح ~~منه مفيدا. # فإن قيل: إنه صلى الله عليه وسلم ما كان يطيع أحدا منهم، فما فائدة هذا ~~النهي؟. # فالجواب: أن المقصود بيان أن الناس محتاجون إلى مواصلة التنبيه والإرشاد ~~لأجل ما تركب فيهم من الشهوة الداعية إلى الفساد، وأن أحدا لو استغنى عن ~~توفيق الله - تعالى - وإرشاده لكان أحق الناس به هو الرسول المعصوم - ~~عليه الصلاة والسلام - ومتى ظهر ذلك عرف ms8941 كل مسلم أنه لا بد من الرغبة ~~إلى الله - تعالى - والتضرع إليه أن يصونه عن الشبهات والشهوات. # فإن قيل: ما الفرق بين الآثم والكفور؟. # فالجواب: أن الآثم هو الآتي بالمعاصي أي معصية كانت، والكفور: هو ~~الجاحد للنعمة، فكل كفور آثم، وليس كل آثم كفورا، لأن الإثم عام في ~~المعاصي كلها، قال الله تعالى: # ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما # [النساء: 48]. # فسمى الشرك آثما، وقال تعالى: # ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه ءاثم ~~قلبه # [البقرة: 283] وقال تعالى: # وذروا ظاهر الإثم وباطنه # [الأنعام: 120]، وقال تعالى: # يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ إثم ~~كبير # [البقرة: 219]. قد نزلت هذه الآيات على أن الإثم جميع المعاصي. # قوله تعالى: { واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا }. أي: صل ~~لربك أول النهار وآخره ففي أوله صلاة الصبح والظهر والعصر، وهو ~~الأصيل، { ومن الليل فاسجد له } يعني صلاة المغرب والعشاء ~~الآخرة، { وسبحه ليلا طويلا } يعني التطوع فيه. قاله ابن ~~حبيب. # وقال ابن عباس وسفيان: كل تسبيح في القرآن فهو صلاة. # وقيل: هو الذكر المطلق، سواء كان في الصلاة أو في غيرها. # وقال ابن زيد وغيره: إن قوله تعالى: { وسبحه ليلا طويلا } ~~منسوخ بالصلوات الخمس. # وقيل: هو ندب. # وقيل: هو مخصوص بالنبي عليه الصلاة والسلام. # وجمع الأصيل: الأصائل، والأصل، كقولك: سفائن وسفن، والأصائل: جمع الجمع، ~~ودخلت " من " على الظرف للتبغيض، كما دخلت على المفعول في قوله تعالى: # يغفر لكم من ذنوبكم # [الأحقاف: 31]. # قوله: { وسبحه } فيه دليل على عدم صحة قول بعض أهل المعاني ~~والبيان، أن الجمع بين الحاء والهاء - مثلا - يخرج الكلم عن فصاحتها، ~~وجعلوا من ذلك قوله: [الطويل]. # 5050- كريم متى أمدحه والورى # معي وإذا ما لمته لمته وحدي # البيت لأبي تمام، ويمكن أن يفرق بين ما أنشدوه وبين الآية بأن التكرار ~~في البيت هو المخرج عن الفصاحة بخلاف الآية فإنه لا تكرار فيها. ### || [76.27-31] # قوله تعالى: { إن هؤلاء يحبون العاجلة }. توبيخ ~~وتقريع والمراد أهل " مكة " ، والعاجلة، الدنيا. # واعلم أنه تعالى لما خاطب رسوله صلى الله عليه وسلم بالتعظيم والأمر ms8942 ~~والنهي، عدل إلى شرح أحوال الكفار والمتمردين، فقال تعالى: { إن ~~هؤلاء يحبون العاجلة } ، ومعناه: إن الذي حمل هؤلاء على ~~الكفر والإعراض عما ينفعهم في الآخرة، هو محبتهم اللذات العاجلة والراحات ~~الدنيوية البدنية. # قوله: { ويذرون ورآءهم } ، أي: بين أيديهم، وقال: " ~~وراءهم " ولم يقل: قدامهم لأمور: # أحدها: أنهم لما أعرضوا عنه ولم يلتفتوا إليه فكأنهم جعلوه وراء ظهورهم. # وثانيها: المراد: يذرون وراءهم مصالح يوم ثقيل، أي عسير، فأسقط المضاف. # وثالثها: أن " وراء " يستعمل بمعنى " قدام " ، كقوله تعالى: # من ورآئه جهنم # [إبراهيم: 16] # وكان ورآءهم ملك # [الكهف: 79]. # وقال مكي: سمي " وراء " لتواريه عنك، فظاهر هذا أنه حقيقة، والصحيح أنه ~~استعير ل " قدام ". # قوله: " يوما ". مفعول ب " يذرون " لا ظرف، وصفه بالثقل على ~~المجاز؛ لأنه من صفات الأعيان لا المعاني. # وقيل: معناه يتركون الإيمان بيوم القيامة. # وقيل: نزلت في اليهود فيما كتموه من صفة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحة ~~نبوته، وحبهم العاجلة: أخذهم الرشا ما كتموه، وقيل: أراد المنافقين ~~لاستبطانهم الكفر وطلب الدنيا، والآية تعم، واليوم الثقيل: يوم ~~القيامة، وسمي ثقيلا لشدائده وأهواله وقيل: للقضاء فيه بين العباد. # قوله تعالى: { نحن خلقناهم } أي من طين، { وشددنآ ~~أسرهم } أي: خلقهم. قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة ومقاتل وغيرهم، ~~والأسر: الخلق. # قال أبو عبيد: يقال: فرس شديد الأسر، أي: الخلق، ويقال: أسره الله، إذا ~~شدد خلقه؛ قال لبيد [الرمل] # 5051- ساهم الوجه شديد أسره # مشرف الحارك محبوك الكتد # وقال الأخطل: [الكامل] # 5052- من كل مجتنب شديد أسره # سلس القياد تخاله مختالا # وقال أبو هريرة والحسن والربيع رضي الله عنهم: شددنا مفاصلهم. # قال أهل اللغة: الأسر: الربط، ومنه: أسر الرجل، إذا أوثق بالقيد، ~~وفرس مأسورة الخلق وفرس مأسورة بالعقب، والإسار: هو القيد الذي يشد به ~~الأقتاب، تقول: أسرت القتب أسرا، أي: شددته وربطته. # فصل في معنى الأسر # قال ابن زيد: الأسر القوة، والكلام خرج مخرج الامتنان عليهم بالنعم حين ~~قابلوها بالمعصية، أي: سويت خلقك وأحكمته بالقوى ثم أنت تكفر بي. # قال ابن لخطيب: وهذا الكلام يوجب عليهم طاعة الله تعالى ms8943 من حيث الترغيب ~~والترهيب؛ أما الترغيب فلأنه هو الذي خلقهم وأعطاهم الأعضاء السليمة التي ~~بها يمكن الانتفاع باللذات العاجلة، وخلق لهم جميع ما يمكن الانتفاع به، ~~فإذا أحبوا اللذات العاجلة، وتلك اللذات لا تحصل إلا بالمنتفع والمنتفع ~~به، وهما لا يحصلان إلا بتكوين الله وإيجاده، وهذا مما يوجب عليهم ~~الانقياد لله - تعالى - وترك التمرد. # وأما الترهيب فإنه قادر على أن يميتهم وأن يسلب النعم عنهم، وأن يلقي ~~بهم في كل محنة وبلية، فلأجل الخوف من فوت هذه اللذات العاجلة يجب عليهم ~~الانقياد لله - تعالى - وترك التمرد، فكأنه قيل: هب أن حبكم لهذه ~~اللذات العاجلة طريقة حسنة إلا أن ذلك يوجب عليكم الإيمان بالله - تعالى ~~- والانقياد له، فلم توسلتم به إلى الكفر بالله - تعالى - والإعراض عن ~~حكمه. # قوله تعالى: { وإذا شئنا بدلنآ أمثالهم تبديلا }. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: لو نشاء لأهلكناهم وجئنا بأطوع لله ~~منهم. # وقال ابن الخطيب: معناه: إذا شئنا أهلكناهم، وأتينا بأشباههم، فجعلناهم ~~بدلا منهم كقوله تعالى: # على أن نبدل أمثالكم # [الواقعة: 61]، والغرض منه: بيان الاستغناء التام عنهم، كأنه قيل: لا ~~حاجة بنا إلى أحد من المخلوقين ألبتة، وبتقدير إن ثبتت الحاجة، فلا حاجة ~~بنا إلى هؤلاء الأقوام؛ فإنا قادرون على إبدالهم وإيجاد أمثالهم، ونظيره ~~قوله تعالى: # إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد # [إبراهيم: 19]، # إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين # [النساء: 133]. وروى الضحاك عن ابن عباس - رضي الله عنهم - معناه: ~~لغيرنا محاسنهم إلى أقبح الصور. # وقيل: أمثالهم في الكفر. # فصل في نظم الآية # قال الزمخشري في قوله تعالى: { وإذا شئنا }: وحقه أن يجيء ب " إن ~~" لا ب " إذا " ، كقوله تعالى: # وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم # [محمد: 38]، { إن يشأ يذهبكم } يعني: أن " إذا " للمحقق، ~~و " إن " للمحتمل، وهو تعالى لم يشأ ذلك، وجوابه أن " إذا " قد تقع موقع ~~" إن " كالعكس. # قال ابن الخطيب: فكأنه طعن في لفظ القرآن وهو ضعيف، لأن كل واحد من " إن ~~" و " إذا " حرف شرط، إلا أن حرف " إن " لا يستعمل فيما هو ms8944 معلوم الوقوع، ~~فلا يقال: إن طلعت الشمس أكرمتك. # أما حرف " إذا " فإنه يستعمل فيما يكون معلوم الوقوع تقول ابتداء: إذا ~~طلعت الشمس - فهاهنا - لما كان الله تعالى عالما أنه سيجيء وقت يبدل ~~الله تعالى فيه أولئك الكفرة بأمقالهم في الخلقة وأضدادهم في الطاعة لا ~~جرم حسن استعمال حرف " إذا ". # قوله تعالى: { إن هذه تذكرة }. أي: هذه السورة موعظة، { ~~فمن شآء اتخذ إلى ربه سبيلا } أي: طريقا موصلا إلى ~~طاعته. # وقيل: " سبيلا " أي وسيلة. # وقيل: وجهة وطريقة إلى الخير والمعنى: أن هذه السورة لما فيها من ~~الترتيب العجيب، والوعد الوعيد، والترغيب والترهيب تذكرة للمتأملين ~~وتبصرة للمتبصرين. # فصل في قول الجبرية # قال ابن الخطيب: متى ضمت هذه الآية إلى الآية بعدها خرج منهما صريح مذهب ~~الجبر، لأن قوله تعالى: { فمن شآء اتخذ إلى ربه سبيلا ~~} الآية يقتضي أن مشيئة العبد متى كانت خالصة، فإنها تكون مستلزمة للفعل، ~~وقوله تعالى بعد ذلك: { وما تشآءون إلا أن يشآء الله } ~~يقتضي كون مشيئة الله تعالى مستلزمة لمشيئة العبد، ومستلزم المستلزم ~~مستلزم، فإن مشيئة الله - تعالى - مستلزمة لفعل العبد، وذلك هو الجبر، ~~وكذا الاستدلال على الجبر بقوله تعالى: # فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر # [الكهف: 29]، لأن هذه الآية أيضا تقتضي كون المشيئة مستلزمة للفعل، ثم ~~التقدير ما تقدم. # قال القاضي: المذكور هاهنا اتخاذ السبيل إلى الله - تعالى - وهو أمر قد ~~شاءه؛ لأنه أمر به فلا بد وأن يكون قد شاءه، وهذا لا يقضي أن يقال: العبد ~~لا يشاء إلا ما قد شاء الله على الإطلاق إذ المراد بذلك الأمر المخصوص ~~الذي قد ثبت أن الله تعالى أراده وشاءه. وهذا الكلام لا تعلق له ~~بالاستدلال الذي ذكرناه، فحاصل ما ذكره القاضي تخصيص العام بالصور ~~المتقدمة، وذلك ضعيف لأن خصوص ما قبل الآية لا يقتضي تخصيص هذا العام ~~لاحتمال أن يكون الحكم في هذه الآية واردا بحيث تعم تلك الصورة وغيرها. # قوله: { إلا أن يشآء الله } فيه وجهان: # أحدهما: أنه حال، أي إلا في حال مشيئة الله تعالى. ms8945 قاله أبو البقاء. # وفيه نظر: لأن هذا مقدر بالمعرفة إى أن يريد تفسير المعنى. # والثاني: أنه ظرف. # قال الزمخشري: " فإن قلت: ما محل أن يشاء الله؟. # قلت: النصب على الظرف، وأصله: إلا وقت مشيئة الله تعالى، وكذلك قرأ ابن ~~مسعود: إلا ما يشاء الله، لأن " ما " مع الفعل ك " إن " معه ". # ورد أبو حيان: بأنه لا يقوم مقام الظرف إلا المصدر الصريح، لو قلت: ~~أجيئك أن يصيح الديك، أو ما يصيح، لم يجز. قال شهاب الدين: قد تقدم ~~الكلام في ذلك مرارا. # وقرأ نافع والكوفيون: " تشاءون " خطابا لسائر الخلق، أو على الالفتات ~~من الغيبة في قوله تعالى: { نحن خلقناهم } ، والباقون: بالغيبة ~~جريا على قوله: " خلقناهم " وما بعده. # قوله: { وما تشآءون } أي الطاعة والاستقامة، واتخاذ السبيل إلى ~~الله { إلا أن يشآء الله } فأخبر أن الأمر إليه سبحانه، وليس ~~لهم، وأنه لا ينفذ مشيئة أحد، ولا تقدم إلا تقدم مشيئة الله تعالى، ~~قيل: إن الآية الأولى منسوخة بالثانية. # قال القرطبي: والأشبه أنه ليس بنسخ، بل هو تبيين أن ذلك لا يكون إلا ~~بمشيئته. # قال الفراء: " وما تشاءون إلا أن يشاء الله " جواب لقوله ~~تعالى: { فمن شآء اتخذ إلى ربه سبيلا } ثم أخبرهم أن ~~الأمر ليس إليهم، فقال: " وما تشاءون " ذلك السبيل " إلا أن ~~يشاء الله " لكم، { إن الله كان عليما } بأعمالكم " ~~حكيما " في أمره ونهيه لكم. # قوله تعالى: { يدخل من يشآء في رحمته }. أي: يدخله الجنة ~~راحما له. # قال ابن الخطيب: إن فسرنا الرحمة بالإيمان فالآية صريحة في أن الإيمان ~~من الله تعالى وإن فسرناها بالجنة كان دخول الجنة بسبب مشيئته بسبب مشيئة ~~الله تعالى وفضله، وإحسانه لا بسبب الاستحقاق؛ لأنه لو ثبت الاستحقاق ~~لكان تركه يفضي إلى الجهل أو الحاجة، وهما محالان على الله تعالى، ~~والمفضي إلى المحال محال، فتركه محال، فوجوده واجب عقلا، وعدمه ممتنع ~~عقلا، وما كان كذلك لا يكون معلقا على المشيئة ألبتة. # قوله: { والظالمين } ، أي: ويعذب الظالمين، وهو منصوب على ~~الاشتغال بفعل يفسره " أعد لهم " من حيث ms8946 المعنى لا من حيث اللفظ، ~~تقديره: وعذب الظالمين، ونحوه: " زيدا مررت به " أي: جاوزت ولابست. وكان ~~النصب هنا مختارا لعطف جملة الاشتغال على جملة فعلية قبلها، وهو قوله " ~~يدخل ". # قال الزجاج: نصب " الظالمين " لأن قبله منصوبا، أي: يدخل من يشاء في ~~رحمته ويعذب الظالمين، أي: المشركين، ويكون " أعد لهم " تفسيرا ~~لهذا المضمر؛ قال الشاعر: [المنسرح] # 5053- أصبحت لا أحمل السلاح ولا # أملك رأس البعير إن نفرا # والذئب أخشاه إن مررت به # وحدي وأخشى الرياح والمطرا # أي: أخشى الذئب أخشاه. # قال الزجاج: والاختيار النصب. وإن جاز الرفع. # وقوله تعالى في " حم عسق ": # يدخل من يشآء في رحمته والظالمون # [الشورى: 8] ارتفع لأنه لم يذكر بعده فعل يقع عليه فنصب في المعنى، فلم ~~يجز العطف على المنصوب قبله فارتفع بالابتداء، وهاهنا قوله: { أعد ~~لهم عذابا } يدل على " ويعذب " فجاز النصب. # وقرأ الزبير، وأبان بن عثمان، وابن أبي عبلة: " والظالمون " رفعا ~~على الابتداء، وما بعده الخبر، وهو أمر مرجوح لعدم المناسبة. # وقرأ ابن مسعود: " وللظالمين " بلام الجر، وفيه وجهان: # أظهرهما: أن يكون " للظالمين " متعلقا ب " أعد " بعده، ويكون " ~~لهم " تأكيدا. # والثاني: وهو ضعيف، أن يكون من باب الاشتغال، على أن يقدر فعلا مثل ~~الظاهر، ويجر الاسم بحرف الجر، فتقول: " بزيد مررت به " أي: مررت بزيد ~~مررت به، والمعروف في لغة العرب مذهب الجمهور، وهو إضمار فعل ناصب موافق ~~لفعل الظاهر في المعنى، فإن ورد نحو " بزيد مررت به " عد من التوكيد ~~لا من الاشتغال. والأليم: المؤلم. # روى الثعلبي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة { هل أتى على الإنسان } كان جزاؤه ~~على الله تعالى جنة وحريرا ". ### | [77 - سورة المرسلات] ### || [77.1-7] # قوله: { والمرسلات عرفا } في " عرفا " ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه مفعول من أجله، أي: لأجل العرف، وهو ضد النكر، فإن ~~الملائكة إن كانوا بعثوا للرحمة، فالمعنى فيه ظاهر، وإن كانوا بعثوا ~~للعذاب فذلك العذاب وإن لم يكن معروفا للكفار فإنه معروف للأنبياء ~~والمؤمنين، والمراد بالمرسلات، إما ms8947 الملائكة، وإما الأنبياء، وإما ~~الرياح، أي: والملائكة المرسلات، أو والأنبياء المرسلات، أو والرياح ~~المرسلات. و " العرف " المعروف، والإحسان، قال: [البسيط] # 5054- من يفعل الخير لا يعدم جوازيه # لا يذهب العرف بين الله والناس # وقد يقال: كيف جمع صفة المذكر العاقل بالألف والتاء، وحقه أن يجمع ~~بالواو والنون, نقول: الأنبياء المرسلون, ولا نقول: المرسلات؟. # والجواب: أن المرسلات جمع مرسلة, ومرسلة: صفة لجماعة من الأنبياء، ~~والمرسلات: جمع مرسلة الواقعة صفة لجماعة، لا جمع مرسل مفرد. # والثاني: أن ينتصب على الحال بمعنى متتابعة، من قولهم: جاءوا كعرف ~~الفرس، وهم على فلان كعرف الضبع، إذا تألبوا عليه. # قال ابن الخطيب: يكون مصدرا، كأنه قيل: والمرسلات إرسالا، أي متتابعة. # الثالث: أن ينتصب على إسقاط الخافض، أي: المرسلات بالعرف، وفيه ضعف، وقد ~~تقدم الكلام على العرف في الأعراف. # والعامة: على تسكين رائه، وعيسى: بضمها، وهو على تثقيل المخفف، نحو: " ~~بكر " في " بكر " ، ويحتمل أن يكون هو الأصل، والمشهور مخففة منه، ~~ويحتمل أن يكونا وزنين مستقلين. # فصل في المراد بالمرسلات # جمهور المفسرين على أن " المرسلات " هي الرياح. # وروى مسروق عن عبد الله قال: هي الملائكة أرسلت بالعرف من أمر الله ~~ونهيه والخبر والوحي، وهو قول أبي هريرة ومقاتل وأبي صالح والكلبي. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: هم الأنبياء أرسلوا بلا إله إلا الله. # وقال أبو صالح: الرسل ترسل بما يعرفون به من المعجزات. # وعن ابن عباس وابن مسعود: أنها الرياح، كما قال تعالى: # وأرسلنا الرياح # [الحجر: 22]، وقال تعالى: # وهو الذي يرسل الرياح # [الأعراف: 57]، ومعنى " عرفا " أي: يتبع بعضها بعضا كعرف الفرس، ~~وقيل: يحتمل أن يكون المراد بالمرسلات: السحاب لما فيها من نعمة ونقمة ~~عارفة بما أرسلت إليه ومن أرسلت إليه. # وقيل: إنها الزواجر والمواعظ، و " عرفا " على هذا التأويل: ~~متتابعات كعرف الفرس، قاله ابن عباس. # وقيل: جاريات، قاله الحسن، يعني في القلوب. # وقيل: معروفات في العقول. # قوله تعالى: { فالعاصفات عصفا }. هذا المصدر مؤكد لاسم الفاعل. # والمراد بالعاصفات: الرياح. قاله المهدوي. # وقال ابن عباس: هي الرياح العواصف تأتي ms8948 بالعصف، وهو ورق الزرع وحطامه. # وقال: العاصفات الملائكة شبهت بسرعة جريها في أمر الله - تعالى - ~~بالرياح، وكذلك " نشرا، وفرقا " انتصابهما على المصدر. # وقيل: الملائكة تعصف بروح الكافر، يقال: عصف بالشيء إذا أباده ~~وأهلكه، وناقة عصوف، أي تعصف براكبها فتمضي كأنها ريح في السرعة، وعصفت ~~الحرب بالقوم، أي: ذهبت بهم. # وقيل: يحتمل أنها الآيات المهلكة كالزلازل والخوف. # قوله تعالى: { والناشرات نشرا }. هي الملائكة الموكلون ~~بالسحاب ينشرونها. # وقال ابن مسعود ومجاهد: هي الرياح يرسلها الله تعالى نشرا بين يدي ~~رحمته ينشر السحاب للغيث، وهو مروي عن أبي صالح. # وعنه أيضا: هي الأمطار لأنها تنشر النبات، فالنشر بمعنى الإحياء، ~~يقال: نشر الله الميت وأنشره، بمعنى أحياه، قال تعالى: # ثم إذا شآء أنشره # [عبس: 22]. # وروي عن السدي: أنها الملائكة تنشر كتب الله تعالى، وروى الضحاك عن ~~ابن عباس قال: يريد ما ينشر من الكتب، وأعمال بني آدم، وروى الضحاك: أنها ~~الصحف تنشر على الله تعالى بأعمال العباد. # وقال الربيع: إنه البعث للقيامة تنشر فيه الأرواح. # وقال تعالى: { والناشرات } - بالواو - لأنه استئناف قسم آخر. # قوله: { فالفارقات فرقا }: هي الملائكة تنزل بالفرق بين الحق ~~والباطل. قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك وأبو صالح. # وروى الضحاك عن ابن عباس، قال: ما تفرق الملائكة من الأقوات والأرزاق ~~والآجال، وروى أنس عن مجاهد قال: " الفارقات " الرياح تفرق بين السحاب ~~وتبدده. # وروى سعيد عن قتادة قال: { فالفارقات فرقا } ، الفرقان فرق ~~الله بين الحق والباطل والحلال والحرام، وهو قول الحسن وابن كيسان. # وقيل: هم الرسل فرقوا بين ما أمر الله - تعالى - به، ونهى عنه؛ أي بينوا ~~ذلك. # وقيل: السحابات الماطرة تشبيها بالناقة الفارقة، وهي الحامل التي ~~تخرج وتند في الأرض حين تضع، ونوق فوارق وفرق. # قوله تعالى: { فالملقيات ذكرا }. هي الملائكة، أي: تلقي كتب ~~الله إلى الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - قاله المهدوي. # وقيل: هو جبريل - عليه الصلاة والسلام - وسمي باسم الجمع تعظيما لأنه ~~كان ينزل بها وقيل: المراد الرسل يلقون إلى أممهم ما أنزل عليهم. قاله ~~قطرب. # وقوله تعالى: { ذكرا } مفعول به, ms8949 ناصبه " الملقيات ". # وقرأ العامة: " فالملقيات " - بسكون اللام وتخفيف القاف - اسم فاعل. # وقرأ ابن عباس: بفتح اللام وتشديد القاف، اسم مفعول من التلقية، وهي ~~إيصال الكلام إلى المخاطب. وروى عنه المهدوي أيضا: فتح القاف، أي: يلقيه ~~من قبل الله تعالى، كقوله تعالى: # وإنك لتلقى القرآن # [النمل: 6]. # قوله: { عذرا أو نذرا }. فيهما أوجه: # أحدها: أنهما بدلان من " ذكرا ". # الثاني: أنهما منصوبان به على المفعولية، وإعمال المصدر المنون جائز، ~~ومنه # أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما # [البلد: 14، 15]. # الثالث: أنهما مفعولان من أجلهما، والعامل فيهما، إما " الملقيات " ، ~~وإما " ذكرا "؛ لأن كلا منهما يصلح أن يكون معلولا بأحدهما. # وحينئذ يجوز في " عذرا " ، ونذرا " وجهان: # أحدهما: أن يكونا مصدرين - بسكون العين - كالشكر والكفر. # والثاني: أن يكونا جمع عذير، ونذير، المراد بهما المصدر، بمعنى الإعذار ~~والإنذار، كالنكير بمعنى الإنكار. # الثالث: أنهما منصوبان على الحال من " الملقيات " أو من الضمير فيها، ~~وحينئذ يجوز أن يكونا مصدرين واقعين موقع الحال، بالتأويل المعروف في ~~أمثاله، وأن يكونا جمع " عذير ونذير " مرادا بهما المصدر، أو مرادا ~~بهما اسم الفاعل بمعنى المعذر والمنذر، أي: معذرين، أو منذرين. # وقرأ العامة: بسكون الذال من { عذرا أو نذرا }. # وقرأ زيد بن ثابت، وابن خارجة، وطلح: بضمها. # والحرميان، وابن عامر، وأبو بكر، بسكونها في " عذرا " وضمها في " ~~نذرا " ، والسكون والضم - كما تقدم - في أنه يجوز أن يكون كل منهما ~~أصلا للآخر، وأن يكونا أصلين، ويجوز في كل من المثقل والمخفف أن يكون ~~مصدرا، وأن يكون جمعا سكنت عينه تخفيفا. # وقرأ إبراهيم التيمي: " عذرا ونذرا " بواو العطف موضع " أو " ، ~~وهي تدل على أن " أو " بمعنى الواو. # فصل في معنى الآية # والمعنى: يلقي الوحي إعذارا من الله تعالى وإنذارا إلى خلقه من عذابه. ~~قاله الفراء. # وروي عن أبي صالح قال: يعني الرسل يعذرون وينذرون. # وروى سعيد عن قتادة: " عذرا " قال: عذرا لله - تعالى - إلى خلقه، ~~ونذرا للمؤمنين ينتفعون به ويأخذون به، وروى الضحاك عن ابن عباس - رضي ~~الله عنهما -: " عذرا " أي: ما يقبله الله - تعالى - من معاذير ms8950 ~~أوليائه، وهي التوبة " أو نذرا " ينذر أعداءه. # فصل في المراد بهذه الكلمات الخمس # قال ابن الخطيب: اعلم أن هذه الكلمات الخمس، إما أن يكون المراد منها ~~جنسا واحدا، أو أجناسا مختلفة، فالأول فيه وجوه: # أحدها: أن المراد بها الملائكة والمرسلات هي الملائكة الذين أرسلهم الله ~~- تعالى - إما لإيصال النعمة إلى قوم أو لإيصال النقمة إلى آخرين، ~~وقوله تعالى: " عرفا " إما أن يكون العرف هو الذي ضد النكر، فإن ~~كانوا الملائكة المبعوثين للرحمة، فالمعنى فيهم ظاهر وإن بعثوا للعذاب ~~فذلك العذاب وإن لم يكن معروفا للكفار فإنه معروف للأنبياء - عليهم ~~الصلاة والسلام - والمؤمنين، أو يكون العرف التتابع، وقوله تعالى: { ~~فالعاصفات عصفا } فمعناه أن الملائكة عصفوا في طيرانهم كعصف ~~الرياح، أو يعصفون بروح الكافر، يقال: عصف بالشيء إذا أباده، وقوله ~~تعالى: { والناشرات نشرا } أي: أنهم نشروا أجنحتهم عند انحطاطهم ~~إلى الأرض، أو نشروا الرحمة والعذاب، أو المراد الملائكة الذي ينشرون ~~الكتب التي فيها أعمال بني آدم يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا، وقوله ~~تعالى: { فالفارقات فرقا } أي: أنهم يفرقون بين الحق والباطل، ~~وقوله: { فالملقيات ذكرا } أي أنهم يلقون الذكر إلى ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. # والمراد بالذكر إما العلم والحكمة أو القرآن، لقوله تعالى: # أألقي الذكر عليه من بيننا # [القمر: 25]، وهذا الملقي وإن كان جبريل وحده إلا أنه سمي باسم ~~الجمع تعظيما له. # واعلم أن الملائكة أقسام: قسم يرسل لإنزال الوحي على الأنبياء، وقسم ~~يرسل لكتابة اعمل بني آدم، وقسم يرسل لقبض الأرواح، وقسم يرسل بالوحي من ~~سماء إلى سماء. # الوجه الثاني: أن المراد بهذه الكلمات الخمس: الرياح، أقسم الله - تعالى ~~- بالرياح عند إرسالها عرفا، أي: متتابعة، كشعر العرف، ثم إنها تشتد ~~حتى تصير عواصف ورياح رحمة تنشر السحاب في الجو، قال الله تعالى: # يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته # [الأعراف: 57]، وهو المراد بقوله تعالى: { والناشرات نشرا } أي: ~~أنها تنشر السحاب، أو أنها تلقح الأشجار والنبات، فتكون ناشرة، وقوله ~~تعالى: { فالفارقات فرقا } أي: أنها تفرق بين أجزاء السحاب، أو ~~أنها تخرب بعض القرى، وذلك ms8951 يصير سببا لظهور الفرق بين أولياء الله ~~وأعدائه، أو أنها عند هبوبها تفرق الخلق فمن مقر خاضع، ومن منكر جاحد. # وقوله تعالى: { فالملقيات ذكرا } أي: أن العاقل إذا شاهد هبوب ~~تلك الرياح التي تقلع القلاع وتهدم الصخور والجبال، وترفع أمواج البحار ~~تمسك بذكر الله - تعالى - والتجأ إلى إعانة الله - تعالى - فصارت تلك ~~الرياح كأنها ألقت الذكر والإيمان والعبودية في القلب. # الوجه الثالث: قال ابن الخطيب: من الناس من حمل بعض هذه الكلمات الخمس ~~على القرآن، وعندي أنه يمكن حمل جميعها على القرآن، فقوله تعالى: { ~~والمرسلات عرفا } المراد منه الآيات المتتابعة المرسلة على ~~لسان جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى: { عرفا } أي ~~هذه الآيات نزلت بكل عرف وخير، كيف لا وهي الهادية إلى سبيل النجاة ~~الموصلة إلى مجامع الخيرات، والمراد ب " العاصفات عصفا " أن دولة ~~الإسلام والقرآن إن كانت ضعيفة في أولها، ثم عظمت وقهرت سائر الملل ~~والأديان، فكأن دولة القرآن عصفت سائر الدول والملل والأديان وقهرتها، ~~وجعلتها باطلة دائرة. # والمراد ب " الناشرات نشرا " ، أن آيات القرآن نشرت الحكم ~~والهداية في قلوب العالمين شرقا وغربا. # والمراد ب " الفارقات فرقا " أن آيات القرآن نشرت الحكم والهداية في ~~قلوب العالمين شرقا وغربا. # والمراد ب " الفارقات فرقا " أن آيات القرآن فرقت بين الحق ~~والباطل، ولذلك سمي القرآن فرقانا، والمراد ب " الملقيات ذكرا " أن ~~القرآن ذكر، قال تعالى: # ص والقرآن ذي الذكر # [ص: 1] # وإنه لذكر لك ولقومك # [الزخرف: 44] # وهذا ذكر مبارك أنزلناه # [الأنبياء: 50] # وإنه لتذكرة للمتقين # [الحاقة: 48]. # الوجه الرابع: قاله ابن الخطيب: ويمكن حملها أيضا على بعثة الرسل، ~~فالمراد ب " المرسلات عرفا " هم المرسلون بالوحي المشتمل على ~~كل خير ومعروف، { فالعاصفات عصفا } أن كل أمر لكل رسول يكون ~~في أول أمره حقيرا ضعيفا، ثم يشتد ويعظم ويصير في القوة كعصف الرياح { ~~والناشرات نشرا } انتشار دينهم، { فالفارقات فرقا } ~~أنهم يفرقون بين الحق والباطل، { فالملقيات ذكرا } أنهم ~~يأمرونهم بالذكر ويحثونهم عليه. # الاحتمال الثاني: وهو ألا يكون المراد من هذه الكلمات الخمس شيئا ~~واحدا، وفيه ms8952 وجوه: # أحدها: قال الزجاج، واختاره القاضي: أن الثلاثة الأول هي الرياح، فقوله ~~تعالى: { والمرسلات عرفا } هي الرياح التي تتصل على العرف ~~المعتاد، والعاصفات: ما اشتد عنها، والناشرات: ما ينشر السحاب، وقوله ~~تعالى: { فالفارقات فرقا } هم الملائكة الذي يفرقون بين ~~الحق والباطل والحلال والحرام بما يتحملونه من القرآن والوحي، وكذا ~~قوله: { فالملقيات ذكرا } أنها الملائكة المتحملون للذكر ~~الذي يلقونه إلى الرسل. # فإن قيل: ما المجانسة بين الريح وبين الملائكة حتى جمع بينهما في ~~القسم؟. # قلت: الملائكة روحانيون فهم سبب طاقاتهم وسرعة حركاتهم كالرياح. # وثانيها: أن الآيتين الأوليين هما الرياح، والثلاثة الباقية منهم ~~الملائكة؛ لأنها تنشر الوحي والدين، ثم لذلك الوحي أثران: # الأول: حصول الفرق بين المحق والمبطل. # والثاني: ظهر الله في القلوب والألسنة، ويؤكد هذا أنه قال: { ~~والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا } ، ثم عطف الثاني على ~~الأول بحرف الواو، فقال: " والناشرات " وعطف الاثنين الباقيين عليه ~~بحرف الفاء، وهذا يقتضي أن يكون الأولان ممتازين عن الثلاثة الأخيرة. # قال ابن الخطيب: ويمكن أن يكون المراد بالأولين الملائمكة، فقوله تعالى: ~~{ والمرسلات عرفا } ملائكة الرحمة، وقوله تعالى: { ~~فالعاصفات عصفا } ملائكة العذاب، والثلاثة الباقية آيات القرآن؛ ~~لأنها تنشر الحق في القلوب والأرواح، وتفرق بين الحق والباطل، وتلقي ~~الذكر في القلوب والألسنة. # فصل في وجه دخول الفاء والواو في جواب القسم # قال القفال: الوجه في دخول الفاء في بعض ما وقع به القسم، والواو في ~~بعض مبني على أصل، وهو أن عند أهل اللغة أن الفاء تقتضي الوصل ~~والتعلق، فإذا قيل: قام زيد فذهب، فالمعنى: أنه قام ليذهب، فكان قيامه ~~سببا لذهابه ومتصلا به، فإذا قيل: قام وذهب، فهما خبران، وكل واحد ~~منهما قائم بنفسه، لا يتعلق بالآخر. ثم إن القفال رحمه الله لما مهد هذا ~~الأصل، فرع عليه الكلام في هذه الآية بوجوه. # قال ابن الخطيب: وتلك الوجوه لا يميل القلب إليها، وأنا أنوع على هذا ~~الأصل فأقول: أما من جعل الأولين صفة لشيء، والثلاثة الأخيرة صفات لشيء ~~واحد، فنقول: إن حملناها على الملائكة فالملائكة إذا أرسلت ms8953 طارت سريعا، ~~وذلك الطيران هو العصف، فالعصف مرتب على الإرسال، فإن الملائكة أول ما ~~يلقون الوحي إلا الرسل لا يصير في الحال ذلك الدين مشهورا منتشرا، بل ~~الخلق يردون الأنبياء في أول الأمر فيكذبونهم وينسبونهم إلى السحر ~~والجنون، فلا جرم أن يذكر الفاء التي تفيد التعقيب، بل ذكر الواو، وإذا ~~حصل النشر ترتب عليه حصول الفرق بين الحق والباطل وظهور ذلك الحق على ~~الألسنة فلا جرم ذكر هذين الأمرين بحرف الفاء، فكأنه - والله أعلم - قال: ~~يا محمد، أنا أرسلت إليك الملك بالوحي الذي هو عنوان كل سعادة وخير، ولكن ~~لا تطمع في أن ينتشر ذلك الأمر في الحال، ولكن لا بد من الصبر وتحمل ~~المشقة، ثم إذا جاء وقت النصرة اجعل دينك ظاهرا منتشرا في شرق العالم ~~وغربه، وعند ذلك الانتشار يظهر الفرق، فتصير الأديان باطلة، ضعيفة، ~~ساقطة، ودينك الحق ظاهرا عاليا، وهنالك يظهر ذكر الله على الألسنة، وفي ~~المحاريب وعلى المنابر، ومن عرف هذا الوجه أمكنه ذكر مناسبة سائر الوجوه. # قوله: { إنما توعدون لواقع }. هذا جواب القسم، وقوله: " ~~والمرسلات " وما بعده معطوف عليه، وليس قسما مستقلا، لما تقدم في ~~أول الكتاب، لوقوع الفاء هنا عاطفة؛ لأنها لا تكون للقسم، و " ما " ~~موصولة بمعنى " الذي " هي اسم إن و " توعدون " صلتها، والعائد محذوف، ~~أي إن الذي توعدونه، و " لواقع " خبرها، وكان من حق " إن " أن تكون ~~منفصلة عن " ما " الموصولة، ولكنهم كتبوها متصلة بها. # فصل في الموعود به # إنما توعدون من أمر القيامة لواقع بكم ونازل عليكم ثم لذكره علامات ~~القيامة بعده. # وقال الكلبي: المراد أن كل ما توعدون به من الخير والشر لواقع بكم. ### || [77.8-19] # ثم بين وقت وقوعه فقال تعالى: { فإذا النجوم طمست } اي: ذهب ~~ضوؤها، ومحي نورها كطمس الكتاب، يقال: طمس الشيء إذا درس، وطمس فهو ~~مطموس، والريح تطمس الآثار، فتكون الريح طامسة، والأثر طامس بمعنى مطموس. # قال ابن الخطيب: ويحتمل ان تكون محقت ذواتها، وهو موافق لقوله تعالى: { ~~نشرت }. # و " النجوم " مرتفعة بفعل مضمر يفسره ما ms8954 بعده عند البصريين غير ~~الأخفش، وبالابتداء عن الكوفيين والأخفش. # وفي جواب " إذا " قولان: # أحدهما: محذوف، تقديره: فإذا طمست النجوم وقع ما توعدون، لدلالة قوله ~~إنما توعدون لواقع أو بان الأمر. # والثاني: أنه " لأي يوم أجلت " على إضمار القول، أي يقال: لأي ~~يوم أجلت، فالفعل في الحقيقة هو الجواب. # وقيل: الجواب: " ويل يومئذ ". نقله مكي، وهو غلط؛ لأنه لو كان ~~جوابا للزمته الفاء لكونه جملة اسمية. # قوله تعالى: { وإذا السمآء فرجت }. أي: فتحت وشقت، ومنه ~~قوله تعالى: # وفتحت السمآء فكانت أبوابا # [النبأ: 19]، والفرج: الشق، ونظيره: # إذا السمآء انشقت # [الانشقاق: 1] # ويوم تشقق السمآء بالغمام # [الفرقان: 25]. # وروى الضحاك عن ابن عباس: - رضي الله عنهم - قال: فرجت للطي. # قوله تعالى: { وإذا الجبال نسفت } أي: ذهب بها كلها بسرعة، ~~من أنسفت الشيء إذا اختطفته، وقيل: تنشق كالحب المغلق إذا نسف بالمنسف، ~~ومنه قوله تعالى: # لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا # [طه: 97]، ونظيره: # وبست الجبال بسا # [الواقعة: 5] # وكانت الجبال كثيبا مهيلا # [المزمل: 14] # فقل ينسفها ربي نسفا # [طه: 105]. # وقرئ: " طمست، وفرجت، ونسفت " مشددة. # وكان ابن عباس يقول: سويت بالأرض، والعرب تقول: فرس نسوف، إذا كان يؤخر ~~الحزام بمرفقيه؛ قال بشر: [الوافر] # 5055- نسوف للحزام بمرفقيها # ................................ # ونسفت الناقة الكلأ إذا رعته. # قوله: { وإذا الرسل أقتت }. قرأ أبو عمرو: " وقتت " ~~بالواو، والباقون: بهمزة بدل الواو. قالوا: والواو هي الأصل؛ لأنه من ~~الوقت، والهمزة بدل منها لأنها مضمومة ضمة لازمة، وكل واو انضمت وكانت ~~ضمتها لازمة تبدل على الاطراد همزة أولا، تقول: صلى القوم إحدانا، ~~تريد: وحدانا، وهذه أجوه حسان؛ لأن ضمة الواو ثقيلة وبعدها واو فالجمع ~~بينهما يجري مجرى المثلين فيكون ثقيلا، ولم يجز البدل في قوله تعالى # ولا تنسوا الفضل بينكم # [البقرة: 237]؛ لأن الضمة غير لازمة، قال الفراء. وقد تقدم ذكر ذلك أول ~~الكتاب. # فصل في المراد بالتأقيت # قال مجاهد والزجاج: المراد بهذا التأقيت تبيين الوقت الذي تحضرون فيه ~~للشهادة على أممكم، أي: جمعت لوقتها ليوم القيامة، والوقت: الأجل الذي ~~يكون عنده الشيء المؤخر إليه، فالمعنى: جعل لها وقت ms8955 وأجل للفصل والقضاء ~~بينهم وبين الأمم، كقوله تعالى: # يوم يجمع الله الرسل # [المائدة: 109]. # وقيل: المراد بهذا التأقيت تحصيل الوقت وتكوينه، وليس في اللفظ بيان أنه ~~يحصل لوقت أي شيء، ولم يبينه ليذهب الوهم إلى كل جانب، فيكون التهويل فيه ~~أشد، فيحتمل أن يكون المراد تكوين وقت جمعهم للفوز بالثواب، وأن يكون وقت ~~سؤال الرسل عما أجيبوا به، وسؤال الأمم عما أجابوا هم لقوله تعالى: # فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن ~~المرسلين # [الأعراف: 6]، وأن يكون وقت مشاهدة الجنة والنار وسائر أحوال القيامة، ~~وقيل: " أقتت " أي: أرسلت لأوقات معلومة على ما علمه الله وأراده. # فصل في قراءات الآية # قرأ أبو جعفر وشيبة: بالواو وتخفيف القاف, وهو " فعلت " من الوقت، ومنه # كتابا موقوتا # [النساء: 103]. # وقرئ - أيضا -: " ووقتت " - بواوين -، وهو " فوعلت " من الوقت أيضا ~~مثل: عوهدت. # قال القرطبي: " ولو قلبت الواو في هاتين القراءتين ألفا لجاز، وقد قرأ ~~يحيى وأيوب وخالد بن إلياس وسلام: " أقتت " بالهمز والتخفيف؛ لأنها ~~مكتوبة في المصحف بالألف ". # قوله تعالى: { لأي يوم أجلت }. الجار متعلق ب " أجلت " وهذه ~~الجملة معمولة لقول مضمر، أي: يقال وهذا القول المضمر يجوز أن يكون ~~جوابا ل " إذا " - كما تقدم - وأن يكون حالا من مرفوع " أقتت " أي: ~~مقولا فيها لأي يوم أجلت أي: أخرت، وهذا تعظيم لذلك اليوم، فهو ~~استفهام على التعظيم، أي ليوم الفصل أجلت، كأنه تعالى قال: يعجب العباد ~~من تعظيم ذلك اليوم، فيقال: لأي يوم أجلت الأمور المتعلقة بهذه الرسل، ~~وهي تعذيب من كذبهم وتعظيم من آمن بهم وظهور ما كانوا يدعون الخلق إلى ~~الإيمان به من الأهوال والعرض والحساب، ونشر الدواوين ووضع الموازين. # قوله: { ليوم الفصل } بدل من " لأي يوم " بإعادة العامل. # وقيل: بل يتعلق بفعل مقدر أي أجلت ليوم الفصل، وقيل: اللام بمعنى " إلى ~~" ذكرها مكي. # فصل في المراد بيوم الفصل # اعلم أنه تعالى بين ذلك اليوم فقال: { ليوم الفصل } ، قال ابن ~~عباس: يوم فصل الرحمن بين الخلائق، لقوله تعالى: # إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين # [الدخان: 40]. # قوله: { ومآ أدراك ما يوم ms8956 الفصل }. أتبع التعظيم تعظيما، ~~أي: وما علمك بيوم الفصل وشدته ومهابته، ثم أتبعه بتهويل ثالث، وهو قوله: ~~" ويل " مبتدأ، سوغ بالابتداء به كونه دعاء. # قال الزمخشري: " فإن قلت: كيف وقعت النكرة مبتدأ في قوله تعالى { ويل ~~}؟ قلت: هو في أصله مصدر منصوب ساد مسد فعله، ولكنه عدل به إلى الرفع ~~للدلالة على إثبات معنى الهلاك، ودوامه للمدعو عليهم، ونحوه # سلام عليكم # [الرعد: 24]، ويجوز " قيلا " بالنصب، ولكنه لم يقرأ به ". # قال شهاب الدين: " هذا الذي ذكره ليس من المسوغات التي عدها النحويون ~~وإنما المسوغ كونه دعاء وفائدة العدول إلى الرفع ما ذكره ". # و " يومئذ " ظرف للويل. # وجوز أبو البقاء: أن يكون صفة للويل، وللمكذبين خبره. # فصل في تفسير الآية # قال القرطبي: { ويل يومئذ للمكذبين } أي: عذاب وخزي ~~لمن كذب بالله تعالى وبرسله، وعلى تقدير تكذيبهم؛ فإن لكل مكذب بشيء ~~سوى تكذيبه بشيء آخر، ورب شيء كذب به وهو أعظم جرما من تكذيبه بغيره؛ ~~لأنه أقبح في تكذيبه، وأعظم في الرد على الله تعالى، فإنما يقسم له من ~~الويل على قدر ذلك، وهو قوله: # جزآء وفاقا # [النبأ: 26]. # وقيل: كرره لمعنى تكرار التخويف والوعيد. # وروي عن النعمان بن بشير قال: " ويل " واد في جهنم فيه ألوان العذاب، ~~قاله ابن عباس وغيره. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " عرضت علي جهنم فلم أر فيها واديا أعظم من الويل ~~". # وروي أيضا أنه مجمع ما يسيل من قيح أهل النار وصديدهم، وإنما يسيل ~~الشيء فيما سفل من الأرض، وقد علم العباد في الدنيا أن شر المواضع في ~~الدنيا ما استنقع فيها مياه الأدناس والأقذار والغسلات من الجيف وماء ~~الحمامات، فذكر أن ذلك الوادي مستنقع صديد أهل النار والشرك ليعلم ~~العاقل أنه لا شيء أقذر منه قذارة، ولا أنتن منه نتنا. # قوله تعالى: { ألم نهلك الأولين }. العامة: على ضم حرف ~~المضارعة، من " أهلك " رباعيا، وقتادة: بفتحه. # قال الزمخشري: من هلكه بمعنى " أهلكه "؛ قال العجاج: [الرجز] # 5056- ومهمه هالك من تعرجا # ف " من " معمول الهالك، وهو ms8957 من " هلك " ، إلا أن بعض الناس جعل هذا ~~دليلا على إعمال الصفة المشبهة في الموصول، وجعلها من اللازم؛ لأن شرط ~~الصفة المشبهة أن تكون من فعل لازم، فعلى هذا دليل فيه. # قوله: { ثم نتبعهم الآخرين }. # العامة: على رفع العين استئنافا أي: ثم نحن نتبعهم، كذا قدره أبو ~~البقاء. # وقال: " وليس بمعطوف، لأن العطف يوجب أن يكون المعنى: أهلكنا الأولين، ~~ثم أتبعناهم الآخرين في الهلاك، وليس كذلك؛ لأن هلاك الآخرين لم يقع ~~بعد ". # قال شهاب الدين: ولا حاجة في وجه الاستئناف إلى تقدير مبتدأ قبل الفعل، ~~بل يجعل الفعل معطوفا على مجموع الجملة من قوله: " ألم نهلك " ، ~~ويدل على هذا الاستئناف قراءة عبد الله: " ثم سنتبعهم الآخرين " ~~بسين التنفيس، وقرأ الأعرج والعباس عن أبي عمرو: بتسكينها، وفيها وجهان: # أحدهما: أنه تسكين للمرفوع، فهو مستأنف كالمرفوع لفظا. # والثاني: أنه معطوف على مجزوم، والمعني بالآخرين حينئذ قوم شعيب ولوط ~~وموسى، وبالأولين قوم نوح وعاد وثمود. # قال ابن الخطيب: وهذا القول ضعيف؛ لأن قوله تعالى: { نتبعهم } ~~مضارع، وهو للحال والاستقبال، ولا يتناول الماضي، وإنما المراد بالأولين: ~~جميع الكفار الذين كانوا في عهد محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله: { ثم ~~نتبعهم الآخرين } على الاستئناف، أي: سنفعل ذلك، ونتبع الأول ~~الآخر، ويدل على الاستئناف قراءة عبد الله في نتبعهم تدل على الاشتراك، ~~وحينئذ يكون المراد به الماضي لا المستقبل. # قلنا: لو كان المراد هو الماضي لوقع التنافي بين القراءتين، وهو غير ~~جائز، فعلمنا أن تسكين العين ليس للجزم، بل للتخفيف. # قوله: { كذلك نفعل } أي: مثل ذلك الفعل الشنيع نفعل بكل من ~~أجرم. # فصل في المراد بالآية # المقصود من هذه الآية تخويف الكفار وتحذيرهم من الكفر، أخبر عن إهلاك ~~الكفار من الأمم الماضين من لدن آدم -عليه الصلاة والسلام - إلى محمد - ~~عليه أفضل الصلاة والسلام - { ثم نتبعهم الآخرين } أي: نلحق ~~الآخرين بالأولين، { كذلك نفعل بالمجرمين } أي: مثل ما ~~فعلنا بمن تقدم بمشركي قريش إما بالسيف وإما بالهلاك، ثم قال تعالى: { ~~ويل يومئذ للمكذبين } كأنه تعالى يقول: أما ms8958 الدنيا: ~~فحاصلهم الهلاك، وأما الآخرة فالعذاب الشديد، وإليه الإشارة بقوله تعالى: # خسر الدنيا والأخرة ذلك هو الخسران المبين # [الحج: 11] فإن قيل: المراد من قوله: { ألم نهلك الأولين } ~~وهو مطلق الإماتة، والإماتة بالعذاب فإن كان مطلق الإماتة لم يكن ذلك ~~تخويفا للكفار؛ لأن ذلك معلوم حاصل للمؤمن والكافر، فلا يكون تخويفا ~~للكفار، وإن كانت الإماتة بالعذاب فقوله تعالى: { ثم نتبعهم ~~الآخرين } { كذلك نفعل بالمجرمين } يقتضي أن يكون فعل ~~بكفار قريش مثل هذا، ومعلوم أن ذلك لم يوجد، وأيضا فقد قال تعالى: # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم # [الأنفال: 33]. # فالجواب: قال ابن الخطيب: لم لا يجوز أن يكون المراد من الإهلاك معنى ~~ثالث، وهو الإماتة للذم واللعن، فكأنه قيل: أولئك المتقدمون لحرصهم ~~على الدنيا عادوا الأنبياء وخاصموهم، ثم ماتوا ففاتتهم الدنيا، وبقي ~~اللعن عليهم في الدنيا والعقوبة في الاخرة دائما سرمدا، فهكذا يكون ~~حال الكفار الموجودين، وهذا من أعظم وجوه الزجر. ### || [77.20-24] # قوله: { ألم نخلقكم من مآء مهين }. أي: ضعيف حقير وهو ~~النطفة، وهذا نوع آخر من تخويف الكفار، وهو من وجهين: # الأول: أنه - تعالى - ذكرهم عظيم إنعامه عليهم، وكلما كانت نعمه عليهم ~~أكثر كانت جنايتهم في حقه أقبح وأفحش، فيكون العقاب أعظم، فلهذا قال جل ~~ذكره عقيب هذه الأنعام: { ويل يومئذ للمكذبين }. # والثاني: أنه تعالى ذكرهم كونه تعالى قادرا على الابتداء، والظاهر في ~~العقل أن القادر على الابتداء قادر على الإعادة، فلما أنكروا هذه الدلالة ~~الظاهرة، لا جرم قال في حقهم: { ويل يومئذ للمكذبين } ، ~~وهذه الآية نظير قوله تعالى: # ثم جعل نسله من سلالة من مآء مهين # [السجدة: 8]. # { فجعلناه في قرار مكين } ، أي: مكان حريز وهو الرحم. # { إلى قدر معلوم } ، قال مجاهد: إلى أن نصوره، وقيل: إلى وقت ~~الولادة، كقوله تعالى: # إن الله عنده علم الساعة # [لقمان: 34] إلى قوله: # ويعلم ما في الأرحام # [لقمان: 34]. # قوله تعالى: { فقدرنا فنعم القادرون } ، قرأ نافع ~~والكسائي: بالتشديد من التقدير، وهو موافق لقوله تعالى: # من نطفة خلقه فقدره # [عبس: 19]. # والباقون: بالتخفيف، من القدرة، ويدل عليه { فنعم ms8959 القادرون }. # ويجوز أن يكون المعنى على القراءة الأولى: فنعم القادرون على تقديره: ~~وإن جعلت " القادرون " بمعنى " المقدرون " كان جمعا بين اللفظين، ~~ومعناهما واحد، ومنه قوله تعالى: # فمهل الكافرين أمهلهم رويدا # [الطارق: 17]؛ وقول الأعشى: [البسيط] # 5057- وأنكرتني وقد كان الذي نكرت # من الحوادث إلا الشيب والصلعا # وقال الكسائي والفراء: هما لغتان بمعنى. # قال القتيبي: " قدرنا " بمعنى " قدرنا " مشددة، كما تقول: قدرت ~~كذا وقدرته ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في الهلال: # " إذا غم عليكم فاقدروا له " # أي: قدروا له المسير والمنازل. # وقال محمد بن الجهم عن الفراء: أنه ذكر تشديدها عن علي - رضي الله عنه ~~- وتخفيفها. # قال: ولا يبعد أن يكون المعنى في التشديد والتخفيف واحدا، لأن العرب ~~تقول: قدر عليه الموت وقدر، قال تعالى: # نحن قدرنا بينكم الموت # [الواقعة: 60] قرئ بالتخفيف والتشديد، وقدر عليه رزقه وقدر، واحتج الذين ~~خففوا فقالوا: لو كانت كذلك لكانت " فنعم المقدرون ". # قال الفراء: والعرب تجمع بين اللغتين، واستدل بقوله: # فمهل الكافرين # الآية، [الطارق: 17] وذكر بيت الأعشى المتقدم. # وقيل: المعنى قدرنا قصيرا وطويلا، ونحوه عن ابن عباس: قدرنا ~~ملكنا. # قال المهدوي: وهذا التفسير أشبه بقراءة التخفيف. ### || [77.25-28] # قوله تعالى: { ألم نجعل الأرض كفاتا } هذا هو النوع ~~الرابع من تخويف الكفار؛ لأنه - تعالى - ذكرهم في الآية المتقدمة ~~بالنعم التي في الأنفس لأنها كالأصل للنعم التي في الآفاق، ثم قال في ~~آخرها: { ويل يومئذ للمكذبين }؛ لأن النعم كلها كانت ~~أكثر كانت الخيانة أقبح وكان استحقاق الذم أشد، وذكر في هذه الآية النعم ~~التي في الأنفس، لأنها كالأصل للنعم التي في الآفاق، قالوا: فإنه لولا ~~الحياة والسمع والبصر والأعضاء السليمة لما كان الانتفاع بشي من ~~المخلوقات ممكنا - والله أعلم -، وإنما قدم الأرض لأنها أقرب الأشياء ~~إلينا من الأمور الخارجة. # والكفات: اسم للوعاء الذي يكفت فيه أي يجمع. قاله أبو عبيد، يقال: ~~كفته يكفته أي جمعه وضمه. # وفي الحديث: # " أكفتوا صبيانكم " # ، قال الصمصمامة بن الطرماح: [الوافر] # 5058- وأنت غدا اليوم فوق الأرض حيا # وأنت غدا تضمك في كفات # وقيل: الكفات: اسم لما ms8960 يكفت ك " الضمام والجماع " ، يقال: هذا ~~الباب جماع الأبواب، والمعنى: نجعل الأرض ضامة تضم الأحياء على ظهرها، ~~والأموات في بطنها، والكفت: الضم والجمع؛ وأنشد سيبويه: [الوافر] # 5059- كرام حين تنكفت الأفاعي # إلى أحجارهن من الصقيع # وروي عن ربيعة في النباش، قال: تقطع يده، فقيل له: لم قلت ذلك؟ فقال: ~~إن الله - تعالى - يقول: { ألم نجعل الأرض كفاتا أحيآء ~~وأمواتا } فالأرض حرز، وكانوا يسمون بقيع الغرقد كفته، لأنه مقبرة ~~تضم الموتى، فالأرض تضم الأحياء إلى منازلهم، والأموات في قبورهم، وأيضا ~~استقرار الناس على وجه الأرض، ثم اضطجاعهم عليها، انضمام منهم إليها. # وقال الأخفش وأبو عبيدة ومجاهد في أحد قوليه: الأحياء والأموات ترجع إلى ~~الأرض، والأرض منقسمة إلى حي وهو الذي ينبت، وإلى ميت وهو الذي لا ~~ينبت. # وفي انتصاب: " كفاتا، أحياء وأمواتا " وجهان: # أحدهما: أنه مفعول ثان ل " نجعل "؛ لأنها للتصيير. # والثاني: أنه منصوب على الحال من " الأرض " ، والمفعول الثاني: " أحياء ~~وأمواتا " بمعنى: ألم نصيرها أحياء بالنبات، وأمواتا بغير نبات، أي: ~~بعضها كذا، وبعضها كذا. # وقيل: " كفاتا " جمع كافت ك " صيام، وقيام " جمع " صائم، وقائم ". # وقيل: بل هو مصدر كالكتاب والحساب. # وقال الخليل: التكفيت: تقليب الشيء ظهرا لبطن وبطنا لظهر، ويقال: ~~انكفت القوم إلى منازلهم، أي: انقلبوا، فمعنى الكفات: أنهم يتصرفون على ~~ظهرها، وينقلبون إليها فيدفنون فيها. # قوله: { أحيآء }. فيه أوجه: # أحدها أنه منصوب ب " كفات " قاله مكي، والزمخشري؛ وبدأ به بعد أن جعل " ~~كفاتا " اسم ما يكفت، كقولهم: الضمام والجماع. # وهذا يمنع أن يكون " كفاتا " ناصبا ل " أحياء "؛ لأنه ليس من ~~الأسماء العاملة، وكذلك إذا جعلناه بمعنى الوعاء على قول أبي عبيدة، فإنه ~~لا يعمل أيضا، وقد نص النحاة على أن أسماء الأمكنة والأزمنة والآلات ~~وإن كانت مشتقة جارية على الأفعال لا تعمل، نحو: مرمى، ومنجل. # وفي اسم المصدر خلاف مشهور، ولكن إنما يتمشى نصبهما ب " كفات " على ~~قول أبي البقاء، فإنه يجوز فيه إلا أن يكون جمعا لاسم فاعل أو مصدرا, ~~وكلاهما من الأسماء العاملة. # الوجه الثاني: أن ينتصب بفعل ms8961 مقدر يدل عليه " كفاتا " أي: يكفتهم ~~أحياء عى ظهرها، وأمواتا في بطنها، وبه ثنى الزمخشري. # الثالث: أن ينتصب على الحال من محذوف، أي: يكفتكم أحياء وأمواتا، ~~لأنه قد علم أنها كفات للإنس قاله الزمخشري، وإليه نحا مكي، إلا أنه قدر ~~غائبا اي تجمعهم الأرض في هاتين الحالتين. # الرابع: أن ينتصب مفعولا ثانيا ل " نجعل " و " كفاتا " حال، كما ~~تقدم تقريره. # وتنكير " أحياء وأمواتا " إما للتفخيم، أي يجمع أحياء لا يقدرون ~~وأمواتا لا يحصون، وإما للتبعيض؛ لأن أحياء الإنس وأمواتهم ليسوا بجميع ~~الأحياء ولا الأموات، وكذلك التنكير في " ماء فراتا " يحتمل المعنيين ~~أيضا، أما التفخيم فواضح لعظم المنة عليهم وأما التبعيض، فلقوله ~~تعالى: # وينزل من السمآء من جبال فيها من برد # [النور: 43] فهذا مفهم للتبعيض والقرآن يفسر بعضه بعضا. # وقوله تعالى: { وجعلنا فيها رواسي شامخات }. أي جعلنا في ~~الأرض " رواسي " وهي الثوابت " شامخات " ، وهي الجبال الطوال، جمع ~~شامخ، وهي المرتفعة جدا، ومنه شمخ بأنفه إذا تكبر، جعل كناية عن ذلك ~~كثني العطف، وصعر الخد وإن لم يحصل شيء من ذلك. # قوله تعالى: { وأسقيناكم مآء فراتا } ، أي: وجعلنا لكم ~~سقيا، والفرات: الماء العذب يشرب ويسقى به الزرع، أي: خلقنا ~~الجبال، وأنزلنا الماء الفرات، وهذه الأمور أعجب من البعث. # وروى أبو هريرة - رضي الله عنه -: في الأرض من الجنة الفرات والدجلة ~~ونهر الأردن. # وفي مسلم: سيحان وجيحان، والنيل، والفرات، كل من أنهار الجنة. ### || [77.29-34] # قوله تعالى: { انطلقوا }. أي: يقال لهم ذلك. # والعامة: على " انطلقوا " الثاني كالأول بصيغة الأمر على التأكيد وروى ~~رويس عن يعقوب: " انطلقو " - بفتح اللام - فعلا ماضيا على الخبر، ~~أي: لما أمروا امتثلوا ذلك وهذا موضع الفاء، فكان ينبغي أن يكون ~~التركيب فانطلقوا، نحو قولك: قلت له: اذهب فذهب، وعدم الفاء هنا ليس ~~بواضح. # فصل في كيفية عذاب الكفار في الآخرة # هذا هو النوع الخامس من تخويف الكفار، وهو بيان كيفية عذابهم في ~~الآخرة والمعنى: يقال لهم: انطلقوا إلى ما كذبتم به من العذاب، يعني ~~النار، فقد شاهدتموها عيانا. # { انطلقوا إلى ms8962 ظل ذي ثلاث شعب } أي: دخان ذي ثلاث ~~شعب، يعني الدخان الذي يرتفع، ثم يتشعب إلى ثلاث شعب، وكذلك بيان دخان ~~جهنم العظيم إذا ارتفع تشعب. # قال أبو مسلم: ويحتمل في ثلاث شعب ما ذكره بعد ذلك، وهو أنه غير ظليل، ~~وأنه لا يغنى من اللهب، وبأنه يرمي بشرر، ثم وصف الظليل، فقال: # { لا ظليل ولا يغني من اللهب } أي: لا يدفع من لهب جهنم ~~شيئا، أي: ليس كالظل الذي يقي حر الشمس، وهذا تهكم بهم، وتعريض بأن ~~ظلهم غير ظل المؤمنين، وأنه لا يمنع حر الشمس. # واللهب ما يعلو على النار إذا اضطرمت من أحمر، وأصفر، وأخضر. # وقيل: إن الشعب الثلاث من الضريع، والزقوم، والغسلين؛ قاله ~~الضحاك. # وقيل: اللهب ثم الشرر ثم الدخان، لأنها ثلاثة أحوال هي غاية أوصاف ~~النار إذا اضطرمت واشتدت. # وقيل: عنق يخرج من النار فيتشعب ثلاث شعب، فأما النور فيقف على رءوس ~~المؤمنين، وأما الدخان فيقف على رءوس المنافقين، وأما اللهب الصافي فيقف ~~على رءوس الكفار. # وقيل: هو السرادق، وهو لسان من النار يحيط بهم يتشعب منه ثلاث شعب، ~~فيظلهم حتى يفرغ من حسابهم، لقوله تعالى: # أحاط بهم سرادقها # [الكهف: 29]. # وتسمية النار بالظل مجاز من حيث إنها محيطة بهم من كل جانب، ~~لقوله تعالى: # لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل # [الزمر: 16]، وقال تعالى: # يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت ~~أرجلهم # [العنكبوت: 55] # وقيل: هو الظل من يحموم لقوله تعالى: # وظل من يحموم لا بارد ولا كريم # [الواقعة: 43، 44]. # وفي الحديث: # " إن الشمس تدنو من رءوس الخلائق، وليس عليهم ولا ~~لهم أكفان، فتلحقهم الشمس وتأخذ بأنفاسهم، ثم ~~ينجي الله برحمته من يشاء إلى ظل من ظله، فهناك ~~يقولون: { فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم } ~~[الطور: 27] ويقال للمذكبين: انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون من عذاب الله ~~وعقابه ". # قوله: { لا ظليل } صفة ل " ظل " ، و " لا " متوسطة بين الصفة ~~والموصوف لإفادة النفي، وجيء بالصفة الأولى اسما، وبالثانية فعلا ~~دلالة على نفي ثبوت هذه الصفة واستقرارها ms8963 للظل، ونفي التجدد والحدوث ~~للإغناء عن اللهب، يقال: أغني عني وجهك، أي أبعد؛ لأن الغني عن الشيء ~~يباعده كما أن المحتاج إليه يقاربه. # فال الزمخشري: " ولا يغني " في محل الجر، أي وغير مغن عنهم من حر ~~اللهب شيئا. # { إنها } أي إن جهنم، لأن السياق كله لأجلها. # وقرأ العامة: " بشرر " بفتح الشين وألف بين الراءين. # وورش يرقق الراء الأولى لكسر التي بعدها. # وقرأ ابن عباس وابن مقسم: بكسر الشين وألف بين الراءين. # وعيسى كذلك، إلا أنه يفتح الشين. # فقراءة ابن عباس: يجوز أن تكون جمعا ل " شررة " ، و " فعلة " تجمع ~~على " فعال " نحو " رقبة ورقاب، ورحبة ورحاب ". # وأن يكون جمعا ل " شر " لا يراد به " أفعل " التفضيل: يقال: رجل شر، ~~ورجال أشرار ورجل خير ورجال أخيار، ويؤنثان، فيقال: امرأة شرة وامرأة ~~خيرة، فإن أريد بهما التفضيل امتنع ذلك فيهما، واختصا بأحكام مذكورة في ~~كتب النحو، أي: ترمي بشرار من العذاب، أو بشرار من الخلق. # وأما قراءة عيسى: فهو جمع شرارة بالألف، وهي لغة تميم، والشررة ~~والشرارة: ما تطاير من النار منصرفا. # قال القرطبي: " الشرر: واحدته شررة، والشرار: واحدته شرارة، وهو ما ~~تطاير من النار في كل جهة، وأصله من شررت الثوب إذا بسطته للشمس ليجف. # والقصر: البناء العالي ". # قوله: { كالقصر } العامة على فتح القاف وسكون الصاد, وهو من القصر ~~المعروف شبهت به في كبره وعظمه. # وابن عباس وتلميذه ابن جبير والحسن: بفتح القاف والصاد، وهي جمع قصرة ~~- بالفتح - والقصرة: أعناق الإبل والنخل وأصول الشجر. # وقرأ ابن جبير والحسن أيضا: بكسر القاف وفتح الصاد، جمع قصرة بفتح ~~القاف. # قال الزمخشري: " كحاجة وحوج ". # وقال أبو حيان: " كحلقة من الحديد وحلق ". # وقرئ: " كالقصر " بفتح القاف وكسر الصاد. # قال شهاب الدين: ولم أر لها توجيها، ويظهر أن يكون ذلك من باب الإتباع ~~والأصل: كالقصر - بسكون الصاد - ثم أتبع الصاد حركة الراء فكسرها، وإذا ~~كانوا قد فعلوا ذلك في المشغول بحركة نحو " كتف، وكبد " فلأن يفعلوه ~~في الخالي منها أولى، ويجوز أن يكون ذلك للنقل، بمعنى ms8964 أنه وقف على ~~الكلمة، فنقل كسرة الراء إلى الساكن قبلها، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف، ~~وهو باب شائع عند القراء والنحاة. # وقرأ عبد الله: قصر وفيها وجهان: # أحدهما: أنه جمع قصر، ك " رهن ورهن ". قاله الزمخشري. # والثاني: أنه مقصور من قصور؛ كقوله: [الرجز] # 5060- فيها عياييل أسود ونمر # يريد: نمور، فقصر، وكقوله: # والنجم # [النجم: 1] يريد: النجوم. # وتخريج الزمخشري أولى، لأن محل الثاني إما الضرورة، وإما الندور. # قوله: " جمالات " قرأ الأخوان وحفص: " جمالة " ، والباقون: " ~~جمالات ". # ف " الجمالة " نحو " ذكر، وذكارة، وحجر، وحجارة ". # والثاني: أنه جمع ك " الذكارة، والحجارة ". قاله أبو البقاء. # والأول: قول النحاة. # وأما " جمالات " ، فيجوز أن يكون جمعا ل " جمالة " ، وأن يكون جمعا ~~ل " جمال " ، فيكون جمع الجمع، ويجوز أن يكون جمعا ل " جميل " المفرد ~~كقولهم: " رجالات قريش " كذا قالوه. وفيه نظر؛ لأنهم نصوا على أن ~~الأسماء الجامدة، وغير العاقلة لا تجمع بالألف والتاء، إلا إذا لم تكسر، ~~فإن تكسرت لم تجمع، وقالوا: ولذلك لحن المتنبي في قوله: [الطويل] # 5061- إذا كان بعض الناس سيفا لدولة # ففي الناس بوقات لهم وطبول # فجمع " بوقا " على " بوقات " مع قولهم: " أبواق " ، فكذلك " جمالات " ~~مع قولهم: " جمل، وجمال " على أن بعضهم لا يجيز ذلك، ويجعل نحو " حمامات، ~~وسجلات " شاذا، وإن لم يكسر. # وقرأ ابن عباس والحسن وابن جبير وقتادة وأبو رجاء، بخلاف عنهم كذلك، إلا ~~أنهم ضموا الجيم، وهي حبال السفن. # وقيل: قلوص الجسور، الواحد منها جملة، لاشتمالها على طاقات الحبال، ~~وفيها وجهان: # أحدهما: أن يكون " جمالات " - بالضم - جمع جمال، ف " جمال " جمع " ~~جملة " ، كذا قال أبو حيان، ويحتاج في إثبات أن " جمالات " جمع " ~~جملة " بالضم إلى نقل. # والثاني: أن " جمالات " جمع " جمالة ". قاله الزمخشري. وهو ظاهر. # وقرأ ابن عباس والسلمي وأبو حيوة: " جمالة " بضم الجيم لما قاله ~~الزمخشري آنفا. # وروي عن علي - رضي الله عنه - أنها قطع النحاس. # قوله: { صفر }. صفة ل " جمالات " أو ل " جمالة " لأنه إما جمع أو ~~اسم جمع. # والعامة: على سكون الفاء جمع، والحسن بضمها، كأنه إتباع، ووقع التشبيه ~~بها ms8965 في غاية الفصاحة. # قال الزمخشري: وقيل: " صفر " سود تضرب إلى الصفرة، وفي شعر عمران بن ~~حطان الخارجي: [الطويل] # 5062- دعتهم بأعلى صوتها ورمتهم # بمثل الجمال الصفر نزاعة الشوى # وقال أبو العلاء: [الكامل] # 5063- حمراء ساطعة الذوائب في الدجى # ترمي بكل شرارة كطراف # فشبهها بالطراف، وهو بيت الأدم في العظم والحمرة، وكأنه قصد بخبثه أن ~~يزيد على تشبيه القرآن، ولتبجحه بما سول له من توهم الزيادة جاء في صدر ~~بيته قوله: حمراء، توطئة لها ومناداة عليها تنبيها للسامعين على ~~مكانها، ولقد عمي، جمع الله له عمى الدارين عن قوله تعالى: { كأنه ~~جمالة صفر } فإنه بمنزلة قوله: كبيت أحمر وعلى أن في التشبيه ~~بالقصر، وهو الحصن تشبيها من جهتين: من جهة العظم، ومن جهة الطول في ~~الهواء. # انتهى. # وكان قد قال قبل ذلك بقليل: " شبهت بالقصور، ثم بالجمال لبيان التشبيه؛ ~~ألا ترى أنهم يشبهون الإبل بالأفدان والمجادل ". # والأفدان: القصور؛ كأنه يشير إلى قول عنترة: [الكامل] # 5064- فوقفت فيها ناقتي وكأنها # فدن لأقضي حاجة المتلوم # فصل في المراد بالقصر # قال القرطبي: القصر: البناء العالي. # وقيل: القصر: جمع قصرة - ساكنة الصاد - مثل جمرة وجمرة، وتمر وتمرة، ~~والقصر: الواحدة من جزل الحطب الغليظ. # قال سعيد بن جبير، والضحاك: هي أصول الشجر والنخل العظام إذا وقع وقطع. # وقيل: أعناقه: شبه الشرر بالجمال الصفر، وهي الإبل السود، والعرب تسمي ~~السود من الإبل صفرا. # قال الشاعر: [الخفيف] # 5065- تلك خيلي منه وتلك ركابي # هن صفر أولادها كالزبيب # أي: هن سود، وإنما سميت السود من الإبل صفرا؛ لأنه يشوب سوادها شيء من ~~صفرة. # قال الترمذي: وهذا القول ضعيف، ومحال في اللغة أن يكون من يشوبه قليل ~~فينسب كله إلى ذلك الشائب، فالعجب ممن قال هذا، وقد قال تعالى: { ~~جمالة صفر } فلا نعلم شيئا من هذا في اللغة. والجمالات: الجمال. # وقال الفراء: يجوز أن تكون الجمالات - بالضم - من الشيء المجمل، يقال: ~~أجملت الحساب، وجاء القوم جملة، أي مجتمعين. # والمعنى: أن هذا الشرر يرتفع كأنه شيء مجموع غليظ أصفر. # قيل: شبهها بالجمالات لسرعة سيرها. # وقيل: ms8966 لمتابعة بعضها بعضا. ### || [77.35-37] # قوله: { هذا يوم لا ينطقون } العامة على رفع " يوم " خبرا ~~ل " هذا " ، أي تقول الملائكة: هذا يوم لا ينطقون. # ويجوز أن يكون " انطلقوا " من قول الملائكة ثم يقول الله لأوليائه: ~~هذا يوم لا ينطق الكافر، ومعنى اليوم الساعة والوقت. # وزيد بن علي، والأعرج، والأعمش، وأبو حيوة، وعاصم في بعض طرقه: بالفتح، ~~وفيه وجهان: # أحدهما: أن الفتحة فتحة بناء، وهو خبر ل " هذا " كما تقدم. # والثاني: أنه منصوب على الظرف واقعا خبرا ل " هذا " على أن يشار به ~~لما تقدم من الوعيد، كأنه قال: هذا العقاب المذكور كائن يوم لا ينطقون ~~وقد تقدم آخر المائدة ما يشبه هذا في قوله تعالى: " هذا يوم ينفع " ~~إلا أن النصب هناك متواتر. # قوله: { ولا يؤذن } العامة: على عدم تسمية الفاعل. وحكى الأهوازي ~~عن زيد بن علي: " ولا يأذن " سمى الفاعل، وهو الله تعالى. # وقوله: فيعتذرون ". في رفعه وجهان: # أحدهما: أنه مستأنف، أي فهم يعتذرون. # قال أبو البقاء: ويكون المعنى: أنهم لا ينطقون نطقا ينفعهم، أو ينطقون ~~نطقا في بعض المواقف ولا ينطقون في بعضها. # والثاني: أنه معطوف على " يؤذن " فيكون منفيا، ولو نصب لكان متسببا ~~عنه. # وقال ابن عطية: " ولم ينصب في جواب النفي لتشابه رءوس الآي، ~~والوجهان جائزان ". # فظهر من كلامه أنهما بمعنى واحد، وليس كذلك بل المرفوع له معنى غير معنى ~~المنصوب، وإلى هذا ذهب الأعلم إلى أن الفعل قد يرتفع ويكون معناه النصب، ~~ورد عليه ابن عصفور. # قال الفراء في قوله: " ولا يؤذن لهم فيعتذرون ": الفاء ~~نسق، أي عطف على " يؤذن " ، وأجيز ذلك، لأن آخر الكلام بالنون، ولو قال: ~~فيعتذروا، لم يوافق الآيات، وقد قال: # لا يقضى عليهم فيموتوا # [فاطر: 36]، بالنصب، وكل صواب، ومثله: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه # [البقرة: 245]، بالرفع والنصب. # فصل في تخويف الكفار # هذا نوع آخر من أنواع تخويف الكفار، لأن الله - تعالى - بين أنه ليس لهم ~~عذر ولا حجة فيما أتوا به من القبائح، ولا لهم قدرة على رفع العذاب ms8967 عن ~~أنفسهم، واعلم أن يوم القيامة له مواطن ومواقيت، فهذا من المواقيت التي ~~لا يتكلمون فيها ولا يعتذرون. # روى عكرمة: أن ابن عباس - رضي الله عنهما - سأله ابن الأزرق عن قوله ~~تعالى: { هذا يوم لا ينطقون } و # فلا تسمع إلا همسا # [طه: 108]، وقد قال تعالى: # وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون # [الطور: 25]. فقال له: إن الله - تعالى - يقول: # وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون # [الحج: 47] فإن لكل مقدار من هذه الأيام لونا من هذه الألوان. # وقال الحسن: فيه إضمار، أي هذا يوم لا ينطقون فيه بحجة نافعة، ومن نطق ~~بما لا ينفع ولا يفيد، فكأنه ما نطق، كما يقال لمن ذكر كلاما غير مفيد: ~~ما قلت شيئا، وقيل: إن هذا وقت جوابهم: # اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون: 108]. # قال الفراء: أراد بقوله: " لا ينطقون " تلك الساعة، وذلك القدر من الوقت ~~الذي لا ينطقون فيه، كما تقول: آتيك يوم يقدم فلان، والمعنى: ساعة يقدم، ~~وليس باليوم كله؛ لأن القدوم إنما يكون في وقت يسير ولا يمتد في كل ~~اليوم. # وأجاب ابن الخطيب: بأن قوله تعالى { لا ينطقون } لفظ مطلق، والمطلق ~~لا يفيد العموم لا في الأنواع، ولا في الأوقات، بدليل أنك تقول: فلان لا ~~ينطق بالشر ولكنه ينطق بالخير، وتارة تقول: فلان لا ينطق شيئا ألبتة، ~~فهذا يدل على أن مفهوم " لا ينطق " مشترك بين الدائم والمؤقت، وإذا كان ~~كذلك فمفهوم " لا ينطق " يكفي في صدقه عدم النطق ببعض الأشياء، وفي بعض ~~الأوقات، وذلك لا ينافي حصول النطق بشيء آخر في وقت آخر، فيكتفى في صدق ~~قوله: " لا ينطقون " أنهم لا ينطقون بعذر وعلة في وقت واحد، وهو وقت ~~السؤال. # فإن قيل: لو حلف لا ينطق في هذا اليوم حنث في قطعه في جزء منه. قلنا: ~~ذلك لعرف الإيمان بحثنا في عرف اللفظ من حيث هو. # قال ابن الخطيب: فإن قيل: قوله: { ولا يؤذن لهم فيعتذرون } يوهم ~~أن لهم عذرا، وقد منعوا من ذكره، فهم لا يؤذن لهم في ذكر ذلك ms8968 العذر ~~الفاسد. ### || [77.38-40] # قوله تعالى: { هذا يوم الفصل جمعناكم }. هذا نوع آخر ~~من أنواع تهديد الكفار وتخويفهم، أي: يقال لهم: هذا اليوم الذي يفصل فيه ~~بين الخلائق، فيتبين المحق من المبطل. # { جمعناكم والأولين }. # قال ابن عباس: جمع الذين كذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم والذين كذبوا ~~النبيين من قبله. # { فإن كان لكم كيد فكيدون } أي: حيلة في الخلاص من العذاب ~~" فكيدون " أي " فاحتالوا لأنفسكم وفاء، ولن تجدوا ذلك. # وقيل: فإن كان لكم كيد أي إن قدرتم على حرب " فكيدون " أي: حاربوني ~~رواه الضحاك عن ابن عباس أيضا، قال: يريد كنتم في الدنيا تحاربون محمدا ~~وتحاربوني، فاليوم حاربوني. # وقيل: إنكم كنتم في الدنيا تعملون المعاصي، وقد عجزتم الآن عنها، وعن ~~الدفع عن أنفسكم. # وقيل: إنه من قول النبي صلى الله عليه وسلم فيكون كقول هود - عليه ~~الصلاة والسلام -: # فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون # [هود: 55]. ### || [77.41-50] # قوله تعالى: { إن المتقين في ظلال وعيون }. # قال مقاتل والكلبي: المراد بالمتقين: الذين يتقون الشرك بالله تعالى؛ ~~لأن السورة من أولها إلى آخرها في تقريع الكفار على كفرهم وتخويفهم. # قال ابن الخطيب: فيجب أن تكون هذه الآية مذكورة لهذا الغرض، وإلا ~~لتفككت السورة في نظمها وترتيبها، وإنما يتم النظم بأن يكون الوعد ~~للمؤمنين بسبب إيمانهم، فأما من جعله بسبب الطاعة فلا يليق بالنظم، ~~وأيضا فإن المتقي للشرك يصدق عليه أنه متق؛ لأن غاية هذا أنه عام ~~مخصوص، فتبقى حجة فيما عدا محل التخصيص، وأيضا فأن يحمل اللفظ على ~~المعنى الكامل أولى وأكمل أنواع التقوى تقوى الشرك، فالحمل عليه أولى. # وقال بعضهم: هذه الآية أيضا من جملة التهديد، فإن الكفار في الدنيا ~~يكون الموت عليهم أسهل من أن يكون للمؤمنين دولة، فإذا رأوا عاقبة ~~الفريقين في الآخرة تضاعف خسرانهم وندمهم، ولما أوعد الكفار بظل ذي ثلاث ~~شعب، وعد المؤمنين بظلال وعيون وفواكه. # قوله: { في ظلال }. هذه قراءة العامة. # والأعمش والزهري وطلحة والأعرج: " ظلل " جمع ظلة، يعني في الجنة. ~~وتقدم في " يونس " مثل لها. # قوله: { كلوا }. معمولا لقول ms8969 ذلك المنصوب على الحال من الضمير ~~المستكن في الظرف، أي كائنين في ظلال مقولا لهم: وكذلك كلوا وتمتعوا ~~قليلا، فإن كان ذلك مقولا لهم في الدنيا فواضح، وإن كان مقولا في ~~الآخرة فيكون تذكيرا بحالهم، أي حقا بأن يقال لهم في دنياهم كذا؛ ومثله ~~قوله: [المديد] # 5066- إخوتي لا تبعدوا أبدا # وبلى، والله قد بعدوا # أي هم أهل إن دعا لهم بذلك. # قوله { إنا كذلك نجزي المحسنين }. أي: نثيب الذين ~~أحسنوا في تصديقهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وأعمالهم في الدنيا. # فصل في الكلام على الآية # اختلفوا في قوله { كلوا واشربوا } هل هو أمر أو إذن؟. # فقال أبو هاشم: هو أمر، وأراد الله تعالى منهم الأكل والشرب لأن سرورهم ~~يعظم بذلك إذا علموا أن الله تعالى أراده منهم جزاء على عملهم، فكما يريد ~~إجلالهم وإعظامهم بذلك، فكذلك يريد نفس الأكل والشرب منهم. وقال أبو علي: ~~ليس بأمر وإنما يقوله على وجه الإكرام، والأمر والنهي إنما يحصلان في ~~زمان التكليف لا في الاخرة. # فصل فيمن قال: العمل يوجب الثواب # تمسك من قال: العمل يوجب الثواب بالباء في قوله: { بما كنتم ~~تعملون }. # قال ابن الخطيب: وهذا ضعيف؛ لأن الباء للإلصاق، ولما جعل هذا العمل ~~علامة لهذا الثواب كان الإتيان بذلك كالآلة والصلة إلى تحصيل ذلك الثواب، ~~وقوله تعالى: { إنا كذلك نجزي المحسنين } المقصود منه ~~تذكير الكفار بما فاتهم من النعيم العظيم ليعلموا أنهم لو كانوا من ~~المتقين المحسنين لفازوا بمثل تلك الخيرات، فلما لم يفعلوا وقعوا فيما ~~وقعوا فيه. # قوله تعالى: { كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون ~~} هذا مردود إلى ما تقدم قبل المتقين وهو وعيد وتهديد، وهو حال من ~~المكذبين، أي: الويل ثابت لهم في حال ما يقال لهم: { كلوا ~~وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون } أي كافرون. # وقيل: مكتسبون فعلا يضركم في الآخرة من الشرك، فكأنه - تعالى - يقول ~~للكافر: إنك في الدنيا عرضت نفسك لهذه الآفات التي وصفناها لمحبتك ~~الدنيا، ورغبتك في طيباتها، إلا أن طيباتها قليلة بالنسبة إلى تلك ~~الآفات العظيمة، فالمشتغل بتعظيمها ms8970 يجري مجرى لقمة واحدة من الحلوى، ~~وفيها السم المهلك، فإنه يقال لآكلها تذكيرا له ونصحا: كل هذا، وويل ~~لك منه بعد؛ فإنك من الهالكين بسببه، فهذا وإن كان في اللفظ أمر إلا أنه ~~في المعنى نهي بليغ وزجر عظيم. # قوله تعالى: { وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون } نزلت ~~في ثقيف، حين امتنعوا من الصلاة فنزلت فيهم. # قال مقاتل: قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: أسلموا وأمرهم ~~بالصلاة، فقالوا: لا ننحني، فإنها مسبة علينا فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود ". # وقال ابن عباس: إنما يقال لهم هذا في الآخرة حين يدعون إلى السجود فلا ~~يستطيعون. # وقال قتادة: هذا في الدنيا. # فصل في وجوب الركوع # قال ابن العربي: هذه الآية تدل على وجوب الركوع، وكونه ركنا في ~~الصلاة، وقد انعقد الإجماع عليه. # وقال قوم: إن هذا يكون في الآخرة، وليست بدار تكليف فيتوجه فيها أمر ~~يكون عليه ويل وعقاب، وإنما يدعون إلى السجود كشفا لحال الناس في ~~الدنيا، فمن كان يسجد لله تمكن من السجود، ومن كان يسجد رياء لغيره صار ~~ظهره طبقا واحدا. # وقيل: إذا قيل لهم: اخضعوا للحق لا يخضعون، فهي عامة في الصلاة وغيرها، ~~وإنما ذكره الصلاة لأنها أصل الشرائع بعد التوحيد، والأمر بالصلاة أمر ~~الإيمان لا يصح من غير إيمان. # فصل في المراد بالآية # حكى ابن الخطيب عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن المراد بقوله: { وإذا ~~قيل لهم اركعوا لا يركعون } هو الصلوات، قال: وهذا ظاهر، لأن ~~الركوع من أركانها فبين أن هؤلاء الكفار من صفتهم أنهم إذا دعوا إلى ~~الصلاة لا يصلون، وهذا يدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، وأنهم ~~حال كفرهم يستحقون الذم والعقاب بترك الصلاة، لأن الله - تعالى - ذمهم ~~حال كفرهم على ترك الصلاة. # فصل في أن الأمر للوجوب # استدلوا بهذه الآية على أن الأمر للوجوب، لأن الله - تعالى - ذمهم ~~بمحمود ترك المأمور به، وهذا يدل على أن مجرد الأمر للوجوب. # فإن ms8971 قيل: إنما ذمهم لكفرهم. # فالجواب: أنه - تعالى - ذمهم على كفرهم من وجوه، إلا أنه - تعالى - إنما ~~ذمهم في هذه الآية لترك المأمور به؛ فدل على أن ترك المأمور به غير جائز. # قوله: { فبأي حديث بعده }. متعلق بقوله: { يؤمنون }. # والعامة: على الغيبة، وقرأ ابن عامر في رواية ويعقوب: بالخطاب على ~~الالتفات، أو على الانفصال. # فصل في الكلام على الآية # قال ابن الخطيب: اعلم أنه تعالى لما بالغ في زجر الكفار من أول هذه ~~السورة إلى آخرها في الوجوه العشرة المذكورة، وحث على التمسك بالنظر ~~والاستدلال، والانقياد للدين الحق، ختم السورة بالتعجب من الكفار، وبين ~~أنهم إذا لم يؤمنوا بهذه الدلائل العقلية بعد تجليتها ووضوحها، { ~~فبأي حديث بعده يؤمنون }. # قال القاضي: هذه الآية تدل على أن القرآن محدث؛ لأن الله - تعالى - ~~وصفه بأنه حديث، والحديث ضد القديم، والضدان لا يجتمعان، فإذا كان حديثا ~~وجب ألا يكون قديما. # وأجيب: بأن المراد منه هذه الألفاظ، ولا نزاع في أنها محدثة. # روى الثعلبي عن أبي بن كعب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة " المرسلات " كتب أنه ليس من ~~المشركين ". ### | [78 - سورة النبإ] ### || [78.1-3] # قوله تعالى: { عم يتسآءلون } قد تقدم أن البزي يدخل هاء السكت ~~عوضا من ألف " ما " الاستفهامية في الوقف. # ونقل عن ابن كثير أنه يقرأ " عمه " - بالهاء - وصلا، أجرى الوصل مجرى ~~الوقف. # وقرأ عبد الله، وأبي، وعكرمة وعيسى: " عما " بإثبات الألف، وقد تقدم ~~أنه يجوز ضرورة وفي قليل من الكلام؛ ومنه قوله: [الوافر] # 5067- على ما قام يشتمني لئيم # كخنزير تمرغ في رماد # وتقدم أن الزمخشري جعل منه # بما غفر لي ربي # [يس: 27] في " يس " ، و " عم " فيه قولان: # أظهرهما: أنه متعلق ب " يتساءلون ". # قال أبو إسحاق: الكلام تام في قوله: { عم يتسآءلون } ، ثم كان ~~مقتضى القول أن يجيب مجيب، فيقول: يتساءلون عن النبأ العظيم فاقتضى إيجاز ~~القرآن، وبلاغته أن يبادر المحتج بالجواب الذي يقتضيه الحال والمجاورة ~~اقتضاء بالحجة، وإسراعا إلى موضع قطعهم. # والثاني: أنه متعلق ms8972 بفعل مقدر، ويتعلق " عن النبأ العظيم " بهذا الفعل ~~الظاهر. # قال الزمخشري: " وعن ابن كثير: أنه قرأ " عمه " بهاء السكت، ولا يخلو ~~إما أن يجري الوصل مجرى الوقف، وإما أن يقف، ويبتدئ ب " يتساءلون عن ~~النبأ العظيم " على أن يضمر " يتساءلون "؛ لأن ما بعده يفسره كشيء مبهم ~~ثم يفسر ". # فصل في لفظ عم # قال ابن الخطيب: " عم " أصله: " عن ما "؛ لأنه حرف جر دخل على " ما " ~~الاستفهامية. # قال حسان بن ثابت: [الوافر] # 5068- على ما قام يشتمني لئيم # ........................... # والاستعمال الكثير على الحذف، وعلى الأصل قليل، وذكروا في سبب الحذف ~~وجوها: # أحدها: قال الزجاج: لأن الميم تشرك النون في الغنة في الأنف فصارا ~~كالحرفين المتماثلين. وثانيها: قال الجرجاني: أنهم إذا وضعوها في استفهام ~~حذفوا ألفها تفرقة بينها وبين أن يكون اسما، كقولهم: فيم ولم وبم ~~وحتام. # وثالثها: قالوا: حذفت الألف لاتصال " ما " بحرف الجر حتى صارت كالجزء ~~منه لينبئ عن شدة الاتصال. # ورابعها: حذف للتخفيف في الكلام، فإنه لفظ كثير الترداد على اللسان. # فصل في أن السائل والمجيب هو الله تعالى # قال ابن الخطيب: قوله تعالى { عم يتسآءلون } سؤال، وقوله: " عن ~~النبأ العظيم " جواب، والسائل والمجيب هو الله تعالى، وذلك يدل على علمه ~~بالغيب، بل بجميع المعلومات، وفائدة ذكره في معرض السؤال والجواب؛ لأنه ~~أقرب إلى التفهيم والإيضاح، ونظيره قوله تعالى: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. # فصل في لفظ ما # " ما " لفظة وضعت لطلب ماهيات الأشياء، وحقائقها، تقول: ما الملك؟ ~~وما الروح؟ وما الجن؟ والمراد طلب ماهياتها، وشرح حقائقها، وذلك يقتضي ~~كون ذلك المطلوب مجهولا، ثم إن الشيء العظيم الذي يكون لفظه مزية ~~يعجز العقل عن أن يحيط بكنهه كأنه مجهول، فحصل بين الشيء المطلوب، وبين ~~الشيء العظيم مشابهة من هذا الوجه، فلذلك سئل عنه بما استعاره، وكأنه ~~مجهول، ومنه # الحاقة ما الحآقة # [الحاقة: 1، 2] # ومآ أدراك ما سجين # [المطففين: 8]، و # ما العقبة # [البلد: 12] وشبهه. # فصل # قال الفراء: السؤال هو أن يسأل بعضهم بعضا كالتقابل، وقد يستعمل أيضا ~~في أن يتحدثوا به، ms8973 وإن لم يكن بينهم سؤال، قال تعالى: # فأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون قال قآئل ~~منهم إني كان لي قرين # [الصافات: 50، 51] الآية، وهذا يدل على التحدث. # فصل في نزول الآية # والضمير في { يتسآءلون } ل " قريش ". # روى أبو صالح عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: كانت قريش تجلس لما ~~نزل القرآن، فتتحدث فيما بينهم، فمنهم المصدق، ومنهم المكذب به، فنزلت ~~{ عم يتسآءلون }. # وقيل: " عم " قسم، فشدد المشركون أين يختصمون، بدليل قوله تعالى: # كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون # [النبأ: 4، 5] وهذا تهديد، والتهديد لا يليق إلا بالكفار. # فإن قيل: فما تصنع بقوله: { الذي هم فيه مختلفون } مع أن ~~الكفار كانوا متفقين في إنكار الحشر؟ فالجواب: لا نسلم اتفاقهم في ~~إنكار الحشر؛ لأن منهم من كان يثبت المعاد الروحاني، وهم جمهور النصارى، ~~وأما المعاد الجسماني، فمنهم من كان شاكا فيه لقوله: # ومآ أظن الساعة قآئمة # [فصلت: 50] # ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى # [فصلت: 50]. # ومنهم من ينكره، ويقول: # إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين # [الأنعام: 29]. # ومنهم من يقر به لكنه ينكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فقد حصل ~~اختلافهم. # وأيضا فهب أنهم كانوا منكرين له، لكن لعل اختلافهم في كيفية إنكاره، ~~فمنهم من أنكر؛ لإنكاره الصانع المختار، ومنهم من ينكره؛ لاعتقاده أن ~~إعادة المعدوم ممتنعة لذاتها، والقادر المختار إنما يكون قادرا على ~~الممكن في نفسه. # وقيل: الضمير في " يتساءلون " هم الكفار والمؤمنون كانوا جميعا ~~يتساءلون عنه، فأما المسلم فيزداد يقينا وبصيرة في دينه، وأما ~~الكافر فاستهزاء وسخرية، وعلى سبيل إيراد الشكوك، والشبهات. # قال ابن الخطيب: ويحتمل أنهم يسألون الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ويقولون: ما هذا الذي تعدنا به من أمر الآخرة؟ # قوله: { عن النبإ } يجوز فيه ما جاء في قوله تعالى: # لأي يوم أجلت # [المرسلات: 12] في البدلية، والتعلق بفعل مقدر، ويزيد عليه ها هنا ~~أنه يتعلق بالفعل الظاهر، ويتعلق ما قبله بمضمر كما تقدم عن الزمخشري. # وقال ابن عطية: قال أكثر النحاة: " عن النبأ العظيم " يتعلق ب " ~~يتساءلون " الظاهر ms8974 كأنه قال: لم يتساءلون عن النبأ، وقوله " عم ~~" هو استفهام توبيخ وتعظيم. # وقال المهدوي: " هن " ليس تتعلق ب " يتساءلون " الذي في التلاوة؛ ~~لأنه كان يلزم دخول حرف الاستفهام، فيكون " أعن النبأ العظيم "؟ كقولك: ~~كم مالك أثلاثون أم أربعون؟ فوجب لما ذكرنا امتناع تعلقه ب " يتساءلون " ~~الذي في التلاوة، وإنما يتعلق ب " يتساءلون " آخر مضمر، وحسن ذلك لتقدم ~~" يتساءلون ". # قال القرطبي: " وذكر بعضهم أن الاستفهام في قوله: " عن " مكرر إلا أنه ~~مضمر كأنه قال: " عم يتساءلون أعن النبأ العظيم " ، فعلى هذا ~~يكون متصلا بالآية الأولى، والنبأ العظيم، أي: الخبر الكبير، " الذي هم ~~فيه مختلفون " أي: يخالف فيه بعضهم بعضا فيصدق واحد ويكذب آخر ". # قوله: { مختلفون } خبر " هم " والجار متعلق ب " هم " ، والموصول ~~يحتمل الحركات الثلاث إتباعا وقطعا رفعا ونصبا. # فصل في المراد بهذا النبأ # قال ابن عباس - رضي الله عنه - " النبأ " هو القرآن، قال تعالى: # قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون # فالقرآن نبأ وخبر وقصص، وهو نبأ عظيم، وكانوا يختلفون فيه، فجعله بعضهم ~~سحرا، وبعضهم شعرا، وبعضهم قال: أساطير الأولين. # وقال قتادة: هو البعث بعد الموت اختلفوا فمصدق ومكذب، ويدل عليه ~~قوله تعالى: # إن يوم الفصل كان ميقاتا # [النبأ: 17]. # وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم، لأنه لما بعث سأله اليهود عن أشياء كثيرة، فأخبره الله باختلافهم، ~~وأيضا فجعل الكفار يتساءلون فيما بينهم، ما هذا الذي حدث؟ فأنزل الله - ~~تعالى - " عم يتساءلون " وذلك أنهم عجبوا من إرسال محمد صلى ~~الله عليه وسلم، قال تعالى: # بل عجبوا أن جآءهم منذر منهم فقال ~~الكافرون هذا شيء عجيب # [ق: 2]، وعجبوا أن جاءهم بالتوحيد أيضا كما قال تعالى: # أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب # [ص: 5]، فحكى الله - تعالى - عن مسألة بعضهم بعضا على سبيل التعجب ~~بقوله: " عم يتساءلون ". ### || [78.4-16] # قوله: { كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون }؛ التكرار ~~للتوكيد. # وزعم ابن مالك: أنه من باب التوكيد اللفظي، ولا يضر توسط حرف العطف، ~~والنحويون يأبون هذا، ولا يسمونه ms8975 إلا عطفا وإن أفاد التأكيد، والعامة: ~~على الغيبة في الفعلين. # والحسن ابن دينار وابن عامر بخلاف عنه بتاء الخطاب فيهما. # والضحاك: قرأ الأول كالحسن، والثاني كالعامة. والغيبة والخطاب واضحان. # فصل في لفظ كلا # قال القفال: " كلا " لفظة وضعت للردع، والمعنى: ليس الأمر كما يقوله ~~هؤلاء في النبأ العظيم، إنه باطل، وإنه لا يكون. # وقيل: معناه: حقا، ثم إنه - تعالى- كرر الردع والتهديد، فقال سبحانه { ~~ثم كلا سيعلمون } وهو وعيد بأنهم سوف يعلمون أن ما ~~يتساءلون عنه ويضحكون منه حق لا دافع له، وأما تكرير الردع، فقيل: ~~للتأكيد، ومعنى " ثم " الإشعار بأن الوعيد الثاني أبلغ من الوعيد ~~الأول وأشد. # وقيل: ليس بتكرير. # قال الضحاك: الأولى للكفار، والثانية للمؤمنين أي: سيعلم الكفار عاقبة ~~تكذيبهم، وسيعلم المؤمنون عاقبة تصديقهم. # وقال القاضي: يحتمل أن يريد بالأول سيعلمون معنى العذاب إذا شاهدوه، ~~وبالثاني: سيعلمون العذاب. # وقيل: { كلا سيعلمون } ما الله فاعل بهم يوم القيامة { ثم ~~كلا سيعلمون } أن الأمر ليس كما كانوا يتوهمون من أن الله ~~غير باعث لهم. # قوله: { ألم نجعل الأرض مهادا } لما حكى الله - تعالى - ~~عنهم إنكار البعث والحشر، وأراد إقامة الدلائل على صحة الحشر قدم لذلك ~~مقدمة في بيان كونه - تعالى - قادرا على جميع الممكنات عالما بجميع ~~المعلومات؛ لأنه إذا ثبت هذان الأصلان ثبت القول بصحة البعث، فأثبت هذين ~~الأصلين بأن عدد أنواعا من مخلوقاته المتقنة المحكمة؛ فإن هذه ~~الأشياء من جهة حدوثها تدل على القدرة، ومن جهة إحكامها وإتقانها تدل على ~~العلم، وإذا ثبت هذان الأصلان، وثبت أن الأجسام متساوية في قبول الصفات ~~والأعراض ثبت لا محالة كونه قادرا على تخريب الدنيا بسمواتها وكواكبها ~~وأرضها، وعلى إيجاد عالم الآخرة، فهذا وجه النظم. # قوله: " مهادا ". مفعول ثان؛ لأن الجعل بمعنى التصيير، ويجوز ان ~~يكون بمعنى الخلق، فتكون " مهادا " حالا مقدرة. # وقرأ العامة: " مهادا ". # ومجاهد وعيسى وبعض الكوفيين " مهدا " ، وتقدمت هاتان القراءتان في سورة ~~" طه " ، وأن الكوفيين قرأوا " مهدا " في " طه " و " الزخرف " فقط، ~~وتقدم الفرق بينهما ثمة. # قوله تعالى: { والجبال أوتادا } ، والكلام ms8976 عليها كالكلام في " ~~مهادا " في المفعولية والحالية، ولا بد من تأويلها بمشتق ~~أيضا، أي مثبتات. # والمهاد: الوطاء، وهو الفراش، لقوله تعالى: # جعل لكم الأرض فراشا # [البقرة: 22]، ومعنى " مهدا " أي: كمهد الصبي، وهو ما يمهد للصبي ~~فينوم عليه، و " أوتادا " أي: لتسكن ولا تميل بأهلها. # قوله: { وخلقناكم أزواجا }. أي: أصنافا، ذكرا وأنثى. # وقيل: ألوانا. # وقيل: يدخل كل زوج بهيج، وقبيح، وحسن، وطويل وقصير، لتختلف الأحوال، ~~فيقع الاعتبار. # قوله: { وجعلنا نومكم سباتا } الظاهر أنه مفعول ثان، ~~ومعناه: راحة لأبدانكم، ومنه السبت أي: يوم الراحة، أي: قيل لبني ~~إسرائيل: استريحوا في هذا اليوم، ولا تعملوا فيه شيئا. # وأنكر ابن الأنباري هذا، وقال: لا يقال للراحة: سباتا. # وقيل: أصله التمدد، يقال: سبتت المرأة شعرها: إذا حلته وأرسلته، ~~فالسبات كالمد، ورجل مسبوت الخلق، أي ممدود، وإذا أراد الرجل أن ~~يستريح تمدد، فسميت الراحة سبتا. # ةقيل: أصله القطع، يقال: سبت شعره سبتا، أي: حلقه، وكأنه إذا نام انقطع ~~عن الناس، وعن الاشتغال، فالسبات يشبه الموت، إلا أنه لم تفارقه ~~الروح، ويقال: سير سبت، أي سهل لين. # قوله: { وجعلنا الليل لباسا }. فيه استعارة حسنة؛ وعليه قول ~~المتنبي: [الطويل] # 5069- وكم لظلام الليل عندك من يد # تخبر أن المانوية تكذب # والمعنى: يلبسكم ظلمته وتغشاكم. قاله الطبري, قال القفال: ~~أصل اللباس هو الشيء الذي يلبسه الإنسان، ويتغطى به، فيكون ذلك ~~مغطيا، فلما كان الليل يغشى الناس بظلمته جعل لباسا لهم، فلهذا ~~سمي الليل لباسا على وجه المجاز، ووجه النعمة في ذلك هو أن ظلمة الليل ~~تستر الإنسان عن العيون إذا أراد هربا من عدو، أو إخفاء ما لا يجب ~~اطلاع غيره عليه. # وقال ابن جبير والسدي: أي: أسكناكم. # قوله: { وجعلنا النهار معاشا }. فيه إضمار، أي: وقت معاش، ~~فيكون مفعولا، وظرفا للتبعيض، أي: منصرفا لطلب المعاش، وهو كل ما يعاش ~~به من المطعم، والمشرب مصدرا بمعنى العيش على تقدير حذف مضاف، يقال: ~~عاش عيشا ومعاشا ومعيشة، ومعنى كون النهار معيشة أن الخلق إنما يمكنهم ~~التقلب في حوائجهم ومكاسبهم في النهار. # قوله ms8977 تعالى: { وبنينا فوقكم سبعا شدادا }. أي: سبع ~~سماوات محكمات، أي: محكمة الخلق وثيقة البنيان. # وشدادا: جمع شديدة، أي: قوية لا يؤثر فيها مرور الأزمان لا فطور فيها ~~ولا فروج، ونظيره قوله تعالى: # وجعلنا السمآء سقفا محفوظا # [الأنبياء: 32]. # قوله تعالى: { وجعلنا سراجا وهاجا }. أي: وقادا، وهو ~~الشمس، و " جعل " هنا بمعنى " خلق "؛ لأنها تعدت لمفعول واحد، ~~والوهاج: المضيء المتلألئ، من قولهم: وهج الجوهر أي: تلألأ. # وقيل: الوهاج: الذي له وهج، يقال: وهج يوهج، ك " وحل ~~يوحل " ، " ووهج يهج " ك " وعد يعد " وهجا. # قال ابن عباس: وهاجا: منيرا أي: متلألئا. # قوله: { وأنزلنا من المعصرات }. يجوز في " من " أن تكون ~~على بابها من ابتداء الغاية، وأن تكون للسببية، وتدل على قراءة عبد الله ~~بن زيد وعكرمة وقتادة: " بالمعصرات " بالباء بدل " من " ، وهذا على ~~الخلاف في " المعصرات " ما المراد بها، فعن ابن عباس: أنها السحاب، وهو ~~قول سفيان والربيع وأبي العالية والضحاك، أي: السحاب التي تنعصر بالماء، ~~ولم تمطر بعد كالمرأة المعصر التي قد دنا حيضها ولم تحض، ~~يقال: أعصرت السحاب، أي: جاء وقت أن يعصرها الرياح فتمطر، كقولك: ~~أجز الزرع، إذا جاز له أن يجز؛ وأنشد ابن قتيبة أبي النجم: [الرجز] # 5070- تمشي الهوينى مائلا خمارها # قد أعصرت وقد دنا إعصارها # ولولا تأويل " أعصرت " بذلك لكان ينبغي أن تكون " المعصرات " - ~~بفتح الصاد- اسم مفعول؛ لأن الرياح تعصرها. # وقال الزمخشري: وقرأ عكرمة: " بالمعصرات ". # وفيه وجهان: # أحدهما: أن تراد الرياح التي حان لها أن تعصر السحاب، وأن تراد السحائب؛ ~~لأنه إذا كان الإنزال منها، فهو بها كما تقول: أعطى من يده درهما، وأعطى ~~بيده. # وعن ابن عباس ومجاهد: " المعصرات " الرياح ذوات الأعاصير كأنها تعصر ~~السحاب. # وعن الحسن وقتادة: هي السماوات وتأويله: أن الماء ينزل من السماء إلى ~~السحاب، وكأن السماوات يعصرن، أي: يحملن على العصر، ويمكن منه. # فإن قلت: فما وجه من قرأ " من المعصرات " وفسرها بالرياح ذوات ~~الأعاصير، والمطر لا ينزل الرياح؟. # قلت: الرياح هي التي تنشئ السحاب، وتدر أخلافه، فصح أن تجعل ~~مبدأ للإنزال، وقد ms8978 جاء: إن الله تبارك وتعالى يبعث الرياح ~~فتحمل الماء من السماء إلى السحاب. # فإن صح ذلك فالإنزال منها ظاهر. # فإن قلت: ذكر ابن كيسان أنه جعل " المعصرات " بمعنى المغيثات، والعاصر ~~المغيث لا المعصر، يقال: عصره فاعتصر. # قلت: وجهه أن يريد اللاتي أعصرت، أي: حان لها أن تعصر، أي: تغيث. # يعني أن " عصر " بمعنى الإغاثة: ثلاثي، فكيف قال هنا: " معصرات " بهذا ~~المعنى وهو من الرباعي؟. # فأجابه عنه بما تقدم: يعني: أن الهمزة بمعنى الدخول في الشيء. # قال القرطبي: " ويجوز أن تكون الأقوال واحدة، ويكون المعنى: وأنزلنا من ~~ذوات الرياح المعصرات { مآء ثجاجا } ، وأصح الأقوال أن المعصرات: ~~السحاب، كذا المعروف أن الغيث منها، ولو كان " بالمعصرات " لكان الريح ~~أولى ". # وفي " الصحاح ": والمعصرات: السحائب تعصر بالمطر، وأعصر القوم أي: ~~مطروا، ومنه قراءة بعضهم: { وفيه تعصرون } [يوسف: 49]، والمعصر: ~~الجارية التي قربت سن البلوغ، والمعصر: السحابة التي حان لها أن تمطر، ~~فقد أعصرت، ومنه " العصر " - بالتحريك - للملجأ الذي يلجأ إليه، ~~والعصر - بالضم - أيضا: الملجأ، وأنشد أبو زيد: [الخفيف] # 5071- صاديا يستغيث غير مغاث # ولقد كان عصرة المنجود # قوله: { مآء ثجاجا }: الثج: الانصباب بكثرة وبشدة. # وفي الحديث: # " أحب العمل إلى الله العج والثج ". # فالعج: رفع الصوت بالتلبية. # والثج: إراقة دماء حجج الهدي، يقال: ثج الماء بنفسه، أي: انصب، ~~وثججته أنا: أي: صببته ثجا وثجوجا، فيكون لازما ومتعديا؛ ~~وقال الشاعر: [الطويل] # 5072- إذا رجفت فيها رحا مرجحنة # تبعق ثجاجا غزير الحوافل # وقرأ الأعمش: " ثجاحا " - بالحاء المهملة - أخيرا. # قال الزمخشري: " ومثاجح الماء: مصابه، والماء يثجح في الوادي ". # وكان ابن عباس مثجا، يعني يثج الكلام ثجا في خطبته. # قوله تعالى: { لنخرج به } أي: بذلك الماء " حبا " ~~كالحنطة والشعير وغير ذلك. # " ونباتا " من الإنبات، وهو ما تأكله الدواب من الحشيش. # " وجنات " أي: بساتين " ألفافا " أي: ملتفا بعضها ببعض كتشعيب ~~أعضائها. # وفي الألفاف وجوه: # أحدها: أنه لا واحد له. # قال الزمخشري: " ألفافا ": ملتفة، ولا واحد له ك " الأوزاع " ~~والأخياف. # والثاني: أنه جمع " لف " - بكسر اللام - فيكون نحو: " سر وأسرار ~~"؛ وأنشد أبو علي الطوسي: ms8979 [الرمل] # 5073- جنة لف وعيش مغدق # وندامى كلهم بيض زهر # وهذا قول أكثر أهل اللغة، ذكره الكسائي. # الثالث: أنه جمع " لفيف ". قاله الكسائي، وأبو عبيدة ك " شريف " و " ~~أشراف " ، و " شهيد " و " أشهاد "؛ قال الشاعر: [الطويل] # 5074- أحابيش ألفاف تباين فرعهم # وحزمهم عن نسبة المتعرف # الرابع: أنه جمع الجميع، وذلك أن الأصل: " لف " في المذكر، و " ~~لفاء " في المؤنث ك " أحمر وحمراء " ، ثم جمع " لف " على " ~~ألفاف " إذ صار " لف " زنة " فعل " جمع جمعه قاله ابن قتيبة. # إلا أن الزمخشري قال: وما أظنه واجدا له نظيرا من نحو: " خضر ~~وأخضار، وحمر وأحمار ". # قال شهاب الدين: كأنه يستبعد هذا القول من حيث إن نظائره لا تجمع على ~~" أفعال " إذ لا يقال: " خضر ولا حمر " ، وإن كانا جمعين ل " أحمر ~~وحمراء، وأخضر وخضراء " ، وهذا غير لازم؛ لأن جمع الجمع لا ينقاس، ويكفي ~~أن يكون له نظير في المفردات، كما رأيت من أن " لفاء " صار يضارع " ~~فعلاء " ، ولهذا امتنعوا من تكسير " مفاعل ومفاعيل " لعدم نظيره ~~في المفردات يحملان عليه. # الخامس: قال الزمخشري: " ولو قيل: هو جمع: " ملتفة " بتقدير حذف ~~الزوائد لكان قولا وجيها ". # وهذا تكلف لا حاجة إليه. # وأيضا: فغالب عبارات النحاة في حذف الزوائد إنما هو في التصغير، ~~يقولون: تصغير الترخيم بحذف الزوائد، وفي المصادر يقولون: هذا المصدر على ~~حذف الزوائد. # قال القرطبي: ويقال: شجرة لفاء، وشجر لف، وامرأة لفاء، أي: غليظة ~~الساق مجتمعة اللحم. # وقيل: التقدير: ونخرج به جنات ألفافا، ثم حذف لدلالة الكلام ~~عليه. ### || [78.17-20] # قوله تعالى: { إن يوم الفصل كان ميقاتا }. أي: وقتا ~~ومجمعا وميعادا للأولين والآخرين؛ لما وعد الله الجزاء والثواب، ~~وسمي يوم الفصل؛ لأن الله - تعالى - يفصل فيه بين خلقه. # قوله: { يوم ينفخ }. يجوز أن يكون بدلا من " يوم الفصل " ، ~~أو عطف بيان له، أو منصوبا بإضمار " أعني ". # و " أفواجا " حال من فاعل " تأتون ". # وقرأ أبو عياض: " في الصور " بفتح الواو وتقدم مثله. # فصل في النفخة الآخرة # هذا النفخ هو النفخة الأخيرة التي عندها يكون الحشر، وهذا هو النفخ ms8980 ~~للأرواح. # وقيل: هو قرن ينفخ فيه للبعث. # " فتأتون " أي: إلى موضع العرض. # " أفواجا " أي: أمما كل أمة مع إمامهم. # روى معاذ بن جبل - رضي الله عنه - # " قلت: يا رسول الله، أرأيت قول الله تعالى: { يوم ينفخ في ~~الصور فتأتون أفواجا } ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~" يا معاذ، لقد سألتني عن أمر عظيم " ، ثم أرسل عينيه ~~باكيا - ثم قال عليه الصلاة والسلام: " يحشر عشرة أصناف من ~~أمتي أشتاتا قد ميزهم الله - تعالى - من جماعات ~~المسلمين وبدل صورهم، فمنهم على صورة القردة، ~~وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكسين ~~أرجلهم أعلاهم ووجوهم يسحبون عليها، وبعضهم عميا، ~~وبعضهم صما، وبعضهم يمضغون ألسنتهم فهي ~~مدلاة على صدورهم، يسيل القيح من أفواههم، ~~يتقذرهم الجمع، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم ~~مصلبين على جذوع من نار، وبعضهم أشد نتنا من الجيف، ~~وبعضهم ملبسين جلابيب لاصقة بجلودهم، فأما الذين ~~على صورة القردة: فالقتات من الناس - يعني: النمام ~~- وأما الذين على صورة الخنازير فأهل السحت والحرام ~~والمكس، وأما المنكسون رءوسهم ووجوهم فأكلة الربا، ~~وأما العمي: فالذين يجورون في الحكم، وأما الصم ~~البكم: فالمعجبون بأعمالهم، وأما الذين يمضغون ~~ألسنتهم، فالعلماء الذين يخالف قولهم فعلهم، وأما ~~الذين قطعت أيديهم وأرجلهم فالذين يؤذون الجيران، ~~وأما المصلبون في جذوع النار، فالسعاة بالناس إلى ~~السلطان، وأما الذين أشد نتنا من الجيف، فالذين ~~يتبعن الشهوات واللذات، ويمنعون حق الله في ~~أموالهم، وأما الذين يلبسون الجلابيب فأهل الكبر ~~والفخر والخيلاء ". # قوله تعالى: { وفتحت السمآء فكانت أبوابا }. # قرأ أبو عامر وحمزة والكسائي: " فتحت " خفيفة، والباقون بالتثقيل. # والمعنى: كسرت أبوابها المفتحة لنزول الملائكة كقوله تعالى: # ويوم تشقق السمآء بالغمام ونزل الملائكة ~~تنزيلا # [الفرقان: 25]. # وقيل: تقطعت، فكانت قطعا كالأبواب، فانتصاب الأبواب على هذا بحذف ~~الكاف. # وقيل: التقدير: كانت ذات أبواب؛ لأنها تصير كلها أبوابا. # وقيل: أبوابها: طرقها. # وقيل: إن لكل عبد بابا في السماء لعمله، وبابا لرزقه، فإذا قامت ~~القيامة انفتحت الأبواب. # قال القاضي: هذا الفتح هو معنى قوله: # إذا السمآء انشقت # [الانشقاق: 1]، # إذا السمآء انفطرت # [الانفطار: 1] إذ الفتح ms8981 والتشقق تتقارب. # قال ابن الخطيب: وهذا ليس بقوي؛ لأن المفهوم من فتح الباب غير المفهوم ~~من التشقق والتفطر، فربما تفتح تلك الأبواب مع أنه لا يحصل في جرم ~~السماء تشقق ولا تفطر، بل الدلائل الصحيحة دلت على أن حصول فتح هذه ~~الأبواب بحصول التفطر والتشقق بالكلية. # فإن قيل: قوله تعالى: { وفتحت السمآء فكانت أبوابا } ~~يفيد أن السماء بكليتها تصير أبوابا بفعل ذلك. # فالجواب من وجوه: # أحدها: أن تلك الأبواب لما كثرت جدا صارت كأنها ليست إلا ~~أبوابا؛ كقوله تعالى: # وفجرنا الأرض عيونا # [القمر: 12] أي: صارت كلها عيونا تتفجر. # وثانيها: قال الواحدي: هذا من باب حذف المضاف، أي: فكانت ذات أبواب. # وثالثها: أن الضمير في قوله تعالى: { فكانت أبوابا } يعود إلى ~~السماء، والتقدير: فكانت تلك المواضع المفتوحة أبوابا لنزول الملائكة. # قوله تعالى: { وسيرت الجبال فكانت سرابا }. # أي: لا شيء كما أن السراب كذلك يظنه الرائي ماء وليس بماء. # وقيل: نسفت من أصولها. # وقيل: أزيلت عن مواضعها. # قال ابن الخطيب: إن الله - تعالى - ذكر أحوال الجبال بوجوه مختلفة، ~~ويمكن الجمع بينها بوجوه، بأن تقول: # أول أحوالها: الاندكاك، وهو قول تعالى: # وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة # [الحاقة: 14]. # والحالة الثانية: أن تصير كالعهن المنفوش، وهو قوله تعالى: # وتكون الجبال كالعهن المنفوش # [القارعة: 5]. # والحالة الثالثة: أن تصير كالهباء، وهو قوله تعالى: # وبست الجبال بسا فكانت هبآء منبثا # [الواقعة: 5، 6]. # والحالة الرابعة: أن تنسف؛ لأنها مع الأحوال المتقدمة تارة في مواضعها ~~في الأرض، فترسل الرياح، فتنسفها عن وجه الأرض، فتطيرها في الهواء ~~كأنها مارة، فمن نظر إليها يحسبها لتكاثفها أجسادا جامدة، وهي في ~~الحقيقة مارة، إلا أن مرورها بسبب مرور الرياح بها مندكة منتسفة. # والحالة الخامسة: أن تصير سرابا، أي: لأي شيء كما رؤي السراب من بعد. ### || [78.21-30] # قوله تعالى: { إن جهنم كانت مرصادا } " مفعالا " من ~~الرصد، والرصد: كل شيء كان أمامك. # قرأ ابن يعمر وابن عمر والمنقري: " أن جهنم " بفتح " أن ". # قال الزمخشري: على تعليل قيام الساعة، بأن جهنم كانت مرصادا ~~للطاغين، كأنه قيل: كان ms8982 ذلك لإقامة الجزاء، يعني: أنه علة لقوله ~~تعالى: { يوم ينفخ في الصور } إلى آخره. # قال القفال: في المرصاد قولان: # أحدهما: أن المرصاد اسم للمكان الذي يرصد فيه، كالمضمار اسم للمكان ~~الذي يضمر فيه الخيل، والمنهاج: اسم للمكان الذي ينهج فيه، أي: جهنم ~~معدة لهم فالمرصاد بمعنى المحل، وعلى هذا فيه احتمالان: # الأول: أن خزنة جهنم يرصدون الكفار. # والثاني: أن مجاز المؤمنين، وممرهم على جهنم، لقوله تعالى: # وإن منكم إلا واردها # [مريم: 71]، فخزنة الجنة يستقبلون المؤمنين عند جهنم، ويرصدونهم ~~عندها. # القول الثاني: أن " المرصاد " " مفعال " من الرصد، وهو " الترقب ~~" بمعنى أن ذلك يكثر منه، و " المفعال " من أبنية المبالغة ك " ~~المعطاء، والمعمار، والمطعان ". # قيل: إنها ترصد أعداء الله، وتشتد عليهم لقوله تعالى: تكاد تميز ~~من الغيظ. # وقيل: ترصد كل منافق وكافر. # فصل # دلت الآية على أن جهنم كانت مخلوقة لقوله تعالى أن جهنم كانت مرصادا ~~وإذا كانت كذلك كانت الجنة لعدم الفارق. # قوله: { للطاغين } يجوز أن يكون صفة ل " مرصادا " ، وأن يكون ~~حالا من " مآبا " كان صفته فلما تقدم نصب على الحال، وعلى هذين ~~الوجهين يتعلق بمحذوف، ويجوز أن يكون متعلقا بنفس " مرصادا " ، أو ~~بنفس " مآبا "؛ لإنه بمعنى مرجع. # قال ابن الخطيب: إن قيل بأن: " مرصادا " للكافرين فقط، كان قوله: " ~~للطاغين " من تمام ما قبله، والتقدير: كانت مرصادا للطاغين، ثم ~~قوله: " مآبا " بدل قوله: " مرصادا " ، وإن قيل: إن مرصادا مطلقا ~~للكفار والمؤمنين كان قوله تعالى: { إن جهنم كانت ~~مرصادا } كلاما تاما وقوله تعالى: { للطاغين مآبا } كلاما ~~مبتدأ، كأنه قيل: إن جهنم كانت مرصادا للكل، و " مآبا " للطاغين ~~خاصة، فمن ذهب إلى القول الأول لم يقف على قوله: " مرصادا " ومن ذهب ~~إلى القول الثاني وقف عليه. # قال القرطبي: " للطاغين مآبا " بدل من قوله: " مرصادا " ، ~~والمآب " المرجع، أي: مرجعا يرجعون إليه، يقال: آب يثوب أوبة: إذا ~~رجع. # وقال قتادة: مأوى ومنزلا، والمراد بالطاغين من طغى في دينه بالكفر ~~ودنياه بالظلم. # قوله: { لابثين }. منصوب على الحال من الضمير المستتر في " للطاغين ~~" ، وفي حال مقدرة. ms8983 # وقرأ حمزة: " لبثين " دون ألف. # والباقون: " لابثين " بألف. # وضعف مكي قراءة حمزة، قال: ومن قرأ: " لبثين " شبهه بما هو خلقة في ~~الإنسان نحو حذر وفرق، وهو بعيد؛ لأن اللبث ليس مما يكون خلقة في ~~الإنسان وباب فعل إنما يكون لما هو خلقة في الإنسان. وليس اللبس بخلقة. # ورجح الزمخشري قراءة حمزة، فقال: " قرأ: لابثين " ولبثين " واللبث ~~أقوى؛ لأن اللابث يقال لمن وجد منه اللبث، ولا يقال: لبث إلا لمن شأنه ~~اللبث، كالذي يجثم بالمكان لا يكاد ينفك منه ". # وما قاله الزمخشري أصوب. # وأما قول مكي: اللبث ليس بخلقة، فمسلم لكنه بولغ في ذلك، فجعل ~~بمنزلة الأشياء المختلفة. # و " لابثين " اسم فاعل من " لبث " ، ويقويه أن المصدر منه " اللبث " ~~- بالإسكان - ك " الشرب ". قوله: " أحقابا " منصوب على الظرف، وناصبه ~~" لابثين " ، هذا هو المشهور، وقيل: منصوب بقوله: " لا يذوقون " ، ~~وهذا عند من يرى تقدم معمول ما بعد " لا " عليها وهو أحد الأوجه، وقد مر ~~هذا مستوفى في أواخر الفاتحة وجوز الزمخشري أن ينتصب على الحال. قال: ~~" وفيه وجه آخر: وهو أن يكون من: حقب عامنا إذا قل مطره وخيره، ~~وحقب فلان إذا أخطأه الرزق، فهو حقب وجمعه: " أحقاب " ، فينتصب حالا ~~عنهم، بمعنى: لابثين فيها بحقبين جحدين ". وتقدم الكلام على الحقب في ~~سورة " الكهف ". # قال القرطبي: و " الحقبة " - بالكسر-: السنة، والجمع حقب؛ قال ~~متمم بن نويرة: [الطويل] # 5075- وكنا كندماني جذيمة حقبة # من الدهر حتى قيل: لن يتصدعا # والحقب - بالضم والسكون -: ثمانون سنة. # وقيل: أكثر من ذلك وأقل، والجمع: " أحقاب ". # قال الفراء: أصل الحقبة من الترادف والتتابع، يقال: " أحقب ": إذا ~~أردف، ومنه الحقبة، ومنه كل من حمل وزرا فقد احتقب، فعلى هذا معناه: ~~لابثين فيها أحقابا، أي: دهورا مترادفة يتبع بعضهم بعضا. # فصل في تحرير معنى الآية # المعنى: ماكثين في النار ما دامت الأحقاب، وهي لا تنقطع، فكلما مضى ~~حقب جاء حقب، و " الحقب " -بضمتين-: الدهر: والأحقاب، ~~الدهور، والمعنى: لابثين فيها أحقاب الآخرة التي لا نهاية لها، فحذف ~~الآخرة لدلالة الكلام عليها، إذ في الكلام ms8984 ذكر الآخرة، كما يقال: أيام ~~الآخرة، أي: أيام بعد أيام إلى غير نهاية، أي: لابثين فيها أزمانا ~~ودهورا، كلما مضى زمن يعقبه زمن، ودهر يعقبه دهر، هكذا أبدا من ~~غير انقطاع، فكأنه قال: أبدا، وإنما كان يدل على التوقيت لو قال: خمسة ~~أحقاب، أو عشرة ونحوه، وذكر الأحقاب؛ لأن الحقب كان أبعد شيء عندهم، فذكر ~~ما يفهمونه، وهو كناية عن التأبيد، أي: يمكثون فيها أبدا. # وقيل: ذكر الأحقاب دون الأيام؛ لأن الأحقاب أهول في القلوب، وأدل على ~~الخلود، وهذا الخلود في حق المشركين، ويمكن حمله على العصاة الذين ~~يخرجون من النار بعد العذاب. # وقيل: الأحقاب وقت شربهم الحميم والغساق، فإذا انقضت فيكون لهم نوع ~~آخر من العذاب، ولهذا قال تعالى: { لابثين فيهآ أحقابا } أي: ~~في الأرض لتقدم ذكرها ويكون { لا يذوقون فيها بردا } جهنم. # قوله: { لا يذوقون }. فيه أوجه: # أحدها: أنه مستأنف، أخبر عنهم بذلك. # الثاني: أنه حال من الضمير في " لابثين " غير ذائقين، فهي حال ~~متداخلة. # الثالث: أنه صفة ل " أحقاب ". # قال مكي: واحتمل الضمير؛ لأنه فعل فلم يجب إظهاره كأن قد جرى صفة على ~~غير من هو له، وإنما جاز أن يكون نعتا ل " أحقاب " لأجل الضمير ~~العائد على " الأحقاب " في " فيها " ، ولو كان في موضع " يذوقون " ~~اسم فاعل لكان لا بد من إظهار الضمير إذا جعلته وصفا ل " أحقاب ". # الرابع: أنه تفسير لقوله تعالى: { أحقابا } إذا جعلته منصوبا على ~~الحال بالتأويل المتقدم عن الزمخشري، فإنه قال: " وقوله تعالى: { لا ~~يذوقون فيها بردا ولا شرابا }. تفسير له ". # الخامس: أنه حال أخرى من " للطاغين " ك " لابثين ". # فصل في معنى هذا البرد # قال أبو عبيدة: البرد: النوم؛ قال الشاعر: [الطويل] # 5076- فلو شئت حرمت النساء سواكم # وإن شئت لم أطعم نعاجا ولا بردا # وهو قول مجاهد والسدي والكسائي والفضل بن خالد وأبي معاذ ~~النحوي. # والعرب تقول: منع البرد البرد، يعني: أذهب النوم. # وقال ابن عباس رضي الله عنه: البرد برد الشراب. # وعنه - أيضا - البرد: النوم، والشراب: الماء. # قال الزجاج: لا يذوقون ms8985 فيها برد ريح، ولا برد نوم, ولا برد ~~ظل. فجعل البرد كل شيء له رائحة. # وقال الحسن وعطاء وابن زيد: بردا: أي روحا ورائحة. # قوله: { إلا حميما }. يجوز أن يكون استثناء متصلا من قوله: " ~~شرابا " ، ويجوز أن يكون منقطعا. # قال الزمخشري: " يعني لا يذوقون فيها بردا، ولا روحا ينفس عنهم حر ~~النار " ولا شرابا " يسكن من عطشهم، ولكن يذوقون فيها حميما ~~وغساقا ". # قال شهاب الدين: " ومكي لما جعله منقطعا جعل البرد عبارة عن النوم، ~~قال: فإن جعلته النوم كان " إلا حميما " استثناء ليس من الأول ". # وإنما الذي حمل الزمخشري على الانقطاع مع صدق الشراب على الحميم ~~والغساق، وصفة له بقوله: " ولا شرابا يسكن من عطشهم " فبهذا القيد صار ~~الحميم ليس من جنس هذا الشراب؛ وإطلاق البرد على النوم لغة هذيل، وأنشد ~~البيت المتقدم. # وقول العرب: منع البرد، قيل: وسمي بذلك لأنه يقطع سورة العطش، والذوق ~~على هذين القولين مجاز، أعني: كونه روحا ينفس عنهم الحر، وكونه النوم ~~مجاز، وأما على قوله من جعله اسما للشراب البارد المستلذ كما تقدم ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما وأنشد قول حسان رضي الله عنه: [الكامل] # 5077- يسقون من ورد البريص عليهم # بردى تصفق بالرحيق السلسل # قال ابن الأثير: البريص: الماء القليل، والبرص: الشيء القليل؛ وقال ~~الآخر: [الطويل] # 5078- أماني من سعدى حسان كأنما # سقتك بها سعدى على ظمإ بردا # والذوق حقيقة، إلا أنه يصير فيه تكرار بقوله بعد ذلك " ولا شرابا ". # الثالث: أنه بدل من قوله: " ولا شرابا " وهو الأحسن؛ لأن الكلام ~~غير موجب. # قال أبو عبيدة: الحميم: الماء الحار. # وقال ابن زيد: دموع أعينهم تجمع في حياض، ثم يسقونه. # وقال النحاس: أصل الحميم الماء الحار، ومنه اشتق الحمام، ومنه ~~الحمى ومنه ظل من يحموم، إنما يراد به النهاية في الحر، والغساق: ~~صديد أهل النار وقيحهم. # وقيل: الزمهرير، وتقدم خلاف القراء في " غساقا " والكلام عليه ~~وعلى " حميم ". # قال أبو معاذ: كنت أسمع مشايخنا يقولون: الغساق: فارسية معربة، ~~يقولون للشيء الذي يتقذرونه: خاشاك. # قوله: { جزآء } منصوب ms8986 على المصدر، وعامله إما قوله: " لا يذوقون " ~~إلى آخره؛ لأنه من قوة جوزوا بذلك، وإما محذوف، و " وفاقا " نعت له ~~على المبالغة، أو على حذف مضاف، أي: ذا مبالغة. # قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: معناه: موافقا لأعمالهم، فالوفاق بمعنى: ~~" الموافقة " كالقتال من المقاتلة. # قال الفراء والأخفش: أي: جازيناهم جزاء وافق أعمالهم. # وقال الفراء أيضا: هو جمع الوفق واللفق واحد. # وقال مقاتل: وافق العذاب الذنب، فلا ذنب أعظم من الشرك، ولا عذاب أعظم ~~من النار. # وقال الحسن وعكرمة: كانت أعمالهم سيئة فأتاهم الله بما يسوؤهم. # وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة: بتشديد الفاء من " وفقه كذا ". # قوله تعالى: { إنهم كانوا لا يرجون حسابا }. أي: لا ~~يخافون حسابا، أي: محاسبة على أعمالهم، وقيل: لا يرجون ثواب حساب. # وقال الزجاج: إنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث، فيرجون حسابهم، فهو إشارة ~~إلى أنهم لم يكونوا مؤمنين. # قوله تعالى: { وكذبوا بآياتنا كذابا } قرأ العامة: " ~~كذابا " بتشديد الذال، وكسر الكاف. # وكان من حق مصدر " فعل " أن يأتي على " التفعيل " نحو صرف ~~تصريفا. # قال الزمخشري: و " فعال " في باب " فعل " كله فاش في كلام فصحاء ~~من العرب لا يقولون غيره، وسمعني بعضهم أفسر آية، فقال: لقد فسرتها ~~فسارا ما سمع بمثله. # قال غيره: وهي لغة بعض العرب يمانية؛ وأنشد: [الطويل] # 5079- لقد طال ما ثبطتني عن صحابتي # وعن حاجة قضاؤها من شفائيا # يريد: تقضيتها، والأصل على " التفعيل " ، وإنما هو مثل " زكى ~~تزكية ". # وسمع بعضهم يستفتي في حجه، فقال: آلحلق أحب إليك أم القصار؟ يريد ~~التقصير. # قال الفراء: " هي لغة يمانية فصيحة، يقولون: كذبت كذابا، وخرقت ~~القميص خراقا، وكل فعل وزن " فعل " فمصدره " فعال " في لغتهم ~~مشددة ". # وقرأ علي والأعمش وأبو رجاء وعيسى البصري: بالتخفيف. # وهو مصدر أيضا، إما لهذا الفعل الظاهر على حذف الزوائد، وإما لفعل ~~مقدر ك " أنبتكم من الأرض نباتا ". # قال الزمخشري: " وهو مثل قوله تعالى: # والله أنبتكم من الأرض نباتا # [نوح: 17] يعني وكذبوا بآياتنا، فكذبوا كذابا، أو تنصبه ب " كذبوا "؛ ~~لأنه يتضمن معنى " كذبوا " ، لأن كل ms8987 مكذب بالحق كاذب، وإن جعلته بمعنى ~~المكاذبة، فمعناه: وكذبوا بآياتنا، فكاذبوا مكاذبة، أو كذبوا بها ~~مكاذبين؛ لأنهم كانوا عند المسلمين مكاذبين، وكان المسلمون عندهم ~~كاذبين فبينهم مكاذبة، أو لأنهم يتكلمون بما هو إفراط في الكذب، فعل من ~~يغالب فيبلغ فيه أقصى جهده ". # وقال أبو الفضل: وذلك لغة " اليمن " ، وذلك بأن يجعل مصدر " كذب " ~~مخففا " كذبا " بالتخفيف مثل " كتب كتابا " فصار المصدر هنا من ~~معنى الفعل دون لفظه, مثل: " أعطيته عطاء ". # قال شهاب الدين: أما " كذب كذابا " بالتخفيف، فهو مشهور، ومنه ~~قول الأعشى [مجزوء الكامل] # 5080- فصدقتها وكذبتها # والمرء ينفعه كذابه # وقرأ عمر بن عبد العزيز والماجشون: " كذابا " بضم الكاف وتشديد الذال، ~~وفيها وجهان: # أحدهما: أنه جمع كاذب، نحو: ضراب " في " ضارب, وعلى هذا، فانتصابه على ~~الحال المؤكدة، أي: وكذبوا في حال كونهم كاذبين. قاله أبو البقاء. # والثاني: أن " الكذاب " بمعنى الواحد البليغ في الكذب، يقال: رجل ~~كذاب، كقولك: حسان، فيجعل وصفا لمصدر كذبوا: أي تكذيبا كذبا مفرطا ~~كذبه. قاله الزمخشري. # قال القرطبي: وفي " الصحاح ": وقوله تعالى: { وكذبوا ~~بآياتنا كذابا } وهو أحد مصار المشدد؛ لأن مصدره قد يجيء على " ~~تفعلة " مثل " توصية " ، وعلى " مفعل " مثل: # ومزقناهم كل ممزق # [سبأ: 19]. # قوله تعالى: { وكل شيء } العامة على النصب على الاشتغال، وهو ~~الراجح، لتقدم جملة فعلية. # وقرأ أبو السمال: برفع " كل " على الابتداء، وما بعده الخبر وهذه ~~الجملة معترض بها بين السبب والمسبب، لأن الأصل: " وكذبوا ~~بآياتنا كذابا " ف " ذوقوا " مسبب عن تكذيبهم. # قوله: " أحصيناه ". فيه أوجه: # أحدها: أنه مصدر من معنى أحصينا، أي: إحصاء، فالتجوز في نفس المصدر. # الثاني: أنه مصدر ل " أحصينا " لأنه في معنى: " كتبنا " ~~فالتجوز في نفس الفعل. # قال الزمخشري: " لانتفاء الإحصاء " ، والكتبة في معنى الضبط، ~~والتحصيل. # قال ابن الخطيب: وإنما عدل عن تلك اللفظة إلى هذه اللفظة؛ لأن الكتابة ~~هي النهاية في قوة العلم، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: # " قيدوا العلم بالكتابة " # فكأنه تعالى قال: { وكل شيء أحصيناه كتابا } إحصاء ~~في القوة والثبات والتأكد، كالمكتوب، والمراد من قوله: " كتابا ms8988 " ~~تأكيد ذلك الإحصاء والعلم، وهذا التأكيد إنما ورد على حسب ما يليق ~~بأفهام أهل الظاهر، فإن المكتوب يقبل الزوال، وعلم الله - تعالى - ~~بالأشياء لا يقبل الزوال؛ لأنه واجب لذاته. # الثالث: أن يكون منصوبا على الحال، بمعنى مكتوبا في اللوح المحفوظ، ~~لقوله تعالى: # وكل شيء أحصيناه في إمام مبين # [يس: 12]. # وقيل: أراد ما كتبته الملائكة الموكلون بالعباد، بأمر الله - تعالى - ~~إياهم بالكتابة، لقوله تعالى: # وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين # [الانفطار: 10، 11]. # فصل في المراد بالإحصاء # معنى { وكل شيء أحصيناه } أي: علمنا كل شيء علما كما ~~هو لا يزول، ولا يتبدل ونظيره قوله تعالى: # أحصاه الله ونسوه # [المجادلة: 6]. # قال ابن الخطيب: وهذه الآية لا تقبل التأويل، لأن الله - تبارك وتعالى - ~~ذكر هذا تقديرا لما ادعاه من قوله تعالى: " جزاء وفاقا " ، كأنه ~~تعالى قال: أنا عالم بجميع ما فعلوه، وعالم بجهات تلك الأفعال، وأحوالها؛ ~~واعتباراتها التي لأجلها يحصل استحقاق الثواب والعقاب، فلا جرم لا أوصل ~~إليهم من العذاب إلا قدر ما يكون وفاقا لأعمالهم، وهذا القدر إنما ~~يتم بثبوت كونه عالما بالجزئيات، وإذا ثبت هذا ظهر أن كل من أنكره ~~كافر قطعا. # قوله تعالى: { فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا } # قال ابن الخطيب: هذه " الفاء " للجزاء، فنبه على أن الأمر بالذوق ~~معلل بما تقدم شرحه من قبائح أفعالهم، فهذه " الفاء " أفادت عين فائدة ~~قوله: " جزاء وفاقا ". # فإن قيل: أليس أنه - تعالى - قال في صفة الكفار: # ولا يكلمهم الله # [البقرة: 174]. # فها هنا لما قال تعالى لهم: " فذوقوا " ، فقد كلمهم؟. # فالجواب: قال أكثر المفسرين: ويقال لهم: " فذوقوا ". # ولقائل أن يقول: قوله: { فلن نزيدكم } لا يليق إلا بالله، ~~والأقرب في الجواب أن يقال: قوله: # ولا يكلمهم # [آل عمران: 77] معناه: ولا يكلمهم بالكلام الطيب النافع، فإن تخصيص ~~العموم سائغ عند حصول القرينة، فإن قوله: # ولا يكلمهم # [آل عمران: 77] إنما ذكره لبيان أنه - تعالى - لا يقيم لهم وزنا، ~~وذلك لا يحصل إلال من الكلام الطيب. # فإن قيل: إن كانت هذه الزيادة غير مستحقة كانت ظلما، وإن كانت مستحقة ~~كان تركها ms8989 في أول الأمر إحسانا، والكريم لا يليق به الرجوع في إحسانه. # والجواب: أنها مستحقة، ودوامها زيادة لفعله بحسب الدوام، وأيضا: ~~فترك المستحق في بعض الأوقات لا يوجب الإبراء والإسقاط. # فصل في الالتفات في هذه الآية # قال ابن الخطيب: قوله تعالى: { فذوقوا } يفيد معنى التعليل، وهو ~~التفات من الغيبة للخطاب، فهو دال على الغضب، وفيه مبالغات: منها ~~أن " لن " للتأكيد، ومنها الالتفات، ومنها إعادة قوله: " فذوقوا " بعد ~~ذكر العذاب، قال أبو بزرة رضي الله عنه: سألت النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن أشد آية في القرآن، قال عليه الصلاة والسلام: قوله: { فذوقوا ~~فلن نزيدكم إلا عذابا } [النبأ: 30] أي: # كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها # [النساء: 56]، و # كلما خبت زدناهم سعيرا # [الإسراء: 97]. ### || [78.31-37] # قوله تعالى: { إن للمتقين مفازا }. تقدم تفسير المتقين، و ~~" المفاز ": يحتمل أن يكون مصدرا، بمعنى: فوزا وظفرا بالنعمة، ~~ويحتمل أن يكون المراد فوزا بالنجاة من العذاب، ولذلك قيل للفلاة إذا قل ~~ماؤها: مفازة، تفاؤلا بالخلاص منها، وأن يكون مجموع الأمرين. # وقال الضحاك: منتزها. # قوله: { حدآئق } يجوز أن يكون بدلا من " مفازا " بدل اشتمال أو ~~بدل كل من كل مبالغة في أن جعل نفس هذه الأشياء مفازا. # ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار " أعني " ، وإذا كان مفازا بمعنى ~~الفوز، فيقدر مضاف، أي فوز حدائق، وهي جمع حديقة، وهي البستان المحوط ~~عليه، ويقال: أحدق به أي أحاط. # والأعناب: جمع عنب، أي: كروم أعناب، فحذف، والتنكير في قوله تعالى: ~~{ وأعنابا } يدل على تعظيم تلك الأعناب. # قوله تعالى: { وكواعب أترابا }. الكواعب: جمع كاعب، وهي من كعب ~~ثديها وتفلك، أي يكون الثدي في النتوء كالكعب والفلكة، وهي الناهد، ~~يقال: كعبت الجارية تكعب كعوبا، وكعبت تكعيبا، ونهدت ~~تنهد نهودا؛ قال: [الطويل] # 5081- وكان مجني دون من كنت أتقي # ثلاث شخوص: كاعبان ومعصر # وقال قيس بن عاصم المسعري: [الطويل] # 5082- وكم من حصان قد حوينا كريمة # ومن كاعب لم تدر ما البؤس معصر # وقال الضحاك: الكواعب: العذارى، والأتراب الأقران في السن، وقد تقدم ~~ذكرهن في " الواقعة ". # قوله تعالى: { وكأسا ms8990 دهاقا }. # الدهاق: الملأى المترعة. # قيل: هو مأخوذ من دهقه، أي: ضغطه، وشده بيده، كأنه ملأ اليد فانضغط، ~~قال: [الوافر] # 5083- لأنت إلى الفؤاد أحب قربا # من الصادي إلى كأس الدهاق # وهذا قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، وأبي عبيدة، والزجاج، والكسائي. # وقال عكرمة: وربما سمعت ابن عباس يقول: اسقنا وادهق لنا، ودعا ابن ~~عباس غلاما له فقال له: اسقنا دهاقا، فجاء الغلام بها ملأى، فقال ابن ~~عباس: هذا الدهاق. # وقيل: الدهاق: المتتابعة؛ قال رحمه الله: [الوافر] # 5084- أتانا عامر يبغي قرانا # فأترعنا له كأسا دهاقا # وهذا قول أبي هريرة، وسعيد بن جبير، ومجاهد. # قال الواحدي: وأصل هذا القول من قول العرب: أدهقت الحجارة إدهاقا، وهي ~~شدة ترادفها، ودخول بعضها في بعض. ذكره الليث. # والتتابع كالتداخل. # وعن عكرمة وزيد بن أسلم: أنها الصافية، وهو جمع " دهق " ، وهو ~~خشبتان يعصر بهما. # والمراد بالكأس: الخمر. # قال الضحاك: كل كأس في القرآن فهو خمر، والتقدير: وخمر ذات دهاق، أي ~~عصرت وصفيت بالدهاق، قاله القشيري. # وفي " الصحاح " وأدهقت الماء، أي: أفرغته إفراغا شديدا، قال أبو ~~عمرو: والدهق - بالتحريك - ضرب من العذاب، وهو بالفارسية: " ~~أشكنجه ". # قال المبرد: والمدهوق: المعذب بجميع العذاب الذي لا فرجة فيه. # وقال ابن الأعرابي: دهقت الشيء: أي: كسرته وقطعته، وكذلك: " ~~دهدقته " و " دهمقته " بزيادة الميم المثلثة. # وقال الأصمعي: " الدهمقة ": لين الطعام وطيبه ورقته، وكذلك كل شيء ~~لين، ومنه حديث عمر - رضي الله عنه -: لو شئت أن يدهمق لي لفعلت، ولكن ~~الله عاب قوما فقال تعالى: # أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ~~واستمتعتم بها # [الأحقاف: 20]. # قوله تعالى: { لا يسمعون فيها لغوا } أي: في الجنة، وقيل: ~~في الكأس. { لغوا ولا كذابا }. # اللغو: الباطل، وهو ما يلغى من الكلام ويطرح، ومنه الحديث: # " إذا قلت لصاحبك: أنصت، فقد لغوت " # وذلك أن أهل الجنة إذا شربوا لم تتغير عقولهم، ولم يتكلموا بلغو بخلاف ~~الدنيا، و " لا كذابا " أي: لا يتكاذبون في الجنة. # وقيل: هما مصدران للتكذيب، وإنما خففها؛ لأنها ليست مقيدة بفعل ~~يصير مصدرا له، وشدد قوله: { وكذبوا بآياتنا }؛ لأن " ~~كذبوا ms8991 " يفيد المصدر بالكذاب. # قال شهاب الدين: " وإنما وافق الكسائي الجماعة في الأول للتصريح ~~بفعله المشدد المقتضي لعدم التخفيف في " كذبوا " ، وهذا كما تقدم في ~~قوله: # فتفجر الأنهار # [الإسراء: 91]، حيث لم يختلف فيه للتصريح معه بفعله بخلاف الأول ". # وفقال مكي: من شدد جعله مصدر " كذب " ، زيدت فيه الألف، كما زيدت ~~في " إكراما " وقولهم: تكذيبا، جعلوا التاء عوضا من تشديد العين، ~~والياء بدلا من الألف غيروا أوله كما غيروا آخره، وأصل مصدر ~~الرباعي أن يأتي على عدد حروف الماضي بزيادة ألف مع تغيير الحركات، ~~وقالوا: " تكلما " ، فأتي المصدر على عدد حروف الماضي بغير زيادة ~~ألف، وذلك لكثرة حروفه، وضمت " اللام " ولم تكسر؛ لأنه ليس في الكلام ~~اسم على " تفعل " ولم تفتح لئلا تشتبه بالماضي، وقراءة الكسائي: " ~~كذابا " - بالتخفيف - جعله مصدر كذب كذابا. # وقيل: هو مصدر " كذب " كقولك: كتبت كتابا. # قوله: { جزآء }. مصدر مؤكد منصوب بمعنى قوله: { إن للمتقين ~~مفازا } كأنه قيل: جازى المتقين بمفاز. # قوله: { عطآء } بدل من " جزاء " وهو اسم مصدر؛ قال: [الوافر] # 5085-........................... # وبعد عطائك المائة الرتاعا # قال: وجعله الزمخشري: منصوبا ب " جزاء " نصب المفعول به. # ورده أبو حيان بأنه جعل " جزاء " مصدرا مؤكدا لمضمون الجملة، التي هي ~~" إن للمتقين " ، قال: " والمصدر المؤكد لا يعمل؛ لأنه لا ينحل ~~لحرف مصدري والفعل، ولا نعلم في ذلك خلافا ". # قوله: " حسابا ". صفة ل " عطاء " ، والمعنى: كافيا، فهو مصدر أقيم ~~مقام الوصف أو بولغ فيه، أو على حذف مضاف، من قولهم: أحسبني الشيء أي: ~~كفاني. # وقال قتادة: " عطاء حسابا " أي: كثيرا، يقال: أحسبت فلانا أي: ~~أكثرت له العطايا حتى قال: حسبي. # وقال الكلبي: حاسبهم فأعطاهم بالحسنة عشر أمثالها، وقد وعد قوما جزاء ~~لا نهاية له، ولا مقدار، كما قال تعالى: # إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب # [الزمر: 10] وقرأ أبو البرهسم، وشريح بن يزيد الحمصي: بتشديد السين مع ~~بقاء الحاء على كسرها. # وتخريجها: أنه مصدر: مثل: " كذاب " أقيم مقام الوصف، أي: عطاء ~~محسبا، أي: كافيا. # وابن قطيب: كذلك، إلا أنه فتح الحاء. # قال أبو الفتح: بناء ms8992 " فعال " من " أفعل " ك " دراك " من " ~~أدرك " بمعنى أنه صفة مبالغة من " حسب " بمعنى: كافي كذا. # وابن عباس: " حسنا " بالنون من الحسن. # وسريج: " حسبا " بفتح الحاء وسكون السين والباء الموحدة، أي: عطاء ~~كافيا، من قولك: حسبك كذا، أي: " كافيك ". # قوله تعالى: { رب السماوات }. # قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو: برفع " رب " و " الرحمن ". # وابن عامر، وعاصم: بخفضهما. # والأخوان: يخفض الأول، ورفع الثاني. # فأما رفعهما، فيجوز من أوجه: # أحدها: أن يكون " رب " خبر مبتدأ محذوف مضمر، أي: " هو رب " ، و " ~~الرحمن " كذلك، أو مبتدأ، خبره " لا يملكون ". # الثاني: أن يجعل " رب " مبتدأ، و " الرحمن " خبره، و " لا يملكون " ~~خبر ثان، أو مستأنف. # الثالث: أن يكون " رب " مبتدأ، و " الرحمن " مبتدأ ثان، و " لا يملكون ~~" خبره، والجملة خبر الأول، وحصل الربط بتكرير المبتدأ بمعناه, وهو ~~رأي الأخفش، ويجوز أن يكون " لا يملكون " حالا وتكون لازمة. # وأما جرهما: فعلى البدل، أو البيان، أوالنعت، كلاهما للأول، إلا أن ~~تكرير البدل فيه نظر وتقدم التنبيه عليه في آخر الفاتحة. # وتجعل { رب السماوات } تابعا للأول، و " الرحمن " تابعا ~~للثاني على ما تقدم. # وأما الأول، فعلى التبعية للأول. # وأما رفع الثاني، فعلى الابتداء، والخبر: الجملة الفعلية، أو على أنه ~~خبر مبتدأ مضمر، و " لا يملكون " على ما تقدم من الاستئناف، أو ~~الخبر الثاني، أو الحال اللازمة. # قوله: { لا يملكون }. # نقل عطاء عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن الضمير في " لا يملكون " ~~راجع إلى المشركين، أي: لا يخاطبهم الله. # وأما المؤمنون فيشفعون، ويقبل الله - تعالى - منهم بعد إذنه لهم. # وقال القاضي: إنه راجع للمؤمنين، والمعنى: أن المؤمنين لا يملكون أن ~~يخاطبوا الله - تعالى - في أمر من الأمور. # فصل في أن الله عدل في عقابه # لما ثبت أنه - تعالى - عدل لا يجور، وثبت أن العقاب الذي أوصله إلى ~~الكفار عدل، وثبت أن الثواب الذي أوصله إلى المؤمنين عدل، وأنه ~~ما بخسهم حقهم، فبأي سبب يخاطبونه. # وقيل: الضمير يعود لأهل السماوات والأرض، وإن أحدا من ~~المخلوقين لا يملك مخاطبة ms8993 الله - تعالى - ومكالمته. # قال ابن الخطيب: وهذا هو الصواب. ### || [78.38-40] # قوله تعالى: { يوم يقوم الروح }. منصوب على الظرف، إما ب " ~~لا يتكلمون " بعده، وإما ب " لا يملكون " و " صفا " حال: ~~أي: مصطفين، و " لا يتكلمون " إما حال أو مستأنف. # فصل في المراد بالروح # احتلفوا في الروح. # فقال ابن عباس: هو ملك ما خلق الله بعد العرش أعظم منه، فإذا كان يوم ~~القيامة قام وحده صفا، وقام الملائكة كلهم صفا، ونحوه عن ابن مسعود - ~~رضي الله عنه - قال: الروح ملك أعظم من السموات السبع والأرضين السبع ~~والجبال. # وقيل: جبريل - عليه الصلاة والسلام - قاله الشعبي والضحاك وسعيد بن ~~جبير. # وروى عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الروح في هذه الآية جند من جنود الله ليسوا ~~ملائكة لهم رءوس وأيد وأرجل يأكلون الطعام، ثم ~~قرأ: { يوم يقوم الروح والملائكة صفا } " # ، وهذا قول أبي صالح، ومجاهد، وعلي - رضي الله عنهم - وعلى هذا هو خلق ~~على صورة بني آدم كالناس، وليسوا بناس، وما ينزل من السماء ملك إلا ~~ومعه واحد منهم، نقله البغوي. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - " هم أرواح الناس ". # وقال مقاتل بن حيان: هم أشراف الملائكة. # وقال ابن أبي نجيح: هم حفظة على الملائكة. # وقال الحسن وقتادة: هم بنو آدم، والمعنى: ذو الروح. # وقال العوفي، والقرظي: هذا مما كان يكتمه ابن عباس. # وقيل: أرواح بني آدم تقوم صفا، فتقوم الملائكة صفا، وذلك بين ~~النفختين قبل أن ترد إلى الأجساد. قاله عطية. # وقال زيد بن أسلم: هو القرآن. # وقرأ: # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا # [الشورى: 52]، و { صفا } مصدر؛ أي: يقومون صفوفا، والمصدر يغني عن ~~الواحد والجمع كالعدل، والصوم، ويقال ليوم العيد: يوم الصف. # وقال في موضع آخر سبحانه: # وجآء ربك والملك صفا صفا # [الفجر: 22]، وهذا يدل على الصفوف، وهذا حين العرض والحساب، قيل: هما ~~صفان. # وقيل: يقوم الكل صفا واحدا، " لا يتكلمون " أي: لا يشفعون. # قوله: { إلا من أذن } يجوز أن يكون بدلا من " واو " يتكلمون، ~~وهو ms8994 الأرجح، لكونه غير موجب، وأن يكون منصوبا على أصل الاستثناء. # والمعنى: لا يشفعون إلا من أذن له الرحمن في الشفاعة. # وقيل: لا يتكلمون إلا في حق من أذن له الرحمن، وقال صوابا. # والمعنى: لا يشفعون إلا في حق شخص أذن الرحمن في شفاعته، وذاك ~~الشخص كان ممن قال صوابا، والمعنى قال صوابا، يعنى: " حقا ". قاله ~~الضحاك ومجاهد. # وروى الضحاك عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: لا يشفعون إلا لمن ~~قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأصل الصواب: السداد من القول ~~والفعل، وهو من أصاب يصيب إصابة، كالجواب من أجاب يجيب. # وقيل: " لا يتكلمون " يعني: الملائكة، والروح الذين كانوا صفا لا ~~يتكلمون هيبة وإجلالا إلا من أذن له الرب تعالى في الشفاعة، وهم الذين ~~قالوا صوابا، وأنهم يوحدون الله - تعالى - ويسبحونه. # قوله تعالى: { ذلك اليوم الحق }. " ذلك " إشارة إلى ما ~~تقدم ذكره { فمن شآء اتخذ إلى ربه مآبا } ، أي: ~~موجبا بالعمل الصالح. # وقال قتادة: " مآبا " سبيلا. # ثم إنه - تعالى - زاد في تخويف الكفار فقال تعالى: # { إنآ أنذرناكم عذابا قريبا } يعني العذاب في الآخرة، ~~وسماه قريبا؛ لأن كل ما هو آت قريب. كقوله تعالى: # كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية ~~أو ضحاها # [النازعات: 46]. # وقال قتادة: عقوبة الدنيا؛ لأنه أقرب العذابين. # وقال مقاتل: هي قتل قريش ب " بدر " ، وهذا خطاب لكفار قريش، ولمشركي ~~العرب؛ لأنهم قالوا: لا نبعث، وإنما سماه إنذارا؛ لأنه - ~~تعالى - قد خوف بهذا الوصف نهاية التخويف، وهو معنى الإنذار. # قوله: { يوم ينظر المرء }. يجوز أن يكون بدلا من " يوم " ~~قبله، وأن يكون منصوبا ب " عذابا " أي: العذاب واقع في ذلك اليوم. # وجوز أبو البقاء ان يكون نعتا ل " قريبا " ولو جعله نعتا ل " ~~عذابا " كان أولى. # والعامة: بفتح ميم " المرء " وهي الغالبة، وابن أبي إسحاق: بضمها، وهي ~~لغة يتبعون اللام الفاء. # وخطأ أبو حاتم هذه القراءة، وليس بصواب لثبوتها لغة. # فصل في المراد ب " المرء " # أراد بالمرء: المؤمن في قول الحسن، أي: ليجد لنفسه عملا، فأما ms8995 الكافر ~~فلا يجد لنفسه عملا، فيتمنى أن يكون ترابا، قال: { ويقول ~~الكافر } فعلم أنه أراد بالمرء المؤمن، وقيل: المراد هنا أبي بن ~~خلف، وعقبة بن أبي معيط، ويقول الكافر: أبو جهل. # وقيل: هو عام في كل أحد يرى في ذلك اليوم جزاء ما كسبت. # قوله: { ما قدمت يداه }. يجوز في " ما " أن تكون استفهامية ~~معلقة ل " ينظر " على أنه من النظر، فتكون الجملة في موضع نصب على ~~إسقاط الخافض، وأن تكون موصولة مفعولة بها، والنظر بمعنى الانتظار، ~~أي: ينتظر الذي قدمت يداه. # قوله تعالى: { ويقول الكافر يليتني كنت ترابا }. # العامة: لا يدغمون تاء " كنت ترابا " قالوا: لأن الفاعل لا يحذف، ~~والإدغام يشبه الحذف، وفي قوله تعالى: { ويقول الكافر } وضع ~~الظاهر موضع المضمر شهادة عليه بذلك. # فصل في نزول هذه الآية # قال مقاتل: نزل قوله تعالى: { يوم ينظر المرء ما قدمت ~~يداه } في أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي. # ويقول الكافر: " يا ليتني كنت ترابا " في أخيه بن عبد ~~الأسد. # وقال الثعلبي: سمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: الكافر هنا إبليس - لعنة ~~الله عليه - وذلك بأنه عاب آدم - عليه الصلاة والسلام - بأنه خلق من ~~تراب، وافتخر بأنه خلق من نار، فإذا عاين يوم القيامة ما فيه من آدم ~~وبنوه من الثواب والراحة، ورأى ما هو فيه من الشدة والعذاب، تمنى أنه كان ~~بمكان آدم، فيقول: يا ليتني كنت ترابا، قال: ورأيته في بعض التفاسير ~~للقشيري أبي نصر. # روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: # " يحشر الخلق كلهم من دابة، وطائر، وإنسان، ثم ~~يقال للبهائم والطير: كونوا ترابا، عند ذلك يقول ~~الكافر: يا ليتني كنت ترابا ". # وقيل: معنى " يا ليتني كنت ترابا " أي: لم أبعث. # وقال أبو الزناد: إذا قضي بين الناس، وأمر بأهل الجنة إلى ~~الجنة، وأهل النار إلى النار، قيل لسائر الأمم ولو من الجن: عودوا ~~ترابا، فيعودون ترابا، فعند ذلك يقول الكافر حين يراهم: يا ليتني كنت ~~ترابا. # وقال ليث بن أبي سليم: مؤمنو الجن يعودون ترابا. # وقال ms8996 عمر بن عبد العزيز والزهري والكلبي ومجاهد: مؤمنو ~~الجن حول الجنة في ربض ورحاب وليسوا فيها، وهذا أصح، فإنهم ~~مكلفون: يثابون ويعاقبون كبني آدم. # روى الثعلبي عن أبي بن كعب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " من قرأ { عم يتسآءلون } سقاه الله تعالى برد ~~الشراب يوم القيامة ". ### | [79 - سورة النازعات] ### || [79.1-5] # قوله تعالى: { والنازعات غرقا } يجوز في " غرقا " أن يكون ~~مصدرا على حذف الزوائد، بمعنى " إغراقا " ، وانتصابه بما قبله ~~لملاقاته في المعنى. # وإما على الحال، أي: ذوات إغراق، يقال: أغرق في الشيء يغرق فيه إذا ~~أوغل، وبلغ أقصى غايته، ومنه أغرق النازع في القوس أي: بلغ غاية المد ~~والاستغراق والاستيعاب. # فصل في المراد بالنازعات # أقسم الله تعالى بهذه الأسماء الخمسة على أن القيامة حق. # و " النازعات " قيل: هي الملائكة التي تنزع أرواح الكفار، قاله ~~علي، وابن مسعود، ومسروق، ومجاهد. # قال ابن مسعود: يريد أنفس الكفار ينزعها ملك الموت من أجسادهم، من تحت ~~كل شعرة، ومن تحت الأظافير، وأصول القدمين نزعا، كالسفود ينزع من ~~الصوف الرطب، ثم يغرقها، يرجعها إلى أجسادهم، ثم ينزعها، فهذا عمله في ~~الكفار. # وقال سعيد بن جبر: نزعت أرواحهم، ثم غرقت، ثم حرقت، ثم قذف بها في ~~النار. # وقيل: يرى الكافر نفسه في وقت النزع كأنها تغرق. # وقال السدي: " والنازعات " هي النفوس حين تغرق في الصدور. # وقال مجاهد: هي الموت ينزع النفوس. # وقال الحسن وقتادة: هي النجوم تنزع من أفق إلى أفق، أي: تذهب، من ~~قولهم: نزع إليها أي ذهب، أو من قولهم: نزعت الخيل، أي: " جرت " ، " ~~غرقا " أي أنها تغرق وتغيب وتطلع من أفق إلى أفق آخر، وهو قول أبي عبيدة ~~وابن كيسان والأخفش. # وقال عطاء وعكرمة: " والنازعات " القسي تنزع بالسهام. # " غرقا " بمعنى: إغراق، وإغراق النازع في القوس إذا بلغ غاية المد ~~حتى ينتهي إلى النصل، ويقال لقشرة البيضة الداخلة " غرقئ ". # وقيل: هم الغزاة الرماة، وهو الذي قبله سواء؛ لأنه إذا أقسم بالقسي ~~فالمراد: النازعون بها تعظيما لها، كقوله تعالى: # والعاديات ms8997 ضبحا # [العاديات: 1]. # وقال يحيى بن سلام: هي الوحش تنوزع من الكلأ وتنفر. # ومعنى " غرقا " أي: إبعادا في النزع. # قوله تعالى: { والناشطات نشطا }. # اعلم أن " نشطا، وسبحا، وسبقا " كلها مصادر. # والنشط: الربط، والإنشاط: الحل، يقال: نشط البعير: ربطه، ~~وأنشطه: حله. # ومنه: " كأنما أنشط من عقال " ، فالهمزة للسلب، ونشط: ذهب بسرعة، ~~ومنه قيل لبقر الوحش: النواشط؛ وقال هميان بن قحافة: [الرجز] # 5086- أمست همومي تنشط المناشطا # الشام بي طورا وطورا واسطا # ونشط الحبل أنشطه أنشوطة: عقدته، وأنشطته: مددته، ونشط ك " أنشط ". # قال الأصمعي: بئر أنشاط: أي: قريبة القعر، يخرج الدلو منها بجذبة ~~واحدة، وبئر نشوط، قال: وهي التي لا تخرج الدلو منها حتى تنشط كثيرا. # فصل في المراد بالناشطات # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: يعني الملائكة تنشط نفس المؤمن، ~~فتقبضها كما ينشط العقال من يد البعير إذا حل عنه. # وقيل: يعني أنفس الكفار والمنافقين تنشط كما ينشط العقب الذي يعقب به ~~السرج. # والنشط: الجذب بسرعة. # ومنه الأنشوطة: عقدة يسهل انحلالها إذا جذبت مثل عقدة التكة. # قال الليث: أنشطه بأنشوطة وأنشوطتين أي: أوثقته، وأنشطت العقال، أي: ~~مددت أنشوطته فانحلت. # ويقال: نشط بمعنى أنشط، لغتان بمعنى. # وعن ابن عباس أيضا: أن الناشطات الملائكة، لنشاطها تذهب وتجيء بأمر ~~ربها حيثما كان. # وقال مجاهد: هو الموت ينشط نفس الإنسان. # وقال السدي: هي النفوس حين تنشط من القدمين. # وقال قتادة، والحسن والأخفش: هي النجوم تنشط من أفق إلى أفق، أي: ~~تذهب. # قال الجوهري: يعني النجوم تنشط من برج إلى برج، كالثور الناشط ~~من بلد إلى بلد. # وقيل: " النازعات " للكافرين: و " الناشطات " للمؤمنين، فالملائكة ~~يجذبون أرواح المؤمنين برفق. # والنزع: جذب بشدة. # وقيل: هما جميعا للكفار، والاثنان بعدهما للمؤمنين. # قوله: { والسابحات سبحا }. قال علي رضي الله عنه: هي ~~الملائكة تسبح أرواح المؤمنين. # قال الكلبي: كالذي يسبح في الماء، فأحيانا ينغمس، وأحيانا ~~يرتفع يسلونها سلا رفيقا بسهولة، ثم يدعونها حتى تستريح. # وقال مجاهد وأبو صالح: هي الملائكة ينزلون من السماء مسرعين ~~لأمر الله تعالى، كما يقال للفرس الجواد: سابح إذا ms8998 أسرع في جريه، وعن ~~مجاهد: السابحات: الموت يسبح في نفوس بني آدم. وقيل: هي الخيل الغزاة. # قال عنترة: [مجزوء الكامل] # 5087- والخيل تعلم حين تس # بح في حياض الموت سبحا # وقال قتادة والحسن: هي النجوم تسبح في أفلاكها، وكذا الشمس والقمر. # قال تعالى: # كل في فلك يسبحون # [الأنبياء: 33]. # وقال عطاء: هي السفن تسبح في الماء. # وقال ابن عباس: أرواح المؤمنين تسبح شوقا إلى لقاء الله تعالى ورحمته ~~حين تخرج. # قوله تعالى: { فالسابقات سبقا }. # قال علي رضي الله عنه: هي الملائكة، تسبق الشياطين بالوحي إلى ~~الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وهو قول مسروق ومجاهد. # وعن مجاهد - أيضا - وأبي روق: هي الملائكة سبقت بني آدم إلى العمل ~~الصالح، فتكتبه. # وعن مجاهد - أيضا - الموت يسبق الإنسان. # وقال مقاتل: هي الملائكة تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة. # وقال ابن مسعود: هي أنفس المؤمنين، تسبق إلى الملائكة الذين ~~يقبضونها، وقد عاينت السرور شوقا إلى لقاء الله تعالى. # وقال قتادة والحسن ومعمر: هي النجوم تسبق بعضها. # وقال عطاء: هي الخيل التي تسبق إلى الجهاد. # وقيل: يحتمل أن تكون " السابقات " ما تسبق من الأرواح قبل الأجساد ~~إلى جنة، أو نار؛ حكاه الماوردي. # قال الجرجاني: وذكر " فالسابقات " بالفاء؛ لأنها مشتقة من التي ~~قبلها، أي: واللاتي يسبحن فيسبقن، قام فذهب، فهذا يوجب أن يكون ~~القام سببا للذهاب. # قال الواحدي: قول صاحب النظم غير مطرد في قوله: " فالمدبرات ~~أمرا "؛ لأنه يبعد ان يجعل السبق سببا للتدبير. # قال ابن الخطيب ويمكن الجواب عن اعتراض الواحدي: بأنها لما أمرت ~~سبحت، فسبقت، فدبرت ما أمرت بتدبيره، فتكون هذه أفعالا ~~يتصل بعضها ببعض، كقولك: قام زيد، فذهب، فضرب عمرا، أو لما سبقوا ~~في الطاعات يسارعون إليها، ظهرت أمانتهم، ففوض إليهم ~~التدبير. # قوله: { فالمدبرات أمرا }. # قيل: " أمرا " مفعول بالمدبرات. # وقيل: حال، تدبره مأمورات، وهو بعيد. # قال القشيري: أجمعوا على أن المراد: الملائكة. # وقال الماوردي: فيه قولان: # أحدهما: الملائكة، قاله الجمهور. # والقول الثاني: هي الكواكب السبع، حكاه خالد بن معدان عن معاذ بن جبل. # وفي تدبيرها الأمور وجهان: # أحدهما: ms8999 تدبير طلوعها وأفولها. # والثاني: في تدبير ما قضى الله - تعالى - فيها من تقليب الأحوال. # وحكى هذا القول - أيضا - القشيري في تفسيره، وأن الله - تعالى - علق ~~كثيرا من تدبير العالم بحركات النجوم، فأضيف التدبير إليها، وإن ~~كان من الله - تعالى - كما يسمى الشيء باسم ما يجاوره. # وقال شهاب الدين: والمراد بهؤلاء إما طوائف الملائكة، وإما ~~طوائف خيل الغزاة، وإما النجوم، وإما المنايا، وإما بقر الوحش ~~وما جرى مجراها لسرعتها، وإما أرواح المؤمنين يعني المذكورين في جميع ~~القسم. # فصل في تدبير الملائكة # " تدبير الملائكة ": نزولها بالحلال، والحرام، وتفصيله, قال ~~ابن عباس: وقتادة، وغيرهما إلى الله تعالى، ولكن لما أنزلت الملائكة ~~سميت بذلك، كما قال تعالى: # نزل به الروح الأمين على قلبك # [الشعراء: 193، 194]، وقوله تعالى: # قل نزله روح القدس من ربك # [النحل: 102] يعني: جبريل نزله على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ~~والله سبحانه وتعالى هو الذي أنزله. # وروى عطاء عن ابن عباس: " فالمدبرات أمرا " ، هي الملائكة وكلت ~~بتدبير أحوال أهل الأرض في الرياح والأمطار، وغير ذلك. # قال عبد الرحمن بن ساباط: تدبير أمر الدنيا إلى أربعة: # جبريل، وميكائيل، وملك الموت واسمه عزرائيل، ~~وإسرافيل، فأما جبريل، فموكل بالرياح، والجنود، وأما ~~ميكائيل، فموكل بالقطر والنبات، وأما ملك الموت ~~فموكل بقبض الأرواح في البر والبحر، وأما إسرافيل، فهو ~~ينزل بالأمر عليهم، وليس في الملائكة أقرب من إسرافيل وبينه وبين العرش ~~خمسمائة عام. # وقيل: وكلوا بأمور عرفهم الله بها. # فإن قيل: لم قال: " أمرا " ، ولم يقل: أمورا، فإنهم يدبرون ~~أمورا كثيرة؟. # فالجواب: أن المراد به الجنس، فهو قائم مقام الجمع. # واعلم أن هذه الكلمات أقسم الله - تعالى - بها، ولله - تعالى - أن ~~يقسم بما شاء من خلقه، وليس لنا ذلك. ### || [79.6-14] # قوله تعالى: { يوم ترجف الراجفة } منصوب بفعل مقدر، ~~وهو جواب القسم: تقديره: لتبعثن، لدلالة ما بعده عليه. # قال الفراء: ويدل عليه قوله تعالى: { أإذا كنا عظاما ~~نخرة } ألست ترى أنه كالجواب لقولهم: { أإذا كنا عظاما ~~نخرة } نبعث؟ فاكتفى بقوله: { أإذا كنا عظاما نخرة ~~}؟. # وقال الأخفش والزجاج: ms9000 ينفخن في الصور نفختين، بدليل ذكر ~~" الرادفة " و " الراجفة " ، وهما النفختان. # قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جعلت " يوم ترجف " ظرفا للمضمر ~~الذي هو لتبعثن، ولا يبعثون عند النفخة الأولى؟. # قلت: المعنى: لتبعثن في الوقت الواسع الذي تقع فيه النفختان، وهم يبعثون ~~في بعض ذلك الوقت الواسع، وهو وقت النفخة الأخرى, ودل على ذلك أن قوله: ~~{ تتبعها الرادفة } جعل حالا عن " الراجفة ". # وقيل: العامل مقدر، أي: اذكر يوم ترجف. # وفي الجواب على هذا التقدير وجوه: # أحدها: قوله: # إن في ذلك لعبرة # [النازعات: 26]. # واستقبحه أبو بكر بن الأنباري، لطول الفصل. # الثاني: أنه قوله: # هل أتاك حديث موسى # [النازعات: 15]؛ لأن " هل " بمعنى: " قد ". # وهذا غلط؛ لأنه كما تقدم في " هل أتى " أنها لا تكون بمعنى " قد ~~" إلا في الاستفهام على ما قال الزمخشري. # الثالث: أن الجواب: " تتبعها " وإنما حذفت " اللام " ، والأصل: ~~" اليوم ترجف الراجفة تتبعها " ، فحذفت " اللام " ، ولم ~~تدخل نون التوكيد على تتبعها للفصل بين " اللام " المقدرة، وبين الفعل ~~المقسم عليه بالظرف، ومثله: # لإلى الله تحشرون # [آل عمران: 158]. # وقيل: في الكلام تقديم، وتأخير، أي: يوم ترجف الراجفة، ~~تتبعها الرادفة والنازعات. # وقال أبو حاتم: هو على التقديم، والتأخير، كأنه قالأ: فإذا هم بالساهرة ~~والنازعات. # قال ابن الأنباري: وهذا خطأ؛ لأن الفاء لا يفتتح بها الكلام. # وقيل: " يوم " منصوب بما دل عليه " راجفة " ، أي: يوم ترجف ~~رجفت. # وقيل: بما دل عليه " خاشعة " أي: يوم ترجف خشعت، وقوله: " ~~تتبعها الرادفة " يجوز أن يكون حالا من " الراجفة " ، وأن ~~يكون مستأنفا. # فصل في تفسير الآية # قال عبد الرحمن بن زيد: " الراجفة " أي: المضطربة، ومعناه: ~~أن الأرض تضطرب، و " الرادفة " الساعة. # وقال مجاهد: الزلزلة تتبعها الرادفة، أي: الصيحة. # وعنه - أيضا -، وابن عباس والحسن وقتادة: هما الصيحتان، أي: ~~النفختان، أما الأولى فتميت كل شيء بإذن الله تعالى، وأما ~~الثانية فتحيي كل شيء بإذن الله تعالى. # قال صلى الله عليه وسلم: # " بين النفختين أربعون سنة ". # وقال مجاهد: " الراجفة " الرجفة حين تنشق السماء، وتحمل ~~الأرض والجبال، فتدك دكة واحدة [وذلك بعد الزلزلة ms9001 وقيل: الرجفة ~~تحرك الأرض والرادفة زلزلة أخرى تفني الأرضين]. # وأصل " الرجفة " الحركة، قال تعالى: # يوم ترجف الأرض # [المزمل: 14]، وليست الرجفة هناك من الحركة فقط، بل من قولهم: رجف ~~الرعد يرجف رجفا ورجيفا، أي: أظهرت الصوت والحركة، ومنه سميت ~~الأراجيف لاضطراب الأصوات بها، وإفاضة الناس فيها. # وقيل: الرجفة هذه منكرة في السحاب، ومنه قوله تعالى: # فأخذتهم الرجفة # [الأعراف: 78]. # وأما الرادفة: فكل شيء جاء بعد شيء آخر، يقال: ردفه: أي: جاء بعده. # قوله: { قلوب } مبتدأ، و " يومئذ " منصوب ب " واجفة " ، و " ~~واجفة " صفة القلوب، وهو المسوغ للابتداء بالنكرة، و " أبصارها " ~~مبتدأ ثان، و " خاشعة " خبره، وهو وخبره خبر الأول، وفي الكلام حذف ~~مضاف، تقديره: أبصار أصحاب القلوب. # قال ابن عطية: وجاز ذلك، أي: الابتداء ب " قلوب "؛ لأنها تخصصت ~~بقوله: " يومئذ ". # ورد عليه أبو حيان: بأن ظرف الزمان لا يخصص الجثث، يعني: لا يوصف به ~~الجثث. # و " الواجفة ": الخائفة الوجلة، قاله ابن عباس، يقال: وجف يجف ~~وجيفا، وأصله: اضطراب القلب. # قال قيس بن الخطيم: [المنسرح] # 5088- إن بني جحجبى وأسرتهم # أكبادنا من ورائهم تجف # وقال السدي: زائلة عن أماكنها، ونظيره: # إذ القلوب لدى الحناجر # [غافر: 18]. # وقال المؤرج، قلقة مستوفزة، مرتكضة غير ساكنة. # وقال المبرد: مضطربة، والمعنى متقارب، والمراد: قلوب الكفار، يقال: ~~وجف القلب يجف وجيفا: إذا خفق، كما يقال: وجب يجب وجيبا ~~- بالياء الموحدة - بدل الفاء، ومنه وجيف الفرس والناقة في العدو. # والإيجاف: حمل الدابة على السير السريع. # قوله: { أبصارها خاشعة } أي: منكسرة ذليلة من هول ما ترى، ~~نظيره: # خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة # [القلم: 43]. # قوله: { يقولون } أي: يقول هؤلاء المكذبون المنكرون للبعث إذا ~~قيل لهم: إنكم تبعثون، قالوا منكرين متعجبين: أنرد بعد موتتنا ~~إلى أول الأمر، فنعود أحياء، كما كنا قبل الموت؟ وهو كقولهم: # أإنا لمبعوثون خلقا جديدا # [الإسراء: 49]. # قوله: { في الحافرة } " الحافرة ": التي يرجع الإنسان فيها من ~~حيث جاء، يقال: رجع في حافرته، ثم يعبر عن الرجوع في الأحوال من آخر ~~الأمر إلى أوله؛ قال: [الوافر] # 5089- أحافرة على صلع وشيب؟ # معاذ الله من ms9002 سفه وعار # يقول: أأرجع ما كنت عليه في شبابي مع الغزل والصبا بعد أن شبت وصلعت؟. # وأصله: أن الإنسان إذا رجع في طريقه أثرت قدماه فيها حفرا. # وقال الراغب، في قوله تعالى: { في الحافرة } مثل لمن يرد من حيث ~~جاء، أي: أنحيا بعد أن نموت؟. # وقيل: " الحافرة " ، الأرض التي جعلت قبورهم فيها، ومعناه: ~~أئنا لمردودون ونحن في الحافرة؟ أي: في القبور. # وقوله: " في الحافرة " على هذا في موضع الحال، ويقال: رجع الشيخ إلى ~~حافرته، أي: هرم لقوله تعالى: # ومنكم من يرد إلى أرذل العمر # [النحل: 70]. # وقولهم: " النقد عند الحافرة " لما يباع نقدا، وأصله من الفرس إذا بيع، ~~فيقال: لا يزول حافره، أو ينقد ثمنه. # والحفر: تآكل الأسنان، ود حفر فوه حفرا، وقد أحفر المهر للأثناء ~~والأرباع. # والحافرة: " فاعلة " بمعنى: " مفعولة " ، وهي الأرض التي تحفر قبورهم ~~فيها فهي بمعنى: " المحفورة " ، كقوله تعالى: # مآء دافق # [الطارق: 6]، و # عيشة راضية # [القارعة: 7]، والمعنى: أئنا لمردودون في قبورنا. # وقيل: على النسب، أي: ذات حفر. # وقيل: سميت الأرض الحافرة؛ لأنها مستقر الحوافر، كما سميت القدم ~~أرضا؛ لأنها على الأرض، لقولهم: الحافرة جمع حافرة بمعنى: القدم أي: ~~نمشي أحياء على أقدامنا، ونطأ بها الأرض. # وقيل: هي أول الأمر. # ويقول التجار: " النقد في الحافرة " أي في أول السوم؛ وقال الشاعر: ~~[السريع] # 5090- آليت لا أنساكم فاعلموا # حتى يرد الناس في الحافره # وقال ابن زيد: الحافرة " النار " ، وقرأ: " تلك إذا كره خاسرة ". # وقال مقاتل وزيد بن أسلم: هي اسم من أسماء النار. # وقال ابن عباس: الحافرة في كلام العرب: الأرض التي تغيرت وأنتنت ~~بأجساد موتاها، من قولهم: حفرت أسنانه، أي: تآكلت، أي: دكها الوسخ من ~~باطنها وظاهرها، ويجوز تعلقه ب " مردودون " ، أو: بمحذوف على أنه حال. # فصل في تفسير الآية # قال ابن الخطيب: هذه الأحوال المتقدمة هي أحوال القيامة عند جمهور ~~المفسرين. # وقال أبو مسلم: هذه الأحوال ليست هي أحوال القيامة؛ لأنه فسر " ~~النازعات " بنزع القوس، و " المدبرات " بالأمور التي تحصل أدبار ~~ذلك الرمي، والعدو، ثم بنى على ذلك فقال: ms9003 " الراجفة " هي خيل ~~المشركين، وكذلك " الرادفة " ، وهما طائفتان من المشركين غزوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فسبقت إحداهما الأخرى، والقلوب الواجفة، هي ~~القلقة، والأبصار الخاشعة، هي أبصار المنافقين، كقوله تعالى: # ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت # [محمد: 20]، كأنه قيل: لما جاء خيل العدو ترجف؛ لأنها اضطربت قلوب ~~المنافقين خوفا، وخشعت أبصارهم جبنا وضعفا ثم قالوا: " أئنا ~~لمردودون في الحافرة " أي: نرجع إلى الدنيا حتى نتحمل هذا الخوف ~~لأجلها. وقالوا أيضا: " تلك إذا كرة خاسرة " ، فأول هذا الكلام ~~حكاية لحال من غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشركين، وأوسطه ~~حكاية لحال المنافقين، وآخره حكاية لكلام المنافقين في إنكار الحشر، ثم ~~إنه - تعالى - أجاب عن كلامهم بقوله تعالى: { فإنما هي زجرة ~~واحدة فإذا هم بالساهرة }. # قال ابن الخطيب: وكلام أبي مسلم محتمل، وإن كان على خلاف قول الجمهور. # قوله تعالى: { أإذا كنا عظاما نخرة }. # قرأ الأخوان وأبو بكر: " ناخرة " بألف. # والباقون: " نخرة " بدونها. # وهما ك " حاذر، وحذر " فاعل لمن صدر عنه الفعل، و " فعل " لمن كان ~~فيه غريزة أو كالغريزة. # وقيل: ناخرة، ونخرة بمعنى: بالية. # يقال: نخر العظم - بالكسر - أي بلي وتفتت. # وقيل: ناخرة، أي: صارت الريح تنخر فيها، أيك تصوت، ونخرة أي: ~~ينخر فيها دائما. # وقيل: ناخرة، أي: بالية، ونخرة: متآكلة. # وعن أبي عمرو: الناخرة: التي لم تنخر بعد، والنخرة: البالية. # وقيل: الناخرة: المصوت فيها الريح، والناخرة: البالية التي تعفنت. # قال الزمخشري: " نخر العظم فهو نخر وناخر، كقولك: طمع، فهو ~~طمع وطامع، و " فعل " أبلغ من فاعل، وقد قرئ بهما، وهو البالي ~~الأجوف الذي تمر فيه الريح، فيسمع له نخير ". # ومنه قول الشاعر: [الطويل] # 5091- وأخليتها من مخها فكأنها # قوارير في أجوافها الريح تنخر # وقال الراجز لفرسه: [الرجز] # 5092- أقدم سجاج إنها الأساوره # ولا يهولنك رءوس نادره # فإنما قصرك ترب الساهره # ثم تعود بعدها في الحافره # من بعد ما كنت عظاما ناخره # ونخرة الريح - بضم النون - شدة هبوبها، والنخرة أيضا: مقدم أنف ~~الفرس، والحمار، والخنزير، يقال: هشم نخرته، أي: ms9004 مقدم أنفه. # و " إذا " منصوب بمضمر، أي: إذا كنا كذا نرد ونبعث. # قوله تعالى: { قالوا تلك إذا كرة خاسرة }. # " تلك " مبتدأ بها إلى الرجفة والردة في الحافرة، و " كرة " ~~خبرها، و " خاسرة " صفة، أي: ذات خسران، أو أسند إليها الخسار مجازا ~~والمراد أصحابها، والمعنى: إن كان رجوعنا إلى القيامة حقا، فتلك الرجعة ~~رجعة خاسرة [خائبة]، وهذا أفادته " إذن " فإنها حرف جواب وجزاء عند ~~الجمهور. # وقيل: قد لا تكون جوابا. # وعن الحسن: أن " خاسرة " بمعنى كاذبة، أي: ليست كائنة. # وقال الربيع بن أنس: خاسرة على من كذب بها. # وقيل: كرة خسران، والمعنى: أهلها خاسرون، كقولك: تجارة ~~رابحة، أي: يربح صاحبها. # وقال قتادة ومحمد بن كعب أي: لئن رجعنا أحياء بعد الموت لنحشرن ~~بالنار، وإنما قالوا هذا لأنهم أوعدوا بالنار، و " الكر ": " ~~الرجوع " ، يقال: كره، وكر بنفسه، يتعدى ولا يتعدى. # والكرة: المرة، الجمع: الكرات. # قوله: { فإنما هي } ضمير الكرة، أي: لا تحسبوا تلك الكرة صعبة ~~على الله تعالى. # قال الزمخشري: " فإن قلت: بم يتعلق قوله: " فإنما هي "؟. # قلت: بمحذوف، معناه: لا تستصعبوها فإنما هي زجرة واحدة، يعني بالتعلق ~~من حيث المعنى، وهو العطف. # وقوله: " فإذا هم " المفاجأة والسبب هنا واضحان. # والزجرة: قال ابن عباس رضي الله عنهما: في النفخة الواحدة " فإذا ~~هم " أي: الخلائق أجمعون، " بالساهرة " أي: على وجه الأرض من الفلاة، ~~وصفت بما يقع فيها، وهو السهر لأجل الخوف. # وقيل: لأن السراب يجري فيها من قولهم: " عين ساهرة " أي: جارية الماء، ~~وفي ضدها نائمة. # [قال الزمخشري: " والساهرة: الأرض البيضاء المستوية، سميت بذلك؛ لأن ~~السراب يجري فيها] من قولهم: عين ساهرة: أي: جارية الماء، وفي ضدها ~~نائمة؛ قال الأشعث بن قيس: [الطويل] # 5093- وساهرة يضحي السراب مجللا # لأقطارها قد جبتها متلثما # أي: ساكنها لا ينام خوف الهلكة انتهى؛ وقال أمية: [الوافر] # 5094- وفيها لحم ساهرة وبحر # وما فاهوا به لهم مقيم # يريد: لحم حيوان أرض ساهرة؛ وقال أبو كبير الهذلي: [الكامل] # 5095- يرتدن ساهرة كأن جميمها # وعميمها أسداف ليل مظلم # وقال الراغب: هي وجه الأرض. ms9005 # وقيل: أرض القيامة، وحقيقتها التي يكثر الوطء بها، كأنها سهرت من ذلك. # والأسهران: عرقان في الأنف. # والساهور: غلاف القمر الذي يدخل فيه عند كسوفه؛ قال: [البسيط] # 5096-............................. # أو شقة خرجت من بطن ساهور # أي: هذه المرأة بمنزلة قطعة القمر. وقال أمية بن أبي الصلت: [الكامل] # 5097- قمر وساهور يسل ويغمد # وروى الضحاك عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: # " الساهرة: أرض من فضة لم يعص الله عليها منذ خلقها ". # وقيل: أرض يجددها الله يوم القيامة. # وقيل: الساهرة: اسم الأرض السابعة يأتي الله بها، فيحاسب عليها ~~الخلائق، وذلك حين تبدل الأرض غير الأرض. # وقال الثوري: الساهرة: أرض " الشام ". # وقال وهب بن منبه: جبل بيت المقدس. # وقال عثمان بن أبي العاتكة: إنه اسم مكان من الأرض بعينه، ب " ~~الشام " ، وهو الصقع الذي بين جبل " أريحا " وجبل " حسان " يمده ~~الله كيف يشاء. # وقال قتادة: هي جهنم، أي: فإذا هؤلاء الكفار في جهنم، وإنما ~~قيل لها: ساهرة؛ لأنهم لا ينامون عليها حينئذ. # وقيل: الساهرة بمعنى: الصحراء على شفير جهنم، أي: يوقفون بأرض ~~القيامة، فيدوم السهر حينئذ. ### || [79.15-26] # قوله تعالى: { هل أتاك حديث موسى } أي: قد جاءك وبلغك، وهذه ~~تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: أن فرعون كان أقوى من كفار عصرك، ~~ثم أخذناه, وكذلك هؤلاء. # وقيل: " هل " بمعنى: " ما " أي: ما أتاك، ولكي أخبرك به، فإن فيه ~~عبرة لمن يخشى. # وقال ابن الخطيب: قوله: " هل أتاك " يحتمل أن يكون معناه: أليس ~~قد أتاك حديث موسى، هذا إن كان قد أتاه ذلك قبل هذا الكلام، أما ~~إن لم يكن قد أتاه، فقد يجوز أن يقال: " هل أتاك " أي: أنا أخبرك ~~وتقدم الكلام على موسى وفرعون فإن فيه عبرة لمن يخشى. # قوله: { إذ ناداه ربه } منصوب ب " حديث " لا ب " أتاك "؛ ~~لاختلاف وقتيهما، وتقدم الخلاف بين القراء في " طوى " في سورة [طه: ~~12]. # و " الوادي المقدس ": المبارك المطهر. # قال الفراء: " طوى " واد بين " المدينة " و " مصر " ، قال: وهو معدول، ~~من " طاو " ، كما عدل " عمر " من " عامر ". # قال الفراء: ms9006 من صرفه قال: هو ذكر، ومن لم يصرفه جعله معدولا ك " ~~عمر، وزفر ". # قال: " والصرف أحب إلي إذا لم أجد في المعدول نظيرا " أي: لم ~~أجد له اسما من الواو والياء عدل من " فاعل " إلى " فعل " غير طوى. # وقيل: " طوى " معناه: يا رجل، بالعبرانية، فكأنه قيل: اذهب يا ~~رجل إلى فرعون، [قاله ابن عباس. # وقيل: الطوى: أي: ناداه بعد طوي من الليل اذهب إلى فرعون]؛ لأنك تقول: ~~جئتك بعد طوي، أي بعد ساعة من الليل. # وقيل: معناه " بالواد المقدس طوى " أي بورك فيه مرتين. # قوله: { اذهب } يجوز أن يكون تفسيرا للنداء، ناداه اذهب، ويجوز أن ~~يكون على إضمار القول. # وقيل: هو على حذف، أي: أن اذهب، ويدل له قراءة عبد الله: أن اذهب. # و " أن " هذه الظاهرة أو المقدرة، يحتمل أن تكون تفسيرية، وأن تكون ~~مصدرية، أي: ناداه ربه بكذا. # " اذهب إلى فرعون إنه طغى " أي تجاوز القدر في العصيان. # قال ابن الخطيب: ولم يبين أنه طغى في أي شيء. # فقيل: تكبر على الله تعالى، وكفر به. # وقيل: تكبر على الخلق واستعبدهم. # روي عن الحسن قال: كان فرعون علجا من " همدان ". # وقال مجاهد: كان من أهل " إصطخر " وعن الحسن - أيضا - كان من أهل " ~~أصبهان " ، يقال له: ذو ظفر، طوله أربعة أشبار. # قوله: { هل لك } خبر مبتدأ مضمر. # و { إلى أن تزكى } متعلق بذلك المبتدأ، وهو حذف سائغ، ~~والتقدير: هل لك سبيل إلى التزكية، ومثله: هل لك في الخير، تريد: هل لك ~~رغبة في الخير؛ قال: [الطويل] # 5098- فهل لكم فيها إلي فإنني # بصير بما أعيا النطاسي حذيما # وقال أبو البقاء: لما كان المعنى: أدعوك، جاء ب " إلى ". # وقال غيره: يقال: هل لك في كذا، هل لك إلى كذا كما تقول: هل ترغب فيه ~~وهل ترغب إليه؟. # قال الواحدي: المبتدأ محذوف في اللفظ، مراد في المعنى، والتقدير: هل لك ~~إلى أن تزكى حاجة. # وقرأ نافع وابن كثير: بتشديد الزاي من " تزكى " والأصل تتزكى، وكذلك " ~~تصدى " في السورة تحتها، فالحرميان: أدغما، والباقون: حذفوا، ms9007 نحو ~~تنزل، وتقدم الخلاف في أيتهما المحذوفة. # فصل في تفسير الآية # معنى " هل لك إلى أن تزكى " أي: تسلم فتطهر من الذنوب. # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - هل لك إلى أن تشهد أن لا إله إلا الله. # و " أهديك إلى ربك فتخشى " أي: تخافه وتتقيه. # قال ابن الخطيب: سائر الآيات تدل على أنه - تعالى - لما نادى موسى - ~~عليه الصلاة والسلام - ذكر له أشياء كثيرة، كقوله تعالى في سورة " طه ": # نودي يموسى إني أنا ربك # [طه: 11، 12] إلى قوله: # لنريك من ءاياتنا الكبرى اذهب إلى فرعون ~~إنه طغى # [طه: 23، 24]. # فدل [قوله تعالى - هاهنا -: " اذهب إلى فرعون إنه طغى " ] ~~أنه من جملة ما ناداه به [لا كل ما ناداه به]، وأيضا فليس الغرض أنه ~~صلى الله عليه وسلم كان مبعوثا إلى فرعون فقط بل إلى كل من كان في ~~الطور، إلا أنه خصه دعوته جارية مجرى دعوة كل القوم. # فصل في كلام المعتزلة # تمسك المعتزلة بهذه الآية في إبطال القول بأن الله - تعالى - يخلق فعل ~~العبد، فإن هذا استفهام على سبيل التقرير، أي: لك سبيل إلى أن تزكى، ~~ولو كان ذلك بفعل الله - تعالى - لا نقلب الكلام حجة على موسى. # والجواب: ما تقدم في نظائره. # حكى القرطبي عن صخر بن جويرية قال: " لما بعث الله تعالى موسى - ~~عليه الصلاة والسلام - إلى فرعون، قال له: " اذهب إلى فرعون " إلى ~~قوله: " وأهديك إلى ربك فتخشى " ، ولن يفعل، فقال: يا رب، وكيف ~~أذهب إليه، وقد علمت أنه لا يفعل، فأوحى الله - تعالى - إليه أن امض إلى ~~ما أمرت به، فإن في السماء اثني عشر ألفا ملك، يطلبون علم القدرة، ~~فلم يبلغوه، ولم يدركوه ". # قوله تعالى: { فأراه الآية الكبرى } " الفاء " في " فأراه ": ~~معطوف على محذوف، يعني فذهب فأراه، كقوله تعالى: # اضرب بعصاك الحجر فانفجرت # [البقرة: 60] أي: فضرب فانفجرت. # واختلفوا في الآية الكبرى، أي: العلامة العظمى، وهي المعجزة. # فقيل: هي العصا. # وقيل: اليد البيضاء تبرق كالشمس، قاله مقاتل والكلبي. # والأول: قول عطاء وابن عباس؛ لأنه ليس في ms9008 اليد إلا انقلاب لونها، وهذا ~~كان حاصلا في العصا؛ لأنها لما انقلبت حية، فلا بد وأن يتغير ~~اللون الأول، فإذن كل ما في اليد، فهو حاصل في العصا، وأمور أخر، وهي ~~الحياة في الجرم الجمادي، وتزايد الأجر إليه، وحصول القدرة الكبيرة ~~والقوة الشديدة، وابتلاعها أشياء كثيرة، وزوال الحياة، والقدرة عليها، ~~وبقاء تلك الأجزاء التي عظمت، وزوال ذلك اللون والشكل اللذين صارت العصا ~~بهما حية، وكل واحد من هذه الوجوه كان معجزا مستقلا في نفسه، ~~فعلمنا أن الآية الكبرى هي العصا. # وقال مجاهد: هي مجموع العصا واليد. # وقيل: فلق البحر، وقيل: جميع آياته ومعجزاته. # { فكذب } أي: كذب بنبي الله موسى و " عصى " ربه تبارك ~~وتعالى. # فإن قيل: كل من كذب الله فقد عصى، فما فائدة قوله: " فكذب وعصى "؟. # فالجواب: كذب بالقول، وعصى بالتمرد والتجبر. # { ثم أدبر يسعى } أي: يعمل بالفساد في الأرض. # وقيل: يعمل في نكاية موسى. # وقيل: " أدبر يسعى " هاربا من الحية. # قال ابن الخطيب: معنى " أدبر يسعى " أي: أقبل يسعى، كما يقال: ~~أقبل يفعل كذا، يعني: إن شاء يفعل، فموضع " أدبر " موضع " أقبل " لئلا ~~يوصف بالإقبال. # قوله: { فحشر فنادى } لم يذكر مفعولاهما، إذ المراد: فعل ذلك، ~~أو يكون التقدير: فحشر قومه فناداهم. # وقوله: " فقال " تفسير للنداء. # وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، أي: فنادى فحشر؛ لأن النداء قبل الحشر، ~~ومعنى " حشر " ، أي: جمع السحرة، وجمع أصحابه ليمنعوه من الحية. # وقيل: جمع جنوده للقتال، والمحاسبة، و " السحرة ": المعارضة. # وقيل: حشر الناس للضور " فنادى " , أي: قال لهم بصوت عال. # { أنا ربكم الأعلى } أي: لا رب فوقي. # وقيل: أمر مناديا ينادي فنادى في الناس بذلك. # وقيل: قام فيهم خطيبا فقال ذلك. # وعن ابن عباس، ومجاهد، والسدي، وسعيد بن جبير، ومقاتل: كلمته الأولى # ما علمت لكم من إله غيري # [القصص: 38] والأخرى: { أنا ربكم الأعلى }. # قال ابن عباس: كان بين الكلمتين أربعون سنة، والمعنى: أمهله في الأولى، ~~ثم أخذه في الآخرة فعذبه بكلمتيه. # قال ابن الخطيب: واعلم أنا بينا في سورة " طه " أنه لا يجوز ms9009 أن ~~يعتقد الإنسان في نفسه كونه خالقا للسماوات والأرض والجبال والنبات ~~والحيوان، فإن العلم بفساد ذلك ضروري، فمن تشكك فيه كان مجنونا، ~~ولو كان مجنونا لما جاز من الله بعثة الرسل إليه، بل الرجل كان دهريا ~~منكرا للصانع والحشر والنشر، وكان يقول: ليس لأحد أمر ولا نهي ~~إلا لي " فأنا ربكم " ، بمعنى مربيكم والمحسن إليكم، وليس للعالم ~~إله حتى يكون له عليكم أمر، أو نهي، أو يبعث إليكم رسولا. # قال القاضي: وقد كان الأليق به بعد ظهور خزيه عند انقلاب العصا حية ألا ~~يقول هذا القول؛ لأن عند ظهور الدلالة والمعجزة، كيف يليق أن يقول: " ~~أنا ربكم الأعلى " فدلت هذه الآية أنه في ذلك الوقت صار كالمعتوه ~~الذي لا يدري ما يقول. # قوله تعالى: { فأخذه الله نكال الآخرة والأولى } ~~يجوز أن يكون مصدر الأخذ، والتجوز إما في الفعل، أي: نكل بالأخذ نكال ~~الآخرة، وإما في المصدر، أي: أخذه أخذ نكال، ويجوز أن يكون مفعولا له، ~~أي: لأجل نكاله، ويضعف جعله حالا لتعريفه، وتأويله كتأويل جهدك ~~وطافتك، غير مقيس. # ويجوز أن يكون مصدرا مؤكدا لمضمون الجملة المتقدمة، أي: نكل الله ~~[به] نكال الآخرة. قاله الزمخشري، وجعله كوعد الله، وصبغة الله. # وقال القرطبي: وقيل: نصب بنزع حرف الصفة، أي: فأخذه الله ~~بنكال الآخرة، فلما نزع الخافض نصب. # والنكال: اسم لما جعل نكالا للغير، أي: عقوبة له حتى يعتبر، يقال: ~~نكل فلان بفلان، إذا ألحقه عقوبة، والكلمة من الامتناع، ومنه ~~النكول عن اليمين، والنكل: القيد وقد مضى في سورة " المزمل " ، ~~والنكال: بمنزلة التنكيل، كالسلام بمعنى التسليم. # والآخرة والأولى: إما الداران وإما الكلمتان, والاخرة قوله: " ~~أنا ربكم الأعلى " ، والأولى: # ما علمت لكم من إله غيري # [القصص: 38], كما تقدم, فحذف الموصول للعلم به. # فصل في تفسير الآخرة والأولى # قيل: الآخرة والأولى: هما الكلمتان كما تقدم. # وقال الحسن وقتادة: " نكال الآخرة والأولى ": هو أن أغرقه في ~~الدنيا وعذبه في الآخرة. # وروي عن قتادة - أيضا -: الآخرة قوله: { أنا ربكم الأعلى } , ~~والأولى تكذيبه بموسى عليه الصلاة والسلام. # قال ms9010 الفقال: وهذا كأنه هو الأظهر؛ لأنه - تعالى - قال: { فأراه ~~الآية الكبرى فكذب وعصى ثم أدبر يسعى ~~فحشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى } فذكر القصتين، ~~ثم قال: { فأخذه الله نكال الآخرة والأولى }. # فظهر أن المراد: أنه عاقبه على هذين الأمرين. # ثم إنه - تعالى - ختم هذه القصة بقوله: # { إن في ذلك لعبرة لمن يخشى } ، إن فيما قصصنا ~~عليك اعتبارا وعظة لمن يخاف. ### || [79.27-33] # قوله: { أأنتم أشد خلقا } ، يريد: أهل " مكة " ، أي: أخلقكم ~~بعد الموت أشد في تقديركم أم السماء؟. # فمن قدر على خلق السماء على عظمها، وعظم أحوالها، قدر على الإعادة، ~~وهذا كقوله: # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس # [غافر: 57]. # والمقصود من الآية الاستدلال على منكري البعث، ونظيره قوله تعالى: # أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على ~~أن يخلق مثلهم # [يس: 81]. # ومعنى الكلام: التقريع والتوبيخ. # ثم وصف تعالى السماء، فقال: " أم السماء بناها " عطف على " أنتم " ~~، وقوله " " بناها " بيان لكيفية خلقه إياها، فالوقف على " السماء ~~" ، والابتداء بما بعدها، ونظيره قوله - تعالى - في " الزخرف ": # أآلهتنا خير أم هو # [الزخرف: 58]. # وقوله: " رفع سمكها " جملة مفسرة لكيفية البناء، " والسمك ": " ~~الارتفاع ". # قال الزمخشري: " جعل مقدار ذهابها في سمت العلو مديدا رفيعا ". # وسكمت الشيء: رفعته في الهواء، وسمك هو، أي: ارتفع سموكا، فهو قاصر ~~ومتعد، وبناء مسموك، وسنام سامك تامك، أي: عال مرتفع، وسماك ~~البيت ما سمكته به، والمسموكات: السماوات ويقال: اسمك في الديم، أي: ~~اصعد في الدرجة، والسماك: نجم معروف، وهما اثنان، رامح وأعزل؛ قال ~~الشاعر: [الكامل] # 5099- إن الذي سمك السماء بنى لنا # بيتا دعائمه اعز وأطول # وقال البغوي: " رفع سمكها " أي: سقفها. # فصل في الكلام على هذه الآية # قال الكسائي والفراء والزجاج: هذا الكلام تم عند قوله تعالى: { ~~أأنتم أشد خلقا أم السمآء بناها } ، قال: لأنه من ~~أصله السماء، والتقدير: " أم السماء التي بناها " فحذف " التي " ، ومثل ~~هذا الحذف جائز. # قال القفال: يقال: الرجل جاءك عاقل، أي: الرجل الذي جاءك عاقل، وإذا ~~ثبت جواز ذلك في اللغة، فنقول: الدليل على أن قوله تعالى: " بناها ms9011 " ~~صلة لما قبله، أنه لو لم يكن صلة لكان صفة فقوله: " بناها " صفة، ~~ثم قوله: " رفع سمكها " صفة، فقد توالت صفتان، لا تعلق لإحداهما ~~بالأخرى، فكان يجب إدخال العاطف بينهما، كما في قوله: " وأغطش ليلها ~~" ، ولما لم يكن كذلك، علمنا أن قوله: " بناها " صلة للسماء، ~~فكان التقدير: أم السماء التي بناها " ، وهذا يقتضي وجود سماء ما ~~بناها الله، وذلك باطل. # وقوله: { فسواها } أي: خلقها خلقا مستويا، لا تفاوت فيه، ولا ~~فطور، ولا شقوق. # فصل فيمن استدل بالآية على أن السماء كرة # قال ابن الخطيب: واستدلوا بهذه الآية على كون السماء كرة، قالوا: ~~لأنه لو لم تكن كرة لكان بعض جوانبها سطحا، والبعض زاوية والبعض ~~خطا، ولكان بعض أجزائه اقرب إلينا، والبعض الآخر أبعد، فلا تحصل ~~التسوية الحقيقية، ثم قالوا: لما ثبت أنها محدثة مفتقرة إلى ~~فاعل مختار، فأي ضرر في الدين ينافي كونها كرة. # قوله تعالى: { وأغطش }. أي: أظلم بلغة أنمار، يقال: غطش الليل، ~~وأغطشته أنا؛ قال: [المتقارب] # 5100- عقرت لهم ناقتي موهنا # فليلهم مدلهم غطش # وليل أغطش، وليلة غطشاء. # قال الراغب: وأصله من الأغطش، وهو الذي في عينه شبه عمش، ومنه فلاة ~~غطشى لا يهتدى فيها، والتغاطش: التعامي انتهى. # ويقال: أغطش الليل قاصرا ك " أظلم " ، ف " أفعل " فيه ~~متعد ولازم، فالغطش والغتش: الظلمة، ورجل أغطش، أي: أعمى، ~~أو شبيه به، وقد غطش، والمرأة: غطشاء، وفلاة غطشى لا يهتدى لها؛ قال ~~الأعشى: [المتقارب] # 5101- وبهماء بالليل غطشى الفلا # ة يؤنسني صوت قيادها # ومعنى قوله: { وأغطش ليلها } أي: جعله مظلما، وأضاف الليل ~~إلى السماء؛ لأن الليل يكون بغروب الشمس، والشمس تضاف إلى السماء، ~~ويقال: نجوم الليل؛ لأن ظهورها بالليل. # قوله: { وأخرج ضحاها } ، فيه حذف، أي: ضحى شمسها، وأضاف الليل ~~والضحى لها للملابسة التي بينها وبينهما، وإنما عبر عن النهار ~~بالضحى؛ لأن الضحى أكمل النهار بالنور والضوء. # قوله تعالى: { والأرض بعد ذلك دحاها } أي: بسطها، و " ~~بعد " على بابها من التأخير، ولا معارضة بينها وبين آية فصلت؛ لأنه ~~- تعالى - خلق الأرض غير مدحوة، ثم ms9012 خلق السماء، ثم دحا الأرض. # وقول أبي عبيدة: إنها بمعنى: " قبل " منكر عند العلماء. # والعرب تقول: دحوت الشيء ادحوه دحوا: إذا بسطه، ودحى يدحي ~~دحيا: إذا بسطه، فهو من ذوات الواو والياء، فيكتب بالألف، والياء. # وقيل لعش النعامة: أدحو، وأدحى لانبساطه في الأرض. # وقال أمية بن أبي الصلت: [الوافر] # 5102- وبث الخلق فيها إذ دحاها # فهم قطانها حتى التنادي # وقيل: دحى بمعنى سوى. # قال زيد بن عمرو بن نفيل: [المتقارب] # 5103- وأسلمت وجهي لمن أسلمت # له الأرض تحمل صخرا ثقالا # دحاها فلما استوت شدها بأيد وأرسى عليها الجبالا # والعامة: على نصب الأرض، والجبال على إضمار فعل مفسر بما بعده، وهو ~~المختار لتقدم جملة فعلية. # ورفعهما الحسن، وابن أبي عبلة، وأبو حيوة وأبو السمال وعمرو بن عبيد، ~~برفعهما علىالابتداء، وعيسى برفع " الأرض " فقط. # فصل # روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: خلق الله تعالى الكعبة ووضعها ~~على الماء على أربعة أركان، وكان قبل أن يخلق الدنيا بألفي عام، ثم ~~دحيت الأرض من تحت البيت. # وحكى القرطبي عن بعض أهل العلم أن " بعد " هنا في موضع: " مع " ، ~~كأنه قال: والأرض مع ذلك دحاها، كقوله تعالى: # عتل بعد ذلك زنيم # [القلم: 13]، ومنه قولهم: " أنت أحمق، وأنت بعد هذا سيئ الخلق "؛ ~~وقال الشاعر: [الطويل] # 5104 - فقلت لها: عني إليك فإنني # حرام, وإني بعد ذاك لبيب # أي: مع ذلك. # وقيل: " بعد " بمعنى: " قبل " , كقوله تعالى: # ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر # [الأنبياء: 105] أي: من قبل الفرقان؛ قال أبو كثير: [الطويل] # 5105- حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا # خراش وبعض الشر أهون من بعض # وزعموا أن خراشا نجا قبل عروة. # وقيل: " دحاها " حرثها وشقها، قاله ابن زيد. # وقيل: " دحاها " مهدها للأقوات، والمعنى متقارب. # قوله: { أخرج }. فيه وجهان: # أحدهما: أن يكون تفسيرا. # والثاني: أن يكون حالا. # قال الزمخشري: فإن قلت هلا أدخل حرف العطف على " أخرج "؟ قلت: فيه ~~وجهان: # أحدهما: أن يكون " دحاها " بمعنى: بسطها، ومهدها للسكنى، ثم ~~فسر التمهيد بما لا بد منه في تأتي سكناها من ms9013 تسوية أمر المأكل ~~والمشرب وإمكان القرار عليها. # والثاني: أن يكون " أخرج " حالا، بإضمار " قد " ، كقوله تعالى: # أو جآءوكم حصرت صدورهم # [النساء: 90]. # واعلم أن إضمار " قد " هو قول الجمهور، وخالف الكوفيون والأخفش. # قوله: { منها مآءها } ، أي: من الأرض عيونها المتفجرة بالماء. # و " مرعاها " أي: النبات الذي يرعى، والمراد بمرعاها، ما يأكل ~~الناس والأنعام، ونظيره قوله تعالى: # أنا صببنا المآء صبا ثم شققنا الأرض شقا # [عبس: 25، 26]، إلى قوله تعالى: # متاعا لكم ولأنعامكم # [عبس: 32]، واستعير الرعي للإنسان، كما استعير الرتع في قوله: # يرتع ويلعب # [يوسف: 12], وقد قرئ " نرتع " ويرتع من الرعي، والرعي في الأصل مكان ~~أو زمان، أو مصدر، وهو هنا مصدر بمعنى: " المفعول " ، وهو في حق الآدميين ~~استعارة. # قال ابن قتيبة: قال تعالى: # وجعلنا من المآء كل شيء حي # [الأنبياء: 30]، فانظر كيف دل بقوله: " ماءها ومرعاها " على جميع ~~ما أخرجه من الأرض قوتا، ومنها متاعا للأنام من العشب، والشجر، والثمر، ~~والحب والقضب، واللباس، والدواء، حتى النار والملح. # أما النار؛ فلأنها من العيدان، قال جلا وعلا: # أفرأيتم النار التي تورون أأنتم أنشأتم ~~شجرتهآ أم نحن المنشئون # [الواقعة: 71، 72]. # وأما الملح؛ فلأنه من الماء. # قوله تعالى: { والجبال أرساها }. # قراءة العامة: بنصب " الجبال ". # وأرسى: ثبت فيها الجبال. # وقرأ الحسن، وعمرو بن عبيد، وعمرو بن ميمون، ونصر بن عاصم: ~~بالرفع على الابتداء. # قوله تعالى: { متاعا لكم }. # العامة: على النصب مفعولا له، أو مصدرا لعامل مقدر، اي: ~~متعكم، أو مصدرا من غير اللفظ؛ لأن المعنى: أخرج منها ماءها ومرعاها ~~أمتع بذلك. # وقيل: نصب بإسقاط حرف الصفة، تقديره: لتتمتعوا به متاعا، والمعنى ~~منفعة لكم ولأنعامكم. ### || [79.34-41] # قوله تعالى: { فإذا جآءت الطآمة الكبرى } في جواب " إذا ~~" أوجه: # أحدها: قوله: { فأما من طغى } ، نحو: " إذا جاءك بنو تميم، ~~فأما العاصي فأهنه، وأما الطائع فأكرمه ". # وقيل: محذوف. # فقدره الزمخشري: فإن الأمر كذلك، أي: فإن الجحيم مأواه. # وقدره غيره: انقسم الراءون قسمين. # وقيل: عاينوا أو علموا. # وقيل: جوابها أدخل أهل النار النار، وأهل الجنة الجنة. # وقال أبو البقاء: العامل فيها جوابها، وهو معنى ms9014 قوله تعالى: { يوم ~~يتذكر الإنسان }. # والطامة الكبرى: الداهية العظمى التي تطم على غيرها من ~~الدواهي لعظمها، و " الطم ": " الدفن " ، ومنه: طم السيل ~~الركية، وفي المثل: جرى الوادي فطم على القرى. # وقيل: مأخوذ من قولهم: طم الفرس طميما، إذا استفرغ جهده في الجري، ~~والمراد بها في القرآن: النفخة الثانية؛ لأن بها يحصل ذلك. # قال ابن عباس: هي النفخة الثانية التي يكون معها البعث. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أيضا، والضحاك: أنها القيامة، سميت ~~بذلك؛ لأنها تطم على كل شيء فتغمره. # وقال القاسم بن الوليد الهمداني: الطامة الكبرى حين يساق أهل الجنة ~~إلى الجنة، وأهل النار إلى النار. # قوله: { يوم يتذكر } بدل من " إذا " ، أو: منصوبا بإضمار ~~فعل، أي: أعني: يوم أو يوم يتذكر كيت وكيت. # قوله: { ما سعى } أي: ما عمل من خير أو شر يراه مكتوبا في كتابه ~~فيتذكره، وكان قد نسيه، لقوله تعالى: # أحصاه الله ونسوه # [المجادلة: 6]. # قوله تعالى: { وبرزت الجحيم } العامة على بنائه للمفعول ~~مشددا، و { لمن يرى } بياء الغيبة. # وزيد بن علي وعائشة وعكرمة: مبنيا للفاعل مخففا، و " ترى " بتاء من ~~فوق، فجوزوا في تاء " ترى " أن تكون للتأنيث، وفي " ترى " ضمير الجحيم، ~~كقوله تعالى: # إذا رأتهم من مكان بعيد # [الفرقان: 12]، وأن تكون للخطاب، أي: ترى أنت يا محمد، والمراد: ترى ~~الناس. وقرأ عبد الله: " لمن رأى " فعلا ماضيا. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: " برزت " كشفت عنها تتلظى، ~~فيراه كل ذي بصر، فالمؤمنون يمرون عليها، # وإن منكم إلا واردها # [مريم: 71]، وأما الكفار فهي مأواهم. # وقيل: الرؤية هنا: استعارة، كقولهم: قد تبين الصبح لذي عينين. # وقيل: المراد: الكافر؛ لأنه الذي يرى النار بما فيها من أصناف العذاب. # وقيل: يراها المؤمن ليعرف قدر النعمة. # قوله: { فأما من طغى } أي: تجاوز الحد في العصيان. # قيل: نزلت في النضر وأبيه الحارث، وهي عامة في كل كافر آثر الحياة ~~الدنيا على الآخرة. # قوله: { فإن الجحيم هي المأوى } إما هي المأوى له، أو ~~هي مأواه، وقامت " أل " مقام الضمير، وهو رأي ms9015 الكوفيين وقد تقدم تحقيق ~~هذا والرد على قائله، خلافا للبصريين؛ قال الشاعر: [الطويل] # 5106- رحيب قطاب الجيب منها رقيقة # بجس الندامى بضة المتجرد # إذ لو كانت " أل " عوضا من الضمير لما جمع بينهما في هذا البيت، ولا ~~بد من أحد هذين التأويلين في الآية الكريمة لأجل العائد من الجملة ~~الواقعة خبرا للمبتدأ، والذي حسن عدم ذكر العائد كون الكلمة وقعت رأس ~~فاصلة. # وقال الزمخشري " فإن الجحيم مأواه، كما تقول للرجل: غض الطرف، ~~تريد طرفك، وليس الألف و " اللام " بدلا من الإضافة، ولكن لما علم أن ~~الطاغي هو صاحب المأوى، وأنه لا يغض طرف غيره تركت الإضافة، ودخول ~~الألف واللام في " المأوى " والطرف، للتعريف؛ لأنهما معروفان ". # قال أبو حيان: " وهو كلام لا يتحصل منه الرابط العائد على المبتدأ، إذ ~~قد نفى مذهب الكوفيين، ولم يقدر ضميرا محذوفا ضميرا كما قدره ~~البصريون، فرام حصول الرابط بلا رابط ". # قال شهاب الدين: " ولكن لما علم إلى آخره، هو عين قول البصريين، ولا ~~أدري كيف خفي عليه هذا ". # قوله تعالى: { وأما من خاف مقام ربه } اي: حذر مقامه ~~بين يدي ربه. # وقال الربيع: مقامه يوم الحساب. # وقال مجاهد: خوفه في الدنيا من الله عند مواقعه الذنب فقلع عنه، ~~نظيره: # ولمن خاف مقام ربه جنتان # [الرحمن: 46]. # { ونهى النفس عن الهوى } أي: زجرها عن المعاصي والمحارم. # قال ابن الخطيب: هذان الوصفان مضادان للوصفين المتقدمين، فقوله تعالى: ~~{ من خاف مقام ربه } ضد قوله: " فأما من طغى " ، " ونهى ~~النفس " ضد قوله: " وآثر الحياة الدنيا " فكما دخل في ذينك الوصفين ~~جميع القبائح دخل في هذين الهوى، وسيأتي زمان يقوى الهوى الحق، فنعوذ ~~بالله من ذلك الزمن. # قوله: { فإن الجنة هي المأوى } أي: المنزل، نزلت لآيتان ~~في مصعب بن عمير، وأخيه عامر بن عمير. # ورى الضحاك عن ابن عباس - رضي الله عنهم - أما من طغى فهو أخ لمصعب ~~بن عمير، أسر يوم بدر، فأخذته الأنصار، فقالوا: من أنت. قال: أنا أخو ~~مصعب بن عمير فلم يشدوه في الوثاق، وأكرموه، وبيتوه عندهم، فلما ms9016 ~~أصبحوا حدثوا مصعب بن عمير حديثه، فقال: ما هو لي بأخ، شدوا أسيركم، ~~فإن أمه أكثر أهل البطحاء حليا ومالا، فأوثقوه حتى بعثت أمه في ~~فدائه # . " وأما من خاف مقام ربه " # " فمصعب بن عمير، وقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه يوم " أحد ~~" حين تفرق الناس عنه، حتى نفذت المشاقص في جوفه، وهي السهام، فلما ~~رأه رسول الله صلى الله عليه وسلم مشطحا في دمه، قال: " عند الله ~~أحتسبه ". وقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: " لقد رأيته وعليه ~~بردان ما تعرف قيمتهما وإن شراك نعليه من ذهب " ". # وعن ابن عباس: - رضي الله عنهما - " نزلت هذه الآية في رجلين: أبو جهل ~~بن هشام، ومصعب بن عمير ". # وقال السدي: نزل قوله تعالى: { وأما من خاف مقام ربه } ~~في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. # وقال الكلبي: هما عامتان. ### || [79.42-46] # قوله تعالى: { يسألونك عن الساعة أيان مرساها }. ~~لما سمع المشركون أخبار القيامة، ووصفها بالأوصاف الهائلة مثل: " ~~الطامة الكبرى " ، و " الصاخة " ، و " القارعة " ، سألوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم استهزاء، متى تكون الساعة؟. # وقيل: يحتمل أن يكون ذلك إيهاما لأيقاعهم أنه لا أصل لذلك، ~~ويحتمل أنهم كانوا يسألونه عن وقت القيامة استعجالا كقوله: # الذين لا يؤمنون بها # [الشورى: 18]. # وقوله: { أيان مرساها } ، أي: إقامتها، والمعنى: أي شيء ~~يقيمها ويوجدها، ويكون المعنى: أيان منتهاها ومستقرها، كما أن مرسى ~~السفينة: مستقرها الذي تنتهي إليه فأجابهم الله - تعالى - بقوله: { ~~فيم أنت من ذكراها }. # قوله " فيم " خبر مقدم, و " أنت " مبتدأ مؤخر، و " من ذكراها ~~" متعلق بما تعلق به الخبر، والمعنى: أنت في أي شيء من ذكراها، أي: ما ~~أنت من ذكراها لهم وتبين وقتها في شيء. # وقال الزمخشري: # " وعن عائشة - رضي الله عنها - لم يزل رسول الله عليه وسلم يذكر الساعة، ~~ويسأل عنها ويذكرها حتى نزلت، قال: " فهو على هذا تعجب من ~~كثرة ذكره لها كأنه قيل: في أي شغل واهتمام أنت من ~~ذكرها والسؤال عنها ". # وقيل: الوقف على قوله: " فيم " ، وهو خبر مبتدأ مضمر، أي: ms9017 فيم هذا ~~السؤال، ثم يبتدئ بقوله: " أنت من ذكراها " أي: إرسالك، وأنت خاتم ~~الأنبياء، وآخر الرسل، والمبعوث في تسمية ذكر من ذكراها، وعلامة من ~~علاماتها، فكفاهم بذلك دليلا على دنوها، ومشارفتها، والاستعداد لها، ~~ولا معنى لسؤالهم عنها. # قاله الزمخشري: وهو كلام حسن، لولا أنه يخالف الظاهر، وتفكيك لنظم ~~الكلام. # ومعنى " إلى ربك منتهاها " منتهى علمها، كقوله تعالى: # قل إنما علمها عند الله # [الأعراف: 187]، وقوله تعالى: # إن الله عنده علم الساعة # [لقمان: 34]. # قال القرطبي: ويجوز أن يكون إنكارا على المشركين في مسألتهم له، أي: ~~فيم أنت من ذلك حتى يسألوك بيانه، ولست ممن يعلمه، وروي معناه عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما. # قوله تعالى: { إنمآ أنت منذر من يخشاها }. # العامة: على إضافة الصفة لمعمولها تخفيفا. # وقرأ عمر بن عبد العزيز وأبو جعفر، وطلحة، وابن محيصن: بالتنوين، ~~ويكون في موضع نصب، والمعنى: إنما ينتفع بإنذارك من يخشى الساعة. # قال الزمخشري: وهو الأصل، والإضافة تخفيف، وكلاهما يصلح للحال ~~والاستقبال، فإذا أريد الماضي، فليس إلا الإضافة، كقولك: هو منذر زيد ~~أمس. # قال أبو حيان: قوله: " هو الأصل " يعني: " التنوين " ، هو قول قاله ~~غيره. # ثم اختار أبو حيان: أن الأصل الإضافة، قال: لأن العمل إنما هو ~~بالشبه، والإضافة أصل في الأسماء، ثم قال: وقوله: " ليس إلا الإضافة " ~~فيه تفصيل وخلاف مذكورفي كتب النحو. # قال شهاب الدين: لا يلزمه أن يذكر إلا محل الوفاق، بل هذان اللذان ~~ذكرهما مذهب جماهير الناس. # فصل في معنى الآية # المعنى: إنما أنت مخوف، وخص الإنذار بمن يخشى؛ لأنهم المنتفعون به، ~~وإن كان منذرا لكل مكلف، كقوله: # إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن ~~بالغيب # [يس: 11]. # قوله تعالى: { كأنهم يوم يرونها } يعني: الكفار، يرون ~~الساعة. # { لم يلبثوا } في دنياهم، { إلا عشية } أي: قدر ~~عشية، { أو ضحاها } أي: أو قدر الضحى الذي يلي تلك ~~العشية، والمراد: تقليل مدة الدنيا، كقوله تعالى: # لم يلبثوا إلا ساعة من نهار # [الأحقاف: 35]. وأضاف الضحى إلى العشية إضافة الظرف إلى ضمير الظرف ~~الآخر تجوزا واتساعا. وذكرهما؛ لأنهما ms9018 طرفا النهار، وحسن هذه ~~الإضافة وقوع الكلمة فاصلة. # قإن قيل: قوله تعالى: { أو ضحاها } معناه: ضحى العشية، وهذا ~~غيرر معقول؛ لأنه ليس للعشية ضحى؟. # فالجواب: قال ابن عباس رضي الله عنهما: الهاء والألف صلة للكلام، يريد: ~~لم يلبثوا إلا عشية أو ضحى. # وقال الفراء والزجاج: المراد بإضافة الضحى إلى العشية على عادة ~~العرب، يقولون: آتيك الغداة أو عشيها، وآتيك العشية أوغداتها، فتكون ~~العشية في معنى: آخر النهار، والغداة في معنى: أول النهار؛ وأنشد بعض بني ~~عقيل: [الرجز] # 5107أ- نحن صبحنا عامرا في دارها # جردا تعادى طرفي نهارها # عشية الهلال أو سرارها # وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. ### | [80 - سورة عبس] ### || [80.1-10] # قوله تعالى: { عبس وتولى } أي: كلح بوجهه، يقال: عبس ~~وبسر وتولى، أي: أعرض بوجهه. # قوله: { أن جآءه }. فيه وجهان: # أحدهما: أنه مفعول من أجله، وناصبه: إما " تولى " وهو قول ~~البصريين، وإما " عبس " وهو قول الكوفيين، والمختار مذهب البصريين ~~لعدم الإضمار في الثاني، وتقدم تحقيق هذا في مسائل النزاع والتقدير: لأن ~~جاءه الأعمى فعل ذلك. # قال القرطبي: إن من قرأ بالمد على الاستفهام، ف " أن " متعلقة ~~بمحذوف دل عليه { عبس وتولى } والتقدير: أأن جاءه اعرض عنه ~~وتولى؟ فيوقف على هذه القراءة على " تولى " ، ولا يوقف عليه على قراءة ~~العامة. # فصل في سبب نزول الآية # قال المفسرون: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم، واسم ~~مكتوم عاتكة بنت عامر بن مخزوم، وكان عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~صناديد قريش: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل بن هشام، ~~والعباس بن عبد المطلب، وأمية بن خلف، والوليد بن ~~المغيرة، يدعوهم إلى الإسلام رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرهم، فقال ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: علمني مما علمك الله، وكرر ذلك عليه، ~~فكره قطعه لكلامه، وعبس وأعرض عنه، فنزلت هذه الآية. # قال ابن العربي: أما قول المفسرين: إنه الوليد بن المغيرة، أو أمية بن ~~خلف والعباس، فهذا كله باطل وجهل؛ لأن أمية والوليد كانا ب " مكة " ~~وابن أم مكتوم كان ms9019 ب " المدينة " ما حضر معهما، ولا حضرا معه، وماتا ~~كافرين، أحدهما: قبل الهجرة، والآخر في " بدر " ، ولم يقصد أمية " ~~المدينة " قط، ولا حضر معه مفردا، ولا مع أحد، وإنما أقبل ابن أم ~~مكتوم والنبي صلى الله عليه وسلم مشتغل بمن حضره من وجوه قريش يدعوهم إلى ~~الإسلام، وقد طمع في إسلامهم، وكان في إسلامهم إسلام من وراءهم من قومهم ~~فجاء ابن أم مكتوم وهو أعمى، فقال: يا رسول الله علمني مما علمك الله ~~وجعل يناديه ويكثر النداء، ولا يدري أنه مشتغل بغيره، حتى ظهرت الكراهة ~~في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لقطعه كلامه، وقال في نفسه: يقول ~~هؤلاء إنما اتباعه العميان والسفلة والعبيد، فعبس وأعرض عنه، ~~فنزلت الآية. # قال الثوري: ف # " كان النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا رأى ابن أم مكتوم بسط له ~~رداءه، ويقول: " مرحبا بمن عاتبني فيه ربي " ، ويقول: " ~~هل من حاجة "؟ واستخلفه على " المدينة " مرتين في غزوتين غزاهما ~~". # قال أنس رضي الله عنه: فرأيته يوم " القادسية " راكبا وعليه درع، ~~ومعه راية سوداء. # فصل في معاتبة الله تعالى رسوله # قال ابن الخطيب: ما فعله ابن أم مكتوم كان يستحق التأديب والزجر، ~~فكيف عاتب الله - تعالى - رسوله على تأديبه ابن أم مكتوم؟. # وإنما قلنا: إنه كان يستحق التأديب؛ لأنه وإن كان أعمى لا يرى القوم، ~~لكنه سمع مخاطبة الرسول صلى الله عليه وسلم لأولئك الكفار، وكان بسماعه ~~يعرف شدة اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بشأنهم، فكان إقدامه على قطع ~~كلام النبي صلى الله عليه وسلم لغرض نفسه قبل تمام غرض النبي صلى الله ~~عليه وسلم معصية عظيمة. # وأيضا: فإن الأهم يقدم على المهم، وكان قد أسلم، وتعلم ما ~~يحتاج إليه من أمر دينه، أما أولئك الكفار، فلم يكونوا أسلموا بعد، ~~وكان إسلامهم سببا لإسلام جمع عظيم، فكان كلام ابن مكتوم كالسبب في قطع ~~ذلك الخير العظيم لغرض قليل، وذلك محرم. # وأيضا: فإن الله - تعالى - ذم الذين يناجونه من وراء الحجرات بمجود ~~ندائهم، فهذا ms9020 النداء الذي هو كالصارف للكفار عن [قبول] الإيمان أولى ~~أن يكون ذنبا، فثبت أن الذي فعله ابن أم مكتوم كان ذنبا ومعصية. # وأيضا: فمع هذا الاعتناء بابن أم مكتوم، فكيف لقب بالأعمى؟. # وأيضا: فالنبي صلى الله عليه وسلم يؤدب أصحابه بما يراه مصلحة، ~~والتعبيس من ذلك القبيل، ومع الإذن فيه، كيف يعاتب عليه؟. # والجواب عن الأول: أن ما فعله ابن أم مكتوم كان من سوء الأدب لو كان ~~عاملا بأن النبي صلى الله عليه وسلم مشغول بغيره، وأنه يرجو ~~إسلامهم، ولكن الله عاتبه حتى لا تنكسر قلوب أهل الصفة، أو ليعلم ~~أن المؤمن الفقير خير من الغنى، وكان النظر إلى المؤمن أولى، وإن كان ~~فقيرا أصلح وأولى من الإقبال على الأغنياء طمعا في إيمانهم، وإن ~~كان ذلك أيضا طمعا في المصلحة، وعلى هذا يخرج قوله تعالى: # ما كان لنبي أن يكون له أسرى # [الأنفال: 67] الآية. # وقيل: إنما قصد النبي صلى الله عليه وسلم تأليف الرجل ثقة بما كان في ~~قلب ابن أم مكتوم من الإيمان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه مخافة أن ~~يكبه الله على وجهه ". # وقال ابن زيد: إنما عبس النبي صلى الله عليه وسلم لابن أم مكتوم، ~~وأعرض عنه؛ لأنه أشار إلى الذي كان يقوده أن يكفه، فدفعه ابن أم مكتوم، ~~وأبى إلا أن يكلم النبي صلى الله عليه وسلم حتى يعلمه, فكان في هذا نوع ~~جفاء منه، ومع هذا أنزل الله تعالى في حقه: { عبس وتولى } ، ~~بلفظ الإخبار عن الغائب تعظيما له، ولم يقل: عبست وتوليت. ثم أقبل ~~عليه بمواجهة الخطاب تأنيسا له، فقال: " وما يدريك " أي: يعلمك " ~~لعله " ابن أم مكتوم " يزكى " بما استدعى منك تعليمه إياه من ~~القرآن والدين، وإنما ذكره بلفظ العمى ليس للتحقير، بل كأنه قيل: إنه ~~بسبب عماه يستحق مزيد الرفق والرأفة، فكيف يليق بك يا محمد، أن تخصه ~~بالغلظة، وأما كونه مأذونا له في تأديب أصحابه، لكن هنا لما أوهم ~~تقديم الأغنياء ms9021 على الفقراء، وكان ذلك مما يوهم ترجيح الدنيا على ~~الدين، فلهذا السبب عوتب. # فصل فيمن استدل بالآية على جواز صدور الذنوب من الأنبياء # قال ابن الخطيب: تمسك القائلون بصدور الذنب عن الأنبياء - عليهم ~~الصلاة والسلام - بهذه الآية. # وقالوا: لما عوتب النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك الفعل دل ~~على أنه كان معصية. # قال ابن الخطيب: وهذا بعيد لما ذكرنا في الجواب عن الأول، وأيضا: فإن ~~هذا من باب الاحتياط وترك الأفضل. # قوله تعالى: { وما يدريك لعله يزكى }؛ الظاهر أنه أجرى ~~الترجي مجرى الاستفهام، لما بينهما من معنى الطلب في التعليق، لأن ~~المعنى منصب على تسليط الدراية على الترجي، إذ التقدير: لا يدري ما هو ~~مترجى منه التركيب، أو التذكر. # وقيل: الوقف على " يدري " ، والابتداء بما بعده على معنى: وما يطلعك ~~على أمره، وعاقبة حاله، ثم ابتدأ، فقال: " لعله يزكى ". # فصل في تحرير الضمير في قوله: " لعله " # قيل: الضمير في " لعله " للكافر، يعني: لعل إذا طمعت في أن يتزكى ~~بالإسلام. # { أو يذكر فتنفعه الذكرى } أي: قبول الحق، " وما ~~يدريك " أن ما طمعت فيه كائن، ونظير هذه الآية قوله تعالى: # ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي # [الأنعام: 52]. # وقوله: # ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا # [الكهف: 28]. # قوله: { أو يذكر فتنفعه الذكرى }. # قرأ عاصم: " فتنفعه " بالنصب. # والباقون: بالرفع. # فمن رفع، فهو نسق على قوله: " أو يذكر ". # ومن نصب، فعلى جواب الترجي كقوله في " المؤمن ": # فأطلع # [غافر: 37]، وهو مذهب كوفي وقد تقدم الكلام عليه. # وقال ابن عطية: في جواب التمني؛ لأن قوله تعالى: { أو يذكر } ~~في حكم قوله: { لعله يزكى }. # قال أبو حيان: " وهذا ليس تمنيا إنما هو ترج ". # قال شهاب الدين: إنما يريد التمني المفهوم من الكلام، ويدل له ما ~~قاله أبو البقاء: " وبالنصب على جواب التمني في المعنى " ، وإلا فالفرق ~~بين التمني والترجي لا يجهله ابن عطية. # وقال مكي: " من نصبه جعله جواب " لعل " بالفاء؛ لأنه غير موجب، ~~فأشبه التمني والاستفهام، وهو غير معروف عند البصريين " وقرأ عاصم في ms9022 ~~رواية الأعرج: " أو يذكر " - بسكون الذال، وتخفيف الكاف مضمومة - مضارع ~~" ذكر " ، والمعنى: أو يتعظ بما يقوله: " فتنفعه الذكرى " أي: ~~العظة. # قوله: { أما من استغنى } قال عطاء: يريد عن الإيمان، وقال ~~الكلبي: استغنى عن الله، وقال بعضهم: استغنى أثرى؛ وهو فاسد ههنا؛ لأن ~~إقبال النبي - عليه الصلاة والسلام - لم يكن لثروتهم ومالهم حتى يقال له ~~أما من أثرى، فأنت تقبل عليه، ولأنه قال: { وأما من جآءك ~~يسعى وهو يخشى } ولم يقل وهو فقير معدم، ومن قال: أما من ~~استغنى بماله فهو صحيح، لأن المعنى أنه استغنى عن الإيمان والقرآن بما ~~له من المال. # وقوله تعالى: { فأنت له تصدى } تقدمت فيه قراءتا التثقيل ~~والتخفيف. # قال الزجاج: أي: أنت تقبل عليه وتتعرض له وتميل إليه، يقال تصدى فلان ~~لفلان، يتصدد إذا تعرض له، والأصل فيه تصدد يتصدد من الصدد، وهو ما ~~استقبلك وصار قبالتك فأبدل أحد الأمثال حرف علة مثل: تظنيت وقصيت، وتقضى ~~البازي قال الشاعر: # 5107ب- تصدى لوضاح كأن جبينه # سراج الدجى يجبى إليه الأساور # وقيل: هو من الصدى، وهو الصوت المسموع في الأماكن الخالية والأجرام ~~الصلبة. # وقيل: من الصدى وهو العطش، والمعنى على التعرض، ويتمحل لذلك إذا قلنا ~~أصله من الصوت أو العطش. # وقرأ أبو جعفر " تصدي " بضم التاء وتخفيف الصاد. أي يصديك حرصك على ~~إسلامه. # يقال: صدى الرجل وصديته، وقال الزمخشري: وقرئ " تصدي " بضم التاء أي ~~تعرض، ومعناه يدعوك إلى داع إلى التصدي له؛ من الحرص والتهالك على ~~إسلامه. # قوله: { ألا يزكى } مبتدأ خبره " عليك " أي ليس عليك عدم ~~تزكيته. # والمعنى لا شيء عليك في أن لا يسلم من تدعوه إلى الإسلام، فإنه ليس عليك ~~إلا البلاغ، أي لا يبلغن بك الحرص على إسلامهم إلى أن تعرض عمن أسلم ~~للاشتغال بدعوتهم. # قوله: { يسعى } حال من فاعل " جاءك " والمعنى أن يسرع في طلب الخير، ~~كقوله: # فاسعوا إلى ذكر الله # [الجمعة: 9]. # وقوله: { وهو يخشى } جملة حالية من فاعل " يسعى " فهو حال من حال ~~وجعلها حالا ثانية معطوفة على الأولى ليس بالقوي وفيها ثلاثة ms9023 أوجه يخشى ~~الله ويخافه في ألا يهتم بأداء تكاليفه، أو يخشى الكفار وأذاهم في ~~إتيانك، أو يخشى الكبوة فإنه كان أعمى، وما كان له قائد. # قوله { تلهى } أصله تتلهى من لهي يلهى بكذا أي اشتغل وليس هو من ~~اللهو في شيء. # وقال أبو حيان: ويمكن أن يكون منه لأن ما يبنى على فعل من ذوات الواو ~~تنقلب واوه لانكسار ما قبلها. نحو شقي يشقى. فإن كان مصدره جاء بالياء ~~فيكون من مادة غير مادة اللهو. # قال شهاب الدين: الناس إنما لم يجعلوه من اللهو لأجل أنه مسند إلى ضمير ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولا يليق بمنصبه الكريم أن ينسب إليه التفعل من ~~اللهو. # بخلاف الاشتغال فإنه يجوز أن يصدر منه في بعض الأحيان، ولا ينبغي أن ~~يعتقد غير هذا وإنما سقط الشيخ وقرأ ابن كثير في رواية البزي عنه " عنهو ~~تلهى " بواو وهي صلة لهاء الكناية، وتشديد التاء والأصل تتلهى فأدغم، ~~وجاز الجمع بين ساكنين لوجود حرف علة وإدغام، وليس لهذه الآية نظير. وهو ~~أنه إذا لقي صلة هاء الكناية ساكن آخر ثبتت الصلة بل يجب الحذف، وقرأ أبو ~~جعفر " تلهى " بضم التاء مبنيا للمفعول. أي يلهيك شأن الصناديد، ~~وقرأ طلحة " تتلهى " بتاءين وهي الأصل، وعنه بتاء واحدة وسكون اللام. # فصل # فإن قيل قوله: { فأنت له تصدى } فأنت عنه تلهى كان فيه ~~اختصاصا. # قلنا نعم، ومعناه إنكار التصدي والتلهي عنه، أي مثلك خصوصا لا ينبغي أن ~~يتصدى للغني، ويتلهى عن الفقير. ### || [80.11-16] # قوله: { كلا } وهو ردع عن المعاتب عليه وعن معاودة مثله. قال الحسن: ~~لما تلا جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآيات عاد وجهه كأنما ~~أسف الرماد فيه ينتظر ماذا يحكم الله عليه، فلما قال: { كلا } سري ~~عنه، أي لا تفعل مثل ذلك قال ابن الخطيب: وقد بينا نحن أن ذلك محمول على ~~ترك الأولى. # وقوله: { إنها تذكرة } فيه سؤالان: # الأول: قوله: { إنها } ضمير المؤنث، وقوله: { فمن شآء ذكره ~~} ضمير المذكر، والضميران عائدان إلى شيء واحد، ms9024 فكيف القول فيه؟. # الجواب: وفيه وجهان: # الأول: أن قوله: { إنها } ضمير المؤنث، قال مقاتل: يعني آيات ~~القرآن، وقال الكلبي: يعني هذه السورة وهو قول الأخفش والضمير في قوله: { ~~فمن شآء ذكره } عائد إلى التذكرة أيضا، لأن التذكرة في معنى ~~الذكر والوعظ. # الثاني: قال صاحب النظم: إنها تذكرة يعني بها القرآن والقرآن مذكر إلا ~~أنه لما جعل القرآن تذكرة أخرجه على لفظ التذكرة، ولو ذكره لجاز كما قال ~~في موضع آخر { كلا إنها تذكرة } والدليل على أن قوله: { ~~إنها تذكرة } المراد به القرآن قوله { فمن شآء ذكره }. # فصل # كيف اتصال هذه الآية بما قبلها؟ الجواب: من وجهين: # الأول: كأنه قيل: هذا التأديب الذي أوحيته إليك وعرفته لك في إجلال ~~الفقراء وعدم الالتفات إلى أهل الدنيا أثبت في اللوح المحفوظ الذي قد وكل ~~بحفظه أكابر الملائكة. # الثاني: كأنه قيل: هذا القرآن قد بلغ في العظمة إلى هذا الحد العظيم، ~~فأي حاجة به إلى أن يقبله هؤلاء الكفار، فسواء قبلوه أو لم يقبلوه فلا ~~تلتفت إليهم ولا تشغل قلبك بهم، وإياك أن تعرض عمن آمن به تطييبا لقلوب ~~أرباب الدنيا. # قوله: { ذكره } يجوز أن يكون الضمير لله تعالى، لأن منزل التذكرة، ~~وأن يكون للتذكرة، وذكر ضميرها؛ لأنها بمعنى الذكر والوعظ. # وقوله: { في صحف } صفة لتذكرة. فقوله: { فمن شآء ذكره } ~~جملة معترضة بين الصفة وموصوفها، ونحوها # فمن شآء اتخذ إلى ربه سبيلا # [المزمل: 19] ويجوز أن يكون " في صحف " خبرا ثانيا ل " إنها " ~~والجملة معترضة بين الخبرين. # فصل # اعلم أنه تعالى وصف تلك التذكرة بأمرين: # الأول: قوله: { فمن شآء ذكره } أي هذه تذكرة بينة ظاهرة بحيث لو ~~أرادوا فهمها والاتعاظ بها والعمل بموجبها لقدروا عليه. # والثاني: قوله: { في صحف مكرمة } أي تلك التذكرة معدة في هذه ~~الصحف المكرمة، والمراد من ذلك تعظيم حال القرآن والتنويه بذكره والمعنى ~~أن هذه التذكرة مثبتة في صحف. # والمراد من " الصحف " قولان: # الأول: أنها صحف منتسخة من اللوح مكرمة عند الله تعالى مرفوعة في السماء ~~السابعة أو مرفوعة المقدار مطهرة ms9025 عن أيدي الشياطين، أو المراد مطهرة بسبب ~~أنها لا يمسها إلا المطهرون وهم الملائكة. # قوله: { سفرة } جمع سافر وهو الكاتب ومثله كاتب وكتبة، وسفرت بين ~~القوم أسفر سفارة أصلحت بينهم قال: # 5107ج- فما أدع السفارة بين قومي # ولا أمشي بغش إن مشيت # وسفرت المرأة: كشفت نقابها. # وقوله: { كرام } هي لفظة مخصوصة بالملائكة عند الإطلاق، ولا يشاركهم ~~فيها سواهم، وروى الضحاك عن ابن عباس في " كرام " قال: يتكرمون أن ~~يكونوا مع ابن آدم إذا خلا بزوجته, أو تبرز لغائطه. # وقيل: يؤثرون منافع غيرهم على منافع أنفسهم. # وقوله تعالى: { بررة } جمع بار، مثل: كافر وكفرة، وساحر وسحرة ~~وفاجر وفجرة، يقال: بر وبار، إذا كان أهلا للصدق، بر فلان في ~~يمينه أي: صدق، وفلان يبر خالقه ويتبرره: أي: يطيعه، فمعنى " ~~بررة " أي: مطيعين لله صادقين الله في أعمالهم. # فصل في المراد بالسفرة # قال ابن الخطيب: قوله تعالى: { بأيدي سفرة } يقتضي أن طهارة تلك ~~الصحف إنما حصلت بأيدي هؤلاء السفرة، فقال القفال في تقريره: لما ~~كان لا يمسها إلا الملائكة المطهرون أضيف التطهير إليها لطهارة من ~~يمسها. # وقال القرطبي: إن المراد بقوله - تعالى - في سورة " الواقعة ": # لا يمسه إلا المطهرون # [الواقعة: 79] أنهم الكرام البررة في هذه السورة. ### || [80.17-23] # قوله تعالى: { قتل الإنسان مآ أكفره }. أي: لعن. # وقيل: عذب، والإنسان: الكافر. # روى الأعمش عن مجاهد قال: ما كان في القرآن من قتل الإنسان، فإن ما ~~عني به الكافر. # قال النحويون: وهذا إما تعجب، أو استفهام تعجب. # قال ابن الخطيب: اعلم أنه - تعالى - لما ذكر ترفع صناديد قريش على ~~فقراء المسلمين عجب [عباده] المؤمنين من ذلك، فكأنه قيل: وأي سبب في ~~هذا الترفع مع أنه أوله نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة، وهو فيما ~~بين الوقتين حمال عذرة، فلا جرم أن يذكر - تعالى - ما يصلح أن يكون ~~علاجا لعجبهم، وعلاجا لكفرهم فإن خلقة الإنسان تصلح لأن يستدل بها ~~على وجود الصانع، ولأن يستدل بها على القول بالبعث والحشر. # قيل: نزلت في عتبة بن أبي لهب، والظاهر العموم. # وقوله ms9026 تعالى: { قتل الإنسان } دعاء عليه بأشد الأشياء؛ لأن ~~القتل غاية شدائد الدنيا، و { مآ أكفره } ، تعجب من إفراطه ~~في كفران نعمة الله. # فإن قيل: الدعاء على الإنسان إنما يليق بالعاجز، والقادر على الكل ~~كيف يليق به ذلك؟ والتعجب أيضا إنما يليق بالجاهل بسبب الشيء، ~~فالعالم به كيف يليق ذلك به؟. # فالجواب: أن ذلك ورد على أسلوب كلام العرب، لبيان استحقاقهم لأعظم ~~العقاب، حيث أتوا بأعظم القبائح كقولهم إذا تعجبوا من شيء قاتله ~~الله ما أخسه، وأخزاه الله ما أظلمه، والمعنى: اعجبوا من كفر الإنسان ~~بجميع ما ذكرنا بعد هذا. # وقيل: ما أكفره بالله ونعمه مع معرفته بكثرة إحسانه إليه، والاستفهام ~~بقوله: { من أي شيء خلقه } قيل: استفهام توبيخ، أي: أي ~~شيء دعاه إلى الكفر. # وقيل: استفهام تحقير، له، فذكر أول مراتبه، وهو قوله تعالى: { من ~~نطفة خلقه } ، ولا شك أن النطفة شيء حقير مهين، ومن كان أصله ~~ذلك كيف يتكبر، وقوله: " فقدره " اي: أطوارا. # وقيل: سواه لقوله تعالى: # ثم سواك رجلا # [الكهف: 37]، وقدر كل عضو في الكيفية والكمية بالقدر اللائق ~~لمصلحته، لقوله تعالى: # وخلق كل شيء فقدره تقديرا # [الفرقان: 2]، ثم لما ذكر المرتبة الوسطى قال تعالى: { ثم ~~السبيل يسره }. # قيل: المراد: تيسير خروجه من بطن أمه، ولا شك أن خروجه حيا من ~~أضيق المسالك من أعجب العجائب، يقال: إنه كان رأسه في بطن أمه من ~~فوق، ورجلاه من تحت، فإذا جاء وقت الخروج انقلب، فمن الذي أعطاه ذلك ~~الإلهام، المراد منه قوله تعالى: # وهديناه النجدين # [البلد:10]، أي: التمييز بين الخير والشر. # وقيل: مخصوص بالدين. # قوله تعالى: { ثم السبيل يسره }. يجوز أن يكون الضمير ~~للإنسان، والسبيل ظرف، أي: يسر للإنسان الطريق، أي: طريق الخير، والشر، ~~كقوله تعالى: # وهديناه النجدين # [البلد:10]. # وقال أبو البقاء: ويجوز أن ينتصب بأنه مفعول ثان ل " يسره " ، ~~والهاء للإنسان، أي: يسره السبيل، أي: هداه له. # قال شهاب الدين: فلا بد من تضمينه معنى " أعطى " حتى ينصب اثنين، أو ~~حذف حرف الجر أي: يسره للسبيل، ولذلك قدره بقوله: ms9027 " هداه له " ، ~~ويجوز أن يكون " السبيل " منصوبا على الاشتغال بفعل مقدر، والضمير ~~له، تقديره: ثم يسر السبيل يسره، أي: سهله للناس، كقوله تعالى: # أعطى كل شيء خلقه ثم هدى # [طه: 50]، وتقدم مثله في قوله تعالى: # إنا هديناه السبيل # [الإنسان: 3]. # فصل في تفسير الآية # روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ومجاهد قالا: سبيل الشقاء ~~والسعادة. # وقال ابن زيد: سبيل الإسلام، وقال أبو بكر بن طاهر: يسر على كل أحد ما ~~خلقه له وقدره عليه، لقوله عليه الصلاة والسلام: # " اعملوا فكل ميسر لما خلق له ". # قوله تعالى: { ثم أماته فأقبره } هذه المرتبة الثالثة، أي: ~~جعل له قبرا يوارى فيه يقال: قبره إذا دفنه، وأقبره، أي: جعله بحيث ~~يقبر، وجعل له قبرا إكراما له، ولم يجعله ممن يلقى على وجه الأرض ~~تأكله الطير. قاله الفراء. # قال أبو عبيدة: " أقبره " جعل له قبرا، وأمر أن يقبر، والقابر: ~~هو الدافن بيده؛ قال: الأعشى: [السريع] # 5108- لو أسندت ميتا إلى نحرها # عاش ولم ينقل إلى قابر # يقال: قبرت الميت " أي " دفنته، وأقبره الله أي: صيره بحيث جعل له ~~قبرا. # وتقول العرب: بترت ذنب البعير وأبتره الله، وعضبت قرن الثور، وأعضبه ~~الله وطردت فلانا، والله أطرده، أي: صيره طريدا. # قوله تعالى: { ثم إذا شآء أنشره }. أي: أحياه بعد موته، ~~ومفعول شاء محذوف، أي: شاء إنشاره، و " أنشره " جواب " إذا ". # وقرأ العامة: " أنشر " ، بالألف. # وروى أبو حيوة عن نافع وشعيب عن ابن أبي حمزة: " نشره " ثلاثيا بغير ~~ألف. # ونقلها أبو الفضل أيضا، وقال: هما لغتان بمعنى الإحياء. # قال ابن الخطيب: وإنما قال: " إذا شاء أنشره " إشعارا بأن وقته ~~غير معلوم، فتقديمه وتأخيره موكول إلى مشيئة الله تعالى. # قوله تعالى: { كلا لما يقض مآ أمره } " كلا ": ردع ~~للإنسان عن تكبره، وترفعه، وعن كفره، وإصراره عن إنكار التوحيد، وعلى ~~إنكار البعث، والحشر والنشر وقوله تعالى: { لما يقض مآ أمره } ~~قال مجاهد وقتادة: لا يقضي أحد جميع ما أمر به، وهو إشارة إلى أن ~~الإنسان لا ينفك عن تقصير ألبتة. # قال ms9028 ابن الخطيب: وعندي في هذا التفسير نظر؛ لأن الضمير فيه عائد إلى ~~المذكور السابق, وهو الإنسان في قوله تعالى: { قتل الإنسان مآ ~~أكفره } وليس المراد من الإنسان هنا: جميع الإنسان، بل الإنسان ~~الكافر، فقوله تعالى: { لما يقض مآ أمره } ، كيف يمكن حمله ~~على جميع الناس؟. # وقال ابن فورك: كلا لما يقض الله ما أمره، [كلا لم يقض الله لهذا ~~الكافر ما أمره به من الإيمان وترك التكبر، بل أمره بما لم يقض له به ~~وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول لما يقض ما أمره]: لم يبال بالميثاق ~~الذي أخذ عليه في صلب آدم - عليه الصلاة والسلام -. # وقيل: المعنى: إن ذلك الإنسان الكافر لم يقض ما أمره به من التأمل ~~في دلائل الله تعالى، والتدبر في عجائب خلقه. # قوله: " ما أمره " ، " ما ": موصولة. # قال أبو البقاء: بمعنى " الذي " ، والعائد محذوف، أي: ما أمره به. # قال شهاب الدين: وفيه نظر، من حيث إنه قدر العائد مجرورا بحرف لم ~~يجر الموصول، ولا أمره به، فإن قلت: " أمر " يتعدى إليه بحذف الحرف، ~~فاقدره غير مجرور. # قلت: إذا قدرته غير مجرور فإما أن تقدره متصلا أو منفصلا، ~~وكلاهما مشكل، لما تقدم في أول " البقرة " عند قوله تعالى: # ومما رزقناهم ينفقون # [البقرة: 3]. # وقال الحسن: " كلا " معناه: " حقا " ، " لما يقض ": أي: لم يعمل بما ~~أمره به. # قال القرطبي: و " ما " في قوله: " لما " عماد للكلام، كقوله تعالى: # فبما رحمة من الله # [آل عمران: 159]، وقوله تعالى: # عما قليل ليصبحن نادمين # [المؤمنون: 40]. # وقال ابن الأنباري: الوقف على " كلا " قبيح، والوقف على " أمره " و ~~" نشره " جيد، ف " كلا " على هذا بمعنى حقا. ### || [80.24-32] # قوله تعالى: { فلينظر الإنسان إلى طعامه }. # قال ابن الخطيب: اعلم أن عادة الله - تعالى - جارية في القرآن الكريم، ~~كلما ذكر دلائل الأنفس يذكر عقبها دلائل الآفاق، فبدأ - هاهنا - بما ~~يحتاج الإنسان إليه. # واعلم أن النبت إنما يحصل من القطر النازل من السماء الواقع ~~في الأرض، فالسماء كالذكر، والأرض كالأنثى، فبين نزول السماء إلى ~~الأرض بقوله: { أنا ms9029 صببنا المآء }. # وقال القرطبي: لما ذكر تعالى ابتداء خلق الإنسان، ذكر ما يسر من ~~رزقه، أي: فلينظر كيف خلق الله طعامه الذي هو قوام حياته، وكيف هيأ له ~~أسباب المعاش ليستعد بها للمعاد، وهذا النظر نظر القلب بالفكر، والتدبر. # قال الحسن ومجاهد: { فلينظر الإنسان إلى طعامه } أي: ~~إلى مدخله ومخرجه. # روى الضحاك بن سفيان الكلابي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " يا ضحاك، ما طعامك "؟ قلت: يا رسول الله، اللحم ~~واللبن، قال: " ثم يصير إلى ماذا "؟ قلت: إلى ما قد علمته، ~~قال: " فإن الله - تعالى - ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلا ~~للدنيا " ". # وقال أبو الوليد: سألت ابن عمر - رضي الله عنه - عن الرجل يدخل الخلاء، ~~فينظر ما يخرج منه، قال: يأتيه الملك فيقول: انظر ما بخلت به إلى ما صار. # واعلم أن الطعام الذي يتناوله الإنسان له حالتان: # إحداهما متقدمة، وهي التي لا بد من وجودها حتى يدخل ذلك الطعام في ~~الوجود. # والحالة الثانية متأخرة وهي الأمور التي لا بد منها في بدن الإنسان، حتى ~~يحصل الانتفاع بذلك الطعام، فلما كانت الحالة الأولى أظهر للحس، لا جرم ~~اكتفى الله تعالى بذكرها. # قوله تعالى: { أنا صببنا المآء صبا }. # قرأ الكوفيون: " أنا " بفتح الهمزة غير ممالة. # والباقون: بالكسر. # والحسين بن علي: بالفتح والإمالة. # فأما الفراءة الأولى، ففيها ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها بدل من " طعامه " ، فيكون في محل جر، واستشكل بعضهم هذا ~~الوجه، ورد بأنه ليس بواضح. # والثاني: أنه بدل اشتمال، بمعنى أن صب الماء سبب في إخراج ~~الطعام، فهو مشتمل عليه بهذا التقدير، وقد نحا مكي إلى هذا فقال: لأن ~~هذه الأشياء مشتملة على الطعام ومنها يتكون، لأن معنى " إلى طعامه " ~~إلى حدوث طعامه كيف يتأتى، فالاشتمال في هذا إنما هو من الثاني على ~~الأول؛ لأن الاعتبار إنما هو في الأشياء التي يتكون منها الطعام لا في ~~الطعام نفسه. # والوجه الثاني: أنها على تقدير لام العلة، أي فلينظر لأنا، ثم حذف ~~الخافض فجرى الخلاف المشهور في محلها. # قال القرطبي: ms9030 ف " أنا " في موضع خفض على الترجمة عن الطعام، فهو ~~بدل منه؛ كأنه قال: { فلينظر الإنسان إلى طعامه } إلى " ~~أنا صببنا " ، فلا يحسن الوقف على " طعامه " في هذه القراءة. # والوجه الثالث: أنها في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، أي: هو أنا ~~صببنا، وفيه ذلك النظر المتقدم؛ لأن الضمير إن عاد على الطعام، ~~فالطعام ليس هو نفس الصب، وإن عاد على غيره، فهو غير معلوم، وجوابه ما ~~تقدم. # وأما القراءة الثانية: فعلى الاستئناف, تقديرا لنعمه عليه. # وأما القراءة الثالثة: " أنى " التي بمعنى: " كيف " ، وفيها معنى ~~التعجب، فهي على هذه القراءة كلمة واحدة، وعلى غيرها كلمتان. # قال القرطبي: فمن أخذ بهذه القراءة، قال: الوقف على " طعامه " تام، ~~ويقال: معنى " أنى ": أين، إلا أن فيها كناية عن الوجوه، وتأويلها: ~~من أي وجه صببنا؛ قال: الكميت: [المنسرح] # 5109- أنى، ومن أين آبك الطرب # من حيث لا صبوة ولا ريب # فصل في المراد بصب الماء # قوله: { صببنا المآء صبا } ، يعني: الغيث والأمطار، { ثم ~~شققنا الأرض شقا } أي: بالنبات { فأنبتنا فيها حبا } ~~أي: قمحا وشعيرا وسلقا، وسائر ما يحصد ويدخر، وإنما قدم ذلك لأنها ~~كالأصل في الأغذية، " وعنبا " وإنما ذكره بعد الحب؛ لأنه غذاء من وجه، ~~وفاكهة من وجه. # قوله: { وقضبا }: القضب هنا، قال ابن عباس: هو الرطب، لأنه يقضب ~~النخل، أي: يقطع، ورجحه بعضهم بذكره بعد العنب، وكثيرا ما يقترنان. # وقيل: القت. # قال القتيبي: كذا يسميه أهل " مكة ". # وقيل: كل ما يقضب من البقول لبني آدم. # وقيل: هو الرطبة، والمقاضب: الأرض التي تنبتها. # قال الراغب: والقضب: كالقضيب، لكن القضيب يستعمل في فروع الشجر، ~~والقضب يستعمل في البقل، والقضب: أي بالفتح قطع القضب والقضيب، ~~وعنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا رأى في ثوب تصليبا قضبه، وسيف ~~قاضب وقضيب، أي: قاطع، فالقضيب - هاهنا - بمعنى: الفاعل، وفي الأول: ~~بمعنى المفعول، وكذا قولهم: ناقة قضيب، لما تركب من بين الإبل ولما ترض، ~~ويقال لكل ما لم يهذب: مقتضب، ومنه اقتضاب الحديث، لما لم يترو فيه. # وقال الخليل: القضب: ms9031 أغصان الشجرة التي يتخذ منها سهام أو قسي. # وقال ابن عباس: إنه الفصفصة، وهوالقت الرطب. # وقال الخليل: القضب: الفصفصة الرطبة. # وقيل: بالسين، فإذا يبست فهو قت. # قوله: { وزيتونا }. وهي: شجرة الزيتون، { ونخلا } يعني: ~~النخيل. # قوله: { وحدآئق غلبا }. جمع " أغلب وغلباء " ك " حمر " في ~~" أحمر، وحمراء " ، يقال: حديقة غلباء، أي: غليظة الشجر ملتفة، ~~واغلولب العشب أي: غلظ، وأصله في وصف الرقاب يقال: رجل أغلب، وامرأة ~~غلباء، أي: غليظة الرقبة. # قال عمرو بن معديكرب: [الكامل] # 5110- يسعى بها غلب الرقاب كأنهم # بزل كسين من الكحيل جلالا # ويقال للأسد: الأغلب؛ لأنه مصمت العنق لا يلتفت إلا جميعا؛ قال العجاج: ~~[الرجز] # 5111- ما زلت يوم البين ألوي صلبي # والرأس حتى صرت مثل الأغلب # والغلبة: القهر؛ أن ينال وتصيب عليه رقبته، هذا أصله، وحديقة غلباء: ~~ملتفة، وحدائق غلب، وقال ابن عباس: الغلب جمع أغلب، وغلباء، وهي الغلاظ، ~~وعنه أيضا: الطوال. # وقال قتادة: وابن زيد: الغلب: النخل الكرام. # وعن ابن زيد أيضا وعكرمة: عظام الأوساط، والجذوع. # وقال مجاهد: ملتفة. وتقدم الكلام على الحدائق في سورة " النمل ". # قوله: { وفاكهة وأبا }. الفاكهة: ما يأكله الناس من ثمار ~~الأشجار، كالتين، والخوخ، وغيرهما. # قال ابن الخطيب: وقد استدل بعضهم بأن الله - تعالى - لما ذكره ~~الفاكهة بعد ذكر العنب، والزيتون، والنخل، وجب ألا يدخل هذه الأشياء في ~~الفاكهة، وهذا أقرب من جهة الظاهر؛ لان المعطوف مغاير للمعطوف عليه. # وأما الأب: فقيل: الأب للبهائم بمنزلة الفاكهة للناس. # وقيل: هو مطلق المرعى. # قال الشاعر يمدح النبي صلى الله عليه وسلم: [الطويل] # 5112- له دعوة ميمونة ريحها الصبا # بها ينبت الله الحصيدة والأبا # وقيل: سمي المرعى أبا؛ لأنه يؤب، أي: يؤم وينتجع، والأب والأم ~~بمعنى؛ قال الشاعر: [الرمل] # 5113- جذمنا قيس ونجد دارنا # ولنا الأب به والمكرع # وأب لكذا يؤب ابا، وأب إلى وطنه، إذا نزع الشيء نزوعا: ~~تهيأ لقصده، وهكذا أب بسيفه: أي: تهيأ لسله، وقولهم: " إبان ذلك " ~~هو فعلان منه، وهو الشيء المتهيئ لفعله ومجيئه، وقيل: الأب: يابس ~~الفاكهة لأنها تؤب للشتاء، أي تعد. # وقيل: الأب ms9032 ما تأكله البهائم من العشب. # قال ابن عباس والحسن: الأب، كل ما أنبتت الأرض مما لا يأكله الناس، ~~وما يأكله الآدميون، هو: " الحصيد ". # وعن ابن عباس وابن أبي طلحة: الأب، الثمار الرطبة. # وقال الضحاك: هو التين خاصة. وهو محكي عن ابن عباس أيضا. وقيل: ~~الأب الفاكهة رطب الثمار ويابسها. # وقال إبراهيم التيمي: سئل أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - عن تفسير ~~الفاكهة والأب، فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب ~~الله ما لا أعلم. # وقال أنس: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقرأ هذه الآية، ثم قال: كل ~~هذا عرفناه فما الأب؟ ثم رفع عصا كانت بيده، ثم قال: هذا لعمر الله ~~التكليف، وما عليك يا ابن أم عمر ألا تدري ما الأب؟. # ثم قال: اتبعوا ما بين لكم في هذا الكتاب، وما لا فدعوه. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " خلقتم من سبع، ورزقتم من سبع فاسجدوا لله على ~~سبع ". # وإنما أراد بقوله عليه الصلاة والسلام: # " خلقتم من سبع " # يعني: # من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة # [الحج: 5] الآية. # والرزق من سبع، وهو قوله تعالى: { فأنبتنا فيها حبا وعنبا ~~وقضبا وزيتونا } إلى قوله " وفاكهة " ثم قال: " وأبا " وهو ~~يدل على أنه ليس برزق لابن آدم، وأنه مما تختص به البهائم، والله أعلم. # قوله: { متاعا لكم }: نصب على المصدر المؤكد؛ لأن إنبات هذه ~~الأشياء متاع لجميع الحيوانات، واعلم أنه - تعالى - لما ذكر ما يغتذي به ~~الناس والحيوان، قال جل من قائل: { متاعا لكم ولأنعامكم ~~}. # قال الفراء: جعلناه منفعة لكم ومتعة لكم ولأنعامكم، وهذا مثل ضربه الله ~~لبعث الموتى من قبورهم، كنبات الزرع بعد دثوره كما تقدم بيانه في غير ~~موضع. ### || [80.33-42] # قوله تعالى: { فإذا جآءت الصآخة }: وهي الصيحة التي تصخ ~~الآذان، أي: تصمها لشدة وقعتها. # وقيل: هي مأخوذة من صخه بالحجر أي: صكه به. # وقال الزمخشري: " صخ لحديثه مثل أصاخ له، فوصفت النفخة بالصاخة ~~مجازا؛ لأن الناس يصخون لها ". # وقال ابن العربي: ms9033 الصاخة: التي تورث الصمم، وإنها لمسمعة، وهذا ~~من بديع الفصاحة؛ كقول الشاعر: [البسيط] # 5114- أصمني سرهم أيام فرقتهم # فهل سمعتم بسر يورث الصمما # وقال آخر: [الطويل] # 5115- أصم بك الناعي وإن كان أسمعا # ................................. # وجواب " إذا " محذوف، يدل عليه قوله: " لكل امرئ منهم يومئذ ~~شأن يغنيه ". والتقدير: فإذا جاءت الصاخة اشتغل كل أحد بنفسه. # فصل في تعلق الآية # لما ذكر أمر المعاش ذكر أمر المعاد ليتزودوا له بالأعمال الصالحة، ~~والإنفاق مما امتن به عليهم. # وقال ابن الخطيب: لما ذكر تعالى هذه الأشياء، وكان المقصود منها أمور ~~ثلاثة: # أولها: الدلائل الدالة على التوحيد. # وثانيها: الدلائل الدالة على القدرة والمعاد. # وثالثها: أن هذا الإله الذي أحسن إلى عبيده بهذه الأنواع العظيمة من ~~الإحسان، لا يليق بالعاقل أن يتمرد عن طاعته، وأن يتكبر على عبيده ~~أتبع ذلك بما يكون كالمؤكد لهذه الأغراض، وهو شرح [أهوال الآخرة]، ~~فإن الإنسان إذا سمعها خاف، فيدعوه ذلك الخوف إلى التأمل في الدلائل، ~~والإيمان بها، والإعراض عن الكفر، ويدعوه أيضا إلى ترك التكبر على ~~الناس، وإلى إظهار التواضع فقال تعالى: { فإذا جآءت الصآخة } ~~يعني: صيحة القيامة، وهي النفخة الأخيرة، تصخ الأسماع أي: تصمها، ~~فلا تسمع إلا ما يدعى به الأحياء. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة شفقا من ~~الساعة إلا الجن والإنس ". # قوله: { يوم يفر المرء } بدل من " إذا " ، ولا يجوز أن يكون ~~" يغنيه " عاملا، في " إذا " ، ولا في " يوم "؛ لأنه صفة ل " شأن " ولا ~~يتقدم معمول الصفة على موصوفها. # والعامة على " يغنيه " من الإغناء. # وابن محيصن والزهري، وابن أبي عبلة وحميد، وابن السميفع: " يعنيه " ~~بفتح الياء والعين المهملة من قولهم: عناني في الأمر، أي: قصدني. # فصل في معنى الآية # قوله: " يفر " ، أي: يهرب في يوم مجيء الصاخة، " من أخيه " ~~أي: من موالاة أخيه، ومكالمته لأنه مشتغل بنفسه، لقوله بعده: { ~~لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه } ، أي: يشغله ~~عن غيره. # وقيل: إنما يفر حذرا من مطالبتهم إياه بالتبعات، يقول الأخ: ما ~~واسيتني ms9034 بمالك، والأبوان يقولان: قصرت في برنا، والصاحبة تقول: أطمعتني ~~الحرام، والبنون يقولون: ما علمتنا. # وقيل: لعلمه أنهم لا ينفعونه، ولا يغنون عنه شيئا، لقوله تعالى: # يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا # [الدخان: 41]. # وقال عبد الله بن طاهر: يفر منهم لما تبين له عجزهم، وقلة حيلتهم. # وذكر الضحاك عن ابن عباس، قال: يفر قابيل من أخيه هابيل، ويفر النبي ~~من أمه، ويفر إبراهيم من أبيه، ونوح من ابنه، ولوط من امرأته، ~~وآدم من سوءة بنيه. # قال ابن الخطيب: المراد: أن الذين كان المرء يفر إليهم في دار ~~الدنيا، ويستجير بهم، فإنه يفر منهم في دار الآخرة، وذكروا في فائدة ~~الترتيب كأنه قيل: { يوم يفر المرء من أخيه } ، بل من أبويه، ~~فإنهما أقرب من الأخوين، بل من الصاحبة والولد؛ لأن تعلق القلب ~~بهما أشد من تعلقه بالأبوين. ثم لما ذكر الفرار أتبعه بذكر سببه ~~فقال تعالى: { لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه ~~}. # قال ابن قتيبة: " يغنيه " أي: يصرفه عن قرابته، ومنه يقال: أغن عني ~~وجهك، أي: اصرفه. # وقال أهل المعاني: إن ذلك الهم الذي حصل له قد ملأ صدره، فلم يبق فيه ~~متسع لهم آخر، فصار شبيها بالغني في أنه ملك شيئا كثيرا. # قوله تعالى: { وجوه يومئذ مسفرة }. لما ذكر تعالى حال يوم ~~القيامة في الهول بين أن المكلفين فيه على قسمين: سعداء، وأشقياء، فوصف ~~سبحانه السعيد بقوله تعالى: { وجوه يومئذ مسفرة } أي: ~~مضيئة مشرقة، وقد علمت ما لها من الفوز، والنعيم، من أسفر الصبح: إذا ~~أضاء، وهي وجوه المؤمنين " ضاحكة " أي: مسرورة فرحة. # قال الكلبي: يعني بالفراغ من الحساب { مستبشرة } أي: بما آتاها ~~الله تعالى من الكرامة. # وقال عطاء الخراساني: " مسفرة " من طول ما اغبرت في سبيل الله. # وقال الضحاك: من آثار الوضوء. # وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: من قيام الليل، لقوله عليه الصلاة ~~والسلام: # " من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار ". # قوله تعالى: { ووجوه يومئذ عليها غبرة }. # قال المبرد: " الغبرة " الغبار، والقترة: سواد كالدخان. # وقال أبو عبيدة: القتر ms9035 في كلام العرب: الغبار، جمع القترة؛ قال ~~الفرزدق: [البسيط] # 5116- متوج برداء الملك يتبعه # موج ترى فوقه الرايات والقترا # وفي عطفه على الغبرة ما يرد هذا إلا أن يقال: اختلف اللفظ فحسن العطف، ~~كقوله: [الوافر] # 5117-............................ # ........كذبا ومينا # وقوله: [الطويل] # 5118-............................ # .......النأي والبعد # وهو خلاف الأصل، وفي الحديث: # " إن البهائم إذا صارت ترابا يوم القيامة حول ذلك ~~التراب في وجوه الكفار ". # وقال زيد بن أسلم: القترة: ما ارتفعت إلى السماء، والغبرة: ما انحطت ~~إلى الأرض، والغبار والعبرة واحد. # قال ابن عباس: " ترهقها " أي: تغشاها، " قترة " أي: كسوف ~~وسواد. # وعنه - أيضا -: ذلة وشدة. # وقيل: ترهقها، أي: تدركها عن قرب، كقولك: رهقته الخيل إذا ~~أدركته مسرعة، والرهق: عجلة الهلاك، القترة: سواد كالدخان، ولا ~~يرى أوحش من اجتماع الغبار والسواد في الوجه، كما ترى وجوه الزنوج إذا ~~غبرت، فجمع الله - تعالى - في وجوههم بين السواد، والغبرة، كما جمعوا بين ~~الكفر، والفجور، والله أعلم. # والعامة: على فتح التاء في " قترة " ، وأسكنها ابن أبي عبلة. # قوله: { أولئك هم الكفرة }: جمع كافر، " الفجرة ": ~~جمع فاجر، وهو الكاذب المفتري على الله تعالى. # وقيل: الفاسق: يقال: فجر فجورا، أي: فسق، وفجر: أي: كذب. ~~وأصله الميل، والفاجر المائل. # روى الثعلبي عن أبي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله ~~وسلم: # " من قرأ سورة { عبس وتولى } جاء يوم القيامة ~~ووجهه ضاحك مستبشر ". ### | [81 - سورة التكوير] ### || [81.1-14] # قوله تعالى: { إذا الشمس كورت }: في ارتفاع الشمس وجهان: # أصحهما: أنها مرفوعة بفعل مقدر مبني للمفعول، حذف وفسره ما بعده على ~~الاشتغال، والرفع على هذا الوجه، أعني: إضمار الفعل واجب عند البصريين؛ ~~لأنهم لا يجيزون أن يليها غيره، ويتأولون ما أوهم خلاف ذلك. # والثاني: أنها مرفوعة بالابتداء، وهو قول الكوفيين، والأخفش، لظواهر ~~جاءت في الشعر، وانتصر له ابن مالك. # قال الزمخشري: ارتفاع " الشمس " على الابتداء، أو الفاعلية؟. # قلت: بل على الفاعلية ثم ذكر نحو ما تقدم، ويعني بالفاعلية: ارتفاعها ~~بفعل الجملة، وقد مر أنه يسمي مفعول ما لم يسم فاعله فاعلا، ~~وارتفاع " النجوم " وما بعدها، ms9036 كما تقدم في " الشمس ". # فصل في تفسير معنى التكوير # قد تقدم تفسير التكوير في أول " تنزيل ". # قيل: التلفيف على جهة الاستدارة، كتكوير العمامة. # وفي الحديث: # " نعوذ بالله من الحور بعد الكور " # ، أي: من التشتت بعد الألفة. # وقيل: من فساد أمورنا بعد صلاحها. # والحور: بالحاء المهملة والراء؛ الطي واللف، والكور والتكوير ~~واحد. # وسميت كارة القصار: كارة؛ لأنه يجمع ثيابه في ثوب واحد. # ثم إن الشيء الذي يلف يصير مختفيا عن الأعين، فعبر عن إزالة النور عن ~~جرم الشمس، وغيبوبتها عن الأعين ب " التكوير ". # فلهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: تكويرها: إدخالها في العرش. # وقال الحسن: ذهاب ضوئها، وهو قول مجاهد وقتادة. # وروي عن ابن عباس أيضا وسعيد بن جبير: غورت. # وقال الربيع بن خيثم: " كورت ": رمي بها. # ومنه كورته فتكور: أي: سقط. # قال الأصمعي: يقال: طعنه فكوره وحوره أي: صرعه. # فمعنى " كورت ": أي: ألقيت ورميت عن الفلك. # وعن أبي صالح: " كورت " نكست. # وقال ابن الخطيب: وروي عن عمر - رضي الله عنه - أن لفظة " كورت " ~~مأخوذة من الفارسية، فإنه يقال للأعمى: كور. # قوله: { وإذا النجوم انكدرت } أي: تناثرت وتساقطت. # قال تعالى: # وإذا الكواكب انتثرت # [الانفطار: 2] # والأصل في الانكدار: الانصباب. # قال الخليل: انكدر عليهم القول إذا جاءوا أرسالا، وانصبوا عليهم. # وقال أبو عبيدة: انصب كما ينصب العقاب إذا كسرت؛ قال العجاج يصف ~~صقرا: [الرجز] # 5119- أبصر خربان فضاء فانكدر # تقضي البازي إذا البازي كسر # روى ابن عباس - رضي الله عنهما -: قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لا يبقى في السماء يومئذ نجم إلا سقط في الأرض ". # وروي ابن عباس - رضي الله عنهما -: أن النجوم قناديل معلقة بين السماء ~~والأرض بسلاسل من نور بأيدي الملائكة، فإذا مات من في السموات، ومن في ~~الأرض تساقطت تلك الكواكب من أيدي الملائكة؛ لأنه مات من كان يمسكها. # قال القرطبي: " ويحتمل أن يكون " انكدارها ": طمس آثارها، وسميت النجوم ~~نجوما لظهورها في السماء بضوئها. # وعن ابن عباس - أيضا -: " انكدرت ": تغيرت، فلم يبق لها ضوء ~~لزوالها عن أماكنها، ms9037 والمعنى متقارب. # قوله: { وإذا الجبال سيرت } ، يعني: قطعت عن وجه الأرض ~~وسيرت في الهواء، لقوله تعالى: # ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة # [الكهف: 47]، وقوله تعالى: # وسيرت الجبال فكانت سرابا # [النبأ: 20] في الهواء، لقوله تعالى: # وهي تمر مر السحاب # [النمل: 88]. # وقيل: سيرها أن تحول عن صفة الجبال للحجارة، فتكون كثيبا مهيلا، أي: ~~رملا سائلا، وتكون كالعهن، وتكون هباء منبثا، وتكون مثل السراب ~~الذي ليس بشيء، وعادت الأرض قاعا صفصفا، # لا ترى فيها عوجا ولا أمتا # [طه: 107]. # قوله تعالى: { وإذا العشار عطلت }. العشار: جمع عشراء، وهي: ~~الناقة التي مر لحملها عشرة أشهر، ثم هو اسمها إلى أن تضع في تمام ~~السنة وكذلك يقال في جمع نفساء. # قال القرطبي: وهو اسمها بعد ما تضع أيضا، ومن عادة العرب أن يسموا ~~الشيء باسمه المتقدم، وإن كان قد جاوز ذلك، يقول الرجل لفرسه وقد قرح: ~~قربوا مهري يسميه بمتقدم اسمه، وإنما خص العشار بالذكر؛ لأنها ~~أعز ما يكون عند العرب، وهذا على وجه المثل؛ لأن في القيامة لا تكون ~~ناقة عشراء، أو المعنى: أن يوم القيامة بحال لو كان للرجل ناقة عشراء ~~لعطلها، واشتغل بنفسه، يقال: ناقة عشراء، وناقتان عشراوتان، ونوق ~~عشار وعشراوات، يبدلون من همزة التأنيث واوا. # وقد عشرت الناقة تعشيرا: أي: صارت عشراء. # وقيل: " العشار ": السحاب، و " عطلت ": أي: لا تمطر. # والعرب تشبه السحاب بالحامل، قال تعالى: # فالحاملات وقرا # [الذاريات: 2]. # وقيل: الأرض تعطل زرعها. # والتعطيل: الإهمال، ومنه قيل للمرأة: عاطل إذا لم يكن عليها حلي. ~~وتقدم في " بئر معطلة ". # قال امرؤ القيس: [الطويل] # 5120- وجيد كجيد الرئم ليس بفاحش # إذا هي نصته ولا بمعطل # وقرأ ابن كثير في رواية: " عطلت " بتخفيف الطاء. # قال الرازي: هو غلط، إنما هو بفتحتين، بمعنى: " تعطلت "؛ لأن ~~التشديد فيه للتعدي، يقال: عطلت الشيء، وأعطله فعطل. # قوله تعالى: { وإذا الوحوش حشرت } ، الوحوش: ما لم يتأنس به ~~من حيوان البر، والوحش أيضا: المكان الذي لا أنس فيه، ومنه: لقيته ~~بوحش أي: ببلد قفر، والوحش: الذي يبيت وجوفه خاليا من طعام، وجمعه: ms9038 ~~أوحاش، وسمي به المنسوب إلى المكان الوحشي: وحشي، وعبر بالوحشي عن ~~الجانب الذي يضاد الإنسي، والإنسي: ما يقبل من الإنسان وعلى هذا وحشي ~~الفرس وإنسيه. # وقوله تعالى: { حشرت }. أي: جمعت، والحشر: الجمع قاله الحسن ~~وقتادة وغيرهما. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: حشرها موتها، رواه عكرمة، وحشر كل ~~شيء: الموت لغير الجن والإنس، فإنهما يوافيان يوم القيامة. # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: يحشر كل شيء حتى الذباب. # وعن ابن عباس - أيضا -: يحشر الوحوش غدا، أي: تجمع، حتى يقتص لبعضها ~~من بعض، فيقتص للجماء من القرناء ثم يقال لها: كوني ترابا فتموت. # وقرأ الحسن وابن ميمون: " حشرت " بتشديد الشين. # ومعنى الآية: أي: أن الوحوش إذا كانت هذه حالها فكيف ببني آدم؟. # وقيل: أي: أنها مع نفرتها اليوم من الناس، وتبددها في الصحاري، ~~تنضم غدا إلى الناس من أهوال ذلك اليوم؛ قاله أبي بن كعب. # قوله تعالى: { وإذا البحار سجرت }. # قرأ ابن كثير وأبو عمرو: " سجرت " بتخفيف الجيم. # والباقون: بتثقيلها على المبالغة والتنكير. # والمعنى: ملئت من الماء، والعرب تقول: سجرت الحوض أسجره سجرا إذا ~~ملأته، وهو مسجور، والمسجور والساجر في اللغة: الملآن. # وروى الربيع بن خيثم: " سجرت ": فاضت وملئت، قال تعالى: # وإذا البحار فجرت # [الانفطار: 3]. # وقال الحسن: اختلطت وصارت شيئا واحدا. # وقيل: أرسل عذبها على مالحها، ومالحها على عذبها حتى امتلأت. # وقال القشيري: يرفع الله الحاجز الذي ذكره - تعالى - في قوله: # بينهما برزخ لا يبغيان # [الرحمن: 20]، فإذا رفع ذلك البرزج تفجرت مياه البحار، فعمت الأرض ~~كلها، وصارت بحرا واحدا. # وعن الحسن وقتادة وابن حيان: تيبس، فلا يبقى من مائها قطرة. # قال القشيري: وهو من سجرت التنور أسجره سجرا: إذا أحميته، وإذا سلط ~~عليه الإيقاد نشف ما فيه من الرطوبة، وتقدم اشتقاق هذه المادة. # قال القفال: وهذا التأويل يحتمل وجوها: # الأول: أن تكون جهنم في قعر البحار، فهي الآن غير مسجرة بقوام الدنيا، ~~فإذا انتهت مدة الدنيا أوصل الله تعالى تأثير ذلك النيران إلى ~~البحار، فصارت مسجورة بالكلية، وهذا قول ابن ms9039 زيد، وعطية، وسفيان، ~~ووهب، وأبي، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس في رواية، والضحاك - رضي الله ~~عنهم - أوقدت فصارت نارا. # الثاني: قال ابن عباس: يكور الله تعالى الشمس، والقمر، والنجوم في ~~البحار، فتصير البحار مسجورة بسبب ذلك يبعث الله - تعالى - [لها] ريحا ~~دبورا، فتنفخه حتى تصير نارا، كذا جاء في الحديث. # الثالث: أن يخلق الله - تعالى - تحت البحار نيرانا عظيمة حتى تسجر تلك ~~المياه. # قال ابن الخطيب: وهذه وجوه متكلفة، ولا حاجة إلى شيء منها؛ لأن القادر ~~على تخريب الدنيا يقدر على أن يفعل في البحار ما شاء من تسجير مياهها، ~~ومن قلب مياهها نارا من غير حاجة إلى أن يلقي فيها الشمس والقمر، أو ~~يكون تحتها نار جهنم. # قال القرطبي: وروي عن ابن عمرو - رضي الله عنه -: لا يتوضأ بماء ~~البحر لأنه طبق جهنم. # وقال أبي بن كعب رضي الله عنه: ست آيات قبل يوم القيامة: بينما الناس ~~في أسواقهم إذا ذهب ضوء الشمس، فتحيروا ودهشوا، فبينما هم كذلك ~~ينظرون إذا تناثرت النجوم، وتساقطت، فبينما هم كذلك إذا وقعت الجبال على ~~وجه الأرض، فتحركت, واضطربت، واحترقت, فصارت هباء منبثا، ففزعت الجن ~~إلى الإنس، وفزعت الإنس إلى الجن، واختلط الدواب، والوحش، والهوام ~~والطير، وماج بعضها في بعض، فذلك قوله تعالى: { وإذا الوحوش ~~حشرت } ، ثم قالت الجن للإنس: نحن نأتيكم بالخبر، فانطلقوا إلى ~~البحار فإذا هي نار تأجج، فبينما هم كذلك إذا تصدعت الأرض صدعة واحدة ~~إلى الأرض السابعة السفلى، وإلى السماء السابعة العليا، فبينما هم كذلك ~~إذا جاءتهم ريح، فأماتتهم. # وقال ابن الخطيب: وهذه العلامات يمكن أن تكون عند خراب الدنيا، وأن تكون ~~بعد القيامة. # وقيل: معنى " سجرت " يحمر ماؤها حتى يصير كالدم، من قولهم: " ~~عين سجراء ". أي: حمراء. # قوله تعالى: { وإذا النفوس زوجت }. # العامة: على تشديد " الواو " من " زوجت " من التزويج. # وروي عن عاصم: " زووجت " على وزن " فوعلت ". # قال أبو حيان: " والمفاعلة " تكون من اثنين. # قال شهاب الدين: وهي قراءة مشكلة؛ لأنه لا ينبغي أن يلفظ بواو ~~ساكنة، ثم ms9040 أخرى مكسورة، وقد تقدم أنه متى اجتمع مثلان، وسكن أولهما وجب ~~الإدغام حتى في كلمتين، ففي كلمة واحدة أولى. # فصل في المراد بالآية # قال النعمان بن بشير: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " { وإذا النفوس زوجت } قال: " يقرن كل رجل مع كل ~~قوم كانوا يعملون كعمله " ". # قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: يقرن الفاجر مع الفاجر، ويقرن ~~الصالح مع الصالح. # وقال ابن عباس رضي الله عنه: ذلك حين يكون الناس أزواجا ثلاثة: ~~السابقون زوج صنفا، وأصحاب اليمين زوج، وأصحاب الشمال زوج. # وعنه أيضا قال: زوجت نفوس المؤمنين بالحور العين، وقرن الكفار ~~والمنافقون بالشياطين. # وقال الزجاج: قرنت النفوس بأعمالها. # وقيل: قرنت الأرواح بالأجساد أي: وقت ردت إليها قاله عكرمة. # وقيل غير ذلك. # قوله تعالى: { وإذا الموءودة سئلت بأى ذنب قتلت ~~}. # الموءودة: هي البنت تدفن حية من الوأد، وهو الثقل, لأنها تثقل ~~بالتراب والجندل. # يقال: وأد يئد، ك " وعد " " يعد ". # وقال الزمخشري: " وأد يئد " ، مقلوب من " آد يئود " إذا أثقل، قال الله ~~تعالى: # ولا يؤوده حفظهما # [البقرة: 255]؛ لأنه إثقال بالتراب. # قال أبو حيان: ولا يدعى ذلك؛ لأن كلا منهما كامل التصرف في الماضي، ~~والأمر، والمضارع والمصدر واسم الفاعل، واسم المفعول، وليس فيه شيء من ~~مسوغات إدغام القلب، والذي يعلم به الأصالة من القلب أن يكون أحد النظمين ~~فيه حكم يشهد له بالأصالة، والآخر ليس كذلك، أو أكثر استعمالا من ~~الآخر، وهذا على ما قرروه في أحكام علم التصريف. # فالأول: ك " يئس وأيس ". # والثاني: ك " طأمن واطمأن ". # والثالث: ك " شوائع وشواعي ". # والرابع: ك " لعمري، ورعملي ". # قرأ العامة: " الموءودة " بهمزة بين واوين ساكنتين, كالموعودة. # وقرأ البزي في رواية بهمزة مضمومة، ثم واو ساكنة. وفيه وجهان: # أحدهما: أن تكون كقراءة الجماعة، ثم نقل حركة الهمزة إلى " الواو " ~~قبلها، وحذفت الهمزة فصار اللفظ: " الموودة " بواو مضمومة، ثم أخرى ~~ساكنة، فقلبت " الواو " المضمومة همزة، نحو " أجوه " في " وجوه " ~~فصار اللفظ كما ترى، ووزنها الآن " مفعولة "؛ لأن المحذوف " عين ". # والثاني: أن تكون الجملة اسم مفعول من " آده ms9041 يئوده " مثل " قاده ~~يقوده " ، والأصل: " مأوودة " ، مثل: " مقوودة " ، ثم حذف إحدى ~~الواوين على الخلاف المشهور في الحذف من نحو: " مقول، ومصون " ، ~~فوزنها الآن إما " مفعلة " ، إن قلنا: إن المحذوف الواو الزائدة، ~~وإما " مفولة " إن قلنا: إن المحذوف عين الكلمة، وهذا يظهر فضل علم ~~التصريف. وقرأ الموودة - بضم الواو الأولى - على أنه نقل حركة الهمزة بعد ~~حذفها، ولم يقلب الواو همزة. # وقرأ الأعمش: " المودة " ، [بسكون الواو]، وتوجيهه: أنه حذف الهمزة ~~اعتباطا، فالتقى ساكنان، فحذف ثانيهما، ووزنها " المفلة ": لأن ~~الهمزة عين الكلمة، وقد حذفت. # وقال مكي: بل هو تخفيف قياسي، وذلك أنه نقل حركة " الهمزة " إلى " الواو ~~" لم يهمزها، فاستثقل الضمة عليها فسكنها، فالتقى ساكنان، فحذف الثاني. # وهذا كله خروج عن الظاهر. # وإنما يظهر في ذلك ما نقله الفراء من أن حمزة وقف عليها كالموزة. # قالوا: لأجل الخط لأنها رسمت كذلك، والرسم سنة متبعة. # والعامة على: " سئلت " مبنيا للمفعول، مضموم السين. # والحسن: يكسرها من سال يسال. # وقرأ أبو جعفر: " قتلت " - بتشديد التاء - على التكثير؛ لأن المراد ~~اسم الجنس، فناسبه التكثير. # وقرأ علي وابن مسعود وابن عباس - رضي الله عنهم - " سألت " مبنيا ~~للفاعل، " قتلت " بضم التاء الأخيرة والتي للمتكلم، حكاية لكلامها. # وعن أبي وابن مسعود - أيضا - وابن يعمر: " سألت " مبنيا للفاعل، " ~~قتلت " بتاء التأنيث الساكنة، كقراءة العامة. # فصل في وأد أهل الجاهلية لبناتهم # كانوا يدفنون بناتهم أحياء لخصلتين: # إحداهما: كانوا يقولون: الملائكة بنات الله، فألحقوا البنات به؛ تبارك ~~وتعالى عن ذلك. # والثانية: مخافة الحاجة والإملاق، وإما خوفا من السبي ~~والاسترقاق. # قال ابن عباس: كانت المرأة في الجاهلية إذا حملت حفرت حفرة، وتمخضت ~~على رأسها فإن ولدت جارية رمت بها في الحفرة، وردت التراب عليها، وإن ~~ولدت غلاما حبسته، ومنه قول الراجز: [الرجز] # 5121- سميتها إذ ولدت تموت # والقبر صهر ضامن زميت # وقيل: كان الرجل إذا ولدت له بنت فأراد إبقاء حياتها ألبسها جبة من ~~صوف، أو شعر، ترعى له الإبل والغنم في البادية، وإذا أراد قتلها تركها ~~حتى إذا بلغت قامتها ستة أشبار فيقول ms9042 لأمها: طيبيها، وزينيها حتى ~~أذهب بها إلى أقاربها [وقد حفر لها بئرا الصحراء]، فيذهب بها إلى البئر، ~~فيقول لها: انظري فيها، ثم يدفعها من خلفها، ويهيل عليها التراب حتى ~~تستوي البئر بالأرض. # وكان صعصعة بن ناجية ممن يمنع الوأد؛ فافتخر الفرزدق به في قوله: ~~[المتقارب] # 5122- ومنا الذي منع الوائدات # وأحيا الوئيد فلم يوأد # فصل # روي # " أن قيس بن عاصم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول ~~الله: إني وأدت ثماني بنات كن لي في الجاهلية، قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " فأعتق عن كل واحدة منهن رقبة " ، قال: يا ~~رسول الله إني صاحب إبل، قال عليه الصلاة والسلام: " فأهد عن كل ~~واحدة منهن بدنة إن شئت " ". # واعلم أن سؤال الموءودة سؤال توبيخ لقاتلها، كما يقال للطفل إذا ضرب: ~~لم ضربت، وما ذنبك؟. # قال الحسن: أراد الله توبيخ قاتلها؛ لأنها قتلت بغير ذنب. # وقال أبن أسلم: بأي ذنب ضربت، وكانوا يضربونها. # وقيل في قوله تعالى: { سئلت } معناه: طلبت، كأنه يريد كما يطلب ~~بدم القتيل، وهو كقوله تعالى: # وكان عهد الله مسئولا # [الأحزاب: 15] أي: مطلوبا، فكأنها طلبت منهم، فقيل: أين أولادكم؟. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن المرأة التي تقتل ولدها تأتي يوم القيامة ~~متعلق ولدها بثدييها، ملطخا بدمائه، فيقول: يا ~~رب، هذه أمي، [وهذه] قتلتني ". # والأول قول الجمهور، كقوله تعالى لعيسى ابن مريم: # أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين # [المائدة: 116]، على جهة التوبيخ، والتبكيت لهم، فكذلك سؤال الموءودة: ~~توبيخ لوائدها وهو أبلغ من سؤالها عن قتلها؛ لأن هذا مما لا يصح إلا ~~بذنب، أي: فبأي ذنب كان ذلك، فإذا ظهر أنه لا ذنب لها كان أعظم في ~~البينة وظهور الحجة على قاتلها، وفي الآية دليل على أن الأطفال المشركين ~~لا يعذبون، وعلى أن التعذيب لا يستحق إلا بذنب. # قوله تعالى: { وإذا الصحف نشرت }. # قرأ الأخوان وابن كثير وأبو عمرو: بالتثقيل، على تكرار النشر للمبالغة ~~في تقريع العاصي، وتبشير المطيع. # وقيل: لتكرير ذلك من الإنسان. ms9043 # والباقون: بالتخفيف. ونافع وحفص وابن ذكوان " سعرت " بالتثقيل، ~~والباقون بالتخفيف. # قوله: { نشرت } ، أي: فتحت بعد أن كانت مطوية، والمراد: صحف ~~الأعمال التي كتبت الملائكة فيها أعمال العباد من خير أو شر، تطوى ~~بالموت، وتنشر في يوم القيامة، فيقف كل إنسان على صحيفته، فيعلم ما فيها، ~~فيقول: # مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ~~إلا أحصاها # [الكهف: 49]. # قوله تعالى: { وإذا السمآء كشطت } ، أي قشرت، من قولهم: كشط ~~جلد الشاة، أي: سلخها. وقرأ الله " قشطت " - بالقاف - وقد تقدم أنهما ~~متعاقبان كثيرا، وأنه قرئ: وقافورا [وكافورا] في # هل أتى على الإنسان # [الإنسان: 1]. [يقال: لبكت الثريد ولبقته]. # قال القرطبي: " يقال: كشطت البعير كشطا، نزعت جلده، ولا يقال: ~~سلخته، لأن العرب لا تقول في البعير إلا كشطته أو جلدته " ، والمعنى: ~~أزيلت عما فوقها. # قال الفراء: طويت. # قوله تعالى: { وإذا الجحيم سعرت } ، أي: أوقدت، فأضرمت ~~للكفار، وزيد في إحمائها يقال: سعرت النار وأسعرتها. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أوقد على النار ألف سنة حتى اسودت فهي مظلمة ". # احتج بهذه الآية من قال: إن النار مخلوقة الآن؛ لأنه يدل على أن ~~سعيرها معلق بيوم القيامة. # قوله تعالى: { وإذا الجنة أزلفت } ، أي: أدنيت وقربت من ~~المتقين. # قال الحسن - رضي الله عنه - [إنهم يقربون منها لا أنها تزول عن موضعها. # وقال عبد الله بن زيد]: زينت، والزلفى في كلام العرب: القربة. # قوله تعالى: { علمت نفس مآ أحضرت } ، هذا جواب " إذا " ~~أول السورة وما عطف عليها، والمعنى: ما عملت من خير وشر. وروي عن ~~ابن عباس وعمر - رضي الله عنهما - أنهما قرآها، فلما بلغا " علمت نفس ما ~~أحضرت " قالا: لهذا أجريت القصة. # قال ابن الخطيب: ومعلوم أن العمل لا يمكن إحضاره، فالمراد: إذا ما ~~أحضرته في صحائفها، أو ما أحضرته عند المحاسبة، وعند الميزان من آثار تلك ~~الأعمال، أو المراد: ما أحضرت من استحقاق الجنة والنار، فإن كل ~~نفس تعلم ما أحضرت، لقوله تعالى: # يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا # [آل عمران: 30]. # والتنكير في ms9044 قوله: " نفس " من عكس كلامهم الذي يقصدون به المبالغة، ~~وإن كان اللفظ موضوعا للتقليل، لقوله تعالى: # ربما يود الذين كفروا # [الحجر: 2]، أو يكون المراد: أن الكفار كانوا يتعبون أنفسهم بما ~~يظنونه طاعة، ثم يظهر لهم في القيامة خلاف ذلك. ### || [81.15-25] # قوله: { فلا أقسم بالخنس } ، أي: " أقسم " ، و " لا " زائدة ~~كما تقدم. # " والخنس ": جمع خانس، والخنوس: الانقباض، يقال: خنس بين القوم، ~~وانخنس. # وفي الحديث: " فانخنست " ، أي: استخفيت. يقال: خنس عنه يخنس ~~- بالضم - خنوسا. # والخنس: تأخر الأنف عن الشفة مع ارتفاع الأرنبة قليلا. # ويقال: رجل أخنس، وامرأة خنساء، ومنه: الخنساء الشاعرة. # والخنس في القرآن، قيل: الكواكب السبعة السيارة القمران، وزحل، ~~والمشتري والمريخ، والزهرة، وعطارد؛ لأنها تخنس في المغيب أو لأنها تختفي ~~نهارا. # وعن علي رضي الله عنه: هي زحل، والمشتري، والمريخ، والزهرة وعطارد. # وفي تخصيصها بالذكر من بين سائر النجوم وجهان: # أحدهما: لأنها تستقبل الشمس، قاله بكر بن عبد الله المزني. # الثاني: تقطع المجرة، قاله ابن عباس. # وقيل: خنوسها: رجوعها، وكنوسها: اختفاؤها تحت ضوء الشمس. # قال ابن الخطيب: الأظهر أن ذلك إشارة إلى رجوعها واستقامتها. # وقال الحسن وقتادة: هي النجوم كلها؛ لأنها تخنس بالنهار إذا غربت، وتظهر ~~بالليل، وتكنس في وقت غروبها، أي: تتأخر عن البصر لخفائها، وتكنس أي: ~~تستتر، كما تكنس الظباء في المغارة، وهي الكناس، والكنس: الداخلة في ~~الكناس، وهي بيت الوحش، والجواري: جمع جارية. # وعن ابن مسعود: هي بقر الوحش؛ لأن هذه صفتها. # وروي عن عكرمة قال: الخنس: البقر، والكنس: هي الظباء، فهي خنس ~~إذا رأين الإنسان خنسن، وانقبضن وتأخرن ودخلن كناسهن. # قال القرطبي: " والخنس " على هذا: من الخنس في الأنف، وهو تأخير ~~الأرنبة، وقصر القصبة، وأنوف البقر والظباء خنس، والقول الأول أظهر ~~لذكر الليل والصبح بعده. # وحكي الماوردي: أنها الملائكة، والكنس: الغيب، مأخوذة من الكناس، ~~وهو كناس الوحش الذي يختفي فيه، والكنس: جمع كانس وكانسة. # قوله تعالى: { والليل إذا عسعس }. يقال: عسعس وسعسع، ~~أي: أقبل. # قال العجاج: [الرجز] # 5123- حتى إذا الصبح لها تنفسا # وانجاب عنها ليلها وعسعسا # أي: ms9045 أدبر. # قال الفراء: أجمع المفسرون على أن معنى " عسعس ": أدبر حكاه الجوهري. # وقيل: دنا من أوله وأظلم، وكذلك السحاب إذا دنا من الأرض. # وقيل: " أدبر " من لغة قريش خاصة. # وقيل: أقبل ظلامه، ورجحه مقابلته بقوله تعالى { والصبح إذا ~~تنفس } ، وهذا قريب من إدباره. # وقيل: هو لهما على طريق الاشتراك. # قال الخليل وغيره: عسعس الليل: إذا أقبل، أو أدبر. # قال المبرد: هو من الأضداد، والمعنيان يرجعان إلى شيء واحد، وهو ابتداء ~~الظلام في وله، وإدباره في آخره. # قال الماوردي: وأصل العس: الامتلاء. # ومنه قيل للقدح الكبير: عس، لامتلائه بما فيه، فأطلق على إقبال الليل ~~لابتداء امتلائه، وأطلق على إدباره لانتهاء امتلائه، فعلى هذا يكون القسم ~~بإقبال الليل وبإدباره، وهو قوله تعالى: { والصبح إذا تنفس } ~~لا يكون فيه تكرار. # وعسعس: اسم موضع البادية، وأيضا: هو اسم رجل. # ويقال للذئب: العسعس والعسعاس؛ لأنه يعس في الليل ويطلب. # ويقال للقنافذ: العساعس، لكثرة ترددها بالليل، والتعسعس: الشم, ~~والتعسعس - أيضا -: طلب الصيد. # قوله تعالى: { والصبح إذا تنفس } ، أي امتد حتى يصير نهارا ~~واضحا. # يقال للنهار إذا زاد: تنفس، ومعنى التنفس: خروج النسيم من الجوف. # وفي كيفية المجاز قولان: # الأول: أنه إذا أقبل الصبح أقبل بإقباله روح ونسيم، فجعل ذلك نفسا له ~~على المجاز، فقيل: تنفس الصبح. # الثاني: أنه شبه الليل المظلم بالمكروب المحزون الذي خنس بحيث لا ~~يتحرك، فإذا تنفس وجد راحة، فهاهنا لما طلع الصبح، فكأنه تخلص من ذلك ~~الحزن فعبر عنه بالتنفس. # وقيل: { إذا تنفس } أي إذا انشق وانفلق، ومنه تنفست القوس: ~~أي: تصدعت. [وهذا آخر القسم]. # قوله تعالى: { إنه لقول رسول كريم }. قال الحسن وقتادة ~~والضحاك: الرسول الكريم: جبريل. # والمعنى: إنه لقول رسول كريم من الله كريم على الله، وأضاف الكلام ~~إلى جبريل، ثم عزاه عنه فقال: # تنزيل من رب العالمين # [الواقعة: 80] ليعلم أهل التحقيق في التصديق أن الكلام لله تعالى. # وقيل: هو محمد صلى الله عليه وسلم، فمن جعله جبريل، فقوته ظاهرة؛ لما ~~روى الضحاك عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: ms9046 من قوته قلعه مدائن قوم ~~لوط بقوادم جناحه. # وقوله تعالى: { عند ذي العرش } أي: عند الله سبحانه وتعالى. # " مكين " أي: ذي منزلة ومكانة. # وروى أبو صالح قال: يدخل سبعين سرادقا بغير إذن. # وقيل: المراد: القوة في أداء طاعة الله تعالى، وترك الإخلال بها من أول ~~الخلق إلى آخر زمان التكليف. # وقوله تعالى: { عند ذي العرش } هذه العندية ليست عندية الجهة، بل ~~عندية الإشراف، والتكريم، والتعظيم. # وقوله تعالى: " أنا عند المنكسرة قلوبهم " ، وقوله سبحانه: { مكين }: ~~قال الكسائي: يقال: مكن فلان عند فلان - بضم الكاف - تمكنا ومكانة، ~~فعلى هذا هو ذو الجاه الذي يعطي ما يسأل. # قوله تعالى: { مطاع ثم }؛ أي: في السموات. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: من طاعة الملائكة جبريل - عليه السلام - ~~أنه لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم قال جبريل لرضوان خازن ~~الجنان: افتح له ففتح، فدخلها، فرأى ما فيها وقال لمالك خازن النار: ~~افتح له ففتح، فدخلها، ورأى ما فيها. # وقوله تعالى: { أمين } ، أي: مؤتمن على الوحي الذي يجيء به. # ومن قال: إن المراد محمد صلى الله عليه وسلم فقال: " ذ قوة " على ~~تبليغ الوحي " مطاع " أي: يطيعه من أطاع الله عز وجل. # { وما صاحبكم بمجنون } حتى يتهم في قوله، وهو من جواب ~~القسم والضمير في قوله: " إنه " يعود إلى القرآن الذي نزل به جبريل - ~~عليه السلام - على محمد صلى الله عليه وسلم. # وقيل: يعود إلى الذي أخبركم به محمد صلى الله عليه وسلم من أن أمر ~~الساعة في هذه السورة ليس بكهانة، ولا ظن، ولا افتعال، إنما هو قول ~~جبريل أتاه به وحيا من الله تعالى. # فصل فيمن استدل بالآية على تفضيل جبريل على سيدنا محمد # قال ابن الخطيب: احتج بهذه الآية من فضل جبريل - عليه الصلاة والسلام - ~~على محمد صلى الله عليه وسلم فقال: إذا وازنت بين قوله سبحانه: { إنه ~~لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين ~~مطاع ثم أمين } ، وبين قوله تعالى: { وما صاحبكم ~~بمجنون } ظهر التفاوت العظيم. # قوله: " عند ms9047 ذي ": يجوز أن يكون نعتا ل " رسول " ، وأن يكون حالا من ~~" مكين " ، وأصله الوصف، فلما قدم نصب حالا. # قوله: { ثم أمين }. العامة: على فتح الثاء؛ لأنه ظرف مكان ~~للبعد، والعامل فيه " مطاع ". # وأبو البرهسم، وأبو جعفر وأبو حيوة: بضمها، جعلوها عاطفة، والتراخي هنا ~~في الرتبة؛ لأن الثانية أعظم من الأولى. # قوله تعالى: { ولقد رآه بالأفق المبين } ، أي: لقد رأى ~~جبريل في صورته في ستمائة جناح { بالأفق المبين } أي: حيث تطلع ~~الشمس من قبل المشرق. # وقيل: " بالأفق المبين "؛ أقطار السماء ونواحيها. # قال الماوردي: فعلى هذا ففيه ثلاثة أقوال: # الأول: أنه رآه في الأفق الشرقي. قاله سفيان. # الثاني: في أفق السماء الغربي، حكاه ابن شجرة. # الثالث: أنه رآه نحو " أجياد " ، وهو مشرق " مكة " ، قاله مجاهد. # وقيل: إن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه - عز وجل - بالأفق ~~المبين، وهو قول ابن مسعود وقد تقدم ذلك في سورة " والنجم ". # وفي " المبين " قولان: # أحدهما: أنه صفة للأفق، قاله الربيع. # الثاني: أنه صفة لمن رآه، قاله مجاهد. # قوله تعالى: { وما هو على الغيب بضنين }. # قرأ ابن كثير، وأبو عمر، والكسائي: بالظاء، بمعنى متهم, من ظن بمعنى: ~~اتهم، فيتعدى لواحد. # وقيل: معناه بضعيف القوة عن التبليغ من قولهم: " بئر ظنون " أي: قليلة ~~الماء، والظنة التهمة، واختاره أبو عبيدة وفي مصحف عبد الله كذلك. # والباقون: بالضاد، بمعنى: بخيل بما يأتيه من قبل ربه، من ضننت بالشيء ~~أضن ضنا، يعني: لا يكتمه كما يكتم الكاهن ذلك، ويمتنع من إعلامه حتى ~~يأخذ عليه حلوانا، إلا أن الطبري قال: بالضاد خطوط المصاحف كلها. # وليس كذلك لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها، وهذا دليل ~~على التمييز بين الحرفين خلافا لمن يقول: إنه لو وقع أحدهما موقع الآخر ~~بحال لجاز لعسر معرفته، وقد شنع الزمخشري على من يقول ذلك، وذكر بعض ~~المخارج، وبعض الصفات بما يطول ذكره. # و { على الغيب } متعلق ب " ظنين " ، أو " ضنين ". # و " الغيب ": القرآن، وخبر السماء هذا صفة محمد صلى الله عليه وسلم. # وقيل: ms9048 صفة جبريل عليه السلام. # قوله تعالى: { وما هو بقول شيطان رجيم } ، أي: ~~مرجوم، والضمير في " هو " للقرآن، قالت قريش: إن هذا القرآن يجيء ~~به شيطان، فيلقيه على لسانه، فنفى الله ذلك، يريدون بالشيطان: الأبيض ~~الذي كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة جبريل يريد أن يفتنه. # فصل في الكلام على الآية # قال ابن الخطيب: إن قيل: إنه حلف على أن القرآن قول جبريل - عليه ~~السلام - فوجب علينا أن نصدقه، فإن لم نقطع بوجوب حمل اللفظ على الظاهر، ~~فلا أقل من الاحتمال، وإن كان كذلك ثبت أن هذا القرآن يحتمل أن يكون ~~كلام جبريل لا كلام الله تعالى، وبتقدير أن يكون كلام جبريل لا يكون ~~معجزا، ولا يمكن أن يقال بأن جبريل معصوم؛ لأن عصمته متفرعة على صدق ~~النبي صلى الله عليه وسلم وصدق النبي صلى الله عليه وسلم على كون القرآن ~~معجزا، وكون القرآن معجزا متفرع على عصمة جبريل، فيلزم دور. # فالجواب: أن الإعجاز ليس في الفصاحة، بل في سلب تلك الدواعي عن ~~القلوب، وذلك مما لا يقدر عليه أحد إلا الله تعالى، لأن سلب القدرة عما ~~هو مقدور لا يقدر عليه إلا الله تعالى. # ثم قال في قوله تعالى: { وما هو بقول شيطان رجيم }: فإن ~~قيل: القول بصحة النبوة موقوف على نفي هذا الاحتمال فكيف يمكن نفيه ~~بالدليل السمعي؟. # قلنا: قد بينا أنه على القول بالصرف لا يتوقف صحة النبوة على نفي ~~هذا الاحتمال بالدليل السمعي. ### || [81.26-29] # قوله تعالى: { فأين تذهبون } " أين ": منصوب ب " تذهبون "؛ ~~لأنه ظرف مبهم. # وقال أبو البقاء: أي: إلى أين؟ فحذف حرف الجر، كقولك: ذهبت " الشام " ~~، ويجوز أن يحمل على المعنى، كأنه قال: أين تؤمنون، يعني: أنه على الحذف، ~~أو على التضمين، وإليه نحا مكي أيضا. # ولا حاجة إلى ذلك ألبتة لأنه ظرف مبهم لا مختص. # فصل في تفسير الآية # قال قتادة: فإلى أين تعدلون عن هذا القول، وعن طاعته. # وقال الزجاج: فأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بينت لكم. # ويقال: ms9049 أين تذهب وإلى أين تذهب. # وحكى الفراء عن العرب: ذهبت " الشام " ، وخرجت " العراق " ، وانطلقت ~~السوق، أي: إليها؛ وأنشد لبعض بني عقيل: [الوافر] # 5124- تصيح بنا حنيفة إذ رأتنا # وأي الأرض تذهب للصياح # يريد: إلى أي أرض تذهب، فحذف " إلى ". # قوله: { إن هو إلا ذكر } ، يعني: القرآن ذكر للعالمين، أي: ~~موعظة، وزجر. و " إن " بمعنى: " ما ". # وقيل: ما محمد إلا ذكر. # قوله: { لمن شآء منكم } بدل من " للعالمين " بإعادة العامل، وعلى ~~هذا فقوله: { أن يستقيم }: مفعول " شاء " أي: لمن شاء الاستقامة، ~~ويجوز أن يكون " لمن شاء " خبرا مقدما، ومفعول شاء محذوف، وأن يستقيم ~~مبتدأ، وتقدم نظيره والمعنى: لمن شاء منكم أن يستقيم. # قال أبو جهل: الأمر إلينا إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم وهذا هو ~~القدر، وهو رأس القدرية، فنزلت: { وما تشآءون إلا أن يشآء ~~الله رب العالمين } ، فبين بهذا أنه لا يعمل العبد خيرا إلا ~~بتوفيق الله تعالى، ولا شرا إلا بخذلانه. # قوله: { إلا أن يشآء الله } ، أي: إلا وقت مشيئة الله تعالى. # وقال مكي: " أن " في موضع خفض بإضمار " الباء " ، أو في موضع نصب بحذف ~~الخافض. # يعني: أن الأصل " إلا بأن " ، وحينئذ تكون للمصاحبة. # فصل في تفسير الآية # قال الحسن: والله ما شاءت العرب الإسلام حتى شاء الله تعالى لها. # وقال وهب بن منبه - رضي الله عنه -: قرأت في تسعة وثمانين كتابا مما ~~أنزل الله - تعالى - على الأنبياء: من جعل إلى نفسه شيئا فقد كفر، وفي ~~التنزيل: # ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة وكلمهم ~~الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ~~ليؤمنوا إلا أن يشآء الله # [الأنعام: 111]. # وقال تعالى: # وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله # [يونس: 100]. # وقال تعالى: # إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من ~~يشآء # [القصص: 56]، والآي في هذا كثيرة, وكذلك الأخبار وأن الله - تعالى - ~~هدى بالإسلام، وأضل بالكفر. # قال ابن الخطيب: وهذا عين مذهبنا؛ لأن الأفعال موقوفة على مشيئتنا، ~~ومشيئتنا موقوفة على مشيئة الله، والموقوف على الشيء موقوف على ذلك ~~الشيء، فأفعال العباد ms9050 ثبوتا ونفيا موقوفة على مشيئة الله تعالى، وحمل ~~المعتزلة ذلك على أنها مخصوصة بمشيئة الإلجاء والقهر، وذلك ضعيف؛ لأن ~~المشيئة الاختيارية حادثة، فلا بد من محذوف، فيعود الكلام. والله تعالى ~~أعلم. # روى الثعلبي عن أبي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من قرأ { إذا الشمس كورت } ، أعاذه الله أن يفضحه ~~حين تنشر صحيفته " # والله أعلم بالصواب. ### | [82 - سورة الإنفطار] ### || [82.1-5] # قوله تعالى: { إذا السمآء انفطرت } ، معناه: إذا وقعت هذه ~~الأشياء التي هي أشراط الساعة يحصل الحشر والنشر، ومعنى " انفطرت ": ~~انشقت لنزول الملائكة، كقوله تعالى: # ويوم تشقق السمآء بالغمام # [الفرقان: 25]، # فإذا انشقت السمآء فكانت وردة كالدهان # [الرحمن: 37] # وفتحت السمآء فكانت أبوابا # [النبأ: 19]، # السمآء منفطر به # [المزمل: 18]. # قال الخليل: ولم يأت هذا على الفعل بل هو كقولهم: مرضع، وحائض، ولو ~~كان على الفعل لكان " منفطر ". # وقال القرطبي: " تفطرت لهيبة الله تعالى: والفطر: الشق، يقال: فطرته ~~فانفطر، ومنه: فطر ناب البعير إذا طلع، فهو بعير فاطر، وتفطر الشيء. ~~تشقق، وسيف فطار، أي فيه شقوق ". وقد تقدم. # قوله تعالى: { وإذا الكواكب انتثرت } تساقطت؛ لأن عند ~~انتقاض تركيب السماء تنتثر النجوم على الأرض، يقال: نثرت الشيء أنثره ~~نثرا فانتثر. والنثار - بالضم - ما تناثر من الشيء. # قوله تعالى: { وإذا البحار فجرت }. # العامة على بنائه للمفعول مثقلا. # وقرأ مجاهد: مبنيا للفاعل مخففا من الفجور، نظرا إلى قوله تعالى: # بينهما برزخ لا يبغيان # [الرحمن: 20]، فلما زال البرزخ بغيا. # وقرأ مجاهد - أيضا - والربيع بن خيثم، والزعفراني، والثوري: مبنيا ~~مخففا. # ومعنى " فجرت " أي: دخل بعضها في بعض، واختلط العذب بالملح، فصار ~~واحدا بارتفاع الحاجز الذي جعله الله تعالى برزخا بينهما. # وقيل: إن مياه البحار الآن راكدة مجتمعة، فإذا انفجرت تفرقت، وذهب ~~ماؤها. # وقال الحسن: فجرت: يبست. # قوله تعالى: { وإذا القبور بعثرت }. أي: قلبت: يقال: ~~بعثره وبحثره -بالعين والحاء - قال الزمخشري: وهما مركبان من العبث ~~والبحث، مضموم إليهما راء، يعني أنهما مما اتفق معناهما؛ لأن الراء مزيدة ~~فيهما، إذ ليست من حروف الزيادة وهذا ك " دمث ms9051 " و " دمثر " و " ~~بسط " و " بسطر ". # فصل في المراد ببعثرة القبور # والمعنى: قلب أعلاها وأسفلها، وقلب ظاهرها وباطنها, وخرج ما فيها من ~~الموتى أحياء. # وقيل: التبعثر: إخراج ما في باطنها من الذهب والفضة ثم يخرج الموتى بعد ~~ذلك. # وقوله تعالى: { علمت نفس ما قدمت وأخرت }: جواب " ~~إذا " ، والمعنى: ما قدمت من عمل صالح، أو شيء، أو أخرت من سيئة أو حسنة. ~~وقيل: ما قدمت من الصدقات وأخرت من التركات على ما تقدم في قوله تعالى: # ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر # [القيامة: 13]. # والمقصود منه الزجر عن المعصية، والترغيب في الطاعة. # فإن قيل: أي وقت من القيامة يحصل هذا العلم؟. # قال ابن الخطيب: أما العلم الإجمالي، فيحصل في أول زمان الحشر؛ لأن ~~المطيع يرى آثار السعادة في أول الأمر والعاصي يرى آثار الشقاوة في أول ~~الأمر، وأما العلم التفصيلي، فإنما يحصل عند قراءة الكتب، والمحاسبة. ### || [82.6-8] # قوله تعالى: { يأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم ~~} أي: المتجاوز. # والعامة: على " غرك " ثلاثيا، و " ما " الاستفهامية: في محل رفع على ~~الابتداء. # وقرأ ابن جبير، والأعمش: " ما أغرك " ، فاحتمل أن تكون استفهامية، ~~وأن تكون تعجبية، ومعنى " أغره ": أدخله في الغرة، أو جعله غارا. # فصل في مناسبة الآية لما قبلها # لما أخبر في تلك الآية أولى عن وقوع الحشر والنشر، ذكر هاهنا ما يدل ~~عقلا ونقلا على إمكانه، أو على وقوعه، وذلك من وجهين # الأول: أن الإله الكريم الذي لا يجوز من كرمه أن يقطع مواد نعمه عن ~~المذنبين، كيف يجوز في كرمه ألا ينتقم من الظالم؟. # الثاني: أن القادر على خلق هذه البنية الإنسانية، ثم سواها، وعدلها، ~~إما أن يقال: إنه - تعالى - خلقها لا لحكمة، وذلك عبث، وهو على الله ~~تعالى محال؛ لأنه - تعالى - منزه عن العبث، أو خلقها لحكمة، فتلك ~~الحكمة أن تكون عائدة على الله تعالى، وذلك باطل؛ لأنه منزه عن ~~الاستكمال والانتفاع، فتعين أن تكون الحكمة عائدة إلى العبد، وتلك الحكمة ~~أن تظهر في الدنيا، فذلك باطل؛ لأن الدنيا دار بلاء وامتحان ms9052 لا دار ~~انتفاع وجزاء، فثبت أن تلك الحكمة إنما تظهر في دار الجزاء، فثبت أن ~~الاعتراف بوجود الإله الكريم الذي يقدر على الخلق، والتسوية، والتعديل ~~يوجب على العاقل أن يقطع بأنه تعالى يبعث الأموات ويحشرهم. # فصل في نزول الآية # هذا [خطاب] لمنكري البعث. # روى عطاء عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنها نزلت في الوليد بن ~~المغيرة. # وقال الكلبي ومقاتل: نزلت في الأشرم بن شريق، وذلك أنه ضرب النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولم يعاقبه الله تعالى، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية. # وقيل: يتناول جميع العصاة؛ لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ~~ومعنى " ما غرك ": ما خدعك وسول لك الباطل حتى تركت الوجبات، وأثنيت ~~بالمحرمات. # والمعنى: ما الذي أمنك من عقابه، هذا إذا حملنا الإنسان على جميع ~~العصاة، فإن حملناه على الكافر، فالمعنى: ما الذي دعاك إلى الكفر، وإنكار ~~الحشر والنشر. # فإن قيل: كونه كريما يقتضي ألا يغتر الإنسان بكرمه؛ لأنه جواد مطلق، ~~والجواد الكريم يستوي عنده طاعة المطيع، وعصيان المذنب، وهذا لا يوجب ~~الاغترار وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه دعا غلامه مرات، فلم يجبه، ~~فنظر فإذ هو بالباب، فقال له: لم لا تجبني؟ فقال: لثقتي بحلمك، وأمني من ~~عقوبتك، فاستحسن جوابه وأعتقه. # وقالوا - أيضا - من كرم الرجل سوء أدب غلمانه، وإذا ثبت أن كرمه يقتضي ~~الاغترار به فكيف جعله - هاهنا - مانعا من الاغترار؟. # فالجواب من وجوه: # الأول: أن المعنى لما كنت ترى حلم الله - تعالى - عن خلقه ظننت أن ذلك ~~لا حساب، ولا دار إلا هذه الدار، فما الذي دعاك إلى الاغترار وجرأك على ~~إنكار الحشر، والنشر، فإن ربك كريم، فهو من كرمه - تعالى - لا يعاجل ~~بالعقوبة بسطا في مدة التوبة، وتأخيرا للجزاء، وذلك لا يقتضي الاغترار. # الثاني: أن كرمه تعالى لما بلغ إلى حيث لا يمنع العاصي من أن يطيعه، ~~فبأن ينتقم للمظلوم من الظالم كان أولى، فإذا كان كونه كريما يقتضي ~~الخوف الشديد من هذا الاعتبار، وترك الجزاء والاغترار. # الثالث: أن كثرة الكرم توجب ms9053 الجد والاجتهاد في الخدمة، والاستحياء من ~~الاغترار. # الرابع: قال بعضهم: إنما قال: " بربك الكريم " ليكون ذلك جوابا عن ~~ذلك السؤال حتى يقول: غوني كرمك، فلولا كرمك لما فعلت؛ لأنك لو رأيت ~~فسترت، وقدرت فأمهلت. # وهذا الجواب إنما يصح إذا كان المراد بقوله تعالى: { يأيها ~~الإنسان } ليس هو " الكافر ". # فصل في غرور ابن آدم # قال قتادة - رضي الله عنه -: سبب غرور ابن آدم تسويل الشيطان وقال ~~مقاتل: غره عفو الله حين لم يعاقبه أول مرة. # وقال السدي: غره عفو الله. # وقال ابن مسعود: ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة، فيقول ~~تعالى: ما غرك يا ابن آدم، ماذا غرك يا ابن آدم، ماذا عملت فيما ~~علمت؟ يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟. # قوله: { الذي خلقك فسواك } ، يحتمل الإتباع على البدل ~~والبيان، والنعت، والقطع إلى الرفع والنصب. # واعلم أنه - تعالى - لما وصف نفسه بالكرم، ذكر هذه الأمور الثلاثة، ~~كالدلالة على تحقق ذلك الكرم، فقوله تعالى: { الذي خلقك } لا شك ~~أنه كرم؛ لأنه وجود، والوجود، خير من العدم، والحياة خير من الموت، ~~كما قال تعالى: # كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم # [البقرة: 28]، وقوله تعالى: " فسواك " أي: جعلك سويا سالم الأعضاء، ~~ونظيره قوله تعالى: # أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم ~~سواك رجلا # [الكهف: 37]، أي: معتدل الخلق والأعضاء. # قال ذو النون: أي: سخر لك المكونات أجمع، وما جعلك مسخرا لشيء ~~منها، ثم أنطق لسانك بالذكر، وقلبك بالعقل، وروحك بالمعرفة، ومدك ~~بالإيمان وشرفك بالأمر والنهي، وفضلك على كثير ممن خلق تفضيلا. # قوله: " فعدلك ". قرأ الكوفيون: " عدلك " مخففا، والباقون: ~~مثقلا. # فالتثقيل بمعنى: جعلك مناسب الأطراف، فلم يجعل إحدى يديك ورجليك أطول، ~~ولا إحدى عينيك أوسع، فهو من التعديل، وهو كقوله تعالى: # بلى قادرين على أن نسوي بنانه # [القيامة: 4]. # قال علماء التشريح: إنه - تعالى - ركب جانبي الجثة على التساوي حتى ~~أنه لا تفاوت بين نصفيه، لا في العظام، ولا في أشكالها، ولا في الأوردة ~~والشرايين، والأعصاب النافذة فيها والخارجة منها. # وقال عطاء ms9054 عن ابن عباس رضي الله عنهما: جعلك قائما معتدلا، حسن ~~الصورة، ولا كالبهيمة المنحنية. # وقال أبو علي الفارسي: " عدلك " خلقك، فأخرجك في أحسن تقويم، ~~مستويا على جميع الحيوان والنبات، وواصلا في الكمال إلى ما لم يصل إليه ~~شيء من أجسام هذا العالم. # وأما قراءة التخفيف فيحتمل هذا، أي: عدل بعض أعضائك ببعض، ويحتمل أن ~~يكون من المعدول، أي: صرفك إلى ما شاء من الهيئات والأشكال والأشباه، ~~وهذا قول الفراء. # ثم قال: والتشديد أحسن الوجهين؛ لأنك تقول: عدلتك إلى كذا، أي: صرفتك ~~إلى كذا وكذا، ولا يحسن: عدلتك فيه، ولا صرفتك فيه. # وفي القراءة الأولى: جعل " في " من قوله: " في أي صورة " للتركيب، ~~وهو حسن. # وفي قراءة الثانية جعل " في " صلة لقوله: " فعدلك " ، وهو ضعيف. # ونقل القفال عن بعضهم: أنهما لغتان بمعنى واحد. # قوله: " في أي صورة " ، يجوز فيه أوجه: # أحدها: أن يتعلق ب " ركبك " ، و " ما ": مزيدة على هذا، و " شاء " صفة ~~ل " صورة " ، ولم يعطف " ركبك " على ما قبله بالفاء، كما عطف ما قبله ~~بها، لأنه بيان لقوله: " فعدلك " ، والتقدير: فعدلك ركبك في أي ~~صورة من الصور العجيبة الحسنة التي شاءها - سبحانه وتعالى - والمعنى: ~~وضعك في صورة اقتضتها مشيئته من حسن وقبح وطول، وقصر، وذكورة، وأنوثة. # الثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه حال، أي: ركبك حاصلا في بعض الصور. # الثالث: أنه يتعلق بعد ذلك ب " عدلك " نقله أبو حيان عن بعض ~~المتأولين، ولم يعترض عليه، وهو معترض بأن في " أي " معنى الاستفهام، ~~فلها صدر الكلام، فكيف يعمل فيها ما تقدمها؟. # وكأن الزمخشري استشعر هذا فقال: ويكون في " أي " معنى التعجب، أي: ~~فعدلك في أي صورة عجيبة، وهذا لا يحسن أن يكون مجوزا لتقدم ~~العامل على اسم الاستفهام، وإن دخله معنى التعجب، ألا ترى أن " كيف، وأي ~~" ، وإن دخلهما معنى التعجب، لا يتقدم عاملهما عليهما. # وقد اختلف النحويون في اسم الاستفهام إذا قصد به الاستئناف، هل يجوز ~~تقديم عامله أم لا؟. # والصحيح أنه لا يجوز، ولذلك لا يجوز أن يتقدم ms9055 عامل " كم " الخبرية ~~عليها لشبهها في اللفظ بالاستفهامية، فهذا أولى، وعلى تعلقها ب " عدلك " ~~، تكون " ما " منصوبة على المصدر. # قال أبو البقاء: يجوز أن تكون " ما " زائدة، وأن تكون شرطية، وعلى ~~الأمرين الجملة نعت ل " صورة " ، والعائد محذوف، أي: ركبك عليها، و " في ~~": تتعلق ب " ركبك ". # وقيل: لا موضع للجملة؛ لأن " في " تتعلق بأحد الفعلين والجميع كلام ~~واحد، وإنما يتقدم الاستفهام على ما هو حقه. قوله: بأحد الفعلين، يعني: " ~~شاء وركبك " ، فيحصل في " ما " ثلاثة أوجه، الزيادة، وكونها شرطية، ~~وحينئذ جوابها محذوف، والنصب على المصدرية، أي: واقعة موقع مصدر. ### || [82.9-12] # قوله تعالى: { كلا بل تكذبون بالدين }. # العامة: على " تكذبون " خطابا، والحسن وأبو جعفر وشيبة: بياء الغيبة. # قال ابن الخطيب: لما بين بالدلائل العقلية صحة القول بالبعث، والنشور ~~على الجملة فرع عليها شرح تفاصيل الأحوال المتعلقة بذلك، وهي أنواع: # الأول: أنه - تعالى - زجرهم عن ذلك الاغترار بقوله " كلا " ، و " بل ": ~~حرف وضع في اللغة لنفي شيء قد تقدم تحقيق غيره، فلا جرم ذكروا في تفسير ~~" كلا " وجوها: # الأول: قال القاضي: معناه أنكم لا تستقيمون على توجيه نعمي عليكم، ~~وإرشادي لكم، بل تكذبون بيوم الدين. # الثاني: " كلا " ردع، أي: ارتدعوا عن الاغترار بكرم الله تعالى، ~~كأنه قال: وإنهم لا يرتعدون عن ذلك، بل يكذبون بالدين. # الثالث: قال القفال: أي: ليس الأمر كما تقولون من أنه لا بعث، ولا نشور؛ ~~لأن ذلك يوجب أن الله - تعالى - خلق الخلق عبثا, وحاشاه من ذلك، ثم كأنه ~~قال: إنهم لا ينتفعون بهذا البيان، بل يكذبون بالدين. # وقل الفراء: ليس كما غررت به، والمراد بالدين: الجزاء على الدين ~~والإسلام. # وقيل: المراد من الدين: الحساب، أي: تكذبون بيوم الحساب. # النوع الثاني: قوله { وإن عليكم لحافظين }: يجوز أن تكون ~~الجملة حالا من فاعل " تكذبون " ، والحالة هذه، ويجوز أن تكون مستأنفة ~~أخبرهم بذلك لينزجروا والمراد بالحافظين: الرقباء من الملائكة يحفظون ~~عليكم أعمالكم. # " كراما " على الله " كاتبين " يكتبون أقوالكم وأعمالكم. # قال ابن الخطيب: والمعنى: التعجب من حالهم، كأنه - تعالى - قال: إنكم ms9056 ~~تكذبون بيوم الدين وهو يوم الحساب والجزاء، وملائكة الله - تعالى - ~~موكلون بكم، يكتبون أعمالكم حتى تحاسبوا بها يوم القيامة، ونظيره: قوله ~~تعالى: # عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول ~~إلا لديه رقيب عتيد # [ق: 17، 18] وقوله تعالى: # وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة # [الأنعام: 61]. # فصل في الرد على من طعن في حضور الكرام الكاتبين # قال ابن الخطيب: من الناس من طعن في حضور الكرام الكاتبين من وجوه: # الأول: لو كان الحفظة، وصحفهم وأقلامهم معنا، ونحن لا نراهم لجاز أن ~~يكون بحضرتنا جبال، وأشخاص لا نراهم، وذلك دخول في الجهالات. # والثاني: هذه الكتابة، والضبط إن كان لا لفائدة فهو عبث، وهو غير ~~جائز على الله تعالى، وإن كان لفائدة، فلا بد وأن تكون للعبد؛ لأن الله ~~- سبحانه وتعالى - متعال عن النفع والضر، وعن تطرق النسيان إليه، وغاية ~~ذلك أنه حجة على الناس وتشديد عليهم لإقامة الحجة، ولكن هذا ~~ضعيف؛ لأن من علم أن الله تعالى لا يجور، ولا يظلم، لا يحتاج في حقه ~~إلى إثبات هذه الحجة، والذي لا يعلم لا ينتفع بهذه الحجة، لاحتمال أنه ~~تعالى أمرهم بذلك ظلما. # الثالث: أن أفعال القلوب غير مرئية، فهي من باب المغيبات، والله - ~~تعالى - مختص بعلم الغيب، فلا تكتبوها، والآية تقتضي ذلك. # والجواب عن الأول: أن البنية عندنا ليست شرطا في قبول الحياة؛ ولأن ~~عند سلامة الأعضاء، وحصول جميع الشرائط لا يجب الإدراك، فيجوز على ~~الأول: أن يكونوا أجراما لطيفة، تتمزق، وتبقى حياتها ذلك، وعلى ~~الثاني: يجوز أن يكونوا أجراما كثيفة، ونحن لا نراهم. # وعن الثاني: أن الله - تعالى - أجرى أموره على عباده على ما يتعارفونه ~~في الدنيا فيما بينهم؛ لأن ذلك أبلغ في تقرير المعنى عندهم في إخراج ~~كتاب، وشهود في إلزام الحجة، كما يشهد العدول عند الحاكم على القضاة. # وعن الثالث: أن ذلك مخصوص بأفعال الجوارح، فهو عام مخصوص، وفي مدح ~~الحفظة، ووصفهم بهذه الصفات تعظيم لأمر الجزاء، وأنه من جلائل الأمور. # فصل في عموم الخطاب # هذا الخطاب وإن ms9057 كان خطاب مشافهة إلا أن الأمة أجمعت على عموم هذا ~~الحكم في حق المكلفين. # وقوله تعالى: { لحافظين }: جمع يحتمل أن يكونوا حافظين لجميع بني ~~آدم، من غير أن يختص واحد من الملائكة بواحد من بني آدم، ويحتمل أن يكون ~~الموكل بكل واحد منهم جمعا من الملائكة، كما قيل: اثنان بالليل، ~~واثنان بالنهار، أو كما قيل: إنهم خمسة. # فصل في أن الكفار، هل عليهم حفظة؟. # اختلفوا في الكفار, هل عليهم حفظة؟. # فقيل: لا؛ لأن أمرهم ظاهر وعلمهم واحد، قال تعالى: # يعرف المجرمون بسيماهم # [الرحمن: 41]. # وقيل: بل عليهم حفظة لقوله تعالى: { بل تكذبون بالدين ~~وإن عليكم لحافظين } ، وأما من أوتي كتابه بشماله، ومن ~~أوتي كتابه وراء ظهره، فأخبر أن لهم كتابا وعليهم حفظة. # فإن قيل: أي شيء يكتب الذي عن يمينه، ولا حسنة له؟. # فالجواب: أن الذي عن شماله يكتب بإذن صاحبه، ويكون صاحبه شاهدا على ~~ذلك، وإن لم يكتب. # فصل في معرفة الملائكة هم الإنسان # سئل سفيان: كيف تعرف الملائكة أن العبد هم بمعصية، أو بحسنة؟ ~~قال: إذا هم العبد بحسنة وجد منه ريح المسك، وإن هم بسيئة وجد منه ~~ريح منتن. # فصل في أن الشاهد لا يشهد إلا بعد العلم # دلت هذه الآية على أن الشاهد لا يشهد إلا بعد العلم، لوصف الملائكة ~~بكونهم حافظين كراما كاتبين، يعلمون ما تفعلون، فدل على أنهم يكونون ~~عالمين بها حتى أنهم يكتبونها، فإذا كتبوها يكونون عالمين عند أداء ~~الشهادة. # قال الحسن: لا يخفى عليهم شيء من أعمالكم. # وقيل: يعلمون ما ظهر منكم دون ما حدثتم به أنفسكم. ### || [82.13-19] # قوله تعالى: { إن الأبرار لفي نعيم }. # الأبرار: الذين بروا، وصدقوا في إيمانهم بأداء فرائض الله تعالى، ~~واجتناب معاصيه. # فصل في ذكر أحوال العالمين # لما وصف تعالى الكرام الكاتبين لأعمال العباد، ذكر أحوال العالمين، ~~وقسمهم قسمين، فقال تعالى: { إن الأبرار لفي نعيم } وهو نعيم ~~الجنة، { وإن الفجار لفي جحيم } وهو النار، وهذا تهديد ~~عظيم للعصاة، وهذا التقسيم كقوله تعالى: # فريق في الجنة وفريق في السعير # [الشورى: ms9058 7]. # قوله: { يصلونها }: يجوز فيه أن يكون حالا من الضمير في الجار، ~~لوقوعه خبرا، وأن يكون مستأنفا. # وقرأ العامة: " يصلونها " مخففا مبنيا للفاعل وتقدم مثله. # ومعنى { يصلونها يوم الدين } يدخلونها يوم القيامة. # { وما هم عنها بغآئبين } أي: ليسوا غائبين عن استحقاق ~~الكون في الجحيم، ثم عظم ذلك اليوم فقال: { ومآ أدراك ما يوم ~~الدين } ثم كرره تعجيبا لشأنه، فقال: { ثم مآ أدراك ما ~~يوم الدين }. # وقال ابن عباس: كل ما في القرآن من قوله: " وما أدراك " فقد أدراه، ~~وكل شيء من قوله: " وما يدريك " فقد طوي عنه. # قوله: { يوم لا تملك }. # قرأ ابن كثير وأبو عمرو: برفع " يوم " على أنه خبر مبتدأ مضمر, أي: ~~هو يوم. # وجوز الزمخشري: أن يكون بدلا مما قبله يعني قوله: " يوم الدين ". # وقرأ أبو عمرو في رواية: " يوم ": مرفوعا منونا على قطعه عن الإضافة، ~~وجعل الجملة نعتا له، والعائد محذوف، أي: لا تملك فيه. # وقرأ الباقون: " يوم " بالفتح. # فقيل: هي فتحة إعراب، ونصبه بإضمار أعني، أو يتجاوزون، أو بإضمار اذكر، ~~فيكون مفعولا به، وعلى رأي الكوفيين يكون خبرا لمبتدأ مضمر، وإنما ~~بني لإضافته للفعل وإن كان معربا، كقوله تعالى: # هذا يوم ينفع # [المائدة: 119]. # قال الزجاج: يجوز أن يكون في موضع رفع إلا أنه يبنى على الفتح؛ لإضافته ~~إلى قوله تعالى: { لا تملك } ، وما أضيف إلى غير المتمكن، فقد يبنى ~~على الفتح، وإن كان في موضع رفع، أو جر كما قال: [المنسرح] # 5125- لم يمنع الشرب غير أن نطقت # حمامة ....................... # قال الواحدي: والذي ذكره الزجاج من البناء على الفتح، إنما يجوز عند ~~الخليل وسيبويه إذا كانت الإضافة إلى الفعل الماضي؛ نحو قوله: [الطويل] # 5126- على حين عاتبت....... # ......................... # البيت: أما مع الفعل المستقبل، فلا يجوز البناء عندهم، ويجوز البناء ~~في قول الكوفيين. # قال ابن الخطيب: وذكر أبو علي أنه منصوب على الظرفية؛ لأن اليوم ~~لما جرى في أكثر الأمر ظرفا، فنزل على حالة الأكثرية، والدليل عليه ~~إجماع القراء في قوله تعالى: # منهم الصالحون ومنهم دون ذلك # [الأعراف: 168]، ولا يدفع ذلك ms9059 أحد، ومما يقوي النصب قوله تعالى: # ومآ أدراك ما القارعة يوم يكون الناس # [القارعة: 3، 4]، وقوله تعالى: # يسألون أيان يوم الدين يوم هم على النار ~~يفتنون # [الذاريات: 12، 13]، فالنصب في " يوم لا تملك " مثل هذا. # فصل فيمن استدل بالآية على نفي الشفاعة عن العصاة. # تمسكوا بهذه الآية في نفي الشفاعة للعصاة، وهو قوله تعالى: # واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا # [البقرة: 48] وقد تقدم الجواب عنه في سورة البقرة. # قال مقاتل: يعني النفس الكافرة شيئا من المنفعة. # { والأمر يومئذ لله } أي: لم يملك الله - تعالى - في ذلك ~~اليوم أحدا شيئا كما ملكهم في الدنيا. # ورى الثعلبي عن أبي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من قرأ { إذا السمآء انفطرت } أعطاه الله من ~~الأجر بعدد كل قبر حسنة، وبعدد كل قطرة ماء ~~حسنة، وأصلح الله تعالى له شأنه " # ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ### | [83 - سورة المطففين] ### || [83.1-6] # قوله تعالى: { ويل للمطففين }. # " ويل ": ابتداء، وسوغ الابتداء به كونه دعاء، ولو نصب لجاز. # وقال مكي: والمختار في " ويل " وشبهه إذا كان غير مضاف الرفع، ~~ويجوز النصب، فإن كان مضافا، أو معرفا كان الاختيار فيه النصب نحو: # ويلكم لا تفتروا # [طه: 61]، و " للمطففين " خبره. # والمطفف: المنقص، وحقيقته: الأخذ في كيل أو وزن شيئا طفيفا، ~~أي: نزرا حقيرا، ومنه قولهم: دون التطفيف، أي: الشيء التافه لقلته. # قال الزجاج: إنما قيل للذي ينقص المكيال والميزان مطفف؛ لأنه لا يكاد ~~يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف. # فصل في تعلق هذه السورة بما قبلها # قال ابن الخطيب: اتصال أول هذه السورة بالمتقدمة أنه تعالى بين في ~~آخر تلك السورة أن من صفة يوم القيامة أنه لا تملك نفس لنفس شيئا، ~~والأمر يومئذ لله، وذلك يقتضي تهديدا عظيما للعصاة، فلهذا أتبعه بقوله ~~تعالى: { ويل للمطففين } والمراد منه الزجر على التطفيف، وهو ~~البخس في المكيال والميزان على سبيل الخفية. # واعلم أن الويل كلمة تذكر عند وقوع البلاء، يقال: ويل لك، وويل ms9060 عليك، ~~وفي اشتقاق لفظ التطفيف قولان: # الأول: قول الزجاج المتقدم. # والثاني: أن طف الشيء، هو جانبه وحرفه يقال: طف الوادي والإناء إذا ~~بلغ الشيء الذي فيه حرفه، ولم يمتلئ، فهو طفافه وطففه، يقال: هذا طف ~~المكيال وطفافه إذا قارب ملأه، لكنه بعد لم يمتلئ، ولهذا قيل للذي " ~~ينقص " الكيل ولا يوفيه مطفف. لأنه إنما يبلغ الطفاف. # فصل في نزول الآية # روى ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: # " لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم " المدينة " ، كانوا من أبخس ~~الناس كيلا، فأنزل الله تعالى: { ويل للمطففين } ، ~~فاجتنبوا الكيل، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها عليهم، وقال: ~~" خمس بخمس، ما نقص قوم العهد إلا سلط الله عليهم ~~عدوهم، ولا حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم ~~الفقر، ولا ظهر فيهم الفاحشة إلا ظهر فيهم الموت، ~~ولا طففوا المكيال إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ~~ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم المطر " ". # وقال السدي: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم " المدينة " ، وبها ~~رجل يقال له: أبو جهينة، ومعه صاعان يكيل بأحدهما، ويكيل بالآخر فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية. # وروى ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: المطفف الرجل الذي يستأجر ~~المكيال، وهو يعلم أنه يحيف في كيله فوزن عليه. # قوله: { على الناس }. فيه أوجه: # أحدها: أنه متعلق ب " اكتالوا " ، و " على " و " من " " يتعاقبان " ~~هنا. # قال الفراء: يقال: اكتلت على الناس: استوفيت منهم، واكتلت ~~منهم: أخذت ما عليهم. # وقيل: " على " بمعنى اكتل على ومنه بمعنى، والأول أوضح. # وقيل: " على " يتعلق ب " يستوفون ". # قال الزمخشري " لما كان اكتيالهم لا يضرهم، ويتحامل فيه عليهم أبدل " ~~على " مكان " من " للدلالة على ذلك، ويجوز أن يتعلق ب " يستوفون " ~~وقدم المفعول على الفعل لإفادة الخصوصية، أي: يستوفون على الناس ~~خاصة، فأما أنفسهم فيستوفون لها. وهو حسن. # قوله تعالى: { وإذا كالوهم أو وزنوهم }. رسمتا في ~~المصحف بغير ألف بعد الواو في الفعلين، فمن ثم اختلف الناس في " هم " على ~~وجهين. # أحدهما: هو ضمير نصب فيكون مفعولا ms9061 به، ويعود على الناس، أي: وإذا كالوا ~~الناس أو وزنوا الناس، وعلى هذا فالأصل في هذين الفعلين التعدي لاثنين: ~~لأحدهما بنفسه بلا خلاف وللآخر بحرف الجر، ويجوز حذفه. # وهل كل منهما أصل بنفسه، أو أحدهما أصل للآخر؟ فيه خلاف، والتقدير: وإذا ~~كالوا لهم طعاما، أو وزنوه لهم، فحذف الحرف والمفعول؛ وأنشد: [الطويل] # 5127- ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا # ولقد نهيتك عن بنات الأوبر # أي: جنيت لك. # والثاني: أنه ضمير رفع مؤكد للواو، والضمير عائد على " المطففين " ، ~~ويكون على هذا قد حذف المكيل والمكيل له، والموزون والموزون له. # إلا أن الزمخشري رد هذا فقال: " ولا يصح أن يكون ضميرا مرفوعا " ~~للمطففين " ، لأن الكلام يخرج به إلى نظم فاسد، وذلك أن المعنى: إذا ~~أخذوا من الناس،، استوفوا، وإذا أعطوهم أخسروا، وإن جعلت الضمير " ~~للمطففين " انقلب إلى قولك: إذا أخذوا من الناس استوفوا، وإن تولوا ~~الكيل، أو الوزن هم على الخصوص أخسروا، وهو كلام متنافر؛ لأن الحديث واقع ~~في الفعل لا في المباشر ". # قال أبو حيان: ولا تنافر فيه بوجه، ولا رق بين أن يؤكد الضمير، وألا ~~يؤكد، والحديث واقع في الفعل، غاية ما في هذا أن متعلق الاستيفاء، وهو ~~" على الناس " مذكور، وهو في " كالوهم أو وزنوهم " محذوف للعلم به؛ ~~لأنه من المعلوم أنهم لا يخسرون ذلك لأنفسهم. # قال شهاب الدين: الزمخشري يريد أن يحافظ على أن المعنى مرتبط بشيئين: ~~إذا أخذوا من غيرهم، وإذا أعطوا غيرهم، وهذا إنما فهم على تقدير أن ~~يكون الضمير منصوبا عائدا على الناس، لا على كونه ضمير رفع عائدا على ~~الناس، لا على كونه رفع عائدا على " المطففين " ، ولا شك أن هذا المعنى ~~الذي ذكره الزمخشري وأراده أتم وأحسن من المعنى الثاني، ورجح الأول ~~سقوط الألف بعد الواو؛ لأنه دال على اتصال الضمير. # إلا أن الزمخشري استدرك فقال: " والتعلق في إبطاله بخط المصحف، وأن ~~الألف التي تكتب بعد واو الجمع غير ثابتة فيه ركيك؛ لأن خط المصحف لم ~~يراع في كثير منه حد المصطلح عليه في علم الخط ms9062 على أني رأيت في الكتب ~~المخطوطة بأيدي الأئمة المتقنين هذه الألف مرفوضة، لكونها غير ثابتة في ~~اللفظ والمعنى جميعا؛ لأن الواو وحدها معطية معنى الجمع، وإنما كتبت هذه ~~الألف تفرقة بين واو الجمع وغيرها في نحو قولك: " هم لم يدعوا، وهو يدعو ~~" ، فمن لم يثبتها قال: المعنى كاف في التفرقة بينهما، وعن عيسى بن عمر ~~وحمزة أنهما كانا يرتكبان ذلك، أي: يجعلان الضميرين " للمطففين " ، ~~ويقفان عند الواوين وقيفة، يبينان بها ما أرادوا ". ولم يذكر فعل الوزن ~~أولا، بل اقتصر على الكيل، فقال: " إذا اكتالوا " ، ولم يقل: إذا ~~اتزنوا، كما قال ثانيا: " أو وزنوهم ". # قال ابن الخطيب: لأن الكيل والوزن بهما البيع والشراء، فأحدهما يدل على ~~الآخر. # وقال الزمخشري: " كأن المطففين كانوا لا يؤخذون ما يكال ويوزن إلا ~~بالمكاييل دون الموازين، لتمكنهم من البخس في النوعين جميعا ". # قوله: " يخسرون " جواب " إذا " ، وهو يتعدى بالهمزة، يقال: خسر ~~الرجل وأخسرته أنا، فمفعوله محذوف، أي: يخسرون الناس متاعهم. قال المؤرج: ~~يخسرون أي ينقصون بلغة " قريش ". # فصل في تفسير الآية # قال الزجاج: المعنى: إذا اكتالوا من الناس استوفوا عليهم الكيل والوزن. # أي: إذا استوفوا لأنفسهم استوفوا في الكيل والوزن، " وإذا كالوهم ~~أو وزنوهم " أي: كالوا لهم، أو وزنوا لهم، أي: للناس، ولما كان ~~اكتيالهم من الناس اكتيالا فيه إضرار بهم، وتحامل عليهم أقيم " على " ~~مقام " من " للدلالة على ذلك. # وقال الكسائي والفراء: حذف الجار وأوصل الفعل، وهذا من كلام أهل ~~الحجاز، ومن جاورهم، يقال: وزنتك حقك، وكلتك طعامك أي: وزنت لك، وكلت ~~لك، كما يقال: نصحتك، ونصحت لك، وكسيتك، وكسيت لك. # وقال الفراء: المراد اكتالوا من الناس، و " على " و " من " يتعاقبان؛ ~~لأنه حق عليه فإذا فلت: اكتلت عليك، فكأنه قال: أخذت ما عليك، وإذا قلت: ~~اكتلت منك فهو كقولك: استوفيت منك. # وقيل: على حذف مضاف، أي: إذا كالوا مكيلهم، أو وزنوا لهم موزونهم. # قوله: { ألا يظن }: الظاهر أنها " ألا " التحضيضية، حضهم على ~~ذلك، ويكون الظن بمعنى: اليقين. # وقيل: هي " لا " النافية دخلت عليها همزة ms9063 الاستفهام. # ومعنى الآية: ألا يستيقن أولئك الذي يفعلون ذلك بأنهم مبعوثون ليوم ~~عظيم، وهو يوم القيامة، وفي الظن هنا قولان: # أحدهما: أن المراد به: العلم، وعلى هذا التقدير يحتمل أن يكون ~~المخاطبون بهذا الخطاب من جملة المصدقين بالبعث، ويحتمل ألا يكونوا ~~كذلك لتمكنهم من الاستدلال عليه بالفعل. # الثاني: أن المراد بالظن هنا: هو الظن نفسه، لا العلم، ويكون المعنى: ~~هؤلاء المطففون هب أنهم لا يجزمون بالبعث، ولكن لا أقل من الظن لوضوح ~~أدلته، فإن الأليق بحكمة الله - تعالى - ورحمته، ورعايته مصالح خلقه ~~ألا يهمل أمرهم بعد الموت، وأن يكون لهم نشر وحشر، وأن هذا الظن كاف ~~في حصول الخوف. # قوله: { يوم }: يجوز نصبه ب " مبعوثون ". # قال الزمخشري: أو ب " يبعثون " مقدرا، أو على البدل من محل اليوم، ~~أو بإضمار " أعني " ، أو هو مرفوع المحل لإضافته لفعل وإن كان مضارعا، ~~كما هو رأي الكوفيين، ويدل على صحة هذين الوجهين، قراءة زيد بن علي: " ~~يوم يقوم " بالرفع، وما حكاه أبو معاذ القارئ: " يوم " بالجر على ~~ما تقدم. # فصل في المراد بقيام الناس لرب العالمين # قيام الناس لرب العالمين إما للحساب، وإما قيامهم من القبور. # وقال أبو مسلم: قيامهم له عبارة عن طاعتهم له وانقيادهم، كقوله تعالى: # والأمر يومئذ لله # [الانفطار: 19]، وفي الحديث: # " إن الناس يقومون مقدار ثلاثمائة سنة لا يؤمر ~~فيهم بأمر ". # وعن ابن عباس: وهو في حق المؤمنين كقدر انصرافهم من الصلاة. وفي هذه ~~الآيات مبالغات، منها أن الويل إنما يذكر عند شدة البلاء، ومنها ~~الإنكار بقوله تعالى: { ألا يظن أولئك أنهم ~~مبعوثون } ، ومنها استعظامه - تعالى - لليوم، ومنها تأكيده بما ~~بعده، وما يوهم ذلك، وما يقتضيه من خضوعهم وذلتهم، وفي هذا نكتة، وهي كأن ~~قائلا يقول: هذا التشديد العظيم، والوعيد البليغ، كيف يكون على التطفيف ~~مع نزارته، وزهادته، وكرم المولى وإحسانه؟. # فأشار بقوله: { لرب العالمين } إلى أنه مربيهم ومسئول عن ~~أمورهم، فلا يليق أن يهمل من أمورهم شيئا. # فصل في الكلام على لفظ " المطفف " # قال القشيري: لفظ المطفف يتناول التطفيف في ms9064 الوزن والكيل، وفي إظهار ~~العيب، وإخفائه؛ وفي طلب الإنصاف والانتصاف، ويقال: من لم يرض لأخيه ~~المسلم ما يرضاه لنفسه، فليس بمنصف، والمباشرة والصحبة من هذه المادة، ~~والذي يرى عيب الناس، ولا يرى عيب نفسه من هذه الجملة، ومن طلب حق نفسه ~~من الناس، ولا يعطيهم حقوقهم، كما يتطلبه. ### || [83.7-9] # قوله تعالى: { كلا إن كتاب الفجار }. # " كلا " حرف ردع، أي: ليس الأمر على ما هم عليه فليرتدعوا، وها ~~هنا تم الكلام. # وقال الحسن: " كلا ": ابتداء يتصل بما بعده على معنى " حقا " إن ~~كتاب الفجار الذي كتب فيه أعمالهم لفي سجين. # اختلفوا في نون " سجين ". # فقيل: هي أصلية، واشتقاقه من السجن، وهو الحبس، وهو بناء مبالغة " ~~فعيلا " من السجن، ك " سكير " و " فسيق " من السكر والفسق وهو قول ~~أبي عبيدة والمبرد والزجاج. # قال الواحدي: وهذا ضعيف؛ لأن العرب ما كانت تعرف سجينا. # وقيل: " النون " بدل من " اللام " ، والأصل: " سجيل " مشتقا من ~~السجل، وهو الكتاب. # واختلفوا فيه أيضا: هل هو اسم موضع، أو اسم كتاب مخصوص؟. # وقيل: هو صفة، أو علم منقول من وصف ك " خاتم " ، وهو مصروف إذ ليس ~~فيه إلا سبب واحد، وهو العلمية. # وإذا كان اسم مكان، فقوله تعالى: { كتاب مرقوم } إما بدل منه، ~~أو خبر لمبتدأ محذوف، وهو ضمير يعود عليه. # وعلى التقديرين فهو مشكل؛ لأن الكتاب ليس هو المكان. # فقيل: التقدير، هو محل كتاب، ثم حذف المضاف. # وقيل: التقدير: وما أدراك ما كتاب سجين، والحذف إما من الأول وإما من ~~الثاني. # وأما إذا قلنا: إنه اسم لكتاب فلا إشكال. # وقال ابن عطية: من قال: إن سجينا موضع، فكتاب مرفوع على أنه خبر " إن ~~" ، والظرف الذي هو " لفي سجين " ملغى، ومن جعله عبارة عن الخسار، ف " ~~كتاب " خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هو كتاب، ويكون هذا الكلام مفسرا ~~لسجين ما هو انتهى. # وهذا لا يصح - ألبتة - إذ دخول اللام يعين كونه خبرا، فلا يكون ملغيا ~~لا يقال: " اللام " تدخل على معمول الخبر، فهذا منه، فيكون ملغى؛ لأنه ~~لو فرض الخبر، ms9065 وهو " كتاب " عاملا أو صفته عاملة، وهو " مرقوم " ~~لامتنع ذلك، أما منع عمل " كتاب " ، فلأنه موصوف، والمصدر الموصوف لا ~~يعمل، وأما امتناع عمل " مرقوم "؛ فلأنه صفة، ومعمول الصفة لا يتقدم ~~على موصوفها، وأيضا: فاللام إنما تدخل على معمول الخبر بشرطه، وهذا ليس ~~معمولا للخبر، فتعين أن يكون الجار هو الخبر، وليس بملغى. # وأما قوله ثانيا: ويكون هذا الكلام تفسيرا ل " سجين " ما هو, فهو ~~مشكل، لأن الكتاب ليس هو الخسار الذي جعل الضمير عائدا عليه مخبرا عنه ~~ب " كتاب ". # وقال الزمخشري: فإن قلت: قد أخبر الله تعالى عن كتاب الفجار بأنه في ~~سجين، وفسر سجينا ب " كتاب مرقوم " ، فكأنه قيل: إن كتابهم في ~~كتاب مرقوم فما معناه؟. # قلت: سجين: كتاب جامع هو: ديوان الشر دون الله فيه أعمال الشياطين، ~~وأعمال الكفرة والفسقة من الجن والإنس، وهو كتاب مرقوم مسطور بين ~~الكتابة، أو معلم يعلم من رآه أنه لا خير فيه، فالمعنى: أن ما كتب من ~~أعمال الفجار مثبت في ذلك الديوان، وسمي " سجينا " " فعيلا " من ~~السجن؛ لأنه سبب الحبس والتضييق في جهنم انتهى. # فصل في تفسير معنى سجين # قال عبد الله بن عمر وقتادة ومجاهد والضحاك: " سجين " هي ~~الأرض السابعة السفلى، فيها أرواح الكفار. # وروى البراء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " سجين " أسفل سبع أرضين، و " عليون " في السماء ~~السابعة تحت العرش ". # وقال الكلبي: هي صخرة تحت الأرض السابعة. # وقال عكرمة: " لفي سجين " لفي خسارة وضلال. # قال القشيري: " سجين ": موضع في السافلين، يدفن فيه كتاب هؤلاء، فلا ~~يظهر، بل يكون في ذلك الموضع كالمسجون. # قوله تعالى: { ومآ أدراك ما سجين } ، أي: ليس ذلك مما كنت ~~تعلمه أنت، ولا قومك. # قال القرطبي: وليس في قوله تعالى: { ومآ أدراك ما سجين } ما ~~يدل على أن لفظ " سجين " ليس عربيا، كما لا يدل قوله: # ومآ أدراك ما القارعة # [القارعة: 3]، بل هو تعظيم لأمر سجين. # قوله تعالى: { كتاب مرقوم } قال المفسرون: ليس هذا تفسيرا ل " ~~سجين " ، بل هو بيان للكتاب المذكور ms9066 في قوله: " إن كتاب الفجار " ~~أي: هو كتاب مرقوم، أي: مكتوب فيه أعمالهم مثبت عليهم، كالرقم لا ينسى ~~ولا يمحى حتى يجازى به، والرقم: الخط؛ قال: [الطويل] # 5128- سأرقم في الماء القراح إليكم # على بعدكم، إن كان في الماء راقم # وقيل: الرقم: الختم بلغة حمير. [وتقدمت هذه المادة في سورة " الكهف ~~" ]. # وقال قتادة ومقاتل: رقم: نشر، كأنه أعلم بعلامة يعرف بها أنه كافر. ### || [83.10-17] # قوله تعالى: { ويل يومئذ للمكذبين }. # قيل: إنه متصل بقوله تعالى: { يوم يقوم الناس لرب ~~العالمين } لمن كذب بأخبار الله تعالى. # وقيل: إن قوله: " مرقوم " معناه: مرقم أي: يدل على الشقاوة يوم ~~القيامة، ثم قال: { ويل يومئذ للمكذبين } في ذلك اليوم ~~من ذلك الكتاب. # ثم إنه - تعالى - أخبر عن صفة من يكذب بيوم الدين، فقال تعالى: { ~~وما يكذب به إلا كل معتد أثيم إذا تتلى ~~عليه آياتنا قال أساطير الأولين } ، فقوله تعالى: { ~~الذين يكذبون } يجوز فيه الإتباع نعتا وبدلا وبيانا، والقطع ~~رفعا ونصبا. # واعلم أنه - تعالى - وصف المكذب بيوم الدين بثلاث صفات: # أولها: كونه معتديا، والاعتداء هو التجاوز عن المنهج الحق. # وثانيها: الأثيم وهو المبالغة في ارتكاب الإثم والمعاصي. # وثالثها: { إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير ~~الأولين } والمراد: الذين ينكرون النبوة، والمراد بالأساطير: قيل: ~~أكاذيب الأولين. وقيل: أخبار الأولين. # قوله: { إذا تتلى عليه }. العامة على الخبر. # والحسن: " أئذا؟ " على الاستفهام الإنكاري. # والعامة: " تتلى " بتاءين من فوق. # وأبو حيوة وابن مقسم: بالياء من تحت؛ لأن التأنيث مجازي. # فصل في المراد بالمكذب في الآية # قال الكلبي: المراد بالمكذب هنا: هو الوليد بن المغيرة - لعنه ~~الله - لقوله تعالى: # ولا تطع كل حلاف مهين # [القلم: 10] إلى قوله: # معتد أثيم # [القلم: 12] وقوله: # إذا تتلى عليه ءاياتنا قال أساطير الأولين # [القلم: 15]. # فقيل: هو الوليد بن المغيرة. # وقيل: هو النضر بن الحارث. # وقيل: عام في كل موصوف بهذه الصفة. # قوله: { كلا }. ردع وزجر، أي: ليس هو أساطير الأولين. # وقال الحسن: معناها " حقا " ران على قلوبهم. # وقال مقاتل: معناه: لا يؤمنون، ثم استأنف: { بل ران على ms9067 ~~قلوبهم } قد تقدم وقف حفص على لام " بل " في سورة " الكهف ". # والران: الغشاوة على القلب كالصدأ على الشيء الصقيل من سيف، ومرآة، ~~ونحوهما. # قال الشاعر: [الطويل] # 5129- وكم ران من ذنب على قلب فاجر # فتاب من الذنب الذي ران وانجلى # وأصل الرين: الغلبة، ومنه رانت الخمر على عقل شاربها. # وقال الزمخشري: " يقال ران عليه الذنب، وغان عليه، رينا، وغينا، ~~والغين: الغيم ". # والغين أيضا: شجر متلف، الواحدة غيناء، أي: خضراء كثيرة الورق ملتفة ~~الأغصان. # ويقال: ران رينا ورينا، فجاء مصدره مفتوح العين وساكنها. # وقرأ حمزة والكسائي والأعمش وأبو بكر والفضل: " ران " بالإمالة؛ لأن ~~فاء الفعل راء، وعينه ألف منقلبة عن ياء، فحسنت الإمالة، ومن فتح فعلى ~~الأصل مثل: كال وباع. # فصل في المراد بالرين والإقفال والطبع # قال أبو معاذ النحوي: الرين، والإقفال: [أن يسود القلب من الذنوب ~~وهو] أشد من الطبع، وهو أن يقفل على القلب، قال تعالى: # أم على قلوب أقفالهآ # [محمد: 24]. # قال الزجاج: " ران على فلوبهم " بمعنى غطى على قلوبهم. # وقال الحسن ومجاهد: هو الذنب على الذنب حتى تحيط الذنوب بالقلب، ويغشى، ~~فيموت القلب. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إياكم والمحقرات من الذنوب، فإن الذنب على الذنب ~~يوقد على صاحبه [جحيما] ضخمة ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، ~~فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه منها، فإذا زاد ~~زادت حتى تعلو قلبه، فذلكم الران الذي ذكر الله - ~~تعالى - في كتابه: { كلا بل ران على قلوبهم ما ~~كانوا يكسبون } ". # قوله: { ما كانوا } هو الفاعل، و " ما ": يحتمل أن تكون مصدرية، ~~وأن تكون بمعنى: " الذي " والعائد محذوف، وأميلت ألف " ران " ، وفخمت، ~~فأمالها الأخوان وأبو بكر وفخمها الباقون، وأدغمت لام " بل " في ~~الراء، وأظهرت. # قوله تعالى " { كلا إنهم }. # قال الزمخشري: " كلا " ردع عن الكسب الرائن على قلوبهم. # وقال القفال: إن الله - تعالى - حكى في سائر السور عن هذا المعتدي ~~الأثيم، أنه كان يقول: إن كانت الآخرة حقا، فإن الله - تعالى - يعطيه ~~مالا وولدا، ثم ms9068 كذبه الله - تعالى - بقوله: # أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا # [مريم: 78]. # وقال أيضا: # ومآ أظن الساعة قائمة # [الكهف: 36] # ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى # [فصلت: 50]، فلما تكرر ذكره في القرآن، ترك الله ذكره - هاهنا - ~~وقال تعالى: { كلا إنهم عن ربهم يومئذ ~~لمحجوبون } أي: ليس الأمر كما يقولون من أن لهم في الآخرة الحسنى، ~~بل هم عن ربهم يومئذ لمحجوبون. وقال ابن عباس أيضا: " كلا " يريد لا ~~يصدقون, ثم أستأنف, فقال: { إنهم عن ربهم يومئذ ~~لمحجوبون } وقيل: قوله تعالى: " كلا " تكرير، وتكون " كلا " ~~هذه المذكورة في قوله: " كلا، بل ران على قلوبهم ". # قوله: { عن ربهم }. متعلق بالخبر، وكذلك " يومئذ " ، والتنوين ~~عوض عن جملة، تقديرها: " يوم إذ يقوم الناس "؛ لأنه لم يناسب إلا ~~تقديرها. # فصل في حجب الكفار عن رؤية ربهم # قال أكثر المفسرين: محجوبون عن رؤيته، وهذا يدل على أن المؤمنين يرون ~~ربهم - سبحانه وتعالى - ولولا ذلك لم يكن للتخصيص فائدة. # وأيضا فإنه - تعالى - ذكر هذا الحجاب في معرض الوعيد، والتهديد للكفار، ~~وما يكون وعيدا وتهديدا للكفار لا يجوز حصوله للمؤمنين، وأجاب ~~المعتزلة عن هذا بوجوه: # أحدها: قال الجبائي: المراد أنهم محجوبون عن رحمة ربهم أي: ممنوعون كما ~~تحجب الأم بالإخوة من الثلث إلى السدس، ومن ذلك يقال لمن منع من ~~الدخول: حاجب. # وثانيها: قال أبو مسلم: " لمحجوبون " غير مقربين، والحجاب: الرد، ~~وهو ضد القبول، فالمعنى: أنهم غير مقبولين عند الرؤية، فإنه يقال: حجب ~~عن الأمير، وإن كان قد رآه عن بعد، بل يجب أن يحمل على المنع من رحمته. # وثالثها: قال الزمخشري: كونهم محجوبين عنه تمثيل للاستخفاف بهم ~~وإهانتهم؛ لأنه لا يرد على الملوك إلا المكرمين لديهم، ولا يحجب عنهم ~~إلا المبانون عنهم. # والجواب: أن الحجب في استعمالاته مشترك في المنع، فيكون حقيقة فيه، ومنع ~~العبد بالنسبة إلى الله تعالى، إما عن العلم، وإما عن الرؤية، ~~والأول: باطل؛ لأن الكفار يعلمون الله تعالى، فوجب حمله على الرؤية. # وأما الوجوه المذكورة فهو عدول عن الظاهر من غير دليل، ms9069 ويؤيد ما قلنا: ~~أقوال السلف من المفسرين: # قال مقاتل: بل لا يرون ربهم بعد الحساب، والمؤمنون يرون ربهم. # وقال الكلبي: محجوبون عن رؤية ربهم والمؤمن لا يحجب، وسئل مالك ~~بن أنس - رضي الله عنه - عن هذه الآية، فقال: كما حجب الله تعالى ~~أعداءه فلم يروه، ولا بد أن يتجلى لأوليائه حتى يروه. # وعن الشافعي - رحمه الله - كما حجب قوم بالسخط دل على أنهم ~~يرونه بالرضا. # قوله تعالى: { ثم إنهم لصالو الجحيم }. أي: إن الكفار ~~مع كونهم محجوبين من الله يدخلون النار. # { ثم يقال } أي: تقول لهم الخزنة: " هذا " أي: هذا العذاب { ~~هذا الذي كنتم به تكذبون } ، وقوله: يقال يجوز أن يكون ~~القائم مقام الفاعل ما دلت عليه جملة قوله: " هذا الذي كنتم " ، ~~ويجوز أن تكون الجملة نفسها، ويجوز أن تكون المصدرية. [وقد تقدم تحريره ~~في أول " البقرة " ]. ### || [83.18-36] # قوله تعالى: { كلا إن كتاب الأبرار }: لما ذكر تعالى حال ~~الكفار والمطففين أتبعه بذكر الأبرار الذين لا يطففون، فقال: " كلا " ~~أي: ليس الأمر كما توهمه أولئك الفجار من إنكار البعث، ومن أن كتاب ~~الله أساطير الأولين، بل كتابهم في سجين، وكتاب الأبرار في ~~عليين. # وقال مقاتل: " كلا " أي: لا يؤمن بالعذاب الذي يصلاه. # قوله: { لفي عليين }. هو خبر " إن ". # وقال ابن عطية هنا كما قال هناك، ويرد عليه بما تقدم، و " عليون ~~": جمع " علي " ، أو هو اسم مكان في أعلى الجنة، وجرى مجرى جمع ~~العقلاء، فرفع الواو، ونصب وجر بالياء، مع فوات شرط العقل. # وقال أبو البقاء: واحدها " علي " وهو الملك. # وقيل: هو صيغة للجمع مثل عشرين، ثم ذكر نحوا مما ذكره في " سجين " ~~من الحذف المتقدم. # وقال الزمخشري: " عليون " علم لديوان الخير الذي دون فيه كل ما ~~عملته الملائكة وصلحاء الثقلين منقول من جمع " علي " " فعيل " من العلو ~~ك " سجين " من السجن، سمي بذلك؛ إما لأنه سبب الارتفاع إلى أعلى ~~الدرجات في الجنة، وإما لأنه مرفوع في السماء السابعة. # وتلك الأقوال الماضية في " سجين " كلها عائدة هنا. # وروي عن ابن عباس ms9070 - رضي الله عنهما -: أنها السماء السابعة. # وقال مقاتل وقتادة: هي سدرة المنتهى. # وقال الفراء: يعني: ارتفاعها بعد ارتفاع لا غاية له. # وقال الزجاج: أعلى الأمكنة. # وقال آخرون: هي مراتب عالية محفوفة بالجلالة. # وقال آخرون: عند كتاب أعمال الملائكة، لقوله تعالى: { ومآ أدراك ~~ما عليون } وذلك تنبيه على أنه معلوم، وأنه سيعرفه، ثم قال ~~تعالى: { كتاب مرقوم يشهده المقربون } فبين أن ~~كتابهم في هذا الكتاب بالمرقوم الذي يشهده المقربون من الملائكة، فكأنه ~~- تعالى - كما وكلهم باللوح المحفوظ، فكذلك وكلهم بحفظ كتب ~~الأبرار في جملة ذلك الكتاب الذي هو أم الكتاب على وجه الإعظام له، ولا ~~يمنع أن الحفظة إذا صعدت تكتب الأبرار بأنهم يسلمونها إلى هؤلاء ~~المقربين، فيحفظونها كما يحفظون كتب أنفسهم، أو ينقلون ما في تلك الصحائف ~~إلى ذلك الكتاب الذي وكلوا بحفظه، ويصير علمهم شهادة لهؤلاء الأبرار، ~~فلذلك يحاسبون حسابا يسيرا. # وقيل: المعنى: ارتفاع بعد ارتفاع. # وقال أبو مسلم: هذا كناية عن العلو والرفعة، والأول كناية عن الذل ~~والإهانة. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: " عليون ": لوح من زبرجدة خضراء ~~معلق تحت العرش أعمالهم مكتوبة فيه. # قال كعب وقتادة: هي قائمة العرش اليمنى. # وقال ابن عباس: هو الجنة. # وقال الضحاك: سدرة المنتهى. # وقوله تعالى: { كتاب مرقوم }: ليس فيه تفسير عليين، أي: مكتوب ~~أعمالهم كما تقدم في كتاب الفجار. # وقيل: كتب هناك ما أعد الله لهم من الكرامة. # قوله: { يشهده }: جملة يجوز أن تكون صفة ثانية، وأن تكون مستأنفة، ~~والمعنى: أن الملائكة الذين هم في عليين يشهدون، ويحضرون ذلك المكتوب ~~وذلك الكتاب إذا صعد به إلى عليين. # قوله تعالى: { إن الأبرار لفي نعيم }. لما عظم كتابهم عظم ~~منزلتهم بأنهم في النعيم ثم بين ذلك النعيم بأمور، ثلاثة: أولها: ~~بقوله تعالى: { على الأرآئك ينظرون }. # قال القفال: " الأرائك ": الأسرة في الحجال، ولا تسمى أريكة ~~فيما زعموا إلا إذا كان كذلك. # وعن الحسن - رضي الله عنه - كنا لا ندري ما الأريكة، حتى لقينا رجل ~~من أهل " اليمن " ، أخبرنا أن الأريكة عندهم ذلك. وقوله: ms9071 " ينظرون " ~~قيل: إلى أنواع نعيمهم من الحور والولدان، وأنواع الأطعمة والأشربة ~~والملابس والمراكب وغيرها. # وقال مقاتل: ينظرون إلى عدوهم حين يعذبون. # وقيل: إذا اشتهوا شيئا نظروا إليه، فيحضرهم ذلك الشيء في الحال قيل: ~~يحمل على الكل. # قال ابن الخطيب: إنهم ينظرون إلى ربهم بدليل قوله تعالى: { تعرف في ~~وجوههم نضرة النعيم }. # قوله تعالى: { تعرف }. العامة: على إسناد الفعل إلى المخاطب، أي: ~~تعرف أنت يا محمد، أو كل من صح منه المعرفة. # وقرأ أبو جعفر وابن أبي إسحاق وشيبة وطلحة ويعقوب والزعفراني: " ~~تعرف " مبنيا للمفعول، و " نضرة ": بالرفع على قيامها مقام الفاعل. # وعلي بن زيد: كذلك إلا أنه بالياء أسفل؛ لأن التأنيث مجازي. # والمعنى: إذا رأيتهم عرفت أنهم من أهل النعيم مما ترى في وجوههم من ~~النور والحسن والبياض. # وقال الحسن: النضرة في الوجه والسرور في القلب. # قوله تعالى: { يسقون من رحيق }. # قال الليث: الرحيق: الخمر. # وقيل: الخمر الصافية الطيبة. # وقال مقاتل: الخمر البيضاء. # وقال ابن الخطيب: لعله الخمر الموصوف بقوله تعالى: # لا فيها غول # [الصافات: 47]. # قوله: " مختوم " ، أي: ختم ومنع أن تمسه يد إلى أن يفك ختم الأبرار. # قال القفال: يحتمل أن يكون ختم عليه تكريما له بالصيانة على ما جرت به ~~العادة من ختم ما يكرم ويصان، وهناك خمر أخرى تجري أنهارا، لقوله: # وأنهار من خمر لذة للشاربين # [محمد: 15]، إلا أن هذا المختوم أشرف من الجاري. # وقال أبو عبيدة والمبرد والزجاج: " المختوم ": الذي له ختام أي: عاقبة. # وروى عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: المختوم أشرف من الجاري ~~الممزوج ختامه، أي: طعمه وعاقبته مسك، وختم كل شيء: الفراغ منه، ومنه ~~يقال: ختمت القرآن، والأعمال بخواتيمها، ويؤيده قراءة علي بن أبي طالب - ~~كرم الله وجهه - واختاره الكسائي، فإنه قرأ: " خاتمة مسك " أي: آخره، ~~كما يقال: خاتم النبيين، ومعناه واحد. # قال الفراء: وهما متقاربان في المعنى، إلا أن الخاتم: الاسم، والختام: ~~المصدر، كقولهم: هو كريم الطباع والطابع، والختام والخاتم. # وقال قتادة: يمزج لهم بالكافور، ويختم لهم بالمسك. # وقال مجاهد: مختوم، ms9072 أي: مطين. # قوله: { ختامه } أي: طينة مسك. # قال ابن زيد: ختامه عند الله مسك، وختام الدنيا طين. # وقرأ الكسائي: " خاتمه " بفتح التاء بعد الألف. # والباقون: بتقديمها على الألف. # فوجه قراءة الكسائي: أنه جعله اسما لما يختم به الكأس، بدليل قوله: " ~~مختوم ". ثم بين الخاتم ما هو، فروي عن الكسائي أيضا: كسر التاء، ~~فيكون كقوله تعالى: # وخاتم النبيين # [الأحزاب: 40]، والمعنى: خاتم رائحته مسك ووجه قراءة الجماعة: أن الختام ~~هو الطين الذي يختم به الشيء، فجعل بدله المسك. # قال الشاعر: [الوافر] # 5130- كأن مشعشعا من خمر بصرى # نمته البحت مشدود الختام # وقيل: خلطه ومزاجه. # وقيل: خاتمته أي: مقطع شربه يجد الإنسان فيه ريح المسك. # قيل: سمي المسك مسكا؛ لأن الغزال يمسكه في سرته، والمساكة: ~~البخل وحبس المال، يقال: رجل مسيك لبخله، والمسك: الجلد لإمساكه ~~ما فيه، والماسكة: التي أخطأت خافضتها فأصابت من مسكها غير موضع ~~الختان، والمسكة: سوار من قرن أو عاج لتماسكه والمسكة - بضم الميم -: ~~الشيء القليل، يقال: ما له مسكة، أي: عقل. # قوله تعالى: { وفي ذلك فليتنافس المتنافسون }. ~~التنافس: المغالبة في الشيء النفيس، يقال: نفسته به نفاسة، أي: بخلت ~~به، وأصله من النفس لعزتها. # قال الواحدي: نفست الشيء أنفسه نفاسة: بخلت به. # وقال البغوي: وأصله من الشيء النفيس أي: تحرص عليه نفوس الناس، ~~ويريده كل واحد لنفسه، وينفس به على غيره أي: يضن، والمعنى: وفي ذلك ~~فليرغب الراغبون بالمبادرة إلى طاعة الله تعالى. # وقال مجاهد: فليعمل العاملون، كقوله تعالى: # لمثل هذا فليعمل العاملون # [الصافات: 61]. # وقال عطاء: فليستبق المستبقون. # وقال مقاتل بن سليمان: فليتنازع المتنازعون. # قوله: { ومزاجه من تسنيم } ، التسنيم: علم لعين في الجنة. # فصل في المراد بالتسنيم # قال الزمخشري: " التسنيم " علم لعين بعينها، سميت بالتسنيم الذي هو ~~مصدر سنمه، إذا رفعه. # قال شهاب الدين: وفيه نظر؛ لأنه كان من حقه أن يمنع الصرف للعلمية ~~والتأنيث، وإن كان مجازيا، ولا يقدح في ذلك كونه مذكر الأصل؛ لأن العبرة ~~بحال العلمية، ألا ترى أنهم نصوا على أنه لو سمي ب " زيد " امرأة وجب ms9073 ~~المنع، وإن كان في " هند " وجهان، اللهم إلا أن يقول: ذهب بها مذهب ~~النهر، ونحوه، فيكون ك " واسط، ودانق ". # فصل في معنى التسنيم # التسنيم: شراب ينصب عليهم من علو في غرفهم ومنازلهم. # وقيل: يجري في الهواء منسما فينصب في أوانيهم فيملأها. # قال قتادة: وأصل الكلمة من العلو، ويقال للشيء المرتفع سنام، ومنه ~~سنام البعير، وتسمنت الحائط: إذا علوته. # وقال الضحاك: هو شراب اسمه: تسنيم، وهو من أشرف الشراب. # قال ابن مسعود وابن عباس: هو خالص للمقربين يشربونها، ويمزج لسائر ~~أهل الجنة، وهو قوله تعالى: { ومزاجه من تسنيم عينا ~~يشرب بها المقربون }. # وعن ابن عباس: أنه سئل عن قوله تعالى: { من تسنيم } قال: هذا ~~ما قال الله تعالى: # فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين # [السجدة: 17]. # قوله: { عينا }. فيه أوجه: # أحدها: أنه حال. # قال الزجاج: يعني من تسنيم، لأنه علم لشيء بعينه، إلا أنه يشكل بكونه ~~جامدا. # الثاني: أنه منصوب على المدح. قاله الزمخشري. # الثالث: أنها منصوبة ب " يسقون " مقدرا. قاله الأخفش. # وقوله: { يشرب بها } أي: منها، والباء زائدة، أو ضمير " يشرب " ~~بمعنى يروى، وتقدم هذا مشبعا في " هل أتى ". # قال البغوي: التقدير: يشربها المقربون صرفا. # قوله تعالى: { إن الذين أجرموا } ، أي: أشركوا، يعني: ~~كفار قريش أبا جهل، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل من مترفي " مكة ~~". # { كانوا من الذين آمنوا } عمار، وخباب، وصهيب، وبلال ~~وأصحابهم من فقراء المؤمنين " يضحكون " استهزاء بهم. # وقوله: { من الذين } متعلق ب " يضحكون " أي: من أجلهم، وقدم ~~لأجل الفواصل. # قوله تعالى: { وإذا مروا بهم } يعني: المؤمنين بالكفار " ~~يتغامزون " ، والغمز: الإشارة بالجفن والحاجب، أي: يشيرون ~~إليهم بالأعين استهزاء. # وقيل: الغمز بمعنى: العيب يقال: غمزه، أي: عابه، وما في فلان غميز، ~~أي: ما يعاب به. # قوله تعالى: { وإذا انقلبوا } يعني: الكفار { إلى أهلهم ~~انقلبوا فكهين } معجبين بما هم فيه، يتفكهون تذكرهم ~~بالسوء. # وقرأ حفص: " فكهين " دون ألف. # والباقون: بها. # فقيل: هما بمعنى، وقيل: " فكهين " أشرين، و " فاكهين " من التفكه. # وقيل: " فكهين " فرحين و " فاكهين " ناعمين. # وقيل: ms9074 " فاكهين " أصحاب فاكهة ومزاح. # قوله: { وإذا رأوهم }. يجوز أن يكون المرفوع للكفار، والمنصوب ~~للمؤمنين، أي: أن الكفار إذا رأوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: ~~{ إن هؤلاء لضالون } أي: يأتون محمدا المختار، يرون أنهم ~~على شيء، أي: هم على ضلال في تركهم التنعيم الحاضر بسبب شراب لا يدري هل ~~له وجود أم لا؟ ويجوز العكس، وكذلك الضميران في { أرسلوا عليهم ~~} يعني: المشركين عليهم، والمعنى: { ومآ أرسلوا } يعني المشركين " ~~عليهم " يعني المؤمنين " حافظين " أعمالهم، لم يوكلوا بحفظ أعمالهم. # قوله تعالى: { فاليوم الذين آمنوا }. " فاليوم ": منصوب ب ~~" يضحكون " ، ولا يضر تقديمه على المبتدأ، لأنه لو تقدم هان العامل ~~لجاز، إذ لا لبس بخلاف " زيد قائم في الدار " لا يجوز " في الدار زيد ~~قائم ". # ومعنى، " فاليوم " أي: في الآخرة يضحك المؤمنون من الكافرين، وفي سبب ~~هذا الضحك وجوه: # منها: أن الكفار كانوا يضحكون على المؤمنين في الدنيا، بسبب ما هم فيه ~~من التضرر والبؤس، وفي الآخرة يضحك المؤمنون على الكافرين، بسبب ما هم ~~فيه من أنواع العذاب والبلاء. # ومنها: أنهم علموا أنهم كانوا في الدنيا على غير شيء، وأنهم باعوا ~~الباقي بالفاني. # ومنها: أنهم دخلوا الجنة، أجلسوا على الأرائك ينظرون إلى الكفار ~~كيف يعذبون في النار، ويرفعون أصواتهم بالويل والثبور، ويلعن بعضهم ~~بعضا. # ومنها: قال أبو صالح: يقال لأهل النار - وهم فيها - اخرجوا، ويفتح، لهم ~~أبوابها، فإذا رأوها وقد فتحت أبوابها أقبلوا إليها يريدون الخروج, ~~والمؤمنون ينظرون إليهم, فإذا انتهوا إلى أبوابها غلقت دونهم، فذلك سبب ~~الضحاك. # قوله: { على الأرآئك ينظرون }: الجار متعلق ب " ينظرون " ، ~~و " ينظرون ": حال من " يضحكون " ، أي: يضحكون ناظرين إليهم، وإلى ما هم ~~فيه من الهوان. # قوله: { هل ثوب }. يجوز أن تكون الجملة الاستفهامية معلقة للنظر ~~قبلها، فتكون في محل نصب بعد إسقاط الخافض ب " ينظرون ". # وقيل: استئناف لا موضع له، ويجوز أن يكون على إضمار القول: أي: يقولون: ~~هل ثوب، ومعنى " ثوب " أي: جوزي، يقال: ثوبه وأثابه. # قال: [الطويل] # 5131- سأجزيك أو يجزيك عني مثوب # وحسبك أن يثنى ms9075 عليك وتحمدا # ويدغم أبو عمرو والكسائي وحمزة: لام " هل " في الثناء. # قوله: " ما كانوا " فيه حذف، أي: ثواب ما كانوا، أو موصول اسمي أو حرفي. # قال المبرد: " ثوب " فعل من الثواب، وهو ما ثوب، يرجع على فاعله جزاء ما ~~علمه من خير، أو شر، والثواب: يستعمل في المكافأة بالشر. # وأنشد أبو عبيدة: [الوافر] # 5132- ألا أبلغ أبا حسن رسولا # فما لك لا يجيء إلى الثواب # وثوب وأثاب بمعنى واحد، والأولى أن يحمل على سبيل التهكم، كقوله: # ذق إنك أنت العزيز الكريم # [الدخان: 49]، كأنه - تعالى - يقول للمؤمنين: هل جازينا هؤلاء الكفار ~~على استهزائهم بطريقتكم كما جازيناكم على أعمالكم الصالحة، فيكون هذا ~~القول زائدا في سرورهم والله أعلم. # روى الثعلبي عن أبي بن كعب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة " المطففين " سقاه الله من الرحيق ~~المختوم يوم القيامة ". ### | [84 - سورة الإنشقاق] ### || [84.1-5] # قوله تعالى: { إذا السمآء انشقت } كقوله تعالى: # إذا الشمس كورت # [التكوير: 1] في إضمار الفعل وعدمه، وفي " إذا " هذه احتمالات: # أحدها: أن تكون شرطية. # والثاني: أن تكون غير شرطية. # فعلى الأول في جوابها خمسة أوجه: # أحدها: أنها { أذنت } [الانشقاق: 2، 5] والواو مزيدة. # قال ابن الأنباري: وهذا غلط؛ لأن العرب لا تقتحم الواو إلا مع " حتى إذا ~~" كقوله تعالى: # حتى إذا جآءوها وفتحت أبوابها # [الزمر: 73]، أو مع " لما " كقوله تعالى: # فلما أسلما وتله للجبين وناديناه # [الصافات: 103، 104]، أي: ناديناه، والواو لا تقحم مع غير هذين. # الثاني: أنه " فملاقيه " أي فأنت ملاقيه وإليه ذهب الأخفش. # والثالث: أنه " يا أيها الإنسان " أيضا، ولكن على إضمار القول: أي: ~~يقال: " يا أيها الإنسان ". # والخامس: أنه مقدر، تقديره: بعثتم. # وقيل: تقديره: لاقى كل إنسان كدحه وهو قوله: " فملاقيه " ويكون قوله: ~~" يا أيها الإنسان " معترض، كقولك: إذا كان كذا وكذا - يا أيها ~~الإنسان - ترى عند ذلك ما عملت من خير أو شر. # ونقل القرطبي عن المبرد، إنه قال: فيه تقديم وتأخير، أي: يا أيها ~~الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه إذا السماء ms9076 انشقت. # وقيل: هو ما صرح به في سورتي " التكوير " و " الانفطار " ، وهو قوله ~~تعالى: # علمت نفس # [الانفطار: 5]، قاله الزمخشري، وهو حسن. # ونقل ابن الخطيب عن الكسائي، أنه قال: إن الجواب هو قوله: # فأما من أوتي كتابه # [الانشقاق: 7]، واعترض في الكلام على قوله: # يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا # [الانشقاق: 6]. # والمعنى: إذا انشقت السماء وكان كذا وكذا, فمن أوتي كتابه بيمنه, فهو ~~كذا ومن أوتي كتابه وراء ظهره, فهو كذا, ونظيره قوله تعالى: # فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا ~~خوف # [البقرة: 38]. # قال النحاس: وهذا أصح ما قيل فيه وأحسنه. # وعلى الاحتمال الثاني: فيه وجهان: # أحدهما: أنها منصوبة مفعولا بها بإضمار " واذكر ". # والثاني: أنها مبتدأ، وخبرها " إذا " الثانية، و " الواو " مزيدة، ~~تقديره: وقت انشقاق السماء وقت مد الأرض، أي: يقع الأمران في وقت. قاله ~~الأخفش أيضا. # والعامل فيها إذا كانت ظرفا - عند الجمهور - جوابها، إما الملفوظ به، ~~وإما المقدر. # وقال مكي: وقيل: العامل " انشقت ". # وقال ابن عطية: قال بعض النحاة: العامل " انشقت " وأبي ذلك كثير من ~~أئمتهم؛ لأن " إذا " مضافة إلى " انشقت " ، ومن يجيز ذلك تضعف عنده ~~الإضافة، ويقوى معنى الجزاء. # وقرأ العامة: " انشقت " بتاء التأنيث ساكنة، وكذلك ما بعده. # وقرأ أبو عمرو في رواية عبيد بن عقيل: بإشمام الكسر في الوقف خاصة، وفي ~~الوصل خاصة بالسكون المحض. # قال أبو الفضل: وهذا من التغييرات التي تلحق الروي في القوافي، وفي هذا ~~الإشمام بيان أن هذه " التاء " من علامة تأنيث الفعل للإناث، وليست مما ~~ينقلب في الأسماء، فصار ذلك فارقا بين الاسم والفعل، فيمن وقف على باقي ~~الأسماء بالتاء، وذلك لغة طيئ، وقد حمل في المصاحف بعض التاءات على ذلك. # وقال ابن عطية: قال بعض النحاة: وقرأ أبو عمرو " انشقت " يقف على القاف، ~~كأنه يشمها شيئا من الجر، وكذلك في أخواتها. # قال أبو حاتم: سمعت أعرابيا فصيحا في بلاد قيس يكسر هذه التاءات. # وقال ابن خالويه: " انشقت " - بكسر التاء - عبيد عن أبي عمرو. # قال شهاب الدين: كأنه يريد إشمام الكسر، ms9077 وأنه في الوقف دون الوصل؛ ~~لأنه مطلق، وغيره مقيد، والمقيد يقضي على المطلق. # وقال أبو حيان: وذلك أن الفواصل تجري مجرى القوافي، فكما أن هذه ~~التاء تكسر في القوافي تكسر في الفواصل؛ ومثال كسرها في القوافي؛ قول ~~كثير عزة: [الطويل] # 5133- وما أنا بالداعي لعزة بالردى # ولا شامت إن نعل عزة زلت # وكذلك في باقي القصيدة؛ وإجراء الفواصل في الوقف مجرى القوافي مهيع ~~معروف كقوله تعالى: # الظنونا # والرسولا، في سورة " الأحزاب " [10و 66]، وحمل الوصل على حالة الوقف ~~موجود في الفواصل أيضا. # فصل في المراد بانشقاق السماء # انشقاق السماء من علامات القيامة، وقد تقدم شرحه. # وعن علي - رضي الله عنه - أنها تنشق من المجرة، وقال: المجرة: باب ~~السماء. # قوله: { وأذنت }. عطف على " انشقت " ، وقد تقدم أنه جواب على ~~زيادة الواو. # ومعنى " وأذنت ": أي: استمعت أمره، يقال: أذنت لك: استمعت لك، وفي ~~الحديث: # " ما أذن الله لشيء كأذنه لنبي يتغنى بالقرآن ". # وأنشد أبو عبيدة والمبرد والزجاج قول قعنب: [البسيط] # 5134- صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به # وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا # وقال آخر: [البسيط] # 5135- إن يأذنوا ريبة طاروا بها فرحا # وما هم إذنوا من صالح دفنوا # وقال الجحاف بن حكيم: [الطويل] # 5136- إذنت لكم لما سمعت هريركم # .................................. # ومعنى الاستعارة - هاهنا - أنه لم يوجد في جرم السماء ما يمنع من ~~تأثير قدرة الله تعالى في شقها، وتفريق أجزائها، فكأنها في قبول ذلك ~~التأثير كالعبد الطائع الذي إذا ورد عليه الأمر من جهة المالك أنصت، ~~وأذعن، ولم يمتنع كقوله تعالى: # قالتآ أتينا طآئعين # [فصلت: 11]، وذلك يدل على نفوذ القدرة في الإيجاد والإبداع من غير ~~ممانعة أصلا. قاله ابن الخطيب. # قوله: " وحقت ". الفاعل في الأصل هو الله تعالى، أي: حق الله ~~عليها ذلك، أي: بسمعه وطاعته، يقال: هو حقيق بكذا ومحقوق، والمعنى: ~~وحق لها أن تفعل. # قال الضحاك: " حقت " أطاعت وحق لها أن تطيع. # وقال ابن الخطيب: وهو من قولك: محقوق بكذا وحقيق به، وهي حقيقة بأن ~~تنقاد، ولا تمتنع. # قوله: { وإذا الأرض مدت } مد الأديم. # وقيل: " مدت ms9078 " بمعنى: أمدت وزيد في سعتها وقال مقاتل رضي الله عنه: ~~سويت كمد الأديم، فلا يبقى فيها بناء ولا جبل، كقوله تعالى: # ويسألونك عن الجبال # [طه: 105] الآية. # قوله: { وألقت ما فيها }. أي: أخرجت ما فيها من الموتى والكنوز، ~~لقوله تعالى: # وأخرجت الأرض أثقالها # [الزلزلة: 2]، " وتخلت " أي: خليت منها، ولم يبق في بطنها شيء، ~~وذلك يؤذن بعظم الأمر كما تلقي الحامل ما في بطنها عند الشدة، ووصفت ~~الأرض بذلك توسعا وإلا فالتحقيق أن الله تبارك وتعالى هو المخرج لتلك ~~الأشياء من بطن الأرض. # قوله تعالى: { وأذنت لربها وحقت }. تقدم تفسيره، وهذا ~~ليس بتكرار؛ لأن الأول في السماء وهذا في الأرض. ### || [84.6-15] # قوله: { يأيها الإنسان إنك كادح }. # قيل: المراد جنس الإنسان، كقولك: يا أيها الرجل، فكان خطابا خص به كل ~~واحد من الناس. # قال القفال: وهو أبلغ من العموم؛ لأنه قائم مقام التنصيص على مخاطبة كل ~~واحد منهم على التعيين، بخلاف اللفظ العام. # وقيل: المراد منه رجل بعينه، فقيل: هو محمد - عليه الصلاة والسلام -، ~~والمعنى: أنك تكدح في إبلاغ رسالات الله - تعالى - وإرشاد عباده، وتحمل ~~الضرر من الكفار، فأبشر فإنك تلقى الله بهذا العمل. # وقال ابن عباس: هو أبي بن خلف، وكدحه: هو جده واجتهاده في طلب ~~الدنيا، وإيذاء الرسول - عليه الصلاة والسلام - والإصرار على الكفر. # فصل في المراد بالكدح # الكدح: قال الزمخشري: جهد النفس، والكدم فيه حتى يؤثر فيها، ~~ومنه كدح جلده إذا خدشه، ومعنى " كادح " أي: جاهد إلى لقاء ربك وهو ~~الموت. انتهى. وقال ابن نفيل: [الطويل] # 5137- وما الدهر إلا تارتان فمنهما # أموت، وأخرى أبتغي العيش أكدح # وقال آخر: [الكامل] # 5138- ومضت بشاشة كل عيش صالح # وبقيت أكدح للحياة وأنصب # وقال الراغب: وقد يستعمل الكدح دون الكلام بالأسنان. # وقال الخليل: الكدح دون الكدم. # فصل في معنى الآية # معنى " كادح إلى ربك " أي: ساع إليه في عملك. # والكدح: عمل الإنسان وجهده في الخير والشر. # قال قتادة والكلبي والضحاك: عامل لربك عملا، وقوله تعالى: { ~~إلى ربك } أي: إلى لقاء ربك، وهو الموت، أي: هذا ms9079 الكدح استمر إلى ~~هذا الزمن. # وقال القفال: تقديره: أنك كادح في دنياك مدحا تصير به إلى ربك. # قوله: " فملاقيه ": يجوز أن يكون عطفا على [ " إنك] كادح " ، والسبب ~~فيه ظاهر، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمر، أي: فأنت ملاقيه، وقد تقدم أنه ~~يجوز أن يكون جوابا للشرط. # وقال ابن عطية: فالفاء على هذا عاطفة جملة الكلام على التي قبلها، ~~والتقدير: فأنت ملاقيه. يعني بقوله: " على هذا " أي: على عود الضمير ~~على كدحك. # قال أبو حيان: " ولا يتعين ما قاله، بل يجوز أن يكون من عطف المفردات ~~". # والضمير في " فملاقيه ": إما للرب، أي: ملاقي حكمه لا مفر لك منه. ~~قاله الزجاج. # وإما ل " الكدح " إلا أن الكدح عمل، وهو عرض لا يبقى، فملاقاته ~~ممتنعة، فالمراد: جزاء كدحك. # وقال ابن الخطيب: المراد: ملاقاة الكتاب الذي فيه بيان تلك الأعمال، ~~ويتأكد هذا بقوله بعده: { فأما من أوتي كتابه بيمينه ~~}. # قوله: { فأما من أوتي كتابه بيمينه } ، أي: ديوان ~~أعماله بيمينه. # { فسوف يحاسب حسابا يسيرا } ، " سوف " من الله واجب، كقول ~~القائل: اتبعني فسوف تجد خيرا، فإنه لا يريد الشك، وإنما يريد تحقيق ~~الكلام، والحساب اليسير: هو عرض أعماله، فيثاب على الطاعة، ويتجاوز عن ~~المعصية، ولا يقال: لم فعلت هذا، ولا يطالب بالحجة عليه. # قال صلى الله عليه وسلم: # " " من حوسب عذب " ، قالت عائشة - رضي الله عنها -: أو ليس ~~يقول تعالى: { فسوف يحاسب حسابا يسيرا } فقال: " ~~إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش الحساب عذب " ". # قوله تعالى: { وينقلب إلى أهله } في الجنة من الحور ~~العين، والآدميات والذريات إذا كانوا مؤمنين [ " مسرورا " أي: ~~مغتبطا قرير العين]. # قال ابن الخطيب: فإن قيل: إن المحاسبة تكون بين اثنين، وليس في ~~القيامة لأحد مطالبة قبل ربه فيحاسبه؟. # فالجواب: إن العبد يقول: إلهي، فعلت الطاعة الفلانية، والرب - ~~سبحانه وتعالى - يقول: فعلت المعصية الفلانية، فكان ذلك من الرب - ~~سبحانه وتعالى - ومن العبد محاسبة، والدليل أنه - تعالى - خص الكفار ~~بأنه لا يكلمهم، فدل ذلك على أنه يكلم المطيعين، فتلك المكالمة محاسبة. # قوله: " مسرورا ": حال من ms9080 فاعل " ينقلب ". # وقرأ زيد بن علي: " يقلب " مبنيا للمفعول من " قلبه " ثلاثيا. # قوله: { وأما من أوتي كتابه ورآء ظهره }. # قيل: نزلت في الأسود بن عبد الأسود. قاله ابن عباس. وقيل: عامة. # وقال الكلبي: لأن يمينه مغلولة إلى عنقه، ويجعل اليسرى ممدودة وراء ~~ظهره. # وقيل: يحول وجهه إلى قفاه، فيقرأ كتابه كذلك. # وقيل: يؤتى كتابه بشماله من ورائه؛ لأنه إذا حاول أخذه بيمينه ~~كالمؤمنين منع من ذلك، وأوتي كتابه بشماله. # فإن قيل: أليس أنه تعالى قال في سورة الحاقة: # وأما من أوتي كتابه بشماله # [الحاقة: 25]، فكيف قال هنا: { وأما من أوتي كتابه ورآء ~~ظهره }؟. # فالجواب: أنه يؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره. # قوله: { فسوف يدعو ثبورا } ، أي: ينادي بالويل، الهلاك إذا ~~قرأ كتابه يقول: يا ويلاه يا ثبوراه، كقوله تعالى: # دعوا هنالك ثبورا # [الفرقان: 13]. # قوله: { ويصلى سعيرا } ، قرأ أبو عمرو وحمزة وعاصم: بفتح الياء ~~وسكون الصاد وتخفيف اللام. # والباقون: بضم الياء وفتح اللام والتثقيل، وقد تقدم تخريج القراءتين في ~~سورة النساء عند قوله تعالى: # وسيصلون سعيرا # [النساء: 10]. # وقرأ أبو الأشهب ونافع وعاصم وأبو عمرو في رواية عنهم: " يصلى " بضم ~~الياء وسكون الصاد من أصلاه. # قوله تعالى: { إنه كان في أهله مسرورا }. # قال القفال: منعما مستريحا من التعب بأداء العبادات، واحتمال مشقة ~~الفرائض من الصلاة والجهاد، مقدما على المعاصي، آمنا من الحساب والعذاب ~~والعقاب، لا يخاف الله - تعالى - ولا يرجوه، فأبدله الله بذلك السرور ~~غما باقيا لا ينقطع. # وقيل: إن قوله: { إنه كان في أهله مسرورا } ، كقوله ~~تعالى: # وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين # [المطففين: 31]، أي: متنعمين في الدنيا، معجبين بما هم عليه من الكفر ~~بالله، والتكذيب بالبعث، يضحك ممن آمن بالله وصدق بالحساب، كما قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ". # قوله: { إنه ظن أن لن يحور }. معنى " يحور " أي: يرجع، ~~يقال: حار يحور حورا؛ قال لبيد: [الطويل]. # 5139- وما المرء إلا كالشهاب وضوئه # يحور رمادا بعد إذ هو ساطع # ويستعمل بمعنى: " صار " ، فيرفع الاسم وينصب الخبر عند بعضهم ms9081 مستدلا ~~بهذا البيت، وموضع نصب " رمادا " على الحال. # وقال الراغب: " الحور: التردد في الأمر، ومنه: " نعوذ بالله من الحور ~~بعد الكور " ، أي: من التردد في الأمر بعد المضي فيه، ومحاورة الكلام: ~~مراجعته، والمحور: العود الذي تجري فيه البكرة لترددها عليه، والمحار: ~~المرجع والمصير ". # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما -: ما كنت أدري ما معنى: " حور " حتى ~~سمعت أعرابيا يقول لابنته: " حوري " أي: ارجعي. # وقال عكرمة وداود بن أبي هند: " يحور ": كلمة بالحبشية، ومعناها: ~~يرجع. # قال القرطبي: " ويجوز أن تتفق الكلمتان، فإنهما كلمة اشتقاق، ومنه: ~~الخبز الحوارى، لأنه يرجع إلى البياض ". # والحور أيضا: الهلاك. # قال الراجز: [الرجز]. # 5140- في بئر لا حور سرى ولا شعر # وقوله تعالى: { أن لن يحور }: " أن لن " هذه " أن " المخففة كالتي ~~في أول سورة القيامة، وهي سادة مسد المفعولين، أو أحدهما على الخلاف. # وقوله: " بلى " جواب للنفي في " لن " ، و " أن ": جواب قسم مقدر، ~~والمعنى: إنه ظن أن لن يرجع إلينا ولن يبعث، ثم قال: " بلى " أي: ليس ~~كما ظن بلى يحور إلينا، أي: يبعث. # { إن ربه كان به بصيرا } [قال الكلبي: بصيرا به من يوم ~~خلقة إلى أن يبعثه. # وقال عطاء: بصيرا] بما سبق عليه في أم الكتاب من الشقاوة. ### || [84.16-25] # قوله: { فلا أقسم بالشفق } " لا ": صلة: " بالشفق " أي: بالحمرة ~~التي تكون عند غروب الشمس حتى تأتي صلاة العشاء الآخرة. # قال الراغب: الشفق: هو اختلاط ضوء النهار بسواد الليل عند غروب ~~الشمس، والإشفاق: عناية مختلطة بخوف؛ لأن المشفق يحب المشفق عليه، ~~ويخاف ما يلحقه، فإذا عدي ب " من " فمعنى الخوف فيه أظهر، وإذا عدي ب ~~" على " فمعنى العناية فيه أظهر. # وقال الزمخشري: " الشفق " الحمرة التي ترى في الغروب بعد سقوط الشمس، ~~وبسقوطه يخرج وقت المغرب، ويدخل وقت العتمة عند عامة العلماء، إلا ما روي ~~عن أبي حنيفة في إحدى الروايتين: أنه البياض. وروى أسد بن عمرو أنه رجع ~~عنه، سمي شفقا لرقته، ومنه الشفقة على الإنسان، رقة القلب عليه انتهى. # والشفق: شفقان، الشفق الأحمر، والآخر: الأبيض، ms9082 والشفق ~~والشفقة: اسمان للإشفاق؛ وقال الشاعر: [البسيط] # 5141- تهوى حياتي وأهوى موتها شفقا # والموت أكرم نزال على الحرم # تقدم اختلاف العلماء في القسم بهذه الأشياء، هل هو قسم بها أو بخالقها؟ ~~وأن المتقدمين ذهبوا إلى أن القسم واقع برب الشفق، وإن كان محذوفا؛ لأن ~~ذلك معلوم من ورود الحظر بأن يقسم بغير الله تعالى. # واعلم أن الصحيح في الشفق: أنه الحمرة؛ لأن أكثر الصحابة، والتابعين، ~~والفقهاء عليه، وشواهد [كلام العرب]، والاشتقاق، والسنة تشهد له. # وقال الفراء: " وسمعت بعض العرب يقول: عليه ثوب مصبوغ أحمر كأنه الشفق ~~". # وقال الشاعر: [الرجز] # 5142- وأحمر اللون كحمر الشفق # وقال آخر: [البسيط] # 5143- قم يا غلام أعني غير مرتبك # على الزمان بكأس حشوها شفق # ويقال للمغرة: الشفقة. # وفي " الصحاح ": الشفق بقية ضوء الشمس وحمرتها في أول الليل إلى قرب ~~من العتمة. # وقال الخليل: الشفق: الحمرة من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة إذا ~~ذهب قيل: غاب الشفق. # وأصل الكلمة من رقة الشيء، يقال: شيء شفق، أي: لا تماسك له لرقته، ~~وأشفق عليه أي: رق قلبه عليه، والشفقة: الاسم من الإشفاق، وهو رقة القلب، ~~وكذلك الشفق، فكأن تلك الرقة من ضوء الشمس. # وزعم بعض الحكماء: أن البياض لا يغيب أصلا. # وقال الخليل: صعدت منارة الإسكندرية، فرمقت البياض، فرأيته يتردد من أفق ~~إلى أفق، ولم أره يغيب. # وقال ابن أبي أويس: رأيته يتمادى إلى طلوع الفجر، وكل ما يتجدد وقته ~~سقط اعتباره. # وروى النعمان بن بشير، قال: أنا أعلمكم بوقت صلاة العشاء الآخرة، كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يصليها لسقوط القمر لثالثة. وهذا تحديد. # وقال مجاهد: الشفق النهار كله؛ لأنه عطف عليه { والليل وما ~~وسق } ، فوجب أن يكون الأول هو النهار، فعلى هذا يكون القسم واقع ~~بالليل والنهار اللذين أحدهما معاش، والثاني: سكن، والشفق أيضا: الرديء ~~من الأشياء، يقال: عطاء مشفق، أي: مقلل؛ قال الكميت: [الكامل] # 5144- ملك أغر من الملوك تحلبت # للسائلين يداه غير مشفق # قوله: { والليل وما وسق } ، أي: جمع وضم ولف، ومنه: الوسق، ~~وهو الطعام المجتمع الذي ms9083 يكال أو يوزن، وهو ستون صاعا، ثم صار اسما، ~~واستوسقت الإبل إذا اجتمعت وانضمت، والراعي وسقها، أي: جمعها؛ قال ~~الشاعر: [الرجز] # 5145- إن لنا قلائصا حقائقا # مستوسقات لو يجدن سائقا # والوسق - بالكسر-: الاسم: وبالفتح: المصدر، وطعام موسق: أي: مجموع، ~~ويقال: وسقه فاتسق، واستوسق، ونظير وقوع " افتعل، واستفعل " ~~مطاوعين: اتسع واستوسع، ومنه قولهم: وقيل: وسق، أي: عمل فيه؛ قال: ~~[الطويل] # 5146- ويوما ترانا صالحين وتارة # تقوم بنا كالواسق المتلبب # فصل في معنى الآية # قال عكرمة - رضي الله عنه -: " وما وسق " ، أي: وما ساق من شيء إلى ~~حيث يأوي فالوسق، بمعنى الطرد، ومنه قيل للطريد من الإبل والغنم: ~~وسيقه. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: " وما وسق " أي: وما جن وستر. # وعنه أيضا: وما حمل، ووسقت الناقة تسق وسقا: أي: حملت وأغلقت ~~رحمها على الماء فهي ناقة واسق، ونوق وساق، مثل: نائم ونيام، وصاحب ~~وصحاب، ومواسيق أيضا، وأوسقت البعير: حملته حمله، وأوسقت النخلة: كثر ~~حملها. # وقال يمان والضحاك ومقاتل بن سليمان: حمل من الظلمة. # وقال مقاتل: حمل من الكواكب. # وقال ابن جبير: " وما وسق " أي: وما حمل فيه من التهجد والاستغفار ~~بالأسحار. # قوله: { والقمر إذا اتسق }. أي: امتلأ. قال الفراء: وهو ~~امتلاؤه واستواؤه ليالي البدر. وهو " افتعل " من " الوسق " وهو الضم ~~والجمع كما تقدم، وأمر فلان متسق: أي: مجتمع على الصلاح منتظم، ويقال: ~~اتسق الشيء إذا تتابع. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - " إذا اتسق " أي: استوى واجتمع ~~وتكامل وتم واستدار. # قوله: { لتركبن طبقا عن طبق } هذا جواب القسم. # وقرأ الأخوان، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن مسعود، وابن عباس، وأبو ~~العالية، ومسروق، وأبو وائل، ومجاهد والنخعي، والشعبي، وابن جبير: ~~بفتح الباء على الخطاب للواحد. # والباقون: بضمها على خطاب الجمع. # فالقراءة الأولى: روعي فيها إما خطاب الإنسان المتقدم ذكره في قوله ~~تعالى: # يأيها الإنسان # [الانشقاق: 6]، وإما خطاب غيره. # فقيل: خطاب للرسول - عليه الصلاة والسلام - أي: لتركبن يا محمد مع ~~الكفار وجهادهم، أو لتبدلن أنصارا مسلمين، من قولهم: الناس طبقات ~~ولتركبن سماء [بعد سماء]، ودرجة بعد ms9084 درجة، ورتبة بعد رتبة في القرب من ~~الله تعالى. # وقيل: التاء للتأنيث، والفعل مسند لضمير السماء. # قال ابن مسعود: لتركبن السماء حالا بعد حال تكون كالمهل وكالدخان، ~~وتنفطر وتنشق. # والقراءة الثانية: روي فيها معنى الإنسان؛ إذ المراد به: الجنس، أي: ~~لتركبن أيها الإنسان حالا بعد حال من كونه نطفة، ثم مضغة، ثم حيا، ~~ثم ميتا وغنيا وفقيرا. # واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، قال: لأن المعنى بالناس أشبه منه بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم لما ذكره قبل هذه الآية فيمن يؤتى كتابه بيمينه، ومن ~~يؤتى كتابه وراء ظهره، وقوله بعد ذلك " فما لهم لا يؤمنون " ~~أي: لتركبن حالا بعد حال من شدائد يوم القيامة، أو لتركبن سنة من كان ~~قبلكم في التكذيب، والاختلاف على الأنبياء. # وقال مقاتل: يعني الموت ثم الحياة. # وعن ابن عباس: يعني: الشدائد والأهوال والموت، ثم البعث، ثم العرض. # وقال عكرمة: رضيع، ثم فطيم [ثم غلام،] ثم شاب، ثم شيخ. # قال ابن الخطيب: ويصلح أن يكون هذا خطابا للمسلمين بتعريف نقل أحوالهم ~~بنصرهم، ومصيرهم إلى الظفر بعدوهم بعد الشدة التي تلقونها منهم كما قال ~~تعالى: # لتبلون في أموالكم وأنفسكم # [آل عمران: 186]. # وقرأ عمر - رضي الله عنه -: " ليركبن " بياء الغيبة وضم الباء على ~~الإخبار عن الكفار. # وقرأ عمر - أيضا - وابن عباس - رضي الله عنهما - بالغيبة، وفتح الباء، ~~أي: ليركبن الإنسان. # وقيل: ليركبن القمر أحوالا من إسرار والاستهلال. # وقرأ عبد الله وابن عباس: " لتركبن " بكسر حرف المضارعة، وقد تقدم ~~في " الفاتحة ". # وقرأ بعضهم: بفتح المضارعة وكسر الباء، على إسناد الفعل للنفس، أي: ~~لتركبن يا نفس. # قوله: " طبقا ": مفعول به أو حال. # والطبق قال الزمخشري: الطبق: ما طابق غيره، يقال: ما هذا بطبق كذا: ~~أي: لا يطابقه، ومنه قيل للغطاء: الطبق، وأطباق الثرى ما تطابق ~~منه، ثم قيل للحال المطابقة لغيرها طبق، ومنه قوله - عز وجل-: { ~~طبقا عن طبق } أي: حالا بعد حال، كل واحدة مطابقة لأختها في ~~الشدة والهول، ويجوز أن يكون جمع طبقة، وهي المرتبة، من قولهم: هو على ms9085 ~~طبقات، ومنه طبقات الظهر لفقاره، الواحدة: طبقة على معنى: لتركبن ~~أحوالا بعد أحوال، هي طبقات في الشدة، بعضها أرفع من بعض وهي الموت، وما ~~بعده من مواطن القيامة انتهى. # وقيل: المعنى: لتركبن هذه الأحوال أمة بعد أمة؛ ومنه قول العباس فيه ~~صلى الله عليه وسلم: [المنسرح] # 5147- تنقل من صالب إلى رحم # وإذا مضى عالم بدا طبق # فعلى هذا التفسير، يكون " طبقا " حالا، كأنه قيل: أمة بعد أمة. # وأما قول الأقرع: [البسيط] # 5148- إني امرؤ قد حلبت الدهر أشطره # وساقني طبق منه إلى طبق # فيحتمل الأمرين، أي: ساقني من حالة إلى أخرى، أو ساقني من أمة ناس إلى ~~أمة ناس آخرين، ويكون نصب " طبقا " على المعنيين على التشبيه بالظرف ~~أو الحال، أي: متنقلا، والطبق أيضا: ما طابق الشيء أي: ساواه: [ومنه ~~دلالة المطابقة. # قال امرؤ القيس: # 5149- ديمة هطلا # والطبق من الجراد أي الجماعة]. # قوله: " عن طبق ": في " عن " هذه وجهان: # أحدهما: أنها في محل نصب على الحال من فاعل " تركبن ". # والثاني: أنها صفة ل " طبقا ". # وقال الزمخشري: فإن قلت: ما محل " عن طبق "؟ قلت: النصب على أنه صفة ل ~~" طبقا " ، أي: طبقا مجاوزا لطبق، [أو حال من الضمير في " لتركبن " ، ~~أي: لتركبن طبقا مجاوزين لطبق، أو مجاورا]، أو مجاورة على حسب ~~القراءة. # وقال أبو البقاء: و " عن " بمعنى: " بعد "؛ قال: [الكامل] # 5150- ما زلت أقطع منهلا عن منهل # حتى أنخت بباب عبد الواحد # لأن الإنسان إذا صار من شيء إلى شيء، يكون الثاني بعد الأول فصلحت " بعد ~~" و " عن " للمجاوزة، والصحيح أنها على بابها، وهي صفة، أي: طبقا حاصلا ~~عن طبق، أي: حالا عن حال. وقيل: جيلا عن جيل. انتهى. # يعني الخلاف المتقدم في الطبق ما المراد به، هل هو الحال، أو الجيل، أو ~~الأمة كما تقدم نقله؟ وحينئذ فلا نعرب طبقا مفعولا به، بل حالا، كما ~~تقدم، لكنه لم يذكر في طبق غير المفعول به، وفيه نظر، لما تقدم من ~~استحالته، يعني إذ يصير التقدير: لتركبن طبقة أمة عن أمة، فتكون ~~الأمة ms9086 مركوبة لهم، وإن كان يصح على تأويل بعيد جدا وهو حذف مضاف، أي: ~~لتركبن سنن، أو طريقة طبق بعد طبق. # فصل في حدوث العالم # هذا أدل على " حدوث العالم " وإثبات الصانع. # قالت: الحكماء: من كان اليوم على حاله، فليعلم أن تدبيره إلى سواه. # وقيل لأبي بكر الوراق: ما الدليل على أن لهذا العالم صانعا؟ فقال: ~~تحويل الحالات، وعجز القوة، وضعف الأركان وقهر النية ونسخ العزيمة. # قوله: { فما لهم لا يؤمنون }. يعني: أي شيء يمنعهم من ~~الإيمان بعد ما وضحت لهم الآيات والدلالات، وهذا استفهام إنكار. # وقيل: تعجب أي: اعجبوا منهم في ترك الإيمان مع هذه الآيات. # وقوله تعالى: { لا يؤمنون } حال. # قال ابن الخطيب: فما لهم لا يؤمنون بالبعث والقيامة، وهو استفهام ~~إنكار، وإنما يحسن عند ظهور الحجة، وذلك أنه - تعالى - أقسم ~~بتغييرات واقعة في الأفلاك والعناصر، فإن الشفق حالة مخالفة لما قبلها، ~~وهو ضوء النهار، ولما بعدها وهو ظلمة الليل، وكذا قوله: { والليل ~~وما وسق } فإنه يدل على حدوث ظلمة بعد نور، وعلى تغييرات أحوال ~~الحيوانات من اليقظة إلى النوم، وكذا قوله تعالى: { والقمر إذا ~~اتسق } فإنه يدل على حصول كمال القمر بعد نقصانه, ثم إنه أقسم - ~~تعالى - بهذه الأحوال المتغيرة على تغيير أحوال الخلق، وهذا يدل قطعا ~~على صحة القول بالبعث، لأن القادر على تغيير الأحوال العلوية والسفلية من ~~حال إلى حال بحسب المصالح، لا بد وان يكون قادرا، ومن كان كذلك لا محالة ~~قادر على البعث والقيامة، فلما كانت هذه الآية كالدلالة العقلية القاطعة ~~بصحة البعث، لا جرم قال تعالى على سبيل الاستبعاد: { فما لهم لا ~~يؤمنون }. # فصل في الكلام على الآية # قال القاضي: " لا يجوز أن يقول الحكيم لمن كان عاجزا عن الإيمان: { ~~فما لهم لا يؤمنون } ، وهذا يدل على كونهم قادرين، وهذا يقتضي ~~أن تكون الاستطاعة قبل الفعل، وأن يكونوا موجدين لأفعالهم، وأن لا يكون ~~تعالى خالقا للكفر فيهم, فهذه الآية من المحكمات التي لا احتمال فيها ~~ألبتة ". وجوابه تقدم. # قوله: { وإذا قرىء } شرط، جوابه ms9087 { لا يسجدون } ، وهذه ~~الجملة الشرطية في محل نصب على الحال نسفا على ما قبلها، أي: فما لهم ~~إذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون، أي: لا يصلون قاله ابن عباس: وعطاء، ~~والكلبي، ومقاتل [وقال أبو مسلم: المراد الخضوع والاستكانة. # وقيل: المراد نفس السجود لما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم سجد فيها. # وقال مالك: إنها ليست من عزائم السجود؛ لأن المعنى لا يدعون ولا ~~يطيعون]. # قوله تعالى: { بل الذين كفروا يكذبون }. العامة: على ~~ضم الياء من " يكذبون " وفتح الكاف وتشديد الذال. # والضحاك وابن أبي عبلة: بالفتح والإسكان والتخفيف [وتقدمت هاتان ~~القراءتان أول البقرة]. # والمعنى: يكذبون بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به. # قال مقاتل: نزلت في بني عمرو بن عمير، وكانوا أربعة، فأسلم اثنان منهم. # وقيل: هو في جميع الكفار. # قوله: { والله أعلم بما يوعون }. هذه هي قراءة العامة، من ~~أوعى يوعي، أي: بما يضمرون في أنفسهم من التكذيب، رواه الضحاك عن ابن ~~عباس. # وقال مجاهد: يكتمون من أفعالهم. # وقال ابن زيد: يجمعون من الأعمال الصالحة، مأخوذ من الوعاء الذي يجمع ~~فيه، يقال: وعيت الزاد والمتاع: إذا جعلته في الوعاء؛ قال الشاعر: ~~[البسيط] # 5151- ألخير أبقى وإن طال الزمان به # والشر أخبث ما أوعيت من زاد # وقرأ أبو رجاء: " يعون " من " وعى يعي " ، يقال: وعاه إذا ~~حفظه، يقال: وعيت الحديث، أعيه، وعيا، وأذن واعية، وقد تقدم. # قوله تعالى: { فبشرهم بعذاب أليم } ، أي: مؤلم في ~~جهنم على تكذيبهم وكفرهم، أي: جعل ذلك بمنزلة البشارة. # قوله: { إلا الذين آمنوا }: يجوز أن يكون متصلا، وأن يكون ~~منقطعا، هذا إذا كانت الجملة من قوله: " لهم أجر ": مستأنفة أو ~~حالية، أما إذا كان الموصول مبتدأ والجملة خبره، فالاستثناء ليس من ~~قبيل استثناء المفردات، ويكون من قسم المنقطع، أي: لكن الذين آمنوا لهم ~~كيت وكيت. # وتقدم معنى الممنون في: " حم " السجدة، وأن معناه: غير منقوص لا ~~مقطوع، يقال: مننت الحبل: إذا قطعته. # وسأل نافع بن الأزرق ابن عباس - رضي الله ms9088 عنهما - عن قوله: { لهم ~~أجر غير ممنون } فقال: غير مقطوع، فقال: هل تعرف ذلك العرب؟ ~~قال: نعم، قد عرفه أخو يشكر؛ حيث يقول: [الخفيف] # 5152- فترى خلفهن من سرعة الرج # ع منينا كأنه أهباء # قال المبرد: المنين: الغبار؛ لأنه يقطعه وراءها، وكل ضعيف منين ~~وممنون. # وقال بعضهم: ليس هنا استثناء، وإنما هو بمعنى الواو، كأنه قال: والذين ~~آمنوا. # وقد مضى القول فيه في سورة البقرة، والله تعالى أعلم. # روى الثعلبي عن أبي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من قرأ سورة { إذا السمآء انشقت } أعاذه الله - ~~تعالى- أن يعطيه كتابه وراء ظهره " # وحسبنا الله ونعم الوكيل. ### | [85 - سورة البروج] ### || [85.1-9] # قوله تعالى: { والسمآء ذات البروج }. هذا قسم أقسم الله ~~تعالى به، وفي البروج أقوال: # قيل: والسماء ذات النجوم. قاله الحسن ومجاهد وقتادة والضحاك. وقال ~~ابن عباس وعكرمة ومجاهد: هي قصور في السماء. # وقال مجاهد أيضا: هي البروج الاثنا عشر، وهو قول أبي عبيدة ويحيى بن ~~سلام. # وقيل: هي منازل القمر. # قوله: { واليوم الموعود }: وهو يوم القيامة، وهذا قسم آخر، ~~قال ابن عباس - رضي الله عنه -: وعد أهل السماء وأهل الأرض أن يجتمعوا ~~فيه. # قال القفال: يحتمل أن يكون المراد: اليوم الموعود لانشقاق السماء ~~وبنائها، وبطلان بروجها، وقوله تعالى: " الموعود " أي: الموعود به. # وقال مكي: " الموعود ": نعت لليوم، وثم ضمير محذوف به تتم الصفة، ~~تقديره: الموعود به، ولولا ذلك ما صحت الصفة؛ إذ لا ضمير يعود على ~~الموصوف من صفته. انتهى. # وكأنه يعني أن اليوم موعود به غيره من الناس، فلا بد من ضمير يرجع ~~إليه؛ لأنه موعود به، وهذا لا يحتاج إليه، إذ يجوز أن يكون قد تجوز بأن ~~اليوم قد وعد بكذا، فيصح ذلك، ويكون فيه ضمير عائد عليه. # قوله: { وشاهد ومشهود }. قال علي، وابن عباس، وابن عمر، وأبو ~~هريرة -رضي الله عنهم -: الشاهد: يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة، وهو ~~قول الحسن، ورواه أبو هريرة مرفوعا -عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " الموعود: يوم القيامة، واليوم ms9089 المشهود: يوم عرفة، ~~والشاهد: يوم الجمعة " # خرجه الترمذي في " جامعه ". # قال القشيري: فيوم الجمعة يشهد على عامله بما يعمل فيه. # قال القرطبي: وكذلك سائر الأيام والليالي، لما روى أبو نعيم الحافظ عن ~~معاوية ابن قرة، عن معقل بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ليس من يوم يأتي على العبد إلا ينادي فيه: يا ابن ~~آدم أنا خلق جديد، وأنا فيما تعمل عليك شهيد، فاعمل ~~في خيرا أشهد لك فيه غدا، فإني لو قد مضيت لم ترني ~~أبدا، ويقول الليل مثل ذلك " # حديث غريب. # وحكى القشيري عن ابن عمر وابن الزبير: أن الشاهد يوم الأضحى. # وقال سعيد بن المسيب الشاهد يوم التروية، والمشهود: يوم عرفة. # [وروي عن علي - رضي الله عنه -: الشاهد يوم عرفة، والمشهود يوم النحر] ~~وعن ابن عباس والحسين بن علي - رضي الله عنهم -: المشهود: يوم القيامة، ~~لقوله تعالى: # ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود # [هود: 103] وعلى هذا فقيل: الشاهد هو الله تعالى، وهو مروي عن ابن ~~عباس، والحسن، وسعيد بن جبير لقوله تعالى: # وكفى بالله شهيدا # [النساء: 79] وقوله تعالى: # قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني ~~وبينكم # [الأنعام: 19]. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: الشاهد: محمد صلى الله عليه وسلم لقوله ~~تعالى: # إنآ أرسلناك شاهدا # [الأحزاب: 45]، وقوله تعالى: # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا # [النساء: 41] وقوله تعالى: # ويكون الرسول عليكم شهيدا # [البقرة: 143]. # وقيل: الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - يشهدون على أممهم؛ لقوله ~~تعالى: # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد # [النساء: 41]. # وقيل: آدم عليه الصلاة والسلام. # وقيل: عيسى ابن مريم - عليه الصلاة والسلام - لقوله تعالى: # وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم # [المائدة: 117] والمشهود أمته. # وعن ابن عباس ومحمد بن كعب: الشاهد: الإنسان، لقوله تعالى: # يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون # [النور: 24]. # وقال الحسين بن الفضل: الشاهد هذه الأمة، لقوله تعالى: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء ~~على الناس # [البقرة: 143]، والمشهود بنو آدم. # قوله ms9090 تعالى: { قتل }. هذا جواب القسم على المختار، وإنما حذفت اللام، ~~والأصل: " لقتل "؛ كقوله: [الطويل] # 5153- حلفت لها بالله حلفة فاجر # لناموا فما إن من حديث ولا صالي # وإنما حسن حذفها للطول كما سيأتي - إن شاء الله تعالى - في قوله: # قد أفلح من زكاها # [الشمس: 9]. # وقيل: تقديره، لقد قتل، فحذف " اللام وقد " ، وعلى هذا فقوله " قتل " ~~خبر، لا دعاء. # وقيل: هي دعاء، فلا يكون جوابا. # وفي الجواب حينئذ أوجه: # أحدها: أنه قوله تعالى: # إن الذين فتنوا # [البروج: 10]. # الثاني: قوله: # إن بطش ربك لشديد # [البروج: 12] قاله المبرد. # الثالث: أنه مقدر، فقال الزمخشري ولم يذكر غيره: هو محذوف يدل عليه ~~قوله: { قتل أصحاب الأخدود } كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء ~~أن كفار قريش ملعونون، كما لعن أصحاب الأخدود ثم قال: " قتل " دعاء ~~عليهم كقوله تعالى: # قتل الإنسان مآ أكفره # [عبس: 17]. # وقيل: التقدير: لتبعثن. # وقيل: فيه تقديم وتأخير، قتل أصحاب الأخدود والسماء ذات البروج، قاله ~~أبو حاتم. # قال ابن الأنباري: وهذا غلط؛ لأنه لا يجوز لقائل أن يقول: والله قام ~~زيد، على معنى: قام زيد والله. # وقرأ الحسن وابن مقسم: " قتل " بتشديد التاء مبالغة أو تكثيرا. # قوله: { أصحاب الأخدود } ، أي: لعن أصحاب الأخدود. # قال ابن عباس: كل شيء في القرآن " قتل " فهو: لعن، والأخدود ~~الشق العظيم المستطيل الغائص في الأرض. # قال الزمخشري: والأخدود: الخد في الأرض وهو: الشق، ونحوهما بناء ~~ومعنى: الخق والأخقوق، ومنه: " فساخت قوائمه في أخاقيق جرذان " ~~انتهى. # فالخد: في الأصل مصدر، وقد يقع على المفعول، وهو الشق نفسه، وأما ~~الأخدود فاسم له فقط. # وقال الراغب: الخد والأخدود: شق في الأرض مستطيل غائص، وأصل ذلك من ~~خدي الإنسان، وهما ما اكتنفا الأنف عن اليمين والشمال، فالخد: ~~يستعار للأرض ونحوها كاستعارة الوجه، وتخدد اللحم بزواله عن وجه الجسم، ~~ثم يعبر بالمخدود عن المهزول والخداد: وسم في الخد. # وقال غيره: سمي الخد خدا؛ لأن الدموع تخد فيه أخاديد، أي: مجاري، ~~وجمع الأخدود: أخاديد، والمخدة؛ لأن الخد يوضع عليها، ويقال: تخدد ~~وجه [الرجل] إذا صارت فيه أخاديد ms9091 من جراح. # فصل في نزول السورة # هذه السورة نزلت في تثبيت المؤمنين، وتصبيرهم على أذى المشركين، ~~وتذكيرهم بما جرى على من تقدمهم من التعذيب على الإيمان حتى يقتدوا بهم، ~~فيعلموا أن كفارهم عند الله - تعالى - بمنزلة الأمم السابقة. # وكان من حديث أصحاب الأخدود: أنه كان لبعض الملوك ساحر، فلما كبر ضم ~~إليه غلاما ليعلمه السحر، وكان في طريق الغلام راهب، فمال قلب الغلام ~~إلى ذلك الراهب، ثم رأى في طريقه ذات يوم حية قد حبست الناس، فقال: ~~اللهم إن كان هذا الراهب أحب إليك من الساحر فقوني على قتل هذه ~~الحية، وأخذ حجرا فرماها به فقتلها، فأعرض الغلام عن تعلم السحر، ~~واشتغل بطريقة الراهب، ثم صار إلى حيث يبرئ الأكمه والأبرص، ويشفي من ~~الأذى، فاتفق أن عمي جليس الملك، وأتاه بهدايا كثيرة، وقال له: إن أنت ~~شفيتني، فهي لك أجمع، فقال الغلام: إني لا أشفي أحدا، إنما يشفي الله ~~تعالى، فإن آمنت بالله - تعالى - دعوته شفاك، فآمن بالله، فشفاه الله، ~~فأبرأه فلما رآه الملك، قال: من رد عليك بصرك؟ قال: ربي، فغضب الملك ~~وقال: هل لك رب غيري؟ قال: ربي وربك الله، فعذبه حتى دل على ~~الغلام، فجيء بالغلام، فقال له الملك: يا بني قد بلغ من سحرك ما يبرئ ~~الأكمه والأبرص، وتفعل وتفعل؟ فقال: إني لا أشفي أحدا، إنما يشفي الله ~~تعالى، فأخذه، فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب، فجئ بالراهب، فقيل له: ~~ارجع عن دينك فأبى، فوضع المنشار في مفرق رأسه، فشقه حتى وقع شقاه، ثم ~~جيء بالغلام، فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدفعه إلى نفر من أصحابه، ~~فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه من ~~ذروته، فذهبوا به، وصعدوا به الجبل، فقال الغلام: اللهم اكفنيهم بما ~~شئت، فزحف بهم الجبل، فسقطوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ~~ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله، فدفعه إلى نفر من أصحابه، وقال: ~~احملوه في سفينة وتوغلوا به في البحر، فإن رجع ms9092 عن دينه وإلا فأغرقوه، ~~فذهبوا به فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فانكفأت بهم السفينة، فغرقوا، ~~ونجا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم ~~الله، وقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تجمع الناس في صعيد واحد، ~~وتصلبني على جذع نخلة، ثم تأخذ سهما من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد ~~القوس، ثم قل: بسم الله رب الغلام، ثم ارم به واضرب، فإنك إذا فعلت ذلك ~~قتلتني، فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع، ثم أخذ سهما من ~~كنانته، فوضعه في القوس، ثم قال: بسم الله رب الغلام، ورماه به فوقع ~~السهم على صدغه، فمات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، فقيل للملك: نزل ~~بك ما كنت تحذر، فأمر بأخاديد في أفواه السكك أوقدت فيها النيران، وقال: ~~من لم يرجع منهم طرحته فيها، حتى جاءت امرأة ومعها صبي، فتقاعست أن تقع ~~فيها، فقال لها الصبي: يا أماه، اصبري، فإنك على الحق، فصبرت على ~~ذلك. # وفي رواية: أن الدابة التي حبست الناس كانت أسدا، وأن الغلام دفن، ~~قيل: إنه خرج في زمن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وأصبعه على صدغه كما ~~وضعها حين قتل. # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أن النار ارتفعت من الأخدود، فصارت ~~فوق الملك وأصحابه أربعين ذراعا فأحرقتهم. # وقال الضحاك: هم قوم من النصارى باليمن قبل مبعث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بأربعين سنة، أخذهم يوسف بن شراحيل بن تبع الحميري، وكانوا ~~نيفا وثمانين رجلا، وحفر لهم أخدودا، وأحرقهم فيه. حكاه الماوردي. ~~وروي غير ذلك. # قال مقاتل: أصحاب الأخدود ثلاثة: واحد بنجران، والآخر: بالشام، ~~والآخر: بفارس، أما الذي بالشام فأنطنيانوس الرومي، وأما الذي بفارس ~~فبختنصر، والذي بأرض العرب يوسف بن ذي نواس، فلم ينزل الله في الذي ~~بفارس والشام قرآنا، وأنزل قرآنا في الذي كان بنجران. # قال الكلبي: هم نصارى نجران، أخذوا بها قوما مؤمنين، فخذوا لهم سبعة ~~أخاديد، كل أخدود أربعون ذراعا، وعرضه اثنا عشر ذراعا، ثم طرحوا فيه ~~النفط، والحطب، ms9093 ثم عرضوهم عليها فمن أبى قذفوه فيها. # فصل في المراد بأصحاب الأخدود # قال ابن الخطيب: يمكن أن يكون المراد بأصحاب الأخدود: القاتلين، ويمكن ~~أن يكون المراد بهم: المقتولين، والمشهور أن المقتولين هم: المؤمنون. # وروي أن المقتولين هم الجبابرة، روي أنهم لما ألقوا المؤمنين في النار ~~عادت النار على الكفار فأحرقتهم، ونجى الله - تعالى - المؤمنين منها ~~سالمين، وإلى هذا القول ذهب الربيع بن أنس، والواحدي، وتأولوا قوله ~~تعالى: # فلهم عذاب جهنم # [البروج: 10] أي: في الآخرة، # ولهم عذاب الحريق # [البروج: 10] في الدنيا، فإن فسرنا أصحاب الأخدود بالقاتلين، فيكون ~~قوله: { قتل أصحاب الأخدود } دعاء عليهم, أي: لعن أصحاب ~~الأخدود, كقوله تعالى: # قتل الإنسان مآ أكفره # [عبس: 17]، # قتل الخراصون # [الذاريات: 10]. # أو يكون المعنى: قتلوا بالنار كما أرادوا قتل المؤمنين بالنار عادت ~~النار عليهم فقتلتهم. # وإن فسرنا أصحاب الأخدود بالمقتولين كان المعنى أن المؤمنين قتلوا ~~بالإحراق بالنار، فيكون ذلك خبرا لا دعاء. # فصل في المقصود من هذه الآية # المقصود من هذ الآية: تثبيت قلوب المؤمنين بإخبارهم بما كان يلقاه من ~~قبلهم من الشدائد، وذكر لهم النبي صلى الله عليه وسلم قصة الغلام ليصبروا ~~على ما يلقون من أذى الكفار، ليتأسوا بهذا الغلام في صده على الأذى ~~والصلب وبذله نفسه في إظهار دعوته، ودخول الناس في الدين مع صغر سنه، ~~وكذلك صبر الراهب على التمسك بالحق حتى نشر بالمنشار، وكذلك أكثر الناس ~~لما آمنوا بالله تعالى. # قوله: { النار }. العامة: على جرها، وفيها أوجه: # أحدها: أنه بدل من " الأخدود " بدل اشتمال؛ لأن " الأخدود " مشتمل ~~عليها، وحينئذ فلا بد من الضمير. # فقال البصريون: مقدر، تقديره: النار. # وقال الكوفيون: " أل " قائمة مقام الضمير، تقديره: ناره، ثم حذف ~~الضمير، وعوض عنه " أل " [وتقدم البحث معه في ذلك]. # الثاني: أنه بدل من كل، ولا بد حينئذ من حذف مضاف، تقديره: أخدود ~~النار. # الثالث: أن التقدير: ذي النار؛ لأن الأخدود هو الشق في الأرض، حكاه ~~أبو البقاء. # وهذا يفهم أن النار خفض بالإضافة لتلك الصفة المحذوفة، فما حذف ~~المضاف قام المضاف إليه ms9094 مقامه في الإعراب، واتفق أن المحذوف كان مجرورا، ~~وقوله: إن الأخدود هو الشق، تعليل بصحة كونه صاحب نار. # الرابع: أن النار خفض على الجوار، نقله مكي عن الكوفيين. # وهذا يقتضي أن النار كانت مستحقة لغير الجر، فعدل عنه إلى الجر للجوار، ~~والذي يقتضي الحال أنه عدل عن الرفع، ويدل على ذلك أنه قد قرئ في الشاذ: ~~" النار " رفعا، والرفع على أنه خبر ابتداء مضمر، تقديره: هي النار ~~وقيل: بل هي مرفوعة على الفاعلية تقديره قتلهم: أي: أحرقتهم، والمراد ~~حينئذ بأصحاب الأخدود: المؤمنون. # وقرأ العامة: " الوقود " بفتح الواو، والحسن، وأبو رجاء، وأبو حيوة، ~~وعيسى: بضمها، وتقدمت القراءتان في أول " البقرة ". # قوله تعالى: { إذ هم عليها قعود }. العامل في " إذ " إما: " ~~قتل أصحاب " ، أي: قتلوا في هذا الوقت. # وقيل: اذكر، مقدرا، فيكون مفعولا به، ومعنى قعودهم عليها أي: على ما ~~يقرب منها كحافتها؛ ومنه قول الأعشى: [الطويل] # 5154- تشب لمقرورين يصطليانها # وبات على النار الندى والمحلق # وقال القرطبي: ومعنى " عليها " أي: " عندها " و " على " بمعنى: " عند ~~" ، والضمير في " هم " يجوز أن يكون للمؤمنين، وأن يكون للكافرين. # قوله: { وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود }. أي: ~~حضور، يعني: الكفار كانوا يعرضون الكفر على المؤمنين، فمن أبي ألقوه ~~في النار. # وقيل: " على " بمعنى: " مع " أي: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين شهود. # قال ابن الخطيب: و " على " بمعنى: " عند " كقوله تعالى: # ولهم علي ذنب # [الشعراء: 14] أي: عندي. # [وقوله: " شهود " إما حضور قاسية قلوبهم لا يرقون على المؤمنين، أو هم ~~مجدون في ذلك لا يخطر لهم أنه حق. # أو يكون المراد وصف المؤمنين بالتصلب في دينهم، والثبات عليه، وإن لم ~~يؤثر فيهم حضور هؤلاء، ولا استحيوا من مخالطتهم. # وإما أن يكون المراد بشهودهم شهادة الدعوة؛ أي: يشهد بعضهم لبعض عند ~~الملك بما فعلوا بالمؤمنين. # وإما أنهم متثبتون في فعلهم متبصرون فيه كما يفعل الشهود، ثم لا ~~يرحمونهم مع ذلك]. # قوله: { وما نقموا } ، العامة، على فتح القاف. # وزيد بن علي، وأبو حيوة، وابن أبي عبلة: بكسرها، والفصيح: الفتح. وقد ms9095 ~~تقدم ذلك في سورة " المائدة " و " براءة ". # والمعنى: ما نقم الملك وأصحابه من الذين حرقوهم { إلا أن ~~يؤمنوا } إلا أن صدقوا بالله؛ كقوله: [الطويل] # 5155- ولا عيب فيها غير شكلة عينها # كذاك عتاق الطير شكل عيونها # وكقول ابن الرقيات: [المنسرح] # 5156- ما نقموا من بني أمية إل # لا أنهم يحلمون إن غضبوا # يعني أنهم جعلوا أحسن الأشياء قبيحا وتقدم الكلام على محل " أن " أيضا ~~في سورة " المائدة ". # وقوله تعالى: { أن يؤمنوا } أتى بالفعل المستقبل تنبيها على أن ~~التعذيب إنما كان لأجل إيمانهم في المستقبل، ولو كفروا في المستقبل لم ~~يعذبوا على ما مضى من الإيمان، فكأنه قيل: أن يدوموا على إيمانهم، و " ~~العزيز " هو الغالب المنيع، " الحميد ": المحمود في كل حال. # { الذي له ملك السماوات والأرض }: لا شريك له فيهما. # { والله على كل شيء شهيد } أي: عالم بأعمال خلقه لا يخفى ~~عليه خافية، وهذا وعد عظيم للمطيعين، ووعيد للمجرمين. ### || [85.10-16] # قوله: { إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات }: ~~لما ذكر قصة أصحاب الأخدود، أتبعها بما يتفرع من أحكام الثواب والعقاب، ~~فقال تعالى: { إن الذين فتنوا المؤمنين ~~والمؤمنات } أي: حرقوهم بالنار، والعرب يقولون: فتن فلان الدرهم ~~والدينار إذا أدخله الكور لينظر جودته، ودينار مفتون، ويسمى الصائغ: ~~فتان، وكذلك الشيطان، وورق فتين، أي: فضة محرقة، ويقال للحرة: فتين, وهي ~~الأرض التي تركبها حجارة سوداء، كأنما أحرقت حجارتها بالنار لسوادها. # وقال ابن الخطيب: يحتمل أن يكون المراد بالذين فتنوا: كل من فعل ذلك؛ ~~لأن اللفظ والحكم عام. # وقوله تعالى: { ثم لم يتوبوا } أي: من قبيح صنيعهم، وهذا يدل ~~على أنهم لو تابوا لخرجوا من هذا الوعيد، وذلك يدل على القطع بأن الله ~~يقبل التوبة، فدل على أن توبة القاتل عمدا مقبولة. # قوله: { فلهم عذاب جهنم }. هو خبر " إن الذين " دخلت ~~الفاء لما تضمنه المبتدأ من معنى الشرط، ولا يضر نسخه ب " إن " خرفا ~~للأخفش. # وارتفاع " عذاب " يجوز على الفاعلية بالجار قبله لوقوعه خبرا، وهو ~~الأحسن، وأن يرتفع بالابتداء، والمعنى: لهم عذاب جهنم لكفرهم. # وقيل: ولهم عذاب الحريق ms9096 أي: ولهم في الآخرة عذاب الحريق، والحريق: اسم ~~من أسماء جهنم كالسعير، والنار دركات وأنواع، ولها أسماء، وكانوا ~~يعذبون بالزمهرير في جهنم، ثم يعذبون بعذاب الحريق. # والأول: عذاب ببردها. # والثاني: عذاب بحرها. # قوله: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات }. أي: ~~هؤلاء الذين آمنوا بالله، أي: صدقوا به وبرسوله { وعملوا ~~الصالحات لهم جنات } أي: بساتين. # { تجري من تحتها الأنهار } لما ذكر تعالى وعيد المجرمين، ~~ذكر وعد المؤمنين، { ذلك الفوز الكبير } أي: العظيم الذي لا ~~فوز يشبهه، وقال: " ذلك الفوز " ولم يقل: تلك؛ لأن ذلك إشارة إلى ~~إخبار الله تعالى بحضور الجنات، وتلك إشارة إلى الجنة الواحدة، وإخبار ~~الله - تعالى - يدل على كونه راضيا. والفوز الكبير: هو رضا الله تعالى، ~~لا دخول الجنة. # قوله: { إن بطش ربك لشديد }؛ أي: أخذه الجبابرة والظلمة، ~~كقوله تعالى: # وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة ~~إن أخذه أليم شديد # [هود: 102]. # وقال المبرد: { إن بطش ربك } جواب القسم وقد تقدم ذلك. # والبطش: هو الأخذ بعنف، فإذا وصف بالشدة، فقد تضاعف. # قوله: { إنه هو يبدىء ويعيد } ، يعني: الخلق عند أكثر ~~العلماء يخلقهم ابتداء، ثم يعيدهم عند البعث، وروى عكرمة، قال: عجب ~~الكفار من إحيائه تعالى الأموات. # وقال ابن عباس - رضي الله عنه - يبدئ لهم عذاب الحريق في الدنيا، ثم ~~يعيده عليهم في الآخرة، وهذا اختيار الطبري. # قوله: { وهو الغفور الودود }: " الغفور ": أي: الستور ~~لعباده المؤمنين، والودود: مبالغة في الوداد. # قال ابن عباس: هو المتودد لعباده المؤمنين بالمغفرة. # وعن المبرد، هو الذي لا ولد له، وأنشد: [المتقارب] # 5157- وأركب في الروع عريانة # ذلول الجناح لقاحا ودودا # أي: لا ولد لها تحن إليه. # وقيل: هو " فعول " بمعنى: " مفعول " ، كالركوب والحلوب أي: يوده ~~عباده الصالحون. # قوله: { ذو العرش المجيد } قرأ الكوفيون إلا عاصما: " ~~المجيد " بالجر. # فقيل: نعت للعرش. # وقيل: ل " ربك " في قوله: { إن بطش ربك لشديد } ، قاله ~~مكي. وقيل: لا يجوز أن يكون نعتا للعرش؛ لأنه من صفات الله تعالى. # وقرأ الباقون: بالرفع، على أنه خبر بعد خبر. # وقيل: هو نعت ms9097 ل " ذو " ، واستدل بعضهم على تعدد الخبر بهذه الآية، ~~ومن منع قال: لأنها في معنى واحد، أي: جامع بين هذه الأوصاف الشريفة، أو ~~كل منها خبر لمبتدأ مضمر. # والمجيد: هو النهاية في الكرم والفضل، والله - تبارك وتعالى - هو ~~المنعوت بذلك، وإن كان قد وصف عرشه بالكريم في آخر المؤمنين. # ومعنى " ذو العرش " أي: ذو الملك والسلطان، كما يقال: فلان على سرير ~~ملكه وإن لم يكن على سرير، ويقال: بلي عرشه، أي: ذهب سلطانه. # قوله: { فعال لما يريد } أي: لا يمتنع عليه شيء يريده. # قال الزمخشري: " فعال " خبر مبتدأ محذوف، وإنما قيل: " فعال "؛ لأن ~~ما يريد ويفعل في غاية الكثرة. # وقال الفراء: هو رفع على التكرير والاستئناف؛ لأنه نكرة محضة على وجه ~~الإتباع لإعراب الغفور الودود. # وعن أبي السفر قال: دخل ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على أبي ~~بكر - رضي الله عنه - يعودونه، فقالوا: ألا نأتيك بطبيب؟ قال رضي الله ~~عنه: قد رآني، قالوا: فما قال لك؟ قال: قال: إني فعال لما ~~أريد. # فصل في أن الآية دلت على خلق الأفعال # دلت هذه الآية على خلق الأفعال؛ لأنه تعالى يريد الإيمان، فوجب أن ~~يكون فاعلا للإيمان، وإذا كان فاعلا للإيمان وجب أن يكون فاعلا للكفر ~~ضرورة؛ لأنه لا قائل بالفرق. # فصل في تفسير الآية # قال القفال: " فعال لما يريد " أي: يفعل ما يريد على ما يراه، لا ~~يعترض عليه ولا يغلبه غالب، فيدخل أولياءه الجنة، لا يمنعه مانع، ويدخل ~~أعداءه النار، لا ينصرهم منه ناصر، ويمهمل العصاة على ما يشاء إلى أن ~~يجازيهم، ويعاجل بعضهم بالعقوبة إذا شاء، فهو يفعل ما يريد. ### || [85.17-22] # قوله: { هل أتاك حديث الجنود } ، أي: قد أتاك يا محمد خبر ~~الجموع الكافرة المكذبة لأنبيائهم [تسلية له بذلك]. # قوله تعالى: { فرعون وثمود }. يجوز أن يكون بدلا من الجنود، ~~وحينئذ فكان ينبغي أن يأتي البدل مطابقا للمبدل منه في الجمعية. # فقيل: هو على حذف مضاف، أي: جنود فرعون. # وقيل: المراد فرعون وقومه، واستغني بذكره عن ذكرهم؛ ms9098 لأنهم أتباعه. # ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار: أعني؛ لأنه لما لم يطابق ما قبله وجب ~~قطعه. # والمعنى: أنك قد عرفت ما فعل بهم حين كذبوا بأنبيائهم ورسلهم. # قوله: { بل الذين كفروا في تكذيب } ، أي: هؤلاء الذين لا ~~يؤمنون بك في تكذيب لك كدأب من قبلهم، وإنما خص فرعون وثمود؛ لأن ~~ثمودا في بلاد العرب، وقصتهم عندهم مشهورة، وإن كانوا من المتقدمين، ~~وأمر فرعون كان مشهورا عند أهل الكتاب وغيرهم، وكان من المتأخرين في ~~الهلاك فدل بهما على أمثالهما، والله أعلم. # قوله: { والله من ورآئهم محيط } ، أي: يقدر على أن ينزل ~~بهم ما أنزل بفرعون، والمحاط به المحصور. # وقيل: والله أعلم بهم فيجازيهم. # قوله: { بل هو قرآن مجيد } العامة: على تبعية مجيد ل " قرآن ~~" ، وقرأ ابن السميفع بإضافة " قرآن " ل " مجيد ". # فقيل: هو على حذف مضاف، أي: قرآن رب مجيد. # كقوله: [الوافر] # 5158- ولكن الغنى رب غفور # أي: غنى رب غفور. # وقيل: بل هو من إضافة الموصوف إلى صفته، فتتحد القراءتان، ولكن البصريين ~~لا يجيزون هذا لئلا يلزم إضافة الشيء إلى نفسه، ويتأولون ما ورد. # ومعنى " مجيد " أي: متناه في الشرف والكرم والبركة. # وقيل: " مجيد " أي: غير مخلوق. # قوله: { في لوح محفوظ } ، قرأ نافع: برفع " محفوظ ": نعتا ل ~~" قرآن ". # والباقون: بالجر؛ نعتا للوح. # والعامة: على فتح اللام، وقرأ ابن السميفع وابن يعمر: بضمها. # قال الزمخشري: يعني اللوح فوق السماء السابعة الذي فيه اللوح، " محفوظ " ~~من وصول الشياطين إليه. # وقال أبو الفضل: " اللوح ": الهواء، وتفسير الزمخشري بالمعنى، وهو الذي ~~أراده ابن خالويه. # قال القرطبي: " في لوح محفوظ " أي: مكتوب في لوح، وهو محفوظ عند ~~الله - تعالى - من وصول الشياطين إليه. # وقيل: هو أم الكتاب، ومنه انتسخ القرآن والكتب. # وقال بعض المفسرين: " اللوح " شيء يلوح للملائكة فيقرءونه. # وفي " الصحاح ": لاح الشيء يلوح لوحا ولواحا: عطش، وكل عظم عريض، ~~واللوح: الذي يكتب فيه، واللوح: بالضم، الهواء بين السماء والأرض. ~~وأنشد دريد: [الرجز] # 5159- عقاب لوح الجو أعلى متنا # قال ابن الخطيب: قال - هاهنا -: " في لوح محفوظ ms9099 " ، وقال في آية ~~أخرى: # إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون # [الواقعة: 77، 78] فيحتمل أن يكون الكتاب المكنون، هو اللوح المحفوظ، ثم ~~كونه محفوظا يحتمل أن يكون محفوظا عن اطلاع الخلق عليه سوى الملائكة ~~المقربين، ويحتمل أن يكون المراد: ألا يتغير ولا يتبدل. والله أعلم. # روى الثعلبي عن أبي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من قرأ سورة { والسمآء ذات البروج } أعطاه الله ~~تعالى بعدد كل يوم جمعة، وكل يوم عرفة، يكون في دار ~~الدنيا عشر حسنات ". ### | [86 - سورة الطارق] ### || [86.1-4] # قوله تعالى: { والسمآء والطارق } ، " السماء ": قسم، و " ~~الطارق ": قسم، والطارق: هو النجم الثاقب، كما بينه الله تعالى ~~بقوله: { ومآ أدراك ما الطارق النجم الثاقب }. # والطارق في الأصل: اسم فاعل من: طرق يطرق طروقا: أي: جاء ليلا؛ قال ~~امرؤ القيس: [الطويل] # 5160- فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع # فألهيتها عن ذي تمائم محول # وأصله من الضرب، والطارق بالحصى: الضارب به؛ قال: [الطويل] # 5161- لعمرك، ما تدري الطوارق بالحصى # ولا زاجرات الطير ما الله صانع # ثم اتسع فقيل لكل من أتى ليلا: طارق، سواء كان كوكبا، أو غيره، ولا ~~يكون الطارق نهارا. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم: # " نهى أن يأتي الرجل أهله طروقا ". # وقوله: { النجم الثاقب } ، قال محمد بن الحسين: هو زحل. # وقال ابن زيد: هو الثريا - أيضا -: أنه زحل. # وعن ابن عباس: هو الجدي، وعن علي بن أبي طالب والفراء، " النجم ~~الثاقب ": نجم في السماء السابعة لا يسكنها غيره من النجوم، فإذا أخذت ~~النجوم أمكنتها من السماء هبط، فكان معها، ثم يرجع إلى مكانه من السماء ~~السابعة، وهو زحل، فهو طارق حين ينزل، وحين يهبط. # وفي " الصحاح ": " الطارق: النجم الذي يقال له: كوكب الصبح ". # ومنه قول هند: [الرجز] # 5162- نحن بنات طارق # نمشي على النمارق # وقيل: هو اسم جنس، فيدخل فيه سائر الكواكب، وسمي ثاقبا؛ لأنه يثقب ~~الظلام بضوئه، أي: ينفذ فيه. أي يرمي الشيطان فيحرقه. # قال الماوردي: وأصل الطرق، الدق، ومنه سميت المطرقة، فسمي قاصد ~~الليل: طارقا، لاحتياجه في ms9100 الوصول إلى الدق. # وروي # " أن أبا طالب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بخبز ولبن، فبينما هو ~~جالس يأكل إذ انحط نجم فامتلأت الأرض نورا، ففزع أبو طالب، وقال: أي ~~شيء هذا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذا نجم رمي به، ~~وإنه من آيات الله " فعجب أبو طالب، ونزلت السورة ". # وقال مجاهد: " الثاقب ": المتوهج. # قوله تعالى: { ومآ أدراك } تفخيم لشأن هذا المقسم به. # قوله: { إن كل نفس لما عليها حافظ }. قد تقدم في سورة ~~" هود ": التخفيف والتشديد في " لما " ، فمن خففها - هنا - كانت " إن ": ~~مخففة من الثقيلة، و " كل ": مبتدأ، و " عليها ": خبر مقدم، و " حافظ ": ~~مبتدأ مؤخر، والجملة خبر " كل " ، و " ما ": مزيدة بعد اللام الفارقة، ~~ويجوز أن يكون " عليها ": هو الخبر وحده، و " حافظ ": فاعل به، وهو أحسن، ~~ويجوز أن يكون " كل ": مبتدأ، و " حافظ ": خبره، و " عليها " متعلق به، و ~~" ما ": مزيدة أيضا، هذا كله تفريع على قول البصريين. # وقال الكوفيون: " إن " هنا: نافية، واللام بمعنى " إلا " إيجابا بعد ~~النفي، و " ما ": مزيدة وتقدم الكلام في هذا مستوفى. # قال الفارسي: ويستعمل " لما " بمعنى: " إلا " في موضعين: # أحدهما: هذا، والآخر: في باب القسم، تقول: سألتك لما فعلت. # وروي عن الكسائي والخفش وأبو عبيدة أنهم قالوا: لم نجد " لما " ~~بمعنى: " إلا " في كلام العرب. # وأما قراءة التشديد: ف " إن " نافية، و " لما " بمعنى: " إلا " ~~وتقدمت شواهد ذلك في سورة " هود ". # وحكى هارون: أنه قرئ " إن " بالتشديد، " كل " بالنصب على أنه ~~اسمها، واللام: هي الدالخة في الخبر، و " ما ": مزيدة، و " حافظ ": ~~خبرها. # وعلى كل تقدير ف " إن " وما في خبرها: جواب القسم سواء جعلها مخففة أو ~~نافية. # وقيل: الجواب: # إنه على رجعه # [الطارق: 8] وما بينهما اعتراض؛ وفيه بعد. # فصل في المراد بالحافظ # قال قتادة: " حافظ " أي: حفظة يحفظون عليك رزقك وعملك وأجلك، قال ~~تعالى: # ويرسل عليكم حفظة # [الأنعام: 61]، وقال تعالى: # وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين # [الانفطار: 10، 11]، وقال تعالى: # له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه ~~من ms9101 أمر الله # [الرعد: 11]. # وقيل: الحافظ: هو الله تعالى. # وقيل: الحافظ: هو العقل يرشد الإنسان إلى مصالحه، ويكفه عن مضاره. # قال القرطبي: العقل وغيره وسائط، والحافظ في الحقيقة هو الله تعالى، قال ~~الله تعالى: # فالله خير حافظا # [يوسف: 64]، وقال تعالى: # قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن # [الأنبياء: 42] وما كان مثله. # قال ابن الخطيب: المعنى: لما كانت كل نفس عليها حافظ، وجب أن يجتهد كل ~~واحد، ويشتغل بالمهم، وأهم الأشياء معرفة المبدأ والمعاد والمبدأ يقدم. ### || [86.5-10] # قوله: { فلينظر الإنسان } ، أي: ابن آدم، " مم خلق " ، ~~وجه الاتصال بما قبله وصية الإنسان بالنظر في أول أمره حتى يعلم أن من ~~أنشأه قادر على إعادته وجزائه، فليعمل ليوم الإعادة والحشر والجزاء، ولا ~~يملي على الحافظ إلا ما يسره في عاقبه أمره. # وقوله تعالى: { مم خلق } ، استفهام، أي: من أي شيء خلق، وهو ~~جواب الاستفهام. # قوله: { من مآء دافق }. فاعل بمعنى مفعول [كعكسه في قولهم: سيل ~~مفعم]، كقوله تعالى: # حجابا مستورا # [الإسراء: 45] على وجه. # وقيل: " دافق " على النسب، أي: ذو دفق أو اندفاق. # وقال ابن عطية: يصح أن يكون الماء دافقا؛ لأن بعضه يدفق بعضا، أي: ~~يدفقه، فمنه دافق، ومنه مدفوق انتهى. # والدفق: الصب، ففعله متعد. # وقرأ زيد بن علي: " مدفوق " وكأنه فسر المعنى. # قال القرطبي: الصب: دفق الماء، دفقت الماء، أدفقه دفقا، أي: ~~صببته فهو ماء دافق، أي: مدفوق، كما قالوا: سر كاتم، أي: مكتوم؛ لأنه ~~من قولك: دفق الماء على ما لم يسم فاعله، ولا يقال: دفق الماء، ويقال: ~~دفق الله روحه: إذا دعى عليه بالموت. # قال الفراء والأخفش: " ماء دافق ": أي مصبوب في الرحم. # وقال الزجاج: " من ماء ذي اندفاق " ، يقال: دارع، وفارس، ~~ونابل، أي ذو فرس ودرع ونبل، وهذا مذهب سيبويه. # والدافق: هو المندفق بشدة قوته، وأراد ماءين: ماء الرجل وماء المرأة؛ ~~لأن الإنسان مخلوق منهما، لكن جعلهما ماء واحدا لامتزاجهما. # وقال ابن عباس: " دافق " لزج. # قوله: { يخرج من بين الصلب والترآئب } ، أي: هذا ~~الماء من بين الصلب، أي: الظهر وقرأ ms9102 العامة: " يخرج " مبنيا ~~للفاعل، وابن أبي عبلة وابن مقسم: مبنيا للمفعول. وقرأ - أيضا -: وأهل ~~" مكة ": " الصلب " بضم الصاد واللام. # وقرأ اليماني: بفتحها؛ ومنه قول العجاج: [الرجز] # 5163- في صلب مثل العنان المؤدم # [وفيه أربع لغات: " صلب، وصلب، وصلب، وصالب، ومنه قوله]: ~~[المنسرح] # 5164- تنقل من صالب إلى رحم # .................................. # والترائب: جميع تريبة، وهي موضع القلادة من عظام الصدر؛ لأن الولد ~~مخلوق من مائهما؛ فماء الرجل في صلبه، وماء المرأة في ترائبها، وهو معنى ~~قوله تعالى: # من نطفة أمشاج # [الإنسان: 2]؛ وقال امرؤ القيس: [الطويل] # 5165- مهفهفة بيضاء غير مفاضة # ترائبها مصقولة كالسجنجل # وقال آخر: [الكامل] # 5166- والزعفران على ترائبها # شرق به اللبات والنحر # وقال المثقب العبدي: [الوافر] # 5167- ومن ذهب يلوح على تريب # كلون العاج ليس له غضون # وقال الشاعر: [الرجز] # 5168- أشرف ثدياها على التريب # وعن ابن عباس وعكرمة: الترائب: ما بين ثدييها. # وقيل: الترائب: التراقي. # وقيل: أضلاع الرجل التي أسفل الصلب. # وحكى الزجاج: أن الترائب أربعة أضلاع من يمنة الصدر، وأربعة أضلاع من ~~يسرة الصدر. # وعن ابن عباس: أطراف المرء، يداه ورجلاه وعيناه، وهو قول الضحاك. # وقيل: عصارة القلب، وهو قول معمر بن أبي حبيبة. # قال ابن عطية: وفي هذه الأقوال تحكم على اللغة. # وقال سعيد بن جبير: هو الجيد. # وقال مجاهد: ما بين المنكبين والصدر. # وقال القرطبي: والمشهور من كلام العرب أنها عظام الصدر والنحر. # جاء في الحديث: أن الولد يخلق من ماء الرجل، يخرج من صلبه العظم ~~والعصب، وماء المرأة التي يخرج من ترائبها اللحم والدم. # حكى القرطبي: أن ماء الرجل يخرج من الدماغ، ثم يجتمع في الأنثيين، ~~وهذا لا يعارض: " من بين الصلب والترائب "؛ لأنه إن نزل من ~~الدماغ، فإنما يمر بين الصلب والترائب. # قال قتادة: المعنى: يخرج من صلب الرجل وترائب المرأة. # وحكى الفراء: أن مثل هذا يأتي عن العرب، فيكون معنى ما بين الصلب: من ~~الصلب. # والمعنى من صلب الرجل وترائب المرأة، ثم إنا نعلم أن النطفة من جميع ~~أجزاء البدن، ولذلك يشبه الرجل والديه كثيرا، وهذه الحكمة في غسل جميع ms9103 ~~الجسد من خروج المني، وأيضا فالمكثر من الجماع يجد وجعا في صلبه وظهره، ~~وليس ذلك إلا لخلو صلبه عما كان محتبسا من الماء. # قال المهدوي: من جعل المني يخرج من بين صلب الرجل وترائبه، فالضمير ~~في " يخرج " للماء، ومن جعله من بين صلب الرجل وترائب المرأة، فالضمير ~~للإنسان. # قوله: { إنه }. الضمير للخالق المدلول عليه بقوله تعالى: { خلق ~~}؛ لأنه معلوم أن لا خالق سواه سبحانه. # قوله: { على رجعه } ، في الهاء وجهان: # أحدهما: أنه ضمير الإنسان أي على بعثه بعد موته، وهو قول ابن عباس ~~وقتادة والحسن وعكرمة، وهو اختيار الطبري، لقوله تعالى: { يوم ~~تبلى السرآئر }. # والثاني: أنه ضمير الماء، أي: يرجع المني في الإحليل أو الصلب. # قاله الضحاك ومجاهد، والأول قول الضحاك أيضا وعكرمة. # [وعن الضحاك أيضا أن المعنى أنه رد الإنسان من الكبر إلى الشباب، ~~ومن الشباب إإلى الكبر. حكاه المهدوي. # وفي الماوردي والثعلبي: إلى الصبا ومن الصبا إلى النطفة. # وقال ابن زيد: إنه على حبس ذلك الماء حتى يخرج لقادر. # وقال الماوردي: يحتمل أنه على أن يعيده إلى الدنيا بعثه إلى الآخرة؛ لأن ~~الكفار يسألون فيها الرجعة، والرجع مصدر رجعت الشيء أي: رددته]. # قوله: { يوم تبلى السرآئر }. فيه أوجه، وقد رتبها أبو ~~البقاء على الخلاف في الضمير، فقال: على القول بكون الضمير للإنسان، فيه ~~أوجه: # أحدها: أنه معمول ل " قادر ". # إلا أن ابن عطية قال - بعد أن حكى أوجها عن النحاة -: " وكل هذه ~~الفرق فرت من أن يكون العامل " لقادر " ، لئلا يظهر من ذلك تخصيص ~~القدرة في ذلك اليوم وحده ". # ثم قال: " وإذا تؤمل المعنى وما يقتضيه فصيح كلام العرب جاز أن يكون ~~العامل " لقادر " ، وذلك أنه قال: " إنه على رجعه لقادر "؛ لأنه إذا ~~قدر على ذلك في هذا الوقت كان في غيره أقدر بطريق الأولى. # الثاني: أن يكون العامل مضمر على التبيين، أي: يرجعه يوم تبلى. # الثالث: تقديره: اذكر، فيكون مفعولا به، وعلى عوده على الماء يكون ~~العامل فيه: اذكر " انتهى ملخصا. # وجوز بعضهم أن يكون العامل فيه ms9104 " ناصر " ، وهو فاسد؛ لأن ما بعد " ~~ما " النافية وما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلهما. # وقيل: العامل " رجعه " وهو فاسد؛ لأنه قد فصل بين المصدر ومعموله ~~بأجنبي، وهو خبر " إن ". وبعضهم يقتصره في الظرف. # قوله: " تبلى " تختبر وتعرف؛ قال الراجز: [الرجز] # 5169- قد كنت قبل اليوم تزدريني # فاليوم أبلوك وتبتليني # أي: أعرفك وتعرفني. # وقيل: { تبلى السرآئر } تخرج من مخبآتها وتظهر، وهو كل ما ~~استسره الإنسان من خير، أو شر، وأضمره من إيمان، أو كفر. # قال ابن الخطيب: والسرائر: ما أسر في القلوب، والمراد هنا: عرض ~~الأعمال، ونشر الصحف، أو المعنى: اختبارها، وتمييز الحسن منها من القبيح ~~لترتيب الثواب والعقاب. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ائتمن الله - تعالى - خلقه على أربع: الصلاة، ~~والزكاة والصيام، والغسل، وهن السرائر التي يختبرها ~~الله - عز وجل - يوم القيامة " # ذكره المهدوي. # وروى الماوردي عن زيد بن أسلم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " الأمانة ثلاث: الصلاة، والصوم، والجنابة، استأمن الله ~~- تعالى - ابن آدم على الصلاة، فإن شاء قال: صليت، ولم ~~يصل، واستأمن الله تعالى ابن آدم على الصوم، فإن شاء ~~قال: [صمت ولم يصم واستأمن الله تعالى ابن آدم على ~~الجنابة فإن شاء قال:] اغتسلت ولم يغتسل، اقرأوا إن ~~شئتم: { يوم تبلى السرآئر } ". # [وقال مالك - رضي الله عنه -: الوضوء من السرائر، والسرائر ما في القلوب ~~يجزي الله به العباد]. # وقال ابن العربي: قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: يغفر للشهيد إلا ~~الأمانة، والوضوء من الأمانة، والصلاة والزكاة من الأمانة، والوديعة من ~~الأمانة، وأشد ذلك الوديعة، تمثل له على هيئتها يوم أخذها، فيرمى بها في ~~قعر جهنم، فيقال له: أخرجها، فيتبعها، فيجعلها في عنقه، وإذا أراد ان ~~يخرج بها زلت، فيتبعها، فيجعلها في عنقه، فهو كذلك دهر الداهرين. # وقال أبي بن كعب: من الأمانة أن ائتمنت المرآة على فرجها. # وقال سفيان: الحيضة والحمل من الأمانة، إن قالت: لم أحض وأنا حامل صدقت ~~ما لم يأت ما يعرف فيه أنها كاذبة. # قوله: { فما له من ms9105 قوة ولا ناصر } ، أي: فما الإنسان من ~~قوة، أي: منعة تمنعه، ولا ناصر ينصره عن ما نزل به. # قال ابن الخطيب: ويمكن أن يتمسك بهذه الآية على نفي الشفاعة، لقوله ~~تعالى: # واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا # [البقرة: 48] الآية. # والجواب ما تقدم. ### || [86.11-17] # قوله: { والسمآء ذات الرجع }. # قيل: الرجع: مصدر، بمعنى رجوع الشمس والقمر إليها، والنجوم تطلع من ~~ناحيته، وتغيب في أخرى. # وقيل: الرجع: المطر؛ قال: المتنخل، يصف سيفا يشبهه بالماء: ~~[السريع] # 5170- أبيض كالرجع رسوب إذا # ما ثاخ في محتفل يختلي # وقال: [البسيط] # 5171- رباء شماء لا يأوي لقلتها # إلا السحاب وإلا الأوب والسبل # وقال الخليل: المطر نفسه، وهذا قول الزجاج. # قال ابن الخطيب: واعلم أن كلام الزجاج، وسائر علماء اللغة " صريح " في ~~أن الرجع ليس اسما موضوعا للمطر، بل سمي رجعا مجازا، وحسن هذا المجاز ~~وجوه: # أحدها: قال القفال: كأنه من ترجيع الصوت وهو إعادته، ووصل الحروف به، ~~وكذا المطر، لكونه يعود مرة بعد أخرى سمي رجعا. # وثانيها: أن العرب كانوا يزعمون أن السحاب يحمل الماء من بحار ~~الأرض، ثم يرجعه إلى الأرض. # والرجع - أيضا - نبات الربيع. # وقيل: " ذات الرجع " أي: ذات النفع. # وقيل: ذات الملائكة، لرجوعهم فيها بأعمال العباد، وهذا قسم. # { والأرض ذات الصدع } قسم آخر، أي: تتصدع عن النبات، والشجر، ~~والثمار، والأنهار، نظيره: # ثم شققنا الأرض شقا # [عبس: 26]. # والصدع: بمعنى الشق؛ لأنه يصدع الأرض، فتصدع به، وكأنه قال: والأرض ~~ذات النبات الصادع للأرض. # وقال مجاهد: الأرض ذات الطريق التي تصدعها المشاة. # وقيل: ذات الحرث لأنه يصدعها. # وقيل: ذات الأموات لانصداعها للنشور. # وقيل: هما الجبلان بينهما شق وطريق نافذ لقوله تعالى: # وجعلنا فيها فجاجا سبلا # [الأنبياء: 31]. # قال ابن الخطيب: واعلم أنه تعالى، كما جعل كيفية خلقه الحيوان دليلا ~~على معرفة المبدأ والمعاد، ذكر في هذا القسم كيفية خلقه النبات. # فقال تعالى: { والسمآء ذات الرجع } أي: كالأب، " والأرض ذات ~~الصدع " كالأم، وكلاهما من النعم العظام؛ لأن نعم الدنيا موقوفة على ما ~~ينزل من السماء متكررا، وعلى ما ينبت ms9106 من الأرض كذلك، ثم أردف هذا القسم ~~بالمقسم عليه، وهو قوله تعالى: { إنه لقول فصل }. وهذا جواب ~~القسم، والضمير في " إنه " للقرآن، أي: إن القرآن يفصل بين الحق ~~والباطل. # وقال القفال: يعود إلى الكلام المتقدم والمعنى: ما أخبرتكم به من قدرتي ~~على إحيائكم يوم تبلى سرائركم قول فصل، وحق، والفصل: الحكم الذي ينفصل به ~~الحق عن الباطل، ومنه فصل الخصومات، وهو قطعها بالحكم الجزم، [ويقال: هذا ~~قول فصل قاطع للشر والنزاع. # وقيل: معناه جد] لقوله: { وما هو بالهزل }. أي: باللعب، والهزل: ~~ضد الجد والتشمير في الأمر، يقال: هزل يهزل. # قال الكميت: [الطويل] # 5172- تجد بنا في كل يوم وتهزل # قوله: { إنهم يكيدون كيدا } ، أي: أن أعداء الله يكيدون ~~كيدا، أي: يمكرون بمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكرا. # قيل: الكيد: إلقاء الشبهات، كقولهم: # إن هي إلا حياتنا الدنيا # [المؤمنون: 37] # من يحيي العظام وهي رميم # [يس: 78] # أجعل الآلهة إلها واحدا # [ص: 5] # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31] # فهي تملى عليه بكرة وأصيلا # [الفرقان: 5]. # وقيل: الطعن فيه بكونه ساحرا، أو شاعرا، او مجنونا، حاشاه من ذلك صلى ~~الله عليه وسلم. # وقيل: قصدهم قتله، لقوله تعالى: # وإذ يمكر بك الذين كفروا # [الأنفال: 30] الآية. # وأما قوله: { وأكيد كيدا }. أي: أجازيهم جزاء كيدهم. # وقيل: هو ما أوقع الله - تعالى - بهم يوم " بدر " من القتل، والأسر. # وقيل: استدراجهم من حيث لا يعلمون. # وقيل: كيد الله تعالى، بنصره وإعلاء درجته صلى الله عليه وسلم تسمية ~~لأحد المقتابلين باسم الآخر، كقوله تعالى: # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40]؛ وقول الشاعر: [الوافر] # 5173- ألا لا يجهلن أحد علينا # فنجهل فوق جهل الجاهلينا # وقوله تعالى: # نسوا الله فأنساهم أنفسهم # [الحشر: 19] # يخادعون الله وهو خادعهم # [النساء: 142]. قوله: { فمهل الكافرين }. أي: لا تدع بهلاكهم، ~~ولا تستعجل، وارض بما تريده في أمورهم، ثم نسخت بقوله تعالى: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5]. # قوله: { أمهلهم }. هذه قراءة العامة، لما كرر الأمر توكيدا خالف ~~بين اللفظين. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما: " مهلهم " كالأول، ومهل ms9107 وأمهل ~~بمعنى مثل: نزل وأنزل، والإمهال والتمهيل: الانتظار، يقال: أمهلتك كذا، ~~أي: انتظرتك لتفعله، والاسم: المهلة والاستمهال: الانتظار، والمهل: ~~الرفق والتؤدة، وتمهل في أمره: أي: أتاه، وتمهل تمهيلا: اعتدل ~~وانتصب، والامتهال: سكون وفتور، ويقال: مهلا يا فلان، اي رفقا وسكونا. # قوله: { رويدا }. مصدر مؤكد لمعنى العامل، وهو تصغير إرواد على ~~الترخيم، وقيل: بل هو تصغير " رود " كذا قال أبو عبيد. # وأنشد: [البسيط] # 5174- كأنه ثمل يمشي على رود # أي: على مهل. واعلم أن " رويدا ": يستعمل مصدرا بدلا من اللفظ بفعله، ~~فيضاف تارة، كقوله تعالى: # فضرب الرقاب # [محمد: 4]، ولا يضاف أخرى، نحو: رويدا زيدا, ويقع حالا، نجو: ساروا ~~رويدا، أي: متمهلين، ونعت المصدر، نحو: " ساروا رويدا " ، أي: سيرا ~~رويدا، وتفسير " رويدا " مهلا، وتفسير " رويدك " أمهل؛ لأن الكاف إنمت ~~تدخله إذا كان بمعنى: " افعل " دون غيره، وإنما حركت الدال لالتقاء ~~الساكنين، ونصب نصب المصادر، وهو مصغر مأمور به؛ لأنه تصغير الترخيم من ~~" إرواد ": وهو مصدر: " أرود، يرود " وله أربعة أوجه: اسما للفعل، وصفة، ~~وحالا، ومصدرا، وقد تقدم ذكرها. # قال ابن عباس: - رضي الله عنهما -: " رويدا " أي: قريبا. # وقال قتادة: قليلا. # وقيل: { أمهلهم رويدا } إلى يوم القيامة، وإنما صغر ذلك من ~~حيث إن كل آت قريب. # وقيل: " أمهلهم رويدا " إلى يوم يرد. # روى الثعلبي عن أبي بن كعب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " من قرأ { والسمآء والطارق } اعطاه الله تعالى من ~~الأجر بعدد كل نجم في السماء عشر حسنات " # والله تعالى أعلم. ### | [87 - سورة الأعلى] ### || [87.1-5] # قوله تعالى: { سبح اسم ربك الأعلى }. يستحب للقارئ إذا ~~قرأ: { سبح اسم ربك الأعلى } أن يقول عقيبه: " سبحان ربي ~~الأعلى " كذا جاء في الحديث، وقال جماعة من الصحابة والتابعين وقال ابن ~~عباس والسدي: معنى " سبح اسم ربك الأعلى " أي: عظم ربك الأعلى، ~~والاسم صلة، قصد بها تعظيم المسمى. # كقول لبيد: [الطويل] # 5175- إلى الحول ثم اسم السلام عليكما # ................................. # [وقيل: نزه ربك عن السوء، وعما يقوله الملحدون، وذكره الطبري أن المعنى: ~~نزه اسم ربك ms9108 الأعلى على أن تسمي به أحدا سواه. # وقيل: المعنى: نزه تسمية ربك وذكرك إياه أن تذكره إلا وأنت خاشع معظم ~~لذكره، وجعلوا الاسم بمعنى التسمية]. # قال ابن الخطيب: معنى { سبح اسم ربك الأعلى } أي: نزهه عن ~~كل ما لا يليق به في ذاته، وفي صفاته، وفي أفعاله، وفي أسمائه، وفي ~~أحكامه. # أما في ذاته، فأن تعتقد أنها ليست من الجواهر والأعراض. # وأما في صفاته، فأن تعتقد أنها ليست محدثة ولا متناهية ولا ناقصة. # وأما في أفعاله، فأن تعتقد أنه سبحانه مالك مطلق لا اعتراض لأحد عليه ~~في أمر من الأمور. # وقالت المعتزلة: هو أن تعتقد أن كل ما فعله صواب حسن، وأنه سبحانه لا ~~يفعل القبيح، ولا يرضى به، وأما في أسمائه: فأن لا تذكره - سبحانه وتعالى ~~- إلا بالأسماء التي لا توهم نقصا بوجه من الوجوه، سواء ورد الإذن ~~فيها أو لم يرد. # وأما في أحكامه: فهو أن تعلم أن ما كلفنا به ليس لنفع يعود إليه، بل ~~لمحض المالكية على قولنا، او لرعاية مصالح العباد على قول المعتزلة. # فصل فيمن استدل بالآية على أن الاسم نفس المسمى # قال ابن الخطيب: تمسك بهذه الآية في أن الاسم نفس المسمى. # وأقول: الخوض في هذه المسألة لا يمكن إلا بعد الكشف عن محل النزاع، ~~فنقول: إن كان الاسم عبارة عن اللفظ؛ والمسمى عبارة عن الذات، فليس الاسم ~~المسمى بالضرورة، فكيف يمكن الاستدلال على ما علم بالضرورة؟ نعم هنا ~~نكتة، وهي أن الاسم هو اللفظ الدال على معنى في نفسه من غير زمن، ~~والاسم كذلك، فيكون اسما لنفسه، فالاسم هنا نفس المسمى، فعلى هذا يرد ~~من أطلق ذلك؛ لأن الحكم بالتعميم خطأ، والمراد: الذي يدل على أن الاسم ~~نفس المسمى هو أن أحدا لا يقول: سبحان الله وسبحان اسم ربنا، فمعنى " ~~سبح اسم ربك " سبح ربك، والرب أيضا اسم، فلو كان غير المسمى لم يجز أن ~~يقع التسبيح عليه. # وهذا الاستدلال ضعيف، لما بينا أنه يمكن أن يكون واردا بتسبيح الاسم، ~~ويمكن أن ms9109 يكون المراد: سبح المسمى، وذكر الاسم صلة فيه، ويكون المراد: ~~سبح باسم ربك، كما قال تعالى: # فسبح باسم ربك العظيم # [الواقعة: 74]، ويكون المعنى: سبح بذكر أسمائه. # فصل في تفسير الآية # روى أبو صالح عن ابن عباس - رضي الله عنه -: صل بأمر ربك الأعلى قال: ~~وهو أن يقول: " سبحان ربي الأعلى " وروي عن علي - رضي الله عنه - ~~وابن عباس، وابن عمر وابن الزبير، وأبي موسى، وعبد الله بن مسعود - رضي ~~الله عنهم - كانوا إذا افتتحوا قراءة هذه السورة، قالوا: " سبحان ~~ربي الأعلى " وامتثالا لأمره في ابتدائها، فيختار الاقتداء بهم في ~~قراءتهم، لا أن سبحان ربي الأعلى من القرآن، كما قاله بعض أهل الزيغ. # وقيل: إنها في قراءة أبي: " سبحان ربي الأعلى ". # وروى ابن الأنباري بإسناده إلى عيسى بن عمر عن أبيه، قال: قرأ علي بن ~~أبي طالب - رضي الله عنه - في الصلاة: " سبح اسم ربك الأعلى " ~~، ثم قال: سبحان ربي الأعلى، فلما انقضت الصلاة، قيل له: يا أمير ~~المؤمنين، أتزيد هذا في القرآن؟ قال: ما هو؟ قالوا: سبحان ربي الأعلى، ~~قال: لا، إنما أمرنا بشيء فقلته. # وعن عقبى بن عامر الجهني، قال: # " لما نزلت { سبح اسم ربك الأعلى } قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " اجعلوها في سجودكم ". # قال القرطبي: " هذا كله يدل على أن الاسم هو المسمى؛ لأنهم لم يقولوا: ~~سبحان اسم ربي الأعلى ". # وقيل: معناه: ارفع صوتك بذكر ربك؛ قال جرير: [الكامل] # 5276- قبح الإله وجوه تغلب كلما # سبح الحجيج وكبروا تكبيرا # قوله: " الأعلى ": يجوز جره: " صفة " ل " ربك " ، ونصبه صفة ل " اسم " ~~، إلا أن هذا يمنع أن يكون " الذي " صفة ل " ربك " ، بل يتعين جعله ~~نعتا ل " اسم " ، أو مقطوعا لئلا يلزم الفصل بين الصفة والموصوف بصفة ~~غيره؛ إذ يصير التركيب، مثل قولك: جاءني غلام هند العاقل الحسنة، ~~فيفصل ب " العاقل " بين " هند " وبين صفتها. وتقدم الكلام في إضافة ~~الاسم إلى المسمى. # قوله: { الذي خلق فسوى }. # قال ابن الخطيب: يحتمل أن يريد الناس خاصة، ويحتمل أن يريد الحيوان، ~~ويحتمل ms9110 أن يريد كل شيء خلقه الله تعالى، فمن حمله على الإنسان ذكر ~~للتسوية وجوها: # أحدها: اعتدال قامته، وحسن خلقته على ما قال تعالى: # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم # [التين: 4] وأثنى على نفسه بسبب خلقه إياه بقوله تعالى: # فتبارك الله أحسن الخالقين # [المؤمنون: 14]. # وثانيها: أن كل حيوان مستعد لنوع واحد من الأعمال فقط، وأما الإنسان، ~~فإنه خلقه بحيث يمكنه أن يأتي بجميع الأعمال بواسطة الآلات. # وثالثها: أنه - تعالى - هيأه للتكليف، والقيام بأداء العبادات. # قال بعضهم: خلق في أصلاب الآباء، وسوى في أرحام الأمهات، ومن حمله على ~~جميع الحيوانات، فمعناه: أنه أعطى كل حيوان ما يحتاج إليه من آلات، ~~وأعضاء، ومن حمله على جميع المخلوقات كان المراد من التسوية هو أنه - ~~تعالى - قادر على كل الممكنات، علم بجميع المعلومات، يخلق ما أراد على ~~وفق إرادته موصوفا بالإحكام والإتقان، مبرأ عن النقص والاضطراب. # قوله: { والذي قدر فهدى }؛ قرأ الكسائي وعلي - رضي الله ~~عنه - والسلمي: " قدر " بتخفيف الدال، والباقون: بالتشديد. # والمعنى: قدر كل شيء بمقدار معلوم. # ومن خفف، قال القفال: معناه: ملك فهدى، وتأويله: انه تعالى خلق كل ~~شيء، فسوى، وملك ما خلق، أي تصرف فيه كيف شاء وأراد هذا هو الملك، فهداه ~~لمنافعه ومصالحه. # ومنهم من قال: إنهما لغتان بمعنى واحد، وعليه قوله تعالى: # فقدرنا فنعم القادرون # [المرسلات: 23] بالتشديد والتخفيف، وقد تقدم. # فصل في معنى الآية # قال مجاهد: قدر الشقاوة والسعادة، وهدى للرشد والضلالة، وعنه: هدى ~~الإنسان للسعادة والشقاوة، وهدى الأنعام لمراعيها. # وقيل: قدر أقواتهم وأرزاقهم، وهداهم لمعاشهم وإن كانوا أناسا، ~~ولمراعيهم إن كانوا وحوشا. # وعن ابن عباس والسدي ومقاتل والكلبي في قوله تعالى: " فهدى ": ~~عرف خلقه كيف يأتي الذكر الأنثى، كما قال تعالى في سورة " طه ": # أعطى كل شيء خلقه ثم هدى # [طه: 50]، أي: الذكر للأنثى. # وقال عطاء: جعل لكل دابة ما يصلحها، وهداها له. # وقيل: " قدر فهدى " أي: قدر لكل حيوان ما يصلحه، فهداه إليه، ~~وعرفه وجه الانتفاع به، يقال: إن الأفعى إذا أتت عليها ألف سنة عميت، ~~وقد ألهمها ms9111 الله تعالى، أن مسح العينين بورق الرازيانج الغض، يرد إليها ~~بصرها، فربما كانت في برية بينها وبين الريف مسيرة أيام، فتطوى تلك ~~المسافة على طولها، وعماها، حتى تهجم في بعض البساتين على شجرة ~~الرازيانج، لا تخطئها، فتحك بها عينها، فترجع باصرة بإذن الله تعالى. # [وهدايات الإنسان إلى أن مصالحه من أغذيته وأدويته، وأمور دنياه ودينه ~~وإلهامات البهائم والطيور، وهوام الأرض باب ثابت واسع، فسبحان ربي ~~الأعلى]. # وقال السدي: قدر مدة الجنين في الرحم، ثم هداه إلى الخروج من الرحم. # وقال الفراء: " قدى فهدى " أي: وأضل، فاكتفى بذكر أحدهما، كقوله: # سرابيل تقيكم الحر # [النحل: 81]، ويحتمل أن يكون بمعنى " دعا " إلى الإيمان كقوله تعالى: # وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم # [الشورى: 52] أي لتدعو وقد دعا الكل إلى الإيمان]. # وقيل: " فهدى " أي: دلهم بأفعاله على توحيده وكونه عالما قادرا. # واعلم أن الاستدلال بالخلق وبالهدى، هي معتمد الأنبياء. # قال إبراهيم - عليه الصلاة والسلام -: # الذي خلقني فهو يهدين # [الشعراء: 78]. # وقال موسى - عليه الصلاة والسلام - لفرعون: # ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى # [طه: 50]، وقال هنا ذلك، وإنما خصت هذه الطريقة لوضوحها وكثرة عجائبها. # قوله: { والذي أخرج المرعى } ، أي: النبات، لما ذكر ~~سبحانه ما يختص بالناس، أتبعه بما يختص بسائر الحيوان من النعم، أي: هو ~~القادر على إنبات العشب، لا كلأصنام التي عبدتها الكفرة، والمرعى: ما ~~تخرجه الأرض من النبات، والثمار، والزروع، والحشيش. # قال ابن عباس: " المرعى ": الكلأ الأخضر. # قوله: { فجعله غثآء أحوى }. " غثاء ": إما مفعول ثان: وإما ~~حال. # " والغثاء ": - بتشديد الثاء وتخفيفها - وهو الصحيح، ما يغترفه السيل ~~على جوانب الوادي من النبات ونحوه؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] # 5177- كأن طميات المجيمر غدوة # من السيل والأغثاء فلكة مغزل # ورواه الفراء: " والأغثاء " على الجمع، وفيه غرابة من حيث جمع " فعالا ~~" على " أفعال ". # قوله تعالى: { أحوى }. فيه وجهان: # أظهرهما: أنه نعت ل " غثاء ". # والثاني: أنه حال من المرعى. # قال أبو البقاء: " فقدم بعض الصلة " ، يعني: ان الأصل أخرج المرعى ~~أحوى، فجعله غثاء. # قال شهاب الدين: ولا يسمى هذا تقديما ms9112 لبعض الصلة. # والأحوى: " أفعل " من الحوة، وهي سواد يضرب إلى الخضرة؛ قال ذو ~~الرمة: [البسيط] # 5178- لمياء في شفتيها حوة لعس # وفي اللثات وفي أنيابها شنب # وقد استدل بعض النحاة على وجود بدل الغلط بهذا البيت. # وقيل: خضرة عليها سواد، والأحوى " الظبي؛ لأن في ظهره خطين؛ قال: ~~[الطويل] # 5179- وفي الحي أحوى ينفض المرد شادن # مظاهر سمطي لؤلؤ وزبرجد # ويقال: رجل أحوى، وامرأة حواء، وجمعهما " حو " نحو: أحمر ~~وحمراء وحمر، قال القرطبي: " وفي الصحاح ": " والحوة: حمرة ~~الشفة، يقال: رجل أحوى وامرأة حواء وقد حويت، وبعير أحوى: إذا ~~خالط خضرته سواد وصفرة، قال: وتصغير أحوى: أحيو في لغة من قال: ~~أسيود ". # قال عبد الرحمن بن زيد: هذا مثل ضربه الله تعالى للكفار لذهاب ~~الدنيا بعد نضارتها، والمعنى: أنه صار كذلك بعد خضرته. # وقال أبو عبيدة: فجعله أسود من احتراقه وقدمه، والرطب إذا يبس اسود. ### || [87.6-8] # قوله " { سنقرئك فلا تنسى } ، قال الواحدي: " سنقرئك ~~": أي: سنجعلك قارئا، أي: نؤهلك للقراءة فلا تنسى ما تقرأه، أي: نجعلك ~~قارئا للقرآن فتحفظه، فهو نفي، أخبر الله - تعالى - أن نبيه صلى الله ~~عليه وسلم لا ينسى. # وقيل: نهي والألف للإشباع [وقد تقدم نحو من هذا في سورة يوسف وطه]. # ومنع مكي أن يكون نهيا؛ لأنه لا ينهى عما ليس باختياره، وهذا غير ~~لازم، إذ المعنى: النهي عن تعاطي أسباب النسيان، وهو الشائع: وقيل: هذا ~~بشري من الله تعالى، بشره تعالى بأن جبريل - عليه الصلاة والسلام - لا ~~يفرغ من آخر الوحي، حين يتكلم هو بأوله لمخافة النسيان، فنزلت هذه الآية؛ ~~فلا تنسى بعد ذلك شيئا. # قوله: { إلا ما شآء الله } فيه أوجه: # أحدها: أنه مفرغ، أي: إلا ما شاء الله أن ينسيكه، فإنك تنساه، والمراد ~~رفع تلاوته، وفي الحديث: # " أنه كان يصبح فينسى الآيات " # ، لقوله تعالى: # ما ننسخ من ءاية أو ننسها # [البقرة: 106]. # وقيل: إن المعنى بذلك الندرة والقلة. # قال ابن الخطيب: يشترط أن لا يكون ذلك القليل من الواجبات بل من الآداب ~~والسنن، فإنه لو نسي من الواجبات، فلم ms9113 يتذكره أدى ذلك إلى الخلل في ~~الشرع، وهو غير جائز، كما ورد أنه صلى الله عليه وسلم أسقط آية في صلاته، ~~فحسب أبي أنها نسخت، فسأله، فقال صلى الله عليه وسلم: نسيتها. # وقال الزمخشري: والغرض نفي النسيان رأسا، كما يقول الرجل لصاحبه: أنت ~~سهيمي فيما أملك إلا ما شاء الله، ولم يقصد أستثني شيئا، وهواستعمال ~~القلة في معنى النفي " انتهى. # وهذا القول سبقه إليه الفراء ومكي. # قال الفراء، وجماعة معه: هذا الاستثناء صلة في الكلام على سنة الله ~~تعالى، وليس شيى أبيح استثناؤه. # قال أبو حيان: " وهذا لا ينبغي أن يكون في كلام الله تعالى، ولا في كلام ~~فصيح، وكذلك القول بأن " لا " للنفي، والألف فاصلة " انتهى. # وهذا الذي قاله أبو حيان: لم يقصده القائل بكونه زائدا محضا، بل ~~المعنى الذي ذكره، وهو المبالغة في نفي النسيان، أو النهي عنه. # وقال مكي: " وقيل: معنى ذلك إلا ما شاء الله، وليس يشاء الله أن تنسى ~~منه شيئا، فهو بمنزلة قوله تعالى، في سورة " هود " في الموضعين: # خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما ~~شآء ربك # [هود: 107، 108] وليس يشاء جل ذكره ترك شيء من الخلود، لتقدم مشيئته ~~لهم بالخلود ". # وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - فلم ينس بعد نزول هذه الآية حتى ~~مات صلى الله عليه وسلم. # وقيل: هو استثناء من قوله تعالى: # فجعله غثآء أحوى # [الأعلى: 5]. نقله مكي. # والمعنى: ما شاء الله أن يناله بنو آدم، والبهائم، فإنه لا يضير ذلك. # قال شهاب الدين: وهذا ينبغي ألا يجوز ألبتة. # قال القرطبي: " قيل: إلا ما شاء الله أن ينسى، ثم يذكر بعد ذلك، فإذا ~~قد ينسى، ولكنه يتذكر ولا ينسى نسيانا كليا ". # [وقيل هذا النسيان بمعنى النسخ إلا ما شاء الله ينسخه، والاستثناء نوع ~~من النسخ. # وقيل: النسيان بمعنى الترك أي: يعصمك من أن تترك العمل إلا ما شاء الله ~~أن تتركه لنسخه إياه، فهذا في نسخ العمل، والأول في نسخ القراءة، ولا ~~للنفي لا للنهي وقيل للنهي، وإنما أثبتت ms9114 الياء لرؤوس الآي، والمعنى: لا ~~تغفل قراءته وتكراره فتنساه إلا ما شاء الله أن ينسيكه برفع تلاوته ~~للمصلحة، والأول هوالمختار؛ لأن الاستثناء من النهي لا يكاد يكون إلا ~~مؤقتا معلوما. # وأيضا فإن الياء مثبتة في جميع المصاحف وعليها القراءات. # وقيل: معناه: إلا ما شاء الله أن يؤخر إنزاله]. # فصل في كيفية تعليم القرآن # ذكر في كيفية هذا التعليم والإقراء وجوها: # الأول: أن جبريل - عليه الصلاة والسلام - سيقرأ عليك القرآن مرات، حتى ~~تحفظه حفظا لا تنساه. # وثانيها: أنا نشرح صدرك ونقوي خاطرك حتى تحفظه بالمرة الواحدة حفظا ~~لا تنساه. # وثالثها: أنه تعالى لما أمره صلى الله عليه وسلم في أول السورة ~~بالتسبيح، فكأنه تعالى قال: واظب على ذلك، ودم عليه، فإنا سنقرئك ~~القرآن الجامع لعلوم الأولين، والآخرين، ويكون فيه ذكرك، وذكر قومك، ~~وتجمعه في قلبك. # { ونيسرك لليسرى } وهوالعمل به. # فصل في الدلالة على المعجزة # هذه الآية تدل على المعجزة من وجهين: # الأول: أنه صلى الله عليه وسلم كان رجلا أميا، فحفظه هذا الكتاب ~~المطول من غير دراسة، ولا تكرار، ولا كتابة، خارقة للعادة. # والثاني: أنه إخبار عن الوقوع في المستقبل، وقد وقع، فكان هذا إخبارا ~~عن الغيب فيكون معجزا. # فصل في المراد بالآية # قال بعضهم: المراد بقوله تعالى: { إلا ما شآء الله } أمور: # أولها: التبرك بهذه الكلمة لقوله تعالى: # ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن ~~يشآء الله # [الكهف: 23، 24]، فكأنه تعالى يقول: إني عالم بجميع المعلومات، ثم ~~بعواقب الأمور على التفصيل، ومع ذلك لا أخبر عن وقوع شيء في المستقبل إلا ~~مع هذه الكلمة، فأنت وأمتك يا محمد أولى بها، وهذا بناء على أن الاستثناء ~~غير حاصل في الحقيقة، وأنه صلى الله عليه وسلم لم ينس ذلك شيئا، كما ~~قاله ابن عباس والكلبي وغيرهما. # وثانيها: قال الفراء: إنه تعالى ما شاء أن ينسى محمدا صلى الله عليه ~~وسلم شيئا إلا أن المقصود من ذكر هذا الاستثناء بيان أنه تعالى لو ~~أراد أن يصير ناسيا كذلك لقدر عليه، كقوله تعالى: ms9115 # ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك # [الإسراء: 86]، ثم إنا نقطع أنه تعالى ما شاء ذلك، ونظيره قوله تعالى: # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر: 6] مع أنه صلى الله عليه وسلم ما أشرك ألبتة ففائدة هذا ~~الاستثناء أن الله تعالى، بعرفه قدرته، حتى يعلم أن عدم النسيان من ~~فضل الله، وإحسانه، لا من قوته. # وثالثها: أن الله تعالى لما ذكر هذا الاستثناء جوز رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في كل ما ينزل عليه من الوحي، أن يكون ذلك هو المستثنى، فلا ~~جرم كان يبالغ في التثبت، والتحفظ في جميع المواضع، وكان المقصود من ~~ذكر هذا الاستثناء بقاءه صلى الله عليه وسلم عى التيقظ في جميع ~~الأحوال. # قوله: { إنه يعلم الجهر وما يخفى } الجهر: هو ~~الإعلان من القول والعمل، " وما يخفى " من السر. # عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ما في قلبك ونفسك. # وقال محمد بن حاتم: يعلم إعلان الصدقة وإخفاءها. # وقيل: الجهر ما حفظته من القرآن في صدرك، " وما يخفى " هو ما نسخ في ~~صدرك. # فصل في الكلام على " ما " # " ما " اسمية، ولا يجوز أن تكون مصدرية، لئلا يلزم خلو الفعل من فاعل، ~~ولولا ذلك لكان المصدرية أحسن ليعطف مصدر مؤول على مصدر صريح. # قوله: { ونيسرك لليسرى }: عطف على " سنقرئك فلا ~~تنسى " ، فهو داخل في حيز التنفيس، وما بينهما من الجملة اعتراض. # واليسرى: هي الطريقة اليسرى، وهي أعمال الخير، والتقدير: سنقرئك فلا ~~تنسى، ونوفقك للطريقة التي هي أسهل وأيسر، يعني في حفظ القرآن. # [قال ابن مسعود: اليسرى الجنة أي نيسرك للعمل المؤدي إلى الجنة وقيل ~~نهون عليك الوحي حتى تحفظه وتعمل به وقيل نوفقك للشريعة لليسرى وهي ~~الحنيفية السهلة السمحة، قال الضحاك:] فإن قيل: المعهود في الكلام أن ~~يقال: يسر الأمر لفلان، ولا يقال: يسر فلان للأمر. # فالجواب أن هذه العبارة كأنها اختيار القرآن هنا وفي سورة " والليل " ، ~~فكذا هي اختيار الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: # " اعملوا فكل ميسر لما خلق له " # ، وفيه لطيفة: وهي أن الفاعل لا يترجح ms9116 عند الفعل عن الترك، ولا عكسه، ~~وإلا لمرجح، وعند ذلك المرجح يجب الفعل، فالفاعل إذن ميسر للفعل، إلا ~~أن الفعل ميسر للفاعل، فذلك الرجحان هو المسمى ب " التيسير ". ### || [87.9-15] # قوله: { فذكر إن نفعت الذكرى }. أي: فعظ قومك يا محمد ~~بالقرآن { إن نفعت الذكرى } أي: الموعظة، و " إن " شرطية، ~~وفيه استبعاد لتذكرهم؛ ومنه قوله: [الوافر] # 5180- لقد أسمعت لو ناديت حيا # ولكن لا حياة لمن تنادي # وقيل: " إن " بمعنى: " إذا " كقوله: # وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين # [آل عمران: 139] أي: إذا كنتم مؤمنين. # وقيل: هي بمعنى: " قد " ذكره ابن خالويه, وهو بعيد. # وقيل: بعده شيء محذوف، تقديره: إن نفعت الذكرى، وإن لم تنفع، كقوله: # سرابيل تقيكم الحر # [النحل: 81]، قاله الفراء والنحاس والجرجاني والزهراوي. # وقيل: إنه مخصوص في قوم بأعيانهم. # وقيل: " إن " بمعنى: " ما " أي: فذكر ما نفعت الذكرى، فتكون " إن " ~~بمعنى: " ما " لا بمعنى: الشرط؛ لأن الذكرى نافعة بكل حال. قاله ابن ~~شجرة. # فصل في فائدة هذا الشرط # قال ابن الخطيب: إنه صلى الله كان مبعوثا إلى الكل، فيجب عليه تذكيرهم ~~سواء إن نفعت الذكرى، أو لم تنفعهم، فما فائدة هذا الشرط، وهو قوله: { ~~إن نفعت الذكرى } والجواب من وجوه: إما أن يكون المراد: ~~التنبيه على أشرف الحالين، وهو وجود النفع الذي لأجله شرعت الذكرى، قال: ~~والمعلق ب " إن " على الشيء لا يلزم أن يكون عدما عند عدم ذلك الشيء، ~~ويدل عليه آيات منها هذه الآية، ومنها قوله تعالى: # واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون # [البقرة: 172]، ومنها قوله تعالى: # فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن ~~خفتم # [النساء: 101]، فإن القصر جائز عند الخوف وعدمه، ومنها قوله تعالى: # فلا جناح عليهمآ أن يتراجعآ إن ظنآ أن يقيما ~~حدود الله وتلك حدود الله # [البقرة: 230]، والمراجعة جائزة بدون هذا الظن، وإن كان كذلك، فهذا ~~الشرط فيه فوائد منها ما تقدم، ومنها: تعقل، وهو تنبيه للنبي صلى الله ~~عليه وسلم على أنهم لا تنفعهم الذكرى، أو يكون هذا في تكرير الدعوة، فأما ~~الدعاء الأول فعام. # فإن ms9117 قيل: الله - تعالى - عالم بعواقب الأمور بمن يؤمن، ومن لا يؤمن، ~~والتعليق بالشرط، إنما يحسن في حق من ليس بعالم. # فالجواب: أن أمر البعثة والدعوة شيء، وعلمه تعالى بالمغيبات، وعواقب ~~الأمور غيره، ولا يمكن بناء أحدهما على الآخر، كقوله تعالى لموسى وهارون ~~- عليهما الصلاة والسلام -: # فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى # [طه: 44]، وهو تعالى عالم بأنه لا يتذكر ولا يخشى. # فإن قيل: التذكير المأمور به، هل هو مضبوط بعدد أو لا؟ وكيف يكون الخروج ~~عن عهدة التذكير؟. # والجواب أن المعتبر في التذكير والتكرير هو العرف. # قوله: { سيذكر من يخشى } ، أي: يتقي الله ويخافه. قال ابن ~~عباس - رضي الله عنهما - نزلت في ابن أم مكتوم. # وقيل: في عثمان بن عفان قال الماوردي: وقد يذكره من يرجوه إلا أن ~~تذكرة الخاشي أبلغ من تذكرة الراجي؛ فلذلك علقها بالخشية والرجاء قيل ~~المعنى: عمم أنت التذكير والوعظ وإن كان الوعظ إنما ينفع من يخشى، ~~ولكن يحصل لك ثواب الدعاء. حكاه القشيري، ولذلك علقها بالخشية دون ~~الرجاء، وإن تعلقت بالخشية والرجاء. # فإن قيل: التذكير إنما يكون بشيء قد علم، وهؤلاء لم يزالوا كفارا ~~معاندين؟. # فالجواب: أن ذلك لظهوره وقوة دليله، كأنه معلوم، لكنه يزول بسبب التقليد ~~والعناد، فلذلك سمي بالتذكير، والسين في قوله: " سيذكر " يحتمل أن تكون ~~بمعنى: " سوف " ، و " سوف " من الله تعالى واجب، كقوله تعالى: # سنقرئك فلا تنسى # [الأعلى: 6]، ويحتمل أن يكون المعنى: أن من خشي، فإنه يتذكر وإن كان بعد ~~حين بما يستعمله من التذكير والنظر. # قوله: { ويتجنبها } أي: الذكرى، يبعد عنها الأشقى، أي: الشقي ~~في علم الله تعالى، لما بين من ينتفع بالذكرى بين بعده من لا ~~ينتفع بها وهو الكافر الأشقى. # قيل: نزلت في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة. # { الذى يصلى النار الكبرى } أي: العظمى، وهي السفلى من ~~طباق النار، قاله الفراء. # وعن الحسن: " الكبرى ": نار جهنم، واالصغرى: نار الدنيا. # وقيل: في الاخرة نيران ودركات متفاضلة، كما في الدنيا ذنوب ومعاصي ~~متفاضلة، فكما أن الكافر أشقى العصاة، ms9118 فكذلك يصلى أعظم النيران. # فإن قيل: لفظ الأشقى لا يستدعي وجود الشقي فكيف حال هذا القسم؟. # فالجواب ان لفظ " الأشقى " لا يستدعي وجود الشقي إذ قد يرد هذا اللفظ من ~~غير مشاركة، كقوله: # أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن ~~مقيلا # [الفرقان: 24]، " ويتجنبها الأشقى " ، كقوله: # وهو أهون عليه # [الروم: 27]. # وقال ابن الخطيب: الفرق ثلاث: العارف، والمتوقف، والمعاند، فالسعيد: ~~هوالعارف، والمتوقف له بعض الشقاء، والأشقى: هو المعاند. # قوله: { ثم لا يموت فيها ولا يحيا }؛ لا يموت فيستريح، ~~ولا يحيى حياة تنفعه، كقوله تعالى: # لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من ~~عذابها # [فاطر: 36]. # فإن قيل: هذه الآية تقتضي أن ثمة حالة غير الحياة والموت، وذلك غير ~~معقول؟. # فالجواب: قال بعضهم: هذا كقول العرب للمبتلى بالبلاء الشديد: لا هو حي، ~~ولا هو ميت. # وقيل: إن نفس أحدهم في النار تمر في حلقه، فلا تخرج للموت، ولا ترجع ~~إلى موضعها من الجسم، فيحيى. # وقيل: حياتهم كحياة المذبوح وحركته قبل مفارقة الروح، فلا هو حي؛ لأن ~~الروح لم تفارقه بعد، ولا هو ميت؛ لأن الميت هو الذي تفارق روحه جسده. و ~~" ثم " للتراخي بين الرتب في الشدة. # قوله: { قد أفلح من تزكى } أي: صادف البقاء في الجنة، أي: ~~من تطهر من الشرك بالإيمان قاله ابن عباس وعطاء وعكرمة. # وقال الربيع والحسن: من كان عمله زاكيا ناميا وهو قول الزجاج. # وقال قتادة: " تزكى " ، أي: عمل صالحا. # وعن عطاء، وأبي العالية: نزلت في صدقة الفطر. # قال ابن سيرين: { قد أفلح من تزكى، وذكر اسم ربه فصلى } قال: خرج ~~فصلى بعد ما أدى. # والأول أظهر؛ لأن اللفظ المعتاد أن " يقال " في المال: زكى، ولا يقال: ~~تزكى، قال تعالى: # ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه # [فاطر: 18]. # وقال أبو الأحوص وعطاء: المراد بالآية؛ زكاة الأموال كلها. # قال بعضهم: لا أدري ما وجه هذا التأويل؛ لأن هذه السورة مكية، ولم يكن ~~ب " مكة " عيد، ولا زكاة فطر. # قال البغوي: يجوز أن يكون النزول سابقا على الحكم، كقوله تعالى: # وأنت حل بهذا البلد ms9119 # [البلد: 2]، والسورة مكية، وظهر أثر الحل يوم الفتح، قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " أحلت لي ساعة من نهار ". # وقيل: هذا في زكاة الأعمال، لا زكاة الأموال، أي: زكى أعماله من الرياء ~~[والتقصير]وروى جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " قد افلح من تزكى؛ أي: شهد أن لا إله إلا الله، وخلع ~~الأنداد، وشهد أني رسول الله " # وهذا مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما. # وروى عطاء عن ابن عباس، قال: نزلت في عثمان - رضي الله عنه - قال: كان ~~ب " المدينة " منافق كانت له نخلة ب " المدينة " ، مائلة في دار رجل من ~~الأنصار، إذا هبت الرياح أسقطت البسر والرطب في دار الأنصاري، فيأكل هو ~~وعياله، فخاصمه المنافق، فشكاه الأنصاري إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأرسل إلى المنافق، وهو لا يعلم بنفاقه، فقال: إن أخاك الأنصاري ~~ذكر أن بسرك ورطبك يقع إلى منزله، فيأكل هو وعياله، فهل ~~لك أن أعطيك نخلة في الجنة بدلها؟ فقال: أبيع عاجلا بآجل؟ ~~لا أفعل، فذكروا أن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - أعطاه حائطا من نخل ~~بدل نخلته، ففيه نزلت: { قد أفلح من تزكى } ، ونزلت في ~~المنافق: { ويتجنبها الأشقى }. # وقال الضحاك: نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. # قوله: { وذكر اسم ربه فصلى }. # قال ابن عباس والضحاك: وذكر اسم ربه في طريق المصلى، فصلى صلاة العيد. # قال القرطبي: " والسورة مكية في قول الجمهور، ولم يكن ب " مكة " عيد ~~". # قل القشيري: ولا يبعد أن يكون أنثى على من يمتثل أمره في صدقة الفطر، ~~وصلاة العيد فيما يأمر به في المستقبل. # قوله: { وذكر اسم ربه } ، أي: وذكر ربه. # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما: معناه ذكر معاده وموقفه بين يدي الله ~~تعالى، فعبده وصلى له. # وقيل: ذكر اسم ربه: التكبير في أول الصلاة؛ لأنها لا تنعقد إلا بذكره، ~~وهو قوله: " الله أكبر " ، وبه يحتج على وجوب تكبيرة الإحرام وعلى ~~أنها ليست من الصلاة؛ لأن الصلاة معطوفة عليها، وفيه ms9120 حجة لمن ~~قال: الافتتاح جائز بكل اسم من أسماء الله تعالى. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: " هذا في الصلوات المفروضة ". # روى عبد الله رضي الله عنه: " من أقام الصلاة ولم يؤت الزكاة فلا صلاة ~~له ". ### || [87.16-19] # قوله: { بل تؤثرون الحياة الدنيا } ، قرأ أبو عمرو: ~~بالغيبة. # والباقون: بالخطاب ويؤيده قراءة أبي: " أنتم تؤثرون ". # وعلى الأول معناه: بل تؤثرون أيها المسلمون الاستكثار من الدنيا على ~~الاستكثار من الثواب. # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه -: أنه قرأ هذه الآية، فقال: أتدرون لم ~~آثرنا الحياة الدنيا على الآخرة؟ قال: لأن الدنيا حضرت وعجلت لنا طيباتها ~~وطعامها وشرابها ولذاتها وبهجتها، والأخرى: غيبت عنا فأخذنا العاجل، ~~وتركنا الآجل. # قوله: { والآخرة خير وأبقى } ، أي: والدار الآخرة خير، ~~أي: أفضل وأبقى أي: أدوم. # قوله: { إن هذا لفي الصحف الأولى }. # قرأ أبو عمر، في رواية الأعمش وهارون: بسكون الحاء في الحرفين، واختلفوا ~~في المشار إليه بهذا. # فقيل: جميع السورة، وهو رواية عكرمة عن ابن عباس. # وقال الضحاك: إن هذا القرآن " لفي الصحف الأولى " أي: الكتب الأولى. # { صحف إبراهيم وموسى } يعني: الكتب المنزلة عليهما، ولم يرد ~~أن هذه الألفاظ بعينها في تلك الصحف، وإنما معناه: أن معنى هذا الكلام في ~~تلك الصحف. # وقال قتادة وابن زيد: المشار إليه هو قوله تعالى: { والآخرة خير ~~وأبقى } وقال: تتابعت كتب الله تعالى - كما تسمعون - أن الآخرة خير ~~وأبقى وقال الحسن: إن هذا لفي الصحف الأولى يعني من قوله تعالى: { قد ~~أفلح من تزكى } إلى آخر السورة؛ لماروى أبو ذر - رضي الله عنه ~~- قال: # " قلت: يا رسول الله هل في أيدينا شيء مما كان في صحف إبراهيم وموسى؟ ~~قال صلى الله عليه وسلم: " نعم " " # ، ثم قرأ أبو ذر: { قد أفلح من تزكى } إلى آخر السورة. # وروى أبو ذر - رضي الله عنه - # " أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كم أنزل من كتاب؟ فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " مائة وأربع كتب: على آدم عشرة صحف، وعلى ~~شيث خمسون صحيفة، وعلى إدريس ms9121 ثلاثون صحيفة، وعلى إبراهيم ~~عشرة صحائف، والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان " ". # قوله: " إبراهيم " قرأ العامة بالألف بعد الراء، وبالياء بعد الهاء. # وأبو رجاء: بحذفهما والهاء مفتوحة، أو مكسورة، فعنه قراءتان. # وأبو موسى وابن الزبير: " إبراهام " - بألفين - وكذا في كل القرآن. # ومالك بن دينار: بألف بعد الراء فقط، والهاء مفتوحة. # وعبد الرحمن بن أبي بكرة: " إبرهم " بحذف الألف وكسر الهاء وقد تقدم ~~الكلام على هذا الاسم ولغاته مستوفى في سورة " البقرة " ولله الحمد على ~~كل حال. # وقال ابن خالويه: وقد جاء " إبراهم " يعني بألف وضم الهاء. # وروى الثعلبي عن أبي - رضي الله عنه -: قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من قرأ سورة الأعلى أعطاه الله تعالى من الأجر عشر ~~حسنات، عدد كل حرف أنزله الله على إبراهيم وموسى ومحمد، ~~صلوات الله عليهم أجمعين ". ### | [88 - سورة الغاشية] ### || [88.1-7] # قوله تعالى: { هل أتاك حديث الغاشية }. " هل " بمعنى: " قد ~~" ، كقوله تعالى: # هل أتى على الإنسان # [الإنسان: 1] قاله قطرب، أي: قد جاءك يا محمد حديث الغاشية، وهي ~~القيامة؛ لأنها تغشى الخلائق بأهوالها. # وقيل: هو استفهام على بابه، ويسميه أهل البيان: التسويف، والمعنى: إن لم ~~يكن أتاك حديث الغاشية فقد أتاك، وهو معنى قول الكلبي. # وقال سعيد بن جبير، ومحمد بن كعب: الغاشية: النار تغشى وجوه الكفار، ~~ورواه أبو صالح عن ابن عباس لقوله تعالى: # وتغشى وجوههم النار # [إبراهيم: 50]. # وقيل: المراد النفخة الثانية للبعث؛ لأنها تغشى الخلق. # وقيل: الغاشية أهل النار يغشونها، ويقحمون فيها. # وقيل: معنى " هل أتاك " أي: هذا لم يكن في علمك، ولا في علم قومك، ~~قاله ابن عباس أي: لم يكن أتاه قبل ذلك على التفصيل المذكور. # قوله: { وجوه يومئذ }. قد تقدم نظيره في سورة " القيامة " ، ~~وفي " النازعات " ، والتنوين في " يومئذ "؛ عوض من جملة، مدلول عليها ~~باسم الفاعل من " الغاشية " ، تقديره: يومئذ غشيت الناس؛ إذ لا تتقدم ~~جملة مصرح بها، و " خاشعة " وما بعدها صفة. # فصل في تفسير الآية # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: لم يكن أتاه حديثهم، فأخبره عنهم، ~~فقال ms9122 تعالى: { وجوه يومئذ } أي: يوم القيامة، { خاشعة }. # قال سفيان: أي: ذليلة بالعذاب، وكل متضائل ساكن خاشع. # يقال: خشع في صلاته إذا تذلل ونكس رأسه، وخشع الصوت: إذا خفي، قال ~~تعالى: # وخشعت الأصوات للرحمن # [طه: 108]. # [والمراد بالوجوه أصحاب الوجوه. # قال قتادة وابن زيد: خاشعة أي في النار، والمراد بالوجوه وجوه الكفار ~~كلهم قاله يحيى بن سلام. وقال ابن عباس: أراد وجوه اليهود والنصارى]. # قوله تعالى: { عاملة ناصبة } هذا في الدنيا؛ لأن الآخرة ليست ~~دار عمل، فالمعنى: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا خاشعة في الآخرة. # قال أهل اللغة: يقال للرجل إذا دأب في سيره: قد عمل يعمل عملا، ويقال ~~للسحاب إذا دام برقه: قد عمل يعمل عملا. # وقوله: " ناصبة " أي: تعبة، يقال: نصب - بالكسر - ينصب نصبا: ~~إذا تعب ونصبا أيضا، وأنصبه غيره. # قال ابن عباس: هم الذين أنصبوا أنفسهم في الدنيا على معصية الله ~~تعالى، وعلى الكفر مثل عبدة الأوثان، والرهبان، وغيرهم، ولا يقبل الله - ~~تعالى - منهم إلا ما كان خالصا له. # وعن علي - رضي الله عنه - أنهم الخوارج الذين ذكرهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: # " تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، ~~وأعمالكم مع أعمالهم، يمرقون من الدين كما يمرق ~~السهم من الرمية " # الحديث. # وروى سعيد عن قتادة: " عاملة ناصبة " قال: تكبرت في الدنيا عن طاعة ~~الله - عز وجل -، فأعملها الله وأنصبها في النار، بجر السلاسل الثقال، ~~وحمل الأغلال، والوقوف حفاة عراة في العرصات في يوم كان مقداره خمسين ألف ~~سنة. # قال الحسن وسعيد بن جبير: لم تعمل لله في الدنيا ولم تنصب له، فأعملها ~~وأنصبها في جهنم. # وقرأ ابن كثير في رواية، وابن محيصن وعيسى وحميد: " ناصبة " بالنصب ~~على الحال. # وقيل: على الذم. # والباقون: بالرفع، على الصفة، أو إضمار مبتدأ فيوقف على " خاشعة ". # ومن جعل المعنى: في الآخرة جاز أن يكون خبرا بعد خبر عن " وجوه " ، فلا ~~يوقف على " خاشعة " [وقيل: عاملة ناصبة أي: عاملة في الدنيا ناصبة في ~~الآخرة، وعلى هذا يحمل وجوه يومئذ عاملة في الدنيا ms9123 ناصبة في الآخرة ~~خاشعة]. # وروى الحسن، قال: لما قدم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - " الشام " ، ~~أتاه راهب، شيخ كبير عليه سواد، فلما رآه عمر - رضي الله عنه بكى, فقيل: ~~يا أمير المؤمنين, ما يبكيك؟ قال: هذا المسكين, طلب أمرا فلم يصبه, ورجا ~~رجاء فأخطأه, وقرأ قوله تعالى: { وجوه يومئذ خاشعة ~~عاملة ناصبة }. # قوله: { تصلى نارا حامية }: هذا هو الخبر. # قرأ أبو عمرو وأبو بكر ويعقوب - رضي الله عنهم - بضم التاء على ما يسم ~~فاعله. # والباقون: بالفتح، على تسمية الفاعل، [والضمير على] كلتا القراءتين ~~للوجوه. # وقرأ أبو رجاء: بضم التاء، وفتح الصاد، وتشديد اللام، وقد تقدم معنى ~~ذلك كله في سورتي: " الانشقاق والنساء ". # فصل في معنى الآية # والمعنى: يصيبها صلاؤها وحرها, " حامية " أي شديدة الحر، أي قد ~~أوقدت وأحميت مدة طويلة، ومنه: حمي النهار - بالكسر - وحمي ~~التنور حميا فيهما، أي: اشتد حره، وحكى الكسائي: اشتد حمى الشمس وحموها ~~بمعنى. # قال صلى الله عليه وسلم: # " إن الله أوقدها الف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ~~ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها حتى اسودت، فهي ~~سوداء مظلمة ". # قال الماوردي: فإن قيل: فما معنى وصفها بالحمي، وهي لا تكون إلا ~~حامية، وهو أقل أحوالها، فما وجه المبالغة بهذه الصفة الناقصة؟. # قيل: قد اختلف في المراد بالحامية هاهنا. # قيل: المراد: أنها دائمة [الحمي]، وليست كنار الدنيا التي ينقطع حميها ~~بانطفائها. # الثاني: أن المراد بالحامية أنها حمى من ارتكاب المحظورات، وانتهاك ~~المحارم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن لكل ملك حمى، وإن حمى الله في أرضه محارمه، ومن ~~يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه ". # الثالث: أنها تحمي نفسها عن أن تطاق ملامستها، وترام مماستها، كما يحمي ~~الأسد عرينه؛ كقول الشاعر: [البسيط] # 5181- تعدو الذئاب على من لا كلاب له # وتتقي صولة المستأسد الحامي # الرابع: وقيل: المراد أنها حامية حمي غيظ وغضب مبالغة في شد الانتقام، ~~كقوله تعالى # تكاد تميز من الغيظ # [الملك: 8]. # قوله: { تسقى من عين آنية }. أي: حارة التي انتهى حرها، ~~كقوله ms9124 تعالى: # بينها وبين حميم آن # [الرحمن: 44]، و " آنية ": صفة ل " عين " ، وأمالها هشام، لأن الألف ~~غير منقلبة من غيرها، بل هي أصل بنفسها، وهذا بخلاف " آنية " في سورة " ~~الإنسان " ، فإن الألف هناك بدل من همزة، إذ هو جمع: " إناء " فوزنها: " ~~فاعلة " ، وهناك " أفعلة " ، فاتحد اللفظ واختلف التصريف، وهذا من ~~محاسن علم التصريف. # قال القرطبي: " الآني: الذي قد انتهى حره، من الإيناء بمعنى: " ~~التأخير " ، يقال: أناه يؤنيه إيناء، أي: أخره وحبسه وأبطأه، نظيره ~~قوله تعالى: # يطوفون بينها وبين حميم آن # [الرحمن: 44]، روي أنه لو وقعت [نقطة] منها على جبال الدنيا لذابت ". # قوله: { ليس لهم طعام إلا من ضريع }. لما ذكر شرابهم ~~ذكر طعامهم. # والضريع: شجر في النار، ذو شوك لاصق بالأرض، تسميه قريش: الشبرق ~~إذا كان رطبا، وإذا يبس فهو الضريع، لا تقربه دابة، ولا بهيمة، ولا ~~ترعاه، وهو سم قاتل. قاله عكرمة، ومجاهد وأكثر المفسرين. # وروى الضحاك عن ابن عباس - رضي الله عنهم - قال: شيء يرمي به البحر ~~يسمى الضريع من أقوات الأنعام لا الناس، وإذا وقعت فيه الإبل لم تشبع، ~~وهلكت هزلا. # والصحيح الأول؛ قال أبو ذؤيب: [الطويل] # 5182- رعى الشبرق الريان حتى إذا ذوى # رعا ضريعا بان منه النحائص # وقال الهذلي يذكر إبلا وسوء مرعاها: [الكامل] # 5183- وحبسن في هزم الضريع فكلها # حدباء دامية اليدين حرود # وقال الخليل: الضريع: نبات منتن الريح، يرمي به البحر. # وقال أيضا: ويقال للجلدة التي على العظم تحت اللحم، هي الضريع، فكأنه ~~تعالى وصف بالقلة، فلا جرم لا يسمن ولا يغني من جوع. # وقيل: هو الزقوم. # وقيل: يابس العرفج إذا تحطم. # وقيل: نبت يشبه العوسج. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: هو شجر من نار، ولو كانت الدنيا لأحرقت ~~الأرض، وما عليها. # وقال سعيد بن جبير، وعكرمة: هي حجارة من نار. # وقال القرطبي: والأظهر أنه شجر ذو شوك حسب ما هو في الدنيا. # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " الضريع شيء يكون في النار: يشبه الشوك، أشد مرارة ms9125 من ~~الصبر، وأنتن من الجيفة، وأحر من النار سماه الله ~~ضريعا ". # قال القتيبي: ويجوز أن يكون الضريع، وشجرة الزقوم: نبتين من النار، أو ~~من جوهر لا تأكله النار، وكذلك سلاسل النار، وأغلالها, وحياتها, ~~وعقاربها, ولو كانت على ما نعلم لما بقيت على النار, وإنما دلنا الله ~~على الغائب عند الحاضر عندنا، فالأسماء متفقة الدلالة والمعاني مختلفة، ~~وكذلك ما في الجنة من شجرها وفرشها. # وزعم بعضهم: أن الضريع: ليس بنبت في النار، ولا أنهم يأكلونه؛ لأن ~~الضريع من أقوات الأنعام، لا من أقوات الناس، وإذا وقعت الإبل فيه لم ~~تشبع، وهلكوا هزلا، فأراد أن هؤلاء يقتاتون بما لا يشبعهم، وضرب الضريع ~~له مثلا. # والمعنى أنهم يعذبون بالجوع كما يعذب من قوته الضريع. # وقال الحكيم الترمذي: وهذا نظر سقيم من أهله، يدل على أنهم تحيروا في ~~قدرة الله تعالى، وأن الذي أنبت في هذا التراب الضريع قادر على أن ينبته ~~في حريق النار، كما جعل - سبحانه وتعالى - في الدنيا من الشجر الأخضر ~~نارا فإذا أنتم منه توقدون، فلا النار تحرق الشجر، ولا رطوبة الماء في ~~الشجر تطفئ النار، قال تعالى: # الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذآ أنتم ~~منه توقدون # [يس: 80]، وكما قيل: حين نزلت: # ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم # [الإسراء: 97]، قالوا: # " يا رسول الله، كيف يمشون على وجوههم؟ فقال - عليه الصلاة ~~والسلام -: " الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم ~~على وجوههم " # ، فلا يتحير في مثل هذا إلا ضعيف العقل، أو ليس قد أخبرنا أنه: # كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها # [النساء: 56]، وقال تعالى: # سرابيلهم من قطران # [إبراهيم: 50]. # وعن الحسن: لا أدري ما الضريع، ولم أسمع فيه من الصحابة شيئا. # قال ابن كيسان: وهو طعام يضرعونه عنده، ويذلون، ويتضرعونه منه إلى الله ~~تعالى، طلبا للخلاص منه، فسمي بذلك؛ لأن آكله يتضرع في أن يعفى منه, ~~للكراهة وخشونته. # قال أبو جعفر النحاس: قد يكون مشتقا من الضارع، وهو الذليل، أي: ذو ~~ضراعة، أي: من شربه ذليل تلحقه ضراعة. # فإن قيل: قد ms9126 قال تعالى في موضع آخر: # فليس له اليوم ها هنا حميم ولا طعام إلا من ~~غسلين # [الحاقة: 35، 36]. وقال تعالى - هاهنا -: { إلا من ضريع } وهو ~~غير الغسلين، فما وجه الجمع؟. # والجواب: أن النار دركات، فمنهم من طعامه الزقوم ومنهم من طعامه ~~الغسلين، ومنهم من طعامه الضريع، ومنهم من شرابه الحميم، ومنهم من شرابه ~~الصديد. # قال الكلبي: الضريع في درجة ليس فيها غيره، والزقوم في درجة أخرى. # قوله: { لا يسمن }. # قال الزمخشري: مرفوع المحل، أو مجرور على وصف طعام، أو ضريع ". # قال أبو حيان: " أما وصفه ب " ضريع " فيصح؛ لأنه نبت نفي عنه السمن، ~~والإغناء من الجوع, وأما رفعه على وصفه الطعام، فلا يصح؛ لأن الطعام ~~منفي، والسمن منفي، فلا يصح تركيبه؛ لأنه يصير التقدير: ليس لهم طعام لا ~~يسمن، ولا يغني من جوع إلا من ضريع، فيصير المعنى: أن لهم طعاما يسمن ~~ويغني من جوع من غير الضريع، كما تقول: ليس لزيد مال لا ينتفع به إلا من ~~مال عمرو، فمعناه: أن له مالا لا ينتفع به من غير مال عمرو ". # قال شهاب الدين: وهذا لا يرد؛ لأنه على تقدير تسليم القول بالمفهوم، وقد ~~منع منه مانع، كالسياق في الآية الكريمة. # ثم قال أبو حيان: ولو قيل: الجملة في موضع رفع صفة للمحذوف المقدر في: ~~" إلا من ضريع " ، كان صحيحا؛ لأنه في موضع رفع، على أنه بدل من اسم ~~ليس، أي: ليس لهم طعام إلا كائن من ضريع؛ إذ لا طعام من ضريع غير ~~مسمن، ولا مغن من جوع، وهذا تركيب صحيح، ومعنى واضح. # وقال الزمخشري أيضا: " أو أريد لا طعام لهم أصلا؛ لأن الضريع ليس ~~بطعام للبهائم فضلا عن الإنس؛ لأن الطعام ما أشبع، أو أسمن، وهو عنهما ~~بمعزل، كما تقول: ليس لفلان إلا ظل إلا الشمس، تريد نفي الظل على ~~التوكيد ". # قال أبو حيان: فعلى هذا يكون استثناء منقطعا؛ لأنه لم يندرج الكائن ~~من الضريع تحت لفظ طعام، إذ ليس بطعام، والظاهر: الاتصال فيه، وفي قوله ~~تعالى: # ولا طعام ms9127 إلا من غسلين # [الحاقة: 36]. # قال شهاب الدين: وعلى قول الزمخشري المتقدم لا يلزم أن يكون منقطعا، ~~إذ المراد نفي الشيء بدليله أي: إن كان لهم طعام، فليس إلا هذا الذي لا ~~يعده أحد طعاما، ومثله: ليس له ظل إلا الشمس وقد مضى تحقيق هذا عند قوله ~~تعالى: # لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى # [الدخان: 56] وقوله: [الطويل] # 5184- ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم # ..................................... # ومثله كثير. # فصل في المراد بالآية # المعنى: أن طعامهم ليس من جنس طعام الإنس؛ لأنه نوع من أنواع الشوك، ~~والشوك مما ترعاه الإبل، وهذا النوع مما تنفر عنه الإبل، فإذن منفعة ~~الغذاء منتفية عنه، وهما: إماطة الجوع، وإفادة القوة والسمن في البدن أو ~~يكون المعنى: ليس لهم طعام أصلا؛ لأن الضريع ليس بطعام للبهائم فضلا عن ~~الإنسان، لأن الطعام ما أشبع أو أسمن. # قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية، قال المشركون: إن إبلنا لتسمن ~~بالضريع، فنزلت: { لا يسمن ولا يغني من جوع } وكذا فإن ~~الإبل ترعاه رطبا، فإذا يبس لم تأكله. # وقيل: اشتبه عليهم أمره، فظنوه كغيره من النبت النافع؛ لأن المضارعة ~~المشابهة، فوجدوه لا يسمن ولا يغني من جوع، فيكون المعنى: أن طعامهم من ~~ضريع لا يسمن من جنس ضريعكم، إنما هو من ضريع غير مسمن، ولا مغن من جوع. ### || [88.8-16] # قوله: { وجوه يومئذ ناعمة }. أي: ذات نعمة، وهي وجوه ~~المؤمنين، نعمت بما عاينت من عاقبة أمرها. # وقيل: ذات بهجة وحسن، لقوله تعالى: # تعرف في وجوههم نضرة النعيم # [المطففين: 24]، أي: متنعمة " لسعيها " ، أي: لعملها الذي عملته في ~~الدنيا " راضية " في الآخرة حين أعطيت الجنة بعملها، وفيها واو مضمرة، ~~والتقدير: ووجوه يومئذ، ليفصل بينها، وبين الوجوه المتقدمة، والوجوه ~~عبارة عن الأنفس. # { في جنة عالية } أي: مرتفعة؛ لأنها فوق السماوات. # وقيل: عالية القدر، لأن فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين. # قوله: { لا تسمع فيها لاغية }. # قرأ ابن كثير وأبو عمرو: بالياء من تحت مضمومة؛ على ما لم يسم فاعله، " ~~لاغية " رفعا لقيامه الفاعل. # وقرأ نافع كذلك إلا أنه ms9128 بالتاء من فوق، والتذكير والتأنيث واضحان؛ لأن ~~التأنيث مجازي. # وقرأ الباقون: بفتح التاء من فوق، ونصب: " لاغية " ، فيجوز أن تكون ~~التاء للخطاب، أي: لا تسمع أنت، وأن تكون للتأنيث، أي: لا تسمع الوجوه. # وقرأ الفضل والجحدري: " لا يسمع " بياء الغيبة مفتوحة " لاغية " ~~نصبا، أي: لا يسمع فيها أحد. # و " لاغية " يجوز أن تكون صفة لكلمة على معنى: النسب، أي: ذات لغو، أو ~~على إسناد اللغو إليها مجازا، وأن تكون صفة لجماعة: أي: جماعة لاغية، ~~وأن تكون مصدرا، كالعافية والعاقبة، كقوله: # لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما # [الواقعة: 25]، واللغو: اللغا واللاغية بمعنى واحد؛ قال الشاعر: ~~[الرجز] # 5185- عن اللغا ورفث التكلم # قال الفراء والأخفش: أي: لا تسمع فيها كلمة لغو. # والمراد باللغو: ستة أوجه: # أحدها: كذبا وبهتانا وكفرا بالله عز وجل، قاله ابن عباس. # الثاني: لا باطل ولا إثم، قاله قتادة. # الثالث: أنه الشتم، قاله مجاهد. # الرابع: المعصية، قاله الحسن. # الخامس: لا يسمع فيها حالف يحلف بكذب، قاله الفراء. # وقال الكلبي: لا يسمع في الجنة حالف بيمين برة ولا فاجرة. # السادس: لا يسمع في كرمهم كلمة لغو؛ لأن أهل الجنة لا يتكلمون إلا ~~بالحكمة، وحمد الله على ما رزقهم من النعيم الدائم. قاله الفراء، وهو ~~أحسن الأقوال، قاله القفال والزجاج. # قوله: { فيها عين جارية }. أي: بماء مندفق، وأنواع الأشربة ~~اللذيذة على وجه الأرض من غير أخدود. # قال الزمخشري: يريد عيونا في غاية الكثرة، كقوله تعالى: # علمت نفس # [الانفطار: 5]. # قوله: { فيها سرر مرفوعة } ، أي: عالية في الهواء. # { وأكواب موضوعة } والأكواب: الكيزان التي لا عرى لها، ~~والإبريق: هو ما له عروة وخرطوم، والكوب: ما ليس له عروة وخرطوم. # وقوله: { موضوعة } أي: معدة لأهلها. # وقيل: موضوعة على حافات العين الجارية. # وقيل: موضوعة بين أيديهم لاستحسانهم إياها، لكونها من ذهب، وفضة، وجوهر، ~~وتلذذهم بالشرب منها. # وقيل: موضوعة عن حد الكبر، أي هي أوساط بين الصغر والكبر، كقوله تعالى: # قدروها تقديرا # [الإنسان: 16]. # قوله: { ونمارق مصفوفة } ، النمارق جمع " نمرق " وهي الوسادة ~~قالت: # 5186أ- نحن بنات طارق # نمشي على النمارق ms9129 # وقال الشاعر: # 5186ب- كهول وشبان حسان وجوههم # على سرر مصفوفة ونمارق # والنمرق والنمرقة: وسادة صغيرة. # والنمرق: بضم النون والراء وكسرهما لغتان؛ أشهرهما الأولى. # قوله: { وزرابي }: جمع " زربية " [بفتح الزاي وكسرها] لغتان ~~مشهورتان، وهي البسط العراض. # وقيل: ما له منها خملة. قال أبو عبيدة: " الزرابي ": الطنافس التي ~~لها خمل رقيق، واحدتها: زربية. # قال الكلبي والفراء " " المبثوثة ": المبسوطة. # وقال عكرمة: بعضها فوق بعض. # وقال الفراء: كثيرة. # وقال القتبي: متفرقة في المجالس. # قال القرطبي: وهذا أصح، فهي كثيرة متفرقة، ومنه قوله تعالى: # وبث فيها من كل دآبة # [البقرة: 164]. # وقال أبو بكر بن الأنباري: وحدثنا أحمد بن الحسين، قال: حدثنا ~~حسين بن عرفة قال: حدثنا عمار بن محمد، قال: صليت خلف منصور ~~بن المعتمر، فقرأ: { هل أتاك حديث الغاشية } وقرأ: { ~~وزرابي مبثوثة }: متكئين فيها ناعمين. ### || [88.17-20] # قوله: { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } ، لما ذكر ~~الله - تعالى - أمر الدارين تعجب الكفار من ذلك، فكذبوا وأنكروا، ~~فذكرهم الله صنعته، وقدرته، وأنه - تعالى - قادر على كل شيء، كما خلق ~~الحيوانات والسماء والأرض، وذكر الإبل أولا؛ لأنها كثيرة في بلاد العرب، ~~ولم يروا الفيلة، فنبههم تعالى على عظيم من خلقه، قد ذلله للصغير من ~~خلقه يقوده وينيخه وينهضه، ويحمل عليه الثقيل من الأحمال، وهو بارك، ~~فينهض بثقيل حمله، وليس ذلك في شيء وينيخه وينهضه، ويجمل عليه الثقيل من ~~الأحمال، وهو بارك، فينهض بثقيل حمله، وليس ذلك في شيء من الحيوان غيره، ~~فأراهم عظيما من خلقه، يدلهم بذلك على توحيده، وعظيم قدرته تعالى. # وعن بعض الحكماء: أنه حدث عن البعير، وبديع خلقه، وقد نشأ في بلاد لا ~~إبل فيها، ففكر، ثم قال: يوشك أن تكون طوال الأعناق. # قال ابن الخطيب: الإبل لها خواص، منها أنه - تعالى - جعل الحيوان الذي ~~يقتني أنواعا، فتارة يقتنى ليؤكل لحمه، وتارة ليشرب لبنه، وتارة ليحمل ~~الناس في الأسفار، وتارة لنقل المتاع من بلد إلى بلد، وتارة للزينة ~~والجمال، وهذه المنافع بأسرها حاصلة في الإبل، ثم إنها فاقت في كل خصلة ~~من هذه الخصال غيرها ms9130 من الحيوان المختص ببعضها، مع صبرها على العطش، وقطع ~~المفاوز بالأحمال الثقيلة، وقناعتها في العلف بنبات البر، ولقد ضللنا ~~الطريق في مفازة، فقدموا جملا واتبعوه، فهداهم للطريق بعد زمان طويل، مع ~~كثرة المعاطف والتلول، فانظر كيف ثبت واهتدى على ما عجزت عنه ذوو العقول. # ومنها: أنه في غاية القوة والصبر على العمل. # ومنها: أنها مع كونها كذلك منقادة للصب الصغير. # ومنها: أنها تحمل وهي باركة، ثم تقوم بحملها، وهذه الصفات توجب على ~~العاقل أن ينظر في خلقها وتركيبها، ويستدل بذلك على وجود الصانع الحكيم ~~جلت قدرته. # فصل # قال قتادة ومقاتل وغيرهما: لما ذكر الله - تعالى - السرر المرفوعة، ~~قالوا: كيف نصعدها؟ فأنزل الله هذه الآية، وبين أن الإبل " تبرك " ~~حتى يحمل عليها، ثم تقوم، فكذلك تلك السرر تتطامن، ثم يرتفع. # وقال المبرد: الإبل هنا: القطع العظيمة من السحاب. # وقال الثعلبي: ولم أجد لذلك أصلا في كتب الأئمة. # قال القرطبي: قد ذكره الأصمعي أبو سعيد بن عبد الملك بن قريب، قال أبو ~~عمرو: من قرأها: { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } ~~بالتخفيف، عنى بها: البعير؛ لأنها من ذوات الأربع، يبرك، فتحمل عليه ~~الحمولة، وغيره من ذوات الأربع، لا يحمل عليه إلا وهو قائم، ومن قرأها ~~بالتثقيل فقال: " الإبل " عنى بها السحاب التي تحمل الماء والمطر. # وقال الماوردي: وفي الإبل وجهان: # أظهرهما: أنها " الإبل ". # والثاني: أنها " السحاب " فإن كان المراد بها السحاب، فلما فيها من ~~الآيات الدالة على قدرته، والمنافع العامة لجميع خلقه. # وإن كان المراد بها الإبل من النعم؛ فلأن الإبل أجمع للمنافع من سائر ~~الحيوان؛ لأن ضروبه أربعة: حلوبة، وركوبة، وأكولة، وحمولة، والإبل تجمع ~~هذه الخلال الأربع، فكانت النعمة بها أعم، وظهور القدرة بها أتم. # وقيل للحسن: الفيل أعظم في الأعجوبة, فقال: العرب بعيدة العهد بالفيل, ~~ثم هو لا يؤكل لحمه, ولا يركب ظهره، ولا يحلب دره. # فصل في الكلام على الإبل # الإبل: اسم جمع، واحده: بعير، وناقة، وجمل، ولا واحد لها من لفظها، وهو ~~مؤنث، ولذلك تدخل عليه تاء التأنيث ms9131 تصغيره، فيقال: أبيلة. # قال القرطبي: لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميين، فالتأنيث ~~لها لازم، وربما قالوا للإبل: إبل - بسكون الباء - للتخفيف، والجمع: ~~آبال واشتقوا من لفظه، فقالوا: تأبل زيد، أي كثرت إبله. وتعجبوا من هذا، ~~فقالوا: ما آبله! أي: ما أكثر إبله! وتقدم في سورة " الأنعام ". # قوله: " كيف ": منصوب ب " خلقت " على حد نصبها في قوله تعالى: { ~~كيف تكفرون } ، والجملة بدل من " الإبل " بدل اشتمال، فتكون في ~~محل جر، وهي في الحقيقة معلقة بالنظر، وقد دخلت " إلى " على " كيف " في ~~قولهم: " انظر إلى كيف يصنع " ، وقد تبدل الجملة المشتملة على استفهام من ~~اسم ليس فيه استفهام، كقولهم: " عرفت زيدا أبو من هو " على خلاف بين ~~النحويين. # وقرأ العامة: " خلقت، ورفعت، ونصبت، وسطحت " مبنيا ~~للمفعول، والتاء ساكنة للتأنيث. # وقرأ أمير المؤمنين، وابن أبي عبلة، وأبو حيوة، قال القرطبي: وابن ~~السميفع وأبو العالية: " خلقت " وما بعده بتاء المتكلم، مبنيا للفاعل. # والعامة على: " سطحت " مخففا. # وقرأ الحسن وأبو حيوة وأبو رجاء: " سطحت " بتشديد الطاء وإسكان ~~التاء. # قال القرطبي: وقدم الإبل في الذكر، ولو قدم غيرها لجاز. # قال القشيري: وليس هذا مما يطلب فيه نوع حكمة. # قوله: { وإلى السمآء كيف رفعت } ، أي: رفعت عن الأرض بغير ~~عمد بعيدة المدى. # وقيل: رفعت فلا ينالها شيء. # قوله: { وإلى الجبال كيف نصبت } نصبا ثابتا راسخا لا ~~يميل ولا يزول، وذلك أن الأرض لما دحيت مادت، فأرساها بالجبال، كما قال ~~تعالى: # وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم # [الأنبياء: 31]. # قوله: { وإلى الأرض كيف سطحت } ممهدة، أي: بسطت ومدت، ~~واستدل بعضهم بهذا على أن الأرض ليست بكرة. # قال ابن الخطيب: وهو ضعيف؛ لأن الكرة إذا كانت في غاية العطمة تكون كل ~~قطعة منها كالسطح. # فإن قيل: ما المناسبة بين هذه الأشياء؟. # فالجواب: قال الزمخشري: من فسر الإبل بالسحاب، فالمناسبة ظاهرة، ~~وذلك تشبيه ومجاز، ومن حملها على الإبل، فالمناسبة بينها وبين السماء ~~والأرض والجبال من وجهين: # الأول: أن القرآن نزل على العرب، وكانوا يسافرون كثيرا، وكانوا يسيرون ms9132 ~~عليها في المهامه والقفار، مستوحشين، منفردين عن الناس، والإنسان إذا ~~انفرد أقبل على التفكر في الأشياء؛ لأنه ليس معه من يحادثه، وليس هناك ~~من يشغل به سمعه وبصره، فلا بد من أن يجعل دأبه الفكر، فإذا فكر في تلك ~~الحال، فأول ما يقع بصره على الجمل الذي هو راكبه، فيرى منظرا عجيبا، ~~وإن نظر إلى فوق لم ير غير السماء، وإذا نظر يمينا وشمالا لم ير غير ~~الجبال، وإذا نظر إلى تحت لم ير غير الأرض، فكأنه تعالى أمره بالنظر وقت ~~الخلود والانفراد، حتى لا تحمله داعية الكبر والحسد على ترك النظر. # الثاني: أن جميع المخلوقات دالة على الصانع - جلت قدرته - إلا انها ~~قسمان: منها ما للشهوة فيه حظ كالوجه الحسن، والبساتين للنزهة، والذهب ~~والفضة، ونحوها، فهذه مع دلالتها على الصانع، قد يمنع استحسانها عن ~~إكمال النظر فيها. # ومنها ما لا حظ فيه للشهوة كهذه الأشياء، فأمر بالنظر فيها، إذ لا مانع ~~من إكمال النظر. ### || [88.21-24] # قوله: { فذكر } أي: عظهم يا محمد وخوفهم. # { إنمآ أنت مذكر }: واعظ. # { لست عليهم بمسيطر } أي بمسلط فتقتلهم، ثم نسختها آية ~~السيف. # وقرأ العامة: " بمصيطر " بالصاد. # وهشام: بالسين. # وخلف: بإشمام الصاد زايا بلا خلاف. # وعن خلاد: وجهان. # وقرأ هارون الأعور: " بمصيطر " - بفتح الطاء - اسم مفعول، لأن " سيطر " ~~عندهم متعد. # [ويدل على ذلك فعل المطاوعة، وهو تسيطر، ولم يجيء اسم على مفعل إلا ~~مسيطر، ومبيقر، ومهيمن، ومبيطر؛ من سيطر، وهيمن، وبيطر، وقد جاء مجيمر ~~اسم واد، ومديبر، ويمكن أن يكون أصلهما مجمر ومدبر، فصغرا. # قال شهاب الدين: قد تقدم أن بعضهم جعل مهيمنا مصغرا، وتقدم أنه خطأ ~~عظيم، وذلك في سورة المائدة]. # قال القرطبي: " وفي الصحاح: المسيطر والمصيطر: المسلط على الشيء، ~~ليشرف عليه ويتعهد أحواله، ويكتب عمله، وأصله من السطر؛ لأن معنى السطر ~~ألا يتجاوز، فالكتاب مسطر، والذي يفعله مسطر ومسيطر، يقال: سيطرت ~~علينا، وقال تعالى: { لست عليهم بمسيطر } ، وسطره أي: صرعه ~~". # قوله { إلا من تولى وكفر } استثناء منقطع، أي: لكن من ~~تولى عن الوعظ والتذكر، ms9133 فيعذبه الله العذاب الأكبر، وهو جهنم الدائم ~~عذابها، وإنما قال: " الأكبر "؛ لأنهم عذبوا في الدنيا بالجوع، ~~والقحط، والأسر، والقتل، ويؤيد هذا التأويل: قراءة ابن مسعود: " إلا ~~من تولى وكفر فإنه يعذبه الله ". # وقيل: هو استثناء متصل، والمعنى: لست مسلطا إلى على من تولى وكفر، ~~فأنت مسلط عيله بالجهاد، والله - تعالى - يعذبه ذلك العذاب الأكبر، فلا ~~نسخ في الآية على هذا التقدير. # وقرأ ابن عباس وزيد بن علي، وزيد بن أسلم، وقتادة: " ألا " ~~حرف استفتاح وتنبيه؛ كقول امرئ القيس: [الطويل] # 5187- الا رب يوم لك منهن صالح # ................................. # و " من " على هذا شرط، فالجملة مقدرة شرطية، والجواب: " فيعذبه الله " ~~، والمبتدأ بعد الفاء مضمر، والتقدير: فهو يعذبه الله؛ لأنه لو أريد ~~الجواب بالفعل الذي بعد الفاء لكان: " إلا من تولى وكفر يعذبه الله ". # [قال شهال الدين: أو موصول مضمن معناه]. ### || [88.25-26] # قوله: { إن إلينآ إيابهم } ، أي: رجوعهم بعد الموت: ~~والعامة: على تخفيف الياء، مصدر: آب، يئوب، إيابا، أي: رجع، كقام يقوم ~~قياما؛ قال عبيد: [مخلع البسيط] # 5188- وكل ذي غيبة يئوب # وغائب الموت لا يئوب # وقرأ أبو جعفر وشيبة بتشديدها. # قال أبو حاتم: لا يجوز التشديد، ولو جاز جاز مثله في الصيام والقيام. # وقيل: لغتان بمعنى. # قال شهاب الدين: وقد اضطربت فيها أقوال التصريفيين. # فقيل: هو مصدر ل " أيب " على وزن " فيعل " ك " بيطر " يقال ~~منه: " أيب يؤيب إيابا " والأصل: أيوب يؤيوب إيوابا ك " ~~بيطر يبيطر " ، فاجتمعت الواو والياء في جميع ذلك، وسبقت ~~إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء المزيدة فيها، ف " ~~إياب " على هذا " فيعال ". # وقيل: بل هو مصدر ل " أوب " بزنة " فوعل " ك " حوقل " ، ~~والأصل: " إوواب " بواوين، الأولى: زائدة، والثانية: عين الكلمة، فسكنت ~~الأولى بعد كسرة، فقلبت ياء، فصارت: " إيوابا " ، فاجتمعت ياء وواو، ~~وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء بعدها، فوزنه " ~~فيعال " ك " حيقال " ، والأصل: " حوقال ". # وقيل: بل هو مصدر ل " أوب " ، على وزن " فعول " ، ك " جهور " ~~، والأصل: " إوواب " على ومن " فعوال " ، ك " جهوار " ، والأولى ~~عين الكلمة، والثانية زائدة، ms9134 وفعل به ما فعل بما قبله من القلب والإدغام، ~~للعلل المتقدمة، وهي مفهومة مما مر. # فإن قيل: الإدغام مانع من قلب الواو ياء. # قيل: إنما يمنع إذا كانت الواو والياء عينان، وقد عرفت أن الياء في " ~~فيعل " ، والواو في " فوعل، وفعول " زائدتان. # وقيل: بل هو مصدر ل " أوب " بزنة: " فعل " نحو: " كذب ~~كذابا " ، والأصل: " إواب " قلبت الواو الأولى ياء لانكسار ما ~~قبلها، فقيل: " إيوابا ". # قال الزمخشري: كديوان في " دوان " ، ثم فعل به ما فعل ب " سيد ~~وميت " ، يعني أصله: سيود، فقلبت وأدغم، وإلى هذا نحا أبو الفضل ~~أيضا. # إلا ان أبا حيان رد ما قالاه: بأنهم نصوا على أن الواو ~~الموضوعة على الإدغام وجاء ما قبها مكسورا، فلا تقلب الواو الأولى ياء ~~لأجل الكسرة، قال: ومثلوا بنفس " إواب " مصدر: " أوب " مشددا، وب ~~" اخرواط " ، مصدر " اخروط " قال: وأما تشبيه الزمخشري ب " ديوان " ، ~~فليس بجيد؛ لأنهم لم ينطقوا بها الوضع مدغمة، ولم يقولوا: " دوان " ، ~~ولولا الجمع على: " دواوين " لم يعلم أن أصل هذه الياء واو، وقد نصوا على ~~شذوذ: " ديوان " ، فلا يقاس عليه غيره. # قال شهاب الدين: أما كونهم لم ينطقوا ب " دوان " ، فلم يلزم منه رد ما ~~قاله الزمخشري، ونص النحاة على أن أصل " ديوان ": " دوان " ، و " ~~قيراط ": " قراط " بدليل الجمع على " دواوين وقراريط " وكونه شاذا ~~لا يقدح؛ لأنه لم يذكره مقيسا عليه، بل منظرا به. # وذهب مكي إلى نحو من هذا، فقال: وأصل الياء: واو، ولكن انقلبت ياء ~~لانكسار ما قبلها، وكان يلزم من شدد أن يقول: إوابهم؛ لأنه من الواو، ~~أو يقول: إيوابهم، فيبدل من الأول المشدد ياء، كما قالوا " ديوان " ~~وأصله: " دوان ". انتهى. # وقيل: هو مصدر ل " أوب " بزنة: " أكرم " من الأوب، والأصل " إواب " ~~، ك " إكرام " ، فأبدلت الهمزة الثانية ياء لسكونها بعد همزة مكسورة، ~~فصار اللفظ " إيوابا " ، اجتمعت الواو والياء على ما تقدم, فقلب, وأدغم, ~~ووزنه: " إفعال " وهذا واضح. # وقال ابن عطية في هذا الوجه: سهلت الهمزة, وكان الإدغام يردها " إوابا ~~" , لكن استحسنت فيه الياء على غير قياس. ms9135 انتهى. # وهذا ليس بجيد، لما عرفت من أنه لما قلبت الهمزة ياء، فالقياس أن تفعل ~~ما تقدم منقلب الواو إلى الياء من دون عكس. # قال شعاب الدين: " وإنما ذكرت هذه الأوجه مشروحة، لصعوبتها، وعدم من ~~يمعن النظر في مثل هذه المواضع القلقة، وقدم الخبر في قوله: " إلينا، ~~وعلينا " مبالغة في التشديد في الوعيد ". والله أعلم. # روى الثعلبي في تفسيره عن أبي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة الغاشية حاسبه الله حسابا يسيرا ". ### | [89 - سورة الفجر] ### || [89.1-5] # قوله تعالى: { والفجر } ، قيل: جواب القسم مذكور، وهو قوله تعالى: # إن ربك لبالمرصاد # [الفجر: 14]، قاله ابن الأنباري. # وقيل: محذوف، لدلالة المعنى عليه، أي: ليجازي كل واحد بما عمل، بدليل ما ~~فعل بالقرون الخالية. # وقدره الزمخشري: ليعذبن، قال: يدل عليه قوله تعالى: { ألم ~~تر } إلى قوله " فصب ". # وقدره أبو حيان: بما دلت عليه خاتمة السورة قبله، أي: لإيابهم إلينا ~~وحسابهم علينا. # وقال مقاتل: " هل " هنا: في موضع " إن " تقديره: " إن في ذلك قسما ~~لذي حجر، ف " هل " هذا في موضع جواب القسم. انتهى. # وهذا قول باطل؛ لأنه لا يصلح أن يكون مقسما عليه تقدير تسليم أن ~~التركيب هكذا، وإنما ذكرناه للتنبيه على سقوطه. # وقيل: ثم مضاف محذوف، أي: صلاة الفجر، أو رب الفجر. # والعامة: على عدم التنوين في: " الفجر، والوتر، ويسر ". # وأبو الدينار الأعرابي: بتنوين الثلاثة. # قال ابن خالويه: هذا ما روي عن بعض العرب أنه يقف على آخر القوافي: ~~بالتنوين، وإن كان فعلا، وإن كان فيه الألف واللام؛ قال الشاعر: ~~[الوافر] # 5189- أقلي اللوم عاذل والعتابن # وقولي إن أصبت لقد أصابن # يعني: هذا تنوين الترنم، وهو أن العربي إذا أراد ترك الترنم - وهو: ~~مد الصوت - نون الكلمة، وإنما يكن في الروي المطلق. # وقد عاب بعضهم النحويين تنوين الترنم، وقال: بل ينبغي أن يسموه بتنوين ~~تركه، ولهذا التنوين قسيم آخر، يسمى: التنوين الغالي وهو ما يلحق ~~الروي المقيد؛ كقوله: [الرجز] # 5190- خاوي المخترقن # على أن بعض العروضيين أنكروا وجوده، ms9136 ولهذين التنوينين أحكام مخالفة لحكم ~~التنوين مذكورة في علم النحو. # والحاصل: أن هذا القارئ أجرى الفواصل مجرى القوافي، وله نظائر منها: " ~~الرسولا، والسبيلا، والظنونا " " في الأحزاب 10 و 66 و 67 " و ~~" المتعال " في الرعد و " عشر " هنا. # قال الزمخشري: فإن قيل: فما بالها منكرة من بين ما أقسم به؟ قلت: لأنها ~~ليال مخصوصة من نفس جنس الليالي العشر بعض منها، أو مخصوصة بفضيلة ليست ~~لغيرها، فإن قلت: فهلا عرفت بلام العهد؛ لأنها ليال معلومة معهودة؟. # قلت: لو فعل ذلك لم تستقل بمعنى الفضيلة الذي في التنكير؛ ولأن الأحسن ~~أن تكون الكلمات متجانسة، ليكون الكلام أبعد من الإلغاز والتعمية. # يعني بتجانس اللامات، أن تكون كلها إما للجنس، وإما للعهد, والغرض ~~الظاهر أن اللامات في: " الفجر " وما معه، للجنس، فلو جيء بالليالي معرفة ~~بلام العهد لفات التجانس. # أقسم سبحانه: بالفجر، وليال عشر، والشفع والوتر، والليل إذا يسر: أقسام ~~خمسة. # واختلف في " الفجر " ، فقال علي وابن الزبير وابن عباس - رضي ~~الله عنهم -: " الفجر " هنا: انفجار الظلمة عن النهار من كل يوم. # قال ابن الخطيب: أقسم تعالى بما يحصل فيه، من حصول النور، وانتشار ~~الناس، وسائر الحيوان في طلب الأرزاق، وذلك مشاكل لنشور الموتى، وفيه ~~عبرة لمن تأمل، كقوله تعالى: # والصبح إذا تنفس # [التكوير: 18]، ومدح بكونه خالقا، فقال سبحانه: # فالق الإصباح # [الأنعام: 96]. # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه: النهار كله، وعبر عنه بالفجر؛ ~~لأنه أوله. # وروى ابن محيصن عن عطية عن ابن عباس: يعني: فجر المحرم. # قال قتادة: هو فجر أول يوم من المحرم منه تنفجر السنة، وعنه أيضا: ~~صلاة الصبح. # وروى ابن جريح عن عطاء عن ابن عباس قال: يريد صبيحة يوم النحر؛ لأن الله ~~تعالى جعل لكل يوم ليلة قبله إلا يوم النحر لم يجعل له ليلة قبله ولا ~~ليلة بعده؛ لأن يوم عرفة له ليلتان ليلة قبله وليلة بعده، فمن أدرك ~~الموقف الليلة التي بعد عرفة فقد أدرك الحج إلى طلوع فجر يوم النحر، وهذا ~~قول مجاهد. # وقال عكرمة: ms9137 " والفجر " قال: انشقاق الفجر من يوم الجمعة. # وعن محمد بن كعب القرظي: " والفجر " قال: آخر أيام العشر إذا رفعت أو ~~دفعت من جمع. # وقال الضحاك: فجر ذي الحجة؛ لأن الله تعالى قرن به الأيام، فقال تعالى: ~~{ وليال عشر } أي ليال عشر من ذي الحجة. # وقيل: هي العيون التي تنفجر منها المياه. # قوله: { وليال عشر }. # العامة: على " ليال " بالتنوين، " عشر " صفة لها. # وقرأ ابن عباس: " وليال عشر " بالإضافة. # فبعضهم قال: " ليال " في هذه القراءة دون ياء، وبعضهم قال: " وليالي عشر ~~" بالياء، وهو القياس. # وقيل: المراد: ليالي أيام عشر، وكان من حقه على هذا أن يقال: عشرة؛ لأن ~~المعدود مذكر. # ويجاب عنه: بأنه إذا حذف المعدود جاز الوجهان، ومنه: " وأتبعه بست ~~من شوال ". # وسمع الكسائي: صمنا من الشهر خمسا. # فصل في المراد بالعشر # قال ابن عباس ومجاهد والسدي والكلبي: هو عشر ذي الحجة. # وقال مسروق: هي العشرة المذكورة في قوله - تعالى - في قصة موسى - عليه ~~الصلاة والسلام: # وأتممناها بعشر # [الأعراف: 142]، وهي أفضل أيام السنة، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله - ~~تعالى - من عشر ذي الحجة " # ؛ ولأن ليلة يوم النحر داخلة فيه رخصه الله تعالى موفقا لمن يدرك ~~الموقف يوم عرفة. # وعن ابن عباس أيضا: هي العشر الأواخر من رمضان. # وقال الضحاك: أقسم الله - تعالى - بها لشرفها بليلة القدر، وكان صلى ~~الله عليه وسلم إذا دخل العشر الأواخر من رمضان، شد المئزر، وأيقظ أهله ~~للتهجد. # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - ويمان والطبري: هو العشر الأول من ~~المحرم؛ لأن آخرها يوم عاشوراء، ولصومه فضل عظيم. # قوله: { والشفع والوتر }. # قرأ الأخوان: بكسر الواو من: " الوتر ". # والباقون: بفتحها، وهما لغتان، كالحبر والحبر، والفتح: لغة قريش ~~ومن والاها، والكسر: لغة تميم. # وهاتان اللغتان في: " الوتر " ، مقابل " الشفع " ، فأما في " الوتر " ~~بمعنى: الترة، فبالكسر وحده. # قال الزمخشري: ونقل الأصمعي فيه اللغتين أيضا. # وقرأ أبو عمرو في رواية يونس عنه: بفتح الواو وكسر التاء، فيحتمل أن ~~تكون لغة ms9138 ثالثة، وأن يكون نقل كسرة الراء إلى التاء، إجراء للوصل مجرى ~~الوقف. # فصل في الشفع والوتر # قال ابن الخطيب: " الشفع والوتر ": هو الذي تسميه العرب، الخساء ~~والركاء، وتسميه العامة: الزوج والفرد. # قال يونس: أهل العالية يقولون: " الوتر " بالفتح في العدد، و " ~~الوتر " بالكسر في الذحل، وتميم يقولون: بكسر الواو فيهما، تقول: " ~~أوترت أوتر إيتارا " أي: جعلته وترا، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: # " من استجمر فليوتر ". # واختلف في الشفع والوتر، فروى عمران بن حصين - رضي الله عنه - عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " الشفع والوتر: الصلاة, منها شفع، ومنها وتر ". # قال جابر بن عبد الله: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " { والفجر وليال عشر } قال: " هو الصبح وعشر ~~النحر، والوتر: يوم عرفة، والشفع: يوم النحر " ". # وهو قول ابن عباس وعكرمة، واختاره النحاس وقال: حديث ابن الزبير عن ~~جابر، وهو الذي صح عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو أصح إسنادا من حديث ~~عمران بن حصين، فيوم عرفة: وتر؛ لأنه تاسعها، ويوم النحر: شفع؛ لأنه ~~عاشرها. # وعن أبي أيوب، قال: # " سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: { والشفع ~~والوتر } ، قال: " الشفع: يوم عرفة ويوم النحر، ~~والوتر: ليلة يوم النحر ". # وقال مجاهد وابن السميفع وابن عباس: الشفع: خلقه، قال الله تعالى: # وخلقناكم أزواجا # [النبأ: 8]، والوتر: هو الله عز وجل. # فقيل لمجاهد: أترويه عن أحد؟ قال: نعم، عن أبي سعيد الخدري عن رسول ~~الله عليه وسلم. # ونحوه قال محمد بن سيرين، ومسروق، وأبو صالح وقتادة، قالوا: ~~الشفع: الخلق، قال تعالى: # ومن كل شيء خلقنا زوجين # [الذاريات: 49]: الكفر والإيمان، والشقاوة والسعادة، والهدى والضلال، ~~والنور والظلمة، والليل والنهار، والحر والبرد، والشمس والقمر، والصيف ~~والشتاء، والسماء والأرض، والإنس والجن، والوتر: هو الله تعالى، قال ~~تعالى: # قل هو الله أحد الله الصمد # [الإخلاص: 1، 2]. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " إن لله تسعة وتسعين اسما، والله وتر يحب الوتر ". # وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: الشفع: صلاة الصبح، والوتر: ~~صلاة المغرب. # وقال الربيع بن أنس وأبو ms9139 العالية: هي صلاة المغرب فالشفع منها: ~~الركعتان الأوليان، والوتر: الثالثة. # وقال ابن الزبير: الشفع: الحادي عشر، والثاني عشر من أيام منى، ~~والوتر: اليوم الثالي، قال تعالى: # فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر ~~فلا إثم عليه # [البقرة: 203]. # وقال عطاء والضحاك: الشفع: عشر ذي الحجة، والوتر: أيام منى الثلاثة. # وقيل: الشفع والوتر: آدم - عليه الصلاة والسلام - كان وترا، فشفع ~~بزوجته حواء، رواه ابن أبي نجيح، وحكاه القشيري عن ابن عباس [رضي الله ~~عنهما. وفي رواية: الشفع آدم وحواء، والوتر هو الله تعالى. # وقيل: الشفع درجات الجنة، وهي ثمان، والوتر هي دركات النار، وهي سبع، ~~كأنه أقسم بالجنة والنار. قاله الحسين بن الفضل. # وقيل: الشفع: الصفا والمروة، والوتر: الكعبة. # وقال مقاتل بن حيان: الشفع الأيام والليالي، والوتر الذي لا ليلة بعده، ~~وهو يوم القيامة. # وقيل غير ذلك]. # قال ابن الخطيب: كل هذه الوجوه محتملة، والظاهر لا شعار له بشيء من ~~هذه الأشياء على التعيين، فإن ثبت في شيء منها خبر عن الرسول - عليه ~~الصلاة والسلام -، أو إجماع من أهل التأويل، حكم بأنه المراد، وإن لم ~~يثبت، وجب أن يكون الكلام على طريقة الجواز؛ لا على القطع، ولقائل أن ~~يقول: إني أحمل الكلام على الكل؛ لأن الألف واللام في: " الشفع والوتر " ~~يفيد العموم. # قوله: { والليل إذا يسر } ، هذا قسم خامس، بعدما أقسم ~~بالليالي العشر على الخصوص، أقسم بالليل علىالعموم، ومعنى " يسر " أي: ~~يسرى فيه، كما يقال: ليل نائم، ونهار صائم؛ قال: [الطويل] # 5191- لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى # ونمت، وما ليل المطي بنائم # ومنه قوله تعالى: # بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننآ # [سبأ: 33]، وهذا قول أكثر أهل المعاني، وهو قول القتيبي والأخفش. # وقال أكثر المفسرين: معنى " يسر ": سار فذهب. # وقال قتادة وأبو العالية: جاء وأقبل. # وقيل: المراد: ينقص، كقوله: # إذ أدبر # [المدثر: 33]، # إذا عسعس # [التكوير: 17]. # و " يسر ": منصوب بمحذوف، هو فعل القسم، أي: أقسم به وقت سراه، وحذف ~~ياء " يسري " وقفا، وأثبتها وصلا، نافع وأبو عمرو، وأثبتها في ~~الحالين ابن ms9140 كثير، وحذفها في الحالين الباقون لسقوطها في خط المصحف ~~الكريم. # وإثباتها هو الأصل؛ لأنها لام فعل مضارع مرفوع، وحذفها لموافقة المصحف، ~~وموافقة رءوس الآي، وجريا للفواصل مجرى القوافي. # ومن فرق بين حالتي الوقف والوصل؛ فلأن الوقف محل استراحة. # قال الزمخشري: " وياء " يسري " تحذف في الدرج اكتفاء عنها بالكسرة، ~~وأما في الوقف فتحذف مع الكسرة ". # وهذه الأسماء كلها مجرورة بالقسم، والجواب محذوف، [تقديره:] ليعذبن، ~~بدليل قوله تعالى: # ألم تر كيف فعل ربك بعاد # [الفجر: 6]، إلى قوله: # فصب عليهم ربك سوط عذاب # [الفجر: 13] وقد تقدم الكلام على ذلك. # قوله: { هل في ذلك قسم لذى حجر }. # قيل: " هل " على بابها من الاستفهام الذي معناه التقرير، كقولك: ألم ~~أنعم عليك إذا كنت قد أنعمت. # وقيل: المراد بذلك: التوحيد، لما أقسم به وأقسم عليه، والمعنى: بل في ~~ذلك مقنع لذي حجر، ومعنى " لذي حجر ": لذي لب وعقل؛ فقال الشاعر: ~~[الطويل] # 5192- وكيف يرجى أن تتوب وإنما # يرجى من الفتيان من كان ذا حجر # وقال أبو مالك: " لذي حجر ": أي: لذي ستر من الناس. # وقال الحسن: لذي حلم. # قال الفراء: الكل يرجع إلى معنى واحد: لذي حجر، ولذي عقل, ولذي ~~حلم، ولذي ستر، الكل بمعنى العقل. # وأصل الحجر: المنع، يقال لمن ملك نفسه ومنعها إنه لذو حجر. # [ومنه سمي الحجر: المنع، لامتناعه بصلابته، ومنه: حجر الحاكم على فلان ~~أي: منعه من التصرف، ولذلك سميت الحجرة حجرة، لامتناع ما فيها بها]. # وقال الفراء: العرب تقول: إنه لذو حجر إذا كان قاهرا لنفسه ضابطا لها، ~~كأنه أخذ من قولك: حجرت على الرجل. # والمعنى: أن كل ذلك دال على أن كل ما أقسم الله تعالى به من هذه ~~الأشياء فيه دلائل وعجائب على التوحيد والربوبية، فهو حقيق بأن يقسم به ~~لدلالته على خالقه. # قال القاضي: وهذه الآية تدل على أن القسم واقع برب هذه الأمور؛ لأن ~~الآية دالة على أن هذه مبالغة في القسم، والمبالغة لا تحصل إلا في القسم ~~بالله تعالى؛ ولأن النهي قد ورد بأن يحلف العاقل بغير ms9141 الله تعالى. ### || [89.6-14] # قوله: { ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم }. # قرا العامة: " بعاد ": مصروفا، " إرم " بكسر الهمزة، وفتح الراء، ~~والميم. # ف " عاد " اسم لرجل في الأصل، ثم أطلق على القبيلة أو الحي، وقد تقدم ~~في الكلام عليه، وأما: " إرم " فقيل: اسم قبيلة. وقيل: اسم مدينة ~~[اختلفوا في تعيينها، فقيل: " إسكندرية " ، وقيل: " دمشق " ، وهذان ~~القولان ضعيفان؛ لأنها منازل كانت من " عمان " إلى " حضرموت " ، وهي بلاد ~~الرمال والأحقاف، وأما " الإسكندرية " و " دمشق " ، فليستا من بلاد ~~الرمال]. # فإن كانت اسم قبيلة كانت بدلا، أو عطف بيان، أو منصوبة بإضمار: " أعني ~~" ، وإن كانت اسم مدينة، فتعلق الإعراب من: " عاد " وتخريجه على حذف ~~مضاف، كأنه قيل: بعاد أهل إرم. قاله الزمخشري. # وهو حسن، ويبعد أن يكون بدلا من: " عاد " ، بدل اشتمال، إذ لا ضمير، ~~وتقديره قلق وقد يقال: إنه لما كان المراد ب " عاد ": مدينتهم؛ لأن " ~~إرم " قائمة مقام ذلك، صح البدل. # وإرم: اسم جد عاد، وهو عاد بن عوص بن إرم بن نوح عليه الصلاة ~~والسلام؛ قال زهير: [البسيط] # 5193- وآخرين ترى الماذي عدتهم # من نسج داود أو ما أورثت إرم # وقال ابن قيس الرقيات: [المنسرح] # 5194- مجدا تليدا بناه أوله # أدرك عادا وقبلها إرما # وقرأ الحسن: " عاد " غير مصروف. # قال أبو حيان: مضافا إلى " إرم " ، فجاز أن يكون " إرم " أبا، ~~أو جدا، أو مدينة. # قال شهاب الدين: يتعين أن يكون في قراءة الحسن، غير مضاف، بل يكون كما ~~كان منونا، ويكون " إرم " بدلا أو بيانا أو منصوبا بإضمار: أعني، ~~ولو كان مضافا لوجب صرفه وإنما منع " عاد " اعتبارا بمعنى: القبيلة، أو ~~جاء على أحد الجائزين في: " هند " وبابه. # وقرأ الضحاك في رواية: " بعاد أرم " ممنوع الصرف، وفتح الهمزة من: ~~" أرم ". # قال مجاهد: من قرأ بفتح الهمزة شبههم بالآرام التي هي الأعلام. # وعنه أيضا: فتح الهمزة، وسكون الراء، وهو تخفيف " أرم " بكسر الراء، ~~وهي لغة في اسم المدينة، كما قرئ: { بورقكم } [الكهف: 19]، وهي ~~قراءة ابن الزبير، وعنه في: " عاد " مع هذه القراءة: الصرف وتركه. # وعنه ms9142 - أيضا - وعن ابن عباس: " أرم " بفتح الهمزة والراء والميم ~~المشددة جعلاه فعلا ماضيا، [يقال: أرم العظم أي بلي، وأرم وأرمه ~~غيره، فأفعل يكون لازما ومتعديا في هذا]. # و " ذات " على هذه القراءة مجرورة صفة ل: " عاد " ويكون قد راعى لفظها ~~تارة في قوله: " إرم " ، فلم تلحق علامة التأنيث، ويكون: " أرم " ~~معترضا بن الصفة والموصوف، أي: أرمت هي، بمعنى: رمت وبليت، وهو دعاء ~~عليهم، ويجوز أن يكون فاعل: " أرم " ضمير الباري تعالى، والمفعول محذوف، ~~أي: أرمها الله تعالى، والجملة الدعائية معترضة - أيضا - وراعى معناها ~~أخرى في: " ذات " فأنث. # وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: " ذات " بالنصب، على أنها ~~مفعول ب " أرم " وفاعل " أرم " ضمير يعود على الله - تعالى -، أي: أرمها ~~الله، ويكون: " أرم " بدلا من: " فعل ربك " وتبيينا له. # وقرأ ابن الزبير: " بعاد أرم " بإضافة: " عاد " إلى: " أرم " ~~مفتوح الهمزة مكسور الراء، وقد تقدم أنه اسم مدينة. # وقرأ: " إرم ذات " ، بإضافة: " إرم " إلى: " ذات ". # وروي عن مجاهد: " أرم " يعني: بفتحتين، مصدر " أرم، يأرم " ، أي: ~~هلك، فعلى هذا يكون منصوبا ب: " فعل ربك " نصب المصدر التشبيهي، ~~والتقدير: كيف أهلك ربك عادا إهلاك ذات العماد؟ وهذا أغرب الأقوال. # و " ذات العماد ": إن كان صفة لقبيلة، فمعناه: أنهم أصحاب خيام لها ~~أعمدة يظعنون بها، أو هو كناية عن طول أبدانهم [كقولهم: رفيع العماد طويل ~~النجاد قاله ابن عباس رضي الله عنهما]، وإن كان صفة للمدينة، فمعناه: ~~أنها ذات عمد من الحجارة. # قوله: { التي لم يخلق }: يجوز أن يكون: تابعا، وأن يكون: ~~مقطوعا، رفعا ونصبا. # والعامة على: " يخلق " مبنيا للمفعول، " مثلها " مرفوع على ما ~~لم يسم فاعله. # وعن ابن الزبير: " يخلق " مبنيا للفاعل، " مثلها " منصوب به، ~~وعنه أيضا: " نخلق " بنون العظمة. # فصل في الكلام على إرم وعاد # قال القرطبي: من لم يضف جعل " إرم ": اسم " عاد " ، ولم يصرفه؛ لأنه ~~جعل " عادا " اسم أبيهم، و " إرم ": اسم القبيلة، وجعله بدلا منه، أو ~~عطف بيان. # ومن قرأه بالإضافة ولم يصرفه جعله اسم أمهم، أو اسم بلدتهم، ms9143 وتقديره: ~~بعاد أهل إرم، كقوله: # وسأل القرية # [يوسف: 82]، ولم تنصرف - قبيلة كانت، أو أرضا - للتعريف والتأنيث. # والإرم: العلم، أي: بعاد أهل ذات العلم، والخطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، والمراد عام، وكان أمر عاد وثمود عندهم مشهورا، إذا كانوا في بلاد ~~العرب، وحجر ثمود موجود اليوم، وأمر فرعون يسمعونه من جيرانهم من أهل ~~الكتاب، واستفاضت به الأخبار، وبلاد فرعون متصلة بأرض العرب. # قوله: " بعاد " ، أي: بقوم عاد. # قال أبو هريرة: كان الرجل من قوم عاد، يتخذ المصراع من حجارة، لو اجتمع ~~عليه خمسمائة من هذه الأمة، لم يستطيعوا أن يقلوه. # [وإرم قال ابن إسحاق: هو سام بن نوح عليه السلام. # وعن ابن عباس وابن إسحاق أيضا قال: عاد بن إرم بن عاص بن سام بن نوح ~~عليه السلام. # قال ابن إسحاق: كان سام بن نوح له أولاد منهم إرم بن سام، وأرفخشذ بن ~~سام؛ فمن ولد إرم بن سام العمالقة والفراعنة والجبابرة والملوك والطغاة ~~والعصاة]. # وإرم: قال مجاهد: " إرم " هي أمة من الأمم، وعنه أيضا: ان معنى " إرم ~~": القديمة، وعنه أيضا: القوية. # وقال قتادة: هي قبيلة من عاد. # وقيل: هما عادان، فالأولى: هي " إرم " ، قال تعالى: # وأنه أهلك عادا الأولى # [النجم: 50]، فقيل لعقب عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح: عاد كما يقال ~~لبني هاشم: هاشم، ثم يقال للأولين منهم: عادا الأولى، وإرم: تسمية لهم ~~باسم جدهم، ولمن بعدهم: عاد الأخيرة؛ قال ابن الرقيات: [المنسرح] # 5195- مجدا تليدا بناه أوله # أدرك عادا وقبلها إرما # وقال معمر: " إرم ": إليه مجمع عاد وثمود، وكان يقال: عاد وإرم، وعاد ~~وثمود، وكانت القبائل تنسب إلى إرم، " ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في ~~البلاد ". # قال ابن عباس في رواية عطاء: كان الرجل منهم، طوله خمسمائة ذراع، ~~والقصير منهم، طوله ثلاثمائة ذراع بذراع نفسه. # وعن ابن عباس أيضا: أن طول الرجل منهم، كان سبعين ذراعا. # قال ابن العربي: وهو باطل؛ لأن في الصحيح: # " أن الله خلق آدم طوله ستون ذراعا في الهواء، فلم يزل ms9144 ~~الخلق ينقص إلى الآن ". # وزعم قتادة: أن طول الرجل منهم اثنا عشر ذراعا. # قال أبو عبيدة: " ذات العماد ": أي: ذات الطول، يقال: رجل معمد إذا ~~كان طويلا ونحوه عن ابن عباس، ومجاهد. # وعن قتادة: كانوا عمادا لقومهم، يقال: فلان عميد القوم وعمودهم: أي: ~~سيدهم، وعنه أيضا: كانوا أهل خيام وأعمدة ينتجعون الغيوث، ويطلبون ~~الكلأ، ثم يرجعون إلى منازلهم. # وقيل: المعنى: ذات الأبنية المرفوعة على العمد، وكانوا ينصبون الأعمدة، ~~فيبنون عليها القصور. # وقال ابن زيد: ذات العماد " يعني: إحكام البنيان بالعمد. # قال الجوهري: " والعماد: الأبنية الرفيعة، تذكر وتؤنث، والواحدة: عمادة ~~". # وقال الضحاك: " ذات العماد " أي ذات الشدة والقوة مأخوذة من قوة الأعمدة ~~بدليل قوله تعالى: # وقالوا من أشد منا قوة # [فصلت: 15]. # فصل في الضمير في " مثلها " # والضمير في: " مثلها " يرجع إلى القبيلة، أي: لم يخلق مثل القبيلة في ~~البلاد قوة وشدة، وعظم أجساد. # وعن الحسن وغيره: وفي حرف عبد الله: " التي لم يخلق مثلهم في البلاد ". # وقيل: يرجع إلى المدينة، والأول أظهر وعليه الأكثر. # فصل # قال القرطبي: " روي عن مالك رضي الله عنه أن كتابا وجد ب " ~~الاسكندرية " فلم يدر ما فيه، فإذا فيه " أنا شداد بن عاد، الذي ~~رفع العماد، بنيتها حين لا شيب ولا موت " قال مالك: إن كان ~~لتمر بهم مائة سنة لا يرون فيها جنازة ". # وروي: أنه كان لعاد ابنان: شداد، وشديد، ثم مات شديد، وخلص الأمر ~~لشداد، فملك الدنيا، ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة، فقال: أبني ~~مثلها، فبنى إرم في بعض صحارى عدن، في ثلاثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة ~~سنة، وهي مدينة عظيمة، قصورها من الذهب، والفضة، وأساطينها من الزبرجد ~~والياقوت، وفيها أصناف الأشجار والأنهار، ولما تم بناؤها سار إليها ~~بأهل مملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة، بعث الله عليهم صيحة من ~~السماء فهلكوا. # وعن عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها، فحمل مما ~~قدر عليه مما هنا، وبلغ خبره معاوية، فاستحضره، فقص عليه، فبعث إلى كعب ~~فسأله، ms9145 فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك، ~~أحمر أشقر، قصير، على حاجبه خال، وعلى عقبه خال، يخرج في طلب إبل له، ثم ~~التفت، فأبصر ابن قلابة، وقال: هذا والله ذلك الرجل. # فصل في إجمال القول في الكفار هاهنا # ذكر الله - تعالى - هاهنا - قصة ثلاث فرق من الكفار المتقدمين، وهم: ~~عاد، وثمود، وقوم فرعون، على سبيل الإجمال حيث قالوا: " فصب عليهم ~~ربك سوط عذاب " ، ولم يبين كيفية ذلك العذاب، وبين في سورة: " ~~الحاقة " ، ما أبهم في هذه السورة، فقال تعالى: # فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية وأما عاد ~~فأهلكوا بريح صرصر عاتية # [الحاقة: 5، 6] إلى قوله: # وجآء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة # [الحاقة: 9]. # قوله: { وثمود }. # قرأ العامة بمنع الصرف. # وابن وثاب: يصرفه، والذي يجوز فيه ما تقدم في: " التي لم يخلق ". # و " جابوا " أي: قطعوا، ومنه: فلان يجوب البلاد، أي: يقطعها سيرا؛ ~~قال: [البسيط] # 5196- ما إن رأيت قلوصا قبلها حملت # ستين وسقا ولا جابت به بلدا # وجاب الشيء يجوبه: أي: قطعه، ومنه سمي جيب القميص؛ لأنه جيب، أي: قطع. # وقوله: " بالواد ": متعلق إما ب " جابوا " أي: فيه، وإما بمحذوف على ~~أنه حال من " الصخر " ، أو من الفاعلين. # وأثبت في الحالين: ابن كثير وورش بخلاف عن قنبل، فروي عنه إثباتها في ~~الحالين، وروي عنه: إثباتها في الوصل خاصة، وحذفها الباقون في الحالين، ~~موافقة لخط المصحف، ومراعاة للفواصل كما تقدم في " يسر ". # فصل في تفسير الآية # قال ابن عباس: كانوا يجوبون البلادن ويجعلون من الجبال بيوتا، ~~لقوله - تعالى -: # ينحتون من الجبال بيوتا # [الحجر: 82]. # وقيل: أول من نحت من الجبال، والصخور والرخام: ثمود، وبنوا ألفا ~~وسبعمائة مدينة، كلها من الحجارة. # وقوله تعالى: { بالواد } أي: بوادي القرى. قاله محمد بن إسحاق. # [وروى أبو الأشهب عن أبي نضرة، قال: # " أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة " تبوك " على وادي ثمود، ~~وهو على فرس أشقر، فقال: " أسرعوا السير؛ فإنكم في واد ملعون " ". # وقيل: الوادي بين جبال، وكل منفرج بين جبال أو تلال يكون مسلكا ms9146 للسيل، ~~ومنفذا، فهو واد]. # قوله: { وفرعون ذى الأوتاد } ، أي: الجنود والعساكر والجموع. ~~قاله ابن عباس. # وسمي " ذي الأوتاد " لكثرة مضاربهم التي كانوا يضربونها إذا نزلوا. # وقيل: ذي الأتاد، أي: ذي الملك الثابت. # كقوله: [الرجز] # 5197- في ظل ملك راسخ الأوتاد # وقيل: كان يشد الناس بالأوتاد إلى أن يموتوا، تجبرا منه وعتوا، كما ~~فعل بامرأته آسية، وماشطتها. # قال عبد الرحمن بن زيد: كانت له صخرة ترفع بالبكرات، ثم يؤخذ له ~~الإنسان، فيوتد له أوتاد الحديد، ثم يرسل تلك الصخرة عليه. # وروى قتادة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن تلك الأوتاد، كانت ~~ملاعب يلعبون تحتها. # قوله: { الذين طغوا }: يجوز فيه ما جاز في: " الذين " قبله، من ~~الإتباع والقطع على الذم. # قال ابن الخطيب: يحتمل أن يرجع الضمير إلى فرعون خاصة؛ لأنه يليه، ~~ويحتمل أن يرجع إلى جميع من تقدم ذكرهم، وهو الأقرب. وأحسن الوجوه في ~~إعرابه: أن يكون في محل نصب على الذم، ويجوز أن يكون مرفوعا على: " هم ~~الذين طغوا " مجرورا على وصف المذكورين عاد وثمود وفرعون. يعني: عادا، ~~وفرعون، وثمودا طغوا، أي: تمردوا وعتوا، وتجاوزا القدر في الظلم ~~والعدوان، ثم فسر تعالى طغيانهم بقوله: { فأكثروا فيها ~~الفساد }. # قال الكلبي: القتل، والمعصية لله تعالى. # قال القفال: والجملة أن الفساد ضد الصلاح، فكما أن الصلاح يتناول جميع ~~أقسام البر، فالفساد يتناول جميع أقسام الإثم، فمن عمل بغير أمر الله، ~~وحكم في عباده بالظلم فهو مفسد. # قوله: { فصب عليهم ربك سوط عذاب }. أي: أفرغ عليهم، ~~وألقى، يقال: صب على فلان خلعة، أي: ألقاها عليه؛ قال النابغة: ~~[الطويل] # 5198- فصب عليه الله أحسن صنعه # وكان له بين البرية ناصرا # وقوله تعالى: { سوط عذاب } أي: نصيب عذاب؛ وقيل: شدته؛ لأن السوط ~~عندهم ما يعذب به. # قال الشاعر: [الطويل] # 5199- ألم تر أن الله أظهر دينه # وصب على الكفار سوط عذاب # والسوط: هو الآلة المعروفة. # قيل: سمي سوطا؛ لأن يساط به اللحم عند الضرب أي: يختلط؛ قال كعب بن ~~زهير: [البسيط] # 5200- لكنها خلة قد سيط من دمها ms9147 # فجع وولع وإخلاف وتبديل # وقال آخر: [الطويل] # 5201- أحارث إنا لو تساط دماؤنا # تزايلن حتى لا يمس دم دما # [وقيل: هو في الأصل مصدر: ساطه يسوطه سوطا، ثم سميت به الآلة]. # وقال أبو زيد: أموالهم بينهم سويطة، أي: مختلطة. # فالسوط: خلط الشيء بعضه ببعض، ومنه سمي: المسواط، وساطه: أي خلطه، ~~فهو سائط، وأكثر من ذلك، يقال: سوط فلان أموره؛ قال: [الطويل] # 5202- فسطها ذميم الرأي غير موفق # فلست على تسويطها بمعان # قال الفراء: هي كلمة تقولها العرب لكل نوع من أنواع العذاب، وأصل ذلك ~~أن السوط: هو عذابهم الذي يعذبون به، فجرى لكل عذاب إذا كان فيه غاية ~~العذاب. # وقال الزجاج: أي: جعل سوطه الذي ضربهم به العذاب. # [ويقال: ساط دابته يسوطها أي: ضربها بسوطه. # وعن عمرو بن عبيد: كان الحسن إذا أتى على هذه الآية قال: إن الله تعالى ~~عنده أسواط كثيرة فأخذهم بسوط منها]. # قال قتادة: كل شيء عذب الله به، فهو سوط عذاب. # [واستعمال الصب في السوط استعارة بليغة شائعة في كلامهم. # قال القاضي: وشبه بصب السوط الذي يتواتر على المضروب فيهلكه]. # قوله: { إن ربك لبالمرصاد } ، أي: يرصد عمل كل إنسان، حتى ~~يجازيه به. # قال الحسن وعكرمة: والمرصاد: كالمرصد، وهو: المكان الذي يترقب فيه ~~الرصد، جمع راصد كحرس، فالمرصاد " مفعال " من: " رصده " ، كميقات من ~~وقته، قاله الزمخشري. # وجوز ابن عطية في المرصاد: أن يكون اسم فاعل، قال: كأنه قيل: " ~~لبالراصد " ، فعبر ببناء المبالغة. # ورده أبو حيان: بأنه لو كان كذلك لم تدخل عليه الباء، إذ ليس هوفي ~~موضع دخولها، لا زائدة، ولا غير زائدة. # قال شهاب الدين: قد وردت زيادتها في خبر: " إن " كهذه الآية؛ وفي ~~قول امرئ القيس: [الطويل] # 5203-.................................. # فإنك مما أحدثت بالمجرب # إلا أن هذه ضرورة، لا يقاس عليه الكلام، فضلا عن أفصحه. # فصل # تقدم الكلام في: " المرصاد " ، عند قوله: # كانت مرصادا # [النبأ: 21]، وهذا مثل لإرصاده العصاة بالعقاب بأنهم لا يفوتونه، كما ~~قيل لبعض العرب: أين ربك؟ قال: بالمرصاد. # وقال الفراء: معناه: إليه المصير. # وقال الزجاج: يرصد ms9148 من كفر به وعاند طاعته بالعذاب. # وقال الضحاك: يرصد أهل الظلم، والمعصية. ### || [89.15-16] # قوله: { فأما الإنسان }: مبتدأ، وفي خبرها وجهان: # أصحهما: أنه الجملة من قوله: " فيقول " ، كقوله تعالى: # فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ~~ربهم # [البقرة: 26] كما تقدم، والظرف حينئذ منصوب بالخبر؛ لأنه في نية ~~التأخير، ولا يمنع الفاء من ذلك. قاله الزمخشري. # الثاني: " إذا ": شرطية، وجوابها: " فيقول " ، وقوله: " فأكرمه ": ~~معطوف على " ابتلاه " ، والجملة الشرطية خبر: " الإنسان ". قاله أبو ~~البقاء. # وفيه نظر؛ لأن " أما " تلزم الفاء في الجملة الواقعة خبرا عما بعدها، ~~ولا تحذف إلا مع قول مضمر، كقوله: # فأما الذين اسودت # [آل عمران: 106] كما تقدم، إلا في ضرورة. # قال الزمخشري: " فإن قلت: بم اتصل قوله تعالى: { فأما ~~الإنسان }؟. # قلت: بقوله: { إن ربك لبالمرصاد } ، فكأنه قيل: إن الله ~~لا يريد من الإنسان إلا الطاعة، فأما الإنسان، فلا يريد ذلك، ولا يهمه ~~إلا العاجلة " انتهى. # يعني: بالتعليق من حيث المعنى، وكيف عطفت هذه الجملة التفصيلية على ما ~~قبلها مترتبة عليه، " لا يريد إلا الطاعة " على مذهبه، ومذهب أهل ~~السنة: أن الله يريد الطاعة وغيرها، ولولا ذلك لم يقع ثم من لا يدخل في ~~ملكه ما لا يريد، وإصلاح العبارة أن نقول: إن الله يريد من العبد ~~والإنسان من غير حصر. # ثم قال: فإن قلت: كيف توازن قوله تعالى: { فأما الإنسان إذا ~~ما ابتلاه ربه } ، وقوله: { وأمآ إذا ما ابتلاه } ، ~~وحق التوازن أن يتقابل الواقعان بعد " أما " و " أما " تقول: أما الإنسان ~~فكفور، وأما الملك فشكور، أما الإنسان أحسنت إلى زيد، فهو محسن إليك، ~~وأما إذا أسأت إليه، فهو مسيء إليك. # قلت: هما متوازنان من حيث إن التقدير: وأما هو إذا ما ابتلاه، وذلك أن ~~قوله " فيقول: ربي أكرمن ": خبر المبتدأ، الذي هو " الإنسان " ، ~~ودخول الفاء لما في " أما " من معنى الشرط، والظرف المتوسط بين المبتدأ ~~والخبر في نية التأخير، كأنه قيل: فأما الإنسان فقائل: ربي أكرمني وقت ~~الابتلاء، فوجب أن يكون " فيقول " الثاني: خبرا لمبتدأ واجب تقديره. # فصل في المراد ms9149 بالإنسان # قال ابن عباس: المراد بالإنسان: عتبة بن ربيعة، وأبو حذيفة بن ~~المغيرة. # وقيل: أمية بن خلف. # وقيل: أبي بن خلف. # { إذا ما ابتلاه ربه } أي: امتحنه، واختبره بالنعمة، و " ما ~~" زائدة صلة، " فأكرمه " بالمال، و " نعمه " بما أوسع عليه، " ~~فيقول: ربي أكرمن " ، فيفرح بذلك، ولا يحمده. # { وأمآ إذا ما ابتلاه } أي: امتحنه بالفقر واختبره، " فقدر ~~" أي: ضيق، " عليه رزقه " على مقدار البلغة، " فيقول " ربي أهانن " ~~أي: أولاني هوانا، وهذه صفة الكافر، الذي لا يؤمن بالبعث، وإنما الكرامة ~~عنده، والهوان بكثرة المال والحظ في الدنيا، وقلته، فأما المؤمن، ~~فالكرامة عنده أن يكرمه الله بطاعته، وتوفيقه، المؤدي إلى حظ الآخرة، وإن ~~وسع عليه في الدنيا حمده وشكره. # قال القرطبي: الآيتان صفة كل كافر، وكثير من المسلمين يظن أن ما ~~أعطاه الله لكرامته، وفضيلته عند الله، وربما يقول بجهله: لو لم أستحق ~~هذا، لم يعطينيه الله، وكذا إن قتر عليه، يظن أن ذلك لهوانه على الله. # قوله: " فقدر عليه ". # قرأ ابن عامر: بتشديد الدال. # والباقون: بتخفيفها، وهما لغتان بمعنى واحد، ومعناهما: التضييق. # قال القرطبي: والاختيار: التخفيف، لقوله تعالى: # ومن قدر عليه رزقه # [الطلاق: 7] وقوله تعالى: # الله يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر # [الرعد: 26]. # وقال أبو عمرو: و " قدر " أي: قتر. و " قدر " مشددا: هو أن ~~يعطيه ما يكفيه، ولو فعل به ذلك ما قال: " ربي أهانن ". # فصل في الكلام على أكرمن وأهانن # قوله: " أكرمني، أهانني ". # قرأ نافع: بإثبات يائهما وصلا، وحذفهما وفقا من غير خلاف عنه. # والمروي عن ابن كثير، وابن محيصن، ويعقوب: إثباتهما في الحالين؛ لأنهما ~~اسم فلا تحذف. # واختلف عن أبي عمرو في الوصل: فروي عنه الإثبات والحذف، والباقون ~~يحذفونها في الحالتين. # وعلى الحذف قوله: [المتقارب] # 5204- ومن كاشح ظاهر عمره # إذا ما انتسبت له أنكرن # يريد: أنكرني؛ ولأنها وقعت في الموضعين بغير ياء، والسنة لا تخالف خط ~~المصحف؛ لأنه إجماع الصحابة رضي الله عنهم. # وقال الزمخشري: فإن قلت: هلا قال: فأهانه وقدر عليه رزقه، كما قال: " ~~فأكرمه ونعمه "؟ قلت: لأن البسط: ms9150 إكرام من الله لعبده بإنعامه عليه ~~متفضلا من غير سابقة، وأما التقدير، فليس بإهانة له؛ لأن الإخلال ~~بالتفضل لا يكون إهانة، ولكن تركا للكرامة، وقد يكون المولى مكرما ~~لعبده ومهينا له، وغير مكرم ولا مهين، وإذا أهدى لك زيد هدية، قلت: ~~أكرمني بالهدية، ولا تقول: أهانني، ولا أكرمني إذا لم يهد لك. # وأجاب ابن الخطيب عن هذا السؤال: بأنه في قوله: " أكرمني " صادق، وفي ~~قوله: " أهانني " غير صادق فهو ظهن أن قلة الدنيا، وتعسرها إهانة، وهذا ~~جهل، واعتقاد فاسد، فكيف يحكي الله - تعالى - ذلك عنه؟. # قيل: لما قال: " فأكرمه " ، فقد صح أنه أكرمه، ثم إنه حكى عنه أنه ~~قال: " أكرمن " ذمه عليه, فكيف الجمع بينهما؟. # فالجواب: أن كلمة الإنكار: " كلا " ، فلم لا يجوز أن يقال: إنها ~~مختصة بقوله تعالى: " ربي أهانن "؟. # سمنا أن الإنكار عائد إليهما معا، لكن يمكن أن يكون الذم؛ لأنه اعتقد ~~أن ذلك الإكرام بالاستحقاق، أو أنه لما لم يعترف إلا عند سعة الدنيا، مع ~~سبق النعم عليه من الصحة، والعقل دل على أن غرضه من ذلك ليس الشكر، بل ~~محبة الدنيا, والتكثير بالأموال والأولاد، أو لأن كلامه يقتضي الإعراض عن ~~الآخرة وإنكار البعث، كما حكى الله تعالى بقوله: # ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال مآ أظن أن ~~تبيد هذه أبدا # [الكهف: 35] إلى قوله: # أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة # [الكهف: 37]. ### || [89.17-20] # قوله تعالى: { كلا }: ردع للإنسان عن تلك المقالة. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما - المعنى: لم أبتله بالغنى، لكرامته ~~علي، ولم أبتله بالفقر، لهوانه علي، بل ذلك لمحض القضاء والقدر، ~~والمشيئة والحكم المنزه عن التعليل، وهذا مذهب أهل السنة، وأما على مذهب ~~المعتزلة: فلمصالح خفية، لا يطلع عليها إلا هو - سبحانه - فقد يوسع على ~~الكافر لا لكرامته، ويقتر على المؤمن لا لهوانه. # قال الفراء في هذا الموضع: يعني: لم يكن للعبد أن يكون هكذا، ولكن يحمد ~~الله - تعالى - على الغنى والفقر. # قوله: { بل لا تكرمون اليتيم }. قرأ أبو عمرو: " يكرمون " ، ~~وما بعده بياء ms9151 الغيبة، حملا على معنى الإنسان المتقدم، إذا المراد به ~~الجنس، والجنس في معنى: الجمع. # والباقون: بالتاء في الجميع، خطابا للإنسان المراد به الجنس، على طريقة ~~الالتفات. # فصل فيمن نزلت فيه الآية # لما حكى قولهم، فكأنه قال: لهم فعل أشر من هذا القول، وهو أن الله - ~~تعالى - يكرمهم بكثرة المال، فلا يؤدون ما يلزمهم من إكرام اليتيم، ~~فقرعهم بذلك، ووبخهم. وترك إكرام اليتيم بدفعه عن حقه، وأكل ماله. # وقال مقاتل: نزلت في قدامة بن مظعون، وكان يتيما في حجر أمية بن خلف، ~~وكان يدفعه عن حقه. # قوله: { ولا تحاضون على طعام المسكين }. # قرأ الكوفيون: " ولا تحاضون " ، والأصل: تتحاضون، فحذف إحدى التاءين، ~~أي: لا يحض بعضكم بعضا. # وروي عن الكسائي: " تحاضون " بضم التاء، وهي قراءة زيد بن علي ~~وعلقمة، أي: تحاضون أنفسكم. # والباقون: " تحضون " من حضه على كذا، أي: أغراه به، ومفعوله ~~محذوف، أي: لا تحضون أنفسكم ولا غيرها، ويجوز ألا يقدر، أي: لا يوقعون ~~الحض. # قوله: " على طعام ": متعلق ب " تحضون " ، و " طعام ": يجوز أن يكون ~~على أصله من كونه اسما للمطعوم، ويكون على حذف مضاف، أي: على بذل، أو ~~إعطاء طعام، وأن يكون اسم مصدر بمعنى: الإطعام كالعطاء بمعنى الإعطاء، ~~فلا حذف حينئذ. # فصل في ترك إكرام اليتيم # اعلم أن ترك إكرام اليتيم على وجوه: # أحدها: ترك بره وإليه الإشارة بقوله تعالى: { ولا تحاضون على ~~طعام المسكين }. # والثاني: دفعه عن حقه، وأكل ماله، وإليه الإشارة بقوله تعالى: { ~~وتأكلون التراث أكلا لما وتحبون المال حبا ~~جما }. # قوله: { وتأكلون التراث أكلا لما } التاء في " ~~التراث ": بدل من الواو؛ لأنه من الوراثة ومثله: تولج، وتوراة، وتخمة ~~وقد تقدم كما قالوا: تجاه، وتخمة، وتكأة، وتؤدة، ونحو ذلك. # والتراث: ميراث اليتامى، وقوله تعالى: { أكلا لما } ، اللمم: ~~الجمع الشديد، يقال: لممت الشيء لما، أي: جمعته جمعا. # قال الحطيئة: [الطويل] # 5205- إذا كان لما يتبع الذم ربه # فلا قدس الرحمن تلك الطواحنا # ولممت شعثه من ذلك؛ قال النابغة: [الطويل] # 5206- ولست بمستبق أخا لا تلمه # على شعث أي الرجال ms9152 المهذب؟ # والجم: الكثير، ومنه: جمة الماء. # قال زهير: [الطويل] # 5207- فلما وردنا الماء زرقا جمامه # .................................... # ومنه: الجمة، للشعر، وقولهم: جاءوا الجماء الغفير من ذلك. # وكتيبة ملمومة وحجر ملموم، وقولهم: إن دارك لمومة، اي تلم الناس ~~وتجمعهم، والآكل يلم الثريد، فيجمعه لقما، ثم يأكله. # قال الحسن: يأكلون نصيبهم، ونصيب غيرهم، فيجمعون نصيب غيرهم إلى ~~نصيبهم. # وقيل: إن المال الذي يتركه الميت بعضه حلال، وبعضه شبهة، وبعضه حرام، ~~فالوارث يلم الكل، أي: يجمع البعض إلى البعض، ويأخذ الكل ويأكله. # قال الزمخشري: يجوز أن يكون الذم متوجها إلى الوارث الذي ظفر بالمال، ~~سهلا مهلا من غير أن يعرق في جبينه، فيسرف في إنفاقه، ويأكله أكلا ~~لما جامعا بين ألوان المشتهيات [من الأطعمة والأشربة والفواكه]. # [وقال ابن زيد: كان أهل الشرك لا يورثون النساء ولا الصبيان، بل يأكلون ~~ميراثهم وتراثهم مع تراثهم]. # قوله: { وتحبون المال حبا جما } أي: كثيرا حلاله ~~وحرامه. # والجم: الكثير، يقال: جم الشيء يجم جموما، فهو جم وجام، ومنه: ~~جم الماء في الحوض، إذا اجتمع وكثر، والجمة: المكان الذي يجتمع فيه ~~الماء، والجموم - بالضم - المصدر يقال: جم الماء يجم جموما: إذا كثر ~~في البئر واجتمع، والمعنى: يحبون المال حبا شديدا. ### || [89.21-26] # قوله: { كلا }: ردع لهم عن ذلك، وإنكار لفعلهم، أي: ما هكذا ينبغي ~~أن يكون الأمر، فهو ردع لانكبابهم على الدنيا وجمعهم لها. # قوله: { إذا دكت الأرض دكا دكا }. في " دكا " وجهان: # أحدهما: أنه مصدر مؤكد، و " دكا " الثاني: تأكيد للأول، تأكيدا ~~لفظيا. كذا قاله ابن عصفور وليس المعنى على ذلك. # والثاني: أنه نصب على الحال، والمعنى: مكررا عليها الدك، ك " ~~علمته الحساب بابا بابا " ، وهذا ظاهر قول الزمخشري. # وكذلك: " صفا صفا " حال أيضا، أي: مصطفين، أو ذوي صفوف كثيرة. # قال الخليل: الدك: كسر الحائط والجبل والدكداك: رمل متلبد. ورجل ~~مدك: أي شديد الوطء على الأرض. [فمعنى الدك على قول الخليل: كسر شيء على ~~وجه الأرض من جبل أو حجر حين زلزلت فلم يبق على شيء]. # وقال المبرد: الدك: حط المرتفع من ms9153 الأرض بالبسط، واندك سنام ~~البعير: إذا انفرش في ظهره، وناقة دكاء كذلك، ومنه الدكان لاستوائه في ~~الانفراش، فمعنى الدك على قول الخليل: كسر الشيء على وجه الأرض من جبل أو ~~حجر حين زلزلت، فلم يبق على ظهرها شيء، وعلى قول المبرد، معناه: أنها ~~استوت في الانفراش، فذهب دورها، وقصورها، حتى صارت كالصخرة الملساء، وهذا ~~معنى قول ابن عباس، وابن مسعود رضي الله عنهم: تمد الأرض يوم القيامة مد ~~الأديم. # قال ابن الخطيب: وهذا التدكك لا بد وأن يكون متأخرا عن الزلزلة ~~[فإذا زلزلت الأرض زلزلة] بعد زلزلة، فتكسر الجبال، وتنهدم، وتمتلئ ~~الأغوار، وتصير ملساء، وذلك عند انقضاء الدنيا. # قوله: { وجآء ربك والملك صفا صفا }. أي: جاء أمره ~~وقضاؤه. قاله الحسن، وهو من باب حذف المضاف. # وقيل: جاءهم الرب بالآيات، كقوله تعالى: # إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام # [البقرة: 210] أي بظلل. # وقيل: جعل مجيء الآيات مجيئا له، تفخيما لشأن تلك الآيات، كقوله تعالى ~~في الحديث: # " يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، واستسقيتك فلم تسقني ~~واستطعمتك فلم تطعمني ". # وقيل: زالت الشبه، وارتفعت الشكوك، وصارت المعارف ضرورية، كما تزول ~~الشبه والشكوك عند مجيء الشيء الذي كان يشك فيه [وقيل وجاء قهر ربك، كما ~~تقول جاءتنا بنو أمية، أي: قهرهم. # قال أهل الإشارة: ظهرت قدرته واستوت، والله - سبحانه وتعالى - لم يوصف ~~بالتحول من مكان إلى مكان، وأنى له التحول والانتقال، ولا مكان ولا ~~أوان، ولا يجري عليه وقت ولا زمان؛ لأن في جريان الوقت على الشيء فوات ~~الأوقات، ومن فاته الشيء، فهو عاجز. # وأما قوله تعالى: { والملك صفا صفا } أي: والملائكة صفا بعد ~~صف متحلقين بالجن والإنس]. # قوله: { وجيء يومئذ بجهنم }. # " يومئذ ": منصوب ب " جيء " ، والقائم مقام الفاعل: " بجهنم " وحوز ~~مكي: أن يكون " يومئذ ": قائم مقام الفاعل. # وأما " يومئذ " الثاني فقيل: بدل من " إذا دكت " ، والعامل فيها: ~~" يتذكر " ، قاله الزمخشري وهذا مذهب سيبويه. # وقيل: إن العامل في " إذا دكت ": يقول، والعامل في " يومئذ ": يتذكر، ~~قاله أبو البقاء. # فصل # قال ابن مسعود ومقاتل: ms9154 # " تقاد جهنم بسبعين ألف زمام، كل زمام بيد سبعين ألف ~~ملك يجرونها، لها تغيظ وزفير، حتى تنصب عن يسار العرش ". # رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود مرفوعا. # وقال أبو سعيد الخدري: # " لما نزلت: { وجيء يومئذ بجهنم } تغير لون رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وعرف في وجهه، حتى اشتد على أصحابه، ثم قال: أقرأني ~~جبريل: { كلا إذا دكت الأرض دكا دكا } ، - الآية - ~~{ وجيء يومئذ بجهنم } ، قال علي - رضي الله عنه -: قلت: ~~يا رسول الله، كيف يجاء بها؟ قال: " يؤتى بها تقاد بسبعين ~~ألف زمام، يقود بكل زمام سبعون ألف ملك، فتشرد شردة ~~لو تركت لأحرقت أهل الجمع، ثم تعرض لي جهنم، فتقول: ~~ما لي ولك يا محمد، إن الله قد حرم لحمك علي، فلا ~~يبقى أحد إلا قال: نفسي نفسي، إلا محمد صلى الله عليه ~~وسلم فإنه يقول: رب أمتي، رب أمتي ". # قال ابن الخطيب: قال الأصوليون: معلوم أن جهنم لا تنقل من مكانها، ~~ومعنى مجيئها: برزت وظهرت حتى يراها الخلق، ويعلم الكافر أن مصيره ~~إليها. # قوله: { يومئذ يتذكر الإنسان }. تقدم الكلام في إعراب: " ~~يومئذ " ، والمعنى: يتعظ الكافر، ويتوب من همته بالدنيا وقيل: ~~يتذكر أن ذلك كان ضلالا. # { وأنى له الذكرى } أي: ومن أين له الاتعاظ والتوبة، ~~وقد فرط فيها الدنيا. # وقيل: ومن أين له منفعة الذكرى، فلا بد من تقدير حذف المضاف، ~~وإلا فبين " يومئذ يتذكر " وبين: " وأنى له الذكرى " تناف. ~~قاله الزمخشري. # قوله: " وأنى " خبر مقدم، و " الذكرى ": مبتدأ مؤخر، و " له " متعلق ~~بما تعلق به الظرف. # قوله: { يقول يليتني قدمت لحياتي } ، أي: في حياتي، ~~فاللام بمعنى " في ". # وقيل: أي: قدمت عملا صالحا أي لحياة لا موت فيها. # وقيل: حياة أهل النار ليست هنيئة، فكأنهم لا حياة لهم، فالمعنى: يا ~~ليتني قدمت من الخير لنجاتي من النار، فأكون ممن له حياة هنيئة. # فصل في شبهة للمعتزلة والرد عليها # استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن الاختيار كان في أيديهم وقصدهم، ~~وأنهم ما كانوا محجوزين عن الطاعات، ms9155 مجبرين على المعاصي. # والجواب: أن فعلهم كان معلقا بقصد الله - تعالى - فبطل قولهم. # قوله: { فيومئذ لا يعذب عذابه أحد }. # قرأ الكسائي: " لا يعذب ولا يوثق " مبنيين للمفعول، ورواه أبو ~~قلابة عن النبي صلى الله عليه وسلم بفتح الثاء والذال، والباقون: قرأوهما ~~مبنيين للفاعل. # فأما قراءة الكسائي: فأسند الفعل فيها إلى: " أحد " ، وحذف الفاعل ~~للعلم به وهو الله تعالى، والزبانية المتولون العذاب بأمر الله تعالى، ~~وأما عذابه ووثاقه، فيجوز أن يكون المصدران مضافين للفاعل، والضمير لله ~~تعالى، أو مضافين للمفعول، والضمير للإنسان، ويكون " عذاب " واقعا موقع ~~تعذيب، والمعنى: لا يعذب أحد مثل تعذيب الله - تعالى - هذا الكافر، ~~ولا يوثق أحد توثيقا مثل إيثاق الله إياه بالسلاسل والأغلال, ولا يعذب ~~أحد مثل تعذيب الكافر, ولا يوثق مثل إيثاقه لكفره، وعناده. # والوثاق: بمعنى: الإيثاق، كالعطاء بمعنى الإعطاء، إلا أن في إعمال اسم ~~المصدر عمل مسماه خلافا مضطربا، فنقل عن البصريين المنع، وعن ~~الكوفيين الجواز، ونقل العكس عن الفريقين؛ ومن الإعمال قوله: [الوافر] # 5208- أكفرا بعد رد الموت عني # وبعد عطائك المائة الرتاعا # ومن منع: نصب المائة بفعل مضمر؛ وأصرح من هذا القول الشاعر: [الطويل] # 5209-............................... # تكلمني فيها شفاء لما بيا # وقيل: المعنى: ولا يحمل عذاب الإنسان أحد، كقوله تعالى: # ولا تزر وازرة وزر أخرى # [الأنعام: 164]. قاله الزمخشري. # وأما قراءة الباقين: فإنه أسند الفعل لفاعله، والضمير في: " عذابه " ، ~~و " وثاقه " يحتمل عوده على الباري - تعالى -، بمعنى: أنه لا يعذب في ~~الدنيا، مثل عذاب الله تعالى يوم أحد، أي: أن عذاب من يعذب في الدنيا، ~~ليس كعذاب الله - تعالى - يوم القيامة، كذا قاله أبو عبد الله. # وفيه نظر، من حيث إنه يلزم أن يكون: " يومئذ " معمولا للمصدر التشبيهي، ~~وهو ممتنع لتقدمه عليه، إلا أن يقال: إنه توسع فيه. # وقيل: المعنى: لا يكل عذابه، ولا وثاقه لأحد؛ لأن الأمر لله - تعالى - ~~وحده في ذلك. # وقيل: المعنى: أنه في الشدة، والفظاعة، في حين لم يعذب أحد في الدنيا ~~مثله. # ورد هذا، بأن " لا " ، إذا دخلت على المضارع صيرته مستقبلا، ms9156 وإذا كان ~~مستقبلا لم يطابق هذا المعنى، ولا يطلق على الماضي إلا بمجاز بعيد، ~~وبأن يومئذ المراد به يوم القيامة، لا دار الدنيا. # وقيل: المعنى: أنه لا يعذب أحد في الدنيا، مثل عذاب الله الكافر فيها، ~~إلا أن هذا مردود بما ورد قبله. # ويحتمل عوده على الإنسان، بمعنى: لا يعذب أحد من زبانية العذاب، مثل ما ~~يعذبون هذا الكافر، ويكون المعنى: لا يحمل أحد عذاب الإنسان، لقوله ~~تعالى: # ولا تزر وازرة وزر أخرى # [الأنعام: 164]، وهذه الأوجه صعبة المرام على طالبها من غير هذا الكتاب. # وقرأ نافع في رواية، وأبو جعفر وشيبة، بخلاف عنهما: " وثاقه " بكسر ~~الواو. # والمراد بهذا الكافر المعذب، قيل: إبليس - لعنه الله -؛ لأنه أشد الناس ~~عذابا. # وقال الفراء: هو أمية بن خلف. ### || [89.27-30] # قوله: { يأيتها النفس المطمئنة }. # قرأ العامة: " يا أيتها النفس " بتاء التأنيث. # وقرأ زيد بن علي: " يا أيها " ، كنداء المذكر، ولم يجوز ذلك أحد، إلا ~~صاحب البديع، وهذه شاهدة له، وله وجه: وهو أنها كما لم تطابق صفتها تثنية ~~وجمعا، جاز ألا يطابقها تأنيثا، تقول: يا أيها الرجلان، يا أيها ~~الرجل. # فصل في الكلام على الآية # لما وصف حال من اطمأن إلى الدنيا، وصف حال من اطمأن إلى معرفته ~~وعبوديته، وسلم أمره إلى الله - تعالى -. # وقيل: هذا كلام الباري تعالى، إكراما له كما كلم موسى عليه السلام. # وقيل: هو من قول الملائكة لأولياء الله تعالى. # قال مجاهد وغيره: " المطمئنة ": الساكنة الموقنة، أيقنت أن الله ~~تعالى ربها، فأجيبت لذلك. # وقال ابن عباس: المطمئنة بثواب الله، وعن الحسن - رضي الله عنه -: ~~المؤمنة الموقنة. # وعن مجاهد أيضا: الراضية بقضاء الله. # وقال مقاتل: الآمنة من عذاب الله تعالى. # وفي حرف أبي كعب: " يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة ". # وقيل: التي عملت على يقين بما وعد الله تعالى، في كتابه. # وقال ابن كيسان: المطمئنة - هنا -: المخلصة وقيل: المطمئنة بذكر الله ~~تعالى؛ لقوله تعالى: # الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله # [الرعد: 28] وقيل: المطمئنة بالإيمان، المصدقة بالبعث والثواب. # وقال ابن زيد: المطمئنة، التي بشرت ms9157 بالجنة، عند الموت، أو عند البعث، ~~ويوم الجمع. # قوله: { ارجعي إلى ربك راضية مرضية } ، أي: ارجعي ~~إلى صاحبك، وجسدك. # قاله ابن عباس وعكرمة وعطاء، واختاره الكلبي، يدل عليه قراءة ~~ابن عباس: " فادخلي في عبدي " ، على التوحيد. # وقال الحسن: ارجعي إلى ثواب ربك. # وقال أبو صالح: ارجعي إلى الله، وهذا عند الموت. # وقوله تعالى: { راضية مرضية } حالان، أي: جامعة بين الوصفين؛ ~~لأنه لا يلزم من أحدهما الآخر، والمعنى: راضية بالثواب، مرضية عنك في ~~الأعمال، التي عملتها في الدنيا. # فصل في مجيء الأمر بمعنى الخبر # قال القفال: هذا وإن كان أمرا في الظاهر، فهو خبر في المعنى، ~~والتقدير: أن النفس إن كانت مطمئنة رجعت إلى الله تعالى، وقال الله تعالى ~~لها: { فادخلي في عبادي وادخلي جنتي } ، قال: ويجيء ~~الأمر بمعنى الخبر كثيرا في كلامهم، كقوله: " إذا لم تستح ~~فافعل ما شئت ". # فصل في فضل هذه الآية # قال سعيد بن زيد: # " قرأ رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا أيتها النفس " ~~، فقال أبو بكر - رضي الله عنه -: ما أحسن هذا يا رسول الله، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الملك سيقولها ~~لك يا أبا بكر " ". # وقال سعيد بن جبير: مات ابن عباس ب " الطائف " ، فجاء طائر لم ير على ~~خلقه طائر قط، فدخل نعشه، ثم لم ير خارجا منه، فلما دفن تليت هذه الآية ~~على شفير القبر، لا ندري من تلاها: { يأيتها النفس ~~المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية } [روى ~~الضحاك أنها نزلت في عثمان بن عفان رضي الله عنه حين وقف بئر رومة]. # وقيل: نزلت في خبيب بن عدي، الذي صلبه أهل " مكة " ، وجعلوا وجهه ~~إلى " المدينة " ، فحول الله وجهه للقبلة. # قوله: { فادخلي في عبادي } ، يجوز أن يكون في جسد عبادي، ويجوز ~~أن يكون المعنى في زمرة عبادي. وقرأ ابن عباس وعكرمة وجماعة: " ~~في عبدي " ، والمراد: الجنس، وتعدى الفعل الأول ب " في "؛ لأن ~~الظرف ليس بحقيقي, نحو: دخلت في غمار الناس وتعدى الثاني بنفسه؛ لأن ~~الظرفية متحققة، كذا ms9158 قيل، وهذا إنما يتأتى على أحد الوجهين، وهو أن ~~المراد بالنفس: بعض المؤمنين، وأنه أمر بالدخول في زمرة عباده، وأما ~~إذا كان المراد بالنفس: الروح، وأنها مأمورة بدخولها في الأجساد، ~~فالظرفية متحققة فيه أيضا. # فصل في المراد بالجنة هاهنا # قال ابن عباس: هذا يوم القيامة، وهو قول الضحاك. # والجمهور على أن المراد بالجنة: دار الخلود، التي هي سكن الأبرار، ~~ودار الصالحين والأخيار. # ومعنى " في عبادي " أي: في الصالحين، كقوله تعالى: # لندخلنهم في الصالحين # [العنكبوت: 9]. # قال ابن الخطيب: ولما كانت الجنة الروحانية غير متراخية عن الموت في ~~حق السعداء، لا جرم قال تعالى: { فادخلي في عبادي } ، بفاء ~~التعقيب، ولما كانت الجنة الجسمانية، لا يحصل الكون فيها إلا بعد قيام ~~القيامة الكبرى، لا جرم قال تعالى: { وادخلي جنتي } بالواو والله ~~تعالى أعلم. # روى الثعلبي عن أبي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة { والفجر وليال عشر } غفر له، ومن ~~قرأها في سائر الأيام كانت له نورا يوم القيامة ". ### | [90 - سورة البلد] ### || [90.1-10] # قوله تعالى: { لا أقسم بهذا البلد }: يجوز أن تكون " لا ~~": زائدة، كما تقدم في: " لا أقسم بيوم القيامة " ، قاله الأخفش: أي: ~~أقسم؛ لأنه قال: " بهذا البلد " ، وقد أقسم به في قوله: # وهذا البلد الأمين # [التين: 3]، فكيف يجوز القسم به، وقد أقسم به سبحانه؛ قال الشاعر: ~~[الطويل] # 5210- تذكرت ليلى فاعترتني صبابة # وكاد صميم القلب لا يتقطع # أي: يتقطع، ودخل حرف " لا ": صلة، ومنه قوله تعالى: # ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك # [الأعراف: 12] وقد قال تعالى في سورة " ص ": # ما منعك أن تسجد # [ص:75]. # وقرأ الحسن والأعمش وابن كثير: " لأقسم " من غير ألف بعد اللام ~~إثباتا. # وأجاز الأخفش أيضا، أن تكون بمعنى: " ألا ". # وقيل: ليست بنفي القسم،، وإنما هو كقول العرب: لا والله لا فعلت كذا، ~~ولا والله ما كان كذا، لا والله لأفعلن كذا. # وقيل: هي نفي صحيح، والمعنى: لا أقسم بهذا البلد، إذا لم تكن فيه بعد ~~خروجك منه. حكاه مكي، ورواه ابن ms9159 أبي نجيح عن مجاهد، قال: " لا ": رد ~~عليهم، وهذا اختيار ابن العربي، لأنه قال: " وأما من قال: إنها رد، فهو ~~قول ليس له رد؛ لأنه يصح به المعنى، ويتمكن اللفظ والمراد ". # فهو رد لكلام من أنكر البعث، ثم ابتدأ القسم. # وقال القشيري: قوله: " لا " رد لما توهم الإنسان المذكور في هذه ~~السورة، المغرور في الدنيا، أي: ليس الأمر كما تحسبه من أنه لم يقسم عليه ~~أحد، ثم ابتدأ القسم، وأجمعوا على أن المراد بالبلد: مكة المشرفة، ~~أي: أقسم بالبلد الحرام، الذي أنت فيه، لكرامتك علي وحبي لك. # قوله: { وأنت حل بهذا البلد }. فيه وجهان: # أحدهما: أن الجملة اعتراضية على أحد معنيين، إما على معنى: أنه - تعالى ~~- أقسم بهذا البلد، وما بعده، على أن الإنسان في كبد، واعترض بينهما بهذه ~~الجملة، يعني: ومن المكابدة، أن مثلك على عظم حرمتك يستحل بهذا البلد، ~~كما يستحل الصيد في غير المحرم. # وإما على معنى: أنه أقسم ببلدة، على أن الإنسان لا يخلو من مقاساة ~~الشدائد، واعترض بأن وعده فتح " مكة " ، تتميما للتسلية، فقال تعالى: ~~وأنت حل به فيما يستقبل، تصنع فيه ما تريد من القتل، والأسر، ف " ~~حل " بمعنى: حلال، قال معناه الزمخشري. ثم قال: فإن قلت: أين نظير ~~قوله تعالى: { وأنت حل } في معنى الاستقبال؟. # قلت: قوله تعالى: # إنك ميت وإنهم ميتون # [الزمر: 30]، ومثله واسع في كلام العباد، تقول لمن تعده الإكرام ~~والحباء: أنت مكرم محبو، وهو في كلام الله أوسع؛ لأن الأحوال ~~المستقبلة عنده، كالحاضرة المشاهدة، وكفاك دليلا قاطعا على أنه ~~للاستقبال، وأن تفسيره بالحال محال؛ لأن السورة بالاتفاق مكية، وأين ~~الهجرة وقت نزولها فما بال الفتح؟. # الثاني من الوجهين الأولين: أن الجملة حالية، أي: لا أقسم بهذا البلد، ~~وأنت حال بها، لعظم قدرك، أي: لا نقسم بشيء، وأنت أحق بالإقسام بك منه. # وقيل: المعنى: لا أقسم به، وأنت مستحل فيه، أي: مستحل إذ ذاك. # فصل في المراد بهذا البلد # أجمع المفسرون على أن ذلك البلد " مكة " ، وفضلها معروف، فإنه تعالى، ~~جعله ms9160 حرما آمنا قال تعالى: # ومن دخله كان آمنا # [آل عمران: 97]، وجعل مسجده قبلة لأهل المشرق والمغرب، وقال تعالى: # وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره # [البقرة: 144]، وأمر الناس بحج البيت، فقال: # ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا # [آل عمران: 97] وقال تعالى: # وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا # [البقرة: 125]، وقال تعالى: # وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت # [الحج: 26]، وقال تعالى: # يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج ~~عميق # [الحج: 27]، وشرف مقام إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - بقوله تعالى: # واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى # [البقرة: 125]، وحرم صيده، وجعل البيت المعمور بإزائه، ودحيت الأرض من ~~تحته، فهذه الفضائل، وأكثر منها، لما اجتمعت في " مكة " لا جرم أقسم الله ~~تعالى بها. # فصل في تفسير وأنت حل # روى منصور عن مجاهد: " وأنت حل " ، قال: ما صنعت فيه من شيء، ~~فأنت في حل. # وكذا قال ابن عباس: أحل له يوم دخل " مكة " ، أن يقتل من شاء، فقتل ~~ابن خطل ومقيس بن صبابة وغيرهما، ولم يحل لأحد من الناس، أن يقتل بها ~~أحدا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقال السدي: أنت في حل ممن قاتلك أن تقتله. # وروى أبو صالح عن ابن عباس، قال: أحلت له ساعة من نهار، ثم أطبقت، ~~وحرمت إلى يوم القيامة، وذلك يوم فتح " مكة ". # [قال ابن زيد: ولم يكن بها أحد حلالا غير النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقيل: معناه: وأنت مقيم فيه، وهو محلك أي: من أهل " مكة " نشأت بينهم، ~~ويعرفون فضلك وطهارتك لقوله تعالى: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم # [التوبة: 128]. # وقيل: أنت فيه محسن، وأنا عنك فيه راض]. # وذكر أهل اللغة أنه يقال: رجل حل وحلال ومحل، ورجل حرم وحرام ومحرم. # وقال قتادة: " وأنت حل به " أي لست بآثم، قيل: معناه أنك غير مرتكب في ~~هذا البلد ما يحرم عليه ارتكابه معرفة منك بحق هذا البيت لا كالمشركين ~~الذين يرتكبون الكفر بالله فيه. # وقال شرحبيل بن سعد: { وأنت حل بهذا البلد } أي: حلال، أي هم ~~يحرمون ms9161 " مكة " أن يقتلوا بها صيدا، أو يعضدوا بها شجرة، ثم هم مع هذا ~~يستحلون إخراجك وقتلك، ففيه تعجب في جرأتهم وشدة عدواتهم له. # قوله: { ووالد وما ولد }. # قيل " ما " بمعنى: " من " ، أو بمعنى: " الذي ". # وقيل: مصدرية أقسم بالشخص وفعله. # وقال الزمخشري: فإن قلت: هلا قيل: ومن ولد؟ # قلت: فيه ما في قوله: # والله أعلم بما وضعت # [آل عمران: 36]، أي: بأي شيء وضعت، يعني: موضوعا عجيب الشأن. # وقيل: " ما ": فيحتاج إلى إضمار موصول به يصح الكلام، تقديره: والذي ما ~~ولد، إذ المراد بالوالد، الذي يولد له، " وما ولد " يعني: العاقر ~~الذي لا يولد له، قال معناه ابن عباس، وتلميذه ابن جبير وعكرمة. # فصل في الكلام على الآية # هذا معطوف على قوله: { لا أقسم بهذا البلد } ، وقوله ~~تعالى: { وأنت حل بهذا البلد } معترض بين المعطوف ~~والمعطوف عليه. # قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والحسن وأبو صالح والطبري: ~~المراد بالوالد: آدم عليه الصلاة والسلام، " وما ولد " أي: وما نسل من ~~ولده، أقسم بهم؛ لأنهم أعجب ما خلق تعالى على وجه الأرض، لما فيهم من ~~البنيان، والنطق، والتدبير، وإخراج العلوم، وفيهم الأنبياء، والدعاة ~~إلى الله تعالى، والأنصار لدينه، وأمر الملائكة بالسجود لآدم - عليه ~~السلام - وعلمه الأسماء كلها، وقد قال تعالى: # ولقد كرمنا بني آدم # [الإسراء: 70]. # وقيل: هو إقسام بآدم، والصالحين من ذريته، وأما الطالحون، فكأنهم بهائم، ~~كما قال تعالى: # إن هم إلا كالأنعام # [الفرقان: 44]، وقوله: # صم بكم عمي فهم لا يرجعون # [البقرة: 18]. # وقيل: الوالد: إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - { وما ولد } ~~[ذريته. # وقيل: الوالد إبراهيم وإسماعيل، وما ولد محمد صلى الله عليه وسلم لأنه ~~أقسم بمكة وإبراهيم]. # قال الفراء: وصلح " ما " للناس، كقوله: # ما طاب لكم # [النساء: 3]، وقوله تعالى: # وما خلق الذكر والأنثى # [الليل: 3]، وهو خالق الذكر والأنثى. # قال الماوردي: ويحتمل أن الوالد: النبي صلى الله عليه وسلم لتقدم ~~ذكره، " وما ولد ": أمته: لقوله عليه الصلاة والسلام، # " إنما أنا بمنزلة الوالد أعلمكم " # ، فأقسم به وبأمته، بعد أن أقسم ببلده، مبالغة في تشريفه عليه الصلاة ~~والسلام. ms9162 # قوله: { لقد خلقنا الإنسان في كبد }: هذا هو المقسم عليه، ~~والكبد: المشقة. # قال الزمخشري: والكبد: أصله من قولك: كبد الرجل كبدا، فهو أكبد، ~~إذا وجعت كبده وانتفخت، فاتسع فيه، حتى استعمل في كل تعب ومشقة، ومنه ~~اشتقت المكابدة، كما قيل: كبته بمعنى أهلكه، وأصله: كبده إذا أصاب ~~كبده. # قال لبيد: [المنسرح] # 5211- يا عين هلا بكيت أربد إذ # قمنا وقام الخصوم في كبد # أي: في شدة الأمر، وصعوبة الخطب؛ وقال أبو الإصبع: [البسيط] # 5212- لي ابن عم لو ان الناس في كبد # لظل محتجزا بالنبل يرميني # قال القرطبي: ومنه تكبد اللبن: غلظ واشتد, ومنه الكبد؛ لأنه دم ~~تغلظ واشتد, ويقال: كابدت هذا الأمر, قاسيت شدته. # فصل في المراد ب " الإنسان " # الإنسان هنا ابن آدم. # قال ابن عباس والحسن: " في كبد " أي: في شدة ونصب وعن ابن عباس ~~أيضا: في شدة من حمله، وولادته، ورضاعه, ونبت أسنانه، وسائر أحواله. # وروى عكرمة عنه, قال: منتصبا في بطن أمه، والكبد: الاستواء، ~~والاستقامة، فهذا امتنان عليه في الحقيقة، ولم يخلق الله تعالى دابة في ~~بطن أمها إلا منكبة على وجهها إلا ابن آدم، فإنه منتصب انتصابا. وهو ~~قول النخعي ومجاهد وغيرهما. # وقال يمان: لم يخلق الله تعالى خلقا يكابد ابن آدم، وهو مع ذلك أضعف ~~الخلق. # [وقال ابن كيسان: منتصبا في بطن أمه، فإذا أراد الله تعالى أن يخرجه من ~~بطن أمه قلب رأسه إلى رجل أمه. # وقال الحسن: كابد مصائب الدنيا، وشدائد الآخرة]. # قال بعض العلماء: أول ما يكابد قطع سرته، ثم إذا قمط قماطا، وشد ~~رباطا، يكابد الضيق والتعب، ثم يكابد الارتضاع، ولو فاته لضاع، ثم يكابد ~~نبت أسنانه، وتحرك لسانه، ثم يكابد الفطام الذي هو أشد من اللطام، ثم ~~يكابد الختان، والأوجاع والأحزان، ثم يكابد المعلم وصولته، والمؤدب ~~وسياسته، والأستاذ وهيبته، ثم يكابد شغل التزويج، ثم يكابد شغل الأولاد، ~~والأجناد، ثم يكابد شغل الدور، وبناء القصور، ثم الكبر والهرم، وضعف ~~الركبة والقدم، في مصائب يكثر تعدادها ونوائب يطول إيرادها، من صداع ~~الرأس، ووجع ms9163 الأضراس، ورمد العين، وغم الدين، ووجع السن، وألم ~~الأذن، ويكابد محنا في المال، والنفس، مثل الضرب والحبس، ولا يمر ~~عليه يوم إلا يقاسي فيه شدة، ثم يكابد بعد ذلك مشقة الموت، ثم بعد ذلك ~~مساءلة الملك، وضغطة القبر وظلمته، ثم البعث، والعرض على الله، إلى أن ~~يستقر به القرار، إما في الجنة أو في النار، قال تعالى: { لقد ~~خلقنا الإنسان في كبد } فلو كان الأمر إليه، ما اختار هذه ~~الشدائد، ودل هذا على أن له خالقا دبره، وقضى عليه بهذه الأحوال، ~~فليتمثل أمره. وقال ابن زيد: المراد بالإنسان هنا آدم عليه السلام. # وقوله تعالى: { في كبد } أي: في وسط السماء. # وقال الكلبي: إن هذا نزل في رجل من بني جمح، يقال له: أبو الأشدين ~~واسمه أسيد بن كلدة بن جمح، وكان قويا، وكان يأخذ الأديم العكاظي، ~~فيجعله تحت قدميه، فيقول: من أزالني عنه فله كذا، فيجذبه عشرة حتى يتمزق ~~الأديم، ولا تزول قدماه، وكان من أعداء النبي صلى الله عليه وسلم وفيه ~~نزل: { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد } ، يعني: لقوته. # قوله: { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد } ، أي: أيظن ~~ابن آدم أن لن يحاسبه الله عز وجل قال ابن الخطيب: إن فسرنا الكبد ~~بالشدة والقوة، فالمعنى: أيحسب الإنسان الشديد أن لشدته لا يقدر عليه ~~أحد؟ وإن فسرنا بالمحنة، والبلاء، كان المعنى: أن الإنسان كان في ~~النعمة، والشدة، أي: أفيظن أنه في تلك الحالة لا يقدر عليه شيء، فهو ~~استفهام على سبيل الإنكار. # قوله: { يقول أهلكت مالا لبدا }: يجوز أن تكون مستأنفة، ~~وأن تكون حالا. # وقرأ العامة: " لبدا " بضم اللام وفتح الباء. # وشدد أبو جعفر الباء جمع لابد، مثل: راكع وركع، وساجد وسجد، ~~وعنه أيضا: سكونها. # ومجاهد وابن أبي الزناد: بضمتين، وتقدم الكلام على هذه اللفظة في ~~سورة: " الجن ". # قال أبو عبيدة: " لبدا ": فعل من التلبيد، وهذا المال الكثير، بعضه ~~على بعض. # قال الزجاج: و " فعل " للكثرة، يقال: رجل حطم، إذا كان كثير الحطم. # قال الفراء: واحدته: " لبدة " و " لبد ms9164 ": جمع. # وجعل بعضهم: واحد، ك " حطم " ، وهو في الوجهين للكثرة، والمعنى: أنفقت ~~مالا كثيرا مجتمعا؛ لأن أهل الجاهلية يدعونه مكارم ومفاخر. # قوله: { أيحسب أن لم يره أحد } ، أي: أيظن أن لم يعاينه ~~أحد، بل علم الله ذلك منه، فكان كاذبا، في قوله: أهلكت، ولم يكن أنفقه. ~~وقال: أيظن أن لم يره، ولا يسأله عن ماله من أين اكتسبه وأين أنفقه. # وقال ابن عباس: كان أبو الأشدين يقول: أنفقت في عداوة محمد مالا ~~كثيرا، وهو في ذلك كاذب. # وقال مقاتل: نزلت في الحارث بن عامر بن نوفل، أذنب، فاستفتى النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فأمره أن يكفر، فقال: لقد ذهب مالي في الكفارات، ~~والنفقات، منذ دخلت في دين محمد. وهذا القول منه، يحتمل أن يكون استطالة ~~بما أنفق، فيكون طغيانا منه، أو أسفا منه، فيكون ندما منه. # قال القرطبي: " وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يقرأ: " ~~أيحسب " ، بضم السين، في الموضعين ". # وقال الحسن: يقول: أتلفت مالا كثيرا فمن يحاسبني به، دعني أحسبه، ألم ~~يعلم أن الله قادر على محاسبته، وأن الله - عز وجل- يرى صنيعه، ثم ~~عدد عليه نعمه، فقال: # { ألم نجعل له عينين }: يبصر بهما، { ولسانا } ينطق ~~بهما، { وشفتين }: يستر بهما ثغره، والمعنى: نحن فعلنا ذلك، ونحن ~~نقدر على أن نبعثه، ونحصي عليه ما عمله. # قوله: { وشفتين } ، الشفة: محذوفة اللام، والأصل: شفهة، بدليل ~~تصغيرها على " شفيهة " ، وجمعها على " فاه " ونظيره: سنة في إحدى ~~اللغتين، وشافهته أي كلمته من غير واسطة، ولا يجمع بالألف والتاء، ~~استغناء بتكسيرها عن تصحيحها. # قال القرطبي: " يقال: شفهات وشفوات، والهاء: أقيس، والواو أعم تشبيها ~~بالسنوات ". # قال الأزهري: " يقال: هذه شفة، في الوصل، وشفة، بالتاء والهاء ". # قوله: { وهديناه النجدين } ، يعني: الطريقتين: طريق الخير ~~وطريق الشر. # روى قتادة قال: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يقول: # " يا أيها الناس، إنما هما النجدان: نجد الخير، ونجد ~~الشر، فلم تجعل نجد الشر أحب إليك من نجد الخير ". # فكأنه لما وهمت الدلائل، جعلت كالطريق المرتفعة العالية، ms9165 لكونها واضحة ~~للعقول، كوضوح الطريق العالي للأبصار، ونظيره قوله تعالى: # إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا # [الإنسان: 3]، بعد قوله: # فجعلناه سميعا بصيرا # [الإنسان: 2]. # وروي عن عكرمة، قال: النجدان: الثديان، وهو قول سعيد بن المسيب ~~والضحاك. # وروي عن ابن عباس وعلي - رضي الله عنهما - لأنهما كالطريقين لحياة ~~الولد، ورزقه. # فقوله: " النجدين " إما ظرف، وإما على حذف الجار إن أريد بهما الثديان. # والنجد في الأصل: العنق، لارتفاعه. # وقيل: الطريق العالي. # قال امرؤ القيس: [الطويل] # 5213- فريقان: منهم جازع بطن نخلة # وأخر منهم قاطع نجد كبكب # ومنه سميت نجد، لعلوها عن انخفاض تهامة. ### || [90.11-20] # قوله: { فلا اقتحم العقبة }. # قال الفراء والزجاج: ذكر " لا " مرة واحدة، والعرب لا تكاد تفرد: " لا ~~" مع الفعل الماضي، حتى تعيد " لا " ، كقوله تعالى: # فلا صدق ولا صلى # [القيامة: 31] وإنما أفردها لدلالة آخر الكلام على معناه، فيجوز أن ~~يكون قوله تعالى: { ثم كان من الذين آمنوا } قائما مقام ~~التكرير، فكأنه قال: فلا اقتحم العقبة ولا آمن. # وقال الزمخشري: هي متكررة في المعنى؛ لأن معنى: " فلا اقتحم العقبة: ~~فلا فك رقبة، ولا أطعم مسكينا ". ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة ~~بذلك؟. # قال أبو حيان: ولا يتم له هذا إلا على قراءة: " فك " فعلا ماضيا. # وقال الزجاج والمبرد وأبو علي، وذكره البخاري عن مجاهد: أن قوله ~~تعالى: { ثم كان من الذين آمنوا } يدل على أن " لا " ~~بمعنى: " لم " ، ولا يلزم التكرير مع " لم " ، فإن كررت " لا " كقوله: # فلا صدق ولا صلى # [القيامة: 31]، فهو كقوله تعالى: # لم يسرفوا ولم يقتروا # [الفرقان: 67]. # فصل في معنى الآية # المعنى: فهلا أنفق ماله في اقتحام العقبة، الذي يزعم أنه أنفقه في ~~عداوة محمد صلى الله عليه وسلم هلا أنفقه في اقتحام العقبة، فيأمن، ~~والاقتحام: الرمي بالنفس في شيء من غير روية، يقال منه: قحم في الأمر ~~قحوما، أي: رمى بنفسه فيه من غير روية، وقحم الفرس فارسه تقحيما ~~على وجهه: إذا رماه وتقحيم النفس في الشيء: إدخالها فيه من غير روية، ~~والقحمة - بالضم - المهلكة والسنة الشديدة، ms9166 يقال: أصاب العرب ~~القحمة: إذا أصابهم قحط [فدخلوا الريف] والقحم: صعاب الطريق. # وقال عطاء: يريد عقبة جهنم. # وقال مجاهد والضحاك: هي الصراط. # قال الواحدي: وهذا فيه نظر؛ لأن من المعلوم أن هذا الإنسان وغيره، لم ~~يقتحموا عقبة جهنم, ولا جاوزوها. # وقال ابن العربي: قال مجاهد: اقتحام العقبة في الدنيا؛ لأنه فسره بعد ~~ذلك، بقوله: " فك رقبة " أو أطعم في يوم يتيما، أو مسكينا، وهذه ~~الأعمال إنما تكون في الدنيا. # وقال الحسن ومقاتل: هذا مثل ضربه الله تعالى، لمجاهدة النفس، ~~والشيطان في أعمال البر. # قال القفال: قوله تعالى: { فلا اقتحم العقبة } ، معناه: فلا ~~أنفق ماله فيما فيه اقتحام العقبة. # وقيل: معنى قوله تعالى: { فلا اقتحم } دعاء، أي: فلا نجا ولا سلم، ~~من لم ينفق ماله في كذا وكذا. # وقيل: شبه عظيم الذنوب، وثقلها بعقبة، فإذا أعتق رقبة، أو عمل صالحا، ~~كان مثله مثل من اقتحم العقبة، وهي الذنوب تضره، وتؤذيه وتثقله. # ثم قال تعالى: { ومآ أدراك ما العقبة }. # قال سفيان بن عيينة: كل شيء قال فيه: " وما أدراك " ، فقد أخبر به، ~~وكل شيء قال فيه: " وما يدريك " ، فإنه لم يخبره به، وما أدراك ما ~~اقتحام العقبة، وهذا تعظيم لإلزام أمر الدين، والخطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم ليعلمه اقتحام العقبة، ثم إنه تعالى فسر العقبة بقوله: { فك ~~رقبة }. # قوله: { فك رقبة }. # قرأ أبو عمرو وابن كثير والكسائي: " فك ": فعلا ماضيا، و " رقبة ~~": نصبا، " أو أطعم ": فعلا ماضيا. # والباقون: " فك ": يرفع الكاف اسما، " رقبة ": خفض بالإضافة، " ~~أو إطعام ": اسم مرفوع أيضا. # فالقراءة الأولى: الفعل فيها، بدل من قوله: " اقتحم " ، فهو بيان له، ~~فكأنه قيل: فلا فك رقبة ولا أطعم. # والثانية: مرتفع فيها: " فك " ، على إضمار مبتدأ، أي: هو فك رقبة، " ~~أو إطعام " على معنى الإباحة، وفي الكلام حذف مضاف، دل عليه " فلا اقتحم ~~" ، تقديره: وما أدراك ما اقتحام العقبة، فالتقدير: اقتحام العقبة فك ~~رقبة، أو إطعام، وإنما احتيج إلى تقدير هذا المضاف ليطابق المفسر ~~والمفسر؛ ألا ترى أن المفسر - بكسر السين - مصدر، ms9167 والمفسر - بفتح ~~السين - وهو العقبة غير مصدر، فلو لم يقدر مضافا، لكان المصدر، وهو " فك ~~" مفسرا للعين، وهي العقبة. # وقرأ أمير المؤمنين وأبو رجاء: " فك، أو أطعم " فعلين - كما تقدم - ~~إلا أنهما نصبا: " ذا " الألف. # وقرأ الحسن: " إطعام " ، و " ذا " بالألف أيضا، وهو على هاتين ~~القراءتين: مفعول: " أطعم " ، أو " إطعام " ، و " يتيما " حينئذ بدل منه ~~أو نعت له، وهو في قراءة العامة: " ذي " بالياء: نعت ل " يوم " ، على ~~سبيل المجاز، وصف اليوم بالجوع مبالغة، كقولهم: ليلك قائم، ونهارك صائم، ~~والفاعل ل " إطعام ": محذوف، وهذا أحد المواضع التي يطرد فيها حذف ~~الفاعل وحده عند البصريين. # فصل في الاستفهام في الآية # قال ابن زيد، وجماعة من المفسرين: معنى الكلام الاستفهام على معنى ~~الإنكار، تقديره: هلا أقتحم العقبة، تقول: هلا أنفق ماله في فك الرقاب، ~~وإطعام السغبان، فيكون خيرا له من إنفاقه في عداوة محمد عليه الصلاة ~~والسلام. # فصل في الفرق بين الفك والرق # الفك: التفريق، ومنه فك القيد, وفك الرقبة، فرق بينها وبين صفة ~~الرق بإيجاد الحرفة، وإبطال العبودية، ومنه فك الرهن، وهو إزالته عن ~~المرتهن، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أيما امرئ مسلم أعتق امرءا مسلما كان فكاكه من ~~النار يجري على كل عضو منه عضوا منه " # الحديث. # وسمي المرقوق رقبة؛ لأنه بالرق كالأسير المربوط في رقبته، وسمي عتقها ~~فكا كفك الأسير من الأسر؛ قال: [البسيط] # 5214- كم من أسير فككناه بلا ثمن # وجر ناصية كنا مواليها # قال الماوردي: ويحتمل ثانيا: إنه أراد فك رقبته، وخلاص نفسه، باجتناب ~~المعاصي، وفعل الطاعات، ولا يمتنع الخبر من هذا التأويل، وهو أشبه ~~بالصواب. # فص في أن العتق أفضل من الصدقة # قال أبو حنيفة - رضي الله عنه -: العتق أفضل من الصدقة، وعند صاحبيه ~~الصدقة أفضل، والآية أدل على قول أبي حنيفة، لتقديم العتق على الصدقة. # قوله: { أو إطعام في يوم ذي مسغبة } ، أي: مجاعة، ~~والسغب: الجوع، والساغب: الجائع. # قال شهاب الدين: والمسغبة: الجوع مع التعب، وربما قيل في العطش مع ~~التعب. # قال الراغب: يقال ms9168 سغب الرجل يسغب سغبا وسغوبا فهو ساغب، وسغبان، ~~والمسغبة: مفعل منه. # وأنشد أبو عبيدة: [الطويل] # 5215- فلو كنت جارا يا بن قيس بن عاصم # لما بت شبعانا وجارك ساغبا # فصل # إطعام الطعام فضيلة، وهو مع السغب الذي هو الجوع أفضل. # وقال النخعي في قوله تعالى: { أو إطعام في يوم ذي مسغبة ~~} ، قال: في يوم عزيز فيه الطعام. # قوله: { يتيما ذا مقربة } ، أي: قرابة. # قال الزمخشري: " والمسغبة، والمقربة، والمتربة: مفعلات، من ~~سغب إذا جاع، وقرب في النسب، قال: فلان ذو قرابتي وذو مقربتي، وترب إذا ~~افتقر ". # وهذه الآية تدل على أن الصدقة على الأقارب، أفضل منها على الأجانب. # واليتيم: قال بعض العلماء: اليتيم في الناس من قبل الأب، وفي البهائم ~~من قبل الأمهات. # وقال بعضهم: اليتيم: " الذي يموت أبواه ". # قال قيس بن الملوح: [الطويل] # 5216- إلى الله أشكو فقد ليلى كما شكا # إلى الله فقد الوالدين يتيم # ويقال: يتم الرجل يتما: إذا ضعف. # قوله: { أو مسكينا ذا متربة } ، أي: لا شيء له، حتى كأنه قد ~~لصق بالتراب من الفقر يقال: ترب أي افتقر حتى لصق جلده بالتراب، فأما ~~أترب بالألف فمعناه استغنى نحو: أثرى أي صار مالكه كالتراب وكالثرى. # قال المفسرون: هو الذي ليس له مأوى إلا التراب. # وقال ابن عباس: هو المطروح على الطريق الذي لا بيت له. # وقال مجاهد: الذي لا يقيه من التراب لباس ولا غيره. # وقال قتادة: إنه ذو العيال. # وقال عكرمة عن ابن عباس: ذو المتربة هو البعيد عن وطنه، ليس له مأوى ~~إلا التراب. # فصل في أن المسكين قد يملك شيئا # احتجوا بهذه الآية على أن المسكين قد يملك شيئا؛ لأنه لو كان المسكين ~~هو الذي لا يملك شيئا - ألبتة - لكان تقييده بقوله: " ذا متربة " ~~تكرير. # قوله: { ثم كان من الذين آمنوا }. التراخي في الإيمان، ~~وتباعده في المرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة، لا في الوقت؛ لأن الإيمان ~~هو السابق، ولا يثبت عمل إلا به. # قاله الزمخشري وقيل: المعنى: ثم كان في عاقبة أمره من الذين وافوا ~~الموت ms9169 على الإيمان؛ لأن الموافاة عليه شرط في الانتفاع بالطاعات. # وقيل: التراخي في الذكر. # قال المفسرون: معناه أنه لا يقتحم العقبة من فك رقبته، أو أطعم في يوم ~~ذي مسغبة، حتى يكون من الذين آمنوا، أي: صدقوا، فإن شرط قبول الطاعات ~~الإيمان بالله تعالى، فالإيمان بعد الإنفاق لا ينفع، قال تعالى في ~~المنافقين: # وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم ~~كفروا بالله # [التوبة: 54]. # وقيل: { ثم كان من الذين آمنوا } أي: فعل هذه الأشياء وهو ~~مؤمن ثم بقي على إيمانه حتى الوفاة [فيكون المعنى: ثم كان مع تلك الطاعات ~~من الذين آمنوا]، نظيره قوله تعالى: # وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم ~~اهتدى # [طه: 82]. # وقيل: المعنى: ثم كان من الذين يؤمنون بأن هذا نافع لهم عند الله تعالى. # وقيل: أتى بهذه القرب لوجه الله - تعالى - ثم آمن بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم. # وقيل: إن " ثم " بمعنى: الواو، أي: وكان هذا المعتق للرقبة، والمطعم ~~في المسغبة، من الذين آمنوا. # قوله: { وتواصوا بالصبر } ، أي: أوصى بعضهم بعضا على طاعة ~~الله، وعن معاصيه، وعلى ما أصابهم من البلاء والمصائب، { وتواصوا ~~بالمرحمة } ، أي: بالرحمة على الخلق فإنهم إذا فعلوا ذلك، رحموا ~~اليتيم والمسكين، ثم إنه تعالى بينهم، فقال تعالى: { أولئك ~~أصحاب الميمنة } ، أي: الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم، قاله محمد ~~بن كعب القرظي. # [وقال يحيى بن سلام: لأنهم ميامين على أنفسهم. # وقال ابن زيد: لأنهم أخذوا من شق آدم الأيمن. # وقال ميمون بن مهران لأن منزلتهم عن اليمين]. # قوله: { والذين كفروا بآياتنا } ، أي: القرآن، { هم ~~أصحاب المشأمة } أي: يأخذون كتبهم بشمائلهم قاله محمد بن كعب، ~~وقال يحيى بن سلام: لأنهم مشائيم على أنفسهم. # وقال ابن زيد: لأنهم أخذوا من شق آدم الأيسر. # وقال ميمون: لأن منزلتهم على اليسار. # قال القرطبي: ويجمع هذه الأقوال أن يقال: إن أصحاب الميمنة أصحاب الجنة، ~~وأصحاب المشئمة أصحاب النار. # قوله: { عليهم نار مؤصدة } ، قرأ أبو عمرو وحمزة وحفص: ~~بالهمزة. # والباقون: بلا همز. # فالقراءة الأولى: من " آصدت الباب " أي: أغلقته، أوصده، ms9170 فهو مؤصد، ~~قيل: ويحتمل أن يكون من " أوصدت " ، ولكنه همز الواو الساكنة لضمة ~~ما قبلها، كما همز # بالسوق والأعناق # [ص: 33]. # والقراءة الثانية - أيضا - تحتمل المادتين، ويكون قد خفف الهمزة، ~~لسكونها بعد ضمة. # وقد نقل الفراء عن السوسي الذي قاعدته إبدال مثل هذه الهمزة، أنه لا ~~يبدل هذه، وعللوا ذلك بالإلباس وأيقن أنه قرأ: " مؤصدة " بالواو من ~~قاعدته تخفيف الهمزة. # والظاهر أن القراءتين من مادتين: الأولى من " آصد, يوصد " ك " ~~أكرم يكرم " ، والثانية من " أوصد، يوصد " مثل " أوصل يوصل ". # وقال الشاعر: [الطويل] # 5217- تحن إلى أجبال مكة ناقتي # ومن دونها أبواب صنعاء مؤصده # أي: مغلقة؛ وقال آخر: [الكامل] # 5218- قوم يعالج قملا أبناؤهم # وسلاسلا حلقا وبابا مؤصدا # وكان أبو بكر راوي عاصم يكره الهمز في هذا الحرف، وقال: لنا إمام يهمز: ~~" مؤصدة " ، فأشتهي أن أسد أذني إذا سمعته. # قال شهاب الدين: وكأنه لم يحفظ عن شيخه إلا ترك الهمزة مع حفظ حفص ~~إياه عنه، وهو أضبط لحرفه من أبي بكر، على ما نقله الفراء، وإن كان أبو ~~بكر أكبر وأتقن، وأوثق عند أهل الحديث. # وقال القرطبي: وأهل اللغة يقولون: أوصدت الباب وآصدته، أي: أغلقته، ~~فمن قال: أوصدت، فالاسم: الوصاد. ومن قال: آصدته، فالاسم: الإصاد. # قال الفراء: ويقال من هذا " الأصيد " ، وهو الباب المطبق، ومعنى " مؤصدة ~~" أي: مغلقة. # قوله تعالى: { عليهم نار } ، يجوز أن تكون جملة مستأنفة، وأن ~~تكون خبرا ثانيا، وأن يكون الخبر وحده: " عليهم " ، و " نار ": ~~فاصل به، وهو الأحسن. # وقيل: معنى " عليهم نار " ، أي: أحاطت النار بهم، كقوله تعالى: # أحاط بهم سرادقها # [الكهف: 29]. والله أعلم. # روى الثعلبي عن أبي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " من قرأ { لا أقسم بهذا البلد } أعطاه الله ~~الأمن من غضبه يوم القيامة ". ### | [91 - سورة الشمس] ### || [91.1-10] # قوله تعالى: { والشمس وضحاها } ، وقد تقدم أن جماعة من أهل ~~الأصول؛ قالوا: التقدير: ورب الشمس، ورب سائر ما ذكر إلى تمام القسم. # واحتج قوم على بطلان هذا القول، بأن في جملة هذا القسم: { والسمآء ms9171 ~~وما بناها } ، وذلك هو الله تعالى، لا يجوز أن يكون المراد منه ~~تعالى أن يقدم قسمه بغيره على قسمه بنفسه، فإذن لا بد من تأويل، وهو أن " ~~ما " مع ما بعده في حكم المصدر، فيكون التقدير: والسماء وبنائها. # واعترض الزمخشري عليه، فقال: لو كان الأمر على هذا الوجه، لزم من عطف ~~قوله: " فألهمها " عليه فساد النظم. # قوله: { وضحاها }. # قال المبرد: إن الضحى، والضحوة، مشتقان من الضح، وهو النور ~~فأبدلت الألف، والواو من الحاء، تقول: ضحوة، وضحوات، وضحى فالواو من ~~" ضحوة " مقلوبة عن الحاء الثانية، والألف في " ضحى " مقلوبة عن ~~الواو. # وقال أبو الهيثم: الضح نقيض الظل، وهو نور الشمس على ظهر وجه الأرض ~~وأصله: الضحى، فاستثقلوا الياء مع سكون الواو فقلبوها ألفا. # والضحى: مؤنثة، يقال: ارتفعت الضحى فوق الصخور، وقد تذكر، فمن ~~أنث ذهب إلى أنها جمع ضحوة، ومن ذكر ذهب إلى أنه اسم على " فعل " ~~نحو " صرد، ونغر " وهو ظرف غير متمكن مثل: سحر، تقول: لقيته ضحى، ~~وضحى, إذا أردت به ضحى يومك لم تنونه. # وقال الفراء: الضحى، هو النهار، كقول قتادة، والمعروف عند العرب أن ~~الضحى إذا طلعت الشمس، وبعيد ذلك قليلا، فإذا زاد فهو الضحاء ~~بالمد. # ومن قال: الضحى، النهار كله، فذلك لدوام نور الشمس، ومن قال: إنه نور ~~الشمس أو حرها، فنور الشمس لا يكون إلا مع حر الشمس، وقد استدل من ~~قال: إن الضحى حر الشمس بقوله تعالى: # ولا تضحى # [طه: 119] أي: لا يؤذيك الحر. # فصل في تفسير الآية # قال مجاهد: " وضحاها " أي: ضوؤها وإشراقها، وأضاف الضحى إلى الشمس؛ ~~لأنه إنما يكون بارتفاع الشمس. # وقال قتادة: بهاؤها. # وقال السدي: حرها. # وقال اليزيدي: انبساطها. # وقيل: ما ظهر بها من كل مخلوق، فيكون القسم بها، وبمخلوقات الأرض كلها. ~~حكاه الماوردي. # قال ابن الخطيب: إنما أقسم بالشمس، وضحاها، لكثرة ما يتعلق به من ~~المصالح، فإن أهل العالم كانوا كالأموات في الليل، فلما ظهر الصبح في ~~المشرق، صار ذلك الضوء، كالروح الذي تنفخ فيه الحياة، فصارت الأموات ~~أحياء، ولا ms9172 تزال تلك الحياة في القوة، والزيادة إلى غاية كمالها وقت ~~الضحى، وذلك شبيه استقرار أهل الجنة. # قوله: { والقمر إذا تلاها } ، أي: تبعها، وذلك إذا سقطت رؤيا ~~الهلال. # [قال الليث: تلوت فلانا إذا تبعته. # وقال ابن زيد: إذا غربت الشمس في النصف الأول من الشهر، تلاها القمر ~~بالطلوع، وفي آخر الشهر، يتلوها بالغروب]. # قال الفراء: " تلاها ": أخذ منها، يذهب إلى أن القمر يأخذ من ضوء ~~الشمس. # وقال الزجاج: " إذا تلاها " أي: حين استوى، واستدار، فكان مثلها في ~~الضياء والنور. # وقال قتادة والكلبي: معناه: أن الشمس، إذا قربت، فالقمر يتبعها ليلة ~~الهلال في الغروب. # وقيل: يتلوها في كبر الجرم، بحسب الحس في ارتباط مصالح هذا العالم ~~بحركته. # قوله: { والنهار إذا جلاها } ، الفاعل: ضمير النهار. # وقيل: عائد على الله تعالى، والضمير المنصوب، إما للشمس، وإما ~~للظلمة، وإما للأرض. # ومعنى " جلاها " أي: كشفها، فمن قال: هي " الشمس " ، فالمعنى: أنه يبين ~~بضوئه جرمها، ومن قال: هي " الظلمة " ، فهي ون لم يجر لها ذكر، كقولك: ~~أضحت باردة، تريد: أضحت غداتنا باردة، وهو قول الفراء والكلبي وغيرهما. # ومن قال: هي الدنيا والأرض، وإن لم يجر لهما ذكر، كقوله: # حتى توارت بالحجاب # [ص: 32]. # قوله: " إذا تلاها " ، وما بعده فيه إشكال؛ لأنه إن جعل شرطا اقتضى ~~جوابا، ولا جواب لفظا، وتقديره غير صالح، وإن جعل محضا استدعى ~~عاملا وليس هنا عامل إلا فعل القسم حال؛ لأنه إنشاء، و " إذا " ظرف ~~مستقبل، والحال لا يعمل في المستقبل. # ويخص " إذا " وما بعدها إشكال آخر ذكره الزمخشري، قال: فإن قلت: الأمر ~~في نصب " إذا " معضل، لأنك لا تخلو إما أن تجعل الواو عاطفة، فتنصب ~~بها وتجر، فتقع في العطف على عاملين في نحو قولك: " مررت أمس بزيد واليوم ~~عمرو " ، وإما أن تجعلهن للقسم، فتقع فيما اتفق الخليل وسيبويه على ~~استكراهه. # قلت: الجواب فيه: أن واو القسم مطرح معها إبراز الفعل إطراحا كليا، ~~فكان لها شأن خلاف شأن الباء، حيث أبرز معها الفعل وأضمر، فكانت الواو ~~قائمة مقام الفعل، والباء سادة مسدهما معا، ms9173 والواوات العواطف نوائب عن ~~هذه الواو، فحقهن أن يكن عوامل على الفعل، والجار جميعا، كما تقول: " ~~ضرب زيد بكرا وعمرو خالدا " ، فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام " ضرب ~~" الذي هو عاملهما انتهى. # وقال أبو حيان: أما قوله في واوات العطف: " فتنصب وتجر " ، فليس هذا ~~بالمختار على أن يكون حرف العطف عاملا لقيامه مقام العامل، بل المختار ~~أن العمل إنما هو للعامل في المعطوف عليه، ثم إن الإنشاء حجة في ذلك. # وقوله: " فتقع في العطف على عاملين " ، ليس ما في الآية من العطف ~~عاملين، وإنما هو من باب عطف اسمين مجرور ومنصوب، على اسمين مجرور ~~ومنصوب، فصرف العطف لم ينب مناب عاملين، وذلك نحو قولك: مررت بزيد قائما ~~وعمرو جالسا؛ وأنشد سيبويه في كتابه: [الطويل] # 5219- فليس بمعروف لنا أن نردها # صحاحا ولا مستنكر أن تعقرا # فهذا من عطف مجرور ومرفوع؛ والعطف على عاملين فيه أربعة مذاهب، ونسب ~~الجواز إلى سيبويه. # وقوله في نحو قولك: " مررت أمس بزيد واليوم عمرو " ، هذا المثال مخالف ~~لما في الآية، بل وزان ما في الآية: " مررت بزيد أمس وعمرو اليوم " ونحن ~~نجيز هذا. # وأما قوله: " على استكراه " ، فليس كما ذكر، بل كلام الخليل على ~~المنع. # قال الخليل في قوله تعالى: # والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى وما خلق ~~الذكر والأنثى # [الليل: 1-3]: " الواوان الأخريان ليستا بمنزلة الأولى، ولكنهما الواوان ~~اللتان تضمان الأسماء إلى الأسماء في قولك: مررت بزيد وعمرو، والأولى ~~بمنزلة الباء والتاء ". # وأما قوله: " إن واو القسم ليس يطرح معها إبراز الفعل إطراحا كليا " ~~فليس هذا الحكم مجمعا عليه، بل أجاز ابن كيسان التصريح بفعل القسم مع ~~الواو، فتقول: " أقسم، أو أحلف والله لزيد قائم ". # وأما قوله: " والواوات العواطف نوائب عن هذا " إلى آخره، فمبني على أن ~~حرف العطف عامل لنيابته مناب العامل، وليس هذا بالمختار. # قال: والذي يقول: إن المعضل هو تقدير العامل في " إذا " بعد الإقسام، ~~كقوله تعالى: # والنجم إذا هوى # [النجم: 1]، # والليل إذ أدبر والصبح إذآ أسفر # [المدثر: 33، 34]، { والقمر إذا تلاها والنهار إذا ms9174 ~~جلاها والليل إذا يغشاها } [الشمس: 2-4]، وما أشبهها ف " ~~إذا " ظرف مستقبل، لا جائز أن يكون العامل فيه فعل القسم المحذوف؛ لأنه ~~فعل إنشائي، فهو في الحال ينافي أن يعمل في المستقبل لإطلاق زمان العامل ~~زمان المعمول، ولا جائز أن يكون ثم مضاف محذوف أقيم المقسم به مقامه أي ~~وطلوع النجم، ومجيء الليل، لأنه معمول لذلك الفعل [فالطلوع حال، ولا يعمل ~~فيه المستقبل ضرورة أن زمان المعمول زمان العامل ولا جائز أن يعمل فيه ~~نفس المقسم به لأنه ليس من قبيل ما يعمل، سيما إن كان جزما]، ولا جائز ~~أن يقدر محذوف قبل الظرف فيكون قد عمل فيه، ويكون ذلك العامل في موضع ~~الحال، وتقديره: والنجم كائنا إذا هوى والليل كائنا إذا يغشى، لأنه لا ~~يلزم كائنا منصوبا بالعامل، ولا يصح أن يكون معمولا لشيء مما فرضناه ~~أن يكون عاملا، وأيضا، فقد يكون المقسم به جثة، وظروف الزمان لا تكون ~~أحوالا عن الجثث كما لا تكون أخبارا. انتهى ما رد به أبو حيان وما ~~استشكله من أمر العامل في " إذا ". # قال شهاب الدين: المختار أن حرف العطف لا يعمل لقيامه مقام العامل، فلا ~~يلزم أبا القاسم لأنه يختار القول الآخر، وقوله " ليس ما في الآية من ~~العطف على عاملين " ممنوع بل فيه العطف على عاملين ولكنه في غموض، وبيان ~~أنه من العطف على عاملين، أن قوله: { والنهار إذا جلاها } - ~~ها هنا -, معمولان، أحدهما مجرور وهو " النهار " , والآخر منصوب, وهو ~~الظرف عطفا على معمول عاملين, والعاملان هنا في فعل المقسم به، الناصب ~~ل " إذا " الأولى، وواو القسم الجارة، فقد تحقق معك عاملان، لهما ~~معمولان، فإذا عطفت مجرورا على مجرور، وظرفا على ظرف، معمولين لعاملين، ~~لزم ما قاله أبو القاسم، وكيف يجهل هذا مع التأمل والتحقيق؟!. # وأما قوله: " وأنشد سيبويه " إلى آخره، فهو اعتراف منه بأنه من العطف ~~على عاملين، غاية ما في الباب أنه استند إلى حكمه لسيبويه، وأما قوله: ~~أجاز ابن كيسان، فلا يلزم مذهبه، وأما قوله: فالمثال ليس كالآية ms9175 بل ~~وزانها، إلى آخره، فصحيح لما فيه من تقديم الظرف الثاني على المجرور ~~والمعطوف والآية والظرف فيها متأخر، وإنما مراد الزمخشري وجود معمول ~~عاملين، وهو موجود في المثال المذكور إلا أن في الآية إشكالا آخر، وهو ~~كالتكرير للمسألة، وأما قوله: بل كلام الخليل يدل على المنع، إلى آخره، ~~فليس فيه رد عليه بالنسبة إلى قصده بل فيه تقوية لما قال، غاية ما في ~~الباب أنه عبر بالاستكراه عن المنع، ولم يفهم المنع، وقوله: ولا جائز أن ~~يكون ثم مضاف محذوف، إلى آخره، فأقول: بل يجوز تقديره، وهو العامل، ولا ~~يلزم ما قاله من اختلاف الزمانين، لأنه يجوز أن يقسم [الآن بطلوع النجم ~~في المستقبل، فالقسم في الحال والطلوع في المستقبل، ويجوز أن يقسم] ~~بالشيء الذي سيوجد وقوله " ولا جائز أن يقدر محذوف قبل الظرف فيكون قد ~~عمل فيه " إلى آخره، ليس بممنوع بل يجوز ذلك ويكون حالا مقدرة، وقوله " ~~ويلزم ألا يكون له عامل " ليس كذلك بل له عامل وهو فعل القسم، ولا يضر ~~كونه إنشائيا، لأن الحال مقدرة كما تقدم، وقوله " وقد يكون المقسم به ~~جثة " جوايه: يقدر حينئذ حدث، يكون الظرف الزماني حالا عنه وسئل ابن ~~الحاجب عن هذه المسألة، فأجاب بنحو ما ذكرناه والله اعلم، ولا يخلو ~~الكلام فيها من بحث. # قوله: { والليل إذا يغشاها }. المفعول " الشمس ": أي: يغشى ~~الشمس فيذهب بضوئها عند سقوطها، قاله مجاهد. # وقيل: للأرض أي: يغشى الدنيا بالظلمة، فتظلم الآفاق فالكناية ترجع إلى ~~غير مذكور. وجيء ب " يغشاها " مضارعا دون ما قبله وما بعده مراعاة ~~للفواصل؛ إذ لو أتى به ماضيا لكان التركيب " إذ غشيها " فتفوت المناسبة ~~اللفظية بين الفواصل والمقاطع. # قوله: { والسمآء وما بناها }. في " ما " هذه وجهان: # أحدهما: أن " ما " موصولة بمعنى " الذي " وبه استشهد من يجوز وقوعها على ~~العقلاء، ولأن المراد به الباري تعالى، وإليه ذهب الحسن ومجاهد وأبو ~~عبيدة، واختاره ابن جرير. # والثاني: مصدر، أي وبنائها، وإليه ذهب الزجاج والمبرد، وهذا منهما بناء ~~على أنها مختصة بغير العقلاء. # واعترض ms9176 على هذا القول بأنه يلزم أن يكون القسم بنفس المصادر: بناء ~~السماء وطحو الأرض، وتسوية النفس، وليس المقصود إلا القسم بفاعل هذه ~~الأشياء، وهو الرب تعالى، وأجيب عنه بوجهين: # أحدهما: أن يكون على حذف مضاف، أي: ورب بناء السماء ونحوه. # والثاني: أنه لا غرو لا يجوز في الإقسام بهذه الأشياء، كما أقسم سبحانه ~~وتعالى بالصبح ونحوه. # وقال الزمخشري: " جعلت " ما " مصدرية في قوله " وما بناها " ، " وما ~~طحاها " ، " وما سواها " ، وليس بالوجه، لقوله " فألهمها " ، وما يؤدي ~~إليه من فساد النظم، والوجه أن تكون موصولة، وإنما أوثرت على " من " ~~لإرادة معنى الوصفية، كأنه قيل: والسماء والقادر العظيم الذي بناها، ~~ونفس والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها، وفي كلامهم: سبحان من سخركن لنا ~~" انتهى. # [يعني أن الفاعل في " فألهمها " عائد على الله تعالى، فليكن في بنائها ~~كذلك]. # وحينئذ يلزم عوده على شيء، وليس هنا ما يمكن عوده عليه غير " ما " فتعين ~~أن تكون موصولة. # قال أبو حيان: " أما قوله " وليس بالوجه " ، لقوله تعالى: { ~~فألهمها } يعني من عود الضمير في { فألهمها } على الله ~~تعالى، فيكون قد عاد على مذكور، وهو " ما " المراد به " الذي " ، قال: ~~ولا يلزم ذلك، لأنا إذا جعلناها مصدرية عاد الضمير على ما يفهم من سياق ~~الكلام، في " بناها " ضمير عائد على الله تعالى، أي: وبناها هو، أي: ~~الله تعالى، كما إذا رأيت زيدا قد ضرب عمرا، فتقول: عجبت مما ضرب عمرو، ~~تقديره: من ضرب عمرو هو، كان حسنا فصيحا جائزا، وعود الضمير على ما ~~يفهم من سياق الكلام كثير. # وقوله " وما يؤدي إليه من فساد النظم " ليس كذلك، ولا يؤدي جعلها مصدرية ~~إلى ما ذكر. # وقوله " وإنما أوثرت " إلى آخره، لا يراد ب " ما " ولا " من " ~~الموصولتين، معنى الوصلية، لأنهما لا يوصف بهما " ما " دون " من ". # وقوله " في كلامهم " إلى آخره، تأوله أصحابنا على أن " سبحان " علم، و " ~~ما " مصدرية ظرفية ". # قال شهاب الدين: أما ما رد به عليه من كونه يعود على ما يفهم من السياق، ~~فليس يصلح ردا؛ لأنه ms9177 إذا دار الأمر بين عوده على ملفوظ وبين غير ملفوظ ~~به، فعوده على الملفوظ به أولى؛ لأنه الأصل وأما قوله: فلا ينفرد به " ما ~~" دون " من " ، فليس مراد الزمخشري أنها توصف بها وصفا صريحا، بل مراده ~~أنها تقع على نوع من يعقل وعلى صفته، ولذلك مثل النحويون بقوله تعالى: # فانكحوا ما طاب لكم # [النساء: 3]. # وقالوا: تقديره: فانكحوا الطيب من النساء، ولا شك أن هذا الحكم ~~تنفرد به " ما " دون " من ". # قوله: { والأرض وما طحاها }. أي: وطحوها، وقيل: من طحاها: أي ~~بسطها، قال عامة المفسرين: أي دحاها. # قال الحسن ومجاهد وغيرهما: طحاها ودحاها: واحد، أي: بسطها من كل جانب. # والطحو: البسط، طحا، يطحو، طحوا، وطحى يطحى طحيا، وطحيت: اضطجعت، ~~عن أبي عمرو، وعن ابن عباس: طحاها: أي قسمها، وقيل: خلقها؛ قال الشاعر: ~~[الوافر] # 5220- وما تدري جذيمة من طحاها # ولا من ساكن العرش الرفيع # قال الماوردي: ويحتمل أنه ما خرج منها من نبات وعيون وكنوز؛ لأنه حياة ~~لما خلق عليها. # ويقال في بعض أيمان العرب: لا، والقمر الطاحي، أي: المشرق المرتفع. # قال أبو عمرو: طحا الرجل إذا ذهب في الأرض، يقال: ما أدري أين طحا؟. # ويقال: طحا به قلبه، إذا ذهب به كل شيء؛ قال علقمة: [الطويل] # 5221- طحا بك قلب في الحسان طروب # ................................... # قال ابن الخطيب: وإنما أخر هذا عن قوله تعالى: { والسمآء وما ~~بناها } لقوله: # والأرض بعد ذلك دحاها # [النازعات: 30]. # قوله: { ونفس وما سواها }. قيل: المعنى، وتسويتها، ف " ما " ~~مصدرية. # وقيل: المعنى، ومن سواها، وهو الله تعالى، قيل: المراد بالنفس: آدم عليه ~~الصلاة والسلام. # وقيل: كل نفس منفوسة، فما التنكير إلا لتعظيمها، أي نفس عظيمة، آدم ~~عليه الصلاة والسلام وإما للتكثير، كقوله تعالى: # علمت نفس # [التكوير: 14]، و " سوى " بمعنى هيأ. # وقال مجاهد: سوى خلقها وعدل، وهذه الأسماء كلها مجرورة على القسم، ~~أي أقسم الله تعالى بخلقه لما فيه من عجائب الصنعة الدالة عليه - سبحانه ~~وتعالى -. # قوله: { فألهمها فجورها } أي: عرفها طريق الفجور والتقوى، ~~قاله ابن عباس ومجاهد. # وعن مجاهد أيضا: عرفها ms9178 الطاعة والمعصية. # [وعن محمد بن كعب - رضي الله عنه - إذا أراد الله تعالى لعبده خيرا ~~ألهمه الخير فعمل به، وإذا أراد به الشر ألهمه الشر فعمل به. # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: ألهم المؤمن التقي تقواه وألهم ~~الكافر فجوره، وعن قتادة: بين لها فجورها وتقواها، والفجور والتقوى ~~مصدران في موضع المفعول]. # قال الواحدي: الإلهام هو أن يوقع الله في قلب العبد شيئا، وإذا أوقع في ~~قلبه فقد ألزمه إياه، من قولهم: لهم الشيء وألهمه: إذا بلغه، وألهمته ذلك ~~الشيء، أي أبلغته، هذا هو الأصل ثم استعمل ذلك فيما يقذفه الله تعالى في ~~قلب العبد لأنه كالإبلاغ. # قوله: { قد أفلح }. فيه وجهان: # أحدهما: أنه جواب القسم، والأصل: لقد وإنما حذفت لطول الكلام، والثاني: ~~أنه ليس بجواب، وإنما جيء به تابعا لقوله تعالى: { فألهمها ~~فجورها وتقواها } على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم في ~~شيء، فالجواب محذوف، تقديره [ليدمرن] الله عليهم، أي: على أهل مكة ~~لتكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما دمدم على ثمود لتكذيبهم ~~صالحا - عليه الصلاة والسلام - قال معناه الزمخشري. وقدر غيره: لتبعثن. # وقيل: هو على التقديم والتأخير بغير حذف، والمعنى: قد أفلح من زكاها، ~~وقد خاب من دساها، والشمس وضحاها. # وفاعل " زكاها " و " دساها " ، الظاهر أنه ضمير " من ". # وقيل: ضمير الباري تعالى، أي: أفلح وفاز من زكاها بالطاعة، وقد خاب من ~~دساها أي: خسرت نفس دسها الله تعالى بالمعصية، وأنحى الزمخشري على صاحب ~~هذا القول لمنافرته مذهبه. # قال شهاب الدين: والحق أنه خلاف الظاهر، لا لما قال الزمخشري، بل ~~لمنافرة نظمه للاحتياج إلى عود الضمير على النفس مقيدة بإضافتها إلى ضمير ~~" من ". # وقال ابن عباس: خابت نفس أضلها الله وأغواها. # وقيل: أفلح من زكى نفسه بطاعة الله، " وخاب " خسر من دس نفسه في ~~المعاصي. قاله قتادة. # وأصل الزكاة: النمو والزيادة، ومنه تزكى الزرع إذا كثر معه، ومنه ~~تزكية القاضي الشاهد، لأنه يرفعه بالتعديل. # وقيل: دساها: أغواها، قال: [الطويل] # 5222- وأنت الذي دسيت عمرا فأصبحت # حلائله منه ms9179 أرامل ضيعا # قال أهل اللغة: والأصل، دسها، من التدسيس فكثرت الأمثال فأبدل من ثالثها ~~حرف علة كما قالوا: قصيت أظفاري، وأصله قصصت، وتقضي البازي، والتدسية: ~~الإخفاء يعني أخفاه بالفجور، وقد نطق بالأصل الشاعر المتقدم. وقال آخر: ~~[الكامل] # 5223- ودسست عمرا في التراب فأصبحت # ........................................ # [وهو إخفاء الشيء في الشيء، فأبدلت سينه ياء. وقال ابن الأعرابي: " ~~وقد خاب من دساها " أي: دس نفسه في جملة الصالحين وليس منهم]. # قال الواحدي: فكأنه - تعالى - أقسم على فلاح من طهره وخسارة من خذله ~~لئلا يظن أن المراد بتولي ذلك من غير قضاء سابق، فقوله: " قد أفلح ": ~~هو جواب القسم. ### || [91.11-15] # قوله: { كذبت ثمود بطغواهآ }. في هذه الباء ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها للاستعانة مجازا، كقولك: " كتبت بالقلم " ، وبه بدأ ~~الزمخشري، يعني فعلت التكذيب بطغيانها، كقولك: ظلمني بجرأته على الله ~~تعالى. # والثاني: أنها للتعدية، أي كذبت بما أوعدت به من عذابها ذي الطغيان، ~~كقوله تعالى: # فأهلكوا بالطاغية # [الحاقة: 5] قال ابن عباس - رضي الله عنه -: وكان اسم العذاب الذي جاءها ~~الطغوى، لأنه طغى عليهم. قال ابن الخطيب: وهذا لا يبعد لأن الطغيان ~~مجاوزة [الحد فسمي عذابهم طغوا لأنه كالصيحة مجاوزة] للقدر المعتاد. # والثالث: أنها للسببية، أي: بسبب طغيانها، وهو خروجها عن الحد في ~~العصيان قاله مجاهد وقتادة وغيرهما. # وقال محمد بن كعب: بأجمعها. # وقيل: مصدر، وخرج على هذا المخرج، لأنه أشكل برءوس الآي. # وقيل: إن الأصل " بطغيانها " إلا أن " فعلى " إذا كانت من ذوات ~~الياء أبدلت في الاسم واو ليفصل بين الاسم والوصف. # وقرأ العامة: " بطغواها " بفتح الطاء، وهو مصدر بمعنى الطغيان، وإنما ~~قلبت الياء واوا لما تقدم، من الفرق بين الاسم والصفة، يعني أنهم يقرون ~~ياء " فعلى " - بالفتح - صفة، نحو جريا، وصديا، ويقلبونها في الاسم، ~~نحو " تقوى، وشروى " ، وكان الإقرار في الوصف، لأنه أثقل من الاسم ~~والياء أخف من الواو، فلذلك جعلت في الأثقل. # وقرأ الحسن ومحمد بن كعب والجحدري، وحماد: بضم الطاء، وهو أيضا مصدر، ~~كالرجعى والحسنى، إلا أن هذا شاذ، إذ كان من حقه بقاء الياء ms9180 على حالها، ~~كالسقيا، وبابها، وهذا كله عند من يقول: " طغيت طغيانا " بالياء، فأما ~~من يقول: " طغوت " بالواو فالواو أصل عنده. قاله أبو البقاء، وقد تقدم ~~الكلام على اللغتين في البقرة. # قوله: { إذ انبعث أشقاها }. يجوز في " إذ " وجهان: # أحدهما: أن تكون ظرفا ل " كذبت ". # والثاني: أن تكون ظرفا للطغوى. # و " انبعثت " مطاوع بعثت فلانا على الأمر فانبعث له، و " أشقاها " ~~فاعل " انبعث " أي: نهض، والانبعاث: الإسراع، وفيه وجهان: # أحدهما: ان يراد به شخص معين، روي أن اسمه: قدار بن سالف. # والثاني: أن يراد به جماعة قال الزمخشري: ويجوز أن يكونوا جماعة للتسوية ~~في " أفعل " التفضيل، إذا أضيف بين الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، وكان ~~يجوز أن يقول: " أشقوها ". وكان ينبغي أن يقيد، فيقول: إذا أضيف إلى ~~معرفة، لأن المضاف إلى النكرة حكمه الإفراد والتذكير مطلقا كالمقترن ب ~~" من ". # فصل # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذ انبعث أشقاها: انبعث لها رجل عزيز عارم، منيع في أهله، ~~مثل أبي زمعة " # الحديث. # " وروي عن علي - رضي الله عنه -: أن النبي صلى الله عليه وسلم: قال له: ~~" أتدري من أشقى الأولين "؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال عليه ~~الصلاة والسلام: " عاقر الناقة " ، ثم قال: " أتدري من أشقى ~~الآخرين "؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: " قاتلك " ". # قوله: { فقال لهم }. إن كان المراد ب " أشقاها " جماعة، فعود ~~الضمير من " لهم " عليهم واضح وإن كان المراد به علما بعينه، فالضمير من ~~" لهم " يعود على " ثمود " ، والمراد برسول الله يعني: صالحا. # وقوله تعالى: { ناقة الله } منصوب على التحذير، أي احذروا ناقة ~~الله فلا تقربوها، وأضمار الناصب هنا واجب لمكان العطف، فإن إضمار الناصب ~~يجب في ثلاثة مواضع: # أحدها: أن يكون المحذر نفس " إياك " وبابه. # الثاني: أنه يجب فيه عطف. # الثالث: أنه يوجد فيه تكرار، نحو " الأسد الأسد والصبي الصبي، ~~والحذر الحذر ". # وقيل: ذروا ناقة الله، كقوله تعالى: # فذروها تأكل في أرض الله # [هود: 64]. وقرأ زيد بن علي: " ناقة الله " رفعا، على إضمار مبتدأ ~~مضمر، أي: هذه ناقة الله فلا ms9181 تتعرضوا لها. # قوله: { وسقياها }. أي ذروها وشربها، فإنهم لما اقترحوا الناقة، ~~أخرجها لهم من الصخرة وجعل لهم شرب يوم من بئرهم، ولها شرب يوم مكان ذلك، ~~فشق عليهم، فكذبوه يعني صالحا - عليه الصلاة والسلام - في وعيدهم ~~بالعذاب. # { فعقروها } أي: عقرها الأشقى، وأضاف إلى الكل، لأنهم رضوا بفعله. # قال قتادة: بلغنا أنه لم يعقر حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم. # وقال الفراء: عقرها اثنان، والعرب تقول: هذان أفضل الناس، وهذا خير ~~الناس، وهذه المرأة أشقى القوم، فلهذا لم يقل: أشقياها. # قوله: { فدمدم }. الدمدمة: قيل: الإطباق، يقال: دمدمت عليه القبر، ~~أي: أطبقته عليه، أي: أهلكهم وأطبق عليهم العذاب { بذنبهم } الذي هو ~~الكفر والتكذيب والعقر. # وقال المؤرج: الدمدمة: الإهلاك باستئصال. # وروى الضحاك عن ابن عباس: " دمدم عليهم، دمر عليهم ربهم " بذنبهم " ~~أي: بجرمهم. # وقال الفراء: " فدمدم " أي: أرجف. وحقيقة الدمدمة: تضعيف العذاب ~~وترديده، ويقال: دممت على الشيء: أي: أطبقت عليه، فإذا كرر الإطباق قلت: ~~دمدمت. وفي " الصحاح ": ودمدمت الشيء: إذا ألصقته بالأرض وطحطحته. # [قال القشيري: وقيل دمدمت على الميت التراب أي سويته عليه، والمعنى على ~~هذا فجعلهم تحت التراب فسواها أي فسوى عليهم الأرض، وعلى الأول: فسواها: ~~أي فسوى الدمامة، وقيل: الدمدمة حكاية صوت الهدة، وذلك أن الصيحة أهلكتهم ~~فأتت على صغيرهم وكبيرهم]. # وقال ابن الأنباري: دمدم: أي: غضب، والدمدمة: الكلام الذي يزعج الرجل ~~ودمدمت الثوب طليته بالصيغ والباء في بذنبهم للسببية. # وقرأ ابن الزبير: " فدهدم " بهاء بين الدالين بدل الميم، وهي بمعنى ~~القراءة المشهورة. # قال القرطبي: " وهما لغتان، كما يقال: امتقع لونه، وانتقع ". # قوله: { فسواها }. الضمير المنصوب يجوز عوده على " ثمود " باعتبار ~~القبيلة كما أعاده في قوله تعالى { بطغواهآ } ويجوز عوده على " ~~الدمدمة " والعقوبة أي: سواها بينهم، فلم يفلت منهم أحد. # قوله: { ولا يخاف عقباها }. قرأ نافع وابن عامر: " فلا " ~~بالفاء، والباقون: بالواو، ورسمت في مصاحف المدينة والشام بالفاء، وفي ~~غيرها بالواو، فقد قرأ كل بما يوافق رسم مصحفه. # وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ: ولم يخف، وهي ms9182 مؤيدة ~~لقراءة الواو. ذكره الزمخشري. # فالفاء تقتضي التعقيب، وهو ظاهر، والواو يجوز أن تكون للحال، وأن تكون ~~لاستئناف الإخبار. # قال القرطبي: روي أن ابن وهب وابن القاسم قالا: أخرج إلينا مالك مصحفا ~~لجده، وزعم أنه كتبه في أيام عثمان بن عفان - رضي الله عنه - حين كتب ~~المصاحف، وفيه: " ولا يخاف " بالواو وكذا هي في مصاحف أهل مكة ~~والعراق: بالواو، واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم. # وضمير الفاعل في " يخاف " الأظهر عوده على الرب تبارك وتعالى، لأنه ~~أقرب مذكور، وهو قول ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد، والهاء في " ~~عقباها " ترجع إلى الفعلة، وذلك لأنه تعالى يفعل ذلك بحق، وكل من فعل ~~فعلا بحق فإنه لا يخاف عاقبة فعله. # وقيل: المراد تحقيق ذلك الفعل والله تعالى أجل من أن يوصف بذلك. # وقيل: المعنى أنه بالغ في الإعذار إليهم مبالغة من لا يخاف عاقبة ~~عذابهم. # وقيل: يرجع إلى رسول الله، أي: لا يخاف صالح - عليه الصلاة والسلام - ~~عقبى هذه العقوبة لإنذاره إياهم، ونجاه الله حين أهلكهم. # وقال السدي والضحاك والكلبي: إن الضمير يرجع إلى " أشقاها " ، أي: ~~انبعث لعقرها والحال أنه غير خائف عاقبة هذه الفعلة الشنعاء، وهو مروي عن ~~ابن عباس - رضي الله عنه - أيضا. # في الكلام تقديم وتأخير: إذ انبعث أشقاها ولا يخاف عقباها، وعقبى الشيء: ~~خاتمته. # وروى الثعلبي عن أبي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من قرأ { والشمس وضحاها } فكأنما تصدق بكل ~~شيء طلعت عليه الشمس والقمر ". ### | [92 - سورة الليل] ### || [92.1-4] # قوله تعالى: { والليل إذا يغشى }. أي: يغطي، ولم يذكر ~~مفعولا، للعلم به. # وقيل: يغشى النهار. # وقيل: الأرض. # قال قتادة: أول ما خلق الله تعالى النور والظلمة ثم ميز بينهما، فجعل ~~الظلمة ليلا أسود مظلما، والنور نهارا والنهار مضيئا مبصرا. # قال ابن الخطيب: أقسم بالليل الذي يأوي فيه كل حيوان إلى مأواه وتسكن ~~الخلق عن الاضطراب، ويجيئهم النوم الذي جعله الله تعالى راحة لأبدانهم ~~وغذاء لأرواحهم ثم أقسم تعالى بالنهار إذا تجلى، لأن النهار إذا كشف ms9183 ~~بضوئه ما كان في الدنيا من الظلمة، جاء الوقت الذي يتحرك فيه الناس ~~لمعاشهم والطير والهوام من مكانها، فلو كان الدهر كله ليلا لتعذر ~~المعاش، ولو كان كله نهارا لبطلت الراحة، لكن المصلحة في تعاقبهما، كما ~~قال تعالى: # وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة # [الفرقان: 62]، وقال تعالى: # وسخر لكم الليل والنهار # [إبراهيم: 33], فقوله { والنهار إذا تجلى } أي: انكشف وظهر ~~وبان بضوئه عن ظلمة الليل. وقرأ العامة: " تجلي " فعلا ماضيا، ~~وفاعله ضمير عائد على النهار. # وقرأ عبد الله بن عمير: " تتجلى " بتاءين، أي: الشمس، وقرأ " تجلي " ~~بضم التاء وسكون الجيم أي: الشمس أيضا، ولا بد من عائد على النهار محذوف ~~أي: تتجلى أو تجلى فيه. قوله: { وما خلق }. يجوز في " ما " أن تكون ~~بمعنى " من " على ما تقدم في سورة " والشمس ". # قال الحسن: معناه، والذي خلق فيكون قد أقسم بنفسه تعالى. # وقيل: مصدرية. # قال الزمخشري: " والقادر: العظيم القدرة الذي قدر على خلق الذكر والأنثى ~~من ماء واحد " ، وقد تقدم هذا القول، والاعتراض عليه، والجواب عنه في ~~السورة قبلها. وقرأ أبو الدرداء: " والذكر والأنثى " ، وقرأ عبد الله: " ~~والذي خلق " وقرأ الكسائي، ونقلها ثعلبة عن بعض السلف: { وما خلق ~~الذكر } بجر الذكر. # قال الزمخشري: " على أنه بدل من محل ما خلق بمعنى وما خلقه الله، أي: ~~ومخلوق الله الذكر والأنثى، وجاز إضمار اسم الله لأنه معلوم بالخلق، إذ ~~لا خالق سواه ". # وقيل: المعنى، وما خلق من الذكر والأنثى، فتكون " من " مضمرة، ويكون ~~القسم منه بأهل طاعته، من أنبيائه وأوليائه ويكون قسمه بهم تكريما لهم ~~وتشريفا. # قال أبو حيان: وقد يخرج على توهم المصدر، أي: وخلق الذكر؛ كقوله: ~~[المتقارب] # 5224- تطوف العفاة بأبوابه # كما طاف بالبيعة الراهب # بجر " الراهب " على توهم النطق بالمصدر، أي: كطوف الراهب انتهى. # والذي يظهر في تخريج البيت أن أصله: الراهبي - بياء النسب - ثم خفف، وهو ~~قليل، كقولهم: أحمري، وداودي، وهذا التخريج بعينه في قول امرئ القيس: ~~[الطويل] # 5225- ................................. # فقل في مقيل نحسه متغيب # لما استشهد به الكوفيون على تقديم الفاعل. # وروي ms9184 عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه كان يقرأ: { والنهار إذا ~~تجلى والذكر والأنثى } ويسقط { وما خلق }. # وفي صحيح مسلم عن علقمة، قال: قدمنا " الشام " ، فأتانا أبو الدرداء، ~~فقال: فيكم أحد يقرأ علي قراءة عبد الله؟ فقلت: نعم، أنا، قال: فكيف ~~سمعت عبد الله يقرأ هذه الآية: { والليل إذا يغشى }؟ قال: ~~سمعته يقرأ " والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى، والذكر والأنثى " قال. ~~وأنا والله هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها، ولكن هؤلاء ~~يريدون أن أقرأ " وما خلق " فلا أتابعهم. # وقال ابن الأنباري: حدثنا محمد بن يحيى المروزي بسنده إلى عبد الله، ~~قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني أنا الرزاق ذو ~~القوة المتين ". # قال ابن الأنباري: كل من هذين الحديثين مردود بخلاف الإجماع له، وإن ~~حمزة وعاصما يرويان عن عبد الله بن مسعود فيما عليه جماعة من المسلمين، ~~وموافقة الإجماع أولى من الأخذ بقول واحد يخالفه الإجماع. # فصل في المراد بالذكر والأنثى # قيل المراد بالذكر والأنثى، آدم وحواء - عليهما الصلاة والسلام - قاله ~~ابن عباس والحسن والكلبي. # وقيل: جميع الذكور والإناث من جميع الحيوانات. # وقيل: كل ذكر وأنثى من الآدميين فقط لاختصاصهم بولاية الله تعالى ~~وطاعته. # فصل في معنى الآية # وقوله: { إن سعيكم لشتى }. هذا جواب القسم، والمعنى: إن ~~أعمالكم لتختلف، [ويجوز أن يكون محذوفا كما قيل في نظائره المتقدمة، ~~وشتى واحده شتيت مثل مريض ومرضى، وإنما قيل للمختلف: شتى، لتباعد ما ~~بين بعضه وبعضه، أي إن أعمالكم المتباعدة بعضه عن بعض لشتى، لأن بعضه ~~ضلالة وبعضه هدى، أي: فمنكم مؤمن، وبر، وكافر، وفاجر، ومطيع، وعاص. # وقيل: لشتى أي: لمختلف الجزاء فمنكم مثاب بالجنة ومعاقب بالنار وقيل ~~لمختلف الأخلاق، فمنكم راحم وقاسي وحليم وطائش وجواد وبخيل] # قال المفسرون: نزلت هذه الآية في أبي بكر - رضي الله عنه - وأبي سفيان. ### || [92.5-11] # قوله: { فأما من أعطى }. قال ابن مسعود - رضي الله عنه - يعني ~~أبا بكر، وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله تعالى: { فأما ~~من أعطى } أي: ms9185 بذل واتقى محارم الله التي نهي عنها { وصدق ~~بالحسنى } أي: بالخلف من الله تعالى على عطائه { فسنيسره ~~لليسرى }. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما من يوم غربت شمسه إلا بعث بجنبتها ملكان ~~يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين: ~~اللهم أعط منفقا خلفا، وأعط ممسكا تلفا ". # وأنزل الله تعالى: { فأما من أعطى واتقى وصدق ~~بالحسنى }... الآيات. # فصل # حذف مفعول " أعطى " ومفعول " اتقى " ، ومفعول " صدق " المجرور ب " على ~~" ، لأن الغرض ذكر هذه الأحداث دون متعلقاتها، وكذلك متعلقات البخل ~~والاستغناء، وقوله تعالى: { فسنيسره للعسرى } إما من باب ~~المقابلة لقوله { فسنيسره لليسرى } وإما نيسره: بمعنى ~~نهيئه، والتهيئة تكون في العسر واليسر. # فصل في المراد بالإعطاء # قال المفسرون: " فأما من أعطى " المعسرين. # وقال قتادة: أعطى حق الله الواجب. # وقال الحسن: أعطى الصدق من قلبه وصدق بالحسنى، أي بلا إله إلا الله، وهو ~~قول ابن عباس والضحاك والسلمي رضي الله عنهم. # وقال مجاهد: بالجنة؛ لقوله تعالى: # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # [يونس: 26]. # وقال زيد بن أسلم: في الصلاة والزكاة والصوم. # وقوله: " فسنيسره لليسرى " أي نرشده لأسباب الخير والصلاح حتى يسهل عليه ~~فعلها. # وقال زيد بن أسلم: لليسرى؛ للجنة. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " ما من نفس إلا كتب الله - تعالى - مدخلها " فقال ~~القوم: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا؟ فقال - ~~عليه الصلاة والسلام -: " بل اعملوا فكل ميسر، فمن كان ~~من أهل السعادة فإنه ميسر لعمل أهل السعادة، ومن ~~كان من أهل الشقاوة فإنه ميسر لعمل أهل الشقاوة " ~~ثم قرأ: { فأما من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى، ~~فسنيسره لليسرى } ". # قوله: { وأما من بخل واستغنى }. أي: ضن بما عنده فلم ~~يبذل خيرا، وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله: { ~~فسنيسره للعسرى } ، قال: سوف أحول بينه وبين الإيمان بالله ~~وبرسوله. # وعن ابن عباس رضي الله عنه قال نزلت في أمية بن خلف. وعن ابن عباس: { ~~وأما من بخل واستغنى } ، أي: بخل بماله واستغنى عن ربه { ~~وكذب بالحسنى } أي: بالخلف الذي وعده الله تعالى ms9186 في قوله ~~تعالى: # ومآ أنفقتم من شيء فهو يخلفه # [سبأ: 39]. # [وقال مجاهد: وكذب بالحسنى أي بالجنة، وعنه: بلا إله إلا الله. فنيسره ~~للعسرى أي نسهل عليه طريقة العسرى للشر، وعن ابن مسعود: أي للنار]. # قوله: { فسنيسره للعسرى } يدل على أن التوفيق والخذلان من ~~الله تعالى لأن التيسير يدل على الرجحان ولزم الوجوب، لأنه لا واسطة بين ~~الفعل والترك، ومع الاستواء لا ترجيح فحال المرجوحية أولى بالامتناع، ~~ومتى امتنع أحد الطرفين وجب الآخر إذ لا خروج عن النقيضين. أجاب القفال: ~~أنه من باب تسمية أحد الضدين باسم الآخر، كقوله تعالى: # وجزآء سيئة سيئة # [الشورى: 40] فسمى الله الألفاظ الداعية إلى الطاعة تيسيرا لليسرى، ~~وسمى ترك هذه الألفاظ تيسيرا للعسرى، أو هو من باب إضافة الفعل إلى ~~السبب دون الفاعل، كقوله تعالى: # إنهن أضللن كثيرا # [إبراهيم: 36]، أو يكون على سبيل الحكم، والإخبار عنه. # وأجيب بأن هذا كله عدول عن الظاهر، والظاهر من جهتنا وهو المقصود من ~~الحديث المتقدم: # " ما من نفس منفوسة ". # قال القفال: معنى الحديث: أن الناس خلقوا للعبادة، قال تعالى: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56]، وهذا ضعيف؛ لأن هذا جواب عن قولهم: " ألا نتكل "؟ ~~فقال: اعملوا فكل ميسر، لما وافق معلوم الله تعالى. # فصل في اليسرى والعسرى # التأنيث في " اليسرى " و " العسرى " إن أريد جماعة الأعمال فظاهر، ~~وإن أريد عمل من الأعمال باعتبار الخصلة، أو الفعلة، أو الطريقة، فمن فسر ~~اليسرى بالجنة، فتيسيرها بإكرام، وسهولة، ومن فسرها بالخير، فتيسيره حضه ~~عليه ونشاطه، بخلاف المنافق والمرائي، ودخلت السين في " فسنيسره " ~~بمعنى الترجي، وهذا يفيد القطع من الله تعالى، أو لأن الأعمال بالخواتيم، ~~فقد يعصي المطيع، وبالعكس، أو لأن أكثر الثواب يكون بالآخرة، وهي متأخرة. # قوله: { وما يغني } ، يجوز أن تكون " ما " نافية، أي: لا يغني عنه ~~ماله شيئا، وأن تكون استفهاما إنكاريا، أي: أي شيء يغني عنه ماله ~~إذا هلك، ووقع في جهنم وتردى، ويروى إما من الهلاك يقال: ردي الرجل يردي، ~~إذا هلك؛ قال: [الطويل] # 5226- صرفت الهوى عنهن من ms9187 خشية الردى # وقال أبو صالح وزيد بن أسلم: تردى، أي سقط في جهنم، ومنه " المتردية " ، ~~ويقال: ردي من في البئر وتردى: إذا سقط في بئر أو نهر أو من جبل، ويقال: ~~ما أدري أين ردى أي أين ذهب. # ويحتمل أن يكون من تردى، وهو كناية عن الموت؛ كقوله: [الكامل] # 5227- وخطا بأطراف الأسنة مضجعي # وردا على عيني فضل ردائيا # وقول الآخر: [الطويل] # 5228- نصيبك مما تجمع الدهر كله # رداءان تلوى فيهما وحنوط ### || [92.12-21] # قوله: { إن علينا للهدى } ، أن نبين طريق الهدى، من طريق ~~الضلال، فالهدى بمعنى بيان الأحكام قاله الزجاج: أي: على الله بيان ~~حلاله، وحرامه، وطاعته ومعصيته، وهو قول قتادة. # وقال الفراء: من سلك الهدى، فعلى الله سبيله، كقوله تعالى: # وعلى الله قصد السبيل # [النحل: 9]، وقيل: معناه إن علينا للهدى والإضلال، فترك الإضلال كقوله ~~تعالى: # بيدك الخير # [آل عمران: 26]، وقوله تعالى: # تقيكم الحر # [النحل: 81] وهي تقي الحر وهي تقي البرد، قاله الفراء أيضا. وهو يروي ~~عن ابن عباس رضي الله عنه. # فصل # لما عرفهم سبحانه أن سعيهم شتى، وبين ما للمحسنين من اليسرى، وللمسيئين ~~من العسرى أخبرهم أنه قد مضى ما عليه من البيان، والدلالة، والترغيب، ~~والترهيب، أي: أن الذي يجب علينا في الحكمة إذا خلقنا الخلق للعبادة أن ~~نبين لهم وجوه التعبد، ونبين المتعبد به. # قالت المعتزلة: إباحة الأعذار تقتضي أنه تعالى كلفهم بما في وسعهم ~~وطاقتهم. # وأيضا فكلمة " على " للوجوب، وأيضا: فلو لم يستقل العبد بالإيجاد، لم ~~يكن في نصب الأدلة فائدة، وجوابهم قد تقدم. # وزاد الواحدي: أن الفراء، قال: إن معنى: إن علينا للهدى والإضلال، ~~فحذف المعطوف كقوله تعالى: # سرابيل تقيكم الحر # [النحل: 81]، وهو معنى قول ابن عباس رضي الله عنهما، يريد: أرشد أوليائي ~~للعمل بطاعتي، وأحول بين أعدائي أن يعملوا بطاعتي، وهو معنى الإضلال، ورد ~~المعتزلة هذا التأويل بقوله تعالى: # وعلى الله قصد السبيل ومنها جآئر # [النحل: 9]، وتقدم جوابهم. # قوله تعالى: { وإن لنا للآخرة والأولى } ، أي: لنا كل ما ~~في الدنيا، والآخرة، فلا يضرنا ترككم الاهتداء بهدانا، ms9188 ولا يزيد في ملكنا ~~اهتداؤكم بل نفع ذلك وضره عائدان عليكم، ولو شئنا لمنعناكم عن المعاصي ~~لكن ذلك يخل بالتكليف، بل نمنعكم بالبيان والتعريف، والوعد والوعيد، ~~ونكون نحن نملك الدارين، فليطلب منا سعادة الدارين؛ فالأول أوفق لقول ~~المعتزلة، والثاني أوفق لقولنا. # وروى أبو صالح عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: ثواب الدنيا والآخرة، ~~وهو كقوله تعالى: # من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب ~~الدنيا والآخرة # [النساء: 134] فمن طلبهما من غير مالكهما فقد أخطأ الطريق. # قوله: { فأنذرتكم نارا تلظى }. قد تقدم في " البقرة ": أن ~~البزي يشدد مثل هذه التاء، والتشديد فيها عسر لالتقاء الساكنين فيهما على ~~غير حدهما، وهو نظير قوله تعالى: # إذ تلقونه # [النور: 15] وقد تقدم. # وقال أبو البقاء: يقرأ بكسر التنوين، وتشديد التاء، وقد ذكر وجهه في ~~قوله تعالى: # ولا تيمموا الخبيث # [البقرة: 267] انتهى. وهذه قراءة غريبة، ولكنها موافقة للقياس من حيث ~~إنه لم يلتق فيها ساكنان وقد ذكر وجهه، أي الذي قاله في " البقرة " ، ولا ~~يفيد هنا شيئا ألبتة فإنه قال هناك: " ويقرأ بتشديد التاء، وقبله ألف، ~~وهو جمع بين ساكنين، وإنام سوغ ذلك المد الذي في الألف. # وقال ابن الزبير، وسفيان، وزيد بن علي، وطلحة، " تتلظى " بتاءين ~~وهو الأصل. # قال القرطبي: " وهي قراءة عبد الله بن عمير ويحيى بن يعمر ". # فصل في معنى الآية # المعنى: خوفتكم، وحذرتكم نارا تلظى، أي: تلهب، وتوقد، وتوهج، يقال: ~~تلظت النار تلظيا، ومنه سميت جهنم: لظى. # قوله تعالى: { لا يصلاهآ } ، أي: لا يجد صلاها، وهو حرها { إلا ~~الأشقى } ، أي: الشقي. # قيل: الأشقى، والأتقى، بمعنى الشقي والتقي، ولا تفضيل فيهما، لأن النار ~~مختصة بالأكثر شقاء، وتجنبها ليس مختصا بالأكثر تقوى. # وقيل: بل هما على بابهما، وإليه ذهب الزمخشري، فإنه قال: فإن قلت: كيف ~~قال: { لا يصلاهآ إلا الأشقى } { وسيجنبها الأتقى ~~} ، وقد علم أن كل شقي يصلاها، وكل تقي يجنبها، لا يختص بالصلي أشقى ~~الأشقياء، ولا بالنجاة أتقى الأتقياء، وإن زعمت أنه نكر النار، فأراد ~~نارا بعينها مخصوصة بالأشقى، فما تصنع بقوله ms9189 { وسيجنبها ~~الأتقى } فقد علم أن أفسق المسلمين يجنب تلك النار المخصوصة، لا ~~الأتقى منهم خاصة. # قلت: الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين، وعظيم من ~~المؤمنين، فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين؛ فقيل: الأشقى، وجعل: ~~مختصا بالصلي كأن النار لم تخلق إلا له. وقيل: الأتقى، وجعل مختصا ~~بالنجاة، كأن الجنة لم تخلق إلا له، وقيل: هما أبو جهل وأمية وأبو بكر - ~~رضي الله عنه. # قال: جوابه المراد بهما شخصان معينان. انتهى. # فصل # قال المفسرون: المراد بالأشقى، والشقي: الذي " كذب " نبي الله صلى ~~الله عليه وسلم " وتولى " أعرض عن الإيمان. # وقال الفراء: معناه إلا من كان شقيا في علم الله تعالى. # قال بعضهم: " الأشقى " بمعنى الشقي؛ كقوله: [الطويل] # 5229- ................................. # ....لست فيها بأوحد # " بأوحد " ، أي: بواحد، ووحيد، ويوضع " أفعل " موضع " فعيل " نحو قولهم: ~~" الله أكبر " بمعنى كبير وهو أهون عليه بمعنى هين، قالت المرجئة: ~~الآية تدل على أن الوعيد مختص بالكافر. # والجواب: المعارضة بآيات الوعيد. # وأيضا: فهذا إغراء بالمعاصي، وأيضا، فقوله تعالى بعده: { ~~وسيجنبها الأتقى } يدل على ترك هذه الظاهرة؛ لأن الفاسق ليس " ~~بأتقى " فالمراد بقوله تعالى: { نارا تلظى } أنها مخصوصة من بين ~~النيران؛ لأن النار دركات، ولا يلزم من هذا أن الفاسق لا يدخل النار ~~أصلا، والمراد لا يصلاها بعد الاستحقاق. # وأجاب الواحدي: بأن معنى " لا يصلاها ": لا يلزمها، وهذه الملازمة ~~لا تثبت إلا للكافر. # قوله: { وسيجنبها الأتقى } ، أي: يبعد عنها الأتقى، أي: ~~التقي الخائف. # قال ابن عباس: وهو أبو بكر - رضي الله عنه -، ثم وصف الأتقى، فقال ~~سبحانه: { الذى يؤتي ماله يتزكى } أي: يطلب أن يكون عند ~~الله زاكيا، ولا يطلب بذلك رياء، ولا سمعة بل يتصدق به مبتغيا به وجه ~~الله. # قوله: " يتوكى ". قرأ العامة: " يتزكى " مضارع " تزكى ". # والحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهم -: " ~~يزكى " بإدغام الياء في الزاي، وفي هذه الجملة وجهان: # أحدهما: أنها في موضع الحال من فاعل " يؤتي " ، أي: يؤتيه متزكيا به. # والثاني: أنها لا موضع لها من ms9190 الإعراب على أنها بدل من صلة " الذي " ، ~~ذكرهما الزمخشري. # قوله تعالى: { وما لأحد عنده من نعمة تجزى } ، أي: ~~ليس يتصدق ليجازى على نعمة بل يبتغي وجه ربه الأعلى، أي: المتعالي، و " ~~تجزى " صفة ل " نعمة " ، أي: يجزى الإنسان، وإنما جيء به مضارعا ~~مبنيا للمفعول، لأجل الفواصل؛ إذ الأصل: يجزيها إياه أو يجزيه إياها. # قوله: { إلا ابتغآء وجه ربه }. في نصب " إلا ابتغاء ~~" وجهان: # أحدهما: أنه مفعول له قال الزمخشري: " ويجوز أن يكون مفعولا له على ~~المعنى؛ لأن المعنى: لا يؤتي ماله إلا ابتغاء وجه ربه، لا لمكافأة نعمة ~~". وهذا أخذه من قول الفراء، فإنه قال: ونصب على تأويل: ما أعطيتك ابتغاء ~~جزائك، بل ابتغاء وجه الله تعالى. # والثاني: أنه منصوب على الاستثناء المنقطع، إذ لم يندرج تحت جنس " من ~~نعمة " وهذه قراءة العامة، أعني: النصب، والمد. # وقرأ يحيى: برفعه ممدودا على البدل من محل " نعمة "؛ لأن محلها ~~الرفع، إما على الفاعلية، وإما على الابتداء، و " من " مزيدة في الوجهين، ~~والبدل لغة تميم؛ لأنهم يجرون المنقطع في غير الإيجاب مجرى المتصل، وأنشد ~~الزمخشري بالوجهين: النصب؛ والبدل قول بشر بن أبي خازم: [البسيط] # 5230- أضحت خلاء قفارا لا أني بها # إلا الجآذر والظلمان تختلف # وقول القائل في الرفع: [الرجز] # 5231- وبلدة ليس بها أنيس # إلا اليعافير وإلا العيس # وفي التنزيل: # ما فعلوه إلا قليل منهم # [النساء: 66]. # وقال مكي: " وأجاز الفراء الرفع في " ابتغاء " على البدل في موضع " ~~نعمة " ، وهو بعيد ". # قال شهاب الدين: " كأنه لم يطلع عليها قراءة، واستبعاده هو البعيد، ~~فإنها لغة فاشية ". # وقرأ ابن أبي عبلة: " ابتغا " بالقصر. # فصل في سبب نزول الآية # روى عطاء، والضحاك عن ابن عباس، قال: # " عذب المشركون بلالا، وبلال يقول: أحد أحد فمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: " أحد، يعني الله ينجيك بها " ، ثم قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر - رضي الله عنه -: " يا أبا بكر إن ~~بلالا يعذب في الله " ، فعرف أبو بكر الذي يريده رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فانصرف ms9191 إلى منزله، فأخذ رطلا من ذهب ومضى ~~به إلى أمية بن خلف، فقال له: أتبيعني بلالا؟ قال: نعم، فاشتراه، ~~فأعتقه أبو بكر - رضي الله عنه - لا ليد كانت له عنده " # ، فنزلت { وما لأحد عنده } ، أي: عند أبي بكر " من نعمة " ~~أي: مزية ومنة " تجزى " بل ابتغى بما فعل وجه ربه الأعلى. # قال بعضهم: المراد ابتغاء ثوابه وكرامته لأن ابتغاء ذاته محال، وقال ~~بعضهم: لا حاجة إلى هذا الإضمار، بل حقيقة هذه المسألة ترجع إلى أن العبد ~~هل يمكن أن يحب ذات الله، والمراد من هذه المحبة ذاته، وكرامته. ذكره ابن ~~الخطيب. # والأعلى من نعت الرب الذي استحق صفات العلو، ويجوز أن يكون ابتغاء وجه ~~ربه لا لمكافأة نعمة]. # قوله: { ولسوف يرضى }. هذا جواب قسم مضمر، والعامة: على " ~~يرضى " مبنيا للفاعل وقرئ: ببنائه للمفعول، من أرضاه الله تعالى. # [وهو قريب من قوله تعالى في آخر سورة طه # لعلك ترضى # [طه: 130]. # ومعنى الآية: سوف يعطيه الله تعالى في الجنة ما يرضى، بأن يعطيه أضعاف ~~ما أنفق. # قال ابن الخطيب: وعندي فيه وجه آخر، وهو أن المراد أنه إنما طلب رضوان ~~الله تعالى، وليس يرضى الله عنه، قال: وهذا أعظم من الأول؛ لأن رضا الله ~~أكمل للعبد من رضاه عن ربه، والله أعلم. # روى الثعلبي عن أبي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من قرأ سورة { والليل } أعطاه الله حتى يرضى، ~~وعافاه الله تعالى من العسر، ويسر له اليسر ". # قال الثعلبي: وإذا ثبت نزولها ب " مكة " ضعف تأويلها بقصة أبي الدحداح، ~~وقوي تأويلها بنزولها في حق أبي بكر - رضي الله عنه - لأنه كان ب " مكة ~~" ، وإنفاقه ب " مكة " وقصة أبي الدحداح كانت بالمدينة. # وروي عن علي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " رحم الله أبا بكر، زوجني ابنته، وحملني إلى دار ~~الهجرة، وأعتق بلالا من ماله " # والله أعلم. ### | [93 - سورة الضحى] ### || [93.1-5] # قوله تعالى: { والضحى والليل إذا سجى } ، تقدم الكلام في ~~" الضحى " والمراد ms9192 به هنا: النهار، لمقابلته بقوله تعالى: { ~~والليل إذا سجى } ، ولقوله تعالى: # أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم ~~يلعبون # [الأعراف: 98]، أي: نهارا. # وقال قتادة ومقاتل وجعفر الصادق، أقسم بالضحى الذي كلم الله فيه موسى - ~~عليه الصلاة والسلام - وبليلة المعراج. # وقيل: " الضحى " هي الساعة التي خر فيها السحرة سجدا لقوله ~~تعالى: # وأن يحشر الناس ضحى # [طه: 59]. # وقال القرطبي: " يعني عباده الذين يعبدونه في وقت الضحى، وعباده الذين ~~يعبدونه بالليل إذا أظلم ". # وقيل: الضحى نور الجنة، والليل ظلمة النار. # وقيل: الضحى نور قلوب العارفين كهيئة النهار، والليل سواد قلوب الكافرين ~~كهيئة الليل، أقسم تعالى بهذه الأشياء. # وقال أهل المعاني فيه وفي أمثاله: فيه إضمار مجازه ورب الضحى وسيجيء ~~معناه. و " سجى " ، أي: سكن، قاله قتادة ومجاهد وابن زيد وعكرمة. # يقال: ليلة ساجية، أي: ساكنة. # ويقال للعين إذا سكن طرفها ساجية، ويقال: سجا الشيء سجوا إذا ~~سكن، وسجا البحر سجوا، أي: سكنت أمواجه وطرف ساج، أي: فاتر، ومنه ~~استعير تسجية الميت، أي: تغطيته بالثواب؛ قاله الراغب. # وقال الأعشى: [الطويل] # 5232- فما ذنبنا أن جاش بحر ابن عمكم # وبحرك ساج ما يواري الدعامصا # وقال الفراء: أظلم. # وقال ابن الأعرابي: اشتد ظلامه. # وقال الشاعر: [الرجز] # 5233- يا حبذا القمراء والليل الساج # وطرق مثل ملاء النساج # [قال الضحاك: سجا غطى كل شيء. # قال الأصمعي: سجو الليل؛ تغطيته النهار، ومثل ما يسجى الرجل الثوب. # وعن ابن عباس: سجا أدبر، وعنه: أظلم. # وقال سعيد بن جبير: أقبل. # وعن مجاهد: سجا: استوى. # والقول الأول أشهر في اللغة، أي: سكن الناس فيه كما قال: نهار صائم وليل ~~قائم. # وقيل: سكونه استقرار ظلامه، وهو من ذوات الواو، وإنما أميل لموافقة رءوس ~~الآي، كالضحى، فإنه من ذوات الواو أيضا]. # فصل # قال ابن الخطيب: وقدم هنا الضحى، وفي السورة التي قبلها قدم الليل إما ~~لأن لكل منهما أثر عظيم في صلاح العالم، ولليل فضيلة السبق لقوله ~~تعالى: # وجعل الظلمات والنور # [الأنعام: 1]، وللنهار فضيلة النور، فقدم سبحانه هذا تارة وقدم هذا ~~تارة، كالركوع والسجود ms9193 في قوله تعالى: # اركعوا واسجدوا # [الحج: 77] وقوله تعالى: # واسجدي واركعي مع الراكعين # [آل عمران: 43]. # وقيل: قدم الليل في سورة أبي بكر - رضي الله عنه - لأن أبا بكر سبقه ~~كفر، وقدم الضحى في سورة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه نور محض، ولم ~~يتقدمه ذنب. # وقيل: لما كانت سورة " الليل " سورة أبي بكر - رضي الله عنه - وسورة " ~~الضحى " سورة محمد صلى الله عليه وسلم لم يجعل بينهما واسطة، ليعلم أنه ~~لا واسطة بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين أبي بكر رضي الله عنه. # فصل في ذكر الضحى والليل # قال ابن الخطيب: وذكر الضحى، وهو ساعة، وذكر الليل بجملته، إشارة إلى أن ~~ساعة من النهار توازي جميع الليل، كما أن محمدا صلى الله عليه وسلم ~~يوازن جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. # وأيضا: فالضحى وقت السرور، والليل وقت الوحشة، ففيه إشارة إلى أن ~~سرور الدنيا، أقل من شرورها، وأن هموم الدنيا أدوم من سرورها، فإن الضحى ~~ساعة، والليل ساعات، يروى أن الله - سبحانه وتعالى - لما خلق العرش أظلت ~~غمامة سوداء، ونادت: ماذا أمطر؟ فأجيبت أن أمطري الهموم والأحزان مائة ~~عام، ثم انكشفت، فأمرت مرة أخرى بذلك، وهكذا إلى ثلاثمائة سنة، ثم بعد ~~ذلك أظلت عن يمين العرش غمامة بيضاء، ونادت ماذا أمطر؟ فأجيبت أن أمطري ~~السرور ساعة فلهذا ترى الهموم، والأحزان دائمة، والسرور قليلا ونادرا، ~~وقدم ذكر الضحى لأنه يشبه الحياة، وأخر الليل؛ لأنه يشبه الموت. # قوله: { ما ودعك ربك } ، هذا جواب القسم، والعامة: على تشديد ~~الدال من التوديع. # وقرأ عروة بن الزبير وابنه هاشم، وابن أبي عبلة، وأبو حيوة بتخفيفها، من ~~قولهم: " ودعه " ، أي: تركه والمشهور في اللغة الاستغناء عن " ودع، ~~ووذر " واسم فاعلهما، واسم مفعولهما ومصدرهما ب " ترك " وما تصرف منه، ~~وقد جاء " ودع ووذر "؛ قال الشاعر: [الرمل] # 5234- سل أميري: ما الذي غيره # عن وصالي اليوم حتى ودعه # وقال آخر: [الطويل] # 5235- وثم ودعنا آل عمرو وعامر # فرائس أطراف المثقفة السمر # قيل: والتوديع مبالغة في الودع؛ لأن من ودعك مفارقا، فقد ms9194 بالغ في تركك. # قال القرطبي: واستعماله قليل يقال: هو يدع كذا، أي: يتركه. # قال المبرد: لا يكادون يقولون: ودع، ولا ذر، لضعف الواو إذا قدمت، ~~واستغنوا عنهما ب " ترك ". # قوله: { وما قلى } ، أي: ما أبغضك، يقال: قلاه يقليه - بكسر العين ~~في المضارع - وتقول: قلاه يقلاه، بالفتح؛ قال: [الهزج] # 5236- أيا من لست أنساه # ولا والله أقلاه # لك الله على ذاكا # لك الله لك الله # وحذف مفعول " قلا " مراعاة للفواصل مع العلم به، وكذا بعد " فآوى " ~~وما بعده. # فصل في " القلى " # القلى: البغض، أي: ما أبغضك ربك منذ أحبك، فإن فتحت القاف مددت، تقول: ~~قلاه يقليه قى وقلاء، كما تقول: قريت الضيف أقرية قرى وقراء، ويقلاه: لغة ~~طيىء. وأنشد: # 5237- أيام أم الغمر لا نقلاها # أي: لا نبغضها، ونقلي: أي: نبغض؛ وقال: [الطويل] # 5238- أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة # لدينا ولا مقلية إن تقلت # وقال امرؤ القيس: [الطويل] # 5239- ................................ # ولست بمقلي الخلال ولا قال # ومعنى الآية: ما ودعك ربك وما قلاك، فترك الكاف، لأنه رأس آية، كقوله ~~تعالى: # والذاكرين الله كثيرا والذاكرات # [الأحزاب: 35] أي: والذاكرات الله. # فصل في سبب نزول الآية # قال المفسرون: انحبس الوحي عن النبي صلى الله عليه وسلم اثني عشر يوما. # وقال ابن عباس: خمسة عشر يوما [وقيل خمسة وعشرين يوما. # وقال مقاتل: أربعين يوما]. # فقال المشركون: إن محمدا صلى الله عليه وسلم قلاه ربه وودعه، ولو كان ~~أمره من الله لتابع عليه كما كان يفعل بمن كان قبله من الأنبياء، فنزلت ~~هذه الآية. # وروى البخاري عن جندب بن سفيان قال: اشتكى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فلم يقم ليلتين، أو ثلاثا، فجاءت أم جميل امرأة أبي لهب - لعنة ~~الله عليها - فقالت: يا محمد، إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره ~~قربك ليلتين، أو ثلاث، فأنزل الله تعالى: { والضحى والليل ~~إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى }. # وروي عن أبي عمران الجوني: قال: أبطأ جبريل على النبي صلى الله عليه ~~وسلم حتى شق عليه، فجاءه وهو واضع جبهته ms9195 على الكعبة يدعو، فنكت بين ~~كتفيه، وأنزل عليه: { ما ودعك ربك وما قلى }. # وروي أن خولة كانت تخدم النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: # " إن جروا دخل البيت، فدخل تحت السرير فمات، فمكث نبي الله أياما لا ~~ينزل عليه الوحي، فقال: " يا خولة ما حدث في بيتي؟ ما لجبريل لا ~~يأتيني "؟ قالت خولة: فقلت: لو هيأت البيت، وكنسته، فأهويت بالمكنسة ~~تحت السرير، فإذا جرو ميت، فأخذته، فألقيته خلف الجدار، فجاء نبي الله ~~صلى الله عليه وسلم ترعد لحياه - وكان إذا نزل عليه الوحي استقبلته ~~الرعدة - فقال: يا خولة دثريني، فأنزل الله هذه السورة، ولما نزل ~~جبريل سأله النبي صلى الله عليه وسلم عن التأخر، فقال: " أما علمت ~~أنا لا ندخل بيتا فيه كلب، ولا صورة ". # وقيل: لما سألته اليهود عن الروح، وذي القرنين وأهل الكهف، قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: " سأخبركم غدا " ولم يقل: إن شاء الله، فاحتبس ~~عنه الوحي إلى أن نزل جبريل - عليه السلام - بقوله تعالى: # ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن ~~يشآء الله # [الكهف: 23، 24]، فأخبره بما سئل عنه، وفي هذه القصة نزلت: { ما ~~ودعك ربك وما قلى }. # قوله: { وللآخرة } الظاهر في هذه اللام أنها جواب القسم، وكذلك وفي ~~" ولسوف " أقسم الله تعالى على أربعة أشياء: اثنان منفيان، وهما ~~توديعه وقلاه، واثنان مثبتان مؤكدان، وهما كون الآخرة خيرا له من ~~الأولى، وأنه سوف يعطيه ما يرضيه. وقال الزمخشري: " فإن قلت: ما هذه ~~اللام الداخلة على " سوف "؟. # قلت: هي لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة، والمبتدأ محذوف، تقديره: ~~وأنت سوف - كما ذكرنا في " لأقسم " أن المعنى: لأنا أقسم - وذلك أنها لا ~~تخلو من أن تكون لام قسم، أو ابتداء، فلام القسم لا تدخل مع المضارع إلا ~~مع نون التوكيد، فبقي أن تكون لام ابتداء، ولام الابتداء لا تدخل إلا ~~على الجملة من المبتدأ، والخبر، فلا بد من تقدير مبتدأ، وخبره، وأن يكون ~~أصله: ولأنت سوف يعطيك ". # ونقل أبو حيان عنه، أنه قال: " وخلع من اللام دلالتها ms9196 على الحال " ~~انتهى. # وهذا الذي رده على الزمخشري، يختار منه: أنها لام القسم، وقوله: " لا ~~يدخل مع المضارع إلا مع نون التوكيد " ، استثنى النحاة منه صورتين: # إحداهما: أن لا يفصل بينها وبين الفعل حرف التنفيس كهذه الآية، وكقولك: ~~" والله لسأعطيك ". # والثاني: ألا يفصل بينهما بمعمول الفعل، كقوله: # لإلى الله تحشرون # [آل عمران: 158]. # ويدل لما قلت ما قال الفارسي: ليست هذه اللام هي التي في قولك: " إن ~~زيدا لقائم " ، بل هي التي في قولك: " لأقومن " ونابت " سوف " عن ~~إحدى نوني التأكيد، فكأنه قال: ولنعطينك. # وقوله: " خلع منها دلالتها على الحال " يعني أن لام الابتداء الداخلة ~~على المضارع مخلصة للحال وهنا لا يمكن ذلك؛ لأجل حرف التنفيس، فلذلك خلعت ~~الحالية منها. # وقال أبو حيان: واللام في " وللآخرة " لام ابتداء أكدت مضمون ~~الجملة، ثم حكى بعض ما تقدم عن الزمخشري وأبي علي، ثم قال: " ويجوز عندي ~~أن تكون اللام في " وللآخرة خير " وفي " ولسوف يعطيك " ~~اللام التي يتلقى بها القسم، عطفهما على جواب القسم، وهي قوله ~~تعالى: { ما ودعك ربك } ، فيكون هذا قسما على هذه الثلاثة " ~~انتهى. # فظاهره أن هذه اللام في " وللآخرة " لام ابتداء غير متلقى بها القسم ~~بدليل قوله ثانيا: " ويجوز عندي " ، ولا يظهر انقطاع هذه الجملة عن جواب ~~القسم ألبتة، وكذلك في " ولسوف " ، وتقدير الزمخشري: مبتدأ بعدها ~~لا ينافي كونها جوابا للقسم، إنما منع أن يكون جوابا لكونها داخلة ~~على المضارع لفظا، وتقديرا. # وقال ابن الخطيب: فإن قيل: ما معنى الجمع بين حرفي التأكيد والتأخير؟. # قلت: معناه أن العطاء كائن لا محالة وإن تأخر لما في التأخير من ~~المصلحة. # فصل # قال إبن إسحاق: معنى قوله: { وللآخرة خير لك من الأولى ~~} ، أي: ما عندي من مرجعك إلي يا محمد خير لك مما عجلت لك من الكرامة ~~في الدنيا. # روى علقمة عن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا ". # وقوله تعالى: { ولسوف يعطيك ربك فترضى } روى عطاء ms9197 عن ~~ابن عباس - رضي الله عنهما -: هو الشفاعة في أمته حتى يرضى، وهو قول علي ~~والحسن. # وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله تعالى في إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام: { فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني ~~فإنك غفور رحيم } [إبراهيم: 36]، وهو قول عيسى - عليه الصلاة ~~والسلام -: { إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر ~~لهم } [المائدة: 118]، الآية، فرفع يديه وقال: " اللهم أمتي ~~أمتي " وبكى، فقال الله تعالى لجبريل " اذهب إلى محمد، وربك أعلم، ~~فسله ما يبكيك " فأتى جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم فسأله فأخبره، ~~فقال الله تعالى لجبريل: " اذهب إلى محمد، فقل له: إن الله يقول لك: ~~إنا سنرضيك في أمتك، ولا نسوءك " # وقال حرب بن شريح: سمعت أبا جعفر محمد بن علي يقول: إنكم يا معشر أهل ~~العراق تقولون: إن أرجى آية في كتاب الله تعالى: # قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله # [الزمر: 53] قالوا: إنا نقول ذلك، قال: ولكنا أهل البيت نقول: إن أرجى ~~آية في كتاب الله: { ولسوف يعطيك ربك فترضى }. # وقيل: يعطيك ربك من الثواب، وقيل: من النصر، فترضى، وقيل: الحوض ~~والشفاعة. # فصل في الكلام على انقطاع الوحي # وجه النظم، كأنه قيل: انقطاع الوحي لا يكون عزلا عن النبوة، بل غايته ~~أنه أمارة الموت للاستغناء عن الرسالة، فإن فهمت منه قرب الموت، فالموت ~~خير لك من الأولى، وفهم النبي صلى الله عليه وسلم من الخطاب بقوله: ما ~~ودعك ربك وما قلى تشريفا عظيما، فقيل له: { وللآخرة خير لك من ~~الأولى } ، أي: أن الأحوال الآتية خير لك من الماضية، فهو وعد بأنه ~~سيزيده عزا إلى عزه، وبيان أن الآخرة خير، كأنه صلى الله عليه وسلم ~~يفعل فيها ما يريد، ولأنه آثرها فهي ملكه، وملكه خير مما لا يكون ملكه، ~~أو لأن الكفار يؤذونك وأمتك في الدنيا، وأما في الآخرة فهم شهداء على ~~الناس، أو لأن خيرات الدنيا قليلة مقطوعة، ولم يقل: خير لك، لأن فيهم من ms9198 ~~الآخرة شر له، فلو ميزهم لافتضحوا. ### || [93.6-11] # ثم أخبر الله تعالى عن حاله التي كان عليها قبل الوحي, وذكره نعمه, ~~فقال: { ألم يجدك يتيما فآوى } ، العامة على: " فآوى " بألف ~~بعد الهمزة رباعيا. # وأبو الأشهب: " فأوى " ثلاثيا. # قال الزمخشري: " وهو على معنيين: إما من " أواه " بمعنى " آواه " سمع ~~بعض الرعاة يقول: أين آوي هذه الموقسة؟ وإما من أوى له، إذا رحمه ". ~~انتهى. # وعلى الثاني قوله: [الطويل] # 5240- أراني ولا كفران لله أية # لنفسي لقد طالبت غير منيل # أي: رحمة لنفسي، ووجه الدلالة من قوله " أين آوي هذه " ، أنه لو كان من ~~الرباعي [لقال: أأوي - بضم الهمزة الأولى وسكون الثانية - لأنه مضارع ~~آوى مثل أكرم، وهذه الهمزة] المضمومة هي حرف المضارعة، والثانية هي فاء ~~الكلمة، وأما همزة " أفعل " فمحذوفة على القاعدة، ولم تبدل هذه الهمزة ~~كما أبدلت في " أومن " لئلا يستثقل بالإدغام، ولذلك نص الفراء على أن " ~~تؤويه " من قوله تعالى # وفصيلته التي تؤويه # [المعارج: 13] لا يجوز إبدالها للثقل. # فصل # قال ابن الخطيب: " يجدك " من الوجود الذي بمعنى العلم، والمفعولان ~~منصوبان ب " وجد " ، والوجود من الله العلم، والمعنى: ألم يعلمك الله ~~يتيما فآوى. # قال القرطبي: " يتيما " لا أب لك، قد مات أبوك، " فآوى " ، أي: جعل ~~لك مأوى تأوى إليه عند عمك أبي طالب، فكفلك. # وقيل لجعفر بن محمد الصادق: لم أوتم النبي صلى الله عليه وسلم من ~~أبويه؟. # فقال: لئلا يكون لمخلوق عليه حق. # وعن مجاهد: هو من قول العرب: درة يتيمة إذا لم يكن لها مثل، فمجاز ~~الآية ألم يجدك واحدا في شرفك، لا نظير لك، فآواك الله بأصحاب يحفظونك، ~~ويحوطونك. # فصل في جواب سؤال # أورد ابن الخطيب هنا سؤالا: وهو أنه كيف يحسن من الجواد أن يمن بنعمة، ~~فيقول: { ألم يجدك يتيما فآوى } ، ويؤكد هذا السؤال أن الله - ~~تعالى - حكى عن فرعون قوله لموسى عليه الصلاة والسلام: # ألم نربك فينا وليدا # [الشعراء: 18] في معرض الذم لفرعون فما كان مذموما من فرعون، كيف ~~يحسن من الله تعالى؟ قال: والجواب: أن ذلك يحسن ms9199 إذا قصد بذلك تقوية قلبه، ~~ووعده بدوام النعمة، ولهذا ظهر الفرق بين هذا الامتنان، وبين امتنان ~~فرعون، لأن امتنان فرعون معناه: فما بالك لا تخدمني، وامتنان الله تعالى: ~~زيادة نعمه، كأنه يقول: ما لك تقطع عني رجاءك، ألست شرعت في تربيتك ~~أتظنني تاركا لما صنعته، بل لا بد وأ أتم النعمة كما قال تعالى: # ولأتم نعمتي عليكم # [البقرة: 150]. # فإن قيل: إن الله تعالى من عليه بثلاثة أشياء، ثم أمره أن يذكر نعمة ~~ربه، فما وجه المناسبة؟. # فالجواب: وجه المناسبة أن تقول: قضاء الدين واجب، والدين نوعان: مالي ~~وإنعامي، والإنعامي أقوى وجوبا لأن المال قد يسقط بالإبراء، والإنعامي ~~يتأكد بالإبراء، والمالي يقضى مرة فينجو منه الإنسان، والإنعامي يجب عليه ~~قضاؤه طول عمره، فإذا تعذر قضاء النعمة القليلة من منعم، هو مملوك، فكيف ~~حال النعمة العظيمة من المنعم المالك، فكان العبد يقول: إلهي أخرجتني من ~~العدم، إلى الوجود بشرا مستويا، طاهر الظاهر نجس الباطن، بشارة منك، ~~تستر علي ذنوبي بستر عفوك، كما سترت نجاستي بالجلد الظاهر، فكيف يمكنني ~~قضاء نعمتك التي لا حصر لها، فيقول تبارك وتعالى: الطريق إلى ذلك أن تفعل ~~في حق [عبيدي ذلك، وكنت عائلا فأغنيتك، فافعل في حق] الأيتام ذلك ثم إذا ~~فعلت كل ذلك، فاعلم أنما فعلته بتوفيقي، ولطفي، وإرشادي، فكن أبدا ~~ذاكرا لهذه النعم. # قوله: { ووجدك ضآلا فهدى } ، أي: غافلا عما يراد بك من أمر ~~النبوة فهداك أي: أرشدك، والضلال هنا بمعنى الغفلة، لقوله تعالى: # لا يضل ربي ولا ينسى # [طه: 52] أي: لا يغفل، وقال في حق نبيه صلى الله عليه وسلم: # وإن كنت من قبله لمن الغافلين # [يوسف: 3] وقيل: معنى قوله: " ضالا " لم تكن تدري القرآن، والشرائع، ~~فهداك الله إلى القرآن، وشرائع الإسلام، قاله الضحاك وشهر بن حوشب ~~وغيرهما. قال تعالى: # ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان # [الشورى: 52] على ما تقدم في سورة الشورى. # وقال السدي والكلبي والفراء: وجدك ضالا، أي: في قوم ضلال، فهداهم ~~الله بك، أو فهداك إلى إرشادهم. # وقيل: وجدك ضالا ms9200 عن الهجرة، فهداك وقيل: " ضالا " ، أي: ناسيا شأن ~~الاستثناء حين سئلت عن أصحاب الكهف، وذي القرنين، والروح، فأذكرك، لقوله ~~تعالى: # أن تضل إحداهما # [البقرة: 282]. # وقيل: ووجدك طالبا للقبلة فهداك إليها، لقوله تعالى: # قد نرى تقلب وجهك في السمآء # [البقرة: 144]، ويكون الضلال بمعنى الطلب؛ لأن الضال طالب. # وقيل: وجدك ضائعا في قومك، فهداك إليهم، ويكون الضلال بمعنى الضياع. # وقيل: ووجدك محبا للهداية، فهداك إليها؛ ويكون الضلال بمعنى المحبة ~~ومنه قوله تعالى: # قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم # [يوسف: 95]، أي: في محبتك. # قال الشاعر: [الكامل] # 5241- هذا الضلال أشاب مني المفرقا # والعارضين ولم أكن متحققا # عجبا لعزة في اختيار قطيعتي # بعد الضلال فحبلها قد أخلقا # وقيل: ضالا في شعاب " مكة " ، فهداك وردك إلى جدك عبد المطلب. # وقال كعب - رضي الله عنه -: إن حليمة لما قضت حق الرضاع، جاءت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لترده على عبد المطلب، فسمعت عند باب " مكة ": ~~هنيئا لك يا بطحاء " مكة " ، اليوم يرد إليك الدين والبهاء والنور ~~والجمال، قالت: فوضعته لأصلح ثيابي، فسمعت هدة شديدة فالتفت فلم أره، ~~فقلت: معشر الناس، أين الصبي؟ فقالوا: لم نر شيئا فصحت: وامحمداه، فإذا ~~شيخ فإن يتوكأ على عصاه، فقال: اذهبي إلى الصنم الأعظم، فإن شاء أن يرده ~~إليك فعل، ثم طاف الشيخ بالصنم، وقبل رأسه وقال: يا رب، لم تزل منتك ~~على قريش، وهذه السعدية تزعم أن ابنها قد ضل، فرده إن شئت، فانكب هبل ~~على وجهه، وتساقطت الأصنام؛ وقالت: إليك عنا أيها الشيخ, فهلاكنا على ~~يدي محمد, فألقى الشيخ عصاه, وارتعد, وقال: إن لابنك ربا لا يضيعه ~~فاطلبيه على مهل، فانحشرت قريش إلى عبد المطلب، وطلبوه في جميع " مكة " ، ~~فلم يجدوه فطاف عبد المطلب بالكعبة سبعا، وتضرع إلى الله أن يرده؛ وقال: ~~[الرجز] # 5242- يا رب، رد ولدي محمدا # أردده ربي واصطنع عندي يدا # فسمعوا مناديا ينادي من السماء: معاشر الناس لا تضجوا، فإن لمحمد ربا ~~لا يضيعه ولا يخذله، وإن محمدا بوادي " تهامة " ، عند شجرة السمر، ~~فسار عبد المطلب ms9201 هو وورقة بن نوفل، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم قائم ~~تحت شجرة يلعب بالإغصان وبالورق. # وفي رواية: فما زال عبد المطلب يردد البيت حتى أتاه أبو جهل على ناقة، ~~ومحمد صلى الله عليه وسلم بين يديه، وهو يقول: ألا تدري ماذا جرى من ~~ابنك؟. # فقال عبد المطلب: ولم؟ قال: إني أنخت الناقة، وأركبته خلفي فأبت الناقة ~~أن تقوم، فلما أركبته أمامي قامت الناقة. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: رده إلى جده وبيد عدوه، كما فعل بموسى ~~- عليه الصلاة والسلام - حين حفظه عند فرعون. # وقال سعيد بن جبير: خرج النبي صلى الله عليه وسلم مع عمه أبي طالب في ~~سفر، فأخذ إبليس بزمام ناقته في ليلة ظلماء فعدل بها على الطريق، فجاء ~~جبريل - عليه السلام - فنفخ لإبليس نفخة وقع منها إلى أرض " الهند " ، ~~ورده إلى القافلة صلى الله عليه وسلم. # وقيل: ووجدك ضالا ليلة المعراج حين انصرف عنك جبريل، وأنت لا تعرف ~~الطريق، فهداك إلى ساق العرش. # وقال بعض المتكلمين: إذا وجدت العرب شجرة منفردة في فلاة من الأرض، لا ~~شجر معها، سموها ضالة، فيهتدى بها إلى الطريق، فقال تعالى لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم: " ووجدك ضالا " أي لا أحد على دينك، بل وأنت وحيد ليس ~~معك أحد، فهديت بك الخلق إلي. # وقيل: ووجدك مغمورا في أهل الشرك، فميزك عنهم، يقال: ضل الماء في ~~اللبن، ومنه # أإذا ضللنا في الأرض # [السجدة: 10]، أي: لحقنا بالتراب عند الدفن، حتى كأنا لا نتميز من ~~جملته وقيل: ضالا عن معرفة الله حين كنت طفلا صغيرا، كقوله تعالى: # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا # [النحل: 78] فخلق فيك العقل والهداية والمعرفة، فالمراد من الضال الخالي ~~من العلم لا الموصوف بالاعتقاد، قيل: قد يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم، ~~والمراد قومه فقوله تعالى: { ووجدك ضآلا فهدى } أي وجد قومك ~~ضلالا فهداهم بك. # وقيل: إنه كان على ما كان القوم عليه لا يظهر لهم في الظاهر الحال، وأما ~~الشرك فلا يظن به على مواسم القوم ms9202 في الظاهر أربعين سنة. # وقال الكلبي والسدي أي وجدك كافرا والقوم كفارا فهداك، وقد مضى الرد ~~على هذا القول في سورة الشورى. # قوله: { ووجدك عآئلا فأغنى } ، العائل: الفقير، وهذه قراءة ~~العامة يقال: عال زيد، أي: افتقر. # قال الشاعر: [الوافر] # 5243- وما يدري الفقير متى غناه # وما يدري الغني متى يعيل # وقال جرير: [الكامل] # 5244- الله أنزل في الكتاب فريضة # لابن السبيل وللفقير العائل # وقرأ اليماني: " عيلا " بكسر الياء المشددة ك " سيد ". # وقال ابن الخطيب: العائل ذو العيلة، ثم أطلق على الفقير لم يكن له عيال، ~~والمشهور أن المراد به الفقير، ويؤيده ما روي في مصحف عبد الله: " ~~ووجدك عديما ". # وقوله تعالى: { فأغنى } ، أي: فأغناك خديجة وتربية أبي طالب، ولما ~~اختل ذلك أغناك بمال أبي بكر - رضي الله عنه -، ولما اختل ذلك أمره ~~بالهجرة وأغناه بإعانة الأنصار - رضي الله عنهم -، ثم أمره بالجهاد، ~~وأغناه صلى الله عليه وسلم بالغنائم. # [وقال مقاتل: أغناك بما أعطاك من الرزق. # وقال عطاء: وجدك فقير النفس، فأغنى قلبك، وقيل: فقيرا من الحجج ~~والبراهين، فأغناك بها]. # قوله: { فأما اليتيم فلا تقهر }. اليتيم منصوب ب " ~~تقهر " ، وبه استدل ابن مالك على أنه لا يلزم من تقديم المعمول تقديم ~~العامل؛ ألا ترى أن اليتيم منصوب بالمجزوم، وقد تقدم الجازم، لو قدمت ~~المجزوم على جازمه، لامتنع، لأن المجزوم لا يتقدم على جازمه، كالمجرور لا ~~يقدم على جاره. # وتقدم ذلك في سورة هود عليه السلام عند قوله تعالى: # ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم # [هود: 8]. # وقرأ العامة: " تقهر " بالقاف من الغلبة، وابن مسعود، والشعبي، ~~وإبراهيم النخعي والأشهب العقيلي، " تكهر " بالكاف. كهر في وجهه: أي عبس، ~~وفلان ذو كهرة، أي: عابس الوجه. # ومنه الحديث: # " فبأبي هو وأمي فوالله ما كهرني ". # قال أبو حيان: " وهي لغة بمعنى قراءة الجمهور " انتهى. # والكهر في الأصل: ارتفاع النهار مع شدة الحر. # وقيل: الكهر: الغلبة، والكهر: الزجر. والمعنى: لا تسلط عليه بالظلم، بل ~~ادفع إليه حقه، واذكر يتمك. قاله الأخفش. # وقال مجاهد: لا تحتقر. وخص اليتيم، لأنه لا ناصر ms9203 له غير الله تعالى، ~~فغلظ في تأثير العقوبة على ظالمه، والمعنى: عامله كما عاملناك به، ~~ونظيره: # وأحسن كمآ أحسن الله إليك # [القصص: 77]. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الله الله فيمن ليس له إلا الله ". # فصل # دلت الآية على اللطف باليتيم وبره والإحسان إليه، قال قتادة: كن لليتيم ~~كالأب الرحيم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أنا وكافل اليتيم كهاتين، وأشار بالسبابة والوسطى ". # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من ضم يتيما فكان في نفقته وكفاه مؤنته، كان ~~له حجابا من النار يوم القيامة ". # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من مسح برأس يتيم كان له بكل شعرة حسنة ". # فصل # الحكمة في أن الله تعالى اختار لنبيه اليتم، أنه عرف حرارة اليتم، فيرفق ~~باليتيم، وأيضا ليشاركه في الاسم، فيكرمه لأجل ذلك، لقوله - عليه الصلاة ~~والسلام -: # " إذا سميتم الولد محمدا فأكرموه ووسعوا له في ~~المجلس " # وأيضا ليعتمد من أول عمره على الله تعالى، فيشبه إبراهيم - عليه الصلاة ~~والسلام - في قوله: " حسبي من سؤالي، علمه بحالي ". # وأيضا فالغالب أن اليتيم تظهر عيوبه فلما لم يجدوا فيه عيبا، لم يجدوا ~~فيه مطعنا. # وأيضا جعله يتيما، ليعلم كل أحد فضيلته ابتداء من الله تعالى، لا من ~~التعليم، لأن من له أب فإن أباه يعلمه، ويؤدبه. # وأيضا فاليتم والفقر نقص في العادة، فكونه صلى الله عليه وسلم مع هذين ~~الوصفين من أكرم الخلق كان ذلك قلبا للعادة، فكان معجزة ظاهرة. # قوله تعالى: { وأما السآئل فلا تنهر } ، أي: فلا تزجره، ~~يقال: نهره، وانتهره إذا زجره، وأغلظ له في القول، ولكن يرده ردا ~~جميلا. # [قال إبراهيم بن أدهم: نعم القوم السؤال، يحملون زادنا إلى الآخرة. وقال ~~إبراهيم النخعي: السائل يريد الآخرة يجيء إلى باب أحدكم فيقول: هل تبعثون ~~إلى أهليكم بشيء. # وقيل: المراد بالسائل الذي يسأل عن الدين]. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " سألت ربي مسألة وددت أني لم أسألها، قلت: يا ~~رب، اتخذت إبراهيم خليلا، وكلمت موسى تكليما، ~~وسخرت مع داود ms9204 الجبال يسبحن، وأعطيت فلانا كذا فقال ~~عز وجل: ألم أجدك يتيما فأويتك؟ ألم أجدك ضالا ~~فهديتك؟ ألم أجدك عائلا فأغنيتك؟ ألم أشرح ~~لك صدرك؟ ألم أوتك ما لم أوت أحدا قبلك ~~خواتيم سورة البقرة؟ ألم أتخذك خليلا كما ~~اتخذت إبراهيم خليلا؟ قلت: بلى يا رب ". # قوله: { وأما بنعمة ربك فحدث }. الجار متعلق ب " ~~حدث " والفاء غير مانعة من ذلك قال مجاهد: تلك النعمة هي القرآن ~~والحديث. # وعنه أيضا: تلك النعمة هي النبوة، أي: بلغ ما أنزل إليك من ربك قيل: ~~تلك النعمة هي أن وفقك الله تعالى، ورعيت حق اليتيم والسائل، فحدث بها؛ ~~ليقتدي بك غيرك. # وعن الحسين علي - رضي الله عنهما - قال: إذا عملت خيرا فحدث به الثقة ~~من إخوانك ليقتدوا بك. # إلا أن هذا لا يحسن إلا إذا لم يتضمن رياء، وظن أن غيره يقتدي به. # " وروى مالك بن نضلة الجشمي، قال: كنت جالسا عند رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فرآني رث الثياب فقال: " ألك مال "؟. # قلت: نعم، يا رسول الله، من كل المال، قال: " إذا آتاك الله مالا ~~فلير أثره عليك ". # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله تعالى جميل يحب الجمال، ويحب أن يرى أثر ~~نعمته على عبده ". # فإن قيل: ما الحكمة في أن الله أخر نفسه على حق اليتيم والسائل؟. # فالجواب: كأنه سبحانه وتعالى يقول: أنا غني، وهما محتاجان، وحق المحتاج ~~أولى بالتقديم، واختار قوله: " فحدث " على قوله " فخبر " ليكون ذلك ~~حديثا عنه وينساه، ويعيده مرة أخرى. # فصل # يكبر القارىء في رواية البزي عن ابن كثير, وقد رواه مجاهد عن ابن عباس, ~~وروي عن أبي بن كعب, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا بلغ آخر " ~~الضحى " كبر بين كل سورة تكبيرة إلى أن يختم القرآن، ولا يصل آخر ~~السورة بتكبيرة، بل يفصل بينهما بسكتة، وكأن المعنى في ذلك أن الوحي ~~تأخر عن النبي صلى الله عليه وسلم أياما، فقال ناس من المشركين: قد ~~ودعه صاحبه، فنزلت هذه السورة فقال: ms9205 " الله أكبر ". # قال مجاهد: قرأت على ابن عباس، فأمرني به، وأخبرني به عن أبي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # ولا يكبر في [رواية] الباقين، لأنها ذريعة إلى الزيادة في القرآن. # قال القرطبي: القرآن ثبت نقله بالتواتر سوره، وآياته، وحروفه بغير ~~زيادة، ولا نقصان، وعلى هذا فالتكبير ليس بقرآن. # روى الثعلبي عن أبي بن كعب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة { والضحى } كان فيمن يرضاه الله تعالى لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم أن يشفع له، وكتب الله تعالى له من الحسنات بعدد كل ~~يتيم وسائل " # والله أعلم. ### | [94 - سورة الشرح] ### || [94.1-8] # قوله تعالى: { ألم نشرح لك صدرك } ، الاستفهام إذا دخل على ~~النفي قرره، فصار المعنى: قد شرحنا، ولذلك عطف عليه الماضي، ومثله: # ألم نربك فينا وليدا ولبثت # [الشعراء: 18]، والعامة: على جزم الحاء ب " لم ". # وقرأ أبو جعفر المنصور: بفتحها. # فقال الزمخشري: وقالوا: لعله بين الحاء، وأشبعها في مخرجها فظن ~~السامع أنه فتحها. # وقال ابن عطية: إن الأصل: " ألم نشرحن " بالنون الخفية، ثم أبدلها ~~ألفا ثم حذفها تخفيفا كما أنشد أبو زيد: [الرجز] # 5245- من أي يومي من الموت أفر # أيوم لم يقدر أم يوم قدر # بفتح راء: " يقدر " وكقوله: [المنسرح] # 5246- إضرب عنك الهموم طارقها # ضربك بالسيف قونس الفرس # بفتح باء " اضرب " انتهى. وهذا مبني على جواز توكيد المجزوم ب " لم " ، ~~وهو قليل جدا، كقوله: [الرجز] # 5247- يحسبه الجاهل ما لم يعلما # شيخا على كرسيه معمما # فتتركب هذه القراءة من ثلاثة أصول كلها ضعيفة، لأن توكيد المجزوم ب " ~~لم " ضعيف، وإبدالها ألفا إنما هو في الوقف، فاجراء الوصل مجرى الوقف ~~خلاف الأصل، وحذف الألف ضعيف؛ لأنه خلاف الأصل. # وخرجه أبو حيان على لغة خرجها اللحياني في " نوادره " عن بعض العرب، وهو ~~أن الجزم ب " لن " والنصب ب " لم " عمس المعروف عند الناس، وجعله ~~أحسن مما تقدم. # وأنشد قول عائشة بنت الأعجم تمدح المختار تطلب ثأر الحسين بن علي رضي ~~الله عنهما وعن بقية الصحابة أجمعين: ms9206 [البسيط] # 5248- قد كان سمك الهدى ينهد # قائمه حتى أبيح له المختار فانغمدا # في كل ما هم أمضى رأيه قدما # ولم يشاور في إقدامه أحدا # [بنصب راء " يشاور " ، وجعله محتمل للتخريجين. وشرح الصدر: فتحه؛ أي ألم ~~تفتح صدرك للإسلام. # وقال ابن عباس: ألم تلين قلبك وعن الحسن في قوله: ألم نشرح، وقال مكي: ~~حلما وعلما]. # وشرح الصدر: فتحه: روي أن جبريل - عليه السلام - أتاه وشق صدره، وأخرج ~~قلبه، وغسله وأنقاه من المعاصي، ثم ملأه علما، وإيمانا، ووضعه في صدره، ~~وطعن القاضي في هذه الرواية من وجوه: # أحدها: أن هذه الواقعة إنما وقعت حال صغره صلى الله عليه وسلم وذلك من ~~المعجزات فلا يجوز أن يتقدم بثبوته. # وثانيها: أن تأثير الغسل في إزالة الأجسام، والمعاصي ليست بإجرام فلم ~~يؤثر الغسل فيها. # وثالثها: أنه لا يصح أن يملأ القلب علما، بل الله تبارك وتعالى يخلق ~~فيه العلوم. # وأجيب عن الأول: بأن تقديم المعجزات على زمان البعثة جائز، وهو المسمى ~~بالإرهاص، ومثله في حق الرسول صلى الله عليه وسلم كثير. # وعن الثاني، والثالث: لا يبعد أن يكون حصول ذلك الدم الأسود الذي غسلوه ~~من قلب الرسول - عليه الصلاة والسلام - ميل القلب إلى المعاصي وإحجامه عن ~~الطاعات، فإذا أزالوه عنه كان ذلك علامة لمواظبة صاحبه على الطاعات، ~~واحترازه عن السيئات، فكان ذلك، كالعلامة للملائكة على عصمة صاحبه. # وأيضا فإن الله تعالى يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. # روى ابن عباس - رضي الله عنهما - أنهم قالوا: # " يا رسول الله، أينشرح الصدر؟. # قال: " نعم وينفسح " ، قالوا: يا رسول الله، وهل لذلك علامة؟. # قال: " نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاعتداد ~~للموت قبل نزول الموت " ". # قال القرطبي: معنى { ألم نشرح } قد شرحنا، و " لم " جحد، وفي ~~الاستفهام طرف من الجحد وإذا وقع جحد، رجع إلى التحقيق، كقوله تعالى: # أليس الله بأحكم الحاكمين # [التين: 8]، ومعناه: الله أحكم الحاكمين، وكذا # أليس الله بكاف عبده # [الزمر: 36]، ومنه قول جرير يمدح عبد الملك بن مروان: [الوافر] # 5249- ألستم خير من ms9207 ركب المطايا # وأندى العالمين بطون راح # المعنى: أنتم كذا. # فإن قيل: لم قال عز وجل: { ألم نشرح لك صدرك } فذكر الصدر ~~ولم يذكر القلب؟. # فالجواب: لأن محل الوسوسة هو الصدر على ما قال تعالى: # يوسوس في صدور الناس # [الناس: 5] فإبدال تلك الوسوسة بدواعي الخير هو الشرح، فلذلك خص الشرح ~~بالصدر دون القلب. # وقيل: الصدر حضن القلب، فيقصده الشبطان، فإن وجد مسلكا أغار فيه، وبث ~~جنده فيه وبث فيه الغموم، والهموم والحرص، فيقسو القلب حينئذ، ولا يجد ~~للطاعة لذة، ولا للإسلام حلاوة، فإذا طرد في الابتداء حصل الأمن، وانشرح ~~الصدر. # فإن قيل: لم قال: { ألم نشرح لك صدرك } ولم يقل: " ألم ~~نشرح صدرك "؟. # فالجواب: كأنه تعالى يقول: لام بلام، فأنت إنما تفعل الطاعات لأجلي، ~~وأنا أيضا جميع ما أفعله لأجلك. # فصل فيمن اعتبر " والضحى " ، و " ألم نشرح " سورة واحدة # روي عن طاوس، وعمر بن عبد العزيز أنهما كانا يقرآن: " والضحى " ، و { ~~ألم نشرح } سورة واحدة، وكانا يقرآنها في ركعة واحدة، ولا يفصلان ~~بينهما ب " بسم الله الرحمن الرحيم " ، وذلك لأنهما رأيا أن ~~أولهما يشبه قوله تعالى: { ألم يجدك يتيما فآوى }. وليس ~~كذلك، لأن حالة اغتمامه صلى الله عليه وسلم بإيذاء الكفار، فهي حالة ~~محنة وضيق، وهذه حالة انشراح الصدر، وطيب القلب فكيف يجتمعان؟. # قوله: { ووضعنا عنك وزرك } ، أي: حططنا عنك ذنبك. # وقرأ أنس - رضي الله عنه - وحللنا وحططنا. # وقرأ ابن مسعود: " وحللنا عنك وقرك ". وهذه الآية مثل قوله: # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # [الفتح: 2]. # قيل: الجميع كانوا قبل النبوة، أي: وضعنا عنك ما كنت فيه من أمر ~~الجاهلية؛ لأنه كان صلى الله عليه وسلم كان في يسر من مذاهب قومه، وإن لم ~~يكن عبد صنما، ولا وثنا. # قوله: { الذي أنقض ظهرك } ، أي: حمله على النقض، وهو صوت ~~الانتقاض والانفكاك لثقله، مثل لما كان يثقله صلى الله عليه وسلم. # قال أهل اللغة: أنقض الحمل ظهر الناقة: إذا سمعت له صريرا من شدة ~~الحمل، وسمعت نقيض الرجل أي صريره؛ ms9208 قال العباس بن مرداس: [الطويل] # 5250- وأنقض ظهري ما تطويت منهم # وكنت عليهم مشفقا متحننا # وقال جميل: [الطويل] # 5251- وحتى تداعت بالنقيض حباله # وهمت بواني زوره أن تحطما # والمعنى: أثقل ظهرك حين سمع نقيضه، أي: صوته. # والوزر: الحمل الثقيل. # قال المحاسبي: يعني: ثقل الوزر لو لم يعف الله عنه. # قال: وإنما وصفت ذنوب الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بهذا الثقل ~~مع كونها مغفورة لشدة اهتمامهم بها، وندمهم منها، وتحسرهم عليها [وقال ~~الحسين بن الفضل: يعني الخطأ والسهو. # وقيل: ذنوب أمتك اضافها إليه لاشتغال قلبه بها]. # وقال عبد العزيز بن يحيى وأبو عبيدة: خففنا عنك أعباء النبوة، والقيام ~~بها، حتى لا تثقل عليك. # وقيل: كان في الابتداء يثقل عليه الوحي، حتى كاد يرمي نفسه من شاهق ~~الجبل، إلى أن جاء جبريل - عليه السلام - وأزال صلى الله عليه وسلم عنه ~~ما كان يخاف من تغير العقل. # وقيل: عصمناك عن احتمال الوزر، وحفظناك قيل النبوة في الأربعين من ~~الأدناس، حتى نزل عليه الوحي، وأنت مطهر من الأدناس. # قوله: { ورفعنا لك ذكرك } ، قال مجاهد: يعني بالتأذين. # وروى الضحاك عن ابن عباس - رضي الله عنهم - يقول عز وجل له: لا ذكرت إلا ~~ذكرت معي في الأذان، والإقامة، والتشهد، ويوم الجمعة على المنابر، ويوم ~~الفطر، ويوم الأضحى، وأيام التشريق ويوم عرفة، وعند الجمار وعلى الصفا ~~والمروة وفي خطبة النكاح، وفي مشارق الأرض ومغاربها. ولو أن رجلا عبد ~~الله تعالى، وصدق بالجنة والنار وكل شيء ولم يشهد أن محمدا رسول الله ~~لم ينتفع شيء وكان كافرا. # وقيل: أعلينا ذكرك، فذكرناك في الكتب المنزلة على الأنبياء قبلك، ~~وأمرناهم بالبشارة بك، ولا دين إلا ودينك يظهر عليه. # وقيل: رفعنا ذكرك عند الملائكة في السماء وفي الأرض عند المؤمنين، ونرفع ~~في الآخرة ذكرك بما نعطيك من المقام المحمود، وكرائم الدرجات. وقيل: عام ~~في كل ذكر. # قوله: { فإن مع العسر يسرا } العامة، على سكون السين في ~~الكلم الأربع. # وابن وثاب وأبو جعفر وعيسى: بضمها، وفيه خلاف، هل هو أصل، أو منقول من ~~المسكن؟ والألف ms9209 واللام في العسر الأول لتعريف الجنس، وفي الثاني للعهد، ~~وكذلك روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - لن يغلب عسر يسرين وروي أيضا ~~مرفوعا أنه صلى الله عليه وسلم خرج يضحك يقول: # " لن يغلب عسر يسرين " # والسبب فيه أن العرب إذا أتت باسم، ثم أعادته مع الألف واللام، كان هو ~~الأول، نحو: جاء رجل فأكرمت الرجل، وقوله تعالى: # كمآ أرسلنآ إلى فرعون رسولا فعصى فرعون ~~الرسول # [المزمل: 15، 16]، ولو أعادته بغير ألف ولام كان غير الأول، فقوله ~~تعالى: { فإن مع العسر يسرا } لما أعاد العسر الثاني أعاده ~~ب " أل " ، ولما كان اليسر الثاني غير الأول لم يعده بأل. # وقال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى قول ابن عباس؟ وذكر ما تقدم. # قلت: هذا عمل على الظاهر، وبناء على قوة الرجاء، وأن موعد الله تعالى لا ~~يحمل إلا على أوفى ما يحتمله اللفظ، وأبلغه، والقول فيه أنه يحتمل أن ~~تكون الجملة الثانية تكريرا للأولى كما كرر قوله: { ويل يومئذ ~~للمكذبين } لتقرير معناها في النفوس، وتمكنها في القلوب، وكما ~~يكرر المفرد في قوله: " جاء زيد زيد " ، وأن تكون الأولى عدة بأن العسر ~~مردوف بيسر [لا محالة والثانية: عدة مستأنفة بأن العسر متبوع بيسر], ~~فهما يسران على تقدير الاستئناف, وإنما كان العسر واحدا لأنه لا يخلو، ~~إما أن يكون تعريفه للعهد، وهو العسر الذي كانوا فيه، فهو هو، لأن حكمه ~~حكم زيد في قولك: " إن مع زيد مالا، إن مع زيد مالا " ، وإما أن يكون ~~للجنس الذي يعلمه كل أحد، فهو هو أيضا، وأما اليسر، فمنكر متناول لبعض ~~الجنس، فإذا كان الكلام الثاني مستأنفا غير مكرر، فقد تناول بعضا غير ~~البعض الأول بغير إشكال. # قال أبو البقاء: العسر في الموضعين واحد؛ لأن الألف واللام توجب تكرير ~~الأول، وأما يسرا في الموضعين، فاثنان، لأن النكرة إذا أريد تكريرها ~~جيء بضميرها، أو بالألف واللام ومن هنا قيل: " لن يغلب عسر ~~يسرين ". # وقال الزمخشري أيضا فإن قلت: " إن " مع " للصحبة، فما معنى اصطحاب ~~اليسر والعسر؟ قلت: أراد أن ms9210 الله - تعالى - يصيبهم بيسر بعد العسر الذي ~~كانوا فيه بزمان قريب، فقرب اليسر المترقب، حتى جعله كالمقارن للعسر ~~زيادة في التسلية، وتقوية للقلوب. # وقال أيضا فإن قلت: فما معنى هذا التنكير؟. # قلت: التفخيم كأنه قيل: إن مع العسر يسرا عظيما، وأي يسر، وهو في ~~مصحف ابن مسعود مرة واحدة. # فإن قلت: فإذا أثبت في قراءته غير مكرر فلم قال: والذي نفسي بيده لو كان ~~العسر في حجر لطلبه اليسر، حتى يدخل عليه، إنه لن يغلب عسر يسرين؟. # قلت: كأنه قصد اليسرين، وأما في قوله: " يسرا " من معنى التفخيم، ~~فتأوله بيسر الدارين، وذلك يسران في الحقيقة. # فصل في تعلق هذه الآية بما قبلها # تعلق هذه الآية بما قبلها أن الله تعالى بعث نبيه صلى الله عليه وسلم ~~فعيره المشركون بفقره، حتى قالوا له: نجمع لك مالا، فاغتنم لذلك، وظن ~~أنهم إنما رغبوا عن الإسلام لكونه فقيرا حقيرا عندهم، فعدد الله - ~~تعالى - عليه منته بقوله تعالى: { ألم نشرح لك صدرك ~~ووضعنا عنك وزرك } ، أي: ما كنت فيه من أمر الجاهلية، ثم وعده ~~بالغنى في الدنيا ليزيل في قلبه ما حصل فيه من التأذي، بكونهم عيروه ~~بالفقر، فقال تعالى: { فإن مع العسر يسرا } فعطفه بالفاء ~~أي: لا يحزنك ما عيروك به في الفقر، فإن ذلك يسرا عاجلا في الدنيا ~~فأنجز له ما وعده، فلم يمت، حتى فتح عليه " الحجاز " ، و " اليمن " ووسع ~~عليه ذات يده، حتى كان يعطي الرجل المائتين من الإبل، ويهب الهبات ~~السنية، وترك لأهله قوت سنته، وهذا وإن كان خاصا بالنبي - عليه الصلاة ~~والسلام - فقد يدخل فيه بعض أمته صلى الله عليه وسلم إن شاء الله تعالى، ~~ثم ابتدأ فصلا آخر من أمر الآخرة، فقال: # { إن مع العسر يسرا } فهذا شيء آخر، والدليل على ابتدائه، ~~تعديه من فاء، وواو، وغيرهما من حروف النسق التي تدخل على العطف، فهذا ~~عام لجميع للمؤمنين، { إن مع العسر يسرا } للمؤمنين يسرا في ~~الآخرة لا محالة، وربما اجتمع يسر الدنيا، ويسر الآخرة. # قوله: { فإذا فرغت ms9211 }. # العامة: على فتح الراء: من " فرغت " ، وهي الشهيرة. # وقرأها أبو السمال: مكسورة، وهي لغة فيه. # قال الزمخشري: " وليست بالفصيحة ". # وقال الزمخشري أيضا: " فإن قلت: كيف تعلق قوله تعالى: { فإذا ~~فرغت فانصب } بما قبله؟. # قلت: لما عدد عليه نعمه السالفة، ووعوده الآنفة، بعثه على الشكر، ~~والاجتهاد في العبادة، والنصب فيها ". # وعن ابن عباس: فإذا فرغت من صلاتك، فانصب في الدعاء. # العامة: على فتح الصاد وسكون الباء أمرا من النصب وقرىء: بتشديد ~~الباء مفتوحة أمرا من الإنصاب. # وكذا قرىء بكسر الصاد ساكنة الباء، أمرا من النصب بسكون الصاد. # قال شهاب الدين: ولا أظن الأولى إلا تصحيفا، ولا الثانية إلا تحريفا، ~~فإنها تروى عن الإمامية وتفسيرها: فإذا فرغت من النبوة فانصب الخليفة. # وقال ابن عطية: وهي قراءة شاذة، لم تثبت عن عالم. # قال الزمخشري: ومن البدع ما روي عن بعض الرافضة، أنه قرأ: " فانصب ~~" - بكسر الصاد - أي: فانصب عليا للإمامة، ولو صح هذا للرافضي، لصح ~~للناصبي أن يقرأ هكذا، ويجعله أمرا بالنصب الذي هو بغض علي، وعداوته. # قال ابن مسعود: " إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل ". # وقال الكلبي: " إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب، أي: استغفر ~~لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ". # وقال الحسن وقتادة: " فإذا فرغت من جهاد عدوك فانصب لعبادة ربك ". # قوله: { وإلى ربك فارغب }. # قرأ الجمهور: " فارغب " أمر من " رغب " ثلاثيا. # وقرأ زيد بن علي، وابن أبي عبلة: " فرغب " بتشديد الغين، أمر من " ~~رغب " بتشديد الغين أي: فرغب الناس إلى طلب ما عنده. # عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # " من قرأ { ألم نشرح لك صدرك } فكأنما جاءني وأنا مغتم ~~ففرج عني " # والله تعالى أعلم. ### | [95 - سورة التين] ### || [95.1-8] # قوله تعالى: { والتين والزيتون }. # قال ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح ~~وجابر بن زيد ومقاتل والكلبي: هو تينكم الذي تأكلون، وزيتونكم الذي ~~تعصرون منه الزيت قال تعالى: # وشجرة تخرج من طور سينآء تنبت بالدهن وصبغ ~~للآكلين # [المؤمنون: ms9212 20] ومن خواص التين: أنه غذاء وفاكهة، وهو سريع الهضم لا ~~يمكث في المعدة، ويقلل البلغم، ويطهر الكليتين، ويزيل ما في المثانة من ~~الرمل، ويسمن البدن، ويفتح مسام الكبد والطحال. # وروى أبو ذر - رضي الله عنه - قال: # " أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم سل من تين، فقال: " كلوا " وأكل ~~منه، ثم قال لأصحابه: " كلوا؛ لو قلت: إن فاكهة ~~نزلت من الجنة، لقلت: هذه، لأن فاكهة الجنة بلا ~~عجم، فكلوها، فإنها تقطع البواسير، وتنفع من النقرس ~~" ". # وعن علي بن موسى الرضى: " التين " يزيل نكهة الفم، ويطول الشعر، وهو ~~أمان من الفالج، وأما الزيتون فشجرته هي الشجرة المباركة. # وعن معاذ - رضي الله عنه - أنه استاك بقضيب زيتون، وقال: سمعت النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # " نعم السواك الزيتون، من الشجرة المباركة، يطيب ~~الفم، ويذهب الحفر، وهي سواكي وسواك الأنبياء من ~~قبلي ". # وعن ابن عباس: " التين " مسجد نوح - عليه الصلاة والسلام - الذي بني على ~~الجودي والزيتون: " بيت المقدس ". # وقال الضحاك: التين: " المسجد الحرام " ، والزيتون: " المسجد الأقصى ". # وقال عكرمة وابن زيد: التين: " مسجد دمشق " ، والزيتون: " مسجد بيت ~~المقدس " [وقال قتادة: " التين: الجبل الذي عليه " دمشق " ، والزيتون ~~الذي عليه " بيت المقدس ". # وقال محمد بن كعب - رضي الله عنه -: التين: مسجد أصحاب الكهف والزيتون " ~~إيليا ". # وقال عكرمة وابن زيد: التين: " دمشق " ، والزيتون: " بيت المقدس " ] ~~وهذا اختيار الطبري. # وقيل: هما جبلان بالشام يقال لهما: طور زيتا وطور تينا بالسريانية، سميا ~~بذلك لأنهما ينبتان التين والزيتون. # قال القرطبي: " والصحيح الأول، لأنه الحقيقة، ولا يعدل عن الحقيقة ~~إلى المجاز إلا بدليل ". # قوله: { وطور سينين }. الطور جبل، و " سنين " اسم مكان، فأضيف ~~الجبل للمكان الذي هو به. # قال الزمخشري: " ونحو " سينون يبرون " في جواز الإعراب بالواو والياء، ~~والإقرار على الياء، وتحريك النون بحركات الإعراب ". # وقال أبو البقاء: هو لغة في " سيناء ". انتهى. # وقرأ العامة: بكسر السين، وابن أبي إسحاق، وعمرو بن ميمون، وأبو رجاء: ~~بفتحها وهي لغة بكر وتميم. # وقرأ عمر بن الخطاب، وعبيد الله، والحسن، وطلحة: سيناء بالكسر والمد. # وعمر ms9213 - أيضا - وزيد بن علي: بفتحها والمد # قال عمر بن ميمون: صليت مع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - العشاء ~~ب " مكة " ، فقرأ: { والتين والزيتون وطور سيناء ~~وهذا البلد الأمين } قال: وهكذا في قراءة عبد الله، ورفع صوته ~~تعظيما للبيت، وقرأ في الثانية ب { ألم تر كيف فعل ربك ~~} ، و { لإيلاف قريش }. جمع بينهما. ذكره ابن الأنباري. [وقد تقدم ~~في " المؤمنين " ، وهذه لغات اختلفت في هذا الاسم السرياني علىعادة العرب ~~في تلاعبها بالأسماء الأعجمية]. # وقال الأخفش: " سينين " شجر، الواحدة " السينينة " ، وهو غريب جدا ~~غير معروف عند أهل التفسير [وقال مجاهد: وطور جبل سينين، أي: مبارك ~~بالسريانية، وهو قول قتادة والحسن. # وعن ابن عباس: سينين أي: حسن بلغة الحبشة]. # وعن عكرمة قال: هو الجبل الذي نادى الله تعالى منه موسى عليه السلام. # وقال مقاتل والكلبي: " سينين " كل جبل فيه شجر وثمر، فهو سينين ~~وسيناء، بلغة النبط. # وقال أبو علي: " سينين ": " فعليل " ، فكررت اللام التي هي نون فيه، كما ~~كررت في " زحليل " للمكان الزلق، و " كرديدة ": للقطعة من التمر، ~~وخنديدة: للطويل. # ولم ينصرف " سينين " كما لم ينصرف " سيناء " لأنه جعل اسما لبقعة، أو ~~أرض، ولو جعل اسما للمكان، أو المنزل، أو اسم مذكر لانصرف، لأنك سميت ~~مذكرا بمذكر. # وإنما أقسم بهذا الجبل، لأنه بالسنام والأرض المقدسة، وقد بارك الله ~~فيهما، كما قال: # إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله # [الإسراء: 1]. # ولا يجوز أن يكون " سينين " نعتا للطور، لإضافته إليه. # قوله: { وهذا البلد الأمين }. يعني " مكة " ، والأمين على ~~هذا " فعيل " للمبالغة، أي: أمن من فيه ومن [دخله من إنس، وطير، وحيوان، ~~ويجوز أن يكون من أمن للرجل بضم الميم أمانة، فهو أمين، وأمانته حفظه من ~~دخله كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه، ويجوز أن يكون بمعنى مفعول من أمنه؛ ~~لأنه مأمون الغوائل كما وصف بالأمن في قوله تعالى] # أنا جعلنا حرما آمنا # [العنكبوت: 67] يعني ذا أمن. # قال القرطبي: " أقسم الله تعالى بجبل " دمشق " ، لأنه مأوى عيسى -عليه ~~الصلاة والسلام - وبجبل بيت المقدس، لأنه مقام الأنبياء ms9214 - عليهم السلام، ~~و ب " مكة " لأنها أثر إبراهيم، ودار محمد صلى الله عليه وسلم ". # قوله: { لقد خلقنا الإنسان } ، هذا جواب القسم [وأراد ~~بالإنسان الكافر. # قيل: هو الوليد بن المغيرة. # وقيل: كلدة بن أسيد فعلى هذا نزلت في منكري البعث. # وقيل: المراد بالإنسان]: آدم - عليه الصلاة والسلام - وذريته. # وقوله: { في أحسن تقويم } صفة لمحذوف، أي: في تقويم أحسن ~~تقويم. # وقال أبو البقاء: " في أحسن تقويم " في موضع الحال من الإنسان، ~~وأراد بالتقويم: القوام؛ لأن التقويم فعل، وذاك وصف للخالق لا المخلوق، ~~ويجوز أن يكون التقدير: في أحسن قوام التقويم، فحذف المضاف، ويجوز أن ~~تكون " في " زائدة، أي: قومنا أحسن تقويم انتهى. # فصل في معنى الآية # قال المفسرون: أحسن تقويم، واعتداله، واستواء أسنانه، لأنه خلق كل شيء ~~منكبا على وجهه، وخلق هو مستويا، وله لسان ذلق ويد وأصابع يقبض بها. # قال ابن العربي: ليس لله - تعالى - خلق أحسن من الإنسان، فإن الله خلقه ~~حيا، عالما، قادرا، مريدا، متكلما، سميعا، بصيرا، مدبرا، حكيما، ~~وهذه صفات الرب سبحانه، وعنها عبر بعض العلماء، ووقع البيان بقوله: إن ~~الله خلق آدم عليه السلام على صورته يعني: على صفاته التي قدمنا ذكرها، ~~وفي رواية " على صورة الرحمن " ومن أين تكون للرحمن صورة مشخصة، ~~فلم يبق إلا أن تكون معاني. # روي أن عيسى بن موسى الهاشمي، كان يحب زوجته حبا شديدا، فقال لها ~~يوما: أنت طالق ثلاثا إن لم تكوني أحسن من القمر، فنهضت واحتجبت عنه، ~~وقالت: طلقتني، وبات بليلة عظيمة، فلما أصبح غدا إلى دار المنصور، فأخبره ~~الخبر، وأظهر للمنصور جزعا عظيما، فاستحضر الفقهاء واستفتاهم، فقال ~~جميع من حضر: قد طلقت, إلا رجلا واحدا من أصحاب أبي حنيفة، فإنه كان ~~ساكتا، فقال له المنصور: ما لك لا تتكلم؟. # فقال له الرجل: بسم الله الرحمن الرحيم: { والتين والزيتون ~~وطور سينين وهذا البلد الأمين لقد خلقنا ~~الإنسان في أحسن تقويم } ، يا أمير المؤمنين، فالإنسان ~~أحسن الأشياء، ولا شيء أحسن منه، فقال المنصور لعيسى بن موسى: الأمر كما ~~قال الرجل، ms9215 فأقبل على زوجتك، وأرسل أبو جعفر المنصور إلى زوجة الرجل أن ~~أطيعي زوجك ولا تعصيه، فما طلقك. # فهذا يدلك على أن الإنسان أحسن خلق الله تعالى باطنا وظاهرا، جمال ~~هيئة، وبديع تركيب، الرأس بما فيه، والبطن بما حواه، والفرج وما طواه، ~~واليدان وما بطشتاه، والرجلان وما احتملتاه، ولذلك قالت الفلاسفة: إنه ~~العالم الأصغر؛ إذ كل ما في المخلوقات أجمع فيه. # قوله: { ثم رددناه أسفل سافلين }. يجوز في " أسفل ~~سافلين " وجهان: # أحدهما: أنه حال من المفعول. # والثاني: أنه صفة لمكان محذوف، أي: مكانا أسفل سافلين. # وقرأ عبد الله: " السافلين " معرفا. # فصل # قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد إلى أرذل العمر، وهوالهرم بعد الشباب ~~والضعف بعد القوة. [وقال ابن قتيبة السافلون هم الضعفاء الزمناء، ومن لم ~~يستطع حيلة يقال: سفل يسفل فهو سافل، وهم سافلون كما تقول: علا يعلو فهو ~~عال وهم عالون]. # وعن مجاهد وأبي العالية: " أسفل سافلين " إلى النار، يعني الكافر. # قال علي رضي الله عنه: أبواب جهنم بعضها أسفل من بعض، فيبدأ بالأسفل ~~فيملأ وهو أسفل السافلين. وعلى هذا التقدير: ثم رددناه إلى أسفل، وفي ~~أسفل السافلين. # قوله: { إلا الذين آمنوا } فيه وجهان: # أحدهما: متصل على أن المعنى: رددناه أسفل من سفل خلقا وتركيبا، يعني ~~أقبح من قبح خلقه، وأشوههم صورة، وهم أهل النار، فالاتصال على هذا واضح. # والثاني: أنه منقطع على أن المعنى: ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتحسين ~~أسفل من سفل في الحسن والصورة والشكل، حيث نكسناه في خلقه، فقوس ظهره، ~~وضعف بصره وسمعه والمعنى: ولكن والذين كانوا صالحين من الهرمى فلهم ثواب ~~دائم على طاعتهم، وصبرهم على الابتداء بالشيخوخة، ومشاق العبادة، قاله ~~الزمخشري ملخصا، وقال: أسفل سافلين على الجمع؛ لأن الإنسان في معنى ~~الجمع. # قال الفراء: ولو قال: أسفل سافل جاز، لأن لفظ الإنسان واحد كما تقول: ~~هذا أفضل، ولا تقول: أفضل قائمين، لأنك تضمر الواحد، فإن كان الواحد غير ~~مضمور له، رجع اسمه بالتوحيد، والجمع، كقوله تعالى: # والذي جآء بالصدق وصدق به أولئك هم ms9216 ~~المتقون # [الزمر: 33]، وقوله تعالى: # إذآ أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها # [الشورى: 48]. # قوله تعالى: { فلهم أجر غير ممنون }. # قال الضحاك: أجر بغير عمل. # وقيل: غير مقطوع أي: لا يمن به عليهم. # قوله تعالى: { فما يكذبك بعد بالدين }. " ما " ~~استفهامية في محل فع بالابتداء والخبر الفعل بعدها والمخاطب: الإنسان على ~~طريق الالتفات، توبيخا، وإلزاما للحجة، والمعنى: فما يجعلك كاذبا ~~بسبب الدين، وإنكاره، وقد خلقك في أحسن تقويم، وأنه يردك إلى أرذل ~~العمر، وينقلك من حال إلى حال فما الذي يحملك بعد هذا الدليل إلى أن تكون ~~كاذبا بسبب الجزاء [لأن كل مكذب بالحق، فهو كاذب فأي شيء يضطرك إلى أن ~~تكون كاذبا يعني: أنك تكذب إذا كذبت بالجزاء؛ لأن كل مكذب كاذب بسبب ~~الجزاء]، والباء مثلها في قوله: # على الذين يتولونه والذين هم به مشركون # [النحل: 100]. # وقيل: المخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى هذا يكون المعنى: فما ~~الذي يكذبك فيما تخبر به من الجزاء والبعث وهو الدين، بعد هذه العبر التي ~~يوجب النظر فيها صحة ما قلت، قاله الفراء والأخفش. # قوله تعالى: { أليس الله بأحكم الحاكمين } أي: أتقن ~~الحاكمين صنعا في كل ما خلق، وإذا ثبتت القدرة، والحكمة بهذه الدلالة صح ~~القول بإمكان الحشر، ووقوعه، أما الإمكان فبالنظر إلى القدرة، وأما ~~الوقوع فبالنظر إلى الحكمة لأن عدم ذلك يقدح في الحكمة كما قال تعالى: # وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما باطلا # [ص: 27]. # وقيل: أحكم الحاكمين: قضاء بالحق، وعدلا بين الخلق، وألف الاستفهام إذا ~~دخلت على النفي في الكلام صار إيجابا، كقوله: [الوافر] # 5252- ألستم خير من ركب المطايا # ................................. # [قيل: هذه الآية منسوخة بآية السيف. # وقيل: هي ثابتة لأنه لا تنافي بينهما]. # وكان ابن عباس وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنهما - إذا قرءا: { ~~أليس الله بأحكم الحاكمين } ، قالا: بلى، وإنا على ~~ذلك من الشاهدين. # قال القاضي: هذه الآية من أقوى الدلائل على أنه تعالى لا يفعل القبيح، ~~ولا يخلق أفعال العباد مع ما فيها من السفه والظلم، لأنه تعالى أحكم ms9217 ~~الحاكمين، فلا يفعل فعل السفهاء. # وأجيب: بالمعارضة بالعلم، والداعي، ثم نقول: السفيه من قامت السفاهة ~~به، لا من خلق السفاهة، كما أن المتحرك من قامت الحركة به بدلا لا من ~~خلقها. والله أعلم. ### | [96 - سورة العلق] ### || [96.1-5] # قوله تعالى: { اقرأ } ، العامة، على سكون الهمزة، أمر من القراءة، ~~وقرأ عاصم في رواية الأعشى: براء مفتوحة، وكأنه قلب تلك الهمزة ألفا، ~~كقولهم: قرأ، يقرأ، نحو: سعى، يسعى، فلما أمر منه، قيل: " اقر " بحذف ~~الألف قياسا على حذفها من " اسع ". # وهذا على حد قول زهير: [الطويل] # 5253-............................. # وإلا يبد بالظلم يظلم # وقد تقدم تحرير هذا. # قوله: { باسم ربك } ، يجوز فيه أوجه: # أحدها: ان تكون الباء للحال، أي: اقرأ مفتتحا باسم ربك قل: بسم الله ~~الرحمن الرحيم ثم اقرأ، قاله الزمخشري. # الثاني: أن الباء مزيدة، والتقدير: اقرأ باسم ربك، كقوله: [البسيط] # 5254-............................ # سود المحاجر لا يقرأن بالسور # قيل: الاسم فضلة أي اذكر ربك، قالهما أبو عبيدة. # الثالث: أن الباء للاستعانة، والمفعول محذوف، تقديره: اقرأ ما يوحى إليك ~~مستعينا باسم ربك. # الرابع: أنها بمعنى " على " ، أي: اقرأ على اسم ربك، كما في قوله ~~تعالى: # وقال اركبوا فيها بسم الله # [هود: 41]، قاله الأخفش. # [وقد تقدم في أول الكتاب كيف هذا الفعل على الجار والمجرور، وقدر ~~متأخرا في " بسم الله الرحمن الرحيم " وتخريج الناس له، فأغنى عن ~~الإعادة]. # فصل # قال أكثر المفسرين: هذه السورة أول ما نزل من القرآن، نزل بها جبريل ~~عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم على " حراء " ، ~~فعلمه خمس آيات من هذه السورة. # وقال جابر بن عبد الله: أول ما نزل: # يأيها المدثر # [المدثر: 1]. # وقال أبو ميسرة الهمذاني: أول ما نزل فاتحة الكتاب. # وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: أول ما نزل من القرآن: # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم # [الأنعام: 151]. # قال القرطبي: " الصحيح الأول ". # قالت عائشة - رضي الله عنها -: أول ما بدئ به صلى الله عليه وسلم الرؤيا ~~الصادقة، فجاءه الملك، فقال: { اقرأ باسم ربك الذي خلق } ~~، خرجه ms9218 البخاري. # وروت عائشة - رضي الله عنها - أنها أول سورة نزلت على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثم بعدها " ن، والقلم " ثم بعدها # يأيها المدثر # [المدثر: 1]، ثم بعدها " والضحى " ، ذكره الماوردي. # ومعنى قوله: " اقرأ " أي: ما أنزل عليك من القرآن مفتتحا باسم ربك ~~وهو أن تذكر التسمية في ابتداء كل سورة، أو اقرأ على اسم ربك، على ~~ما تقدم من الإعراب. # قوله: { الذي خلق خلق الإنسان } ، يجوز أن يكون " خلق " ~~الثاني تفسيرا ل " خلق " الأول، يعني أبهمه أولا، ثم فسره ثانيا ~~ب " خلق الإنسان " تفخيما لخلق الإنسان، ويجوز أن يكون حذف ~~المفعول من الأول، تقديره: خلق كل شيء؛ لأنه مطلق، فيتناول كل ~~مخلوق، وقوله: { خلق الإنسان } تخصيص له بالذكر من بين ما يتناوله ~~الخلق، لأنه المنزل إليه، ويجوز أن يكون تأكيدا لفظيا، فيكون قد أكد ~~الصفة وحدها، كقولك: الذي قام قام زيد. # والمراد بالإنسان: الجنس، ولذلك قال تعالى: { من علق } جمع ~~علقة، لأن كل واحد مخلوق من علقة، كما في الآية الأخرى، والعلقة: ~~الدم الجامد، وإذا جرى فهو المسفوح، وذكر " العلق " بلفظ الجمع، ~~لأنه أراد بالإنسان الجمع، وكلهم خلقوا من علق بعد النطفة. ~~والعلقة: قطعة من دم رطب، سميت بذلك؛ لأنها تعلق بما تمر عليه لرطوبتها، ~~فإذا جفت لم تكن علقة. # فصل # قال ابن الخطيب: فإن قيل: فما وجه التسمية في المباح كالأكل؟. # فالجواب: أنه يضيف ذاك إلى الله تعالى ليدفع ببركة اسمه الأذى، والضرر، ~~أو ليدفع شركة الشيطان، ولأنه ربما استعان بذلك المباح على الطاعة، فيصير ~~طاعة، وقال هنا: باسم ربك، وفي التسمية المعروفة: بسم الله الرحمن ~~الرحيم، لأن الرب من صفات الفعل، وهي تستوجب العبادة بخلاف صفة الذات ~~فأفاد الرب هنا معنيين: # أحدهما: أني ربيتك فلزمك الفعل، فلا تتكاسل. # والثاني: أن الشروع ملزم للإتمام، وقد ربيتك منذ كنت علقة إلى الآن، فلم ~~أضيعك، وقال هنا: " ربك " ، وقال في موضع آخر: # سبحان الذي أسرى بعبده # [الإسراء: 1] كأنه يقول سبحانه: هو لي وأنا له، كقوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " علي ms9219 مني وأنا منه " # ، لأن النعم واصلة مني إليك، ولم يصل إلي منك خدمة فأقول: أنا لك، ثم ~~لما أتى بالعبادات وفعل الطاعات، قال: # سبحان الذي أسرى بعبده # [الإسراء: 1]. # فقوله: { الذي خلق } كالدليل على الربوبية، كأنه تعالى يقول: ~~الدليل على أني ربك، أنك ما كنت معه بذاتك وصفاتك، فخلقتك وربيتك، ~~ويحتمل أن يكون المعنى أنه حصل منه الخلق. # قوله: { اقرأ وربك الأكرم } ، فقوله تعالى: { اقرأ } ~~تأكيد، وتم الكلام، ثم استأنف فقال: { وربك الأكرم } ، أي: ~~الكريم. # وقال الكلبي: يعني الحليم عن جهل العباد، فلم يعجل بعقوبتهم، [وقيل: ~~اقرأ أولا لنفسك، والثاني للتبليغ، والأول للتعميم من جبريل عليه ~~السلام، والثاني للتعليم واقرأ في صلاتك. # وقيل: اقرأ وربك، أي: اقرأ يا محمد وربك يغنيك ويفهمك، وإن كنت غير ~~قارئ]. [والأول أشبه بالمعنى، لأنه لما ذكر ما تقدم من نعمة، دل على ~~كرمه]. # قوله: { الذى علم بالقلم } ، يعني: الخط والكتابة، أي: علم ~~الإنسان الخط بالقلم. # قال قتادة: العلم نعمة من الله عظيمة، ولولا ذلك لم يقم دين، ولم يصلح ~~عيش، فدل على كمال كرمه تعالى، بأنه علم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ~~ظلمة الجهل إلى نور العلم، ونبه على فضل الكتابة لما فيه من المنافع ~~العظيمة التي لا يحيط بها إلا هو، وما دونت العلوم، ولا قيدت الحكم، ولا ~~ضبطت أخبار الأولين، ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة. # وسمي القلم، لأنه يقلم ومنه تقليم الظفر، ولولا هي ما استقامت أمور ~~الدين والدنيا. # وروى عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: # " قلت: يا رسول الله أكتب ما أسمع منك من الحديث؟ قال: " نعم، ~~فاكتب، فإن الله علم بالقلم " ". # ويروى أن سليمان عليه السلام سأل عفريتا عن الكلام, فقال: ريح لا يبقى. ~~قال: فما قيده؟ قال: الكتابة. # وروى مجاهد عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: خلق الله تعالى أربعة ~~أشياء بيده، ثم قال تعالى لسائر الحيوان: كن فكان: القلم، والعرش، وجنة ~~عدن، وآدم عليه الصلاة والسلام. # من علمه بالقلم؟ ثلاثة أقوال: # أحدها: قال كعب ms9220 الأحبار: أول من كتب بالقلم آدم عليه السلام. # وثانيها: قول الضحاك: أول ما كتب إدريس عليه الصلاة والسلام. # والثالث: أنه جميع من كتب بالقلم، لأنه ما علم إلا بتعليم الله تعالى. # قال القرطبي: الأقلام ثلاثة في الأصل. # الأول: الذي خلقه الله تعالى بيده، وأمره أن يكتب. # والقلم الثاني: قلم الملائكة الذي يكتبون به المقادير، والكوائن ~~والأعمال. # والقلم الثالث: أقلام الناس، جعلها الله بأيديهم يكتبون بها كلامهم، ~~ويصلون بها مآربهم. # وروى عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " لا تسكنوا نساءكم الغرف ولا تعلموهن الكتابة ". # قال بعض العلماء: وإنما حذرهم النبي صلى الله عليه وسلم لأن في ~~إسكانهم الغرف تطلعا على الرجال، وليس في ذلك تحصن لهن ولا تستر، ~~وذلك لأنهن لا يملكن أنفسهن، حتى يشرفن على الرجال، فتحدث الفتنة ~~والبلاء، فحذرهم ان يجعلوا لهن غرفا ذريعة إلى الفتنة. وهو كما قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " ليس للنساء خير لهن من ألا يراهن الرجال، ولا ~~يرون الرجال ". # وذلك أنها خلقت من الرجل فنهمتها في الرجل، والرجل خلقت فيه الشهوة، ~~وجعلت سكنا له، فكل واحد منهما غير مأمون على صاحبه، وكذلك تعليم ~~الكتابة، ربما كانت سببا في الفتنة، لأنها إذا علمت الكتابة كتبت إلى من ~~تهوى؛ فالكتابة عين من العيون بهما يبصر الشاهد الغائب، والخط آثار يده، ~~وفيه تعبير عن الضمير بما لا ينطق به اللسان، فهي أبلغ من اللسان، ~~فأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقطع عنهن أسباب الفتنة تحصينا ~~لهن، وطهارة لقلوبهن. # قوله تعالى: { علم الإنسان ما لم يعلم }. # قيل: الإنسان هنا آدم - عليه الصلاة والسلام - علمه أسماء كل شيء، وقال ~~تعالى: # وعلم آدم الأسمآء كلها # [البقرة: 31]. # وقيل: الإنسان - هنا - محمد صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: # وعلمك ما لم تكن تعلم # [النساء: 113]. # وقيل: عام، لقوله تعالى: # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا # [النحل: 78]، لأنه تعالى بين أنه خلقه من نطفة، وأنعم عليه بالنعم ~~المذكورة، ثم ms9221 ذكر أنه إذا زاد عليه في النعمة فإنه يطغى، ويتجاوز الحد في ~~المعاصي، واتباع هوى النفس، وذلك وعيد وزجر عن هذه الطريقة. ### || [96.6-19] # قوله: { كلا إن الإنسان ليطغى }. إلى آخر السورة. # قيل: إنه نزل في أبي جهل، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، فأمر ~~الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصلي في المسجد، ويقرأ باسم ~~الرب - تبارك وتعالى - وعلى هذا فليست السورة من أول ما نزل، ويجوز أن ~~يكون خمس آيات من أولها أولى ما نزل، ثم نزل البقية في شأن أبي جهل، ~~وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بضم ذلك إلى أول السورة؛ لأن تأليف السور ~~إنما كان بأمر الله تعالى، ألا ترى أن قوله تعالى: # واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله # [البقرة: 281] آخر ما نزل ثم هو مضموم إلى ما نزل قبله بزمان طويل. # و " كلا " بمعنى حقا. # قال الجرجاني: لأن ليس قبله ولا بعده شيء يكون " كلا " ردا له، ~~كما قالوا في # كلا والقمر # [المدثر: 32] فإنهم قالوا: معناه: أي والقمر؛ لأنه ردع وزجر لمن كفر ~~بنعمة الله بطغيانه، وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه. # وقال مقاتل: كلا ليعلم الإنسان أن الله تعالى هو الذي خلقه من العلقة، ~~وعلمه بعد الجهل؛ لأنه عند صيرورته غنيا يطغى، ويتكبر ويصير مستغرق ~~القلب في حب الدنيا، فلا يفكر في هذه الأحوال ولا يتأمل فيها. # قوله: { أن رآه استغنى } ، مفعول له، أي: رؤيته نفسه ~~مستغنيا، وتعدى الفعل هنا إلى ضميريه المتصلين؛ لأن هذا من خواص هذا ~~الكتاب. # قال الزمخشري: " ومعنى الرؤية، ولو كانت بمعنى الإبصار لامتنع في ~~فعلها الجمع بين الضميرين، و " استغنى " هو المفعول الثاني ". # قال شهاب الدين: والمسألة فيها خلاف، ذهب جماعة إلى أن " رأى " البصرية ~~تعطى حكم العلمية، وجعل من ذلك قول عائشة - رضي الله عنها -: لقد رأيتنا ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لنا طعام إلا الأسودان؛ وأنشد: ~~[الكامل] # 5255- ولقد أراني للرماح دريئة # من عن يميني تارة وأمامي # وتقدم تحقيقه. وقرأ قنبل ms9222 بخلاف عنه: " رأه " دون ألف بعد الهمزة، وهو ~~مقصور من " رآه " في قراءة العامة. # ولا شك أن الحذف جاء قليلا، كقولهم: " أصاب الناس جهد ولو تر أهل مكة " ~~بحذف لام " ترى "؛ وقول الآخر: [الرجز] # 5256- وصاني العجاج فيما وصني # يريد: فيما وصاني، ولما روي عن مجاهد هذه القراءة عن قنبل، وقال: " قرأت ~~بها عليه " نسبه فيها إلى الغلط، ولا ينبغي ذلك، لأنه إذا ثبت ذلك قراءة، ~~فإن لها وجها وإن كان غيره أشهر منه، فلا ينبغي أن يقدم على تغليطه. # فصل في نزول الآية # قال ابن عباس في رواية " أبي صالح ": لما نزلت هذه الآية وسمع بها ~~المشركون، أتاه أبو جهل، فقال: يا محمد، أتزعم أنه من استغنى طغى، فاجعل ~~لنا جبال " مكة " ذهبا لعلنا نأخذ منها فنطغى، فندع ديننا، ونتبع دينك، ~~قال: فأتاه جبريل - عليه السلام - فقال: يا محمد خيرهم في ذلك، فإن ~~شاءوا فعلنا لهم ما أرادوه، فإن لم يفعلوا فعلنا بهم كما فعلنا بأصحاب ~~المائدة فعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم لا يقبلون ذلك، فكف ~~عنهم أسفا عليهم. # [وقيل: أن رآه استغنى بالعشيرة والأنصار والأعوان، وحذف اللام من قوله: ~~" أن رآه " كما يقال: إنكم لتطغون أن رأيتم غناكم]. # قوله: { إن إلى ربك الرجعى }. هذا الكلام واقع على طريقة ~~الالتفات إلى الإنسان تهديدا له وتحذيرا من عاقبة الطغيان، والمعنى: أن ~~مرجع من هذا وصفه إلى الله تعالى، فيجازيه. # والرجعى والمرجع والرجوع: مصادر، يقال: رجع إليه رجوعا ومرجعا ~~ورجعى، على وزن " فعلى ". # قوله: { أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى } تقدم ~~الكلام على { أرأيت الذي ينهى }. # وقال الزمخشري هنا: فإن قلت: ما متعلق " أرأيت "؟. # قلت: " الذي ينهى " مع الجملة الشرطية، وهما في موضع المفعولين، ~~فإن قلت: فأين جواب الشرط؟. # قلت: هو محذوف تقديره: " إن كان على الهدى، أو أمر ~~بالتقوى، ألم يعلم بأن الله يرى " ، وإنما حذف لدلالة ذكره ~~في جواب الشرط الثاني. # فإن قلت: كيف يصح أن يكون " ألم يعلم " جوابا للشرط؟. # قلت: كما صح في قولك: إن ms9223 أكرمتك أتكرمني، وإن أحسن إليك زيد هل تحسن ~~إليه؟. # فإن قلت: فما أرأيت الثانية، وتوسطها بين مفعول " أرأيت "؟ قلت: هي ~~زائدة مكررة للتأكيد. # قال شهاب الدين: اعلم أن " أرأيت " لا يكون مفعولها الثاني إلا جملة ~~استفهامية كقوله تعالى: # قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله # [الأنعام: 47]، ومثله كثير، وهنا " أرأيت " ثلاث مرات، وقد صرح بعد ~~الثالثة منها بجملة استفهامية، فيكون في موضع المفعول الثاني لها، ~~ومفعولها الأول محذوف، وهو ضمير يعود على { الذي ينهى عبدا } ~~الواقع مفعولا ل " أرأيت " الأولى، ومفعول " أرأيت " الأولى الذي هو ~~الثاني محذوف، وهو جملة استفهامية كالجملة الواقعة بعد " أرأيت " ~~الثالثة، وأما " أرأيت " الثانية، فلم يذكر لها مفعول، لا أول، ولا ثان، ~~حذف الأول لدلالة المفعول من " أرأيت " الثالث عليه، فقد حذف الثاني من ~~الأولى، والأول من الثالثة، والاثنان من الثانية، وليس طلب كل من " أرأيت ~~" للجملة الاسمية على سبيل التنازع؛ لأنه يستدعي إضمارا. والجملة لا ~~تضمر إنما تضمر المفردات، وإنما ذلك من باب الحذف للدلالة وأما الكلام ~~على الشرط مع " أرأيت " هذه، فقد تقدم في " الأنعام " ، ويجوز الزمخشري ~~وقوع جواب الشرط استفهاما بنفسه، وهذا لا يجوز، بل نصوا على وجوب ذكر ~~الفاء في مثله، وإن ورد شيء من ذلك فهو ضرورة. # قال القرطبي: وقيل: كل واحد من " أرأيت " بدل من الأول، و { ألم ~~يعلم بأن الله يرى } الخبر. # فصل في تفسير الآية # قال المفسرون: " الذي ينهى " أبو جهل، وقوله تعالى " عبدا " يعني ~~محمدا صلى الله عليه وسلم، فإن أبا جهل قال: لئن رأيت محمدا لأطأن ~~على عنقه. ثم إنه لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة نكص ~~على عقبيه، فقالوا له: ما لك يا أبا الحكم، قال: إن بيني وبينه لخندقا ~~من نار وهولا شديدا. # قال أبو هريرة - رضي الله عنه -: فأنزل الله هذه الآيات تعجبا منه. # وعن الحسن: أنه أمية بن خلف، كان ينهى سلمان عن الصلاة. # وقيل: في الكلام حذف، والمعنى: من هذا الناهي عن الصلاة من العقوبة. # قوله: { أرأيت إن ms9224 كان على الهدى أو أمر ~~بالتقوى } أي: أرأيت يا أبا جهل إن كان محمد صلى الله عليه وسلم ~~على هذه الصفة، أليس ناهية عن الصلاة والتقوى هالكا؟. # قوله: { أرأيت إن كذب وتولى } يعني أبا جهل كذب بكتاب ~~الله، وأعرض عن الإيمان. # وقال الفراء: { أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى } ، والناهي مكذب ~~متول عن الذكر، أي: فما أعجب هذا بما يقول، ثم قال: ويله { ألم ~~يعلم } أبو جهل { بأن الله يرى } ، أي: يراه ويعلم فعله، فهو ~~تقريع وتوبيخ. # قال ابن الخطيب: هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم على سبيل التعجب، ~~وفي وجه هذا التعجب وجوه: # أحدها: أنه صلى الله عليه وسلم قال: # " اللهم أعز الإسلام بأبي جهل أو بعمر " # ، فقيل: أبمثل هذا يعز الإسلام وهو ينهى عبدا إذا صلى. # الثاني: أنه كان يلقب بأبي الحكم. فقيل: كيف يلقب بهذا وهو ينهى عن ~~الصلاة. # الثالث: أنه كان يأمر وينهى ويعتقد وجوب طاعته، ثم إنه ينهى عن طاعة ~~الرب تعالى، وهذا عين الحماقة والتكبر، ف " عبدا " يدل على ~~التعظيم، كأنه قيل: [ينهى أشد الخلق عبودية عن العبادة، وهذا عين الجهل، ~~ولهذا لم يقل:] ينهاك، وأيضا فإن هذا يدل على أن هذه عادته، ودأبه، فهو ~~أبلغ في الذم أيضا فهذا عام في كل من نهى عن الصلاة، وروي عن علي - ~~رضي الله عنه -: أنه رأى أقواما يصلون قبل صلاة العيد، فقال: ما رأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، فقيل له: ألا تنهاهم فقال: أخشى ~~أن أدخل في قوله تعالى: { أرأيت الذي ينهى عبدا إذا ~~صلى } [العلق: 9، 10]، فلم يصرح أيضا بالنهي عن الصلاة. # وأيضا فيه: إجلال لمنصب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينهاه رجل لا ~~سيما مثل هذا. # قوله: { كلا } ردع لأبي جهل عن نهيه عن عبادة الله تعالى، أو كلا لن ~~يصل أبو جهل إلى أن يقتل محمدا صلى الله عليه وسلم ويطأ عنقه. # وقال مقاتل: كلا لا يعلم أن الله يرى، وإن كان يعلم لكن إذا كان ms9225 لا ~~ينتفع بناصيته يوم القيامة، وليسحبنه بها في النار، كقوله تعالى: # فيؤخذ بالنواصي والأقدام # [الرحمن: 41]، فالآية وإن كانت في أبي جهل، فهي عظة للناس، وتهديد ~~لمن يمنع غيره عن الطاعة. # قوله: { لنسفعا } ، الوقف على هذه النون بالألف، تشبيها لها ~~بالتنوين، ولذلك يحذف بعد الضمة والكسرة وقفا، وتكتب هنا ألفا إتباعا ~~للوقف. # وروي عن أبي عمرو: " لنسفعن " بالنون الثقيلة. # والسفع: الأخذ والقبض على الشيء بشدة، يقال: سفع بناصية فرسه، قال ~~عمرو بن معديكرب: [الكامل] # 5257- قوم إذا سمعوا الصريخ رأيتهم # ما بين ملجم مهره أو سافع # وقيل: هو الأخذ، بلغة قريش. # وقال الراغب: السفع: الأخذ بسعفة الفرس، أي: بسواد ناصيته، وباعتبار ~~السواد قيل للأثافي: سفع، وبه سفعة غضب اعتبارا بما يعلم من اللون ~~الدخاني وجه من اشتد به الغضب. # وقيل للصقر: أسفع، لما فيه من لمع السواد، وامرأة سفعاء اللون انتهى. # وفي الحديث: # " فقامت أمرأة سفعاء الخدين ". # وقيل: هو مأخوذ من سفعت النار والشمس إذا غيرت وجهه إلى حال تسويد. # قال: [الكامل] # 5258- أثافي سفعا في معرس مرجل # ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع # قال القرطبي: السفع الضرب، أي: ليلطمن وجهه، وكله متقارب المعنى، أي: ~~يجمع عليه الضرب عند الأخذ، ثم يجر إلى جهنم. # وقرأ ابن مسعود: " لأسفعن " ، أي: يقول الله تعالى: يا محمد أنا الذي ~~أتولى إهانته، لقوله تعالى: # هو الذي أيدك بنصره # [الأنفال: 62] # هو الذي أنزل السكينة # [الفتح: 4]، والناصية: شعر مقدم الرأس، وقد يعبر بها عن جملة الإنسان، ~~وخص الناصية بالذكر على عادة العرب فيمن أرادوا إذلاله وإهانته أخذوا ~~بناصيته. # قوله: { ناصية } بدل من " الناصية " ، بدل نكرة من معرفة. # قال الزمخشري: " وجاز بدلها عن المعرفة، وهي نكرة، لأنها وصفت، ~~فاستقلت بفائدة ". # قال شهاب الدين: وهذا مذهب الكوفيين، لا يجيزون إبدال نكرة من غيرها ~~إلا بشرط وصفها، وكونها بلفظ الأول، ومذهب البصريين: لا يشترط بشيء؛ ~~وأنشدوا: [الوافر] # 5259- فلا وأبيك خير منك إني # ليؤذيني التحمحم والصهيل # وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة، وزيد بن علي: بنصب " ناصية كاذبة ~~خاطئة " على الشتم. # وقرأ الكسائي في ms9226 رواية: بالرفع، على إضمار: هي ناصية، ونسب الكذب والخطأ ~~إليها مجازا. والألف واللام في " الناصية " قيل: عوض من الإضافة، أي: ~~بناصيته. # وقيل: الضمير محذوف، أي: الناصية منه. # فصل في معنى الآية # والمعنى: لنأخذن بناصية أبي جهل " كاذبة " في قولها، " خاطئة " في ~~فعلها، والخاطئ معاقب مأخوذ، والمخطئ غير مأخوذ، ووصفت الناصية بأنها ~~خاطئة كوصف الوجوه بالنظر في قوله " إلى ربها ناظرة " ، وقيل: إن صاحبها ~~كاذب خاطئ كما يقال: ليل قائم ونهار صائم، أي صائم في النهار وقائم في ~~الليل، وإنما وصف الناصية بالكاذبة، لأنه كان كاذبا على الله تعالى في ~~أنه لم يرسل محمدا صلى الله عليه وسلم، وكاذبا على رسوله صلى الله عليه ~~وسلم في أنه ساحر، وكاذب أنه ليس بنبي؛ لأن صاحبها يتمرد على الله تعالى، ~~كما قال تعالى: # لا يأكله إلا الخاطئون # [الحاقة: 37]. # قوله: { فليدع ناديه } ، إما أن يكون على حذف مضاف، أي: أهل ~~ناديه، أو على التجوز في نداء النادي لاشتماله على الناس، كقوله تعالى: # وسئل القرية التي كنا فيها # [يوسف: 82]، والنادي والندي: المجلس المتجدد للحديث. # قال زهير: [الطويل] # 5260- وفيهم مقامات حسان وجوههم # وأندية ينتابها القول والفعل # [وقالت أعرابية: هو سيد ناديه وثمال عافيه] # وقال تعالى: # وتأتون في ناديكم المنكر # [العنكبوت: 29]. # وقال أبو عبيدة: " وناديه " أهل مجلسه، ولا يسمى المكان ناديا حتى ~~يكون فيه أهله، والمعنى: فليدع عشيرته، فليستنصر بهم. # قوله: { سندع الزبانية }. # قال الزمخشري: " والزبانية في كلام العرب: الشرط، الواحد: زبنية، كعفرية ~~من الزبن، وهو الدفع. # وقيل: زبني، وكأنه نسب إلى الزبن، ثم غير للنسب، كقولهم: أمسي، وأصله: ~~زباني، فقيل: " زبانية " على التعويض ". # وقال عيسى بن عمر والأخفش: واحدهم زابن. # وقيل: هو اسم جمع لا واحد له من لفظه، كعباديد، وشماطيط، وأبابيل، ~~والحاصل: أن المادة تدل على الدفع. # قال: [الطويل] # 5261- مطاعيم في القصوى مطاعين في الوغى # زبانية غلب عظام حلومها # وقال آخر: [الطويل] # 5262- ومستعجب مما يرى من أناتنا # ولو زبنته الحرب لم يترمرم # [قال عتبة: زبنتنا الحرب، وزبناها، ومنه الزبون لأنه يدفع من بائع ~~إلى آخر. ms9227 # وقال أبو الليث السمرقندي رحمه الله: ومنه المزابنة في البيع؛ لأنهم ~~يعملون بأرجلهم، كما يعملون بأيديهم]. # وقرأ العامة: " سندع " بنون العظمة، ولم ترسم بالواو، وتقدم نظيره، ~~نحو # يدع الداع # [القمر: 6]. # وقرأ ابن أبي عبلة: " سيدعى الزبانية " مبنيا للمفعول ورفع " ~~الزبانية " لقيامها مقام الفاعل. # فصل في المراد بالزبانية # قال ابن عباس: الملائكة الغلاظ الشداد، وروي أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما قرأ هذه السورة وبلغ إلى قوله تعالى: { لنسفعا ~~بالناصية } قال أبو جهل: أنا أدعو قومي حتى يمنعوا عني ربك، قال ~~الله تعالى: { فليدع ناديه سندع الزبانية } فلما ذكر ~~الزبانية رجع فزعا، فقيل له: أخشيت منه؟. # قال: لا، ولكن رأيت عنده فارسا، فهددني بالزبانية فما أدري ما ~~الزبانية؛ ومال إلي الفارس، فخشيت منه أن يأكلني. # قال ابن عباس - رضي الله عنه -: والله لو دعا ناديه لأخذته ملائكة ~~العذاب من ساعته. خرجه الترمذي بمعناه. # قوله: { كلا } أي: ليس الأمر كما يظنه أبو جهل " لا تطعه " فيما ~~دعاك إليه من ترك الصلاة " واسجد " ، أي: صل الله " واقترب " أي: ~~اقترب إلى الله بالطاعة والعبادة. # وقيل: المعنى: إذا سجدت اقترب من الله بالدعاء. # قال صلى الله عليه وسلم: # " أما الركوع فعظموا فيه الرب تعالى، وأما السجود ~~فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم ". # وقال صلى الله عله وسلم: # " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ". # فالسجود في قوله تعالى: { واسجد واقترب } يحتمل أن يكون بمعنى ~~السجود في الصلاة، ويحتمل أن يكون سجود التلاوة في هذه السورة. # وقال ابن العربي: والظاهر أنه سجود الصلاة؛ لقوله تعالى: { أرأيت ~~الذي ينهى عبدا إذا صلى } إلى قوله: { كلا لا ~~تطعه واسجد واقترب } ، لولا ما ثبت في الصحيح من رواية مسلم، ~~وغيره من الأئمة عن أبي هريرة، أنه قال: سجدت مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في " إذا السماء انشقت " وفي { اقرأ باسم ~~ربك الذي خلق } سجدتين، فكان هذا نصا على أن المراد سجود ~~التلاوة. # روى الثعلبي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله ms9228 صلى الله ~~عليه وسلم: # " من قرأ: { اقرأ باسم ربك } ، فكأنما قرأ المفصل ~~كله " # والله تعالى أعلم. ### | [97 - سورة القدر] ### || [97.1-5] # قوله تعالى: { إنا أنزلناه } ، أي: القرآن، أضمر للعلم به { في ~~ليلة القدر } يجوز أن يكون ظرفا للإنزال، والقرآن كله كالسورة ~~الواحدة، وقال تعالى: # شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن # [البقرة: 185]، وقال: # إنآ أنزلناه في ليلة مباركة # [الدخان: 3] يريد: ليلة القدر. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: نزل به جبريل - عليه السلام - جملة ~~واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا إلى بيت العزة، ~~وأملاه جبريل على السفرة، ثم كان جبريل ينزله على النبي صلى الله عليه ~~وسلم منجما، وكان بين أوله وآخره ثلاث وعشرون سنة. # حكى الماوردي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: نزل القرآن في شهر ~~رمضان، وفي ليلة القدر، وفي ليلة مباركة، جملة واحدة من عند الله، من ~~اللوح المحفوظ إلى السفرة الكرام الكاتبين في سماء الدنيا، فنجمته ~~السفرة الكرام الكاتبون على جبريل عشرين سنة، ونجمه جبريل على النبي ~~صلى الله عليه وسلم عشرين سنة. # قال ابن العربي: وهذا باطل، ليس بين جبريل - عليه السلام - وبين الله ~~واسطة، ولا بين جبريل محمد - عليهما السلام - واسطة. # وقيل: المعنى أنزل في شأنها وفضلها، فليست ظرفا، وإنما كقول عمر - رضي ~~الله عنه -: خشيت أن ينزل في قرآن، وقول عائشة - رضي الله عنها -: لأنا ~~أحقر في نفسي أن ينزل في قرآن. # وسميت ليلة القدر بذلك؛ لأن الله يقدر فيها ما يشاء من أمره إلى مثلها ~~من السنة القابلة من أمر الموت، والأجل، والرزق، وغيره، ويسلمه إلى ~~مدبرات الأمور، وهم أربعة من الملائكة: إسرافيل، وميكائيل، وعزرائيل، ~~وجبريل، عليهم السلام. # وعن ابن عباس أيضا: أن الله يقضي الأقضية في ليلة نصف شعبان، ويسلمها ~~إلى أربابها في ليلة القدر، وأما تضييقها بالملائكة قال الخليل: لأن ~~الأرض تضيق فيها بالملائكة؛ كقوله تعالى: # ومن قدر عليه رزقه # [الطلاق: 7]. # وقيل: سميت بذلك لعظمها، وشرفها، وقدرها، من قولهم: لفلان قدر: أي شرف ~~ومنزلة. قاله الزهري: وقيل: ms9229 سميت بذلك لأن للطاعة فيها قدرا عظيما، ~~وثوابا جزيلا. # وقيل: لأنه أنزل فيها كتابا ذا قدر على رسول ذي قدر على أمه ذات قدر، ~~والقدر: مصدر، والمراد ما يمضيه الله تعالى من الأمور، قال الله تعالى: # إنا كل شيء خلقناه بقدر # [القمر: 49]، وهو بمعنى القدر، إلا أنه بالتسكين، مصدر، وبالفتح اسم. # قوله: { ومآ أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر ~~خير من ألف شهر } بين فضلها، وعظمها، وفضيلة الزمان إنما ~~تكون بكثرة ما يقع فيه من الفضائل وفي تلك الليلة يقسم الخير الكثير الذي ~~لا يوجد مثله في ألف شهر، جميع الدهر، لأن العرب تذكر الألف، لا تريد ~~حقيقتها، وإنما تريد المبالغة في الكثرة، كقوله تعالى: # يود أحدهم لو يعمر ألف سنة # [البقرة: 96]، يعني جمع الدهر. # [وقيل: إن العابد فيما مضى لا يسمى عابدا، حتى يعبد الله ألف شهر، فجعل ~~الله تعالى لهذه الأمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم عبادة ليلة خير من ~~ألف شهر كانوا يعبدونها]. # وقال أبو بكر الوراق: كان ملك سليمان - عليه الصلاة والسلام - خمسمائة ~~شهر، وملك ذي القرنين خمسمائة شهر، فصار ملكهما ألف شهر، فجعل الله العمل ~~في هذه الليلة لمن أدركها خيرا من ملكهما. # وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: إن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ~~رجلا من بني إسرائيل حمل السلاح ألف شهر، فعجب المسلمون من ذلك فنزلت ~~هذه الآية، يعني خير من ألف شهر التي لبس السلاح فيها في سبيل الله، ~~ونحوه عن ابن عباس رضي الله عنه. # وقال مالك بن أنس - رضي الله عنه -: أري رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أعمار الناس، فاستقصر أعمار أمته، فخاف ألا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ ~~غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر، وجعلها خيرا من ألف شهر ~~لسائر الأمم. # وقال عكرمة وعروة: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أربعة من بني إسرائيل، ~~يقال: عبدوا الله ثمانين سنة، لم يعصوا الله - تعالى - طرفة عين: أيوب، ~~وزكريا، وحزقيل بن العجوز، ويوشع ابن نون، ms9230 فعجب أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من ذلك، فأتاه جبريل - عليه السلام - فقال: يا محمد، عجبت أمتك ~~من عبادة هؤلاء النفر ثمانين سنة، لم يعصوا الله تعالى طرفة عين، فقد ~~أنزل الله عليك خيرا من ذلك، ثم قرأ: { إنا أنزلناه في ~~ليلة القدر } ، فسر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قوله: { تنزل الملائكة } ، أي: تهبط من كل سماء إلى الأرض، ~~ويؤمنون على دعاء الناس إلى وقت طلوع الفجر، وقوله تعالى: { والروح ~~فيها }. يجوز أن ترتفع " الروح " بالابتداء، والجار بعده الخبر وأن ~~ترتفع بالفاعلية عطفا على الملائكة، و " فيها " متعلق ب " تنزل " وأن ~~يكون معطوفا على الفاعل، و " فيها " ظرف أو حال، والمراد بالروح جبريل ~~عليه السلام. # [وحكى القشيري: أن الروح صنف من الملائكة؛ جعله حفظة على سائرهم، وأن ~~الملائكة لا يرونهم كما لا نرى نحن الملائكة. # ووقال مقاتل: هم أشرف الملائكة، وأقربهم إلى الله تعالى. # وقيل: هم جند الله - تعالى - غير الملائكة رواه ابن عباس مرفوعا حكاه ~~الماوردي. # وقيل: الروح خلق عظيم يقوم صفا واحدا، والملائكة صفا]. # وقيل: " الروح ": الرحمة ينزل بها جبريل عليه السلام مع الملائكة في ~~هذه الليلة على أهلها، بدليل قوله تعالى: # ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشآء ~~من عباده # [النحل: 2]، أي: بالرحمة فيها، أي: في ليلة القدر. # قوله: { بإذن ربهم }. يجوز أن يتعلق ب " تنزل " ، وأن ~~يتعلق بمحذوف على أنه حال من المرفوع ب " تنزل " أي: ملتبسا بإذن ~~ربهم. # قوله: { من كل أمر }. يجوز في " من " وجهان: # أحدهما: أنها بمعنى اللام، وتتعلق ب " تنزل " ، أي: تنزل من أجل كل ~~أمر قضي إلى العام القابل. # الثاني: أنها بمعنى الباء، أي: تنزل بكل أمر، فهي للتعدية، قاله أبو ~~حاتم. # وقرأ العامة: " أمر " واحد الأمور. # وقرأ ابن عباس، وعكرمة، والكلبي: " من كل امرئ " ، أي: من أجل كل ~~إنسان. # قال القرطبي: وتأولها الكلبي على أن جبريل - عليه السلام - ينزل فيها ~~مع الملائكة، فيسلمون على كل امرئ مسلم، ف " من " بمعنى " على ". # وقيل: من أجل كل ms9231 ملك، وهو بعيد. # وقيل: " من كل أمر " ليس متعلقا ب " تنزل " إنما هو متعلق ~~بما بعده، أي: هي سلام من كل أمر مخوف، وهذا لا يتم على ظاهره؛ لأن " ~~سلام " مصدر لا يتقدم عليه معموله، وإنما المراد أنه متعلق بمحذوف يدل ~~عليه هذا المصدر. # فصل في معنى الآية # قوله: { سلام هي } فيه وجهان: # أحدهما: أن " هي " ضمير الملائكة، و " سلام " بمعنى التسليم، أي: ~~الملائكة ذات التسليم على المؤمنين من مغيب الشمس حتى مطلع الفجر وقيل: ~~الملائكة يسلم بعضهم على بعض فيها. # الثاني: أنها ضمير ليلة القدر، و " سلام " بمعنى سلامة، أي: ليلة القدر ~~ذات سلامة من كل شيء مخوف. # قال الضحاك: لا يقدر الله - تعالى - في تلك الليلة إلا السلامة. # وقيل: هي ذات سلامة من أن يؤثر فيها شيطان في مؤمن ومؤمنة، قاله مجاهد. # وعلى التقديرين: يجوز أن يرتفع " سلام " على أنه خبر مقدم، و " هي " ~~مبتدأ مؤخر، وهذا هو المشهور، ويجوز أن يرتفع بالابتداء، و " هي " فاعلة ~~عند الأخفش؛ لأنه لا يشترط الاعتماد على الوصف. # وقد تقدم أن بعضهم يجعل الكلام تاما على قوله: " بإذن ربهم " ، ~~وتعلق " كل أمر " بما بعده، وتقدم تأويله. # وقال أبو الفضل: " وقيل: معناه هي سلام من كل أمر أو امرئ؛ أي سالمة، ~~أو مسلمة منه، ولا يجوز أن يكون " سلام " بهذه اللفظة الظاهرة التي هي ~~المصدر عاملا فيما قبله، لامتناع تقدم معمول المصدر على المصدر، كما أن ~~الصفة كذلك لا يجوز تقديمها على الموصول " انتهى. # [وقد تقدم أن معنى ذلك عند هذا القائل أن يتعلق بمحذوف مدلول عليه ب " ~~سلام " فهو تفسير معنى لا تفسير إعراب]. # وما يروى عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن الكلام تم عند قوله ~~تعالى: " سلام " ويبتدئ ب " هي " على أنها خبر مبتدأ، والإشارة بذلك ~~إلى أنها ليلة السابع والعشرين، لأن لفظه: هي سابعة وعشرون، من كلم هذه ~~السورة، فلا ينبغي أن يعتقد صحته لأنه إلغاز وتغيير لنظم أفصح الكلام. # [قوله: { حتى مطلع الفجر } متعلق ب " تنزل " أو ب ms9232 " سلام ~~" وفيه إشكال للفصل بين المصدر والمعمول للمبتدأ، إلا أن يتوسع في ~~الجار]. # وقرأ الكسائي وابن محيصن: " مطلع " بكسر اللام، والباقون: بالفتح، ~~والفتح هو القياس، والكسر سماع، وله أخوات تحفظ فيها الكسر مما ضم ~~مضارعه، أو فتح، نحو: المشرق، والمغرب، والمنسك، والمسكن، ~~والمحشر، والمسقط. # قال القرطبي: " حكي في ذلك كله الفتح والكسر ". # وهل هما مصدران أو المفتوح مصدر، والمكسور مكان؟ خلاف، وعلى كل تقدير، ~~فالقياس في الفعل مطلقا مما ضمت عين مضارعه أو فتحت فتح العين، وإنما ~~يقع الفرق في المكسور العين الصحيح، نحو: " يضرب ". # فصل في تعيين ليلة القدر # اختلفوا في تعيين ليلة القدر، فالأكثرون على أنها ليلة سبع وعشرين، ~~لحديث أبي ابن كعب: أنها في العشر الأواخر، وأنها ليلة سبع وعشرين. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من كان متحريا لليلة القدر فليتحرها في ليلة سبع ~~وعشرين ". # وقال أبي بن كعب: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " ليلة القدر سبع وعشرين ". # وقال أبو بكر الوراق: كرر ذكرها ثلاث مرات، وهي تسعة أحرف، فيكون سبعة ~~وعشرين. # وقال عبيد بن عمير: كنت ليلة السابع والعشرين في البحر فأخذت من مائة، ~~فوجدته عذبا سلسلا. # وقال أبو هريرة وغيره: هي في ليلة السنة كلها، وإليه ذهب أبو حنيفة، ~~وعنه أنها رفعت، وأنها إنما كانت مرة واحدة قال الخليل: من قال: إن فضلها ~~لنزول القرآن [يقول] انقطعت، والجمهور على أنها في كل عام من رمضان، ثم ~~اختلفوا. # فقيل: هي ليلة إحدى وعشرين، وإليه مال الشافعي - رضي الله عنه - لحديث ~~الماء والطين. # وقيل: ليلة الثالث والعشرين, لما روى ابن عمر - رضي الله عنه - # " أن رجلا قال: يا رسول الله، إني رأيت ليلة القدر في سابعة تبقى، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أرى رؤياكم قد تواطأت على ~~ثلاث وعشرين، فمن أراد أن يقوم من الشهر شيئا ~~فليقم ليلة ثلاث وعشرين " ". # وقيل: ليلة خمس وعشرين، لما روى مسلم عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " التمسوها في ms9233 العشر الأواخر، في تاسعة تبقى، في سابعة ~~تبقى، في خامسة تبقى ". # [قال مالك رضي الله عنه: يريد بالتاسعة ليلة إحدى وعشرين، وبالسابعة ~~ليلة ثلاث وعشرين، وبالخامسة ليلة خمس وعشرين. # وقيل: سبع وعشرين وقد تقدم]. # وقيل: ليلة تسع وعشرين، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " ليلة القدر التاسعة والعشرون، والسابعة والعشرون ~~". # وقال الحسن - رضي الله عنه -: " ارتقبت الشمس ليلة أربع وعشرين عشرين ~~سنة فرأيتها تطلع بيضاء لا شعاع لها، يعني من كثرة الأنوار في تلك الليلة ~~". # [وروي عن أبي بكر - رضي الله عنه - أنها في ليالي الأفراد من النصف ~~الأخير من شهر رمضان مستقلة في ليالي الجمع، ونظمه محمد ابن الأثير فقال: ~~[الطويل] # 5263- ثلاث شروط هن في ليلة القدر # كذا قال شيخ العرب فيها أبو بكر # فأولها وتر وليلة جمعة # وثالثها النصف الأخير من الشهر # وقيل: هي تنتقل في جميع السنة]. # قالوا: والحكمة في إخفائها ليجتهد الناس في إحياء جميع الليالي، كما ~~أخفى رمضان في الطاعات، حتى يرغبوا في الكل، وأخفى ساعة الإجابة في ~~الدعاء، ليبالغوا في كل الساعات، وأخفى الاسم الأعظم، ليعظموا كل ~~الأسماء، وأخفى قبول التوبة، ليحافظوا على جميع أقسام التوبة، وأخفى وقت ~~الموت، ليخاف الموت المكلف، وكذلك أخفى هذه الليلة، ليعظموا جميع ليالي ~~رمضان. # فصل في أحكام تتعلق بليلة القدر # نقل القرطبي عن بعض العلماء: أن من علق طلاق امرأته، أو عتق عبده بليلة ~~القدر لم يقع الطلاق والعتق إلى مضى سنة من يوم حلف، لأنه لا يجوز إيقاع ~~الطلاق بالشك، ولم يثبت اختصاصها بوقت، فلا ينبغي وقوع الطلاق إلا لمضي ~~حول. # وفي هذا نظر؛ لأنه تقدم عن أبي حنيفة في أحد قوليه أنها رفعت، فعلى هذا ~~لا ينبغي أن يقع شيء أصلا، لوجود الخلاف في بقائها. # وروى الثعلبي عن أبي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من قرأ سورة القدر، كان كمن صام رمضان، وأحيا ~~ليلة القدر ". ### | [98 - سورة البينة] ### || [98.1-3] # قوله تعالى: { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ~~والمشركين } ، هذه ms9234 قراءة العامة، وخط المصحف. # وقرأ عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: " لم يكن المشركون ~~وأهل الكتاب منفكين " وهذه قراءة على التفسير. # قال ابن العربي: " وهي جائزة في معرض البيان، لا في معرض التلاوة، فقد ~~قرأ النبي صلى الله عليه وسلم في رواية الصحيح " فطلقوهن لقبل ~~عدتهن " وهو تفسير، فإن التلاوة هو ما كان في خط المصحف ". # وقرئ: " والمشركون " بالواو نسقا على " الذين كفروا ". # قوله: { منفكين } اسم فاعل من " انفك " ، وهي هنا التامة، فلذلك ~~لم تحتج إلى خبر. # وزعم بعضهم: أنها هنا ناقصة، وأن الخبر مقدر، تقديره: منفكين عارفين ~~محمدا صلى الله عليه وسلم. # قال أبو حيان: وحذف خبر " كان " لا يجوز اقتصارا، ولا اختصارا. # وجعلوا قوله: [الكامل] # 5263ب- ................................. # يبغي جوارك حيث ليس مجير # أي: في الدنيا، ضرورة، ووجه من منع من ذلك أنه قال: صار الخبر مطلوبا ~~من جهتين: من جهة كونه مخبرا به، فهو أحد جزئي الإسناد، ومن حيث كونه ~~منصوبا بالفعل، وهذا منتقض بمفعولي ظن، فإن كلا منهما فيه المعنيان ~~المذكوران ومع ذلك يحذفان، أو أحدهما اختصارا، وأما الاقتصار ففيه خلاف ~~وتفصيل وتقدم ذكره. # وقوله: { حتى تأتيهم } متعلق ب " لم يكن " أو ب " ~~منفكين ". # فصل # قال الواحدي: هذه الآية من أصعب ما في القرآن نظما وتفسيرا، ولم ~~يبين كيفية الإشكال قال ابن الخطيب: ووجه الإشكال أن تقدير الآية: لم يكن ~~الذين كفروا إلى أن تأتيهم البينة التي هي الرسول، ثم إنه تعالى لم يذكر ~~الشيء المنفك عنه، والظاهر أن المراد لم ينفكوا عن كفرهم، حتى تأتيهم ~~البينة التي هي الرسول، فانفكوا عنه لأن " حتى " لانتهاء الغاية، فهذه ~~الآية تقتضي أنهم صاروا منفكين عن كفرهم عند إتيان الرسول صلى الله عليه ~~وسلم، لكن قوله تعالى: { وما تفرق الذين أوتوا الكتاب ~~} يقتضي زيادة كفرهم عند مجيء الرسول - عليه الصلاة والسلام - فحينئذ ~~يحصل التناقض، والجواب من وجوه: # أحدها: وهو أحسنها، ما لخصه الزمخشري: أن الأول حكاية ما كانوا ~~يقولونه من أنه صلى الله عليه وسلم الموعود به لا ننفك عما نحن ms9235 عليه من ~~ديننا. # والثاني: إخبار عن الواقع، يعني أنهم كانوا يعدون الاتفاق على الحق ~~إذا جاءهم الرسول - عليه الصلاة والسلام -، والمعنى أن الذي وقع فيه كان ~~خلافا لما ادعوا. # وثالثها: المعنى: لم يكونوا منفكين عن كفرهم، وإن جاءتهم بينة، قاله ~~القاضي. إلا أن جعل " حتى " بمعنى " أن " بعيد في اللغة. # ورابعها: المعنى لم يكونوا منفكين عن ذكر محمد صلى الله عليه وسلم ~~بالمناقب والفضائل، حتى أتتهم البينة، والمضارع هنا بمعنى الماضي كقوله ~~تعالى: # واتبعوا ما تتلوا الشياطين # [البقرة: 102]، أي ما تلت أي: ما كانوا منفكين عن ذكر مناقبه، ثم لما ~~جاءهم محمد تفرقوا، ونظيره # فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به # [البقرة: 89]. # وخامسها: أنهم كانوا متفقين على الكفر قبل البينة، فلما جاءتهم البينة ~~تفرقوا، وتكفي هذه المغايرة. # وسادسها: هي كقوله تعالى: # كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين # [البقرة: 213] الآية، أي: كان كل منهم جازما بمذهبه ودينه، فلما بعث ~~محمد صلى الله عليه وسلم شكوا في أديانهم، لأن قوله تعالى { منفكين ~~} مشعر بهذا؛ لأن الانفكاك من الشيء هو الانفصال عنه، فمعناه: أن قلوبهم ~~ما خلت عن تلك العقائد، وما انفصلت عن الجزم بصحتها، ثم بعد المبعث لم ~~يبق الأمر على تلك الحالة. # فصل في المراد بأهل الكتاب هنا # قال ابن عباس: أهل الكتاب الذين كانوا ب " يثرب " ، وهم: قريظة، ~~والنضير، وبنو قينقاع، والمشركون الذين كانوا ب " مكة " وما حولها، و " ~~المدينة " ، وهم مشركو قريش، وقوله تعالى: { منفكين } أي: منتهين من ~~كفرهم { حتى تأتيهم البينة } يعني محمدا صلى الله عليه ~~وسلم. # وقيل: لانتهاء بلوغ الغاية أي لم يكونوا ليبلغوا نهاية أعمارهم فيموتوا ~~حتى تأتيهم البينة. وقيل: منفكين زائلين إن لم تكن مدتهم لتزول حتى ~~يأتيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعرب تقول: ما انفككت أفعل كذا، ~~أي ما زلت، وما انفك فلان قائما، أي: ما زال قائما. # وأصل الفك للفتح، ومنه: فك الكتاب، وفك الخلخال. # وقيل: " منفكين " ، بارحين، أي: لم يكونوا ليبرحوا, ويفارقوا ~~الدنيا, حتى تأتيهم البينة. # وقال ابن كيسان: أي: ms9236 لم يكن أهل الكتاب تاركين صفة محمد صلى الله عليه ~~وسلم ويسمونه الأمين في كتابهم حتى بعث فلما بعث صلى الله عليه وسلم ~~حسدوه، وجحدوه، وهو قوله تعالى: # فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به # [البقرة: 89]، ولهذا قال تعالى: # وما تفرق الذين أوتوا الكتاب # [البينة: 4]، وعلى هذا فقوله تعالى: { والمشركين } أي: ما كانوا ~~يسيئون القول في محمد صلى الله عليه وسلم حتى بعث، فإنهم كانوا يسمونه ~~الأمين، حتى أتتهم البينة على لسانه، وبعث إليهم صلى الله عليه وسلم ~~فحينئذ عادوه. # وقال بعض اللغويين: " منفكين " ، أي: هالكين، من قولهم: انفك صلا ~~المرأة عند الولادة، وهو أن ينفصل فلا يلتئم فتهلك، والمعنى: لم يكونوا ~~معذبين، ولا هالكين إلا بعد قيام الحجة عليهم بإرسال الرسل وإنزال ~~الكتب. # فصل في المراد بالمشركين # قال قوم: المراد بالمشركين من أهل الكتاب، فمن اليهود من قال: عزير ابن ~~الله ومن النصارى من قال: عيسى هو الله. # ومنهم من قال: هو ابنه. # ومنهم من قال: هو ثالث ثلاثة وكذبوا فيما قالوا عن الله تعالى، وأن الله ~~سبحانه وتعالى واحد لا شريك له، ولا ولد له، ولا مثل ولا ضد له، ولا ند ~~له، ولا شبيه له، ولا صاحبة له، ولا زوجة له، ولا وزير له، ولا حاجب له، ~~ولا بواب له، وهو سبحانه وتعالى كما قال في كتابه المنزل على نبيه صلى ~~الله عليه وسلم: # قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ~~ولم يكن له كفوا أحد # [الاخلاص 1-4]. # وقيل: المشركون وصف لأهل الكتاب أيضا، لأنهم لم ينتفعوا بكتابهم، ~~وتركوا التوحيد، فالنصارى مثلثة، وعامة اليهود مشبهة، والكل شرك، وهو ~~كقولك: جاءني العقلاء والظرفاء، وأنت تريد أقواما بعينهم تصفهم ~~بالأمرين، قال تعالى: # الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون ~~عن المنكر والحافظون لحدود الله # [التوبة: 112]، وهذا وصف للطائفة الواحدة، فالمعنى على هنا من أهل ~~الكتاب المشركين. # [وقيل: أهل الكتاب كانوا مؤمنين، ثم كفروا بعد أنبيئاهم، والمشركون ~~ولدوا على الفطرة، ثم كفروا حين بلغوا. # وقيل: الكفر هنا هو الكفر بمحمد ms9237 صلى الله عليه وسلم، أي: لم يكن الذين ~~كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى الذين هم أهل الكتاب، ~~ولم يكن المشركون الذين هم عبدة الأوثان من العرب وغيرهم، وهم الذين ليس ~~لهم كتاب منفكين. # قال القشيري: وفيه بعد، لأن الظاهر من قوله تعالى: { حتى ~~تأتيهم البينة رسول من الله } أن هذا الرسول هو ~~محمد صلى الله عليه وسلم. # فيبعد أن يقال لم يكن الذين كفروا الآن بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~منفكين، حتى يأتيهم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يقال: أراد ~~لم يكن الذين كفروا الآن بمحمد صلى الله عليه وسلم وقد كانوا من قبل ~~معظمين له منتهين عن هذا الكفر إلى أن يبعث الله تعالى لهم محمدا صلى ~~الله عليه وسلم ويبين لهم الآيات، فحينئذ يؤمن قوم]. # وقرأ الأعمش وإبراهيم: " والمشركون " رفعا عطفا على " الذين ~~كفروا ". # قال القرطبي: " والقراءة الأولى أبين، لأن الرفع يصير فيه الصنفان، ~~كأنهم من غير أهل الكتاب ". # وفي حرف أبي: " فما كان الذين من أهل الكتاب والمشركون منفكين ". # قال ابن الخطيب: فإن قيل: لم قال الذين كفروا، بلفظ الفعل، وذكر ~~المشركين باسم الفاعل؟ فالجواب: أن أهل الكتاب ما كانوا كافرين من أول ~~الأمر؛ لأنهم كانوا مصدقين بالتوراة والإنجيل، وبمبعث محمد صلى الله عليه ~~وسلم بخلاف المشركين، فإنهم ولدوا على عبادة الأوثان، وذلك يدل على ~~الثبات على الكفر. # قوله: { حتى تأتيهم البينة }. # قيل: البينة، محمد صلى الله عليه وسلم لأنه في نفسه بينة وحجة ولذلك ~~سماه الله - تعالى - سراجا منيرا. # قوله تعالى: { رسول من الله } ، وهو رفع على البدل من " ~~البينة " ، ولأن اللام في " البينة " للتعريف أي: هو الذي سبق ~~ذكره في التوراة والإنجيل على لسان موسى وعيسى، وقد يكون التعريف ~~للتفخيم؛ إذ هو البينة التي لا مزيد عليها والبينة كل البينة، وكذا ~~التنكير، وقد جمعهما الله - تعالى- ها هنا - في حق الرسول، أي: هو رسول، ~~وأي رسول الله صلى الله عليه وسلم ونظيره: قوله تعالى حين أثنى على نفسه، ms9238 ~~فقال سبحانه وتعالى: # ذو العرش المجيد # [البروج: 15] ثم قال تعالى: # فعال لما يريد # [البروج: 16] فنكر بعد التعريف. # وقال أبو مسلم: المراد من البينة مطلق الرسل، فقوله تعالى: { حتى ~~تأتيهم البينة } أي: تأتيهم رسل من ملائكة الله تعالى، تتلو ~~عليهم صحفا مطهرة، نظيره: # بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفا ~~منشرة # [المدثر: 52]. # وقال قتادة وابن زيد: " البينة " هي القرآن، كقوله تعالى: # أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى # [طه: 133]. # قوله: " رسول " ، العامة: على رفعه بدلا من " البينة " ، إما بدل ~~اشتمال، وإما بدل كل من كل على سبيل المبالغة، جعل الرسول صلى الله عليه ~~وسلم نفس البينة، أو على حذف مضاف، أي: بينة رسول. # وقال الفراء: رفع على خبر ابتداء مضمر، أي: هي رسول، أو هو رسول من ~~الله لأن البينة قد تذكر، فيقال: بينتي فلان. # وقرأ عبد الله وأبي: " رسولا " على الحال من " البينة ". # وقال القرطبي: " بالنصب على القطع ". # قوله: " من الله " يجوز تعلقه بنفس " رسول " أو بمحذوف على أنه صفة ~~ل " رسول " ، وجوز أبو البقاء ثالثا، وهو أن يكون حالا من " صحفا " ، ~~والتقدير: يتلو صحفا مطهرة منزلة من الله تعالى. # يعني كانت صفة في الأصل للنكرة، فلما تقدمت عليها نصبت حالا. # قوله: " يتلو " يجوز أن يكون صفة ل " رسول " وأن يكون حالا من الضمير ~~في الجار قبله، إذا جعله صفة ل " رسول ". و " يتلو ": أي: يقرأ، يقال: ~~تلا يتلو تلاوة. و " صحفا " جمع صحيفة، وهي ظرف المكتوب. # " مطهرة " ، قال ابن عباس: من الزور، والشك، والنفاق، والضلالة، ~~وقال قتادة: من الباطل. # وقيل: من الكذب والشبهات، والمعنى واحد [أي: يقرأ ما تتضمن الصحف من ~~المكتوب بدليل أنه كان يتلو على ظهر قلب لا عن كتاب، ولأنه كان أميا لا ~~يقرأ، ولا يكتب، ومطهرة من نعت الصحف كقوله تعالى: # في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة # [عبس: 13، 14] فالمطهرة: نعت للصحف في الظاهر، وهو نعت لما في الصحف من ~~القرآن. # وقيل: مطهرة أي: لا يسمها إلا المطهرون كما تقدم في سورة " الواقعة ". # وقيل: الصحف المطهرة ms9239 هي التي عند الله - تعالى - في أم الكتاب الذي منه ~~نسخ ما أنزل على الأنبياء صلوات الله عليهم من الكتب لقوله تعالى: # بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ # [البروج:21-22]. # قوله: { فيها كتب }. يجوز أن تكون جملة صفة ل " صحفا " ، أو ~~حالا من ضمير " مطهرة " وأن يكون الوصف أو الحال الجار والمجرور فقط، ~~و " كتب " فاعل به، وهو الأحسن، والمراد بالكتب: الآيات المكتوبة في ~~الصحف، والقيمة: المستقيمة المحكمة، من قول العرب: قام يقوم إذا استوى ~~وصح. # وقال صاحب " النظم ": الكتب بمعنى الحكم؛ لقوله تعالى: # لأغلبن أنا ورسلي # [المجادلة: 21]، ومنه حديث العسيف: # " لأقضين بينكما بكتاب الله " # ، ثم قضى بالرجم، وليس ذكر الرجم مسطورا في الكتاب. # وقيل: الكتب القيمة: هي القرآن، سمي كتبا، لأنه يشتمل على أنواع من ~~البيان. ### || [98.4-5] # قوله: { وما تفرق الذين أوتوا الكتاب }. أي: من ~~اليهود والنصارى، خص أهل الكتاب بالتفريق دون غيرهم، وإن كانوا مجموعين ~~مع الكافرين؛ لأنهم مظنون بهم علم، فإذا تفرقوا كان غيرهم ممن لا كتاب ~~لهم أدخل في هذا الوصف. # قوله: { إلا من بعد ما جآءتهم البينة }. أي: أتتهم ~~البينة الواضحة، والمعني به محمد صلى الله عليه وسلم، أي القرآن موافقا ~~لما في أيديهم من الكتاب بنعته وصفته، وذلك أنهم كانوا مجتمعين على ~~نبوته، فلما بعث جحدوا نبوته وتفرقوا، فمنهم من كفر، بغيا وحسدا، ومنهم ~~من آمن، كقوله تعالى: # وما تفرقوا إلا من بعد ما جآءهم العلم بغيا ~~بينهم # [الشورى: 14] وقيل: البينة البيان الذي في كتبهم أنه نبي مرسل. # قال العلماء: من أول السورة، إلى قوله: " قيمة " حكمها فيمن آمن من ~~أهل الكتاب والمشركين، وقوله تعالى: { وما تفرق } حكمه فيمن لم ~~يؤمن من أهل الكتاب بعد قيام الحجج. # قوله: { ومآ أمروا }. يعني هؤلاء الكفار في التوراة والإنجيل { ~~إلا ليعبدوا الله } , أي: يوحدوه، واللام في { ليعبدوا ~~} بمعنى " أن " كقوله تعالى: # يريد الله ليبين لكم # [النساء: 26]، أي: أن يبين، و # يريدون ليطفئوا نور الله # [الصف: 8]. # قوله: { مخلصين له الدين }. العامة: على كسر اللام، اسم فاعل، ~~وانتصب به ms9240 الدين. # والحسن: بفتحها، على أنهم يخلصون هم أنفسهم في شأنهم. # وانتصب " الدين " على أحد وجهين: إما إسقاط الخافض، أي: " في الدين " ~~، وإما على المصدر من معنى " ليعبدوا " ، وكأنه قيل: ليدينوا الدين، أو ~~ليعبدوا العبادة. [فالتجوز إما في الفعل، وإما في المصدر، وانتصاب مخلصين ~~على الحال من فاعل " يعبدون " ]. # قوله: " حنفاء " حال ثانية، أو حال من الحال قبلها، أي: من الضمير ~~المستكن فيها. # [قوله: { ومآ أمروا } أي: وما أمروا بما أمروا به إلا لكذا، وقرأ ~~عبد الله: وما أمروا إلا أن يعبدوا، أي بأن يعبدوا، وتقديم تحرير مثله ~~عند قوله تعالى: # وأمرنا لنسلم لرب العالمين # في سورة الأنعام: [آية: 71]]. # فصل في معنى الآية # قال المفسرون: المعنى، وما أمر هؤلاء الكفار في التوراة والإنجيل { ~~إلا ليعبدوا الله } ، أي: ليوحدوه، واللام بمعنى " أن " ~~كقوله تعالى: # يريد الله ليبين لكم # [النساء: 26]، ومنه قوله تعالى: # قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين # [الزمر: 11] أي: العبادة، وفي هذا دليل على وجوب النية في العبادات، فإن ~~الإخلاص عمل القلب، وهو أن يراد به وجه الله لا غيره، وقوله تعالى: { ~~حنفآء } ، أي: مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام، وكان ابن ~~عباس يقول: حنفاء: على دين إبراهيم عليه السلام. # وقيل: الحنيف: من اختتن وحج، قاله سعيد بن جبير. # وقال أهل اللغة: وأصله أنه تحنف إلى الإسلام، أي: مال إليه. # قوله: { ويقيموا الصلاة } ، أي يصلوها في أوقاتها { ~~ويؤتوا الزكاة } ، أي: يعطوها عند محلها، وقوله: { وذلك ~~دين القيمة } أي: ذلك الدين الذي أمروا به دين القيمة، أي: الدين ~~المستقيم، وقال الزجاج أي: ذلك دين الملة المستقيمة، و " القيمة " ~~نعت لموصوف محذوف، وقيل: " ذلك " إشارة إلى الدين، أي ذلك الدين الذي ~~أمروا به أي الدين المستقيم أي ذلك دين الأمة القيمة. # وقال محمد بن الأشعث الطالقاني: الكتب القيمة، لأنها قد تقدمت في الذكر، ~~قال تعالى: { فيها كتب قيمة } فلما أعادها مع " أل " العهدية، ~~كقوله تعالى: # فعصى فرعون الرسول # [المزمل: 16]، وهو حسن. # وقرأ الحسن، وعبد الله: " وذلك الدين القيمة " ، والتأنيث ms9241 حينئذ، إما ~~على تأويل الدين بالملة، كقوله: [البسيط] # 5264- ................................. # سائل بني أسد ما هذه الصوت # وقال الخليل: القيمة جمع القيم، والقيم والقيمة واحد بتأويل: الصيحة، ~~وإما على أنها تاء المبالغة: ك " علامة ". # وقال الفراء: أضاف الدين إلى " القيمة " وهو نعته، لاختلاف اللفظين، ~~وعنه أيضا: هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه، ودخلت الهاء للمدح. ### || [98.6-8] # قوله: { إن الذين كفروا من أهل الكتاب ~~والمشركين } كما مر في أول السورة، وقوله تعالى: { في نار } ~~هذا هو الخبر، و { خالدين } حال من الضمير المستكن في الخبر. # قوله: { أولئك هم شر البرية }. # وقرأ نافع وابن ذكوان: " البريئة " بالهمز في الحرفين، والباقون: بياء ~~مشددة. # واختلف في ذلك الهمز، فقيل: هو الأصل من برأ الله الخلق، ابتدأه ~~واخترعه، قال تعالى: # من قبل أن نبرأهآ # [الحديد: 22]، فهي فعيلة بمعنى مفعولة، وإنما خففت والتزم تخفيفها عند ~~عامة العرب. # وقد تقدم أن العرب التزمت غالبا تخفيف ألفاظ منها: النبي، والجاثية، ~~والذرية. # قال القرطبي: " وتشديد الياء عوض من الهمزة ". # وقيل: " البرية " دون همز مشتقة من " البرى " وهو التراب، فهي أصل ~~بنفسها، والقراءتان مختلفتا الأصل متفقتا المعنى. إلا أن عطية ضعف هذا، ~~فقال: " وهذا الاشتقاق يجعل الهمز خطأ، وهو اشتقاق غير مرض " انتهى. # يعني أنه إذا قيل: إنها مشتقة من " البرى " وهو التراب، فمن أين تجيء ~~الهمزة في القراءة الأخرى. # قال شهاب الدين: " هذا غير لازم، لأنهما قراءتان مشتقتان، لكل منهما أصل ~~مستقل، فتلك من " برأ " ، أي: خلق، وهذه من " البرى " لأنهم خلقوا منه، ~~والمعني بالقراءتين شيء واحد وهو جميع الخلق، ولا يلتفت إلى من ضعف الهمز ~~من النحاة لثبوته متواترا ". # قال القشيري: " ومن قال: البرية من البرى، وهو التراب، قال: لا تدخل ~~الملائكة تحت هذه اللفظة ". # وقيل: البرية: من بريت القلم، أي قدرته، فتدخل فيه الملائكة، ولكنه قول ~~ضعيف؛ لأنه يجب فيه تخطئة من همز. # وقوله: { هم شر البرية } ، أي: شر الخليقة، فقيل: يحتمل أن ~~يكون على التعميم. # وقال قوم: أي هم شر البرية الذين كانوا في عصر النبي صلى الله ms9242 عليه ~~وسلم كقوله تعالى: # وأني فضلتكم على العالمين # [البقرة: 47]، أي: على عالمي زمانكم، ولا يبعد أن يكون في كفار الأمم ~~قبل هذا من هو شر منهم، مثل: فرعون، وعاقر ناقة صالح، وكذا قوله: { ~~خير البرية } إما على التعميم، أو خير برية عصرهم، وقد استدل ~~بقراءة الهمزة من فضل بني آدم على الملائكة. # وقال أبو هريرة - رضي الله عنه -: المؤمن أكرم على الله - عز وجل - ~~من بعض الملائكة الذين عنده. # وقرأ العامة: { خير البرية } مقابلا ل " شر ". # وقرأ عامر بن عبد الواحد: " خيار البرية " وهو جمع " خير " نحو: ~~جياد، وطياب، في جمع جيد وطيب؛ قاله الزمخشري. قال ابن الخطيب: ~~وقدم الوعيد على الوعد، لأنه كالداء، والوعد: كالغذاء والدواء، فإذا ~~بقي البدن استعمل الغذاء، فينتفع به البدن، لأن الإنسان إذا وقع في شدة ~~رجع إلى الله تعالى، فإذا نال الدنيا أعرض. # قوله: { جزآؤهم عند ربهم }. أي: ثوابهم عند خالقهم ومالكهم ~~{ جنات عدن }. # قال ابن الخطيب: قال بعض الفقهاء: من قال: لا شيء لي على فلان انتفى ~~الدين، وله أن يدعي الوديعة، وإن قال: لا شيء لي عنده انصرف إلى الوديعة ~~دون الدين، ولإن قال: لا شيء لي قبله انصرف إليهما معا، فقوله تعالى: ~~{ عند ربهم } يفيد أنها أعيان مودعة عنده، والعين أشرف من الدين، ~~والضمان إنما يرغب فيه خوف الهلاك، وهو محال في حقه تعالى. وتقدم الكلام ~~على نظيره. # قوله: { تجرى من تحتها الأنهار } ، الجنات: البساتين، ~~والعدن: الإقامة، يقال: عدن بالمكان يعدن عدنا وعدونا، أي: أقام. ومعدن ~~الشيء: مركزه ومستقره، وقيل: " عدن ": بطنان الجنة ووسطها. # قوله: { خالدين فيهآ } ، حال عامله محذوف، تقديره: ادخلوها ~~خالدين، أو أعطوها، ولا يجوز أن يكون حالا من الضمير المجرور في " ~~جزاؤهم " لئلا يلزم الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي، على أن بعضهم: ~~أجازه من " هم " واعتذر هنا بأن المصدر غير مقدر بحرف مصدري. # قال أبو البقاء: وهو بعيد، وأما " عند ربهم " فيجوز أن يكون حالا ~~من " جزاؤهم " ، وأن يكون ظرفا له، و " أبدا " ظرف مكان منصوب ب ~~" خالدين ms9243 ". أي لا يظعنون ولا يموتون. # قوله: { رضى الله عنهم } ، يجوز أن يكون دعاء مستأنفا، وأن ~~يكون خبرا ثانيا، وأن يكون حالا ثانيا بإضمار " قد " عند من يلزم ~~ذلك. # قال ابن عباس: " رضي الله عنهم ورضوا عنه " أي: رضوا بثواب الله ~~تعالى. # قوله: { ذلك لمن خشي ربه } أي: ذلك المذكور من استقرار ~~الجنة مع الخلود. # أي: خاف ربه، فتناهى عن المعاصي. # روى أنس - رضي الله عنه - # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بن كعب: إن الله تعالى ~~أمرني أن أقرأ عليك: { لم يكن الذين كفروا } ، قال: ~~وسماني لك؟ قال - عليه الصلاة والسلام -: " نعم " فبكى " # خرجه البخاري ومسلم. # قال القرطبي: " من الفقه قراءة العالم على المتعلم ". # قال بعضهم: إنما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم على أبي، ليعلم الناس ~~التواضع لئلا يأنف أحد من التعليم والقراءة على من دونه من المنزلة. # وقيل: إن أبيا كان أسرع آخذا لألفاظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ويعلم غيره، فأراد بقراءته عليه أن يأخذ ألفاظه ويقرأ كما سمع منه صلى ~~الله عليه وسلم، وفيه فضيلة عظيمة لأبي رضي الله عنه وعن بقية الصحابة ~~أجمعين إذ أمر صلى الله عليه وسلم أن يقرأ عليه. والله أعلم. ### | [99 - سورة الزلزلة] ### || [99.1-5] # قوله تعالى: { إذا زلزلت الأرض زلزالها }. " إذا " شرط، ~~وجوابه " تحدث " ، وهو الناصب لها عند الجمهور. # وجوز أبو البقاء أن يكون العامل فيها مصدرا. # وغيره يجعل العامل فيها ما بعدها، وإن كان معمولا لها بالإضافة ~~تقديرا، واختاره مكي، وجعل ذلك نظير " من وما " ، يعني أنهما يعملان ~~فيما بعدهما الجزم، وما بعدهما يعمل فيهما النصب، ولو مثل ب " أي " لكان ~~أوضح. # وقيل: العامل فيها مقدر، أي: يحشرون. # وقيل: اذكر، وحينئذ يخرج عن الظرفية والشرط. # فصل في المناسبة بين أول هذه السورة وآخر السورة المتقدمة # وجه المناسبة بين أول هذه السورة وآخر السورة المتقدمة، أنه تعالى لما ~~قال: { جزآؤهم عند ربهم } فكأن المكلف قال: ومتى يكون ذلك؟. # فقيل له: { إذا زلزلت الأرض } فالعاملون كلهم يكونون في ~~الخوف، ms9244 وأنت في ذلك الوقت تنال جزاءك، وتكون آمنا، لقوله تعالى: # وهم من فزع يومئذ ءامنون # [النمل: 89]. # وقيل: لما ذكر في السورة المتقدمة وعيد الكافر ووعد المؤمن أراد أن ~~يزيد في وعيد الكافر، فقال: أجازيه، حتى يقول الكافر السابق ذكره: ما ~~للأرض تزلزلت، نظيره # يوم تبيض وجوه وتسود وجوه # [آل عمران: 106]، فذكر سبحانه الطائفتين، وذكر ما لكل طائفة، ثم جمع ~~بينهما في آخر السورة بذكر الذرة من الخير، فإن قيل: " إذا " للوقت، ~~فكيف وجه البداية بها في السورة؟ الجواب: أنهم كانوا يسألونه عن الساعة، ~~فقال تعالى: { إذا زلزلت الأرض زلزالها } فإنه تعالى ~~يقول: لا سبيل إلى تعيينها بحسب وقتها، ولكن أعينه بحسب علاماته، أو أنه ~~تعالى أراد أن يخبر المكلف أن الأرض تتحدث وتشهد يوم القيامة مع أنها في ~~هذه الساعة جماد، فكأنه لما قيل: متى يكون ذلك؟ قال تعالى: { إذا ~~زلزلت الأرض }. # فصل في معنى الزلزلة # روى عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه كان يقول: النفخة الأولى ~~تزلزلها، وهو قول مجاهد، لقوله تعالى: # يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة # [النازعات: 6، 7]، ثم تزلزل ثانية، فتخرج موتاها، وهي الأثقال، وذكر ~~المصدر للتأكيد، ثم أضيف إلى الأرض، كقولك: لأعطينك عطيتك، أي: عطيتي ~~لك، وحسن ذلك لموافقة رءوس الآي بعدها. # وهو مصدر مضاف لفاعله، والمعنى زلزالها الذي تستحق ويقتضيه عظمها. # قال الزمخشري: " ونحوه قولك: أكرم التقي إكرامه، وأهن الفاسق إهانته ". # قرأ الجمهور: " زلزالها " بكسر الزاي، والجحدري وعيسى: بفتحها. # قيل: هما مصدران بمعنى. # وقيل: المكسور مصدر، والمفتوح اسم، قاله الزمخشري. وليس في الأبنية " ~~فعلال " يعني غالبا، وإلا فقد ورد: ناقة جزعال. # قال القرطبي: " والزلزال - بالفتح - مصدر، كالوسواس، والقلقال ~~والجرجار ". # قوله: { وأخرجت الأرض أثقالها }. # قال أبو عبيدة والأخفش: إذا كان الميت في بطن الأرض، فهو ثقل لها، وإذا ~~كان فوقها، فهو ثقل عليها. # وقال ابن عباس ومجاهد: " أثقالها " موتاها، تخرجهم في النفخة ~~الثانية. # ومنه قيل للجن والإنس: الثقلان، وقيل: " أثقالها ": كنوزها، ومنه ~~الحديث: # " تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الإسطوان من الذهب والفضة ". # قوله: { وقال الإنسان ms9245 } ، أي ابن آدم، الكافر. # وقال ابن عباس: هو الأسود بن عبد الأسد. # وقيل: أراد كل إنسان يشاهد ذلك عند قيام الساعة في النفخة الأولى من ~~مؤمن وكافر، وقوله: { ما لها } ابتداء وخبر، وهذا يرد قول من قال: إن ~~الحال في نحو قوله تعالى: # فما لهم عن التذكرة معرضين # [المدثر: 49] لازمة لئلا يصير الكلام غير مفيد، فإنه لا حال هنا، ومعنى: ~~{ ما لها } أي: ما لها زلزلت، وقيل: ما لها أخرجت أثقالها! وهي كلمة ~~تعجب، أي: لأي شيء زلزلت؟! ويجوز أن يحيي الله الموتى بعد وقوع النفخة ~~الأولى، ثم تتحرك الأرض، فتخرج الموتى، وقد رأوا الزلزلة، وانشقاق الأرض ~~عن الموتى فيقولون من الهول: ما لها، [كأنهم يخاطبون أنفسهم تعجبا]. # قوله: { يومئذ } ، أي: يوم إذا زلزلت، والعامل في " يومئذ ": " ~~تحدث " إن جعلت " إذا " منصوبة بما بعدها، [أو بمحذوف، وإن جعلت ~~العامل فيها " تحدث " كان " يومئذ " بدلا منها فالعامل فيه] العامل ~~فيها، أو شيء آخر، لأنه على تكرير العامل، وهو خلاف مشهور. # فصل في معنى الآية # معنى " تحدث أخبارها " ، أي: تخبر الأرض بما عمل عليها من خير، أو شر ~~يومئذ. # ثم قيل: هو من قول الله تعالى. # وقيل: من قول الإنسان، أي: يقول الإنسان " ما لها " ، " تحدث ~~أخبارها " متعجبا. # روى الترمذي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - # " قال قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { يومئذ ~~تحدث أخبارها } قال: أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ~~ورسوله أعلم، قال: فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما ~~عمل على ظهرها تقول: عمل يوم كذا، كذا وكذا، قال: " فهذه ~~أخبارها " ". # قال الماوردي: قوله تعالى: { تحدث أخبارها } فيه ثلاثة ~~أقاويل: # أحدها: أن تحدث أخبارها بأعمال العباد على ظهرها، قاله أبو هريرة - رضي ~~الله عنه - ورواه مرفوعا، وهو قول من زعم أنها زلزلة القيامة. # الثاني: قال يحيى بن سلام: { تحدث أخبارها } بما أخرجت من ~~أثقالها، وهو قول من زعم أنها زلزلة أشراط الساعة. # الثالث: قال ابن مسعود: أنها تحدث بقيام الساعة، إذا قال الإنسان: ms9246 ما ~~لها؟ فتحبر أن أمر الدنيا قد انقضى، وأمر الآخرة قد أتى، فيكون ذلك ~~منها جوابا لهم عند سؤالهم، ووعيدا للكافر، وإنذارا للمؤمن. # وفي حديثها بأخبارها ثلاثة أقاويل: # أحدها: أن الله تعالى يقلبها حيوانا ناطقا، فتتكلم بذلك. # الثاني: أن الله يحدث فيها الكلام. # الثالث: أنه يكون منها بيان يقوم مقام الكلام. # قال الطبري: تبين أخبارها بالرجة، والزلزلة، وإخراج الموتى. # قوله: { بأن ربك } متعلق ب " تحدث " ، أي: تحدث الأرض بما ~~أوحى إليها ويجوز أن يتعلق بنفس أخبارها. # وقيل: الباء زائدة و " أن " وما في حيزها بدل من أخبارها. # وقيل: الباء سببية، أي: بسبب إيحاء الله إليها. # وقال الزمخشري: " فإن قلت: أين مفعولا " تحدث "؟. # قلت: حذف أولهما، والثاني: أخبارها، أي: تحدث الخلق أخبارها، إلا أن ~~المقصود ذكر تحديثها الأخبار لا ذكر الخلق تعظيما لليوم. # فإن قلت: بم تعلقت الباء، في قوله " بأن ربك "؟. # قلت: ب " تحدث " ومعناه: تحدث أخبارها بسبب إيحاء ربك لها، وأمره ~~إياها بالتحديث، ويجوز أن يكون المعنى: يومئذ تحدث بتحديث أن ربك ~~أوحى لها أخبارها على أن تحديثها بأن ربك أوحى لها تحديث بأخبارها، كما ~~تقول: نصحتني كل نصيحة بأن نصحتني في الدين ". # قال أبو حيان: وهو كلام فيه عفش، ينزه القرآن عنه. # قال شهاب الدين: وأي عفش فيه، فصحته وفصاحته، ولكنه لما طال تقديره من ~~جهة إفادة هذا المعنى الحسن جعله عفشا وحاشاه. # ثم قال الزمخشري: " ويجوز أن يكون " بأن ربك " بدلا من " أخبارها " ~~كأنه قيل: يومئذ تحدث بأخبارها بأن ربك أوحى لها، لأنك تقول: حدثته ~~كذا، وحدثته بكذا ". # قال أبو حيان: " وإذا كان الفعل تارة يتعدى بحرف جر، وتارة يتعدى ~~بنفسه، وحرف الجر ليس بزائد، فلا يجوز في تابعه إلا الموافقة في ~~الإعراب، فلا يجوز: " استغفرت الذنب العظيم " بنصب " الذنب " وجر " ~~العظيم " لجواز أنك تقول: " من الذنب " ، ولا " اخترت زيدا الرجال ~~الكرام " بنصب " الرجال " وخفض " الكرام " , وكذلك لا يجوز: " استغفرت ~~من الذنب العظيم " بجر " الذنب " ونصب " العظيم " , وكذلك في " اخترت " ~~فلو كان حرف الجر زائدا جاز الإتباع ms9247 على موضع الاسم، بشروطه المحررة في ~~علم النحو، تقول: ما رأيت من رجل عاقلا، لأن " من " زائدة، ومن رجل عاقل ~~على اللفظ، ولا يجوز نصب " رجل " وجر " عاقل " على مراعاة جواز دخول " من ~~" وإن ورد شيء من ذلك، فبابه الشعر ". انتهى. # قال شهاب الدين: ولا أدري كيف يلزم الزمخشري ما ألزمه به من جميع ~~المسائل التي ذكرها، فإن الزمخشري يقول: إن هذا بدل مما قبله، ثم ذكر ~~مسوغ دخول الباء في البدل، وهو أن المبدل منه يجوز دخول الباء عليه، فلو ~~حل البدل محل المبدل منه ومعه الباء لكان جائزا، لأن العامل يتعدى به، ~~وذكر مسوغا لخلو المبدل منه من الباء، فقال: " لأنك تقول: حدثته كذا ~~وحدثته بكذا " ، وأما كونه يمتنع أن يقول: " استغفرت الذنب العظيم " ~~بنصب " الذنب " وجر " العظيم " إلى آخره، فليس في كلام الزمخشري شيء ~~منه ألبتة، ونظير ما قاله الزمخشري في باب " استغفر " ان تقول: استغفرت ~~الله ذنبا من شتمي زيدا، فقولك " من شتمي " بدل من " الذنب " ، وهذا ~~جائز لا محالة. # قوله { أوحى لها }. في هذه اللام أوجه: # أحدها: أنها بمعنى " إلى " ، وإنما أوثرت على " إلى " لمراعاة الفواصل، ~~والمعنى: أوحى لها تحدث أخبارها بوحي الله تعالى لها أي إليها، والعرب ~~تضع لام الصفة موضع " إلى " ، قال العجاج يصف الأرض: [الرجز] # 5265- أوحى لها القرار فاستقرت # وشدها بالراسيات الثبت # قاله أبو عبيدة. # الثاني: على أصلها، " أوحى " يتعدى باللام تارة، وب " إلى " أخرى، ~~ومنه البيت. # الثالث: اللام على بابها من العلة، والموحى إليه محذوف، وهو الملائكة، ~~تقديره: أوحى إلى الملائكة لأجل الأرض، أي: لأجل ما يفعلون فيها. # قال الثوري: تحدث أخبارها مما كان عليها من الطاعات والمعاصي، وما ~~كان على ظهرها من خير وشر. ### || [99.6-8] # قوله: { يومئذ } إما بدل من " يومئذ " قبله، وإما منصوب ب " ~~يصدر " ، وإما منصوب ب " اذكر " مقدرا. وقوله تعالى: { أشتاتا ~~}: حال من الناس، وهو جمع " شت " أي: متفرقين في الأمن والخوف والبياض ~~والسواد، والصدر ضد الورود عن موضع الحساب، فريق إلى جهة اليمين إلى ~~الجنة، وفريق ms9248 إلى جهة الشمال إلى النار، لقوله تعالى: # يومئذ يتفرقون # [الروم: 14] # يومئذ يصدعون # [الروم: 43]. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: " أشتاتا " متفرقين على قدر أعمالهم، ~~أهل الإيمان على حدة، وأهل كل دين على حدة. # وقيل: هذا الصدر إنما هو عند النشور، يصدرون أشتاتا، من القبور إلى ~~موقف الحساب ليروا أعمالهم في كتبهم، أو ليروا جزاء أعمالهم، فإنهم وردوا ~~القبور فدفنوا فيها ثم صدروا عنها، وقوله تعالى: { أشتاتا } ، أي: ~~يبعثون من أقطار الأرض، فعلى هذا قوله تعالى: { ليروا } متعلق ب " ~~يصدر " ، وعلى القول الأول فيه تقديم وتأخير أي: تحدث أخبارها بأن ربك ~~أوحى لها، ليروا أعمالهم، واعترض قوله: { يومئذ يصدر الناس ~~أشتاتا } متفرقين عن موقف الحساب، وعلى هذا تتعلق ب " أوحى " ، وقرأ ~~العامة: ببنائه للمفعول، وهو من رؤية البصر، فتعدى بالهمزة إلى ثان، وهو ~~أعمالهم، والتقدير: ليريهم الله أعمالهم. # وقرأ الحسن والأعرج: وقتادة، وحماد بن سلمة، ونصر بن عاصم، وطلحة، ويروى ~~عن نافع: بفتحها. # قال الزمخشري: وهي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم مبنيا للفاعل. # قوله: { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن ~~يعمل مثقال ذرة شرا يره }. # قال ابن عباس - رضي الله عنه -: من يعمل من الكفار مثقال ذرة خيرا يره ~~في الدنيا، ولا يثاب عليه في الآخرة، ومن يعمل مثقال ذرة من شر عوقب عليه ~~في الآخرة مع عقاب الشرك، ومن يعمل مثقال ذرة من شر من المؤمنين يره في ~~الدنيا، ولا يعاقب عليه في الآخرة إذا مات، ويتجاوز عنه، وإن عمل مثقال ~~ذرة من خير يقبل منه، ويضاعف له في الآخرة. # وفي بعض الحديث: # " أن الذرة لا زنة لها " # ، وهذا مثل ضربه الله تعالى أنه لا يغفل من عمل ابن آدم صغيرة، ولا ~~كبيرة، وهو مثل قوله تعالى: # إن الله لا يظلم مثقال ذرة # [النساء: 40] وقد تقدم أن الذر لا وزن له. # وذكر بعض أهل اللغة: أن الذر: أن يضرب الرجل بيده على الأرض، فما ~~علق بها من التراب فهو الذر، وكذا قال ابن عباس: إذا وضعت يدك ms9249 على ~~الأرض، ورفعتها، فكل واحد مما لزق به من التراب ذرة. # وقيل: الذر نملة صغيرة، وأصغر ما تكون إذا مضى عليها حول. # قال امرؤ القيس: [الطويل] # 5266- من القاصرات الطرف لو دب محول # من الذر فوق الإتب منها لأثرا # قال محمد بن كعب القرظي: فمن يعمل مثقال ذرة من خير من كافر، يرى ثوابه ~~في الدنيا، في نفسه وماله وأهله ووطنه، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند ~~الله خير، ومن يعمل مثقال ذرة من شر من مؤمن يرى عقوبته في الدنيا في ~~ماله ونفسه وأهله وولده، حتى يخرج من الدنيا، وليس له عند الله شر،ودليله ~~ما رواه أنس - رضي الله عنه - # " أن هذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم [وأبو بكر يأكل ~~فأمسك، وقال: يا رسول الله]، وإنا لنرى ما عملنا من خير وشر؟ قال النبي: ~~" يا أبا بكر، ما رأيت في الدنيا مما تكره فهو مثاقيل ذر ~~الشر، ويدخر لكم مثاقيل ذر الخير، حتى تعطوه يوم ~~القيامة " ". # قال أبو إدريس: إن مصداقه في كتاب الله: # ومآ أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ~~ويعفوا عن كثير # [الشورى: 30]. # قال مقاتل: نزلت في رجلين، وذلك أنه لما نزل # ويطعمون الطعام على حبه # [الإنسان: 8]، كان أحدهم يأتيه السائل، فيستقل أن يعطيه التمرة والكسرة ~~والجوزة، وكان الآخر يتهاون بالذنب اليسير، كالكذبة والغيبة والنظرة، ~~ويقول: إنما أوعد الله النار على الكبائر، فنزلت ترغبهم في القليل من ~~الخير أن يعطوه، فإنه يوشك أن يكثر، وتحذرهم اليسير من الذنب، فإنه يوشك ~~أن يكثر، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد ~~فبكلمة طيبة ". # فصل في قراءة " يره " # قوله: { يره } ، جواب الشرط في الموضعين. # وقرأ هشام: بسكون هاء " يره " وصلا في الحرفين، وباقي السبعة: بضمها ~~موصولة بواو وصلا، وساكنة وقفا، كسائر " ها " الكناية. # ونقل أبو حيان عن هشام وأبي بكر: سكونها. # وعن أبي عمرو: بضمها مشبعتين، وباقي السبعة بإشباع الأولى وسكون الثانية ~~انتهى. # وكان ذلك لأجل الوقف على آخر ms9250 السورة غالبا، أما لو وصلوا آخرها بأول " ~~العاديات " كان الحكم الإشباع، وهذا مقتضى أصولهم، وهو المنقول. # وقرأ العامة: " يره " مبنيا للفاعل فيهما. # وقرأ ابن عباس والحسن ابنا علي بن أبي طالب، وزيد بن علي وابو حيوة ~~وعاصم والكسائي في رواية الجحدري والسلمي وعيسى بن عمر: بضم الياء، أي: ~~يريه الله إياه. # قال القرطبي: والأولى الاختيار، لقوله تعالى: # يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا # [آل عمران: 30]. # وقرأ عكرمة: " يراه " بالألف، إما على تقدير الجزم بحذف الحركة ~~المقدرة، وإما على توهم أن " من " موصولة. وتقدم هذا في أواخر " يوسف ". ~~ومعنى " يره " أي: يرى جزاءه؛ لأن ما عمله قد مضى وعدم. # وحكى الزمخشري: إن أعرابيا أخر: " خيرا يره " ، فقيل له: قدمت ~~وأخرت؛ فقال: [الطويل] # 5267- خذا جنب هرشى أو قفاها فإنه # كلا جانبي هرشى لهن طريق # انتهى. # يريد: أن التقديم والتأخير سواء، وهذا لا يجوز - ألبتة - فإنه خطأ، فلا ~~يعتمد به قراءة. وفي نصب " خيرا، وشرا " ، وجهان: # أظهرهما: أنهما تمييز لأنه مقدار. # والثاني: أنهما بدلان من مثقال. # فصل في الكلام على هذه الآية # قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: هذه أحكم آية في القرآن وأصدق. وقد ~~اتفق العلماء على عموم هذه الآية، القائلون بالعموم ومن لم يقل به. # قال كعب الأحبار - رضي الله عنه -: لقد أنزل الله تعالى على محمد صلى ~~الله عليه وسلم آيتين، أحصتا ما في التوراة والإنجيل والزبور والصحف: { ~~فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره }. [وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسمي ~~هذه الآية الجامعة الفاذة]. # روى مالك في " الموطأ ": أن مسكينا استطعم عائشة - رضي الله عنها - ~~وبين يديها عنب، فقالت لإنسان: خذ حبة وأعطه إياها، فجعل ينظر إليها ~~ويتعجب، فقالت عائشة: أتعجب، كم ترى في هذه الحبة من مثقال ذرة. # روى الترمذي عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من قرأ { إذا زلزلت } عدلت له نصف القرآن، ومن ~~قرأ: { قل هو الله أحد الله الصمد ms9251 لم يلد ولم ~~يولد ولم يكن له كفوا أحد } عدلت له ثلث القرآن ~~". # وعن علي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ { إذا زلزلت } أربع مرات، كان كمن قرأ ~~القرآن كله " # والله أعلم. ### | [100 - سورة العاديات] ### || [100.1-5] # قوله تعالى: { والعاديات } ، جمع عادية، وهي الجارية بسرعة من ~~العدو، وهو المشي بسرعة، والياء منقلبة عن واو لكسر ما قبلها، نحو: ~~الغازيات، من الغزو، ويقال: عدا يعدو عدوا، فهو عاد، وهي عادية. ~~وقد تقدم هذا في سورة " المؤمنين ". # قال عامة المفسرين: يريد الأفراس تعدو في سبيل الله تعالى. # قوله: { ضبحا } ، فيه أوجه: # أحدها: أنه مصدر مؤكد لاسم الفاعل، فإن الضبح نوع من السير والعدو ~~كالضبع، يقال: ضبح وضبع، إذا عدا بشدة، أخذا من الضبع وهو الذراع، لأنه ~~يمده عند العدو، وكأن الحاء بدل من العين، وإلى هذا ذهب أبو عبيدة ~~والمبرد. # قال عنترة: [مجزوء الكامل] # 5268- والخيل تعلم حين تض # بح في حياض الموت ضبحا # الثاني: أنه مصدر في موضع الحال، أي: ضابحات وذوي ضبح والضبح: صوت يسمع ~~من صدور الخيل عند العدو، وليس بصهيل. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه حكاه، فقال: أح أح. # وقال قتادة: تضبح إذا عدت، أي: تحمحم. # وقال الفراء: والضبح: أصوات أنفاسها إذا عدون. وقيل: كانت تكمكم لئلا ~~تصهل، فيعلم العدو بهم، فكانت تتنفس في هذه الحال بقوة. # ونقل عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أنه لم يضبح من الحيوان غير ~~الخيل والكلب والثعلب، وهذا ينبغي أن يصح عنه؛ لأنه روي عنه أنه قال: ~~سئلت عنها، ففسرتها بالخيل؛ وكان علي - رضي الله عنه - تحت سقاية زمزم، ~~فسأله، فذكر ما قلت؛ فدعاني، فلما وقفت على رأسه، قال: تفتي الناس بغير ~~علم، والله إنها لأول غزوة في الإسلام، وهي بدر، ولم يكن معنا إلا ~~فرسان: فرس للمقداد، وفرس للزبير، فكيف تكون العاديات ضبحا؟ إنما ~~العاديات الإبل من " عرفة " إلى " المزدلفة " ، ومن " المزدلفة " إلى " ~~منى " يعني إبل الحاج. # قال ابن عباس: فرجعت إلى قول علي ms9252 - رضي الله عنه - وبه قال ابن مسعود، ~~وعبيد بن عمير، ومحمد بن كعب، والسدي رضي الله عنهم. # ومنه قول صفية بنت عبد المطلب: [الوافر] # 5269- فلا والعاديات غداة جمع # بأيديها إذا سطع الغبار # إلا أن الزمخشري، قال بعد ذلك: " فإن صحت الرواية، فقد استعير الضبح ~~للإبل، كما استعير المشافر والحافر للإنسان، والشفتان للمهر ". # ونقل غيره: أن الضبح، يكون في الإبل، والأسود من الحيات، والبوم، ~~والصدى، والأرنب، والثعلب، والفرس. # وأنشد أبو حنيفة رضي الله عنه: [الرجز] # 5270- حنانة من نشم أو تألب # تضبح في الكف ضباح الثعلب # قال شهاب الدين: وهذا عندي من الاستعارة، ونقل أهل اللغة أن أصل الضبح ~~في الثعلب فاستعير للخيل، وهو ضبحته النار، إذا غيرت لونه ولم تبالغ ~~وانضبح لونه تغير لسواد قليل، والضبح أيضا الرماد. # الثالث من أوجه النصب: أن يكون منصوبا بفعل مقدر، أي: يضبح ضبحا، وهذا ~~الفعل حال من " العاديات ". # الرابع: أنه منصوب ب " العاديات " ، وإن كان المراد به الصوت. # قال الزمخشري: " كأنه قيل: والضابحات، لأن الضبح يكون مع العدو ". # قال أبو حيان: " وإذا كان الضبح مع العدو، فلا يكون معنى والعاديات ~~معنى الضابحات فلا ينبغي أن يفسر به " انتهى. # قال شهاب الدين: لم يقل الزمخشري إنه بمعناه، إنما جعله منصوبا، لأنه ~~لازم لا يفارقه، فكأنه ملفوظ به. وقوله: كأنه قيل؛ تفسير التلازم لا أنه ~~هو هو. # فصل في هذا القسم # قال ابن العربي: أقسم الله تعالى بمحمد صلى الله عليه وسلم فقال: # يس والقرآن الحكيم # [يس: 1، 2]، وأقسم بحياته فقال: # لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون # [الحجر: 72]، وأقسم بخيله وصهيلها وغبارها، وقدح حوافرها النار من ~~الحجر، فقال: { والعاديات ضبحا }. # وقال الشعبي: تمارى علي وابن عباس في " العاديات " فقال علي: هي ~~الإبل تعدو في الحج. # وقال ابن عباس: هي الخيل، ألا تراه يقول: " فأثرن به نقعا " ~~فهل تثير إلا بحوافرها, وهل تضبح الإبل؟. # فقال علي رضي الله عنه: ليس كما قلت, لقد رأيتنا يوم بدر وما معنا إلا ~~فرس أبلق للمقداد، وفرس لمرثد بن أبي مرثد. # وعلى هذا ms9253 فالقول: { فالموريات قدحا } أي: الحافر يرمي بالحجر من ~~شدة العدو، فيضرب به حجارة أخرى فتوري النار، أو يكون المعنى: الذين ~~يركبون الإبل، وهم الحجيج إذا أوقدوا نيرانهم ب " المزدلفة " ، وقوله ~~تعالى: { فالمغيرات صبحا } ، والإغارة: سرعة السير، وهم يدفعون ~~صبيحة يوم النحر مسرعين إلى " منى ". # { فوسطن به جمعا } يعني " مزدلفة " ، لأنها تسمى بجمع، ~~لاجتماع الحاج بها، وعلى هذا التقدير، فوجه القسم بها ما تقدم ذكره من ~~المنافع الكثيرة في قوله تعالى: # أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت # [الغاشية: 17]. # وأيضا: الغرض بذكر إبل الحج: الترغيب في الحج، فإن الكنود: هو الكفور، ~~والذي لم يحج بعد الوجوب موصوف بذلك، كما في قوله تعالى: # ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين # [آل عمران: 97]. # ومن قال: هي الخيل، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك وعطاء ~~وأكثر المحققين، قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى أناس ~~من بني كنانة، فأبطأ عليه خبرها، وكان استعمل عليها المنذر بن عمرو ~~الأنصاري، وكان أحد النقباء، فقال المنافقون: إنهم قتلوا فنزلت هذه ~~السورة إخبارا للنبي صلى الله عليه وسلم بسلامتها، وبشارة له بإغارتها ~~على القوم، فالمراد: الخيل التي يغزو عليها المؤمنون. # وفي الخبر: # " من لم يعرف حرمة فرس الغازي، ففيه شعبة من النفاق " # ، وعلى هذا القول، فالسورة مدنية، لأن الإذن في القتال إنما كان ب " ~~المدينة ". # قوله: { فالموريات قدحا } ، قال عكرمة وعطاء والضحاك: هي الخيل ~~حين توري النار بحوافرها وهي سنابكها. # و " قدحا " يجوز أن يكون مصدرا مؤكدا؛ لأن الإيراء من القدح، يقال: ~~قدح فأورى، وقدح فأصلد. # ويجوز أن يكون حالا، فالمعنى: " قادحات " ، أي: ضابحات بحوافرها ما ~~توري النار، ويقال: قدحت الحجر بالحجر، أي: صككته به. # وقال الزمخشري: انتصب " قدحا " بما انتصب به " ضبحا " وكأنه جوز في ~~نصبه ثلاثة أوجه: النصب بإضمار فعله، والنصب باسم الفاعل قبله لأنه ~~ملازمه، والنصب على الحال، وتسمى تلك النار التي تخرج من الحوافر: نار ~~الحباحب. # قال: [الطويل] # 5271- تقد السلوقي المضاعف نسجه ms9254 # وتوقد بالصفاح نار الحباحب # فصل في معنى الموريات # روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أورت بحوافرها غبارا، وهذا يخالف ~~سائر ما روي عنه في قدح النار، وإنما هذا في الإبل [وروى ابن نجيح عن ~~ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله تعالى: { فالموريات قدحا } ~~قال هي في القتال وهو في الحج، قاله ابن مسعود هي الإبل تطأ الحصى فيخرج ~~منه النار]. # وأصل القدح: الاستخراج، ومنه قدحت العين: إذا أخرجت منها الماء الفاسد، ~~واقتدحت بالزند، واقتدحت المرق: غرفته. وركي قدوح: يغرف باليد. # والقديح: ما يبقى في أسفل القدر، فيغرف بجهد، والمقدحة: ما تقدح به ~~النار. # والقداحة والقداح: الحجر الذي يوري النار. # يقال: ورى الزند - بالفتح - يري وريا: إذا خرجت ناره، وفيه لغة ~~أخرى، وري الزند - بالكسر - يرى فيهما، وقد مضى في سورة " الواقعة ". # وقيل: هذه الآيات في الخيل، ولكن إيراءها: أن تهيج الحرب بين أصحابها، ~~وبين عدوهم. ويقال للحرب إذا التحمت: حمي الوطيس، ومنه قوله تعالى: # كلمآ أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله # [المائدة: 64]. # قال ابن عباس: المراد ب { فالموريات قدحا } مكر الرجال في ~~الحرب، وقاله مجاهد وزيد ين أسلم: والعرب يقولون إذا أراد الرجل أن يمكر ~~بصاحبه: والله لأمكرن بك، ثم لأورين لك. # وعن ابن عباس أيضا: هم الذين يغزون فيورون نيرانهم بالليل، لحاجتهم ~~وطعامهم. # وعنه أيضا أنها نيران المجاهدين إذا كثرت نارها إرهابا، ليظنها العدو ~~كثيرا. # وقيل: هي أفكار الرجال توري النار من عظيم ما تتكلم به ويظهر بها من ~~إقامة الحجج، وإقامة الدلائل، وإيضاح الحق، وإبطال الباطل. # قال القرطبي: هذه الأقوال مجاز، ومنه قولهم: فلان يوري زناد الضلالة، ~~والأول: الحقيقة، وأن الخيل من شدة عدوها تقدح النار بحوافرها. # قال مقاتل: العرب تسمي تلك النار نار أبي حباحب، وكان أبو حباحب ~~شيخا من مضر في الجاهلية، من أبخل الناس، وكان لا يوقد نار الخبز ولا ~~غيره حتى تنام العيون، فيوقد نويرة تقد مرة، وتخمد أخرى، فإن استيقظ ~~لها أحد أطفأها، كراهية أن ينتفع بها أحد، فشبهت هذه النار بناره؛ ms9255 لأنه ~~لا ينتفع بها. # وكذلك إذا وقع السيف على البيضة فاقتدحت نارا فكذلك يسمونها. # قال النابغة: [الطويل] # 5272- ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم # بهن فلول من قراع الكتائب # تقد السلوقي المضاعف نسجه # وتوقد بالصفاح نار الحباحب # قوله: { فالمغيرات صبحا } ظرف؛ أي: التي تغير وقت الصبح، يقال: ~~أغار يغير إغارة وغارة: إذا باغت عدوا نهبا وقتلا وأسرا؛ قال: ~~[البسيط] # 5273- فليت لي بهم قوما إذا ركبوا # شنوا الإغارة فرسانا وركبانا # وأغار وغار أيضا: نزل الغور، وهو المنهبط من الأرض. # قوله: { فأثرن }. عطف الفعل على الاسم، لأن الاسم في تأويل الفعل ~~لوقوعه صلى ل " أل ". # قال الزمخشري: " معطوف على الفعل الذي وضع اسم الفاعل موضعه، يعني في ~~الأصل؛ إذ الأصل: واللاتي عدون فأورين فأغرن فأثرن ". # قوله: { به }. في الهاء أوجه: # أحدها: أنه ضمير الصبح، أي: فأثرن في وقت الصبح غبارا. وهذا حسن، لأنه ~~مذكور بالتصريح. # الثاني: أنه عائد على المكان، وإن لم يجر له ذكر؛ لأن الإشارة لا بد لها ~~من مكان، والسياق والعقل لا يدلان عليه، وإذا علم بالمعنى جاز أن يكون ~~عما لم يجري له ذكر بالصريح كقوله تعالى: # حتى توارت بالحجاب # [ص: 32]. وفي عبارة الزمخشري: " وقيل: الضمير لمكان الغارة " ، وهذا ~~على تلك اللغية وإلا فالفصيح أن تقول: الإغارة. # الثالث: أنه ضمير العدو الذي دل عليه " والعاديات ". # وقرأ العامة: بتخفيف الثاء، أثار كذا إذا نشره وفرقه من ارتفاع. # وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة: بتشديدها. # وخرجه الزمخشري على وجهين: # الأول: بمعنى فأظهرن به غبارا؛ لأن التأثير فيه معنى الإظهار. # الثاني: قلب " ثورن " إلى " وثرن " ، وقلب الواو همزة انتهى. # يعني: الأصل " ثورن " من ثور يثور - بالتشديد - عداه بالتضعيف كما ~~يعدى بالهمزة في قولك: أثاره ثم قلب الكلمة بأن جعل العين وهي الواو موضع ~~الفاء وهي الثاء، ووزنها حينئذ " عفلن " ثم قلب الواو همزة، فصار: " ~~أثرن " ، وهذا بعيد جدا، وعلى تقدير التسليم، فقلب الواو المفتوحة ~~همزة لا ينقاس، إنما جاءت منه ألفاظ ك " احد وأناة " والنقع: الغبار. # وأنشد: [البسيط] # 5274- يخرجن من مستطار دائمة ms9256 # كأن آذانها أطراف أقلام # وقال ابن رواحة: [الوافر] # 5275- عدمت بنيتي إن لم تروها # تثير النقع من كنفي كداء # وقال أبو عبيدة: النقع، رفع الصوت؛ قال لبيد: [الرمل] # 5276- فمتى ينقع صراخ صادق # يحلبوها ذات جرس وزجل # يروى: " يجلبوها " أيضا، يقول: متى سمعوا صراخا أجلبوا الحرب، أي: ~~جمعوا لها، وقوله: " ينقع صراخ " يعني رفع الصوت. # قال الزمخشري: ويجوز أن يراد بالنقع: الصياح، من قوله عليه الصلاة ~~والسلام: # " لم يكن نقع ولا لقلقة ". # وقول لبيد: [الرمل] # 5277- فمتى ينقع صراخ صادق # أي: فهيجن في المغار عليهم صياحا وجلبة. # وقال أبو عبيد: وعلى هذا رأيت قول أكثر أهل العلم، انتهى. فعلى هذا تكون ~~الباء بمعنى " في " ويعود الضمير على المكان الذي فيه الإغارة، كما تقدم. # وقال الكسائي: قوله: " نقع ولا لقلقة " النقع: صنعة الطعام، ~~يعني في المأتم يقال منه: نقعت أنقع نقعا. قال أبو عبيد: ذهب بالنقع إلى ~~النقيعة، وإنما النقيعة عند غيره من العلماء: صنعة الطعام عند القدوم من ~~سفر، لا في المأتم. # وقال بعضهم: يريد عمرو بالنقع وضع التراب على الرأس فذهب إلى أن النقع ~~هو التراب. # قال القرطبي: ولا أحسب عمرا ذهب إلى هذا، ولا خافه منهن، وكيف يبلغ ~~خوفه ذا، وهو يكره لهن القيام، فقال: وهو الذي لا أدري ما هو من الحديث ~~ولا أعرفه، وليس النقع عندي في هذا الحديث إلا الصوت الشديد، وأما ~~اللقلقة: فشدة الصوت، ولم أسمع فيه اختلافا. # [قال محمد بن كعب القرظي: النقع بين " مزدلفة " إلى " منى ". # وقيل: إنه طريق الوادي، ولعله يرجع إلى الغبار المثار من هذا الموضع. # وفي " الصحاح " النقع الغبار، والجمع: النقاع والنقع محبس الماء، وكذلك ~~ما اجتمع في البئر منه. # وفي الحديث: أنه نهى أن يمنع نقع البئر. # والنقع: الأرض الحرة الطين يستنقع فيها الماء، والجمع: نقاع وأنقع، مثل: ~~بحار وبحر وأبحر]. # قوله: { فوسطن }. العامة على تخفيف السين. # وفي الهاء في " به " أوجه: # أحدها: أنها للصبح. # والثاني: أنها للنقع، أي: وسطن النقع الجمع، أي: جعلن الغبار وسط ~~الجمع. والباء للتعدية، وعلى الأول ms9257 هي ظرفية. # الثالث: الباء للحالية، أي فتوسطن ملتبسا بالنقع، أي: بالغبار، جمعا ~~من جموع الأعداء. # وقيل: الباء مزيدة نقله أبو البقاء. # و " جمعا " على هذه الأوجه: مفعول به. # الرابع: أن المراد ب " جمع " " المزدلفة " وهي تسمى جمعا، والمراد: أن ~~الإبل تتوسط جمعا الذي هو " المزدلفة " ، كما مر عن أمير المؤمنين ~~فالمراد بالجمع مكان، لا جماعة الناس، كقول صفية: [الوافر] # 5278- فلا والعاديات غداة جمع # وقول بشر بن أبي خازم: [الكامل] # 5279- فوسطن جمعهم وأفلت حاجب # تحت العجاجة في الغبار الأقتم # و " جمعا " على هذا منصوب على الظرف، وعلى هذا فيكون الضمير في " به ~~" إما للوقت أي في وقت الصبح، وإما للنقع، وتكون الباء للحال، أي: ~~ملتبسات بالنقع، إلا أنه يشكل نصب الظرف المختص إذ كان حقه أن يتعدى إليه ~~ب " في ". # وقال أبو البقاء: إن " جمعا " حال، وسبقه إليه مكي. وفيه بعد؛ إذ ~~المعنى على أن الخيل توسطت جمع الناس. # وقرأ علي، وزيد بن علي، وقتادة، وابن أبي ليلى: بتشديد السين، وهما ~~لغتان بمعنى واحد. # وقال الزمخشري: التشديد للتعدية، والباء مزيدة للتأكيد، كقوله تعالى: # وأتوا به متشابها # [البقرة: 25] وهي مبالغة في وسطن " انتهى. # وقوله: " وهي مبالغة " تناقض قوله أولا للتعدية، لأن التشديد للمبالغة ~~لا يكسب الفعل مفعولا آخر، تقول: " ذبحت الغنم " مخففا، ثم تبالغ ~~فتقول: " ذبحتها " - مثقلا - وهذا على رأيه قد جعله متعديا بنفسه، ~~بدليل جعله الباء مزيدة، فلا تكون للمبالغة. # فصل في معنى الآية # المعنى: فوسطن بركبانهن العدو، أي: الجمع الذين أغاروا عليهم. # وقال ابن مسعود: " فوسطن به جمعا " يعني " مزدلفة " ، وسميت ~~جمعا لاجتماع الناس فيها. # ويقال: وسطت القوم أسطهم وسطا وسطة، أي: صرت وسطهم، وقد أكثر الناس في ~~وصف الخيل وهذا الذي ذكره الله أحسن. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الخيل معقود في نواصيها الخير " # وقال أيضا: # " ظهرها حرز وبطنها كنز ". # ويروى أن بنت امرئ القيس أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول ~~الله، هل أنزل عليك ربك كلاما في صفة الخيل كلاما أفصح مما قاله ms9258 ~~جدي؟ فقال - عليه الصلاة والسلام -: " وما قال جدك ".؟ قالت: ~~[الطويل] # 5280-مكر مقبل مدبر معا # كجلمود صخر حطه السيل من عل # فقال -عليه الصلاة والسلام -: { والعاديات ضبحا } الآيات ~~فأسلمت. ### || [100.6-8] # قوله: { إن الإنسان لربه لكنود }. هذا هو المقسم عليه، و ~~" لربه " متعلق بالخبر، وقدم الفواصل، والكنود: الجحود. # وقيل: الكفور لنعمه، وأنشد: [الطويل] # 5281- كنود لنعماء الرجال ومن يكن # كنودا لنعماء الرجال يبعد # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - هو بلسان " كندة " و " حضرموت ": ~~العاصي، وبلسان " ربيعة " و " مضر ": الكفور، وبلسان " كنانة ": البخيل. # وأنشد أبو زيد: [الخفيف] # 5282- إن تفتني فلم أطب عنك نفسا # غير أني أمسي بدهر كنود # وقيل: لسان الجاحد للحق. وقيل: إنما سميت كندة لأنها جحدت أباها. # وقيل: الكنود: من كند إذا قطع، كأنه يقطع ما ينبغي أن يواصله من الشكر، ~~ويقال: كند الخيل: إذا قطع؛ قال الأعشى: [المتقارب] # 5283- يعطي عطاء بصلب الفؤاد # وصول حبال وكنادها # فهذا يدل على القطع، ويقال: كند يكند كنودا، أي: كفر النعمة وجحدها، ~~فهو كنود، وامرأة كنود أيضا، وكند مثله؛ قال الأعشى: [الكامل] # 5284- أحدث لها تحدث لوصلك إنها # كند لوصل الزائر المعتاد # أي: كفور للمواصلة، وروى أبو أمامة الباهلي - رضي الله عنه - قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الكنود: هو الذي يأكل وحده، ويمنع رفده، ويضرب عبده " # خرجه الترمذي الحكيم في نوادر الأصول. وقال الحسن: الكنود اللوام لربه ~~يعد المحن والمصيبات، وينسى النعم والراحات، وهو كقوله تعالى: # وأمآ إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ~~ربي أهانن # [الفجر: 16]. # واعلم أن الكنود لا يخرج عن أن يكون كفرا أو فسقا، وكيفما كان فلان ~~يمكن حمله على كل الناس، فلا بد من صرفه إلى كافر معين، وإن حملناه على ~~الكل فالمعنى أن طبع الإنسان يحمله على ذلك إلا إذا عصمه الله بلطفه ~~وتوفيقه. # قال ابن عباس: الإنسان هنا الكافر، يقول: إنه لكفور، ومنه الأرض الكنود ~~التي لا تنبت شيئا. وقال الضحاك: نزلت في الوليد بن المغيرة. وقال أبو ~~بكر الواسطي: الكنود: الذي ينفق نعم الله في ms9259 معاصي الله. # وقال ذو النون المصري: الهلوع والكنود: هو الذي إذا مسه الشر جزوع، ~~وإذا مسه الخير منوع. وقيل: هو الحسود الحقود. # قال القرطبي: " هذه الأقوال كلها ترجع إلى معنى الكفران والجحود ". # وقال ابن عباس - رضي الله عنه - نزلت في قرط بن عبد الله بن عمرو بن ~~نوفل القرشي، لقوله: # أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور # [العاديات: 19] ولا يليق إلا بالكافر المنكر لذلك. # قوله: { وإنه على ذلك لشهيد }. أي: وإن الله - تعالى - ~~على ذلك من ابن آدم لشهيد، قاله ابن عباس ومجاهد وأكثر المفسرين. # وقال الحسن وقتادة ومحمد بن كعب: " وإنه " أي: وإن الإنسان لشاهد ~~على نفسه بما يصنع كقوله تعالى بعد ذلك: { وإنه لحب الخير ~~لشديد }. # والأول أولى؛ لأنه كالوعيد والزجر له عن المعاصي. # قوله تعالى: { وإنه لحب الخير }. اللام متعلقة ب " شديد " ~~وفيه وجهان: # أحدهما: أنها المعدية، والمعنى: وإنه لقوي مطيق لحب الخير أي: المال، ~~يقال: هو شديد لهذا الأمر، أي: مطيق له، ويقال: لشديد: أي: بخيل، ويقال ~~للبخيل: شديد ومتشدد؛ قال طرفة: [الطويل] # 5285- أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي # عقيلة مال الفاحش المتشدد # يقال: اعتامه واعتماه: أي: اختاره، والفاحش: البخيل أيضا؛ قال تعالى: # ويأمركم بالفحشآء # [البقرة: 268] أي: البخل. # قال ابن زيد: سمى الله المال خيرا، وعسى أن يكون شرا وخيرا، ولكن ~~الناس يعدونه خيرا، فسماه الله تعالى خيرا لذلك، قال تعالى: # إن ترك خيرا # [البقرة: 180] وسمى الجهاد سوءا، فقال: # فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم ~~سوء # [آل عمران: 174] على ما يسميه الناس. # الثاني: أن " اللام " للعلة، أي: وإنه لأجل حب المال لبخيل. # وقيل: " اللام " بمعنى " على ". # وقال الفراء: أصل نظم الآية أن يقال: وإنه لشديد الحب للخير، فلما قدم ~~الحب قال: " لشديد " وحذف من آخره ذكر الحب؛ لأنه قد جرى ذكره، لرءوس ~~الآي، كقوله تعالى: # في يوم عاصف # [إبراهيم: 18] والعصوف: للريح لا للأيام، فلما جرى ذكر الريح قبل ~~اليوم، طرح من آخره ذكر الريح، كأنه قال: في يوم عاصف الريح. ### || [100.9-11] # قوله: { أفلا يعلم }. لما عد ms9260 عليه قبائح أفعاله خوفه، فقال: { ~~أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور }. # العامل في " إذا " أوجه: # أحدهما: " بعثر " نقله مكي عن المبرد. وتقدم تحريره في السورة ~~قبلها. # قال القرطبي: العامل في " إذا ": " بعثر " ولا يعمل فيه " يعلم " إذ ~~لا يراد به العلم من الإنسان ذلك الوقت؛ إنما يراد في الدنيا، ولا يعمل ~~فيه " خبير " لأن ما بعد " إن " لا يعمل فيما قبلها، والعامل في " ~~يومئذ ": " خبير " وإن فصل اللام بينهما؛ لأن موضع اللام الابتداء، ~~وإنما دخلت في الخبر لدخول " إن " على المبتدأ. # والثاني: ما دل عليه خبر " إن " ، أي: إذا بعثر جوزوا. # والثالث: أنه " يعلم " ، وإليه ذهب الحوفي وأبو البقاء، ورده مكي، ~~قال: " لأن الإنسان لا يراد منه العلم والاعتبار ذلك الوقت، وإنما يعتبر ~~في الدنيا ويعلم ". # قال أبو حيان: " وليس بمتضح، لأن المعنى: أفلا يعلم الآن ". # وكان قال قبل ذلك: " ومفعول " يعلم " محذوف، وهو العامل في الظرف؛ أي: ~~أفلا يعلم ما مآله إذا بعثر " انتهى. # فجعلها متعدية في ظاهر قوله إلى واحد، وعلى هذا فقد يقال: إنها عاملة في ~~" إذا " على سبيل أن " إذا " مفعول به لا ظرف؛ إذ التقدير: أفلا يعرف وقت ~~بعثرة القبور، يعني أن يقر بالبعث ووقته، و " إذا " قد تصرفت وخرجت عن ~~الظرفية، ولذلك شواهد تقدم ذكرها. # الرابع: أن العامل فيها محذوف، وهو مفعول " يعلم " ، كما تقدم. # وقرأ العامة: " بعثر " - بالعين - مبنيا للمفعول، والموصول قائم ~~مقام الفاعل. # وابن مسعود: بالحاء. # قال الفراء: سمعت بعض أعراب بني أسد يقرأ " بحثر " بالحاء وحكاه ~~الماوردي عن ابن مسعود. # وقرأ الأسود بن زيد ومحمد بن معدان: " بحث " من البحث. # وقرأ نصر بن عاصم: " بعثر " مبنيا للفاعل، وهو الله أو الملك. # فصل في معنى الآية # المعنى " أفلا يعلم " ، أي: ابن آدم " إذا بعثر " أي: أثير ~~وقلب وبحث، فأخرج ما فيها. # قال أبو عبيدة: بعثرت المتاع، جعله أسفله أعلاه. # قال محمد بن كعب: ذلك حين يبعثون. # فإن قيل: لم قال: " بعثر ما في القبور " ولم يقل: من في القبور؟ ثم ~~إنه ms9261 - تعالى - لما قال: " ما في القبور " فلم قال: { إن ربهم ~~بهم يومئذ لخبير }؟. # فالجواب عن الأول: أن ما في الأرض غير المكلفين أكثر، فأخرج الكلام على ~~الأغلب، أو أنهم حال ما يبعثرون لا يكونون أحياء عقلاء، بل يصيرون كذلك ~~بعد البعث، فلذلك كان الضمير الأول غير العقلاء، والضمير الثاني ضمير ~~العقلاء. # قوله: { وحصل ما في الصدور } ، قرأ العامة: " حصل " مبنيا ~~للفاعل وروي عن ابن عمر، وعبيد بن عمير، وسعيد بن جبير ونصر أيضا " حصل ~~" خفيف الصاد مبنيا للفاعل بمعنى جميع ما في الصحف محصلا، والتحصيل: ~~جمع الشيء، والحصول: اجتماعه، والاسم: الحصيلة. # قال لبيد: [الطويل] # 5289- وكل امرئ يوما سيعلم سعيه # إذا حصلت عند الإله الحواصل # والتحصيل: التمييز، ومنه قيل للمنخل: محصل، وحصل الشيء - مخففا - ظهر ~~واستبان وعليه القراءة الأخيرة. # وقال المفسرون: " وحصل ما في الصدور " أي: ميز ما فيها من خير ~~وشر، وقال ابن عباس: أبرز. قال ابن الخطيب: وخص أعمال القلوب بالذكر دون ~~أعمال الجوارح؛ لأن أعمال الجوارح تابعة لأعمال القلوب؛ لأنه لولا ~~البواعث والإرادات، لما حصلت أعمال الجوارح. # قوله: { إن ربهم بهم }. العامة: على كسر الهمزة لوجود اللام ~~في خبرها، والظاهر أنها معلقة ل " يعلم " فهي في محل نصب، ولكن لا ~~يعمل في " إذا " خبرها، لما تقدم، بل يقدر له عامل من معناه كما تقدم. ~~ويدل على أنها معلقة للعلم، ولا مستأنفة. وقراءة أبي السمال وغيره: " ~~أن ربهم بهم يومئذ خبير " ، بالفتح وإسقاط اللام، فإنها في هذه ~~القراءة سادة مسد مفعولها. # ويحكى عن الحجاج - الخبيث الروح - أنه لما فتح همزة " أن " استدرك على ~~نفسه، وتعمد سقوط اللام، وهذا إن صح كفر، ولا يقال: إنها قراءة ثابتة، ~~كما نقل عن أبي السمال فلا يكفر، لأنه لو قرأها كذلك ناقلا لها لم ~~يمنع منه، ولكنه أسقط اللام عمدا إصلاحا للسانه، واجتمعت الأمة على أن ~~من زاد حرفا، أو نقص حرفا في القرآن عمدا فهو كافر. # قال شهاب الدين: وإنما قلت ذلك لأني رأيت أبا حيان قال: وقرأ أبو ~~السمال والحجاج، ولا ms9262 يحفظ عن الحجاج إلا هذا الأثر السوء، والناس ينقلونه ~~عنه كذلك، وهو أقل من أن ينقل عنه. # " ربهم، ويومئذ " متعلقان بالخبر، واللام غير مانعة من ذلك، وقدما لأجل ~~الفاصلة، ومعنى " خبير " أي: عالم لا يخفى عليه منهم خافية، وهو عالم ~~بهم في ذلك اليوم، وفي غيره، ولكن المعنى: أنه يجازيهم في ذلك اليوم. # روى الثعلبي عن أبي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من قرأ سورة { والعاديات } أعطي من الأجر عشر ~~حسنات بعدد من بات بالمزدلفة، وشهد جمعا " # ، والله أعلم وهو حزبي. ### | [101 - سورة القارعة] ### || [101.1-5] # قوله تعالى: { القارعة ما القارعة } كقوله تعالى: # الحاقة ما الحآقة # [الحاقة: 1، 2]، وكقوله تعالى: # وأصحاب اليمين مآ أصحاب اليمين # [الواقعة: 27]، وقد تقدم ما نقله مكي من أنه يجوز رفع " القارعة " ~~بفعل مضمر ناصب ل " يوم ". # وقيل: ستأتيكم القارعة. # وقيل: القارعة: مبتدأ وما بعده الخبر. # وقيل: معنى الكلام على التحذير. # قال الزجاج: والعرب تحذر، وتغري بالرفع كالنصب، وأنشد: [الخفيف] # 5287- لجديرون بالوفاء إذا قا # ل أخو النجدة: السلاح السلاح # وقد تقدم ذلك في قوله تعالى: # ناقة الله # [الشمس: 13]، فيمن رفعه، ويدل على ذلك قراءة عيسى: " القارعة ما ~~القارعة " بالنصب، بإضمار فعل، أي: احذروا القارعة و " ما " زائدة، و " ~~القارعة " تأكيد للأولى تأكيدا لفظيا. # والقرع: الضرب بشدة واعتماد. والمراد بالقارعة: القيامة، لأنها تقرع ~~الخلائق بأهوالها، وأفزاعها. # وأهل اللغة يقولون: تقول العرب: قرعتهم القارعة، وفقرتهم الفاقرة، إذا ~~وقع بهم أمر فظيع، قال تعالى: # ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا ~~قارعة # [الرعد: 31]، وهي الشديدة من شدائد الدهر. # قوله تعالى: { ما القارعة } استفهام على جهة التعظيم والتفخيم ~~لشأنها، كقوله تعالى: # الحاقة ما الحآقة # [الحاقة: 1، 2]، واختلفوا في سبب تسمية القيامة بالقارعة، فقيل: المراد ~~بالقارعة: الصيحة التي يموت منها الخلائق؛ لأنها تقرع أسماعهم. # وقيل: إن الأجرام العلوية والسفلية يصطكان، فيموت العالم بسبب تلك ~~القرعة، فلذلك سميت بالقارعة، [وقيل: تقرع الناس بالأهوال كانشقاق ~~السموات، وأقطارها وتكوير الشمس، وانتثار الكواكب، ودك الجبال ونسفها، ~~وطي الأرض. وقيل: لأنها تقرع أعداء ms9263 الله بالعذاب]، وقوله تعالى: { ومآ ~~أدراك ما القارعة } ، أي: لا علم لك بكنهها؛ لأنها في الشدة ~~بحيث لا يبلغها وهم أحد، وعلى هذا يكون آخر السورة مطابقا لأولها. # فإن قيل: هاهنا قال: { ومآ أدراك ما القارعة } ، ثم قال في ~~آخر السورة: { فأمه هاوية ومآ أدراك ما هيه } ، ولم ~~يقل: وما أدراك ما هاوية؟ # فالجواب: الفرق أن كونها قارعة أمر محسوس، وكونها هاوية ليس كذلك، فظهر ~~الفرق. # قوله: { يوم يكون }. في ناصب " يوم " أوجه: # أحدها: مضمر يدل عليه القارعة، أي: تقرعهم يوم يكون وقيل: تقديره: تأتي ~~القارعة يوم. # الثاني: أنه اذكر مقدرا، فهو مفعول به لا ظرف. # الثالث: أنه " القارعة " قاله ابن عطية، وأبو البقاء، ومكي. # قال أبو حيان: فإن كان عنى ابن عطية اللفظ الأول، فلا يجوز، للفصل بين ~~العاملين وهو في صلة " أل " والمعمول بأجنبي، وهو الخبر، وإن جعل القارعة ~~علما للقيامة، فلا يعمل أيضا، وإن عنى الثاني والثالث، فلا يلتئم معنى ~~الظرفية معه. # الرابع: أنه فعل مقدر رافع للقارعة الأولى، كأنه قيل: تأتي القارعة يوم ~~يكون. قاله مكي. وعلى هذا يكون ما بينهما اعتراضا، وهو بعيد جدا منافر ~~لنظم الكلام. # وقرأ زيد بن علي: " يوم " بالرفع، خبرا لمبتدأ محذوف، أي: وقتها ~~يوم. # قوله: " كالفراش ". يجوز أن يكون خبرا للناقصة، وأن يكون حالا من ~~فاعل التامة، أي: يؤخذون ويحشرون شبه الفراش، وهو طائر معروف. # وقال قتادة: الفراش: الطير الذي يتساقط في النار والسراج، الواحدة: ~~فراشة. # وقال الفراء: هو الهمج من البعوض والجراد وغيرهما، وبه يضرب المثل في ~~الطيش والهوج، يقال: أطيش من فراشة؛ وأنشد: [البسيط] # 5288- فراشة الحلم فرعون العذاب وإن # يطلب نداه فكلب دونه كلب # وقال آخر: [الطويل] # 5289- وقد كان أقوام رددت قلوبهم # عليهم وكانوا كالفراش من الجهل # وقال آخر: [الرجز] # 5290- طويش من نفر أطياش # أطيش من طائرة الفراش # والفراشة: الماء القليل في الإناء وفراشة القفل لشبهها بالفراشة، ~~وروى " مسلم " عن جابر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا ms9264 فجعل الجنادب ~~والفراش يقعن فيها وهو يذبهن عنها، وأنا آخذ ~~بحجزكم عن النار، وأنتم تفلتون من يدي ". # في تشبيه الناس بالفراش مبالغات شتى: منها الطيش الذي يلحقهم، ~~وانتشارهم في الأرض، وركوب بعضهم بعضا، والكثرة، والضعف، والذلة والمجيء ~~من غير ذهاب، والقصد إلى الداعي من كل جهة، والتطاير إلى النار؛ قال ~~جرير: [الكامل] # 5291- إن الفرزدق ما علمت وقومه # مثل الفراش غشين نار المصطلي # والمبثوث: المتفرق، وقال تعالى في موضع آخر: # كأنهم جراد منتشر # [القمر: 7]. # فأول حالهم كالفراش لا وجه له يتحير في كل وجه، ثم يكون كالجراد، لأن ~~لها وجها تقصده والمبثوث: المتفرق المنتشر، وإنما ذكر على اللفظ كقوله ~~تعالى: # أعجاز نخل خاوية # [الحاقة: 7]. # قال ابن عباس: " كالفراش المبثوث " كغوغاء الجراد، يركب بعضها ~~بعضا، كذلك الناس، يجول بعضهم في بعض إذا بعثوا. # فإن قيل كيف يشبه الشيء الواحد بالصغير والكبير معا، لأنه شبههم ~~بالجراد المنتشر والفراش المبثوث؟. # فالجواب: أما التشبيه بالفرش، فبذهاب كل واحد إلى جهة الآخر، وأما ~~التشبيه بالجراد، فبالكثرة والتتابع، ويكون كبارا، ثم يكون صغارا. # قوله: { وتكون الجبال كالعهن المنفوش }. أي: الصوف ~~الذي ينفش باليد، أي: تصير هباء وتزول، كقوله تعالى: # هبآء منبثا # [الواقعة: 6]. # قال أهل اللغة: العهن: الصوف المصبوغ. وقد تقدم. ### || [101.6-11] # قوله: { فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة ~~راضية }. في الموازين قولان: # أحدهما: أنه جمع موزون، وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله تعالى، ~~وهذا قول الفراء، ونظيره قولك: له عندي درهم بميزان درهمك، ووزن درهمك، ~~ويقولون: داري بميزان ووزن دارك، أي: حذاؤها. # والثاني: قال ابن عباس: جمع ميزان لها لسان وكتفان يوزن فيه الأعمال. # [وقد تقدم القول في الميزان في سورة " الأعراف " و " الكهف " و " ~~الأنبياء " ، وأنه له كفة ولسان يوزن فيها الصحف المكتوب فيها الحسنات، ~~والسيئات. # ثم قيل: إنه ميزان واحد بيد جبريل عليه السلام يزن به أعمال بني آدم، ~~فعبر عنه بلفظ الجمع. # وقيل: موازين لكل حادثة ميزان]. # وقيل: الموازين: الحجج والدلائل، قاله عبد العزيز بن يحيى. # واستشهد بقول الشاعر: [الكامل] # 5292- قد ms9265 كنت قبل لقائكم ذا مرة # عندي لكل مخاصم ميزانه # ومعنى { عيشة راضية } ، أي: عيش مرضي، يرضاه صاحبه. # وقيل: { عيشة راضية } ، أي: فاعله للرضا، وهو اللين والانقياد ~~لأهلها، فالفعل للعيشة؛ لأنها أعطت الرضا من نفسها، وهو اللين والانقياد. # فالعيشة كلمة تجمع النعم التي في الجنة، فهي فاعلة للرضا كالفرس ~~المرفوعة، وارتفاعها مقدار مائة عام، فإذا دنا منها ولي الله اتضعت حتى ~~يستوي عليها، ثم ترتفع، وكذلك فروع الشجرة تتدلى لارتفاعها للولي، فإذا ~~تناول من ثمرها ترتفع، كقوله تعالى: # قطوفها دانية # [الحاقة: 23] وحيثما مشى من مكان إلى مكان جرى معه نهر حيث شاء. # قوله: { وأما من خفت موازينه } ، أي: رجحت سيئاته على ~~حسناته، قال مقاتل وابن حيان: إنما رجحت الحسنات؛ لأن الحق ثقيل، ~~والباطل خفيف. # قوله: { فأمه هاوية } ، أي: هالكة، وهذا مثل يقولونه لمن هلك، ~~تقول: هوت أمه لأنه إذا هلك سقطت أمه ثكلا وحزنا، وعليه قوله فهي ~~هاوية، أي: ثاكلة، قال: [الطويل] # 5293- هوت أمه ما يبعث الصبح غاديا # وماذا يؤدي الليل حين يثوب # فكأنه قال تعالى: من خفت موازينه فقد هلك. # وقيل: الهاوية من أسماء النار، كأنها النار العميقة يهوي أهل النار فيها ~~والمعنى: فمأواهم النار. # وقيل للمأوى: أم، على سبيل التشبيه بالأم، كما يأوي إلى أمه، قاله ابن ~~زيد. # ومنه قول أمية بن أبي الصلت: [الكامل] # 5294- فالأرض معقلنا وكانت أمنا # فيها مقابرنا وفيها نولد # ويروى أن الهاوية اسم الباب الأسفل من النار. # وقال عكرمة: لأنه يهوي فيها على أم رأسه. # وذكر الأخفش والكلبي وقتادة: المهوى والمهواة ما بين الجبلين، ونحو ذلك، ~~وتهاوى القوم في المهواة إذا سقط بعضهم في أثر بعض. # وقرأ طلحة: " فإمه " بكسر الهمزة، نقل ابن خالوية عن ابن دريد، أنها ~~لغة النحويين لا يجيزون ذلك إلا إذا تقدمها كسرة أو ياء. # وقد تقدم تحقيق ذلك في سورة " النساء ". # قوله تعالى: { ومآ أدراك ما هيه } ، الأصل: " ما هي " ~~فدخلت الهاء للسكت. # وقرأ حمزة، والكسائي، ويعقوب، وابن محيصن: " ما هي " بغير هاء في ~~الوصل ووقفوا بها، وقد تقدم في ms9266 سورة " الحاقة ". و " ما هي " مبتدأ ~~وخبر، سادان مسد المفعولين ل " أدراك " ، وهو من التعليق، وهي ضمير ~~الهاوية، إن كانت الهاوية - كما قيل - اسما لدركه من دركات النار، ~~وإلا عادت إلى الداهية المفهومة من الهاوية. # قوله: { نار حامية }. " نار " خبر مبتدأ مضمر، أي: هي نار شديدة ~~الحر. # روى مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " " ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزء من سبعين جزءا ~~من حر جهنم " ، قالوا: إنها لكافية يا رسول الله، قال - عليه ~~الصلاة والسلام - " فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا ~~كلها مثل حرها " ". # روى الثعلبي عن أبي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من قرأ سورة { القارعة } ثقل الله موازينه يوم ~~القيامة " # والله أعلم. ### | [102 - سورة التكاثر] ### || [102.1-8] # قوله تعالى: { ألهاكم التكاثر } ، " ألهاكم ": شغلكم؛ قال ~~امرؤ القيس: [الطويل] # 5295- ................................ # فألهيتها عن ذي تمائم محول # أي: شغلكم المباهاة، بكثرة المال والعدد عن طاعة الله، حتى متم ودفنتم ~~في المقابر. # قال ابن عباس والحسن: " ألهاكم ": أنساكم، " التكاثر " ، أي: من ~~الأموال، والأولاد قاله ابن عباس والحسن وقتادة أي: التفاخر ~~بالقبائل والعشائر، وقال الضحاك: ألهاكم التشاغل بالمعاش والتجارة، يقال: ~~لهيت عن كذا - بالكسر - ألهى لهيا، ولهيانا: إذا سلوت عنه، وتركت ذكره، ~~وأضربت عنه، وألهاه: أي: شغله، ولهاه به تلهيه: أي: تملله والتكاثر: ~~المكاثرة قال قتادة ومقاتل وغيرهما: نزلت في اليهود حين قالوا: نحن أكثر ~~من بني فلان وبنو فلان أكثر من بني فلان، ألهاهم ذلك حتى ماتوا ضلالا. # وقال ابن زيد: نزلت في فخذ من الأنصار. # وقال ابن عباس: ومقاتل، والكلبي: نزلت في حيين من قريش: بني عبد مناف، ~~وبني سهم، تعادوا وتكاثروا بالسادة، والأشراف في الإسلام، فقال كل حي ~~منهم: نحن أكثر سيدا، وأعز عزيزا، وأعظم نفرا، وأكثر عائذا، فكثر بنو ~~عبد مناف سهما، ثم تكاثروا بالأموات، فكثرتهم سهم، فنزلت: { ألهاكم ~~التكاثر } بأحيائكم فلم ترضوا { حتى زرتم المقابر } ~~مفتخرين بالأموات. # وعن عمرو بن دينار: حلف أن هذه السورة ms9267 نزلت في التجار. # وعن شيبان عن قتادة، قال: نزلت في أهل الكتاب. # قال القرطبي: " والآية تعم جميع ما ذكر وغيره ". # وروى ابن شهاب عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " لو أن لابن آدم واديا من ذهب، لأحب أن يكون له ~~واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من ~~تاب " # ، رواه البخاري. # قال ثابت عن أنس عن أبي: كنا نرى هذا من القرآن، حتى نزلت: { ~~ألهاكم التكاثر }. رواه البخاري. # قال ابن العربي: وهذا نص صريح، غاب عن أهل التفسير [فجهلوا وجهلوا، ~~والحمد لله على المعرفة]. # وقرأ ابن عباس: " أألهاكم " على استفهام التقرير والإنكار ونقل في هذا ~~المد مع التسهيل، ونقل فيه بتحقيق الهمزتين من غير مد. # قوله تعالى: { حتى زرتم المقابر } ، " حتى " غاية لقوله: ~~" ألهاكم " ، وهو عطف عليه، والمعنى: أي أتاكم الموت، فصرتم في ~~المقابر زوارا، ترجعون فيها كرجوع الزائر إلى منزلة من جنة أو نار. # وقيل: { ألهاكم التكاثر } حتى عددتم الأموات. # وقيل: هذا وعيد، أي: اشتغلتم بمفاخرة الدنيا حتى تزورا القبور، فتروا ما ~~ينزل بكم من عذاب الله - عز وجل - و " المقابر " جمع مقبرة، ~~ومقبرة بفتح الباء وضمها والقبور: جمع قبر، وسمي سعيد المقبري؛ لأنه ~~كان يسكن المقابر، وقبرت الميت أقبره وأقبره قبرا؛ أي: دفنته، ~~وأقبرته، أي: أمرت بأن يقبر. # فصل في معنى ألهاكم # قال المفسرون: معنى الآية: ألهاكم حرصكم على تكثير أموالكم عن طاعة ربكم ~~حتى أتاكم الموت فأنتم على ذلك. # قال ابن الخطيب: فإن قيل: شأن الزائر أن ينصرف قريبا، والأموات ملازمون ~~القبور، فكيف يقال: إنه زار القبر؟. # وأيضا: فقوله - جل ذكره -: { حتى زرتم المقابر } إخبار عن ~~الماضي، فكيف يحمل على المستقبل؟. # فالجواب عن الأول: أن سكان القبور، لا بد أن ينصرفوا منها. # وعن الثاني: أن المراد من كان مشرفا على الموت لكبر أو لغيره كما يقال: ~~إنه على شفير قبره وإما أن المراد من تقدمهم، كقوله تعالى: # ويقتلون النبيين # [البقرة: 61]. # وقال أبو مسلم: إن الله يتكلم ms9268 بهذه السورة يوم القيامة تعييرا للكفار، ~~وهم في ذلك الوقت تقدمت منهم زيارة القبور. # فصل في ذكر المقابر # قال القرطبي: لم يأت في التنزيل ذكر المقابر إلا في هذه السورة. # وفيه نظر؛ لأنه تعالى قال في سورة أخرى: # ثم أماته فأقبره # [عبس: 21]. # واعلم أن زيارة القبور من أعظم الأدوية للقلب القاسي، لأنها تذكر الموت، ~~والآخرة، وذلك يحمل على قصر الأمل، والزهد في الدنيا، وترك الرغبة ~~فيها. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، فإنها ~~تزهد في الدنيا، وتذكر الآخرة ". # وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن زوارات القبور. # قال بعض أهل العلم: كان هذا قبل ترخيصه في زيارة القبور، فلما رخص دخل ~~في الرخصة الرجال والنساء. # وقال بعضهم: إنما كره زيارة القبور للنساء، لقلة صبرهن، وكثرة جزعهن. # وقال بعضهم: زيارة القبور للرجال متفق عليه، وأما النساء فمختلف فيه: ~~أما الشواب فحرام عليهن الخروج، وأما لقواعد فمباح لهن ذلك، وجاز ~~لجميعهن ذلك إذا انفردن بالخروج عن الرجال بغير خلاف لعدم خشية الفتنة. # فصل في آداب زيارة القبور # ينبغي لمن زار القبور أن يتأدب بآدابها، ويحضر قلبه في إتيانها، ولا ~~يكون حظه منها إلا التطواف فقط، فإن هذه حالة يشاركه فيها البهائم، بل ~~يقصد بزيارته وجه الله تعالى، وإصلاح فساد قلبه، ونفع الميت بما يتلوه ~~عنده من القرآن، والدعاء، ويتجنب المشي على القبور، والجلوس عليها، ويسلم ~~إذا دخل المقابر، وإذا وصل إلى قبر ميته الذي يعرفه سلم عليه أيضا، ~~وأتاه من تلقاء وجهه؛ لأنه في زيارته كمخاطبته حيا، ثم يعتبر بمن صار ~~تحت التراب، وانقطع عن الأهل والأحباب، ويتأمل الزائر حال من مضى من ~~إخوانه أنه كيف انقطعت آمالهم، ولم تغن عنهم أموالهم ومحا التراب محاسن ~~وجوههم، وتفرقت في القبور أجزاؤهم، وترمل من بعدهم نساؤهم، وشمل ذل ~~اليتم أولادهم، وأنه لا بد صائر إلى مصيرهم، وأن حاله كحالهم، ومآله ~~كمآلهم. # [قوله تعالى: { كلا } قال الفراء: أي ليس الأمر على ما أنتم عليه ms9269 من ~~التفاخر والتكاثر. والتمام على هذا { كلا سوف تعلمون } أي سوف ~~تعلمون عاقبة هذا. # قوله تعالى: { ثم كلا سوف تعلمون } جعله ابن مالك من ~~التوكيد مع توسط حرف العطف]. # وقال الزمخشري: والتكرير تأكيد للردع، والرد عليهم، و " ثم " دالة ~~على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأول، وأشد كما تقول للمنصوح: أقول لك ثم ~~أقول لك: " لا تفعل " انتهى. # ونقل عن علي - رضي الله عنه -: { كلا سوف تعلمون } في الدنيا { ~~ثم كلا سوف تعلمون } في الآخرة فعلى هذا يكون غير مكرر ~~لحصول التغاير بينهما؛ لأجل تغاير المتعلقين، و " ثم " على بابها من ~~المهلة وحذف متعلق العلم في الأفعال الثلاثة، لأن الغرض الفعل لا متعلقه. # وقال الزمخشري: والمعنى: سوف تعلمون الخطأ فيما أنتم عليه إذا عاينتم ~~ما قدامكم من هول لقاء الله، انتهى. فقدر له مفعولا واحدا كأنه جعله ~~بمعنى " عرف ". # فصل في تفسير الآية # قال ابن عباس: { كلا سوف تعلمون } ما ينزل بكم من العذاب في ~~القبور { ثم كلا سوف تعلمون } في الآخرة إذا حل بكم العذاب، ~~فالتكرار للحالين. # وروى زر بن حبيش عن علي - رضي الله عنه - قال: كنا نشك في عذاب القبر، ~~حتى نزلت هذه السورة فأشار إلى أن قوله: { كلا سوف تعلمون } ~~يعني في القبور. # [وقيل: كلا سوف تعلمون إذا نزل بكم الموت، وجاءتكم رسل ربكم تنزع ~~أرواحكم، ثم كلا سوف تعلمون في القيامة أنكم معذبون، وعلى هذا تضمنت ~~أحوال القيامة من بعث، وحشر، وعرض، وسؤال، إلى غير ذلك من أهوال يوم ~~القيامة]. # وقال الضحاك: { كلا سوف تعلمون } أيها المؤمنون, وكذلك كان ~~يقرؤها, الأولى بالتاء, والثانية بالياء فالأول وعيد, والثاني وعد. # قوله: { كلا لو تعلمون } جواب " لو " محذوف، أي: لفعلتم ما ~~لا يوصف. # وقيل: التقدير: لرجعتم عن كفركم. # قال ابن الخطيب: وجواب " لو " محذوف، وليس " لترون " جوابها، لأن ~~هذا مثبت، وجواب " لو " يكون منفيا، ولأنه عطف عليه قوله: " ثم ~~لتسألن " وهو مستقبل، لا بد من وقوعه، وحذف جواب " لو " كثير. # قال الأخفش: التقدير: لو تعلمون علم اليقين ما ms9270 ألهاكم. # وقيل: لو تعلمون لماذا خلقتم لاشتغلتم وحذف الجواب أفخر، لأنه يذهب ~~الوهم معه كل مذهب، قال تعالى: # لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون # [الأنبياء: 39]، وقال تعالى: # ولو ترى إذ وقفوا على ربهم # [الأنعام: 30] وأعاد " كلا " وهو زجر وتنبيه؛ لأنه عقب كل واحد بشيء ~~آخر، كأنه قال: لا تفعلوا، فإنكم تندمون، لا تفعلوا، فإنكم تستوجبون ~~العقاب. # و { علم اليقين } مصدر. # قيل: وأصله العلم اليقين، فأضيف الموصوف إلى صفته. # وقيل: لا حاجة إلى ذلك؛ لأن العلم يكون يقينا وغير يقين، فأضيف إليه ~~إضافة العام للخاص، وهذا يدل على أن اليقين أخص. # فصل في المراد باليقين # قال المفسرون: أضاف العلم إلى اليقين، كقوله تعالى: # لهو حق اليقين # [الواقعة: 95]، قال قتادة: اليقين هنا: الموت. # وعنه أيضا: البعث، لأنه إذا جاء زال الشك، أي: لو تعلمون علم البعث ~~أو الموت، فعبر عن الموت باليقين، كقولك: علم الطب، وعلم الحساب، والعلم ~~من أشد البواعث على الفعل، فإذا كان بحيث يمكن العمل، كان تذكرة، وموعظة، ~~وإن كان بعد فوات العمل كان حسرة، وندامة، وفيها تهديد عظيم للعلماء، ~~الذين لا يعملون بعلمهم. # قوله: { لترون الجحيم }. جواب قسم مقدر، أي: لترون الجحيم في ~~الآخرة. # والخطاب للكفار الذين وجبت لهم النار. # وقيل: عام [كقوله تعالى: # وإن منكم إلا واردها # [مريم: 71] فهي للكفار دار، وللمؤمنين ممر]. # وقرأ ابن عامر، والكسائي: " لترون " مبنيا للمفعول، وهي مفعولة من ~~" رأى " الثلاثي أي: أريته الشيء، فاكتسب مفعولا آخر، فقام الأول مقام ~~الفاعل، وبقي الثاني منصوبا. # والباقون مبنيا للفاعل، جعلوه غير منقول، فتعدى لواحد فقط، فإن الرؤية ~~بصرية. # وأمير المؤمنين، وعاصم، وابن كثير في رواية عنهم: بالفتح في الأول، ~~والضم في الثاني، يعني: لترونها. # ومجاهد، وابن أبي عبلة، وأشهب: بضمها فيهما. # والعامة على أن الواوين لا يهمزان؛ لأن حركتهما عارضة. # وقد نص مكي، وأبو البقاء على عدم جوازه، وعللا بعروض الحركة. # وقرأ الحسن وأبو عمرو بخلاف عنهما: بهمز الواوين استثقالا لضمة الواو. # قال الزمخشري: " هي مستكرهة " ، يعني لعروض الحركة عليها، إلا أنهم ~~قد همزوا ms9271 ما هو أولى لعدم الهمز من هذه الواو، نحو: # اشتروا الضلالة # [البقرة: 16] همزوا واو " اشترؤا " مع أنها حركة عارضة، وتزول في الوقف، ~~وحركة هذه الواو، وإن كانت عارضة، إلا أنها غير زائلة في الوقف، فهو ~~أولى بهمزها. # قوله: { ثم لترونها عين اليقين } هذا مصدر مؤكد، كأنه ~~قيل: رؤية اليقين نفيا لتوهم المجاز في الرؤية الأولى. # وقال أبو البقاء: لأن " رأى " ، و " عاين " بمعنى. # فصل في معنى الآية # معنى الكلام: " لترون الجحيم " بأبصاركم على البعد " ثم ~~لترونها عين اليقين " أي: مشاهدة. # وقيل: { لو تعلمون علم اليقين } ، معناه: " لو ~~تعلمون " اليوم في الدنيا " علم اليقين " بما أمامكم مما وصفت ~~" لترون الجحيم " بعيون قلوبكم، فإن علم اليقين يريك الجحيم بعين ~~فؤادك، وهو أن يصور لك نار القيامة { ثم لترونها عين اليقين ~~} ، أي: عند المعاينة بعين الرأس، فتراها يقينا، لا تغيب عن عينك، { ~~ثم لتسألن يومئذ عن النعيم } في موقف السؤال ~~والعرض. # قال الحسن: لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار، لأن أبا بكر - رضي الله ~~عنه - # " لما نزلت هذه الآية، قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت ~~أكلة أكلتها معك في بيت أبي الهيثم بن التيهان من خبز شعير، ولحم، وبسر، ~~وماء عذب، أتخاف علينا أن يكون هذا من النعيم الذي يسأل عنه؟. # قال - عليه الصلاة والسلام - " إنما ذلك للكفار " # ثم قرأ: # وهل نجازي إلا الكفور # [سبأ: 17]؛ ولأن ظاهر الآية يدل على ذلك لأن الكفار ألهاهم التكاثر ~~بالدنيا، والتفاخر بلذاتها عن طاعة الله، والاشتغال بذكر الله تعالى، ~~يسألهم عنها يوم القيامة، حتى يظهر لهم أن الذي ظنوه لسعادتهم كان من ~~أعظم الأسباب لشقاوتهم. # وقيل: السؤال عام في حق المؤمن، والكافر لقوله صلى الله عليه وسلم: # " أول ما يسأل العبد يوم القيامة عن النعيم، فيقال ~~له: ألم نصحح جسمك؟ ألم نروك من الماء البارد " # وقيل: الزائد عما لا بد منه. # وقيل غير ذلك. # قال ابن الخطيب: والأولى على جميع النعيم، لأن الألف واللام تفيد ~~الاستغراق، وليس صرف اللفظ إلى بعض أولى من ms9272 غيرها إلى الباقي، فيسأل ~~عنها، هل شكرها أم كفرها؟ وإذا قيل: هذا السؤال للكفار. # فقيل: السؤال في موقف الحساب. # وقيل: بعد دخول النار، يقال لهم: إنما حل بكم هذا العذاب لاشتغالكم في ~~الدنيا بالنعيم عن العمل الذي ينجيكم، ولو صرفتم عمركم إلى طاعة ربكم ~~لكنتم اليوم من أهل النجاة. والله أعلم. ### | [103 - سورة العصر] ### || [103.1-3] # قوله تعالى: { والعصر }. قرأ العامة: بسكون الصاد، وسلام: " ~~والعصر " بكسرها، و " الصبر " بكسر الباء. # قال ابن عطية: " وهذا لا يجوز، إلا في الوقف على نقل الحركة ". # وروي عن أبي عمرو: " بالصبر " بسكون الباء إشماما، وهذا أيضا لا يجوز ~~إلا في الوقف انتهى. # ونقل هذه القراءة جماعة كالهذلي، وأبي الفضل الرازي، وابن خالويه. # قال الهذلي: " والعصر، والصبر، والفجر، والوتر، بكسر ما قبل الساكن في ~~هذه كلها: هارون، وابن موسى عن أبي عمرو، والباقون: بالإسكان، كالجماعة " ~~انتهى. # فهذا إطلاق منه لهذه القراءة في حالتي الوقف والوصل. # قال ابن خالويه: " وتواصوا بالصبر " بنقل الحركة عن أبي عمرو. # قال ابن خالويه [وقال صاحب " اللوامح ": وعيسى البصرة:] " بالصبر " بنقل ~~حركة الراء إلى الباء، لئلا يحتاج، أن يأتي ببعض الحركة في الوقف، ولا ~~إلى أن يسكن، فيجمع بين ساكنين، وذلك لغة شائعة، وليست بشاذة بل مستفيضة، ~~وذلك دلالة على الإعراب، وانفصال عن التقاء الساكنين، وتأدية حق الموقوف ~~عليه من السكون انتهى، فهذا يؤذن بما ذكر ابن عطية، أنه كان ينبغي ذلك. # وأنشدوا على ذلك: [الرجز] # 5296- واعتقالا بالرجل # يريد: بالرجل. # وقال آخر: [الرجز] # 5297- أنا جرير كنيتي أبو عمر # أضرب بالسيف وسعد بالقصر # والنقل جائز في الضم كقوله شعر: # إذ جد النقر # وله شروط: " والعقد " الليلة واليوم قال: [الطويل] # 5298- ولن يلبث العقدان: يوم وليلة # إذا طلبا أن يدركا تيمما # قال ابن عباس وغيره: " والعصر " أي: الدهر، ومنه قول الشاعر: [الطويل] # 5299- سيل الهوى وعر وبحر الهوى غمر # ويوم الهوى شهر وشهر الهوى دهر # أقسم الله - تعالى - بالعصر لما فيه من الاعتبار للناظر بتصرف الأحوال ~~وبتبدلها وما فيها من الأدلة على الصانع، والعصران أيضا الغداة ms9273 والعشي ~~قال: [الطويل] # 5300- وأمطله العصرين حتى يملني # ويرضى بنصف الدين والأنف راغم # يقول: إذا جاءني أول النهار وعدته آخره. # وقيل: إنه العشي، وهو ما بين الزوال والغروب. قاله الحسن وقتادة. # [وقال الشاعر]: # 5301- تروح بنا يا عمرو قد قصر العصر # وفي الروحة الأولى الغنيمة والأجر # وعن قتادة: هو آخر ساعة من النهار، فأقسم سبحانه بأحد طرفي النهار كما ~~أقسم بالضحى، وهو أحد طرفي النهار، قاله أبو مسلم. # وقيل: هو قسم بصلاة العصر، وهي الوسطى؛ لأنها أفضل الصلوات، قاله مقاتل. # قال صلى الله عليه وسلم: # " الصلاة الوسطى، صلاة العصر ". # وقيل: أقسم بعصر النبي صلى الله عليه وسلم لفضله بتجديد النبوة فيه. # وقيل: معناه ورب العصر. # فصل # قال مالك - رضي الله عنه - من حلف ألا يكلم رجلا عصرا، لم يكلمه ~~سنة. # قال ابن العربي: [إنما حمل مالك يمين الحالف ألا يكلم امرءا عصرا على ~~السنة، لأنه أكثر ما قيل فيه، وذلك على أصله في تغليظ] المعنى في ~~الإيمان. # وقال الشافعي: يبر بساعة إلا أن تكون له نية، وبه أقول، إلا أن يكون ~~الحالف عربيا، فيقال له: ما أردت؟ فإذا فسره بما يحتمله قبل منه إلا أن ~~يكون الأقل، ويجيء على مذهب مالك أن يحمل على ما يفسر. # قوله: { إن الإنسان لفى خسر } ، هذا جواب القسم، والمراد به ~~العموم بدليل الاستثناء منه، وهو من جملة أدلة العموم. # وقال ابن عباس في رواية ابي صالح: المراد به الكافر. # وقال في رواية الضحاك: يريد جماعة من المشركين الوليد بن المغيرة والعاص ~~ابن وائل والأسود بن عبد المطلب بن أسد بن عبد العزى والأسود بن عبد ~~يغوث. وقوله تعالى: { لفى خسر } أي: لفي غبن. # وقال الأخفش: لفي هلكة. # وقال الفراء: لفي عقوبة، ومنه قوله: # وكان عاقبة أمرها خسرا # [الطلاق: 9]، وقال الفراء: لفي شر. # وقيل: لفي نقص، والمعنى متقارب. # وقرأ العامة: " لفي خسر " بسكون السين، وزيد بن علي، وابن هرمز، وعاصم ~~في رواية أبي بكر، وزاد القرطبي: الأعرج، وطلحة، وعيسى الثقفي: بضمها. ~~وهي كالعسر واليسر، وقد تقدم في ms9274 البقرة، والوجه فيها الإتباع، ويقال: ~~خسر وخسر مثل عسر وعسر. # وقرأ علي بن أبي طالب: " والعصر ": ونوائب الدهر، { إن الإنسان ~~لفى خسر }؛ وإنه فيه إلى آخر الدهر. # قال إبراهيم: إن الإنسان إذا عمر في الدنيا وهرم لفي نقص، وضعف، ~~وتراجع إلا المؤمنين، فإنهم يكتب لهم أجورهم التي كانوا يعملونها في حال ~~شبابهم، ونظيره قوله تعالى: # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه ~~أسفل سافلين # [التين: 4، 5]. قال: وقراءتنا: " والعصر إن الإنسان لفي خسر فإنه في ~~آخر الدهر ". والصحيح ما عليه الأمة والمصاحف. # [وقيل: المعنى أن الإنسان لا ينفك عن تضييع عمره؛ لأن كل ساعة تمر ~~بالإنسان، فإن كان في المعصية، فالخسر ظاهر، وكذلك إن مرت في مباح، وإن ~~مرت في طاعة فكان يمكن أن يأتي بها على وجه أكمل أي من الخشوع، والإخلاص، ~~وترك الأعلى، والإتيان بالأدنى نوع خسران، والخسر والخسران مصدران، ~~وتنكير الخسران إما للتعظيم، وإما للتحقير بالنسبة إلى خسر الشياطين، ~~والأول أظهر، وأفرد الخسر مع كثرة أنواعه؛ لأن الخسر الحقيقي هو حرمان عن ~~خدمة ربه سبحانه، وما عدا ذلك فالكعدم، وفيه مبالغات، ودخول " إن، و ~~اللام " ، وإحاطة الخسر به، أي: هو في طريق خسر وسبب خسر]. # قوله: { إلا الذين آمنوا }. استثناء من الإنسان؛ إذ المراد به ~~الجنس على الصحيح { وعملوا الصالحات } ، أي: أدوا الفرائض ~~المفترضة عليهم، وهم أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم # " قال أبي بن كعب: قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم " والعصر " ~~ثم قلت: ما تفسيرها يا نبي الله؟. # قال: " والعصر: أقسم ربكم بآخر النهار، { إن الإنسان لفى ~~خسر }؛ أبو جهل { إلا الذين آمنوا } أبو بكر، { وعملوا ~~الصالحات } عمر، { وتواصوا بالحق }: عثمان، { ~~وتواصوا بالصبر }: علي " # رضي الله عنهم أجمعين. # وهكذا خطب ابن عباس على المنبر، موقوفا عليه. # ومعنى تواصوا أي تحاثوا أوصى بعضهم بعضا وحث بعضهم بعضا بالحق أي ~~بالتوحيد وكذا روى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما وقال قتادة بالحق ~~أي بالقرآن وقال السدي الحق هنا الله تعالى وتواصوا بالصبر على طاعة ms9275 الله ~~والصبر عن المعاصي. # روى الثعلبي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة { والعصر } ختم الله له بالصبر، ~~وكان مع أصحاب رسول الله يوم القيامة " # والله أعلم. ### | [104 - سورة الهمزة] ### || [104.1-3] # قوله: { ويل لكل همزة لمزة } ، " الويل " لفظ الذم ~~والسخط، وهي كلمة كل مكروب، وقد تقدم الكلام في الويل، ومعناه: الخزي، ~~والعذاب، والهلكة. # وقيل: واد في جهنم. # { لكل همزة } ، أي: كثير الهمز، وكذلك " اللمزة " ، أي: ~~الكثير اللمز. وتقدم معنى الهمز في سورة " ن " واللمز في سورة " براءة ~~". # والعامة: على فتح ميمها، على أن المراد الشخص الذي كثر منه ذلك الفعل. # قال زياد الأعجم: [البسيط] # 5302- تدلي بودي إذا لاقيتني كذبا # وإن أغيب فأنت الهامز اللمزه # وقرأ أبو جعفر والأعرج: بالسكون، وهو الذي يهمز ويلمز أي يأتي بما يلمز ~~به واللمزة كالضحكة [لمن يكثر ضحكه، والضحكة: بما يأتي لمن يضحك منه وهو ~~مطرد، يعني أن " فعلة " بفتح العين، لمن يكثر من الفعل، وبسكونها لمن ~~الفعل بسببه]. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما - وهم المشاءون بالنميمة، المفرقون بين ~~الأحبة، الباغون للبرآء العيب، فعلى هذا هما بمعنى، وقال صلى الله عليه ~~وسلم: # " شرار عباد الله تعالى: المشاءون بالنميمة المفسدون ~~بين الأحبة، الباغون للبرآء العيب ". # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أن الهمزة: القتات، واللمزة: ~~المغتاب، والقتات: هو النمام، يقال: قت الحديث يقته: إذا زوره ~~وهيأه وسواه. # [وقيل: النمام الذي يكون مع القوم يتحدثون لينم عليهم، والقتات ~~الذي يتسمع على القوم وهم لا يعلمون، ثم ينم، والقتات الذي يسأل عن ~~الأخبار، ثم ينميها نقله ابن الأثير. # وقال أبو العالية، والحسن، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح: الهمزة: الذي ~~يغتاب ويطعن في وجه الرجل، واللمزة: الذي يعيب به من خلفه، وهذا اختيار ~~النحاس. # قال: ومنه قوله تعالى: # ومنهم من يلمزك في الصدقات # [التوبة: 58]. # وقال مقاتل هنا هذا القول: إن الهمزة: الذي يغتاب بالغيبة، واللمزة الذي ~~يغتاب في الوجه. # وقال قتادة، ومجاهد: الهمزة: الطعان في أنسابهم، وقال ابن زيد: ~~الهامز: الذي ms9276 يهمز الناس بيده ويضربهم، واللامز: الذي يلمزهم بلسانه ~~ويلمز بعينه]. # وقال ابن كيسان: الهمزة: الذي يؤدي جلساءه بسوء اللفظ، واللمزة: الذي ~~يكسر عينه على جليسه، ويشير بعينه، ورأسه، وبحاجبيه. # وقرأ عبد الله بن مسعود، وأبو وائل، والنخعي، والأعمش: " ويل للهمزة ~~اللمزة ". # وأصل الهمز: الكسر، والعض على الشيء بعنف، ومنه همز الحرف، ويقال: همزت ~~رأسه، وهمزت الجوز بكفي: كسرته. # وقيل: أصل الهمز، واللمز: الدفع والضرب لمزه يلمزه لمزا، إذا ضربه، ~~ودفعه، وكذلك همزه: أي: دفعه، وضربه؛ قال الراجز: [الرجز] # 5303- ومن همزنا عزه تبركعا # على استه زوبعة أو زوبعا # البركعة: القيام على أربع, وبركعه فتبركع، صرعه، فوقع على استه، قاله في ~~" الصحاح ". # فصل فيمن نزلت فيه السورة # روى الضحاك عن ابن عباس: أنها نزلت في الأخنس بن شريق، كان يلمز ~~الناس، ويعيبهم مقبلين، ومدبرين. # وقال ابن جريج: نزلت في الوليد بن المغيرة، كان يغتاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم من ورائه، ويقدح فيه في وجهه. # وقيل: إنها نزلت في أبي بن خلف. # وقيل: في جميل بن عامر الثقفي. # وقيل: إنها عامة من غير تخصيص، وهو قول الأكثرين. # قال مجاهد: ليست بخاصة لأحد، بل لكل من كانت هذه صفته. # وقال الفراء: يجوز أن يذكر الشيء العام، ويقصد به الخاص، قصد الواحد ~~إذا قال: أزورك أبدا، فتقول: من لم يزرني فلست بزائره، تعني ذلك القائل. # فصل في نظم الآية # قال ابن الخطيب: فإن قيل: لم قال: " ويل " منكرا، وفي موضع آخر: " ~~ولكم الويل " ، معرفا؟. # فالجواب: لأن ثمة قالوا: # يويلنآ إنا كنا ظالمين # [الأنبياء: 14، 46]، فقال: " ولكم الويل " وهاهنا نكر، حتى لا يعلم ~~كنهه إلا الله تعالى. # قيل: في " ويل " إنها كلمة تقبيح، و " ويس " استصغار، " ويح " ترحم، ~~فنبه بهذا على قبيح هذا الفعل. # قوله: { الذى جمع } قرأ ابن عامر والأخوان: بتشديد الميم، على ~~المبالغة، والتكثير. # والباقون: مخففا، وهي محتملة للتكثير وعدمه. # وقوله تعالى: { وعدده } ، العامة: على تثقيل الدال الأولى، وهي ~~أيضا للمبالغة. # وقرأ الحسن والكلبي: بتخفيفها، وفيه أوجه: # أحدها: أن المعنى جمع مالا، وعدد ذلك ms9277 المال، أي: وجمع عدده: أي: أحصاه. # والثاني: أن المعنى وجمع عدد نفسه من عشيرته، وأقاربه وعدده، وعلى هذين ~~التأويلين اسم معطوف على " مالا " ، أي: وجمع عدد المال، وعدد نفسه. # والثالث: أن عدده فعل ماض بمعنى عده، إلا أنه شذ في إظهاره كما شذ في ~~قوله: [البسيط] # 5293-................................ # إن أجود لأقوام وإن ضننوا # أي: ضنوا وبخلوا، فأظهر التضعيف. # و " الذي " بدل من كل أو نصب على الذم، وإنما وصفه تعالى بهذا الوصف، ~~لأنه يجري مجرى المسبب والعلة في الهمز واللمز وهو إعجابه بما جمع من ~~المال، وظنه أن الفضل فيه لأجل ذلك فسيتنقص غيره. # فصل في معنى جمع المال # قال المفسرون: { جمع مالا وعدده } ، أي: أعده لنوائب الدهر، مثل: ~~كرم، وأكرم. # وقيل: أحصى عدده. قاله السدي. # وقال الضحاك: أي: أعد ماله لمن يرثه من أولاده. # وقيل: تفاخر بعدده، وكثرته، والمقصود: الذم على إمساك المال على سبيل ~~الطاعة، كقوله: # مناع للخير # [ق: 25]. # قوله: { يحسب } ، يجوز أن يكون مستأنفا، وأن يكون حالا من فاعل " ~~جمع " ، و " أخلده " بمعنى: " يخلده " وأوقع الماضي موقع ~~المضارع. # وقيل: هو على الأصل، أي: أطال عمره. # قال السدي: " يظن أن ماله أخلده، أي: يبقيه حيا لا يموت ". # وقال عكرمة: أي: يزيد في عمره وقيل: أحياه فيما مضى. # وهو ماض بمعنى المستقبل، وقالوا: هلك والله فلان، ودخل النار. أي: يدخل ~~النار. ### || [104.4-9] # قوله: { كلا } ، رد لما توهمه الكفار، أي: لا يخلد ولا يبقى له مال. # وقيل: حقا لينبذن. # قوله: { لينبذن } ، جواب قسم مقدر، وقرأ علي والحسن - رضي الله ~~عنهما - بخلاف عنه، ومحمد بن كعب، ونصر بن عاصم، وحميد، وابن محيصن، وأبو ~~عمرو في رواية: " لينبذن " بألف التثنية، لينبذان أي: هو وماله. # وعن الحسن أيضا: " لينبذن " بضم الذال، وهو مسند لضمير الجماعة، ~~أي: ليطرحن الهمزة، وأنصاره واللمزة، والمال، وجامعه معا. # وقرأ الحسن أيضا: " لينبذنه " على معنى لينبذن ماله. # وعنه أيضا: بالنون " لننبذنه " على إخبار الله - تعالى - عن ~~نفسه، وأنه ينبذ صاحب المال. { في الحطمة } وهي نار الله، سميت ~~بذلك؛ لأنها تكسر كل ms9278 ما يلقى فيها وتحطمه، وتهشمه، والحطمة: الكثير ~~الحطم، يقال: رجل حطمة: أي أكول، وحطمته: كسرته، قال: [الرجز] # 5304-................................. # قد لفها الليل بسواق حطم # وقال آخر: [الرجز] # 5305- إنا حطمنا بالقضيب مصعبا # يوم كسرنا أنفه ليغضبا # حكى الماوردي عن الكلبي: ان الحطمة، هي الطبقة السادسة من طبقات جهنم، ~~وحكي القشيري عنه: " الحطمة " الدرجة الثانية من درج النار. # وقال الضحاك: وهي الدرك الرابع. # وقال ابن زيد: اسم من أسماء جهنم. # قوله: { ومآ أدراك ما الحطمة } ، على التعظيم لشأنها، ~~والتفخيم لأمرها: ثم فسرها ما هي فقال: { نار الله الموقدة } ، ~~أي: هي نار الله التي أوقد عليها ألف عام، حتى احمرت، وألف عام حتى ~~اسودت، وألف عام حتى ابيضت. # قوله: { التي تطلع } يجوز أن تكون تابعة ل " نار الله " ، ~~وأن تكون مقطوعة. # قال محمد بن كعب: تأكل النار جميع ما في أجسادهم، حتى إذا بلغت إلى ~~الفؤاد، خلقوا خلقا جديدا، فرجعت تأكلهم، وكذلك روى خالد بن أبي عمران ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن النار تأكل أهلها، حتى إذا طلعت على أفئدتهم انتهت، ثم إذا ~~صدروا تعود، فلذلك قوله تعالى: { نار الله الموقدة التي ~~تطلع على الأفئدة } " # وخص الأفئدة؛ لأن الألم إذا صار إلى الفؤاد مات صاحبه، أي: أنه في حال ~~من يموت، وهم لا يموتون، كما قال تعالى: # لا يموت فيها ولا يحيى # [طه: 74] فهم إذا أحياء، في معنى الأموات. # وقيل: معنى { تطلع على الأفئدة } أي: تعلم مقدار ما يستحقه ~~كل واحد منهم من العذاب، وكذلك بما استبقاه الله - تعالى - من الأمارة ~~الدالة عليه، ويقال: اطلع فلان على كذا: أي: علمه، [وقد قال تعالى: # تدعو من أدبر وتولى # [المعارج: 17]. # وقال تعالى: # إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا ~~وزفيرا # [الفرقان: 12]. # قوله تعالى: { إنها عليهم مؤصدة }. أي: مطبقة عليهم، قاله ~~الحسن والضحاك وقد تقدم في سورة البلد. # وقيل: مغلقة بلغة قريش، يقولون: أصدت الباب: إذا أغلقته. قاله مجاهد. # ومنه قول عبيد الله بن قيس الرقيات: [الخفيف] # 5306- إن في القصر لو دخلنا غزالا # مصفقا موصدا ms9279 عليه الحجاب # قوله: { عمد }. قرأ الأخوان وأبو بكر: بضمتين، جمع عمود، نحو رسول ~~ورسل. # وقيل: جمع عماد، نحو: كتاب وكتب. # وروي عن أبي عمرو: الضم، والسكون، وهوتخفيف لهذه القراءة. # والباقون: " عمد " بفتحتين، فقيل: بل هو اسم جمع ل " عمود ". # وقيل: بل هو جمع له. # قال الفراء: ك " أديم وأدم ". # وقال أبو عبيدة: هو جمع عماد. # و " في عمد " يجوز أن يكون حالا من الضمير في " عليهم " ، أي: ~~موثقين، وأن يكون خبرا لمبتدأ مضمر، أي: هم في عمد، وأن يكون صفة ل " ~~مؤصدة " ، قاله أبو البقاء. يعني: فتكون النار داخل العمد. # وقال القرطبي: " الفاء بمعنى الباء، أي: موصدة بعمد ممدة ". قاله ابن ~~مسعود، وهي في قراءته: " بعمد ممددة ". # قال الجوهري: العمود: عمود البيت، وجمع القلة، أعمدة، وجمع الكثرة: ~~عمد وعمد، وقرئ بهما في قوله تعالى: { في عمد ممددة }. # وقال أبو عبيدة: العمود: كل مستطيل من خشب، أو حديد، وهو أصل للبناء ~~مثل العماد. عمدت الشيء فانعمد أي: أقمته بعماد يعتمد عليه، وأعمدته أي ~~جعلت تحته عمادا. # فصل في معنى الآية # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله تبارك وتعالى يبعث عليهم ملائكة بأطباق ~~من نار، ومسامير من نار، وعمد من نار، فتطبق عليهم بتلك ~~الأطباق، وتسد بتلك المسامير، وتمد بتلك العمد، ~~فلا يبقى فيها خلل يدخل منه روح ولا يخرج منه غم، ~~فيكون فيها زفير وشهيق، فذلك قوله تعالى: { إنها ~~عليهم مؤصدة في عمد ممددة } ". # وقال قتادة: عمد يعذبون بها، واختاره الطبري. # وقال ابن عباس: إن العمد الممددة أغلال في أعناقهم. # وقال أبو صالح: قيود في أرجلهم. # وقال القشيري: العمد: أوتاد الأطباق. # وقيل: المعنى، في دهور ممدودة، لا انقطاع لها. # روى الثعلبي عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ { ويل لكل همزة } أعطي من الأجر عشر ~~حسنات، وبعدد من استهزأ بمحمد صلى الله عليه وسلم ". ### | [105 - سورة الفيل] ### || [105.1-5] # قوله تعالى: { ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ~~} ، هذه قراءة الجمهور، أعني: ms9280 فتح الراء وحذف الألف للجزم. # وقرأ السلمي: " تر " بسكون الراء، كأنه لم يعتمد بحذف الألف. # وقرأ أيضا: " ترأ " بسكون الراء وهمزة مفتوحة، وهو الأصل، و " كيف " ~~معلقة للرؤية، وهي منصوبة بفعل بعدها، لان " ألم تر كيف " من معنى ~~الاستفهام. # فصل في معنى الآية # المعنى: الم تخبر. # وقيل: ألم تعلم. # وقال ابن عباس: ألم تسمع؟ واللفظ استفهام والمعنى تقرير، والخطاب للرسول ~~صلى الله عليه وسلم ولكنه عام، أي: ألم تروا ما فعلت بأصحاب الفيل؟ أي: ~~قد رايتم ذلك، وعرفتم موضع منتي عليكم، فما لكم لا تؤمنون؟. # فصل في لفظ " الفيل " # الفيل معروف، والجمع: أفيال، وفيول، وفيلة. # قال ابن السكيت: ولا يقال: " أفيلة " والأنثى فيلة، وصاحبه: فيال. # قال سيبويه: يجوز أن يكون أصل " فيل ": " فعلا " فكسر من أجل الياء، ~~كما قالوا: أبيض وبيض. # وقال الأخفش: هذا لا يكون في الواحد، إنما يكون في الجمع، ورجل فيل ~~الرأي، أي: ضعيف الرأي والجمع: أفيال، ورجل فال: أي: ضعيف الرأي، مخطئ ~~الفراسة، وقد فال الرأي، يفيل، فيولة، وفيل رأيه تفييلا: أي: ضعفه، ~~فهو فيل الرأي. # فصل في نزول السورة # روي أن أبرهة بن الصباح الأشرم - ملك " اليمن " - بنى كنيسة ب " صنعاء ~~" لم ير مثلها، وسماها القليس، وأراد أن يصرف إليها الحاج، فخرج رجل من ~~بني كنانة مختفيا، وجعل يبول ويتغوط في تلك الكنيسة ليلا، فأغضبه ~~ذلك. # وقيل: أجج نارا فحملتها ريح فاحرقتها، فقال: من صنع هذا؟ فقيل له: رجل ~~من أهل البيت الذي يحج العرب إليه، فحلف ليهدمن الكعبة، فخرج بجيشه ~~ومعه فيل اسمه محمود، وكان قويا عظيما وثمانية أخرى. وقيل: اثنا عشر. ~~وقيل: ألف، وبعث رجلا إلى بني كنانة يدعوهم إلى حج تلك الكنيسة فقتلت ~~بنو كنانة ذلك الرجل، فزاد ذلك أبرهة غضبا وحنقا، فسار ليهدم الكعبة، ~~فلما بلغ قريبا من " مكة " خرج إليه عبد المطلب، وعرض عليه ثلث أموال " ~~تهامة " ، ليرجع فأبى، وقدم الفيل، فكانوا كلما وجهوه إلى الحرم برك، ~~وإذا وجهوه إلى " اليمن " ، أو إلى سائر الجهات هرول، ثم إن أبرهة أخذ ms9281 ~~لعبد المطلب مائتي بعير، فخرج إليهم بسببها، فلما رآه أبرهة عظم في عينه، ~~وكان رجلا جسيما وقيل له: هذا أسد قريش، وصاحب عير " مكة " ، فنزل ~~أبرهة عن سريره، وجلس معه على بساطه، ثم قال لترجمانه: قل له حاجتك، فلما ~~ذكر حاجته قال له: سقطت من عيني جئت لأهدم البيت الذي هو دينك، ودين ~~آبائك، لا تكلمني فيه، وألهاك عنه ذود لم أحسبها لك، فقال عبد المطلب: ~~أنا رب الإبل، وإن للبيت ربا سيمنعه، ثم رجع وأتى البيت، فأخذ بحلقة ~~باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله تعالى، ويستنصرونه على ~~أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب: [مجزوء الكامل] # 5307- لاهم إن العبد يم # نع رحله فامنع حلالك # لا يغلبن صليبهم # ومحالهم عدوا محالك # إن يدخلوا البلد الحرا # م فأمر ما بدا لك # وقال آخر: [الرجز] # 5308- يا رب لا أرجو لهم سواكا # يا رب فامنع منهم حماكا # إن عدو البيت من عاداكا # إنهم لن يقهروا قواكا # فالتفت، وهو يدعو، فإذا هو بطير من ناحية " اليمن " ، فقال: والله إنها ~~لطير غريبة، ما هي بجندية ولا تهامية، وكان مع كل طائر حجر في منقاره، ~~وحجران في رجليه أكبر من العدسة، وأصغر من الحمصة. # قال الراوي: فأرسل عبد المطلب حلقة الكعبة ثم انطلق هو ومن معه من قريش ~~إلى شعب الجبال، فتحرزوا فيها ينظرون ما يفعل أبرهة إذا دخل " مكة " ، ~~فأرسل الله عليهم طيرا من البحر [أمثال الخطاطيف والبلسان مع كل طائر ~~منها ثلاثة أحجار فكان الحجر يقع] على رأس الرجل فيخرج من دبره، وعلى كل ~~حجر اسم من يقع عليه، فهلكوا في كل طريق، ومنهل. # روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه رأى من تلك الأحجار عند أم هانئ ~~نحو قفيز مخططة بحمرة كالجزع الظفاري. # قال الراوي: وليس كلهم أصابت، وخرجوا هاربين يبتدرون إلى الطريق التي ~~منها جاءوا. # وروي ان أبرهة تساقطت أنامله، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه، وانقلب ~~هو ووزيره أبو يكسوم، وطائر يحلق فوقه حتى قدموا " صنعاء " وهو مثل ms9282 فرخ ~~الطائر. # وقيل: قدموا على النجاشي، فقص عليه القصة فلما تممها وقع علي الحجر ~~فخر ميتا بين يديه. # فصل في ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم # حكى الماوردي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ولدت عام الفيل ". # وقال في كتاب " أعلام النبوة ": ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ~~الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول، وكان بعد الفيل بخمسين يوما، ووافق ~~من شهور الروم العشرين من أشباط، في السنة الثانية عشرة من ملك هرمز بن ~~أنوشروان. # قال: وحكى أبو جعفر الطبري: أن مولده صلى الله عليه وسلم كان لاثنين ~~وأربعين سنة من ملك أنوشروان. # وقيل: إنه - عليه السلام - حملت به أمه في يوم عاشوراء من المحرم حكاه ~~ابن شاهين أبو حفص في فضائل يوم عاشوراء، وولد يوم الاثنين لاثنتي عشرة ~~ليلة خلت من شهر رمضان، فكانت مدة الحمل ثمانية أشهر كملا ويومين من ~~التاسع. # وقال ابن العربي: قال ابن وهب عن مالك: ولد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عام الفيل [قال] قيس بن مخرمة: ولدت أنا ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عام الفيل. # وقال عبد الملك بن مروان لعتاب بن أسيد: أنت أكبر أم النبي صلى الله ~~عليه وسلم؟ فقال: النبي صلى الله عليه وسلم أكبر مني وأنا أسن منه، ولد ~~النبي صلى الله عليه وسلم عام الفيل، وأنا أدركت سائسه وقائده أعميين ~~مقعدين يستطعمان الناس. # فصل في أن قصة الفيل من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم # قال بعض العلماء: كانت قصة الفيل فيما بعد من معجزات النبي صلى الله ~~عليه وسلم وإن كانت قبله، وقبل التحدي، لأنها كانت توكيدا لأمره، ~~وتمهيدا لشأنه، ولما تلا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه السورة ~~كان بمكة عدد كثير ممن شهد تلك الواقعة، ولهذا قال: " ألم تر " ولم ~~يكن ب " مكة " أحد إلا وقد رأى قائد الفيل، وسائقه أعميين [يتكففان] ~~الناس. # قالت عائشة - رضي الله عنها - مع حداثة سنها: " لقد رأيت قائد ~~لفيل وسائقه أعميين يستطعمان ms9283 الناس ". # قوله: { ألم يجعل كيدهم في تضليل } ، أي: في إبطال، ~~وتضييع؛ لأنهم أرادوا أن يكيدوا قريشا بالقتل، والسبي، والبيت بالتخريب، ~~والهدم. # قالت المعتزلة: إضافة الكيد إليهم دليل على أنه - تعالى - لا يرضى ~~بالقبيح، إذ لو رضي لأضافه إلى ذاته. # قوله: { وأرسل عليهم طيرا أبابيل }. # قال النحاة: " أبابيل " نعت ل " طير " لأنه اسم جمع. # وأبابيل: قيل: لا واحد له، كأساطير وعناديد. # وقيل: واحده: " إبول " ك " عجول ". # وقيل: " إبال " ، وقيل: " إبيل " مثل سكين. # وحكى الرقاشي: " أبابيل " جمع " إبالة " بالتشديد. # وحكى الفراء: " إبالة " مخففة. # فصل في لفظ " أبابيل " # الأبابيل: الجماعات شيئا بعد شيء؛ قال: [الطويل] # 5309- طريق وجبار رواء أصوله # عليه أبابيل من الطير تنعب # وقال آخر: [البسيط] # 5310- كادت تهد من الأصوات راحلتي # إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل # قال أبو عبيدة: أبابيل: جماعات في تفرقة، يقال: جاءت الطير أبابيل من ~~هاهنا، وهاهنا. # قال سعيد بن جبير: كانت طيرا من السماء لم ير مثلها. # " وروى الضحاك عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: " إنها طير بين السماء والأرض ~~تعشش وتفرخ ". # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - كان لها خراطيم كخراطيم الفيلة، وأكف ~~كأكف الكلاب. # وقال عكرمة: كانت طيرا خضرا خرجت من البحر، لها رءوس كرءوس ~~السباع، ولم تر قبل ذلك، ولا بعده. # وقالت عائشة - رضي الله عنها -: هي أشبه شيء بالخطاطيف. # [وقيل: إنها أشبه بالوطاويط]. # وقيل: إنها العنقاء التي يضرب بها الأمثال. # قال النحاس: وهذه الأقوال متفقة المعنى، وحقيقة المعنى: أنها جماعات ~~عظام، يقال: فلان يؤبل على فلان، أي: يعظم عليه ويكثر، وهو مشتق من ~~الإبل. # قال ابن الخطيب: هذه الآية رد على الملحدين جدا، لأنهم ذكروا في ~~الزلازل، والرياح والصواعق، والخسف، وسائر الأشياء التي عذب الله - ~~تعالى - بها الأمم أعذارا ضعيفة، أما هذه الواقعة، فلا يجري فيها تلك ~~الأعذار، وليس في شيء من الطبائع والحيل أن يعهد طير معها حجارة، فيقصد ~~قوما دون قوم فيقتلهم، ولا يمكن أن يقال: إنه كسائر الأحاديث الضعيفة؛ ~~لأنه لم يكن ms9284 بين عام الفيل، ومبعث الرسول إلا نيفا وأربعين سنة، ويوم ~~تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية، كان قد بقي جمع شاهدوا تلك ~~الواقعة، فلا يجري فيها تلك الأعذار، ولو كان النقل ضعيفا لكذبوه، ~~فعلمنا أنه لا سبيل للطعن فيها. # قوله: { ترميهم بحجارة } ، " بحجارة " صفة ل " طير " ، ~~وقرأ العامة: " ترميهم " بالتأنيث. # وأبو حنيفة، وابن يعمر، وعيسى، وطلحة: بالياء من أسفل، وهما واضحتان، ~~لأن اسم الجمع يذكر ويؤنث. # ومن الثانية قوله: [البسيط] # 5311-.................................. # كالطير ينجو من الشؤبوب ذي البرد # وقيل: الضمير لربك، أي: يرميهم ربك بحجارة، و " من سجيل " صفة ل ~~" حجارة " والسجيل، قال الجوهري: قالوا حجارة من طين، طبخت بنار جهنم، ~~مكتوب فيها أسماء القوم، لقوله تعالى: # لنرسل عليهم حجارة من طين # [الذاريات: 33]. # وقال عبد الرحمن بن أبزى: " من سجيل " من السماء، وهي الحجارة ~~التي نزلت على قوم لوط. # وقيل: من الجحيم، وهي " سجين " ثم أبدلت اللام نونا، كما قالوا في ~~أصيلان: أصيلال، قال ابن مقبل: [البسيط] # 5312-.................................. # ضربا تواصت به الأبطال سجنا # إنما هو " سجيلا ". # وقال الزجاج: " من سجيل " ، أي: مما كتب عليهم أن يعذبوا به، مشتق ~~من السجل وقد تقدم القول في السجيل في سورة " هود ". # قال عكرمة: [كانت ترميهم بحجارة معها]، فإذا أصاب أحدهم حجر منها خرج به ~~الجدري لم ير قبل ذلك اليوم. # وقال ابن عباس رضي الله عنه: كان الحجر إذا وقع على أحدهم نفط جلده، ~~وكان ذلك أول الجدري. # قال يونس وأبو عبيدة: والسجيل عند العرب: الشديد الصلب. # قال بعض المفسرين: إنهما كلمتان بالفارسية جعلتهما العرب كلمة واحدة، ~~وإنهما: سج وجيل: فالسج: الحجر، والجيل: الطين، أي من هذين الجنسين: ~~الحجر والطين. # قال أبو إسحاق: وحدثني يعقوب بن عتبة أنه قال: أول ما دامت الحصبة بأرض ~~العرب ذلك وإنه أول ما رأى بها مرائر الشجر الحرمل والحنظل والعشار ذلك ~~العام. # قوله: { فجعلهم كعصف مأكول }. " كعصف " هو المفعول ~~الثاني للجعل، بمعنى التصيير، وفيه مبالغة حسنة، وهو أنه لم يكفهم أم ~~جعلهم أهون شيء من الزرع، وهو ms9285 ما لا يجدي طائلا، حتى جعلهم رجيعا. # والمعنى: جعل الله تعالى أصحاب الفيل كورق الزروع إذا أكله الدواب، فرمت ~~به من أسفل قاله ابن زيد وغيره، والعصف جمع واحده عصفة وعصافة، وأدخل ~~الكاف في " كعصف " للتشبيه مع مثل قوله تعالى: # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11] ومعنى مأكول أن المراد به قشر البر يعني الغلاف الذي ~~يكون كقشر الحنطة إذا خرجت منه الحبة شبه تقطع أوصالهم بتفرق ~~أجزائه، روي معناه عن ابن زيد، وغيره. # قال ابن إسحاق: لما رج الله الحبشة عن " مكة " ، عظمت العرب قريشا، ~~وقالوا: أهل الله قاتل عنهم، وكفاهم مئونة عدوهم، فكان ذلك نعمة من الله ~~عليهم. # روى الثعلبي عن أبي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من قرأ سورة { الفيل } عافاه الله تعالى حياته من ~~المسخ، والعدو " # والله أعلم. ### | [106 - سورة قريش] ### || [106.1-4] # قوله تعالى: { لإيلاف قريش } ، في متعلق هذه الآية أوجه: # أحدها: أنه ما في السورة قبلها من قوله تعالى: { فجعلهم كعصف ~~}. # قال الزمخشري " هذا بمنزلة التضمين في الشعر، وهو أن يتعلق معنى البيت ~~بالذي قبله تعلقا لا يصح إلا به، وهما في مصحف أبي سورة واحدة بلا فصل. # وعن عمر أنه قرأهما في الثانية من صلاة المغرب، وقرأ في الأولى: " ~~والتين " ، انتهى. # وإلى هذا ذهب الأخفش، إلا أن الحوفي قال: ورد هذا القول جماعة، بأنه لو ~~كان كذا، لكان " لإيلاف " بعض سورة " ألم تر " ، وفي إجماع الجميع ~~على الفصل بينهما ما يدل على عدم ذلك. # الثاني: أنه مضمر تقديره: فعلنا ذلك، أي: إهلاك أصحاب الفيل { لإيلاف ~~قريش } ، أي: لتأليف قريش، أو لتنفق قريش، أو لكي تأمن قريش، فتؤلف ~~رحلتيها. # وقيل: تقديره: اعجبوا. # الثالث: أنه قوله تعالى: { فليعبدوا } لإيلافهم؛ فإنها أظهر نعمة ~~عليهم. # قاله الزمخشري؛ وهو قول الخليل من قبله. # وقرأ ابن عامر: " لإلاف " دون ياء قبل اللام الثانية. # والباقون: " لإيلاف " بياء قبلها، وأجمع الكل على إثبات الياء في ~~الثاني، وهو " إيلافهم ". ومن غريب ما اتفق في هذين الحرفين: أن القراء ~~اختلفوا ms9286 في سقوط الياء وثبوتها في الأول مع اتفاق المصاحف على إثباتها ~~خطا، واتفقوا على إثبات الياء في الثاني مع اتفاق المصاحف على سقوطها ~~فيه خطا، وهذا دليل على أن القراء يتبعون الأثر والرواية، لا مجرد ~~الخط. # فأما قراءة ابن عامر ففيها وجهان: # أحدهما: أنه مصدر ل " ألف " ثلاثيا، يقال: ألف الرجل، إلفا، وإلافا؛ ~~نحو: كتبته كتابا، ويقال: ألفته إلفا وإلافا. # وقد جمع الشاعر بينهما في قوله: [الوافر] # 5313- زعمتم أن إخوتكم قريش # لهم إلف وليس لكم إلاف # والثاني: أنه مصدر ل " آلف " رباعيا نحو قاتل قتالا. وقال الزمخشري: ~~لمؤالفة قريش. وأما قراءة الباقين فمصدر آلف رباعيا بزنة " أكرم " ~~يقال: آلفته، أولفه إيلافا. # قال الشاعر: [الطويل] # 5314- من المؤلفات الرمل أدماء حرة # شعاع الضحى في متنها يتوضح # وقرأ عاصم في رواية: " إئلافهم " بهمزتين، الأولى مكسورة، والثانية ~~ساكنة، وهي شاذة؛ لأنه يجب في مثله إبدال حرفا مجانسا ك " إيمان ". # وروي عنه أيضا: بهمزتين مكسورتين، بعدهما ياء ساكنة. # وخرجت على أنه أشبع كسر همزة الثانية, فتولد منها ياء, وهذه أشد من ~~الأولى. # ونقل أبو البقاء أشد منها، فقال: " بهمزة مكسورة بعدها ياء ساكنة، بعدها ~~همزة مكسورة ". وهو بعيد، ووجهه: أنه أشبع الكسرة، فنشأت الياء، وقصد ~~بذلك الفصل بين الهمزتين كالألف في " أأنذرتهم ". # وقرأ أبو جعفر: " لإلف قريش " بهمزة مكسورة، بزنة: " قرد " ، وقد تقدم ~~أنه مصدر ل " ألف " كقوله: [الوافر] # 5315-................................ # لهم إلف وليس لكم إلاف # وعنه أيضا، وعن ابن كثير: " إلفهم " ، وهي ساكنة اللام بغير ياء، وهي ~~قراءة مجاهد وحميد. # وروت أسماء - رضي الله عنها - أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقرأ: " إلفهم " ، وهو مروي أيضا عن ابن عباس وغيره. # وعنه أيضا وعن ابن عامر: " إلافهم " مثل " كتابهم ". # وعنه أيضا: " ليلافهم " بياء ساكنة بعد اللام، وذلك أنه لما أبدل ~~الثانية حذف الأولى على غير قياس. # وقرأ عكرمة: " ليألف قريش " فعلا مضارعا. # وعنه أيضا: " لتألف قريش " على الأمر واللام مكسورة، وعنه فتحها مع ~~الأمر وهي لغة. # فصل في اتصال السورة بما قبلها # تقدم أن هذه ms9287 السورة، متصلة بما قبلها في المعنى، أي: أهلكت أصحاب الفيل ~~لإيلاف قريش، أي: لتأليف قريش, أو لتنفق قريش، أو لتأمن قريش فتؤلف ~~رحلتيها. # قال ابن الخطيب: فإن قيل: إنما كان الإهلاك لكفرهم. # قلنا: جزاء الكفور يكون يوم القيامة، يجزي كل نفس بما كسبت للأمرين ~~معا، ولكن لا تكون اللام لام العاقبة، أو يكون المعنى: " ألم تر كيف ~~فعل ربك بأصحاب الفيل؛ لإيلاف قريش " ، أي: كل ما تضمنته السورة " ~~لإيلافهم " ، أو تكون اللام بمعنى " إلى " ، أي: وجعلنا هذه النعم ~~مضافا إلى قريش. # وقال الكسائي والأخفش: اللام في { لإيلاف قريش } لام التعجب. أي ~~اعجبوا لإيلاف قريش، نقله القرطبي. # قال الفراء: هذه السورة متصلة بالسورة الأولى؛ لأنه ذكر أهل " مكة " ~~عظيم نعمته عليهم فيما صنع بالحبشة، ثم قال - جلا وعلا -: { لإيلاف ~~قريش }. فعلنا بأصحاب الفيل نعمة منا على قريش، وذلك أن قريشا كانت ~~تخرج في تجارتها، فلا يغار عليها في الجاهلية، يقولون: هم أهل بيت الله ~~تعالى حتى جاء صاحب الفيل ليهدم الكعبة فأهلكه الله تعالى، فذكرهم ~~نعمته، أي: فجعل الله تعالى ذلك { لإيلاف قريش } أي: ليألفوا ~~الخروج ولا يتجرأ عليهم، قاله مجاهد وابن عباس في رواية سعيد بن جبير. # قال ابن عباس، في قوله تعالى: { لإيلاف قريش } قال: نعمتي على ~~قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف، قال: كانوا يشتون ب " مكة " ، ويصيفون ~~ب " الطائف " ، وعلى هذا القول يجوز الوقف على رءوس الآي، وإن لم يكن ~~الكلام تاما. # قال ابن الخطيب: والمشهور أنهما سورتان، ولا يلزم من التعلق الاتحاد؛ ~~لأن القرآن كسورة واحدة. # وقال الخليل: ليست متصلة، كأنه قال: ألف الله قريشا إيلافا، فليعبدوا ~~رب هذا البيت [واللام متعلقة بقوله تعالى: فليعبد هؤلاء رب هذا البيت، ~~لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف للامتياز، ويحمل ما بعد الألف ألفا على ما ~~قبلها؛ لأنها زائدة غير عاطفة كقولك: زيد فاضرب، وأما مصحف أبي فمعارض ~~بإطباق على الفصل بينهما، وأما قراءة عمر -رضي الله عنه - فالإمام قد ~~يقرأ سورتين]. # قال ابن العربي: وليست المواقف التي ينتزع بها القراء شرعا ms9288 عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم مرويا، وإنما أرادوا به تعليم الطلبة المعاني، فإذا ~~علموها وقفوا [حيث شاءوا، فأما الوقف عند انقطاع النفس فلا خلاف فيه، ولا ~~تعد ما قبله إذا اعتراك ذلك، ولكن ابدأ من حيث وقف بك نفسك، هذا رأيي ~~فيه]، ولا دليل على ما قالوه بحال، ولكني أعتمد الوقف على التمام، ~~كراهية الخروج عنهم. # قال القرطبي: " وأجمع المسلمون أن الوقف عند قوله: " كعصف مأكول " ، ~~ليس بقبيح، وكيف يقال بقبحه، وهذه السورة تقرأ في الركعة الأولى، والتي ~~بعدها في الركعة الثانية، ولا يمنع الوقف على إعجاز الآيات، سواء تم ~~الكلام أم لا ". # فصل في الكلام على قريش # قريش: اسم القبيلة. # قي: هم ولد النضر بن كنانة، وكل من ولده النضر فهو قرشي، وهو الصحيح ~~وقيل: هم ولد فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، فمن لم يلده فهر فليس ~~بقرشي، فوقع الوفاق على أن بني فهر قرشيون، وعلى أن كنانة ليسوا بقرشيين، ~~ووقع الخلاف في النضر ومالك، ثم اختلف في اشتقاقه على أوجه: # أحدها: أنه من التقرش، وهو التجمع، سموا بذلك لاجتماعهم بعد تفرق، ~~قال: [الطويل] # 5316- أبونا قصي كان يدعى مجمعا # به جمع الله القبائل من فهر # والثاني: أنه من القرش: وهو الكسب، كانت قريش تجارا، يقال: قرش يقرش: ~~أي: اكتسب. # والثالث: أنه من التفتيش، يقال: قرش يقرش عني أي: فتش، وكانت قريش ~~يفتشون على ذوي الخلات، فيسدون خلتهم. # قال الشاعر: [الخفيف] # 5317- أيها الشامت المقرش عنا # عند عمرو فهل له إبقاء # والرابع: أن معاوية سأل ابن عباس لم سميت قريش قريشا؟. # فقال: لدابة في البحر يقال لها: القرش من أقوى دوابه، تأكل ولا تؤكل، ~~وتعلو ولا تعلى. # وأنشد قول تبع: [الخفيف] # 5318- وقريش هي التي تسكن البح # ر بها سميت قريش قريشا # تأكل الرث والسمين ولا تت # رك فيها لذي جناحين ريشا # هكذا في البلاد حي قريش # يأكلون البلاد أكلا كميشا # ولهم آخر الزمان نبي # يكثر القتل فيهم والخموشا # ثم قريش: إما أن يكون مصغرا تصغير ترخيم، فقيل: الأصل ms9289 مقرش، وقيل: ~~قارش، وإما أن يكون مصغرا من ثلاثي، نحو: القرش، وأجمعوا على صرفه هنا ~~مرادا به الحي، ولو أريد به القبيلة لامتنع من الصرف؛ كقوله: [الكامل] # 5319- غلب المساميح الوليد سماحة # وكفى قريش المعضلات وسادها # قال سيبويه في معد، وقريش، وثقيف، وكينونة، هذه للأحياء أكثر، وإن ~~جعلتها أسماء للقبائل، فهو جائز حسن. # قوله: { إيلافهم } مؤكد للأول تأكيدا لفظيا، وأعربه أبو البقاء: ~~بدلا. # قوله: " رحلة " مفعول به بالمصدر، والمصدر مضاف لفاعله، أي: لأن ألفوا ~~رحلة، والأصل: رحلتي الشتاء والصيف، ولكنه أفرد لأمن اللبس؛ كقوله: ~~[الوافر] # 5320- كلوا في بعض بطنكم تعفوا # ............................... # قاله الزمخشري. وفيه نظر، لأن سيبويه يجعل هذا ضرورة، كقوله: [الطويل] # 5321- حمامة بطن الواديين ترنمي # ............................... # قال الليث: الرحلة اسم لارتحال القوم للمسير وقيل: رحلة اسم جنس، وكانت ~~له أربع رحل، وجعله بعضهم غلطا، وليس كذلك. # قال القرطبي: " رحلة " نصب بالمصدر أي: ارتحالهم رحلة، أو بوقوع " ~~إيلافهم " عليه، أو على الظرف، ولو جعلتها في محل الرفع على معنى هما ~~رحلتا الشتاء، والصيف، لجاز. # وقرأ العامة: بكسر الراء، وهي مصدر. # وأبو السمال: بضمها، وهي الجهة التي يرتحل إليها، والشتاء: واد، شذوا ~~في النسب إليه، فقالوا: شتوي، والقياس: شتائي، وشتاوي ك " كسائي، ~~وكساوي ". # فصل في معنى الآية # قال مجاهد في قوله تعالى: { إيلافهم رحلة الشتآء ~~والصيف }: لا يشق عليهم رحلة شتاء ولا صيف, منة منه على قريش. # وقال الهروي وغيره: كان أصحاب الإيلاف أربعة إخوة: هاشم، وعبد شمس، ~~والمطلب، ونوفل بنو عبد مناف، فأما هاشم فإنه كان يؤلف ملك " الشام " ، ~~أي: أخذ منه حبلا وعهدا يأمن به في تجارته إلى " الشام " ، وأخوه عبد ~~شمس كان يؤلف إلى " الحبشة " ، والمطلب إلى " اليمن " ، ونوفل إلى " فارس ~~" ، ومعنى يؤلف: يجير، فكان هؤلاء الإخوة يسمون المجيرين، فكان تجار ~~قريش يختلفون إلى الأمصار، بحبل هؤلاء الإخوة، فلا يتعرض لهم. # قال الأزهري: الإيلاف: شبه الإجارة بالخفارة، يقال: آلف يؤلف: إذا أجار ~~الحمائل بالخفارة، والحمائل: جمع حمولة. # قال: والتأويل: أن قريشا كانوا سكان الحرم، ولم يكن لهم زرع ولا ضرع، ~~وكانوا ms9290 يميرون في الشتاء، والصيف آمنين، والناس يتخطفون من حولهم، ~~فكانوا إذا عرض لهم عارض قالوا: نحن أهل حرم الله، فلا يتعرض الناس لهم، ~~وكانت إحدى الرحلتين إلى اليمن في الشتاء، لأنها بلاد حامية، والرحلة ~~الأخرى في الصيف إلى " الشام "؛ لأنها بلاد باردة. # وعن ابن عباس، قال: يشتون ب " مكة " لدفئها، ويصيفون ب " الطائف " ~~لهوائها، وهذه من أجل النعم أن يكون للقوم ناحية حر تدفع عنهم برد ~~الشتاء، وناحية برد تدفع عنهم حر الصيف، فذكرهم الله تعالى هذه النعمة.. # فصل في الشتاء والصيف # قال مالك: الشتاء نصف السنة، والصيف نصفها. # وقال قوم آخرون: الزمان أربعة أقسام: شتاء، وربيع، وصيف، وخريف. # وقيل: شتاء، وصيف، وقيظ، وخريف. # قال القرطبي: والذي قال مالك أصح؛ لأن الله قسم الزمان قسمين، ولم ~~يجعل لهما ثالثا. # قوله: { فليعبدوا رب هذا البيت } ، أمرهم تعالى ~~بعبادته، وتوحيده لأجل إيلافهم رحلتين، وتقدم الكلام على الفاء، والبيت ~~هو الكعبة، وفي تعريف نفسه بأنه تعالى رب هذا البيت وجهان: # أحدهما: أنها كانت لهم أوثان، فميز نفسه تعالى عنها. # الثاني: لأنهم شرفوا بالبيت على سائر العرب، فذكر لهم ذلك تذكيرا ~~لنعمته. وقيل: المعنى: أن يعبدوا رب هذا البيت، أي ليألفوا عبادة رب هذا ~~البيت كما كانا يألفون الرحلتين. # { الذي أطعمهم من جوع } ، أي: من أجل الجوع، و " آمنهم " ~~من أجل الخوف، والتنكير للتعظيم أي: من جوع عظيم وخوف عظيم. # وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون في موضع الحال من مفعول " أطعمهم ~~". # وأخفى نون " من " في الخاء: نافع في رواية، وكذلك مع العين، نحو: " من ~~على " ، وهي لغة حكاها سيبويه. # فصل في مكانة قريش # قال ابن عباس: وذلك بدعوة إبراهيم - عليه السلام - حيث قال: # رب اجعل هذا بلدا ءامنا وارزق أهله من ~~الثمرات # [البقرة: 126]. # وقال ابن زيد: كانت العرب يغير بعضهاعلى بعض ويسبي بعضها من بعض، فأمنت ~~قريش من ذلك لمكان الحرم. # وقيل: شق عليهم السفر في الشتاء والصيف، فألقى الله - تعالى - في قلوب ~~الحبشة أن يحملوا إليهم طعاما في السفر، فخافت قريش منهم ms9291 وظنوا أنهم ~~خرجوا لحربهم، فخرجوا إليهم متحرزين، فإذا هم قد جلبوا لهم الطعام، ~~وأعانوهم بالأقوات، فكان أهل " مكة " يخرجون إلى " جدة " بالإبل والحمر ~~فيشترون الطعام على مسيرة ليلتين. # وقيل: # " إن قريشا لما كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليهم، فقال: ~~اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف " # فاشتد القحط، فقالوا: يا محمد، ادع الله لنا فإنا مؤمنون، فدعا لهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخصبت " تبالة " ، و " جرش " من بلاد " ~~اليمن " ، فحملوا الطعام إلى " مكة " ، وأخصب أهلها # . وقال الضحاك وربيع وشريك وسفيان: وآمنهم من خوف الحبشة مع الفيل. # وقال علي رضي الله عنه: وآمنهم من أن تكون الخلافة إلا فيهم. # وقيل: كفاهم أخذ الإيلاف من الملوك. # روى الثعلبي عن أبي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من قرأ سورة { لإيلاف قريش } أعطي من الأجر حسنات ~~بعدد من طاف بالكعبة، واعتكف بها " # والله أعلم. ### | [107 - سورة الماعون] ### || [107.1-3] # قوله تعالى: { أرأيت الذي يكذب بالدين } ، أي: ~~بالجزاء، والحساب، وقرأ الكسائي: " أريت " بسقوط الهمزة. وتقدم ~~تحقيقه في " الأنعام ". # وقال الزمخشري: وليس بالاختيار، لأن حذفها مختص بالمضارع، ولم يصح عن ~~العرب: " ريت " ولكن الذي سهل من أمرها وقوع حرف الاستفهام في أول ~~الكلام، ونحوه: [الخفيف] # 5322- صاح، هل ريت أو سمعت براع # رد في الضرع ما قرى في الحلاب # وفي " أرأيت " وجهان: # أحدهما: أنها بصرية، فتتعدى لواحد، وهو الموصول كأنه قال: أبصرت ~~المكذب. # والثاني: أنها بمعنى " أخبرني " فتتعدى لاثنين، فقدره الحوفي: أليس ~~مستحقا عذاب الله. # وقدره الزمخشري: من هو، ويدل على ذلك قراءة عبد الله: " أرأيتك " بكاف ~~الخطاب، والكاف لا تلحق البصرية. # قال القرطبي: " وفي الكلام حذف والمعنى: أرأيت الذي يكذب بالدين، أمصيب ~~هو، أو مخطئ ". # فصل فيمن نزلت فيه السورة # نقل أبو صالح عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: نزلت في العاص بن ~~وائل السهمي، وهو قول الكلبي ومقاتل. # وروى الضحاك عنه قال: نزلت في رجل من المنافقين. # وقال السدي: نزلت في الوليد بن المغيرة. # [وقيل في ms9292 أبي جهل. # وقال الضحاك: في عمرو بن عائذ. # وقال ابن جريج: في أبي سفيان، وكان ينحر في كل أسبوع جزورا، فطلب منه ~~يتيم شيئا فقرعه بعصاه، فأنزل الله هذه السورة]. # قال ابن الخطيب: وقيل: إنه عام في كل مكذب بيوم الدين. # قوله: { فذلك } ، فيه وجهان: # أحدهما: أن الفاء جواب شرط مقدر، أي: طلبت علمه فذلك. # والثاني: أنها عاطفة " فذلك " على " الذي يكذب " إما عطف ذات ~~على ذات، أو صفة على صفة, ويكون جواب " أرأيت " محذوفا لدلالة ما ~~بعده عليه, كأنه قيل: أخبرني، وإما تقول فيمن يكذب بالجزاء، وفيمن يؤذي ~~اليتيم، ولا يطعم المسكين أنعم ما يصنع؟. # فعلى الأول يكون اسم الإشارة في محل رفع بالابتداء، والخبر الموصول ~~بعده، وإما على أنه خبر لمبتدأ مضمر، أي: فهو ذلك، والموصول نعته. # وعلى الثاني: أن يكون منصوبا بالنسق، على ما هو منصوب، إلا أن أبا حيان ~~رد الثاني فقال: جعل " فذلك " في موضع نصب على المفعول، وهو تركيب ~~غريب كقولك: " أكرمت الذي يزورنا فذلك الذي يحسن إلينا " فالمتبادر إلى ~~الذهن أن " فذلك " مرفوع بالابتداء، وعلى تقدير النصب يكون التقدير: ~~أكرمت الذي يزورنا، فأكرمت ذلك الذي يحسن إلينا، فاسم الإشارة في هذا ~~التقدير غير متمكن تمكن ما هو فصيح، إذ لا حاجة إلى أن يشار إلى " الذي ~~يزورنا " ، بل الفصيح: أكرمت الذي يزورنا، فالذي يحسن إلينا، أو " أكرمت ~~الذي يزورنا، فيحسن إلينا " ، وأما قوله: " إما عطف ذات على ذات " ، فلا ~~يصح؛ لأن " فذلك " إشارة إلى " الذي يكذب " فليسا بذاتين؛ لأن ~~المشار إليه بقوله: " فذلك " هو واحد، وأما قوله: " ويكون جواب أرأيت ~~محذوفا " فلا يسمى جوابا، بل هو في موضع المفعول الثاني ل " أرأيت " ~~، وأما تقديره " أنعم ما يصنع " فهمزة الاستفهام لا نعلم دخولها على " ~~نعم " ، ولا " بئس " ، لأنهما إنشاء، والاستفهام لا يدخل إلا ~~علىالخبر، انتهى. # [والجواب عن قوله: " فاسم الإشارة غير متمكن " إلى آخره، أن الفرق ~~بينهما أن في الآية الكريمة استفهاما وهو " أرأيت " فحسن أن يفسر ذلك ~~المستفهم منه بخلاف المثال الذي مثل ms9293 به، فمن ثم حسن التركيب المذكور، وعن ~~قوله: " لأن " فذلك إشارة إلى القائم لا إلى زيد، وإن كان يجوز أن يكون ~~إشارة إليه، وعن قوله: " فلا يسمى جوابا " أن النحاة يقولون: جواب ~~الاستفهام، وهذا قد تقدمه استفهام فحسن ذلك]، وعن قوله: " والاستفهام لا ~~يدخل إلا على الخبر " بالمعارضة بقوله: # فهل عسيتم # [محمد: 22] فإن " عسى " إنشاء فما كان جوابا له، فهو جواب لنا. # فصل # قال ابن الخطيب: هذا اللفظ، وإن كان في صورة الاستفهام، لكن الغرض بمثله ~~المبالغة في التعجب كقولك: أرأيت فلانا ماذا ارتكب. # ثم قيل: إنه خطاب للرسول عليه الصلاة والسلام. # وقيل: خطاب لكل عاقل. # قوله: { يدع اليتيم } قرأ العامة: بضم الدال، وتشديد العين من ~~" دعه " أي: دفعه، وأمير المؤمنين والحسن وأبو رجاء: " يدع " بفتح ~~الدال وتخفيف العين. # فصل # قال الضحاك عن ابن عباس: { فذلك الذي يدع اليتيم } ، أي: يدفعه ~~عن حقه، قال تعالى: # يوم يدعون إلى نار جهنم دعا # [الطور: 13]. # [قال قتادة: يقهره ويظلمه، وقد تقدم في سورة " النساء " أنهم كانوا لا ~~يورثون النساء، ولا الصغار، ويقولون: إنما يجوز المال من يطعن بالسنان ~~ويضرب بالحسام]. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من ضم يتيما من المسلمين، حتى يستغني فقد ~~وجبت له الجنة ". # قوله: { ولا يحض على طعام المسكين } ، أي: لا يأمر به ~~من أجل بخله، وتكذيبه الجزاء، والحساب. # وقرأ زيد بن علي: " ولا يحاض " من المحاضة. وقد تقدم في الفجر. # قال القرطبي: " وليس الذم عاما حتى يتناول من تركه عجزا، ولكنهم ~~كانوا يبخلون ويعتذرون لأنفسهم، ويقولون: # أنطعم من لو يشآء الله أطعمه # [يس: 47] فنزلت هذه الآية فيهم، فيكون معنى الآية: لا يفعلونه إن ~~قدروا، ولا يحثون عليه إن عسروا ". ### || [107.4-7] # قوله: { فويل } مبتدأ، ومعناه: عذاب لهم، وقوله: { للمصلين ~~} خبر والفاء للسبب، أي: تسبب عن هذه الصفات الذميمة الدعاء عليهم ~~بالويل. # قال الزمخشري بعد قوله: " كأنه قيل: أخبرني ": وما تقول فيمن يكذب ~~بالدين أنعم ما يصنع، ثم قال تعالى: { فويل للمصلين } على ~~معنى: فويل لهم، إلا أنه وضع ms9294 صفتهم موضع ضميرهم؛ لأنهم كانوا مع التكذيب ~~وما أضيف إليهم ساهين عن الصلاة مرائين غير مزكين أموالهم. # فإن قلت: كيف جعلت المصلين قائما مقام الضمير { الذي يكذب بالدين ~~} ، وهو واحد؟ قلت: معناه الجمع؛ لأن المراد الجنس. قال أبو حيان: وأما ~~وضعه المصلين موضع الضمير، وأن " المصلين " جمع، لأن ضمير " الذي ~~يكذب " معناه الجمع، فتكلف واضح، ولا ينبغي أن يحمل القرآن إلا ~~ما عليه الظاهر، وعادة هذا الرجل يتكلف أشياء في فهم القرآن ليست ~~بواضحة. # قال شهاب الدين: وعادة هذا الرجل التحامل على الزمخشري، حتى يجعل ~~حسنه قبيحا، وطيف يرد ما له، وفيه ارتباط الكلام بعضه ببعض، وجعله ~~شيئا واحدا، وما تضمنه من المبالغة في الوعيد في إبراز وصفهم الشنيع، ~~ولا شك أن الظاهر من الكلام أن السورة كلها في وصف قد جمعوا بين هذه ~~الأوصاف كلها من التكذيب بالدين، ودفع اليتيم، وعدم الحض على طعام ~~المسكين، والسهو في الصلاة، والمراءاة, ومنع الخير. # قوله: { الذين هم } ، يجوز أن يكون مرفوع المحل، وأن يكون منصوبه، ~~وأن يكون مجروره، تابعا أو بدلا أو بيانا، وكذلك الموصول الثاني، ~~إلا أنه يحتمل ان يكون تابعا للمصلين، وأن يكون تابعا للموصول الأول. # وقوله: { يرآءون } أصله: يرائيون ك " يقاتلون " ، ومعنى المراءاة: ~~أي: أن المرائي يري الناس عمله، وهم يرون الثناء عليه، فالمفاعلة ~~فيها واضحة، وقد تقدم تحقيقه. # فصل في اتصال هذه الآية بما قبلها # في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه: # الأول: أنه لما كان إيذاء اليتيم، والمنع من بذل طعام المسكين، دليلا ~~على النفاق، كانت هاتين الخصلتين معاملة مع المخلوق. # والثاني: أنه تعالى لما ذكر هاتين الخصلتين مع التكذيب بيوم الدين، قال: ~~أليس الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر؟ فقال: ويل له من هذه الصلاة، كيف ~~لا تنهاه عن هذه الأفعال المنكرة. # والثالث: كأنه يقول: إقدامه على إيذاء اليتيم، وتركه للحث على طعام ~~المسكين تقصير في الشفقة على خلق الله تعالى، وسهوه في الصلاة تقصير في ~~التعظيم لأمر الله تعالى، فلما وقع التقصير في الأمرين كملت شقاوته. ms9295 # فصل في المراد بالمرائي في الصلاة # قال ابن عباس: هو المصلي، الذي إذا صلى لم يرج لها ثوابا، وإن تركها ~~لم يخش عليها عقابا. # وعنه أيضا: الذين يؤخرونها عن أوقاتها. # قال سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -: قال: # " قال النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: { فويل ~~للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون }: الذين ~~يؤخرون الصلاة عن وقتها تهاونا بها ". # وقيل: لا يتمون ركوعها، ولا سجودها. # وقال إبراهيم: هو الذي يلتفت في سجوده. وقال قطرب: هو الذي لا يقرأ ولا ~~يذكر الله، وفي قراءة عبد الله: " الذين هم عن صلاتهم لاهون ". # [وعن ابن عباس أيضا: هم المنافقون يتركون الصلاة سرا، ويصلونها ~~علانية، وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى الآية، وهذا يدل على أنها في ~~المنافقين قوله: { الذين هم يرآءون } ، ورواه ابن وهب عن مالك ~~رضي الله عنه]. # فصل # قال ابن عباس: ولو قال: " في صلاتهم ساهون " لكانت في المؤمنين، وقال ~~عطاء: الحمد لله الذي قال: { عن صلاتهم ساهون } ولم يقل: في ~~صلاتهم، فدل على أن الآية في المنافقين. # قال الزمخشري: فإن قلت: أي فرق بين قوله تعالى: { عن صلاتهم } ~~وبين قوله: " في صلاتهم "؟. # قلت: معنى " عن " أنهم ساهون عنها سهو ترك لها، وقلة التفات إليها، ~~وذلك فعل المنافقين، أو الفسقة الشطار من المسلمين، ومعنى " في " أن ~~السهو يعتريهم فيها بوسوسة شيطان، أو حديث نفس، وذلك لا يكاد يخلو منه ~~إنسان، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقع له السهو في صلاته فضلا ~~عن غيره. # قال ابن الخطيب: قال كثير من العلماء: إنه صلى الله عليه وسلم ما سها في ~~صلاته لكن أذن الله له في ذلك الفعل بيانا للتشريع في فعل الساهي، ثم ~~بتقدير وقوع السهو منه، فالسهو على أقسام: # أحدها: سهو الرسول - عليه الصلاة والسلام - وأصحابه، وذلك يجبر بالسنن ~~تارة، وبالسنن والنوافل تارة. # والثاني: ما يكثر في الصلاة من الغفلة، وعدم استحضار النية، وهذا ~~يقع كثيرا. # والثالث: ترك الصلاة، لا إلى قضاء الإخراج من الوقت، ومن ذلك ms9296 صلاة ~~المنافق؛ لأنه يستهزئ بالدين، والفرق بين المنافق والمرائي: أن ~~المنافق يبطن الكفر, ويظهر الإيمان, والمرائي: إنما يظهر زيادة الخشوع ~~ليعتقد من يراه دينه، أو يقال: إن المنافق لا يصلي سرا، والمرائي تكون ~~صلاته عند الناس. # قال ابن العربي: السلامة عند السهو محال. # قوله: { الذين هم يرآءون } ، أي: يري الناس أنه يصلي طاعة، ~~وهو يصلي تقية كالفاسق، يري أنه يصلي عبادة، وهو يصلي ليقال: إنه يصلي، ~~وحقيقة الرياء: طلب ما في الدنيا بالعبادة، وأصله: طلب المنزلة في ~~قلوب الناس، وهو من وجوه: # أولها: تحسين السمت، يريد بذلك الجاه، والثناء. # وثانيها: الرياء بالثياب القصار والخشنة ليتشبه بالزهاد. # وثالثها: إظهار السخط على الدنيا، وإظهار الوعظ، والتأسف على فوات ~~الخير والطاعة. # ورابعها: إظهار الصلاة، والصدقة، وتحسين الصلاة، لأجل رؤية الناس، وغير ~~ذلك مما يطول ذكره. # فصل في الرياء # لا يكون الرجل مرائيا بإظهار العمل المفروض، لأن حق الفرائض الإعلان ~~وإشهارها لقوله صلى الله عليه وسلم: # " ولا غمة في فرائض الله " # ، ولأنها أعلام الإسلام وشرائع الدين، ويستحق تاركها الذم، والمقت، ~~فوجب إماطة التهمة بإظهارها، وأما التطوع فحقه أن يخفى؛ لأنه مما لا ~~يلام بتركه، ولا تهمة فيه، فإن أظهره قاصدا للاقتداء كان جميلا، وإن ~~قصد بإظهاره أن الأعين تنظر إليه، ويثنى عليه بالصلاح فهو الرياء. # قوله: { ويمنعون الماعون }. في " الماعون " أوجه: # أحدها: " فاعول " من المعن، وهو الشيء القليل، يقال: ما له معنة، أي: ~~قليل، قاله قطرب. # الثاني: أنه اسم مفعول من أعانه يعينه [والأصل: معون، وكان من حقه ~~على هذا أن يقال: معون ك " مقول " و " مصون " اسم مفعول من: قال وصان، ~~ولكن قلبت الكلمة بأن قدمت عينها قبل فائها، فصار موعون، ثم قلبت الواو ~~الأولى الفا كقولهم تاب وصام في توبة وصومة، فوزنه الآن مفعول، وفيه ~~شذوذ معان كقام، وأما مفعول فاسم مفعول الثلاثي. # الثاني: القلب وهو خلاف الأصل. # الثالث: قلب حرف العلة ألفا وإن لم يتحرك، وقياسه على تابه وصامه بعيد ~~لشذوذ المقيس عليه، وقد يجاب عن الثالث بأن الواو متحركة في ms9297 الأصل قبل ~~القلب، فإنه بزنة معوون الوجه]. # والثالث: أن أصله " معونة " والألف عوض عن الهاء. # ووزنه " مفعل " ك " ملوم " ، ووزنه بعد الزيادة " مافعل ". # فصل في تفسير الماعون # اختلف المفسرون في " الماعون " ، وأحسنها: أنه كان يستعان به، وينتفع به ~~كالفأس والدلو، والمقدحة. # قال الأعشى: [المتقارب] # 5323- بأجود منه بماعونه # إذا ما سماؤهم لم تغم # ولم يذكر المفعول للمنع، إما للعلم به، أي: يمنعون الناس، أو ~~الطالبين، وإما لأن الغرض ذكر ما يمنعونه، تنبيها لخساستهم، وضنهم ~~بالأشياء النافعة المستقبح منها عند كل أحد. # فإن قيل: هذه الآية تدل على التهديد العظيم بالسهو عن الصلاة، ~~والرياء، ومنع الماعون، وذلك من باب الذنوب، ولا يصير المرء به منافقا، ~~فلم حكم الله بمثل هذا الوعيد على هذا الفعل؟ فالجواب من وجوه: # الأول: قال ابن الخطيب: المراد بالمصلين هنا المنافقون الذين يأتون بهذه ~~الأفعال وعلى هذا التقدير: دلت الآية على أن الكافر له مزيد عقوبة على ~~فعل محظورات الشرع، وتركه واجبات الشرع، وذلك يدل على أن الكفار ~~مخاطبون بفروع الإسلام. # الثاني: قيل لعكرمة: من منع شيئا من المتاع كان له الويل؟ فقال: لا، ~~ولكن من جمع ثلاثتهن فله الويل، يعني: ترك الصلاة، وفعل الرياء، وترك ~~الماعون. # روى الثعلبي عن أبي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من قرأ سورة { أرأيت الذي يكذب بالدين } ~~غفر الله له إن كان مؤديا للزكاة " # والله تعالى أعلم. ### | [108 - سورة الكوثر] ### || [108.1-3] # قوله: { إنآ أعطيناك الكوثر } ، قرأ الحسن وابن محيصن، ~~وطلحة، والزعفراني: " أنطيناك " بالنون. قال الرازي، والتبريزي: ~~أبدل من العين نونا. # فإن عنينا البدل الصناعي فليس بمسلم، لأن كل مادة مستقلة بنفسها، ~~بدليل كمال تصريفها، وإن عنينا بالبدل: أن هذه وقعت موقع هذه لغة، فقريب، ~~ولا شك أنها لغة ثابتة. # قال التبريزي: هي لغة العرب العاربة من أولى قريش. # وفي الحديث: # " اليد العليا المنطية، واليد السفلى المنطاة ". # وقال الشاعر وهو الأعشى: [المتقارب] # 5324- جيادك خير جياد الملوك # تصان الجلال وتنطى الحلولا # قال القرطبي: " وروته أم سلمة عن النبي ms9298 صلى الله عليه وسلم قراءة، وهي ~~لغة في العطاء أنطيته: أعطيته ". # والكوثر: " فوعل " ، من الكثرة، وصف مبالغة في المفرط الكثرة، مثل ~~النوفل من النفل، والجوهر من الجهر، والعرب تسمي كل شيء كثيرا في ~~العدد، والقدر، والخطر: كوثرا؛ قال: [الطويل] # 5325- وأنت كثير يا ابن مروان طيب # وكان أبوك ابن العقائل كوثرا # قيل لعجوز رجع ابنها من السفر: بم آب ابنك؟. # قالت: آب بكوثر، أي: بمال كثير. # والكوثر من الغبار الكثير، وقد تكوثر إذا كثر؛ وقال الشاعر: # 5326- وقد ثار نقع الموت حتى تكوثرا # فصل في المراد بالكوثر # اختلفوا في الكوثر الذي أعطيه النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل: نهر في ~~الجنة رواه البخاري وغيره. # وروى الترمذي عن ابن عمران قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الكوثر: نهر في الجنة، حافتاه من ذهب، ومجراه على ~~الدر والياقوت، تربته أطيب من المسك، وماؤه أحلى من ~~العسل، وأبيض من الثلج ". # وقال عطاء: هو حوض النبي صلى الله عليه وسلم في الموقف وفيه أحاديث ~~كثيرة. # وقال عكرمة: الكوثر: النبوة، والكتاب. # وقال الحسن: هوالقرآن. وقال ابن المغيرة: الإسلام. # وقال ابن كيسان: هو الإيثار. # وقال الحسن بن الفضل: هو تيسير القرآن، وتخفيف الشرائع. وقال أبو بكر بن ~~عياش ويمان بن رئاب هو كثرة الأصحاب والأتباع والأمة. # وحكى الماوردي: أنه رفعة الذكر. # وقيل: [الشفاعة: وقال هلال بن يساف: هو لا إله إلا الله محمد رسول الله. # وقيل: الصلوات الخمس. # وقيل الفقه في الدين. # وقيل غير ذلك]. # قال القرطبي: وأصح الأقوال: الأول، والثاني؛ لأنه ثابت عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم نصا في الكوثر. # فصل في الكلام على هذه السورة # قال ابن الخطيب: هذه السورة كالمقابلة للتي قبلها، فإنه ذكر في الأول ~~البخل، وترك الصلاة، والرياء، ومنع الماعون، وذكر هنا في مقابلة البخل: ~~{ إنآ أعطيناك الكوثر } وفي مقابلة ترك الصلاة: قوله: " ~~فصل " أي: دم على الصلاة، وفي مقابلة الرياء قوله تعالى: { ~~لربك } أي: لرضاه خالصا، وفي مقابلة منع الماعون قوله: " وانحر ~~" ، أي: تصدق بلحم الأضاحي، ثم ختم السورة ms9299 سبحانه وتعالى بقوله: { ~~إن شانئك هو الأبتر } ، أي: أن المنافق الذي أتى بتلك ~~الأفعال القبيحة سيموت ولا يبقى له أثر، وأما أنت فيبقى لك في الدنيا ~~الذكر الجميل، في الآخرة الثواب الجزيل. # قوله: { فصل لربك وانحر }. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما - أقم الصلاة المفروضة عليك. # وقال قتادة، وعطاء، وعكرمة: فصل لربك صلاة العيد يوم النحر، " وانحر ~~" نسكك. # وقال أنس: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينحر، ثم يصلي، فأمر أن يصلي ثم ~~ينحر. # قال سعيد بن جبير: نزلت في " الحديبية " حين حصر النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن البيت، فأمره الله تعالى، أن يصلي، وينحر البدن، وينصرف، ففعل ~~ذلك. # قال ابن العربي: " أما من قال: إن المراد بقوله تعالى: { فصل } ~~الصلوات الخمس، فلأنها ركن العبادات، وقاعدة الإسلام، وأعظم دعائم ~~الدين. # وأما من قال: إنها صلاة الصبح بالمزدلفة، فلأنها مقرونة بالنحر، وهو في ~~ذلك اليوم، ولا صلاة فيه قبل النحر غيرها، فخصها بالذكر من جملة الصلوات ~~لاقترانها بالنحر ". # قال القرطبي: وأما من قال: إنها صلاة العيد، فذلك بغير " مكة " ، إذ ليس ~~ب " مكة " صلاة عيد بإجماع، فيما حكاه أبو بكر رضي الله عنه. # فصل # الفاء في قوله: " فصل " للتعقيب والتسبب، أي: تسبب هذه المنة العظيمة ~~وعقبها أمرك بالتخلي لعبادة المنعم عليك، وقصدك إليه بالنحر لا كما تفعل ~~قريش من صلاتها، ونحرها لأضيافها، وأما قوله تعالى: { وانحر } ، قال ~~علي - رضي الله عنه - ومحمد بن كعب القرظي: المعنى ضع اليمنى على اليسرى ~~حذاء النحر في الصلاة. # وعن علي - رضي الله عنه - أن يرفع يديه في التكبير إلى نحره، وهو مروي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: استقبل القبلة مكة بنحرك، وهو قول ~~الفراء، والكلبي وأبي الأحوص. # قال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: منازلنا تتناحر أي تتقابل نحر هذا ~~بنحر هذا. # وقال ابن الأعرابي: هو انتصاب الرجل في الصلاة بإزاء المحراب، من قولهم: ~~منازلهم تتناحر، أي: تتقابل. # [وعن عطاء: أنه أمره أن يستوي بين السجدتين جالسا ms9300 حتى يبدو نحره. # وقال محمد بن كعب القرظي: يقول: إن ناسا يصلون لغير الله، وينحرون لغير ~~الله - تعالى - فقد أعطيناك الكوثر، فلا تكن صلاتك ولا نحرك إلا لله ~~تعالى. # والنحر في الإبل بمنزلة الذبح في البقر والغنم]. # قوله: { إن شانئك هو الأبتر }. يجوز أن يكون " هو " ~~مبتدأ و " الأبتر " خبره، والجملة خبر " إن " ، وأن يكون فصلا. # وقال أبو البقاء: " أو توكيد " ، وهو غلط؛ لأن المظهر لا يؤكد بالمضمر. # والأبتر: الذي لا عقب له، وهو في الأصل: الشيء المقطوع، من بتره، أي: ~~قطعه. # وحمار أبتر: لا ذنب له، ورجل أباتر - بضم الهمزة -: الذي يقطع رحمه. # قال: [الطويل] # 5327- لئيم نزت في أنفه خنزوانة # على قطع ذي القربى أحذ أباتر # وبتر - بالكسر -: انقطع ذنبه. # قال أهل اللغة: الأبتر من الرجال: من لا ولد له ومن الدواب: الذي لا ذنب ~~له. # [وكل من انقطع من الخير أثره، فهو أبتر. والبتر: القطع بترت الشيء ~~بترا قطعته قبل الإتمام، والانبتار: الانقطاع، والباتر: السيف القاطع]. # وفي الحديث: # " ما هذه البتيراء؟ " # لمن أوتر بركعة واحدة، فأنكر عليه ابن مسعود. # وخطب زياد خطبة بتراء، لم يذكر الله تعالى، ولا صلى على النبي صلى الله ~~عليه وسلم. وكان للنبي درع يقال لها: " البتراء " سميت بذلك لقصرها وقال ~~ابن السكيت الأبتران: العير والعبد، سيما بذلك لقلة خيرهما. # [والبترية فرقة من الزيدية نسبوا إلى المغيرة بن سعد، ولقبه الأبتر]. # وقرأ العامة: " شانئك " بالألف، اسم فاعل بمعنى الحال، أو الاستقبال ~~أو الماضي. # وقرأ ابن عباس: " شنئك " بغير ألف. # فقيل: يجوز أن تكون بناء مبالغة ك " فعال " و " مفعال " ، وقد أثبته ~~سيبويه؛ وأنشد: [الكامل] # 5328- حذر أمورا لا تضير، وآمن # ما ليس منجيه من الأقدار # وقول زيد الخيل: [الوافر] # 5329- أتاني أنهم مزقون عرضي # جحاش الكرملين لها قديد # [فإن كان بمعنى الحال، والاستقبال، فإضافته لمفعوله من نصب، وإن كان ~~بمعنى المضي فهي لا من نصب. # وقيل: يجوز أن يكون مقصورا من فاعل كقولهم: بر وبار، وبرد وبارد]. # فصل في أقوال العلماء في الآية # اختلف المفسرون [في ms9301 المراد] بقوله تعالى: { إن شانئك هو ~~الأبتر } فقيل: هو العاص بن وائل، وكانت العرب تسمي من له بنون، ~~وبنات، ثم مات البنون، وبقي البنات: أبتر. # فقيل: إن العاص وقف مع النبي صلى الله عليه وسلم يكلمه، فقال له جمع من ~~صناديد قريش: مع من كنت واقفا؟ فقال: مع ذلك الأبتر، وكان قد توفي قبل ~~ذلك عبد الله ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من خديجة - رضي الله ~~عنها - فأنزل الله تعالى: { إن شانئك هو الأبتر } أي: ~~المقطوع ذكره من خير الدنيا، والآخرة. # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: كان أهل الجاهلية، إذا مات ابن ~~الرجل قالوا: بتر فلان، فلما توفي إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم ~~خرج أبو جهل لأصحابه، فقال: بتر محمد، فأنزل الله تعالى إن شانئك هو ~~الأبتر يعني أبا جهل. # وقال شهر بن عطية: هو عقبة بن أبي معيط. # وقال السدي وابن زيد: إن قريشا كانوا يقولون لمن مات له ذكور ولده: ~~قد بتر فلان، فلما مات لرسول الله صلى الله عليه وسلم القاسم ب " مكة " ~~، وإبراهيم ب " المدينة " ، قالوا: بتر محمد، أي: فليس من يقوم بأمره من ~~بعده، فنزلت الآية. # وقيل: لما أوحى الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم دعا قريشا إلى ~~الإيمان قالوا: انبتر منا محمد أي خالفنا وانقطع عنا، فأخبر الله تعالى ~~رسوله صلى الله عليه وسلم أنهم هم المبتورون قاله عكرمة وشهر بن حوشب. # فصل في المعاني التي احتوتها هذه السورة # قال أهل العلم: قد احتوت هذه السورة على كونها أقصر سورة في القرآن على ~~معان بليغة، وأساليب بديعة، منها: دلالة استهلال السورة على أنه - تعالى ~~- أعطاه كثيرا من كثير. # ومنها: إسناد الفعل للمتكلم المعظم نفسه، ومنها: إيراده بصيغة الماضي ~~تحقيقا لوقوعه ك " أتى أمر الله ". # ومنها: تأكيد الجملة ب " إن ". # ومنها: بناء الفعل على الاسم ليفيد بالإسناد مرتين، ومنها: الإتيان ~~بصيغة تدل على مبالغة الكثرة، ومنها حذف الموصوف بالكوثر؛ لأن في حذفه ~~من فرط الإبهام ما ليس ms9302 في إثباته. # ومنها: تعريفه ب " أل " الجنسية الدالة على الاستغراق، ومنها: فاء ~~التعقيب الدالة على التسبب كما تقدم في " الأنعام " سبب الشكر والعبادة. # ومنها: التعريض بمن كانت صلاته ونحره لغير الله تعالى. # ومنها: أن الأمر بالصلاة إشارة إلى الأعمال الدينية التي هي الصلاة ~~وأفضلها كالأمر بالنحر. # ومنها: حذف متعلق " انحر " إذ التقدير: فصل لربك وانحر له. # ومنها: مراعاة السجع، فإنه من صناعة البديع العاري عن التكلف. # ومنها: قوله تعالى: { لربك } في الإتيان بهذه الصفة دون سائر صفاته ~~الحسنى دلالة على أنه المربي، والمصلح بنعمه، فلا يلتمس كل خير إلا ~~منه. # ومنها: الالتفات من ضمير المتكلم إلى الغائب في قوله تعالى: { لربك ~~}. # ومنها: جعل الأمر بترك الاحتمال للاستئناف, وجعله خاتمة للإعراض عن ~~الشانئ, ولم يسمه ليشمل كل من اتصف - والعياذ بالله - بهذه الصفة ~~القبيحة, وإن كان المراد به شخصا معينا, لعينه الله تعالى. # ومنها: التنبيه بذكر هذه الصفة القبيحة، على أنه لم يتصف إلا بمجرد قيام ~~الصفة به، من غير أن يؤثر في من شنأه شيئا - ألبتة - لأن من شنأ شخصا، ~~قد يؤثر فيه شنؤه. # ومنها تأكيد الجملة ب " إن " المؤذنة بتأكيد الخبر، ولذلك يتلقى بها ~~القسم، وتقدير القسم يصلح هاهنا. # ومنها: الإتيان بضمير الفصل المؤذن بالاختصاص والتأكيد إن جعلنا " هو ~~" فصلا، وإن جعلناه مبتدأ فكذلك يفيد التأكيد إذ يصير الإسناد مرتين. # ومنها: تعريف الأبتر ب " أل " المؤذنة بالخصوصية بهذه الصفة، كأنه قيل: ~~الكامل في هذه الصفة. # ومنها: إقباله تعالى على رسوله بالخطاب، من أول السورة إلى آخرها. # روى الثعلبي عن أبي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من قرأ: { إنآ أعطيناك الكوثر } سقاه الله - ~~تعالى - من أنهار الجنة, وأعطي من الأجر عشر حسنات, بعدد ~~كل قربان قربه العباد في كل عيد أو يقربونه ". # وعن مكحول - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ: { إنآ أعطيناك الكوثر } كان له ما ~~بين المشرق والمغرب أبعرة، على كل كراريس، كل كراس مثل ~~الدنيا ms9303 وما فيها، كتب بدقة الشعر ليس فيها إلا صفة قصوره، ~~ومنازله في الجنة ". ### | [109 - سورة الكافرون] ### || [109.1-6] # قال ابن الخطيب: " هذه السورة تسمى سورة البراءة وسورة الإخلاص، ~~والمشفعة ". # روى الترمذي من حديث أنس - رضي الله عنه -: # " إنها تعدل ثلث القرآن ". # وروى ابن الأنباري عن أنس - رضي الله عنه -: قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " قل يا أيها الكافرون تعدل ربع القرآن ". # وخرج الحافظ عبد الغني بن سعيد عن ابن عمر - رضي الله عنهما - # " صلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه في صلاة الفجر في سفر، ~~فقرأ: { قل يا أيها الكافرون } و { قل هو الله أحد } ثم قال صلى الله ~~عليه وسلم: " قرأت عليكم ثلث القرآن وربعه " ". # [وروى جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " " أتحب يا جبير إذا خرجت سفرا أن تكون من أمثل ~~أصحابك هيئة، وأكثرهم زادا "؟ قلت: نعم، فاقرأ هذه ~~السور الخمس من أول: { قل يا أيها الكافرون } إلى { قل أعوذ برب ~~الناس } ، وافتتح قرءاتك ب " بسم الله الرحمن الرحيم " ". # قال:] فوالله، لقد كنت غير كثير المال، إذا سافرت أكون أبذهم هيئة، ~~وأقلهم مالا، فمذ قرأتهن صرت من أحسنهم هيئة، وأكثرهم زادا، حتى أرجع ~~من سفري ذلك. # قال ابن الخطيب: والوجه في أنها تعدل ربع القرآن، هو أن القرآن يشتمل ~~على الأمر بالمأمورات، والنهي عن المحظورات، وكل واحد منها ينقسم إلى ما ~~يتعلق بالقلوب وإلى ما يتعلق بالجوارح، وهذه السورة مشتملة على النهي عن ~~المحرمات المتعلقة بأفعال القلوب، فيكون ربع القرآن. # وخرج ابن الأنباري عن نوفل بن فروة الأشجعي، قال: # " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أوصني، قال: " اقرأ ~~عند منامك: { قل يأيها الكافرون } فإنها براءة من ~~الشرك " ". # وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: ليس في القرآن أشد غيظا لإبليس - ~~لعنه الله - من هذه السورة؛ لأنها توحيد، وبراءة من الشرك. # وقال الأصمعي: كان يقال ل { قل يأيها الكافرون } و { قل ~~هو الله أحد } المقشقشتان، أي: أنهما تبرئان من النفاق. # وقال ms9304 أبو عبيدة - رضي الله عنه -: كما يقشقش الهناء الجرب فيبرئه. # قال ابن السكيت: يقال للقرح والجدري إذا يبس وتقرف، والجرب في الإبل إذا ~~قفل: قد توسف جلده، وتقشر جلده، وتقشقش جلده. # قال ابن عباس - رضي الله عنه -: سبب نزولها أن الوليد بن المغيرة، ~~والعاص بن وائل، والأسود بن عبد المطلب، وأمية بن خلف، لقوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد، هلم فلنعبد ما تعبد، ونشترك نحن ~~وأنت في أمرنا كله، فإن كان ما جئت به خيرا مما بأيدينا، كنا قد ~~شاركناك فيه، وأخذنا بحظنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيرا مما بيدك، ~~كنت قد شركتنا في أمرنا، وأخذت بحظك منه، فأنزل الله - عز وجل - { قل ~~يأيها الكافرون } ، ونزل قوله: # قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها ~~الجاهلون # [الزمر: 64]، فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسلمين في الحرم، ~~وفيه الملأ من قريش، فقام صلى الله عليه وسلم فقرأها عليهم، حتى فرغ من ~~السورة، فأيسوا منه عند ذلك. # وروى أبو صالح عن ابن عباس - رضي الله عنهم - أنهم قالوا لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: لو استلمت بعض هذه الآلهة لصدقناك، فنزل جبريل - عليه ~~السلام - بهذه السورة فيئسوا وآذوه، وآذوا أصحابه. # فإن قيل: لم وصفهم في هذه السورة بالكافرين وفي السورة الأخرى بالجاهلين ~~كما تقدم؟. # فالجواب: لأن هذه السورة بتمامها نزلت فيهم، فتكون المبالغة فيها أشد ~~فبولغ فيها بالوصف الأشنع، وهو الكفر، لأنه مذموم مطلقا، والجهل ~~كالشجرة، والكفر كالثمرة فقد يذم عند التقييد، كقوله صلى الله عليه وسلم: # " علم الإنسان علم لا ينفع، وجهل لا يضر ". # فإن قيل: قال في سورة التحريم: # يأيها الذين كفروا # [الآية: 7]، بغير " قل " ، وهنا - جل وعز - ذكر " قل " وذكره باسم ~~الفاعل. # فالجواب: أنه في سورة " التحريم " إنما يقال لهم يوم القيامة، وثم لا ~~يكون رسولا إليهم، فإذا زال الواسطة، ويكونون في ذلك الوقت مطيعين، لا ~~كافرين، فلذلك ذكره بلفظ الماضي. # وأما هاهنا فكانوا موصوفين بالكفر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رسولا ms9305 إليهم، فقال تعالى: { قل يأيها الكافرون }. # فأن قيل: هذا خطاب مع الكل، وكان فيهم من يعبد الله تعالى، كاليهود، ~~والنصارى، فلا يجوز أن يقال لهم: { لا أعبد ما تعبدون } ، ولا يجوز ~~أيضا أن يكون قوله: { ولا أنتم عابدون ما أعبد } خطابا مع ~~الكل؛ لأن في الكفار من آمن، فعبد الله. # فالجواب: أن هذا الخطاب مشافهة مع أقوام مخصوصين، وهم الذين قالوا: نعبد ~~إلهك سنة وتعبد آلهتنا سنة وأيضا لو حملنا الخطاب على العموم دخله ~~التخصيص، وإذا حملناه على خطاب المشافهة لم يلزم ذلك. # فصل # قال القرطبي: الألف واللام ترجع إلى معنى المعهود، وإن كانت للجنس من ~~حيث إنها كانت صفة ل " أي " ، لأنها مخاطبة لمن سبق في علم الله تعالى ~~أنه سيموت على كفره، فهي من الخصوص الذي جاء بلفظ العموم؛ ونحوه عن ~~الماوردي: نزلت جوابا وعتابا وعنى بالكافرين قوما معينين، لا جميع ~~الكافرين، لأن منهم من آمن، فعبد الله، ومنهم من مات، أو قتل على كفره، ~~وهم المخاطبون بهذا القول، وهم المذكورون. # فصل # قال ابن الأنباري: وقرأ من طعن في القرآن: " قل للذين كفروا، لا أعبد ما ~~تعبدون " وزعم أن ذلك هو الصواب، وذلك افتراء على رب العالمين، وتضعيف ~~لمعنى هذه السورة، وإبطال ما قصده الله من أن يذل نبيه للمشركين، بخطابه ~~إياهم بهذا الخطاب المزري، وإلزامهم ما يأنف منه كل ذي لب وحجر وذلك أن ~~الذي يدعيه من اللفظ الباطل، قراءتنا تشتمل عليه في المعنى، وتزيد ~~تأويلا ليس في باطلهم، وتحريفهم، فمعنى قراءتنا: قل للذين كفروا، يا ~~أيها الكافرون، دليل صحة هذا: أن العربي إذا قال لمخاطبه: قل لزيد: أقبل ~~إلينا، فمعناه، قل لزيد يا زيد أقبل إلينا، فقد وقعت قراءتنا على كل ما ~~عندهم، وسقط من باطلهم أحسن لفظ، وأبلغ معنى، إذ كان الرسول - عليه ~~السلام - يعتمدهم في ناديهم فيقول لهم: " يا أيها الكافرون " وهو ~~يعرف أنهم يغضبون من أن ينسبوا إلى الكفر، ويدخلوا في جملة أهله، إلا ~~وهو محروس ممنوع من أن تنبسط عليه منهم بد، ms9306 أو تقع به من جهتهم أذية، ~~فمن لم يقرأ: { قل يأيها الكافرون } ، كما أنزلها الله، أسقط ~~آية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وسبيل أهل الإسلام ألا يسارعوا إلى ~~مثلها، ولا يعتمدوا نبيهم باختزال الفضائل عنه، التي منحه الله إياها، ~~وشرفه بها. # فصل في الكلام على " يا " # قال ابن الخطيب: روي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أن " يا " ~~نداء النفس، و " أي " نداء القلب و " ها " نداء للروح. # وقيل " يا " نداء الغائب، و " أي " للحاضر، و " ها " للتنبيه، كأنه - ~~عز وجل - يقول: أدعوك ثلاثا، ولا تجبني مرة. # قوله: { لا أعبد ما تعبدون }. في " ما " هذه في هذه السورة ~~وجهان: # أحدهما: أن تكون بمعنى " الذي ". # والثانية: فالأمر فيها واضح؛ لأنها غير عقلاء. و " ما " أصلها أن تكون ~~لغير العقلاء، وإذا أريد بها الباري - تعالى - كما في الثانية والرابعة، ~~فاستدل به من جوز وقوعها على أولي العلم، ومن منع جعلها مصدرية، ~~والتقدير: ولا أنتم عابدون عبادتي، أي: مثل عبادتي. # وقال أبو مسلم: " ما " في الأوليين بمعنى " الذي " والمقصود: المعبود، و ~~" ما " في الأخريين مصدرية، أي: لا أعبد عبادتكم المبنية على الشك وترك ~~النظر، ولا أنتم تعبدون مثل عبادتي المبنية على اليقين، فيحصل من مجموع ~~ذلك ثلاثة أقوال: أنها كلها بمعنى " الذي " ، أو مصدرية، أو الأوليان ~~بمعنى الذي، والثالثة والرابعة مصدرية، لكان حسنا، حتى لا يلزم وقوع " ~~ما " على أولي العلم، وهو مقتضى من يمنع وقوعها على أولي العلم، كما ~~تقدم. # فصل في التكرار في الآية # اختلفوا في التكرار - هاهنا- هل هو للتأكيد، أم لا؟ وإذا لم يكن ~~للتأكيد فقوله تعالى: { ولا أنآ عابد ما عبدتم } تأكيد ~~لقوله { لا أعبد ما تعبدون } وقوله: { ولا أنتم ~~عابدون مآ أعبد } ثانيا تأكيد لقوله: { ولا أنتم ~~عابدون مآ أعبد } أولا. # ومثله: # فبأي ءالاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 13]، و # ويل يومئذ للمكذبين # [المرسلات: 15] في سورتيهما، و # كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون # [التكاثر: 3، 4 ]، و # كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون # [النبأ: 4, 5] وفي الحديث: # " فلا آذن ms9307 ثم لا آذن، إنما فاطمة بضعة مني " # ؛ وقال الشاعر: [مجزوء الكامل] # 5330- هلا سألت جموع كن # دة يوم ولوا أين أينا # وقوله: [الرجز] # 5331- يا علقمه يا علقمه يا علقمه # خير تميم كلها وأكرمه # وقوله: [الرجز] # 5332- يا أقرع بن حابس يا أقرع # إنك إن يصرع أخوك تصرع # وقوله: [الطويل] # 5333- ألا يا اسلمي ثم اسلمي ثمت اسلمي # ثلاث تحيات وإن لم تكلم # وقوله: [الرجز] # 5334- يا جعفر يا جعفر يا جعفر # إن أك دحداحا فأنت أقصر # وقوله: [المديد] # 5335- يا لبكر أنشزوا لي كليبا # يا لبكر أين أين الفرار # قالوا: والقرآن جاء على أساليب كلام العرب، وفائدة التكرير هنا، قطع ~~أطماع الكفار, وتحقيق الإخباربموافقتهم على الكفر, وأنهم لا يسلمون ~~أبدا. # وقيل: هذا على مطابقة قولهم: تعبد آلهتنا ونعبد إلهك, [ثم تعبد آلهتنا ~~ونعبد إلهك، ثم تعبد آلهتنا ونعبد إلهك]، فنجري على هذا أبدا سنة ~~وسنة، فأجيبوا عن كل ما قالوه بضده، أي: أن هذا لا يكون أبدا. # وقال جماعة: ليس للتأكيد، فقال الأخفش: " لا أعبد " الساعة " ما ~~تعبدون، ولا أنتم عابدون " السنة " ما أعبد " فلا أنا عابد ~~في المستقبل ما عبدتم، ولا أنتم عابدون في المستقبل ما أعبد؛ فزال ~~التوكيد إذ قد تقيد كل جملة بزمان مغاير؛ انتهى. # وفيه نظر، كيف يقيد رسول الله صلى الله عليه وسلم نفي عبادته لما يعبدون ~~بزمان؟ هذا مما لا يصح، وفي أسباب النزول أنهم سألوه أن يعبد آلهتهم سنة، ~~فنزلت، فكيف يستقيم هذا؟. # وجعل أبو مسلم التغاير بما تقدم عنه، وهو كون " ما " في الأوليين بمعنى ~~" الذي " ، وفي الأخريين: مصدرية، وفيه نظر من حيث إن التكرار إنما هو ~~من حيث المعنى، وهذا موجود، كيف قدر " ما ". # وقال ابن عطية: لما كان قوله: " لا أعبد " محتملا أن يراد به الآن، ~~ويبقى المستقبل منتظرا ما يكون فيه جاء البيان بقوله: { ولا أنآ ~~عابد ما عبدتم } أبدا وما حييت، ثم جاء قوله: { ولا أنتم ~~عابدون مآ أعبد } الثاني حتما عليهم أنهم لا يؤمنون أبدا ~~كالذي كشف الغيب، كما قيل لنوح - عليه ms9308 الصلاة والسلام -: # لن يؤمن من قومك إلا من قد ءامن # [هود: 36]، فهذا معنى الترديد في هذه السورة، وهو بارع الفصاحة، وليس ~~بتكرار فقط، بل فيه ما ذكرته انتهى. # وقال الزمخشري: " لا أعبد " أريد به العبادة فيما يستقبل؛ لأن " لا " ~~لا تدخل إلا على مضارع في معنى الاستقبال، كما أن " أن " لا تدخل إلا ~~على مضارع في معنى الحال، ألا ترى [أن " لن " تأكيد فيما تنفيه " لا ~~". # وقال الخليل في " لن ": إن أصله:] " لا أن " والمعنى: لا أفعل في ~~المستقبل ما تطلبونه مني من عبادة آلهتكم، ولا أنتم فاعلون فيه ما أطلب ~~منكم من عبادة إلهي { ولا أنآ عابد ما عبدتم } أي: ما كنت ~~قط عابدا فيما سلف ما عبدتم فيه، يعني: لم تعهد مني عبادة صنم في ~~الجاهلية, فيكف ترجى مني في الإسلام؛ { ولا أنتم عابدون مآ ~~أعبد } أي: وما عبدتم في وقت وما أنا على عبادته. # فإن قلت: فهلا قيل: ما عبدت كما قيل: ما عبدتم؟. # قلت: لأنهم كانوا يعبدون الأصنام قبل المبعث، وهو لم يكن ليعبد الله - ~~تعالى - في ذلك الوقت. # فإن قلت: فلم جاء على " ما " دون " من "؟ قلت: لأن المراد الصفة, كأنه ~~قال: لا أعبد الباطل، ولا تعبدون الحق. # وقيل: إن " ما " مصدرية، أي: لا أعبد عبادتكم، ولا تعبدون عبادتي انتهى. # [يعني أنه أريد به الصفة، وقد تقدم تحقيق ذلك في سورة " والشمس وضحاها " ~~]. # وناقشه أبو حيان، فقال: أما حصره في قوله: لأن " لا " لا تدخل، وفي ~~قوله: إن " ما " تدخل، فليس بصحيح، بل ذلك غالب فيهما، لا متحتم، وقد ~~ذكر النحاة دخول " لا " على المضارع يراد به الحال، ودخول " ما " على ~~المضارع يراد به الاستقبال، وذلك مذكور في المبسوطات من كتب النحو. ~~ولذلك لم يذكر سيبويه ذلك بأداة الحصر، إنما قال: وتكون " لا " نفيا، ~~لقوله: " نفعل " ولم يقع الفعل، قال: " وأما " ما " فهي نفي، لقوله: ~~هو يفعل إذا كان في حال الفعل. فذكر الغالب فيهما. # وأما قوله تعالى: { ولا أنآ عابد ما عبدتم } ، أي: وما ms9309 ~~كنت قط عابدا فيما سلف ما عبدتم فيه، فلا يستقيم، لأن " عابد " اسم ~~فاعل قد عمل فيما عبدتم، فلا يفسر بالماضي، إنما يعتبر بالحال، أو ~~الاستقبال، وليس مذهبه في اسم الفاعل مذهب الكسائي، وهشام في جواز إعماله ~~ماضيا. # وأما قوله: { ولا أنتم عابدون مآ أعبد } أي: وما عبدتم في ~~وقت ما أنا على عبادته ف " عابدون " قد أعمله في: " ما أعبد " ، ~~فلا يفسر بالماضي. # وأما قوله: " وهو لم يكن " ، إلى آخره، فسوء أدب على منصب النبوة، وغير ~~صحيح؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يزل موحدا لله تعالى، منزها له ~~عن كل ما لا يليق بجلاله سبحانه مجتنبا لأصنامهم يقف على مشاعر إبراهيم ~~- عليه الصلاة والسلام - ويحج البيت، وهذه عبادة، وأي عبادة أعظم من ~~توحيد الله تعالى ونبذ أصنامهم، ومعرفة الله - تعالى - أعظم العبادات. # قال الله تعالى: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56]. # قال المفسرون: أي ليعرفون، فسمى الله تعالى المعرفة به عبادة انتهى. # قال شهاب الدين: ويجاب عن الأول: أنه من بنى أمره على الغالب، فلذلك أتى ~~بالحصر، وأما ما حكاه سيبويه، فظاهر معه، حتى يقوم دليل على غيره، وعن ~~إعماله اسم الفاعل مفسرا له بالماضي بأنه على حكاية الحال، كقوله تعالى: # وكلبهم باسط ذراعيه # [الكهف: 18]، وقوله تعالى: # والله مخرج ما كنتم تكتمون # [البقرة: 72]، وأما كونه صلى الله عليه وسلم لم يزل منزها موحدا لله ~~تعالى، فمسلم ذلك. وقوله: " وهذه أعظم العبادات " فمسلم أيضا، ولكن ~~المراد في الآية عبادة مخصوصة، وهي الصلاة المخصوصة؛ لأنها تقابل بها ما ~~كان المشركون يفعلونه من سجودهم لأصنامهم، وصلاتهم لها، فقابل هذا صلى ~~الله عليه وسلم بصلاته لله تبارك وتعالى، ولكن بقي كلام الزمخشري يفهم ~~أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن متعبدا قبل المبعث، وهو مذهب ساقط ~~الاعتبار؛ لأن الأحاديث الصحيحة ترده، وهي: أنه كان يتحنث، كان يتعبد، ~~كان يصوم، كان يطوف، كان يقف، ولم يقل بخلاف ذلك إلا شذوذ من الناس. # وفي الجملة، فالمسألة خلافية، وإذا كان متعبدا فبأي شرع كان ms9310 يتعبد به؟ ~~فقيل: شريعة نوح عليه الصلاة والسلام. # وقيل: إبراهيم عليه السلام. # وقيل: موسى. # وقيل: عيسى - صلوات الله عليهم أجمعين -، وذلك مذكور في الأصول. # ثم قال أبو حيان: والذي أختاره في هذه الجمل أنه نفى عبادته في ~~المستقبل؛ لأن الغالب في " لا " أن تنفى المستقبل، ثم عطف عليه { ولا ~~أنتم عابدون مآ أعبد } نفيا للمستقبل؛ لأن اسم الفاعل ~~العامل، الحقيقة فيه: دلالته على الحال، ثم عطف عليه { ولا أنتم ~~عابدون مآ أعبد } نفيا للحال على سبيل المقابلة، فانتظم ~~المعنى، أنه صلى الله عليه وسلم لا يعبد ما يعبدون حالا، ولا مستقبلا, ~~وهم كذلك، إذ قد حتم الله موافاتهم على الكفر، ولما قال: { لا أعبد ~~ما تعبدون } فأطلق " ما " على الأصنام، قابل الكلام ب " ما " في ~~قوله: " ما أعبد " وإن كان المراد الله، لأن المقابلة تسوغ فيها ما لا ~~يسوغ في الانفراد وهذا مذهب من يقول: إن " ما " لا تقع على آحاد أولي ~~العلم، أما من جوز ذلك، وهو منسوب إلى سيبويه، فلا يحتاج إلى استعذار ~~بالتقابل. # قال القرطبي: كانوا يعبدون الأوثان، فإذا ملوا وثنا، وسئموا ~~العبادة له رفضوه، ثم أخذوا وثنا غيره بشهوة نفوسهم، فإذا مروا بحجارة ~~تعجبهم ألقوا هذه، ورفعوا تلك، فعظموها، ونصبوها آلهة يعبدونها، فأمر أن ~~يقول: { لا أعبد ما تعبدون } اليوم من هذه الآلهة التي بين أيديكم، ~~ثم قال صلى الله عليه وسلم: { ولا أنتم عابدون ما أعبد } إنما ~~تعبدون الوثن الذي اتخذتموه، وهو عندكم الآن، { ولا أنتم عابدون ~~ما أعبد } ، فإني أعبد إلهي. # قوله: { لكم دينكم ولي دين }. أتى بهاتين الجملتين ~~الإثباتيتين بعد جملة منفية لأنه لما ذكر أن الأهم انتفاؤه صلى الله ~~عليه وسلم من دينهم، بدأ بالنفي في الجمل السابقة بالمنسوب إليه، فلما ~~تحقق النفي رجع صلى الله عليه وسلم إلى خطابه بقوله: { لكم دينكم ~~ولي دين } مهادنة لهم، ثم نسخ ذلك الأمر بالقتال. # وفتح الياء في " لي ": نافع وهشام وحفص والبزي بخلاف عنه، وأسكنها ~~الباقون. # وحذف " الياء " من " ديني " وقفا ووصلا: السبعة، وجمهور ms9311 القراء، ~~وأثبتها في الحالين سلام ويعقوب، وقالوا: لأنها اسم مثل الكاف في " دينك ~~" والثاني قد تقدم إيضاحه. # فصل # في الكلام معنى التهديد، كقوله تعالى: # لنآ أعمالنا ولكم أعمالكم # [البقرة: 139]، أي: إن رضيتم بدينكم، فقد رضيناه بديننا، ونسخ هذا الأمر ~~بالقتال. # [وقيل: السورة منسوخة. # وقيل: ما نسخ منها شيء؛ لأنها خبر، ومعنى لكم دينكم: أي جزاء دينكم، ولي ~~دين: أي جزاء ديني، وسمى دينهم دينا؛ لأنهم اعتقدوه]. # وقيل: المعنى: لكم جزاؤكم ولي جزائي، أي: لأن الدين الجزاء. # وقيل: الدين العقوبة، لقوله تعالى: # ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله # [النور: 2]، والمعنى: لكم العقوبة من ربي، ولي العقوبة من أصنامكم، ~~فأنا لا أخشى عقوبة الأصنام؛ لأنها جمادات، وأما أنتم فيحق عليكم أن ~~تخافوا عقوبة جبار السماوات والأرض. وقيل: الدين الدعاء، لقوله ~~تعالى: # فادعوا الله مخلصين له الدين # [غافر: 14]، وقوله: # وما دعآء الكافرين إلا في ضلال # [الرعد: 14]. # وقيل: الدين العادة؛ قال الشاعر: [الوافر] # 5336- تقول إذا درأت لها وضيني # أهذا دينه أبدا وديني # والمعنى: لكم عادتكم المأخوذة من أسلافكم ومن الشيطان، ولي عادتي من ~~ربي. # فصل # قال ابن الخطيب: " جرت العادة بأن يتمثلوا بهذه الآية عند المناكرة، ~~وذلك غير جائز؛ لأن القرآن أنزل ليتدبر فيه، ويعمل بموجبه، فلا يتمثل به ~~". والله أعلم. ### | [110 - سورة النصر] ### || [110.1-3] # قوله تعالى: { إذا جآء نصر الله والفتح }: عليك وعلى ~~أمتك، والمقصود: إذا جاء هذان الفعلان من غير نظر إلى متعلقهما، كقوله ~~تعالى: # أمات وأحيا # [النجم: 44]. # " أل " في " الفتح " عوض من الإضافة: أي: وفتحه عند الكوفيين، والعائد ~~محذوف عند البصريين، أي: والفتح منه للدلالة على ذلك، والعامل في " إذا ~~": " جاء " وهو قول مكي، وإليه ذهب أبو حيان وغيره في مواضع وقد تقدم ~~ذلك. # وإما " فسبح " ، وإليه نحا الزمخشري والحوفي، والتقدير: فسبح بحمد ~~ربك إذا جاء، ورده أبو حيان بأن ما بعد فاء الجواب لا يعمل فيما قبلها، ~~وفيه بحث تقدم بعضه في سورة " الضحى ". # فصل في الكلام على " نصر " # النصر: العون، مأخوذ من قولهم: قد نصر الغيث الأرض، إذا ms9312 أعان على ~~إنباتها. # قال الشاعر: [الطويل] # 5337- إذا انسلخ الشهر الحرام فودعي # بلاد تميم وانصري أرض عامر # ويروى: [الطويل] # 5338- إذا دخل الشهر الحرام فجاوزي # بلاد تميم وانصري أرض عامر # يقال: نصره على عدوه ينصره نصرا، أي: أعانه، والاسم: النصرة، ~~واستنصره على عدوه، أي: سأله أن ينصره عليه، وتناصروا: نصر بعضهم بعضا. # وقيل: المراد بهذا النصر: نصر الرسول - عليه الصلاة والسلام - على قريش ~~قاله الطبري. # [وقيل نصره على من قاتله من الكفار وأن عاقبه النصر كانت له وأما الفتح ~~فهو فتح مكة، قاله الحسن ومجاهد وغيرهما، وقال ابن عباس وسعيد بن جبير هو ~~فتح المدائن والقصور وقيل فتح سائر البلاد، وقيل ما فتحه عليه من العلوم، ~~وقيل إذا بمعنى قد جاء نصر الله لأن نزولها بعد الفتح، ويجوز أن يكون ~~معناه إذا يجيئك]. # فصل في الفرق بين النصر والفتح # قال ابن الخطيب: الفرق بين النصر والفتح، الفتح هو تحصيل المطلوب الذي ~~كان متعلقا، والنصر كالسبب للفتح، فلهذا بدأ بذكر النصر، وعطف الفتح ~~عليه، ويقال: النصر كمال الدين والفتح إقبال الدنيا الذي هو تمام ~~النعمة، كقوله تعالى: # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا # [المائدة: 3]. # والنصر: الظفر في الدنيا، والفتح: بالجنة. # فصل في المراد بهذا النصر # قال ابن الخطيب: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مؤيدا منصورا ~~بالدلائل، والمعجزات، فما المعنى بتخصيص لفظ النصر بفتح " مكة "؟. # والجواب: أن المراد من هذا النصر هو النصر الموافق للطبع. # فإن قيل: النصر لا يكون إلا من الله تعالى، قال تعالى: # وما النصر إلا من عند الله # [الأنفال: 10] فما فائدة التقييد بقوله تعالى: { نصر الله }؟. # فالجواب: معناه: لا يليق إلا بالله، كما يقال: هذه صنعة زيد، إذا كان ~~مشهورا، فالمراد هذا هو الذي سألتموه. # فإن قيل: لم وصف النصر بالمجيء، وحقيقته: إذا وقع نصر الله، فما الفائدة ~~في ترك الحقيقة، وذكر المجاز؟. # فالجواب: أن الأمور مرتبطة بأوقاتها، وأنه - تعالى - قد ربط بحدوث كل ~~محدث أسبابا معينة، وأوقاتا مقدرة يستحيل فيها التقدم، ms9313 والتأخر، ~~والتبدل، والتغير، فإذا حضر ذلك الوقت، وجاء ذلك الزمان حضر ذلك الأثر ~~معه، وإليه الإشارة بقوله: # وما ننزله إلا بقدر معلوم # [الحجر: 21]. # فإن قيل: الذين أعانوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على فتح مكة هم ~~الصحابة - رضي الله عنهم - ثم إنه تعالى سمى نصرتهم لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فما السبب في إضافة النصر إليه؟. # فالجواب: أن النصر وإن كان على يد الصحابة لكن لا بد لهم من داع ~~وباعث، وهو من الله تعالى. # فإن قيل: فعلى هذا التقدير الذي ذكرتم يكون فعل العبد متقدما على فعل ~~الله، وهو خلاف قوله تعالى: # إن تنصروا الله ينصركم # [محمد: 7] فجعل نصر العبد مقدما على نصره لنا. # فالجواب: أن لا امتناع في أن يكون فعل العبد سببا لفعل آخر يصدر عن ~~الله - تعالى - فإن أسباب الحوادث ومسبباتها على ترتيب عجيب تعجز عن ~~إدراكها العقول البشرية. # قوله: { ورأيت الناس يدخلون } ، " رأيت " يحتمل أن يكون ~~معناه: أبصرت، وأن يكون معناه: علمت، فإن كان معناه " أبصرت " كان " ~~يدخلون " في محل النصب على الحال، والتقدير: ورأيت الناس يدخلون حال ~~دخولهم في دين الله أفواجا، وإن كان معناه: " علمت " كان " يدخلون " ~~مفعولا ثانيا ل " علمت " والتقدير: علمت الناس داخلين في دين الله ~~أفواجا. # وفي عبارة الزمخشري: أنه كان بمعنى " أبصرت " ، أو " عرفت ". # وناقشه أبو حيان: بأن " رأيت " لا يعرف كونها بمعنى " عرفت " قال: " ~~فيحتاج في ذلك إلى استثبات ". # وقرأ العامة: " يدخلون " مبنيا للفاعل. # وابن كثير في رواية: مبنيا للمفعول و " في دين " ظرف مجازي، وهو ~~مجاز فصيح بليغ هاهنا. # قوله: { أفواجا } حال من فاعل " يدخلون ". # قال مكي: " وقياسه: " أفوج " إلا أن الضمة تستثقل في الواو فشبهوا " ~~فعلا " - يعني بالسكون - ب " فعل - يعني بالفتح - فجمعوه جمعه " ~~انتهى. # أي: أن " فعلا " بالسكون، قياسه " أفعل " ك " فلس " و " أفلس " ~~إلا أنه استثقلت الضمة على الواو، فجمعوه جمع " فعل " بالتحريك نحو: ~~جمل، وأجمال، لأن " فعلا " بالسكون على " أفعال " ليس بقياس إذا كان ~~فعلا صحيحا، نحو: فرخ وأفراخ وزند وأزناد، ms9314 ووردت منه ألفاظ كثيرة، ومع ~~ذلك فلم يقيسوه، وقد قال الحوفي شيئا من هذا. # فصل في الكلام على لفظ الناس # ظاهر لفظ " الناس " للعموم، فيدخل كل الناس أفواجا، أي: جماعات، ~~فوجا بعد فوج، وذلك لما فتحت " مكة " قالت العرب: أما إذ ظفر محمد صلى ~~الله عليه وسلم باهل الحرم، وقد كان الله - تعالى - أجارهم من أصحاب ~~الفيل، فليس لكم به يدان؛ فكانوا يسلمون أفواجا أفواجا أمة بعد أمة. # قال الضحاك: والأمة: أربعون رجلا. # وقال عكرمة: ومقاتل: أراد بالناس أهل " اليمن " ، وذلك أنه ورد من " ~~اليمن " سبعمائة إنسان مؤمنين طائعين، بعضهم يؤذنون، وبعضهم يقرءون ~~القرآن، وبعضهم يهللون، فسر النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: { إذا ~~جآء نصر الله والفتح } وجاء أهل اليمن، رقيقة أفئدتهم لينة ~~طباعهم، سخية قلوبهم، عظيمة خشيتهم، فدخلوا في دين الله أفواجا. # وروى مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " أتاكم أهل اليمن، وهم أضعف قلوبا، وأرق أفئدة، ~~الفقه يمان، والحكمة يمانية ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " إني لأجد نفس ربكم من قبل اليمن " # وفيه تأويلان: # أحدهما: أنه الفرج، لتتابع إسلامهم أفواجا. # والثاني: معناه أن الله تعالى نفس الكرب عن نبيه صلى الله عليه وسلم ~~بأهل " اليمن " و [الأنصار]. # وروى جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن الناس دخلوا في دين الله أفواجا وسيخرجون منه أفواجا ~~" # ذكره الماوردي. # قال ابن الخطيب: كانت تدخل فيه القبيلة بأسرها بعد ما كانوا يدخلون ~~واحدا واحدا، واثنين اثنين. # فصل في المراد بدين الله # ودين الله، هو الإسلام، لقوله تعالى: # إن الدين عند الله الإسلام # [آل عمران: 19]، # ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه # [آل عمران: 85]، وإضافة الدين إلى الاسم الدال على الإلهية، إشارة إلى ~~أنه يجب أن يعبد لكونه إلها، وللدين أسماء أخر، قال تعالى: # فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا ~~فيها غير بيت من المسلمين # [الذاريات: 35، 36]. # ومنها: الصراط، قال تعالى: # صراط الله الذي ms9315 له ما في السماوات وما في الأرض # [الشورى: 53]. # ومنها: كلمة الله، ومنها النور: # يريدون ليطفئوا نور الله # [الصف: 8]. # ومنها الهدى، قال تعالى: # ذلك هدى الله يهدي به من يشآء من عباده # [الأنعام: 88]. # ومنها العروة الوثقى # فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك ~~بالعروة # [البقرة: 256]. # ومنها: الحبل المتين: # واعتصموا بحبل الله جميعا # [آل عمران: 103]. # ومنها: حنيفة الله، وفطرة الله. # فصل في إيمان المقلد # قال جمهور الفقهاء والمتكلمين: إيمان المقلد صحيح، واحتجوا بهذه الآية، ~~قالوا: إنه تعالى حكم بصحة إيمان أولئك الأفواج، وجعله من أعظم المنن على ~~نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ولو لم يكن إيمانهم صحيحا، لما ذكره في ~~هذا المعرض، ثم إنا نعلم قطعا أنهم ما كانوا يعرفون حدوث الأجسام ~~بالدليل، وإثبات كونه تعالى منزها عن الجسمية، والمكان والحيز، وإثبات ~~كونه تعالى عالما بجميع المعلومات التي لا نهاية لها، ولا إثبات الصفات، ~~والتنزيه بالدليل، والعلم بأن أولئك الأعراب ما كانوا عالمين بهذه ~~الدقائق ضروري، فعلمنا أن إيمان المقلد صحيح، لا يقال: إنهم كانوا عالمين ~~بأصول دلائل هذه المسائل؛ لأن أصول هذه الدلائل ظاهرة، بل كانوا جاهلين ~~بالتفاضل؛ لأنا نقول: إن الدليل لا يقبل الزيادة والنقصان، فإن ~~الدليل إذا كان مركبا من عشر مقدمات، فمن علم تسعة منها، وكان في ~~المقدمة العاشرة مقلدا، كان في النتيجة مقلدا لا محالة. # قوله: { فسبح بحمد ربك } ، { بحمد ربك } حال، أي: ~~ملتبسا بحمده. # قال ابن الخطيب: إنه - تعالى - أمره صلى الله عليه وسلم بالتسبيح، ثم ~~بالحمد، ثم بالاستغفار، والفائدة فيه أن تأخير النصر سنين، مع أن محمدا ~~صلى الله عليه وسلم كان على الحق، مما يثقل على القلب، ويقع في القلب ~~أني إذا كنت على الحق فلم لا ينصرني، ولو سلطت على هؤلاء الكفار. فلأجل ~~الاعتذار عن هذا الخاطر، أمر بالتسبيح أما على قولنا: فالمراد من هذا ~~التنزيه، أنه تعالى منزه عن أن يستحق عليه أحد شيئا [بل كل ما يفعله ~~بحكم المشيئة الإلهية، فله أن يفعل ما شاء كما يشاء، ففائدة التسبيح: ~~تنزيه ms9316 الله تعالى عن أن يستحق عليه أحد شيئا]. # وأما على قول المعتزلة، ففائدة التنزيه: هو أن يعلم العبد أن تنزيه ~~الله تعالى عما لا يليق ولا ينبغي بسبب المصلحة، لا بسبب ترجيح الباطل ~~على الحق، ثم إذا فرغ العبد من تنزيه الله، فحينئذ يشتغل بحمده على ما ~~أعطاه من الإحسان والبر، ثم حينئذ بالاستغفار بذنوب نفسه. # فصل في معنى الآية # قال المفسرون: { فسبح بحمد ربك واستغفره } أي: إذا ~~صليت، فأكثر من ذلك. # وقيل: معنى " سبح " صل، قاله ابن عباس رضي الله عنهما. # [وقوله: { بحمد ربك } حامدا له على ما آتاك من الظفر، والفتح، ~~واستغفره أي: سلوا الله الغفران. # وقيل: فسبح أي: المراد به التنزيه، أي: نزهه عما لا يجوز عليه، مع شكرك ~~له، وبالاستغفار، ومداومة الذكر]. # وروي في " الصحيحين " عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: # " ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة بعد أن نزلت سورة { إذا ~~جآء نصر الله والفتح } إلا يقول فيها: سبحانك اللهم ~~وبحمدك اللهم اغفر لي ". # وقالت أم سلمة - رضي الله عنها -: # " كان النبي صلى الله عليه وسلم آخر أمره لا يقوم، ولا يقعد، ولا يجيء، ~~ولا يذهب إلا قال: " سبحان الله وبحمده، أستغفر الله، وأتوب ~~إليه " قال: " فإني أمرت بها " ، ثم قرأ: { إذا جآء نصر ~~الله والفتح } " # إلى أخرها. # وقال عكرمة: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه قط أشد ~~اجتهادا في أمور الآخرة ما كان عند نزولها. # وقال مقاتل: # " لما نزلت، فقرأها النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه، ومنهم أبو بكر ~~وعمر وسعد بن أبي وقاص، ففرحوا، واستبشروا، وبكى العباس، فقال له النبي ~~صلى الله عليه وسلم: " ما يبكيك يا عم ". # قال: نعيت إليك نفسك، قال: " إنه لكما تقول " ، فعاش بعدها ~~ستين يوما، ما رئي فيها إلا ضاحكا مستبشرا ". # وقيل: # " نزلت في " منى " بعد أيام التشريق، في حجة الوداع، فبكى عمر ~~والعباس فقيل لهما: إن هذا يوم فرح، فقال: لا بل فيه نعي النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال ms9317 النبي صلى الله عليه وسلم: " صدقتما، نعيت إلي نفسي " ~~". # وروى البخاري، وغيره عن ابن عباس، قال: كان عمر بن الخطاب يأذن لأهل ~~بدر، ويأذن لي معهم، قال: فوجد بعضهم من ذلك، فقالوا: يأذن لهذا الفتى ~~معنا، ومن أبنائنا من هو مثله، فقال لهم عمر: إنه من قد علمتم، قال: فأذن ~~لهم ذات يوم، وأذن لي معهم، فسألهم عن هذه السورة: { إذا جآء نصر ~~الله والفتح } ، فقالوا: أمر الله - جل وعز - نبيه صلى الله ~~عليه وسلم إذا فتح عليه أن يستغفره, وأن يتوب إليه, فقال: ما تقول يا ابن ~~عباس؟. # قلت: ليس كذلك ولكن أخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بحضور أجله, ~~فقال: { إذا جآء نصر الله والفتح } , فذلك علامة موتك, { ~~فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا } , ~~فقال عمر - رضي الله عنه -: تلومونني عليه؟ وفي رواية: قال عمر: " ما ~~أعلم منها إلا ما تقول ". # فصل # فإن قيل: فماذا يغفر للنبي صلى الله عليه وسلم حتى يؤمر بالاستغفار؟. # فالجواب: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: # " رب اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري كله، ~~وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي خطيئتي، ~~وعمدي، وجهلي وهزلي، وكل ذلك عندي اللهم اغفر لي ما ~~قدمت وما أخرت، وما أعلنت، وما أسررت، أنت المقدم، ~~وأنت المؤخر، إنك على كل شيء قدير ". # [وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يستغفر لنفسه لعظيم ما أنعم الله عليه، ~~ويرى قصوره عن القيام بحق ذلك. # وقيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين. # وقيل: يحتمل أن يكون المعنى كن متعلقا به سائلا راغبا متضرعا على ~~رؤية التقصير في أداء الحقوق. # وقيل: الاستغفار نفسه يجب إتيانه لا للمغفرة بل تعبدا. # وقيل: واستغفر أي: استغفر لأمتك إنه كان توابا على المسبحين ~~والمستغفرين، يتوب عليهم ويرحمهم، ويقبل توبتهم، وإذا كان عليه السلام ~~وهو معصوم يؤمر بالاستغفار فماذا يظن بغيره]. # فصل في تفسير الآية # قد مر تفسير الحمد، وأما تفسير قوله تعالى: { فسبح بحمد ~~ربك } ففيه وجوه: # الأول: قال الزمخشري: قل: ms9318 سبحان الله، والحمد لله، تعجبا مما أراك الله ~~من عجيب إنعامه، أي: اجمع بينهما، كقولك: الماء باللبن، أي: اجمع بينهما ~~خلطا، وشربا. # الثاني: أن التسبيح داخل في الحمد؛ لأنك إذا حمدت الله تعالى، فقد ~~سبحته بواسطته، لأن الثناء عليه، والشكر له يتضمن تنزيهه عن النقائص، ~~ولذلك جعل الحمد مفتاح القرآن، فمعنى: { فسبح بحمد ربك } ، ~~أي: سبحه بواسطته، أن تحمده، وأن تسبحه بهذا الطريق. # الثالث: أن يكون حالا، أي: سبحه مقدرا أن تحمد بعد التسبيح، كأنك ~~تقول: لا يتأتى لك الجمع بينهما لفظا، فاجمعهما نية كما تنوي الصلاة يوم ~~النحر مقدرا أنك تنحر بعدها، فيجتمع لك الثواب في تلك الحالة. # الرابع: أن هذه الباء كهي في قولك: فعلت هذه بفضل الله، أي: بحمده، أي: ~~أنه الذي هداك لرشدك لا تجد غيره، كقوله صلى الله عليه وسلم: # " الحمد لله على الحمد ". # الخامس: قال السدي: " بحمد ربك " أي: بأمر ربك. # السادس: أن تكون الباء زائدة، والتقدير: سبح حمد ربك، أي: طهر محامد ربك ~~عن الرياء والسمعة، أو اختر له أطهر المحامد، وأذكاها وأحسنها أو ائت ~~بالتسبيح والتنزيه بدلا عن الحمد. # السابع: فيه إشارة إلى أن التسبيح والحمد لا يتأخر أحدهما عن الآخر، ولا ~~يمكن أن يؤتى بهما معا، ونظيره: من ثبت له حق الشفعة، وحق الرد بالعيب ~~وجب أن يقول: اخترت الشفعة بردي ذلك المبيع، كذا هاهنا، قال: { فسبح ~~بحمد ربك } ليقع معا، فيصير مسبحا حامدا في وقت واحد معا. # [فإن قيل: التوبة مقدمة على جميع الطاعات، ثم الحمد مقدم على التسبيح؛ ~~لأن الحمد على النعم، والنعم سابقة أيضا، والاستغفار سابق، ثم التسبيح؟ ~~فالجواب لعله بدأ بالأشرف تنبيها على أن النزول من الخالق إلى الخلق ~~أشرف من الصعود من الخلق إلى الخالق، أو نبه بذلك على أن التسبيح والحمد ~~الصادرين من العبد، إذا قابلا جلال الحق وعزته استوجبا الاستغفار، ولأن ~~التسبيح والحمد إشارة إلى تعظيم أمر الله، والاستغفار إشارة إلى الشفقة ~~على خلق الله، فالأول كالصلاة، والثاني كالزكاة فكما أن الصلاة مقدمة على ms9319 ~~الزكاة، فكذا هاهنا]. # فإن قيل: قوله تعالى: { كان توابا } بدل من الماضي، وحاجتنا إلى ~~قبوله في المستقبل وأيضا: هلا قال سبحانه: # غفارا # [نوح: 10]، كما قال تعالى في سورة نوح عليه الصلاة والسلام. # وأيضا قال تعالى: { نصر الله } ، وقال: { في دين الله } ~~وقال: { بحمد ربك } ولم يقل: بحمد الله. # فالجواب عن الأول: أن هذا أبلغ كأنه يقول: إني أثنيت على من هو أقبح ~~فعلا منهم كاليهود فإنهم بعد ظهور المعجزات الظاهرة العظيمة، كفلق ~~البحر، ونتق الجبل ونزول المن والسلوى عصوا ربهم، وأتوا بالقبائح، ~~ولما تابوا قبلت توبتهم، فإذا كنت قابلا لتوبة أولئك، وهم دونكم، أفلا ~~أقبل توبتكم، وأنتم خير أمة أخرجت للناس؟ أو لأني شرعت في توبة العصاة، ~~والشروع ملزم أو هو إشارة إلى تخفيف جنايتهم، أي: لستم أول من جنى، ~~والمصيبة إذا عمت خفت؛ أو كما قيل: [المتقارب] # 5339- كما أحسن الله فيما مضى # كذلك يحسن فيما بقي # والجواب عن الثاني: لعله خص هذه الأمة بمزيد الشرف، لأنه لا يقال في ~~صفات العبد: غفار أو يقال: توابا، ويقال إذا كان آتيا بالتوبة، فكأنه ~~تعالى يقول: كنت لي سميا من أول الأمر، أنت مؤمن، وأنا مؤمن، وإن اختلف ~~المعنى فتب حتى صرت سميا في آخر الأمر، فأنت تواب، وأنا تواب، ثم التواب ~~في حق الله تعالى أنه يقبل التوبة كثيرا، فيجب على العبد أن يكون إتيانه ~~بالتوبة كثيرا. # [وأنه إنما قال: توابا، لأن القائل قد يقول: أستغفر الله، وليس بتائب ~~كقول المستغفر بلسانه المصر بقلبه، كالمستهزئ. # فإن قيل قد يقول: أتوب، وليس بتائب. # فلنا: فإذن يكون كاذبا، فإن التوبة اسم للرجوع، أو الندم بخلاف ~~الاستغفار، فإنه لا يكون كاذبا فيه، فيكون تقدير الكلام: وأستغفر الله ~~بالتوبة، وفيه تنبيه على خواتم الأعمال]. # والجواب عن الثالث: أنه راعى العدل، فذكر اسم الذات مرتين، وذكر اسم ~~الفعل مرتين؛ أحدهما: الرب والثاني: التواب، فلما كانت التربية تحصل ~~أولا، والتوبة آخرا، لا جرم ذكر اسم الرب أولا، واسم التوبة أخرا. # فصل في نزول السورة # قال ابن عمر ms9320 - رضي الله عنهما - نزلت هذه السورة ب " منى " في حجة ~~الوداع ثم نزلت: # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا # [المائدة: 3] فعاش صلى الله عليه وسلم بعدها خمسين يوما، ثم نزل: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما ~~عنتم # [التوبة: 128] فعاش بعدها خمسة وثلاثين يوما، ثم نزلت: # واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله # [البقرة: 281] فعاش بعدها صلى الله عليه وسلم أحدا وعشرين يوما. # وقال مقاتل: سبعة أيام. # وقيل غير ذلك. # فصل # قال ابن الخطيب: اتفق الصحابة - رضي الله عنهم - على أن هذه السورة دلت ~~على نعي رسول الله صلى الله عليه وسلم. # فإن قيل: كيف دلت السورة على هذا المعنى؟. # فالجواب من وجوه: # أحدها: قال بعضهم: إنما عرفوا ذلك لما روي أنه صلى الله عليه وسلم خطب ~~عقيب السورة، وذكر التخيير. # وثانيا: أنه لما ذكر حصول النصر، ودخول الناس في دين الله ~~أفواجا، دل ذلك على حصول التمام، والكمال، وذلك يستعقبه الزوال؛ كما ~~قيل: [المتقارب] # 5340- إذا تم شيء بدا نقصه # توقع زوالا، إذا قيل: تم # وثالثها: أنه جل ذكره أمر بالتسبيح، والحمد، والاستغفار مطلقا، ~~واشتغاله صلى الله عليه وسلم بذلك يمنعه من الاشتغال بأمر الأمة، فكان ~~هذا كالتنبيه على أن التبليغ قد تم وكمل، وذلك يوجب الموت، لأنه لو بقي ~~صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، لكان كالمعزول عن الرسالة، وهذا غير جائز. # ورابعها: قوله: " واستغفره " تنبيه على قرب الأجل، كأنه يقول: قرب ~~الأجل ودنا الرحيل فتأهب. ونبه على أن سبيل العاقل إذا قرب أجله يستكثر ~~من التوبة. # وخامسها: كأنه قيل: كان منتهى مطلوبك في الدنيا هذا الذي وجدته، وهو ~~النصر والفتح، والله تعالى وعدك بقوله: # وللأخرة خير لك من الأولى # [الضحى: 4] فلما وجدت أقصى مرادك في الدنيا، فانتقل إلى الآخرة لتفوز ~~بتلك السعادة العالية. # روى الثعلبي عن أبي- رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من قرأ سورة: " النصر " فكأنما شهد مع محمد عليه ~~الصلاة والسلام فتح مكة ". ### | [111 - سورة المسد] ms9321 ### || [111.1-5] # قوله تعالى: { تبت يدآ أبي لهب وتب } ، أي: خسرت. وتقدم ~~تفسير هذه المادة في سورة غافر عند قوله: # إلا في تباب # [غافر: 37]، وأسند الفعل إلى اليدين مجازا؛ لأن أكثر الأفعال تزاول ~~بهما، وإن كان المراد جملة المدعو عليه. # وقوله: { تبت } دعاء، { وتب } إخبار، أي: قد وقع ما دعي به ~~عليه؛ كقول الشاعر: [الطويل] # 5341- جزاني، جزاه الله شر جزائه # جزاء الكلاب العاويات وقد فعل # ويؤيده قراءة عبد الله: " وقد تب " ، والظاهر أن كليهما دعاء، ~~ويكون في هذا شبه من مجيء العام بعد الخاص؛ لأن اليدين بعض، وإن كان ~~حقيقة اليدين غير مراد. # وقيل: كلاهما إخبار، أراد بالأول: هلاك عمله، وبالثاني: هلاك نفسه، ~~وإنما عبر باليدين؛ لأن الأعمال غالبا تزاول بهما. # وقيل: المراد باليدين نفسه وقد يعبر باليد عن النفس، كقوله تعالى: # بما قدمت يداك # [الحج: 10]، أي نفسك، وهذا شائع في كلام العرب يعبرون ببعض الشيء عن ~~كله، يقولون: أصابه يد الدهر، ويد المنايا، والرزايا، أي: أصابه كل ذلك. # قال الشاعر: [مخلع البسيط] # 5342- لما أكبت يد الرزايا # عليه نادى ألا مجير # وقال ابن الخطيب: وعبر باليدين، إما لأنه كان يرمي النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالحجارة، وقيل: المراد دينه، ودنياه وأولاده، وعقباه، أو المراد ~~بأحدهما جر المنفعة، وبالأخرى: دفع المضرة، أو لأن اليمين سلاح، والأخرى ~~جنة. # وقل: بمعنى ماله، وبنيه، " وتب " هو نفسه وقيل: " تب " يعني ولده ~~وعقبه، وهو الذي دعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: # " اللهم سلط عليه كلبا من كلابك " # لشدة عداوته، فافترسه الأسد. # وقرأ العامة: " لهب " بفتح الهاء، وابن كثير: بإسكانها. # فقيل: هما لغتان بمعنى نحو: النهر والنهر، والشعر والشعر، ~~والبعر والبعر، والضجر والضجر. # وقال الزمخشري: " وهو من تغيير الأعلام، كقوله: شمس بن مالك، بالضم " ، ~~يعني أن الأصل: بفتح الشين فغيرت إلى الضم. # ويشير بذلك لقول الشاعر: [الطويل] # 5343- وإني لمهد من ثنائي فعاهد # به لابن عم الصدق شمس بن مالك # وجوز أبو حيان في " شمس " أن يكون منقولا من " شمس " الجمع، كما جاء " ~~أذناب خيل ms9322 شمس " ، فلا يكون من التغيير في شيء. # وكني بذلك أبو لهب: إما لالتهاب وجنتيه، وكان مشرق الوجه، أحمره، وإما ~~لما يئول إليه من لهب جهنم، كقولهم: أبو الخير، وأبو الشر، لصدورهما منه، ~~وإما لأن الكنية أغلب من الاسم، أو لأنها أنقص منه، ولذلك ذكر الأنبياء - ~~عليهم الصلاة والسلام - بأسمائهم جدون كناهم، أو لقبح اسمه؛ لأن اسمه ~~عبد العزى، فعدل عنه إلى الكنية؛ لأن الله لم يضف العبودية في كتابة ~~إلى صنم. # وقيل: اسمه أبو لهب، كما سمي أبو سفيان، وأبو طالب. # وقال الزمخشري: فإن قلت: لم أكناه، والكنية تكرمه؟. # ثم ذكر ثلاثة أجوبة: إما لشهرته بكنيته، وإما لقبح اسمه كما تقدم، وإما ~~لتجانس قوله: " نارا ذات لهب " لأن مآله إلى لهب جهنم. انتهى. # وهذا يقتضي أن الكنية أشرف، وأكمل لا أنقص، وهو عكس القول الذي تقدم ~~آنفا. # وقرئ: " يدا أبو لهب " بالواو مكان الجر. # قال الزمخشري: " كما قيل: علي بن أبو طالب، ومعاوية بن أبو سفيان، ~~لئلا يغير منه شيء، فيشكل على السامع، ولفليتة بن قاسم أمير " مكة " ~~ابنان: أحدهما: " عبد الله " بالجر، والآخر " عبد الله " بالنصب ". # ولم يختلف القراء في قوله: " ذات لهب " أنها بالفتح. والفرق أنها ~~فاصلة، فلو سكنت زال التشاكل. # [قال قتادة: تبت خسرت. # وقال ابن عباس: خابت. # وقال عطاء: ضلت. # وقال ابن جبير: هلكت. وقال يمان بن رئاب: صفرت من كل خير]. # فصل في نزول الآية # حكى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء، أنه لما قتل عثمان بن عفان - رضي ~~الله عنه - سمع الناس هاتفا يقول: [مجزوء الوافر] # 5344- لقد خلوك وانصرفوا # فما آبوا ولا رجعوا # ولم يوفوا بنذرهم # فيا تبا لما صنعوا # فصل في نزول السورة # روى البخاري ومسلم عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: # " لما نزلت: { وأنذر عشيرتك الأقربين } [الشعراء: 214] ~~خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا، فهتف: يا صباحاه ~~فقالوا: من هذا الذي يهتف؟. # قالوا: محمد، فاجتمعوا إليه، فقال: " يا بني فلان يا بني ~~فلان، يا بني عبد مناف، يا بني ms9323 عبد المطلب " ، فاجتمعوا ~~إليه: فقال: " أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح ~~هذا الجبل، أكنتم مصدقي "؟. # قالوا: ما جربنا عليك كذبا، قال: " فإني نذير لكم بين يدي عذاب ~~شديد " ، فقال أبو لهب: تبا لك، أما جمعتنا إلا لهذا؟ ثم قام فنزلت ~~هذه السورة ". # وفي رواية: لما سمعت أمرأته ما نزل في زوجها وفيها من القرآن، أتت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد عند الكعبة، ومعه أبو بكر - ~~رضي الله عنه - وفي يدها فهر من حجارة، فلما وقفت عليه أخذ الله بصرها عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ترى إلا أبا بكر، فقالت: يا أبا بكر، ~~إن صاحبك قد بلغني أنه يهجوني، والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه؛ ~~والله إني لشاعرة: [منهوك الرجز] # 5345- مذمما عصينا # وأمره أبينا # ودينه قلينا # ثم انصرفت، فقال أبو بكر: يا رسول الله, # " أما تراها رأتك؟ قال: " ما رأتني, لقد أخذ الله بصرها ~~عني ". # وكانت قريش تسمي رسول الله صلى الله عليه وسلم مذمما، ثم يسبونه، وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " ألا تعجبون لما صرف الله تعالى عني من أذى كفار قريش يسبون ويهجون ~~مذمما وأنا محمد رسول الله ". # وحكى أبو عبد الرحمن بن زيد: # " أن أبا لهب أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ماذا أعطى إن آمنت بك ~~يا محمد؟ قال: " كما يعطى المسلمون " قال: ما لي عليهم فضل؟. # قال: وأي شيء تبغي؟ قال: تبا لهذا من دين، أن أكون أنا وهؤلاء ~~سواء. فأنزل الله تعالى فيه: { تبت يدآ أبي لهب وتب } ". # وحكى عبد الرحمن بن كيسان قال: كان إذا وفد على النبي صلى الله عليه ~~وسلم وفد، انطلق إليهم أبو لهب، فيسألونه عن رسول الله ويقولون له: أنت ~~أعلم به منا، فيقول لهم أبو لهب: إنه كذاب ساحر، فيرجعون عنه، ولا يلقونه ~~فأتى وفد، ففعل معهم مثل ذلك، فقالوا: لا ننصرف حتى نراه، ونسمع كلامه، ~~فقال لهم أبو لهب: إنا لم نزل نعالجه، فتبا ms9324 له وتعسا، فأخبر بذلك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاكتأب لذلك، فأنزل الله: { تبت يدا ~~أبي لهب }. # وقيل: إن أبا لهب أراد أن يرمي النبي صلى الله عليه وسلم بالحجر، فمنعه ~~الله تعالى من ذلك، فنزلت: { تبت يدآ أبي لهب } للمنع الذي ~~وقع فيه. # فصل في تفسير التب # قال ابن الخطيب: من فسر التب بالهلاك، فلقوله تعالى: # وما كيد فرعون إلا في تباب # [غافر: 37]، أي: في هلاك، ومن فسره بالخسران، فلقوله تعالى: # وما زادوهم غير تتبيب # [هود: 101]، أي: تخسير، ومن فسره بالخيبة، قال ابن عباس - رضي الله عنه ~~-: لأنه كان يدفع القوم عنه صلى الله عليه وسلم بأنه ساحر، فينصرفون عنه ~~قبل لقائه؛ لأنه كان شيخ القبيلة - لعنه الله - فكان لا يأتيهم، فلما ~~نزلت هذه السورة، وسمع بها غضب، وأظهر العداوة الشديدة، وصار متهما، ~~فلما قال في الرسول - عليه الصلاة والسلام - بعد ذلك، فكأنه قد خاب ~~لسعيه، ولعله إنما ذكر التب؛ لأنه إنما كان يضرب بيده على يد الوافد ~~عليه، فيقول: انصرف راشدا فإنه مجنون، فإن المعتاد أن من يصرف إنسانا ~~يضع بيده على كتفه، ويدفعه عن ذلك الموضع. # ومن فسر التب بقوله: ضلت، فلأنه كان يعتقد أن يده العليا، وأنه يخرجه ~~من " مكة " ، ويذله، ومن فسره: ب " صفرت " فلأن يده خلت من كل ~~خير. # فصل في ترجمة أبي لهب # أبو لهب: اسمه عبد العزى بن عبد المطلب عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ~~وامرأته: العوراء أم جميل أخت أبي سفيان بن حرب، وكلاهما كان شديد ~~العداوة للنبي صلى الله عليه وسلم. # قال طارق بن عبد الله المحاربي: إني بسوق ذي المجاز، إذ أنا بإنسان ~~يقول: " يا أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا " ~~وإذا رجل خلفه يرميه، قد أدمى ساقيه وعرقوبيه، ويقول: يا أيها الناس، إنه ~~كذاب ساحر، فلا تصدقوه، فقلت: من هذا؟. # فقالوا: محمد، يزعم أنه نبي، وهو عمه أبو لهب يزعم أنه كذاب. # وروى عطاء عن ابن عباس قال: قال أبو لهب: سحركم محمد، إن ms9325 أحدنا ليأكل ~~الجذعة، ويشرب العس من اللبن، فلا يشبع، وإن محمدا قد أشبعكم من فخذ ~~شاة، وأرواكم من عس لبن. # قوله: { مآ أغنى }. يجوز في " ما " النفي، والاستفهام، فعلى ~~الاستفهام يكون منصوب المحل بما بعدها، التقدير: أي شيء أغنى المال، وقدم ~~لكونه له صدر الكلام. # وقوله: { وما كسب }: يجوز في " ما " هذه أن تكون بمعنى " الذي " ~~، والعائد محذوف، وأن تكون مصدرية، أي: وكسبه، وأن تكون استفهامية: بمعنى ~~وأي شيء كسب؛ أي: لم يكسب شيئا، قاله أبو حيان، فجعل الاستفهام بمعنى ~~النفي، فعل هذا يجوز أن تكون نافية، ويكون المعنى على ما ذكر، وهو غير ~~ظاهر. # وقرأ ابن مسعود والأعمش: " وما اكتسب ". # فصل في معنى الآية # المعنى: ما دفع عنه عذاب الله ما جمع من المال، ولا ما كسب من الجاه. ~~وقال مجاهد: وما كسب من مال، وولد الرجل من كسبه. # وقال أبو الطفيل: جاء بنو أبي لهب يختصمون عند ابن عباس - رضي الله عنه ~~- فاقتتلوا، فقام يحجز بينهم، فدفعه بعضهم فوقع على الفراش، فغضب ابن ~~عباس، وقال: أخرجوا عني الكسب الخبيث، يعني ولد أبي لهب. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه ". # وقال ابن عباس: لما أنذر رسول الله صلى الله عليه وسلم عشيرته بالنار، ~~قال أبو لهب: إن كان ما يقول ابن أخي حقا فإني أفدي نفسي بمالي وولدي، ~~فنزل: { مآ أغنى عنه ماله وما كسب }. # قال الضحاك: ما أغنى عنه ماله ما ينفعه ماله، وعمله الخبيث: يعني كيده، ~~وعداوة رسول الله. # قوله: { سيصلى نارا ذات لهب }. # قرأ العامة: " سيصلى " بفتح الياء، وإسكان الصاد، وتخفيف اللام، أي: ~~يصلى هو بنفسه. # وقرأ أبو حيوة، وابن مقسم، وعياش في اختياره؛ قال القرطبي: والأشهب ~~العقيلي، وأبو سمال العدوي، ومحمد بن السميفع، " سيصلى " بضم الياء، ~~وفتح الصاد، وتشديد اللام، ومعناه سيصليه الله. # وقرأ الحسن، وابن أبي إسحاق، وأبو رجاء، والأعمش، ورواها محبوب عن ~~إسماعيل عن ابن كثير عن أبي - رضي الله عنه -، وحسين عن أبي بكر عن ~~عاصم: ms9326 بضم الياء. # ومعنى ذات لهب أي ذات اشتعال وتلهب، وقد تقدم القول فيه في سورة ~~المرسلات. # قوله: { وامرأته حمالة الحطب }. # قرأ العامة: بالرفع، على أنها جملة من مبتدأ وخبر، سيقت للإخبار بذلك. # قيل: وامرأته، عطف على الضمير في " سيصلى " سوغه الفصل بالمفعول، و " ~~حمالة الحطب " على هذا فيها أوجه: كونها نعتا ل " امرأته " ، وجاز ~~ذلك لأن إضافته حقيقية، إذ المراد المعنى، وكونها: بيانا أو بدلا، ~~لأنها أقرب من الجوامد لتمحض إضافتها، أو كونها خبرا لمبتدأ مضمر أي: هي ~~حمالة. # وقرأ ابن عباس - رضي الله عنهما -: ومريئته حمالة الحطب. # وعنه أيضا: " ومريته " على التصغير، إلا أنه أقر الهمزة تارة، وأبدلها ~~ياء، وأدغم فيها أخرى. # وقرأ العامة: " حمالة " بالرفع، وعاصم: بالنصب على الشتم. وقد أتى ~~بجميل من سب أم جميل. # قال الزمخشري: وكانت تكنى أم جميل، لعنها الله. # وقيل: نصب على الحال من " امرأته " إذا جعلناها مرفوعة بالعطف على ~~الضمير. # ويضعف جعلها حالا عند الجمهور من الضمير في الجار بعدها إذا جعلناها ل ~~" امرأته " لتقدمها على العامل المعنوي، واستشكل بعضهم الحالية - لما ~~تقدم - من أن المراد به المعنى، فتتعرف بالإضافة، فكيف يكون حالا عند ~~الجمهور؟. # ثم أجاب بأن المراد الاستقبال؛ لأنه ورد أنها تحمل يوم القيامة حزمة من ~~حطب النار، كما كانت تحمل الحطب في الدنيا. # وفي قوله تعالى: { حمالة الحطب } قولان: # أحدهما: هو حقيقة. # قال قتادة: كانت تعير النبي صلى الله عليه وسلم بالفقر، ثم كانت مع كثرة ~~مالها تحمل الحطب على ظهرها لشدة بخلها، فعيرت بالبخل. # وقال ابن زيد والضحاك: كانت تحمل العضاه، والشوك، فتطرحه بالليل ~~على طريق النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فكان صلى الله عليه وسلم ~~يطؤه كما يطأ الحرير. # وقال مرة الهمذاني: كانت أم جميل - لعنها الله - تأتي كل يوم بإبالة ~~من الحسك فتطرحها على طريق المسلمين، فبينما هي حاملة ذات يوم حزمة أعيت ~~فقعدت على حجر لتستريح، فجذبها الملك من خلفها فأهلكها. # القول الثاني: أنه مجاز عن المشي بالنميمة، ورمي الفتن بين الناس؛ قال: ~~[الرجز] ms9327 # 5346- إن بني الأدرم حمالو الحطب # هم الوشاة في الرضا وفي الغضب # عليهم اللعنة تترى والحرب # وقال آخر: [الطويل] # 5347- من البيض لم تصطد على ظهر لأمة # لم تمش بين الحي بالحطب الرطب # وجعله رطبا تنبيها على تدخينه، وهو غريب من ترشيح المجاز، يعني لم تمش ~~بالنمام. # وقال سعيد بن جبير: حمالة الخطايا، والذنوب، من قولهم: فلان يحتطب ~~ظهره. # قال تعالى: # يحملون أوزارهم على ظهورهم # [الأنعام: 31]. # وقرأ أبو قلابة: " حاملة الحطب " على وزن " فاعلة " ، وهي محتملة لقراءة ~~العامة، وقرأ عياض: " حمالة للحطب " بالتنوين وجر المفعول بلام زائدة ~~تقوية للعامل كقوله تعالى: # فعال لما يريد # [البروج: 16]، وأبو عمرو في رواية: " وامرأته " باختلاس الهاء دون ~~إشباع. # قوله: { في جيدها حبل من مسد } يجوز أن يكون " في جيدها " ~~خبرا ل " امرأته " ، و " حبل " فاعلا به وأن يكون حالا من امرأته على ~~كونها فاعلة، و " حبل " مرفوع به أيضا، وأن يكون خبرا مقدما و " ~~حبل " مبتدأ مؤخر، والجملة حالية أو خبر ثان. # والجيد: العنق. # قال امرؤ القيس: [الطويل] # 5348- وجيد كجيد الرئم ليس بفاحش # إذا هي نصته ولا بمعطل # و " من مسد " صفة ل " حبل " ، والمسد: ليف المقل. # وقيل: الليف مطلقا. # قال النابغة: [البسيط] # 5349- مقذوفة بدخيس النحض بازلها # له صريف صريف القعو بالمسد # وقد يكون من جلود الإبل وأوبارها؛ قال الشاعر: [الرجز] # 5350- ومسد أمر من أيانق # ليس بأنياب ولا حقائق # وجمع المسد: أمساد. # وقال أبو عبيدة: هو حبل يكون من صوف. # وقال الحسن: هي حبال من شجر ينبت ب " اليمن " يسمى المسد وكانت تفتل. # فصل # قال الضحاك وغيره: هذا في الدنيا، وكانت تعير النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالفقر، وهي تحتطب في حبل تجعله في عنقها من ليف، فخنقها الله - عز ~~وجل - به فأهلكها، وهو في الآخرة حبل من نار يلف على عنقها. # وعن ابن عباس: حبل من مسد قال: سلسلة ذرعها سبعون ذراعا، وهو قول مجاهد ~~وعروة بن الزبير، يدخل في فيها، ويخرج من أسفلها، ويلوى سائرها على ~~عنقها، وقال قتادة: " حبل من مسد " حبل من ms9328 ودع. # وقال الحسن: إنما كان حرزا في عنقها. # وقال سعيد بن المسيب: كانت قلادة واحدة من جوهر، فقالت: واللات والعزى ~~لأنفقها في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم، ويكون عذابا في جيدها يوم ~~القيامة. # وقيل: إن ذلك إشارة إلى الخذلان يعني أنها مربوطة عن الإيمان بما سبق ~~لها من الشقاء كالمربوط في جيدها بحبل من مسد. # والمسد: الفتل، يقال: مسد حبله يمسده مسدا، أي: أجاد فتله. # قال: [الرجز] # 5351 يمسد أعلى لحمه ويأرمه # يقول: إن البقل يقوي ظهر هذا الحمار. # وقال ابن الخطيب: وقيل: المسد يكون من الحديد، وظن من ظن أن المسد ~~لا يكون من الحديد خطأ، لأن المسد هو المفتول سواء كان من الحديد، أو من ~~غيره، ورجل ممسود، أي: مجدول الخلق وجارية حسنة المسد، والعصب، والجدل، ~~والأرم، وهي ممسودة، ومعصوبة، ومجدولة، ومأرومة؛ والمساد: على " فعال ~~": لغة في المساب، وهي نحي السمن، وسقاء العسل، قال كل ذلك الجوهري. # [فإن قيل: إن كان هذا الحبل كيف يبقى أبدا في النار؟. # قلنا: كما يبقى الجلد واللحم والعظم أبدا في النار]. # فصل في الإخبار عن الغيب # تضمنت هذه الأيات الإخبار عن الغيب من ثلاثة أوجه: # أولها: الأخبار عنه بالتباب، والخسار، وقد كان ذلك. # وثانيها: الإخبار عنه بعدم الانتفاع بماله وولده، وقد كان ذلك. # وثالثها: الإخبار بأنه من أهل النار، وقد كان ذلك، لأنه مات على ~~الكفر، هو وامرأته، ففي ذلك معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم فامرأته ~~خنقها الله - تعالى - بحبلها، لعنها الله تعالى، وأبو لهب رماه الله ~~بالعدسة، بعد وقعة بدر بسبع ليال، فمات، وأقام ثلاثة أيام، ولم يدفن حتى ~~أنتن، ثم إن ولده غسلوه بالماء قذفا من بعيد مخافة عدوى العدسة، وكانت ~~قريش تتقيها كما يتقى الطاعون، ثم احتملوه إلى أعلى " مكة " ، وأسندوه ~~إلى جدار، ثم صموا عليه الحجارة. # فصل في جواز تكليف ما لا يطاق # احتج أهل السنة على جواز تكليف ما لا يطاق بأنه تعالى كلف أبا لهب ~~بالإيمان مع تصديق الله تعالى في كل ما أخبر ms9329 عنه، ومما أخبر عنه أنه لا ~~يؤمن وأنه من أهل النار، فقد صار مكلفا بأن يؤمن بأنه لا يؤمن، وهذا ~~تكليف بالجمع بين النقيضين، وهو محال وذلك مذكور في أصول الفقه. # ذكر الثعلبي عن أبي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من قرأ سورة { تبت } رجوت أن لا يجمع الله ~~تعالى بينه وبين أبي لهب في دار واحدة ". ### | [112 - سورة الإخلاص] ### || [112.1-4] # قوله تعالى: { قل هو الله أحد }. في " هو " وجهان: # أحدهما: أنه ضمير عائد على ما يفهم من السياق، فإنه يروى في سبب النزول ~~أنهم قالوا: صف لنا ربك وانسبه. # وقيل: قالوا له: أنحاس هو أم حديد؟ فنزلت. # وحينئذ يجوز أن يكون " الله " مبتدأ، و " أحد " خبره، والجملة خبر ~~الأول، ويجوز أن يكون " الله " بدلا، و " أحد " الخبر، ويجوز أن يكون " ~~الله " خبرا أولا، و " أحد " خبرا ثانيا، ويجوز أن يكون " أحد " ~~خبرا لمبتدأ محذوف، أي " هو أحد " ، والثاني: ضمير الشأن؛ لأنه موضع ~~تعظيم، والجملة بعد خبره مفسرة. # وهمزة " أحد " بدل من واو؛ لأنه من الوحدة، وإبدال الهمزة من الواو ~~المفتوحة قليل، منه: امرأة أناة من الونى، وهو الفتور، وتقدم الفرق بين ~~" أحد " هذا، و " أحد " المراد به العموم، فإن همزة ذاك أصل بنفسها. # ونقل أبو البقاء: أن همزة " أحد " هذا غير مقلوبة، بل أصلها بنفسها، ~~فالمراد به العموم. والأول هو المعروف. # وفرق ثعلب بين " أحد " و " واحد " بأن الواحد يدخله العدد والجمع ~~والاثنان و " أحد " لا يدخله ذلك، ويقال: الله أحد، ولا يقال: زيد أحد؛ ~~لأن الله تعالى هذه الخصوصية، وزيد له حالات شتى. ورد عليه أبو حيان ~~بأنه يقال: أحد وعشرون، ونحوه، فقد دخله العدد انتهى. # وقال مكي: إن أصله: " واحد " فأبدلت الواو همزة، فاجتمع ألفان؛ لأن ~~الهمزة تشبه الألف، فحذفت إحداهما تخفيفا. # وقرأ عبد الله وأبي: { الله أحد } دون " قل ". # وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم: { الله أحد } بغير { قل هو }. # وقرأ الأعمش: " قل هو الله الواحد ". # وقرأ العامة: بتنوين " أحد ms9330 " وهو الأصل. # وزيد بن علي وأبان بن عثمان، وابن أبي إسحاق والحسن، وأبو السمال، وأبو ~~عمرو في رواية، في عدد كثير: بحذف التنوين للخفة، ولالتقاء الساكنين، ~~كقوله: [الكامل] # 5352- عمرو الذي هشم الثريد لقومه # ورجال مكة مسنتون عجاف # وقوله: [المتقارب] # 5353- ................................ # ولا ذاكر الله إلا قليلا # فصل # والصمد: الذي يصمد إليه في الحاجات، ولا يقدر على قضائها إلا هو. # قال: [الطويل] # 5354- ألا بكر الناعي بخير بني أسد # بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد # وقال آخر: [البسيط] # 5355- علوته بحسام ثم قلت له # خذها حذيف فأنت السيد الصمد # وقيل: الصمد: المصمت الذي لا جوف له. # ومنه قوله: [الطويل] # 5356- شهاب حروب لا تزال جياده # عوابس يعلكن الشكيم المصمدا # وقال أبي بن كعب رضي الله عنه: تفسيره، من قوله تعالى: { لم يلد ~~ولم يولد } وهذا يشبه ما قالوه من تفسير الهلوع، والأحسن في هذه ~~الجملة أن تكون مستقلة بفائدة هذا الخبر، ويجوز أن يكون " الصمد " ~~صفة، والخبر في الجملة بعده، كذا قيل، وهو ضعيف من حيث السياق، فإن ~~السياق يقتضي الاستقلال بأخبار عن كل جملة. # قال القرطبي: [ " لأنه ليس شيء إلا سيموت]، وليس شيء يموت إلا يورث ". # قيل: الصمد: الدائم الباقي الذي لم يزل، ولا يزال. # وقال أبو هريرة: إنه المستغني عن كل أحد, والمحتاج إليه كل أحد. # وقال السدي: إنه المقصود في الرغائب، والمستعان به في المصائب. # [وقال الحسن بن الفضل: إنه الذي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. # وقال مقاتل: إنه الكامل الذي لا عيب فيه]. # قال القرطبي: والصحيح من هذه الأقوال ما شهد له الاشتقاق وهو القول ~~الأول، ذكره الخطابي. # فصل في لفظ أحد # قال ابن الخطيب: ونكر لفظ أحد، لأن الذي يعرفه الخلق من الموجودات ~~محسوس، وكل محسوس منقسم، فأما ما لا ينقسم فلا يعرف، وعرف الصمد؛ لأنه ~~الذي يقصد إليه في الحوائج، وذلك معلوم عند الخلق، وقدم { لم يلد } ~~وإن كان العرف سبق؛ لأنه الأهم، وقوله تعالى: { ولم يولد } كالحجة ~~على أنه لم يلد، وجاء هنا { لم يلد } ، وفي سورة " الإسراء ": # لم ms9331 يتخذ ولدا # [الإسراء: 111]، لأن من النصارى من يقول: عيسى ولد الله حقيقة، ومنهم ~~من يقول: إن الله اتخذه ولدا تشريفا، فنفى الأمرين. # فصل في الرد على من أسقط " قل هو " # قال القرطبي: وقد أسقط من هذه السورة من أبعده الله وأخزاه، وجعل النار ~~مقامه ومثواه، وقرأ " الله الواحد الصمد " والناس يستمعون، فأسقط " قل هو ~~" وزعم أنه ليس من القرآن، وغير لفظ " أحد " ، وادعى أن هذا الصواب، ~~والذي عليه الناس هو الباطل، فأبطل معنى الآية، لأن أهل التفسير قالوا: ~~نزلت الآية جوابا لأهل الشرك، لما قالوا لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: صف لنا ربك أمن ذهب هو أم من نحاس أم من [صفر]؟. # فقال الله تعالى ردا عليهم: { قل هو الله أحد } ، ففي " هو ~~" دلالة على موضع الرد، ومكان الجواب، فإذا سقط بطل معنى الآية، وصح ~~الافتراء على الله - عز وجل - والتكذيب لرسوله صلى الله عليه وسلم. # وروى الترمذي عن أبي بن كعب: أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " انسب لنا ربك " فأنزل الله تعالى: { قل هو الله ~~أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد } ، والصمد: الذي ~~لم يلد، ولم يولد؛ لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا ~~سيورث، وإن الله تعالى لا يموت، ولا يورث. # وروى أبو العالية: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر آلهتهم، فقالوا: ~~انسب لنا ربك، قال: فأتاه جبريل بهذه السورة: { قل هو الله أحد ~~}. # قال الترمذي: وهذا أصح. # قال القرطبي: " ففي هذا الحديث إثبات لفظ، " قل هو الله أحد " ، وعن ~~عكرمة نحوه ". # وقال ابن عباس: " لم يلد " كما ولدت مريم، و " لم يولد " كما ولد ~~عيسى، وعزير، وهو رد على النصارى، وعلى من قال: عزير ابن الله، { ولم ~~يكن له كفوا أحد } فقدم خبر كان على اسمها، لينساق أواخر ~~الآي على نظم واحد. # فصل في الكلام على الآية # قال ابن الخطيب: دل العقل على استحالة كونه تعالى ولدا ووالدا، ~~والأحدية والصمدية يوجبان نفي كونه تعالى والدا، أو مولودا، ms9332 ~~وذكر بعدهما كما ذكر النتيجة بعد الدليل. # قوله: { ولم يكن له كفوا أحد }. في نصب " كفوا " ~~وجهان: # أحدهما: أنه خبر " يكون " و " أحد " اسمها و " له " متعلق بالخبر, ~~أي: ولم يكن كفوا له كما تقدم وقد رد المبرد على سيبويه بهذه الآية من ~~حيث إنه يزعم أنه إذا تقدم الظرف كان هو الخبر, وهنا لم يجعله خبرا مع ~~تقدمه. # وقد رد على المبرد بوجهين: # أحدهما: أن سيبويه لم يحتم ذلك بل جوزه. # والثاني: أنا لا نسلم أن الظرف هنا ليس بخبر، بل هو خبر، ونصب " ~~كفوا " على الحال، على ما سيأتي بيانه. # وقال الزمخشري: الكلام العربي الفصيح، أن يؤخر الظرف الذي هو لغو غير ~~مستقر ولا يقدم، وقد نص سيبويه في كتابه على ذلك، فما باله مقدما في ~~أفصح كلام وأعربه؟ # قلت: هذا الكلام إنما سيق لنفي المكافأة عن ذات الباري سبحانه، وهذا ~~المعنى مصبه ومركزه هو هذا الظرف، فكان لذلك أهم شيء وأعناه، وأحقه ~~بالتقديم وأحراه. # والثاني: أن ينصب على الحال من " أحد "؛ لأنه كان صفة، فلما تقدم عليه ~~نصب حالا و " له " هو الخبر. قاله مكي، وأبو البقاء، وغيرهما. # ويجوز أن يكون حالا من الضمير المستكن في الجار لوقوعه خبرا. # قال أبو حيان بعد أن حكى كلام الزمخشري ومكي: وهذه الجملة ليست من هذا ~~الباب، وذلك أن قوله: { ولم يكن له كفوا أحد } ليس الجار ~~والمجرور فيه تاما، إنما هو ناقص، لا يصلح أن يكون خبرا ل " كان " بل ~~متعلق ب " كفوا " ، وتقدم على " كفوا " للاهتمام به, إذ فيه ضمير ~~الباري تعالى, وتوسط الخبر وإن كان الأصل التأخير؛ لآن تأخير الاسم هو ~~فاصلة، فحسن ذلك، وعلى هذا الذي قررناه يبطل إعراب مكي وغيره، أن " له " ~~والخبر، و " كفوا " حال من " أحد " لأنه ظرف ناقص، ولا يصلح أن يكون ~~خبرا، وبذلك يبطل سؤال الزمخشري وجوابه، وسيبويه إنما تكلم في الظرف ~~الذي يصلح أن يكون خبرا، ويصلح أن يكون غير خبر. # قال سيبويه: وتقول: ما كان فيها أحد خير منك، ms9333 وما كان أحد مثلك فيها، ~~وليس أحد فيها خير منك، إذا جعلت " فيها " مستقرا, ولم تجعله على قولك: ~~فيها زيد قائم، ثم أجريت الصفة على الاسم, فإن جعلته على قولك: فيها زيد ~~قائم, نصبت، تقول: ما كان فيها أحد خيرا منك، وما كان أحد خيرا منك ~~فيها، إلا أنك إذا أردت الإلغاء، فكلما أخرت الذي تلغيه كان أحسن، وإذا ~~أردت أن يكون مستقرا، تكتفي به، فكلما قدمته كان أحسن، والتقديم ~~والتأخير والإلغاء والاستقرار عربي جيد كثير، قال تعالى: { ولم يكن ~~له كفوا أحد }. # وقال الشاعر: [الرجز] # 5357- ما دام فيهن فصيل حيا # انتهى كلام سيبويه. # قال أبو حيان: فأنت ترى كلامه، وتمثيله بالظرف الذي لا يصلح أن يكون ~~خبرا، ومعنى قوله: " مستقرا " أي: خبرا للمبتدأ، ول " كان ". # فإن قلت: قد مثل بالآية الكريمة. # قلت: هذا الذي أوقع مكيا والزمخشري وغيرهما فيما وقعوا فيه، وإنما أراد ~~سيبويه أن الظرف التام، وهو في قوله: [الرجز] # 5358- ما دام فيهن فصيل حيا # أجري فضلة، لا خبرا، كما أن " له " في الآية أجري فضلة، فجعل الظرف ~~القابل أن يكون خبرا كالظرف الناقص في كونه لم يستعمل خبرا، ولا يشك من ~~له ذهن صحيح أنه لا ينعقد كلام من قوله: " ولم يكن له أحد " بل لو تأخر " ~~كفوا " وارتفع على الصفة وجعل " له " خبرا لم ينعقد منه كلام، بل ~~أنت ترى أن النفي لم يتسلط إلا على الخبر الذي هو " كفوا " و " له " ~~متعلق به، والمعنى: لم يكن أحد مكافئه انتهى ما قاله ابن حيان. # قال شهاب الدين: قوله: " ولا يشك " إلى آخره، تهويل على الناظر، وإلا ~~فقوله: " هذا الظرف ناقص " ممنوع، لأن الظرف الناقص عبارة عما لم يكن في ~~الإخبار به فائدة كالمقطوع عن الإضافة ونحوه، وقد نقل سيبويه الأمثلة ~~المتقدمة، نحو: " ما كان فيها أحد خيرا منك " وما الفرق بين هذا، وبين ~~الآية الكريمة، وكيف يقول هذا، وقد قال سيبويه في آخر كلامه: " والتقديم ~~والتأخير، والإلغاء، والاستقرار عربي جيد كثير ". # فصل # قرأ العامة: " كفوا " بضم ms9334 الكاف والفاء، وقد سهل الهمزة الأعرج ونافع ~~في رواية، وسكن الفاء حمزة وأبدل الهمزة واوا وقفا خاصة، وأبدلها حفص ~~واوا مطلقا، والباقون بالهمزة مطلقا. # قال القرطبي: وتقدم في البقرة أن كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم، ~~فإنه يجوز في عينه الضم والإسكان إلا قوله تعالى " أتتخذنا هزوا ". # وقرأ سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنهم " كفاء " بالكسر ~~والمد أي لا مثل له، وأنشد للنابغة: [البسيط] # 5359- لا تقذفني بركن لا كفاء له # ....................................... # وقرأ نافع في رواية: كفا بالكسر وفتح الفاء من غير مد كأنه نقل حركة ~~الهمزة وحذفها. # والكفو النظير كقوله: هذا كفؤ لك: أي نظيرك، والاسم الكفاءة بالفتح. # قال ابن الخطيب: والتحقيق أنه تعالى لما أثبت الأحدية، والصمدية، ~~ونفى الوالدية، والمولودية ختم السورة بأن شيئا من الموجودات يمتنع أن ~~يساويه في شيء من صفات الجلال، والعظمة لانفراده سبحانه، وتعالى بوجوب ~~الوجود لذاته. # فصل # روى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يقول الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، ~~وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه فقوله: لن يعيدني ~~كما بدأني، وليس بأول الخلق وليس بأهون علي من ~~إعادته، وأما شتمه إياي، فقوله: اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد ~~الصمد، لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد ". # فصل في فضائل هذه السورة # روى البخاري عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - # " أن رجلا سمع رجلا يقرأ: { قل هو الله أحد } يرددها، فلما ~~أصبح جاء النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " والذي نفسي بيده، إنها لتعدل ثلث القرآن " " # لأن القرآن أنزل ثلاثا؛ ثلثا: أحكام. وثلثا: وعد ووعيد. وثلثا: ~~أسماء وصفات، وجمعت هذه السورة أحد الأثلاث، وهو الأسماء والصفات. # وروى مسلم عن عائشة - رضي الله عنها - # " أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلا على سرية فكان يقرأ لأصحابه في ~~صلاتهم، فيختم ب { قل هو الله أحد } ، فلما رجعوا ms9335 ذكروا ذلك ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " سلوه لأي شيء يصنع ذلك ~~"؟ فسألوه: فقال: لأنها صفة الرحمن، فأنا أحب أن أقرأ بها، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم " أخبروه أن الله تعالى يحبه " ". # وروى الترمذي عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول: { قل هو الله ~~أحد } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وجبت " ، قلت: وما ~~وجبت؟ قال: " الجنة " ". # وروى أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من قرأ: { قل هو الله أحد } خمسين مرة غفرت ~~ذنوبه ". # وروى سعيد بن المسيب - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " " من قرأ: { قل هو الله أحد } أحد عشرة مرة بنى ~~الله له قصرا في الجنة، ومن قرأها عشرين مرة بنى الله ~~له قصرين في الجنة، ومن قرأها ثلاثين مرة، بنى له بها ~~ثلاثة قصور في الجنة " فقال عمر بن الخطاب: والله يا رسول الله ~~إذا لنكثرن قصورنا، فقال - عليه الصلاة والسلام -: " الله ~~أوسع من ذلك " ". # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ: { قل هو الله أحد } في مرضه الذي يموت ~~فيه لم يفتن في قبره، وأمن من ضغطه القبر، وحملته ~~الملائكة يوم القيامة بأكفها، حتى يجيز الصراط إلى ~~الجنة ". # فصل في أسماء هذه السورة # في أسمائها: قال ابن الخطيب: سورة التفريد، وسورة التجريد، وسورة ~~التوحيد، وسورة الإخلاص، وسورة النجاة، وسورة الولاية، وسورة النسبة، ~~لقولهم: انسب لنا ربك، وسورة المعرفة، وسورة الجمال، وسورة البراءة؛ ~~لأنها تبرئ من النفاق، وسورة الأساس، وسورة المحضر؛ لأن الملائكة تحضر ~~لسماعها، وسورة المانعة، والمنفرة، لأنها تنفر الشيطان، وسورة النور، ~~لأنها تنور القلب، والله نور السموات والأرض. والله أعلم. ### | [113 - سورة الفلق] ### || [113.1-5] # قوله تعالى: { قل أعوذ برب الفلق }. هذه السورة، وسورة " ~~الناس " ، و " الإخلاص " نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ~~سحرته اليهود، وزعم ابن مسعود أنهما دعاء، وليستا من القرآن، وخالف به ~~الإجماع ms9336 من الصحابة، وأهل البيت. # قال ابن قتيبة: لم يكتب عبد الله بن مسعود في مصحفه المعوذتين؛ لأنه ~~كان يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين بهما، فقدر ~~أنهما بمنزلة: " أعوذ بكلمات الله التامات من كل شيطان ~~وهامة، ومن كل عين لامة ". # قال ابن الأنباري: وهذا مردود على ابن قتيبة؛ لأن المعوذتين من كلام ~~رب العالمين؛ المعجز لجميع المخلوقين، و " أعيذكما بكلمات الله ~~التامة " من قول البشر، وكلام الخالق الذي هو آية، وحجة لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم على جميع الكافرين، لا يلتبس بكلام الأدميين على مثل عبد ~~الله بن مسعود، الفصيح اللسان، العالم باللغة العارف بأجناس الكلام. # وقال بعض الناس: لم يكتب عبد الله المعوذتين؛ لأنه من أمن عليهما من ~~النسيان، فأسقطهما وهو يحفظهما كما أسقط فاتحة الكتاب من مصحفه، وما يشك ~~في إتقانه، وحفظه لهما، ورد هذا القول على قائله، واحتج عليه بأنه قد ~~كتب: # إذا جآء نصر الله والفتح # [النصر: 1] و # إنآ أعطيناك الكوثر # [الكوثر: 1] و # قل هو الله أحد # [الاخلاص: 1] وهن يجرين مجرى المعوذتين في أنهن غير طوال، والحفظ إليهن ~~أسرع، والنسيان مأمون، وكلهن يخالف فاتحة الكتاب؛ إذ الصلاة لا تتم إلا ~~بقراءتها، وسبيل كل ركعة أن تكون المقدمة فيها قبل ما يقرأ من بعدها، ~~فإسقاط فاتحة الكتاب من المصحف على معنى الثقة ببقاء حفظها، والأمن من ~~نسيانها، صحيح، وليس من السور في هذا المعنى مجراها، ولا يسلك به طريقها. # فصل في تفسير السورة # تقدم الكلام على الاستعاذة، و " الفلق ": هو الصبح، وهو فعل بمعنى ~~مفعول، أي: مفلوق، وفي الحديث: # " الرؤيا مثل فلق الصبح ". # قال الشاعر: [البسيط] # 5360- يا ليلة لم أنمها بت مرتفقا # أرعى النجوم إلى أن نور الفلق # وقال ذو الرمة يصف الثور الوحشي: [البسيط] # 5361- حتى إذا ما انجلى عن وجهه فلق # هاديه في أخريات الليل منتصب # يعني بالفلق هنا: الصبح بعينه. # وقيل: الفلق: الجبال، والصخور، تنفلق بالمياه، أي: تتشقق وقيل: هو ~~التفليق بين الجبال، لأنها تنشق من خوف الله تعالى. # قال زهير: ms9337 [البسيط] # 5362- ما زلت أرمقهم حتى إذا هبطت # أيدي الركاب بهم من راكس فلقا # والراكس: بطن الوادي. # وكذلك هو في قول النابغة: [الطويل] # 5363-.................................... # أتاني ودوني راكس فالضواجع # والراكس أيضا: الهادي، وهو الثور وسط البيدر تدور عليه الثيران في ~~الدياسة. # وقيل: الرحم تنفلق بالحيوان. # وقيل: إنه كل ما انفلق عن جميع ما خلق من الحيوان، والصبح، والحب، ~~والنوى وكل شيء من نبات وغيره. قاله الحسن وغيره. # قال الضحاك: الفلق: الخلق كله، قال: [الرجز] # 5364- وسوس يدعو مخلصا رب الفلق # سرا وقد أون تأوين العقق # قال القرطبي: " وهذا القول يشهد له الاشتقاق، فإن الفلق: الشق، ~~يقال: فلقت الشيء فلقا، أي: شققته، والتفليق مثله، يقال: فلقته فانفلق ~~وتفلق، فكل ما انفلق عن شيء من حيوان وصبح وحب ونوى وماء فهو فلق: قال ~~تعالى: # فالق الإصباح # [الأنعام: 96] وقال - عز وجل -: # فالق الحب والنوى # [الأنعام:95]. # [والفلق مقطرة السمان، فأما الفلق بالكسر فهو الداهية، والأمر العجيب ~~يقال منه: أفلق الرجل وافتلق، وشاعر مفلق، وقد جاء بالفلق؛ قال الشاعر: ~~[الرجز] # 5365- واعجبا لهذه الفليقه # هل يذهبن القوباء الريقه # والفلق أيضا: القضيب يشق باثنين، فيعمل منه قوسان، يقال لكل منهما: ~~فلق، وقولهم: جاء بعلق فلق وهي الداهية، يقال منه أعلقت وأفلقت. أي ~~جئت بعلق فلق، ومر يفتلق في عدوه أي بالعجب من شدته]. # قوله: { من شر ما خلق } ، متعلق ب " أعوذ " ، والعامة: على ~~إضافة " شر " إلى " ما " ، وقرأ عمرو بن فايد: " من شر " بالتنوين. # وقال ابن عطية: وقرأ عمرو بن عبيد وبعض المعتزلة الذين يرون أن الله لم ~~يخلق الشر: " من شر " بالتنوين، " ما خلق " على النفي وهي قراءة ~~مردودة مبنية على مذهب باطل انتهى. # ولا يتعين أن تكون " ما " نافية، بل يجوز أن تكون موصولة بدلا من " ~~شر " على حذف مضاف، أي: من شر شر ما خلق، عمم أولا، ثم خصص ثانيا. # وقال أبو البقاء: و " ما " على هذا بدل من " شر " ، أو زائدة، ولا يجوز ~~أن تكون نافية؛ لأن النافية، لا يتقدم عليها ما في حيزها، فلذلك لم يجز ms9338 ~~أن يكون التقدير: ما خلق من شر، ثم هو فاسد في المعنى. وهو رد حسن صناعي، ~~ولا يقال: إن " من شر " متعلق ب " أعوذ " وقد أنحى مكي على هذا ~~القائل، ورده بما يقدم. # و " ما " مصدرية، أو بمعنى " الذي ". # فصل في المقصود بشر ما خلق # روى عطاء عن ابن عباس: يريد إبليس خاصة؛ لأن الله تعالى لم يخلق أشر ~~منه، وأن السورة إنما نزلت في الاستعاذة من السحر، وذلك إنما يتم ~~بإبليس وجنوده، لعنهم الله، وقيل: جهنم وما خلق فيها. # وقيل: عام؛ أي من شر كل ما خلقه الله وقيل: ما خلق الله من الأمراض، ~~والأسقام [والقحط] وأنواع المحن. # وقال الجبائي والقاضي: هذا التقييد باطل؛ لأن فعل الله - تعالى - لا ~~يجوز أن يوصف بأنه شر؛ لأن الذي أمر بالتعوذ منه هو الذي أمر به، وذلك ~~متناقض؛ لأن أفعاله - تعالى - كلها حكمة وصواب، فلا يجوز أن يقال: شر. # وأيضا: فلأن فعل الله لو كان شرا؛ لوصف فاعله بأنه شر، وتعالى الله ~~عن ذلك. # والجواب عن الأول: أنه لا امتناع في قوله: أعوذ بك منك، كما رد عن ~~الثاني أن الإنسان لم تألم وصف بالألم كقوله تعالى: # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40]، وقوله تعالى: # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما ~~اعتدى عليكم # [البقرة: 194]. # وعن الثالث: أن أسماء الله توقيفية لا اصطلاحية، ومما يدل على جواز ~~تسمية الأمراض والأسقام بأنها شرور قوله تعالى: # إذا مسه الشر جزوعا # [المعارج: 20]. # قوله: { ومن شر غاسق إذا وقب } ، " إذا " منصوب ب " أعوذ ~~" أي: أعوذ بالله من هذا في وقت كذا، كذا. # والغسق: هو أول ظلمة الليل، يقال منه: غسق الليل يغسق، أي: يظلم. # قال ابن قيس الرقيات: [المديد] # 5366- إن هذا الليل قد غسقا # واشتكيت الهم والأرقا # وهذا قول ابن عباس والضحاك وقتادة والسدي وغيرهم، ووقب على هذا: أظلم. # وقيل: نزل، قال: وقب العذاب على الكافرين: نزل. # 5367- وقب العذاب عليهم فكأنهم # لحقتهم نار السموم فأحصدوا # وقال الزجاج: قيل لليل غاسق، لأنه أبرد من النهار، والغاسق: البارد، ~~والغسق: ms9339 البرد؛ ولأن في الليل تخرج السباع من آجامها والهوام من ~~أماكنها، وينبعث أهل الشر على العبث، والفساد، فاستعير من الليل. # قال الشاعر: [البسيط] # 5368- يا طيف هند لقد أبقيت لي أرقا # إذ جئتنا طارقا والليل قد غسقا # أي: أظلم واعتكر، وقيل: الغاسق: الثريا، لأنها إذا سقطت كثرت ~~الأسقام والطواعين، وإذا طلعت ارتفع ذلك. قاله عبد الرحمن بن زيد. # وقال القتبي: القمر إذا وقب إذا دخل في ساهورة كالغلاف إذا خسف وكل شيء ~~أسود فهو غسق. # وقال قتادة: " إذا وقب " إذا غاب. # قال القرطبي: وهو أصح، لماروى الترمذي عن عائشة - رضي الله عنها - # " أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى القمر، فقال: " يا عائشة، ~~استعيذي بالله من شر هذا، فإن هذا هو الغاسق إذا وقب " " # ، قال: هذا حديث حسن صحيح. # [وقيل: الغاسق: الحية إذا لدغت، وكأن الغاسق نابها لأن السم يغسق منه ~~أي: يسيل، يقال: غسقت العين تغسق غسقا، إذا سالت بالماء، وسمي الليل ~~غاسقا، لانصباب ظلامه على الأرض، ووقب نابها إذا قامت باللدغ]. # وقيل: الغاسق: كل هاجم يضر، كائنا ما كان، من قولهم: غسقت القرحة، إذا ~~جرى صديدها. # قال ابن الخطيب: وعندي فيه وجه آخر، لو أنه صح، أن [القمر في جرمه غير ~~مستنير، بل هو مظلم، فهذا هو المراد من كوته غاسقا، وأما وقوبه فهو ~~انمحاء نوره في آخر] الشهر والمنجمون يقولون: إنه في آخر الشهر منحوس، ~~قليل القوة؛ لأنه لا يزال نوره بسبب ذلك تزداد نحوسته، فإن السحرة إنما ~~يشتغلون في السحر الموروث، للتمريض في هذا الوقت، وهذا مناسب لسبب نزول ~~السورة, فإنها نزلت؛ لأجل أنهم سحروا النبي صلى الله عيه وسلم لأجل ~~التمريض. # قوله: { ومن شر النفاثات في العقد } ، النفاثات: ~~جمع نفاثة، مثال مبالغة من نفث، أي: نفخ، واختلف فيه. # فقال أبو الفضل: شبه النفخ من الفم بالرقية، ولا شيء معه. # قال عنترة: [الوافر] # 5369- فإن يبرأ فلم أنفث عليه # وإن يفقد فحق له الفقود # وقال الزمخشري: " النفخ مع ريق ". # وقرأ الحسن: " النفاثات " بضم النون، وهو اسم كالنفاثة. ms9340 ويعقوب وعبد ~~الرحمن بن سابط وعيسى بن عمر وعبد الله بن القاسم: " النافثات " ، وهي ~~محتملة لقراءة العامة. # والحسن وأبو الربيع: " النفثات " دون ألف محاذر وحذر، ونكر عاسقا ~~وحاسدا؛ لأنه قد يتخلف الضرر فيهما؛ فإن التنكير للتبعيض، وعرف النفاثات ~~إما للعهد كما يروى في التفسير، وإما للمبالغة في الشر. # فصل في معنى النفاثات # قال المفسرون: يعني الساحرات اللائي ينفثن في عقد الخيط حين يرقين ~~عليها. # قال أبو عبيدة: النفاثات هي بنات لبيد بن أعصم اليهودي سحرن النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # قال الشاعر: [المتقارب] # 5370- أعوذ بربي من النافثا # ت في عضه العاضه المعضه # وقال متمم بن نويرة: [السريع] # 5371- نفثت في الخيط شبيه الرقى # من خشية الجنة والحاسد # فصل # روى النسائي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من عقد عقدة ثم نفث فيها، فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن ~~تعلق شيئا وكل إليه ". # واختلف في النفث عند الرقى: فمنعه قوم، وأجازه آخرون. # قال عكرمة: لا ينبغي للراقي أن ينفث، ولا يمسح، ولا يعقد. # قال إبراهيم: كانوا يكرهون النفث من الراقي، والصحيح الجواز؛ لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان ينفث في الرقية. # وروي محمد بن حاطب أن يده احترقت، فأثبت النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل ~~ينفث عليها، ويتكلم بكلام، وزعم أنه لم يحفظه. # وروي أن قوما لدغ فيهم رجل، فأتوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا: هل فيكم من راق؟ فقالوا: لا حتى تجعلوا لنا شيئا، فجعلوا لهم ~~قطيعا من الغنم، فجعل رجل منهم يقرأ فاتحة الكتاب ويرقى ويتفل حتى برئ، ~~فأخذوها، فلما رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك له فقال: ~~وما يدريكم أنها رقية؟ خذوا واضربوا لي معكم سهما. # وأما ما روي عن عكرمة فكأنه ذهب فيه إلى أن النفث في العقد مما يستعاذ ~~به بخلاف النفث بلا عقد. # قال ابن الخطيب: هذه الصناعة إنما تعرف بالنساء، لأنهن يعقدن في ~~الخيط، وينفثن، وذلك لأن الأصل الأعظم فيه ms9341 ربط القلب بذلك الأمر، وإحكام ~~الهمة والوهم فيه، وذلك إنما يتأتى من النساء لقلة عملهن، وشدة ~~شهوتهن، فلا جرم كان هذا العمل منهن أقوى. # قوله: { ومن شر حاسد إذا حسد } ، الحسد: هو تمني زوال ~~نعمة المحسود، وإن لم يصر للحاسد مثلها، والمنافسة: هي تمني مثلها وإن ~~لم تزل من المحسود، وهي الغبطة، فالحسد: شر مذموم، والمنافسة مباحة. # قال صلى الله عليه وسلم: # " المؤمن يغبط والمنافق يحسد " # وقال: # " لا حسد إلا في اثنتين " # يريد الغبطة. # قال ابن عباس وعائشة - رضي الله عنهما -: لما كان غلام من اليهود يخدم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قربت إليه اليهود، فلم يزالوا حتى أخذوا ~~مشاطة من أثر النبي صلى الله عليه وسلم وعدة من أسنان مشطه، فأعطاه ~~اليهود؛ ليسحروه بها صلى الله عليه وسلم وتولى ذلك ابن الأعصم، رجل من ~~اليهود. # فصل في أن الله خلق الخير والشر # هذه السورة دالة على أن الله خلق كل شر، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم ~~أن يتعوذ من جميع الشرور، فقال - عز وجل -: { من شر ما خلق } ~~وذلك خاتمة ذلك الحسد تنبيها على عظمته، وكثرة ضرره، والحاسد عدو نعمة ~~الله تعالى. # قال بعض الحكماء: الحاسد بارز ربه من خمسة أوجه: # أحدها: أنه أبغض كل نعمة ظهرت على غيره. # وثانيها: أنه ساخط لقسمة ربه، كأنه يقول: لم قسمت إلي هذه القسمة. # وثالثها: أنه ضاد الله، أي: أن فضل الله يؤتيه من يشاء، وهو يبخل بفضل ~~الله. # ورابعها: أنه خذل أولياء الله، أو يريد خذلانهم، وزوال النعمة عنهم. # وخامسها: أنه أعان عدوه إبليس. # وقيل: الحاسد لا ينال في المجالس إلا ندامة، ولا ينال عند الملائكة إلا ~~لعنة وبغضاء، ولا ينال في الخلوة إلا جزعا، وغما، ولا ينال في الآخرة ~~إلا حزنا، واحتراقا، ولا ينال من الله إلا بعدا ومقتا. # وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ثلاثة لا يستجاب دعاؤهم: آكل الحرام، ومكثر الغيبة، ومن ~~كان في قلبه غل أو حسد للمسلمين ". # روى [الثعلبي عن أبي] ms9342 - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من قرأ المعوذتين فكأنما قرأ الكتب التي أنزلها الله تعالى كلها " # وعن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ألا أخبرك بأفضل ما تعوذ به المتعوذون "؟ قلت: بلى يا رسول ~~الله، قال: { قل أعوذ برب الفلق } و { قل أعوذ ~~برب الناس } " # والله أعلم. ### | [114 - سورة الناس] ### || [114.1-6] # قوله تعالى: { قل أعوذ برب الناس }. قرئ: " قل عوذ " ~~بحذف الهمزة، ونقل حركتها إلى اللام، ونظيره: { فخذ أربعة } ~~[البقرة: 260]. # وأجمع القراء على تلك الإمالة في " الناس " إذا كان في موضع الخفض. # ومعنى " رب الناس " مالكهم، ومصلح أمورهم، وإنما ذكر أنه " رب الناس ~~" ، وإن كان ربا لجميع الخلق لأمرين: # أحدهما: لأن الناس معظمون، فأعلم بذكرهم أنه رب لهم وإن عظموا. # والثاني: لأنه أمر بالاستعاذة من شرهم، فأعلم بذكرهم أنه هو الذي يعيذ ~~منهم، وإنما قال: { ملك الناس إله الناس } لأن في الناس ~~ملوكا فذكر أنه ملكهم، وفي الناس من يعبد غيره، فذكر أنه إلههم، ~~ومعبودهم، وأنه الذي يجب أن يستعاذ به، ويلجأ إليه دون الملوك، والعظماء. # قوله: { ملك الناس إله الناس }. يجوز أن يكونا وصفين ل " ~~رب الناس " وأن يكونا بدلين، وأن يكونا عطف بيان. # قال الزمخشري: فإن قلت: " ملك الناس، إله الناس "؟ ما هما من " رب الناس ~~"؟ قلت: هما عطف بيان، كقولك: سيرة أبي حفص عمر الفاروق، بين ب { ملك ~~الناس } ثم زيد بيانا ب { إله الناس }؛ لأنه قد يقال لغيره: ~~" رب الناس " ، كقوله: # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله # [التوبة: 31]، وقد يقال: " ملك الناس " ، وأما " إله الناس " فخاص ~~لا شركة فيه، فجعل غاية للبيان. # واعترض أبو حيان: بأن البيان يكون بالجوامد، ويجاب عنه بأن هذا جار ~~مجرى الجوامد وقد تقدم تقريره في " الرحمن الرحيم " أول الفاتحة. # وقال الزمخشري: فإن قلت: لم قيل: " برب الناس " مضافا إليهم خاصة؟. # قلت: لأن الاستعاذة وقعت من شر الوسواس في صدور الناس، فكأنه قيل: أعوذ ~~من شر الموسوس إلى الناس بربهم ms9343 الذي يملك عليهم أمورهم. # قال الزمخشري: " فإن قلت: فهلا اكتفي بإظهار المضاف إليه الذي هو ~~الناس مرة واحدة؟ لأن عطف البيان للبيان، فكان مظنة للإظهار دون ~~الإضمار ". # وكرر لفظ " الناس "؛ لأن عطف البيان يحتاج إلى مزيد الإظهار، ولأن ~~التكرار يقتضي مزيد شرف الناس، وأنهم أشرف مخلوقاته. # قال ابن الخطيب: وإنما بدأ بذكر الرب تعالى، وهم اسم لمن قام بتدبيره، ~~وإصلاحه من أوائل نعمه إلى أن رباه، وأعطاه العقل، فحينئذ عرف بالدليل ~~أنه مملوك وأنه ملك، فثنى بذكر الملك، ثم لما علم أن العبادة لازمة له، ~~وعرف أنه معبود مستحق للعبادة وعرفه أنه إله فلهذا ختم به. # قال ابن الخطيب: ولم يقرأ في المشهورة هنا " مالك " بالألف، كما قرئ به ~~في الفاتحة، لأن معنى المالك هو الرب، فيلزم التكرار. # وقرئ به في الفاتحة، لاختلاف المضافين، فلا تكرار. # قوله: { من شر الوسواس }. # قال الزمخشري: " اسم بمعنى الوسوسة، كالزلزال بمعنى الزلزلة، وأما ~~المصدر: فوسواس - بالكسر " كزلزال " ، والمراد به الشيطان، سمي ~~بالمصدر كأنه وسوسة في نفسه، لأنها صنعته، وشغله الذي هو عاكف عليه، ~~وأريد ذو الوسواس ". انتهى، وقد مر الكلام معه أن المكسور مصدر، والمفتوح ~~اسم في " الزلزلة "؛ فليراجع. # والوسوسة: حديث النفس، يقال: وسوست إليه نفسه وسوسة ووسوسة - ~~بكسر الواو - قاله القرطبي. # ويقال لهمس الصائد، والكلاب، وأصوات الحلي: وسواس. # قال ذو الرمة: [البسيط] # 5372- فبات يشئزه ثأد ويسهره # تذؤب الريح والوسواس والهضب # وقال الأعشى: [البسيط] # 5373- تسمع للحلي وسواسا إذا انصرفت # كما استعان بريح عشرق زجل # قوله: " الخناس " أي: الرجاع؛ لأنه إذا ذكر الله - تعالى - خنس، وهو ~~مثال مبالغة من الخنوس. # يقال: خنس أي تأخر، يقال: خنستة فخنس، أي أخرته فتأخر، وأخنسته أيضا. ~~وتقدم الكلام على هذه المادة في سورة: # إذا الشمس كورت # [التكوير: 1]. # { الذى يوسوس }: يجوز جره نعتا وبدلا [وبيانا لجريانه مجرى] ~~الجوامد، ونصبه ورفعه على القطع. # قال القرطبي: " ووصف بالخناس؛ لأنه كثير الاختفاء، ومنه قوله تعالى: # فلا أقسم بالخنس # [التكوير: 15] يعني النجوم لاختفائها بعد ظهورها ". # فصل في الكلام على الشيطان # قال مقاتل: إن الشيطان ms9344 في سورة خنزير، يجري من ابن آدم مجرى الدم في ~~عروقه، سلطه الله على ذلك، فذلك قوله تعالى: { الذى يوسوس في ~~صدور الناس } ، وقال صلى الله عليه وسلم: # " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم " # رواه البخاري ومسلم. # قال القرطبي: " ووسوسته: هو الدعاء إلى طاعته، حتى يصل به إلى القلب، من ~~غير صوت ". # قوله: { من الجنة }. فيه أوجه: # أحدها: أنه بدل من " شر " بإعادة العامل، أي: من شر الجنة. # الثاني: أنه بدل من ذي الوسواس؛ لأن الموسوس من الجن والإنس. # الثالث: أنه حال من الضمير في " يوسوس " حال كونه من هذين الجنسين. # الرابع: أنه بدل من " الناس " وجعل " من " تبيينا، وأطلق على الجن ~~اسم الناس؛ لأنهم يتحركون في مراداتهم. قاله أبو البقاء: إلا أن ~~الزمخشري أبطله، فقال بعد أن حكاه: " واستدلوا بنفر ورجال في سورة " ~~الجن " ، وما أحقه لأن الجن سموا حنا لاجتنانهم، والناس ناسا ~~لظهورهم من الإيناس، وهو الإبصار، كما سموا بشرا، ولو كلن يقع الناس على ~~القبيلين، وصح ذلك، وثبت لم يكن مناسبا لفصاحة القرآن، وبعده عن ~~التصنع، وأجود منه أن يراد بالناس: الناسي، كقوله: # يوم يدع الداع # [القمر: 6]، ثم يبين بالجنة والناس؛ لأن الثقلين هما النوعان الموصفان ~~بنسيان حق الله عز وجل ". # الخامس: أنه بيان ل { الذى يوسوس } على أن الشيطان ضربان: ~~جني، وإنسي، كما قال: # شياطين الإنس والجن # [الأنعام: 112]، وعن أبي ذر، أنه قال لرجل: هلا استعذت من شياطين ~~الإنس. # السادس: أن يتعلق ب " وسوس " ، و " من " لابتداء الغاية، أي: يوسوس ~~في صدورهم من جهة الإنس، ومن جهة الجن. # السابع: أن " الناس " عطف على " الوسواس " ، أي: من شر الوسواس والناس، ~~ولا يجوز عطفه على " الجنة "؛ لأن الناس لا يوسوسون في صدور الناس، ~~إنما يوسوس الجن، فلما استحال المعنى حمل على العطف على الوسواس، قاله ~~مكي. # الثامن: أن " من الجنة "؛ حال من " الناس " أي: كائنين من ~~القبيلين، قاله أبو البقاء، ولم يبين أي الناس المتقدم أنه صاحب الحال، ~~وعلى كل تقدير فلا يصح معنى الحالية في ms9345 شيء منها، لا الأول، ولا ما بعده، ~~ثم قال: " وقيل: هو معطوف على الجنة " ، يريد: " والناس " الأخير معطوف ~~على الجنة، وهذا الكلام يستدعي تقدير شيء قبله وهو أن يكون الناس عطفا ~~على غير الجنة؛ وفي الجملة فهو كلام يتسامح فيه. # فصل في شياطين الإنس والجن # قال الحسن: هما شيطانان لنا: أما شيطان الجن، فيوسوس في صدور الناس، ~~وأما شيطان الإنس فيأتي علانية. # وقال قتادة: إن من الجن شياطين، وإن من الإنس شياطين فتعوذ بالله من ~~شياطين الجن والإنس. # وعن أبي ذر: أنه قال لرجل: هل تعوذت بالله من شياطين الإنس؟. # قال: أو من الإنس شياطين؟ قال: نعم، لقوله تعالى: # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس ~~والجن # [الأنعام: 112]. # وذهب قوم: أن المراد بالناس هنا الجن، سموا بذلك ناسا كما سموا ~~رجالا في قوله تعالى: # وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من ~~الجن # [الجن: 6]، وكما سموا نفرا في قوله تعالى: # وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن # [الأحقاف: 29]. # فعلى هذا يكون " والناس " عطفا على " الجنة " ، ويكون التكرير ~~لاختلاف اللفظين. # وقيل: معنى: { من شر الوسواس } ، أي: الوسوسة التي تكون من ~~الجنة والناس، وهو حديث النفس. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الله - عز وجل - تجاوز لأمتي ما حدثت به ~~أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به " # والله أعلم. ms9346